‫اﻟﻌﻠﻢ ﻳﺪﻋﻮ ﻟﻺﻳﻤﺎن‬

‫تأليف‪ :‬كريسى موريسون‬
‫ترجمة‪ :‬محمود صالح الفلكي‬

‫‪1‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة آل عمران(‬
‫ت َواألرض َو ْ‬
‫) ﱠ‬
‫ت‬
‫ار آليا ٍ‬
‫اختِ ِ‬
‫ق السﱠم َوا ِ‬
‫إن في َخ ْل ِ‬
‫الف اللﱠي ِْل َوالنﱠھَ ِ‬
‫ُ‬
‫ولى ْ‬
‫ُون ﷲَ قِيَاما ً َوقُعُوداً َو َعلَى ُجنُوبِھ ْم‬
‫األلبَاب‪ .‬الذيِ َن يَ ْذ ُكر َ‬
‫أل ِ‬
‫اطالً‬
‫ض‪َ .‬ربﱠنا َما َخلَ ْقت ھَ َذا بَ ِ‬
‫ق السﱠم َوا ِ‬
‫في َخ ْل ِ‬
‫َويَتفَكر ُو َن ِ‬
‫ت َواألَرْ ِ‬
‫اب النﱠار(‪.‬‬
‫ُس ْب َحانَ َ‬
‫ك فَقِنَا َع َذ َ‬
‫المترجم‬

‫وقال تعالى‪) :‬سورة فاطر(‪:‬‬
‫)إنﱠما يَخ َشى ﷲَ ِمن ِعبَا ِد ِه ال ُعلَماء(‬
‫المترجم‬

‫‪2‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫المشتركون في ھذا الكتاب‬
‫‪1.‬المؤلف‬
‫كريسى موريسون – ھو الرئيس السابق ألكاديمية العلوم بنيويورك‪،‬‬
‫ورئيس المعھد االمريكي لمدينة نيويورك‪ ،‬وعضو المجلس التنفيذي‬
‫لمجلس البحوث القومي بالواليات المتحدة‪ ،‬وزميل في المتحف‬
‫االمريكي للتاريخ الطبيعي‪ ،‬وعضو مدى الحياة للمعھد الملكي‬
‫البريطاني‪.‬‬
‫‪ .2‬المترجم‪:‬‬
‫محمود صالح الفلكي – حصل على بكالوريوس في اإلقتصاد بمرتبة‬
‫الشرف من جامعة كمبردج بانجلترا سنة ‪ ،1924‬وعلى درجة أستاذ‬
‫من نفس الجامعة ‪.1929‬‬
‫شغل عدة وظائف اقتصادية ھامة بوزارة المالية واإلقتصاد ثم‬
‫وكيال لنفس الوزارة سنة ‪ .1951‬كما مثل الحكومة المصرية عدة‬
‫مؤتمرات اقتصادية دولية‪ .‬ومن سنة ‪ 1954‬إلى آخر ‪ 1955‬عين‬
‫سفيراً لجمھورية مصر في باريس ثم عين عضوا بمجالس ادارة‬
‫عدة بنوك وشركات من سنة ‪ 1955‬حتى ‪ .1961‬عين مندوبا‬
‫مفوضا لبنك االستيراد والتصدير المصري في مكان مجلس االدارة‬
‫سنة ‪.1961‬‬
‫في سنة ‪ 1955‬انعم عليه السيد رئيس الجمھورية بوسام‬
‫االستحقاق من الطبقة الثانية‪ .‬له عدة مؤلفات وبحوث اقتصادية‬
‫منھا‪) :‬بحوث في الشئون المالية واإلقتصادية الدولية والقومية(‪ ،‬و‬
‫)التخطيط االقتصادي(‪ ،‬و )التنمية اإلقتصادية وقواعدھا االساسية‬
‫في الدول الناشئة(‪.‬‬
‫مصححة الغالف‪:‬‬
‫االنسة اعتدال منيب‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ھذا الكتاب‬
‫وضع العالمة االمريكي ا‪ .‬كريسى موريسون ھذا الكتاب للقارئ‬
‫العادي‪ ،‬سواء أكان شابا ام شيخاً‪ ،‬رجال ام امرأة‪ ،‬وبينما يعالج‬
‫مسائل علمية جديدة‪ ،‬تراه يطلعك على غرائب في الكون ما كانت‬
‫تخطر لك ببال‪.‬‬
‫وھو كتاب علمي قبل كل شيء‪ ،‬إذ يعالج مسائل تختص بالفلك‬
‫والجيولوجيا والطبيعة والكيمياء والطب وعلم االحياء ونحوھا‪.‬‬
‫ولكنه بسط ھذه المسائل العلمية لدرجة تقربھا إلى ذھن كل قارئ‪.‬‬
‫ومن عجب ان يستوعبا كلھا في ھذا الحيز الصغير‪ ،‬وان يعرضھا‬
‫بشكل جذاب‪.‬‬
‫ان ما كشفه المؤلف في ھذا الكتاب من حقائق جدير بان يثير خيال‬
‫االنسان‪ .‬غير ان النتائج التي انتھى اليھا ھي ثمرة )تكييف( اإلنسان‬
‫كي يالئم الطبيعة بشكل ظاھر‪ ،‬كما ھي ثمرة تكييف الطبيعة لتالئم‬
‫اإلنسان بشكل خفي ادعى إلى الدھشة !‬
‫وال ريب ان ھذا الكتاب سيكون موضع التقدير من جميع المفكرين‬
‫الذين يروقھم ان يجمعوا التأمل والتفكير إلى‬
‫وقد برھن المؤلف بالبراھين القاطعة على ان عجائب عالقات‬
‫اإلنسان بالطبيعة‪ ،‬ووجود الحياة نفسھا‪ ،‬تتوقف كلھا على وجود‬
‫الخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬وعلى وجود قصد من خلق الكون‪ ،‬ويتمثل‬
‫ھذا القصد في اعداد روح اإلنسان للخلود‪.‬‬
‫وھذه الغاية التي توخاھا المؤلف ھي غاية جليلة بال ريب‪ ،‬وال‬
‫تعارض بينھا وبين األديان على اختالفھا‪ ،‬بل انھا على العكس‬
‫‪4‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫تؤيدھا‪ ،‬إذ تثبت االيمان با الذي ھو اساس كل دين‪ .‬ومن ثم يروق‬
‫ھذا الكتاب للعالم العصري‪ ،‬والعالم الديني‪ ،‬والواعظ‪ ،‬ويرضى‬
‫المتدين كما يقنع الذي في نفسه شك‪.‬‬
‫وال ريب ان الموضوع الذي عالجه ھذا الكتاب ھو موضوع اليوم‪،‬‬
‫فقد انتشرت فكرة االلحاد في كثير من البلدان‪ ،‬وزعم الملحدون انھم‬
‫ينكرون االيمان على أساس من العلم‪ .‬ولكن ھاھو ذا عالم كبير يؤيد‬
‫اإليمان ببراھين من أحد ث العلوم‪.‬‬
‫ھذا والعالمة ا‪ .‬كريسى موريسون ھو الرئيس السابق ألكاديمية‬
‫العلوم بنيويورك‪ ،‬ورئيس المعھد االمريكي لمدينة نيويورك‪،‬‬
‫وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالواليات المتحدة‪،‬‬
‫وزميل في المتحف االمريكي للتاريخ الطبيعي‪ ،‬وعضو مدى الحياة‬
‫للمعھد الملكي البريطاني‪.‬‬
‫وقد قرظت ھذا الكتاب صحف ومجالت امريكية عدة‪ ،‬ومن ذلك ما‬
‫نشرته مجلة )ھارتفورد كورانت( ضمن مقال طويل‪ ،‬إذ قالت‪:‬‬
‫)ان المؤلف الذي ھو رئيس سابق ألكاديمية العلوم في نيويورك‪ ،‬قد‬
‫اشتق الوقائع من مختلف العلوم‪ ،‬وجمعھا معا في ھذا الكتاب الذي‬
‫يفتح االذھان ويضيئھا بشكل يدعو إلى العجب‪ .‬مثله في ذلك مثل‬
‫صانع الساعة الدقيقة الجميلة‪ ،‬إذ يبحث عن عجلة صغيرة‪ ،‬أو ترس‬
‫ھنا‪ ،‬وعن جوھرة ھناك‪ ،‬ويضم اداة دقيقة إلى مسمار الحياة‪ ،‬حتى‬
‫يتم صنع تلك تلك الساعة‪.‬‬
‫)وقد استعان المؤلف بامثلة من علم الفلك والجيولوجيا وعلم‬
‫الحشرات وعلم النبات وعلم االحياء وعلم الطبيعة وعلم النفس‬
‫والفلسفة‪ .‬وقد جمع ھذه المادة بعناية بالغة‪ .‬وعرضھا بدقة وبراعة‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫)واشتق من ھذه العلوم المختلفة المتشابكة‪ ،‬حقائق عجيبة مرتبطا‬
‫بعضھا ببعض في انسجام كامل على نحو يؤدي بالضرورة إلى‬
‫ايمان كل إنسان مفكر سليم الفكر بوجود ﷲ‪.‬‬
‫ان بعض المؤمنين يؤمنون على أساس الشعور‪ ،‬والبعض اآلخر‬
‫على أساس تعاليم يحفظونھا دون تفكير‪ ،‬وال يصلح ھذا األساس وال‬
‫ذاك وإنما يصلح االيمان القائم على العقل لبقي اإلنسان في ھذا‬
‫العصر الذري المدھش(‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫كلمة المترجم‬
‫بسم ﷲ الرحمن الرحيم‬
‫قد يبدو غريبا ان رجال درس العلوم اإلقتصادية والمالية وشغل‬
‫منصب وكيل وزارة المالية واالقتصاد‪ ،‬ومركز نائب المحافظ‬
‫لصندوق النقد الدولي بواشنطن‪ ،‬ومنصب سفير مصر في باريس‪،‬‬
‫يعمد إلى ترجمة كھذا الكتاب‪ ،‬يتكلم في الفلك والجيولوجيا والطبيعة‬
‫والكيمياء والطب وعلم الوراثة‪ ،‬ومثل ذلك من العلوم التي ال تمت‬
‫إلى عمل المترجم‪ ،‬وال إلى دراسته‪ ،‬بسبب من االسباب‪.‬‬
‫ولكن الواقع اني حين قرأت ھذا الكتاب ابان اقامتي في امريكا‪،‬‬
‫ضمن ما قرأته من كتب في موضوعات شتى – اعجبتني الغاية‬
‫السامية التي توخاھا المؤلف الكبير من تأليفه‪ ،‬إال وھي اثبات وجود‬
‫ﷲ ووحدانيته‪ ،‬بادلة من العلم المادي الحديث!‬
‫وكان العھد بدعاة اإللحاد ان يحتجوا لدعوتھم بادلة يحسبونھا علمية‪،‬‬
‫حتى لقد ظن البعض ان العلم وااليمان نقيضان ال يجتمعان‪ ،‬بل الف‬
‫أحد العلماء الغربيين – وھو جوليان ھكسلي – كتابا في ذلك سماه‬
‫)اإلنسان يقوم وحده( ‪ Man Stands Alone‬زعم فيه أن العلم‬
‫ينكر وجود ﷲ‪.‬‬
‫ولكن ھا ھو ذا عالم من أكبر العلماء االمريكيي‪ ،‬وقد شغل حينا‬
‫مركز رئيس المجمع العلمي في أمريكا‪ ،‬قد تصدى له ورد عليه و‬
‫بين له وللناس جميعا‪ ،‬ان العلم الحديث يثبت وجود ﷲ وينتھي إلى‬
‫االيمان به وبوحدانية‪ ،‬بما ال يحتمل الشك أو الجدل‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وقد سمى كتابه )اإلنسان ال يقوم وحده ‪Man Does Not Stand‬‬
‫‪ Alone‬اثبت فيه بمختلف العلوم ان ﷲ بارئ الكون وھو خالق كل‬
‫شيء‪.‬‬
‫لذلك وحده عنيت بترجمة ھذا الكتاب لعله ينتشر بني قراء العربية‬
‫كما انتشر في أمريكا حيث كان له أثر كبير في صد موجة االلحاد‬
‫وتثبيت قوة اليقين‪.‬‬
‫وقد وجدت كثيرا من آيات القرآن الكريم تؤيد ما ذھب اليه المؤلف‬
‫فوضعتھا في مواضعھا من فصول الكتاب‪.‬‬
‫وﷲ الھادي إلى اقوم سبيل‬
‫محمود صالح الفلكي‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫تصدير بقلم فضيلة األستاذ الشيخ احمد حسن الباقوري‬
‫مدير جامعة االزھر‬
‫البحث عن ﷲ والتعرف إلى الخالق امر شغلت به اإلنسانية‬
‫منذ كان لھا وجود في ھذا العالم حتى لكأنما يدفعھا اليه شعور خفي‬
‫دافق‪ ،‬ويسوقھا نحوه سائق عنيف من فطرة كامنة فيھا‪.‬‬
‫فاإلنسان بفطرته طلعة ال يقنع من الحياة بمظاھر اشكالھا‬
‫وألوانھا كما تنقلھا اليه حواسه أو كما ينفعل بھا شعوره‪ ،‬بل يتناولھا‬
‫بعقله‪ ،‬وينفذ اليھا ببصرته ليعرف حقيقة كل شيء‪ ..‬من اين جاء‬
‫وكيف صار واالم ينتھي‪ .‬وھو في اشباع رغبته تلك ال يدخر وسعا ً‬
‫من ذكاء أو جھد حتى يبلغ من ذلك ما يطمئن اليه عقله وتستريح به‬
‫نفسه‪.‬‬
‫وكذلك كان شان اإلنسان في بحثه عن ﷲ‪ ،‬الحقيقة الكبرى‬
‫التي ھي مصدر وجود ھذا العالم واليھا مصائر اموره‪ ..‬فلقد أكثر‬
‫من التطلع اليھا والبحث عنھا حتى تفرقت به السبل واختلفت فيھا‬
‫مذاھبه‪ ،‬إذ ال شك ان ھذه النظرات المتطلعة إلى تلك الحقيقة الكبرى‬
‫قد اخذت وال تزال تاخذ صورا واشكاال متعددة متباينة‪ ،‬تختلف‬
‫باختالف الناس واستعدادھم الفكري وما يحيط بھم من ظروف‬
‫الحياة واحوالھا‪ ،‬فلكل وجھته التي ھو موليھا‪ ،‬ولكل مبلغه من العلم‬
‫وحظه من التوفيق‪ :‬فبينا يصل اليھا بعضھم عن طريق النظر في‬
‫ملكوت السموات واألرض على اختالف في مجال ھذا النظر عمقا‬
‫وامتداداً‪ ،‬إذ يصل اليھا بعضھم االخرين عن طريق العاطفة المجردة‬
‫عن االدراك‪ ،‬الواقعة تحت تاثير الوراثة أو السماع والتي ال تكاد‬
‫تالمس الفكر أو تثيره‪ .‬وبين ھؤالء وھؤالء طوائف وطوائف تقطع‬
‫الطريق إلى تلك الحقيقة في مراحل متعددة تخلط بين العاطفة والفكر‬
‫بنسب واقدار متباينة‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ومن ھنا نستطيع ان نقول ان لك إنسان تصورا خاصا إللھه‬
‫الذي يعبده والذي ينزل من نفسه المنزلة التي ھداء اليھا عقله أو‬
‫قلبه‪ ،‬أحد ھما أو كالھما‪ ،‬وبالقدر الذي تكشف له من الحقيقة‪ ،‬وعلى‬
‫الصورة التي تمثلت في خاطره‪ .‬ولذا تعددت اآللھة وتفرقت بالناس‬
‫مذاھب الرأي فيھا‪ ،‬فكان لكل امة ربھا‪ ،‬ولكل جماعة دينھا ) َولَ ْو‬
‫ون ُم ْختَلِفيِ َن إال َم ْن َر ِح َم‬
‫اح َدةً َوالَ يَ َزالُ َ‬
‫َشا َء َربﱠ َ‬
‫ك لَ َج َع َل النﱠ َ‬
‫اس أُ ﱠمةً َو ِ‬
‫ك َخلَقَھُ ْم(‬
‫ك َولِ َذلِ َ‬
‫َربّ َ‬
‫وال نريد ھنا ان نبحث في تاريخ األديان بعيدھا وقربھا‪ ،‬وال أ‪،‬‬
‫نستقصي تعدد المعبودات والبواعث التي دعت اليھا‪ ،‬والصور‬
‫واالشكال التي ظھرت فيھا‪ ،‬وال ان نتحدث عن فكرة التوحيد أو‬
‫التعدد فذلك ما ال سبيل اليه في ھذا المقام‪ ،‬وإنما نريد ان نقول ان‬
‫صورة اإلله أو اآللھة التي عبدھا الناس منذ كانوا إنما كانت وليدة‬
‫اقتناع وايمان ايا كان حظھما من العمق‪ ،‬ومدھما من الصدق‪.‬‬
‫فعابد النار أو الحجر أو الحيوان أو الشمس أو القمر إنما عبد‬
‫معبوداته تلك بعد ان ملكت عليه زمام نفسه‪ ،‬واخذت بمجامع قلبه‪،‬‬
‫وتمثلت له قوة خارقة ال حد لھا‪ ،‬اليھا مصائر اموره‪ ،‬وعليھا مدار‬
‫ضره ونفعه‪ ،‬فآمن بھا واستسلم لھا ووجه اليھا وجھه وقلبه وعقله‪.‬‬
‫وسواء أكان ھذا اإليمان منبعثا من أعماق النفس ام ملتقى اليھا‬
‫من طريق االيحاء واإلغراء‪ ،‬فھو على اية حال ايمان ملك النفس‬
‫وخالط المشاعر‪ ،‬وبغير ھذا ال يكون إيمانا وال يسمى ديناً‪ ،‬وانه إذا‬
‫لم يبلغ ھذا الحد فستظل نفس اإلنسان فارغة خواء‪ ،‬وسيظل اإلنسان‬
‫قلقا مضطربا حتى يقع على االله الذي يسكن اليه قلبه ويطمئن به‬
‫وجدانه‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وحين تصل العقول سبيلھا إلى الخالق‪ -‬وما أكثر ما تضل ‪-‬‬
‫وتنزل االنسانية إلى ھذا الدرك من التفكير والسخف من النظر‬
‫فتتخذ من األحجار أربابا‪ ،‬ومن الحيوان آلھة تجثو تحت اقدامھا‬
‫تعبدھا وتفني فيھا‪ ،‬وتقدم لھا النفس والولد على مذبح التضحية زلفى‬
‫وقربانا‪ ،‬حين تصل االنسانية إلى ھذا المدى من اإلغراق في‬
‫الضالل والسفه تجيء رسالة من السماء في ابانھا لتخرج الناس من‬
‫الظلمات إلى النور على يد رسل ﷲ وانبيائه الكرام‪.‬‬
‫وأول دعوة تھتف بھا األديان السماوية في آذان الناس الدعوة‬
‫إلى وحدانية ﷲ وتحرير العقول والقلوب من الشرك به ورفع‬
‫البصر اليه خالصا من أوھام الزيغ والضالل‪ ،‬وبھذا تصح انسانية‬
‫االنسان‪ ،‬ويرد اليه اعتباره‪ ،‬ويصبح اھال ليكون خليفة ﷲ في‬
‫ارضه‪.‬‬
‫ومھما اختلفت طرق األديان السماوية في أداء الدعوة إلى ﷲ‪،‬‬
‫وفي وسائل االقناع بوحدانيته‪ ،‬فإنھا جميعھا تعتمد أول ما تعتمد‬
‫على إثارة العاطفة وتحريك الوجدان أكثر من اعتمادھا على اثارة‬
‫قوى اإلدراك والتفكير‪ ،‬ذلك ان حقيقة اإلله الموحد أكبر من أن‬
‫يحدھا الفكر أو يحيط بھا اإلدراك – وإن كان لھما في آياتھا الرائعة‬
‫مسارح للنظر والتأمل‪ ،‬وفي آفاقھا الرحيبة مجاالت للبحث والتفكير‬
‫يفيض بھا الوجدان روعة وجالال‪ ،‬ويمتلئ بھا القلب طمأنينة‬
‫وإيمانا‪.،‬‬
‫انظر إلى النغم الموسيقي الرائع كم يثير في االسماع من بھجة‬
‫ورضا‪ ،‬وكم يحرك في النفس من عواطف وأحاسيس‪ ..‬انك لو‬
‫ذھبت تطلبه بفكرك في طبقات االثير ترد كل ذبذبة فيه إلى ضوابط‬
‫من الفن وقواعد من العلم العيتك مذاھبه النتھى بك المطاف إلى‬
‫غير طائل‪ ..‬ثم انظر إلى البحر في سعته وامتداده‪ ..‬كم تأخذ صفحته‬
‫الرقراقة المتموجة من نفسك وكم تبلغ عظمته وروعته من قلبك‬
‫‪11‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫حين تمأل عينيك منه وتردد النظر فيه‪ ،‬ثم انظر كيف بك إذا ألقيت‬
‫بنفسك في عبابه ورميت بھا في ثبجة‪ ..‬من أنت؟ وما تكون؟‬
‫فكيف بھذا الخالق العظيم نرمي بعقولنا القاصرة وأفكارنا‬
‫المحدودة في عوالم ال نھاية لھا نريدھا على ان تحيط به وتخضع‬
‫حقيقته لما تخضع له حقائق األشياء في عالمنا المحدود؟‬
‫لماذا ال نقف من ھذا الخالق العظيم موقفنا من النغم الموسيقي‬
‫نلتذ سماعه‪ ،‬أو البحر نتملى جماله؟ ولم نعدل عن ھذا إلى مسابقة‬
‫النغم في مسراه أو مطاولة البحر في عظمته؟ ذلك ھو الضالل‬
‫البعيد‪.‬‬
‫ان العقل مھما بلغ من القوة والذكاء ليس إال حاسة من حواس‬
‫التي تربطنا بعالمنا المحدود‪ ،‬فكما يكون للعين مدى تنتھي عنده‬
‫مقدرتھا على االبصار فال تدرك ما وراء ھذا المدى من مرئيات إال‬
‫اشباحا باھنة وصوراً شائھة ال تعني من الحق شيئا‪..‬وكذلك الشأن‬
‫في كل حاسة من حواسنا لكل مجال تعمل فيه‪ ،‬وتؤدي وظيفتھا‬
‫كاملة في حدوده‪ ،‬فاذا اريد بھا الخرود عن ھذا المجال ضلت‬
‫واضلت‪ .‬وكذلك شأن العقل وھو حاسة االدراك له مجاله المحدود‬
‫الذي يعمل فيه ويدرك حقائق األشياء في محيطه‪ ،‬فان ان اتى إال ان‬
‫يركب متن الشطط ويستوي على ظھر الغرور‪ ،‬انزلق إلى ظلمات‬
‫الضالل وتقطعت به إلى الحقيقة األسباب‪.‬‬
‫ولسنا نريد بھذا ان نمسك العقل عن التفكير والبحث في‬
‫التعرف إلى ﷲ‪ ،‬فھو الطريق الطبيعي اليه‪ ،‬وإنما نريد ان يھج العقل‬
‫بھجا قاصدا في البحث عن ﷲ فال يندفع وراء الخياالت والفروض‪،‬‬
‫وال يشط في التطلع إلى ما فوق طاقته‪ ،‬وليتعرف بقصوره عن‬
‫ادراك الحقيقة وعجزه عن تناولھا‪ ،‬وليرجع إلى القلب يطلب عنده‬
‫االطمئنان والسكينة‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ودعوة االسالم صريحة في ان العقل ال يمكن ان يستقل‬
‫بمعرفة ﷲ‪ ،‬وال ان يھتدي اليه إال إذا صحبه في تطوافه إلى تلك‬
‫الغاية قلب يتلقى عنه كل مدركاته فيجعلھا عواطف وأحاسيس تشيع‬
‫في النفس روعة وجالال‪ .‬ومن خالل ھذا الشعور بالروعة والجالل‬
‫يرى المرء خالقة الواحد االحد المتفرد بالعظمة والجالل‪.‬‬
‫ولھذا كان اإلسالم دين الفطرة‪ ..‬والفطرة ليست عقال صرفا‬
‫وال عاطفة محضا‪ ،‬وإنما ھي مزيج من العقل والعاطفة إذا التقيا فلم‬
‫يطغ أحد ھما على اآلخر كانت الفطرة سليمة تنشد ﷲ وتعرف‬
‫سبيلھا اليه من أقرب السبل‪.‬‬
‫وتلك الفطرة مركوزة في النفس البشرية تتحرى إلى اداء‬
‫وظيفتھا منذ تتفتح مشاعر المرء وتستيقظ مداركه‪ ،‬وعلى ھذا الوجه‬
‫ني‬
‫من الفھم للفطرة أحب ان أفھم قوله تعالى‪َ ) :‬وإِ ْذ أ َخ َذ َربّ َ‬
‫ك ِم ْن بَ ِ‬
‫ُ‬
‫ألست بربِ ُك ْم قال ُوا‬
‫آ َد َم ِمن ظُھُور ِھ ْم ُذرّيتَھُ ْم‪َ ،‬وأ ْشھَ َدھُم َعلَى أ ْنفُ ِس ِھم‬
‫بَلى َشھدنَا‪ْ ..‬‬
‫أن تَقولُوا يَو َم القيا َم ِة إنّا كنّا َعن ھ َذا َغافليِن(‪ .‬وكيف‬
‫يغفل المرء عن ﷲ وفيه ھذه الغريزة المتطلعة إلى ﷲ المتشوقة إلى‬
‫الوصول اليه‪.‬‬
‫والتعرف إلى ﷲ عن طريق ھذه الفطرة امر سھل ميسور ال‬
‫يحتاج إلى علم غزير أو نظر فلسفي‪ ،‬وإنما تكفي فيه النظرة‬
‫الخالصة في صفحات ھذا الوجود‪ ،‬نظرة في األرض أو السماء‪..‬في‬
‫الليل أو في النھار‪ ..‬في عالم الحياة أو الموت‪ ..‬في النبتة الصغيرة‬
‫أو الشجرة الباسقة‪ ..‬نظرة واحد إلى أية صورة من صور ھذا العالم‬
‫وإلى أي لون من ألوانه ترٮان العقل وشواھد ناطقة بقدرة الخالق‬
‫العظيم‪ ،‬وتحمل إلى القلب شواھد ناطقة بقدرة الخالق العظيم‪،‬‬
‫وتحمل إلى القلب فيضا من اإلجالل واإلكبار لھذا الصانع المبدع‬
‫ّحمن ْ‬
‫ت‬
‫)الّذي خلَ َ‬
‫ق س ْب َع َسم َوا ٍ‬
‫من تَفاو ٍ‬
‫لق الر ِ‬
‫ت ِطباقا ً ما تَرى في َخ ِ‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫فَ‬
‫ّتين ينَقلبْ‬
‫طور‪ ،‬ث ّم‬
‫ارجع الب َ‬
‫ص َر كر ِ‬
‫ارجع البَص َر ھلْ ترى ِم ْن فُ ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫خاسئا ً وھ َو َحسي ُر(‪.‬‬
‫الي َ‬
‫ك البص ُر ِ‬
‫فاذا يبلغ البصر من ھذا المحيط العظيم الذي ال تضمه قيود‬
‫وال حدود؟ اولى له ثم أولى ان يقف عند حده وأن يرضى من‬
‫النظرة األولى بما يتكشف له من عجائب وأسرار‪.‬‬
‫تلك ھي طريقة اإلسالم في معرض الھداية إلى ﷲ والدعوة‬
‫اليه‪ ..‬انه يوقظ العقل اوال‪ ..‬يوقظه في رفق ويسر حين يلفته إلى‬
‫مظاھر الكون المحيط به‪ ،‬والواقعة تحت سمعه وبصره‪ .‬يريده ان‬
‫يلتفت اليھا لفتة حالمة شاعرة‪ ،‬ال أن يغوص في أعماقھا يطلب عللھا‬
‫وأسبابھا ويلتمس عناصرھا وأجزءھا‪.‬‬
‫في السّموات األرض(‬
‫استمع إلى قوله تعالى‪) :‬قُل انظروا َماذا ِ‬
‫ثم استجب إلى ھذه الدعوة‪ ..‬فماذا ترى في نظرة طرية إلى ھذا‬
‫الملكوت الرحيب تنتعش بھا النفس ويھتز لھا لوجدان حين تطالع‬
‫صفحة ھذا الوجود في اجمال بعيد عن التفصيل والتعليل‪ ،‬ثم انظر‬
‫الكريم الّذي خلَقَك‬
‫ك‬
‫ك ب َربّ َ‬
‫إلى قوله تعالى‪) :‬يا أيھا اإلنسان ما غ ّر َ‬
‫ِ‬
‫ك في أي صور ٍة ما شا َء ر ﱠكبك(‪ .‬فأي إنسان تدق عن فھمه ھذه‬
‫فَسوا َ‬
‫الحقيقة الماثلة أمام عينيه‪ ..‬حقيقة اإلنسان على صورة تلك وما‬
‫ركب فيھا من أعضاء؟‬
‫)ال يُكلّ ُ‬
‫ف ﷲُ نفسا ً إال و ْس َعھا( وأضيق درجات السعة في‬
‫النفس االنسانية على ان يستشف في معارض ھذا الكون الدالئل‬
‫الناطقة على قدرة ﷲ ووحدانيته وال على المرء بعد ذلك ان يفوته‬
‫منھا ما يقع عليه الفالسفة والعلماء من حقائق واسرار‪ ،‬فان كل ھذا‬
‫من ال ِع ِلم إال‬
‫إلى جانب الحقيقة الكبرى ھباء وھراء )وما أوتيتُ ْم َ‬
‫قليالً(‪ ،‬وحتى في مقام الجدل في ﷲ بين الجاحدين والمؤمنين‪ ..‬ال‬
‫يسلك الداعي إلى ﷲ مسالك المنطق الجاف الذي يقوم على‬
‫‪14‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫التصورات الذھنية التي تفتح للخصم ابواب الدعاء والمغالطة‪ ،‬بل‬
‫يعدل عن ھذا األسلوب الفطري فيتناول المسائل من أبرز جوانبھا‬
‫وأوضحھا حيث ال يختلف فيھا نظر وال يضل عنھا فھم‪.‬‬
‫)أل ْم تَر إلى ّ‬
‫الذي حاج إبراھي َم في َربّه ْ‬
‫ك إذ قا َل‬
‫أن آتاهُ ﷲ ال ُمل َ‬
‫ُ‬
‫أميت قا َل إبراھي ُم‬
‫إبراھي ُم رب َي الذي يُحي َو يُميت‪ .‬قا َل‪ :‬أنا أُحيي َو‬
‫ّ‬
‫ب‪ .‬فَ َ‬
‫بھت الذي‬
‫من‬
‫فإن ﷲ يأتي‬
‫ت بھا َ‬
‫بالشمس َ‬
‫من المغر ِ‬
‫المشرق فأ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الظالمين(‬
‫كفر وﷲ ال يَھدي القَوم‬
‫َ‬
‫ولو ذھب ابراھيم في الرد على ھذا الكافر المعاند مذاھب‬
‫الفالسفة والمناطقة لكان له في الرد عليه مسالك غير التي سلك‪..‬‬
‫إنسان يدعى انه يحي ويميت‪ ..‬وتلك دعوى عريضة لو تحداه‬
‫إبراھيم بتحقيقھا العجزه وكشف أمره‪..‬‬
‫ولكن من يدري لعل ھذا الطاغية المتكبر تاخذه العزة باإلثم‬
‫فيمضى في دعواه ويركب رأسه دفاعا عن كبريائه فيمثل الشھود‬
‫صورا من قدرته على اإلماتة واالحياء‪ ،‬وربما عمد إلى إنسان من‬
‫رعيته ويقول‪ :‬ھذا قد احييته ألني اردت له الحياة! ثم يعمد إلى آخر‬
‫فيضرب عنقه ويقول‪ :‬ھذا قد امته ألني قد أردت له الموت! ثم يرفع‬
‫رأسه مزھوا منتصراً‪.‬‬
‫وما إلبراھيم يكلف نفسه دحض ھذا االفتراء‪ ،‬وعقد المقارنة‬
‫بين صور االحياء واإلماتة من جانب ﷲ‪ ،‬وبين ھذه الصورة‬
‫الممسوخة من صور اإلماتة واإلحياء‪ ..‬ما له يدخل في ھذا الجدل‬
‫الطويل واماه مثل آخر لقدرة الخالق ال يستطيع ان يقول فيه ھذا‬
‫الجاحد‪ ،‬يقول‪ ) :‬ﱠ‬
‫من‬
‫من‬
‫إن ﷲ يأتي‬
‫ت بھا َ‬
‫بالشمس َ‬
‫المشرق فأ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب‪ .‬فَ َ‬
‫بھت الذي كفر(‪.‬‬
‫المغر ِ‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫بھذه الصورة الفطرية الساذجة انقطعت حجة وبطل كيد )بلْ‬
‫نقذف بالح ﱠ‬
‫الباطل في ْد َمغهُ فإذا ھو زاھ ٌ‬
‫ُ‬
‫ق(‪.‬‬
‫ق على‬
‫ِ‬
‫ان الذين ضلوا السبيل إلى ﷲ أحد رجلين‪ :‬رجل حرم نعمة‬
‫العقل ولم يؤت حظا من الفھم واإلدراك فھو والسائمة سواء‪ ،‬ال‬
‫يلفته جمال وال يوقظ مشاعره مشرق صبح أو سدفة مساء ) إِ ْن ھُ ْم‬
‫ضلﱡ َسبِيالً(‪.‬‬
‫إِ ﱠال َك ْاألَ ْن َع ِام بَلْ ھُ ْم أَ َ‬
‫ورجل خدعة ذكاؤه وغره وخيل اليه انه قادر على أن يخرق‬
‫األرض أو يبلغ الجبال فم ّد بصره إلى ما وراء األفق البعيد وضرب‬
‫في بيداء التيه والضالل فكان اشبه بالفراش‪ ..‬غرق في النور‬
‫فاحترق بالنار‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فھذا المؤلف ثمرة عقل كبير ناضج‪ ..‬عقل وسع ثقافة‬
‫العصر واحاط بالكثير من دقائقھا‪ ،‬حتى صار صاحية رئيسا ً للمجمع‬
‫العلمي بأمريكا‪ ..‬وذلك منصب يرقى اليه إال العباقرة األفذاذ من‬
‫العلماء‪.‬‬
‫وغاية المؤلف من ھذا البحث الوصول إلى ﷲ عن طريق‬
‫العقل وما يتكشف له بالعلم والمعرفة من اسرار الكون وعجائبه‪..‬‬
‫فكلما تكشفت له حقيقة من الحقائق ھتف من أعماقة‪ :‬سبحان الخالق‬
‫المبدع‪ ..‬اعترافا ً من بأن اإلنسان وما سخر له العلم والمعرفة من‬
‫وسائل القوة واالقتدار اضعف من أن يبلغ من أسرار ھذا العالم شيئا ً‬
‫مذكوراً‪.‬‬
‫إن ّ‬
‫)يا أيھا النّاسُ ضرب مث ٌل فاستمعوا لهُ ّ‬
‫دون ﷲ‬
‫ين‬
‫َ‬
‫الذ َ‬
‫تدعون من ِ‬
‫لن يخلقوا ذبابا ً ولو اجتمعوا لهُ‪ ،‬وإن يسلُ ْبھُم الذباب شيئا ً ال يستنفذوهُ‬
‫ف الطالبُ والمطلوبُ (‬
‫ض ُع َ‬
‫منهُ َ‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫لم يكن المؤلف عالما وحسب ولكنه كان أيضا ً شاعراً‪ ،‬كلما‬
‫تناول عقله حقيقة من الحقائق اشرق قلبه بھا‪ ،‬فسرت في كيانه ھزه‬
‫اإلكبار واالجالل لخالق الكون ومبدعه‪ ،‬وتلك ھي دموة الفطرة‬
‫السليمة إلى ﷲ وطريقھا اليه‪ ..‬ومن ھنا كان ھذا البحث جديراً بأن‬
‫ينظر فيه المسلم بعين االعتبار‪ ،‬وان يجعل من مباحثه دروسا ً نافعة‬
‫يرى من خاللھا قدرة ﷲ وعظمته‪ ،‬فيقوى يقينه ويزداد ايمانه‪.‬‬
‫واذا حمدنا للمؤلف جھده الموفق في تصوير ھذه الحقائق وعرضھا‪،‬‬
‫فانا نحمد السيد األستاذ محمود الفلكي غيرته الدينية وحرصه على‬
‫نقل ھذا المؤلف إلى اللغة العربية لينتفع به المسلمون‪ ،‬كما نحمد له‬
‫ھذا الجھد الذي بذله في ترجمته واخراجه‪.‬‬
‫احمد حسن الباقوري‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫مقدمة‬
‫بقلم‪ :‬الدكتور احمد زكي‬
‫مدير جامعة القاھرة سابقاً‬
‫في االشتغال بمطالب العيش‪ ،‬واالغتمار في غمرة الحياة‪،‬‬
‫ينسى الناس ان يفكروا‪ ،‬فيتساءلون‪ :‬ما الغاية من ھذا الوجود؟ وما‬
‫اشتغال بعيش‪ ،‬وما إغتمار حياة‪ ،‬وقد ينتبه الناس من غفلة‪ ،‬أو‬
‫يستيقظون من نومة‪ ،‬إذا اصابھم مرض‪ ،‬أو اصابھم عجز‪ ،‬أو نابتھم‬
‫نائبة‪ .‬وشر النوائب عندھم الموت‪ ،‬ينزل بقريب‪ ،‬أو ينزل بحبيب‪،‬‬
‫ففي ھذه الفترات السوداء‪ ،‬البارقة في سوادھا يتوقف الناس‬
‫يستخبرون‪ :‬من اين جئنا‪ ،‬والى أين المصير؟‬
‫ولكنھا فترات ال تطول‪ ،‬فحوافز العيش تعود فتحفز ويشتد‬
‫حفزھا‪ ،‬والحياة تعود تھتف بحاجاتھا ويشتد ھتافھا‪ ،‬واإلنسان منا‬
‫يلبي جبرا ال اختياراً‪ ،‬ويتركز على يومه‪ ،‬وينسى أمسه الذي كان‪،‬‬
‫وينسى يومه الذي سوف يكون‪ ،‬إال من حيث ما يطعم‪ ،‬ويلبس‪ ،‬ويلد‪،‬‬
‫ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة‪.‬‬
‫ولكن مع كل ھذا‪ ،‬فمن تحت صخب النھار‪ ،‬ومن بين‬
‫االصوات الصارخة في معركة العيش‪ ،‬يحس اإلنسان منا صوتا‬
‫خافتا يحاول دائما ان يصل إلى اآلذان‪ .‬وھو يصل اليھا عندما يتعب‬
‫القائم فيحتاج إلى القعود‪ ،‬وعندما يجھد الجاھد فيتصبب عرقا فيأوى‬
‫إلى ركن ھادئ يخفف عن وجھه عرقه الصبيب‪ .‬أو ھو يصل اليه‬
‫في ھدأة ما الليل‪ ،‬وھو قاعد في العراء‪ ،‬يرعى أشياء ھذه األرض‪،‬‬
‫ويرعى على األكثر أشياء ھذه السماء‪.‬‬
‫وھو إذ يرعى السماء‪ ،‬يرعى أشياءھا‪ ،‬يرعى نجومھا‪ ،‬يزداد‬
‫ھذا الصوت الخافت في آذانه ثم يزداد‪ ،‬حتى يصير صراخا‪ :‬ھذه‬
‫السماء ما ھي؟ وھذه النجوم ما اعدادھا‪ ،‬وما أبعادھا؟ وما فتات من‬
‫‪18‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫النور المبعثر في ھذه القبة البلقاء بعثرة الرمال في الصحراء؟‬
‫وكيف تحور ھذه القبة وكيف تدور؟ وما شروق لھا وما‬
‫غروب؟ وما نسق وأنساق تجري عليھا‪ ،‬ومواعيد تضر بھا فال‬
‫تخلف أبدا؟‬
‫ويأخذ ينعم النظر رافعا بصره‪ ،‬وھو إذ يمأل بالذي يراه عينا‪،‬‬
‫يمال في فكرا‪ ،‬ويمأل به قلبا‪ .‬وعندئذ يرى تلك الصور وفي تجري‬
‫في أزمة يجمعھا آخر االمر زمام واحد‪ ،‬ويرد تلك المعاني‪ ،‬وھي‬
‫مختلفة كاختالف الوان الطيف من أحمر وأصفر وأزرق‪ ،‬ثم تجتمع‬
‫كما يجتمع الطيف فيكون منه لون أبيض واحد‪ ،‬ويرد كل ھذه‬
‫المعاني‪ ،‬ويرد كل ھذه الصور‪ ،‬وكل ھذه المباني‪ ،‬إلى يد صناع‬
‫واحدة‪ ،‬تحركھا ارادة عاقلة منسقة ھادية واحدة‪.‬‬
‫فتلك يد ﷲ‪.‬‬
‫وتلك ارادة ﷲ‪.‬‬
‫على ھذا جرى االقدمون واھتدوا إلى كشف حقيقة ﷲ‪.‬‬
‫وما اعسره كشفا كان‪ ،‬عند قوم‪ ،‬النه كشف خالق تستر وراء‬
‫مخلوقاته‪ ،‬وما أيسره كشفا كان‪ ،‬عند أقوام‪ ،‬النھا مخلوقات عجيبة‬
‫رائعة‪ ،‬ما أسرع ما رقت فنفذ اليھا لفكر االنساني العاقل‪ ،‬فشفت عما‬
‫وراءھا‪ .‬وكان الفكر أحد أعاجيبھا‪.‬‬
‫ثم جرى الزمن فجاء العلم‪ .‬اشرق على الناس العلم الحديث‬
‫منذ ثالثة قرون‪ .‬وھو بعد ما بلغ الضحى‪.‬‬
‫وكشف العلم من عجيب ما صنع الصانع‪ .‬كشفه في النبات‪،‬‬
‫وھو صنوف ال عداد لھا‪ .‬وكشفه في الحيوان‪ ،‬وھو أجناس ال حصر‬
‫‪19‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫لھا‪ .‬وكشفه في اإلنسان‪ ،‬أسمى حيوان‪ .‬وكشف عن أنساق واحدة في‬
‫كل ھذه الصنوف واألجناس جميعا‪ .‬وكشف عن قوى في كلھا تعمل‬
‫واحدة‪ ،‬على اختالف في درجات‪ ،‬ولكن على اتحاد في غاية‪ .‬وھدى‬
‫المنطق‪ ،‬وھدت الفطرة‪ ،‬إلى أن صاحب ھذه االنساق البد واحد‪،‬‬
‫ومجرى ھذه القوى لتعمل على ھذه االساليب الواحدة ال بد واحد‪.‬‬
‫ونسق العلم ما بين األرض الجامدة وما عليھا من احياء‪ .‬ونسق ما‬
‫بين االرض‪ ،‬جامدھا والحي‪ ،‬وبين ھذه الشمس وذاك القمر‪ ،‬وأثبت‬
‫ان المعدن واحد واالصل واحد‪ ،‬واثبت ان الذي صمم عين االنسان‪،‬‬
‫بعدستھا ومائھا‪ ،‬وماوراء الماء من شبكة تلقى عليھا الصور‪ ،‬ھو‬
‫البد الذي صمم ھذه الشمس واخرج منھا تلك االشعة ووجھتھا إلى‬
‫االرض‪ .‬فھذه العين تكون عبثا لو ال ھذا الضياء‪.‬‬
‫وجاء العلم‪ ،‬وجاء العلماء بالف ألف دليل على وحدة األرض‪،‬‬
‫وما عليھا‪ ،‬ووحدة السماء‪ .‬ومن ھذه الوحدة درج الناس والعلماء إلى‬
‫وحدة رب ھذه األرض ورب السماء‪.‬‬
‫ومع ھذا بقيت في العلماء بقية تقول بالخلق والتخلق طبعا‪،‬‬
‫وتنكر وجود ﷲ‪.‬‬
‫ومن ھذه البقية العالم االنجليزي‪ ،‬جوليان ھكسلي ‪julian‬‬
‫‪ Huxley‬فكتب في ذلك كتابا اسماه‪) ،‬اإلنسان يقوم وحده ‪Man‬‬
‫‪ Siand Alone‬وھو في ذلك يسير على درب سار عليه جده من‬
‫قديم‪ .‬فجده توماس ھكسلي ‪Thomas Huxley (1825 -‬‬
‫‪ ،(1895‬صاحب دارون‪ ،‬وناصره في القرن الماضي‪.‬‬
‫وظھر ھذا الكتاب لھذا العالم فانبري له عالم آخر‪ ،‬فيكتب‬
‫كتابه ھذا‪ ،‬الذي بين يدينا‪ ،‬وأسماه )ان اإلنسان ال يقوم وحده ‪Man‬‬
‫‪ ( ( Does Net Stand Alone‬أراد بذلك ان يقول انه يقوم في‬
‫ھذه الدنيا ومعه ﷲ‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والكتاب يعدد‪ ،‬في ايجاز جميل‪ ،‬ھذه االنساق التي تجمع بين‬
‫الخالئق جميعاً‪ ،‬وبين الحي والحي‪ ،‬وبين الحي والجامد‪ ،‬وعبر‬
‫حدود االرض‪ ،‬واتجه إلى السماء‪ ،‬يربط ما بينھا وبين الحياة على‬
‫ھذه االرض‪ .‬وھو يدلل من صفات ھذا الشيء وھذا الشيء‪ ،‬على ان‬
‫صانعھا البد واحد‪ ،‬فھما كالمفتاح وقفله اتساقاً‪ ،‬ال يمكن ان يكون‬
‫ابتدعھما ودبرھما إال عقل مبتدع مدبر واحد‪.‬‬
‫فالكتاب عون على االيمان‪ ،‬الذي عماده الفكر والفطنة‪ ،‬كبير‪.‬‬
‫ووقع على الكتاب صديقي‪ ،‬األستاذ الجليل‪ ،‬محمود صالح‬
‫الفلكي في ناحية من نواحي االرض‪ ،‬وھو في غربة موحشة يھرع‬
‫فيھا الغريب إال األنس با ‪ ،‬فوجد في ھذا الكتاب‪ ،‬فيما وجد‪ ،‬أنسه‪،‬‬
‫وزاد من انسه به ايمان في قلبه مكين‪ .‬وزاد من فھمه لحقائق العلم‬
‫مزاج علمي جرى في دمه قديم‪ ،‬ورثه عن جده العالم المصري‬
‫الفلكي العظيم‪.‬‬
‫وصديق الفلكي‪ ،‬إلى جانب انه ذو ايمان‪ ،‬ذو قلم وذو بيان‪ .‬واجتمع‬
‫االثنان فخرج منھما ھذا الكتاب ھدى للناس ورحمة‪.‬‬
‫احمد زكي‬

‫‪21‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫مقدمة المؤلف‬
‫بلغ العصر الذھبي للفلسفة الطبيعية ذروته فيما بين سنتي‬
‫‪ .1850 – 1820‬وكانت تلك الفلسفة تبرھن على وجود خطة‬
‫مرسومة في الخلق‪ .‬بابداء عجائب الطبيعة وكان الفيلسوف الطبيعي‬
‫يسترعى االنتباه إلى براءة تكوين العين البشرية بما تحويه من‬
‫تنظيمات تلسكوبية ومكروسكوبية‪ ،‬وكان يذكر ما في مفاصل‬
‫اإلنسان من ليونة وتنظيم يدعوان إلى العجب‪ .‬وكان يدھش لخفايا‬
‫التكاثر‪ ،‬واحكام الوسائط التي يواصل اإلنسان وكل كائن حي بھا‪.‬‬
‫وكان يبين العمليات الكيموية الفريدة التي تقوم بھا الكائنات الحية‪،‬‬
‫مثل ھضم الطعام وتمثله‪ ،‬بعين فلسفته التقية‪ ،‬فيراھا براھين قاطعة‬
‫على وجود خطة وتدبير في الطبيعة‪ ،‬ومن ثم على وجود الخالق‬
‫المدبر‪.‬‬
‫وقد ضرب بإلى ‪ Paley‬مثال من تاثره من وجود ساعة يد‬
‫في طريقه‪ ،‬وقال ان جھازھا الدقيق أقل سببا ً للعجب بمراحل‪ ،‬من‬
‫دالئل عديدة على دقة التصميم في الطبيعة‪ ،‬ودعاه ذلك إلى أن‬
‫استرعى األنظار إلى ان مثل ھذه االداة تثبت ألكثر الناس شكا‪ ،‬ان‬
‫ھناك عملية ذھنية طبقت على الميكانيكا‪ ،‬ثم قال اننا لو فرضنا ان‬
‫ھذه الساعة قد منحت القدرة على إيجاد ساعات اخرى‪ ،‬فان ذلك ال‬
‫يكون معجزة تفوق معجزة توالد اإلنسان والحيوان!‬
‫وبلغ من مدى ھذا التعليل واالقتناع به ان افرد مبلغ ‪000‬ر‪48‬‬
‫دوالر للجمعية الملكية البريطانية لتقوم ببحوث في مختلف ميادين‬
‫العلم‪ ،‬لتثبت بھا بشكل قاطع‪ ،‬وجود ﷲ‪ .‬وكانت النتيجة نحو اثني‬
‫عشر مجلدا كتبھا اعضاء تلك الجمعية وآخرون غيرھم‪ .‬وقد بينت‬
‫ھذه الدراسات‪،‬بشكل حازم في الظاھر‪ ،‬وجود تصميم في الخلق‪،‬‬
‫ودلت فالسفة ذلك العھد على وجود الكائن األعلى‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ولما ظھر داروين‪ ،‬طرقت فكر اإلنسان نظرية جديدة‪ ،‬ھي‬
‫)بقاء االصلح( وتطور االنسان‪ .‬وكانت دراسة داروين الشاملة‪،‬‬
‫والحقائق الكثيرة التي استشھد بھا لتاييد نظريته تحمل االقناع في‬
‫طياتھا‪ .‬وكانت البراھين التي كدسھا والحقائق التي جاء بھا خلفاؤه‪،‬‬
‫مؤيدة لنظرية التطور حتى اليوم‪ ،‬وقد وصلت بھا إلى أبعد من‬
‫تطبيقاته‪.‬‬
‫واالن انقضى أكثر من ثمانين عاما على نظرية داروين‪،‬‬
‫وتقدم العلم تقدما كبيرا‪ ،‬وبينما تقف نظرية داروين كالصخرة الثابتة‬
‫التي ال تتزحزح‪ ،‬قد تكشف العالم الفلسفة كثير من الحقائق التي‬
‫يمكن ايضاحھا‪ ،‬والتي تصل بنا إلى نتائج حاسمة أخرى في حيز‬
‫االمكان‪.‬‬
‫فعلم الوراثة الحديث يقيم اسئلة تصعب االجابة عنھا‪،‬‬
‫واالكتشافات األخرى تجعل من عمل داروين مجرد خطوة عظيمة‬
‫في سير الفكرة الفلسفية إلى االمام‪ .‬ودون انقاص من دقة استنتاجاته‬
‫أو عظمة دراساته‪ ،‬ال يقدر اآلن أحد ان يقول كما قال ھيكل‬
‫‪ Haeckel‬انه لو اعطى ماء‪ ،‬ومواد كيموية‪ ،‬ووقتا كافيا‪ ،‬الستطاع‬
‫ان يخلق انسانا ً‪.‬‬
‫وقد وصل بعض اتباع داروين باستدالالته إلى حد االلحاد‬
‫المادي‪ ،‬وحيال ذلك‪ ،‬تطرف االخرون‪ ،‬اولئك الذين الھموا االيمان‬
‫بوجود )الخالق( وان ھناك غاية في جميع المخلوقات‪ ،‬فانكروا‬
‫نظرية التطور‪ .‬كفاحھم لاللحاد‪ .‬واالن ال محل التخاذ مثل ھذا‬
‫الموقف الضعيف‪ ،‬سواء النصار فكرة التطور‪ ،‬أو لذوي العقلية‬
‫الدينية‪ ،‬الن العلم قد اوضح اآلن حقائق تصل إلى ازالة تلك‬
‫الخالفات الظاھرية‪ ،‬وتنور الفريقين‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ومن عجب ان االكتشافات الحديثة‪ ،‬وفرص البحث المتسع‪ ،‬قد‬
‫بعثت النتائج التي وصل اليھا الفالسفة الطبيعيون والتي قد كانت قد‬
‫حجبتھا تماما نظريات داروين‪ ،‬والحجج السليمة التي بنيت تنظيم‬
‫اإلنسان للطبيعة‪ ،‬يجب ان تتابع اآلن ببحث جديد في دالئل تنظيم‬
‫الطبيعة لالنسان‪ ،‬وھو ما أغفل نسبيا من خالل الثمانين السنة‬
‫الماضية‪.‬‬
‫وغرضي من تاليف ھذا الكتاب ھو ان استرعى انتباه‬
‫المفكرين إلى الحقائق التي صار ممكنا اثباتھا‪ ،‬والتي ترى ال تاييد‬
‫االعتقاد بذلك التنظيم‪ ،‬وتدل على الغاية منھا‪.‬‬
‫ان وجود الخالق – تدل عليه تنظيمات ال نھاية لھا‪ ،‬تكون‬
‫الحياة بدونھا مستحيلة‪ .‬وان وجود اإلنسان على ظھر االرض‪،‬‬
‫والمطاھر الفاخرة لذكائه‪ ،‬إنما ھي جزء من برنامج ينفذه بارئ‬
‫الكون‪ .‬وانى الورد قول اوسبورن ‪ Osborn‬في ھذا المجال‪) :‬بين‬
‫جميع األشياء التي ال يمكن ادراكھا في الكون‪ ،‬يقف اإلنسان في‬
‫الطليعة‪ .‬وبين األشياء التي ال يمكن ادراكھا في االنسان‪ ،‬تتركز‬
‫الصعوبة الكبرى فيما له من مخ‪ ،‬وذكاء‪ ،‬وذاكرة وآمال‪ ،‬وقوة كشف‬
‫وبحث‪ ،‬وقدرة على تذليل العقبات(‪.‬‬
‫وانى العتقد ان من يقرأ ھذا الموجز من الحقائق العلمية سوف‬
‫ينتھي إلى ان الھوة السحقية التي بين الذھن البشري المدھش وبين‬
‫جميع الكائنات الحية االخرى‪ ،‬ھي اقل تمنعا على االدراك مما‬
‫فرض اوسبورن ‪ Osborn‬حين كتب ما كتبه‪.‬‬
‫ان اإلنسان ليسكب مزيدا ال حد له من التقدم الحسابي في كل‬
‫وحدة للعلم‪ ،‬غير ان تحطيم ]‪ [1‬ذرة التون – التي كانت تعد اصغر‬
‫قالب في بناء الكون – إلى مجموعة نجوم مكونة من جرم مذنب‬
‫‪24‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والكترونات طائرة‪ ،‬قد فتح مجاالً لتبديل فكرتنا عن الكون والحقيقة‪،‬‬
‫تبديال جوھريا‪.‬‬
‫ولم يعد التناسق الميت للذرات الجامدة يربط تصورنا بما ھو مادي‪.‬‬
‫وان المعارف الجديدة التي كشف عنھا العلم لتدع مجاال لوجود مدبر‬
‫جبار‪ ،‬وراء ظواھر الطبيعة‪.‬‬
‫وھذا ضوء باقي على الخفاء الوسيع الذي يحيط اآلن بما ھو‬
‫غير معروف لنا ظاھريا‪ ،‬وقد يقودنا ھذا الضوء إلى االعتراف‬
‫بوجود عقل عام أسمى‪ ،‬أي إلى وجود الخالق‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻷول‬
‫عالمنا الفذ‬
‫خذ عشرة بنسات‪ ،‬كال منھا على حدة‪ ،‬وضع عليھا ارقامھا مسلسلة‬
‫من ‪ 1‬إلى ‪ 10‬ثم ضعھا في جيبك وھزھا ھزا شديدا‪ .‬ثم حاول ان‬
‫تسحبھا من جيبك حسب ترتيبھا‪ ،‬من ‪ 1‬إلى ‪.10‬‬
‫ان فرصة سحب البنس رقم ‪ 1‬ھي بنسبة ‪ 1‬إلى ‪ .10‬وفرصة سحب‬
‫رقم ‪ 1‬ورقم ‪ 2‬متتابعين‪ ،‬ھي بنسبة ‪ 1‬إلى ‪ ،100‬وفرصة سحب‬
‫البنسات التي عليھا ارقام ‪1‬و ‪ 2‬و‪ 3‬متتالية‪ ،‬ھي بنسبة ‪ 1‬إلى‬
‫‪ .1000‬وفرصة سحب ‪1‬و ‪2‬و ‪3‬و ‪ 4‬متوالية ھي بنسبة ‪ 1‬إلى‬
‫‪000‬ر‪ ،10‬ھكذا‪ ،‬حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبھا االول‪،‬‬
‫من ‪ 1‬إلى ‪ ،10‬ھي بنسبة ‪ 1‬إلى ‪ 10‬باليين‪.‬‬
‫والغرض من ھذا المثل البسيط‪ ،‬ھو ان نبين لك كيف نتكاثر االعداد‬
‫بشكل ھائل ضد المصادفة‪ ،‬وال بد للحياة فوق ارضنا ھذه من‬
‫شروط جوھرية عديدة‪ ،‬بحيث يصبح من المحال حسابيا ان تتوافر‬
‫كلھا بالروابط الواجبة‪ ،‬بمجرد المصادفة على أي أرض في أي‬
‫وقت‪ .‬لذلك البد ان يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد‪ .‬وإذا‬
‫كان ھذا صحيحا فالبد ان يكون ھناك ھدف‪ .‬والغرض من ھذا‬
‫الكتاب ھو ان نبين بعض ھذه التنظيمات العجيبة‪ ،‬وان نعرض‬
‫الھدف الذي وراء وجود االنسان‪ .‬واالن لنبحث الحقائق المدھشة‪:‬‬
‫ان بعض علماء الفلك يقولون لنا ان مصادفة مرور نجمين متقاربين‬
‫لدرجة تكفى الحداث مد خفاق ھدام‪ ،‬ھي في نطاق الماليين‪ ،‬وان‬
‫مصادفة التصادم ھي نادرة لدرجة وراء الحسيان‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬تقول‬
‫إحدى نظريات الفلك‪ ،‬انه في وقت ما‪ ،‬ولنقل منذ بليوني سنة‬
‫‪26‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫مضت‪ ،‬قد مر نجم بالفعل قريبا من شمسنا لدرجة كانت كافية ألن‬
‫تحدث امدادا )جمع مد( مروعة‪ ،‬والن تقذف في الفضاء تلك‬
‫الكواكب السيارة التي تبدو لنا ھائلة‪ ،‬ولكنھا ضئيلة األھمية من‬
‫الوجھة الفلكية‪ .‬ومن بين تلك الكتل التي اقتلعت‪ ،‬تلك الحزمة من‬
‫الكون التي نسمھا بالكرة االرضية‪ .‬انھا جسم ال أھمية له في نظر‬
‫الفلك‪ ،‬ومع ذلك يمكن القول بانھا أھم جسم نعرفه حتى االن‪.‬‬
‫ويجب ان نفرض ان الكرة األرضية مكونة من بعض العناصر التي‬
‫توجد في الشمس‪ ،‬ال في أي كوكب آخر‪ .‬وھذه العناصر مقسمة على‬
‫الكرة االرضية بنسب مئوية معينة قد امكن التحقق منھا لدرجة‬
‫مقبولة فيما يتعلق بالسطح‪ .‬وقد حولت جملة الكرة االرضية إلى‬
‫أقسام دائمة‪ ،‬وحدود حجمھا وسرعتھا في مدارھا حول الشمس ھي‬
‫ثابتة للغاية‪ .‬ودورانھا على محورھا قد حدد بالضبط‪ ،‬لدرجة ان‬
‫اختالف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن ان يقلب‬
‫التقديرات الفلكية‪ .‬ويصحب الكرة األرضية كوكب نسمية بالقمر‪،‬‬
‫وحركاته محددة‪ ،‬وسياق تغيراته يتكرر كل ‪ 18‬سنة‪ .‬ولو ان حجم‬
‫الكرة األرضية كان أكبر مما ھو‪ ،‬أو أصغر‪ ،‬أو لو ان سرعتھا‬
‫كانت مختلفة عما ھي عليه‪ ،‬لكانت ابعد أو أقرب من الشمس مما‬
‫ھي‪ ،‬ولكانت ھذه الحالة ذات اثر ھائل في الحياة من كل نوع‪ ،‬بما‬
‫فيھا حياة االنسان‪.‬‬
‫وكان ھذا االثر يبلغ من القوة‪ ،‬بحيث ان الكرة األرضية لو كانت‬
‫اختلفت من ھذه الناحية أو تلك‪ ،‬إلى أية درجة ملحوظة‪ ،‬لما أمكن‬
‫وجود الحياة فوقھا‪ .‬ومن بين كل الكواكب السارة‪ ،‬نجد ان الكرة‬
‫األرضية فيما نعلم اآلن‪ ،‬ھي الكواكب الوحيد الذي كانت صلته‬
‫بالشمس سببا في جعل نوع حياتنا ممكنا ً‪.‬‬
‫اما عطارد فانه – بناء على القوانين الفلكية – ال يدير إال وجھة‬
‫واحدة منه نحو الشمس‪ ،‬وال يدور حول محوره إال مرة واحدة في‬
‫‪27‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫خالل الدورة الكاملة للشمس ) سنة عطارد(‪ .‬وبناء على ذلك البد ان‬
‫جانبا من عطارد ھو أتون صحراوي‪ ،‬والجانب االخر متجمد‪.‬‬
‫وكثافة وجاذبيته ھما من القلة بحيث ان كل آثار للھواء فيه ال بد ان‬
‫تكون قد تسلك‪ .‬واذا كان قد بقي فيه أي ھواء فالبد ان يكون في‬
‫شكل رياح ھو جاء تجتاح ھذا الكوكب من جانب إلى آخر‪.‬‬
‫أما كوكب الزھرة فھو لغز من األلغاز به بخار سميك يحل على‬
‫محل الھواء‪ ،‬وقد ثبت انه ال يمكن ان يعيش فيه أي كائن حي‪.‬‬
‫وأما المريخ فھو االستثناء الوحيد‪ ،‬وقد تقوم فيه حياة كحياتنا‪ ،‬سواء‬
‫في بدايتھا أو تكون على شفا االنتھاء‪ .‬ولكن الحياة في المريخ البد‬
‫ان تعتمد على غازات أخرى غير األوكسجين‪ ،‬وعلى الخصوص‬
‫الھيدروجين‪ .‬إذ يبدو ان ھذين قد أفلتا منه‪ .‬وال يمكن ان توجد مياه‬
‫في المريخ‪ .‬ومعدل درجة الحرارة فيه أقل كثيرا من ان تسمح بنمو‬
‫النبات كما نعرفه‪.‬‬
‫والقمر أيضا ً ال يمكن ان يحتوي ھواء‪ ،‬وھو اآلن غير مسكون‬
‫اطالقا ً‪ .‬وھو في أثناء ليلة يكون بارداً للغاية‪ ،‬وفي اثناء نھاره‬
‫الطويل يكون رمادا شديد الحرارة‪.‬‬
‫اما الكواكب السيارة األخرى فانھا بعيدة عن الشمس إلى حد ال‬
‫يسمح بوجود الحياة فوقھا‪ ،‬وھي لصعاب أخرى ال يمكن تذليلھا‪ ،‬ال‬
‫تستطيع ان تحتمل الحياة في أي شكل من األشكال‪.‬‬
‫والمتفق عليه اآلن عموما‪ ،‬أن الحياة لم توجد قط‪ ،‬وال يمكن ان‬
‫توجد‪ ،‬في أي شكل معروف‪ ،‬على ان كوكب سيار غير الكرة‬
‫األرضية‪ .‬لذلك لدينا في البداية االولى‪ ،‬كوطن للمخلوقات البشرية‪،‬‬
‫كوكب سيار صغير‪ ،‬قد اصبح بعد سلسلة تغيرات في مدى بليوني‬
‫‪28‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫سنة أو اكثر‪ ،‬مكانا صالحا ً لوجود الحياة الحيوانية والنباتية التي‬
‫توجت باالنسان‪.‬‬
‫وتدور الكرة االرضية حول محورھا مرة في كل اربع وعشرين‬
‫ساعة‪ ،‬أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة‪ ،‬واآلن افرض انھا تدور‬
‫بمعدل مائة ميل فقط في الساعة‪ .‬ولم ال؟ عندئذ يكون نھارنا وليلنا‬
‫أطول مما ھو اآلن عشر مرات‪ ،‬وفي ھذه الحالة قد تحرق شمس‬
‫الصيف الحارة نباتاتنا في كل نھار‪ ،‬وفي الليل قد يتجمد كل نبت في‬
‫االرض‪.‬‬
‫ان الشمس‪ ،‬التي ھي مصدر كل حياة‪ ،‬تبلغ درجة حرارة مسطحھا‬
‫‪000‬ر‪ 12‬درجة فھرنھايت‪ ،‬وكرتنا األرضية بعيدة عنھا إلى حد‬
‫يكفي الن تمدنا ھذه )النار الھائلة( بالدفء الكافين ال بأكثر منه‪.‬‬
‫وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب‪ ،‬وكان تغيرھا في خالل ماليين‬
‫السنين من القلة‪ ،‬بحيث امكن استمرار الحياة كما عرفناھا‪ ،‬ولو ان‬
‫درجة الحرارة على الكرة االرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة‬
‫في سنة واحدة‪ ،‬فان كل نبت يموت‪ ،‬ويموت معه اإلنسان حرقا أو‬
‫تجمدا‪.‬‬
‫والكرة االرضية تدور حول الشمس بمعدل ثمانية عشر ميال في‬
‫الثانية‪ .‬ولو ان معدل دورانھا كان مثال‪ ،‬ستة اميال أو أربعين ميال‬
‫في الثانية‪ ،‬فان بعدنا عن الشمس او قربنا منھا يكون بحيث يمتنع‬
‫معه نوع حياتنا‪.‬‬
‫والنجوم كما نعلم تختلف في الحجم‪ .‬وأحدھا يبلغ من الضخامة حدا‬
‫لو كان شمسنا لكان محور الكرة األرضية داخال في سطحه لمسافة‬
‫ماليين االميال‪.‬‬
‫والنجوم كذلك تختلف في طراز اشعاعھا‪ .‬وكثير من اشعتھا يميت‬
‫كل نوع معروف من انواع الحياة‪ .‬وتترواح كثافة ھذا االشعاع‬
‫‪29‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وحجمه بين ما ھو اقل من اشعاع شمسنا وما ھو أكثر منه عشرة‬
‫االف مرة‪ ،‬ولو ان شمسنا اعطت نصف اشعاعھا الحإلى فقط‪ ،‬لكنا‬
‫تجمدنا‪ .‬ولو انھا زادتھا بمقدار النصف‪ ،‬ألصبحنا رماداً من زمن‬
‫بعيد‪ ،‬ھذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بروتوبالزمية‬
‫‪) Protoplasmic‬خلية( للحياة‪ .‬ومن ذلك نجد ان شمسنا ھي‬
‫الصالحة لحياتنا من بين ماليين الشموس غير الصالحة لھذه الحياة‪.‬‬
‫ثم ان الكرة األرضية مائلة بزاوية قدرھا ‪ 23‬درجة‪ .‬ولھذا دواع‬
‫دعت اليه‪ :‬فلو أن الكرة األرضية لم تكن مائلة لكان القبطان في‬
‫حالى غسق دائم‪ ،‬ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك‬
‫شماال وجنوبا‪ ،‬مكدسا في طريقة قارات من الجليد‪ ،‬وربما ترك‬
‫صحراء بين خط االستواء والثلج‪ .‬وفي ھذه الحالة كانت تنبعث‬
‫انھار من الجليد‪ ،‬وتتدفق خالل اودية إلى قاع المحيط المغطى‬
‫بالملح‪ ،‬لتكون بركا مؤقتة من الملح األجاج )مالحات(‪ .‬وكان ثقل‬
‫الكتلة الھائلة من الجليد يضغط على القطبين‪ .‬فيؤدي ذلك إلى‬
‫فرطحة خط االستواء أو فورانه‪ ،‬أو على األقل كان يتطلب منطقة‬
‫استوائية جديدة‪ ،‬كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات استوائية‬
‫جديدة‪ ،‬كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات شاسعة جديدة من‬
‫األرض‪ ،‬ويقلل من ھطول المطر في جميع ارجاء العالم‪ ،‬مما ينجم‬
‫عن ذلك من عواقب مخيفة‪.‬‬
‫اننا قل أن ندرك ان الحياة كلھا محصورة في الفضاء الذي بين قمم‬
‫الجبال وبين حرارة داخلية األرض‪ .‬واذا قورنت ھذه الطبقة الضيقة‬
‫بقطر الكرة االرضية‪ ،‬كانت نسبتھا اليه كنسبة نصف كثافة ورقة‬
‫الشجرة‪ ،‬والى كتاب مكون من ألف صفحة‪ .‬وتاريخ جميع‬
‫المخلوقات مكتوب على ھذا السطح الذي ھو في سمك النسيج‪ .‬ولو‬
‫ان الھواء اصبح سائال لغطى الكرة األرضية إلى عمق خمس‬
‫وثالثين قدما‪ ،‬أو ما يعادل جزءاً من سمائه الف جزء من المسافة‬
‫إلى مركز الكرة االرضية‪ .‬وھو تنظيم بالغ الدقة!‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ويبعد القمر عنا مسافة ‪000‬ر‪ 24‬ميل‪ ،‬ويذكرنا المد الذي يحدث‬
‫مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر‪ ،‬والمد الذي يحدث بالمحيط قد‬
‫يرتفع إلى ستين قدما في بعض األماكن‪ .‬بل ان قشرة األرض تنحني‬
‫مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر‪ .‬ويبدو‬
‫لنا كل شيء منتظما لدرجة اننا ال ندرك القوة الھائلة التي ترفع‬
‫مسافة المحيط كلھا عدة ؟؟؟ وتنحني قشرة األرض التي تبدو لنا‬
‫صلبة للغاية‪.‬‬
‫والمريخ له قمر‪ ،‬قمر صغير‪ ،‬ال يبعد عنه سوى ستة آالف من‬
‫األميال‪ .‬ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثال‪ ،‬بدال من‬
‫المسافة الشاسعة التي يبعد بھا عنا فعال‪ ،‬فان المد كان يبلغ من القوة‬
‫بحيث ان جميع األراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر‬
‫مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسھا‪ ،‬وفي ھذه‬
‫الحالة ربما كانت ال توجد اآلن قارة قد ارتفعت من األعماق‬
‫بالسرعة الالزمة‪.‬‬
‫وكانت الكرة األرضية تتحطم من ھذا االضطراب‪ ،‬وكان المد الذي‬
‫في الھواء يحدث أعاصير كل يوم‪.‬‬
‫وإذا فرضنا ان القارات قد اكتسحت‪ ،‬فان معدل عمق الماء فوق‬
‫الكرة االرضية كلھا يكون نحو ميل ونصف ميل‪ ،‬وعندئذ ما كانت‬
‫الحياة لتوجد إال في اعماق المحيط السحيقة – على وجه االحتمال –‬
‫وھناك كانت تستنفد نفسھا حتى تخمد‪ .‬ويبدو ان العلم يؤيد النظرية‬
‫القائلة بان ھذه الحالة قد وجدت فعال في خالل الفوضى العامة قبل‬
‫ان تتماسك األرض‪ .‬وطبقا لقوانين معترف بھا‪ ،‬صارت األمداد‬
‫)جمع مد( نفسھا تدفع القمر بعيداً بعيداً‪ ،‬وفي الوقت نفسه جعلت‬
‫دوران األرض يبطئ‪ ،‬فبعد ان كان يتم في يوم مقداره يقل عن ست‬
‫ساعات‪ ،‬صار يكمل في يوم مكون من أربع وعشرين ساعة‪ .‬وھكذا‬
‫‪31‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اصبح القمر اللطيف مسرة العاشق وفي احسن تقويم‪ ،‬وھو ما يرجى‬
‫منه الدوام واألمان لمدة بليون سنة قادمة أو نحو ذلك‪ .‬ويعتقد‬
‫الفلكيون انفسھم كذلك انه في المستقبل البعيد سوف يعود القمر إلى‬
‫الكرة األرضية بنفس تلك القوانين الفلكية‪ ،‬ثم ينفجر حين يقترب‬
‫منھا‪ .‬للدرجة الكافية فيضفي بھاء على العالم الفاني بحلقات كتلك‬
‫التي نحيط بزحل‪.‬‬
‫لقد جاء نظامنا الشمسي من خليط مضطرب للعناصر التي انفصلت‬
‫عن الشمس عند درجة حرارة قدرھا ‪000‬ر‪) 412‬؟( وتبعثرت في‬
‫فضاء غير محدود‪ ،‬بعنف ال يتصوره العقل‪ .‬وقد حل النظام محل‬
‫الفوضى بدقة تجعلنا نستطيع ان نقدر بـ )الثانية( المكان الذي‬
‫سيحتله أي جزء‪ .‬وبلغ التوازن من الكمال إلى حد انه لم يعتوره أي‬
‫تغيير في مدى بليون سنة‪ ،‬وأنه يدل على الدوام إلى األبد‪ .‬كل ذلك‬
‫بحكم قانون‪ .‬وبھذا القانون نفسه يتكرر ھذا النظام الذي نراه في‬
‫النظام الشمسي‪ ،‬في نواح اخرى‪.‬‬

‫قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة النازعات(‬
‫وأغطش ليلَھا‬
‫)أأنت ْم أش ُد خلقا ً ِأم السما َء بناھَا‪ .‬رف َع س ْم َكھا فس ّواھا‪.‬‬
‫َ‬
‫ك دحاھَا‪ .‬أخرج منھا َ ما َءھا‬
‫وأخر َج ضُحاھا‪ .‬واألرض بع َد ذل َ‬
‫والجبْال أرْ ساھا‪ .‬متاعا ً ل ُك ْم َوأل ْنعا ِمكم(‪.‬‬
‫ومرْ عاھَا‪.‬‬
‫ِ‬
‫)المترجم(‬
‫قال ﷲ تعالى‪) :‬سورة يس(‬
‫)وآيةٌ لھ ُم األرض ْال َميتةُ أحييناھا وأخ َرجْ نا منھا َ حبّا فمنهُ يأكلون‪.‬‬
‫ُيون‪.‬‬
‫ب َو فجرّنا فيھا َ‬
‫َو َجعلنا َ فيھا جنّات من نَخيل وأعنا ٍ‬
‫من ْالع ِ‬
‫ليأ ُكلُوا ْ‬
‫ق‬
‫من ثمر ِه وما َعمل ْتهُ أيديھ ْم أفال‬
‫ُبحان الذي خل َ‬
‫يشكرون‪ .‬س َ‬
‫َ‬
‫‪32‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫األزوا َج كلّھا مما تُ ُ‬
‫نبت األرض ومن أ ْنفُسھم ومما ال ي ْعلَمون‪ .‬وآيةَ‬
‫ستقر‬
‫لھ ُم اللي ُل ن ْسلَ ُخ منهُ النّھار فإذا ھ ْم مظلِ َ‬
‫مون‪ ،‬وال ّشمسُ تجري ل ُم ٍ‬
‫العزيز ْالعليم‪ْ .‬‬
‫مناز َل حتّى عا َد‬
‫ك تقدي ُر‬
‫لھا ذل َ‬
‫والقم َر ق ّدرناهُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك القَم َر وال اللّي ُل‬
‫كالعُرجون‬
‫القديم‪ .‬ال ال ّشمسُ ي ْنبغي لھا أن تُدر َ‬
‫ِ‬
‫ساب ُ‬
‫فلك يَسْبحون(‪.‬‬
‫ھار وك ٌل في ِ‬
‫ق النّ ِ‬
‫)المترجم(‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ‬
‫الھواء والمحيط‬
‫اذا فرضنا ان النتائج العلمية الحاضرة قد تكون خاطئة‪ ،‬وبذا‬
‫قد تخضع لتغيير ما في المستقبل‪ ،‬فان الحقائق التي سنقدمھا مقربة‬
‫ببساطة لغرض االيضاح‪ ،‬ھي مع ذلك متسقة مع المعارف‬
‫الحاضرة‪ ،‬وليس من المحتمل ان أي تعديل علمي لھا سيمس‬
‫التنظيمات األساسية التي سنشرحھا فيما يلي‪:‬‬
‫اذا كان صحيحا ان درجة حرارة الكرة األرضية وقت انفصالھا عن‬
‫الشمس كانت حوإلى ‪000‬ر‪ 12‬درجة‪ ،‬أو كانت تلك درجة حرارة‬
‫سطح الشمس‪ ،‬فعندئذ كانت كل العناصر حرة‪ ،‬ولذا لم يكن في‬
‫االمكان وجود أي تركيب كيموي ذي شأن‪ .‬ولما اخذت الكرة‬
‫األرضية‪ ،‬أو األجزاء المكونة لھا‪ ،‬في ان تبرد تدريجيا‪ ،‬حدثت‬
‫تركيبات وتكونت خلية العالم كما نعرفه‪ .‬وما كان لألوكسجين‬
‫والھيدروجين ان يتحدا إال بعد ان ھبطت درجة الحرارة إلى ‪4000‬‬
‫درجة فھرنھايت‪ .‬وعند ھذه النقطة اندفعت معا تلك العناصر وكونت‬
‫الماء‪ ،‬الذي نعرفه اآلن أنه ھواء الكرة االرضية‪ ،‬والبد انه كان‬
‫ھائال في ذلك الحين‪ .‬وجميع المحيطات كانت في السماء‪ ،‬وجميع‬
‫تلك العناصر التي لم تكن قد اتحدت‪ ،‬كانت غازات في الھواء‪ .‬وبعد‬
‫ان تكون الماء في الجو الخارجي سقط نحو األرض‪ ،‬ولكنه لم‬
‫يستطيع الوصول اليھا‪ ،‬إذ كانت درجة الحرارة على مقربة من‬
‫األرض أعلى مما كانت على مسافة اآلف األميال في خارجھا‪،‬‬
‫وبالطبع جاء الوقت الذي صار الطوفان يصل فيه إلى األرض‬
‫ليطير منھا ثانيا ً في شكل بخار‪ .‬ولما كانت المحيطات في الھواء‪،‬‬
‫فان الفيضانات التي كانت تحدث مع تقديم التبريد‪ ،‬كانت فوق‬
‫الحسبان‪ .‬وتمشى الجيشان مع التفتت‪ ،‬وسادت حال من الفوضى ال‬
‫يمكن وصفھا‪ ،‬ماليين من السنين‪ .‬وفي ھذا االضطراب الذي ال‬
‫يمكن ادراكه‪ ،‬كان األوكسجين يتحد مع جميع مواد قشرة األرض‬
‫‪34‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫تقريبا ً‪ .‬وقد اتحد أيضا ً مع كل الھيدروجين الذي اتصل به‪ ،‬وبذا‬
‫تكون المحيط‪ .‬وال بد ان مقادير ھائلة من الھيدروجين قد فرت من‬
‫جاذبية األرض قبل ان تبرد ھذه‪ ،‬ولوال ذلك لكانت كتلة الماء قد‬
‫بلغت اآلن من الضخامة بحيث كانت تغرق األرض إلى عمق أميال‪.‬‬
‫وربما ھدأت األشياء واستقرت منذ بليون سنة‪ ،‬وبذا كونت األرض‬
‫الصلبة والمحيطات‪ ،‬والجو – اي ذلك الراسب الذي نسميه بالھواء‪.‬‬
‫وكان اتحاد العناصر كامال لدرجة ان ما ترك‪ ،‬وھو الھواء المكون‬
‫من األوكسجين والنتروجين على األخص‪ ،‬اليزيد على جزء من‬
‫مليون من كتلة الكرة االرضية‪ .‬فلماذا لم يمتص كله‪ ،‬أو لماذا لم يكن‬
‫بنسبة أكبر كثيرا من تلك النسبة؟ في كلتا الحالتين كان االنسان ال‬
‫يمكن ان يوجد على ظھر االرض‪ ،‬واذا كان الوجود ممكنا تحت‬
‫ضغط االف األرطال على البوصة المربعة الواحدة‪ ،‬فقد كان من‬
‫المحال ان يتطور كإنسان‪.‬‬
‫ودون تاكيد لھذه المسألة بعد ذلك‪ ،‬نرى انه مما يدعو إلى‬
‫الدھشة على األقل ان يكون تنظيم الطبيعة على ھذا الشكل بالغا ھذه‬
‫الدقة الفائقة‪ .‬ألنه‪ ،‬لو كانت قشرة األرض اسمك مما ھي بمقدار‬
‫بضع اقدام‪ ،‬ال متص ثاني اوكسيد الكربون واألوكسجين‪ ،‬ولما امكن‬
‫وجود حياة النبات‪ .‬وھناك احتمال بان قشرة األرض والمحيطات‬
‫السبعة قد امتصت كل االوكسيجين‪ ،‬وان ظھور جميع الحيوانات‬
‫التي تستنشق األوكسجين قد تاخر انتظارا لنمو النباتات التي تلفظ‬
‫االوكسيجين‪ ،‬وان الحساب الدقيق قد يجعل ھذا المصدر‬
‫لألوكسيجين في حيز االمكان‪ ،‬ولكن مھما كان مصدره فان كميته‬
‫ھي بالضبط مطابقة الحتياجاتنا‪.‬‬
‫ولو كان الھواء ارفع كثيراً مما ھو‪ ،‬فان بعض الشھب التي تحترق‬
‫اآلن كل يوم بالماليين في الھواء الخارجي‪ ،‬كانت تضرب في جميع‬
‫اجزاء الكرة االرضية‪ .‬وھي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال‬
‫وأربعين ميال في الثانية‪ ،‬وكان في امكانھا ان تشعل كل شيء قابل‬
‫‪35‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫لالحتراق‪ .‬ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية‪ ،‬الرتطمت كلھا‬
‫باألرض ولكانت العاقبة مروعة‪ .‬اما اإلنسان فان اصطدامه بشھاب‬
‫ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة‪ ،‬كان يمزقه‬
‫إربا من مجرد حرارة مروره‪.‬‬
‫ان الھواء سميك بالقدر الالزم بالضبط لمرور االشعة ذات التأثير‬
‫الكيموي التي يحتاج اليھا الزرع والتي تقتل الجراثيم وتنتج‬
‫الفيتامينات‪ ،‬دون ان تضر باإلنسان‪ ،‬إال إذا عرض نفسه لھا مدة‬
‫أطول من الالزم‪ .‬وعلى الرغم من االنبعاثات الغازية من األرض‬
‫طول الدھور‪ ،‬ومعظمھا سام‪ ،‬فان الھواء باق دون تلوث في الواقع‪،‬‬
‫ودون تغير في نسبته المتوازنة الالزمة لوجود االنسان‪.‬‬
‫وعجلة الموازنة العظيمة ھي تلك الكتلة الفسيحة من الماء‪ ،‬اي‬
‫المحيط الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل‬
‫والنباتات‪ ،‬وأخيراً اإلنسان نفسه‪ .‬فدع الذي يدرك ذلك يقف في‬
‫روعة أمام عظمته‪ ،‬ويقر بواجباته شاكراً!‬
‫قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) ،‬سورة األنبياء(‪:‬‬
‫ذين كفر ُوا ّ‬
‫أن السّموات واألرض كانَتَا َرتقا ً ففَتَ ْقناھُما‬
‫)أ َو ل ْم ي َر الﱠ َ‬
‫نون(‬
‫حي أفال يُؤ ِم َ‬
‫و َجعلنا ِم َن الما ِء ك ّل شيء ٍ‬
‫)المترجم(‬

‫‪36‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ‬
‫الغازات التي نتنسمھا‬
‫لنتخذ منن األوكسجين مثال على التنظيم المحكم إلى غير حد‪:‬‬
‫ان الھواء الذي فوق األرض مكون من األوكسجين والنتروجين‬
‫واألرجون والنيون والكنسيون والكريبتون‪ :‬وھو يحتوي بخار‬
‫الماء‪ ،‬وكذا ثاني أوكسيد الكربون بنسبة ‪ 100-3‬من ‪ ،%1‬أو نحو‬
‫ثالثة اجزاء من ‪000‬ر‪ .10‬والغازات النادرة تظھر نفسھا في شكل‬
‫األلوان الحمراء والزرقاء والخضراء بالفتات االعالن‪ ،‬اما‬
‫األرجون الذي يوجد في الھواء بنسبة ‪ 10-6‬في ‪ %1‬فانه يعطينا‬
‫النور الساطع الباھر الذي تتقدم به المدينة حيث يستخدم‪ .‬ويوجد‬
‫النتروجين بنسبة ‪ %78‬تقريبا في الھواء‪ ،‬في حين تحدد نسبة‬
‫األوكسجين عادة بـ ‪ %21‬والھواء في جملته يضغط على األرض‬
‫بمعدل خمسة عشر رطال تقريبا على البوصة المربعة من السطح‬
‫بمستوى البحر‪ .‬واألوكسجين الذي يوجد في الھواء ھو جزء من‬
‫ھذا الضغط‪ ،‬وھو بمعدل نحو ثالثة ارطال على البوصة المربعة‪.‬‬
‫وكل الباقي من األوكسجين محبوس في شكل مركبات في قشرة‬
‫األرض‪ ،‬وھو يكون ‪ 10-8‬من جميع المياه في العالم‪ .‬واألوكسجين‬
‫ھو نسمة الحياة لكل الحيوانات التي فوق االرض‪ ،‬وھو ال يمكن‬
‫الحصول عليه لھذا الغرض إال من الھواء‪.‬‬
‫ولنا اآلن أن نسأل‪ :‬كيف ان ھذا العنصر ذا النشاط البالغ من‬
‫الوجھة الكيموية‪ ،‬قد افلت من االتحاد مع غيره وترك في الجو بنفس‬
‫النسبة تقريبا‪ ،‬الالزمة لجميع الكائنات الحية؟ أو كان األوكسجين‬
‫بنسبة ‪ %50‬مثال أو أكثر من الھواء بدال من ‪ ،%21‬فان جميع‬
‫المواد القابلة لالحتراق في العالم تصبح عرضة لالشتعال لدرجة أن‬
‫‪37‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫أول شرارة من البرق تصيب شجرة البد أن تلھب الغابة حتى لتكاد‬
‫تنفجر‪.‬‬
‫ولو أن نسبة األوكسجين في الھواء قد ھبطت إلى ‪ %10‬أو أقل‪ ،‬فان‬
‫الحياة ربما طابقت نفسھا عليھا في خالل الدھور‪ ،‬ولكن في ھذه‬
‫الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي الفھا اإلنسان – كالنار‬
‫مثال – تتوافر له‪ .‬واذا امتص األوكسجين الطليق‪ ،‬ذلك الجزء الواحد‬
‫من عدة ماليين من مادة األرض فان كل حياة حيوانية تق على‬
‫الفور‪.‬‬
‫ان العالقة العجيبة التي بين األوكسجين وثاني اوكسيد الكربون فيما‬
‫يتعلق بالحياة الحيوانية‪ ،‬وعالم النباتات كله قد استرعت انظار كل‬
‫العالم المفكر‪ ،‬غير أن أھمية ثاني اوكسيد الكربون لم تدرك بعد من‬
‫الجميع‪ .‬ويمكن ان نقول كلمة عابرة بان ثاني أوكسيد الكربون ھو‬
‫الغاز المألوف في تعبئة ماء الصودا‪ .‬وھو غاز ثقيل‪ ،‬ولحسن الحظ‬
‫يعلق باألرض‪ ،‬وال يتم فصله إلى أوكسيجين وكربون إال بصعوبة‬
‫كبيرة‪ .‬وأنت إذا أشعلت نارا‪ ،‬فان الخشب الذي يتكون غالبا من‬
‫األوكسجين والكربون والھيدروجين يتحلل تحت تأثير الحرارة‪،‬‬
‫ويتحد الكربون مع األوكسجين بشدة‪ ،‬وينتج من ذلك ثاني اوكسيد‬
‫الكربون‪ .‬والھيدروجين الذي يطلق يتحد بمثل تلك الشدة مع‬
‫األوكسجين فنحصل على بخار الماء‪ .‬ومعظم الدخان ھو كربون‬
‫غير متحد مع غيره‪ .‬وحين يتنفس رجل‪ ،‬يستنشق األوكسجين فيتلقاه‬
‫الدم‪ ،‬ويوزع في خالل جسمه‪ .‬وھذا األوكسجين يحرق طعامه في‬
‫كل خلية ببطء شديد عند درجة حرارة واطئة نسبياً‪ ،‬ولكن النتيجة‬
‫ھي ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء‪ ،‬ولذا فانه إذا وصف إنسان‬
‫بأنه يتنھد كاالتون‪ ،‬ففي ذلك شيء من الحقيقة‪ ..‬وثاني أوكسيد‬
‫الكربون يتسلل إلى رئتيه‪ ،‬ويكون غير قابل لتنسمه التالية وھو يلفظ‬
‫ثاني أوكسيد الكربون في الجو‪ .‬وكل كائن حيواني حي يمتص ھكذا‬
‫األوكسيجين‪ ،‬ويلفظ ثاني اوكسيد الكربون‪ ،‬ثم ان األوكسجين‬
‫‪38‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ضروري للحياة لتأثيره في عناصر أخرى في الدم وفي اجزاء‬
‫أخرى من الجسم‪ ،‬وبدونه تتوقف عمليات الحياة‪.‬‬
‫ومن جھة أخرى تعتمد حياة كل نبات‪ ،‬كما ھو معروف‪ ،‬على‬
‫المقادير التي تكاد تكون متناھية الصغر‪ ،‬من ثاني اوكسيد الكربون‬
‫الموجودة في الھواء‪ ،‬والتي يمكن القول بانھا يتنسمھا ولكي نوضح‬
‫ھذا التفاعل الكيموي المركب المختص بالترتيب الضوئي‬
‫‪ ،Photosynthetic‬بابسط طريقة ممكنة‪ ،‬نقول ان اوراق الشجر‬
‫ھي رئات‪ ،‬وان لھا القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني‬
‫اوكسيد الكربون العنيد إلى كربون واوكسيجين‪ .‬وبتعبير آخر‪:‬يلفظ‬
‫األوكسجين ويحتفظ بالكربون متحداً مع ھيدروجين الماء الذي‬
‫يستمده النبات من جذوره‪ .‬وبكيميا سحرية‪ ،‬تصنع الطبيعة من ھذه‬
‫العناصر سكرا أو سيلولوزا ومواد كيموية أخرى عديدة وفواكه‬
‫وأزھاراً‪ .‬ويغذي النبات نفسه‪ ،‬وينتج فائضا يكفي لتغذية كل حيوان‬
‫على وجه األرض‪ .‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬يلفظ النبات األوكسجين الذي‬
‫نتنسمه‪ ،‬والذي والذي بدونه تنتھي الحياة بعد خمس دقائق‪ ،‬فدعنا‬
‫اذن نقدم احترامنا في تواضع‪ ،‬إلى النبات‪.‬‬
‫وھكذا نجد ان جميع النباتات‪ ،‬والغابات واألعشاب‪ ،‬وكل قطعة من‬
‫الطحلب‪ ،‬وكل ما يتعلق بحياة الزرع‪ ،‬تبني تكوينھا من الكربون‬
‫والماء على االخص‪ .‬والحيوانات تلفظ ثاني اوكسيد الكربون‪ ،‬بينما‬
‫تلفظ النباتات األوكسيجين‪ ،‬ولو كانت ھذه المقايضة غير قائمة‪ ،‬فان‬
‫الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النھاية كل األوكسجين أو‬
‫كل ثاني اوكسيد الكربون‪ ،‬تقريباً‪ ،‬ومتى انقلب التوازن تماما ً ذوي‬
‫النبات أو مات االنسان‪ ،‬فيلحق به االخر وشيكا‪.‬‬
‫وقد اكتشف أخيراً ان وجود ثاني اوكسيد الكربون بمقادير صغيرة‪،‬‬
‫ھو أيضا ً ضروري لمعظم حياة الحيوان‪ ،‬كما اكتشف ان النباتات‬
‫تستخدم بعض االوكسيجين‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ويجب ان يضاف الھيدروجين ايضا‪ ،‬وان كنا ال نتنسمه‪ ،‬فبدون‬
‫الھيدروجين كان الماء ال يوجد‪ .‬ونسبة الماء من المادة الحيوانية أو‬
‫النباتية ھي كبيرة لدرجة تدعو إلى الدھشة‪ ،‬وال غنى عنه مطلقا ً‪.‬‬
‫ان األوكسجين والھيدروجين وثاني اوكسيد الكربون والكربون –‬
‫سواء اكانت منعزلة ام على عالقاتھا المختلفة – بعضھا مع بعض –‬
‫ھي العناصر البيولوجية الرئيسية‪.‬‬
‫وھي عين االساس الذي تقوم عليه الحياة‪ .‬غير انه ال توجد مصادفة‬
‫من بين عدة ماليين‪ ،‬تقضي بان تكون كلھا في وقت واحد وفي‬
‫كوكب سيار واحد‪ ،‬بتلك النسب الصحيحة الالزم للحياة! وليس لدى‬
‫العلم ايضاح لھذه الحقائق‪.‬‬
‫اما القول بان ذلك نتيجة المصادفة فھو قول يتحدى العلوم‬
‫الرياضية!‬

‫قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) ،‬سورة النحل(‪:‬‬
‫)ھ َو الّذي أنز َل ِمن السّما ِء ماء لك ْم منهُ شرابٌ ومنه شج ٌر فيه‬
‫تسيمون‪ .‬ي ُ‬
‫واألعناب ْ‬
‫ُنبت لكم به الزر َع‬
‫ومن كل‬
‫والزيتون والنّخي َل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لقوم يتفَ‬
‫ت‪ّ ،‬‬
‫كرون‪ .‬وس ّخر لك ُم اللّيل والنّھار‬
‫َ‬
‫الثّمرا ِ‬
‫إن في ذلك آلية ٍ‬
‫والشمس والقم َر والنّجو ُم مس ّخ ٌ‬
‫لقوم‬
‫رات بأمر ِه إن في ذل َ‬
‫ك آليا ٍ‬
‫َ‬
‫ت ٍ‬
‫لقوم‬
‫َ‬
‫يعقلون‪ .‬وما ذرأ لكم في األرض ُمختلفا ً ألوانهُ إن في ذلك آلية ٍ‬
‫يذكرون‪ .‬وھ َو ّ‬
‫ّ‬
‫الذي س ّخر البح َر لتأكلوا منهُ لحما ً طريا ً‬
‫وتستخرجوا‬
‫ِ‬
‫ك مواخر فيه‪ ،‬ولِتبتغوا من فضلِه‬
‫منهُ حليةً تلبِسونھا وترى الفُل َ‬
‫ولعلّكم تشكرون‪ .‬وألقى في األرض رواس َي أن تمي َد بك ْم وأنھاراً‬
‫ق ْ‬
‫ھتدون‪ .‬أفمن يخل ُ‬
‫كمن‬
‫ت‬
‫وسبُالً لعلّكم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تھتدون‪ .‬وعالما ٍ‬
‫وبالنجم ھم يَ‬
‫ِ‬
‫‪40‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ال يخل ُ‬
‫تذكرون‪ .‬وإن تعدوا نعمةَ ﷲ ال تُحصوھا إن ﷲ لغفو ٌر‬
‫ق أفال‬
‫َ‬
‫رحي ٌم(‪.‬‬
‫)المترجم(‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺮاﺑﻊ‬
‫النتروجين‪ :‬تنظيم مزدوج‬
‫ان كون النتروجين غازاً جامداً – أو جامداً جزئيا كان يمكن القول‬
‫– ھو امر ذو اھمية بالغة‪ .‬وھو يعمل كمخفف لألوكسيجين‪،‬‬
‫ويخفضه إلى النسبة التي تالئم اإلنسان والحيوان‪ .‬وكما ذكرنا في‬
‫حالة االوكسيجين‪ ،‬ال يتوافر لنا من النتروجين ما يزيد على حاجتنا‬
‫أو ما ينقص عنھا‪ .‬قد يمكن القول بان اإلنسان قد راض نفسه على‬
‫نسبة الواحد والعشرين في المائة من األوكسجين الموجودة في‬
‫الھواء‪ ،‬وھذا صحيح‪ ،‬ولكن كون ھذه الكمية المالئمة له بالضبط من‬
‫وجوه جوھرية اخرى‪ ،‬ھو امر يسترعى االنتباه حقا ً ولھذا فان مما‬
‫يدعو إلى العجب‪ ،‬ان النسبة المحددة لالوكسيجين ترجع إلى‬
‫عاملين‪) :‬اوال( انه لم يمتص بالتمام‪ ،‬وبذا يصبح جزءا من قشرة‬
‫األرض أو من المحيط‪.‬‬
‫و )ثانيا( ان الكمية التي تركت حرة ھي بالضبط الكمية التي تخففھا‬
‫جملة مقادير النتروجين على الوجه األكمل‪ ،‬ولو أن النتروجين‬
‫توافر بمقادير أكثر أو اقل مما ھو عليه‪ ،‬لما أمكن تطور اإلنسان‬
‫كعھدنا به‪.‬‬
‫وأمامنا ھنا تنظيم مزدوج يلفت النظر‪ :‬فان النتروجين‪ ،‬بوصفه غازا‬
‫جامداً‪ ،‬ھو عديم النفع في الظاھر‪ ،‬وھذا يصح من الوجھة الكيموية‬
‫على الحالة التي يوجد عليھا في الھواء وھو بالطبع يكون ‪ 78‬في‬
‫المائة من كل نسيم يھب – وھو جزء من الھواء الوافي‪ ،‬وبدونه‬
‫كانت تحدث عدة امور خطرة‪ .‬ولكن النتروجين من كلتا الوجھتين‪،‬‬
‫ليس اآلن حيويا لإلنسان والنبات مثل األوكسيجين‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫بيد أن ھناك سلسلة من المواد الكيموية التي يجد النتروجين جزءا‬
‫منھا‪ ،‬والتي يمكن ان يقال عنھا بصفة عامة انھا نتروجين مركب –‬
‫أي النتروجين الذي يمكن ان تتلقاه النباتات‪ ،‬أو النتروجين الذي‬
‫يتكون منه العنصر النتروجيني في أغذيتنا التي بدونھا يموت‬
‫اإلنسان جوعا‪.‬‬
‫وليس ھناك سوى طريقتين يدخل بھما النتروجين القابل للذوبان في‬
‫األرض كمخصب لھا )سماد(‪ .‬وبدون النتروجين‪ ،‬في شكل ما‪ ،‬ال‬
‫يمكن ان ينمو أي نبات من النباتات الغذائية‪.‬‬
‫واحدى الوسيلتين اللتين يدخل بھما النتروجين في التربة الزراعية‬
‫ھي عن طريق نشاط جراثيم )بكتريا( معينة‪ ،‬تسكن في جذور‬
‫النباتات البقلية‪ ،‬مثل البرسيم والحمص والبسلة والفول وكثير‬
‫غيرھما‪ .‬وھذه الجراثيم تاخذ نتروجين الھواء وتحيله إلى نتروجين‬
‫مركب‪ .‬وحين يموت النبات يبقى بعض ھذه النتروجين المركب في‬
‫األرض‪.‬‬
‫وھناك طريقة أخرى يدخل بھا النتروجين إلى األرض‪ ،‬وذلك عن‬
‫طريق عواصف الرعد‪ ،‬وكلما ومض برق خالل الھواء وحد بين‬
‫قدر قليل من األوكسجين وبين النتروجين فيسقطه المطر إلى‬
‫األرض كنتروجين مركب]‪.[2‬‬
‫وقد كانت ھاتان الطريقتان كلتاھما غير كافيتين‪ ،‬وھذا ھو السبب في‬
‫ان الحقول التي طال زرعھا قد فقدت ما بھا من نتروجين‪ .‬وھذا‬
‫أيضا ً ھو الذي يدعو الزراع إلى مناوبة المحصوالت التي يزرعھا‪.‬‬
‫وقد تنبأ )مالثوس( منذ زمن بعيد‪ ،‬بانه مع تكاثر عدد سكان الكرة‬
‫االرضية‪ ،‬واستغالل األرض في زرع المحصوالت دون انقطاع‪،‬‬
‫سوف يستنفد العناصر المخصبة ولو كان حسابه بشأن تزايد عدد‬
‫‪43‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫السكان صحيحا‪ ،‬لوصلنا إلى درجة الندرة في بداية القرن الحالي‪.‬‬
‫وھذا يدلنا على اھمية الفضلة الدقيقة من النتروجين المتروكة في‬
‫الھواء‪ ،‬والبالغة الصغر بالنسبة لضخامة الكرة االرضية‪ .‬فبدون‬
‫النتروجين كان مال اإلنسان ومعظم الحيوانات ھو الموت‪.‬‬
‫ومن عجب انه حين وضح للناس ان الموت جوعا ھو احتمال قد يقع‬
‫في المستقبل‪ ،‬وذلك في خالل االربعين السنة االخيرة‪ ،‬اكتشفت‬
‫طرق أمكن بھا انتاج النتروجين المركب من الھواء‪ ،‬وقد ثبت اخيرا‬
‫ان في االمكان انتاجه بھذه الطريقة بكميات ھائلة‪ .‬وھنا زال ذلك‬
‫الخوف من حدوث مجاعة عالمية‪.‬‬
‫ومن الشائق ان نالحظ ان احدى المحاوالت النتاج النتروجين‬
‫المركب‪ ،‬كانت عبارة عن تقليد الطبيعة‪ ،‬في ظروف مالئمة‪ ،‬في‬
‫انتاج عواصف كھربية مصطنعة‪ .‬وقد استخدم نحو ‪000‬ر‪ 300‬قوة‬
‫حصائية الحداث أنوار كھربية ساطعة في الھواء‪ ،‬ونتجت بالفعل‬
‫فضلة من النتروجين المركب‪ ،‬كما ثبت قبل ذلك بزمن طويل‪.‬‬
‫اما اآلن فان افتنان اإلنسان قد قطع خطوات ابعد‪ .‬وبعد مضي عشرة‬
‫آالف سنة من وجوده التاريخي قد ارتقت الوسائل التي يحول بھا‬
‫غازا جامدا إلى مخصب )سماد(‪ .‬وھذا يمكنه من ان ينتج عنصرا‬
‫الزما في الطعام‪ ،‬بدونه يموت اإلنسان جوعا‪ .‬وما اعجبھا مصادفة‬
‫ان يكسب اإلنسان في ھذا الوقت بالضبط من تاريخ األرض‪ ،‬تلك‬
‫المقدرة على ابعاد شبح المجاعة العالمية‪.‬‬
‫ان النتائج الحلقية التي تنجم عن االضطرار إلى نقص عدد سكان‬
‫األرض كي يبقى بعضھم على قيد الحياة‪ ،‬ھي أفظع من ان‬
‫يتصورھا االنسان‪ .‬وقد امكن تفادي ھذه المأساة في نفس اللحظة‬
‫التي كان يمكن توقعھا فيھا!‬
‫‪44‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺨﺎﻣﺲ‬
‫ما ھي الحياة‬

‫الحياة باقية‪ ،‬وقد استمرت بعد العصور االولى‪ ،‬والعصور‬
‫الجيولوجية‪ ،‬وظھرت قارات وغرقت اخرى‪ ،‬وان المحيطات‬
‫العتيقة‪ ،‬والبحار الضحلة‪ ،‬لتزخر كلھا بالحياة‪ ،‬وان الحياة لتسر‬
‫غورھا وتتخلل االمواج المتالطمة‪ ،‬وتنفذ في رمال كل شاطئ‪.‬‬
‫وقد مضيت الحياة قدما حيث تراجع كل عصر من عصور الجليد‪،‬‬
‫وقاومت كل تقدم للمناطق الباردة‪ ،‬قوية مظفرة‪ .‬وقد ارتفعت الجبال‬
‫من األرض ذات الغصون‪ ،‬وانشق السطح واھتز مع كل زلزال‪.‬‬
‫وتفتتت قمم الجبال الشاھقة خالل ماليين السنين‪ ،‬وبان اثر ذلك في‬
‫طبقات بعضھا فوق بعض‪ ،‬وغمر ماء البحار قارات‪ ،‬وصار غرين‬
‫)طمي( األراضي القديمة يغطي قاع كل محيط وكأنه كفن ولكن‬
‫استمرت الحياة بعد ذلك كله‪.‬‬
‫والحياة تستخدم ذرات االرض‪ ،‬وتخلق عجائب جديدة طبقا لقوانين‬
‫الكون‪ ،‬ولكنھا في تقدمھا تخلف وراءھا كل صغيرة لمستھا‪ ،‬وان‬
‫)صخور دوفر البيضاء(‪ ،‬المكونة من الطباشير والجير والحجر‬
‫الصوان‪ ،‬لتقص علينا قصة الحيوانات الرخوة والنباتات المائية‬
‫والمخلوقات البحرية التي ال عدد لھا‪ ،‬في خالل الدھور‪ ،‬وان‬
‫الغابات الحية‪ ،‬والفحم والزيت والغاز‪ ،‬لتدلنا على نشاط العلم القديم‬
‫الذي تلقت فيه الحياة طاقة الشمس‪ ،‬واحالھا اإلنسان ناراً‪ .‬وان ھذه‬
‫التركة لتفوق في قيمتھا كل ثروة اخرى‪ ،‬النھا رفعت اإلنسان عن‬
‫‪45‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫مرتبة الحيوان‪ .‬ومن بين أتون بدايات القشرة االرضية‪ ،‬حيث كانت‬
‫كل مادة تستحيل جمرة أو رمادا‪ ،‬استخدمت الحياة طاقة الشمس‪،‬‬
‫ومزقت ذرات الماء المتحدة‪ ،‬وفصلت الكربون البليد من األوكسجين‬
‫وحولته إلى ثاني اوكسيد الكربون‪ ،‬وخزنت في األرض وفوق‬
‫سطحھا‪ ،‬الموارد الوحيدة النار‪ .‬ومن النار قام المثوى وجميع أدوات‬
‫المدنية‪ ،‬وكل ذلك الن الحياة تلقفت وحفظت كل القوى التي أطلقتھا‬
‫الشمس‪.‬‬
‫وقد تغلبت الحياة على الظروف المتغايرة للماء واألرض والھواء‪،‬‬
‫وال تزال ماضية في طريقھا في شكل نبات وحيوان‪ .‬ومن‬
‫األميبا]‪[3‬صاعدا إلى السمك والحشرات وذوات الثدي وطيور‬
‫الجو‪ ،‬أو نازال إلى الجرثومة والميكروب والبكتريا وكذا النباتات‬
‫التي ال حصر لھا‪ ،‬وسواء في شكل خلية أو سمكة قرش‪ ،‬أو‬
‫عنكبوت أو ديناصور‪ ،‬أو انسان‪ ،‬أو زرع – فان الحياة تھيمن على‬
‫العناصر‪ ،‬وترغمھا على حل تركيباتھا‪ ،‬واالتحاد من جديد على‬
‫اساس صالت اخرى‪ ،‬والحياة تاتي بمخلوقات في صور شتى من‬
‫صور السلف‪ ،‬وتمنح ھذه الصور القدرة على تكرار انفسھا على‬
‫مدى اجيال ال حد لھا‪.‬‬
‫والحياة شديدة الخصب في توالدھا‪ ،‬حتى انھا تعول نفسھا‪ ،‬وتطعم‬
‫من فائضھا‪ ،‬ومع ذلك تضبط جميع الكائنات الحية‪ ،‬لتمنع أي‬
‫مخلوق من مخلوقاتھا‪ ،‬من ان يطغى على العالم‪ ،‬فالجراد مثال لو‬
‫بقى دون ضابط استطاع في بضع سنين ان يلتھم كل زرع اخضر‪،‬‬
‫وعندئذ تنتھي حياة كل حيوان فوق االرض‪.‬‬
‫والحياة مثالة‪ ،‬تشكل الكائنات الحية‪ ،‬وھي فنانة‪ ،‬تختط كل ورقة في‬
‫كل شجرة‪ ،‬وتلون االزھار‪ ،‬والتفاح‪ ،‬والغابات‪ ،‬وريش عصافير‬
‫الجنة‪ .‬وھي موسيقية‪ ،‬علمت كل طير كيف يشدو بأغاني غرامه‪،‬‬
‫وعلمت الحشرات كيف ينادي بعضھا بعضا بموسيقى اصواتھا‬
‫‪46‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫المتعددة‪ ،‬وھذه األصوات‪ ،‬سواء أكانت تفيق الضفدعة في الربيع‪،‬‬
‫ام قرق الدجاجة بين صغارھا‪ ،‬أم زئير االسد في صولته‪ ،‬ام تبويق‬
‫الفيل‪ ،‬تشمل كل )برج النغم( لالحاسيس‪ ،‬وال يفوقھا سوى صوت‬
‫اإلنسان في مرونته المدھشة‪.‬‬
‫والحياة قد جعلت اإلنسان وحده سيداً على تموجات الصوت مجتمعة‬
‫وزودته بمادة انتاجھا‪ :‬فالمزمار والبوق‪ ،‬والقيتار‪ ،‬وكذا شعر الخيل‪،‬‬
‫والشمع‪ ،‬الذي يمسح به قوس الكمان‪ ،‬ورجع الصدى من قيثارة‬
‫األوركسترا المصنوعة من الخشب‪ ،‬والصوت المنخفض المزدوج‬
‫الذي ھو كصوت الخنزير‪ ،‬وطرقة الجلد على الطبل‪ ،‬كل أوالء‬
‫مدينة بالفضل للحياة!‬
‫والحياة مھندسة‪ ،‬فھي التي وضعت تصميم سيقان الجندب )النطيط(‬
‫والبرغوث‪ ،‬والعضالت والروافع‪ ،‬والمفاصل‪ ،‬والقلب الذي يخفق‬
‫دون كلل‪ ،‬ونظام االعصاب الكھربية لكل حيوان‪ ،‬والدورة الدموية‬
‫الكاملة لكل كائن حي‪ .‬وھي تصميم الھندباء البرية ثم تزخرف‬
‫بذورھا في )شرابات( يحملھا كل نسيم‪ .‬والحياة تشكل االزھار‪،‬‬
‫وترغم الحشرات على ان تحمل اللقاح من عضو التذكير إلى عضو‬
‫التأنيث‪.‬‬
‫والحياة كيموية‪ ،‬فھي التي تھب المذاق للفواكه والتوابل وتھب‬
‫العطر للورد والحياة تركب مواد جديدة لم تجھزھا الطبيعة بعد‪،‬‬
‫لموازنة عملياتھا والقضاء على الحياة المغيرة‪.‬‬
‫والحياة تھب الضوء البارد )للذباب المنير( ليعاونه على بث غرامه‬
‫ليال‪ ..‬وكيميا الحياة فائقة‪ ،‬النھا ال تقنع باستخدام اشعة الشمس‬
‫لتحويل الماء وحامض الكربون إلى خشب وسكر‪ ،‬بل انھا إذ تفعل‬
‫ذلك تطلق األوكسجين كي تتقسم الحيوانات نسيم الحياة‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والحياة مؤرخة‪ ،‬فقد كتبت تاريخھا صفحة صفحة‪ ،‬تاركة سجلھا في‬
‫الصخور‪ ،‬وھو تاريخ كتبته بنفسھا وال ينتظر إال الترجمة‪.‬‬
‫والحياة تمنح مخلوقاتھا الفرح لكونھا حية‪ ،‬فالحمل يرتع ويقفز‪ ،‬وھو‬
‫ال يدري لماذا‪.‬‬
‫والحياة تلون عيني الطفل وتمنحھا بريقا‪ ،‬وتصبغ خديه‪ ،‬وتبعث‬
‫بالضحك إلى شفتيه‪ .‬اما المادة فال تبتسم ابداً‪.‬‬
‫والحياة تقي مخلوقاتھا بوفرة الغذاء في البيض‪ ،‬وتعد كثيرا من‬
‫صغارھا للحياة الناشطة بعد الميالد‪ ،‬أو انھا تخزن الغذاء تأھبا‬
‫لصغارھا بوحي أمومة ال شعورية‪.‬‬
‫والحياة تنتج الحياة‪ ،‬إذ تعطى اللبن لسد الحاجات العاجلة‪ ،‬متوقعة‬
‫ھذه الضرورة‪ ،‬ومتأھبة لما يجيء من حوادث‪.‬‬
‫والحياة قد جاءت للعالم بحب األم لولدھا‪ ،‬وجاءت لإلنسان بالمثوى‬
‫واالسرة‪ ،‬وبحب الوطن الذي ينافح عنه حتى الموت‪.‬‬
‫والحياة تحمي نفسھا‪ :‬بالحيطة في استخدام االلوان لمساعدة‬
‫مخلوقاتھا أو اخفائھم‪ ،‬وباعداد الساقين الجري‪ ،‬ومنح االسلحة‬
‫للدفاع‪ ،‬من القرون واالشداق والمخالب‪ ،‬وكذا السمع والبصر‬
‫والشم‪ ،‬واالجنحة للتحليق في الجو‪ ،‬وھكذا تزود الحياة للدفاع‬
‫والھجوم‪ :‬وھي تھب قناعا خفيا ليعض الحشرات التي ال يحدث منھا‬
‫أي أذى‪ ،‬لكي تقيھا كل ھجوم‪.‬‬
‫اما المادة فانھا لم تفعل قط أكثر مما تمليه قوانينھا‪ .‬فالذرات إنما‬
‫تطيع قواعد االلفة الكيموية وقوة الجاذبية وتاثيرات درجة الحرارة‪،‬‬
‫والدوافع الكھربية‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والمادة ليست مبتكرة‪ ،‬اما الحياة فانھا تاتي إلى الوجود بتصميمات‬
‫وتكوينات جديدة‪ ،‬رائعة‪.‬‬
‫وبدون الحياة كان سطح األرض يصير صحراء شاسعة مجدبة‪،‬‬
‫وفضاء من ماء غير نافع‪.‬‬
‫وبدون الحياة تكون المادة جامدة‪ ،‬ومتى تركتھا الحياة عادت مجرد‬
‫مادة‪ ،‬ولكن تبقى لھا القدرة على مواصلة حياة مخلوقات اخرى‪،‬‬
‫وبذا تخلد الحياة في الكائنات الحية‪.‬‬
‫واما ما ھي الحياة‪ ،‬فذلك ما لم يدره إنسان بعد‪ ،‬فليس للحياة وزن‬
‫وال حجم]‪.[4‬‬
‫والحياة ذات قوة‪ ،‬الن الجذر النامي يقدر ان يشق صخرة‪ ،‬والحياة‬
‫تنشئ شجرة عظيمة وتحفظھا من الجاذبية مدة ألف سنة أو تزيد‪.‬‬
‫وھي ترفع اطنان الماء من األرض كل يوم‪ ،‬وتنشئ ورق الشجر‬
‫والفواكه‪ .‬وأقدم كائن حي ھو شجرة يرجع عھدھا إلى خمسة آالف‬
‫سنة‪ ،‬وھي ال تعدو كونھا لحظة في األبدية‪ .‬والحياة الفردية عابرة‪.‬‬
‫والحياة ھي المسئولة عن كل حركة لكل كائن حي‪ .‬وكل ھذه الطاقة‬
‫تقريبا تاتي عن طريق الشمس‪.‬‬
‫والحياة ال تقدر ان تستمر في المادة التي تكون‪ ،‬في حدود ضيقة‪،‬‬
‫بالغة الحرارة أو البرودة‪ ،‬الن ھاتين تقضيان على ظروف المادة‬
‫التي تتوقف عليھا الحياة‪ .‬فان الحياة لم تظھر على ھذه األرض إال‬
‫حين كانت الظروف موائمة لھا‪ ،‬وستقطع نشاطھا حين يحدث تغيير‬
‫ملحوظ في تلك الظروف]‪ [5‬غير ان الظروف الحالية قد وجدت‬
‫واستمرت منذ ثلثمائة مليون سنة على االقل‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والطبيعة لم تخلق الحياة‪ ،‬فان الصخور التي حرقتھا النار‪ ،‬والبحار‬
‫الحالية من الملح‪ ،‬لم تتوافر فيھا الشروط الالزمة‪ .‬وھل احتضنت‬
‫الحياة ھذه األرض والكرات االرضية األخرى في انتظار فرصة‬
‫يزود فيھا الكون بقوة االدراك؟ ان الجاذبية ھي من خواص المادة‪.‬‬
‫والكھرباء اصبحنا نعتقد انھا المادة نفسھا‪ ،‬وأشعة الشمس والنجوم‬
‫يمكن انحرافھا بالجاذبية‪ ،‬ويبدو انھا وثيقة الصلة بھا‪:‬‬
‫وقد اخذ اإلنسان يدرس حدود الذرة‪ ،‬ويقيس قوتھا المخزونة‪ .‬غير‬
‫ان الحياة نفسھا خداعة‪ ،‬مثل الفضاء لماذا؟‬
‫والحياة منتظمة‪ ،‬على وتيرة واحدة‪ ،‬في بذل جھدھا الحياء المادة‪.‬‬
‫وھي ال تعرف فرحا وال حزنا‪ ،‬وال تميز بين احد وأحد‪ .‬ومع ھذا‬
‫فالحياة ھي االساس‪ ،‬وھي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بھا فھم المادة‪.‬‬
‫والحياة ھي المصدر الوحيد للوعي والشعور‪ ،‬وھي وحدھا التي‬
‫تجعلنا ندرك صنع ﷲ ويبھرنا جماله‪ ،‬وان كانت أعيننا ال تزال‬
‫فوقھا غشاوة‪.‬‬
‫ان الحياة ليست إال أداة تخدم مقاصد الخالق سبحانه وعلى ھذا‬
‫فالحياة باقية كمشيئته تعالى!‬

‫قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم )سورة فاطر(‪:‬‬
‫)وﷲ خلَقك ْم ْ‬
‫ب ث ّم من نُطف ٍة ث ّم من جعل ُك ْم أزواجاً‪ ،‬وما تحم ُل‬
‫من ترا ٍ‬
‫من أنثى وال تَض ُع إال ْ‬
‫معمر وال ينقصُ من‬
‫بعلمه‪ ،‬وما يُسّر من‬
‫ٍ‬
‫ب إن ذلك على ﷲ يسي ٌر‪ .‬وما يستَوي البَحر ان ھذا‬
‫عمر ِه إال في كتا ٍ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫َعذبٌ‬
‫فرات سائغ شرابهُ وھذا مل ٌح أجا ٌج ومن ك ّل تأكل ُو َن لحما ً طريّا‬
‫‪50‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وتَ‬
‫جون حليةً تلبِسونھا وترى الفُلك فيه مواخ َر‪ ،‬لتبتغوا من‬
‫ستخر َ‬
‫ِ‬
‫كرون(‪.‬‬
‫فضل ِه ولعلّكم تَ ْش‬
‫َ‬
‫)المترجم(‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺴﺎدس‬
‫كيف بدأت الحياة‬
‫في لغز بداية الحياة نقطة يجب ان يقف العلماء أمامھا لنقص الحجج‪.‬‬
‫أجل ھناك قرائن كثيرة يمكن اقرارھا علميا ً‪ .‬غير ان بداية الحياة‬
‫بلغت من العجب‪ ،‬والنتائج المترتبة عليھا بلغت من التشعب‪ ،‬بحيث‬
‫ان أكثر العلماء البيولوجيين علما البد ان تتملكه الدھشة‪ .‬فھو‬
‫بوصفه عالما‪ ،‬ال يستطيع ان يؤمن بالمعجزات‪ ،‬ولكن بوصفه انسانا‬
‫ذكيا يجد – نتيجة لبحثه وبحوث غيره – ان معظم الكائنات الحية‬
‫اآلن تتطور من خلية ميكروسكوبية فريدة‪ ،‬على اثر خروجھا من‬
‫طور الحياة تحت الميكروسكوب واقترابھا من طور السدفة الذرية‬
‫ويبدو ان تلك الخلية قد وھبت القدرة على التكاثر‪ ،‬ومواءمة نفسھا‬
‫على اشكال عديدة من الحياة‪ ،‬وانھا أعدت لكي تعيش في كل ركن‬
‫وشق على ظھر االرض‪ .‬والعلم يقر بان الواقع ال يمكن ان يكون إال‬
‫كذلك‪ .‬ويعتقد البعض ان ھذا مصادفة من المواد الكيموية والماء‬
‫والوقت‪ .‬ويرى البعض االخر النظام مائال في كل جانب فسيح من‬
‫الحياة إذ تمضي قدما من منبعھا إلى ھدفھا‪ ،‬سواء أكانت ستصبح‬
‫حيوانا رخوا ام انسانا – دون ان تعبر الفجوة مرة اخرى‪.‬‬
‫واالن لنعالج الموضوع بشعور من االجالل‪ ،‬التحده الحدود الدقيقة‬
‫التي تفرضھا العقائد الدينية‪ ،‬أو الحقائق العلمية بشان سبب الحياة‬
‫ومصدرھا‪ ،‬ولنصور النفسنا الوقائع المعترف بھا‪ .‬وبذا يمكننا ان‬
‫نحكم‪ ،‬وأمامنا الموضوع كامال‪ .‬وبھذه الطريقة يمكننا ان نعلم ان‬
‫كنت أنا أو أنت مجرد مجموعة عريضة من المادة‪ ،‬تولدت عن‬
‫الكيمويات والماء والوقت‪ ،‬اوال‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫انظر إلى الشيء الھام الوحيد‪ .‬انه أھم من األرض نفسھا ومن الكون‬
‫كله‪ .‬وأھم من كل شيء آخر – ما عدا الخالق المدبر الذي كان‬
‫السبب في وجود ذلك الشيء‪ :‬وأعني تلك النقطة من النقطة‬
‫)البروتوبالزم(]‪[6‬التي ال تكاد ترى‪ ،‬وھي شفافة لزجة‬
‫)كالجيالتين(‪ ،‬قادرة على الحركة‪ ،‬تستمد نشاطھا من الشمس‪ .‬وھي‬
‫بالفعل كفء الستخدام ضوء الشمس في عزل ثاني اوكسيد الكربون‬
‫من الھواء‪ ،‬مرغمة الذرات على االنفصال‪ ،‬قابضة على‬
‫الھيدروجين من الماء‪ ،‬ومنتجة لھيدرونات الكربون‪ ،‬وبذا تعد‬
‫غذاءھا بنفسھا من أحد المركبات الكيموية العنيدة للغاية‪.‬‬
‫ان ھذه الحلبة الفريدة‪ ،‬ھذه النقطة الصغيرة الشفافة التي تشبه الطل‪،‬‬
‫تحتوي في نفسھا على جرثومة الحياة‪ ،‬وبھا القدرة على توزيع ھذه‬
‫الحياة على كل كائن حي‪ ،‬كبيرا كان أو صغيرا‪ ،‬وعلى مطابقة كل‬
‫مخلوق لبيئته حيثما يمكن وجود الحياة‪ ،‬من قاع المحيط إلى السماء‪.‬‬
‫وقد صاغ الزمن والبيئة شكل كل كائن حي بحيث يتفق مع أنواع‬
‫الظروف المتعددة‪ .‬وعندما تكون ھذه الكائنات الحية شخصيتھا‬
‫الفردية‪ ،‬فانھا تكون قد ضحت ببعض مرونتھا وقابليتھا للتغير‪،‬‬
‫واصبحت مخصصة وثابتة‪ ،‬وقد فقدت القدرة على العودة إلى‬
‫الوراء ولكنھا كسبت مزيدا من المواءمة مع الظروف التي وجدت‬
‫فيھا‪.‬‬
‫ان قوى ھذه النقطة الصغيرة من النقطة )البروتوبالزم(‬
‫ومحتوياتھا‪ ،‬كانت وال تزال اعظم من الزرع الذي تخضر به‬
‫االرض‪ ،‬وأعظم من كل الحيوانات التي تتنسم نسيم الحياة النھا‬
‫مصدر كل حياة‪ ،‬وبدونھا كان ال يمكن وجود شيء حي‪.‬‬
‫والعلم يوافق على كل ما ذكرنا خطوة خطوة‪ ،‬ولكنه يتردد في ان‬
‫يتخذ خطوة اخيرة‪ ،‬ويقول ان االنسان‪ ،‬خطر على ھذه األرض‬
‫بوصفه طفال لمنبع الحياة الكوني‪ ،‬سيدا بين الحيوانات‪ ،‬وذا تكوين‬
‫‪53‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫مادي معقد التركيب للغاية‪ ،‬وصاحب عقل أعد عن قصد ليتلقى‬
‫لمحة من القدرة االلھية التي نسميھا بالروح‪.‬‬
‫وينبغي لنا ان نبدأ باألرض كلھا على انھا صحراء‪ ،‬وليس ثمة من‬
‫مواد غير ما ترك حين بردت األرض‪ .‬وقد ارتفعت األر من‬
‫المحيطات‪ ،‬وحدث في الصخور تاكل ال يمكن وصفه فمزقھا اربا‪،‬‬
‫وكون كثيرا من الصخور الثانوية والغرين والطحل‪ .‬ولم يوجد سوى‬
‫المواد غير العضوية في تركيبات كالبازلت والجرانيت وتلك‬
‫الصخور األخرى النارية والمتحولة‪ ،‬والغرين الذي سبق رواسب‬
‫الوجود الحيواني‪ ،‬اما الرواسب من امثل حجر الكلس والمرجان‬
‫والطباشير والحجر الصوان‪ ،‬فانھا لم تكن موجودة‪ .‬وليس لدينا‬
‫سوى مواد قليلة لنعالجھا‪ ،‬فلدينا الماء‪ ،‬وربما كان على درجة من‬
‫الحرارة شديدة الثبات‪.‬‬
‫ان لغز ظھور الحياة على األرض قد يحل وقد ال يحل بحدوثة‬
‫الذاتي‪ .‬وقد افترض البعض ان الحياة قد جاءت من بعض الكواكب‬
‫في شكل جرثومة انسلت دون ان يصيبھا تلف‪ ،‬وبعد ان بقيت زمانا‬
‫غير محدود في الفضاء‪ ،‬استقرت على االرض‪ ،‬ولكن كان من‬
‫العسير على تلك الجرثومة ان تبقى حية في درجة حرارة الصفر‬
‫المطلق في الفضاء‪ ،‬واذا استطاعت البقاء رغم ذلك فان االشعاع‬
‫الكثيف للموجة القصيرة كان يقتلھا‪ .‬فان كانت قد بقيت حبة رغم‬
‫ذلك فال بد انھا وجدت لنفسھا المكان المالئم‪ ،‬وربما كان المحيط‪،‬‬
‫حيث ادى اتفاق مدھش في الظروف إلى توالدھا وبداية الحياة على‬
‫االرض‪.‬‬
‫وفضال عن ذلك يعود بنا ھذا الفرض خطوة أخرى فيما نحن‬
‫بصدده‪ ،‬الننا يمكننا ان نسال‪) :‬وكيف بدات الحياة على أي كوكب‬
‫من الكواكب؟(‬
‫‪54‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ان المتفق عليه عموما ھو انه ال البيئة وحدھا‪ ،‬وال المادة مھما كانت‬
‫موائمة للحياة‪ ،‬وال أي اتفاق في الظروف الكيموية والطبيعية قد‬
‫تخلقه المصادفة‪ ،‬يمكنھا ان تاتي بالحياة إلى الوجود‪.‬‬
‫وبصرف النظر عن مسالة اصل الحياة التي ھي بالطبع من االلغاز‬
‫العلمية‪ ،‬قد افترض ان ھنة ضئيلة من الحياة‪ ،‬بلغت من الضالة انھا‬
‫ال ترى أو تلمح بالميكروسكوب‪ ،‬قد اضافت اليھا ذرات‪ ،‬وقبلت‬
‫توازنھا الوثيق‪ ،‬فانقسمت‪ ،‬وكررت االجزاء المنفصلة ھذه الدورة‪،‬‬
‫وبذا اتخذت اشكال الحياة‪ ..‬ولكن لم يزعم أحد انھا اتخذت الحياة‬
‫نفسھا!‬
‫ان األميبا ھي مخلوق ميكروسكوبي حي على درجة كبيرة من‬
‫التطور‪ ،‬وھو مكون من ماليين ال حصر لھا من الذرات في تنظيم‬
‫مرتب‪ .‬و )األميبات( ھي مخلوقات ذوات خلية واحدة‪ ،‬قد ال يزيد‬
‫قطرھا على جزء من مائة من البوصة‪ ،‬ونوجد في جميع مياه العالم‪.‬‬
‫واالميبا تشعر بالجوع‪ ،‬وتبحث عن غذائھا عن قصد وعمد‪ .‬واية‬
‫درجة من كبر الحجيم يجب ان يبلغھا الحيوان حتى نعترف بان له‬
‫رغبات وعزيمة؟ ولكن الحجم ھو ال شيء في حسبان الالنھائية‪،‬‬
‫الن الذرة ال تقل كماال عن نظام المجموعة الشمسية‪ .‬واذا اتخذنا‬
‫االميبا مثال لاليضاح – دون ان نزعم ان ھذا المخلوق الحي ذا‬
‫الخلية الواحدة ھو المنبع االصلي للحياة – فانه يمكن القول بان‬
‫مخلوقا ما نطفيا )بروتوبالزميا( حيا‪ ،‬بعد ان ضاعف تكوينه‬
‫الداخلي‪ ،‬قد انقسم وصار اثنين‪ ،‬ثم انقسم االثنان وصارا اربعة‪،‬‬
‫وھكذا إلى غير حد‪ ،‬كما تفعل الخاليا اآلن في كل مخلوق حي‪ .‬فكل‬
‫خلية تحتوي في نفسھا‪ ،‬في تقسيمھا الباكر‪ ،‬القدرة على انتاج فرد‬
‫كامل‪ .‬والخاليا نفسھا باقية إال إذا وقع لھا حادث أو صادفھا تغير في‬
‫الظروف ال قبل لھا به‪ .‬وھي تكون الخاليا البسيطة في جميع‬
‫المخلوقات‪ ،‬من حيوانات أو نباتات في الوقت الحاضر‪ ،‬وبذا تكون‬
‫صورا طبق االصل من اسالفھا‪ .‬ونحن بوصفنا كائنات بشرية‪ ،‬إنما‬
‫‪55‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫منتظمة من باليين فوق باليين من امثال تلك الخاليا‪ ،‬وكل خلية‬
‫ھي مواطن يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة في ذكاء‪ .‬وھذا‬
‫يختلف اختالفا بينا عن الجزئية المادية العاطلة من الحياة]‪.[7‬‬
‫ولكن في االستطاعة ان نشير إلى شيء حدث منذ زمن بعيد‪ ،‬عند‬
‫بدء الحياة على االرض‪ ،‬وكان له شأن عظيم‪ ،‬ذلك ان خلية واحدة قد‬
‫نمت عندھا القدرة المدھشة على استخدام ضوء الشمس في حل‬
‫مركب كيموي‪ ،‬واصطناع غذاء لھا والخواتھا من الخاليا‪ .‬وال بد‬
‫أن لذات اخريات لخلية اصيلة أخرى قد عاشت على الغذاء الذي‬
‫انتجته الخلية االولى‪ ،‬وأصبحت حيوانا‪ ،‬في حين صارت الخلية‬
‫االولى نباتا‪ ،‬والنباتات التي ھي نسل ھذه الخلية ھي التي تغذى‬
‫جميع الكائنات الحية االن‪ ،‬فھل يمكننا ان نعتقد ان كون خلية قد‬
‫اصبحت حيوانا‪ ،‬وأخرى قد اصبحت نباتا‪ ،‬إنما حدث بطريق‬
‫المصادفة]‪[8‬؟ ان التوازن العجيب بين الزرع وحياة الحيوان إنما‬
‫استقر بھذا التقسيم‪ .‬واذا عدنا إلى قصة ثاني اوكسيد الكربون‪ ،‬وجدنا‬
‫ان ھذا التقسيم ھو أساسي اطالقا بوصفه احدى ضروريات الحياة‬
‫نفسھا‪ .‬ولو كانت الحياة كلھا حيوانية‪ ،‬لكانت اآلن قد استنفدت‬
‫األوكسيجين‪ ،‬ولو كانت الحياة كلھا نباتية‪ ،‬كانت قد استھلكت كل‬
‫ثاني اوكسيد الكربون‪ .‬وفي كلتا الحالتين كانت تنتھي ھذه الحياة‬
‫وتلك‪.‬‬
‫وكما ذكرنا من قبل‪ ،‬من المفروض انه في التاريخ الباكر جدا للكرة‬
‫االرضية لم يكن بالھواء اوكسيجين مطلق‪ ،‬إذ كان كل األوكسجين‬
‫مخزونا في قشرة األرض وفي الماء وثاني اوكسيد الكربون‪ .‬فاذا‬
‫كان االمر كذلك‪ ،‬فان كل األوكسجين الذي لدينا االن‪ ،‬قد جاء من‬
‫الزرع‪ .‬وقد ثبت ذلك بشكل مقبول‪ ،‬الن النباتات تستعمل ثاني‬
‫اوكسيد الكربون‪ ،‬وتطلق األوكسيجين‪.‬ولكن إذا كان ھذا كله‬
‫صحيحا‪ ،‬فان الحيوانات‪ ،‬التي ال غنى لھا عن األوكسجين لكي‬
‫تعيش‪ ،‬ال بد قد جاءت إلى الوجود بعد زمن طويل من تطور‬
‫‪56‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫النباتات في البحر واألرض‪ ،‬فھل كان ظھور الحياة على دفعتين؟‬
‫سنترك ذلك للمستقبل ليقرره‪.‬‬
‫ومن عجب انه في كلتا الحياتين الحيوانية والنباتية‪ ،‬منذ ظھور‬
‫الكائنات البروتوبالزمية االولى‪ ،‬قد تطور الذكر واالنثى بشكل جعل‬
‫كل نوع يستمر باالتحاد المتكرر مع االحتفاظ بمميزاته العامة‪.‬‬
‫وليس ھذا مجال البحث في تفاصيل االضطرابات والنتائج الطبيعية‬
‫والكيموية التي ادت إلى التوزيع‪ .‬ويكفي ان نجعل االمر مفھوما‬
‫الولئك الذين ليس لھم معرفة خاصة بالعلوم‪ .‬ويمكن ايضاح األمر‬
‫على الوجه اآلتي‪:‬‬
‫الظاھر ان مجموعات الخاليا كانت ادنى إلى البقاء حية حين كانت‬
‫على صالت وثيقة معا‪ ،‬وبدا بدأت تتحد‪ ،‬ثنائية ورباعية ومئوية‬
‫والفية ثم مليونية‪ ،‬ثم دعيت كل خلية الن تؤدي مھمة وكلت اليھا‪.‬‬
‫وتدريجا‪ ،‬مع تكليفھا تلك المھام المختلفة اصبح في حيز االمكان ان‬
‫يقوم المجموع بوجوه جديدة من النشاط‪ ،‬ففي الحيوانات‪ ،‬صار‬
‫الحمل ‪) ،Cilia‬وھو عبارة عن تركيبات صغيرة تشبه ال؟؟؟‬
‫وصارت الزوائد واالقدام الكاذبة‪ ،‬تساعد على جمع الطعام الذي‬
‫تنشط خاليا أخرى في ھضمه‪ .‬وبعض االجزاء كانت مكونة من‬
‫عدة حاليا‪ .‬فھناك مجموعة منھا صنعت غطاء وقائيا كثيفا‪ ،‬كقشر‬
‫الشجرة‪ ،‬وأخرى كانت مشغولة بنقل الغذاء من مكان إلى اخر في‬
‫المخلوق الحي‪ .‬واخيرا نجدھا مشغولة بتكوين الخشب في الجذوع‪،‬‬
‫أو بتكوين العظام أو االصداف لتدعم جرمھا المجتمع النامي‪،‬‬
‫وبعض االصداف وضعت في الخارج‪ ،‬مثل اصداف اللزيق )سمك‬
‫صدفي(‪ .‬وھذه الحيوانات الرخوة من النوع الذي يغلق على نفسه‪.‬‬
‫وبعض العظام قد كونت بالداخل‪ ،‬فاإلنسان يحتاج إلى سلسلة فقرية‪.‬‬
‫وجميع األشياء التي تعيش تبدأ من خلية بسيطة وھذه الخلية ترغم‬
‫كل نسلھا على ان يؤدي الخدمات وان يتبع دون انحراف تصميم‬
‫‪57‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫المخلوق الذي كان على الخلية األصلية مضاعفته‪ ،‬سواء أكان‬
‫سلحفاة ام أرنبا ً‪.‬‬
‫وقد يمكن السؤال عما إذا كان للخاليا فھم وادراك ام ال‪ :‬وسواء‬
‫اعتقدنا أن الطبيعة قد زودت الخاليا بالغريزة – مھما تكن ھذه – أو‬
‫بقوة التفكير‪ ،‬ام لم نعتقد ذلك‪ ،‬فال مناص لنا من االعتراف بان‬
‫الخاليا ترغم على تغيير شكلھا وطبيعتھا كلھا لكي تتمشى مع‬
‫احتياجات الكائن الذي ھي جزء منه‪ .‬وكل خلية تنتج في أي مخلوق‬
‫حي يجب ان تكيف نفسھا لتكون جزءا من اللحم‪،‬او ان تضحي‬
‫نفسھا كجزء من الجلد الذي ال يلبث حتى يبلى‪ .‬وعليھا ان تضع‬
‫ميناء األسنان وان تنتج السائل الشفاف في العين‪ ،‬أو ان تدخل في‬
‫تكوين االنف أو األذن‪ .‬ثم على كل خلية ان تكيف نفسھا من حيث‬
‫الشكل وكل خاصية أخرى الزمة لتادية مھمتھا‪ .‬ومن العسير ان‬
‫نتصور ان خلية ما ھي ذات يد يمنى أو يسرى‪ ،‬ولكن احدى الخاليا‬
‫تصبح جزءا من االذن اليمنى‪ ،‬بينما األخرى تصبح جزءا من األذن‬
‫اليسرى‪ .‬ان بعض البلورات المتشابھة كيمويا تحول اشعة الشمس‬
‫نحو اليمين وبعضھا االخر نحو الشمال‪ .‬ويبدو ان مثل ھذا الميل‬
‫موجود في الخاليا‪ .‬ومتى وجدت في المكان الصحيح الذي تخصه‪.‬‬
‫فانھا تصبح جزءا من االذن اليمنى أو االذن االيسرى‪ .‬وأذناك‬
‫تواجه احداھما األخرى في رأسك‪ ،‬وليستا في كوعيك كما ھما عند‬
‫الصرصور‪ ..‬وتقوساتھما متضادة‪ ،‬وحين تكمل تكون األذنان‬
‫متماثلتين إلى حد يعصب عليك عنده ان تميز بنيھما‪.‬‬
‫ان مئات اآلالف من الخاليا تبدو كانھا مدفوعة الن تفعل الشيء‬
‫الصواب في الوقت الصواب وفي المكان الصواب‪ ،‬والحق انھا‬
‫طائعة والحياة تدفع إلى األمام‪ ،‬بانية‪ ،‬مصلحة متوسعة‪ ،‬وخالقة ما‬
‫ھو حديث وما ھو افضل‪ ،‬بنشاط ال يفتر وال مثيل له في األشياء‬
‫الجامدة‪ .‬فھل ھذا ناشئ عن ادراك؟ ام عن غريزة؟ ام انه أمر يحدث‬
‫فحسب؟ يمكنك ان تجيب عن ذلك بنفسك‪.‬‬
‫‪58‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫بيد انك قد تقول اآلن ان كل ما ورد بھذا الفصل ال يفسر لنا كيف‬
‫بدأت الحياة‪ ،‬أي كيف جاءت إلى ھذه االرض‪ .‬والكاتب ال يعرف‬
‫كيف‪ ،‬ولكنه يؤمن بانھا جاءت كتعبير عن القوة االلھية‪ ،‬وبانھا‬
‫ليست مادية‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺴﺎﺑﻊ‬
‫اصل االنسان‬
‫ھناك طرق عدة البحث في اصل االنسان‪ .‬وان متابعة ھذه‬
‫الطرق ليحدث اضطرابا لكثيرين من ذوي االراء الجامدة‪ ،‬فمن‬
‫اآلراء ما يقول بان اإلنسان قد جاء عن طريق عملية تطور من‬
‫الشرارة األصلية للحياة‪ .‬وھذا ھو األساس الذي تقوم عليه فكرة‬
‫التطور كلھا‪ .‬وھناك رأي آخر يقول بان ﷲ في حكمته قد أودع‬
‫الحياة على االرض‪ ،‬وخلق اإلنسان كما ھو أو كما كان‪ ،‬كامال‪.‬‬
‫وثمة راي يقول بأن العناية االلھية ال تقف‪ ،‬ولكنھا انتجت الحياة بكل‬
‫أطوارھا بسلسلة من الخلق‪ .‬على ان ھناك رأيا اخر يقول بان الحياة‬
‫التي انتھت إلى اإلنسان كانت نتيجة سعيدة لمزيج حدث مصادفة من‬
‫المواد الكيموية‪ ،‬بما فيھا الماء‪..‬‬
‫ويمكن القول بانه مع االيمان بوجود الخالق‪ ،‬فانه قد شاءت ارادته‬
‫ان يخلق من العناصر االصلية لالرض شيئا تكون له حياة‪ ،‬ويبلغ‬
‫في النھاية إلى تطور في المخ يسمح بابداعه الذكاء‪ .‬ويمكن القول‬
‫بان ﷲ تعالى قد شاء ان يمنح ھذا الذكاء سيادة وسيطرة على جميع‬
‫الكائنات الحية األخرى وعلى كائنات أخرى كثيرة عاطلة من‬
‫الحياة‪.‬‬
‫وايا ما تختر لنفسك من ھذه االراء‪ ،‬فان من الواضح ان اإلنسان لم‬
‫يوجد كانسان‪ .‬منذ بدأت الحياة ولكنه تطور فيما بعد إلى ما ھو عليه‬
‫اآلن‪ ،‬وعلى أي حال لم يظھر كانسان‪ ،‬إال بعد ان عجزت كل أشكال‬
‫الحياة الكائنات األخرى عن إيجاد جھاز بالغ التعقيد كالعقل البشري‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫واذا فرضنا ان اإلنسان بدأ مع ظھور الحياة االولى‪ ،‬فان وجوده‬
‫يرجع إلى ‪ 400‬مليون سنة أو اكثر‪ .‬اما إذا قبلنا النظرية الثانية‪ ،‬فانه‬
‫يكون قد وجد بعد ذلك‪ ،‬أو في أي وقت نتيجة للمشيئة االلھية‪ .‬اما إذا‬
‫قبلنا الفرض الثالث‪ ،‬فاننا ال يمكننا ان نحدد تاريخا الول وجوده‬
‫كإنسان إال بما يرجع لنا ماليين عدة من السنين‪ .‬وقد أمكن تتبع‬
‫تاريخ اإلنسان كانسان‪ ،‬باالدلة الكافية القناع العلماء‪ ،‬لمدة مليون‬
‫سنة مضت‪ ،‬ولكن ھذا حد ادنى متفق عليه‪ .‬اما قبل ذلك فان تطوره‬
‫– مھما يكن الحيوان الذي تطور منه – يرجع إلى قدم ال يصل اليه‬
‫حسبان البشر‪.‬‬
‫ويوجد في المتحف االمريكي للتاريخ الطبيعي بنيويورك حصان‬
‫اثري ذو ثالث أصابع‪ ،‬وھو حيوان صغير كان الريب سريع العدو‪.‬‬
‫وال شك انه كان حصاناً‪ ،‬غير ان تطوره إلى الحصان الجليل الحإلى‬
‫الذي يجري على ما نسميه حافراً تطور من اصبع‪ ،‬قد تطلب ماليين‬
‫السنين‪ .‬فاذا اتخذنا من ذلك معلما للطريق‪ ،‬فلنقدر اذن الزمن الذي‬
‫تطلبه اإلنسان حتى تطورت يداه وعيناه وذھنه‪ ،‬وبذا صار حيوانا ً‬
‫طفيفا ً ورفعه ذلك إلى كيانه الحالي‪.‬‬
‫واالن نعود فنقتبس التقلبات التي مر بھا ھذا المخلوق الصغير‬
‫االعزل من وسائل الدفاع‪ ،‬وان يكن حقا سريع الحركة فانه معرض‬
‫للخطر من كل مخلوق ياكل اللحم‪ ،‬ومن كل زاحف سام‪ ،‬ومن كل‬
‫جسم يحدث المرض‪ .‬وكان عليه ان يعني بصغاره زمنا طويال من‬
‫عجزھم‪ ،‬فان اطفال اإلنسان تولد عديمة الحول والحيلة‪ ،‬وھي تأتي‬
‫تباعا ً وبذا قد يصبح عدة اطفال عاجزين‪ ،‬في حاجة إلى الغذاء‬
‫والوقاية في وقت واحد‪ .‬وھذا يضاعف عجيبة بقاء اإلنسان في‬
‫خالل الدھور! فقد عاش خالل تغيرات كالعصر الثلجي وفي كل‬
‫طور اخر من أطوار الحياة المحرومة الوقاية‪ .‬وھذا ينطبق طبعا‬
‫على جميع الحيوانات االخرى‪ .‬وانه لمن معجزات العناية االلھية ان‬
‫‪61‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫استطاعت ھذه المخلوقات ان تثبت امام تلك الظروف‪ .‬ومن جھة‬
‫أخرى فان أنواعا ً ال عدد لھا كانت قد ولدت ثم انقطعت عن الوجود‪.‬‬
‫وليست عظام )الديناصورات(]‪[9‬اال دليال واحدا يثبت به علماء‬
‫الجيولوجيا )علم طبقات االرض( انه وجدت في الماضي حيوانات‬
‫غريبة قدر لھا الفشل فعفى عليھا النسيان‪ .‬وكان ذلك أيضا ً مثال‬
‫ماليين من الحشرات واالسماك والطيور وانواع أخرى عديدة من‬
‫مخلوقات شتى‪ .‬ولعل )الحمام المسافر(]‪[10‬كان في وقت ما أكثر‬
‫عددا من البشر‪ ،‬ولكن آخر واحدة منه ماتت في عھدنا‪ ،‬وانقرضت‬
‫ساللته الفاخرة كما انقرض )البطريق( العظيم و )الدودو(]‪.[11‬‬
‫وتجد علماء اآلثار في اظھارھم لتطور االنسان‪ ،‬يتخذون من سعة‬
‫المخ في جمجمته مفتاحا ً لتقدمه‪ .‬وقد حلت اجناس وال تزال تحل‪،‬‬
‫محل اخرى‪ ،‬ويبدو ان الجنس االبيض ھو في الذروة في الوقت‬
‫الحاضر‪ .‬أفيأتي الزمن باإلنسان الممتاز )السوبرمان( الذي ينسل‬
‫ذرية من نوعه تمأل األرض على رحبھا؟‬
‫ان العظام في جمجمة الطفل يفرقھا غضروف يتيح لمخه مزيدا من‬
‫النمو‪ ،‬وقد يستمر ذلك في طور الشباب إذا كان ثمة حاجة إلى مثل‬
‫ھذا التوسع‪ .‬ولكن الواقع اننا نصبح ذوي أدمغة صلبة‪ .‬وقت باكر‪..‬‬
‫ويحسن بنا إال نغلق عقولنا دون الحقيقة قبل األوان!‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺜﺎﻣﻦ‬
‫غرائز الحيوانات‬
‫ان تقدم اإلنسان قد بلغ من الوجھة الطبيعية مبلغا محمودا‪ ،‬وال‬
‫يبدو ان ثمة مجاال لنمو تكوين جسدي جديد به‪ .‬ولكن ينبغي ان نتقدم‬
‫صحته‪ ،‬وان يبلغ تقدمه الطبيعي درجة الكمال بفضل التغذية‬
‫وعجائب الطب والجراحة‪ ،‬وتبعا لذلك يجب ان ترقى االذھان بوجه‬
‫عام‪ .‬فھناك – على األقل – متسع للعقلية الصالحة لكي تعبر عن‬
‫نفسھا‪ ،‬وبذا تتحسن احوال اإلنسان المادية والخلقية والروحية‪ ،‬سواء‬
‫من حيث الفرد أو الجنس‪.‬‬
‫ان المدنية وقبول المقاييس الخلقية‪ ،‬تتحركان إلى االمام والى‬
‫الخلف‪ ،‬ولكن ھناك كسبا دائما‪ ،‬وقد كان تقدم اإلنسان امرا ملحوظا‬
‫بالريب‪ ،‬ولكن عليه ان يقطع مراحل عدة‪ .‬ويبدو لحسن الحظ انه‬
‫ليس ھناك حد لما يمكن ان يقع من تقدم جديد في الذھن البشري مع‬
‫الوقت‪ ،‬اعني الوقت الكافي‪ ،‬بوصفه العامل الغالب‪..‬‬
‫ان الطيور لھا غريزة العودة إلى الموطن‪ ،‬فعصفور الھزاز الذي‬
‫عشش ببابك يھاجر جنوبا في الخريف‪ ،‬ولكنه يعود إلى عشه القديم‬
‫في الربيع التالي‪ .‬وفي شھر سبتمبر تطير أسراب معظم طيورنا إلى‬
‫الجنوب‪ ،‬وقد تقطع في الغالب نحو الف ميل فوق عرض البحار‪،‬‬
‫ولكنھا ال تضل طريقھا‪ .‬والحمام الزاجل إذا تحير من جراء اصوات‬
‫جديدة عليه في رحلة طويلة داخل قفص‪ ،‬يحوم برھة ثم يقصد قدما‬
‫‪63‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫إلى موطنه دون ان يضل‪ ..‬والنحلة تجد خليتھا مھما طمست الريح‬
‫في ھبوبھا على االعشاب واالشجار‪ ،‬كل ذلك دليل يرى‪ .‬وحاسة‬
‫العودة إلى الوطن ھذه ھي ضعيفة في االنسان‪ ،‬ولكنه يكمل عتاده‬
‫القليل منھا بأدوات المالحة‪ .‬ونحن في حاجة إلى ھذه الغريزة‪،‬‬
‫وعقولنا تسد ھذه الحاجة وال بد ان للحشرات الدقيقة عيونا‬
‫ميكروسكوبية ال ندري مبلغھا من االحكام‪ ،‬وان للصقور بصرا‬
‫تلسكوبيا وھنا أيضا ً يتفوق اإلنسان بأدواته الميكانيكية‪ .‬فھو بتلسكوبه‬
‫يمكنه ان يبصر سديما بلغ من الضعف انه يحتاج إلى مضاعفة قوة‬
‫ابصار مليوني مرة ليراه‪ ،‬وھو بميكروسكوبه الكھربي يستطيع ان‬
‫يرى بكتريا كانت غير مرئية‪) ،‬بل كذلك الحشرات الصغيرة التي‬
‫تعضھا(‪.‬‬
‫وانت إذا تركت حصانك العجوز وحده‪ ،‬فان يازم الطريق مھما‬
‫اشتدت ظلمة الليل‪ .‬وھو يقدر ان يرى ولو في غير وضوح‪ ،‬ولكنه‬
‫يلحظ اختالف درجة الحرارة في الطريق وجانبيه‪ ،‬بعينين تأثرتا‬
‫قليال باالشعة تحت الحمراء التي للطريق‪ .‬والبومة تستطيع ان‬
‫تبصر الفأر الدافئ اللطيف وھو يجري على العشب البارد مھما تكن‬
‫ظلمة الليل‪ .‬ونحن نقلب الليل نھاراً باحداث اشعاع في تلك‬
‫المجموعة التي نسميھا بالضوء‪..‬‬
‫ان عمليات عينك تلقي صورة على الشبكية‪ ،‬فتنظم العضالت‬
‫العدسات بطريقة الية إلى بؤرة محكمة‪ ،‬وتتكون الشبكية من تسع‬
‫طبقات منفصلة‪ ،‬ھي في مجموعھا ليست اسمك من ورقة رفيعة‪.‬‬
‫والطبقة التي في أقصى الداخل تتكون من اعواد ومخروطات‪،‬‬
‫ويقال ان عدد االولى ثالثون مليون عود‪ ،‬وعدد الثانية ثالثة ماليين‬
‫مخروط‪ .‬وقد نظمت ھذه كلھا في تناسب محكم‪ ،‬بعضھا بالنسبة إلى‬
‫بعض‪ ،‬وبالنسبة إلى العدسات‪ ،‬ولكن العجب انھا تدير ظھورھا‬
‫للعدسات‪ ،‬وتنظر نحو الداخل ال نحو الخارج‪ .‬واذا استطعت ان‬
‫تنظر في خالل العدسات‪ ،‬فانك ترى عدوك مقلوب الوضع‪،‬‬
‫‪64‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والجانب االيمن منه ھو االيسر‪ .‬وھذا امر يربكك إذا حاولت ان‬
‫تدافع عن نفسك‪ ،‬ولذا فان الطبيعة قد عرفت بطريقة ما ماذا‬
‫سيحدث‪ ،‬ولذا اجرت ذلك التصميم قبل ان تقدر العين على‬
‫االبصار‪ ،‬ورتبت اعادة تنظيم كاملة عن طريق ماليين من خويطات‬
‫االعصاب المؤدية إلى المخ‪ .‬ثم رفعت مدى ادراكنا الحسي من‬
‫الحرارة إلى اللضوء‪ ،‬وبذا جعلت العين حساسة بالنسبة للضوء‪.‬‬
‫وھكذا نرى صورة ملونة للعالم من الجانب االيمن إلى فوق‪ ،‬وھو‬
‫احتياط بصري سليم‪ .‬وعدسة عينك تختلف في الكثافة‪ ،‬ولذا تجمع‬
‫كل األشعة في بؤرة‪.‬‬
‫وال يحصل اإلنسان على مثل ذلك في أية مادة في جنس واحد‬
‫كالزجاج مثال‪ .‬وكل ھذه التنظيمات العجيبة العدسات والعيدان‬
‫والمخروطات واالعصاب وغيرھا‪ .‬البد انھا حدثت في وقت واحد‪،‬‬
‫النه قبل ان تكمل كل واحدة منھا‪ ،‬كان االبصار مستحيال‪ .‬فكيف‬
‫استطاع كل عامل ان يعرف احتياجات العوامل األخرى ويوائم بين‬
‫نفسه وبينھا؟‬
‫ان المحار العادي الذي تأكل عضله‪ ،‬له عيون عدة تشبه عيوننا‬
‫كثيرا‪ ،‬وھي تلمع‪ ،‬الن كل عين منھا لھا عاكسات صغيرة ال‬
‫تحصى‪ ،‬ويقال انھا تساعدھا على رؤية األشياء من اليمين إلى فوق‪.‬‬
‫وھذه العاكسات غير موجودة في العين البشرية‪ .‬فھل رتبت المحار‬
‫تلك العاكسات النه ال يملك كاإلنسان قوة ذھنية؟ ولما كان عدد‬
‫العيون في الحيوانات يتراوح بين اثنتين وعدة االف‪ ،‬وكلھا مختلفة‪،‬‬
‫فال ريب ان الطبيعة كانت تلتقي مشقة كبيرة في احكام علم‬
‫المرئيات‪ ،‬اللھم إال إذا وجدت عونا من الخالق!‬
‫ان نحلة العسل ال تجذبھا االزھار الزاھية كما نراھا‪ ،‬ولكنھا تراھا‬
‫بالضوء فوق البنفسجي الذي يجعلھا أكثر جماال في نظرھا‪ .‬وفيما‬
‫بين اشعة االھتزازات البطيئة واللوحة الفوتوغرافية وما وراءھا‪،‬‬
‫‪65‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫عوالم من الجمال والبھجة وااللھام‪ ،‬بدأنا نقدرھا ونسيطر عليھا‪.‬‬
‫فلنأمل ان ياتي علينا يوم نستطيع فيه ان نستمتع بعالم الضوء عن‬
‫طريق النبوغ في االبتكار‪ .‬وھا نحن اوالء قد اصبحنا قادرين على‬
‫ان نكتشف اھتزازات الحرارة في كوكب بعيد‪ ،‬ونقيس طاقتھا‪.‬‬
‫ان العامالت من النحل تصنع حجرات مختلفات االحجام في المشط‬
‫الذي يستخدم في التربية‪ .‬وتعد الحجرات الصغيرات للعمال‪،‬‬
‫واألكبر منھا لليعاسيب ]‪ ،[12‬وتعد غرفة خاصةى للملكات‬
‫الحوامل‪ .‬والنحلة الملكة تضع بيضا غير مخصب في الخاليا‬
‫المخصصة للذكر‪ ،‬وبيضا مخصبا في الحجرات الصحية المعدة‬
‫للعامالت االناث والملكات المنتظرات‪ .‬والعامالت الالئي ھي اناث‬
‫معدالت بعد ان انتظرن طويال مجيء الجيل الجديد‪ ،‬تھيأن أيضا ً‬
‫العداد الغذاء النحل الصغيرة بمضغ العسل واللقح‪ ،‬ومقدمات‬
‫ھضمه‪ ،‬ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الھضم عند مرحلة‬
‫معينة من تطور الذكور واالناث‪ ،‬وال يغذين سوى العسل واللقح‪.‬‬
‫واالناث الالئي يعالجن على ھذا الشكل يصبحن عامالت‪.‬‬
‫أما االناث الالئي في حجرات الملكة‪ ،‬فان التغذية بالمضغ ومقدمات‬
‫الھضم تستمر عندھن‪ .‬وھؤالء الالئي يعاملن ھذه المعاملة الخاصة‬
‫يتطورون إلى ملكات نحل‪ ،‬وھن وحدھن الالئي ينتجن بيضا‬
‫مخصبا‪ ،‬وعملية تكرار االنتاج ھذه تتضمن حجرات خاصة‪ ،‬وبيضا‬
‫خاصا‪ ،‬كما تتضمن االثر العجيب الذي لتغيير الغذاء‪ .‬وھذا يتطلب‬
‫االنتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف اثر الغذاء‪ ،‬وھذه التغيرات‬
‫تنطبق بوجه خاص على حياة الجماعة‪ ،‬وتبدو ضرورية لوجودھا‪،‬‬
‫والبد ان المعرفة والمھارة الالزمتين لذلك قد تم اكتسابھما بعد ابتداء‬
‫ھذه الحياة الجماعية‪ ،‬وليستا بالضرورة مالزمتين لتكوين النحل وال‬
‫لبقائه على الحياة‪ .‬وعلى ذلك فيبدو ان النحل قد فاق اإلنسان معرفة‬
‫تاثير الغذاء تحت ظروف معينة‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والكلب بما أوتي من انف فضولي‪ ،‬يستطيع ان يحس الحيوان الذي‬
‫مر‪ .‬وليس ثمة أداة من اختراع اإلنسان لتقوي حاسة الشم الضعيفة‬
‫لديه‪ ،‬ونحن ال نكاد ندري اين نبدا لنفحص امتدادھا‪ .‬ومع ھذا فان‬
‫حاسة الشم الخاصة بنا ھي على ضعفھا قد بلغت من الدقة انھا‬
‫يمكنھا ان نتبين الذرات الميكروسكوبية البالغة الدقة‪ .‬وكيف نعرف‬
‫اننا نتأثر جميعا نفس التأثر من رائحة بعينھا؟ الواقع اننا ال نتأثر‬
‫تأثرا واحدا‪ .‬كذلك حاسة الذوق تعطي كال منا شعورا مختلفا عن‬
‫شعور االخر‪ .‬والعجيب ان اختالفات االحساس ھذه ھي ورائية!‬
‫وكل الحيوانات تسمع االصوات التي يكون كثير منھا خارج دائرة‬
‫االھتزازات الخاصة بنا‪ ،‬وذلك بدقة تفوق كثيرا حاسة السمع‬
‫المحدودة عندنا‪ .‬وقد اصبح اإلنسان يستطيع بفضل وسائله ان يسمع‬
‫صوت ذبابة تطير على بعد اميال كما لو كانت فوق )طبلة( أذنه‪،‬‬
‫ويستطيع بمثل تلك األدوات ان يسجل وقع شعاع شمس‪.‬‬
‫ان جزءا من أذن اإلنسان ھو سلسلة من نحو اربعة آالف حنية‬
‫)قوس( دقيقة معقدة‪ ،‬متدرجة بنظام بالغ‪ ،‬في الحجم والشكل‪ .‬ويمكن‬
‫القول بان ھذه الحنيات تشبه آلة موسيقية‪ ،‬ويبدو انھا معدة بحيث‬
‫تلتقط‪ ،‬وتنقل إلى المخ‪ ،‬بشكل ما‪ ،‬كل وقع صوت أو ضجة‪ ،‬من‬
‫قصف الرعد إلى حفيف الشجر فضال عن المزيج الرائع من أنغام‬
‫كل أداة موسيقية في االوركسترا‪ ،‬ووحدتھا المنسجمة‪ ،‬لو كان‬
‫المراد عند تكوين االذن ان تحسن خالياھا األداء‪ ،‬كي يعيش‬
‫االنسان‪ ،‬فلماذا لم يمتد مداھا حتى تصل إلى ارھاف السمع؟ لعل‬
‫)القوة( التي وراء نشاط ھذه الخاليا قد توقعت حاجة اإلنسان في‬
‫المستقبل إلى االستماع الذھني ام ان المصادفة قد شاءت تكوين‬
‫االذن خيرا من المقصود؟‬
‫ان احدى العناكب )جمع عنكبوت( المائية تصنع لنفسھا عشا على‬
‫شكل منطاد )بالون( من خيوط بيت العنكبوت وتعلقه بشيء ما تحت‬
‫‪67‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫الماء‪ ،‬ثم تمسك ببراعة فقاعة ھواء في شعر تحت جسمھا‪ ،‬وتحملھا‬
‫إلى الماء ثم تطلقھا تحت العش ثم تكرر ھذه العملية حتى ينتفخ‬
‫العش‪ ،‬وعندئذ تلد صغارھا وتربيھا‪ ،‬آمنة عليھا من ھبوب الھواء‪.‬‬
‫فھا ھنا نجد طريقة النسج‪ ،‬بما يشعله من ھندسة وتركيب ومالحة‬
‫جوية‪.‬‬
‫ربما كان ذلك كله مصادفة‪ ..‬ولكن ذلك ال يفسر لنا عمل العنكبوت!‬
‫وسمك )السلمون( الصغير يمضي سنوات في البحر‪ ،‬ثم يعو إلى‬
‫نھره الخاص به‪ ،‬واألكثر من ذلك انه يصعد جانب النھر الذي‬
‫يصب عنده النھر الذي ولد فيه‪ .‬وقد تكون قوانين الوالية األمريكية‬
‫التي على أحد جانبي النھر صارمة وقوانين الوالية التي على‬
‫الجانب االخر غير صارمة‪ ،‬ولكن ھذه القوانين إنما تسري على‬
‫السمك الذي يمكن ان يقال عنه انه يخص جانبا دون اآلخر‪ ..‬فما‬
‫الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بھذا التحديد؟ ان سمكة‬
‫)السلمون( التي تسبح في النھر صعدا‪ ،‬إذا نقلت إلى نھير آخر‪،‬‬
‫ادركت توا انه ليس جدولھا‪ ،‬فھي لذلك تشق طريقھا خالل النھر‪ ،‬ثم‬
‫تحيد ضد التيار قاصدة إلى مصيرھا‪.‬‬
‫وھناك لعز اصعب من ذلك‪ ،‬يتطلب الحل‪ ،‬وھو الخاص بثعابين‬
‫الماء التي تسلك عكس ھذا السلك‪ ،‬فان تلك المخلوقات العجيبة متى‬
‫اكتمل نموھا‪ ،‬ھاجرت من مختلف البرك واالنھار‪ ،‬واذا كانت في‬
‫أوروبا قطعت آالف األميال في المحيط‪ ،‬قاصدة كلھا إلى االعماق‬
‫السحيقة جنوبي برمودا‪ ،‬وھنا تبيض وتموت‪ .‬اما صغارھا – تلك‬
‫التي ال تملك الوسيلة نتعرف بھا أي شيء سوى انھا في مياه قفزة –‬
‫فانھا تعود ادراجھا وتجد طريقھا إلى الشاطئ الذي جاءت منه‬
‫أمھاتھا‪ ،‬ومن ثم إلى كل نھر أو بحيرة أو بركة صغيرة‪ ،‬ولذا يظل‬
‫كل جسم من الماء آھال بثعابين البحار لقد قاومت التيارات القوية‬
‫وثبتت لالمداد والعواصف‪ ،‬وغالبت االمواج المتالطمة على كل‬
‫‪68‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫شاطئ‪ ،‬وھي اآلن يتاح لھا النمو‪ ،‬حتى إذا اكتمل نموھا‪ ،‬دفعھا‬
‫قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد ان تتم المرحلة كلھا‪ .‬فمن‬
‫أي ينشأ الحافز الذي يوجھھا لذلك؟ لم يحدث قط ان صيد ثعبان ماء‬
‫أمريكي في المياه االوروبية‪ ،‬أو صيد ثعبان ماء اوروبي في المياه‬
‫االمريكية‪ .‬والطبيعة تبطئ في انماء ثعبان الماء االوروبي مدة سنة‬
‫أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعھا‪ .‬ترى ھل‬
‫الذرات والھباءات إذا توحدت معا في ثعبان ماء‪ ،‬يكون لھا حاسة‬
‫التوجيه‪ ،‬وقوة االرادة الالزمة للتنفيذ؟‬
‫ويبدو ان الحيوانات لھا القدرة على تبادل الشعور‪ .‬ومن ذا الذي‬
‫يرقب طائر الطيطوي )او زمار ال؟؟؟( ولم يعجب به‪ ،‬وھو يحلق‬
‫في الجو‪ ،‬ويدور‪ ،‬حتى تطير كل وطيور ذوات الصدر االبيض في‬
‫اشعة الشمس في وقت واحد؟‬
‫واذا حملت الريح فراشة انثى من خالل نافذة إلى علية بيتك‪ ،‬فانھا ال‬
‫تلبث ان ترسل اشارة خفية‪ ،‬وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة ولكنه‬
‫يتلقى تلك االشارات ويجاوبھا مھما احدثت انت رائحة بمعملك‬
‫لتضليلھما‪ .‬ترى ھل لتلك المخلوقة الضئيلة محطة اذاعة‪ ،‬وھل لذكر‬
‫الفراشة جھاز راديو عقلي فضال عن السلك الالقط للصوت‬
‫)إيريال(؟ أنراھا تھز االثير فھو يتلقى االھتزاز؟‬
‫والجندية )النطيط( االمريكية ‪ Katydid‬تحك ساقيھا أو جناحيھا‬
‫معا‪ ،‬فيسمع صريرھا ھذا في الليلة الساكنة على مسافة نصف ميل‪.‬‬
‫انھا تھز بھا سمائه طن من الھواء وتنادي رفيقھا‪.‬‬
‫والفراشة التي تعمل في عالم آخر من عوالم الطبيعة‪ ،‬وفي سكوت‬
‫ظاھر‪ ،‬تنادي أيضا ً مثل ذلك النداء المجاب!‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وقبل ان يكتشف الراديو‪ ،‬كان العلماء يقولون ان الرائحة ھي التي‬
‫تجذب الفراش الذكر إلى أنثاه‪ ،‬وسواء اكان ھذا ام ذاك‪ ،‬فانھا‬
‫معجزة‪ ،‬الن البد للرائحة ان تمضي في كل اتجاه‪ ،‬مع الريح أو‬
‫بدونھا‪ ،‬وفي ھذه الحالة يكون على الفراش الذكر ان يتبين ھباءة‬
‫)ذرة(‪ ،‬وان يعرف االتجاه الذي جاءت منه‪.‬‬
‫ونحن اآلن نتخذ عدة ھائلة لنكتسب مثل ھذه القدرة على االتصال‬
‫معا‪ ،‬وسوف ياتي الويم الذي ينادي فيه الشاب حبيبته على بعد‪ ،‬دون‬
‫أداة ميكانيكية‪ ،‬فتجاوبه‪ ،‬ولن يعوقھما حاحز أو رتاج‪.‬‬
‫ان التليفون والراديو ھما من العجائب اآللية‪ ،‬وھما يتيحان لنا‬
‫االتصال السريع‪ ،‬ولكنا مرتبطون في شأنھما بسلك ومكان‪ .‬وعلى‬
‫ذلك ال تزال الفراشة متفوقة علينا من ھذه الوجھة‪ ،‬وليس لنا إال ان‬
‫نحسدھا على ذلك‪ ،‬حتى تبتكر عقولنا راديو فرديا ً‪ .‬وعندئذ نكتسب‬
‫القدرة على )انتقال الفكر( من بعض الوجوه‪.‬‬
‫والنبات يتحايل على استخدام وكالء لمواصلة وجوده دون رغبة من‬
‫جانبھم‪ .‬كالحشرات التي تحمل اللقح من زھرة إلى اخرى‪ ،‬والرياح‪،‬‬
‫وكل شيء يطير أو يمشي ليوزع بذوره‪ .‬واخيرا قد أوقع النبات‬
‫اإلنسان ذا السيادة في الفخ‪ ،‬فقد حسن الطبيعة‪ ،‬وجازته بسخاء‪ ،‬غير‬
‫انه شديد التكاثر حتى اصبح مقيدا بالمحراث‪ .‬وعليه ان يبذر‪،‬‬
‫ويحصد‪ ،‬ويخزن‪ ،‬وعليه ان يربي ويھجن‪ ،‬وان يشذب‪ ،‬ويطعم‪ .‬واذا‬
‫ھو اغفل ھذه االعمال‪ ،‬كانت المجاعة نصيبه‪ ،‬وتدھورت المدنية‪،‬‬
‫وعادت األرض إلى حالتھا الفطرية‪.‬‬
‫والطيور التي تؤخذ صغيرة من أعشاشھا‪ ،‬تصنع لنفسھا حيت تكبر‬
‫اعشاشا على نمط نوعھا‪ ،‬وللعادات المتوارثة جذور عميقة في‬
‫ظلمات القدم‪ ،‬فھل ھذه االعمال نتيجة المصادفة أو نتيجة اعداد‬
‫حكيم؟ ان في ھذا الكفاية الظھار قوة العادة الوراثية التي نسميھا‬
‫‪70‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫بالغريزة‪ .‬ومن بين جميع الكائنات الحية التي جابت نواحي االرض‪،‬‬
‫ال نجد احدا منھا حاز من قوة التعليل مثل ما حازه االنسان‪.‬‬
‫فھناك بقاء في الحياة بفضل الضبط‪ ،‬وھناك فناء الن الضبط قد‬
‫تخلى الحد الالزم‪ .‬ولكن اإلنسان وحده ھو الذي نمى معرفته‬
‫باالرقام‪ .‬ولو ان احدى الحشرات عرفت عدد سيقانھا‪ ،‬لما امكنھا ان‬
‫تعرف عدد سيقان اثنين من نوعھا‪ ،‬فان ذلك يتطلب قوة تعليل‪.‬‬
‫وكثير من الحيوانات ھي مثل سرطان البحر ‪ Lobster‬الذي إذا فقد‬
‫مخلبا‪ ،‬عرف ان جزءا من جسمه قد ضاع‪ ،‬وسارع إلى تعويضه‬
‫باعادة تنشيط الخاليا وعوامل الوراثة ومتى تم ذلك كف الخاليا عن‬
‫العمل‪ ،‬النھا تعرف بطريقة ما ان وقت الراحة قد حان‪.‬‬
‫)وكثير االرجل( المائي إذا انقسم إلى قسمين‪ :‬استطاع ان يصلح‬
‫نفسه عن طريق أحد ھذين النصفين‪ ،‬وأنت إذا قطعت رأس )دودة‬
‫الطعم( تسارع إلى صنع راس بدال منه‪ .‬ونحن نستطيع ان ننشط‬
‫التئام الجروح ولكن متى يتاح للجراحين ان يعرفوا كيف يحركون‬
‫الخاليا لتنتج ذراعا جديدة‪ ،‬أو لحما‪ ،‬أو عظاما‪ ،‬أو أظافر‪ ،‬أو‬
‫اعصابا – إذا كان ذلك حقا في حيز االمكان؟‬
‫وھناك حقيقة مدھشة تلقى بعض الضوء على لغز ھذا الخلق من‬
‫جديد‪ :‬فان الخاليا في المراحل االولى من تطويرھا إذا تفرقت‪،‬‬
‫صار لكل منھا القدرة على خلق حيوان كامل‪ .‬ومن ثم فانه إذا‬
‫انقسمت الخلية االولى إلى قسمين‪ ،‬وتفرقه ھذان‪ ،‬تطور منھما‬
‫فردان‪ .‬وقد يكون في ذلك تفسير لتشابه التوأمين‪ ،‬ولكنه يدل على‬
‫أكثر من ذلك‪ ،‬وھو ان كل خلية في البداية يمكن ان تكون فردا كامال‬
‫بالتفصيل‪ ،‬فليس ھناك شك اذن في انك أنت‪ ،‬في كل خلية ونسيج‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وقد أشار المزمور ‪ 16 / 14 – 139‬من مزامير داود في بساطة‪،‬‬
‫إلى الطريقة العجيبة التي يمكن بھا خلية أن تتطور إلى كائن مفرد‪،‬‬
‫إذ ورد فيه ما يأتي‪:‬‬
‫ُ‬
‫امتزت عجبا‪ .‬عجيبةٌ ھ َي أعمالك ونفسي‬
‫أجل أني قد‬
‫أحم ُد َ‬
‫ك من ِ‬
‫ُ‬
‫تعرف ذلك يقينا ً‪.‬‬
‫تختف عنك عظامي حينما ص ْ‬
‫ُنعت في الخلفاء ورُقمت في أعماق‬
‫لم‬
‫ِ‬
‫األرض‪.‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫تصورت‪ ،‬إذ لم‬
‫كتبت يوم‬
‫ك كلّھا‬
‫ك أعضائي‪ ،‬وفي سفر َ‬
‫رأت عينا َ‬
‫يسكن واح ٌد منھا‪.‬‬
‫وفي االمكان ان نمأل صفحات عدة بعجائب االحساس التي ال تزال‬
‫فوق ادراكنا‪ ،‬ولكن ھذه االمثلة تكفي تماما الن تدلنا على أننا ال‬
‫يزال امامنا الكثير لتعلمه‪ ،‬والى ان يتكون لدى اإلنسان حواس‬
‫جديدة‪ ،‬أو إلى ان يضاھى الحيوانات باالجھزة التي يخترعھا حتى‬
‫يكتسب مثل كفاياتھا الخاصة‪ ،‬فان أمامه طرقا طويلة للتطور‪.‬‬
‫ان كل كفاية يملكھا الحيوان وال نملكھا نحن‪ ،‬إنما ھي تحد لذكائنا‪،‬‬
‫ونحن ال تزال ناقصي العلم حتى نستطيع االجابة عن ذلك التحدي‪.‬‬
‫اننا حتى اآلن ال نقدر ان نفھم الغريزة‪ ،‬وال نقدر ان نضع قواعد‬
‫عامة ونحن مطمئنون على اساس معرفة ناقصة‪ ،‬والى أن نملك كل‬
‫حاسة كسبتھا الكائنات الحية‪ ،‬فاننا سنبقى عاجزين عن ادراك‬
‫االرتباط الحقيقي الذي بين قوانين الطبيعة‪ ،‬وسنظل نبحث في‬
‫الالنھائية يفھم جزئي‪.‬‬
‫ان التطور الروحي لإلنسان ھو اآلن في البداية‪ .‬والقبس االلھي قد‬
‫بدأ يسيطر في بطء على عقله المادي‪ .‬واخطاء االنسان‪ ،‬التي تصل‬
‫‪72‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫به إلى ھالك نفسه بيده‪ ،‬إنما ھي مآسي طفولته‪ .‬وزماننا إذا قيس‬
‫باألزلية الماضية واألبدية المستقبلة ال يزيد على دقة الساعة‪ ،‬غير‬
‫ان الروح التي بنا‪ ،‬ھي ملك لھذه وتلك‪.‬‬
‫ونحن إذا فكرنا في الفضاء الذي ال يفتأ يمتد أمامنا‪ ،‬وفي الزمن‬
‫الذي ال بداية له وال نھاية‪ ،‬وفي الطاقة المقيدة والمحبوسة في الذرة‪،‬‬
‫وفي الكون الذي ال حد له بعوامله التي ال تحصى ونجومه التي ال‬
‫تعد‪ ،‬وفي االھتزازات التي نسمھا بالضوء والحرارة والكھرباء‬
‫والمغناطيسية‪ ،‬وفي النشاط المستمر للنجوم‪ ،‬وفي الجاذبية وسيطرة‬
‫القوانين الطبيعية على العالم‪ ،‬إذا فكرنا في ذلك كله‪ ،‬أدركنا أننا ال‬
‫نعرف في الحق إال قليل‪ .‬فالى أي حد يجب ان يتقدم االنسان حتى‬
‫يدرك تماما وجود الخالق االعلى‪ ،‬ويحاول ان يرتفع إلى اعلى ما‬
‫يستطيع بلوغه من الفھم‪ ،‬دون ان يحاول تفسير حكمة ﷲ ومقاصده‬
‫أو بصف الصفات التي له تعالى؟‬

‫‪73‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺘﺎﺳﻊ‬
‫تطور العقل‬
‫مما يدعو إلى أشد العجب انه في أنواع الحياة الحيوانية التي ال‬
‫تحصى – سواء أبقيت الحيوانات ام انقرضت – لسنا نجد عندھا أي‬
‫مظھر للعقل‪ ،‬ولكنا نجد الغرائز وحدھا حتى نصل إلى االنسان‪،‬‬
‫فتراه قد استأثر بالعقل وحده‪.‬‬
‫ان أي حيوان لم يسجل لنفسه قدرة على تربيع حجر‪ ،‬أو العد لغاية‬
‫عشرة‪ ،‬أو فھم معنى عشرة!‬
‫في خليج الخلق‪ ،‬قد اتيح لكثير من المخلوقات ان تبدى درجة عالية‬
‫من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما ال ندري‪ .‬فالزنبور مثال‬
‫يصيد الجندب )النطاط( ويحفر حفرة في األرض‪ ،‬ويحز الجندب في‬
‫الكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه‪ ،‬ولكنه يعيش كنوع من اللحم‬
‫المحفوظ‪ .‬وانثى )الزنبور( تضع بيضا في المكان المناسب بالضبط‪،‬‬
‫ولعلھا ال تدري أن صغارھا حين تفقس يمكنھا ان تتغذى دون ان‬
‫تقتل الحشرة التي ھي غذاؤھا فيكون ذلك خطرا على وجودھا‪ ،‬وال‬
‫بد ان )الزنبور( قد فعل ذلك من البداية وكرره دائما‪ ،‬واال ما بقيت‬
‫زنابير على وجه األرض‪ .‬والعلم ال يجد تفسيرا لھذه الظاھرة‬
‫الخفية‪ ،‬ولكنھا مع ذلك ال يمكن ان تنسب إلى المصادفة!‬
‫ان أنثى )الزنبور( تغطي حفرة في األرض‪ ،‬وترحل فرحا‪ ،‬ثم‬
‫تموت‪ .‬فال ھي وال أسالفھا قد فكرن في ھذه العملية‪ ،‬وال ھي تعلم‬
‫ماذا يحدث لصغارھا‪ ،‬أو ان ھناك شيئا يسمى صغارا‪ ..‬بل انھا ال‬
‫تدري انھا عاشت وعملت لحفظ نوعھا‪.‬‬
‫والنحل والنمل يبدو انھا تدرك كيف تنظم وتحكم نفسھا‪ ،‬فلھا‬
‫جنودھا‪ ،‬وعمالھا‪ ،‬وعبيدھا‪ ،‬ويعاسيھا]‪ .[13‬ولكنك إذا التقطت‬
‫‪74‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫قطعة كھرمان على شاطئ البلطيق‪ ،‬فقد تجد بھا نملة محبوسة منذ‬
‫دھور ال تعد‪ .‬وستجدھا نسخة طبق االصل من النمل الموجود االن‪.‬‬
‫فھل وقف التطور عن سيره حين طوبق بين النملة وبيئتھا في‬
‫الطبيعة؟ وھل كان ذھن النملة الصغيرة‪ ،‬اداة أشد ضالة من أن‬
‫تضطلع بغرض أكبر‪ ،‬ال شك ان النملة بوصفھا اصبحت حشرة‬
‫اجتماعية‪ ،‬قد تعلمت الكثير‪ ،‬ويبدو انھا تطبق النظرية العجيبة القائلة‬
‫)أعظم خير ألكثر عدد(‪ ،‬وانھا تضل بھا إلى نھايتھا المنطقية‪ ،‬كما‬
‫فعل بعض أھإلى الھند الشرقية من الجيل األخير‪.‬‬
‫وفي بعض أنواع النمل‪ ،‬ياتي العملة منه بحبوب صغيرة الطعام‬
‫غيرھا من النمل من خالل فصل الشتاء‪ .‬وينشئ النمل ما ھو‬
‫معروف )بمخزن الطحن(‪ ،‬وفيه يقوم النمل الذي اوتي أفكاكا كبيرة‬
‫معدة للطحن‪ ،‬باعداد الطعام للمستعمرة‪ ،‬وھذا ھو شاغلھا الوحيد‪.‬‬
‫وحين ياتي الخريف‪ ،‬وتكون الحبوب كلھا قد طحنت‪ ،‬فان )أعظم‬
‫خير ألكبر عدد( يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام‪ ،‬وما دام الجيل‬
‫الجديد سينتظم كثيرا من النمل الطحان‪ ،‬فان جنود النمل ثقتل النمل‬
‫الطاحن الموجود‪ ،‬ولعلھا ترضى ضميرھا الحشري بان ذلك النمل‬
‫قد نال جزاءه الكافي إذا كانت له الفرصة االولى في االفادة من‬
‫الغذاء اثناء طحنه‪.‬‬
‫وھناك انواع من النمل تدفعھا الغريزة أو التفكير )واختر منھا ما‬
‫يحلو لك(‪ ،‬إلى زرع اعشاش للطعام فيما يمكن تسمية )بحدائق‬
‫االعشاش( وتصيد انواعا معينة من الدود واألرق أو اليرق]‪.[14‬‬
‫فھذه المخلوقات ھي بقر النمل وعنزاتھا‪ ،‬ومنھا ياخذ النمل افرازات‬
‫معينة تشبه العسل ليكون طعاما لھا‪.‬‬
‫والنمل يأسر طوائف منه ويسترقھا‪ .‬وبعض النمل حين يصنع‬
‫أعشاشه‪ ،‬يقطع األوراق مطابقة للحجم المطلوب‪ ،‬وبينما يضع بعض‬
‫عملة النمل االطراف في مكانھا‪ ،‬تستخدم صغارھا – التي وھي في‬
‫‪75‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫الطور اليرقي تقدر ان تعزل الحرير – لحياكتھا معا‪ .‬وربما حرم‬
‫طفل النمل فرصة عمل شرنقة لنفسه ولكنه قد خدم الجماعة‪.‬‬
‫فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منھا النملة‪ ،‬ان تقوم بھذه‬
‫العمليات المعقدة؟‬
‫ال شك ان ھناك خالقا أرشدھا إلى كل ذلك‪.‬‬
‫ان اإلنسان وحده ھو الذي أوتي عقال بلغ من التطور انه يستطيع ان‬
‫يفكر به تفكرا عاليا‪ .‬والغريزة ليست إال كنغمة واحدة من الناي‪.‬‬
‫نغمة جميلة ولكنھا محدودة‪ .‬في حين ان العقل البشري يحتوي كل‬
‫االنغام التي لكل اآلالت الموسيقية في أوركسترا‪ .‬واإلنسان يمكنه ان‬
‫يوفق بين تلك األنغام جميعھا‪ ،‬وان يقدم للعالم قطعا موسيقية متحدة‬
‫النغم )سيمفونيات( تدنو من االعجاز‪ .‬إلى ان خلق االنسان‪ ،‬لم‬
‫تخرج العناية االلھية كائنا حيا من بين الصخور الفطرية‪ ،‬وله عقل‬
‫مرن كعقل االنسان‪ .‬واالن يمكننا ان نتصور امكان تلقي اإلنسان‬
‫قبسا من نور ﷲ يجعله سيداً على األرض‪ ،‬عجيبا في مقدرته‪ ،‬باقيا‬
‫في مصيره‬
‫ان التطور البد له‪ ،‬طبقا لكل قانون من قوانين الطبيعة‪ ،‬والكيميا‪،‬‬
‫من ان يقصر اقصى حدوده على أكثر ما يمكن من المطابقة البيئة‪.‬‬
‫يقال ان جمال ريش أحد الطيور انما ھو اظھار للجاذبية الجنسية‪،‬‬
‫وبذا يمكن تفسيره‪ ،‬ولكن الرسم الجميل ليس ضروريا ً لوجود‬
‫االنسان‪ ،‬وان تكن المرأة الجميلة الزمة لھذا الوجود‪ ..‬ان المادة‪،‬‬
‫كالذرات والصخور والماء‪ ،‬قد تتحد‪ ،‬واذا نفخت فيھا الحياة‪ ،‬فقد‬
‫تتطور إلى انسان‪ .‬ولكن ايمكن ھذه العناصر‪ ،‬بعد إذ أتمت المطابقة‬
‫الكاملة للبيئة الطبيعية‪ ،‬ان تقطع مرحلة اخرى‪ ،‬وتنتج رجال موسيقيا‬
‫يستطيع ان يكتب األنغام الموسيقية )النوتات( على الورق‪ ،‬ويسجل‬
‫تناسقھا البديع‪ ،‬ويصنع بيانو‪ ،‬ويخلب الباب الجمھور المستمع‪ ،‬ويدع‬
‫‪76‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫موسيقاه تسجل على أقراص من البالستيك‪ ،‬وتذاع حول العالم عن‬
‫طريق وسيط يسمى )األثير( وال تعرف الذرات شيئا عنه سوى انھا‬
‫توجد فيه أو بوساطته؟‬
‫ان بعض أنواع الحيوانات تتعاون في جھودھا‪ ،‬فھي التصطاد إال‬
‫في جماعات‪ ،‬وھي تجمع غذاءھا وتخزنه للمستقبل‪ ،‬وھي تضاعف‬
‫جھودھا الفردية بطرق شتى بفضل العمل المشترك‪ ،‬ولكنھا ال يبدو‬
‫انھا تخطو خطوة واحدة بعد ذلك‪.‬‬
‫أما اإلنسان فانه من جھة أخرى قد شيد االھرام بمضاعفة القوة‬
‫الفردية‪ ،‬ولكنه كذلك اكتشف الرافعة والطنبور‪ ،‬والعجلة‪ ،‬والنار‪.‬‬
‫وقد جعل حيوانات الحمل مستأنسة‪ ،‬وأضاف اليھا عجلته‪ ،‬وبذا أطال‬
‫في ساقيه‪ ،‬وقوى من ظھره‪ .‬وقد تغلب على قوة سقوط الماء‪ ،‬وتحكم‬
‫في البخار والغاز‪ ،‬والكھربا‪ ،‬وحول العمل اليدوي إلى مجرد‬
‫السيطرة على االجھزة الميكانيكية التي ھي من مستحدثات عقله‪.‬‬
‫وھو في انتقاله من مكان إلى مكان‪ ،‬قد فاق الظبي في سرعته‪،‬‬
‫وحين ركب اجنحة لعربته‪ ،‬قد سبق الطيور في طيرانھا‪ ،‬فھل حدث‬
‫ذلك كله عن طريق تفاعل في المادة وقع مصادفة؟‬
‫والجمال يبدو مالزما ً للطبيعة‪ ،‬وجمال السحب‪ ،‬وقوس قزح‪،‬‬
‫والسماء الزرقاء‪ ،‬والبھجة الرائعة التي تمال نفس الناظر إلى‬
‫النجوم‪ ،‬والى القمر في طلوعه‪ ،‬والشمس في غروبھا‪ ،‬والى روعة‬
‫الظھر الفائقة‪ ،‬كل ذلك يھز مشاعر اإلنسان ويسحره‪.‬‬
‫وتحت الميكروسكوب تجد أصغر حيوان وأدق زھرة‪ ،‬تزينھا‬
‫خطوط من الجمال محكمة الصنع‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والخطوط البلورية التي للعناصر والمركبات‪ ،‬من ندفة الثلج إلى‬
‫االشكال األصغر منھا‪ ،‬إلى ما ال نھاية‪ ،‬ھي مصادفة لدرجة‬
‫مدھشة‪ ،‬حتى ان الفنان ليس بوسعه إال اني يقلدھا أو يجمعھا معا‪.‬‬
‫وكل ورقة من أوراق كل شجرة سليمة مشكلة في أكمل شكل‪،‬‬
‫وتخطيط كل نبات يعمل بصفة فردية‪ ،‬وبخطوط فن أصيل‪،‬‬
‫واالزھار مشكلة برشاقة وبتنظيمات كاملة‪ ،‬وتخطيطھا وفق‬
‫تصميمات صحيحة‪ ،‬والوانھا موزعة بشكل مدھش‪ ،‬ومن النادر‪ ،‬ان‬
‫لم يكن من المحال‪ ،‬ان تختلط معا ً‪.‬‬
‫والحيوان الكامل ھو شيء جميل‪ ،‬وحركاته مملوءة بالسھولة‬
‫والرشاقة‪ .‬وحينما تطور مخلوق عن طريق المطابقة الضرورية‬
‫البيئة والوقاية‪ ،‬وبدا غير متناسب الشكل‪ ،‬فانه يبدو فريدا في نوعه‬
‫حتى ليحسبه الناظر اليه تعبيرا فنيا عن احدى المضاحك‪.‬‬
‫ان الوادي االخضر‪ ،‬والنھر واالشجار الباسقة‪ ،‬والصخور‪ ،‬والجبال‬
‫التي يجلل قممھا الثلج – كل أوالء تحدث في النفس اثرا عميقا ً‪ .‬وان‬
‫اإلنسان ليستمد البھجة من رؤية كثبان الرمال الفسيحة الممتدة في‬
‫الصحراء‪.‬‬
‫وان التتابع الفاخر ألمواج المحيط‪ ،‬وتالطمھا على أرض الشاطئ‪،‬‬
‫وتحليق الطيور في الجو‪ .‬سواء فوق البحر أو على طول الشاطئ أو‬
‫في الغابة مع ألوانھا المكيفة‪ ،‬كل اوالء تتحدى من له عين يرى بھا‪،‬‬
‫وعقل يقدر به‪.‬‬
‫وان حركات السمك‪ ،‬وتموجات حشائش البحر في نعومة تحت‬
‫سطحه‪ ،‬لتمأل نفس اإلنسان بشعور من اإلنسجام يستجيب إلى‬
‫تشوقه‪.‬‬
‫‪78‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والطبيعة إذا لم تنلھا يد النشوية‪ ،‬تبدو كأنھا أعدت لكي تستدر اسمى‬
‫الشعور في نفوسنا‪ ،‬وتلھمنا االعجاب بصنع الخالق الذي وھبنا نعمة‬
‫الجمال‪ ،‬تلك التي ال يدركھا بكل كمالھا غير االنسان! والجمال ھو‬
‫الذي يرفع اإلنسان وحده إلى مرتبة يكون فيھا اقرب إلى ﷲ‪.‬‬
‫ويبدو ان )الغاية( جوھرية في جميع األشياء‪ ،‬من القوانين التي تحكم‬
‫الكون‪ ،‬إلى تركيبات الذرة التي تدھم حياتنا‪ ،‬واذا لم يكن التطور من‬
‫غرض سوى اعداد أساس مادي لتلقي الروح‪ ،‬فان ھذه غاية مدھشة‬
‫في حد ذاتھا‪.‬‬
‫واذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لكل االشياء‪ ،‬واذا آمنا بان‬
‫اإلنسان ھو أھم مظھر لتلك الغاية‪ ،‬فان االعتقاد العلمي بان جسم‬
‫اإلنسان وجھاز مخه ماديان‪ ،‬قد يكون سليما‪ .‬فان الذرات والھباءات‬
‫في المخلوقات الحية تفعل افعاال مدھشة‪ ،‬وتبني اجھزة عجيبة‪ ،‬ولكن‬
‫ھذه األدوات عديمة النفع ما لم يحركھا العقل حركات ذات غرض‪.‬‬
‫فھناك اذن خالق الكون ال يرقى اليه تفسير العلم‪ ،‬وال يقدر ان ينسبه‬
‫إلى المادة‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﻌﺎﺷﺮ‬
‫وحدات الوراثة‬
‫كل خلية – ذكرا كانت ام أنثى – تحتوي كروموزومات]‪[15‬‬
‫وجينات )وحدات الوراثة ‪ .(Genes‬والكروموزية تكون النوية‬
‫)نواة صغيرة( المعتمة التي تحتوي الجينة‪ .‬والجينات ھي العامل‬
‫الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي او انسان‪.‬‬
‫والسيتوبالزم]‪ [16‬ھي تلك التركيبات الكيموية العجيبة التي تحيط‬
‫باالثنتين‪ .‬وتبلغ )الجينات( )وحدات الوراثة( من الدقة انھا – وھي‬
‫المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعا التي على سطح األرض من‬
‫حيث خصائصھا الفردية واحوالھا النفسية وألوانھا وأجناسھا – لو‬
‫جمعت كلھا ووضعت في مكان واحد‪ ،‬لكان حجمھا أقل من حجم‬
‫)الكستبان(‪.‬‬
‫وھذه الجينات الميكروسكوبية البالغة الدقة ھي المفاتيح المطلقة‬
‫لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات‪.‬‬
‫و )الكستبان( الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر‪.‬‬
‫ھو بال ريب مكان صغير الحجم‪ .‬ومع ذلك فان ھذه ھي الحقيقة التي‬
‫ال جدال فيھا‪ .‬فھل ھذه الجينات والسيتوبالزمات تحبس كل الصفات‬
‫المتوارثة العادية لجمع من األسالف‪ ،‬وتحتفظ بنفسية كل فرد منھم‪،‬‬
‫في مثل تلك المساحة الضئيلة؟ وما ھو المحبوس ھناك؟ كتاب‬
‫تعليمات؟ صف من الذرات؟‬
‫ان الجنين ‪ embryo‬وھو يخلص في تطوير التدريجي من النطفة‬
‫)البروتوبالزم( إلى الشبه الجنسي‪ ،‬انما يقص تارخا مسجال‪ ،‬قد‬
‫حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبالزم‪ ،‬حتى ان‬
‫‪80‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫األم التي غذت الجنين منذ حملت به ليس لھا كبير نفوذ‪ ،‬ألن‬
‫الجينات ھي التي تقرر‪ :‬ھل الطفل سيشبه أباه أو امه؟ وليس ھناك‬
‫دليل على ان ھذا الشبه تقرره البيئة السابقة للوالدة‪ ،‬والتطور يحتاج‬
‫عادة إلى فترات طويلة من الزمن حتى يستقر كل تغيير‪ .‬انما عملية‬
‫يراد منھا العمل على بقاء الجنس وتشابھه‪ .‬وھو يصل إلى درجة‬
‫الكمال بحلول الروح‪ .‬والخالق عزوجل قد رتب ذلك ونظمه‪ ،‬فھو ال‬
‫يسرع بھذه العملية الن اإلنسان ال يفھمھا أو النه خلق عجوال‪.‬‬
‫والتطورات الجديدة تتوقف على الخواص الموجودة وعلى وجود‬
‫بيئة مالئمة‪ .‬فالمصادفة والحادث اذن ليس لھما سوى قليل دخل في‬
‫التطور‪ ،‬إال من حيث االختالفات التي بين الوالدين‪ ،‬التي تحد‬
‫بالفوارق التي تورث وقتئذ‪.‬‬
‫وانت اذا بدأت بفراشة‪ ،‬فانك لم تحل على يسروع ‪.caterpillar‬‬
‫واليسروع ياكل بنھم وينمو حتى ينضج‪ ،‬ثم يلف نفسه براحة في‬
‫رداء بعضه من الحرير‪ ،‬ويصبح شرنقة‪ .‬ومعظم انسجة الجسم‬
‫تنحل إلى خاليا وتصبح مزيجا‪ .‬ولم يكتشف أي شخص قام بتحليلھا‬
‫ان جزءا منھا مختلف عن االخر‪ ،‬كما انه ال يقدر ان يفرق بين ھذا‬
‫المزيج‪ .‬وفي الوقت المناسب تبحث كل خلية في الشرنقة عن صلتھا‬
‫المناسبة‪ ،‬وتتحول الشرنقة إلى مخلوق جديد ذي حياة‪ ،‬وله كل‬
‫االعضاء الطبيعية الالزمة للوجود‪ ،‬وله القدرة على ان ينتج من‬
‫جديد نصف الطبيعة المعقدة ليعسوب جديد‪ ،‬وفي الوقت المناسب‬
‫تنفتح الشرنقة‪ ،‬فياتي إلى العالم مخلوق بديع يعرف باسم )الفراشة(‪،‬‬
‫وأجنحتھا الرقيقة مصنوعة من انابيب تصب فيھا دمھا‪ .‬وينتفخ‬
‫الجناح ويصح أداة للطيران‪ .‬وحين تطير الفراشة في الھواء لكل‬
‫ألوانھا الباھرة ترى بالميكروسكوب ان اجنحتھا مغطاة بقشرة تشبه‬
‫الريش وان كل بقعة حمراء أو سمراء أو خضراء‪ ،‬اوصفراء‪ ،‬ھي‬
‫في مثل المكان الذي كانت فيه على الفراشة االصلية‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وترقيطھا بشبه ترقيط ابويھا من كل الوجوه‪ ،‬إلى حد ميكروسكوبي‬
‫تقريبا ً‪.‬‬
‫فما ھي قوة التوجيه ھذه التي )للجينات(؟ انھا تتحكم في الخاليا‪،‬‬
‫والخاليا تطيعھا مثل طاعة الجند لرؤسائھم‪ .‬والنتيجة تكون صحيحة‬
‫من حيث التناسخ التفصيلي العام مثل حل مسألة حسابية‪.‬‬
‫واللون يقال عنه انه ناشئ من كون مواد معينة تتشرب كل االشعة‬
‫من أطوال موجة معينة‪ ،‬تاركة الباقي لينعكس‪ ،‬وموجات الضوء‬
‫ھي كبيرة جدا نسبيا‪ ،‬النھا تجري من ثالثة وثالثين ألفا إلى ستة‬
‫وثالثين ألفا من البوصة الواحدة‪ ،‬في حين ان الموجات األخرى أو‬
‫األشعة تجري من أميال للراديو إلى عشرة ماليين أو أكثر من‬
‫البوصة لألشعة فوف البنفسجية‪.‬‬
‫وال ندري ماذا نكتشف بعدئذ في المستقبل‪ .‬وھناك فراشات معينة في‬
‫المناطق الحارة اجنحتھا مغطاة بقشر مكون بعضه من ألواح جد‬
‫رقيقة من مادة شفافة‪ .‬وينفذ الضوء وينعكس بلون أزرق جميل كما‬
‫قد تراه أحيانا بين ألوان عين الھر]‪ [17‬ولو حدث تغيير بمقدار جزء‬
‫من عشرة آالف جزء من البوصة‪ ،‬في سمك غشاء الجناح الذي‬
‫للفراشة‪ ،‬لتغيير ذلك الضوء أو ذھب كلية‪ .‬ان )الجينات( ترتب‬
‫االمور‪ ،‬بحيث ال يحدث تغيير على مدى الف جيل!‬
‫ويستطيع اإلنسان ان يغير )الجينات( باستخدام الراديوم واالشعة‬
‫االخرى‪ ،‬وياتي ذلك بذباب عديم االجنحة ونمل مشوه‪ ،‬وشواذ‬
‫مدھشة عديدة‪ ،‬وقد يستطيع العلماء يوما ما ان يحسنوا من صنع‬
‫الطبيعة‪ ،‬ولكنھم حتى يتم لھم ذلك‪ ،‬يكسبون معرفة قيمة‪ ،‬تؤدي إلى‬
‫تقدم علوم االحياء‪ ،‬والطب‪ ،‬والطبيعة‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ومن المعروف اآلن ان الحياة كلھا تاتي من خلية واحدة‪ ،‬وليس ثمة‬
‫من دليل يؤيد ايه نتيجة اخرى‪ .‬ويالحظ ان جميع طوائف الكائنات‬
‫الحية منفصل بعضھا عن بعض بھوات سحيقة ال يمكن عبورھا‪.‬‬
‫حتى ان الحيوانات المقاربة ينفصل بعضھا عن بعض كذلك‪ ،‬وكثير‬
‫منھا ال تلبث ان تفقد القدرة على التھجين معا‪ .‬فمثال نسل الحمار‬
‫والمھر ھو بغل‪ ،‬ولكن ال يمكن ان توجد ساللة البغل‪ .‬وكلما رجعنا‬
‫إلى المنبع االصلي للحياة نجد المواءمة مع البيئة أعم‪ ،‬حتى ليمكننا‬
‫ان نتصور على االقل‪ ،‬زمنا كانت فيه القدرة على مطابقة البيئة‬
‫كاملة‪ ،‬وكانت االرض كما ھي اآلن لدرجة كبيرة‪ ،‬مأھولة بكائنات‬
‫حية )كل منھا من نوعه(‪..‬‬
‫ان السمك اللزيق ‪ clam‬والدول )األخطبوط( ‪ octapus‬ھما من‬
‫الحيوانات الرخوة )الھالمية(‪ ،‬ولكن انفصالھما بالمطابقة الموائمة‬
‫ھو إلى حد يصعب تصديقه‪.‬‬
‫ولما كانت ھذه االنفصاالت قد حدثت في بدايات الحياة فان كل‬
‫مخلوق قد زاد مخصصه تدريجا‪ ،‬وفقد القدرة على العودة وعلى‬
‫سرعة تكييف نفسه من جديد‪ .‬ونظرا إلى ازدياد عدم المرونة‪،‬‬
‫اصبح كثير من السالالت مندثراً‪ ،‬في حين بقيت الحياة بوجه عام‬
‫ممكنة لغيرھا‪.‬‬
‫واإلنسان حيوان من رتبة الطليعة‪ ،‬وتكوينه يشبه تكوين فصائل‬
‫السيميا]‪ .[18‬ولكن ھذا الشبه الھيكلي ليس بالضرورة برھانا على‬
‫اننا من نسل أسالف سيميائية )من القرود(‪ ،‬أو ان تلك القرود ھي‬
‫ذرية منحطة لالنسان‪ .‬وال يستطيع أحد ان يزعم ان سمك القد ‪cod‬‬
‫قد تطور من سمك الحساس ‪ haddock‬وان يكن كالھما يسكن‬
‫المياه نفسھا‪ ،‬ويأكل الطعام نفسه‪ ،‬ولھما عظام تكاد تكون متشابھة‪.‬‬
‫وانما يعني ذلك ببساطة انه في وقت ما عند بداية التكييف كانت‬
‫ھناك ضرورة متوازنة لتنظيم كل من النوعين‪.‬‬
‫‪83‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ان العلم يشير إلى ابھام يد اإلنسان وقدرتھا على االمساك بالعدد‬
‫واالسلحة‪ ،‬ويعد ذلك أصال لتقدم االنسان‪ ،‬وان ابھام القرد التي ال‬
‫نفع لھا‪ ،‬لھي برھان قاطع على ان ابھام اإلنسان ال يمكن ان تكون‬
‫قد جاءت من ابھام قرود )السيميا( التي تعيش على االشجار‪ ،‬تلك‬
‫االبھام المخصصة لھذه العيشة‪ ،‬ذلك الن الطبيعة ال تعيد أبدا تيسيرا‬
‫قد فقد‪ ،‬والحصان الذي يجري اآلن على اصبع شديدة التخصص‪ ،‬ال‬
‫يمكنه ابدا ان يستعيد تلك االصابع التي فقدھا على كر الزمن‪ .‬على‬
‫اننا ال ينبغي لنا ان نشغل انفسنا بشكل جدي أكثر من الالزم‪ ،‬بما‬
‫حدث السالفنا منذ مليوني جيل على االقل‪ .‬ومع ھذا يبدو ان البحث‬
‫عن )الحلقة المفقودة( سوف يتضح عبثه‪..‬‬
‫ان التھجين قد يبدو في الظاھر كخلق جديد قد تطور عن قصد‪ ،‬مثل‬
‫الكلب السلوقي والكلب البكيني ‪ PEKINESE‬والكلب الصغير‬
‫االفطس األنف )بج ‪ ،(pug‬وانھا كلھا كالب‪ ،‬واذا ربيت بعناية تبقى‬
‫على صفاتھا المكتسبة‪ ،‬فانھا ستظل كماھي االن‪ .‬ولكنھا لو عادت‬
‫إلى حالة الطبيعة‪ ،‬فان ھذه الكالب التي عنى بتربيتھا تعود في‬
‫النھاية إلى فصيلتھا األصلية‪ ،‬وربما كان اصلھا ذئبا‪ ،‬غير انھا إذا‬
‫كيفت تكييفا جيدا على البيئة التي وجدت فيھا نفسھا‪ ،‬ولم يتح لھا‬
‫التھجين‪ ،‬فانھا قد تبقى كنوع جديد من الكالب‪.‬‬
‫وقد ربى الحمام بقصد احداث سالالت جديدة منه‪ ،‬وربما حدث ذلك‬
‫منذ بدء التاريخ‪ .‬فمنه الحمام الذي له ذيل كالمروحة ‪،fantails‬‬
‫والحمام الھزاز‪ ،‬وھناك فلتات وربما شواذ‪ ،‬ولكن )الجينات( تنتظر‬
‫كامنة في ھدوء لتعيدھا إلى طرازھا االول‪ .‬ويمكنك ان تراھا في‬
‫طريق عودتھا إلى اصلھا‪ .‬في أي شارع باحدى المدن‪ ،‬إذ تلحظ بھا‬
‫التخطيط المتشابه‪ .‬والميل العام إلى اإلنسجام النھائي في اللون‪ .‬واننا‬
‫نكره الھجين )اليزرمبط( بغرائزنا‪ ،‬ونشمئز من رؤية بقرة ذات‬
‫خمس أرجل‪ ،‬أو ذات راسين‪ ،‬ولكنا نعجب بالرجل الوسيم‪ ،‬إال إذا‬
‫‪84‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫كانت تنقصه االخالق‪ ،‬وبالمرأة الجميلة‪ ،‬ولكن احب الناس الينا ھي‬
‫االم المتفانية في أبنائھا‪.‬‬
‫ان )الجينات( جزء من خاليا الوراثة‪ ،‬غير ان خاليا الوراثة ال‬
‫تشترك في التكوين العام للجسم‪ ،‬ولكنھا منعزلة وال تسھم في أي‬
‫وجه من وجوه النشاط األقل اھمية التي تقوم بھا الكائنات الحية‪ .‬ان‬
‫ھذه الخاليا تحفظ الشبه الكامل للنوع‪ .‬ويبدو انھا ال تتاثر بمسلك‬
‫الوالدين‪ ،‬إال ان سوء الخلق‪ ،‬أو المرض‪ ،‬أو الحوادث‪ ،‬قد تمدھا‬
‫بمواد جد فقيرة لتشتغل بھا‪ .‬ان الوالدين القويين‪ ،‬قد ينسالن اطفاال‬
‫أقوياء‪ ،‬ولكن ذلك النه كان كان ھناك اسالف أقوياء‪ .‬ان الوالدين قد‬
‫يمنحان طفلھما معبدا طبيعيا ليعيش فيه‪ ،‬أو قد يھانه )مباءة( ال‬
‫تصلح مكانا لنفس خالدة‪ ،‬ان االبوة واالمومة ھما أعظم تبعة تقع‬
‫على عاتق االنسان!‬
‫والرجال ال تنمو لحاھم أقصل من قبل‪ ،‬النھم يحلقونھا‪ ،‬والقطط التي‬
‫بال ذيول في جزيرة )مان( لم تتطور ھكذا ھناك الن احدا قد قطع‬
‫ذيل قطة‪ ،‬كال‪ ،‬بل ان )جنية( ما ‪ ، gene‬خاصة بالذيل‪ ،‬قد فقدتھا‬
‫تلك القطط‪ .‬ولكن على الرغم من ھذه الكارثة‪ ،‬فان القطط الالحقة قد‬
‫نشأت صحيحة دون تلك )الجينة(‪.‬‬
‫ان البيئة تحدث بالفعل تغييرات بطيئة في وجوه النشاط المناسبة‬
‫)بالجينة(‪ ،‬واذا كان التغيير لصالح‪ ،‬فان تلك التعديالت تستمر‪ ،‬واال‬
‫فان المخلوق الذي اعتراه التغيير يبعد‪ ،‬النه غير صالح لمالقاة‬
‫الظروف‪ .‬ان الكلب المكسيكي الحإلى من الشعر قد ينشأ صحيحا ً في‬
‫المنطقة المتجمدة‪ ،‬ولكن نسله سوف يموت من البرد‪.‬‬
‫ان القائلين بنظرية التطور )النشوء واالرتقاء( لم يكونوا يعلمون‬
‫شيئا عن وحدات الوراثة )الجينات(‪ ،‬وقد وقفوا في مكانھم حيث يبدأ‬
‫‪85‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫التطور حقا‪ ،‬اعني عند الخلية‪ ،‬ذلك اليكان الذي يحتوي الجينات‬
‫ويحملھا‪.‬‬
‫لقد حل إلى االبد لغز ايھما جاء قبل اآلخر‪:‬الدجاجة ام البيضة؟ انه‬
‫لم يكن ھذه وال تلك بل جاءت قبلھما خلية اولية‪ .‬والبيضة ليست إال‬
‫مجرد غذاء للجنين‪ .‬وھي تحتوي تلك الخلية الفريدة التي لقيت‬
‫عشيرھا‪ .‬وحين تتحد )الجنيات( التي بالخاليا‪ ،‬وتنقسم‪ ،‬فان ھذه‬
‫الجينات مع )السيتوبالزم( ترغم اآلن على انتاج دجاجة تضع بيضة‬
‫اخرى‪.‬‬
‫والمادة على ھذا الشكل‪ ،‬ال غاية لھا‪ ،‬فليس لھا غرض حتى في‬
‫طاعتھا الظاھرة للقانون‪ ،‬ولكن الحياة في كل مادة منظمة لھا‬
‫غرض محدود‪ :‬ھو تكوين شجرة‪ ،‬أو كرمة عنب أو فيل‪ ،‬أو انسان‪،‬‬
‫في اتفاق تام مع خطة مرسومة محدودة بالجينات‪.‬‬
‫والحياة ترغم على التناسل‪ ،‬لكي يبقى النوع‪ ،‬وھو دافع بلغ من القوة‬
‫ان كل مخلوق يبذل اقصى تضحية في سبيل ھذا الغرض‪ :‬ففي‬
‫بعض االنواع‪ ،‬كذباب مايو مثال‪ ،‬تموت افراد كثيرة لفورھا حين تتم‬
‫ھذه المھمة‪ .‬وھذه القوة االلزامية ال توجد حيث ال توجد الحياة‪ .‬فمن‬
‫اين تنشأ ھذه الدوافع القاھرة؟ ولماذا‪ ،‬بعد ان نشأت‪ ،‬تستمر ماليين‬
‫السنين؟ انه قانون الطبيعة الحية‪ ،‬الذي يبلغ من القوة مبلغ تلك‬
‫التركيبات الكيموية‪ ..‬انه ياتي من ارادة الخالق‪..‬‬
‫ان الخالفات الجوھرية القائمة بين جميع المواد العنصرية التي المنا‬
‫االرض‪ .‬وبين الكائنات ذات الحياة‪ ،‬ھي انه بينما جميع العناصر قد‬
‫تتحد‪ ،‬وتتبلور‪ ،‬وتتغير في المظھر‪ ،‬ال يوجد أي تغيير في الذرات‪،‬‬
‫وال عالقة محسوسة بينھا‪ .‬بل على العكس نجد الكائنات الحية تنظم‬
‫كل العناصر في عدة تركيبات جديدة‪ ،‬لكل منھا مجال للنشاط‪ ،‬وكلھا‬
‫‪86‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫تتنافس معا في جھودھا لحفظ تلك الصالت الحية‪ .‬وھذا التعاون‬
‫الكامن الجاد يمتنع تماما إال حيث توجد الحياة‪.‬‬
‫وھو لم يقدر حق قدره مع انه قانون ال يقل عن قانون الجاذبية‪ ،‬وال‬
‫بد انه نبع من نفس المنبع‪ .‬ان مثل ھذه القوانين ھو جزء من مشيئة‬
‫ﷲ تعالى‪ ،‬وليس انبعاثا من الفوضى!‬
‫لقد رأينا أن )الجينات( متفق على كونھا تنظيمات اصغر من‬
‫الميكروسكوبية للذرات‪ ،‬في خاليا الوراثة بجميع الكائنات الحية‪.‬‬
‫وھي تحفظ التصميم‪ ،‬وسجل السلف‪ ،‬والخواص التي لكل شيء حي‪.‬‬
‫وھي تتحكم تفصيال في الجذر والجذع والورق والزھر والثمر‪ ،‬لكل‬
‫نبات‪ ،‬تماما كما تقرر الشكل‪ ،‬والقشر‪ ،‬والشعر‪ ،‬واالجنحة لكل‬
‫حيوان بما فيه االنسان‪.‬‬
‫ان جوزة البلوط تسقط على االرض‪ ،‬فتحفظھا قشرتھا السمراء‬
‫الجامدة‪ ،‬وتندحرج في حفرة ما في االرض‪ .‬وفي الربيع تستيقظ‬
‫الجرثومة‪ ،‬فتنفجر القشرة‪ ،‬ويزود الطعام من اللب الشبيه بالبيضة‬
‫الذي اختفت فيه )الجينات(‪ :‬وھي تمد الجذور في األرض‪ ،‬واذا بلت‬
‫ترى فرخا أو شتلة )شجيرة(‪ .‬وبعد سنوات شجرة! وان الجرثومة‬
‫بما فيھا من )جينات( قد تضاعفت ماليين الماليين‪ .‬فصنعت الجذع‬
‫والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة‪ ،‬مماثلة لتلك التي لشجرة البلوط التي‬
‫تولدت عنھا‪ .‬وفي خالل مئات السنين قد بقي في ثمار البلوط التي ال‬
‫تحصى‪ ،‬نفس ترتيب الذرات تماما ً الذي أنتج اول شجرة بلوط منذ‬
‫ماليين السنين‪.‬‬
‫لم تحمل شجرة بلوط قط قسطال )أبافروة(‪ ،‬ولم يلد أي حوت سمكة‪.‬‬
‫وحقول القمح المتماوجة ھي قمح في كل حبة من حبوبھا‪ .‬والحنطة‬
‫ھي الحنطة‪ .‬والقانون يتحكم في التنظيم الذري )بالجينات( التي‬
‫تقرر قطعا كل نوع من الحياة من البداية إلى النھاية‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫لقد قال ھيكل ‪) haeckel‬اعطني ھواء ومواد كيموية ووقتا‪ ،‬وأنا‬
‫أصنع أنسانا ً(]‪ .[19‬ولكنه اغفل وحدات الوراثة )الجينات(‪ ،‬وأغفل‬
‫الحياة نفسھا‪ .‬لقد كان عليه – لو استطاع – ان يجد وينظم الذرات‬
‫غير المرئية ووحدات الوراثة )الجينات( ويمنحھا الحياة! وحتى في‬
‫ھذه الحالة كانت النتيجة‪ ،‬بنسبة ماليين إلى واحد‪ ،‬انه كان يأتي‬
‫بوحش ال مثيل له‪ .‬ولو انه نجح في ذلك لقال ان االمر لميكن مجرد‬
‫مصادفة‪ ،‬ولكن ثمرة عقله!‪..‬‬
‫حقا ان ﷲ يخلق معجزاته بأساليب تخفي على االذھان!‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺤﺎدي ﻋﺸﺮ‬
‫أعظم معمل في العالم‬
‫لقد القت كتب في فيزيولوجيا الھضم‪ ،‬ولكن كل عام ياتي‬
‫باكتشافات جديدة‪ ،‬مدھشة في ھذا الموضوع تجعله جديدا دائما‪،‬‬
‫ونحن إذا نظرنا إلى الھضم على انه عملية في معمل كيموي‪ ،‬والى‬
‫الطعام الذي نأكله‪ ،‬على انه مواد غفل‪ ،‬فاننا ندرك توا أنه عملية‬
‫عجيبة‪ ،‬إذ يھضم تقريبا كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسھا‪.‬‬
‫فاوال نضع في ھذا المعمل أنواعا من الطعام كمادة غفل دون أي‬
‫مراعاة للمعمل نفسه‪ ،‬أو تفكير في كيفية معالجة كيميا الھضم له!‬
‫فنحن نأكل شرائح اللحم والكرنب‪ ،‬والحنطة والسمك المقلي‪،‬‬
‫وندفعھا باي قدر من الماء‪ ،‬ثم نختمھا بالخمر والخبر والفول‪ .‬وقد‬
‫نضيف إلى كل ذلك كبريتا وعسال أسود‪ ،‬كدواء في الربيع‪ .‬ومن‬
‫بين ھذا الخليط‪ ،‬تختار المعدة تلك األشياء التي ھي ذات فائدة‪ ،‬وذلك‬
‫‪88‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫بتحطيم كل صنف من الطعام إلى اجزائه الكيموية‪ ،‬دون مراعاة‬
‫للفضالت‪ ،‬وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة تصبح غذاء‬
‫لمختلف الخاليا‪ .‬وتختار اداة الھضم الجمر والكبريت واليود والحديد‬
‫وكل المواد األخرى الضرورية وتعني بعدم ضياع االجزاء‬
‫الجوھرية‪ ،‬وبامكان انتاج الھرمونات‪ ،‬وبان تكون جميع الحاجات‬
‫الحيوية للحياة حاضرة في مقادير منتظمة‪ ،‬ومستعدة لمواجھة كل‬
‫ضرورة‪ .‬وھي تخزن الدھن والمواد االحتياطية االخرى‪ ،‬للقاء كل‬
‫حالة طارئة‪ ،‬مثل الجوع‪ ،‬وتفعل ذلك كله بالرغم من تفكير اإلنسان‬
‫أو تعليله‪ .‬اننا نصب ھذه االنواع التي ال تحصى من المواد في ھذا‬
‫المعمل الكيموي‪ ،‬بصرف النظر كلية تقريبا ً عما تناوله‪ ،‬معتمدين‬
‫على ما نحسبه علمية ذاتية )اوتوماتيكي( البقائنا على الحياة‪ .‬وحين‬
‫تتحلل ھذه االطعمة‪ ،‬وتجھز من جديد‪ ،‬تقدم باستمرار إلى كل خلية‬
‫من باليين الخاليا‪ ،‬التي تبلغ من العدد اكثب من عدد الجنس‬
‫البشري كله على وجه االرض‪ .‬ويجب ان يكون التوريد إلى كل‬
‫خلية فردية مستمراً‪ ،‬واال يورد سوى تلك المواد التي تحتاج اليھا‬
‫تلك الخلية المعنية لتحويلھا إلى عظام وأظافر ولحم وشر وعينين‬
‫وأسنان كما تتلقاھا الخلية المختصة‪.‬‬
‫فھا ھنا اذن معمل كيموي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل‬
‫ابتركه ذكاء االنسان‪ ،‬وھا ھنا نظام للتوريد اعظم من أي نظام للنقل‬
‫أو التوزيع عرفه العالم‪ ،‬ويتم كل شيء فيه بمنتھى النظام! ومنذ‬
‫الطفولة إلى سن الخمسين مثال ال يخطئ ھذا المعمل خطأ ذا بال‪،‬‬
‫مع ان المواد نفسھا التي يعالجھا يمكن ان تكون بالفعل أكثر من‬
‫مليون نوع في من الجزيئات ‪ ، molecules‬وكثير منھا سام‪ ،‬وحين‬
‫تصبح قنوات التوزيع متباطئة من طول االستعمال‪ ،‬ينتابنا الضعف‬
‫واخيرا يصيبنا الكبر!‪.‬‬
‫ان الطعام االصلي حين تستوعبه كل خلية‪ ،‬ال يزال مجرد طعام‬
‫اصلي‪ .‬ثم تصبح علمية كل خلية ھي عملية احتراق وھي المسئولة‬
‫‪89‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫عن حرارة الجسم كله‪ .‬وانت اليمكنك أن تاتي احتراقا دون اشعال‪.‬‬
‫بل يجب ان توقد اوال‪ ،‬ولذا تھيء الطبيعة تركيبا ً كيمويا ً صغيرا‬
‫يشعل نارا مسيطرة عليھا الجل األوكسجين والھيدروجين والكربون‬
‫بكل طعام في كل خلية‪ .‬وبذا تنتج الدفء الالزم‪ ،‬والنتيجة – كما ھي‬
‫في كل نار – ھي بخار الماء وثاني اوكسيد الكربون والدم يحمل‬
‫ثاني اوكسيد الكربون إلى الرئتين‪ ،‬وھو فيھما الشيء الوحيد الذي‬
‫يجعلك تستنشق نسمات الحياة‪ ،‬والشخص ينتج نحو رطلين من ثاني‬
‫اوكسيد الكربون في اليوم‪ ،‬ولكن ھناك عمليات مدھشة تخلصه منه‪.‬‬
‫وكل حيوان يھضم الطعام‪ ،‬ويجب ان ينال المواد الكيموية الخاصة‬
‫التي يحتاج اليھا بصفة فردية‪ .‬وحتى في ادق التفاصيل تختلف‬
‫المحتويات الكيموية في الدم‪ ،‬مثال‪ ،‬بين كل نوع وآخر‪ ،‬ومن ثم‬
‫توجد عملية تكوينية خاصة لكل نوع‪.‬‬
‫وفي حالة العدوى بجراثيم معادية‪ ،‬يحتفظ الجھاز أيضا ً بجيش قائم‬
‫باستمرار ليالقي الغزاة‪ ،‬وھو عادة يتغلب عليھا ويحمي تكوين‬
‫اإلنسان من الموت المبكر‪ .‬ومثل ھذه المجموعة من المعجزات‬
‫اليوجد‪ ،‬وال يمكن ان يحدث باي حال‪ ،‬في غيبة الحياة‪ .‬وكل ذلك‬
‫يتم في نظام كامل‪ ،‬والنظام مضاد اطالقا للمصادفة‪ .‬اليس ذلك كله‬
‫من صنع الخالق؟ اذن ذلك النظام ھو قرين الحياة‪ .‬ولكن ما ھي‬
‫الحياة؟‬

‫‪90‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ‬
‫ضوابط وموازين‬
‫ما اعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان‪،‬‬
‫مھما يكن من وحشيته‪ ،‬أو ضخامته‪ ،‬أو مكره من السيطرة على‬
‫العالم منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة غير ان اإلنسان وحده‬
‫قد قلب ھذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من‬
‫مكان إلى آخر‪ ،‬وسرعان ما لقى جزاءه القاسي عن ذلك‪ .‬ماثال في‬
‫تطورات آفات الحيوان والحشرات والنبات‪.‬‬
‫والواقعة اآلتية فيھا مثل بارز على أھمية تلك الضوابط فيما يتعلق‬
‫بوجود االنسان‪ :‬فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار ‪cactus‬‬
‫في استراليا‪ ،‬كسياج وقاتي‪ .‬ولكن ھذا الزرع مضى في سبيله حتى‬
‫غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا‪ ،‬وزاحم اھإلى المدن‬
‫والقرى‪ ،‬وأتلف مزارعھم‪ ،‬وحان دون الزراعة‪ .‬ولم يجد األھإلى‬
‫وسيلة لصده عن االنتشار وصارت استراليا في خطر من اكتساحھا‬
‫بجيش من الزرع صامت‪ ،‬يتقدم في سبيله دون عائق!‬
‫وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة ال‬
‫تعيش إال على ذلك الصبار وال تتغذى بغيره‪ ،‬وھي سريعة االنتشار‬
‫وليس لھا عدو يعوقھا في استراليا‪ .‬ما لبثت ھذه الحشرة حتى تغلبت‬
‫على الصبار‪ ،‬ثم تراجعت‪ ،‬ولم يبق منھا سوى بقية قليلة للوقاية‪،‬‬
‫تكفي لصد الصبار عن االنتشار إلى االبد‪.‬‬
‫وھكذا توافرت الضوابط والموزاين‪ ،‬وكانت دائما مجدية‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ولماذا لم تسيطر بعوضة المالريا على العالم‪ ،‬إلى درجة كان‬
‫أجدادنا يموتون معھا‪ ،‬أو يكسبون مناعة منھا؟ ومثل ذلك أيضا ً‬
‫يمكن ان يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شماال في‬
‫أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك‪ .‬كذلك البعوض كثير في‬
‫المنطقة المتجمدة‪ .‬ولماذا لم تتطور ذبابة )تسي تسي( حتى تستطيع‬
‫ان تعيش ايضا في غير مناطقھا الحارة‪ ،‬وتمحو الجنس البشري من‬
‫الوجود؟ يكفي ان يذكر اإلنسان الطاعون واألوبئة والجراثيم الفاتكة‬
‫التي لم تكن له منھا وقاء حتى االمس القريب‪ ،‬وان يذكر كذلك ما‬
‫كان له من جھل تام بقواعد الوقاية الصحية‪ ،‬ليعلم ان بقاء الجنس‬
‫البشري رغم ذلك يدعو حقا إلى الدھشة!‬
‫ان االسماك والحشرات تبقى على قيد الحياة إذ يسري عليھا قانون‬
‫المصادفة‪ ،‬فان آالف البيضات التي تضعھا يفر بعضھا من الموت‬
‫الذي يكمن في كل مكان لمن ال وقاية له‪.‬‬
‫وھذه الحقائق الغريبة التي للطبيعة تستحق الذكر‪ ،‬وان لم تكن‬
‫بالضرورة ادلة حاسمة على وجود العناية االلھية‪ .‬ولكن اإلنسان قد‬
‫بقى على قيد الحياة‪ ،‬وكذلك الحيوانات الرخوة‪ ،‬غير ان اإلنسان كان‬
‫أشد احتياجا إلى الترتيبات الوقائية‪ ،‬وقد زود بھا‪.‬‬
‫ان الحشرات ليست لھا رئتان كما لالنسان‪ ،‬ولكنھا تتنفس عن طريق‬
‫انابيب‪ ،‬وحين تنمو الحشرات وتكبر‪ ،‬ال تقدر تلك األنابيت ان‬
‫تجاريھا في نسبة تزايد حجمھا‪ .‬ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول‬
‫من بضع بوصات‪ ،‬ولم يطل جناح حشرة إال قليال‪ .‬وبفضل جھاز‬
‫تكوين الحشرات وطريقة تنفسھا‪،‬لم يكن في االمكان وجود حشرة‬
‫ضخمة‪ .‬وھذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحھا كلھا‪ ،‬ومنعھا‬
‫من السيطرة على العالم‪ .‬ولوال وجود ھذا الضابط الطبيعي‪ ،‬لما‬
‫أمكن وجود اإلنسان على ظھر األرض‪ .‬وتصور انسانا فطريا‬
‫‪92‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫يالقي زنبورا يضاھي األسد في ضخامته‪ ،‬أو عنكبا )عنكبوتا( في‬
‫مثل ھذا الحجم‪.‬‬
‫ولم يذكر إال القليل عن التنظيمات األخرى المدھشة في فيزيولوجيا‬
‫الحيوانات‪ ،‬والتي بدونھا ما كان اي حيوان – بل كذلك اي نبات –‬
‫يمكن ان يبقى في الوجود‪ .‬غير ان ھذه الحقائق قد بلغت من االھمية‬
‫العظمى بحيث يجب ذكرھا‪.‬‬
‫لقد تنبه العالم أخيرا إلى الحقيقة القائلة بان ھناك أشياء تسمى‬
‫بالفيتامينات‪ .‬وامتناع ھذه الفيتامينات يسبب أمراض البالجرا‬
‫والبري بري واالسقربوط‪ .‬واألمراض المعروفة بأمراض نقص‬
‫التغذية‪ .‬وال شك ان اإلنسان قد عاش ماليين السنين دون ان يدري‬
‫بوجود ھذه المواد المراوغة الضرورية لبقائه على قيد الحياة‪.‬‬
‫ولما كانت األسفار البحرية الطويلة دون غذاء كاف تؤدي إلى‬
‫مرض االسقربوط‪ ،‬وقد وجد ان عصير الليمون ‪ECUJ EMILIE‬‬
‫ھو عالج له‪ ،‬فقد كان مالحو السفن الكبيرة في العھود الماضية‬
‫يسمون )بعاصري الليمون(‪ ..‬وكان اولئك المالحون القدامى ال‬
‫يعرفون سبب االسقربوط‪ .‬وانما اكتشف ھذا الدواء البسيط الرحالة‬
‫فاسكو دي جاما حين كان مالحوه يموتون في مدغشقر‪ .‬ولكن مضى‬
‫قرن من الزمان أو أكثر حتى عرفت الصلة الوثيقة بين فواكه‬
‫الموالح وانقطاع مرض االسقربوط‪ ،‬وزال ھذا المرض الفتاك من‬
‫أعالي البحار‪ .‬وانقضى كذلك قرن آخر أو أكثر ليدرك اإلنسان قيمة‬
‫الفيتامينات في فواكه الموالح‪ ،‬ولكنه لم يكن يعلم وقتئذ ما تحتويه‬
‫ھذه الفاكھة‪.‬‬
‫كذلك عاش اإلنسان ماليين السنين قبل ان يعرف وظائف المعامل‬
‫الكيموية الصغيرة المعروفو باسم الغدد الصماء‪ ،‬التي تمده‬
‫بالتركيبات الكيموية الضرورية له ضرورة مطلقة‪ ،‬والتي تصنعھا‬
‫‪93‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وتسيطر على وجوه نشاطه‪ .‬وفضال عن ذلك‪ ،‬فان تلك المواد التي‬
‫بلغت من القوة ان جزءا من بليون منھا يحدث آثارا بعيدة المدى‪،‬‬
‫وھي مرتبة بحيث ينظم كل منھا غيرھا‪ ،‬ويضبطه ويوازنه‪ .‬ومن‬
‫المتفق عليه أنه إذا اختل توازن ھذه االفرازات المعقدة تعقيدا‬
‫مدھشا‪ ،‬فانھا تحدث اختالال ذھنيا وجسمانيا بالغ الخطر‪ .‬ولوعمت‬
‫ھذه الكارثة النتشرت المدينة وانحطت البشرية إلى حالة الحيوانات‪،‬‬
‫ھذا إذا بقيت على قيد الحياة‪.‬‬
‫على اننا إذا اكدنا ھذه الضوابط والموازين والقيود وحدھا‪ ،‬التي‬
‫بدونھا تتوقف الحياة كما نعھدھا‪ ،‬فان بقاء اإلنسان على قيد الحياة‬
‫يواجھنا بمسألة حسابية تستحق قدرا كبيرا من العناية عند انصار‬
‫المصادفة‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ‬
‫الزمن‬
‫ان المعرفة الواعية بوجود الزمن ال يملكھا إال الحياة الحيوانية‪.‬‬
‫واإلنسان وحده ھو الذي يقيسه‪ .‬والعناصر التي تتكون منھا جمع‬
‫األشياء المادية بندر ان تغغير على كر الدھور‪ .‬وقد تتركب‬
‫العناصر أو قد تفترق‪ ،‬ولكن الزمن ان يكن ضروريا التمام تغيير‬
‫كيموي‪ ،‬فھو ال اھمية له بالنسبة للذرات‪ .‬ان عصا من الديناميت‬
‫تتحول من مادة صلبة إلى غاز في جزء من خمسة وعشرين ألفا من‬
‫الثانية‪ ،‬ولكن الذرات نفسھا التتغير‪.‬‬
‫وقد يرتفع جيل ثم ثتفتت‪ ،‬ولكن ذرة‪ MOLECULE‬محبوسة في‬
‫وسطه تنتظر في قلق ذلك الوقت الذي تحلل فيه كي تتحرر‪ ،‬وان‬
‫تكن الكتروناتھا تعزل فلكھا باستمرار‪.‬‬
‫والكاميرا تلتقط الصورة في جزء من مائة جزء من الثانية فيتدخل‬
‫اھتزاز قدرة الف وثمانمائة ميل ليحدث التغيير الكيموي‪ .‬وھكذا‬
‫تسجل األفالم باأللوان كل جمال المنظر‪ ،‬ان الذرات تھتز ويعاد‬
‫تنظيمھا ولكنھا ال تتغير‪.‬‬
‫والكائنات الحية تبدو كانھا تقيس الزمن‪ ،‬ولكن األشياء العاطلة من‬
‫الحياة تسجله فحسب‪.‬‬
‫والمياه المنحدرة من االنھار الجليدية في عصر الثلج قد خلقت‬
‫طبقات من الصلصال تدل على كل سنة على حدة‪ ،‬وتنبئ بطريقة‬
‫فجة عن مراتب درجات الحرارة التي كانت سائدة‪ .‬كذلك الرواسب‬
‫الكلسية المتدلية من سقوف الكھوف ‪ STALA??ES‬واألخرى‬
‫‪95‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫التي تعلو ارضھا باشكال مخروطية ‪ STALAGMITES‬تؤدي‬
‫المھمة نفسھا من مائة الف سنة أو تزيد‪ ،‬ولكنھا ال تدر ي ماذا تفعل‪.‬‬
‫والراديوم والرصاص يغيران نسبھما في الصخور الصلبة‪ ،‬ويدالن‬
‫على بليون سنة من استقرار االرض‪ ،‬ناھيك بما قبل ذلك‪ .‬والزمن‬
‫بالنسبة لكل الكائنات الحية‪ ،‬ھو شيء ال يدرك كنھه‪ ،‬الن الحياة لھا‬
‫مدادھا‪ ،‬والفرد ينتھي وجوده‪ ،‬واي شيء حي في حالة طبيعية‪ ،‬ال‬
‫يقيس الزمن في وعي منه‪ ،‬ولكن الزمن يقيس الكائنات الحية‪،‬‬
‫ويسود اوجه نشاطھا من ميالدھا إلى نھايتھا‪.‬‬
‫وقد اتضح ان ھناك شيئا يسمي الزمن البيولوجي )اي المختص بعلم‬
‫االحياء(‪ .‬ويبدو ان الزمن يسير في بطء بالنسبة لالطفال‪ ،‬على حين‬
‫يسير بسرعة فائقة بالنسبة لكبار السن‪ .‬وھذه الظاھرة المعروفة قد‬
‫وجد انھا قائمة على دورة الحياة التي للخاليا‪ ،‬وقد يمكن التعبير عن‬
‫ذلك بابسط طريقة بالقول بان خاليا كل مخلوق حي تتطور تطورا‬
‫سريعا عند بدء الحياة‪ ،‬ثم تبطئ عند اقتراب نھايتھا‪ .‬واذا تكلمنا عن‬
‫ذلك من الوجھة البيولوجية‪ ،‬قلنا ان كثرة حوادث الخاليا التي تحدث‬
‫في الطفولة تشعر الطفل يطول الزم‪ ،‬في حين ان بطء نشاط الخاليا‬
‫في الكبر‪ ،‬تشعر اإلنسان بان الزمن يمر سريعا ويبدو ان دورات‬
‫الحياة ال عالقة لھا بالزمن المطلق الذي نقيسه بحركات االجرام‬
‫السماوية‪.‬‬
‫ان الجرثومة )الميكروب( قد تتوالد في ساعة‪ ،‬واإلنسان في عدة‬
‫سنين‪ ،‬وذبابة )مايو( ال تستطيع قياس الزمن تحت الماء‪ ،‬ولكن كل‬
‫جيل منھا يعيش ساعة حياته السعيدة تحت الشمس‪ .‬فھل يمكن ان‬
‫يكون العلماء على صواب‪ ،‬واننا إذا وصلنا إلى الخلود‪ ،‬سنقيس‬
‫الزمن بالحوادث‪ ،‬ال بالفلك؟‬

‫‪96‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫واالسماك في البحر لھا وقتھا لوضع بيضاتھا‪ ،‬ولكنھا انما تطيع‬
‫قانون للطبيعة وال تدري لماذا‪ .‬والبذر والحصاد لھما اوقاتھما‪ ،‬وقد‬
‫تنضج مساحات من القمح في يوم واحد تقريبا‪ .‬واالشجار تنقضي‬
‫عليھا سنوات حتى تحمل الثمر وحلقاتھا السنوية تسجل اعمارھا‪.‬‬
‫وقد وجد ان أنواعا معينة من الصراصير تصر كذا مرات في‬
‫الدقيقة الواحدة طبقا لدرجة الحرارة‪ ،‬وقد احصى عدد مرات‬
‫صريرھا فوجد انھا تسجل درجة الحرارة بالضبط مع فارق‬
‫درجتين‪ .‬وقد نظم وقت صرصور لمدة ثمانية عشر يوما فوجد انه‬
‫يبدأ أغنية حبه أو فرحه قبل خمس دقائق من الساعة المحددة أصال‪.‬‬
‫وھناك انواع معينة من البط في قناة بأوربا كانت تاتي كل يوم‬
‫بانتظام إلى قنطرة في ساعة معينة وتدق جرسا اعد لھا‪.‬‬
‫وللطيور وقتھا المحدد للطيران نحو الجنوب‪ ،‬وكل فرد منھا يقرر‬
‫االنضمام إلى سربه‪ ،‬ثم تھاجر في يوم يكاد يكون معينا كل سنة‪.‬‬
‫وذباب )مايو( يخرج من البحيرات ليطير طيران العرس‪ ،‬وتسقط‬
‫ماليين منه في الشوارع في اليوم نفسه‪.‬‬
‫والجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في والية نيو انجالند يغادر‬
‫شقوقه تحت األرض‪ ،‬حيث عاش في ظالم مع تغيير طفيف في‬
‫درجة الحرارة‪ ،‬ويظھر بالماليين في شھر مايو في سنته السابعة‬
‫عشرة‪ .‬وقد يختلف بعض المتعثر عن رفاقه بالطبع‪ ،‬ولكن الكثرة‬
‫الساحقة تنضج بعد سنوات الظالم تلك‪ ،‬وتضبط موعد ظھورھا‬
‫باليوم تقريبا‪ ،‬دون سابقة ترشدھا‪.‬‬
‫و )دودة البوص(]‪ [20‬تدب بانتظام شديد من كل مكان إلى آخر‪،‬‬
‫ولو استطاعت العد ألمكنھا ان تقيس الوقت والمسافة بعدد قفزاتھا‪،‬‬
‫ولكنھا ليست بحاجة إلى الحساب‪ .‬فال تضحكن من قفزتھا‪ ،‬الننا‬
‫نحن البشر نقيس المسافات بالقدم‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ان كل كائن حي بوجه عام يراعي الزمن ويسجله بالعمل ولكنه ال‬
‫يبدي دليال على توقيت واع منه‪.‬‬
‫ويبدو ان الفصول‪ ،‬ودرجة الحرارة‪ ،‬والنھار والليل‪ ،‬والمد والجزر‪،‬‬
‫كل اوالء تسطير على تتابع الحياة‪ .‬وقد اوجد التطور عادات من‬
‫قياس الوقت بغير وعي‪ ،‬ويبدو انھا تعمل بطريقة ذاتية‬
‫)أوتوماتيكية( مثل نبض القلب أو الھضم‪ .‬وكثير من الناس الذين‬
‫أعتادوا ان يستيقظوا في ساعة معينة‪ ،‬يمكنھم ذلك بدون )منبه(‪،‬‬
‫وبصرف النظر عن الموعد الذي ينامون فيه‪ .‬ولقد اضاف اإلنسان‬
‫الزمن إلى المادة التي ال زمن لھا‪ .‬والزمن اليمكن وزنه وال تحليله‪.‬‬
‫وبالنسبة الينا يتعلق الزمن بھذه الكرة االرضية وحدھا‪ ،‬ومقاييسنا‬
‫للزمن قد ال تكون لھا أية عالقة بالكون في مجموعة‪ ،‬ولكن الزمن‬
‫يملي علينا بواعث غير واعية‪ ،‬بلغت من القوة انھا تتحكم في كل‬
‫شيء حي‪.‬‬
‫واالنسان‪ ،‬كحيوان‪ ،‬ليس له شعور خالص بالزمن‪ ،‬ولكنه يستطيع‬
‫ان يضبط إلى حد ما أثر الزمن في بواعثه واإلنسان الفطري ال‬
‫يعرف عمره إال بالمقارنة مع الحوادث واالعداد بالنسبة لھا انما‬
‫تعني قليال أو كثيرا‪ .‬واإلنسان العصري ينسى أيام ذكرياته السنوية‪،‬‬
‫ولكن زوجته ال تنساھا‪ ،‬فھل المرأة أكثر ارتقاء من الرجل؟ ام تراھا‬
‫ترقب التقاويم خفية؟ ال ھي وال ھو يستطيعان ان يختارا اليوم الرابع‬
‫والعشرين من مايوم بعد سبع عشرة سنة في الظالم‪ ،‬كما يفعل‬
‫الجراد؟‬
‫لقد كان اإلنسان الفطري يحب الزمن كايقاع‪،‬كما في القرن الرتيب‬
‫على طبل‪ .‬وفد رفعه التوقيت في رقصة‪ ،‬فوق مستوى الغريزة‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫واإلنسجام التام في األنغام الموسيقية قد قادنا إلى االستمتاع الرائع‬
‫بالقطع الموسيقية الفائقة المتحدة األنغام )ھارمون(‪ ،‬وابقاع‬
‫االوركسترا‪ ،‬على ان االھتزازات التي تعتري وحدة النغم في فترات‬
‫من الوقت‪ ،‬التعد موسيقى إال عند اإلنسان وحده‪ ،‬كما يبدو‪.‬‬
‫وقد ألزمت المدنية اإلنسان زيادة الضبط والدقة في قياس الزمن‬
‫وتسجيله‪ .‬وادت الفصول المتعاقبة‪ ،‬والتي يحددھا وقت بلوغ الشمس‬
‫اقصى مداھا شماال‪ ،‬وأقصاه جنوبي خط االستواء‪ ،‬وادت إلى تكوين‬
‫دوائر درويد ‪ druid circles‬وتشييد االھرام‪ ،‬وغير ذلك من عالئم‬
‫الوقت في نواحي العالم‪ .‬وكان ظھور الشمس أو ظلھا فوق ھذه‬
‫األشياء عند عالمة معينة – كانت في العادة عالمة خفية – ينبئ‬
‫الكاھن كم يوما يعد حتى يحين وقت الزرع أو يجيء وقت فيضان‬
‫النيل‪ .‬أما اآلن فان التقاويم غير البالغة الكمال‪ ،‬تعلق في كل بيت‪،‬‬
‫وبھا نميز األيام‪.‬‬
‫وفضال عن ذلك اصبحنا نسجل الساعات والدقائق والثواني‪ ،‬والجزء‬
‫من األلف من الثانية‪ .‬وكلما قربنا من ضبط الوقت تماما‪ ،‬زادت‬
‫حاجتنا إلى االستزادة من معرفتنا بالكيميا‪ ،‬والطبيعة‪ ،‬والمعادن‪،‬‬
‫ودرجة الحرارة‪ ،‬والفلك والرياضة‪ ،‬وخصوصا الرياضة العالية‬
‫الندحة عنھا‪ .‬ونحن نحسب جدول زمن الكواكب واالقما والمذنبات‪،‬‬
‫ونعتمد على معرفتنا بالوقت في تنبؤنا بحركاتھا‪ ،‬وتحديد الساعة‬
‫والدقيقة لكسوف الشمس وخسوف القمر‪ ،‬في الماضي والحاضر‪.‬‬
‫ونحن نعرف سرعة الضوء بالثانية‪ ،‬ونسجل طبائع االجرام‬
‫السماوية‪ ،‬التي تصحح نفسھا بالتتابع لدرجة الدقة االبدية كما يبدو‪.‬‬
‫ان التطور قد وصل بالكائنات الحية إلى ما يقرب من المواءمة مع‬
‫البيئة الموجودة‪ ،‬ولكنه من الناحية النظرية على األقل ال يمكنه ان‬
‫يمضي أبعد من ذلك‪ ،‬وان تقدم اإلنسان فيما وراء ضروريات الحياة‬
‫‪99‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫إلى ادراك الوقت ليخرج به عن الحدود التي يبدو ان التطور‬
‫الطبيعي قد أقامھا على حدة‪.‬‬
‫واإلنسان إذ يقترب من االدراك الكامل للزمن‪ ،‬يقترب في الوقت‬
‫نفسه من ادراك بعض قوانين الكون االبدية‪ ،‬ومن معرفة الخالق‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وما لم توجد حياة عقلية اخرى في بعض نواحي الكون‪ ،‬فان اإلنسان‬
‫ينفرد وحده بمعرفة الزمن‪ ،‬وسيطرته على الزمن تقترب به من‬
‫شيء اعظم من المادة‪.‬‬
‫فمن أين تأتي ھذه القفزة العظيمة التي يقفزھا اإلنسان بعيدا عن‬
‫الفوضى ‪ ،‬وعن جميع تركيبات المادة وعن كل الكائنات الحية‬
‫االخرى؟ انھا البد ان تأتي من شيء أسمى من المصادفة‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺮاﺑﻊ ﻋﺸﺮ‬
‫قوة التصور‬
‫دعنا نترك العلم برھة‪ ،‬ونعمد إلى التصور!‬
‫يمكن االفتراض بان جميع الحيوانات ترى الحقائق والحوادث‪،‬‬
‫واألشياء المادية‪ ،‬كما ھي‪ ،‬وان رد الفعل الذھني عندھا مباشر‪ .‬ورد‬
‫الفعل مائل في محاولتھا االستيالء على الغذاء‪ .‬والفرار من العدو‪،‬‬
‫واالختفاء امام الخطر‪ ،‬أو التماس الراحة في مكان مأمون‪ .‬ومن‬
‫الممكن ان بعض الحيوانات التي بلغت درجة عالية من التقدم‪،‬‬
‫كالكالب مثال قد تحلم‪ ،‬والحلم بالطبع ھو نوع من التصور‪ ،‬خارج‬
‫عن السيطرة عليه‪.‬‬
‫ان التصور ھو من اعجب كفايات االنسان‪ .‬فھو في تصوره قد‬
‫يسافر على الفور إلى حيث يشاء‪ .‬والخطيب قد ينتقل بسامعيه إلى‬
‫حيث يريد‪ .‬فھو إذا وصف في تصوه جزيرة مرجانية من جزر الھند‬
‫الشرقية‪ ،‬فانه يرى بذھنه ھذه الجزيرة‪ ،‬وسامعوه ايضا يرون‬
‫باذھانھم سلسلة صخور مرجانية تحيط بھا‪ ،‬ويرون الشاطئ‬
‫المرجاني‪ ،‬وتغيرات لون المحيط‪ ،‬والسماء المطلة عليھا‪ ،‬والنخيل‬
‫التي تھزھا الريح‪ ،‬وجزيرة في الوسط في حلة قشيبة من نباتات‬
‫المناطق الحارة‪ .‬وقد يصف الخطيب لھم ايضا البحيرة الرائقة‪ ،‬وھي‬
‫زرقاء مثل صفحة السماء‪ ،‬صافية كالمرآة‪ ،‬واذا انتقل به الفكر إلى‬
‫ابعد من ذلك‪ ،‬فقد يرى سامعوه اعماق تلك البحيرة‪.‬‬
‫ومن ھذا المنظر من مناظر المناطق االستوائية‪ ،‬يستطيع الخطيب‬
‫ان ينتقل بسامعيه توا إلى نھر جليدي بالوانه الزرقاء والخضراء‬
‫‪101‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والبيضاء‪ ،‬وبحركته البطيئة‪ .‬ويلفت أنظارھم إلى الجبال التي يغطي‬
‫قممھا الجليد والتي تقع خلف ذلك النھر وھي تسطع في أشعة‬
‫الشمس بلون وردي جميل!‬
‫ويمكنه كذلك ان يحلق به إلى نجم قصي حتى ليكاد يسمعك تصادم‬
‫العناصر الطائرة‪ ،‬أو يكاد يشعرك بفيض الضوء والحرارة وھو‬
‫مسرع إلى الكرة االرضية ليدفئھا ويجيئھا بالحياة‪ ،‬وليرى ساكنيھا‬
‫صورة بديعة للھالل وھو يضيء من خالل خضرة غابة معتمة‪.‬‬
‫ويستطيع ان يصور لذھنك‪ ،‬ال ما يحيط بك فحسب‪ ،‬بل كذلك‬
‫الصورة التي تتخيلھا لزوجتك وأطفالك في تلك اللحظة‪ .‬وھنا يخذلك‬
‫التصور‪ ،‬إذ ينتابه النقص‪ ،‬وتكون الصورة الحقيقية غير تلك التي‬
‫تخيلتھا‪..‬‬
‫ان قوة التصور ھذه ھي للطفل مصدر سعادة‪ .‬فھو يستخدمھا في‬
‫لعبة كما يحلو له‪ .‬وما عليك إال ان تطلع على ما يعتقده االطفال في‬
‫أنفسھم حين اللعب معا‪ :‬ان الغالم الذي يحمل على كتفه بندقية من‬
‫الخشب‪ ،‬قد يعتقد انه جندي بالفعل‪.‬‬
‫والتعليم والتجربة والبيئة والمھارة‪ ،‬كل اوالء قد تحيل الخيال الرائع‬
‫إلى قطعة فنية‪ ،‬سواء أكانت رواية تمثيلية ام قطعة موسيقية من نوع‬
‫السيمفوني‪ ،‬ام لوحة رسم ام جھازا دقيقا‪ .‬واألفكار انما ھي بنات‬
‫التصور‪ ،‬فھي اذن اسس العبقرية‪ .‬واعظم نتاج العقل البشري – مثل‬
‫االختراعات واآلالت الميكانيكية والرياضة العليا – انما ھي التحقيق‬
‫النھائي آلراء انبعثت عن التصور‪.‬‬
‫غير ان التصور يلقى دائما عوائق من البيئة المادية‪ ،‬فھو لذلك ال‬
‫يبلغ إال درجة قريبة من الصواب‪ ،‬حتى تحققه المالحظة أو التجربة‬
‫‪102‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫أو االستكشاف‪ .‬ولكن في عقولنا المادية نفسھا‪ ،‬ال يقيم التصور‬
‫اعتبارا لفكرة الزمن أو المسافة‪ .‬فھو يصل توا إلى مقصده‪ ،‬سواء‬
‫أكان نجما ام طلفك!‬
‫وال تدحة لنا من ان نستنتج في النھاية‪ ،‬ان قوة التصور ھي جد‬
‫قريبة من القوة الروحانية‪ .‬فاذا كان ھناك خلود للروح‪ ،‬فھناك ايضا‬
‫خلود للتصور‪.‬‬
‫وكلما أدرك الفالسفة العظام ذلك العنصر االسمي في طبيعة‬
‫االنسان‪ ،‬ونعني نشاط الروح‪ ،‬واجھتھم صعاب ال تواجه من ھم أقل‬
‫منھم تفكيرا‪ .‬فھم إذا قالوا بخلود الروح صعب عليھم ان يحددوا‬
‫مكانا لھذه الروح الخالدة‪ .‬والشخص العادي يفكر بالطبع في الجنة‬
‫كمكان‪ ،‬ويتصور الطرق الذھبية واالبواب المصنوعة من اللؤلؤ‪.‬‬
‫واذا كان مال الروح بعد انطالقھا ھو الجنة‪ ،‬فان اإلنسان بالبداھة قد‬
‫يسأل‪) :‬واين الجنة؟ وكم تبعد عنا؟(‪ .‬اما الفيلسوف الذي له روح‬
‫واعية‪ ،‬فانه البد ان يخطر له ان الجنة ليست )مكانا( بالمعنى الذي‬
‫يفھمه البشر‪ ،‬ولكنھا اعجب كثيرا من ان تدركھا عقولنا المحدودة‪،‬‬
‫ومثل ذلك يقال عن الخلود والالنھائية‪ .‬وفي الحق قد نضطر‪ ،‬حيال‬
‫احتياجنا إلى تجرة بشرية تھدينا‪ .‬إلى ان نظن ان الجنة قد تكون‬
‫الفضاء نفسه!‬
‫وبالطبع قد يكره كل إنسان أو يخاف‪ ،‬فكرة كونه ساكنا وحيدا‬
‫للفضاء‪ ..‬وقد يتنبه العالم إلى انه إذا ارادت روحه ان تصل إلى‬
‫نقطة في الفضاء‪ ،‬سواء أكانت جزيرة مرجانية أو سديما بعيداً‪ ،‬فان‬
‫المسافة التي تقطعھا‪ ،‬قصيرة كانت أو طويلة‪ ،‬البد ان تستغرق فترة‬
‫من الزمن‪ .‬واذا كانت الرحلة يمكن القيام بھا على شعاع من‬
‫الضوء‪ ،‬فقد تستغرق الف سنة ضوئية للوصول إلى شمس قريبة‬
‫نسبيا‪ .‬ومن ثم فان اإلنسان المقيد تقييدا شديدا بصالته المادية‬
‫البشرية بالبوصات واألميال وسنوات الضوء والزمن‪ ،‬يبدو له ان‬
‫‪103‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫من غير المعقول ان توجد سعادته في الفضاء االبيض الذي ال حدود‬
‫له‪ ،‬وال في األبدية المجھولة‪.‬‬
‫وھنا يأتي ايجاء التصور الذي بلغ الكمال‪ :‬اننا على ظھر االرض‬
‫مرتبطون بما ھو مادي‪ ،‬مقيدون بجميع تلك القياسات المادية التي‬
‫اشرت اليھا‪ .‬ولكن يجب ان نذكر ان تصورنا – كما أسلفت القول –‬
‫ينغلب فورا على المسافة‪ ،‬وينقلنا إلى كل مكان‪ ،‬ويأتي لنا بالھامات‬
‫تقرب من الحقيقة وتفتح اذھاننا لضروب من الجمال تفوق الواقع‪.‬‬
‫والوقائع التي تتولد عن االفكار يمكن ان تصبح حقائق مادية يراھا‬
‫الغير‪ ،‬كما قد يحلم المھندس المعماري ونضر مثال على ذلك من‬
‫االھرام‪ ،‬و)تاج محل(]‪ ،[21‬أو ناطحة سحاب حديثة‪ .‬واذا صح ان‬
‫روح اإلنسان التي اصبحت خالدة‪ ،‬ال ترى إال الحقيقة‪ ،‬فان الروح‬
‫لفورھا‪ ،‬عن طريق التصور الذي بلغ حد الكمال‪ ،‬تبصر األشياء كما‬
‫ھي‪ .‬واألفكار ھي حقائق – حقائق روحية – خالدة‪ ،‬سواء اتحققت‬
‫ماديا في شكل تمثال‪ ،‬ام نطق بھا كحقيقة تحدث انقالبا ً في الفكر‬
‫البشري‪.‬‬
‫والعالم الجيولوجي قد يتتبع‪ ،‬بتصوره الروحاني‪ ،‬طبقات االرض‬
‫إلى مركزھا المصھور‪ .‬والذي يراه ھو العالقة المضبوطة التي لكل‬
‫طبقة بقشرة االرض‪ .‬وقد تقعد روح اإلنسان ھادئة فوق شاطئ‬
‫جزيرة مرجانية‪ ،‬ويغني لھا البحر المتالطم‪ .‬ويستطيع اإلنسان‬
‫بتصوره الكامل ان يرقب الغازات المتماوجه بالشمس البعيدة‪ ،‬وقد‬
‫يجمل الزمن فيراھا ابتداء من بدايتھا السديمية‪ ،‬ويتتبع تطوراتھا‬
‫حتى بردت وأصبحت غير مرئية‪.‬‬
‫واذا كانت الروح الخالدة تستطيع رؤية األشياء كما ھي فانھا تقدر‬
‫ان تكتسب جميع الحواس المختلفة الرقيقة التي لكل الكائنات الحية‪.‬‬
‫وبذا نستطيع ان تدخل في ميادين جديدة عجيبة للمعرفة والتجربة‬
‫والشعور‪ .‬وسترى ايضا – إذا شاءت – الذرات وھي تكون نفسھا‬
‫‪104‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫جزئيات‪ ،‬والجزئيات وھي تقھر الجراثيم المغيرة‪ .‬وربما تستمتع‬
‫بموسيقى جديدة‪ ،‬تتولد عن اھتزازات االثير غير المحدودة وعن‬
‫آالف اجوبة النغم‪ .‬وھناك ألوان أزھتى من ان تتحملھا عيون‬
‫البشرية تنتظر تطور قدرتنا على االحاطة بھا‪ .‬وھناك مسرات ال‬
‫نھاية لھا‪ ،‬ترتقب روح اإلنسان بعد تحررھا من الجسد!‬
‫ولست ادري أي مدى تبلغه قوة التصور إذا اكتسبت في الحياة‬
‫االخرى‪ .‬وال يمكن ان نبحث ھنا القيود التي سوف تحمي حقنا‬
‫المقدس في العزلة الفردية‪ ..‬وانما نعطي ھنا مجرد فكرة‪ .‬وكذلك ال‬
‫نحاول ان نصف الجنة التي يتمناھا كل فرد‪ ،‬ولكنا يمكننا على األقل‬
‫ان نزعم انه توجد اجوبة عن أمثال ھذه األسئلة التي يسألھا البشر ‪.‬‬
‫ان الروح الخالدة‪ ،‬التي ال يعوقھا الزمن‪ ،‬قد ترى أحباءھا‪ ،‬وقد‬
‫تضمھم إلى صدرھا‪ .‬ولما كان تصورھا الذي كل قد أصبح حقيقة‬
‫روحانية‪ ،‬فانھا تقدر ان ترى الحقيقة الكبرى‪ ،‬اعني الخالق‬
‫عزوجل‪ ،‬والجنة ھي حيث يشاء ان تكون‪.‬‬
‫فدعنا نعتقد ان تصورنا سيبلغ درجة الكمال‪ ،‬وان الصم سوف‬
‫يسمعون بالفعل اصواتا جميلة تفوق ما يحلم به االنسان‪ .‬وان البكم‬
‫سوف يتكلمون بكل لغة‪ ،‬وان العمى سوف يبصرون كل عجيبة من‬
‫عجائب خلق ﷲ‪.‬‬
‫واذا ترتفع روح اإلنسان الخالدة صوب ﷲ‪ ،‬كاسبة في طريقھا سعة‬
‫من الفھم‪ ،‬إذ ترقى نحو الملكوت االسمى‪ ،‬فان جمال خلق ﷲ في‬
‫العالم العادي يتباعد عن النظر كما تضمحل قصص الطفولة من‬
‫ذھن اإلنسان حيث ينضج وھكذا تھبط الكرة االرضية حقا إلى‬
‫درجة التفاھة‪ ،‬مع تأمل الكون‪ .‬واذن في روعة االدراك الروحاني‬
‫قد تصبح المادة مثل الظل الذي يبھت امام الشمس المشرقة‪ ،‬وتصبح‬
‫كال شيء‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وھكذا يستطيع اإلنسان بكفايته الروحانية ان يتصور القدرة االلھية‪،‬‬
‫ومع تطور روحانيته سيكون اقرب إلى ادراك جالل الخالق وقدرته‬
‫وعظمته‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ‬
‫استعراض‬
‫ان استعراض ما سبق قد يوضح للقارئ ان توكيد مواءمة الطبيعة‬
‫لإلنسان انما يبدو في كون انعدام تلك المواءمة يؤدي إلى امتناع‬
‫الحياة‪ .‬على ان المسائل األخرى التي بحثت انما تؤكد تلك الحقائق‬
‫البارزة في الطبيعة‪ ،‬والتي تدل على وجود برنامج بتقدم االنسان‪.‬‬
‫وھناك براھين قوية على وجود ھذا التوجيه المقصود وراء كل‬
‫شيء‪ .‬والھدف الذي يبدو اصوب من غيره ھو إيجاد عقول ذكية‪.‬‬
‫ان الحقيقة المدھشة المماثلة في كون اإلنسان قد عاش رغم التقلبات‬
‫التي مر بھا في ماليين سني التطور‪ ،‬ھذه الحقيقة تتحدث عن نفسھا‪.‬‬
‫وقد رأينا ان العالم في مكانه الصحيح وان قشرة االرض مرتبة إلى‬
‫مدى عشرة أقدام‪ ،‬وان المحيط لو كان اعمق مما ھو بضع اقدام‪ ،‬لما‬
‫كان لدينا اوكسيجين وال نباتات‪ .‬وقد رأينا ان األرض تدور كل اربع‬
‫وعشرين ساعة‪ ،‬وان ھذا الدوران لو تأخر‪ ،‬لما امكن وجود الحياة‪.‬‬
‫واذا زادت سرعة األرض حول الشمس أو نقصت ماديا‪ ،‬تغير‬
‫تاريخ الحياة ‪ -‬ان وجدت – تغيرا تاما‪ ،‬وقد رأينا ان ھذه الشمس‬
‫ھي الوحيدة بين آالف‪ ،‬التي جعلت حياتنا على األرض ممكنة‪ ،‬وان‬
‫حجمھا وكثافتھا ودرجة حرارتھا وطبيعة أشعتھا يجب ان تكون لھا‬
‫صحيحة‪ ،‬وھي صحيحة فعال‪ .‬ورأينا ان الغازات التي بالھواء‪،‬‬
‫منظم بعضھا بالنسبة لبعض‪ ،‬وان أقل تغيير فيھا يكون قتاال‪ .‬وھذه‬
‫كلھا ليست سوى قليل من العوامل الطبيعية التي لفتا اليھا نظر‬
‫القارئ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫واذا نظرنا إلى حجم الكرة االرضية‪ ،‬ومكانھا في الفضاء وبراعة‬
‫التنظيمات‪ ،‬فان فرصة حصول بعض ھذه التنظيمات مصادفة ھي‬
‫بنسبة واحد إلى مليون‪ ،‬وفرصة حدوثھا كلھا معا‪ ،‬ال يمكن حسبانھا‬
‫حتى بالنسبة للباليين‪ .‬وعلى ذلك فان وجود ھذه الحقائق ال يمكن‬
‫التوفيق بينه وبين اي قانون من قوانين المصادفة‪ .‬فمن المحال اذن‬
‫ان نھرب من القول بان مطابقات الطبيعة حتى توائم اإلنسان ھي‬
‫اعجب كثيرا من مطابقات اإلنسان ليالئم الطبيعة‪ .‬وان استعراض‬
‫عجائب الطبيعة ليدل داللة قاطعة على ان ھناك تصميما وقصدا في‬
‫كل شيء‪ ،‬وان ثمة برنامجنا ينفذ بحذافيره طبقا لمشيئة الخالق جل‬
‫وعز‪ .‬وربما استطاع اإلنسان ان يرى في ھذا البرنامج سلسلة من‬
‫الحوادث في تطور الكائنات الحية حتى انتھت إلى منح حيوان حياة‪،‬‬
‫وتطوره إلى اإلنسان ويبدو ان اإلنسان كان في جميع العصور تحت‬
‫العناية الربانية لنعتقد ايضا انه حت ارشاد رباني‪ .‬وقد تطور‬
‫البرنامج إلى بيئات قادرة على االحتفاظ بمخلوق جسدي اھل الن‬
‫يحمل ذھنا صالحا ً‪.‬‬
‫ومادامت عقولنا محدودة‪ ،‬فاننا النقدر ان ندرك ما ھو غير محدود‪.‬‬
‫وعلى ذلك النقدر إال ان نؤمن بوجو الخالق المدبر‪ ،‬الذي خلق كل‬
‫االشياء‪ ،‬بما فيھا تكوين الذرات والكواكب والشمس والدم )جمع‬
‫سديم(‪ .‬والزمن والفضاء ھما عنصران في ھذا االدراك‪ .‬وان‬
‫محاولة معرفة حقيقة الخالق لتحير اذكى االذكياء‪ .‬كذلك ال يمكننا ان‬
‫نحسب ان اإلنسان ھو الغرض الوحيد أو النھائي‪ ،‬ولكنا يمكننا ان‬
‫ننظر إلى اإلنسان على انه اعجب مظھر لذلك الغرض‪ .‬على أننا‬
‫لسنا مضطرين الن نفھم ذلك كله حتى نتقدم كثيرا‪ ،‬وان زيادة العلم‬
‫لتشير إلى ھذه النھاية‪.‬‬
‫اننا نقترب فعال من عالم المجھول الشاسع‪ ،‬إذ ندرك ان المادة كلھا‬
‫قد اصبحت من الوجھة العلمية مجرد مظھر لوحدة عالمية ھي في‬
‫‪108‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫جوھرھا كھربية‪ .‬ولكن مما ال ريب فيه ان المصادفة لم يكن لھا‬
‫دخل في تكوين الكون‪ ،‬الن ھذا العالم العظيم خاضع للقانون‪.‬‬
‫ان ارتقاء اإلنسان الحيواني إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده‪،‬‬
‫ھو خطوة اعظم من ان تتم عن طريق التطور المادي‪ ،‬ودون قصد‬
‫ابتداعي‪.‬‬
‫واذا قبلت واقعية القصد‪ ،‬فان اإلنسان بوصفه ھذا قد يكون جھازاً‪.‬‬
‫ولكن ما الذي يدير ھذا الجھاز؟ النه بدون اي يدار‪ ،‬ال فائدة منه‪.‬‬
‫والعلم ال يعلل من يتولى ادارته‪ ،‬وكذلك ال يزعم انه مادي‪.‬‬
‫لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي النه نوقن بان ﷲ قد منح اإلنسان‬
‫قبسا من نوره‪ .‬واليزال اإلنسان في طور طفولته من وجھة الخلق‪،‬‬
‫وقد بدأ يشعر بوجود ما يسميه )بالروح(‪ .‬وھو يرقي في بطء ليدرك‬
‫ھذه الھبة‪ ،‬ويشعر بغريزته بانھا خالدة‪.‬‬
‫واذا صح ھذا التعليل – ويبدو ان المنطق الذي يسنده اليمكن دحضه‬
‫– فان ھذه الكرة االرضية الصغيرة التي لنا‪ ،‬وربما غيرھا كذلك‪،‬‬
‫تكسب اھمية لم يحلم بھا أحد من قبل‪ .‬فعلى قدر ما نعلم‪ ،‬قد تولد‬
‫عن عالمنا الصغير ھذه اول جھاز مادي اضيف اليه قبس من نوره‬
‫ﷲ‪ .‬وھذا يرفع اإلنسان من مرتبة الغريزة الحيوانية إلى درجة‬
‫القدرة على التفكير‪ ،‬التي ال يمكنه بھا اآلن ان يدرك عظمة الكون‬
‫في اشتباكاته‪ ،‬ويشعر شعوراً غامضا بعظمة ﷲ ماثلة في خلقة‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺴﺎدس ﻋﺸﺮ‬
‫المصادفة‬
‫ان المصادفة تبدو شاردة‪ ،‬غير منتظرة‪ ،‬وغير خاضعة الية طريقة‬
‫من طرق الحساب‪ .‬ولكن إذا كنا تدھشنا مفاجآتھا فانھا مع ذلك‬
‫خاضعة لقانون صارم نافذ‪ .‬والبنس الذي يضرب به المثل قد يقلب‬
‫فيه الرأس عشر مرات أثناه جريه‪ ،‬وال تنتظر فرصة قلبه المرة‬
‫الحادية عشرة‪ ،‬ولكنھا ال تزال فرصة واحدة من اثنتين‪ ،‬اما فرصة‬
‫جرى عشرة رؤوس فانھا ضئيلة للغاية‪.‬‬
‫ولتفرض ان معك كيسا يحتوي مائة قطعة رخام‪ ،‬تسع وتسعون منھا‬
‫سوداء وواحدة بيضاء‪ .‬واالن ھز الكيس وخذ منه واحدة‪ :‬ان فرصة‬
‫سحب القطعة البيضاء ھي بنسبة واحد إلى مائة‪ .‬واالن اعد قطع‬
‫الرخام إلى الكيس‪ ،‬وابدا من جديد‪ :‬ان فرصة سحب القطعة البيضاء‬
‫ال تزال بنسبة واحد من مائة‪ .‬غير ان فرصة سحب القطعة البيضاء‬
‫مرتين متواليتين ھي بنسبة واحد إلى عشرة آالف )المائة مضاعفة‬
‫مرة(‪.‬‬
‫واالن جرب مرة ثالثة‪ :‬ان فرصة سحب تلك القطعة البيضاء ثالث‬
‫مرات متوالية ھي بنسبة مائة مرة عشرة آالف‪ ،‬اي بنسبة واحد من‬
‫المليون‪ .‬ثم جرب مرة اخرى أو مرتين‪ ،‬تصبح االرقام فلكية‪.‬‬
‫ان نتائج المصادفة مقيدة بقانون تقييدا وثيقا‪ ،‬كما ان اثنين واثنين‬
‫يساويان اربعة‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫افرض ان جماعة يلعبون الورق‪ ،‬وانه بعد ان خلط )فنط( اعطى‬
‫أحد الالعبين اآلس البستوني‪ ،‬واعطى ثان آس القلوب‪ ،‬وثالث‬
‫اسباتي‪ ،‬واعطى الموزع الديناري‪ ،‬ثم تبع ذلك‪ :‬االثنان فالثالثة‬
‫وھكذا‪ ،‬حتى صار لدى كل العب المجموعة كلھا بالترتيب العددي‪.‬‬
‫لو حدث ذلك لما صدق أحد قط ان الورق لم يرتب من قبل على‬
‫ھذا الشكل‪.‬‬
‫ان الفرص ضد حدوث ذلك كبيرة لدرجة انه لم يحدث قط في جميع‬
‫االلعاب منذ اخترعت لعبة الھويست‪ ،‬ولكن ربما يقال ان في‬
‫االمكان ان يحدث ذلك فھل من المعقول ان يحدث!‬
‫افرض ان طفال صغيرا طلب اليه العب شطرنج ذو خبرة ان‬
‫يحاول ان يغلبه بعد أربع وثالثين حركة‪ .‬وافرض ان الطفل بمجرد‬
‫المصادفة قد أتى كل حركة كما ينبغي بالضبط ليقابل بھا كل حركة‬
‫من ذلك الالعب! ال شك ان االخير سيظن ان ذلك حلم أو انه قد فقد‬
‫عقله! ولكن ربما يقال ان ذلك ممكن ان يحدث! فھل من المعقول ان‬
‫يحدث‪.‬‬
‫وھنا أكرر القول بان قصدي من ھذه المعالجة المصادفة ھو ان أبين‬
‫للقارئ بطريقة عملية واضحة‪ ،‬تلك الحدود الضيقة التي يمكن الحياة‬
‫بينھا ان توجد على األرض‪ ،‬وان اثبت بالبرھان الواقعي ان جميع‬
‫مقومات الحياة الحقيقية ما كان يمكن ان توجد على كوكب واحد في‬
‫وقت واحد‪ ،‬بمحض المصادفة‪.‬‬
‫ان حجم الكرة االرضية‪ ،‬وبعدھا عن الشمس‪ ،‬ودرجة حرارة‬
‫الشمس واشعتھا الباعثة للحياة‪ ،‬وسمك قشرة األرض وكمية الماء‪،‬‬
‫ومقدار ثاني اوكسيد الكربون وحجم النتروجين‪ ،‬وظھور اإلنسان‬
‫وبقاءه على قيد الحياة‪ ،‬كل اوالء تدل على خروج النظام من‬
‫‪111‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫الفوضى‪ ،‬وعلى التصميم والقصد‪ ،‬كما تدل على انه طبقا للقوانين‬
‫الحسابية الصارمة ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت‬
‫واحد على كوكب واحد‪ ،‬مرة في بليون مرة‪) .‬كان يمكن ان يحدث‬
‫ھكذا(‪ ،‬ولكن لم يحدث ھكذا بالتأكيد‪.‬‬
‫وحين تكون الحقائق ھكذا قاطعة‪ ،‬وحين نعترف كما ينبغي لنا‪،‬‬
‫بخواص عقولنا التي ليست مادية‪ ،‬فھل في االمكان ان نغفل‬
‫البرھان‪ ،‬ونؤمن بمصادفة واحدة في بليون ونزعم اننا وكل ما عدانا‬
‫نتائج المصادفة؟‬
‫لقد رأينا ان ھناك ‪999‬ر‪999‬ر‪ 999‬فرصة ضد واحد‪ ،‬ضد االعتقاد‬
‫بان جميع االمور تحدث مصادفة‪ .‬والعلم ال ينكر الحقائق كما بيناھا‪.‬‬
‫وعلماء الحساب يقرون ان ھذه االرقام صحيحة‪ .‬واالن تقابلنا‬
‫مقاومة عنيدة من العقل البشري‪ ،‬الذي يكره النزول عن افكار‬
‫مستقرة‪.‬‬
‫لقد كان اليونان القدماء يعرفون ان األرض كروية‪ .‬ولكن مضى الفا‬
‫سنة ليؤمن الناس بصدق ھذه الحقيقة‪.‬‬
‫ان االفكار الجديدة تلقى معارضة وسخرية وذما‪ ،‬ولكن الحقيقة تبقى‬
‫وتثبت‪.‬‬
‫لقد انتھت المناقشة‪ .‬والقضية اآلن معروضة عليكم انتم المحلفين‪،‬‬
‫وسينتظر ما تحكمون به في ثقة وطمأنينة‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ‬
‫خاتمه‬
‫ان اول فصل )سفر التكوين( يقص قصة خلق الكون‪ ،‬ومنذ كتب لم‬
‫تتغير خالصته بما كسبه اإلنسان من علم‪ .‬وقد يدعو ھذا القول إلى‬
‫ابتسامة ترتسم على وجه العالم اللطيف‪ ،‬والى نظرة ارتياب مع‬
‫الرضا من المؤمن الصادق‪ .‬وانما قامت االختالفات على تفاصيل ال‬
‫تستحق الجدل‪.‬‬
‫واالن ھيا بنا نفحص الحقائق كما وردت في ذلك الفصل االول من‬
‫الكتاب المقدس‪:‬‬
‫) في البدء خلق ﷲ السموات واألرض وكانت األرض خربة‬
‫وخالية(‪.‬‬
‫ھذه ھي الفوضى االصلية التي كانت لالرض قبل تكوينھا‪.‬‬
‫)على وجه الغمر ظلمة وروح ﷲ يرف على وجه المياه(‪.‬‬
‫كان معظم المحيطات في السماء كسحب ال يمكن اختراقھا وكان‬
‫الضوء ال يصل إلى األرض‪.‬‬
‫)وقال ﷲ ليكن نور فكان نور(‪.‬‬
‫لقد انقشعت السحب‪ ،‬وكان األرض قد بردت‪ ،‬وادى دوران األرض‬
‫إلى الليل والنھار‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫)وقال ﷲ ليكن جلد في وسط المياه(‪.‬‬
‫ومن بين المياه التي كانت تغمر األرض كلھا‪ ،‬قامت القارات‪،‬‬
‫وظھرت األرض اليابسة‪ ،‬وظھر الھواء فوق االرض‪.‬‬
‫)وقال ﷲ لتنبت األرض عشبا وبقال يبزر بزرا(‪.‬‬
‫وال يفوتنك ھنا ان النبات قد ذكر قبل الحياة الحيوانية )فعمل ﷲ‬
‫النورين العظيمين‪ .‬و‪ ..‬النجوم(‪.‬‬
‫وأصبحت الشمس والقمر تريان من خالل السحب‪ ،‬ولما انقشعت‬
‫السحب نھائيا‪ ،‬ظھرت النجوم )ايضا(‪.‬‬
‫)وقال ﷲ لتفض المياه زخافات ذات نفس حية وليطر طير فوق‬
‫األرض على وجه جلد السماء(‪.‬‬
‫ان كل حياة متحركة بدأت في الماء‪ ،‬وجلد السماء ھو الھواء‪.‬‬
‫)وقال ﷲ لتخرج األرض ذوات انفس حية كجنسھا بھائم ودبابات‬
‫ووحوش ارض كأجناسھا‪ .‬وكان كذلك(‪.‬‬
‫والحيوانات اآلن على وجه األرض بعد ان صارت البحار مسكونة‪.‬‬
‫)وقال ﷲ اني قد اعطيتكم كل بقل يبزر بزرا على وجه األرض‬
‫وكل شجر فيه ثمر يبزر بزرا لكم يكون طعاما(‪.‬‬
‫وھذا القول قد ثبتت صحته حين اكتشف تركيب الكلوروفيل‪ ،‬وبين‬
‫العلم ان كل نوع الحياة متوقف على النبات االحضر]‪.[22‬‬

‫‪114‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫وحيال ھذه الحقيقة البسيطة التي ذكرت على ھذا الشكل‪ ،‬ال ينبغي‬
‫لنا ان نختلف على التفاصيل الناتجة من الترجمة أو مما اقحمه‬
‫االنسان‪ ،‬أو على السؤال عن كيفية خلق ﷲ الكون أو الوقت الذي‬
‫استغرقه خلقه‪ .‬ان الحقائق التي ذكرت قد وردت خالل الدھور‪،‬‬
‫وھي حقائق‪.‬‬
‫اننا نستطيع ان نضع نظرية تبين كيف تطورت جميع الكائنات الحية‬
‫من الخلية االصلية‪ ،‬ولكن العلم يقف عند ھذا الحد‪ ،‬ويمكننا اننتفق‬
‫مع ذوي العقول الممتازة الذين ادت بحوثھم المضنية إلى اعطائنا‬
‫فكرة حقيقية عن الوقائع الطبيعية التي للحياة المادية‪ ،‬ولكنا غير‬
‫ملزمين بالوقوف حيث وقفوا‪ ،‬النھم لم يتبين لھم صنع الخالق في‬
‫كل ذلك‪.‬‬
‫ان العلماء ال يقدرون ان يؤكدوا وال ان ينفوا وجود ﷲ‪ ،‬ولكن كل‬
‫واحد منه في قرارة نفسه يشعر بقوة االحساس والفكر والذاكرة‬
‫واآلراء التي تصدر كلھا عن ذلك الكيان الذي نسميه بالروح‪ .‬وھم‬
‫جميعا يعلمون ان االلھام ال يأتي من المادة‪ .‬وليس العلم حق في ان‬
‫تكون له الكلمة االخيرة بشأن وجود الخالق‪ ،‬حتى يقول تلك الكلمة‬
‫بصفة نھائية والى األبد‪.‬‬
‫ان كون اإلنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى االن‪ ،‬قد شعر‬
‫بحافز يحفزه إلى ان يستنجد بمن ھو اسمى منه واقوى واعظم‪ ،‬يدل‬
‫على ان الدين فطري فيه‪ ،‬ويجب ان يقر العلم بذلك‪ .‬وسواء أحاط‬
‫اإلنسان صورة محفورة بشعوره بان ھناك قوة خارجية للخير أو‬
‫الشر ام لم يفعل فان ذلك ليس ھو االمر المھم‪ .‬بل الحقيقة الواقعة‬
‫ھي اعترافه بوجود ﷲ]‪ .[23‬والذين اتيح لھم العلم بالعلم‪ ،‬ال يحق‬
‫لھم ان ينظروا نظرة االزدراء إلى فجاجة اولئك الذين سبقوھم أو‬
‫الذين ال يعرفون اآلن الحق كما نراه‪ .‬بل اننا على العكس يجب ان‬
‫تاخذنا الروعة والدھشة واالجالل التفاق البشر في نواحي العالم‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫على البحث عن الخالق وااليمان بوجوده‪ .‬أو ليست روح اإلنسان‬
‫ھي التي تشعر باتصالھا با ؟ ام نخشى ان نقول بان الحافز الديني‬
‫الذي ال يملكه إال اإلنسان ھو جزء من الكائن الواعي كاية صفة‬
‫اخرى من خصائصه؟ ان وجود الحافز ھو برھان على قصد العناية‬
‫االلھية وال يقل شأنا عن عقل اإلنسان المادي العجيب الذي يكمن فيه‬
‫كونه الحساس‪.‬‬
‫ان اية ذرة أو جزئ ‪ ATOM OR MOLECULE‬لم يكن له‬
‫فكر قط‪ ،‬واي اتحاد العناصر لم يتولد عنه رأي أبدا‪ .‬واي قانون‬
‫طبيعي لم يستطع بناء كاتدرائية‪ .‬ولكن كائنات حية معينة قد خلقت‬
‫تبعا لحوافز معينة للحياة‪ ،‬وھذه الكائنات تنتظم شيئا تطيعه جزئيات‬
‫المادة بدورھا‪ ،‬ونتيجة ھذا وذاك كل ما نراه من عجائب العالم‪ .‬فما‬
‫ھو ھذا الكائن الحي؟ ھل ھو عبارة عن ذرات وجزئيات؟ اجل‪.‬‬
‫وماذا ايضا؟ شيء غير ملموس‪ ،‬اعلى كثيرا من المادة لدرجة انه‬
‫يسيطر على كل شيء‪ ،‬ومختلف جدا عن كل ما ھو مادي مما صنع‬
‫منه العالم‪ ،‬لدرجة انه ال يمكن رؤيته وال وزنه وال قياسه‪.‬‬
‫وھو فيما نعلم ليست له قوانين تحكمه‪ .‬ان )روح اإلنسان ھي سيدة‬
‫مصيره(‪ ،‬ولكنھا تشعر بصلتھا بالمصدر االعلى لوجودھا‪ .‬وقد‬
‫اوجدت لإلنسان قانونا لألخالق ال يملكه اي حيوان آخر وال يحتاج‬
‫اليه‪ ،‬فاذا سمى أحد ذلك الكيان بانه فضلة لتكوينات المادة‪ ،‬ال لشيء‬
‫سوى انه ال يعرف ؟؟؟ بأنبوبة االختبار‪ ،‬فھو انما يزعم زعما اليقوم‬
‫عليه برھان‪ .‬انه شيء موجود‪ ،‬يظھر نفسه باعماله‪ ،‬وبتضحياته‪،‬‬
‫وبسيطرته على المادة‪ ،‬وعلى االخص بقدرته على رفع اإلنسان‬
‫المادي من ضعف البشر وخطئھم إلى اإلنسجام مع ارادة ﷲ‪.‬‬
‫ھذه ھي خالصة القصد الرباني‪ .‬وفيھا تفسير لالشتياق الكامن في‬
‫نفس االنسان‪ ،‬لالتصال بأشياء اعلى من نفسه‪ .‬وفيھا كشف عن‬
‫اساس حافزه الديني‪ .‬ھذا ھو الدين‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫والعلم يعترف باشتياق اإلنسان إلى أشياء اسمى منه‪ ،‬ويقر ذلك‪،‬‬
‫غير انه ال ينظر نظرة جدية إلى مختلف العقائد والمذاھب‪ ،‬وان يكن‬
‫يرى فيھا طرقا تتجه إلى ﷲ‪ .‬والذي يراه العلم ويقدره جميع‬
‫المفكرين‪ ،‬ھو ان االعتقاد العام بوجود ﷲ له قيمة ال تقدر]‪.[24‬‬
‫ان تقدم اإلنسان من الوجھة الخلقية وشعوره بالواجب انما ھما اثر‬
‫من آثار االيمان با واالعتقاد بالخلود‪ .‬وان غزارة التدين لتكشف‬
‫عن روح االنسان‪ ،‬وترفعه خطوة خطوة‪ ،‬حتى يشعر باالتصال با ‪.‬‬
‫وان دعاء اإلنسان الغريزي بان يكون في عونه‪ ،‬ھو أمر طبيعي‪،‬‬
‫وان أبسط صالة تسمو به إلى مقربة من خالقه‪.‬‬
‫ان الوقار‪ ،‬والكرم‪ ،‬والنبل‪ ،‬والفضيلة‪ ،‬وااللھام‪ ،‬وكل ما يسمى‬
‫بالصفات االلھية‪ ،‬وال تنبعث عن االلحاد أو االنكار الذي ھو مظھر‬
‫مدھش من مظاھر الفرد‪ ،‬يضع اإلنسان في مكان ﷲ‪.‬‬
‫وبدون االيمان كانت المدنية تفلس‪ ،‬وكان النظام ينقلب فوضى‪،‬‬
‫وكان كل ضابط وكل كبح يضيع‪ ،‬وكان الشر يسود العالم‪ .‬فعلينا‬
‫اذن ان نثبت على اعتقادنا بوجود ﷲ‪ ،‬وعلى محبته‪ ،‬وعلى االخوة‬
‫االنسانية‪ ،‬فان ذلك يسمو بنا نحوه تعالى‪ ،‬إذ ننفذ مشيئته كما نعرفھا‪،‬‬
‫ونقبل تبعة اعتقادنا باننا بوصفنا خلقه‪ ،‬جديرون بعنايته االلھية‪.‬‬
‫ان خميرة التقدم األخالقي تسير باإلنسان سيرا بطيئا ولكن مؤكدا‬
‫نحو زيادة االدراك لعالقاته باخوانه‪ ،‬وقد وضعت مثال عليا سوف‬
‫ترتبط بھا االنسانية في النھاية‪.‬‬
‫ان وجود اإلنسان على ظھر األرض ھو بالنسبة لالنھائية وقت جد‬
‫وجيز‪ .‬ونقصه الحالي ليس إال حادثا في تطوره من مجرد تكوين‬
‫مادي إلى ما يمكن ان يكونه‪.‬‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫النھاية ‪ -‬اي روح طاھرة‪.‬‬
‫وان الخالق عز وجل سيمنحنا الوقت الالزم‪ ،‬واذ تتقدم إلى االمام‬
‫ندعو ﷲ اخلص دعاء قائلين]‪:[25‬‬
‫ربنا قدنا في طريق مقصدك االعظم‪ ،‬وأرفعنا إلى مستوى اإلنسجام‬
‫الروحاني بعضنا مع بعض‪ .‬وھبنا القدرة على ان نصبح جزءا من‬
‫التقدم نحو الكمال الروحي‪ ،‬وقدنا إلى حيث نكون في خدمتك‪ ،‬وبذا‬
‫تجعلنا أدوات لتنفيذ مشيئتك‪.‬‬
‫ان اإلنسان ال يقوم وحده‪.‬‬
‫‪------------------------------------------------------------‬‬‫]‪ - [1‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة سبأ(‪) :‬وقال الذين‬
‫كفروا التأتينا الساعة‪ ،‬قل بل وربي لتاتينكم‪ ،‬عالم الغيب ال يعزب‬
‫عنه مثقال ذرة في السموات وال في األرض وال أصغر من ذلك وال‬
‫أكبر إال في كتاب مبين‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [2‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة النحل( ‪:‬‬
‫)وﷲ أنزل من السماء ماء فأحيا به األرض بعد موتھا إن في ذلك‬
‫آلية لقوم يسمعون(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [3‬األميبا‪ Almeeba :‬حيوان ميكروسكوبي ذو خلية واحدة‬
‫يتوالد باالنقسام الذاتي‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫)المترجم(‬
‫]‪ - [4‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة اإلسراء(‪) .‬ويسألونك‬
‫عن الروح‪ ،‬قل الروح من أمر ربي(‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [5‬قال تعالى )سورة االنفطار(‪) :‬واذا السماء انفطرت‪ ،‬واذا‬
‫الكواكب انتثرت‪ ،‬واذا البحار فجرت‪ ،‬واذا القبور بعثرت‪ ،‬علمت‬
‫نفس ما قدمت وأخرت(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [6‬البروتوبالزم ‪Protoplasm‬ھي المادة الزاللية الحية التي‬
‫تتكون منھا خلية االجسام النباتية والحيوانية‪ ،‬وقد رأينا أن نترجمھا‬
‫بكلمة )النطفة(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [7‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة المؤمنون(‪.‬‬
‫)ولقد خلقنا اإلنسان من ساللة من طين‪ ،‬ثم جعلناه نطفة في قرار‬
‫مكين‪ .‬ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة‬
‫عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر‪ ،‬فتبارك ﷲ احسن‬
‫الخالقين(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [8‬قال تعالى )سورة الرعد(‪) :‬ﷲ الذي رفع السموات بغير عمد‬
‫ترونھا ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري‬
‫الجل مسمى يدبر األمر يفصل االيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون‪.‬‬
‫وھو الذي مد األرض وجعل فيھا رواسي وأنھارا ومن كل الثمرات‬
‫جعل فيھا زوجين اثنين ينشي الليل في النھار ان في ذلك آليات لقوم‬
‫يتفكرون‪ .‬وفي األرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع‬
‫‪119‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضھا على‬
‫بعض في األكل ان في ذلك آليات لقوم يعقلون(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [9‬الديناصورات جمع ديناصور‪ ،‬وھو الحيوان الھائل الذي وجد‬
‫مدفونا تحت اطباق الثلوج‪ ،‬وانقرض من الحياة منذ زمن طويل‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫]‪ - [10‬نوع من الحمام كان موطنه امريكا الشمالية‪ ،‬وكان ذا رأس‬
‫صغير ومنقار قصير وذيل طويل وجناحين طويلين مدببين‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫]‪ - [11‬الدودو‪ :‬طائر منقرض من فصيلة الحمام‪.‬‬
‫]‪ - [12‬اليعسوب‪ :‬ھو الذكر من النحل‪.‬‬
‫]‪ - [13‬قال االمام على كرم ﷲ وجھه في وصف النملة ) من كتاب‬
‫نھج البالغة(‪:‬‬
‫)انظروا إلى النملة في صغر جثتھا‪ ،‬ولطافة ھيئتھا‪ ،‬ال تكاد تنال‬
‫بلحظ البصر‪ ،‬وال بمستدرك الفكر‪ ،‬كيف دبت على ارضھا وصبت‬
‫على رزقھا‪ ،‬تنقل الحبة إلى جحرھا‪ ،‬وتعدھا في مستقر لھا‪ ،‬تجمع‬
‫في حرھا لبردھا‪ ،‬وفي ورودھا لصدرھا‪ ،‬مكفولة برزقھا‪ ،‬مرزوقة‬
‫بوفقھا‪ ،‬ال يغفلھا المنان‪ ،‬وال يحرمھا الديان‪ ،‬ولو في الصفا اليابس‪،‬‬
‫والحجر الجامس‪ ،‬ولو فكرت في مجاري أكلھا‪ ،‬في علوھا وسفلھا‪،‬‬
‫وما في الجوف من شراسيف بطنھا‪ ،‬وما في الرأس من عينھا‬
‫وأذنھا‪ ،‬لقضيت من خلقھا عجبا‪ ،‬ولقيت من وصفھا تعبا‪ ..‬فتعالى‬
‫الذي أقامھا على قوائمھا‪ ،‬وبناھا على دعائمھا‪ ،‬لم يشركه في‬
‫فطراته فاطر‪ ،‬ولم يعته في خلقھا قادر(‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫‪120‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫]‪ Aphid - [14‬ھي األرقة وجمعھا األرق‪ .‬وھي حشرات صغيرة‬
‫آفة الندوة العسلية‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [15‬الكروموزوم ‪ Chromosome‬ھي وحدة المادة العضوية‬
‫والعامل في نقل الصفات الوراثية‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [16‬السيتوبالزم ‪ Cytoplasm‬ھي المادة البروتوبالزمية التي‬
‫حول نواة الخلية‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [17‬عين الھر أو الشمس ‪ Opal‬حجر كريم كثير االلوان‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [18‬السيميا ‪ Simia‬فصائل االورانجتان والغوريا والشمبانزى‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [19‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة الحج(‬
‫)يا أيھا الناس ضرب مثل فاستمعوا له‪ ،‬ان الذين تدعون من دون ﷲ‬
‫لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له‪ ،‬وان يسلبھم الذباب شيئا ال يستنقذوه‬
‫منه‪ ،‬ضعف الطالب والمطلوب‪ .‬ما قدروا ﷲ حق قدره ان ﷲ لقوي‬
‫عزيز(‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [20‬دودة البوصة ‪ werm inch‬؟؟ نوع من الدود تقفز مسافة‬
‫بوصة في كل قفزة‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫‪121‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

‫]‪) - [21‬تاج محل( ھو الضريح الجميل المشھور الذي بناه‬
‫االمبراطور المسلم شاه جھان لزوجته بالھند‪.‬‬
‫]‪ - [22‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة البقرة(‪.‬‬
‫)إن في خلق السموات واألرض واختالف الليل والنھار والفلك التي‬
‫تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل ﷲ من السماء من ماء‬
‫فاحيا األرض بعد موتھا وبث فيھا من كل دابة وتصريف للرياح‬
‫والسحاب المسخر بين السماء واألرض اليات لقوم يعقلون(‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫]‪ - [23‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة الحشر(‪:‬‬
‫)ھو ﷲ الذي ال اله إال ھو عالم الغيب والشھادة ھو الرحمن الرحيم‪.‬‬
‫ھو ﷲ الذي ال اله إال ھو الملك القدوس السالم المؤمن المھيمن‬
‫العزيز الجبار المتكبر سبحان ﷲ عما يشركون‪ .‬ھو ﷲ الخالق‬
‫البارئ المصور له االسماء الحسنى يسبح له ما في السموات‬
‫واألرض وھو العزيز الحكيم(‪.‬‬
‫)المترجم(‬
‫]‪ - [24‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة آل عمران(‪.‬‬
‫)قل يا أھل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم‪ ،‬إال نعبد إال ﷲ‬
‫والنشرك به شيئا‪ ،‬وال يعتد بعضنا بعضا اربابا من عرف ﷲ‪ .‬فان‬
‫تولوا فقولوا اشھدوا بانا مسلمون(‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫]‪ - [25‬قال ﷲ تعالى في كتابه الكريم‪) :‬سورة آل عمران(‪.‬‬
‫)ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي لاليمان ان آمنوا بربكم فامنا‪ .‬ربنا‬
‫فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع االبرار‪ .‬ربنا وآتنا ما‬
‫وعدتنا على رسلك وال تخزنا يوم القيامة انك ال تخلف الميعاد(‪.‬‬
‫)المترجم(‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫‪http://www.anti-el7ad.com‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful