‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫أكتوبر‪2012‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫كل مجتمع يتكون من عدد من الشرائح والفئات والتكوينات‪ ،‬التي يكون بينها قدر من التجانس‪،‬‬
‫وكلما كان التجانس داخل المجموعة الواحدة أكبر بكثير من التجانس بين تلك المجموعة والمجموعات‬
‫األخرى‪ ،‬ظهر تميز تلك المجموعة عن غيرها‪ ،‬وأصبحت مواقفها متجانسة‪ ،‬ومختلفة عن غيرها من‬
‫المجموعات‪ .‬وهو ما يشكل في النهاية‪ ،‬مكونات المجتمع المختلفة‪ ،‬ويتحدد بعد ذلك المسافة الفاصلة بين‬
‫تلك المكونات‪ .‬وبحسب عدد تلك المكونات وحجم الروابط التي تربطها ببعض‪ ،‬تتشكل حالة المجتمع‪،‬‬
‫وتظهر درجة تماسكه أو تفككه‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن نوعية تلك المكونات والروابط التي تشكلها‪ ،‬تحدد‬
‫طبيعة بنية المجتمع‪.‬‬
‫فإذا كان المجتمع مقسما إلى تكوينات حسب مستوى الدخل االقتصادي‪ ،‬والمستوى المهني‬
‫والتعليمي‪ ،‬فإن تلك التكوينات تشكل الصورة المعروفة عن المجتمع الطبقي‪ ،‬والذي يتميز بوجود طبقة‬
‫عليا وطبقة وسطى وطبقة دنيا‪ .‬وإذا كان التباين بين الرجال والنساء كبيرا‪ ،‬تشكلت تكوينات حسب النوع‪،‬‬
‫لكل منها خصائص مش تركة‪ .‬وإذا كان عامل العمر له تأثير كبير‪ ،‬تشكلت تكوينات مجتمعية على أساس‬
‫العمر‪.‬‬
‫وفي المقابل‪ ،‬فإذا كانت العوامل الثقافية والدينية‪ ،‬ذات حضور مؤثر‪ ،‬تشكلت تكوينات على أساس‬
‫الدين أو الثقافة أو المذهب أو الطائفة‪ .‬وأيضا إذا كان المجتمع يشمل تباينا عرقيا‪ ،‬فيمكن أن تتشكل‬
‫تكوينات المجتمع على أساس عرقي‪ .‬وغالبا ما تتعدد العوامل التي تشكل تنوع المجتمع الداخلي‪ ،‬ولكن‬
‫دور تلك العوامل يختلف من مجتمع إلى آخر‪ ،‬ويختلف من حضارة إلى أخرى‪.‬‬
‫والمجتمعات المتماسكة‪ ،‬تكون الفروق بين الجماعات‪ ،‬والفروق داخل الجماعة الواحدة متقاربة‪،‬‬
‫حتى وإن ظلت الفروق داخل الجماعة الواحدة أو التكوين الواحد أقل‪ .‬ولكن كلما زادت الفروق بين‬
‫الجماعات‪ ،‬وقلت تلك الفروق داخل الجماعة الواحدة‪ ،‬يصبح المجتمع مفككا‪ ،‬أي أن التباين بين مكوناته‬
‫كبيرا‪ ،‬ويحول دون تحقق تماسك ووحدة المجتمع‪.‬‬
‫ومجتمعات الربيع العربي‪ ،‬شهدت عدة تحوالت في بنيتها‪ ،‬عبر العقود‪ .‬بعضها كانت تحوالت‬
‫طبيعية للمجتمع‪ ،‬وبعضها كانت تحوالت مصطنعة‪ ،‬تحاول أنظمة الحكم تخليقها‪ ،‬حتى تؤمن لنفسها قاعدة‬
‫اجتماعية تحمي بقاء النظام‪ .‬وبهذا‪ ،‬لم تشهد المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬أو أغلبها‪ ،‬تطورا طبيعيا‪،‬‬
‫بسبب تدخالت األنظمة الحاكمة‪ ،‬وأيضا بسبب التدخالت الغربية‪ ،‬والتي حاولت تغيير طبيعة المجتمعات‪،‬‬
‫منذ بداية حقبة االستعمار العسكري المباشر‪ ،‬وحتى زمن ثورات الربيع العربي‪ .‬وال يبدو أن المحاوالت‬
‫الغربية سوف تتوقف‪ ،‬كما أن الفئات التي ساندت عملية التغريب‪ ،‬والتي ساندت أنظمة الحكم المستبدة‪،‬‬
‫سوف تظل تعمل من أجل تصنيع بنية مجتمعية مناسبة لرؤيتها ومصالحها السياسية‪.‬‬
‫ومع المواجهة المستمرة بين البنية الطبيعية التلقائية‪ ،‬والتي تنمو وتتطور وتتشكل بناء على طبيعة‬
‫المجتمع نفسه‪ ،‬وبين عمليات التصنيع الموجهة‪ ،‬مرت المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬بعملية تدمير منظم‬
‫للبنية المجتمعية‪ ،‬بسبب محاوالت عرقلة التطور الطبيعي لبنية المجتمع‪ ،‬وفرض بنية مصنعة عليه‪.‬‬
‫وداخل تلك المواجهة التي استمرت عقودا‪ ،‬أو حتى قرونا‪ ،‬أصبح المجتمع هو المستهدف من كل‬
‫محاوالت الهيمنة‪ ،‬سواء الداخلية أو الخارجية‪ .‬مما أثر على التطور التاريخي للمجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ .‬ولكن تلك المجتمعات مثل غيرها‪ ،‬تملك آليات لمواجهة التحديات‪ ،‬ومواجهة محاوالت‬
‫الهيمنة‪ .‬وبقدر نجاح المجتمعات في الحفاظ على أسس بنيتها‪ ،‬بقدر ما تستطيع تصويب مسار المجتمع في‬
‫‪2‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫االتجاه التاريخي الصحيح‪ .‬وفي كل األحوال‪ ،‬فإن عملية االعاقة المنظمة لتطور المجتمع أثرت عليه‪،‬‬
‫وأضعفت المجتمع ‪ ،‬مما مكن األنظمة المستبدة من البقاء في الحكم‪ .‬وعندما بدأ الربيع العربي‪ ،‬باتت‬
‫المجتمعات تدافع عن نفسها‪ ،‬مما يجعل الثورة بداية لتحرر المجتمع‪ ،‬بشكل يسمح له بالتطور طبقا لقواعده‬
‫الذاتية والتلقائية‪.‬‬
‫ومسار عملية ت طور بنية المجتمع‪ ،‬ترتبط أوال بما وصل له المجتمع في عهد أنظمة الحكم‬
‫المستبدة‪ ،‬وما وصل له قبيل بداية ثورات الربيع العربي‪ .‬ولكن مسار عملية التطور‪ ،‬يرتبط أيضا بطبيعة‬
‫الثورة الشعبية‪ ،‬وتأثيرها على بنية المجتمع‪ ،‬ويرتبط أيضا بكل محاوالت اجهاض الثورة‪ ،‬والتي تؤثر‬
‫بدورها على طبيعة المجتمع‪ ،‬لتصبح المرحلة االنتقالية كاشفة لعملية المواجهة بين المسار الطبيعي‬
‫للمجتمع‪ ،‬والمسارات التي تفرض عليه‪ ،‬وكاشفة أيضا لقدرة المجتمع على استعادة المسار المناسب له‪،‬‬
‫حتى يتطور طبقا لقواعده التلقائية الموروثة تاريخيا‪.‬‬
‫قاعدة النظام المستبد‬
‫عندما شهدت المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬موجة حركات التحرر الوطني‪ ،‬في وجه االستعمار‬
‫الغربي المباشر‪ ،‬ظهر أن تلك الحركات تحاول االعتماد على قاعدة طبقية مؤيدة لها‪ .‬وظهر تركيز العديد‬
‫منها على الطبقة الوسطى والطبقة العمالية‪ .‬وألن غالب حركات التحرر الوطني استندت إلى مرجعية‬
‫علمانية‪ ،‬وحاولت بناء دولة حديثة على النموذج الغربي‪ ،‬لذا فإن البعد الطبقي سيطر على خيارات انظمة‬
‫الحكم‪ ،‬في محاولة لبناء قاعدة مستفيدة من حركات التحرر ومؤيدة لها‪ .‬وبالطبع كانت الطبقة العليا‪ ،‬من‬
‫ضمن الشرائح المستهدفة من حركات التحرر الوطني‪ ،‬نظرا ألنها وضعت في خانة المتعاونين مع‬
‫االحتالل‪ .‬وزادت هذه النزعة في الدول التي مالت للنموذج االشتراكي‪.‬‬
‫ولكن عملية بناء قاعدة طبقية مؤيدة‪ ،‬لم تستمر في المسار المخطط لها‪ ،‬ألنها اعتمدت أساسا على‬
‫توزيع منافع التغيير على فئة بعينها‪ ،‬وأصبحت الدولة نفسها مثقلة بسياسة تقديم المنافع التعليمية والوظيفية‬
‫لفئات بعينها‪ ،‬دون أن تتحقق عملية تنمية حقيقية‪.‬‬
‫ولكن المشكلة لم تكن فقط بسبب تكلفة تشكيل قاعدة طبقية مؤيدة للنظام‪ ،‬فالمشكلة األهم تعلقت‬
‫أساسا بطبيعة أنظمة الحكم‪ ،‬والتي اعتمدت على تكوين شبكات مهيمنة على السلطة والنفوذ‪ ،‬مما جعل‬
‫تمدد تلك الشبكات يسير في المسار العملي المناسب لعملية السيطرة والهيمنة على السلطة‪ ،‬وحماية نظام‬
‫الحكم‪ .‬فعملية حماية الثورات‪ ،‬والتي كان معظمها عسكريا‪ ،‬أصبحت في النهاية عملية تهدف إلى حماية‬
‫نظام الحكم‪.‬‬
‫وفكرة تقديم منافع لطبقة بعينها‪ ،‬حتى تؤيد الحكم‪ ،‬ال تشكل من تلك الطبقة جماعة أو شريحة‬
‫متجانسة في أفكارها وتوجهاتها‪ ،‬بقدر ما تشكل شريحة مستفيدة من سياسات الحكم‪ .‬وتلك الشريحة تتفكك‬
‫سريعا‪ ،‬إذا توقفت قدرة أنظمة الحكم على تقديم المزيد من المنافع‪ .‬فسياسة إعطاء األولوية لشرائح بعينها‪،‬‬
‫تشكل شريحة مستفيدة من الحكم‪ ،‬ولكنها ال تتحول إلى شريحة متجانسة ثقافيا وسياسيا‪ .‬وكلما توسع نظام‬
‫الحكم في تعضيد شريحة بعينها‪ ،‬أصبحت قدرته على إفادة أغلب المنتمين لتلك الشريحة ضعيفة‪ .‬مما ينتج‬
‫عنه اختالف حجم االستفادة التي تتحقق للمنتمين لنفس الشريحة التي اعطى الحكم لها أولوية‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫ومع تمدد سياس ة تكوين شبكة مسيطرة على الحكم وجهاز الدولة‪ ،‬تزيد الفروق بين المنتمين أو‬
‫المؤيدين للنظام الحاكم‪ ،‬فيصبح داخل شريحة المؤيدين للنظام الحاكم‪ ،‬طبقات متباينة من حيث مستوى‬
‫المعيشة‪ ،‬وهو ما يعظم من فئة الشريحة األقل استفادة من نظام الحكم‪ ،‬لحساب فئة محدودة تحوز على‬
‫ا لحجم األكبر من االستفادة‪ .‬وهو ما يغير الطبيعة الطبقية للقاعدة المؤيدة لنظام الحكم‪ ،‬فتصبح شريحة من‬
‫كل طبقة‪ ،‬وليس كل المنتمين لنفس الطبقة‪.‬‬
‫وألن أي نظام حكم ال يعتمد فعليا على طبقة واحدة‪ ،‬أي على مستوى مهني وتعليمي واحد‪ ،‬بسبب‬
‫حاجة أي نظام لتمدد داخل أحشاء المجتمع‪ ،‬لذا تتشكل شبكة مرتبطة بالنظام الحاكم ومستفيدة من وجوده‬
‫في مختلف شرائح المجتمع المهنية واالقتصادية‪ .‬ومن تلك الشرائح المستفيدة تتشكل قاعدة النظام الحاكم‪.‬‬
‫وألن تلك المجموعات المنتمية للنظام أو الحامية له‪ ،‬تقوم بدور في فرض هيمنة النظام على الحكم‪ ،‬لذا‬
‫فإن ها تتحول إلى مجموعة وظيفية تقدم خدمات للنظام‪ ،‬مقابل استئثارها بالمنافع والمزايا‪ .‬وحول تلك‬
‫المجموعة التي تمثل شبكة مصالح النظام‪ ،‬تتشكل الشرائح األكثر استفادة من وجود النظام وبقاءه‪ ،‬حتى‬
‫وإن لم تكن مشاركة عضويا في المجموعة الوظيفية التي تؤمن بقاء النظام‪ .‬وبهذا تتشكل الدائرة المؤيدة‬
‫للنظام‪ ،‬من حلقات متتالية‪ ،‬من المستفيدين من النظام‪ ،‬تبدأ بالدائرة األضيق والتي تحقق أكبر استفادة‪ ،‬إلى‬
‫الدائرة األوسع‪ ،‬والتي تحقق أقل استفادة‪.‬‬
‫وهذا التشكيل المعتمد على تركيب الجماعات والشرائح والفئات المستفيدة من بقاء النظام‪ ،‬أو التي‬
‫تعتقد أن مصالحها مصانة مع بقاء النظام واستمراره‪ ،‬يتجاوز التشكيل الطبقي‪ ،‬ويشكل دائرة متعددة‬
‫الشرائح‪ ،‬أو متعددة الطبقات‪ .‬وبهذا يشكل النظام مجموعات متنوعة داعمة له‪ ،‬يربط بينها قناعتها بأن‬
‫بقاء النظام في مصلحتها‪ ،‬دون أن تتشكل بداخلها قناعات ثقافية وسياسية واحدة‪ .‬وهو ما يجعل النظام‬
‫معتمدا على تشكيل متعدد في مواقفه السياسية‪ ،‬ومختلف في تكوينه االجتماعي االقتصادي‪ ،‬ومتباين‬
‫ثقافيا‪ ،‬وتربطه بالنظام قناعة بأن مصلحته مرتبطة ببقاء النظام في الحكم‪.‬‬
‫ومع تزايد فشل نظام الحكم في تحقيق التنمية المستدامة‪ ،‬وخدمة دائرة واسعة من المجتمع‪،‬‬
‫تتقلص مساحة التأييد له‪ ،‬وتتقلص القاعدة المؤيدة لبقائه في الحكم‪ .‬وكلما ضاقت القاعدة المؤيدة للحكم‪،‬‬
‫زادت احتماالت حدوث ثورة ضده‪ ،‬وهو ما حدث‪.‬‬
‫المجتمع قبل الثورة‬
‫تعرض المجتمع لعملية تغريب منظمة عبر قرنين من الزمان‪ ،‬قامت في جانب منها على محاولة‬
‫إعادة تشكيل المجتمع على أسس طبقية‪ ،‬على أساس أن التشكيل الطبقي‪ ،‬وما يتولد عنه من مصالح طبقية‪،‬‬
‫يمثل البيئة المناسبة لبناء النموذج الغربي السياسي‪ ،‬وأيضا بناء النموذج الغربي الثقافي والحضاري‪.‬‬
‫فالنموذج الغربي يقوم على أولوية المصالح المادية على أي اعتبارات أخرى‪ ،‬بحيث تصبح المصالح‬
‫المادية هي المشكلة لالنتماءات الثقافية والتحيزات السياسية‪ .‬كما أن النموذج الغربي يقوم أساسا على بناء‬
‫نظام سياسي‪ ،‬يدير تعارض المصالح بين الطبقات المختلفة‪ ،‬ويؤمن بقاءه من خالل إحداث توازن ما في‬
‫المنافع المادية التي تحققها تلك الطبقات‪ .‬وهو ما يجعل النموذج السياسي الغربي معتمدا على أساس‬
‫طبقي‪ ،‬ومعتمدا أيضا على تحقيق توزيع معقول للمنافع بين الطبقات حتى يحقق استقرار الحكم‪ .‬وهو ما ال‬
‫يتحقق إال بتوسيع قاعدة المستفيدين من النظام‪ ،‬خاصة من الطبقة الوسطى‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫ورغم ما تعرضت له المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬من عملية تغريب منظم‪ ،‬إال أن البنية‬
‫المجتمعية الموروثة لتلك المجتمعات‪ ،‬ظلت تعيد إنتاج نفسها‪ ،‬حتى ولو بصور سلبية‪ .‬فظلت بنية المجتمع‬
‫تقاوم تلك التقسيمات التي تجد سندا لها في الثقافة الغربية‪ ،‬نظرا ألن تلك الثقافة ليست متجذرة في الوعي‬
‫الجمعي لعامة الناس‪ ،‬مما يجعل من المستحيل عليهم العيش طبقا لقواعد ثقافة لم تنتقل لهم من جيل إلى‬
‫آخر‪ .‬فالوعي الجمعي يتشكل من التصورات واألفكار التي تنتقل عبر األجيال‪ ،‬وهي عملية يصعب التحكم‬
‫فيها‪ ،‬ألنها تحدث من خالل كل أدوات الثقافة واللغة والموروث الحضاري الفاعلة‪ ،‬والتي يصعب‬
‫تصنيعها أو فرضها‪.‬‬
‫ومع المقاومة المستمرة التلقائية‪ ،‬لمفاهيم غريبة ال تجد سندا موروثا يعضدها‪ ،‬نجد المجتمعات‬
‫تعاني أكثر ما تعاني من حالة اغتراب‪ ،‬فالمناخ العام المحيط بها‪ ،‬ال يفيد في تشكيل مجتمع جديد‪ ،‬بقدر ما‬
‫يجعل المجتمع في حالة اغتراب‪ ،‬ويشعر بالغربة تجاه النظام السياسي القائم‪ .‬ألن اختالف أسس النظام‬
‫السياسي عن األسس التي تشكل المجتمع عليها‪ ،‬تجعل المجتمع غريبا عن النظام السياسي‪ ،‬كما تجعل‬
‫األخير غريبا عن المجتمع‪ .‬وبقدر ما يقوم به النظام السياسي من دور مهيمن على المجتمع‪ ،‬بقدر ما‬
‫تتأصل حالة االغتراب داخل المجتمع‪.‬‬
‫من هنا يشكل المجتمع بنيته من خالل تقاليده المتوارثة‪ ،‬ولكن بصورة دفاعية‪ ،‬تكون قادرة على‬
‫مقاومة حالة االغتراب‪ ،‬ودفع النظام السياسي ليصبح غريبا داخل المجتمع‪ .‬ويصبح المجتمع محتميا‬
‫بالموروث‪ ،‬ومشكال بصورة تتفق مع خياراته‪ ،‬ولكن في صيغة تقليدية دفاعية‪ ،‬تساعد المجتمع على‬
‫حماية نفسه من كل العوامل التي تحيط به‪ .‬وبهذا يتشكل المجتمع بعيدا عن النظام السياسي‪ ،‬وبعيدا عن‬
‫عوامل التغريب‪ ،‬وبعيدا عن كل محاوالت تصنيعه بصيغ غريبة عليه‪.‬‬
‫ومع قدرة المجتمع على إعادة إنتاج تقاليده بصورة متكررة عبر األجيال‪ ،‬يكتسب المجتمع نوعا‬
‫من الحماية الذاتية‪ ،‬التي تمكنه من تغليف ذاته الثقافية بحواجز حماية متعددة‪ ،‬إذا جاز التشبيه‪ .‬وهو ما‬
‫يعني أن ما ينتجه المجتمع‪ ،‬ليس فقط تقسيمه التقليدي المتوارث‪ ،‬ولكنه صورة دفاعية تقليدية منه‪ ،‬تكون‬
‫في الغالب أكثر صرامة أو تشددا‪ ،‬أو تقوقعا‪ .‬ورغم التفاعل الطبيعي لعامة الناس مع المحيط الخارجي‪،‬‬
‫ومع العوامل المحيطة بهم‪ ،‬إال ان القدرة الطبيعة للمجتمعات على حماية ذاتها‪ ،‬تجعلها قادرة على تشكيل‬
‫وعي ثقافي منفصل عن كل المتغيرات الخارجية التي تحاول اقتحام الوعي الجمعي للمجتمع‪.‬‬
‫فإذا كان نظام الحكم يحاول تقسيم المجتمع على أساس طبقي مادي‪ ،‬فإن المجتمع في المقابل يقسم‬
‫نفسه ويؤسس تشكيالته على أساس ثقافي موروث‪ ،‬ال يعترف باألساس المادي للطبقات االقتصادية‪ .‬وألن‬
‫النظام نفسه لم يستطع تشكيل قاعدة طبقية له‪ ،‬بل شكل شبكة مصالح مرتبطة به‪ ،‬وممتدة عبر الشرائح‬
‫االقتصادية للمجتمع‪ ،‬لذا فإن التشكل الطبقي يكون قد فشل‪ ،‬وليس هذا فقط‪ ،‬بل يكون فشل التشكل الطبقي‪،‬‬
‫قد دفع إلى تعضيد التشكل الثقافي الموروث‪.‬‬
‫فعندما يتشكل المجتمع على أسس ثقافية اجتماعية‪ ،‬تبرز دور العوامل الثقافية والدينية والعائلية‬
‫والمذهبية‪ ،‬حيث أنها عوامل ثقافية اجتماعية‪ ،‬تحدد التجانس الثقافي والترابط االجتماعي‪ .‬وبقدر ما يتشكل‬
‫من تجانس ثقافي وترابط اجتماعي‪ ،‬تتشكل مكونات المجتمع‪ ،‬والتي تترابط فيما بينها على أساس ما بينها‬
‫من قواعد ثقافية وترابط اجتماعي مشترك‪ .‬وعندما تغيب القاعدة الثقافية المشتركة‪ ،‬أو تغيب الروابط‬
‫االجتماعية‪ ،‬تتشكل مكونات غير مترابطة‪ .‬وبهذا تتحد مكونات المجتمع‪ ،‬وتتحدد أيضا المكونات‬
‫‪5‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫المترابطة من المجتمع‪ ،‬والتي تشكل كيانات أكبر‪ ،‬أي تشكل تيارات ثقافية اجتماعية‪ ،‬لها رؤى سياسية‬
‫مشتركة‪.‬‬
‫لهذا أصبح المجتمع قبل الثورة منقسما بين مكون مناصر للنظام‪ ،‬وبقية المكونات التي ال تؤيد‬
‫النظام‪ .‬ولكن داخل المكونات التي لم تؤيد النظام‪ ،‬وغالبها كان ضحية للنظام‪ ،‬تشكلت أيضا مكونات‬
‫متعددة ذات أسس ثقافية‪ ،‬بما شكل التيارات الثقافية االجتماعية في المجتمع‪ .‬وغابت األسس المادية‪ ،‬سواء‬
‫ا القتصادية أو تلك الخاصة بالنوع والعمر‪ .‬فلم يتشكل مجتمع الشرائح أو الطبقات المادية‪ ،‬والتي تتشكل‬
‫على أساس العوامل المادية‪ ،‬مثل المستوى االقتصادي والنوع والعمر؛ بل تشكل مجتمع التيارات الثقافية‪،‬‬
‫والتي تتعدد فيه الشرائح داخل كل تيار‪ ،‬وتتوزع فيه معظم الشرائح على التيارات المختلفة‪ ،‬فيصبح‬
‫التجانس بين المنتمين لشرائح مختلفة ولتيار واحد‪ ،‬أكبر من االختالف بينهم‪ .‬ويصبح التجانس بين‬
‫المنتمين لشريحة واحدة‪ ،‬ولتيارات مختلفة‪ ،‬أقل من التجانس داخل التيار الواحد‪ .‬فالمنتمين مثال لشريحة‬
‫من الشرائح الوسطى‪ ،‬ليس بينهم نفس التجانس الموجود لدى المنتمين للتيار العلماني‪ ،‬رغم انتمائهم‬
‫لشرائح مختلفة‪ ،‬وهكذا بالنسبة للتيار اإلسالمي‪ ،‬فالمنتمين له بينهم من تجانس أكبر من ذلك المتوفر‬
‫للمنتمين لشريحة واحدة‪ ،‬سواء من الشرائح االقتصادية أو المهنية أو شرائح النوع والعمر‪.‬‬
‫تلك التشكالت العابرة لألسس المادية‪ ،‬مثلت انقالبا صامتا مستمرا على نظام الحكم‪ ،‬ألنها أفقدته‬
‫أي قاعدة ثقافية اجتماعية يمكن أن يستند إليها‪ ،‬وحولت القواعد المؤيدة له إلى شبكة مصالح‪ ،‬بدون أي‬
‫رابط ثقافي‪ .‬فأصبح المجتمع مشكال من تيارات وكيانات ذات أبعاد ثقافية واجتماعية‪ ،‬في حين أن النظام‬
‫الحاكم ظل معتمدا على شبكة مصالح وفئات مؤيدة له الرتباط مصالحها به‪ ،‬ففقدت شبكة مصالح النظام‬
‫أي بعد ثقافي أو اجتماعي‪ ،‬يمكن أن يجعل منها تيارا له جذوره الثقافية‪ ،‬فظل كيانا يعاني من االغتراب‬
‫الذي حاول فرضه على المجتمع‪ ،‬حتى جاءت لحظة الثورة‪ ،‬وتحول اغتراب شبكة مصالح النظام السابق‪،‬‬
‫إلى واقع عملي‪.‬‬
‫حصون الحاضن االجتماعي‬
‫ال يعني هذا أن بنية المجتمع عبرت قبل الثورة عن موروثها الحضاري بشكل طبيعي‪ ،‬ألن إعاقة‬
‫التشكل الطبيعي للمجتمع‪ ،‬وإن لم تمنع تشكله طبقا النتماءاته الثقافية والحضارية‪ ،‬لكنها منعت تطور بنية‬
‫المجتمع بصورة صحي ة‪ ،‬مما نتج عنه تشكل المجتمع داخل أطر مغلقة‪ ،‬تحتمي بالتعصب أغلب الوقت‪.‬‬
‫فباتت مكونات المجتمع‪ ،‬تمثل حالة من التعدد المنغلق على نفسه‪ ،‬والذي ال ينصهر بصورة طبيعية داخل‬
‫إطار عام‪ .‬وكان من الواضح أن تشكل االنتماءات في لحظة ضعف المجتمع‪ ،‬يغلب عليه التعصب‪ ،‬وكأن‬
‫التعصب أصبح وسيلة لمعالجة ضعف المجتمع‪ .‬ألن التعصب في النهاية‪ ،‬هو عملية لحماية الذات داخل‬
‫إطار انتماء محدود ومباشر وصغير ومغلق‪ .‬فالدوائر الصغيرة تفيد في مراحل الضعف‪ ،‬فعندما تتردى‬
‫أوضاع المجتمع‪ ،‬تصبح دوائر االنتماء الصغيرة هي األكثر فاعلية‪.‬‬
‫ولما كانت الدولة في النظام السابق ال تعبر عن هوية المجتمع‪ ،‬وال توحد المجتمع‪ ،‬بل تعمل على‬
‫تفكيك المجتمع‪ ،‬لذا أصبحت الدولة نفسها سببا في تعرض المجتمع لضغوط تدفعه إلى االحتماء‬
‫باالنتماءات الضيقة‪ .‬ألن المجتمع ال يستطيع تفعيل االنتماء العام‪ ،‬بدون أن تكون الدولة منظمة لهذا‬
‫االنتماء ومعبرة عنه‪ ،‬وحامية له‪ .‬ولما كان االنتماء الثقافي والحضاري العام‪ ،‬يمثل تهديدا للدولة التي‬
‫تتبنى مرجعية وافدة غربية‪ ،‬لذا أصبحت الدولة تعادي االنتماء الحضاري العام‪ ،‬وتحاول اضعاف الروابط‬
‫‪6‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫المجتمعية‪ ،‬التي تربط مختلف مكونات المجتمع بهوية مشتركة‪ .‬لهذه األسباب أصبحت حالة الدفاع عن‬
‫النفس‪ ،‬بمعناها السلبي‪ ،‬هي الشائعة‪ ،‬مما يترتب عليه شيوع حالة التقوقع داخل أطر االنتماءات الصغيرة‪،‬‬
‫ومعه شيوع حالة التعصب‪.‬‬
‫وال يعني هذا أن االنتماء العام غاب عن وعي المجتمع‪ ،‬ولكن ظل غير فاعل‪ ،‬وإن كان موجودا‪.‬‬
‫فأغلبية المج تمع تدرك الهوية العامة للمجتمع‪ ،‬ولكن تلك الهوية ال تترجم عمليا في فعل وسلوك‪ ،‬فهي‬
‫هوية مشتركة‪ ،‬رغم أنها لم تتحول إلى انتماء عام يشكل سلوك الفرد والمجموع‪ .‬وكأن الهوية أصبحت‬
‫عنوانا ثقافيا وحضاريا‪ ،‬ولكن االنتماء العام القائم على إدراك المصلحة العامة هو الذي غاب‪ ،‬نظرا ألن‬
‫المصلحة العامة تشخصها الدولة‪ ،‬فإذا كانت الدولة تعمل من أجل المصالح الخاصة بشبكة المصالح‬
‫المرتبطة بها‪ ،‬فإن االنتماء العام يصبح مغيبا عمليا‪ ،‬مما جعله يغيب عن سلوك عامة الناس‪.‬‬
‫وبسبب شيوع حالة التعصب أو التقوقع‪ ،‬أصبحت مكونات المجتمع المختلفة‪ ،‬تتجمع أحيانا على‬
‫أرضية الهوية المشتركة ضد من ترى أن له هوية مختلفة‪ .‬وهو ما عمق من التعصب على أساس ديني‪،‬‬
‫حيث ارتبط اختالف الدين باختالف الهوية‪ .‬وكأن مكونات المجتمع‪ ،‬رغم تباعدها النسبي‪ ،‬تتجمع عندما‬
‫تدخل في مواجهة مع المختلف عنها‪ ،‬فبات تماسك المجتمع يظهر في حاالت االحتقان الداخلي بأكثر من‬
‫غيرها‪ .‬وهو بهذا ليس تماسكا إيجابيا‪ ،‬ولكنه تماسك دفاعي يظهر في وجه المختلف‪ ،‬ويعد شكال من‬
‫ممارسات الدفاع عن الهوية‪ ،‬التي تتحصن بأدوات التعصب‪.‬‬
‫جملة هذا المشهد‪ ،‬جعلت المجتمع مكونا من مكونات لها أساس ثقافي وحضاري واضح‪ ،‬ومقسمة‬
‫حسب التجمعات االجتماعية والعائلية‪ ،‬وتمثل خيارات الهوية عنوانها الواضح‪ .‬مما جعل مسألة الهوية‬
‫حاضرة قبل الثورة‪ ،‬وتمثل أهم عامل من عوامل النزاع الداخلي في المجتمع‪ ،‬وأهم أساس من أسس‬
‫التصنيف داخل المجتمع‪ ،‬مما جعل مسألة الهوية حاضرة في كل حاالت االحتقان المجتمعي‪.‬‬
‫في لحظة الثورة‬
‫عندما خرج الناس في مصر‪ ،‬مثل غيرها من دول الربيع العربي‪ ،‬لم يكن خروجهم له أساس‬
‫ثقافي أو حضاري‪ ،‬فلم يكن خروجا على أساس الموقف من مسألة الهوية‪ ،‬بل خرج الناس حسب موقفهم‬
‫من النظام الحاكم‪ ،‬وألن أغلبية مكونات المجتمع كانت من ضحايا النظام السابق‪ ،‬لذا خرجت تلك الفئات‬
‫ضد النظام‪ .‬وتلك التقسيمة التي جعلت أغلب المجتمع ضد النظام‪ ،‬ولم تبقي معه إال شبكة المصالح‬
‫المرتبطة به‪ ،‬هي من صنع النظام نفسه‪ .‬فقد حمى النظام نفسه بشبكة مصالح مترابطة حوله‪ ،‬تشكلت في‬
‫دوائر متتالية‪ ،‬وألن النظام أهمل حقوق بقية المجتمع وهم األغلبية‪ ،‬وفرض استبداده عليهم‪ ،‬لذا فإن النظام‬
‫السابق هو الذي قسم المجتمع بين أتباع النظام ومعارضيه‪ .‬وظلت هذه القسمة هي البادية في أيام الثورة‪،‬‬
‫ألن الثورة كانت ضد النظام‪ ،‬لذا فكل من كان ضد النظام خرج ضده‪ ،‬فأصبحت ثورة شعبية‪ ،‬ألن أغلبية‬
‫المجتمع ضد النظام‪.‬‬
‫ولكن عامة الناس لم تخرج على أساس ثقافي أو حضاري‪ ،‬ولم تخرج على أساس انتماءات‬
‫سياسية‪ ،‬فظل كل رافضي النظام في صف واحد ضده‪ .‬وبسبب غياب أي أسباب الستدعاء الخالفات‬
‫الثقافية والحضارية والسياسية‪ ،‬رغم أن البعض حاول استدعائها في أيام الثورة األولى‪ ،‬لذا لم يكن‬
‫للنزاعات االجتماعية أي ظهور في مشهد الثورة‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬
‫ما بعد الثورة‬

‫بعد سقوط رأس النظام السياسي‪ ،‬وبداية عملية بناء نظام سياسي جديد‪ ،‬مالت مختلف مكونات‬
‫المجت مع للدخول في معترك العملية السياسية‪ ،‬وإبراز دورها وتأثيرها وخياراتها‪ .‬وبدأت كل مكونات‬
‫المجتمع تدافع عن خياراتها‪ .‬وظهر واضحا أن المكونات المتفقة في مسألة الهوية‪ ،‬قد تكون مختلفة في‬
‫الموقف من الثورة‪ ،‬أو الموقف من النظام السابق‪ ،‬أو الموقف من بعضها البعض‪ .‬فبعض المكونات التي‬
‫تنتمي للهوية اإلسالمية‪ ،‬تختلف في تشكلها الثقافي االجتماعي‪ ،‬فظهرت الفروق بين الريف والمدينة‪،‬‬
‫والفروق بين االنتماءات الثقافية الفرعية‪ .‬فباتت كل الفروق واالختالفات الثقافية واالجتماعية حاضرة‪.‬‬
‫ولكن ظل االختالف الحضاري‪ ،‬والذي يعد اختالفا حول الهوية‪ ،‬يمثل أهم عامل للتقسيم والفرز داخل‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫وألن تلك التعددية لم تتشكل في بيئة طبيعية‪ ،‬لذا ظهر أن االنقسامات المجتمعية تأخذ اتجاها حادا‬
‫في أوقات كثيرة‪ ،‬وتعرقل توحد المجتمع حول رؤية مستقبلية واحدة‪ ،‬كما تعرقل تشكل وحدة اإلرادة داخل‬
‫المجتمع‪ ،‬ألن توحد إرادة المجتمع عامل ضروري حتى يتم التغيير واإلصالح‪ .‬وبسبب هذه الحالة من‬
‫التعدد االنقسامي‪ ،‬عملت نخبة الدولة العميقة على تعميق حالة االنقسام‪ ،‬حتى تستطيع الحفاظ على النظام‬
‫السابق‪ ،‬وعلى شبكة المصالح المهيمنة على السلطة‪ .‬وألن الدولة والنظام هي من تسبب في هذه الحالة من‬
‫التعددية االنقسامية‪ ،‬لذا فإن الدولة العميقة‪ ،‬أي البنية التحتية للنظام السابق‪ ،‬توفرت لديها القدرة على‬
‫تعميق هذا االنقسام‪ .‬وألن أهم انقسام حادث في المجتمع‪ ،‬قبل الثورة وبعدها‪ ،‬هو حول الموقف من النظام‬
‫السابق‪ ،‬لذا حاولت نخبة الدولة العميقة قسمت المجتمع بين المؤيدين للثورة والمعارضين لها‪.‬‬
‫أما السلوك العام في المجتمع‪ ،‬فبرز فيه التقسيمات والتصنيفات الثقافية بكل أشكالها‪ ،‬سواء داخل‬
‫المتفقين على هوية واحدة‪ ،‬أو بين المختلفين على الهوية‪ .‬ومن الواضح أن عملية الفرز والتقسيم على‬
‫أساس ثقافي حضاري‪ ،‬وداخل إطار الهوية‪ ،‬مثل عملية تفكيك وتركيب للمجتمع‪ ،‬حادة وعميقة‪ .‬وتلك‬
‫العملية لم تحدث بعد الثورة‪ ،‬بل بدأت قبل الثورة‪ ،‬ولكن بعد الثورة بدأت عملية تعميق سريع لعملية الفرز‬
‫الثقافي الحضاري‪ ،‬بصورة جعلت اختالفات مكونات المجتمع تظهر للسطح‪ ،‬وتصبح عنوانا لكل جماعة‬
‫أو مجموعة متوافقة على المرجعية الثقافية والحضارية‪.‬‬
‫لهذا باتت مسألة الهوية اإلسالمية‪ ،‬عامال مهما يتم على أساسه فرز مكونات المجتمع‪ ،‬بين الفريق‬
‫المؤيد للهوية اإلسالمية‪ ،‬والفريق الذي ال يتبنى الهوية اإلسالمية‪ ،‬لهذا أصبح الفرز على أساس الدين‪،‬‬
‫حيث أن االختالف في الدين‪ ،‬بين المسلم والمسيحي‪ ،‬صاحبه اختالف حول الهوية الحضارية العامة‪ ،‬بين‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬والهوية المصرية العلمانية‪.‬‬
‫ومع تزايد حالة الفرز على أساس الهوية‪ ،‬أصبح المجتمع يفكك ضمنا تركيبات النظام السابق‪،‬‬
‫لدرجة جعلت دوائر التأييد للنظام السابق‪ ،‬تتحول إلى دوائر تأييد للعلمانية‪ ،‬مما جعل النظام السابق يعيد‬
‫إنتاج نفسه في صورة البديل العلماني أحيانا‪ ،‬ولكن على خجل‪ ،‬وفي صورة البديل المحقق لألمن‬
‫واالستقرار في أغلب الوقت‪ .‬في محاولة من نخبة الدولة العميقة لتشكيل قاعدة مؤيدة لها‪ ،‬أو الحفاظ على‬
‫القاعدة المؤيدة لها منذ ما قبل الثورة‪ .‬ولكن عملية الفرز الثقافي الحضاري‪ ،‬التي يقوم بها المجتمع‪،‬‬
‫بصورة تلقائية‪ ،‬أصبحت تضعف من احتمال تشكل كيانات قائمة على المصالح رغم تباينها الثقافي‬

‫‪8‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫الحضاري‪ ،‬مما يجعل الفرز الحضاري يضعف األسس المادية لتشكل كيانات أو تيارات المجتمع‪ ،‬وهو ما‬
‫يحاصر فكرة النظام السابق وتوجهاته‪ ،‬كما يحاصر كل األفكار الغربية‪.‬‬
‫وعملية الفرز الحضاري عندما تحدث في مناخ مشحون بالتعصب‪ ،‬فإنها تصبح عملية حادة‬
‫وعميقة‪ ،‬وتؤدي إلى تعميق حالة االحتقان االجتماعي‪ ،‬وال تعالجه‪ .‬فعملية الفرز الحضاري‪ ،‬تمثل في‬
‫الواقع عملية إعادة تأسيس تشكل المجتمع‪ ،‬حتى يبنى على أساس الموقف الحضاري‪ ،‬مما يجعل المجتمع‬
‫يشكل تعدديته داخل إطار الهوية العامة‪ ،‬ويميز بين التعدد خارج إطار الهوية العامة‪ ،‬والتعدد داخل إطار‬
‫الهوية العامة‪ .‬مما يجعل كل المكونات المنتمية للهوية العامة‪ ،‬تمثل تيارا سائدا‪ ،‬وكل المكونات التي ال‬
‫تنتمي للهوية العامة‪ ،‬تخرج عن التيار السائد‪.‬‬
‫وكأن عملية الفرز الحضاري القاسية‪ ،‬والتي تتم داخل المجتمع كعملية تاريخية تلقائية‪ ،‬تمثل أخر‬
‫موجات دفاع المجتمع عن نفسه‪ ،‬والتي يحاول فيها تعضيد بنيته الداخلية واستعادة تماسك المجتمع‪ ،‬من‬
‫خالل عملية فرز حضاري‪ ،‬تشكل التيار السائد المرتبط بالهوية العامة للمجتمع‪ ،‬مما يجعل هذا التيار‬
‫السائد ممثال للنظام االجتماعي العام‪ ،‬الذي يحقق تماسك المجتمع ويقويه ويقوي روابط مكونات المجتمع‬
‫المنتمية للتيار السائد‪.‬‬
‫وكأن المجتمع بعد الثورة‪ ،‬يختار لنفسه صورة االنتماء العام‪ ،‬والتي يفرضها على الدولة‪ ،‬ويحقق‬
‫بها قاعدة وحدة المجتمع‪ ،‬داخل إطار الهوية‪ .‬وألن المجتمع خارج من لحظة ضعف‪ ،‬لذا نجده يستخدم‬
‫أدوات التعصب‪ ،‬ليبني لحظة قوته!‬
‫انتخابات على الهوية‬
‫تبدو مشاهد االنتخابات في مصر‪ ،‬وكأنها حالة حشد ثقافي وحضاري‪ ،‬ويقال عنها أنها حالة‬
‫حشد ديني‪ ،‬وفي الواقع ال توجد مسافة فاصلة بين الثقافي والحضاري والديني‪ ،‬وكل حشد ثقافي هو حشد‬
‫ديني في نهاية األمر‪ .‬والالفت أن حالة الحشد على أساس الهوية‪ ،‬أدت إلى إقبال كثيف على االنتخابات‪،‬‬
‫بل وجعلت الحماس للعملية االنتخابية‪ ،‬مع بداية التحول الديمقراطي‪ ،‬تؤدي فعليا إلى إسراع عملية التحول‬
‫الديمقراطي‪ ،‬وبات سلوك عامة الناس الحماسي‪ ،‬يسرع عجلة التحول إلى الممارسة الديمقراطية العملية‪.‬‬
‫مما يعني ضمنا‪ ،‬أن حالة الفرز على أساس الهوية‪ ،‬وربما أيضا حالة االحتقان االجتماعي الناتجة‬
‫من االختالفات حول الهوية‪ ،‬قد أدت في النهاية إلى تشكل دافع سياسي حماسي‪ ،‬يدفع عامة الناس إلى‬
‫االقبال على االنتخابات‪ .‬وهو ما يشكل أساسا مهما‪ ،‬يبني شكل الممارسة السياسية االنتخابية في المستقبل‪،‬‬
‫والتي تجعل للهوية دورا محوريا في العملية االنتخابية‪ .‬والمتابع لما يحدث في الغرب‪ ،‬يجد أن بعد الهوية‬
‫القومية العرقية‪ ،‬كان له دور في العملية االنتخابية في مراحل معينة‪ ،‬وتراجع لفترة‪ ،‬ثم عادة بقوة مرة‬
‫أخرى‪ ،‬رغم الفارق بين الهوية المستندة ألسس مادية بيولوجية في الغرب‪ ،‬والهوية المستندة ألسس ثقافية‬
‫معنوية في المنطقة العربية واإلسالمية‪ .‬ومعنى ذلك‪ ،‬أن حضور عامل الهوية‪ ،‬أو البعد الثقافي‬
‫الحضاري‪ ،‬في العملية االنتخابية ليس أمرا يخص مجتمعاتنا فقط‪ ،‬ولكن الجديد في الممارسة االنتخابية‬
‫التي تحدث مع التحول الديمقراطي‪ ،‬أن حضور عامل الهوية كبعد له تأثير على االختيارات االنتخابية‪،‬‬
‫صاحبه عملية فرز بين مكونات المجتمع تبعا لموقفها من الهوية‪ ،‬وهو ما أدى إلى تشكل مكونات المجتمع‬
‫على أساس موقفها من الهوية العامة للمجتمع‪ ،‬ثم شاركت تلك المكونات في االنتخابات طبقا لخياراتها‪.‬‬
‫حتى باتت خيارات الناس معروفة مسبقا في أغلبها‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫مما يعني أن االنتخابات أظهرت بروز طوائف الهوية ‪-‬إذا جاز التعبير‪ -‬أي بروز طوائف‬
‫المجتمع التي لها موقف متجانس من مسألة الهوية‪ ،‬فأصبحت الهوية أساسا لتشكيل طوائف المجتمع‪،‬‬
‫وبالتالي تشكيل القواعد المساندة للقوى السياسية‪ .‬فأصبحت قواعد القوى السياسية تتمثل في الجماهير‬
‫المؤيدة للهوية التي تتبناها تلك القوى‪ .‬وهو ما عزز بناء قواعد اجتماعية متجذرة للقوى السياسية‪ ،‬وإن‬
‫كان هذا أد ى إلى تعضيد موقف القوى السياسية اإلسالمية‪ ،‬نظرا التساع القاعدة المؤيدة للهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫وهذا التشكل االجتماعي لقواعد التيارات السياسية‪ ،‬يبني في الواقع قواعد قوية للعملية السياسية‪ ،‬ولكنه في‬
‫الوقت نفسه يعمق حالة االحتقان االجتماعي‪.‬‬
‫ومعنى ذلك‪ ،‬أن التيارات السياسية في مصر تقوم على أبعاد ثقافية وحضارية ودينية‪ ،‬ومنها‬
‫تتشكل مختلف التيارات‪ ،‬وتتحدد الجماهير المؤيدة لكل تيار‪ ،‬ويظهر التيار السائد‪ ،‬والذي تمثل جماهيره‬
‫أغلبية المجتمع‪ .‬وهذه الصورة ليست مرشحة للتغيير‪ ،‬وكل ما يمكن أن يتغير هو حالة االحتقان الناتجة‬
‫من النز اع بين المنتمين لتصورات ثقافية مختلفة‪ ،‬تؤدي إلى اختالف في تصورهم عن هوية المجتمع‪.‬‬
‫فوجود اختالف بين بعض مكونات المجتمع في تصورها لهويتها أمر متكرر‪ ،‬ويمكن أن يستمر‪ ،‬ولكن‬
‫المهم أن تتوافق تلك المكونات المختلفة في تصورها عن هويتها‪ ،‬على قواعد التعايش المجتمعي‪ .‬فإذا‬
‫انتهت حالة االحتقان والنزاع الداخلي‪ ،‬سوف تبقى االختالفات حول تصورات الهوية‪ ،‬ألنها نتاج‬
‫اختالفات ثقافية ودينية‪ .‬مما يؤدي إلى استمرار حالة الحشد على الهوية في االنتخابات‪ ،‬دون أن يكون‬
‫ذلك سببا في تعميق حالة االحتقان بين مكونات المجتمع‪.‬‬
‫مما يعني ضمنا أن عملية الفرز على أساس األبعاد الثقافية الحضارية الدينية سوف تستمر‪ ،‬ولكن‬
‫عملية الفرز نفسها يمكن أن تتحول إلى تصنيف طبيعي لالختالفات الموجودة في المجتمع‪ ،‬دون أن تكون‬
‫عملية فرز تهدف إلى إحداث جدران فاصلة بين الفئات المختلفة‪ .‬فمسألة الهوية‪ ،‬وألنها مسألة ثقافية‪،‬‬
‫تشكل تصنيفات المجتمع األساسية‪ .‬وألن المجتمع ال يصنف نفسه تبعا للعوامل المادية‪ ،‬مثل عامل‬
‫االقتصاد والنوع والعمر‪ ،‬لذلك يصنف نفسه تبعا للعوامل الثقافية‪ ،‬وهي غالبا عوامل حضارية ودينية‪.‬‬
‫وتصنيف المجتمع لنفسه‪ ،‬يعني القواعد التي يعرف الفرد بها نفسه‪ ،‬ويعرف من خاللها اآلخرون‪،‬‬
‫وبالتالي يحدد من يتشابه معه ومن يختلف معه‪ .‬لذلك فالمجتمع يتشكل تبعا للمكونات التي تمثل الفئات‬
‫المتجانسة‪ ،‬والتي يدرك المنتمين لها العناصر المميزة لهم عن غيرهم‪ .‬وبهذا تتشكل تكوينات فرعية‬
‫متعددة‪ ،‬ثم تتجمع بعض تلك التكوينات في أطر عامة‪ ،‬تمثل التيارات األساسية للمجتمع‪.‬‬
‫جماهير ضد التوافق‬
‫من المشاهد المهمة في االنتخابات المصرية‪ ،‬أن فكرة التحالف بين أكثر من قوة سياسية‪ ،‬خاصة‬
‫إذا كانت تلك القوى متنوعة وتشمل قوى إسالمية وأخرى علمانية‪ ،‬لم تجد قبوال لدى عامة الناس‪ .‬فالناخب‬
‫مال الختيار القو ى التي تعبر عنه‪ ،‬ولم يميل إلى فكرة أن تتحالف قوى متباينة في مسألة الهوية‪ .‬وهو ما‬
‫أثر على فكرة إدارة المرحلة االنتقالية عن طريق توافق أو تحالف سياسي‪ ،‬ألن النزعة التنافسية الواضحة‬
‫لدى الجماهير‪ ،‬جعلت تلك األفكار غير مناسبة‪ .‬فاندفاع عامة الناس إلى التنافس االنتخابي‪ ،‬والذي عبر‬
‫عن رغبتهم في ممارسة الحرية‪ ،‬وممارسة االختيار الحر‪ ،‬أوضح أن خيارات عامة الناس تميل إلى‬
‫الخيارات الواضحة‪ ،‬بأكثر من الخيارات القائمة على تحالفات بين قوى متباينة‪ .‬وهو ما يؤكد أيضا دور‬

‫‪01‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الفرز على الهوية‪ ..‬مجتمع ما بعد الثورة‬

‫عامل الهوية في االختيار‪ ،‬ويوضح أن فكرة التحالف العابر لتصورات الهوية‪ ،‬فكرة غير مقبولة لدى‬
‫العامة غالبا‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫إن مجتمع ما بعد الثورة‪ ،‬يتجه لتأسيس بنيته على أساس الخيارات الثقافية الحضارية‪ ،‬فتبرز‬
‫مسألة الهوية‪ ،‬باعتبارها العنوان األبرز لتشكل تيارات المجتمع‪ ،‬وبالتالي تشكل جماهير التيارات‬
‫السياسية‪ .‬وهو مجتمع رفض ومازال يرفض أي محاولة لتشكيله على أسس طبقية مادية‪ .‬ولكنه في الوقت‬
‫نفسه‪ ،‬مجتمع يعاني من حالة تفكك ونزاع داخلي‪ ،‬ناتجة من شيوع التعصب في زمن ما قبل الثورة‪.‬‬
‫وعالج حالة التعصب‪ ،‬لن يكون بتصنيع تيارات تقوم على أسس طبقية مادية‪ ،‬ألن المجتمع يقاوم كل‬
‫أشكال تصنيعه أو إعادة تشكيله على أسس غير تلك األسس التي تمثل موروثه الحضاري‪ .‬لذا فمحاوالت‬
‫عالج مشكلة التعصب من خالل تنحية دور الهوية‪ ،‬لن تنجح‪ .‬في حين أن تجاوز المجتمع لحالة شيوع‬
‫التعصب‪ ،‬تساهم في تعميق أسس العيش المشترك‪ ،‬رغم التباين بين مكونات المجتمع في مسألة الهوية‪.‬‬
‫وإذا كانت محاوالت إعادة تشكيل المجتمع على أسس مستمدة من الثقافة الغربية قد فشلت في‬
‫زمن االستبداد‪ ،‬كما فشلت قبل ذلك في زمن االستعمار‪ ،‬لذا فإنها سوف تفشل في زمن ما بعد الثورة‪ ،‬ألن‬
‫الحرية التي يتمتع بها المجتمع بعد الثورة‪ ،‬انهت دور أي سلطة مهيمنة عليه‪ .‬والمشكلة ليست في وجود‬
‫اختالف حول الهوية‪ ،‬ولكن المشكلة تكمن في عدم تشكل قواعد تحكم إدارة الخالف داخل المجتمع‪ ،‬فكلما‬
‫زاد النزاع االجتماعي‪ ،‬ظهر هذا النزاع في العملية السياسية‪ ،‬وتأثر بحالة التنافس االنتخابي‪ ،‬فتصبح‬
‫االنتخابات مناسبة لتعميق حالة النزاع الداخلي أو حالة االحتقان والتعصب‪ .‬وحل تلك النزاعات لن يتم‬
‫على المستوى السياسي‪ ،‬بل سيحدث على المستوى االجتماعي أوال‪ ،‬ألن أصل النزاع اجتماعيا‪ ،‬وألن‬
‫التعصب هو سلوك اجتماعي في األساس‪ ،‬قبل أن يكون سلوكا سياسيا‪.‬‬

‫‪00‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful