‫إستانبول‪1431 :‬هـ‪2010 -‬م‬

‫إسطنبول‪2010/1431 :‬‬

‫اسم الكتاب باللغة الرتكية‪HAK DOSTLARININ ORNEK AHLAKINDAN :‬‬

‫الرتمجة للعربية‪ :‬د‪.‬أنس طاب‬

‫مراجعةو تصحيح وتدقيق‪ :‬الدكتور‪.‬آدم أقيـــن‬
‫تصميم وتنضيد‪ :‬حسام يوسف‬

‫‪ISBN: 9789944832625‬‬

‫طباعة وتغليف‪ :‬مطبعة دار األرقم‬
‫العنوان‪:‬‬

‫‪Adres: Organize Sanayi Bölgesi Turgut Özal Cad.‬‬
‫‪No: 117 Kat:2/C Başakşehir / İstanbul‬‬
‫‪Tel: (0090 212) 671 07 00 Pbx Faks:(0090 212) 671 07 48‬‬
‫‪www.worldpublishings.com/sa‬‬

‫سلسلة كتب‪ :‬من حديقة الفؤاد‬

‫تأليف‬

‫ترجمة‬
‫د‪.‬أنس طاب‬
‫مراجعة وتصحيح وتدقيق‬
‫الدكتور‪ .‬آدم آقيـــن‬

‫املقدمـة‬
‫نحمد الله ‪ U‬الذي خلق العدد اّ‬
‫اللنهائي من المخلوقات من‬
‫العدم‪.‬الذي خلق اإلنسان في أحسن تقويم دون مقابل‪ ،‬وجعله من‬
‫أشرف المخلوقات وأحسنها‪.‬‬
‫جعلنا نهتدي ونستقيم إلى طريق الخير والصواب‪ ،‬بإرساله‬
‫األنبياء وإنزاله الكتب السماوية المقدسة التي أنارت دروبنا المظلمة‬
‫لم يحرمنا من مشاهدة ومتابعة السلسلة التي لم تنقطع منذ‬
‫عهد األنبياء حتى يومنا هذا عن طريق علماء الدين والفقهاء وورثة‬
‫األنبياء والرسل‪.‬‬
‫والذي رزقنا نشوة اإليمان وطمأنينته على الرغم من عجزنا‬
‫وضعفنا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫وأشرفنا وسندنا وحبيبنا‬
‫وأسعدنا‬
‫وصل اللهم وس ِّلم على سيدنا‬

‫ورسولنا محمد المصطفى ‪ r‬الذي‪:‬‬

‫َوزَّ ع الرحمة والشفقة على العالم بأسره من مشرقه إلى مغربه‬
‫بصفته التي وصفه بها الله ‪“ U‬رحمة للعالمين”‬

‫اتخذناه القدوة المثالية الفريدة التي ال مثيل لها في العالم كله‬
‫ومرب ودليل‪ ،‬والذي نأمل أن يكون شفيع ًا لنا‬
‫بكونه أفضل معلم‬
‫ٍّ‬
‫يوم القيامة‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ِّ‬
‫وصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وذريته صلة ال‬
‫تنتهي وسلم عليه تسليم ًا كثير ًا‪.‬‬
‫عزيزي القارئ‪:‬‬

‫إننا نقوم بين الحين واآلخر بجمع المقاالت والكلمات التي‬
‫يتم نشرها في مجلة ألتون أولوك تحت سلسلة مواضيع بعنوان “من‬
‫رحاب الفؤاد”‪ .‬وبعد تجميع تلك المقاالت وتنقيحها يتم جمعها‬
‫لقرائنا األعزاء؛ آملين تقديم الفائدة‬
‫ضمن كتب ومجلدات نقدمها َّ‬
‫األكبر لهم‪.‬‬

‫وقد قمنا حتى اآلن بنشر سلسلة من الكتب تحت العناوين‬
‫سر المحبة‪ ،‬النفس األخير‪ ،‬قطرات السعادة‪ ،‬رحمة ليست‬
‫التالية‪ُّ “ :‬‬
‫كأي رحمة” وبكتابنا هذا الذي أت َْم ْمناه بفضل الله ولطفه نكون قد‬
‫أضفنا حلقة جديدة لهذه السلسلة‪.‬‬
‫ومن الملحظ بشكل َج ِلي أننا بحاجة في هذه األيام التي ازداد‬

‫فيها الجوع المعنوي والتعطش الروحي للمعنويات والروحانيات‬
‫التي لم تفارق الصالحين أبد ًا في الزمن الماضي‪ .‬فعلينا أن نضحي‬
‫بالدنيا وما فيها من ملذات وشهوات مقابل خدمة الدين وتطوير‬
‫الجانب المعنوي في هذا الجيل‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫وال شك في أننا بحاجة ماسة في جميع المجاالت وخاصة‬
‫المجال المعنوي إلى الكتب والمؤلفات القيمة التي ُتفعم القلوب‬
‫والصدور بجمال اإلسلم و ِر َقتِه وظرافته‪ ،‬وتملؤها بحب العمل في‬
‫سبيل الله‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫لذا فمن الواجب علينا أن نحمد الله ‪ ‬على ما رزقنا من‬
‫النعم كالمال والملك والوقت والروح‪ ،‬وأن نوظف تلك النعم في‬
‫إرضائِه‪ ،‬وأن نجعل ذلك رأس مال لنا نستفيد منه في آخرتنا‪.‬‬
‫وفي إطار الواجبات التي تترتب علينا فإن أفضل عمل نستطيع‬
‫القيام به هو أن نعيش اإلسلم بشكل مثالي كما فهمه الصحابة‬
‫الكرام ‪ y‬وعاشوه وكذلك أحباء الله‪ .‬وبذلك فقط يمكن للمؤمن‬
‫أن يز ِّين قلبه وهويته المؤمنة باإلسلم‪ .‬ولكي نتمكن من فعل ذلك‬
‫يجب علينا أن نتعرف على مزايا المؤمنين الصالحين الذين نتخذهم‬
‫قدوة لنا‪ ،‬وندرس دستورهم ونهجهم في الحياة‪.‬‬

‫وفي هذا اإلطار فقد حرصنا في هذه السلسلة القيمة “األخالق‬
‫المثلى ألولياء ِ‬
‫الله” أن نعكس بعض الجوانب المعبرة في حياة‬
‫القراء األعزاء ويوفقنا الله ‪U‬‬
‫المؤمنين الصالحين‪ ،‬آملين بأن نفيد َّ‬
‫في تذكير المسلمين بما طلبه منهم الدين اإلسلمي بخصوص أن‬
‫يتميزوا باللطافة ورقة القلب ورهافة اإلحساس‪.‬‬
‫َّ‬
‫وهذا الكتاب الذي بين أيديكم هو الجزء األول من هذه‬
‫السلسلة‪ ،‬أما المقاالت والكلمات التي س ُتطبع و ُتنشر في الجزء الثاني‬
‫منشورة في مجلة ألتون أولوك‪ .‬وسنقدمها لكم قريب ًا بإذن الله ‪.‬‬

‫ويجب أن ال ننسى أن اإلنسان هو إنسان بأخلقه‪ ،‬فإن ذهبت‬
‫أخلقه لم يبقَ بينه وبين الحيوانات ٌ‬
‫فرق‪ ،‬ألن معايير ومقاييس‬
‫األخلق وقواعدها لم توضع إال من أجل اإلنسان من بين جميع‬
‫المخلوقات‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فإن الشخص الذي يفقد النضوج األخلقي فعلى الرغم من‬
‫أن شكله ومظهره الخارجي ُّ‬
‫يدل على أنه إنسان‪ ،‬فإنه في الحقيقة‬
‫كائن فقد قيمته وكرامته وأضاع‬
‫كائن أوضع من الكائنات األخرى‪ٌ ،‬‬
‫السر الذي يجعل اإلنسان إنسان ًا‪،‬‬
‫عمره مقابل ال شيء‪ .‬لذا فإن‬
‫َّ‬
‫ويعرفه بجوهره األصلي والحقيقي‪ ،‬ويجعله أشرف المخلوقات‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫هو“الخلق الحسن” الذي يعطي لألرواح جماليتها وسحرها عندما‬
‫تعيش اإلسلم بعشق ونشوة اإليمان‪.‬‬
‫وأصل الخلق الحسن في جميع المجاالت هو“األدب”‪،‬‬
‫فاألدب هو معيار يجب أن يتقيد به الناس في حياتهم‪ ،‬فهو كالوردة‬
‫التي تعطر النفوس والصدور برائحتها الزكية‪ .‬فيجب على المؤمن‬
‫أن يحس بهذه الرائحة في كل وقت من أوقاته فتتغلغل في نفسه‬
‫وروحه‪ .‬وذلك هو علمة اكتمال اإليمان‪.‬‬

‫كما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪ -‬الذي يعتبر بمثابة المحدث‬

‫والمعبر عن أولياء الحق ‪«:-U‬سأل عقلي قلبي‪“ :‬ما هو اإليمان ؟!”‬

‫فانحنى قلبي وهمس في أذن عقلي قائ ً‬
‫ل‪( :‬هو عبارة عن األدب)»‪.‬‬

‫وديننا العظيم عبارة عن منظومة شعرية تحتوي على جماليات‬

‫األخلق في كل حادثة ينعكس فيها على حياة الناس اليومية‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪:‬‬
‫" ُب ِعث ُْت ُأل َت ِّم َم ُحس َن َ‬
‫األ ْخ َ‬
‫ال ِ‬
‫ق" (موطأ مالك‪ ،‬حسن ُ‬
‫الخلق‪.)8 ،‬‬
‫ْ‬

‫‪8‬‬

‫لذا فيجب علينا أن نتخذ ورثة النبي ‪ ‬من علماء الدين‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫والفقهاء بأعمالهم الفاضلة وتصرفاتهم الخ ِّيرة‪ ،‬قدو ًة لنا في حياتنا‪.‬‬
‫وقد اعتبر بعض المتصوفين أن أصل اإليمان هو ُ‬
‫الخلق الحسن‬
‫واألدب‪ ،‬فورد عنهم أن أول درس في التصوف هو “ال ُت ْزعج”‪ ،‬وأن‬

‫آخر درس هو“ال تنزعج”‪.‬‬

‫وإن أولياء الحق ‪ U‬هم قدوة عظيمة ورفيعة لمن لم ينل‬

‫النبي المصطفى ‪ r‬وأصحابه الكرام ‪ ‬وأرضاهم‪.‬‬
‫شرف رؤية‬
‫ِّ‬
‫فهم بنصائحهم وإرشاداتهم التي تحيي القلوب والصدور كغدير‬
‫الروحانيات الذي يستمد ماءه من المنبع ال َّنبوي الرئيس‪.‬‬

‫ألن هؤالء األشخاص قد وصلوا إلى قمة الكمالية في السلوك‬

‫والتعامل مع الناس على اعتبار أنهم قد قطعوا مسافات ومراحل‬
‫معنوية في طريق التقوى والزهد‪ .‬وهم الذين وصلوا إلى قمة‬
‫لذة اإليمان وعمق المشاعر بعد أن نشروا علومهم بين قلوب‬

‫اآلالف من الناس في أنحاء العالم‪ .‬وهدفهم هو إيصال النفوس إلى‬

‫مرتبة األخلق العليا‪ ،‬أي رفع مستواها إلى قمة الفضيلة والنضوج‬

‫المعنوي‪ ،‬وتخليصها من التصرفات الفانية والسلبية التي تؤدي إلى‬

‫تحكم النفوس بهم وسيطرتها عليهم‪ .‬إنهم أولياء الحق الذين يتميزون‬
‫بالعلم والمعرفة والكمال‪ ،‬ولن ُيتركوا َم ْنسيين في صفحات التاريخ‬

‫بعد أن يتوفاهم الله ‪ ‬وتبلى أجسادهم وتفنى‪ ،‬بل سيستمرون‬
‫بالعيش في قلوب مح ِّبيهم الذين سيتابعون اإلسترشاد بهم إلى‬
‫أحب هؤالء األشخاص‬
‫الطريق الصواب‪ .‬حيث أن الله ‪ U‬قد‬
‫َّ‬

‫‪9‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ووهب حبهم لعباده المحظوظين‪.‬‬

‫كما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫اب َوآ َم َن َو َع ِم َل َصالِ ًحا َف ُأ َ‬
‫ولئِ َك َيدْ ُخ ُلونَ ا ْل َج َّن َة َوال‬
‫‪ِ ‬إ َّال َمن َت َ‬
‫ُي ْظ َل ُمونَ َ‬
‫ش ْيئًا‪( ‬مريم‪)96 ،‬‬
‫ذلك هو الحب‪ ...‬الحب الصادق والحي‪...‬‬

‫ككلم معنوي مؤثر يجذب النفوس كالمغناطيس‪.‬‬

‫ولوأردنا أن نقوم ببعض العمليات الحسابية‪ ،‬أليس من الواضح من‬
‫عدد زائري مقام سيدنا الشيخ بهاء الدين النقشبند‪ ،‬ومقام سيدنا جلل‬
‫الدين الرومي‪ ،‬ومقام يونس أمره‪ ،‬ومقام عزيز محمود هدائي‪ ،‬كم أنهم‬
‫محبوبون‪ .‬أليس هذا المثال كاف لكي نفهم هذا الموضوع ونتفكر فيه؟‪.‬‬
‫وإليكم هذه القصة التي تعبر عن هذه الحقيقة أيض ًا‪:‬‬

‫كان الخليفة العباسي هارون الرشيد بقوته وعظمته مقيم ًا في‬
‫الر َّقه‪ .‬وجاء في يوم من األيام سيدنا عبد الله بن‬
‫أحد قصوره في َّ‬
‫المبارك‪ ،‬فخرج جميع أهل المدينة الستقباله على أبوابها‪ ،‬وبقي‬
‫هارون الرشيد شبه وحيد في هذه المدينة الكبيرة‪ .‬وكانت جارية من‬
‫جواري الخليفة تنظر من شرفة القصر‪ ،‬وعندما رأت ذلك المشهد‬

‫سألت من حولها من الناس‪:‬‬

‫«ما هذا؟ ماذا يحدث هناك؟»‪.‬‬

‫فأجابها الناس‪«:‬جاء عالم من خراسان يدعى عبد الله بن‬

‫‪10‬‬

‫المبارك‪ ،‬وقد خرج جميع الناس إلستقباله ألخلقه»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫فقالت الجارية‪«:‬هذه هي السلطنة الحقيقية‪ ،‬ليست سلطنة‬

‫هارون‪ ،‬ألن في سلطنة هارون ال يجتمع العمال والخدم إال بوجود‬
‫رجال األمن‪ ،‬أي باإلجبار»‪.‬‬

‫هذه هي فع ً‬
‫ل السلطنة الحقيقية‪ ،‬ألن السلطنة المادية ستفنى‬

‫وتذهب في يوم من األيام ال محالة‪ .‬أما السلطنة المعنوية فستدوم‬

‫بنفس العظمة حتى بعد الموت‪ .‬والبشرية بأكملها بحاجة وبشكل‬
‫دائم إلى هؤالء السلطين المعنويين‪ ،‬فيبحث عنهم جميع البشر‬

‫دائما لكي يسيروا على نهجهم‪ ،‬وهذا هو السبب الذي يجعل الناس‬

‫في اشتياق دائم للكلم العذب الذي يتدفق من ألسنة الصالحين مثل‬
‫عبد القادر الجيلني‪ ،‬وبهاء الدين النقشبند‪ ،‬ويونس أمره‪ ،‬وموالنا‬
‫جلل الدين الرومي والكثيرون من أولياء الله ‪ ‬الذين أمروا‬

‫بالمعروف ونهوا عن المنكر على مدى األزمان والعصور‪.‬‬

‫ومن المؤكد في أن السر في هذه السلطنة العليا هو حديث أولياء‬

‫الحق ‪ U‬العذب وجاذبيتهم المعنوية التي تجذب الروح‪ ،‬إضافة‬

‫إلى األوصاف الحميدة والحسنة التي تتصف بها هذه الشخصيات‬
‫المباركة والعظيمة‪ .‬بحيث يجدون الطمأنينة والسكينة والهدوء في‬
‫محبة رسول الله ‪ ،‬وال يتكلمون عن الهوى ونزوات النفوس‪.‬‬

‫وهم كالناي‪ ،‬قد ُأفرغت نفوسهم الداخلية من كل شيء يبعدهم‬

‫عن الله ‪ ،U‬وبذلك فإن أحاديثهم هي كاألصداء التي تصدر عن‬
‫األنبياء والرسل‪ ،‬ألنهم قد تخلقوا بأخلقهم‪ ،‬وأصبحت قلوبهم‬

‫‪11‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫كالمرآة النظيفة والمشعة التي تعكس نور الحق ‪ ،U‬ونور الحقائق‬
‫الدينية‪ .‬وكما ورد في الحديث القدسي الشريف عن النبي ‪ ‬أنه قال‪:‬‬

‫"‪ ...‬فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به‬
‫ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها " (البخاري‪ ،‬الرقاق‪)38 ،‬‬

‫وفي رواية‪":‬ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به" (الهيثمي‪)248 ،2 ،‬‬

‫وعالمهم المعنوي هو عبارة عن تجلي جمال الحق ‪،U‬‬
‫وتجلي أسمائه الحسنى على حياتهم‪ .‬حيث أنه قد تج اّلى االسماء‬
‫األكثر ذكر ًا في القرآن الكريم لله ‪“ U‬الرحمن” و“الرحيم” على‬
‫قلوبهم التي امتألت رحمة وشفقة تجاه جميع المخلوقات‪ .‬ورحمة‬
‫الخالق وعطفه على المخلوقات أصبح دستور حياتهم‪.‬‬
‫وكان منصور الحلج يقول وهو ُيرجم‪«:‬يا رب‪ ،‬اعف عن من‬
‫يرجمني قبل أن تعفوعني»‪ ،‬وفي الحقيقة أن أولياء الله هؤالء قد‬
‫نالوا نصيب ًا من صفات الله ‪ ‬وهي صفة العفووالصفح‪ ،‬وصارت‬
‫هذه الصفة من طبيعتهم األساسية في حياتهم‪.‬‬
‫وجاء زائر لسيدنا حاتم األصم‪ ،‬وصدر عنه صوت غير الئق‬
‫بشكل ال إرادي‪ ،‬فلعب سيدنا حاتم األصم دور الشخص قليل‬
‫السمع كي ال ُيخجل زائره و ُيحرجه‪ ،‬وبقي طوال عمره ُيذكر بلقب‬
‫األصم‪ ،‬ألنه قد مزج شخصيته بصفة الله ‪ ،U‬وهي صفة ستر العيوب‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫وإن موالنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬هو داعية حقيقية‬
‫لإليمان‪ ،‬وهو طبيب نفسي وشريك الهموم لكل البشرية‪ .‬وقد‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫حافظ كتابه “المثنوي” منذ سبعة قرون على صحته وبقي طازج ًا‬
‫حتى اآلن‪ ،‬وهو كتاب مليء باألسرار والحكم اإللهية‪ .‬وقد تجلت‬
‫أسماء الله الحسنى على حياة سيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس‬
‫سره‪ -‬أيض ًا‪ ،‬فأخذ نصيبه من المعاني العميقة التي تحتويها تلك‬
‫األسماء المباركة‪ ،‬كما يتبين لنا ذلك في هذه القصة‪:‬‬

‫دخل سيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬يوم ًا إلى حوض‬
‫مليء بأشخاص مصابين بالبرص يستحمون فيه‪ ،‬فعجب الناس‬
‫ألمره ولتصرفه هذا‪ ،‬ولكن الله ‪ U‬قد شفى هؤالء الناس من البرص‬
‫وعافاهم بواسطة أحد عباده الذين أحبهم وقربهم إليه‪ .‬ألنه كان‬
‫كمركز صحي يقصده الناس للنقاهة والمعالجة النفسية‪.‬‬
‫وقد فدى سيدنا بهاء الدين النقشبند منذ بلوغه حياته في سبيل خدمة‬
‫الناس المرضى والمعاقين وخدمة الحيوانات المريضة والمشردة‪،‬‬
‫وبقي ِّ‬
‫ينظف الطرق التي يستخدمها الناس لمدة سبعة أعوام‪ ،‬وعاش‬
‫حياة الخدم التي ال ُيحسد عليها أحد‪ ،‬حيث عاش حياة العدم‪ ،‬ويعبر‬
‫سيدنا بهاء الدين النقشبند عن ذلك في البيتين الشعريين التاليين‪:‬‬
‫العالم قمح وأنا تِبن‬

‫ىء‬
‫العالم َج ِّيدٌ وأنا َس ِّي ٌ‬
‫وقد عبر على أنه وصل إلى قمة المعنويات في تلك الفترة التي‬
‫عاش فيها كالخادم‪.‬‬
‫ويشكل سيدنا أبوحنيفة مثا ً‬
‫ال واضح ًا عن إحقاق الحق وإبطال‬
‫فضل أن ُي َّ‬
‫الباطل مقابل حياته‪ .‬حيث أنه َّ‬
‫دك في السجون ويعيش‬

‫‪13‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الحياة الظلماء والعسيرة‪ ،‬على أن يكون من كبار القضاة لمدينة‬
‫بغداد‪ ،‬ألنه لم يجتهد للخليفة آنذاك باإلجتهاد الذي طلبه منه ولم‬
‫َي ْق َبل منصب القضاء الذي ُو اّج َه اليه‪.‬‬
‫زج في ظلمات السجن ولم‬
‫ورضي سيدنا أحمد بن حنبل أن ُي َّ‬
‫َّ‬
‫يتخل عن رأيه في موضوع النقاش الذي كان ُيناقش في ذلك الوقت‬
‫تحت عنوان “هل القرآن مخلوق أم ال ”‪.‬‬

‫وبالنتيجة فإن كل هذه األمثلة التي تدل على حلوة اإليمان‬
‫كم بسيط من عدد ال متناهي من قبيل هذه‬
‫وظرافته هي عبارة عن ٍّ‬
‫األمثلة التي تعكس األخلق المثالية التي اتصف بها عباد الله‬
‫وو َلعه‪ ،‬وذلك بتقربهم‬
‫المؤمنون الذين ُأعتقوا من حزن يوم الحشر َ‬
‫من الله ‪ U‬وتقيدهم بأوامره‪.‬‬

‫وإن كنا نحب أولياء الله ‪ U‬وأحباءه‪ ،‬ونريد أن ُنحشر معهم‬
‫يوم القيامة‪ ،‬فيجب علينا أن نحاول أن َنتخلق بأخلقهم الرفيعة‪،‬‬
‫ونسعى بقدر استطاعتنا لنيل ذلك‪ .‬حيث أن وسيلة السعادة األبدية‬
‫هو أن نزن أنفسنا بالنسبة لهم‪ ،‬وأن نعتبر أن أعمالهم الصالحة هي‬
‫المقياس والمعيار المثالي الذي يجب أن نتخذه‪ ،‬وأن نسير على‬
‫نهجهم محاولين أن نقتطف جزءا من قلوبهم وصدورهم المليئة‬
‫بالروحانيات واألمور المعنوية التي تغذي النفوس واألرواح‪.‬‬
‫وهذه هي الحقائق التي حاولنا أن نتكلم عنها في هذا الكتاب‬
‫المتواضع‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وباختصار‪ ...‬فإن المواضيع التي احتوتها المقاالت والنصوص‬
‫الموجودة في هذا الكتاب هي كالتالي‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫إن النبي محمد ‪ ‬هو قمة في األخلق الحميدة‪ ،‬كاللطف‬
‫والرحمة واألناقة بين البشر أجمعين‪ .‬وكل الفضائل والصفات‬
‫الحميدة موجودة ومكتنزة في شخصيته الفريدة التي ال مثيل لها‪،‬‬
‫وعالمه الروحي كحديقة صغيرة ضمن جنة مليئة باألزهار الناعمة‬
‫والظريفة والنادرة‪ ،‬التي تفوح بروائح زكية مثل رائحة المسك‪.‬‬

‫وإن عباد الله الصالحين‪ ،‬ورثة النبي ‪ ‬هم بمثابة النسمة العذبة‬
‫التي تهب من هذه الحديقة‪ .‬وأهم واجب علينا في الحياة الدنيا أن‬
‫نبحث عن الطريق المستقيم الذي يوصلنا إلى تلك الجنة‪ .‬لذا فمن‬
‫الضروري جد ًا أن نتعرف بقلبنا وبكافة جوارحنا على سيدنا محمد‬
‫‪ ‬كما فعل أولياء الله ‪ .U‬ألنه من المستحيل أن نتعرف عليه من‬
‫خلل المعلومات السطحية التي تتناول سيرته ‪ r‬دون أن ِّ‬
‫نركز على‬
‫عالمه المعنوي المليء بالروحانيات‪.‬‬
‫وإن جميع األخلق والخصل الحميدة التي يتصف بها الناس‬
‫في هذا العالم بأسره‪ ،‬إنما هي عبارة عن توزيع وتقسيم األخلق‬
‫النبوية على بني البشر‪ .‬لذا فإنه من المستحيل أن يستطيع شخص أن‬
‫يعيش حياة العبودية لله ‪ U‬دون أن ينال نصيب ًا من طبيعة النبي ‪‬‬
‫الروحانية ودون أن يحاول أن يتخ َّلق بأخلقه‪.‬‬

‫إن الحياة الدنيا هي مدرسة لتعليم اإليمان‪ .‬وسبب وجودنا في‬
‫هذه الدنيا هو أن نتعلم العلوم المعنوية والروحانية‪ ،‬وكل همنا أن‬
‫ُنكمل حياتنا ونصل إلى النضوج المعنوي وذلك بأن نختم تعليمنا‬
‫بالشهادة التي َس ُترضي ربنا ‪.U‬‬

‫‪15‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وأول درس يجب أن نتعلمه في هذه المدرسة المعنوية هو‬
‫التواضع‪ ،‬لكي نستحق أن نكون من العباد (عباد الرحمن) الذين‬
‫تتجلى عليهم رحمة الله ‪ .U‬حيث أن عمل العبد لن ُيقبل منه إن‬
‫لم تكن نفسه تتحلى بهذه الصفة الحميدة‪ .‬ولن َيغمر الله ‪ U‬عبده‬
‫بالرحمة ولن يرفع من شأنه إال إذا لبس ثوب التواضع‪.‬‬

‫ومن هذا المنطلق نستنتج أن أول شرط هو أن يلبس العبد ثوب‬

‫التواضع‪ ،‬وأن يبتعد عن األنانية‪ ،‬وينظف قلبه من الصفات الذميمة‬
‫لكي يستحق أن يدخل من الباب الذي سيوصله إلى جوالصداقة‬
‫اإللهية‪ .‬ألن جميع النعم اإللهية المادية والمعنوية ال ُيرزق بها العبد‬

‫إال برحمة الله ‪ U‬ولطفه‪ .‬واألنانية عبارة عن مرض عضال خبيث‬

‫ينتشر في جميع أنحاء الحياة المعنوية ويصيبها بالضعف والوهن‪.‬‬

‫ويتعرض العباد الذين يدرسون في هذه المدرسة المعنوية‬

‫والروحانية – مدرسة اإليمان‪ -‬المتحان ُيختبر فيه صبرهم على‬
‫األفكار التي يعرضها عليهم الجهلة‪ ،‬وكأنما ُيقاس في هذا اإلمتحان‬

‫مدى قوة العباد وجلدتهم في موضوع التسليم بالله ‪ U‬واإليمان‬

‫بوجوده‪ .‬ويجتاز العباد المؤمنون والصالحون جميع اإلمتحانات‬
‫التي تتطلب منهم أن يقابلوا الشر بفعل الخير‪.‬‬

‫ومن ميزات العباد المؤمنين إيمان ًا كام ً‬
‫ل‪ ،‬أنهم يمثلون وجه‬
‫اإلسلم البشوش وذلك بتبسمهم دائم ًا حتى أثناء مواجهتهم‬
‫‪16‬‬

‫المصاعب والمتاعب‪ ،‬بل ويدفنون همومهم وشكواهم في قلوبهم‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫وال يبدوذلك على وجوههم‪ ،‬ألنهم يعرفون أن الطريق الذي يؤدي‬

‫فن النسيان‪ ،‬نسيان الهموم والصعوبات‪ ،‬ألن‬
‫إلى الله ‪ U‬هو طريق ِّ‬
‫ديننا من بابه لمحرابه هو دين األخلق والخصل الحميدة كاألدب‬
‫والرقة في اإلحساس‪ ،‬فإن كان اإلنسان مؤمن ًا‪ ،‬فل يليق به أن يكون‬

‫جلف ًا فظ ًا غليظ القلب في التعامل مع الناس‪.‬‬

‫وجميع الخصل واألخلق التي يتخلق بها المؤمنون‬

‫الكاملون بصدق وأمانة وبدون رياء وحب للمظاهر‪ ،‬إنما هي‬
‫األخلق المستخلصة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‪،‬‬
‫وذلك ينعكس على أسلوبهم وطريقة تعاملهم وحتى على مشيهم‬

‫وتبسمهم‪ ،‬أي على جميع حركاتهم‪.‬‬

‫وأهم شيء علينا أن ُنخضعه لمقاييس القرآن الكريم والسنة‬

‫والتكلم‪ ،‬أي‬
‫النبوية الشريفة في التصرفات البشرية أال وهو ال َّتحدُّ ُث‬
‫ُ‬

‫التعامل الشفهي مع الناس‪ .‬ألن التكلم هو كمرآة تبرق بلمعان وتعكس‬

‫مستوى الشخص العقلي والقلبي‪ ،‬ووضعه األخلقي واإليماني‪ .‬لذا‬

‫فمن الضروري على المؤمن أن يعرف أسلوب التكلم الذي أوصى‬
‫به القرآن الكريم لكي يستطيع أن يتحدث بلسان الرحمة‪ ،‬ويتجنب‬

‫الوقوع في أخطاء تسبب الكوارث اإلجتماعية بين الناس‪.‬‬

‫ومن جانب آخر‪ ..‬فإن الرحمة والعطف هما من أوائل ثمار‬

‫اإليمان التي يقطفها المؤمن المخلص والصادق‪ .‬وال يمكن ألحد‬
‫أن ينال رحمة الله ‪ U‬إن كان قلبه خالي ًا من تلك الثمار‪ .‬والنتيجة‬

‫‪17‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإرضاء‬
‫الطبيعية للرحمة والعطف على العباد هي الكرم واإلنفاق‬
‫ٌ‬
‫واقتداء بأوامره‪ .‬فعلى المؤمن أن يكون كهطول المطر في‬
‫لله ‪U‬‬
‫ٌ‬
‫الكرم‪ ،‬وكالهواء العليل في الرحمة والشفقة‪ ،‬وعليه أن يبحث دائم ًا‬
‫ِ‬
‫رضاء الله ‪ U‬بعطفه على من حوله‪ ،‬وبكونه مثا ً‬
‫ال للطمأنينة‬
‫عن‬
‫والسكينة والرخاء‪.‬‬
‫أي أنه يجب على المؤمن أن يحسن إلى الناس ويكرمهم متقيد ًا‬
‫بآداب اإلنفاق‪ .‬ويجب عليه أن ينفق دون أن يجرح مشاعر من أنفق‬
‫عليه أو ُيشعره بأنه قد َّ‬
‫فضل عليه‪ ،‬وأن ينفق في سبيل الله ‪ U‬بعيد ًا عن‬
‫الرياء‪ ،‬ومتجنب ًا اإلسراف والبخل‪ .‬وإال فسوف يخسر جميع ما أنفقه‪،‬‬
‫ويكون عمله هباء منثور ًا‪ ،‬ألنه قد أخل بقاعدة “اإلخالص في اإلنفاق”‪.‬‬

‫وقمة اإلنفاق والكرم في إطار قاعدة األدب وحسن الخلق هي‬
‫“اإليثار”‪ .‬وهي أن يضحي الشخص بشيء وهو بحاجة له ألخيه‬
‫المسلم‪ ،‬وهذه الميزة هي من صفات أولياء الله‪ U‬والصحابة الكرام ‪.‬‬
‫واإليثار في جميع األحوال هو أن يفكر الشخص بغيره قبل أن‬
‫يفكر بنفسه بهدف إسعاد الناس ونشر الفرح والسرور بينهم‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫إضافة إلى أن العمل الخ ِّير الذي يعمله الشخص يكتسب قيمة‬
‫عندما يقوم به في وقته وبدون تأخير‪ .‬فكما أن الشيء الذي ال يتواجد‬
‫عند اللزوم هو شيء ال قيمة له‪ ،‬فإن عدم تواجد المؤمن بجانب أخيه‬
‫المسلم في األوقات الصعبة‪ ،‬أوأن يهمل عم ً‬
‫ل يجب عليه القيام به‬
‫في سبيل الله ‪ U‬يدل على عدم صدق وإخلص إيمانه‪ ،‬وذلك ُيعتبر‬
‫مسؤولية كبيرة تقع على عاتق جميع المؤمنين‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫فل يدري أحد ماذا يخبئ له المستقبل‪ ،‬وال تدري نفس بأي‬
‫أرض تموت‪ ،‬لذا فمن الضروري أن نسرع في عمل الخير‪.‬‬

‫ومن جانب آخر‪ ..‬فأنه توجد في ديننا العظيم قاعدة أساسية‬
‫هي قاعدة “األخوة”‪ ،‬التي لم ُتعرف من َقبل في تاريخ البشرية‪.‬‬
‫وذلك يعني أن اإلسلم قد اعتبر أن المؤمنين أخوة‪ ،‬وأوصى بعضهم‬
‫ببعض‪ ،‬واعتبر أن انشغال المؤمن بهموم أخيه هي مسؤولية من‬
‫المسؤوليات التي س ُيحاسب عليها يوم القيامة‪.‬‬
‫فعلى المؤمن أن يعيش حياته بالنشوة التي يستمدها من وجود‬
‫إخوته بجانبه‪ ،‬وأن يتسع قلبه وفؤاده لهم‪ ،‬وأنه يحب أن يبقى بشكل‬
‫دائم على تواصل معهم في إطار المحبة واإلحترام‪ .‬وأن يكون‬
‫الصديق الوفي الذي يفرح ألفراحهم ويحزن ألحزانهم‪.‬‬

‫أي باختصار‪ ..‬فإن مصطلح “إحياء األخوة” هو عبارة عن‬
‫أمانة على عاتق اإلنسان‪ ،‬إن وفى بها بالشكل اللئق أوصلته إلى‬
‫مرتبة الصالحين الذين نالوا رضا الله ‪ U‬والذين قال عنهم الرسول‬
‫‪" ‬إخواننا"‪ .‬أما إذا لم ِّ‬
‫يوف باألمانة وخانها بدوافع شهوانية‬
‫إلختصام واإلبتعاد مجا ً‬
‫نفسية‪ ،‬ودوافع شيطانية‪ ،‬وفسح ل ِ‬
‫ال للدخول‬
‫بينه وبين إخوته‪ ،‬فإن ذلك يعترب ذنب ًا كبري ًا يف نظر اإلسلم‪ .‬وإن‬
‫استخفاف أواستصغار األخ ألخيه املسلم هو بمثابة السم الذي يقيض‬
‫عىل الروابط اإلجتامعية واملعنوية بني الناس‪.‬‬
‫والمحبة هي أهم رأس مال لنا في الحياة الدنيا بكوننا عباد ًا‬
‫لله ‪ .U‬وإن توجيه المحبة لمن يستحقها هي أكبر وسيلة للكسب‬

‫‪19‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫المعنوي‪ ،‬والعكس صحيح فإن توجيهها لمن ال يستحقها هو سبب‬
‫من أسباب الكوارث األبدية‪.‬‬

‫والمحبة التي لم تجد من يستحقها هي إسراف حزين للحياة‬

‫الفانية‪ .‬والمحبة المبنية على المصالح والمنافع اآلنية والمصطنعة‬
‫هي كاألزهار والورود التي تتفتح على األرصفة في أطراف الطريق‪،‬‬
‫والتي تنتظر قدرها المحتم بأن ُتداس وتموت‪ ...‬وكم هي مسكينة‬

‫تلك الجوهرة التي رميت في الطريق‪ ،‬وكم هو حزين ذلك المال‬
‫الذي وقع في يد شخص ال يستحقه‪.‬‬

‫إن كل شيء في هذا الكون في توازن تام مع مضا ِّده‪ ،‬وبما أن‬

‫الكره هو مضاد للحب‪ ،‬فإن كره من ال يحبهم الله ‪ U‬هو مقياس‬

‫طبيعي لمقدار حب من يحب الله ‪ .U‬فمن يحب اإليمان يكره‬
‫الكفر‪ ،‬ومن يحب الثواب وفعل الخير فإنه يكره العقاب والشر‪ .‬لذا‬

‫فعلى المؤمن أن يحب ويكره في الله ‪ ،U‬ويجب أن نتخذ قاعدة‬
‫“الحب والبغض في الله” مقياس ًا لنا في حياتنا‪.‬‬
‫وحب شيء دون كره مضاده هو حب ناقص وقاصر‪ ،‬وال‬

‫يمت لصدق الحب وقوته بصلة‪ .‬ولكي نتخذ مصطلح “الصدق‬
‫ُّ‬
‫واإلخالص في الحب والكره” َم ْبد ًء‪ ،‬يجب أن نحب الله ‪ U‬بكل‬
‫ما نملك من قوة وسيطرة‪ ،‬فنفعل ما يرضيه ونتجنب ما يغضبه‬

‫مهما كانت األسباب والظروف‪ ،‬ونبدي ردود الفعل المناسبة عند‬
‫‪20‬‬

‫الضرورة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫المقدمــــة‬

‫‪o‬‬

‫إن المؤمن الذي يعرف أن هذه الدنيا هي حياة ا ِ‬
‫إلمتحان‬

‫وا ِ‬
‫إلختبار‪ ،‬والذي يستوعب أن الحياة ستفنى وتزول‪ ،‬فإنه ال يتزحزح‬

‫مخدوع بالشهوات النفسية والمصالح الدنيوية‬
‫عن الطريق الصواب‪،‬‬
‫ٌ‬
‫مهما كانت األسباب‪ ،‬ومهما كانت التكلفة‪ .‬وال يتخلى عن السعادة‬
‫األخروية الدائمة مقابل نعم الدنيا اآلنية والفانية‪ ،‬وال يسمح لقلبه‬

‫أن ينجرف خلف ألعابها وال ُيخدع بسرابها‪ .‬أي أنه ال يستبدل‬
‫الربح ُ‬
‫األخروي بأي نعمة أوأي شهوة دنيوية‪ .‬ويفضل اآلخرة على‬
‫يحول النعم‬
‫الحياة الدنيا في جميع الظروف والشروط‪ ،‬ويحاول أن ِّ‬

‫الدنيوية لتكون رأس مال له من أجل السعادة األبدية في اآلخرة‪.‬‬

‫أي و باختصار‪ ..‬فإن المؤمن يعيش في الدنيا حياة التقوى التي‬

‫توصله إلى رضا الله ‪ U‬ومحبته‪.‬‬
‫عزيزي القارئ‪...‬‬

‫إن أولياء الله ‪ U‬قد عرضوا لنا نموذج ًا مثالي ًا عن نمط حياة‬

‫التقوى المليئة باألسرار التي توصلنا إلى مرتبتهم‪ ،‬فعلينا أن نعيش‬
‫حياتنا على ذلك النمط ونقتدي به بشكل تام وصحيح‪ ،‬ألنهم قدوتنا‬
‫التي ستوصلنا إلى الطريق الصواب‪ ،‬وخاصة بأنهم يشكلون أمثلة‬
‫ثمينة عن األخلق الحميدة‪ .‬وطوبى لنا إن استطعنا أن نستفيد منهم‬
‫ا ِ‬
‫إلستفادة المطلوبة‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وعلى ضوء هذه ا ِ‬
‫إلستفادة‪ ،‬فنأمل من الله ‪ U‬أن يرزقنا الفراسة‬

‫والبصيرة الكافيتين لتمييز الصواب من الخطأ‪ ،‬والخير من الشر‬

‫في نفوسنا‪ .‬وأن يعلمنا ما لم نعلم‪ ،‬حتى نكون ممن رضي لهم‬

‫أن يكونوا عباد ًا مخلصين له‪ ،‬وأن ننشر ما نتعلمه بين الناس آملين‬
‫اإلفادة واإلستفادة في كل لحظة من حياتنا‪ .‬وكما ورد في اآلية‬

‫الكريمة‪:‬‬

‫يم‪( ‬البقرة‪)282 ،‬‬
‫‪َ .‬وات َُّقو ْا ال َّل َه َو ُي َع ِّل ُم ُك ُم ال َّل ُه َوال َّل ُه بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِل ٌ‬

‫إن هذا الكتاب المتواضع‪ ،‬وكأي كتاب آخر‪ ،‬سيصل إلى هدفه‬

‫باإلفادة واإلستفادة بقدر النفوس التي َست َْحيا بحيوية المواضيع‬
‫والحقائق التي يتطرق إليها‪ .‬ونرجومن الله ‪ ‬أن يحقق لنا ذلك‪.‬‬

‫اللهم ارزقنا نصيب ًا من علم أوليائك‪ ،‬وعلم الصحابة الكرام‬

‫الذين سيكونون قدوة للمؤمنين كافة على الصراط المستقيم‪.‬‬

‫تهب من نفوسهم‬
‫وهب لنا اللهم نسمات عذبة في نفوسنا ُّ‬

‫الطاهرة‪ ،‬والمتواضعة‪ ،‬والمليئة بالمعنويات والروحانيات‪ .‬آمين‪.‬‬

‫عثمان نوري طو اّباش‬
‫‪2010/1431‬‬

‫ُأسكدار – اسطنبول‬
‫‪22‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف على النبي‪ r‬قلب ًا‬

‫إن الورد هو رمز لسيدنا محمد ‪ ،‬وإن أهم الدروس التي يجب علينا أن‬
‫نتعلمها من مدرسة الحياة هي‪:‬‬
‫ التعرف على ملك وسلطان الورود‪ ،‬سيدنا محمد ‪.‬‬‫ محاولة نيل نصيب من رائحة تلك الورود المباركة‪ ،‬والحصول على جزء‬‫من النسيج الروحاني والمعنوي الذي ال مثيل له‪.‬‬
‫‪ -‬وأن نكون قطرة ندى على أوراق تلك الورود المقدسة‪.‬‬

‫َّ‬
‫إن أي مؤمن يتأثر من وردة الورود محمد ‪ ،‬ويحس بذلك‪ ،‬ويحاول قدر‬
‫استطاعته أن يبارك نفسه بالنسيج الروحاني المبارك‪ ،‬ويحاول أن يتشبه به‪،‬‬
‫هوالمؤمن الذي يسير في الطريق الصواب الذي سيوصله إلى الشعور باللذة‬
‫في حب محمد ‪.‬‬

‫التعرف على النبي‪ r‬قلب ًا‬
‫ل من أهل ِ‬
‫وجه ُسؤا ً‬
‫أِ َّن رج ً‬
‫ال لشخص صاحب‬
‫الله (درويش) َّ‬

‫معرفة في الله‪«:‬من األكبر؟ سيدنا ُجنيد البغدادي‪ ،‬أم أبا يزيد‬
‫البِ ْسطامي؟»‪.‬فأجابه العارف‪«:‬إننا ال نستطيع أن نحدد مستوى‬
‫‪1‬‬
‫الفضيلة لدى هذين الوليين‪ ،‬إال إذا ك اّنا ولي ًا اكبر منهما»‬

‫وذلك يعني أنه ليس من الممكن إدراك مدى آفاق الفضيلة لدى‬
‫أولياء الحق ‪ .‬وبناء على ذلك فإن كان اإلدراك البشري عاجز ًا‬

‫عن تقدير فضائل أولياء الله ‪ ،U‬فكيف يمكنه أن يقدر فضائل حبيبه‬
‫محمد ‪ ‬ومعرفة قيمته وقدره؟‪.‬‬

‫فيا ترى‪ ،‬هل تستطيع كتب السيرة بأكملها‪ ،‬والتي كتبت بكلمات‬

‫محدودة اإلمكانيات عن التعبير عن الحقيقة المحمدية؟! ولوحاول‬

‫جميع البشر أن يعبروا‪ ،‬فما هي النسبة التي سيستطيعون أن يعبروا‬

‫بها عن هذه الحقيقة؟! مع أنه ال شك من إمتلء قلوب هؤالء‬
‫ُ‬
‫الك اّتاب بمحبة سيدنا محمد ‪ ،‬وال شك في أنه بمقدورهم جميع ًا‬
‫التعبير عن ذلك قلبي ًا‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫أحمد أفلكي‪ ،‬مناقب العارفين‪،‬جـ‪225 ،2 .‬‬

‫‪25‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫اإلستيعاب المعنوي الالنهائي‬
‫لقد أصبحت اآلية الكريمة‪ :‬ألم نشرح لك صدرك‬
‫مظهر ًا لسر سيدنا محمد ‪ .‬ولم يكن عالم المعنويات يصل‬
‫لمرحلة القناعة بالنشوة اإللهية الروحانية أبد ًا‪ ،‬مع انه ‪ ‬محاط من‬

‫‪( ‬االنشراح‪)1،‬‬

‫جميع جوانبه بأعلى قدر من المعنويات‪ ،‬وكان استيعاب قلبه ال‬

‫نهائي بدون حدود‪.‬‬

‫ولهذا السبب لم تكن النشوة اإللهية والروحانية اللمتناهية التي‬

‫كانت تميزه كافية لتسكين حبه وعشقه اإللهي‪ ،‬بل كان يتعطش أكثر‬

‫فأكثر بشهية وشوق ال نهاية لهما‪ ،‬وكان كلما شرب ازداد عطشه‪،‬‬
‫وكان يرغب أن يكون في كل لحظة قريب ًا من ربه ‪ .‬وكان دائم ًا‬
‫يرتقي من مرتبة إلى أخرى‪ ،‬وكلما ترقى إلى مرتبة كان يستغفر الله‬
‫‪ U‬على ما فعله في المرتبة السابقة‪ ،‬فكان دائم ًا في حالة اإلستغفار‬

‫والتضرع‪ .‬وكما كان يقول ‪:‬‬

‫"وفي الخبر سبحانك ما عرفناك حق معرفتك"‬

‫(المناوي‪ ،‬فيض القدير‪،‬‬

‫جـ‪)520 ،2 .‬‬

‫وبهذا الشكل نضج موالنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪-‬‬

‫بنشوة الحكمة الروحانية واألسرار المعنوية من هذا النوع‪ ،‬وتخطى‬
‫حدود العلم الظاهري‪ ،‬وصار ولي ًا مبارك ًا تنبع الحكمة من لسانه‪،‬‬
‫‪26‬‬

‫وتتدفق أنهار العلم والمعرفة في عالمه الروحي والمعنوي‪ ،‬تلك‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫األنهار التي تحمل عشق وحب النبي محمد ‪ .‬إذا كان وليه هكذا‬
‫! فكيف يكون هو نفسه؟!‬

‫إن ُكورجي خاتون بنت السلطان السلجوقي ومريدة موالنا‬
‫عين الدولة‪.‬‬
‫ونحات القصر َ‬
‫رسام اّ‬
‫جلل الدين الرومي أرسلت اّ‬
‫وطلبت منه أن يذهب إلى سيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪-‬‬
‫سر ًا ويرسمه دون أن يجعله يحس بذلك‪ .‬فذهب الرسام‪ ،‬وعندما‬
‫دخل إلى مجلس سيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ ،-‬ارتبك‬
‫وحدثه عن كل شيء‪ ،‬وكأن لسانه نطق لوحده‪ .‬فتبسم سيدنا جلل‬
‫الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬وقال له بوجه بشوش‪«:‬افعل ما أمرت كما‬
‫تشاء‪ ،‬إن استطعت أن تفعل»‬
‫بدأ الرسام بالرسم ولكنه استنتج بعد فترة زمنية قصيرة أن‬
‫تمت للشخص الموجود أمامه بصلة‪ .‬وكأنها‬
‫الصورة التي رسمها ال اّ‬
‫صورة شخص آخر مختلف تمام ًا عن سيدنا جلل الدين الرومي‪.‬‬
‫وعندما رأى الرسام ذلك شرع برسم صورة أخرى‪ ،‬ومحاولة بعد‬
‫محاولة‪ ،‬استخدم الرسام عشرين ورقة لمحاولة رسمه ولكن بل‬
‫جدوى‪ ،‬وفي النهاية اقتنع بعجزه وأجبر نفسه على التوقف عن‬
‫يدي سيدنا جلل الدين الرومي‪ .‬حيث أن قدرة‬
‫وقبل اّ‬
‫المحاوالت‪ .‬اّ‬
‫ذلك الرسام الفنية ومواهبه قد تلشت بين هذه المحاوالت التي‬
‫باءت بالفشل ‪.1‬‬
‫(‪ )1‬وما تزال تلك اللوحات التي رسمها ذلك الرسام المشهور موجودة حتى اآلن في‬
‫متحف موالنا جلل الدين الرومي في مدينة قونيا‬

‫‪27‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إن هذه الحادثة أيقظت قلب الرسام من سباته‪ .‬وجعلته يغوص‬

‫في تفكير عميق ضمن الحيرة والدهشة والخوف الذي أصابه‬
‫وجعله يحس بأنه في رحلة طويلة في العالم الروحي والمعنوي‪.‬‬

‫وفي النهاية بدأت مخيلة هذا الرسام تتعمق في التفكير برسول الله‬
‫‪ ،‬من النافذة التي ُفتحت في قلبه‪ ،‬فتدفقت هذه الكلمات من بين‬
‫شفتيه‪«:‬إذا كان ولي ٍ‬
‫دين هكذا فكيف يكون نبي هذا الدين؟!»‪.‬‬
‫الم ِرسل‬
‫على قدر ُ‬

‫في األثر أن خالد بن الوليد ‪ t‬خرج في سرية فنزل بحي فقال‬
‫أفص ُل فل” فقال‪:‬‬
‫سيد الحي‪“ :‬صف لنا محمد ًا ‪ ”r‬فقال‪“ :‬أما إني ِّ‬
‫ِ‬
‫الم ْر ِسلِ ”‬
‫“أجم ْل” فقال‪“ :‬الرسول على َقدْ ِر ُ‬

‫ِ‬
‫المرسل هو الله ‪ ،U‬فتخيل أنت بنفسك‬
‫أي بمعنى أنه إذا كان‬
‫المرسل‪ .‬إذ ًا نستنتج أنه ليس بوسع أحد من البشر أن‬
‫شأن وعظمة‬
‫َ‬
‫يمتلك القدرة على فهم عظمة وشأن فخر جميع المخلوقات سيدنا‬

‫محمد ‪ .‬ونحن بإمكانياتنا المحدودة وبفهمنا القاصر ال نستطيع‬

‫أن نقدره ونقيس عظمته‪ .‬وبسبب عجز البشر في هذا المجال‪ ،‬فقد‬
‫تولى الله ‪ ‬بنفسه‪ ،‬تكريم وتبجيل نبيه الكريم محمد ًا ‪ .‬حيث‬
‫قال الله ‪ ‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫ين آ َمنُوا َص ُّلوا‬
‫‪‬إِنَّ ال َّل َه َو َمالئِ َك َت ُه ُي َص ُّلونَ َع َلى ال َّنبِ ِّي َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫يما‪( ‬األحزاب‪)56 ،‬‬
‫َع َل ْي ِه َو َس ِّل ُموا َت ْس ِل ً‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫حيث يعلن الله ‪ ‬بنفسه للبشرية بأجمعها‪ ،‬أن الرسول محمد ًا‬
‫‪ ‬هو بديع الخليقة‪ ،‬والفريد بين جميع أبناء البشر بصفاته الحميدة‪.‬‬

‫وإن دراسة النبي الكريم محمد ‪ ،‬وفهمه بهذا ا ِ‬
‫إلعتبار‬
‫والتقدير هو أهم وأعلى درج ًة من درجات العبودية لله ‪ .‬وإن‬
‫لم ندرسه ونفهمه ونعرفه كما يجب‪ ،‬ولم نمش بنور هديه وبداللة‬
‫خطاه‪ ،‬ولم نحاول أن نأخذ نصيب ًا من اإلحساس المعنوي الذي كان‬
‫يتميز به‪ ،‬فلن يكون إيماننا إيمان ًا كام ً‬
‫ل‪ ،‬ولن ندرك ونتفهم القرآن‬
‫الكريم بشكل تام وكما يجب‪ ،‬ولن تكون عبوديتنا لله ‪ ‬عبودية‬
‫تامة‪ .‬وكما قال الله ‪ U‬في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫وح َ‬
‫ين‪َ .‬ع َلى َق ْلبِ َك لِت َُكونَ ِم َن ا ْل ُم ِ‬
‫ين‪ .‬بِ ِل َس ٍ‬
‫ان‬
‫نذ ِر َ‬
‫األ ِم ُ‬
‫الر ُ‬
‫‪َ ‬نزَ َل بِ ِه ُّ‬
‫َع َربِ ٍّي ُّمبِ ٍ‬
‫ين‪( ‬الشعراء‪)195–193 ،‬‬

‫وإن حياة سيدنا محمد ‪ ‬النبوية التي تتألف من ثلثة وعشرين‬
‫عام ًا‪ ،‬عبارة عن تفسير شامل للقرآن الكريم‪ .‬وفهم حكم القرآن‬
‫الكريم وأسراره ال يتم إال بأخذ نصيب من قلب النبي محمد‬
‫‪‬وحياته المعنوية‪.‬‬
‫أفضل طريقة للتعرف على النبي الكريم (من حيث الفيوضات)‬

‫إن التعرف على النبي األكرم محمد ‪ ‬ال يتم بالقراءة عنه من‬
‫السطور‪ ،‬فقط‪ ،‬بل بالقراءة من الصدور أيض ًا‪ .‬أي يجب أن نقرأ ما‬

‫كتب عنه العلماء والعارفون وأهل التقوى الذين تخلقوا باألخلق‬

‫النبوية المباركة‪ .‬وال يمكن القراءة عن سيدنا محمد ‪ ‬إال بالمشاعر‬

‫‪29‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الصادقة والنابعة من قلوب المؤمنين الحقيقيين أصحاب التقوى‪.‬‬
‫وبقدر ما نقترب من سيدنا محمد ‪ ،‬بقدر ما نستطيع معرفته‪ .‬وكما‬

‫قال الله ‪ ‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫يم‪( ‬البقرة‪)282 ،‬‬
‫‪َ ‬وات َُّقو ْا ال َّل َه َو ُي َع ِّل ُم ُك ُم ال َّل ُه َوال َّل ُه بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِل ٌ‬

‫لذا يجب أن نقرأ كتب السيرة النبوية الشريفة بتمعن وتفكر‪،‬‬
‫ليس كما نقرأ كتاب ًا عابر ًا لممارسة هواية القراءة فقط‪ .‬ومن يحاول‬
‫التقيد بالنبي محمد ‪ ‬واتخاذ أقواله وأعماله دلي ً‬
‫ل له في حياته‪،‬‬
‫وذلك بمحاولة تشبيه معيشته بحياة النبي ‪ ،‬هو الذي يعرف السيرة‬
‫النبوية بشكل جيد‪.‬‬

‫وإن أولياء الحق ‪ U‬هم أكثر من يعرف النبي الكريم محمد ًا‬
‫‪ ،‬ألنهم دمجوا حياتهم بحياة التقوى‪ ،‬وجعلوا من أنفسهم هل ً‬
‫ال‬
‫لشمس الرحمة‪ ،‬وعاشوا حياتهم مليئة بالحب‪ ،‬حيث أن أولياء الحق‬
‫هؤالء يمشون بهدي نور النبي ‪ .‬ويستظلون بظله بكامل الصدق‬
‫واإلخلص‪.‬‬
‫إن النبي الكريم ‪ ‬وكما قال الله ‪ ‬في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫‪َ ‬و َما َي ْن ِط ُق َع ِ‬
‫ن ا ْل َه َوى‪( ‬النجم‪)3 ،‬‬

‫وى وكما شاءت نفسه‪ .‬بل كان مترجم ًا ومطبق ًا‬
‫لم يكن يتكلم لِ َه ً‬
‫وشارح ًا ومبلغ ًا وممث ً‬
‫ل لما كان يوحى إليه‪.‬‬
‫وهكذا حال أولياء الحق ‪ ،U‬الذين ضحوا بحياتهم في سبيل‬

‫‪30‬‬

‫محبة رسول الله ‪ ،‬ال يتكلمون كما رغبت نفوسهم وأهواؤهم‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫إن مثلهم كمثل الناي الذي ُأفرغ داخله‪ ،‬فقد أفرغوا حياتهم‬

‫الداخلية من كل شيء يلهيهم ويبعدهم عن عبادة الله ‪ ،‬ومحبة‬

‫رسوله الكريم محمد ‪ .‬وجميع األصوات العذبة واأللحان‬

‫الجميلة والصدى الجذاب‪ ،‬ما هو إال جزء بسيط من أنفاس األنبياء‬
‫العطرة‪ .‬وما قلوبهم إال عبارة عن مرآة تعكس أنوار الحق والتوحيد‪.‬‬
‫وكما قال النبي ‪ ‬في الحديث القدسي واصف ًا أولياء الحق ‪:‬‬
‫بصر به‬
‫سمعه الذي‬
‫"‪ ...‬فإذا أحببته ُ‬
‫كنت َ‬
‫ُ‬
‫يسمع به وبصره الذي ُي ُ‬

‫ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها "‬

‫(صحيح البخاري‪ ،‬الرقاق‪)38 ،‬‬

‫وفي رواية‪":‬ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به" (الهيثمي‪)248 ،2 ،‬‬

‫إن سيدنا ونبينا محمد ًا ‪ ‬هو نور الوجود‪ ،‬وهو شمس أضاءت‬

‫العالم كله‪ ،‬ووهبت نشوة السعادة األبدية لكل شيء‪ .‬وإن األولياء‬
‫ورثة األنبياء هم بمثابة انعكاس هذه الشمس على بحر حياتهم التي‬
‫عاشوها بالتقوى والزهد‪ .‬وإن وجود هذا ا ِ‬
‫إلنعكاس هو تابع لوجود‬

‫الشمس ومتعلق به‪ ،‬فإن بقيت الشمس بقى‪ ،‬وإن زالت زال‪ .‬ألن نور‬
‫هذا اإلنعكاس وجماله وعظمته ما هو إال جزء بسيط آت من تلك‬
‫الشمس المباركة‪.‬‬
‫كتب الشيخ السعدي في كتابه ُ‬
‫(ك ِلستان)‪ 1‬أن األولياء مدينون‬

‫لرسول الله ‪ ‬في جميع المحاسن والجمال والفيوضات التي‬
‫يتميزون بها‪ ،‬وأنهم قد استمدوا كل رأس مالهم المعنوي والروحاني‬
‫‪ 1‬ومعناه بالعربية‪:‬كتاب حديقة الورود وأصله بالفارسية (د‪ .‬آدم أقني‪-‬املراجع)‬

‫‪31‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫من روحانيات ومعنويات الرسول األكرم ‪ .‬وحدثنا السعدي عن‬
‫ذلك بأسلوب تمثيلي على الشكل التالي‪:‬‬

‫ذهب رجل إلى الحمام‪ ،‬وفي الحمام أعطاه أحد أصدقائه‬
‫قطعة من الكلس المعطرة ‪-‬يستخدم الكلس لتنظيف الشعر والبدن‪.-‬‬
‫وإن رائحة قطعة الكلس تلك زكية وعطرة ونادرة جد ًا‪ ،‬لدرجة أنها‬
‫تخاطب الروح بنعومة فائقة‪.‬‬

‫فسأل الرجل قطعة الكلس هذه‪( :‬يا أيها الكلس الصغير!!‬
‫هل أنت مسك أم عنبر؟! لقد ُسحرت برائحتك التي تجذب‬
‫القلوب‪.)...‬‬
‫فأجابته قطعة الكلس قائلة‪(- :‬إنني لست بمسك وال عنبر‪ ،‬وما‬
‫أنا إال عبارة عن تراب عادي‪ ،‬ولكن هذا التراب كان موجود ًا تحت‬
‫شجيرة ورد صغيرة‪ ،‬وفي فجر كل يوم كان ذلك التراب ُيعجن‬
‫بقطرات الندى التي تنسل من الورود التي تتفتح في هذه الشجرة‪.‬‬
‫وما هذه الرائحة التي تصدر عني اآلن والتي تغمر الروح والنفس‬
‫بنشوة ال مثيل لها‪ ،‬ما هي إال رائحة تلك الورود‪.)...‬‬
‫إن الورد هو رمز لسيدنا محمد ‪ ،‬وإن أهم الدروس التي‬
‫يجب علينا أن نتعلمها من مدرسة الحياة هي‪:‬‬
‫‪ -‬التعرف على ملك وسلطان تلك الورود‪.‬‬

‫‪ -‬محاولة نيل نصيب من رائحة تلك الورود المباركة‪ ،‬والحصول‬

‫على جزء من النسيج الروحاني والمعنوي الذي ال مثيل له‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫‪ -‬وأن نكون قطرة ندى على أوراق تلك الورود المقدسة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫وأهم عنصر أساسي يجب أن نحصل عليه في الطريق لتحقيق‬

‫ذلك الهدف هو محبة الرسول ‪.‬‬

‫المحبة المحمدية‬

‫إننا نعرف سيدنا محمد ًا ‪ ‬ونقداّ ره بقدر ما يوجد في قلوبنا‬

‫مشاعر من الحب تجاهه‪.‬وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا‬
‫محمد ‪ ‬أنه قال‪:‬‬

‫"المرء مع من أحب"‬

‫(البخاري‪ ،‬األدب‪)96 ،‬‬

‫يعني أن العمل الوحيد الذي ُيؤَ ِّمن التآلف القلبي هو الحب‪.‬‬

‫فالحب يربط القلوب ببعضها كاألسلك التي تنقل التيار الكهربائي‪.‬‬
‫ومثل ذلك كمثل القاعدة الفيزيائية (قاعدة األواني المستطرقة)‪ .‬فبقدر‬

‫ما تدوم المحبة بين القلوب‪ ،‬بقدر ما تتشابه الكيفيات والمزايا بين‬
‫األشخاص‪ ،‬وتميل المشاعر كالحب والكره‪ ،‬والحواس كالسمع‬
‫والبصر إلى التشابه بين هؤالء األشخاص بعد فترة من الزمن‪.‬‬

‫ويبدأ الشخصان اللذان تربطهم علقة حب صادقة وحقيقية‪،‬‬
‫بتبادل الهدايا التي تعبر عن حبهم المشترك لبعضهم البعض‪ .‬فيقدم‬
‫أحدهم لآلخر الورود واألزهار التي يحبها‪ ،‬ويقوم بفعل األشياء‬
‫التي تنال إعجابه‪ .‬ألن المحب الصادق هو من يحب ما يحب‬
‫محبوبه‪ ،‬ويكره ما ال يحب‪ .‬ويكون محبوبه دائم ًا في مخيلته‬
‫ومفكرته‪ ،‬وعلى لسانه‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ألنه كان يفعل كذلك‪...‬‬
‫لقد تعهد سيدنا عبد الله بن عمر ‪ v‬حياته كلها‪ ،‬منذ طفولته‬
‫في سبيل اتباع سيدنا رسول الله ‪ ‬خطوة بخطوة‪ .‬وكان في محاولة‬
‫دائمة لفعل كل شيء يفعله‪ ،‬سواء عرف حكمة ذلك أم لم يعرف‪.‬‬
‫وسى ْب ُن ُع ْق َب َة َق َ‬
‫ال َر َأ ْي ُت َسالِ َم ْب َن َع ْب ِد ال َّل ِه َيت ََح َّرى‬
‫َحدَّ َثنَا ُم َ‬
‫َأ َم ِ‬
‫اك َن ِم ْن َّ‬
‫يق َف ُي َص ِّلي ِف َيها َو ُي َحدِّ ُث َأ َّن َأ َبا ُه َك َ‬
‫الط ِر ِ‬
‫ان ُي َص ِّلي ِف َيها‬
‫َو َأ َّن ُه َر َأى ال َّنبِي ‪ُ r‬ي َص ِّلي ِفي تِ ْل َك ْ َ‬
‫األ ْم ِكن ِ‬
‫َة (البخاري‪ ،‬الصلة‪)98 ،‬‬
‫َّ‬
‫َو َأ َّن َع ْبدَ ال َّل ِه ْب َن ُع َم َر َحدَّ َث ُه َأ َّن ال َّنبِ َّي‪َ r‬ص َّلى َح ْي ُث ا ْل َم ْس ِجدُ‬

‫الر ْو َح ِ‬
‫ون ا ْل َم ْس ِج ِد ا َّل ِذي بِ َش َر ِ‬
‫اء َو َقدْ َك َ‬
‫الص ِغ ُير ا َّل ِذي ُد َ‬
‫ان َع ْبدُ ال َّل ِه‬
‫َّ‬
‫ف َّ‬
‫ان َص َّلى ِف ِ‬
‫يه ال َّنبِ ُّي ‪َ r‬ي ُق ُ‬
‫ان ا َّل ِذي َك َ‬
‫َي ْع َل ُم ا ْل َم َك َ‬
‫ين‬
‫ول َث َّم َع ْن َي ِمينِ َك ِح َ‬

‫وم ِفي ا ْل َم ْس ِج ِد ُت َص ِّلي َو َذلِ َك ا ْل َم ْس ِجدُ َع َلى َحا َف ِة َّ‬
‫الط ِر ِ‬
‫يق ا ْل ُي ْمنَى‬
‫َت ُق ُ‬
‫اه ٌب إِ َلى َم َّك َة َبين َُه َو َبي َن ا ْل َمس ِج ِد ْ َ‬
‫َو َأن َْت َذ ِ‬
‫األ ْك َب ِر َر ْم َي ٌة بِ َح َج ٍر َأ ْو َن ْح ُو‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َذلِ َ‬
‫ك (البخاري‪ ،‬الصلة‪)98 ،‬‬

‫فعلى سبيل المثال‪ :‬رأى عبدالله بن ُعمر ‪ t‬سيدنا محمدا ‪‬‬
‫مرة يشرب ماء من صنبور‪ ،‬فصار بين الحين واآلخر يذهب إلى ذلك‬
‫الصنبور ويشرب الماء‪ .‬ورأى مرة سيدنا محمدا ‪ ‬يستظل تحت‬
‫شجرة‪ ،‬فصار بين فترة وأخرى يذهب إلى تلك الشجرة ويستظل‬
‫بظلها‪ .‬وفي مرة من المرات رأى سيدنا محمدا ‪ ‬جالسا ومسندا‬
‫ظهره المبارك على صخرة‪ ،‬فصار يذهب بين فينة وأخرى إلى تلك‬
‫‪34‬‬

‫الصخرة ويجلس ساندا ظهره عليها‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫وفي إحدى المرات وأثناء موسم الحج‪ ،‬جلس سيدنا عبد‬
‫الله بن عمر ‪ v‬لفترة بسيطة على صخرة على سفح جبل الرحمة‪،‬‬
‫وعندما سئل عن سبب ذلك‪ ،‬أجاب باإلجابة التالية‪:‬‬

‫«لقد جلس سيدنا محمد ‪ ‬بعد حجة الوداع لفترة بسيطة على‬
‫هذه الصخرة»‪.‬‬

‫وفي إحدى المرات‪ ،‬وبينما كان يسير مع قافلة للتجارة‪ ،‬أوقف‬
‫القافلة في مكان وذهب إلى شجرة على مرتفع صغير‪ ،‬ثم عاد إلى‬
‫القافلة‪ .‬وعندما سئل عن سبب ذلك‪ ،‬أجاب‪:‬‬
‫«رأيت النبي ‪ ‬بينما كان يمر من هذه الطريق مرة‪ ،‬وقد ذهب‬
‫إلى هذه الشجرة وعاد»‪.‬‬

‫وعندما توفي هذا الصحابي الجليل العاشق الذي حاول أن يتبع‬
‫النبي ‪ ‬كالظل‪ ،‬كانت حالته عبرة لمن يعتبر‪ ،‬حيث مرض فجأة في‬
‫الح َّجاج‪ .‬وكان يعاني‬
‫مكة‪ ،‬وحسب الروايات أنه قد ُس اّمم من قبل َ‬
‫معاناة شديدة أثناء احتضاره ألنه كان قد هرم هرم ًا شديد ًا‪ .‬فنُقل‬
‫ِ‬
‫دوره أن يتكلم أويحرك‬
‫بوضعه الهرم هذا إلى خيمة‪ .‬ولم يكن بِم ْق‬
‫أطرافه‪ ،‬وكان يحاول أن يقول شيئ ًا ما لمن حوله من الناس‪ ،‬ولكنهم‬
‫لم يفهموا ما كان يقصده‪ .‬وبينما كانوا ينتظرون بيأس وحيرة‪،‬‬
‫دخل شخص يعرف ابن عمر ‪ v‬عز المعرفة‪ .‬فأخبروه مباشرة أنه‬
‫يريد أن يقول شيئ ًا لكنهم لم يفهموا مقصده ومراده‪ .‬فسألهم ذلك‬
‫الشخص‪:‬‬
‫«ماذا فعلتم له قبل قليل؟»‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فأجابوه‪«:‬لقد اّ‬
‫وضأناه»‪.‬‬

‫فسألهم‪«:‬وهل مسحتم ما وراء أذنه أثناء الوضوء؟»‪.‬‬

‫فقالوا‪«:‬ال‪..‬لقد نسينا فعل ذلك»‪.‬‬
‫فقال ذلك الرجل‪:‬‬

‫«أال َت ْع ِر ُفو َنه؟ ألم يحاول طوال حياته أن يفعل كل شيء فعله‬
‫رسول الله ‪ ‬؟ ويبتعد عن كل شيء ابتعد َ‬
‫عنه؟»‪.‬‬

‫وبناء على ذلك‪ ،‬مسح من حوله من الناس ما وراء أذنه مباشرة‪،‬‬
‫هم سيدنا عبد الله بن عمر ‪ ،v‬وارتاح وتبسم‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫فتلشى ُّ‬
‫س اّلم روحه الطيبة المباركة في خشوع وراحة نفسية وطمأنينة‪.‬‬

‫هكذا كان الصحابة الكرام ‪ ،y‬الذين امتألت قلوبهم بالعشق‬
‫والمحبة المحمدية‪ ،‬وكانوا في محاولة دائمة لتطبيق األوامر التي‬
‫كان يذكرها سيدنا محمد ‪ ‬على لسانه‪ ،‬ليس ذلك فحسب‪ ،‬بل‬
‫كانوا يحرصون أيض ًا على ا ِ‬
‫إلهتمام باإلشارات واإليماءات التي كان‬
‫يشير بها الرسول األكرم محمد ‪.‬‬

‫فرؤيتهم له أثناء قيامه بعمل ما كان كافي ًا بالنسبة لهم لكي‬
‫يتخذوا ذلك سنة لهم في حياتهم‪ .‬ويحاولون تطبيق هذه السنة طوال‬
‫حياتهم دون أن يأمرهم بذلك أحد‪.‬‬
‫عن الحسن عن أنس بن مالك قال‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫«رأيت النبي يصلي الضحى ست ركعات فما تركتهن بعد قال‬
‫الحسن وما تركتهن بعد» (الطبراني‪ ،‬أوساط‪ ،‬جـ‪)1276/68 ،2.‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫حدثني طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبدالله يقول‪:‬‬

‫«أخذ رسول الله ‪ r‬بيدي ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلق ًا‬
‫من خبز فقال (ما من أدم؟) فقالوا ال إال شيء من خل قال‪:‬‬
‫"فإن الخل نعم األدم"‬

‫قال جابر‪ :‬فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله ‪ r‬وقال‬
‫طلحة‪ :‬ما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر» (مسلم‪ ،‬أشربة‪)169–167 ،‬‬

‫فحتى األذواق واللذات كانت تتغير بهذا الشكل عند الناس‬
‫الذين امتألت قلوبهم بمحبة النبي ‪.‬‬

‫والمثال اآلخر المعبر عن هذه الحالة‪ ،‬هو المجتهد وعالم‬
‫الحديث الكبير‪ ،‬اإلمام النووي‪ .‬فهو أيض ًا ممن حاولوا أن يتبعوا‬
‫الرسول ‪ ‬بدقة‪ ،‬لدرجة أنه منع نفسه طوال حياته من أكل‬
‫ِ‬
‫البطيخ(الخربز)‪ ،‬ألنه لم يكن يعرف طريقة أكل الرسول ‪ ‬لهذه‬

‫الفاكهة‪ .‬فكان يخاف أن يتصرف تصرف ًا مخالف ًا لعادات الرسول الكريم‪.‬‬

‫وهنالك أحد أولياء الحق ‪ ،‬الهلل النير الذي عشق شمس‬
‫الهداية المباركة سيدنا محمد ًا ‪ ،‬إنه سيدنا حضرة الشيخ أحمد‬
‫َيسوي‪ ،‬الذي اعتبر أن سنين عمره التي بعد سن الثلث والستين‬

‫–حيت أن الرسول الكريم ‪ ‬أال قد ارتحل الى الرفيق االعلى في هذا العمر–‬

‫اعتبرها أنها ليست من عمره وأنه يجب أن ال يعيشها‪ ،‬فمنع نفسه من‬
‫التجول في األرض‪ ،‬وبقي لمدة عشرة أعوام في مكان أشبه بالقبر‬
‫وهو يتابع حياة اإلرشاد والدعوة‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وبلل الحبشي ‪ ،t‬مؤذن النبي ‪ ،‬والبلبل الحنون الذي‬
‫سيغرد في حدائق الجنة‪ ،‬لم يستطع البقاء في المدينة المنورة‬
‫بعد رحيل النبي ‪ ‬إلى الحياة اآلخرة‪ .‬فعاش ستين عام ًا ونيف ًا‬
‫محترق ًا بحسرة اليوم الذي سيلقى فيه رسول الله ‪ ،‬الذي‬
‫عشقه بكل جوارحه‪ .‬وتوفي ‪ t‬في مدينة دمشق‪ .‬وبينما كان‬
‫يحتضر‪ ،‬كان يقول‪«:‬غد ًا نلقى االحبة محمد ًا وحزبه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫تقول امرأته‪ :‬واويله! فقال‪ :‬وافرحاه!»‪(..‬الذهبي‪ِ ،‬س َير‪)359 ،1 ،‬‬
‫وبطبيعة الحال‪ ،‬إن عاش الشخص حياته كبلبل عاشق للنبي ‪‬‬
‫في حديقة المحبة طوال العمر‪ ،‬فسيكون الموت عيد ًا وعرس ًا بالنسبة‬
‫له بفرحة التلقي والتواصل‪.‬‬
‫وكم هو جميل ومعبر قول سيدنا وموالنا جلل الدين‬
‫الرومي‪«:‬تعال يا قلب‪ ،‬فالعيد الحقيقي هو يوم التلقي والتواصل‬
‫بمحمد ‪ ،‬ألن نور الدنيا هو من نور جمال هذا المخلوق المبارك»‪.‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فإن الموت هو اليوم السعيد للتلقي والتواصل‪ ،‬وهو‬
‫كليلة الزفاف السعيدة بالنسبة للقلوب العاشقة التي تستمر بهذا النور‬
‫المضيء‪.‬‬
‫وكم هي مليئة بالعبر والدروس قصة أم المؤمنين عائشة ‪c‬‬
‫زوجة سيدنا رسول الله ‪ ‬وشريكة عمره‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫فعندما توفي سيدنا محمد ‪ ‬وانتقل إلى الرفيق األعلى‪ُ ،‬دفن في‬
‫حجرة والدتنا عائشة ‪ .c‬ولم تستطع مغادرة هذه الحجرة التي عاشت‬
‫فيها بنشوة وسعادة مع زوجها‪ ،‬ولم تستطع مغادرتها حتى بعد وفاته‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫وتابعت حياتها في هذه الحجرة وكأنها رفيقة النبي‪ ‬في القبر‬
‫أيض ًا‪ .‬وبعد سنتين وثلثة أشهر توفي والدها سيدنا أبوبكر الصديق‬
‫‪ ،t‬ودفن بجانب النبي ‪ ‬في طرف قدميه‪ .‬وبقي في الحجرة مكان‬
‫ٍ‬
‫واحد فقط‪ .‬فخصصت سيدتنا عائشة ‪ c‬ذلك المكان‬
‫يتسع لقب ٍر‬
‫لنفسها‪ .‬ولكن سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬استأذنها في رمقه األخير‬
‫بأن يدفن في ذلك المكان‪ .‬فتنازلت عن حقها له ُم َش ِّكلة نموذج ًا‬
‫مثالي ًا عن اإليثار والفضيلة‪.‬‬
‫ويقال حسب ما ورد في الروايات‪ ،‬أن والدتنا السيدة عائشة ‪c‬‬
‫كانت تتحرك في حجرتها براحة تامة بوجود قبري سيدنا محمد ‪‬‬
‫وقبر أبي بكر الصديق ‪ ،t‬أما عندما دفن سيدنا عمر بن الخطاب‬
‫‪ ،t‬قسمت الحجرة بستارة إلى قسمين‪ ،‬بسبب شعور الحياء الرفيع‬
‫الذي تميزت به‪.‬‬

‫وقد اعتبرت السيدة عائشة ‪ c‬أن قربها من النبي ‪ ‬هو أكبر‬
‫سعادة لها طوال حياتها‪ .‬وعندما شعرت باقتراب وفاتها كتبت وصية‬
‫تحتوي على فقرتين‪.‬‬
‫وتعتبر هذه الوصية من الكلمات النادرة التي تعبر عن فرحتها‬

‫بالتواصل والتلقي مع الرسول الكريم ‪:u‬‬

‫“‪ –1‬عندما أحتضر‪ ،‬ادفنوني مباشر ًة بعد عمل ما يجب‪ ،‬حتى‬
‫ولوكان الوقت لي ً‬
‫ل‪.‬‬

‫‪ –2‬وعندما تحملون نعشي إلى المقبرة‪ ،‬احرقوا على طرف‬

‫تابوتي أغصان نخل جافة”‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فحسب عادات العرب القدامى‪ ،‬عندما ُتزف العروس إلى بيت‬

‫زوجها‪ ،‬كانوا يحرقون أغصان نخل جافة على طرف قافلة الزفاف‪.‬‬

‫المرجح أن يكون سيدنا جلل الدين الرومي قد استخدم‬
‫ومن‬
‫اّ‬
‫تعبير “ليلة الزفاف” مستفيد ًا من وصية سيدتنا عائشة ‪.c‬‬

‫الحرص على تطبيق السنة النبوية‬

‫إن تطبيق السنن النبوية بشكل جيد والئق هو أكبر دليل على‬

‫محبة الرسول األكرم ‪ ،‬وأسهل وسيلة للتعرف عليه‪ .‬وإن اتباع‬
‫هذه السنن دون أن تمتلئ القلوب بالمحبة المحمدية‪ ،‬إنما هو اتباع‬

‫ظاهري ومخدوع‪ ،‬ومحروم من البركة المعنوية والروحانية‪.‬‬
‫ويوضح عبد الله بن َديلمي أهمية ِ‬
‫األرتباط بالسنة النبوية قلب ًا‬

‫وقالب ًا‪ ،‬حيث قال‪«:‬بلغني ان أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب‬
‫الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة» (الدارمي‪ ،‬المقدمة‪)16 ،‬‬

‫أي أن انسحاب السنن‪ ،‬الواحدة تلواألخرى من حياتنا –ال‬

‫قدر الله– إنما يجعل فلحنا مربوط ًا بخيط قطني وهن‪ ،‬على وشك‬
‫ا ِ‬
‫إلنقطاع‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫لذا فإن من أكبر الكرامات التي كان يتميز بها أولياء الحق ‪ ‬من‬
‫العلماء والعارفين‪ ،‬والذين يعرفون سيدنا محمد ًا ‪ ‬حق المعرفة‪،‬‬
‫أنهم كانوا يحرصون بدقة وحساسية متناهية على تطبيق السنن النبوية‪،‬‬
‫وتكييف حياتهم ونمط معيشتهم على أسس هذه السنن المباركة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التعرف عىل النبي ‪ ‬قلبا ‪o‬‬
‫وال شك في أن الرسول األكرم ‪ u‬هو أكثر من يستحق المحبة‬
‫بين بني البشر أجمعين‪ .‬وهو أجمل وأفضل شخصية َت َكرم الله ‪‬‬
‫بها على اإلنسانية‪ ،‬وهو أكبر معجزة أرسلها للبشرية‪ .‬فعالمه القلبي‬
‫‪ ‬هو أجمل وأحلى من جنة مليئة بالورود المعطرة بالمسك‪،‬‬
‫وأزهار يانعة نادرة الوجود‪.‬‬
‫ففي هذا المضمار‪ ،‬يجب أن نطرح على أنفسنا بعض األسئلة‪:‬‬

‫ كم َجنَينا من فوائد من الريح العذبة والمعنوية التي تهب من‬‫حدائق الجنة؟‪.‬‬
‫‪ -‬هل تشبه حياتنا العائلية حياة الرسول الكريم ‪‬؟‪.‬‬

‫‪ -‬هل حياتنا العملية والتجارية هي كما أوصى وأمر بها سيدنا‬

‫محمد ‪‬؟‪.‬‬

‫ هل حياتنا ا ِ‬‫إلجتماعية محددة بالحدود التي وضعها سيدنا‬

‫محمد ‪‬؟‬

‫‪ -‬هل قلوبنا ممتلئة بالرحمة والشفقة على الفقراء والمساكين‬

‫واألطفال المشردة وأوالد السبيل‪ ،‬واليتامى والمظلومين؟‪ ،‬وهل‬
‫تخفق كما كان يخفق قلب سيدنا محمد ‪ ‬برقة من أجل ِ‬
‫أمته؟‪.‬‬
‫المتبسم‪ ،‬وطبيعته‬
‫ هل نستطيع أن نمثل اإلسلم بوجهه‬‫اّ‬
‫الروحية‪ ،‬ونسيجه المعنوي المبني على اللطف والظرافة ورقة‬

‫القلب‪ ،‬كما كان يمثله سيدنا محمد ‪ ‬باألخلق والصفات الحميدة‬

‫التي تميز بها؟‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫اللهم اجعلنا ممن يستح ّقون أن يكونوا عباد ًا لجاللتك‪ ،‬وأ ّمة الئقة‬

‫بنبيك سيدنا محمد ‪.‬‬

‫وارزقنا اللهم القدرة على قراءة أجمل شخصية قدوة أهديتها للبشرية‬

‫جمعاء حتى تقوم الساعة‪ ،‬شخصية سيدنا محمد ‪ ،‬قراءته بعين قلوبنا‬

‫وصدورنا‪.‬‬

‫وأوزعنا اللهم أن نتخذ سنن سيدنا محمد ‪ ‬نهج ًا لنا في حياتنا‪.‬‬

‫وال تحرمنا اللهم من لقاء سيدنا محمد ‪ ‬تحت راية الحمد يوم‬

‫القيامة‪.‬‬

‫وأشربنا اللهم من حوض الكوثر حتى نرتوي‪ ،‬وأوصلنا اللهم أخير ًا‬

‫إلى الشفاعة العظمى برحمتك يا أرحم الراحمين‪...‬آمــين‬

‫‪42‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضع‬
‫ان العبودية لله ‪ ‬تبدأ بأن يعرف الشخص حدوده‪،‬‬
‫ويستطيع الوقوف عنده‪ .‬ومن لديه هذا ِ‬
‫األدراك والوعي‬
‫فلن يترك مجا ً‬
‫ال في نفسه للتكبر واألنانية واثبات الذات‬
‫واحتقار اآلخرين‪.‬‬
‫وإن العباد الصالحين‪ ،‬أصحاب العلم والحكمة والمعرفة‪،‬‬
‫هم بتواضعهم وكرمهم كالشجرة اليانعة التي أحنت‬
‫َ‬
‫وقربتها للناس لكي تقدم لهم ثمارها‬
‫وأ َما َل ْت أغصانها َّ‬
‫اللذيذة التي قد نضجت‪.‬‬

‫التواضع‬
‫يعرف الشخص‬
‫إن السر الذي يجعل من اإلنسان إنسان ًا‪ ،‬والذي اّ‬

‫بجوهره األساسي‪ ،‬والذي يوصل البشرية إلى غايتها األساسية‪،‬‬
‫وباختصا ٍر‪ ،‬السر الذي يوصل اإلنسانية للكمال إنما هو“الخلق‬
‫الحسن” الذي ينموويترعرع في ظل اإليمان‪.‬‬

‫وبدرجة األخلق ونسبتها يتكون لدى اإلنسان النضوج‬

‫والفضيلة والقيمة والعظمة‪ .‬ولكي يستطيع اإلنسان أن يصل مرتبة‬

‫العبد المحبوب من قبل الله ‪ ‬في الحياة الدنيا‪ ،‬يجب عليه أن ينضج‬
‫معنوي ًا‪ .‬وطريق هذا النضوج المعنوي يمر من “التربية المعنوية”‪.‬‬

‫أ‪,,‬ولياء الحق ‪U‬‬

‫إن كل ما يتعلمه الشخص من العلوم الدنيوية‪ ،‬وما يكتسبه من‬

‫األعمال والحرف اليدوية‪ ،‬يحتاج إلى معلم يعلمه ذلك ويريه الطرق‬
‫ِ‬
‫واألستقامة‬
‫التي يجب أن يتبعها‪ .‬وفي تعلم األخلق الحميدة‬

‫على الطريق المستقيم في سبيل تقويم شخصية اإلنسان‪ ،‬وتحسين‬
‫أخلقه‪ ،‬فإن َ‬
‫أل ْولِياء الحق ‪ U‬الدور الكبير في تحقيق ذلك‪:‬‬
‫‪ -‬بصفتهم المعلمون الحقيقيون للتربية المعنوية‪.‬‬

‫ فهم المؤمنون الذين آمنوا إيمان ًا كام ً‬‫ل وحقيقي ًا‪ ،‬وهم‬

‫‪45‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫العارفون والعالمون والصالحون الذين نقشوا الدين على‬
‫شخصياتهم بعد مزج ظاهره بباطنه‪.‬‬

‫وهم الذين وصلوا إلى قمة مكارم األخلق بعد قطع مراحل‬‫متعددة في سبيل التقوى والزهد في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫وهم الذين وصلوا إلى أعماق الشعور بلذة اإليمان بعد‬‫توسيع آفاق إدراكهم وعلمهم باألمور في الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫وهم الذين جعلوا كل هدفهم وشغلهم الشاغل هو تخليص‬‫اإلنسانية من العادات السيئة والتقاليد الرديئة‪ ،‬وإنجاد النفوس من‬
‫المستنقعات الظلماء‪ ،‬وإيصالها إلى مرتبة األخلق الحسنة‪ ،‬أي‬
‫إيصالها إلى النضوج المعنوي‪ ،‬وإلى السماء النورانية‪.‬‬

‫إنهم بكون قلوبهم معلقة دائم ًا بجلل الله ‪ ،‬فهم اّ‬
‫يذكرون‬
‫الناس بالله ‪ U‬في كل زمان ومكان‪ .‬ومن يتبع هؤالء الصالحين‪،‬‬
‫وينهج نهجهم‪ ،‬يكتسب الحكمة والقدرة على النظر إلى األمور‬
‫والحوادث الدنيوية من نافذة من نوافذ اآلخرة‪ .‬وإن تصرفات أولياء‬
‫الحق ‪ ‬وأحوالهم توافق بشكل عام ما أمر الله ‪ U‬به عباده‪ .‬وكما‬
‫ورد في الحديث القدسي‪:‬‬

‫يبصر به‬
‫كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي‬
‫"‪ ...‬فإذا أحببته ُ‬
‫ُ‬
‫ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها " (صحيح البخاري‪ ،‬الرقاق‪)38 ،‬‬

‫وفي رواية‪":‬ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به" (الهيثمي‪)248 ،2 ،‬‬

‫‪46‬‬

‫إن أخلق أولياء الحق ‪ ‬وتصرفاتهم إنما هي انعكاس من‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫الحياة الروحانية لرسول الله ‪ ،‬التي تعتبر التفسير الفعلي للقرآن‬
‫الكريم‪ .‬وهم بمثابة مرآة نقية وصافية تعكس جمال األخلق‬
‫النبوية‪ ،‬مثلها كمثل ضوء القمر الذي ينعكس على الماء الصافي‪،‬‬
‫والذي يستمد نوره من الشمس‪ ،‬حيث أنهم في غيرة تامة لتطبيق‬
‫سنة شمس رسالة سيدنا محمد ‪ ‬بحذافيرها‪ ،‬وجعل هذه السنة‬
‫المباركة قدوة لهم في حياتهم‪ .‬لذا يستطيع من يشاهد حياتهم بقلب‬
‫حساس ورقيق‪ ،‬ومن يربط قلبه بمحبة هؤالء الناس‪ ،‬يستطيع أن‬
‫نظير وال مثيلٍ له‬
‫يرى التجلي الظريف والمنقطع النظير والذي ال َ‬
‫لألخلق النبوية على حياتهم‪.‬‬
‫لقد أعطى الله ‪ ‬لعباده األولياء صلحية التصرف في القلوب‪،‬‬
‫مقابل إخلصهم وصدقهم في مشاعرهم‪ .‬ألنهم بدؤوا ِ‬
‫باألستقامة‬
‫من حياتهم الشخصية‪ ،‬فعاشوا حياتهم بناء على ذلك‪ ،‬ثم بدؤوا‬
‫بنشر بركة ذلك ممثلين لطافة اإلسلم ورقته وتميزه بحسن األخلق‬
‫فأصبحوا مظهر ًا الئق ًا لبركة التأثير الرائع والمتميز والفريد‪.‬‬

‫أما الكلمات واألقوال البعيدة عن التنفيذ والتطبيق‪ ،‬والتصرفات‬
‫البعيدة عن الواقع‪ ،‬والتي ال تهدف إال للرياء والمباهاة بالنفس‪ ،‬إنما‬
‫هي كتقديم طعام لضيف ولكن دون فائدة‪ .‬وال تدوم تلك الكلمات‬
‫واألقوال طوي ً‬
‫ل‪ ،‬بل تتلشى في وجه رياح الحياة العاتية والقاسية‪.‬‬
‫وال تترك حتى أثر ًا صغير ًا من بعدها‪ .‬وبالمقابل فإن سر أولياء الحق‬
‫‪ ‬في ترك آثار واضحة منقوشة في القلوب والصدور بشكل دائم‪،‬‬
‫هو إخلصهم ال اّ‬
‫لمتناهي وصدقهم وحبهم العظيم‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والتصوف على هذا األساس‪ ،‬ليس فقط الزهد في الدنيا وهجر‬

‫الملذات النفسية والشهوات الشيطانية‪ .‬فكما قال الشاعر التركي‬

‫“يونس أمره” أن التصوف ليس بلبس العباءة والعمامة‪ ،‬واالكتفاء‬
‫ببعض األوراد واألذكار‪ .‬بل إن التصوف بالمعنى الحقيقي هو قطع‬

‫مسافات جديرة بالذكر في سبيل التقرب من الله ‪ ،‬عن طريق‬
‫التعمق في حكمه اللمتناهية التي تجلت على الحياة الدنيا وعلى‬

‫الكائنات والمخلوقات كافة‪.‬‬

‫وال يمكن الوصول إلى هذه المرتبة إال إذا استسلم اإلنسان‬

‫وأدرك انه ال يساوي شيئا أمام عظمة وقدرة التدفق اإللهي‪ ،‬ويثبت‬
‫ذلك في كل نفس يتنفسه‪ ،‬بتضرعه لله ‪ ‬وقوله “األمان‪...‬األمان‪..‬‬

‫يا رب”‪.‬‬

‫إن أولياء الحق ‪ U‬هم وسائل للرحمة والبركة للناس الذين من‬

‫حولهم‪ .‬وهم عبارة عن حضن حنون دافئ مليء بالحب والرحمة‪،‬‬
‫ومنفتح على جميع طبقات ومستويات المجتمع‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أنهم مركز للجاذبية كالمغناطيس يجذبون أهل‬

‫أحب عباده هؤالء الذين تخلقوا بأخلقه‪،‬‬
‫اإليمان إليهم‪ .‬ألن الله ‪ ‬اّ‬
‫وزرع حبهم في قلوب الناس‪ .‬وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ُو ًّدا‬
‫‪48‬‬

‫الصالِ َح ِ‬
‫الر ْح َم ُن‬
‫‪‬إِنَّ ا َّل ِذ َ‬
‫ين آ َمنُوا َو َع ِم ُلوا َّ‬
‫ات َس َي ْج َع ُل َل ُه ُم َّ‬

‫‪( ‬مريم‪)96 ،‬‬

‫ولهذا السبب فإن أولياء الحق ‪ U‬ال ُي ْم ِك ُن أن ُيتركوا للنسيان‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫بين صفحات التاريخ الماضية‪ ،‬بعد أن تبلى أجسادهم الفانية‪ ،‬بل‬

‫يتابعون حياتهم وعيشتهم في قلوب محبيهم‪ .‬وشعور الحب الذي‬

‫تفضل الله ‪ ‬به على القلوب المحظوظة تجاه عباده األولياء‪ ،‬إنما‬
‫ِ‬
‫واحد‪ ،‬وهو في الحقيقة وسيلة‬
‫هو فرصة كبيرة ال يحصل عليها أي‬

‫للسعادة األبدية‪ .‬حيث أن بقاء الشخص يوم القيامة مع من يحب هو‬

‫وعد وعهد نبوي‪ .‬وحب اإلنسان لهؤالء العباد الذين ال مثيل لهم‪،‬‬

‫ومحاولته التقرب إليهم إنما يقربه لله ‪.‬‬

‫وبدورنا نحن‪ ،‬فإن أردنا أن نحب أولياء الله وأحباءه‪ ،‬وأردنا‬
‫التقرب إليهم‪ ،‬والحشر معهم يوم القيامة‪ ،‬علينا إذ ًا أن نحاول أن‬
‫نأخذ نصيب ًا من أخلقهم الحميدة‪ .‬ألن علمة الحب هو تخلق‬
‫الم ِحب بأخلق من يحب والتشبه به‪.‬‬
‫ُ‬
‫فعلى هذا األساس‪ ،‬فإن محاولة التخلق بأخلق أولياء الحق‬

‫‪ U‬يتوجب اإلدراك التام للتجلي الرائع لألخلق الحميدة عليهم‬

‫وعلى حياتهم‪ .‬ومن إحدى األوصاف الفارقة التي تعكس أخلق‬

‫اولياء الحق ‪ U‬الرفيعة هو“التواضع”‪.‬‬

‫التواضع‪ :‬كأسمى ميزة من ميزات العبودية هلل ‪‬‬

‫إن العبودية لله ‪ ‬هي بداية الشعور واإلدراك رفيع المستوى‪.‬‬

‫وإدراكنا بأننا ال نساوي شيئا أمام عظمة الخالق ‪ U‬وقدرته‪ ،‬ومعرفتنا‬

‫بأن وجودنا واستمراريتنا ال تتم إال بمشيئته ‪ ‬كما خلقنا أول مرة‬

‫‪49‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫من ال شيء‪ ،‬وإيماننا الكامل والتام بأننا محتاجون في كل لحظة وفي‬

‫كل نفس نتنفسه لله ‪ ،U‬إنما ذلك يشكل أساس العبودية لله ‪.‬‬

‫أي أن العبودية هي أن يعرف اإلنسان حده‪ ،‬بأن يستطيع أن‬

‫يرى موقعه العاجز والضعيف أمام العظمة والجبروت اإللهي‪ .‬ومن‬

‫استطاع رؤية ذلك وأدركه كما يجب‪ ،‬فلن يبقى لديه مجال لألنانية‬
‫والتكبر وإثبات الوجود‪ ،‬بل يكون في منتهى األدب والتعظيم‬

‫والتبجيل لله ‪.‬‬

‫وكان سيدنا الهدائي في رضاء تام وكامل‪ ،‬يحمد الله ‪‬‬

‫ويشكره ويثني عليه باعترافه بعبوديته له ‪ .U‬حيث كان يقول‪:‬‬

‫«أنت المعطي وأنت اآلخذ‪ ،‬وأنت اآلمر وأنت الناهي‪ ،‬وما‬
‫أعطيت فهو لنا‪ ،‬ومع ذلك فهل نملك شيئ ًا؟»‪.‬‬

‫وبالنتيجة‪ ،‬فمن ال ينال نصيب ًا من التواضع‪ ،‬هو الذي لم يدرك‬
‫عظمة الله ‪ ‬وقدرته إدراك ًا تام ًا وكما يجب‪.‬‬
‫وفي هذا يقول سيدنا جلل الدين الرومي –سلطان العارفين–‪:‬‬

‫«إنني صرت عبد ًا‪ ،‬صرت عبد ًا‪ ،‬صرت عبد ًا‪ .‬أنا العبد العاجز‪.‬‬

‫طأطأت رأسي من خجلي‪ ،‬ألنني لم أؤد حق عبوديتي كما يجب‪ .‬إن‬
‫كل عبد يفرح عندما يطلق سراحه‪ ،‬أما أنا يا إلهي فإني سعيد بكوني‬
‫عبد ًا رقيق ًا مملوك ًا لك»‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫وهذا مثال جميل ومعبر عن خلق العبودية‪...‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫علي ‪ t‬يطوف بالبيت‪ ،‬ثم صار إلى المقام‬
‫ؤي‬
‫ور َ‬
‫الحسن بن ٍ‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫فصلى ركعتين‪ ،‬ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول‪:‬‬
‫مسيِكينك ببابك‪.‬‬
‫ُع َب ْيدُ َك ببابك‪ ،‬خو ْي ُ‬
‫دمك ببابك‪ ،‬سائلك ببابك‪ْ ،‬‬
‫يردد ذلك مرار ًا ثم انصرف ‪ ،t‬فمر بمساكين معهم فلق خبز‬

‫يأكلون‪ ،‬فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام‪ ،‬فجلس معهم ‪ ،t‬وقال‪:‬‬

‫لوال أنه صدقة ألكلت معكم‪ .‬ثم قال ‪:t‬‬

‫«قوموا بنا إلى منزلي‪ .‬فتوجهوا معه‪ ،‬فأطعمهم وكساهم وأمر‬

‫لهم بدراهم»‪( .‬انظر‪ :‬األبشيهي‪ ،‬المستطرف‪ ،‬بيروت‪1986 ،‬م‪ ،‬جـ ‪)31 ،1‬‬

‫إذ ًا هذا هو التواضع الحقيقي‪ .‬فيه خلق رفيع يجعل المؤمن‬
‫يعيش ضمن مشاعر عميقة جد ًا تجاه ربه ‪ ،‬وتجاه عباده‪ .‬فمن‬

‫استطاع أن ينقش هذا الخلق الرفيع على شخصيته‪ ،‬أصبحت أحواله‬
‫وحركاته وتصرفاته متزنة ومتوافقة مع وضعه كعبد لله ‪ .‬وينعكس‬

‫ذلك على قيامه وجلوسه‪ ،‬وعلى لباسه وهندامه‪ ،‬وعلى كلمه‬
‫وسكوته‪ ،‬وعلى وقوفه ومشيه‪ .‬أي يكون دائم ًا في مظهر من مظاهر‬
‫التواضع في كل حال من أحواله‪ .‬وكما قال الله ‪ U‬في اآليات‬

‫الكريمه‪:‬‬

‫ين َيم ُشونَ َع َلى َ‬
‫ض هَ ْو ًنا َوإِ َذا َخ َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اط َب ُه ُم‬
‫الر ْح َم ِن ا َّل ِذ َ ْ‬
‫‪َ ‬و ِع َب ُاد َّ‬
‫ا ْل َج ِ‬
‫سال ًما‪( ‬الفرقان‪)63 ،‬‬
‫اه ُلونَ َقا ُلوا َ‬
‫ض َمر ًحا إِ َّن َك َلن َت ْخ ِر َق َ‬
‫َ‬
‫األ ْر َ‬
‫‪َ ‬و َال َت ْم ِ‬
‫ض َو َلن َت ْب ُل َغ‬
‫ش ِفي األ ْر ِ َ‬
‫ا ْل ِج َب َ‬
‫ال ُطوالً‪( ‬اإلسراء‪)37 ،‬‬

‫‪51‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ش ِفي َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اس َوال َت ْم ِ‬
‫‪َ ‬وال ُت َص ِّع ْر َخدَّ َك لِل َّن ِ‬
‫ض َم َر ًحا إِنَّ ال َّل َه ال‬
‫ُي ِح ُّب ُك َّل ُم ْخت ٍ‬
‫َال َف ُ‬
‫خورٍ‪( ‬لقمان‪)18 ،‬‬

‫فكما ورد في اآليات الكريمه‪ ،‬فإن الله ‪ ‬قد نهى عن المشي‬
‫بغرور وتكبر‪ .‬وإن طريقة سيدنا محمد ‪ ‬في المشي هي مثال عن‬
‫تواضعه‪ .‬حيث كان يمشي وهو ينظر أمامه بخطى سريعة ووقورة‬
‫وكأنه يهبط منحدر ًا‪ .‬وأصبح هذا الخلق الرفيع شعار ًا ألولياء الحق‬
‫عبر عنه بالجملة‬
‫‪ .U‬حيث أنه أصبح دستور ًا مهم ًا في التصوف‪ ،‬و ُي اّ‬
‫ِ‬
‫التالية‪( :‬النظر إلى‬
‫أطراف القدم)‪.‬‬

‫فالمشي بالنظر إلى أصابع القدم يدل على فضائل كثيرة‬
‫ومتعددة كالتواضع واألدب‪ ،‬ومعرفة الحد‪ ،‬وحماية العين من النظر‬
‫إلى المحرمات‪ ،‬والتمسك الجيد بأوامر الله ‪ ،‬والتقيد بسنة نبيه‬
‫محمد ‪.‬‬

‫وال يحصل اإلنسان على رضاء الله ‪ ‬بتواضعه في طريقة‬
‫مشيه فقط‪ ،‬بل في كل حال من أحواله‪ ،‬وفي كل تصرف من‬
‫تصرفاته‪.‬وكما ورد في الحديث الشريف عن النبي ‪:‬‬

‫"من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يجعله في عليين‬
‫ومن تكبر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل‬
‫السافلين" (أحمد‪)76 ،3 ،‬‬

‫‪52‬‬

‫وقد قرأ سيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬الحكمة التي‬
‫أوصلها التراب إلى أذهان الناس‪ ،‬فدعانا إلى أن نكون كالتراب في‬
‫التواضع‪ ،‬ويشرح ما يطلبه الله منا قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫«يا ابن آدم‪ ،‬شاهد وانظر بتمعن‪ ،‬فإني قد وضعت بذرة مني‬

‫في جسدك الذي خلق من التراب‪ ،‬فرفعت من شأنك وجعلتك‬
‫في أحسن تقويم بينما كنت عبارة عن ذرة غبار في ذلك التراب‪.‬‬
‫وأعطيتك عق ً‬
‫ل‪ ،‬وأعطيتك حب ًا‪ .‬فاسع يا ابن آدم لكي تتصف بصفة‬

‫التراب‪ ،‬أي التواضع‪ .‬وبذلك أجعلك أمير ًا على كل من خلقت»‪.‬‬

‫وقد اّنوه سيدنا الشيخ سعدي شيرازي إلى أن التواضع هوسر‬

‫ِ‬
‫وشبه اإلنسان المتواضع بالماء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫األرتقاء المعنوي‪ ،‬اّ‬

‫«بما أن السيل يتدفق بجلفة وجبروت‪ ،‬فإنه ينحدر نحواألسفل‬

‫ونحوالهاوية‪ ،‬أما قطرة الندى‪ ،‬بصفتها صغيرة وعاجزة‪ ،‬فتحملها‬
‫الشمس بحب وحنان إلى األعالي ِ‬
‫والقمم»‪.‬‬
‫والعباد الذين تخلقوا بالتواضع الذي أمرهم الله ‪ ‬به‪ ،‬ينالون‬

‫ووعدوا‪ ،‬فكما قال الله ‪ U‬في اآليات الكريمه‪:‬‬
‫ما ُبشاّ روا به ُ‬

‫اس َم ال َّل ِه َع َلى َما َر َز َق ُهم ِّمن‬
‫نس ًكا لِ َي ْذ ُك ُروا ْ‬
‫‪َ ‬ولِ ُك ِّل ُأ َّم ٍة َج َع ْلنَا َم َ‬
‫يم ِة َ‬
‫األن َْعا ِم َفإِ َل ُه ُك ْم إِ َلهٌ َو ِ‬
‫ين‬
‫ين‪ .‬ا َّل ِذ َ‬
‫احدٌ َف َل ُه َأ ْس ِل ُموا َو َب ِّش ِر ا ْل ُم ْخبِتِ َ‬
‫َب ِه َ‬
‫ين َع َلى َما َأ َصا َب ُه ْم َوا ْل ُم ِقي ِمي‬
‫الصابِ ِر َ‬
‫إِ َذا ُذ ِك َر ال َّل ُه َو ِج َل ْت ُق ُلو ُب ُه ْم َو َّ‬
‫َاه ْم ُي ِ‬
‫الص ِ‬
‫نف ُقونَ ‪( ‬الحج‪)35–34 ،‬‬
‫الة َو ِم َّما َر َز ْقن ُ‬
‫َّ‬

‫لذا فإن التواضع واإلخلص يحوزان على أهمية بالغة في إيفاء‬

‫وظيفة العبودية لله ‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫السيف‪ ،‬يقطع عنق من له عنق‪...‬‬

‫إن الناس المتواضعين البعيدين عن صفات األنانية وإثبات‬
‫الذات‪ ،‬ال يخافون من كثير من المخاطر المعنوية‪ .‬ويشرح موالنا‬
‫جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬هذه الحقيقة بالتشبيه التالي‪:‬‬
‫«إن السيف يقطع عنق من له عنق‪ ،‬أما الظل فبما أنه مفروش على‬

‫األرض‪ ،‬فل يمكن ألي ضربة سيف أن تقطعه‪ ،‬أوحتى تجرحه»‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أن التواضع الحقيقي الذي يرفع من شأن صاحبه‬
‫معنوي ًا ويعظمه‪ ،‬هو بنفس الوقت وسيلة الزدياد وتكاثر علم الشخص‬
‫وحكمته‪ ،‬وتفتح وتوسع آفاق بصيرته‪ .‬وورد في هذا المضمار في‬
‫كتاب المثنوي لسيدنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪ -‬ما يلي‪:‬‬

‫«إذا انخفض مستواك ظاهري ًا‪ ،‬وتدنيت في نظر الناس بسبب‬
‫تواضعك‪ ،‬فإن الله ‪ ‬سوف ُيحسن إليك ويكرمك ويهب عينيك‬
‫بصيرة الرؤية الصحيحة والمنطقية لألمور‪ .‬وسوف تكون لديك‬
‫فرصة رؤية جميع األمور على حقيقتها‪ ،‬والتعامل معها بشكل‬
‫منطقي وحكيم‪ .‬وستكون لديك القدرة على اإلطلع على سر‬
‫الحديث النبوي الشريف‪" :‬اللهم أرنا األشياء كما هي" (الرازي‪ ،‬في تفسير‬
‫اإلسراء‪85 ،‬؛ نعمة الله النخجواني‪ ،‬الفواتح اإللهية والمفاتح الغيبية ‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪)275‬‬

‫‪54‬‬

‫يتو اّلد عن التواضع‪ :‬الرحمة والشفقة والكرم ومساعدة اآلخرين‪.‬‬
‫والشخص المتواضع هو أهل لتقديم المساعدة لآلخرين وخدمتهم‪،‬‬
‫وأهل للرحمة والشفقة والعطف على الغير‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫وعلى عكس ذلك‪ ،‬فالشخص الذي لم ينل نصيب ًا من التواضع‪،‬‬
‫هو إنسان متكبر‪ ،‬وشحيح‪ ،‬ومحروم من اللطف والرحمة اإللهية‪.‬‬
‫قال اإلمام الشعراني في كتابه “البحر المورود” ما يلي‪:‬‬

‫«إن أكثر من يحصل على فائدة في مجلس معنوي وروحاني‬
‫هو من يبدي التواضع والذل‪ .‬ألن الرحمة اإللهية تتنزل على الناس‬
‫المتواضعين‪ ،‬فقيري المشرب‪ .‬ألم نلحظ أبد ًا ونتفكر ونتأمل في‬
‫والحفر‪ ،‬بينما‬
‫أن حتى مياه األمطار تتجمع دائم ًا في المنخفضات ُ‬
‫تتدفق في األنهار والسواقي»‪.‬‬

‫التواضع عند سيدنا محمد ‪‬‬

‫عن عياض بن حمار أخي بني مجاشع قال‪ :‬قام فينا رسول الله‬
‫إلي أن تواضعوا حتى‬
‫‪ r‬ذات يوم خطيب ًا فقال‪..." :‬وإن الله أوحى َّ‬
‫ال يفخر أحد على أحد وال يبغي أحد على أحد" (مسلم‪ ،‬الجنة‪)64 ،‬‬
‫وكان النبي ‪ ‬الذي ُأرسل ليتمم مكارم األخلق‪ ،‬كان يجيب‬
‫دعوة األحرار والعبيد‪ .‬وكان يقبل الهدية حتى ولوكانت شربة‬
‫حليب‪ .‬وكان بالمقابل ‪ r‬يهدي من أهداه‪ .‬وكان يبدي اهتمام ًا بالغ ًا‬

‫في خصوص تلبية متطلبات ورغبات الفقراء والمحتاجين كالجواري‬
‫أوالعبيد‪ ،‬أوأي شخص ممن كانوا ُيحتقرون و ُيستصغرون بين الناس‬
‫في المجتمع‪.‬‬

‫عن بن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلثة على بعير وكان أبو لبابة‬
‫وعلي زمي َل ْي رسول الله ‪ r‬فكان إذا كانت عقبة النبي قاال اركب‬

‫‪55‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫حتى نمشي عنك فيقول ‪:r‬‬

‫"ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا أغنى عن األجر‬
‫منكما" (ابن سعد‪ ،‬جـ‪)21 ،2.‬‬
‫كان فتح مكة المكرمة من أكبر ِ‬
‫األنتصارات التي َم َّن الله ‪ ‬بها‬

‫على المسلمين بعد أن عانوا جميع ألوان العذاب وأنواعه حوالي‬
‫عشرين سنة‪.‬‬

‫ولكن دخول النبي ‪ ‬إلى مكة المكرمة لم يكن بعلمات النصر‬
‫والفرح‪ ،‬بل كان ‪ ‬ساجد ًا على ظهر جمله‪ ،‬وهو في حالة الشاكر‬
‫والمتضرع إلى الله ‪ .‬ولكي ال يترك أي مجال ولوجزء ًا بسيط ًا‬
‫للتظاهر وإبراز نفسه‪ ،‬كان يكرر الجملة التالية‪:‬‬
‫"اللهم ال عيش إال عيش اآلخرة‪ ،‬فاغفر لألنصار والمهاجرة"‬

‫(الواقدي‪،‬جـ‪824 ،2.‬؛ البخاري‪ ،‬الرقاق‪)1 ،‬‬

‫النبي ‪ r‬رجل ‪ .‬فكلمه ‪ .‬فجعل ترعد‬
‫عن أبي مسعود قال أتى َّ‬
‫فرائصه ‪ .‬فقال له‪:‬‬
‫"ه ِّو ْن عليك ‪ .‬فإني لست ِ‬
‫بملك ‪ .‬إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد"‬
‫َ‬

‫(ابن ماجه‪ ،‬األطعمة‪30 ،‬؛ الطبراني‪ ،‬المعجم األوسط‪ ،‬جـ ‪)46 ،2‬‬

‫مبرز ًا بذلك تواضع ًا ال مثيل له‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫قالت أسماء بنت أبى بكر لما دخل رسول الله ‪ r‬مكة ودخل‬
‫المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يعوده فلما رآه رسول الله ‪ r‬قال هل‬
‫تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه قال أبو بكر يا رسول الله‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫هو أحق ان يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه قال فأجلسه بين يديه‬

‫ثم مسح صدره ثم قال له أسلم فأسلم (أحمد‪)349 ،6 ،‬‬

‫وعن ابن عمر ‪ v‬قال جاء أبو بكر ‪ t‬بأبيه أبو قحافة إلى رسول‬

‫الله ‪ r‬يقوده شيخ أعمى يوم فتح مكة فقال له رسول الله ‪" :r‬أال‬

‫تركت الشيخ حتى نأتيه؟" قال ‪ :‬أردت أن يؤجر والله ألنا كنت‬
‫باسالم أبي طالب أشد فرح ًا مني باسالم أبي ألتمس بذلك قرة عينك‬
‫فقال رسول الله ‪" :r‬صدقت"‬

‫(الهيثمي‪)174 ،6 ،‬‬

‫وكان النبي ‪ ‬يوقظ وينبه و ُي اّ‬
‫حذر دائم ًا الذين يبدون أساليب‬

‫التعظيم والتبجيل له‪ ،‬ويبالغون في ذلك‪ ،‬فكان يقول لهم‪:‬‬

‫"ال ترفعوني فوق حقي فأن الله تعالى اتخذني عبد ًا قبل أن‬
‫ً‬
‫رسوال" (الهيثمي‪)21 ،9 ،‬‬
‫يتخذني‬

‫التواضع عند الصحابة الكرام ‪y‬‬
‫إن جيل الصحابة الكرام ‪ ،y‬والذين نشؤوا في ظل التربية‬

‫النبوية‪ ،‬قد نالوا نصيب ًا منقطع النظير من حالة التواضع لدى سيدنا‬

‫محمد ‪ .‬فعلى سبيل المثال سيدنا أبوبكر الصديق ‪ ،t‬الذي‬
‫قال عنه النبي ‪ ‬عنه بأنه‪" :‬ا ْثن ِ‬
‫َان ال َّل ُه َثالِ ُث ُه َما"‪،1‬‬
‫‪1‬‬

‫صحيح البخاري‪ ،‬التفسير‪.9/9 ،‬‬

‫‪57‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال"أبو بكر مني وأنا منه وأبو بكر أخي في الدنيا واآلخرة"‬

‫‪1‬‬

‫فعلى الرغم من ذلك أوضح ‪ t‬للناس في خطبته األولى التي‬

‫ألقاها عندما اختير للخلفة‪ ،‬بأنه لن يستغني عن التواضع‪ ،‬على الرغم من‬
‫منصبه العالي والرفيع كخليفة‪ ،‬آم ً‬
‫ل بذلك رحمة الله ‪ ‬ولطفه‪ ،‬حيث‬

‫قال‪«:‬يا أيها الناس! لقد ُع اّينت أمير ًا عليكم مع أنني لست أخ َيركم»‪.‬‬
‫قال‪ :‬أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال‪ :‬حدثنا أبي قال‪:‬‬
‫سمعت شيخ ًا من بني عبس عن أبيه قال‪ :‬أتيت السوق فاشتريت‬
‫علف ًا بدرهم فرأيت سلمان وال أعرفه فسخرته فحملت عليه العلف‪،‬‬

‫فمر بقوم فقالوا‪ :‬نحمل عنك يا أبا عبد الله‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ قالوا‪:‬‬

‫هذا سلمان صاحب رسول الله‪ ،r ،‬فقلت‪ :‬لم أعرفك‪ ،‬ضعه عافاك‬
‫الله‪ ،‬فأبى حتى أتى منزلي فقال‪ :‬قد نويت فيه نية فل أضعه حتى أبلغ‬

‫بيتك‪.‬‬

‫(ابن سعد‪)88 ،4 ،‬‬

‫كان مؤذن الرسول ‪ ‬سيدنا بلل الحبشي ‪ t‬أسود اللون‪.‬‬

‫وغضب منه مرة سيدنا أبوذر الغفاري ‪ ،t‬فخاطبه بأسلوب تحقيري‬

‫فقال له‪«:‬يا ابن االمرأة السوداء»‪ .‬فغضب سيدنا محمد ‪ ‬من سيدنا‬
‫أبي ذر غضب ًا شديد ًا‪.‬‬
‫عن المعرور عن أبي ذر قال‪ :‬رأيت عليه برد ًا وعلى غلمه برد ًا‬
‫فقلت لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة وأعطيته ثوب ًا آخر فقال كان بيني‬
‫‪58‬‬

‫‪1‬‬

‫املتقي اهلندي‪ ،‬كنز العامل‪ ،‬رقم احلديث‪.32550 :‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫وبين رجل كلم وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي ‪r‬‬
‫فقال لي‪" :‬أساببت فلن ًا"‪ .‬قلت نعم قال‪":‬أفنلت من أمه"‪ .‬قلت نعم‬

‫قال‪" :‬إنك امرؤ فيك جاهلية"‪ .‬قلت على حين ساعتي هذه من كبر‬

‫السن؟ قال‪" :‬نعم هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل‬
‫الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس وال يكلفه‬
‫من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه "‬

‫(البخاري‪ ،‬األدب‪)44 ،‬‬

‫اإلعتدال في التواضع‪:‬‬
‫إن المبالغة واإلفراط في التواضع يقود الشخص إلى المذلة‪،‬‬
‫أوإلى التكبر والغرور بشكل غير مباشر‪ .‬والتواضع الصحيح‬
‫والمناسب هو غنيمة وكسب معنوي للناس أصحاب المستوى‬
‫الرفيع‪ .‬ومن يظهر نفسه بأنه متواضع‪ ،‬مع أنه في الحقيقة عكس‬
‫ذلك‪ ،‬فإن ذلك رياء‪ ،‬واختباء وراء كسوة فضيلة التواضع‪.‬‬
‫ما أجمل ما قال الشيخ السعدي واصف ًا حال المتكبرين‪:‬‬

‫«إنهم كالبصل‪ ،‬يريدون أن يقشروا القشرة الخارجية لهم لكي‬
‫يصلوا إلى الثمرة ظانين فيه لب ًا‪ ،‬كما هو حال الفول السوداني‪،‬‬
‫ولكنهم كلما أزالوا قشرة وجدوا قشرة أخرى عوض ًا عن الثمار»‪.‬‬

‫لذا فمن يداّ عي صفة ال يتصف بها‪ ،‬بل ويستخدم كلمة التواضع‬
‫لتلك الصفات الوهمية‪ ،‬إنما يشكل مثا ً‬
‫ال صحيح ًا ومناسب ًا عن‬
‫الرياء‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن أخيار بني البشر من أصحاب العلم والعقل والحكمة‬
‫هم فقط المتواضعون‪ ،‬وهم أصحاب العطاء والكرم والهبة للناس‬
‫وأمالت أغصانها‬
‫جميع ًا‪ .‬فهم كالشجرة التي نضجت ثمارها‪ ،‬فأحنت‬
‫ْ‬
‫لتقربها لمتناول الناس‪ ،‬فتقدم لهم تلك الثمار الناضجة واللذيذة‪.‬‬
‫يحول عالمه الداخلي إلى منهل يوفر للبشرية‬
‫لذا على اإلنسان أن اّ‬
‫جمعاء اإلستفادة الدائمة‪ ،‬بد ً‬
‫تغره المناصب والشهرة‬
‫ال من أن اّ‬
‫المبنية على اإلفتخار والتظاهر بالمظاهر الخارجية الخداعة‪.‬‬

‫وهناك البعض من الناس يتظاهرون بالتواضع‪ ،‬إلشباع غرائزهم‪،‬‬
‫ولكي ُيمدحوا من قبل اآلخرين بتواضعهم واتصافهم بالصفات‬
‫الحميدة‪ .‬وهذا الرياء ما هو إال عبارة عن تكبر ُز اّين بمظهر التواضع‪،‬‬
‫فهو في الحقيقة«اإلفتخار بالتواضع»‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬إذا قال الشخص‪«:‬إنني فقير ولكني تصدقت‬
‫بكذا‪ ،‬وأحسنت لفلن كذا‪ ،‬وعملت الخير‪ ،‬ونلت الحسنات‪،‬‬
‫وتعبدت الله ‪ ‬بكذا وكذا«فإن هذا الكلم ليس إال عبارة عن‬
‫اّ‬
‫تغطية الكبر والغرور بغطاء التواضع»‪.‬‬
‫قال سيدنا حسن البصري‪:‬‬

‫«من ذم نفسه بين الناس كثير ًا‪ ،‬هو في الحقيقة يمدح نفسه‪،‬‬
‫وذلك من علمات الرياء والعياذ بالله»‪.‬‬
‫لذا فإن المبالغة واإلفراط في التواضع خطير جد ًا‪ .‬ألن التكبر‬
‫‪60‬‬

‫والغرور يقتلن الروح‪ ،‬و ُيتعبان النفس‪ ،‬ألنهما عبارة عن ارتقاء‬
‫خادع وارتفاع ظاهري في المستوى اإلجتماعي‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫وقال موالنا جلل الدين الرومي‪ ،‬الفت ًا انتباهنا إلى ضرورة عدم‬
‫المبالغة واإلفراط في التواضع‪:‬‬
‫«كن متواضع ًا كالعبد‪ ،‬ولكن امش على األرض ِ‬
‫كالحصان‪ .‬وال‬

‫َت‬
‫تحاول أن ترتفع كالتابوت الذي ُيحمل على األكتاف‪ .‬لقد َ‬
‫تفرعن ْ‬
‫النفس من اإلكثار في المديح والتبجيل‪ .‬فكن ذليل النفس‪ ،‬وال‬
‫ُ‬
‫تتفاخر بالعظمة مهما كنت عظيم ًا»‪.‬‬

‫والتواضع الحقيقي هو أن تضع نفسك في موضع العبودية‬
‫لله ‪ ‬من جهة‪ ،‬وفي موضع اإلنصاف مع العباد من جهة أخرى‪.‬‬
‫أي أن تلبي جميع أوامر الله ‪ ،‬وتعترف في الوقت نفسه بعجزك‬
‫وتقصيرك وأن ترعى حقوق اآلخرين‪ ،‬وتسلم بما يروه مناسب ًا في‬
‫اتخاذ القرارات الصحيحة‪ .‬وأن تتجنب الدخول في بوتقة العناد‬
‫النفسي في خصوص الحقائق والمسلمات‪.‬‬
‫وكما قال فضيل بن عياض–رحمة الله عليه‪:-‬‬

‫«التواضع هو أن تطأطئ رأسك أمام الحقيقة‪ ،‬وأن تتقبلها‬
‫وتس اّلم بها‪ ،‬ولوكانت صادرة عن جاهل أوعن صغير‪ ،‬فل فرق»‪.‬‬

‫المزيج السحري للتواضع في التربية المعنوية‬
‫يقال في المثل‪«:‬مثل التواضع هو كمثل الصياد الذي يصطاد‬
‫الشرف» لصعوبة األتصاف بالتواضع‪.‬‬
‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإنه ال توجد أية وسيلة مؤثرة كالتواضع في نيل‬
‫المراتب العليا من العزة المعنوية والشرف والكرامة‪ .‬وعلى عكس‬

‫‪61‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ذلك‪ ،‬فإن التكبر واألنانية‪ ،‬وإثبات الذات هي من أسوء العادات التي‬
‫تغضب الله ‪ ‬غضب ًا شديد ًا‪.‬‬

‫قال الصحابي الجليل سيدنا أبوبكر الصديق ‪ t‬في هذا‬
‫المضمار‪« :‬عندما يتكبر العبد بنعمة من نعم الدنيا‪ ،‬فيبغض الله ‪‬‬
‫هذه النعمة عليه حتى تزول عنه»‪.‬‬

‫وأول خطوة للتربية المعنوية هي البداية بتزكية النفوس‪ .‬وإن‬
‫أصعب ما تتخلى النفوس عنها من عادات وخصل هي التكبر‬
‫واألنانية وإثبات الذات‪.‬‬
‫قال أبوهاشم الصويف‪ ،‬الذي يعترب من أوائل الصوفيني‪:‬‬

‫«إن َكشط وإزالة التكبر المترسخ في القلوب‪ ،‬لهو أصعب من‬
‫حفر الجبال باإلبرة»‪.‬‬

‫ولكن‪ ،‬ال يمكن أن نحقق التكامل المعنوي‪ ،‬وأن نصل إلى وصف‬
‫اإلنسان الكامل الذي هدف إليه ديننا العظيم دون أن نحقق ذلك‪.‬‬
‫كما قال موالنا جلل الدين الرومي‪-‬قدس سره‪:-‬‬

‫ُ‬
‫«يصل اإلنسان إلى العدم مرور ًا بنفسه‪ .‬وإذا صار العدم زينة معنوية‬

‫لشخص‪ ،‬فل يبقى لهذا الشخص ظل من كثرة تواضعه‪ ،‬كما هو حال ظل‬

‫الرسول ‪ .1 ‬أي أنه يتخلص من وجود الظل والخيال له‪.‬‬

‫ومن أسوء األمور التي تمر باإلنسان هي إصراره على أفكار‬
‫األنانية وإثبات الوجود‪ ،‬على الرغم من أن أصل البشرية هو العدم‬

‫‪62‬‬

‫‪1‬‬

‫حيث كان ال يرى لظله ‪ ‬أثر‪ .‬السيوطي‪ ،‬اخلصائص الكربى‪ ،‬ص‪186.‬‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫واللشيء‪ .‬وكل الملذات النفسية والشهوات الدنيوية هي عبارة‬
‫عن امتحان مليء بالكمائن التي تجعل العبد يهوي إلى تلك الغفلة‬
‫والضللة‪ .‬ومن يقع في تلك الكمائن من الناس‪ ،‬فهوكالسمك الذي‬
‫يتلذذ بطعم ُ‬
‫الطعم الموجود في حافة صنارة الصيد‪.‬‬
‫ما أجمل ما يعبر عن ذلك سيدنا جلل الدين الرومي‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«إن األنانية تسكر اإلنسان سكرة جميلة‪ ،‬وتوصله إلى النشوة‪،‬‬
‫وتأخذ عقله من رأسه‪ ،‬وتأخذ شعور حيائه من صدره‪.‬‬

‫لهذ انقاد الشيطان خلف نشوة هذه السكرة فقال‪( :‬لماذا يكون‬
‫آدم أعلى شأن ًا مني؟ لماذا يكون رئيس ًا لي؟)‪ ،‬و ُلعن من قبل الله ‪.»‬‬
‫ضروري جد ًا أن‬
‫لذا‪ ،‬ومن هذا المنطلق‪ ،‬يتوجب علينا واجب‬
‫ٌ‬

‫نزيل آفة التكبر من صدورنا‪ ،‬ونتخلص منها في أقرب فرصة ممكنة‪.‬‬

‫قال سيدنا حسن البصري‪:‬‬

‫«التواضع هو أن تتقبل وتس اّلم بأن كل مسلم تصادفه أمامك هو‬
‫أعلى منك درجة»‪.‬‬

‫وكان سلطان العارفين سيدنا النقشبند في بداية حياته وترعرعه‬
‫ينظف الطرق والشوارع التي يمر فيها الناس‪ .‬وقام بتقديم الخدمات‬
‫للمرضى والعاجزين وحتى الحيوانات الجريحة‪ .‬وبذلك وصل‬
‫وصرح بنفسه أنه نال كثيرا من‬
‫إلى مرتبة عالية ورفيعة من التواضع‪.‬‬
‫اّ‬
‫الدرجات المعنوية ببركة تلك الخدمات التي قدمها‪ ،‬واألعمال التي‬
‫قام بها‪ .‬وهذان البيتان يعبران عن حالته ويعكسان سره في وصوله‬

‫‪63‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إلى المراتب الرفيعة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫العالم قمح‪ ،‬وأنا تبن‬

‫العالم جيد وأنا سيء‬

‫بهذا‪ ،‬ف ُيعتبر الشخص أنه دخل بداية طريق التر اّقي المعنوي بعد‬

‫ويعبر سيدنا جلل الدين‬
‫أن يصل إلى مرتبة العزة القلبية والروحية‪ .‬اّ‬
‫الرومي عن هؤالء الناس الذين وصلوا إلى مرتبة العزة والقوام‬

‫القلبية والروحية بالشكل التالي‪:‬‬

‫«إذا سلكت طريق ًا‪ ،‬فيفتحون لك الطريق‪ ،‬وإن تعدم‪ ،‬يوصلونك‬

‫إلى الوجود‪ .‬وما هي مرآة الوجود؟‪ ،‬ال مرآة للوجود‪ .‬أيها العاشق‬
‫لله ‪ ،‬إن كنت عاق ً‬
‫ل فخذ العدم معك إليه»‪.‬‬

‫ومن المستحيل قطع مسافة في طريق التربية المعنوية بثقل‬

‫وغفلة كالتكبر‪ .‬وكما قال ولي الله الحاج بايرام‪:1‬‬

‫«التكبر كالحجر الثقيل المربوط على ظهر اإلنسان‪ ،‬وال يستطيع‬

‫االنسان أن يسبح به وال يطير»‪.‬‬

‫لذا فإن أولياء الحق ‪ U‬يخلعون بداية ثوب األنانية وإثبات‬

‫الذات والوجود‪ ،‬ويلبسون بكل صدق وأمانة وإخلص ثوب العدم‬
‫واللشيء‪ ،‬لكي يستطيعوا أن يزكوا أنفسهم‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫‪ 1‬ان ويل اهلل احلاج بايرام كان مرشد ًا من رجال التصوف املرشدين الذي قام‬
‫بوظيفة األرشاد والوعظ والتدريس يف أنقرة ودفن فيها بعهد السلجقة(د‪.‬آدم آقني)‬

‫‪n‬‬

‫التواضـــع‬

‫‪o‬‬

‫وبعد هذه المرحلة فقط يستطيعون أن ينالوا مرتبة السلطنة‬

‫المعنوية والروحانية‪ ،‬حتى يصلوا إلى عزة القلب والروح‪ ،‬وعندما‬
‫انتسب سيدنا الهدائي إلى مدرسة سيدنا ُأ ْفتاده‪ ،‬ليتلقى التربية‬
‫المعنوية‪ُ ،‬طلب منه أن يتخلى عن حياته الدنونية والنفسية‪.‬‬

‫وفي هذا الصدد ُأمر‪ 1‬ببيع الكبد في سوق مدينة بورصة‬

‫الخضراء ‪-‬وهو قاض فيها‪ -‬بزي القضاء المرصع بالزينة‪ ،‬ثم عهد‬

‫اليه تنظيف بيت الخلء في الزاوية التي انتسب إليها‪ ،‬وبذلك أصبح‬

‫سيدنا الهدائي هو من يوجه بعلمه وأخلقه حكماء وملوك العالم‬
‫آنذاك‪.‬‬

‫وهناك أيض ًا أحد أولياء الحق ‪ ،U‬سيدنا خالد البغدادي‪ ،‬الذي‬

‫كان كالشمس في عالم العلم والمعرفة والحكمة‪ .‬ومع أنه كان في‬
‫خر جاثي ًا أمام سيدنا الدهلوي‪ .‬وقام بالوظيفة‬
‫هذه المرتبة العليا‪ ،‬اّ‬

‫التي ُك اّلف بها آنذاك كما يجب‪ .‬حيث كان ينظف بيت الخلء في‬

‫المدرسة‪ .‬وبذلك لبس ثوب العدم والفقر واللشيء‪ ،‬وبالنتيجة‪،‬‬
‫صار مظهر ًا من مظاهر اإلكرام المعنوي‪ ،‬وبهذ نال محبة وتقدير‬
‫مربيه ومعلمه‪.‬‬

‫لذا يجب علينا أن ال نخلع ثياب التواضع في أي وقت كان‪.‬‬

‫وذلك للنضوج المعنوي‪ .‬وإن العبودية لله ‪ ‬دون تواضع‪ ،‬هي‬
‫‪ 1‬الشيخ عزيز حممود هدائي املدفون يف أسكدار يف اسطنبول والذي كان يرشد‬
‫السلطني العثامنيني ويقوم بتوجيههم ُوجهة اإلسلم (د‪.‬آدم آقني)‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عبودية ناقصة وعليلة‪ .‬والتكبر واألنانية هما من أخطر اآلفات التي‬
‫تؤدي باإلنسان إلى مرحلة الكفر والعياذ بالله‪ .‬كما ذكرنا في مثال‬
‫الشيطان الرجيم–عليه اللعنة‪.-‬‬

‫لقد وصل أولياء الحق ‪ U‬باتخاذهم خصلة التواضع دستور ًا‬
‫ومنهاج ًا لهم في حياتهم ومعيشتهم‪ ،‬إلى مرتبة النجوم في سماء‬
‫المعنويات والروحانيات‪ .‬وصاروا مظهر ًا من مظاهر نعم الله ‪‬‬
‫الكبيرة والتي ال ُتعد وال ُتحصى‪.‬‬

‫وصاروا بنيلهم الصلحية المعنوية‪ ،‬مركز ًا إلرشاد الناس طوال‬
‫حياتهم‪ .‬بل وتابعوا إرشادهم حتى بعد موتهم وفناء أجسادهم‬
‫وبلئها تحت التراب‪.‬‬
‫اللهم ارزق قلوبنا حص ًة من إقليم قلوب أحبائك وأوليائك الذين‬

‫وصلوا إلى أعلى المراحل والمراتب بالتواضع والعدم والفقر‪.‬‬

‫اللهم اجعلنا ممن عرفوا حدهم فوقفوا عنده‪ ،‬وعرفوا وظائفهم‬

‫وواجباتهم فقاموا بأدائها كما ينبغي عليهم‪ ،‬برحمتك يا أرحم الراحمين‪.‬‬
‫آمــــــــــــــــــــين‬

‫‪66‬‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهالء والمغفلين‬
‫ور ْمي الناس‬
‫أنه من المعروف أن الشجرة المثمرة تتعرض لقذف َ‬
‫لها بالحجارة‪ .‬فكما أن الشجرة عندما تثمر تهيئ نفسها لذلك‪ ،‬فيجب‬
‫على المؤمنين الحقيقيين أن يكونوا ُمهيئين ألي أذى يتعرضون له من‬
‫َحمل أذى الناس في سبيل‬
‫قبل الجهالء والناس غليظي القلوب‪ .‬وان َتت ّ‬
‫إرضاء الله ‪ ،I‬هو مرتبة رفيعة من مراتب اإليمان‪.‬‬

‫وكما عبر عن ذلك سيدنا جالل الدين الرومي‪ ،‬الذي تأمل وشاهد‬
‫بعين الحكمة؛ التجلي اإللهي على جميع المخلوقات‪ .‬حيث قال‪:‬‬
‫«لقد حصلت الوردة على رائحة عطرة وشكل جميل جد ًا‪ ،‬ألنها‬
‫صبرت على صداقة الشوك الذي من حولها‪ ،‬وتحملت أذاه‪.»...‬‬

‫الصرب عىل جهل اجلهالء واملغفلني‬
‫هناك بعض المصطلحات المتضادة كالخير والشر‪ ،‬والحق‬

‫والمعوج‪ ،‬والتي تصل إلى معناها الصحيح‬
‫والقيم‬
‫والباطل‪،‬‬
‫اّ‬
‫اّ‬
‫والدقيق في ذهن اإلنسان عن طريق توضيحها باألمثلة التي ُتطرح‬
‫عليها‪ .‬وإن أولياء الحق ‪ U‬الذين يعيشون على هدي نور القرآن‬
‫الكريم والسنة النبوية الشريفة يشكلون لنا دستور ًا يجب أن ن اّتبعه في‬
‫حياتنا ومعيشتنا‪ .‬أي أنهم أمثلة حية بالنسبة لنا‪ .‬فيجب علينا دائم ًا‬

‫أن َن ِزن أحوالنا بأحوالهم‪ ،‬وأن نسعى ونجهد لكي نكون أصحاب‬
‫قلوب مليئة بالروحانيات والمعنويات المستمدة من القرآن الكريم‬
‫والسنة النبوية الشريفة‪.‬‬

‫ألن أولياء الحق ‪ U‬وورثة النبي الكريم محمد ‪ r‬هم عبارة‬

‫ٌعن قمم موزعة على مدى العصور واألزمان‪ ،‬وتدل على كمالية‬
‫التصرف واإلرشاد النبوي‪ .‬أي أنهم يمثلون الشخصيات المهمة‬

‫والرفيعة‪ ،‬والقدوة لمن لم ينالوا شرف رؤية النبي األكرم محمد ‪r‬‬
‫وأصحابه الكرام ‪ y‬وأرضاهم‪ .‬وهم بنصائحهم التي تحيي القلوب‪،‬‬

‫وإرشاداتهم التي تنطق بها ألسنتهم التي تعكس صدقهم وإخلصهم‪،‬‬

‫عبارة عن انعكاس معنوي صادق للمنبع النبوي الرئيسي‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ومن أهم صفات أولياء الحق ‪ U‬الفارقة والمتميزة هي‪:‬‬
‫تحملهم وصبرهم على إيذاء وجفاء الجهلء والمغفلين وفظي‬
‫القلوب الذين ال يم اّتون إلى اللباقة وحسن المعاشرة بصلة‪ .‬ويبقى‬
‫أولياء الحق ‪ U‬هؤالء في محاولة دائمة إلرشاد الناس وتوجيههم‬
‫إلى طريق الهداية وطريق الصواب‪.‬‬

‫وكما هو الحال في جميع الصفات الحميدة واألخلق الرفيعة‪،‬‬
‫ففي هذه الميزة أيض ًا‪ ،‬فإن المرجع األساسي‪ ،‬والشخصية القدوة‪،‬‬
‫س فيها هذه الخصلة الحميدة أفضل تدريس‪،‬‬
‫در ُ‬
‫َ‬
‫والمدرسة التي ُت اّ‬
‫وهي بدون شك شخصية سيدنا محمد ‪.r‬‬

‫َ‬
‫والجلد عند سيدنا محمد ‪r‬‬
‫الصبر‬

‫‪70‬‬

‫لقد تعرض سيدنا محمد ‪ r‬الذي أرسل كشخصية قدوة للبشرية‬
‫جمعاء لكثير من األذى‪ ،‬وواجه الكثير من المتاعب والصعوبات‬
‫طوال حياته المباركة‪ .‬ولكن كل تلك المصاعب والمتاعب التي‬
‫وج َلد في سبيل الله ‪ .U‬ولم تجعله يتأفف‬
‫واجهها‬
‫صبر عليها َ‬
‫ً‬
‫أويمل ويكل‪ ،‬أويفقد اتزانه واعتداله‪ ،‬ألن قلبه اللطيف كان في‬
‫طلب دائم لرضاء الله ‪ .I‬وعندما َت ْط َمئِ ُّن نفسه بأنه قد نال رضاه‪،‬‬
‫فل بأس في كل ما عاناه من إيذاء وتعذيب من قبل الناس‪ .‬وكما قال‬
‫الله ‪ I‬في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين َوا ْل ُمن ِ‬
‫ين َو َد ْع َأ َذ ُاه ْم َو َت َو َّك ْل َع َلى ال َّل ِه‬
‫َاف ِق َ‬
‫[وال ُت ِط ِع ا ْل َك ِاف ِر َ‬
‫َ‬
‫َو َك َفى بِال َّل ِه َو ِكيال] (األحزاب‪.)48 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫وقد ورد هذا املوضوع يف الكتب الساموية السابقة‪ ،‬و ُبرش بأنه‬
‫سيأيت رسول متيز بجلده وصربه عىل األذى صرب ًا منقطع النظري‪،‬‬
‫وذلك من علمات النبوة‪ .‬حيث أن زيد بن سعنة الذي كان سابق ًا‬
‫ع اّ‬
‫لم ًة من علامء اليهود‪ ،‬قرأ ما ورد يف الكتب الساموية التي ُأنزلت‬
‫قبل نزول القرآن الكريم بأن النبي األخري املنتظر حممد ‪ r‬يتصف هبذه‬
‫الصفات احلميدة‪.‬‬

‫وكان زيد بن سعنة كلما نظر إلى النبي محمد ‪ ،r‬رأى جميع‬
‫علمات النبوة وقد بانت عليه‪ .‬فأثاره الفضول‪ ،‬وحاول أن يختبره‬
‫مرات عدة محاو ً‬
‫ال إيجاد أجوبة عن األسئلة التي كانت تدور في‬
‫ذهنه كاألسئلة التالية‪« :‬هل يسبق حلمه جهله و ال يزيده شدة الجهل‬
‫عليه إال حلم ًا فكنت ألطف به لئن أخالطه فاعرف حلمه» ومع مرور‬
‫الزمن وبعد أن امتحن سيدنا محمد ًا ‪ ،r‬استنتج أنه في الحقيقة‬
‫متميز بهذه الصفات الحميدة‪ ،‬فحاز على شرف الدخول في اإلسلم‬
‫بقلب مطمئن ومقتنع‪( .‬الحاكم‪.)6547 / 700 ،3 ،‬‬
‫ولم ِ‬
‫يبد سيدنا محمد ‪ r‬صبره وحلمه وجلده على الكفار‬

‫والمنافقين فحسب‪ ،‬بل حتى المسلمين الذين لم يتذوقوا بعدُ حلوة‬
‫ور َّقة اإلسلم ونعومة التعامل‪ ،‬فكان يبدي حلمه وصبره عليهم‬
‫أيض ًا‪ .‬وكل ذلك إلرضاء الله ‪.I‬‬

‫فكلما كان األعراب المتصفون بالفظاظة والغليظون في المعاملة‬
‫يخاطبونه بجلفة وقساوة على الشكل التالي‪«:‬يا محمد‪ ،‬يا محمد‪،»..‬‬
‫وكان رسول الله ‪ r‬رحيم ًا رقيق ًا فرجع إليه فقال (ما شأنك؟) عدة‬
‫مرات (مسلم‪ ،‬النذر‪8 ،‬؛ ابو داود‪ ،‬األ ْيمان‪3316/21 ،‬؛ الترمذي‪ ،‬الزهد‪50 ،‬؛ أحمد‪)239 .4 ،‬‬

‫‪71‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ال َق َام َأ ْع َرابِ ٌّي َف َب َ‬
‫َأ َّن َأ َبا ُه َر ْي َر َة َق َ‬
‫اس‬
‫ال ِفي ا ْل َم ْس ِج ِد َف َتن َ‬
‫َاو َل ُه ال َّن ُ‬
‫فقال النبي ‪:r‬‬
‫"دعوه وهريقوا على بوله سج ً‬
‫ال من ماء أوذنوب ًا فإنما ُبعثتم‬

‫عسرين"‬
‫ُميسرين‪ ،‬ولم تبعثوا ُم ّ‬

‫(البخاري‪ ،‬الوضوء‪ ،58 ،‬األدب‪.)80 ،‬‬

‫وصارت حالة النبي األكرم ‪ r‬بذرة للهداية والتقوى بالنسبة‬

‫لكثير من الناس‪ .‬وكما قال الله ‪ I‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫نت َف ًّظا َغ ِل َ‬
‫يظ ا ْل َق ْل ِ‬
‫ب‬
‫نت َل ُه ْم َو َل ْو ُك َ‬
‫[ َفبِ َما َر ْح َم ٍة ِّم َن ال َّل ِه لِ َ‬
‫اع ُف َع ْن ُهم َواس َتغْ ِفر َل ُهم َو َشا ِور ُهم ِفي َ‬
‫األ ْم ِر‬
‫َالن َف ُّضو ْا ِم ْن َح ْولِ َك َف ْ‬
‫ْ ْ‬
‫ْ ْ ْ ْ‬
‫ين] (آل عمران‪.)159 ،‬‬
‫َفإِ َذا َعزَ ْم َت َفت ََو َّك ْل َع َلى ال َّل ِه إِنَّ ال َّل َه ُي ِح ُّب ا ْل ُمت ََو ِّك ِل َ‬

‫ولم يفكر سيدنا محمد ‪ ،r‬وحتى في األوقات التي وهب‬
‫الله ‪ U‬القوة ِ‬
‫واألنتصارات المتتالية‪ ،‬ووصلت الدعوة اإلسلمية‬
‫مواصل جيدة في سيرها وانتشارها‪ ،‬لم يفكر أبد ًا أن يكف عن‬
‫الصبر على إيذاء الناس وإزعاجهم له‪ .‬بل استمر على تحمل جميع‬
‫المصاعب في سبيل إرضاء الله ‪.U‬‬
‫ان لِل َّنبِ ِّي ‪َ r‬ق ْص َع ٌة ُي َق ُ‬
‫ال َل َها ا ْل َغ َّر ُاء َي ْح ِم ُل َها َأ ْر َب َع ُة ِر َج ٍ‬
‫َك َ‬
‫ال َف َل َّما‬
‫َأ ْض َح ْوا َو َس َجدُ وا ُّ‬
‫الض َحى ُأتِ َي بِتِ ْل َك ا ْل َق ْص َع ِة َي ْعنِي َو َقدْ ُث ِر َد ِف َيها‬
‫ول ال ّٰله ‪َ r‬ف َق َ‬
‫َفا ْلت َُّفوا َع َل ْي َها َف َل َّما َك ُثروا َج َثا َر ُس ُ‬
‫ال َأ ْع َرابِ ٌّي‪:‬‬
‫“ َما َه ِذ ِه ا ْل ِج ْل َس ُة؟!” َق َ‬
‫ال ال َّنبِ ُّي ‪:r‬‬

‫‪72‬‬

‫ارا َعنِيدً ا"‬
‫يما َو َل ْم َي ْج َع ْلنِي َج َّب ً‬
‫"إِ َّن ال ّٰله َج َع َلنِي َع ْبدً ا َك ِر ً‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫ُث َّم َق َ‬
‫ال َر ُس ُ‬
‫ول ال ّٰله ‪:r‬‬
‫ُ‬
‫ار ْك ِف َيها"‬
‫"ك ُلوا ِم ْن َح َوا َل ْي َها َو َد ُعوا ِذ ْر َو َت َها ُي َب َ‬

‫(أبو داود‪ ،‬األطعمة‪،‬‬

‫‪.)3773/17‬‬

‫أي أنه أظهر بأنه ال يمكن في أي وقت من األوقات أن يتصرف‬
‫بعادات الناس المتكبرين والمغرورين‪ .‬وأشار عليه الصلة والسلم‬
‫– بصفته تمثا ًال لرقة القلب وحسن الخلق وقدوة للبشرية جمعاء – إلى‬
‫أن الصفات والميزات القبيحة كالفظاظة والعناد ال تليق بشخصية‬
‫المؤمن وال تتوافق مع طبيعته الحساسة وواللطيفة‪.‬‬

‫وكان سيدنا العباس ‪ ،t‬عم الرسول ‪ ،r‬ينزعج كثير ًا من‬
‫أن ابن أخيه كان يعيش بين العامة من الناس‪ ،‬ويتعرض إليذائهم‪،‬‬
‫لم َّن ما بقاء رسول‬
‫وتصرفاتهم الجلفة والغليظة‪.‬فقال العباس ‪َ t‬أل ْع َ‬
‫الله ‪ r‬فينا فقال يا رسول الله اني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم فلو‬
‫اتخذت عريش ًا تكلمهم منه فقال ‪:r‬‬
‫"ال أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي وينازعوني ردائي حتى‬
‫يكون الله هو الذي يريحني منهم" قال فعلمت ان بقاءه فينا قليل‬
‫(الدارمي‪،‬مقدمة‪14 ،‬؛ ابن ابي شيبة‪ ،‬مصنف‪90 ،5 ،‬؛ ابن سعد‪)193 ،2 ،‬‬

‫وحذر سيدنا محمد ‪ r‬المؤمنين قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫"المسلم إذا كان مخالط ًا الناس ويصبر على أذاهم خير من‬
‫المسلم الذي ال يخالط الناس وال يصبر على أذاهم" (الترمذي‪ ،‬القيامة‪،‬‬
‫‪.)2507/55‬‬

‫‪73‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪«:‬إن صبر القمر على‬
‫الظلم‪ ،‬وعدم هروبه منه‪ ،‬يجعله منير ًا‪ .‬وصبر الوردة على صداقة‬
‫الشوك‪ ،‬يهبها رائحة زكية‪ ،‬ولون ًا جذاب ًا‪ ،‬وشك ً‬
‫ل لطيف ًا»‪.‬‬
‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي أيض ًا‪:‬‬

‫«إن جميع األنبياء عليهم السلم صبروا على إيذاء الجهلء من‬
‫قومهم ومن الذين لم يؤمنوا بهم‪ ،‬وتحملوا تعذيبهم‪ .‬وبذلك وصلوا‬
‫إلى مرتبة أحسن العباد عند الله ‪ .U‬وصاروا معنوي ًا كالملوك الذين‬
‫انتصروا وعادوا غانمين من معاركهم»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«إن استطعت أن تعيش حياتك ُم َطبِق ًا خصلة الصبر كما يجب‪،‬‬
‫فسوف يكون الصبر جناح ًا لك‪ ،‬وستصل به إلى القمم العالية‪ .‬تأمل‬
‫وتفكر يا أيها المؤمن بالنبي المصطفى محمد ‪ ،r‬الذي تحول صبره‬
‫إلى ُبراق‪ ،‬وإلى ِمعراج‪ ،‬وإلى سدرة المنتهى‪.‬وارتقى به إلى ما وراء‬
‫السماء‪ .‬وجعله يلقى وجه ربه‪.»Y‬‬

‫‪74‬‬

‫وقد كان حب سيدنا محمد ‪ r‬ألمته وولعه بها‪ُ ،‬ينسيه كل‬
‫الصعوبات والمشقات التي كانت تواجهه‪ .‬ولم يكن بمقدور شيء‬
‫أن يحول بينه وبين أمته ونجاتها‪ .‬ولم يكن سيدنا محمد ‪ r‬يتأفف‬
‫أويشتكي من تلك الصعوبات والمشقات التي كانت تواجهه‪،‬‬
‫ولوكان مصدرها أمته بذاتها‪ .‬بل كان دائم ًا يتضرع ويتوسل إلى الله‬
‫‪ U‬بقوله‪«:‬أمتي‪ ،‬أمتي»‪ .‬ألنه ‪ r‬قد تخلى عن راحته مقابل سعادة‬
‫أمته األبدية وراحتها‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫الصبر والجلد عند أولياء الحق ‪U‬‬

‫وإن أولياء الحق ‪ U‬وورثة النبي محمد ‪ ،r‬ال يأبهون بتصرفات‬

‫الناس الجلفة والغليظة تجاههم وبأخطائهم وعثراتهم‪ .‬بل يعملون‬
‫جاهدين وبكل ما يملكون من قوة وإمكان مادي ومعنوي على‬
‫إصلح هؤالء الناس وإرشادهم إلى الطريق الصواب واألخلق‬
‫والصفات الحميدة‪ ،‬متحملين جميع أنواع المشقات والمتاعب‬

‫لتحقيق ذلك‪ ،‬آملين بذلك كسب رضاء الله ‪ .U‬ألن التصرف بهذا‬
‫الشكل هو ما يقتضيه العلم والحكمة والعقل السليم‪.‬‬
‫األضروسي‪:1‬‬
‫وكما قال سيدنا إبراهيم حقي‬
‫اّ‬

‫«أن يكون اإلنسان راضي ًا بكل ما ُقسم له من مصائب‪ ،‬وأن‬

‫يكون صبورا على كل الشدائد التي تواجهه‪ ،‬ويكون ذا وقار أثناء‬
‫اللحظات العسيرة التي يمر بها‪ ،‬إنما ذلك من عادات األولياء»‪.‬‬

‫وقال أيض ًا‪« :‬إن رأس العلم هو الخلق الحسن واللين‪ ،‬أما رأس‬

‫الحكمة فهو معاملة الناس معاملة حسنة»‪.‬‬

‫لذا فإن عدم الصبر والجلد على أذى الناس‪ ،‬والتأفف والتشكي‬

‫عوضا عن ذلك‪ ،‬إنما هو نتيجة محتمة للجهل والحرمان من الحكمة‬

‫والعقل السليم‪ .‬فكما أن أصحاب العلم والحكمة يتميزون بالحلم‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫أرض الروم أو أررضوم حمافظة كبرية وقديمة جد ًا تقع يف رشق تركيا‬

‫‪75‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والمعاملة الحسنة والرقة في األحاسيس‪ ،‬فبالمقابل فإن الجهلء‬

‫والناس الذين ُحرموا من الحكمة والعقل السليم يتصفون بالفظاظة‬
‫وغلظ القلب‪ ،‬وال ينالون أي نصيب من األدب واألخلق الحسنة‪.‬‬

‫وإنه أبشع شكل من أشكال الجهل أن يكون اإلنسان بعيد ًا عن‬

‫فسر سيدنا ابن العباس ‪ t‬ما قاله‬
‫نعومة ورقة الدين اإلسلمي‪ .‬وقد اّ‬

‫الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الس ِّي َئ ُة ا ْد َف ْع بِا َّلتِي ِه َي َأ ْح َس ُن َفإِ َذا ا َّل ِذي‬
‫َ‬
‫[وال َت ْس َت ِوي ا ْل َح َس َن ُة َوال َّ‬
‫َ‬
‫يم] (فصلت‪)34 ،‬‬
‫َب ْين ََك َو َب ْي َن ُه َع َد َاو ٌة َكأ َّن ُه َولِ ٌّي َح ِم ٌ‬
‫على الشكل التالي‪:‬‬

‫«{ادفع بالتي هي أحسن} الصبر عند الغضب والعفو عند‬

‫اإلساءة فإذا فعلوه عصمهم الله وخضع لهم عدوهم { كأنه ولي‬

‫حميم}» (البخاري‪ ،‬التفسير‪.)1/41 ،‬‬

‫اها إِ َّ‬
‫ال الذين‬
‫{و َما ُي َل َّق َ‬
‫وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله ‪َ :‬‬
‫َص َب ُرو ْا} قال‪ :‬الرجل يشتمه أخوه ‪ ،‬فيقول‪ :‬إن كنت صادق ًا ‪ ،‬فغفر الله‬
‫لي‪ ،‬وإن كنت كاذب ًا ‪ ،‬فغفر الله لك» (الشوكاني‪ ،‬فتح القدير‪ ،‬فصلت‪)34 ،‬‬
‫وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين َيم ُشونَ َع َلى َ‬
‫ض هَ ْو ًنا َوإِ َذا َخ َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اط َب ُه ُم‬
‫َ‬
‫الر ْح َم ِن ا َّل ِذ َ ْ‬
‫[و ِع َب ُاد َّ‬
‫ا ْل َج ِ‬
‫سال ًما] (الفرقان‪)63 ،‬‬
‫اه ُلونَ َقا ُلوا َ‬
‫‪76‬‬

‫وال يعطي أولياء الحق ‪ U‬الجاهلين الذين ال يعرفون حدودهم‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫أية أهمية‪ ،‬وال يعتبرونهم‪ ،‬وال يدخلون معهم في نقاش في أي‬

‫موضوع كان‪ .‬ألنهم يعرفون أن مناقشتهم وجدالهم مع هؤالء الناس‬

‫سيولد لديهم العناد الذي ال جدوى منه‪ ،‬بل ويتسبب في أضرار‬
‫اجتماعية ومعنوية عديدة‪.‬‬

‫لذا فقد لفت سيدنا علي كرم الله وجهه و‪ t‬انتباهنا في هذا‬

‫المجال إلى أن نكون حذرين ومتيقظين لكي نتفادى الوقوع في‬
‫الضرر‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«ال تشرع أبد ًا في الرد على كلم قيل لك بنذالة ووضاعة‪ ،‬فإن‬

‫لدى صاحب هذا الكلم كلمات أوضع وأنذل وأحقر مما قاله‪.‬‬

‫وسيرد بالعبارات التافهة على أجوبتك إن أجبته‪ .‬وحذار أن تمزح‬
‫مع الجاهل‪ ،‬ألنه سيجرح قلبك ومشاعرك بكونه يمتلك لسان ًا‬
‫مسموم ًا»‪.‬‬

‫وقال موالنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«كن صامت ًا كالكتاب أمام الجهلء»‪.‬‬

‫وقال أيض ًا‪«:‬إن الشخص اللين األخلق هو من يتحمل كلم‬

‫الناس عنه‪ ،‬والذي يتصرف كاألعمى واألطرش أمام أعمال الناس‬

‫وتصرفاتهم السيئة»‪.‬‬

‫َع ْن َقتَا َد َة َق َ‬
‫ال َأ َي ْع َج ُز َأ َحدُ ُك ْم َأ ْن َي ُك َ‬
‫ون ِمث َْل َأبِى َض ْي َغ ٍم ‪َ -‬أ ْو‬
‫ان إِ َذا َأ ْص َب َح َق َ‬
‫َض ْم َض ٍم َش َّك ا ْب ُن ُع َب ْي ٍد ‪َ -‬ك َ‬
‫ال ال َّل ُه َّم إِ ِّنى َقدْ َت َصدَّ ْق ُت‬

‫‪77‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بِ ِع ْر ِضى َع َلى ِع َب ِ‬
‫اد َك‪.‬‬

‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬‬
‫َق َ‬
‫ال َر ُس ُ‬
‫"أ َي ْع َج ُز َأ َحدُ ُك ْم َأ ْن َي ُك َ‬
‫ون ِمث َْل َأبِى َض ْم َض ٍم "‪.‬‬
‫ان ِم ْن َق ْب ِل ُك ْم"‪ .‬بِ َم ْعنَا ُه َق َ‬
‫َقا ُلوا َو َم ْن َأ ُبو َض ْم َض ٍم َق َ‬
‫يم ْن َك َ‬
‫ال‬
‫ال َ‬
‫"ر ُج ٌل ِف َ‬
‫ِ‬
‫"ع ْر ِضى لِ َم ْن َشت ََمنِى"‬

‫(ابو داود‪ ،‬األدب‪)36 ،‬‬

‫أن حكيم ًا صنف ثلثمائة وستين مصنف ًا في الحكمة حتى ُو ِص َ‬
‫ف‬
‫بالحكيم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل لفلن قد مألت األرض‬
‫نفاق ًا ولم تردني من ذلك بشيء وإني ال أقبل من نفاقك شيئ ًا فندم‬
‫الرجل وترك ذلك وخالط العامة في األسواق وواكل بني إسرائيل‬
‫وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له اآلن وفقت‬
‫لرضاي (إحياء علوم الدين‪ 611-610 ،2 ،‬في آفات العلم)‬

‫فكم هو من أفق معنوي وروحاني عظيم تميز به َ‬
‫أبوض ْم َض ْم‪...‬‬
‫حيث أضاف على الحب اللمتناهي في قلبه تجاه الخالق‪،Y‬‬
‫مشاعر الرحمة والشفقة والعفووالتسامح تجاه عباده‪ .‬ولم ُيرد لعباد‬
‫الله ‪ U‬أن ُيحرجوا يوم الحساب وينالوا العقاب بسببه‪ ،‬فأراد أن‬
‫يتنازل عن حقوقه لهم لكي ُيريحهم من ذلك الهم‪ .‬ويأمل بذلك‬
‫الوصول إلى الرحمة اإللهية التي وسعت كل شيء‪.‬‬
‫وقص لنا سيدنا اإلمام الغزالي هذه القصة التي تتحدث عن‬
‫تحمل فظاظة الناس وغلظ قلوبهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فضائل اّ‬

‫‪78‬‬

‫«كتب قاض من القضاة ثلث مائة وستين كتاب ًا عن الحكمة‪.‬‬
‫وظن بفضل ذلك أنه قد تقرب من الله ‪ .U‬فأوحى الله‪ Y‬ألحد‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫أنبيائه آنذاك بأن (قل لفلن بأنه مأل وجه األرض بالنفاق‪ ،‬ولن أتقبل‬

‫شيئا من أعماله)‪ .‬وبناء على ذلك انعزل ذلك القاضي وأخذ يعبد‬
‫الله لوحده في كهف بعيد ومنعزل عن الناس‪.‬‬

‫وقال‪( :‬لقد نلت اآلن رضاء ربي)‪ ،‬فأوحى الله ‪ U‬لنبيه بأن‪( :‬إن‬

‫لم يعش مع الناس‪ ،‬ولم يصبر على أذاهم‪ ،‬فلن ينال رضاي)‪ .‬فنزل‬
‫القاضي إلى السوق‪ ،‬ودخل بين الناس‪ ،‬ومشى معهم‪ ،‬وجلس إليهم‪،‬‬
‫وأكل مما يأكلون‪ ،‬وشرب مما يشربون‪ .‬فأوحى الله ‪ U‬لنبيه بناء على‬

‫(أخبر ذاك الرجل بأنه قد نال اآلن رضاي)» (اإلحياء‪)611–610 ،2 ،‬‬
‫ذلك أن‪ْ :‬‬

‫وفي التصوف أيض ًا‪ ،‬فعلى الرغم من أن االنعزال لفترة عن‬
‫الناس‪ ،‬وعن الحياة ومشاغلها‪ ،‬والتفرغ لعبادة الله ‪ُ ،U‬يعتبر تدريب ًا‬

‫وتمرين ًا ضروري ًا للتكامل الروحي‪ ،‬فبالمقابل فقد ُمنع تحويل الحياة‬
‫إلى حياة الرهبان‪ ،‬واإلنعزال تمام ًا عن الناس وعن المعيشة‪.‬‬
‫والقاعدة المعروفة عند الصوفيين«الوحدة في الكثرة» هي‬

‫عبارة عن أهم قواعد الدين وهي أدب من آداب العبودية‪ ،‬تدل على‬
‫مستوى المؤمن المعنوي ودرجة إيمانه‪ .‬وتعني هذه القاعدة أن‬
‫يكون اإلنسان مع الله ‪ U‬حتى ولوكان بين الناس‪.‬‬

‫وقد اس ُتخدم المثل القائل‪«:‬اليد مشغولة بالكسب والقلب‬

‫معلق بالحبيب» للتعبير على قدرة اإلنسان على أن يكون في خلوة‬
‫مع الله ‪ ،I‬ولوكان جميع الناس حوله‪ ،‬فل يشكل ذلك عائق ًا أبد ًا‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫قال موالنا جلل الدين الرومي‪« :‬ال يوجد مكان في الدنيا‬
‫بدون مصائب‪ ،‬وال يمكن أن يخلومن الكمائن‪ .‬وال خلص وال‬
‫طمأنينة وال راحة بال إال عن طريق البحث عن الله ‪ U‬في القلوب‬
‫وفي الصدور‪ِ ،‬‬
‫واأللتجاء إلى العيش بالرخاء والسكينة معه‪.»Y‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«أقسم بالله العظيم أنه من لم يعش حياة الصبر لن يتخلص من‬
‫مخالب القط حتى ولواختبأ في جحر الفأر»‪.‬‬

‫وحدثنا محمد إقبال هذه القصة التي تعبر عن فضيلة العيش بين‬
‫الناس‪ ،‬والصبر والجلد على أذاهم وتعذيبهم‪:‬‬

‫‪80‬‬

‫«جلس غزال جاهل مع غزال ناضج وذووعي وخبرة وتجربة‬
‫في الحياة وبدؤوا يتحدثون‪ ،‬فقال الغزال الصغير‪( :‬سأعيش بعد‬
‫اليوم في الكعبة–حيث أن الصيد ممنوع في منطقة الحرم‪،-‬‬
‫ألن الصيادين نصبوا كمائنهم في كل مكان في السهول والجبال‬
‫والمراعي‪ ،‬ويلحقوننا دائم ًا‪ .‬سأتخلص من الصيادين ُ‬
‫وأريح بالي‬
‫من ذلك الهم‪ ،‬ألصل إلى الطمأنينة والسكينة)‪ .‬فأجابه الغزال‬
‫الناضج‪( :‬يا صديقي العاقل !! إذا أردت أن تعيش فافعل ذلك مع‬
‫وجود الخطر‪ .‬عش في الجبال بين الحجار والصخور‪ِ .‬ع ْ‬
‫ش أمضى‬
‫من السيف الحاد‪ .‬فإن مستوى اإليمان ال يظهر إال أثناء الصعوبات‬
‫والمشقات التي تواجهك‪ .‬والخطر هو ما يختبرك ويمتحن قوتك‬
‫ومتانتك‪ .‬وذلك ما يعكس قوة صبرنا وجلدنا على ما نواجهه من‬
‫الظروف القاسية) »‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫ومن إحدى ميزات عباد الله ‪ U‬وأحبائه األولياء هي تفضيلهم‬
‫على أن يكونوا مظلومين عندما يكونون مخيرين في أن يكونوا في‬
‫وضع الظالم أوالمظلوم‪.‬‬

‫أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان أشهد أن‬
‫رسول الله ‪ r‬قال إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم‬
‫خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال أفرأيت إن دخل علي‬
‫بيتي وبسط يده إلي ليقتلني قال‪:‬‬
‫" كن كابن آدم"‬

‫( الترمذي‪ ،‬الفتن‪)2194 /29 ،‬‬

‫أي أن أولياء الحق ‪ U‬يتحلون باألخلق الحميدة مثل‪«:‬الصبر‬
‫على أذى الناس في سبيل إرضاء الله ‪.» U‬‬

‫وكم هو مليء بالعبر والمعاني حال معروف الكرخي‪ ،‬أحد‬
‫أولياء الحق ‪ .U‬فقد ورد عنه القصة التالية‪:‬‬
‫«استضاف سيدنا معروف الكرخي مريض ًا في بيته‪ .‬وكانت حالة‬
‫المريض ُيرثى لها‪ ،‬وكان على فراش الموت‪ .‬وقام بخدمته وتلبية‬
‫حوائجه ومتطلباته‪ .‬وكان المريض يتألم ألم ًا شديد ًا‪ ،‬فيتأوه بشكل‬
‫مستمر‪ ،‬فل تستطيع نفسه أن ينام وال يجعل أحد ًا من أهل البيت‬
‫يستطيع أن ينام ولولحظة واحدة‪ .‬باإلضافة إلى أنه كان يعامل سكان‬
‫المنزل بفظاظة وجلفة‪ ،‬ويخاطبهم بكلمات وألفاظ قاسية وبذيئة‪.‬‬
‫ولم يستطع أهل المنزل الصبر على ذلك أكثر‪ ،‬فبدأ الواحد تلواآلخر‬
‫بالهروب إلى أماكن أخرى بعيدة عن إزعاجات ذلك المريض‪ .‬ولم‬

‫يبق في الدار سوى سيدنا معروف الكرخي وزوجته‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫واستمر سيدنا الكرخي بخدمة الرجل المريض وتلبية حوائجه‬
‫دون أن ينام الليل‪ .‬وفي يوم من األيام غلبه النعاس‪ ،‬وغفا غفوة‬
‫بسيطة بشكل ال إرادي‪ ..‬فبدأ المريض المغفل عندما رأى الرجل‬
‫المبارك قد غفا‪ ،‬بالتوبيخ وتوجيه التهم الثقيلة إليه‪ ،‬بدال من أن‬
‫يشكره على العمل الذي قدمه إياه‪ ،‬بتهيئة حضن دافئ يحتضنه‬
‫ويحميه في فترة مرضه ووهنه‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«ما هذا؟ أيتصرف األولياء بهذا الشكل؟ أم أنهم يخدعوننا‬
‫بالمظاهر الخارجية على أنهم صالحون يحبون الخير ويقدمونه‬
‫للناس‪ ،‬مع أنهم في الحقيقة ال يتميزون إال بالرياء والكذب‪.‬‬
‫ويأمرون الناس بالتقوى وعمل الحسنات‪ ،‬أما عن أنفسهم فل‬
‫يطبقون شيئ ًا من ذلك‪ .‬وهذا أحد هؤالء الناس‪ ،‬لقد نام وتركني‬
‫وحدي دون أن يعبأ بي وال بمرضي‪ .‬ألنه ال يحس بحالتي‪ ،‬بل يأكل‬
‫ويشبع ويتنعم بالنعم كلها‪ ،‬ثم يذهب في سبات عميق غير مكترث‬
‫بما حوله من الناس‪ ،‬وال يتفهم أحوال المرضى الذين ال حول لهم‬
‫وال قوة»‪.‬‬
‫فصبر سيدنا معروف الكرخي أيض ًا على هذا الكلم المر‬
‫تتحمل‬
‫كالعلقم الذي صدر عن الرجل المريض‪ .‬أما زوجته فلم‬
‫اّ‬
‫ناكر‬
‫ذلك‪ ،‬وطلبت من زوجها أن يلقي به خارج المنزل‪ ،‬ألنه ٌ‬
‫للجميل‪ .‬فقال سيدنا معروف الكرخي‪:‬‬

‫‪82‬‬

‫تفوه بها هذا المريض؟ فإنه‬
‫«لماذا جرحتك هذه الكلمات التي اّ‬
‫إن و اّبخ أحد ًا فقد و اّبخني أنا‪ ،‬وإن تجاوز حدود األدب واألخلق فقد‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫فعل ذلك تجاهي أنا‪ .‬وإن جميع ما نطق به من كلمات بذيئة تبدولي‬
‫وكأنها حسنة ولطيفة‪ .‬وإن ألمه شديد ودائم‪ ،‬أال ترين أنه ال يستطيع‬
‫أن يغفووال لحظة واحدة‪ .‬واعلمي أن الرحمة والشفقة الحقيقية هي‬
‫يتحمل اإلنسان ويصبر على أفعال الناس وتصرفاتهم القاسية»‪.‬‬
‫أن‬
‫اّ‬

‫ولقد نصحنا الشيخ السعدي الذي نقل هذه القصة وكتبها في‬
‫كتابه (البستان) و َن َق َل لنا النصيحة التالية‪:‬‬

‫«يتصف القلب المليء بالحب بالعفووالتسامح‪ ،‬وإذا كنت في‬
‫حياتك عبارة عن صورة جافة فحسب‪ ،‬فعندما ترحل من الدنيا إلى‬
‫الدار اآلخرة‪ ،‬فإن اسمك سيموت مع موت جسدك‪ .‬أما إذا كنت‬
‫من أصحاب الكرم وأهل الحكمة‪ ،‬فستبقى حي ًا في أفكار الناس بعد‬
‫الخيرة التي قدمتها‬
‫موتك‪ ،‬بقدر القلوب التي دخلتها وبقدر األعمال اّ‬
‫لهم‪ .‬ألم تلحظ شهرة قبر سيدنا معروف الكرخي وكثرة زواره من‬
‫بين كل األضرحة العديدة الموجودة في مدينة الكرخ في بغداد؟»‪.‬‬
‫وما أروع هذه األبيات الشعرية التي ألقاها سيدنا يونس أمرة‬
‫حيث قال‪:‬‬
‫فليكبت الصالح شهواته‪..‬‬

‫وليتصرف كاألطرش عندما ُيشتم‪..‬‬
‫وكعديم اليدين عندما يضرب‪..‬‬

‫أي مسامحة الناس والعفووالصفح عنهم مقابل أذاهم وتعذيبهم‪،‬‬
‫ومقابلتهم بالصبر وبرودة األعصاب‪ ،‬وهذا أفضل كسب يكسبه‬

‫‪83‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫األولياء والصالحون وأولياء الحق ‪ ،U‬الذين لديهم القدرة على‬
‫التمعن في النظر إلى المخلوقات بعين الخالق‪ .Y‬أما الذين يتصرفون‬

‫كعامة الناس‪ ،‬وينفعلون مقابل أبسط األمور وأصغر أصناف األذى‬
‫الذي يواجههم‪ ،‬بل ويقابلون األذى باألذى والشر بالشر‪ ،‬أولئك هم‬
‫الذين فقدوا حلوة ونشوة التحلي بالصفات الحميدة التي أمرنا بها‬

‫ديننا العظيم‪ .‬ولوأنهم يكونون آنذاك قد دافعوا عن حقوقهم ولم‬
‫يسمحوا ألحد بإذاللهم‪ ،‬إال أنهم لم ينالوا شرف التح اّلي باألخلق‬
‫الحسنة التي تتطلبها اآلداب الصوفية كالعفووالصفح والتسامح‬

‫والصبر‪ .‬ويكونون في النتيجة قد غفلوا عن الحكمة المراد نيلها من‬
‫هذا ا ِ‬
‫إلمتحان الذي يمتحن الله ‪ U‬به عباده في الحياة الدنيا‪ .‬إضافة‬
‫إلى أن التح اّلي بالخصل الحسنة في التعامل مع الناس له قيمة ال‬
‫مثيل لها في اكتساب محبة ورضاء من حوله‪ .‬ومن هذا المنطلق‬
‫فإن هذه الخصل الحميدة تعتبر كالغنائم في األدب الصوفي‪.‬‬
‫وكما يعبر عن ذلك سيدنا جلل الدين الرومي بالشكل التالي‪:‬‬

‫«إن الصبر على السيئات والمصاعب والشدائد‪ ،‬وسيلة المؤمن‬

‫الصالح في رفع مستواه المعنوي والروحاني عند الله ‪ ،U‬ألن الصبر‬

‫‪84‬‬

‫ُيحيي القلوب و ُينعش الصدور»‪ .‬عدا عن أن هذه األخلق والخصل‬
‫الحسنة ُتشكل وسيلة في إصلح الناس الفظين والجلفين‪ .‬أما إذا لم‬
‫يحاول من يتصرف بأن ُيصلح نفسه‪ ،‬نادم ًا على ما فعل سابق ًا‪،‬‬
‫فسوف يقع في خسائر كبيرة جد ًا على الصعيد المادي والمعنوي‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫بل وسيكون ذلك هو السبب في هلكه‪ .‬ألن الله ‪ U‬يحق الحق‪،‬‬
‫فيأخذ بنفسه حقوق من تعرضوا لألذى وسوء المعاملة من ذلك‬
‫األشخاص الفظين الذين أساؤوا التعامل معهم‪ .‬وإن أخذ الله ‪U‬‬
‫حقوق عباده األحباء الصالحين من هؤالء الظالمين السيئين‪ ،‬يكون‬
‫أحيانا قاسي ًا وشديد ًا‪ ،‬وعلى شكل انتقام قوي جد ًا‪ ،‬وذلك بتسليط‬
‫جبروته وجلله عليهم‪ .‬وهذه القصة تبين لنا هذه الحقائق بشكل‬
‫واضح وبسيط‪:‬‬
‫«ذهب في يوم من األيام سيدنا إبراهيم حقي‪ ،‬خادم سيدنا‬
‫إسماعيل فقير الله إلى مورد الماء ليعبئ إناءه‪ .‬وعندما هم بتعبئة‬
‫الماء جاء رجل على حصان‪ .‬فصرخ الرجل في وجهه وو اّبخه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫(ابتعد يا غلم‪ ،‬ابتعد عن وجهي)‪ .‬واقترب من مورد الماء موجها‬
‫ًحصانه نحوه‪ .‬وبينما كان إبراهيم حقي يحاول أخذ إنائه واإلبتعاد‬
‫عنه‪ ،‬حاصره الرجل بحصانه الذي كان قد هيجه‪ .‬فحاول إبراهيم‬
‫حقي أن ينجو بنفسه‪ ،‬فوقعت الجرة من بين يديه على األرض‪،‬‬
‫فداس عليها الحصان فتحطمت وتحولت إلى فتات‪ .‬فبكى إبراهيم‬
‫حقي وذهب إلى أستاذه وأخبره بما حدث‪ .‬فسأله سيدنا إسماعيل‬
‫فقير الله‪:‬‬
‫«هل قلت شيئ ًا للرجل الذي كسر إناءك؟»‪.‬‬
‫فقال‪«:‬ال‪ ،‬لم أقل له شيئ ًا»‪.‬‬

‫فقال له الشيخ آمر ًا‪«:‬فاذهب إذ ًا بسرعة إلى ذاك الرجل‪ ،‬وو اّبخه‬

‫بكلمة أوكلمتين»‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫هيئ‬
‫ذهب إبراهيم حقي‪ ،‬وعندما اقترب من الرجل الذي كان ُي اّ‬

‫حصانه للرحيل‪ ،‬انتظر لفترة‪ ،‬ولكنه بسبب أدبه وأخلقه الحميدة لم‬
‫يستطع أن يوبخه ويقول له‪:‬‬

‫«يا أيها الظالم‪ ،‬لم كسرت إنائي؟»‪ .‬فرجع إلى أستاذه‪ .‬وسأله‬
‫سيدنا فقير الله‪«:‬هل قلت له شيئ ًا؟»‪.‬‬
‫فقال إبراهيم حقي‪«:‬ال يا سيدي‪ ،‬لم أستطع أن أقول له شيئ ًا‪،‬‬

‫لقد نويت ولكني لم أستطع أن أحرك لساني وأنطق بكلمات‬

‫قاسية»‪.‬‬

‫فكرر أستاذه أمره بالذهاب‪ ،‬وصرخ بصوت عال قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«لقد أمرتك بأن تذهب وتقول شيئ ًا لذلك الرجل‪ ،‬وإال فإن‬

‫نهايته وخيمة وال ُيحسد عليها أحد»‪.‬‬

‫فذهب إبراهيم حقي راكض ًا إلى مورد الماء‪ ،‬فرأى الرجل الذي‬
‫كسر جرته ممدد ًا على األرض دون حراك‪ ،‬وقد ُركل من قبل حصانه‬

‫عدة ركلت‪ .‬فركض إلى أستاذه وأخبره بنهاية الرجل الوخيمة‪.‬‬

‫فانزعج الشيخ على هذه الحال وقال‪«:‬وا أسفاه‪ ...‬رجل مقابل‬

‫جرة»‪.‬‬

‫فقال الناس من حوله بأنهم لم يفهموا شيئ ًا مما حدث‪ ،‬فشرح‬
‫سيدنا إسماعيل فقير الله ذلك قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫«إن الرجل صاحب الحصان قد ظلم إبراهيم حقي‪ .‬ولم يرد‬

‫‪n‬‬

‫الصبر على جهل الجهلء والغافلين ‪o‬‬
‫عليه المظلوم ولوبكلمة واحدة‪ .‬وبذلك تركه مع تصرف ربه‪ .‬وهذا‬
‫التصرف قد أغضب الله ‪ U‬فناول الظالم جزاءه‪ .‬ولوأن إبراهيم‬

‫حقي واجه الرجل على ظلمه ولوبكلمة واحدة‪ ،‬لتعادلوا وألخذ‬
‫كل ذي حق حقه‪ .‬ولكنه اّ‬
‫فضل أن يكون مظلوم ًا تمام ًا‪ .‬أما أنا فكنت‬
‫أجادله في أن يأخذ حقه بيده‪ ،‬فينجو ذاك الرجل من هذا الوضع‬
‫العصيب‪ .‬ولكني ومع األسف الشديد لم ُأوفق في تحقيق ذلك«‪.‬‬
‫وبذلك نرى أن أولياء الحق ‪ ،U‬أصحاب العلم والحكمة‬
‫والمعرفة‪ ،‬والذين اّ‬
‫اطلعوا على سر األمور‪ ،‬كانوا يواجهون من‬
‫ظلمهم أوآذاهم بكلمة بسيطة‪ ،‬حتى ال َيدَ ُعوهم في موقف حرج‬

‫مع خالقهم ‪ ،U‬فينالون العقاب بسببهم‪ .‬فكانوا يفضلون أن يكونوا‬
‫عون ًا لهم في النجاة من تسليط سخط الله ‪ U‬عليهم‪.‬‬

‫وبالنتيجة‪ ..‬فإن المؤمنين الحقيقيين يعتبرون أن األذى‬
‫والتعذيب الذي يتعرضون له من قبل الناس – أوالذي يبدوظاهري ًا‬

‫كذلك – أنه في الحقيقة امتحان لهم من قبل الله ‪ .U‬فيحاولون‬
‫دائم ًا أن يتحملوا الشدائد ويصبروا عليها دون أن اّيظهروا علمات‬
‫التأفف أوقلة الصبر‪.‬‬

‫وكما قال موالنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«إن الجبل الذي يحتوي في داخله على المعادن الثمينة‪ ،‬يتعرض‬

‫للكسر والتفتت بسبب ضربات المعول والفأس التي يضربها الناس»‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ور ْمي‬
‫وإنه من المعروف أن الشجرة المثمرة تتعرض لقذف َ‬
‫الناس لها بالحجارة‪ .‬فكما أن الشجرة عندما تثمر تهيئ نفسها‬
‫لذلك‪ ،‬فيجب على المؤمنين الحقيقيين أن يكونوا ُمهيئين ألي أذى‬
‫يتعرضون له من قبل الجهلء والناس الفظين غليظي القلوب‪ .‬وإن‬
‫تحمل أذى الناس في سبيل إرضاء الله ‪ ،U‬هو مرتبة رفيعة من‬
‫مراتب اإليمان‪.‬‬

‫اللهم ارزق قلوبنا نصيب ًا من الفراسة والبصيرة والحكمة واللطافة‬
‫التي َّ‬
‫تفضلت وتلطفت بها على عبادك األولياء‪.‬‬

‫واحفظنا اللهم جميع ًا من غلظة وجالفة الجهالء وقساة القلوب‪،‬‬
‫وأبعدنا اللهم عن الدخول معهم في نقاش وجدال‪.‬‬

‫واجعلنا اللهم من أصحاب العقل السليم‪ ،‬بشكل يليق بالمؤمنين‬
‫الحقيقيين‪ ،‬لكي نلقى وجهك الكريم بوجه نقي وقلب سليم‪..‬‬
‫آمـــــــــــــــــــــــــــين‬

‫‪88‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير‬

‫يجب على المؤمن الحقيقي أن يكون عزيز ًا كالماء‪ .‬وعميق التفكير‬
‫كالبحر‪ .‬ويجب عليه أن ينشر بين الناس سكين َة وطمأنين َة اإلسالم ووجهه‬
‫البشوش‪ ،‬بقلب شفاف يعكس اللطافة والكياسة وحسن الخلق‪.‬‬

‫وال يليق بالمؤمنين الحقيقيين أن يحصروا تطبيق العادات الجيدة‬
‫كالعفووالصفح عن اآلخرين‪ ،‬على األعياد والمناسبات الرسمية أوالدينية‪.‬‬

‫ألن الوصول إلى مرتبة استحقاق عفوالله ‪ U‬ورحمته‪ ،‬ال يتم إال عن طريق‬
‫العفوعن الناس مرات ومرات‪ .‬وتلك المرتبة هي األفق الذي ال مثيل له‪،‬‬

‫والذي يجب على المؤمنين بذل جهودهم وطاقاتهم للوصول إليه‪.‬‬

‫مقابلة الشر بالخير‬
‫إن ديننا العظيم بكل قاعدة من قواعده هو عبارة عن منظومة‬

‫شعرية التي تحتوي على كافة األخلق الحميدة التي تنعكس من‬

‫نور اإليمان على جميع مجاالت الحياة‪.‬‬

‫وكما قال سيدنا محمد ‪ r‬في الحديث الشريف‪:‬‬
‫" ُب ِعث ُْت ُأل َت ِّم َم ُحس َن َ‬
‫األ ْخ َ‬
‫ال ِ‬
‫ق" (موطأ مالك‪ ،‬حسن ُ‬
‫الخلق‪.)8 ،‬‬
‫ْ‬

‫فإذا أردنا أن نكون من المؤمنين الحقيقيين فيجب علينا أن نتعمق‬

‫في مقاييس األخلق التي أمرنا اإلسلم التحلي بها‪ ،‬وأن نستفيد من‬

‫انعكاس بريق هذه األخلق على كل صفحة من صفحات حياتنا‪.‬‬
‫وإن لم نفعل ذلك فسوف نزعزع كرامتنا ونفقد سعادتنا األبدية‪.‬‬

‫لقد أعطى سيدنا محمد ‪ – r‬بما تميز به من أخلق رفيعة‬

‫وعظيمة – هدية للبشرية جمعاء‪ ،‬وهي حضارة التخلق باألخلق‬

‫الحميدة وحسن المعاملة مع الناس‪ .‬وإن أولياء الله ‪ U‬وأحباءه‬
‫هم ورثة األنبياء والرسل عليهم السلم‪ .‬ألنهم تابعوا وبكل صدق‬
‫وإخلص طريق الفضيلة التي مشوا فيه‪ ،‬وحرصوا على أداء سننهم‬

‫المباركة‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن أهم الفضائل في األخلق المثالية لألنبياء والرسل‪،‬‬

‫والصالحين واألولياء هي‪ :‬العفووالصفح لوجه الله ‪ U‬عن األذى‬
‫والتعذيب الذي يواجهونه في سبيل الله أيضا‪ .‬ومقابلة الشر واألفعال‬

‫القبيحة بالخير والحسنة‪.‬‬

‫وبذلك يكون أولياء الحق ‪ U‬قد نقلوا الناس من حولهم إلى‬

‫قصور قلوبهم التي امتألت بالرحمة والعطف‪ ،‬لكي يوقظوا عقولهم‬
‫و ُيحيوا صدورهم التي تحولت إلى أماكن مهجورة وخالية من‬
‫الخصل الحميدة‪ ،‬وبعيدة عن لباقة ولطافة ورقة اإلسلم‪ .‬وهذا‬

‫الخلق هو في نفس الوقت أسعد خبر يتلقاه اإلنسان في رمقه‬
‫األخير‪.‬‬

‫وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الصل َة َو َأن َف ُقو ْا ِم َّما‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫َ‬
‫ين َص َب ُرو ْا ا ْبتِ َغاء َو ْج ِه َر ِّب ِه ْم َو َأ َق ُامو ْا َّ‬
‫َاه ْم ِس ًّرا َو َعلنِ َي ًة َو َيدْ َرؤُ َ‬
‫الس ِّي َئ َة ُأ ْو َلئِ َك َل ُه ْم ُع ْق َبى‬
‫َر َز ْقن ُ‬
‫ون بِا ْل َح َسن َِة َّ‬

‫الدَّ ا ِر] (الرعد‪)22 ،‬‬

‫فمن أراد أن ينال عفو الله ‪ I‬ورحمته‪ ،‬فعليه أن يعفوويصفح‬

‫عن الناس على أخطائهم وعثراتهم‪ ،‬وأن يقابل الشر الذي يواجهه‬
‫من اآلخرين بالخير‪ .‬وعليه أن يتخذ ذلك دستور ًا له في حياته‪ .‬حيث‬

‫أن جميع الشخصيات القدوة التي أرسلها الله‪ Y‬كاألنبياء والرسل‬
‫والصالحين والعلماء والمرشدين‪ ،‬كانوا يتحلون بهذه األخلق‬

‫‪92‬‬

‫الحميدة والرفيعة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫ال تثريب عليكم اليوم‬
‫إن تعامل سيدنا يوسف ‪ u‬مع إخوانه حسب ما ورد في القصة‬

‫التي وردت في القرآن الكريم‪ ،‬إنما هو نموذج مثالي عن إصلح من‬
‫يعمل السوء وردعه عن عمله بمقابلته بفعل الخير والحسنات‪.‬‬

‫لقد أحس سيدنا يعقوب ‪ u‬بالميزات المعنوية والروحانيات‬

‫التي تميز بها ابنه يوسف ‪ u‬عدا عن إخوته اإلثني عشر‪ .‬فكان قلبه‬

‫يشعر بالتقرب إليه أكثر من بقية أوالده‪ .‬وذلك ما كان السبب في‬

‫ُن ُم ِّو شعور الغيرة عند اإلخوة تجاه سيدنا يوسف ‪ .u‬لدرجة أنهم‬

‫بدؤوا بالتفكير بكيفية الخلص منه‪ ،‬فألقوه في بئر للماء‪.‬‬

‫وقد نجا سيدنا يوسف ‪ u‬من البئر على يد أناس في قافلة‬
‫تجارية مرت من ذلك المكان‪ُ .‬‬
‫وأخذ إلى مصر‪ ،‬وبيع على أنه عبد‬

‫رقيق‪ .‬فاشتراه ملك مصر آنذاك‪ .‬وبعد عدة مواقف وامتحانات مر‬

‫بها سيدنا يوسف ‪ ،u‬ارتقى إلى منصب أمين السر في بيت مال‬
‫الدولة‪ .‬وكانت وظيفته هي توزيع الطعام والمواد الغذائية على‬
‫الناس في سنوات القحط‪ .‬وجاء إخوته لكي يأخذوا نصيبهم من‬

‫الغذاء‪ .‬فعرفهم سيدنا يوسف ‪ u‬وحجب شخصيته عنهم حتى‬
‫ال يعرفوه‪.‬‬

‫وكان في وضع يسمح له بسهولة القدرة على ِ‬
‫األنتقام منهم‬
‫على ما فعلوه له سابق ًا‪ .‬ولكنه لم يعاقبهم ولم يوبخهم‪ ،‬بل قام‬

‫‪93‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بتقديم عدد ال متناه من المساعدات والتسهيلت لهم‪ .‬ف ُبهت إخوته‬

‫أمام هذه الفضائل التي قدمها لهم وأقروا معترفين بحقيقة الخجل‬
‫واإلحراج الذي أصابهم قائلين‪:‬‬

‫«إنك أنت يوسف‪ .‬وقد أعلى شأنك ورفع مستواك ومنصبك»‬

‫فأبدى لهم سيدنا يوسف ‪ u‬فضيلة أخرى بما تكلم معهم‬

‫األخوة المبنية على التسامح‬
‫بأسلوب لين وأنيق ومعزز لعلقات‬
‫اّ‬
‫والعفووالصفح‪ ،‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫َ‬
‫[ َق َ‬
‫الر ِ‬
‫ين]‬
‫اح ِم َ‬
‫ال َال َت ْث ِر َ‬
‫يب َع َل ْي ُك ُم ا ْل َي ْو َم َيغْ ِف ُر ال َّل ُه َل ُك ْم َو ُه َو أ ْر َح ُم َّ‬

‫(يوسف‪)92 ،‬‬

‫وثبت إحسانه إليهم بقوله‪«:‬لقد دخل الشيطان بيننا في تلك األيام‬
‫اّ‬

‫التي خلت»‪ .‬وهذه هي الفضيلة الحقيقية‪ ،‬وهي أن تعفووتصفح عن‬
‫اآلخرين بنية كسب األجر والثواب في اآلخرة‪ .‬وخاصة إذا كنت في‬

‫وضع المقتدر على المعاقبة او األتقام‪ .‬إن األنتقام من أي شخص‪،‬‬

‫أو األنفعال ألي أمر شخصي هو إشباع للغريزة النفسية‪ .‬وهو وسيلة‬
‫ِ‬
‫ألستعراض القوة والمباهاة واألفتخار بها‪ .‬والمؤمن الذي حصل على‬
‫هذا اإلمكان وهذه الفرصة لوأنه استطاع أن يكبت غضبه وفورانه‪،‬‬

‫ويعفوويصفح عن من أغضبه‪ ،‬ويحسن إليه‪ ،‬فإن ذلك يدل على‬

‫‪94‬‬

‫األصالة الروحية التي ال مثيل لها‪ .‬ألن كبت اإلنسان لمشاعر األنتقام‬
‫والغضب‪ ،‬والعفووالصفح من بعد ذلك‪ ،‬ليس باألمر السهل أبد ًا‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫وإن قسم الغضب في كتاب الحياة هو عبارة عن أكثر األقسام‬

‫المليئة بالحوادث والنتائج المؤلمة والمروعة على مر العصور‬

‫واألزمان‪ .‬فالغضب هوحالة جنون قصيرة ومؤقتة يكون العقل فيها‬
‫خارج ًا عن السيطرة‪ .‬وإن أفضل طريقة للخلص من هذه الحالة‬

‫هي أن يتحلى الشخص باألخلق التي تجعله يكسب األجر الكبير‬

‫والثواب الوفير عند الله ‪ ،U‬كالعفووالصفح ِ‬
‫والحلم‪.‬‬

‫ومن يتميز بهذه الصفات الحميدة والرفيعة فقد بشرهم الله ‪U‬‬

‫وقال عنهم كما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬

‫ات‬
‫او ُ‬
‫الس َم َ‬
‫[ َو َسا ِر ُعو ْا إِ َلى َمغْ ِف َر ٍة ِّمن َّر ِّب ُك ْم َو َج َّن ٍة َع ْر ُض َها َّ‬
‫َو َ‬
‫ين ُي ِ‬
‫األ ْر ُ‬
‫الس َّراء‬
‫ين‪ .‬ا َّل ِذ َ‬
‫ض ُأ ِعدَّ ْت لِ ْل ُم َّت ِق َ‬
‫نف ُقونَ ِفي َّ‬
‫الض َّراء َوا ْل َك ِ‬
‫ين َع ِن ال َّن ِ‬
‫َو َّ‬
‫اس َوال َّل ُه ُي ِح ُّب‬
‫ين ا ْل َغ ْي َظ َوا ْل َع ِاف َ‬
‫اظ ِم َ‬
‫ين] (آل عمران‪)134–133 ،‬‬
‫ا ْل ُم ْح ِسنِ َ‬

‫أي أن المؤمن الذي يريد أن يقابل الشر الذي واجهه بأخلق‬

‫اإلسلم الرفيعة‪ ،‬عليه أن يتبع الخطوات الثلث التالية‪:‬‬
‫‪ –1‬التغلب على الغضب‪.‬‬

‫‪ –2‬العفووالصفح عن من َأ ْخ َ‬
‫طأ‪.‬‬
‫‪ –3‬اإلحسان إليه‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إني لم أبعث لعا ًنا‬

‫إن حياة سيدنا محمد ‪ r‬حافلة بقمم مظاهر القدرة على مقابلة‬

‫الشر بالعفووفعل الخير‪ .‬وبإمكانه ‪ r‬بعطفه ورحمته وحبه أن يحيط‬
‫العالم بأسره بالخير والهناء‪ .‬ألنه قد ُأرسل رحمة للعالمين‪ُ .‬‬
‫وطلب‬

‫يوم ًا من النبي ‪ r‬أن يلعن المشركين الذين بالغوا جد ًا في إيذائه‬

‫وتعذيبه‪ .‬فقال‪:r‬‬

‫"إني لم أبعث لعا ًنا‪ ،‬وإنما بعثت رحمة"‪( .‬مسلم‪ ،‬البر‪)87 ،‬‬

‫ألن روحه الزكية بكونها منجم ال مثيل له للعطف والرحمة‬

‫والشفقة ورقة القلب‪ .‬وكان هدفه األكبر ‪ r‬هو نجاة البشرية‬

‫بأكملها‪.‬‬

‫وعندما ذهب سيدنا محمد ‪ r‬إلى الطائف لتبليغ الرسالة‪،‬‬

‫وعبدة األصنام برميه بالحجارة حتى‬
‫قابله أهل هذه المدينة الجهلء َ‬
‫أدموا قدمه الشريفة‪ .‬فبينما كان ‪ r‬في طريق العودة ويمشي حزين ًا‬
‫ًومهموم ًا‪ ،‬أرسل الله ‪ Y‬جبريل ‪ u‬مع م َلك الجبال ليخففوا‬

‫عليه ويهداّ ئوا من روعه‪ .‬فقال ملك الجبال أنه إذا أراد النبي ‪ r‬فإنه‬
‫باستطاعته أن يطبق الجبلين على رؤوس أهل الطائف جميع ًا‪ .‬ولكن‬
‫الرسول ‪ r‬الذي أرسل رحمة للعالمين رفض وقال‪:‬‬

‫"لعل الله يخرج من أصالبهم من يعبد الله ال يشرك به شيئًا"‬

‫‪96‬‬

‫(البخاري‪ ،‬بدء الخلق‪7 ،‬؛ مسلم‪ ،‬الجهاد‪)111 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫وقاوم أهل الطائف واستمروا على اإللحاد حتى السنة التاسعة‬

‫وكبدوا المسلمين خسائر كبيرة‪ ،‬مادية ومعنوية‪ .‬وفي‬
‫للهجرة‪ .‬اّ‬
‫النهاية لم يستطع المسلمون الصبر عل ذلك أكثر‪ ،‬فناشدوا النبي ‪r‬‬
‫قائلين‪:‬‬

‫قالوا يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم قال‪:‬‬
‫"اللهم اهد ثقيف ًا َو ْأ ِ‬
‫ت بِ ِه ْم"‪.‬‬

‫وبعد فترة من الزمن جاء أهل الطائف إلى المدينة المنورة‪ ،‬ونالوا‬

‫شرف الدخول في اإلسلم‪( .‬انظر‪ :‬الترمذي‪ ،‬المناقب‪3942/73 ،‬؛ ابن هشام‪)134 ،4 ،‬‬

‫وقد شكل رسول الله ‪ r‬نموذج ًا مثالي ًا عن إحدى أكبر مظاهر‬

‫الفضيلة الرفيعة والخلق الرائع يوم فتح مكة المكرمة‪ .‬حيث كان‬
‫المشركون قد ظلموا المسلمين لسنوات طويلة ظلم ًا وقهر ًا ال‬
‫ُيحتملن‪َ .‬‬
‫روهم جميع ألوان العذاب بدون رحمة‪ .‬ثم جاء ذلك‬
‫وأ ْ‬
‫اليوم الذي وقع فيه مشركومكة المكرمة أسرى في يد المسلمين‪.‬‬

‫وكانت الكلمة التي ستخرج من بين شفتي رسول الله ‪ r‬كافية ألن‬

‫يستحقونه‪ .‬ولكن النبي ‪r‬‬
‫ينالوا العذاب الشديد والعقاب الذي‬
‫ُ‬
‫ش‪َ ،‬ما َتر ْو َن َأ ِّني َف ِ‬
‫اع ٌل ُ‬
‫سألهم‪َ :‬يا َم ْع َش َر ُق َر ْي ٍ‬
‫بك ْم؟ َقا ُلوا‪َ :‬خ ْي ًرا‪َ ،‬أ ٌخ‬
‫يم‪ .‬فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف إلخوته‪:‬‬
‫يم‪َ ،‬وا ْب ُن َأ ٍخ َك ِر ٍ‬
‫َك ِر ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الر ِ‬
‫ين}‬
‫اح ِم َ‬
‫{ال َتث َْر َ‬
‫يب َع َل ْي ُك ُم ا ْل َي ْو َم َيغْ ِف ُر ال ّل ُه َل ُك ْم َوهُ َو أ ْر َح ُم َّ‬

‫(يوسف‪)29 ،‬‬

‫اذهبوا فأنتم الطلقاء) (ابن هشام‪32 .4 ،‬؛ الواقدي‪835 ،2 ،‬؛ ابن سعد‪)143-142 .2 ،‬‬

‫‪97‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فتلشى البغض والحقد في قلوب أهل مكة المكرمة‪ ،‬تجاه‬
‫المسلمين بسبب هذه الفضيلة الرفيعة واألخلق الحميدة التي‬
‫أبداها رسول الله ‪ r‬والتي تعبر عن العطف والرحمة‪ .‬وبذلك َع َّمت‬
‫ْفي قلوبهم مشاعر الحب واألخوة والصدق واإلخلص‪.‬‬

‫ونال الكثيرون منهم شرف الدخول في اإلسلم‪ ،‬وامتألت‬
‫قلوبهم بحرارة اإليمان‪ .‬وكأن اآلية الكريمة التالية قد تج اّلت على‬

‫أهل مكة المكرمة ذاك اليوم‪:‬‬

‫الس ِّي َئ ُة ا ْد َف ْع بِا َّلتِي ِه َي َأ ْح َس ُن َفإِ َذا ا َّل ِذي‬
‫َ‬
‫[وال َت ْس َت ِوي ا ْل َح َس َن ُة َوال َّ‬
‫َ‬
‫يم] (فصلت‪)34 ،‬‬
‫َب ْين ََك َو َب ْي َن ُه َع َد َاو ٌة َكأ َّن ُه َولِ ٌّي َح ِم ٌ‬
‫وفي الحقيقة فإن ابن آدم يتأثر باإلحسان والفضيلة ويضعف‬
‫أمامهما‪ .‬وهذه الصفات الحميدة كافية إلصلح نفوس أكثر‬
‫األعداء شر ًا وبغض ًا‪ ،‬ولنشر المحبة واألحترام بين الناس في جميع‬

‫المجتمعات‪.‬‬

‫أفضل وسيلة لدفع البالء‬

‫ليس من الحكمة أن تحسن لمن أحسن إليك وتظلم من‬

‫ظلمك‪ .‬بل الحكمة األساسية هي أن تحسن لمن ظلمك وآذاك‪.‬‬
‫ألنه إذا أحسن الشخص لمن ظلمه فسيكون سبب ًا في زوال وتلشي‬
‫البغض والحقد والكره والعداوة بينهما‪ .‬فإذا كانوا أعداء سابقا‬

‫‪98‬‬

‫فسيصبحون أصدقاء متحابين نتيجة ذلك التصرف الناضج‪ .‬وإذا‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫كانوا في الماضي أصدقاء ولكن لعب الشيطان دوره بينهما وأبعد‬
‫ُك ً‬
‫ل منهما عن اآلخر‪ ،‬فسوف تزول كل المشاكل وسيتقربون إلى‬

‫بعضهم البعض بعد ذلك التصرف‪ .‬أما إذا كانوا حميمين متحابين‬
‫سابقا‪ ،‬فسوف تزداد المحبة والصداقة واإلخلص بينهما‪ .‬ويصبح‬

‫الخير واإلحسان بمثابة الستارة التي تمنع الشخص من العودة إلى‬

‫الخير واإلحسان‬
‫الظلم وعمل الشر عندما ُيقابل عمله السيئ بالعمل اّ‬
‫من قبل اآلخرين‪.‬‬

‫وشرح سيدنا جلل الدين الرومي هذا الخلق النبوي الرفيع‬
‫شرح ًا جيد ًا ووافي ًا‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫«اعلم أن رحمة الله ‪ Y‬هي وبشكل دائم غالبة على عذابه‬

‫وسخطه‪ .‬ومن هذا المنطلق فقد تغلب جميع األنبياء والرسل على‬

‫أعدائهم الذين كانوا ضدهم»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«ليس الظلم هو الوسيلة لدفع البلء‪ ،‬بل الوسيلة الفعالة والمؤثرة‬
‫ُ‬
‫وليك ْن الحديث‬
‫هي العفووالصفح وإظهار الكرم واإلحسان‪.‬‬
‫الشريف "إن الصدقات تدفع البلء" دائم ًا في نصب عينيك‪ .‬وافهم‬
‫جيد ًا بعد ذلك أساليب معالجة البلء واألمراض ِ‬
‫األجتماعية»‪.‬‬

‫وقد عرض سيدنا محمد ‪ r‬فضيلة العفو والصفح في كثير من‬

‫المواقف التي كان بإمكانه فيها أن يعاقب المجرمين بكل سهولة‪.‬‬
‫ينجيهم نجاة أبدية في السعي في إصلحهم بقيامه‬
‫بل فضل ‪ r‬أن اّ‬

‫‪99‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بهذه التصرفات الرفيعة المبنية على األخلق الحميدة‪ .‬ألن العظمة‬
‫الحقيقية والحكمة هي أن تستطيع أن تسيطر على نفسك أثناء‬

‫الغضب‪ .‬وأن تعفووتصفح عن غريمك وتحسن إليه في وقت تملك‬
‫فيه القدرة والفرصة ل ِ‬
‫ألنتقام ِمنه ومعاقبته‪ .‬وكما قال سيدنا محمد ‪r‬‬

‫في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند‬

‫الغضب"‬

‫(البخاري‪ ،‬األدب‪)76 ،‬‬

‫وقد بشر الله ‪ Y‬من تحلى بهذه الصفات الحميدة فقال كما‬

‫ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[و َجزَ ُاء َس ِّيئ ٍَة َس ِّيئ ٌَة ِّم ْث ُل َها َف َم ْن َع َفا َو َأ ْص َل َح َف َأ ْج ُر ُه َع َلى ال َّل ِه إِ َّن ُه ال‬
‫َ‬
‫ُي ِح ُّب َّ‬
‫ين] (الشورى‪)40 ،‬‬
‫الظالِ ِم َ‬

‫ومن صفات سيدنا محمد ‪ r‬المميزة‪ ،‬عدا عن عفوه وصفحه‬

‫عن الغير على تقصيراتهم وأخطائهم وعثراتهم‪ ،‬أنه يقابل الشر بعمل‬

‫الخير‪ ،‬وذلك لتأسيس وغرس مفاهيم األخوة والصداقة والطمأنينة‬
‫بين الناس‪ .‬ويجب علينا بصفتنا أمة لهذا النبي العظيم ‪ ،r‬أن نتحلى‬

‫بهذه الصفات الحميدة‪.‬‬

‫وال يليق بالمؤمنين الحقيقيين أن يجعلوا المسامحة‬

‫‪100‬‬

‫والعفووالصفاء بين القلوب وقف ًا على األعياد وأيام المناسبات‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫فحسب‪ .‬بل إن اتخاذ تلك الصفات نمط ًا طبيعي ًا ونهج ًا أساسي ًا في‬

‫الحياة‪ ،‬هو علمة اإليمان الحقيقي والمتكامل‪.‬‬

‫وهذه األحاديث الشريفة التالية تقدم لجميع المسلمين معايير‬
‫ومقاييس ال مثيل لها عن األخلق التي تبين لنا عظمة ُأفق النبي‬
‫الكريم محمد ‪ r‬في هذا المضمار‪ ،‬فورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"ال تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا‪ ،‬وإن ظلموا‬

‫ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا‬
‫فال تظلموا" (الترمذي‪ ،‬البر‪)63 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫وأعط من حرمك‪ ،‬وأعرض عمن ظلمك"‬
‫‪...‬ص ْل من قطعك‪،‬‬
‫"‬
‫(أحمد بن حنبل‪ ،‬مسند‪)158–148 ،4 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫الح َس َن َة َت ْم ُح َها‪َ ،‬و َخالِ ِق‬
‫الس ِّي َئ َة َ‬
‫"ات َِّق الل َه َح ْي ُث َما ُك ْن َت‪َ ،‬وأ ْتبِ ِع َّ‬
‫اس بِ ُخ ُل ٍق َح َس ٍ‬
‫ن" (الترمذي‪ ،‬البر‪)1987/55 ،‬‬
‫ال َّن َ‬
‫وفي حديث آخر‪:‬‬

‫قال رسول الله ‪" :r‬رأيت ليلة أسري بي قصور ًا مستوية مشرفة‬

‫على الجنة فقلت ‪ :‬يا جبريل لمن هذه ؟ فقال ‪ :‬للكاظمين الغيظ‬

‫والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"‬
‫العوارف‪ ،‬ص ‪)253‬‬

‫(علي بن المتقي‪ ،‬رقم ‪7016‬؛‬

‫‪101‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وجوب العفو في المكان والزمان المناسبين‬
‫يجب التذكير بأنه علينا أن ال نظن أنه من الحكمة والفضيلة‬

‫أن نميل إلى العفوعن اآلخرين على جميع األخطاء والتقصيرات‪.‬‬
‫فموضوع العفووالصفح هو ما يهم شخصية وكرامة الشخص الذي‬
‫أخطأ الناس بحقه أوظلموه‪ .‬وهناك أخطاء وتقصيرات بمثابة التهجم‬
‫على المقدسات الدينية والوطنية التي يحترمها ويقدسها المجتمع‬

‫بكافة أفراده‪ .‬فيجب في مثل هذه المواقف أن نلجأ إلى العقاب‬
‫والجزاء لإلصلح‪ ،‬بد ً‬
‫ال من العفووالتجاوز عن تلك األخطاء‪.‬‬
‫وذلك إلعلن الحق والباطل لتحقيق العدالة‪ .‬ألنه من الوارد‬
‫في مثل هذه الحاالت إذا عفي عن مجرم‪ ،‬أن ُيسبب ذلك تجاوز ًا‬

‫ًعلى حقوق اآلخرين‪ ،‬وظلم الناس وظلم المجتمع بأسره‪ .‬وكما‬
‫ورد في الحديث الشريف عن سيدتنا عائشة أم المؤمنين ‪ c‬شارحة‬

‫أسلوب الرسول ‪ r‬ونمطه في هذا المضمار‪ ،‬فقالت‪:‬‬

‫«ما ضرب رسول الله ‪ r‬شيئ ًا قط بيده وال امرأة وال خادم ًا إال أن‬

‫يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إال أن ُينتهك‬

‫شيء من محارم الله فينتقم لله ‪( »U‬مسلم‪ ،‬الفضائل‪)79 ،‬‬

‫وكما أن الغضب في الوقت والمكان الغير المناسبين يسبب‬

‫‪102‬‬

‫الفساد والفتنة‪ ،‬فإن عدم الغضب في الوقت والمكان الذي يجب‬
‫أن يغضب فيهما اإلنسان يسبب نفس النتيجة أيض ًا‪ .‬وهذه النتيجة‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫إنما هي تحلل أخلقي وضعف في التربية ِ‬
‫األجتماعية‪ .‬فالبغض في‬
‫سبيل الله ‪ U‬عند الضرورة هو أيض ًا من مقتضيات اإليمان‪.‬‬
‫ففي الحروب على سبيل المثال‪ ،‬فكون المسلم شديد وقاس‬

‫تجاه عدوه‪ ،‬هو تعبير أصيل وصحيح عن الغيرة اإليمانية‪ ،‬والغضب‬

‫في الله ‪ .Y‬وهذا هو علمة التمسك بالدين وحب الوطن في نفس‬
‫الوقت‪ .‬وإظهار الشدة والغيرة نفسها تجاه الذنوب التي ُترتكب بحق‬
‫المفاهيم والقيم المعنوية والوطنية‪ ،‬وبحق حقوق المجتمع‪ ،‬إنما‬

‫هي علمة تشير إلى أصالة اإليمان وترسخ العقيدة في النفوس‪.‬‬

‫القيمة والرفيعة عن‬
‫وحياه سيدنا محمد ‪ r‬مليئة باألمثلة اّ‬
‫المعايير والمقاييس األخلقية التي تدل على الفضيلة وحسن‬
‫األخلق‪ .‬وشكل ‪ r‬نموذج ًا مثالي ًا ألمته ليس بالعفووالصفح عن‬

‫من يخطئ بحقه ومن يتجاوز على حقوقه الشخصية فحسب‪ ،‬بل‬
‫وكان يبدي قمة الفضيلة باإلحسان إليه أيض ًا‪.‬‬

‫َأال ُت ِح ُّبونَ َأن َيغْ ِف َر ال َّل ُه َل ُكم؟!‬

‫وقد عرض لنا سيدنا أبوبكر الصديق ‪ t‬الذي كان متفاني ًا في‬

‫التضحية في سبيل رسول الله ‪ ،r‬عرض أمثلة ال تعد وال تحصى‬
‫عن مقابلة الشر والظلم بالعفووالصفح واإلحسان‪ .‬كما ورد في هذه‬
‫القصة المليئة بالعبر‪:‬‬

‫‪103‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫كان سيدنا أبوبكر الصديق ‪ t‬يساعد وبشكل مستمر فقير ًا‬
‫ُيدعى مسطح‪ .‬وعندما عرف بأن مسطح هو أحد المفترين على بنته‬
‫السيدة عائشة ‪ t‬في حادثة اإلفك‪ ،‬فأقسم أنه لن يحسن إليه وإلى‬
‫عائلته بعد ذلك اليوم‪ .‬فصارت حالته في الحضيض بعد انقطاع‬
‫مساعدات سيدنا أبي بكر الصديق ‪ .t‬فنزلت بناء على ذلك هذه‬
‫اآليات الكريمه‪:‬‬

‫[وال َي ْأتَلِ ُأ ْو ُلوا ا ْل َف ْضلِ ِم ُ‬
‫الس َع ِة َأن ُيؤْ ُتوا ُأولِي ا ْل ُق ْر َبى‬
‫َ‬
‫نك ْم َو َّ‬
‫َوا ْل َم َس ِ‬
‫ين َوا ْل ُم َه ِ‬
‫ين ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َو ْل َي ْع ُفوا َو ْل َي ْص َف ُحوا َأال ُت ِح ُّبونَ‬
‫اج ِر َ‬
‫اك َ‬
‫َ‬

‫ور َّر ِ‬
‫حيمٌ] (النور‪)22 ،‬‬
‫أن َيغْ ِف َر ال َّل ُه َل ُك ْم َوال َّل ُه َغ ُف ٌ‬

‫ونزلت أيض ًا اآلية الكريمة التالية‪:‬‬
‫[و َال َت ْج َع ُلو ْا ال َّل َه ُع ْر َض ًة ِّ َأل ْي َمانِ ُك ْم َأن َت َب ُّرو ْا َو َت َّت ُقو ْا َو ُت ْص ِل ُحو ْا‬
‫َ‬
‫َب ْي َن ال َّن ِ‬
‫يم] (البقرة‪)224 ،‬‬
‫اس َوال َّل ُه َس ِم ٌ‬
‫يع َع ِل ٌ‬

‫وبعد نزول هذه اآليات الكريمه قال سيدنا أبوبكر الصديق ‪:t‬‬
‫َب َلى َوال َّل ِه إِ ِّنى ُأل ِح ُّب َأ ْن َيغْ ِف َر ال َّل ُه لِى‪َ .‬ف َر َج َع إِ َلى ِم ْس َط ٍح ال َّن َف َق َة‬
‫َ‬
‫ال َوال َّل ِه َ َ‬
‫ان ُي ْن ِف ُق َع َل ْي ِه َو َق َ‬
‫ا َّلتِى َك َ‬
‫ال أ ْن ِز ُع َها ِم ْن ُه أ َبد ًا‪( .‬البخاري‪ ،‬المغازي‪34 ،‬؛‬
‫مسلم‪ ،‬التوبة‪56 ،‬؛ الطبري‪ ،‬التفسير‪)546 ،2 ،‬‬

‫حيث أن العفوعن عباد الله ‪ Y‬مرة تلواألخرى بهدف الوصول‬

‫‪104‬‬

‫إلى مرتبة استحقاق عفوالله ‪ U‬ورحمته‪ ،‬هو أفق وهدف ال يمكن‬
‫ِ‬
‫األستغناء والتخلي عنه بالنسبة للمؤمنين الحقيقيين‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫كم من اإلحسان مقابل الظلم ؟!‬
‫سأل في يوم من األيام الصحابة الكرام ‪ y‬سيدنا محمد ًا ‪ r‬عن‬

‫سبب شدة حبه لسيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه‪ .‬فأمر سيد‬
‫الكون ‪ r‬بأن ينادوا سيدنا علي ًا‪ .‬فذهب أحد الصحابة ليناديه‪ .‬فقال‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬ألصحابه قبل أن يأتي سيدنا علي‪:‬‬

‫"يا أصحابي‪ ...‬إذا أحسنتم ألحد من األشخاص فظلمكم‪ .‬ماذا‬

‫تفعلون؟"‪.‬‬

‫فقال الصحابة الكرام ‪ y‬بأنهم يقابلون ذلك باإلحسان أيض ًا‪.‬‬

‫فقال سيدنا محمد ‪ r‬ألصحابه مرة أخرى‪:‬‬
‫"وإن ظلمكم أيض ًا بعد ذلك‪ ..‬ماذا تفعلون؟!"‬

‫فكرر الصحابة الكرام ‪ y‬بأنهم يقابلون ذلك باإلحسان أيض ًا‪.‬‬
‫فقال سيدنا محمد ‪ r‬ألصحابه‪:‬‬

‫"وإذا ظلمكم مرة أخرى‪ ..‬فما أنتم فاعلون؟!"‪.‬‬

‫فطأطأ الصحابة الكرام رؤوسهم ولم يستطيعوا الرد بكلمة‪.‬‬
‫وعندما جاء سيدنا علي كرم الله وجهه سأله النبي ‪ r‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"يا علي‪ ..‬ماذا تفعل برجل أحسنت إليه فظلمك؟"‬

‫فقال سيدنا علي كرم الله وجهه بأنه يقابل الظلم باإلحسان‪.‬‬
‫وعلى الرغم من تكرار سيدنا محمد ‪ r‬نفس السؤال لسبع مرات‪،‬‬
‫فلم يتغير جواب سيدنا علي‪ ،‬وكان في كل مرة يقول‪«:‬أقابل الظلم‬
‫باإلحسان»‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وورد عن سيدنا علي كرم الله وجهه ما يلي‪:‬‬

‫«من قابل إحساني بالسوء وبالظلم‪ ،‬فإني سأحسن إليه أكثر»‪.‬‬
‫وورد عنه أيضا ما يلي‪:‬‬

‫«إن أسوء الناس هو من يقابل اإلحسان بالظلم وبالسوء‪.‬‬
‫وأفضل الناس هو من يقابل الظلم باإلحسان والخير»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا ‪«:t‬أحسن بدون أن تفكر أنك س ُتقابل بالظلم والشر»‪.‬‬

‫عبدُ اإلحسان‬
‫اإلنسان ْ‬

‫ورد في األخبار بشكل متواتر أن أحد ًا ما شتم علي ًا حفيد‬

‫سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‪ .‬فقام بدوره بخلع عباءته‬

‫الباهظة والمرصعة بالحلي‪ ،‬وأعطاها لذلك الرجل الذي شتمه‪.‬‬
‫وأمر بإعطائه ألف درهم فوق ذلك‪ .‬وبذلك التصرف الذي بدر عنه‬

‫يكون قد حقق خمسة فضائل في نفس الوقت‪:‬‬

‫الفضيلة األولى‪ :‬الحلم‪ ،‬حيث أنه لم يغضب‪.‬‬

‫الفضيلة الثانية‪ :‬أنه أزال األذى‪.‬‬

‫نجى الرجل من ِ‬
‫األبتعاد عن الله ‪.U‬‬
‫الفضيلة الثالثة‪ :‬أنه اّ‬
‫الفضيلة الرابعة‪ :‬أنه كان السبب في ندم الرجل وتوبته‪.‬‬

‫الفضيلة الخامسة‪ :‬أنه جعل الرجل يمدحه ويثني عليه بعد أن‬

‫‪106‬‬

‫كان يشتمه ويذمه‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫وشتم أحد األشخاص سيدنا ابن العباس ‪ ،t‬فلم ينطق ابن‬

‫العباس بكلمة واحدة‪ .‬ثم التفت إلى عكرمة الذي كان بجانبه وقال‬

‫له‪« :‬لنسداّ حاجة هذا الرجل إن كان بحاجة»‪.‬‬
‫عندها طأطأ الرجل رأسه من الخجل‪.‬‬

‫العيون التي تستطيع أن تذرف الدموع من أجل عدوها‬
‫إن قصة سيدنا فضيل بن عياض أحد أولياء الحق ‪ U‬هي مثال‬
‫ومعبر عن معدن الروح الطيب الذي يتحلى به المؤمنون‬
‫جميل‬
‫اّ‬
‫الحقيقيون‪ .‬حيث يحكى عنه القصة التالية‪:‬‬
‫رأى الناس سيدنا فضيل بن عياض يبكي‪ ،‬فسألوه عن سبب‬
‫بكائه‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«أبكي من ألمي وحسرتي على مسلم مسكين قد ظلمني‪ .‬وكل‬
‫حزني وألمي بسبب الحالة التي سيؤول إليها يوم القيامة بسببي»‪.‬‬
‫وعندما قيل لسيدنا فضيل بن عياض أيض ًا‪:‬‬
‫«إن فلن ًا يغتابك‪ ،‬ويتكلم عنك وعن كرامتك بكلم بذيئ»‪.‬‬

‫فقال فضيل‪« :‬إني والله ال أغضب منه‪ .‬بل أغضب من الشيطان‬
‫الذي جعله يتكلم بتلك الكلمات البذيئة»‪ .‬ودعا لله ‪ U‬بالدعاء‬
‫التالي‪:‬‬
‫«اللهم إن كان فلن يقول الحق فاعف عني‪ .‬أما إن كان يكذب‬

‫فاعف عنه»‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما كان سيدنا حسن البصري‪ ،‬فبد ً‬
‫ال من أن يغضب على أحد‬

‫اغتابه‪ ،‬كان يشكره بإرسال الهدايا‪ .‬ألنه كان خير العالمين بأن من‬
‫يغتاب أحد ًا أخذ جميع ذنوبه وأضافها إلى ذنوبه‪ .‬وأعطى بالمقابل‬
‫حسناته للرجل الذي تعرض للغيبة من قبله ليضيفها على حسناته‪.‬‬

‫وسيدنا حلج المنصور‪ ...‬الرجل الصالح الذي حاز على‬
‫المكان الرفيع في قلوب العلماء وقلوب محبيه‪ .‬وقد عرض إيثار ًا‬

‫معنوي ًا وفضيل ًة روحاني ًة كبيرة‪ ،‬حيث أنه عندما كان ُيرجم‪ ،‬كان‬
‫يدعوالله ‪ U‬بالدعاء التالي‪:‬‬
‫«اللهم اعف عن من يرجمني قبل أن تعفوعني»‪.‬‬

‫وكان لسيدنا ربيع بن الهيثم حصان أصيل‪ ،‬وكانت قيمته تعادل‬
‫خمس ًة وعشرين ألف درهم‪ .‬فسرق الحصان يوم ًا من أمام عينيه‬
‫ال من ُي ِ‬
‫وهو يصلي‪ .‬فبد ً‬
‫ص ويحاول القبض عليه‪ ،‬تابع أداء‬
‫لحقَ ال اّل َّ‬

‫صلته بكل خشوع‪ .‬فهرع أصدقاؤه الذين سمعوا بالخبر إليه لكي‬

‫يهدؤوا من روعه ويواسوه على ما تكبده من ضرر كبير وخسارة‬
‫فادحة‪ .‬فقال سيدنا ربيع بن الهيثم‪« :‬لقد أحسست باللص بينما كان‬

‫يحل عقدة الحصان‪ .‬ولكنني كنت آنذاك منشغ ً‬
‫ل بعمل أحبه كثيرا‪،‬‬
‫وهو أهم من ذلك العمل‪ .‬لذا لم أترك العمل المهم وأالحق اللص»‪.‬‬
‫فشرع أصدقاؤه بعد ذلك بالدعاء على اللص‪ .‬فأسكتهم سيدنا‬

‫‪108‬‬

‫ربيع بن الهيثم وقال لهم‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫«هونوا عليكم‪ ..‬لم يظلمني أحد‪ ،‬بل ظلم ذلك الرجل نفسه‪.‬‬
‫اّ‬

‫فل تدعوا عليه وتظلموه فوق ظلمه لنفسه»‬

‫‪1‬‬

‫ٌ‬
‫كل يبيع ما عنده من متاع‬

‫ذهب سيدنا عيسى ‪ u‬إلى بعض اليهود لكي يبلغهم‪ .‬فبدأ‬

‫اليهود بالتكلم إليه بكلمات بذيئة‪ ،‬أما هو فخاطبهم بأسلوب جميل‬
‫ولطيف‪ .‬فقال له بعض الناس‪«:‬إنهم يخاطبونك بكلمات بذيئة‪ ،‬أما‬

‫أنت فتستمر على الحديث اللطيف والحسن معهم»‪.‬‬
‫فأجابه سيدنا عيسى ‪ u‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫ٌ‬
‫«كل يبيع متاعه»‪ .‬أي أن كل تصرفات الشخص وأحواله‬

‫وميزاته هي عبارة عن مرآة تعكس عالمه الداخلي‪ .‬وكما أنه من‬
‫المستحيل رسم خط مستقيم بواسطة مسطرة معوجة‪ ،‬فإنه من العبث‬
‫انتظار تصرف جيد وخلق حسن من شخص شقي لم َي ْبقَ في مرآة‬

‫عالمه الداخلي أي بريق أولمعان يدل على النظافة‪.‬‬

‫فعلى هذا األساس فإن مقابلة الشر بالشر هو من عادات الناس‬

‫البدائيين الذين لم تنضج عقولهم‪ ،‬ولم يكتسبوا الخبرة الكافية في‬

‫الحياة‪ .‬واإلحسان في أي مكان كان إنما يعكس المستوى الرفيع‬

‫الذي وصله عالم الشخص الداخلي‪.‬‬

‫‪ 1‬بابان زاده أمحد نعيم‪ ،‬األساسيات يف أخلق اإلسلم‪ ،‬ص ‪.86– 85‬‬

‫‪109‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وهناك ثلث درجات للفضيلة بالنسبة لإلحسان الذي يقدمه‬
‫الشخص لآلخرين‪:‬‬
‫الدرجة األولى‪ :‬هي أن يقابل الشخص اإلحسان باإلحسان‪.‬‬
‫خير قام به‪ ،‬هو من أهم‬
‫أي أن الشكر والثناء لشخص عل عمل اّ‬

‫وأبسط الواجبات التي يجب أن نؤديها‪ .‬واألفضل من ذلك هو‬
‫خير أكبر منه‪.‬‬
‫الخير بعمل اّ‬
‫مقابلة العمل اّ‬
‫الدرجة الثانية‪ :‬هي اإلحسان دون انتظار مقابل‪ .‬وإن من‬

‫يتصرف بهذا التصرف‪ ،‬ينال ثواب ًا أوفر من الثواب الذي يناله‬
‫أصحاب الدرجة األولى‪.‬‬
‫أما الدرجة الثالثة‪ :‬األهم واألفضل هي اإلحسان لمن ظلم‪.‬‬

‫ألن ثواب كل عمل حسن هو بقدر صعوبته‪ .‬وإنه لعمل صعب جد ًا‬
‫أن تطلب الخير ألحد قام بظلمك وبعمل السوء تجاهك‪ .‬وكما ورد‬
‫في المثل‪« :‬إن مقابلة اإلحسان باإلحسان هو تصرف عامة الناس‪.‬‬
‫أما مقابلة الظلم باإلحسان هو من ميزات األخيار الذين يتحلون‬
‫باألخلق الحميدة والرفيعة»‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫وكما قال موالنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫مقابلة الشر بالخير ‪o‬‬
‫«إن للماء مئات الصفات الحميدة‪ ،‬كالكرم‪ ،‬فهو يقبل القذرين‬

‫وينظفهم من أوساخهم ويطهرهم‪ .‬فعلى المؤمن الحقيقي أن يكون‬

‫عزيزا كالماء‪ ،‬ومتواضع ًا كعمق البحر‪ .‬ويجب عليه أن يسعى ويجهد‬

‫لكي تنضج شخصيته نضوج ًا كام ً‬
‫ل‪ ،‬يستطيع من خللها أن يوزاّ ع‬

‫الرحمة على اآلخرين مهما واجه من األمور التي تغضبه وتزعجه‪.‬‬

‫ويجب أن يتميز بلمعان القلب الذي يعكس اللطافة ورقة القلب‬
‫وجميع األخلق والصفات الحميدة»‪.‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي أيض ًا‪:‬‬

‫«كن كالتراب‪ ..‬حيث أن التراب كريم وسخي جد ًا تجاه جميع‬

‫الكائنات الحية على الرغم من أنها تدوسه بأسفل أرجلها‪ .‬فيقدم‬

‫لها ألذ وأشهى األطعمة وأكثرها فائدة‪ ،‬بعد أن ينظفها من أوساخها‬
‫بنفسه»‪.‬‬

‫فكم من أمثلة رائعة يجب أن نقتدي بها إذا تأملنا في النعم‬

‫التي رزقنا إياها ربنا سبحانه وتعالى‪ ،‬كالتراب والماء‪ .‬فيجب علينا‬
‫أن نضع الماء والتراب اللذ ْين يشكلن أصل البشرية نصب أعيننا‪،‬‬

‫ونتعمق في حكمة خلق هذين المخلوقين‪ ،‬لكي نستفيد منهما‬
‫ونتخذ خصلتهم الحميدة نموذج ًا لنا في معيشتنا ُ‬
‫وأ ُف َق ًا لحياتنا‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫اللهم ارزقنا المعدن النفسي النظيف‪ ،‬والبطانة الروحية‬

‫الطاهرة‪.‬‬

‫ويسر لنا اللهم طريقنا في أن نكون كعبادك الصالحين الذين‬

‫أرادوا الخير واإلحسان للبشرية جمعاء‪ .‬والذين استحقوا نيل عفوك‬

‫وصفحك بعد أن عفوا عن الناس مرار ًا وتكرار ًا‪.‬‬

‫وارزقنا اللهم نيل نصيب من أحوال أوليائك‪ ،‬لكي ال ينتهي‬

‫شعورنا بلذة تقربنا أِليك كالمنجم الذي ال يفنى من الكنوز‪...‬آمـين‬

‫‪112‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلبتسامة‬

‫إن غاية الدين اإلسالمي هي تربية جيل من الناس يتصفون باللطف‬
‫وجمال األخالق ورهافة األحاسيس‪ .‬والمؤمنون الحقيقيون‬
‫بوجوههم البشوشة والمتبسمة هم دائم ًا في حالة نشر السالم‬
‫والطمأنينة على الكون بأسره‪ .‬وقد فتحوا نافذة في عالمهم الداخلي‬
‫المليء بالروحانيات والمعنويات‪ ،‬لكي تتمكن جميع المخلوقات‬
‫بالدخول والشعور بالطمأنينة والراحة النفسية‪.‬‬
‫حيث أن المؤمنين الحقيقيين قد غاصوا في التأمل والتفكر إلى‬
‫أعماق حكمة تفتح األزهار الجذابة‪ ،‬وتغريد الطيور الجميلة‪ ،‬وإثمار‬
‫األشجار المتنوعة‪ .‬فاكتسبوا العادات الحميدة من الطبيعة الخالبة‪،‬‬
‫فأصبحوا كالورود المرهفة في رقة اإلحساس‪ ،‬وكاألشجار المثمرة‬
‫في الكرم والعطاء‪...‬‬

‫اإلبتسام ُة‬
‫إن الحياة الدنيا تمضي وكأنها عدد هائل من ظواهر المد‬
‫والجزر‪ .‬فأحيان ًا تمضي األيام بالسعادة والفرحة والسرور‪ ،‬وأحيان ًا‬

‫بالحزن والتشاؤم‪ .‬وإن قلب اإلنسان كمضافة يستضاف فيها العدد‬
‫اللنهائي من المشاعر واألحاسيس‪ .‬واأللم والحزن والفرح‬
‫والسعادة والسرور وما شابه من المشاعر واألحاسيس هي زوار‬

‫وضيوف اإلنسان الذي يستضيفها في هذه المضافة‪ .‬وال أحد‬
‫من هؤالء الزوار يبقى في المضافة إلى األبد‪ ،‬بل يبقون لفترة ثم‬
‫يذهبون‪ .‬فيجب على المؤمن أن يتبدل في إظهار ردود فعله على‬
‫المؤثرات والعوامل الخارجية‪ ،‬حسنة كانت أم سيئة‪ .‬فيجب عليه أن‬

‫ال يبالغ في الفرح‪ ،‬وال في الحزن على الحوادث واألمور التي تمر‬

‫به في حياته‪ .‬وكانت حياة سيدنا محمد ‪ r‬الذي أرسل هدية اّقيمة‬
‫للبشرية جمعاء‪ ،‬وقدوة للناس بأخلقه الحميدة التامة‪ ،‬كانت عبارة‬
‫عن منظومة شعرية تجسد األلم والعذاب في أبياتها‪ .‬وقد عبر بنفسه‬

‫عن ذلك‪ ،‬كما ورد في الحديث الشريف عن النبي ‪ r‬أنه قال‪:‬‬
‫اف َأ َحدٌ َو َل َقدْ ُأ ِ‬
‫" َل َقدْ ُأ ِخ ْف ُت ِفي ال َّل ِه َو َما ُي َخ ُ‬
‫يت ِفي ال َّل ِه َو َما‬
‫وذ ُ‬
‫ُي ْؤ َذى َأ َحدٌ َو َل َقدْ َأ َت ْت َع َل َّي َث َل ُث َ‬
‫ون ِم ْن َب ْي ِن َي ْو ٍم َو َل ْي َل ٍة َو َما لِي َولِبِ َل ٍل‬
‫َط َع ٌام َي ْأ ُك ُل ُه ُذو َكبِ ٍد إِ َّال َشي ٌء ُي َوا ِر ِ‬
‫يه إِ ْب ُط بِ َل ٍ‬
‫ل" (الترمذي‪ ،‬القيامة‪)2472/34 ،‬‬
‫ْ‬

‫‪115‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ولكن األلم كله والعذاب الذي واجه الرسول ‪ r‬لم يزعزعه‬
‫ِ‬
‫يقض على توازنه ومتانته‪ .‬بل واجه كل‬
‫عن طريق الحق‪ ،‬ولم‬
‫الصعوبات برضاء كامل ونضوج بدني وعقلي رائع‪ .‬وعلى الرغم‬

‫من أن قلبه عانى الكثير من األسى واأللم‪ ،‬فإن البسمة لم تفارق‬
‫وجهه المبارك أبد ًا‪ .‬ولم يره أحد وهو غاضب أو عاقد الحاجبين أو‬
‫بوجه عبوس‪ ،‬ألنه كان في تبسم دائم ضمن طمأنينة وسكينة الشعور‬

‫بأنه مع الله ‪ .U‬وكان ‪ r‬يعكس في كل مكان وزمان وجه اإلسلم‬
‫البشوش المتبسم‪.‬‬

‫وقد انعكست جماليات الحياة المعنوية على وجوه الصحابة‬

‫الكرام ‪ ،y‬الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الله ‪ Y‬وفي سبيل‬

‫نبيه األكرم محمد ‪ ،r‬وعلى وجوه األولياء والصالحين‪ .‬فكانوا‬
‫متبسمين دائم ًا‪ .‬وكما قالت أم الدرداء ‪:c‬‬
‫يث إِ َّال َت َب َّس َم ِف ِ‬
‫ان َأ ُبو الدَّ ْر َد ِاء َال ُي َحدِّ ُث بِ َح ِد ٍ‬
‫َ‬
‫«ك َ‬
‫يه َف ُق ْل ُت َل ُه إِ ِّني‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ال ُي َحدِّ ُث بِ َح ِد ٍ‬
‫اس َف َق َ‬
‫ان َر ُس ُ‬
‫ال َك َ‬
‫يث‬
‫َأ ْخ َشى َأ ْن ُي َح ِّم َق َك ال َّن ُ‬

‫س َم» (مسند أحمد‪)199 ،5 ،‬‬
‫إِ َّال َت َب َّ‬

‫ورسمت‬
‫وكان تبسم سيدنا محمد ‪ r‬الدائم كزهرة تفتحت ُ‬

‫على وجهه المبارك الذي شكل أجمل وأفضل مثال معبر عن‬

‫طمأنينته وسكينته وفرحته بوجوده مع الله ‪ .U‬إن جميع الناس‬
‫يشعرون بنشوة عندما يفرحون‪ ،‬ولكن‪ ،‬وبما أن لكل شيء حد ًا‪ ،‬فإن‬

‫‪116‬‬

‫للفرحة مقياس ًا وحد ًا يليق بها‪ .‬فكما أنه من الخطأ أن يدفن اإلنسان‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫نفسه في األلم والحزن لدرجة المرض‪ ،‬بسبب مصيبة مرت عليه‪،‬‬

‫أوحادث حدث له‪ ،‬فإبداء مشاعر الفرح والسعادة بشكل مبالغ فيه‬
‫لدرجة أن يفقد صوابه هو أيض ًا من الخطأ‪ ،‬وهو من األحوال التي‬
‫تجعل اإلنسان يفقد كرامته وكبرياءه وعزة نفسه في المجتمع‪.‬‬

‫ويجب على المؤمن أن يكون دائم ًا ذوقلب رقيق ولطيف‬

‫ومرهف اإلحساس‪ .‬ويجب عليه أن يحافظ على األبتسامة الحلوة‬

‫على شفتيه‪ .‬ألن اإلبتسامة هي وقار للمؤمن بخفتها واعتدالها‪ ،‬بينما‬
‫تتسبب المبالغة في الضحك بالقهقهات في فقدانه لذلك الوقار‪.‬‬
‫وتكسبه أيض ًا بحلوتها ورقتها جاذبية فريدة من نوعها‪.‬‬
‫وقد نوه سيدنا جلل الدين الرومي إلى أن الضحك الذي‬

‫يعتقد الناس أنه تصرف عابر‪ ،‬أنه في الحقيقة ردة فعل صادقة تعبر‬

‫عن شخصية اإلنسان وتكشف عن طريقة تفكيره ونمطه في الحياة‪.‬‬
‫فقال في صدد هذا الموضوع‪:‬‬

‫«إنني أعرف أخلق الشخص عن طريق أسلوبه في الضحك‪.‬‬

‫وأعرف عقله وطريقة تفكيره عن طريق السبب الذي ُيضحكه »‪.‬‬

‫ويجب أن ال ننسى أن الضحك بالقهقهات أكثر من اللزوم‪،‬‬
‫وإبداء مظاهر الفرح والسعادة بشكل مبالغ فيه‪ ،‬يوقع اإلنسان في‬
‫معرض ل ِ‬
‫ألمتحانات في هذه الحياة‪،‬‬
‫الغفلة والضللة‪ ،‬و ُينسيه بأنه اّ‬
‫وأن السعادة الحقيقية ال تكون إال في اآلخرة‪ .‬وسبب هذه الحالة‬
‫السيئة هو وقوع القلب في أسر الفرحات الفانية والسطحية المؤقتة‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وفي حال استمرار هذه الحالة لفترة طويلة من الزمن‪ ،‬فتصبح‬
‫القهقهات السعيدة والمرحة ُس اّم ًا يسم ُّ الروح‪ ،‬و ُيفقد القلوب‬
‫نعومتها ورقتها‪ ،‬فتميل إلى القسوة‪ ،‬فتصبح جلفة وفظة‪.‬‬
‫وقد نبهنا سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬في خصوص خطورة‬
‫الضحك بإفراط‪ ،‬واألضرار التي تسببها معنويا للشخص‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫(من كثر ضحكه قلت هيبته ومن كثر مزاحه استخف به ومن‬
‫أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلمه كثر سقطه ومن كثر سقطه‬
‫قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه و من قل ورعه مات قلبه) (البيهقي‪،‬‬
‫شعب اإليمان‪)257 ،4 ،‬‬

‫والغفلة التي هي أهم سقم ومرض معنوي‪ ،‬تخدع الشخص‬
‫وتجعله يؤمن بأن السعادة التي يعيشها هي دائمة وباقية من أجله‪.‬‬
‫وتنسيه األمور األساسية والجدية كالموت الذي سيلقيه‪ ،‬والبعث‬
‫الذي ينتظره‪ ،‬والصراط وما إلى ذلك من األمور والمواضيع التي‬
‫يجب أن يتفكر ويتأمل فيها كثير ًا‪ .‬وبذلك يكون قد غفل َع َّما يجب‬
‫أن ال يغفل عنه‪ .‬وقد ورد هذا الوصف البن آدم على العموم في‬
‫القرآن الكريم‪ .‬فكما قال الله ‪ U‬في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫[و َت ْض َح ُكونَ َو َال َت ْب ُكونَ ‪َ ،‬و َأ ْنت ُْم َس ِ‬
‫امدُ ونَ‬
‫َ‬

‫] (النجم‪)61–60 ،‬‬

‫وكما قال سيدنا محمد ‪ r‬في هذا المضمار‪:‬‬
‫َ‬
‫"ل ْو َت ْع َل ُمونَ َما َأ ْع َل ُم َل َض ِح ْكت ُْم َق ِل ًيال َو َل َب َك ْيت ُْم َكثِ ًير ًا"‬

‫‪118‬‬

‫التفسير‪)12/5 ،‬‬

‫(البخاري‪،‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫وقد نصحنا سيدنا جلل الدين الرومي موضح ًا تلك الحقائق‬

‫بنصيحة مليئة بالعبر‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«يبكي العقلء في البداية‪ .‬ثم ُيغمرون باإلبتسامات في النهاية‪.‬‬

‫أما الحمقاء‪ ،‬ففي البداية ُيغرقون أنفسهم بالقهقهات‪ ،‬وفي النهاية‬
‫يضربون رؤوسهم بالحجارة من شدة الندم‪ .‬فيا ابن آدم‪ ..‬كن‬
‫صاحب فراسة ونباهة‪ ،‬وحاول أن ترى نهاية األمور وهي في‬

‫بدايتها‪ .‬لكي ال تحترق نفسك بنار الندم يوم الجزاء العظيم»‪.‬‬
‫ويقص لنا سيدنا اإلمام الغزالي القصة التالية‪:‬‬

‫(قال رجل ألخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬

‫قال فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال‪ :‬ال‪ .‬ففيم الضحك قيل فما رؤي‬
‫ضاحك ًا حتى مات) (اإلحياء‪)288 ،3 ،‬‬

‫حيث أنه ال يوجد عبد عدا األنبياء متأكد من أنه سيدخل الجنة‪.‬‬

‫رأى وهيب بن الورد قوم ًا يضحكون يوم الفطر فقال‪:‬‬

‫«إن كان هؤالء تقبل عنهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين و إن‬

‫كان هؤالء لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين» (اإلحياء‪)288 ،3 ،‬‬

‫وقال محمد بن واسع‪:‬‬

‫«إذا رأيت في الجنة رج ً‬
‫ل يبكي ألست تعجب من بكائه؟ قيل‬

‫بلى‪ .‬قال‪ :‬فالذي يضحك في الدنيا وال يدري إلى ماذا يصير هو‬
‫أعجب منه» (اإلحياء‪)289 ،3 ،‬‬

‫‪119‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وتحتوي هذه الحال على مقياس مهم للمؤمن في كسب‬
‫شخصية مبنية على أخلق اإلسلم وخصائله الحميدة‪ .‬أي أنه يجب‬
‫على المؤمن رسم السكينة والطمأنينة على وجهه ليبدوكمرفأ هادئ‬
‫ورائق‪ ،‬مع أنه في الحقيقة يغلي كالبركان بسبب التردد الدائم والعظيم‬
‫الذي يعيشه في عالمه الداخلي‪ ،‬والناتج عن عدم معرفته المكان‬
‫والمستقر الذي سيذهب إليه في اآلخرة‪ .‬فيجب عليه أن ال يفرح كثير ًا‬
‫لدرجة أن يفقد نفسه‪ ،‬وبالمقابل أن ال يحزن كثير ًالدرجة اإلكتئاب‪.‬‬

‫ويجب على المؤمن أن يتخذ موقف ًا لقلبه بين الخوف والرجاء‪.‬‬
‫تنغر نفسه باألعمال التي يقوم بها‪،‬‬
‫أما موقف الخوف؛ فلكي ال اّ‬
‫فيكون في حالة ِ‬
‫األلتجاء الدائم لله ‪ Y‬خوف ًا من عذابه‪ .‬وأما موقف‬
‫الرجاء؛ فلكي يكون في أمل دائم من رحمة الله ‪ ،Y‬وبهذا األمل‬
‫يكون قد تخلص من القنوط من رحمته‪ .‬ويكون قد نجا من الوقوع‬
‫في شباك اإلكتئاب‪.‬‬
‫وقال خالد البغدادي في رسالة كتبها لطلبته‪:‬‬

‫«أقسم بالله العظيم أني ال أظن أني قد عملت خير ًا‬
‫وحتى اآلن – سيحاسبني الله ‪ U‬وال أظن أ َّنه سيقبله مني‪ .‬ولكني أرجو‬
‫رحمته فحسب‪ .‬فل تحرموا هذا العبد الفقير من الدعاء بالتوفيق‬
‫وحسن الخاتمة»‪.‬‬
‫– منذ ولدت‬

‫األبتسامة تعبر عن موقف ِ‬
‫ومن وجهة نظر أخرى‪ ،‬فإن ِ‬
‫األعتدال‬

‫‪120‬‬

‫ذاك‪ .‬حيث أن ِ‬
‫األبتسامة هي جزء من طبيعة المؤمن األساسية‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫ولكن هناك آفة وكارثة لمثل هذا التصرف الجميل‪ ،‬وهي أن يبتسم‬
‫اإلنسان بنية سيئة وغير سليمة‪ .‬واإلبتسامة المبنية على سوء النية‪،‬‬
‫والتي ال تنال اهتمام أحد‪ ،‬إنما هي في الحقيقة سبب من أهم‬
‫أسباب العذاب في اآلخرة‪ ،‬إذا كان الهدف منها هو الغرور والتكبر‬
‫واستحقار اآلخرين ِ‬
‫واألستهزاء منهم‪.‬‬
‫وقال سيدنا ابن العباس ‪ t‬في تفسير اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َ‬

‫َاب ال ُي َغ ِ‬
‫[‪َ ...‬يا َو ْي َل َتنَا َم ِ‬
‫ال هَ َذا ا ْل ِكت ِ‬
‫اد ُر َص ِغ َير ًة َوال َكبِ َير ًة إِ َّال‬

‫صاهَ ا‪( ]...‬الكهف‪)49 ،‬‬
‫أ ْح َ‬

‫إن الصغيرة التبسم باإلستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك‬

‫وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر‪.‬‬
‫(اإلحياء‪)294 ،3 ،‬‬

‫ابتسامة المؤمن على وجهه‪ ،‬وحزنه في قلبه‬

‫وعلى ضوء جميع هذه الحقائق نرى أن المؤمن بحاجة لقدر‬
‫معقول من الحزن والتردد في قلبه‪ ،‬لبناء الموقف المعنوي والروحي‬
‫الذي يليق به‪ .‬إضافة إلى َّ‬
‫أن وجهه يجب أن يكون منور ًا بابتسامة‬
‫لطيفة دائم ًا‪ ،‬حتى ولوكان قلبه مهموم ًا ومغموم ًا‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه‪:‬‬

‫«ابتسامة المؤمن على وجهه‪ ،‬وحزنه في قلبه»‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أي أن حزن المؤمنين الحقيقيين بسبب تفكيرهم باألخطاء‬
‫والنقائص التي يرتكبونها بحق العبودية لله ‪ ،U‬يظهر عندما َي ْخ َت ُل َ‬
‫ون‬

‫بأنفسهم بعيدين عن الناس‪ ،‬فتنسكب دموعهم‪ ،‬وخاصة في أواخر‬
‫الليل وعند الفجر‪.‬‬

‫فبمحاسبتهم ألنفسهم وبتفكرهم بأخطائهم ونقائصهم‪،‬‬

‫وبتنظيفهم لمرآة قلوبهم وصدورهم بدموعهم‪ ،‬يكونون في نفس‬
‫الوقت قد شكلوا منبع ًا قوي ًا للنور الذي ينعكس على وجوههم‪.‬‬
‫وكما شرح لنا سيدنا جلل الدين الرومي عن حكمة النور على‬

‫وجه أولياء الحق ‪:U‬‬

‫«إني ال أستطيع أن أرى وجهي‪ ،‬بل أستطيع أن أرى وجهك‪.‬‬

‫وإنك ال تستطيع أن ترى وجهك‪ ،‬بل تستطيع أن ترى وجهي‪ .‬فالذي‬

‫يستطيع أن يرى وجهه‪ ،‬هو الشخص الذي طغى نوره على نور بقية‬
‫الناس‪ .‬فأحد أسباب نور الوجه‪ ،‬هو أن يكون بمقدور الشخص أن‬
‫ينظر إلى نفسه‪ ،‬ويستطيع أن يرى ويلحظ نواقصه وأخطاءه قبل‬

‫أخطاء ونواقص غيره‪ .‬وهذا هو منبع النور المضيئ من وجه العلماء‬
‫والصالحين الذين وصلوا إلى نشوة الشعور بحكمة «من عرف نفسه‬
‫َ‬
‫عرفان أكبر من‬
‫فقط عرف ربه»‪ .‬ولهذا السبب يقال أن «ال حكمة وال‬

‫أن يعرف الشخص نقائصه وتقصيراته»‪.‬‬

‫وكما قال موالنا عبد القادر الجيلني‪:‬‬

‫‪122‬‬

‫«يظهر المؤمن وجهه البشوش للناس على أنه سعيد‪ ،‬ولكنه في‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫الحقيقة حزين بينه وبين نفسه‪ ...‬إن اّ‬
‫تفكر المؤمن وتفكيره وبكا َء ُه‬
‫كثير‪ ،‬أما ضحكه قليل‪ .‬ألنه ُي ْخبِ ُئ الحزن الذي في قلبه ِ‬
‫باألبتسامة‬
‫التي يرسمها على شفتيه‪ .‬ويظهر للناس خارجي ًا على أنه منشغل‬
‫بتأمين قوته وعيش عائلته‪ ،‬مع أنه منهمك داخلي ًا بذكر الله ‪.Y‬‬
‫ويبدوعليه بأنه منشغل باألمور الدنيوية‪ ،‬مع العلم أنه داخلي ًا مرتبط‬
‫ومنشغل بالله ‪ .U‬فابتعد يا هذا عن األنخداع بالدنيا وملذاتها‪،‬‬
‫وابتعد عن الفحشاء والمنكر والبغي‪ ،‬وقلل شيئ ًا بسيط ًا من سعادتك‬
‫وفرحتك‪ ،‬وكن حزين ًا نوع ًا ما‪ .‬واعلم أن الرسول األكرم ‪ r‬كان‬
‫يبتسم إلسعاد اآلخرين» وكان يأمر ِ‬
‫باألبتسامة‪.‬‬
‫إن مبالغة اإلنسان في الضحك هي حالة اإلفراط‪ ،‬أما حزنه‬
‫ٍ‬
‫ويائس هو حالة التفريط‪ .‬وكل‬
‫الشديد وظهوره على أنه متشائم‬
‫الحالتين عبارة عن كوارث وآفات تؤثر سلبيا على القلوب المؤمنة‪ .‬أما‬
‫اإلعتدال في ِك ْلتي الحالتين والموقف المعقول والمقبول هو التبسم‪.‬‬

‫حالة التبسم عند سيدنا محمد ‪r‬‬

‫التبسم هو الضحك الخفيف والصامت‪ ،‬والذي يظهر فيه قسم‬

‫من األسنان‪ .‬وكان سيدنا محمد ‪ r‬يضحك كذلك‪ .‬ولم يكن في‬
‫ضحكه أي مبالغة أوإفراط كالضحك بالقهقهة‪.‬‬

‫وكما قالت سيدتنا عائشة أم المؤمنين ‪:c‬‬
‫« َما َر َأ ْي ُت ال َّنبِ َّي ‪ُ r‬م ْست َْج ِم ًعا َق ُّط َض ِ‬
‫اح ًكا َح َّتى َأ َرى ِم ْن ُه َل َه َواتِ ِه‬
‫إِ َّن َما َك َ‬
‫س ُم» (البخاري‪ ،‬األدب‪ 68 ،‬؛ مسلم‪ ،‬االستسقاء‪)13 ،‬‬
‫ان َي َت َب َّ‬

‫‪123‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وحسب ما روى الكثير من الصحابة الكرام ‪ ،y‬أن الرسول‬
‫األكرم محمد ًا ‪ r‬كان أفضل الناس خلق ًا‪ ،‬وأكثرهم لطافة في‬
‫التعامل مع اآلخرين‪ .‬وكان مبتسم ًا دائم ًا‪ ،‬وكان في وجهه نور‬

‫المع‪.‬‬
‫وإشعاع ٌ‬

‫َع ْن َع ْب ِد ال َّل ِه ْب ِن َس َل ٍم َق َ‬
‫ال‪:‬‬

‫« َل َّما َق ِد َم َر ُس ُ‬
‫اس إِ َل ْي ِه َو ِق َ‬
‫يل َق ِد َم‬
‫ول ال َّل ِه ‪ r‬ا ْل َم ِدي َن َة ان َْج َف َل ال َّن ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ق ِد َم َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ق ِد َم َر ُس ُ‬
‫َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ف ِج ْئ ُت ِفي‬
‫ال َّن ِ َ‬
‫اس َت ْث َب ُّت َو ْج َه َر ُس ِ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ع َر ْف ُت َأنَّ َو ْج َه ُه‬
‫اس ِألن ُْظ َر إِ َل ْي ِه َف َل َّما ْ‬
‫ان َأ َّو ُل َش ْي ٍء َت َك َّل َم بِ ِه َأ ْن َق َ‬
‫اب َو َك َ‬
‫س بِ َو ْج ِه َك َّذ ٍ‬
‫اس َأ ْف ُشوا‬
‫ال َأ ُّي َها ال َّن ُ‬
‫َل ْي َ‬
‫الس َل َم َو َأ ْط ِع ُموا َّ‬
‫اس نِ َي ٌام َتدْ ُخ ُلوا ا ْل َج َّن َة بِ َس َل ٍم»‬
‫الط َع َام َو َص ُّلوا َوال َّن ُ‬
‫َّ‬

‫(الترمذي‪ ،‬القيامة‪2485/42 ،‬؛ ابن ماجة‪ ،‬األطعمة‪ ،1 ،‬اإلقامة‪)174 ،‬‬

‫إن وجه اإلنسان ومظهره الخارجي هو مكان العرض الذي‬
‫يستطيع الناس رؤيته‪ .‬وهناك لسان الجسد المختلف تمام ًا عن‬

‫‪124‬‬

‫األلسنة الموجودة عند جميع المخلوقات‪ .‬أي أن اإلنسان يعبر عن‬
‫مشاعره وتفكيره‪ ،‬حتى وإن لم ينطق بلسانه‪ .‬وهناك علمة تدل على‬
‫الوضع النفسي والروحي لإلنسان تظهر على وجهه‪ .‬وإن كل الوجوه‬
‫عبارة عن مترجم للعالم الداخلي لدى اإلنسان‪ .‬فتترجم للعيون التي‬
‫ترى ما يدور في ذلك العالم الداخلي‪ .‬لذا فإن ِ‬
‫األبتسامة الخفيفة‬
‫والرقيقة المرتسمة على الوجوه هي أصدق وأفضل انعكاس للعالم‬
‫الداخلي لإلنسان‪ .‬وقال موالنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫«إذا أردت أن تشتري رمان ًا‪ ،‬فانتق الرمان الذي قد تشققت‬

‫قشرته الخارجية من كثرة الضحك‪ .‬لكي تخبرك هذه الضحكة‬
‫عن الحبيبات الموجودة بداخل الرمان‪ .‬وإن ضحك العلماء‬
‫والصالحين هو ضحك مبارك لدرجة أنه يشبه علبة المجوهرات‪،‬‬
‫المليئة باأللماس واللؤلؤ‪ .‬كلما ضحكوا وفتحوا أفواههم ظهر‬
‫بريق المجوهرات التي تعكس نصاعة قلوبهم وبريقها‪ .‬إن الرمان‬

‫الضحوك يضحك بمرحه الحقل والحديقة و ُيدخل السرور على‬

‫قلوب الجميع‪ .‬وكلم العلماء والصالحين واألولياء يجعلك تحس‬
‫بأنك جالس بينهم‪ ،‬ويشدك إليهم‪ .‬فلوكنت حجر ًا قاسي ًا أوقطعة‬

‫رخام‪ ،‬فستصبح جوهرة المعة إذا وصلت لصاحب القلب المبارك »‪.‬‬

‫وكان سيدنا محمد ‪َ r‬ي ُم ُّر من جانب الناس مبتسم ًا‪ ،‬مرور ًا‬
‫ممتلئ ًا بالوقار والنور المرتسم على وجهه المبارك الذي يكفي إلنارة‬
‫الدنيا بأكملها‪.‬‬

‫وكان ‪ r‬يستمع بدقة إلى حديث الناس وذلك لكي يسعدهم‬

‫و ُيدخل الفرحة إلى قلوبهم‪ .‬وكان يبتسم لدرجة أن أسنانه التي تشبه‬

‫اللؤلؤ كانت تظهر‪ .‬وكان الصحابة الكرام ‪ y‬أثناء تحدثهم إلى النبي‬
‫‪ r‬يكتفون ِ‬
‫باألبتسامة الخفيفة مقتدين به‪.‬‬
‫قال سيدنا جرير بن عبد الله ‪:t‬‬

‫« َما َح َج َبنِي ال َّنبِ ُّي َص َّلى ال َّل ُه َع َل ْي ِه َو َس َّل َم ُم ْن ُذ َأ ْس َل ْم ُت َو َال َرآنِي‬
‫ج ِهي» (البخاري‪ ،‬األدب‪)68 ،‬‬
‫إِ َّال َت َب َّس َم ِفي َو ْ‬

‫‪125‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال سيدنا عبد الله بن الحارث ‪:t‬‬
‫« َما َر َأ ْي ُت َأ َحدً ا َأ ْك َث َر َت َب ُّس ًما ِم ْن َر ُس ِ‬
‫ول ال َّله ‪( »r‬الترمذي‪ ،‬المناقب‪)10 ،‬‬

‫وورد في األحاديث النبوية الشريفة ما يلي‪:‬‬

‫قال رسول الله ‪" :r‬ال تحقرن من المعروف شيئ ًا ولو أن تلقى‬
‫أخاك بوجه طلق" (مسلم‪ ،‬البر‪)144 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬
‫وف َأنْ َت ْل َقى َأ َخ َ‬
‫"ك ُّل َم ْع ُر ٍ‬
‫وف َص َد َق ٌة َوإِنَّ ِم ْن ا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫ُ‬
‫اك بِ َو ْج ٍه‬
‫َط ْل ٍق َو َأنْ ُت ْف ِر َغ ِم ْن َد ْل ِو َك ِفي إِ َن ِ‬
‫اء َأ ِخ َ‬
‫يك" (الترمذي‪ ،‬البر‪1970/45 ،‬؛ مسند أحمد‪،‬‬

‫‪344 ،3‬؛ البخاري‪ ،‬األدب المفرد‪ ،‬رقم‪)304 :‬‬

‫كان النبي ‪ r‬إذا سأله فقراء الصحابة ولم يكن عنده ما يعطيهم‬
‫أعرض عنهم حياء منهم وسكت وهو قوله‪{ :‬وإما تعرضن عنهم‬
‫ابتغاء رحمة من ربك} انتظار الرزق من الله تعالى يأتيك {فقل لهم‬
‫قوال ميسور ًا} لين ًا سه ً‬
‫ل وكان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال‪:‬‬
‫يرزقنا الله وإياكم من فضله (الواحدي‪ ،‬الوجيز‪ ،‬اإلسراء‪)28 ،‬‬

‫‪126‬‬

‫وبعد نزول هذا األمر اإللهي فصار النبي الكريم يعامل الناس‬
‫بالكلمة الطيبة لكي يدخل الفرحة والسرور إلى قلوب الفقراء‬
‫والمحتاجين إن لم يجد ما يتصدق به عليهم‪.‬‬
‫إذ ًا فإن تبسم المسلم في وجه أخيه المسلم‪ ،‬وقوله كلم ًا حسنا‬
‫ل‪ ،‬وتبادل السلم بين ِ‬
‫ًًوجمي ً‬
‫بعض ِه ْم البعض إنما ذلك من العادات‬
‫ِ‬
‫األجتماعية التي لها قيمة ال ُيستهان بها‪ .‬حيث أن التبسم هو سنة‬
‫نبوية مؤكدة بالنسبة للمؤمنين‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫حالة التبسم عند أولياء الحق ‪U‬‬
‫إن المؤمنين الصالحين الذين عجنت أرواحهم باألخلق‬
‫النبوية الشريفة يتبعون ُخطا النبي ‪ ،r‬ويقتدون به في جميع أعمالهم‬
‫وأفعالهم‪ ،‬بكونهم من الشخصيات الرفيعة التي وصلت قلوبهم إلى‬
‫مرتبة القلب السليم‪ .‬فيدخلون السرور والطمأنينة والسكينة والهدوء‬
‫بابتساماتهم اللطيفة إلى قلوب الناس وصدورهم‪ .‬مثلهم كمثل فصل‬
‫الربيع‪ ،‬فتصبح نظراتهم كالهواء العذب اللطيف الذي يدغدغ األرواح‬
‫ويهيج المشاعر الجميلة‪ .‬ووجوههم المضيئة بالنور المبارك اّ‬
‫تذكرنا‬
‫دائم ًا بالله ‪ Y‬وباآلخرة‪ .‬ألنهم دائما في حالة استفادة متواصلة‬
‫من أخلق رسول الله ‪ ،r‬وانعكاسها على جميع مجاالت الحياة‪.‬‬
‫واللئق بأمة رسول الله ‪ r‬هو أن يتخلقوا بأخلق الورد الذي‬

‫حافظ واستمر على التحلي باألخلق الحميدة كاللطف والرقة على‬

‫الرغم من رياح الحياة العاتية وعواصفها القاهرة والقاسية‪ .‬كما‬
‫تخلق بذلك رسولنا الكريم محمد ‪ r‬والصحابة الكرام ‪ y‬وأولياء‬

‫يتحمل ويصبر على أذى الشوك‬
‫الحق ‪ .U‬حيث أن الورد بحكمه‬
‫اّ‬

‫الذي في غصنها‪ ،‬فإنها برائحتها العطرة‪ ،‬وشكلها الجميل‪ ،‬ولونها‬

‫الجذاب‪ ،‬في حالة تبسم دائم‪ ،‬وكأنها ترغب في أن تصرخ وتهتف‬
‫للناس جميع ًا قائلة‪:‬‬

‫إلي بعيون قلوبكم وعقولكم‪ ،‬وابذلوا جهدكم لكي‬
‫«انظروا َّ‬
‫تكونوا مثلي»‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن غاية الدين اإلسلمي هي تربية جيل من الناس يتصفون‬

‫باللطف وجمال األخلق ورهافة األحاسيس‪ .‬والمؤمنون الحقيقيون‬
‫بوجوههم البشوشة والمتبسمة هم دائم ًا في حالة نشر السلم‬
‫والطمأنينة على الكون بأسره‪ .‬وقد فتحوا نافذة في عالمهم الداخلي‬

‫المليء بالروحانيات والمعنويات‪ ،‬لكي تتمكن جميع المخلوقات‬

‫بالدخول والشعور بالطمأنينة والراحة النفسية‪ .‬حيث أن المؤمنين‬

‫الحقيقيين قد غاصوا في التأمل والتفكر إلى أعماق حكمة تفتح‬
‫األزهار الجذابة‪ ،‬وتغريد الطيور الجميلة‪ ،‬وإثمار األشجار المتنوعة‪.‬‬
‫فاكتسبوا العادات الحميدة من الطبيعة الخلبة‪ ،‬فأصبحوا كالورود‬

‫المرهفة في رقة اإلحساس‪ ،‬وكاألشجار المثمرة في الكرم والعطاء‪...‬‬
‫البغدادي ‪ -‬أحد أولياء الحق ‪ U‬ومن تلميذ سيدنا‬

‫وقال سيدنا جنيد‬
‫السري السقط وابن أخته– بأن أهم شرط من شروط الصداقة مع أخيك‬
‫اّ‬
‫المسلم‪ ،‬هوأن تكون دائم ًا بشوش الوجه تجاهه‪ .‬وأن تسعده وتدخل‬
‫الفرحة إلى قلبه في كل وقت‪.‬‬
‫وقال سيدنا أبوعثمان الحيري أن شرط الصداقة هوأن تبدي‬
‫بشاشة الوجه ألخيك المسلم بكافة الوسائل ما لم تقع في اإلثم وما‬
‫لم يكونوا في حالة ِ‬
‫األثم‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫وقد بين أبوعبد الله سلمة أن بشاشة الوجه هي من األوصاف‬
‫المميزة التي يتصف بها أولياء الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وقال سيدنا أسد بن حارث المحاسبي‪:‬‬
‫«إن األخلق الحميدة ملتزمة مع أربعة أمور‪..‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫‪ –1‬الصبر على أذى الجهلء والغافلين‪.‬‬

‫‪ –2‬عدم الغضب الشديد (أي أن تقول« سلم ًا» لمن يتحرش بك من‬

‫الجهلء الذين ال يعرفون قدرهم وحدودهم)‪.‬‬
‫‪ – 3‬إظهار وجه اإلسلم البشوش‪.‬‬

‫‪ – 4‬أن تمتلك لسان ًا عذب ًا يسعد الناس ويشعرهم بالطمأنينة‬
‫والرخاء‪.‬‬
‫وقد اّ‬
‫لخص سيدنا حسن البصري األخلق الحميدة التي يجب‬
‫على المؤمنين أن يتحلوا بها حيث قال‪« :‬إن أصل األخلق الحميدة‬
‫هونشر الخير‪ ،‬وعدم إيذاء اآلخرين‪ ،‬وبشاشة الوجه»‪.‬‬

‫إن عجين المخلوقات قد ُعجن بخمائر المحبة‪ ،‬وإذا نظرت‬
‫بعين القلب إلى جميع المخلوقات وتأملت فيها فستلحظ أن‬
‫جميع هذه الكائنات الحية تحمل في أصلها إشارة وعلمة تعبر‬
‫عن شعور المحبة اإللهية‪ .‬وكل النعم التي رزقنا بها الله ‪ ،U‬التي‬
‫هي عبارة عن تجلي صفات جماله عليها‪ ،‬من حدائق وبساتين‬
‫وينابيع‪ ،‬وورود وأزهار وفراشات بأزهى األلوان‪ ،‬وعصافير تغرد‬
‫أحلى وأعذب األلحان‪ ،‬إنما جمبعها اّ‬
‫يذكر اإلنسان بالتبسم‪ ،‬الذي‬
‫هوبمثابة شكر وثناء على كافة النعم اإللهية‪.‬‬
‫وكم هوحزين وفظيع أن يبقى اإلنسان غاف ً‬
‫ل عن كل هذه‬

‫الحقائق الواضحة‪ .‬وواجب العبد في هذا الخصوص هوإدراك وفهم‬
‫هذا اللطف اإللهي‪ ،‬وشكره وثناؤه عليه بتبسمه لكافة المخلوقات‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والمؤمن الذي أحيا وأمضى حياته باألعمال الصالحة وعبادة‬

‫الله ‪ ،U‬سيلقى أفضل وأجمل ابتسامة في رمقه األخير في لحظة‬
‫وفاته‪ .‬وقد ُشرح ذلك في القرآن الكريم‪ ،‬فقال الله ‪ U‬كما ورد في‬
‫اآلية الكريمة‪:‬‬

‫اس َت َق ُاموا َت َتن ََّز ُل َع َل ْي ِه ُم ا ْل َمالئِ َك ُة َأ َّال‬
‫[إِنَّ ا َّل ِذ َ‬
‫ين َقا ُلوا َر ُّبنَا ال َّل ُه ُث َّم ْ‬
‫وعدُ ونَ] (فصلت‪)30 ،‬‬
‫َت َخا ُفوا َوال َت ْحزَ ُنوا َو َأ ْب ِش ُروا بِا ْل َج َّن ِة ا َّلتِي ُكنت ُْم ُت َ‬
‫وورد أيض ًا في آية كريمة أخرى‪:‬‬
‫[أال إِنَّ َ‬
‫َ‬

‫حزَ ُنونَ ] (يونس‪)62 ،‬‬
‫أ ْولِ َياء ال َّل ِه َال َخ ْو ٌف َع َل ْي ِه ْم َو َال ُه ْم َي ْ‬

‫وكم من خزينة من خزائن البسمة سينالها المؤمنون الحقيقيون‬
‫في اآلخرة‪ ،‬ألنهم استطاعوا أن ُيظهروا بسمة الحب اإللهي على‬
‫وجوههم ويقابلون بها جميع المخلوقات في الحياة الدنيا‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫وقد قص الشيخ سعدي شيرازي قصة كتبها في كتابه (البستان)‬
‫حيث قال‪« :‬كان رجل ذوأخلق حميدة يحسن إلى الناس الذين‬
‫كانوا يظلمونه ويعاملونه بالسوء‪ .‬وكان يتكلم عنهم أحسن الكلم‬
‫في غيابهم‪ .‬وعندما توفي رآه أحد الناس في منامه‪ ،‬فسأله‪( :‬أخبرني‪..‬‬
‫ماذا حل بك بعد الموت؟)‪ .‬فابتسم الرجل الصالح ابتسامة حلوة‬
‫كوردة تفتحت‪ ،‬ونطق بكلم عذب وجميل قائ ً‬
‫ل‪( :‬إني لم أعامل‬
‫أحد ًا معاملة قاسية وسيئة طوال حياتي‪ ،‬ولم ُأ ِر أحدا وجها عبوس ًا‬
‫وغاضب ًا أبد ًا‪ ،‬وقابلت جميع الناس بوجه ضحوك وبشوش‪ ،‬لذا لم‬
‫يعاملوني هنا معاملة سيئة وقاسية أبد ًا) »‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫وال يمكن رؤية وجه عبوس ومتشائم عند أحد من أولياء الحق‬
‫‪ ،U‬الذين ضحوا بقلوبهم وحياتهم في سبيل خالقهم ‪ ،U‬ونبيه‬
‫األكرم ‪ .r‬فوجوههم تضفي الطمأنينة والسكينة على قلوب من‬
‫يخاطبهم من الناس‪ ،‬وتحملهم إلى عالم روحاني مليء بالمعنويات‪.‬‬
‫وهم أيض ًا من يحملون الناس الحزينين والبؤساء‪ ،‬وينقلونهم‬
‫إلى قصور قلوبهم لمواساتهم والوقوف بجانبهم وتخليصهم من‬
‫همومهم‪ ،‬وكأن عالمهم الروحاني والمعنوي هذا هوعبارة عن مركز‬
‫طبي يقصده الناس للنقاهة‪ ،‬ولمعالجة قلوبهم المريضة‪.‬‬
‫والحكمة األساسية لهذه الطمأنينة والسكينة عند أولياء الحق‬
‫‪ U‬هي تخليص الناس من الهموم الدنيوية التي ترهق الروح‪،‬‬
‫ومن مشاعر التملك والبغي ِ‬
‫واألستيلء‪ ،‬وحب الشهوات‪ ،‬وذلك‬
‫بتذكيرهم بوجود الله ‪ ،Y‬وبوجود يوم القيامة ويوم الحساب‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أنهم يوجهون الناس ويقنعو َن ُه ْم بأنه بعبادتهم‬
‫وعملهم على تهيئة السعادة األبدية في اآلخرة‪ ،‬يكونون قد وصلوا‬
‫إلى السعادة والطمأنينة والسكينة الحقيقية والراحة النفسية في‬
‫الحياة الدنيا‪ .‬وحكمة امتلك أولياء الحق ‪ U‬وأوليائه الصالحين‬

‫على وجوه مبتسمة وناضرة‪ ،‬هي المسؤولية التي قاموا بتوليها في‬
‫توزيع الفرحة والسعادة على الناس وكافة المخلوقات‪ .‬ألن التحلي‬
‫بوجه بشوش‪ ،‬ولسان عذب ورقيق أثناء تقديم خدمة إرشاد الناس‬
‫وإيقاظهم هوأمر إلهي عليهم أن يتقيدوا به‪ .‬فالتبسم هو رابط معنوي‬
‫وروحي بين الشخص وبين من يخاطبه‪ .‬فعلى هذا األساس فإنه ال‬

‫‪131‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫يوجد في نظر الله ‪ U‬أية طريقة ضرورية ومؤثرة أكثر من القول‬

‫الحسن والوجه البشوش في إرشاد الناس ودعوتهم إلى الطريق‬
‫الصواب‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫نت َف ًّظا َغ ِل َ‬
‫يظ ا ْل َق ْل ِ‬
‫ب‬
‫نت َل ُه ْم َو َل ْو ُك َ‬
‫[ َفبِ َما َر ْح َم ٍة ِّم َن ال َّل ِه لِ َ‬
‫اع ُف َع ْن ُهم َواس َتغْ ِفر َل ُهم َو َشا ِور ُهم ِفي َ‬
‫األ ْم ِر‬
‫َالن َف ُّضو ْا ِم ْن َح ْولِ َك َف ْ‬
‫ْ ْ‬
‫ْ ْ ْ ْ‬
‫ين] (آل عمران‪)159 ،‬‬
‫َفإِ َذا َعزَ ْم َت َفت ََو َّك ْل َع َلى ال َّل ِه إِنَّ ال َّل َه ُي ِح ُّب ا ْل ُمت ََو ِّك ِل َ‬

‫وقص الشيخ السعدي أيض ًا قصة كتبها في كتابه (البستان)‪،‬‬

‫وتتحدث عن أهمية الكلم العذب والوجه البشوش واللطافة أثناء‬

‫تقديم خدمة اإلرشاد للناس‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«كان أحد الشبان يبيع عس ً‬
‫ل‪ .‬وكان عذب اللسان‪ ،‬وبشوش‬
‫الوجه‪ ،‬ولطيف ًا جد ًا لدرجة أن الناس كانوا يتأثرون بهذه اللطافة‬

‫تأثر ًا كبير ًا لدرجة الذوبان‪ .‬وكان جمي ً‬
‫ل حسن المظهر‪ ،‬وطويل‬
‫القامة‪ ،‬وخصره كقصب السكر الذي ُأسند على عود نحيل مستقيم‬

‫‪132‬‬

‫وربط به‪ .‬وكان لديه عدد كبير جد ًا من الزبائن‪ .‬وكان الناس‬
‫مطمأنين له لدرجة أنه لوباع سم ًا الشتروه منه على أنه عسل‪ .‬فرآه‬
‫أحد األشخاص العبوسين‪ُ ،‬‬
‫يدر عليه الربح‬
‫وذهل به وبعمله الذي اّ‬
‫الوفير‪ ،‬فغار منه‪ .‬وقرر أن يبيع هوأيض ًا عس ً‬
‫ل‪ .‬فوضع جرار العسل‬
‫على عربة وبدأ بالتجوال في شوارع المدينة وأزقتها‪ .‬وأخذ يصيح‬
‫(عسل للبيع‪ ..‬عسل للبيع‪ ،)..‬ولكن بوجه عبوس وجبين معقود‪ ،‬وكأنه‬
‫يبيع الخل المر عوض ًا عن العسل الحلو‪ .‬فلم يقترب منه أحد من‬

‫‪n‬‬

‫االبتسامة ‪o‬‬
‫الناس‪ ،‬بل وحتى الذباب لم يحط على عسله‪ .‬فحل المساء ثم عاد‬
‫إلى بيته ولم يبع شيئ ًا ولم يربح قرش ًا واحد ًا‪ .‬وجلس في زاوية من‬
‫زوايا منزله كئيبا مهموم ًا‪ .‬وكان كالمذنب الخائف من كثرة ذنوبه‪،‬‬
‫وكالشقي الذي ُسجن في زنزانة مظلمة في يوم العيد‪ .‬فقالت له‬
‫زوجته مداعبة‪( :‬إن عسل صاحب الوجه الحامض يكون مر ًا)‪.‬‬

‫إن الخلق السيئ يوصل اإلنسان إلى جهنم وبئس المصير‪ .‬أما‬
‫الخلق الحسن فقد جاء من الجنة‪.‬‬
‫فاحرص يا هذا على أن ال تشرب العصير الحلو واللذيذ‬
‫ٍ‬
‫وجه حامض ومر‪ .‬بل اشرب‬
‫والبارد من يد إنسان عبوس ذي‬
‫الماء الحار عوض ًا عن ذلك‪ ،‬ولواضطررت أن تبقى تحت الشمس‬
‫وتحترق بحرارتها‪ .‬وال تأكل طعام من عقد حاجبيه‪ ،‬فذلك هوظلم‬
‫للروح والنفس‪.‬‬
‫ويا سيد !! ال تحاول أن تقضي حوائجك بالغضب والتوبيخ‪،‬‬
‫وإال فستكون من األشقياء دائم ًا‪ .‬وإن لم يكن لديك ذهب وال فضة‪،‬‬
‫فهل ال تملك لسان ًا عذب ًا أيض ًا؟!»‪.‬‬

‫لذا فإن الوجه البشوش واللسان العذب يشكلن أهم رأس مال‬
‫يمكن للعبد أن يمتلكه في إرشاد المحرومين من حلوة اإليمان‬
‫وحلوة أخلق اإلسلم الرفيعة‪ .‬وحتى الوجوه العبوسة إن ُوجدت‬
‫ٍ‬
‫مليئة باألزهار والورود الجميلة ذوات الروائح الزكية‪،‬‬
‫في حديقة‬
‫واأللوان الزاهية فإنها تبتسم بسبب الجماليات التي ِ‬
‫تنعكس على‬
‫روحها في ذلك المكان السحري‪ .‬فعلى من يسعى إلرشاد الناس‬

‫‪133‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإيصالهم إلى الطريق الصواب أن يكون كتلك الحديقة يستطيع‬
‫يلين أكثر القلوب قساوة‪ ،‬وأن يرسم البسمة على أكثر الوجوه‬
‫أن اّ‬
‫تقطب ًا‪.‬‬

‫والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يتحملون أعباء الناس‬
‫وهمومهم‪ ،‬وهم صابرون ومبتسمون ضمن حالة روحية جيدة‪.‬‬
‫فمن أهم شروط التبليغ والدعوة‪ ،‬هوأن يمتلك اإلنسان قلب ًا حساس ًا‬
‫قد ُعجن بحكم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‪ .‬وأن يمتلك‬
‫أيض ًا وجه ًا مبتسم ًا يعكس وجه اإلسلم البشوش‪ .‬ويجب أن يصبح‬
‫التبسم عادة طبيعية لدى من يريد تقديم خدمة التعليم والتربية‬
‫المعنوية للناس‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا من المؤمنين الحقيقيين‪ ،‬ذوي األرواح الحساسة‬
‫واللطيفة‪ ،‬والذين يبتسمون بالرحمة والعطف والشفقة على جميع‬
‫خلقك‪.‬‬

‫اللهم وال تحرم قلوبنا من محبة اإليمان‪ ،‬ووجوهنا من بشاشة‬
‫وجه اإلسالم‪...‬آمـين‬

‫‪134‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب وال ِر َّقة‬

‫األدب هو أهم زاد يتزود بها المؤمن في سفره إلى الله ‪ .U‬فال يمكن أن‬
‫يكون اإلنسان متمسك ًا بدينه من جهة‪ ،‬وغليظ القلب‪ ،‬جلف ًا وصعب ًا في‬
‫التعامل مع الناس من جهة أخرى‪.‬‬
‫وعلينا أن ال ننسى أن الشيطان الرجيم قد طرد من رحمة الله ‪ ،U‬ال‬
‫لتقصيره في العمل أوفي العبادة‪ ،‬وال بسبب نقص علمه أوفهمه‪ ،‬بل‬
‫بسبب قلة أدبه‪ .‬لذا فإن أكثر األخالق الحميدة إزعاج ًا للشيطان هي‬
‫األدب‪.‬‬
‫وإن غاية التربية المعنوية هي تعليم الناس وإيصالهم إلى درجة من‬
‫المعرفة يدركون فيها بأنهم تحت مراقبة دائمة من قبل الله ‪ .U‬وبذلك‬
‫الشعور يسعى اإلنسان الكتساب الخصل الحميدة كاألدب والرقة حين‬
‫المعاملة مع اآلخرين‪ ،‬وذلك ما سيكون من العناصر األساسية التي‬
‫تشكل شخصيته الطبيعية‪.‬‬

‫األدب وال ِر َّقة‬
‫األدب هو من الخصائص التي تميز اإلنسان عن بقية‬
‫المخلوقات‪ .‬ويكتسب اإلنسان قيمة عند الله ‪ U‬بتقواه وأدبه ورقته‬
‫وتعامله الحسن مع اآلخرين‪ .‬لذا فإن لألدب والرقة مكان ًا مستثنى ال‬
‫مثيل له بين أوصاف أولياء الحق ‪ U‬وأخلقهم الحميدة‪ .‬حيث أن‬
‫كثير ًا من كبار المتصوفين يعتبرون أن التصوف هو عبارة عن األدب‬
‫والرقة في التعامل‪ .‬وقد تلقى سيدنا الشاه النقشبند – ُقداّ س سره –‬
‫تربية معنوية كاملة مبنية على أساس األدب والرقة وحسن الخلق‪،‬‬
‫على يد سيدنا حضرة الشيخ أمير ُكلل‪ .‬وقد ُو اّظف في السنوات‬
‫األولى التي التحق فيها بالمدرسة‪ ،‬في تنظيف الطرق واألزقة التي‬
‫يمر بها الناس‪ .‬وفي خدمة المرضى والمصابين‪ ،‬وخدمة الحيوانات‬
‫الجريحة لكي يعيش حالة العدم ويحس بها تجاه الله سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬ولكي يتغلب على التكبر وغرور النفس‪ .‬وقد شرح بنفسه‬
‫حالته تلك في ذلك الوقت بالشكل التالي‪:‬‬

‫«مشيت في طريق خدمة الناس وإرشادهم لفترة طويلة من‬
‫الزمن‪ ،‬كما أمرني أستاذي أن أفعل‪ .‬واكتسبت شعور ِ‬
‫األحترام‬
‫لدرجة أنني إذا صادفت أي مخلوق من المخلوقات في طريقي‪،‬‬
‫أقف جامد ًا في مكاني وأنتظر مروره‪ ،‬وال أخطو بخطوة واحدة قبل‬
‫أن يعبر‪ .‬واستمرت خدمتي هذه سبع سوات‪ .‬وبالمقابل فقد امتلكت‬

‫‪137‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إحساس ًا مرهف ًا تجاه تلك المخلوقات‪ ،‬حيث أصبحت وكأني أحس‬
‫بكيفية تعبدهم والتجائهم إلى الله‪ ،U‬ورجائِهم رحمته وعطفه‬
‫عليهم عن طريق إصدار أصوات حزينة مكبوتة »‪.‬‬

‫وبذلك‪ ،‬نستنتج أن كل شيء في الكون هو عبارة عن تجليات‬
‫القدرة اإللهية والعظمة على القلوب التي استمدت نورها وضياءها‬
‫من الحكمة‪ .‬وإن الشرط األساسي للوصول إلى تلك المرتبة هو أن‬
‫اكتساب الروح اللطافة والرقة واللياقة في معاملة اآلخرين‪ ،‬ومشاهدة‬
‫المظاهر الروحانية والمعنوية‪ ،‬والوصول بذلك إلى مرحلة ِ‬
‫األستفادة‬
‫وأخذ العبر‪ ،‬ومن ثم التعمق في أعماق وتفاصيل الحكمة‪ .‬حيث أن كثير ًا‬
‫من األسرار المعنوية التي ال يستوعبها العقل البشري ال يمكن لها أن‬
‫تظهر وتنكشف إذا لم يتم التعمق فيها والتأمل بها عن طريق الحكمة‪.‬‬
‫إن األدب هو أهم زاد يتزود بها المؤمن في سفره إلى الله ‪.U‬‬
‫فل يمكن أن يكون اإلنسان متمسك ًا بدينه من جهة‪ ،‬وغليظ القلب‪،‬‬
‫جلف ًا وصعب ًا في التعامل مع الناس من جهة أخرى‪.‬‬

‫حيث أن أصل اإلسلم بنظر الروح هو التوحيد في األعتقاد‪ ،‬و‬
‫األدب والرحمة واألستقامة في العمل‪ .‬فعلى هذا األساس يمكننا‬
‫القول بأن الدين اإلسلمي بكل أساسياته هو عبارة عن الظرافة‬
‫واللطافة والرقة في التعامل‪ ،‬أي بمعنى أنه من بابه إلى محرابه عبارة‬
‫عن الخلق الحسن الذي يتمثل باألدب‪.‬‬
‫وقد عبر موالنا جلل الدين الرومي عن هذه الحقائق على‬

‫‪138‬‬

‫النحوالتالي‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫«افتح عينيك جيد ًا‪ ،‬وانظر بكل ما ملكت من طاقة وقدرة إلى‬
‫كلم الله ‪ ،U‬فستلحظ أن القرآن الكريم من أول آية فيه إلى آخر‬
‫آية؛ عبارة عن مدرسة لتعليم األدب‪ .‬ولم يستحق أولياء الحق‬
‫‪ U‬الدرجات الرفيعة التي وصلوها إال عن طريق أدبهم وتميزهم‬
‫باألخلق الحميدة‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا اإلمام الرباني أحمد الفاروقي‪:‬‬

‫«ال يمكن ألحد لم ُي ِ‬
‫عط األدب اهتمام ًا‪ ،‬أن يتقدم ويسير في‬
‫الطريق التي تؤدي إلى الله ‪ ،U‬أي أنه ليس بإمكانه أن يكون من‬
‫أحبائه‪ .‬وإن الطريق الذي سار فيه عظماء الدين الصالحون هو عبارة‬
‫عن األدب واألخلق الحسنة‪.‬ويجب أن ال ننسى أن أهم موضوع‬
‫في األدب هو تأدبنا تجاه الخالق ‪.»Y‬‬
‫األدب تجاه الله ‪U‬‬

‫علينا أن ال ننسى أن الشيطان الرجيم قد طرد من رحمة الله ‪،U‬‬
‫ال لتقصيره في العمل أوفي العبادة‪ ،‬وال بسبب نقص علمه أوفهمه‪،‬‬
‫بل بسبب قلة أدبه‪ .‬لذا فإن أكثر األخلق الحميدة إزعاج ًا للشيطان‬
‫هي األدب‪ .‬وقد شرح سيدنا جلل الدين الرومي هذه الحقيقة‬
‫شرح ًا وافي ًا‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫«عندما عصى إبليس أمر الله ‪ U‬ورفض أن يسجد لسيدنا آدم‬

‫‪ ،u‬بقوله‪( :‬لقد خلقتني من نار عظيمة متألقة‪ ،‬وخلقته من طين‬

‫‪139‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وضيع‪ .‬فهل من المعقول أن يسجد أحد ذو مستوى ومقام رفيع‬
‫ألحد أقل منه شأن ًا!!)‪ .‬إذ ًا لقد ُلعن إبليس ُ‬
‫وطرد من الرحمة اإللهية‬
‫بسبب قلة أدبه تجاه الله ‪ ،U‬واعترض على أمره‪ .‬أي أنه تجرأ على‬
‫جدال ربه ‪ Y‬مغرور ًا بنفسه» (فيه ما فيه‪ ،‬ص‪)159 :‬‬
‫وقال أبوعلي الداّ قاق – رحمة الله عليه ‪:-‬‬

‫ِ‬
‫واألبتعاد عن األدب ُي ِ‬
‫وجب اللعنة والطرد من‬
‫«إن التخلي‬
‫الرحمة اإللهية‪ .‬فمن قلل أدبه مع السلطان‪ُ ،‬طرد إلى عتبة الباب‪.‬‬
‫ومن قلل أدبه وهو في عتبة الباب‪ُ ،‬طرد إلى حظيرة الحيوانات»‪.‬‬
‫العبر َة من أحوال وعواقب الذين‬
‫وقد نصحنا أجدادنا بأن نأخذ ْ‬
‫لم يتأدبوا ولم يعطوا تلك الخصلة الحميدة أي اهتمام‪ .‬حيث ورد‬
‫عنهم المثل التالي‪- :‬تعلم التأدب من قليل األدب‪.-‬‬

‫فعلينا بدورنا أن نأخذ العبر ونستخلص دروس ًا من الحال الذي‬
‫آل إليه الشيطان الرجيم عندما قلل أدبه مع الله ‪ ،U‬وعصى أمره‪.‬‬

‫والعبد المثالي الذي يتميز باألخلق الرفيعة وأهمها األدب‬
‫تجاه الله ‪ U‬كما يجب‪ ،‬يتجنب التصرف بتصرفات تدل على‬
‫اللمباالة‪ .‬وبهذه الوسيلة يكون على حذر دائم من الوقوع في غفلة‬
‫في تعامله وفي عبادته‪ .‬وال يصاب بداء ِ‬
‫األعتماد على أعماله‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫ويجب أن ال ننسى أنه مهما عملنا األعمال الحسنة والصالحة‪،‬‬
‫فكل هذه األعمال والحسنات هي كدلو الماء عندما يسكب في‬
‫محيط كبير‪ .‬ويجب علينا أن ندرك قلة وصغر عباداتنا وخدماتنا‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫مقابل لطف الله ‪ U‬ورحمته التي وسعت كل شيء‪ .‬ويجب أن‬
‫نقارن ونزن أحوالنا في العبادة بأحوال الصحابة الكرام ‪ y‬وأحوال‬

‫أولياء الله ‪ U‬وأحبائه‪ ،‬ال أن نقارنها بوضعنا في المجتمع‪.‬‬

‫وقد ضرب الله ‪ U‬لنا أمثلة في األنصار والمهاجرين لكي‬

‫نستخلص العبر والدروس ونستفيد منها لنطبقها في جميع مجاالت‬

‫الحياة‪.‬‬

‫ومن جانب آخر‪ ،‬فمن طبق أدب العبودية بالشكل المناسب‪،‬‬

‫فهو يدرك أن ما جاءه من حسنة فهي من الله ‪ ،U‬وما أصابه من‬
‫مصيبة وتقصير فهو من نفسه‪.‬‬

‫إن من يرغب عن عبادة الله ‪ ،U‬ويقع في الخطأ والسفاهة‬

‫قائ ً‬
‫ل‪« :‬ماذا أفعل؟ إن ذلك قدري أن أكون كذلك»‪ ،‬إنما هو تعبير‬

‫عن الغفلة والضللة الشيطانية والنفسية‪ .‬فلنأخذ موضوع الصلة‬
‫مثا ً‬
‫ال‪ ،‬فمن أراد أن يصلي فإن الله ‪ U‬يهيئ له األسباب والظروف‬
‫التي تجعله يقيم صلته‪ .‬أما من ال يريد أن يصلي‪ ،‬فيهيئ الله ‪U‬‬
‫له أسباب ًا تمنعه عن أدائها‪ .‬وعلى هذا ِ‬
‫األعتبار‪ ..‬فإن إيجاد األعذار‬
‫والحجج‪ ،‬وتبريء النفس من الذنوب التي يرتكبها اإلنسان إنما‬

‫هو بهتان وافتراء على القضاء والقدر‪ .‬وذلك هو قمة الحماقة وقلة‬

‫األدب تجاه الله ‪.U‬‬

‫وما اّ‬
‫أزل قدم الشيطان الرجيم عن الرحمة اإللهية إال قلة أدبه‬

‫التي بدرت عنه تجاه خالقه ‪ U‬في هذا الخصوص‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فإن أكثر ما ُيزعج الشيطان هو أن يتحلى المؤمن باإلطاعة‬
‫والرضاء والتسليم تجاه الله ‪ .U‬أي أن يتحلى بأدب العبودية‪ ،‬ألن‬
‫ذلك هو بعينه ما أوقعه في الخطأ‪.‬‬
‫ومن أهم أهداف الصوفية هي رفع مستوى اإلنسان وإيصاله‬
‫إلى درجة إدراكه بوجوده الدائم ضمن رحمة الله ‪ .U‬وذلك هو‬
‫ما يسمى بـ‪« :‬شعور اإلحسان»‪ .‬وبذلك يمكن أن نلخص أهداف‬
‫الصوفية بجعل اإلنسان يتميز بخلق األدب تجاه الله ‪ U‬ظاهر ًا‬
‫وباطن ًا‪ .‬وكما قال أحد كبار رجال الصوفية‪:‬‬

‫«الزم األدب ظاهر ًا وباطن ًا فما اساء أحد األدب فى الظاهر اال‬
‫األدب فى الباطن اال عوقب باطن ًا ومن‬
‫ُعوقب ظاهر ًا وال أساء أحد‬
‫َ‬
‫ضيع االدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يظن‬
‫القبول» (اسماعيل حقي ‪ ،‬روح البيان‪ ،‬النحل‪)47 ،‬‬
‫أي أنه يجب علينا أن نتحلى بالرضاء والتسليم‪ ،‬وأن نطيع أوامر‬
‫الله ‪ Y‬ونبتعد عن نواهيه مباشرة دون مناقشة أوجدال يدل على‬
‫التكبر والغرور كما فعل الشيطان الرجيم – لعنة الله عليه ‪ .-‬ويجب‬
‫علينا أن نقتنع ونؤمن بأن ما قدره الله ‪ ،U‬هو أفضل وأخ َير شيء‬
‫بالنسبة لنا‪ .‬وكل ذلك هو من جملة األدب الباطني الذي يجب على‬
‫المؤمن أن يتحلى به‪.‬‬
‫وفي أحد األيام التي قد خلت ُأعجب عالم من علماء الحديث‬

‫‪142‬‬

‫بهيئة أبا يزيد البِ ْسطامي وتصرفاته‪ .‬فعندما رأى ذلك الشاب أراد أن‬
‫يختبر ذكاءه وحكمته‪ ،‬فسأله‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫«يا أيها الشاب الوسيم‪ ،‬هل تعرف أداء الصلة بالمعنى التام ؟»‪.‬‬

‫فأجاب أبا يزيد البِ ْسطامي قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«نعم‪ ..‬إني أعرف بإذن الله ‪.» U‬‬
‫فسأله العالم‪« :‬فكيف إذ ًا؟»‪.‬‬

‫فقال‪« :‬يا رب‪ ..‬وقفت بين يديك ألداء الصلة قائ ً‬
‫ل الله أكبر‪..‬‬
‫ثم أقرأ القرآن ٍ‬
‫بتأن وتمعن وتفكر‪ ،‬ثم أركع بخشوع وتعظيم‪ ،‬ثم‬
‫أسجد بتواضع‪ ،‬ثم أسلم مودع ًا»‪.‬‬
‫فأعجب العالم بإجابة الشاب إعجاب ًا شديد ًا فقال‪:‬‬
‫«أيها الشاب الذكي‪ ..‬لِم تسمح للناس أن يمسحوا على رأسك‪،‬‬

‫مع أنك تمتلك كل هذه المعلومات القيمة والعميقة ؟»‪.‬‬

‫ألن العالم كان يعتقد بأن المجاملت والمداعبات التي يبديها‬
‫الناس لذلك الشاب‪ ،‬بإمكانها أن تؤدي بنفسه إلى الغرور والتكبر‪.‬‬
‫فعليه أن يضع حد ًا لذلك‪.‬‬
‫فأجابه أبا يزيد البِ ْسطامي بهذه اإلجابة التي تدل على علمه‬
‫وحكمته‪:‬‬

‫«إنهم ال يمسحون رأسي‪ ،‬بل يمسحون الجمال الذي زينني‬
‫الله ‪ U‬به‪ .‬وكيف أمنعهم من لمس شيء ال أمتلكه !»‪.‬‬

‫إذ ًا‪ ،‬فالخلق اآلخر الذي يجب علينا أن نصل إليه ونتخلق به هو‬
‫نقر ونؤمن بأن جميع المحاسن واألمور الجميلة هي من الله ‪،U‬‬
‫أن اّ‬
‫وأن ال ُنقنع أنفسنا بأن لنا الفضل في الحصول عليها‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن أعلى درجة من درجات األدب هي تعظيم وتقدير الله ‪.Y‬‬
‫وإن أجمل مظهر لذلك هو إبرازه أثناء أداء العبادات والواجبات‬
‫التي ُأمرنا بها‪.‬‬
‫وكما قال أحد أولياء الحق ‪:U‬‬

‫«توصل العبادة الشخص إلى الجنة‪ .‬أما التعظيم والتقدير واألدب‬
‫في العبادة توصله إلى الله ‪ ،Y‬وتجعله من المقربين إليه »‪.‬‬

‫وقال سيدنا أنس بن مالك‪:t‬‬

‫«األدب في العمل علمة قبول العمل»‪.‬‬

‫وقد نصحنا سيدنا الخضر ‪ u‬بقراءة الدعاء التالي‪:‬‬
‫«اللهم ارزقني أدب ًا جمي ً‬
‫ل لكي أستطيع أن أعبدك»‪.‬‬

‫وقد أبرز أولياء الحق ‪ U‬اهتمامهم واعتناءهم الذي ال مثيل له‬
‫باألدب الظاهري‪ ،‬إضافة إلى ما قاموا به من تعظيم وتقدير لألدب‬
‫الباطني‪ .‬ألنهم عاشوا حياتهم مدركين حلوة ونشوة التواجد ضمن‬
‫حدود الرحمة اإللهية‪ .‬ويمكننا التعبير عن ذلك بأنه القدرة على‬
‫المحافظة على حالة الخشوع والتأدب‪ ،‬حتى خارج أوقات العبادة‪.‬‬
‫وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين ُه ْم َع َلى َصالتِ ِ‬
‫ه ْم َدائِ ُمونَ ] (المعارج‪)23 ،‬‬
‫[ا َّل ِذ َ‬
‫وقال في آية كريمة أخرى‪:‬‬
‫ين ُه ْم َع َلى َصالتِ ِه ْم ُي َح ِ‬
‫اف ُظونَ ] (المعارج‪)34 ،‬‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫‪144‬‬

‫وقد شرح سيدنا جلل الدين الرومي هذه اآليات الكريمة‪،‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫معطي ًا إياها معنى إشاري ًا‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«يحافظ المؤمن على وضعه في الصلة حتى ما بعد الصلة‪.‬‬
‫وبذلك تكون حياته كلها قد مضت في األدب والخشوع‪ ،‬واستمر‬
‫قلبه ولسانه على التحفظ وعدم السهو والوقوع في الخطأ‪ .‬وهذا هو‬
‫حال المحبين الحقيقيين‪ .‬أي حال أولياء الحق ‪.» U‬‬
‫وإن غاية التربية المعنوية هي تعليم الناس وإيصالهم إلى درجة‬
‫من المعرفة يدركون فيها بأنهم تحت مراقبة دائمة من قبل الله ‪.U‬‬
‫وبذلك الشعور يسعى اإلنسان الكتساب الخصل الحميدة كاألدب‬
‫والرقة وحين المعاملة مع اآلخرين‪ ،‬وذلك ما سيكون من العناصر‬
‫األساسية التي تشكل شخصيته الطبيعية‪.‬‬
‫وقال سيدنا داود الطائي‪:‬‬

‫«بقيت لمدة تقارب العشرين عام ًا مع سيدنا أبي حنيفة‪.‬‬
‫والحظت خلل هذه الفترة الزمنية على أنه لم يجلس أبد ًا مكشوف‬

‫الرأس‪ ،‬ولم يبسط ساقيه ولو بهدف الراحة‪ ،‬وتلك كانت حالته إن‬
‫كان وحيد ًا أو مع غيره من الناس‪ .‬فسألته يوم ًا‪:‬‬

‫(ما المانع أن تبسط ساقيك عندما تختلي بنفسك ؟)‪ .‬فأجابنيقائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫(األفضل أن نكون أكثر أدب ًا تجاه الله ‪.» )Y‬‬

‫ولم ُي َر سيدنا محمود سامي رمضان‬

‫أوغلو– الذي ُيعتبر من أحد‬

‫أولياء الحق ‪ U‬وهو ُ‬
‫شيخ والد المؤلِف الشيخ موسى طو اّباش وقد دفن في البقيع–‬

‫طوال عمره أنه يجلس وهو باسط ساقيه وأنه ُمسند ظهره على‬

‫‪145‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ُم اّتكأ أو على جدار أثناء تناوله الطعام‪ .‬وكان سامي أفندي‬
‫سره – الذي كان مثا ً‬
‫ال رفيع ًا لألدب والرقة طوال حياته – كان يردد‬
‫– قدس‬

‫بيتي الشعر التاليين كثير ًا‪:‬‬

‫يقال أن األدب هو تاج من نور الهدى‬
‫فالبس ذاك التاج لتنجومن كل البلء‬

‫المتوفى سيدنا حسين‬
‫وقد تولى مصطفى أوكوتان غسل ُجثمان ُ‬

‫أفندي الصامصوني‪ .‬وكان حسين أفندي أحد عاشقي الله ‪،U‬‬

‫وقد ُت اّوجت حياته بالظرافة واللطف والرقة واألدب‪ .‬فحدثنا أخونا‬
‫مصطفى أوكوتان ما رآه بأم عينيه في تلك الجنازة قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«عندما كنت أغسل جسد حسين أفندي‪ ،‬كانت فخذه األيمن‬
‫منطوي ًة على صدره‪ ،‬ولم نستطع على الرغم من جميع محاوالتنا‪.‬‬
‫وعندما وضعناه في القبر‪ ،‬استلقى مباشرة على جنبه األيمن»‪.‬‬

‫وال شك في أن هذه القصة هي تذكير ال مثيل له لنا‪ ،‬وهي عبرة‬

‫تعبر عن الحقيقة التالية‪« :‬يموت المرء على ما عاش عليه‪ ،‬ويحشر‬
‫على ما مات عليه » (المناوي‪ ،‬فيض القدر‪ ،‬شرح الجامع‪ ،‬جـ‪)663 ،5‬‬

‫ويكشف الله ‪ U‬أحيان ًا بعض األسرار بهذه القصص واألحداث‬

‫لكي تكون عبرة لمن يعتبر‪.‬‬

‫ومن تواجد في حضرة سلطان كبير يحكم العالم بأسره‪ ،‬أو في‬

‫‪146‬‬

‫حضرة شخص ذو مقام رفيع ومرتبة عليا‪ ،‬فإنه ال يستطيع أن يتصرف‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫براحة واسترخاء عندهم كما يتصرف في أماكن ومواضع أخرى‪.‬‬
‫وإن أولياء الحق ‪ U‬هم الذين يملكون القلوب العالمة والحكيمة‬
‫والتي ال تحتاج ألي دليل بأنهم دائم ًا بين يدي الله ‪ Y‬في كل مكان‬
‫وزمان‪ .‬أي أنهم يعيشون كل لحظاتهم بشعور البقاء مع الله ‪. U‬‬

‫وهم من الذين اتخذوا الجملة التالية‪« :‬وهو معكم أين ما كنتم»‬
‫(الحديد‪ ،)4 ،‬نمط ًا لهم في حياتهم ومعيشتهم‪ .‬ولهذا السبب ينعكس‬
‫وضعهم المتميز باألدب على جميع تصرفاتهم وأعمالهم‪ .‬وإن أولياء‬
‫الحق ‪ U‬في تأدب كامل تجاهه حتى ولوكانوا في خلوة وبعيدين عن‬

‫أنظار البشر‪ .‬فعلى سبيل المثال؛ فإن تغطية الرأس أثناء الصلة هو‬
‫تعبير عن اإلحترام تجاه الخالق ‪ .U‬وقد حرص أولياء الحق على‬

‫إبداء هذا المظهر من مظاهر اإلحترام حتى خارج أوقات الصلة‪.‬‬

‫وعندما سأل أحد الصحابة الكرام سيدنا محمد ًا ‪ r‬عن ما إذا‬

‫كان بوسعه أن يتصرف براحته أثناء تبديل وارتداء ملبسه إن لم‬
‫يوجد أحد في ذلك المكان ؟‪ .‬فقال الرسول ‪:r‬‬
‫"ال َّل ُه َأ َح ُّق َأ ْن ُي ْست َْح َيا ِم ْن ُه ِم َن ال َّن ِ‬
‫اس" (أبي داود‪ ،‬الحمام‪)4017/2 ،‬‬

‫وقد أبرز أجدادنا الذين ُعجنت طبيعة قلوبهم بالتربية اإلسلمية‬
‫والمعنوية‪ ،‬مستوى رفيع ًا من األخلق الحميدة‪ ،‬والتي نالت إعجاب‬
‫العالم بأسره في خصوص األدب والعفة والحفاظ على العار‪ .‬فقد‬

‫كتب الراهب النصراني سالومون شويغر – أحد أكثر الرهبان تعصب ًا ديني ًا‬

‫للنصرانية – مذكرات عن المسلمين أثناء تجواله في بلدهم‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫‪147‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫«يستخدم المسلمون غطاء لتغطية أجسادهم‪ ،‬حتى وهم في‬
‫الحمام‪ .‬فكم هم أناس مؤدبون! ويجب علينا أن نتعلم األدب من‬
‫هؤالء الناس الذين نظن أنهم من البربر» (إ‪.‬د‪ .‬ألِ َب ْر أورتايلي‪ ،‬استكشاف الدولة‬
‫العثمانية من جديد‪ ،‬ص‪)88 .‬‬

‫والتستر هو شعور لذيذ يخص اإلنسان‪ .‬فليس من الوارد تستر‬
‫بقية المخلوقات‪ .‬والتستر هو أدب فطري يدل على العبودية ويعبر‬
‫عنها‪ ،‬حيث أن سيدنا آدم ‪ u‬وسيدتنا حواء قد استحيا في الجنة‬
‫عندما ظهرت عورا ُتهما‪ ،‬مع العلم أنه ال أحد ِسواهما في الجنة‪.‬‬
‫وهما‬
‫فحاوال أن يضعا أوراق الشجر على َعورا ُتهما‬
‫ليسترهما‪ُ .‬‬
‫ُ‬
‫في حالة الخجل والتوتر‪ .‬إذا نستنتج أن التستر وما ساق إليه من‬
‫الخصل والصفات كاألدب والحياء هو ميزة هامة جدا من الميزات‬
‫المترسخة في فطرة بني آدم‪.‬‬

‫واألدب الذي يتحلى به اإلنسان تجاه الله ‪ ،U‬إنما يشمل‬
‫جميع الخلئق حسب درجة التقرب من خالقه ‪ .U‬والتأدب األكثر‬
‫أهمية بعد التأدب تجاه الله ‪ Y‬هو التأدب تجاه نبيه وحبيبه سيدنا‬
‫المصطفى ‪.r‬‬

‫األدب تجاه سيدنا محمد ‪r‬‬

‫‪148‬‬

‫لقد قدم الصحابة الكرام ‪ y‬أفضل األمثلة المعبرة عن شعور‬
‫األدب ِ‬
‫واألحترام الواجب تجاه الرسول الكريم ‪ .r‬وقد عبروا عن‬
‫أدبهم وخشوعهم أثناء جلوسهم مع النبي ‪ r‬كما في الجملة التالية‪:‬‬
‫«كأنما على رؤوسنا الطير» (أبي داود‪ ،‬السنة‪4753/24–23 ،‬؛ ابن ماجة‪ ،‬الجنائز‪)37 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫وكان تأدب الصحابة الكرام ‪ y‬تجاه سيدنا محمد ‪،r‬واحترامهم‬
‫له يحتل مرتبة عالية ورفيعة لدرجة أنهم في كثير من األحيان كانوا‬
‫تجرء وقلة أدب تجاهه‪ .‬لذا كانوا‬
‫يعتبرون أن توجيه سؤال له هو‬
‫ٌ‬
‫ينتظرون ويتأملون أثناء جلوسهم إليه أن يأتي أحد أعراب البادية‪،‬‬
‫لكي يسأله بعض األسئلة ويستفيدوا هم من أجوبته ‪.r‬‬
‫وكان القليل من الصحابة الكرام ‪ y‬يستطيعون النظر بتمعن‬
‫إلى جمال نور سيدنا ‪ ،r‬مع العلم أنهم كانوا يقضون معظم أوقاتهم‬
‫معه‪ .‬وذلك بسبب أدبهم واحترامهم له‪.‬‬

‫و ُيروى أن الصحابة الكرام ‪ ،y‬عدا سيدنا أبي بكر الصديق‬
‫وسيدنا عمر بن الخطاب‪ ،‬كانوا ينظرون إلى األرض أثناء التحدث‬
‫مع النبي ‪ .r‬وكان هذان الصحابيان هما الوحيدان اللذان يستطيعان‬
‫النظر إليه والتمعن في عينيه‪( .‬الترمذي‪ ،‬المناقب‪.)3668/16 ،‬‬

‫وقد تكلم عن هذا الوضع سيدنا َع ْمرو بن العاص ‪ ،t‬الذي‬
‫سجل اسمه في التاريخ بلقب فاتح مصر‪ ،‬في أرذل عمره‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫«وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ‪ r‬وال أجل في عيني‬
‫منه وما كنت أطيق أن أمأل عيني منه إجل ً‬
‫ال له ولو سئلت أن أصفه‬
‫ما أطقت ألني لم أكن أمأل عيني منه» (مسلم‪ ،‬اإليمان‪)192 ،‬‬

‫ونحن بدورنا نلجأ إلى بحر رحمة الله ‪ U‬ونطلب منه أن‬
‫يعفوويصفح عنا بسبب تجرئنا على الحديث عن فخر الكائنات‬
‫سيدنا محمد ‪ ،r‬ومحاولتنا التعبير عنه وعن شخصيته المثالية‬

‫‪149‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بالكلمات القاصرة والمحدودة‪ .‬ونرجوالله ‪ Y‬أن يغفر لنا زالت‬
‫ألسنتنا‪ ،‬وعجزنا وتقصيرنا في إبداء أعلى وأسمى تعابير األدب‬
‫واللطافة تجاه حبيبنا المصطفى ‪.r‬‬

‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنه من األدب ومن الواجب أن نطيع أمر الله‬
‫‪ U‬في الصلة والسلم على حبيبه ونبيه محمد ‪ r‬كلما ُذكر اسمه‬
‫الشريف‪ ،‬فكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين آ َمنُوا َص ُّلوا‬
‫[إِنَّ ال َّل َه َو َمالئِ َك َت ُه ُي َص ُّلونَ َع َلى ال َّنبِ ِّي َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫يما] (األحزاب‪)56 ،‬‬
‫َع َل ْي ِه َو َس ِّل ُموا َت ْس ِل ً‬

‫ومن ِحكم القرآن الكريم أن الله ‪ U‬خاطب جميع األنبياء والرسل‬
‫بأسمائهم‪ ،‬ما عدا سيدنا محمد ًا ‪ ،r‬فإنه لم يخاطبه باسمه على شكل«‬

‫يا محمد»‪ ،‬بل خاطبه عل شكل‪ «:‬يا نبي‪ ،‬أو يا رسول»‪ .‬وأمر الله ‪Y‬‬
‫جميع المؤمنين بأن يتحلوا بهذه الميزة‪ .‬فكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الر ُس ِ‬
‫ول َب ْين َُك ْم َكدُ َعاء َب ْع ِض ُكم َب ْع ًضا َقدْ َي ْع َل ُم‬
‫[ال َت ْج َع ُلوا ُد َعاء َّ‬
‫ين َيت ََس َّل ُلونَ ِم ُ‬
‫ين ُي َخالِ ُفونَ َع ْن َأ ْم ِر ِه َأن‬
‫نك ْم لِ َوا ًذا َف ْل َي ْح َذ ِر ا َّل ِذ َ‬
‫ال َّل ُه ا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫َ‬

‫يم] (النور‪)63 ،‬‬
‫ُت ِصي َب ُه ْم ِف ْتن ٌَة أ ْو ُي ِصي َب ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫اب ألِ ٌ‬

‫وقال سيدنا ابن العباس ‪ t‬في تفسير هذه اآلية الكريمة‪:‬‬

‫كانوا يقولون «يا محمد يا أبا القاسم» فنهاهم ال ّٰله ‪ U‬عن ذلك‬
‫إعظام ًا لنبيه ‪ r‬قال‪“ :‬فقولوا‪ :‬يا نبي ال ّٰله‪ ،‬يا رسول ال ّٰله” (ابن كثير‪ ،‬تفسير‪،‬‬
‫‪150‬‬

‫النور‪ 63 ،‬؛أبو نعيم‪ ،‬دالئل النبوة‪.)46 ،1 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫أي بمعنى أنه ال يتناسب مخاطبة رسول الله ‪ r‬باسمه مع كوننا‬
‫تابعين ألمته‪ ،‬وعلينا أن نتحلى باآلداب واألخلق التي تليق بهذه‬
‫األمة‪ .‬بل ويجب علينا عندما نذكر اسمه المبارك أن نتلفظ أوصافه‬
‫وأخلقه الرفيعة والمثالية مع اسمه الكريم‪ .‬إضافة إلى أنه يجب أن‬
‫نبدي احترامنا وتقديرنا لِ ُك اّل شيء يمت للنبي ‪ r‬بقرب أوصلة‪.‬‬
‫وكم هو مثال جميل ومليء بالعبر حال ولي الله السلطان‬

‫ياووز سليم خان ‪ ،‬عاشق النبي ‪ – r‬كما ورد في هذه القصة‪:‬‬
‫العثماني ُ‬

‫ياووز سليم خان مصر في عام ‪ 1517‬ميلدي‪.‬‬
‫فتح السلطان ُ‬
‫وعين عليها سلطان ًا في عهدة مقام الخليفة‪ .‬وفي يوم الجمعة الواقع‬

‫في ‪ 20‬شباط‪ ،‬وأثناء خطبة الجمعة التي كان يلقيها خطيب جامع‬
‫الملك المؤ اّيد‪ ،‬قال الخطيب مادح ًا السلطان سليم‪ «:‬يا حاكم‬
‫الحرمين الشريفين»‪.‬‬

‫أي حاكم المدينتين المشرفتين مكة المكرمة والمدينة المنورة‪.‬‬
‫فقاطعه السلطان سليم مباشر ًة وعيونه تدمع قائ ً‬
‫ل‪ «:‬ال‪ ..‬ال‪ ..‬بل قل‬
‫خادم الحرمين الشريفين»‪ .‬ثم أزال السجاد وسجد على التراب شكر ًا‬
‫وثناء لله ‪ .U‬ولكي يعبر فع ً‬
‫ل أنه خادم للحرمين الشريفين وضع‬
‫ريش ًا على هيئة ِ‬
‫المكنسة على عمامتة وهو رمز الخدمة والتواضع‪.‬‬
‫وإن إحدى المظاهر األخرى المعبرة عن األدب واإلحترام‬

‫الذي ال مثيل له‪ ،‬هو إبداء اإلحترام تجاه مدينة رسول الله ‪،r‬‬
‫المدينة المنورة‪ .‬فحسب ما ورد في الرواية عن السلطان العثماني‬

‫‪151‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫المظلوم والشهيد عبد العزيز خان‪ ،‬أنه كان مستلقي ًا على فراش‬
‫المرض في حالة يرثى لها‪ .‬فقيل له‪«:‬هناك عريضة جاءت من سكان‬
‫المدينة المنورة» فقال السلطان عبد العزيز خان‪« :‬أوقفوني مباشرة‬

‫قدمي‪ ،‬ودعوني أستمع إلى الطلبات القادمة من الحرم النبوي‬
‫على‬
‫َّ‬

‫قدمي‪ .‬ألنها طلبات جيران رسول الله ‪ .r‬وال يليق‬
‫وأنا واقف على‬
‫َّ‬
‫بي أن أتصرف بقلة أدب وأستمع إليها وأنا مستلق على فراشي‬
‫وباسطا ساقي»‪.‬‬
‫وكلما جاءه بريد من المدينة المنورة كان يقوم بتجديد وضوئه‪،‬‬
‫قبل الرسائل ثم يضعها على جبينه‪ ،‬قائال‪« :‬إن في هذه الرسائل‬
‫و ُي ّ‬
‫ذرات من غبار المدينة المنورة»‪ .‬ثم يعطيها للكاتب األول لديه قائ ً‬
‫ال‪:‬‬
‫«هيا افتحها واقرأ»‪.‬‬
‫األدب تجاه أولياء الحق ‪U‬‬

‫قال أبوالليث – رحمة الله عليه – بعد تفسير اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الر ُس ِ‬
‫ول َب ْين َُك ْم َكدُ َعاء َب ْع ِض ُكم َب ْع ًضا َقدْ َي ْع َل ُم‬
‫[ال َت ْج َع ُلوا ُد َعاء َّ‬
‫ين َيت ََس َّل ُلونَ ِم ُ‬
‫ين ُي َخالِ ُفونَ َع ْن َأ ْم ِر ِه َأن‬
‫نك ْم لِ َوا ًذا َف ْل َي ْح َذ ِر ا َّل ِذ َ‬
‫ال َّل ُه ا َّل ِذ َ‬
‫يم] (النور‪)63 ،‬‬
‫ُت ِصي َب ُه ْم ِف ْتن ٌَة َأ ْو ُي ِصي َب ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫اب َألِ ٌ‬
‫قال ما يلي‪:‬‬

‫‪152‬‬

‫«وفى اآلية بيان توقير معلم الخير فأمر الله تعالى بتوقيره‬
‫وتعظيمه ‪ .‬وفيه معرفة حق األستاذ ‪ .‬وفيه معرفة حق أهل الفضل»‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫وقال إسماعيل حقي بروسوي‪:‬‬

‫«أقول ولذا يطلق على اهل االرشاد عند ذكرهم الفاظ دالة على‬
‫تعظيمهم على أى لغة كانت النه اذا ورد النهى عن التصريح بأسماء‬
‫اآلباء الصورية لكونه سوء أدب فما ظنك بتصريح اسماء اآلباء‬
‫المعنوية» (روح البيان‪ ،‬التوبة‪)73 ،‬‬

‫أي أنه من الواجب علينا أن نقدر ونحترم العلماء وأصحاب‬
‫الحكمة‪ ،‬أولياء الحق ‪ .U‬ألن ذلك من أهم مظاهر األدب‬
‫واألخلق التي يجب أن نتحلى بها تجاه رسول الله ‪ ،r‬بكونهم‬
‫ورثته الحقيقيين في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫ولإلنشراح المعنوي‪ ،‬يجب علينا أن نسعى جاهدين في أن‬
‫نتابع ونستمر في محاولة اتخاذ أولياء الحق ‪ U‬وورثة األنبياء من‬
‫العلماء وأصحاب الحكمة‪ ،‬قدوة لنا في حياتنا ونمط ًا لمعيشتنا‬
‫لكي يوصلنا ذلك إلى َب اّر األمان‪ .‬ويجب علينا أن نعتبر أن وجودنا‬
‫بجانبهم ‪ ،‬وبقائنا في ظل تربيتهم وإرشاداتهم هي نعمة كبيرة أنعم‬
‫بها الله ‪ U‬علينا‪ .‬ألن من َق َصدهم وجاء إليهم بأدبه‪ ،‬تركهم وفارقهم‬
‫وقد اكتسب من اللطف واألدب ورقة اإلحساس‪ .‬وكما ورد عن‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬في الحديث الشريف‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫اس َة ا ْل ُمؤْ ِم ِ‬
‫ن َفإِ َّن ُه َي ْن ُظ ُر بِنُو ِر ال َّلهِ" (الترمذي‪ ،‬التفسير‪)15 ،‬‬
‫"ات َُّقوا ِف َر َ‬

‫ومعنى كلمة «اِت َُّقوا» في الحديث الشريف هو أن «ال تذهبوا إلى‬
‫المؤمنين الحقيقيين بقلب غير صاف ونقي‪ ،‬أوبأعمال وأفعال خفية‪.‬‬
‫فهم بفراستهم القوية يستطيعون رؤية ما حاولتم إخفاءه عنهم»‪.‬لذا‬

‫‪153‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫يقال‪«:‬حافظ على لسانك عند رجل العلم‪ ،‬وحافظ على قلبك عند‬
‫أولياء الحق»‪.‬‬

‫فعلى هذا األساس‪ ،‬علينا أن نبدي اهتمام ًا خاص ًا في التحلي‬
‫باألدب واألخلق الحميدة تجاه أولياء الحق ‪ U‬الذين هم من نالوا‬
‫رحمة إلهية خاصة‪ ،‬وارتقوا إلى المراتب العليا والرفيعة عند الله‬
‫‪ .U‬وإن التصرف بتصرفات ال تليق باألدب كالتكلم والجلوس‬
‫دون أخذ أذن‪ ،‬ال يضعف اإلستفادة المعنوية من علم ونور أولياء‬
‫الحق ‪ U‬فحسب‪ ،‬بل ويجلب عذاب الله وسخطه‪.‬‬

‫ياووز سليم خان‪ ،‬إذا دخل إلى حضور‬
‫وكان السلطان العثماني ُ‬
‫ولي من أولياء الله ‪ U‬أبدى احترام ًا وأدب ًا وتواضع ًا مبالغ ًا فيه‪ .‬وكان‬
‫ال ينطق بكلمة واحدة إال عند الحاجة‪ .‬كما فعل عندما ذهب لزيارة‬
‫أحد كبار األولياء الصالحين في مدينة دمشق وهو سيدنا محمد‬
‫بدخشي‪ .‬فعندما دخل إلى مجلسه لم ينطق بأي كلمة‪ ،‬بل استمع‬
‫وأنصت إليه ثم خرج من عنده‪ .‬فاستغرب رجال الدولة الذين كانوا‬
‫بصحبته من هذا التصرف الذي بدر عنه فسألوه‪:‬‬
‫«يا سعادة السلطان‪ ..‬لقد استمعت فقط‪ ..‬فما الحكمة من أنك‬
‫لم تنطق بكلمة واحدة ؟»‪.‬‬
‫فأجابهم قائ ً‬
‫ل‪« :‬عندما يتكلم أولياء الله ‪ ،U‬في مجالسهم‪،‬‬

‫فإنه ليس من الصواب ألحد غيرهم – ولوكان حاكم العالم بأسره – أن‬

‫‪154‬‬

‫يتكلم ولو بكلمة واحدة‪ .‬فحتى لوكنا سلطين وحاكمين في البلد‪،‬‬
‫فإننا نبقى بحاجة ماسة لهؤالء األولياء الذين هم بمثابة السلطين‬

‫‪n‬‬

‫األدب والرقة ‪o‬‬
‫المعنويين الحقيقيين‪ .‬ولوكان علي أن أتكلم‪َ ،‬ل َب َّين وأظهر لي ذلك‬
‫حضرة الولي‪ ،‬وأعطاني فرصة لذلك»‪.‬‬

‫ياووز سليم خان يتحلى بأعلى وأسمى‬
‫وهكذا كان السلطان ُ‬
‫درجات األدب واألحترام تجاه أهل القلوب‪ .‬وقد عبر عن إعجابه‬
‫بأولياء الحق ‪ U‬في هذين البيتين الشعريين‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫"إن الوصول لمرتبة حكم العالم هو عبارة عن ضوضاء ال جدوى‬
‫منهاوإنما الوصول إلى مرتبة األولياء هو أسمى من كل شيء"‪.‬‬

‫وقد اسمترت الدولة العثمانية حتى آخر أيامها محافظة على‬
‫التحلي باألدب واألحترام تجاه أولياء الحق ‪ U‬من قبل جميع‬
‫طبقات المجتمع‪ ،‬بما فيهم السلطان‪ .‬حيث كان البحارة الذين‬
‫يعملون في النقل البحري‪ ،‬يحثون الراكبين في سفنهم على قراءة‬
‫سورة الفاتحة على أرواح األولياء كلما مروا من مقاماتهم وقبورهم‪.‬‬
‫وكانوا يوجهون الناس إلى تلك القبور المباركة والمقامات الشريفة‪.‬‬
‫فعندما تمر السفينة من منطقة أسكدار باسطنبول‪ ،‬كانوا يتوجهون‬
‫إلى مقام سيدنا محمود عزيز هدائي – ُقداّ س سره ‪ .-‬وكلما مرت‬
‫السفينة بمنطقة ِ‬
‫(بش ْك َط ْ‬
‫اش)‪ ،‬كانوا يتوجهون إلى مقام سيدنا يحيى‬
‫أفندي‪ .‬وعندما يمرون من أمام منطقة ( َب ُيقوز)‪ ،‬كانوا يتوجهون إلى‬
‫مقام النبي يوشع ‪ .u‬وهكذا كان احترام أهل اسطنبول لألولياء‬

‫العظماء الذين ُدفنوا في مدينتهم‪ ،‬في زمن من األزمان‪...‬‬

‫إن خلصة الكلم هي األدب‪ .‬وهو موضوع مهم جد ًا‪َ ،‬هدَ َف‬

‫َاإلسلم إلى تعليمه‪ ،‬وترسيخه في أذهان المسلمين‪ ،‬وأعطاه أهمية‬
‫ُ‬

‫‪155‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عظمى‪ .‬وتمتد هذه الواجبات من التحلي باألدب واألحترام على‬
‫شكل سلسلة‪ ،‬بدايتها هي اإلحترام واألدب تجاه الله ‪ ،U‬ثم تجاه‬
‫نبيه وحبيبه محمد ‪ ،r‬ثم تجاه أحبائه وأوليائه‪ ،‬ثم احترام األب‬
‫واألم‪ ،‬وثم احترام كافة المسلمين وكافة الناس وكافة المخلوقات‪.‬‬

‫إن غنى الذهب والفضة يفنى ويزول‪ .‬ولكن غنى األدب‬
‫واألخلق الحميدة يظل باقي ًا‪ .‬لذا يجب علينا كوننا مسلمين‪ ،‬أن‬
‫نتعلم قواعد األدب وأن نسعى جاهدين أن نحييها دائم ًا‪ .‬وأن نكون‬
‫قدوة حسنة لآلخرين‪ ،‬وذلك عن طريق تطبيقنا لها ابتداء بأنفسنا‪.‬‬

‫ولتحقيق ذلك يجب أن نتعلم كيفية تحسين وتهذيب أحوالنا‬
‫وأخلقنا‪ ،‬عن طريق اللجوء إلى كتب آداب التعامل والمعاشرة‬
‫واألخلق الحميدة‪ .‬واألهم من ذلك هو أن نعمل على جعل‬
‫أخلقنا وأحوالنا كأحوال وأخلق المؤمنين الصالحين أهل األدب‪.‬‬
‫والذين هم بمثابة كتاب حي يجب أن نستفيد منه ما استطعنا‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا نتحلى باألخالق والصفات الحميدة التي تحلى‬
‫بها نبيك وحبيبك محمد عليه أفضل الصالة وأتم التسليم‪.‬‬

‫َوهَ ْبنا اللهم حصة من النسيج المعنوي الذي تميزت به قلوب‬
‫أحبائك العلماء وأصحاب الحكمة‪ .‬وبهذه الحصة نكون من‬
‫المؤمنين المتميزين باللطف والرقة والظرافة‪ .‬ونكون من أهل األدب‬
‫أهل األخالق الحميدة‪...‬آمــين‪.‬‬
‫‪156‬‬

‫‪n‬‬

‫أسلوب الكالم الذي ل ّقننا به القرآن الكريم‬

‫إن القرآن الكريم‪ ،‬بصفته ال مثيل له في الفصاحة والقدرة على التعبير‪،‬‬
‫وبكالمه وأسلوبه العظيم‪ ،‬يطلب م ّنا أيض ًا أن نتكلم بكالم مميز وجميل‬
‫وعذب وأنيق‪ .‬ألنه يجب علينا أن نعرض جمال اإلسالم المتميز‬
‫باللطافة والظرافة ورقة اإلحساس‪ ،‬وذلك بتزيين ألسنتنا بأجمل وأحلى‬
‫الكالم‪.‬‬
‫إن ِحكم القرآن الكريم وأسراره عميقة كالمحيطات‪ .‬وإن لكل شخص‬
‫أسلوبه وقدرته على األستفادة من هذه المحيطات العميقة‪ ،‬بقدر تعمقه‬
‫العقلي والمعنوي‪ .‬فإذا كان استيعاب الشخص القلبي والمعنوي‬
‫صغير ًا كإبرة الخياط‪ ،‬فإن استفادته من هذا المحيط الهائل في الكبر‬
‫والعظمة‪ ،‬سيكون قلي ً‬
‫ال بهذا القدر الصغير‪.‬‬

‫أسلوب الكالم الذي ل ّقننا به القرآن الكريم‬
‫إن معنى اإليمان هو اإلرتباط بالله ‪ U‬بمشاعر الحب الصادق‪.‬‬

‫وإن حب المؤمن لخالقه ‪ U‬هو أكبر رأس مال له في طريقه إلى‬
‫لِ َقائِه والوصول إلى رضاه‪ .‬والمحبة التي تبقى نظري ًا وفي الكلم‬
‫فقط‪ ،‬وال تنعكس على األفعال‪ ،‬هي محبة غير كافية وغير قادرة على‬

‫التعبير عن المشاعر الصادقة‪ .‬والنتيجة الكاملة التي يجب أن نصل‬

‫إليها‪ ،‬هي التي ُتستخلص من اإلهتمام باألدب والتخلق باألخلق‬

‫الحميدة تجاه الله ‪ Y‬ونبيه الكريم محمد ‪.r‬‬

‫واألدب هو كرائحة الورد التي تعطي نشوة للقلب‪ ،‬فيجب على‬
‫المؤمن أن يفسح مجا ً‬
‫ال لهذه الرائحة ألن تتغلغل في نسيجه القلبي‬
‫والمعنوي‪ .‬ويجب عليه أن يحس بها في جميع مجاالت حياته‪.‬‬

‫وعندما يصبح األدب هو الخلق المسيطر على أخلق المؤمن‬
‫وتصرفاته‪ ،‬فإن ذلك في نفس الوقت هو الشهادة له بكمال إيمانه‬

‫وصدقه وإخلصه‪.‬‬

‫وكما قال أحد أولياء الحق ‪ ،U‬سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«سأل عقلي قلبي وقال‪( :‬ما هو اإليمان؟)‪ ،‬فاقترب قلبي من‬
‫عقلي وقال هامس ًا‪( :‬اإليمان هو عبارة عن األدب)»‬

‫‪159‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فإن كل تصرف من تصرفات المؤمن الحقيقي وكل حال‬

‫من أحواله هو عبارة عن درس من دروس األدب واللطافة وحسن‬

‫الخلق‪.‬وقد أمرنا الله ‪ U‬بالتأدب بآداب العبودية‪ ،‬بقدر ما ورد في‬
‫القرآن الكريم‪.‬‬

‫وإن أهم التصرفات البشرية التي يجب علينا أن ُنخضعها لقواعد‬

‫األدب وقوانين اللطافة هي «الكلم» والكلم هو كالمرآة الصافية‬

‫التي يعكس مستوى الشخص العقلي والقلبي‪ ،‬وتبين وتحدد وضعه‬
‫اإليماني واألخلقي واإلجتماعي‪ .‬فكما يقول أجدادنا‪« :‬اإلنسان‬
‫ُم َخ اّب ٌأ تحت لسانه» لذا فإن الرهيف في اإلحساس واللطيف في‬
‫التعامل‪ ،‬يكون كلمه أيض ًا مؤدب ًا ولطيف ًا‪.‬‬
‫وهذه القصة هي من أكثر القصص تعبير ًا عن هذه الحقائق‪:‬‬

‫عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده‬

‫قال ولدت أنا ورسول الله ‪ r‬عام الفيل وسأل عثمان بن عفان ‪t‬‬
‫قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث‪:‬‬
‫أأنت أكبر أم رسول الله ‪r‬؟‬

‫َ‬
‫مثاال عن قمة األدب‪،‬‬
‫فأجابه الصحابي الجليل بإجابة تعد‬

‫حيث قال‪:‬رسول الله ‪ r‬أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلد ولد‬

‫‪160‬‬

‫رسول الله ‪ r‬عام الفيل ورفعت بي أمي على الموضع قال ورأيت‬
‫حذق الفيل أخضر محي ً‬
‫ل (الترمذي‪ ،‬المناقب‪)3619 /2 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫وإن هذه الحالة هي انعكاس رقة الروح على اللسان في‬

‫ذلك الجيل المبارك الذي يجب أن نتخذه القدوة والمثل األعلى‬
‫لنا في حياتنا‪ .‬ويطرح السؤال التالي نفسه؛ في أي مدرسة نال‬
‫الصحابة الكرام التعليم والتربية‪ ،‬اللتين بواسطتهما اكتسبوا رقة‬

‫الروح والقلب‪ ،‬التي لقنتهم ووهبتهم القدرة على التكلم بلسان‬

‫لطيف وعذب بهذا الشكل؟!‪.‬‬
‫وإن جميع المخلوقات‬

‫‪ -‬صغيرها وكبيرها –‬

‫منهمكة ومنشغلة‬

‫بذكر الله ‪ Y‬وتسبيحه دائم ًا‪ ،‬كل حسب طريقته وحسب لسانه‪.‬‬
‫وقد ُوهب بنو البشر نعمة أكثر األلسنة تطور ًا وتكيف ًا‪ .‬وكما ورد في‬
‫اآليات الكريمة‪:‬‬

‫[الر ْح َم ُن‪َ .‬ع َّل َم ا ْل ُق ْرآنَ ‪َ .‬خ َل َق ا ِ‬
‫نسانَ ‪َ .‬ع َّل َم ُه ا ْل َب َيانَ ]‬
‫إل َ‬
‫َّ‬

‫(الرحمن‪)4–1 ،‬‬

‫وكم من ِ‬
‫الحكم المليئة بالعبر التي يجب أن نتعمق في التفكير‬
‫بها‪ ،‬في موضوع تعليم الله ‪ Y‬القرآن الكريم لعباده‪ ،‬ومن إعطائِهم‬

‫قابلية البيان‪ ،‬أي القدرة على الكلم والتوضيح والشرح والتعبير‪.‬‬

‫ويأمر الله ‪ U‬من عباده بداية كل شيء أن يتحلوا بالتربية‬

‫اإلسلمية ‪ -‬أثناء التحدث إلى بعضهم البعض – في اتخاذ أسلوب لطيف‬
‫في الكلم‪ ،‬مبني على مقاييس حددها القرآن الكريم‪.‬‬

‫ومن جانب آخر؛ فإن أهم صفة من صفات القرآن الكريم هي‬

‫الفصاحة والبلغة‪ ،‬أي قيمته األدبية والمعنوية التي تعود ألى كونها‬
‫هي ًة التي ال مثيل لها‪ .‬وإن الشخص َي ُّ‬
‫مل من قراءة أي كتاب‬
‫معجز ًة ألِ اّ‬

‫‪161‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إذا قرأه أكثر من مرة‪ ،‬إال القرآن الكريم‪ ،‬فإنه يزداد من يقرأه لذة‬
‫ونشوة كلما قرأه‪ .‬وكما قال الله ‪ Y‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[ال َّل ُه َن َّز َل َأ ْح َس َن ا ْل َح ِد ِ‬
‫ود‬
‫يث ِكتَا ًبا ُّمت ََشابِ ًها َّم َثانِ َي َت ْق َش ِع ُّر ِم ْن ُه ُج ُل ُ‬
‫ود ُه ْم َو ُق ُلو ُب ُه ْم إِ َلى ِذ ْك ِر ال َّل ِه َذلِ َك‬
‫ين ُج ُل ُ‬
‫ا َّل ِذ َ‬
‫ين َي ْخ َش ْونَ َر َّب ُه ْم ُث َّم َت ِل ُ‬

‫ُه َدى ال َّل ِه َي ْه ِدي بِ ِه َم ْن َي َش ُاء َو َمن ُي ْض ِللِ ال َّل ُه َف َما َل ُه ِم ْن هَ ٍ‬
‫اد]‬
‫وكما ُأجبر كثير من الشعراء العرب وعلماء البلغة‪ ،‬الذين‬
‫كانوا يحتلون المراتب األولى دائم ًا في مسابقات ومبارزات األدب‬
‫بشعرهم ونثرهم وأعمالهم األدبية‪ُ ،‬أجبروا على إنزال أشعارهم التي‬
‫كانوا يعلقونها على جدران الكعبة المشرفة‪ ،‬عندما رأوا قوة ال مثيل‬
‫لها في البلغة والفصاحة في أسلوب القرآن الكريم‪.‬‬
‫(الزمر‪)23 ،‬‬

‫لذا يجب على المؤمنين أن يتقربوا من جماليات أسلوب‬
‫وسرد اآليات الكريمة في القرآن الكريم‪ .‬وأن يتخلقوا بأخلقه‬
‫بصفته معجزة كلمية أدبية ُأنزلت من قبل الله ‪ .U‬وقد اعت َبرت هذه‬
‫المعجزة أن المؤمنين هم المخاطبون الرئيسيون لها‪ .‬أي أن القرآن‬
‫الكريم بصفته ال مثيل له في قدرته على التعبير‪ ،‬وبكلمه وبأسلوبه‬
‫العظيم‪ ،‬يطلب م اّنا نحن أيض ًا أن نتكلم بكلم مميز وجميل وعذب‪.‬‬
‫وإن أهم شرط للكلم والتعبير بشكل مؤثر وذو هدف‪ ،‬هو أن‬
‫تمتلك لسان ًا عذب ًا صحيح ًا كالماء الذي يعطي الروح نشوة بسلسته‬
‫وصوته المؤثر‪ .‬ألنه على المسلمين أن يعرضوا جمال اإلسلم‬

‫‪162‬‬

‫ورقته ولطافته بجمال اللسان وعذب الكلم‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫ترويض النفس على اسلوب الرحمة كما في القرآن الكريم‬
‫إن ِحكم القرآن الكريم وأسراره عميقة كالمحيطات‪ .‬وإن‬

‫لكل شخص أسلوبه وقدرته على اإلستفادة من هذه المحيطات‬
‫العميقة‪ ،‬بقدر تعمقه العقلي والمعنوي‪ .‬فإذا كان استيعاب الشخص‬
‫القلبي والمعنوي ضئيل وصغير كإبرة صغيرة‪ ،‬فإن استفادته من‬
‫هذا المحيط الهائل في الكبر والعظمة‪ ،‬سيكون قلي ً‬
‫ل بهذا القدر‬
‫الصغير‪.‬‬

‫إن جميع المؤمنين من الخواص والعوام‪ ،‬واألبيض منهم‬
‫واألسود‪ ،‬والصغير والكبير‪ ،‬والرجال والنساء‪ ،‬كلهم يجلسون أمام‬
‫نفس الكتاب المقدس‪ ،‬القرآن الكريم‪ ،‬لتلوته والتمعن في آياته‬
‫وحكمه‪ .‬ولكن كل منهم يأخذ نصيب ًا منه بقدر المستوى القلبي‬
‫والروحي الذي يتميز به‪ .‬وتتفتح معاني آيات ذلك الكتاب المقدس‬
‫أمام العبد بقدر تقربه من الله ‪.Y‬‬
‫لذا علينا أن نسأل أنفسنا األسئلة التالية‪:‬‬

‫ُ‬
‫وفاطر كل شيء من‬
‫خالق‬
‫(هل القرآن الكريم ‪ -‬الذي أنزله الله ‪،U‬‬
‫ُ‬

‫العدم‪ ،‬وأرسله لنا كرسالة – هل يلفت انتباهنا‪ ،‬ويجذبنا نحوه‪ ،‬لدرجة‬
‫كبيرة غير قابلة للقياس والمقارنة مع اهتمامنا بالكتب الفانية التي‬
‫ُكتبت من قبل بني البشر؟‪ .‬وما هي درجة اهتمامنا بمحاولة الوصول‬
‫إلى حكمه عن طريق قراءته وفهمه جيد ًا؟ وهل نستفسر عن ما لم‬
‫نستطع فهمه واستيعابه‪ ،‬ونسأل العلماء والعارفين عن ذلك؟ وهل‬
‫نشغل أنفسنا بقدر كاف بمحتواه ومضمونه ؟)‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ولن نكون من المؤهلين للتميز والتحلي بأسلوب الرحمة الذي‬
‫اعتمده القرآن الكريم‪ ،‬ما لم نجد أجوبة كافية ومطمئنة عن هذه‬
‫األسئلة وا ِ‬
‫إلستفسارات‪.‬‬

‫ولنتأمل قلي ً‬
‫ل ونفكر في المصاريف والقدرات التي نتكلفها في‬
‫العصر الحالي لتعلم لغة أجنبية ما‪ ،‬بهدف تحسين مستوى المعيشة‬
‫أو ما إلى ذلك من األسباب والضرورات‪ .‬حيث أننا أصبحنا نعيش‬
‫في عصرنا الحالي في عالم العولمة‪ .‬ولذلك فإننا نهدر وننفق‬
‫األموال الهائلة للشتراك بدورات تعليم اللغات األجنبية‪ .‬وإضافة‬
‫إلى التكلفة المادية‪ ،‬فإننا نكلف أنفسنا الكثير من التعب الجسدي‬
‫والفكري في هذا الموضوع‪ .‬بل ونهدر قسم ًا مهم ًا من سني حياتنا‬
‫بالذهاب إلى دولة أخرى والعيش فيها‪ ،‬ألنها تنطق بتلك اللغة التي‬
‫نريد أن نتعلمها‪ .‬وقد تطور هذا المجال كثير ًا في أيامنا الحالية حتى‬
‫أصبح من القطاعات التجارية الهامة في المجتمع المادي‪.‬‬

‫ال بد أن َتت ََع اّلم وتع ِر َف لغة جديدة وهو شيء جيد وضروري‪،‬‬
‫ولكن الله ‪ Y‬خالق جميع اللغات وصاحبها‪ ،‬يأمرنا بداية أن نتعلم‬
‫لغة القرآن الكريم‪ .‬لكي نستطيع أن نعيش محافظين على شرفنا‬
‫وكرامتنا اإلنسانية‪ .‬ويتم ذلك ليس بتعلم اللغة العربية فحسب‪،‬‬
‫بل تعلم القدرة على التكلم والتحدث بلغة الرحمة‪ ،‬التي يعتمدها‬
‫القرآن الكريم في آياته وأسلوبه‪ .‬والطريق لتحقيق ذلك هو في‬
‫بداية األمر‪ ،‬تربية ألسنتنا وتهذيبها حسب األوامر القرآنية‪ ،‬ومن ثم‬

‫‪164‬‬

‫تحسينها وتجميلها بالتلقينات اإللهية‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫وكثير من المصائب والمشاكل التي نواجهها في هذه األيام في‬
‫المناسبات اإلجتماعية والمادية‪ ،‬إنما سببها هو اإلستخدام الخاطئ‬
‫والغير مناسب إلسلوب الكلم‪.‬‬
‫فكما أن اللسان هو مفتاح للخير‪ ،‬فإنه إن لم ُيستخدم في‬
‫موضعه المناسب والصحيح فسيكون مفتاح ًا للشر أيض ًا‪ .‬لذا يجب‬
‫علينا أن نكون حريصين على أن ال يكون لساننا كالشوك الذي‬
‫يجرح قلوب الناس ويؤذيها‪.‬‬
‫وكما قال أجدادنا رحمهم الله‪:‬‬

‫«إن جرح السيف يلتئم‪ ،‬أما جرح اللسان ال يلتحم»‪.‬‬

‫لذا يجب علينا أن نفكر جيد ًا قبل أن نتكلم‪ ،‬وأن نقدر المكان‬
‫الذي سيصله الكلم‪ .‬حيث أن الكلم هو كأن نأخذ حجر ًا بيدنا‬
‫ونقذفه‪ .‬فعلينا أن نقدر النقطة التي سيقع فيها الحجر الذي سنقذفه‪،‬‬
‫وذلك لتجنب إيذاء اآلخرين‪ .‬كما قال سيدنا محمد ‪ r‬كما ورد في‬
‫الحديث الشريف‪ ،‬مشير ًا إلى هذه الحقيقة‪:‬‬
‫"وال تكلم بكلم تعتذر منه"‬

‫(ابن ماجة‪ ،‬الزهد‪)15 ،‬‬

‫والكلم الذي خرج من الفم هو كالرمح الذي انطلق من‬
‫القوس‪ .‬وال يمكن إعادته إلى مكانه‪ .‬والشخص هو حاكم لكلمه‬
‫قبل أن ينطق به‪ ،‬ومحكوم لديه بعد أن يخرج من فمه‪ .‬ولديه الفرصة‬
‫الدائمة في التكلم بالكلم الذي لم يخرج من فمه أينما شاء ومتى‬
‫ما شاء‪ .‬أما الكلم الذي خرج من الفم‪ ،‬فسيكون اإلنسان دائم ًا في‬
‫وضع المدافع عنه‪ ،‬أو المتهم به وبنتائجه‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ويحرص المؤمنون الحقيقيون قبل أن يتك َّل ُموا ِ‬
‫بأية كلمة‪ ،‬على‬
‫أنها هل ستفيد أحد ًا أم ال‪ .‬فإذا قدروا أن تلك الكلمة سوف تؤذيهم‬
‫أو تؤذي أحد ًا من الناس غيرهم‪ ،‬فيفضلون السكوت‪ .‬ويحاولون‬
‫دائما أن يتكلموا بالكلم المناسب في المكان والزمان المناسبين‪،‬‬
‫وحسب المستوى المناسب للمخاطبين‪.‬‬
‫وكما حذرنا سيدنا أبوبكر الصديق ‪ ،t‬حيث قال‪:‬‬

‫«فكر جيد ًا فيما سوف تقول‪ ،‬ومتى تقول‪ ،‬ولمن تقول»‪.‬‬

‫ويجب على المؤمن أن يتميز بالفراسة‪ ،‬وأن يكون قادر ًا على‬
‫تصنيف كلمه حسب الناس الذي يود مخاطبتهم‪ .‬فالتصرف الذي‬
‫يسعد أحد ًا من الناس ربما يزعج اآلخر‪ .‬لذا يجب أن نخمن الوضع‬
‫النفسي للشخص الذي نتكلم معه‪ ،‬وبعد تحديد ذلك الوضع نتكلم‬
‫بالكلم المناسب‪ ،‬غير مهملين التفكير بما سنتكلم وننطق به‪،‬‬
‫وحساب عدة خطوات إلى األمام‪.‬‬
‫أي يجب أن ال نتحدث عن شيء في بداية الحديث‪ ،‬كان يجب‬
‫علينا التحدث به في آخره‪.‬‬
‫ويحظى من يتميز بالفراسة على إعجاب الناس وتقديرهم دائم ًا‪.‬‬
‫فيستمعون إلى نصائحهم‪ ،‬ويعتمدون عليهم في جميع أمورهم‪.‬‬

‫ولهذا السبب‪ ،‬كان النبي الكريم ‪ r‬يتكلم بالمواضيع التي‬
‫تنال إعجاب الناس واهتمامهم‪ .‬وكان ينظم ويرتب كلماته حسب‬

‫‪166‬‬

‫الشخص الذي يتحدث إليه‪ ،‬وحسب مستواه وإدراكه‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫فكان يتكلم مع األعرابي البسيط في أساسيات الواجبات التي‬

‫تترتب عليه‪ ،‬ورؤوس األقلم في األعمال التي يجب عليه القيام‬

‫بها‪ .‬أما الصحابة الكرام ‪ ،y‬فكان يتكلم معهم في خواص األمور‪،‬‬
‫وأسرار الحكم الدقيقة والعميقة‪.‬‬

‫فعلى الرغم من أن سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬كان ذا علم وفير‬

‫ومعرفة واسعة‪ ،‬فإنه قد قال هذه الجملة بعد أن استمع إلى حديث‬

‫النبي ‪ ،r‬مع سيدنا أبي بكر الصديق ‪ ،t‬فقال‪:‬‬

‫«كنت عندهم كالشخص الذي ال ينطق العربية‪ .‬ولم أفهم شيئ ًا‬

‫من كلمهم»‪.‬‬

‫ولكي ال يدَ ع سيدنا محمد ‪ r‬مجا ً‬
‫ال لذوي اإلدراك السطحي‬

‫أن يفهموا بالمعنى الخاطئ الحقائق واألمور الدقيقة والعميقة‪ ،‬فقال‬

‫ناصحا كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"ما أنت محدث قوم ًا حديث ًا ال تبلغه عقولهم إال كان على‬

‫بعضهم فتنة"‬

‫(الديلمي‪.)359 ،7 ،‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي ناصح ًا‪ ،‬وكأنه يشرح هذا‬

‫الحديث الشريف‪:‬‬

‫«ال تبع مرآة في سوق العميان‪ ،‬وال تنشد في سوق الطرشان»‪.‬‬

‫عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‪ :‬أن رسول الله صلى الله‬

‫عليه و سلم خرج ذات يوم على راحلته و أصحابه معه بين يديه فقال‬

‫‪167‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫معاذ بن جبل ‪ :‬يا نبي الله أتأذن لي في أن أتقدم إليك على طيبة نفس‬
‫؟ قال ‪ :‬نعم فاقترب معاذ إليه فسارا جميعا فقال معاذ ‪ :‬بأبي أنت يا‬
‫رسول الله أن يجعل يومنا قبل يومك أرأيت إن كان شيء و ال نرى‬

‫شيئا إن شاء الله تعالى فأي األعمال نعملها بعدك ؟ فصمت رسول‬

‫الله صلى الله عليه وسلم فقال‪:‬‬

‫الجهاد في سبيل الله ثم قال رسول الله ‪ r‬نعم الشيء الجهاد‬

‫والذي بالناس أملك من ذلك فالصيام والصدقة قال‪ :‬نعم الشيء‬
‫الصيام و الصدقة فذكر معاذ كل خير يعمله ابن آدم فقال رسول‬

‫الله ‪ :r‬وعاد الناس خير من ذلك قال ‪ :‬فماذا بأبي أنت و أمي عاد‬

‫بالناس خير من ذلك ؟ قال ‪ :‬فأشار رسول الله ‪ r‬إلى فيه قال ‪:‬‬
‫الصمت إال من خير قال ‪ :‬وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا ؟ قال‬

‫‪ :‬فضرب رسول الله ‪ r‬فخذ معاذ ثم قال ‪ :‬يا معاذ ثكلتك أمك ـ أو‬

‫ما شاء الله أن يقول له من ذلك ـ وهل يكب الناس على مناخرهم‬

‫في جهنم إال ما نطقت به ألسنتهم فمن كان يؤمن بالله و اليوم اآلخر‬
‫فليقل خيرا أو ليسكت عن شر قولوا خيرا تغنموا و اسكتوا عن شر‬

‫تسلموا"‬

‫‪168‬‬

‫(الحاكم‪)7774/319 ،‬‬

‫لذا يجب على المؤمن أن ال ينسى أن كل كلمة ينطق بها‪،‬‬
‫سجل و ُتحفظ بواسطة أجهزة التسجيل والتصوير اإللهية‪ .‬وكما‬
‫س ُت اّ‬
‫ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫يب َعتِيدٌ] (ق‪)18 ،‬‬
‫[ َما َي ْل ِف ُظ ِمن َق ْو ٍل إِ َّال َل َد ْي ِه َر ِق ٌ‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫وإذا لم نحاسب على ما قلناه في الحياة الدنيا‪ ،‬فإننا وبالتأكيد‬
‫سنحاسب عليه يوم القيامة‪ .‬لذا فإنه من الواجب علينا أن نحرص‬
‫بدقة على الكلمات التي تخرج من أفواهنا‪ ،‬بقدر حرصنا على‬
‫اللقيمات التي تدخله‪ .‬وقد أعطى القرآن الكريم أهمية بالغة‬
‫آلداب الحديث‪ ،‬أي أنه حرص على تعليم المسلمين تلك اآلداب‬
‫واألخلق الحميدة‪.‬‬
‫ما هو أسلوب الكالم الذي يحثنا القرآن الكريم على اتباعه؟‬
‫بداية‪ ،‬لقد أمرنا القرآن الكريم بأن نستخدم ألفاظ ًا حسنة ولطيفة‬
‫في كلمنا‪ .‬وأمرنا بالتحدث بـ « َال َق ِ‬
‫الح َس ِن»‪ 1‬أي بأجمل وأحلى‬
‫ول َ‬

‫الكلم‪ .‬وأمرنا أن ال ننطق بأي كلمة بذيئة تجاه األب واألم‪ ،‬وحتى‬
‫أف‪ ،‬وأن نقول لهم « َق ْو ً‬
‫ولوكانت كلمة ٍّ‬
‫ال َك ِر ْي َم ًا» (إلسراء‪ .)23 ،‬وأمرنا أيضا‬
‫ًإن لم نجد شيئ ًا نتصدق به على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل أن‬
‫نقول لهم « َق ْو ً‬
‫ال َم ْي ُس ْو َر ًا» (اإلسراء‪ )28 ،‬أي كلم ًا يواسيهم ويريح بالهم‪.‬‬

‫وورد في القرآن الكريم كلمة « َق ْو ٌل َم ْع ُر ْو ٌف» (البقرة‪ )263 ،‬أي الكلمة‬

‫العذبة اللطيفة‪ ،‬أنها أفضل وأخ َير عند الله ‪ Y‬من عمل ضاع أجره‬
‫بسبب الرياء‪ .‬وورد أيض ًا أنه علينا أن نقول « َق ْو ً‬
‫ال َم ْع ُر ْو َف ًا» (النساء‪)8 ،5 ،‬‬

‫لليتامى والمساكين والمحتاجين للحماية والرعاية والدفء‪ ،‬كالطير‬

‫المكسور الجناح‪ ،‬أي أن نتكلم إليهم بلسان عذب وأسلوب لين‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫انظر اىل البقرة‪83 ،‬؛ االرساء‪53 ،‬‬

‫‪169‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وأمرنا أيض ًا بأن نقول « َق ْو ً‬
‫ال َم ْع ُر ْو َف ًا» (األحزاب‪ )32 ،‬لمن لديه ضعف‬
‫ومرض معنوي في قلبه‪ ،‬لكي ال نفسح مجا ً‬
‫ال للتهمة والفتنة والفهم‬

‫الخاطئ‪ ،‬أي أن نقول قو ً‬
‫ال مناسب ًا وفي مكانه‪ .‬وورد أيضا أن نقول‬
‫« َق ْو ً‬
‫ال َل ِّين ًا» (طه‪ )44 ،‬للظالمين لتطرية قلوبهم‪ .‬أي أن نقول قو ً‬
‫ال لطيف ًا‬
‫وعذب ًا‪ .‬ويحذرنا القرآن الكريم من أن الكلم القاسي والحديث‬
‫الجلف أثناء نشر الدعوة وتبليغ الرسالة‪ ،‬أنه يؤدي إلى نتائج سلبية‪.‬‬
‫لذا ينصحنا أن نتكلم بلسان عذب ووجه متبسم‪ ،‬وبأسلوب مبشر ال‬
‫منفر‪ ،‬ويزيد المحبة بد ً‬
‫ال من أن ينهيها‪ .‬وأمرنا القرآن الكريم أيضا أن‬
‫نقول « َق ْو ً‬
‫ال َب ِل ْي َغ ًا» (النساء‪ )63 ،‬أثناء التبليغ ونشر الدعوة‪ ،‬أي أن نقول‬
‫قوال مؤثر ًا في النفوس والقلوب‪.‬‬

‫وبذلك يلقننا القرآن الكريم أنه يجب أن يكون كلمنا نابع ًا من‬
‫القلب لكي يكون مؤثر ًا‪ ،‬وقادر ًا على الوصول إلى القلوب ودخولها‪.‬‬
‫أما إذا كان كلمنا نابع ًا من اللسان فقط دون أن يتصل بالقلب بصلة‪،‬‬
‫فسوف يدخل من أذن ويخرج من األذن األخرى‪ .‬فيخبرنا القرآن‬
‫الكريم بأن الكلم السطحي والذي مصدره اللسان فقط‪ ،‬أن مصيره‬
‫كمصير تلك األزهار التي تتفتح على أطراف الرصيف‪ ،‬والتي ال‬
‫تعمر طوي ً‬
‫ل بل تتلف وتداس تحت األقدام‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫باإلضافة إلى أنه من جملة األوامر اإللهية أن ال يكون التبليغ‬
‫واإلرشاد بمجرد كلم عابر‪ ،‬بل يجب أن يكون بليغ ًا‪ ،‬أي مؤثر ًا في‬
‫الروح والقلب‪ .‬ويجب أن يكون عذب ًا لطيف ًا وعبارة عن كلمات أدبية‬
‫مختارة بعناية‪ ،‬وتنبع منها الحكمة والرزانة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[ا ْد ُع إِ َلى َسبِيلِ َر ِّب َك بِا ْل ِح ْك َم ِة َوا ْل َم ْو ِع َظ ِة ا ْل َح َسن َِة َو َج ِ‬
‫اد ْل ُهم‬
‫بِا َّلتِي ِه َي َأ ْح َس ُن إِنَّ َر َّب َك ُه َو َأ ْع َل ُم بِ َمن َض َّل َعن َسبِ ِيل ِه َو ُه َو َأ ْع َل ُم‬
‫ين] (النحل‪)125 ،‬‬
‫بِا ْل ُم ْهت َِد َ‬

‫فالحكمة هي السر التي َت ْج ِذ ُب الروح‪ ،‬والكلم الحكيم هو‬
‫غذاؤها‪ .‬وكما قال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي‬
‫عنه‪:‬‬
‫«أريحوا أرواحكم باألقوال واألفعال الحكيمة والمفيدة‪،‬‬
‫فاألرواح تتعب كما تتعب األجساد»‬

‫أي يجب على المؤمن أن يكون لسانه منبع ًا للحكمة‪ ،‬ينبع منه‬
‫الجمال الروحي والمعنوي للحقائق اإللهية‪.‬‬

‫ويأمرنا القرآن الكريم بأن نقول « َق ْو ً‬
‫ال َس ِد ْيدَ ًا»‬
‫‪ ،)70‬أي أن نتكلم بكلم صحيح وصادق خال من النفاق والكذب‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن يعاملنا الناس بعدل وصدق وأمانة‪ ،‬يجب أن نكون‬
‫ُمنصفين في األمور فندافع عن الحق في كل مجال من مجاالت‬
‫الحياة‪ .‬وبذلك نكسب رضاء الله ‪ U‬وعفوه‪ ،‬ونكسب القدرة على‬
‫أداء أعمالنا بالشكل الصحيح والمطلوب‪.‬‬

‫(النساء‪ 9 ،‬؛ األحزاب‪،‬‬

‫حيث أن شرط اإلسلم الضروري والذي ال يمكن التخلي‬
‫عنه‪ ،‬هو أن ال نسكت عن الحق‪ ،‬وأن نتميز بالصدق واإلخلص‪،‬‬
‫وأن ال نخدع أحد ًا في تعاملنا مع اآلخرين‪ .‬والمسلم هو من يصدق‬

‫‪171‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫القول ولوكان مر ًا أو صعب ًا‪ ،‬أو معاكس ًا لمصالحه ورغباته‪ .‬حيث أن‬
‫الرسول ‪ r‬لم يكذب أبد ًا‪ ،‬بل ولم يقل كلمة واحدة غير حقيقية‪،‬‬

‫حتى في ممازحاته ومداعباته لغيره‪ .‬وقد وصل شعور الصدق عنده‬
‫إلى مرتبة رفيعة جد ًا‪ ،‬لدرجة أنه عندما رأى امرأة تنادي ابنها قائلة‪:‬‬
‫(ها َت َع َ‬
‫ال ُأ ْع ِط َ‬
‫يك)‬
‫َ‬
‫َف َق َ‬
‫ال َل َها َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه‪:r‬‬
‫ت َأ ْن ُت ْع ِط ِ‬
‫« َو َما َأ َر ْد ِ‬
‫يه»‬

‫َقا َل ْت ُأ ْع ِط ِ‬
‫يه َت ْم ًرا‪َ .‬ف َق َ‬
‫ال َل َها َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪:r‬‬

‫ك َل ْو َل ْم ُت ْع ِط ِ‬
‫يه َش ْيئًا ُكتِ َب ْت َع َل ْي ِ‬
‫« َأ َما إِ َّن ِ‬
‫ك ِك ْذ َبة »‬

‫(أبي داود‪ ،‬األدب‪،‬‬

‫‪ 4991/80‬؛ مسند أحمد‪)447 ،3 ،‬‬

‫وهكذا فإن القرآن الكريم – الذي هو قدوتنا في الهداية وا ِإلستقامة – بكل‬

‫آياته يدعونا إلى أن نتكلم بكلمات عذبة ولينة ومناسبة‪ ،‬وصحيحة‬
‫وصادقة‪ .‬ويمنعنا منعا بات ًا عن ما خالف ذلك‪.‬‬

‫حرمها القرآن الكريم‬
‫األقوال التي ّ‬

‫وقد ورد في القرآن الكريم أن كلم أهل الشرك والكفر الذي‬
‫ال يمت إلى الصحة والصدق بصلة وأنهم يقولون « َق ْو ً‬
‫يما»‬
‫ال َع ِظ ً‬

‫(اإلسراء‪.)40 ،‬وأنه «بِ َظ ِ‬
‫اه ٍر ِّم َن ا ْل َق ْو ِل» (الرعد‪ .)33 ،‬وأنه « َق ْو ٍل ُّم ْخت َِل ٍ‬
‫ف»‬
‫‪172‬‬

‫(الذاريات‪)8 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫الزو ِر» (الحج‪ )30 ،‬بجميع‬
‫اجتَنِ ُبوا َق ْو َل ُّ‬
‫وقد نهانا بشدة بقوله َ‬
‫«و ْ‬
‫أنواعه‪ ،‬ابتدا ًء بالنفاق والشرك والكفر الذي ُيرتكب بحق الله ‪،U‬‬
‫وإن تهديد القرآن الكريم وتوعده عظيم وكبير جد ًا لشاهد الزور‪.‬‬
‫الس ِ‬
‫وء ِم َن ا ْل َق ْو ِ‬
‫ل»(النساء‪،‬‬
‫وقد منع الله ‪ Y‬أن يقوم الناس بـ«ا ْل َج ْه َر بِ ُّ‬

‫‪ )148‬ونشره بين جميع الناس ممن لهم علقة ومن ليس لهم علقة‪.‬‬
‫واستثنى بعض الحاالت الخاصة كإفشاء المظلوم أو المتهم للقاضي‬
‫بكل ما حدث له أو ما قيل له من كلم سيئ وجارح‪ .‬وعلينا أن ال‬
‫ٌ‬
‫بحيث تكون سبب ًا في‬
‫ننسى أن إفشاء السيئات ونشرها بين الناس‬
‫انتشارها في المجتمع وتعلمها من قبل أفراده‪ .‬ويشمل ذلك أيض ًا‬
‫ًالكلم الذي فيه قلة أدب وحياء‪.‬‬
‫وكما قال النبي ‪ r‬في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"الحياء والعي شعبتان من اإليمان والبذاء والبيان شعبتان من‬
‫النفاق" (الترمذي‪ ،‬البر والصلة‪)80 ،‬‬
‫ويجب علينا أن نحرص على أن ال يعتاد لساننا على قول‬
‫الكلم البذيء دائم ًا‪ .‬فالقصة التالية تشرح وتوضح هذه الحقيقة‬
‫على أحسن حال‪:‬‬
‫وحدثني مالك عن يحيى بن سعيد ان عيسى بن مريم لقي‬
‫خنزير ًا بالطريق فقال له انفذ بسلم فقيل له تقول هذا لخنزير‬
‫فأجابهم معبر ًا عن حرصه على عدم إيذاء الحيوان بالقول الغليظ‬
‫والقاسي‪ ،‬وخوفه من مخاطبته بكلمة فظة ككلمة الخنزير حيث قال‪:‬‬

‫(اني أخاف ان أعود لساني النطق بالسوء) (موطأ مالك‪ ،‬الكلم‪.)4 ،‬‬

‫‪173‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ومن البديهي أن الكلمات التي يكررها اللسان لعدة مرات‪،‬‬
‫تشكل ضعف ًا لديه‪ ،‬فيعتاد على قولها دائم ًا‪ .‬فيا للكارثة أن تكون‬
‫الكلمة التي اعتاد اللسان أن يقولها قذرة وبذيئة وغير الئقة بالشخص‬
‫وبمستواه ا ِ‬
‫إلجتماعي‪ .‬وهذه عادة ال تليق بالمؤمنين أبد ًا‪ ،‬بل تؤذي‬

‫الصالحين وتنفرهم‪.‬‬

‫وكما قال النبي ‪ r‬في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه"‬
‫(البخاري‪ ،‬األدب‪)48 ،‬‬

‫وكان الرسول المصطفى ‪ r‬ال يحب استخدام الكلمات القذرة‬

‫والبذيئة في كلمه‪ .‬وأوصانا عليه الصلة والسلم أنه إذا ُوجدت‬

‫عدة كلمات تفيد نفس المعنى أن نختار الكلمات التي تتناسب مع‬
‫األدب واللطافة والرقة‪.‬‬

‫وقد نهى القرآن الكريم أسلوب الكلم الذي يعتمد على‬

‫تحوير الكلمات وتحريفها‪ ،‬وعلى اإلطالة في الحديث والمبالغة فيه‬
‫باستخدام ُ‬
‫«ز ْخ ُر َف ا ْل َق ْول» بهدف إخفاء بعض الحقائق‪ ،‬ومحاولة‬

‫إظهار حقائق أخرى‪ .‬ويجب على المؤمن أن يحرص على أن يكون‬
‫كلمه بسيط ًا وسهل الفهم وا ِ‬
‫إلستيعاب‪ .‬وأن ال ينسى أن هدفه وغايته‬
‫من التكلم هو التعبير عن مقصده وهدفه بشكل واضح وصريح‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫وإن التصنع في الحديث‬

‫– أي محاولة تزيينه بشكل مبالغ فيه –‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫ومحاولة إقناع الناس بأساليب أدبية معقدة وغير واضحة‪ ،‬تزعزع‬

‫اعتبار الشخص‪ ،‬فيخسر اعتمادهم عليه وثقتهم به‪ .‬ويولد التكلم‬
‫بكلم فارغ دون أي هدف أو مرام نفس الشعور عند مخاطبي‬

‫الشخص‪.‬‬

‫وقد أخبرنا سيدنا محمد ‪ r‬أن هذا النوع من الكلم يجلب‬

‫غضب الله ‪ .U‬فقال عليه الصلة والسلم كما ورد في الحديث‬
‫الشريف‪:‬‬

‫الر َج ِ‬
‫" َم ْن َت َع َّل َم َص ْر َف ا ْل َك َ‬
‫ال َأ ِو ال َّن ِ‬
‫اس َل ْم‬
‫ل ِم لِ َي ْسبِ َى بِ ِه ُق ُل َ‬
‫وب ِّ‬
‫َي ْق َبلِ ال َّل ُه ِم ْن ُه َي ْو َم ا ْل ِق َيا َم ِة َص ْر ًفا َو َ‬
‫ال َعدْ ً‬
‫ال" (أبي داود‪ ،‬األدب‪)5006/86 ،‬‬

‫فلهذا السبب‪ ،‬ينبغي علينا أن نتكلم ونعبر عن مرادنا وطلبنا دون‬

‫اإلطالة في الحديث‪ .‬ويجب أن يكون كلمنا ذو شفافية ووضوح‬
‫كالماء النقية‪ ،‬وأن يكون سلس ًا وسهل الفهم واإلستيعاب‪.‬‬
‫وكما قال موالنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«إن الحديث الطويل هو أسلوب يتبعه من ال يستطيع توضيح‬

‫مراده ومطلبه»‬

‫وإطالة الحديث بل مغزى‪ ،‬وإعادة وتكرير نفس الكلم مرار ًا‬
‫ومرار ًا‪ ،‬إنما ذلك من العادات السيئة التي تصيب مخاطب الكلم‬

‫بالملل والضجر‪ ،‬وتضعه في موقف قليل الفهم‪ .‬ويسمى ذلك في‬
‫األدب بـ «اإلطناب» أي الثرثرة في الحديث بدون معنى ‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ولكي نتكلم بشكل جيد وعذب وسلس‪ ،‬يجب علينا بداية‬
‫أن نتعلم أن نستمع جيد ًا وننصت لمن يتكلم‪ .‬فقد وهب الله ‪Y‬‬
‫اإلنسان أذنين ولسان ًا واحد ًا‪ ،‬لكي يستمع كثير ًا ويتكلم قلي ً‬
‫ل‪.‬‬

‫والكلم الكثير والثرثرة في غير مكانها ُتقلل من قيمة اإلنسان‬

‫وقدره‪ ،‬و ُتسقطه من عيون الناس‪.‬‬

‫ويجب على المؤمن أيض ًا أن يتجنب إسراف الوقت بإطالة‬

‫الحديث والثرثرة في الجدال العقيم الذي ال فائدة منه وال جدوى‬

‫منه على اإلطلق‪.‬‬

‫وكما قال اإلمام األوزاعي الذي (توفي عام ‪157‬هـ)‪:‬‬

‫«إذا أراد الله سبحانه وتعالى بقوم سو ًء‪ ،‬فتح لهم باب الجدل‬

‫الذي ال فائدة منه‪ ،‬ومنعهم عن العمل»‬

‫لذا فإن الغيبة والنميمة والثرثرة الفارغة هي من جملة اإلسراف‬

‫في الكلم‪.‬‬

‫وكما قال النبي ‪ r‬في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"كلم ابن آدم عليه ال له إال األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬

‫وذكر الله ‪"U‬‬

‫(ابن ماجة‪ ،‬الفتن‪)64 ،‬‬

‫وورد أيض ًا في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫‪176‬‬

‫"يا حفصة إياك وكثرة الكلم فإن كثرة الكلم بغير ذكر الله‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫تميت القلب وعليك بكثرة الكلم بذكر الله فإنه ُيحي القلب "‬

‫(علي‬

‫المتقي‪ ،‬رقم‪)1896 :‬‬

‫وورد أيض ًا في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"واملء الخير خير من السكوت و السكوت خير من إملء‬
‫الشر" (الحاكم‪ ،‬المستدرك‪5466/343 ،3 ،‬؛ البيهقي‪ ،‬شعب اإليمان‪)4993/256 ،4 ،‬‬
‫لذا يجب علينا أن نقدر جيد ًا أين ومتى نتكلم‪ ،‬ونحسب مقدار‬
‫الكلم الذي يجب أن نتكلم به دون إطالة أومماطلة‪.‬‬
‫وكما قال الشيخ سعدي الشيرازي‪:‬‬

‫«شيئان يدالن على خفة العقل‪ ،‬السكوت عند ضرورة الكلم‪،‬‬
‫والكلم عند ضرورة السكوت»‬

‫باإلضافة إلى أنه يجب علينا أن ننظم مستوى الصوت أثناء‬
‫الكلم على حسب الشخص الذي نخاطبه وحسب ظروفه‪ .‬وقد‬
‫منعنا القرآن الكريم من التكلم بصوت عال وقبيح يسبب اإلزعاج‬
‫ألذن السامعين بغلظته وفظاظته‪.‬‬

‫وكما قال الله ‪ U‬كما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫نكر َ‬
‫َ‬
‫األ ْص َو ِ‬
‫[وا ْق ِصدْ ِفي َمشْ يِ َك َو ْاغ ُض ْ‬
‫ات‬
‫َ‬
‫ض ِمن َص ْوتِ َك إِنَّ أ َ َ‬
‫َل َص ْو ُت ا ْل َح ِ‬
‫مير] (لقمان‪)19 ،‬‬

‫وكان بعض الصحابة الكرام ‪ y‬يتكلمون بصوت عال في‬
‫مجلس النبي ‪ ،r‬فجاءهم إنذار إلهي في هذا الخصوص‪ ،‬وكما ورد‬
‫في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪177‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ين آ َمنُوا ال َت ْر َف ُعوا َأ ْص َوا َت ُك ْم َف ْو َق َص ْو ِ‬
‫ت ال َّنبِ ِّي َوال‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫َت ْج َه ُروا َل ُه بِا ْل َق ْو ِل َك َج ْه ِر َب ْع ِض ُك ْم لِ َب ْع ٍ‬
‫ض َأن َت ْح َب َط َأ ْع َما ُل ُك ْم َو َأنت ُْم ال‬
‫تَشْ‬

‫ُع ُرون] (الحجرات‪)2 ،‬‬

‫ويعني ذلك أنه يجب علينا أن نخفض من أصواتنا أدب ًا في‬

‫مجالس الكبار ومن يستحق ا ِ‬
‫إلحترام والتقدير‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أنه يجب علينا أن ال ندع مجا ً‬
‫ال أللسنتنا أن تتسخ‬

‫بالقبائح والصفات الرديئة كالغيبة والنميمة وسوء الظن وا ِ‬
‫إلفتراء‬

‫على اآلخرين‪ .‬وتلك القبائح هي آفات وكوارث اللسان والتي تدل‬
‫على فساد القلب‪.‬‬

‫وبالنتيجة‪ ،‬فإن المؤمن الذي تخ اّلق بأخلق القرآن الكريم هو‬

‫كالوردة المتفتحة‪ .‬فيجب عليه أن يؤثر في الروح والقلب بجماله‬
‫وبرائحته العطرة‪ .‬وأن يكون كلمه مكون ًا من الكلمات العذبة‬
‫والجذابة التي تغذي الروح‪ .‬وأن ينشر اللطافة والرقة والرحمة على‬

‫ما حوله بلسانه الحلووالعذب‪ .‬وأن ال يحرم وجهه من اإلبتسامة‬

‫الدائمة التي ستكون عنصر ًا هام ًا في نشر السعادة والسرور‪.‬‬

‫وأن يتصف بالصفات والخصل الحميدة لكي يكون «األحسن‪،‬‬
‫‪178‬‬

‫واألجمل‪ ،‬واألكمل»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تعليم القرآن الكريم لنا اسلوب الحديث مع الناس ‪o‬‬
‫األحسن‪ :‬أي أن تكون جميع أعماله حسنة‪ ،‬وأن يكون مصدر ًا‬

‫للحسن يوزعه على من حوله‪.‬‬

‫األجمل‪ :‬أي أن يكون في درجة عليا من الظرافة واللطافة‬

‫تعطيان نشوة وطمأنينة وسكينة للروح والقلب‪.‬‬

‫األكمل‪ :‬أي أن يكون ناضج ًا نضوج ًا تام ًا‪ ،‬وأن يكون كامل‬

‫األوصاف‪.‬‬

‫والمؤمن المثالي الذي يتميز بهذه الصفات الحميدة تكون‬

‫أعماله كمرآة تعكس وجه اإلسلم وجماله وعظمته‪ ،‬وما يعطي‬
‫الناس من طمأنينة وسكينة وراحة‪.‬‬

‫وحسب ما ورد عن أوصاف النبي ‪ r‬أن وجهه عبارة عن نور‬

‫مشع‪ ،‬وأن في قوله سلسة‪ ،‬وفي تصرفاته لطافة ورقة‪ ،‬وفي لسانه‬

‫طلقة‪ ،‬وفي كلماته فصاحة‪ ،‬وفي بيانه بلغة فائقة‪ .‬وأن كلمه لذيذ‬
‫ألبعد الحدود ويدغدغ الروح ويؤثر فيها تأثير ًا إيجابي ًا‪ .‬وكلماته‬
‫كانت على قدر‪ ،‬أي لم تكن زائدة أوناقصة‪.‬‬

‫وكان‪ r‬يتكلم ٍّ‬
‫بتأن كلم ًة بكلم ًة‪ ،‬و ُتفهم جميع جمله من قبل‬

‫مستمعيه بكل سهولة‪ .‬ولم يكن يتكلم بسرعة‪ .‬أي باختصار‪ ،‬إن‬
‫النبي ‪ r‬هو أفصح الناس وأكثرهم طلق ًة‪ ،‬وأكثرهم حكم ًة‪ ،‬وأكثرهم‬
‫َّ‬

‫بداه ًة وبيان ًا‪ .‬فكان يتكلم باختصار ويعبر عن مراده ومقصده بالشكل‬

‫الصحيح‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وعن أبي قرصافة قال‪:‬‬
‫لما بايعنا رسول الله ‪ r‬أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده‬

‫منصرفين قالت لي أمي وخالتي يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل‬

‫أحسن منه وجه ًا وال أنقى ثوب ًا وال ألين كلم ًا ورأينا كأن النور يخرج‬

‫من فيه) (الهيثمي‪.)280–279 ،8 ،‬‬

‫اللهم اجعلنا من عبادك الذين يستحقون شفاعة رسولك وحبيبك‬

‫محمد ًا ‪ ، r‬الذي أرسلته رحم ًة للعالمين‪.‬‬

‫ويس ْر اللهم أمورنا في التخلق بأخالق القرآن الكريم‪ ،‬وفي‬
‫ّ‬

‫تنظيم تصرفاتنا وأعمالنا حسب ما ورد فيه‪....‬آمـين‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫‪n‬‬

‫* [وأحسن كام أحسن‬
‫اهلل اليك] (القصص‪)77 ،‬‬
‫* أن أولياء الحق ‪U‬‬
‫يتسوقون من المحالت‬
‫التي يقل زوارها‬
‫(سعدي شيرازي)‬

‫ٌ‬
‫واألنفاق‬
‫ود‬
‫الج ُ‬
‫ُ‬

‫يجب على المؤمن أن يكون رؤوف ًا باآلخرين كالهواء العذب‪ .‬وأن يكون‬
‫كريم ًا كاألمطار الغزيرة‪ .‬وأن يبحث في كل زمان ومكان عن رضا الله‬
‫‪ .U‬وأن يكون مصدر ًا ومنبع ًا للطمأنينة والسكينة والسرور في قلوب من‬
‫حوله‪.‬‬
‫شعون نور ًا وضياء كالبدر الذي ينعكس‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فإن أولياء الحق ‪ُ U‬ي ّ‬
‫نوره على وجه مياه البحار في الليالي الظلماء‪ .‬وقد تحلوا بأجمل‬
‫الصفات التي تليق بالمؤمن كالرحمة والعطف والشفقة على اآلخرين‪،‬‬
‫والكرم واإلنفاق في سبيل الله ‪ .U‬وهم بإنفاقهم كاألنهار التي تتدفق‬
‫بغزارة وقوة‪ ،‬حاملين الخير والسعادة وراحة البال لكل من يواجههم‬
‫ويلقاهم في طريقه‪ ،‬من إنسان وحيوان وشجر وطير وزهر وسنبلة‪.‬‬

‫ود واإل ْن َف ُ‬
‫اق‬
‫الج ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫واإلنفاق هو أبرز‬
‫إن الرحمة هي أول ثمرة من ثمار اإليمان‪.‬‬
‫علمة لإليمان وأكثر مظاهره نضوج ًا‪ .‬واإلنفاق هو َب ْذ ُل المال‬

‫والروح لله ‪ .U‬وحياة األنبياء الذين هم ذروة فضائل البشرية‪،‬‬
‫وحياة ورثتهم من العلماء والصالحين واألولياء مليئة بمظاهر‬

‫الرحمة واإلنفاق بل حدود‪.‬‬

‫تسابقوا على فعل الخير‬

‫وعن عبدالرحمن بن أبى بكر قال صلى رسول الله‪ r‬الصبح‬
‫ثم أقبل على أصحابه فقال هل منكم أحد أصبح صائم ًا فقال عمر‬

‫يارسول الله لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطر ًا فقال‬
‫أبو بكر لك اّني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائم ًا فقال‬

‫رسول الله ‪ r‬هل منكم اليوم أحد عاد مريض ًا فقال عمر يارسول الله‬
‫صلينا ثم لم نبرح فكيف نعود المرضى فقال أبو بكر بلغني أن أخي‬

‫عبدالرحمن بن عوف اشتكى فجعلت طريقي عليه حين خرجت‬

‫إلى المسجد النظر كيف أصبح فقال رسول الله ‪ r‬هل منكم أحد‬
‫أطعم اليوم مسكين ًا فقال عمر يارسول الله صلينا ثم لم نبرح فقال أبو‬

‫‪183‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بكر دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز شعير‬
‫في يد عبدالرحمن فأخذتها فدفعتها إليه فقال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم أنت فأبشر بالجنة فتنفس عمر فقال واه ًا للجنة فقال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم كلمة رضى بها عمر رحم الله عمر رحم‬
‫الله عمر لم يرد خير ًا قط اال سبقه أبو بكر إليه" (الهيثمي‪164–163 ،3 ،‬؛‬
‫أبي داود‪ ،‬الزكاة‪1670/ 36 ،‬؛ الحاكم‪)1501/571 ،1 ،‬‬

‫وإن أهم درس يجب أن نأخذه من هذا الحديث الشريف هو‬
‫خير يكون وسيلة في الحصول‬
‫أن نبحث في كل لحظة عن أي عمل اّ‬
‫على رضا الله ‪ .U‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ب] (االنشراح‪)8–7 ،‬‬
‫[ َفإِ َذا َف َر ْغ َت َف َ‬
‫ار َغ ْ‬
‫انص ْب‪َ .‬وإِ َلى َر ِّب َك َف ْ‬

‫وقال الله ‪ Y‬في آية كريمة أخرى واصف ًا عباده الصالحين‬
‫الذين رضي عنهم ورضوا عنه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫[ ُيؤْ ِم ُنونَ بِال َّل ِه َوا ْل َي ْو ِم ِ‬
‫اآلخ ِر َو َي ْأ ُم ُرونَ بِا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫وف َو َي ْن َه ْونَ َع ِن‬
‫ا ْل ُم َ‬
‫ات َو ُأ َ‬
‫الصالِ ِ‬
‫نك ِر َو ُي َسا ِر ُعونَ ِفي ا ْل َخ ْي َر ِ‬
‫حينَ] (آل عمران‪)114 ،‬‬
‫ولئِ َك ِم َن َّ‬
‫وهكذا فإنه شرط أساسي على المؤمن أن يكون سباق ًا إلى فعل‬
‫الخير‪ ،‬وأن تكون هذه الميزة هي من طبيعته األساسية‪.‬‬

‫ويجب عليه أن يكون رؤوف ًا باآلخرين كالهواء العذب‪ .‬وأن‬
‫يكون كريم ًا كاألمطار الغزيرة‪ .‬وأن يبحث في كل زمان ومكان‬
‫عن رضاء الله ‪ .U‬وأن يكون مصدر ًا ومنبع ًا للطمأنينة والسكينة‬
‫‪184‬‬

‫والسرور في قلوب من حوله‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫ولهذا السبب فإن أولياء الحق ‪ U‬بكرمهم وإنفاقهم كاألنهار‬

‫الغزيرة والوفيرة‪ ،‬يتدفقون طوال حياتهم‪ ،‬حاملين الخير والسعادة‬

‫وراحة البال لكل من يواجههم ويلقاهم في طريقه‪ ،‬من إنسان‬
‫وحيوان وشجر وطير وزهر وسنبلة‪ ،‬أي باختصار‪ ،‬يدخلون السرور‬

‫على قلب جميع المخلوقات‪.‬‬

‫واإلنفاق الحقيقي هو أن تبحث عن رضا الله ‪ U‬وتتمناه‪،‬‬

‫عن طريق التوجه إلى القلوب المهمومة والحزينة‪ ،‬بقلب مليء‬
‫باإلخلص والصدق‪ ،‬وبأخلق حميدة كالرحمة والشفقة واإليثار‪.‬‬
‫واإلسراع بكل ما تملك من إمكانيات لتعويض اآلخرين ما فقدوه‬

‫وحرموا منه في حياتهم‪.‬‬

‫وقد جعل الله ‪ Y‬ميزة اإلنفاق – التي هي بمثابة تعبير أصيل للنفوس‬

‫والقلوب التي عجنت بالرحمة والعطف والشفقة‪ ،‬وهي في الحقيقة تلبية لكرامة‬

‫وكبرياء الوجود البشري – جعلها في مرتبة أهم العبادات ا ِ‬
‫إلجتماعية‬
‫وال شك في أن اإلنفاق هو هدية ال مثيل لها من الله ‪ U‬لعباده‬

‫المخلصين‪ .‬أي أن الله ‪ U‬طلب من عباده أن يقدموا له جز ًء من‬

‫النعم الكثيرة والوفيرة التي وهبها إياهم‪ ،‬كتعبير عن شكره والثناء‬
‫عليه‪ .‬وبالمقابل جعله من أهم أبواب السعادة األبدية في كسب‬
‫األجر والثواب‪ ،‬ووسيلة لمراجعة النفس وتذكيرها بالمعاصي‬

‫والذنوب التي يرتكبها اإلنسان‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أكرموا الدين بالجود واإلنفاق‬
‫إن رأس مال الروح الوحيد المطلوب ألداء واجب اإلنفاق‬

‫هو «الكرم» ‪ .‬وإن انتظار حدائق وجنان الروح التي لك تزرع ببذور‬

‫الكرم‪ ،‬بأن تثمر بثمار اإلنفاق هو عبارة عن مضيعة للوقت‪ ،‬وحلم‬

‫ال يمكن أن يتحقق‪.‬‬

‫وقد أشار النبي الكريم ‪ r‬إلى أن الكرم هو عبارة عن وسيلة‬

‫للتعبير عن المحبة اإللهية والتقرب من الله ‪ .U‬حيث ورد في‬
‫الحديث الشريف‪:‬‬

‫"إإن الله كريم يحب الكرم و يحب معالي األخالق و يكره‬

‫سفسافها"‬

‫(الحاكم‪)151/111 ،1 ،‬‬

‫والكرم الذي هو عبارة عن لذة اإليمان يجلب ويجذب رضاء‬
‫الله ‪ Y‬وحبه‪ ،‬كما يجذب حب الناس أيض ًا‪ ،‬فكما ورد في الحديث‬
‫القدسي‪:‬‬

‫"ان هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلح له إال السخاء وحسن‬
‫الخلق فأكرموه بهما ما منحتموه" (الهيثمي‪20 ،8 ،‬؛ علي المتقي‪ ،‬كنز العمال‪)392/71 ،‬‬

‫والكرم بكامل معناه هو نتيجة طبيعية لإليمان بالله ‪ U‬واليوم‬
‫اآلخر‪ .‬وقد وضح ذلك سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‬
‫ورضي عنه‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫‪186‬‬

‫«اإليمان كشجرة‪ ،‬جذرها اليقين‪ ،‬وغصنها التقوى‪ ،‬ونورها‬
‫الحياء‪ ،‬وثمرتها الكرم»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫وقال الشيخ سعدي الشيرازي‪:‬‬

‫«الكريم هو كالشجرة المثمرة‪ .‬أما البخيل فهو كالحطب الجاف‬
‫في الجبل »‪ .‬مشير ًا إلى أن تجرد اإلنسان من خصلة الكرم تؤدي إلى‬
‫تحوله إلى قطعة من الحطب الذي ال يفيد إال في حرقه إلشعال‬
‫النار‪.‬‬

‫الع ّلتان الكبيرتان‪ :‬اإلسراف والبخل‬

‫اإلسراف هو اإلنفاق على النفس أكثر من المطلوب‪ .‬والبخل‬
‫هو التقتير على النفس أكثر من الحد اللزم‪ .‬وكلهما من الخصل‬
‫السيئة كاألنانية‪ .‬وال يقبل الله ‪ U‬بل ويرفض ويرد العبودية المبنية‬
‫على هاتين الخصلتين السيئتين‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[و َال َت ْج َع ْل َي َد َك َمغْ ُل َ‬
‫ول ًة إِ َلى ُعن ُِق َك َو َال َت ْب ُس ْط َها ُك َّل ا ْل َب ْس ِط‬
‫َ‬
‫ورا] (اإلسراء‪)29 ،‬‬
‫َف َت ْق ُع َد َم ُلو ًما َّم ْح ُس ً‬
‫وورد أيض ًا في آية كريمة أخرى‪:‬‬
‫ين إِ َذا َأن َف ُقوا َل ْم ُي ْس ِر ُفوا َو َل ْم َي ْقت ُُروا َو َكانَ َب ْي َن َذلِ َك َق َوا ًما]‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫(الفرقان‪)67 ،‬‬

‫وإن إعطاء النعمة حقها يتم عن طريق عدم إنفاقها في األماكن‬

‫والمواضع التي نهى عنها الله ‪ .U‬وعن طريق تجنب الوقوع في‬
‫الخطرين الكبيرين‪«:‬اإلسراف» و«البخل» أيض ًا‪ .‬وإن كارثة الغنى‬

‫هي البخل والطمع والجشع‪ ،‬أما دواؤه هو«الكرم»‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقد عرف اإلمام الغزالي الكرم على أنه حالة اإلعتدال واإلتزان‬

‫بين اإلسراف والبخل‪.‬‬

‫ومن جانب آخر‪ ،‬فإن كارثة الكرم واإلنفاق هي«اإلسراف»‪ .‬أي‬

‫أن إنفاق المال دون حساب بهدف الكرم‪ ،‬وصرف النعمة في أماكن‬
‫ليست ضرورية هو إسراف أيض ًا‪.‬‬

‫ويجب أن نلفت انتباهنا في موضوع اإلنفاق إلى أن اإلسراف‬

‫ليس هو كثرة اإلنفاق‪ ،‬بل أن اإلنفاق – ما قل منه أوكثر – في األماكن‬

‫غير المناسبة يعتبر إسراف ًا‪ .‬بينما اإلنفاق في األماكن المناسبة‬

‫والمطلوبة ال ُيعدُّ إسراف ًا ولوكان كثير ًا‪ ،‬بل ينال الشخص عليه‬
‫التقدير والثناء‪ .‬وكما تعبر الجملة التالية عن هذه الحقيقة‪:‬‬
‫«ال خير في اإلسراف‪ ،‬وال إسراف في الخير»‪.‬‬
‫خيرة‬
‫وإن أفضل دليل على أن كثرة اإلعطاء واإلنفاق في غاية اّ‬

‫وهدف سا ٍم أنه ال ُيعدُّ إسراف ًا‪ ،‬تبرع سيدنا أبو بكر الصديق ‪ t‬بكل‬

‫أمواله‪ ،‬بإحضارها ووضعها بين يدي رسول الله ‪.r‬‬

‫وفي الجانب اآلخر‪ ،‬فإن البخل ليس اإلنفاق واإلعطاء القليل‪،‬‬

‫بل عدم اإلنفاق بالقدر المطلوب والمناسب حسب اإلمكانيات‬
‫والظروف المتاحة‪ .‬حيث أن الشخص مسؤول فقط على قدر‬

‫‪188‬‬

‫إمكانياته وظروفه‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫وقد شرح الشيخ سعدي هذه الحقيقة على النحوالتالي‪:‬‬

‫«لم يغلق الله ‪ U‬أبواب الخير على أحد من الناس‪ .‬واعلم‬

‫أن مسؤولية كل شخص هي حسب قدرته وإمكانياته‪ .‬وال يستوي‬
‫إعطاء الغني قنطار ًا من ذهب مما ملكه من خزائن‪ ،‬بإعطاء الفقير‬
‫قطعة من كد يديه وعرق جبينه‪ .‬وإن قدم الجراد هو عبء ثقيل‬

‫بالنسبة للنمل»‪.‬‬

‫وفي معركة اليرموك‪ ،‬عندما آثر الشهداء الثلثة في آخر أنفاسهم‬
‫شربة الماء على بعضهم البعض‪ ،‬وفي النهاية بقي وعاء الماء مليئ ًا‬

‫دون أن يشربه أحد منهم‪ .‬فإن إنفاق شربة الماء هذه ربما تجاوزت‬
‫حسناتها حسنات كثير من التبرعات التي ُيظن أنها كبيرة وعظيمة‪.‬‬

‫ألنه ليس من المهم في هذه الحالة شفة الماء تلك‪ ،‬بل عظمة غنى‬
‫النفس التي أبداها هؤالء الناس الصالحون‪.‬‬

‫ومن هذا المنظور‪ ،‬فلوكان اإلنفاق بقليل من المال ُبخ ً‬
‫ل‪ ،‬لكان‬
‫خاص ًا باألغنياء وأصحاب الثروات‪ .‬مع العلم أن الغنى‬
‫الكرم امتياز ًا اّ‬
‫إلهيان ملتزمان مع سر اإلمتحان الذي سيتعرض‬
‫والفقر هما تقديران اّ‬
‫الناس إليه في الحياة الدنيا‪ .‬وليس بإرادة العبد واختياره أن يكون‬
‫غني ًا أو محتاج ًا‪ .‬لذا فإن موضوع الغنى والفقر ليس متعلق ًا باألموال‬
‫واألملك والثروات‪ ،‬بل متعلق بالقلوب والصدور‪.‬‬

‫هذا يعني أن المؤمن المحدود الدخل واإلمكانيات بوسعه أن‬
‫يكون كريم ًا‪ ،‬بل وواجب عليه ذلك‪ .‬واإليمان يتوجب علينا في كل‬

‫‪189‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أحوالنا وأوضاعنا أن نكون عباد ًا متميزين بالكرم‪ .‬ألن الكرم والبخل‬
‫أمران متعلقان بقدر النسبة التي ننفقها مما نملك‪ ،‬ال بمقدار ما نملك‪.‬‬

‫وكان النبي الكريم ‪ r‬يشجع جميع المؤمنين – األغنياء منهم‬

‫والفقراء – على اإلنفاق في سبيل الله ‪ .U‬وكان يقول لمن ليس عنده‬
‫مال اال تمرة فليتصدق منها‪ ،‬كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة" (البخاري‪ ،‬األدب‪)34 ،‬‬

‫وورد عنه ‪ r‬في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"يا عائشة‪ ..‬ال تردي المسكين ولوبشق تمرة"‬
‫وورد أيض ًا‪:‬‬

‫"تبسمك في وجه أخيك لك صدقة"‬

‫(الترمذي‪ ،‬الزهد‪)37 ،‬‬

‫(الترمذي‪ ،‬البر‪)36 ،‬‬

‫عن أبي ذر قال‪:‬‬

‫إن خليلي ‪ r‬أوصاني إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أهل‬

‫بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف (مسلم‪ ،‬البر‪)143 ،‬‬

‫دواء قسوة القلوب هو‪ :‬الكرم واإلنفاق‬

‫إن لكل عبادة من العبادات جمالية وفضائل وكسب معنوي‬

‫تتميز بها القلوب والصدور أثناء أداء تلك العبادة‪ .‬ولذلك الكسب‬

‫المعنوي أهمية كبرى في ترويض اإلنسان وتخليصه من الميزات‬
‫ِ‬
‫اّ‬
‫والخشنة والجلفة‪ ،‬وتحويله إلى مؤمن ناضج متصف‬
‫الفظة‬
‫‪190‬‬

‫باألخلق والصفات الحميدة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫وكما قال عمر بن عبد العزيز – رحمة الله عليه –‪:‬‬

‫«الصلة توصلك الى نصف الطريق‪ ،‬والصوم يوصلك إلى‬

‫باب المليك األعلى‪ ،‬أما الصدقة ترفعك عند الملك»‪.‬‬

‫وإذا حللنا كلمة «اإلنفاق » ودرسنا المعاني التي تحويها‪ ،‬نرى‬

‫أن لهذه العبادة حكمة‪ ،‬وهي تخليص اإلنسان بروحه وكرامته وعزة‬
‫نفسه من أسر المادة والتعلق بها‪ .‬وتجعله بفضل المعنويات على‬
‫األمور المادية الفانية‪ .‬وبهذا الشكل يكون اإلنفاق من بين بقية‬
‫العبادات كلها‪ ،‬هو الذي يهب المؤمن فائدة «راحة الضمير»‪ ،‬عدا‬

‫عن كل العبادات األخرى‪.‬‬

‫وقد عبر علي األصفهاني عن هذه الحقيقة على النحوالتالي‪:‬‬

‫«بحثت كثير ًا وحاولت أن أكون على عافية وبدون ذنوب‪.‬‬
‫ووجدت ذلك في الزهد‪ ،‬أي في ترك كثير من األمور المباحة خوف ًا‬
‫ًمن الوقوع في الشبهات‪ .‬وبحثت عن الحساب السهل فعثرت عليه‬
‫في السكوت‪ .‬وبحثت عن الراحة والطمأنينة والسكينة والهدوء‬

‫فوجدتها في اإلنفاق والكرم »‪.‬‬

‫ألن كل إنسان هو مسؤول عن محيطه وعن الناس من حوله‪.‬‬

‫وليس بمقدوره وال من حقه أن ال يلبي صرخات المظلومين‬

‫وينجدهم‪ ،‬ويسعى على سد حاجات ومتطلبات الفقراء والمحتاجين‪.‬‬
‫ويجب عليه أن يكون قلبه مليئ ًا بنشوة الكرم واإلنفاق‪ .‬وأن يكون‬
‫ومؤثر ًا على اآلخرين‪ .‬وأن يكون مضيئ ًا‬
‫رحيم ًا ولطيف ًا في التعامل‪ْ ،‬‬

‫‪191‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ومشع ًا كسطوع القمر على وجه ماء البحر في الليلة الظلماء‪.‬‬

‫وقد جعل الله ‪ U‬المخلوقات وسيلة لبعضها البعض في تأمبن‬

‫رزقهم وقوتهم ‪ .‬فبناء على ذلك فإن مراقبة المحتاجين‪ ،‬وتخصيص‬
‫حصة مما رزقنا به الله ‪ U‬لهم‪ ،‬هو لطف إلهي وفضيلة ال مثيل لها‪.‬‬

‫لب نداء‬
‫ولن تجد روح المؤمن الطمأنينة والسكينة طالما أنه لم ٌي ِّ‬

‫المحتاجين والفقراء ويسعى على تأمين متطلباتهم وحوائجهم‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«اعلم أنه للروح فائدة في ضياع المال والملك والجسد‪.‬‬
‫فيخلصها ذلك من العقاب والويل‪ .‬والمال إذا ُأنفق أو ُتبرع به‪ ،‬فهو‬

‫يبدو ظاهري ًا أنه قد ضاع وتلشى‪ ،‬أما في الحقيقة فإن مئات من‬
‫تجليات الحياة المعنوية والروحانية تكون قد َأ ْض َف ْت على الروح‬
‫النشوة والطمأنينة والسكينة التي ال مثيل لها»‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫ويجب علينا أن نسعى لكسب الثروة الدنيوية لكي توصلنا إلى‬
‫السعادة األبدية في اآلخرة‪ ،‬وإلى راحة البال والضمير في الحياة‬
‫الخيرة وتقديم المساعدات ابتداء‬
‫الدنيا‪ ،‬وذلك بالقيام باألعمال‬
‫اّ‬
‫باألقارب‪ ،‬وانتهاء بالعجزة والمحتاجين وأوالد السبيل والفقراء‬
‫المتواجدين في المجتمع الذي نعيش فيه‪ .‬فإذا كانت النية في كسب‬
‫الثروة بهذا الشكل‪ ،‬فسوف تحل النشوة والهدوء والراحة والطمأنينة‬
‫محل القسوة والجلفة واإلكتئاب والهموم التي يسببها التفكير‬
‫المادي بصعوبات الحياة الدنيا ومتطلبات العيش‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫ولنستمع إلى سيدنا محمد ‪ r‬وهو يخبرنا عن دواء قسوة‬
‫القلوب التي تعتبر أحد األمراض المهمة في حياتنا اليومية‪ .‬فقال‬
‫عليه الصلة والسلم كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬
‫يم"‬
‫ين َق ْلبِ َك َف َأ ْط ِع ْم ا ْل ِم ْس ِك َ‬
‫"إإِنْ َأ َر ْد َت َت ْليِ َ‬
‫ين َوا ْم َس ْح َر ْأ َ‬
‫س ا ْل َيتِ ِ‬
‫(أحمد بن حنبل‪ ،‬المسند‪)263 ،2 ،‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي‪ ،‬وكأنه يشرح هذا الحديث‬
‫الشريف‪:‬‬

‫«إن النفوس الغارقة في الفقر تشبه البيت المليء بالدخان‪.‬‬
‫فافتح نافذة على ذلك البيت لكي يتلشى الدخان ويستنشق أهله‬
‫الهواء العذب‪ ،‬بإنصاتك لهمومهم‪ ،‬فيرق قلبك وتصبح روحك‬
‫حساسة ولطيفة»‪.‬‬
‫وهكذا فإن األرواح المطمئنة والهادئة التي رقت باإلنفاق‬

‫والكرم‪ ،‬ووصلت إلى النضوج النفسي والعقلي‪ ،‬تعيش بسرور‬
‫وسعادة رؤيتهم أن ما أنفقوا به في سبيل الله ‪ U‬كان وسيلة للحماية‬
‫اإللهية والنجاة من سخط الخالق ‪ .U‬فيتوجهون بكامل مشاعرهم‬

‫وأحاسيسهم إلى اإلنفاق أكثر فأكثر‪.‬‬

‫وكما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«إن الصلة التي تقوم بأدائها تكون راعية لك‪ ،‬وتحميك من‬

‫الذئاب ومن كل سوء يعترضك‪ .‬أما الصدقة التي تعطيها للفقراء‬
‫والمحتاجين‪ ،‬فتكون حارسة لجيبك‪ ،‬فتحميه وتحمي ما فيه من‬

‫‪193‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الضياع‪ .‬وإن الذهب ال ينقص أبد ًا بالزكاة‪ ،‬بل على العكس فإنه‬
‫بزداد ويتكاثر»‪.‬‬

‫وهذه حقيقة ال داعي للمناقشة والجدال عليها‪ ،‬فإن المال الذي‬

‫اّ‬
‫زكي ال ينقص وال يضيع‪ .‬بل على العكس تمام ًا فإنه يزداد وينمو‬
‫بقدر اإلخلص في اإلنفاق‪.‬‬

‫فمثال على ذلك‪ ،‬سيدنا أبوبكر الصديق ‪ ،t‬حيث كان ينفق‬

‫جميع أمواله ويتصدق بها لدرجة أنه يصل إلى مادي ًا إلى نقطة‬
‫اإلفلس‪ ،‬فعلى الرغم من ذلك كانت ثروته وأمواله تعود إليه بلطف‬

‫الله ‪ U‬مرار ًا وتكرار ًا‪ .‬ألن المال الذي ينفق في سبيل الله س‪ U‬هو‬

‫كالشجرة التي ُش اّذبت و ُق اّلمت مجدد ًا‪ ،‬فأصبحت أكثر حيوية و ُن ُم اّو ًا‪،‬‬
‫نمو ًا وازدياد ًا‪.‬‬
‫وهكذا يصبح المال أكثر اّ‬

‫وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين ُي ِ‬
‫َت َس ْب َع‬
‫نف ُقونَ َأ ْم َو َال ُه ْم ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َك َم َثلِ َح َّب ٍة َأن َبت ْ‬
‫[ َّم َث ُل ا َّل ِذ َ‬

‫اع ُف لِ َمن َي َشاء َوال َّل ُه َو ِ‬
‫َسنَابِ َل ِفي ُك ِّل ُسن ُب َل ٍة ِّما َئ ُة َح َّب ٍة َوال َّل ُه ُي َض ِ‬
‫اس ٌع‬
‫يم] (البقرة‪)261 ،‬‬
‫َع ِل ٌ‬

‫‪194‬‬

‫والمال الذي ال ينفق في سبيل الله ‪ ،U‬يصبح كماء المستنقعات‬
‫وتفوح رائحته الكريهة نتيجة بقائه في مكانه وعدم‬
‫الذي يتعفن‬
‫ُ‬
‫تحركه وتنقله‪ .‬وكما قال الشيخ سعدي‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫«ال تظن أنك ستعلو وتكبر بتخزين المال‪ .‬فالماء الساكنة في‬
‫تفوح برائحة كريهة جد ًا‪ .‬فحاول أن تتبرع بمالك‪،‬‬
‫المستنقعات‬
‫ُ‬
‫ألن السماء تكون في عون الماء المتدفقة‪ ،‬فتهطل األمطار وترسل‬
‫السيول‪ ،‬وال تتركها للجفاف »‪.‬‬
‫ويعبر سيدنا جلل الدين الرومي عن هذه الحقيقة بالشكل‬
‫التالي‪:‬‬
‫فرغ في بداية األمر حانوته من البذور‪ .‬ثم‬
‫«من يزرع زرع ًا‪ُ ،‬ي اّ‬
‫تصبح حاصلته كثيرة ووفيرة‪ .‬أما من ُي ْبقي البذور في الحانوت وال‬
‫يزرعها‪ ،‬فهو في النهاية يترك تلك البذور لتكون غذاء للفئران»‪.‬‬

‫إن الزكاة والصدقات تطهر ما تبقى من المال وتنظفه من‬
‫الشوائب‪ .‬إضافة إلى أنها تكون واقي ًا معنوي ًا لمن قام بها‪ .‬وكما قال‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"با كروا بالصدقة فان البلء ال يتخطاها" (الهيثمي‪ ،‬مجمع الزوائد‪)110 ،3 ،‬‬

‫وتوجد في القرآن الكريم أكثر من مائتي موضع ورد فيه األمر‬
‫باإلنفاق والحث والتشجيع عليه‪ ،‬وما ذلك إال داللة على الرحمة‬
‫اإللهية اللمتناهية للعباد‪ .‬حيث أن الله ‪ U‬بدعوته لعباده بأن يقوموا‬
‫بعبادة اإلنفاق‪ ،‬هو في الحقيقـة يدعوهم لإلستفادة من نشـوة هذه‬

‫العبادة وبركتها وخيـراتها المعنوية‪.‬‬

‫ِ‬
‫أنفق ما َف ُضل من الحاجة‬

‫تبدأ حالة الزهد عندما تستسلم القلوب بالحب والصدق‬
‫واإلخلص لله ‪ .U‬فل يبقى للمال والثروة المادية أية قيمة في‬

‫‪195‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫القلوب وفي األعين‪ .‬ويعبر فقط عن قيمته بقدر فرصته في أن يكون‬
‫وسيلة للتقرب من الله ‪ .Y‬والمؤمن الذي يرجو ويطلب رضا الله‬
‫‪ ،U‬يكتفي بقدر بسيط من مقومات الحياة التي تؤ اّمن له معيشة‬
‫بسيطة خالية من البذخ والترف والتكبر وحب المظاهر‪ ،‬ويبحث‬
‫دائم ًا عن طرق اإلنفاق في سبيل الله ‪.U‬‬

‫ويجب علينا أن نتخذ نسل الصحابة الكرام ‪ y‬قدوة لنا‪ ،‬في‬
‫عدم الميول لحياة البذخ والترف واإلسراف‪ .‬بكونهم حصلوا على‬
‫التربية المثالية في إقليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‪ ،‬فعلى‬
‫الرغم من أنهم قد اغتنوا باألموال والغنائم التي تدفقت على المدينة‬
‫المنورة نتيجة الفتوحات اإلسلمية‪ ،‬ولكنهم لم يغيروا مادي ًا من‬
‫نمط معيشتهم البسيطة‪ ،‬وبقيت بيوتهم كما كانت عليه سابق ًا ال‬
‫تدل على مظاهر البذخ واإلسراف‪ .‬بل عاشوا في قمة سلطنة الروح‬
‫ونشوة الضمير وقد حصلوا على الغنى الحقيقي بإنفاق األموال‬
‫والغنائم التي كسبوها‪ .‬ولم تكن العادات السيئة كاإلسراف الزائد‬
‫والبذخ والترف وحب المظاهر – التي تشكل أخطر األمراض االجتماعية‬
‫بين الناس – لم تكن من صفات وعادات الصحابة الكرام ‪.y‬‬
‫ألنهم كانوا يعيشون مقتنعين بأن المكان الذي سيصله جميع الناس‬
‫مستقب ً‬
‫ل هو القبر‪.‬‬
‫وقد كتب اإلمام مالك رسالة للخليفة آنذاك‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫‪196‬‬

‫«لقد حج سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬عشر مرات‪ .‬وحسب ما‬
‫أعلم أنه كان يقلل مصاريفه لدرجة أنه كان ينفق اثني عشر دينار ًا‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫طوال فترة الحج‪ .‬فكان ال يستأجر خيمة للراحة‪ ،‬بل كان يستريح في‬
‫ظل الشجر‪ .‬وكان يحمل ِقربة الحليب على عنقه‪ .‬وكان يتنقل بين‬
‫األسواق والحوانيت‪ ،‬ويزور الباعة والتجار ويتحدث إليهم وينصت‬
‫إلى همومهم » (القاضي عياض‪ ،‬ترتيب المدارك‪ ،‬ص ‪)271‬‬

‫أي أن سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬كان يبدي اهتمام ًا بالغ ًا في‬

‫موضوع االقتصاد في المعيشة‪ ،‬لدرجة أنه كان يؤدي فريضة الحج‬
‫مكتفي ًا بأقل اإلحتياجات الشخصية‪ .‬وبذلك ينفق ما فاض من ماله‬
‫في سبيل الله ‪ .U‬حيث أن ربنا ‪ Y‬قد بين لنا أن مقياس اإلنفاق هو‬

‫كما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫[و َي ْس َأ ُلو َن َك َما َذا ُي ِ‬
‫نف ُقونَ ُقلِ ا ْل َع ْفوَ] (البقرة‪)219 ،‬‬
‫َ‬
‫فعلى هذا األساس فإن أقل مقياس للكرم هو إنفاق الفائض من‬
‫المال الذي ال حاجة له‪.‬‬

‫وقال سيدنا محمد ‪ r‬في هذا الخصوص كما ورد في الحديث‬
‫الشريف‪:‬‬
‫"يا ابن آدم إنك أِ ْن ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شر‬
‫خير لك وأن‬
‫تبذ ْل‬
‫الفضل ٌ‬
‫تمسكه ٌّ‬
‫ْ‬
‫خير من ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫اليد‬
‫بمن‬
‫كفاف‬
‫لم على‬
‫لك وال ُت ُ‬
‫وابدأ ْ‬
‫تعول واليدُ العليا ٌ‬
‫السفلى"‬
‫ُّ‬

‫(مسلم‪ ،‬الزكاة‪97 ،‬؛ الترمذي‪ ،‬الزهد‪)32 ،‬‬

‫لذا يجب علينا أن ال نتجاوز مقدار الحاجة‪ ،‬وأن نقدر حدود‬
‫نقيم الفائض عن حد الحاجة‬
‫حاجاتنا بإنصاف وصدق وأمانة‪ .‬وأن اّ‬
‫من أموالنا في إنفاقها في سبيل الله ‪.U‬‬

‫‪197‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫السعي على زيادة الكرم‬

‫يلخص أحمد بن أبو ورد – رحمة الله عليه – حالة أولياء الحق‬
‫‪U‬على النحوالتالي‪«:‬هناك ثلثة أمور إن ازدادت عند ولي من ألياء‬
‫الله ‪ ،U‬ازدادت أحوالهم جما ً‬
‫ال‪:‬‬
‫‪ –1‬كلما ارتقى مستواه ومنصبه‪ ،‬ازداد تواضعه‪.‬‬

‫الخيرة‪.‬‬
‫‪ –2‬كلما طال عمره‪ ،‬كثرت خدماته وأعماله اّ‬

‫‪ –3‬كلما تكاثرت أمواله ونمت‪ ،‬ازداد كرمه وإنفاقه»‪.‬‬

‫وكان شيخنا وأستاذنا السيد محمود سامي رمضان أوغلو – أحد‬

‫أولياء الحق ‪ – U‬مثا ً‬
‫ال رائع ًا عن الكرم واإلنفاق‪ ،‬لدرجة أنه كان يعتقد‬

‫أن ما ينفقه ويتصدق به على الفقراء والمحتاجين غير كاف‪ .‬فكان‬
‫يفضل المشي على قدميه من (قره كوي) إلى (تحته َقله)‪ ،‬بد ً‬
‫ال من أن‬
‫يستقل المواصلت‪ .‬لكي يتصدق بالمال المخصص للمواصلت‬
‫للفقراء‪ .‬أي أنه كان يزيد من إنفاقه مستغني ًا عن راحته وحاجاته‪.‬‬

‫فاألموال التي تنفق في سبيل الله ‪ U‬إنما هي عبارة عن رأس‬

‫مال للسعادة األبدية في اآلخرة‪.‬‬

‫وقد نصحنا سيدنا جلل الدين الرومي بهذه النصيحة الجليلة‪،‬‬
‫مشير ًا إلى طريق الوصول إلى تلك السعادة األبدية‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫‪198‬‬

‫«قلل من أكلك وشربك في الحياة الدنيا‪ ،‬كي تلقي حوض‬
‫الكوثر في اآلخرة‪ .‬فهل من الممكن أن يهرب الصيد الوفير من‬
‫شخص سكب قطرة من الماء على تراب الوفاء ؟!»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫وعلينا في يومنا الحاضر أن نحاول قدر اإلمكان تطبيق وإعاشة‬
‫هذا الخلق الرفيع والحميد حتى ولو بتضحية صغيرة من أنفسنا‪،‬‬
‫في التقليل من المصاريف اليومية‪ ،‬ومن الراحة والبذخ والترف‬
‫الشخصي‪ ،‬ومن أثاث بيوتنا‪ .‬علما بأن وضع أفراد المجتمع من‬
‫الفقراء والمحتاجين وأوالد السبيل والمظلومين‪ ،‬هو كاف لكي‬
‫نعتبر ونتأثر ونستخلص الدروس التي تدفعنا وتشجعنا على تقديم‬
‫تلك التضحيات الصغيرة‪.‬‬
‫واألغنياء الذين رسموا طريقهم على أساس هذه العبر‬
‫والدروس‪ُ ،‬يحاولون دائم ًا تجنب البحث عن الراحة‪ ،‬وعن البذخ‬
‫والترف وحب المظاهر‪ .‬أما من كان بعيد ًا وغاف ً‬
‫لعن هذه الحقائق‪،‬‬
‫وقد بالغ في إسراف أمواله على شهواته النفسية قائ ً‬
‫ل‪« :‬أليس هذا‬
‫المال لي ؟ فإنه لدي الحق في أن أنفقه وأسرف به كيفما شئت‪ .‬وال‬
‫حق ألحد من الناس أن يتدخل بي وبإسرافي»‪.‬‬

‫فإن هؤالء الناس هم من وصفهم القرآن الكريم بأنهم أصدقاء‬
‫الشيطان الرجيم‪ ،‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الش َي ِ‬
‫اط ِ‬
‫ين َو َكانَ َّ‬
‫ين َكا ُنو ْا إِ ْخ َوانَ َّ‬
‫الش ْي َطانُ لِ َر ِّب ِه‬
‫[إِنَّ ا ْل ُم َب ِّذ ِر َ‬
‫ورا] (اإلسراء‪.)27 ،‬‬
‫َك ُف ً‬

‫عمى البخل وضاللته‬

‫ومن الشروط الضرورية واألساسية لإلنسان بأن يكون من أهل‬

‫اإلنفاق الحقيقي في سبيل الله ‪ ،U‬هي أن يعيش حياة العبودية التي‬

‫‪199‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وصلت إلى درجة اإلحسان‪ .‬أي أن يعبد الله ‪ U‬وينفق في سبيله‬

‫كأنه يراه‪ .‬وإن قدرة العبد على رؤية العظمة والقدرة اإللهية في كل‬
‫مكان وزمان‪ ،‬متعلق ببقاء عين القلب والضمير متفتحة ومترصدة‪.‬‬

‫وللوصول إلى درجة الكرم الحقيقي‪ ،‬فمن الضروري وجود اإليمان‬
‫المترسخ والقوي‪ ،‬والذي يدفع اإلنسان ويشجعه على اإلنفاق‬
‫والتصدق‪ ،‬وكأنه يرى المكافآت والثواب الذي سيحصل عليه‬

‫في اآلخرة‪.‬وقد عبر سيدنا جلل الدين الرومي عن هذه الحقيقة‬

‫بالشكل التالي‪:‬‬

‫«قال سيدنا محمد ‪ r‬فيما معناه ‪( :‬من يعرف جيد ًا المكافأة التي‬

‫سيحصل عليها في اآلخرة‪ ،‬أي من يؤمن بأنه سيحصل على عشرة‬
‫أضعاف ما أنفق به في الحياة الدنيا‪ ،‬يحاول دائم ًا وبكل األشكال‬

‫أن يزيد من كرمه وإنفاقه)‪ .‬فالكرم هو رؤية جميع المكافآت‬
‫المستقبلية‪ .‬لذا فإن الكرم يجلب السعادة واألمل‪ ،‬ويذهب مخافة‬

‫ضياع ما أنفق في سبيل الله ‪ U‬في الحياة الدنيا‪.‬‬

‫والبخل هو عدم رؤية المكافآت التي بشر بها سيدنا محمد‬

‫‪ .r‬وإن رؤية اللؤلؤ تسعد َ‬
‫الغ اّواص‪ .‬وعلى هذا الحال يجب أن ال‬
‫يتصف أحد من الناس بالبخل في الحياة الدنيا‪ .‬ألنه لن ُيقبل أحد‬

‫بالدخول في تجارة ليس لها مردود‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫وذلك يعني أن مصدر الكرم هو العين وليس اليد‪ .‬والشيء‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫النافع والضروري هو القدرة على الرؤية بتلك العين‪ .‬ومن لم تر‬

‫عينه ولم يبصر فؤاده‪ ،‬فإنه لن ينجومن البخل»‪.‬‬

‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإن البخل هو عمى القلب عن التفكير بالموت‪،‬‬

‫الذي هو عاقبة الحياة‪ ،‬والتفكير بما بعد الحياة وما بعد الموت‪ .‬وهو‬

‫أيضا إنكار شديد وواضح للمعروف تجاه الله ‪ Y‬الذي خلق كل‬

‫شيء وسخره لعباده‪.‬‬

‫وقد نبهنا سيدنا جلل الدين الرومي أيض ًا عندما قال‪:‬‬

‫«من يجلس على ضفة نهر ولم يقدم للناس من مائه‪ ،‬هو‬

‫شخص أعمى ال يرى ذلك النهر»‪.‬‬

‫وقد حذرنا الله ‪ U‬من الوقوع في ذلك العمى‪ ،‬ومن إنكار‬

‫المعروف‪ .‬حيث قال ‪ U‬كما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫[و َما َل ُك ْم َأ َّال ُت ِ‬
‫او ِ‬
‫نف ُقوا ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َولِ َّل ِه ِم َير ُ‬
‫ات‬
‫الس َم َ‬
‫َ‬
‫اث َّ‬
‫َو َ‬
‫ض ال َي ْس َت ِوي ِم ُ‬
‫األ ْر ِ‬
‫نكم َّم ْن َأن َف َق ِمن َق ْبلِ ا ْل َف ْت ِح َو َقا َت َل ُأ ْو َلئِ َك َأ ْع َظ ُم‬
‫ين َأن َف ُقوا ِمن َب ْعدُ َو َقا َت ُلوا َو ُكال َو َع َد ال َّل ُه ا ْل ُح ْسنَى َوال َّل ُه‬
‫َد َر َج ًة ِّم َن ا َّل ِذ َ‬
‫ير] (الحديد‪)10 ،‬‬
‫بِ َما َت ْع َم ُلونَ َخبِ ٌ‬
‫وورد في آية كريمة أخرى‪:‬‬

‫ين َي ُقو ُلونَ ال ُت ِ‬
‫ند َر ُس ِ‬
‫نف ُقوا َع َلى َم ْن ِع َ‬
‫ول ال َّل ِه َح َّتى‬
‫ُ‬
‫[ه ُم ا َّل ِذ َ‬
‫ات َو َ‬
‫ض َو َل ِك َّن ا ْل ُمن ِ‬
‫او ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ين ال َي ْف َق ُهونَ ]‬
‫َاف ِق َ‬
‫الس َم َ‬
‫َين َف ُّضوا َولِ َّل ِه َخزَ ائِ ُن َّ‬
‫(المنافقون‪.)7 ،‬‬

‫‪201‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وورد أيض ًا‪:‬‬

‫ُنف ُقوا ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َف ِم ُ‬
‫[هَ َاأنت ُْم هَ ؤُ الء ُتدْ َع ْونَ لِت ِ‬
‫نكم َّمن َي ْب َخ ُل‬
‫َو َمن َي ْب َخ ْل َفإِ َّن َما َي ْب َخ ُل َعن َّن ْف ِس ِه َوال َّل ُه ا ْل َغنِ ُّي َو َأنت ُُم ا ْل ُف َق َراء َوإِن َتت ََو َّل ْوا‬
‫َ‬

‫َي ْست َْب ِد ْل َق ْو ًما َغ ْي َر ُك ْم ُث َّم ال َي ُكو ُنوا أ ْم َث َ‬
‫ال ُك ْم] (محمد‪)38 ،‬‬

‫أي باختصار ؛ فإننا نعيش في ملك َمن؟ ونرتزق من رزق من؟‬
‫وبالنتيجة‪ ،‬هل يليق بنا أن نمنع مال الله ‪ U‬من الله ‪Y‬؟!‪.‬‬

‫وال شك بأن صاحب المال الحقيقي هو الله ‪ .U‬وهو يعطي‬

‫أمواله لنا كأمانة‪ .‬والعبد هو بمثابة موظف حفظ األمانات‪ ،‬ومأمور‬

‫بالتصرف والتحرك ضمن القوانين التي فرضت عليه‪ .‬ولكنه موظف‬
‫مسؤول عن تصرفاته وأعماله‪ .‬فالعبد الذي أ اّمن الله سبحانه وتعالى‬

‫لديه بعض المال هو مؤمن في نفس الوقت على المحتاجين والفقراء‬
‫وأوالد السبيل‪ .‬ومن يتصف بهذه الصفات الحميدة‪ ،‬ويمتلك هذا‬

‫الشعور بالمسؤولية‪ ،‬فإنه لن يخون األمانة ويترك من حوله دون‬
‫اهتمام أورعاية‪.‬‬

‫َأن ِْفق ُأن ِْفقْ عليك‬

‫‪202‬‬

‫إن اإلنفاق على خلق الله ‪ U‬والعطف والشفقة عليهم هو‬
‫أفضل تعبير عن محبة الخالق ‪ ،Y‬وأفضل مظهر للشكر والثناء‬
‫عليه‪ ،‬على ما تمنن به على عباده من نعم وخيرات ال تحصى‪ .‬وعلينا‬

‫‪n‬‬

‫الكرم واالنفاق‬

‫‪o‬‬

‫أن نتحلى بالكرم واإلحسان لعباد الله ‪ U‬الفقراء والمحتاجين‬
‫ألننا بحاجة لرحمته وإحسانه لنا‪ .‬حيث أن هؤالء العباد هم وسيلة‬
‫امتحان لنا في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫وكما قال الله ‪ U‬كما ورد في الحديث القدسي‪:‬‬
‫"يا ابن آدم‪َ ..‬أن ِْفقْ ُأن ِْفقْ َع َل ْي َك" (البخاري‪ ،‬التوحيد‪)35 ،‬‬

‫وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫"ال توكي فيوكى عليك" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪)20 ،‬‬

‫"ال توعي فيوعي الله عليك ارضخي ما استطعت" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪)21،‬‬

‫فإن أردنا أن نكون من المؤمنين الحقيقيين‪ ،‬الذين ‪ y‬ورضوا‬
‫عنه‪ ،‬فإننا مكلفون بالتصدق على عباد الله ‪ U‬الفقراء والمحتاجين‬
‫واإلنفاق عليهم بكرم وعطاء ما قد رزقنا ربنا ‪.U‬‬

‫اللهم ال تحرم قلوبنا من وجد اإليمان‪ ،‬ومن حرارته المعنوية‬
‫والروحانية‪.‬وال تحرم اللهم أرواحنا من سعادة الكرم ونشوته‪.‬وارزق‬
‫اللهم قلوبنا طمأنينة اإلنفاق وراحته‪...‬آميــن‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب اإلنفاق‬

‫المؤمن هو إنسان كريم وجواد‪ .‬أما الكرم الحقيقي فهو أن تنفق وتحسن‬
‫دون أن ترمش عيناك أوترجف يداك‪ .‬وأن تهب الحياة وسعادتها للقلوب‬
‫كأمطار الربيع‪ ،‬وأن تشعر بالسعادة والسرور عندما تنفق بكل صدق‬
‫وإخالص‪ .‬ويجب على المؤمن أن ينفق ويتصدق بروحانية‪ ،‬على أن‬
‫هاتين الميزتين هما من ميزاته الطبيعية والتي يجب على جميع المؤمنين‬
‫التحلي بها‪ .‬وأن يكون كالوردة التي تقدم لمن حولها أجمل الروائح الزكية‬
‫الخيرة قيم ًة عند الله ‪U‬‬
‫وألطفها‪ .‬وبذلك تكتسب الحسنات واألعمال ّ‬
‫عبر عنه الشيخ سعدي‪:‬‬
‫ويكتسب المؤمن بواسطتها رضاه‪.‬وما أجمل ما ّ‬
‫(إذا أنك ال تذهب إلى باب أحد لتطلب حاجة‪ِ ،‬‬
‫ألداء الشكر والثناء على‬
‫ذلك فال تطرد المسكين الذي قصد بابك‪ .‬وال تنهره وتغضب عليه‪ ،‬بل‬
‫قابله بالبسمة والوجه البشوش)‪.‬‬

‫آداب اإلنفاق‬

‫إذا قمنا بدراسة عن أصل التصوف وغايته‪ ،‬نرى أن أهم وسيلة‬

‫للمتصوفين في اإلنكشاف والتجلي المعنوي هو الحب‪ ،‬وذروته‬
‫في هذا الترقي هو التأدب والحرص على األدب في جميع مجاالت‬

‫الحياة‪ .‬فعلى هذا األساس فإن المؤمن يبقى في الطريق الصواب‬
‫الذي يؤدي إلى التقرب من الله ‪ ،U‬بقدر النسبة التي استطاع أن‬
‫يخصصها من قلبه لمحبة الله ‪ U‬ومحبة رسوله األكرم محمد‪.r‬‬
‫وأكبر إثبات لذلك هو محاولة التخلق باألخلق النبوية‪.‬‬

‫ويشكل «شعور األدب» السامي أصل وأساس األخلق النبوية‬

‫الرفيعة‪ .‬وكما قال الصحابة الكرام ‪ y‬عن النبي الكريم محمد ‪r‬‬
‫أنه كان ذا حياء شديد‪ ،‬وحاله كحال الفتاة العذراء التي غطت نفسها‬

‫بعباءتها حيا ًء وخج ً‬
‫ل‪ .‬وكما قال ‪ r‬معبر ًا عن األدب الذي كان‬
‫يتحلى به‪ ،‬حيث ورد في الحديث لشريف‪:‬‬
‫"أدبني ربي‪ ،‬فأحسن تأديبي"‬

‫(السيوطي‪ ،‬جامع الصغير‪)12 ،1 ،‬‬

‫‪207‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي عن األدب الذي يعتبر ذروة‬
‫الفضائل البشرية‪:‬‬

‫«إذا أردت أن تدوس على رأس الشيطان وتهشمه‪ ،‬فافتح‬
‫عينيك وانظر جيد ًا‪ ،‬فاألدب هو ما يقهر الشيطان‪ .‬وإن لم يتواجد‬
‫األدب عند أحد من البشر فهو في الحقيقة ليس بإنسان»‪.‬‬

‫وعلى هذا األساس فإن أهم اللوحات التي كتبت على جدران‬
‫المقامات والمباني الدينية القديمة‪ ،‬كانت عبارة عن لوحات تنبه‬
‫وتذكر الناس باألدب‪ .‬فكان قد كتب على الكثير منها‪« :‬أدب يا ُه ْو»‬
‫أي بمعنى‪« :‬تأدبوا أو عليك باألدب يا أيها األنسان»‪ .‬ولديها معنى‬
‫آخر في نفس الوقت حيث تعني «اللهم أحسن إلينا باألدب»‪.‬‬

‫وشعور األدب الذي يشكل أصل اإليمان وأساسه‪ ،‬هو الخصلة‬
‫التي تحيط بالمؤمن من جميع جوانبه‪ ،‬وفي كل لحظة من لحظات‬
‫حياته‪ .‬وخاصة أثناء قيامه بالعبادات وأثناء تعامله مع الناس‪.‬‬

‫وقد بين الله ‪ Y‬أنه قد خلقنا وخلق كل شيء لكي نعبده فقط‪.‬‬
‫فمن هذا المنظور فإن عبادتنا ومعاملتنا الحسنة مع اآلخرين هي‬
‫بمثابة حبل الوريد لعبوديتنا تجاه خالقنا ‪ .U‬أي أنه ال يمكن أن‬
‫نتخيل حياة العبودية التي نعيشها دون عبادة الله ‪ U‬ودون تعامل‬
‫َحسن مع اآلخرين‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫باإلضافة إلى أنه ليس كافي ًا أداء واجبات العبودية تجاه الله‬
‫‪ ،U‬بل أن كيفية أداء تلك الواجبات تحمل أهمية كبيرة جد ًا في‬
‫هذا الصدد‪ .‬ألن الشرط الوحيد واألساسي للتقرب من الله ‪U‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫والحصول على رضائِه ومحبته هو الحرص على األدب في التعامل‬

‫مع الناس‪ ،‬وفي القيام بالعبادات‪ .‬ولهذا السبب فإن األعمال‬
‫والواجبات التي يقوم بها العبد دون أن يتقيد بشروط وقواعد األدب‬
‫وأصول األركان‪ ،‬بل يقوم بتأديتها من قبيل التخلص من شعوره بأنه‬

‫مجبر على القيام بها‪ ،‬إنما أجرها وثوابها ضائع‪ ،‬وهي من األعمال‬
‫التي ستكون هبا ًء منثور ًا‪ .‬وال يبقى منها لصاحبها إال التعب والوقت‬

‫الذي أضاعه من دون فائدة وال جدوى‪.‬‬

‫وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫"رب صائم ليس له من صيامه إال الجوع ‪ .‬ورب قائم ليس له‬

‫من قيامه إال السهر"‬

‫(ابن ماجة‪ ،‬الصيام‪)21 ،‬‬

‫فكما أننا نحرص على اإلهتمام بشروط الخشوع في الصلة‬
‫التي تشكل عماد الدين‪ ،‬فيجب علينا أيض ًا أن نحرص على قواعد‬

‫األدب وأن نبدي اهتمامنا لتطبيقها أثناء قيامنا بالعبادات األخرى‬
‫كأداء الزكاة والصدقات‪ .‬وإن لم نفعل ذلك فإننا نستحق قول الله‬

‫‪ U‬الذي وجهه للمصلين الذين ال يخشعون في صلتهم وال‬
‫يقومون بأدائها كما يجب‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫ن] (الماعون‪)4 ،‬‬
‫[ َف َو ْي ٌل لِ ْل ُم َص ِّل ْي َ‬

‫فالقيام بأداء عبادة اإلنفاق بأسلوب خاطئ وغير الئق باألدب‬

‫وبقوانينه وشروطه‪ ،‬يؤدي بالعبد إلى نفس العاقبة السيئة‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫َال ُتب ِط ُلو ْا َص َد َقاتِ ُكم بِا ْل َم ِّن َو َ‬
‫األ َذى‬
‫ْ‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لقد علمنا الله ‪ U‬قواعد األدب في اإلنفاق وأمرنا بالتقيد بها‪،‬‬

‫كما قال ‪ Y‬في اآليات الكريمه‪:‬‬

‫ين ُي ِ‬
‫نف ُقونَ َأ ْم َو َال ُه ْم ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه ُث َّم َال ُي ْتبِ ُعونَ َما َأن َف ُقو ُا َم ًّنا‬
‫[ا َّل ِذ َ‬
‫َو َال َأ ًذى َّل ُه ْم َأ ْج ُر ُه ْم ِع َ‬
‫ند َر ِّب ِه ْم َو َال َخ ْو ٌف َع َل ْي ِه ْم َو َال ُه ْم َي ْحزَ ُنونَ ‪.‬‬

‫َق ْو ٌل َّم ْع ُر ٌ‬
‫يم‪َ .‬يا‬
‫وف َو َمغْ ِف َر ٌة َخ ْي ٌر ِّمن َص َد َق ٍة َي ْت َب ُع َها َأ ًذى َوال َّل ُه َغنِ ٌّي َح ِل ٌ‬
‫ين آ َمنُو ْا َال ُتب ِط ُلو ْا َص َد َقاتِ ُكم بِا ْل َم ِّن َو َ‬
‫األ َذى َكا َّل ِذي ُي ِ‬
‫نف ُق َم َال ُه‬
‫َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫ْ‬
‫اس َو َال ُيؤْ ِم ُن بِال َّل ِه َوا ْل َي ْو ِم ِ‬
‫اآلخ ِر َف َم َث ُل ُه َك َم َثلِ َص ْف َو ٍ‬
‫ِر َئاء ال َّن ِ‬
‫ان َع َل ْي ِه‬
‫اب َف َأ َصا َب ُه َوابِ ٌل َفت ََر َك ُه َص ْلدً ا َّال َي ْق ِد ُرونَ َع َلى َش ْي ٍء ِّم َّما َك َس ُبو ْا‬
‫ُت َر ٌ‬
‫ين] (البقرة‪)264–262 ،‬‬
‫َوال َّل ُه َال َي ْه ِدي ا ْل َق ْو َم ا ْل َك ِاف ِر َ‬
‫وقد بين الله ‪ U‬في اآليات الكريمة بشكل واضح بأنه يجب‬

‫علينا أن نحرص على تعلم قواعد األدب والتقيد بها أثناء القيام‬

‫الخيرة والحسنة‪ .‬أي أنه ال قيمة عند الله ‪ U‬لعمل قام‬
‫باألعمال اّ‬
‫به أحد من الناس وقد أهان محتاج ًا‪ ،‬أو أخجل فقير ًا‪ ،‬أو استهزأ‬
‫بمسكين‪ .‬والذين ينفقون أموالهم بقلب قاس كالحجر وخال من‬

‫العواطف والمشاعر اإلنسانية‪ ،‬فإنهم يقضون بأيديهم على ثوابهم‬

‫وأجورهم التي سينالونها من الله ‪ Y‬مقابل أعمالهم‪.‬‬

‫وال يذهب ثواب من تفاخر بعمل الخير وأهان الفقراء‬

‫‪210‬‬

‫والمحتاجين بما أنفق وتصدق به عليهم فحسب‪ ،‬بل يكون بذلك‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫قد جلب غضب الله ‪ U‬عليه بنفسه‪ .‬فكما ورد في الحديث الشريف‬
‫ِ‬
‫لثلث مرات حيث قال‪:‬‬
‫أن الرسول ‪ r‬قد كرر الجملة التالية‬
‫" َث َال َث ٌة َال ُي َك ِّل ُم ُه ْم ال َّل ُه َي ْو َم ا ْل ِق َيا َم ِة ‪َ ،‬و َال ُيزَ ِّكي ِه ْم ‪َ ،‬و َال َي ْن ُظ ُر إِ َل ْي ِه ْم‬
‫يم"‬
‫‪َ ،‬و َل ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫اب َألِ ٌ‬
‫فقال سيدنا أبوذر الغفاري ‪:t‬‬

‫ثلثة ال يكلمهم الله يوم القيامة وال ينظر إليهم وال يزكيهم‬
‫ٍ‬
‫مرات قال أبو ذر‬
‫ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله ‪ r‬ثلث‬
‫خابوا وخسروا من هم يا رسول الله ؟ قال‬

‫"المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"‬

‫اإليمان‪.)171 ،‬‬

‫(مسلم‪،‬‬

‫وكما رأينا في الحديث الشريف‪ ،‬فإن اإلنفاق المليء بالرياء‬

‫والمظاهر والمن هو من األعمال الخطيرة التي توقع اإلنسان في‬
‫العذاب وسخط الله ‪ ،U‬بد ً‬
‫ال من أن يحصل على الثواب واألجر‪.‬‬

‫ألن قلوب البشر تتميز بالرقة اإللهية‪ ،‬وال تحتمل الذل واإليذاء بأي‬

‫شكل كان‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أن الزكاة والصدقات هي حق طبيعي من حقوق‬

‫الفقراء والمحتاجين قد أمر الله ‪ Y‬بأن تؤخذ من مال األغنياء‬
‫وتعطى إليهم‪ .‬وإن إيتاء الزكاة وإعطاء الصدقات ليس من النوافل‬
‫التي تعتبر تجم ً‬
‫ل وتلطف ًا على المساكين والفقراء‪ ،‬بل هو إعطاء كل‬

‫‪211‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ذي حق حقه‪ .‬والثروة والمال الدنيوي ما هو إال عبارة عن أمانة إلهية‬
‫ُأودعت من قبل الله ‪ U‬عند بني البشر‪ .‬ومن نسي وغفل عن ذلك‪،‬‬

‫وظن نفسه – بكونه واسطة إليصال نعم الله وأمانته إلى أصحابها – بأنه‬
‫قد عمل عم ً‬
‫ل يسمح له بأن يتباهى به ويتكبر بفضله على الفقراء‬

‫والمساكين‪ ،‬فما ذلك إال حماقة منه وجعل وسوء نية‪.‬‬

‫لذا يجب علينا أن ال نتكبر في اإلنفاق وال نستصغر الفقير‪،‬‬
‫بل على العكس تمام ًا‪ ،‬فيجب علينا أن نضع أنفسنا مكانه ونتفكر‬
‫ونتأمل في أننا ربما في يوم من األيام نصل إلى حد تسوء فيه حالتنا‬

‫وتؤول إلى حال ذلك الفقير‪ .‬حيث أن موضوع الغنى والفقر – ولو أنه‬

‫يتطلب قلي ًل من الجهد والعمل – فهو باألساس موضوع يتعلق بالقسمة‬

‫التي ُقسمت لإلنسان‪ ،‬وبرزقه الذي ُكتب له من قبل الله س‪ .U‬وإنه‬
‫بمقدو ِر الخالق ‪ Y‬أن يجعل الغني فقير ًا‪ ،‬والفقير غني ًا في أي لحظة‬

‫شاء‪ .‬وتلك األمور ال تعتبر مقياس ًا على المستوى ورقية المقام‬
‫عند الله ‪ .U‬وكلهما عبارة عن شكل من أشكال اإلمتحانات‬

‫واإلختبارات التي يتعرض لها البشر في الحياة الدنيا‪ .‬وال فرق بين‬
‫أحد بالمستوى والمقام‪ ،‬بل الفرق هو فقط بالتقوى‪ .‬إذ ًا فالتكبر‬
‫على فقير أومحتاج بسبب التصدق واإلنفاق عليه‪ ،‬ما هو إال غفلة‬

‫الشخص عن سر اإلمتحان الذي يمتحن به في حياته‪.‬‬
‫‪212‬‬

‫وكما قال الشيخ سعدي شيرازي في كتابه« البستان»‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫«إذا أحسنت ألحد من الناس وتصدقت فل تتكبر عليه بقولك‬

‫(أنا سيد‪ ،‬أنا عظيم‪ ،‬وهذا الفقير محتاج لي ولمالي)‪ .‬وال تقل أن‬
‫سيف الزمان قد ضرب ذلك المحتاج‪ ،‬ألن السيف الذي قد ضربه‬

‫لم يدخل غمده بعد‪ .‬ومن الوارد في يوم من األيام أن يضربك أنت‬
‫أيض ًا ذلك السيف»‪.‬‬
‫ويجب على األغنياء أن يكونوا دائم ًا في تفكر وتأمل في حالة‬

‫الفقراء وذلك بوضع أنفسهم في مكانهم‪ ،‬وأن ال ينسوا أن الله ‪U‬‬
‫كان بوسعه أن يخلقهم في وضع أولئك الفقراء وأن يخلق الفقراء في‬

‫وضع األغنياء‪ .‬وبما أنه قد خلقهم بهذا الشكل وعلى هذه الوضعية‪،‬‬
‫ووهب األغنياء النعم الوفيرة‪ ،‬فعليهم أن يعرفوا بأن الله ‪ Y‬قد‬

‫جعل الفقراء أمانة عليهم‪ ،‬وأنه قد جعل الضعفاء أمانة على األقوياء‪،‬‬
‫وجعل األغنياء واألقوياء مسؤولين عنهم‪ .‬فعلى األغنياء أن يتصدقوا‬
‫وينفقوا على الفقراء شكر ًا وثناء على ما رزقهم الله ‪.U‬‬

‫وكم تحتوي كلمات الشيخ سعدي من معان جميلة ومفيدة‬

‫عندما كتبها في كتابه« البستان» حيث قال‪:‬‬

‫«إذا قصد فقير بابك فل ترسله فارغ اليدين‪ ،‬فل قدر الله أن‬
‫تكون يوم ًا فقير ًا مثله وتقصد أبواب الناس‪ .‬و واس جريح القلب‪،‬‬
‫وكن معه وبجانبه‪ ،‬واسأله عن أحواله‪ ،‬فربما تؤول أحوالك إلى مثل‬

‫أحواله في يوم من األيام‪ .‬وأنت الذي ال تذهب إلى باب أحد لتطلب‬
‫حاجة‪ُ ،‬شكر ًا وثناء على ذلك فل تطرد المسكين الذي قصد بابك‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وال تنهره وال تغضب عليه‪ ،‬بل قابله بالبسمة والوجه البشوش‪.‬‬

‫وكما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫[و َو َج َ‬
‫السائِ َل َفال‬
‫َ‬
‫ـد َك َعائِال َفأ ْغنَى‪َ .‬فأ َّما ا ْل َيتِ َ‬
‫يم َفال َت ْق َه ْر‪َ .‬وأ َّما َّ‬
‫ـه ْر‪َ .‬و َأ َّما بِنِ ْع َم ِة َر ِّب َك َف َح ِّد ْ‬
‫ث] (الضحى‪)11–8 ،‬‬
‫َت ْن َ‬

‫ويجب علينا أن نقوم بعمل الخير وننساه مباشرة‪ ،‬وذلك لكي ال‬
‫نترك في أنفسنا مجا ً‬
‫ال وفرصة للتكبر وجرح القلوب وإيذاء النفوس‬
‫والمن بما أنفقنا به‪ .‬وذلك من أهم شروط المعاملة اللطيفة والمؤدبة‬
‫اّ‬
‫تجاه الفقير والمحتاج‪.‬‬
‫وكما قال لقمان الحكيم‪:‬‬

‫«شيئان عليك أن ال تنساهما‪ ،‬الله ‪ U‬والموت؛ وشيئان عليك‬
‫أن تنساهما‪ ،‬الخير الذي َقدَّ مته ألحد‪ ،‬والسوء الذي قدمه أحد‬
‫لك»‪.‬‬

‫وقيمة أن يكون اإلنسان بالمعنى الحقيقي أه ً‬
‫ل‬
‫وإنها لنعمة كبيرة اّ‬
‫للتصدق واإلنفاق في سبيل الله ‪ .U‬وإن هذه النعمة تعطي لإلنسان‬
‫سعادة ونشوة في الدنيا واآلخرة‪ .‬ومن يؤدي هذه العبادة كما يجب‪،‬‬
‫وكما بشرنا الله ‪ ،U‬فسوف ينجو من الخوف والفزع الذي يصيب‬
‫الناس في يوم الحساب العصيب والشديد‪ .‬لذا فقد حثنا الله ‪Y‬‬
‫الذي وسعت رحمته كل شيء في مئات اآليات الكريمة‪ ،‬وحثنا‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬الذي يريد الخير وحسن العاقبة ألمته في كثير من‬

‫‪214‬‬

‫األحاديث الشريفة‪ ،‬فقد حثاّنا الله ورسوله على التصدق واإلنفاق‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫في سبيل الله‪ ،‬وبتقيدنا بذلك فقد بشاّ رنا الله ورسوله بالوصول إلى‬
‫الطمأنينة والسكينة والراحة والسعادة األبدية‪.‬‬

‫وقد حذرنا الله ‪ U‬من ضياع أجر اإلنفاق في سبيله ببعض‬

‫األعمال والتصرفات التي ال تليق بالمؤمنين‪ ،‬وأمرنا أن نتقيد بآداب‬

‫اإلنفاق حتى نحصل على األجر والثواب‪ ،‬مقابل هذه العبادة ومقابل‬
‫هذه النعمة العظيمة التي لن نفهمها ونحس بقيمتها بالمعنى الكامل‬

‫إال في اآلخرة‪.‬‬

‫إن المؤمن هو إنسان كريم‪ .‬أما الكرم الحقيقي فهو أن تنفق‬

‫وتحسن دون أن ترمش عيناك أوترجف يداك‪ .‬وأن تهب الحياة‬

‫وسعادتها للقلوب كأمطار الربيع‪ .‬وأن تشعر بالسعادة والسرور‬
‫عندما تنفق بكل صدق وإخلص‪ .‬ويجب على المؤمن أن ينفق‬
‫ويتصدق بروحانية‪ ،‬على أن هاتين الميزتين هما من ميزاته الطبيعية‬
‫والتي يجب على جميع المؤمنين التحلي بها‪ .‬وأن يكون كالوردة‬

‫التي تقدم لمن حولها أجمل الروائح الزكية وألطفها‪ .‬وبذلك تكتسب‬
‫الخيرة قيمة عند الله ‪ U‬ويكتسب المؤمن‬
‫الحسنات واألعمال‬
‫اّ‬
‫بواسطتها رضاه‪ .‬واإلنفاق بهذا الشكل فقط هو اإلنفاق الذي يتقبله‬

‫الله ‪ Y‬ويكافئ المؤمن عليه‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َو َأنَّ‬

‫َ‬
‫[أ َل ْم َي ْع َل ُمو ْا َأنَّ ال َّل َه ُه َو َي ْق َب ُل ال َّت ْو َب َة َع ْن ِع َب ِ‬
‫الص َد َق ِ‬
‫ات‬
‫اد ِه َو َي ْأ ُخ ُذ َّ‬

‫يم] (التوبة‪)104 ،‬‬
‫ال َّل َه ُه َو ال َّت َّو ُ‬
‫الر ِح ُ‬
‫اب َّ‬

‫‪215‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ويعبر سيدنا جلل الدين الرومي ‪ -‬أحد أولياء الحق ‪ – U‬عن‬

‫بركة اإلنفاق الذي يقوم به الشخص ضمن حالة روحية لطيفة‬

‫ورقيقة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«أنفق أموالك وأملكك وكل ُو ُجودك بشكل جيد‪ ،‬وادخل‬
‫قلوب الفقراء والمحتاجين‪ ،‬لكي يكون دعاء هذه القلوب نور ًا لك‬
‫يضيئ مكانك في ليالي القبر الظلماء»‪.‬‬

‫وكما أننا ال نمنع أموالنا وإمكانياتنا عن الفقراء والمحتاجين‬

‫عندما نتصدق عليهم‪ ،‬فيجب علينا أن ال نمنع عنهم اإلبتسامة العذبة‬
‫أيض ًا‪ ،‬وأن نعاملهم برقة وحنان وأسلوب لطيف‪.‬‬
‫وكان سيدنا محمود سامي رمضان أوغلو– أحد أولياء الحق ‪– U‬‬

‫سيارته‪ ،‬كان يوقف المركبة ويذهب‬
‫إذا رأى محتاجا بينما هو مستقل اّ‬
‫إلى ذلك المحتاج ويتصدق عليه بصدقة‪ ،‬مزين ًا ذلك بابتسامة ورقة‬
‫في المعاملة‪.‬‬

‫أنفق على الفقير كأنك تشكره‬

‫يتوجب األدب اإلسلمي والرقة واللطافة على المسلم بأن‬

‫ُينفق النعمة التي رزق بها على الفقراء والمساكين‪ .‬إضافة إلى أن‬
‫المعطي يجب أن يكون في حالة شكر وثناء لذلك المحتاج والفقير‬
‫‪216‬‬

‫الذي تصدق عليه‪ .‬ألنه قد أراحه من عبء مسؤوليته بأداء ذلك‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫الواجب‪ ،‬وألنه كان وسيلة له الكتساب األجر والثواب الوفيرين‪.‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫س َع َل ْي َك ُه َد ُاه ْم َو َل ِك َّن ال َّل َه َي ْه ِدي َمن َي َشاء َو َما ُت ِ‬
‫نف ُقو ْا ِم ْن‬
‫[ َّل ْي َ‬
‫نف ُقونَ إِ َّال ا ْبتِ َغاء َو ْج ِه ال َّل ِه َو َما ُت ِ‬
‫ألنف ِس ُك ْم َو َما ُت ِ‬
‫َخ ْي ٍر َف ُ‬
‫نف ُقو ْا ِم ْن َخ ْي ٍر‬
‫َ‬

‫ُي َو َّف إِ َل ْي ُك ْم َوأنت ُْم َال ُت ْ‬
‫ظ َل ُمونَ ] (البقرة‪)272 ،‬‬

‫أي أن البركة األصلية ألي عمل خير‪ ،‬ستكون من نصيب من قام‬
‫بعمل ذلك العمل‪ .‬وبدون نقص‪ ،‬بل بزيادة أضعاف ًا مضاعف ًة‪ ،‬بقدر‬
‫إخلصه وصدقه في إنفاقه‪ .‬أي أن اإلنفاق الذي يبدو ظاهري ًا أنه‬

‫فائدة لآلخذ‪ ،‬إنما هو في الحقيقة فائدة عظمى للمعطي والمتصدق‬
‫بها أكثر من اآلخذ‪ .‬لذا فعلى المعطي أن يكون شاكر ًا لآلخذ بدال‬
‫ًمن أن يمن عليه‪.‬‬

‫وقال الشعبي‪:‬‬

‫«الغني الذي ال يعتقد أنه بحاجة إلى ثواب الصدقة بقدر حاجة‬

‫الفقير إليها نفسها‪ ،‬هو من ألغى صدقته وأضاع أجرها وثوابها»‪.‬‬

‫أي طوبى لنا إن استطعنا أن نصل إلى مرتبة السخاء الحقيقي‪.‬‬
‫وال يتم ذلك إال بأن نختبر قلوبنا وأنفسنا عندما ننفق بد ً‬
‫ال من أن‬

‫نختبر قلب ونفس الفقير‪.‬‬

‫وكثير ممن يقومون بعمل خير ويتصدقون على الفقراء‬

‫والمساكين‪ ،‬ولكنهم يأملون بالمقابل منفعة‪ ،‬أويؤذون من تصدقوا‬

‫‪217‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عليه بالمن‪ .‬والقليل من الناس الذين يعتقدون ويؤمنون بأن اإلنفاق‬
‫والتصدق وأن المحتاج الذي أنفقوا عليه‪ ،‬إنما كل ذلك ُيعد من نعم‬

‫الله ‪ U‬الوفيرة‪.‬‬

‫وعلى العبد أن يشكر ربه ‪ U‬ويثني عليه ألنه هيأ له فرصة‬

‫القدرة على اإلنفاق‪ .‬ويجب عليه أن يكون في حالة الشكر للمحتاج‬

‫الذي كان الوسـيلة للحصول على تلك الفرصـة وكسـب الثواب‬

‫باإلنفاق عليه‪.‬‬

‫وقد نصحنا الشيخ سعدي بهذه النصيحة القيمة في خصوص‬

‫اعتبار أن اإلنفاق نعمة من الله ‪ ،U‬حيث قال‪:‬‬

‫«اشكر الله ألنه وفقك على عمل الخير‪ .‬وأنه لم يتركك وحيدا‬
‫ًبما أنعم عليك وأحسن إليك‪ .‬ومن خدم حاكم ًا ال يمن عليه‪ ،‬فكن‬
‫ممنون ًا لله ‪ U‬ألنه أعطاك قدرة خدمته»‪.‬‬

‫وكانت حالة اإلنفاق والتصدق عند والدي المحترم موسى‬

‫طو اّباش أفندي‬
‫مقاييس األدب التي يجب أن تكون قدوة لنا في حياتنا‪ .‬فكان ينفق‬
‫– رحمة الله عليه –‬

‫تحتوي في هذا الخصوص على‬

‫ويتصدق على الفقراء والمحتاجين ضمن أسلوب إسلمي أنيق‬

‫وجميل‪ ،‬مبني على الظرافة واللطافة ورقة اإلحساس‪ .‬فكان يضع‬

‫النقود التي يريد أن يتصدق بها في مغلف ورقي‪ ،‬وكان يكتب هذه‬
‫‪218‬‬

‫العبارة الجميلة بعد توجيه خطاب أنيق باسم الشخص الذي يريد أن‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫يعطيه ذلك المغلف‪« :‬نشكركم لقبولكم إكرامنا»‪ .‬أي أنه كان في‬

‫حالة الشكر والثناء لمخاطبه الفقير‪ ،‬ألنه كان وسيلة له للحصول‬
‫على رضا الله ‪ .U‬وكان رحمة الله عليه يحرص على أن ال يشعر‬
‫مخاطبه بأي نوع من المن أو الذل أو اإلستصغار‪.‬‬

‫وقد عبر سيدنا جلل الدين الرومي عن هذه الحقائق بهذه‬

‫الكلمات المعبرة والمليئة بالحكمة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«الشخص المحتاج هو مرآة أصحاب الكرم والسخاء‪ ،‬وإياك‬

‫أن تقف أمام تلك المرآة وتعكرها بتكلمك بكلم جارح يؤذي‬
‫القلوب والعواطف»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«كما أن الفقير محتاج للصدقة‪ ،‬فالصدقة أيض ًا بحاجة للفقير‪.‬‬

‫وكما أن الشخص الجميل يبحث عن مرآة نظيفة والمعة وخالية من‬
‫الغبار واألوساخ‪ ،‬فإن الكرم والسخاء أيضا يبحثان عن المحتاجين‬

‫والفقراء والضعفاء»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«إن الفقراء هم مظهر من المظاهر التي تعكس تجلي الله ‪U‬‬

‫على األرض‪ .‬وهؤالء الفقراء يقصدون أصحاب الكرم والسخاء‪،‬‬
‫ويحكون لهم عن همومهم ومشاكلهم واحتياجاتهم‪ .‬وبذلك يهيئون‬

‫طرق السعادة لألغنياء الذين حالفهم الحظ»‪.‬‬

‫‪219‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ولهذا السبب‪ ،‬فإذا قصد بابنا محتاج وأخبرنا عن همومه‬
‫وأحزانه واحتياجاته‪ ،‬فعلينا أن نتقبل ذلك على أنه كرم ورحمة‬
‫خاصة من الله ‪ U‬لنا‪ ،‬وأنه شرف لعبوديتنا تجاه خالقنا ‪.Y‬‬
‫وقد شرح سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه‬
‫هذه الحقيقة بأسلوب جميل وبارع‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫«ما أدري أي النعمتين أعظم علي منة من ربي رجل بذل‬
‫مصاص‪ 1‬وجهه إلي فرآني موضعا لحاجته وأجرى الله قضاءها أو‬
‫يسره على يدي وألن أقضي المرئ مسلم حاجة أحب إلي من ملء‬
‫األرض ذهبا وفضة » (علي المتقي‪ ،‬كنز العمال‪)17049/598 ،6 ،‬‬

‫وإن تكبر من تصدق وأنفق على فقير‪ ،‬أو انتظاره منه أن يطري‬
‫عليه ويمدحه ويشكره إنما يذهب ويمسح كل أجر وبركة األعمال‬
‫الخيرة‪ .‬فيجب على من ينفق ويتصدق على الفقراء والمحتاجين أن‬
‫اّ‬
‫ال يرجو وال يأمل سوى رضاء الله ‪ ،U‬ويدعوله بأن يتقبل طاعته‬
‫وعبادته‪ .‬وأن ال ينسى أن انتظاره كلمة شكر أوإطراء أوحتى انتظاره‬

‫الدعاء من المحتاج‪ ،‬إنما يقلل من درجة اإلخلص ويحجب عنها‬
‫النور‪.‬‬

‫وفي هذا الصدد يجب على جميع المؤمنين – أهل اإلنفاق‬

‫والتصدق في سبيل الله ‪ – Y‬أن يتخذوا سيدنا علي بن أبي طالب كرم‬
‫الله وجهه وسيدتنا فاطمة ‪ c‬قدوة لهم في خصوص اإلنفاق‪ .‬حيث‬
‫‪220‬‬

‫‪1‬‬

‫املصاص‪ :‬خالص كل يشء‪ .‬النهاية‪.337 ،4 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫يتصر َ‬
‫فون به عند أداء‬
‫أنهم قد نالوا تقدير الله ‪ U‬على تصرفهم الذي‬
‫اّ‬
‫ذلك العمل الرفيع‪ .‬فكما ورد في اآليات الكريمه‪:‬‬

‫[و ُي ْط ِع ُمونَ َّ‬
‫يما َو َأ ِس ًيرا‪ .‬إِ َّن َما‬
‫َ‬
‫الط َعا َم َع َلى ُح ِّب ِه ِم ْس ِكينًا َو َيتِ ً‬
‫ُن ْط ِع ُم ُك ْم لِ َو ْج ِه ال َّل ِه ال ُنرِيدُ ِم ُ‬
‫ورا‪ .‬إِ َّنا َن َخ ُ‬
‫اف ِمن‬
‫نك ْم َجزَ اء َوال ُش ُك ً‬

‫اه ْم َن ْض َر ًة‬
‫اه ُم ال َّل ُه َش َّر َذلِ َك ا ْل َي ْو ِم َو َل َّق ُ‬
‫وسا َق ْم َط ِر ًيرا‪َ .‬ف َو َق ُ‬
‫َّر ِّبنَا َي ْو ًما َع ُب ً‬
‫ورا] (اإلنسان‪)11–8 ،‬‬
‫َو ُس ُر ً‬

‫وقد شكلت سيدتنا عائشة أم المؤمنين ‪ c‬مثا ً‬
‫ال رائع ًا عن‬

‫الحرص على عمل الخير‪ ،‬وإعطاء الصدقة ِ‬
‫«ح ْسبة لله»‪ ،‬أي في‬

‫سبيل إرضاء الله ‪ U‬فقط‪ .‬وعدم تأمل حتى كلمة شكر على ذلك‪،‬‬
‫لكي ال ينقص من األجر والثواب شيئ ًا‪.‬‬

‫وكانت عائشة وأم سلمة ‪ v‬إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا‬
‫للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقوالن هذا‬
‫بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا فكانوا ال يتوقعون الدعاء ألنه شبه‬
‫المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء بمثله وهكذا فعل عمر بن الخطاب‬
‫وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهكذا كان أرباب القلوب يداوون‬
‫قلوبهم (الغزالي‪،‬اإلحياء‪422 ،1 ،‬؛ الزمحشري‪ ،‬كشاف‪ ،‬اإلنسان‪)9 ،‬‬

‫‪221‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫طريق الوصول إلى البر و نيله‬
‫قال الله ‪ U‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫َ‬
‫نف ُقو ْا ِم َّمـا ُت ِح ُّبـونَ َو َما ُت ِ‬
‫[لن َتنَا ُلو ْا ا ْلبِ َّر َح َّتى ُت ِ‬
‫نف ُقو ْا ِمن َش ْي ٍء َفإِنَّ‬
‫يم] (آل عمران‪)92 ،‬‬
‫ال َّل َه بِ ِه َع ِل ٌ‬

‫معبر ًا عن الهدف السامي الذي يجب على العباد محاولة‬

‫الوصول إليه‪ ،‬أال وهو الحصول على شرف التقرب من الخالق ‪U‬‬
‫وأحد أهم اآلداب التي يجب أن نحرص على التخلق بها في اإلنفاق‬

‫هي اإلنفاق مما نحب‪ .‬حيث أن هذا التصرف يبين أيضا مستوى‬

‫محبة العبد المؤمن لربه ‪.Y‬‬

‫لذا يجب علينا أن نفكر فيما ما نملك‪ ،‬وأن نستخرج منها‬

‫األشياء التي نحبها‪ ،‬وأن نقيس مستوى صدقنا وإخلصنا في إنفاقنا‬
‫وتصدقنا على الفقراء والمساكين‪ .‬وبذلك يجب علينا أن نتقدم في‬

‫الطريق التي ستوصلنا إلى كمال الخير واإلحسان‪ .‬وعلينا أن نتصدق‬

‫بما نريد أن يتصدق علينا به إن وضعنا أنفسنا في مكان ذلك الفقير‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪222‬‬

‫ين آ َمنُو ْا َأ ِ‬
‫نف ُقو ْا ِمن َط ِّي َب ِ‬
‫ات َما َك َس ْبت ُْم َو ِم َّما َأ ْخ َر ْجنَا‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫َل ُكم ِّم َن َ‬
‫آخ ِذ ِ‬
‫نف ُقونَ َو َل ْستُم بِ ِ‬
‫يث ِم ْن ُه ُت ِ‬
‫ض َو َال َت َي َّم ُمو ْا ا ْل َخبِ َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫يه إِ َّال َأن‬
‫تُغْ ِم ُضو ْا ِف ِ‬
‫يه َو ْاع َل ُمو ْا َأنَّ ال َّل َه َغنِ ٌّي َح ِ‬
‫ميدٌ ] (البقرة‪)267 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫وعلى الشخص أن ال يظن نفسه أنه قد تصدق‪ ،‬إذا كان قد‬

‫تصدق على فقير أومحتاج بشيء لن يعجب به هو نفسه إن أعطي‬
‫له من قبل اآلخرين‪ .‬فالتصدق على المحتاج تصدق ًا غير نابع‬
‫من القلب‪ ،‬بأشياء بسيطة كاأللبسة القديمة‪ ،‬أو الطعام الذي فقد‬

‫لذته‪ ،‬أوالتبرعات الرمزية‪ ،‬ولربما ذلك يفرح الفقير والمحتاج‬
‫آنيا‪ ،‬ولكن التبرعات من هذا القبيل ستجعل الفقير يحس بفقره‬

‫وبذله وبوضاعته في المجتمع الذي يعيش فيه‪ .‬فليس هذا بالمعنى‬

‫الحقيقي هو اإلنفاق الذي يجب أن نقوم به‪.‬‬

‫إن المؤمن هو إنسان ذو كرم وعطاء‪ .‬وليس من الكرم الحقيقي‬

‫أن يختصر باإلنفاق على الكميات البسيطة والقليلة‪ .‬بل أن ينفق‬

‫باألشياء التي يحبها‪ ،‬وبكميات معقولة وذات قيمة وفائدة تحل‬

‫مشاكل الفقير‪ ،‬وتشفي غليل قلبه‪.‬‬

‫وتعاونوا على البر والتقوى‬

‫إن الهدف من اإلنفاق هو تخليص الفقير تمام ًا من الصعوبات‬

‫التي تواجهه في حياته‪ .‬وال شك في أن إمكانيات وميزانية كل‬
‫شخص على اإلفراد لن تكون كافية لوحدها في تحقيق ذلك‪ .‬لذا‬

‫يجب علينا أن نتعاون ون اّتحد في عمل الخير‪ .‬وكما قال الله ‪ U‬في‬
‫ى] (المائدة‪)2 ،‬‬
‫اآلية الكريمة‪[ :‬و َت َع ْا َو ُن ْوا َع َل ْى ا ْلبِ ِّر وال َت ْق َو ْ‬

‫‪223‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وذلك يعني أن التعاون في فعل الخير واألعمال الحسنة هو أمر‬
‫من الله ‪ .U‬ومعنى ذلك هو أن نعمل سوية ونتحد في عمل الخير‪،‬‬
‫وخاصة في الخدمات التي ال يمكن تأديتها بالمجهود الفردي‪.‬‬
‫وبذلك نسعى إلى إظهار الخير والبركة وإنشاء مؤسسات ترعى ذلك‬
‫الهدف‪ ،‬عن طريق العمل الجماعي المنظم‪.‬‬

‫ومن هذا المنظور‪ ،‬فإن لم نمتلك القدرة واإلمكان بدرجة‬
‫كافية تسد حاجات الفقراء والمحتاجين وتحل مشاكلهم‪ ،‬فعلينا أن‬
‫نحث الناس من حولنا على عمل الخير وتقديم المساعدات‪ ،‬وذلك‬
‫بامتثالنا أمر الله ‪[ :U‬وتعاونوا على البر والتقوى]‪.‬‬

‫وما يليق بالمؤمن الحقيقي هو أن يكون دائم ًا في حالة استعداد‬
‫تام للقيام بأعمال الخير‪ ،‬ومساعدة الفقراء والمحتاجين‪ .‬والمؤمن‬
‫الذي أدرك ذلك وتفهمه جيد ًا‪ ،‬فحتى ولو لم يملك اإلمكان المادي‬
‫لكي ينفق على الفقراء والمساكين‪ ،‬فبإنفاقه لوقته وجهده ربما يكون‬
‫وسيلة وواسطة ألعمال خير أكبر وذات فائدة أكثر‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫ويجب علينا أن نتجنب اإلصابة بمرض العصر‪ ،‬وهو انتشار‬
‫فكرة اإلنفاق والتصدق على الفقراء والمساكين بمساعدات رمزية‬
‫ال تشفي الغليل وال تحل أية مشكلة‪ ،‬آملين بذلك أن نريح ضمائرنا‬
‫ووجداننا بصرف الفقير عنا والتفكير بالتخلص من اإلجبار‪ .‬وعلينا‬
‫أن نتمعن في التفكير بنسبة إنفاقنا مما رزقنا الله ‪ U‬وأحسن به إلينا‪.‬‬
‫وأن نسأل أنفسنا بعض األسئلة‪ ،‬فمث ً‬
‫ل ما نسبة ما أنفقناه وتصدقنا‬
‫به على الفقراء والمحتاجين مقابل ما ننفقه على أنفسنا ؟‪ .‬أم هل‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫نحن نريح ضمائرنا فقط بإنفاق جزء بسيط من النعم التي رزقنا إياها‬
‫ربنا ‪ ،U‬مقارنين إنفاقنا وتصدقنا بمستوى اإلنفاق والتصدق في‬
‫المجتمع؟‪.‬‬
‫مع العلم أنه يجب علينا كمؤمنين أن نقارن أنفسنا ونزنها في كل‬
‫خصوص بسيدنا محمد ‪ ،r‬وبأصحابه الكرام ‪ .y‬حيث أمرنا الله‬
‫‪ U‬أن نتخذ عباده هؤالء المتقين قدوة ومثا ً‬
‫ال في حياتنا ومعيشتنا‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين َو َ‬
‫[والسابِ ُقونَ َ‬
‫األ َّو ُلونَ ِم َن ا ْل ُم َه ِ‬
‫وهم‬
‫ين ا َّت َب ُع ُ‬
‫نصا ِر َوا َّل ِذ َ‬
‫اج ِر َ‬
‫األ َ‬
‫َ َّ‬
‫ان َّر ِض َي ال َّل ُه َع ْن ُه ْم َو َر ُضو ْا َع ْن ُه َو َأ َعدَّ َل ُه ْم َج َّن ٍ‬
‫بِإِ ْح َس ٍ‬
‫ات َت ْج ِري َت ْحت ََها‬
‫َ‬
‫يم] (التوبة‪)100 ،‬‬
‫األن َْه ُار َخالِ ِد َ‬
‫ين ِف َيها َأ َبدً ا َذلِ َك ا ْل َف ْو ُز ا ْل َع ِظ ُ‬

‫وقد دفع جيل الصحابة الكرام ‪ t‬بدل إيمانهم وتقواهم‬
‫بأموالهم وأرواحهم‪ ،‬وبتحملهم وصبرهم على المصاعب التي‬
‫واجهوها وعاشوها في مكة المكرمة ألول مرة‪ .‬أما المرة الثانية‪،‬‬
‫فقد دفعوا بدل قدرة العيش بكرامتهم كمسلمين في المدينة المنورة‪،‬‬
‫وذلك بتصديهم لغارات المشركين عليهم لعدة مرات‪ .‬وللمرة‬
‫الثالثة‪ ،‬فقد دفعوا بدل مسؤولية اإليمان‪ ،‬وذلك بحملهم أمانة إيصال‬
‫نور الهداية لقرون طويلة‪ ،‬بما قاموا به من تقديم الخدمات الجليلة‬
‫للتبليغ والدعوة ونشر الرسالة‪ .‬وقد ضحوا بكل ما ملكوا من نعم‬
‫وخيرات في سبيل الله ‪ .U‬ألنهم كانوا دائم ًا يعيشون متفكرين‬

‫ومتأملين باآلية الكريمة التالية‪:‬‬
‫يم] (التكاثر‪)8 ،‬‬
‫[ ُث َّم َلت ُْس َأ ُل َّن َي ْو َمئِ ٍذ َع ِن ال َّن ِع ِ‬

‫‪225‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ونحن بدورنا لكي نستطيع أن نكون من أهل اإلنفاق والتصدق‬

‫الصادق والمخلص في سبيل الله ‪ ،Y‬علينا أن نتخذ جيل الصحابة‬

‫الكرام ‪ y‬قدوة لنا‪ ،‬وأن نحاول أن نستفيد من تلك التضحيات‬

‫الثلثة التي قدموها‪.‬‬

‫الدّ ُّال على َ‬
‫الخي ِر كفاعله‬
‫ويجب علينا أن نحرص على أن يكون اإلنفاق والتصدق الذي‬
‫نقوم به كافي ًا ومناسب ًا من الناحية المادية‪ ،‬حتى يكون قادر ًا على‬
‫تضميد جروح المجتمع النازفة‪ .‬ويكون دواء لداء واحد على األقل‬

‫من األمراض االجتماعية الكثيرة والمنتشرة‪ .‬وعندما نصل إلى حد‬
‫من العجز عن فعل ذلك بأنفسنا وحدنا‪ ،‬فعلينا أن ال نفقد األمل‬
‫وننسحب إلى الخلف تاركين المحتاج لوحده يواجه همه وحزنه‬
‫وغم ِه بقولنا‪« :‬إنني ال أستطيع أن أقدم له المعونة‪ ،‬هذه‬
‫وفقره‬
‫اّ‬

‫استطاعتي وقدرتي‪ ،‬وال يمكنني أن أقوم بأكثر من ذلك»‪.‬‬

‫فبد ً‬
‫ال من ذلك‪ ،‬يجب علينا في هذه الحالة أن نفكر بالجملة‬
‫التالية‪« :‬هل يا ترى أستطيع أن أجد ح ً‬
‫ل يخلص هذا الفقير من‬

‫همه وكدره وفقره؟!»‪ .‬فنحاول من بعد ذلك أن نبحث عن األغنياء‬

‫‪226‬‬

‫وأصحاب اإلمكانيات الوفيرة من جهة‪ ،‬وعن الفقراء والمحتاجين‬
‫ُ‬
‫يربط َبعضهم‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬ونكون بدورنا قد شكلنا جسر ًا‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫بِ ْبع ٍ‬
‫ض‪ .‬وقد حثنا نبينا الكريم محمد ‪ r‬على فعل ذلك‪ ،‬فقال كما‬
‫ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"الدال على الخير كفاعله"‬

‫(الترمذي‪ ،‬العلم‪.)14 ،‬‬

‫وعلى ضوء هذه الحقائق‪ ،‬فيقوم أولياء الحق ‪ U‬في كل فرصة‬

‫ومناسبة بحث الناس وتشجيعهم على فعل الخير‪ .‬وبذلك يكونون‬
‫قد أصبحوا شركاء معنويين لمن يقوم بفعل الخير إجابة لهم وعمل‬

‫بنصائحهم‪.‬‬

‫وقد عجنت أرواح أجدادنا العثمانيون بهذا الشعور الديني‬
‫والنضوج ِ‬
‫األجتماعي‪ .‬فوصلوا إلى الذروة في عمل الخير واإلنفاق‬

‫والتصدق على الفقراء والمساكين في سبيل الله ‪ .Y‬وحولوا‬
‫المجتمع إلى شبكة منسوجة بخيوط الرحمة والشفقة‪ ،‬وذلك‬
‫بالمؤسسات الخيرية ومؤسسات الرعاية اإلجتماعية التي قاموا‬

‫بإنشائها في كل مكان‪.‬‬

‫وكانت حالة سيدنا (أق شمس الدين) الذي كان له دور كبير‬

‫في توجيه شخصية السلطان محمد الفاتح‪ ،‬وفي الفتوحات التي‬
‫قام بها‪ ،‬كانت معبرة جد ًا ومليئة بالمعاني والعبر؛ ففي أول يوم‬
‫جمعة بعد فتح القسطنطينية أقيمت احتفاالت بمناسبة االنتصار‬

‫العظيم الذي صارت إثره مدينة اسطنبول بيد المسلمين‪ ،‬وقد أقيمت‬
‫ِ‬
‫األحتفاالت في منطقة (أوق َم ْيده ني) بعد صلة الجمعة‪ .‬فألقى‬

‫السلطان محمد الفاتح الذي نال شرف هذا الفتح العظيم كلمة‪ ،‬ولم‬

‫‪227‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ينس أبد ًا المساعدات التي قدمت إليه ِم َّمن حوله من المحاربين‬
‫َ‬
‫والمؤيدين‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«للشهداء رحمة الرحمن‪ ،‬وألبطال الحرب الشرف والشأن‪،‬‬
‫وللشعب فخر الشكران»‪.‬‬

‫ثم قام بتوزيع األموال واألملك واألراضي كهدية لإلنتصار‬
‫على مئة وسبعين ألف شخص من الجنود والمدنيين‪ .‬وفي هذه‬
‫األثناء تكلم سيدنا أق شمس الدين القائد المعنوي للسلطان محمد‬
‫الفاتح‪ ،‬وأحد أولياء الحق ‪ ،U‬موجه ًا كلمه ألبطال الحرب‬
‫المتواجدين في اإلحتفال‪ ،‬فقال ناصح ًا لهم‪:‬‬

‫«يا أبطال الحرب !! ال تنسوا أن نبي آخر الزمان محمد ‪r‬‬
‫قال عنكم كلكم‪( :‬ولنعم الجيش ذلك الجيش‪ .)..‬وكلكم من‬
‫المغفورين لهم بإذن الله تعالى‪ .‬أما اآلن فعليكم أن ال تسرفوا غنائم‬
‫الحرب‪ ،‬بل أنفقوها في عمل الخير وفي سبيل الله ‪ .U‬وأطيعوا‬
‫حاكمكم وأحبوه»‪.‬‬
‫وبذلك شجع جنود الجيش الذي فتح القسطنطينية على‬
‫إعمار مدينتهم‪ ،‬وإنشاء المؤسسات الخيرية ومؤسسات الرعاية‬
‫اإلجتماعية‪ ،‬لكي يستفيد كافة الشعب‪ .‬وبذلك أيضا توج سيدنا أق‬
‫شمس الدين ذاك الجيش بفضيلة اإلنفاق والتصدق واإلحسان‪ ،‬بعد‬

‫فضيلة فتح تلك المدينة العظيمة ‪.1‬‬
‫‪228‬‬

‫‪ 1‬سميحة آي وردي‪ ،‬القرون العثمانية في التاريخ التركي‪ ،‬اسطنبول‪ ،1999 ،‬ص ‪.228 – 227‬‬

‫‪n‬‬

‫آداب االنفاق ‪o‬‬
‫ونحن بصفتنا أحفاد لهؤالء العظماء الذين أسسوا حضارة‬
‫الفضائل الكبيرة‪ ،‬فإننا نستفيد من الثمار المباركة والوفيرة لتلك‬
‫الحضارة العريقة التي أسسها أجدادنا ضمن مقاييس ومعايير األدب‬
‫واللطافة والظرافة اللمتناهية‪ ،‬ورقة اإلحساس المرهف حتى‬
‫يومنا هذا‪ .‬فهناك األوقاف‪ ،‬والمؤسسات الخيرية‪ ،‬وأماكن توزيع‬
‫المتطلبات العائلية على الفقراء والمحتاجين وطلبة العلم‪ ،‬وصنابير‬
‫الماء المتواجدة على أطراف الطرق‪ ،‬وحجارة الصدقات‪ ...‬إلخ‪،‬‬
‫فكل هذه الصروح التاريخية موجودة حتى يومنا هذا‪ .‬وعلينا بدورنا‬
‫أن نحافظ على ميراث أجدادنا المقدس‪ ،‬وعلينا أن نسعى إلى إنشاء‬
‫المؤسسات الخيرية ونزيد من عددها‪ ،‬كما فعلوا من قبل‪ .‬وأن‬
‫نحرص ونحافظ على المنشآت التي قاموا بتأسيسها والعمل على‬
‫ترميمها‪ ،‬ونجعل الحياة تدب فيها كي تستمر في تقديم الخدمات‬
‫للفقراء والمساكين وطلبة العلم‪ .‬وعلينا أن نكون قدوة للناس عن‬
‫طريق تزويد عالمنا الداخلي بالفضائل واألخلق الحميدة التي تميز‬
‫بها أجدادنا‪.‬‬
‫وعلينا بعد ذلك أن نحافظ على المقدسات التي هي بمثابة أمانة‬
‫شهدائنا وأجدادنا علينا‪ .‬وأن نحافظ على وطننا بتربية أجيال مؤمنة‬
‫ومتصفة بأخلق رفيعة وحميدة ومتميزة بالكرم وحب الوطن‪.‬‬
‫وإن لم نفعل ذلك‪ ،‬فسوف يضعف الدين وتضيع األجيال‪ ،‬ويصبح‬
‫الوطن بأيدي األعداء‪ .‬ويجب علينا ضمن هذا النضوج اإلجتماعي‬
‫والشعور بالمسؤولية أن نكون من المؤمنين أصحاب اإلنفاق‬
‫والتصدق في سبيل الله ‪.U‬‬

‫‪229‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وبالنتيجة فإن المؤمن المتميز باإلنفاق والتصدق الصادق‬
‫والمخلص‪ ،‬هو إنسان مؤثر على غيره‪ .‬وهو اإلنسان الذي يعرف‬
‫أنه يسعى ليثبت براءته في المحكمة اإللهية غد ًا‪ ،‬وليخلص غيره‬
‫من الفقراء والمحتاجين من همومهم وكدرهم وفقرهم اليوم‪.‬‬
‫ألن اإلنسان الفظ والغليظ القلب‪ ،‬والذي ال يفكر إال بمصالحه‬
‫الشخصية ومنفعته لوحده هو إنسان ال ينال محبة الله ‪ ، U‬بل ُيطرد‬
‫من رحمته‪.‬‬

‫وعلى هذا اإلعتبار‪ ،‬فعلينا أن ال ننسى أننا لن نستصعب في‬
‫اإلجابة على األسئلة في يوم الحساب ضمن مسؤولياتنا بقدر ما‬
‫استطعنا أن نتحمل مسؤوليات غيرنا‪ ،‬وبقدر ما أحسسنا بتلك‬
‫المسؤوليات‪.‬‬
‫اللهم ارزقنا جميعا العزم الديني‪.‬‬

‫واجعل اللهم إنفاقنا ضمن حدود األدب واألخالق الرفيعة‪،‬‬
‫ورقة اإلحساس‪ .‬راجين بذلك الحصول على رضاك فحسب‪.‬‬
‫واجعل اللهم ذلك َم ْخزنا للسعادة والطمأنينة في قلوبنا‪...‬آمـين‬

‫‪230‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلخالص في اإلنفاق‬

‫إن المال الذي يملكه اإلنسان‪ ،‬هو خاضع لقانون خاص به كقانون الجاذبية‪.‬‬
‫ويتغير هذا القانون حسب كيفية كسب ذلك المال‪ .‬والمال كاألفعى الذي‪،‬‬
‫الجحر الذي أتى منه‪ .‬والكسب الحالل هو وسيلة للخير‬
‫يذهب أِلى ُ‬
‫والفضيلة وإرضاء الله ‪ .U‬بينما يذوب الكسب الحرام ويذهب في طرق‬
‫الشر والمعاصي‪ .‬وعلى هذا األساس فإنه من الممكن أن يعرف مصدر‬
‫المال وكيفية كسبه عن طريق معرفة المكان الذي أنفق فيه‪.‬‬
‫وإن معنويات وروحانيات اإلنسان تكون على األغلب تحت تأثير أمرين‪،‬‬
‫وهما‪:‬‬
‫‪ –1‬كيفية كسب ُقوته‪ ،‬أهو حالل‪ ،‬أم مشتبه به‪ ،‬أم حرام‪.‬‬
‫‪ –2‬شخصية وأخالق الناس الذين يتواجد معهم‪.‬‬

‫اإلخالص في اإلنفاق‬
‫اإلخلص هو سلمة ونظافة النية‪ ،‬والصدق في العبودية لله‬
‫‪ .U‬والتقوى واإلخلص هما سران من أسرار العبودية ال ينفصلن‬
‫عن بعضهما البعض‪ .‬وكأنهما كلمتين تعبران عن نفس المعنى‪،‬‬
‫ولكن بشكلين مختلفين‪ .‬وهو التقاء العبد بربه قلب ًا‪ ،‬أي تجلي‬
‫الصفات الحميدة على اإلنسان كالرحمة والشفقة‪ ،‬والعفو والصفح‪،‬‬
‫ِ‬
‫رضاء الله ‪ U‬في كل‬
‫والحلم واإلحسان‪ .‬وهو بحث المؤمن عن‬
‫حال من أحواله‪ ،‬وفي كل تصرف من تصرفاته‪ ،‬بل وفي كل نفس‬
‫يتنفس به‪.‬‬
‫والقلوب المعدومة والمحرومة من اإلخلص تصبح هدف ًا‬
‫للمصالح والمنافع النفسية‪ .‬والنقطة النهائية لهذا الوضع هي الحماقة‬
‫التي يصلها اإلنسان بكونه – ولوقلب ًا فقط – عبد ًا لغير الله ‪ .U‬وكما‬
‫ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َ‬
‫نت َت ُكونُ َع َل ْي ِه َو ِ‬
‫كيال] (الفرقان‪)43 ،‬‬
‫[أ َر َأ ْي َت َم ِن ات ََّخ َذ إِ َل َه ُه هَ َوا ُه َأ َف َأ َ‬

‫وقد بين لنا سيدنا محمد ‪ r‬كيف يكون نقص اإلخلص في العمل‬
‫والعبادة سبب ًا محزن ًا وأليم ًا للخسران‪ .‬حيث ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"إن أخوف ما أتخوف على أمتي اإلشراك بالله‪ .‬أما إني لست‬
‫أقول يعبدون شمسا وال قمرا وال وثنا‪ .‬ولكن أعماال لغير الله وشهوة‬
‫خفية" (ابن ماجة‪ ،‬الزهد‪)21 ،‬‬

‫‪233‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فإن العبادات التي يقوم بها العبد الذي أصيب قلبه باألمراض‬
‫االجتماعية كالرياء وحب المظاهر والمفاخرة‪ ،‬والتي يقوم بها‬
‫ألهداف وغايات غير هدف الحصول على رضا الله ‪ ،U‬إنما هي‬
‫كالشكل الهندسي الذي أفرغ ما بداخله‪ ،‬فل يبقى منه أي فائدة‪،‬‬
‫وأصبح عمل َف َقدَ نفعه وفائدته‪.‬وكما قال الرسول األكرم ‪ r‬في‬
‫الحديث الشريف‪" :‬األعمال بال ّنية" (البخاري‪ ،‬اإليمان‪)41 ،‬‬

‫واإلخلص في اإلنفاق هو أن يحرص المؤمن على ان ال يضيع‬
‫أجر الصدقة‪ ،‬وأن يفهم ويستوعب ذلك جيد ًا‪ .‬وأن ينفق ِ‬
‫«حسبة لله»‬
‫أي قاصد ًا إرضاء الله ‪ Y‬فحسب‪ .‬وأن يقدم ما يريد أن يتصدق به‬
‫إلى الله ‪ U‬دون رياء وال إنفاق‪.‬‬
‫وورد في الحديث الشريف أيض ًا عن سيدنا محمد ‪:r‬‬

‫"ما تصدق أحد بصدقة من طيب وال يقبل الله إال الطيب إال‬
‫أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى‬
‫تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله" (مسلم‪ ،‬الزكاة‪)63 ،‬‬
‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"ما نقصت صدقة من مال قط وما مد عبد يده بصدقة إال ألقيت‬
‫في يد الله قبل أن تقع في يد لسائل وال فتح عبد باب مسألة له عنها‬
‫غنى إال فتح الله عليه باب فقر" (الطبراني‪ ،‬المعجم الكبير‪)05121/504 ،11 ،‬‬
‫‪234‬‬

‫وهذا يعني أن المخاطب الرئيسي في خصوص الصدقات هو‬
‫الله ‪ .Y‬لذا يجب علينا أنه عندما نتصدق أن نعطي بصدق وإخلص‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫وقمة بالشعور بالمعنويات وبالوجد الروحي‪ .‬وأن نتصدق بعيدين‬
‫عن الرياء والمفاخرة وحب الشهرة والمظاهر‪ ،‬وغير سامحين‬
‫للنفس وللشهوات بمنع ذلك أو إعاقته‪ .‬فنتصدق وننفق على الفقراء‬
‫والمساكين دونما انتظار مجاملت الناس وتقديرهم‪ ،‬وبدون التفكير‬
‫بأي مقصد أوغاية دنيوية‪ ،‬بل مخلصين لله ‪ U‬وقائلين‪ « :‬يا رب‪..‬‬
‫إني أتصدق في سبيلك‪ ،‬ولك وحدك»‪.‬‬

‫دليل اإلخالص وعالمته‬

‫البحث عن المحتاج الحقيقي والوصول إليه‬

‫إن من أهم آداب اإلنفاق هي إعطاء الصدقة لمن يستحقها أكثر‬
‫من غيره‪ .‬أي عدم التصدق على الناس ال على التعيين‪ ،‬بحثا عن‬
‫الراحة وعدم التعب في تحديد المحتاج الحقيقي الذي يستحق تلك‬
‫الصدقة‪ .‬بل يجب على المؤمن أن يبدي اهتمامه وجديته‪ ،‬ويستهلك‬
‫من وقته وجهده ضمن تفكير بالعبادة وبالتقرب إلى الله ‪ ،Y‬لكي‬
‫يأخذ كل ذي حق حقه دون نقص أوتقصير‪ ،‬وتصل الصدقات‬
‫إلى أصحابها الحقيقيين‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة عن صفات‬
‫المؤمنين‪ ،‬فقال الله ‪:U‬‬
‫لز َك ِاة َف ِ‬
‫اع ُلونَ ] (المؤمنون‪)4 ،‬‬
‫ين ُه ْم لِ َّ‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫فكما أننا نبدي اهتمام ًا بالغ ًا في البحث عن شيء نريد أن نقتنيه‬

‫ألنفسنا وشرائه‪ ،‬فعلينا أن نبدي اإلهتمام نفسه عندما نتصدق وننفق ‪n‬‬
‫‪235‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫على الفقراء والمحتاجين‪ .‬وأن نستهلك الوقت والجهد في البحث‬
‫والتنقيب عن المحتاجين الحقيقيين‪ ،‬لكي نؤدي األمانات إلى‬
‫أهلها‪ .‬ألن اإلنفاق هو عبارة عن تجارة معنوية رابحة‪ ،‬نقدم فيها‬
‫بعضا من النعم التي رزقنا إياها ربنا ‪ U‬في هذه الحياة الدنيا الفانية‪،‬‬
‫ونأخذ بالمقابل النعم اللنهائية في العالم األبدي‪ .‬وإن الوسيلة‬
‫لممارسة هذه التجارة على أحسن وجوهها ربح ًا وبركة‪ ،‬إنما هو‬
‫متعلق بالبحث عن المحتاج الحقيقي في الحياة الدنيا والوصول‬
‫إليه‪ ،‬واإلنفاق والتصدق عليه‪ .‬وذلك هو أيض ًا ما يدل على درجة‬
‫اإلخلص في قلب المتصدق والمنفق‪.‬‬
‫وقد أمرنا الله ‪ U‬بأن نقوم بعملية البحث والتنقيب عن الفقير‬
‫والمحتاج الحقيقي عندما نريد أن نتصدق‪ ،‬حيث ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين ُأ ْح ِص ُرو ْا ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َال َي ْست َِط ُيعونَ َض ْر ًبا ِفي‬
‫[لِ ْل ُف َق َراء ا َّل ِذ َ‬

‫َ‬
‫ض َي ْح َس ُب ُه ُم ا ْل َج ِ‬
‫اه ُل َأ ْغنِ َياء ِم َن ال َّت َع ُّف ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اه ْم َال‬
‫يم ُ‬
‫ف َت ْع ِر ُف ُهم بِ ِس َ‬
‫اس إِ ْل َحا ًفا َو َما ُت ِ‬
‫يم] (البقرة‪)273 ،‬‬
‫َي ْس َأ ُلونَ ال َّن َ‬
‫نف ُقو ْا ِم ْن َخ ْي ٍر َفإِنَّ ال َّل َه بِ ِه َع ِل ٌ‬

‫أي أنه عندما يتم اإلنفاق والتصدق بإخلص وصدق‪ ،‬فيكتسب‬

‫قلب اإلنسان رقة وحساسية تمكنه من معرفة المحتاج الحقيقي من‬
‫وجهه وملمحه‪.‬وورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪:r‬‬

‫‪236‬‬

‫َ‬
‫ين ا َّل ِذي َي ُط ُ‬
‫اس َت ُر ُّد ُه ال ُّل ْق َم ُة َوال ُّل ْق َمت ِ‬
‫وف َع َلى ال َّن ِ‬
‫َان‬
‫س ا ْل ِم ْس ِك ُ‬
‫"ل ْي َ‬
‫ين ا َّل ِذي َال َي ِجدُ ِغنًى ُيغْ نِ ِ‬
‫َوال َّت ْم َر ُة َوال َّت ْم َر َت ِ‬
‫يه َو َال ُي ْف َط ُن‬
‫ان َو َل ِك ْن ا ْل ِم ْس ِك ُ‬
‫اس" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪)53 ،‬‬
‫بِ ِه َف ُيت ََصدَّ ُق َع َل ْي ِه َو َال َي ُق ُ‬
‫وم َف َي ْس َأ ُل ال َّن َ‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫وقد نصحنا سيدنا جلل الدين الرومي بنصيحة حكيمة ومعبرة‪،‬‬
‫وكأنه ألهم بها من هذا الحديث الشريف‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫واح ِم‬
‫«حاول أن تكسب قلوب الناس‪ ،‬قم بخدمة الضعفاء‪ْ ،‬‬
‫المساكين والذين كسرت قلوبهم‪ .‬فهم من ليس لهم دخل وال‬
‫إيراد من الناس‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك يتواجدون دائم ًا في تواضع‬
‫تام وفي راحة نفسية وخشوع قلبي ال مثيل له‪ .‬ويعيشون هكذا بين‬
‫الناس‪ .‬فابحث عن هؤالء وأنفق عليهم وتصدق»‪.‬‬
‫وهكذا فإن أصل الفضيلة هو مساندة هؤالء الفقراء والمحتاجين‬
‫الحقيقيين ومد يد العون لهم‪ .‬أي أن البحث عن المحتاجين أصحاب‬
‫التقوى الذين يخفون أحوالهم لخجلهم من سؤال الناس وطلب‬
‫مساعدتهم‪ .‬والوصول بالقلب إلى درجة من الرقة والحساسية‬
‫للوصول إلى درجة من الشفافية والروحانيات تمكن من معرفة‬
‫هؤالء المحتاجين من وجوههم‪ ،‬إنما هو أمر قد أمرنا به الله ‪ .U‬وال‬
‫شك في أن ذلك ال يمكن تحقيقه والوصول إليه إال بدرجة رفيعة من‬
‫اإلخلص والصدق تتميز القلوب به‪ ،‬وبالكسب الحلل‪.‬‬
‫والمال الحلل الذي ينفق به بصدق وإخلص وأمانة في‬
‫المشاعر‪ ،‬وبهدف نيل رضا الله ‪ U‬فحسب‪ ،‬هو المال الذي ال‬
‫يضيع وال يذهب إلى أماكن غير مناسبة بإذن الله ‪ .U‬وإن الله ‪Y‬‬
‫يرزق ذلك المال والكسب الحلل لمن يستحقه‪.‬‬

‫وتقديم مساعدة لشخص جليل اتصف بالصفات الحميدة التي‬
‫أمر الله ‪ U‬عباده أن يتصفوا بها‪ ،‬ربما تعادل في بعض األحيان تقديم‬

‫‪237‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫المساعدات آلالف األشخاص‪ .‬ألنه لووضعت كافة اإلمكانيات‪،‬‬
‫وفرشت أمام أصحاب التقوى والعمل الصالح‪ ،‬فلن يكون إسراف ًا‪.‬‬
‫وكان سيدنا محمد ‪ r‬يبدي اهتماما خاصا بأصحاب الص اّفة‪،‬‬
‫وهم الصحابة الفقراء الذين نذروا حياتهم وأنفسهم في سبيل الله‬
‫ُ‬
‫‪ .U‬وكان يحث المؤمنين األغنياء ويشجعهم على اإلنفاق عليهم‪.‬‬

‫وقد أبدى سيدنا جلل الدين الرومي الذي يعتبر أحد أولياء‬
‫الحق ‪ U‬أهمية بالغة في الحرص على توجيه المال الذي يريد أن‬
‫يتصدق به‪ ،‬إلى المكان الصحيح والشخص المناسب‪ ،‬ألنه كان‬
‫مؤمن ًا بأن هذه الصدقة هي من حق المحتاج الحقيقي‪ ،‬حيث قال‬
‫في هذا الصدد‪:‬‬
‫«ما هو العدل؟! العدل هو أن تسقي أشجار الفاكهة‪ .‬وما الظلم؟!‬

‫الظلم هو أن تسقي النباتات الشائكة»‪.‬‬

‫لذا فيجب علينا أن نحرص على أن تكون الصدقات التي‬
‫ننفقها ساقية لحدائقنا المعنوية والروحانية‪ ،‬بد ً‬
‫ال من أن تكون ساقية‬
‫ألشواكنا النفسية والشيطانية‪.‬‬

‫الخير الذي‬
‫وإن قيمة المال هي بقدر كسبه الحلل‪ .‬والعمل اّ‬
‫يقوم به الشخص بالمال الحلل يكون – بإذن الله تعالى – من نصيب‬
‫من يستحقه‪ .‬ومن هذا المنطلق‪ ،‬فاإلنفاق والتصدق هما بمثابة مرآة‬
‫معنوية تعكس طريقة كسب المال‪.‬‬
‫‪238‬‬

‫في يو ٍم من األيام جاء أحد الطلبة إلى أبي عباس النهاوندي –‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫أحد أولياء الحق ‪ – U‬وكان ذلك الطالب غني ًا حيث كان يعمل في‬
‫التجارة‪ ،‬فسأل أستاذه عن أنسب الناس الذي يجب عليه أن يعطيهم‬

‫الزكاة‪ .‬فقال أبوعباس النهاوندي‪:‬‬

‫«أعط الزكاة لمن انشرح له صدرك‪ ،‬وأشار إليه قلبك»‪.‬‬

‫فذهب الطالب في سبيله‪ ،‬وبينما كان يمشي صادف متسو ً‬
‫ال‬
‫ضرير ًا على طرف الطريق‪ ،‬فانشرح له صدره‪ .‬فأخرج زكاته التي‬

‫هي عبارة عن صرة مليئة بالذهب‪ ،‬وأعطاها ذاك المتسول‪ .‬فتلمس‬
‫الضرير الصرة بيده وفرح كثير ًا وانصرف مسرع ًا‪.‬‬

‫وفي اليوم التالي كان الطالب يمر من نفس الطريق الذي مر به‬
‫في األمس‪ .‬فرأى الضرير الذي أعطاه صرة الذهب‪ ،‬وكان يتحدث‬
‫إلى ضرير آخر‪ .‬فاقترب منهما واستمع إلى حديثهما‪ .‬فقال الضرير‬
‫لصديقه‪« :‬لقد أعطاني البارحة سيد من األسياد صرة مليئة بالذهب‪.‬‬
‫فذهبت إلى الخمارة واحتسيت الخمر حتى سكرت»‪.‬‬
‫فانزعج الطالب كثير ًا لهذا الوضع‪ .‬وذهب مباشرة إلى أستاذه‬

‫سيدنا أبي عباس النهاوندي‪ .‬وبينما كان يهم بسرد حكايته له‪ ،‬لم‬
‫يعطه أبوعباس فرصة للكلم‪ ،‬وأعطاه قطعة من النقود قد كسبها من‬
‫بيع قطعة من الحلوى‪ ،‬وطلب منه أن يعطيها ألول شخص يصادفه‬
‫في طريقه‪.‬‬

‫فلم يستطع الطالب قول شيء وانصرف ألداء الوظيفة التي‬
‫كلف بها من قبل أستاذه‪ .‬وأعطى قطعة النقود ألول شخص صادفه‪.‬‬
‫ولكنه قد أثاره الفضول الشديد الذي كاد يقرض أحشاءه‪ ،‬فراقب‬

‫‪239‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ذلك الشخص‪ .‬فرآه قد ذهب إلى مزبلة قديمة‪ ،‬ثم أخرج طير ًا ميت ًا‬
‫من تحت ملبسه ووضعه على األرض‪ .‬وبينما كان يهم بالذهاب‬
‫اعترض الطالب طريقه وأوقفه سائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫«يا أيها البطل القوي‪ ..‬أناشدك الله ‪ U‬في أن تخبرني عن ما‬

‫يحدث‪ .‬وما قصة الطير الميت الذي رميته هنا ؟»‪.‬‬

‫وعندما رأى الرجل من أعطاه قطعة النقود أمامه‪ ،‬ارتجف من‬

‫الخوف والتوتر وقال‪:‬‬

‫«لم أجد شيئ ًا أطعم به عائلتي وأوالدي منذ سبعة أيام‪ .‬أنا‬

‫ونتحمل‪ ،‬أما األوالد فلم يطيقوا التحمل على‬
‫وزوجتي كنا نصبر‬
‫اّ‬

‫الجوع‪ .‬وعلى الرغم من ذلك فإن سؤال الناس والتسول أمر ال‬
‫يمكن أن ألجأ إليه‪ .‬وبينما كنت أحترق وأتألم من هذا العذاب‬
‫وجدت ذلك الطير الميت الذي رأيته معي‪ ،‬والذي بدأ لحمه يتفسخ‬

‫عن عظامه‪ .‬وللضرورة فقد قررت أن آخذه ألوالدي وأطعمهم‬
‫من لحمه‪ .‬وكنت داخلي ًا أتوسل إلى الله ‪ U‬قائل‪« :‬يارب‪ ..‬اعتن‬

‫بحالي»‪ .‬فجئت أنت إلي وأعطيتني قطعة النقود هذه‪ .‬فشكرت الله‬

‫‪ Y‬على ذلك وجئت ألترك هذا الطير الذي وصل إلى درجة من‬
‫التفسخ ال يمكن أكله في هذه المزبلة‪ .‬أما اآلن فسأذهب إلى السوق‬

‫وأشتري طعاما بهذه القطعة النقدية التي أعطيتني إياها»‪.‬‬

‫فأسرع الطالب الذي استغرب كثيرا حالة ذلك الرجل إلى أستاذه‬

‫‪240‬‬

‫أبي عباس النهاوندي‪ .‬وقبل أن ينطق بكلمة واحدة‪ ،‬قال أستاذه‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫«يا بني‪ ..‬هذا يعني أنك لم تبد اهتمامك في ما إذا دخل‬
‫الحرام أو الشبهة في عملك وكسبك‪ .‬لذلك فقد ذهب المال الذي‬
‫أعطيته لذلك المحتاج إلى الخمر‪ ،‬مع أنك حرصت على أن تعطيه‬
‫للشخص الصحيح والمناسب‪ .‬فيجب أن نحرص على المال الذي‬
‫يكتسب‪ ،‬من أين اكتسب وكيف؟‪ .‬وإن المال يذهب إلى أماكن‬
‫مشابهة لألماكن التي جاء منها‪ .‬وذهاب قطعة نقدية واحدة إلى رجل‬
‫صالح ويستحقها‪ ،‬مقابل صرة من الذهب‪ ،‬إنما يدل على أنها جاءت‬
‫من الكسب الحلل»‪.‬‬

‫وهذا يعني إن إعطاء الصدقة لمن يستحقها‪ ،‬متعلق أيضا بطريقة‬
‫وكيفية كسب المال‪ .‬وكأنما تخضع النقود إلى قانون الجذب‬
‫واإلنجذاب حسب طريقة كسبها‪ .‬والمال كاألفعى‪ ،‬يذهب إِلى‬
‫الجحر الذي أتى منه‪ .‬والكسب الحلل هو وسيلة للخير والفضيلة‬
‫ُ‬
‫وإرضاء الله ‪ .U‬بينما يذوب الكسب الحرام ويذهب في طرق الشر‬
‫والمعاصي‪ .‬وعلى هذا األساس فإنه من الممكن أن يعرف مصدر‬
‫المال وكيفية كسبه عن طريق معرفة المكان الذي أنفق فيه‪.‬‬
‫وحالة اإلنفاق المعنوية تظهر نفسها بشكل واضح وبارز‪.‬‬
‫فبعض التبرعات التي يتبرع بها بعض األشخاص‪ ،‬تعطي نشوة‬
‫وراحة نفسية ال مثيل لها في القلوب وفي النفوس‪ .‬وهذا إن دل على‬
‫شيء فإنما يدل على أن ذلك المال هو من الكسب الحلل‪ .‬ويدل‬
‫أيضا على صدق القلب وإخلصه‪.‬‬
‫ومن جانب آخر‪ ،‬فإن ديننا العظيم يحثنا ويشجعنا على إعطاء‬
‫الصدقات في كل فرصة وكل مناسبة‪ .‬وإن قمنا بذلك بصدق‬

‫‪241‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإخلص‪ ،‬فسوف يحسن الله ‪ Y‬إلينا‪ ،‬ويهبنا البركة اللمتناهية في‬
‫أموالنا‪ .‬حيث أن الصدقات التي تدفع عن كامل إخلص وصدق‬
‫نابع من القلب – ولو أنها ظاهريا ذهبت إلى شخص ال يستحقها – فربما‬
‫بلطف الله ‪ U‬وعونه تكون تلك الصدقة وسيلة ألن يفيق ذلك‬
‫الشخص من غفلته‪ ،‬وتظهر لديه براعم الميل اإليجابي نحوالخير‬
‫والهداية‪.‬‬
‫وورد في حديث شريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه في قديم‬
‫الزمان نوى رجل أن يتصدق بمال‪ ،‬ففي ظلمة الليل أعطاه للص‬
‫دون إرادته‪ .‬وفي الليلة األخرى أعطاه لعاهرة‪ .‬وفي الليلة الثالثة‬
‫أعطاه لرجل غني‪ .‬فسمع ذلك سكان المنطقة فانتقدوه على تصرفه‬
‫هذا وأعابوه بكلمات معبرة عن عجبهم ألمره ولعمله هذا‪ .‬ولكن‬
‫الرجل المبارك رأى في منامه أنه يخاطب من قبل احد ما بالخطاب‬
‫التالي الذي ورد في الحديث الشريف‪:‬‬
‫"‪َ ...‬أ َّما َصدَ َق ُت َك َع َلى َسا ِر ٍق َف َل َع َّل ُه َأ ْن َي ْست َِع َّف َع ْن َس ِر َقتِ ِه َو َأ َّما‬
‫اها َو َأ َّما ا ْل َغنِ ُّي َف َل َع َّل ُه َي ْع َتبِ ُر َف ُي ْن ِف ُق ِم َّما‬
‫الزانِ َي ُة َف َل َع َّل َها َأ ْن َت ْست َِع َّف َع ْن ِز َن َ‬
‫َّ‬
‫َأ ْع َ‬
‫طا ُه ال َّل ُه" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪14 ،‬؛ مسلم‪ ،‬الزكاة‪)78 ،‬‬

‫وفي مذكرات محمود سامي رمضان أوغلو– أحد أولياء الحق ‪U‬‬

‫‪242‬‬

‫وورثة النبي ‪ r‬وأصحابه الكرام ‪ – y‬توجد حادثة مشابهة لتلك الحادثة‬
‫‪،‬بينما كان محمود سامي رمضان أوغلو مع أصحابه في طريق سفر‬
‫في إحدى مدن األناضول‪ .‬فاعترض شخص ما طريقهم في جوار‬
‫مدينة (أوركوب)‪ ،‬وأوقف مركبتهم‪ ،‬وطلب منه نقودا ليشتري‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫لفافات من التبغ (سجائر)‪ .‬وعلى الرغم من اعتراضات أصحابه‪،‬‬
‫فقال سيدنا سامي أفندي‪«:‬بما أنه يطلب‪ ،‬فيجب أن نعطيه»‪ .‬وأعطاه‬
‫بعضا من النقود دون تفكير أوتردد‪ ،‬ضمن نظرات أصدقائه المعبرة‬
‫عن االستغراب لهذا التصرف‪ .‬فغير الفقير الذي فرح كثيرا بالنقود‬
‫رأيه وقال‪« :‬سأذهب وأشتري خبز ًا» وانصرف‪.‬وهذا هو التأثير‬
‫اإليجابي الذي بمن يعطى صدقة من قبل شخص ينفق في سبيل الله‬
‫‪ U‬بصدق وإخلص وأمانة‪.‬‬
‫ولذلك فقد نبهنا الشيخ سعدي بهذا التنبيه المليء بالحكمة‬
‫والعبرة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«ال تضع اإلحسان واللطف في كيس وتغلق عليهما‪ .‬وال تمنع‬
‫إحسانك عن أي أحد‪ .‬وال تقل عن فلن أنه ُم َر ٍاء‪ ،‬وفلن أنه محتال‪.‬‬
‫وليكونوا فعل كذلك؛ فما شأنك أنت بما كانوا؟»‪.‬‬

‫إذا كانت نيتك خالصة ؛ فأِن الله ‪ U‬يرز ُقك البركة‬

‫إن الله ‪ U‬يكافئ من خلصت نيته ويزيد ويكثر له القليل‪.‬‬
‫ويجعل عبده مستحق ًا المكافآت الكبيرة بسبب حسنة صغيرة قام‬
‫بتأديتها‪ .‬لذا فإن الدرهم الواحد الذي أعطي بإخلص وصدق‪ ،‬هو‬
‫رضى‬
‫أكثر قيمة من آالف الدراهم التي أعطيت بدون صدق وبدون‬
‫ً‬
‫كامل نابع من القلب‪ .‬أي أنه ليس المهم كثرة أو قلة المبلغ الذي‬
‫يريد الشخص أن ينفق به‪ ،‬بل المهم هو نسبة المبلغ الذي يريد إنفاقه‬

‫‪243‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫مقابل المبلغ الذي يملكه‪ .‬والمهم أيضا هو حسن النية وصفاؤها‬
‫أثناء إنفاق ذلك المال‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف عن النبي ‪:r‬‬

‫"نية المؤمن خير من عمله"‬

‫(السيوطي‪ ،‬جامع الصغير‪)194 ،2 ،‬‬

‫ومن هذا المنطلق فإذا كانت النية خالصة وصادقة‪ ،‬فستكبر‬
‫الخيرات ولوكانت صغيرة‪ .‬والصدقة التي أعطيت عن إخلص‬
‫وصفاء نية‪ ،‬ستكون كفارة للذنوب‪.‬‬

‫وكما أخبرنا الرسول الكريم محمد ‪ r‬عن الرجل العاصي‬
‫الذي أعطى كلب ًا يلهث من العطش شربة ماء بنعله‪ ،‬وبعمله هذا‬
‫وشفقته على الحيوان غفرت له ذنوبه ودخل الجنة‪ .‬وبالمقابل فقد‬
‫دخلت امرأة من أهل العبادة النار بسبب تصرفها بدون رحمة وشفقة‬
‫مع قطة‪ ،‬ولم تهتم لجوعها وعطشها‪ ،‬ولم تتركها تأكل من خشاش‬
‫األرض‪( .‬انظر‪ :‬مسلم‪ ،‬السلم‪.)153 - 151 ،‬‬

‫لذا فإذا أردنا أن نصل مرتبة اإليمان الكامل‪ ،‬وأن نكون من‬
‫المؤمنين الحقيقيين‪ ،‬علينا أن نسعى لنيل رضا الله ‪ U‬بنية خالصة‬
‫وسليمة‪ .‬وأن نهرع لعمل الخير دون تمييز الصغير منه من الكبير‪.‬‬
‫بل ويجب علينا أن نوسع أفق اإلنفاق والتصدق‪ ،‬ليعم الحيوانات‬
‫والنباتات بعد بني البشر‪ .‬ويجب أن نكتسب قدرة النظر إلى‬
‫المخلوقات كافة بعين الخالق ‪.Y‬‬
‫‪244‬‬

‫ومن أهم مظاهر البركة التي يرزقنا الله ‪ U‬بها على إخلصنا‬
‫وصدقنا في اإلنفاق والتصدق وفعل الخير‪ ،‬هو عمر المؤسسات‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫الخيرية الطويل‪ .‬حيث أن هذه المؤسسات الذي أنشئت وتأسست‬
‫بالمال الحلل تبقى شامخة في وجه التاريخ على الرغم من جميع‬
‫الظروف القاسية‪ ،‬وتستمر في تقديم الخدمات للناس فترة طويلة من‬
‫الزمن‪ ،‬بقدر متانة األساس المعنوي الذي لعب دور ًا في تأسيسها‪.‬‬

‫والكلية السليمانية‪ ،‬التي أضفت روحانية على سماء مدينة‬
‫اسطنبول منذ قرون وحتى يومنا هذا‪ ،‬ما هي إال إحدى األمثلة التي‬
‫ال ُتعد وال تحصى في صدد هذا الموضوع‪.‬‬

‫وكان السلطان سليمان القانوني الذي أسس تلك الكلية‪ ،‬كان‬
‫يخاف كثير ًا من مسؤولية حقوق العباد‪ .‬وكان يسعى دائم ًا ألن يكون‬
‫خليفة عاد ً‬
‫ال‪ .‬وبدأ بناء الكلية بوضع شيخ اإلسلم أبوالسعود أفندي‬
‫حجر األساس‪ .‬وعندما انتهى بناء الكلية جمع السلطان سليمان‬
‫القانوني جميع من عمل في بنائها ابتداء بالمهندس المعمار‪ ،‬وانتهاء‬
‫بأصغر عامل‪ .‬وألقى كلمته‪ ،‬حيث قال بعد الحمد لله ‪ U‬والثناء‬
‫عليه والصلة والسلم على الرسول ‪:r‬‬

‫«يا إخوتي في الدين‪ ..‬لقد انتهينا من بناء هذا الجامع الشريف‬
‫بإذن الله تعالى وفضله‪ .‬فمن لم يأخذ حقه‪ ،‬أو ضاع حقه سهوا أو خطأ‪،‬‬
‫فليأت وليأخذ حقه‪ .‬وربما هو ليس موجود هنا اآلن‪ ،‬فرجائي من‬
‫الحاضرين أن يبلغوا الغائبين بذلك‪ .‬وأن يأتوا ليأخذوا حقوقهم منا»‪.‬‬
‫وحتى الحيوانات التي استخدمت في بناء الكلية‪ ،‬فقد خصص‬
‫لها برنامج خاص بها‪ .‬فحرصوا على التقيد بأوقات الراحة بالنسبة‬
‫لألحصنة والحمير والبغال‪ .‬وأوقات رعيهم في المراعي‪ ،‬وأوقات‬

‫‪245‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عملهم‪ .‬أي أنهم حرصوا حرص ًا عظمي ًا لكي ال يتجاوزوا على حق‬
‫أحد أثناء بناء ذلك الصرح العظيم‪ .‬وربما أن اإلهتمام الزائد بهذا‬
‫الشكل بحقوق الناس وحقوق الحيوانات أثناء بناء هذا المعبد‪،‬‬
‫هو السبب في كون جامع السليمانية يشكل أساس الروحانيات‬
‫والمعنويات المليئة باألسرار والخفايا‪ ،‬والتي ال يمكن أن ُيتنافس‬
‫عليها بأي شكل من األشكال‪.‬‬
‫وقد تم إنشاء هذه الكلية على يد المعمار سنان‪ ،‬الشخصية‬
‫الذروة في الذكاء المعماري‪ .‬وقد حرص هذا المعمار المبارك على‬
‫أن ال يوضع حجر في مكانه إن لم يكن من سيضعه على وضوء‪.‬‬
‫وما كلم العامة آنذاك عن ذلك الجامع العظيم إال تعبير تام ودقيق‬
‫عن الحقيقة‪ ،‬حيث كانوا يقولون‪« :‬صاحب السليمانية سليمان‪،‬‬
‫ومعمارها سنان‪ ،‬وعجينتها اإليمان»‪.‬‬
‫وفي حفل افتتاح ذلك الجامع قال السلطان سليمان القانوني‬
‫معبر ًا عن وفائه العظيم‪«:‬فليفتتح هذا المعبد العظيم سنان‪ ،‬ألنه أكثر‬
‫من عمل فيه وتعب عليه»‪.‬‬
‫فقال المعمار سنان للسلطان‪:‬‬

‫«يا سلطاني‪ ..‬لقد فقد الخطاط (قره حصاري) بصره أثناء تزيين‬
‫المسجد بخطه‪ ،‬وصار ضرير ًا‪ ،‬فلنهده شرف اإلفتتاح تقدير ًا لجهوده‬
‫في تزيين الجامع»‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫وأعطي شرف افتتاح هذا الصرح العظيم للخطاط قره حصاري‪،‬‬
‫وافتتح الجامع ضمن الفضائل والكرامات التي أظهرها هؤالء الناس‬
‫المباركون‪ ،‬الواحدة تلواألخرى‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫وقد تخللت روحانية العبادة والتقرب إلى الله ‪ U‬جدران جامع‬
‫السليمانية وبقيت مترسخة فيها‪ .‬وإن جو المسجد الداخلي الخافت‬
‫قلي ً‬
‫ل والغير مظلم‪ ،‬يأخذ قلب المؤمن إلى عالم بعيد عن الماديات‪،‬‬
‫ضمن نشوة الروح والقلب المليئة بالروحانيات والمعنويات‪ .‬كالماء‬
‫الذي ُقرئ عليه‪ .‬وقد اكتسبت حجارته وترابه معاني عميقة تدل على‬
‫عمق إيمان الناس الذين اندمجت أرواحهم بجوه المعنوي‪ .‬وإن هذا‬
‫المعبد هو انعكاس اإلسلم ومعنوياته على المادة بشكل سحري‬
‫وفريد من نوعه‪ .‬وكأنه رجل صامت‪ ،‬يحدثنا بصمته الحكيم هذا‬
‫عن أشياء كثيرة‪ .‬والتأثير الذي يؤثر به الجو المعنوي داخل هذا‬
‫المسجد في حالة اإلنسان النفسية هو تأثير بارز وواضح جد ًا‪ .‬وحتى‬
‫السائحون المنتسبون ألديان أخرى عدا اإلسلم‪ ،‬عندما يأتون لزيارة‬
‫هذا المعبد الشامخ‪ ،‬يلحظون التأثير المعنوي في نفوسهم وفي‬
‫قلوبهم‪ .‬ويريحون أرواحهم بالسكون والهدوء‪ ،‬وبنشوة جاذبية ذلك‬
‫الجوالسحري والروحاني الذي ينجذبون إليه‪.‬‬
‫وبقاء ذلك الصرح العظيم شامخا منذ خمسة قرون وحتى يومنا‬
‫هذا‪ ،‬رغما عن الزالزل واآلفات الطبيعية التي حدثت‪ ،‬إنما ذلك هو‬
‫دليل وإثبات على أنه بني وأنشئ باألموال التي تبرع بها المؤمنون‬
‫الحقيقيون‪ ،‬بصدق وإخلص وصفاء نية‪ .‬وال يزال حتى اآلن‬
‫بعظمته يعجن تراب وطننا الحبيب بعظمة اإلسلم وظرافته‪ ،‬ويزين‬
‫سماءنا بصدى أصوات األذان‪ .‬وال شك في أن هذه النعم هي نتيجة‬
‫طبيعية للبركة التي رزق الله ‪ U‬بها أجدادنا العظماء مكافأة على‬
‫إخلصهم وصدقهم‪.‬‬

‫‪247‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أنفق بحيث ال ترى شمالك ما تنفق يمينك‬
‫إن القلوب المحرومة والخالية من اإلخلص والصدق‪ ،‬تقوم‬

‫بفعل الخير واألعمال الصالحة‪ ،‬ولكن بشكل معكر وممزوج‬
‫بأمراض العصر كالرياء والمفاخرة وحب المظاهر‪ .‬وال قيمة أبد ًا‬
‫لهذه األعمال عند الله ‪ .Y‬وأسوأ أمر في هذا الخصوص هو أن‬
‫يفتخر اإلنسان بما أنفق وتصدق وما قام به من أعمال خيرة‪ .‬أو‬
‫أن يقضي على الحسنات والثواب الذي اكتسبه عن طريق تأمل‬
‫المصلحة والمنفعة الشخصية واآلنية‪ .‬وأفضل طريقة للتخلص من‬

‫هذه األمراض القلبية التي تقضي على اإلخلص وتنهي الصدق‬

‫وتضيع األجر‪ ،‬هي الحرص على السرية التامة والكتمان‪ .‬وكمـا‬

‫ورد في اآليـة الكريمة‪:‬‬

‫الص َد َق ِ‬
‫ات َفنِ ِع َّما ِه َي َوإِن ُت ْخ ُفوهَ ا َو ُتؤْ ُتوهَ ا ا ْل ُف َق َراء َف ُه َو‬
‫[إِن ُت ْبدُ و ْا َّ‬
‫َخ ْي ٌر َّل ُك ْم َو ُي َك ِّف ُر َع ُ‬
‫ير] (البقرة‪)271 ،‬‬
‫نكم ِّمن َس ِّيئَاتِ ُك ْم َوال َّل ُه بِ َما َت ْع َم ُلونَ َخبِ ٌ‬

‫أي أن الله ‪ U‬يستر عيوب وقصور من بنفق سر ًا‪ .‬فكما أن‬
‫اإلنفاق سر ًا هو كفارة للذنوب‪ ،‬فهو يحمي اإلنسان أيض ًا من بلء‬
‫التكبر‪ ،‬ويحول دون ضياع أجر اإلنفاق والتصدق‪.‬‬
‫َع ْن َأبِي َذ ٍّر َق َ‬
‫ال‪ُ :‬ق ْل ُت‪:‬‬
‫الصدَ َق ِة َأ ْف َض ُل؟» َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫« َيا َنبِ َّي ال ّٰل ِه َف َأ ُّي َّ‬

‫‪248‬‬

‫ِ‬
‫«س ٌّر إِ َلى َف ِقي ٍر َو ُج ْهدٌ‬

‫ِم ْن ُم ِق ٍّ‬
‫ل» (احمد‪)179-178 ،265 ،5 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫وفي حديث آخر‪:‬‬

‫الر ِح ِم َت ِزيدُ ِفي‬
‫َ‬
‫"صدَ َق ُة ِّ‬
‫الر ِّب‪َ ،‬و ِص َل ُة َّ‬
‫الس ِّر ُت ْط ِف ُئ َغ َض َب َّ‬
‫الس ِ‬
‫ا ْل ُع ُم ِر‪َ ،‬و ِف ْع ُل ا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫وء" (البيهقي‪ ،‬شعب االيمان‪)244 ،3 ،‬‬
‫وف َي ِقي َم َصا ِر َع ُّ‬

‫وحسب ما ورد في اآليات الكريمة واألحاديث النبوية الشريفة‪،‬‬
‫أن من أنفق سر ًا ولم يعلنه‪ ،‬فذلك هو السعيد الذي سيغفر له ذنبه‪،‬‬
‫وسوف يستظل في ظل العرش يـوم ال ظل إال ظله‪.1‬ولكن في بعض‬
‫األحيان نلحظ أنه من المفيد أن نقوم بفعل الخير علنا ونشهر به‪.‬‬
‫وذلك لتشجيع وحث الناس على اإلنفاق والتصدق‪ .‬حيث أن‬
‫المفسرين قد فسروا اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الص َد َق ِ‬
‫ات َفنِ ِع َّما ِه َي َوإِن ُت ْخ ُفوهَ ا َو ُتؤْ ُتوهَ ا ا ْل ُف َق َراء‬
‫[إِن ُت ْبدُ و ْا َّ‬
‫َف ُه َو َخ ْي ٌر َّل ُك ْم َو ُي َك ِّف ُر َع ُ‬
‫نكم ِّمن َس ِّيئَاتِ ُك ْم َوال َّل ُه بِ َما َت ْع َم ُلونَ َخبِير]‬
‫(البقرة‪.)271 ،‬‬
‫على أنه يجب إيتاء الزكاة علنا لتشجع الناس عليها‪ ،‬أما‬
‫الصدقات الجارية واألعمال الخيرة األخرى فيجب القيام بها سر ًا‪.‬‬

‫وبالنتيجة‪ ،‬فوجوب عمل الخير سر ًا أو علنية إنما هو متغير‬
‫حسب الشروط والظروف‪ .‬وال حرج في اإلنفاق علنية ما دام‬
‫الشخص محافظ ًا على صفاء نيته في قلبه‪ .‬بل ويفضل عمل‬
‫ذلك عند اللزوم لحث الناس وتشجيعهم على فعل الخير وأداء‬
‫الصدقات‪ .‬وأساس اإلنفاق وفضيلته في ِك ْلت َْي الحالتين‪ ،‬هو حماية‬
‫‪( -1‬انظر؛ البقرة‪271 ،‬؛ البخاري‪ ،‬األذان‪)36 ،‬‬

‫‪249‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫القلب من الرياء والمفاخرة وحب المظاهر‪ .‬والحفاظ على التقوى‬
‫واإلخلص والصدق‪.‬‬

‫وإن إعطاء الصدقة علن ًا يسبب عند بعض من يأخذها ضعف ًا في‬

‫شعور الحياء‪ .‬وضعف شعور الحياء يسبب اتخاذ انتظار الصدقة‬
‫عادة‪ ،‬وهذا بدوره يسبب ضياع العزم واإلرادة والتصميم على العمل‬
‫والجد‪ .‬وفي اإلنفاق العلني أيض ًا‪ ،‬هناك أمر آخر في غاية األهمية‪،‬‬
‫فكما أنه يوجد احتمال للمتصدق بأن يتكبر ويصاب بالغرور‪ ،‬فهناك‬
‫احتمال أكبر بأن يستصغر المتصدق عليه‪ ،‬ويهان من قبل الناس في‬

‫المجتمع‪ .‬ففي الحالة التي يوجد فيها احتمال كهذا االحتمال‪ ،‬فإن‬
‫اإلنفاق السري هو أفضل وأنسب وأخ َير من األنفاق العلني‪.‬‬

‫وكما كان يفعل سيدنا عمر بن الخطاب ‪ ،t‬كان يمشي ليل‬

‫في أزقة األحياء الفقيرة‪ ،‬حامل كيسا من الطحين على ظهره‪ .‬وكان‬

‫يدخل الفرحة والسرور على قلوب الناس دون أن يراه أحد‪ .‬وكان‬

‫في كثير من األحيان يخفي نفسه ويتنكر حتى ال ُيعرف‪.‬‬

‫وكان حفيد سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي‬
‫الله عنه‪ ،‬سيدنا زين العابدين في كل ليلة يحمل كيس ًا مليئ ًا بالمواد‬
‫الغذائية على ظهره‪ ،‬ويذهب إلى حي فقير من أحياء المدينة المنورة‪.‬‬

‫ويترك الغذاء على أبواب الفقراء‪ .‬وفي يوم من األيام وعندما استيقظ‬

‫هؤالء الناس ولم يجدوا غذاء على بابهم‪ ،‬فاستغربوا لهذا الحال‪.‬‬
‫‪250‬‬

‫وبينما كان البعض يحاول اإلستفسار عن السبب‪ ،‬انتشر بين شوارع‬

‫‪n‬‬

‫االخلص في االنفاق ‪o‬‬
‫المدينة المنورة خبر وفاة سيدنا زين العابدين‪ .‬فأصاب أهل المدينة‬

‫حزن شديد على وفاة ذاك الرجل الصالح‪.‬‬

‫وعندما كان يغسل سيدنا زين العابدين بعد وفاته‪ ،‬الحظ الناس‬

‫الكثير من الجروح الكبيرة التي تجمعت فيها السوائل في ظهره‪.‬‬
‫وعندما سئل أقرباؤه عن سبب تلك الجروح‪ ،‬تبين للناس سر هذا‬

‫الرجل المبـارك‪ ،‬حيث أن هذه الجروح كانت بسبب األكياس التي‬

‫كان يحملها على ظهره ليوزع الغذاء على الفقراء‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫وهكذا كان حرص المؤمنين الحقيقيين الذين امتألت‬

‫قلوبهم باإلخلص والصدق‪ ،‬على أن ال يقللوا من أجـر أعمالهم‬

‫وصـدقاتهم‪ ،‬بمجاملت وإطـراءات الناس عليهم‪ ،‬وبكلمـات‬

‫الشكر والتقدير‪.‬‬

‫وقد عرض وقداّ َم لنا أجدادنا العثمانيون أفضل األمثلة عن ذلك‬

‫الحرص‪ ،‬فكلمة السلطان محمد الفاتح هذه تستوقفنا وتجذب‬
‫انتباهنا‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«إني وبصفتي فاتح مدينة اسطنبول‪ ،‬العبد العاجز والفقير لله‬

‫‪ ،U‬السلطان محمد الفاتح‪ ،‬أريد أن أتبرع بالدكاكين المائة والست‬

‫والثلثون التي امتلكتها وحصلت عليها بعرق جبيني‪ ،‬لألوقاف‬
‫والمؤسسات الخيرية بالشروط التالية‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫انظر؛ ابن كثير‪ ،‬البداية‪122 ،112 ،9 ،‬؛ أبونعيم‪ ،‬حلية األولياء ‪136 ،3 ،‬‬

‫‪251‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أن يطهى الطعام في المطابخ التي بنيتها وأسستها في كليتي‪،‬‬
‫ويوزع على األيتام وعلى زوجات الشهداء‪ ،‬وعلى فقراء اسطنبول‪.‬‬

‫أما الذين ال يستطيعون المجيء إلى هنا لكي يأكلوا أو يأخذوا‬
‫طعام ًا‪ ،‬فليرسل الطعام إليهم ضمن أوعية مغلقة‪ ،‬بعد أن تحل ظلمة‬
‫الليل وبعيدا عن أعين الناس‪.‬‬

‫وكما الحظنا في قول السلطان محمد الفاتح أنه قد وضع شروط ًا‬
‫وقوانين مبنية على مقاييس ومعايير األدب واللطافة واإلحترام ألفراد‬
‫المجتمع الذين هم بحاجة للحماية والرعاية‪.‬‬
‫وكان أجدادنا أيض ًا يدفعون زكاتهم ضمن مغلفات ورقية‬
‫يضعونها على حجار تسمى«حجار الصدقة» مشكلين نموذج ًا‬
‫اجتماعي ًا رائع ًا يعبر عن امتثال قوانين األدب وعدم إيذاء أحد‪.‬‬
‫مما وضع على تلك الحجارة على قدر حاجته دون‬
‫فيأخذ المحتاج اّ‬
‫أن يرى المعطي واآلخذ بعضهم البعض‪ .‬وبذلك فل يجرح قلب‬
‫آخذ الصدقة‪ ،‬وال يتولد عند معطيها ميول للتكبر والمفاخرة وحب‬
‫المظاهر‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الذين يقومون بعمل الخير‬
‫بنية صافية ونقية‪ ،‬محافظين على إخالصهم وصدقهم‪.‬‬
‫هم نصيب ًا من األخالق واألحوال الحميدة التي كان‬
‫وهَ ْب لنَا ال ّل َّ‬
‫يتميز بها الصحابة الكرام واألولياء وأجدادنا الصالحون‪...‬آمــين‬
‫‪252‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار‬

‫إن ميزان المو ّدة والحب والعشق هو التضحية والتفاني في سبيل‬
‫الحبيب‪ .‬ويدفع الناس أكبر أنواع البدل في سبيل حبهم‪.‬‬
‫والعشق اإللهي يتطلب تضحية حقيقية‪ .‬وال يمكن الوصول إليه‬
‫إال عن طريق التخلي عن الحب الفاني‪ .‬وعندما يكون الحب في‬
‫مرتبة الكمال‪ ،‬يصل التفاني إلى ذروته‪ .‬وعند ذلك فقط يصبح‬
‫الجفاء صفاء‪.‬‬
‫وفضيلة المؤمن وعزته هو قدرته على التفكير بسعادة أخيه‬
‫المسلم وطمأنينته وراحة باله‪ ،‬قبل أن يفكر بنفسه‪ .‬أي أنه يقفز‬
‫من مرحلة األنانية إلى مرحلة اإليثار‪ ،‬وبد ً‬
‫ال من أن يقول‪«:‬نفسي‬
‫أوال»‪ ،‬يفضل أن يقول‪ «:‬أخي المسلم أو ً‬
‫ال»‪.‬‬

‫اإليثار‬
‫اإليثار هو خصلة رفيعة يتميز بها األنبياء وأولياء الله ‪ .U‬وهو‬

‫قمة الكرم والتفادي‪ .‬واإليثار هو القدرة على أن يتخلى الشخص‬
‫عن حق هو بحاجته ألخيه المسلم‪ .‬وذلك بأن يفدي بنفسه أو‬

‫بحقه له‪ .‬وعلى أي حال‪ ،‬هو القدرة على أن يفكر اإلنسان بسعادة‬
‫وطمأنينة أخيه المسلم قبل أن يفكر بنفسه‪ .‬أي أنه يقفز من مرحلة‬
‫ال من أن يقول‪«:‬نفسي أو ً‬
‫األنانية إلى مرحلة اإليثار‪ ،‬وبد ً‬
‫ال»‪ ،‬يفضل‬
‫أن يقول‪ «:‬أخي المسلم أو ً‬
‫ال»‪.‬‬

‫وعندما سئل الحكيم الترمذي «ما هو اإلنفاق ؟»‪ ،‬فأجاب‬

‫باإلجابة التالية‪:‬‬

‫«األنفاق هو أن تجد السعادة والنشوة بسعادة اآلخرين»‪ 1.‬وأهم‬

‫وأقوى عامل يدفع بأولياء الحق ‪ U‬إلى التحلي بهذه األخلق الحميدة‪،‬‬

‫هو أن فطرتهم قد ُعجنت بعجين الرحمة والعطف والشفقة‪ .‬والعامل‬
‫اآلخر هو تلبيتهم ألمر الله ‪ U‬بقوله كما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫[إِ َّن َم ْا ا ْل ُمؤْ ِمن ُْونَ أِ ْخ َو ٌة] (الحجرات‪.)10 ،‬‬

‫وحرصهم على العمل به وتطبيقه وخاصة في األوقات العصيبة‬

‫والصعبة‪.‬‬

‫‪ -1‬صادق دانة‪ ،‬حلقات ألتون أولوق‪ ،‬اجلزء ‪ ،1‬الصفحة ‪.48‬‬

‫‪255‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫واإليثار هو قمة الكرم‪ ،‬حيث أن الكرم هو إعطاء وإنفاق ما‬
‫لست بحاجة من فائض المال‪ ،‬أما اإليثار فهو أن يتخلى الشخص‬
‫عن شيء يريده وهو بحاجته‪ ،‬ويعطيه ألخيه المسلم‪ .‬وهو اإلنتصار‬
‫الروحي الذي يكتسبه اإلنسان عن طريق كبت نفسه والحد من‬
‫اإلعتراضات التي تقدمها للحول دون فعل ذلك‪ .‬وبذلك يكون‬
‫الشخص قد أنشأ سد ًا عالي ًا بينه وبين الجشع‪.‬‬
‫وقال الله ‪ Y‬عن هذا الخلق الذي أمر عباده أن يتخلقوا به‪،‬‬
‫فكما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫[و ُي ْط ِع ُمونَ َّ‬
‫يما َو َأ ِس ًيرا‪ .‬إِ َّن َما‬
‫َ‬
‫الط َعا َم َع َلى ُح ِّب ِه ِم ْس ِكينًا َو َيتِ ً‬
‫ُن ْط ِع ُم ُك ْم لِ َو ْج ِه ال َّل ِه ال ُنرِيدُ ِم ُ‬
‫ورا‪ .‬إِ َّنا َن َخ ُ‬
‫اف ِمن‬
‫نك ْم َجزَ اء َوال ُش ُك ً‬

‫اه ْم َن ْض َر ًة‬
‫اه ُم ال َّل ُه َش َّر َذلِ َك ا ْل َي ْو ِم َو َل َّق ُ‬
‫وسا َق ْم َط ِر ًيرا‪َ .‬ف َو َق ُ‬
‫َّر ِّبنَا َي ْو ًما َع ُب ً‬
‫ورا] (اإلنسان‪)11 – 8 ،‬‬
‫َو ُس ُر ً‬

‫وإنه من السهل على اإلنسان جد ًا أن ينفق ويتصدق إذا كان غني ًا‬
‫ولديه اإلمكانيات المادية الكافية‪ .‬ألن ذلك اإلنفاق ال يصعب على‬
‫نفس الشخص كثير ًا بصفته يتصدق به من فائض المال‪ .‬أما الصعوبة‬
‫األساسية هي أن يتحلى اإلنسان بالكرم عند الفقر‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه‪:‬‬

‫‪256‬‬

‫«إذا توجه متاع الدنيا نحوك‪ ،‬فسارع في إنفاقه والتصدق به‪ .‬ألن‬
‫التصدق ال ينهيه‪ .‬أما إذا ذهب متاع الدنيا عنك‪ ،‬فأنفق به أيض ًا‪ ،‬ألنه‬
‫لن يستمر ببقائه لديك»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫ومغزى الكلم ومختصره في خصوص اإليثار هو إنفاق‬
‫الشخص وتصدقه بشيء هو نفسه بحاجة إليه‪ .‬وذلك بأن يصبر‬
‫اإلنسان على عواصف اعتراضات النفس‪ ،‬ويضحي بماله بكل‬
‫رضاء وتسليم‪ .‬وهذا ليس باألمر السهل بالنسبة لجميع الناس‪،‬‬
‫فالقدرة على التحلي بهذا الخلق الرفيع يتطلب نضوج ًا معنوي ًا وقلب ًا‬
‫نقي ًا وروح ًا صافي ًة‪.‬‬

‫وإن أجر وثواب كل عمل حسن هو بقدر صعوبته‪ .‬فعلى هذا‬
‫الحال فإن أجر اإليثار أكبر بكثير من أجر اإلنفاق الطبيعي والصدقة‬
‫الجارية عند ليونة الحال‪ .‬ولهذا السبب فقد اعتبر أولياء الحق ‪ U‬أن‬
‫التحلي بهذا الخلق هو غنيمة ال مثيل لها‪ .‬فلكي يحصلوا على هذه‬
‫الغنيمة القيمة ويصلوا بها إلى السعادة والنشوة‪ ،‬فقد تخلقوا بغنى‬
‫النفس الذي جعلهم ينفقون الكثير دون الخوف من الفقر في هذه‬
‫الحياة الدنيا الفانية‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«إذا تساقطت أوراق شجرة‪ ،‬فإن الله سبحانه وتعالى يهب تلك‬
‫الشجرة قوة وحب العيش بدون أوراق‪ .‬وإن لم يبق لديك مال نتيجة‬
‫الكرم والتصدق‪ ،‬فهل تدعك عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته أن‬
‫تداس تحت األقدام؟!»‪.‬‬
‫لذا فاإليثار هو قدرة اإلعطاء واإلنفاق مع التفكير بوجود‬

‫خطورة الفقر واإلفلس نتيجة ذلك‪ .‬وهو القدرة على أن تكرم‬
‫أخاك المسلم مما ملكت يداك‪ ،‬عارف ًا ومقتنع ًا بأنك ربما ستحرم‬

‫‪257‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫من الكثير من النعم أو أنك ستبقى جائع ًا‪ .‬وهو القدرة على اإلنفاق‬
‫بسعة النفس وبشاشة الوجه دون التأفف والغضب مهما ثقل فعل‬

‫ذلك عليك‪.‬‬

‫ا ِ‬
‫أليثار في جميع النعم والخيرات‬
‫إن اإليثار هو ليس التضحية والتخلي عن المال أوالثروة فقط‪ .‬بل‬
‫هو القدرة على إنفاق ما أنعم الله ‪ U‬به علينا من نعم وخيرات‪ ،‬وذلك‬
‫بتأجيل التفكير بمنفعتنا‪ ،‬ومنع ُب ْخل النفس من الظهور والتأثير بنا‪.‬‬
‫وبتسخير جميع إمكانياتنا وظروفنا في كافة المجاالت في سبيل الله‬
‫‪ .U‬أي أن اإليثار هو اإلنفاق بكل ما نملك من نعم مادية ومعنوية‪،‬‬
‫كالقدرات الشخصية والذكاء والعلم واإلجتهاد‪ ،‬وتسخير ذلك كله‬
‫في سبيل إفادة إخواننا المسلمين أم ً‬
‫ل بتلبية أوامر الله ‪ U‬لنيل رضاه‪.‬‬
‫وال يتم ذلك إال باحتلل اإليثار أفضل وأعلى المراتب في القلب‪.‬‬

‫أي أنه ال يجوز لشيخ يعلم القرآن الكريم أن يقول‪«:‬ما لدي من‬
‫إمكان لكي أنفق»‪ .‬بل يجب عليه أن يشكر الله ‪ U‬على ما وهبه من‬
‫إمكانية خدمة القرآن الكريم وتعليمه‪ ،‬ويتخلى عن أوقات راحته‬
‫الشخصية ويتابع عمله في تأدية ذلك على أحسن حال‪ .‬وبذلك‬
‫يكون من أهل اإليثار‪.‬‬
‫وقد قابل أهل الطائف سيدنا فخر الكائنات محمد ًا ‪r‬‬

‫‪258‬‬

‫بالحجارة‪ ،‬عندما ذهب إليهم ليبلغهم الدعوة اإلسلمية‪ .‬ولكن‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫دخول عبد واحد من أهل تلك المدينة في اإلسلم خفف‬
‫من همه‪ ،‬وقلل من روعه‪ .‬وبعد عودته من هذا السفر المتعب‬
‫والشاق‪ ،‬ذهب إلى بعض قبائل المشركين الذين جاؤا إلى حج‬

‫الجاهلية‪ ،‬وحدثهم عن قومهم الذين شنوا الغارات على المسلمين‬

‫وقتلوهم وعرضوهم ألشد أنواع العذاب‪ ،‬وقال لهم‪« :‬خذوا‬
‫بي إلى قومكم ألبلغهم الرسالة»‪ .‬وبذلك فقد ركض الرسول‬

‫الكريم ‪r‬من عذاب إلى آخر ليؤدي واجبه في التبليغ ونشر‬

‫الدعوة‪ .‬ونسي راحته الشخصية‪.‬وكما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫ب] (االنشراح‪)8–7 ،‬‬
‫[ َفإِ َذا َف َر ْغ َت َف َ‬
‫ار َغ ْ‬
‫انص ْب‪َ .‬وإِ َلى َر ِّب َك َف ْ‬

‫إذ ًا فبإمكاننا نحن أيض ًا أن نكون من أهل اإليثار – بإذن الله تعالى –‬

‫إذا فدينا أوقات راحتنا الشخصية مقابل العمل بالتضحيات التي ال‬

‫تعد وال تحصى في سبيل الله ‪.Y‬‬

‫حالة اإليثار عند سيدنا محمد ‪ r‬وعند أصحابه الكرام ‪y‬‬

‫وكما هو الحال في أي خصوص‪ ،‬ففي خصوص اإليثار أيض ًا‪،‬‬

‫فإن أجمل وأفضل مثال ونموذج وقدوة لنا هو نبينا وسيدنا محمد ‪،r‬‬

‫ثم أصحابه الكرام ‪ ،y‬الذين نشؤوا في ظل التربية النبوية الشريفة‪.‬‬
‫ولم ُي ْروى عن أحد أنه رأى النبي ‪ r‬وقد رد أحد ًا قصده‪ ،‬أو‬
‫أرسله فارغ اليدين‪ .‬وإذا ُقصد عليه الصلة والسلم بشيئ ولم يكن‬

‫‪259‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫يملك آنذاك شيئ ًا ليعطيه‪ ،‬فإنه بالتأكيد كان يجد إمكانية وح ً‬
‫ل لذلك‪،‬‬

‫وعن عمر بن الخطاب قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي ‪ r‬فقال‪:‬‬

‫"ما عندي شيء أعطيك ولكن استقرض حتى يأتينا شيء‬

‫فنعطيك"‪ .‬فقال عمر‪ :‬ما كلفك الله هذا‪ ،‬أعطيت ما عندك‪ ،‬فإذا لم‬
‫يكن عندك فل تكلف‪ ،‬قال‪ :‬فكره رسول الله ‪ r‬قول عمر ‪ t‬حتى‬

‫عرف في وجهه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬يا رسول الله بأبي وأمي أنت‪ ،‬فأعط‬
‫وال تخش من ذي العرش إقل ً‬
‫ال‪ ،‬قال‪ :‬فتبسم النبي ‪ r‬وقال‪:‬‬
‫"بهذا أمرت"‪.‬‬

‫(الهيثمي‪)242 ،10 ،‬‬

‫أي أن سيدنا محمد ًا ‪ r‬كان صاحب كرم وسخاء لدرجة أنه كان‬
‫يستدين ليتصدق وينفق‪َ .‬ف ِر َقته ولطافته التي ال مثيل لها في إيثاره يجب‬

‫أن تكون لنا نموذجا نتقيد به فعلي ًا في حياتنا‪ ،‬بصفتنا أمة سيدنا محمد ‪.r‬‬

‫وكان إذا أحضر أحدهم حليب ًا للنبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬كان‬
‫يقدمه في البداية للصحابة الفقراء من أهل الص اّفة‪ .‬وكان ال يشبع إذا‬

‫كان أصحابه جائعين‪ .‬ألنه كان يعتقد بأن طعم ولذة اإلنفاق واإليثار‪،‬‬
‫هي أفضل وأشهى من أ َّي ِة لذة أخرى يمكن أن يتذوقها اإلنسان‪.‬‬
‫وشبه أحد الشعراء حالة اإليثار هذه عند النبي ‪ r‬بهذا التشبيه‬

‫البليغ‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫‪260‬‬

‫اس َجدْ َو َ‬
‫الس ُح ِ‬
‫ب َأ ْخ َط َأ َمدْ َح َك‬
‫َم ْن َق َ‬
‫اك َي ْوم ًا بِ ُّ‬
‫لس ُح ُب ُت ْع ِطى َو َت ْب ِكى َو َأن َْت ُت ْع ِطى َو َت ْض َح ُك‬
‫َا ُّ‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وعندما توفي سيدنا محمد ‪ r‬وسيدنا أبوبكر الصديق ‪ ،t‬دفنا‬

‫في حجرة سيدتنا أم المؤمنين عائشة ‪ .c‬وكانت ترغب في أن تدفن‬

‫هي في المكان الذي تبقى في تلك الحجرة‪ ،‬والذي ال يتسع إال لقبر‬
‫واحد‪ .‬ولكن عندما طعن سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬بالخنجر في‬
‫ظهره‪ ،‬وجرح بجروح عميقة‪ ،‬أرسل ابنه إلى سيدتنا عائشة راجيا‬

‫أن تتبرع بذلك المكان له‪ .‬فتخلت سيدتنا عائشة عن ذلك المكان‬
‫وضحت به لسيدنا عمر بن الخطاب‪ ،‬مبرزة أسمى آيات الكرم‬

‫واإليثار‪.‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫س‬
‫َع ْن َعائِ َش َة َز ْو ِج ال َّنبِ ِّي ‪ r‬أ َّن ِم ْس ِكين ًا َسأ َل َها َو ِه َي َصائِ َم ٌة‪َ ،‬و َل ْي َ‬
‫ال ٍة َل َها ‪َ :‬أ ْع ِط ِ‬
‫يف‪َ ،‬ف َقا َل ْت لِ َم ْو َ‬
‫ِفي َب ْيتِ َها إِ َّ‬
‫ال َر ِغ ٌ‬
‫س‬
‫يه إِ َّيا ُه‪َ .‬ف َقا َل ْت ‪َ :‬ل ْي َ‬
‫ين َع َل ْي ِه‪َ .‬ف َقا َل ْت ‪َ :‬أ ْع ِط ِ‬
‫َل ِ‬
‫يه إِ َّيا ُه‪َ .‬قا َل ْت ‪َ :‬ف َف َع ْل ُت‪َ ،‬قا َل ْت‬
‫ك َما ُت ْف ِط ِر َ‬
‫‪َ :‬ف َل َّما َأ ْم َس ْينَا َأ ْهدَ ى َلنَا َأ ْه ُل َب ْي ٍ‬
‫ان َما َك َ‬
‫ت‪َ ،‬أ ْو إِن َْس ٌ‬
‫ان ُي ْه ِدى َلنَا‪َ ،‬شا ًة‬
‫ين َف َقا َل ْت ‪ُ :‬ك ِلي ِم ْن َه َذا َه َذا َخ ْي ٌر‬
‫َو َك َفن ََها‪َ ،‬فدَ َع ْتنِي َعائِ َش ُة ُأ ُّم ا ْل ُم ْؤ ِمنِ َ‬
‫ِم ْن ُق ْر ِص ِ‬
‫ك (موطأ مالك‪ ،‬الصدقة‪)5 ،‬‬

‫وهكذا كان تصرف جيل الصحابة الكرام وإيثارهم على‬

‫أنفسهم ولوكان بهم خصاصة‪ .‬ألنهم كانوا يعرفون عز المعرفة أن‬
‫الله ‪ U‬أكرم من عباده‪ .‬وأنه ال يترك عبده الذي أنفق بإخلص في‬

‫حالة صعبة وعصيبة‪ .‬بل يحسن إليه ويرزقه أفضل وأخ َير مما أنفق‬

‫به‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪261‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الرزْ َق لِ َمن َي َشاء ِم ْن ِع َب ِ‬
‫اد ِه َو َي ْق ِد ُر َل ُه َو َما‬
‫[ ُق ْل إِنَّ َر ِّبي َي ْب ُس ُط ِّ‬
‫َ‬
‫ين] (سبأ‪)39 ،‬‬
‫الرا ِز ِق َ‬
‫أن َف ْقتُم ِّمن َش ْي ٍء َف ُه َو ُي ْخ ِل ُف ُه َو ُه َو َخ ْي ُر َّ‬

‫وهكذا فقد صار اإلنفاق شيئ ًا لذيذ ًا بالنسبة للمؤمنين الذين‬

‫كسبوا األرباح العالية والوفيرة من هذه التجارة المعنوية الرابحة‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«الشخص الذي يبيع القماش‪ ،‬عندما يرى أن القماش الذي بين‬

‫يديه سوف يدر عليه ربح ًا أكثر مما كان عليه سابق ًا‪ .‬فيتضاءل حبه‬

‫تجاه ذلك القماش‪ ،‬وتفتر مشاعره وأحاسيسه نحوه‪ ،‬فيريد أن يبيعه‬
‫مباشرة‪ .‬أما إذا انخفض سعره‪ ،‬ولن يدر عليه األرباح الوفيرة التي‬
‫كانت ُت ِد ُّر عليه سابقا والمتعارف عليها‪ ،‬فإنه يرتبط عاطفيا بذلك‬
‫القماش ويحبه أكثر‪ ،‬وال يريد أن يفارقه‪ ،‬فل يبيعه بل يبقيه عنده»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«ال ينقص المال بالصدقات‪ ،‬بل إن التصدق واإلنفاق في سبيل‬

‫الله ‪ U‬يحمي المال من الضياع»‪.‬‬

‫وعن جابر ‪ t‬قال كانت االنصار إذا جزوا نخلهم قسم الرجل‬

‫تمره قسمين أحدهما أقل من اآلخر ثم يجعلون السعف مع أقلهما‬
‫ثم يخيرون المسلمين فيأخذون أكثرهما ويأخذ االنصار أقلهما من‬

‫‪262‬‬

‫أجل السعف حتى فتحت خيبر فقال رسول الله ‪: r‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫" قد وفيتم لنا بالذى كان عليكم فان شئتم أن تطيب أنفسكم‬

‫بنصيبكم من خيبر ويطيب ثماركم فعلتم قالوا إنه قد كان لك علينا‬
‫شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة فقد فعلنا الذى سألتنا بأن لنا‬

‫شرطنا قال فذاكم لكم"‪( .‬الهيثمي‪)40 ،10 ،‬‬

‫فكم هو لطيف ذلك التصرف الذي قام به األنصار لكي‬

‫يستطيعوا عيش اللذة المعنوية لإليثار‪ ،‬وعيش حالة األخوة والتفاني‬

‫العظيم‪ ،‬الذي بواسطته تخلوا عن جميع المنافع المادية والفانية‪،‬‬

‫وألقوا بها إلى ما وراء ظهورهم‪.‬‬

‫والصحابي الجليل أبوعبيدة بن الجراح ‪ ،t‬عندما كان قائد ًا‬
‫للجيش‪ُ .‬فأحضر له في حر الصحراء ماء بارد وخبزٌ طازج‪ .‬فسأل‪:‬‬

‫«هل يجد جنودي أيض ًا ذلك ليتناولوه ؟»‪ .‬وعندما علم بأنه‬
‫أحضر خصيص ًا له فقط‪ ،‬فلم يمد يديه إلى ذلك الطعام‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫«أحضروا لي مما يأكله جنودي»‪.‬‬

‫ألن ذلك الصحابي الجليل كان من الناس الصالحين الذين‬
‫ال‪ ،‬وليس من القائلين نفسي أو ً‬
‫يقولون «أخي المسلم أو ً‬
‫ال»‪.‬‬
‫ال‪َ :‬جا َء َر ُج ٌل إِ َلى ال َّنبِ ِّي ‪َ r‬ف َق َ‬
‫َع ْن َأبِي ُه َر ْي َر َة ُ‪َ t‬ق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫رس َل إِ َلى َب ْع ِ‬
‫ض نِ َسائِ ِه َف َقا َل ْت‪:‬‬
‫«إ ِّني َم ْج ُه ٌ‬
‫ود» َف َأ َ‬
‫«وا َّل ِذي َب َع َث َك بِا ْل َحقِّ َما ِع ْن ِدي إِ َّ‬
‫ال َم ٌاء» ُث َّم َأ ْر َس َل إِ َلى ُأ ْخ َرى‬
‫َ‬
‫َف َقا َل ْت ِمث َْل ذلِ َك َحتَى ُق ْل َن ُك ُل ُه َّن ِمث َْل ذلِ َك‪:‬‬

‫‪263‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫َ‬
‫«ال َوا َّل ِذي َب َع َث َك بِا ْل َحقِّ َما ِع ْن ِدي إِ َّال َم ٌاء» َف َق َ‬
‫ال‪:‬‬

‫الله» َف َق َام َر ُج ٌل ِم َن ْ َ‬
‫يف َ‬
‫« َم ْن ُي ِض ُ‬
‫األن َْصا ِر‬
‫هذا ال َّل ْي َل َة َر ِح َم ُه ُ‬
‫َف َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫َ‬
‫ول ِ‬
‫الله!» َفان َْط َلقَ بِ ِه إِ َلى َر ْح ِل ِه َف َق َ‬
‫«أ َنا َيا َر ُس َ‬
‫ال ِال ْم َر َأتِ ِه‪:‬‬
‫«ه ْل ِع ْندَ ِك َش ْي ٌء؟» َقا َل ْت‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وت ِص ْب َيانِي» َق َ‬
‫«ال‪ ،‬إِ َّ‬
‫ال‪:‬‬
‫ال ُق ُ‬

‫َ‬
‫اج َو َأ ِر ِ‬
‫يه َأ َّنا َن ْأ ُك ُل‬
‫الس َر َ‬
‫« َف َع ِّل ِلي ِه ْم بِ َش ْي ٍء َفإِ َذا َد َخ َل َض ْي ُفنَا َفأ ْط ِف ِئ ِّ‬
‫اج َح َّتى ُت ْط ِفئِ ِ‬
‫َفإِ َذا َأ ْه َوى لِ َي ْأ ُك َل َف ُق ِ‬
‫يه» َق َ‬
‫ال َف َق َعدُ وا َو َأ َك َل‬
‫الس َر ِ‬
‫ومي إِ َلى ِّ‬
‫الض ْي ُف َف َل َّما َأ ْص َب َح َغدَ ا َع َلى ال َّنبِ ِّي َص َّلى ال َّل ُه َع َل ْي ِه َو َس َّل َم َف َق َ‬
‫َّ‬
‫ال‪:‬‬
‫« َقدْ َع ِج َب ال َّل ُه ِم ْن َصنِ ِ‬
‫يع ُك َما بِ َض ْي ِف ُك َما ال َّل ْي َل َة»‪.‬‬

‫(مسلم‪ ،‬األشربة‪172 ،‬؛‬

‫البخاري‪ ،‬مناقب األنصار‪10 ،‬؛ التفسير‪)6/59 ،‬‬

‫اإليثار عند أولياء الحق ‪U‬‬

‫‪264‬‬

‫وقد عرض أولياء الحق ‪ U‬الذين تخلقوا بأخلق رسول الله‬
‫‪ ،r‬أمثلة كثيرة معبرة عن اإليثار‪ ،‬كما عرض الصحابة الكرام ‪y‬‬
‫تلك األمثلة من قبل‪ .‬وعن أبي الحسن األنطاكي أنه اجتمع عنده‬
‫نيف وثلثون نفس ًا وكانوا في قرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة‬
‫لم تشبع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام‬
‫فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئا إيثارا لصاحبه‬
‫على نفسه (الغزالي‪ ،‬اإلحياء‪.)258 ،3 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وذلك هو أفق قلوب المؤمنين الحقيقيين الذين وصلوا إلى‬
‫هذه المرتبة الرفيعة من اإليثار‪ .‬إنه أفق يمكن اإلنسان من قول«أخي‬
‫ال‪ ،‬بدال من قول نفسي أو ً‬
‫المسلم أو ً‬
‫ال»‪.‬‬

‫وهذا مثال آخر عن هذه األخلق الحميدة المليئة بالعبر‬
‫والدروس‪ .‬حيث جاء أحد طلبة سيدنا داود الطائي الذي كان يقوم‬
‫بخدمته‪ ،‬وقال له‪:‬‬
‫«لقد طبخت لك قلي ً‬
‫ل من اللحم‪ ،‬تفضل لوسمحت لتناوله»‪.‬‬

‫فسكت أستاذه ولم ينطق بحرف واحد‪ .‬فأحضر الطالب اللحم‬
‫ووضعه أمامه‪ .‬فنظر سيدنا داود الطائي إلى ذلك اللحم وسأل‬
‫تلميذه‪«:‬ما أخبار األيتام فلن وفلن؟»‪.‬‬
‫فأجابه الطالب معبر ًا عن أنهم ليسوا بوضع جيد‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪«:‬كما‬
‫تعرف يا سيدي»‪.‬‬

‫فقال الشيخ المبارك الذي يعد من أولياء الحق ‪:U‬‬
‫«إذ ًا خذ بهذا اللحم إليهم»‪.‬‬

‫فحاول الطالب الذي أحب أن يتذوق أستاذه ما طبخه له أن‬
‫يصر عليه باألكل قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫«ولكن يا سيدي‪ ،‬أنت أيض ًا لم تأكل اللحم لفترة طويلة»‪.‬‬
‫ولكن سيدنا داود الطائي لم يطاوع تلميذه بل قال له‪:‬‬

‫«يا بني‪ ..‬إذا أكلت هذا اللحم‪ ،‬فسوف يخرج من جسدي بعد‬
‫فترة قصيرة‪ .‬أما إذا أكله األيتام‪ ،‬فسوف يصعد إلى العرش األعلى‬
‫ليكون هناك أبدي ًا»‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال أحد أولياء الحق ‪ ،U‬سيدنا عبيد الله أحرار‪:‬‬

‫«ذهبت يوم ًا إلى السوق‪ ،‬وكنت فقير ًا جدا‪ .‬فجاء إلي شخص‬

‫وقال لي بأنه جائع‪ .‬ولم يكن لدي أي إمكان مادي آنذاك‪ .‬وكان‬

‫عندي عباءة قديمة همت باالهتراء والتمزق‪ .‬فأخذت ذلك الشخص‬
‫إلى مطعم‪ ،‬وقلت للطباخ‪( :‬خذ عباءتي هذه‪ ،‬إنها قديمة ولكنها‬
‫نظيفة‪َ ،‬ع اّلك تستخدمها في تجفيف بلل القدور واألواني بعد‬

‫غسلها‪ .‬وبالمقابل أرجو منك أن تطعم هذا الرجل الجائع)‪.‬‬

‫فأطعم الطباخ ذلك الرجل الفقير‪ ،‬وأعاد لي عباءتي‪ ،‬ولكني لم‬

‫آخذها ألني قد وعدته بأن أعطيه إياها‪ .‬وانتظرت مع الفقير حتى أكل‬
‫وشبع‪ ،‬مع أنني كنت جائع ًا أيض ًا» (الحدائق الوردية‪ ،‬ص ‪.)651‬‬

‫وبعد ذلك صار سيدنا عبيد الله أحرار صاحب ثروة كبيرة‪.‬‬

‫لدرجة أن آالف من العمال كانوا يعملون في مزرعته‪ .‬وكان يتحدث‬

‫عن حالته في ذلك الوقت بالشكل التالي‪:‬‬

‫«توليت خدمة أربعة مرضى في مدرسة موالنا قطب الدين في‬
‫سمر قند‪ .‬وكانوا يوسخون ِ‬
‫أس َّرتهم بسبب تقدم المرض عندهم‪.‬‬
‫وكنت أغسلهم وأنظفهم بنفسي‪ .‬وألبسهم ثيابهم‪ .‬وألنني كنت أقدم‬
‫الخدمة لهم دائم ًا‪ ،‬فانتقل المرض إلي‪ ،‬وصرت على فراش المرض‪.‬‬

‫ولكني حتى في ذالك الوضع المريض كنت أحضر الماء باألواني‪،‬‬

‫‪266‬‬

‫وتابعت غسلهم وتنظيفهم وغسل ثيابهم»‬

‫(الحدائق الوردية‪ ،‬ص ‪.)653‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫فكم هي مليئة بالعبر حالة سيدنا عبيد الله أحرار تلك‪ ،‬فلو شاء‬
‫لسخر أحد ًا غيره ليقوم بتلك الخدمات التي كان يقوم بها بنفسه‪،‬‬
‫حيث أنه كان يملك من الثروة المادية ما يسمح له عمل ذلك‪.‬‬
‫وكان قد أراح نفسه من المشقات‪ .‬ولكنه فضل أن يضحي براحته‬
‫الشخصية‪ ،‬ويتخلى عنها‪ ،‬حتى ال يبقى محروم ًا من فضيلة اإليثار‬
‫وبعيد ًا عن ثوابها‪.‬‬
‫وقال عباس بن دهقان ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إال‬
‫بشر بن الحارث الحافي فإنه آتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة‬
‫فنزع قميصه وأعطاه إياه واستعار ثوبا فمات فيه (الغزالي‪ ،‬إحياء‪)258 ،3 ،‬‬

‫ومن جانب آخر‪ ،‬فالشيء اآلخر المهم في تقديم الخدمات‬
‫للناس والعمل على فعل الخير في سبيل الله ‪ ،U‬هو أن نقوم‬
‫بخدمة ال يفعلها أحد‪ .‬وأن نفرج عن كرب مسكين لم يفرج عن‬
‫كربه أحد‪ .‬وبذلك نستطيع أن نصل إلى مرتبة أولياء الحق ‪ U‬الذين‬
‫كانوا يفضلون شراء بضائعهم وحاجياتهم من الدكاكين والمحلت‬
‫التي ال يذهب إليها أحد‪ .‬باإلضافة إلى أنه يجب علينا أن نضحي‬
‫باألشياء التي ال يجرؤ أحد على التضحية بها‪ ،‬ولوتطلب ذلك منا‬
‫أن نضحي بأرواحنا‪.‬‬

‫ذروة اإليثار‪ :‬إيثار الروح‬
‫اإليثار هو لوحة فنية تعكس جمال الغيرة على الدين‪ .‬وهو‬
‫القدرة على أن نجعل حب الله ‪ Y‬وحب رسوله محمد ًا ‪ r‬فوق‬

‫‪267‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الحب الفاني الذي نشعر به تجاه جميع األشخاص أو األشياء‪.‬‬
‫وورد في الحديث الشريف عن النبي ‪ r‬قال لسيدنا عمر بن‬
‫الخطاب ‪ ،t‬موجه ًا كلمه ألمته بأكملها‪:‬‬
‫"ال والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"‬

‫(البخاري‪،‬‬

‫األيمان‪)3 ،‬‬

‫حيث أن سيدنا عمر بن الخطاب أحب الله ‪U‬وأحب رسوله‬
‫الكريم عليه الصلة والسلم حب ًا شديد ًا دفع في سبيلهما روحه‪.‬‬
‫وقابل وجه ربه شهيد ًا‪.‬‬
‫وإن ميزان الحب والعشق هو التضحية والتفاني في سبيل‬
‫الحبيب‪ .‬ويدفع الناس أكبر أنواع البدل في سبيل حبهم‪.‬‬

‫والعشق اإللهي يتطلب تضحية حقيقية‪ .‬وال يمكن الوصول‬
‫إليه إال عن طريق التخلي عن الحب الفاني‪ .‬وعندما يكون الحب‬
‫في مرتبة الكمال‪ ،‬يصل التفاني إلى ذروته‪ .‬وعند ذلك فقط يصبح‬
‫الجفاء صفاء‪.‬‬
‫ومن ِ‬
‫يع ْ‬
‫ش اإليمان بعشق كهذا العشق‪ ،‬فإنه ال يتردد لحظة‬

‫‪268‬‬

‫واحدة عن التضحية بما يملك‪ ،‬بل وحتى بروحه‪ .‬وكما ترك سيدنا‬
‫محمد ‪ r‬سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه في‬
‫فراشه ليلة الهجرة‪ ،‬حيث كان محاصر ًا من قبل المشركين‪ .‬فلم‬
‫يتردد سيدنا علي لحظة واحدة في التضحية بحياته فدا ًء لرسول الله‬
‫عليه الصلة والسلم‪ .‬فنام في فراشه بد ً‬
‫ال عنه دون خوف أو ذعر‪،‬‬
‫مع علمه بوجود خطر الموت في تصرفه ذاك‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وكما قال الله ‪ U‬عن المؤمنين الذين وصلوا قمة اإليثار‪ ،‬حيث‬

‫ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫اس َمن َيشْ ِري َن ْف َس ُه ا ْبتِ َغاء َم ْر َض ِ‬
‫ات ال َّل ِه َوال َّل ُه َر ُؤ ٌ‬
‫[و ِم َن ال َّن ِ‬
‫وف‬
‫َ‬
‫بِا ْل ِع َب ِ‬
‫اد] (البقرة‪)207 ،‬‬
‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي في هذا الخصوص‪:‬‬

‫«إن الروح اّقيمة‪ ،‬ما لم يكن هناك شيء أكثر منها قيمة‪ .‬ولكن‬

‫عند الحصول على الشيء األفضل واألكثر قيمة من الروح‪ ،‬فل‬
‫يلفظ اسم الروح وال تخطر على بال أحد‪ .‬وتذوب الروح ويذوب‬

‫المال كالثلج ويذهبا‪ .‬ولكن إذا أنفقا في سبيل الله ‪ ،U‬فإن الله‬
‫يكون مشتري ًا لهما ومقتني ًا‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[إِنَّ ال َّل َه ْ‬
‫ين َأ ُنف َس ُه ْم َو َأ ْم َو َال ُهم بِ َأنَّ َل ُه ُم ا ْل َج َّن َة‬
‫اشت ََرى ِم َن ا ْل ُمؤْ ِمنِ َ‬
‫ُي َقاتِ ُلونَ ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َف َي ْق ُت ُلونَ َو ُي ْق َت ُلونَ َو ْعدً ا َع َل ْي ِه َح ًّقا ِفي ال َّت ْو َر ِاة‬
‫نجيلِ َوا ْل ُق ْر ِ‬
‫إل ِ‬
‫َوا ِ‬
‫است َْب ِش ُرو ْا بِ َب ْي ِع ُك ُم ا َّل ِذي‬
‫آن َو َم ْن َأ ْو َفى بِ َع ْه ِد ِه ِم َن ال َّل ِه َف ْ‬
‫يم] ( التوبة‪)111 ،‬‬
‫َبا َي ْعتُم بِ ِه َو َذلِ َك ُه َو ا ْل َف ْو ُز ا ْل َع ِظ ُ‬
‫وكان غلم خليل المشهور بموقفه المضاد للصوفية‪ ،‬كان‬
‫يعارض أرباب الصوفية لدرجة العداوة‪ .‬وكان سبب ًا في تحريض‬
‫قوى األمن على القبض على مجموعة من الصوفيين‪ ،‬ومن بينهم‬

‫أبوالحسين النوري‪ .‬وسوقهم إلى مركز الدولة‪ .‬وتقرر إعدامهم‬
‫حسب الحكم الصادر عن المحكمة‪.‬‬

‫‪269‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وعندما هم الجلد بقطع رقبة أحد منهم‪ ،‬تقدم أبو الحسين‬
‫النوري إلى األمام بكامل رضاء وتصميم لكي يقطع الجلد رقبته‬
‫أوال‪.‬فقال الجلد الذي استغرب تصرفه‪:‬‬
‫«يا هذا‪ ..‬إنك تقدمت إلى األمام‪ ،‬ولكـن هذا السيف شيء ال‬
‫ُيرغب به‪ .‬ولم يأت دورك بعد‪ ،‬فلم العـجلة؟»‪.‬‬
‫فقال أبوالحسين النوري – ُقداّ س سره ‪:-‬‬

‫«إن طريقي هو طريق اإليثار‪ ،‬وإن الروح والحياة هما أكثر‬
‫األمور قيمة‪ .‬وأريد أن أضحي بعمري الذي لم يتبقاّ منه سوى بضع‬
‫أنفاس في سبيل أصحابي‪ ،‬لكي يعيشوا أكثر مني‪ .‬حيث أن الوقت‬
‫الذي نتنفس فيه في هذه الحياة الدنيا‪ ،‬أفضل وأكثر قيمة بالنسبة لنا‬
‫من ألف عام في اآلخرة‪ .‬ألن الحياة الدنيا هي مكان لكسب رضاء‬
‫الله ‪ .U‬أم اآلخرة فهي مكان التقرب منه ‪ .Y‬والتقرب منه يتم عن‬
‫طريق العمل وتقديم الخدمات في الحياة الدنيا‪ .‬لذا أريد أن أضحي‬
‫‪1‬‬
‫بأنفاسي األخيرة المتبقية‪ ،‬ألصحابي»‬

‫إن الروح والمال واألوالد زينة الحياة الدنيا بالنسبة لإلنسان‪.‬‬
‫وهي أكثر النعم التي يستصعب صعوبة بالغة في التخلي عنها‪ .‬لذا‬
‫فأن اإلمتحانات التي يمتحن بها الناس في هذه المجاالت الثلثة‬
‫هي أصعب أنواع اإلمتحانات وأقساها‪ .‬فكم من عبد امتحنه الله‬
‫‪ U‬بهذه اإلمتحانات العسيرة والصعبة‪ ،‬وقاس مستوى الصدق‬
‫واإلخلص لديه في العبودية‪.‬‬
‫‪270‬‬

‫اله ْجويري‪ ،‬كشف المحجوب‪ ،‬ترجمة‪ :‬سليمان ألوداغ‪ ،‬اسطنبول‪ ،1996 ،‬ص ‪302‬‬
‫‪ُ 1‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وقد نجح سيدنا إبراهيم ‪ u‬في هذا اإلمتحان برحمة الله ‪U‬‬
‫ولطفه‪ ،‬فصار خلي ً‬
‫ل أي صاحب ًا له‪ .‬فلم يخف ‪ u‬من الفقر‪ ،‬بل‬
‫أنفق كل ماله في سبيل خالقه ‪ .Y‬وتحمل وصبر في مواجهة خطر‬
‫نار النمرود التي ألقي فيها‪ ،‬دون أن يتردد لحظة واحدة أويرف له‬
‫جفن‪ ،‬وذلك في سبيل التوحيد لله ‪ .U‬أثبت بذلك أنه مستعد في‬
‫أي وقت كان ألن يضحي بحياته وروحه في سبيل الله ‪.U‬‬

‫وإن أصعب وأقسى امتحان يتعرض له اإلنسان في حياته هو‬
‫امتحان األوالد‪ .‬الذي نجح فيه سيدنا إبراهيم ‪ u‬أيض ًا‪ ،‬وأصبح‬
‫قدوة لإلطاعة والتسليم ألمر الله ‪ ،U‬والعمل بما أمر به واإلبتعاد‬
‫عما نهى عنه‪.‬‬

‫وبما أن األوالد والخلف هم مدار لدوام نسل اإلنسان‬
‫واستمراريته‪ ،‬فكأنهم وسيلة إلشباع غريزة حب الحياة والعيش‬
‫فيها إلى ألبد‪ .‬هذه هي الغريزة المكنونة في فطرة بني البشر‪ .‬ولهذا‬
‫السبب يشعر الوالدان بحب شديد وال يضاهى تجاه أوالدهم‪ .‬ألن‬
‫األوالد هم قطعة من والديهم تتابع ذريتهم ونسلهم‪.‬‬
‫وعلى هذا اإلعتبار‪ ،‬فقد تعرض سيدنا إبراهيم ‪ u‬ألصعب‬

‫وأقسى اإلمتحانات‪ ،‬حيث أمره الله ‪ U‬بأن يذبح ابنه ليتقرب‬

‫إليه‪ .‬ومكافأة على الرضاء التام والتسليم بأوامر الله ‪ ،Y‬فقد‬
‫أنزل جبريل ‪ – u‬بأمر من الله تعالى – كبش ًا من الجنة إلى‬
‫وجه األرض‪ .‬وأهديت هذه الذكرى المجيدة بفضل سيدنا إبراهيم‬

‫‪271‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وسيدنا إسماعيل عليهما السلم إلى بني البشر كعبادة يتقربون بها‬
‫إلى الله ‪ U‬حتى يوم الدين‪.‬‬

‫ومن هذا المنظور‪ ،‬فالغاية األساسية من عبادة النحر في عيد‬
‫األضحى هي إعطاء العبد عهد ًا‪ ،‬بأنه مستعد في كل وقت وفي‬
‫كل ظرف ألن يضحي بروحه قربان ًا لله ‪ .U‬والنحر هو أيض ًا تأييد‬
‫إلطاعتنا لربنا ‪ ،Y‬وتسليمنا التام بأوامره ة نواهيه‪ .‬وكما ورد في‬
‫اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[لن َين َ‬
‫َ‬
‫اؤهَ ا َو َل ِكن َينَا ُل ُه ال َّت ْق َوى ِم ُ‬
‫وم َها َوال ِد َم ُ‬
‫نك ْم َك َذلِ َك‬
‫َال ال َّل َه ُل ُح ُ‬
‫ين](الحج‪)37 ،‬‬
‫َس َّخ َرهَ ا َل ُك ْم لِت َُك ِّب ُروا ال َّل َه َع َلى َما هَ َد ُاك ْم َو َب ِّش ِر ا ْل ُم ْح ِسنِ َ‬

‫وقد عبر سيدنا جلل الدين الرومي عن فضيلة التضحية بالروح‬
‫بهذه الجمل الجميلة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫قال سيدنا محمد ‪ r‬فيما معناه‪( :‬ملكان يسبحان الله ‪Y‬دائم ًا‪،‬‬

‫ويتوسـلن إليه قائلين‪ ( :‬يا رب‪ ..‬أشبع أصحاب الكرم‪ ،‬الذين‬
‫يسدون حاجة الفقراء‪ ،‬واحسب لهم مئة ألف درهم مقابل درهم‬
‫واحد أنفقوه )‪ .‬فما بالك بمن أعطى روحه‪ ،‬ومن مد عنقه وضحى‬
‫بنفسه في سبيل الله‪ Y‬؟‪ ..‬وذلك الشخص هو كإسماعيل ‪u‬‬
‫الذي مد عنقه لخالقه‪ ،‬واستعد ليكون أضحية في سبيله‪ .‬ولكن الله‬
‫‪ U‬لن يسمح لذلك العنق بأن يذبح أويقطع»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫‪272‬‬

‫«إذا أعطيت خبز ًا في سبيل الله ‪ ،Y‬فستعطى خبز ًا أيض ًا‪ .‬أما إذا‬
‫ضحيت بروحك‪ ،‬فستهدى روح ًا»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«لواستطعت أن ترى كرم الله ‪ Y‬وسخاءه‪ ،‬فهل تطاوعك‬

‫نفسك على أن تمنع روحك عنه؟‪ .‬وهل تستطيع أن تشغل بالك‬

‫بهم روحك وحياتك؟‪ .‬ومن يقف على ضفة النهر ويمنع ماءه عن‬
‫الناس‪ ،‬هو شخص قلبه أعمى‪ ،‬وال يستطيع رؤية ذلك النهر»‪.‬‬

‫بركة اإليثار العظيمة‬
‫إن الدرهم الذي ينفق في سبيل الله ‪ U‬باإليثار‪ ،‬مع التخلي عن‬

‫النفس وأهوائها‪ ،‬هو أفضل وأكثر قيمة وبركة من التصدق بمئة ألف‬

‫درهم لم تنفق بهذا الشكل‪.‬‬

‫ال َق َ‬
‫َع ْن َأبِى ُه َر ْي َرة َ‪َ t‬ق َ‬
‫ال َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪r‬‬

‫«س َبقَ ِد ْر َه ٌم ِما َئ َة َأ ْل ٍ‬
‫ف»‪.‬‬
‫َ‬
‫ف َق َ‬
‫َقا ُلوا َيا َر ُس َ‬
‫ول ال َّل ِه َو َك ْي َ‬
‫ال‪:‬‬

‫ان َف َأ َخ َذ َأ َحدَ ُه َما َفت ََصدَّ َق بِ ِه َو َر ُج ٌل َل ُه َم ٌ‬
‫«ر ُج ٌل َل ُه ِد ْر َه َم ِ‬
‫ال َكثِ ٌير‬
‫َ‬
‫ض َمالِ ِه ِما َئ َة َأ ْل ٍ‬
‫ف َفت ََصدَّ َ‬
‫َف َأ َخ َذ ِم ْن ُع ْر ِ‬
‫ق ب ِ َها» (سنن النسائي‪ ،‬الزكاة‪)49 ،‬‬
‫وهذا يعني أنه ليس المقدار هو المهم في المال الذي ينفق‪ ،‬بل‬

‫األهم من ذلك هو درجة التضحية واإليثار عند من ينفق ذلك المال‪.‬‬
‫فعلى هذا األساس‪ ،‬فالغنى الحقيقي ليس بكثرة المال‪ ،‬بل بإشباع‬

‫‪273‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الروح‪ .‬والكرم الحقيقي هو اإلنفاق بالتضحية‪ ،‬وذلك بتسخير‬
‫جميع اإلمكانيات في سبيل الله‪.Y‬‬

‫وقال سهل بن عبد الله التستري قال موسى ‪ u‬يا رب أرني‬
‫بعض درجات محمد ‪ r‬وأمته فقال يا موسى إنك لن تطيق ذلك‬
‫ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى‬
‫جميع خلقي قال فكشف له عن ملكوت السموات فنظر إلى منزلة‬
‫كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى فقال يارب بماذا‬
‫بلغت به إلى هذه الكرامة قال بخلق اختصصته به من بينهم وهو‬
‫اإليثار يا موسى ال يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إال‬
‫استحييت من محاسبته وبوأته من جنتي حيث يشاء (الغزالي‪ ،‬إحياء‪،3 ،‬‬

‫‪)258-257‬‬

‫وال شك في أن الوصول إلى مثل هذه القمة في األخلق ليس‬

‫بوسع جميع الناس‪ .‬ولكن من المؤكد أننا سنحصل على مراتب‬
‫ذات قيمة أكبر وأفضل كلما حاولنا اإلقتراب من هذه القمة وهذا‬

‫األفق العظيم‪.‬‬

‫ويجب علينا أن ال ننسى أن أي خطوة نخطو بها للتقدم في‬

‫التحلي بخلق اإليثار الذي يعكس وجه اإلسلم البشوش بكل رقته‬
‫وعظمته‪ ،‬ربما تكون باب النصر األبدي الذي سيوصلنا إلى أعلى‬
‫الدرجات التي يستحقها من تح اّلى باألخلق الحميدة التي أمرنا الله‬

‫‪274‬‬

‫‪ Y‬أن نتح اّلى بها‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫اإليثار ‪o‬‬
‫وورد في الحديث الشريف عن النبي ‪:r‬‬

‫"ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعان و جاره جائع إلى جنبه"‬

‫(الحاكم‪)15 ،2 ،‬‬

‫ويذكرنا هذا الحديث الشريف بكبر وعظمة المسؤولية التي‬
‫تقع على عاتقنا‪ .‬وكيف ما أن تألم عضو في الجسد‪ ،‬تحس به كافة‬
‫األعضاء األخرى‪ ،‬فعلى المسلمين جميعهم أن يحسوا بعذاب‬
‫إخوانهم في الدين‪ ،‬في كل أنحاء العالم‪.‬‬
‫ض على قلوبنا بِ َه ّب ِ‬
‫اللهم ِأف ْ‬
‫ات الريح العذبة القادمة من عصر‬
‫السعادة وإقليم أحبائِك المفعم بالمعاني والعبر‪.‬‬

‫وارزقنا اللهم نشوة الضمير والسعادة المعنوية بالتضحيات التي‬
‫علينا أن نقوم بها من أجل إخواننا المسلمين في إفريقيا وفي كل‬
‫أنحاء العالم‪.‬‬
‫وارزقنا اللهم في الحياة الدنيا مظاهر السعادة المعبرة والتي‬
‫تعكس سعادة العيد األبدي يوم القيامة‪ ...‬آمين‬

‫‪275‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير‬

‫لقد أقسم ربنا ‪ U‬بالفجر‪ .‬وفي كل فجر يوم يفتح لنا صفحة جديدة من‬
‫صفحات تقويم عمرنا‪ .‬فكيف علينا أن نمأل صفحة العمر هذه؟ وكم‬
‫يجب أن نخصص من أوقاتنا للعمل ألنفسنا‪ ،‬مقابل كم من الوقت الذي‬
‫يجب أن نخصصه للتأثير اإليجابي في الناس من حولنا‪ ،‬فنقف إلى جانب‬
‫المحرومين من الحنان والعطف والشفقة‪ ،‬وإلى جانب الفقراء والمساكين‬
‫والمظلومين؟ وماذا ستك ُت ُب المالئكة الذين قال الله ‪ U‬عنهم‪( :‬كرام ًا‬
‫كاتبين)‪ ،‬في سطور صفحاتنا اليومية ألجل يوم القيامة ويوم الحساب؟‪.‬‬
‫وهكذا يجب على المؤمن أن يتفكر بهذه الحقائق بقلب رقيق ولطيف‪ .‬وأن‬
‫يستهلك وقته في األعمال األكثر فائدة لآلخرين‪ ،‬واألكثر صواب ًا‪.‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير‬
‫لقد أقسم الله ‪ U‬في سورة العصر بالزمن‪ .‬طالب ًا منا أن نلفت‬

‫انتباهنا إلى كيفية قضائنا لعمرنا الذي كتب لنا‪.‬‬

‫والزمن هو كالسيف ذوالحدين الماضيين‪ .‬فإذا ُق اّيم واستفيد‬

‫منه على أساس الكتاب والسنة النبوية الشريفة‪ ،‬فهو وسيلة للوصول‬
‫إلى الجنة‪ .‬أما بالنسبة للناس الذين وقعوا تحت سيطرة نفوسهم‬

‫وانجرفوا وراء أهوائهم وشهواتهم‪ ،‬فهوكالسيل الجارف الذي‬
‫يتدفق بسرعة هائلة جارف ًا معه كل ما اعترضه في طريقه‪ .‬فالحكيم‬

‫هو من نجى من أن يكون عبارة عن قطعة حطب هامدة في مجرى‬
‫السيل العارم‪ .‬فتتحرك إلى اليمين تارة‪ ،‬وإلى الشمال تارة أخرى‬

‫تحت سيطرة ذلك السيل العنيف التامة‪.‬‬

‫وال يمكن للزمن الماضي أن يعود‪ .‬وال يمكن للوقت أن ُيجمع‬

‫ويحتفظ به‪ .‬وال يعار الزمن وال يستعار‪ ،‬وال يباع وال يشترى‪ .‬ولو‬

‫دفع اإلنسان كل ما يملك من أموال وأملك وثروات‪ ،‬ال يقدم مدة‬

‫عمره ثانية واحدة وال يستأخره‪.‬‬

‫والحياة الدنيا التي هي عبارة عن مكان التجهيز والتحضير‬
‫للعالم األبدي‪ ،‬إنما هي كنز يمتلكه اإلنسان لفترة زمنية قصيرة‪ ،‬ومن‬
‫ثم يفقده‪ .‬لذا يجب معرفة قيمة وقدر نعمة هذه الحياة‪ ،‬وتقييمها‬

‫‪279‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫بأفضل وأجمل األعمال التي تليق بها‪ .‬ألنه ال يمكن تعويض ضياع‬
‫هذه النعمة‪ .‬ويصبح الزمن عبارة عن أمر يندم عليه اإلنسان في رمقه‬
‫األخير‪ ،‬إذا أضاعه وأنفقه بعشوائية وعدم تنظيم‪ .‬ملبي ًا بذلك رغباته‬
‫وشهواته النفسية ومشبع ًا غرائزه وأهواءه وكأن العمر لن ينتهي‪،‬‬
‫ومهم ً‬
‫ل واجباته كعبد تجاه الله ‪.U‬‬
‫وعمر اإلنسان هو كالممر الضيق بين المهد واللحد‪ ،‬وذوصعود‬
‫ونزول‪ ،‬وهو عبارة عن مجموع األنفاس التي يتنفسها اعتبار ًا من‬
‫الوالدة وحتى الموت‪ .‬وهذه األنفاس التي يجهل العبد عددها وال‬
‫يعرفه سوى الخالق ‪ ،Y‬ال شك في أن أكثرها عبرة ووقار ًا هو الرمق‬
‫األخير‪.‬‬
‫والرمق األخير هو ملتقى الطرق بين الحياة الدنيا التي وصلت‬
‫إلى نهايتها وبين العالم األبدي الذي سيبدأ من جديد‪ .‬وإن ملتقى‬
‫الطريق ذاك هو عبارة عن ممر ضيق ووعر ومخيف‪ .‬وعلى جميع‬
‫المؤمنين الذين لديهم الوعي واإلدراك والنضوج المعنوي أن‬
‫يتفكروا في ذلك الممر‪ ،‬وأن يصلحوا أحوالهم ويروضوها على‬
‫حسب استقامته‪.‬‬

‫والرمق األخير هو كالمشهد األخير في مسرحية يقدمها اإلنسان‬
‫عن نفسه وعن حياته‪ .‬وهوكالمرآة النظيفة اللمعة والخالية تمام ًا من‬
‫الشوائب‪ ،‬والتي تعكس عاقبة كل فرد على حدة‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫وبينما نحن ننفق أنفاسنا التي هي عبارة عن أجزاء زمنية قيمة‪،‬‬
‫في هذه الحياة الدنيا الفانية‪ ،‬يجب أن ال ننسى أن أجهزة التصوير‬
‫والمراقبة اإللهية موجودة في كل مكان‪ ،‬وتعمل في كل وقت‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫وفي كل لحظة من لحظات حياتنا‪ .‬وسنشاهد أعمالنا وأفعالنا التي‬
‫سجلت من قبل تلك األجهزة يوم القيامة‪ ،‬عندما يقال لنا‪« :‬اقرأ‬
‫كتابك»‪ .‬وعندها سنتعرف على أنفسنا من جديد‪ ،‬ولكن بوضوح‬
‫أكثر وشفافية ال مثيل لها‪.‬‬
‫وبما أن أجلنا مجهول بالنسبة لنا‪ ،‬فإن يوم اإلستعداد والتجهيز‬
‫للحساب الذي سيوصلنا إلى الفلح والنجاة في الحياة األبدية هو‬
‫اليوم‪ .‬وإن الشراب الذي سنرفقه بزادنا لآلخرة هو شراب اليوم‪.‬‬
‫فيجب أن نحرص على تأمينه اليوم لكي نأخذه معنا عند مماتنا‬
‫ونرفقه بذلك الزاد‪.‬‬

‫وقد ُذ اّكرنا في كثير من األحاديث النبوية الشريفة بيوم الحساب‪،‬‬
‫وبأننا سنحاسب على جميع النعم التي رزقنا إياها ربنا ‪ ،Y‬ول اّق َننَا أن‬
‫نتجنب الوقوع في الغفلة في خصوص هذه النعم‪.‬‬
‫فورد في الحديث الشريف عن النبي ‪:r‬‬

‫"ال تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن‬
‫خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أباله وماله من أين اكتسبه‬
‫وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم" (الترمذي‪ ،‬القيامة‪)1 ،‬‬
‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"اغتنم خمس ًا قبل خمس‪ ،‬شبابك قبل هرمك‪ ،‬وصحتك قبل‬
‫سقمك‪ ،‬وغناك قبل فقرك‪ ،‬وفراغك قبل شغلك‪ ،‬وحياتك قبل‬
‫موتك " (الحاكم المستدرك‪)7846/341 ،4 ،‬‬

‫‪281‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أهمية اإلسراع في إعطاء الصدقة‬

‫لقد بلغنا سيدنا محمد ‪ r‬أهمية اإلسراع في عمل الخير‬
‫بالفضائل اللمتناهية التي قام بها في حياته المثالية‪ .‬وقد نقل لنا‬
‫إحدى هذه الفضائل سيدنا عقبة بن الحارث ‪ t‬حيث قال‪َ :‬ص َّل ْي ُت‬
‫اب‬
‫َو َرا َء ال َّنبِ ِّي ‪ r‬بِا ْل َم ِدين َِة ا ْل َع ْص َر َف َس َّل َم ُث َّم َق َام ُم ْس ِر ًعا َفت ََخ َّطى ِر َق َ‬
‫اس إِ َلى َب ْع ِ‬
‫ال َّن ِ‬
‫اس ِم ْن ُس ْر َعتِ ِه َف َخ َر َج َع َل ْي ِه ْم‬
‫ض ُح َج ِر نِ َسائِ ِه َف َف ِز َع ال َّن ُ‬
‫َف َر َأى َأ َّن ُه ْم َع ِج ُبوا ِم ْن ُس ْر َعتِ ِه َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫" َذ َك ْر ُت َش ْيئًا ِم ْن تِ ْب ٍر ِع ْندَ َنا َف َك ِر ْه ُت َأ ْن َي ْحبِ َسنِي َف َأ َم ْر ُت‬
‫بِ ِق ْس َمتِ ِ‬
‫ه" (البخاري‪ ،‬األذان‪ ،158 ،‬العمل في الصلة‪18 ،‬؛ النسائي‪ ،‬السهو‪)104 ،‬‬
‫وورد في حديث شريف آخر عن النبي ‪:r‬‬

‫"با كروا بالصدقة فان البالء ال يتخطاها" (الهيثمي‪ ،‬مجمع الزوائد‪)115 ،3 ،‬‬

‫فكما أن فضيلة الصلة هي أن تقام في وقتها‪ ،‬ففضيلة الصدقة‬
‫أيضا هي أن تعطى في أقرب فرصة وبدون تأخير‪ .‬وقد انعكس هذا‬
‫الخلق النبوي الشريف بشكل واضح وبارز على حياة أولياء الحق‬
‫‪ Y‬من الصالحين والعلماء وأصحاب الحكمة‪.‬‬

‫وقصة سيدنا حسن البصري التالية هي مثال معبر ومليء‬
‫بالحكم عن هذه الحقيقة‪:‬‬
‫طلب رجل مبارك شيئا من سيدنا حسن البصري‪ .‬فقام مباشرة‬
‫وخلع قميصه وقدمه إلى ذلك الرجل‪.‬‬
‫‪282‬‬

‫فقال الناس المتواجدون حوله آنذاك‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫«يا حسن‪ ..‬هل ذهبت إلى البيت لتعطيه شيئا من هناك ؟»‪.‬‬

‫فأجابهم سيدنا حسن البصري بهذه اإلجابة المعبرة‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«جاع مرة رجل فقير ومحتاج إلى المسجد‪ ،‬وقال‪( :‬إني جائع)‪.‬‬

‫فوقعنا في غفلة ولم نحضر له مباشرة شيئا ليأكله‪ .‬فتركناه في المسجد‬

‫وذهب كل منا إلى بيته‪ .‬وعندما عدنا إلى المسجد ألداء صلة‬
‫الفجر‪ ،‬صدمنا برؤيتنا لذلك المسكين أنه قد توفي‪ .‬فكفناه ودفناه‪.‬‬

‫وفي اليوم التالي رأيت الكفن الذي كفنا به ذلك المحتاج في‬

‫المحراب‪ ،‬وكأنه قد تراءى لي معنويا في وقت اليقظة‪ .‬ورأيت أنه قد‬

‫كتب عليه الجملة التالية‪(:‬خذوا كفنكم‪ ،‬فلم يتقبله الله ‪ U‬منكم)‪.‬‬

‫فأقسمت يومها بأني إذا رأيت فقير ًا أو محتاج ًا فلن أتركه ينتظر‬

‫وسألبي حاجته مباشرة »‪.1‬‬

‫وهكذا يظهر الله ‪ U‬بعض الحقائق لعباده الصالحين واألولياء‪،‬‬

‫بشكل غير طبيعي وغير المعتاد‪ .‬والغاية من ذلك هوتوجيه الناس‬

‫توجيها حسن ًا‪ ،‬وذلك بالتأثير العميق في القلوب والصـدور‪ .‬ويجب‬

‫علينا أيض ًا أن نفهم من هذه القصة المعبرة‪ ،‬أنه يجب علينا أن نعرف‬

‫أن قيمة الحسنة وكرامتها مكنونة في أدائها المبكر وبدون انتظار‪.‬‬

‫(‪ )1‬الضرير مصطفى أفندي‪ ،‬مئة حديث ومئة قصة‪ ،‬صلح الدين يلديريم‪ ،‬ن‪.‬‬
‫يلماز‪ ،‬اسطنبول‪ ،2001 ،‬ص‪.157 :‬‬

‫‪283‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫مشهد بليغ ومعبر‪ ،‬من لحظات النفس األخير‬
‫قص لنا ربيع بن هيثم – رحمة الله عليه – هذه القصة التي تعبر‬
‫عن الحالة المحزنة التي يؤول إليها من لم ُي ِّ‬
‫زك نفسه‪ ،‬وذلك بتأجيل‬
‫القيام بالعمل الصالح وتأخيره‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«يسلم الشخص روحه عند موته في سبيل ما كان مولع ًا به في‬

‫حياته‪ .‬وتواجدت في إحدى المرات عند رجل ينازع‪ .‬وكلما أردت‬

‫أن ألقنه بقول (ال إله إال الله)‪ ،‬كان يقوم بعمليات حسابية بأصابعه‪،‬‬
‫وكان يقوم بحركات وكأنه يعد النقود»‪.‬‬

‫أي أن من أجل القيام بعمل الخير قائ ً‬
‫ل‪« :‬أقوم به الحق ًا»‪ ،‬فإنه لن‬

‫يجد بسهولة فرصة للقيام بذلك العمل‪ .‬لذا قال العلماء والعارفون‬
‫الم َسوفون»‪ .‬ووصلوا إلى حكمة هذه الجملة المعبرة‪ ،‬ألن‬
‫َ‬
‫«ه َل َك ُ‬

‫اليوم الذي ليس له غد‪ ،‬فإنه سيأتي بسرعة وفي أي لحظة‪.‬‬
‫وقال سيدنا أبوهريرة ‪:t‬‬

‫ال َيا َر ُس َ‬
‫«جا َء َر ُج ٌل إِ َلى ال َّنبِ ِّي ‪َ r‬ف َق َ‬
‫الصدَ َق ِة َأ ْع َظ ُم َأ ْج ًرا‪.‬‬
‫َ‬
‫ول ال َّل ِه َأ ُّي َّ‬

‫فأجابه عليه الصلة والسلم باإلجابة التالية‪:‬‬
‫يح َت ْخ َشى ا ْل َف ْق َر َو َت ْأ ُم ُل ا ْل ِغنَى َو َال‬
‫يح َش ِح ٌ‬
‫َ"أ ْن َت َصدَّ َق َو َأن َْت َص ِح ٌ‬
‫وم ُق ْل َت لِ ُف َل ٍن َك َذا َولِ ُف َل ٍن َك َذا َو َقدْ َك َ‬
‫ان‬
‫ُت ْم ِه ُل َح َّتى إِ َذا َب َل َغت ا ْل ُح ْل ُق َ‬
‫لِ ُف َل ٍ‬
‫ن" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪)11 ،‬‬
‫‪284‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫"ألن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة‬
‫درهم عند موته" (سنن أبي داود‪ ،‬الوصايا‪.)2866/3 ،‬‬

‫وقد نصحنا الشيخ سعدي شيرازي بهذه النصيحة الجليلة‪،‬‬
‫وكأنه ُألهم بها من تلك الحقائق التي وردت في األحاديث النبوية‬
‫الشريفة‪ ،‬حيث قال‪« :‬قم بنفسك بتجهيز زادك لآلخرة‪ .‬ألنك عندما‬
‫تموت‪ ،‬فيصيب أقاربك الجشع‪ ،‬وال يقومون بتقديم أي حسنة من‬
‫أجل روحك‪ .‬وبما أنك اليوم تملك الذهب فتصدق به‪ ،‬فهوليس‬
‫لك عندما تموت‪ ،‬ولن تستطيع عندئذ أن تتصرف به كما تشاء‪ .‬ومن‬
‫جهز زاده آلخرته بنفسه‪ ،‬وأخذه بيده‪ ،‬فهوالفالح الذي ملك الدنيا‬
‫وما فيها‪ .‬وما حك ظهرك حرص ًا على راحتك‪ ،‬سوى ظفرك‪.‬‬
‫ضع ما تملك من ثروات مادية في كفك‪ ،‬وأعطها لألماكن‬
‫التي ستعطى لها‪ .‬وإن لم تستطع أن تعطيها‪ ،‬فستعض بأسنانك على‬
‫أصابعك من الندم في الغد»‪.‬‬
‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإن عدم إنفاق المال والملك عند القدرة على‬
‫فعل ذلك‪ ،‬وبوجود الوقت الكافي‪ ،‬بل تركه للورثة الذين حرموا‬
‫من نيل نصيب من التربية المعنوية والروحانية‪ .‬والذين ال نعرف أين‬
‫سينفقون ذلك المال‪ .‬فإن تصرفك بهذا الشكل سيحملك مسؤولية‬
‫كبيرة وحساب ًا عسير ًا في اآلخرة‪ .‬وليس ذلك هوالعمل السليم الذي‬
‫يليق بالقلب السليم‪.‬‬
‫وقد نصحنا الصحابي الجليل سيدنا أبوذر الغفاري ‪ t‬بهذه‬

‫النصيحة الحكيمة‪ ،‬حيث قال‪« :‬في المال ثلثة شركاء القدر ال‬

‫‪285‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت والوارث‬
‫ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم فإن استطعت أن ال‬
‫تكون أعجز الثلثة فل تكونن‪ .‬فان الله ‪ U‬يقول( لن تنالوا البر‬
‫حتى تنفقوا مما تحبون) أال وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالي‬
‫فأحببت أن أقدمه لنفسي » (أبونعيم‪ ،‬الحلية‪)163 ،1 ،‬‬

‫والناس الذين ُيغسلون عند موتهم‪ ،‬ويظنون أنهم كانوا أغنياء‬
‫في عالم الخيال في الحياة الدنيا‪ ،‬فعندما يستيقظون من غفلتهم في‬
‫صباح حقيقة الموت ويرون أنهم ال يملكون شيئا بين أيديهم‪ ،‬ولم‬
‫يبق من الملك الدنيوي شيء‪ ،‬فسيستنتجون أنهم قد خسروا ذلك‬
‫المال وتلك الثروات إلى األبد‪.‬‬
‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«إن الحياة الدنيا عبارة عن حلم‪ .‬وأن تكون صاحب ثروة مادية‬
‫في الحياة الدنيا‪ ،‬كأنما وجدت كنزا في منامك‪ .‬ومال الدنيا ومتاعها‬
‫ينتقل من جيل إلى آخر باقيا في الدنيا»‪.‬‬

‫وقال أيض ًا‪« :‬عندما يأتي ملك الموت لقبض روح الغني الغافل‪.‬‬
‫يستيقظ ذلك الغني من نومه‪ ،‬فيندم ويتحسر على ما ارتكبه من‬
‫مصائب وما احتمله من مسؤوليات من أجل مال‪ ،‬ليس في الحقيقة‬
‫ماله‪ .‬ولكن كل شيء قد انتهى‪ ،‬ونفد وقت العمل »‪.‬‬

‫‪286‬‬

‫ويجب أن ال ننسى أنه بعد الدخول إلى ما تحت التراب‪،‬‬
‫فسيحدث للفقير ما يحدث للغني بعينه دون تمييز‪ .‬ومن فعل شيئ ًا‬
‫سيجده هناك أمامه‪ .‬وإن رأس المال الوحيد لإلنسان بعد رحيله من‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫هذه الحياة الدنيا إن رحل كعبد أو كحاكم‪ ،‬إنما هو ما استطاع أن‬
‫يصطحبه معه من الدنيا‪ .‬وذلك المكان هو الذي يتفرق فيه العشب‬
‫عن التبن‪ .‬وهوالمكان الذي يجعل األقدام التي كانت تدوس على‬
‫رؤوس الناس يجعلها ذليلة تمشي تحت األقدام‪ .‬وهوالمكان الذي‬
‫يتحول فيه كثير من العبيد إلى سلطين‪ ،‬وكثير من السلطين إلى‬
‫عبيد‪ .‬وهو المقام الذي ال قيمة فيه للمقامات والمراتب الدنيوية‬
‫التي لم توظف ولم تستخدم في سبيل الله ‪ .U‬وهو المكان الذي‬
‫يلتقي فيه كثير من الفقراء بالخزائن والثروات‪ ،‬بينما يتحول الكثير‬
‫من األغنياء واألثرياء إلى فقراء لألبد ومتسولين في يوم الحشر‪.‬‬
‫وال ينفع في ذلك المكان سوى صداقة العباد الصادقين مع الله ‪Y‬‬

‫وسلمة قلوبهم‪ .‬وفي هذين البيتين الشعريين تنبيه وإيقاظ لنا من‬

‫قبل الشاعر التركي المرحوم نجيب فاضل‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫يا أيها الصراف البخيل‪ ..‬اقتن كيس ًا آخر للنقود‬
‫واجمع النقود التي تفيدك في قبرك‬

‫وإن من أهم األمور التي يمتحن الله ‪ Y‬ابن آدم خلل‬

‫حياته هي الروح والمال والولد‪ .‬وهذه األمور هي نعمة فضيلة إذا‬
‫استخدمت ووظفت في سبيل الخير والعمل الصالح‪ ،‬وهي وسيلة‬

‫للعذاب وعدم الراحة النفسية إذا استخدمت في الشر والعمل‬
‫السيئ‪ .‬والشيء الوحيد الذي يدلنا على طريق الخير والشر والنعمة‬

‫والنقمة إنما هو صوت الدين ونداء الحق‪.‬‬

‫‪287‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬

‫الد ُك ْم َعن ِذ ْك ِر ال َّل ِه‬
‫ين آ َمنُوا ال ُت ْل ِه ُك ْم َأ ْم َوا ُل ُك ْم َوال َأ ْو ُ‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬

‫َو َمن َي ْف َع ْل َذلِ َك َف ُأ َ‬
‫اس ُرونَ ‪َ .‬و َأ ِ‬
‫ولئِ َك ُه ُم ا ْل َخ ِ‬
‫نف ُقوا ِمن َّما َر َز ْقن ُ‬
‫َاكم ِّمن‬

‫َق ْبلِ َأن َي ْأتِ َي َأ َح َد ُك ُم ا ْل َم ْو ُت َف َي ُق َ‬
‫ول َر ِّب َل ْوال َأ َّخ ْر َتنِي إِ َلى َأ َجلٍ َق ِر ٍ‬
‫يب‬
‫ين] (المنافقون‪)10–9 ،‬‬
‫الصالِ ِح َ‬
‫َف َأ َّصدَّ َق َو َأ ُكن ِّم َن َّ‬
‫وقد صور الله ‪ U‬حالة من أضاع الدنيا بغفلته‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫[و ُه ْم َي ْص َط ِر ُخونَ ِف َيها َر َّبنَا َأ ْخ ِر ْجنَا َن ْع َم ْل َصالِ ًحا َغ ْي َر ا َّل ِذي ُك َّنا‬
‫َ‬
‫َن ْع َم ُل َأ َو َل ْم ُن َع ِّم ْر ُكم َّما َيت ََذ َّك ُر ِف ِ‬
‫يه َمن َت َذ َّك َر َو َج َاء ُك ُم ال َّن ِذ ُير َف ُذو ُقوا َف َما‬
‫ين ِمن َّن ِ‬
‫لِ َّ‬
‫صير] (فاطر‪)37 ،‬‬
‫لظالِ ِم َ‬

‫وقد نصحنا سيدنا اإلمام الغزالي بهذه النصيحة الحكيمة‪،‬‬

‫حيث قال‪:‬‬

‫«تخيل أنك مت‪ ،‬ثم بعثت من جديد إلى الحياة الدنيا‪ .‬وتخيل‬
‫حالتك آنذاك المليئة بالتوتر والخوف والذعر‪ .‬لذا فل تقترب أبد ًا‬
‫من المعاصي والذنوب‪ .‬واحرص على أن ال تقضي لحظة واحدة‬
‫من وقتك هباء‪ .‬ألن كل نفس تتنفسه هونعمة ال يمكن تقييمها مادي ًا»‪.‬‬
‫لذا يجب علينا أن نستعجل في عمل الخير‪ ،‬مؤمنين بأن كل يوم‬

‫جديد في حياتنا هومهلة أمهلنا بها الله ‪ Y‬لكي نهيئ أنفسنا لآلخرة‬
‫‪288‬‬

‫ونجهز زادنا‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫الكل يشعر بالندم‬

‫ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال مذكر ًا‬
‫ومنبه ًا أمته‪" :‬ما من أحد يموت إال ندم"‪.‬قالوا وما ندامته يا رسول‬
‫الله قال‪" :‬إن كان محسنا ندم أن ال يكون ازداد وإن كان مسيئا أن ال‬
‫يكون نزع" (سنن الترمذي‪ ،‬الزهد‪)2403 /59 ،‬‬

‫وهذا يعني أن الصالحين والمحسنين أيض ًا سوف يشعرون‬
‫بالندم على أنهم لم ينفقوا ويتصدقوا بالنعم التي رزقهم الله ‪ r‬إياها‬
‫في الحياة الدنيا أكثر مما فعلوا‪ .‬أما ندم الغافلين الذين سيشعرون به‪،‬‬
‫فيعجز اللسان عن وصفه والتعبير عنه‪.‬‬
‫وعندنا ُسئِل سيدنا بهلول دانا السؤال التالي‪ « :‬ما أكثر شيء‬

‫يوجد تحت التراب ؟»‪ .‬فأجاب‪« :‬يوجد ندم األموات وتمنيهم‬
‫وقولهم يا ليت ويا ليت»‪.‬‬
‫لذا فيجب علينا قبل أن تأتي أيام الندامة أن نهرع إلى كل عمل‬
‫يرضي الله ‪ ،U‬ونسارع في أدائه‪ .‬وأن نتجنب تضييع أوقاتنا في‬
‫األمور التي ال هدف منها وال جدوى‪ ،‬والتي تغضب الله ‪.Y‬‬
‫ويجب علينا أن نعيش كل يوم من حياتنا على انه يومنا األخير‪،‬‬
‫وأن نعيش ذلك اليوم بقلب يقظ مستعد للعبادة وإلرضاء الله ‪،U‬‬
‫وذلك بأن نخلص في إقامة صلواتنا ونخشع فيها‪.‬‬

‫وهناك الكثير من الناس الذين ال يقيمون أوقاتهم بالشكل‬
‫الصحيح‪ .‬فيقعون في الخطأ‪ .‬فقال الله ‪ U‬مخاطب ًا هؤالء العباد‪،‬‬
‫بأن يتخلصوا من ذلك الخطأ ويستحقوا رحمته وكرمه‪:‬‬

‫‪289‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ب] (االنشراح‪.)8–7 ،‬‬
‫[ َفإِ َذا َف َر ْغ َت َف َ‬
‫ار َغ ْ‬
‫انص ْب‪َ .‬وإِ َلى َر ِّب َك َف ْ‬

‫أي أنه يجب علينا بمجرد انتهائنا من أداء أي عبادة أوالقيام بأي‬

‫عمل صالح‪ ،‬أن نبدأ مباشرة بعمل صالح أخر‪ .‬وعلينا أن ال نترك‬
‫مجا ً‬
‫ال ألي لحظة من حياتنا أن تمضي وتمر من دون عبادة‪ ،‬أو بعيدة‬

‫عن األعمال الصالحة والخيرة‪.‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي‪« :‬إن علمة تقبل الله ‪U‬‬

‫لعبادة شخص ما‪ ،‬هي أن يسارع ذلك الشخص في أداء عبادة أخرى‬
‫بمجرد انتهائِه من أداء تلك العبادة‪ .‬واإلسراع ثم اإلسراع في فعل‬
‫الخير أينما كان»‪.‬‬

‫وقال أيض ًا‪« :‬األجل هو أن تعطي كل شيء يجب أن تعطيه‪ ،‬قبل‬

‫أن تأخذ ما َس ُيعطى لك»‪.‬‬

‫وكما قال الله ‪ U‬حسب ما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين آ َمنُو ْا َأ ِ‬
‫نف ُقو ْا ِم َّما َر َز ْقن ُ‬
‫َاكم ِّمن َق ْبلِ َأن َي ْأتِ َي َي ْو ٌم َّال‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫َب ْي ٌع ِف ِ‬
‫اع ٌة َوا ْل َك ِاف ُرونَ ُه ُم َّ‬
‫الظالِ ُمون] (البقرة‪.)254 ،‬‬
‫يه َو َال ُخ َّل ٌة َو َال َش َف َ‬
‫وورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫"بادروا باألعمال فتنا كقطع الليل المظلم‪ .‬يصبح الرجل مؤمنا‬

‫ويمسي كافرا‪ .‬أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا‪ .‬يبيع دينه بعرض من‬
‫‪290‬‬

‫الدنيا"‬

‫(مسلم‪ ،‬اإليمان‪186 ،‬؛ سنن الترمذي‪ ،‬الفتن‪ ،30 ،‬الزهد‪)3 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫لذا يجب أن يكون هدف كل مؤمن هو اإلسراع في عمل الخير‪،‬‬
‫واإلسراع في تأمين وتجهيز زاده لآلخرة‪ .‬ما دامت قوته وصحته‬
‫على ما يرام في حياته‪ .‬ويجب عليه أن ال يخدع بملذات الدنيا اآلنية‬
‫والفانية‪ ،‬وأن ال ينجذب وراء زينتها الخادعة‪ .‬وأن يهيئ نفسه للحياة‬
‫األبدية والحقيقية‪ ،‬دون أن ينسى أن المال الذي يملكه في الدنيا هو‬
‫عبارة عن كنز وجده في حلمه ليس إ اّ‬
‫ال‪.‬‬

‫ثروة اإلنسان الحقيقية هي ما أرسله لآلخرة‬

‫عن عائشة ‪ c‬أنهم ذبحوا شاة فقال النبي‪":r‬ما بقي منها؟"‬

‫قالت‪«:‬ما بقي منها إال كتفها»‪.‬‬

‫قال ‪":r‬بقي كلها غير كتفها"‬

‫(الترمذي‪ ،‬القيامة‪)33 ،‬‬

‫وقص لنا سيدنا عبد الله بن شهير القصة التالية‪ :‬أتيت النبي ‪r‬‬

‫وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال‪:‬‬

‫"يقول ابن آدم مالي مالي (قال) وهل لك يا ابن آدم من مالك إال ما‬

‫أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟" (مسلم‪ ،‬الزهد‪)4–3 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر أيضا‪:‬‬
‫َ‬
‫س َب ْين َُه َو َب ْين َُه ُت ْر ُج َم ٌ‬
‫ان َف َي ْن ُظ ُر‬
‫" َما ِم ْن ُك ْم أ َحدٌ إِ َّال َس ُي َك ِّل ُم ُه َر ُّب ُه َل ْي َ‬
‫َأ ْي َم َن ِم ْن ُه َف َل َي َرى إِ َّال َما َقدَّ َم ِم ْن َع َم ِل ِه َو َي ْن ُظ ُر َأ ْش َأ َم ِم ْن ُه َف َل َي َرى إِ َّال‬
‫ار َو َل ْو‬
‫ار تِ ْل َقا َء َو ْج ِه ِه َفات َُّقوا ال َّن َ‬
‫َما َقدَّ َم َو َي ْن ُظ ُر َب ْي َن َيدَ ْي ِه َف َل َي َرى إِ َّال ال َّن َ‬

‫‪291‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ال ْ َ‬
‫بِ ِشقِّ َت ْم َر ٍة َق َ‬
‫األ ْع َم ُ‬
‫ش َو َحدَّ َثنِي َع ْم ُرو ْب ُن ُم َّر َة َع ْن َخ ْي َث َم َة ِم ْث َل ُه َو َزا َد‬
‫ِف ِ‬
‫يه َو َل ْو بِ َك ِل َم ٍة َ‬
‫ط ِّي َب ٍة" (البخاري‪ ،‬التوحيد‪)36 ،‬‬

‫أي أن كل ما سيظهر أمام الشخص يوم القيامة‪ ،‬خير ًا كان أم‬
‫شر ًا‪ ،‬إنما هو عبارة عن تجسيم لما فعل وما قام بعمله في الحياة‬
‫الدنيا‪ .‬لذا فقد نبهنا الله ‪ U‬بهذا التنبيه الذي ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين آ َمنُوا ات َُّقوا ال َّل َه َو ْلت ُ‬
‫َنظ ْر َن ْف ٌس َّما َقدَّ َم ْت لِ َغ ٍد َوات َُّقوا‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫ير ب ِ َما َت ْع َم ُلونَ ] (الحشر‪)18 ،‬‬
‫ال َّل َه إِنَّ ال َّل َه َخبِ ٌ‬
‫وقال الشيخ سعدي شيرازي‪:‬‬

‫«إن الناس األذكياء هم الذين يصحبون أموالهم وأملكهم‬
‫معهم عندما يرحلون إلى العالم اآلخر (أي أنهم ينفقون كل مل‬
‫يملكون في سبيل الله ‪ U‬مسبقا)‪ .‬والبخلء من الناس فقط الذين‬
‫يتحسرون على أموالهم ويتركونها في هذا العالم الدنيوي الفاني»‪.‬‬

‫خلص نفسك من علة البخل‬
‫إن البخل وعدم اإلنفاق في سبيل الله ‪ Y‬يرمي اآلخرة إلى‬
‫التهلكة والمخاطرة‪ .‬وورد في اآلية الكريمة إيقاظ الله ‪ U‬لعباده‪،‬‬
‫حيث قال‪:‬‬

‫‪292‬‬

‫يك ْم إِ َلى ال ّت ُْه َ‬
‫ـقو ْا بِ َأ ْي ِد ُ‬
‫[و َأ ِ‬
‫نف ُقو ْا ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َو َال ُت ْل ُ‬
‫لك ِة َو َأ ْح ِسنُو ْا‬
‫َ‬
‫ين] (البقرة‪.)195 ،‬‬
‫إِنَّ ال َّل َه ُي ِح ُّب ا ْل ُم ْح ِسنِ َ‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫إن المال والنعم التي ال تنفق في سبيل الله ‪ Y‬هي كالصديق‬

‫الخائن الذي ال يمت إلى الوفاء بصلة‪ .‬وعندما يأتي ذلك اليوم الذي‬

‫ينتهي فيه رأس مال العمر‪ ،‬يغدر ذلك الصديق الخائن بصديقه‪،‬‬
‫ويتركه وحيد ًا محتاج ًا ومسكين ًا‪ .‬ومن أراد أن تكون أمواله وأملكه‬

‫وإمكانياته وفية له‪ ،‬فيجب عليه أن يرسلها إلى اآلخرة لتستقبله‬

‫استقباال جيدا‪ ،‬وذلك عن طريق إنفاقها في سبيل الله ‪ ،U‬والتصدق‬

‫بها على الفقراء والمساكين والمحتاجين‪ .‬ومن أجل الوصول إلى‬
‫تلك المرتبة يجب علينا أن نخلص قلوبنا من شح النفوس‪.‬‬

‫وقد حث القرآن الكريم على ضرورة التغلب على البخل من‬

‫أجل الوصول إلى الفوز األبدي‪ ،‬حيث ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين َت َب َّو ُؤوا الدَّ َار َوا ِ‬
‫اج َر‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫يمانَ ِمن َق ْب ِل ِه ْم ُي ِح ُّبونَ َم ْن هَ َ‬
‫َ‬
‫إل َ‬
‫اج ًة ِّم َّما ُأو ُتوا َو ُيؤْ ثِ ُرونَ َع َلى‬
‫إِ َل ْي ِه ْم َوال َي ِجدُ ونَ ِفي ُصدُ و ِر ِه ْم َح َ‬

‫وق ُش َّح َن ْف ِس ِه َف ُأ َ‬
‫اص ٌة َو َمن ُي َ‬
‫ولئِ َك ُه ُم‬
‫َأ ُنف ِس ِه ْم َو َل ْو َكانَ بِ ِه ْم َخ َص َ‬
‫حونَ ] (الحشر‪)9 ،‬‬
‫ا ْل ُم ْف ِل ُ‬

‫ولكن الشيطان يلجأ إلى العديد من الحيل والخدع لكي‬

‫يجعل مستقبل اإلنسان أسود كالظلم‪ ،‬وذلك عن طريق زرع بذور‬
‫الوساوس في القلوب‪ .‬فعلى الرغم من معرفة بني البشر بأن الله ‪U‬‬
‫هوالرزاق وواهب النعم‪ ،‬فيحاول أن يخدعهم في هذا الخصوص‪.‬‬

‫‪293‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َّ‬
‫[الش ْي َطانُ َي ِعدُ ُك ُم ا ْل َف ْق َر َو َي ْأ ُم ُر ُكم بِا ْل َف ْح َشـاء َوال َّل ُه َي ِعدُ ُكم َّمغْ ِف َر ًة‬
‫ال َوال َّل ُه َو ِ‬
‫ِّم ْنـ ُه َو َف ْض ً‬
‫يم] (البقرة‪)268 ،‬‬
‫اس ٌ‬
‫ـع َع ِل ٌ‬
‫وكان الخليفة الراشد سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله‬
‫وجهه ورضي عنه‪ ،‬الذي كان يعرف حيل الشيطان وخدعه عز‬
‫المعرفة‪ ،‬كان يوصي الوالة بالكرم واإليثار دائم ًا ويحذرهم من‬
‫البخل وعواقبه‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫«ال تسمحوا للبخيل الذي يريد أن يبعدكم عن عمل الخير‬
‫واإلنفاق‪ ،‬عن طريق تخويفكم من الوقوع في الفقر والبأساء‪ .‬وال‬
‫للخائف الذي يريد أن يثبط عزمكم عن القيام باألعمال الصالحة‬
‫والخيرة‪ ،‬وال للجشع الذي يميل إلى الظلم مع أنه يبدوأنه شيء‬
‫جيد‪ ،‬ال تسمحوا لهم بأن يدخلوا مجلس استشارتكم»‪.‬‬

‫ومن يستطع التخلص من شح النفوس ووساوس الشيطان‪،‬‬
‫هوالذي يدرك إدراك ًا حسن ًا أن ما ينفقه في سبيل الله ‪ Y‬ليس ضائع ًا‪.‬‬
‫بل أنه سيتحول إلى رأس مال للسعادة األبدية التي تنتظره في اآلخرة‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ U‬أنه قال‪:‬‬

‫"ثلثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال ما نقص مال‬
‫عبد من صدقة وال ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إال زاده الله عزا وال‬
‫فتح عبد باب مسئلة إال فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها‪"...‬‬
‫‪294‬‬

‫(الترمذي‪ ،‬الزهد‪)17 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي مشير ًا إلى أن اإلنفاق في سبيل‬

‫الله ‪ Y‬ال ينقص المال‪ ،‬بل يزيد في بركته‪:‬‬

‫«هل من الممكن أن تزرع بذرة نظيفة وقوية في هذه األرض‬

‫التي خلقها الله ‪ ،U‬وال يفنى ذلك الزرع بعدها ؟»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«بما أن هذه األرض ال تتوقف عن إعطاء المحاصيل والثمرات‬
‫المختلفة‪ ،‬مع أنها ستفنى وتزول‪ ،‬فكيف ال تعطي اآلخرة محصو ً‬
‫ال‪،‬‬

‫وهي أكبر من وجه األرض في الحياة الدنيا ؟»‪.‬‬
‫وقال أيض ًا‪:‬‬

‫«إن محصول أرض الدنيا هو كثير ووفير دون حد أو حساب‪.‬‬

‫وحتى أن ثمرة البذرة الواحدة هي سبع مئة ثمرة‪ .‬فتأمل في ذلك‬

‫وتفكر‪ ،‬لكي تعرف وتفهم كمية محصول العالم اآلخر‪ .‬وإن المال‬
‫ال ينقص بإعطاء الصدقة‪ ،‬وإن عمل الخير والتصدق في سبيل الله‬

‫‪ Y‬يحمي المال من الضياع والزوال»‪.‬‬

‫إن كل لحظة من لحظات الحياة الدنيا التي تعتبر رأس مال‬

‫للعبادة والمعاملة الحسنة ال يمكن تقييمه ماديا‪ ،‬إنما هي بذور‬
‫أخروية ستتحول إلى مجوهرات أبدية ودائمة‪ .‬وإن اإلنسان ليزرع‬
‫هذه البذور في حقل الحياة الدنيا‪ ،‬لكي يجني محصولها في اآلخرة‪.‬‬

‫أما إذا أضاع هذه البذور القيمة وفرط بها في سبيل شهواته النفسية‬

‫‪295‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ومتطلباته الدنيوية‪ ،‬فستتحول تلك البذور إلى محصول من زرع‬

‫جهنم وبئس المصير‪ .‬ويا لألسف على هؤالء الناس‪ ،‬ويا لسوء‬

‫عاقبتهم‪ .‬أما األوقات واللحظات التي تزينت بروحانيات الكتاب‬
‫والسنة النبوية الشريفة‪ ،‬إنما هي بذور السعادة التي ال مثيل لها‪،‬‬

‫والتي ستنبت وستنبع في حدائق الجنة األبدية‪.‬‬

‫وكما أن المال الذي لم ينفق في سبيل الله ‪ Y‬هو كالصديق‬

‫الخائن‪ ،‬فإن المال الذي أنفق وتصدق به في سبيل الله ‪U‬هو‬
‫كالصديق الوفي‪ .‬وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد‬

‫‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫"‪َ ...‬وإِنَّ هَ َذا ا ْل َم َ‬
‫ال َخ ِض َر ٌة ُح ْل َو ٌة َفنِ ْع َم َص ِ‬
‫اح ُب ا ْل ُم ْس ِل ِم َما‬

‫السبِيلِ َأ ْو َك َما َق َ‬
‫ال ال َّنبِ ُّي ‪"...r‬‬
‫َأ ْع َطى ِم ْن ُه ا ْل ِم ْس ِك َ‬
‫ين َوا ْل َيتِ َ‬
‫يم َوا ْب َن َّ‬
‫(البخاري‪ ،‬الزكاة‪)74 ،‬‬

‫ال َي ِزيدُ َأ َّن َأ َبا ا ْل َخ ْي ِر َحدَّ َث ُه َأ َّن ُه َس ِم َع ُع ْق َب َة ْب َن َع ِ‬
‫َق َ‬
‫ام ٍر َي ُق ُ‬
‫ول َس ِم ْع ُت‬
‫َر ُس َ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ي ُق ُ‬
‫ول‪:‬‬

‫اس َأ ْو َق َ‬
‫ُ‬
‫"ك ُّل ا ْم ِر ٍئ ِفي ِظ ِّل َصدَ َقتِ ِه َح َّتى ُي ْف َص َل َب ْي َن ال َّن ِ‬
‫ال‬
‫ُي ْح َك َم َب ْي َن ال َّن ِ‬
‫اس"‬

‫‪296‬‬

‫ان َأ ُبو ا ْل َخ ْي ِر َال ُي ْخ ِطئ ُُه َي ْو ٌم إِ َّال َت َصدَّ َق ِف ِ‬
‫َق َ‬
‫ال َي ِزيدُ َو َك َ‬
‫يه بِ َش ْي ٍء َو َل ْو‬
‫َك ْع َك ًة َأ ْو َب َ َ‬
‫ص َل ًة أ ْو َك َذا (أحمد‪)147 ،4 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫اإلسراع في عمل الخير ‪o‬‬
‫وفسر عبيد بن عمر‬

‫– رحمة الله عليه –‬

‫هذه الحقيقة على‬

‫النحوالتالي‪« :‬سيحشر الناس يوم القيامة في جوع شديد وعطش‬
‫وتعر‪ .‬أما من أطعم في سبيل الله ‪ U‬فسيطعمه الله‪ ،‬ومن سقى في‬

‫سبيل الله فسيسقيه الله‪ ،‬ومن أكسى في سبيل الله فسيلبسه الله»‪.‬‬

‫وقد بشر الله ‪ Y‬عباده الذين وصلوا إلى السلمة وبر األمان في‬

‫ذلك اليوم العسير‪ ،‬حيث ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ين ُي ِ‬
‫نف ُق َ‬
‫ون َأ ْم َوا َل ُهم بِال َّل ْيلِ َوال َّن َها ِر ِس ًّرا َو َعلنِ َي ًة َف َل ُه ْم َأ ْج ُر ُه ْم‬
‫[ا َّل ِذ َ‬
‫ال َخ ْو ٌف َع َل ْي ِه ْم َو َ‬
‫ِعندَ َر ِّب ِه ْم َو َ‬
‫ال ُه ْم َي ْحزَ ُن َ‬
‫ون] (البقرة‪)274 ،‬‬
‫لذا يجب علينا أن نتخذ اإلنفاق في سبيل الله ‪ U‬عادة طبيعية‬

‫وأساسية بالنسبة لنا‪ .‬وأن نكون مستعدين في أي لحظة إلنفاق جميع‬
‫إمكانياتنا في سبيل نيل مرضاة ربنا ‪ .Y‬وأن ندرك قيمة الوقت‬
‫ونسارع في عمل الخير‪.‬‬

‫ولقد أقسم ربنا ‪ Y‬بالفجر‪ .‬وفي كل فجر يوم يفتح لنا صفحة‬

‫جديدة من صفحات تقويم عمرنا‪ .‬فكيف علينا أن نمأل صفحة‬

‫العمر هذه؟ وكم يجب أن نخصص من أوقاتنا للعمل ألنفسنا‪،‬‬

‫مقابل كم من الوقت الذي يجب أن نخصصه للتأثير اإليجابي‬
‫في الناس من حولنا‪ ،‬فنقف إلى جانب المحرومين من الحنان‬
‫والعطف والشفقة‪ ،‬وإلى جانب الفقراء والمساكين والمظلومين؟‬
‫وماذا سيكتب الملئكة الذين قال الله ‪ Y‬عنهم‪[:‬كراما كاتبين]‪ ،‬في‬

‫سطور صفحاتنا اليومية ألجل يوم القيامة ويوم الحساب؟‪.‬‬

‫‪297‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وهكذا يجب على المؤمن أن يتفكر بهذه الحقائق بقلب رقيق‬

‫ولطيف‪ .‬وأن يستهلك وقته في األعمال األكثر فائدة لآلخرين‪،‬‬
‫واألكثر صوابا‪.‬‬

‫ويجب علينا أن نتخذ تعليمات سيدنا عمر بن الخطاب ‪t‬‬
‫دستور ًا ونهج ًا لنا في حياتنا‪ ،‬حيث قال ‪:t‬‬
‫ِ‬
‫«حاسبوا أنفسكم قبل أن ُتحاسبوا» (ابن كثير‪ ،‬التفسير‪).27 ،1 ،‬‬

‫وعلينا أن نكون مستعدين لليوم الذي سينتهي فيه معادنا وينفد‬

‫عمرنا‪ ،‬ومستعدين أيضا لما بعد ذلك اليوم‪ ،‬لكي نصل إلى ربنا‬

‫بقلوب سليمة وصدور صادقة‪.‬‬

‫وكما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز – رحمة الله عليه ‪:-‬‬

‫«أعداّ وا أنفسكم وأعمالكم على حسب المكان الذي تريدون‬

‫أن تذهبوا إليه يوم القيامة»‪.‬‬

‫َو ْل ُن ْن ِه حديثنا مؤ اّمنين ومن صميم قلوبنا على دعاء سيدنا أبي‬

‫بكر الصديق ‪ t‬الذي قال‪:‬‬

‫«اللهم اجعل خير عمري آخره و خير عملي خواتمه و خير‬

‫أيامي يوم لقائك » (السيوطي‪ ،‬تاريخ الخلفاء‪ ،‬ص‪)103 ،‬‬

‫آمـــــــــــــــــــــين‬
‫‪298‬‬

‫‪n‬‬

‫األخوة في اإلسالم‬

‫قال سيدنا أنس بن مالك ‪:t‬‬
‫«كان سيدنا محمد ‪ r‬إذا فقد الرجل من اخوانه ثالثة أيام سأل عنه‬
‫فان كان غائبا دعا له وإن كان شاهد ًا زاره وإن كان مريض ًا عاده»‬

‫(الهيثمي‪.)295 ،2 ،‬‬

‫وأول شرط لأللفة مع أخيك في الدين هو ترك الكلفة (أي التثاقل‬
‫عليه)‪ .‬أي أن تتجنب التثاقل على أخيك المسلم في غير اللزوم‪،‬‬
‫بل وتحاول أن تخفف عنه همومه وأعباءه‪.‬‬
‫وإن ألفة من ليس له كلفة (أي صداقته المخلصة)‪ ،‬وحب من لم‬
‫يكن غليظ ًا وفظ ًا‪ ،‬تكونان دائمتين‪.‬‬

‫األخوة في اإلسالم‬
‫إن األخوة في اإلسلم هي من الحقوق والواجبات الرفيعة‬
‫التي وضعها الله ‪ U‬بين المؤمنين‪ .‬والتي سينال العبد األجر‬
‫العظيم والثواب الوفير إن حرص عليها وقام بتأديتها على أحسن‬
‫حال‪ .‬وهي مصدر السعادة والسرور والطمأنينة والسكينة للفرد‬
‫والمجتمع‪ .‬واألخوة في اإلسلم هي أن يتسع صدر الشخص محبة‬
‫جميع المؤمنين‪ ،‬وأن يكون صديق الروح الصادق والمخلص لهم‪.‬‬
‫وأن يفرح لفرح أخيه‪ ،‬ويحزن لحزنه‪ .‬وأن يكون مصدرا للمواساة‬
‫وحسن الخلق في أوقاته العصيبة‪ .‬وأن يفدي عند الضرورة براحته‬
‫وبنفسه من اجل أخيه المسلم‪ .‬وكما ورد في الحديث الشريف عن‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫"إن من عباد الله ألناسا ما هم بأنبياء وال شهداء يغبطهم األنبياء‬
‫والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى "‬
‫قالوا‪ :‬يارسول الله تخبرنا من هم ؟‬

‫قال‪" :‬هم قوم تحابوا بروح الله (بالقرآن) على غير أرحام بينهم‬
‫وال أموال يتعاطونها فو الله إن وجوههم لنور وإنهم على نور ال‬
‫يخافون إذا خاف الناس وال يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه اآلية‬
‫{ أال إن أولياء الله ال خوف عليهم وال هم يحزنون }" ‪( .‬أبو داود‪ ،‬البيوع‪،‬‬

‫‪76/3527‬؛ الحاكم‪.")170 ،4 ،‬‬

‫‪301‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وعن النبي ‪ r‬أن رجل زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له‬
‫على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد؟ قال أريد أخا لي في‬
‫هذه القرية قال هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال ال غير أني أحببته في‬
‫الله ‪ U‬قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه‬
‫وكما ورد في الحديث ‪:‬‬

‫"سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم ال ظل إال ظله إمام عدل‬
‫وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلن‬
‫تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات‬
‫منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها‬
‫حتى ال تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت‬
‫عيناه" (البخاري‪ ،‬الزكاة‪)15 ،‬‬
‫وهدف المؤمنين الحقيقيين من حبهم إلخوانهم في الدين‪،‬‬
‫وإنشاء روابط األلفة واألنس بين بعضهم البعض‪ ،‬هو أن يكونوا‬
‫عبادا مقربين من الله ‪ ،Y‬ويستحقون رحمته وحبه‪.‬‬
‫وهناك مصطلح في التصوف يقال عنه‪« :‬اإلخوانية»‪ ،‬والذي‬

‫يعني‪« :‬أخوة الطريق»‪ ،‬ويقصد بهذا المصطلح التعاون في سبيل‬

‫الله ‪ ،Y‬وأن يدعم المسلمون بعضهم البعض في األمور الدينية‬
‫والدنيوية‪ ،‬وأن يحاول المسلم أن يعوض أخاه المسلم كل نقائصه‬

‫وأن يكون شريكا له في همومه ومصائبه‪ .‬وذلك يعني أن يعيش‬
‫‪302‬‬

‫المؤمن أخوة اإلسلم بمشاعر رقيقة وحساسة نابعة من أعماق قلبه‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫أرسل في يوم من األيام سيدنا بشر الحافي الذي ُيعد أحد أولياء‬

‫الحق ‪ ،U‬أسود بن سالم إلى سيدنا معروف الكرخي‪ ،‬فقال له أسود‬

‫بن سالم‪:‬‬

‫«يرغب بشر الحافي في أن يكون أخا لك‪ .‬وقد أرسلني أنا ألنه‬

‫يخجل أن يقول ذلك بنفسه علنا‪ .‬ويرجو منك أن تتقبل أخوته‪ .‬ولكنه‬
‫يخاف من عدم المراعاة بحقوق األخوة بالشكل الذي يليق بها»‪.‬‬

‫فقال سيدنا معروف الكرخي بناء على ذلك‪:‬‬

‫«إنني أريد أن ال يفارقني من كان أخا لي صباحا ومساء»‪.‬‬

‫وقرأ عدة أحاديث نبوية شريفة تتحدث عن فضيلة الحب في‬

‫الله ‪ .U‬ثم شرح ماهية األخوة في الدين‪ ،‬وكيف يجب أن تكون‬
‫المحبة األخوية‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«لقد اتخذ سيدنا محمد ‪ r‬سلم سيدنا علي بن أبي طالب‬

‫كرم الله وجهه ورضي عنه شريكا له في العلم‪ ،‬بجعله إياه أخا له‪،‬‬
‫فزوجه أحب بناته إليه‪ .‬فاشهد أنت اآلن‪ ،‬بما أنه أرسلك لي طالبا‬

‫األخوة‪ ،‬فإني قبلت أخوته في الله ‪ .U‬وإن لم يأت لزيارتي فسأقوم‬

‫أنا بزيارته‪ .‬قل له بأن نجتمع في جلسات العلم‪ .‬وأخبره بأن ال يخفي‬
‫شيئا من أحواله عني‪ ،‬وليخبرني عن كل ما يحدث له»‪.‬‬

‫وعندما نقل ابن سالم ذلك الكلم لسيدنا بشر الحافي‪ُ ،‬أسعد‬

‫كثيرا وقبل ذلك بكل سرور وسعادة‪.‬‬

‫‪303‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫األخوة في اإلسالم هي األعلى شأن ًا‬

‫إن األخوة في اإلسلم هي عبارة عن رابط قوية جد ًا لدرجة أنه ال‬
‫يمكن مقارنته بالصداقات اآلنية والمؤقتة‪ ،‬بل وحتى بالصداقات التي‬
‫تستمر العمر كله‪ .‬واألكثر من ذلك‪ ،‬فهي وإن صح التعبير ال يمكن‬
‫مقارنتها بأخوة النسب المبنية على رابطة الدم القادم من األب واألم‪.‬‬

‫وقد شكل سيدنا محمد ‪ r‬نظام أخوة ال مثيل له‪ ،‬يجب أن‬
‫يكون نموذجا للبشرية جمعاء‪ .‬حيث ورد في الحديث الشريف‪:‬‬
‫"و َل ْو ُك ْن ُت ُم َّت ِخ ًذا َخ ِل ًيال ِم ْن ُأ َّمتِي َالت ََّخ ْذ ُت َأ َبا َب ْك ٍر َو َل ِك ْن ُأ ُخ َّو ُة‬
‫َ‬
‫ِْ‬
‫س َال ِم َو َم َو َّد ُت ُه" (البخاري‪ ،‬الصلة‪)80 ،‬‬
‫اإل ْ‬

‫أي أن األخوة في اإلسلم تشكل ذروة الصداقة أيض ًا‪ .‬وسيدنا‬
‫أبوبكر الصديق هو حبيب الغار‪ .1.‬وهو ثاني اثنين‪ ،‬الله ثالثهما‪.‬‬
‫وهو الصديق األعز الذي نال اإلطراءات والمدائح النبوية‪ ،‬كقول‬
‫سيدنا محمد ‪:r‬‬
‫َ‬
‫اب َأبِي َب ْ‬
‫كرٍ" (البخاري‪،‬‬
‫"ال َي ْب َق َي َّن ِفي ا ْل َم ْس ِج ِد َب ٌ‬
‫اب إِ َّال ُسدَّ إِ َّال َب ُ‬
‫الصلة‪)80 ،‬‬

‫وقوله عليه الصلة والسلم‪" :‬أبو بكر منى وأنا منه وأبو بكر‬
‫أخى فى الدنيا واآلخرة" (السيوطي‪ ،‬جامع األحاديث‪)146 ،1 ،‬‬
‫فبناء على ذلك‪ ،‬فأن ذلك الصحابي الجليل ‪ t‬كان الئقا بصفة‪:‬‬

‫‪304‬‬

‫(‪ )1‬تعبير يستخدم في وصف سيدنا أبي بكر الصديق ‪ ،t‬بسبب رفقته لسيدنا محمد ‪ r‬في‬
‫غار ثور أثناء الهجرة‪ .‬ومع مرور الزمن أصبح هذا المصطلح يستخدم للصداقات المتينة‬
‫والمبنية على اإلخلص والصدق واألمانة‪ ،‬والتي تظهر في األوقات الصعبة والعصيبة‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫أقرب محرم لألسرار النبوية‪ .‬وعلى الرغم من ذلك فقد جعل فخر‬
‫الكائنات النبي الكريم ‪ r‬مكانة األخوة في اإلسلم أعلى وأرفع من‬
‫مفهوم صداقته مع ذلك الصحابي العزيز على قلبه‪.‬‬
‫وكان سيدنا أبو بكر الصديق ‪ t‬أيضا ُيشكل مظهر ًا من ذروة‬
‫مظاهر األخوة في اإلسلم طوال فترة حياته‪.‬‬

‫إن أخوة النسب هي كيفية إضافية وفانية عائدة لهذه الحياة‬
‫الدنيا‪ .‬وكما أننا لم نختر آباءنا وأمهاتنا عند مجيئنا إلى هذه الحياة‪،‬‬
‫فإننا ال نختار إخوتنا أيض ًا‪ .‬ولم ُي ْع َط اإلنسان حق اإلختيار في هذا‬
‫الخصوص‪ .‬إال إننا أعطينا كامل الحرية والحق في اختيار إخوتنا‬
‫في الدين‪ .‬والقرارات الصحيحة التي يتخذها الشخص في هذا‬
‫الخصوص هي التي ستفيده وتوصله إلى بر األمان والنجاة‪.‬‬
‫قال سيدنا حسن البصري‪:‬‬

‫«إن أصدقاءنا وإخواننا في الدين هم أحب إلينا من أفراد‬
‫عائلتنا‪ .‬ألن أفراد العائلة يذكروننا في الحياة الدنيا‪ ،‬أما أصحابنا‬
‫وأحباؤنا فيبحثون عنا في يوم الحشر‪ ،‬وال يفارقوننا» (اإلحياء‪.)437 ،2 ،‬‬

‫وقال محمد بن يوسف األصفهاني‪:‬‬

‫“كيف يمكن لعائلة الشخص وأوالده أن يكونوا كأخيه الصادق‬
‫في الدين؟‪ .‬إن العائلة واألوالد يأخذون ميراثه‪ ،‬ويقضون أوقاتهم‬
‫في إنفاقه والتمتع به‪ .‬أما األخ في الدين‪ ،‬فيحيي جنازته ويفكر‬
‫بحالته في القبر‪ ،‬ويدعوله بالخير عندما يكون تحت التراب”‪.‬‬

‫‪305‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما الحظنا مسبق ًا‪ ،‬فإن أهم شرط من شروط األخوة في‬

‫اإلسلم هو الوفاء‪ .‬أي أن يديم الشخص محبته تجاه أخيه في الدين‬

‫طوال حياته‪ ،‬وأن يديم هذه المحبة بعد موته تجاه أحبابه وعائلته‪،‬‬
‫وأن يدعوله دائم ًا بالخير‪.‬‬

‫أخوة األنصار والمهاجرين‬

‫وقد ضرب الله ‪ U‬لنا مث ً‬
‫ل في األنصار والمهاجرين‪ ،‬لكي‬
‫يبين لنا كيف يجب أن تكون األخوة الحقيقية في اإلسلم‪ .‬حيث أن‬
‫األنصار‪ ،‬أي المسلمون من أهل المدينة المنورة‪ ،‬فتحوا صدورهم‬
‫وقلوبهم إلخوانهم المهاجرين من مكة المكرمة بالمحبة واإليثار‪.‬‬
‫ويريد الله ‪ Y‬أن نقارن أنفسنا بهم وبأعمالهم الصالحة‪.‬‬

‫وإن معاهدة األخوة التي حققها سيدنا محمد ‪ r‬بين المهاجرين‬
‫واألنصار هي عبارة عن لوحة فنية تعكس فضيلة ال مثيل لها‬
‫بين الفضائل‪ .‬حيث أن األنصار قد وضعوا جميع أموالهم تحت‬
‫تصرف المهاجرين‪ ،‬كالتاجر الذي يقوم بعملية جرد تجارية لبضائعه‬
‫ومتاعه‪ .‬واستطاعوا أن يجبروا أنفسهم على مناصفة المهاجرين كل‬
‫ما يملكون‪ .‬وبالمقابل فقد استطاع المهاجرون الذين ملكوا نفوس ًا‬

‫‪306‬‬

‫عبارة عن خزائن من القناعة والرضا‪ ،‬أن يستغنوا عن كل ما قدمه لهم‬
‫األنصار‪ ،‬معبرين عن نضوجهم المعنوي بقولهم‪“ :‬بارك الله لك في‬
‫مالك وملكك‪ ،‬وال أريد منك إال أن تريني الطريق الذي يؤدي إلى‬
‫السوق”‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫وقد عرضوا كثيرا من األمثلة التي تدل على أن األخوة في‬
‫اإلسلم تتغلب وتطغى على قرابة النسب ورابطة الدم‪.‬‬
‫وذلك يبدو واضح ًا في معركة بدر التي تعتبر أول صمود‬

‫لإليمان ضد الكفر‪ ،‬حيث أن سيدنا أبا بكر الصديق ‪ t‬حارب‬
‫ضد ابنه‪ .‬وحارب سيدنا أبو عبيدة بن الجراح ‪ t‬ضد أبيه‪ .‬وأشهر‬
‫سيدنا حمزة ‪ t‬السيف في وجه أخيه‪ .‬أي أن التعصب للدين تغلب‬
‫و َت ْطغى على بقية العصبيات الفانية‪.‬‬

‫َع ْن ُع ْر َو َة َق َ‬
‫الز َب ْي ُر ‪َ t‬أ َّن ُه َل َّما َك َ‬
‫ان َي ْو ُم ُأ ُح ٍد َأ ْق َب َل ْت‬
‫ال َأ ْخ َب َرنِي َأبِي ُّ‬
‫ا ْم َر َأ ٌة َت ْس َعى َح َّتى إِ َذا َكا َد ْت َأ ْن تُشْ ِر َف َع َلى ا ْل َق ْت َلى َق َ‬
‫ال َف َك ِر َه ال َّنبِ ُّي‬
‫ال ا ْل َم ْر َأ َة ا ْل َم ْر َأ َة َق َ‬
‫‪َ r‬أ ْن َت َر ُاه ْم َف َق َ‬
‫الز َب ْي ُر ُ‪َ t‬فت ََو َّس ْم ُت َأ َّن َها ُأ ِّمي‬
‫ال ُّ‬
‫َص ِف َّي ُة َق َ‬
‫ال َف َخ َر ْج ُت َأ ْس َعى إِ َل ْي َها َف َأ ْد َر ْك ُت َها َق ْب َل َأ ْن َت ْن َت ِه َي إِ َلى ا ْل َق ْت َلى‬
‫َق َ‬
‫ال َف َلدَ َم ْت ِفي َصدْ ِري َو َكا َن ْت ا ْم َر َأ ًة َج ْلدَ ًة َقا َل ْت إِ َل ْي َك َال َأ ْر َ‬
‫ض‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬عزَ َم َع َل ْي ِ‬
‫ك َق َ‬
‫ال َف ُق ْل ُت إِ َّن َر ُس َ‬
‫َل َك َق َ‬
‫ال َف َو َق َف ْت َو َأ ْخ َر َج ْت‬
‫ان ِج ْئ ُت بِ ِه َما ِ َ‬
‫ان َث ْو َب ِ‬
‫َث ْو َب ْي ِن َم َع َها َف َقا َل ْت َه َذ ِ‬
‫أل ِخي َح ْمزَ َة َف َقدْ َب َل َغنِي‬
‫َم ْق َت ُل ُه َف َك ِّفنُو ُه ِفي ِه َما َق َ‬
‫ال َف ِج ْئنَا بِالث َّْو َب ْي ِن لِن َُك ِّف َن ِفي ِه َما َح ْمزَ َة َفإِ َذا إِ َلى‬
‫َج ْنبِ ِه َر ُج ٌل ِم ْن ْ َ‬
‫يل َقدْ ُف ِع َل بِ ِه َك َما ُف ِع َل بِ َح ْمزَ َة َق َ‬
‫األن َْصا ِر َقتِ ٌ‬
‫ال َف َو َجدْ َنا‬
‫اض ًة َو َحيا ًء َأ ْن ُن َك ِّف َن َحمزَ َة ِفي َثو َبي ِن َو ْ َ‬
‫َغ َض َ‬
‫األن َْصا ِر ُّي َال َك َف َن َل ُه‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫َف ُق ْلنَا لِ َح ْمزَ َة َث ْو ٌب َولِ ْ َ‬
‫اه َما َف َك َ‬
‫ان َأ َحدُ ُه َما َأ ْك َب َر‬
‫ألن َْصا ِر ِّي َث ْو ٌب َف َقدَ ْر َن ُ‬
‫ِم ْن ْاآل َخ ِر َف َأ ْق َر ْعنَا َب ْين َُه َما َف َك َّف َّنا ُك َّل َو ِ‬
‫اح ٍد ِم ْن ُه َما ِفي الث َّْو ِ‬
‫ار‬
‫ب ا َّل ِذي َص َ‬
‫َل ُه‪( .‬مسند أحمد‪)165 ،1 ،‬‬

‫‪307‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقد ذكر الله ‪ Y‬هذه الفضائل وما شابهها من القيم واألخلق‬
‫الحميدة التي تعبر عن األخوة في الدين‪ ،‬في القرآن الكريم لتكون‬
‫عبرة أبدية ورسالة للناس إلى يوم الدين‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫ين َت َب َّو ُؤوا الدَّ َار َوا ِ‬
‫اج َر‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫يمانَ ِمن َق ْب ِل ِه ْم ُي ِح ُّبونَ َم ْن هَ َ‬
‫َ‬
‫إل َ‬
‫اج ًة ِّم َّما ُأو ُتوا َو ُيؤْ ثِ ُرونَ َع َلى‬
‫إِ َل ْي ِه ْم َوال َي ِجدُ ونَ ِفي ُصدُ و ِر ِه ْم َح َ‬
‫وق ُش َّح َن ْف ِس ِه َف ُأ َ‬
‫اص ٌة َو َمن ُي َ‬
‫ولئِ َك ُه ُم‬
‫َأ ُنف ِس ِه ْم َو َل ْو َكانَ بِ ِه ْم َخ َص َ‬

‫حونَ ] (الحشر‪)9 ،‬‬
‫ا ْل ُم ْف ِل ُ‬

‫وتحتوي هذه اآلية الكريمة على كثير من حقوق وواجبات‬
‫األخوة في اإلسلم‪ .‬فبناء على ذلك‪ ،‬فإن الغاية من األخوة ليست‬
‫فقط التقرب في أوقات الراحة والرخاء وفي أوقات تناول الشاي‬
‫أو القهوة‪ ،‬بل التقارب والتشارك في هموم األخ في الدين في‬
‫أوقاته الحرجة والعسيرة‪ .‬باإلضافة إلى تفضيل األخ على النفس‪،‬‬
‫والتضحية والتفاني من أجله‪.‬‬

‫ال تكن متطف ً‬
‫ال‪ ،‬بل كن حبيب ًا‬

‫قال أحدهم لجنيد البغدادي‪:‬‬

‫«لقد ق َّلت وتضاءلت في هذه األيام األخوة الحقيقية‪ .‬أين تلك‬
‫الروابط األخوية التي كانت تنشأ في سبيل الله ‪U‬؟!»‪.‬‬
‫‪308‬‬

‫فأجابه جنيد البغدادي قائ ً‬
‫ل‪« :‬إن كنت تبحث عن أحد يلبي‬
‫حوائجك‪ ،‬ويتحمل همومك ومشاكلك‪ ،‬فإنك لن تجد في هذا‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫الزمان أخ ًا كذلك‪ .‬أما إذا أردت أن تقدم ألحد خدمة في سبيل الله‬
‫‪ ،Y‬وتلبي حوائجه وتخفف عنه همومه وتجد الحلول لمشاكله‪،‬‬
‫فهناك الكثير من اإلخوة كذلك»‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد ‪ r‬أنه قال‪:‬‬

‫يم ْن َال َي ْأ َل ُف َو َال ُي ْؤ َل ُف"‪.‬‬
‫"ا ْل ُم ْؤ ِم ُن ُم ْؤ َل ٌف َو َال َخ ْي َر ِف َ‬

‫(مسند أحمد‪،‬‬

‫‪400 ،2‬؛ ‪335 ،5‬؛ الحاكم‪)59/73 ،1 ،‬‬

‫لذا فإن أول شرط لأللفة مع أخيك في الدين هو ترك الكلفة‪ ،‬أي‬

‫أن تتجنب التثاقل على أخيك المسلم في غير اللزوم‪ ،‬بل وتحاول‬

‫أن تخفف عنه همومه وأعباءه‪ .‬وإن ألفة من ليس له كلفة (أي صداقته‬

‫المخلصة)‪ ،‬وحب من لم يكن غليظا وفظا‪ ،‬تكون دائم ًة‪.‬‬

‫وهناك بعض الشروط والواجبات يجب أن نتقيد بها في‬

‫خصوص األخوة في اإلسلم‪ .‬والتقيد بتلك الشروط والواجبات‬
‫فع ْن َأبِي ُه َر ْي َر َة َأ َّن َر ُس َ‬
‫ول ال َّل ِه‬
‫إنما هو حق إخواننا في الدين علينا‪َ .‬‬

‫‪َ r‬ق َ‬
‫‪":‬ح ُّق ا ْل ُم ْس ِل ِم َع َلى ا ْل ُم ْس ِل ِم ِس ّت"‬
‫ال َ‬
‫ول ال َّل ِه َق َ‬
‫يل َما ُه َّن َيا َر ُس َ‬
‫ِق َ‬
‫ال‪:‬‬

‫"إِ َذا َل ِقي َت ُه َفس ِّلم َع َلي ِه َوإِ َذا َد َع َ َ‬
‫اس َت ْن َص َح َك َفان َْص ْح‬
‫اك َفأ ِج ْب ُه َوإِ َذا ْ‬
‫َ ْ ْ‬
‫س َف َح ِم َد ال َّل َه َف َس ِّم ْت ُه َوإِ َذا َم ِر َ‬
‫ات َفا َّتبِ ْعه"‬
‫ض َف ُعدْ ُه َوإِ َذا َم َ‬
‫َل ُه َوإِ َذا َع َط َ‬
‫(مسلم‪ ،‬السلم‪)5 ،‬‬

‫‪309‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر أن النبي ‪r‬قال‪:‬‬

‫‪"U‬‬

‫"أفشوا السلم وأطعموا الطعام وكونوا إخوانا كما أمركم الله‬
‫(ابن ماجة‪ ،‬األطعمة‪)1 ،‬‬

‫ويجب علينا في حقوق األخوة أن نتميز بأفق واسع‪ .‬ألن مستوانا‬

‫في األخوة يعكس مستوى النضوج القلبي والمعنوي لدينا‪ .‬فعلى‬
‫ِ‬
‫هامتان جدا في األخوة في اإلسلم‪:‬‬
‫هذا األساس فهناك مرحلتان‬
‫‪ –1‬المرحلة األولى في األخوة هي أن يقوم المؤمن الذي‬

‫بسط الله ‪ U‬له في حاله بتقديم المساعدة لمن قصده من إخوانه‬

‫المسلمين‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫يما آ َت َ‬
‫اك ال َّل ُه الدَّ َار ِ‬
‫نس َن ِصي َب َك ِم َن الدُّ ْن َيا‬
‫َ‬
‫[وا ْبت َِغ ِف َ‬
‫اآلخ َر َة َوال َت َ‬
‫َو َأ ْح ِسن َك َما َأ ْحس َن ال َّل ُه إِ َلي َك َوال َتب ِغ ا ْل َفسا َد ِفي َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ض إِنَّ ال َّل َه ال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ين] (القصص‪)77 ،‬‬
‫ُي ِح ُّب ا ْل ُم ْف ِس ِد َ‬

‫‪ –2‬أما المرحلة الثانية في األخوة‪ :‬هي محاولة المؤمن قضاء‬

‫حوائج أخيه المسلم الذي وقع في مأزق وساءت حاله‪ .‬وأن يفعل‬

‫ذلك دون أن ينتظر أخاه المسلم أن يطلب مساعدته أويقصده في‬
‫حاجة‪ .‬آمل بذلك الوصول إلى سر اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪310‬‬

‫ين ُأ ْح ِص ُرو ْا ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َال َي ْست َِط ُيعونَ َض ْر ًبا ِفي‬
‫[لِ ْل ُف َق َراء ا َّل ِذ َ‬
‫َ‬
‫ض َي ْح َس ُب ُه ُم ا ْل َج ِ‬
‫اه ُل َأ ْغنِ َياء ِم َن ال َّت َع ُّف ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اه ْم َال‬
‫يم ُ‬
‫ف َت ْع ِر ُف ُهم بِ ِس َ‬
‫اس إِ ْل َحا ًفا َو َما ُت ِ‬
‫يم] (البقرة‪)273 ،‬‬
‫َي ْس َأ ُلونَ ال َّن َ‬
‫نف ُقو ْا ِم ْن َخ ْي ٍر َفإِنَّ ال َّل َه بِ ِه َع ِل ٌ‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫حيث أن هذه اآلية الكريمة تحثنا على المحاولة للوصول‬
‫إلى مستوى رفيع من رقة القلب‪ ،‬ورهف في اإلحساس‪ ،‬لكي‬
‫نعرف الناس من وجوههم‪ ،‬فنلحظ وضع إخواننا المسلمين الذين‬
‫يخجلون من ذكر حوائجهم ومتطلباتهم الضرورية‪ ،‬لعفتهم وعزة‬
‫نفوسهم‪ .‬وهذا هو األفق الرفيع والعظيم لألخوة في اإلسلم‪.‬‬

‫وقد أنشأ أجدادنا العثمانيون أماكن لتقديم الخدمات للفقراء‬
‫والمساكين وطلبة العلم والمسافرين‪ .‬حيث كانوا يقدمون الطعام‬
‫للمسافرين دون اإلهتمام بمن كان ذلك المسافر أو ماذا يعمل‪.‬‬
‫وكان بإمكان جميع المسافرين البقاء لمدة ثلثة أيام‪ .‬وعند رحيلهم‬
‫كانوا يعطونهم أحذية إذا كانت أحذيتهم قديمة‪.‬‬
‫وكان األغنياء يتجولون في السجون‪ ،‬باحثين عن من سجن بسبب‬
‫دين لم يستطع إيفاءه‪ .‬فيدفعون عنه دينه ويخلصونه من ذلك السجن‪.‬‬

‫وكان بعض األغنياء يذهب إلى الدكاكين والمحلت التجارية‪،‬‬
‫ويطلبون من البائع فتح صفحة من دفتر الديون‪ ،‬ويدفعون الدين دون‬
‫أن يعرفوا صاحبه‪ .‬كما هو الحال في صناديق الصدقة التي انتشرت‬
‫في ذلك الزمن‪ ،‬وبواسطتها كان معطي الصدقة ال يرى آخذها‪ ،‬وال‬
‫يرى آخذها معطيها‪ .‬وبذلك كانوا يعيشون في جواألخوة الحقيقية‬
‫راجين نيل رضا الله ‪ Y‬فقط‪.‬‬
‫وهكذا ربطت الجمعيات الخيرية ومؤسسات الرعاية‬
‫اإلجتماعية واألوقاف في الدولة العثمانية كل طبقات المجتمع‬
‫بنسيج الرحمة والحنان والرقة‪ .‬وذلك هي ثمرة إدراك واستيعاب‬
‫مفهوم األخوة في اإلسلم إدراك ًا جيد ًا‪.‬‬

‫‪311‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وحسب ما ورد في اإلحصائيات الرسمية أنه كان يوجد أكثر من ست‬

‫وعشرين ألف مؤسسة خيرية في الدولة العثمانية‪ .‬وذلك ما يدل على غيرة‬
‫أجدادنا الدينية واهتمامهم البالغ بموضوع األخوة في اإلسلم‪.‬‬

‫ومن هذه األوقاف والمؤسسات الخيرية ما يلفت ِاإلنتباه‬

‫المؤسسة الخيرية التي أنشأتها (بزم عالم والدة سلطان) في مدينة‬
‫دمشق‪ .‬وكان مجال فعاليات هذه المؤسسة الخيرية هو تقديم‬
‫المساعدات للخدم في دفع ثمن األشياء الباهظة والقيمة الموجودة‬

‫في القصور إذا تسببوا في كسرها أو تخريبها‪ .‬ولذلك لكي ال يفقد‬
‫هؤالء الخدم عزة نفوسهم ومكانتهم االجتماعية بين الناس‪.‬‬

‫وإن اهتمام أجدادنا الواضح بموضوع األخوة في اإلسلم‪ ،‬نابع‬

‫من الشعور الصادق باإليمان‪ .‬وقد وصل ذلك الشعور إلى أعلى‬
‫المراتب وأرفعها لدرجة أنه يستحيل على المجتمعات المثالية في‬

‫الوقت الحاضر الوصول إليه‪ ،‬أوحتى الحلم بذلك‪.‬‬

‫‪ –3‬والمرحلة الثالثة في األخوة هي البر‪ ،‬أي أن يحب الشخص‬

‫أي‬
‫ألخيه ما يحبه لنفسه‪ .‬وأن يطلب ويتمنى له ما يريده لنفسه‪ ،‬دون ِّ‬
‫تمييز أوتفريق‪ .‬وكما ورد في الحديث الشريف عن النبي ‪ r‬أنه قال‪:‬‬
‫"ال يؤمن أحدكم حتى يحب ألخيه ما يحب لنفسه"‬

‫(البخاري‪ ،‬اإليمان‪.)7 ،‬‬

‫وقد عرض سيدنا عثمان بن عفان ‪ t‬أفضل مثال عن هذه‬

‫‪312‬‬

‫المرحلة من مراحل األخوة في اإلسلم‪ .‬حيث أنه اشترى بئر الرمة‬
‫وجعله وقف ًا يستفيد منه الناس‪ ،‬في وقت كانت تعاني فيه المدينة‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫المنورة من الجفاف وقلة المياه‪ .‬وحسب ما ورد في الروايات أنه كان‬
‫يقف في الدور الذي كان يقف الناس فيه‪ ،‬وينتظر معهم ليأخذ الماء‪.‬‬

‫وقد تجلت عند أجدادنا العثمانيين أسمى وأرقى قيم وعادات‬
‫الحرص على األخوة والحث على القيام بها ضمن مجموعة من‬
‫األخلق الحميدة كاللطافة والرقة في اإلحساس والمشاعر‪ ،‬وتفكير‬
‫األخ براحة أخيه في اإلسلم‪ .‬حيث أنهم كانوا في حالة وجود‬
‫مريض في بيت من البيوت‪ ،‬كانوا يضعون وردة حمراء على نافذته‬
‫لكي يعرف المارون بجانب البيت بوجوده‪ .‬فل يزعجه أحد‪ .‬وكان‬
‫الباعة المتجولون وأوالد الحي يتصرفون على هذا األساس أيضا‪،‬‬
‫فيتجنبون التصرفات التي تسبب اإلزعاج للمريض‪.‬‬
‫‪ –4‬أما أعلى مرتبة في األخوة في اإلسلم هي مقام اإليثار‪.‬‬
‫التي تجعل المؤمن يفضل أخاه المسلم على نفسه‪ ،‬ويتخلى عن‬
‫حقوقه ألجله‪ ،‬ويجعله في درجة أعلى منه‪ .‬ويجب على المؤمن عند‬
‫الضرورة أن يفكر بحاجة أخيه المسلم قبل حاجاته‪ ،‬ولواضطره األمر‬
‫أن يحرم نفسه‪ .‬وهذه هي مرتبة الصديقين واألبرار والصالحين‪،‬‬
‫وهي قمة الحب في الله ‪.U‬‬

‫وكان سيدنا محمد ‪ r‬يحرص على أمته وعلى راحتهم‪ ،‬ويفكر‬
‫بهم أكثر ما يفكر بنفسه‪ .‬فكان ال يشبع نفسه وعائلته إذا كان أصحابه‬
‫جائِعين‪ .‬وكان يتصدق بكل ما يملك للفقراء والمساكين‪ .‬حيث أن‬
‫النار كانت ال توقد في بيته لعدة أيام‪ .‬وال يطهى طعام‪ ،‬وال يوجد‬
‫حتى الخبز‪.‬‬

‫‪313‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وفي إحدى المرات كان الصحابي الجليل سيدنا أبوهريرة ‪t‬‬
‫جائع ًا‪ .‬ولم يجد شيئا يأكله‪ ،‬فربط حجر ًا على بطنه من شدة الجوع‪.‬‬
‫فصادف على هذه الحال سيدنا أبا بكر الصديق ‪ ،t‬فسأله سؤا ً‬
‫ال عن‬
‫آية في القرآن الكريم‪ ،‬آمل أن يرى حالته ويطعمه‪ .‬ولكن سيدنا أبا‬
‫بكر أجاب على سؤاله وذهب في حال سبيله‪ .‬ثم جاء سيدنا عمر بن‬

‫الخطاب ‪ ،t‬فتصرف هو أيضا بنفس التصرف الذي بدر عن سيدنا‬
‫أبي بكر‪ .‬ألن ِك َل ْيهما لم يكن بوسعهما آنذاك أن يطعماه‪.‬‬
‫ثم جاء سيدنا محمد ‪ r‬ورأى سيدنا أبا هريرة ‪ t‬على ذلك‬

‫الحال‪ ،‬ففهم وضعه وماذا كان يدور في ذهنه من وجهه‪ .‬فدعاه‬

‫إلى بيته‪ .‬وأرسل في تلك األثناء أحدهم وعاء من الحليب إلى بيت‬
‫النبي ‪ .r‬ففرح سيدنا أبوهريرة كثير ًا لرؤية ذلك الوعاء‪ .‬ولكن النبي‬
‫األكرم عليه الصلة والسلم أمره بأن ينادي أهل الصفة‪.‬‬

‫وكان أهل الصفة ضيوفا لإلسلم‪ ،‬فلم بكن لديهم عائلة يلجؤون‬

‫إليها‪ .‬أو مال أو أحد يستعينون به‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم إذا جاءته‬
‫صدقة أرسلها إليهم مباشرة‪ ،‬دون أن يأخذ أي شيء منها لنفسه‪ .‬أما‬

‫إذا جاءته هدية‪ ،‬فكان يأخذ ُجز ًء منها ويرسل ما تبقى إليهم‪.‬‬

‫ولم يسعد سيدنا أبو هريرة كثير ًا من دعوة النبي ‪ r‬ألهل‬

‫الصفة‪ .‬ألن الحليب لن يكفي لهم وحدهم‪ ،‬فكيف يشبعون ويزيد‬
‫الحليب لكي يشرب هونفسه؟‪ .‬ولكنه ذهب على الفور لدعوتهم‪،‬‬

‫‪314‬‬

‫ألنه ال يمكن له أن يعصي أمر النبي‪ ،‬وما عليه إال الطاعة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫وجاء أهل الصفة‪ ،‬فأمر الرسول الكريم أبا هريرة بأن يقدم لهم‬

‫الحليب‪ .‬فشرب الصحابة الكرام‪ ،‬الواحد تلواآلخر حتى شبعوا‪.‬‬
‫وعندما شبع أهل الصفة أخذ سيدنا أبوهريرة الوعاء وأعطاه للنبي‬

‫‪ .r‬فرد الوعاء له وقال‪" :‬اقعد فاشرب" ‪ .‬فقعدت فشربت فقال‬

‫"اشرب"‪ .‬فشربت فما زال يقول "اشرب" ‪ .‬حتى قلت ال والذي‬
‫بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال " َف َأ ِرنِي"‪ .‬فأعطيته القدح فحمد‬

‫الله وسمى وشرب‬

‫(البخاري‪ ،‬الرقاق‪)17 ،‬‬

‫وهذه قصة مليئة بالعبر والدروس‪ ،‬وقد حدثت في معركة الخندق‪:‬‬

‫عن َجابِ َر ْب َن َع ْب ِد ال َّل ِه ‪َ v‬ق َ‬
‫ال َل َّما ُح ِف َر ا ْل َخ ْندَ ُق َر َأ ْي ُت بِال َّنبِ ِّي‬
‫‪َ r‬خ َم ًصا َش ِديدً ا َفان َْك َف ْأ ُت إِ َلى ا ْم َر َأتِي َف ُق ْل ُت َه ْل ِع ْندَ ِك َش ْي ٌء َفإِ ِّني‬

‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬خ َم ًصا َش ِديدً ا َف َأ ْخ َر َج ْت إِ َل َّي ِج َرا ًبا ِف ِ‬
‫َر َأ ْي ُت بِ َر ُس ِ‬
‫اع ِم ْن‬
‫يه َص ٌ‬
‫الش ِع َير َف َف َر َغ ْت إِ َلى َف َر ِ‬
‫َش ِعي ٍر َو َلنَا ُب َه ْي َم ٌة َد ِ‬
‫َت َّ‬
‫اغي‬
‫اج ٌن َف َذ َب ْح ُت َها َو َط َحن ْ‬

‫َو َق َّط ْع ُت َها ِفي ُب ْر َمتِ َها ُث َّم َو َّل ْي ُت إِ َلى َر ُس ِ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬ف َقا َل ْت َال َت ْف َض ْحنِي‬

‫ار ْر ُت ُه َف ُق ْل ُت َيا َر ُس َ‬
‫بِ َر ُس ِ‬
‫ول ال َّل ِه َذ َب ْحنَا‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬وبِ َم ْن َم َع ُه َف ِج ْئ ُت ُه َف َس َ‬
‫ان ِع ْندَ َنا َفت ََع َ‬
‫اعا ِم ْن َش ِعي ٍر َك َ‬
‫ال َأن َْت َو َن َف ٌر َم َع َك‬
‫ُب َه ْي َم ًة َلنَا َو َط َح َّنا َص ً‬
‫اح ال َّنبِ ُّي ‪َ r‬ف َق َ‬
‫ورا‬
‫َف َص َ‬
‫ال‪َ " :‬يا َأ ْه َل ا ْل َخ ْن َد ِق إِنَّ َجابِ ًرا َقدْ َصن ََع ُس ً‬

‫َ‬
‫َف َح َّي هَ ًال بِ َه ّل ُك ْم" َف َق َ‬
‫ال َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه‬
‫‪":r‬ال ُت ْن ِز ُل َّن ُب ْر َمت َُك ْم َو َال َت ْخبِزُ نَّ‬
‫َع ِجين َُك ْم َح َّتى َأ ِجيءَ" َف ِج ْئ ُت َو َجا َء َر ُس ُ‬
‫اس َح َّتى‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬يقْدُ ُم ال َّن َ‬

‫‪315‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ِج ْئ ُت ا ْم َر َأتِي َف َقا َل ْت بِ َك َوبِ َك َف ُق ْل ُت َقدْ َف َع ْل ُت ا َّل ِذي ُق ْل ِ‬
‫ت َف َأ ْخ َر َج ْت‬
‫َل ُه َع ِجينًا َف َب َصقَ ِف ِ‬
‫ار َك ُث َّم َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫ار َك ُث َّم َع َمدَ إِ َلى ُب ْر َمتِنَا َف َب َصقَ َو َب َ‬
‫يه َو َب َ‬

‫"ا ْد ُع َخابِزَ ًة َف ْلت َْخبِ ْز َم ِعي َوا ْق َد ِحي ِم ْن ُب ْر َمتِ ُك ْم َو َال ُت ْن ِز ُلوهَ ا" َو ُه ْم َأ ْل ٌف‬
‫َف ُأ ْق ِس ُم بِال َّل ِه َل َقدْ َأ َك ُلوا َح َّتى َت َر ُكو ُه َوان َْح َر ُفوا َوإِ َّن ُب ْر َم َتنَا َلت َِغ ُّط َك َما ِه َي‬

‫َوإِ َّن َع ِجي َننَا َل ُي ْ‬
‫خ َب ُز َك َما ُه َو (انظر‪ :‬البخاري‪ ،‬المغازي‪29 ،‬؛ مسلم‪ ،‬األشربة‪)141 ،‬‬

‫عبر سيدنا ابن عمر ‪ t‬عن النضوج القلبي والمعنوي‬
‫وقد اّ‬
‫في ذلك العصر‪ ،‬عصر السعادة والهناء‪ ،‬في خصوص تفضيل األخ‬

‫المسلم على النفس‪ ،‬والوصول إلى مرتبة قول‪ «:‬أخي أوال»‪.‬‬

‫فقال ‪« :t‬عن ابن عمر قال أتى علينا زمان وما يرى أحد منا‬
‫أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم وإنا في زمان الدينار‬
‫والدرهم أحب الينا من أخينا المسلم» (الهيثمي‪.)285 ،10 ،‬‬

‫وذلك الوضع يسوء أكثر في حال فقدان التوازن بين األمور‬
‫المادية والمعنوية لصالح األمور المادية‪ .‬فيؤدي ذلك إلى الذوبان‬
‫السريع لمحبة اإليمان‪ ،‬وحدوث انكسارات عميقة في القلوب‬
‫واألرواح‪ .‬وذلك ما يؤثر سلبي ًا في المجتمع وفي المعيشة في ذلك‬
‫المجتمع براحة وطمأنينة‪ .‬فكم من المشاكل اإلجتماعية‪ ،‬والفتور‬
‫في العلقات تغلغل بين الناس نتيجة حسابات صغيرة وبسيطة‪ ،‬وفي‬
‫سبيل غايات دنيوية قليلة الشأن والقيمة واألهمية‪.‬‬

‫‪316‬‬

‫وتضعف األخوة نتيجة ذلك الجهل واألنانية وعدم التحلي‬
‫كالبر واإليثار‪ ،‬التي تؤثر‬
‫بالعادات الحميدة التي أمرنا أن نتحلى بها‬
‫ِّ‬

‫‪n‬‬

‫االخوة في االسلم ‪o‬‬
‫إيجابيا على الناس‪ .‬مع العلم بأن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قد أمر المؤمنين‬
‫بأن يؤسسوا إقليم المحبة المبني على الصدق واإلخلص‪ ،‬بين‬

‫بعضهم البعض‪ ،‬وذلك بتفضيل إخوانهم المسلمين على أنفسهم‪.‬‬

‫والمحبة ليست عبارة عن موضوع جاف وعقيم‪ ،‬فل يمكن‬

‫الكلم بالمعنى الحقيقي عن المحبة إذا لم يشغل الشخص نفسه‬

‫وتفكيره بأخيه وبهمومه ومشاكله التي يتعرض لها‪ ،‬وإن لم يتجاوز‬
‫عن أخطائه ويعفوعنه‪ ،‬بل ويضحي ألجله بنفسه وبإمكانياته‪.‬‬

‫فعلى هذا األساس‪ ،‬فل يمكن الشعور باألخوة في اإلسلم‬

‫بادعاءات نظرية دون تطبيق‪ .‬فيجب علينا أن نطبق هذه النظريات‬
‫على حياتنا الفعلية والعملية‪ .‬وأن ننشر مظاهر األخوة والتضحية‬
‫والتفاني في كل مجاالت الحياة‪ .‬والمؤمنون الحقيقيون الذين‬

‫استطاعوا تطبيق المحبة الفعلية تجاه إخوانهم المسلمين‪ ،‬هم‬

‫المؤمنون الذين استحقوا تبشير سيدنا محمد ‪ r‬في أن يكونوا إخوة‬
‫ول ال ّٰل ِه َ‪َ r‬أ َتى ا ْل َم ْق ُب َر َة َف َق َ‬
‫فع ْن َأبِي ُه َر ْي َر َة ُ‪َ t‬أ َّن َر ُس َ‬
‫لس َل ُم‬
‫له‪َ .‬‬
‫ال‪َ « :‬ا َّ‬
‫ين َوإِ َّنا إِ ْن َشا َء ال ّٰل ُه بِ ُك ْم َال ِح ُق َ‬
‫ون‪َ .‬و ِد ْد ُت َأ َّنا‬
‫َع َل ْي ُك ْم َد َار َق ْو ٍم ُم ْؤ ِمنِ َ‬
‫ال َ‬
‫َقدْ َر َأ ْينَا إِ ْخ َوا َننَا» َقا ُل َ‬
‫ول ال ّٰل ِه؟» َق َ‬
‫وا‪«:‬أ َو َل ْسنَا إِ ْخ َوا َن َك َيا َر ُس َ‬
‫‪«:‬أ ْن ُت ْم‬
‫ين َل ْم َي ْأ ُتوا َب ْعدُ »(مسلم‪ ،‬الطهارة‪ ،39 ،‬الفضائل‪.)26 ،‬‬
‫َأ ْص َحابِي َوإِ ْخ َوا ُننَا ا َّل ِذ َ‬
‫لذا فمن الضروري أن نقوم بخدمة إخواننا المسلمين‪ ،‬وأن‬

‫نشغل أنفسنا بهموم األمة ومشاكلها‪ .‬لكي نكون الئقين لحب الله‬

‫‪317‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫‪ U‬وحب رسوله الكريم محمد ‪ ،r‬والئقين بقوله«إخوتي»‪ .‬ألن‬

‫تقديم الخدمة لعبد من عباد الله‪ ،‬إنما هي تقديم الخدمة لله تعالى‪،‬‬
‫وتقديم الخدمة لألمة اإلسلمية‪ ،‬هي تقديم الخدمة للرسول األكرم‬

‫عليه الصلة والسلم‪.‬‬

‫اللهم اجعلنا ممن يحرص على حقوق األخوة حرص ًا جيد ًا‪،‬‬

‫لكي نكون من عبادك المحظوظين الذين حصلوا على بطاقة اإلعفاء‬

‫من هذه المسؤولية‪ .‬وامأل اللهم قلوبنا وصدورنا بروحانيات األخوة‬

‫ودروسها المعنوية‪...‬آمــين‬

‫‪318‬‬

‫‪n‬‬

‫إحياء األخوة‬
‫لقد أمر الله‪ U‬عباده المؤمنين بأن يكونوا كاليدين اللتين تغسل‬
‫كل واحدة األخرى‪ .‬والمقصود من ذلك هو أن يتجاوز المؤمن‬
‫عن أخطاء أخيه المسلم‪ ،‬وأن يعفو عنه ويصفح‪ ،‬وأن يقاسمه‬
‫أفراحه وأحزانه‪ ،‬وأن يكون شريك ًا له في همومه‪ ،‬وأن يكون له من‬
‫الناصحين‪ .‬وبذلك يكون كاليد التي تغسل اليد األخرى وتنظفها‬
‫من األوساخ‪ .‬فيرغب دائم ًا في أن يكون أخاه أنظف منه‪ ،‬وأفضل‬
‫وأعلى شأن ًا‪.‬‬

‫إحياء األخوة‬
‫لقد أعلن الله ‪ U‬المؤمنين على أنهم إخوة‪ .‬وأرسل سيدنا‬
‫محمد ًا ‪ r‬كنموذج لنا يعلمنا ويبين لنا شروط األخوة في اإلسلم‬
‫وحقوقها وواجباتها‪ .‬وجعل الصحابة الكرام ‪ t‬وعباده الصالحين‬
‫واألولياء قمة في األخلق الحميدة والقيم التي تعكس مشاعر األخوة‬
‫وروحها المعنوية‪ .‬ومن أهم واجبات المؤمنين هي المحافظة على‬

‫هذه النعمة التي هي بمثابة مخزن للسعادة وهبها الله ‪ Y‬للمؤمنين‬
‫فقط في الحياة الدنيا‪ .‬فإن لم يحافظوا عليها ولم يهتموا بها فسوف‬

‫تضيع وتفنى مع مرور الزمن‪ .‬ألن األشياء القيمة التي ال يتم الحفاظ‬

‫عليها ورعايتها كما يجب‪ ،‬تضيع وتفنى وتفقد قيمتها‪.‬‬

‫والحفاظ على مخزن األخوة وجوهرها‪ ،‬متعلق بالشعور‬

‫بالمسؤولية‪ ،‬وممارستها ضمن مشاعر الرحمة والعطف ورقة‬
‫اإلحساس‪ .‬واإلهمال والغفلة في هذا الخصوص يفسحان للشيطان‬
‫مجا ً‬
‫ال لكي يبعد المؤمنين عن بعضهم ويفرق صفوفهم‪ ،‬ويدخل‬

‫العداوة بين بعضهم البعض والمشاكل الدنيوية فيما بينهم‪ .‬ولن‬

‫يتأخر الشيطان الرجيم – لعنة الله عليه – لحظة واحدة في القيام بذلك‬

‫إذا وجد الفرصة المناسبة‪.‬‬

‫‪321‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫الحث على سعادة اصالح ذات البين‬
‫يعد تخاصم المؤمنين وابتعادهم عن بعضهم البعض‪ ،‬واستمرارهم‬

‫على التخاصم‪ ،‬جرم ًا كبير ًا في نظر اإلسلم‪ .‬وقد حذرنا سيدنا محمد‬

‫‪ r‬في هذا الخصوص‪ ،‬وكما ورد في الحديث الشريف أنه قال‪:‬‬
‫" َم ْن هَ َج َر َأ َخا ُه َس َن ًة َف ُه َو َك َس ْف ِ‬
‫ك َد ِم ِه"‬

‫(أبي داود‪ ،‬األدب‪)4915/ 7 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫َ‬
‫ال ٍ‬
‫ث َفإِنْ َم َّر ْت بِ ِه َث َ‬
‫"ال َي ِح ُّل لِ ُمؤْ ِم ٍن َأنْ َي ْه ُج َر ُمؤْ ِمنًا َف ْو َق َث َ‬
‫ال ٌث‬

‫اشتَر َكا ِفى َ‬
‫الس َ‬
‫األ ْج ِر َوإِنْ َل ْم‬
‫ال َم َف َق ِد ْ َ‬
‫َف ْل َي ْل َق ُه َف ْل ُي َس ِّل ْم َع َل ْي ِه َفإِنْ َر َّد َع َل ْي ِه َّ‬
‫َي ُر َّد َع َل ْي ِه َف َقدْ َب َاء بِا ِ‬
‫م" (أبي داود‪ ،‬األدب‪)4912 /47 ،‬‬
‫إل ْث ِ‬
‫وورد أيضا في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"ال تحاسدوا وال تباغضوا وال تجسسوا وال تحسسوا وال‬

‫تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا "‬

‫(مسلم‪ ،‬البر‪)30 ،‬‬

‫وحسب ما بين لنا رسول الله ‪ ،r‬فإن األعمال التي يقوم بها‬

‫العباد تعرض على الله ‪ U‬في يومي اإلثنين والخميس‪ .‬فيغفر‬
‫لجميع العباد إال لمن أشرك‪ ،‬ولمن كان بينه وبين أخيه المسلم‬
‫عداوة‪ .‬وينبه الملئكة قائل‪«:‬اركوا هذين حتى يصطلحا اركوا‬

‫‪322‬‬

‫هذين حتى يصطلحا»‪( .‬مسلم‪ ،‬البر‪36–35 ،‬؛ أبي داود‪ ،‬األدب‪)47 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫وسعي المسلم في إلحاق الضرر باألخوة الدينية هو ضعف‬
‫شديد في اإليمان‪ ،‬يجعل صاحبها محروم ًا من رحمة الله ‪ U‬التي‬

‫وسعت كل شيء‪.‬‬

‫وكما ورد في اآليات الكريمة‪:‬‬
‫[إِ َّن َما ا ْل ُمؤْ ِم ُنونَ إِ ْخ َو ٌة َف َأ ْص ِل ُحوا َب ْي َن َأ َخ َو ْي ُك ْم َوات َُّقوا ال َّل َه َل َع َّل ُك ْم‬
‫ُت ْر َح ُمونَ ] (الحجرات‪.)10 ،‬‬
‫ال ُقلِ َ‬
‫[ َيس َأ ُلو َن َك َع ِن َ‬
‫األن َف ُ‬
‫الر ُس ِ‬
‫األن َف ِ‬
‫ول َفات َُّقو ْا ال َّل َه‬
‫ْ‬
‫ال لِ َّل ِه َو َّ‬
‫ات َب ْينِ ُك ْم َو َأ ِط ُيعو ْا ال َّل َه َو َر ُس َ‬
‫ين](األنفال‪)1 ،‬‬
‫َو َأ ْص ِل ُحو ْا َذ َ‬
‫ول ُه إِن ُكنتُم ُّمؤْ ِمنِ َ‬

‫وقد أمر المؤمنون المتخاصمون بشكل واضح في اآليات‬
‫الكريمة بأن يصلحوا بين أنفسهم وال يستمروا على التخاصم‪ .‬أي أن‬
‫األخوة في اإلسلم تتوجب على المؤمنين أن يتركوا الجدل والنقاش‬
‫واإلصرار على قول‪« :‬أنا محق‪ ،‬وأنت لست على حق»‪ .‬وأن ينسوا‬
‫الخصومات الماضية‪ ،‬ويصلوا بذلك إلى مرتبة فضيلة العفوعن‬
‫بعضهم البعض ولواضطرهم األمر أن يضحوا بأنفسهم‪ ،‬وبحقوقهم‪.‬‬
‫ألن اإلصرار على التخاصم هومعصية لله ‪ .U‬والمؤمن الحقيقي ال‬
‫يعصي ربه بشكل متعمد‪ ،‬مهما كانت الظروف والشروط‪.‬‬

‫وقد بين سيدنا محمد ‪ r‬علقة األخوة باإليمان‪ ،‬كما ورد في‬
‫الحديث الشريف‪:‬‬

‫"ال تدخلون الجنة حتى تؤمنوا وال تؤمنوا حتى تحابوا أوال أدلكم‬
‫على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السالم بينكم" (مسلم‪ ،‬اإليمان‪)93 ،‬‬

‫‪323‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فأن اإلهتمام بالحفاظ على األخوة اإلسلمية وعدم فسح‬
‫المجال للخصومات بأن تدخل بين األخ وأخيه‪ ،‬هي ضرورة من‬
‫ضروريات اإليمان‪.‬‬
‫قال األحنف بن قيس‪:‬‬

‫«اإلخاء جوهرة رقيقة إن لم تحرسها كانت معرضة لآلفات‬

‫فاحرسها بالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك وبالرضا حتى ال تستكثر‬

‫من نفسك الفضل وال من أخيك التقصير» (اإلحياء‪.)188 ،2 ،‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة في وصف المؤمنين أهل التقوى‬

‫والصلح‪ ،‬حيث قال الله ‪:U‬‬

‫الض َّراء َوا ْل َك ِ‬
‫ين ُي ِ‬
‫الس َّراء َو َّ‬
‫ين‬
‫ين ا ْل َغ ْي َظ َوا ْل َع ِاف َ‬
‫اظ ِم َ‬
‫[ا َّل ِذ َ‬
‫نف ُقونَ ِفي َّ‬
‫َع ِن ال َّن ِ‬
‫ين] (آل عمران‪)134 ،‬‬
‫اس َوال َّل ُه ُي ِح ُّب ا ْل ُم ْح ِسنِ َ‬

‫وقد أشار سيدنا جلل الدين الرومي إلى ضرورة عفوالمؤمنين‬

‫عن بعضهم البعض وتجاوزهم عن أخطاء إخوانهم واإلحسان‬
‫إليهم‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«إذا رأيت خصلة سيئة في أخيك المسلم‪ ،‬فتذكر أن لديه ألف‬

‫خصلة حميدة‪ .‬فالخير هو شفيع ضد الشر»‪.‬‬

‫فإذا بدر خطأ من أخينا المسلم‪ ،‬فبد ً‬
‫ال من أن نغضب ونثور عليه‬

‫ونخاصمه‪ ،‬يجب علينا أن نتذكر الميزات الحسنة التي يتميز بها‪ .‬ثم‬

‫‪324‬‬

‫نعفو ونصفح عنه ألجل تلك الصفات الحميدة‪ .‬ويجب علينا أن ال‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫ننسى أنه في حاجة ماسة لنا‪ ،‬وخاصة في تلك المواقف العصيبة‪،‬‬
‫فعلينا أن نقف بجانبه وال نتركه وحيد ًا مع همومه ونبتعد عنه‪.‬‬

‫الكره للذنب‪ ،‬والرحمة للمذنب‬
‫حسب رواية تروى أنه قيل لشخص بأن يتخلى عن أخيه ويبتعد‬
‫عنه‪ ،‬ألنه قد ضل طريقه وفقد صوابه‪ ،‬وصار يتصرف بتصرفات ال‬
‫تليق به‪ .‬فقال ذلك الشخص‪:‬‬
‫«هل من المعقول أن أتركه؟‪ .‬إنه بحاجة لي خاصة في تلك اللحظات‬

‫أكثر من أي وقت آخر‪ .‬فهل من الصواب أن أتركه وأبتعد عنه في يوم‬

‫كهذا؟‪ .‬إنني سأقدم له اآلن النصائح‪ ،‬وأدعوالله ‪ U‬بأن يعفوعنه»‪.‬‬

‫وفي إحدى المرات ارتكب أحد طلبة سيدنا جنيد البغدادي‬
‫خطأ‪ .‬فخجل كثير ًا من مواجهة الناس على هذا الوضع فهرب من‬
‫بيت العلم الذي كان يتلقى فيه تعليمه الديني‪ .‬وبعد فترة وبينما‬
‫كان جنيد البغدادي يتجول في السوق مع أصحابه‪ ،‬وقع نظره على‬
‫ذلك التلميذ الذي كان قلبه قد تحول إلى مكان مهجور‪ .‬وعندما‬
‫رأى التلميذ أستاذه ابتعد عنه مباشرة وبدأ بالهروب‪ .‬فأحس سيدنا‬
‫جنيد البغدادي بالوضع فقال ألصحابه‪« :‬ارجعوا أنتم‪ ،‬فإني قد‬
‫رأيت عصفورا صغيرا قد هرب من عشي»‪ .‬وشرع في ملحقة ذلك‬
‫التلميذ‪ .‬وعندما نظر التلميذ خلفه ووجد أن أستاذه يلحقه‪ ،‬فحاول‬
‫أن يسرع ويقصر خطاه‪ .‬فدخل في تلك األثناء إلى زقاق مسدود‪،‬‬
‫واصطدم رأسه بالجدار نتيجة الخوف والتوتر من خجله من أستاذه‪.‬‬

‫‪325‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وبدأ وجهه يتحول من لون آلخر عندما وقف أمام أستاذه وجها‬
‫لوجه‪ .‬فقال له جنيد البغدادي بصوت حنون مليء بالشفقة والرأفة‪:‬‬
‫«يا بني‪ ..‬إلى أين تذهب؟ وممن تهرب؟‪ .‬إن مساندة أستاذ‬
‫لتلميذه ووقوفه بجانبه ضروري في مثل هذه األوقات العصيبة‬
‫والمشكلة»‪ .‬واصطحبه إلى المدرسة بعد أن طمأنه و أراح قلبه‪.‬‬

‫إن األخوة في اإلسلم هي كاألخوة في النسب‪ ،‬بل وأعلى شأن ًا‬
‫منها‪ .‬فكما أنه ال يجوز لإلنسان أن يترك أخاه ويبتعد عنه وينساه إذا‬
‫أخطأ وفقد صوابه وانجرف وراء الملذات والمعاصي‪ ،‬فأنه ليس‬
‫من المناسب أيض ًا أن يتخلى عن أحد اتخذه أخا له في الدين‪ ،‬نتيجة‬
‫خطأ أو ذنب ارتكبه‪ .‬بل الصواب هو أن يساند من وقع ويساعده‬
‫على القيام والوقوف على قدميه‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة أن الله‬
‫‪ U‬قال لسيدنا محمد ‪ r‬عن أقربائه‪:‬‬
‫يء ِّم َّما َت ْع َم ُلونَ ] (الشعراء‪)216 ،‬‬
‫[ َفإِنْ َع َص ْو َك َف ُق ْل إِ ِّني َب ِر ٌ‬

‫ِ‬
‫فلحظ أن الله ‪ U‬قد أمر نبيه الكريم عليه الصلة والسلم بأن‬
‫يقول (إني بريئ مما تعملون)‪ ،‬وليس بأن يقول ( إني بريء منكم)‪.‬‬
‫أي أنه يجب أن ال ندع أقرباءنا ينالون جز ًء من ُ‬
‫الك ْره الذي نشعر به‬
‫تجاه المعصية التي يقومون بها‪.‬‬

‫‪326‬‬

‫ويجب على المؤمن أن يتجنب التكلم عن مواضيع ال يحبها‬
‫أخوه المسلم‪ ،‬إن كان في حضوره أو في غيابه‪ .‬إال في موضوع‬
‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ .‬فل مجال للسكوت والصمت‬
‫في هذه المواضيع‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫أي أنه من الواجب علينا تقديم النصيحة لألخ المسلم عند‬
‫الضرورة‪ ،‬ولكن بأسلوب مناسب ال يؤذيه أو يحرجه‪ ،‬وعندما‬
‫يكون لوحده بعيدا عن الناس‪ .‬فل ُينظر في هذا الحال إلى مغزى‬
‫الموضوع إن كان الشخص يحب التكلم فيه أو ال يحب‪ .‬ألن هذه‬
‫النصائح والتنبيهات هي من صالحه ولنفعه‪ ،‬ولو أنها تبدو ظاهريا‬
‫أنها تحرجه وتجرح مشاعره وتؤذيه‪.‬‬
‫وفي مرة من المرات سافر سيدنا عبد الله بن المبارك الذي‬
‫يعد أحد أولياء الحق ‪ ،U‬مع رجل سيئ األخلق‪ .‬وعندما انتهى‬
‫طريق السفر وافترقا‪ ،‬بدأ سيدنا عبد الله بن المبارك بالبكاء الشديد‪.‬‬
‫فسأله أصحابه الذين عجبوا ألمره عن سبب بكائه‪ .‬فتنفس ذلك‬
‫الرجل المبارك صاحب الروح اللطيفة والحساسة‪ ،‬تنفس الصعداء‬
‫وأجابهم بعيون دامعة‪:‬‬
‫«لم أستطع أن أغير من األخلق السيئة التي تميز بها صديق‬
‫السفر الذي قدمت معه‪ ،‬مع أنني قضيت معه طوال تلك الفترة في‬
‫الطريق‪ .‬ولم أستطع أن أجمل صفات ذلك الرجل المسكين‪ .‬فإني‬
‫أفكر!! هل قصرت بشيء‪ ،‬لذا لم أستطع أن أكون مفيدا له؟‪ .‬فإذا لم‬
‫ِ‬
‫يهتد ويستقم بسبب خطأ ارتكبته أو تقصير مني‪ ،‬فكيف يكون حالي‬
‫في يوم الحساب؟»‪.‬‬
‫واستمر على البكاء الشديد بمشاعر قوية نابعة من قلبه‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قال‪:‬‬

‫"مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما األخرى"‬

‫(السيوطي‪ ،‬جامع األحاديث‪)21028 ،‬‬

‫‪327‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فقد أمر الله ‪ Y‬عباده المؤمنين بأن يكونوا كاليدين اللتين‬
‫تغسل كل واحدة األخرى‪ .‬والمقصود من ذلك هو أن يتجاوز‬
‫المؤمن عن أخطاء أخيه المسلم‪ ،‬وأن يعفو عنه ويصفح‪ ،‬وأن‬
‫يقاسمه أفراحه وأحزانه‪ ،‬وأن يكون شريك ًا له في همومه‪ ،‬وأن يكون‬
‫له من الناصحين‪ .‬وبذلك يكون كاليد التي تغسل اليد األخرى‬
‫وتنظفها من األوساخ‪ .‬فيرغب دائم ًا في أن يكون أخوه أنظف منه‪،‬‬
‫وأفضل وأعلى شأن ًا‪.‬‬
‫باإلضافة إلى أن يتصرفوا بحسن الظن عندما يواجهون خطأ‬
‫بدر عن إخوانهم المسلمين‪ ،‬بد ً‬
‫ال من أن يفكروا بشكل سلبي‪،‬‬
‫ويتخذوا القرارات الخاطئة المبنية على التسرع‪ .‬ألن التأني في‬
‫مثل هذه المواضيع ومحاولة البحث عن عذر لألخ المسلم يفسر‬
‫التصرف الذي بدر عنه‪ ،‬إنما هو من آداب األخوة في اإلسلم ومن‬
‫واجباتها‪ .‬فعلى المؤمن أن يفكر دائم ًا بشكل إيجابي تجاه إخوته‬
‫المسلمين‪ ،‬وأن ال يستحقرهم أبد ًا‪ .‬بل يجب عليه أن يعتقد ويؤمن‬
‫بأن إخوته المسلمين هم أقرب لله ‪ Y‬منه‪.‬‬
‫العنصر األساسي لالتحاد والتضامن هي‪ :‬األخوة اإلسالمية‬

‫‪328‬‬

‫لقد احتضن سيدنا محمد ‪ r‬جميع المسلمين برحمة مستمدة‬
‫من الرحمة اإللهية والعطف والحنان‪ ،‬كفصل الربيع‪ .‬وقد أصلح‬
‫بين القبائل العربية المختصمة والمعادية لبعضها البعض عداوة الدم‬
‫والثأر‪ ،‬ودمجهم بالمحبة في مناخ األخوة الذي ال مثيل له‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫وورد في اآلية الكريمة في هذا الخصوص قول الله ‪:U‬‬

‫[و ْاعت ِ‬
‫ميعا َو َال َت َف َّر ُقو ْا َوا ْذ ُك ُرو ْا ْنع َم َة ال َّل ِه‬
‫َص ُمو ْا َ‬
‫َ‬
‫بح ْبل ال َّله َج ً‬
‫َع َل ْي ُك ْم إ ْذ ُكنت ُْم َأ ْع َداء َف َأ َّل َف َب ْي َن ُق ُل ُ‬
‫بنع َمته ْ‬
‫إخ َوا ًنا‬
‫وبك ْم َف َأ ْص َب ْحتُم ْ‬
‫َو ُكنت ُْم َع َل َى َش َفا ُح ْف َر ٍة ِّم َن ال َّنا ِر َف َأن َق َذ ُكم ِّم ْن َها َك َذلِ َك ُي َب ِّي ُن ال َّل ُه َل ُك ْم‬
‫آ َياتِ ِه َل َع َّل ُك ْم َت ْه َتدُ ونَ ] (آل عمران‪)103 ،‬‬

‫وقد عبر سيدنا جلل الدين الرومي عن األخوة بأسلوب جميل‬

‫ومليء بالحكم والعبر‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«قال سيدنا محمد ‪ r‬فيما معناه‪":‬إن المسلمين كالروح‬

‫الواحدة"‪ .‬فبذلك وبفضل الرسول األعظم عليه الصلة والسلم‬
‫أصبح المسلمون روح ًا واحدة‪ ،‬وإال لكان كل مسلم عدو ًا لدود ًا‬

‫للمسلمين اآلخرين‪ .‬وكان في المدينة المنورة قبيلتان تدعيان‬
‫(األوس) و(الخزرج)‪ .‬وكانت عداوة هاتين القبيلتين شديدة‬

‫وعظيمة لدرجة أنهم كانوا يريدون أن يشربوا من دم بعضهم‪.‬‬

‫فبفضل سيدنا محمد ‪ ،r‬وبنور اإلسلم وبركته تلشت واختفت‬
‫عداوتهم القديمة‪ .‬فكان هؤالء الناس المتخاصمين سابق ًا كحبات‬
‫العنب المتدلية في العناقيد‪ .‬ولكن عندما نزلت اآلية الكريمة‪[ :‬إنما‬

‫المؤمنون إخوة]‪ ،‬فبفضل تلك اآلية أصبحوا كعصير العنب الذي‬
‫تشكل من عصر تلك الحبات‪ ،‬الواحدة تلواألخرى‪ .‬فاجتمعوا‬

‫بالمعنى الصحيح برابطة األخوة‪ ،‬وصاروا إخوة في الدين»‪.‬‬

‫‪329‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكانت بداية العرب في عهد الجاهلية عبارة عن بحيرة من‬

‫الدم نتيجة الجهل والظلم والبغي وانتهاك حقوق اآلخرين والسطو‪،‬‬
‫وحوادث الثأر واإلنتقام‪ .‬فجاء اإلسلم وانتشر في تلك الصحاري‬

‫الجرداء فتحولت بنوره وبركته إلى جنات جميلة‪ ،‬تجسد الحب‬
‫واإلحترام المتبادل بين الناس في كافة طبقات المجتمع‪ .‬واألخوة‬
‫اإلسلمية التي انتقلت إلينا من ذلك العصر كميراث مقدس‪ ،‬ما هي‬
‫إال بركة ذلك عصر السعادة ذاك‪ ،‬الذي عاش فيه النبي الكريم محمد‬

‫‪ r‬مع أصحابه الكرام ‪.t‬‬

‫فبفضل تلك األخوة اإلسلمية عاش المسلمون على مر‬

‫العصور واألزمان بسكينة وطمأنينة اإلسلم‪ ،‬والشعور بالتوحد‬
‫والتضامن والتماسك‪ ،‬على الرغم من العصبيات القبلية والقوميات‬
‫والمذاهب واألنساب المختلفة‪ ،‬وعلى الرغم من األفكار واآلراء‬

‫والسياسات المتضادة‪ .‬وإنه من المؤلم والمحزن أن يفقد المسلمون‬
‫هذه الطمأنينة والرخاء‪ ،‬فإن ذلك يؤثر سلبي ًا على األفراد والجماعات‬
‫ككل‪ .‬فالحل الوحيد لمشاكل التنازع السياسي على الحكم والرئاسة‬

‫والمناصب العليا‪ ،‬والحل لألنانية والجشع النفسي الذي يقضي على‬

‫اإلتحاد والتضامن إنما هو األخوة اإلسلمية‪ .‬حيث تزول بوجود‬
‫هذا المفهوم العادات السيئة كاألنانية والكره والبغض لآلخرين‪.‬‬

‫واألخوة الحقيقية في سبيل الله ‪ Y‬هي كاألجساد المختلفة‬

‫‪330‬‬

‫التي تعيش بقلب واحد‪ .‬فإن رحمة الله ‪ U‬وبركاته تتنزل على‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫الجماعة التي تجمعت فيه‪ .‬وإن القوة والتوفيق هما نتيجتان عن‬
‫اإلتحاد والتماسك والتضامن‪.‬‬
‫وهذه القصة الشهيرة تعبر عن األخوة التي يجب على المسلمين‬
‫أن يتقيدوا بها‪:‬‬

‫كان أحد األشخاص الذي اّ‬
‫زكى نفسه من شهوات الدنيا وكان‬
‫من أصحاب الحكمة وهو على فراش الموت‪ ،‬فطلب من أوالده‬
‫أن يحضروا عيدانا من أغصان الشجر‪ .‬فأخذ العيدان التي أحضرها‬
‫أوالده وجمعها في باقة واحدة وحزمها ثم أعطاها ألوالده وقال لهم‪:‬‬

‫«هيا اكسروا هذه الباقة من العيدان»‪ .‬وعندما لم يستطيعوا‬
‫كسرها قال لهم‪:‬‬
‫«أما اآلن فكل منكم يأخذ عود ًا‪ ،‬لنرى هل سيستطيع كل منكم‬
‫كسر عوده؟»‪.‬‬
‫فأخذ كل منهم عود ًا وكسره‪ .‬فقال لهم ذلك الرجل المبارك‪:‬‬

‫«يا أوالدي‪ ..‬أنتم بعد موتي كهذه العيدان‪ .‬فإذا كنتم مجتمعين‬
‫ومتحدين فلن يستطيع أحد أن ينال منكم ويتغلب عليكم‪ .‬أما إذا‬
‫تفرقتم وذهب كل منكم إلى حال سبيله فسوف تنكسر شوكتكم‬
‫وستهزمون مباشرة»‪ .‬وطلب من أوالده أن يبقوا طوال حياتهم‬
‫كالجسد الواحد‪.‬‬
‫وقد مدح الله ‪ U‬المؤمنين الذين اجتمعوا على المحبة‪،‬‬
‫ووقفوا بجانب بعضهم البعض‪ ،‬وتغلبوا على مشاكلهم وتخلصوا‬

‫‪331‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫منها سوية‪ .‬حيث ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين ُي َقاتِ ُلونَ ِفي َسبِ ِيل ِه َص ًّفا َك َأ َّن ُهم ُب ْن َيانٌ‬
‫[إِنَّ ال َّل َه ُي ِح ُّب ا َّل ِذ َ‬
‫وص] (الصف‪)4 ،‬‬
‫َّم ْر ُص ٌ‬

‫وأمر رسول الله ‪ r‬المؤمنين بأن عليهم أن يكونوا كالجسد‬

‫الواحد والقلب الواحد‪ .‬فكما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"‪ .‬وشبك أصابعه‬

‫(البخاري‪ ،‬الصالة‪88 ،‬؛ مسلم‪ ،‬البر‪)65 ،‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي أحد أولياء الحق ‪:U‬‬

‫«إن أصحاب الكرم وإن كانوا ألف شخص‪ ،‬فإنهم ليسوا بأكثر‬

‫من شخص واحد»‪.‬‬

‫هَ م المسلم َله ِم أخيه المسلم‬

‫وبسبب اتحاد القلوب هذا‪ ،‬يرتبط المؤمنون الحقيقيون ببعضهم‬
‫البعض ارتباط ًا وثيق ًا وجدي ًا‪ .‬فيفرحون لفرح إخوانهم المسلمين‪،‬‬
‫ويحزنون لحزنهم‪ .‬وقد عبر سيدنا محمد ‪ r‬عن ذلك بالتشبيه التالي‬

‫كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫اح ِم ِه ْم َو َت َوا ِّد ِه ْم َو َت َع ُ‬
‫اط ِف ِه ْم َك َم َثلِ ا ْل َج َس ِد‬
‫" َت َرى ا ْل ُمؤْ ِمنِ َ‬
‫ين ِفي َت َر ُ‬
‫إِ َذا ْ‬
‫ح َّمى" (البخاري‪،‬‬
‫الس َه ِر َوا ْل ُ‬
‫اشت ََكى ُع ْض ًوا َت َد َاعى َل ُه َسائِ ُر َج َس ِد ِه بِ َّ‬
‫‪332‬‬

‫األدب‪27 ،‬؛ مسلم‪ ،‬البر‪)66 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫َف ُحزن المسلم على ُح ِ‬
‫زن أخيه المسلم‪ ،‬ومحاولته البحث عن‬

‫حلول إلسعاده وإدخال الفرحة والسرور في قلبه‪ ،‬إنما هي عبادة‬
‫اجتماعية توصل الشخص إلى نيل رضاء الله ‪ .Y‬أما االبتعاد عن‬

‫ذلك فهو أنانية وحب للنفس‪ .‬فمن هذا المنظور فإن كل مؤمن مجبر‬
‫على أن يحس في صدره بهموم أخيه المسلم وبأحزانه‪.‬‬

‫وقال سيدنا أبوالحسن خرقاني في هذا الخصوص‪:‬‬

‫«إن الشوك الذي يدخل في إصبع أخ مسلم لي في المنطقة‬

‫الممتدة من تركستان حتى بلد الشام‪ ،‬كأنما دخلت في إصبعي‪.‬‬

‫والحجر الذي أصاب قدمه كأنه أصاب قدمي وأحس بوجعه‪ .‬وإن‬
‫وجد حزن ما في قلب‪ ،‬فإن ذلك القلب هو قلبي»‪.‬‬

‫وذلك هو أفق القلب الذي يجب على المسلمين أن يصلوا إليه‬

‫ضمن مشاعر األخوة الحقيقية في اإلسلم‪.‬‬

‫وقد اّاكد لنا سيدنا محمد ‪ r‬ألن تفكير الشخص بنفسه فقط‬

‫دون أن يفكر بأخيه المسلم‪ ،‬ال يتناسب مع أخلق اإلسلم‪ ،‬كما‬

‫ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعان وجاره جائع إلى جنبه"‬

‫(الحاكم‪)15 ،2 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"ومن لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم"‬

‫(الحاكم‪352 ،4 ،‬؛ الهيثمي‪)87 ،1 ،‬‬

‫‪333‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لذا فإن عدم اهتمام المؤمن بهموم أخيه المسلم وبأحزانه إنما‬

‫السقطي يقول حمدت الله مرة‬
‫السر ُّي‬
‫هو ذنب كبير ومعصية‪.‬فعن ِّ‬
‫ُّ‬
‫فانا استغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلثين سنة قيل وكيف ذاك‬

‫قال كان لي دكان وكان فيه متاع فوقع الحريق في سوقنا فقيل لي‬
‫فخرجت أتعرف خبر دكاني فلقيت رجل فقال أبشر فان دكانك‬

‫قد سلم فقلت الحمد لله ثم إني فكرت فرأيتها خطيئة‬

‫(خطيب البغدادي‪،‬‬

‫التاريخ‪188 ،9 ،‬؛ الذهبي‪ ،‬س َير‪)186–180 ،12 ،‬‬

‫فيا له من أفق معنوي حساس مبني على األخوة‪ .‬فبقي ثلثين‬
‫عاما يستغفر الله ‪ U‬على أنه فكر بنفسه فقط دون أن يفكر بإخوانه‬
‫المسلمين‪ ،‬وبقي بعيدا عن همهم ومأساتهم‪ ،‬مع أن ذلك لم يستمر‬
‫إال لحظة واحدة‪.‬‬

‫وقد َق اّصت سيدتنا فاطمة زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز‬
‫الذي يعتبر خامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬قصة عنه تدل على أن روحه‬
‫قد عجنت بمشاعر األخوة اإلسلمية‪ ،‬التي انعكست على أحواله‬
‫وتصرفاته‪ .‬حيث قالت‪:‬‬

‫‪334‬‬

‫(دخلت يوم ًا عليه وهو جالس في مصله واضعا خده على يده‬
‫ودموعه تسيل على خديه‪ ،‬فقلت‪ :‬مالك؟ فقال‪ :‬ويحك يا فاطمة‪،‬‬
‫قد وليت من أمر هذه االمة ما وليت‪ ،‬فتفكرت في الفقير الجائع‪،‬‬
‫والمريض الضائع‪ ،‬والعاري المجهود‪ ،‬واليتيم المكسور‪ ،‬واالرملة‬
‫الوحيدة والمظلوم المقهور‪ ،‬والغريب واالسير‪ ،‬والشيخ الكبير‪ ،‬وذي‬
‫العيال الكثير‪ ،‬والمال القليل‪ ،‬وأشباههم في أقطار االرض وأطراف‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫البلد‪ ،‬فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة‪ ،‬وأن‬

‫خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فخشيت أن ال يثبت‬

‫لي حجة عند خصومته‪ ،‬فرحمت نفسي فبكيت‪.).‬‬

‫(ابن كثير‪)201/9 ،‬‬

‫ويعبر هذا المثال عن شعور األخوة الذي يجب على أصحاب‬

‫المواقع اإلدارية والسياسية في بلد المسلمين‪ ،‬أن يتحلوا به‪ .‬وعلى‬

‫المسلمين كأفراد أن يتميزوا باالتحاد قلبيا مع إخوانهم المسلمين‪.‬‬

‫كما أن الصحابة الكرام ‪ y‬كانوا يتحلون بأحسن الصفات‬

‫وأرفعها في هذا المجال‪ .‬وهذا مثال يعبر عن هذا الموضوع‪:‬‬

‫ففي بداية سنوات اإلسلم هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة‪،‬‬

‫واستقبلوا استقباال جيدا في تلك البلد‪ .‬وبعد فترة من الزمن عادوا‬

‫إلى مكة المكرمة بناء على أخبار كاذبة بأن مشركي مكة قد دخلوا‬

‫في اإلسلم‪ .‬وعندما سمع المشركون بأن المسلمين قد استقبلوا‬

‫استقباال جيدا في الحبشة‪ ،‬غضبوا كثيرا وخافوا من هذا الوضع‪.‬‬

‫فقرروا أن يزيدوا في شدة أساليب التعذيب الذي سيعذبون به هؤالء‬

‫المهاجرين‪.‬‬

‫وكان عثمان بن مظعون يعيش في حماية قريبه الوليد بن‬

‫المغيرة براحة واطمئنان‪ .‬ولكنه لما رأى عثمان ما يلقى رسول‬

‫الله ‪ r‬وأصحابه من األذى‪ ،‬وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن‬
‫المغيرة قال عثمان‪ :‬والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من‬
‫أهل الشرك‪ ،‬وأصحابي وأهل بيتي يلقون من البلء واألذى في الله‬

‫‪335‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عز وجل ما ال يصيبني لنقص كثير في نفسي‪ ،‬فمشى إلى الوليد بن‬
‫المغيرة وهو في المسجد‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا عبد شمس وفت ذمتك‪ ،‬قد‬
‫كنت في جوارك‪ ،‬وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ولي به وبأصحابه أسوة‪ ،‬قال الوليد‪ :‬فلعلك يا لبن أخي‬
‫أوذيت‪ ،‬أو انتهكت؟ فقال‪ :‬ال ولكني أرضي بجوار الله تعالى وال‬
‫أريد أن أستجير بغيره» (ابن إسحاق‪ ،‬السيرة‪ ،‬كونيا‪ ،1981 ،‬ص‪158 :‬؛ الهيثمي‪)34 ،6 ،‬‬
‫وهكذا فقد فضل سيدنا عثمان بن ماز ‪ t‬أن يكون شريك ًا‬

‫للمؤمنين في همومهم ومصائبهم‪ ،‬على أن يكون في أمان تحت‬
‫حماية ابن عمه‪ .‬ولم َ‬
‫يرض لنفسه العيش الهانئ بينما يعاني أصحابه‬

‫أشد أنواع الظلم والتعذيب‪ .‬ولم يكن باستطاعته أن يفعل شيئا‪،‬‬

‫فاشترك مع المسلمين في همومهم ومصائبهم بهذا الشكل فقط‪.‬‬
‫فعلينا نحن في يومنا هذا أن نتفكر ونتأمل بشكل عميق بردود أفعالنا‬
‫تجاه الظلم والتعذيب الذي يواجهه المسلمون على امتداد الجغرافية‬

‫اإلسلمية‪ .‬غير مهملين مشاعر األخوة اإلسلمية التي تحلى بها‬
‫الصحابة الكرام ‪ y‬وأولياء الحق ‪ U‬تجاه إخوانهم في اإلسلم‪.‬‬

‫ٌ‬
‫معتكف‬
‫الصحابي الجليل الذي خرج من المسجد وهو‬

‫‪336‬‬

‫إن المؤمن يبحث في كل زمان ومكان عن وسيلة إلرضاء الله‬
‫‪ .U‬وإن اإلهتمام بهموم اإلخوة في الدين هو أفضل الوسائل التي‬
‫توصل العبد لنيل رضاء ربه ‪ .U‬وكما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫"‪...‬الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"‬

‫(مسلم‪ ،‬الذكر‪)38 ،‬‬

‫وورد في حديث شريف آخر‪:‬‬

‫"المسلم أخوالمسلم‪ ،‬ال يظلمه وال يسلمه‪ .‬ومن كان في حاجة‬

‫أخيه كان الله في حاجته‪ .‬ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من‬
‫ُكرب يوم القيامة‪ .‬ومن ستر مسلم ًا ستره الله يوم القيامة"(البخاري‪ ،‬المظالم‪3 ،‬؛‬

‫صحيح مسلم‪ ،‬البر‪.)58 ،‬‬

‫لذا فعلى كل مسلم أن يحس بهموم أخيه المسلم بقلبه‪ ،‬وأن‬
‫يسعى بكل ما يملك إلى إيجاد حلول لمشاكله وكربه‪ .‬ويجب أن ال‬
‫مما‬
‫ننسى أن أكثر شيء يرضي الله ‪ Y‬هو أن يفكر العبد بغيره أكثر اّ‬
‫يفكر بنفسه‪ ،‬وأن يفضل راحتهم على راحته وهنائه‪.‬‬

‫وهذه قصة مليئة بالحكم والمعاني العميقة‪ ،‬وتعبر عن تخلق‬
‫الصحابة الكرام ‪ y‬باألخلق الحميدة والرفيعة التي تليق باألخوة‬
‫في اإلسلم‪ ،‬وتميزهم بأعلى وأرقى الصفات الحسنة كاإليثار‪،‬‬
‫وحصولهم على التربية النبوية الشريفة التي أوصلتهم إلى مرتبة‬
‫قول‪" :‬أمتي‪ ..‬أمتي" ‪ ،‬بد ً‬
‫ال عن قول‪" :‬نفسي‪ ..‬نفسي"‪.‬‬
‫ول ِ‬
‫ان ُم ْعت َِك ًفا ِفي َم ْس ِج ِد َر ُس ِ‬
‫اس‪َ ،‬أ َّن ُه َك َ‬
‫فع ِن ا ْب ِن َع َّب ٍ‬
‫الله ‪،r‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اس‪َ :‬يا ُف َل ُن َأ َر َ‬
‫س َف َق َ‬
‫ال َل ُه ا ْب ُن َع َّب ٍ‬
‫اك‬
‫َفأ َتا ُه َر ُج ٌل َف َس َّل َم َع َل ْي ِه‪ُ ،‬ث َّم َج َل َ‬

‫ول ِ‬
‫َكئِي ًبا َح ِزينًا‪َ ،‬ق َ‬
‫ال‪َ :‬ن َع ْم َيا ا ْب َن َع ِّم َر ُس ِ‬
‫الله ‪ r‬لِ ُف َل ٍن َع َل َّي َح ٌّق‪َ ،‬ال‬
‫َو ُح ْر َم ِة َص ِ‬
‫ب َه َذا ا ْل َق ْب ِر َما َأ ْق ِد ُر َع َل ْي ِه‪َ ،‬ق َ‬
‫اح ِ‬
‫ال ا ْب ُن َع َّب ٍ‬
‫اس‪َ :‬أ َف َل ُأ َك ِّل ُم ُه‬

‫ال‪ :‬إِ ْن َأ ْح َب ْب َت‪َ ،‬ق َ‬
‫يك‪َ ،‬ق َ‬
‫ِف َ‬
‫ال‪َ :‬فا ْنت َ‬
‫َقل ا ْب ُن َع َّب ٍ‬
‫اس ُث َّم َخ َر َج ِم َن ا ْل َم ْس ِج ِد‪،‬‬

‫‪337‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ال‪َ :‬ال َو َل ِكنِّي َس ِم ْع ُت َص ِ‬
‫يت َما ُك ْن َت ِف ِ‬
‫يه َق َ‬
‫َف َق َ‬
‫اح َب‬
‫الر ُج ُل‪َ :‬أ َن ِس ُ‬
‫ال َل ُه َّ‬
‫يب َفدَ َم َع ْت َع ْينَا ُه‪َ ،‬و ُه َو َي ُق ُ‬
‫ول‪َ " :‬م ْن َم َشى‬
‫َه َذا ا ْل َق ْب ِر َ‪َ r‬وا ْل َع ْهدُ بِ ِه َق ِر ٌ‬
‫اج ِة َأ ِخ ِ‬
‫يه َو َب َل َغ ِف َيها َكانَ َخ ْي ًرا ِم ِن ْاعتِ َك ِ‬
‫ين‪َ ،‬و َم ِن‬
‫اف َعشْ ِر ِسنِ َ‬
‫ِفي َح َ‬
‫ْاعت ََك َف َي ْو ًما ا ْبتِ َغ َاء َو ْج ِه ِ‬
‫الله َت َع َالى َج َع َل الل ُه َب ْي َن ُه َو َب ْي َن ال َّنا ِر َث َال َث‬
‫َخن ِ‬
‫َاد َق َأ َب ْع َد َما َب ْي َن ا ْل َخ ِاف َق ْي ِ‬
‫ن" (البيهقي‪ ،‬الشعب‪)425–424 ،3 ،‬‬
‫وإن سعي اإلنسان لقضاء حاجة من حوائج أخيه المسلم هو‬
‫عمل اّقيم عند الله ‪ .U‬وقد بشرنا بذلك سيدنا محمد ‪ ،r‬فكما ورد‬
‫في الحديث الشريف‪:‬‬
‫"ان لله خلقا خلقهم لحوائج الناس تفزع الناس إليهم في‬
‫حوائجهم أولئك اآلمنون من عذاب الله" (الهيثمي‪)192 ،8 ،‬‬

‫شهر رمضان المبارك؛ شهر الرحمة اإللهية‬
‫إن أيام الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك هي نعمة ال مثيل لها من‬

‫الله ‪ Y‬للناس إلعاشة وتطبيق األخوة اإلسلمية على أحسن األحوال‪.‬‬

‫لذا يجب علينا أن نؤدي واجبات األخوة باهتمام أكبر في هذا‬

‫الشهر العظيم‪ ،‬الذي تعم فيه الرحمة اإللهية على كل شيء‪.‬‬

‫وكان أكرم بني البشر سيدنا محمد ‪ ،r‬يصبح في شهر رمضان‬

‫المبارك أكرم من رياح الرحمة التي تهب بلذة وحنان دون أن يوقفها‬

‫‪338‬‬

‫أي عائق‪ ،‬وكان يزيد من جميع عباداته وإحسانه‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫عن أنس قال سئل النبي‪ r‬أي الصوم أفضل بعد رمضان؟‬

‫فقال‪ :‬شعبان لتعظيم رمضان قيل فأي الصدقة أفضل؟ قال صدقة‬

‫في رمضان (الترمذي‪ ،‬الزكاة‪)663/28 ،‬‬

‫ألن شهر رمضان هو شهر الخير واللطف اإللهي تكافأ فيه‬
‫والخيرة بأضعاف مضاعفة من األجر‬
‫جميع األعمال الحسنة‬
‫اّ‬
‫والثواب‪ .‬فمن قضى ذلك الشهر بالشكل المطلوب‪ ،‬فقد استحق‬
‫النعم والثواب بل حدود‪ ،‬حيث أنه توجد ليلة خير من ألف شهر‬
‫في هذا الشهر العظيم‪ ،‬إال وهي ليلة القدر‪ .‬أما من أهمل هذا الشهر‬
‫المبارك فيبتلى ببلء الحرمان من رحمة الله ‪ Y‬وكرمه‪.‬‬
‫عن كعب بن عجرة قال‪ :‬قال رسول الله ‪ :r‬احضروا المنبر‬
‫فحضرنا فلما ارتقى درجة قال‪ :‬آمين فلما ارتقى الدرجة الثانية قال‪:‬‬
‫آمين فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال‪ :‬آمين‬

‫فلما نزل قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا‬
‫نسمعه قال‪" :‬إن جبريل عليه الصلة والسلم عرض لي فقال‪ :‬بعدا‬
‫لمن أدرك رمضان فلم يغفر له قلت آمين فلما رقيت الثانية قال بعدا‬
‫لمن ذكرت عنده فلم يصلي عليك قلت آمين فلما رقيت الثالثة قال‬
‫بعدا لمن أدرك أبواه الكبر عنده فلم يدخله الجنة قلت آمين" (الحاكم‪،‬‬
‫‪7256/170 ،4‬؛ الترمذي‪ ،‬الدعوات‪)3545/100 ،‬‬

‫فبما أن المطر الذي يهطل على البحار واألشجار واألحجار‬
‫في شهر نيسان هو مطر بدون أي فائدة للتراب وللخضرة‪ ،‬لذا فعلينا‬

‫‪339‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أن نستفيد من مطر الغفران الذي ال يهطل إال في شهر رمضان‪ .‬لكي‬
‫نصل إلى لبه وجوهره‪ .‬وعلينا أن نستوعب حقيقة أن هذا الشهر‬
‫المبارك هو فرصة لنا لدفع كفارة أخطائنا وتعويض ما خسرناه‬
‫وفقدناه خلل سنة كاملة‪ .‬وعلينا أن نحاول بشكل جدي أن نستفيد‬
‫من فضائل هذا الموسم‪ ،‬موسم المغفرة والرحمة‪.‬‬

‫وقد ترك لنا أجدادنا العثمانيون ذكريات ال مثيل لها في هذا‬
‫الخصوص‪ .‬فكانوا يفتحون بيوتهم وقلوبهم وخاصة في شهر‬
‫رمضان المبارك للمساكين واأليتام وأوالد السبيل واألرامل والفقراء‬
‫والمحتاجين في أحيائهم‪ ،‬ويقدمون لهم أشهى المأكوالت لكي‬
‫يفطروا‪ .‬وبعد اإلفطار كانوا يقدمون لهم هدية تحت اسم (أجرة‬
‫السن)‪ ،1‬بطريقة لطيفة ولبقة ال مثيل لها‪ .‬وبذلك كانوا يزيدون على‬
‫اإلكرام إكراما ‪.‬‬

‫وكانوا يقدمون العصير المصنوع من أرقى وأفخم أنواع العسل‬

‫على المصلين بعد صلة التراويح في ساحات المساجد‪ .‬وكانوا‬

‫شركاء للمهمومين في همومهم‪ ،‬ومصدر الترويح عن النفس لمن‬
‫‪ 1‬أجرة السن‪ :‬هي عادة حسنة من عادات العثمانيين الذين كانوا يطبقونها في‬
‫فترة اإلفطار في شهر رمضان المبارك‪ .‬فكان صاحب البيت الذي قام بدعوة‬
‫الناس لتناول طعام اإلفطار‪ ،‬بعد أن اّ‬
‫يفطر الصائمين يعطيهم نقودا أوهدية عند‬

‫ذهابهم‪ .‬ألنهم كانوا وسيلة له في كسب األجر والثواب‪ .‬فسميت هذه العادة‬
‫اللطيفة بـ (أجرة السن)‪ .‬والمغزى منها هو إدخال الفرحة والسرور على قلوب‬

‫‪340‬‬

‫الفقراء والمحتاجين دون إحراجهم أواستصغارهم أوإذاللهم‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احياء األخـــوة‬

‫‪o‬‬

‫كان حزين ًا‪ ،‬وذلك بالصدقات وبزكاة الفطر التي كانوا يعطونها‪.‬‬
‫وكانوا يعتبرون أن األعياد والمناسبات الدينية هي فرصة لهم لكي‬
‫يصلحوا بين المتخاصمين‪ .‬وبذلك نجحوا في وصل طبقات‬
‫المجتمع كلها ببعضها البعض بمشاعر الحب واإلحترام المتبادل‬

‫والمبني على مصطلح األخوة في اإلسلم‪.‬‬

‫فطوبى لمن أحيا شهر رمضان بأفضل العبادات والعادات‬

‫والتقاليد اإلسلمية‪ ،‬وحصل على وثيقة العفواإللهي من الذنوب‬

‫والخطايا والسيئات‪ .‬لكي يصل مع انتهاء هذا الشهر المبارك إلى العيد‬

‫الحقيقي‪ .‬وطوبى لمن اعتبر كل ليلة من لياليه ليلة القدر‪ ،‬وسعى في‬
‫تقييم جميع فرص الكسب األبدي لكي يقابل ربه ‪ U‬بوجه كريم‪.‬‬

‫اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الذين يعيشون األخوة‬

‫اإلسالمية بالمشاعر اإليمانية الصادقة‪.‬‬

‫الخيرة التي توصلنا إلى‬
‫واجعلنا اللهم نحيي حياتنا باألعمال ّ‬

‫نيل رضاك ما حيينا‪.‬‬

‫وأوصلنا اللهم إلى العيد األبدي بلطفك وكرمك ورحمتك يا‬

‫أرحم الراحمين‪...‬آمـين‬

‫‪341‬‬

‫‪n‬‬

‫الحب والبغض في الله ‪U‬‬

‫إن من يبقى بعيد ًا عن داللة اإليمان‪ ،‬وال يدري في أي اتجاه يوجه‬
‫حبه‪ ،‬إنما هو كالسفينة التي كسر مقودها في وسط المحيط‪.‬‬
‫والحب الذي ال يجد من يستحقه هو إسراف حزين للحياة الفانية‪.‬‬
‫والحب الذي حكم عليه أن يكون تحت رحمة المنفعة واإلبتذال‬
‫هو كالوردة التي تفتحت على الرصيف في جانب الطريق‪ ،‬وقدَ رها‬
‫أن ُتسحق وتداس تحت أرجل المارة عاجال أم آجال‪ .‬وكم هو‬
‫تعيس قدر اللؤلؤة التي رميت في الطريق‪ ،‬وكم هو ضياع حزين‬
‫للمال في أن يكون بحوزة أحد بال حق أو ال يستح ّقها‪.‬‬

‫الحب والبغض في الله ‪U‬‬
‫الحب يتولد عن رؤية المحب ميزاته وخصائصه فيمن يحب‪.‬‬
‫ويحب الله ‪ U‬عبده بقدر تميزه بالصفات اإللهية‪ .‬أي أن المؤمن‬
‫يستحق محبة خالقه ‪ Y‬بقدر ما يتخلق باألخلق الحسنة التي أمر‬
‫المؤمنين أن يتخلقوا بها‪.‬‬

‫وكل شيء في هذا الكون قائم مع ضده في توازن متناهي الدقة‪.‬‬
‫فبما أن الكره هو مضاد الحب‪ ،‬فكره من ال يحبهم الله ‪ U‬هو تعبير‬
‫طبيعي وصريح عن حبه ‪.Y‬‬

‫وقد سلط الله ‪ U‬كرهه وسخطه على أبي لهب ألنه آذى‬
‫حبيبه ونبيه سيدنا محمد ًا ‪ .r‬فلعنه وأعلن للبشرية بأجمعها كرهه‬
‫له الشديد بسورة في القرآن الكريم‪ .‬لذا فيمكننا أن نقول بأن حب‬
‫شيء دون كره ما عاداه هو حب ناقص وقاصر وأبعد ما يكون عن‬
‫اإلخلص والصدق والجدية في المشاعر واألحاسيس‪.‬‬
‫وخالق الحب ومنبعه وبدايته ونهايته هو الله ‪ .U‬وعلى المؤمن‬
‫أن يعتبر ويعتقد بأن الحب الفاني لألشياء واألشخاص هو وسيلة‬
‫للوصول إلى الحب اإللهي‪ .‬ألن الحب الحقيقي يبدأ بعد تجاوز‬
‫حدود الحب الفاني الضيقة والمحدودة‪ .‬وتبقى لذة الحب الفاني‬
‫واآلنية والقصيرة ضامرة أمام لذة الحب اإللهي كضمور ضوء‬
‫الشمعة أمام نور الشمس الساطعة‪.‬‬

‫‪345‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي في هذا الخصوص‪:‬‬

‫«لقد خص الله ‪ U‬قطرة من الحب اإللهي بخصوصية كبيرة‬
‫لدرجة أنه من أخذ نصيب ًا منها فإنه قد تخلص من الخوف في الحياة‬
‫الدنيا وفي اآلخرة مع ًا»‪.‬‬
‫وإن أولياء الحق ‪ U‬هم أمثلة ونماذج معبرة عن ذروة الحب‬

‫اإللهي‪ .‬والمؤمنون الحقيقيون الذين ذاقوا لذة محبة الله ‪ Y‬التي أحسوا‬
‫بها تجاهه كما يليق بها‪ ،‬فإنهم يحبون رسوله ‪ r‬أيض ًا‪ ،‬ويحبون من يحبهم‬
‫عليه الصلة والسلم‪ .‬وينتهي ويتلشى أي حب آخر في قلوبهم‪.‬‬

‫وإن حب أي شيء في سبيل الله ‪ U‬يدل على استيعاب وإدراك‬
‫حقيقة الحب بشكل صحيح‪ .‬فمثل أن يحس اإلنسان بمشاعر الحب‬
‫تجاه األب واألم والعائلة واألوالد والجار والصديق والروح والمال‬
‫والوطن والع َلم واألهل واألذان والصلة والعبادات والحيوانات‬
‫والنباتات وكل شيء‪ ،‬فلو أنها ظاهري ًا تبدوعلى أنها بعيدة عن محبة‬
‫الله ‪ ،U‬ولكنها في الحقيقة هي الوسائل التي توصل اإلنسان إلى‬
‫تلك المحبة العظيمة‪ ،‬وتهب القلب النشوة والطمأنينة والسكينة‪.‬‬

‫حب الحياة الدنيا الذي يختطف القلوب‬

‫إن انجراف اإلنسان وراء األهواء والشهوات الدنيوية‪ ،‬وابتعاده‬

‫عن القيام بواجباته‪ ،‬وتفضيله الحياة الدنيا على السعادة األبدية التي‬
‫‪346‬‬

‫وعدها الله ‪ U‬لعباده الصالحين‪ ،‬إنما هو غفلة وضلل‪ ،‬كما في‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫القصة التي رواها فريد الدين العطار حيث قال‪:‬‬
‫كان لحاكم كلب للصيد عزيز على صاحبه ومحبوب من‬
‫قبله‪ .‬وفي إحدى رحلت الصيد رأى الكلب قطعة عظم فانشغل‬
‫بها ونسي صاحبه الحاكم‪ .‬وإن حال العبد الذي ُي َف اّض ُل الشهوات‬
‫واألهواء الدنيوية على السعادة األبدية هو كحال ذلك الكلب‬
‫وحماقته‪ .‬ففي دار اإلمتحان الدنيوي يتعرض اإلنسان إلى كثير من‬
‫العظام كما ورد في هذا المثال‪ ،‬وإلى كثير من الملذات الموجودة‬
‫في نهاية صنارة الصيد‪.‬‬
‫وقال سيدنا جلل الدين الرومي‪:‬‬

‫«كم من سمكة تنساب في الماء واثقة من نفسها وال تهاب‬

‫شيئا‪ .‬ولكن بسبب جشع بلعومها فإنها تعلق بصنارة الصيد»‪.‬‬

‫وال فرق بين هذه السمكة وبين العبد الذي أصبح أسير ًا‬

‫لشهوات نفسه ونسي ربه ‪ .Y‬وإن انجراف اإلنسان وراء أهوائه‬

‫الشخصية وملذاته الدنيوية وفقدانه موقعه الرفيع عند الله ‪ ،U‬إنما‬

‫هو حماقة كحماقة أن يبيع الشخص مزهرية مرصعة باأللماس‬
‫واللؤلؤ والمجوهرات النادرة مقابل قطعة من التنك الرخيص‪ .‬وقد‬

‫شرح سيدنا جلل الدين الرومي هذا الموضوع بتشبيه بليغ حيث‬
‫قال‪« :‬ال عجب في هرب الخروف من الذئب‪ ،‬ألن الذئب هو عدو‬

‫الخروف وصياده‪ .‬أما األمر الذي يعجب له‪ ،‬هو أن يحب الخروف‬

‫ذلك الذئب ويفقد السيطرة على نفسه تجاهه»‪.‬‬

‫‪347‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والمؤمن الحقيقي هو أشرف المخلوقات في الوجود‪ .‬وعليه‬
‫أن ال يفقد شرفه وكرامته وعزة نفسه ويعيش حياة الذل والوضاعة‬
‫والسفالة‪ ،‬عن طريق استخدام رأس مال محبته بشكل خاطئ‬
‫وأحمق‪ .‬وعليه أن ال يصغر ويتواضع لدرجة أن يظن أن السعادة‬
‫الحقيقية هي إشباع أهوائه وغرائزه النفسية والمادية‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َ‬
‫نت َت ُكونُ َع َل ْي ِه َو ِكي ً‬
‫ال] (الفرقان‪)43 ،‬‬
‫[أ َر َأ ْي َت َم ِن ات ََّخ َذ إِ َل َه ُه هَ َوا ُه َأ َف َأ َ‬
‫وورد في الحديث الشريف أن النبي ‪r‬قال‪:‬‬

‫"ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله‬
‫من هوى متبع" (الهيثمي‪)188 ،1 ،‬‬
‫ويشرح سيدنا ذو النون المصري طريقة استخدام الحب‬
‫والبغض بشكل صحيح كما يلي‪« :‬يجب علينا أن نكون أصحاب ًا لله‬
‫‪ ،U‬وأعداء للنفس‪ ،‬ال أن نكون أصحاب ًا للنفس وأعداء لله»‪.‬‬

‫أي أنه يجب علينا أن نتخلص من أسر النفوس لكي نكون أصحاب ًا‬

‫لله ‪ .U‬وبعبارة أخرى؛ يجب علينا أن ال ندع الشهوات النفسية تتغلب‬
‫علينا لكي نصل إلى مرتبة تمكننا أن نكون أصحاب ًا لله ‪.U‬‬

‫‪348‬‬

‫ولكن من يبقى بعيد ًا عن داللة اإليمان‪ ،‬وال يدري في أي اتجاه‬
‫يوجه حبه‪ ،‬إنما هو كالسفينة التي كسر مقودها في وسط المحيط‪.‬‬
‫فتجره األهواء النفسية والشهوات خلفها كما تشاء‪.‬وتوصل العقل‬
‫والقلب والضمير إلى الضمور والتلشي‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫ألن القلب الذي لم ينشغل بالله ‪ U‬وبذكره‪ ،‬ينشغل بالباطل‪.‬‬
‫وال يبقى في القلب الذي أسر من قبل الحب السفلي الوضيع أي‬
‫نشوة أوطمأنينة‪ ،‬فيكون كالدولة التي وقعت أسيرة بين يدي األعداء‪.‬‬

‫والحب الذي ال يناسب عزة اإلسلم وال يتوافق معها يدفع‬
‫اإلنسان إلى محاربة نفسه بنفسه‪ .‬ويؤدي ذلك إلى تأذي إيمانه‪ ،‬بل‬
‫ويؤدي أيض ًا إلى غوصه في مستنقع اإلنكار واإللحاد والشرك‪ .‬فكما‬
‫أننا نحرص على أن ال ندخل لقمة من الكسب الحرام إلى بطوننا‪،‬‬
‫فعلينا أن نحرص نفس الحرص بالنسبة إلدخال الحب إلى قلوبنا‪.‬‬
‫فعلينا أن ال ندخل حب ًا غير الئق بعزة اإليمان وكرامته إلى قلوبنا‪.‬‬
‫ولكي نحافظ على الحب الصادق تجاه اإليمان فعلينا أن نعود قلوبنا‬
‫على الحب لمن يليق به‪ ،‬والكره لمن يستحق‪.‬‬

‫الحب لمن يليق به‪ ،‬والبغض لمن يستحق‬

‫إن مشاعر الحب والبغض التي نشعر بها‪ ،‬إن لم تكن في سبيل‬

‫الله ‪ ،Y‬فل نحب من يحبه وال نبغض من يبغضه‪ ،‬فإن ذلك يعني‬

‫كارثة معنوية كبيرة‪ .‬فيجب علينا أن نوجه حبنا لمن يليق به‪ ،‬ونسلط‬
‫كرهنا لمن يستحقه‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫الص ِ‬
‫ين] (التوبة‪)119 ،‬‬
‫اد ِق َ‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫ين آ َمنُو ْا ات َُّقو ْا ال َّل َه َو ُكو ُنو ْا َم َع َّ‬

‫ألن الصالحين يقومون دائما بنشر الروحانية والفائدة المعنوية‬

‫والطاقة اإليجابية لمن حولهم من الناس‪ .‬والعكس أيضا صحيح‪،‬‬

‫‪349‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فحب الفاسقين وأعداء الدين يتسبب في حدوث الكوارث المعنوية‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة أيض ًا‪:‬‬
‫ين َي ُخ ُ‬
‫وضونَ ِفي آ َياتِنَا َف َأ ْع ِر ْ‬
‫ض َع ْن ُه ْم َح َّتى‬
‫[وإِ َذا َر َأ ْي َت ا َّل ِذ َ‬
‫َ‬
‫يث َغ ْي ِر ِه َوإِ َّما ُي ِ‬
‫وضو ْا ِفي َح ِد ٍ‬
‫الش ْي َطانُ َف َ‬
‫َي ُخ ُ‬
‫نس َي َّن َك َّ‬
‫ال َت ْق ُعدْ َب ْع َد‬

‫ِّ‬
‫الذ ْك َرى َم َع ا ْل َق ْو ِم َّ‬
‫ين] (األنعام‪)68 ،‬‬
‫الظالِ ِم َ‬

‫وإن إعجابنا وإطراءنا على أي عمل قام به عدو للدين بقولنا‪«:‬ما‬
‫أجمل هذا العمل»‪ ،‬ولو كان مجرد جدار قد بناه‪ ،‬فإن ذلك أيضا يؤثر‬
‫تأثير ًا سلبي ًا في القلوب‪ .‬ألن اإلعجاب بفعله وعمله يرفع من‬
‫شأنه وشأن أعداء الدين اآلخرين ويعلي مقامهم‪ .‬وهذا الوضع‬
‫الذي يوصل كرامة اإلسلم وهويته الرفيعة والعزيزة إلى الضعف‬
‫والهوان‪ ،‬إنما هو امتحان صعب يمتحن الله ‪ U‬به المؤمنين الذين‬
‫قد غفلوا عن بعض الحقائق اإلسلمية‪.‬‬

‫‪350‬‬

‫لذا فيجب علينا أن نتخذ من تاريخنا المجيد‪ ،‬تاريخ الدولة‬
‫العثمانية‪ ،‬السلطان بيازيد الثاني قدوة لنا بما تميز به من حكمة‬
‫وفراسة في هذا الخصوص‪ .‬حيث كان عصر بيازيد الثاني هو عصر‬
‫الثقافة والحضارة والرقي حيث كان سبب ًا في وضع الحجر األساسي‬
‫للحضارة اإلسلمية‪ .‬فأرسل له المهندس المعماري والرسام‬
‫اإليطالي الشهير ليوناردو دافنشي رسالة طلب فيها أن يقوم بنفسه‬
‫بقيادة مشاريع ومخططات المساجد والجوامع وجميع المباني في‬
‫مدينة اسطنبول‪ .‬فأفرح هذا الخبر وزراء الدولة العثمانية وأسعدهم‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬

‫كثير ًا‪ .‬أما السلطان بيازيد فرفض هذا العرض قائ ً‬
‫ل‪« :‬إذا قبلنا هذا‬
‫العرض فسيطغى على دولتنا أسلوب بناء يشبه أسلوب عمارة‬
‫الكنيسة روح ًا ومضمون ًا‪ .‬وبذلك يبقى نمط العمارة اإلسلمية‬
‫متنحي ًا وضامر ًا‪ ،‬ولن يكتشف‪ ،‬ولن يكتسب شخصيته التي تليق به»‪.‬‬

‫فهذا الرأي الصواب والصحيح يدل على وقار اإلسلم وأصالة‬
‫اإليمان اللتين يتميز بهما المؤمن الذي تحلى بالحكمة والفراسة‪.‬‬
‫حيث أنه في العصور اللحقة التي تبعت عصر بيازيد الثاني‪،‬‬
‫صعد الفن والعمارة اإلسلمية إلى الذروة‪ .‬وبفضل هذه اآلراء‬
‫والتفكير‪ ،‬وبفضل الحكمة والفراسة‪ ،‬نقش روح اإلسلم على‬
‫األشكال الهندسية التي حافظت على وجودها حتى يومنا هذا في‬
‫جامع السليمانية وفي كثير من سلسلة المباني األثرية‪.‬‬

‫ولولم يحرص أجدادنا على هذه األمور الحساسة بالنسبة‬
‫لإلسلم‪ ،‬فإن المباني األثرية واللوحات الفنية التي تعكس عظمة‬
‫اإلسلم وظرافته ولياقته ورقته في اإلحساس‪ ،‬كانت لن تكون‪ ،‬ولن‬
‫تحافظ على بقائها حتى يومنا الحاضر‪ .‬وكانت لن تكتشف أساسات‬
‫الحضارة التي ترعرع في ظلها الكثير من الفنانين أمثال المهندس‬
‫المعماري سنان‪ ،‬والخطاط حمد الله كارا حيصارلي وأمثالهما‪ .‬لذا‬
‫يجب علينا أن نمثل كرامة اإلسلم وعزته في جميع جوانب الحياة‪،‬‬
‫ونتجنب التشبه بغير المسلمين‪ ،‬وتشبيه عاداتنا بعاداتهم ونمط حياتهم‪.‬‬
‫نحز أولياء الحق ‪ Y‬أبد ًا إلى صفوف الظالمين والكفرة‪،‬‬
‫ولم َي ْ‬
‫ولم يتشبهوا بهم‪ ،‬ولم يشبهوا حياتهم بحياتهم‪ .‬بل وكانوا يتجنبون أن‬

‫‪351‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ينالهم أي إحسان أومساعدة منهم‪ .‬ألن اإلنسان مغلوب تجاه اإلنسان‪.‬‬
‫فيوجد في قلب اإلنسان مشاعر التقرب والتعاطف واإلنجذاب نحو‬
‫من قدم له مساعدة أوأحسن إليه بشيء‪ .‬لذا يجب علينا أن إذا اضطررنا‬

‫أن نعرض مشكلة أو نطلب حاجة من احد‪ ،‬أن نتوجه إلى الصالحين‪،‬‬
‫وأن نلجأ إلى الله ‪ Y‬بد ً‬
‫ال من اللجوء إلى الفاسقين والكفرة‪.‬‬

‫وكما ورد في الحديث الشريف أن أحد الصحابة الكرام ‪y‬‬
‫سأل سيدنا محمد ًا ‪ r‬فيما إذا كان بوسعه أن يسأل الناس أم ال في‬

‫حاجة من حاجاته‪ ،‬فقال عليه الصلة السلم‪:‬‬

‫"ال وإن كنت سائ ً‬
‫ال ال بد فاسأل الصالحين"‬

‫(أبي داود‪ ،‬الزكاة‪)28 ،‬‬

‫وإن قصة سحرة فرعون مليئة بالحكم والعبر لمن يعتبر‪ ،‬حيث‬
‫أن السحرة كانوا في عزة وإكرام من قبل فرعون سابق ًا‪ .‬ثم آمنوا بالله‬
‫‪ U‬بعد ما رأوه من معجزات‪ .‬فغضب فرعون منهم غضب ًا شديد ًا‪،‬‬

‫وبدأ بتهديدهم بالقتل‪ .‬أما السحرة فقد وقفوا صامدين بقوة اإليمان‬

‫ومتانته وأصالته‪ .‬ولم ينحنوا أمام الباطل والشرك‪ .‬فتحدوه قائلين‪:‬‬
‫ض َما َأن َْت َق ٍ‬
‫« َفا ْق ِ‬
‫اض إِ َّن َما َت ْق ِضي هَ ِذ ِه ا ْل َح َيا َة الدُّ ْن َيا‪ ،‬إِ َّنا آ َم َّنا بِ َر ِّبنَا‬
‫الس ْح ِر َوال َّل ُه َ َ‬
‫خ ْي ٌر َوأ ْب َقى » (طه‪)72-71 ،‬‬
‫لِ َيغْ ِف َر َلنَا َخ َطا َيا َنا َو َما َأ ْك َر ْه َتنَا َع َل ْي ِه ِم َن ِّ‬

‫‪352‬‬

‫وقبل أن ُتقطع أيديهم وأرجلهم ويعلقون على أغصان النخيل‪،‬‬
‫رفعوا أيديهم إلى السماء ملتجئين إلى الله ‪ U‬ومتوسلين إليه‪ ،‬لكي‬
‫ال يظهروا أي مظهر من مظاهر العجز أمام بشر‪ ،‬فقالوا كما ورد في‬
‫اآلية الكريمة‪:‬‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫[و َما َت ِ‬
‫نق ُم ِم َّنا إِ َّال َأنْ آ َم َّنا بـآ َي ِ‬
‫ات َر ِّبنَا َل َّما َج َاء ْتنَا َر َّبنَا َأ ْف ِر ْغ َع َل ْينَا‬
‫َ‬
‫ين] (األعراف‪)126 ،‬‬
‫َص ْب ًرا َو َت َو َّفنَا ُم ْس ِل ِم َ‬
‫وبعد أن دعوا بهذا الدعاء التقوا برحمة ربهم شهداء‪.‬‬

‫وهناك عدة أمثلة من عصر السعادة‪ ،‬معبرة عن وجوب اتخاذ‬
‫موقف واضح وصريح وهو موقف الكره ضد من غضب الله ‪U‬‬
‫عليهم‪ .‬وهذه القصة هي إحدى هذه األمثلة المليئة بالحكمة والعبرة‪:‬‬

‫لقد أخل المشركون بصلح الحديبية بعد عامين من عقده‪.‬‬
‫وذلك بقيامهم بمجزرة كبيرة قتلوا فيها أعداد ًا هائلة من المسلمين‪.‬‬
‫باإلضافة إلى أنهم لم يهتموا بالعروض التي عرضها عليهم سيدنا‬
‫محمد ‪ r‬للصلح مرة أخرى‪ .‬ثم أصابهم الخوف الشديد والذعر‬
‫والقلق‪ ،‬فأرسلوا قائدهم أبا سفيان إلى المدينة المنورة‪.‬‬
‫ان َح َّتى َق ِد َم َع َلى َر ُس ِ‬
‫َخ َر َج َأ ُبو ُس ْف َي َ‬
‫ول ال َّل ِه ا ْل َم ِدي َن َة‪َ ،‬فدَ َخ َل َع َلى‬
‫ا ْبنَتِ ِه ُأ ِّم َحبِي َب َة بِ ْن ِ‬
‫اش َر ُس ِ‬
‫ت َأبِي ُس ْف َي َ‬
‫س َع َلى ِف َر ِ‬
‫ول‬
‫ان‪َ ،‬ف َل َّما َذ َه َب لِ َي ْج ِل َ‬
‫ال َّل ِه َط َوت ُْه َع ْن ُه‪َ ،‬ف َق َ‬
‫ال‪َ :‬يا ُبن ََّي ُة َما َأ ْد ِري َأ َر ِغ ْبت بِي َع ْن َ‬
‫هذا ا ْل ِف َر ِ‬
‫اش َأ ْم‬
‫اش َر ُس ِ‬
‫َر ِغ ْبت بِ ِه َعنِّي؟ َقا َل ْت‪َ :‬ب ْل ُه َو ِف َر ُ‬
‫ول ال َّل ِه َو َأن َْت َر ُج ٌل ُمشْ ِر ٌك‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ول ال َّل ِه َق َ‬
‫اش َر ُس ِ‬
‫س َع َلى ِف َر ِ‬
‫ال‪َ :‬و َال َّل ِه َل َقدْ‬
‫َن َج ٌس‪َ ،‬و َل ْم أ ِح َّب أ ْن َت ْج ِل َ‬
‫َأ َصا َب َك َيا ُبن ََّي ُة َب ْع ِدي َ‬
‫ش ٌّر (ابن هشام‪)13–12 ،4 ،‬‬

‫أي أن شرف اإلسلم هو فوق جميع العصبيات الفانية‪ .‬وإن‬
‫كره الشخص الذي يجب أن يكره في سبيل الله ‪ ،U‬ولوكان أبا أو‬
‫أقرب الناس‪ ،‬إنما هو من أصالة اإليمان‪ .‬وهذا مثال آخر من عصر‬
‫السعادة يعبر من جلدة اإليمان ومتانته عند الصحابة الكرام ‪:y‬‬

‫‪353‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫أرسل سيدنا محمد ‪ r‬قبل صلح الحديبية سيدنا عثمان بن‬
‫عفان ‪ t‬سفير ًا إلى مكة‪ .‬فقال سيدنا عثمان بن عفان للمشركين‬
‫بأنهم يريدون أن يعتمروا فقط ثم يعودوا‪ .‬فلم يسمحوا بذلك‬
‫ورفضوا عرض المسلمين‪ .‬باإلضافة إلى أنهم حاولوا أن يغروا‬
‫سيدنا عثمان بقولهم‪:‬‬
‫«ان شئت أن تطوف بالبيت فطف»‪.‬‬

‫وكان جميع المسلمين مشتاقون لرؤية الكعبة وللطواف حولها‪،‬‬
‫بل وكان بعضهم يغبط سيدنا عثمان بن عفان معتقدين بأنه سوف‬
‫يطوف حولها‪ .‬ولكن سيدنا عثمان ‪ ،t‬الذي نذر نفسه وروحه‬
‫لله ‪ U‬ولرسوله األكرم ‪ ،r‬تصرف تصرف ًا معبر ًا عن وقار اإلسلم‬
‫وكرامته وعزته‪ ،‬حيث قال للمشركين‪:‬‬
‫«ما كنت ألفعل حتى يطوف به رسول الله‪»r‬‬

‫(مسند أحمد‪)324 ،4 ،‬‬

‫وعلينا نحن كأمة رسول الله ‪ r‬أن نتحلى بنفس الصفات‬
‫الحميدة واألخلق الرفيعة التي كان يتحلى بها عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬والتي مألت قلبه وصدره الشريف‪ .‬وهذا يعني‪ ،‬أنه يجب‬
‫علينا أن نحب ما يحب‪ ،‬ونبغض ما يبغض‪.‬‬

‫عالمات الحب الحقيقي‬

‫‪354‬‬

‫كان سيدنا ثوبان ‪ t‬ينظر بعمق وتمعن إلى حبيب الله سيدنا‬
‫محمد ‪ r‬في إحدى جلساتهم‪ ،‬لدرجة أن ذلك لفت انتباهه فسأله‬
‫بلطف وحنان‪" :‬ما لك يا ثوبان؟"‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫فأجاب عاشق النبي ‪ r‬سيدنا ثوبان ‪« :t‬فديتك بأبي وأمي‬

‫وروحي يا رسول الله‪ ..‬إن اشتياقي لك يحرقني لدرجة أني أحس‬
‫بأن كل لحظة أقضيها بعيد ًا عن نورك أنها فراق بالنسبة لي‪ .‬فإن‬
‫كانت هذه حالتي في الحياة الدنيا‪ ،‬فكيف ستكون في اآلخرة؟‪.‬‬

‫فإنك ستكون هناك مع األنبياء‪ ،‬أما أنا فلست أدري إلى أين سأذهب‪،‬‬

‫ومع من سأكون‪ .‬باإلضافة إلى أني لو لم أدخل الجنة‪ ،‬فسأحرم‬
‫تمام ًا من رؤيتك والبقاء معك‪ .‬وهذا األفكار تحرقني وتأخذ كل‬
‫تفكيري يا رسول الله»‪.‬فبشره سيدنا محمد‪ r‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"المرء مع من أحب" (البخاري‪ ،‬األدب‪)96 ،‬‬

‫أما علمة حب الله ‪ U‬وحب رسوله وحبيبه سيدنا محمد‬

‫‪ r‬هي اإلطاعة والتسليم‪ .‬فإن لم نطع رسول الله ونتقيد بأوامره‬
‫ونواهيه‪ ،‬فلن يكون لنا الحق في أن نطلب الشفاعة يوم القيامة‪.‬‬
‫وهذا تحذير واضح وبين حذرنا به ربنا ‪ Y‬حيث قال كما ورد في‬

‫اآلية الكريمة‪:‬‬

‫َّبعونِي ُي ْح ْبب ُك ُم ال َّل ُه َو َيغْ ِف ْر َل ُك ْم‬
‫حبونَ ال َّل َه َفات ُ‬
‫[ ُق ْل إن ُكنت ُْم ُت ُّ‬
‫يم] (آل عمران‪)31 ،‬‬
‫ُذ ُنو َب ُك ْم َوال َّل ُه َغ ُف ٌ‬
‫ور َّر ِح ٌ‬
‫أي أن الشعور بالحب تجاه الله ‪ Y‬وتجاه رسوله ‪ r‬بمجرد‬

‫الكلم دون التطبيق أوالعمل هو أمر ال نفع منه وال فائدة‪ .‬فمن‬
‫ضح من أجل محبوبه ولم يأمل ويتمنى التلقي به إال بالكلم‬
‫لم ُي ِّ‬
‫وبالتفكير النظري‪ ،‬فإن حبه قاصر وال يعبر عن صدقه وإخلصه‪.‬‬

‫‪355‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقال الحسن يا ابن آدم ال يغرنك قول من يقول المرء مع من‬
‫أحب فإنك لن تلحق األبرار إال بأعمالهم فإن اليهود و النصارى‬
‫يحبون أنبياءهم وليسوا معهم (الغزالي‪ ،‬اإلحياء علوم الدين‪)160 ،2 ،‬‬

‫وقال الفضيل في بعض كلمه هاه تريد أن تسكن الفردوس‬
‫وتجاور الرحمن في داره مع النبيين و الصديقين و الشهداء و‬
‫الصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي غيظ كظمته بأي‬
‫رحم قاطع وصلتها بأي زلة ألخيك غفرتها بأي قريب باعدته في‬
‫الله بأي بعيد قاربته في الله (الغزالي‪ ،‬اإلحياء علوم الدين‪)160 ،2 ،‬‬
‫إن الحب في الله ‪ U‬هو أن ال تأمل مقابل الحب إال الحب‪.‬‬
‫وإن الحب بهذا المفهوم يضفي على اإليمان عمقا ولذة‪ .‬وورد في‬
‫الحديث الشريف أن النبي ‪ r‬قد بين بأن لذة اإليمان ال يذوقها إال‬
‫المؤمنون الذين يتصفون بصفات ثلثة وردت في ذلك الحديث‬
‫الشريف حيث قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫"ثالث من كن فيه وجد حالوة اإليمان أن يكون الله ورسوله‬
‫أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء ال يحبه إال لله وأن يكره أن‬
‫يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (البخاري‪ ،‬اإليمان‪)14 ،9 ،‬‬

‫‪356‬‬

‫وقد فسر ذلك سهل – رحمة الله عليه – بالشكل التالي‪« :‬إن علمة‬
‫حب الله ‪ U‬هي حب القرآن الكريم‪ ،‬وعلمة حب الله ‪ Y‬وحب‬
‫القرآن الكريم هي حب سيدنا محمد ‪ .r‬وعلمة حب سيدنا محمد‬
‫‪ r‬هي حب السنة‪ .‬وعلمة حب السنة هي حب اآلخرة‪ .‬وعلمة‬
‫حب اآلخرة هي عدم اإلعجاب بالدنيا‪ .‬وعلمة عدم اإلعجاب‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫بالدنيا هي االبتعاد عن وجودها إال بقدر قليل يكون زادا لآلخرة»‪.‬‬
‫وبالنتيجة‪ ،‬فإن المحب الحقيقي هو الذي يحب من يحبهم محبوبه‪،‬‬
‫ويبغض من يبغضهم‪ .‬ويذكر محبوبه كثيرا وفي كل مناسبة‪.‬‬
‫َع ْن ُم َع ٍ‬
‫ان َق َ‬
‫يم ِ‬
‫اذ َأ َّن ُه َس َأ َل ال َّنبِ َّي ‪َ r‬ع ْن َأ ْف َضلِ ْ ِ‬
‫ال‪:‬‬
‫اإل َ‬
‫َ‬
‫"أنْ ُت ِح َّب لِ َّل َه َو ُت ْب ِغ َ‬
‫ض لِ َّل ِه َو ُت ْع ِم َل لِ َسا َن َك ِفي ِذ ْك ِر ال َّل ِه"‬
‫ول ال َّل ِه َق َ‬
‫ال‪َ :‬و َما َذا َيا َر ُس َ‬
‫َق َ‬
‫ال‪:‬‬

‫"و َأنْ ُت ِح َّب لِل َّن ِ‬
‫اس َما ُت ِح ُّب لِ َن ْف ِس َك َو َت ْك َر َه َل ُه ْم َما َت ْك َر ُه لِ َن ْف ِسك"‬
‫َ‬

‫(أحمد بن حنبل‪ ،‬مسند‪)247 / 5 ،‬‬

‫الحب والبغض في الله ‪U‬‬

‫يروى أن الله تعالى أوحى إلي موسى ‪ u‬هل عملت لي عمل‬
‫قط فقال‪ :‬إلهي إني صليت لك وصمت وتصدقت وزكيت فقال‪:‬‬
‫أن الصلة لك برهان و الصوم جنة و الصدقة ظل و الزكاة نور‬
‫فأي عمل عملت لي قال‪ :‬يا موسى إلهي دلني على عمل هو لك‬
‫قال ‪:‬موسى هل واليت لي وليا قط وهل عاديت في عدوا قط فعلم‬
‫موسى أن أفضل األعمال الحب في الله و البغض في الله (الغزالي‪،‬‬
‫اإلحياء علوم الدين‪)160 ،2 ،‬‬

‫ويروى أنه قد أوحي إلى سيدنا عيسى ‪ u‬ما يلي‪:‬‬

‫«إن عبدتني بعبادات أهل األرض والسماء‪ ،‬ولم يكن في عبادتك‬
‫حب من أجلي وكره من أجلي‪ ،‬فلن تفيدك كل هذه العبادات»‪.‬‬

‫‪357‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن كمال عباداتنا ومعاملتنا مع الناس هي بقدر تعمقنا‬
‫الروحي‪ .‬لذا يجب أن تكون المحبة والبغض في قلوبنا من أجل‬
‫الله ‪ ،Y‬ال من أجل أنفسنا‪.‬‬
‫وكان سيدنا محمد ‪ r‬ال يغضب إال إذا ُهضم حق المظلوم‪،‬‬
‫أواعترض الناس على الحقيقة‪ .‬وعندما يهضم حق أحد من الناس‪ ،‬كان‬
‫ال يسكن وال يهدأحتى ينالكلذي حق حقه‪،‬وتعود الحقوقألصحابها‪.‬‬
‫ولم يكن أبدا يغضب لنفسه‪ ،‬ولم يجادل أبدا أحدا من أجل نفسه‪.‬‬

‫أي أنه يجب على المؤمن أن ال يتخذ البغض في الله ‪ U‬والذي‬
‫يعتبر من أصالة اإليمان‪ ،‬لعبة يمارسها متى يشاء‪ .‬وعليه أن يعرف‬
‫أين ومتى وكيف يجب أن يغضب ويثور‪ .‬وعليه أن يحرص عل تمييز‬
‫غضبه‪ ،‬أهو لنفسه أم لدينه؟‪ .‬ألن الغضب مذموم إذا كان للنفس‪،‬‬
‫ألنه يذهب العقول من الرؤوس‪ ،‬ويجذب الشيطان إليه‪ .‬أما إذا كان‬
‫الغضب ألجل الله ‪ Y‬فهو إذ ًا نضوج معنوي جيد‪ ،‬وفضيلة رفيعة‪.‬‬

‫وكان سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قد‬
‫بطح كافر ًا ألجل الله ‪ Y‬وكان على وشك أن يقتله‪ .‬فبصق الكافر‬
‫في وجه سيدنا علي‪ .‬فامتنع عن قتله‪ .‬فما ذلك إال مثال مليء بالعبر‬
‫والحكم في خصوص الحب والكره والغضب ألجل الله ‪.U‬‬
‫فعجب الرجل من تصرف سيدنا علي هذا‪ ،‬فسأله‪:‬‬

‫‪358‬‬

‫«يا علي‪ ..‬لماذا عزفت عن قتلي‪ ،‬وكنت على وشك أن تفعل؟‪.‬‬
‫وتحول حالك من غضب شديد إلى سكون وهدوء ال يمكن التعبير‬
‫عنهما؟‪ .‬فكنت كالبرق تبرق‪ ،‬فصرت فجأة كالنسيم العذب الهادئ‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫احلب والبغض يف اهلل ‪o U‬‬
‫فما الحكمة في هذا التغير السريع واآلني؟‪ .‬لقد جهلت حالك هذه »‪.‬‬

‫فأجابه سيدنا علي بن أبي طالب قائل‪« :‬إني أجاهد في سبيل‬
‫الله فحسب‪ .‬فل أقطع عنق عدو له إال إلرضائه هو فحسب‪ .‬وال‬
‫أسمح لنفسي بأن تتدخل في ذلك‪ .‬أما أنت فبصقت علي وأردت‬
‫أن تذلني وتغضبني‪ .‬فلو لم أتمالك نفسي واكبت غضبي وقتلتك‪،‬‬
‫فأكون قد قتلتك لسبب تافه وهو أن أتبع نفسي وهواها‪ .‬وإني ال‬
‫أغزو وأحارب لكي أشبع غريزتي بصون كبريائي وعزة نفسي‪ ،‬بل‬
‫أغزولكي أرضي الله ‪ U‬فحسب»‪.‬‬
‫وتشرف ذلك العدو بشرف الدخول في اإلسلم أمام هذه‬
‫الفضيلة الرفيعة‪.‬‬

‫لذا فإن الغضب الذي يذهب العقول من الرؤوس ويدفع الناس‬
‫إلى ارتكاب األخطاء والعثرات هو الغضب الصادر عن النفس‪،‬‬
‫والذي يجب على المؤمن أن يتغلب عليه ويخلص نفسه منه‪ .‬أما‬
‫أن َتملك األعصاب و ُتحفاظ على الهدوء وعدم الغضب تجاه من‬
‫الته ُجم على الدين أو اإليمان أو األخلق والمعنويات اإلسلمية‪،‬‬
‫َ‬
‫فهذا ليس تغلب على النفس وعلى غضبها‪ .‬بل إن هذا التصرف هو‬
‫عبارة عن غفلة عميقة وضللة‪ .‬فمن المهم جد ًا الغضب عند اللزوم‬
‫إذا كان ألجل الله ‪ ،Y‬بقدر وجوب التغلب عليه عندما يكون ألجل‬
‫النفس‪ .‬وبذلك يصل المؤمن إلى رضا الله ‪.U‬‬

‫وكان سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬شديد ًا جد ًا وقوي ًا ضد الكفر‬
‫والظلم والتجاوز على الحقوق‪ .‬لذا لم يكن أحد يتجرأ على التجاوز‬

‫‪359‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫على حقوق اآلخرين بوجوده ‪ .t‬وكان الشيطان أيضا يغير طريقه‬
‫إذا صادفه‪ ،‬وذلك بسبب تحليه بالغضب الشديد والبغض ألجل‬

‫الله ‪.Y‬‬

‫أحباء الله إلى سيدنا جنيد‬
‫وجاء في إحدى المرات رجل من اّ‬
‫البغدادي‪ ،‬وعندما اقترب منه رأى أن الشيطان قد ابتعد عنه‪ .‬ولكنه‬

‫عرف من ملمح وجهه أنه كان غاضبا غضبا شديدا‪ .‬فسأله‪:‬‬

‫«يا جنيد‪ ..‬إننا نعرف أن الشيطان يقترب من اإلنسان عندما‬
‫يغضب‪ ،‬ولكنه ابتعد عنك على الرغم من أنك كنت غاضب ًا‪ .‬فما‬

‫سبب ابتعاده عنك؟‪ ،‬وما الحكمة في ذلك؟»‪.‬‬
‫فأجابه جنيد البغدادي قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«أال تعرف أننا ال نغضب ألنفسنا‪ .‬وعندما يغضب أحد لنفسه‪،‬‬

‫فيتسلط عليه الشيطان‪ .‬أما إذا غضب ألجل الله ‪ U‬فيهرب الشيطان‬
‫منه ُهروب ًا ليس بعده هروب»‪.‬‬
‫اللهم ارزقنا القوام القلبي والمعنوي الذي رزقته عبادك الصالحين‪.‬‬

‫واجعل اللهم حبنا وبغضنا وغضبنا موافق ًا لرضاك‪.‬‬
‫وأرنا اللهم الحق حق ًا‪ ،‬وارزقنا إتباعه‪.‬‬

‫وأرنا اللهم الباطل باط ً‬
‫ال‪ ،‬وارزقنا اجتنابه‪...‬آميــن‬

‫‪360‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخالص في الحب والبغض‬
‫إن الكثير من الناس الغافلين والواقعين تحت سيطرة نفوسهم يظنون أن‬
‫سفالتهم ووضاعتهم سعادة‪ .‬وذلك بسبب فقدانهم أحاسيسهم وعقولهم‪،‬‬
‫فأصبحوا كالحطب الجاف الذي ينجرف في السيل ضد عواصف الحياة‬
‫وحوادثها العنيفة كالمد والجزر‪ .‬فل يشعر المعوج منهم باعوجاجه‪ ،‬وال‬
‫يستوعب المنهار انهياره‪ .‬لذا فإنهم ال يشعرون بحاجة لبذل أي مجهود في‬
‫سبيل إصلح أنفسهم واإلستقامة على الطريق الصواب‪.‬‬
‫وكما ورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قال‪:‬‬
‫ل َوال َّل ِه َلت َْأ ُم ُر َّن بِا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫وف َو َل َت ْن َه ُو َّن َع ِن ا ْل ُم ْن َك ِر َو َلت َْأ ُخ ُذ َّن َع َلى َيدَ ِى َّ‬
‫َ‬
‫"ك َّ‬
‫الظالِ ِم‬
‫َو َلت َْأ ُط ُر َّن ُه َع َلى ا ْل َحقِّ َأ ْط ًرا َو َل َت ْق ُص ُر َّن ُه َع َلى ا ْل َحقِّ َق ْص ًرا َأ ْو َل َي ْض ِر َب َّن ال َّل ُه بِ ُق ُل ِ‬
‫وب‬
‫َب ْع ِض ُك ْم َع َلى َب ْع ٍ‬
‫ض ُث َّم َل َي ْل َع َن َّن ُك ْم َك َما َل َعن َُه ْم" (أبو داود‪ ،‬الملحم‪)4337-4336/17 ،‬‬

‫الصدق واإلخالص في الحب والبغض‬
‫إن حب الذين يحبهم الله ‪ U‬واإلبتعاد عن من ال يحبهم هما‬
‫شرطان أساسيان من شروط اإليمان‪ .‬فبقدر مشاعر الحب التي َشعر‬
‫بها العبد تجاه ربه ‪ U‬وتجاه الحق‪ ،‬فيجب عليه أن يحس بنفس القدر‬
‫بمشاعر الكره والمخالفة لمن خالف ذلك واتبع الباطل والشر‪ .‬وإال‬
‫فيكون ذلك من مؤشرات الضعف والتقصير في اإليمان‪ .‬وكما ورد‬
‫في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قال‪:‬‬

‫"من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد‬
‫استكمل إيمانه" (الترمذي‪ ،‬صفات القيامة‪)60 ،‬‬

‫لذا فإن المؤمن الحقيقي ينظم أحاسيسه كما ينظم أفكاره وآراءه‬
‫حسب نهج الرضاء اإللهي‪ .‬فيحب من يحب في الله ‪ ،Y‬ويكره من‬
‫يكره فيه ‪ .U‬والمقياس في أساس جميع األحاسيس والمشاعر هو‪:‬‬
‫(التناسب مع إرضاء الله‪.)Y‬‬
‫وقال سيدنا عبد الله بن عباس ‪ t‬قبل قرون طويلة‪:‬‬

‫«أحبب في الله لمن احببت‪ ،‬واهجر في الله لمن هجرت‪،‬‬
‫واعلم أن رضاء الله يكتسب بذلك‪ .‬وإال فلن يستفيد المرء الفائدة‬
‫المرجوة والمطلوبة من الصلة التي يقيمها‪ ،‬والصيام الذي يصومه‪،‬‬

‫‪363‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والحج الذي يؤدي مناسكه‪ ،‬وقد أصبح الناس مع األسف في هذه‬
‫األيام متعلقين تعلقا شديدا بالحياة الدنيا‪ ،‬فأصبح حبهم وكرهم‬
‫على حسب المنفعة الدنيوية فقط»‪.‬‬

‫عندما يضعف االحساس باإليمان ‪....‬‬
‫عندما يفقد اإلنسان فراسته وحكمته في مراقبة الله ‪ U‬في‬

‫موضوع الحب والبغض‪ ،‬يتحول إلى دمية في يدي نفسه‪ ،‬فتلعب به‬
‫كيف ما تشاء‪ .‬وتطغى عندها المنفعة الدنيوية على اإلخلص تجاه‬

‫اإليمان‪.‬‬

‫ويبدأ الشخص بتجاوز كثير من األمور الجدية واستخفافها‬

‫تحت اسم (التسامح)‪ .‬ويبدأ بعد ذلك بالسكوت عن الحق‪ ،‬بهدف‬
‫عدم جرح أحد من أصدقائه‪ ،‬وعدم إلحاق األذى والضرر على‬
‫الصداقة والمنفعة المادية بينهما‪ .‬وهذا من أكبر السيئات التي يقوم بها‬

‫الشخص ضد نفسه وضد الذي تجاوز هو نفسه عن أخطائه وذنوبه‪.‬‬
‫وكما قال سيدنا سفيان الثوري‪:‬‬

‫«يقع المرء في الخطأ‪ .‬فإن لم ينبهه ويحذره من يدعي أنه أخ له‬

‫بأسلوب لطيف ولين‪ ،‬فاعرفوا أن حبه له ليس في الله ‪ .Y‬ولوكان‬

‫حبه له في سبيل الله فقط‪ ،‬أليقظه وحذره عن غفلته وعن معصيته‬
‫‪364‬‬

‫لله ‪ U‬باألسلوب الذي يفهمه»‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫وإن تجاوزنا عن ذنوب وعثرات من وقع في الخطأ‪ ،‬ومسامحتنا‬

‫له‪ ،‬يسبب في انتشار المعاصي في المجتمع‪ .‬فيظن الناس أن ذلك‬
‫الفعل هو مباح ومشروع‪ .‬وهذا ما يجعلهم يرتكبون تلك المعاصي‬

‫بشكل علني وبدون رادع‪ .‬وقد بدأ انحراف بني إسرائيل عن الطريق‬
‫الصواب بالتسامح والتجاوزات التي أبدوها خوف ًا من فقدانهم‬
‫منافعهم ومصالحهم الدنيوية‪.‬وقد أخبرنا عن ذلك سيدنا محمد ‪،r‬‬
‫حيث قال‪:‬‬

‫ص َع َلى َبنِى إِ ْس َرائِ َ‬
‫يل َك َ‬
‫الر ُج ُل َي ْل َقى‬
‫"إِ َّن َأ َّو َل َما َد َخ َل ال َّن ْق ُ‬
‫ان َّ‬
‫ول َيا َه َذا ات َِّق ال َّل ِه َو َد ْع َما َت ْصن َُع َفإِ َّن ُه َ‬
‫الر ُج َل َف َي ُق ُ‬
‫ال َي ِح ُّل َل َك ُث َّم‬
‫َّ‬
‫َي ْل َقا ُه ِم َن ا ْل َغ ِد َف َ‬
‫ل َي ْمن َُع ُه َذلِ َك َأ ْن َي ُك َ‬
‫ون َأ ِكي َل ُه َو َش ِري َب ُه َو َق ِعيدَ ُه َف َل َّما‬
‫ض»‪ُ .‬ث َّم َق َ‬
‫وب َب ْع ِض ِه ْم بِ َب ْع ٍ‬
‫ين‬
‫ال ( ُل ِع َن ا َّل ِذ َ‬
‫َف َع ُلوا َذلِ َك َض َر َب ال َّل ُه ُق ُل َ‬
‫يل َع َلى لِ َس ِ‬
‫َك َف ُروا ِم ْن َبنِى إِ ْس َرائِ َ‬
‫يسى ا ْب ِن َم ْر َي َم) إِ َلى َق ْولِ ِه‬
‫ان َد ُاو َد َو ِع َ‬
‫( َف ِ‬
‫ل َوال َّل ِه َلت َْأ ُم ُر َّن بِا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫ون) ُث َّم َق َ‬
‫ال َ‬
‫«ك َّ‬
‫اس ُق َ‬
‫وف َو َل َت ْن َه ُو َّن َع ِن ا ْل ُم ْن َك ِر‬
‫َو َلت َْأ ُخ ُذ َّن َع َلى َيدَ ِى َّ‬
‫الظالِ ِم َو َلت َْأ ُط ُر َّن ُه َع َلى ا ْل َحقِّ َأ ْط ًرا َو َل َت ْق ُص ُر َّن ُه َع َلى‬
‫ا ْل َحقِّ َق ْص ًرا َأ ْو َل َي ْض ِر َب َّن ال َّل ُه بِ ُق ُل ِ‬
‫وب َب ْع ِض ُك ْم َع َلى َب ْع ٍ‬
‫ض ُث َّم َل َي ْل َع َن َّن ُك ْم‬
‫َك َما َل َعن َُه ْم"‪( .‬أبو داود‪ ،‬الملحم‪)4337-4336/17 ،‬‬
‫ضعف المسامحة والتجاوز عن األخطاء‬

‫إن التسامح الذي يبديه الشخص لمنفعة ومصلحة دنيوية‪،‬‬

‫تؤدي إلى ضعف اإليمان‪ .‬وكم من التجاوزات التي تلحق األذى‬

‫‪365‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والضرر باإليمان‪ ،‬قد كثر واختلط في عصرنا الحالي في أمور‬

‫الدين والدنيا‪ ،‬دون أن توزن وتقاس بمقاييس ومعايير القرآن الكريم‬
‫والسنة النبوية الشريفة‪ .‬ولكن األسوأ من ذلك هو أن كثير ًا من الناس‬

‫يظنون أن سفالتهم ووضاعتهم وذلهم سعادة‪ .‬وذلك بسبب فقدانهم‬

‫أحاسيسهم وعقولهم‪ ،‬فأصبحوا كالحطب الجاف الذي ينجرف في‬
‫السيل ضد عواصف الحياة وحوادثها العنيفة كالمد والجزر‪ .‬فل‬

‫يشعر المعوج منهم باعوجاجه‪ ،‬وال يستوعب المنهار انهياره‪ .‬لذا‬

‫فإنهم ال يشعرون بحاجة لبذل أي مجهود في سبيل إصلح أنفسهم‬

‫واالستقامة على الطريق الصواب‪.‬‬

‫وفي مجتمعنا الحالي‪ ،‬فإن الجهل والتخلف الذي حل بنا‬

‫بسبب استيلء وسيطرة الثقافة العالمية‪ ،‬قد جلب معه الكثير من‬
‫التصرفات التي ال تليق باإلسلم والتي تعاكس روح اإليمان‪.‬‬

‫فيتم خلط أمور كثيرة ال توافق الثقافة اإلسلمية في أهم مجاالت‬
‫الحياة‪ ،‬وكأنما صار الشيطان شريك ًا لنا في معيشتنا‪ .‬مع أن الكلم‬
‫الذي وجهه الله ‪ U‬للشيطان الرجيم عندما طرده من الجنة‪ ،‬فإنه‬

‫مليء بالعبر والحكم والتحذيرات األساسية لنا‪ .‬فكما ورد في اآلية‬

‫الكريمة‪:‬‬

‫است ََط ْع َت ِم ْن ُه ْم بِ َص ْوتِ َك َو َأ ْج ِل ْب َع َل ْي ِهم بِ َخ ْي ِل َك‬
‫َ‬
‫اس َت ْف ِززْ َم ِن ْ‬
‫[و ْ‬
‫ال َو َ‬
‫َو َر ِج ِل َك َو َشا ِر ْك ُهم ِفي َ‬
‫األ ْو ِ‬
‫األ ْم َو ِ‬
‫الد َو ِعدْ ُه ْم َو َما َي ِعدُ ُه ُم َّ‬
‫الش ْي َطانُ‬
‫ْ‬
‫‪366‬‬

‫ورا] (اإلسراء‪)64 ،‬‬
‫إِ َّال ُغ ُر ً‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإن الكثير من الناس ينسون الدين وتعاليمه‬
‫في كثير من مجاالت الحياة وأهمها كمناسبات األفراح والختان‬
‫ومراسم الجنازة‪ .‬مع العلم أن هذه المناسبات هي من أهم لحظات‬
‫الحياة التي يجب أن تذكر الناس بالدين‪ ،‬فيجب عليهم أن يطبقوها‬
‫ويحيوها على أساس هوية الدين اإلسلمي‪ .‬ألن الدين ليس عبارة‬
‫عن مراسم خاصة ببعض األوقات‪ ،‬بل هو نمط معيشي ينظم كل‬
‫لحظة من لحظات العمر‪ .‬لذا فل يجوز لنا أن نطبقه أحيان ًا ونلقيه‬
‫جانب ًا في أحيان أخرى‪.‬‬

‫وإن تحويل المجاالت المهمة في الحياة إلى محتويات‬
‫ومضامين تغضب الله ‪ ،U‬في وقت يجب فيه عيش كل لحظة من‬
‫لحظات العمر على نمط إسلمي نزيه ألبعد الحدود‪ ،‬إنما هو عمل‬
‫بشع وغير الئق وال يدل إال على الحماقة‪ .‬ومثل ذلك كمثل من يضع‬
‫ٍ‬
‫وصاف‪.‬‬
‫قطرة نجسة في كأس مليء بماء نبع نظيف‬

‫وكانت مناسبات الزفاف والختان تقام في قديم الزمان في‬
‫المساجد والحدائق‪ .‬وكانت اإلحتفاالت تتم على شكل قراءة مولد‬
‫شريف‪ ،‬وتلوة القرآن الكريم‪ .‬وكان الجميع ُيدعى لتلك المناسبات‬
‫دون التمييز بين الغني والفقير‪ .‬وبعد اإلنتهاء من الطعام كانت‬
‫األيدي ترتفع إلى السماء متضرعة ومتوسلة لله ‪ ،Y‬فيحمدونه على‬
‫ما رزقهم من الخيرات والنعم من المأكوالت الشهية والمشروبات‬
‫المتعددة وما تشتهي األنفس من مختلف األطعمة‪ ،‬فكانت هتافات‬
‫(آمين‪ ،‬آمين) تصبح منبع ًا لنشوة األرواح‪ ،‬وطمأنينة النفوس‪.‬‬

‫‪367‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكان الفقراء والمحتاجون ُيدعون إلى تلك المناسبات بشكل‬

‫خاص‪ ،‬ويستفاد من دعائهم للحصول على السعادة في الدنيا‬
‫واآلخرة‪ .‬ألنهم كانوا يحرصون على التقيد بشكل تام وجدي‬

‫بالتحذير النبوي الذي حذرنا به سيدنا محمد ص‪ r‬كما ورد في‬
‫الحديث الشريف‪:‬‬

‫"شر الطعام طعام الوليمة‪ ،‬يدعى لها األغنياء ويترك الفقراء‪.‬‬

‫ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله"‬

‫(البخاري‪ ،‬النكاح‪)72 ،‬‬

‫وبذلك كانت مجالس الطمأنينة والسكينة تتشكل وتتكون بين‬

‫الناس ضمن األجواء الروحية و المعنوية الرفيعة‪.‬‬

‫أما في يومنا الحالي‪ ،‬فمن لديه اإلمكانيات المادية‪ ،‬فصار‬

‫المجتمع يجبره على أن يسرف ويترف في أفراحه ومناسباته‪ .‬فيحيي‬

‫مناسبات الزفاف واحتفاالت الختان ضمن أفضل الحفلت في‬
‫األماكن الباهظة في السعر‪ ،‬وكأنها ممنوعة للفقراء أن يدخلوها‪،‬‬

‫كالمطاعم والفنادق ذوات النجوم الكثيرة‪ ،‬وكأنه يريد أن يعرض‬

‫مسرحية يظهر فيها قوته المادية وغناه وبذخه‪.‬‬

‫وال يدعى إلى هذه المناسبات سوى الناس من الطبقة الرفيعة‬
‫والمعروفة من المجتمع‪ .‬ويقدم فيها الطعام والشراب على مبدأ‬
‫البوفيه المفتوح‪ ،‬وكأنما يشجعون الناس على األكل الزائد واإلفراط‬

‫‪368‬‬

‫في تناول أشهى المأكوالت وألذ المشروبات‪ .‬وال يتبادل الناس‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫في مثل هذه المناسبات إال الكلم الفارغ الذي ال فائدة منه وال‬
‫جدوى‪ .‬بل وفي بعض حفلت الزفاف ومناسبات الختان يحتسي‬
‫المدعوون المشروبات الروحية التي حرمت تحريما قطعيا من‬
‫قبل الله ‪ ،U‬وكأنما ُسمح لهم مؤقتا في مثل هذه المناسبات أن‬
‫يتناولوها‪ .‬وهناك الكثير من الناس الذين يبدون وكأنهم متمسكون‬
‫بالدين‪ ،‬وكثير من اآلباء واألمهات الملتزمون بالصلوات والعبادات‪،‬‬
‫والذين قاموا بتأدية فريضة الحج‪ ،‬فيقع الكثير منهم في التضاد مع‬
‫اعتقاداتهم وإيمانهم‪ ،‬بتجاوزهم عن أخطاء أبنائهم وتصرفاتهم التي‬
‫ال تليق باإلسلم‪ ،‬في الحفلت التي يتم فيها تناول الخمر ومشاهدة‬
‫الراقصات العاريات‪ ،‬المائلت المميلت‪.‬‬
‫باإلضافة إلى أن التلقين الذي تلقن به العروس عندما تترك‬
‫بيت والدها ووالدتها‪ ،‬قد تغير مضمونه ومحتواه في زمننا هذا عن‬
‫الزمن الماضي‪ .‬ففي قديم الزمان كانت العروس تلقن بالصدق‬
‫واإلخلص‪ ،‬والتضحية والتفاني‪ .‬وكان أهلها يحاولون أن يحببوها‬
‫بالبيت الجديد الذي ستذهب إليه‪ ،‬حيث كانوا يقولون‪:‬‬
‫«يا بنيتي‪ ..‬ال تخرجي من بيت زوجك إال بالكفن األبيض‪ ،‬كما‬
‫ستدخلينه بلباس العرس األبيض هذا»‪.‬‬

‫وكانوا يوصوها بالصبر على الشدائد والمتاعب‪ ،‬ومفاجآت‬
‫الحياة المرة والعصيبة‪ ،‬حيث كانوا يقولون‪:‬‬
‫«يا ابنتي‪ ..‬إذا نزف دمك فقولي أنه بسبب شربك لشراب الورد‬
‫األحمر»‪.‬‬

‫‪369‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وبذلك كانوا في بداية األمر يحاولون إنشاء النسيج الروحي‬
‫المتين والسليم للعش الذي ستدخله وتعيش فيه‪.‬‬

‫أما في يومنا هذا ومع األسف الشديد‪ ،‬فيقوم أهل العروس‬
‫بتلقين ابنتهم بنصائح يظنون أنها من صالحها‪ .‬فيقومون بشحن‬
‫ابنتهم بالمشاعر السلبية واألحكام المسبقة ضد زوجها وضد أهله‪،‬‬
‫حيث يقولون‪« :‬ال تسمحي ألحد بأن يتجاوز على حقوقك‪ ،‬وإذا‬
‫وبخك زوجك وقال لك شيئ ًا سيئ ًا فحذار أن تسكتي‪ ،‬بل ردي عليه‬
‫وقابليه بضعفي ما يقول لك»‪.‬‬

‫وليس من الصعب بناء على ذلك تخمين التلقين الذي يلقن به‬
‫الشاب قبل زفافه‪ .‬فهو مشابه لذلك التلقين الذي تلقن بها العروس‪.‬‬

‫ويجب علينا أن ندرك بأن نسياننا لإلحساس المعنوي‬
‫والروحاني وابتعادنا عنه‪ ،‬هو أحد أهم أسباب ازدياد حاالت‬
‫الطلق وتفاقم النزاعات العائلية‪ ،‬وتمرد األزواج أوالزوجات‪،‬‬
‫وانتشار األمراض النفسية واإلجتماعية‪ .‬ألنه يجب علينا أن ال‬
‫ننسى أنه ال بد من وجود سبب باطني خلف كل سبب ظاهري‪.‬‬

‫‪370‬‬

‫ومراسم الجنازة التي تعتبر من أهم نقاط الحياة معنى وعبرة‪ ،‬قد‬
‫وصلت في زمننا الحاضر إلى مرتبة من الذل والتخلف لدرجة أنها‬
‫قد تحولت إلى فرصة الستعراض الغنى والقوة المادية‪ ،‬مستخدمين‬
‫الموتى حجة لذلك بشكل غير مباشر‪ .‬فيفتخر أهل الميت بمجيء‬
‫أصحاب المقامات العالية والمواقع الرفيعة للشتراك بمراسم‬
‫جنازتهم‪ .‬وإن قيام بعض األشخاص من أهل الميت بإفشاء أسماء‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫الشخصيات المهمة والمشهورة التي اشتركت بمراسم الجنازة‪،‬‬
‫وكتابة كلمة شكر لهم في صفحات الصحف اليومية‪ ،‬إنما يضر‬
‫بروحانية ومعنويات الجنازة‪.‬‬

‫ويقوم بعض الناس بعرض مظاهر التشبه بغير المسلمين‪،‬‬
‫كقيامهم بتطبيق عادات النصارى في وضع باقات الورد وحلقات‬
‫شجر اآلس على القبور‪ .‬بدال من توزيع الصدقات والمال على روح‬
‫الميت‪ ،‬وطلب الدعاء له بأن يتغمده الله ‪ U‬برحمته ويحسن إليه‪.‬‬

‫مع العلم أن الذهاب إلى الجنازة هو فرصة للناس لكسب‬
‫رضاء الله ‪ U‬فيجب عليهم أن يؤدوها على أحسن حال‪ .‬ويجب‬
‫أن يدعوا للميت ويوزعوا الصدقات على روحه لسلمته‪ ،‬وبذلك‬
‫يكونون قد دفعوا دين الوفاء ألخيهم المسلم الذي توفاه الله ‪.Y‬‬
‫وكان سيدنا محمد ‪ r‬بين الحين واآلخر يسأل أصحابه الكرام‬
‫‪ ":y‬هل شيعتم جنازة اليوم؟"‪ .‬لكي يرغبهم في أن يكونوا شركاء‬
‫إخوانهم المسلمين في أحزانهم‪ ،‬وأن يكونوا مصدر ًا لمواساتهم‬
‫ونسيانهم همومهم‪.‬‬
‫أما في وقتنا الراهن‪ ،‬فل يذهب البعض إلى الجنازة ألداء‬

‫واجبه تجاه الميت وتجاه أهله وأقربائه‪ ،‬ولكي ال يحرجوا ويقعوا‬
‫في مواقف صعبة ومخجلة‪ .‬لذا فإنهم يبدون اهتمام ًا أكبر وأعلى‬
‫شأنا بجنازة أصحاب المقامات الرفيعة وأصحاب الشهرة والنفوذ‬
‫والقوة‪ ،‬وال يبدون اهتمامهم بجنازات الفقراء والمساكين‪.‬‬

‫‪371‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ومن المؤسف والمحزن جد ًا أننا في حالة يقال فيها شرف‬

‫اإلنسان وقيمته بالمال والثروات والمنصب والمقام‪ ،‬في وقتنا‬
‫الحاضر الذي أصبح ساحة واسعة سمحت لوباء المادة وحب‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬باالنتشار والتغلغل فيها‪ .‬فصار كثير من الناس في‬

‫أغلب المجتمعات معتادون على تقييم كل شيء على حسب قيمته‬
‫المادية‪ ،‬خالي ًا تمام ًا من الروحانيات والقيم المعنوية‪ ،‬فأصبحت‬
‫المناسبات اإلجتماعية كحفلت الزفاف ومناسبات الختان ومراسم‬
‫الجنازات أماكن يتم فيها تجريب ذلك‪ .‬مع العلم أن مقياس عزة‬

‫اإلنسان وكرامته هو في كل األحوال محافظته على هويته وشخصيته‬

‫كمسلم‪ ،‬أي إيمانه وتقواه وأخلقه الحميدة‪.‬‬

‫فحب البذخ والترف في العيش‪ ،‬والمظاهر الشهوانية والنفسية‬

‫التي يعرضها الناس في حفلت األعراس وحفلت الختان‪ ،‬وسائر‬

‫أنواع االحتفاالت واالستمتاع‪ ،‬والمصاريف التي يصرفونها بل‬
‫حدود‪ ،‬وإطلق نار األسلحة واأللعاب النارية‪ ،‬وجميع أنواع الزينة‪،‬‬
‫والصخب وأصوات الموسيقى العالية والمزعجة‪ ،‬دون التفكير‬

‫‪372‬‬

‫بحال المرضى واألطفال‪ ،‬والمهمومين والحزينين والمرهقين‬
‫جسديا أو فكريا‪ ،‬ودون أن يفكروا ولو للحظة أنهم يتجاوزون‬
‫على حقوق العباد‪ ...‬كل ذلك هو عبارة عن غيض من فيض من‬
‫األمثلة المعبرة عن ابتعاد الناس في يومنا الحاضر عن تعاليم الدين‬
‫اإلسلمي‪ ،‬والتحلي بأخلق المؤمنين الحقيقيين الرفيعة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫وهذه األمثلة ما هي إال جزء من التأثير السلبي الستيلء الثقافة‬

‫األجنبية واستيلء حب الحياة الدنيا على مجتمعنا‪ .‬وال يوجد مكان‬

‫لمثل هذه المبالغات في عرفنا الديني والوطني‪.‬‬
‫ردة فعل اإليمان‬

‫إن أحد شعارات المؤمنين هو أن يكونوا مفتاح ًا للخير وقف ً‬
‫ل‬

‫للشر‪ .‬أي أنه من واجبات المؤمنين أن يقفوا عائقا في وجه الباطل‬
‫والشر‪ ،‬والعمل على إنهاء السيئات النفسية والشيطانية‪ ،‬باإلضافة‬

‫إلى عملهم على إعلء كلمة الحق والخير في سبيل الله ‪.U‬‬

‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬فإذا دعي مؤمن إلى مكان يعصي الناس فيه‬
‫أوامر الله ‪ U‬علن ًا‪ ،‬يجب عليه أن يتصرف كما يستدعيه البغض في‬
‫سبيل الله أن يتصرف‪ ،‬دون النظر إلى صاحب الدعوة وإلى مقامه‬
‫ومنزلته في المجتمع‪ .‬وقد نبهنا الله ‪ Y‬بشكل واضح وصريح في‬
‫هذا الخصوص‪ ،‬فورد في اآلية الكريمة أنه قال‪:‬‬

‫ين ُه ْم َع ِن ال َّلغْ ِو ُم ْع ِر ُ‬
‫ضونَ ] (المؤمنون‪)3 ،‬‬
‫[وا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫أي بما أن المؤمنين أمروا بأن ال يلتفتوا إلى األمور الفارغة‬

‫وعديمة الفائدة‪ ،‬فل يمكننا إذا تصور وضعهم إذا أجابوا دعوة تغضب‬

‫الله ‪ U‬بالمعاصي التي تنتشر فيها‪ .‬فعلى المؤمن الذي واجه مثل هذه‬

‫الحالة أن يؤدي واجبه باإليقاظ والتحذير بأسلوب مناسب ومؤثر‪.‬‬

‫‪373‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإذا حذر أحدا‪ ،‬ولكنه لم ينصت له‪ ،‬بل وأجابه بإجابة سخيفة‬

‫ال تجدي وال تنفع‪ ،‬بقوله‪( :‬يا هذا‪ ..‬عليك أن ال تهتم بهذه األمور‬

‫في وقتنا الحالي‪ .‬لقد حان الوقت لتجاوز هذه األمور‪ ،‬واإلنتقال إلى‬
‫الحضارة والتمدن)‪ ،‬مستخف ًا بأوامر الله ‪ U‬ونواهيه بهذه الكلمات‬

‫الخفيفة – التي تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله – فيجب أن يبدي ردة فعل‬
‫أو عم ً‬
‫ل مناسبة ألجل الله ‪ ،Y‬وذلك بعدم إيجابته لدعوته وعدم‬

‫اشتراكه معه‪ .‬ألن المؤمنين هم سفراء الله ‪ U‬في كل زمان وفي كل‬
‫مكان يعيشون فيه‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[و َك َذلِ َك َج َع ْلن ُ‬
‫َاك ْم ُأ َّم ًة َو َس ًطا ِّلت َُكو ُنو ْا ُش َه َداء َع َلى ال َّن ِ‬
‫اس‬
‫َ‬
‫الر ُس ُ‬
‫نت َع َل ْي َها إِ َّال‬
‫ول َع َل ْي ُك ْم َش ِهيدً ا َو َما َج َع ْلنَا ا ْل ِق ْب َل َة ا َّلتِي ُك َ‬
‫َو َي ُكونَ َّ‬

‫الر ُس َ‬
‫ول ِم َّمن َين َق ِل ُب َع َلى َع ِق َب ْي ِه َوإِن َكا َن ْت َل َكبِ َير ًة إِ َّال‬
‫لِن َْع َل َم َمن َي َّتبِ ُع َّ‬

‫يما َن ُك ْم إِنَّ ال َّل َه بِال َّن ِ‬
‫اس‬
‫َع َلى ا َّل ِذ َ‬
‫ين هَ َدى ال َّل ُه َو َما َكانَ ال َّل ُه لِ ُي ِض َ‬
‫يع إِ َ‬
‫َل َر ُؤ ٌ‬
‫يم] (البقرة‪)143 ،‬‬
‫وف َّر ِح ٌ‬
‫ومث ً‬
‫ل إذا دخل مؤمن على مركز تجاري واكتشف على أنه‬

‫يباع فيه أم الخبائث‪ ،‬الخمر والمشروبات الروحية‪ ،‬فعليه أن يخرج‬
‫من ذلك المكان دون أن يشتري شيئ ًا‪ .‬وبذلك يفهم صاحب ذلك‬
‫المركز التجاري ويستوعب بعد فترة أنه بدأ يخسر زبائنه ألنه يبيع‬
‫الخمر‪ .‬ويجب على المؤمنين تطبيق ردة الفعل هذه على كل‬

‫‪374‬‬

‫العادات واألمور السلبية‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫ألن إظهار الكره ضد الخطأ يترك أثر ًا إيجابي ًا في سبيل إصلح‬
‫وخلص من قام بفعل ذلك الخطأ‪ .‬وبكثرة هذه التأثيرات اإليجابية‬
‫يؤمل بأن يفهم ذلك الشخص خطأه فيعزف عنه ويتوجه إلى الخير‬
‫ويبتعد عن الشر‪.‬‬

‫أما البقاء دون إبداء أية ردة فعل تجاه تجاوز أحد من الناس‬
‫حدود الله ‪ ،U‬وابتعاده عن أوامره‪ ،‬إضافة إلى إظهار التسامح تجاه‬
‫من يفعل ذلك‪ ،‬يؤدي إلى الميل واإلنحياز نحوه ونحو ما يغضب‬
‫الله ‪ ،U‬فيصبح ذلك أمر عادي ًا وطبيعي ًا بالنسبة له كنغمة موسيقية‬
‫عذبة تدغدغ قلبه وأحاسيسه‪ .‬فيزداد التوجه نحو المعاصي‪ .‬ويصبح‬
‫اإلنسان بعيد ًا عن اإلحساس بذل المعصية وسفالتها‪ ،‬بل وتوصله‬
‫إلى درجة أنه يفتخر بقيامه بتلك المعاصي‪.‬‬
‫وإن عدم المقدرة على إظهار ردة فعل في سبيل الله ‪ U‬تجاه‬
‫إلحاق األذى والضرر في األمور المعنوية والدينية‪ ،‬بينما يقوم الناس‬
‫بالمظاهرات التي تستمر أيام ًا‪ ،‬ويضربون عن الطعام مقابل منفعة‬
‫دنيوية ال تسوى إال قروشا‪ ،‬فذلك ليس إال مظهر ًا من مظاهر قلة‬
‫التفاني والتضحية في سبيل الدين‪.‬‬

‫مرض التقليد‬

‫وإن من أهم األمور التي تهدد اإليمان بالخطر‪ ،‬هو مرض التشبه‬

‫بغير المسلمين‪ ،‬ومحاولة تقليدهم في نهج نمط حياتهم الشيطانية‪،‬‬
‫وحسب أهوائهم وشهواتهم النفسية‪ .‬والكثير من تح اّلل أسس الدين‬

‫‪375‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وتلشي القيم واألخلق الحميدة‪ ،‬وضياع الثقافة والفكر اإلسلمي‬
‫يبدأ بالتقليد والتشبه بالكفر‪ .‬ويتحول بعد فترة ليصبح عادة أساسية‬

‫ومزية من مزايا الشخص‪.‬‬

‫أما بعد ذلك‪ ،‬فيتحول اإلتحاد الشكلي إلى اتحاد ذهني‪،‬‬

‫ويتحول اإلتحاد الذهني مع الزمن إلى درجة اإلتحاد القلبي‪ .‬وورد‬
‫في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪r‬قال‪:‬‬
‫"من تشبه بقوم فهو منهم"‬

‫(سنن أبي داود‪ ،‬اللباس‪.)4031/4 ،‬‬

‫وهذا الحكم متعلق بالشعائر الدينية فقط‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن التشبه‬

‫بأهل الكفر حتى في األمور التي ال تعتبر من الشعائر الدينية‪ ،‬فهو‬
‫وبدون شك ليس بريئ ًا من الخطأ‪.‬‬
‫إن الميل للتقليد والتشبه يوجد – قلي ًل أوكثير ًا – في فطرة وغريزة‬

‫بني البشر‪ .‬ونلحظ في يومنا الحاضر أنه قد ازداد اإلنحلل على‬

‫مجتمعاتنا من ناحية األخلق اإلسلمية‪ .‬وبما أن األمثلة السيئة قد‬

‫طغت على األمثلة الحسنة والجيدة‪ ،‬فإن توظيف الميل إلى التقليد‬
‫والتشبه‪ ،‬واستخدامه في مكانه الصحيح يتطلب مجهودا أكبر وصبر ًا‬
‫وفراس ًة‪ .‬فمليين الناس يضيعون ويهدرون أوقاتهم القيمة في‬

‫الجدل والنقاش في المواضيع السياسية أو الرياضية‪ ،‬وما ذلك إال‬

‫بسبب التشبه والميل إلى التقليد ليس إال‪ .‬وهناك أمور أخرى مهمة‬
‫‪376‬‬

‫جدا تشكل أمثلة عن هذه المظاهر‪ ،‬ولكنها ال تنال اهتمام الناس‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫الكافي؛ فإن بعض الشباب يدخلون إلى المساجد الشريفة وهم‬
‫يلبسون ألبسة كتب عليها كتابات أجنبية بهدف الدعاية‪ .‬أو طبع‬

‫عليها رسوم غير الئقة باإلسلم وباألماكن المقدسة الطاهرة‪.‬‬

‫وإن هؤالء الشباب ال يحسون مجرد إحساس بفظاعة هذا‬

‫التصرف الشنيع الذي يبدر عنهم‪ ،‬والذي ال يتوافق مع وقار اإلسلم‬
‫وكبريائه وعزته‪ .‬ألنهم لم ينبهوا ولم يحذروا من قبل الناس من‬

‫حولهم عن هذا األمر‪ .‬وقد وصل المؤمنون في وقتنا الحالي إلى‬

‫مرتبة وضيعة وذليلة لدرجة أنهم قد نسوا بأنهم أمة وصفت من قبل‬

‫الله ‪ U‬بأنهم ( يأمرون بالمعروف‪ ،‬وينهون عن المنكر)‪ ،‬مع العلم‬

‫أن مقابلة الخطأ بعمل عكسه وبيان خطئه‪ ،‬وتقديم النصائح بأسلوب‬
‫مناسب ولين دون إحراج أو جرح للمشاعر‪ ،‬إنما هو فرض مؤكد‬
‫على المسلمين‪ .‬ومن هذا المنطلق فعلى المؤمن أن يتكلم بالحق‬

‫بلسان مؤثر وأسلوب واضح‪ ،‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ُ‬
‫ين َي ْع َل ُم ال َّل ُه َما ِفي ُق ُلوبِ ِه ْم َف َأ ْع ِر ْ‬
‫ض َع ْن ُه ْم َو ِع ْظ ُه ْم‬
‫[أ ْو َلئِ َك ا َّل ِذ َ‬
‫َو ُقل َّل ُه ْم ِفي َأ ُنف ِس ِه ْم َق ْو ًال َب ِل ً‬
‫يغا] (النساء‪)63 ،‬‬

‫وإن عدم التشبه بغير المسلمين هو من أهم الشروط للمحافظة‬
‫على وقار اإلسلم وعزته وكرامته‪ .‬لذا فقد أمرنا سيدنا محمد‪r‬‬
‫عند صيام العاشر من شهر محرم أن نصوم يوم ًا قبله أو يوم ًا بعده‬
‫مع صيامه‪ ،‬وذلك لمخالفة اليهود‪ .‬أي أنه منعنا من التشبه بهم حتى‬
‫في العبادة‪.‬‬

‫‪377‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإذا تلشى شعور البغض في الله ‪ U‬تجاه عير المسلمين‪ ،‬وظهر‬
‫شعور محاولة التشبه بهم وتقليدهم‪ ،‬فإن ذلك سيكون سبب ًا في زوال‬
‫الفروق بيننا وبينهم شيئ ًا فشيئ ًا‪ .‬فإذا اعتبرنا أن اإليمان كالحبل‪ ،‬فإن‬
‫ضعف شعور المخالفة في الله ‪ U‬لغير المسلمين‪ ،‬سوف يسبب‬
‫وبشكل قطعي تمزق خيوط ذلك الحبل خيط ًا بعد اآلخر‪.‬‬

‫وقد عاش أجدادنا العثمانيون لقرون طويلة في البلد الواسعة‬
‫التي حكموها‪ ،‬مع كثير من األقوام والملل والشعوب المنتسبة‬
‫إلى أديان مختلفة وأصول مختلفة‪ ،‬ويتكلمون لغات مختلفة‪ ،‬على‬
‫مساحة جغرافية تتجاوز األربع والعشرين مليون كيلومتر ًا مربع ًا‪.‬‬
‫ولكنهم عاشوا عاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم دائم ًا‪ ،‬بواسطة شرف‬
‫اإليمان وعزته‪ .‬وشكلوا مثا ً‬
‫ال رائع ًا عن دينهم وثقافتهم وعاداتهم‬
‫على أحسن األحوال‪ ،‬عن طريق التأثير بالناس الغير مسلمين‪ ،‬ال‬
‫التأثر بهم‪ .‬فاشتهرت لديهم المأكوالت والحلوى التركية‪ ،‬وانتشرت‬
‫العادات العثمانية عندهم‪.‬‬
‫أما في الوقت الراهن‪ ،‬وبسبب األسباب االقتصادية التي دفعتنا‬
‫إلى الصفوف المتخلفة بين دول العالم‪ ،‬فقد دخل حياتنا ونمط‬
‫معيشتنا الكثير من العادات التي ال تناسب ثقافتنا الخاصة بنا‪ .‬فازداد‬

‫التشبه بغير المسلمين في جميع مجاالت الحياة‪ ،‬كاللباس‪ ،‬وحفلت‬
‫األعراس واألفراح‪ ،‬واإلحتفال بعيد رأس السنة‪ ،‬والذهاب إلى‬

‫األماكن الخلعية للستجمام والترفيه عن النفس‪ ،‬وتربية الكلب‬
‫‪378‬‬

‫في المنازل‪ ....‬إلخ‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫باإلضافة إلى أن االهتمام بالماركات العالمية قد دخل حياتنا‬

‫وتغلغل في نمط معيشتنا نتيجة رياح الموضة التي كان األجانب‬
‫وغير المسلمين هم السبب في هبوبها نحونا‪ .‬فمن الضروري جد ًا‬
‫على المؤمنين أصحاب الحكمة والبصيرة والفراسة أن ال يميلوا إلى‬

‫مثل هذه الشهوات‪ ،‬وأن ال يدعموا حملت محاولة استيلء الثقافة‬

‫العالمية على ثقافتنا الخاصة بنا‪ .‬بل يجب عليهم أن يقفوا بشموخ‬
‫وصمود في وجه األعداء‪ ،‬وذلك بجهودهم الخاصة‪ ،‬وإمكانياتهم‬

‫الشخصية‪.‬‬

‫ويجب عليا أن نجعل نمط معيشتنا متناسقا مع ما أوصانا به‬
‫اإلسلم وأمرنا بالتقيد به‪ ،‬وذلك في لباسنا‪ ،‬وديكور منازلنا لون ًا‬
‫وشك ً‬
‫ل ومضمون ًا‪.‬‬

‫وكان سيدنا عمر بن الخطاب ‪ t‬إذا أرسل جيش ًا إلى أذربيجان‬
‫أو داغستان‪ ،‬كان يحذر الجنود تحذير ًا شديد ًا‪ ،‬بأن ال يتشبهوا بعبدة‬

‫األصنام الموجودين في تلك المناطق‪ .‬فل يقلدونهم في لباسهم‪،‬‬
‫وفي أكلهم وشربهم‪ ،‬وفي عاداتهم وتقاليدهم‪.‬‬

‫التسامح مع غير المسلمين‬

‫لكي نفهم الشكل المباح والمشروع لمصطلحات (التسامح)‬
‫و(تبادل الحديث) التي ترد كثير ًا في هذه األيام‪ ،‬بالصورة الصحيحة‪،‬‬
‫فيجب علينا أوال أن نعرف وجهة نظر اإلسلم لإلنسان‪.‬‬

‫‪379‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ويلقننا اإلسلم بأن ننظر إلى كل الناس بعين الخالق ‪Y‬الحنونة‪،‬‬

‫حتى وإن كان الشخص غير مسلم‪ .‬ويعتني اإلسلم بالمحافظة على‬
‫حقوق العباد‪ ،‬حتى ولو لم ُي ِج ْب الدعوة اإلسلمية وينال شرف‬
‫الدخول في اإلسلم ويهتدي إلى الطريق الصواب‪.‬‬

‫وإن المعاهدة التي وقعها سيدنا محمد ‪r‬مع اليهود في المدينة‬

‫المنورة هي مثال معبر عن ذلك‪ .‬وبناء على ذلك‪ ،‬فل بأس في أن‬
‫نعقد اتفاقيات مع غير المسلمين في مجال العمل المشترك في‬

‫مواضيع الدولة المشتركة‪ ،‬وحقوق الجميع كأفراد في المجتمع‪،‬‬

‫دون أن نتخلى عن أي محتوى للدين بأي شكل كان‪.‬‬

‫وإن تلقين اإلسلم وتوجيهه لنا في المناسبات اإلنسانية هو‪:‬‬

‫الشفقة والرحمة‪ .‬عن عمر بن يعلى بن مرة عن أبيه قال ‪:‬‬

‫«سافرت مع النبي ‪ r‬غير مرة فما رأيته مر بجيفة إنسان إال أمر‬

‫بدفنه ال يسأل أمسلم هو أم كافر» (الحاكم‪)1374/526 ،1 ،‬‬

‫َاز ُة َي ُه ِ‬
‫َاز ٌة َف َق َام َف ِق َ‬
‫يل َل ُه إِ َّن َها ِجن َ‬
‫إِ َّن ال َّنبِ َّي ‪َ r‬م َّر ْت بِ ِه ِجن َ‬
‫ود ٍّي َف َقال‪:‬‬
‫َ‬
‫سا" (البخاري‪ ،‬الجنائز‪)50 ،‬‬
‫"أ َل ْي َس ْت َن ْف ً‬
‫ويأمرنا اإلسلم أيضا أن نتصرف بدقة متناهية تجاه غير‬

‫المسلمين‪ ،‬فل نهضم حقوقهم‪ .‬وإن التعليمات التي أعطاها السلطان‬

‫العثماني محمد الفاتح بحساسية اإليمان وروحانيته لجنوده عندما‬
‫‪380‬‬

‫دخل مدينة اسطنبول بعد فتحها‪ ،‬إنما هي أفضل وأصدق تعبير عن‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫هذه الحقائق؛ حيث قال‪:‬‬

‫«ال تمسوا أبد ًا من لم يقاومكم‪ ،‬وطلب منكم العفو‪ .‬وال تلحقوا‬

‫أقل الضرر بالنساء واألطفال والشيوخ والمرضى»‪.‬‬

‫وقد تأثر بطريرك اسطنبول من تصرف السلطان محمد الفاتح‬

‫العاقل والمتسامح الذي طبقه قبل أن يسمع عن قرارات حقوق‬
‫اإلنسان الدولية‪ .‬وقد امتألت عيناه من البكاء‪ ،‬فركع أمام السلطان‬

‫قابضا على قدميه‪ .‬فأقامه الفاتح على ساقيه وقال له‪:‬‬

‫«إنه محرم في ديننا أن ينحني الناس أمام بعضهم‪ ،‬وكأنهم‬

‫يسجدون لله ‪ .Y‬قم فإني سأعيد لك ولكل النصارى معك جميع‬
‫الحقوق والحريات‪ .‬فل تخافوا بعد اليوم من عذابي الشديد في‬

‫موضوع حياتكم وحرياتكم»‪.‬‬

‫فبفضل تميز أجدادنا العثمانيين بأسلوب العدل والمسامحة‬

‫تجاه غير المسلمين‪ ،‬استطاعوا أن يستتبوا األمن‪ ،‬وينشروا الطمأنينة‬
‫والسكينة والصلح على مدى قرون‪ ،‬وحتى في منطقة (روم إيلي)‪،1‬‬

‫التي كانوا أقلية فيها بالنسبة للنصارى‪ .‬باإلضافة إلى أن هذا الحال‬

‫صار وسيلة لهداية الكثير من المجتمعات الغير مسلمة‪.‬‬

‫‪ 1‬املعنى من كلمة روم اييل‪ :‬املحافظات واملدن واملناطق التي تيل اسطنبول مثل‬
‫تِراقيا ودول ومناطق البلقان مثل بلغاريا وهنغاريا ورومانيا (املراجع د‪.‬آدم اقني)‬

‫‪381‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[وال ُت َج ِ‬
‫اد ُلوا َأ ْه َل ا ْل ِكت ِ‬
‫ين َظ َل ُموا‬
‫َاب إِ َّال بِا َّلتِي ِه َي َأ ْح َس ُن إِ َّال ا َّل ِذ َ‬
‫َ‬

‫ِم ْن ُه ْم َو ُقو ُلوا آ َم َّنا بِا َّل ِذي ُأن ِز َل إِ َل ْينَا َو ُأن ِز َل إِ َل ْي ُك ْم َوإِ َل ُهنَا َوإِ َل ُه ُك ْم َو ِ‬
‫احدٌ‬
‫س ِل ُمونَ ] (العنكبوت‪)46 ،‬‬
‫َو َن ْح ُن َل ُه ُم ْ‬

‫وكنتيجة لهذه اآلية الكريمة وآيات كثيرة وردت في القرآن‬

‫الكريم‪ ،‬فقد أرسلت بعض العائلت التركية األصيلة من هضبة‬
‫األناضول إلى دول في الغرب مثل (كوسوفا)‪ ،‬و(البوسنة والهيرسك)‬

‫بعد فتحهما‪ ،‬فعاشوا كرامة اإلسلم وفضائله وهويته بشكل تام‬

‫ومثالي‪ .‬وبنتيجة تمثيلهم لإلسلم على أفضل حال‪ ،‬وبسبب صدقهم‬
‫وإخلصهم‪ ،‬فقد أصبحوا وسيلة لهداية تلك الشعوب‪.‬‬

‫باإلضافة إلى أن الظلم الذي يقوم به العبد تجاه غير المسلم هو‬

‫مسؤولية أخروية كبيرة‪ ،‬كما هو عليه الحال في ظلمه ألخيه المسلم‪.‬‬
‫وفي إحدى المرات اختلف السلطان محمد الفاتح مع مهندس‬

‫معماري نصراني‪ ،‬ووصلوا إلى المحكمة ليقضي القاضي بينهما‪.‬‬
‫فقضى القاضي ضد السلطان محمد الفاتح‪ .‬وهذا مثال من األمثلة‬

‫الرائعة التي تعبر عن حساسية اإلسلم وحرصه على إعطاء الحقوق‬
‫‪382‬‬

‫ألصحابها‪ ،‬وعدم ظلم أحد من الناس‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫النقاط األساسية في الحوار مع غير المسلمين‬
‫إن الحياة الدنيا بأكملها هي ساحة للدعوة لإلسلم‪ .‬ففي‬

‫ظروف زمن النبي الكريم محمد ‪ ،r‬فقد أرسل في ذاك الزمن‬

‫عدة سفراء لكثير من ملوك الدول‪ ،‬لكي يتبادل معهم الحديث‬

‫في مواضيع مختلفة‪ .‬وذهب الصحابة الكرام ‪ y‬دون أن يشعروا‬
‫بأي نوع من أنواع التعب‪ ،‬بل كانوا مفعمين بفرحة الدعوة وتبليغ‬

‫الرسالة‪ ،‬حتى الصين وسمرقند‪.‬‬

‫وفي يومنا الحاضر‪ ،‬وقد َح َّلت وسائل االتصال والمواصلت‬

‫عائق المسافات الطويلة وعقبات التواصل‪ ،‬فعلينا أن نستفيد من‬
‫هذه الفرصة الثمينة وتوظيفها لصالحنا في الرد على جميع التهم‬

‫الموجهة ضد الدين اإلسلمي‪ ،‬بأنه دين إرهابي‪ .‬وعلينا أن نبين‬

‫للناس أجمعين بأن اإلسلم هو دين المحبة والتسامح والصلح‬
‫والسلم‪ .‬وأن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قد قضى فترة ال بأس فيها من حياة‬
‫الرسالة التي دامت ثلثة وعشرين عاما‪ ،‬في ردع اإلرهاب‪ ،‬وإنهاء‬

‫مشاكل الدم والثأر بين القبائل‪ .‬وعلينا أيضا أن نبين للجميع أن‬
‫اإلسلم هو دين يسعى لنشر العدل والمساواة بين الناس‪ ،‬ويؤدي‬

‫كل ذي حق حقه‪ .‬وهو دين الحضارة واإلنسانية الرفيعة‪ .‬لذا فإن‬
‫اجتماعنا مع غير المسلمين وتبادل الحديث معهم هو شرط أساسي‬
‫وواجب علينا‪ .‬ويجب علينا أثناء تبادل الحديث معهم أن نحرص‬

‫بشكل خاص على النقاط التالية‪:‬‬

‫‪383‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫‪ –1‬يجب أن ال ننسى أبدا أن الدين عند الله ‪U‬هو دين اإلسلم‬
‫فقط‪ .‬أما اليهودية والنصرانية‪ ،‬فهما أديان حق في األساس‪ ،‬ولكنهما‬
‫ُح ِرفا وتبدال مع مرور الزمن وجرت فيهما تحريفات وتبديلت‬
‫كثيرة ال َت ُم ُّت الى الحقيقة بِ ِص َل ٍة‪ .‬ونتيجة هذه التحريفات َ‬
‫مال الدين‬
‫المسيحي إلى االعتقاد (التثليثي)‪ .‬أما الدين اليهودي فقد اكتسب‬
‫حالة (األنتروبومورفية)‪ ،‬أي تجسيم الوجود اإللهي في صورة‬
‫القوي بوحدانية الله‬
‫بشر‪ .‬أما اإلسلم فهو دين التوحيد واإليمان‬
‫اّ‬
‫‪ U‬والعقيدة اإلسلمية التي تدعو الى اإليمان بالله الواحد األحد‬
‫الصمد وبيوم الحساب والجزاء يوم أن نلقى الله ‪ .U‬لذا فل يمكن‬
‫أبدا وضع اإلسلم في نفس الكفة مع األديان األخرى‪ .‬وال مكان‬
‫ألي محاولة للتأليف بينه وبين تلك األديان‪.‬‬
‫‪ –2‬أما النقطة األخرى ذات األهمية‪ ،‬هي الحفاظ على الصدق‬
‫واإلخلص‪ .‬ومثاال على ذلك‪ ،‬فقد ورد في القرآن الكريم تبادل‬
‫سيدنا موسى ‪ u‬الحديث مع فرعون‪.‬‬

‫‪384‬‬

‫حيث أن سيدنا موسى ‪ u‬ذهب إلى فرعون ليبلغه‪ ،‬وخاطبه‬
‫بأسلوب لين ولسان عذب‪ .‬ولكنه في حديثه معه‪ ،‬لم يتسامح أبدا‬
‫في أي حد شرعي من حدود الله ‪ .U‬وبسبب إخلصه وصدقه في‬
‫الدعوة‪ ،‬فقد نال سحرة فرعون الذين طلب منهم أن يبارزوا سيدنا‬
‫موسى شرف اإليمان‪ ،‬وشرف الثبات عليه على الرغم من تهديدات‬
‫فرعون بالقتل‪.‬‬
‫‪ – 3‬لقد لقننا اإلسلم ُطرق ًا ووسائل مشروعة ومباحة للوصول‬
‫إلى األهداف المباحة أيض ًا‪ .‬فل يمكن الوصول إلى هدف مباح‬

‫‪n‬‬

‫الصدق واإلخلص يف احلب والبغض ‪o‬‬
‫بوسيلة غير مباحة‪ .‬وهذا من أهم حساسيات اإلسلم‪ .‬وإن حياة‬
‫سيدنا محمد ‪ r‬التي دامت ثلث ًا وعشرين عاما هي أكبر وأصدق‬
‫دليل على ذلك‪ .‬فلم يلجأ عليه الصلة والسلم أثناء تبليغه الدعوة‬
‫إلى أي وسيلة لم يرض الله ‪ Y‬عنها‪.‬‬
‫وإن أكثر األمثلة المليئة بالعبر والحكم في هذا الخصوص‬
‫هو ما حدث في معركة بدر‪ .‬فكما ال يخفى على أحد‪ ،‬أن عدد‬
‫المسلمين في تلك المعركة كان ثلث عدد الكفار‪.‬‬

‫َخ َر َج َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪ِ r‬ق َب َل َبدْ ٍر َف َل َّما َك َ‬
‫ان بِ َح َّر ِة ا ْل َو َب َر ِة َأ ْد َر َك ُه َر ُج ٌل‬
‫اب َر ُس ِ‬
‫َقدْ َك َ‬
‫ين‬
‫ول ال َّل ِه ‪ِ r‬ح َ‬
‫ان ُي ْذ َك ُر ِم ْن ُه ُج ْر َأ ٌة َو َن ْجدَ ٌة َف َف ِر َح َأ ْص َح ُ‬
‫ول ال َّل ِه ‪ِ r‬ج ْئ ُت ِ َ‬
‫يب َم َع َك َق َ‬
‫َر َأ ْو ُه َف َل َّما َأ ْد َر َك ُه َق َ‬
‫ال لِ َر ُس ِ‬
‫ال‬
‫أل َّتبِ َع َك َو ُأ ِص َ‬

‫ال َال َق َ‬
‫ول ال َّل ِه ‪ُ r‬ت ْؤ ِم ُن بِال َّل ِه َو َر ُسولِ ِه َق َ‬
‫َل ُه َر ُس ُ‬
‫ين‬
‫ار ِج ْع َف َل ْن َأ ْست َِع َ‬
‫ال َف ْ‬
‫َ‬
‫الر ُج ُل َف َق َ‬
‫بِ ُمشْ ِر ٍك َقا َل ْت ُث َّم َم َضى َح َّتى إِ َذا ُك َّنا بِ َّ‬
‫ال َل ُه‬
‫الش َج َر ِة أ ْد َر َك ُه َّ‬

‫ال َأ َّو َل َم َّر ٍة َف َق َ‬
‫َك َما َق َ‬
‫ال َأ َّو َل َم َّر ٍة َق َ‬
‫ال َل ُه ال َّنبِ ُّي ‪َ r‬ك َما َق َ‬
‫ار ِج ْع َف َل ْن‬
‫ال َف ْ‬
‫ال َل ُه َك َما َق َ‬
‫ال ُث َّم َر َج َع َف َأ ْد َر َك ُه بِا ْل َب ْيدَ ِاء َف َق َ‬
‫ين بِ ُمشْ ِر ٍك َق َ‬
‫ال َأ َّو َل‬
‫َأ ْست َِع َ‬
‫ال َن َع ْم َف َق َ‬
‫َم َّر ٍة ُت ْؤ ِم ُن بِال َّل ِه َو َر ُسولِ ِه َق َ‬
‫ول ال َّل ِه ‪َ r‬فان َ‬
‫ال َل ُه َر ُس ُ‬
‫ْط ِلقْ (مسلم‪،‬‬
‫الجهاد‪)150 ،‬‬

‫لذا فيجب علينا أن ال نتنازل عن أي شيء في أحكام الله ‪،U‬‬
‫وسنة رسوله وحبيبه ‪ ،r‬وفي حساسية التبليغ‪ .‬ويجب علينا أن ال‬
‫ننسى أن أي تنازل بسيط في هذه المواضيع سوف يلحق األذى‬

‫‪385‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والضرر باإليمان‪.‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ول َف َقدْ َأ َطاعَ ال َّل َه َو َمن َت َو َّلى َف َما َأ ْر َس ْلن َ‬
‫الر ُس َ‬
‫َاك َع َل ْي ِه ْم‬
‫ْ‬
‫[من ُي ِط ِع َّ‬
‫َح ِف ً‬
‫يظا] (النساء‪)80 ،‬‬

‫وورد في آية كريمة أخرى‪:‬‬
‫ين آ َمنُوا ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي ال َّل ِه َو َر ُسولِ ِه َوات َُّقوا ال َّل َه‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫يم] (الحجرات‪)1 ،‬‬
‫إِنَّ ال َّل َه َس ِم ٌ‬
‫يع َع ِل ٌ‬

‫ومن جانب آخر‪ ،‬يجب علينا أن ال ننسى أن التنازالت التي‬
‫يقدمها المسلمون في أحاديثهم مع غير المسلمين تخص األشخاص‬
‫الذين وقعوا في ذلك الخطأ‪ .‬فيجب علينا في مثل هذه الحوادث‬
‫االنفرادية أن نتجنب توجيه التهم القاسية للمجتمعات التي يعيش‬
‫فيها أناس يتميزون باإلستقامة‪ ،‬وامتألت قلوبهم باإليمان‪ .‬ألن مثل‬
‫هذه التصرفات المزعجة تحرج المؤمنين الذين يحرصون على‬
‫تبليغ الرسالة ضمن اهتمامهم البالغ بالحساسيات اإلسلمية‪.‬‬
‫اللهم ال تحرم قلوبنا من هذه الحساسيات‪.‬‬

‫وحبب إلينا ال ّلهم اإلسالم وزين قلوبنا بمحبة اإليمان‪.‬‬
‫ّ‬

‫وكره إلينا اللهم الكفر والفسوق والمعصية‪ ،‬وأبعدنا اللهم عن كل‬

‫ما يغضبك وقربنا من كل ما يرضيك كما يليق بك ورسولك محمد عليه‬
‫الصالة والسالم‪ .‬وألحقنا اللهم بزمرة عبادك الصالحين الذين جعلتهم‬

‫مفتاحا للخير وقفال للشر‪...‬آميــن‬
‫‪386‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال والفناء دائم ًا‬

‫في أي مشهد ووضع سيتم فيه لقاؤنا المؤكد مع ملك الموت‪ ،‬هل سنقابله‬
‫أثناء السجود؟ أم أثناء قيامنا بمعصية أوبعمل خاطئ؟‪ .‬فلنتأمل ولنفكر‬
‫دائم ًا بالجملة األخيرة التي سينطقها لساننا قيل الموت‪.‬‬
‫قال سيدنا جنيد البغدادي‪:‬‬
‫"إن يوما واحدا من الحياة الدنيا هو أفضل وأخير من ألف سنة في اآلخرة‪.‬‬
‫ألنه في ذلك اليوم الواحد في الحياة الدنيا لديك فرصة للحصول على‬
‫الرضاء اإللهي‪ .‬أما في اآلخرة فليس لديك فرصة لكي تقوم بأي عمل‬
‫صالح وتحصل على ثوابه‪ .‬وال يوجد في اآلخرة إال الحساب والسؤال‬
‫عن العمر الذي قضيته وأفنيته"‪.‬‬

‫تذكر الزوال والفناء دائم ًا‬
‫إن أكبر وأصعب عقبة يجب على اإلنسان أن يتجاوزها في‬

‫امتحان الحياة الدنيا هي‪( :‬إبليس)‪ .‬والعقبة الثانية صعوبة هي‪(:‬النفس)‪.‬‬
‫والنفس تذكر اإلنسان عادة بالتوجه السلبي والمنحرف‪ ،‬كالقيام‬
‫بالمعاصي واإلبتعاد عن ذكر الله ‪ .U‬وإن معظم تلك التوجهات‬

‫السلبية في حياة اإلنسان تنبع من الرغبتين الموجودتين في طبيعته‪،‬‬
‫رغبة‪( :‬اإلعتراض على الزوال) ‪ ،‬ورغبة‪( :‬البقاء األبدي)‪.‬‬

‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإن اإلنسان ال يرغب أبد ًا بأن تزول النعم التي‬
‫حصل عليها‪ ،‬ويتمنى دائم ًا أن يعيش في الحياة الدنيا إلى األبد‬
‫دون أن يقابل الموت‪ .‬فبعض الناس يجدون األبدية في أن يكونوا‬

‫أصحاب ولد وتلد‪ ،‬ويرغبون بأن يستمر نسلهم حتى يوم القيامة‪.‬‬
‫والبعض اآلخر من الناس يجد األبدية في اهتمامه الزائد والمبالغ‬
‫بجسده وبمظهره الخارجي‪ ،‬فيرغب بالعيش لقرون طويلة‪ .‬والبعض‬

‫يجدها في ترك مؤلفات وآثار أدبية لتدوم من بعده إلى األبد‪ ،‬فيرغب‬
‫بأن يبقى اسمه شامخ ًا حتى بعد موته‪ .‬وهناك البعض الذين يبحثون‬
‫عن األبدية في جمع المال‪ ،‬واقتناء الثروات‪ ،‬وشراء األملك‪،‬‬

‫فيعتمد هؤالء على قوتهم المادية ونفوذهم‪ ،‬ويرغب في أن تكون‬

‫أملكه وثرواته سندا له في وجوده وكيانه‪.‬‬

‫‪389‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[ َي ْح َس ُب َأنَّ‬

‫َ‬

‫َم َال ُه أ ْ‬
‫خ َل َدهُ] (الهمزة‪)3 ،‬‬

‫مع العلم أن البحث عن األبدية وعدم الزوال في هذه الحياة‬

‫الدنيا‪ ،‬واإلعتقاد بأن النعم التي اكتسبت لن تزول‪ ،‬وأن األيام‬

‫السعيدة لن تنتهي‪ ،‬إنما ذلك هو حلم بعيد عن الواقعية‪ ،‬وهذا أمل‬
‫لن يتحقق‪ ،‬وهو كاإلنخداع بالسراب في الصحراء‪.‬‬
‫حيث قال أحد أولياء الحق ‪:U‬‬

‫«ال تطلب األبدية من الدنيا‪ ،‬إنها ال تملكها فكيف تعطيك إياها»‪.‬‬
‫لذا يجب علينا أن ال ننسى أبد ًا أننا وجدنا في هذه الحياة الدنيا‬

‫كضيوف‪ ،‬وأن بطاقة عمرنا سوف تنتهي مدتها في يوم مجهول‬
‫بالنسبة لنا‪ ،‬وأن الحياة األبدية هي حياة اآلخرة‪ .‬حيث أن الله ‪ Y‬لم‬
‫ُينج أي كائن أو مخلوق من الزوال‪.‬‬

‫وإن نسيان اإلنسان للزوال هو حماقة كحماقة من يدفن رأسه‬

‫في التراب معتقد ًا بأنه قد نجا من الخطر بعدم رؤيته إياه‪ .‬ولكن ومع‬
‫األسف الشديد‪ ،‬فإن موقف وتصرف أكثر بني البشر تجاه الموت‬

‫والزوال ليس مختلف ًا عن ذلك التشبيه‪ .‬فكثير من الناس يعيشون‬
‫حياتهم بشكل يغضب الله ‪ U‬ويبغضه‪ .‬بد ً‬
‫ال من أن يجملوها بأن‬
‫‪390‬‬

‫يكونوا عبادا صالحين ومقربين لربهم ‪.U‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫ِ‬
‫متضادتان‬
‫حقيقتان‬

‫قال وهب بن منبه كان ملك من الملوك أراد أن يركب إلى أرض‬
‫فدعا بثياب ليلبسها فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما أعجبه بعد‬
‫مرات وكذلك طلب دابة فأتى بها فلم تعجبه حتى أتى بدواب فركب‬
‫أحسنها فجاء إبليس فنفخ في منخره نفخة فمأله كبرا‬

‫ثم سار وسارت معه الخيول وهو ال ينظر إلى الناس كبرا فجاءه‬
‫رجل رث الهيئة فسلم فلم يرد عليه السلم فأخذ بلجام دابته فقال‬
‫أرسل اللجام فقد تعاطيت أمر عظيم ًا قال إن لي إليك حاجة قال‬
‫اصبر حتى أنزل قال ال اآلن فقهره على لجام دابته فقال أذكرها قال‬
‫هو سر فأدنى له رأسه فساره وقال أنا ملك الموت فتغير لون الملك‬
‫واضطرب لسانه ثم قال دعني حتى أرجع إلى أهلي وأقضي حاجتي‬
‫وأودعهم قال ال والله ال ترى أهلك وثقلك أبد ًا فقبض روحه فخر‬
‫كأنه خشبة ثم مضى فلقي عبد ًا مؤمن ًا في تلك الحال فسلم عليه فرد‬
‫السلم فقال إن لي إليك حاجة أذكرها في أذنك فقال هات فساره‬
‫وقال أنا ملك الموت فقال أه ً‬
‫ل ومرحب ًا بمن طالت غيبته على فوالله‬
‫ما كان في األرض غائب أحب إلى أن ألقاه منك فقال ملك الموت‬
‫اقض حاجتك التي خرجت لها فقال مالي حاجة أكبر عندي وال‬
‫أحب من لقاء الله تعالى قال فاختر على أي حال شئت أن أقبض‬
‫روحك فقال تقدر على ذلك قال نعم إني أمرت بذلك قال فدعني‬
‫حتى اتوضأ وأصلي ثم اقبض روحي وأنا ساجد فقبض روحه وهو‬
‫ساجد‪( .‬الغزالي‪ ،‬إحياء علوم الدين‪)467 ،4 ،‬‬

‫‪391‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقد صور موالنا جلل الدين الرومي موت عشاق الله‪Y‬‬

‫أجمل تصوير‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«إن موت الجسد هو هدية إلهية ألهل السر‪ .‬فهل يمكن‬

‫للمقص بأن يلحق األذى بالذهب الخالص؟»‪.‬‬

‫وهكذا فقد شاهدنا مظهرا مريعا للحظة انتهاء الحياة التي‬

‫قضيت في غفلة وتمتع وعدم تقيد بأوامر الله ‪ ...Y‬أما من الناحية‬

‫األخرى فقد شاهدنا رمق ًا أخير ًا متميز ًا بالطمأنينة والسكينة والراحة‪،‬‬

‫وبعيدا عن الخوف والهم‪ ،‬ومستعدا دائما للقاء ربه ‪ ،U‬باألعمال‬

‫الصالحة والحسنة التي قدمت ضمن الشعور والوعي التام بحقيقة‬
‫الزوال والفناء‪ .‬وهكذا فإن الموت عبارة عن فزع وهلع متجسد في‬
‫الكوابيس والرؤى السيئة بالنسبة لبعض الناس‪ .‬وهو عبارة عن ليلة‬

‫الزفاف – على حسب تعبير سيدنا جلل الدين لرومي – للبعض اآلخر من‬
‫الناس‪ ،‬حيث يلتقي العبد في ذلك اليوم بربه‪.‬‬

‫ونحن بدورنا‪ ،‬يجب علينا أن نتأمل دائم ًا ونتفكر في أي مشهد‬

‫ووضع سيتم فيه لقاؤنا المؤكد مع ملك الموت‪ ،‬هل سنقابله أثناء‬

‫السجود؟ أم أثناء قيامنا بمعصية أوبعمل خاطئ؟‪ .‬ولنتأمل ولنفكر‬
‫‪392‬‬

‫دائم ًا بالجملة األخيرة التي سينطقها لساننا قبل الموت‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫ِ‬
‫ابك عل نفسك‪ ،‬ال على الميت‬
‫قال سيدنا حسن البصري‪:‬‬

‫«إن سيدنا عزرائيل ‪ u‬ال يقبض إال روح من نفد رزقه وانتهى‬

‫عمره‪ .‬فيبكي وينوح أهل بيته على موته‪ .‬أما عزرائيل ‪ u‬فيقول‬
‫بلسان الحال‪( :‬لم تبكون؟‪ ،‬فإني لم آكل شيئ ًا من رزق هذا الرجل‪.‬‬
‫ولم أقطع من عمره يوم ًا‪ .‬لقد نفد رزقه وانتهى عمره‪ ،‬وصار أمر الله‬
‫‪ Y‬واقع ًا‪ .‬وجاءني األمر اإللهي فقبضت على روحه‪ .‬فل تبكوا دون‬
‫جدوى‪ .‬فإني سآتي إلى هنا دائم ًا‪ ،‬وسأقبض على أرواحكم جميع ًا‬
‫دون أن أترك أحدا منكم)»‪.‬ثم تابع سيدنا حسن البصري قائل‪:‬‬
‫سيدنا عزرائيل ‪ ،u‬ويستمعون‬
‫«ولواستطاع أهل البيت أن يروا اّ‬

‫إلى ما قاله‪ ،‬لتركوا الميت ونسوه‪ ،‬وبكوا على أنفسهم»‪.‬‬

‫وإن الله ‪ U‬صاحب الحكمة في كل أمر يقضيه‪ ،‬جعل وقت‬
‫األجل مخفي ًا بستارة سرية‪ .‬حتى ال ننسى الموت أبد ًا‪ ،‬وأن نكون على‬
‫استعداد تام له‪ ،‬دون أن نقصر في أداء األعمال الدنيوية التي تتوجبها‬

‫المعيشة وظروف الحياة‪ .‬وذلك من رحمة الخالق ‪ U‬على عباده‪.‬‬
‫فلوعلم اإلنسان مسبق ًا وقت وفاته‪ ،‬لترك من حزنه وهمه‬

‫القيام بأي عمل أوالسعي في تحقيق أي هدف‪ ،‬ولنسي حتى عائلته‬
‫وأوالده‪ .‬ولفقدت الحياة نظامها وترتيبها‪ .‬ولو عرف الناس ماذا‬
‫سيحدث في المستقبل مسبقا‪ ،،‬لما كان بإمكانهم أن يسعدوا أو‬

‫‪393‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫يجدوا النشوة في الشعور بالطمأنينة و السكينة و الراحة عندما‬

‫يتغلبون على مصاعب الحياة و مشقاتها ‪ .‬و لو عرفت أم مسبقا أن‬
‫ابنها سيموت شابا ‪ ،‬أو أنه سيكون رجل سيئا و شرسا في المستقبل‬
‫لقضت حياتها حزينة و مضطربة دائما ‪.‬‬

‫لذا فإن عدم معرفة العبد لحظة موته ‪ ،‬هو رحمة و لطف من‬

‫الله سبحانه و تعالى ‪ .‬ألن الخالق عز و جل خلق الحياة الدنيا بناء‬
‫على حكمة االمتحان ‪ ،‬و جعل " القدر " و " األجل " مجهولين بناء‬

‫على الحكمة ذاتها ‪ .‬لذا فمن الضروري على اإلنسان أن يكون في‬
‫أي لحظة و مكان مستعدا للموت ‪.‬‬
‫و ورد في اآلية الكريمة ‪:‬‬

‫س َذائِ َق ُة ا ْل َم ْو ِ‬
‫ت ُث َّم إِ َل ْينَا ُت ْر َج ُع َ‬
‫" ُك ُّل َن ْف ٍ‬
‫ون "‬

‫( العنكبوت ‪)75 ،‬‬

‫و كثير هي اآليات الكريمات المشابهة لهذه اآلية ‪ ،‬و التي هي‬

‫كلها عبارة عن تذكير و تنبيه من قبل الله سبحانه و تعالى لنا في‬

‫القرآن الكريم ‪ ،‬لكي نتجنب و نحرص على أن ال نغرق في سيول‬
‫شهواتنا ‪ ،‬و غرائزنا النفسية و الشيطانية ‪.‬‬

‫وقد حرص أجدادنا العثمانيون على هذا الموضوع حرص ًا‬
‫شديد ًا ‪ .‬فجعلوا المقابر في أوساط المدن ‪ ،‬أو أمام المساجد ‪ .‬حتى‬

‫يرى كل من يمر من أمامها مستقبله و حالته التي سيؤول إليها ‪ .‬و‬

‫يستخلص من ذلك درس الفناء و الزوال لكي يصلح نفسه ‪ ،‬و يعمل‬
‫‪394‬‬

‫األعمال الصالحة ‪ ،‬و يبتعد عن المعاصي و السيئات ‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫و الموت الذي يصادفنا و نسمع عنه كثيرا ‪ ،‬و نشاهده من حولنا‬
‫‪ ،‬يجب أن ندرك أنه حق ‪ .‬و إننا مجبرين على أن نستوعب هذه‬
‫الحقيقة و نعتبر بها ‪.‬‬
‫و كما ورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمدا صلى الله‬
‫عليه و سلم قال ‪:‬‬
‫"أ َْكثِ ُروا ِذ ْك َر هَ ِ‬
‫اذ ِم ال َّل َّذ ِ‬
‫ات"يعني الموت‬

‫(الترمذي‪ ،‬الزهد‪)4 ،‬‬

‫و ورد في حديث شريف آخر ‪ ،‬أن النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫قال ‪ ،‬مشير ًا إلى الناحية التربوية للصلة بخصوص تفكر الموت ‪:‬‬
‫"إذا قمت في صالتك فصل مودع"‬

‫(ابن ماجة‪ ،‬الزهد‪)51 ،‬‬

‫أي أن عبادة الصلة هي عبارة عن طريق سفر معنوي‪ ،‬من حياتنا‬
‫الدنيوية المؤقتة التي نعيش فيها ‪ ،‬إلى الحياة األساسية و الدائمة ‪،‬‬
‫الحياة اآلخرة‪ .‬وهي عبارة عن تقديم العبودية و الوفاء والتسليم‬
‫الكامل و اإلطاعة لله ‪ U‬خمس مرات في اليوم‪ .‬وهي عبارة عن‬
‫تربية للروح من قبيل أخذ جزء من لقاء الخالق ‪ U‬أثناء العيش في‬
‫الحياة الدنيا التي هي بمثابة ديار الغربة بالنسبة للمؤمنين ‪.‬‬

‫والصلة من هذه الناحية هي معراج للمؤمنين بين الحياة الدنيا‬
‫واآلخرة ‪ .‬والمؤمن الذي يقيم صلته بخشوع و تطبيق تام لألركان ‪،‬‬
‫ثم يعود بعدها إلى عمله و مشاغله اليومية باألمور الدنيوية ‪ ،‬هو الذي‬
‫يعيش حياته في جو من الطمأنينة الروحية ‪ .‬و كأنه بعث إلى الحياة‬
‫من جديد بعد موته ‪ .‬و تلك الصلة التي تقام بصدق و إخلص لله‬

‫‪395‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫‪ ،U‬تحمي اإلنسان من المنكر و الفحشاء ‪ .‬و هي تعليم جيد و مثالي‬
‫للتفكر و التأمل بالموت وإن المؤمنين الذين يقيمون صلواتهم كمن‬
‫يصلي مودعا للحياة الدنيا‪ ،‬فيعيشون وكأنهم ينظرون إلى كل شيء من‬
‫نافذة اآلخرة‪ .‬فهل من المعقول أن يكون الشيطان رفيقا لمثل هؤالء‬
‫الناس الذين وصلوا إلى درجة النضوج المعنوي والروحي في رحلة‬
‫حياتهم؟‪ .‬وهل يمكن أن يخسروا قلوبهم مقابل غريزة بشرية فانية؟!‪.‬‬
‫وسئل يوما سيدنا إبراهيم بن أدهم السؤال التالي‪:‬‬

‫«لماذا ال يقبل منا دعاؤنا التي ندعو به الله ‪ Y‬؟»‪.‬‬
‫فقال سيدنا إبراهيم بن أدهم‪:‬‬

‫«إنكم تعرفون الله ‪ ،U‬ولكنكم ال تتمسكون بأوامره‪ .‬وتعرفون‬
‫نبيه محمدا ‪ ،r‬ولكنكم ال تتبعون سنته الشريفة‪ .‬وتقرؤون القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬ولكنكم ال تعملون به‪ .‬وتأكلون وتشربون مما رزقكم الله‬
‫‪ U‬من نعم‪ ،‬ولكنكم ال تشكرونه وال تحمدونه‪ .‬وتعرفون الجنة‪،‬‬
‫ولكنكم ال تسعون جاهدين للفوز بها‪ .‬وتعرفون النار‪ ،‬ولكنكم ال‬
‫تتأهبون لها‪ .‬وتقولون أن الموت حق‪ ،‬ولكنكم ال تهيئون أنفسكم‬
‫له‪ .‬وتضعون آباءكم وأمهاتكم بأيديكم في القبور‪ ،‬ولكنكم ال‬
‫تعتبرون‪ .‬فإذا كان حالكم على ذلك‪ ،‬فكيف يمكن أن يستجاب دعاء‬
‫أحد يعيش في غفلة شديدة كهذه ؟!» (تذكرة األولياء‪ ،‬ص‪)40 :‬‬
‫‪396‬‬

‫وهكذا فإن لم ُيقرأ درس الموت كما يجب‪ ،‬ولم تؤخذ العبرة‬
‫المطلوبة‪ ،‬فيكون التجهيز لألجل والموت قد أهمل إهما ً‬
‫ال شديد ًا‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫أهم مجهول في الحياة‪ :‬الرمق األخير‬
‫إن أولياء الحق ‪ U‬الذين يعيشون بقلب حكيم وعارف ومؤمن‬
‫بربه ‪ ،U‬يقضون أعمارهم متميزين بالنضوج الروحي والمعنوي‬
‫الذي يدفعهم للتفكر والتأمل بالموت‪ .‬وقلقين من المجهول‬
‫األعظم في حياتهم‪ ،‬وهو الرمق األخير‪ .‬ألنهم يعرفون عز المعرفة‬
‫أن الشيطان الذي يسعى طوال حياة اإلنسان إلى إضلله وإزاغة‬
‫قلبه‪ ،‬فهو يتسلط بشراهة أكبر على الشخص الذي ينازع في رمقه‬
‫األخير‪ .‬فمن وجد في قلبه تردد ًا أوشبه ًة‪ ،‬فسوف يحاول الشيطان‬
‫أن يضله عن طريق الصواب‪ ،‬ويجعله أسير ًا للكفر والعياذ بالله‪ .‬ثم‬
‫يترك ذلك اإلنسان لوحده مع حالته السيئة التي آل إليها‪ ،‬ويذهب‬
‫بعيد ًا عنه‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ان ْاك ُف ْر َف َل َّما َك َف َر َق َ‬
‫ان إِ ْذ َق َ‬
‫َ‬
‫ِنس ِ‬
‫الش ْي َط ِ‬
‫[ك َم َثلِ َّ‬
‫يء‬
‫ال إِ ِّني َب ِر ٌ‬
‫ال لِإل َ‬
‫اف ال َّل َه َر َّب ا ْل َع َال ِ‬
‫ِّم َ‬
‫نك إِ ِّني َأ َخ ُ‬
‫مينَ] (الحشر‪)16 ،‬‬
‫ولهذا السبب‪ ،‬فنأمل من الله ‪ Y‬أن يجعلنا محتفظين على‬
‫إخلصنا تجاهه في رمقنا األخير‪ .‬وإن آخر منعطف في ممر األجل‬
‫الذي سيمر منه جميع الناس في طريق سفر حياتهم‪ ،‬هو منعطف‬
‫وعر وخطير‪ .‬لذا يجب أن يكون همنا األكبر وقلقنا األعظم هو أن‬
‫نكون قادرين على السير بسلمة في هذا الطريق‪ ،‬والعبور بأمان من‬
‫ذلك المنعطف الخطر‪.‬‬

‫‪397‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫ين آ َمنُو ْا ات َُّقو ْا ال َّل َه َحقَّ ُت َقاتِ ِه َو َال َت ُمو ُت َّن إِ َّال َو َأنتُم‬
‫[ َيا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬
‫س ِل ُمونَ ] (آل عمران‪)102 ،‬‬
‫ُّم ْ‬
‫ان ْب ُن َم ْظ ُع ٍ‬
‫ار َلنَا ُعث َْم ُ‬
‫ين‬
‫الس ْكنَى ِح َ‬
‫َع ْن ُأ ِّم ا ْل َع َل ِء َقا َل ْت َط َ‬
‫ون ِفي ُّ‬
‫ا ْقتَر َع ْت ْ َ‬
‫األن َْص ُار َع َلى ُس ْكنَى ا ْل ُم َه ِ‬
‫ين َف ْ‬
‫اشت ََكى َف َم َّر ْضنَا ُه َح َّتى‬
‫اج ِر َ‬
‫َ‬
‫ُت ُو ِّف َي ُث َّم َج َع ْلنَا ُه ِفي َأ ْث َوابِ ِه َفدَ َخ َل َع َل ْينَا َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه َ‪َ r‬ف ُق ْل ُت َر ْح َم ُة‬
‫َ‬
‫ب َف َش َها َدتِي َع َل ْي َك َل َقدْ َأ ْك َر َم َك ال َّل ُه َق َ‬
‫السائِ ِ‬
‫ال َو َما‬
‫ال َّل ِه َع َل ْي َك أ َبا َّ‬
‫ين إِ ِّني َ َ‬
‫ُيدْ ِر ِ‬
‫يك ُق ْل ُت َال َأ ْد ِري َوال َّل ِه َق َ‬
‫أل ْر ُجو‬
‫ال َأ َّما ُه َو َف َقدْ َجا َء ُه ا ْل َي ِق ُ‬
‫َل ُه ا ْل َخ ْي َر ِم ْن ال َّل ِه َوال َّل ِه َما َأ ْد ِري َو َأ َنا َر ُس ُ‬
‫ول ال َّل ِه َما ُي ْف َع ُل بِي َو َال بِ ُك ْم‬
‫َقا َل ْت ُأ ُّم ا ْل َع َل ِء َف َوال َّل ِه َال ُأ َز ِّكي َأ َحدً ا َب ْعدَ ُه َقا َل ْت َو َر َأ ْي ُت لِ ُعث َْم َ‬
‫ان ِفي‬
‫ال َذ ِ‬
‫ول ال َّل ِه‪َ r‬ف َذ َك ْر ُت َذلِ َك َل ُه َف َق َ‬
‫ال َّن ْو ِم َع ْينًا َت ْج ِري َف ِج ْئ ُت َر ُس َ‬
‫اك‬
‫ج ِري َل ُه (البخاري‪ ،‬التعبير‪)27 ،‬‬
‫َع َم ُل ُه َي ْ‬

‫لذا فإنه من المستحيل أن نعرف على أي حال سنموت‪ .‬فذلك‬

‫مجهول بالنسبة لكل بني البشر‪ .‬ويجب على الذين لم تقبض‬
‫أرواحهم بعد‪ ،‬أن يتجنبوا الحكم القطعي والجزم تجاه أحد من‬
‫األموات‪ .‬ويجب عليهم أن يدعوا الله ‪ U‬له بأن يتغمده برحمته‬
‫ويحسن إليه‪ ،‬ويقوموا باألعمال الحسنة والخيرة على روحه‪.‬‬
‫وورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪ r‬قال‪:‬‬

‫‪398‬‬

‫وت المرء َعلى َما َع َ‬
‫ات َع َليه"‬
‫اش َع َل ْي ِه َو ُي ْح َش ُر َعلي َما َم َ‬
‫" َي ُم ُ‬

‫(المناوي‪ ،‬فيض القدير‪.)663 ،5 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫والحال على األغلب بهذا الشكل‪ .‬وليس بمقدور أحد أن يكون‬
‫مطمئن ًا بخصوص الرمق األخير‪ ،‬إال األنبياء ومن بشرهم األنبياء‪ .‬أي‬
‫يجب على الشخص أن ال يعتمد على أعماله الخيرة والحسنة‪،‬‬

‫وعلى الثواب واألجر الذي اكتسبه‪ ،‬وعلى صدقه وإخلصه في‬

‫حياته‪ ،‬حتى تلك اللحظة األخيرة من عمره‪ .‬ويجب عليه أن يعرف‬

‫عز المعرفة أن الملجأ والمنجى الوحيد الذي يجب أن يحتمي به‬
‫ويعتمد عليه هو الله ‪ .Y‬فيجب عليه أن يلتجئ إليه ويحتمي به‬
‫وذلك بإطاعته ألوامر ربه ‪ U‬وابتعاده عن نواهيه‪.‬‬

‫ويجب أن ال ننسى أن أعمالنا الصالحة التي نقوم بها في سبيل‬

‫الله ‪ Y‬هي كالدعاء والتضرع‪ ،‬وهي بحاجة إلى قبول واستجابة من‬
‫قبله ‪ .U‬وكما ورد في الحديث الشريف في خصوص الرمق األخير‬
‫الذي هو أعظم مجهول بالنسبة لإلنسان‪ ،‬أن النبي ‪ r‬قال‪:‬‬

‫"إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم عمله‬

‫بعمل أهل النار وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم‬

‫يختم له عمله بعمل أهل الجنة"‬

‫(مسلم‪ ،‬القدر‪)11 ،‬‬

‫وقد لقب أحد أولياء الحق ‪ U‬ويدعى عليا اّ‬
‫بالبكاء (أي الذي يبكي‬

‫كثيرا)‪ ،‬فيروى أن سبب حصوله على اللقب هو على الشكل التالي‪:‬‬

‫كان لديه صديق صالح مثله‪ ،‬وولي من أولياء الله ‪ .U‬وكان‬
‫ذو كرامات وأحوال طيبة مباركة‪ .‬وخرجوا يوم ًا في سفر سوية‪.‬‬
‫وكان المكان الذي يودون الذهاب إليه يبعد مسافة عام كامل مشي ًا‬

‫‪399‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫على األقدام‪ .‬فقطعوا تلك المسافة الطويلة خلل ساعة واحدة‬
‫بكرامتهم‪ .‬فقال له صديقه ذاك يوصيه‪« :‬إني سأموت في المكان‬

‫الفلني وفي الساعة الفلنية‪ .‬فكن بجانبي في ذلك الوقت»‪ .‬ولكن‬
‫روحه قبضت وكان رمقه األخير بعيد ًا عن اإليمان‪.‬‬
‫لذا‪ ،‬وبعد هذه الحادثة المؤلمة والحزينة‪َ ،‬بدأ سيدنا علي البكاء‬
‫يبكي كثير ًا‪ ،‬خوف ًا من أن ال ينال رضا الله سبحانه وتعالى‪ ،‬وقلقا بأن‬

‫ال يموت على اإليمان في رمقه األخير‪.‬‬

‫لذا فيجب على المؤمن أن يكون قلبه في نقطة التوازن بين‬

‫شعور الخوف وشعور األمل‪ ،‬بخصوص موضوع الرمق األخير‪.‬‬

‫وكان أحمد بن عاصم األنطاكي – رحمة الله عليه – يجيب على‬
‫شخص طلب منه النصيحة‪ .‬فنصحه قائ ً‬
‫ٍ‬
‫ل‪:‬‬
‫«إن الخوف األكثر فائدة هو الذي يجبر اإلنسان على اإلبتعاد‬

‫عن المعاصي‪ ،‬واألعمال التي تغضب الله ‪ .Y‬وهو الذي يجعل‬
‫اإلنسان غارق ًا في الحزن عندما يفوته عمل من أعمال اآلخرة‪ .‬وهو‬

‫الذي يوجه اإلنسان إلى التفكر بعمره المتبقي‪ ،‬وحالة رمقه األخير»‪.‬‬
‫وقال سيدنا محمد بن معصوم الفاروقي‪:‬‬

‫إن الخوف من الرمق األخير نعمة‪ .‬حيث أن أولياء الحق ‪ U‬قد‬

‫أسروا من قبل هذ الهم “‪.‬‬
‫‪400‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فإن من يعش حياته في خوف وقلق من الرمق األخير‪،‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫إضافة إلى تحليه باألخلق الحميدة ونشوة العبادة ووجد اإليمان‪،‬‬
‫فقد وعد من ِق َبل الله ‪ U‬بأنه سيحميه من خوف يوم القيامة وحزنه‬

‫وقلقه‪ .‬فكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫اس َت َق ُاموا َت َتن ََّز ُل َع َل ْي ِه ُم ا ْل َمالئِ َك ُة َأ َّال‬
‫[إِنَّ ا َّل ِذ َ‬
‫ين َقا ُلوا َر ُّبنَا ال َّل ُه ُث َّم ْ‬
‫وعدُ ونَ ] (فصلت‪.)30 ،‬‬
‫َت َخا ُفوا َوال َت ْحزَ ُنوا َو َأ ْب ِش ُروا بِا ْل َج َّن ِة ا َّلتِي ُكنت ُْم ُت َ‬

‫ماذا ستكون عاقبتك؟‬

‫كان للشيخ أحمد حرب جار مجوسي (أي من عبدة النار)‪،‬‬
‫وكان يدعى (بهرام)‪ .‬فنصح سيدنا أحمد حرب يوم ًا جاره بنصائح‬
‫اإليمان‪ .‬فقال له المجوسي الهرم‪:‬‬

‫«يا شيخ المسلمين‪ ..‬دعني أسألك ثلثة أسئلة‪ ،‬فإن أجبت‬
‫فسوف أؤمن بدينك»‪.‬‬
‫فقال له الشيخ أحمد‪ « :‬فاسأل إذ ًا»‪.‬‬

‫فسأله بهرام قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«لماذا خلق الله بني البشر؟‪ .‬ومع أنه أعطاهم رزقهم‪ ،‬فلماذا‬
‫يقتلهم ويميتهم؟‪ .‬وبما أنه يميتهم فلماذا يبعثهم؟»‪.‬‬
‫فأجابه الشيخ احمد على أسئلته بهذه اإلجابة‪:‬‬

‫«لقد خلق الله ‪ U‬بني البشر لكي يعلموا وجوده ووحدانيته‪.‬‬
‫ويكونوا في إدراك ووعي تام على أن العظمة والقدرة له وحده‪.‬‬

‫‪401‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وأعطاهم رزقهم ليعلموا أنه رزاق ورحيم‪ .‬ويميتهم لكي يعلموا انه‬
‫قهار‪ .‬ويبعثهم مرة أخرى لكي يعلموا أنه باق وال يموت‪ .‬وبالنتيجة‪،‬‬
‫لكي يعرفوا في كل مجال من مجاالت الحياة‪ ،‬وفي كل حادثة تحدث‪،‬‬
‫أن الله ‪ U‬قادر على كل شيء قدرة مطلقة ال يمتلكها أحد سواه»‪.‬‬
‫وعندما سمع بهرام حديث الشيح أحمد دخل في اإلسلم‪.‬‬
‫ولكن في تلك اللحظة أغمي على الشيخ أحمد‪ .‬وعندما أفاق سئل‪:‬‬
‫«ماذا حدث لك يا شيخ؟»‪.‬‬

‫خطاب قائل‪( :‬إن بهرام كان‬
‫فقال‪« :‬لقد جاءني في تلك اللحظة‬
‫ٌ‬
‫كافرا يعبد النار لفترة سبعين سنة‪ .‬وأنت مسلم منذ سبعين سنة‪ .‬فهل‬
‫بإمكانك أن تعرف ما ستؤول إليه حالك في رمقك األخير؟» (تذكرة‬

‫األولياء‪ ،‬ص‪)97 :‬‬

‫لذا يجب علينا أن نسعى لكي نعيش كل لحظة من لحظات‬

‫حياتنا‪ ،‬بحيث أن تكون آخر لحظة منها هي عبارة عن خاتمة للخير‬

‫والحسنات‪ .‬وإضافة لذلك‪ ،‬يجب أن نلجأ دائما إلى رحمة الله ‪Y‬‬

‫ومغفرته لكي ننجونجاة أبدية‪.‬‬

‫رأى يوما سيدنا جنيد البغدادي كلب ًا للصيد بينما كان يمشي‬

‫في صحاري اليمن‪ .‬ورأى أن أسنان الكلب قد تساقطت‪ ،‬ولم يبق‬
‫في مخالبه التي كانت تصارع األسود قوة وال حيلة‪ .‬وقد هرم وآلت‬

‫حالته إلى حالة الثعلب‪ .‬وصار ُينطح من قبل الخرفان األهلية‪ ،‬بينما‬

‫‪402‬‬

‫كان في الماضي ينقض على الثيران البرية والغزالن ويمسك بها‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫وعندما رأى جنيد البغدادي ذلك الكلب بوضعه المسكين‬

‫والمتعب والذي لم يبق لديه طاقة ليتحرك‪ ،‬أعطاه جز ًء من زاده‪.‬‬
‫وحزن كثير ًا على حال ذلك الكلب وتأثر‪ ،‬فسرد هذه الكلمات‬

‫المعبرة والمليئة بالحكم والدروس‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«يا أيها الكلب‪ ..‬إني ال أدري من منا ستكون حالته أفضل من‬
‫حالة اآلخر غد ًا‪ .‬أما اليوم‪ ،‬فيبدوظاهريا أنني أفضل منك حا ً‬
‫ال‪،‬‬

‫ألنني إنسان‪ .‬ولكني ال أدري ماذا سيفعل بي القضاء والقدر غد ًا‪.‬‬
‫فإن لم تزل قدمي عن اإليمان والصواب‪ ،‬فسأضع على رأسي تاج‬

‫عفو الله ‪ Y‬ومغفرته‪ .‬أما إذا ُخلعت كسوة المغفرة عني‪ ،‬فسوف‬
‫تكون حالتي أوضع وأسفل من حالتك هذه كثير ًا‪ .‬ألن الكلب مهما‬
‫كان سيئ ًا في الطبع والمعاملة‪ ،‬فلن ُيلقى في النار»‪.‬‬

‫وهكذا فإن المؤمن الذي يحمل في قلبه هذه الحساسية‪ ،‬يعيش‬

‫حياته الدنيا وكأنه يمشي في حقل مليء باأللغام‪ .‬ولكي تكون‬

‫المضافة األخيرة التي سيذهب إليها في آخر حياته حديقة من حدائق‬
‫الجنة‪ ،‬فليستسلم تماما ومن كل قلبه إلرشاد المقابر الصامتة‪ .‬ويصل‬
‫لدرجة رفيعة من الحكمة‪ ،‬بمعرفته أن اإلعداد للموت ال يتم بإعداد‬

‫القبر‪ ،‬بل بإعداد نفسه لذلك القبر‪.‬‬

‫وبعد أن توفي سيدنا بهاء الدين النقشبند‪ ،‬رآه أحد محبيه في‬

‫منامه‪ ،‬فسأله‪« :‬ماذا نعمل لكي ننجو؟»‪.‬‬

‫‪403‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫فقال له النقشبند‪« :‬اعمل ما يجب أن يموت اإلنسان عليه (أي‬

‫ما يجب أن يعمله اإلنسان في رمقه األخير)»‪.‬‬

‫فإذا جاء موعد األجل فلن تستطيع أكثر األيدي مهارة أن تقوم‬

‫بعمل أي شيء‪ .‬وبعد ذلك فل لإلنسان أن يعرق أو يتعب‪ ،‬أو يشعر‬
‫بالبرد‪ ،‬أو يشعر بالكسل‪ ،‬أي جميع الحجج التي تمنع العبد من‬

‫العبادة والعمل في سبيل الله ‪ Y‬سوف تنتهي وتصل إلى النهاية‬
‫في تلك اللحظة‪ .‬فليست هذه اللحظة من اللحظات التي خصصت‬
‫للعبادة والعمل والجد‪ .‬بل إنها وقت الحساب اإللهي‪ .‬أما وقت‬

‫القيام باألعمال الصالحة والحسنة في سبيل الله ‪ U‬هو الحياة‬

‫الدنيا‪ .‬فإذا فقد اإلنسان هذه الفرصة فلن تعود له أبد ًا‪.‬‬

‫قال سيدنا جنيد البغدادي‪:‬‬
‫«إن يوم ًا واحد ًا من الحياة الدنيا هو أفضل وأخير من ألف‬
‫سنة في اآلخرة‪ .‬ألنه في ذلك اليوم الواحد في الحياة الدنيا لديك‬
‫فرصة للحصول على الرضاء اإللهي‪ .‬أما في اآلخرة فليس لديك‬
‫فرصة لكي تقوم بأي عمل صالح وتحصل على ثوابه‪ .‬وال يوجد في‬
‫اآلخرة إال الحساب والسؤال عن العمر الذي قضيته وأفنيته»‪.‬‬
‫فعلى هذا االعتبار‪ ،‬فإن المؤمنين الحقيقيين يعيشون حياتهم‬
‫الدنيا على أنها مزرعة لآلخرة‪ .‬وأن الله ‪ U‬جعل هذه الحياة فرصة‬
‫لكي يقوموا باألعمال الخيرة والحسنة‪.‬‬
‫‪404‬‬

‫ويروى أن سيدنا إلياس ‪ u‬قد ارتجف عند مقابلة ملك‬

‫‪n‬‬

‫تذكر الزوال دائم ‪o‬‬
‫الموت‪ ،‬فقال له سيدنا عزرائيل ‪:u‬‬

‫«إنك نبي يا إلياس‪ ،‬فهل تخاف من الموت؟»‪.‬‬
‫فأجابه سيدنا إلياس قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫«كل‪ ..‬إني ال أخاف من الموت‪ .‬بل إني حزنت على انتهاء‬
‫حياتي‪ .‬ألني كنت أقضيها بالعبادة والتبليغ‪ .‬وكنت أستاذ ًا بالعبودية‪.‬‬
‫أما اآلن فسأبقى رهين ًا في القبر حتى يوم القيامة‪ .‬وإن ذلك هو الذي‬
‫يحزنني»‪.‬‬
‫وقد لخص أحد الشعراء واجبات المؤمن في الحياة الدنيا‬
‫قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ولدتك أمك يا ابن آدم باكي ًا‬

‫فاجهد لنفســك أن تكون إذ ًا‬

‫والناس من حولك يضحكون سرور ًا‬
‫في يوم موتك ضاحك ًا مسرور ًا‬

‫وهكذا فيجب علينا أن نغلق دفتر حياتنا‪ ،‬تاركين من ورائنا‬
‫صدى جميل في السماء العليا‪ ،‬وذلك بالعمل الصالح‪ ،‬وبإطاعة‬
‫الله ‪ .Y‬وعلينا أن ال ننسى أن أكبر سعادة لنا هي أن نلقى ربنا بقلب‬
‫سليم ووجه منير وضمير مستريح‪ .‬وذلك بإلزام أرواحنا أن تتقيد‬
‫بالحالة الروحانية التي تميز بها الصالحون‪.‬‬

‫ويوجد في لغتنا التركية الجميلة قول حكيم مأثور وهو‪«:‬من‬
‫يضحك أخيرا‪ ،‬يضحك كثيرا»‪ .‬والمقصود من هذا القول‪ ،‬هو أنه ال‬
‫تبسم يعلوعلى تبسم المؤمن عندما يموت‪ ،‬وترتفع الستائر‪ ،‬ويرى‬
‫مكانه الذي سيذهب إليه‪.‬‬

‫‪405‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وإن أسعد ابتسامة للعبد في هذه الحياة الدنيا وأجملها وأفضلها‬
‫معنى ومضمون ًا‪ ،‬هي االبتسامة في تلك اللحظة األخيرة‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا ممن يضحكون في رمقهم األخير بفضلك وكرمك‬

‫وجودك يا أكرم األكرمين‪.‬‬

‫وأوسعنا اللهم على محاسبة أنفسنا بالحكمة‪ ،‬وإصالحها باألعمال‬

‫الحسنة‪.‬وهبنا اللهم القدرة على تذوق لذة لقائك في رمقنا األخير‪.‬‬

‫ويسر اللهم لنا وصولنا إلى يوم القيامة بسعادة وفرحة أيام العيد‪،‬‬

‫وبعيدين عن الخوف والحزن والقلق‪...‬آميــن‬

‫‪406‬‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة على الحياة الدنيا‬
‫إن المؤمن مجبر على أن يدفع لله ‪ U‬بدل الشكر والثناء‪ ،‬على جميع‬
‫النعم التي أحسنها إليه‪ ،‬وخاصة نعمة ‪-‬اإليمان‪.-‬‬
‫ألن التفكير بادعاء تم ّلك شيء لم يدفع بدله‪ ،‬هو عبث ومضيعة‬
‫للوقت‪.‬‬
‫وإن حال من انجذب لشهوات الحياة الدنيا الفانية‪ ،‬ونسي مسؤوليته‬
‫في دفع بدل نعمة اإليمان‪ ،‬هو كحال السمكة التي علقت في صنارة‬
‫الصيد‪ .‬حيث أن تلك السمكة قد انخدعت بالطعم الذي رأته‪ .‬ولكنها‬
‫لم تر تلك الصنارة التي اختبأت خلف ذلك الطعم‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن من‬
‫نسي أن الحياة األساسية هي اآلخرة‪ ،‬فلن ينجومن الوقوع في كمائن‬
‫الحياة الدنيا‪.‬‬

‫ايثار اآلخرة على الحياة الدنيا‬
‫إن المؤمن يشعر باإلمتنان تجاه من يقدم له مساعدة حسب ما‬

‫يقتضيه إيمانه‪ .‬فيشكره ويدعو له بالخير‪ .‬وعندما تساعده الظروف‬
‫ويجد الفرصة المناسبة‪ ،‬يرغب في أن يقابل تلك المساعدة وذلك‬

‫الخير بخير أفضل منه‪ .‬وكل ما ُي َقدم لإلنسان طيب وجميل ومحبوب‬
‫ولو كان المقداّ م كأس ًا من الماء‪ ،‬فإنه يستحق الشكر والثناء ‪.‬‬
‫وورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[وإِن َت ُعدُّ و ْا نِ ْع َم َة ال َّل ِه َال ُت ْح ُصوهَ ا إِنَّ‬
‫َ‬

‫يم] (النحل‪)18 ،‬‬
‫ال َّل َه َل َغ ُف ٌ‬
‫ور َّر ِح ٌ‬

‫وال شك في أن أكبر هذه النعم وأفضلها على اإلطلق هي نعمة‬

‫(اإليمان)‪ .‬وكما أن لكل نعمة بدل ومقابل‪ ،‬فإن بدل نعمة اإليمان‬

‫هو أن يعيش العبد حياة مبنية على الحمد والشكر لله ‪ Y‬والثناء‬
‫عليه‪ ،‬ومبنية أيض ًا على اإلخلص والتقوى‪.‬‬
‫وإن المؤمن مجبر على أن يدفع لله ‪ U‬بدل الشكر والثناء‪ ،‬على‬

‫جميع النعم التي أحسنها إليه‪ ،‬وخاصة نعمة (اإليمان)‪.‬ألن التفكير‬

‫بادعاء تملك شيء لم يدفع بدله‪ ،‬هو عبث ومضيعة للوقت‪.‬‬

‫‪409‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫إن نعمة اإليمان هي أكبر رحمة ولطف من الله ‪ .U‬واإلمتحان‬

‫الذي يتعرض له الناس في الحياة الدنيا هو معيار يقيس نسبة‬
‫معرفتهم لهذه النعمة‪ ،‬وقدرتهم على الحفاظ عليها‪ ،‬وعدم التفريط‬

‫بها‪ .‬والمنتظر والمراد من المؤمنين هو الحفاظ على إيمانهم بصبر‬
‫وجلد على ظروف الحياة الكثيرة التغير‪ .‬وذلك هو في نفس الوقت‬

‫بدل يدفعه المؤمن لنيل المكافآت اإللهية‪.‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[إِنَّ ال َّل َه ْ‬
‫ين َأ ُنف َس ُه ْم َو َأ ْم َو َال ُهم بِ َأنَّ َل ُه ُم ا ْل َج َّن َة‬
‫اشت ََرى ِم َن ا ْل ُمؤْ ِمنِ َ‬

‫ُي َقاتِ ُلونَ ِفي َسبِيلِ ال َّل ِه َف َي ْق ُت ُلونَ َو ُي ْق َت ُلونَ َو ْعدً ا َع َل ْي ِه َح ًّقا ِفي ال َّت ْو َر ِاة‬
‫نجيلِ َوا ْل ُق ْر ِ‬
‫إل ِ‬
‫َوا ِ‬
‫است َْب ِش ُرو ْا بِ َب ْي ِع ُك ُم ا َّل ِذي‬
‫آن َو َم ْن َأ ْو َفى بِ َع ْه ِد ِه ِم َن ال َّل ِه َف ْ‬
‫يم] (التوبة‪)111 ،‬‬
‫َبا َي ْعتُم بِ ِه َو َذلِ َك ُه َو ا ْل َف ْو ُز ا ْل َع ِظ ُ‬

‫إن الوقت الذي يمضي في الحياة الدنيا قصير جد ًا لدرجة أنه‬

‫ال يعادل حتى قطرة أوذرة واحدة مقابل أبدية اآلخرة‪ .‬ولكن نتيجة‬
‫اإلمتحان الدنيوي هي إما الجنة التي هي السعادة األبدية‪ ،‬أو نار‬

‫جهنم وبئس المصير‪ ،‬التي هي دار العذاب األبدي‪ .‬وإن تفضيل‬
‫العبد لآلخرة أو الدنيا هو ما يحدد اتجاه طريقه يوم القيامة‪ .‬إما‬

‫النعيم األبدي‪ ،‬أوالعذاب األبدي‪.‬‬

‫لذا فإنه ال حماقة وال انخداع أكثر من أن يغفل اإلنسان عن‬

‫‪410‬‬

‫تفضيل اآلخرة على كل شيء خلل حياته الدنيا القصيرة‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫وإن أولياء الحق ‪ Y‬قد استيقظوا من الغفلة بنور تقربهم إلى‬

‫ربهم ‪ ،U‬قيقرؤون كل حرف من كتاب الكائنات بعين القلب ونظر‬
‫الحكمة‪ .‬ويدركون تمام ًا أن جميع المخلوقات قد خلقت ووجدت‬

‫لغاية وهدف رفيع‪ .‬وأن الله ‪ U‬لم يخلق شيئ ًا عبث ًا على اإلطلق‪.‬‬

‫زع ورقة من ورقات تقويم عمر‬
‫وأن كل يوم يمضي في الحياة‪ُ ،‬ي ْن ُ‬
‫اإلنسان‪ ،‬ويقربه إلى القبر خطوة‪ .‬ويتفكرون ويتأملون في النعم التي‬
‫وهبنا إياها ربنا ‪ .Y‬فيطرحون على أنفسهم بعض األسئلة المعبرة‬
‫والمفعمة بالحكمة‪ ،‬فمثل‪ ،‬ما حكمة نعمة الحياة وما معناها؟‪،‬‬

‫مسيرة تحت أمر بني البشر؟‪ .‬ومن أين أتينا إلى‬
‫ولماذا جعلت الدنيا اّ‬

‫هذه الحياة الدنيا التي هي عبارة عن مضافة ذات بابين‪ ،‬وقد دخلنا‬
‫إليها من باب‪ ،‬فإلى أين ستكون وجهتنا عندما نخرج من الباب‬

‫اآلخر؟‪ .‬وبهذه األسئلة وما شابهها من األسئلة الحكيمة والمليئة‬
‫بالعبر والدروس‪ ،‬يعيشون حياتهم بحالة روحية حساسة وعميقة‪.‬‬

‫عالمة القلب السليم‬

‫لقد أخبرنا الله ‪ U‬في القرآن الكريم عن أهم شيء سنحتاج إليه‬

‫يوم القيامة‪ ،‬كما ورد في اآليات الكريمة أنه ‪ U‬قال‪:‬‬
‫[ َي ْو َم ال َين َف ُع َم ٌ‬
‫ال َوال َب ُنونَ ‪ .‬إِ َّال َم ْن َأ َتى ال َّل َه بِ َق ْل ٍ‬
‫يم] (الشعراء‪،‬‬
‫ب َس ِل ٍ‬

‫‪)89–88‬‬

‫‪411‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫والقدرة على الوصول إلى مرتبة القلب السليم متعلقة باستعدادنا‬

‫للسفر إلى اآلخرة‪ ،‬قبل استلم بطاقة دعوة الذهاب إلى عالم القبور‪.‬‬

‫ولهذا فيجب على المؤمن أن ينقي قلبه من كل ما ُيبعده عن الله ‪ ،U‬أي‬
‫أن ُيطهره وينظفه من كل الشوائب‪ .‬وأن يحرص على أن تكون كل نعمة‬
‫أحسنت إليه في الحياة الدنيا رأس مال للسعادة والسلمة في اآلخرة‪.‬‬
‫وقد عبر أولياء الحق ‪ U‬عن أهم صفتين للقلب السليم‬

‫بالشكل التالي‪:‬‬

‫‪ –1‬عدم إيذاء أحد‪ ،‬وعدم التأذي من قبل أحد‪ .‬ألن قلب‬

‫المؤمن هو الذي يعكس تفكيره وأسلوب معيشته‪.‬‬

‫‪ –2‬تفضيل اآلخرة عندما تتخالف أعمالها مع مصالح الحياة الدنيا‪.‬‬

‫إن المؤمن الذي يصل بقلبه السليم إلى الكمال من الناحية‬
‫األخلقية‪ ،‬يصعد شعور البقاء مع الله ‪ U‬إلى القمة‪ .‬ويشعر دائم ًا بنشوة‬

‫الوجود معه‪ ،‬ويحس بأنه مراقب مراقبة مستمرة بواسطة أجهزة تصوير‬
‫اّ‬
‫ويتفك ُر ويتأمل دائما بآيات القرآن الكريم‪.‬‬
‫إلهية من قبل خالقه ‪.U‬‬
‫وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫[و ُه َو َم َع ُك ْم َأ ْي َن َما ُكنت ُْم َوال َّل ُه بِ َما َت ْع َم ُلونَ َب ِ‬
‫صيرٌ] (الحديد‪)4 ،‬‬
‫َ‬
‫وورد في آية كريمة أخرى‪:‬‬

‫‪412‬‬

‫[و َل َقدْ َخ َل ْقنَا ا ِ‬
‫س بِ ِه َن ْف ُس ُه َو َن ْح ُن َأ ْق َر ُب‬
‫َ‬
‫نسانَ َو َن ْع َل ُم َما ُت َو ْس ِو ُ‬
‫إل َ‬
‫إِ َل ْي ِه ِم ْن َح ْبلِ ا ْل َو ِر ِ‬
‫يد] (ق‪)16 ،‬‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫إن حالة التقوى لدى أولياء الحق ‪ U‬التي وصلت إلى الذروة‪،‬‬

‫تجعلهم يتابعون سيرهم على نهج مستقيم في طريق سفر الحياة‪،‬‬
‫واضعين دائما نصب أعينهم حقيقة اآلخرة التي يذكرهم بها ربهم‬

‫‪ U‬بين الحين واآلخر‪ .‬وهم على وعي ودراية تامتين بأن عليهم‬
‫أن يكونوا على استعداد في أ اّي ُة لحظة للتخلي عن جميع المصالح‬
‫والمنافع الدنيوية‪ .‬دون أن يصيب حياتهم اآلخرة أي ضرر أوأذى‪.‬‬

‫لوأعطونا الدنيا بما فيها‬
‫لما استبدلنا بها عم ً‬
‫ال صالح َا واحدا من أعمال اآلخرة‬

‫ان َل َّما َو َر َد َما َء َمدْ َي َن َو َجدَ َع َل ْي َها ِر َعا ًء َي ْس ُق َ‬
‫وسى ْب َن ِع ْم َر َ‬
‫ون‬
‫إِ َّن ُم َ‬
‫ان َف َس َأ َل ُه َما َف َقا َلتَا َ‬
‫َو َو َجدَ ِم ْن ُدونِ ِه ْم َجا ِر َيت َْي ِن َت ُذو َد ِ‬
‫(ال َن ْس ِقى َح َّتى‬

‫الظ ِّل َف َق َ‬
‫الر َع ُاء َو َأ ُبو َنا َش ْي ٌخ َكبِ ٌير َف َس َقى َل ُه َما ُث َّم َت َو َّلى إِ َلى ِّ‬
‫ال‬
‫ُي ْص ِد َر ِّ‬
‫ان َجائِع ًا َخائِف ًا َ‬
‫َر ِّب إِ ِّنى لِ َما َأ ْنزَ ْل َت إِ َل َّى ِم ْن َخ ْي ٍر َف ِق ٌير ) َو َذلِ َك َأ َّن ُه َك َ‬
‫ال‬
‫الر َع ُاء َو َف ِطن ِ‬
‫َت ا ْل َجا ِر َيت ِ‬
‫َان‬
‫َي ْأ َم ُن َف َس َأ َل َر َّب ُه َو َل ْم َي ْس َأ ِل ال َّن َ‬
‫اس َف َل ْم َي ْف ِط ِن ِّ‬
‫َف َل َّما َر َج َعتَا إِ َلى َأبِي ِه َما َأ ْخ َب َر َتا ُه بِا ْل ِق َّص ِة َوبِ َق ْولِ ِه ‪َ .‬ف َق َ‬
‫و ُه َو‬‫ال َأ ُب ُ‬
‫وه َما َ‬

‫إل ْحدَ ُاه َما ا ْذ َهبِى َفا ْد ِع ِ‬
‫ُش َع ْي ٌب‪َ -‬ه َذا َر ُج ٌل َجائِ ٌع َف َق َ‬
‫ال ِ‬
‫يه ‪َ .‬ف َل َّما َأ َت ْت ُه‬
‫َع َّظ َم ْت ُه َو َغ َّط ْت َو ْج َه َها َو َقا َل ْت (إِ َّن َأبِى َيدْ ُع َ‬
‫وك لِ َي ْج ِز َي َك َأ ْج َر َما‬
‫ين َذ َكر ْت َ‬
‫(أ ْج َر َما َس َق ْي َت َلنَا)‬
‫وسى ِح َ‬
‫َس َق ْي َت َلنَا)‪َ .‬ف َشقَّ َع َلى ُم َ‬
‫َ‬
‫َو َلم َي ِجدْ ُبدًّ ا ِم ْن َأ ْن َي ْتب َع َها َ‬
‫ان َب ْي َن ا ْل ِج َب ِ‬
‫أل َّن ُه َك َ‬
‫ال َجائِع ًا ُم ْست َْو ِحش ًا‬
‫َ‬
‫ْ‬

‫‪413‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫َف َل َّما َتبِ َع َها َه َّب ِ‬
‫يح َف َج َع َل ْت َت ْص ِف ُق ثِ َيا َب َها َع َلى َظ ْه ِر َها َفت ِ‬
‫َص ُف َل ُه‬
‫الر ُ‬
‫ت ِّ‬
‫وسى َي ْع ِر ُ‬
‫ض َم َّر ًة َو َي ُغ ُّ‬
‫ض ُأ ْخ َرى‬
‫َع ِجيزَ َت َها َو َكا َن ْت َذ َ‬
‫ات َع ُج ٍز َو َج َع َل ُم َ‬

‫َ‬
‫َ‬
‫الس ْم َت بِ َق ْولِ ِ‬
‫َف َل َّما ِع َ‬
‫ك‬
‫يل َص ْب ُر ُه َنا َد َاها َيا أ َم َة ال َّل ِه ُكونِى َخ ْل ِفى َوأ ِرينى َّ‬
‫ب إِ َذا ُه َو بِا ْل َع َش ِ‬
‫اء ُم َه َّي ًأ َف َق َ‬
‫‪َ .‬ف َل َّما َد َخ َل َع َلى ُش َع ْي ٍ‬
‫س‬
‫ال َل ُه ُش َع ْي ٌب ْ‬
‫اج ِل ْ‬
‫وذ بِال َّل ِه‪َ .‬ف َق َ‬
‫ش‪َ .‬ف َق َ‬
‫وسى َأ ُع ُ‬
‫اب َفت ََع َّ‬
‫ال َل ُه ُش َع ْي ٌب لِ َم َأ َما َأن َْت‬
‫َيا َش ُّ‬
‫ال َل ُه ُم َ‬
‫َجائِ ٌع َق َ‬
‫ال َب َلى َو َل ِكنِّى َأ َخ ُ‬
‫اف َأ ْن َي ُك َ‬
‫ون َه َذا ِع َوض ًا لِ َما َس َق ْي ُت َل ُه َما‬

‫يع َشيئ ًا ِم ْن ِدينِنَا بِ ِم ْل ِء َ‬
‫ت َ‬
‫َو َأ َنا ِم ْن َأ ْهلِ َب ْي ٍ‬
‫ض َذ َهب ًا ‪َ .‬ف َق َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ال َل ُه‬
‫ال َنبِ ُ ْ‬
‫ُش َع ْي ٌب َ‬
‫الض ْي َ‬
‫اب َو َل ِك َّن َها َعا َدتِى َو َعا َد ُة آ َبائِى ُن ْق ِرى َّ‬
‫ف َو ُن ْط ِع ُم‬
‫ال َيا َش ُّ‬
‫ام ‪َ .‬ف َج َلس ُم َ َ‬
‫َّ‬
‫ل‪( .‬الدارمي‪ ،‬المقدمة‪653/56 ،‬؛ أبو نعيم‪ ،‬حلية األولياء‪،‬‬
‫الط َع َ‬
‫َ‬
‫وسى َفأ َك َ‬
‫‪)236-234 ،3‬‬

‫فهذا مثال رفيع وال مثيل له يبين انعكاس اإليمان باآلخرة على‬
‫التصرفات واألعمال التي يقوم بها الصالحون في الحياة الدنيا‪ .‬وهو‬
‫تعبير عن فراسة المؤمنين وحكمتهم في عدم استبدال أي عمل من‬
‫أعمال اآلخرة بمتاع الدنيا وما فيها‪ .‬ولو عرفوا أنهم سيموتون جوعا‬
‫أو سيهلكون ضعفا‪.‬‬

‫‪414‬‬

‫َع ْن َواثِ َل َة ْب ِن َ‬
‫ول ال َّل ِه ‪ِ r‬فى َغ ْز َو ِة َت ُب َ‬
‫األ ْس َق ِع َق َ‬
‫ال َنا َدى َر ُس ُ‬
‫وك‬
‫َف َخ َر ْج ُت إِ َلى َأ ْه ِلى َف َأ ْق َب ْل ُت َو َقدْ َخ َر َج َأ َّو ُل َص َحا َب ِة َر ُس ِ‬
‫ول ال َّل ِه ‪r‬‬
‫َف َط ِف ْق ُت ِفى ا ْل َم ِدين َِة ُأ َن ِ‬
‫ادى َأ َ‬
‫ال َم ْن َي ْح ِم ُل َر ُج ً‬
‫ل َل ُه َس ْه ُم ُه َفنَا َدى َش ْي ٌخ‬
‫ِم َن َ‬
‫األن َْصا ِر َق َ‬
‫ال َلنَا َس ْه ُم ُه َع َلى َأ ْن َن ْح ِم َل ُه َع َق َب ًة َو َط َع ُام ُه َم َعنَا ُق ْل ُت‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫ال َف َخ َر ْج ُت َم َع َخ ْي ِر َص ِ‬
‫ال َف ِس ْر َع َلى َب َر َك ِة ال َّل ِه َت َعا َلى‪َ .‬ق َ‬
‫َن َع ْم‪َ .‬ق َ‬
‫اح ٍ‬
‫ب‬
‫َح َّتى َأ َفا َء ال َّل ُه َع َل ْينَا َف َأ َصا َبنِى َق َ‬
‫ص َف ُس ْق ُت ُه َّن َح َّتى َأ َت ْي ُت ُه َف َخ َر َج َف َق َعدَ‬
‫لئ ِ ُ‬
‫ال ُس ْق ُه َّن ُمدْ بِ َر ٍ‬
‫ات‪ُ .‬ث َّم َق َ‬
‫ب إِبِ ِل ِه ُث َّم َق َ‬
‫َع َلى َح ِقي َب ٍة ِم ْن َح َقائِ ِ‬
‫ال ُس ْق ُه َّن‬
‫ل ٍ‬
‫ال ِك َرا ًما ‪َ -‬ق َ‬
‫ت‪َ .‬ف َق َ‬
‫لئِ َص َك إِ َّ‬
‫ال َما َأ َرى َق َ‬
‫ُم ْقبِ َ‬
‫يم ُت َك‬
‫ال ‪ -‬إِ َّن َما ِه َى َغنِ َ‬
‫ا َّلتِى َش َر ْط ُت َل َك‪َ .‬ق َ‬
‫ال ُخ ْذ َق َ‬
‫لئِ َص َك َيا ا ْب َن َأ ِخى َف َغ ْي َر َس ْه ِم َك َأ َر ْد َنا‪.‬‬
‫(أبي داود‪ ،‬الجهاد‪)2676/113 ،‬‬

‫وهكذا فقد فضل ذلك األنصاري المبارك األجر الذي سيناله‬
‫في اآلخرة على أن يمتلك عدد ًا من الجمال تعتبر من أكثر متاع‬
‫الدنيا قيمة في ذاك الزمن‪ .‬وقد عرض لنا بذلك نموذجا عن الدراية‬
‫والحكمة التي دفعته إلى أن يتخلى عن المنفعة الدنيوية مهما كانت‬
‫قيمتها المادية‪ ،‬مقابل أن ينال حسنة بما قدمه من خير لوجه الله ‪.U‬‬
‫وسئل مرة أحد أولياء الحق ‪ U‬عن ما إذا صادفته حادثة أثرت‬
‫فيه كثير ًا‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«ضي ْع ُت في مكة المكرمة صرة من النقود‪ .‬ولم يبق لدي أي‬
‫َّ‬
‫شيء‪ ،‬فصرت في وضع المحتاج‪ .‬وكنت أنتظر نقود ًا سوف ترسل‬
‫إلي من البصرة‪ ،‬ولكنها تأخرت في المجيء‪ .‬وطال شعري وكبرت‬
‫لحيتي كثير ًا‪ .‬فذهبت إلى حلق وسألته قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫(إني ال أملك نقود ًا‪ ..‬فهل حلقت شعري لوجه الله ‪U‬؟)‪.‬‬

‫وكان الحلق في تلك األثناء مشغول بحلقة شعر رجل‬
‫آخر‪ .‬فأشار لي مباشرة إلى مكان فارغ بجانب ذلك الرجل وقال‬

‫‪415‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫لي‪(:‬اجلس هنا)‪ .‬وبدأ بحلقة شعري تارك ًا ذاك الرجل اآلخر ينتظر‪.‬‬
‫وعندما اعترض الرجل على ذلك‪ .‬قال الحلق له‪:‬‬

‫(ال تؤاخذني يا سيدي‪ ..‬فإني أحلق شعرك مقابل أجرة‪ .‬أما هذا‬
‫الرجل فقد طلب مني ان أحلق شعره لوجه الله ‪ U‬ورضاه‪ .‬وإن‬
‫األعمال التي تعمل في سبيل الله يجب أن تكون في المقدمة دون‬
‫انتظار مقابل‪ .‬وليس بمقدور العباد أن يعرفوا بدل العمل الذي يعمل‬
‫لوجه الله ‪ ،U‬وال يمكن لهم أن يدفعوا ذلك البدل)‪.‬‬
‫وبعد أن أنهى الحلق الحلقة‪ ،‬وضع بضعة من قطع الذهب في‬
‫جيبي رغم ًا عني‪ ،‬وقال‪( :‬اقض حوائجك الضرورية‪ ،‬وال تؤاخذني‪،‬‬
‫فإني ال أملك أكثر من هذا اإلمكان)‪.‬‬

‫وبعد مرور فترة من الزمن‪ ،‬وصلتني النقود التي كنت أنتظر‬
‫مجيئها من البصرة‪ .‬فأخذت صرة من الذهب ألعطيها لذلك‬
‫الحلق‪ .‬فقال لي‪:‬‬
‫(ال يمكن أن آخذ هذه الصرة بأي شكل من األشكال‪ .‬فإن‬
‫العمل الذي يعمل لوجه الله ‪ ،U‬ال يمكن للعباد أن يدفعوا بدله‪.‬‬
‫فاذهب في حال سبيلك وتابع مسيرك في أمان الله)‪.‬‬

‫فتسامحنا وتراضينا وذهبت في حال سبيلي‪ ،‬ولكني منذ أربعين‬
‫سنة وأنا أدعو لذلك الرجل بالخير في وقت الفجر»‪.‬‬
‫‪416‬‬

‫وهذه هي فضيلة عدم استبدال أي عمل صالح عمل لوجه الله‬
‫‪ ،U‬بالدنيا ومتاعها‪ .‬وإن تصرف الصالحين بهذه التصرفات الفاضلة‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫والرفيعة ال يمكن ألصحاب اإلدراك السطحي أن يستوعبوها‪ .‬ألنهم‬
‫ال يستطيعون حتى رؤية حدود الحلل والحرام بسبب انشغالهم‬
‫بشراهة الكسب المادي الدنيوي‪ ،‬معتادين على تقييم جميع األمور‬
‫بشكل ظاهري ونظري وال يعتمد إال على المادة‪ .‬فالبصيرة الحقيقية‬
‫التي ال تعني شيئ ًا دون رضا الله ‪ U‬هي الفراسة األساسية والحكمة‬
‫الجوهرية‪.‬‬

‫من هو الحكيم فع ً‬
‫ال؟‬

‫إن ما يقتضيه المنطق السليم والناضج هو استبدال المصالح‬

‫الدنيوية المؤقتة والبسيطة والصغيرة بالكسب الذي ستدوم فوائده‬

‫لألبد‪ .‬وكما قال الله ‪ U‬في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫[و َما ا ْل َح َيا ُة الدُّ ْن َيا إِ َّال َل ِع ٌب َو َل ْه ٌو َو َللدَّ ُار ِ‬
‫ين‬
‫اآلخ َر ُة َخ ْي ٌر ِّل َّل ِذ َ‬
‫َ‬
‫َي َّت ُقونَ َأ َف َ‬
‫ال َت ْع ِق ُلونَ] (األنعام‪)32 ،‬‬

‫وقد عرف سيدنا محمد ‪ r‬أولياء الحق ‪ U‬الحقيقيين بقوله‪،‬‬

‫كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع‬

‫نفسه هواها وتمنى على الله" (الترمذي‪ ،‬القيامة‪)2459/25 ،‬‬

‫وهكذا فإن اإلقرار والحكم على اإلنسان بأنه صاحب عقل‬

‫سليم‪ ،‬يجب أن يوزن بمقاييس هذه الحقائق‪ .‬فمقتضى العقل‬

‫‪417‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫السليم والمنطق الحكيم هو تفضيل الباقي على الفاني‪.‬‬
‫وورد في الحديث الشريف أن النبي ‪r‬قال‪:‬‬

‫"ما الدنيا في اآلخرة إال كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل‬

‫إصبعه فيه فما خرج منه فهي الدنيا"‬

‫(الحاكم‪ ،‬المستدرك‪)7898 ،‬‬

‫وعندما كان الصحابة الكرام ‪ y‬في عهد مكة المكرمة‪ ،‬تحت‬

‫ضغط المشركين وظلمهم وحصارهم وسيطرتهم‪ ،‬كانوا يقولون‬

‫لبعضهم البعض‪:‬‬

‫«إننا نتحمل جميع المصاعب والمتاعب لكي نستطيع أن نكون‬
‫عباد ًا لله ‪ .U‬أما الكفار الذين يعصون أوامر الله ‪ ،U‬فيتفسحون في‬
‫الدنيا بعزة واختيال وراحة تامة كما يشاؤن‪ ،‬ويوظفون مصالح الدنيا‬
‫وخيراتها لفائدتهم كما ترغب أنفسهم»‪.‬‬

‫فبناء على ذلك‪ ،‬أمر الله ‪ U‬المؤمنين بأن يفضلوا دار العقبى‬

‫التي هي أخير وأفضل من الحياة الدنيا‪ .‬فكما ورد في اآليات‬

‫الكريمة‪َ :‬‬
‫ين َك َف ُرو ْا ِفي ا ْلبِ ِ‬
‫َاع َق ِل ٌ‬
‫يل ُث َّم‬
‫الد‪َ .‬مت ٌ‬
‫[ال َي ُغ َّر َّن َك َت َق ُّل ُب ا َّل ِذ َ‬
‫ات َت ْج ِري‬
‫ين ا َّت َق ْوا َر َّب ُه ْم َل ُه ْم َج َّن ٌ‬
‫ْس ا ْل ِم َه ُاد‪َ .‬ل ِك ِن ا َّل ِذ َ‬
‫َم ْأ َو ُاه ْم َج َه َّن ُم َوبِئ َ‬

‫ِمن َت ْحتِ َها َ‬
‫ين ِف َيها ُنزُ ًال ِّم ْن ِع ِ‬
‫ند ال َّل ِه َو َما ِع َ‬
‫ند ال َّل ِه َخ ْي ٌر‬
‫األن َْه ُار َخالِ ِد َ‬
‫ِّل َ‬
‫أل ْب َرا ِر] (آل عمران‪)198–196 ،‬‬
‫‪418‬‬

‫لذا فإننا إذا نظرنا من نافذة اآلخرة‪ ،‬لوجدنا أن الراحة الدنيوية‬
‫والشهوات والملذات هي عبارة عن منفعة قليلة جد ًا ومؤقتة‪ .‬فلو‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫كانت للحياة الدنيا قيمة عند الله ‪ ،Y‬لجعل األنبياء والرسل الذين‬
‫هم أحب العباد إليه‪ ،‬لجعلهم يعيشون في القصور حياة الراحة‬
‫والبذخ والترف حتى يوم القيامة‪ .‬ولكن الله ‪ U‬قد أرى رسله‬
‫وعباده الصالحين الوجه الحقيقي للحياة الدنيا الفانية‪ .‬ووجه قلوبهم‬
‫إلى دار العقبى األخ َير واألفضل واألعلى شأنا من الحياة الدنيا‪.‬‬
‫وورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمد ًا ‪r‬قال‪:‬‬

‫"ما لي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إال كراكب استظل تحت شجرة‬
‫ثم راح وتركها" (الترمذي‪ ،‬الزهد‪)44 ،‬‬

‫وإن نمط حياة الصحابة الكرام ‪ ،y‬الذين عاشوا تحت تأثير‬
‫التربية النبوية الشريفة‪ ،‬يجب أن يكون نموذج ًا لنا وقدوة نتخذه‬
‫دليل في حياتنا ومعيشتنا‪ .‬فكان اشتياقهم للدار اآلخرة‪ ،‬وأملهم بأن‬
‫يكونوا شهداء‪ ،‬إنما هي أمثلة يجب التوقف عندها والتأمل فيها‪.‬‬
‫فالصحابة الكرام ‪ y‬الذين تجرؤوا بجرأة اإلسلم وقوة اإليمان‬

‫كانوا يمرون من بين الجلدين وقطاعي الرؤوس دون الخوف منهم‪،‬‬
‫ليصلوا إلى الملوك أو الحكام‪ ،‬ويقرؤوا عليهم رسالة رسول الله ‪r‬‬

‫بالدعوة إلى اإلسلم‪ .‬فقد كانوا يبدون وقد تلشت الميول إلى‬
‫الشهوات الدنيوية من عيونهم‪ ،‬وقد غمر حب الله ‪Y‬وحب رسوله‬

‫الكريم ‪ r‬أجسادهم ونفوسهم‪ ،‬حتى أصغر خلية من خلياهم‪.‬‬
‫وكانوا متعلقين بالنبي عليه الصلة والسلم لدرجة أنهم حتى في‬
‫األوقات العصيبة التي يوجد فيها خطر الموت‪ ،‬كانوا يقولون له‪:‬‬

‫‪419‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫ض َيا َر ُس َ‬
‫« َفا ْم ِ‬
‫ول ال َّل ِه لِ َما َأ َر ْد َت َفن َْح ُن َم َع َك‪َ ،‬ف َو َا َّل ِذي َب َع َث َك‬
‫است َْع َر ْض َت بِنَا َه َذا ا ْل َب ْح َر َف ُخ ْضت َُه َل ُخ ْضنَا ُه َم َع َك‪َ ،‬ما‬
‫بِا ْل َحقِّ ‪َ ،‬ل ْو ْ‬
‫ف ِم َّنا َر ُج ٌل َو ِ‬
‫َت َخ َّل َ‬
‫احدٌ ‪َ ،‬و َما َن ْك َر ُه َأ ْن َت ْل َقى بِنَا َعدُ َّو َنا َغدً ا‪ ،‬إ َّنا َل ُص ُب ٌر ِفي‬
‫ب‪ُ ،‬صدُ ٌق ِفي ال ِّل َق ِ‬
‫يك ِم َّنا َما َت َق ُّر بِ ِه َع ْين َ‬
‫اء‪َ .‬ل َع َّل ال َّل َه ُي ِر َ‬
‫ا ْل َح ْر ِ‬
‫ُك‪َ ،‬ف ِس ْر بِنَا‬
‫َع َلى َب َر َك ِة ال َّل ِه‪( ».‬ابن هشام‪)254–253 ،2 ،‬‬

‫وفي فترة خلفة سيدنا عمر بن الخطاب ‪ ،t‬صادف في طريقه‬

‫األرت ‪ – t‬أحد أوائل المسلمين – فقال له‪:‬‬
‫خباب بن‬
‫اّ‬
‫مرة اّ‬

‫«هل حدثتني قلي ً‬
‫ل عن التعذيب الذي عذبت به في سبيل الله‬

‫‪U‬؟»‪ .‬فقال سيدنا َخ اّباب‪:‬‬

‫«يا أمير المؤمنين‪ ..‬انظر إلى ظهري»‪.‬‬

‫وعندما نظر سيدنا عمر بن الخطاب إلى ظهره استعجب كثير ًا‪،‬‬

‫وقال‪« :‬لم أر في حياتي ظهر بشر شوه بهذا الشكل»‪.‬‬
‫خباب بن األرت حديثه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫فتابع سيدنا اّ‬

‫«كان المشركون يشعلون النار‪ ،‬ثم يرمونني عاري ًا فيها‪ .‬وكانت النار‬

‫ال تنطفئ إال بالدهن الذي يذوب من جسدي» (ابن األسير‪ ،‬أسد الغابة‪.)115 ،2 ،‬‬

‫وهكذا كان المشركون يعذبون المؤمنين بأشد ألوان العذاب‬

‫دون رحمة في أوائل سنوات اإلسلم‪ .‬ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا‬
‫أبدا أن يجبروا المؤمنين على أن ينطقوا بكلمات الكفر أو الشرك‪.‬‬

‫‪420‬‬

‫ألن فرحتهم باإليمان كانت تقضي على تأثير جميع أنواع وألوان‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫التعذيب الدنيوي الذي كانوا يتعرضون له‪.‬‬

‫وفي يومنا الحاضر‪ ،‬فإن قلق الناس في الدنيا‪ ،‬وخوفهم من‬

‫الموت‪ ،‬ورغبتهم بالعيش سنوات طويلة‪ ،‬بهناء ونعيم أكثر‪ ،‬هو‬

‫الشغل الشاغل لبني البشر‪ .‬أما في األجيال السابقة المباركة كجيل‬

‫الصحابة الكرام ‪ ،y‬فكان أكبر همهم هو أن ينتقلوا إلى اآلخرة‬
‫بقلب سليم‪ ،‬ووجه نقي‪ ،‬وضمير مرتاح‪.‬‬

‫قال ابن مسعود ‪ t‬يوم ًا ألصدقاء له من التابعين‪:‬‬

‫«أنتم أكثر صلة وأكثر صيام ًا من أصحاب محمد ‪ r‬وهم كانوا‬

‫خيرا منكم قالوا ‪ :‬و بم ؟ قال ‪ :‬كانوا أزهد منكم في الدنيا و أرغب‬

‫منكم في اآلخرة» (الحاكم‪ ،‬المستدرك‪ ،‬رقم‪)7917 :‬‬

‫وهناك حادثة تعبر أيضا عن التضحية والتفاني بالنفس في‬

‫سبيل الله ‪ U‬تحت تأثير اإليمان الكبير والمخلص‪ .‬ففي تاريخ‬
‫تركيا الحديثة‪ ،‬وفي حرب َجناق َق ْلعة‪ ،‬عرض الجنود األتراك‬
‫نموذج ًا رائع ًا مشابه ًا لما عرضه جيل الصحابة الكرام ‪ ،y‬وذلك‬
‫بقلوبهم التي امتألت باإليمان‪ .‬فقد اعتبر هؤالء الجنود المخلصون‬
‫أن الدفاع عن الوطن هو َد ْين مقدس‪ ،‬لن يترددوا لحظة واحدة في‬

‫تسديده بأرواحهم وأجسادهم‪ .‬فتخلوا عن الدنيا وملذاتها وشهواتها‪،‬‬

‫وحاربوا بكل ما ملكوا من قوة وسلح ضد العدو الشرس‪.‬‬

‫ونحن بدورنا‪ ،‬علينا أن نتقيد بجيل الصحابة الكرام ‪ t‬وبجيل‬

‫أجدادنا المباركين‪ ،‬فنمتلك القدرة على التخلي عن الدنيا وما فيها‬

‫‪421‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫عند اللزوم‪ .‬وأن نؤمن بأن السير بداللة نور سيدنا محمد ‪ r‬هو‬
‫أفضل األمور بالنسبة لنا وأعلها شأن ًا‪.‬‬
‫وكان سيدنا محمد ‪ r‬يكثر من ذكر الجملة التالية‪:‬‬

‫"اللهم ال عيش إال عيش اآلخرة" (البخاري‪ ،‬الرقاق‪)1 ،‬‬

‫وعلينا بكوننا أمة الحبيب المصطفى ‪ r‬أن ننقش هذا الدستور‬

‫على قلوبنا وصدورنا‪ .‬وعلينا أن نذكر قوله عليه الصلة والسلم‬

‫كلما حصلنا على نعمة فانية فنردد ونقول‪(:‬اللهم ال عيش إال عيش‬

‫اآلخرة)‪ .‬شاكرين صاحب هذه النعم الحقيقي‪ .‬وأن نتجنب الفحشاء‬
‫والمنكر والبغي‪ ،‬ألن من يحرم قلبه من هذه الحساسية‪ ،‬فيخبرنا الله‬

‫‪ U‬عن حالته التي سيؤول إليها‪ .‬فورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫الرزْ َق لِ َم ْن َي َشاء َو َي ْق ِد ُر َو َف ِر ُحو ْا بِا ْل َح َي ِاة الدُّ ْن َيا َو َما‬
‫[ال َّل ُه َي ْب ُس ُط ِّ‬
‫ا ْل َح َيا ُة الدُّ ْن َيا ِفي ِ‬
‫َاع] (الرعد‪)26 ،‬‬
‫اآلخ َر ِة إِ َّال َمت ٌ‬

‫ويجب علينا أيضا بكوننا مؤمنين‪ ،‬إذا وقعنا في مصيبة أو ابتلينا‬

‫ببلء أن نذكر قول رسول الله ‪( :r‬اللهم ال عيش إال عيش اآلخرة)‪.‬‬
‫آملين بذلك أن نحافظ على توازن أرواحنا ومتانتها بالرضى والتسليم‬
‫والصبر والتوكل‪ .‬وأن نلجأ دائم ًا إلى ربنا ‪ ،U‬وأن نعيش حياتنا‬

‫العبودية في نشوة الطمأنينة والسكينة‪ .‬وكما ورد في اآلية الكريمة‪:‬‬
‫يل َو ِ‬
‫َاع الدُّ ْن َيا َق ِل ٌ‬
‫اآلخ َر ُة َخ ْي ٌر ِّل َم ِ‬
‫ن ا َّت َقى] (النساء‪)77 ،‬‬
‫[ ُق ْل َمت ُ‬

‫‪422‬‬

‫وقد بين الله ‪ U‬في القرآن الكريم حقيقة الحياة التي يظن‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫بعض الناس أنها طويلة ولن تنتهي‪ ،‬فيعيشون فيها غاوين عاصين‪،‬‬
‫بأنها في الحقيقة عبارة عن فترة زمنية قصيرة جد ًا‪ .‬حيث ورد في‬
‫اآلية الكريمة‪:‬‬
‫َ‬
‫حاهَ ا] (النازعات‪)46 ،‬‬
‫[ك َأ َّن ُه ْم َي ْو َم َي َر ْو َن َها َل ْم َي ْل َب ُثوا إِ َّال َع ِش َّي ًة َأ ْو ُض َ‬

‫لذا فإن أفضل وأحكم عمل يقوم به العبد في هذه الحياة‬
‫الدنيا القصيرة‪ ،‬هو العبودية الجيدة لله ‪ .U‬ولكن وكجميع النعم‬
‫األخرى‪ ،‬فإن نعمة الحياة أيض ًا ال يحس الناس بقيمتها إال بعد أن‬
‫تزول ويفقدوها‪ .‬وإن الوسيلة الوحيدة إلزاحة ضباب الغفلة العامة‬
‫عن مفهوم (الزمان) هو‪( :‬التفكر بالموت)‪ .‬ويذكرنا بذلك الشاعر‬
‫التركي الكبير نجيب فاضل قيصه في هذا البيت الشعري الرائع‪:‬‬
‫إن الزمان هو لباس المجنون‪ ،‬وال يمزقه إال الموت‬

‫والزمان في الموت قطعة واحدة‪ ،‬ال انقسام فيه وال انقطاع‬

‫وقد عكس أجدادنا العثمانيون الذين عجنت أرواحهم وقلوبهم‬
‫باإليمان والتقوى‪ ،‬هذه الحقائق على مقابرهم‪ .‬فزرعوا أشجار السرو‬
‫والصنوبر‪ ،‬التي ال تتساقط أوراقها في فصل الشتاء‪ ،‬لكي يعبروا عن‬
‫أبدية اآلخرة في المقابر التي تذكر بزوال الحياة الدنيا وفنائها‪.‬‬
‫وإن نصيحة لقمان الحكيم في خصوص الحصول على‬
‫الوعي الكافي إلستيعاب مفهوم اآلخرة‪ ،‬هي نصيحة مليئة بالحكم‬
‫والمواعظ‪ ،‬حيث قال‪:‬‬

‫«يا بني‪ ..‬افد دنياك مقابل آخرتك‪ ،‬فتكسب كلهما‪ .‬وإياك أن‬
‫تفدي آخرتك بدنياك‪ ،‬فتخسر كلهما»‪.‬‬

‫‪423‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وفي الحقيقة‪ ،‬فإن الحياة الدنيا واآلخرة ككفتي ميزان‪ .‬إذا‬
‫وضعت وزنا في إحدى الكفتين‪ ،‬فسوف ترجح على األخرى‪.‬‬
‫وعلى كل المؤمنين أصحاب العقل والقلب السليم‪ ،‬أن تميل‬
‫قلوبهم دائم ًا باتجاه اآلخرة‪ .‬ألن من يخدع بشهوات الحياة الدنيا‬
‫ونعمها الفانية‪ ،‬ويصبح أسير ًا لملذاتها الفارغة‪ ،‬ويسعد بذلك‪،‬‬
‫فإن التفكير باآلخرة سوف يهجر قلبه‪ .‬أما إذا ترسخ صوت الدعوة‬
‫لآلخرة في النفوس والصدور‪ ،‬فسوف يستوحش العقل ويستبعد‬
‫فكرة الدعوة إلى الحياة الدنيا‪.‬‬

‫عالج قسوة القلوب‬

‫إن الكثير من المتاعب والهموم النفسية وقسوة القلوب التي‬

‫نعاني منها في يومنا الحاضر‪ ،‬سببها هو نسيان اآلخرة‪ ،‬واإلهتمام‬

‫بهموم الدنيا‪ ،‬واإلنخداع بملذاتها وشهواتها المؤقتة‪ .‬وهكذا فإن‬
‫كثير ًا من الفقراء يعيشون بشراهة التفكير بأن يكونوا أغنياء‪ ،‬وكثير‬
‫من األغنياء يطمعون في أن يزيدوا على غناهم غنى‪ ،‬ويكسبوا أكثر‬
‫مما يكسبون‪ .‬وبذلك يكون الغني والفقير كلهما قد سببوا في‬
‫بداية األمر األذى ألرواحهم ونفوسهم بأيديهم‪ .‬فتغر نفوسهم بهناء‬

‫الحياة الدنيا التي رصعت وزينت بالزينات الفانية والمؤقتة‪ ،‬دون‬

‫أن يفكروا بأموالهم من أين اكتسبوها وكيف‪ .‬وينسون بأن الغنى‬
‫‪424‬‬

‫الحقيقي والرئيسي هو القناعة‪ ،‬فهي الكنز الذي ال يفنى‪.‬‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫وورد في الحديث الشريف أن سيدنا محمدا ‪ r‬قال‪:‬‬

‫"مَنْ َكا َن ْت ْاآل ِخ َر ُة هَ َّم ُه َج َع َل ال َّل ُه ِغنَا ُه ِفي َق ْلبِ ِه َو َج َم َع َل ُه َش ْم َل ُه‬
‫َو َأ َت ْت ُه الدُّ ْن َيا َو ِه َي َر ِ‬
‫اغ َم ٌة َو َم ْن َكا َن ْت الدُّ ْن َيا هَ َّم ُه َج َع َل ال َّل ُه َف ْق َر ُه َب ْي َن‬
‫ن الدُّ ْن َيا إِ َّال َما ُق ِّد َر َلهُ" (الترمذي‪ ،‬صفة‬
‫َع ْين َْي ِه َو َف َّر َق َع َل ْي ِه َش ْم َل ُه َو َل ْم َي ْأتِ ِه ِم ْ‬
‫القيامة‪)2465/30 ،‬‬

‫فهذه هي الوصفة الطبية النبوية إلدخال السرور والسعادة‬

‫والطمأنينة للقلب‪ ،‬ولمنح الروح اإلنشراح والراحة المعنوية‪.‬‬

‫عن ابن مسعود ‪ t‬قال ‪ :‬تل رسول الله ‪{ :r‬فمن يرد الله‬

‫أن يهديه يشرح صدره لإلسلم } فقال رسول الله ‪ :r‬إن النور‬

‫إذا دخل الصدر انفسح فقيل ‪ :‬يا رسول الله هل لذلك من علم‬

‫يعرف ؟ قال ‪ :‬نعم التجافي عن دار الغرور و اإلنابة إلى دار‬

‫الخلود و االستعداد للموت قبل نزوله‬

‫(الحاكم‪ ،‬المستدرك‪ ،‬رقم‪.)7863 :‬‬

‫ليس الذنب ذنب الحياة الدنيا‬
‫إنما ذنب من ُخدع بها‬

‫لقد جعل الله ‪ Y‬المصالح الدنيوية التي تعجب بها النفوس‬

‫وتغر بها‪ ،‬وسائل ليمتحننا بها‪ .‬وإن حال من انجذب لشهوات الحياة‬
‫الدنيا الفانية‪ ،‬ونسي مسؤوليته في دفع بدل نعمة اإليمان‪ ،‬هو كحال‬

‫السمكة التي علقت في صنارة الصيد‪ .‬حيث أن تلك السمكة قد‬

‫‪425‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫انخدعت بالطعم الذي رأته‪ .‬ولكنها لم تر تلك الصنارة التي اختبأت‬
‫خلف ذلك الطعم‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن من نسي أن الحياة األساسية هي‬
‫اآلخرة‪ ،‬فلن ينجو من الوقوع في كمائن الحياة الدنيا‪.‬‬

‫وإن الوسيلة الفعالة لتجاوز هذه اإلمتحانات اإللهية بسلمة‬

‫وأمان‪ ،‬هي أن يكون بمقدور اإلنسان أن يرى الوجه الداخلي‬
‫والحقيقي للمصالح الدنيوية‪ ،‬وأن يستطيع أن يستشعر بـ (سر‬

‫اإلمتحان)‪ .‬مع العلم أن هذه اإلمتحانات قد أوقعت الكثير من‬
‫الناس في حفرتها‪ ،‬وأزلت أقدامهم عن الطريق الصواب‪ ،‬وفرقت‬
‫مطالبهم وإرادتهم‪ .‬والشرط األساسي للتحلي بهذه الفراسة‪ ،‬هو‬

‫أن نتجاوز الكمائن الدنيوية الجذابة‪ ،‬كالثروة والشهوات‪ ،‬وحب‬
‫الشهرة وحب المال‪ ،‬وأن نكون متيقظين لها في كل األحوال‬
‫والظروف‪ ،‬وأن نكون قادرين على تفضيل سلمة اآلخرة عليها‪.‬‬

‫وقد نبهنا الله ‪ U‬في هذا الخصوص‪ ،‬فورد في اآلية الكريمة‪:‬‬

‫ِ‬
‫[ ُترِيدُ ونَ َع َر َ‬
‫ض الدُّ ْن َيا َوال َّل ُه ُيرِيدُ‬
‫يم]‬
‫اآلخ َر َة َوال َّل ُه َع ِزيزٌ َح ِك ٌ‬

‫(األنفال‪)67 ،‬‬

‫والغنى الذي يمتلكه اإلنسان يبقى صديق ًا لصاحبه وال يفارقه‬

‫حتى وصوله إلى القبر‪ .‬والشيء الوحيد الذي يستطيع اإلنسان أن‬

‫‪426‬‬

‫يصطحبه معه ظاهري ًا إلى القبر هو الكفن‪ ،‬أما باطني ًا‪ ،‬فإنه يصطحب‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫معه إيمانه وعمله‪ ،‬وسيدخلن معه إلى قبره‪ .‬وبناء على ذلك‪،‬‬
‫فيجب على اإلنسان أن ال يعتمد على ثروات الحياة الدنيا الخداعة‬

‫والخائنة‪ ،‬وأن ال ُيخدع بشهواتها المؤقتة والفانية‪.‬‬

‫ويروى أن سيدنا ذا القرنين ‪ ،u‬الذي حكم الدنيا من مشرقها‬

‫إلى مغربها‪ ،‬بفضل الغزوات التي كان يقوم بها‪ ،‬أنه قد نصح بهذه‬
‫النصيحة قبل وفاته‪:‬‬

‫«غسلوني‪ ،‬وكفنوني‪ ،‬ثم ضعوني في تابوت‪ ،‬ولكن دعوا‬

‫وح اّملوا‬
‫ذراعي تتدلى على جنبي التابوت‪ .‬وليتبعني خدمتي‪َ .‬‬
‫خزائني وثرواتي على البغال‪ .‬وليرى الناس أجمعين أني أذهب‬

‫فارغ اليدين‪ ،‬على الرغم من كل ما كنت أملك في الحياة الدنيا‬

‫من أموال وثروات‪ .‬وأن خدمي وماشيتي وأموالي سيبقون في هذه‬

‫وينغروا بهذه‬
‫الحياة‪ ،‬ولن يأتوا معي إلى القبر‪ .‬ولكي ال ينخدعوا‬
‫ُّ‬

‫الدنيا الكاذبة والخائنة »‪.‬‬

‫وقد شرح العلماء هذه النصيحة والوصية على النحوالتالي‪:‬‬

‫«لقد كانت الدنيا بأكملها من مشرقها إلى مغربها تحت إدارتي‬

‫وتصرفي‪ .‬وامتلكت عددا ال يحصى من الكنوز والثروات‪ .‬ولكن‬
‫نعم الدنيا ليست باقية‪ .‬فكما ترون‪ ،‬فإني أذهب إلى القبر فارغ‬
‫اليدين‪ ،‬ويبقى مال الدنيا في الدنيا‪ .‬فاحرصوا على األعمال التي‬

‫ستفيدكم في اآلخرة»‪.‬‬

‫‪427‬‬

‫‪n‬‬

‫‪o‬‬

‫األخلق ا ْل ُمثلى ألولياء الله ‪U‬‬

‫وقد نصحنا سيدنا محمد ‪ r‬بهذه النصيحة الحكيمة‪ ،‬حيث قال‬

‫كما ورد في الحديث الشريف‪:‬‬

‫"أوصيكم بخمس خصال ليكمل الله لكم خصال الخير ال‬

‫تجمعوا ما ال تأكلون وال تبنوا ما ال تسكنون وال تنافسوا فيما غدا‬

‫عنه تزولون واتقوا الله الذي إليه تحشرون وعليه تقدمون وارغبوا‬

‫فيما إليه تصيرون وفيه تخلدون"‬

‫(علي المتقي‪ ،‬كنز العمال‪ ،‬ص‪)1363 :‬‬

‫وبالنتيجة‪ ،‬فإن توجيه التهم للحياة الدنيا بعد أن نفهم أننا‬

‫انخدعنا بمظاهرها‪ ،‬فإنه عمل ال جدوى منه وال فائدة‪ .‬وال يضر‬

‫اإلنسان إال نفسه إذا انشغل بنعم الدنيا وملذاتها الفانية‪ ،‬بدال من أن‬
‫يدخل في حياة اإليمان والفضيلة‪ .‬وكم هو حزين أن يهدر اإلنسان‬

‫مستقبل أبديا في سبيل اآلمال اللمتناهية وحب األمور الفانية‬

‫واآلنية والملذات التي ستزول‪ .‬ويجب علينا أن نفكر دائما ونتأمل‬
‫في أنه ال مكان وال زمان يمكن أن نهرب إليهما من الموت في‬

‫الحياة الدنيا‪ .‬وال شيء في القبر يمكننا من العودة إلى الحياة الدنيا‪.‬‬

‫وال ملجأ يمكننا أن نلجأ إليه هاربين من شدة يوم القيامة‪.‬‬

‫اللهم ثبت أقدامنا في كل االمتحانات التي نواجهها في حياتنا‪ ،‬كما‬
‫‪428‬‬

‫ثبت أقدام أهل التقوى وأصحاب الفراسة والبصيرة الحكيمة‪ ،‬والذين‬
‫ّ‬

‫‪n‬‬

‫تفضيل اآلخرة عىل احلياة الدنيا ‪o‬‬
‫استطاعوا الحفاظ على إخالصهم وصدقهم في كل األحوال والظروف‪.‬‬
‫واجعلنا اللهم من عبادك الصالحين الذين أريتهم الوجه الحقيقي‬

‫للحياة الدنيا ولمتاعها‪.‬‬

‫وهبنا اللهم الحكمة والعقل السليم الذي يمكننا من العودة إلى‬
‫ْ‬

‫وهجر الدنيا وملذاتها في جميع الظروف واألحوال‪ ،‬بكرمك‬
‫اآلخرة‬
‫ْ‬
‫ولطفك ورحمتك يا أرحم الراحمين‪ ...‬آمــين‬

‫‪429‬‬

‫‪n‬‬

‫احملتويات‬
‫املقدمة ‪5......................................................................................................................................‬‬
‫التعرف على النبي ‪ r‬قلبا ً ‪23..............................................................................................‬‬
‫التواضع ‪43...................................................................................................................................‬‬
‫الصبر على جهل اجلهالء واملغفلني ‪67............................................................................‬‬
‫مقابلة الشر باخلير ‪89.............................................................................................................‬‬
‫اإلبتسامة ‪113............................................................................................................................‬‬
‫األدب والرقة ‪135.........................................................................................................................‬‬
‫اسلوب الكالم الذي لقننا به القرآن الكرمي ‪157...........................................................‬‬
‫اجلود والكرم واإلنفاق ‪181.......................................................................................................‬‬
‫آداب اإلنفاق ‪205.........................................................................................................................‬‬
‫اإلخالص في اإلنفاق ‪231.........................................................................................................‬‬
‫اإليثار ‪253......................................................................................................................................‬‬
‫اإلسراع في عمل اخلير ‪277....................................................................................................‬‬
‫األخوة في اإلسالم ‪299............................................................................................................‬‬
‫إحياء األخوة ‪319........................................................................................................................‬‬
‫احلب والبغض في اهلل ‪343....................................................................................................‬‬
‫الصدق واإلخالص في احلب والبغض ‪361........................................................................‬‬
‫تذكر الزوال دائما ً ‪387...............................................................................................................‬‬
‫تفضيل اآلخرة على احلياة الدنيا ‪407................................................................................‬‬