‫قصة الحضارة‬

‫ول ديورانت‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬

‫الفصل السادس‬

‫روسو الرومانسي‬

‫‪1762 - 1756‬‬

‫‪ -1‬في "اليرميتاج"‬

‫‪1757 - 1756‬‬
‫كان روسو قد انتقل إلى كوخ مدام دينيه في ‪ 9‬إبريل ‪ 1756‬مصطحباً غير الشرعية تريز لفاسير وأمها‪ .‬وسعد‬
‫بالعيش هناك حيناً‪ ،‬إذ أحب غناء الطيور وزقزقتها‪ ،‬وحفيف الشجار وعبيرها‪ ،‬وهدوء الجولت المنفردة في الغابات‪.‬‬
‫وكان في جولته يحمل قلماً وكراسة ليقتنص الفكار وهي تمرق منه‪.‬‬
‫ولكنه لم يخلق للراحة والسلم‪ .‬ذلك أن حساسيته ضاعفت كل عناء‪ ،‬وخلقت مزيداً من المتاعب‪ .‬لقد كانت تريز زوجة‬
‫وفية ولكنها ل تستطيع أن تكون رفيقًا لذهنه‪ ،‬كتب في إميل يقول "ينبغي أل يقترن الرجل الذي يفكر بزوجة ل‬
‫تستطيع مشاطرته أفكاره"(‪ .)1‬ولم يكن بتريز المسكينة حاجة تذكر للفكار‪ ،‬ول كبير حاجة للكلمات المكتوبة‪ .‬لقد‬
‫بذلت له جسدها وروحها‪ ،‬واحتملت غضباته‪ ،‬وأغلب الظن أنها ردت عليها بمثلها‪ ،‬وسمحت له بأن يقترب من حافة‬
‫الخيانة مع مدام دودتو‪ ،‬وكانت هي على قدر ما نعلم وفية في تواضع باستثناء حادث ل سند لنا فيه إل في رواية‬

‫بوزويل‪ .‬ولكن أنى لهذه المرأة الساذجة أن تستجيب لذلك التساع والتنوع الجامح في عقل قدر له أن يزلزل نصف‬
‫القارة؟ استمع إلى تفسير روسو‪:‬‬
‫"ماذا يظن القارئ إذا قلت له‪...‬إنني منذ اللحظة الولى التي وقع عليها بصري حتى اللحظة التي أكتب الن فيها لم‬
‫أشعر قط بأقل حب لها‪ ،‬ولم أشتهِ قط أن أملكها‪...‬وأن الحاجات البدنية التي أشبعت بشخصها كانت بالنسبة لي‬

‫صفحة رقم ‪13065 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬
‫حاجات الجنس فقط‪ ،‬دون أن تنبعث إطلقاً من شخصيتها؟‪...‬لقد كانت أولى حاجاتي‪ ،‬وأعظمها‪ ،‬وأقواها‪ ،‬وأشرهها‪،‬‬
‫كلها في قلبي‪ :‬الحاجة إلى رباط (روحي) حميم‪ ،‬حميم ما أمكن‪ .‬وكانت هذه الحاجة الفريدة بحيث ل يشبعها أوثق‬
‫التصال البدني‪ ،‬ولم يكن بد لها من وجود روحين"(‪.)2‬‬
‫ولعل تريز كانت ترد على هذه الشكاوى بردها‪ ،‬لن روسو كان قد كف الن عن القيام بوظائفه الزوجية‪ .‬ففي ‪1754‬‬
‫قرر لطبيب جنيفي‪" :‬لقد تعرضت طويلً لقسى اللم‪ ،‬لعلة حصر البول التي ل شفاء لي منها‪ ،‬والتي نجمت عن‬
‫احتقان في مجرى البول يسد القناة سدًا يستحيل معه فيها حتى قسطرات الدكتور داران المشهور"(‪ .)3‬وزعم أنه أقلع‬
‫عن كل اتصال جنسي مع تريز بعد ‪ )4(1755‬ثم أضاف "حتى ذلك التاريخ كنت صالحاً‪ ،‬ومن تلك اللحظة أصبحت‬
‫طاهراً‪ ،‬أو على القل متيماً بالطهارة‪.‬‬
‫وجعل وجود حماته معهما هذا المثلث حاداً إلى درجة مؤلمة‪ .‬وقد عالها هي وزوجته ما استطاع من دخله الذي جاءه‬
‫من نسخ الموسيقى ومن بيع كتبه‪ .‬غير أن مدام لفاسير كان لها بنات أخريات تحتجن إلى مهور ويعشن في ضنك‬
‫مقيم‪ .‬وجمع جريم وديدرو ودولباخ فيما بينهم للمرأتين معاشاً سنوياً قدره أربعمائة جنيه‪ ،‬وأخذوا عليهما العهد بكتمان‬
‫المر على روسو مخافة جرح كبريائه‪ .‬واختصت الم نفسها وبناتها بمعظم المال (على رواية روسو)(‪ ،)5‬واستدانت‬
‫باسم تريز‪ ،‬ودفعت تريز الديون‪ ،‬وأخفت أمر المعاش طويلً‪ ،‬وأخيرًا كشف روسو سره‪ ،‬فاستشاط غضباً على‬
‫أصدقائه لذلله على هذا النحو‪ .‬وقد زادوه غضباً باللحاح عليه في أن ينتقل من اليرمتاج قبل حلول الشتاء‪ ،‬فالكوخ‬
‫(في رأيهم) لم يعد للجو البارد‪ .‬وحتى لو احتملت زوجته برد الشتاء فيه فهل في طاقة الم احتماله؟ وكان ديدرو قد‬
‫كتب في تمثيلية "البن الطبيعي"(‪" :)6‬إن الرجل الصالح يحيا في مجتمع؛ ول يعيش وحيداً غير الطالح"‪ .‬وخيل‬
‫لروسو أنه المقصود بهذا القول‪ ،‬وبدأ الن نزاع طويل لم تكن المصالحات التي تخللته إل مهادنات‪ .‬وشعر روسو أن‬
‫جريم وديدرو يحولن إغرائه بالعودة إلى مدينة فاسدة لنهما يحسدانه على السلم الذي وجده بين‬

‫صفحة رقم ‪13066 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬

‫الغابات‪ .‬وقد كشف في خطاب أرسله إلى صاحبة الفضل عليه‪ ،‬مدام ديينيه‪( ،‬وكانت في باريس) عن خلقه بصراحة‬
‫ونفاد صبر‪ .‬قال‪:‬‬
‫"أريد أن يكون أصدقائي أصدقاء ل سادة عليّ؛ أريد أن ينصحوني ل أن يحاولوا التسلق علىّ؛ وأن يكون لهم كل‬
‫المطالب على قلبي دون مطلب واحد يقيد حريتي‪ .‬إني لراها غريب تلك الطريقة التي يتدخل بها الناس باسم الصداقة‬
‫في شؤوني دون أن يطلعوني على شؤونهم‪...‬وحرصهم الشديد على أن يؤدوا لي ألف خدمة يرهقني‪ ،‬ففيه لمسة من‬
‫الستعلء تضنيني؛ ثم إن كل إنسان في وسعه أن يفعل مثل ما يفعلون‪"...‬‬
‫وإني لتوحدي وانعزالي على الناس أشد حساسية من غيري‪ .‬فلو فرضنا أنني تشاجرت مع إنسان يعيش وسط الزحام‪،‬‬
‫فإنه يفكر في المر لحظة ثم تنسيه إياه عشرات الشواغل بقية النهار‪ .‬أما أنا فل يصرف أفكاري عنه شيء ول أفتأ‬
‫أقلبه في ذهني طوال الليل وأنا مؤرق‪ ،‬وأفكر فيه وأنا أتمشى وحدي من شروق الشمس إلى غروبها‪ ،‬وقلبي ل يهدأ‬
‫لحظة واحدة‪ ،‬وإساءة من صديق كفيلة بأن تجعلني أعاني في يوم واحد سنوات من الحزن‪ .‬وإن لي أنا العليل حقا في‬
‫التسامح الواجب من أخوتي البشر نحو هفوات رجل مريض وغضباته‪...‬وأنا فقير‪ ،‬وفقري يخول لي بعض الرعاية‬
‫(أو كذلك يخيل إلي)"‪.‬‬
‫"ل يدهشك إذن إن أنا أبغضت باريس أكثر فأكثر‪ .‬ليس لي شيء أنشده من باريس سوى رسائلك‪ .‬ولن يراني أحد‬
‫هناك ثانية أبداً‪ .‬وإذا شئت أن تنبئني بآرائك حول هذا الموضوع‪ ،‬وبكل ما تبغين من قوة وعنف‪ ،‬فلك الحق في ذلك‪.‬‬
‫فستلقي مني قبولً حسناً‪ ،‬وستكون‪-‬عديمة الجدوى"(‪.)7‬‬
‫وقد أجابته بما يكفي من العنف فقالت "أوه‪ ،‬دع هذه الشكاوى التافهة لمن خلت قلوبهم ورؤوسهم(‪ .)8‬ولكنها استفسرت‬
‫مراراً عن صحته وراحته‪ ،‬واشترت له حاجياته‪ ،‬وأرسلت له الهدايا الصغيرة‪.‬‬
‫"ذات يوم والحرارة بلغت من التجمد درجة قصوى‪ ،‬وجدت وأنا أفتح طردًا به عدة أشياء طلبت إليها أن تبتاعها لي‬
‫جونلة داخلية من الفانيل النجليزية‬

‫صفحة رقم ‪13067 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬
‫قالت إنها كانت تلبسها‪ ،‬ورغبت إلي في أن ألبسها صدرية داخلية‪ ،‬ورأيت في هذه الرعاية البالغة الود حنانًا شديداً‪-‬‬
‫وكأنها تعرت لتكسوني‪-‬حتى رحت في انفعالي أقبل الخطاب والجونلة جميعاً غير مرة وأنا أذرف الدمع‪ .‬وخالتني‬
‫تريز قد جننت(‪.")9‬‬
‫وخلل عامه الول في اليرميتاج صنف "قاموس الموسيقى" ولخص بلغته المجلدات التي ألفها البيه دسان‪-‬بيير عن‬
‫الحرب‪ ،‬والسلم‪ ،‬والتعليم‪ ،‬والصلح السياسي‪ .‬وفي صيف ‪ 1756‬تلقى من المؤلف نسخة من قصيدة فولتير في‬
‫الزلزال الذي أهلك خمسة عشر ألف شخص‪ ،‬وجرح خمسة عشر ألف آخرين في لشبونة في عيد جميع القديسين أول‬
‫نوفمبر ‪ ،1755‬وقد تساءل فولتير كما تساءل نصف العالم لم اختارت العناية‪ ،‬المفترض فيها أنها خيرة‪ ،‬لهذه المذبحة‬
‫العمياء عاصمة قط\ر كله كاثوليكي‪ ،‬وساعة‪ 9.40-‬صباحاً‪-‬كل التقياء يصلون فيها في الكنيسة‪ .‬وفي نغمة من التشاؤم‬
‫المطلق رسم فولتير صورة للحياة والطبيعة محايدتين حياداً قاسيًا بين الشر والخير‪ .‬وفي الفقرة التالية من العترافات‬
‫نقرأ رد فعل روسو لهذه القصيدة القوية‪:‬‬
‫"حين أدهشني أن أرى هذا المسكين‪ ،‬الغارق (إن جاز القول) في أسباب الثراء والتشريف‪ ،‬يشكو بمرارة أرزاء هذه‬
‫الحياة‪ ،‬ويجد كل شيء خطأ‪ ،‬فكرت في مشروع جنوني هو أن أجبره على تحويل اهتمامه إلى نفسه‪ ،‬وعلى إثبات أن‬
‫كل شيء صواب‪ .‬إن فولتير وهو يبدو مؤمناً بال لم يؤمن قط في الواقع بشيء غير الشيطان‪ ،‬لنه إلهه المزعوم كائن‬
‫خبيث ل يلتذ إل بالشر‪ ،‬كما يقول‪ .‬وسخف هذه القصيدة الصارخ يثير أشد التقزز من رجل ينعم بثراء فاحش‪ ،‬رجل‬

‫يحاول من حضن السعادة أن يشيع اليأس في قلوب أخوته البشر بما يصور من صورة رهيبة قاسية لكل الكوارث التي‬
‫أعفي منها‪ ،‬أما أنا الذي يحق لي أكثر منه أن أعدد وأزن كل شرور الحياة البشرية‪ ،‬فقد فحصتها في غير تحيز‪ ،‬وأثبت‬
‫له أنه ما من شر من جميع الشرور الممكنة يجب أن ننسبه للعناية‪ ،‬وأل نرده بالحرى إلى إساءة استعمال النسان‬
‫لقدراته ل إلى الطبيعة"(‪.)10‬‬

‫صفحة رقم ‪13068 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬
‫وعليه في ‪ 18‬أغسطس ‪ 1756‬أرسل روسو إلى فولتير "رسالة في العناية اللهية من خمس وعشرين صفحة‪ ،‬بدأها‬
‫بإقرار لطيف بفضل فولتير‪ .‬قال‪:‬‬
‫"جاءتني قصائدك الخيرة يا سيدي في عزلتي‪ ،‬ومع أن جميع أصدقائي يعرفون محبتي لكتاباتك‪ ،‬فلست أدري من‬
‫كان ممكناً أن يرسل لي هذا الكتاب سواك‪ .‬فقد وجدت المتعة والفائدة جميعاً‪ ،‬وتبينت فيه يد الستاذ‪...‬ولزام علي أن‬
‫أشكرك على المجلد وعلى صنيعك"(‪.)11‬‬
‫ثم ناشد فولتير أل يلوم العناية اللهية على مصائب البشر‪ .‬فمعظم الشرور راجع لحماقتنا‪ ،‬أو خطيئتنا‪ ،‬أو إجرامنا‪:‬‬
‫"لحظ أن الطبيعة لم تحشد عشرين ألف بيت من ستة طوابق أو سبعة‪ ،‬وأنه لو كان سكان تلك المدينة الكبرى‬
‫موزعين توزيعاً أكثر توازناً في مساكن أقل تكاثفاً‪ ،‬لكانت الخسارة أقل كثيراً‪ ،‬أو ربما انعدمت‪ ،‬ولكان كل أهلها قد‬
‫هربوا نعد أول هزة‪ ،‬ولرأيناهم في الغد على بعد عشرين فرسخاً‪ ،‬مرحين كأن شيئاً لم يصبهم"(‪.)12‬‬
‫وكان فولتير قد كتب أ‪ ،‬قلة من الناس من يودون أن يولدوا من جديد في نفس الظروف؛ فرد روسو بأن هذا ل يصدق‬
‫إل على الثرياء الذين أتخموا باللذات‪ ،‬وملوا الحياة‪ ،‬وأعوزهم اليمان؛ أو على الدباء القاعدين‪ ،‬غير الصحاء‪،‬‬
‫الغارقين في تأملتهم‪ ،‬الساخطين؛ ولكنه ل يصدق على بسطاء الناس كالطبقة الوسطى الفرنسية أو القرويين‬
‫السويسريين‪ .‬والذي يجعل من الحياة معضلة لنا هو إساءة استعمالها(‪ .)13‬ثم إن شر الجزء قد يكون خير الكل؛ فموت‬
‫الفرد يتيح الحياة المتجددة للنوع‪ .‬والعناية اللهية عامة ل خاصة؛ فهي تسهر على الكل‪ ،‬ولكنها تترك أحداثًا نوعية‬
‫للسباب الثانوية والقوانين الطبيعية(‪ .)14‬وقد يكون الموت المبكر نعمة كذلك الذي أصاب أطفال لشبونة‪ ،‬وهو على‬
‫أية حال غير ذي بال ما دام هناك إله‪ ،‬لنه تعالى سيكافئ الجميع على ما أصابهم من معاناة ل يستحقونها(‪.)15‬‬
‫ومسألة وجود ال تجاوز‬

‫صفحة رقم ‪13069 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬في اليرميتاج‬

‫الحل بالعقل‪ .‬ولنا أن نختار بين اليمان والكفر‪ ،‬فلم نرفض إيمانًا ملهماً معزياً؟؛ أما عن نفسي "فقد عانيت في هذه‬
‫الحياة كثيراً‪ ،‬لهذا يملؤني الرجاء في حياة أخرى‪ .‬وكل دقائق الميتافيزيقا لن تشككني لحظة في وجود عناية خيرة وفي‬
‫خلود النفس‪ .‬أنني أحس هذا‪ ،‬وأؤمن به‪ ،‬وأتمناه‪ ...‬وسأدافع عن هذه المعتقدات إلى آخر نسمة من حياتي"(‪.)16‬‬
‫واختتم روسو خطابه ختاماً لطيفاً‪ ،‬فقال إنه متفق مع فولتير على التسامح الديني‪ ،‬وأكد له "إنني أوثر أن أكون مسيحياً‬
‫على طريقتك ل على طريقة الصوربون"(‪ .)17‬ورجا فولتير أن ينظم بكل ما في شعره من قوة وفتنة "كتاب تعليم‬
‫مسيحي للمواطن" يتضمن قاموساً أخلقياً يهدي الناس في فوضى العصر‪ .‬وكتب فولتير إقرارًا مهذباً بوصول رسالة‬
‫روسو‪ ،‬ودعاه للنزول ضيفاً عليه في الدليس(‪ ،)18‬ولم يبذل محاولة منظمة لتنفيذ حجج روسو‪ ،‬ولكنه رد عليها‬
‫بطريق غير مباشر بروايته "كانديد" (‪.)1759‬‬

‫صفحة رقم ‪13070 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬

‫‪ -2‬العاشق‬
‫حفل شتاء ‪ 1757-1756‬بالحداث لروسو‪ .‬ففي فترة ما خلل تلك الشهور بدأ يكتب أشهر رواية في القرن الثامن‬
‫عشر "جولي‪ ،‬أو هلويز الجديدة" وقد تصورها أول المر دراسة في الصداقة والحب‪ .‬فابنتا العم جولي وكلير تحبان‬
‫سان‪-‬برو‪ ،‬ولكنه حين يغوى جولي تظل كلير الصديقة الوفية لكليهما‪ .‬فلما أخجله أن يكون الكتاب مجرد رواية‬
‫غرامية‪ ،‬عمد إلى رفع القصة إلى مقام الفلسفة بتحويل جولي إلى التدين‪ ،‬والعيش في ولء مثالي لزوجها فولمار وهو‬
‫سيد شكاك استسلم لتعاليم فولتير وديدرو‪ .‬يقول روسو في اعترافاته‪:‬‬
‫"كانت العاصفة التي أطلقتها الموسوعة‪..‬في ذلك الحين على أشدها‪ .‬فلم يلبث الفريقان‪ ،‬اللذان بلغ سخطهما بعضهما‬
‫على بعض نهايته‪ ،‬أن أصبحا أشبه بذئاب غاضبة‪...‬ل مسيحيين ول فلسفة يرغب كل منهما في إثارة الخر وإقناعه‬
‫وهداية إخوانهم إلى طريق الحق‪ .‬وكنت قد جهزت بالحقائق الصارمة للفريقين لنني بطبعي عدو لكل أنواع التخريب‪،‬‬
‫ولكنهم لم يستمعوا إلي‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13071 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬

‫ففكرت في طريقة أخرى‪ ،‬بدت لي في بساطتي جديرة بالعجاب؛ وهي التخفيف من كراهيتهما المتبادلة بأن أحطم‬
‫تعصبهما‪ ،‬وأظفر لكل فريق ما للخر من فضائل وحسنات تستحق تقدير الجميع واحترامهم‪ .‬وأحرزت‬
‫الفكرة‪...‬النجاح المرتقب‪ ،‬فقد قربت ووحدت الحزبين المتنافسين على هدف واحد هو سحق الكتاب‪...‬ولما‬
‫رضيت‪..‬عن خطتي‪ ،‬عدت إلى الموقعين تفصيلً‪...‬فأسفر هذا عن الجزأين الول والثاني من "هلويز"(‪.)19‬‬
‫وكان يقرأ على تريز ومدام ليفاسير كل مساء صفحات من القصة عند المدفأة‪ .‬وشجعته الدموع التي كانت تذرفها‬
‫تريز‪ ،‬فدفع بالمخطوطة إلى مدام ديينيه حين عادت إلى قصرها الريفي‪ ،‬لشتزيت‪ ،‬على ميل من اليرميتاج‪ .‬وفي‬
‫مذكراتها استعادة للحدث‪" :‬حين وصلنا هنا‪...‬وجدنا روسو في انتظارنا‪ .‬وكان هادئاً رائق المزاج للغاية‪ .‬وأحضر لي‬
‫رواية (جانبًا منها) قد بدأها‪...‬وقد قفل إلى اليرميتاج أمس ليستأنف هذا العمل‪ ،‬الذي يزعم أنه قوام سعادة حياته"(‬
‫‪ .)20‬وبعد قليل كتبت إلى جريم‪:‬‬
‫"وبعد العشاء قرأنا مخطوطة روسو‪ .‬ولست أدري هل أنا متحيزة ضدها‪ ،‬ولكني غير راضية عنها‪ ،‬إنها مكتوبة‬
‫بأسلوب في غاية الروعة‪ ،‬ولكنها مسرفة في التفصيل‪ ،‬وتبدو غير واقعية ومفتقرة إلى الحرارة‪ .‬ول تقول شخوصها‬
‫كلمة واحدة مما ينبغي أن تقوله‪ ،‬فالمؤلف هو الذي يتكلم دائماَ‪ .‬ول أدري كيف أخرج من هذا المأزق‪ ،‬فلست أحب أن‬
‫أخدع روسو‪ ،‬ول أستطيع أن أستقر على إدخال الحزن على قلبه"(‪.)21‬‬
‫على أن روسو‪ ،‬على نحو ما‪ ،‬بث الحرارة في جولي خلل الشتاء‪ ،‬أكان ذلك لن قصة حب حية دخلت حياته؟ ذلك في‬
‫‪ 30‬يناير ‪ 1757‬زارته سيدة كان قد لقبها في باريس باعتبارها أخت زوج مدام ديينيه‪ .‬وكانت هذه السيدة‪ ،‬واسمها‬
‫اليزابث‪-‬صوفي دبيلجارد‪ ،‬قد تزوجت الكونت دودتو‪ ،‬ثم تركته‪ ،‬وأصبحت الن خليلة عدة سنوات للمركيز دسان‪-‬‬
‫لمبير‪ ،‬الذي كان يوماً ما مزاحماً لفولتير على مدام دناتليه‪ .‬وكان زوجها وعشيقها كلهما‬

‫صفحة رقم ‪13072 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬
‫قد انطلق إلى ساحة القتال‪ .‬وفي صيف ‪ 1756‬كانت الكونتيسة قد استأجرت قصر أوبون الريفي‪ ،‬على نحو ميلين‬
‫ونصف من اليرميتاج‪ .‬وكتب لها سان‪-‬لمبير أن روسو على رحلة جواد قصيرة منها‪ ،‬واقترح عليها أن تسري عن‬
‫وحدتها بزيارة الكاتب الشهير الذي أوقف الحضارة كلها موقف الدفاع عن نفسها‪ .‬فذهبت في مركبة‪ ،‬فلما انغرزت في‬
‫الوحل واصلت الرحلة سيراً‪ ،‬فوصلت وحذاؤها وثوبها ملطخان‪" .‬وجعلت المكان يدوي بضحكها الذي شاركتها فيه‬
‫من كل قلبي"(‪ .)22‬وأعطتها تريز تغيرة ملبس‪ .‬ومكثت المركيزة لتتناول "وجبة ريفية خفيفة" وكانت في السابعة‬
‫والعشرين‪ ،‬وروسو في الخامسة والربعين‪ .‬ولم تكن باهر الجمال سواء في طلعتها أو قوامها‪ ،‬ولكن رقتها‪ ،‬وروحها‬
‫المرحة أثارت حياته المظلمة‪ .‬وفي العصر التالي أرسلت إليه رسالة لطيفة‪ ،‬مخاطبة إياه باللقب الذي اتخذه بعد أن‬
‫استوطن جنيف ثانية‪:‬‬
‫"أيها المواطن العزيز‪ ،‬أعيد إليك الثياب التي تفضلت بإعارتي إياها‪ .‬وقد وجدت عند رجوعي طريقاً أفضل كثيراً‪،‬‬
‫ويجب أن أخبرك بمبلغ سروري بهذا‪ ،‬لنه ييسر لي العودة إلى زيارتك‪ .‬ويؤسفني أنني لم أمكث إل قليلً‪...‬وسيكون‬
‫أسفي أقل إذا كنت أكثر حرية‪ ،‬واثقة دائمًا من أنني ل أزعجك‪ .‬وداعاً يا مواطني العزيز‪ ،‬وأرجوك أن تشكر للنسة‬
‫ليفاسير كل ما أبدته نحوي من عطف"(‪.)23‬‬
‫وبعد أيام عاد سان‪-‬لمبير من الجبهة‪ .‬وفي إبريل استدعي من جديد للخدمة العسكرية‪ ،‬وما لبثت الكونتيسة المرحة أن‬
‫خطرت إلى اليرميتاج على صهوة جوادها ثياب الرجال‪ .‬وصدم زيها روسو‪ ،‬ولكنه ما لبث أن أحس أنه يحتوي‬
‫امرأة فاتنة‪ .‬فنطلق مع ضيفه سيراً في الغابات تاركاً تريز لواجباتها المنزلية وأخبرته مدام دودتو عن شدة محبتها‬
‫لسان لمبير‪ ،‬وفي مايو رد زيارتها‪ ،‬فذهب إلى أوبون في الوقت الذي تكون فيه "وحيدة تماماً" كما قالت له‪ .‬يقول‬
‫"كنت أحياناً في رحلتي المتكررة لوبون أنام هناك‪...‬‬

‫صفحة رقم ‪13073 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬
‫وكنت أراها كل يوم تقريباً طوال ثلثة أشهر‪ .‬ورأيت شخصية جولي متمثلة في مدام دودتو‪ ،‬ثم لم أعد أرى غير مدام‬
‫دودتو (في جولي)‪ ،‬ولكن بكل أسباب الكمال التي جملت بها معبودة قلبي"(‪.)24‬‬
‫ل من هذا يكتب الخطابات الغرامية التي‬
‫وأسلم نفسه زمنًا لهذا الهذيان المحموم حتى لقد كف عن كتابة قصة‪ ،‬وراح بد ً‬
‫حرص على أن تعثر عليها في كوي أشجار أوبون‪ .‬فقال لها أنه يجب‪ ،‬ولم يقل من محبوبته؛ ولكنها بالطبع‪ .‬فوبخته‪،‬‬
‫وأكدت له أنها ملك سان‪-‬لمبير جسداً وروحاً‪ ،‬ولكنها سمحت له بمواصلة زياراته وتودده الحار؛ والمرأة على أي‬
‫حال تحيا حياة واحدة فقط حين تحب‪ ،‬وحياة مضاعفة حين يحبها اثنان‪" .‬لم تنكر على شيئًا يمكن أن تمنحه أرق‬
‫الصداقات‪ ،‬ولكنها لم تمنحني شيئاً يجعلها خائنة"‪ .‬وهو يروي أنباء ما كانا يخوضان فيه من "أحاديث مستفيضة‬
‫متكررة‪...‬خلل الشهور الربعة التي أنفاها في صلة حميدة ل تكاد تضارعها صلة بين صديقين من الجنسين يحصران‬
‫نفسهما داخل الحدود التي لم نتجاوزها قط"(‪ .)25‬وفي روايتها لهذه العلقة نجد الحركة الرومانسية على أشدها‪ :‬فل‬
‫شيء في قصته يمكن أن يضارع هذه النشوات‪:‬‬
‫"لقد سكرت كل بخمر الحب‪-‬حبها لحبيبها‪ ،‬وحبي لها‪،‬؛ وامتزجت تنهداتها ودموعنا‪...‬ولم تنسَ نفسها قط لحظة واحدة‬
‫في حميا هذا السكر اللذيذ‪ ،‬وأؤكد تأكيداً قاطعاّ إنني أن كنت مرة‪ ،‬وأنا منساق بحواسي‪ ،‬قد حاولت حملها على الخيانة‪،‬‬
‫فإنه لم يكن بي رغبة حقيقية في النجاح‪..‬ذلك أن واجب نكران الذات تسامى بعقلي‪...‬لقد كان من الممكن أن أقارف‬
‫الجريمة‪ ،‬وقد قورفت مائة مرة في قلبي؛ ولكن أن ألوث شرف حبيبتي صوفي! آواه‪ ،‬أممكن هذا؟ كل! لقد قلت لها‬
‫مائة مرة إنه محال‪...‬فإن حبي لها أعظم ما أن يغريني بتملكها‪...‬تلك كانت اللذة الوحيدة لرجل أوتي مزاجًا من أكثر‬
‫المزجة تأججاً‪ ،‬ولكنه ربما كان في الوقت ذاته من أجبن من أنجبتهم الطبيعة من البشر"(‪.)26‬‬
‫ولحظت مدام ديينيه أن "دبها لم يعد يزورها الن إل لماماً‪ ،‬وسرعان‬

‫صفحة رقم ‪13074 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬
‫ما علمت بنبأ رحلته لخت زوجها‪ .‬فآلمها النبأ‪ .‬وكتبت إلى جريم في يونيو تقول "من القسوة على أي حال أن يهرب‬
‫منك فيلسوف في أقل اللحظات توقعاً لهروبه"(‪ .)27‬وذات يوم في أوبون وجد روسو "صوفي" تبكي‪ .‬ذلك أن سان‪-‬‬
‫لمبير نمى إليها خبر عبثها هذا‪ ،‬وقد أبلغ بالخبر (كما قالت لجان‪-‬جاك) "بطريقة سيئة‪ .‬إنه ينصفني‪ ،‬ولكنه‬
‫مغيظ‪...‬وأخشى ما أخشاه أن تكلفي حماقاتك الراحة والهدوء بقية أيامي"(‪ .)28‬واتفقا على أن الذي باح بالسر لسان‪-‬‬
‫لمبير لبد هو مدام ديينيه‪ ،‬لننا "كما نعلم أنه تراسله"‪ .‬أو لعلها باحت به لجريم‪ ،‬الذي كان يلقى سان‪-‬لمبير بين‬

‫الحين والحين في وستفاليا‪ .‬وقد حاولت مدام ديينيه‪-‬في رواية ورسو‪-‬أن تحصل من تريز على خطاباته التي تلقاها من‬
‫مدام دودتو‪ ،‬واتهم مضيفته بخيانته في خطاب عنيف‪:‬‬
‫"هناك عاشقان (صوفي وسان‪-‬لمبير) عزيزان عليّ‪ ،‬وهما وثيقا الرتباط جديران بحب الواحد لصاحبه‪...‬وأحسب أن‬
‫محاولت بذلت للتفريق بينهما‪ ،‬وأنني استعملت لبث الغيرة في صدر أحدهما‪ .‬ولم يكن الختيار سديداً‪ ،‬ولكنه بدا محققاً‬
‫لغراض الحقد؛ وأنت التي أشتبه في أنها مذنبة بهذا الحقد‪..‬وهكذا كان يمكن أن يُلصق بالمرأة التي أمن لها أعظم‬
‫تقدير‪...‬عار قسمة قلبها وشخصها بين حبيبين‪ ،‬ويلصق بي أنا عار كوني أحد هذين التعيسين‪ .‬ولو علمت أنك فكرت‬
‫في هذا إطلقاً ولو لحظة واحدة في حياتك‪ ،‬سواء عنها أو عني‪ ،‬لبغضتك حتى آخر نسمة من حياتي‪ ،‬ولكني ل أتهمك‬
‫بالتفكير في هذا فحسب‪ ،‬بل بقوله أيضاً‪.‬‬
‫"أتعلمين كيف أكفر عن أخطائي في الفترة القصيرة التي أنا مضطر للمكث فيها بقربكِ‪ ،‬بفعل ما ل يفعله أحد سواي‪:‬‬
‫بمصارحتك برأي الناس فيكِ وبالصدود التي عليكِ أن ترأبيها"(‪.)29‬‬
‫وأحزن عنف هذه التهم مدام دينيه‪ ،‬سواء أكانت مذنبة أم بريئة (ول علم لنا بالحقيقة)‪ ،‬فأبلغتها إلى حبيبها البعيد جريم‪.‬‬
‫وأجاب بأنه قد حذرها من "المآذق الشيطانية"‪ ،‬التي ستتورط فيها بإنزال روسو النزق الغريب الطوار‬

‫صفحة رقم ‪13075 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬العاشق‬
‫في اليرميتاج(‪ .)30‬ودعت جان‪-‬جاك إلى شفريد‪ ،‬وحيته بالعناق والجموع‪ ،‬وأجاب على الدموع بمثلها‪ ،‬ولم تدلِ له‬
‫بأي تفسير وصل إلينا علمه‪ ،‬وتعشى معها‪ ،‬ونام في بيتها‪ ،‬ورحل في الغد مودعًا بعبارات الصداقة‪.‬‬
‫وزاد ديدور الطين بلة‪ .‬فقد أشار على روسو بأن يكتب إلى سان‪-‬لمبير معترفاً بميله لصوفي‪ ،‬مؤكداً له رغم ذلك‬
‫وفاءها‪ .‬ووعد روسو بأن يكتب (في رواية ديدرو) ولكن مدام دودتو رجته أل يفعل‪ ،‬وأن يدعها تنقذ نفسها بطريقتها‬
‫الخاصة من المآزق التي ورطها فيها هيامه وعبثها‪ .‬فلما عاد سان‪-‬لمبير من الجبهة حدثه ديدرو بالعلقة‪ ،‬مفترضاً أن‬
‫روسو قد اعترف بها‪ .‬ولم روسو ديدرو ورماه بخيانته‪ ،‬ولم ديرو ورسو ورماه بخديعته‪ .‬ولم يتصرف تصرف‬
‫الفلسفة غير سان‪-‬لمبير‪ .‬فقد جاء وصوفي إلى اليرميتاج‪ ،‬و "دعا نفسه إلى العشاء معي‪...‬وعاملني بصرامة ولكن‬
‫بروح الصداقة"‪ .‬ولم يوقع عليه عقوبة أشد من النوم والشخير بينما كان جان‪-‬جاك يقرأ عالياً خطابه المطول إلى‬
‫فولتير‪ .‬على أن مدام دودتور لم تشجع المزيد من اللقاءات بروسو‪ .‬وأعاد لها الخطابات التي كتبتها يناء على طلبها‪،‬‬
‫ولكن حين طلب خطاباته إليها قالت إنها أحرقتها‪ .‬يقول "جرؤت على الشك في زعمها هذا‪...‬وما زلت أشك‪ .‬فلم تلق‬
‫في النار قط خطابات كخطاباتي‪ .‬لقد رأى الناس أن خطابات هلويز (لبيلر) حارة! فيا للسماء!‪ ،‬فماذا كانوا يقولون‬
‫في خطاباتي هذه؟"(‪ )31‬وانكفأ إلى عالمه الخيالي مجروحاً شاعراً بالخزي‪ ،‬واستأنف كتابه "هلويز الجديدة"‪ ،‬وسكب‬
‫فيه عواطف رسائله المشوبة لمدام دودتو‪.‬‬
‫على أن صنوفًا جديدة من الذل كانت في انتظاره حين عاد جريو من الحرب (سبتمبر ‪" )1757‬لم أكد أتبين فيه جريم‬
‫القديم" الذي كان فيما مضى "يعده شرفاً له أن ألقي عليه نظرة"(‪ )32‬ولم يستطع روسو أن يفهم العالة في فتور‬
‫جريو‪ ،‬ولم يعرف أن جريم عرف بأمر الخطاب المهين الذي أرسله إلى مدام ديينيه‪ .‬وكان جريم يقرب من جان‪-‬جاك‬
‫أنانية‪ ،‬ولكنه فيما عدا ذلك نقيضه عقلُ وخلقاً‪-‬فهو شكاك‪ ،‬واقعي‪ ،‬فظ‪ ،‬قاس(‪ .)33‬وهكذا فقد روسو صديقين بخطاب‬
‫واحد‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13076 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬لغط كبير‬

‫‪ -3‬لغط كبير‬
‫وحدثت أزمة جديدة حين قررت مدام ديينيه في أكتوبر ‪ 1757‬أن تزور جنيف‪ .‬وإليك قصة روسو‪:‬‬
‫كتبت إليّ تقول "يا صديقي‪ ،‬سأقوم فوراً بالرحلة إلى جنيف‪ ،‬لن صدري ساءت حالته‪ ،‬وصحتي اعتلت كثيراً‪ ،‬بحيث‬
‫ي أن أذهب لستشارة ترونشان"‪ .‬وزادت دهشتي لهذا القرار الذي اتخذ هكذا فجأة‪ ،‬وفي بداية أسوأ طقس في‬
‫يتعين عل ّ‬
‫السنة‪...‬وسألتها من سيصحبها‪ ،‬فأجابت بأنه ابنها ومعلمه مسيو دليفان‪ ،‬ثم أردفت بغير اكتراث "وأنت يا عزيزي‪ ،‬أل‬
‫تذهب أنت أيضاً؟" ولم يخطر لي أنها جادة فيما تقول‪ ،‬لنني في هذا الفصل منت ل أكاد أقوى على المضي إلى‬
‫حجرتي (أي السفر بين لشفريت واليرميتاج) فقد رحت امزح حول الفائدة التي يسديها مريض لخر‪ .‬ولم تكن هي‬
‫ذاتها‪ ،‬قيما بدا لي‪ ،‬جادة في اقتراحها‪ ،‬وإلى هنا انتهى المر"(‪.)34‬‬
‫وكان له مبررات وجيهة للزهد في مصاحبة المداد‪ ،‬فقد حالت دون ذلك آلمه وأوصابه‪ ،‬ثم كيف يستطيع أن يترك‬
‫تريز؟ أضف إلى ذلك أن الشائعات أرجفت بأن مضيقته حبلى‪ ،‬من جريم على الرجح‪ ،‬وصدق روسو القصة حيناً‬
‫وهنأ نفسه على النجاة من موقف مثير للسخرية‪ .‬ولكن المرأة المسكينة كانت صادقة‪ ،‬فهي تعاني من السل‪ ،‬ويبدو أنها‬
‫كانت مخلصة في رغبتها في أن يرافقها روسو‪ ،‬ولم ل يبهجه أن يعود‪ ،‬على نفقتها‪ ،‬لزيارة المدينة التي كان يفخر‬
‫كثيراً بأنه مواطن فيها؟ وكتب ديدرو‪ ،‬العالم بشعورها‪ ،‬إلى روسو يناشده أن يأخذ طلبها مأخذ الجد ويستجيب له‪ ،‬ولو‬
‫لما في ذلك من بعض الرد على إحساناتها‪ .‬وأجاب روسو بأسلوبه المعهود‪:‬‬
‫"أحس أن الرأي الذي تراه مصدره غيرك‪ .‬وفضلً عن عدم ميلي لن أدع نفسي أساق على غير إرادتي تحت ستار‬
‫اسمك من شخص ثالث أو رابع‪ ،‬فإنني ألحظ في هذه النصيحة الثانوية نزعًا من الغدر ل يتفق وصراحتك‪ ،‬ويحسن‬
‫بك أن تكف عنه مستقبلً لجلك ولجلي"(‪.)35‬‬

‫صفحة رقم ‪13077 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬لغط كبير‬
‫وفي أكتوبر أخذ خطاب ديدرو وجابه عليه إلى لشفريت وقرأهما "بصوت عالٍ واضح" على جريم ومدام ديينيه‪.‬‬
‫وفي الخامس والعشرين من الشهر رحلت قاصدة باريس‪ .‬وذهب روسو ليودعها وداعاً محرجاً‪ ،‬يقول "ولحسن الحظ‬
‫قامت في الصباح‪ ،‬وبقي لي من الوقت متسع للذهاب والغداء مع أخت زوجها" في أوبون‪ )36(.‬وفي التاسع والعشرين‬
‫(كما جاء في مذكرات مدام ديينيه) كتب إلى جريم‪.‬‬
‫"قل لي يا جريم لم يعلن جميع أصدقائي أن من واجبي أن أصحب مدام ديينيه؟ أمخطئ أنا‪ ،‬أم أنهم كلهم‬
‫مسحورون؟‪...‬إن مدام ديينيه مسافرة في مركبة أجرة لطيفة‪ ،‬ويصحبها زوجها‪ ،‬ومعلن ولدها‪ ،‬وخمسة خدم أو‬

‫ستة‪...‬فهل أحتمل أنا السفر في مركبة أجرة؟ وهل أطمع في القيام برحلة طويلة كهذه وبهذه السرعة الكبيرة دون أن‬
‫يقع لي حادث؟ وهل عليّ أن أطلب وقوفها في كل لحظة لنزل‪ ،‬أم عليّ أن أعجل بعذاباتي وساعاتي الخيرة‬
‫باضطراري إلى فرض القيود على نفسي؟ (يلوح) أن أصدقائي المخلصين‪...‬مصممون على إرهاقي حتى الموت"(‬
‫‪.)37‬‬
‫وفي ‪ 30‬أكتوبر غادرت مدام دينيه باريس قاصدة جنيف‪ ،‬وفي ‪ 5‬نوفمبر (في رواية المذكرات) رد جريم على روسو‪:‬‬
‫"لقد بذلت ما وسعني من جهد لتجنب الرد القاطع على الدفاع الرهيب الذي وجهته إلي‪ .‬وأنت تلح عليّ في أن‬
‫أرد‪...‬إنه لم يدر بخلدي قط أنه كان من واجبك أن تصحب مدام ديينيه إلى جنيف‪ .‬وحتى لو كان دافعك الول هو أن‬
‫تعرض عليها صحبتك لها‪ ،‬لكان من واجبها أن ترفض عرضك‪ ،‬وأن تذكرك بما يجب عليك نحو مركزك‪ ،‬وصحتك‪،‬‬
‫والمرأتين اللتين جررتهما إلى معتكفك؛ هذا رأيي‪...‬وأنت تجسر على أن تحدثني بعبوديتك‪ ،‬أنا الذي كنت طوال أكثر‬
‫من عامين الشاهد اليومي على كل دلئل الصداقة البالغة الحنان والكرم‪ ،‬التي منحتها إياك هذه المرأة‪ ،‬ولو استطعت‬
‫أن أصفح عنك لرأيتني غير جدير بصداقة إنسان‪ .‬أنني ل أريد أن أراك ما حييت‪ ،‬وسأحسب نفسي‬

‫صفحة رقم ‪13078 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬لغط كبير‬
‫سعيداً إن استطعت أن أطرد من عقلي ذكرى سلوكك‪ .‬سأطلب إليك أن تنساني وأنت تكف عن إزعاجي"(‪.)38‬‬
‫ومن جنيف كتبت مدام ديينيه إلى جريم‪" :‬لقد تلقيت شكر الجمهورية على الطريقة التي عاملت بها روسو واستقبلت‬
‫وفداً من صانعي الساعات للغرض ذاته‪...‬إن القوم هنا ينظرون إليّ نظرة الجلل من أجله"(‪ .)39‬ونبهها تونشان إلى‬
‫ضرورة بقائها عاماً تحت رعايته الطبية‪ .‬وكانت تختلف مراراً إلى بيتي فولتير في جنيف ولوزان‪ .‬وبعد حين لحق بها‬
‫جريم‪ ،‬وقضيا معاً ثمانية أشهر في عيشة سعيدة‪.‬‬
‫وفي ‪ 23‬نوفمبر ‪ 1757‬كتب إليها روسو (كما يروي) يقول‪:‬‬
‫إن كان ممكناً لنسان أن يموت حزناً لما كنت الن على قيد الحياة‪.....‬إن الصداقة قد انطفأت بيننا يا سيدتي‪ ،‬ولكن ذلك‬
‫ك معي‪ ،‬ولك أن تنتظري مني ما يمكن من‬
‫س كرم ِ‬
‫الذي مضى وانقضى ما زالت له حقوقه‪ ،‬وأنا أحترمها‪ .‬فأنا لم أن َ‬
‫عرفان بالجميل لشخص ل أستطيع أن أحبه بعد‪...‬‬
‫"أردت أن أغادر اليرميتاج‪ .‬وكان ينبغي لي أن أفعل‪ ،‬ويزعم أصدقائي أنه لبد من بقائي هناك إلى الربيع‪ ،‬وما دام‬
‫أصدقائي يريدون هذا فسأبقى هناك إن وافقت"(‪.)40‬‬
‫وفي أوائل ديسمبر جاء ديدرو لزيارة ورسو‪ ،‬فوجده ساخطاً باكياً لما حل به من "استبداد" أصدقائه‪ .‬وقد وردت رواية‬
‫ديدرو لهذه الزيارة في خطابه المؤرخ ‪ 5‬ديسمبر إلى جريم‪:‬‬
‫"إن الرجل مسعور ‪ ... Forcen‬لقد زرته‪ ،‬ولمته على شناعة سلوكه بكل القوة التي منحتني إياها الصراحة والمانة‪.‬‬
‫وقد دافع عن نفسه في ثورة‬

‫صفحة رقم ‪13079 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬لغط كبير‬
‫ل بيني وبين عملي‪ ،‬ويربك عقلي؛ وكأني بجواري أحد المحكوم عليهم‬
‫غضب أحزنتني‪...‬إن هذا الرجل يقف حائ ً‬
‫بالهلك البدي‪...‬أي منظر هذا‪-‬منظر رجل شرير ضار! ل تدعني أراه ثاني‪ ،‬فهو يحملني على اليمان بالشيطان‬
‫والجحيم"(‪.)41‬‬
‫وتلقى روسو ردًا من مدام ديينيه في ‪ 10‬ديسمبر‪ .‬والظاهر أن جريم كان قد نقل إليها ملحظات روسو عن "عبوديته"‬
‫في اليرميتاج‪ ،‬لنها كتب إليه بمرارة غير معهودة فيها‪:‬‬
‫"كل ما يسعني عمله الن أن أرثي لك‪ ،‬بعد أن بذلت لك طوال سنوات عديدة كل أمارات الصداقة الممكنة‪ .‬فأنت شقي‬
‫جداً‪"...‬‬
‫"وما دمت مصمماً على مغادر اليرميتاج‪ ،‬ومقتنعاً بأنه ينبغي لك أن تفعل‪ ،‬فإنه يدهشني أن يقنعك أصدقاؤك بعد‬
‫إلحاح بالبقاء فيه‪ .‬أما أنا فل أستشير أصدقائي أبداً في أمر واجي‪ ،‬وليس عندي ما أزيد في أمر واجبك"(‪.)42‬‬
‫وفي ‪ 15‬ديسمبر‪ ،‬ورغم حلول الشتاء‪ ،‬غادر روسو اليرميتاج ومعه تريز وكل متعلقاتها‪ .‬أما أمها فقد أرسلها لتعيش‬
‫في باريس مع بناتها الخريات ولكنه وعد بأن يسهم في نفقاتها‪ .‬وانتقل إلى كوخ في مونمورنس أجره له وكيل للوي‪-‬‬
‫فرانسو دبوريون‪ ،‬أمير كونتي‪ .‬هناك‪ ،‬وقد ولى ظهره لصدقائه السابقين‪ ،‬أنتج في خمس سنوات ثلثة من أعظم كتب‬
‫القرن تأثيراً‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13080 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬

‫‪ -4‬خصامه مع جماعة الفلسفة‬
‫كان مسكنه الجديد يقع فيما سماه "حديقة مون‪-‬لوي" وهو "حجرة واحدة" أمامها مرجة‪ ،‬وفي طرف الحديقة حصن‬
‫قديم فيه "طاقة خالصة على الهواء"‪ .‬وكان عليه أن يستقبل زواره حين يجيئون "وسط أطباقي القذرة وقدوري‬
‫المحطمة" ويرتعد مخافة أن ينخسف "أرض الحجرة التي تهدمت" تحت أقدام ضيوفه‪ .‬ولم يكترث لفقره‪ ،‬فقد كان‬
‫يكسب ما يكفيه‬

‫صفحة رقم ‪13081 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫بنسخ الموسيقى‪ ،‬أغتبط بكونه حرفياً كفئاً(‪ ،)43‬وبأنه لم يعد تابعًا لمرأة غنية‪ .‬وكان يرد هدايا جيرانه اللطفاء حين‬
‫يرسلونها إليه‪ ،‬فقد أحس أن من الذل أن يأخذ المرء أكثر مما يعطي‪ .‬وأرسل له المير دكنوتي الدجاج مرتين‪ ،‬فأخبر‬
‫الكونتيسة دبوفليه أنه سيرد الهدية الثالثة إن جاءت‪.‬‬
‫ونلحظ عرضاً كثرة الرستقراطيين الذين ساعدوا ثورا التنوير‪ .‬ل لموافقتهم على آرائهم بقد تعاطفهم الكريم مع‬
‫العبقرية المحتاجة‪ .‬لقد كان في نبلء النظام القديم الكثير من عناصر النبل‪ ،‬وقد خصت الرستقراطية روسو بصداقتها‬
‫رغم تنديده بها‪ .‬وكان الحرفي المعتز بنفسه ينسى نفسه أحياناً ويفخر بأصدقائه حملة اللقاب‪ ،‬قال في معرض حديثه‬
‫عن مرجته‪:‬‬
‫"كانت تلك الشرفة قاعة الجلوس التي استقبلت فيها مسيو ومدام لكسمبورج‪ ،‬والدوق ديفيلروا‪ ،‬وأمير تنجري‪ ،‬ومركيز‬
‫أمرنتيير‪ ،‬ودوقة مونمورنسي‪ ،‬ودوقة بوفليه ‪ ،‬والكونتيسة دفالنتنوا‪ ،‬والكونتيسة دبوفلييه‪ ،‬وغيرهم من نفس‬
‫الرتبة‪...‬الذين تنازلوا بأن يحجوا إلى مون‪-‬لوي"(‪.)44‬‬
‫وكان منزل المرشال والمرشالة دلكسمبورج غير بعيد من كوخ روسو‪ .‬وما لبثا عقب وصوله أن دعواه إلى العشاء‬
‫فرفض الدعوة‪ .‬ثم كرراها في صيف ‪ 1758‬فرفضها ثانية‪ .‬ثم أتيا حوالي عيد القيامة في ‪ 1759‬ومعهما ستة من‬
‫أصدقائهم النبلء يتحدونه في معكفه‪ .‬وراعه المر فقد اكتسبت المرشالة يوم كانت الدوقة دبوفليه سمعة بأنها فتنت‬
‫عدداً هائلً من الرجال‪ .‬ولكنها خلفت خطاياها وراءها وغدت في نضجها امرأة فيها فتنة المومة ل مجرد فتنة‬
‫الجنس؛ وسرعان ما أذابت تحفظه الخجول وهمزته ليشارك في حديث حي‪ .‬وتسائل الزوار لم يعيش رجل أوتي هذه‬
‫المواهب في هذا الضنك‪ .‬ودعا المرشال روسو وتريز ليذهبا ويعيشا معه حتى يمكن إصلح كوخهما؛ ولكن‬

‫صفحة رقم ‪13082 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫جان‪-‬جاك ظل على مقاومته؛ وأخيرًا اقتنع هو وتريز بأن يسكنا حيناً "القصر الريفي الصغير" الواقع في ضيعة‬
‫لكسمبورج‪ .‬فانتقل إليه في مايو ‪ .1756‬وكان روسو أحيانًا يزور لكسمبورج وزوجته في بيتهما الفخم‪ ،‬هناك كان‬
‫يغرى بسهولة بأن يقرأ عليهما وعلى ضيوفهما بعض فصول الرواية التي كان يكملها‪ .‬وبعد بضعة أسابيع عاد هو‬
‫تريز إلى كوخهما ولكنه واصل زياراته لل لكسمبورج‪ ،‬وظل هما على وفائهما له طوال تقلبات مزاجه‪ .‬وشكا جريم‬
‫من أن روسو "هجر أصدقائه القدامى واستبدل بنا قومًا من أعلى الطبقات"(‪ )45‬ولكن جريم هو الذي نبذ روسو‪ ،‬وفي‬
‫خطاب كتبه جان‪-‬جاك إلى مالزيرب في ‪ 28‬يناير ‪ 1762‬رد على من اتهموه بالتنديد بالنبلء‪ ،‬وبالتودد إليهم‪:‬‬
‫"سيدي‪ ،‬إنني أكره كرهًا شديداً تلك الطبقات الجتماعية التي تتسلط على غيرها‪...‬ول يضايقني أن أعترف لك بهذا‬
‫وأنت سلسل أسرة مشهورة بعراقتها‪...‬إنني أبغض العظماء‪ ،‬أبغض وضعهم‪ ،‬وقسوتها‪ ،‬وأهواءهم‪...‬ورذائلهم‪...‬بمثل‬
‫هذا المزاج ذهبت كإنسان يجر جراً إلى قصر (آل لكسمبورج) الريفي في مونمورنس‪ .‬ثم رأيت سادته؛ وقد أحبوني‪،‬‬
‫وأحببتهم يا سيدي‪ ،‬وسأظل أحبهم ما حييت‪...‬وإني لبذل لهم‪ ،‬ل أقول حياتي فتلك عطية هزيلة‪..‬بل الفخر الوحيد الذي‬
‫مس قلبي‪-‬وهو ذلك التشريف الذي أتوقعه من الخلف‪ ،‬والذي سيمنحنيه ما في ذلك شك‪ ،‬لنه حقي‪ ،‬ولن الخلف‬
‫منصفون دائماً"‪.‬‬

‫وكان يود أن يحتفظ بصديقة سابقة‪-‬هي مدام دودتو‪ ،‬ولكن سان‪-‬لميير لمها على الشائعات التي ربطت فيها باريس‬
‫اسمها باسم روسو‪ ،‬فأخبرت روسو بأن يكف عن الكتابة لها‪ .‬وتذكر أنه أعترف لديدرو بحبه لها‪ ،‬فخلص الن إلى أن‬
‫ديدرو هو الذي ثرثر به في الصالونات و "عقدت النية على مقاطعته إلى البد"(‪.)46‬‬
‫ولكنه أختار أسوأ اللحظات والوسائل ففي ‪ 27‬يوليو ‪ 1758‬كان هلفتيوس قد نشر في كتابه "في العقل" هجوماً عنيفاً‬
‫على الكهنوت الكاثوليكي‪ .‬وأفضت‬

‫صفحة رقم ‪13083 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫الضجة المترتبة على هذا الهجوم إلى المطالبة المتصاعدة بخطر "الموسوعة" (التي كان قد صدر منها سبعة‬
‫مجلدات) وكل الكتابات التي تنتقد الكنيسة أو الدولة‪ .‬وكان المجلد السابع يتضمن مقال دالمبير المتهور عن جنيف‪،‬‬
‫الذي امتدح فيه القساوسة الكلفنين على عقيدة التوحيد التي يتكتمونها وناشد السلطات الجنيفية أن تسمح بإقامة مسرح‪.‬‬
‫وفي أكتوبر ‪ 1758‬نشر روسو "خطاباً إلى مسيو دالمبير عن المسرح" وكان على اعتدال لهجته إشهار حرب على‬
‫عصر العقل‪ ،‬وعلى زندقة فرنسة منتصف القرن الثامن عشر وفساد خلقها‪ ،‬وقد بذل روسو في مقدمتها قصارى جهده‬
‫في التبرؤ من ديدرو‪ ،‬دون أن يذكر اسمه صراحة‪" :‬كان من بين أصحابي أرستارخوس" رجل صارم‪ ،‬عادل ولكنه‬
‫لم يعد صاحباً لي ولست أريد مزيداً من صحبته‪ ،‬على أنني لن عن السف عليه وأن قلبي ليفتقده أكثر من كتاباتي‪،‬‬
‫وأضاف في هامش معتقدًا أن ديدرو قد أفشى سره لسان‪-‬لمبير‪:‬‬
‫"إن كنت قد امتشقت حساماً على صديق فل تيأس لن هناك سبيلً لرد الحسام إليه وإن كنت قد أشقيته بكلمك فل‬
‫تخف لن في المكان مصالحته‪ .‬أما الهانة واللوم المؤذي وإفشاء السر وجرح قلبه بالخيانة فهذه كلها تسخطه عليك‬
‫وهو تاركك إلى غير عودة(‪.")47‬‬
‫أما الخطاب الذي تبلغ صفحاته في الترجمة ‪ 135‬فكان بعضه دفاعًا عن الدين كما يبشر به علنية في جنيف‪ .‬كان‬
‫روسو نفسه موحداً‪-‬أي رافضاً للهوت المسيح كما سيدل على ذلك كتاب "إميل" بعد قليل‪ ،‬ولكنه حين تقدم طالباً‬
‫المواطنة الجنيفية كان قد أقر بالعقيدة الكلفنية الكاملة‪ ،‬وفي هذا الخطاب دافع عن الدين القديم‪ ،‬وعن اليمان بالوحي‬
‫اللهي‪ ،‬باعتبارهما أمرين ل غنى عنهما لخلق الشعب‪" .‬أن ما يمكن إثباته لغلبية الناس بالعقل ليس إل الحساب‪،‬‬
‫إن ما يمكن إثباته لغلبية الناس بالعقل ليس الحساب النفعي للمصلحة الشخصية" ومن ثم كان مجرد الدين الطبيعي"‬
‫سيهبط بالخلق إلى مستوى ل يزيد على تجنب اكتشاف الذنوب‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13084 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬

‫ولكن اللهوت كان مثاراً صغيراً للجدل في حجة روسو‪ ،‬أما همجيته المامية فكانت على اقتراح دلمبير بأن يصرح‬
‫بإقامة مسرح في جنيف‪ .‬هنا لم يكن العدو الخفي هو دالمبير‪ ،‬بل فولتير‪ .‬فولتير الذي حجب سناء شهريته نزيلً‬
‫بجنيف‪ ،‬فخر روسو بمواطنته الجنيفية‪ ،‬حجباً أثار حنقه‪ ،‬فولتير الذي جرؤ على تقديم التمثيليات في جنيف أو قربها‪،‬‬
‫والذي حث لمبير بل شك على أن يضمن مقالً في الموسوعة نداء بإنشاء مسرح جنيفي‪ .‬فماذا؟ أتدخل في مدينة‬
‫اشتهرت بأخلقها البيورتانية ضرباً من اللهو‪ .‬كان في كل مكان تقريبًا يمجد الفساد الخلقي؟ أن الدرامات المحزنة‬
‫تصور جريمة دائماً‪ ،‬وهي ل تظهر العواطف ما ظن أرسطو‪ ،‬بل تلهبها‪ ،‬ولسيما عواطف الجنس والعنف‪ .‬وأما‬
‫التمثيليات الهزلية فنادراً ما تعرض الحب الزوجي النقي‪ ،‬وكثيراً ما تهزأ بالفضيلة‪ ،‬كما فعل حتى موليي في مسرحيته‬
‫"مبغض البشر"‪ .‬وكل الناس عليمون بأن الممثلين يحيون حياة العربدة والفساد‪ ،‬وأن معظم ممثلت المسرح الفرنسي‬
‫الفاتنات هن مضرب المثال في فوضى الجنس‪ ،‬وبؤر ومصادر الفساد في مجتمع يعبدهن‪ .‬وربما كانت شرور‬
‫المسرح هذه في المدن الكبيرة مثل باريس ولندن ل تؤثر إل في شطر صغير من السكان‪ ،‬أما في مدينة صغيرة‬
‫كجنيف (ل يسكنها أكثر من ‪ 14.000‬نسمة) فإن سمومها تتغلغل في جميع الطبقات ‪ ،‬وتثير العروض أفكارًا مولعة‬
‫بالجديد وحربًا بين الحزاب(‪.)48‬‬
‫وإلى هنا كان روسو يردد الرأي البيورتاني أو الكلفني في المسرح‪ ،‬ويقول في فرنسا عام ‪ 1758‬ما قاله من قبل‬
‫ستيفن جوسون في إنجلترا عام ‪ ،1579‬ووليم يرين عام ‪ ،1632‬وجريمي كوليار عام ‪ .1698‬ولكن روسو لم يقتصر‬
‫على التنديد‪ .‬فهو لم يكن بيورتانياً؛ ومن ثم دعا إلى الرقص والمراقص تحت رعاية الدولة وإشرافها‪ .‬وقال إنه ينبغي‬
‫أن توفر أسباب الترفيه العامة ولكن من ونوع اجتماعي وصحي‪ ،‬كالرحلت الخلوية‪ ،‬واللعاب في الهواء الطلق‪،‬‬
‫والمهرجانات‪ ،‬والستعراضات (هنا أضاف روسو وصفاً نابضاً بالحياة لسباق زوارق على بحيرة جنيف)(‪.)49‬‬
‫ويقول لنا روسو أن الحطاب "أصاب نجاحًا كبيراً" فقد بدأت باريس‬

‫صفحة رقم ‪13085 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫تمل حياة الفساد؛ ولم يعد هناك لذة في النحرافات الخارجة على العرف التي أصبحت هي ذاتها عرفاً‪ .‬فلقد أتخمت‬
‫المدينة برجال يسلكون مسلك النساء‪ ،‬ونساء يتحرقن شوقاً إلى أن يكن كالرجال‪ .‬لقد شبعت من الدراما الكلسيكية‬
‫وأشكالها الطنانة المتكلفة ورأت حقارة قواد مدام دبومبادور وجنودها أما جند فردريك السبارطيين‪ .‬وكان الستماع‬
‫إلى فيلسوف يمجد الفضيلة تجربة منعشة وسيزداد تأثير "الخطاب" الخلقي حتى يشارك هو وكتابات روسو‬
‫الخرى في إحداث عودة للياقة تكاد تكون ثورية في عهد لويس السادس عشر‪.‬‬
‫ولم يكن في وسع الفلسفة أن يتوقعوا هذا‪ .‬فالذي أحسوا به في إعلن روسو هو أنه عمل من أعمال الخيانة‪ ،‬لنه‬
‫هاجمهم في لحظة خطرهم الكبر‪ .‬ففي يناير ‪ 1759‬حظرت الحكومة نهائيًا نشر الموسوعة أو بيعها‪ .‬وحين ندد روسو‬
‫بأخلق باريس رماه أخصائه القدامى بالنفاق‪ .‬وقد تذكروا مطاردته لمدام دودتو‪ ،‬وحين ندد بالمسرح نوهوا بأنه كتب‬
‫"كان القرية" و "نارسيس" للمسرح‪ ،‬وأنه كان يختلف إلى المسرح‪ .‬ورفض سان‪-‬لمبير برسالة جافية (‪ 10‬أكتوبر‬
‫‪ )1768‬نسخة "الخطاب" التي أرسلها إليه روسو‪:‬‬
‫"ل أستطيع قبول هديتك‪ ،‬ولعل لك عذراً‪-‬على غير ما أعلم‪-‬في الشكوى من ديدرو‪ ،‬ولكن هذا ل يعطيك حق إهانته‬
‫علناً‪ .‬فأنت ل تجهل طبيعة الضطهاد التي يعانيها‪....‬ولست أملك يا سيدي إلى أن أقول لك إن هذا العمل الشائن الذي‬
‫س أنني موجود‪...‬وأني أعدك‬
‫اقترفته صدمني كثيراً‪...‬كلنا يختلف في مبادئنا اختلفاً أشد من أن يتيح لنا أن ننسجم‪ .‬فان َ‬
‫بأن أنسى شخصك‪ ،‬ول أذكر عنك شيئًا إل مواهبك"(‪.)50‬‬
‫على أن مدام ديينيه حين عادت من جنيف شكرت روسو على النسخة التي بعث بها إليها‪ ،‬ودعته للعشاء فذهب‪،‬‬
‫والتقى بسان‪-‬لمبير ومدام دودتو آخر لقاء‪.‬‬

‫ووافاه من جنيف أكثر من عشرة خطابات ثناء‪ .‬وحظر قضاة جنيف على فولتير عرض أي مسرحيات على أرض‬
‫جنيف بعد أن شجعهم موقف روسو‪ .‬ونقل فولتير مواهبه المسرحية إلى تورنيه‪ .‬وانتقل هو إلى فرنيه‪ .‬وأحس‬

‫صفحة رقم ‪13086 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫بوجع الهزيمة‪ ،‬فاتهم روسو بأنه هارب مارق‪ ،‬وأسف على تردي قطيع "الفلسفة" الصغير إلى هوة صراع يفنون فيه‬
‫أنفسهم‪ .‬وكتب يقول "إن جان‪-‬جاك السيئ السمعة هو يهوذا الجماعة"(‪ )51‬ورد روسو بخطاب (‪ 29‬يناير ‪)1760‬‬
‫إلى الراعي الجنيفي بول مولتو‪:‬‬
‫"أتحدثني عن ذلك الرجل فولتير؛ لم يلوث اسم ذلك المهرج رسائلك؟ لقد دمر ذلك التعس وطني (جنيف)‪ .‬ولو كان‬
‫احتقاري له أقل لكرهته أكثر‪ .‬وأنا ل أرى في مواهبه العظيمة إل شيئاً مخزيًا يضاف إلى خزيه‪ ،‬ويحط من قدره‬
‫بسبب الطريقة التي يسخر بها‪...‬إيه أيها المواطنون الجنيفيون‪ ،‬إنه يكلفكم غالياً جزاء إيوائكم له!"(‪.)52‬‬
‫وأحزن روسو أن يعلم أن فولتير يخرج التمثيليات في تورنيه‪ ،‬وأن كثيرًا من المواطنين الجنيفيين يعبرون الحدود إلى‬
‫فرنسا ليشهدوا هذه الحفلت‪-‬ل بل ليشارك بعضهم فيها‪ .‬ووجد استياؤه مبرراً آخر للحرب حين طبع خطابه الذي‬
‫أرسله إلى فولتير عن زلزال لشبونة في مجلة برلين (‪ ،)1760‬لن فولتير فيما يبدو أعار المخطوطة في غير مبالة‬
‫لحد الصدقاء‪ .‬فأرسل روسو الن (‪ 17‬يونيو) إلى فولتير خطابًا من أعجب الخطابات في رسائل هذا العصر‬
‫الصاخب‪ .‬قال بعد أن لم فولتير على نشر الخطاب دون إذنه‪:‬‬
‫"إنني ل أحبك يا سيدي‪ .‬فلقد آذيتني أن تلميذك المتحمس لك أبلغ الذى‪ .‬لقد دمرت جنيف جزاء على الملجأ الذي‬
‫قدمت لك‪ .‬ولقد نفرت مواطني من جراء المديح الذي مدحك به بينهم‪ .‬وأنت الذي تجعل مقامي في وطني شيئًا ل‬
‫أطيقه‪ ،‬أنت الذي ستضطرني للموت على أرض غريبة‪ ،‬محروماً من كل تعزيات المحتضرين‪ ،‬ملقي على كوم من‬
‫أكوام المهملت في ازدراء‪ ،‬بينما يحيط بك كل ما يستطيع إنسان أن يطعم فيه من أسباب التكريم في وطني‪ .‬فأنا‬
‫باختصار أكرهك‪ ،‬لنك هكذا شئت‪ ،‬ولكن أكرهك بمشاعر إنسان ما زال في وسعه أن يحبك لو كنت قد رغبت في‬
‫حبي‪ .‬ولم يبق من جميع المشاعر التي امتل بها قلبي نحوك سوى العجاب بعبقريتك الرائعة‪ ،‬وحب‬

‫صفحة رقم ‪13087 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬خصامة مع جماعة الفلسفة‬
‫كتاباتك‪ .‬وإذا كنت ل أكرم فيك غير مواهبك فليس الذنب ذنبي‪ .‬ولن يوجد قصور أو نقص أبداً في الحترام الواجب‬
‫لها‪ ،‬ول في المسلك الذي يقتضيه ذلك الحترام"(‪.)53‬‬

‫ولم يجب فولتير‪ ،‬ولكنه كان يدعو روسو سراً "المشعوذ" و "المجنون"(‪ )54‬و "النسانس الصغيرة" وقد كشف فر‬
‫سائله لدالمبير عن نفس ل تقل حساسية وتأججًا عن نفس جان‪-‬جاك‪:‬‬
‫"وتلقيت رسالة طويلة من روسو‪ .‬لقد جن جنونًا مطبقاً‪...‬فهو يهاجم المسرح بعد أن كتب هو نفسه تمثيلية هزيلة‬
‫رديئة؛ هو يهاجم فرنسا التي تطعمه؛ وهو يجد خمسة أضلع متعفنة أو ستة من برميل ديوجين ويتسلقها لينبحنا؛ وهو‬
‫يتخلى عن أصدقائه‪ .‬ويكتب إلى‪-‬إلى!‪-‬أشد ما سود به متعصب الصحائف إهانة‪...‬ولول أنه قزم حقير ل أهمية له‪،‬‬
‫انتفخت أوداجه غروراً‪ ،‬لما كان في المر أذى يذكر؛ ولكنه أضاف إلى وقاحة خطابة وعار التآمر مع متنطعي‬
‫السوسنيين هنا للحيلولة بيني وبين إقامة مسرح لي في تورنيه‪ ،‬أو على القل لمنع المواطنين من التمثيل فيه معي‪ .‬وإذا‬
‫كان قصده من هذه الحيلة الوضيعة أن يعد لنفسه عودة ظافرة إلى الزقة الحقيرة التي نشأ فيها‪ ،‬فذلك فعل وغد‪ ،‬ولن‬
‫أصفح عنه ما حييت‪ .‬ولو أن أفلطون لعب على لعبة من هذا النوع لنتقمت منه‪ ،‬فما بالك بتابع خانع لديوجين‪ .‬إن‬
‫مؤلف "الويزا الجديدة" ليس إل وغداً شريراً"(‪.)55‬‬
‫في هذين الخطابين اللذين كتبهما أشهر كاتبين في القرن الثامن عشر نستشف من وراء تيارات العصر التي يحسبها‬
‫الناس غير شخصية‪ ،‬العصاب التي اشتد إحساسها بكل لطمة في الصراع‪ ،‬والغرور البشري المشترك الذي‬
‫تضطرب به أفئدة الفلسفة والقديسين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13088 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬

‫‪ -5‬هلويز الجديدة‬
‫إن الكتاب الذي أخطأ فولتير في تسميته كان طوال ثلث سنين ملذا لروسو من أعدائه‪ ،‬وأصدقائه‪ ،‬والعالم‪ .‬بدأه عام‬
‫‪ 1756‬وفرغ منه في‬

‫صفحة رقم ‪13089 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫سبتمبر ‪ ،1758‬وأرسله إلى ناشر في هولندا‪ ،‬وظهر في فبراير ‪ 1761‬باسم "جولي أو هلويز الجديدة‪ ،‬رسائل عاشقين‬
‫جمعها ونشرها ج‪.‬ج روسو"‪ .‬وصياغة الرواية في شكل رسائل كانت عادة قديمة‪ ،‬ولكن لعل الذي دعا روسو إلى‬
‫التصميم عليها هو محاكاته رواية رتشاردسن "كلريسا"‪.‬‬

‫والقصة بعيد الحتمال ولكنها نسيج وحدها‪ .‬فجولي هي ابنة بارون ديتانج‪ ،‬وهي في السابعة عشرة أو نحوها‪ .‬وتدعو‬
‫أمها الشاب الوسيم سام‪-‬برو ليكون معلمها الخاص‪ .‬ويقع أبيلر الجديد هذا في غرام هلويز الجديدة‪ ،‬كما كان يمكن أن‬
‫تتوقعه أي أم في دنيا الواقع‪ .‬ول يلبث أن يرسل إلى تلميذته رسائل حب حددت اللحن لقرن من القصص الرومانسي‪:‬‬
‫"إني لرتعد كلما تصافحت أيدينا‪ ،‬ول أدري كيف يحدث هذا‪ ،‬ولكنها تتصافح دوماً‪ .‬وإني أجفل حالما أحس لمسة‬
‫إصبعك‪ ،‬وتأخذني حمى أو قولي حمى مصحوبة بهذيان بهذه المتع؛ وتتخلى عني حواسي شيئاً فشيئاً‪ ،‬فإذا خرجت‬
‫هكذا عن طوري فماذا أستطيع أن أقول‪ ،‬أو أفعل‪ ،‬وأين أختبئ‪ ،‬وكيف أكون مسئولً عن سلوكي؟"(‪ )56‬ثم يقترح أن‬
‫يرحل ولكنه يكتفي بالكلم دون الفعل‪:‬‬
‫"وداعًا إذن يا جولي المفرطة الفتنة‪...‬غداً سأكون رحلت إلى البد‪ .‬ولكن ثقي أن غرامي العنيف الطاهر بكي لن ينتهي‬
‫إل بانتهاء حياتي‪ ،‬وأن قلبي المفعم بهذا المخلوق الملئكي‪ ،‬لن يهبط بنفسه إلى إفساح مكان فيه لحب ثانِ‪ ،‬وأنه سيوزع‬
‫كل ولئه المستقبل بينك وبين العفة‪ ،‬وأنه لن يدنس لهيب آخر المذبح الذي عبدت عليه جولي(‪.)57‬‬
‫وقد تبتسم جولي لهذا التعبد‪ ،‬ولكن فيها من النوثة ما يمنعها من إقصاء مثل هذا الكائن المبهج عن المديح‪ .‬فتطلب إليه‬
‫أن يؤجل قراره‪ .‬فالتصال الكهربائي بين الذكر والنثى قد احدث بها على أي حال اضطرابًا مماثلً‪ ،‬وسرعان ما‬
‫تعترف بأنها هي أيضًا قد أحست باللدغة الغامضة‪" :‬منذ أول يوم التقينا فيه تشربت السم الذي يسري الن في حواسي‬

‫صفحة رقم ‪13090 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫وعقلي‪ ،‬شعرت به فوراً وعيناك‪ ،‬وعواطفك‪ ،‬وحديثك‪ ،‬وقلمك المذنب‪-‬كلها تزيد كل يوم أذاه(‪ .")58‬ومع ذلك يتعهد‬
‫بأل يطلب مطلباً أشد إثمًا من قبلة "كوني عفيفة وإل احتقرت‪ ،‬وسأكون جديراً بالحترام وإل عدت كما كنت‪ ،‬ذلك هو‬
‫المل الوحيد الباقي لي‪ ،‬والذي يفضل المل في الموت"‪ .‬ويوافق سان‪-‬برو على أن يجمع بين الهذيان والعفة‪ ،‬ولكنه‬
‫يعتقد أن هذا يتطلب معونة خارقة من السماء‪.‬‬
‫"أيتها القرى السماوية‪...،‬انفخي فيّ روحاً تطيق السعادة العظمى! أيها الحب اللهي! يا روح وجودي‪ ،‬آواه‪ ،‬أسندي‬
‫لنني أوشكت على السقوط تحت وطأة الوجد!‪...‬آواه كيف احتمل سيل السعادة المتدفق الذي يفيض به قلبي؟ كيف‬
‫أطرد هواجس عاشقة خائفة؟(‪ .)59‬وهكذا طوال ‪ 657‬صفحة‪ .‬فإذا بلغنا صفحة ‪ 91‬قبلته‪ .‬والكلمات تقصر عن وصف‬
‫"حالي بعد ذلك بلحظة‪ ،‬حين شعرت‪-‬إذ ارتعشت يداي‪-‬برعدة رقيقة‪-‬وشفتاي المعطرتان‪-‬شفتا جولي حبيبتي‪-‬تضغطان‬
‫شفتي‪ ،‬وأنا بين ذراعيها! وبأسرع من البرق انطلقت من كياني نار مباغتة(‪ .)60‬فإذا وصلنا الرسالة التاسعة‬
‫والعشرين وجدنا أنه أغواها‪ ،‬أو أنها أغوته‪ .‬ويهيم هو في عوالم من النشوة‪ ،‬ولكنها تحسب كل شيء قد ضاع‪" .‬إن‬
‫لحظة غفلة واحدة قد أسلمتني إلى تعاسة أبدية‪ .‬لقد سقطت في وهدة العار التي ل مخرج منها"(‪.)61‬‬
‫وتموت أم جولي كمداً حين تعلم بأن بكارتها فضت‪ .‬ويقسم البارون أن يقتل سان‪-‬برو‪ ،‬فيخرج هذا في رحلة بحرية‬
‫حول الرض‪ .‬وتتزوج جولي فولمار‪ ،‬وهو روسي كريم المولد‪ .‬متقدم السن‪ ،‬تكفيراً عن ذنبها وطاعة لبيها‪ ،‬ولكنها‬
‫تظل تراسل سان‪-‬برو خفية‪ ،‬وتشعر نحوه بعاطفة أقوى من حبها الواجب عليها لزوجها‪ .‬ويدهشها أن تجد فولمار‬
‫إنساناً طيباً‪ ،‬وفياً حريصاً على راحتها‪ ،‬منصفاً كريماً‬

‫صفحة رقم ‪13091 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫مع الجميع‪ ،‬وذلك رغم إلحاده‪.‬وفي رسالة كتبتها لسان‪-‬برو تؤكد له أن الرجل والمرأة قد يجدان الرضى في "زواج‬
‫المصلحة" ولكنها لن تعرف السعادة الكاملة أبداً‪ .‬فانحرافها قبل زواجها يثقل ذاكرتها وأخيراً تعترف لزوجها بلحظة‬
‫الثم تلك‪ .‬ويقول أنه علم بها‪ ،‬وصمم على أل يذكرها أبداً‪ .‬ويخبرها أنه لم يكن إثمًا قط‪ .‬وتأكيداً لغفرانه لها يدعو سان‪-‬‬
‫بور للحضور والقامة مع السرة معلماً خاصاً لطفلهما‪ ،‬ويحضر سان‪-‬بو؛ ويؤكد لنا المؤلف أن الثلثة يعيشون معاً‬
‫في وفاق حتى يفرق بينهم الموت‪ .‬ويغيب الزوج العجيب أياماً‪ .‬وتخرج جولي وسان‪-‬برو للتجديف في بحيرة جنيف‪،‬‬
‫ويعبران إلى سافوي‪ ،‬ويريها الصخور التي كتب عليها اسمها في منفاه‪ ،‬ويبكي؛ وتمسك بيده المرتعشة‪ ،‬ولكنهم‬
‫يعودان بريئين من الثم في كلرنس في إقليم فو(‪.)62‬‬
‫ويعجبان كيف يمكن لفولمار أن يكون بهذه الطبيعة دون إيمان ديتي‪ .‬ويفسر سان‪-‬برو هذه الظاهرة الشاذة‪ ،‬وهو‬
‫كجولي بروتستنتي متمسك بدينه‪:‬‬
‫"إن فولمار الذي أقام في أقطار كاثوليكية رومانسية لم يغره ما خبره من إيمان أهلها‪ .‬بأن يرى في المسيحية رأياً‬
‫أفضل‪ .‬فقد رأى أن مذهبه ل يتجه إلى لمصلحة كهنتهم‪ ،‬وهو يتألف بجملته من حركات مثيرة للسخرية ورطانة بألفاظ‬
‫ل معنى لها‪ .‬ولحظ أن ذوي الفطرة السليمة والمانة مجمعون على رأيه‪ ،‬وأنهم ل يتحرجون من الجهر برأيهم‪ ،‬ل بل‬
‫أن القساوسة أنفسهم في الخفاء كانوا يهزؤون سرًا بما يعلمون ويثبتون في الذهان علنية‪ ،‬ومن ثم فكثيراً ما أكد لنا‬
‫أنه بعد أن أنفق كثيراً من الوقت والجهد في البحث‪ ،‬لم يلتقِ قط بأكثر من ثلث قساوسة يؤمنون بال(‪ .")63‬ويضيف‬
‫روسو في حاشية‪ ،‬معاذ ال أن أوافق على هذه التأكيدات القاسية الطائشة! ومع ذلك يذهب فولمار بانتظام إلى‬

‫صفحة رقم ‪13092 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫الخدمات الدينية البروتستنتية مع جولي‪ ،‬بدافع من احترامه لها ولجيرانه‪ .‬وترى جولي وسان‪-‬برو فيه "أغرب‬
‫اللمعقول‪-‬إنساناً يفكر تفكير ملحد ويسلك مسلك مسيحي(‪.")64‬‬
‫وهو ل يستحق اللطمة الخيرة‪ ،‬ذلك أن جولي تعهدت إلى فولمار وهي على وشك الموت بحمى أصابتها وهي تنقذ‬
‫ابنها من الغرق‪-‬بخطاب غير مختوم يعلن لسان‪-‬برو أنه كان على الدوام حبها الوحيد‪ .‬وفي وسعنا أن نفهم دوام ذلك‬
‫الحب الول ولكن لن نجزي طول وفاء زوجها وثقته بها بمثل هذا الرفض القاسي وهي على فرش الموت؟ أن هذا ل‬
‫يكاد يتفق والنبل الذي أضفاه المؤلف على خلق جولي‪.‬‬
‫ومع ذاك فهي من أعظم اللوحات في القصص الحديث‪ .‬وقد استلهمها روسو من محي ذكرياته الخاصة رغم أن‬
‫(كلريسا) وتشاردسن أوحت بها في أغلب الظن‪ ،‬الفتاتان اللتان قادا جواديهما عبر النهير في آنسي‪ ،‬والذكريات التي‬
‫احتفظ بها في إعزاز لمدام دفاران حين كانت تبسط عليه حمايتها في سنوات صباه‪ ،‬ثم لمدام دودتو‪ ،‬التي أشعرته‬
‫بفيض الحب حين وقفت سداً أمام شهوته‪ ،‬وبالطبع ليست جولي واحدة من هاتين المرأتين‪ ،‬ولعلها ليست أي امرأة‬
‫التقي بها روسو طيلة حياته‪ ،‬بل مثالً مخلقاً من أحلمه‪ .‬وقد أفسد الصورة إصرار روسو على جعل شخوصه كلها‬
‫تقريباً تتكلم كروسو‪ ،‬فجولي تزيدها المومة عمقًا تغدو حكيمة من الحكماء‪ ،‬فتطيل الحديث في كل شيء من التدبير‬

‫المنزلي إلى التحاد الصوفي بال‪ .‬وهي تقول لبد أن نفحص صحة هذه الحجة‪ ،‬ولكن أي امرأة جديرة بالحب نزلت‬
‫يوماً ما إلى مثل هذه التفاهة‪.‬‬
‫أما سان‪-‬برو فهو بالطبع أشبه الشخوص بروسو‪ ،‬حساس لكل مفاتن النساء‪ ،‬تواق للركوع عند أقدامهن التي يحلم بها‪،‬‬
‫ويسكب عبارات الولء والحب البليغة التي رددها في وحدته‪ .‬ويصفه روسو بأنه ل يفتأ‬

‫صفحة رقم ‪13093 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫يأتي عملً مجنوناً ثم يحاول أن يثوب إلى رشده(‪ .)65‬وسان‪-‬برو إنسان متزمت أشد التزمت بالقياس إلى لفليس الوغد‬
‫السافر كما صوره وتشاردسن‪ .‬وهو الخر لبد أن ينطق بلسان روسو‪ ،‬فهو يصف باريس بأنها دوامة من الشرور‪-‬‬
‫غنى فاحش‪ ،‬وفقر مدقع‪ ،‬وحكومة عاجزة‪ ،‬وهواء فاسد‪ ،‬وموسيقى رديئة‪ ،‬وأحاديث تافهة‪ ،‬وفلسفة باطلة‪ ،‬وانهيار‬
‫كامل تقريبًا للدين‪ ،‬والفضيلة‪ ،‬والزواج‪ ،‬وهو يردد مقال روسو الول عن صلح النسان الفطري وتأثيرات الحضارة‬
‫المفسدة المحطة‪ ،‬ويهنئ جولي وفولمار على إثارهما حياة الريف الهادئة الصحية في كلرنس‪.‬‬
‫أما فولمار فأكثر الشخاص أصالة في معرض روسو‪ .‬فمن كان النموذج الذي حاكه المؤلف على غراره؟ لعله‬
‫دولباخ‪" ،‬الملحد اللطيف"‪ ،‬والبارون الفيلسوف‪ ،‬والمادي الفاضل‪ ،‬والزوج الوفي لزوجة واحد ومن بعدها لختها‪ .‬أو‬
‫لعله سان‪-‬لمبير‪ ،‬الذي صدم روسو بتبشيره باللحاد‪ ،‬ولكنه صفح عنه لمغازلته خليلته‪ .‬ويعترف روسو صراحة‬
‫باستخدامه النماذج الصلية الحية والذكريات الشخصية‪:‬‬
‫"إن قلبي المفعم بما وقع لي‪ ،‬والذي لم يزل جياشًا بالكثير من النفعالت العنيفة‪ ،‬أضاف الشعور بآلمه إلى الفكار‬
‫التي أوحى إلي بعها التأمل‪...‬وعلى غير وعي مني وصفت المواقف التي كنت فيها آنئذ‪ ،‬ورسمت صوراً لجريم‪،‬‬
‫ومدام ديينيه‪ ،‬ومدام دودتو‪ ،‬وسان‪-‬لمبير‪ ،‬ولشخصي(‪.")66‬‬
‫وخلل لوحات الشخاص هذه عرض روسو جوانب فلسفته كلها تقريباً‪ .‬فأعطانا صورة مثالية للزواج السعيد‪،‬‬
‫ولضيعة تدار بكفاية‪ ،‬وعدالة‪ ،‬ورحمة؛ ولطفال بيربون ليكونوا مزيجاً مثاليًا من الحريو والطاعة‪ ،‬ومن ضبط النفس‬
‫ل لتربية البدن ليكون صحيحاً‪ ،‬ثم لتربية‬
‫والذكاء‪ .‬واستبق الحجج التي سيوردها في كتابه "إميل"‪:‬أن يوجه التعليم أو ً‬
‫الخلق ليعود النظام الصارم‪ ،‬وبعد ذلك فقط لتربية الذهن ليعود الجدل العقلي‪ .‬تقول جولي‬

‫صفحة رقم ‪13094 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫"إن السبيل الوحيد لجعل الطفال طيعين ليس سبيل الجدل العقلي معهم‪ ،‬بل إقناعهم بأن الجدل العقلي فوق سنهم(‪.)67‬‬
‫وينبغي أل نلجأ إطلقاً للجدل العقلي‪ ،‬أو أل يكون هناك أي تعليم عقلي‪ ،‬قبل سن البلوغ‪ .‬وحرصت القصة حرصاً‬

‫شديداً على مناقشة الدين‪ .‬فترى إيمان جولي يغدو الداة لخلصها‪ ،‬وقد ألهمها الحتفال الديني الذي قدس زواجها‬
‫إحساساً بالتطهر والوفاء‪ .‬ولكنه إيمان بروتستانتي خالص ذلك الذي يشيع في الكتاب‪ .‬فسان‪-‬برو يسخر مما يبدو له من‬
‫نفاق القساوسة الكاثوليك في باريس؛ ويندد فولمار بعزوبة الكهنة لنها قناع يخفي وراءه الفجور‪ ،‬ويضيف روسو‬
‫بشخصه هذه العبارة‪" :‬إن فرض العزوبة على جماعة كبيرة مثل قساوسة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ليس لمنعهم‬
‫من أن يكون لهم زوجات‪ ،‬بقدر ما هو لمرهم بأن يقنعوا بزوجات غيرهم من الرجال(‪ .")68‬ويصرح روسو بهذه‬
‫المناسبة بتأييده للتسامح الديني‪ ،‬ويبسطه حتى على الملحدين‪" ،‬أن المؤمن الحقيقي ل يتعصب ول يضطهد غيره‪ .‬ولو‬
‫كنت قاضياً؛ ولو قضى القانون بعقوبة الموت على الملحدين؛ لبدأت بحرق كل مبلغ يشي بإنسان آخر‪ ،‬لنه هو نفسه‬
‫ملحد(‪.")69‬‬
‫وكان للقصة تأثير بالغ في تنبيه أوربا لمفاتن الطبيعة وروائعها‪ .‬ففي فولتير؛ وديدرو‪ ،‬ودالمبير‪ ،‬لم تشجع حمى‬
‫الفلسفة وحياة الحضر الحساس المرهف بجلل الجبال وجمال ألوان السماء‪ .‬أما روسو فقد تميز بولدته في أحضان‬
‫أروع مناظر أوربا وقعاً في النفوس‪ .‬وكان قد مشى من جنيف متجولً في سافوي عبر اللب إلى تورين‪ ،‬ومن تورين‬
‫إلى فرنسا؛ واستمتع بمشاهد الريف وأصواته وعبيره؛ وأحس بكل شروق شمس كأنه انتصار الله على الشر والشك‪.‬‬
‫وقد تصور توافقاً صوفيًا بين حالت مزاجه والمزاج المتغير للرض والهواء؛ وعانقت نشوة حبه كل شجرة وزهرة‪،‬‬
‫وكل ورقة عشب‪ .‬وتسلق اللب إلى نصف ارتفاعها‪ ،‬ووجد نقاء في الهواء‪ ،‬خيل إليه أنه يطهر أفكاره ويجلوها‪ .‬وقد‬
‫وصف هذه التجارب بإحساس وحيوية جعل من تسلق الجبال‪ ،‬ول سيما في سويسرا‪ ،‬رياضة من أكبر رياضات‬
‫أوربا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13095 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫ولم يحدث من قبل في الدب الحديث أن ظفر الوجدان‪ ،‬والعاطفة المشبوبة‪ ،‬والحب الرومانسي‪ ،‬بمثل هذا العرض‬
‫والدفاع المستفيضين البليغين‪ .‬فلقد أعلن روسو‪ ،‬في تمرده على عبادة العقل من بوالو إلى فولتير‪ ،‬مكانة الوجدان العليا‬
‫وحقه في أن يسمع في ترجمة الحياة وتقييم القصائد‪ ،‬وبرواية "هلويز الجديدة" أعلنت الحركة الرومانسية تحديها‬
‫للعصر الكلسيكي‪ .‬وقد سبقتها بالطبع لحظات رومانسية حتى في عز الكلسيكية‪ ،‬مثال ذلك أن أوتوريه دورفيه‬
‫داعب الريفي في قصته "لستريه" (‪ ،)1627-1610‬وأن النسة سكوديري أسهبت في وصف الغراميات في قصتها‬
‫"أرطمين‪ ،‬أو قورش العظيم" (‪ ،)1653-1649‬كذلك زاوجت مدام دل فييت في الحب والموت في قصتها "أمير‬
‫كليف" (‪ ،)1678‬وأدخل راسين هذا الموضوع في مسرحيته "فيدر" (‪ ،)1677‬وهي قمة العصر الكلسيكي‪ ،‬ونحن‬
‫نذكر كيف ورث روسو الروايات الغرامية القديمة عن أمه‪ ،‬وقرأها مع أبيه‪ .‬أما جبال اللب فإن البرشت فون هاللر‬
‫كان قد تغنى بجللها (‪ ،)1729‬كذلك تغنى جيمس طومسن بجمال الفصول ورهبتها (‪ .)1730-1726‬ولبد أن جان‪-‬‬
‫جاك قرأ قصة بريفوست "مانون لسكو" (‪ ،)1731‬وأحاط علماً برواية رتشاردسن "كلريسا" في ترجمة بريفوست (‬
‫‪( )1748-1747‬لنه كان يقرأ النجليزية بصعوبة)‪ .‬ومن قصة الغواء تلك إلى ألفي صفحة (ولم تكتمل بعد) اقتبس‬
‫شكل الرسائل في الرواية لصلحيته للتحليل النفسي‪ ،‬وكما دبر رتشاردسن لكلريسا نجية تدعى النسة هاو‪ ،‬كذلك‬
‫دبر روسو لجولي نجية هي ابنة عمها كلير‪ .‬ولحظ روسو في غيظ أن ديدرو نشر تقريظاً حماسياً لرتشاردسن (‬
‫‪ )1761‬عقب نشر جولي‪ ،‬فحجب بذلك سناء قصته جولي‪.‬‬
‫ول تقل رواية جولي عن كلرسيا أصالة ومآخذ‪ ،‬وهي تسمو عنها كثيراً في أسلوبها والروايتان غنيتان في شطحات‬
‫الخيال مثقلتان بالمواعظ‪ .‬ولكن فرنسا‪ ،‬التي تبرز العالم أسلوباً‪ ،‬لم ترَ قط اللغة الفرنسية تتخذ مثل هذا اللون‪،‬‬
‫والحرارة‪ ،‬والنعومة‪ ،‬واليقاع‪ ،‬فروسو لم يكن مجرد مبشر‬

‫صفحة رقم ‪13096 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫بالوجدان‪ ،‬وإنما كان يملكه‪ ،‬فكل ما يمسه مشرب بالحساسية والعاطفة‪ .‬وقد نبتسم لنشواته ولكننا نجد أن ناره تدفئنا‪.‬‬
‫وقد نكرر الخطب المقحمة ونمر بها مرور الكرام‪ ،‬ولكنا نمضي في القراءة‪ ،‬وبين الحين والحين تتجدد حياة القصة‬
‫بمشهد شعر بع المؤلف شعوراً حاداً‪ .‬كان فولتير يفكر بالراء ويكتب بالبجرامات‪ ،‬أما روسو فكان يبصر بالصور‬
‫ويؤلف بالحاسيس‪ .‬ولم تكن عباراته ووقفاته بريئة من الصنعة‪ ،‬فقد اعترف بأنه كان يقلبها وهو في فراشه حين‬
‫تقصي النوم عن جفنيه عاطفة الفنان المشبوبة(‪ .)70‬يقول كانت "لبد من أن أقرأ روسو إلى أن يكف جمال عباراته‬
‫عن فتنتي‪ ،‬وعندها فقط أستطيع أن أفحصه في روية وتعقل(‪.")71‬‬
‫ولقيت جولي النجاح في أعين الجميع إل الفلسفة‪ .‬فوصفها جريم بأنها تقليد هزيل لكلريسا‪ ،‬وتنبأ بأن النسيان‬
‫سيطويها سريعاً(‪ .)72‬وقال فولتير وهو يهدر غضباً (‪ 21‬يناير ‪ )1761‬ل تزدني حديثًا عن رواية جان‪-‬جاك من‬
‫فضلك‪ ،‬فلدق قرأتها لشدة أسفي‪ ،‬ولشدة أسفه لو كان لدي من الوقت ما يتسع لبداء رأيي في هذا الكتاب السخيف(‪.)73‬‬
‫وبعد شهر أفصح عن رأيه في كتابه "رسائل حول هلويز الجديدة" الذي نشر باسم مستعار‪ .‬فنبه إلى الخطاء اللغوية‪،‬‬
‫ولم تبد منه أي إشارة تدل على تقديره لوصف روسو للطبيعة‪-‬وإن كان سيقلد جان‪-‬جاك بعد حين بتسلقه ربوة ليتعبد‬
‫للشمس المشرقة‪ .‬وتبينت باريس قلم فولتير‪ ،‬وحكمت بأن "الشيخ" عضته الغيرة بأنيابها‪.‬‬
‫وإذا ضربنا صفحاً عن هذه الوخزات‪ ،‬فأن روسو ابتهج بالستقبال الذي ليقه أول عمل مطول له‪ .‬يقول ميشليه "لم‬
‫يعهد في تاريخ الدب كله نجاح عظيم كهذا(‪ .")74‬وظهرت الطبعة تلو الطبعة‪ ،‬ولكن المطبوع كان أقل كثيرًا من‬
‫الطلب ووقف الجمهور في طوابير أمام المكتبات لشراء الكتاب‪ ،‬وكان القراء الملهوفون يدفعون اثني عشر سواً في‬
‫الساعة ليستعيروه‪ ،‬وقراء النهار يؤجرونه لغيرهم يقرؤونه في الليل(‪ .)75‬وروى روسو في اغتباط أن نبيلة طلبت‬
‫مركبتها وقد تهيأت للذهاب إلى مرقص في الوبرا‪ ،‬وشرعت تقرأ‬

‫صفحة رقم ‪13097 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الرومانسي ‪ >-‬هلويز الجديدة‬
‫جولي خلل ذلك‪ ،‬وشوقتها القصة تشويقاً أغراها بالمضي فيها حتى الرابعة صباحًا بينما الخادمة والجياد في‬
‫انتظارها(‪ .)76‬وقد عزا انتصاره إلى اللذة التي يجدها النساء في قراءة قصص الغرام‪ ،‬ولكن كان هناك أيضاً نساء‬
‫مللن حياتهن خليلت‪ ،‬وتقن إلى أن يكن زوجات‪ ،‬وأن يكون لطفالهن آباء‪ .‬وتلقى روسو مئات الخطابات في‬
‫نمورنسي يشكره فيها أصحابها على كتابه‪ ،‬وكثر عدد النساء اللئى عرضن عليه حبهن حتى انتهى به خياله إلى أنه‬
‫"ما من امرأة في المجتمع الراقي لم أكن ألقى التوفيق في التصال بها لو حاولته(‪.")77‬‬

‫وكان من الطريف أن يكشف إنسان عن سريرته كشفًا كاملً كما فعل روسو خلل سان‪-‬برو وجولي‪ ،‬وليس هناك أكثر‬
‫طرافة وإمتاعًا من نفس إنسان تتجرد أمام الناظرين ولو تجريداً جزئياً أو ل شعورياً‪ .‬تقول مدام دستال "هنا مزقت كل‬
‫أقنعة القلب(‪ .")78‬وبدأ الن سلطان الدب الذاتي‪ ،‬تلك السلسلة الطويلة الممتدة إلى زماننا‪ ،‬من إفشاءات الذات‪ ،‬من‬
‫القلوب المحطمة في صفحات مطبوعة‪ ،‬من " النفوس الجميلة" التي تسبح في المأساة جهاراً نهاراً‪ .‬وفشا بين الناس‬
‫الفصاح عن حرارة العاطفة‪ ،‬والعراب عن النفعال والشعور‪ ،‬ل في فرنسا وحدها بل في إنجلترا وألمانيا أيضاً‪.‬‬
‫وبدأ يتلشى السلوب الكلسيكي‪ ،‬أسلوب ضبط النفس‪ ،‬والنظام‪ ،‬والعقل‪ ،‬والشكل‪ ،‬وأوشكت دولة "الفلسفة" أن‬
‫تدول‪ .‬لقد أصبح القرن الثامن عشر بعد عام ‪ 1760‬ملكاً لروسو(‪.)79‬‬

‫صفحة رقم ‪13098 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬

‫الفصل السابع‬

‫روسو الفيلسوف‬

‫‪ -1‬العقد الجتماعي‬
‫قبل نشر "هلويز الجديدة" بشهرين كتب روسو إلى مسيو لينبس (‪ 11‬ديسمبر ‪ )1760‬يقول‪:‬‬
‫"لقد طلقت حرفة الكاتب إلى البد‪ .‬وبقيت خطيئة قديمة يجب التكفير عنها في كتاب مطبوع‪ ،‬وبعدها لن يسمع‬
‫الجمهور مني أبداً‪ .‬ولست أعرف حظاً أسعد من أن يكون النسان مجهولً إل من أصدقائه‪....‬ومنذ الن سيكون نسخ‬
‫الموسيقى شاغلي الوحيد(‪.")1‬‬
‫ثم كتب ثانية في ‪ 25‬يوليو ‪:1761‬‬
‫"ظللت عاقلً إلى الربعين‪ .‬ثم تناولت القلم‪ ،‬وهاأنذا أضعه قبل أن أبلغ الخمسين‪ ،‬وأنا ألعن في كل يوم من أيام حياتي‬
‫ذلك اليوم الذي دفعني فيه غروري الحمق إلى تناوله‪ ،‬والذي رأيت فيه سعادتي‪ ،‬وراحتي‪ ،‬وصحتي‪ ،‬كلها تتطاير‬
‫هباء دون أمل في استعادتها ثانية(‪.")2‬‬
‫أكان هذا منه تظاهراً؟ ليس بالضبط‪ .‬صحيح إنه في ‪ 1762‬نشر كتابيه "في العقد الجتماعي" و"إميل"‪ ،‬ولكنهما كانا‬
‫قد اكتمل قبيل ‪ ،1761‬وكانا "الخطيئة القديمة التي يجب التكفير عنها في كتاب مطبوع"‪ ،‬وصحيح إنه بعد ذلك كتب‬
‫ردوداً على رئيس أساقفة باريس‪ ،‬وعلى مجمع الكنائس الجنيفي‪ ،‬وعلى طلبات من كورسيكا وبولندا بأن يقترح عليهما‬
‫دستورين‪ ،‬ولكن هذه المؤلفات كانت مؤلفات مناسبات‪ ،‬دعت إليها أحداث غير‬

‫صفحة رقم ‪13099 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫متوقعة‪ .‬وقد نشرت "العترافات" و "الحوارات" و "أحلم جوال منفرد" بعد موته‪ .‬وهكذا التزم أساسًا يتعهد الجديد‪.‬‬
‫ول عجب أن يشعر في ‪ 1761‬أنه قد أرهق ونضب‪ ،‬لنه كان قد ألف في خمس سنوات ثلثة أعمال كبرى‪ ،‬كان كل‬
‫منها حدثاً في تاريخ الفكار‪.‬‬
‫ومنذ عام ‪ 1743‬يوم كان سكرتيراً للسفير الفرنسي في البندقية‪ ،‬هدته ملحظته لحكومة البندقية بالقياس إلى‬
‫الحكومتين الجنيفية والفرنسية إلى تخطيط رسالة هامة في المؤسسات السياسية‪ .‬وكان "المقالن" شرارتين بعثتهما‬
‫تلك النار‪ ،‬ولكنهما كانا محاولتين متعجلتين لثارة النتباه بالمبالغة‪ ،‬ولم تنصف واحدة منهما فكره المتطور‪ .‬وراح‬
‫خلل ذلك يدرس أفلطون‪ ،‬وجروتيوس‪ ،‬ولوك‪ ،‬وبوفندورف‪ .‬ولم تكتمل قط الرائعة الدبية التي حلم بها‪ .‬فروسو لم‬
‫يوهب الذهن المنظم‪ ،‬الرادة الصابرة‪ ،‬والطبع الهادئ الذي يتطلبه مشروع كهذا يقتضيه الستدلل العقلي ل الوجدان‬
‫فقط‪ ،‬وإخفاء العاطفة ل إعلنها‪ ،‬وكان مثل هذا النكار للنفس فوق طاقته‪ .‬لقد كان هجرانه للتأليف اعترافًا منه‬
‫بالهزيمة‪ .‬ولكنه أعطى العالم عام ‪ 1762‬قطعة رائعة من مخططه في ‪ 125‬صفحة نشرت بأمستردام تحت عنوان‬
‫"في العقد الجتماعي‪ ،‬أو مبادئ القانون السياسي"‪.‬‬
‫وكلنا يعرف الصيحة الجريئة التي استهل بها الفصل الول "ولد النسان حراً وهو في كل مكان مكبل بالغلل" وقد‬
‫افتتح روسو كتابه بمبالغة مقصودة‪ ،‬لنه عليم بأن للمنطق سلطانًا منوماً قوياً‪ ،‬وقد أصاب في ضربه على هذه النغمة‬
‫العالية‪ ،‬لن هذه العبارة أصبحت شعار قرن بأكمله‪ .‬وافترض روسو هنا‪-‬شأنه في "المقالين"‪-‬وجود "حالة طبيعية"‬
‫بدائية لم تكن فيها قوانين‪ ،‬واتهم الدولة القائمة بتدمير تلك الحرية‪ ،‬واقترح بديلً عنها "إيجاد شكل من المجتمع يدافع‬
‫عن شخص كل عضو فيه وعن متاعه ويحميهما بكل ما أوتي من قوة مجموعة‪ ،‬مجتمع يظل النسان فيه رغم اتحاده‬
‫مع الجميع يطيع نفسه فقط‪ ،‬ويبقى حرًا كما كان من قبل‪...‬تلك هي المعضلة الساسية التي يقدم لها العقد الجتماعي‬
‫الحل(‪.)3‬‬

‫صفحة رقم ‪13100 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫يقول روسو أن هناك عقداً اجتماعياً‪ ،‬ل كتعهد من المحكومين بإطاعة الحاكم‪ ،‬كما جاء في كتاب هويز (اللوياثان)‬
‫"الوحش"‪ ،‬بل كاتفاق الفراد على أن يخضعوا رأيهم؛ وحقوقهم‪ ،‬وسلطاتهم لحاجات ورأي مجتمعهم ككل‪ .‬وكل‬
‫شخص يدخل ضمناً في مثل هذا العقد بقبوله حماية القوانين العامة‪ .‬والسلطة العليا في أي دولة ل تستقر في أي حاكم‪-‬‬
‫فرداً كان أو جماعة‪-‬بل في "الرادة العامة" للمجتمع‪ ،‬وتلك السيادة ل يمكن التخلي عنها أبداً وإن جاز تفويضها جزئياً‬
‫إلى حين‪.‬‬

‫ولكن ما هذه "الرادة العامة"؟ أهي إرادة جميع المواطنين؛ أم إرادة الغلبية فقط؟ ومن الذين يعتبرون مواطنين؟ إنها‬
‫ليست إرادة الجميع‪ ،‬لنها قد تناقض كثيرًا من الرادات الفردية‪ .‬ول هي دائماً إرادة الغلبية الذين يعيشون (أو‬
‫يصوتون) في لحظة بعينها‪ ،‬بل عي إرادة المجتمع باعتباره صاحب حياة وواقع مضافين إلى حيوات وإرادات‬
‫العضاء الفراد‪( .‬وروسو‪ ،‬كمفكر واقعي من العصر الوسيط‪ ،‬ينسب للجماعة مجتمعة‪ ،‬أو للفكرة العامة‪ ،‬واقعاً‬
‫بالضافة إلى واقع أعضائها الفراد‪ .‬فالرادة العامة أو "روح الجماعة" يجب أن تكون الصوت المعبر ل عن‬
‫المواطنين الحياء فحسب‪ ،‬بل الموات أو الذين لم يولدوا بعد‪ ،‬ومن ثم فالذي يعطيها طابعها ليس هو الرادات الراهنة‬
‫فحسب‪ ،‬بل تاريخ الجماعة الماضي وأهدافها المستقبلة‪ .‬وما أشبهها بأسرة عريقة تفكر في نفسها على أنها واحدة على‬
‫مر الجيال‪ ،‬وتكرم أسلفها‪ ،‬وتحمي أخلقها‪(-‬بمعنى أن أبًا من الباء قد يدفعه التزامه قبل حفدته الذين لم يولدوا بعد‬
‫إلى مناقضة رغبات أبنائه الحياء‪ ،‬وأن سياسياً ما قد يشعر بأنه ملتزم بالتفكير ل بلغة انتخاب واحد بل أجيال كثيرة)‪.‬‬
‫ومع ذلك فإن (صوت الغلبية ملزم دائماً للباقين جميعاً(‪ .))4‬ومن له حق التصويت؟ كل مواطن(‪ .)5‬ومن المواطن؟‬
‫واضح أنه ليس كل بالغ ذكر‪ .‬وروسو غامض جداً في هذه النقطة‪ ،‬ولكنه يمتدح دالمبير لتفريقه بين‬

‫صفحة رقم ‪13101 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫"طبقات الناس الربعة‪...‬الذين يسكنون مدينتنا (جنيف)‪ ،‬وطبقتان من هؤلء فقط تؤلفان الشعب‪ .‬ولم يفهم كاتب‬
‫فرنسي آخر‪...‬المعنى الحقيقي لكلمة المواطن(‪.)6‬‬
‫يقول روسو أن القانون‪ ،‬في الحالة المثالية‪ ،‬ينبغي أن يكون التعبير عن الرادة العامة‪ .‬فالنسان بفطرته يغلب عليه‬
‫الخير‪ ،‬ولكن له غرائز يجب التحكم فيها ليصبح المجتمع أمرًا ممكناً‪ .‬وليس العقد الجتماعي تمجيد "حالة الطبيعة"‬
‫فروسو يتكلم لحظة كما يتكلم لوك أو مونتسيكو ل بل فولتير‪:‬‬
‫"إن النتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية يتمخض عن تغير ملحوظ جداً في النسان‪ ،‬لنه يحل القانون محل‬
‫الغريزة في سلوكه‪ ،‬ويضفي على أفعاله‪ ،‬الفضيلة التي كانت تعوزها من قبل‪ .‬ومع أنه في هذه الحالة (المدنية) يحرم‬
‫نفسه من بعض المنافع التي تلقاها من الطبيعة‪ .‬إل أنه يكسب نظير ذلك منافع أخرى عظيمة جداً؛ فقدراته تحفر حفراً‬
‫شديداً وتطور تطويرًا كبيراً‪ ،‬وأفكاره توسع كثيراً وروحه كلها تسمو سمواً عظيماً‪ .‬ولول أن مساوئ حالته الجديدة‬
‫كثيرًا ما تهبط به إلى مستوى أدنى من ذلك الذي تركه‪ ،‬لكان عليه أن يبارك على الدوام تلك اللحظة السعيدة التي نقلته‬
‫من حالته الولى إلى غير رجعة‪ ،‬والتي جعلته كائناً‪-‬ذكياً وإنسانًا بدلً من أن يظل حيواناً غبيًا عديم الخيال(‪.)7‬‬
‫وهكذا نجد روسو (الذي تكلم يوماً ما كما يتكلم فوضوي ل يفلسف كلمه تماماً) يناصر بكليته قداسة القانون عن‬
‫الرادة العامة‪ .‬فإذا لم يتفق فرد ما كما يحدث في حالت كثيرة‪-‬مع تلك الرادة كما يعبر عنها في القانون‪ ،‬حق للدولة‬
‫إكراهه على الخضوع(‪ .)8‬وليس هذا انتهاكاً للحرية ل صيانة لها‪ ،‬حنى للفرد المقاوم‪ ،‬لنه بفضل القانون وحده‬
‫يستطيع الفرد في الدولة المدنية أن يتمتع بتحرره من العدوان‪ ،‬والسرقة‪ ،‬والضطهاد‪ ،‬وتشويه السمعة‪ ،‬وعشرات‬
‫الشرور الخرى‪ .‬ومن ثم فإن المجتمع بإكراهه الفرد على إطاعة القانون إنما "يكرهه على أن يكون حراً" في‬

‫صفحة رقم ‪13102 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫الواقع(‪ .)9‬وهذه هي الحالة على الخص في الجمهوريات‪ ،‬لن "طاعة القانون الذي نضعه لنفسنا هي الحرية"(‪.)10‬‬
‫الحكومة جهاز تنفيذي تفوض فيه الرادة العامة مؤقتًا بعض سلطاتها‪ .‬وينبغي أن تكون فكرتنا عن الدولة ل على أنها‬
‫الحكومة فقط‪ ،‬بل الحكومة‪ ،‬والمواطنين‪ ،‬والرادة العامة أو روح الجماعة‪ .‬والدولة تكون جمهورية إذا حكمتها‬
‫القوانين ل المراسيم الوتقراطية‪ ،‬وبهذا المعنى يمكن حتى اعتبار الملكية جمهورية إذا حكمتها القوانين ل المراسيم‬
‫الوتقراطية‪ ،‬وبهذا المعنى يمكن حتى اعتبار الملكية جمهورية‪ .‬أما إذا كانت الملكية مستبدة‪-‬أي إذا كان الملك يضع‬
‫القوانين وينفذها‪-‬فليست هناك جمهورية أو دولة‪ ،‬بل طاغية يحكم عبيداً‪ .‬ومن ثم رفض روسو النضمام إلى أولئك‬
‫الفلسفة الذين امتدحوا "الستبداد المستنير"‪-‬استبداد فردريك الثاني أو كاترين الثانية سبيلً لدفع الحضارة والصلح‬
‫قدماً‪ .‬وكان رأيه إن الشعوب التي تعيش في أجواء قطبية أو مدارية قد تحتاج إلى الحكم المطلق حفاظاً على الحياة‬
‫والنظام(‪ ،)11‬أما في المناطق المعتدلة فيحسن المزج بين الرستقراطية والديمقراطية‪ .‬والرستقراطية الوراثية "أسوأ‬
‫الحكومات قاطبة"‪ ،‬والرستقراطية النتخابية أفضلها(‪ ،)12‬أي أن أفضل حكومة هي تلك التي تضع القوانين وتنفذها‬
‫فيها أقلية من الرجال ينتخبون دورياً لتفوقهم الفكري والخلقي‪.‬‬
‫أما الديمقراطية بوصفها حكمًا مباشراً بواسطة الشعب كله فقد بدت لروسو مستحيلة‪.‬‬
‫"لو أخذنا هذا اللفظ بمعناه الدقيق لم نجد قط ديمقراطية حقيقية‪ ،‬ولن توجد أبدًا هذه الديمقراطية‪ .‬فما يناقض النظام‬
‫الطبيعي أن تكون الكثرة حاكمة والقلة محكومة‪ .‬ومما ل يمكن تصوره أن يظل الناس مجتمعين بصفة مستمرة‬
‫ليتفرغوا للشؤون العامة‪ ،‬وواضح أنهم ل يستطيعون إنشاء لجان لهذا الغرض دون تغيير في شكل الحكومة"‪.‬‬
‫ثم كم من الظروف التي يصعب الجمع بينها تفترض لهذه الحكومة؟‬

‫صفحة رقم ‪13103 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫أولً دولة صغيرة جداً يمكن جمع الشعب فيها عاجلً‪ ،‬ويمكن لكل مواطن فيها أن يعرف سائر المواطنين بسهولة؛‬
‫ثانياً‪ ،‬الباسطة التامة في العادات‪ ،‬منعاً لتكاثر العمال وإثارة المشاكل الشائكة‪ ،‬ثم قدر كبير من المساواة في الرتب‬
‫والثروات بدونه ل تستطيع المساواة في الحقوق والسلطة البقاء طويلً‪ ،‬وأخيراً قلة الترف أو انعدامه‪ ،‬لن الترف‬
‫مفسدة للغنياء والفقراء جميعاً‪-‬للغنياء بالقتناء‪ ،‬وللفقراء بالشتهاء‪..‬وهذا هو ما حدا كاتباً شهيراً (مونتسكيو) إلى‬
‫اعتبار الفضيلة المبدأ الساسي للجمهوريات‪ ،‬لن هذه الظروف كلها ل يمكن توافرها بغير الفضيلة‪..‬ولو كان هناك‬
‫شعب من اللهة لكانت حكومة ديمقراطية أما البشر فليست هذه الحكومة البالغة الكمال مما يناسبهم(‪.)13‬‬
‫وقد تغري هذه الفقراء بسوء التفسير‪ .‬فروسو يستخدم لفظ "الديمقراطية" بمعنى ندر أن ينسب له في السياسة أو‬
‫التاريخ‪ ،‬وهو أنها حكومة تشرع فيها كل القوانين بواسطة الشعب كله المجتمع في مجالس قومية‪ .‬والواقع أن‬
‫"الرستقراطية النتخابية" التي فضلها هي ما يجب أن نسميه الديمقراطية النيابية‪-‬أي الحكومة التي يتولها موظفون‬
‫يختارهم الشعب لما يفترض فيهم من صلحية عليا‪ .‬على أن روسو يرفض الديمقراطية النيابية على أساس أن‬
‫الممثلين أو النواب سرعان ما يشرعون لمصلحتهم ل للخير العام‪" .‬أن الشعب النجليزي يعتبر نفسه حراً ولكنه‬
‫يخطئ بذلك خطأ فاحشاً؛ فهو حر فقط خلل انتخاب أعضاء البرلمان؛ وما إن يتم انتخابهم حتى تسيطر العبودية على‬
‫الشعب فل يعود له وزن"(‪ .)14‬فالممثلون يجب أن ينتخبوا ليشغلوا المناصب الدارية والقضائية ل ليشرعوا‪ ،‬ويجب‬

‫أن تشرع جميع القوانين بواسطة الشعب في جمعية عامة‪ ،‬وأن يكون لتلك الجمعية سلطة إقالة الموظفين المنتخبين(‬
‫‪ .)15‬ومن ثم وجب أن تكون الدولة المثالية من الصغر بحيث تسمح لجميع المواطنين بالجتماع مراراً كثيرة‪" .‬وكلما‬
‫اتسعت الدولة تقلصت الحرية"(‪.)16‬‬
‫أكان روسو اشتراكياً؟ إن "المقال" الثاني نسب جميع رذائل الحضارة إلى إقرار الملكية الخاصة‪ ،‬ولكن حتى ذلك‬
‫المقال رأى أن هذا النظام أعمق‬

‫صفحة رقم ‪13104 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫جذورًا من البنيان الجتماعي من أن يتيح للقضاء عليه دون ثورة فوضوية مدمرة‪" .‬والعقد الجتماعي" يسمح بالملكية‬
‫الخاصة بشرط رقابة الجماعة‪ ،‬فيجب أن تحتفظ الجماعة بكل الحقوق الساسية‪ ،‬ولها أن تستولي على الملك‬
‫الخاصة لخير المجتمع‪ ،‬ويجب أن تحدد أقصى ما يسمح للسرة الواحدة بتملكه(‪ .)17‬ولها أن تؤمن على توريث‬
‫الملكية‪ ،‬ولكن إذا رأت الثورة تنحو إلى تركز ممزق فلها أن تستخدم ضرائب التركات لعادة توزيع الثروة والتخفيف‬
‫من عدم المساواة الجتماعي والقتصادي‪" .‬يجب أن يتجه التشريع دائماً إلى الحفاظ على المساواة بالضبط لن قوة‬
‫الشياء تتجه دائماً إلى القضاء عليها(‪ .)18‬ومن أهداف "العقد الجتماعي" أن يصبح الفراد الذين قد يكونون مختلفين‬
‫قوة أو ذكاء متساوين في الحقوق الجتماعية والقانونية(‪ .)19‬ويجب أن تفرض الضرائب العالية على الكماليات‪" .‬إن‬
‫الحالة الجتماعية ل تقيد الناس إل إذا ملك كل فرد شيئاً ولم يملك أحد فوق ما ينبغي(‪ .")20‬ولم يورط روسو نفسه في‬
‫القول بالجماعية‪ ،‬ول خطرت بباله قط (دكتاتورية البرولتاريا)‪ ،‬وكان يحتقر البرولتاريا الوليدة في المدن‪ ،‬واتفق مع‬
‫فولتير على تسميتها (الرعاع أو حثالة المجتمع)(‪ .)21‬وكان مثله العلى طبقة فلحين تعيش مستقلة رخية الحال‪،‬‬
‫وطبقة وسطى فاضلة تتألف من أسر كأسر فولمار في "هلويز الجديدة" وسيتهمه بيير‪-‬جوزف برودون بتمجيد‬
‫"لبرجوازية"(‪.)22‬‬
‫ترى أي مكان للدين في الدولة؟ لقد شعر روسو أن ديناً ما ل عنى عنه للفضيلة‪" ،‬ما قامت دولة قط دون أساس‬
‫ديني"(‪.)23‬‬
‫"إن الحكماء أن حاولوا الكلم بلغتهم إلى القطيع العام بدلً من لغته لن يستطيعوا إيصال ما يريدون إلى‬
‫إفهامهم‪...‬ولكي يمكن شعب ناشئ من إيثار الصول السليمة للنظرية السياسية‪...‬يجب أن تصبح النتيجة سبباً‪ :‬فالروح‬
‫الجتماعية التي ينبغي أن تخلقها هذه المؤسسات يجب أن تسود أساسها نفسه‪ ،‬ويجب أن يكون الناس أمام القانون ما‬
‫يجب أن يصبحوه بالقانون‪ .‬إذن فالمشرع لعجزه عن اللتجاء إلى القوة أو للعقل‬

‫صفحة رقم ‪13105 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬

‫يجب أن يلجأ إلى سلطة من نوع مختلف‪ ،‬قادراً على الكبح دون عنف‪..‬هذا ما دعا آباء المم في جميع العصور إلى‬
‫اللتجاء للتدخل اللهي‪ ،‬ونسبة حكمتهم هم للهتهم‪ ،‬حتى‪ ،‬تطيع الشعوب بخضوعها لقوانين الدولة كما تخضع لقوانين‬
‫الطبيعة‪ ...‬دون عائق‪ ،‬وتحتمل نير الخير العام عن طيب خاطر"(‪.)24‬‬
‫ولن يتشبث روسو دائمًا بهذا الرأي السياسي القديم في الدين‪ ،‬ولكنه في "العقد الجتماعي" جعل من اليمان فوق‬
‫الطبيعي أداة للدولة‪ ،‬واعتبر القساوسة على أفضل تقدير ضرباً من الشرطة السماوية‪ .‬على أنه رفض اعتبار الكهنة‬
‫الكاثوليك الرومان كذلك‪ ،‬لن الكنيسة زعمت أنها فوق الدولة‪ ،‬فهي إذن قوة مفسحة‪ ،‬تقسم ولء المواطن(‪.)25‬‬
‫وفضلً عن ذلك فإن المسيحي‪-‬كما زعم‪-‬إذا أخذ لهوته مأخذ الجد؛ يركز اهتمامه على الحياة الخرة‪ ،‬ول يقيم وزناً‬
‫يذكر لهذه الحياة الدنيا‪ ،‬فهو إلى هذا الحد مواطن ضعيف‪ .‬ومثل هذا المسيحي يكون جندياً وسطاً؛ قد يقاتل دفاعاً عن‬
‫وطنه‪ ،‬ولكنه ل يفعل إل تحت إكراه وإشراف مستمرين‪ ،‬وهو ل يؤمن بشن الحرب دفاعاً عن الدولة؛ لن له وطناً‬
‫واحداً فقط‪-‬هو الكنيسة‪ .‬والمسيحية تبشر بالعبودية والتبعية الطيعة؛ ومن ثم كانت روحها مواتية جداً للستبداد بحيث‬
‫أن الطغاة يرحبون بتعاونها‪" .‬إن المسيحيين الحقيقيين خلقوا ليكونوا عبيداً(‪ .")26‬وهكذا اتفق روسو مع ديدرو‪،‬‬
‫واستبق جيون‪ ،‬وكان في تلك الفترة أشد عنفاً في عدائه للكاثوليكية من فولتير؛ ومع ذلك شعر بأن دينًا ما ل غنى عنه؛‬
‫"ديناً مدنياً" تصيغه الدولة وتفرضه فرضاً على جميع سكانها‪ .‬أما عن العقيدة‪:‬‬
‫"فأن عقائد الدين المدني يجب أن تكون قليلة؛ بسيطة؛ دقيقة العبارة؛ دون شروح أو تعليقات‪ .‬فوجود إله قادر؛ ذكي؛‬
‫خير؛ ذي بصيرة وتدبر؛ ثم حياة أخرى؛ وسعادة البرار؛ وعقاب الشرار؛ وقداسة العقد الجتماعي والقوانين؛ تلك‬
‫عي عقائد الدين اليجابية(‪.")27‬‬
‫وهكذا اعترف روسو بعقائد المسيحية الساسية؛ على القل لغراض‬

‫صفحة رقم ‪13106 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫سياسية؛ على حين رفض أخلقياتها لغلوها في المسالمة والدولية‪-‬على العكس تماماً ومما درج عليه الفلسفة من‬
‫الحتفاظ بأخلقيات المسيحية مع رفض لهوتها‪ .‬وقد سمح بأديان أخرى في دولته الوهمية؛ بشرط عدم تعارضها مع‬
‫العقيدة الرسمية‪ .‬وهو يتسامح مع الديان "التي تتسامح مع غيرها"؛ أما من يجسر على القول "بأنه ل خلص خارج‬
‫الكنيسة" فيجب طرده من الدولة‪ ،‬إل أن تكون الدولة هي الكنيسة‪ ،‬والملك هو حبرها العظم(‪ .")28‬ول يسمح بإنكار‬
‫البنود الواردة في ديانة الدولة‪.‬‬
‫"وإذا كانت الدولة ل تستطيع إكراه أحد على اليمان بهذه البنود‪ ،‬فإن في استطاعتها أن تنفيه‪ ،‬ل لزندقته‪ ،‬بل بوصفه‬
‫كائناً أرستقراطياً‪ ،‬عاجزاً عن محبة القوانين والعدالة محبة صادقة‪ ،‬وعن بذل حياته عند الحاجة في سبيل الواجب‪.‬‬
‫وإذا سلك إنسان‪-‬بعد إقراره بهذه العقائد علنية‪-‬مسلك من ل يؤمن بها‪ ،‬كان عقابه الموت(‪.")29‬‬
‫وهذه الجملة الخيرة هي أشهر الجمل في "العقد الجتماعي" بعد "ولد النسان حراً وهو في كل مكان مكبل‬
‫بالغلل" وإذا أخذت بمنطوقها الحرفي كان معناها إعدام كل مكن يسلك مسلك من ل يؤمن بال‪ ،‬أو الجنة أو النار‪،‬‬
‫ولو طبقت على باريس ذلك الزمان لنضبت تلك العاصمة من أهلها‪ .‬ولعل حب روسو للعبارات المسرفة التي تهز‬
‫القراء طوح به إلى أن يقول أكثر مما يعني‪ .‬ولعله تذكر مجمع أوجزنورج (‪ )1555‬الذي وافق فيه كل المراء‬
‫الموقعين على قراراته على أن يكون لكل منهم الحق في أن ينفي من أملكه أي شخص ل يقبل مذهب المير‪ .‬وفي‬
‫قوانين جنيف إذا أخذت حرفياً (كما حدث في حالة سرفيتوس) سابقة لوحشية روسو المفاجئة‪ .‬وقد اعتبرت أثينا القديمة‬
‫"رفض العتراف باللهة الرسميين" جريمة كبرى‪ ،‬كما حدث في نفي أناكساجوراس وقتل سقراط بالسم‪ ،‬وكان هذا‬

‫بالمثل القذر الذي بررت به روما المبراطورية اضطهادها للمسيحيين‪ ،‬وأخذ برأي روسو هذا في معاملة المجرمين‬
‫يمكن أن يوصف المر باعتقاله ب‪،‬ه من أفعال المحبة المسيحية‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13107 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫أكان "العقد الجتماعي" كتاباً ثورياُ؟ ل ونعم‪ .‬فهناك وهناك‪ ،‬وسط مطالبة روسو بحكومة مسئولة أمام الرادة العامة‪،‬‬
‫تهدئ ثائرته لحظات من الحذر‪ ،‬كما في قوله‪" :‬ل شيء يمكن أن يعدل خطر تغيير النظام العام غير الخطار الكبرى‪،‬‬
‫ويجب أن تعطل السلطة المقدسة للقوانين إطلقاً ما لم تكن حياة الوطن في خطر"(‪ .)30‬ومع أنه حمل الملكية الخاصة‬
‫اللوم على كل الشرور تقريباً‪ ،‬إل أنه دعا إلى صيانتها لنها ضرورة يدعو إليها ما آل إليه النسان من فساد ل صلح‬
‫له‪ .‬وتساءل أل تعيد طبيعة النسان‪ ،‬بعد أن يقوم بثورة‪ ،‬نظمًا وعبوديات قديمة تحت أسماء جديدة؟ "إن قومًا تعودوا‬
‫الخضوع لسادة لن يدعوا السيادة تتوقف‪...‬فهم إذ يحسبون الباحية حرية‪ ،‬تسلمهم ثوراتهم إلى أيدي مضللين ل‬
‫يزيدونهم إل رسوفاً في أغللهم(‪.")31‬‬
‫ومع ذلك كان صوت روسو أكثر أصوات العهد ثورية‪ .‬ففي هذا الكتاب كان خطابه موجهاً لكثرة الشعب‪ ،‬وإن غض‬
‫من شأن الجماهير ولم يثق بها في غيره من كتبه‪ .‬لقد كان يعلم إنه ل مناص من عدم المساواة‪ ،‬ولكنه أدانه بقوة‬
‫وبلغة‪ .‬وأعلن في غير لبس أو غموض أن من حق الشعب أن يطيح بحكومة تصر على مخالفة الرادة العامة‪ .‬وبينما‬
‫كان فولتير‪ ،‬وديدرو ودالمبير‪ ،‬ينحنون للملوك أو المبراطوريات‪ ،‬أطلق روسو على الحكومات القائمة صرخة‬
‫احتجاج قدر لها أن تسمع من أقصى أوربا إلى أقصاها‪ .‬وبينما اقتصر جماعة الفلسفة‪ ،‬الغارقين في "الحالة الراهنة"‬
‫على الدعوة لصلح تدريجي لشرور معينة‪ ،‬هاجم جان‪-‬جاك النظام القتصادي‪ ،‬والجتماعي‪ ،‬والسياسي بحملته‪،‬‬
‫وبشمول بدا معه كل علج مستحيلً إل على الثورة‪ .‬ثم أعلن أنها آتية‪" :‬محال أن تعمر ممالك أوربا الكبرى أكثر مما‬
‫عمرت‪ .‬لقد كان لكل منها فترة مجدها‪ ،‬ومآلها بعدها إلى الضمحلل‪...‬إن الزمة تقترب‪ ،‬ونحن على شفا ثورة(‬
‫‪ .")32‬وتنبأ بوقوع تغييرات بعيدة المدى بعد أن تنشب هذه الثورة‪" :‬ستتطلع إمبراطورية روسيا إلى غزو أوربا‪،‬‬
‫وستغزي هي نفسها‪ .‬وسيصبح التتار‪-‬رعاياها أو جيرانها‪-‬سادتها وسادتنا‪ ،‬بثورة أراها آتية ل ريب فيها(‪.")33‬‬

‫صفحة رقم ‪13108 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫على أن "العقد الجتماعي" الذي نرى في نظرة مؤخرة أنه كان أكثر كتب روسو ثورية‪ ،‬أثار ضجة أقل كثيرًا مما‬
‫أثارته "هلويز الجديدة"‪ .‬فلقد كانت فرنسا مهيأة للنفراج العاطفي والحب الرومانسي‪ ،‬ولكنها لم تتهيأ لمناقشة الطاحة‬
‫ل كتتبع دعايات‬
‫بالملكية‪ .‬وكان هذا الكتاب أكثر ما أنتج روسو إلى ذلك الحين من حجج مدعمة‪ ،‬ولم يكن تتبعه سه ً‬

‫فولتير المتألقة‪ .‬ونحن الذين راعنا ما لقي من ذيوع متأخر‪ ،‬يدهشنا أن نعلم أن شعبيته وتأثيره بدأ بعد الثورة ل قبلها(‬
‫‪ .)34‬ومع ذلك نرى دالمبير يكتب لفولتير في ‪ 1762‬قائلً‪" :‬ل جدوى من مهاجمة جان‪-‬جاك أو كتابه بصوتٍ عالٍ‬
‫جداً‪ ،‬فهو أشبه بملك في السوق" ("ليزال"(‪-)35‬أي بين العمال الغلظ في سوق باريس المركزية‪ ،‬و‪-‬بالتضمين‪-‬بين‬
‫جماهير الشعب)‪ .‬ولعل هذا كان غلواً في القول‪ ،‬ولكن لنا أن نعتبر عام ‪ 1762‬تاريخاً لتحول الفلسفة من مهاجمة‬
‫المسيحية إلى نقد الدولة‪.‬‬
‫وقل من الكتب ما أثار مثل هذا النقد الكثير‪ .‬وقد أشر فولتير على نسخة من "العقد الجتماعي" بردود على الهامش‪،‬‬
‫فرداً على ما أشار به روسو من إعدام من يذنب بالكفر اليجابي كتب "كل إكراه في العقيدة مرذول(‪ .")36‬ويذكرنا‬
‫العلماء بقدم الدعوى بأن السيادة مستقرة في الشعب‪ ،‬فقد قدم مارسيليوس البادوادي‪ ،‬ووليم أوكيم‪ ،‬وحتى اللهوتيون‬
‫الكاثوليك أمثال بيللرمين‪ ،‬وماريانا‪ ،‬وسواريز‪ ،‬هذه الدعوى كأنها الضربة خلف ركب الملوك‪ .‬وقد ظهرت من قبل‬
‫في كتابات جورج بوكانان وجروتيوس‪ ،‬وملتن‪ ،‬والجرنون سدني‪ ،‬ولوك‪ ،‬وبوفندورف‪...‬إن "العقد الجتماعي" شأنه‬
‫ف يتيح له‬
‫شأن فلسفة روسو السياسية والخلقية كلها تقريباً‪ ،‬هو صدى وانعكاس لجنيف بقلم مواطن على بعد كا ٍ‬
‫تمجيدها دون أ‪ ،‬يحس بمخالبها‪ .‬لقد كان الكتاب مزيجًا من جنيف وإسبرطة‪ ،‬من "قواعد" كلفن و "قوانين" أفلطون‪.‬‬
‫وبين عشرات النقاد ذلك التناقض بين النزعة الفردية في مقالي "روسو" وحرفية القانونية في "العقد الجتماعي"‪ .‬لقد‬
‫رفض فيلمر في كتابه ‪Parriarcha‬‬

‫صفحة رقم ‪13109 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫(‪ )1642‬قبل مولد روسو بزمن طويل الفكرة التي تزعم أن الناس ولدوا متساوين‪ ،‬فهم في ميلدهم خاضعون للسلطان‬
‫البوي ولقانون الجماعة وعاداتها‪ .‬وروسو نفسه‪ ،‬بعد الصرخة الولى للدفاع عن الحرية‪ ،‬أخذ يبتعد عن الحرية أكثر‬
‫فأكثر متجهاً إلى النظام‪-‬إلى خضوع الفرد للرادة العامة‪ .‬والتناقضات التي تلحظها في مؤلفاته هي أساسًا بين خلقه‬
‫وفكره‪ ،‬فلقد كان فرديًا متمرداً بحكم مزاجه‪ ،‬وعلته‪ ،‬وافتقاره إلى النضباط‪ ،‬وكان بيئياً (ل شيوعياً إطلقاً‪ ،‬ول حتى‬
‫جماعياً) بحكم إدراكه المتأخر لستحالة تكوين المجتمع الفعال من الخوارج‪ .‬وعلينا أن نحسب حساباً للتطور‪ ،‬فأفكار‬
‫إنسان ما هي دالة خبرته وعمره‪ ،‬ومن الطبيعي للمفكر أن يكون فردي النزعة في شبابه‪-‬فيحب الحرية ويبحث عن‬
‫المثل العليا‪-‬وأن يكون معتدلً حين ينضج‪ ،‬فيحب النظام ويرتضي الممكن‪ .‬وقد ظل روسو من الناحية العاطفية طفلً‬
‫طوال حياته‪ ،‬ينكر العرف‪ ،‬والمحظورات‪ ،‬والقوانين‪ ،‬ولكنه حين فكر تفكيراً منطقياً أدرك أن في المكان بقاء الكثير‬
‫من الحريات في نطاق القيود الضرورية للنظام الجتماعي‪ ،‬وانتهى إلى أن يدرك أن الحرية في مجتمع ما ليست‬
‫ضحية القانون بل ثمرته‪-‬وأنها تتسع ول تضيق بطاعة الجميع لقيود يفرضونها على أنفسهم جماعة‪ .‬وفي وسع‬
‫الفوضويين الفلسفيين والشموليين السياسيين جميعًا أن يستشهدوا بروسو تأييداً لدعواهم(‪ ،)37‬وكل الفريقين ل حق له‬
‫في الستشهاد‪ ،‬لنه اعترف بأن النظام أول قوانين الحرية‪ ،‬والنظام الذي دافع عنه يجب أن يكون التعبير عن الرادة‬
‫العامة‪.‬‬
‫وقد نفى روسو أي تناقضات حقيقية في فلسفته فقال "كل أفكاري متسعة‪ ،‬ولكني ل أستطيع عرضها كلها مرة واحدة(‬
‫‪ .")38‬وسلم بأن كتابه "في حاجة إلى أن يكتب من جديد‪ ،‬ولكني لست أملك من العافية ول الوقت ما يسمح لي بذلك(‬
‫‪ ،")39‬فحين كانت العافية متاحة له سلبه الضطهاد وقته‪ ،‬وحين كف الضطهاد وأتيح له الفراغ‪ ،‬كانت العافية قد‬
‫تضاءلت‪ .‬وفي تلك السنوات الخيرة بات يتشكك في حججه‪" ،‬أن الذين يفاخرون بأنهم فهموا "العقد الجتماعي" فهماً‬
‫تامًا أذكى مني"‪ .‬وقد أغفل تماماً‪ ،‬من الناحية العملية‪ ،‬المبادئ التي وضعها فيه‪ ،‬ولم يخطر بباله قط أن‬

‫صفحة رقم ‪13110 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬العقد الجتماعي‬
‫يطبقها حين طلب إليه وضع دستور لبولندا أو كورسيكا‪ .‬ولو أنه مضى في خط التغير الذي اتبعه بعد عام ‪1762‬‬
‫لنتهى به المطاف إلى حضن الرستقراطية‪ ،‬والكنيسة‪ ،‬وبما تحت سكين الجيلوتين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13111 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬

‫‪ -2‬إميل‬

‫أ ‪ -‬تربيته‬
‫في وسعنا أن نغتفر الكثير لكاتب استطاع في خمسة عشر شهراً أن يصدر "هلويز الجديدة" (فبراير ‪ )1761‬و "العقد‬
‫الجتماعي" (إبريل ‪ ،)1762‬و "إميل" (مايو ‪ .)1762‬وقد نشر ثلثتها في أمستردام‪ ،‬ولكن "إميل" نشر في باريس‬
‫أيضًا بإذن من الحكومة حصل عليه مالزيرب العطوف بمخاطرة كبيرة‪ .‬ومن حق مارك‪-‬ميشيل راي‪ ،‬الناشر‬
‫المستردامي‪ ،‬علينا أن نحييه تحية عابرة‪ ،‬ذلك أنه بعد أن كسب أرباحًا لم يتوقعها من هلويز أوقف على تريز معاشاً‬
‫سنوياً مدى الحياة قدره ‪ 300‬جنيه‪ ،‬وإذ تنبأ لميل برواج أعظم من "العقد الجتماعي" (الذي كان قد اشتراه بألف‬
‫جنيه) دفع لجان‪-‬جاك ستة آلف جنيه نظير المخطوطة الجديدة الطول من سابقتها‪.‬‬
‫أما الكتاب فكان بعضه ثمرة مناقشاته مع مدام ديينيه عن تربية ولدها‪ ،‬واتخذ أول شكل له في مقال صغير كتب‪-‬ليسر‬
‫أمة قادرة على أن تفكر‪-‬وهي مدام دشنونسو‪ ،‬ابنة مدام دويان‪ .‬وقد قصد به روسو أن يكون تذليلً لقصته "هلويز‬
‫الجديدة"‪ :‬فكيف ينبغي أن ينشأ أبناء جولي؟ وخامره الشك لحظة في صلحية رجل أودع كل أطفاله في ملجأ للقطاء‪،‬‬
‫وفشل معلماً خاصاً في أسرة مابليه‪ ،‬للكلم في موضوع البوة والتربية‪ .‬ولكن كعادته وجد لذة في إطلق حبل خياله‬
‫على غاربه دون أن يعوقه معوق من التجربة‪ .‬ودرس مقالت "مونتيني" و "تليماك فينيلون"‪ ،‬ورسالة في الدراسات‬

‫لرولن‪ ،‬وكتاب لوك "خواطر في التربية"‪ .‬وكان "مقاله" الول تحديًا له‪ ،‬لنه صور النسان خيراً بفطرته ولكن‬
‫أفسدته الحضارة بما فيها التربية‪ .‬فهل في المكان الحتفاظ بهذا الخير الفطري وتنميته بالتربية‬

‫صفحة رقم ‪13112 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫الصحيحة؟ لقد أجاب هلفتيوس قبيل ذلك بأن هذا ممكن‪ ،‬وذلك في كتابه "عن العقل" (‪ ،)1758‬ولكنه قدم حجة ل‬
‫مخططاً‪.‬‬
‫أما روسو فقد أستهل كتابه بفرض الطرق القائمة لنها تلقن‪ ،‬بالصم عادة‪ ،‬أفكاراً بالية فاسدة‪ ،‬وتحاول جعل الطفا آلة‬
‫طيعة في مجتمع منحل‪ ،‬وتمنع الطفل من التفكير والحكم لنفسه‪ ،‬وتشوهه فتهبط بمستوى قدراته‪ ،‬وتلوح بملحظات‬
‫تافهة وأقوال قديمة مبتذلة‪ .‬وقد أخمد هذا التعليم المدرسي كل الحوافز الفطرية‪ ،‬وجعل‪ ،‬التربية عذاباً يتوق كل طفل‬
‫إلى تجنبه‪ .‬ولكن التعليم يحب أن يكون عملية سعيدة فيها تفتح طبيعي‪ ،‬وتعلم من الطبيعة والتجربة‪ ،‬وتنمية حرة‬
‫لقدرات الطفل نحو حياة فياضة لذيذة‪ .‬يجب أن تكون "فن تدريب الناس(‪ ")41‬والرشاد الواعي للجسم النامي ليبلغ‬
‫الصحة‪ ،‬وللخلق ليبلغ الفضيلة‪ ،‬وللذهن ليبلغ الذكاء‪ ،‬وللوجدان ليبلغ ضبط النفس وحب العشرة والسعادة‪.‬‬
‫وكان روسو يؤثر أن يكون هناك نظام تعليم عام تقوم عليه الدولة‪ ،‬ولكن بما أن التعليم كان يومها في يد الكنيسة فقد‬
‫أوصى بتعليم خاص يضطلع بع معلم أعزب ينقد أجرًا نظير تكريس سنين كثيرة من حياته لتلميذه‪ .‬وعلى هذا المعلم‬
‫أن يبعد الطفل ما أمكن عن أبويه وأقاربه مخافة أن تصل إليه العدوى من رذائل الحضارة المتراكمة‪ .‬وأضفى روسو‬
‫على بحثه صبغة إنسانية بتخيله أنه قد فوض بكامل السلطة تقريباً ليربي غلماً طيباً جداً يدعى إميل‪ .‬وهي فكرة ل‬
‫يمكن تصديقها‪ ،‬ولكن روسو وفق في أن يجعل هذه الصفحات‪-‬وعددها ‪-450‬أمتع كتاب ألف في التربية إطلقاً‪ .‬وقد‬
‫تناول كانت "إميل" لقرأه فاستغرق في قراءته استغراقاً أنساه الخروج للتمشي في نزهته اليومية(‪.)42‬‬
‫وما دامت الطبيعة ستكون الهادي والمرشد للمعلن‪ ،‬فسيعطى الطفل كل الحرية التي تسمح بها سلمته‪ .‬وسيبدأ بإقناع‬
‫مربيته بأن تحرر الرضيع من أقمطته لنها تعوق نموه وتطور أطرافه تطوراً سليماً‪ .‬ثم يقنع أمه بإرضاع طفلها بدلً‬
‫من أن تعهد به لمرضعة‪ ،‬لن المرضعة قد تؤذيه بالقسوة أو الهمال‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13113 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫أو قد تظفر منه‪-‬بفضل عنايتها الصادقة به‪-‬بتلك المحبة التي يجب بالطبيعة أن توجه للم باعتبارها أول مصدر ورباط‬
‫لوحة السرة والنظام الخلقي‪ .‬وهنا ساق روسو عبارات كان لها تأثير جدير بالعجاب على المهات الشابات في‬
‫الجيل الجديد‪:‬‬

‫"أتريدون أن تردوا الناس جميعاً إلى واجباتهم الفطرية؟ ابدؤوا بالم إذن‪ ،‬وسوف تدهشكم النتائج‪ .‬فكل الشرور تأتي‬
‫في أعقاب هذه الخطيئة الولى‪...‬والم التي يغيب أطفالها عن بصرها ل تكتسب الحترام الكثير‪ ،‬فليس هنا حياة‬
‫أسرية‪ ،‬وروابط الطبقة ل تتقوى بروابط العادة‪ ،‬وليس هناك وجود بعد للباء والمهات والخوة والخوات‪ .‬فهم‬
‫ل منهم يفكر في نفسه‪.‬‬
‫أغراب تقريباُ‪ ،‬فكيف يحب بعضهم بعضاً؟ إن ك ً‬
‫"أما إذا تنازلت المهات بإرضاع أطفالهن‪ ،‬فسيكون هناك إصلح في الخلق سينتعش الشعور الفطري في كل قلب‪،‬‬
‫ولن تشكو الدولة فقراً في عدد المواطنين‪ .‬وهذه الخطوة الولى وحدها ستعيد المحبة المتبادلة ومباهج البيت خير‬
‫ترياق للرذيلة‪ .‬عندها يغدو لعب الطفال الصاخب متعة بعد أن كنا نحسبه شديد الرهاق لنا‪ ،‬ويزداد إعزاز الم والب‬
‫بعضهما لبعض ويقوى رباط الزواج‪...‬وهكذا يأتي الشفاء من هذا الشر الواحد بإصلح شامل‪ ،‬فتستعيد الطبيعة‬
‫حقوقها‪ .‬وإذا أصبحت النساء أمهات صالحات أصبح الرجال أزواجاً وآباء صالحين(‪.)43‬‬
‫هذه الفقرات المأثورة جعلت إرضاع المهات لطفالهن شطرًا من تغير العادات الذي بدأ في العقد الخير من حكم‬
‫لويس الخامس عشر‪ .‬وكان بوفون قد أذاع مثل هذا النداء في العقد السابع ولكنه لم يصل إلى نساء فرنسا‪ .‬وبدأ الن‬
‫ظهور أجمل الصدور في باريس أعضاء للمومة فضلً عن كونها مفاتن جسمية ساحرة‪.‬‬
‫وقسم روسو حياة تلميذه التعليمية إلى ثلث فترات‪ ،‬اثنتي عشرة سنة طفولة‪ ،‬وثماني سنوات صبى‪ ،‬وعمر غير‬
‫محدود للعداد للزواج والبوة‪ ،‬وللحياة‬

‫صفحة رقم ‪13114 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫القتصادية والجتماعية‪ .‬ففي الفترة الولى يكون التعليم كله تقريبًا بدنياً وخلقياً‪ ،‬وعلى الكتب والتعلم من الكتب‪،‬‬
‫وحتى الديانة أن تنتظر نمو العقل‪ ،‬فإلى أن يبلغ إميل الثانية عشرة لن يعرف كلمة في التاريخ‪ ،‬ول يكاد يسمع ذكر‬
‫ال(‪ .)44‬فتربية الجسم يجب أن يشرع فيها أولً‪ .‬ومن ثم يربى إميل في الريف لنه المكان الوحيد الذي يمكن أن‬
‫تكون الحياة فيه صحية طبيعية‪:‬‬
‫ولم يخلق البشر ليتكدسوا في كثبان نمل‪ ،‬بل لينتشروا على الرض ليفلحوها‪ .‬وكلما حشدوا معاً فسدوا‪ .‬والمرض‬
‫والرذيلة هما النتيجتان المحتومتان للمدن المكتظة‪..‬فأنفاس النسان تفتك بإخوانه البشر‪...‬والنسان تفترسه مدننا‪ ،‬ولن‬
‫تنقضي أجيال قليلة حتى ينقرض النوع النساني أو ينحط‪ .‬فهو في حاجة إلى التجديد‪ ،‬وتجديده يكون دائمًا من الريف‪.‬‬
‫فأرسلوا أطفالكم إلى الخلء ليجدوا أنفسهم‪ .‬أرسلوهم ليستعيدوا في الحقل المكشوف تلك العافية التي فقدوها في الهواء‬
‫الفاسد الذي يمل مدننا المزدحمة(‪.)45‬‬
‫وشجعوا الصبي على حب الطبيعة والخلء‪ ،‬وعلى تربية عادات البساطة وعلى العيش على الطعمة الطبيعية‪ .‬وأي‬
‫طعام ألذ من ذلك الذي زرعه المرء في حديقته؟ أن الغذاء النباتي أصح الغذية ومن شأنه أن يقلل كثيراً من المراض‬
‫والعلل(‪.)46‬‬
‫إن عدم اكتراث الطفال باللحم من الدلة على أن الميل لكل اللحم غير طبيعي‪ .‬وهم يؤثرون الطعمة النباتية واللبن‬
‫والفاكهة الخ‪..‬فحذار أن تغيروا هذا الميل الفطري وتجعلوا أطفالكم أكلة للحوم‪ .‬افعلوا هذا من أجل أخلقهم إن لم‬
‫تفعلوه من أجل صحته‪ ،‬إذ كيف نعلل أن كبار أكلة اللحوم هم في العادة أشد ضراوة وقسوة من غيرهم من البشر(‪.)47‬‬
‫وبعد الغذاء الصحيح‪ ،‬والعادات الطيبة يعلم إميل البكور في الستيقاظ‪" .‬رأينا الشمس تشرق في منتصف الصيف‬
‫وسنراها تشرق في عيد الميلد‪..‬‬

‫صفحة رقم ‪13115 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫لستا تؤومي الضحى‪ ،‬فنحن نلتذ بالبرد(‪ .)48‬وإميل يكثر من الستحمام وكلما اشتد عوده قلل من حرارة الماء إلى أن‬
‫يستحم أخيراً بالماء البارد‪ ،‬بل المثلج‪ ،‬صيف شتاء‪ .‬وتفادياً للخطر يكون هذا التغير بطيئاً‪ ،‬تدريجياً‪ ،‬غير محسوس(‬
‫‪ .)49‬ونادراً ما يلبس على رأسه أي غطاء‪ ،‬وهو يمشي حافياً طوال السنة إل إذا خرج من بيته وحديقته‪" .‬يجب أن‬
‫يعود الطفال على البرد ل على الحر‪ ،‬فالبرد الشديد ل يضرهم إطلقاً إذا تعرضوا له في بواكير حياتهم"(‪.)50‬‬
‫وشجعوا محبة الطفل الطبيعية للنشاط والحركة "فل تتركوه على السكون إن أراد الجري‪ ،‬ول على الجري إن أراد‬
‫القعود‪...‬فليجر‪ ،‬وليقفز‪ ،‬وليزعق ما شاء(‪ .)51‬وابعدوا عنه الطباء ما استطعتم(‪ .)52‬ودعوه يتعلم بالممارسة ل‬
‫بالكتب ول حتى بالتعليم‪ .‬والمعلم الذكي يرتب المسائل والواجبات‪ ،‬ويدع تلميذه يتعلم من ضربة تصيب إبهامه أو‬
‫صدمة تصيب قدمه‪ ،‬وهو يحميه من الذى البالغ ل من اللم التي تربيه‪.‬‬
‫إن الطبيعة خير هادٍ‪ ،‬ويجب أن تتبع في أمر الذى الذي نعرفه في هذه الحياة‪:‬‬
‫"فلتكن قاعدتنا التي ل نزاع عليها أن الدوافع الولى للطبيعة صواب دائماً‪ .‬ليس في القلب البشري خطيئة أصلية‪..‬فل‬
‫تعاقب تلميذك أبداً‪ ،‬لنه ل يعرف معنى الخطأ‪ .‬ول تجعله يقول "سامحني"‪...‬فهو في أفعاله التي ل صبغة أخلقية لها‬
‫ل يمكن أن يأتي خطأ من الناحية الخلقية‪ ،‬ول يستحق عقاباً ول تقريعاً‪...‬فابدأ بترك بذرة شخصيته حرة في‬
‫الفصاح عن نفسها‪ ،‬ول تقسره على شيء‪ ،‬وبهذا يتكشف لك على حقيقته(‪.")53‬‬
‫على أنه سيحتاج إلى التربية الخلقية‪ ،‬فبغيرها يصبح إنساناً خطرًا تعساً‪ .‬ولكن ل تعظه‪ .‬فأن أردت لتلميذك أن يتعلم‬
‫العدل والرحمة كن أنت عادلً رحيماً فليقلدك‪" .‬القدوة القدوة! فبدونها لن تنجح في تعليم أي شيء للطفال(‪ .")54‬وهنا‬
‫أيضًا قد تجد أساسًا طبيعياً‪ .‬فالخير والشر (من وجهة نظر المجتمع) كلهما فطري في النسان‪ ،‬وعلى التربية أن‬
‫تشجع الخير‬

‫صفحة رقم ‪13116 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫وتثبط الشر‪ .‬ومحبة الذات عامة‪ ،‬ولكن في المكان تعديلها حتى لتدفع النسان إلى اقتحام الخطار الداهمة حفاظاً على‬
‫أسرته‪ ،‬أو وطنه‪ ،‬أو عرضه‪ .‬فهناك غرائز اجتماعية تحفظ السرة والجماعة كما أن هناك غرائز أنانية تحفظ الفرد(‬
‫‪ .)55‬والرحمة قد تنبع من محبة الذات (كما يحدث حين نحب البوين الذين يغذواننا ويحمياننا)‪ ،‬ولكنها قد تؤتي ثماراً‬
‫شتى في السلوك الجتماعي والمعونة المتبادلة‪ .‬ومن ثم فإن نوعًا من الضمير يبدو أنه عام وغريزي‪.‬‬
‫"ألقِ ببصركَ إلى كل أمة في الرض‪ ،‬وأقرأ كل سفر من أسفار تاريخها‪ ،‬ففي جميع ألوان العبادة العجيبة القاسية هذه‪،‬‬
‫وفي هذا التنوع المذهل من العادات والتقاليد‪ ،‬ستجد في كل مكان نفس الفكار (الساسية) أفكار الخير والشر‪...‬ففي‬
‫أعماق قلوبنا مبدأ فطري للعدل والفضيلة نحكم بمقتضاه‪-‬رغم قواعدنا‪-‬على أفعالنا؛ أو أفعال غيرنا‪ ،‬أخير هي أم شر‪،‬‬
‫وهذا المبدأ هو الذي نسميه الضمير"(‪.)56‬‬

‫ومن ثم ينطلق روسو في مناجاة سنجدها تتردد حرفياً تقريباً في كانت‪:‬‬
‫"إيه أيها الضمير! أيها الضمير! أيها الفطرة المقدسة‪ ،‬والصوت الخالد التي من السماء‪ ،‬الهادي المين لنسان هو‬
‫جاهل محدود حقاً‪ ،‬ولكنه ذكي حر؛ أيها القاضي المعصوم والفيصل بين الخير والشر‪ ،‬الذي يجعل النسان شبيهاً بال‪،‬‬
‫فيك يكمن سمو طبيعة النسان وفضيلة أفعاله‪ ،‬لست أجد في نفسي إذا انفصلت عنك شيئاً يرفعني فوق البهائم‪-‬ل شيء‬
‫إل امتياز مؤسف‪-‬هو قدرته على أن يهيم من خطأ إلى خطأ بمعونة ذكاء طليق من كل قيد وعقل ل يعرف له مبدأ(‬
‫‪.")57‬‬
‫إذن فالتربية العقلية يجب أل تبدأ إل بعد تكوين الخلق الفاضل‪ ،‬ويسخر روسو من نصيحة لوك بمناقشة الطفال‬
‫منطقياً‪:‬‬
‫"إن الطفال الذين كانوا يناقشون عقليًا باستمرار يبدون لي غاية في البلهة‪ .‬فالعقل هو آخر ما ينمو من قدرات‬
‫النسان وأسماها‪-‬وأنت تريد أن تستخدمه لتدريب الطفل المبكر؟ وجعل النسان منطقياً هو الحجر العلى‬

‫صفحة رقم ‪13117 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫في التربية الحسنة‪ ،‬ومع ذلك تريد أن تربي الطفل عن طريق عقله‪ .‬إنك إذن تبدأ من الطرف الخطأ(‪.")58‬‬
‫ق ذهن الطفل (فكره) عاطلً أطول ما تستطيع(‪ ،")59‬فإذا كانت له آراء‬
‫كل‪ ،‬بل يجب أن تؤجل التربية العقلية‪" .‬أب ِ‬
‫قبل أن يبلغ الثانية عشرة فثق أنها ستكون سخيفة‪ .‬ول تزعجه في هذه السن بالعلم‪ ،‬بهذا سباق ل نهاية له‪ ،‬كل ما‬
‫نكتشفه فيه إنما يزيدنا جهلً وغروراً أحمق(‪ .)60‬فدع تلميذك يتعلم حياة الطبيعة وأساليبها بالتجربة‪ ،‬دعه يستمتع‬
‫بالنجوم دون الزعم بأنه يتتبع تاريخها‪.‬‬
‫ويمكن أن تبدأ التربية العقلية في الثانية عشرة‪ ،‬ويجوز لميل أن يقرأ بعض الكتب‪ .‬ويستطيع أن ينتقل من الطبيعة إلى‬
‫الدب بقراءة روبنسن كروزو‪ ،‬لنها قصة رجل جاز‪-‬على جزيرة‪-‬بمختلف المراحل التي جاز بها الناس من الهمجية‬
‫إلى المدنية‪ .‬ولكن إميل ل يكون قد قرأ كتبًا كثيرة حين يبلغ الثانية عشرة‪ ،‬وسيضرب صفحاً عن الصالونات‬
‫والفلسفة‪ ،‬ولن يكترث للفنون‪ ،‬لن الجمال الحق الوحيد كائن في الطبيعة(‪ .)61‬ولن يصبح أبداً "موسيقياً‪ ،‬أو ممثلً‪،‬‬
‫أو مؤلفاً(‪ ،")62‬بل سيكون قد اكتسب مهارة كافية في حرفة ما ليكسب قوته بعمل يديه أن اقتضته الظروف يوماً ما‬
‫(وبعد ثلثين عاماً سيندم الكثير من المهاجرين الذين ل حرفة لهم على أنهم سخروا كما سخر فولتير من النجار‬
‫النبيل)(‪ .)63‬على أية حال يجب أن يخدم إميل المجتمع بيديه أو بعقله (رغم أنه وارث لثروة متواضعة)‪" ،‬فالرجل‬
‫الذي يأكل وهو عاطل ما لم يكسبه بجهده ليس إل لصاً(‪.")64‬‬
‫ب ‪ -‬ديانته‬
‫وأخيراً نستطيع أن نحدث إميل عن ال إذا بلغ الثامنة عشرة‪:‬‬
‫"إني عليم أن الكثير من قرائي سيدهشهم أن يجدوني متتبعاً سير تلميذي خلل سنيه الولى دون أن أحدثه في الدين‪.‬‬
‫إنه وهو في الخامسة عشرة لن يعرف حتى أن له نفساً‪ ،‬وقد ل يكون في الثامنة عشرة مهيئًا بعد لللمام‬

‫صفحة رقم ‪13118 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫بهذه الحقيقة‪....‬ولو كان عليّ أن أصور الغباوة في أفجع أشكالها لصورت معلمًا متحذلقاً يلقن التعليم الديني للطفال‪،‬‬
‫ولو أردت أن أخرج طفل عن طوره لطلبت إليه أن يشرح ما تعلمه في دروسه الدينية‪...‬ل شك أننا يجب أن ل نضيع‬
‫لحظة واحدة إن وجب أن نكون مستحقين للخلص الدبي‪ ،‬ولكن إذا كان تكرار ألفاظ معينة يكفي للحصول على هذا‬
‫الخلص فلست أرى لم ل نمل السماء بالزرازير العقاعق كما نملؤها بالطفال(‪.")65‬‬
‫ثم جرد روسو أمضى سهامه على جماعة الفلسفة‪ ،‬رغم إعلنه هذا الذي أثار غضب رئيس أساقفة باريس‪ .‬وليتصور‬
‫القارئ فولتير أو ديدرو يقرءان هذا الكلم‪:‬‬
‫"لقد استشرت جماعة الفلسفة‪ ،‬فوجدتهم كلهم سواء في الغرور‪ ،‬والجزم‪ ،‬والدجماطية‪ ،‬يتظاهرون‪-‬حتى في شكوكيتهم‬
‫المزعومة‪-‬بأنهم عليمون بكل شيء‪ ،‬ل يثبتون شيئاً‪ ،‬ويهزأ بعضهم ببعض‪ .‬وقد بدت لي‪....‬هذه الخاصة الخيرة‪،‬‬
‫النقطة الوحيدة التي أصابوا فيها‪ .‬فهم ضعاف في الدفاع رغم تبجحهم في الهجوم‪ .‬زن حججهم تجدها كلها مدمرة‪،‬‬
‫وأحصِ أصواتهم تجد كلً منهم يتحدث عن نفسه وحده‪....‬وما من واحد فيهم‪-‬إن تصادف واكتشف الفرق بين الباطل‬
‫والحق‪-‬ل يؤثر باطله على الحق الذي اكتشفه غيره من قبله‪ .‬فأين الفيلسوف الذي يعفُ عن خداع الدنيا بأسرها في‬
‫سبيل مجده(‪.")66‬‬
‫ومع أ‪ ،‬روسو واصل تنديده بالتعصب‪ ،‬فإنه على نقيض بيل أدان الكفر لنه أشد خطراً من التعصب‪ .‬وقدم لقرائه‬
‫"إعلناً باليمان" رجا به أن يحول التيار من إلحاد دولباخ‪ ،‬وهلفتيوس‪ ،‬وديدرو‪ ،‬عوداً إلى اليمان‪-‬اللذين التقى بهما‬
‫في صباه‪ ،‬فمزج بينهما وأخرج من المزيج كاهناً وهمياً في سافوي‪ ،‬وأنطق هذا الكاهن الريفي بالمشاعر والحجج التي‬
‫بررت (في نظر روسو) العودة إلى الدين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13119 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫ويصور روسو كاهن سافوي قسيساً على أبرشية صغيرة في اللب اليطالية‪ .‬وهو يعترف سرًا بشيء من الشكوكية‪،‬‬
‫ويرتاب في الوحي اللهي للنبياء‪ ،‬وفي معجزات الرسل والقديسين‪ ،‬وفي صحة النجيل(‪)67‬؛ ثم يتساءل كما تساءل‬
‫هيوم "من يجرؤ على أن يخبرني كم شاهد عيان يقتضيهم إقناعنا بتصديق معجزة ما؟(‪ ")68‬وهو ي فض صلة‬
‫التضرع‪ ،‬فصلواتنا يجب أن تكون ترانيم لمجد ال‪ ،‬وتعبيرات عن امتثالنا لمشيئته(‪ .)69‬وهو يرى الكثير من مواد‬
‫العقيدة الكاثوليكية حديث خرافة أو أساطير الولين(‪ .)70‬ومع ذلك يشعر بأنه يحسن خدمة شعبه بكتمان شكوكه‪،‬‬
‫وممارسة العطف على الجميع والبر بهم (مؤمنين مغير مؤمنين على السواء)‪ .‬وأداء طقوس الكنيسة الرومانية كلها‬
‫بأمانة‪ .‬فالفضيلة ضرورية للسعادة‪ ،‬واليمان بال‪ ،‬وبحرية الرادة‪ ،‬وبالجنة‪ ،‬وبالنار‪ ،‬ضروري للفضيلة‪ ،‬والديان‬
‫رقم ما قارنت من جرائم جعلت الرجال والنساء أكثر فضيلة‪ ،‬أو على القل أقل قسوة ولؤمًا مما كان يمكن أن يكونوا‪.‬‬

‫فإذا بشرت هذه الديان بعقائد تبدو لنا غير معقولة‪ ،‬أو إذا أرهقتنا بطقوسها ومراسمها‪ ،‬وجب أن نسكت شكوكنا في‬
‫سبيل الجماعة‪.‬‬
‫والدين صواب في جوهره حتى من وجهة نظر الفلسفة‪ .‬ويستهل الكاهن الكتاب كديكارت بقوله "إنني موجود ولي‬
‫حواس أتلقى من خللها النطباعات‪ ،‬هذه أولى الحقائق التي تسترعي انتباهي‪ ،‬وأنا مضطر إلى قبولها(‪ .")71‬وهو‬
‫يرفض رأي باركلي‪" :‬إن سبب أحاسيسي خارج عني‪ ،‬لنها تؤثر فيّ سواء كان عندي داع لها أو لم يكن‪ ،‬وهي تخلق‬
‫وتهدم مستقلة عني‪..‬إذن توجد كيانات أخرى فضلً عني"‪ .‬ونقطة ثالثة ترد على هيوم وتسبق كانت‪ :‬أنني أجد لدي‬
‫القدرة على المقارنة بين أحاسيسي‪ ،‬إذن فقد وهبت قوة إيجابية للتعامل مع التجربة(‪ .)72‬وهذا العقل ل يمكن تفسيره‬
‫على أنه شكل من أشكال المادة‪ ،‬فليس في فعل التفكير أمارة على عملية مادية أو ميكانيكية‪ .‬أما كيف يستطيع عقل غير‬
‫مادي يؤثر في جسم مادي فذلك أمر يجاوز فهمنا‪ ،‬ولكنه حقيقة تدرك للتو‪ ،‬ويجب أل ننكرها لجل الستدلل‬

‫صفحة رقم ‪13120 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫المجرد‪ .‬وعلى الفلسفة أن يتعلموا العتراف بأن شيئاً ما قد يكون حقيقياً ولو عجزوا عن فهمه‪-‬خصوصاً إذا كان‬
‫يدرك بأسرع من جميع الحقائق‪.‬‬
‫والخطوة التالية (كما يسلم الكاهن) هي الستدلل العقلي الخاص‪ .‬فأنا ل أدرك ال بحسي‪ ،‬ولكن استدل عقلً على أنه‬
‫كما أن في أفعالي الرادية عقلً هو السبب المدرك للحركة‪ ،‬كذلك هناك على الرجح عقل كوني وراء تحركات‬
‫الكون‪ .‬وإن ال ل يمكن معرفته‪ ،‬ولكن أشعر أنه تعالى موجود وفي كل مكان‪ .‬وأبصر قصدًا في مئات الحالت‪ ،‬من‬
‫تكوين عيني إلى حركات النجوم‪ ،‬وينبغي أل أفكر في أن أنسب إلى الصدفة (مهما ازداد تكاثرها "على طريقة‬
‫ديدرو") تكييف الوسائل وفق الغايات في الكائنات الحية ونظام العالم‪ ،‬أكثر مما أنسب إلى الصدفة تجميع الحروف‬
‫تجميعًا لذيذاً في طبع النيادة(‪.)73‬‬
‫فإذا كان هناك إله ذكي وراء عجائب الكون‪ ،‬فمحال أنه سيسمح بأن يهزم الحق هزيمة دائمة‪ .‬ول بد لي من اليمان‬
‫بإله يؤكد انتصار الخير‪ ،‬ولو لتحاشى ذلك اليمان الكئيب بانتصار الشر‪ .‬إذن يجب أن أؤمن بحياة آخرة‪ ،‬بجنة تجزى‬
‫فيها الفضيلة‪ .‬ومع أن فكرة الجحيم تقززني‪ ،‬وأوثر عليها العتقاد بأن الشرار يصلون نار جهنم في قلوبهم‪ ،‬فإنني‬
‫متقبل حتى تلك العقيدة الرهيبة إذا اقتضاها ضبط الدوافع الشريرة في النسان‪ .‬وفي تلك الحالة أتوسل إلى ال أل‬
‫يجعل الجحيم خالدة(‪ .)74‬ومن ثم كانت فكرة المطهر باعتباره مكاناً للعقوبة الممكن اختزالها للخطاة جميعًا إل أشدهم‬
‫عناداً وعصياناً أكثر إنسانية من تقسيم الموتى كلهم إلى فريق المباركين إلى البد‪ ،‬والهالكين إلى البد‪ .‬وهبنا عاجزين‬
‫عن البرهان على وجود الجنة‪ ،‬فيالها من قسوة أن ننتزع من الناس هذا الرجاء الذي يعزيهم في أحزانهم ويشدد‬
‫عزائمهم في هزائمهم(‪ .)75‬ولو انعدم اليمان بال وبالخرة؛ لتعرضت الفضيلة للخطر وتجردت الحياة من معناها‪،‬‬
‫لن الحياة في الفلسفة الملحدة صدفة آلية تمر بمئات اللم إلى موت أليم أبدي‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13121 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫وعليه وجب أن نتقبل الدين على أنه في مجموعه عطية كبرى للبشر ول حاجة بنا إلى أن نعلق أهمية كبرى على شتى‬
‫المذاهب التي مزقت المسيحية‪ ،‬فكلها خير إذا حسنت السلوك وغذت الرجاء‪ .‬ومن السخف أن نفترض أن أصحاب‬
‫العقائد واللهة والسفار المقدسة الخرى سوف يحكم عليها بالهلك‪" ،‬فلو لم يكن على الرض سوى دين واحد؛ ولو‬
‫حكم على كل الخارجين عنه بالعقاب البدي‪..‬لكان إله ذلك الدين أظلم الطغاة وأقساهم(‪ .)76‬وعليه فلت يعلم إميل لوناً‬
‫بعينه من المسيحية‪ ،‬ولكنا سنعطيه الوسيلة لن يختار لنفسه حسبما يرتئيه عقله صواباً(‪ .)77‬وخير الطرق أن نمضي‬
‫في الدين الذي ورثناه عن آبائنا أو مجتمعنا‪ .‬ونصيحة كاهن روسو الوهمي هي "عد إلى وطنك؛ ارجع إلى دين آبائك‪،‬‬
‫واتبعه بكل قلبك ول تتخل عنه أبداً فهو بسيط جداً ومقدس جداً‪ ،‬وما من دين آخر تجد فيه الفضيلة أشد نقاء‪ ،‬ول‬
‫العقيدة أكثر إشباعاً للعقل(‪.")78‬‬
‫وكان روسو عام ‪ 1754‬قد سبق إلى هذه النصيحة‪ ،‬وعاد إلى جنيف وعقيدتها‪ ،‬على أنه لم يق بوعد الذهاب إليها‬
‫والقامة فيها بعد أن يسوي أموره في فرنسا‪ .‬وفي "رسائل من الجيل" التي كتبها بعد عشر سنوات تنكر لمعظم دين‬
‫آبائه كما سنرى‪ .‬وفي العقد الخير من حياته سنجده يوصي غيره بالدين‪ ،‬ولكنه ل يكاد يبدي أمارة على اليمان الديني‬
‫أو الممارسة الدينية في حياته اليومية‪ .‬وأجمع الكاثوليك والكلفنيون واليسوعيون على مهاجمته هو "وإعلن اليمان"‬
‫الذي ناب عن عقيدته لنهما أساساً غير مسيحيين(‪ .)79‬وصدم التعليم الذي اقترحه لميل قراءه المسيحيين لنهم رأوه‬
‫في حقيقته تعليمًا ل دينياً‪ ،‬وخامرهم الظن في أن فتى من أواسط الشباب‪ ،‬نشئ على غير دين‪ ،‬لن يعتنق دينًا بعد حين‪،‬‬
‫إل لداعي المصلحة الجتماعية‪ .‬وقد رفض روسو عقيدة الخطيئة الصلية والدور الفدائي الذي يؤديه موت المسيح‬
‫وذلك برغم قبوله الرسمي للكلفنية‪ .‬وأبى قبول العهد القديم بوصفه كلمة ال‪ ،‬وذهب إلى أن العهد الجديد "يحفل بأشياء‬
‫ل يمكن تصديقها‪ ،‬أشياء ينفر منها العقل(‪ .")80‬ولكنه أحب الناجيل لنها أعظم السفار تأثيراً وإلهاماً للنفس‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13122 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫أيمكن أن يكون كتاب اجتمع له كل هذا الجلل والبساطة في وقت معاً من عمل إنسان؟ أيمكن أن يكون ذلك الذي‬
‫احتوى تاريخه فيها مجرد إنسان؟‪...‬إي رقة وطهر في أفعاله‪ ،‬وأي نعمة تمس القلوب في تعاليمه‪ ،‬وما أسمى أقواله‪،‬‬
‫وما أعمق حكمة مواعظه‪ ،‬وما أعظم إجاباته سداداً وتميزاً وأي إنسان‪ ،‬وأي حكيم يستطيع أن يحيى ويتألم ويموت‬
‫دون ضعف أو تباه؟‪...‬إذا كانت حياة سقراط وموته هما حياة فيلسوف وموته‪ ،‬فحياة المسيح وموته هما حياة إله‬
‫وموته(‪.)81‬‬
‫جـ ‪ -‬حبه وزواجه‬
‫حين أختتم روسو صفحات كاهن سافوا الخمسين وعاد إلى إميل تصدى لمشاكل الجنس والزواج‪.‬‬
‫فهل يحدث تلميذه عن الجنس؟ ل تفعل حتى يسألك‪ .‬فإذا سألك فأخبره بالحقيقة(‪ .)82‬ولكن افعل كل ما يتفق والصدق‬
‫والصحة لكي تؤجل وعيه بالجنس‪ .‬على أي حال ل تنبه هذا الوعي‪" :‬إذا اقتربت السن الحرجة فقدم للشباب من‬

‫المشاهد ما هو كفيل بالحد من رغباتهم الجنسية ل بإثارتها‪...‬أبعدهم عن المدن الكبيرة حيث يجعل لباس النساء اللتي‬
‫يعرضنه في زهو وتباهٍ‪ ،‬وتعجل جرأتهن دوافع الطبيعة وتستبقها‪ ،‬وحيث يعرض كل شيء على أبصارهم‪ ،‬لذات يجب‬
‫أل يعرفوا عنها شيئاً حتى يبلغوا من العمر ما يمكنهم أن يختاروا بأنفسهم‪...‬وإذا أبقاهم ميلهم للفنون في المدينة فأبعدهم‬
‫عن‪...‬حياة التبطل‪ .‬واختر بعناية عشراءهم‪ ،‬وشواغلهم وملهيهم‪ ،‬ول ترهم شيئاً غير الصور المحتشمة المثيرة‬
‫للشفقة‪...‬وغير حسهم المرهف دون أن تثير حواسهم(‪.")83‬‬
‫وأقلقت روسو العواقب الوخيمة لعادة يبدو أنه عرفها معرفة خبير‪:‬‬
‫"حذار أن تترك الفتى ليلً ول نهاراً‪ ،‬وعليك على القل أن تقاسمه حجرته‪ .‬وإياك أن تسمح له بالذهاب إلى فراشه‬
‫حتى يأخذ الكرى بجفونه‪ ،‬ثم أجعله ينهض بمجرد استيقاظه‪...‬فلو أنه اعتاد هذه العادة الخطرة‬

‫صفحة رقم ‪13123 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫لهلك‪ .‬فسيتنبه جسمه ونفسه من تلك اللحظة فصاعداً‪ ،‬وسيحمل إلى الغير آثار‪...‬أضر عادة يكتسبها شاب"‪.‬‬
‫ثم يضع هذا القانون لتلميذه‪.‬‬
‫"إن عجزت عن التحكم في شهواتك يا عزيزي إميل فأني أرثي لك‪ ،‬ولكني لن أتردد لحظة‪ ،‬فلن أسمح بالروغان من‬
‫مقاصد الطبيعة‪ .‬وإذا كان حتمًا عليك أن تكون عبداً فإني أؤثر أن أسلمك إلى طاغية قد أنقذك منه‪ ،‬فمهما حدث‪ ،‬فإذ‬
‫قادر على تحريرك من العبودية للنساء بسهولة أكثر من عبوديتك لنفسك(‪.")84‬‬
‫ولكن ل تدع رفاقك يغرونك بالذهاب إلى ماخور! "فلم يريد هؤلء الفتيان إغرائك؟ لنهم يرغبون في‬
‫إفسادك‪...‬فحافزهم الوحيد هو غل دفين لنهم يرونك خيرًا منهم‪ ،‬فهم يريدون أن يجروك إلى الهوة التي تردوا فيها"‪.‬‬
‫والزواج خير من هذا‪ .‬ولكن ممن؟ يصف المعلم المثل العلى للفتاة‪ ،‬والمرأة‪ ،‬والزوجة‪ ،‬ويحاول أن يطبع ذلك المثل‬
‫على ذهن إميل هادياً له وهدفاً في البحث عن زوجة‪ .‬وكان روسو يخاف النساء المسترجلت المسيطرات‪ ،‬الوقحات‪،‬‬
‫ويرى سقوط الحضارة في تسلط النساء المسترجلت استرجالً متزايداً على الرجال المخنثين تخنثاً متزايداً "في كل‬
‫بلد تجد أن الرجال من النوع الذي تصنعه النساء‪....‬فردوا النساء إلى النوثة‪ ،‬نعد رجالً مرة أخرى(‪ ")85‬أن نساء‬
‫باريس يغتصبن حقوق جنس دون أن يردن التخلي عن حقوق الخر‪ ،‬وهن لذلك ل يملكن هذه ول تلك مكتملة(‪.)86‬‬
‫والقوم يتصرفون بطريقة أفضل في القطار البروتستانتية حيث الحشمة ليست أضحوكة بين المسفسطين بل وعداً‬
‫يبشر بأمومة أمينة(‪ .)87‬أن مكان المرأة في البيت‪ ،‬كما كانت الحال عند قدماء اليونان‪ ،‬ويجب أن تقبل زوجها سيداً‬
‫ولكن يجب أن تكون صاحبة الكلمة العليا في البيت(‪ .)88‬وبهذه الطريقة تصان صحة النوع‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13124 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬

‫ويجب أن تهدف تربية الفتيات إلى إخراج أمثال هؤلء النساء‪ .‬يجب أن يربين في البيت على أيدي أمهاتهن‪ ،‬وأن‬
‫يتعلمن كل فنون البيت‪ ،‬من الطهو إلى التطريز‪ ،‬وأن يحصلن الكثير من الدين‪ ،‬بأسرع ما يمكن‪ ،‬لن من شأن هذا أن‬
‫يعينهن على الحشمة‪ ،‬والعفة‪ ،‬والطاعة‪ .‬وعلى البنت أن تقبل دين أمها دون جدل‪ ،‬ولكن على الزوجة أن ترتضي دين‬
‫زوجها(‪ )89‬على أية حال لتتجنب الفلسفة وتحتقر حياة الصالونات(‪ .)90‬على أنه يجب أل تكره الفتاة على الحجام‬
‫الغبي‪ ،‬فينبغي أن تكون خفيفة الروح‪ ،‬مرحة‪ ،‬تواقة‪ ،‬وأن تغني وترقص كما تشتهي‪ ،‬وتستمتع بكل لذات الشباب‬
‫البريئة‪ ،‬ولتذهب إلى المراقص واللعاب الرياضية‪ ،‬وحتى إلى المسارح‪-‬تحت الملحظة الواجبة وفي صحبة طيبة(‬
‫‪ .)91‬ويجب العمل على أن يظل ذهنها نشيطاً يقظاّ إن أريد بها أن تكون زوجة صالحة لرجل مفكر "ول بأس بأن‬
‫يُسمح لها بقدر من التدلل" باعتبار هذا جزءاً من اللعبة المعقدة التي تختبر بها خطابها وتختار زوجها(‪ .)92‬إن الرجل‬
‫هو موضوع الدراسة الصحيحة لجنس النساء(‪.)93‬‬
‫فإذا ثبت هذا المثل العلى للفتاة والمرأة في آمال إميل جاز له أن يخرج ويبحث عن زوجته‪ .‬وهو الذي يختار‪ ،‬ل أبواه‬
‫ول معلمه‪ .‬ولكن من واجبه نحوهم ونحو حدبهم عليه سنيناً طوالً‪ ،‬أن يستشيرهم في احترام‪ .‬أتريد أن تذهب إلى‬
‫المدينة وتتطلع إلى الفتيات اللتي يعرضن هناك؟ حسناً جداً‪ ،‬سنذهب إلى باريس وسترى بنفسك حقيقة هؤلء الوانس‬
‫المثيرات‪ .‬وهكذا يعيش إميل برهة في باريس ويختاط بـ "المجتمع الراقي"‪ .‬ولكنه ل يجد فيه فتاة من النوع الذي‬
‫وصفه له معلمه الماكر "إذن وداعاً يا باريس الذائعة الصيت‪ ،‬بكل ما فيكِ من ضجيج ودخان وقذارة‪ ،‬حيث كفت‬
‫النساء عن اليمان بالشرف‪ ،‬والرجال عن اليمان بالفضيلة‪ ،‬إننا نبحث عن الحب والسعادة والبراءة‪ ،‬وكلما بعدنا عن‬
‫باريس كان خيراً لنا(‪.)94‬‬
‫وعليه يقفل المعلم وتلميذه إلى الريف‪ ،‬وإذا هما يصادفان صوفي في قرية هادئة نائية عن الزحام المجنون‪ .‬هنا‬
‫(الكتاب الخامس) تتحول‬

‫صفحة رقم ‪13125 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫رسالة روسو إلى قصة حب مثالية التصوير ولكنها مبهجة‪ ،‬تروى ببراعة كاتب قدير‪ .‬فبعد تلك الحاديث المسهبة في‬
‫التعليم والسياسة والدين‪ ،‬يعود إلى الشاعرية والخيال‪ ،‬وبينما تنكب تريز على أشغال بيتها‪ ،‬يعاود أحلمه بتلك المرأة‬
‫الرقيقة التي لم يجدها إل في لحظات متفرقة من جولته‪ ،‬ويطلق عليها اسماً اشتقه من آخر غرام أشتعل في قلبه‪.‬‬
‫وصوفي الجديدة هذه ابنة سيد كان يوماً ما ثرياً‪ ،‬يعيش الن في عزلة وبساطة قانعتين‪ .‬فتاة صحيحة الجسم‪ ،‬جميلة‪،‬‬
‫محتشمة‪ ،‬رقيقة‪-‬ونافعة وتعين أمها بكفايتها السريعة الهادئة في كل شيء "ما من شيء ل تستطيع عمله بإبرتها(‪.")95‬‬
‫ويجد إميل المبرر لمعاودة لقائها‪ ،‬وتجد هي المبرر لمزيد من زياراته‪ .‬وشيئاً فشيئًا يتضح له أن صوفي حائزة لكل‬
‫الفضائل التي صورها له معلمه في صورة مثالية‪ .‬فيا للصدفة اللهية! وبعد أسابيع يصل إلى القمة التي تدير رأسه‪،‬‬
‫قمة لثم هدب ثوبها‪ .‬وما هي إل أسابيع أخر حتى يخطبها‪ .‬ويصر روسو على أن تكون الخطبة احتفالً رسميًا مهيباً‬
‫فيجب أن نتخذ كل التدابير‪-‬بالطقوس وسواها‪-‬للتسامي بقدسية رباط الزوجية وإقرارها في الذاكرة‪ ،‬وبينما يرتعش إميل‬
‫وهو على حافة النعيم‪ ،‬يحمله معلمه العجيب الذي يضرب بالحرية والطبيعة عرض الحائط على ترك خطيبته والغياب‬
‫عنها عامين والسفر امتحاناً لمحبتهما ووفائهما‪ .‬ويبكي إميل ويصدع للمر "فإذا عاد وهو محتفظ بعذريته كأنما‬
‫بمعجزة وجد صوف عفيفة في وفاء‪ ،‬فيتزوجان‪ ،‬ويرشدهما المعلم إلى واجبات الواحد نحو صاحبه‪ .‬فيطلب إلى‬
‫صوفي أن تطيع زوجها إل فيما يتصل بالفراش والمأكل "ستهيمنين عليه طويلً بالحب إذ جعلت وصلك له نادراً‬
‫غالياً‪...‬وليكرم إميل عفة زوجته دون أن يشكو من برود عاطفتها(‪ .)96‬ويختتم الكتاب بنصر ثلثي‪:‬‬

‫"ذات صباح" يدخل إميل حجرتي ويعانقني قائلً‪" :‬هنئ ابنك يا أستاذي فهو يأمل أن يحظى بعد قلي بشرف البوة‪.‬‬
‫وما أعظم المسئولية التي سنحملها وما أشد حاجتنا إليك؟ ولكن معاذ ال أن أدعك تربي‬

‫صفحة رقم ‪13126 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫الولد كما ربيت الوالد‪ ،‬معاذ ال أن يقوم إنسان غيري بهذه المهمة اللذيذة المقدسة‪...‬ولكن واصل مهمة تعليم المعلمين‬
‫الشابين‪ .‬ابذل لنا النصح وأشرف علينا‪ .‬وسيسلس قيادنا لك وسأحتاج إليك ما حييت‪...‬لقد أديت واجبك فعلمني كيف‬
‫أقتدي بك‪ ،‬بينما تستمتع أنت بالفراغ الذي تستحقه جزاء جهودك(‪.")97‬‬
‫لقد اتفق العالم عمومًا بعد قرنين من الثناء‪ ،‬والسخرية‪ ،‬والتجربة على أن "إميل" كتاب جميل موحٍ ومستحيل‪ .‬فالتربية‬
‫موضوع ثقيل‪ ،‬لننا نتذكرها في ألم‪ ،‬ول نحب أن نسمع المزيد عنها‪ ،‬ونكره أن تفرض علينا من جديد بعد أن أتممنا‬
‫مدة الخدمة التي فرضت علينا في المدرسة‪ .‬ومع ذلك فقد صنع روسو من هذا الموضوع المنفر رواية تسحر قارئها‪.‬‬
‫فالسلوب البسيط‪ ،‬المباشر الشخصي يأسرنا برغم ما شابه من تمجيد بليغ‪ ،‬ونحن ننساق للرواية ونسلم أنفسنا لذلك‬
‫المعلم الكلي العلم‪ ،‬وأن ترددنا في إسلم أبنائنا له‪ .‬ذلك أن روسو‪ ،‬بعد أن امتدح حدب الم وحياة السرة‪ ،‬يأخذ إميل‬
‫من أبويه وينشئه في عزلة مضادة للفساد عن المجتمع الذي لبد له من العيش فيه بعد حين‪ .‬وروسو لم يربِ أطفالً‬
‫قط‪ ،‬لذلك ل يعلم أن الطفل المتوسط هو بــ "الطبيعة" لص صغير‪ ،‬غيور‪ ،‬جشع‪ ،‬مسيطر‪ ،‬ولو انتظرنا حتى يتعلم‬
‫النضباط دون أوامر‪ ،‬والجتهاد دون تعليم‪ ،‬لشب إنساناً سيئ التكيف‪ ،‬بليداً قليل الحيلة‪ ،‬فوضوياً‪ ،‬قذر الجسم أشعث‬
‫الشعر‪ ،‬ل يطاق‪ .‬وأنى لنا هؤلء المعلمون الخصوصيون الراغبون في تكريس عشرين عاماً من حياتهم لتربية طفل‬
‫واحد؟ تقول مدام دستال (‪ )1810‬أن هذا الضرب من العناية والهتمام‪...‬ويضطر كل رجا إلى تكريس حياته كلها‬
‫لتربية مخلوق آخر‪ ،‬ول تتاح الحرية في النهاية إل للجداد ليهتموا بمصالحهم(‪.)98‬‬
‫وأكبر الظن أن روسو أدرك هذه الصعوبات وغيرها بعد أن أفاق من نشوة تأليف كتابه‪ .‬فقد جاءه في ستراسبورج عام‬
‫‪ 1765‬أحد المتحمسين له وهو يتدفق ثناء وقال له "سيدي إنك ترى رجل ينشئ أبناءه على المبادئ التي أسعده أن‬
‫يتعلمها من كتابك إميل"‪ .‬وقال روسو‬

‫صفحة رقم ‪13127 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو الفيلسوف ‪ >-‬إميل‬
‫غاضبًا "هذا أسوأ لك ولبنك"(‪ .)99‬وفي الرسالة الخامسة من "رسائل من الجيل" بين أنه لم يؤلف إميل للباء‬
‫العاديين بل للحكماء "لقد أوضحت في المقدمة أن اهتمامي كان بتقدم خطة نظام جديدة للتربية لينظر فيه الحكماء‪ ،‬ل‬
‫طريقة يستخدمها الباء والمهات(‪ .")100‬فهو كمعلمه أفلطون انتزع الطفل من أذى أبويه مؤملً أن يصبح صالحاً‬

‫لتربية أطفاله بعد أن اكتملت له التربي المنقذة‪ .‬وكأفلطون "ذخر في السماء أنموذجاً لحالة أو طريقة مثالية‪ ،‬حتى‬
‫يشهدها كل راغب‪ ،‬فإذا شهدها استطاع أن يوجه نفسه وفقها(‪ .")101‬وقد أذاع على الناس حلمه هذا‪ ،‬عسى أن يحمل‬
‫اللهام في بل ٍد ما‪ ،‬لبعض الرجال والنسا‪ ،‬ويعين على صلح الحال‪ .‬وقد فعل‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13128 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬

‫الفصل الثامن‬

‫روسو المنبوذ‬

‫‪1767 - 1762‬‬

‫‪ -1‬الهروب‬
‫عجيب أن يفلت من الرقيب كتاب يحوي ما حوى إميل من هجوم صريح على كل شيء إل أسس المسيحية‪ ،‬وأن يطبع‬
‫في فرنسا‪ .‬ولكن الرقيب كان مالزيرب المتسامح العطوف‪ .‬وقبل أن يأذن بالنشر حث روسو على أن يحذف فقرات من‬
‫المؤكد أنها تدفع الكنيسة إلى العداء النشيط‪ .‬ولكن روسو رفض‪ .‬ولقد نجا زنادقة آخرون من الضطهاد لشخاصهم‬
‫بالتخفي وراء أسماء مستعارة‪ ،‬أما روسو فقد ذكر أسمه بشجاعة على صفحات غلف كتبه‪.‬‬
‫وبينما ندد جماعة الفلسفة بإميل باعتباره خيانة أخرى للفلسفة‪ ،‬أدانه أحبار فرنسا وقضاة باريس وجنيف باعتباره‬
‫مروقاً من المسيحية‪ .‬وأعد رئيس أساقفة باريس‪ ،‬عدو الجنسنين‪ ،‬للنشر في أغسطس ‪ 1762‬رسالة قوية تهاجم الكتاب‪.‬‬
‫وكان برلمان باريس المناصر للجنسنين مشغولً بطرد اليسوعيين‪ ،‬ولكنه أراد رغم ذلك أن يبدي غيرته على‬
‫الكاثوليكية‪ ،‬وأتاح له ظهور إميل فرصة ليضرب ضربته دفاعاً عن الكنيسة‪ .‬واقترح مجلس الدولة الذي كان يخوض‬
‫حرباً مع البرلمان‪ ،‬ويكره أن يكون دونه غيرة على سلمة العقيدة‪ ،‬أن يلقي القبض على روسو‪ .‬فلما نمى الخبر إلى‬
‫أصدقاء روسو من النبلء نصحوه بالرحيل فورًا من فرنسا‪ .‬وفي ‪ 8‬يونيو بعثت إليه مدام دكريكي رسالة تشي‬
‫بانفعالها‪ .‬قالت‪ :‬ل ريب في أن أمراً صدر بالقبض عليك‪ .‬فاستحلفك بال أن تهرب‪...‬إن حرق كتابك لن يضيرك أما‬
‫شخصك فل يطيق السجن‪ .‬فاستشر جيرانك(‪.)1‬‬

‫صفحة رقم ‪13129 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬
‫أما الحيران فكانا مرشال ومرشالة لكسمبورج‪ .‬وقد خشيا أن يتورطا في المر لو قبض على روسو(‪ ،)2‬فحثاه هو‬
‫وأمير كونتي على الهروب إلى سويسرا‪ ،‬وأعطوه مبلغًا من المال وعربة لعبر بها الطريق الطويل من فرنسا إلى‬
‫سويسرا‪ .‬وأذعن روسو على مضض‪ .‬وترك تريز في رعاية المرشالة‪ .‬وبرح مونمورني في ‪ 9‬يونيو‪ .‬في ذلك اليوم‬
‫حضر مرسوم بالقبض عليه ولكنه نُفذ ببطء رحيم‪ ،‬لن الكثيرين من رجال الحكومة سرهم أن يتركوه يهرب‪ .‬وفي‬
‫ذلك اليوم ذاته قال الستاذ أومير جولي دفلوري لبرلمان باريس وهو يلوح بنسخة من إميل‪:‬‬
‫"يبدو أن هذا العمل ألف لهدف واحد هو رد كل شيء إلى الدين الطبيعي‪ ،‬وتطوير ذلك النظام الجرامي في خطة‬
‫المؤلف لتربية تلميذه‪"...‬‬
‫وأنه ينظر إلى جميع الديان على أنها تستوي في الخير‪ ،‬وعلى أنها كلها منبعثة من مناخ الناس‪ ،‬وحكومتهم‬
‫وطبعهم‪..‬وأنه بناء على هذا يجرؤ على هدم صحة الكتاب المقدس والنبؤات‪ ،‬ويقينية المعجزات الواردة في السفار‬
‫المقدسة‪ .‬وعصمة الوحي‪ ،‬وسلطان الكنيسة‪..‬وهو يسخر من الدين المسيحي ويجدف عليه‪ .‬ذلك الدين الذي هو وحده‬
‫من صنع ل‪.‬‬
‫ومؤلف هذا الكتاب الذي جرؤ على وضع أسمه عليه يجب القبض عليه بأسرع ما يمكن‪ .‬ومن الهمية لمكان‪ ،‬أن‬
‫تجعل العدالة‪-‬من المؤلف وأولئك الذين‪...‬شاركوا في طبع هذا الكتاب وتوزيعه‪-‬مثلً وعبرة للناس بكل صرامة‪.‬‬
‫ومن ثم فقد أمر البرلمان‪:‬‬
‫بأن يمزق الكتاب المذكور ويحرق في فناء القصر (قصر العدالة) أسف السلم الكبير‪ ،‬بيد كبير الجلدين‪ ،‬وعلى كل‬
‫الذي يملكون نسخًا من الكتاب أن يسلموها إلى المسجل لبادتها‪ ،‬ومحظور على الناشرين طبع هذا الكتاب أو توزيعه‪،‬‬
‫وسيقبض على جميع بائعيه وموزعيه ويعاقبون طبقاً لنص القانون الصارم‪ ،‬ويجب القبض على ج‪-‬ج روسو وزجه‬
‫في سجن الكونسيرجري في قصر العدالة(‪.)3‬‬

‫صفحة رقم ‪13130 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬
‫وفي ‪ 11‬يونيو مزق وحرق إميل كما نص المر‪ ،‬ولكن روسو كان قد وصل إلى سويسرا‪ .‬أمرت الحوذي أن يقف‬
‫لحظة دخولي إقليم برن وخرجت من مركبتي‪ ،‬وخررت على وجهي‪ ،‬وقبلت الرض وصحت في غمرة فرحي‪:‬‬
‫"حمداً لك أيتها السماء‪ ،‬حامية الفضيلة‪ ،‬إنني ألمس أرضاً للحرية(‪.")4‬‬

‫ولم يكن مطمئناً كل الطمئنان‪ .‬فواصل ركوبه إلى إيفردون‪ ،‬قرب الطرف الجنوبي لبحيرة نوشاتل‪ ،‬في مقاطعة برن‪،‬‬
‫وهناك مكث شهراً مع صديقه القديم روجان‪ .‬أيبحث عن منزل في جنيف؟ ولكن في ‪ 19‬يونيو أدان مجلس الخمسة‬
‫ل من "لميل" و العقد الجتماعي" لنهما خارجان على التقوى‪ ،‬فاضحان‪ ،‬وقحان‪،‬‬
‫والعشرين الذي يحكم جنيف ك ً‬
‫مفعمان بالتجاديف والفتراءات على الدين‪ .‬وقد جمع المؤلف تحت ستار الشك كل ما من شأنه أن يضعف المقومات‬
‫الرئيسية للدين المسيحي المنزل‪ ،‬ويهزها ويهدمها‪...‬ويتعاظم خطر الكتابين ووجوب شجبهما لنهما مكتوبان بالفرنسية‬
‫(ل باللتينية التي ل تعرفها غير القلة) بأسلوب شديد الغراء‪ ،‬منشوران باس مواطن جنيفي(‪.)5‬‬
‫وعليه فقد أمر المجلس بحرق الكتابين‪ ،‬وحرم بيعهما‪ ،‬وأصدر مرسوماً بالقبض على روسو إذا دخل يوماً ما أرض‬
‫الجمهورية‪ .‬ولم يتعرض قساوسة جنيف على هذا التبرؤ من أشهر أبناء جنيف الحياء‪ .‬ول ريب في أنهم شعروا بأن‬
‫أي عطف يبدونه لمؤلف "إعلن بإيمان كاهن سافوى"‪ ،‬سيؤكد ما كشفه دالمبير عما يبطنونه من ميول للتوحيد‪،‬‬
‫وانقلب عليه يعقوب فيرن الذي ظل صديقاً له سنين كثيرة‪ ،‬وطالب بأن يسحب روسو أقواله‪ .‬يقول روسو وهو يذكر‬
‫ذلك الموقف "لو سرت بين الجماهير أي شائعة عني لضرت بي‪ ،‬وقد عاملني كل مروجي الشاعات والمتفيقهين‬
‫كأنني تلميذ مهدد بالجلد لنه لم يحسن حفظ درسه الديني(‪.")6‬‬
‫وتأثر فلوتير من موقف غريمه‪ ،‬فلقد قرأ إميل‪ ،‬وتعليقاته ما زالت ترى على نسخته المحفوظة بمكتبة جنيف‪ .‬وفي‬
‫خطاب مؤرخ ‪ 15‬يونيو كتب عن الكتاب "إنه خليط تهرف به مرضعة بلهاء في أربعة مجلدات بها أربعون‬

‫صفحة رقم ‪13131 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬
‫صفحة ضد المسيحية من أجرأ ما عرفنا‪...‬وهو يقول في الفلسفة من الشياء المؤذية قدر ما يقوله في المسيح‪ ،‬ولكن‬
‫الفلسفة سيكونون أكثر تسامحًا من القساوسة(‪ .)7‬على أية حال أعجبه "إعلن اليمان" فقال عنه خمسون صفحة‬
‫كاملة‪ ،‬ولكنه أضاف "من المؤسف أن يكون كاتبها‪...‬وغدًا كهذا(‪ .)8‬وكتب إلى مدام دودفان سأحب مؤلف كاهن‬
‫سافوي‪ ،‬مهما فعل ومهما يفعل(‪..)9‬ولما سمع أن جاك طريد ل مأوى له صاح "فليأتِ إلى هنا (إلى قريته)‪..‬يجب أن‬
‫يأتي‪ .‬سأستقبله بذراعين مفتوحتين‪ .‬سيكون هنا سيداً أكثر مني‪ .‬سأعامله كأنه أبني(‪ .")10‬وبعث بدعوته إلى خمسة‬
‫عناوين مختلفة‪ ,‬ولبد أنها وصلت إلى أحدها‪ ،‬لن روسو أعرب فيما بعد عن أسفه لنه لم يرد عليها(‪ .)11‬وفي‬
‫‪ 1763‬جدد فولتير الدعوة‪ ،‬فرفضها روسو‪ ،‬واتهم فولتير بأنه حرض مجلس الخمسة والعشرين على إدانة "العقد‬
‫الجتماعي" و "إميل"‪..‬ولكن فولتير أنكر التهمة‪ ،‬وبحق فيما يبدو‪.‬‬
‫وفي بواكير يوليو ‪ 1762‬أخطر مجلس الشيوخ برن روسو بأنه ل يستطيع السماح بوجوده في إقليم برن‪ ،‬وأن عليه أن‬
‫يرحل عنه في بحر خمسة عشر يوماً وإل واجه السجن‪ .‬وتلقى خلل ذلك خطاباً رقيقًا من دالمبير ينصحه بأن يحاول‬
‫القامة في إمارة نوشاتل‪ ،‬وكانت تقع في قضاء فردريك الكبر‪ ،‬ويحكمها إيرل ماريشال جورج كيث‪ ،‬الذي قال عنه‬
‫دالمبير إنه سيستقبلك ويعاملك كما كان الباء في العهد القديم يستقبلون ويعاملون الفضيلة المضطهدة(‪ .)12‬وتردد‬
‫روسو‪ ،‬لنه كان قد انتقد فردريك زاعماً أنه طاغية في ثياب فيلسوف(‪ .)13‬ومع ذلك قبل في ‪ 10‬يوليو ‪ 1762‬دعوة‬
‫ابنة أخي روجان مدام دلتور‪ ،‬بأن ينزل بيتاً تملكه‪ .‬موتييه‪-‬ترافير‪ ،‬على خمسة عشر ميلً جنوب شرقي مدينة نوشايل‬
‫في بقعة سيصفها بوزويل بأنها وا ٍد بري بديع تحيط به الجبال الشاهقة(‪ .)14‬وحوالي ‪ 11‬يوليو تقدم جان‪-‬جاك بالتماس‬
‫إلى الحاكم‪ ،‬وبما تميز به من تواضع وإباء‪ .‬كتب إلى‪( :‬ملك بروسيا)‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13132 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬
‫"لقد قلت فيك الكثير من السوء‪ ،‬وأغلب الظن أني قائل فيك المزيد منه؛ ولكنني أنا مطارد من فرنسا ومن جنيف‪ ،‬ومن‬
‫مقاطعة برن‪ ،‬جئت ألتمس ملجأ وفي وليتك‪...‬سيدي‪ ،‬لم أستحق منك فضلً‪ ،‬ول أطلب فضلً‪ ،‬ولكنني أحسست بأن‬
‫من واجبي أن أصرح لجللتك بأنني في قبضتك‪ ،‬وأنني شئت أن أكون كذلك‪ ،‬ولجللتك أن تتصرف معي كما تشاء"‪.‬‬
‫وكتب فردريك إلى كيث في تاريخ غير مؤكد‪ ،‬وهو لم يفرغ بعد من حرب السنين السبع‪:‬‬
‫"يجب أن ننقذ هذا الشقي المسكين‪ .‬فذنبه الوحيد أن له آراء غريبة يحسبها سديدة‪ ،‬سأرسل إليك مائة كروان‪ ،‬فتفضل‬
‫بإعطائه منها ما يحتاج إليه‪ .‬وأظنه سيقبلها عيناً بأسهل مما يقبلها نقداً‪ ،‬ولول أننا نخوض حرباً‪ ،‬ولول أننا أفلسنا‪،‬‬
‫لبنيت له كوخاً بحديقة حيث يستطيع العيش كما عاش في ظني آباؤنا الولون‪....‬أظن أن روسو المسكين قد أختار‬
‫المهنة الخطأ‪ ،‬فواضح أنه ولد ليكون ناسكاً مشهوراً‪،‬وأبًا من آباء البرية يشتهر بنسكه وجلده لجسده‪ .‬ختاماً أقول أن‬
‫نقاء أخلقيات صاحبك المتوحسن يعدل عدم منطقية عقله(‪.")15‬‬
‫أما المريشال‪ ،‬الذي يقول روسو إنه قديس بخيل‪ ،‬عجوز‪ ،‬شارد الذهن‪ ،‬فقد أرسل إليه الزاد والفحم والخشب‪ ،‬وأقترح‬
‫ت من فردريك‪ ،‬فرفضه‪" ،‬ولكن منذ تلك اللحظة تعلقت به‬
‫أن يبني له بيتاً صغيراً‪ .‬وفسر جان‪-‬جاك هذا العرض بأنه آ ٍ‬
‫تعلقاً صادقاً حتى أصبحت أهتم الن بمجده قدر ما كنت أرى انتصاراته إلى ذلك الحين ظالمة(‪ .)16‬وفي أول نوفمبر‪،‬‬
‫والحرب قاب قوسين من نهايتها‪ ،‬كتب إلى فردريك يصف مهام السلم‪:‬‬
‫"مولي‪:‬‬

‫صفحة رقم ‪13133 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬الهروب‬
‫أنت حامي وولي نعمتي‪ ،‬وأن لي لقلباً خلق ليعرف الجميل‪ ،‬وأريد أن أبرئ نفسي معك إن استطعت‪ .‬تريد أن تعطيني‬
‫الخبز‪ ،‬أفليس بين رعاياك من يعوزه الخبز؟ أبعد عن عيني ذلك السيف الذي يومض ويجرحني‪...‬أن سيرة الملوك‬
‫الذين أوتوا همتك عظيمة‪ ،‬وأنت ل تزال بعيدًا عن ساعة منيتك‪ ،‬ولكن الوقت كالسيف‪ ،‬وليس أمامك لحظة واحدة‬
‫تضيعها‪ .‬أو تستطيع أن تعتزم الموت دون أن تكون أعظم الرجال قاطبة‪.‬‬
‫ولو أتيح لي يوماً أن أرى فردريك العادل المرهوب يمل بلده في نهاية المطاف بشعب سعيد سيكون أبًا له‪ ،‬إذن لذهب‬
‫جان‪-‬جاك روسو عدو الملوك‪ ،‬ليموت فرحاً في أسفل عرشه(‪.")17‬‬
‫ولم يرد فردريك رداً وصل إلينا علمه‪ ،‬ولكن حين ذهب كيث إلى برلين أخبره الملك بأنه تلقى توبيخًا من روسو(‪.)18‬‬
‫وحين خيل لجان‪-‬جاك أنه ضمن بيتاً يقيم فيه‪ ،‬أرسل إلى تريز لتلحق به‪ .‬ولم يكن واثقًا من أنها ستأتي‪ ،‬لنه أحس قبل‬
‫ذلك بزمن طويل بفتور محبتها له‪ ،‬وعزا هذا إلى توقفه عن التصال الجنسي بها‪ ،‬لن "التصال بالنساء كان يؤذي‬
‫صحتي(‪ .")19‬فلعلها الن تؤثر باريس على سويسرا‪ .‬ولكنها حضرت‪ .‬وكان لقاء ذرفا فيه الدموع وتطلعا أخيراً إلى‬
‫بضع سنين ينعمان فيها بالسلم‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13134 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬

‫‪ -2‬روسو ورئيس الساقفة‬
‫ولكن السنوات الربع التالية كانت أشقى ما لقيا‪ .‬ذلك أن قساوسة نوشاتل الكلفنين أدانوا روسو علنية بالهرطقة‪،‬‬
‫وحظر القضاة بيع "إميل"‪ .‬واستأذن روسو راعي الكنيسة في موتيه في أن ينضم إلى شعب كنيسته‪ ،‬ربما ليهدئ ثائرة‬
‫القساوسة‪ ،‬أو مدفوعاً برغبة صادقة في أتباع مبادئ كاهن سافوي‪( ،‬أما تريز فظلت كاثوليكية)‪ ،‬فقبل واختلف إلى‬
‫الكنيسة للصلة‪ ،‬وتناول القربان "بعاطفة من القلب‪ ،‬وعيناي تملؤها دمع الحنان(‪ .")20‬وأعطى الساخرين منه سلحاً‬
‫باتخاذ الزي الرمني‪-‬قلنسوة من فراء‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13135 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫وقفطان‪ ،‬وحزام‪ .‬وأتاح له الروب الطويل أن يستر آثار حصر البول الذي ابتلي به‪ .‬وكان يختلف إلى الكنيسة في هذا‬
‫الزي‪ ،‬وارتداه وهو يزور اللورد كيث‪ ،‬الذي لم يعلق عليه إل بتحيته بعبارة (السلم عليكم)‪ .‬وواصل الضافة إلى‬
‫دخله بنسخ الموسيقى‪ ،‬ثم أضاف أليها الن أشغال البرة‪ ،‬وتعلم صناعة الدنتل‪ .‬كنت أحمل كالنساء مخدتي في‬
‫زياراتي‪ ،‬أو أجلس لشتغل بالبرة عند باب بيتي‪ ..‬وأتاح لي هذا أن أنفق وقتي مع جاراتي دون أن أحي مللً‪.)21(..‬‬
‫وأغلب الظن أن الناشرين أقنعوه في هذه الفترة (أواخر ‪ )1762‬بأن يبدأ كتابه "اعترافات" وكان قد أقسم أن يعتزل‬
‫التأليف‪ ،‬ولكن هذا لن يكون تأليفاً بقدر ما هو دفاع عن خلقه وسلوكه ضد عالم من الخصوم‪ ،‬ل سيما ضد تهم جماعة‬
‫الفلسفة وشائعات الصالونات‪ .‬أضف إلى ذلك أنه كان مضطراً إلى الرد على عدد كبير من مختلف الرسائل‪ .‬وقدم له‬
‫النساء على الخص بخوراً معزبًا من إعجابهم الشديد‪ ،‬ل لتعاطفهن فحسب مع المؤلف المطارد لرواية مشهورة‪ ،‬بل‬
‫لن نفوسهن كانت تهفو للرجوع إلى الدين‪ ،‬ولم يرين في "كاهن سافوي" وصانعه عدواً حقيقياً للدين‪ ،‬بل المدافع‬
‫الشجاع ضد إلحاد يشيع الكآبة في النفوس‪ .‬لمثل هؤلء النساء ولرجال عديدين‪ ،‬غدا أب العتراف‪ ،‬ومرشداً للنفوس‬
‫الضمائر‪ .‬وقد نصحهم بأن يقيموا على دين شبابه أو يعودوا إليه‪ ،‬ضاربين صفحاً عن كل الصعوبات التي يوحي بها‬
‫العلم الفلسفة‪ .‬فتلك العجائب البعيدة التصديق ليست هي الجوهر‪ ،‬ول ضير في تنحيتها في صمت‪ ،‬إنما العبرة باليمان‬
‫بال وبالخلود‪ ،‬فبهذا اليمان والرجاء ستطيع النسان أن يتسامى فوق كل كوارث الطبيعة التي ل تفهم‪ ،‬وكل آلم‬
‫الحياة وأحزانها‪ .‬وطلب كاثوليكي شاب متمرد على دينه تعاطف روسو‪ ،‬فأجابه روسو ناسيًا تمرداته أل يهتم كثيراً‬

‫بالتوافه العارضة‪" .‬لو أنني ولدت كاثوليكياً لظللت كاثوليكياً‪ ،‬علمًا بأن كنيستك تضع قيداً صحيحاً على شطحات العقل‬
‫الذي ل يجد قراراً ول شاطئاً حين يريد سبر أعماق الشياء السحيقة(‪ .")22‬وأشار على جل طلب الحكمة هؤلء‬

‫صفحة رقم ‪13136 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫بالهروب من المدينة إلى الريف‪ ،‬ومن التكلف والتعقد إلى البساطة الطبيعية للحياة‪ ،‬والرضا الهادئ بالزواج والبوة‪.‬‬
‫وأحبت النساء اللتي صدمهن القساوسة المتعلقون بالحياة الدنيا ورؤساء الدين المتشككون‪ ،‬هذا المهرطق الزاهد الذي‬
‫ندد به جميع الكنائس‪ ،‬وإن اقتصر هذا الحب على الرسائل‪ .‬فقالت مدام دبلو‪ ،‬النبيلة المحترمة‪ ،‬لجماعة من النبلء‬
‫والنبيلت‪" ،‬ما من شيء يمنع امرأة ذات حس مرهف صادق من تكريس حياتها لروسو إل أسمى ضروب العفة‪ ،‬لو‬
‫كانت واثقة من أنه سيحبها حباً حاراً(‪ .)32‬وحسبت مدام دلتور بعض ما جاء في خطاباته لها من مجاملت اعترافاً‬
‫بالحب‪ ،‬فاستجابت في رقة وحرارة وتدفق وبعثت إليه بصورتها‪ ،‬مؤكدة أنها ل تنصفها‪ .‬وابتأست حين أجاب بهدوء‬
‫رجل لم يرها قط(‪ .)24‬إل أن معجبات أخريات تمنين لو قبلن الرض التي يمشي عليها‪ ،‬وأقامت بعضهن مذابح له في‬
‫قلوبهن‪ ،‬ودعاه بعضهن المسيح المولود من جديد‪ .‬وكان يصدقهن أحياناً‪ ،‬ورأى في نفسه المؤسس المطلوب لدين‬
‫جديد(‪.)25‬‬
‫وسط هذا التمجيد كله‪ ،‬أثار الشعب عليه كاهن أعلى من كهنة التمويل (الهيكل)‪-‬كأنما لتأكيد القياس‪-‬ليدينوه ثائراً‬
‫خطراً‪ .‬ففي ‪ 20‬أغسطس ‪ 1762‬أصدر كرستوف دبومون‪ ،‬رئيس أساقفة باريس‪ ،‬رسالة لجميع الكهنة في أسقفيته‬
‫ليقرئوا على شعبهم‪ ،‬ويعلنوا على المل‪ ،‬اتهامه لميل ذات التسع والعشرين صفحة‪ .‬وكان رجلً صارم العقيدة طاهر‬
‫السمعة‪ ،‬حارب الجانسنيين والموسوعية والفلسفة؛ وبدا له الن أن روسو‪ ،‬بعدما ظهر من انفصاله عن الملحدين‪،‬‬
‫صد أنظم إليهم في مهاجمة اليمان الذي يرتكز عليه في رأي رئيس الساقفة نظام فرنسا الجتماعي كله وحياتها‬
‫الخلقية بأسرها‪.‬‬
‫واستهل اتهامه بالستشهاد لما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس‪:‬‬
‫"ستأتي أزمنة صعبة لن الناس يكونون محبين لنفسهم‪..‬متعظمين‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13137 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫مستكبرين‪ ،‬مجدفين‪..‬غير طائعين لوالديهم متصلفين‪ ،‬محبين للذات‪ ،‬دون محبة ال‪...‬أناس فاسدة أذهانهم ومن وجهة‬
‫اليمان مرفوضون(‪.")26‬‬
‫وهاهي قد جاءت تلك الزمنة ما في ذلك شك‪:‬‬

‫"إن الكفر الذي تشجعه جميع الشهوات يلبس كل لبوس ليكيف نفسه على نحو ما وفق جميع العمار‪ ،‬والشخاص‬
‫والطبقات‪...‬فقد يستعير أسلوباً خفيفاً لطيفاً لعوباً‪ ،‬ومن هنا الحكايات الكثيرة التي تستوي بذاءة وزندقة (روايات‬
‫فولتير)‪ ،‬وترفه عن الخيال لنها غواية للعقل ومفسدة للقلب‪ .‬وقد يدعي الرجوع إلى الصول الولى للمعرفة متظاهراً‬
‫بعمق آرائه وسموها‪ ،‬ويزعم له سنداً إليها‪ ،‬لكي يخلع نيراً يقولون إنه يجلل البشر بالعار‪ .‬وقد يعلوا صوته كأنه امرأة‬
‫غضبى فيهاجم الغيرة الدينية‪ ،‬ومع ذلك يبشر بالتسامح الشامل بحماسة‪ .‬وقد يمزج الجد بالهزل في جمعه بين هذه‬
‫الساليب الكلمية المختلفة‪ ،‬ويخلط الحكم بالفحش‪ ،‬والحقائق الكبيرة بالخطاء الكبيرة‪ ،‬واليمان بالتجديف‪ ،‬ويأخذ‬
‫على عاتقه‪-‬باختصار‪-‬التوفيق بين النور والظلمة‪ ،‬وبين المسيح وبليعال"(‪.)27‬‬
‫وقال رئيس الساقفة أن هذه الطريقة لجأ إليها إميل بصفة خاصة‪ ،‬فهو كتاب حفل بلغة الفلسفة دون أن يكون فلسفة‬
‫حقاً‪ ،‬وطفح بنتف من المعرفة لم تثر المؤلف‪ ،‬وكل ما تفعله أنها تربك قراءه ل محالة‪ .‬أنه رجلٌ مولع بمفارقات الراء‬
‫والسلوك‪ ،‬يجمع بين بساطة العادات وخيلء الفكر‪ ،‬بين الحكم القديمة وجنون التجديد؛ وبين احتجاب عزلته ورغبته‬
‫في أن تعرفه الدنيا بأسرها‪ .‬إنه يندد بالعلوم‪ ،‬ثم يصادقها‪ .‬إنه يمتدح روعة النجيل‪ ،‬ثم يدمر تعاليمه‪ .‬لقد أقام نفسه‬
‫معلماً للنوع النساني ليخدعه‪ ،‬ومرشداً للشعب ليضل العالم‪ ،‬ونبياً للقرن ليهدمه‪ ،‬فيالها من مغامرة(‪.)28‬‬
‫وهال رئيس الساقفة ما أقترحه روسو من إغفال ذكر ال أو يدين لميل حتى يبلغ الثانية عشرة أو حتى الثانية عشرة‪،‬‬
‫فمعنى هذا أن "الطبيعة‬

‫صفحة رقم ‪13138 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫كلها تكون قد تحدثت عبثًا بعظمة الخالق‪..‬وأن كل تعليم خلقي سيفقد مساندة اليمان الديني‪ .‬ولكن النسان ليس بطبيعته‬
‫خيراً كما زعم المؤلف‪ .‬فهو يولد ملوثاُ بالخطيئة الصلية‪ ،‬وهو يشارك في إفساد البشرية العام‪ .‬والمعلم الحكيم‪-‬وخير‬
‫المعلمين كاهن ترشده النعمة اللهية‪-‬يتوسل بكل وسيلة سليمة ليغذي دوافع الخير في الناس‪ ،‬ويقتلع دوافع الشر‪ ،‬ومن‬
‫ثم فهو يطعم الطفل بلبن الدين الروحي‪ ،‬لكي ينمو نحو الخلص‪..‬وبهذا التعليم وحده يمكن أن يغدو الطفل عابداً‬
‫مخلصاً للله الحق ‪ ،‬وواحداً من رعايا الملك الوفياء(‪ .)29‬وأن الكثير من الخطايا والجرائم ليظل باقياً حتى بعد هذا‬
‫التعليم المجتهد‪ ،‬فما بالك بها إذا حرم الطفل منه‪ .‬إن سيلً عارمًا من الشر يغرق في هذه الحالة(‪.")30‬‬
‫وقال رئيس الساقفة في ختام كلمه إنه لهذه السباب‪:‬‬
‫"بعد استشارة عدة أشخاص عرفوا بورعهم وحكمتهم‪ ،‬وبعد التضرع لسم ال القدوس‪ ،‬ندين هذا الكتاب لنه يحوي‬
‫تعليمًا بغيضًا من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي‪ ،‬وأن يرسي مبادئ تناقض تعليم الناجيل‬
‫الخلقي‪ ،‬وينحوا إلى تكدير سلم الدول‪ .‬وتزعم الثورة على سلطان الملك‪ ،‬ولنه يتضمن الكثير جداً من الدعاوى‬
‫الباطلة المفترية المفعمة بالحقد على الكنيسة ورعاتها‪..‬لذلك نحظر صراحة على جميع الشخاص في أسقفيتنا أن‬
‫يقرؤوا الكتاب المذكور أو يقتنوه‪ ،‬وإل وقعوا تحت طائلة العقاب(‪.")31‬‬
‫وطبع هذه الرسالة "بامتياز الملك" وسرعان ما وصلت إلى موتيه‪-‬ترافير‪ .‬وقرر روسو أن يرد عليها‪ ،‬وهو الذي كان‬
‫على الدوام مصمماً على الكف عن الكتابة‪ .‬وقبل أن يضع قلمه (‪ 18‬نوفمبر ‪ )1762‬كان قد أطلق له العنان حتى بلغ‬
‫الرد ‪ 128‬صفحة‪ ،‬وطبع بأمستردام في مارس ‪ ،1763‬بهذا العنوان‪" :‬من جان‪-‬جاك روسو المواطن الجنيفي إلى‬
‫كرستوف ديمومون رئيس أساقفة باريس"‪ .‬وسرعان ما أدانه برلمان باريس ومجمع جنيف‪ .‬ورد روسو على الهجوم‬
‫الذي شنه عليه مذهل أوربا الكبيران‬

‫صفحة رقم ‪13139 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫بالهجوم عليهما جميعاً‪ .‬وراح الرومانسي الخجول الذي نبذ من قبل جماعة الفلسفة يكرر الن حججهم بجرأة‬
‫مستهترة‪.‬‬
‫وأستهل رده بسؤال ما زال يسأله جميع الخصوم بعضهم لبعض في هذا الجدل الذي ل ينتهي‪" .‬لم يتحتم عليّ أن أقول‬
‫أي شيء لك يا صاحب النيافة؟ وأي لغة مشتركة يمكننا أن نتحدث بها‪ ،‬وكيف نستطيع أن يفهم الواحد منا الخر(‪)32‬؟‬
‫وأبدى أسفه لنه ألف كتاباً على الطلق‪ ،‬وهو لم يفل إل حين بلغ الثامنة والثلثين‪ ،‬وقد جره إلى هذه الغلطة أنه لحظ‬
‫مصادفة ذلك "السؤال التعس" الذي وجهته أكاديمية ديجون‪ ،‬ودفعه نقاد المقال إلى الرد عليهم‪ ،‬ثم أفضى كل جدل إلى‬
‫جدل جديد‪...‬فألفيتني‪ ،‬إن جاز التعبير أغدو مؤلفاً في سن يهجر فيها المؤلفون التأليف عادة‪..‬ومنذ ذلك الحين إلى اليوم‬
‫اختفت الراحة والصدقاء(‪ .")33‬وزعم أنه في حياته كلها كان‪:‬‬
‫"أكثر حماسة مني استفادة‪..‬ولكني كنت مخلصاً في كل شيء‪..‬بسيطاً طيعاً‪ ،‬وإن كنت مرهف الحس ضعيفاً أفعل الشر‬
‫كثيراً وأحب الخير دائماً‪..‬أتبع عواطفي أكثر من مصالحي‪..‬أخشى ال دون أن أخشى الجحيم‪..‬أجادل في الدين ولكن‬
‫دون إباحة‪ .‬ل أحب الكفر ول التعصب‪ ،‬ولكن أمقت المتعصبين أكثر مما أمقت الملحدين‪..‬وأعترف بأخطائي‬
‫لصدقائي وأعلن آرائي للعالم كله(‪.")34‬‬
‫وأحزنته إدانة الكاثوليك لميل أقل مما أحزن إدانة الكلفنين‪ .‬فهو الذي كان يعتز بلقبه "مواطناً جنيفياً" هرب من فرنسا‬
‫أملً في أن يتنفس في مسقط رأسه نسيم الحرية‪ ،‬وأن يجد من الترحيب ما يعزيه عما لقي من إذلل كثير‪ .‬أما الن‬
‫"فمادا أقول؟ إن قلبي ينفلق؛ ويدي ترتعد‪ ،‬والقلم يسقط منها‪ ،‬وعليّ أن أصمت‪..‬ويجب أن أجتر في الخفاء أشد أحزاني‬
‫مرارة(‪ .)35‬فها هو الرجل الذي اجترأ في قرن اشتهر بالفلسفة‪ ،‬والعقل والنسانية‪ ،‬على أن يدافع عن قضية ال‪،‬‬
‫هاهو قد وسم؛ وحرم وطورد من بلد إلى بلد‪ ،‬ومن ملجأ إلى ملجأ‪ ،‬دون اكتراث لفقره‪ ،‬ول رحمة‬

‫صفحة رقم ‪13140 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫لمراضه" ثم وجد ملذاً آخر المر عند "ملك مستنير ذائع الصيت" وانزوى في قرية صغيرة رابضة بين جبال‬
‫سويسرا‪ ،‬ظاناً أنه في النهاية‪ ،‬واجد العزلة والهدوء‪ ،‬ولكن طاردته حتى هناك لعنات الكهنة‪..‬أن رئيس الساقفة هذا‬
‫ل من هذا أصدر‬
‫"الرجل الفاضل‪ ،‬النبيل النفس‪ ،‬الكريم المحتد"‪ ،‬كان ينبغي أن يوبخ هؤلء المضطهدين‪ ،‬ولكنه بد ً‬
‫الذن في غير خجل‪" ،‬وهو الذي كان يجب أن يدافع عن قضية المظلومين(‪"..)36‬‬
‫وأحس روسو أن أشد ما ساء رئيس الساقفة هو تعليم روسو أن الناس يولدون أخيار‪ ،‬أو غير أشرار على القل‪ ،‬وقد‬
‫أدرك بومون أنه لو كان هذا حقاً‪ ،‬ولو لم يكن النسان ملوثًا منذ مولده بوراثته خطيئة آدم وحواء‪ ،‬لسقط التعليم بكفارة‬
‫المسيح‪ ،‬وهذا لتعليم لب العقيدة المسيحية‪ .‬ورد روسو بأن تعليم الخطيئة الصلية لم يذكر بوضوح في أي مكان من‬
‫الكتاب المقدس‪ .‬وقد أدرك أن رئيس الساقفة قد صدمه القتراح بتحايل تعليم الدين‪ ،‬فرد بأن تربية الطفال على أيدي‬

‫الراهبات والقساوسة لم تقلل من الخطيئة أو الجريمة‪ ،‬فهؤلء الطفال بعد أن يكبروا يفقدون خوفهم من الجحيم‪،‬‬
‫ويؤثرون لذة صغيرة حاضرة على الجنة التي وعدوا بها‪ .‬ثم ما بال هؤلء القساوسة أنفسهم‪-‬أتراهم نماذج للفضيلة في‬
‫فرنسا المعاصرة(‪)37‬؟ ومع ذلك "فأنا مسيحي‪ ،‬مسيحي بإخلص‪ ،‬طبقاً لتعليم النجيل‪ ،‬ل مسيحي متلمذ للقساوسة‪،‬‬
‫بل تلميذ للمسيح"‪ .‬ثم أضاف روسو وعينيه على جنيف "إنني في سعادة بالولدة في أقدس وأعقل دين في الرض‪ ،‬ما‬
‫زلت متعلقًا تعلقًا ل انفصام فيه بأيمان آبائي‪ .‬وأنا مثلهم أتخذ من السفار المقدسة والعقل القواعد الوحيدة بأيماني(‬
‫‪ "...)38‬وأحس بلوم من أخبروه بأنه "مع أن كل أصحاب العقول الذكية يفكرون كما تفكر‪ ،‬فأنه ليس من الخير أن‬
‫يفكر العوام على هذا النحو"‪.‬‬
‫ي من كل جانب‪ ،‬ولعله ما كنت نفسكَ قائله لي لو كنا وحيدين في مكتبك‪ .‬هكذا الناس‪ ،‬فهم‬
‫"ذلك ما يتصايحون به عل ّ‬
‫يغيرون لغتهم مع ملبسهم‪ ،‬ول يقولون الحق إل وهم في أروابهم‪ ،‬أما في ثيابهم التي‬

‫صفحة رقم ‪13141 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو رئيس الساقفة‬
‫يبدون فيها أمام الناس فل يعرفون إل أن يكذبوا‪ .‬وهم ليسوا مخادعين غشاشين أمام وجوه البشر فحسب‪ ،‬بل إنهم ل‬
‫يخجلون من أن يعقبوا كل من يأبون أن يكونوا غشاشين كذابين علنية مثلهم‪ ،‬مخالفين في ذلك ضمائرهم(‪.")39‬‬
‫وهذا الخلف بين ما نؤمن به وما نبشر به هو سر الفساد في الحضارة العصرية‪ .‬أن هناك تحيزات ينبغي أن نحترمها‬
‫على أل تحيل التربية إلى خداع هائل وتقوض الساس الخلقي للمجتمع(‪ .)40‬فإذا أصبحت هذه التحيزات قتالة فهل‬
‫نسكت على جرائمها؟‪.‬‬
‫"لست أقول‪ ،‬ول أرى‪ ،‬أن الدين الحسن ل وجود له‪...‬ولكن الذي أقول له‪....‬أنه ما من دين من الديان التي سادت لم‬
‫يثخن النسانية بالجراح‪ .‬وكل المذاهب عذب بعضها بعضاً وكلها قدم ل قربان الدم البشري‪ .‬وأياً كان مبعث هذه‬
‫التناقضات فهي قائمة‪ ،‬فهل من الجرام الرغبة غب إزالتها(‪)41‬؟"‪.‬‬
‫وقبيل ختام رده دافع روسو عن إميل دفاع المحب المتيم بكتابه‪ ،‬وتسائل لم لم يقم لمؤلفه تمثال‪.‬‬
‫"هبني ارتكبت بعض الخطاء‪ ،‬ل بل كنت دائماً مخطئاً‪ ،‬أفل شفاعة لكتاب يشعر المرء في كل جزء فيه‪-‬حتى في‬
‫أغلطه وحتى في الضرر الذي قد يكون فيه‪-‬بالحب الصادق للخير وبالغيرة على الحق؟‪..‬كتاب ل يشع غير السلم‪،‬‬
‫واللطف‪ ،‬والصبر‪ ،‬وحب النظام‪ ،‬وطاعة القوانين في كل شيء‪ ،‬حتى في أمر الدين‪ .‬كتاب تؤكد فيه قضية الدين تأكيداً‬
‫رائعاً‪ ،‬وتحترم فيه مكارم الخلق احترامًا كبيراً‪....‬ويصور الشر فيه على أنه حماقة‪ ،‬والفضيلة على أنها شيء محبب‬
‫للنفوس‪...‬أجل‪ ،‬إنني ل أخشى أن أقولها‪..‬فلو أن في أوربا حكومة وحدة مستنيرة حقاً ‪ ..‬لخلعت على مؤلف إميل أسباب‬
‫التشريف العلنية‪ ،‬ولقامت له تمثالً‪...‬ولكن خبرتي الكبير بالبشر تمنعني من أن أتوقع تقديرًا كهذا وأنا لم أعرفه‬
‫معرفة تكفي لن أتوقع ذلك الذي أتوه"‪.‬‬
‫ولكنهم أقاموا له التماثيل‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13142 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو والكلفنيون‬

‫‪ -3‬روسو والكلفنيون‬
‫لم يبتهج بخطاب روسو الذي وجهه إلى كرستوف بومون غير بعض أحرار الفكر في فرنسا وبعض المتمردين‬
‫السياسيين في سويسرا‪ .‬وجاءت من البروتستنت معظم الردود "المفندة" لدعاوى روسو والموجه إلى المؤلف‪ .‬ورأى‬
‫قساوسة جنيف الكلفنيون في الخطاب هجوماً على المعجزات وتنزيل الكتاب المقدس‪ ،‬والغضاء عن هذه الهرطقات‬
‫معناه التمهيد من جديد للخطر الذي عرضهم له دالمبير‪ .‬وغضب روسو من إحجام الحرار الجنيفيين عن الجهر‬
‫بالدفاع عنه‪ ،‬فأرسل (‪ 12‬مايو ‪ )1763‬إلى مجلس جنيف الكبير يتخلى عن مواطنته‪.‬‬
‫وقد حضي عمله هذا ببعض التأييد المسموع في ‪ 18‬يونيو رفع وفد إلى الرئيس الول للجمهورية "احتجاجاً غاية في‬
‫التواضع والحترام من مواطني جنيف وسكان مدنها" شكا فيما شكا من مظالم‪ ،‬من أن الحكم الصادر على روسو غير‬
‫قانوني‪ ،‬وأن مصادرة نسخ إميل من مكتبات جنيف كانت عدواناً على حقوق الملكية‪ .‬ورفض مجلس الخمسة‬
‫والعشرين الحتجاج وفي سبتمبر أصدر المدعي العام‪ ،‬جان روبير ترونشان (أبن عم طبيب فولتير)‪ ،‬خطابات مكتوبة‬
‫من الريف "للدفاع عن إجراءات المجلس المختلف عليها‪ .‬وناشد "المحتجون" روسو الرد على ترونشاني‪ .‬وإذ لم يكن‬
‫بروسو أي نية في البعد عن الشر‪ ،‬فقد نشر (ديسمبر ‪ )1764‬تسعة "خطابات مكتوبة من الجيل"‪-‬وهي رد من بيته‬
‫الجبلي على أوليجاركية السهل الجنيفي‪ .‬وكان ساخطاً أشد السخط على القساوسة والمجلس جميعاً‪ ،‬فهاجم الكلفنية كما‬
‫هاجم الكاثوليكية‪ ،‬وأحرق بذلك معظم جسور من خلفه‪.‬‬
‫وقد وجه الخطابات من الناحية الشكلية لزعيم المحتجين‪ .‬واستهلها بتناول الذى الذي لحق به من جراء الدانة‬
‫المتعجلة لكتبه وشخصه‪ ،‬دون أن تتاح له أي فرصة للدفاع‪ .‬واعترف بعيوب كتبه‪" .‬لقد وجدت أنا نفسي الخطاء‬
‫الكثيرة فيها‪ .‬ولست أشك في أن غيري قد يرون فيها أخطاء أكثر‬

‫صفحة رقم ‪13143 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو والكلفنيون‬
‫وأنه ما زالت هناك أخطاء أخرى لم أدركها ل أنا ول غيري‪...‬فبعد الستماع إلى الطرفين سيحكم الجمهور‪..‬وسينجح‬
‫الكتاب أو يسقط وتنتهي القضية عند هذا(‪ .)43‬ولكن أكان الكتاب مؤذياً؟ أيمكن أن يقرأ إنسان "هلويز الجديدة"‬
‫"وإعلن إيمان كاهن سافوي" ثم يعتقد حقًا أن مؤلفها قصد هدم الدين؟ صحيح أن الكتابين حاول تدمير الخرافة لنه‬
‫شر بلء رزئت به البشرية‪ ،‬ولنها محنة الحكماء وأداة الطغيان(‪ .)44‬ولكن ألم يؤكد ضرورة الدين؟ إن المؤلف يتهم‬
‫بعدم إيمانه بالمسيح‪ ،‬وهو مؤمن بالمسيح ولكن بطريقة مختلفة عن طريقة متهميه‪.‬‬
‫إننا نعترف بسلطان المسيح‪ ،‬لن فكرنا يوافق على تعليمه ولننا نجدها تعاليم سامية‪ .‬ونحن نسلم بالوحي منبثقًا من‬
‫روح ال‪ ،‬دون أن نعرف كيف‪..‬وإذ نقر بسلطان إلهي في النجيل‪ ،‬فإننا نؤمن بأن المسيح بشر بهذا السلطان‪ ،‬ونحن‬
‫نقر بفضيلة في سلوكه تفوق فضيلة البشر‪ ،‬وبحكمة في تعاليمه تفوق حكمة البشر"‪.‬‬
‫وأنكر الخطاب الثاني حق مجلس مدني في الحكم في قضايا الدين (ناسيا العقد الجتماعي)‪ .‬وفي إدانة إميل انتهاك‬
‫لمبدأ أساسي من مبادئ حركة الصلح البروتستنتي‪ ،‬وهو حق الفرد في أن يفسر الكتاب المقدس لنفسه(‪.)45‬‬

‫"لو برهنت لي اليوم في مسائل الدين مضطراً للذعان لقرارات غيري‪ ،‬فسأتحول إلى الكاثوليكية غداً(‪ .")46‬وسلم‬
‫روسو بأن دعاة الصلح البروتستنتي أصبحوا بدورهم مضطهدين للتفسير الفردي(‪ .)47‬ولكن هذا ل يبطل المبدأ‬
‫الذي لوله لكانت ثورة البروتستنت على السلطة البابوية ظالمة‪ .‬واتهم القساوسة الكلفنيين (باستثناء راعي) بأنهم‬
‫اعتنقوا روح الكاثوليكية المتعصب‪ ،‬ولو كانوا أوفياء لروح الصلح البروتستنتي لدافعوا عن حقه في نشر تفسيره‬
‫الخاص للكتاب المقدس‪ .‬وجاد الن بكلمة ثناء على رأي دالمبير في قساوسة جنيف‪:‬‬
‫"أن أحد الفلسفة يلقي عليهم نظرة عجلى‪ ،‬ثم يتغلغل إلى أعماقهم‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13144 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو والكلفنيون‬
‫فيريهم أنهم أريوسيون‪ ،‬سوسينيون‪ ،‬فيقول هذا‪ ،‬ويحسب أنه بهذا القول يشرفهم ولكنه ل يدرك أنه يعرض مصالحهم‬
‫الدنيوية للخطر‪ ،‬وهو المر الوحيد الذي يقرر على العموم إيمان البشر في هذه الدنيا(‪.")48‬‬
‫وفي الخطاب الثالث تناول اتهامه برفض المعجزات‪ .‬فنحن إن عرفنا المعجزة بأنها خرق لقوانين الطبيعة‪ ،‬فلن‬
‫نستطيع أبداً أن نعرف هل الشيء معجزة أم غير معجزة‪ ،‬لننا ل نعرف كل قوانين الطبيعة(‪ .)49‬فحتى في ذلك‬
‫العصر كان كل يوم يشهد معجزة جديدة يحققها العلم‪ ،‬ل مخالفاً بذلك قوانين الطبيعة‪ ،‬بل بفضل معرفته بها معرفة‬
‫أعظم‪.‬‬
‫كان النبياء في قديم الزمان يستنزلون النار من السماء بكلمتهم‪ ،‬أما اليوم فالطفال يفعلون هذا بقطعة صغيرة من‬
‫الزجاج (المشتعل)‪ .‬إن يشوع أوقف الشمس‪ ،‬وأي واضع للتقاويم يستطيع الوعد بمثل هذه النتيجة إذا حسب كسوف‬
‫الشمس(‪ .)50‬وكما أن الوربيين الذين يجرون عجائب كهذه بين الهمج يعدهم هؤلء آلهة‪ ،‬فكذلك معجزات الماضي‪-‬‬
‫حتى معجزات المسيح‪-‬ربما كانت نتائج طبيعية فسرتها الجماهير خطأ بأنها تعطيلت إلهية للقانون الطبيعي(‪.)51‬‬
‫ولعل لعازر الذي أقامه المسيح من بين الموات لم يكن في حقيقة المر ميتاً‪ .‬ثم‪ ،‬كيف أن تثبت معجزات معلم صدق‬
‫تعليمه‪ ،‬إذ كان معلمو التعاليم المعتبرة عمومًا تعاليم كاذبة قد أجروا معجزات قيل إنها أيضاً حقيقية‪ ،‬كما حدث حين‬
‫بارى سحرة مصر هارون في تحويل هارون في تحويل العصي إلى حيات؟(‪ .)52‬أن المسيح حذر من "المسحاء‬
‫الكذبة" الذين يعطون آيات عظيمة وعجائب(‪.)53‬‬
‫كان روسو قد بدأ خطاباته بغرض مساعدة المحتجين من رجال الطبقة الوسطى‪ ،‬ولم يطلب توسيعاً لحق النتخاب في‬
‫اتجاه ديمقراطي‪ ،‬ل بل إنه في الخطاب الرابع يلتزم بالرأي بأن الرستقراطية المنتخبة هي خير أشكال الحكم‪ ،‬وأكد‬
‫لحكام جنيف أن المثل العلى الذي رسمه في "العد الجتماعي" كان في صميمه متفقاً مع الدستور الجنيفي(‪.)54‬‬
‫ولكن في الخطاب السابع أخبر أصدقاءه من البرجوازية المحتجة أن الدستور ل يقر سيادة المواطنين‬

‫صفحة رقم ‪13145 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو والكلفنيون‬

‫ذوي الحقوق النتخابية إل خلل النتخابات للمجلس العام ومؤتمره السنوي‪ ،‬أم في باقي السنة فالمواطنون مجردون‬
‫من السلطة‪ .‬وفي تلك الفترة الطويلة كلها يكون مجلس الخمسة والعشرين الصغير هو الحكم العلى في القوانين‪ ،‬وفي‬
‫مصير جميع الفراد تبعًا لذلك‪ ،‬والواقع أن المواطنين والبرجوازيين الذين يبدون أصحاب سيادة في المجلس العام‪،‬‬
‫يصبحون بعد فضه عبيداً لسلطة استبدادية بغير دفاع لرحمة خمسة وعشرين مستبداً(‪.)56‬‬
‫وكان هذا أقرب إلى الدعوة للثورة‪ .‬ولكن روسو استنكر هذا الملجأ الخير‪ .‬ففي خطابه الخير أثنى على البرجوازية‬
‫باعتبارها أعقل طبقة في الدولة‪ ،‬وأكثرها حباً للسلم‪ ،‬محصورة بين طبقة أشراف غنية ظالمة‪ ،‬وجماهير متوحشة‬
‫غبية(‪ .)57‬ولكنه نصح المحتجين بالصبر والمصابرة‪ ،‬وبأن يركنوا إلى العدالة والزمن لينصفاهم من مظالمهم‪.‬‬
‫وأغضبت "خطابات الجبل" هذه أعداء روسو وساءت أصدقاءه‪..‬وأفزعت هرطقاته القساوسة الجنيفيين‪ ،‬وزادهم فزعاً‬
‫ادعاؤه أنهم يشاطرونه إياها‪ .‬فأنقلب الن عنف على القساوسة الكلفنيين ورماهم بأنهم "رعاع غشاشون‪ ،‬بطانة غبية‪،‬‬
‫وذئاب مسعورة"‪" .‬وأعرب عن إيثاره للكهنة الكاثوليك البسطاء في القرى والمدن الفرنسية(‪ .)58‬ولم يستعن‬
‫"المحتجون" بالخطابات في حملتهم الناجحة لنيل المزيد من السلطة السياسية؛ واعتبروا روسو حليفاً خطرًا ل يركن‬
‫إليهم‪ ،‬فاعتزم أل يشارك بعدها بأي نصيب في السياسة الجنيفية"‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13146 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو وفولتير‬

‫‪ -4‬روسو وفولتير‬
‫كان قد تساءل في الخطاب الخامس‪ ،‬لم لم يوحِ "المسيو فولتير" الذي "طالما زاره" أعضاء المجلس الجنيفيون‪ ،‬لهم‬
‫"بروح التسامح تلك التي ل يني عن التبشير بها‪ ،‬والتي يحتاج هو إليها أحياناً؟ وأجرى على لسان فولتير حديثاً خيالياً(‬
‫‪ )59‬يحبذ فيه حرية الكلم للفلسفة بحجة أن قلة ل تُذكر‬

‫صفحة رقم ‪13147 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو وفولتير‬

‫هي التي تقرأ لهم‪ .‬وكان تقليده لسلوب فولتير الخفيف الرشيق بارعاً‪ .‬ولكنه صور حكيم فرنيه معترفاً بتأليفه لكتاب‬
‫نشر حديثاً اسمه "عظة الخمسين" وكان فولتير أنكر أبوته غير مرة لنه زخر بالهرطقات‪ .‬ول ندري أكان كشف‬
‫روسو للسر متعمداً خبثاً؟ على أي حال هذا ما رآه فولتير‪ ،‬وحنق منه أشد الحنق‪ ،‬لنه عرضه لمكان طرده من فرنسا‬
‫من جديد‪ ،‬في الوقت الذي كان مستقرًا فيه في فرنية‪.‬‬
‫وصاح حين قرأ الخطاب الواشي "يا للمجرم! يا للوحش! كان يجب أن أضربه بالنبوت‪-‬نهم‪ ،‬سآمر بضربه بالنبوت‬
‫في جباله عن ركبتي مربيته؛" وقال متفرج "أرجو أن تهدئ روعك‪ ،‬لني أعلم أن روسو ينوي أن يزورك‪ ،‬وسيكون‬
‫في فرنية قريباً جداً"‪..‬وصاح فولتير وقد بدت عليه نية الذى "آه‪ ،‬فليأتِ فقط"‪.‬‬
‫"ولكن كيف ستستقبله؟"‪.‬‬
‫"سأقدم له العشاء‪ ،‬وأعطيه فراشي‪ ،‬وأقول له هاك عشاء طيباً‪ ،‬وهاهو أفضل فراش في البيت؛ فتفضل بقبول الثنين‬
‫وانعم بالسعادة هنا(‪.")60‬‬
‫ولكن روسو لم يحضر‪ .‬وثأر فولتير لنفسه بإصداره (‪ 31‬ديسمبر ‪ )1764‬كتيباً بقلم مجهول‪ ،‬سماه "عواطف‬
‫المواطنين" هو لطخة من أشد اللطخ التي تلوث خلقه ومهنته سواداً‪ .‬ول بد من نقل ما جاء به ليصدق القارئ‪:‬‬
‫"أننا نرثي للحمق‪ ،‬ولكن حين تستحيل حماقته جنوناً فأننا نوثق رباطه‪ .‬ذلك أن التسامح‪-‬وهو فضيلة‪-‬يصبح عنها‬
‫رذيلة‪.....‬لقد غفرنا لهذا الرجل رواياته‪ ،‬التي آذى فيها اللياقة والحياء كما آذى المنطق السليم‪ .‬وحين خلط الدين‬
‫بقصصه‪ ،‬اضطر قضاتنا إلى محاكاة قضاة باريس‪....‬وبرن‪...‬واليوم أل يفرغ الصبر حين ينشر كتاباً جديًا يعتدي فيه‬
‫اعتداءاً مجنوناً على الدين المسيحي‪ ،‬وعلى الصلح البروتستنتي الذي يدعيه‪ ،‬وعلى كل خدام النجيل المقدس وكل‬
‫هيئات الدولة؟‪-‬إنه يقول بجلء‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13148 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو وفولتير‬
‫وبسمه صراحة‪ ،‬ليس في النجيل معجزات نستطيع أخذها حرفيًا دون أن نطلق عقولنا‪"....‬‬
‫"أهو عالم يجادل العلماء؟ ل‪...‬بل رجل مازال يحمل آثار فجوره المخزية‪...‬ويجر معه من بلد إلى بلد‪ ،‬ومن جيل إلى‬
‫جيل‪ ،‬المرأة التعسة التي كان سبباً في موت أمها‪ ،‬والتي ألقى بأطفالها على باب مستشفى‪...‬جاحداً كل مشاعر الطبيعة‪،‬‬
‫كإنكاره لمشاعر الشرف والدين‪"...‬‬
‫"أيريد أن يطيح بدستورنا بتشويهه‪ ،‬كما يريد أن يطيح بالمسيحية التي يدعيها؟ يكفي أن ينذر بأن المدينة التي يزعجها‬
‫تنكره‪......‬فإذا ظن أنها تمتشق الحسام (أي تقوم بثورة) بسبب (إدانة) إميل‪ ،‬فليضف هذه الفكرة إلى سخافاته‬
‫وحماقاته‪..‬ولكن يجب أن يخبر بأننا إن ترفقنا في عقاب رواية فاجرة‪ ،‬فإننا سنقسو في عقاب خائن لئيم(‪.")61‬‬
‫وكان هذا الكلم فعلة مخزية ل يشفع لها غضب فولتير ول أمراضه ول شيخوخته‪( ،‬وكان الن في السبعين)‪.‬‬
‫لعجب إذا كان روسو لم يصدق قط (وحتى في يومنا هذا ل نكاد نصدق) أن فولتير هو كاتبه‪ ،‬بل نسبه إلى القس‬
‫الجنيفي فيرن‪ ،‬الذي أكد عبثاً أنه ليس كاتبه‪ .‬وأذاع روسو في لحظة من أجمل لحظاته رداً على "العواطف" (يناير‬
‫‪:)1765‬‬
‫"أريد أن أدلي ببساطة بالتصريح الذي يبدو أنه مطلوب مني بهذا المقال‪ .‬فما من علة صغيرة أو كبيرة‪ ،‬كما يدعي‬
‫المؤلف‪ ،‬قد لوثت قط جسدي‪ .‬والعلة التي أصابتني ليس هناك أدنى شبه بينها وبين تلك المشار إليها فقد ولدت معي‪،‬‬
‫ويعرف الذين رعوني في طفولتي‪ ،‬الباقون على قيد الحياة‪ .‬وهي معروفة للسيدات مالوان‪ ،‬وموران‪ ،‬وتيري‪،‬‬
‫وداران‪...‬فإذا وجدن في هذه العلة أقل أمارة من أمارات الفجور‪ ،‬فأني أرجوهن أن يلعنني ويفضحنني‪..‬والمرأة العاقلة‬
‫التي يقدرها العالم‪ ،‬والتي تعنى بي في كوارثي‪..‬ل يشقيها إل مشاطرتها لشقائي‪ .‬أما أمها فهي في‬

‫صفحة رقم ‪13149 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو وفولتير‬
‫الواقع فياضة بالحياة‪ ،‬وفي صحة سابغة‪ ،‬رغم شيخوختها (فقد عمرت إلى الثالثة والتسعين)‪ .‬ولم ألق قط‪ ،‬ول تسببت‬
‫في إلقاء على باب مستشفى ول في أي مكان آخر‪...‬ولن أزيد‪..‬اللهم إل القول بأنني حين يحضرني الموت أؤثر أن‬
‫أكون قد ارتكبت ما يتهمني به المؤلف‪ ،‬عن أن أكون كاتب كتيب كهذا‪")62(..‬‬
‫ومع أن تسليم روسو أطفاله لملجأ للقطاء (ل إلقاءهم في العراء بالضبط) كان موضوعاً يعرفه المقربون في باريس‬
‫(فقد اعترف به للمرشالة لكسمبورج)‪ ،‬فإن نشر فولتير كانت أول إفشاء علني لهذا السر‪ .‬وخامر جان‪-‬جاك الظن في‬
‫أن مدام ديينيه أفشته عند زيارتها لجنيف‪ ،‬واقتنع الن بأنها هي وجريم وديدرو كانوا يأتمرون لتشويه سمعته‪ .‬وقد‬
‫هاجم جريم روسو في هذه الفترة غير مرة في "الرسائل الدبية(‪ .")63‬وفي خطابه المؤرخ ‪ 15‬يناير ‪ 1765‬في‬
‫معرض الحديث عن "خطابات من الجبل" انظم إلى فولتير في اتهام روسو بالخيانة‪" :‬إن وجد في أي مكان على‬
‫الرض جريمة تدعى الخيانة العظمى‪ ،‬فهي ول ريب في مهاجمة الدستور الساسي لدولة بالسلحة التي أستخدمها‬
‫روسو ليطيح بدستور وطنه"‪.‬‬
‫والشجار الطويل الذي نشب بين فولتير وروسو من أفجع اللطخ التي لوثت وجه حركة التنوير‪ .‬لقد باعد بينهما‬
‫مولدهما ومركزهما‪ .‬ففولتير‪ ،‬ابن الموثق الموسر‪ ،‬تلقى تعليماً حسنناً‪ ،‬ل سيما في الدراسات القديمة؛ أما روسو‬
‫المولود في أسرة فقيرة وشيكة التفكك‪ ،‬فلم يتلقَ أي تعليم نظامي‪ ،‬ولم يرث أي تقليد كلسيكي‪ ،‬وقد قبل فولتير القواعد‬
‫ق كل كتاباتك من العقل بهائها وقيمتها(‪ .")64‬أما في رأي روسو (كما‬
‫الدبية التي وضعها بوالوا‪"-‬أحب العقل‪ ،‬ولتست ِ‬
‫في رأي فاوست وهو يغوي مارجريت بروسو) فإن "الوجدان كل شيء(‪ .")65‬وكان فولتير ل يقل عن جان‪-‬جاك‬
‫حساسية وسرعة انفعال‪ ،‬ولكنه عادة كان يرى من سوء الدب أن يترك النفعال يشوه فنه‪ ،‬وقد اشتم في دعوة روسو‬
‫للوجدان والغريزة ل عقلية فوضوية فردية تبدأ بالثورة وتنتهي بالدين‪ .‬وقد شجب فولتير بسكال‪ ،‬أما روسو‬

‫صفحة رقم ‪13150 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو وفولتير‬
‫فردده كالصدى‪ .‬وكان فولتير يعيش كما يعيش أصحاب المليين‪ ،‬أما روسو فكان ينسخ الموسيقى ليكسب قوته‪ .‬وكان‬
‫فولتير خلصة كل لطائف المجتمع‪ ،‬أما روسو فكان يشعر بالقلق في المجتمعات‪ ،‬وكان أقل صبراً وأضيق صدرًا من‬
‫أن تحتفظ بصداقة صديق‪ .‬وكان فولتير أبن باريس‪ ،‬وربيب مرحها وترفها‪ ،‬أما روسو فكان طفل جنيف‪ ،‬برجوازياً‬
‫مكتئباً‪ ،‬وبيورتانيًا يكره تميز الطبقات الذي يجرحه‪ ،‬وألوان البذخ التي ل قدرة له على الستمتاع بها‪ ،‬ودافع فولتير‬
‫عن الترف لنه يداول مال الغنياء بتشغيل الفقراء‪ ،‬أما روسو فأدانه لنه "يطعم مائة فقير في مدننا ويسبب هلك‬
‫مائة ألف في قرانا(‪ ")66‬وذهب فولتير إلى أن آثام الحاضرة ترجحها فنونها وما توفره من أسباب الراحة‪ ،‬أما روسو‬

‫فكان ل يشعر بالراحة في أي مكان‪ ،‬ويندد بكل شيء تقريباً‪ .‬وأصغى المصلحون إلى فولتير‪ ،‬وأستمع الثوار إلى‬
‫روسو‪.‬‬
‫إن هوراس وليلول حين قال إن "هذه الدنيا ملهاة لمن يفكروا‪ ،‬ومأساة لمن يشعرون(‪ .")67‬أجمل في سطر واحد؛‬
‫على غير قصد منه؛ حياة أعظم عقلين من عقول القرن الثامن عشر تأثيراً في الناس‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13151 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬بوزويل يلتقي بروسو‬

‫‪ -5‬بوزويل يلتقي بروسو‬
‫في رواية بوزويل لزيارات خمس قام به لجان‪-‬جاك في ديسمبر ‪ 1764‬تصوير غاية في اللطف لروسو‪ .‬فلقد أقسم ذلك‬
‫المعجب الذي ل مهرب منه يمينًا مغلظة (‪ 21‬أكتوبر) أنه "لن يكلم ملحداً؛ ولن يتمتع بامرأة؛ قبل أن يلقى روسو(‬
‫‪ ")68‬وفي ‪ 3‬ديسمبر شد رحاله من نوشاتل إلى موتييه‪-‬ترافير‪ .‬وحين بلغ برو في منتصف الطريق وقف بنزل وسأل‬
‫ابنة صاحبه ماذا تعرف عن فريسته‪ .‬وكان جوابها مقلقاً‪:‬‬
‫"إن المسيو ورسو يحضر هنا كثيراً ويمكث أيامًا مع مدبرة بيته؛ النسة ليفاسير‪ .‬وهو رجل لطيف جداً؛ له وجه‬
‫جميل؛ ولكنه ل يحب أن يأتي الناس ويحملقوا فيه كأنه رجل له رأسان‪ .‬يا للسماء! أن فضول‬

‫صفحة رقم ‪13152 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬بوزويل يلتقي بروسو‬
‫الناس ل يصدق؛ أن كثيرين؛ كثيرين يأتون ليروه؛ وكثيراً ما يرفض لقاءهم‪ .‬إنه مريض‪ ،‬ويكره أن يزعجه أحد(‬
‫‪.")69‬‬
‫ولكن بوزويل واصل رحلته بالطبع‪ .‬وفي موتييه نزل بفندق القرية‪.‬‬
‫"وأعددت خطاباً لمسيو روسو أخبرته فيه أن سيدًا أسكتلندياً عتيق الطراز في الرابعة والعشرين قدم بأمل لقائه‪.‬‬
‫وأكدت له أنني جدير باحترامه‪...‬وفي خاتم خطابي بيت له أن لي قلباً وروحاً‪...‬والخطاب آية في بابه حقاً‪ .‬وسأحتفظ به‬
‫ما حييت برهاناً على أن في قدرة روحي أن تتسامى(‪.")70‬‬
‫وكان خطابه‪-‬الذي كتبه بالفرنسية‪-‬مزيجًا بارعاً من السذاجة المتعمدة والعجاب الذي ل يرد‪:‬‬

‫"إن كتاباتك يا سيدي أذبلت قلبي‪ .‬ورفعت روحي‪ .‬وألهبت خيالي‪ .‬صدقني سيبهجك أن تلتقي بي‪ .‬إيه يا سان‪-‬برو‬
‫العزيز! أيها المعلم المستنير! أي روسو البليغ المحبوب! يحدثني قلبي بأن صداقة شريفة حقاً ستولد اليوم‪..‬لدي الكثير‬
‫الذي أحدثك به‪ .‬ومع أنني لسن إل شاباً فقد خبرت من ألوان الحياة ما سيدهشك‪...‬ولكني أتوسل إليك أن تلقاني‬
‫وحدك‪...‬ول أدري هل أفضل أن ألقاك إطلقاً من أن ألقاك أول مرة في صحبة‪ .‬وأني مترقب ردك بفارغ الصبر(‬
‫‪.)71‬‬
‫وأرسل له روسو كلمة يقول إن في استطاعته الحضور إذا تعهد بأن تكون زيارته قصيرة‪ .‬وذهب بوزويل "مرتدياً‬
‫سترة وصدرية بدانتيلل مذهبة‪ ،‬وبنطلون ركوب من جلد الغزال‪ ،‬ومنتعلً حذاءاً طويلً‪ .‬وفوق ذلك كله لبس معطفاً‬
‫كبيرًا من وبر الجمل الخضر المبطن بفراء الثعلب"‪ .‬وفتحت تريز الباب "فتاة فرنسية قصيرة رشيقة أنيقة"‪ .‬وقادته‬
‫صعداً إلى روسو‪-‬رجل ظريف أسمر اللون في زي الرمن‪...‬وسألته عن صحته فقال‪" :‬مريض جداً ولكني طلقت‬
‫الطباء"‪ .‬وأعرب روسو عن إعجابه‬

‫صفحة رقم ‪13153 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬بوزويل يلتقي بروسو‬
‫بفردريك وازدرائه للفرنسيين‪"-‬شعب جدير بالحتقار‪ ،‬ولكنك ستجد نفوساً عظيمة في أسبانيا"‪ .‬بوزويل‪ " :‬وفي جبال‬
‫اسكتلندا"‪ .‬وقال روسو عن اللهوتيين أنهم "سادة يقدمون تفسيرًا جديداً لشيء من الشياء ويتركونه مغلقاً على الفهام‬
‫كما كان"‪ .‬وناقشا أحوال كورسيكا‪ ،‬وقال روسو أنه قد طلب إليه أن يشرع لها قوانين‪ ،‬وبدأ بوزويل تحمسه الدائم‬
‫ل أنه يود التمشي منفرداً‪.‬‬
‫لستقلل كورسيكا‪ .‬ثم صرفه روسو بعد قليل‪ ،‬قائ ً‬
‫وفي ‪ 4‬ديسمبر استأنف بوزويل الحصار‪ .‬وتحدث معه روسو مليا‪ ،‬ثم صرفه‪ :‬إنك "تزعجني‪ .‬هذا طبعي ول حيلة لي‬
‫فيه"‪ .‬بوازيل‪" :‬أرفع الكلفة معي"‪ .‬روسو "أمضي"‪ .‬وصحبت تيريزا بوازوبل إلى الباب وقالت له "لقد عشت مع‬
‫المسيو روسو اثنين وعشرين عاماً‪ ،‬ولن أتخلى عن مكاني لكون ملكة فرنسا‪ .‬وأنا أحاول النتفاع النصيحة الطيبة‬
‫التي يسديها إليّ‪ .‬وإذا مات سأضطر إلى دخول الدير(‪.)71‬‬
‫وطرق بوازيل الباب مرة أخرى في ‪ 5‬ديسمبر‪ .‬وتأوه روسو "يا سيدي العزيز‪ ،‬يؤسفني عجزي عن التحدث إليك كما‬
‫أشتهي" بوزويل‪ :‬بحي هذه العذار وأثار الحديث بقوله‪ :‬لقد اعتنقت الكاثوليكية وأنوي الختفاء في دير روسو يل‬
‫للحماقة!‪..‬بوزويل‪" :‬أخبرني بحق أأنت مسيحي؟" وقرع روسو صدره وأجاب‪" :‬نعم إنني أعتز بأني مسيحي"‪.‬‬
‫بوزويل (الذي كان مصابًا بالكتئاب) قل لي‪ :‬هل تعاني من الكتئاب؟ روسو‪ :‬لقد ولدت هادئا‪ ،‬وليس بي ميل طبيعي‬
‫للكتئاب‪ .‬لقد أصابتني به الكوارث التي حلت بي‪ .‬بوزويل‪ :‬ما رأيك في الديار‪ ،‬والكفارات‪ ،‬والعلجات التي من هذا‬
‫النوع؟ روسو‪ :‬كلها سخافات‪ .‬بوزويل‪ :‬هل لك يا سيدي أن تضطلع بإرشادي الروحي؟ روسو‪ :‬ل أستطيع‪ .‬بوزويل‪:‬‬
‫سأعود‪ .‬روسو‪ :‬ل أعد بلقائك‪ .‬إنني أعاني ألماً‪ ،‬إنني أحتاج إلى مبولة كل دقيقة(‪.)73‬‬
‫في عصر ذلك اليوم‪ ،‬في بيت القرية كتب بوزويل في أربع عشرة‬

‫صفحة رقم ‪13154 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬بوزويل يلتقي بروسو‬
‫صفحة مجملً لحياتي وبعث به إلى روسو‪ .‬وقد اعترف فيه بحادث زنا أتاه‪ ،‬وسأل روسو أل يزال في إمكاني أن‬
‫أجعل نفسي رجلً؟ وعاد إلى نوشاتل‪ ،‬ولكنه كان بباب روسو مرة أخرى في ‪ 14‬ديسمبر وأخبرته تريز أن سيدها‬
‫مريض جداً‪ ،‬وأصر بوزويل‪ ،‬واستقبله روسو "ووجدته جالساً وهو في غاية اللم"‪ .‬روسو‪ :‬لقد غلبتني العلل‪ ،‬وخيبات‬
‫المل‪ ،‬والحزن‪ .‬إنني أستعمل مجساً‪ .‬كل إنسان يعتقد أن من واجبي أن أصغي له‪..‬عد في العصر‪ .‬بوزويل‪ :‬وكم تطول‬
‫زيارتي؟ روسو‪" :‬ربع ساعة‪ ،‬ل أكثر‪ .‬بوزويل‪ :‬عشرين دقيقة‪ .‬روسو‪ :‬هيا انصرف‪ .‬ولكنه لم يتمالك نفسه من‬
‫الضحك‪.‬‬
‫وعاك بوزويل في الرابعة وهو يحلم بلويس الخامس عشر‪" .‬إن الخلق تبدو أي أمراً غير يقيني‪ .‬فأنا مثلً أحب أن‬
‫يكون لي ثلثون امرأة‪ .‬أل أستطيع أن أشبع تلك الرغبة؟ ل‪ .‬ولكن انظر‪ ،‬لو كنت غنيًا لستطعت أن تتخذ عددًا من‬
‫الفتيات‪ ،‬وأحبلهن‪ ،‬وبهذا يزداد النسل‪ .‬ثم أعطيهن مهوراً‪ ،‬وأزوجهن لفلحين طيبين سيسعدون جداً بالزواج منهن‪.‬‬
‫وهكذا يصبحن زوجات في نفس السن التي كن يتزوجن فيها لو ظللن أبكاراً‪ ،‬وأكون أنا من ناحيتي قد أفدت‬
‫بالستمتاع بعدد كبير من مختلف النساء‪ .‬فلما لم يقع من نفس روسو هذا الفرض الملكي‪ ،‬سأله "أخبرني من فضلك‬
‫كيف أكفر عن الشر الذي ارتكبته؟" وأجاب روسو جوابًا ذهبياً "ليس هناك تكفيراً عن الشر إلى الخير(‪ .")74‬وطلب‬
‫بوزويل إلى روسو أن يدعوه للغداء‪ ،‬وقال روسو "غداً" وعاد بوزويل إلى الفندق منتعشاً غاية النتعاش‪.‬‬
‫وفي ‪ 15‬ديسمبر تناول الطعام مع جان‪-‬جاك وتريز في المطبخ‪ ،‬وقد وجده نظيفًا مشرقاً‪ .‬وكان روس رائق المزاج‪،‬‬
‫ولم تبدُ عليه علمات الضطراب العقلية التي ستظهر فيما بعد‪ .‬وكان كلبه وقطعته على وفاق مع بعضهما البعض‬
‫ومعه‪" .‬ووضع بعض الطعام على صينية خشبية‪ ،‬وجعل كلبه يرقص حوله وغنى روسو‪..‬لحنًا مرحًا بصوت‬

‫صفحة رقم ‪13155 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬بوزويل يلتقي بروسو‬
‫رخيم وذوق رفيع‪ .‬وتحدث بوزويل في الدين‪"..‬أن الكنيسة النجليكانية أفضل المذاهب عندي‪ .‬روسو‪ :‬نعم‪ ،‬ولكنها‬
‫ليست النجيل‪ .‬أل تحب القديس بولس؟ إنني أحترمه‪ ،‬ولكني أحسبه مسئولً إلى حد ما عما في رأسك من اختلط‪ .‬لو‬
‫عاش لكان قسيسًا أنجليكانياً‪.‬‬
‫النسة ليفاسير‪ :‬استلقى المسيو دفولتير يا سيدي؟ بوزويل‪ :‬بكل تأكيد‪ .‬ثم إلى روسو‪ :‬أن المسيو دفولتير ل يحبك‪.‬‬
‫روسو‪ :‬أن المرء ل يحب من أذاهم أذى شديداً‪ .‬أن حديثه ممتع جداً‪ ،‬ل بل إنه بفضل كتبه‪ .‬وطال بوزويل المكث فوق‬
‫ما تحتمله الضيافة‪ ،‬ولكن حين ودع "قبلني روسو مرات‪ ،‬وضمني بين ذراعيه بود رقيق"‪ .‬فلما وصل بوزويل إلى‬
‫الفندق قالت ربته سيدي‪ :‬أضنك كنت تبكي‪ .‬ويضيف إنني أحتفظ بذكرى هذه الكلمات إطراءً صادقاً لنسانيتي(‪.)75‬‬

‫صفحة رقم ‪13156 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬دستور لكورسيكا‬

‫‪ -6‬دستور لكورسيكا‬
‫بعد أن زار بوزويل فولتير في فرنيه‪ ،‬مضى في رحلته إلى إيطاليا ونابلي وكورسيكا‪ ،‬ربما بحث من روسو‪ .‬وكانت‬
‫كورسيكا بزعامة باسكالي دي باولي قد حررت نفسها من سيطرة جنوة (‪ )1755‬ورحب روسو في "العقد‬
‫الجتماعي" من قبل بمولد الدولة الجديدة‪.‬‬
‫"ما زال في أوربا بلد واحد مفتوح للمشرع‪ .‬إنه جزيرة كورسيكا‪ .‬والبسالة والصرار اللذان برهن بهما هذا الشعب‬
‫الشجاع على قدرته على استرداد حريته والدفاع عنها يستحقان المعونة من إنسان حكيم يعلمهم كيف يحتفظون بها‪.‬‬
‫ونفسي تحدثني بأن هذه الجزيرة الصغيرة سوف تدهش أوربا يوماً ما(‪.")76‬‬
‫ولو أخذ رأي فولتير لرأى أن روسو آخر رجل في أوربا يصح دعوته للتشريع‪ .‬ولكن الذي حدث أن جان‪-‬جاك تلقى‬
‫في ‪ 31‬أغسطس ‪ 1764‬الخطاب التي من ماتيو بوتافوكو‪ ،‬المبعوث الكورسيكي لدى فرنسا‪:‬‬

‫صفحة رقم ‪13157 :‬‬
‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬دستور لكورسيكا‬
‫"لقد ذكرت كورسيكا يا سيدي في "عقدك الجتماعي" على نحو يتيه به وطننا‪ .‬وهذا الثناء من قلم مخلص كل‬
‫الخلص كقلمك‪...‬أوحى بالرغبة القوية في إنك يمكن أن تكون المشرع الحكيم الذي يعين المة على الحفاظ على‬
‫الحريات التي اقتنتها بدم كثير‪ .‬وإني أدرك بالطبع أن المهمة التي أجرؤ على اللحاح عليك في الضطلع بها تحتاج‬
‫إلى معرفة خاصة بالتفاصيل‪...‬ولكنك إن تفضلت أن تقبل المهمة فسأزودك بكل المعرفة الضرورية لنارتك‪ .‬وسيبذل‬
‫المسيو باولي‪...‬قصاراه ليرسل إليك من كورسيكا كل المعلومات التي قد تحتاج إليها‪ .‬ويشاطرني رغبتي هذا الزعيم‬
‫المرموق‪ ،‬ل بل جميع إخواني المواطنين الذين أتيح لهم الطلع على أعمالك‪ ،‬ويشاركني مشاعر الحترام التي تشعر‬
‫بها أوربا كلها نحوك‪ ،‬والتي أنت أهل لها لسباب كثيرة جداً(‪.")77‬‬
‫ورد روسو (‪ 15‬أكتوبر ‪ )1764‬بقبول المهمة‪ ،‬وطلب تزويده بالمعلومات عن طبيعة الشعب الكورسيكي‪ ،‬وتاريخه‪،‬‬
‫ومشاكله‪ .‬واعترف بأن العمل قد يكون "فوق طاقتي وإن لم يكن فوق تحمسي"‪ .‬ثم كتب إلى بوتافيوكو‪ ،‬في ‪ 26‬مايو‬
‫‪ 1765‬يقول‪" :‬غير إني أعدك أنه لن يكون لي اهتمامًا فيما بقي لي من أجل غير نفسي وكورسيكا‪ ،‬وكل ما عدا ذلك‬
‫من أمور سأقصيه عن أفكاري(‪ .")78‬ثم عكف من فوره على وضع "مشروع دستور لكورسيكا"‪.‬‬
‫واقترح روسو في مشروعه و"العقد الجتماعي" في ذاكرته‪ ،‬أن يوقع كل مواطن على تعهد ملزم ل رجعة فيه بوضع‬
‫نفسه‪"-‬جسدي وأملكي وإرادتي‪ ،‬وكل قدراتي"‪-‬تحت تصرف المة الكورسيكية(‪ .)79‬وحيا "الكورسيكيين البواسل"‬
‫الذين ظفروا باستقللهم‪ ،‬ولكنه نبههم إلى أن فيهم رزائل كثيرة‪-‬كالكسل‪ ،‬وقطع الطريق‪ ،‬والعداوات‪ ،‬والوحشية‪-‬‬
‫ومعظمها ناجم عن كراهيتهم لسادتهم الجانب‪ .‬وخير علج لهذه الرذائل أن يعيشوا عيشة زراعية خالصة‪ .‬وينبغي أن‬
‫ل من التجمع في المدن‪ ،‬فالزراعة تعين على الخلق الفردي‬
‫توفر القوانين كل إغراء للشعب ليلزم الرض بد ً‬

‫صفحة رقم ‪13158 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬دستور لكورسيكا‬
‫والصحة القومية‪ ،‬أما التجارة بأنواعها والمالية فتفتح البواب لكل ضروب الغش والحتيال‪ ،‬ويجب على الدولة أل‬
‫تشجعها‪ .‬ويجب أن يكون السفر كله على القدام أو على ظهور الدواب‪ ،‬وأن يكافأ الزواج المبكر والسرة الكبيرة؛‬
‫وأن تسقط المواطنة عن الرجال الذين يظلون عزاباً إلى الربعين‪ .‬ويجب خفض الملكة الخاصة وزيادة ملكية الدولة‪.‬‬
‫"بودي أن أرى الدولة المالك الوحيد؛ ول يصيب الفرد من الملكية المشتركة إل بنسبة خدماته(‪ ،")80‬وينبغي إلزام‬
‫السكان بفلحة أراضي الدولة إذا اقتضى المر‪ ،‬وأن تشرف الحكومة على التعليم كله‪ ،‬وعلى الداب العامة كلها؛ وأن‬
‫تشكل الحكومة نفسها على غرار الوليات السويسرية (الكنتونات)‪.‬‬
‫وفي ‪ 1768‬اشترت فرنسا كورسيكا من جنوه؛ وجردت عليها جيشاً؛ وعزلت باولي‪ ،‬وأخضعت الجزيرة للقانون‬
‫الفرنسي‪ .‬وكف روسو عن المضي في مشروعه؛ وندد بالغزوة الفرنسية لنها انتهاك "لكل عدل؛ وإنسانية؛ وحق‬
‫سياسي‪ ،‬وتفكير سليم(‪.")81‬‬

‫صفحة رقم ‪13159 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬

‫‪ -7‬اللجئ‬
‫ظل روسو عامين يحيا حياة متواضعة هادئة في موتييه؛ يقرأ؛ ويكتب ويرعى مرضه‪ ،‬ويعاني من إصابة بعرق النسا‬
‫(أكتوبر ‪)1764‬؛ ويحتفي بالزوار الذين تجيزهم تريز بعد الفحص‪ .‬وقد وصفه أحدهم وصف عارف بالجميل فقال‪:‬‬
‫"أنك ل تتصور أي سحر في الجتماع به؛ ول أي أدب صادق في سلوكه؛ ول أي عمق في سلوكه؛ ول أي عمق من‬
‫الهدوء والبشاشة في حديثه‪ .‬ألم تتوقع صورة مغايرة تماماً لهذه الصورة؛ وألم تصور لنفسك مخلوقاً غريب الطوار؛‬
‫جادًا دائمًا ل بل فظاً أحياناً؟ فيا لها من غلطة! إنه يجمع إلى سمات اللطف الكثيرة نظرة من نار؛ وعينين لم ير قط‬
‫مثل لحيويتيهما‪ .‬فإذ تناولت موضوعًا يهتم به‪ ،‬تكلمت عيناه‪ ،‬وشفتاه‪ ،‬ويداه‪-‬وكل ما فيه‪ .‬وأنت تخطئ كل الخطأ أن‬
‫تصورته إنسانًا ل يكف عن التذمر‪ .‬فهو على النقيض يضحك مع الضاحكين ويثرثر ويمزج مع الطفال؛ ويسخر من‬
‫مديرة منزله(‪.")82‬‬

‫صفحة رقم ‪13160 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬
‫ولكن القساوسة المحليين كانوا قد اكتشفوا ما في "إميل" و"خطابات الجبل" من هرطقات‪ ،‬ورأوها فضيحة أن يمضي‬
‫هذا الوحش في تلويث سويسرا بوجوده فيها‪ .‬ورغبة في تهدئة ثائرتهم عرض (‪ 10‬مارس ‪ )1765‬أن يتعهد‪ ،‬في وثيقة‬
‫رسمية "بأل ينشر أبداً أي كتاب جديد في أي موضوع ديني‪ ،‬ل بل أن يتناوله عرضاً في أي كتاب جديد آخر‪...‬وأكثر‬
‫من ذلك أنني سأظل شاهداً‪ ،‬بمشاعري وسلوكي‪ ،‬بالقيمة العظمى التي أعلقها على سعادة التحاد بالكنيسة(‪.")83‬‬
‫واستدعاه مجمع كنيسة نوشاتل للمثول أمامه والرد على تهم الهرطقة الموجهة إليه‪ ،‬فالتمس إعفاءه‪" :‬يستحيل على‬
‫رغم صدق نيتي أن أحتمل جلسة طويلة(‪ )84‬وهو ما كان الحقيقة المؤلمة"‪ .‬وانقلب عليه راعي كنيسته‪ ،‬وندد به في‬
‫مواعظ علنية متهماً إياه بأنه عدو المسيح(‪ .)85‬وألهبت هجمات القساوسة شعب أبرشياتهم‪ ،‬فراح بعض القرويين‬
‫يحصبون روسو إذا خرج للتمشي‪ .‬وقرب نصف ليلة ‪ 7-6‬سبتمبر أيقظته هو وتريز حجارة تقذف على جدرانهما‬
‫وتحطم نوافذهما‪ .‬وأخترق حجر كبير الزجاج وسقط عند قدمه‪ .‬واستدعى جار له‪-‬وكان موظفاً في القرية‪-‬بعض‬
‫الحراس لنقاذه‪ ،‬وتفرق الجمع‪ ،‬ولكن أصدقاء روسو الباقين في موتييه نصحوه بأن يبرح المدينة‪.‬‬
‫وأتته عدة عروض تقد له الملجأ "ولكني كنت متعلقًا بسويسرا تعلقًا منعني من أن أصمم على الرحيل عنها ما دام في‬
‫استطاعتي العيش فيها(‪ .")86‬وكان قد زار قبل عام "اليل دسان‪-‬بيير"‪ ،‬الجزيرة الصغيرة الواقعة وسط بحيرة بيين‪،‬‬
‫ولم يكن على الجزيرة سوى بيت واحد‪-‬هو بيت الوكيل‪ ،‬وخيل لروسو أن المكان بقعة مثالية لعاشق للعزلة يكرره‬
‫الناس‪ .‬وكان يقع في كانتون برن التي طردته قبل عامين‪ ،‬ولكنه تلقى تأكيدات غير رسمية بأن في استطاعته النتقال‬
‫إلى الجزيرة دون أن يغشى العتقال(‪.)87‬‬
‫وهكذا‪ ،‬حوالي منتصف سبتمبر ‪1765‬؛ بعد ستة وعشرين شهرًا في موتييه؛ ترك هو وتريز المنزل الذي أصبح‬
‫عزيزًا عليهما وذهبا للقامة مع‬

‫صفحة رقم ‪13161 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬
‫أسرة الوكيل في مكان ل يتيح انعزاله "ل للجمهور ول لرجال الكنيسة تكديره(‪" .")88‬وخيل إليه أنني سأكون في تلك‬
‫الجزيرة أشد انعزالً عن الناس‪....‬وأن البشر سيكونون أسرع نسياناً لي(‪ .")89‬ورغبة في تغطية نفقاته أعطى الناشر‬
‫دوبير حق نشر كل كتبه؛ "وجعلته مستودع جميع أوراقي؛ بشرط صريح هو أل يستعملها إل بعد موتي؛ لن غاية‬
‫أماني كانت أن أختم حياتي في هدوء؛ دون أن أفعل شيئًا يعيدني مرة أخرى إلى ذاكرة الجماهير(‪ .")90‬وعرض عليه‬
‫المرشال كيت معاشاً قدره ألف ومائتا جنيه؛ فوافق أن يأخذ نصفه‪ .‬ودبر معاشاً آخر لتريز واستقر معها على الجزيرة‬
‫وهو ل يتوقع من الحياة شيئاً آخر‪ .‬وكان الن في سنته الثالثة الخمسين‪.‬‬
‫وبعد ثلثة عشر عاماً‪ -‬في آخر سنة من عمره‪-‬ألف كتابًا من أروع كتبه اسمه "أحلم متجول وحيد" وصف في بلغة‬
‫مخففة معيشته على جزيرة سان‪-‬بيير "كانت أول وأهم متعة أتوق إلى تذوقها بكل حلوتها هي حياة الدعة اللذيذة(‬

‫‪ .")91‬وقد رأينا في غير هذا الموضع مبلغ إعجابه بلينايوس؛ أما الن‪ ،‬وفي بيده أحد كتب عالم نبات سويدي؛ فقد بدأ‬
‫يعدد ويدرس النباتات التي وجدها على ملكه الصغير‪ .‬أو كان إذ صحى الجو يفعل كما يفعل تورو على بركة فولدن‪:‬‬
‫"كنت أرتمي وحيداً في زورق أجدف به إلى وسط البحيرة حين يكون الماء هادئاً‪ .‬هناك؛ وأنا ممدد بطولي كله في‬
‫الزورق؛ وعيناي إلى السماء كنت أترك نفسي للماء يحملني هونًا كما يشاء؛ ساعات عدة أحياناً‪ ،‬وأنا غارق في مئات‬
‫الحلم المبهجة(‪.")92‬‬
‫ولكن راحته لم تطل حتى على هذه المياه‪ .‬ذلك أن مجلس شيوخ برن أمره في ‪ 17‬أكتوبر ‪ 1765‬بأن يرحل عن‬
‫الجزيرة والمقاطعة خلل خمسة عشر يوماً‪ .‬وغلبته الحيرة والهزيمة "فالتدابير التي كنت فد اتخذتها تأميناً لموافقة‬
‫الحكومة الضمنية‪ ،‬والهدوء الذي تركت فيه لستقر‪ ،‬وزيارات العديدين‬

‫صفحة رقم ‪13162 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬
‫من أهل برن لي"‪ ،‬كل هذا حدا به إلى العتقاد بأنه الن في مأمن من الزعاج والمطاردة‪ .‬والتمس من مجلس الشيوخ‬
‫شيئاً من التفسير والتأجيل‪ ،‬واقترح بديلً يائساً لحكم النفي‪:‬‬
‫"لست أرى لي غير سبيل واحد‪ ،‬ومهما بدا رهيباً‪ ،‬فإني سأتخذه ل دون نفور فحسب‪ ،‬بل برغبة شديدة إذا تفضل‬
‫أصحاب السعادة بالموافقة‪ .‬وذلك إنني إن طاب لهم سأقضي ما بقي لي من أجل سجيناً في إحدى قلعهم‪ ،‬أو في أي‬
‫مكان آخر في ضياعهم يرون اختياره‪ .‬وسأعيش فيه على نفقتي‪ ،‬وسأقدم ضمانًا بأل أكلفهم أي نفقة‪ .‬وأقبل أل أحمل‬
‫ورقاً أو قلماً‪ ،‬أو أكون على اتصال بأي إنسان في الخارج‪ .‬فقد سمحوا لي‪ ،‬وع بعض الكتب‪ ،‬بالحتفاظ بحرية المشي‬
‫بين الحين والحين في حديقة‪ ،‬وسيرضيني هذا‪.‬‬
‫أكان ذلك إيذانًا بانهيار عقله؟ إنه يؤكد لنا عكس هذا‪:‬‬
‫"ل تظنوا أن وسيلة تبدو بهذا العنف هي ثمرة اليأس‪ .‬فعقلي في تمام الهدوء في هذه اللحظة‪ .‬وقد ترويت في اتخاذ‬
‫قراري‪ ،‬ولم انتهِ إليه إل بعد تفكير عميق‪ .‬وأرجو أن تلحظوا أنه إذا بدا هذا قراراً شاذاً فإن وضعي أكثر شذوذاً‪.‬‬
‫فالحياة المضطربة التي أكرهت على أن أحياها سنوات عديدة دون انقطاع‪ ،‬خليقة بتعذيب رجل موفور العافية‪ ،‬فما‬
‫بالكم بعليل تعس براه التعب وسوء الحظ‪ ،‬ولم يعد له الن من أمنية إل أن يموت في هدوء وسلم(‪.")93‬‬
‫وكان رد برن أن أمرته بالرحيل عن الجزيرة وعن كل إقليم برن خلل أربع وعشرين ساعة(‪.)94‬‬
‫فإلى أين يمضي؟ كان لديه دعوات إلى بوتسدام من فردريك‪ ،‬وإلى كورسيكا من باولي‪ ،‬وإلى اللورين من سان‪-‬‬
‫لمبير‪ ،‬وإلى أمستردام من ناشره ري‪ ،‬وإلى إنجلترا من ديفد هيوم‪ .‬ففي ‪ 22‬أكتوبر كتب إليه هيوم الذي كان يومها‬
‫سكرتيراً للسفارة البريطانية في باريس يقول‪:‬‬
‫"أن محنك العجيبة التي لم يسمع بمثلها‪ ،‬فضلً عن فضيلتك وعبقريتك‬

‫صفحة رقم ‪13163 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬
‫ل بد أن تثير عواطف كل إنسان فينحاز إليك‪ ،‬ولكني أعلل نفسي بأنك واجد في إنجلترا أمانًا مطلقًا من كل اضطهاد‪،‬‬
‫ل بفض ما تمتاز به قوانيننا من روح سمحة فحسب‪ ،‬بل بفضل الحترام الذي يكنه كل الناس هناك لشخصيتك(‪.")95‬‬
‫وفي ‪ 26‬أكتوبر غادر روسو جزيرة سان‪-‬بيير ورتب أن تظل تريز حيناً في سويسرا‪ ،‬ورحل هو إلى ستراسبورج‪،‬‬
‫ل دون أن يستقر على رأي‪ .‬وأخيرًا قرر أن يقبل دعوة هيوم إلى إنجلترا‪ ،‬ومنحته الحكومة‬
‫ومكث فيها شهرًا كام ً‬
‫الفرنسية جوازًا بالحضور إلى باريس‪ .‬هناك التقى به هيوم أول لقاء‪ ،‬وما لبث أن شغف به‪ ،‬وتحدثت باريس كلها عن‬
‫عودة للنفي‪ .‬وكتب هيوم يقول "محال وصف أو تصور تحمس هذه المور لروسو‪...‬فلم يظفر شخص قط بما ظفر به‬
‫من اهتمام القوم‪...‬لقد حجب بهاء فولتير وسواه حجباً تاماً(‪.")96‬‬
‫ولكن الصدقة الوليدة أصيبت بصدع في المهد ومن العسير هنا أن نحدد الحقائق بدقة أو نرويها دون تحيز‪ .‬ففي أول‬
‫يناير ‪ 1766‬أرسل جريم إلى قرائه التقرير التي‪:‬‬
‫دخل جان‪-‬جاك روسو باريس في ‪ 17‬ديسمبر‪ .‬وفي الغد تمشي في حدائق اللكسومبرج وهو يرتدي زيه الرمني‪ ،‬وإذ‬
‫لم ينبه أحد إلى المر فأن أحداً لم ينتفع بالمشهد‪ .‬وقد أسكنه المير كونتي في التامبل حيث يعقد الرمني المذكور‬
‫بلطه كل يوم‪ .‬كذلك يتمشى يومياً في ساعة معينة في الشوارع الكبيرة القريبة من مسكنه ‪ .‬وهاهو ذا خطاب تداولته‬
‫اليدي في باريس خلل مكثه هنا‪ ،‬وقد لقي نجاحًا كبيراً(‪.")98‬‬
‫وهنا نقل جريم خطاباً زعم أن روسو تلقاه من فردريك الكبر‪ .‬وكان‬

‫صفحة رقم ‪13164 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬اللجئ‬
‫قد زيفه على روسو هوراس وليول‪ .‬ولندع وليلول نفسه يتحدث عنه في خطاب له إلى هوراس كونواي في ‪ 12‬يناير‬
‫‪.1766‬‬
‫"أن الفضل في شهرتي الراهنة لتأليف تافه جداً‪ ،‬ولكنه أثار ضجة ل تصدق‪ .‬ذلك إنني كنت ذات مساء في بيت مدام‬
‫جوفران أسخر من ادعاءات روسو وتناقضاته‪ ،‬وقلت أشياء أضحكتهم‪ .‬فلما عدت إلى البيت دونتها في خطاب‪ ،‬وأريته‬
‫في الغد لهلفتيوس ودوق نفرنوا‪ ،‬وقد سرا به كثيراً حتى إنهما‪ ،‬بعد الشارة على بعض الخطاء اللغوية‪....‬شجعاني‬
‫على إطلع الناس عليه‪ .‬وأنا كما تعلم يطيب لي أن أهزأ بالدجالين سواء السياسيين منهم أو الدباء مهما عظم قدر‬
‫مواهبهم‪ ،‬لذلك لم أنكر الفكرة‪ .‬وسرت النسخ مسرى النار‪ ،‬وهاأنذا "أصبحت موضة ‪Et Me Voici) la mode‬‬
‫‪...‬وإليك الخطاب (وهو مترجم حرفياً عن فرنسية وليلول)‪:‬‬
‫ملك بروسيا إلى مسيو روسو عزيزي جان‪-‬جاك‬
‫لقد لفظت جنيف وطنك‪ ،‬لقد جعلتهم يطاردونك من سويسرا‪ ،‬البلد الذي أطريته كثيراً في كتاباتك‪ ،‬وقد أصدرت فرنسا‬
‫أمراً باعتقالك‪ .‬فتعال إليّ إذن‪ ،‬فأنا معجب بمواهبك‪ ،‬وتمتعني أحلمك‪ ،‬وهي (بهذه المناسبة) تشغلك فوق ما ينبغي‬
‫وأطول مما ينبغي‪ .‬وعليك أن تكون في النهاية حكيماً وسعيداً‪ .‬لقد أثرت ما يكفي من القاويل بسبب غرائب ل تليق‬
‫برجل عظيم بحق‪ .‬فأثبت لخصومك أن في استطاعتك أحيانًا أن تكون معقولً‪ ،‬فمن شأن هذا أن يغيظهم دون أن‬
‫يؤذيك‪ .‬إن بلدي تقدم لك معتكفاً هادئاً‪ ،‬وإنني أرجو لك الخير‪ ،‬وأحب أن أساعدك إذا استطعت أن تستطيب مقامك‪.‬‬
‫أما إذا واصلت رفض معونتي‪ ،‬فتأكد أنني لن أخبر أحداً بالمر‪ .‬وإذا أصررت على إجهاد نفسك لتجد نكبات جديدة‪،‬‬
‫فاختر ما يحلو لك منها‪ ،‬فأنا ملك‪ ،‬وفي استطاعتي أن أحصل لك منها على ما يلبي رغباتك‪ ،‬وسأكف عن اضطهادك‬
‫حين تكف عن أن تجد فخرك في أن تضطهد‪-‬وهو بالتأكيد ما لن يحدث لك أبداً بين خصومك‪.‬‬

‫صديقك المخلص فردريك(‪)69‬‬
‫أما وليول فلم يحدث له أن التقى بروسو قط‪ .‬ولم يجد عقله الرفيع الثقافة‪ ،‬وثراؤه الموروث معنى في كاتبات روسو‪.‬‬
‫وقد عرف عيوب روسو وحماقته من حفلت عشاء مدام جوفران‪ ،‬حيث كان يلتقي ديدرو وجريم‪ .‬وأغلب الظن أنه لم‬
‫يدرك أن روسو الحساس إلى درجة العصاب‪ ،‬قد دفعته إلى مشارف النهيار العقلي سلسلة من المجادلت الضيقات‪.‬‬
‫ولو كان وليول على علم بهذا حقاً لكانت دعابته قاسية شائنة‪ .‬على أننا ينبغي أن نضيف أنه حين طلب هيوم رأيه في‬
‫إيجاد معتكف لروسو في إنجلترا‪ ،‬تعهد وليول بأن يمد الطريد بكل ضروب المعونة(‪.)100‬‬
‫أكان هيوم على علم بهذا الخطاب؟ يبدو أنه كان موجوداً ببيت مدام جوفران حين لفق أول المر‪ ،‬وقد اتهم بأنه‬
‫"شارك" في تحريره(‪ .)101‬وقد كتب إلى المركيزة دباربنتان في ‪ 16‬فبراير ‪:1766‬‬
‫"إن الدعابة الوحيدة التي سمحت بها لنفسي في أمر خطاب ملك بروسيا المزعوم كانت على مائدة عشاء اللورد أو‬
‫سوري(‪ .")102‬وفي ‪ 3‬يناير ‪ 1766‬قام هيوم بزيارة وداع لضيوف البارون دولباخ وأخبرهم بآماله في إنقاذ "الرجل‬
‫القصير القامة" من الضطهاد وتوفير أسباب السعادة له في إنجلترا‪ .‬أما دولباخ فتشكك قائلً يؤسفني أن أبدد المال‬
‫والوهام التي تخدعك‪ ،‬ولكني أقول لك أنه لن يمضي طويل زمن حتى ينقشع عنك الوهم بصورة محزنة‪ .‬إنك ل‬
‫تعرف صاحبك‪ ،‬وأصارحك بأنك تحتضن ثعباناً في صدرك(‪.")103‬‬
‫وفي صباح الغد غادر باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة هيوم وروسو مع جان‪-‬جاك دلوز وسلطان كلب روسو‪.‬‬
‫ودفع روسو نفقاته بعد أن رفض عروض هيوم ومدام دبوفليه‪ ،‬ومدام دفرديلن بمده بالمال‪ .‬فلما بلغوا دوفر (‪10‬‬
‫يناير) عانق هيوم‪ ،‬وشكره لنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13165 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬

‫‪ -8‬روسو في إنجلترة‬
‫وصلوا إلى لندن في ‪ 13‬يناير ‪ 1766‬ولحظ المارة زي روسو‪-‬قلنسوته الفراء‪ ،‬وروبه الرجواني‪ ،‬وحزامه‪ ،‬وأوضح‬
‫لهيوم أنه يشكو مرضاً يجعل سراويل الركوب القصيرة غير مريحة له(‪ .)104‬واقنع هيوم صديقه كوفواي بأن يقترح‬
‫معاشاً للغريب الكبير‪ ،‬ووافق جورج الثالث على منحه مائة جنيه في العام‪ ،‬وأبدى رغبة في أن يلقي عليه نظرة‬
‫سريعة بصفة غير رسمية‪ .‬وحجز جاريك لروسو وهيوم مقصورة في المسرح دروري لين في مواجهة المقصورة‬
‫الملكية في ليلة تقرر فيها حضور الملك والملكة‪ .‬ولكن حين زار هيوم روسو لقي عنتًا شديداً في إقناعه بأن يترك كلبه‬
‫الذي مزق نباحه بسبب حبسه قلب الغريب المنفي‪ .‬وأخيراً "احتويت روسو بين ذراعي و‪....‬حملته على المسير في‬
‫شيء من الكراه(‪ .")105‬وبعد الحفل دعا جاريك روسو إلى عشاء لتكريمه وهنأه روسو على تمثيله‪" :‬سيدي‪ ،‬لقد‬
‫جعلتني أذرف الدموع على مأساتك‪ ،‬وابتسم لملهاتك‪ ،‬مع أنني لم أكد أفهم كلمة من لغتك"‪.‬‬
‫وإلى هنا كان هيوم على الجملة مسروراً غاية السرور بضيفه‪ .‬وكتب إلى مدام دباربنتان بعد وصوله إلى لندن بقليل‬
‫يقول‪:‬‬
‫ل أكثر منه‬
‫سألتني رأيي في جان‪-‬جاك روسو‪ .‬وأني بعد أن راقبته في جميع النواحي‪....‬أصرح بأنني لم أعرف رج ً‬
‫لطفاً ول أكرم خلقاً‪ .‬فهو رقيق‪ ،‬متواضع‪ ،‬ودود‪ ،‬نزيه‪ ،‬مرهف الحس‪ ،‬فإذا بحثت عن عيوب فيه لم أجد سوى قلة‬
‫صبر مفرطة‪ ،‬وميل لحتضان شبهات ظالمة في خير أصدقائه‪...‬أما عن نفسي فبودي لو أمضيت حياتي في صحبته‬

‫دون أن يكدر علقتنا مكدر‪ .‬أن في سلوكه بساطة عجيبة‪ .‬وهو في المور العادية طفل بمعنى الكلمة‪ .‬وهذا من شأنه‬
‫أن يسهل‪...‬لمن يعيشون معه أن يسوسوه(‪.")106‬‬
‫ثم يقول‪" :‬إن له قلباً حارًا ممتازاً‪ ،‬وفي الحديث كثيراً ما تشتد حماسته‬

‫صفحة رقم ‪13166 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫إلى ما يشبه اللهام‪ .‬وإني أحبه حباً جماً وأرجو أن يكون لي في وده نصيب‪...‬لقد تنبأ لي فلسفة باريس إنني لت‬
‫أستطيع اصطحابه إلى كاليه دون شجار‪ ،‬ولكني أحسبني قادراً على العيش معه طوال حياتي في صداقة وتقدير‬
‫متبادلين‪ .‬وأعتقد إن من أكبر أسباب انسجامنا أن كلينا ل يحب الجدل‪ ،‬وهذا ليس حالهم‪ .‬ويسؤهم منه أيضاً ظنهم إنه‬
‫مغال في الدين؛ ومن الغريب حقًا أن يكون فيلسوف هذا الجيل‪ ،‬الذي لقي أشد اضطهاد أكثرهم تديناً(‪...)107‬أن به‬
‫شوقاً إلى الكتاب المقدس‪ ،‬وهو في الحق أفضل من المسيحيين قليلً(‪.")108‬‬
‫على أنه كان هناك صعوبات‪ .‬ففي لندن‪ ،‬كما في باريس‪ ،‬توافد النبلء والنبيلت‪ ،‬والمؤلفين والنواب على بيت السيدة‬
‫آدمز في شارع بكنجهام‪ ،‬حيث أسكن هيوم روسو‪ .‬وسرعان ما ضاق بهذه المجاملت‪ ،‬ورجا هيوم أن يجد له بيتاً‬
‫بعيدًا عن لندن‪ .‬وجاء عرض بالعناية به في دير ولزي‪ ،‬فأراد أن يقبله‪ ،‬ولكن هيوم أقنعه بأن يسكن مع بدال في‬
‫تشيزيك على التيمز على ستة أميال من لندن‪..‬فانتقل إلى هذا المنزل روسو وسلطان في ‪ 18‬يناير وأرسل الن في‬
‫طلب تريز‪ ،‬وأزعج مضيفه وهيوم بإصراره على وجوب السماح لها بالجلوس إلى المائدة معه‪ .‬وشكا هيوم في خطاب‬
‫إلى مدام دبوفليه‪.‬‬
‫"إن مسيو دلوز‪..‬يقول أن الناس يرونها شريرة محبة للشجار والثرثرة‪ ،‬ويظنون أنها أهم سبب في رحيله عن نوشاتيل‬
‫(موتييه)‪ .‬وهو نفسه تعترف أنها من الغباء بحيث ل تعرف في أي سنة ميلدية نحن ول في أي شهر من السنة‪ ،‬ول‬
‫في أي يوم من الشهر أو السبوع‪ ،‬وأنها ل تستطيع أن تتعلم أبداً القيم المختلفة للعملة في أي بلد‪ .‬ومع ذلك فهي تحكمه‬
‫حكماً مطلقاً كما تحكم المربية طفلً‪ .‬وقد اكتسب كلبه هذه السيادة في غيابها‪ ،‬فحبه لهذا المخلوق يفوق كل تعبير أو‬
‫تصور(‪.)109‬‬
‫ووصلت تريز خلل ذلك إلى باريس فاستقبلها بوزويل وتطوع باصطحابها إلى إنجلترا‪ .‬وفي ‪ 12‬فبراير كتب هيوم‬
‫إلى مدام دبوفليه‬

‫صفحة رقم ‪13167 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬

‫يقول "جاءني خطاب فهمت منه أن النسة مسافرة على جناح السرعة في صحبة صديق لي‪ ،‬وهو شاب في غاية‬
‫الطيبة‪ ،‬وفي غاية اللطف‪ ،‬وفي غاية الجنون‪..‬وبه من الولع بالدب ما يجعلني أتوجس من حدث مؤذ لشرف صديقنا(‬
‫‪ .)110‬وقد ادعى بوزويل أنه برر هذا الحساس السابق‪ .‬وقد جاء في صفحات في يوميته‪ ،‬تالفة الن(‪ ،)111‬أنه‬
‫شارك تريز فرشها في نزل ثاني ليلة بعد رحيلها عن باريس‪ .‬ثم ليالي عديدة بعدها‪ .‬ووصل إلى دوفر باكراً في ‪11‬‬
‫فبراير‪ .‬وتقول اليومية‪" :‬الربعاء ‪ 12‬فبراير‪ .‬ذهبت صباح أمس إلى الفراش مبكراً جداً‪ ،‬وفعلتها مرة‪ ،‬والجملة ثلث‬
‫عشرة‪ .‬كنت في الحق محباً لها‪ .‬وفي الثانية بعد الظهر قمنا في رحلتنا‪ .‬في ذلك المساء صحب تريز إلى هيوم بلندن‬
‫ووعدها بأنه "لن يذكر علقتنا الغرامية حتى مماتها أو ممات الفيلسوف"‪.‬‬
‫وفي المرة الثالثة عشرة أسلمها إلى روسو‪ .‬ولقيها بقبلت كثيرة‪..‬وقد بدا في حال من الشيخوخة والضعف حتى "إنك‬
‫(بوزويل) لم يعد فيك حماسة له(‪ )113‬طبعاً"‪.‬‬
‫وفي تشيزيك‪ ،‬كما في موتييه‪ ،‬تلقى رووس من البريد أكثر مما أراد‪ ،‬وشكا من نفقات البريد التي كان عليه أن يدفعها‪.‬‬
‫وذات يوم‪ ،‬حين جاءه هيوم بــ"شحنة" من لندن‪ ،‬رفض تسلمها‪ ،‬وطلب إليه أن يردها إلى مكتب البريد‪ .‬ونبهه هيوم أن‬
‫موظفي البريد في هذه الحالة سيفتحون الخطابات المرفوضة ويطلعون على أسراره‪ .‬وتطوع السكتلندي الصبور بأن‬
‫يفتح ما يرد من رسائل روسو إلى لندن وأل يأتيه إل بما يراه هاماً منها‪ .‬ووافق جان‪-‬جاك‪ ،‬ولكنه سرعان ما توجس‬
‫شراً من عبث هيوم ببريده‪.‬‬
‫وأتته دعوات للغداء‪ ،‬شاملة للنسة ليفاسير عادة‪ ،‬من العيان في لندن فاعتذر روسو من قبولها بحجة مرضه ولكن‬
‫السبب على الرجح هو كرهه إظهار تريز أمام علية القوم‪ .‬وكان يبدي رغبته في النزواء في أعماق الريف‪ .‬فلما‬
‫سمع رتشارد ديفنيورت برغبته هذه من جاريك‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13168 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫ل من لندن‪ .‬فقبله روسو مغتبطاً‪ .‬وأرسل ديفنيوت مركبة تنقله هو‬
‫عرض عليه بيتاً في ووتن بداربيشير على ‪ 150‬مي ً‬
‫وتريز‪ ،‬وشكا روسو من أنه بعامل معاملة المتسولين‪ ،‬وأردف قائلً لهيوم "إن كانت هذه حقاً حيلة من حيل ديفنبورت‪،‬‬
‫فأنت عليم بها موافق عليها‪ ،‬وما كان في إمكانك أن تسيء ألي بأكثر من هذا"‪ .‬وبعد ساعة (كما يقول هيوم)‪ ،‬جلس‬
‫فجأة على ركبتي‪ ،‬وطوق عنقي بيديه‪ ،‬وقبلني بكل حرارة ثم قال وهو يبلل وجهي كله بالدموع‪" :‬أممكن أن تصفح‬
‫عني يا صديقي العزيز؟ إنني بعد جميع دلئل الود التي تلقيتها منك‪ ،‬أجازيك في النهاية بهذه الحماقة وهذا المسلك‬
‫السيئ‪ .‬ولكن لي رغم ذلك قلباً جديرًا بصداقتك‪ ،‬وأنا أحبك ولقدرك‪ ،‬ولم تضع علي سدى أقل مكرمة من مكرماتك"‬
‫فقبله وعانقه عشرين مرة بفيض من الدموع(‪.)113‬‬
‫وفي الغد ‪ 22‬مارس انطلق جان‪-‬جاك وتريز قاصدين ووتن‪ ،‬فلم يرهما قط بعد‪ .‬ولم يلبث هيوم أن كتب إلى هيوبليز‬
‫تحليلً بصيرًا بحالة روسو وخلقه‪.‬‬
‫كان مصممًا تصميم البائس على الندفاع إلى هذه العزلة رغم كل اعتراضاتي‪ ،‬أنا أتوقع لنه سيكون تعساً في موقفه‬
‫ذاك كما كان في الواقع تعساً في جميع المواقف‪ .‬فسيكون محروماً تمامًا من أي شغل يشغله‪ ،‬ومن الصحاب ومن أي‬
‫تسلية من أي نوع تقريباً‪ .‬لقد قرأ أقل القليل في حياته‪ ،‬وطلق الن كل قراءاته طلقاً بائناً‪ ،‬ولقد رأى أقل القليل من‬
‫الدنيا وليس به أي فضول ليرى أو يلحظ‪ .‬والواقع أنه ل يملك الكثير من المعرفة‪ ،‬وكل ما فعله طوال حياته أنه أحس‬
‫فقط‪ ،‬وإحساسه في هذه الناحية مرهف إلى حد ل أعرف له مثيلً‪ ،‬ولكنه مع ذلك يشعره باللم بأحد مما يشعره باللذة‪،‬‬
‫وما أشبهه برجل لم تنزع عنه ثيابه فحسب‪ ،‬بل جاده أيضاً‪ .‬ثم دفع به ذلك الموقف ليصارع قوى الطبيعة الغاشمة‬
‫الصاخبة التي تلم على الدوام بهذا العالم السفل(‪.)114‬‬

‫صفحة رقم ‪13169 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫ووصل وروسو وتريز إبل ووتن في ‪ 29‬مارس‪ .‬وراقه البيت الجديد لول وهلة‪ .‬فوصفه في خطاب لصديق بنوشاتل‪:‬‬
‫"بيت منعزل‪...‬ليس واسعاً جداً ولكنه مناسباً جداً‪ ،‬شيد في منتصف الطريق على جانب واد‪ ،‬وأمامه "أبدع مخضرة في‬
‫الوجود" ومشهد طبيعي من مروج‪ ،‬وأشجار‪ ،‬ومزارع متفرقة‪ ،‬وعلى مقربة منه طرق للتنزه على ضفاف غدير‪ .‬وفي‬
‫أسوأ الجواء أخرج في هدوء لجميع النباتات(‪ .")115‬وكان آل ديفنبورت يشغلن قسمًا من البيت حين يلمون به‪ ،‬وبقي‬
‫به خدمهم ليعنوا بالفيلسوف و "مديرة بيته"‪ .‬وأصر روسو على أن يؤدي لديفنبورت ثلثين جنيهاً في العام نظير‬
‫الجرة والخدمة‪.‬‬
‫ولم تعمر سعادتها أكثر من أسبوع‪ .‬ففي ‪ 3‬إبريل نشرت مجلة لندنية تسمى "سانت جيمس كرونكل" بالفرنسية‬
‫والنجليزية خطاب فردريك الكبر المزعوم إلى روسو‪ ،‬دون إشارة إلى كاتبه الحقيقي‪ .‬وحز المر في نفس جان‪-‬جاك‬
‫حين نمى إليه الخبر‪ ،‬وزاد من ألمه أن محرر المجلة وهو وليم ستراهان كان صديقًا قديماً لهيوم‪ .‬يضاف إلى هذا أن‬
‫نغمة الصحف البريطانية في حديثها عن روسو تغيرت تغيراً واضحًا منذ برح تشزيك‪ ،‬فكثرت المقالت التي انتقد‬
‫الفيلسوف الغريب الطوار‪ ،‬واحتوى بعضها على أشياء أعتقد أن هيوم وحده هو الذي يعرفها‪ ،‬ويمكن أن يزود بها‬
‫الصحف‪ .‬على أية حال شعر أن واجب هيوم كان يقتضيه أن يكتب شيئاً للدفاع عن ضيفه السبق‪ .‬وسمع أن‬
‫السكتلندي كان يسكن بلندن البيت الذي يسكنه فرانسوا ترونشان‪ ،‬ابن عدو جان‪-‬جاك في جنيف‪ ،‬وأغلب الظن أن‬
‫هيوم كان الن على علم بنقائص روسو‪.‬‬
‫وفي ‪ 24‬إبريل كتب روسو إلى سانت جيمس كرونكل ما يأتي‪:‬‬
‫"لقد عدوت يا سيدي على الحترام الذي يدين به كل فرد لملك بأن نسبت علناً إلى ملك بروسيا خطابًا امتل مبالغة‬
‫وغلً‪ ،‬وكان يجب بناء عليه أن تعرف إنه ما كان يمكن أن يصدر عنه‪ .‬ل بل إنك جرؤت على نقل‬

‫صفحة رقم ‪13170 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫توقيعه كأنك رأيته مكتوبًا بيد‪ .‬وإني أخبرك يا سيدي أن هذا الخطاب زيف في باريس‪ ،‬ومما يحزنني ويمزق قلبي أن‬
‫المحتال الذي كتبه له شركاء ضالعون معه في إنجلترا‪ .‬وواجبك نحو ملك بروسيا‪ ،‬ونحو الحقيقة‪ ،‬ونحوي أيضاً‪،‬‬
‫يقتضيك أن تنشر خطابي هذا‪ ،‬الموقع بإمضائي‪ ،‬تصحيحاً لخطأ ل شك إنك كنت تلوم نفسك على ارتكابه لو علمت أن‬
‫مؤامرة خبيثة سخرت لها‪ .‬وإني أقدم لك خالص تحياتي"‪.‬‬
‫جان‪-‬جاك روسو(‪)116‬‬

‫وفي وسعنا الن أن نفهم لم ظن روسو أن هناك "مؤامرة" عليه‪ .‬فمن غير خصومه القدامى‪ ،‬فولتير‪ ،‬وديدرو‪ ،‬وجريم‪،‬‬
‫وغيرهم من نجوم التنوير‪ ،‬يمكن أن يدبروا هذا التغير الفجائي في لهجة الصحف البريطانية من الترحيب والتكريم إلى‬
‫ل من اسمه‪ ،‬أعاد فيه ذكر‬
‫الهزء والتحقير؟ وفي نحو هذه الفترة نشر فولتير "خطاباً إلى الدكتور ج‪.‬ج يانسوف"‪ ،‬غف ً‬
‫الشارات المؤذي للشعب النجليزي في كتابات جان‪-‬جاك‪-‬كقوله إنهم ليسوا في الحقيقة أحراراً‪ ،‬وأنهم شديدو الولع‬
‫بالمال‪ ،‬وأنهم ليسوا بطبيعتهم طيبين‪ .‬وأعيد نشر أكثر الفقرات إيذاء في كتيب فولتير في دورية لندنية تسمى (للويدز‬
‫افننج نيوز(‪.))117‬‬
‫وفي ‪ 9‬مايو كتب روسو إلى كونواي يطلب إليه وقف المعاش الذي يمنح له مؤقتاً‪ .‬وألح عليه هيوم في قبوله‪ ،‬فرد عليه‬
‫روسو بأنه ل يستطيع قبول أي امتياز يأتيه من وساطة هيوم‪ .‬وطالبه هيوم بالتفسير‪ .‬ويبدو أن روسو قد انتقل الن إلى‬
‫حالة من الشك والغيظ‪ .‬ففي ‪ 10‬يوليو بعث إلى هيوم بخطاب من ثماني عشرة صفحة من القطع الكبيرة‪ ،‬ل يسمح‬
‫طوله المفرط بنقله هنا كاملً‪ ،‬ولكنه من الهمية البالغة لهذا الشجار الشهر بحيث يقتضينا المر أن نتذكر بعض‬
‫فقراته الرئيسية‪" :‬إنني مريض يا سيدي‪ ،‬وليس بي كبير ميل للكتابة‪ ،‬ولكن بما أنك طلبت التفسير‪ ،‬فلبد من تقديمه‬
‫لك‪....‬‬

‫صفحة رقم ‪13171 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫إنني أعيش خارج العالم‪ ،‬وأجهل الكثير مما يدور فيه‪...‬ول أعرف إل ما أشعر به‪"...‬‬
‫"إنك تسألني في جرأة من هو الذي يتهمك؟ أنه يا سيدي الرجل الوحيد في العالم كله الذي‪...‬أود تصديقه‪ ،‬إنه‬
‫أنت‪...‬وإذا أشير إلى ديفد هيوم بشخص الغائب‪ ،‬فإني جاعلك الحكم فيما ينبغي أن يكون رأيي فيه"‪.‬‬
‫واعترف روسو في إسهاب بأفضال هيوم‪ ،‬ولكنه أردف‪:‬‬
‫"أما إذا تحريت عن الخبر الحقيقي الذي صنعته بي‪ ،‬فإن هذه الخدمات ظاهرية أكثر منها جوهرية‪..،‬فأنا لم أكن نكرة‬
‫تماماً بحيث أنني لو وصلت وحيدا‪ .‬لما لقيت عوناً ول مشورة‪..‬وإذا كان مستر ديفنبورت قد تفضل بإعطائي هذا‬
‫المسكن فهو لم يفعل ذلك لرضاء مستر هيوم الذي لم يكن يعرفه‪..‬وكل الخير الذي أصابني هنا كان يصيبني في‬
‫الطريقة ذاتها بدونه (هيوم) ولكن الشر الذي أصابني ما كان يقع لي‪ .‬إذ لم يكون لي أعداء في إنجلترا؟ وكيف لم يتفق‬
‫أن يكون هؤلء العداء بالضبط أصدقاء لمستر هيوم؟‬
‫"وقد نمى إلى أيضاً أن ابن المشعوذ تروشان‪ ،‬ألد خصومي‪ ،‬لم يكن فقط صديق مستر هيوم بل محسوبه أيضاً‪ ،‬وأنهما‬
‫يسكنان معاً‪"....‬‬
‫وكل هذه الحقائق مجتمعة تركت في انطباعاً جعلني قلقاً‪...‬وفي الوقت نفسه لم تصل الخطابات التي كتبتها إلى‬
‫وجهتها‪ ،‬وتلك التي تلقيتها كانت مفتوحة؟ وهذه كلها تناولتها يد مستر هيوم"‪.‬‬
‫"ولكن ما الذي حدث لي حين رأيت خطاب ملك بروسيا المزعوم منشوراً في الصحف العامة؟‪..‬لقد كشف لي شعاع‬
‫من النور‪ ،‬سر ما طرأ على اتجاه الشعب البريطاني نحوي من تغير فجائي إلى حد مذهل؟ ورأيت في باريس مركز‬
‫المؤامرة التي تنفذ في لندن‪..‬فحين نشر هذا الخطاب‬

‫صفحة رقم ‪13172 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫المزعوم في لندن لم ينبس مستر هيوم ببنت شفة‪ ،‬ول كتب لي شيئاً‪ ،‬وهو العليم ول ريب بأنه خطاب زائف‪"....‬‬
‫"لم يبقَ لي غير كلمة واحدة أقولها لك‪ .‬إن كنت مذنبًا فل تكتب إلي‪ ،‬إذ ل جدوى من الكتابة‪ ،‬وثق إنك لن تخدعني‪.‬‬
‫ولكن إن كنت بريئاً فتفضل بتبرير نفسك‪..‬وإل فوداعاً إلى البد(‪.")118‬‬
‫وكان رد هيوم موجزاً (‪ 22‬يوليو ‪ )1766‬ولم يجب عن التهم‪ ،‬لنه خلص إلى أن روسو مشرف على الجنون‪ .‬وكتب‬
‫إلى ديفنبورت يقول إن جاز لي أن أبذل النصح فهو أن تمضي فيما بدأته من حسنة حتى يحبس كلبه في مستشفى‬
‫المجاذيب(‪...)119‬فلما سمع أن روسو ندد في خطابات أرسلها إلى باريس (كخطابه إلى الكونتيسة دبوفليه في ‪ 9‬إبريل‬
‫‪ ،)1766‬بعث إلى دبوفليه صورة من خطاب جان‪-‬جاك الطويل‪ .‬فردت على هيوم بما يلي‪:‬‬
‫"إن خطاب روسو فظيع‪ ،‬أنه مبالغ جداً ول عذر له فيه إطلقاً‪...‬ولكن ل تحسبه قادراً على الكذب أو الخداع‪ ،‬ول‬
‫تتصور انه دجال أو وغد‪ ،‬إن غضبه بل مبرر حق‪ ،‬ولكنه غضب مخلص‪ ،‬وليس لدي في هذا أي شك‪"...‬‬
‫"وإليك ما أتصوره السبب فيه‪ .‬لقد سمعتهم يقولون‪ ،‬ولعله أخبر‪ ،‬إنك صاحب عبارة من خير ما ورد في خطاب مستر‬
‫ولبول‪-‬وأنك قلت مازحاً وأنت تتحدث باسم ملك بروسيا "إن شئت الضطهاد‪ ،‬فأنا ملك‪ ،‬وأستطيع اضطهادهم نيابة‬
‫عنك بأي نوع تريد" وأن مستر ولبول‪...‬قال إنك صاحب هذه العبارة‪ .‬فإن صح هذا‪ ،‬وعلم به روسو‪ ،‬فهل تعجب أن‬
‫يثور سخطه‪...‬وهو المرهف الحس‪ ،‬الغضوب‪ ،‬السوادي المزاج‪ ،‬المتكبر(‪.")120‬‬
‫وفي ‪ 26‬يوليو كتب ولبول إلى هيوم يحمل نفسه كل اللوم‪-‬دون العراب عن اي ندم‪-‬في أمر الخطاب المزيف‪ ،‬ويدين‬
‫"قلب روسو‬

‫صفحة رقم ‪13173 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫الجحود الشرير"(‪ ،)121‬ولكنه لم ينكر أن هيوم كان له يد في الخطاب‪ .‬وكتب هيوم إلى دولباخ يقول "إنك محق‬
‫تماماً؛ فروسو وحش"‪ .‬فلما سمع من ديفنبورت أن جان‪-‬جاك يكتب "اعترافاته" أفترض أن روسو سيذيع رأيه في‬
‫المر على المل‪ .‬ونصحه آدم سمث‪ ،‬وطورجو والمرشال كيث‪ ،‬بأن يتحمل الهجوم صامتاً‪ ،‬ولكن جماعة الفلسفة في‬
‫باريس يقودهم دالمبير‪ ،‬حرضوه على أن ينشر رايته عن نزاع ذاع خبره في عاصمتين‪ .‬وعليه فقد أصدر (أكتوبر‬
‫‪ )1766‬عرضًا موجزاً للنزاع الذي ثار بين السيدين هيوم وروسو‪ ،‬صاغه بالفرنسية دالمبير وسوار‪ ،‬وبعد شهر‬
‫ظهر بالنجليزية‪ .‬وأذاع جريم مضمونه على نطاق واسع "في خطاب الشتراك" الذي كتبه في ‪ 15‬أكتوبر‪ ،‬فتردد‬
‫صدى المشاجرة في جنيف‪ ،‬وأمستردام‪ ،‬وبرلين‪ ،‬وسانت بطرسبورج‪ .‬وضاعفت الضجة أكثر من عشر نشرات‪،‬‬
‫ونشر ولبول روايته للنزاع‪ ،‬وهاجم بوزويل ولبول‪ ،‬ورمت مدام دالتور في "مجمل عن مسيو روسو"‪ ،‬هيوم بأنه‬
‫خائن‪ ،‬ووفاه فولتير بمزيد من البيانات عن نقائص روسو وجرائمه‪ ،‬وعن اختلفه إلى أماكن سيئة السمعة وعن أعمال‬
‫التحريض التي أتاها في سويسرا(‪ .)123‬أما جورج الثالث فقد تابع المعركة بفضول شديد(‪ .)124‬وأرسل هيوم‬
‫الوثائق المتعلقة بها إلى المتحف البريطاني(‪.)125‬‬
‫ووسط هذه الضجة الكبرى لزم روسو الصمت الرهيب‪ .‬ولكنه صمم الن على العودة إلى فرنسا أياً كان الخطر‬
‫والثمن‪ .‬فقد اكتأب لرطوبة مناخ إنجلترا وتحفظ الخلق النجليزي‪ ،‬وكانت العزلة التي نشدها فوق ما يطيق‪ ،‬ولم يكن‬

‫قد بذل أي جهد في تعلن النجليزية فوجد مشقة في التفاهم مع الخدم‪ .‬ولم يستطع الحديث إل مع تريز‪-‬التي ما فتئت كل‬
‫يوم تلح عليه في أن يأخذها إلى فرنسا‪ .‬ودعماً لخططها أكدت له أن الخدم يبيتون دس السم له‪ .‬وعليه ففي ‪ 30‬إبريل‬
‫كتب إلى مالك بيته الغائب يقول‪:‬‬

‫صفحة رقم ‪13174 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬فرنسا قبل الطوفان ‪ >-‬روسو المنبوذ ‪ >-‬روسو في إنجلترة‬
‫"غدًا اترك بيتك يا سيدي‪..‬ولست أجهل الكمائن التي تدبر لي‪ ،‬ول عجزي عن حماية نفسي‪ ،‬ولكني عشت يا سيدي‪،‬‬
‫ولم يبقَ لي إل أن أنهي بشجاعة حياة قضيت بشرف‪..‬وداعاً سيدي‪ .‬سآسف دماً على المسكن الذي أبرحه الن‪ ،‬ولكن‬
‫أسفي سيكون أكثر لنني وجدت فيك مضيفاً غاية في اللطف‪ ،‬ومع ذلك لم أستطع أن أجعل منه صديقاً"(‪.)126‬‬
‫وفي أول ما يوفر مع تريز على عجل وفي رعب‪ .‬وتركا حقائبهما ومالً للوفاء بإيجار ثلثة عشر شهراً‪..‬ولجهلهما‬
‫بجغرافية إنجلترا استقل مختلف وسائل النتقال غير المباشرة‪،‬و قطعا شطرًا من الطريق على القدام‪ ،‬وظل عشرة‬
‫أيام تائهين ل يعرف أحد مستقرهما‪ .‬وأعلنت الصحف عن اختفائهما‪ ،‬ثم ظهرا في ‪ 11‬مايو في سبولدنج لينكولنشير‪،‬‬
‫ومنهما وجدا طريقهما إلى دوفر‪ ،‬وهناك استقل سفينة إلى كاليه في ‪ 22‬مايو‪ .‬وبعد أن قضيا في إنجلترا ستة عشر‬
‫شهراً‪ .‬وكتب هيوم إلى طورجو وغيره من الصدقاء طالبًا إليهم أن يمدوا يد المعونة للمنبوذ الذي عاد الن وحيداً‬
‫مهجوراً إلى فرنسا وهو من الناحية القانونية ل يزال تحت طائلة المر باعتقاله‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13175 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬

‫الكتاب الثالِث‬

‫الجنوب الكاثوليكي‬

‫‪1589 - 1715‬‬

‫الفصل التاسع‬

‫إيطاليا السعيدة‬

‫‪1759 - 1715‬‬

‫‪ -1‬المشهد العام‬
‫لم يكن في استطاعة إيطاليا أن تتحد في سبيل الدفاع عن نفسها وهي منقسمة إلى نحو اثنتي عشرة دولة متحاسدة‬
‫متنابذة‪ .‬وانصرف اليطاليون إلى الستمتاع بالحياة والتلذذ بها انصرافاً جعلهم يتركون الجانب الذين أعوزهم النضج‬
‫يقتتلون طمعاً في ثمرة السياسة المرة‪ ،‬وغنائم الحرب وأسلبها الملوثة‪ .‬وهكذا غدت شبه الجزيرة الزاهرة ساحة قتال‬
‫بين أسبانيا وفرنسا البوربونيتين والنمسا الهابسبورجية‪ .‬ووضعت سلسلة متعاقبة من حروب الوراثة أوزارها في‬
‫‪ 1748‬وقد استردت أسبانيا مملكة نابولي ودوقية بارما‪ ،‬واحتفظ الباباوات بسلطانهم على الدويلت البابوية‪ ،‬وطلت‬
‫سافوي والبندقية وسان مارينو حرة‪ ،‬وكانت جنوا ومودينا محميتين فرنسيتين‪ ،‬واحتفظت النمسا بميلن وتسكانيا‪.‬‬
‫وكانت الشمس أثناء ذلك تشرق على ربوع إيطاليا والحقول والكروم والبساتين تجود بالطعام والشراب‪ ،‬وكانت النساء‬
‫رائعات الحسن مشبوبات العاطفة‪ ،‬والغاني واللحان تمل أجواء الفضاء‪ ،‬ووفد عليها الجانب سائحين وطلب علم‬
‫ليستمتعوا بالمناخ ومشاهد الطبيعة‪ ،‬وبالمسارح والموسيقى والفن‪ ،‬وبمخالطة رجال ونساء أوتوا ثقافة قرون طوال‪.‬‬
‫لقد كانت إيطاليا‪ ،‬على القل في شمالها‪ ،‬أسعد بلد في أوربا‪ ،‬رغم أنها كانت نصف مغلوبة‪ ،‬ونصف مسلوبة منهوبة‪.‬‬
‫وكان سكانها عام ‪ 1700‬يناهزون الربعة عشر مليوناً‪ ،‬وعام ‪ 1800‬الثمانية عشر مليوناً‪ .‬وكان الصالح للزارعة من‬
‫أرضها يقل عن النصف ولكن‬

‫صفحة رقم ‪13176 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬

‫كل شبر من هذا النصف كان يفلح بالجهد الصابر والرعاية الفائقة‪ .‬وكانت الرض المنحدرة تقسم إلى مصاطب‬
‫لتحتفظ بالتربة‪ ،‬والكروم تتدلى من شجرة إلى شجرة فتزدان بها بساتين الفاكهة‪ .‬أما الجنوب فكانت أرضه ضعيفة‪،‬‬
‫خ القطاع قبضته التي فرضها على الناس في‬
‫وجففت الشمس المبتسمة في سخرية النهار والتربة والنسان‪ ،‬ولم ير ِ‬
‫العصر الوسيط‪ .‬وكان من المثال الساخرة قولهم "أن المسيح لم يتجاوز قط جنوبي إيبولي"‪ -‬التي كانت إلى الجنوب‬
‫تمامًا من سورينتو‪ .‬أما وسط إيطاليا فكان خصب التربة‪ ،‬يلفحه الزراع نظير حصة من المحصول بإشراف كبار‬
‫رجال الكنيسة‪ .‬وأما في الشمال‪-‬لسيما في وادي نهر بو‪-‬فقد أشبعت القنوات الرض رياً‪ ،‬وكانت هذه القنوات تتطلب‬
‫رؤوس الموال تنفق عليها‪ ،‬والفلحين المدربين على تطهير الصفاية وتقوية الشواطئ‪ .‬وهنا أيضاً زرع الفلحون‬
‫أرض غيرهم لقاء نصيب من المحصول‪ .‬ولكن في هذه الحقول المثمرة استطاع الناس أن يحتملوا كل شيء حتى الفقر‬
‫وهم محتفظون بكرامتهم‪.‬‬
‫وقامت مئات القرى على السهول‪ ،‬وفي التلل‪ ،‬وعلى شاطئ البحر‪ :‬قرى قذرة متربة في الصيف‪ ،‬صاخبة في الصباح‬
‫بأحاديث الفلحين وهم يمشون الهوينا إلى وقدة الحر‪ ،‬ساكنة في الظهيرة‪ ،‬شاغبة في المساء بثرثرة المثرثرين‬
‫وبالموسيقى ولقاءات المحبين‪ .‬وكان اليطاليون يحبون القيلولة أكثر من حبهم للمال‪ ،‬وهي فترة قال فيها الب لبا "ل‬
‫يرى المرء في الشوارع أثناءها غير الكلب والحمقى والفرنسيين"‪ )1(.‬وكان هناك عشرات المدن الملى بالكنائس‬
‫والقصور والمتسولين والفن‪ ،‬وست مدن تضارع باريس جمالً‪ ،‬وألوف من مهرة الصناع ما زالوا في قمة فنهم‪.‬‬
‫وكانت الصناعة الرأسمالية تتطور من جديد في مجال النسيج لسيما في ميلن وتورين وبرجامو وفتشنتا‪ ،‬ولكن‬
‫معظم العمل حتى في النسيج كان يؤدي على أنوال بيتية جزءًا من حياة السرة‪ .‬وكانت هناك طبقة وسطى صغيرة‬
‫(قوامها التجار والمصرفيون والفنانون والكهنة) آخذة في النمو وسطًا بين الطبقة الرستقراطية (طبقة ملك‬

‫صفحة رقم ‪13177 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬
‫الرض وكبار رجال الدين) وطبقة "العامة" (وهم أصحاب الحوانيت ومهرة الحرفيين والفلحين)‪ ،‬ولكن لم تحرز‬
‫هذه الطبقة الوسطى أية قوة سياسية بعد‪.‬‬
‫ولم تكن الفوارق الطبقية واضحة ملحوظة إلى حد مؤلم‪ ،‬اللهم إل في البندقية وجنوه‪ .‬ففي معظم المدن اليطالية دخل‬
‫النبلء ميدان التجارة أو الصناعة أو المال‪ .‬وكان في إمكان وصول أي فلح إيطالي إلى منصب السقفية أو البابوية‬
‫ما شاع عنصراً ديمقراطياً في الحياة الجتماعية؛ وفي البلط كان حامل لقب النبالة المهيب يلتقي بالسقف المتواضع‬
‫الصل ويجالسه‪ ،‬وفي الكاديميات والجامعات كان النبوغ الفكري يرجح الدعاوى الطبقية‪ ،‬وفي صخب الكرنفال كان‬
‫الرجال والنساء المطمئنون وراء أقنعتهم ينسون مراتبهم الجتماعية كما ينسون نواميسهم الخلقية‪ .‬وكان الحديث بين‬
‫الناس يتسم بالمرح شأنهم في فرنسا‪ ،‬هذا إذا استثنينا إجماعاً متفاهمًا عليه بعدم المساس بدين يأتي بالجزية الدولية‬
‫اليطالية‪-‬حتى من فاتحيها‪-‬بنوع خاص‪.‬‬
‫على أن ذلك الدين كان بريئًا من أي شائبة تزمت‪ ،‬فقد تصالح مع طبيعة البشر ومناخ إيطاليا‪ .‬وسمح في الكرنفالت‬
‫بفترة تعطيل للحتشام‪ ،‬ولكنه جاهد للمحافظة على مؤسستي الزواج والسرة وحمايتهما من سذاجة النساء وأهواء‬
‫الرجال‪ .‬فكانت الفتيات في الطبقات المثقفة يرسلن إلى أحد الديرة في سن مبكرة‪-‬في الخامسة‪-‬ل للتعليم أولً بل‬
‫لضمان الشراف الخلقي عليهن‪ .‬ولم تكن الفتاة التواقة إلى الحرية يطلق سراحها إل إذا وفر لها صداق وهيئ لها‬
‫خطيب يوافق عليه أبواها أو أولياؤها ويتقدم لزواجها‪ .‬وإذا جاز لنا أن نصدق كازانوفا‪ ،‬فإنه كان في استطاعة راهبة‬
‫شديدة الشوق إلى الرجال أن تغافل أحياناً الرئيسة الم‪-‬أو تغافل الرئيس الم راهباتها‪-‬وتجد سبيلً للقاء رجل شديد‬

‫الشوق إلى النساء بين الغسق والفجر‪ ،‬ولكن هذه كانت مغامرات نادرة محفوفة بالخطر‪ .‬على أننا ل نستطيع أن نطبق‬
‫هذا الحكم على أخلقيات الرهبان‪.‬‬
‫وكان الذكر غير المتزوج إذا لم يستطع إغواء زوجة رجل آخر‪ ،‬يتعامل‬

‫صفحة رقم ‪13178 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬
‫عموماً مع البغايا‪ .‬وقد قدر الكونت دكايلوس أن عددهن في نابلي عام ‪ 1714‬بلغ ثمانية آلف من بين السكان البالغين‬
‫‪ .150.000‬ووجد الرئيس دبروس في ميلن "إنك ل تخطو خطوة في الميادين العامة دون أن تلتقي بقوادين‬
‫‪ Courtiers de Galanterie‬يعرضون عليك نساء من كل لون أو جنس تشاء‪ ،‬ولكن لك أن تثق بأن النتيجة ل تكون‬
‫دائماً باهرة كالوعد(‪ .")2‬وكان محظوراً على البغايا في روما أن يظهرن في الكنائس أو المحافل العامة‪ ،‬وحرم عليهن‬
‫بيع مفاتنهن خلل صوم الميلد‪ ،‬والصوم الكبير‪ ،‬وأيام الحاد والعطلت الدينية‪.‬‬
‫وكان أشد ما يعاكس هؤلء البغايا ويفسد عليهن حرفتهن أن طريق العشق الحرام كانت ميسرة إلى قلوب النساء‬
‫المتزوجات‪ .‬فهؤلء النساء انتقمن لنفسهن من فترة المراهقة التي ضيق عليهن فيها‪ ،‬ومن الزواج الذين لم يكن لهن‬
‫رأي في اختيارهن‪ ،‬بالنغماس في العلقات الغرامية غير المشروعة‪ ،‬وباتخاذ "سيد تابع" ‪.cavaliere Servente‬‬
‫وقد سمحت عادة مرافقة المرأة المتزوجة هذه ‪ ،Cicisbeatura‬بموافقة زوجها في غيبته‪( ،‬وهي عادة مستوردة من‬
‫أسبانيا) بأن يقوم على خدمتها سيد يخدمها‪ ،‬فيرافقها إلى العشاء وإلى المسرح وإلى المنتديات‪ ،‬ولكن نادرًا ما يصاحبها‬
‫إلى الفراش‪ .‬واختيار بعض الزواج مرافقين لزوجتهم لحمايتهن من علقات العشق الحرام(‪ .)3‬وقد أفضى النتشار‬
‫الواسع لمذكرات كازانوفا‪ ،‬والخبار المتعجلة التي أذاعها الرحالة الفرنسيون الذين ألفوا التحلل الفرنسي‪ ،‬إلى مبالغة‬
‫الجانب في فكرتهم عن فساد الخلق في إيطاليا‪ .‬صحيح أن جرائم العنف أو الجنس كثرت‪ ،‬ولكن اليطاليين كانوا‬
‫بوجه عام أبناء أوفياء لوالديهم‪ ،‬وأزواجاً غيورين على نسائهم‪ ،‬وزوجات مجدات في بيوتهن‪ ،‬وآباء متعقلين بأبنائهم‪،‬‬
‫يحيون حياة أسرية مترابطة‪ ،‬ويواجهون متاعب الزواج والبوة والمومة بإباء في الخلق وطلقة في الحديث وبشاشة‬
‫حاضرة في الطبع‪.‬‬
‫ولم يلق تعليم النساء تشجيعاً‪ ،‬لن كثيرًا من الرجال كانوا يرون التعليم خطراً على العفة‪ .‬وتلقت قلة من البنات في‬
‫الديرة تعليماً في القراءة والكتابة‬

‫صفحة رقم ‪13179 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬

‫والتطريز وفنون الحياكة والترفيه‪ .‬ومع ذلك نسمع عن نساء راقيات التعليم يدرن صالونات يتجاذبن فيها الحاديث في‬
‫يسر مع الكتاب والفنانين ورجال العمال‪ .‬وفي بلرمو ترجمت "أنا جنتيلي" فولتير شعرًا إيطاليًا جيداً‪ ،‬ونشرت‬
‫"الرسائل الفلسفية" التي دافعت فيها بجرأة عن أخلقيات هلفتيوس غير القائمة على الدين‪ .‬وفي ميلن سمع الرئيس‬
‫دبروس ماريا جايتانا اجنيزي‪ ،‬البالغة من العمر عشرين عاماً‪ ،‬تحاضر باللتينية في علم الوسائل(‪ ،)4‬وقد درست‬
‫اليونانية والعبرية والفرنسية والنجليزية وكتبت في رسائل القطاعات المخروطية والهندسة التحليلية(‪ ،)5‬وفي جامعة‬
‫بولونيا كانت السنيورة ماتسوكيني تدرس التشريح‪ ،‬والسنيورة تامبروني تدرس اليونانية(‪ .)6‬ومن تلك الجامعة ذاتها‬
‫نالت لورا باسي درجة الدكتوراه في الفلسفة ولما تتجاوز الحادية والعشرين (‪ ،)1732‬وما لبثت أن ضربت بالعلم‬
‫سهم وافر حتى عينت أستاذاً في الجامعة وحاضرت في "بصريات" نيوتن وألفت البحوث في الفيزياء‪ ،‬وأنجبت خلل‬
‫ذلك لزوجها اثني عشر طفلً قامت بنفسها على تربيتهم(‪.)7‬‬
‫وطلت الكثرة العظمى من الجنسين أمية دون أن ينالها من ذلك أي غضاضة أو ازدراء من المجتمع‪ .‬فإذا ظهرت‬
‫مخايل الذكاء والنضج على غلم في القرية وجد له القسيس عادة سبيلً إلى التعليم‪ .‬ذلك أن شتى الجماعات الدينية‬
‫أسست المدارس في المدن‪ .‬فكان لليسوعيين عدد كبير من الكليات في إيطاليا‪-‬ست في البندقية‪ ،‬وسبع في ميلن وست‬
‫في جنوه‪ ،‬وعشر في بيدمونت‪ ،‬وتسع وعشرون في صقلية وكليات كثيرة في مملكة نابلي وفي الوليات البابوية‪.‬‬
‫وقامت الجامعات في تورين وجنوه وميلن وبافيا زبيزا وفلورنسة وبولونيا وبادوا وروما ونابلي وبلرمو‪ ،‬وكلها تحت‬
‫إشراف رجال الكنيسة الكاثوليك‪ ،‬ولكن الكليات ضمت الكثير من العلمانيين‪ .‬وكان المعلمون والطلب على حد سواء‬
‫يحلفون اليمين بأل يعلموا أو يقرؤوا أو يقولوا أو يفعلوا شيئًا يخالف تعليم كنيسة روما‪ .‬يقول كازانوفا "في بادوا كانت‬
‫حكومة البندقية تدفع المرتبات الكبيرة لمشاهير الساتذة‪ ،‬وتترك للطلب كامل الحرية في النتظام في حضور‬
‫دروسهم ومحاضراتهم أو عدمه كما يشاءون"(‪.)8‬‬

‫صفحة رقم ‪13180 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬
‫يضاف إلى هذا أن الفكر اليطالي شحذه عدد كبير من الكاديميات المخصصة للداب أو العلوم أو الفنون‪ ،‬والمتحررة‬
‫عادة من إشراف رجال الدين‪ ،‬وأشهرها الكاديمية الركادية التي كانت في الفترة التي نحن بصددها تموت موتاً‬
‫كريماً‪ .‬وكانت هناك مكتبات عامة مثل "دار الكتب المبروزية" الجميلة في ميلن‪ ،‬أ‪ ,‬دار كتب ماجليابكينانا (دار‬
‫الكتب القومية الن) في فلورنسة‪ ،‬وكان الكثير من المكتبات الخاصة كمكتبة بيزاني في البندقية‪ ،‬يفتح أبوابه للجمهور‬
‫في أيام معلومة من السبوع‪ .‬وقد روى دبروس أن مكتبات إيطاليا كان يستخدمها القراء استخداماً يفوق في كثرته‬
‫وحماسته استخدام القراء لمكتبات فرنسا‪ .‬وأخيراً كانت هناك دوريات من جميع النواع‪-‬ثقافية‪ ،‬أو أدبية‪ ،‬أو فكاهية‪.‬‬
‫وكانت مجلة الداب اليطالية التي أسسها أبوستولو تسينو وفرانشسكو سكييوتي دي ما في عام ‪ 1710‬من أرقى‬
‫المجلت في أوربا ثقافة وأحظاها بالحترام‪.‬‬
‫وصفوة القول أن إيطاليا كانت تنعم بحياة فكرية نشيطة‪ ،‬فكثر عدد الشعراء الذين عاشوا على إهداء شعرهم لكبار‬
‫القوم‪ ،‬وتعطر الجو بأريج القصائد الغنائية التي ما برحت تقلد بترارك‪ ،‬وتنافس المرتجلون في إفراغ التقريض فور‬
‫دعوتهم إلى قرضه‪ .‬ولكن العصر خل من العشر العظيم حتى أقبل ألفييري في ختام القرن‪ .‬وقامت المسارح في‬
‫البندقية وفتشنتا وجنوه وتورين وميلن وفلورنسة وبادوا ونابلي وروما‪ ،‬وأم هذه البنية النيقة الرشيقة صفوة القوم‬
‫وعامة الشعب ليتجاذبوا الحديث يسددوا نظرات الغرام‪ .‬كما أتوها ليستمعوا إلى الوبرا أو التمثيلية‪ .‬وكان هناك‬
‫دارسون كبار مثل مافيي‪ ،‬ومؤرخون شديدو الجتهاد مثل موراتوري‪ ،‬وعما قليل سيأتي علماء عظام‪ .‬غير أنها كانت‬
‫ثقافة متكلفة بعض الشيء‪ ،‬حذرة خشية الرقابة‪ ،‬مهذبة مجاملة إلى حد أفقدها الجرأة‪.‬‬

‫ومع ذلك هبت عليها رياح متقطعة من الهرطقة عبر اللب أو البحر‪ .‬فأسس الجانب‪-‬لسيما النجليز من أنصار‬
‫جيمس الثاني‪-‬في جنوه وفلورنسة وروما ونابلي‪ ،‬من ‪ 1730‬فصاعداً محافل ماسونية نزاعة إلى الربوبية‪ .‬وقد أدانها‬
‫البابوان كلمنت الثاني عشر وبندكت الرابع عشر‪ ،‬ولكنها اجتذبت‬

‫صفحة رقم ‪13181 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬المشهد العام‬
‫التباع العديدين خصوصاً من طبقة النبلء وأحياناً من الكليروس‪ .‬وجلبت إلى إيطاليا بعض مؤلفات مونثسكو‬
‫وفولتير ورينال ومايلي وكوندياك وهلفتيوس ودولباخ ولمتري‪ .‬ونشرت طبعات من "الموسوعة" بالفرنسية في لوكا‬
‫ولجهورن وبادوا‪ .‬ووصلت حركة التنوير إلى إيطاليا بدرجة متواضعة وفي صورة ميسرة لمن يقرؤون الفرنسية‪.‬‬
‫ولكن اليطالي أعرض عن الفلسفة‪ ،‬وأعرض عنها عمداً؛ وعن قناعة في الكثر العم‪ .‬فلقد كان هواه ومهارته في‬
‫إبداع أو تذوق الفن والشعر أو الموسيقى‪ ،‬وبدا له الجمال المحسوس أو المرئي أو المسموع أفضل من حقيقة رواغة ل‬
‫يضمن إطلقاً إشاعتها البهجة في نفسه‪ .‬ومن ثم فقد ترك الدنيا تناقش وتجادل بينما انصرف هو إلى شدوه وغنائه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13182 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬

‫‪ -2‬الموسيقى‬
‫اعترفت أوربا للموسيقى اليطالية بمكان الصدارة وقبلت آلتها وأشكالها‪ ،‬ورحبت بمزاياها‪ ،‬وتوجت كبار مغنيها‬
‫الخصان واستسلمت لوبراها الشجية قبل جلوك وعلى الرغم منه وبعده‪ .‬وأم جلوك وهاسمي وموتسارت ومئات‬
‫غيرهم إيطاليا ليدرسوا موسيقاها‪ ،‬وليقفوا على أسرار "الغناء الجميل ‪( "(Bel cant‬الملعلع) من بوربورا أو يتسلموا‬
‫مدالية بادري مارتيني‪.‬‬
‫يقول بيرني في معرض حديثه عن البندقية‪" ،‬إذا سار اثنان معًا يتأبط أحدهما ذراع الخر‪ ،‬بدا كأنهما ل يتحدثان إل‬
‫غناء‪ .‬فكل الغاني هناك ثنائيات"‪ )9(.‬وكتب إنجليزي آخر "في ميدان القديس مرقص يرفع رجل من عامة الشعب‪-‬‬
‫حذاء أو حدادًا مثلً‪-‬عقيرته بأغنية‪ ،‬وللتو ينضم إليه أشخاص على شاكلته ويشدون بهذه الغنية في عدة أصوات‪،‬‬
‫بضبط وذوق ندر أن يصادفهما المرء في أرقى المجتمعات في بلدنا الشمالية(‪.)10‬‬

‫وكان العشق الواقف تحت نافذة حبيبته يداعب أوتار قيثارة أو مندولين كما يداعب قلب عذرائه‪ .‬وحمل مغنو الشارع‬
‫أنغامهم إلى المقاهي والحانات‪ ،‬وفي الجندول كانت الموسيقى تعانق هواء المساء‪ ،‬والصالونات والكاديميات‬

‫صفحة رقم ‪13183 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫والمسارح تحيي الحفلت الموسيقية‪ ،‬والكنائس ترجها أصوات الراغن وفرق المرتلين‪ ،‬وفي الوبرا كان الرجال‬
‫ينتشون طرباً والنساء يغبن عن الوعي عند سمع لحن من المغنية الولى أو الخصي المغني‪ .‬وفي حفلة سمفونية‬
‫أحييت في روما في مكان ل تغطيه غير نجوم السماء (‪ )1758‬سمع موريلليه عبارات عاطفية مثل (إيه أيها المبارك!‬
‫يا للذة الكبرى! أكاد أموت طرباً!)(‪ .)11‬ولم يكن من غير المألوف في دار الوبرا أن نسمع النشيج يتردد بين‬
‫الجمهور النظارة‪.‬‬
‫وأحب القوم آلتهم الموسيقية حباً فوق وفاءهم للجنس الخر‪ ،‬وسخوا بالمال ليجعلوا منها تحفًا صنعت بدقة من الخشب‬
‫الثمين وطعمت بالعاج أو المينا أو رصعت بالحجار الكريمة‪ ،‬وربما زين الهارب أو القيثارة بالماس(‪ .)12‬وكان‬
‫سترايفاري قد ترك في كريمونا تلميذ له مثل جوزيني انطونيو جوارنيري ودومنيكو مونتانيانا واصلوا العلم بسر‬
‫صنع الفيولينات والفيولت والفيولنشلت النابضة بالحياة‪ .‬وظل الهاربسكورد (الذي كان اليطاليون يسمونه‬
‫كلفيتشمالبو) إلى نهاية القرن الثامن عشر آلة المفاتيح المفضلة في إيطاليا رغم أن بارتولوميو كريستوفوري كان قد‬
‫اخترع البيانو‪-‬فورتي بفلورنسة حوالي ‪ .1709‬وحظي كبار عازفي الهاربسكورد مثل دومنيكو سكارلتي‪ ،‬أو الفيولينه‬
‫مثل تارتيني وجمنياني‪ ،‬في هذا الدجيل بشهرة دولية‪ .‬فكان فرانشسكو جمنياني بمثابة "لست" أو كما لقبه منافسه‬
‫تارتيني "مجنون" القوس (إلفوريبوندو)‪ .‬وحين وفد على إنجلترا في ‪ 1714‬حظي بشعبيته في الجزر البريطانية‬
‫أغرته بالقامة هناك معظم سنيه الثماني عشرة الخيرة‪.‬‬
‫وقد شجع ظهور أمثال هؤلء العازفين المهرة على إنتاج الموسيقى اللية‪ ،‬وكان هذا هو العصر الذهبي للمؤلفات‬
‫الموسيقية اليطالية للفيولينة‪ .‬فاتخذت شكلها الن‪-‬خصوصاً في إيطاليا‪-‬الفتتاحية‪ ،‬والمتتالية‪ ،‬والصوناتا‪،‬‬
‫والكونسرتو‪ ،‬والسمفونية‪ ،‬وكلها ركز على اللحن واليقاع‪ ،‬ل على الكونتراينت البوليفوني الذي كان آنئذ بالغاً أوجه ثم‬
‫مختتماً حياته مع يوهان سبستيان باخ‪ .‬وكما أن المتتالية انبثقت من موسيقى الرقص‪ ،‬فكذلك انبثقت الصوناتا من‬

‫صفحة رقم ‪13184 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫المتتالية‪ .‬لقد كانت شيئاً يعزف‪ ،‬كما كانت الكنتاتا شيئًا ينشد‪ .‬وأصبحت الصوناتا في القرن الثامن عشر سلسلة من‬
‫ثلث حركات‪-‬سريعة (الليجرو أو بريستو)‪ ،‬وبطيئة (أندانتي أو أداجو) وسريعة (بريستو أو الليجرو) ويدس فيها‬

‫أحياناً سكيرتسو (دعابة) تذكر السامع برقصة الجيجة المرحة‪ ،‬أو مونيتة رشيقة تذكره بموسيقى الرقص‪ .‬وما وافى‬
‫عام ‪ 1750‬حتى كانت الصوناتا‪ ،‬على القل في حركتها الولى‪ ،‬قد طورت "شكل الصوناتا"‪-‬وهو عرض‬
‫موضوعات متعارضة وأطالتها بالتنويع‪ ،‬ثم تلخيصا عند الختام‪ .‬وبعد تجارب ج‪ .‬ب‪ .‬سامارتيني ورينالدودي كابوا في‬
‫إيطاليا‪ ،‬ويوهان شتامتس في ألمانيا‪ ،‬تطورت السمفونية بتطبيق شكل الصوناتا على ما كان في الماضي افتتاحية‬
‫أوبرالية أو مصاحبة سردية‪ .‬وبهذه الوسائل هيأ الملحن اللذة للعقل والحواس معاً‪ ،‬وأعطى الموسيقى اللية ميزة فنية‬
‫جديدة هي البنيان المحدد الذي يقيد ويربط اللحن بنظام ووحدة منطقيين‪ .‬ذلك أنه إذا انعدم البناء في فن ما‪-‬أي العلقة‬
‫العضوية بين الجزاء والكل‪ ،‬أو العلقة بين البداية والوسط والنهاية‪-‬كان ذلك معناه انحطاط هذا الفن‪.‬‬
‫أما الكونسرتو (من اللفظ اللتيني ‪ Concertare‬ومعناه يتبارى) فقد طبق على الموسيقى مبدأ الصراع الذي هو روح‬
‫الدراما‪ .‬فعارض الوركسترا بعازف منفرد‪ ،‬وأدخل الثنين في مناظرة هارمونية‪ .‬وكان شكله المفضل في إيطاليا‬
‫الكونسرتو جروسو (الكبير)‪ ،‬حيث التعارض بين أوركسترا صغير من الوتريات‪ ،‬و"وكونسرتينو" (كونسرتو‬
‫صغير) من عازفين أو ثلثة‪ .‬وكان ليفاليدي في إيطاليا وهيندل في إنجلترا‪ ،‬وباخ في ألمانيا‪ ،‬الفضل في صقل شكل‬
‫الكونسرتو جروسو صقلً مطرداً‪ ،‬وتحدت موسيقى اللت تفوق الغنية‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬ظل الصوت‪-‬خصوصاً في إيطاليا‪-‬هو اللة المحببة التي ل ضريب لها‪ .‬ففي إيطاليا أتيحت له ميزة لغة‬
‫عذبة رخيمة‪ ،‬تغلب فيها الصوت اللين على الساكن‪ ،‬وتقليد طويل من الموسيقى الكنسية‪ ،‬وفن بالغ الرقي في فنون‬
‫التدريب الصوتي‪ .‬هنا ظهر كبار مغنيات الوبرا (البريمادونات)‬

‫صفحة رقم ‪13185 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫الفاتنات اللئى يرتقين كل عام سلم الثراء والبدانة‪ ،‬والمغنون الطواشية ذوو الجسام الريانة الذين كانوا يخرجون من‬
‫إيطاليا ليأسروا الملوك الملكات‪ .‬هؤلء المغنون السوبرانو أك الكونترالتو الذكور جمعوا بين رئات الرجال‬
‫وحناجرهم‪ ،‬وبين أصوات النساء أو الغلمان‪ .‬وكانوا بعد أن يطيشوا في سن السابعة أو الثامنة‪ ،‬ويخضعوا لنظام طويل‬
‫دقيق من التدريب على التنفس والنطق‪ ،‬يتعلمون ترعيشات الصوت وتحلياته وتهديجاته‪ ،‬وتعاقب النغمات السريع‬
‫ووقفات التقاط النفس‪-‬إلى آخر هذه الفنون التي جعلت جماهير السامعين اليطاليين تهذي طربًا تعبر عنه أحيانًا بهتاف‬
‫هو "ليحيى المسكين الصغير"(‪ .)13‬ذلك أن معارضة الكنيسة (لسيما في روما) في استخدام النساء على خشبة‬
‫المسرح وسوء تدريب المغنيات في القرن السابع عشر‪ ،‬كانا قد خلقا طلباً لباه هذا السكين الصغير الذي كان يقطع‬
‫القنوات المنوية للذكر‪ .‬وبلغ من عظم مكانة المغنين المطوشين إذا حالفهم الحظ أن بعض الباء كانوا‪-‬بعد أن يغروا‬
‫الصبي الضحية بالرضى بمصيره هذا‪-‬يسلمونه لهذه العملية بمجرد أن تبدو منه أول بادرة صوت رخيم‪ .‬ولكن كثيراً‬
‫ما كانت المال تخيب‪ ،‬فكنت تجد كل مدينة بإيطاليا كما ذكر بيرني نفراً من هؤلء الفاشلين "ل صوت لهم على‬
‫الطلق"(‪ )14‬وبعد عام ‪ 1750‬اضمحلت بدعة الخصيان هذه‪ ،‬لن مغنيات الوبرا تعلمن أن يتفوقن عليهم في نقاء‬
‫النغمة وينافسنهم في قوة الصوت‪.‬‬
‫أما أشهر السماء في موسيقى القرن الثامن عشر فلم يكن باخ ول هيندل ول موتسارت‪ ،‬بل فارينللي‪-‬وهذا ليس اسمه‬
‫الصلي‪ .‬والظاهر أن كارلو بروسكي اتخذ اسم خاله الذي كان آنئذ معروفاً في دوائر الموسيقى‪ .‬وإذ كان كارلو قد ولد‬
‫في نابلي (‪ )1750‬لبوين عريقي الصل‪ ،‬فما كان لمثله عادة يدخل صفوف المطوشين؛ وروى أن حادثاً أصابه وهو‬
‫راكب جواده اقتضى إجراء العملية التي أثمرت أبدع صوت في التاريخ‪ .‬ثم درس الغناء على بوريورا‪ ،‬وصحبه إلى‬
‫روما‪ ،‬وظهر هناك في أوبرا بوريورا المسماة "إيوميني"‪ .‬وفي أحد اللحان نافس عارفاً على الناي في إطالة نغمة‬
‫وتضخيمها وغطى عليه‬

‫صفحة رقم ‪13186 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫في طول النفس‪ ،‬فأتته الدعوات من أكثر من عشرة عواصم‪ .‬وفي ‪ 1727‬في بولونيا لقي أول هزيمة له؛ ذلك أنه قاسم‬
‫انطونيو برناكي لحناً‪ ،‬فاعترف له بأنه (ملك المغنين)‪ ،‬وتوسل إليه أن يكون معلمه‪ .‬ووافق برناكي‪ ،‬وسرعان ما بز‬
‫التلميذ معلمه‪ .‬وراح فارينللي يحرز الن نصرًا بعد نصر في البلد تلو البلد‪-‬البندقية وفينا وروما ونابلي وفيرارا ولوكا‬
‫وتورين ولندن وباريس‪ .‬وكان تفننه الصوتي عجيبة العصر‪ .‬وكان فن التنفس من أسرار براعته‪ ،‬فقد عرف أكثر من‬
‫أي مغن آخر كيف يتنفس بعمق وسرعة وهدوء‪ ،‬وكان في استطاعته أن يستمر في غناء بنغمة ما بعد أن تتوقف جميع‬
‫اللت الموسيقية‪ .‬وفي لحن ‪( Son Qual nave‬على أي مركب) بدأ النغمة الولى مخافتًا ل يكاد يسمع‪ ،‬وطها‬
‫تدريجياً إلى ملء حجمها‪ ،‬ثم هبط بها شيئاً فشيئاً إلى خفوتها الولى‪ .‬وكان جمهور السامعين أحيانا‪ ،‬حتى في إنجلترا‪-‬‬
‫ذلك البلد الرصين‪-‬يصفق لهذه العجيبة السعيدة تصفيقًا يمتد خمس دقائق(‪ .)15‬وقد اكتسب قلوب سامعيه كذلك بحنانه‬
‫وكياسته ورقته‪ ،‬وكانت هذه الخلل في فطرته كما كانت في صوته‪ .‬وفي ‪ 1737‬قام بزيارة لسبانيا خالها قصيرة‪،‬‬
‫ولكن المكث طال به في مدريد أو قربها ربع قرن وسوف نفتش عليه هناك في فصل لحق‪.‬‬
‫وبفضل المغنين الطواشية أمثال فارينللي وسينيزينو‪ ،‬وكواكب الغناء من النساء أمثال فاوستينا بوردوني وفرنشسكا‬
‫كوتسوني‪ ،‬أصبحت الوبرا صوت إيطاليا‪ ،‬وبهذه المثابة استمع إليها الناس بابتهاج في كل بلد أوربي إل فرنسا حيث‬
‫اشتعلت نار الحرب‪ .‬وكلمة "أوبرا" كانت في الصل جمع "‪ "opus‬ومعناها "أعمال" ولكن الجمع أصبح في إيطاليا‬
‫مفرداً‪ ،‬واحتفظ بمعناه "العمل"‪ ،‬وما نسميه الن أوبرا كان يسمى ‪-Opera Per Musica‬عملً موسيقياً‪ .‬ولم تتخذ‬
‫الكلمة معناها الحالي إل في القرن الثامن عشر‪ .‬وإذ كانت متأثرة بتقاليد الدراما اليونانية‪ ،‬فقد صممت أصلً على أنها‬
‫تمثيلية تصاحبها الموسيقى‪ ،‬ثم ما لبثت الموسيقى أن طغت على التمثيلية في إيطاليا‪ ،‬وطغت الغاني (الريا) على‬
‫الموسيقى‪ .‬وصممت أوبرات تتيح عروضاً منفردة لكل‬

‫صفحة رقم ‪13187 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫مغنية أولى وكل مغن أول في الفرقة‪ .‬وكان السامعون يتجاذبون الحديث فيما بين هذه القمم المثيرة‪ ،‬وبين الفصول‬
‫يلعبون الورق أو الشطرنج‪ ،‬ويقامرون‪ ،‬ويأكلون الحلوى أو الفاكهة أو العشاء الساخن‪ ,‬ويتزاورون ويغازلون من‬
‫مقصورة إلى مقصورة‪ .‬في مثل هذه المهرجانات كان النص عادة يغرق في طوفان معترض في الغاني والثنائيات‬
‫والكوارس والباليهات‪ .‬وقد ندد المؤرخ لودقيكو موراتوري بطمس العشر على هذا النحو (‪ )16()1701‬ووافقه كاتب‬
‫النصوص أبوستولوتسينو‪ ،‬وانتقد المؤلف الموسيقي بنديتو مارنشيللي هذا التجاه في "تياترو على الموضة" (‬
‫‪ .)1721‬وأوقف متاستازيو حينًا هذا السيل الجارف‪ ،‬ولكن في النمسا ل في إيطاليا‪ .‬وناضل جوميللي وتراييتا ضده‪،‬‬

‫ولكن مواطنيها أنكروا عليها هذا النضال‪ ،‬ذلك أن اليطاليين آثروا في في غير مواربة الموسيقى على الشعر‪ ،‬واتخذوا‬
‫الدراما مجرد تكئة للغنية‪.‬‬
‫وأغلب الظن أنه ما من شكل فني آخر وعاه التاريخ حظي بالشعبية التي حظيت بها الوبرا في إيطاليا‪ ،‬وما من حماسة‬
‫ضارعت حماسة جمهور إيطالي يرحب بلحن أو قفلة يشدو بها مغنٍ مشهور‪ .‬ولو سعل أحد المستمعين في حفلة كهذه‬
‫لعد ذلك منه جريمة اجتماعية كبرى‪ .‬وكان التصفيق يبدأ قبل أن تختم الغنية المألوفة‪ ،‬وتدعمه العصي تدق على‬
‫الرض أو على ظهور المقاعد‪ ،‬وكان بعض المتحمسين يقذفون بأحذيتهم في الهواء(‪ .)17‬وكان لكل مدينة إيطالية‬
‫تزهو بنفسها قليلً أو كثيراُ (وأيها كانت مبرأة من الزهو؟) دار للوبرا‪ ،‬وبلغ عدد هذه الدور في الوليات البابوية‬
‫وحدها أربعين‪ .‬وبينما كانت الوبرا في ألمانيا حفلة رسمية تؤدى في البلط ويحرم منها جمهور الشعب‪ ،‬وبينما حد‬
‫من مستمعيها في إنجلترا ارتفاع أسعار الدخول‪ ،‬نجدها في إيطاليا مفتوحة لكل شخص لئق الهندام نظير رسم‬
‫متواضع‪ ،‬وأحياناً دون رسم على الطلق‪ .‬ولما كان اليطاليون قوماً يحبون الستمتاع بالحياة فقد أصروا على أن‬
‫يكون لوبراتهم خاتمة سعيدة مهما كان في هذه الوبرات من فواجع‪ .‬ثم أنهم أحبوا الفاكهة كما أحبوا رقة العاطفة‪.‬‬
‫فنما بينهم تقليد يقضي بدس فاصل هزلي بين فصول الوبرا‪ .‬ثم تطورت هذه الفواصل‬

‫صفحة رقم ‪13188 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الموسيقى‬
‫إلى نوع قائم بذاته حتى لقد نافست (الوبرا الجادة) في شعبيتها‪ ،‬وأحياناً في طولها‪ .‬والذي فتن باريس في ‪ 1752‬كان‬
‫"أوبرا هازلة‪ "Opera Buffa-‬وهي الخادمة تنقلب ربة البيت ‪ La Serva Padrann‬لبرجوليزي‪ ،‬التي أشاد بها‬
‫روسو دليلً على تفوق الموسيقى اليطالية على الفرنسية‪.‬‬
‫أياً كانت الوبرا اليطالية‪ ،‬هازلة أو جادة‪ ،‬فإنها كانت قوة في التاريخ‪ .‬وكما غزت روما مرة غربي أوربا بجيوشها‪،‬‬
‫وكما غزتها كنيسة روما مرة ثانية بعقيدتها‪ ،‬كذلك غزتها إيطاليا مرة ثالثة بالوبرا‪ .‬فأزاحت أوبراتها النتاج الوطني‬
‫في ألمانيا والدنمرك وإنجلترا والبرتغال وأسبانيا بل وروسيا‪ ،‬وكان مغنوها معبودي كل عاصمة أوربية تقريباً‪ .‬واتخذ‬
‫المغنون الوطنيون أسماء إيطالية لكي يحظوا بالقبول في وطنهم‪ .‬وسيمضي هذا الغزو الساحر ما بقي للحروف اللينة‬
‫التفوق في الغناء على الحروف الساكنة‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13189 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الدين‬

‫‪ -3‬الدين‬

‫كانت الطبقة المسيطرة في إيطاليا هي طبقة الكليروس بعد البريمادونات والمغنين الخصيان‪ .‬وراح رجال الدين‬
‫يمشون أو يركبون في غفاراتهم المتميزة وقبعاتهم العريضة الخواف في حرية تخالطها الكبرياء عبر المجتمع‬
‫اليطالي عالمين أنهم يوزعون أغلى نعمة عرفتها البشرية‪-‬هي نعمة الرجاء‪ .‬وبينما كانت نسبة رجال الكنيسة إلى‬
‫الشعب في فرنسا في هذا القرن على التقريب واحداً إلى مائتي نفس‪ ،‬كانت النسبة في روما واحداً لكل خمس عشرة‪،‬‬
‫وفي بولونيا واحداً لكل شبع عشرة‪ ،‬وفي نابلي وتورين واحداً لكل ثمان وعشرين(‪ .)18‬وقد شكا رجل معاصر من‬
‫أهل نابلي من هذا الوضع‪ ،‬وهو باعترافه رجل متمسك بالتقاليد‪:‬‬
‫"لقد استفحل عدد الكليروس بحيث اصبح لزاماً على المراء أن يتخذوا الجراءات للحد من عددهم وإل ابتلعوا‬
‫الدولة بأسرها‪ .‬فأي‬

‫صفحة رقم ‪13190 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الدين‬
‫ضرورة لن يهيمن على أصغر القرى اليطالية خمسون قسيساً أو ستون؟‪...‬أن العدد الضخم من أبراج الجراس‬
‫والديرة يحجب نور الشمس‪ .‬وهناك مدن يبلغ فيها العدد خمسة وعشرين ديراً لرهبان أو راهبات الدومينكان وسبعة‬
‫مجامع لليسوعيين‪ ،‬ومثلها للتياتين‪ ،‬ونحو عشرين أو ثلثين ديراً للخوة الفرنسيسكان‪ ،‬وما ل يقل عن خمسين أخر‬
‫من طوائف دينية مختلفة من الجنسين‪ ،‬هذا فضلً عن أربعمائة أو خمسمائة كنيسة ومصلى(‪.")19‬‬
‫ولعل هذه الرقام بالغ فيها الكاتب دعماً لحجته‪ .‬ونحن نسمع عن أربعمائة كنيسة في نابلي‪ ،‬و ‪ 260‬في ميلن‪ ،‬و ‪110‬‬
‫في تورين‪ ،‬على أن هذه دخلت ضمنها المصليات الصغيرة‪ .‬وكان الرهبان فقراء نسبياً‪ ،‬أما الكليروس من غير‬
‫الرهبان فكانوا في جملتهم يملكون ثروة تفوق ثروة النبلء‪ .‬وكان الكليروس في مملكة نابلي يحصلون على ثلث‬
‫الموارد‪ .‬وفي دوقية بآرما كان نصف الرض يملكه الكليروس‪ ،‬وفي تسكانيا ثلثة أرباع الرض تقريباً‪ .‬وفي البندقية‬
‫أضافت الوصايا الجديدة في السنوات الحدى عشرة من ‪ 1755‬إلى ‪ 1765‬إلى الكنيسة من الملك ما قيمته‬
‫‪ 3.300.000‬دوقاتية(‪ .)20‬وكان بعض الكرادلة والساقفة من أغنى الرجال في إيطاليا‪ ،‬ولكن هؤلء الكرادلة‬
‫ل مديرين وحكاماً‪ ،‬ولم يكونوا قديسين إل أحياناً‪ .‬من ذلك أن عدة رجال منهم في النصف الثاني من‬
‫والساقفة كانوا أو ً‬
‫القرن نزلوا عن ثروتهم وترفهم وعاشوا حياة الفقر الختياري‪.‬‬
‫أما الشعب اليطالي فلم يبد منه أي احتجاج ذي بال على ثراء الكليروس‪ ،‬اللهم إل قلة من المعلقين والهجائين‪ .‬لقد‬
‫كان الشعب فخوراً ببهاء كنائسه وأديرته وأحباره وبدت لهم مساهماتهم ثمناً زهيدًا يدفعونه لقاء النظام الذي وفره الدين‬
‫للسرة والدولة‪ .‬وكان في كل بيت صورة أو تمثال للمسيح المصلوب‪ ،‬وآخر للعذراء‪ ،‬وأمامهما تركع السرة كلها في‬
‫صلة كل مساء‪-‬البوان والبناء والخدم‪ .‬فأي شيء يستطيع الحلول محل التأثير الخلقي لتلك الصلوات الموحدة بين‬
‫القلوب؟ وكان المتناع‬

‫صفحة رقم ‪13191 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الدين‬
‫عن أكل اللحم أيام الجمع‪ ،‬وأيام الربعاء والجمع في الصوم الكبير‪ ،‬ضبطاً نافعاً للشهوة‪-‬كما كان نعمة على الصحة‬
‫وعلى صيادي السمك‪ .‬أما القساوسة‪ ،‬الواعون لمفاتن النساء‪ ،‬فلم يغالوا في إدانة خطايا الجسد‪ ،‬وأغضوا عن مظاهر‬
‫التحلل في الكرنفالت‪ .‬ل بل أن البغايا كن في السبوت يوقدن شمعة أمام العذراء‪ ،‬ويودعن نقوداً لترتيل القداس‪ .‬وقد‬
‫أدهش دبروس وهو يشاهد تمثيلية في فيرونا أن يرى التمثيل يتوقف حين دقت أجراس الكنائس معلنة موعد الصلة‬
‫(النجيلوس)‪ ،‬وركع كل الممثلين وصلوا‪ ،‬وقامت ممثلة كانت تتصنع الغماء في المسرحية لتشارك في الصلة ثم‬
‫عادت إلى إغمائها(‪ .)21‬حقاً ندر أن أحب الناس دينًا من الديان حباً جمًا كما أحب اليطاليون الكثلكة في إيطاليا‪ .‬على‬
‫أنه كان للصورة وجه آخر‪-‬هو الرقابة على المطبوعات وديوان التفتيش‪ .‬وقد طالبت الكنيسة كل إيطالي أو إيطالية أن‬
‫يؤدي مرة في السنة على القل "واجب عيد القيامة"‪-‬أي يذهب للعتراف على الكاهن في سبت النور‪ ،‬ويتناول‬
‫القربان في صباح القيامة‪ .‬فإذا قصر في هذا الواجب‪-‬في كل أرجاء إيطاليا باستثناء أكبر المدن‪-‬استوجب التوبيخ من‬
‫الكاهن‪ ،‬فإذا لم يجد مع العاصي التوبيخ والنصح سراً عوقب بنشر اسمه على أبواب كنيسة البرشية‪ ،‬فإذا تمادى في‬
‫الرفض كان جزاؤه الحرم‪ ،‬بل السجن في بعض المدن(‪ .)22‬على أن ديوان التفتيش كان قد فقد الكثير من قوته‬
‫وشرته‪ .‬وكان في المكان تفادي الرقابة الكنسية في المراكز الكبرى‪ ،‬فخفت الرقابة على المطبوعات‪ ،‬وكان هناك‬
‫انتشار صامت للشك الهرطقة في أوساط المثقفين ل بل بين رجال الكليروس أنفسهم‪-‬لن بعضهم كانوا جانسنيين في‬
‫دخيلة أنفسهم برغم أوامر البابا‪.‬‬
‫وإذا كان الكثير من القساوسة والرهبان قد عاشوا حياة الراحة والدعة‪ ،‬ولم يكونوا غرباء على الثم‪ ،‬فقد كان هناك‬
‫أيضًا الكثيرون ممن وفوا ينذروهم‪ ،‬واحتفظوا باليمان حياً بالخلص لواجباتهم‪ .‬وقامت المؤسسات الدينية الجديدة‬
‫شاهداً على بقاء نبض الحياة في الرهبنة‪ .‬من ذلك أن القديس‬

‫صفحة رقم ‪13192 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الدين‬
‫الفونسودي لجيرومي المحامي العريق الصل أسس في ‪ 1732‬جماعة "أتباع الفادي" (أي المسيح)‪ ،‬كذلك أسس‬
‫القديس بولس الصليبي (باولودانتي)‪ ،‬الذي مارس أقسى ضروب النسك‪ ،‬في ‪" 1737‬طائفة المتألمين"‪ .‬أي إتباع‬
‫صليب المسيح المقدس وآلمه‪.‬‬
‫وكانت جماعة اليسوعيين في ‪ 1730‬تضم نحو ‪ 23.000‬عضو‪ .‬منهم ‪ 3.622‬في إيطاليا‪ ،‬ونصفهم قساوسة(‪ .)23‬ولم‬
‫يكن هناك تناسب قط بين سلطانهم وعددهم‪ .‬فكثيراً ما أثروا في السياسة الداخلية والدولة بحكم كونهم آباء العتراف‬
‫للملوك والملكات والسر المرموقة‪ ،‬وكانوا أحياناً أكثر القوى إلحاحاً‪-‬بعد جماهير الشعب‪-‬في اضطهاد الهرطقة‪ .‬ومع‬
‫ذلك كانوا أكثر اللهوتيين الكاثوليك تحرراً‪ ،‬وقد رأينا في غير من هذا الموضع كم حاولوا في صبر أن يتوافقوا مع‬
‫حركة التنوير الفرنسية‪ .‬وقد تميزت بعثاتهم الخارجية بمثل هذه المرونة‪ .‬ففي الصين حولوا مئات اللوف إلى‬
‫الكاثوليكية(‪ ،)24‬ولكن تنازلتهم الذكية لعبادة السلف‪ ،‬وللكنفوشية‪ ،‬وللطاوية‪ ،‬صدمت مبعوثي الطوائف الدينية‬
‫الخرى فاقنعوا البابا بندكت الرابع عشر بأن يكبح جماح اليسوعيين ويوبخهم في مرسوم ‪Ex quo Singulari‬‬
‫‪ .))1743‬على أنهم ظلوا برغم ذلك أقدر وأعلم على العقيدة الكاثوليكية ضد البروتستانتية واللحاد‪ ،‬وأخلص المؤيدين‬
‫للباباوات ضد الملوك‪ .‬وقد وجد الملوك في جماعة اليسوعيين أثناء صراعات السيادة والسلطة بين الدول القومية‬

‫والكنيسة التي تعلو على القوميات عدواً هو أشد أعدائهم دهاء وإلحاحاً‪ .‬ومن ثم فقد صحت نيتهم على القضاء عليها‪.‬‬
‫ولكن الفصل الول في هذه الدراما مكانه البرتغال‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13193 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬

‫‪ -4‬من تورين إلى فلورنسة‬
‫إذا دخلنا إيطاليا من فرنسا بطريق مون‪-‬سني‪ ،‬هبطنا جبال اللب إلى بيدمونت التي تسمى "سفح الجبل" ثم مررنا‬
‫بكروم وحقول للحبوب وبساتين لشجار الزيتون أو الكستناء حتى نبلغ توبرين‪ ،‬القصبة القديمة لبيت سافوي والتي‬
‫يرجع عمرها ألفي سنة‪ .‬وهذا البيت من أقدم السر‬

‫صفحة رقم ‪13194 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬
‫الملكية الموجود‪ ،‬وقد أسسه في ‪ 1003‬أومبرتو بيانكامانو‪-‬هومبرت ذو اليد البيضاء‪ .‬وكان رأس السرة في الحقبة‬
‫التي نحن بصددها من أكفأ حكام العصر‪ .‬فقد ورث فكتور أماديوس الثاني عرش دوقية سافوي في التاسعة من عمره (‬
‫‪ )1675‬واضطلع بشؤون الحكم في الثامنة عشرة وقاتل من أجل الفرنسيين آناً وضدهم آناً في حروب لويس الرابع‬
‫عشر‪ ،‬وشارك أوجين السافواوي في طرد الفرنسيين من تورين وإيطاليا‪ ،‬وخرج من معاهدة أوترخت (‪ )1713‬وقد‬
‫أضاف صقلية إلى تاجه‪ .‬وفي ‪ 1718‬استبدل سردينا بصقلية‪ ،‬واتخذ لقب ملك ساردينا (‪ )1720‬ولكنه احتفظ بتورين‬
‫عاصمة له‪ .‬وحكم مملكته بكفاية تشوبها الخشونة‪ ،‬وأصلح التعليم العام وزاد في رفاهية الشعب‪ ،‬وبعد أن حكم خمسة‬
‫وخمسين عاماً تخلى عن العرش لبنه شارل إيمانويل الول (حكم ‪.)73-1730‬‬
‫كانت تورين خلل هذين الحكمين اللذين امتدا قرابة قرن كامل مركزًا قيادياً للحضارة اليطالية‪ .‬وقد وصفها‬
‫مونتسيكو الذي شاهدها في عام ‪ 1728‬بأنها "أجمل مدينة في العالم(‪ ")25‬مع أنه أحب باريس‪ .‬وامتدح تشسترفيلد عام‬
‫‪ 1749‬بلط سافوي لنه خير بلط في أوربا يربي "أناسًا مهذبين لطفاء(‪ .")26‬وبعض الفضل في بهاء تورين راجع‬
‫إلى فليبو يوفار‪ ،‬المعماري الذي كان ل يزال يتنفس وحي النهضة الوربية‪ .‬فعلى تل سوبرجا الشامخ الذي يعلو‬
‫‪ 2.300‬قدم فوق المدينة بنى (‪ )31-1717‬لفكتور أماديوس الثاني في ذكرى تحرير تورين من احتلل الفرنسيين‬
‫باسيليقا جميلة بطراز الروقة والقباب الكلسيكي استخدمت مقبرة لسرة سافوي الملكية قرنًا من الزمان‪ .‬ثم أضاف‬

‫إلى قصر ماداما العتيق (‪ )1718‬سلماً فخماً وواجهة ضخمة‪ ،‬وفي ‪ 1729‬صمم قلعة ستوبينجي الهائلة (التي أكملها‬
‫بنديتو ألفييري) والتي أبرز بهوها الرئيسي كل فخامة الباروك الحالية‪ .‬وظلت تورين عاصمة لدواق سافوي حتى‬
‫انتقلوا بعد نصرهم النهائي (‪ 1860‬وما بعدها) إلى روما ليتربعوا على عرش إيطاليا الموحدة‪.‬‬
‫أما ميلن التي طالما خنقتها السيطرة السبانية فقد بعثت من جديد تحت‬

‫صفحة رقم ‪13195 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬
‫الحكم النمساوي الكثر رفقاً‪ .‬ففي ‪ 1703‬أنشأ فرانترتيفن‪ ،‬وفي ‪ 1746‬و ‪ 1755‬استكمل فيليتشي وروكليريتشي‬
‫بمعونة الحكومة‪ ،‬مصانع للنسيج وسعت من إحلل النتاج الواسع النطاق الذي يموله ويديره رأس المال محل الحرف‬
‫والنقابات الحرفية‪ .‬أما التاريخ الثقافي لميلن فقد لمع فيه الن اسم جوفاني باتيستا سامارتيني‪ ،‬الذي نستطيع إلى الن‬
‫الستماع إليه أحياناً على أمواج الثير المتدفقة‪ .‬ويلحظ أنه في سمفونياته وصوناناته استبدل بوقار موسيقى كبار‬
‫الموسيقيين اللمان الكونترابنتي تفاعلً ديناميكيًا بين الموضوعات والحالت النفسية والمتعارضة‪ .‬وحين وفد الفتى‬
‫جلوك على ميلن (‪ )1737‬ليشغل وظيفة موسيقي الحجرة للمير فرانتشسكوملتسي‪ ،‬أصبح تلميذ سامارتيني وصديقه‬
‫واتخذ طريقه في بناء هيكل الوبرا‪ .‬وفي ‪ 1770‬صاح المؤلف الموسيقي البوهيمي يوزف مزلفتشك‪ ،‬وهو يصغي مع‬
‫موتسارت الشاب إلى بعض سمفونيات سمارتيني في ميلن "لقد وجدت الب الذي أنجب أسلوب هايدن!(‪-")27‬وهو‬
‫إذن أحد آباء السمفونية الحديثة‪.‬‬
‫وأما جنوه فقد كابدت خطوباً في القرن الثامن عشر‪ .‬كانت تجارتها قد انحطت إثر منافسة المحيطات للبحر المتوسط‪،‬‬
‫ولكن موقعها الستراتيجي على ربوة دفاعية تطل على ثغر حسن العداد لفت النتباه الخطر من الدول المجاورة‪.‬‬
‫ووقعت الحكومة المحصورة بين أعداء من الخارج وشعب غضوب جاهل من الداخل في أيدي أسر تجارية قديمة‬
‫تحكم عن طريق مجلس مغلق ودوج مطيع‪ .‬هذه الولجركية العاملة على تخليد نفسها في كراسي الحكم أثقلت كاهل‬
‫الشعب بالضرائب حتى هوى إلى درك الفقر الكئيب الفاقد الصبر‪ ،‬وسيطر عليها وابتزها هي الخرى بنك سان‬
‫جورجو‪ .‬فلما حاصرت قوات سافوي والنمسا المتحالفة جنوه في ‪ 1746‬لم تجرؤ الحكومة على تسليح الشعب ليقاوم‬
‫خشية أن يقتل الحكام‪ ،‬وآثرت أن تفتح أبوابها للمحاصرين الذين فرضوا تعويضات وفديات جرت عليها الخراب‬
‫المالي‪ .‬أما العامة الذين فضلوا المستغلين من بني جلدتهم‪ ،‬فقد ثاروا على الحامية‬

‫صفحة رقم ‪13196 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬

‫النمساوية‪ ،‬وقذفوها بوابل من البلط والطوب انتزعوه من السطح والشوارع‪ ،‬وطردوها طرداً مخزياً ثم عاود‬
‫الطغيان القديم سيرته الولى‪.‬‬
‫وشيد نبلء جنوه القصور الجديدة مثل قصر فيراري‪ ،‬وشاركت ميلن في رعاية مصور بلغ شهرة من المرتبة الثانية‬
‫في عصرنا هذا‪ .‬فتكاد كل صورة باقية من الصور التي رسمها الساندور ماناسكو ترعنا بأصالة أسلوبها القاتمة‪.‬‬
‫فصورة "بنكينللو يعزف على القيثارة"‪-‬جسد مستطيل في بقع مهملة سوداء وبنية‪ ،‬واللوحة الرشيقة المسماة "فتاة‬
‫وموسيقى أمام المدفأة(‪ ")29‬ولوحة "الحلق(‪ ")30‬تبدو عليه اللهفة على قطع حلقوم زبونه‪ ،‬ولوحة "حجرة طعام‬
‫الرهبان" الضخمة الشاهدة على ازدهار مطبخ الكنيسة‪ ،‬هذه كلها روائع فنية تذكرنا بالجريكو في أجسادها النحيلة‬
‫وحيلها الضوئية‪ ،‬وترهص بجويا في فضحها الرهيب لقساوات الحياة‪ ،‬وتنزع إلى الحداثة في احتقارها الخشن‬
‫للتفاصيل المتكلفة المتزمتة‪.‬‬
‫وشهدت فلورنسة في هذا العصر نهاية أسرة من أشهر أسر التاريخ‪ .‬فقد كان حكم كوزيمو الثالث (‪)1723-1670‬‬
‫الذي طل أمده أرشيدوقًا لتسكانيا نكبة على شعب مازال فخوراً بذكريات عظمة فلورنسة تحت حكم آل مديتشي‬
‫السبقين‪ .‬وقد سمح كوزيمو هذا الذي تسلط اللهوت على تفكيره للكليروس بأن يحكموه ويبتزوا من موارده الهزيلة‬
‫منحاً سخية للكنيسة‪ .‬وكان من أثر الحكم المستبد‪ ،‬والدارة العاجزة‪ ،‬والضرائب الباهظة أن فقدت الحكومة التأييد‬
‫الشعبي الذي حظيت به السرة المالكة طوال مائتين وخمسين عاماً‪.‬‬
‫وآثر فرديناند بن كوزيمو الكبر الغواني على رجال حاشيته‪ ،‬ودمر صحته بالفراط في اللذات‪ ،‬ومات أبتر ل عقب له‬
‫في ‪ .1713‬وكان لكوزيمو ابن يدعى جان (يوحنا) جاستوني أولع بالكتب‪ ،‬ودرس التاريخ والنبات‪ ،‬وعاش حياة‬
‫هادئة‪ .‬وفي ‪ 1697‬أكرهه أبوه على الزواج من آن أميرة ساكس لونبرج‪ ،‬وكانت أرملته فقيرة الثقافة‪ .‬وذهب جان‬
‫ليعيش معها في قرية بوهيمية نائية‪ ،‬واحتمل الملل عاماً‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13197 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬
‫ثم تعزى بالخيانات الزوجية في براغ‪ .‬فلما ساءت صحة فرديناند‪ ،‬استدعى كوزيمو جان إلى فلورنسة‪ ،‬ولما مات‬
‫فرديناند أعلن جان وريثاً لتاج الرشيدوقية‪ .‬ورفضت زوجة جان أن تعيش في إيطاليا‪ .‬وخشي كوزيمو أن ينقرض‬
‫بيت مديتشي‪ ،‬فامتنع مجلس الشيوخ الفلورنسي بأن يصدر قرارًا يقضي عند موت جان جاستوني دون عقب بأن تؤول‬
‫العرش إلى شقيقة جان المدعوة آنا ماريا لودفيكا‪.‬‬
‫وحامت الدول الوربية في لهفة حول السرة المحتضرة‪ .‬ففي ‪ 1718‬رفضت النمسا وفرنسا وإنجلترا وهولندا‬
‫العتراف بترتيب كوزيمو‪ ،‬وأعلنت أنه يجب عند وفاة جان أن تعطى تسكانيا وبارما لدون كارلوس البن الكبر‬
‫لليزابث فارنيزي ملكة أسبانيا‪ .‬واحتج كوزيمو‪ ،‬وأعاد تنظيم دفاعات لجهورن وفلورنسة الحربية ولكن متأخراً‪.‬‬
‫وخلف موته لبنه دولة أنهكها الفقر وعرشاً مزعزع الركان‪.‬‬
‫وكان جان جاستوني الن (‪ )1732‬في عامه الثاني والخمسين‪ .‬فجاهد ليصلح مساوئ الدارة والقتصاد‪ ،‬وطرد‬
‫الجواسيس والمتملقين الذلء الذين أثروا في عهد أبيه وخفض الضرائب وأعاد المنفيين‪ ،‬وأفرج عن السجناء‬
‫السياسيين‪ ،‬وعاون على إحياء الصناعة والتجارة ورد لحياة فلورنسة الجتماعية المان والمرح‪ .‬وبفضل إثراء‬
‫كوزيمو الثاني وجان جاستوني لقاعة الوفيتسي للفنون‪ ،‬وازدهار الموسيقى تحت قيادة كما فرانسشكو فيراتشيني‪،‬‬
‫والمراقص التنكرية‪ ،‬ومواكب العربات المزخرفة‪ ،‬ومعارك الحلوى والزهار الشعبية‪-‬بفضل هذا كله أصبحت‬
‫فلورنسة تنافس البندقية وروما في جذب الزوار الجانب‪ ،‬مثال ذلك أنه اجتمع فيها حوالي عام ‪ 1740‬الليدي ماري‬
‫ورتلي مونتاجو‪ ،‬وهوراس ولبول‪ ،‬وتوماس جراي حول الليدي هنرييتا بومفريت في قصر ريدولفو‪ .‬إن في المجتمع‬
‫المحتضر شيئاً يجذب إليه الناس جذباً حزيناً‪.‬‬

‫ولما أضنت جان جاستوني جهوده‪ ،‬أحال في ‪ 1731‬تبعات الحكم إلى وزرائه وانزلق إلى هوة اللذات الحسية‪.‬‬
‫وجردت أسبانيا جيشًا عدته‬

‫صفحة رقم ‪13198 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬من تورين إلى فلورنسة‬
‫ثلثون ألف مقاتل لتضمن الخلفة لدون كارلوس‪ ،‬وأرسل شارل السادس النمساوي خمسين ألف جندي ليرافقوا ابنته‬
‫ماريا تريزا في طريقها إلى عرش الرشيدوقية‪ .‬وأمكن تفادي الحرب باتفاق (‪ )1736‬أبرم بين النمسا وفرنسا‬
‫وإنجلترا وهولندا يقضي بأن يأخذ كارلوس نابلي‪ ،‬وأن تأخذ ماريا وزوجها فرانسوا اللوزيني‪-‬وتسكانيا‪ .‬وفي ‪ 9‬يوليو‬
‫‪ 1737‬قضى آخر المديتشيين نحبه وأصبحت تسكانيا تابعة للنمسا وازدهرت فلورنسة من جديد‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13199 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ملكة الدرياتيك‬

‫‪ -5‬ملكة الدرياتيك‬
‫بين ميلن والبندقية استرخت بعض المدن الصغرى‪ .‬فبرجامو اضطرت إلى أن تقنع في نصف القرن الذي نحن‬
‫بصدده بمصورين مثل جيسلندي‪ ،‬وبمؤلفين موسيقيين مثل لوكاتيللي‪ .‬وقدمت فيرونا الوبرات في مسرحها‬
‫الروماني‪ ،‬وكانت محظوظة برجل مرموق هو المركيز فرانشسكو سكبيوني دي مافي‪ .‬وقد قلد فولتير مسرحيته‬
‫الشعرية (ميروبي) (‪ )1713‬وأهداه في كرم مسرحيته (ميروب) باعتباره "أول كاتب أوتي من الشجاعة والعبقرية ما‬
‫أعانه على المغامرة بكتابة مأساة تخلوا من الغزل‪ ،‬مأساة جديرة بأثينا في عزها‪ ،‬حيث تكون محبة الم هي قوام‬
‫المؤامرة كلها‪ ،‬وينبعث أرق ضروب التشويق من أطهر الفضائل(‪ .")32‬وهناك عمل آخر لمافي أبروز حتى من‬
‫مسرحيته تلك وهو "فيرونا المصورة" (‪ )32-1731‬وهو كتاب بدأ تحديد خطى علم الثار‪ .‬واعتزت مدينته به‬
‫فأقامت له تمثالً في حياته‪ .‬وكانت فتشنتسا بمبانيها التي شيدها بلديو كعبة يحج إليها المعماريون الذين يحبون الطراز‬
‫الكلسيكي‪ .‬أما بادوا فكان بها جامعة اشتهرت بكليتي الحقوق والطب ولمه فيها جوزيبي تارتيني‪ ،‬الذي اعترف به‬
‫الجميع (عدا جمنياني) إماماً لعازفي الفيولينة الوربيين‪ ،‬ومن الذي لم يستمع إلى موسيقى تارتيني "رعشة الشيطان"؟‬
‫هذه المدن كلها كانت جزءًا من جمهورية البندقية‪ .‬وكذلك كانت تريفيزو وفريولي‪ ،‬وفلتري‪ ،‬وباسانو‪ ،‬وأوديني‪،‬‬
‫وبللونو‪ ،‬وترنتو‪ ،‬وبولتسانو‬

‫صفحة رقم ‪13200 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ملكة الدرياتيك‬
‫في الشمال‪ ،‬واستريا في الشرق‪ ،‬وفي الجنوب امتدت دولة فينيتسيا مخترقة كيودجا وروفيجو إلى نهر بو‪ ،‬وملكت عبر‬
‫الدرياتيك كتارو وبريفيتسا وأجزاء أخرى مما يقع في يوغوسلفيا وألبانيا‪ ،‬وكانت تملك في الدرياتيك جزائر كورفو‬
‫وكفالونيا وزنطة‪ .‬وسكن هذا الملك المعقد نحو ثلثة مليين من النفس كل منها يعد نفسه مركز العالم‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13201 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬

‫‪ -6‬الحياة الفينيتسية‬
‫أما مدينة البندقية (فينيتسيا) ذاتها عاصمة الجمهورية‪ ،‬فكانت تضم ‪-137.000‬نسمة‪ .‬وكانت الن في فترة اضمحلل‬
‫سياسي واقتصادي‪ ،‬بعد أن استولى الترك على إمبراطوريتها اليجية‪ ،‬وانتزعت دول الطلنطي الكثير من تجارتها‬
‫الخارجية‪ .‬وكان فشل الحروب الصليبية‪ ،‬وإعراض الحكومات الوربية بعد انتصارها في ليبانتو (‪ )1571‬عن تقديم‬
‫المعونة للبندقية في الدفاع عن مخافر العالم المسيحي المامية في الشرق‪ ،‬ولهفة تلك الحكومات على أن تقبل من‬
‫تركيا امتيازات تجارية ضنت بها على أشجع أعدائها(‪-)33‬هذه التطورات كلها قد خلفت البندقية في حال من الضعف‬
‫أعجزها عن الحتفاظ ببهائها أيام النهضة‪ ،‬ومن ثم أن ترعى بيتها هي‪-‬فتمنح مملكاتها اليطالية والدرياتية حكومة‬
‫صارمة في القانون‪ ،‬والرقابة السياسية‪ ،‬والشراف الشخصي‪ ،‬ولكنها كفء في الدارة‪ ،‬متسامحة في الدين والخلق‪،‬‬
‫متحررة في التجارة الداخلية‪.‬‬
‫وكانت تحكمها أولجركية شأن غيرها من جمهوريات أوربا في القرن الثامن عشر‪ .‬وفي هذا الخليط من حطام‬
‫السللت المختلفة‪-‬انطونيين وشيلوكيين وعطيليين‪ ،‬وبين جماهير لم تصب من التعليم حظاً يذكر‪ ،‬بطيئة التفكير‬
‫سريعة الحركة‪ ،‬تؤثر اللذة على السلطة‪ ،‬كان معنى الديمقراطية ‪-‬لو استقرت فيها‪-‬هو الفوضى المتوجة‪ .‬ومن ثم قصر‬
‫الحق في عضوية المجلس العلى على نحو ستمائة أسرة تضمنها "الكتاب الذهبي" ولكن هذه الرستقراطية الوطنية‬
‫أضيفت لها إضافات حكيمة من صفوف التجار ورجال المال وإن كانوا من دم غريب‪ .‬وكان المجلس العلى يختار‬
‫السناتو‪ ،‬الذي‬

‫صفحة رقم ‪13202 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬
‫كان يختار مجلس العشرة القوي النفوذ‪ .‬وكان جيش من الجواسيس ينتقل في صمت بين المواطنين ويبلغ القضاة بأي‬
‫تصرف أو كلم مريب يصدر من أي بندقي‪-‬حتى من الدوج نفسه‪ .‬وكان الدواج الن عادة حكاماً صوريين وظيفتهم‬
‫استقطاب الوطنية وتزيين الدبلوماسية‪.‬‬
‫وكان القتصاد يخوض معركة خاسرة ضد المنافسة الجنبية ورسوم الستيراد وقيود النقابات الحرفية‪ .‬ولم تتوسع‬
‫صناعة البندقية لتبلغ مرحلة المشروعات الحرة والتجارة الحرة والدارة الرأسمالية‪ ،‬بل قنعت بشهرة حرفها‪ .‬ولم يبق‬
‫في صناعة الصوف التي كانت تشغل ألفاً وخمسمائة عامل في عام ‪ 1700‬غير ستمائة في نهاية القرن‪ ،‬واضمحلت‬
‫صناعة الحرير في الفترة ذاتها فلم يبق فيها غير ألف واحد بعد أن حفلت باثني عشر ألفاً(‪ .)34‬وقاوم صناع زجاج‬
‫مورانو كل تغيير في الطرق التي أذاعت في الماضي شهرتهم في طول أوربا وعرضها‪ ،‬وتسربت أسرارهم إلى‬
‫فلورنسة وفرنسا وبوهيميا وإنجلترا‪ ،‬واستجاب منافسوهم لما طرأ من تقدم على الكيمياء‪ ،‬وللتجارب التي أجريت في‬
‫الصناعة‪ ،‬وهكذا ولى زمان المورانو‪ .‬وبالمثل استسلمت صناعة الدنتل لمنافسيها وراء اللب‪ ،‬فلم يحل عام ‪1750‬‬
‫حتى كان البنادقة أنفسهم يلبسون المخرمات الفرنسية‪ .‬وازدهرت صناعتان‪ :‬مصايد السماك التي استخدمت ثلثين‬
‫ألف رجل‪ ،‬واستيراد العبيد وبيعهم‪.‬‬
‫ولم يسمح للدين بالتدخل في أرباح التجارة أو لذات الحياة‪ .‬ونظمت الدولة جميع المسائل المتعلقة بممتلكات الكنيسة‬
‫وبجرائم رجال الدين‪ .‬وكان اليسوعيون قد أعيدوا في ‪ 1657‬بعد طردتهم في ‪ ،1606‬ولكن بشروط حدت من نفوذهم‬
‫في التعليم والسياسة‪ .‬ووجدت تعاليم فولتير وروسو وهلفتيوس وديدرو طريقها إلى صالونات البندقية ولو بطريق‬
‫الزوار رغم أن الحكومة حظرت استيراد مؤلفات الفلسفة الفرنسيين‪ ،‬وداعبت الرستقراطية في البندقية كنظيرتها في‬
‫فرنسا الفكار التي استنزفت قوتها(‪ .)35‬وقبل الناس الدين على أنه عادة ل شعورية تقريباً من عادات الشعائر‬
‫واليمان‪ ،‬ولكنهم كانوا يلهون أكثر مما يصلون‪ .‬وقد وصف مثل بندقي أخلقيات البنادقة‬

‫صفحة رقم ‪13203 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬
‫بكل ما في البجرام من قصور‪" ،‬في السباح قداس صغير‪ ،‬وبعد الغداء لعبة قمار صغيرة‪ ،‬وفي المساء امرأة‬
‫صغيرة"(‪ .)36‬وذهب الشبان إلى الكنيسة ل ليصلوا للعذراء ولكن ليدققوا النظر في النساء‪ .‬وكان النساء برغم‬
‫الغضبات الكنسية والحكومية يرتدين "الديكولتيه" الذي يكشف عن نحورهن وظهورهن(‪ )37‬وكانت الحرب المتصلة‬
‫بين الدين والجنس تهيئ للجنس أسباب النصر‪.‬‬

‫وأجازت الحكومة البغاء المنظم إجراءاً واقياً لسلمة الشعب‪ .‬واشتهرت غواني البندقية بجمالهن‪ ،‬ودماثة طباعهن‪،‬‬
‫وفخامة لباسهن‪ ،‬وبذخ مساكنهن المشرفة على القناة الكبرى‪ .‬وكان عدد المعروض من هؤلء الغواني (‬
‫‪ )Cortigiane‬كبير‪ ،‬ولكنه رغم ذلك قصر على الوفاء بالطلب‪ .‬وكان المقتصدون من البنادقة‪ ،‬والغراب مثل‬
‫روسو‪ ،‬يتجمعون معًا اثنين أو ثلثة لينفقوا على محظية(‪ .)38‬ولكن النساء المتزوجات انغمسن في العلقات الغرامية‬
‫الخطرة رغم هذه التسهيلت‪ ،‬ولم يكتفين بمرافقيهن من "السادة الخدام"‪ ،‬واختلف بعضهن إلى الكازينوات التي وفرت‬
‫فيها كل أسباب اللقاءات الغرامية‪ .‬ووبخت الحكومة علنًا عدة نساء نبيلت لسلوكهن المنحل‪ ،‬وأمرت بعضهن أن‬
‫يلزمن بيوتهن‪ ،‬ونفت بعضهن خارج البلد‪ .‬ولكن الطبقات الوسطى كانت أكثر تعقلً‪ ،‬وكان تعاقب النسل يشغل‬
‫الزوجة ويشبع حاجتها لتلقى الحب وبذله‪ .‬ولم تغدق المهات على أطفالهن في أي بلد آخر ما أغدقته في البندقية من‬
‫عبارات العزاز الحارة‪ .‬ومن عباراتهن المأثورة‪( :‬يا سبع القديس مرقص! يا بهجتي! يا زهرة ربيعي!)‪.‬‬
‫أما الجريمة فكانت في البندقية أقل منها في أي بلد آخر في إيطاليا‪ ،‬فقد كبح جماح العدوان كثرة ضباط الشرطة‬
‫والمن ويقظتهم‪ .‬ولكن القوم تقلبوا القمار على أنه عمل من أعمال النسان الطبيعية‪ .‬ونظمت الحكومة يانصيباً في‬
‫‪ .1715‬وافتتح أول نادٍ للقمار في ‪ ،1638‬وسرعان ما كثر عدد هذه الندية العامة والخاصة التي تهرع إليها جميع‬
‫الطبقات‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13204 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬
‫وكان في استطاعة مهرة المقامرين المخادعين من أمثال كازانوفا أن يعيشوا على مكاسبهم من القمار‪ ،‬في حين يخسر‬
‫غيرهم مدخرات عام بأكمله في ليلة واحدة‪ .‬وكان المقامرون ينحنون على مائدة القمار في حب صامت أحر من عشق‬
‫الناس‪ .‬أما الحكومة فكانت تتفرج بعين الرضى (حتى ‪ ،)1774‬لنها فرضت الضرائب على أندية القمار وبلغ إيرادها‬
‫السنوي منها نحو ‪ 300.000‬جنيه(‪.)39‬‬
‫وأقبل العاطلون والغنياء من شتى الدول لينفقوا مدخراتهم أو سني شيخوختهم وسط السترخاء الخلقي والمرح‬
‫المطلق في الميادين والقنوات‪ .‬وخفت حمى السياسة بعد أن تخل الجمهورية عن إمبراطوريتها‪ .‬ولم يجرِ حديث الثورة‬
‫هنا على أي لسان‪ ،‬فقد كان لكل طبقة عاداتها وتقاليدها العاملة على الستقرار‪ ،‬واستغراقها في الواجبات التي تقبلتها‪،‬‬
‫هذا فضلً عن المسرات المتاحة لها‪ .‬وكان الخدم طيعين أوفياء‪ ،‬ولكنهم ل يطيقون الهانة أو الزدراء‪ .‬وكان ملحو‬
‫الجندول فقراء‪ ،‬ولكنهم ملوك البحيرات‪ ،‬يقفون على زوارقهم المذهبة في فخر وثقة بمهارتهم الموروثة عن السلف‪،‬‬
‫أو يدورون حول المنحنيات وهم يصيحون صيحات قوية غريبة أو يدندنون بأغنية تصاحب تمايل أجسادهم‪ ،‬وإيقاع‬
‫مجاديفهم‪.‬‬
‫واختلطت الجنسيات المختلفة الكثيرة في الميادين‪ .‬واحتفظ كل منها بميزة من زي ولغة وتبذل‪ ،‬وظلت الطبقات العليا‬
‫ترتدي ما ارتدته في عز أيام النهضة‪ ،‬من قمصان من أرق الكتان‪ ،‬وسراويل من المخمل‪ ،‬وجوارب حريرية‪ ،‬وأحذية‬
‫ذات مشابك‪ ،‬ولكن البنادقة هم الذين أدخلوا إلى غربي أوربا في هذا القرن لباساً تركياً هو السراويل الطويلة‬
‫(البنطولونات)‪ .‬وكانت الباروكة قد وفدت من فرنسا حوالي ‪ .1665‬وعني المتأنقون من الشباب عناية بالغة بلباسهم‬
‫وشعرهم ورائحتهم حتى لقد صعب تمييز جنسهم‪ .‬أما النساء العصريات فقد رفعن فوق رؤوسهن أبراجًا عجيبة من‬
‫الشعر المستعار أو الطبيعي‪ .‬وكان الرجال والنساء جميعاً يشعرون كأنهم عراة إذا لم يتحلوا بالجواهر والحلي‪ .‬وكانت‬
‫المراوح تحفًا فنية‪ ،‬ترسم في تأنق‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13205 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬
‫وكثيراً ما كانت تغشى بالحجار الكريمة أو تحوي منظارًا لعين واحدة (مونوكل)‪.‬‬
‫وكان لكل طبقة أنديتها‪ ،‬ولكل شارع مقهاه‪ ،‬يقول جولدوني "في إيطاليا نتناول عشرة أقداح من القهوة كل يوم"(‪)40‬‬
‫وازدهرت كل ضروب الملهي‪ ،‬من معارك الجوائز (‪ )Pugni‬إلى المراقص التنكرية‪ .‬وكلمة "بألوان" (‪)Balloon‬‬
‫مشتقة من لعبة كانت تسمى باللوني ‪-Pallone‬فيها تنطط كرة منفوخة براحة اليد‪ .‬وكانت رياضة الماء تكرر بانتظام‪.‬‬
‫فمنذ ‪ 1315‬كان يقام سباق ‪ Rcgatta‬في ‪ 25‬يناير على القناة الكبرى‪ ،‬بين زوارق تسير بخمسين مجدافاً وتزين كما‬
‫تزين عرباتنا في المعارض‪ ،‬ويبلغ الحتفال ذروته بلعبة بولو مائية ينقسم فيها مئات البنادقة إلى جماعات متصاحبة‬
‫متنافسة‪ .‬وكان الدوج في عيد الصعود يمخر عباب الماء في أبهة من "سان ماركو" إلى الليد وعلى متن سفينة الدولة‬
‫الفاخرة الزينة المسماة "بوتشنتورو" بين مئات من السفن الخرى ليزف البندقية إلى البحر من جديد‪.‬‬
‫واتخذت العطلت الكثيرة أسماء وذكريات القديسين والمناسبات السنوية التاريخية‪ ،‬لن مجلس شيوخ البندقية وجد أن‬
‫الخبر والسرك بديل مقبول عن النتخابات‪ .‬في مثل هذه المناسبات كانت المواكب البهية تنتقل من كنيسة إلى كنيسة‬
‫ومن ميدان إلى ميدان‪ ،‬وكانت البسطة الزاهية اللوان‪ ،‬وأكاليل الزهر والحرائر تتدلى من النوافذ أو الشرفات على‬
‫الطريق‪ ،‬وكان هناك موسيقى سهلة‪ ،‬وأغنية دينية أو غرامية‪ ،‬ورقص رشيق في الشوارع‪ .‬وألف النبلء الذين‬
‫يختارون للمناصب المرموقة أن يحتفلوا بانتصاراتهم بالعروض‪ ،‬والقواس‪ ،‬وتذكرات النصر‪ ،‬والمهرجانات‪،‬‬
‫وأعمال البر التي تكلفهم أحيانًا ثلثين ألف دوقاتية‪ .‬وكان كل عرس مهرجاناً‪ ،‬ومأتم الوجيه من القوم أفخم حدث في‬
‫حياته‪.‬‬
‫ثم كان هناك الكرنفال‪-‬ذلك التراث المسيحي من "ساتورنالياً" روما والوثنية‪ .‬وكانت الكنيسة والدولة تأملن أنهما إذا‬
‫سمحتا بإجازة‬

‫صفحة رقم ‪13206 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬الحياة الفينيتسية‬
‫من الخلق استطاعتا التخفيف بقية العام من التوتر القائم بين الجسد والوصية السادسة‪ .‬وكان الكرنفال في إيطاليا‬
‫عادة ل يستغرق إل أسبوعاً واحداً هو السبوع السابق للصوم الكبير‪ ،‬وفي بندقية القرن الثامن عشر امتد من ‪26‬‬
‫ديسمبر أو ‪ 7‬يناير إلى "الثلثاء السمين" ‪ Mardi Gras-Martedi Grasso‬وربما اتخذ المهرجان اسمه من ذلك‬
‫اليوم الخير من اليام التي سمح فيها بأكل اللحم ‪ Carne Vale‬أي وداعاً للحم‪ .‬وكان البنادقة في كل ليلة تقريبًا من‬
‫أسابيع الشتاء تلك‪ ،‬والزوار المتجمعون من طول أوربا وعرضها‪-‬يتدفقون على الميادين‪ ،‬يرتدون ملبس فاقعة‬
‫اللوان‪ ،‬ويخفون سنهم ورتبهم وشخصياتهم وراء القنعة‪ .‬وفي ذلك التخفي هزأ الرجال والنساء بالقوانين‪ ،‬وراجت‬
‫سوق البغايا‪ ،‬وتطايرت قطع الحلوى‪ ،‬وقذف البيض الصناعي هنا وهناك لينشر ماءه المعطر حين ينكسر‪ .‬وكانت‬
‫شخصيات بانتالوني‪ ،‬وارلكينو‪ ،‬وكوامبينو‪ ،‬وغيرها من الشخصيات المحببة من المسرح الكوميدي تتبختر وتثرثر‬

‫لتسلي الجمع المحتشد‪ ،‬ورقصت الدمى‪ ،‬وبهر السائرون على الحبال مئات النفاس‪ .‬وكانت تجلب الحيوانات الغريبة‬
‫لهذه المناسبة‪ ،‬كوحيد القرن الذي شوهد أول مرة بالبندقية في مهرجانات ‪ 1751‬وفي منتصف الليلة السابقة لربعاء‬
‫الرماد (‪ )Mercoledi Della Conoi‬تدق أجراس كنيسة القديس مرقص الضخمة مؤذنة بانتهاء الكرنفال‪ ،‬هنا يعود‬
‫المعربد المنهك إلى فراشه الحلل‪ ،‬وبعد نفسه للستماع إلى القسيس يقول له في الغد‪Memento, Homo, Quia" :‬‬
‫‪" "Puia Pulvis es et in Pulvcrem Redieris‬تذكر يا ابن آدم أنك تراب وإلى التراب تعود"‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13207 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬

‫‪ -7‬فيفالدي‬
‫كانت البندقية ونابلي مركزي الموسيقى المتنافسين في إيطاليا‪ .‬فاستمعت البندقية في مسارحها إلى ألف ومائتي أوبرا‬
‫مختلفة في القرن الثامن عشر‪ .‬هناك خاضت أشهر كواكب الغناء في ذلك العصر‪ ،‬فرانشسكا كوتزوني‬

‫صفحة رقم ‪13208 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬
‫وقاوستينا بوردوني‪ ،‬معاركهما المشجية في سبيل التفوق‪ ،‬وكانت كل منهما تهز العالم من خشبة المسرح‪ .‬فأما‬
‫كوتزوني فكانت تغني أمام فارينللي في مسرح‪ ،‬وأما بوردوني فأمام برناكي في مسرح آخر‪ ،‬وانقسمت البندقية‬
‫بأسرها بين المعجبين بهؤلء المغنين‪ .‬ول قد غنى أربعتهم معًا لذابت ملكة الدرياتيكي طرباً في بحيراتها‪.‬‬
‫ومقابل قلع الوبرا والبهجة هذه قامت الملجئ الربعة ‪ Ospedali‬التي رعت فيها البندقية بعض فتياتها اليتيمات أو‬
‫غير الشرعيات‪ .‬ورغبة في شغل هؤلء الطفال المشردات وإضفاء المغزى على حياتهن كن يدربن على الموسيقى‬
‫الصوتية واللية‪ ،‬وعلى الغناء في فرق الرشاد‪ ،‬وإحياء الحفلت الموسيقية العامة من خلف حواجز ذات قضبان‬
‫كحواجز الديرة‪ .‬وقد قال روسو أنه لم يسمع في حياته شيئًا أثر فيه كأصواتهن الرقيقة وهن يغنين في إيقاع مدرب(‬
‫‪ ،)41‬وذكر جوته أنه لم يسمع قط سوبرانو بهذا التقان‪ ،‬أو موسيقى "لها هذا الجمال الذي ل يوصف(‪ .")42‬وكان‬
‫يعلم في هذه المعاهد نفر من أعظم الملحنين اليطاليين ويؤلفون لها الموسيقى‪ ،‬ويفودون حفلتها‪ ،‬أمثال مونتيفردي‪،‬‬
‫وكافاللي‪ ،‬ولوتي‪ ،‬وجالوبي‪ ،‬ويوريورا‪ ،‬وفيفالدي‪...‬‬

‫واتجهت البندقية إلى مدن إيطاليا‪ ،‬وأحياناً النمسا وألمانيا‪ ،‬لتزود مسارحها بالوبرات وتمد ملجئها وأوركستراتها‬
‫وعازفيها المهرة بالموسيقى الصوتية واللية‪ .‬وكانت هي ذاتها الم أو الحاضنة لنطونيو لوتي‪ ،‬عازف الرغن ثم‬
‫رئيس فرقة المرتلين في كنيسة القديس مرقص‪ ،‬ومؤلف أوبرات غير ذات بال‪ ،‬ولكنه أيضاً ملحن قداس ذرفت له عينا‬
‫بيرني البرتستانتي‪ ،‬ولبلدا ساري جالوبي الذي اشتهر بأوبراته الهازلة وببهاء الحانه الوبرالية ورقتها‪ ،‬وللساندور‬
‫مارتشيللو الذي تتبوأ كونشرتاته مقاماً عالياً في مؤلفات عصره الموسيقية‪ ،‬وأخيه الصغر بنديتو الذي قيل عن تلحينه‬
‫لخمسين مزمورًا أنه "من أبدع المؤلفات الموسيقية قاطبة(‪ )43‬ولنطونيو فيفالدي"‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13209 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬
‫ولقد كان استماع بعضنا لكونشرتو من تأليف فيفالدي أول مرة مفاجأة أشعرتنا بالخزي‪ .‬فلم جهلناه طوال هذا الزمن؟‬
‫هنا انسياب جليل للنغم‪ ،‬وتموجات ضاحكة من اللحن‪ ،‬ووحدة في البناء وتماسك للجزاء كان خليقاً بأن يكسب هذا‬
‫الرجل مدخلً أسبق من هذا إلى علمنا‪ ،‬ومكاناً أرفع في تواريخنا الموسيقية ‪.‬‬
‫ولد حوالي ‪ 1678‬لعازف فيولينة في أوركسترا مصلى الدوجات بكاتدرائية القديس مرقص‪ .‬وعلمه أبوه الفيولينة؛‬
‫وحصل له على وظيفة في الوركسترا‪ .‬وفي الخامسة عشرة كرس تكريسًا مبدئيًا للدين‪ ،‬وفي الخامسة والعشرين‬
‫أصبح قسيساً ولقب "البريتي روسو" لحمرة شعره‪ .‬ولعل ولعه بالموسيقى تعارض مع واجباته الكهنوتية‪ .‬وقال‬
‫العداء إنه "ذات يوم بينما كان فيفالدي يتلو القداس‪ ،‬خطر له موضوع يصلح لفوجه‪ ،‬وللتو غادر المذبح‪...‬وذهب إلى‬
‫غرفة المقدسات والملبس ليدون الموضوع‪ ،‬ثم عاد ليكمل القداس(‪ .")44‬واتهمه قاصد بابوي بأنه يحتفظ بعدة نساء‪،‬‬
‫وأخيراً نهاه ديوان التفتيش (كما زعموا) عن تلوة القداس‪ .‬وقد روى انطونيو في سنوات لحقة قصة تختلف عن هذه‬
‫تمام الختلف‪ .‬وقال‪:‬‬
‫"كانت آخر مرة تلوت فيها القداس منذ خمسة وعشرون عاماً‪ ،‬ل بسبب منعي من تلوته‪...‬ولكن بناء على قرار مني‬
‫اتخذته بسبب علة أرهقتني منذ ولدتي‪ .‬فبعد أن رسمت قسيساً كنت أتلو القداس عاماً أو أكثر بقليل‪ ،‬ثم توقفت عن‬
‫تلوته لن هذا المرض اضطرني ثلث مرات إلى مغادرة المذبح دون أن أتمه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13210 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬
‫"ولهذا السبب ذاته أقضي وقتي كله تقريباً في بيتي ول أبرحه إل راكباً زورقاً أو عربة لنني لم أعد قادراً على المشي‬
‫بسبب حالة الصدر التي أعانيها‪ ،‬أو على الصح شعور الضيق والتوتر في صدري (‪ )Strettzza di Petto‬وربما‬
‫كانت هي (الربو) ول يدعوني أي نبيل لبيته‪ ،‬ل ول حتى أميرنا‪ ،‬لن الجميع عليمون بمرضي‪ ،‬وقد كانت أسفاري‬

‫دائماً غالية النفقة جدًا لنني كنت مضطرًا دائماً أن أصحب معي أثناءها أربع نساء أو خمسًا ليساعدنني‪" .‬ثم أضاف‬
‫أن هؤلء النسوة كن نقيات السيرة" يسلم الناس في كل مكان بعفتهن‪..‬وكن يؤدين الصلة كل يوم من أيام السبوع(‬
‫‪.")45‬‬
‫على أنه حتى لو شاء لما استطاع أن تغلب الخلعة على خلقه لن معهد الموسيقى الملحق بالملجأ الديني احتفظ به‬
‫طوال سبعة وثلثين عاماً عازفاً للفيولينة ومعلماً وملحناً أو رئيس للكورس‪ .‬وقد لحن لتلميذه البنات معظم أعماله غير‬
‫البورالية‪ .‬وتكاثرت الطلبات عليه‪ ،‬ومن ثم كان يكتب في عجلة ثم يصحح فيما يتاح له من فراغ‪ ،‬وقد أخبر دبروس‬
‫أن في استطاعته أن "يلحن الكونشرتو بأسرع مما يستطيع ناسخ أن ينسخه(‪ .")46‬وبالمثل كانت أوبراته تلحن على‬
‫عجل‪ ،‬وقد سجلت إحداها على صفحة الغلف عبارة تشي بالفخر (أو العتذار) هي (‪)Fatto in Cinque Giorni‬‬
‫كتبت في خمسة أيام‪ .‬وقد وفر الوقت كما وفره هندل بالستعارة من نفسه‪ ،‬فأقتبس من موسيقاه القديمة ما يلبي حاجاته‬
‫الحاضرة‪.‬‬
‫وفي فترات فراغه من عمله في الملجأ ألف أربعين أوبرا‪ .‬واتفق كثير من معاصريه مع تارتيني على أنها متوسطة‬
‫الجودة‪ ،‬وقد سخر منها بنديتو مارتشيللو في (تياترو على الموضة) ولكن جماهير النظارة في البندقية‪ ،‬وفتشنتسا‪،‬‬
‫ومانتوا‪ ،‬وفلورنسة‪ ،‬وميلن‪ ،‬وفيينا‪ ،‬رحبوا به‪ ،‬وكثيراً ما كان فيفالدي يترك بناته ليسافر مع نسائه مخترقاً شمالي‬
‫إيطاليا‪ ،‬بل حتى إلى فيينا وأمستردام ليعزف الفيولينة أو ليقود إحدى أوبراته أو ليشرف على إخراجها وديكورها‪.‬‬
‫وأوبراته الن ميتة‪ ،‬ولكن هذا مصير معظم‬

‫صفحة رقم ‪13211 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬
‫الوبرات التي ألفت قبل جلوك‪ .‬فقد تغيرت الساليب والعادات والبطال‪ ،‬والصوات‪ ،‬والجنسان‪.‬‬
‫ويعرف التاريخ ‪ 554‬من مؤلفات فيفالدي‪ ،‬منها ‪ 454‬كونشرتو‪ .‬وقد قال ناقد ماكر أن فيفالدي لك يكتب ستمائة‬
‫كونشرتو‪ ،‬بل هو كونشرتو واحد أعاده ستمائة مرة(‪ .)47‬ويبدو المر كذلك أحياناً‪ .‬ففي هذه القطع قدر كبير من نشر‬
‫الوتار ونغمات الرغن اليدوي المتصلة‪ ،‬وقياس للوقت أشبه بحركات البندول‪ ،‬ل أننا نجد حتى في السلسلة الشهيرة‬
‫المسماة (الفصول) (‪ )1725‬صحارى من الرتابة‪ ،‬ولكن فيها أيضًا قممًا من الحيوية المشبوبة والعواصف القارصة؛‬
‫وواحات من الصراع الدرامي بين العازفين المنفردين والوركسترا؛ وجداول سائغة من اللحان‪ .‬في قطع كهذه(‪،)48‬‬
‫أبلغ فيفالدي الكونشرتو الكبير مكانة ممتازة ل سبق لها ول يبزها إل باخ وهيندل‪.‬‬
‫وكان فيفالدي يعاني كمعظم الفنانين من الحساسية التي غذت عبقريته‪ .‬وقد عكست قوة موسيقاه طبعه الناري‪،‬‬
‫وعكست رقة نغماته تقواه‪ .‬فلما تقدم به العمر استغرق في واجباته الدينية حتى لقد وصفته رواية مبالغة بها ل يترك‬
‫مسبحته إل ليلحن(‪ .)49‬وفي ‪ 1740‬فقد وظيفته في الملجأ الديني أو استقال منها‪ ،‬ولسباب نجهلها الن نزح من‬
‫البندقية إلى فيينا‪ .‬ول نعرف المزيد عنه؛ اللهم إل أنه مات هناك بعد سنة ودفن كما يدفن فقراء الناس‪.‬‬
‫ومر موته دون ان تلحظه الصحف اليطالية‪ ،‬لن البندقية كانت قد كفت عن الهتمام بموسيقاه‪ ،‬ولم يقدره أحد قدراً‬
‫يقرب من قمة فنه ل في وطنه ول في جيله‪ .‬على أن مؤلفاته لقيت الترحيب في ألمانيا‪ .‬فاستورد كوانتسي الذي كان‬
‫عازفاً للفلوت وملحناً لفردريك الكبر؛ كونشرتات فيفالدي؛ وقبلها بصراحة نماذج تحتذى‪ .‬واشتد إعجاب باخ بها حتى‬
‫نقل تسعة منها على القل للهاربسكورد‪ ،‬وأربعة للرغن‪ ،‬وواحداً‬

‫صفحة رقم ‪13212 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬فيفالدي‬
‫لربعة هاربسكوردات ومجموعة وتريات(‪ .)50‬وواضح أن باخ أخذ عن فيفالدي وكوريللي البناء الثلثي لكونشرتاته‪.‬‬
‫وكاد فيفالدي أن يكون نسياً منسياً طوال التاسع عشر إل من الدارسين الذين تتبعوا تطور باخ‪ .‬ثم رده إلى مكان‬
‫مرموق في ‪ 1905‬أرنولد شيرنج في كتابه "تاريخ الكونسيرات اللية"؛ وفي عشرينات القرن العشرين دافع أرتورو‬
‫توسكانيني عن قضية فيفالدي بكل عواطفه ومكانته‪ .‬واليوم يحتل "القسيس الحمر" مؤقتاً أرفع مكان بين الملحنين‬
‫اليطاليين في القرن الثامن عشر‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13213 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ذكريات‬

‫‪ -8‬ذكريات‬
‫من صيف الفن البندق المؤذن بالفول يبرز نحو اثني عشر مصورًا ويلتمسون أن نذكرهم‪ .‬ونكتفي هنا بتحية نقرئها‬
‫حبًا مبتستا بيوتي‪ ،‬الذي لم ترفع البندقية فوقه غير تيبولو وبيتا تسيتا‪ ،‬ويأكوبو آميجوني الذي أورث بوشيه أسلوبه‬
‫الشهواني؛ وجوفاني أنطونيو باللجريني‪ ،‬الذي حمل ألوانه إلى إنجلترا وفرنسا وألمانيا‪ ،‬وهو الذي زين قلعة كمبرلتز‪،‬‬
‫وقلعة هوارد‪ ،‬وبنك فرنسا‪ .‬وألفت للنظر من هؤلء ماركو ريتشي لنه قتل أحد النقاد ثم انتحر‪ .‬ففي عام ‪ ،1699‬حين‬
‫كان في الثالثة والعشرين‪ ،‬طعن ملح جندول استخف بصوره طعنات قضت عليه‪ ،‬ثم فرالي دلمماشيا‪ ،‬وأغرم‬
‫بمشاهدها الطبيعية‪ ،‬وبلغ من حذقه في التقاطها بألوانه أن غفرت له البندقية جريمته وهللت له كأنه تنتوريتو مبعوثاً‬
‫من جديد‪ .‬وصحبه عمه سبستيانو ريتشي إلى لندن‪ ،‬حيث تعاون على تصوير مقبرة دوق ويفونشير‪ .‬وكان ككثيرين‬
‫من فناني القرنين السابع عشر والثامن عشر يجب أن يرسم الطلل الحقيقية أو الخيالية ول ينسى في ذلك نفسه‪ .‬وفي‬
‫‪ ،1729‬وبعد عدة محاولت‪ ،‬أفلح في النتحار‪ .‬وفي ‪ 1733‬بيعت إحدى لوحاته بخمسمائة دولر؛ وفي ‪ 1963‬بيعت‬
‫من جديد بتسعين ألف دولر(‪ ،)51‬وهو ما بين مبلغ تقدير قيمة الفن وهبوط قيمة النقود‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13214 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ذكريات‬
‫وتأمل شخصية روزاليا كارييرا أدعى إلى السرور‪ .‬فقد بدأت حياتها العملية برسم نماذج للمخرمات الفينيسية ‪Point‬‬
‫‪de Venise‬؛ ثم رسمت علب السعوط (كما فعل رينوار الصغير) ثم المنمنمات‪ ،‬وأخيراً وجدت في ألوان الباستيل قمة‬
‫تفوقها‪ .‬ولم يحل عام ‪ 1709‬حتى كانت قد اكتسبت من الشهرة ما جعل فردريك الرابع ملك الدنمرك يدعوها حين‬
‫اعتلى العرش ليختارها لترسم له لوحات الباستيل تمثل أجمل سيدات البندقية أو أبعدهن صيتا‪ .‬وفي ‪ 1720‬دعاها إلى‬
‫باريس بيير كروزا جامع التحف المليونير‪ .‬وهناك لقيت من الترحيب والحفاوة ما لم يلقه فنان أجنبي آخر منذ بريتني‪.‬‬
‫وكتب الشعراء فيها الصونيتات؛ وزارها الوصي فليب أورليان‪ ،‬وصورها فاتو‪ ،‬وصورته هي‪ ،‬وجلس إليها لويس‬
‫الخامس عشر لتصوره؛ وانتخبت عضوًا في أكاديمية التصوير؛ وقدمت لوحة الدبلوم "ربة الفن" المعروضة في‬
‫اللوفر‪ .‬وبدا للناس كأن روح الروكوك قد تجسدت فيها‪.‬‬
‫وفي ‪1730‬ذهبت إلى فيينا‪ ،‬حيث رسمت صوراً بالباستيل لشارل السادس؛ وإمبراطورته‪ ،‬والرشيدوقة ماريا تريزا‪.‬‬
‫فلما عادت إلى البندقية واستغرقت في فنها استغراقًا أنساها أن تتزوج‪ .‬وفي أكاديمية البندقية ملء حجرة من اللوحات‬
‫التي رسمتها‪ ،‬وفي قاعة الفنون يدرسن ‪ ،157‬معظمها يتميز بالوجوه الوردية‪ ،‬والخلفيات الزرقاء‪ ،‬والبراءة المشرقة‪،‬‬
‫ورقة الوجوه ذات الغمزات؛ بل أنها حين رسمت هوراس وليول(‪ ،)52‬جعلته يبدو كأنه فتاة‪ .‬وكانت ترضي غرور‬
‫كل من يجلس إليها لتصوره إل نفسها‪ ،‬وصورتها الذاتية المعلقة في قلعة وندزر تظهرها في سنيها الخيرة وقد أبيض‬
‫شعرها وشابها شيء من الكتئاب كأنها تتوقع أن يكف بصرها بعد قليل‪ .‬وقد اضطر طوال العوام الثني عشر‬
‫الخيرة من عمرها البالغ اثنين وثمانين عاماً محرومة من النور واللون اللذين كانا لها بمثابة رحيق الحياة‪ .‬وقد تركت‬
‫بصمتها على فن جيلها‪ :‬ولعل لتور قد أستلهم الحرارة منها‪ ،‬وتذكر جرو تمثيلها لشباب النساء في صورة مثالية؛‬
‫وانحدرت ألوانها الوردية‪-‬الحياة بلون الورد‪-‬إلى بوشيه ورنوار‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13215 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ذكريات‬
‫أما جوفاني باتستا بياتسيتا فكان فناناً أعظم يسمو فوق العواطف الهشة ويحتقر الزخرف ول يسعى وراء إرضاء‬
‫الجمهور بقدر سعيه إلى تذليل صعاب صناعته والتمسك بأرفع تقاليدها‪ .‬وتبين زملءه الفنانون هذه النزعة فيه‪ ،‬ومع‬
‫أن تيبولو كان له فضل السبق في تأسيس أكاديمية البندقية للتصوير والنحت (‪ ،)1750‬فإن بياتسيتا هو الذي اختاروه‬
‫أول رئيس لها‪ .‬ولوحته المسماة "رفقة عند البئر"(‪ )53‬جديرة بتتسيانو‪ ،‬وهي أقل حتى من تتيسيانو اكتراثاً بمفاهيم‬
‫الجمال المتعارف عليها‪ .‬واللوحة تكشف من جسد رفقة قدراً يكفي لثارة غريزة المتوحش‪ ،‬ولكن وجهها الهولندي‬
‫وأنفها الفطس لم يصورا لينتشي بهما اليطاليون‪ .‬فالذي يثير عواطفنا هنا هو الرجل‪ ،‬إنه شخصية بفن النهضة‪ :‬وجه‬
‫قوي‪ ،‬ولحية ملمعة وقبعة ذات ريش وومضة إغراء ماكر في عينيه‪ .‬واللوحة كلها آية من آيات اللون والنسيج‬
‫والتصميم‪ ،‬وقد تميز بياتسيتا بأنه كان أكثر المصورين البنادقة احتراماً في جيله‪ ،‬وأنه مات أفقرهم جميعاً‪.‬‬
‫وأشهر منه أنطونيو كانالي‪ ،‬الملقب كاناليتو‪ ،‬لن نصف العالم يعرف البندقية بفضل مناظره ‪ .Vedute‬أما إنجلترا‬
‫فعرفته دماً ولحماً‪ .‬وقد نهج حينًا نهج أبيه الذي امتهن رسم المناظر للمسارح‪ ،‬ثم درس العمارة في روما‪ ،‬فلما عاد إلى‬
‫البندقية طبق الفرجار والزاوية على رسمه‪ ،‬وجعل العمارة ملمحًا من ملمح صوره‪ .‬وفي هذه الصور عرفنا ملكة‬
‫الدرياتك كما كانت تبدو في النصف الول من القرن الثامن عشر‪ .‬ونلحظ من لوحة باتشينودي سان ماركو‬

‫‪ Baccino‬بحرية القديس مرقص(‪ )54‬مبلغ ازدحام البحيرة الكبرى بالمراكب‪ ،‬ونبصر سباق الزوارق ‪Regatta‬‬
‫على القناة الكبرى(‪ )55‬ونرى أن الحياة كانت زاخرة مشوبة شأنها من قبل دائماً‪ ،‬ويبهجنا أن نجد "جسر الريالتو"(‬
‫‪ )56‬وميدان القديس مرقص(‪ )57‬والميدان الصغير(‪ )58‬وقصر الدواج(‪ )59‬وكنيسة سانتا ماريا ديلل سالوتا(‪)60‬‬
‫كما نجدها اليوم تقريباً‪ ،‬إذا استثنينا البرج الذي أعيد بناؤه‪ .‬وصور كهذه هي التي احتاج إليها السياح في الشمال الملبد‬
‫بالغيوم ليذكروا في عرفان شمس البندقية الشديدة‬

‫صفحة رقم ‪13216 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬ذكريات‬
‫الصفاء وسحرها الفتان‪ .‬وقد اشتروا هذه الصور ودفعوا أثمانها ثم حملوا هذه التذكارات إلى بلدهم‪ ،‬وسرعان ما‬
‫طالبت إنجلترا بكاناليتو نفسه‪ .‬فذهب إليها في ‪ 1746‬ورسم مناظر مستفيضة لهواً يتهول(‪" ،)61‬ونهر التيمز من‬
‫قصر رتشموند"‪ ،‬واللوحة الخيرة بجمعها المدهش بين التساع والتناسب والتفصيل هي تحفة كاناليتو الرائعة الصفاء‬
‫وسحرها الفتان‪ .‬وقد اشتروا هذه الصور ودفعوا أثمانها ثم حملوا هذه التذكارات إلى بلدهم‪ ،‬وسرعان ما طالبت‬
‫إنجلترا بكاناليتو نفسه‪ .‬فذهب إليها في ‪ 1746‬ورسم مناظر مستفيضة لهوا يتهول(‪" ،)61‬ونهر التيمز من قصر‬
‫رتشموند"‪ ،‬واللوحة الخيرة بجمعها المدهش بين التساع والتناسب والتفصيل هي تحفة كاناليتو الرائعة‪ .‬ولم يعد إلى‬
‫البندقية إل في ‪ .1755‬وظل هناك عاكفًا بهمة على عمله حتى عام ‪ 1766‬حين كان قد بلغ التاسعة والستين‪ .‬وقد كتب‬
‫بفخر على لوحته داخل كاتدرائية القديس مرقص هذه العبارة "رسمت بدون منظار"‪ )62(.‬وقد أسلم أسلوبه في القياس‬
‫الدقيق إلى ابن أخيه برناردو بللوتو كاناليتو‪ ،‬وولعه بالمناظر إلى "تلميذه الطبيب" فرانشسكو جواردي الذي ستلتقي به‬
‫ثانية‪.‬‬
‫وكما أبرز كاناليتو المنظر الخارجي للمدينة الفخمة‪ ،‬كشف بييترو لنجي عن الحياة داخل جدرانها باستخدامه أسلوب‬
‫تصوير مناظر الحياة اليومية في رسم الطبقة الوسطى‪ .‬فالسيد التي تتناول فطورها في ثوبها الفضفاض الطويل‪،‬‬
‫والب الراهب يعلم ابنها‪ ،‬وابنتها الصغيرة تدلل كلبًا لعبة‪ ،‬والخياط يعرض فستاناً‪ ،‬ومعلم الرقص يدرب السيدة على‬
‫خطوات المنويت‪ ،‬والطفال وعينهم تحملق معرض للوحوش‪ ،‬الصبايا يمرحن في لعبة "الستغماية" (الغميضة)‪،‬‬
‫والتجارة في حوانتيهم‪ ،‬والمتنكرون بالقنعة في الكرنفال‪ ،‬والمسارح‪ ،‬والمقاهي‪" ،‬والجمعيات" الدبية‪ ،‬والشعراء‬
‫يتلون أشعارهم‪ ،‬ودجاجلة الطب‪ ،‬وقارئات البخت‪ ،‬وباعة السجق والبرقوق‪ ،‬والتمشي في اليدان‪ ،‬وفريق القنص‪،‬‬
‫وجماعة صيد السمك‪ ،‬والسرة في عطلتها‪ :‬كل نشاط برجوازي يستحق الذكر هناك‪ ،‬وفي إفاضة‪ ،‬تفوق حتى ما في‬
‫كوميديات جولدوني‪ ،‬صديقي لونجي‪ .‬إنه ليس فناً عظيماً‪ ،‬ولكنه فن يشرح الصدر‪ ،‬ويرينا مجتمعاً أكثر نظامًا وتهذيباً‬
‫مما كنا نتصوره من أرستقراطي أندية القمار أو أعمال شحن السفن وتفريغها الشتامين السبابين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13217 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬تيبولو‬

‫‪ -9‬تيبولو‬
‫أما البندقي الذي أوهم أوربا لحظة أن النهضة قد عادت فهو جامباتستا تيبولو‪ .‬ومن المشاهد المألوفة في أي يوم من‬
‫أيام الصيف أن ترى موكباً من الطلب والسياح يدخلون مسكن أسقف فورتسبورخ ليرى بيت السلم والسقف اللذين‬
‫رسم تيبولو صورهما الجصية في ‪ ،53-1750‬هذه الصور هي قمة التصوير اليطالي في القرن الثامن عشر‪ .‬أو تأمل‬
‫لوحة "الثالوث يظهر للقديس كلمنت" في متحف الفن القومي بلندن‪ ،‬ولحظ تكوينها البارع‪ ،‬ورسمها الدقيق‪ ،‬وتناولها‬
‫الحاذق للضوء‪ ،‬وعمق لونها وتوهجه‪ ،‬أليس هذا قريباً لفن تتسيانو؟ ربما‪ ،‬ولول أن تيبولو قد طوف كثيراً لكان واحداً‬
‫من عمالقة التصوير‪.‬‬
‫أو لعل ثراءه هو الذي عوقه‪ .‬ذلك أنه كان آخر طفل لتاجر بندقي غني خلف ثروة كبيرة عند وفاته‪ .‬وما لبث جان‪،‬‬
‫الذي كان وسيمًا ذكياً مرحاً "أن اكتسب الزدراء الرستقراطي لكل ما هو شعبي"(‪ .)63‬وفي ‪ 1719‬حين بلغ الثالثة‬
‫والعشرين تزوج تشيشيليا أخت فرانشسكو جورادي‪ ،‬فولدت له أربع بنات وخمسة أولد‪ ،‬أصبح اثنان منهم مصورين‬
‫وعاشوا جميعًا في بين أنيق في أبرشية سانتا ترينيتا‪ .‬وكانت موهبته قد تفتحت‪ .‬ففي ‪ 1716‬عرض لوحة "تضحية‬
‫أسحق"(‪ ،)64‬وهي لوحة فجة‪ ،‬ولكنها قوية‪ ،‬ووضح أنه كان في تلك الحقبة متأثراً بفن بياتيستا‪ .‬وقد درس فيرونيزي‬
‫أيضاً‪ ،‬واتخذ أسلوب باولي في الملبس الفخمة واللوان الدافئة والخطوط الشهوانية تيبولو مواضيعه من قصة‬
‫إبراهيم‪ ،‬ولكن التناول لم يكن كتابياً تماماً‪ .‬فوجه سارة المنبعث من طوق مكشكش من أطواق عصر النهضة‪ ،‬هو‬
‫غضون وتجاعيد تكشف عن سنين أثريتين‪ ،‬ولكن الملك رياضي إيطالي له ساق فاتنة‪ .‬ويبدو أن تيبولو أحس أن في‬
‫استطاعته‪ ،‬في قرن بدأ يسخر من الملئكة والمعجزات‪ ،‬أن يسمح لمزاجه باللهو بالتقاليد المبجلة‪ ،‬وقد أتاح له رئيس‬
‫الساقفة اللطيف هذا اللهو‪ .‬ولكن كان على الفنان‬

‫صفحة رقم ‪13218 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬تيبولو‬
‫أن يكون حذراً‪ ،‬لن الكنيسة لم تزل يومها من أهم مصادر تميل المصورين في العالم الكاثوليكي‪.‬‬
‫أما المصدر الخر فكان العلمانيين أصحاب القصور التي يراد تزيينها بالصور‪ .‬وقد روى جان في قصر كازالي‪-‬‬
‫دونياني بميلن (‪ )1731‬قصة سكبيو بالصور الجصية‪ .‬ولم تكن هذه الصور معبرة عن فن تيبولو النموذجي‪ ،‬لنه لم‬
‫يكن بعد قد شكل أسلوبه المتميز‪ ،‬أسلوب الشخاص الذين يتحركون في يسر وانطلق في حيز غير محدد‪ ،‬ولكنها دلت‬
‫على براعة أثارت ضجة في شمالي إيطاليا‪ .‬ولم يحل عام ‪ 1740‬حتى اهتدى إلى موطن النبوغ في فته‪ ،‬وأنجز ما‬
‫أعتبره البعض(‪ )65‬رائعته الكبرى‪-‬وهي سقف قصر كليرنتي بميلن وبهو ولئمه‪ .‬واختار لهذه الرائعة مطايا لخياله‬
‫"أركان الرض الربعة" و "مسيرة الشمس" و "أبوللو واللهة الوثنية" وأسعده أن يترك عالم الساطير المسيحية‬
‫الكابي ويمرح على قمم أولمب حيث يستطيع استخدام اللهة اليونانية الرومانية شخوصاً في عالم متحرر من قوانين‬
‫الحركة وأغلل الجاذبية بل من قواعد الرسم الكاديمية‪ .‬لقد كان في صميمه وثنياً كأكثر الفنانين الذين يذوب قاموسهم‬
‫الدبي في حرارة مشاعره‪ ،‬ثم أن الجسم الجميل قد يكون نتاج روح قوية العزيمة قادرة على التشكيل‪ .‬ومن ثم يكون‬
‫هو ذاته واقعياً روحياً‪ .‬وراح تيبولو الن يطلق من جعبته على مدى ثلثين عاماً أرباباً وربات رافلين في غلئل من‬

‫الشاش‪ ،‬عراة في غير اكتراث‪ ،‬يسرحون ويمرحون في الفضاء‪ ،‬أو يطارد بعضهم بعضًا بين الكواكب أو يتطارحون‬
‫الغرام على وسادة من السحب‪.‬‬
‫فلما قفل إلى البندقية عاد إلى المسيحية‪ ،‬وكفرت صوره الدينية عن أساطيره الوثنية‪ .‬فرسم لمدرسة سان روكو لوحة‬
‫قماشية سماها "هاجر وإسماعيل" يلفت النظر فيها جمال الطفل النائم‪ .‬وفي كنيسة الجزواتي التي سماها الدومينكان‬
‫من جديد كنيسة "سانتا ماريا ديل روزاريو" رسم لوحة "تأسيس التسبحة" ورسم لمدرسة الرهبان الكرمليين "عذراء‬
‫جبل الكرمل" وكادت هذه الصورة تضارع تتسيانو "البشارة"‪ .‬ورسم لكنيسة القديس الفيزي ثلث‬

‫صفحة رقم ‪13219 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬تيبولو‬
‫صور‪ ،‬إحداها المسماة "المسيح حاملً الصليب" تزدحم بشخوص قوية صورت تصويراً نابضاً بالحياة‪ .‬وهكذا سدد‬
‫تيبولو دينه لعقيدة وطنه‪.‬‬
‫على أن خياله كان أكثر تحرراً على جدران القصور‪ .‬ففي قصر بربارو رسم "تمجيد فرانشسكو بربارو"‪-‬واللوحة‬
‫الن في متحف لمتربوليتا للفنون بنيويورك‪ .‬ورسم لقصر الدواج لوحة "نبتون يقدم لفينوس خيرات البحر"‪ .‬وقد‬
‫لقصر بابا دوبولي لقطتين مبهجتين للبندقية في الكرنفال‪"-‬المنويته" و"المشعوذ"‪ .‬ثم توج كل صور القصور التي‬
‫رسمها في البندقية بزخرفة قصر لبيا بصور جصية تحكي قصة أنطونيوس وكليوباترة في مشاهد بهية نفذت تنفيذاً‬
‫رائعاً‪ .‬ورسم زميل له يدعى جيرولمو منجوتسي كولونا الخلفيات المعمارية في فورة من بهاء الطراز البلديوي‪.‬‬
‫فعلى جدار ترى لقاء الحاكمين‪ ،‬وعلى الجدار المقابل وليمتهما‪ ،‬وعلى السقف حشد جامع من شخوص طائرة تمثل‬
‫بيجاسوس‪ ،‬والزمن‪ ،‬والجمال‪ ،‬والرياح التي تثيرها عفاريت نفاخة مرحة‪ .‬وفي لوحة "اللقاء" تهبط كليوباترة من‬
‫زورقها في ثياب تبهر البصار‪ ،‬تكشف عن صدر ناهد لتفتن حاكماً مرهقاً في الحكومة الثلثية‪ ،‬حتى من هذه تسقط‬
‫كليوباترة لؤلؤة غالية الثمن في خمرها‪ ،‬ويؤخذ أنطونيوس بهذا الثراء الذي ل يعبأ بشيء‪ .‬وعلى شرفة يعزف‬
‫الموسيقيون قياثيرهم ليضاعفوا الخطر مرتين والثمل ثلثاً‪ ،‬وهذه الرائعة التي تذكر بفيرونيزي وتنافسه كانت إحدى‬
‫الصور التي نسخها رينولدز في ‪.1752‬‬
‫هذا النتاج الذي تميز بالسلوب الفخم رفع تيبولو إلى قمة ترى من وراء اللب‪ .‬فأذاع الكونت فرانشكو الجاروتي‬
‫صديق فردريك وفولتير اسمه في أوربا‪ .‬وفي تاريخ مبكر (‪ )1736‬أبلغ الوزير السويدي في البندقية حكومته أن‬
‫تيبولو هو أصلح رجل يرسم القصر الملكي في استوكهولم‪" ،‬كله ذكاءً وغيرة"‪ .‬سهل المعاملة‪ ،‬يتدفق أفكاراً‪ ،‬موهوب‬
‫في اختبار اللوان الساطعة‪ ،‬سريع في عمله سرعة خارقة يرسم صورة في زمن يقل‬

‫صفحة رقم ‪13220 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬تيبولو‬

‫عما يستغرقه مصور آخر في مزج ألوانه(‪ .")66‬وكانت استوكهولم آنذاك مدينة جميلة ولكنها بدت بعيدة جداً‪.‬‬
‫وفي ‪ 1750‬جاءته دعوة أقرب‪ ،‬فقد طلب إليه كارل فيليب فون جرايفنكلو أمير فورتسبرج السقف أن يرسم صورًا‬
‫للقاعة المبراطورية لقصر الداري الذي بناه مؤخراً‪ .‬وأغرى الجر المعروض بإلحاح الفنان المسن‪ .‬فلما وصل في‬
‫ديسمبر بصحبة ابنيه دمونيكو البالغ أربعة وعشرين عاماً ولورنتسو ذي الربعة عشرة وجد تحدياً لم يتوقعه في بهاء‬
‫قاعة القصر التي صممها بلتازار نويمان‪ .‬فأني لي صورة العين وسط ذلك الضياء الباهر؟ وكان نجاح تيبولو هنا‬
‫القمة التي توجت عمله‪ .‬فقد رسم على الجدران قصة المبراطور فردريك ببروسيا (الذي كان قد ذهب في لقاء مع‬
‫بياتريس أميرة برجنديا في فورتسبرج (‪ )1156‬وعلى السقف رسم "أبوللو مصطحباً العروس"؛ هناك راح يصول‬
‫ويجول في مهرجان من الخيول البيضاء والرباب المرحين والضياء يتألق فوق ملئكة تطفوا وغيوم شفافة‪ .‬وعلى‬
‫منحدر من السقف رسم "الزفاف"‪ :‬وجوه مليحة؛ وأجسام مهيبة‪ ،‬وأغطية وأستار مزدانة بالزهر؛ وأثواب تذكر‬
‫بالبندقية أيام فيرونيزي ل بالطرز الوسيطة‪ .‬وأنشرح صدر السقف فوسع العقد ليحتوي سقف بيت السلم الكبير‬
‫ونقوش مذبحين لكاتدرائية‪ .‬وعلى طريق السلم الفخم رسم تيبولو القارات وجبل أولمب‪-‬مرتع خياله السعيد‪-‬وصورة‬
‫رائعة لبوللو إله الشمس يجوب السماوات‪.‬‬
‫وقفل جامباتستا إلى البندقية (‪ )1753‬غنياً مرهقاً‪ ،‬وترك دمنيكو ليكمل المهمة في فورتسبرج‪ .‬وما لبث أن انتخب‬
‫رئيسًا للكاديمية‪ .‬وكان فيه لطف في الطبع جعل حتى منافسيه مولعين به‪ ،‬فلقبوه (تيبوللو الطيب)‪ .‬ولم يستطع مقاومة‬
‫جميع المطالب التي تكاثرت على وقته المتضائل‪ ،‬فنحن نجده يرسم في البندقية‪ ،‬وترفيزو؛ وفيرونا‪ ،‬وبارما‪ ،‬فضلً‬
‫عن لوحة قماشية كبيرة طلبها "بلط موسكوفيا"‪ .‬وما كنا لننتظر منه في هذه الحالة أن ينتج عملً كبير آخر له ولكنه‬
‫في ‪ .1757‬حين كان في الحادية‬

‫صفحة رقم ‪13221 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬تيبولو‬
‫والستين‪ ،‬اضطلع برسم صور فيل فالمارانا قرب فيتشنتسا‪ .‬ورسم منجوتسي كولونا الطار المعماري ووقع دمنيكو‬
‫على بع الصور من المضيفة‪ ،‬أما جامباتستا فقد نشر ألوان فرشاته في الفيل ذاتها‪ .‬وأختار موضوعات من ملحم‬
‫اللياذة‪ ،‬والنياذة‪ ،‬وأورلندو الغاضب‪ ،‬والقدس المحررة‪ ،‬وأطلق العنان لخداعيته المرحة فتاه اللون في الضوء‪،‬‬
‫والمكان في اللنهاية‪ ،‬وترك أربابه ورباته يطفون على هواهم في جنة سمت فوق كل الشواغل والزمان‪.‬وقد أخذ‬
‫العجب جوته وهو يتأمل هذه الصور الخصبة فقال في دهشة‪:‬‬
‫"غاية في البهجة والجرأة"‪ ،‬وكانت هذه آخر انتصار مثير لتيبولو في إيطاليا‪.‬‬
‫وفي ‪ 1761‬طلب إليه شارل الثالث ملك أسبانيا أن يحضر ويرسم صوراً في القصر الملكي الجديد بمدريد‪ .‬وأعتذر‬
‫هذا التتسيانو المتعب بشيخوخته؛ ولكن الملك رجا مجلس شيوخ البندقية أن يستعمل نفوذه‪ .‬فانطلق على مضض مرة‬
‫أخرى مع ولدية الوفيين ونموذجه كرستينا؛ تاركاً زوجته مرة أخرى لنها كانت تحب كازينوات البندقية‪ .‬وسوف نلقاه‬
‫راكباً سقالة الرسم في أسبانيا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13222 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬

‫‪ -10‬جولدوني وجوتسي‬
‫يبرز في أدب البندقية في هذا العصر أربعة أشخاص كل اثنين منهم معاً‪ :‬أبوستولو تسينو وبييترو متاستازيو وكلهما‬
‫كاتب نصوص لوبرات كانت شعراً؛ ثم كارلو جولدوني وكارلو جوتسي اللذان اقتتل ليحل محل الكوميديا البندقية‬
‫كوميديا أصبحت مأساة جولدوني‪ .‬وقد كتب جولدوني عن الثنين الولين يقول‪:‬‬
‫"لقد أثر هذان المشهوران في إصلح الوبرا اليطالية‪ .‬فقبل مجيئهما لم يكن غير الرباب والشياطين واللت‬
‫والعجائب في هذه الملهي المنغمة‪ .‬وكانت تسينو أول من فكر في إمكان تمثيل المأساة بشعر‬

‫صفحة رقم ‪13223 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫غنائي دون ابتذال‪ ،‬وإنشادها دون أن يرهق النشاد السامعين‪ .‬وقد أنفذ فكرته بطريقة رضي عنها الجمهور رضاء‬
‫عظيماً‪ ،‬مما حقق له ولمته مفخرة كبرى(‪.")67‬‬
‫وحمل تسينو إصلحاته إلى فيينا في ‪ ،1718‬ثم اعتزل راضياً ليخلى الجو لمتاستازيو في ‪ 1730‬وعاد إلى البندقية‬
‫وعشرين عامًا من السلم‪ .‬أما متاستازيو فقد لعب دور راسين لكورنيي تسينو كما قال جولدوني‪ ،‬فأضاف الصقل إلى‬
‫القوة‪ ،‬وارتفع بالشعر الوبرالي إلى قمة لم يرتفع إليها من قبل‪ .‬وقد وضعه فولتير في مصاف كبار الشعراء‬
‫الفرنسيين؛ وعده روسو الشاعر المعاصر الوحيد الذي يصل شعره إلى القلب‪ .‬واسمه الصلي بييترو تراباسي (بيتر‬
‫كروس)‪ .‬وقد سمعه ناقد مسرحي يدعى جان فنتشنتو جرافيا يغني في الشوارع؛ فتبناه؛ وسماه من جديد متاستازيو‬
‫(وهو المقابل اليوناني لتراباسي)‪ .‬وأنفق على تعليمه‪ :‬وخلف له ثروة عند مماته‪ .‬وراح بييترو يبدد هذه الثروة في غير‬
‫تحرج‪ ،‬ثم تعاقد مع محا ٍم فرض علي شرطاً هو أل يقرأ أو يكتب بيتاً واحداً من الشعر‪ .‬ومن ثم أخذ يكتب تحت اسم‬
‫مستعار‪.‬‬
‫وفي نابلي طلب إليه المبعوث النمساوي أن يكتب غنائيات لكنتاتا؛ وألف بوريورا الموسيقى‪ ،‬وغنت الدور الرئيسي‬
‫ماريانا بورلجاريللي المشهورة يومها باسم لرومانينا‪ ،‬وسار كل شيء على ما يرام‪ .‬ودعت المغنية الكبرى الشاعر‬
‫إلى صالونها‪ ،‬وهناك التقى بليو وفنتشي وبرجوليزي وفارينللي وهاشي والساندرو ودمنيكون سكارلتي؛ وتطور‬
‫متاستازيو سريعاً في تلك الصحبة المثيرة‪ .‬ووقعت لرومانينا في غرامه وكانت في الخامسة والثلثين أما هو ففي‬
‫الثالثة والعشرين‪ .‬وخلصته من شباك المحاماة وأخذته رفيقاً مع زوجها الكيس المتسامح؛ وأوحت إليه بكتابة أشهر‬
‫نصوصه "‪ Didone Abandonata‬ديدوني المهجورة" التي لحنها إثنا عشر ملحنًا متعاقبًا بين ‪ 1724‬و ‪.1823‬‬
‫وفي ‪ 1726‬كتب "سيروي" لحبيبته وبنى عليها فنتشي وهاشي وهندل أوبرات مستقلة‪ .‬وأصبح متاستازيو الن أكثر‬
‫النصوص رواجاً في أوربا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13224 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫وفي ‪ 1730‬قبل دعوة إلى فيينا وترك لرومانينا‪ .‬وحاولت أن تلحق به‪ .‬وخاف أن يعرضه وجودها للفضيحة‪ ،‬فحصل‬
‫على أمر بمنعها من دخول الراضي المبراطورية فطعنت صدرها محاولة النتحار‪ ،‬وأخفق هذا الجهد الذي بذلته‬
‫لتلعب دور ديدو؛ ولكنها لم تعش أكثر من أربع سنين أخرى‪.‬‬
‫وعند موتها خلفت لينياسها الخائن كل ثروتها‪ .‬ولكن متاستازيو رفض قبول التركة متأثرًا بتأنيب ضميره ونزل عنها‬
‫لزوجها‪ .‬وكتب يقول "لم يعد لي أي أمل أن أوفق إلى السلوى‪ .‬واعتقد أن ما بقي لي من عمري سيكون حزينًا ل لذة‬
‫فيه"(‪ .)67‬وكان يستمع بالنصر تلو النصر في حزن حتى تقطعت حرب الوراثة النمساوية عروض الوبرا في فيينا‪.‬‬
‫وبعد ‪ 1750‬كان يكرر نفسه دون هدف‪ .‬لقد استهلك الحياة قبل موته (‪ )1782‬بثلثين عام‪.‬‬
‫طردت أوبرا الدراما التراجيدية من المسرح اليطالي كما تنبأ فولتير من قبل وتركه للكوميديا‪ .‬ولكن الكوميديا‬
‫اليطالية كانت تسيطر عليه الكوميديا ديللرتي‪-‬وهي مسرحية الحديث المرتجل والقنعة المميزة‪ .‬وكانت معظم‬
‫الشخوص قد تقويت منذ زمن طويل‪ :‬بنتالوني البرجوازي الطيب ذو السراويل‪ ،‬وتارتاجليا الخادم النابوليتاتي المتهته‪،‬‬
‫وبريجيلل الدساس الساذج الذي يقع في شرك دسائسة‪ ،‬وتروفالدينو الكول الشهواني اللطيف‪ ،‬وأرلكينو‪-‬ويقابله‬
‫هارلكوين (المهرج) عندنا‪ ،‬وبولتشنيللو‪-‬ويقابله عندنا بنش‪ ،‬وأضافت مختلف المدن والجيال مزيداً من الشخوص‪.‬‬
‫وترك معظم الحوار والكثير من الحداث في الحبكة والختراع المرتجل‪ .‬ويقول كازانوفا "كان الممثل في تلك‬
‫الكوميديا المرتجلة إذا توقف لن كلمة غابت عنه‪ ،‬لم يعفه ردوداً مؤخرة الصالة والشرفات العليا الرخيصة من صباح‬
‫السخرية والستهجان(‪.")68‬‬
‫وكانت المسارح العاملة في البندقية عادة سبعة‪ ،‬كلها مسماة بأسماء قديسين‪ ،‬ويؤمها جمهور من النظارة شائن السلوك‪.‬‬
‫فكان النبلء في‬

‫صفحة رقم ‪13225 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫مقاصيرهم ل يهمهم ما يلقونه على العامة تحتهم‪ .‬وكانت الحزاب المتخاصمة ترد على التصفيق بالصفير أو التثاؤب‬
‫أو العطس أو السعال أو الصيحات الديكة أو مواء القطط(‪ .)69‬وفي باريس كان أكثر رواد المسرح من علية القوم‪،‬‬
‫وأرباب المهن أو المثقفين والدباء‪ ،‬أما في البندقية فكانوا أساسًا من الطبقة الوسطى‪ ،‬يتخللهم هنا وهناك الغواني‬
‫المتبرجات‪ ،‬وملحو الجندولت البذيئون‪ ،‬والقساوسة والرهبان متنكرين‪ ،‬وأعضاء الشيوخ المتغطرسين في عباءاتهم‬
‫وباروكاتهم‪ .‬وكان عسيراً أن ترضى مسرحية هذه العناصر كلها في مثل هذا الخليط من البشر‪ ،‬ومن ثم نزعت‬

‫الكوميديا اليطالية إلى أن تكون مزيجًا من الهجاء والهزل ما دربوا عليه من تصوير شخصيات ثابتة‪ .‬هذا هو‬
‫الجمهور وهذا هو المسرح الذي جاهد جولدوني في رفعه إلى مكانة الكوميديا المشروعة المتحضرة‪.‬‬
‫ويسر القارئ ما كتبه في "مذكراته" من استهلل بسيط‪ ،‬قال‪" :‬ولدت في البندقية في ‪....1707‬جاءت بي أني إلى‬
‫العالم دون كبير ألم مما زاد حبها لي‪ .‬ولم تعلن مولدي صيحات كالعادة‪ ،‬وبدأ هذا اللطف آنئذ دليلً على الخلق الهادئ‬
‫الذي احتفظت به دائمًا منذ ذلك اليوم"(‪.)70‬‬
‫وكان هذا القول تفاخرًا منه ولكنه حق‪ ،‬فجولدوني من أحب الرجال في تاريخ الدب‪ ،‬وكان من بين فضائله التواضع‬
‫رغم هذا الستهلل‪-‬وهي خلة ليست في طبيعة الكتاب‪ .‬ولنا أن نصدقه إذ يقول "كنت معبود السرة" وذهب الب إلى‬
‫روما ليدرس الطب‪ ،‬ثم إلى بروجيا ليمارسه‪ ،‬وتركت الم في البندقية لتربي ثلثة أطفال‪.‬‬
‫ل نابغة‪ .‬استطاع أن يقرأ ويكتب في الرابعة‪ ،‬وألف كوميديا في الثامنة‪ .‬واقنع الب والم أن تسمح‬
‫وكان كارلو طف ً‬
‫لكارلو بالذهاب إليه والعيش معه في بروجيا‪ .‬وهناك درس الغلم على اليسوعيين‪ ،‬وتفوق ودعا النضمام إلى‬
‫الجماعة‪ ،‬ولكنه رفض‪ .‬ولحقت الم وابن آخر بالب‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13226 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫ولكن هواء الجبل البارد في بيروجيا لم يلئمها‪ ،‬فانتقلت السرة إلى ريميني‪ ،‬ثم إلى كيودجا‪ .‬ودخل كارلو دومنيكية‬
‫في ريميني‪ ،‬ثم إلى كودجا‪ .‬ودخل كالو كلية دومنيكية في ريميني‪ ،‬حيث كان يتلقى كل يوم جرعات من كتاب القديس‬
‫توما الكويني "قمة اللهوت"‪ .‬وإذ لم يجد شيئاً يثير مشاعره في تلك الرائعة من روائع العقلنية فقد قرأ أرستوفان‪،‬‬
‫وبلوتس‪ ،‬وترنس‪ ،‬فلما قدمت فرقة من الممثلين إلى ريميني انضم إليها فترة طالت إلى حد أدهش أبويه في كيودجا‪.‬‬
‫فوبخاه وعانقاه‪ ،‬ثم أرسله ليدرس القانون في بافيا‪ .‬وفي ‪ 1731‬نال درجته الجامعية وبدأ ممارسة المحاماة‪ ،‬ثم تزوج‪،‬‬
‫"وكان الن أسعد رجل في العالم"(‪ ،)71‬اللهم إل أنه أصيب بالجدري في ليلة زفافه‪.‬‬
‫وجذبته البندقية فعاد إليها‪ ،‬ونجح في المحاماة‪ ،‬وأصبح قنصلً هناك لجنوه‪ .‬ولكن المسرح ظل يستهويه‪ ،‬وهفت نفسه‬
‫للكتابة‪ ،‬واشتهى أن تخرج مسرحياته‪ .‬مثلت مسرحيته "بلزاريوس" في ‪ 24‬نوفمبر ‪ 1734‬بنجاح ملهم‪ ،‬وظلت‬
‫تعرض يومياً حتى ‪ 14‬ديسمبر‪ ،‬وضاعف سروره افتخار أمه العجوز به‪ .‬على أن البندقية لم تكن تستسيغ التراجيديا‪،‬‬
‫ففشلت مسرحياته التالية التي من هذا النوع‪ ،‬فانصرف حزيناً إلى الكوميديا‪ .‬ولكنه رفض كتابة الفارصات "الكوميديا‬
‫ديللرتي"‪ ،‬وأراد أن يؤلف كوميديات السلوك والفكار على طريقة موليير‪ ،‬وأل يعرض على خشبة المسرح شخوصاً‬
‫ثابتة تجمدت في أقنعة‪ ،‬بل شخصيات ومواقف مشتقة من الحياة المعاصرة‪ .‬واختار بعض الممثلين من فرقة كوميديا‬
‫البندقية‪ ،‬ودربهم‪ ،‬وأخرج في ‪" 1740‬مومولو" رجل البلط‪" .‬ونجحت التمثيلية نجاحاً مدهشاً‪ ،‬وكان في هذا ما‬
‫أرضاني"(‪ .)72‬ولكنه لم يرضَ تماماً‪ ،‬لنه كان قد نزل عن بعض أفكاره بتركه الحوار كله دون أن يكتبه إل للدور‬
‫الرئيسي‪ ،‬ويخلفه أدوارًا لربعة من الشخوص المقنعة التقليدية‪.‬‬
‫وراح يدفع إصلحاته خطوة خطوة‪ .‬ففي مسرحية "المرأة الشريفة" كتب لول مرة الحركة والحوار كاملين‪ .‬وهبت‬
‫فرقة معادية لتنافس‬

‫صفحة رقم ‪13227 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫تمثيلياته أو تسخر منها‪ .‬وتآمرت عليه الطبقات التي هجاها‪ ،‬مثل التشيسبي (مرافقي الزوجات) فحاربها كلها وعقد لها‬
‫النصر‪ .‬ولكن لم يكن العثور على مؤلف آخر يزود فرقته بالكوميديات المناسبة‪ .‬ومن ثم فقدت تمثيلياته هو رضاء‬
‫الجمهور لكثرة تكرارها‪ .‬وأكرهته المنافسة على أن يكن ست عشرة تمثيلية في سنة واحدة‪.‬‬
‫وبلغ أوجه في ‪ ،1752‬وأشاد ب فولتير "بوصفه موليير إيطاليا"‪ .‬ولقيت مسرحيته "للوكانديرا" (صاحبة الفندق) في‬
‫ذلك العام "نجاحاً رائعاً حتى‪.....‬فضلت على أي عمل أنجز في هذا النوع من الكوميديا"‪ .‬وقد اعتز بأنه راعي‬
‫"الوحدات الرسطاطالية في الحركة والمكان والزمان‪ ،‬وفيما عدا ذلك كلن يحكم كل تمثيلياته بواقعية‪ ،‬فيقول "إنها‬
‫ل فنية‪،‬‬
‫ل ل يتيح له أن يجعلها أعما ً‬
‫جيدة‪ ،‬ولكنها لم ترقَ بقد إلى مستوى موليير"(‪ .)73‬وكان قد تعجل في كتابتها تعج ً‬
‫فكانت ذكية البناء‪ ،‬مرحة على نحوٍ سار‪ ،‬مطابقة للحياة بوجه عام‪ ،‬ولكن أعوزها ما ميز موليير من اتساع الفكار‪،‬‬
‫وقوة الحديث‪ ،‬وبراعة العرض‪ ،‬ومن ثم ظلت على سطح الشخوص والحداث‪ .‬ومنعته طبيعة جمهوره على أن‬
‫يحاول التحليق في أجواء العاطفة أو الفلسفة أو السلوب وكان في فطرته من البشر ما منعه من سبر الغوار التي‬
‫عذبت موليير من قبل‪.‬‬
‫وقد صدم مرة أخرى على القل صدمة أخرجته عن لطفه وجرحته في الصميم‪ ،‬وذلك حين تحداه كارلو جوتسي على‬
‫مكان الصدارة المسرحية في البندقية وفاز في المعركة‪ .‬وكان هناك رجلن باسم جوتسي شاركا في الضجة الدبية‬
‫التي أثيرت في ذلك العهد‪ ،‬أحدهما جسبارو جوتسي الذي ألف تمثيليات أكثرها مقتبس من الفرنسية‪ ،‬وكان محرراً‬
‫لدورتين بارزتين وقد بدأ حركة إحياء دانتي‪ .‬أما الثاني وهو أخوه كارلو فلم يكن فيه هذا اللطف والنس‪ ،‬كان رجلً‬
‫طويل القامة وسيماً مغروراً متحفزاً للعراك على الدوام‪ .‬وكان أذكى عضو في أكاديمية جرانلليسكي "التي شنت حملة‬
‫ل من اللهجة التي استعملها‬
‫لستعمال اليطالية التسكانية النقية في الدب بد ً‬

‫صفحة رقم ‪13228 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫جولدوني في معظم تمثيلياته‪ .‬ولعله‪-‬وهو العشيق (أو المرافق الخادم) لتيودورا ريتشي‪-‬أحس بوخز موجع حين هجا‬
‫جولدوني مرافقي الزوجات هؤلء‪ .‬وقد كتب هو أيضاً "مذكرات" هي البيان المفصل للحروب التي خاضها‪ .‬وقد حكم‬
‫على جولدوني كما يرى مؤلفاً آخر فقال‪:‬‬
‫"تبينت في جولدوني وفرة من الدوافع الكوميدية‪ ،‬والصدق والطبيعية‪ .‬ولكني اكتشفت فيه فقراً وحقارة في الحبكة‪،‬‬
‫وهذه محاسن ومساوئ متنافرة‪ ،‬والمساوئ كثيراً ما تكون الغالبة‪ ،‬ثم هناك عبارات سوقية ذات توريات‬
‫منحطة‪...‬ونتف وأقوال فيها تنطع‪ ،‬مسروقة ل أدري من أين أو مجلوبة لتخدع جمهورًا من الجهال‪ ،‬وأخيرًا فهو‬
‫بوصفه كاتبًا لليطالية (إل أنه يكتب باللهجة البندقية التي دل على تمكنه منها) لم يب ُد غير جدير بأن يوضع في مصاف‬
‫أغبى المؤلفين الذين استخدموا لغتنا وأحقرهم وأقلهم دقة وصواباً‪...‬وعلي أن أضيف في الوقت ذاته أنه لم يخرج قط‬
‫تمثيلية دون أن يكون لها سمة كوميدية ممتازة‪ .‬وقد بدا لعيني أن له دائماً مظهر رجل ولد بإحساس فطري بالطريقة‬
‫التي يجب أن تؤلف بها الكوميديات الصلية‪ ،‬ولكنه‪-‬لعيب في تعليمه‪ ،‬ولفتقار إلى التمييز‪ ،‬ولضرورة إرضاء‬
‫الجمهور وتقديم بضاعة جديدة للكوميديين المساكين الذين يكسب قوتهم على حسابهم‪ ،‬وللعجلة التي كان ينتج بها هذا‬

‫العدد الوفير من التمثيليات كل سنة ليقي نفسه من الغرق‪-‬أقول أنه لهذا كله لم يستطع قط أن يبتكر تمثيلية واحدة ل‬
‫تزخر بالغلط(‪.")74‬‬
‫وفي ‪ 1757‬أصدر جوتسي ديوان شعر يعرب عن انتقادات مماثلة في "أسلوب كبار كتاب التسكانية القدامى"‪ .‬ورد‬
‫جولودوني بشعر مثلث القافية (على طريقة دانتي) بما معناه أن جوتسي أشبه بالكلب الذي ينبح القمر (‪Come il‬‬
‫‪)Cane Che Abbaja la luno‬‬
‫ورد عليه جوتسي بالدفاع عن "الكوميديا ديللرتي" ضد انتقادات جولدوني القاسية‪ ،‬واتهم جولدوني بأن تمثيلياته‬
‫تفوق كوميديا القنعة مائة مرة في فجورها ونبوها وعدوانها على مكارم الخلق‪ ،‬وصنف معجم من "العبارات‬
‫الغامضة‪ ،‬والتوريات البذيئة وغيرها من القذارات"‬

‫صفحة رقم ‪13229 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬
‫أخذها من أعمال جولدوني‪ .‬يقول مولمنتي أن الجدل "أثار في المدينة ضرباً من الهوس‪ ،‬فكان الخلف يناقش في‬
‫المسارح والبيوت والحوانيت والمقاهي والشوارع(‪.")75‬‬
‫وتحدى كاتب مسرحي آخر يدعى (أباتي كياري) جوتسي أن يكتب تمثيلية خيرًا من التمثيليات التي ندد بها‪ ،‬وكان هذا‬
‫الكاتب قد لدغه من قبل صل جوتسي التسكاني‪ .‬ورد جوتسي أن هذا يسير عليه‪ ،‬حتى عن أتفه المواضيع وباستخدام‬
‫كوميديا القنعة التقليدية دون غيرها‪ .‬وفي يناير ‪ 1761‬أخرجت فرقة في تياترو سان صمويلي تمثيليته المسماة‬
‫"خرافة حب البرتقالت الثلثة" وهي مجرد سيناريو أظهر بتالوني‪ ،‬وترتاجليا‪ ،‬وغيرهما من أصحاب (القنعة)‬
‫يبحثون عن ثلث برتقالت يعتقد أن لها قدرات سحرية‪ ،‬وأما الحوار فترك للرتجال‪ .‬وكان نجاح هذه (الخرافة)‬
‫حاسماً‪ :‬ذلك أن الجمهور البندقي العائش على الضحك استطاب خيال القصة والهجاء الضمني لحبكات كياري‬
‫وجولدوني‪ .‬وأردفها جوتسي بتسع (خرافات) أخرى في خمس سنوات‪ ،‬ولكن قدم فيها حواراً شعرياً‪ ،‬وبهذا سلم جزئياً‬
‫بنقد جولدوني للكوميديا ديللرتي‪ .‬على أية حال بدا انتصار جوتسي كاملً‪ .‬وظل جمهور مسرح القديس صموئيل‬
‫شيدي القبال عليه‪ ،‬في حين هبط القبال على مسرح جولدوني (سانت أنجيلو) إلى ما يقرب من الفلس‪ .‬وانتقل‬
‫كياري إلى بريشا‪ ،‬أما جولدوني فقبل دعوة إلى باريس ‪.‬‬
‫وتوديعاً للبندقية أخرج جولدوني (‪" )1762‬أمسية من أمسيات الكرنفال الخيرة" وتروي قصة مصمم منسوجات هو‬
‫السنيور انتسوليتو الذي كان على وشك أن يفارق وهو حزين في البندقية النساجين الذين طالما زود أنوالهم بالرسوم‪.‬‬
‫وسرعان ما تبين الجمهور في هذا رمزاً للكاتب المسرحي الذي يترك آسفاً الممثلين الذين طالما زود مسرحهم‬
‫بالتمثيليات‪ .‬فلما ظهر انتسوليتو في المشهد الخير ضج المسرح (كما يقول جولدوني) "بتصفيق‬

‫صفحة رقم ‪13230 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬جولدوني وجوتسي‬

‫كهزيع الرعد تسمع خلله هتافات‪(...‬رحلة سعيدة) (عد إلينا ثانية) (ل يفتك أن تعود إلينا)(‪ .")76‬وغادر البندقية في‬
‫‪ 15‬إبريل ‪ 1762‬ولم يرها بعد ذلك قط‪.‬‬
‫وفي باريس شغل عامين بتأليف كوميديات لمسرح اليطاليين‪ ،‬وفي ‪ 1763‬رفعت إليه دعوى إغواء(‪ ،)77‬ولكن بعد‬
‫سنة كلف بتعليم اليطالية لبنات لويس الخامس عشر‪ .‬وقد كتب بالفرنسية‪ ،‬بمناسبة زفاف ماري أنطوانيت والمير‬
‫الذي أصبح فيما بعد لويس السادس عشر‪ ،‬مسرحية من أفضل مسرحياته‪ ،‬واسمها (الجلف الخير) وكوفئ عليها‬
‫بمعاش قدره ‪ 1200‬فرنك‪ ،‬ألغته الثورة حين بلغ الحادية والثمانين‪ .‬وقد واسى فقره بإملء مذكراته لزوجته (‪-)1792‬‬
‫وهي مذكرات غير دقيقة‪ ،‬خصبة الخيال‪ ،‬مثيرة‪ ،‬مسلية‪ ،‬وفي رأي جولدوني أنها (درامية على نحو أصدق من‬
‫كوميدياته اليطالية(‪ ،))78‬ومات في ‪ 6‬فبراير ‪ .1793‬وفي ‪ 7‬فبراير‪ ،‬بناء على اقتراح قدمه الشاعر ماري‪-‬جوزف‬
‫دشنييه‪ ،‬رد إليه المؤتمر الوطني معاشه‪ .‬وإذ لم يجده المؤتمر في حال تسمح له بتسلمه‪ ،‬فقد أعطاه لرملته بعد أن‬
‫خفضه‪.‬‬
‫كان انتصار جوتسي في البندقية قصير الجل‪ .‬فقبل أن يموت (‪ )1806‬بسنين طويل اختفت (خرافاته) من خشبة‬
‫المسرح‪ ،‬وبعثت كوميديات جولداني في مسارح إيطاليا‪ .‬وما زالت تمثل عليها في كثرة تكاد كوميديات موليير في‬
‫فرنسا‪ .‬ويقوم تمثاله في الكامبوسان بارتولوميو بالبندقية‪ ،‬وفي اللرجو جولدوني (بفلورنسة)‪ .‬ذلك لن النسانية كما‬
‫كتب في مذكراته واحدة في كل مكان‪ ،‬والحسد يعلن عن نفسه في كل مكان‪ ،‬وفي كل مكان يكسب الرجل الهادئ‬
‫الطبع في النهاية محبة الشعب وييلي خصومه(‪.")79‬‬

‫صفحة رقم ‪13231 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬

‫‪ -11‬روما‬
‫في جنوبي نهر بو‪ ،‬وعلى طول الدرياتيك وعبر البنين‪ ،‬كانت تقوم وليات الكنيسة‪-‬فيرارا وبولونيا وفورلي ورافنا‬
‫وبروجه وبتفنتو وروما‪-‬فتكون بهذا القسم الوسط والكبر من الحذاء السحري‪.‬‬
‫أما فيرار فحين أدمجت في الوليات البابوية (‪ )1598‬جعل الدوق آل استنسي مودينا مقراً لهم‪ ،‬وجمعوا فيها‬
‫محفوظاتهم وكتبهم وفنونهم‪ .‬وفي ‪ 1700‬أصبح لودفيكو موراتوري القسيس والباحث وفقيه القوانين أميناً على هذه‬
‫الكنوز‪ .‬واستطاع خلل خمسة عشر عامًا من العمل الدءوب‪ ،‬ومن ثماني وعشرين مجلداً‪ ،‬أن يصنف "كتاب الشؤون‬
‫اليطالية" (‪ ،)38-1723‬وأضاف بعد ذلك عشرة مجلدات للثار والنقوش اليطالية‪ .‬وكان أثريًا أكثر منه مؤرخاً‪ ،‬وما‬
‫لبث كتابه "الحوليات اليطالية" الذي أصدره في اثني عشر مجلداً أن تقادم‪ ،‬ولكن أبحاثه في الوثائق والنقوش جعلته‬
‫الب والمصدر للتأليف التاريخي الحديث في إيطاليا‪.‬‬
‫وكانت بولونيا أكثر هذه الوليات ازدهارًا باستثناء روما‪ .‬وظلت مدرسة تصوريها الشهيرة حية في عهد جوزيبي‬
‫كرسبي (السباني)‪ ،‬وكانت جامعتها ل تزال من خير الجامعات الوربية‪ .‬وكان قصر بفيلكو (‪ )1749‬من أعظم‬
‫أبنية القرن أناقة‪ .‬وسمت أسرة ممتازة تركزت في بولونيا بالعمارة والمسرحية ورسم المناظر المسرحية إلى ذرى‬
‫التقان في العصور الحديثة‪ .‬فبنى فرديناندو جاللي داببيينا (التياترو ريالي) في مانتوا (‪ )1731‬وكتب نصوصًا شهيرة‬
‫عن فنه‪ ،‬وأنجب ثلثة أبناء واصلوا مهارته في الزخرفة الخداعة الفاخرة‪ .‬وصمم أخوه فرانشسكو المسارح في فيينا‬

‫ونانسي وروما‪ ،‬والتياترو فيلرمونيكا بفيرونا‪-‬الذي كثيرًا ما يعتبر أجمل مسرح في إيطاليا‪ .‬وأصبح الساندرو بن‬
‫فرديناندو كبير معماريي ناخب البلتينات‪ .‬وصمم ابن ثان يدعى جوزيبي مدخل دار الوبرا في بايرويت (‪-)1748‬‬
‫أجمل بناء موجود من نوعه(‪ .)80‬ورسم أنطونيو البن الثالث تصميمات "التياترو كومونالي" في بولونيا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13232 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫وقد ترددت في ذلك المسرح وفي كنيسة سان بترونيو القديمة الضخمة أفضل الموسيقى اللية التي عزفت في إيطاليا‪،‬‬
‫لن بولونيا كانت المركز اليطالي الرئيسي للتعليم والنظرية الموسيقيين‪ .‬فهناك كان بادري جوفاني باتستا مارتيني‬
‫يعقد مجلسه المتواضع الصارم كأجل معلم للموسيقى في أوربا‪ .‬وكان يقتني مكتبة موسيقية تضم سبعة عشر ألف‬
‫مجلد‪ ،‬وقد ألف نصوصاً ممتازة من الكونترابنت وتاريخ الموسيقى‪ ،‬وأرسل عشرات من مشاهير الرجال في أكثر من‬
‫عشر دول‪ .‬وكان وسام الكاديمية فيلرومونيكا التي ترأسها سنين كثيرة مشتهى جميع الموسيقيين‪ .‬فإلى هنا سيأتي‬
‫الصبي موتسارت ‪ 1770‬ليواجه الختبارات المقررة‪ ،‬وهنا سيعلم روسيني ودونيتستي‪ .‬وكان المهرجان السنوي‬
‫للمؤلفات الموسيقية الجديدة‪ ،‬التي يؤديها أوركسترا الكاديمية ذو المئة عازف‪ ،‬في نظر إيطاليا الحدث العظم للسنة‬
‫الموسيقية‪.‬‬
‫قدر جيبون سكان روما في ‪ 1740‬بنحو ‪ 156.000‬نسمة‪ .‬وحين تذكر زهوة ماضيها المبراطوري وتناسى فقراء هذا‬
‫الماضي وأرقاءه‪ ،‬وجد أن سخر العاصمة الكاثوليكية يجافي ذوقهم‪:‬‬
‫"في داخل السواق الوريلية الفسيحة تغشي القسم الكبر من التلل السبعة الكروم والطلل‪ .‬ولعل جمال المدينة‬
‫الحديثة وبهاءها راجع إلى مفاسد الحكومة وتأثر الخرافة‪ .‬فقد تميز كل حكم (إل فيما ندر) بصعود أسرة جديدة صعوداً‬
‫سريعاً‪ ،‬أثرت بفضل الخير الذي ل عقب له على حساب الكنيسة والدولة‪ .‬وقصور أبناء الخوة والخوات المحظوظين‬
‫هؤلء هي أغلى صروح الناقة العبودية‪ ،‬فقد سخرت لها أسمى فنون المعمار والتصوير والنحت‪ ،‬وأبهاؤها وحدائقها‬
‫تزينها أنفس الثار القديمة التي جمعوها تذوقاً أو غروراً(‪.")81‬‬
‫وقد تميز باباوات هذا العهد بسمو الخلق‪ ،‬وكانت فضائلهم تسمو كلما هبط سلطانها‪ .‬وكانوا كلها إيطاليين‪ ،‬لن أحدًا من‬
‫الملوك الكاثوليك أبى أن يسمح لي من الخرين أن يقتضي البابوية‪ .‬وقد برر كلمن الحادي عشر (حكم ‪)21-1700‬‬
‫اسمه (ومعناه الرحيم) بإصلحه سجون روما‬

‫صفحة رقم ‪13233 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫أما إنوسنت الثالث عشر (‪ )24-1721‬فهو في رأي رانكي البروتستنتي‪:‬‬

‫"كان يملك مؤهلت رائعة للحكم الروحي والزمني معناً‪ ،‬ولكن صحته كانت هشة جدة‪..‬وقد وجدت السر الرومانية‬
‫المتصلة به بصلة القرابة‪ ،‬والتي راودها المل في أن يرفع من شانها‪ ،‬أنها واهمة كل الوهم‪ :‬ل بل إن ابن أخيه لم‬
‫يستطع الظفر بالثنتي عشر ألف دوقاتية كل عام (التي أصبحت الن الدخل العادي لبن الخ) دون مشقة(‪.")82‬‬
‫أما بندكت الثالث عشر (‪ )30-1724‬فكان "رجلً ذا تقوى شخصية عظيمة(‪ .")83‬ولكنه (كما قال مؤرخ كاثوليكي)‬
‫سمح بقدر كبير جدًا من السلطة لمحاسيب غير جديرين بعطفه(‪ .")84‬وأغرق كلمنت الثالث عشر (‪ )40-1730‬روما‬
‫بأصدقائه الفلورنسيين‪ ،‬وسمح لنفسه حين شاخ وكف بصره أن ينقاد لبناء أخيه الذين زاد تعصبهم الصراع بين‬
‫اليسوعيين والجانسنيين في فرنسا مرارة فوق مرارة‪.‬‬
‫وفي رأي ماكولي أن بندكت الرابع عشر (‪" )58-1740‬كان أفضل وأحكم خلفاء القديس بطرس المائتين والخمسين(‬
‫‪ ")85‬وهو حكم فضفاضي‪ ،‬ولكن البروتستانت والكاثوليك وغير المؤمنين على السواء مجمعون على الثناء على‬
‫بندكت لنه كان رجلً واسع العلم‪ ،‬ذا شخصية محببة ونزاهة خلقية‪ .‬ولم يرَ وهو رئيس لساقفة بولونيا أي تناقض بين‬
‫الختلف إلى دار الوبرا ثلث مرات في السبوع والهتمام الصارم بواجبات السقفية(‪ ،)86‬وقد وفق أثناء وليته‬
‫منصب البابوية بين حياته الشخصية ومرح الطبع وتحرر الحديث وتذوق الدب والفن تذوقاً يكاد يكون وثنياً‪ .‬وقد‬
‫أضاف تمثالً لفينوس عارية إلى مجموعته‪ ،‬وقال للكردينال دتنسان أن أمير وأميرة فورتمبرج خطا أسميهما على‬
‫جزء من التشريح جميل الستدارة ل يذكر كثيراً في المراسلت البابوية(‪ .)87‬وكاد يشبه فولتير في حدة الذكاء‬
‫والظرف‪ ،‬ولكن هذا لم يمنعه من أن يكون إدارياً حازماً ودبلوماسيًا بعيد النظر‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13234 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫وقد وجد مالية البابوية تشكو الفوضى‪ :‬فنصف اليرادات يضيع في النتقال من بلد إلى بلد وثلث سكان روما كنسيون‬
‫يفوق عددهم كثيراً ما تحتاج إليه شؤون الكنيسة‪ ،‬ويكلفونها من النفقة ما ل تطيقه‪ .‬فأنقص بندكت موظفيه الشخصيين‪،‬‬
‫وطرد أكثر جنود الجيوش البابوية‪ ،‬وأنهى محسوبية القارب‪ ،‬وخفض الضرائب‪ ،‬وأدخل الصلحات الزراعية‪،‬‬
‫وشجع المشروعات الصناعية‪ ،‬ولم يمر طويل وقت حتى أثمرت أمانته واقتصاده وكفاءته فائضاً للخزانة البابوية‪ .‬أما‬
‫سياسته الخارجية فقد قدمت تنازلت ودية للملوك المشاغبين‪ ،‬فوقع مع سردينيا والبرتغال ونابلي وأسبانيا اتفاقات‬
‫سمحت لحكامها الكاثوليك بالترشيح لكراسي السقفية‪ .‬وجاهد ليهدئ الضجة العقائدية في فرنسا‪ ،‬بالتراخي في تنفيذ‬
‫المر البابوي ‪( Unigenitus‬الوحيد الجنس) الصادر ضد الجانسنيين‪" ،‬ماد اللحاد يزداد كل يوم فعلينا أن نسأل إن‬
‫كان الناس يؤمنون بال ل إن كانوا يقبلون المر البابوي(‪.")88‬‬
‫وبذل جهوداً شجاعة ليعثر على حل وسط مؤقت ‪ Modus Vivendi‬مع حركة التبرير‪ .‬وقد لحظنا تقبله الودي‬
‫لهداء فولتير مسرحية (محمد) إليه رغم أن المسرحية كانت تسلط عليها نيران الكنيسة في باريس (‪ .)1746‬وعين‬
‫لجنة لمراجعة كتاب الصلوات اليومية ولتخليصه من بعض الساطير البعد تصديقاً‪ ،‬على أن توصيات اللجنة لم تنفذ‪.‬‬
‫واستطاع بنشاطه الشخصي أن يحقق انتخاب دالمبير بمجمع بولونيا(‪ .)89‬وكان يثبط التحريم المتعجل للكتب‪ .‬فلما‬
‫أشار بعض مساعديه عليه بشجب كتاب لمتري "النسان اللة" أجاب أليس من واجبكم أن تكفوا عن إبلغي‬
‫بوقاحات الحمقى؟ "اعلموا أن للبابا يداً مطلقة ليمنح البركات فقط(‪ ")90‬وقد تخلت قائمة الكتب المحرمة التي أصدرها‬
‫في ‪ 1758‬عن جميع محاولت تعقب المؤلفات غير الكاثوليكية‪ .‬واقتصرت‪-‬فيما عدا استثناءات قليلة‪-‬على خطأ بعض‬
‫الكتب التي ألفها كتاب كاثوليك‪ .‬وأمر بأل يدان كتاب قبل أن يعطى مؤلفه إن وجد فرصة للدفاع عن نفسه‪ ،‬ول يدان‬
‫كتاب في موضوع علمي إل بعد استشارة الخبراء‪ .‬وينبغي أن يؤذن لرجال العلم أو الدرس دون‬

‫صفحة رقم ‪13235 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫إبطاء بقراءة الكتب المحرمة(‪ .)91‬واتبعت هذه القواعد في طبعات القائمة الثالثة‪ ،‬وأكدها ليو الثالث عشر في ‪.1900‬‬
‫وقد ألفى الباباوات حكم روما عسيراً عسر يقرب من عسر حكم العامل الكاثوليكي‪ .‬ولعل جمهور المدينة كان أشد‬
‫الجماهير فظاظة وعنفاً في إيطاليا وربما في أوربا‪ .‬فأي سبب يمكن أن يفضي إلى مبارزة بين النبلء أو إلى صراع‬
‫دامٍ بين الزمر المتحزبة التي قسمت المدينة المقدسة‪ .‬وأما في المسرح فإن حكم النظارة كان يمكن أن يكون قاسيًا ل‬
‫ل عليه في حالة برجوليتزي‪ .‬وجاهدت الكنيسة لتهدئ الشعب بالعياد‬
‫رحمة فيه خصوصًا إذا أخطأ‪ ،‬وسنرى مثا ً‬
‫والمواكب والغفرانات والكرنفال‪ ،‬وسمحت للناس في اليام الثمانية السابقة للصوم الكبير بأن يرتدوا ملبس تنكرية‬
‫مرحة غريبة الشكال‪ ،‬وأن يسرحوا ويمرحوا على (الكورسو) والتمس النبلء رضى الجماهير باستعراضاتهم على‬
‫الخيل أو العربات تحمل راكبين مهرة أو نساء حساناً في أبها زينة‪ ،‬وعرضت البغايا بضاعتهم لقاء أجور رفعتها‬
‫مؤقتاً‪ ،‬وخففت المغازلت المقنعة من ثقل الزواج الحادي بضع ساعات‪ .‬فإذا انقضى الكرنفال عاودت روما مسيرتها‬
‫المتناقضة من التقوى والجرام‪.‬‬
‫أما الفن فلم يزدهر وسط العائدات المتناقضة التي يغلها إيمان مضمحل‪ .‬لقد أسهمت العمارة ببعض السهامات‬
‫الصغيرة‪ :‬مثال ذلك أن الساندرو جاليلي أضاف لكنيسة جان جوفاني القديمة في اللتيرانو واجهة فخمة‪ ،‬وخلع‬
‫فرديناند وفوجا على كنيسة سانتا ماريا مادجوري وجهًا جديداً‪ ،‬وشيد فرانشسكو دي سانكتيس "السكال دي سبانيا‬
‫الفسيحة المهيبة من ميدان أسبانيا إلى مزار "الثالوث القدس" في مونتني‪ .‬وأضاف النحت أثراً مشهوراً هو "الفونتانا‬
‫دي تريفي"‪-‬حيث يلقى السائح المسرور قطعة نقود من وراء كتفه في الماء ليضمن عودته لزيارة روما ثانية‪ .‬وكان‬
‫لنافورة المخارج الثلثة تاريخ طويل‪ .‬ولعل برتيتي ترك رسمًا تخطيطيًا لها‪ ،‬وافتتح كلمنت الثاني عشر مسابقة‬
‫لنشائها‪ ،‬وقدم التصميمات لها أدمي بوشاردان الباريسي ولمبير سجبير آدم النانسي‪ ،‬واختير جوفافي مايني‬
‫ليصممها‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13236 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫ونحت بييترو براتشي مجموعة نبتون وفريقه الوسطي (‪ ،)1732‬ونحت فليبو ديللفاللي تمثل الخصوبة والشفاء‪ ،‬وقد‬
‫نيكولو سالقي الخلفية المعمارية‪ ،‬وأكمل جوزيبي يانيني العمل في ‪ ،1762‬وربما أوحت مشاركة العقول واليدي‬
‫الكثيرة على هذا النحو خلل ثلثين سنة بأنه هناك شيء من التخاذل في الرادة أو الفقر في الموارد‪ ،‬ولكنها تدحض‬
‫أي فكرة بأن الفن في روما كان ميتاً‪ .‬وأضاف براتشي إلى مآثره مقبرة (هي الن في كاتدرائية القديس بطرس) لماريا‬
‫كلمنتينا سوبيسكا‪ ،‬الزوجة التعسة لجيمس الثالث المطالب الستيوراني بالعرش‪ ،‬وخلف دللفاللي في كنيسة القديس‬
‫أغناطويس نقشاً بارزاً رقيقًا يمثل البشارة‪ ،‬جديراً بالنهضة الوربية في أوجها‪.‬‬

‫أما التصوير فلم يتمخض عن عجائب في روما في هذا العصر‪ ،‬ولكن جوفافي باتستا بيرانيزي جعل الحفر فنًا من‬
‫الفنون الكبرى‪ .‬ولد لبناء بالحجر قرب البندقية‪ ،‬وقرأ باللديو وحلم بالقصور وأضرحة القديسين‪ .‬على أن البندقية‬
‫كانت تحوي من الفنانين أكثر مما تحوي من المال‪ ،‬أما روما فكان فيها مال أكثر من الفنانين‪ ،‬ومن ثم نزح جوفاني‬
‫إلى روما وبدأ عمله معمارياً‪ .‬غير أتن الكلب على المباني كان ضعيفاً‪ .‬ولكنه صمم المباني على أي حال‪ ،‬أو على‬
‫أصح رسم مباني غريبة الشكال تبدو كأن "السللم السبانية" سقطت فوق "حمامات دقلديانوس"‪ .‬ونشر هذه الرسوم‬
‫في ‪ 1750‬باسم "رسوم مختلفة" و"كارتشيري" (المسجون)‪ ،‬واشتراها الناس كأنهم يشترون اللغاز أو السرار‬
‫الغامضة‪ .‬ولكن بيرانيزي وجه مهارته في حالته النفسية النبل إلى حفر رسومه التخطيطية للثار القديمة‪ .‬فقد عشقها‬
‫كما عشقها بوسان وروبير‪ ،‬وأحزنه أن يرى هذه الطلل الرائعة تزداد تحللً يومًا بعد يوم بفعل النهب أو الهمال‪،‬‬
‫وظل طوال خمسة وعشون عاماً‪ ،‬في كل يوم تقريباً‪ ،‬يخرج ليرسمها‪ ،‬وفوته أحياناً تناول وجباته من الطعام‪ ،‬بل أنه‬
‫حتى وهو يموت من السلطان واصل الرسم والنقش والحفر‪ .‬وقد ذاع مؤلفاه "الثار الرومانية" و"مناظر‬

‫صفحة رقم ‪13237 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫روما" في شكل نسخ مطبوعة في أوربا كلها وشاركت في الحياء المعماري للساليب الكلسيكية‪.‬‬
‫وقد وجد ذلك الحياء حافزاً قوياً من الحفائر التي أجريت في هركولنيوم وبومببي وهما أغرقهما ثوران فيزوف في‬
‫‪79‬م ففي ‪ 1719‬أبلغ بعض الفلحين أنهم وجدوا تماثيل مدفونة في التراب في هركولنيوم‪ .‬وأقضت تسعة عشر عاماً‬
‫قبل أن يمكن الحصول على المال اللزم لرتياد الموقع على نحو نسقي‪ .‬وفي ‪ 1748‬بدأت حفائر مماثلة تكشف عن‬
‫عجائب بومبيي الوثنية‪ ،‬وفي ‪ 1752‬كشف عن معابد بايستوم الضخمة الجليلة بعد اجتثاث الجمة التي غطتها‪ .‬وأقبل‬
‫الثريون من شتى البلد ليدرسوا الكشوف ويصفوها‪ ،‬وأثارت رسوم هذه الثار اهتمام الفنانين والمؤرخين جميعاً‪،‬‬
‫وسرعان ما غزا المتحمسون للفن الكلسكي روما ونابلي‪ ،‬وقدموا على الخص من ألمانيا‪ .‬فأتى منجز في ‪،1740‬‬
‫وفنكلمان في ‪ .1755‬وهفت نفس لسنج للذهاب إلى روما‪" ،‬لمكث هناك على القل سنة‪ ،‬وإلى البد أن أمكن"(‪.)92‬‬
‫ثم جوته‪-‬ولكن لنرجي هذه القصة الن‪.‬‬
‫إما انطون رفائيل منجر فمن العسير أن نضعه في مكان واحد‪ ،‬لنه ولد في بوهيميا (‪ ،)1728‬وخص بجهوده إيطاليا‬
‫وأسبانيا‪ ،‬واختار روما موطناً له‪ .‬وسماه باسم كوريدجو ورفائيل‪ ،‬وكان رساماً للنمنمات في درسدن‪ ،‬ونذره للفن‪،‬‬
‫وظهرت على الصبي مخايل النجابة فأخذه أبوه وهو في الثانية عشرة إلى روما‪ .‬ويروى أنه حبسه هناك في الفاتيكان‬
‫يومًا بعد يوم ول غداء له إل النبيذ والخبز‪ ،‬وأخبره أن أراد مزيداً أن يطعم على آثار رفائيل وميكل أنجيلو والعالم‬
‫الكلسيكي‪ .‬وبعد أن أقام أنطون برهة قصيرة في درسدن عاد إلى روما واسترعى النظار بلوحة رسمها للعائلة‬
‫المقدسة‪ ،‬وكانت نموذجه فيها مارجاريتا جواتسي "عذراء فقيرة فاضلة جميلة"(‪ )93‬وتزوجها في ‪ ،1749‬وفي‬
‫المناسبة ذاتها دخل في المذهب الكاثوليكي الروماني‪ .‬وعاد ثانية إلى درسدن‪ ،‬وعين مصوراً لبلد أوغسطس الثالث‬
‫براتب قدره ألف طالر في العام‪ .‬ووافق‬

‫صفحة رقم ‪13238 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬روما‬
‫على أن يرسم لوحتين لكنيسة بدرسدن‪ ،‬ولكنه أقنع الملك الغاضب بأنه يسمح له برسمها في روما‪ ،‬وفي ‪ 1752‬استقر‬
‫هناك وهو بعد في الرابعة والعشرين‪ .‬ولما بلغ السادسة والعشرين عين مديراً لمدرسة الفاتيكان للتصوير‪ .‬وفي ‪1755‬‬
‫التقى بفنكلمان‪ ،‬واتفق معه على أن الباروك غلطة؛ وأن الفن يجب أن يطهر نفسه ويهذبها بأشكال الكلسيكية الجديدة‪.‬‬
‫ولعله في هذه الفترة أو نحوها رسم بالباستل صورته الذاتية الموجودة الن في متحف فن درسدن‪-‬وجه فتاة وشعرها‪،‬‬
‫ولكن العينين تلمعان بكبرياء رجل واثق من أن في استطاعته أن يهز العالم‪.‬‬
‫وحين طارد فردريك الكبر أوغسطس من سكسونيا (‪ )1756‬توقف راتب منجز الملكي‪ ،‬وكان عليه أن يعيش على‬
‫الجور المتواضعة المعروضة عليه في إيطاليا‪ .‬وجرب العمل في نابلي‪ ،‬ولكن الفنانين المحليين هددوا حياته باعتباره‬
‫دخيلً‪ ،‬وذلك عملً بتقليد نايولتاني قديم‪ ،‬فقفل منجز إلى روما سريعاً‪ .‬وزين فيلل ألباني بصورة جصية حظيت‬
‫بالشهرة ذات يوم‪،‬وما زالت ترى هناك لوحته "برناس" (‪ )1761‬الممتازة فنياً‪ ،‬الكلسيكية هدوءاً‪ ،‬الميتة عاطفياً‪ .‬ومع‬
‫ذلك أحس الوزير السباني في روما أن هذا هو الرجل الذي يصلح لرسم صور يزدان بها القصر الملكي في مدريد‪.‬‬
‫وأرسل شارل الثالث في طلب منجز ووعده بألفي دبلون في العام مضافاً إليها مسكن ومركبة ورحلة مجانية على‬
‫بارجة أسبانية موشكة على القلع من نابلي‪ .‬وفي سبتمبر ‪ 1761‬وصل منجز إلى مدريد‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13239 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬

‫‪ -12‬نابلي‬

‫أ‪ -‬الملك والشعب‬
‫أصابت مملكة نابلي التي ضمت كل إيطاليا جنوب الوليات البابوية اللطمات الشديدة في الصراع على السلطة بين‬
‫النمسا وأسبانيا وإنجلترا وفرنسا‪ .‬ولكن هذا دأب التاريخ في تمزيقه الكئيب للمنطق‪ ،‬والتأرجح الدامي بين النصر‬
‫والهزيمة‪ ،‬وحسبنا هنا أن نلحظ أن النمسا استولت علل نابلي في ‪،1707‬‬

‫صفحة رقم ‪13240 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫وأن دوس كارلوس‪ ،‬دوق بارما البوربوني وابن فليب الخامس ملك أسبانيا‪ ،‬طرد النمساويين في ‪ ،1734‬وحكم حتى‬
‫‪ 1759‬باسم شارل الرابع ملك نابلي وصقلية‪ .‬وكانت عاصمته التي ضمت ‪ 300.000‬من النفس أكبر مدينة في‬
‫إيطاليا‪.‬‬
‫وبلغ شارل النضج في فن الملك ببطء‪ .‬ففي أول عهده اتخذ الملكية جوازاً للبذخ‪ :‬فأهمل شؤون الحكومة‪ ،‬وأنفق نصف‬
‫أيامه في القنص‪ ،‬وأسرف في الكل حتى أصبح بديناً‪ .‬ثم حوالي ‪ ،1755‬وبوحي من وزير العدل والشؤون الخارجية‬
‫المركيز برناردو دي تانوتشي اضطلع بالتخفيف من مظالم تلك القطاع القاسي الذي توارى خلف كد الحياة النابولية‬
‫ونشوتها‪.‬‬
‫وكانت تحكم المملكة طويلً ثلث جماعات متشابكة‪ .‬فالنبلء يملكون ثلثي الرض تقريباً ويستعبدون أربعة أخماس‬
‫المليين الخمسة الذين يسكنونها ويسيطرون على البرلمان‪ ،‬ويتحكمون في نظام الضرائب‪ ،‬ويعرقلون كل إصلح‪.‬‬
‫والكليروس يملكون ثلث الرض‪ ،‬ويسترقون الشعب روحياً بلهوت قوامه الرعب‪ ،‬وكتاب حافلة بالساطير‪،‬‬
‫وشعائر تستغل المصلين‪ ،‬ومعجزات على شاكلة تسبيحهم المصطنع كل نصف سنة لدم القديس ياتيوراس (حامي‬
‫نابلي) المتخثر‪ .‬وكانت الرادة في يد قانونيين يدينون بالطاعة للنبلء أو الحبار‪ ،‬ومن ثم التزموا بالوضع الموروث‬
‫من العصر الوسيط‪ .‬وكانت الطبقة الوسطى الفقيرة المؤلفة أكثرها من التجار عاجزة سياسياً‪ .‬وعاش الفلحون‬
‫والبرولتاريا في فقر أكره بعضهم على قطع الطريق وكثيرًا منهم على التسول‪ ،‬وكان هناك ثلثون ألف شحاذ في‬
‫نابلي وحدها(‪ .)94‬وقد وصف دبروس جماهير العاصمة بأنهم "أبغض الرعاع‪ ،‬وأقذر الحشرات"(‪-)95‬وهو حكم‬
‫أدان النتيجة دون أن يدمغ السبب‪ .‬على أننا يجب أن نعترف بأن هؤلء النابوليين المهلهلي الثياب‪ ،‬المتشبثين‬
‫بالخرافات‪ ،‬الخاضعين لسلطان الكهنة‪ ،‬يبدو أنهم كانوا يملكون من نكهة الحياة وبهجتها أكثر من أي جمهور آخر في‬
‫أوربا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13241 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫وكبح شارل قوة النبلء باجتذابهم إلى بلطه حتى يكونوا تحت ناظري الملك‪ ،‬وبإقامة نبلء جدد يلتزمون بتأييده‪ .‬وثبط‬
‫تدفق الشباب على الديرة‪ ،‬وأنقص جموع الكنسيين من ‪ 100.000‬إلى ‪ ،81.000‬وفرض ضريبة قدرها اثنان في‬
‫المائة على ممتلكات الكنيسة‪ ،‬وحد من حصانات الكليروس القانونية‪ .‬وضيق تانوتشي من سلطة النبلء القضائية‪،‬‬
‫وحارب الفساد في القضاء‪ ،‬وأصلح الجراءات القضائية‪ ،‬وخفف من صرامة قانون العقوبات‪ .‬وأبيحت حرية العبادة‬
‫لليهود‪ ،‬ولكن الرهبان أكدوا لشارل أن افتقاده الوريث الذكر لعرشه هو العقاب الذي أنزله به ال جزاء تسامحه الثم‬
‫فسحب الغفران من اليهود(‪.)96‬‬
‫وكان ولع الملك بالبناء الفضل في إقامة صرحين شهيرين في نابلي‪ .‬وأحدهما هو "التياترو سان كارلو" الشاسع‪ ،‬وقد‬
‫أقيم ‪ 1737‬وما زال واحدًا من أوسع وأجمل دور الوبرا الموجودة‪ .‬وفي ‪ 1752‬بدأ لويجي فانفيلتي يبني الصرح‬
‫الخر في كازوتا على واحد وعشرين ميلً شمالي العاصمة‪ ،‬وهو قصر ملكي هائل صمم لينافس فرساي وليقوم‬

‫بوظيفة في إيواء السرة المالكة ونبلء الحاشية وأهم الموظفين الداريين‪ .‬وقد اقتضى بناؤه كد العبيد سوداً وبيضًا‬
‫طوال اثنين وعشرين عاماً‪ .‬وكانت البنية ذات المنحيات تقوم على جانبي مدخل فسيح إلى الصرح الوسط الذي مد‬
‫واجهته ‪ 30‬قدماً‪ .‬وقام في الداخل مصلى ومسرح وغرف ل حصر لها وسلم مزدوج عريض كانت كل درجة فيه‬
‫لوحة رخام واحدة‪ .‬وامتدت وراء القصر على طول نصف ميل الحدائق المنسقة‪ ،‬وعدد غفير من التماثيل‪ ،‬ونافورات‬
‫فخمة تغذيها قناة طولها سبعة وعشرون ميلً‪.‬‬
‫ولم يكن في نابلي فن متميز في هذا العصر غير قصر كازيرتا هذا (لن القصر أطلق عليه اسم مدينته شأن‬
‫السكوريال وفرساي)‪ ،‬ول كان هناك شيء يستحق الذكر في الدراما أو الشعر‪ .‬لقد ألف رجل كتاباً جريئاً "التاريخ‬
‫المدني لملوك نابلي" (‪ )1723‬وهو هجوم متواصل على جشع الكليروس‪ ،‬ومفاسد المحاكم الكنسية‪ ،‬وسلطة الكنيسة‬
‫الزمنية‪ ،‬ودعوى‬

‫صفحة رقم ‪13242 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫البابوية يحقها في نابلي كإقطاعية بابوية‪ ،‬أما المؤلف واسمه بييترو وجانوني فقد حرمه رئيس أساقفة نابلي‪ ،‬وفر إلى‬
‫فيينا‪ ،‬وزج به ملك سردانيا في السجن‪ ،‬ثم مات في تورين (‪ )1748‬بعد أن قضى اثنتي عشرة سنة حبيساً(‪ .)97‬وفقد‬
‫أنطونيو جينوفيزي إيمانه وهو يقرأ لوك‪ ،‬وحاول في كتابه "مبادئ الميتافيزيقا" (‪ )1743‬أن يدخل سيكولوجية لوك‬
‫إلى إيطاليا‪ .‬وفي ‪ 1754‬أنشأ رجل أعمال فلورنسي في جامعة نابلي أول كرسي أوربي للقتصاد السياسي بشرطين‪،‬‬
‫إل يشغله كنسي أبداً‪ ،‬وأن يكون أول شاغل له أنطزنيو جينوفيزي‪ .‬ورد جينوفيزي صنيعه (‪ )1756‬بأول بحث‬
‫اقتصادي نظامي في اللغة اليطالية "دروس في التجارة"‪ ،‬ردد صرخة التجار ورجال الصناعة المطالبين بالتحرر‬
‫من القيود القطاعية والكنسية وغيرها على المشروعات التجارية الحرة‪ .‬وفي العام نفسه أعرب كزنيه عن هذا‬
‫المطلب ذاته للطبقة الوسطى الفرنسية في مقالته‪ ،‬التي كتبها لموسوعة ديدرو‪.‬‬
‫ولعل بعض التصال كان قد تم بين جينوفيزي وكزنيه على فرديناندو جالياني النابولي الباريسي‪ .‬وقد نشر جالياني في‬
‫‪" 1750‬بحثاً في النقود" قرر فيه ببراءة اقتصادي في الثانية والعشرين من عمره ثمن السلعة حسب تكلفة إنتاجها‪.‬‬
‫وألمع منه كتابه "حوار حول تجارة الغلل" الذي ذكرناه من قبل نقداً لكزنيه‪ .‬فلما اضطر إلى العودة إلى وطنه بعد‬
‫السنين المثمرة التي قضاها في باريس‪ ،‬أحزنه أل يجد في نابلي صالونات‪ ،‬ول امرأة كمدام جوفران تطعمه وتثير‬
‫ذكاءه وظرفه‪ .‬على أنه كان فيها على أية حال فيلسوف بصمته على التاريخ‪.‬‬
‫ب‪ -‬جامبا تيستافيكو‬
‫تروي ترجمته الذاتية انه حين كان في السابعة سقط من على سلم نقالي‪ ،‬فصدم الرض برأسه أولً‪ ،‬وظل غائباً عن‬
‫الوعي خمس ساعات‪ .‬وأصيب برأس في الجمجمة تكون من حوله ورم ضخم‪ .‬وكان الورم‬

‫صفحة رقم ‪13243 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫يخفف بشقه بمبضع المرة تلو المرة‪ .‬ولكن الصبي فقد من الدم في هذه العملية ما جعل الجراحين يتوقعون موته‬
‫القريب‪ .‬ولكنه بقي على قيد الحياة "بفضل ال‪ ،‬ولكن نتيجة لهذه البلية شببت بمزاج مكتئب حاد(‪ .")98‬كذلك أصيب‬
‫بالدرن‪ .‬ولو كانت العبقرية رهنًا بمعوق بدني لكان فيكو موفور الحظ‪.‬‬
‫وحين بلغ السابعة عشرة (‪ )1685‬كسب قوته بإعطاء الدروس الخصوصية في فاتولل (قرب سالرنو) لبناء أخي‬
‫أسقف اسكيا‪ .‬ومكث هناك تسع سنين‪ ،‬ولكنه كان أثناءها عاكفاً في حماسة محمومة على دراسة القانون وفقه اللغة‬
‫والتاريخ والفلسفة‪ .‬وافتتن على الخص بقراءة أفلطون وأبيقور ولوكريتيوس ومكيافللي وفرانسيس بيكن وديكارت‬
‫وجروتيوس‪ ،‬وخرج من هذا كله بشيء من الذى ليمانه الديني‪ .‬وفي ‪ 1697‬حصل على كرسي أستاذ البيان في‬
‫جامعة نابلي‪ ،‬ولم يؤجر عليه بأكثر من مائة دوقاتية في العام‪ ،‬زادها بإعطاء الدروس الخصوصية‪ ،‬ومن هذا الدخل‬
‫كان يعول أسرة كبيرة‪ .‬وماتت ابنة له في ريعان الصبي‪ ،‬وظهرت على ابن له ميول شريرة اقتضت إرساله إلى‬
‫إصلحية للحداث‪ ،‬أما زوجته فكانت أمية عديمة الكفاية‪ ،‬فكان على فيكو أن يكون الب والم والمعلم جميعاً(‪.)99‬‬
‫وفي وسط هذه الشواغل المشتتة للفكر كتب فلسفته للتاريخ‪.‬‬
‫وقد قدم كتابه "مبادئ علم جديد في الطبيعة المشتركة للمم" (‪ ،)1725‬وحاول إن وجد في فوضى التاريخ انتظامات‬
‫من التعاقب قد تنير الماضي والحاضر والمستقبل‪ .‬ورأى فيكو أن في استطاعة أن يتبين ثلث فترات رئيسية في‬
‫تاريخ كل شعب‪:‬‬
‫(‪ )1‬عصر الرباب الذي اعتقدت فيه المم (غير اليهود) أنها تعيش في ظل حكومات إلهية‪ ،‬وأن كل شيء كان بأمر‬
‫الرباب عن طريق التكهن والوحي‪.‬‬
‫(‪ )2‬عصر البطال حين كانوا يسيطرون على الجمهوريات أرستقراطيةـ‪ ،‬بحكم تفوق في طبيعتهم اعتقدوا أنهم‬
‫يمتازون به على العامة‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13244 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫(‪ )3‬عصر البشر‪ ،‬وفيه أقر الجميع بأنهم متساوون في الطبيعة البشرية فأقاموا أولى الجمهوريات الشعبية ثم الملكيات(‬
‫‪.)100‬‬
‫وقد طبق فيكو الفترة الولى على التاريخ (الممي واللتيني) (غير الكتابي)‪ ،‬فما كان في استطاعته أن يقول إن يهود‬
‫العهد القديم إنما "اعتقدوا أنهم) يعيشون في ظل حكومات إلهية" دون المساس بالتقاليد المقدسة‪ .‬ولما كان ديوان‬
‫التفتيش (وهو في نابلي أشد صرامة منه في شمال إيطاليا) قد حاكم باحثين نابوليين لنهم تكلموا على بشر وجدوا قبل‬
‫آدم‪ ،‬فإن فيكو وفق بجهد بين صيغته وبين سفر التكوين بالفتراض بأن جميع ذراري آدم‪ ،‬إل اليهود‪ ،‬قد ارتدوا بعد‬
‫الطوفان إلى حالة أقرب إلى الوحشية فسكنوا الكهوف وتسافدوا دون تمييز في شيوعية نساء‪ .‬ومن (حالة الطبيعة)‬
‫الثانية هذه تطورات الحضارة بطريق السرة والزراعة والملكية والخلق والدين‪ .‬وكان يذكر الدين أحياناً على أنه‬
‫طريقة أرواحية (لتفسير الشياء والحداث) وأحيانًا يشيد به باعتباره قمة التطور‪.‬‬

‫ويقابل مراحل التطور الجتماعي الثلث‪ ،‬ثلث (طبائع) أو طرق لتفسير الكون‪ :‬اللهوتية‪ ،‬والسطورية والعقلية‪.‬‬
‫وكانت الطبيعة الولى‪ ،‬بحكم خداع الخيال (وهو أقوى ما يكون في أضعف الناس قدرة على التدليل العقلي)‪ ،‬طبيعة‬
‫شعرية أو إبداعية‪ ،‬قد نسمها على سبيل التجوز إلهية‪ ،‬لنها تصورت الشياء المادية على أنها تحيا بقوة اللهة‪...‬وكان‬
‫الناس نتيجة لخطأ خيالهم هذا يخافون خوفاً رهيبًا من الرباب التي خلقوها هم أنفسهم‪....‬أما الطبيعة الثانية فهي‬
‫الطبيعة البطولية‪ ،‬فقد اعتقد البطال أنهم من أصل إلهي‪....‬وأما الثالثة فالطبيعة (الطريقة) البشرية‪ ،‬طبيعة ذكية‪ .‬ومن‬
‫ثم متواضعة‪ ،‬معتدلة‪ ،‬منطقية‪ ،‬تسلم بأن الضمير والعقل والواجب كلها نواميس(‪.")101‬‬
‫وقد حاول فيكو لتاريخ اللغة والدب والقانون والحكومة‬

‫صفحة رقم ‪13245 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫مكانًا ملئماً في هذا النظام الثلثي‪ .‬ففي المرحلة الولى كان الناس يتواصلون بالشارات واليماءات‪ ،‬وفي الثانية‬
‫بالرموز والتشبيهات والصور‪ ،‬وفي الثالثة بالكلمات التي اتفق عليها القوم‪...‬ليحددوا بهذا معنى القوانين‪ .‬ومر القانون‬
‫نفسه بتطوير مقابل لهذا‪ :‬فكان أول المر إلهياً؛ منزلً كما كان أول المر إلهياً؛ منزلً كما كان الحال في ناموس‬
‫موسى‪ ،‬ثم بطوليًا كقانون ليكورجوس‪ ،‬ثم بشرياً‪-‬أمله العقل البشري المكتمل النمو(‪ )102‬كذلك مرت الحكومة بثلث‬
‫مراحل‪ :‬التيوقراطية؛ وفيها زعم الحكام أنهم صوت ال‪ ،‬والرستقراطية‪ ،‬وفيها اقتصرت جميع الحقوق المدنية على‬
‫طبقة البطال الحاكمة‪ ،‬والبشرية‪ ،‬وفيها يعتبر الجميع سواء أما القوانين‪ ،...‬وهذه هي الحال في المدن الشعبية‬
‫الحرة‪ ،..،‬وكذلك في الملكيات التي تجعل جميع رعاياها سواء أمام قوانينهم(‪ .)103‬وواضح أن فيكو استعاد تلخيص‬
‫أفلطون للتطور السياسي من الملكية إلى الرستقراطية إلى الديمقراطية إلى الدكتاتورية (حكم الطغاة)‪ ،‬ولكنه غير‬
‫الصيغة لتقرأ‪ :‬تيوقراطية وأرستقراطية‪ ،‬وديمقراطية‪ ،‬وملكية‪ .‬وقد اتفق مع أفلطون في أن الديمقراطية تنزع إلى‬
‫الفوضى‪ ،‬واعتبر حكم الرجل الواحد علجاً ضرورياً للخلل الديمقراطي‪" ،‬أن الملكيات هي الحكومات النهائية‪...،‬التي‬
‫تصل إليها المم لتستريح(‪.)104‬أفللل‬
‫وقد ينبعث الخلل الجتماعي من التدهور الخلقي‪ ،‬أو الترف‪ ،‬أو تركيز الثروة تركيزاً يمزق المة‪ ،‬أو الحسد العدواني‬
‫بين الفقراء‪ .‬ومثل هذا الخلل يفضي عادة إلى الدكتاتورية‪ ،‬كما نرى في حكم أوغسطس الذي كان فيه الشفاء من‬
‫الفوضى الديمقراطية في الجمهورية الرومانية‪ .‬فإذا عجزت حتى الدكتاتورية عن وقف النحلل‪ ،‬فإن أمة أشد قوة‬
‫وعنفواناً تدخل فاتحة للبلد‪.‬‬
‫"وإذا كان الناس الذين بلغ منهم الفساد هذا المبلغ قد انقلبوا عبيداً لشهواتهم الجامحة‪...‬فإن العناية اللهية تقضي بأن‬
‫يصيروا عبيداً بحكم القانون الطبيعي للمم‪....،‬فيستعبدوا لمم أفضل منهم يحكمونهم بعد أن يغلبوهم كما يحكم الغالب‬
‫القاليم الخاضعة له‪...‬وهنا يستطيع ضوءان عظيمان من أضواء النظام الطبيعي‪ .‬أولهما أن من يعجز عن حكم نفسه‬
‫يجب‬

‫صفحة رقم ‪13246 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫أن يدع القادر على حكمه أن يحكمه‪ ،‬والخر أن العالم يحكمه دائمًا من هم بالطبيعة أصلح الحاكمين(‪.)106‬‬
‫وفي مثل هذه الحالت يرتد الشعب المغلوب إلى مرحلة التطور التي وصل إليها غالبوه‪ .‬وهكذا أرتد سكان‬
‫المبراطورية الرومانية إلى الهمجية والتخلف بعد غزوات الشعوب الهمجية واضطروا إلى أن يبدءوا بالتيوقراطية‬
‫(حكم الكهنة واللهوت)؛ وتلك كانت العصور المظلمة‪ .‬ثم جاء عصر بطولة آخر بمجيء الحروب الصليبية؛ وأمراء‬
‫القطاع يقابلون أبطال هومر ودانتي هو هومر مكرراً‪.‬‬
‫ونسمع في فيكو أصداء للنظرية التي تزعم أن التاريخ تكرار دائر‪ ،‬ولقانون مكيافللي "‪ Corsi e Ricori‬التطور‬
‫والتقهقر" وفكرة التقدم تضار في هذا التحليل‪ ،‬فليس التقدم إل نصف حركة دورية نصفها الخر النحلل؛ والتاريخ‪،‬‬
‫شأنه شأن الحياة‪ ،‬هو تطور وانحلل في تعاقب وحتمية ل محيص عنهما‪.‬‬
‫وقدم فيكو في الطريق إلماعات مدهشة‪ .‬فقد رد الكثيرين من أبطال الساطير الكلسيكية إلى السماء البعدية‬
‫‪ Eponyms‬والتشخيصات التالية لعمليات ظلت طويلً ل شخصية أو متعددة الشخصيات‪ ،‬فأورفيوس مثلً كان‬
‫المدمج الوهمي لموسيقيين بدائيين كثيرين‪ ،‬وليكورجوس كان التجسيد لسلسلة القوانين والعادات التي جمدت إسبارطة‪،‬‬
‫ورومولوس كان ألف رجل جعلوا من روما دولة‪ )107(.‬وبالمثل رد فيكو هومر إلى الخرافة‪ ،‬مدلل على ذلك‪-‬قبل‬
‫كتاب فردريك فولت "مقدمات نقدية لهومر (‪ )1795‬بنصف قرن‪-‬بأن الملحم الهومرية إنما هي حصيلة تجمعت‬
‫وأدمجت شيئاً فشيئاً لجماعات وأجيال من رواة الملحم الذين كانوا ينشدون بطولت طروادة وأوديسيوس في مدن‬
‫اليونان(‪ .)108‬وقبل قرن تقريبًا من صور كتاب بارتهولد نيبور "تاريخ روما" (‪ )32-1811‬رفض فيكو الفصول‬
‫الولى من تاريخ ليفي لنه أسطورية‪" .‬كل تواريخ‬

‫صفحة رقم ‪13247 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫المم غير اليهودية كان لها بدايات خرافية(‪( ")109‬وهنا أيضاً يتجنب فيكو في حذر أن يمس تاريخية سفر التكوين)‪.‬‬
‫وهذا الكتاب الخطير يكشف عن عقل قوي تزعجه المضايقات المتصلة‪ ،‬يكافح لصياغة أفكار أساسية دون أن يقضي‬
‫به المسير إلى سجن من سجون ديوان التفتيش‪ .‬وقد بذل فيكو قصاراه المرة بعد المرة ليعلن ولءه للكنيسة وأحس أنه‬
‫جدير بثناء الكنيسة لتفسيره مبادئ القانون بطريقة تتفق واللهوت الكاثوليكي(‪ .)110‬ونحن نسمع نغمة أكثر إخلصا‬
‫في رأيه في الدين دعامة ل عنى عتها للنظام الجتماعي والفضيلة الشخصية‪" :‬أن للديان دون غيرها القوة على جعل‬
‫الناس يعملون العمال الفاضلة(‪ "...)111‬ومع ذلك‪ ،‬ورغم تكرار استعماله للفظ "العناية اللهية"‪ ،‬يبدو أنه يبعد ال‬
‫عن التاريخ ويرد الحداث إلى التفاعل الحربين السباب والنتائج الطبيعية‪ .‬وقد هاجم دارس دومنيكي فلسفة فيكو لنها‬
‫ليست مسيحية بل لوكريتيه‪.‬‬
‫ولعل العلمانية المنبعثة من تحليل فيكو كان لها بعض الصلة بإخفاقها في أن تظفر بالستماع إليها في إيطاليا‪ ،‬وما من‬
‫شك في أن ما شاب عمله من استطرد فوضوي وعاب فكره من اختلط قد قضى على "علمه الجديد"‪ ،‬بأن يولد ميتاً‬
‫وأن تكون ولدته مؤلمة‪ .‬فلم يوافقه أحد على اعتقاده بأنه كتب كتاباً عميقاً أو مثيراً‪ .‬وعبثاً ناشد لكلير ولو ليذكره في‬
‫دورية "أخبار عالم الدب"‪ ،‬وبعد عشر سنوات من ظهور كتاب العلم الجديد خف شارل الرابع لنجده فيكو‪ ،‬فعينه‬
‫مؤرخاً رسمياً للملك براتب سنوي قدره مائة دوقاتية‪ .‬وفي ‪ 1741‬قرت عين جامباتستا برؤية ولده جنارو يخلفه أستاذاً‬
‫في جامعة نابلي‪ .‬وفي سنواته الخيرة (‪ )44-1743‬ضعف عقله فترى في غيبية أشرفت على الجنون‪.‬‬

‫وكان في مكتبة مونتسيكو نسخة من كتابه(‪ ،)112‬وقد أقر الفيلسوف الفرنسي في هوامش مذكرات خاصة بدينة‬
‫لنظرية فيكو في التطور والنحلل الدوري‪ ،‬ويظهر هذا الدين الذي لم يفصح عنه في كتاب مونتسيكو "عظمة‬
‫الرومان وانحطاطهم" (‪ .)1734‬وفيما عدا هذا ظل فيكو مجهولً‬

‫صفحة رقم ‪13248 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫في فرنسا حتى جول ميشليه (‪ )1827‬ترجمة مختصرة لكتاب العلم الجديد‪ .‬وقد وصف ميشليه إيطاليا بأنها "الم‬
‫الثانية والحاضنة التي غذتني في صباي بفرجل‪ ،‬وفي شبابي بفيكو(‪ .")113‬وفي ‪ 1826‬بدأ أوجست كونت‬
‫المحاضرات التي أصبحت فيما بعد "مجموعة محاضرات في الفلسفة الوضعية" (‪ ،)42-1830‬وفيها يشعر بتأثير‬
‫فيكو في كل خطوة‪.‬‬
‫أما النصاف الكامل لفيكو فلم يأت إل على يد رجل نابولي هو بنديتو كروتشي(‪ ،)114‬الذي ألمع هو الخر إلى أن‬
‫التاريخ يجب أن يتخذ مكانه إلى جوار العلم أساسًا ومدخلً للفلسفة‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬موسيقى نابلي‬
‫تليت نابلي قول فيثاغورس‪ ،‬قرأت أن الموسيقى أرفع ضروب الفلسفة‪ .‬وقد كتب للند‪ ،‬الفلكي الفرنسي‪ ،‬بعد جولة في‬
‫إيطاليا في ‪66-1765‬يقول‪:‬‬
‫"إن الموسيقى هي النتصار العظم للنابوليين‪ ،‬وكأن أغشية طبلة الذن في ذلك البلد أشد توتراً وتناغماً ورنينًا منها‬
‫في أي بلد آخر في أوربا‪ .‬فالمة كلها تغني‪ .‬وإيماءات الجسد‪ ،‬والنبرة‪ ،‬والصوت‪ ،‬وإيقاع المقاطع بل والحديث نفسه‪-‬‬
‫كلها تتنفس الموسيقى‪ .‬ومن ثم كانت نابلي المصدر الرئيسي للموسيقى اليطالية‪ ،‬ولكبار الملحنين‪ ،‬والوبرات‬
‫الممتازة‪ ،‬ففيها أخرج كوريللي وفنتشي ورينالد وجوميللي ودورانتي وليو وبرجوليزي‪...‬وكثير غيرهم من أعلم‬
‫الملحنين روائعهم(‪.")115‬‬
‫على أن نابلي تفوقت في الوبرا اللحان الصوتية فقط‪ ،‬أما في الموسيقى اللية فقد عقدت الزعامة للبندقية‪ ،‬وشكا هواة‬
‫الموسيقى من أن أهل نابلي أحبوا جيل الصوت أكثر من لطائف الهارموني (التوافق) والكونترابنت‪ .‬هنأ ملك نيكولوبو‬
‫ريورا‪" ،‬الذي ربما كان أعظم من عاش من معلمي الغناء(‪ .")116‬وكان كل شادٍ إيطالي يصبو إلى أن يكون تلميذه‪،‬‬
‫فإذا قبله‬

‫صفحة رقم ‪13249 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫احتمل في ذلة شذوذاته العاتية؛ وروى أنه أبقى جايتانو كفاريللي خمس سنوات في صفحة تمارين واحدة‪ ،‬ثم صرفه‬
‫مؤكداً له أنه الن أعظم المغنين في أوربا(‪ .)117‬وكان هناك معلم غناء آخر يدعى فرانشيسكو دورانتي‪ ،‬لم يفوقه‬
‫مرتبة غير يوريورو‪ ،‬وقد علم الغناء لفتشي‪ ،‬وجومللي‪ ،‬ويرجوليزي‪ ،‬وبايزيللو‪ ،‬ويتشيني‪.‬‬
‫أما ليوناردوفنتشي فقد بدأ معوقاً بسبب اسمه‪ ،‬ولكنه ظفر بالغناء المبكر بتلحينه أوبرا متاستازيو ‪Didone Abband‬‬
‫‪ .Onate‬وقال الجاروتي "أن فرجل نفسه كان يبهجه أن يسمع تلحينًا فيه هذه الحيوية وهذا التعذيب؛ تهجم فيه على‬
‫القلب والروح كل قوى الموسيقى(‪ .")118‬وأشهر منه ليوناردو ليو‪ ،‬في الوبرا الجادة والهازلة‪ ،‬والوراتوربو‪.‬‬
‫والقداسات والموتيتات‪ ،‬وقد ترددت نابولي فترة بين الضحك على أوبراه الكوميدية ‪( La Finta Fraeastana‬الضجة‬
‫المفتعلة) والبكاء على لحن ‪( Miaerenr‬ارحمني) الذي لحنه لخدمات الصوم الكبير في ‪.1744‬‬
‫وحين استمع ليو حوالي عام ‪ 1735‬إلى كنتاتا من تلحين نيكولو جوميللي قال في عجب "لم يمضِ طويل زمن حتى‬
‫يغدو هذا الفتى محط عجب أوربا وإعجابها‪ ")119(..‬وقد حقق جوميللي النبوءة تقريباً‪ .‬ففي الثالثة والعشرين من‬
‫عمره ظفر بإطراء نابلي الحماسي على أوبراه الولى‪ ،‬وفي السادسة والعشرين حقق نصرًا مماثلً في روما‪ .‬وحين‬
‫مضى إلى بولونيا قدم نفسه على أنه تلميذ لبادري مارتيني‪ ،‬ولكن حين سمعه ذلك المعلم المبجل يرتجل فوجيه بكل‬
‫تطورها الكلسيكي صاح "إذن فمن أنت؟ أتراك تسخر مني؟ إنني أنا الذي يجب أن يتعلم منك"(‪ .)120‬وفي البندقية‬
‫أثارت أوبراته من الحماسة ما حمل مجلس العشرة على تعيينه مديراً للموسيقى في مدرسة ذوي المراض‬
‫المستعصية‪ ،‬وهناك كتب قطعًا من أفضل موسيقى ذلك الجيل الدينية‪ .‬وحين انتقل إلى فيينا (‪ )1748‬أخذ يلحن مع‬
‫متاستازيو الذي ارتبط معه برباط صداقة وثيقة‪ .‬وبعد أن حقق مزيدًا من النتصارات في البندقية وروما استقر في‬
‫شتوتجارد ولودفجسبرج‬

‫صفحة رقم ‪13250 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫(‪ )1753-68‬رئيساً لفرقة مرتلي دوق فورتمبرج‪ .‬وهنا عدل أسلوبه الوبرالي في اتجاه ألماني‪ ،‬فزاد من توافقه‬
‫تركيباً‪ ،‬وأضفى مزيدًا من المادة والثقل لموسيقاه اللية‪ ،‬وتخلى عن تكرار اللحان من البداية ‪ Da Capo‬وأضاف‬
‫ل بارزاً في أوبراته‪ ،‬ربما متأثراً بجان جورج نوفير‪ ،‬أستاذ الباليه‬
‫مصاحبة أوركسترالية للسرديات وأحل الباليه مح ً‬
‫الفرنسي في شتوتجرد‪ ،‬وقد مهدت هذه التطورات في موسيقى جوميللي‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬لصلحات جلوك‪.‬‬
‫فلما عاد الملحن المسن إلى نابلي (‪ )1768‬أنكر الجمهور ميوله التيوتونية‪ ،‬ورفضوا أوبراته رفضاً باتاً‪ .‬وقد قال‬
‫موتسارت بعد أن سمع إحداها هناك في ‪"-1770‬إنها جميلة‪ ،‬ولكن أسلوبها أرفع وأقدم مما يحتمله المسرح"‪)121(،‬‬
‫ولقي جوميللي حظاً أفضل بموسيقاه الكنسية‪ .‬فرتلت موسيقى لحن "ارحمني" و "قداسة للموتى" في العالم الكاثوليكي‬
‫طولً وعرضاً‪ .‬وقد كتب وليم بكفورد بعد استماعه إلى القداس يرتل في لشبونة في ‪" 1787‬لم أسمع قط ولعلي لن‬
‫أسمع ثانية مثل هذه الموسيقى المهيبة المؤثرة"(‪ .)122‬واعتزل جوميللي في بلدته أفرسا بعد أن ادخر لمستقبله‬
‫بحرص تيوتوني‪ ،‬وأنفق سنواته الخيرة شيخًا بديناً ثرياً‪ .‬وفي ‪ 1774‬شيع جثمانه جميع موسيقيي نابلي البارزين‪.‬‬
‫وقد ضحك نابلي أكثر حتى مما غنت‪ .‬فبأوبرا كوميدية غزا برجوليزي باريس بعد أن أبت تلك المدينة المستكبرة دون‬
‫سائر العواصم الوربية أن تخضع لوبرا إيطاليا الجادة‪ .‬ولم يخض جوفاني باتستا برجوليزي تلك المعركة بشخصه‪،‬‬
‫ووفد على نابلي وهو في السادسة عشرة‪ .‬وما أن بلغ الثانية والعشرين حتى كان قد كتب عدة أوبرات‪ ،‬وثلثين‬

‫صوناتا‪ ،‬وقداسين‪ ،‬حظيت كلها بالعجاب الشديد‪ ،‬وفي ‪ 1733‬قدم أوبرا تسمى ‪" Il Prigioniero‬السجين" وقد لها‬
‫بمقدمة "الخادمة التي تنقلب سيدة البيت"‪ :‬والنص قصة مرحة تحكي كيف تحتال الخادمة سربينا على سيدها‬

‫صفحة رقم ‪13251 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫حتى يتزوجها‪ ،‬أما الموسيقى فساعة حافلة بالمرح واللحان الرشيقة‪ .‬وقد أسلفنا كيف أسر هذا المرح البارع مزاج‬
‫باريس وقلبها في "حرب المهرجين" في ‪ ،1752‬التي عرضت في الوبرا مائة مرة‪ ،‬ثم ستاً وتسعين مرة أخرى في‬
‫‪ 1753‬في التياتر فرانسيه‪ .‬وقاد برجوليزي أثناء ذلك أوبراه "الولمبياد" في روما (‪ ،)1735‬فقوبلت بعاصفة من‬
‫صفير الستهجان‪ ،‬وببرتقالة صوبت بدقة على رأس الملحن‪ )123(.‬وبعد سنة ذهب إلى بوتسرولي ليعالج من إصابته‬
‫بالسل‪ ،‬الذي ازداد فداحة من جراء أسلوب حياته الخليع‪ .‬وقد كفر موته الباكر عن آثامه‪ ،‬ودفنه في الكاتدرائية المحلية‬
‫الرهبان الكبوشيون الذين أنفق معهم أيامه الخيرة‪ .‬أما روما التي ندمت على فعلتها بعثت "الولمبياد" من جديد‪،‬‬
‫وصفقت لها في طرب شديد‪ ،‬واليوم تحفظ له إيطاليا ذكرى مجيدة ل لفواصله المرحة بقدر ما تحفظها له لرقة العاطفة‬
‫في "آلم العذراء" التي لم يعش ليكملها‪ .‬وقد جعل برجوليزي نفسه موضوعاً لوبراوين‪.‬‬
‫وقد أصاب دومنيكو سكاربوتي ما أصاب برجوليزي من مبالغة طفيفة نفختها فيه رياح الذوق‪ ،‬ولكن من ذا الذي‬
‫يستطيع مقاومة تألق براعته وخفة يده؛ ولد في عام العجائب‪ ،‬عام هندل وباخ (‪ ،)1685‬وكان الطفل السادس‬
‫للكساندور سكارلتي‪ ،‬الذي كان آنئذ فردي الوبرا اليطالية‪ .‬وقد تنفس الموسيقى منذ ولد‪ .‬فقد كان أخوه بييترو‪،‬‬
‫وابن عمه جوزيبي‪ ،‬وعماه فرانشيسكو وتومازو موسيقيين‪ .‬وكانت أوبرات جوزيبي تخرج في نابلي وروما وتورين‬
‫والبندقية وفيينا‪ .‬وخشي الب أن تختنق عبقرية الفتى دومنيكو بهذه الوفرة في المواهب فبعث به إلى البندقية وهو في‬
‫العشرين وقال‪ ،‬إن ابني هذا نسر كبر جناحاه‪ ،‬فيجب أل يبقى في العش‪ ،‬وعلي أل أعطل طيرانه(‪.)124‬‬
‫وفي البندقية واصل الشاب دراساته والتقى بهندل‪ .‬ولعلهما قصدا روما حيث دخل بتحريض من الكردينال أوتوبوني‬
‫في مباراة ودية على الهاربسكورد ثم على الرغن‪ .‬وكان دومنيكو يومها أفضل عازف على‬

‫صفحة رقم ‪13252 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫الهاربسكورد في إيطاليا‪ ،‬ولكن يروى أن هندل لم يكن دونه مهارة عليهم‪ ،‬أما على الرغن فإن سكارلتي اعترف‬
‫بصراحة بتفوق "السكسوني العزيز" عليه‪ .‬وتوثقت الصداقة بين الرجلين‪ ،‬وهذا أمر عسير جداً على كبار الممارسين‬
‫لفن واحد‪ ،‬ولكن يقول معاصر لهما أن "دومنيكو كان صاحب طبع غاية في اللطف وسلوك غاية في النبل"(‪ .)125‬أما‬
‫هندل فكان قلبه كبير كهيكله‪ .‬ومنع اليطالي تواضعه وحياؤه من عرض براعته في العزف على الهاربسكورد أمام‬

‫الجماهير‪ .‬ونحن نعرفها من أخبار السهرات الموسيقية الخاصة فقط‪ .‬وقد خيل لحد سامعيه في روما (‪" )1714‬أن‬
‫عشرة آلف شيطان كانوا يعزفون على اللة" إذ لم يسمع قط من قبل "مثل هذه الفقرات تنفيذاً وتأثيراً"(‪ )126‬وكان‬
‫سكارلتي أو من طور إمكانات لوحة مفاتيح اليد اليسرى بما في ذلك إمرارها فوق اليد اليمنى‪ .‬قال "إن الطبيعة‬
‫منحتني عشرة أصابع‪ ،‬وبما أن آلتي تتيح تشغيلها جميعاً‪ ،‬فلست أرى سبباً أل أستعملها"(‪.)127‬‬
‫وفي ‪ 1709‬قبل وظيفة "مايسترو دي كابلل" لمملكة بولندا السابقة ماريا كازيميرا‪ .‬ذلك أنها بعد موت زوجها جان‬
‫سويبكي نفيت لعتبارها دساسة مثيرة للقلقل‪ .‬فلما قدمت إلى روما في ‪ 1699‬صممت على إنشاء ندوة تحفل‬
‫بالعبقريات كصالون كرستينا ملكة السويد التي ماتت قبل ذلك بعشر سنين‪ .‬فجمعت الكثير من رواد صالون كرستينا‬
‫السابقين في قصر على ميدان "ترينيتا دي مونتي" وفيهم عدة أعضاء في الكاديمية الركادية‪ .‬وهناك (‪)14-1709‬‬
‫أخرج سكارلتي عدة أوبرات‪ .‬ولما شجعه نجاحها ‪ ،‬قدم "أمليتو" (هاملت) على مسرح الكايرانيكو‪ .‬ولم تلق قبولً‬
‫حسنًا من الجمهور‪ .‬ولم يعد دومنيكو بعدها قط لتقديم أوبرا لجمهور إيطالي‪ .‬فلقد وضع أبوه مستوى للوبرا كان أعلى‬
‫من أن يدركه‪.‬‬
‫وظل أربع سنين (‪ )19-1715‬يقود الكابيل جوليا بالفاتيكان‪ ،‬ويعزف الرغن في كاتدرائية القديس بطرس؛ ثم لحن‬
‫الن "آلم العذراء" التي حكم الجمهور عليها بأنها "رائعة أصلية"(‪ )128‬وفي ‪ ،1719‬قاد أوبراه‬

‫صفحة رقم ‪13253 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫"نار تشيزو" في لندن‪ .‬ثم نجده بعد عامين في لشبونة قائداً لفرقة المنشدين للملك يوحنا الخامس ومعلمًا لبنة الملك‬
‫ماريا بربارا‪ ،‬التي أصبحت بفضل تعليمه عازفة ماهرة على الهاربسكورد‪ ،‬ومعظم صوناتاته الباقية ألفها باستعماله‪.‬‬
‫فلما عاد إلى نابلي (‪ )1725‬تزوج وهو في الثامنة والربعين بماريا جنتيلي التي لم تتجاوز السادسة عشرة‪ ،‬وفي‬
‫‪ 1729‬اصطحبها إلى مدريد‪ .‬في تلك السنة تزوجت ماريا بربارا من فرديناند‪ ،‬ولي عهد أسبانيا‪ .‬فلما انتقلت معه إلى‬
‫إشبيلية رافقها سكارلتي وظل في خدمتها إلى أن ماتت‪.‬‬
‫وماتت زوجة سكارلتي في ‪ 1739‬مخلفة له خمسة أطفال‪ .‬وتزوج ثانية‪ ،‬وسرعان ما أصبح الخمسة تسعة‪ .‬فلما‬
‫أصبحت ماريا بربارا ملكة على أسبانيا (‪ )1746‬جلبت أسرة سكارلتي معها إلى مدريد‪ .‬وكان فارنيللي الموسيقي‬
‫الثير لدى الملك والملكة‪ ،‬ولكن المغني والعازف أصبحا صديقين حميمين‪ .‬وكانت وظيفة سكارلتي وظيفة خادم‬
‫مميز‪ ،‬ويمد البلط السباني بالموسيقى‪ .‬وحصل على إذن بالذهاب إلى دبلن في ‪ 1740‬وإلى لندن في ‪1741‬؛ ولكنه‬
‫كان أكثر الوقت يعيش في قناعة هادئة بمدريد أو قربها‪ ،‬متوارياً عن العالم تقريباً‪ ،‬ل يخامره الظن على الرجح بأنه‬
‫سيكون أثيراً لدى عازفي البيانو في القرن العشرين‪.‬‬
‫ولم ينشر سكارلتي في حياته سوى ثلثين صوناتا من بين ‪ 555‬صوناتا تستند الن إليها شهرته استناداً قلقاً بفضل‬
‫حلياتها النغمية‪ .‬وقد دل عنوانها المتواضع (تمارين على الهاربسكورد) على هدفها المحدود‪ ،‬وهو ارتياد إمكانات‬
‫التعبير بتقنية الهاربسكورد‪ .‬وهي ليست صوناتات إلى بالمعنى القدم للفظ‪ ،‬أي قطع آلية "تعزف" ول تغنى‪ .‬ولبعضها‬
‫موضوعات متعارضة‪ ،‬وبعضها تزاوج في مقامات كثيرة وصغيرة‪ ،‬ولكنها كلها في حركة مفردة لم تبذل فيها أي‬
‫محاولة لتفصيل الموضوع وتلخيصه‪ .‬وهي تمثل تحرر موسيقى الهاربسكورد من تأثير الرغن‪ ،‬وتلقى التأثيرات من‬
‫الوبرا بمؤلفات للوحة المفاتيح‪ .‬وقد تفوقت على حيوية أصوات السوبرانو والمغنين ورقتها ورعشاتها وحيلها‬
‫بالصابع الخفيفة الرشيقة الطيعة لخيال لعوب مسرف‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13254 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬إيطاليا السعيدة ‪ >-‬نابلي‬
‫لقد "لعب" سكارلتي الهاربسكود بمعنى الكلمة الحرفي‪ .‬يقول في هذا‪" :‬ل تتوقعوا أي عمق في العلم‪ ،‬بل معابثة‬
‫بارعة للفن"(‪ .)129‬وهناك أثر في الرقص السباني وما فيه من أرجل طافرة وتنورات مدومة وصاجات رنانة تحسه‬
‫في هذه التموجات والتدفقات؛ وفي كل موضع من الصوناتات تجد استسلم العازف للذة التحكم في آلته(‪.)130‬‬
‫ولبد أن هذا الفرح باللة كان من بواعث السلوى لسكارلتي في سنوات خدمته تلك في أسبانيا‪ .‬وقد نافسته لذة لعب‬
‫الميسر الذي أتى على الكثير من معاشه‪ ،‬واضطرت الملكة إلى سداد ديونه غير مرة‪ .‬ثم ساءت صحته بعد عام‬
‫‪ ،1751‬وزادت تقواه وورعه‪ .‬وفي ‪ 1754‬عاد إلى نابلي ومات فيها بعد ثلث سنين‪ .‬وتولى فارنيللي الطيب إعالة‬
‫أسرته المعوزة‪.‬‬
‫وقد أرجأنا الكلم على سيرة فارنيللي الغريبة في أسبانيا حتى فصل لحق‪ .‬وقد يكون هو ودومنيكو سكارلتي‪،‬‬
‫وجامباتستا ودومنيكو تيبولو‪ ،‬من اليطاليين الموهوبين الذين كان لهم الفضل‪ ،‬هم ومنجز المتطلين تقريباً‪ ،‬في استخدام‬
‫الموسيقى والفن اليطاليين في البعث السباني‪ .‬وفي ‪ 1759‬لحق بهم ملك نابلي أو يبقهم‪ .‬ففي ذلك العام مات فرديناند‬
‫السادس دون عقب‪ ،‬وورث أخوه شارل الرابع ملك نابلي العرش السباني باسم شارل الثالث‪ .‬وأسفت نابلي على‬
‫رحيله عنها‪ .‬وكان هذا الرحيل في أسطول من ست عشرة سفينة يوم عطلة حزينة لهل نابلي‪ ،‬فاجتمعوا في حشود‬
‫كبيرة بطول الشاطئ ليشاهدوه وهو يقلع‪ ،‬ويروى أن كثيرين منهم بكوا وهو يودعون "ملكاً أثبت أنه أب لشعبه"(‬
‫‪ .)131‬وقد كتب له أن يتوج أعماله ببث الشباب في حياة أسبانيا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13255 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬يوحنا الخامس‬

‫الفصل العاشر‬

‫البرتغال وبومبال‬

‫‪1782 - 1706‬‬

‫‪ -1‬يوحنا الخامس‬

‫‪1750 - 1706‬‬
‫لم اضمحلت البرتغال بعد أيامها المجيدة التي أنجبت ماجلن وفاسكو داجاما وكاموئيس؟ لقد كان في جسدها وروحها‬
‫يوماً ما من الهمة ما يكفي لرتياد نصف الكرة وإنشاء المستعمرات الجريئة في ماديرا‪ ،‬والزور‪ ،‬وأمريكا الجنوبية‪،‬‬
‫وأفريقيا‪ ،‬ومدغشقر‪ ،‬والهند وملقا‪ ،‬وسومطرة‪ .‬أما الن‪ ،‬في القرن الثامن عشر‪ ،‬فقد باتت نتوءًا ضئيلً لوربا‪ ،‬مقيدة‬
‫إلى إنجلترا في التجارة والحرب‪ ،‬ويغذيها ذهب البرازيل وماسها اللذان يصلن إليها بإذن السطول البريطاني‪ .‬فهل‬
‫أنهكت قواها لفرط ما قدمت من الرجال البواسل لتملك هذا العدد العديد من المخافر المامية القلقة التوازن على‬
‫أطراف المعمورة؟ أم لعل تدفق الذهب عليها نزح الحديد من عروقها وأوهن طبقاتها الحاكمة فانتكست من حياة القدام‬
‫والمغامرة إلى حياة اللين والدعة؟‬
‫أجل‪ ،‬ل بل أنه من قوة الصناعة أيضاً‪ .‬فأي جدوى في محاولة تبذلها لتنافس مهرة الصناع أو ملتزمي الصناعة‬
‫النجليز أو الهولنديين أو الفرنسيين في الحرف أو الصناعات‪ ،‬ما دام في طاقتها شراء ما تستورده من الكساء والغذاء‬
‫وأسباب الترف والنعيم بالذهب المستورد؟ فأما الغنياء الذين يتاجرون بالذهب فقد أصبحوا أكثر غنى‪ ،‬ازدادوا فخامة‬
‫ملبس وبهاء زينة‪ ،‬وأما الفقراء الذين حيل بينهم وبين ذلك الذهب فقد ظلوا يتردون في فقرهم ل يحثهم على الكد‬
‫والعرق غير حافز الجوع‪ .‬وأدخل‬

‫صفحة رقم ‪13256 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬يوحنا الخامس‬
‫تشغيل الرقيق في مزارع كثيرة‪ ،‬ومل المتسولون المدن ضجيجاً بصيحاتهم‪ .‬وقد كتب عنهم وليم بكفورد حين سمعهم‬
‫في ‪ 1787‬يقول "ليس بين الشحاذين قاطبة من يضارع شحاذي البرتغال قوة رئات‪ ،‬ووفرة قروح‪ ،‬وكثرة حشرات‪،‬‬
‫وتنوع أسماك‪ ،‬وترتيب خرق؛ ومثابرة ل تهاب‪..‬أن عددهم ل يحصى‪ ،‬عمي‪ ،‬صم‪ ،‬جرب(‪.")1‬‬
‫ولم تكن لشبونة يومها هذه المدينة الجميلة التي نعهدها اليوم‪ .‬لقد كانت الكنائس والديرة غاية في البهاء‪ ،‬وقصور‬
‫النبلء فسيحة ضخمة‪ ،‬ولكن نسبة ل تقل عن عشر السكان بغير مأوى‪ ،‬وكانت الزقة الملتوية تفوح منها رائحة‬
‫القمامة والقذارة(‪ .)2‬ومع ذلك فهنا‪ ،‬كما في سائر بلد الجنوب‪ ،‬عوض الفقر بأسباب العزاء من اليام المشمسة‪،‬‬
‫والمسيات المزدانة بالنجوم‪ ،‬والموسيقى‪ ،‬والدين‪ ،‬والنساء المتدينات ذوات العيون التي تعذب الناظرين‪ .‬وكان القوم‬
‫يتدفقون في الشوارع بعد أن تخف وقدة القيظ ل يعوقهم لدغ البراغيث في أجسامهم ول طنين البعوض في الهواء‪،‬‬
‫فيرقصون ويغنون ويعزفون على القياثير ويقتتلون للفوز بابتسامة من عذراء‪.‬‬

‫وكانت المعاهدات (‪ )1703 ،1662 ،1654‬قد قيدت البرتغال بإنجلترا في تكافل عجيب حالف بينهما في القتصاد‬
‫والسياسة الخارجية وأبقاهما في الوقت نفسه أشد ما تكونان تبايناً في العادات وخصومة في العقيدة‪ .‬وتعهدت إنجلترا‬
‫بحماية استقلل البرتغال والسماح باستيراد النبيذ البرتغالي (البورت من أوبورتو) برسم جمركي مخفض جداً‪ .‬أما‬
‫البرتغال فتعهدت بالسماح باستيراد المنسوجات النجليزية معفاة من الرسوم‪ ،‬وبالوقوف في صف إنجلترا في أي‬
‫حرب تنشب‪ .‬ونظر البرتغاليون إلى النجليز على أنهم زنادقة هالكون يملكون أسطولً قوياً‪ ،‬ونظر النجليز إلى‬
‫البرتغال على أنهم قوم جهلة متعصبون يملكون المواني الستراتيجية‪ .‬وسيطر رأس المال البريطاني على الصناعة‬
‫والتجارة البرتغاليتين‪ .‬كتب بومبال يشكو من هذه الوضاع في شيء من المبالغة‪:‬‬
‫"في سنة ‪ 1754‬لم تكد البرتغال تنتج أي شيء يعينها على الستكفاء‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13257 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬يوحنا الخامس‬
‫فثلثا الضروريات المادية تزودهما إنجلترا‪ .‬وغدت إنجلترا السيد المتصرف في تجارتنا كلها‪ ،‬وكان الوكلء النجليز‬
‫يديرون تجارتنا الخارجية بجملتها‪..‬فهم يملكون كل شحنات السفن المقلعة من لشبونة إلى البرازيل‪ ،‬ومن ثم يملكون‬
‫الثروة العائدة بديلً عن هذه الشحنات‪ .‬فلم يكن شيء برتغالياً إل بالسم فقط(‪.")3‬‬
‫ومع ذلك وصل إلى يد الحكومة البرتغالية من ذهب المستعمرات وفضتها وأحجارها الكريمة ما يكفي لتميل‬
‫مصروفاتها ولجعل الملك مستقلً عن مجلس الشعب وسلطانه الضريبي‪ .‬وهكذا عاش يوحنا الخامس‪ ،‬طوال ملكه الذي‬
‫امتد أربعة وأربعين عاماً‪ ،‬يرفل في رغد من العيش كأنه أحد سلطين الشرق؛ ويلطف من تعدد نسائه بالثقافة ويجمله‬
‫بالولء للكنيسة‪ .‬فوهب الموال الطائلة أو أقرضها للبابوية‪ ،‬وتلقى نظير ذلك لقب "صاحب الجللة العظيم اليمان"‬
‫بل نال حتى حق تلوة القداس‪-‬دون حق تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه‪ .‬قال فردريك الكبر "كانت لذاته‬
‫في الوظائف الكهنوتية‪ ،‬ومبانيه أديرة‪ ،‬وجيوشه رهباناً وخليلته راهبات(‪.")4‬‬
‫وأثرت الكنيسة بفضل هذا الملك الذي يدين لها بالكثير جدًا من الغفرانات‪ .‬فملكت نصف الراضي(‪ ،)5‬وشغل أتباعها‬
‫تسعمائة دار دينية‪ .‬وبلغ عدد الكنسيين من مختلف الرتب أو الملحقين بالمؤسسات الدينية زهاء ‪ 200.000‬في أمة تعد‬
‫مليونين من النفس‪ .‬وأختص اليسوعيون بمكان الصدارة المرموق سواء في أرض الوطن وفي المستعمرات‪ ،‬فلقد‬
‫ساهموا في الفوز بالبرازيل للبرتغال‪ ،‬ولقي نفر منهم الترحيب في البلط‪ ،‬وتمكن بعضهم التسلط على الملك‪ .‬وكان‬
‫الملك في موكب (عيد القربان) العظيم يحمل أعمدة المظلة التي حمل تحتها بطريرك لشبونة السر المقدس‪ .‬فلما تعجب‬
‫النجليز لمنظر طريق الموكب يصطف على جانبيه الجند والمصلون وكلهم عاري الرأس جاثٍ على ركبتيه‪ ،‬قيل لهم‬
‫في تفسير هذا المشهد أن مثل هذه‬

‫صفحة رقم ‪13258 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬يوحنا الخامس‬

‫المراسم وعرض النية النفيسة والرفاة المعجز في الكنائس‪ ،‬عامل رئيسي في حفظ النظام الجتماعي بين الفقراء‪.‬‬
‫وكانت محاكم التفتيش خلل ذلك ساهرة على نقاء عقيدة المة ودمائها‪ .‬وقد كبح يوحنا الخامس من سلطان هذه‬
‫المؤسسة بحصوله على مرسوم من البابا بندكت الثالث عشر يسمح لسجنائها بأن يدافع عنه المحامون ويشترط‬
‫مراجعة الملك لجميع أحكامها(‪ .)6‬ومع ذلك كان لهذه المحكمة من النفوذ والسلطان ما مكنها من إحراق ستة وستين‬
‫شخصاً في لشبونة على مدى أحد عشر عاماً (‪ )42-1732‬من بينهم أنطونيو خوزيه دا سيلفا كبير كتاب العصر‬
‫المسرحيين البرتغاليين‪ ،‬الذي اتهم بأنه يضمر اليهودية‪ .‬وفي يوم إعدامه (‪ 19‬أكتوبر ‪ )1739‬مثلت إحدى مسرحياته‬
‫في ملهى لشبونة(‪.)7‬‬
‫وأحب يوحنا الخامس الموسيقى والدب والفن‪ .‬فاستقدموا الممثلين الفرنسيين والموسيقيين اليطاليين إلى عاصمة‬
‫ملكه‪ .‬ثم أنشأ أكاديمية التاريخ الملكية‪ .‬ومول القناة الكبرى التي تمد لشبونة بالماء‪ .‬وأنفق خمسين مليوناً من الفرنكتات‬
‫ليشيد دير مافرا (‪ ،)32-1717‬الذي يفوق السكوريال سعة‪ ،‬والذي ما زال من أروع ما تحويه شبه الجزيرة اليبيرية‬
‫من صروح‪ .‬ورغبة في تزيين داخل الدير استعار من أسبانيا أعظم مصوري القرن البرتغاليين‪.‬‬
‫وكان هذا المصور‪-‬فرانسسكوفييرا‪-‬البالغ آنذاك الرابعة والثمانين من عمره يمزج العشق والفن في شاعرية افتتنت بها‬
‫البرتغال بأسرها‪ .‬ولد بلشبونة في ‪ ،1699‬ووقع في غرام أجنيز إيلينا دي ليما وهما بعد طفلن‪ .‬وإذ كان مولعاً‬
‫بالتصوير أيضاً‪ ،‬فقد ذهب إلى روما في التاسعة ودرس فيها سبع سنين‪ ،‬ولما بلغ الخامسة عشرة فاز بالجائزة الولى‬
‫في مسابقة قدمتها أكاديمية القديس لوقا‪ .‬وحين عاد في ‪1715‬أختاره يوحنا الخامس ليرسم صورة "سر التناول"‬
‫وروي أنه أتمها في ستة أيام‪ .‬ثم أنطلق باحثاً عن أجنيز‪ ،‬فرده عنها أبوها النبيل وحبس الفتاة في دير للراهبات‪ .‬فلجأ‬
‫فرانسسكو إلى الملك‪ ،‬ولكنه أبى أن يتدخل في المر‪ .‬فقصد روما وحصل على مرسوم‬

‫صفحة رقم ‪13259 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬يوحنا الخامس‬
‫بابوي يلغي نذور أجنيز الديرية ويصرح بزواجه منها‪ .‬ولكن السلطات البرتغالية تجاهلت المرسوم‪ .‬فتنكر فرانسسكو‬
‫في زي بناء بعد أن عاد إلى لشبونة‪ ،‬ودخل الدير وخطف حبيبته وتزوجها‪ .‬فأطلق عليه أخوها الرصاص‪ ،‬ولكنه شفي‬
‫من إصابته وغفر لمهاجمه‪ .‬وعينه يوحنا الخامس مصوراً للبلط‪ .‬ولم يكتف بتكليفه تزيين دير مافرا بل وكل إليه‬
‫تجميل القصور الملكية‪ .‬وبعد موت أجنير (‪ )1775‬أنفق فرانسسكو ما بقي من أجله في العتكاف الديني وأعمال البر‪.‬‬
‫كم من قصص كهذه تروي مغامرات الروح والدم ضاعت وراء واجهات التاريخ؟‬

‫صفحة رقم ‪13260 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬

‫‪ -2‬بومبال واليسوعيون‬
‫مات يوحنا الخامس عام ‪ 1750‬بعد أن قضى ثمانية أعوام يعاني الشلل والعته‪ ،‬وبدأ ابنه يوسف الول (خوزيه‬
‫مانويل) حكماً حافلً بالحداث‪ .‬فعين في وزارته وزيراً للحرب والشؤون الخارجية يدعى سباستيا وخوزيه دي كافالو‬
‫اي ميللو‪ ،‬الذي يعرفه التاريخ باسم المركيز بومبال‪ ،‬أعظم وأرهب من حكم البرتغال في أي عهد من عهودها‪.‬‬
‫كان قد بلغ الحادية والخمسين من عمره حين ارتقى يوسف العرش‪ .‬تلقى العلم على أيدي اليسوعيين في جامعة‬
‫كويمبرا‪ ،‬واكتسب أول شهرته رياضياً وزعيمًا مشاغبًا لعصابة "الموهوك" التي عاثت فساداً في شوارع لشبونة‪ .‬وفي‬
‫‪ 1733‬أغرى النبيلة دونا تريزا نورونها بالفرار معه‪ .‬فتبرأت منها أسرتها‪ ،‬ثم تبينت موهبته فأعانته على الترقي في‬
‫حرفة السياسة‪ .‬وأتته زوجته بثروة صغيرة‪ ،‬وورث مالً آخر من عم له‪ .‬وشق طريقه بالوساطة واللحاح والكفاية‬
‫الواضحة‪ .‬وفي ‪ 1739‬عين وزيراً مفوضًا لدى لندن‪ ،‬واعتكفت زوجته في أحد الديرة حيث ماتت في ‪ 1745‬وخلل‬
‫السنوات الست التي قضاها بومبال في لندن درس القتصاد ونظام الحكم النجليزيين ولحظ طاعة الكنيسة النجلكانية‬
‫للدولة‪ ،‬ولعله نفض عنه بعض إيمانه الكاثوليكي‪ .‬ثم عاد إلى لشبونة (‪ ،)1744‬وأوفد مبعوثاً إلى فيينا (‪،)1745‬‬
‫وهناك تزوج‬

‫صفحة رقم ‪13261 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫ابنة أخ للمرشال داون الذي كتب له الظفر بالخلود لنه هزم فردريك مرة‪ ،‬وقد ظلت عروسه الجديدة وفية له طوال ما‬
‫أحرزه من انتصارات وما مني به من هزائم‪.‬‬
‫وكان يوحنا الخامس عديم الثقة به لن له "قلبًا فضاً"(‪ .)8‬ولنه "سليل أسرة قاسية محبة للثأر"(‪ )9‬ولن فيه القدرة‬
‫على أن يتحدى ملكاً‪ .‬ومع ذل استدعي بومبال إلى أرض الوطن عام ‪ ،1749‬ورقي إلى منصب الوزارة بفضل تأييد‬
‫اليسوعيين‪ .‬وثبته يوسف الول في وظيفته‪ .‬وسرعان ما أتاح له ذكاؤه المقرون بالجد والجتهاد أن يسيطر على‬
‫الوزارة الجديدة‪ .‬كتب قائم بالعمال فرنسي يقول "يمكن اعتبار كافالو الوزير الول‪ ،‬فهو سريع البت وافر النشاط ل‬
‫يعتريه كلل‪ .‬ولقد كسب ثقة موله الملك‪ ،‬ولم يظفر بها أحد أكثر منه في جميع شؤون السياسة"(‪.)10‬‬
‫وظهر تفوقه واضحاً جلياً في الزلزال الكبير الذي زلزل لشبونة في أول نوفمبر ‪ .1755‬ذلك أنه في الساعة ‪9.40‬‬
‫صباح عيد جميع القديسين بينما كان معظم السكان يصلون في الكنائس‪ ،‬زلزلت المدينة بهزات أربعة أحالت نصفها‬
‫أنقاضاً‪ ،‬وقتلت أكثر من خمسة عشر ألف شخص‪ ،‬ودمرت اكثر الكنائس‪ ،‬وأبقت على معظم المواخير(‪ )11‬وعلى‬
‫بيت بومبال‪ .‬وهرع كثير من السكان فزعاً إلى شواطئ تاجه‪ ،‬ولكن موجة مد بلغ ارتفاعها خمس عشرة قدماً أغرقت‬
‫مزيدًا من النفس‪ .‬وفي غمار الفوضى التي ضربت أطنابها بدأ السفلة من الغوغاء يسرقون ويقتلون وهم آمنون‪ .‬أما‬
‫الملك الذي لم يفلت هو نفسه من الموت إل بشق النفس‪ ،‬فقد طلب إلى وزرائه أن يشيروا عليه بما ينبغي صنعه‪.‬‬
‫ويقال أن بومبال أجاب "علينا أن ندفن الموتى ونقدم الغوث للحياء"‪ .‬وأطلق يوسف يده‪ ،‬واستعمل بومبال سلطته بما‬
‫تميز به من همة وسرعة‪ .‬فعين الجند لحفظ النظام وأقام الخيام والمعسكرات ليواء من باتوا بغير مأوى‪ .‬وأمر بأن‬
‫يشنق فورًا كل من وجد يسرق الموتى‪ .‬ثم حدد أسعار المؤن بما ل يزيد على أسعارها‬

‫صفحة رقم ‪13262 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫السائدة قبل الزلزال‪ ،‬وألزم جميع السفن الوافدة أن تفرغ شحناتها من الطعام وتبعها بتلك السعار‪ .‬وأعانه تدفق الذهب‬
‫البرازيلي الذي لم ينضب‪ ،‬فأشرف على إعادة بناء لشبونة سريعاً بطرق مشجرة عريضة وشوارع جيدة الرصف‬
‫والضاءة‪ .‬وقلب المدينة كما نراه اليوم من صنع المعماريين والمهندسين الذين اشتغلوا تحت إشراف بومبال(‪.)12‬‬
‫وكان لنجاحه في هذه الكارثة التي أضعفت معنوية المة الفضل في ترسيخ قدمه في الوزارة واضطلع الن بعملين‬
‫بعيدي الثر‪ :‬أولهما تخليص الحكم من سيطرة الكنيسة‪ ،‬والخر تحرير القتصاد من سيطرة بريطانيا‪ .‬وتطلبت‬
‫المهمتان رجلً أوتي صلبة الفولذ إلى صفات الوطنية والباء ومضاء العزيمة التي ل تعرف شفقة أو رحمة‪.‬‬
‫وإذا كان عداؤه للكليركية قد تركز على اليسوعيين فإنما السبب الول هو أنه توجس منهم إثارة المقاومة لتملك‬
‫البرتغال للقاليم البارجوانية التي كان اليسوعيين منذ عام ‪ 1605‬ينظمون فيها أكثر من ‪ 100.000‬هندي في إحدى‬
‫وثلثين مستوطنة‪ ،‬على أساس شبيه بالنظمة الشيوعية في خضوع شكلي لسبانيا(‪ .)13‬وكان الرواد من السبان‬
‫والبرتغال قد سمعوا بوجود الذهب (السطوري تماماً) في تربة باراجوي‪ .‬وشكا التجار من أن الباء اليسوعيين‬
‫يحتكرون تجارة الصادر الباراجوي ويضيفون الرباح إلى أموال طائفتهم‪ .‬ففي ‪ 1750‬فاوض بومبال لعقد معاهدة‬
‫نزلت البرتغال بمقتضاها لسبانيا عن مستعمرة سان سكرومنتو الغنية (على مصب الريودي لبلتا) بديلً عن سبع‬
‫من المستوطنات اليسوعية المجاورة للحدود البرازيلية‪ .‬واشترطت المعاهدة أن يهاجر الثلثون ألف هندي المقيمون‬
‫في هذه المستوطنات إلى أقاليم أخرى ويتخلوا عن الرض للبرتغال الوافدين‪ .‬وأمر فرديناند السادس ملك أسبانيا‬
‫يسوعيي باراجوي بالرحيل عن المستوطنات وبإصدار المر لرعاياهم بالرحيل هدوء‪ .‬وزعم اليسوعيون أنهم امتثلوا‬
‫لهذه الوامر‪ ،‬أما الهنود فقاموا في إصرار غاضب عنيف اقتضى التغلب عليه جيشاً برتغالياً ثلث سنين‪ .‬واتهم‬
‫بومبال جماعة اليسوعيين بتشجيع هذه المقاومة سراً‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13263 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫فعقد العزم على أن ينهى كل مشاركة لليسوعيين في الصناعة والتجارة والحكومة البرتغالية‪ .‬فلما أدرك يسوعيو‬
‫البرتغال نيته تضافرت جهودهم للطاحة به‪.‬‬
‫وكان قائدهم في هذه الحركة جابرييل مالً جريداً‪ ،‬الذي ولد بمنادجو (على بحيرة كومو) عام ‪ ،1689‬وتميز على‬
‫أقرانه في المدرسة بما مارس من غض يديه حتى يدميهما‪ ،‬وكان يقول أنه بهذه الطريقة يعد نفسه لتحمل آلم‬
‫الستشهاد‪ .‬ثم التحق بجمعية اليسوعيين‪ ،‬وأبحر إلى البرازيل مبعوثاً‪ .‬وراح يبشر الهنود في الدغال بالنجيل من‬
‫‪ 1724‬إلى ‪ .1735‬وأفلت من الموت عدة مرات‪-‬من أكلة لحوم البشر‪ ،‬ومن التماسيح‪ ،‬ومن الغرق في السفينة‪ ،‬ومن‬

‫المرض‪ .‬وابيضت لحيته في بواكير كهولته‪ .‬ونسبت إليه قوى خارقة‪ ،‬وكانت الجموع المترقبة تتبعه أينما ظهر في‬
‫مدن البرازيل‪ .‬وبنى الكنائس والديرة‪ ،‬وأسس المدارس اللهوتية‪ .‬وفي ‪ 1747‬قدم على لشبونة في طلب المال من‬
‫الملك يوحنا‪ .‬وحصل عليه‪ ،‬ثم أبحر قافلً إلى البرازيل وأسس المزيد من البيوت الدينية‪ ،‬وكثيراً ما شارك بيديه في‬
‫أعمال البناء‪ .‬وفي ‪ 1753‬عاد إلى لشبونة ثانية‪ ،‬لنه كان قد وعد بأن يعد الملكة الم للقاء ربها‪ .‬وقد عزا زلزال‬
‫‪ 1755‬لخطايا الشعب‪ ،‬وطالب بإصلح الخلق‪ ،‬وتنبأ مع غيره من أفراد طائفته بمزيد من الزلزل إن لم تنصلح‬
‫الخلق‪ .‬وأصبح بيت خلوته الدينية بؤرة للمؤامرات ضد بومبال‪.‬‬
‫وكان بعض أسر النبلء ضالعين في هذه المؤامرات‪ .‬واحتجوا بأن ابن مالك أرض ريفي حقير قد سود نفس على‬
‫البرتغال‪ ،‬وقبض على مقاليد حياتهم ومقدراتهم‪ .‬وكان أحد هذه الحزاب الرستقراطية تحت زعامة دوم خوزيه دي‬
‫ماسكارينهاس‪ ،‬دوق أفيرو‪ ،‬وآخر يرأسه ابن أخي الدوق وهو المركيزة دونا ليونور‪ ،‬إحدى زعيمات المجتمع‬
‫البرتغالي‪ ،‬تلميذة شديدة التحمس للب مالً جريداً كثيرة التردد عليه‪ .‬وكان أكبر أبنائها‪ ،‬الدوم لويز برناردو‪" ،‬مركيز‬
‫طابوره الصغر" متزوجًا من عمته‪ .‬فلما‬

‫صفحة رقم ‪13264 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫رحل لويز إلى الهند جندياً‪ ،‬أصبحت هذه "المركيزة الصغيرة" الفاتنة الرائعة الجمال خليلة ليوسف الول‪ ،‬وهذا أيضاً‬
‫لم ينسه قط آل أفيرو وطابوره‪ .‬وافقوا اليسوعيين صادقين على أنه لو أزيح بومبال لتحسن الموقف‪.‬‬
‫ورد بومبال بإقناع يوسف بأن جمعية اليسوعيين تشجع سراً المزيد من الثورة في بارجواي‪ ،‬وأنها ل تتآمر على‬
‫الوزارة فحسب بل على الملك أيضاً‪ .‬ففي ‪ 19‬سبتمبر ‪ 1757‬أقصى مرسوم ملكي عن البلط أباء اعتراف السرة‬
‫المالكة اليسوعيين‪ .‬وأمر بومبال ابن عمه‪ ،‬فرانسسكو دي المادا إي مندونسا‪ ،‬المبعوث البرتغالي لدى الفاتيكان‪ ،‬بأل‬
‫يظن بالمال في سبيل تشجيع وتمويل الحزب المناوئ لليسوعيين في روما‪ .‬وفي أكتوبر قدم المادا لبندكت الرابع عشر‬
‫قائمة بالتهم الموجهة إلى اليسوعيين‪ :‬اتهموا بأنهم "ضحوا بكل العهود والواجبات المسيحية‪ ،‬والدينية‪ ،‬والطبيعية‪،‬‬
‫والسياسية في رغبة عمياء‪...‬في جعل أنفسهم سادة على الحكومة"‪ .‬وبأن الجمعية مدفوعة "بشره ل يشيع لقتناء‬
‫الموال الجنبية وتكديسها‪ ،‬بل حتى لغتصاب أملك الملوك(‪ ،")14‬وفي أول إبريل ‪ 1758‬أمر البابا الكردينال دي‬
‫سالدانها‪ ،‬بطريرك لشبونة‪ ،‬بالتحقيق في هذه التهم‪ .‬وفي ‪ 15‬مايو نشر سالدانها مرسوماً يعلن أن اليسوعيين البرتغال‬
‫يمارسون التجارة‪" .‬مخالفين بذلك جميع القوانين السماوية والبشرية"‪ ،‬وأمرهم بالكف عنها‪ .‬وفي ‪ 7‬يونيو‪ ،‬بتحريض‬
‫من بومبال في أغلب الطن‪ ،‬وأمرهم بالمتناع عن سماع العترافات أو عن الوعظ‪ .‬وفي يوليو نفي يسوعي لشبونة‬
‫إلى مسافة ستين فرسخاً عن القصر الملكي‪ :‬وخلل ذلك (‪ 3‬مايو ‪ )1758‬مات بندكت الرابع عشر‪ ،‬فعين خليفته‬
‫كلمنت الثالث عشر لجنة تحقيق أخرى‪ ،‬قررت أن اليسوعيين براء من التهم التي رماها بها بومبال(‪.)15‬‬
‫وخامر الناس بعض الشك في أن يوسف الول سيؤيد وزيره في هجومه على اليسوعيين‪ ،‬ولكن تحولً فجائياً في‬
‫الحداث دفه الملك دفعاً تماماً إلى صف بومبال‪ .‬ذلك أن يوسف كان في ليلة الثالث من سبتمبر ‪ 1758‬قافلً إلى قصره‬
‫القريب من بيليم من لقاء غرام سري مع مركيزة طابوره‬

‫صفحة رقم ‪13265 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫في أغلب الظن(‪ .)16‬وقبيل منتصف الليل انبعث ثلثة رجال مقنعين من عقد قناة وأطلقوا المار على المركبة دون أن‬
‫يصيبوا هدفهم‪ .‬وأطلق السائق لجواده العنان‪ ،‬وما هي إل لحظة حتى انطلقت رصاصتان من كمين آخر‪ ،‬وأصابت‬
‫الولى السائق والخرى الملك في كتفه وذراعه اليمينين‪ .‬وقررت محكمة تحقيق لحقة أن كميناً ثالثًا أعده أفراد من آل‬
‫طابوره كان ينتظر المركبة على مسافة أبعد على الطريق العام إلى بيليم‪ .‬ولكن يوسف أمر السائق أن يحيد عن‬
‫الطريق الرئيسي ويقصد بيت جراح الملك‪ ،‬الذي ضمد جراح الرجلين‪ .‬ولعل الحداث التالية التي أحدثت ضجة في‬
‫جميع أرجاء أوربا‪ ،‬كانت تختلف كل الختلف لو نجح الكمين الثالث في الغتيال المبيت‪.‬‬
‫وتصرف بومبال بتدبر ودهاء‪ .‬فنفيت إشاعات الهجوم رسمياً‪ ،‬وعزى اعتكاف الملك المؤقت إلى كبوة كباها‪ ،‬وظل‬
‫ل يشهد بأن انطونيو فريرا استعار بندقية منه في ‪ 3‬أغسطس‬
‫جواسيس الوزير ثلثة أشهر يجمعون الدلة‪ .‬فوجدوا رج ً‬
‫وردها إليه في ‪ 8‬سبتمبر‪ .‬وقيل أن رجلً قال أن فريرا استعار مسدسًا منه في ‪ 3‬سبتمبر ورده بعد أيام‪ .‬وقال الشاهدان‬
‫أ‪ ،‬فريرا في خدمة دوق أفيرو وشهد سلفادور دوراو؛ وهو خادم في بيليم‪ ،‬بأنه في ليلة الهجوم‪ ،‬بينما كان في لقاء‬
‫خارج بيت أفيرو‪ ،‬سمع عفواً أفرادًا من أسرة أفيرو عائدين من مغامرة ليلية‪.‬‬
‫وأعد بومبال لقضيته في حيطة وجرأة‪ .‬فضرب صفحاً عن الجراء الذي يتطلبه القانون‪ ،‬والذي كان سيحاكم الشراف‬
‫ل من هذا‪ ،‬أصدر الملك في ‪ 9‬ديسمبر‬
‫المشبوهين أمام محكمة من كبار النبلء؛ ومحكمة كهذه لن تدينهم أبداً‪ .‬وبد ً‬
‫مرسومين‪ ،‬وكان هذا الصدار أول كشف علني عن الجريمة‪ :‬فعين المرسوم الول الدكتور بدور جونسا لفيس بيريرا‬
‫قاضياً يرأس محكمة خاصة بقضايا الخيانة العظمى‪ ،‬وأمره الخر بأن يميط اللثام عن المسئولين عن محاولة قتل‬
‫الملك ويقبض عليهم ويعدمهم‪ .‬وخول جونسا لفيس بريرا سلطة إغفال جميع الشكال المألوفة للمحاكمات‪ ،‬وأمرت‬
‫المحكمة‬

‫صفحة رقم ‪13266 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫بتنفيذ أحكامها يوم إعلنها‪ .‬وأضاف بومبال إلى المراسيم بياناً رسمياً علق في جميع أرجاء المدينة‪ ،‬يروي أحداث ‪3‬‬
‫سبتمبر‪ ،‬ويعد بمكافأة أي شخص يقد الدلة التي تعين على القبض على القتلة(‪.)17‬‬
‫وفي ‪ 13‬ديسمبر قبض ‪ 13‬موظفاً حكومياً على دوق أفيرو‪ ،‬وعلى ابنه المركيز جوفيا البالغ من العمر ستة عشر‬
‫عاماً‪ ،‬وعلى خادم أنطونيو فريرا‪ ،‬وعلى مركيزي طابوره الب والبن‪ ،‬وعلى المركيزة طابوره الم‪ ،‬وعلى كل خدم‬
‫السرتين‪ ،‬وعلى خمسة نبلء آخرين‪ .‬وطوق الجند في ذلك اليوم جميع الكليات اليسوعية‪ ،‬وأودع السجن مالجريدا‬
‫واثنا عشر آخرون من زعماء اليسوعيين‪ .‬وتعجيلً للفصل في المر‪ ،‬أباح مرسوم ملكي صدر في ‪ 20‬ديسمبر‬
‫(بخلف ما جرى عليه العرف في البرتغال) استعمال التعذيب لستخلص العترافات من المتهمين‪ .‬وفحص خمسون‬
‫سجينًا بالتعذيب أو التهديد بالتعذيب‪ .‬وورطت عدة اعترافات دوق أفيرو‪ ،‬واعترف هو نفسه بذنبه تحت وطأة التعذيب‪،‬‬
‫واعترف أنطونيو فريروا أنه أطلق المار على المركبة‪ ،‬ولكنه أقسم أنه لم يكن يعلم أن ضحيته المحتمل هو الملك‪.‬‬
‫وتحت وطأة التعذيب عرض عدة خدم تلك السرة بجملتها للخطر‪ ،‬واعترف المركيز البن باشتراكه‪ ،‬أما المركيز‬

‫الب الذي عذب حتى كاد يلفظ أنفاسه فقد أنكر أنه مذنب‪ .‬وكان بومبال ذاته يحضر فحص الشهود والمسجونين‪ .‬وكان‬
‫قد أمر بتفتيش البريد‪ ،‬فزعم الن أنه وجد ضمنه أربعاً وعشرين رسالة كتبها دوق أفيرو‪ ،‬وعدة أفراد من آل طابوره‪،‬‬
‫ومالجريدا وغيره من اليسوعيين‪ ،‬لحاطة أصدقائهم أو أقربائهم في البرازيل بالمحاولة الفاشلة‪ ،‬واعدينهم بمزيد من‬
‫الجهود لقلب الحكومة‪ .‬وفي ‪ 4‬يناير ‪ 1759‬عين الملك الدكتور أورزيبيو تافاريس دي سكوبرا للدفاع عن المتهمين‪.‬‬
‫ودفع سكوبرا بأن العترافات التي انتزعت تحت التعذيب عديمة القيمة في الدللة على الجريمة‪ ،‬وأن جميع النبلء‬
‫المتهمين يستطيعون إثبات غيابهم ليلة الجريمة‪ .‬على أن المحكمة قضت بأن الدفاع غير مقنع‪ ،‬ورأت أن الرسائل‬
‫المعترضة صحيحة وأنها تؤيد العترافات‪ ،‬وفي ‪ 12‬يناير حكمت المحكمة بأن جميع المتهمين مذنبون‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13267 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫وأعدم تسعة منهم في ‪ 13‬يناير في ميدان بيليم العام‪ ،‬وأول من تقر إعدامه كان مركيزة طابوره الم‪ .‬فانحنى الجلد‬
‫ليوثق قدميها وهي على المقصلة فدفعته قائلة "ل تمسني إل لتقتلني"(‪ )18‬وبعد أن أكرهت على رؤية العدة التي‬
‫سيموت بها زوجها وابناها‪-‬وهي دولب التعذيب‪ ،‬والمطرقة والحطب‪-‬ضرب عنقها‪ .‬وحطم ولداها على الدولب ثم‬
‫شنقا‪ ،‬وظلت جثتاهما على المشنقة حين صعد إليها دوق أفيرو ومركيز طابوره الب‪ .‬وذاقا مرارة الضربات المحطمة‬
‫ذاتها‪ ،‬وترك الدوق ليطول عذابه حتى تم إعدامه آخر المتهمين‪-‬وهو أنطونيو فريرا الذي أحرق حيا‪ .‬ثم أحرقت جميع‬
‫الجثث وذر رمادها في نهر تاجه‪ .‬ومازال الجدل قائماً في البرتغال حول هؤلء النبلء‪ ،‬هل تعمدوا حقاً قتل الملك الم‬
‫ل؟ هذا مع التسليم بعدائهم لبومبال‪.‬‬
‫أكان اليسوعيون ضالعين في تلك المحاولة؟ لم يكن هناك في أن مالجريدا في غضباته المضربة كان قد تنبأ بسقوط‬
‫وبموت الملك وشيكاً‪ )19(،‬ولم يكن هناك شك في أنه هو وآخرون من اليسوعيين كانوا قد اجتمعوا مرات بأعداء‬
‫الوزير من الشراف‪ .‬وكان قد دل ضمنًا على علمه بمؤامرة ما بكتابته إلى إحدى نبيلت البلط يرجوها أن تنبه‬
‫يوسف إلى الحذر من خطر وشيك‪ .‬فلما سئل وهو في السجن كيف علم بهذا الخطر أجاب في "كرسي العتراف"(‬
‫‪ .)20‬وفي غير هذا (كما يقول مؤرخ من خصوم اليسوعيين) "ليس هناك دليل إيجابي يربط اليسوعيين بهذا‬
‫العتداء"(‪ .)12‬ولكن بومبال اتهمهم بإثارة حلفائهم بوعظهم وتعاليمهم إثارة دفعتهم إلى محاولة الغتيال‪ .‬وأقنع الملك‬
‫أن الموقف يتيح للملكية الفرصة لتعزيز قوتها إزاء الكنيسة‪ .‬وعليه ففي ‪ 19‬يناير أصدر يوسف مراسيم بضم جميع‬
‫ممتلكات اليسوعيين في المملكة‪ ،‬وبإلزام جميع اليسوعيين بيوتهم أو مدارسهم حتى يفصل البابا في التهم الموجهة‬
‫إليهم‪ .‬واستعمل بومبال أثناء ذلك مطبعة الحكومة ليطبع‪-‬ويوزع عماله على نطاق واسع في الداخل والخارج‪-‬كراسات‬
‫نبسط الحجج التي تدين الشراف واليسوعيين‪ ،‬وكانت هذه فيما يبدو أول مرة استخدمت فيها حكومة من الحكومات‬
‫المطبعة‬

‫صفحة رقم ‪13268 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫لتفسر تصرفاتها للمم الخرى‪ .‬وربما كان لهذه المنشورات بعض الثر في المعاونة على طرد اليسوعيين من فرنسا‬
‫وأسبانيا‪.‬‬
‫وفي صيف ‪ 1759‬أستأذن بومبال كلمنت الثالث عشر في تقديم اليسوعيين المعتقلين للمحاكمة أمام محكمة الخيانة‬
‫العظمى‪ ،‬وزاد بالقتراح بأن يحاكم جميع الكنسيين المتهمين بجرائم ضد الدولة‪ ،‬منذ الن‪ ،‬أمام البابا بعزم الملك على‬
‫طرد اليسوعيين من البرتغال‪ ،‬وأعربت عن المل في أن يوافق الباب على هذا الجراء باعتباره إجراء تبرره‬
‫تصرفاتهم‪ ،‬وضرورياً لحماية الملكية‪ .‬وصدمت هذه الرسائل كلمنت‪ ،‬ولكنه خشي أن قاومها صراحة أن يقنع بومبال‬
‫الملك بقطع الصلت جميعها بين الكنيسة البرتغالية والبابوية‪ .‬وتذكر ما فعله هنري الثامن عشر في إنجلترا‪ ،‬وكان‬
‫يعرف أن فرنسا أيضًا تزداد عداء لجماعة اليسوعيين‪ ،‬ففي ‪ 11‬أغسطس بعث بالذن بمحاكمة اليسوعيين أمام‬
‫المحكمة المدنية‪ ،‬ولكنه قصر بوضوح موافقته على تلك الحالة بعينها‪ .‬ثم وجه إلى الملك نداء شخصياً يدعو للرأفة‬
‫بالقساوسة المتهمين‪ ،‬وذكر يوسف بإنجازات هذه الطائفة الماضية‪ ،‬وأعرب عن رجائه بأل يؤخذ جميع اليسوعيين‬
‫البرتغاليين بجريرة فئة قليلة منهم‪.‬‬
‫ولكن نداء البابا فشل‪ .‬ففي ‪ 3‬سبتمبر ‪-1759‬وكان اليوم ذكرى الغتيال المبيت‪-‬أصدر الملك مرسومًا ضمنه قائمة‬
‫طويلة بجرائم منسوبة لليسوعيين‪ ،‬وأمر بما يأتي‪:‬‬
‫"إن هؤلء الرهبان‪ ،‬نظراً إلى فسادهم وسقوطهم المؤسف بعيداً عن رهبنتهم المقدسة‪ ،‬ولما أصابهم عن عجز واضح‬
‫عن العودة إلى شعائرها بسبب هذه الرذائل البشعة المتأصلة‪ ،‬يجب أن ينفوا نفياً حقيقيًا فعلً‪..‬وأن يحاكموا ويطردوا‬
‫من جميع أهلك جللته‪ ،‬باعتبارهم عصاة سيئي السمعة وخونة‪ ،‬وأعداء‪ ،‬اعتدوا على شخصه الملكي وعلى‬
‫مملكته‪..‬ويقتضي المر أل يقبلهم أي شخص كائناً ما كانت مكانته أو وضعه في أي‬

‫صفحة رقم ‪13269 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫من ممتلكاته وأل يتصل بهم بتاتاً سواء بالحديث أو المراسلة‪ ،‬وإل كان جزاؤه الموت الذي ل رجوع فيه(‪.)22‬‬
‫واستثنى من المرسوم اليسوعيين الذين لم ينذروا أنفسهم النذر الوثيق للرهبنة‪ ،‬والذين يجب عليهم أن يلتمسوا إعفائهم‬
‫من نذورهم الولية‪ .‬وصادرت الدولة ثروة اليسوعيين كلها‪ ،‬ومنع المنفيون من أن يأخذوا معهم غير ملبسهم‬
‫الشخصية(‪.)23‬واقتدوا من جميع أرجاء البرتغال في مركبات أو سيراً على القدام إلى سفن أقلتهم إلى إيطاليا‪ .‬وتم‬
‫رحيلهم على هذا النحو من البرازيل وغيرها من الممتلكات البرتغالية‪ .‬ووصلت أول شحنة من المنفيين إلى تشيفيتافكيا‬
‫في ‪ 24‬أكتوبر‪ ،‬ورثى لحالهم حتى ممثل بومبال هناك‪ .‬كان بعضهم ضعيفًا لكبره‪ ،‬وبعضهم يكاد يتضور جوعاً‪،‬‬
‫وبعضهم مات في الطريق‪ .‬ورتب قائد الجماعة‪ ،‬لورنتسو ريكي‪ ،‬استقبال الحياء منهم في بيوت يسوعية في إيطاليا‪،‬‬
‫وشارك الخوة الدومنيكان في استضافتهم‪ .‬وفي ‪ 17‬يونيو ‪ 1760‬أوقفت الحكومة البرتغالية العلقات الدبلوماسية مع‬
‫الفاتيكان‪.‬‬
‫وبدا نصر بومبال نصراً مؤزراً‪ ،‬ولكنه كان عليماً بأنه نصر ل تحبه المة‪ ،‬وأفضى بع الشعور بعدم المان إلى توسيع‬
‫سلطته إلى الدكتاتورية الكاملة‪ ،‬فبدأ حكمًا من الستبدادية والرهاب حتى عام ‪ .1777‬وكان جواسيسه يبلغونه بكل ما‬
‫يكشفونه من ألوان المقاومة لسياساته أو أساليبه‪ ،‬وسرعان ما اكتظت سجون لشبونة بالمسجونين السياسيين‪ .‬وقبض‬
‫على الكثيرين من الشراف والكهنة لتهامهم بمؤامرات جديدة على الملك‪ ،‬أو باشتراكهم في المؤامرة القديمة‪.‬‬
‫وأصبحت قلعة جنكيرا‪ ،‬المتوسطة الموقع بين لشبونة وبيليم‪ ،‬سجناً خاصاً للشراف زج فيه كثير منهم حتى قضوا‬

‫نحبهم‪ .‬وفي سجون أخرى أودع اليسوعيون المجلوبون من المستعمرات والمتهمون بمقاومة الحكومة‪-‬وظل بعضهم‬
‫نزيلها تسعة عشر عاماً‪.‬‬
‫أما مالجريدا فقد ظل يذوي في سجنه اثنين وثلثين شهراً قبل أن‬

‫صفحة رقم ‪13270 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫يمثل أمام المحكمة‪ .‬وسلى الشيخ سجنه بتأليفه كتاب "حياة القديسة حنه البطولية‪ ،‬أم مريم‪ ،‬أملتها القديسة حنه ذاتها‬
‫للب المبجل مالجريدا"‪ ،‬وصودر المخطوط بأمر بومبال‪ ،‬وقد وجد فيه عدة سخافات يمكن أن توصف بالهرطقة‪ :‬فقد‬
‫قال مالجريدا أن القديسة حنة حبل بها كما حبل بمريم‪ ،‬دون أن تلوثها الخطيئة الصلية‪ ،‬وأنها كانت تتكلم وتبكي في‬
‫بطن أمها(‪ .)24‬وبعد أن عين بومبال أخاه بول دي كارفالو رئيساً لديوان التفتيش في البرتغال‪ ،‬أمر بأن يستدعى‬
‫مالجريدا للمثول أمامه‪ ،‬وكتب بيده ورقة اتهام تتهم اليسوعيين بالجشع‪ ،‬والرياء‪ ،‬والدجل‪ ،‬وانتهاك المقدسات‪،‬‬
‫وبتهديدهم الملك بالتنبؤ مرارًا بموته‪ .‬وإذ كان مالجريدا‪-‬الذي بلغ الن الثانية والسبعين‪-‬قد أصبح نصف مخبول لشدة‬
‫ما كابد من عذاب‪ ،‬فقد أخبر قضاة التفتيش بأنه تكلم مع القديس أغناطيوس لويول والقديسة تريزا(‪ .)25‬وأراد قاضٍ‬
‫منهم لن يقف المحاكمة إشفاقاً على الشيخ فحي بأمر بومبال‪ .‬وفي ‪ 12‬يناير ‪ 1761‬حكمت المحكمة المقدسة بأن‬
‫مالجريدا مذنب بالهرطقة‪ ،‬والتجديف‪ ،‬والضلل‪ ،‬وبخداع الشعب بما زعم من إعلنات إلهية له‪ .‬ومد في أجله ثمانية‬
‫شهور أخر‪ .‬وفي ‪ 20‬سبتمبر سيق إلى المشنقة في البراسا روسيو‪ ،‬فشنق‪ ،‬وأحرق مشدوداً إلى خازوق‪ .‬وقال لويس‬
‫الخامس عشر معقبًا بعد سماعه بالعدام "لكأني أحرقت الشيخ المخبول نزيل مستشفى البتيت (ميزون) الذي يزعم أنه‬
‫ال الب(‪ .)26‬وكان رأي فولتير في الحادث وهو يسجله "أنه حماقة وسخف مقرونان بشر غاية في البشاعة(‪.")27‬‬
‫ولم يرقَ جماعة الفلسفة الفرنسيين ما طرأ على بومبال من تطور‪ ،‬بعد أن كان رأيهم فيه في ‪ 1758‬أنه "مستبد‬
‫مستنير"‪ .‬لقد رحبوا بالحاطة باليسوعيين‪ ،‬ولكنهم استنكروا الساليب التعسفية التي أنتجها الدكتاتور‪ ،‬والنغمة العنيفة‬
‫التي سرت في نشراته‪ ،‬والوحشية التي لوثت عقوباته‪ .‬وصدمتهم معاملة اليسوعيين خلل ترحيلهم‪ ،‬وإعدام السر‬
‫العريقة بالجملة‪ ،‬والمعاملة غير النسانية التي لقيها مالجريدا‪ .‬على أنه لم‬

‫صفحة رقم ‪13271 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال واليسوعيون‬
‫يصلنا إي سجل يثبت احتجاجهم على حبس أسقف كويمبرا ثماني سنوات لنه أدان لجنة بومبال للرقابة على‬
‫المطبوعات التي سمحت بتداول مؤلفات متطرفة‪ ،‬كقاموس فولتير الفلسفي وعقد روسو الجتماعي‪.‬‬

‫بيد أن بومبال نفسه لم يبشر بهرطقات‪ ،‬وكان يختلف إلى القداس بانتظام‪ .‬ولم يكن هدفه القضاء على الكنيسة بل‬
‫إخضاعها للملك‪ ،‬فلما وافق كلمنت الرابع عشر عام ‪ 1770‬على السماح للحكومة بالترشيح لمناصب السقفية‪،‬‬
‫اصطلح مع الفاتيكان‪ .‬وأسعدت يوسف الول‪-‬وقد دنا أجله‪-‬فكرة الظفر بعد هذا كله بكامل البركات الكهنوتية حين‬
‫يموت‪ .‬وبعث البابا بقبعة الكردينالية إلى بول أخي بومبال‪ ،‬وأتحف بومبال نفسه بخاتم يحمل صورة البابا‪ ،‬ونمنمة‬
‫إطارها من الماس‪ ،‬ورفات كامل لربعة قديسين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13272 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال المصلح‬

‫‪ -3‬بومبال المصلح‬
‫وترك الدكتاتور أثناء ذلك بصمته على اقتصاد البرتغال وإدارتها وحياتها الثقافية‪ .‬وأعاد تنظيم الجيش بمساعدة‬
‫الضباط النجليز واللمان‪ ،‬وقد صد هذا الجيش غزوا أسبانيا في حرب السنين السبع‪ .‬وانتهج ما أنتجه ريشليو في‬
‫فرنسا في القرن السابع عشر‪ ،‬فحد من سلطان الرستقراطية الممزق المة‪ ،‬ومركز الحكومة في ملكية تستطيع أن‬
‫تمنح هذه المة الوحدة السياسية‪ ،‬والتطور التعليمي‪ ،‬وبعض الحماية من تسلط الكنيسة وكف النبلء بعد إعدام آل‬
‫طابوره عن التآمر على الملك‪ ،‬وخضع الكليروس للدولة بعد طرد اليسوعيين‪ .‬وفي فترة الجفوة مع الفاتيكان كان‬
‫بومبال يعين الساقفة‪ ،‬وكان أساقفته يرسمون القساوسة دون الرجوع إلى روما‪ .‬وحد مرسوم ملكي من اقتناء الكنيسة‬
‫للرض‪ ،‬وقيد حرية الرعايا البرتغاليين في تحميل تركاتهم بوصايا لقامة القداديس(‪ )18‬وأغلق الكثير من الديرة‬
‫وحظر على الباقي منها قبول رهبان جدد تقل أعمارهم عن الخامسة والعشرين‪ .‬وأخضع ديوان‬

‫صفحة رقم ‪13273 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال المصلح‬
‫التفتيش لشراف الحكومة‪ .‬وحولت محكمته إلى محكمة عامة خاضعة للقواعد التي تخضع لها محاكم الدولة‪ ،‬وجردت‬
‫من سلطات الرقابة على المطبوعات‪ ،‬وألغى ما جرت عليه من تمييز بين قدامى المسيحيين وجددهم (أي اليهود أو‬
‫المغاربة الذين دخلوا في المسيحية وذريتهم)‪ ،‬لن بومبال افترض أن في دماء معظم السبان والبرتغال الن عرقاً‬
‫سامياً(‪ .)29‬وبمقتضى مرسوم صدر في ‪ 25‬مايو ‪ 1773‬أصبح جميع الرعايا البرتغال صالحين الختيار للمناصب‬
‫المدنية والعسكرية والكنسية(‪ ،)30‬ولم تحرق محكمة التفتيش إنسانًا بعد إحراق مالجريدا عام ‪.)31(1761‬‬

‫وفي تلك السنة ألغى بومبال ثلثة أرباع الوظائف الصغيرة التي كانت تعوق سير القضاء‪ ،‬ويسرت الطريق إلى‬
‫المحاكم وجعل التقاضي أقل كلفة‪ .‬وفي ‪ 1761‬أعاد تنظيم الخزانة‪ ،‬وألزمها بموازنة حساباتها كل أسبوع‪ ،‬وأمر بأن‬
‫تراجع إيرادات ومصروفات البلديات كل سنة‪ ،‬وحقق بعض التقدم في أشد الصلحات كلها عسراً‪-‬وهو خفض عدد‬
‫الموظفين في البلط الملكي والحد من السراف في نفقاته‪ .‬فتخلص من الثمانين طاهيًا الذين كانوا يطعمون يوحنا‬
‫الخامس وبطانته‪ ،‬واضطر يوسف الول أن يقنع بعشرين فقط‪ .‬وبمقتضى مرسوم صدر في ‪ 25‬مايو ‪ 1773‬ألغى‬
‫الرق في الواقع في البرتغال ولكن سمح باستمراره في المستعمرات‪.‬‬
‫وامتدت يد المصلح إلى كل ركن‪ .‬فبذل الدعم الحكومي للزراعة ومصايد السماك‪ ،‬وأدخل دودة القز في المقاطعات‬
‫الشمالية‪ .‬وأنشأ الفواخير‪ ،‬ومصانع الزجاج‪ ،‬ومصانع القطن والورق‪ ،‬لينهي اعتماد البرتغال على استيراد هذه‬
‫الحاصلت من الخارج‪ .‬وألغى المكوس الداخلية في انتقال السلع‪ ،‬وأقام التجارة الحرة بين البرتغال ومستعمراتها‬
‫المريكية‪ .‬وأسس كلية للتجارة يدرب البرتغال من الجانب الذين يتجرون فيها وينقلونها‪ ،‬وفي هذا فشل‪-‬أو فشلت‬
‫البرتغال‪ -‬لن‬

‫صفحة رقم ‪13274 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال المصلح‬
‫تجارة البرتغال في ‪ 1780‬كان أكثرها ل يزال في أيدي الجانب ل سيما البريطانيين‪.‬‬
‫واقتضى طرد اليسوعيين بناء التعليم من جديد بناء شاملً‪ .‬فنشرت في البلد المدارس الولية والثانوية الجديدة التي‬
‫بلغ عددها ‪-837‬وحولت الكلية اليسوعية في لشبونة إلى كلية للشراف يديرها العلمانيون‪ .‬ووسع منهج الدراسة في‬
‫كويمبرا وأضيفت إليه مقررات في العلوم‪ ،‬وأقنع بومبال الملك بتشييد دار للوبرا ودعوة المغنين اليطاليين لقيادة‬
‫الفرق‪ .‬وفي ‪ 1757‬أسس "أركاديا لشبونة" لتشجيع الدب‪.‬‬
‫وحظي الدب البرتغالي طوال نصف قرن مثير (‪ )1805-1755‬بحرية نسبية في الفكار والشكال‪ .‬وبعد أن حرر‬
‫نفسه من النماذج اليطالية‪ ،‬أقر بسحر فرنسا‪ ،‬وأحس بنسائم تهب عليه من حركة التنوير‪ .‬وظفر انطونيو دينيز‬
‫داكروز أي سيلفا بالشهرة في وطنه كله بكتابة هجاء سماه "أو هسوبي" (‪ ،)1772‬ووصف فيه في ثمانية أقسام‬
‫شجارًا بين أسقف وكبير كهنة‪ ،‬وترجم خواو أنستاسيودا كونها بوب فولتير‪ ،‬وعلى هذه الترجمة أدانته محكمة التفتيش‬
‫(‪ )1778‬عقب سقوط بومبال‪ .‬وأولع فرانسسكو مانويل دوناسكيمنتو بالكتب‪ ،‬وكان ابن عامل في تفريغ السفن‬
‫وشحنها‪ ،‬وأصبح قطباً لجماعة تمردت على الكاديمية الركادية لنها عائق لتطور الشعر القومي‪ .‬وفي ‪ 1778‬أمرت‬
‫محكمة التفتيش بالقبض عليه (مغتنمة ثانية فرصة سقوط بومبال) متهمة إياه بالولع بالفلسفة المحدثين من إتباع العقل‬
‫الطبيعي "ففر إلى فرنسا‪ ،‬حيث أنفق تقريبًا كل سنيه الواحدة والربعين الباقية من عمره‪ ،‬وهناك كتب معظم قصائده‬
‫التي تتقد بحب الحرية والديمقراطية‪ ،‬وفيها قصيدة غنائية "لحرية الوليات المتحدة واستقللها" وقد عده أنصاره إماماً‬
‫للشعر البرتغالي ل يميزه فيه غير كاموئيس‪ .‬وحوى مجلد في قصائد الحب يسمى "أماريليا" أرشق وأرخم شعر‬
‫العصر‪ ،‬الذي خلفه توماز أنطونيو جونزاجا الذي عانى السجن (‪ )88-1785‬بتهمة التآمر السياسي ومات في المنفى‪،‬‬
‫أما خوزيه‬

‫صفحة رقم ‪13275 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال المصلح‬
‫أجوستينودي ماسيدو‪ ،‬الراهب الوغسطيني الذي جرد لفسقه‪ ،‬فقد اتخذ في جرأة‪ ،‬لقصيدته "أو أورينتي" الموضوع‬
‫الذي اتخذه من قبل كاموئيس‪-‬وهو رحلة فاسكو داجاما إلى هند‪ .‬وكان يرى قصيدته أعظم من اللويزياده "واللياذة"‬
‫ولكنهم يؤكدون أنها عمل كئيب‪ .‬وأطرف منه هجاء كتبه في ستة أقسام "أوس بوروس" شهر فيه ماسيدو صراحة‬
‫برجال ونساء من جميع المراتب‪ ،‬الحياء منهم والموات‪ .‬وكان ألد خصومه مانويل ماريا باربوزا دي بوساجي‪ ،‬الذي‬
‫سجنته محكمة التفتيش (‪ )1797‬بتهمة إذاعة الفكار الفولتيرية في شعره وتمثيلياته‪ .‬وقد رده إعدام ماري أنطوانيت‬
‫إلى المحافظة في الدين والسياسة‪ ،‬فاستعاد تدينه أيام الشباب‪ ،‬ورأى في البعوضة دليلً على وجود ال(‪.)32‬‬
‫أما الحديث العظيم في تاريخ الفن في حكم بومبال فهو التمثال الذي صنع ليوسف الول‪ ،‬والذي مازال قائماً في ميدان‬
‫الحصان السود بلشبونة‪ .‬وقد صممه يواكيم مكادو دي كاسترو‪ ،‬وصبه بالبرونز ترتولوميو داكوستا وهو يمثل الملك‬
‫راكباً جوادًا مطهماً‪ ،‬ظافراً فوق أفاعي ترمز إلى القوى الشريرة التي غلبها في حكمه‪ .‬وجعل بومبال من إزاحة الستار‬
‫ل بوزارته المنتصرة‪ .‬فاصطف جنود الجيش في الميدان‪ ،‬واجتمع رجال السلك‬
‫عن هذا الثر (‪ 6‬يونيو ‪ )1775‬احتفا ً‬
‫السياسي‪ ،‬والقضاء‪ ،‬ومجلس الشيوخ وغيرهم من كبار القوم مرتدين الملبس الرسمية‪ ،‬ثم أقبلت الحاشية‪ ،‬ثم الملك‬
‫والملكة‪ ،‬وأخيراً تقدم بومبال وأزاح الستار عن التمثال والقاعدة الضخمة التي صورت ميدالية عليها الوزير لبساً‬
‫صليب المسيح‪ .‬وفهم الكل إل الملك أن الموضوع الحقيقي الحتفال هو بومبال‪.‬‬
‫وبعد أيام من إزاحة الستار أرسل إلى يوسف الول وصفاً وردي اللون للتقدم الذي حققه بومبال منذ ‪ :1759‬نشر‬
‫التعليم واللمام بالقراءة والكتابة‪ ،‬ونمو الصناعة والتجارة‪ ،‬وتطور الدب والفن‪ ،‬وارتفاع مستوى المعيشة بصفة‬
‫عامة‪ ،‬على أن توخي الصدق ل بد أن تختزل الكثير من وصفه هذا‪ ،‬فالصناعة والتجارة كانتا تنموان‪ ،‬ولكن في بطء‬
‫شديد‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13276 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬بومبال المصلح‬
‫وكانتا تعانيان المصاعب المالية‪ ،‬أما الفنون فركدت‪ ،‬وكان نصف لشبونة ل يزال (‪ )1774‬في الخرائب التي سببها‬
‫زلزال ‪ .1755‬وكان تعلق الشعب الفطري بأهدب الدين يعيد سلطان الكنيسة إلى سابق عهده‪ .‬وكان صلف بومبال‬
‫وأساليبه الدكتاتورية تخلق له أعداء جدداً كل يوم‪ .‬وكان قد اقتنى لنفسه ولقربائه ثروة طائلة وبنى لنفسه قصراً غالي‬
‫التكلفة‪ .‬ولم تكد توجد أسرة نبيلة في المملكة بغير عضو محبوب من أعضائها يذوي غي غياهب السجن‪ .‬وكان الناس‬
‫في طول البرتغال وعرضها يصلون ويتضرعون إلى ال سرًا بأن يسقط بومبال عن عرشه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13277 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬انتصار الماضي‬

‫‪ -4‬انتصار الماضي‬
‫في سنة ‪ 1775‬بلغ الملك الستين‪ .‬وكانت العلل الخليلت قد أشبنه قبل أوانه‪ ،‬وراح ينفق الساعات متأملً في الخطيئة‬
‫والموت‪ .‬وسأل نفسه أكان على حق في انتهاج سياسات وزيره‪ ،‬وهل كان منصفاً لليسوعيين؟ ثم ما خطب أولئك‬
‫الشراف والقساوسة نزلء السجون؟ بوده أن يغفر لهم وهو يطلب الن المغفرة لنفسه‪ .‬ولكن أنى له أن يذكر فكرة‬
‫لهذه لبومبال؟ وفي ‪ 12‬نوفمبر ‪ 1776‬أصيب بنوبة فالج‪ ،‬وكان البلط يغتبط توقعاً لحكم ملك جديد ووزارة جديدة‪.‬‬
‫وكانت وريثة العرش ابنته ماريا فرنسسكا التي كانت زوجاً لخيه بدرو‪ .‬وكانت امرأة صالحة‪ ،‬وزوجاً وأماً صالحة‪،‬‬
‫وإنساناً عطوفاً باراً‪ ،‬ولكنها كانت إلى ذلك كاثوليكية غيوراً‪ ،‬كرهت عداء بومبال للكليروس كرهاً حملها على ترك‬
‫البلط لتعيش في هدوء مع بدرو في طليوذ على أميال من العاصمة‪ .‬وأحاط الدبلوماسيون الجانب حكوماتهم بأن تمنع‬
‫انقلباً وشيكاً في السياسات البرتغالية‪.‬‬
‫وفي ‪ 18‬نوفمبر تناول الملك السرار المقدسة‪ ،‬وفي ‪ 29‬نوفمبر أصبحت ماريا وصية على العرش‪ .‬وكان من أول‬
‫أفعالها إنهاء سجن أسقف كويمبرا‪ ،‬ورد الحبر البالغ أربعة وسبعين عاماً إلى كرسيه وسط مظاهر الفرح‬

‫صفحة رقم ‪13278 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬انتصار الماضي‬
‫الشاملة تقريباً‪ .‬ورأى بومبال سلطانه يتضاءل‪ ،‬ولحظ في نذر قاتمة أن أفراد الحاشية الذين كانوا بالمس أتباعاً أذلء‬
‫له‪ ،‬يرونه الن وقد قضى على نفوذه السياسي‪ .‬وفي عمل أخير من أعمال الستبداد انتقم انتقاماً وحشيًا من قرية‬
‫تريفاريا التي عارض أهلها‪-‬وكانوا صيادي سمك‪-‬تجنيد أبنائهم بالقوة‪ ،‬فأمر فصيلة من الجند بأن يحرقوا القرية‪:‬‬
‫فأحرقوها بإلقاء المشاعل الملتهبة من نوافذ الكواخ الخشبية في ظلم الليل (‪ 23‬يناير ‪.)1777‬‬
‫وفي ‪ 24‬فبراير مات يوسف الول‪ ،‬وأصبحت الوصية الن الملكة ماريا الولى (حكمت ‪ ،)1816-1777‬وأصبح‬
‫زوجها الملك بدرو الثالث (‪ .)86-1777‬وكان بدرو رجلً ضعيف العقل‪ ،‬واستغرقت ماريا في التقوى وأعمال البر‪.‬‬
‫وسرعان ما استعاد الدين سلطانه‪ ،‬وقد كان نصف حياة الشعب البرتغالي‪ .‬واستأنفت محكمة التفتيش نشاطها في‬
‫الرقابة وقمع الهرطقة‪ .‬وأرسلت الملكة كاريا إلى البابوية أربعين ألف جنيه لرد بعض ما أنفقت في رعاية اليسوعيين‬
‫المنفيين‪ .‬وفي غداة دفن يوسف أمرت الملكة بالفراج عن ثمانمائة سجين‪ ،‬وكان أكثرهم قد سجنه بومبال لمعارضته‬
‫سياسته‪ .‬وكان كثير منهم قد قضى عرشين عاماً في غياهب السجون‪ ،‬فلما خرجوا لم تحتمل عيونهم ضوء الشمس‬
‫وكانوا كلهم تقريباً في أسمال بالية‪ ،‬وبدا الكثيرون منهم في ضعفي سنهم‪ ،‬وكان المئات من السجناء قد قضوا نحبهم‬
‫في سجونهم‪ .‬ولم يبقَ على قيد الحياة من بين ‪ 124‬يسوعياً زج بهم في السجون قبل ثمانية عشر عاماً سوى خمسة‬
‫وأربعين(‪ .)33‬ورفض خمسة من الشراف الذين أدينوا بتهمة الشتراك المزعوم في مؤامرة قتل يوسف أن يبرحوا‬
‫السجن حتى تعلن براءتهم رسمياً‪.‬‬

‫وكان لمشهد ضحايا عداء بومبال المفرج عنهم‪ ،‬ولنبأ تحريق تريفاريا‪ ،‬أرثهما في تفاقم كره الشعب لبومبال إلى حد لم‬
‫بعد يجرؤ فيه على الظهور علنية‪ .‬وفي أول مارس أرسل إلى الملكة ماريا كتاباً يستقيل فيه من جميع وظائفه‬
‫ويستأذن في العتكاف في ضيعته بمدينة بومبال‪ .‬وطالب‬

‫صفحة رقم ‪13279 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬انتصار الماضي‬
‫الشراف المحيطون بالملكة بسجنه وعقابه‪ ،‬ولكن حين تبين لها أن جميع القوانين التي استنكرتها كان قد وقعها الملك‬
‫السابق‪ ،‬قررت أنها ل تستطيع عقاب بومبال دون أن تلطخ أمام الناس ذكرى أبيها‪ .‬وقبلت استقالة الوزير وسمحت له‬
‫بالعتزال في بومبال‪ ،‬ولكنها أمرته أم يلزمها وفي ‪ 5‬مارس غادر لشبونة في عربة خفيفة مستأجرة آملً أن يفلت من‬
‫أنظار الناس‪ ،‬ولكن بعضهم تبينه فحصبوا عربته ولكنه هرب منهم‪ .‬ولحقت به امرأته عند مدينة أوبرس‪ ،‬وكان يومها‬
‫في السابعة والسبعين‪.‬‬
‫والن وقد غدا مواطناً عادياً تكاثر عليه الهجوم من كل صوب بدعاوى تطالبه بديون أغفل سدادها‪ ،‬وأضرار أوقعها‬
‫بالشاكين‪ ،‬وممتلكات استولى عليها دون تعويض أصحابها تعويضاً كافياً‪ .‬وحاصر المحضرون أبوابه في بومبال‬
‫بسلسلة من الوامر القضائية‪ .‬كتب يقول "ما من دبور أو بعوضة في البرتغال إل طار إلى هذه البقعة النائية وطناً في‬
‫إذني"‪ .‬وساعدته الملكة بأن واصلت إجراء الراتب الذي كان يتقاضاه وزيراً عليه مدى الحياة وزادت عليه معاشاً‬
‫متواضعاً‪ .‬بيد أن أعداء ل حصر لهم ألحوا على الملكة في تقديمه للمحاكمة بتهمتي النحراف والخيانة‪ .‬وقد اتخذت‬
‫إجراء وسطًا بسماحها للقضاة بأن يزوروه ويسألوه بأمر هذه التهمة‪ .‬فظلوا يحققون معه ساعات كل مرة على مدى‬
‫ثلثة أشهر ونصف حتى التمس الدكتاتور العجوز الرحمة‪ .‬وأجلت الملكة التصرف في تقرير الفحص‪ ،‬آملة أن يعفيها‬
‫موت بومبال من هذا الحرج‪ ،‬وسعت في القوت نفسه إلى تهدئة خصومه بأن أمرت بإعادة محاكمة المتهمين الذين‬
‫أدينوا بالشتراك في محاولة اغتيال أبيها‪ .‬وأيدت المحكمة الجديدة الحكم بذنب دوق أفيرو وثلثة من خدمه‪ ،‬ولكنها‬
‫برأت ساحة باقي المتهمين أجمعين وأعلنت براءة الطابوريين‪ .‬وردت كل ألقابهم وممتلكاتهم للحياء منهم (‪ 3‬إبريل‬
‫‪ .)1781‬وفي ‪ 16‬أغسطس أصدرت الملكة مرسومًا يدين بومبال "مذنبًا بجرائم شائنة" ويضيف قرارًا بتركه آمناً في‬
‫منفاه محتفظًا بثروته مادام قد ألتمس الصفح‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13280 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬البرتغال وبومبال ‪ >-‬انتصار الماضي‬
‫وكان بومبال يمضي حثيثاً إلى مرض الموت‪ .‬فقد غشي جسده كله تقريباً قروح صديدية يبدو أن سببها الجذام(‪.)35‬‬
‫ومنعه اللم من النوم أكثر من ساعتين في اليوم‪ ،‬وأضعفته الدوزنتاريا‪ ،‬وأقنعه أطباءه بشرب حساء مصنوع من جلد‬

‫الثعابين‪ ،‬كأنما أرادوا أن يزيدوه عذاباً على عذاب‪ .‬وتمنى الموت‪ ،‬وتناول السرار المقدسة‪ ،‬وانتهت آلمه في ‪ 8‬مايو‬
‫‪ 1782‬وبعد خمسة وأربعين عاماً‪ ،‬وقفت بقبره جماعة من اليسوعيين كانت تجتاز المدينة‪ ،‬وتلت الجماعة‪ ،‬بشعو‬
‫النتصار والرأفة‪ ،‬صلة جنائزية تطلب الراحة لنفسه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13281 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬

‫الفصل الحادي عشر‬

‫أسبانيا وحركة التنوير‬

‫‪1788 - 1700‬‬

‫‪ -1‬البيئة‬
‫أوصى شارل الثاني‪ ،‬أخر الهابسبورجيين السبان‪ ،‬عند وفاته عام ‪ ،1700‬بأسبانيا وكل إمبراطوريتها العالمية لفرنسا‬
‫البوربونية‪-‬العدو القديم لل هابسبورج‪ ،‬وقد قاتل حفيد لويس الرابع عشر‪ ،‬الذي لقب بفليب الخامس ملك أسبانيا‪،‬‬
‫ببسالة خلل حرب الوراثة السبانية (‪ )12-1703‬للحتفاظ بوحدة تلك المبراطورية كاملة‪ ،‬وامتشقت أوربا كلها‬
‫تقريباً الحسام للحيلولة دون هذا التوسع الخطر في قوة البوربون‪ .‬وأخيراً أكرهت أسبانيا على النزول عن جبل طارق‬
‫ومينورقة لنجلترا‪ ،‬وصقلية لسافوي‪ ،‬ونابلي وسردانيا وبلجيكا للنمسا‪.‬‬
‫ثم إن فقد أسبانيا لقوتها البحرية لم يترك لها سوى قبضة ضعيفة على المستعمرات التي كانت تغذي تجارتها وثروتها‪.‬‬
‫ل كان يعطيها غلة بلغت من خمسة إلى عشرين ضعفاً في الفدان لقلة الرض السبانية‪.‬‬
‫فقمع أمريكا السبانية مث ً‬
‫وجادت تلك الراضي المشمسة بالزئبق النحاس والزنك والزرنيخ والصباغ واللحوم والجلود والمطاط والقرمز‬
‫والسكر والكاكاو والبن والتبغ والشاي والكينين والكثير من العقاقير الخرى‪ .‬وفي ‪ 1788‬صدرت أسبانيا لمستعمراتها‬
‫المريكية بضائع قيمتها ‪ 158.000.000‬ريال‪ ،‬واستوردت منها بضائع قيمتها ‪ 804.000.000‬ريال ولكن هذا‬
‫"الخلل في الميزان التجاري الذي لم يكن في مصلحة أسبانيا محاه سيل متدفق من الفضة والذهب المريكيين‪.‬‬

‫وأرسلت الفلبين شحنات سفن من الفلفل والقطن والنيلة وقصب السكر‪ .‬وقد بلغ سكان الفلبين في تقرير ألكسندر فون‬
‫همبولت‬

‫صفحة رقم ‪13282 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬
‫في ختام القرن الثاني عشر ‪ ،1.900.000‬وسكان أمريكا السبانية ‪ ،16.902.000‬أما أسبانيا نفسها عام ‪ 1797‬فقد‬
‫بلغ سكانها ‪ .)1(10.541.000‬وأنه لفضل يعزى لحكم البوربون أن هذا الرقم الخير يعني تضاعف السكان الذين لم‬
‫يزيدوا على ‪ 5.700.000‬عام ‪.1700‬‬
‫لم تسخ الجغرافيا على أسبانيا إل بميزة التجارة البحرية‪ .‬كانت الرض في الشمال خصبة تغذرها المطار والثلوج‬
‫الذائبة من جبال البرانس‪ ،‬وكانت قنوات الري (وأكثرها خلفه المغاربة للغالبين) وقد استصلحت الراضي الجدباء في‬
‫بلنسية ومرسية والندلس‪ ،‬ولكن باقي أراضي أسبانيا كان جبلياً أو قاحلً إلى درجة مثبطة للهمم‪ .‬ولم يتح لهبات‬
‫الطبيعة أن تنموا وتتطور بفضل القدام القتصادي‪ ،‬فذهب أكثر السبان حباً للمغامرة إلى المستعمرات‪ ،‬وفضلت‬
‫أسبانيا أن تشتري المنتجات الصناعية من الخارج بذهب مستعمراتها وما تغله مناجم الفضة أو النحاس أو الحديد أو‬
‫الرصاص في أسبانيا ذاتها‪ .‬وتخلفت صناعاتها التي كانت ل تزال في المرحلة النقابية أو البيتية تخلفًا شديداً عن‬
‫صناعات أقطار الشمال النشيطة‪ ،‬وكان الكثير من مناجمها الغنية تشغله الدارة الجنبية لفائدة المستثمرين اللمان أو‬
‫النجليز‪ .‬واحتكرت "المستا" إنتاج الصوف‪ ،‬وهي اتحاد من ملك قطعان الغنم ميزته الحكومة‪ ،‬ورسخت التقاليد‬
‫قدمه‪ ،‬وسيطرت عليه فئة قليلة من النبلء والديرة‪ ،‬وخنقت المنافسة‪ ،‬وتخلفت أسباب التحسين‪ .‬وتعفنت برولتاريا‬
‫ضئيلة في المدن‪ ،‬وتشتغل خدماً لكبار القوم أو عمال مياومة في النقابات الحرفية‪ ،‬وكانت منازل الثرياء تزدان‬
‫ببعض العبيد الزنوج أو المغاربة‪ .‬وعاش طبقة وسطى صغيرة معتمدة على الحكومة أو الشراف أو الكنيسة‪.‬‬
‫وكان ‪ %51.5‬من الرض الزراعية تملكه السر الشريفة في مساحات شاسعة و ‪ %16.5‬تملكه الكنيسة‪ ،‬و ‪%32‬‬
‫تملكه الكومونات (المدن) أو الفلحون‪ .‬وتأخر نمو ملكية الفلحين للرض بفعل قانون وقف قديم يشترط وقف‬
‫الرض كاملة على البن الكبر ويمنع رهن أي جزء منها أو بيعه‪ .‬وكان ثلثة أرباع الرض خلل معظم هذا القرن‬
‫فيما عدا إقليم‬

‫صفحة رقم ‪13283 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬
‫الباسك يفلحه مستأجرون يؤدون ضريبة على صورة إيجار‪ ،‬أو رسوم‪ ،‬أو خدمات‪ ،‬أو عينًا لملك من الشراف أو‬
‫رجال الدين الذين ندر أن رأوهم ولما كانت اليجارات تجنى حسب إنتاجية المزرعة‪ ،‬فإن المستأجرون افتقدوا الحاجز‬

‫على البتكار أو الجتهاد(‪ .)2‬ودافع الملك عن هذا النظام بالزعم بأن الهبوط المطرد في قيمة العملة يكرههم على‬
‫رفع اليجارات لتتمشى مع السعار والتكاليف المتصاعدة‪ .‬ثم أن ضريبة مبيعات فرضت على ضروريات الحياة‬
‫كاللحم والنبيذ وزيت الزيتون والشموع والصابون كانت أثقل وطأة على الفقراء (الذين أنفقوا معظم دخلهم على‬
‫الضروريات) وأخف وقعاً على الغنياء‪ .‬وترتب على هذه الجراءات‪ ،‬وعلى المتيازات الوراثية‪ ،‬وعلى الفوارق‬
‫ل بعد جيل‪ ،‬تخففه‬
‫الطبيعية في القدرة البشرية‪ ،‬أن تركزت الثروة في القمة‪ ،‬وران على القاع فقر كئيب اتصل جي ً‬
‫وتسري به التعزيات فوق الطبيعة‪.‬‬
‫وكانت طبقة النبلء منقسمة إلى درجات من الشرف انقساماً يملؤه التحاسد والتنابذ‪ .‬ففي القمة (في ‪ 119 )1787‬من‬
‫كبار النبلء (‪ .)Grandes de Espana‬وقد نحزر مبلغ ثرائهم من تقرير مبالغ فيه على الرجح كتبه الرحالة‬
‫البريطاني المعاصر جوزف تاونسند وذكر فيه "أن ثلثة من كبار النبلء‪-‬وهم دوق أوزونا‪ ،‬ودوق ألبا‪ ،‬ودوق‬
‫مديناسلي‪-‬يملكون إقليم الندلس بجملته(‪ .)3‬وكان دخل دوق مدينا من مصايد أسماكه وحدها مليون ريال في العام‪،‬‬
‫ودخل دوق أوزنا السنوي ‪ 8.400.000‬ريال‪ ،‬ودخل كونت أراندا قرابة ‪ 1.600.000‬ريال في السنة"(‪ .)4‬ويلي كبار‬
‫النبلء ‪ 535‬من أصحاب اللقاب ‪-Titulos‬وهم رجال منحهم الملك ألقاباً وراثية بشرط أداء نصف دخلهم للتاج‪ .‬ويلي‬
‫هؤلء الفرسان ‪ Caballeros‬الذين يعينهم الملك في عضوية مجزية في إحدى طبقات أسبانيا الربع‪ :‬وهي سنتياجو‪،‬‬
‫والقنطرة‪ ،‬وكالترافا ومونتيزا‪ .‬أما أدنى النبلء مرتبة فكانوا الـــ ‪ 400.000‬هيدلج ‪ Hidalgo‬الذين يملكون مساحات‬
‫متواضعة من الرض‪ ،‬والذين أعفوا من الخدمة العسكرية ومن‬

‫صفحة رقم ‪13284 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬
‫السجن للدين‪ ،‬وكان لهم الحق في أن يلبسوا شعار النبالة وأن‬
‫يخاطبوا بلقب "الدون"‪ .‬وكان بعضهم فقراء‪ ،‬وبعضهم انضم إلى المتسولين في الشوارع‪ .‬وكان معظم النبلء يعيشون‬
‫في المدن‪ ،‬ويعينون موظفي القاليم‪.‬‬
‫أما الكنيسة السبانية فقد ادعت الحق في نصيب مريح من جملة الناتج القومي بوصفها الحارس اللهي للوضع‬
‫الراهن‪ .‬وقد قدر مصدر أسباني موثوق أن دخلها السنوي بعد الضرائب يبلغ ‪ 1.101.753.000‬ريال‪ ،‬ودخل الدولة‬
‫يبلغ ‪ 1.371.000.000‬ريال(‪ .)5‬وكان ثلث إيرادها يأتيها من الرض‪ ،‬ومبالغ طائلة تجمعها من العشور وبواكير‬
‫الثمار‪ ،‬ومبالغ صغيرة من مراسيم العماد‪ ،‬والزيجات‪ ،‬والجنائز‪ ،‬والقداديس على أرواح الموتى‪ ،‬والحلل الديرية تباع‬
‫للتقياء الذين ظنوا إنهم إن ماتوا وعليهم هذه الرواب فقد يتسللون إلى الجنة دون مساءلة‪ .‬وأتى الرهبان المستجدون‬
‫بمزيد من المال بلغ ‪ 53.000.000‬ريال‪ .‬على أن أوساط القساوسة كانوا بالطبع فقراء لكثرة عددهم من جهة‪ ،‬فقد كان‬
‫في أسبانيا ‪ 91.258‬من رجال الكهنوت‪ ،‬منهم ‪ 16.481‬كانوا قسساً و ‪ 2.943‬رهبانًا يسوعيين(‪ .)6‬وفي ‪ 1797‬كان‬
‫ستون ألف راهب وثلثون ألف راهبة يعيشون في ثلثة آلف دير‪ .‬وكان رئيس أساقفة إشبيلية وموظفوه البالغون ‪235‬‬
‫مساعداً يتمتعون بدخل سنوي مقداره ستة مليين ريال‪ ،‬أما رئيس أساقفة طليطلة‪-‬وكان له ستمائة مساعد‪-‬فبلغ دخله‬
‫تسعة مليين ريال‪ .‬وهنا‪ ،‬كما في إيطاليا والنمسا‪ ،‬لم تثر ثروة رجال الدين أي احتجاج من الشعب‪ ،‬فالكاتدرائية من‬
‫خلقهم‪ ،‬وقد أحبوا أن يروها في زينة بهية‪.‬‬
‫وقد ضرب تدينهم المثل والقدوة للعالم المسيحي‪ .‬فلم يلقَ اللهوت الكاثوليكي في بقعة أخرى في القرن الثاني عشر‬
‫مثل هذا اليمان الشامل به‪ ،‬ول شهدت الطقوس الكاثوليكية من هذا الحترام الشديد‪ .‬ونافست الممارسات الدينية‬
‫السعي وراء العيش‪ ،‬ولعلها فاقت السعي وراء الجنس‪ ،‬باعتبارها جزءاً من صميم الحياة‪ .‬وكان أفراد الشعب بما فيهم‬
‫البغايا‪ ،‬يرسمون علمة الصليب مراراً وتكرارًا كل يوم‪ .‬وفاقت عبادة العذراء عبادة المسيح‬

‫صفحة رقم ‪13285 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬
‫بكثير‪ ،‬وانتشرت صورها وتماثيلها في كل مكان‪ ،‬وكان النساء يخطن الرواب لتماثيلها في شغف‪ ،‬ويتوجن رأسها‬
‫بالزهار النضرة‪ ،‬وفي أسبانيا أكثر من غيرها ارتفع صوت الشعب مطالباً بجعل‪" ،‬حملها غير الدنس"‪-‬أي خلوها من‬
‫لوثة الخطيئة الصلية‪-‬جزءًا من العقيدة المحددة المشترطة‪ .‬وكان الرجال يساوون النساء تمسكًا بأهداب الدين‪ .‬فكثير‬
‫من الرجال‪ ،‬كالنساء‪ ،‬كانوا يختلفون إلى القداس يومياً‪ .‬وكان الرجال من الطبقات الدنيا يجلدون أنفسهم في بعض‬
‫المواكب الدينية (حتى حرم هذا الجلد في ‪ )1777‬في حبال فيها عقد تنتهي بكرات من الشمع تحوي زجاجاً محطماً‪،‬‬
‫وزعموا أنهم يفعلون هذا برهاناً على حبهم ل أو مريم أو امرأة ما‪ ،‬ورأى بعضهم أن هذا القصد مفيد للصحة(‪ )7‬وأنه‬
‫يهدئ من شبق إيروس‪.‬‬
‫وكانت المواكب الدينية كثيرة‪ ،‬مثيرة‪ ،‬غنية باللوان‪ ،‬وقد شكا ظريف من أنه لم يستطع أن يخطو في مدريد خطوة‬
‫دون أن يصادف المشهد المريب‪ ،‬وكان في المتناع عن الركوع إذا مر الموكب مجازفة بالعتقال أو العتداء‪ .‬فحين‬
‫قام أهل سرقسطة بثورة عام ‪ 1766‬وراحوا ينهبوا ويسلبون ظهر موكب ديني على رأسه السقف يحمل بين يديه‬
‫القربان المقدس‪ ،‬فكشف العصاة رؤوسهم وجثوا في الشوارع‪ ،‬فلما عبر الموكب استأنفوا سلب المدينة(‪ .)8‬وكانت كل‬
‫مصالح الحكومة تشارك في موكب "عيد القربان" العظيم‪ ،‬يتقدمهم الملك أحياناً‪ .‬وكانت مدن أسبانيا تجلل بالسواد‬
‫طوال أسبوع اللم‪ ،‬والملهي والمقاهي تغلق‪ ،‬والكنائس تغص بالعابدين‪ ،‬والمذابح الضافية تقام في الميادين العامة‬
‫استجابة لتدفق التقوى والورع‪ .‬ففي أسبانيا كان المسيح ملكاً‪ ،‬ومريم ملكة‪ ،‬والحساس بالحظرة اللهية في كل لحظة‬
‫من لحظات اليقظة‪ ،‬جزءًا من صميم الحياة‪.‬‬
‫وزكت طائفتان دينيتان أكثر من غيرهما في أسبانيا‪ .‬فسيطر اليسوعيون على التعليم بفضل علمهم ولباقته في الحديث‬
‫وأصبحوا آباء العتراف للسرة المالكة‪ .‬أما الدومنيكان فسيطروا على ديوان التفتيش‪ ،‬ومع أن هذه المؤسسة كانت قد‬
‫ودعت عصرها الذهبي منذ أمد بعيد‪ ،‬فقد بقي لها‬

‫صفحة رقم ‪13286 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬البيئة‬
‫من القوة ما يكفي لرهاب الشعب وتحدي الدولة‪ .‬فلما ظهرت فلول لليهودية بسبب تراخي البوربون قطع ديوان‬
‫التفتيش دابرهم بإحراقهم علناً‪ .‬وعلى مدى سبع سنوات (‪ )27-1720‬أدان الديوان ‪ 868‬شخصاً‪ ،‬اتهم ‪ 820‬منهم بأنهم‬
‫يبطنون اليهودية‪ ،‬وأحرق ‪ ،75‬وزج غيرهم في سفن تشغيل العبيد أو أكتف بجلدهم(‪.)9‬وفي ‪ 1722‬أظهر فليب‬
‫الخامس تبنيه لساليب الحياة السبانية إذ ترأس مهرجاناً فخماً لحراق المهرطقين‪ ،‬أحرق فيه تسعة منهم احتفالً بمقدم‬

‫أميرة فرنسية إلى مدريد(‪ .)10‬أما خلفه فرديناند السادس فقد أبدى روحًا أكثر اعتدالً‪ ،‬ففي عهده (‪ )59-1746‬أحرق‬
‫عشرة "فقط" أحياء‪ ،‬وكلهم من اليهود "المرتدين(‪.")11‬‬
‫ومارس ديوان التفتيش رقابة خانقة على كل ضروب النشر‪ .‬وقد قدر راهب دومنيكي أن المطبوع في أسبانيا خلل‬
‫القرن الثاني عشر كان أقل من المطبوع في القرن السادس عشر(‪ .)12‬وكان أكثر الكتب دينياً‪ ،‬وأحبها الشعب بوصفها‬
‫هذا‪ .‬وكانت الطبقات الدنيا أمية‪ ،‬ولم تشعر بحاجة للقراءة أو الكتابة‪ .‬وكانت المدارس في قبضة رجال الدين‪ ،‬ولكن‬
‫آلفًا من البرشيات كانت خلواً من المدارس‪ .‬أما الجامعات السبانية التي كانت يوماً ما جامعات عظيمة فقد تخلفت‬
‫تخلفًا شديداً عن نظيراتها في إيطاليا أو فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا في كل ناحية إل اللهوت التقليدي‪ .‬وكانت مدارس‬
‫الطب فقيرة‪ ،‬رديئة العداد بالساتذة‪ ،‬ناقصة الجهزة‪ ،‬واعتمد العلج على الحجامة‪ ،‬وإعطاء المسهلت‪ ،‬والستعانة‬
‫ببركات القديسين‪ ،‬والصلة‪ .‬وكان الطباء السبان خطراً على حياة الناس‪ .‬كان العلم علم العصر الوسيط‪ ،‬والتاريخ‬
‫أساطير‪ ،‬وزكت الخرافة وكثرت النذر والمعجزات‪ .‬وظل اليمان بالسحر إلى نهاية القرن‪ ،‬وظهر بين الهوال التي‬
‫صورها الرسام جويا‪.‬‬
‫تلك كانت أسبانيا التي قدم البوربون من فرنسا ليحكموها‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13287 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فليب الخامس‬

‫‪ -2‬فليب الخامس‬

‫‪1700-1746‬‬
‫كان فليب الخامس (‪ )Felipe Quinto‬رجلً طيباً في حدود فلسفة حياته التي ضيقها تعليمه‪ .‬كان ابناً أصغر للدوفان‪،‬‬
‫فدرب إلى التواضع‪ ،‬والتقوى‪ ،‬والطاعة‪ ،‬فلم يتغلب قط على هذه الفضائل إلى حد يكفي للتصدي لنصف قرن من‬
‫التحديات في الحكم والحرب‪ .‬وأفضت به تقواه إلى أن يتقبل في أسبانيا ظلمية دينية كانت تحتضر في فرنسا‪ ،‬وجعلته‬
‫سهولة انقياده مطوعاً لوزرائه وزوجاته‪.‬‬
‫وكانت ماريا لويزا جابرييل‪ ،‬ابنة فكتور أماديوس الثاني ملك سافوي‪ ،‬ل تعدو الثالثة عشرة يوم تزوجت فليب (‬
‫‪ ،)1701‬ولكنها كانت رغم حداثتها حاذقة لمكر النساء وكيدهن‪ ،‬واستطاعت بجمالها وحيويتها وبغضباتها ودموعها‪،‬‬
‫أن تخضع الملك فيستسلم بعد إرهاق‪ ،‬بينما تدير هي وكبيرة وصيفاتها سياسة وطنهما الجديد‪ .‬وكانت هذه الوصيفة‪-‬‬
‫ماري آن دل تريموال‪ ،‬أميرة أورسان‪ ،‬والرملة الفرنسية لنبيل أسباني كبير‪ ،‬قد أعانت الملكة الصبية على الزواج‬
‫والقبض على السلطة‪ .‬ومكنها طموحها الممزوج باللباقة من أ‪ ،‬تصبح قوة وراء العرش خلل عشرة أعوام‪ .‬وما كان‬
‫في استطاعتها أن تعتمد على الحمال لنها كانت في التاسعة والخمسين في ‪ ،1701‬ولكنها أمدت المملكة بما تفتقر إليه‬
‫من معرفة ودهاء‪ ،‬وبعد عام ‪ 1705‬كانت تقرر السياسة‪ .‬وفي ‪ 1714‬ماتت ماريا لويزا في السادسة والعشرين‪،‬‬
‫وتردى فليب الذي تعلم أن يحبها حباً صادقاً في اكتئاب مرضي‪ .‬ورأت مدام ديزورسان أن تنفذ سلطانها بترتيب‬
‫زواجه من إيزابيل (اليزابيث) فارتيزي‪ ،‬ابنة أودواردو الثاني دوق بارما وبياسنزا‪ .‬وذهبت للقاء الملكة الجديدة عند‬

‫الحدود السبانية‪ ،‬ولكن إيزابيل أمرتها في اقتضاب أن ترحل عن أسبانيا‪ ،‬فاعتزلت في روما وماتت بعد ثماني‬
‫سنوات مغمورة منسية رغم ثرائها‪.‬‬
‫لم تعترف إيزابيل بأن النهضة الوربية قد ولت‪ ،‬فقد وهبت كل قوة‬

‫صفحة رقم ‪13288 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فليب الخامس‬
‫الرادة‪ ،‬وشدة الذكاء‪ ،‬وحدة الطبع‪ ،‬واحتقار الوساوس الذي تميزت به النساء كما تميز الرجال الذين هيمنوا على‬
‫إيطاليا القرن السادس عشر‪ .‬وقد وجدت في فليب رجلً عاجزاً عن الحسم؛ عاجزاً عن النوم منفرداً‪ ،‬ومن ثم أصبح‬
‫فراشها عرشها الذي تحكم منه أمة‪ ،‬وتدير جيوشاً‪ ،‬وتظفر بإمارات إيطالية‪ .‬ولم تكن قد عرفت أي شيء تقريباً عن‬
‫أسبانيا‪ .‬ولم تألف قط الخلق السباني ولكنها درست ذلك الخلق‪ ،‬ونجحت في التعرف على حاجات البلد؛ وأدهش الملك‬
‫أن يجدها ل تقل عن وزرائه إطلعاً وسعة حيلة‪.‬‬
‫وكان فليب في سنوات حكمه الولى قد استخدم جان أوري وغيره من المساعدين الفرنسيين لعادة تنظيم الحكومة‬
‫على السس التي وضعها لويس الرابع عشر‪ :‬إدارة ومالية ممر كرتان مراقبتان‪ ،‬مع بيروقراطية مدربه ونظار‬
‫إقليمين؛ وكلهم خاضعون لسلطة المجلس الملكي التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وأسمه هنا "مجلس تشتالة"‬
‫‪Consejo de Castilla‬؛ فقل الفساد؛ وحد من السراف‪-‬إل في عمليات البناء الخاصة بالملك‪ .‬ثم خلف هؤلء‬
‫الوزراء الفرنسيين في ‪ 1714‬إيطالي كفء طموح هو الباتي جوليو البيروني‪ ،‬الذي جعل نشاطه السبانيين‬
‫يرتعدون‪ .‬وكان أبناء لبستاني في بياتشنزا‪ ،‬وصل إلى أسبانيا بوصفه سكرتيراً لدوق فندوم‪ .‬وكان أول من اقترح‬
‫إيزابيلل فارنيزي زوجة ثانية لفليب‪ ،‬فيسرف وصوله إلى السلطة عرفانًا بصنيعه‪ .‬وقد وفقا معا في إقصاء الملك عن‬
‫شؤون الدولة‪ .‬وعن أي مشورة غير مشورتهما‪ .‬وخططا معًا لبناء قوات أسبانيا المسلحة واستخدامها لطرد النمساويين‬
‫من إيطاليا واستعادة النفوذ السباني في نابلي وميلن‪ ،‬وإقامة عروش للذواق يزينها يومًا ما أبناء إيزابيلل البعيدة‬
‫النظر‪.‬‬
‫ل أكفاء من الطبقة الوسطى محل الكسالى‬
‫وطلب البيروني خمس سنين للستعداد‪ ،‬فأحل في المناصب الرئيسية رجا ً‬
‫من حملة اللقاب‪ ،‬وفرض الضرائب على الكليروس القساوسة المتمردين(‪ ،)13‬وخرد السفن البالية وبنى خيرًا منها‪،‬‬
‫وأقام القلع والترسانات على طول السواحل‬

‫صفحة رقم ‪13289 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فليب الخامس‬

‫والحدود‪ ،‬وأعان الصناعة بالمال‪ ،‬وشق الطرق‪ ،‬وزاد من سرعة المواصلت وألغى ضرائب المبيعات ومكس‬
‫المرور‪ .‬وقد أنذر السفير البريطاني في مدريد حكومته بأن أسبانيا لن تنقضي عليها بضع سنين أخر من أمثال هذه‬
‫الخطى حتى تغدو خطراً على غيرها من دول أوربا(‪ .)14‬ورغبة في تهدئة هذه المخاوف تظاهر البيروني بأنه يجند‬
‫القوات ليعين بها البندقية والبابوية على الترك‪ .‬والواقع أنه أرسل ست سفن كبيرة إلى كلمنت الحادي عشر‪ ،‬الذي كافأه‬
‫بقبعة الكردينالة الحمراء (‪ .)1717‬كتب فولتير "أن الملكية السبانية قد استأنفت حياة جديدة تحت حكم الكردينال‬
‫البيروني(‪.")15‬‬
‫ومنح كل شيء إل الوقت‪ .‬كان يرجو أن يكسب رضاء الفرنسيين والنجليز عن الهداف السبانية في إيطاليا‪،‬‬
‫وعرض تنازلت قيمة مقابل هذا الرضا‪ ،‬ولكن الملك المهمل أفسد هذه المناورات بكشفه عن رغبته في الحلول محل‬
‫فليب أورليان حاكماً لفرنسا‪ .‬وانقلب هذا على فليب‪ ،‬وانضم إلى إنجلترا والقاليم في ميثاق للحفاظ على الترتيبات‬
‫القليمية التي حددتها معاهدة أوترخت‪ .‬وانتهكت النمسا تلك المعاهدة بإكراهها سافوي على إعطائها صقلية مقابل‬
‫سردانيا‪ .‬واحتج البيروني بأن هذا يضع عبر البحر المتوسط دولة ما زال رئيسها يطالب بتاج أسبانيا‪ .‬ولعن تطور‬
‫الحداث بهذه العجلة على غير ما ينبغي ثم أذعن لدخول حرب قبل الوان‪ .‬واستولى أسطوله الوليد على بلرمو (‬
‫‪ ،)1718‬وسرعان ما أخضع جيشه صقلية كلها لسلطة أسبانيا وهنا انضمت النمسا إلى إنجلترا وفرنسا وهولندا في‬
‫حلف رباعي ضد أسبانيا‪ .‬وفي ‪ 11‬أغسطس ‪ 1718‬دمر أسطول بريطاني بقيادة الميرال بنج السطول السباني تجاه‬
‫ساحل صقلية‪ ،‬وحبس خيرة أسبانيا في تلك الجزيرة بينما غزت الجيوش الفرنسية أسبانيا‪ .‬وطلب فليب وايزابيلل‬
‫الصلح‪ ،‬فأجيب الطلب شريطة أن ينفي البيروني‪ .‬ففر إلى جنوه (‪ ،)1719‬وشق طريقه متخفياً إلى روما عبر‬
‫لومبارديا التي يملكها النمساويون‪ ،‬وشارك في مجمع‬

‫صفحة رقم ‪13290 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فليب الخامس‬
‫الكراولة الذي انتخب البابا إنوسنت الثالث عشر‪ ،‬ومات عام ‪ 1752‬وقد بلغ الثامنة والثمانين‪ .‬وفي ‪ 17‬فبراير ‪1720‬‬
‫وقع مبعوث أسباني بلندن معاهدة نزل فيها فليب عن كل حق يدعيه في عرش فرنسا‪ ،‬ونزلت أسبانيا عن صقلية‬
‫للنمسا‪ ،‬ووعدت إنجلترا برد جبل طارق إلى أسبانيا‪ ،‬وتعهدت الحلفاء بأن يكون لنسل إيزابيلل الحق في وراثة بارما‬
‫وتسكانيا‪.‬‬
‫وفي مجال السياسة الدولية سرعان ما ينقلب الحلفاء أعداء‪ ،‬ويصبح الخصوم أصدقاء رسمياً‪ .‬ودعماً للسلم مع فرنسا‪،‬‬
‫كان فليب قد خطب ابنته ماريا أنا فكتوريا التي لم تسلخ من عمرها سوى عامين‪ ،‬للويس الخامس عشر في ‪،1721‬‬
‫وأرسل إلى فرنسا (‪ )1722‬وسط دهشة الجمع‪ .‬ولكن في ‪ 1725‬ردتها فرنسا لعل لويس أن يتزوج امرأة تستطيع‬
‫الضطلع فورًا بمهمة انجاب وريث له‪ .‬ورأت أسبانيا في هذا الرد إهانة‪ ،‬فتحالف مع النمسا‪ ،‬ووعد المبراطور‬
‫شارل السادس بمساعدة أسبانيا على استعادة جبل طارق‪ ،‬فلما حاول جيش أسباني الستيلء على ذلك المعقل لم يأت‬
‫العون من النمسا؛ وفشلت المحاولة‪ ،‬ولم تصطلح أسبانيا مع إنجلترا وحسب‪ ،‬بل ردت لها احتكار الزينتو ‪Asiento‬‬
‫الذي يبيح لها بيع العبيد للمستعمرات السبانية‪ ،‬ومقابل هذا تعهدت بريطانيا بأن تجلس الدون كارلوس‪ ،‬ابن إيزابيلل‪،‬‬
‫على عرش دوقية بارما‪ .‬وفي ‪ 1731‬اتجه كارلوس وستة آلف أسباني إلى إيطاليا في حراسة أسطول إنجليزي‪.‬‬
‫ونزلت النمسا عم بارما وبياتشنزا لكارلوس رغبة في الحصول على تأييد بريطانيا وأسبانيا لها في ارتقاء ماريا تريزا‬
‫للعرش المبراطوري‪ .‬وفي ‪ 1734‬رفع كارلوس نفسه إلى عرش نابلي‪ .‬وهكذا اكتمل نصر إيزابيلل‪.‬‬
‫على أن فليب أصابته نوبة من الكتئاب أخذت بعد عام ‪ 1736‬تنحدر أحياناً إلى درك الجنون‪ .‬فقبع في ركن من‬
‫حجرته‪ ،‬ظاناً أن كل الداخلين عليه ينوون قتله‪ ،‬وعافت نفسه الكل مخافة أن يدس له السم فيه‪ .‬وظل‬

‫صفحة رقم ‪13291 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فليب الخامس‬
‫ردحاً طويلً يأبى أن يبرح فراشه أو يحلق لحيته‪ .‬وجربت إيزابيلل عشرات الوسائل لشفائه أو تهدئته‪ ،‬ولكنها أخفقت‬
‫كلها إل واحدة‪ .‬ففي ‪ 1737‬أقنعت فارنيللي بأساليب الملطفة والتملق أن يجيء إلى أسبانيا‪ .‬وذات ليلة‪ ،‬في جناح‬
‫ل موسيقياً عنى فيه "الخصي" العظيم لحنين من تأليف هاسي‪ .‬ونهض فليب من‬
‫ملصق لجناح الملك‪ ،‬رتبت حف ً‬
‫فراشه لينظر خلل الباب ويرى أي قوة استطاعت أن تشدو بهذه الصوات الساحرة‪ .‬وجاءته إيزابيلل بفارينللي‪،‬‬
‫فأثنى عليه الملك وعانقه وأمره بأن يطلب ما شاء من مكافأة فتوهب له مهما غلت‪ .‬وكانت الملكة قد أوصت المغني بما‬
‫يجيب‪ ،‬فلم يطلب إل أن يسمح الملك بأن تحلق لحيته وأن يرتدي ثيابه ويحضر المجلس الملكي‪ .‬ووافق الملك وخفت‬
‫مخاوفه‪ ،‬وبدا أنه شفي كأنما بمعجزة‪ .‬ولكن حين أقبل المساء التالي أرسل في طلب فارنيللي ورجاه أن يغني هاتين‬
‫الغنيتين ذاتهما ثانية‪ ،‬إذ لم يكن في المكان تهدئته لينام إل بهذه الطريقة‪ .‬وهكذا استمرت الحال ليلة إثر ليلة طوال‬
‫عشر سنين‪ .‬وكان أجر فارنيللي ‪ 200.000‬ريال في العام‪ ،‬ولكن لم يسمح له بالغناء إل في البلط‪ .‬وتقبل هو الشرط‬
‫شاكراً‪ ،‬ومع أن نفوذه على الملك كان أقوى من نفوذ أي من وزرائه‪ ،‬فأنه لم يستغله وأستعمله دائماً للخير؛ وظل بريئاً‬
‫من روح الرشوة وأكتسب إعجاب الجميع(‪.)16‬‬
‫وفي ‪ 1746‬أمر فليب أن يقام ‪ 100.000‬قداس لخلص نفسه‪ .‬فإذا لم يكن ثمة حاجة لهذا العدد الكبير ليدخل به الجنة‬
‫فليوهب الفائض للنفوس المسكينة التي لم يتح لها مثل هذا الستعداد(‪ .)17‬في ذلك العام قضى فليب نحبه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13292 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرديناند السادس‬

‫‪ -3‬فرديناند السادس‬

‫‪1759 - 1746‬‬

‫وخلفه على العرش ثاني أبنائه من زوجته الولى‪ ،‬فأعطى أسبانيا ثلثة عشر عامًا من الحكم الشافي من عللها‪.‬‬
‫وعمرت إيزابيلل حتى سنة ‪،1766‬‬

‫صفحة رقم ‪13293 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرديناند السادس‬
‫ولقيت من ابن زوجها معاملة رقيقة مجاملة‪ ،‬ولكنها فقدت سلطانها على التأثير في الحداث‪ .‬وأصبحت زوجة‬
‫فرديناند‪ ،‬ماريا بربارا‪ ،‬تلميذة سكارلتي‪ ،‬هي المرأة التي تقف وراء العرش‪ .‬ومع أنها كانت مفرطة الولع بالطعام‬
‫والمال‪ ،‬فإنها كانت روحاً أرق من إيزابيلل‪ ،‬وبذلت أكثر همتها لتشجع الموسيقى والفن‪ .‬وواصل فارنيللي غناءه لحكام‬
‫الجدد‪ ،‬ولم يستطع هاريسكورد سكارلتي أن ينافسه‪ .‬وعمل الملك والملكة على إنهاء حرب الوراثة النمساوية‪ ،‬فقبل‬
‫معاهدة إكس‪-‬ل‪-‬شابل (‪ ،)1748‬مع إنها أعطت تسكانيا للنمسا‪ ،‬وبعد عام أنهيا اتفاق الزينتو الذي عمر ‪ 136‬سنة‬
‫بدفع ‪ 100.000‬جنيه لشركة بحر الجنوب تعويضاً عن خسارة امتيازاتها في تجارة الرقيق‪.‬‬
‫كان فرديناند رجلً حسن النية‪ ،‬لطيفًا أميناً‪ ،‬ولكنه ورث جسداً رقيقاً وكان معرضاً لنوبات من الغضب كان يخجل منها‬
‫خجلً مؤلماً‪ )18(.‬وحمله الوعي بعيوبه على ترك الحكم لوزيرين قديرين‪-‬دون دون خوزيه دي كارفاخال وزينون‬
‫دي سومر ديفلل‪ ،‬مركيز انسنادا‪ .‬وحسن انسنادا أساليب الزراعة‪ ،‬وأعان بالمال التعدين والصناعة‪ ،‬وشق الطرق‬
‫والقنوات‪ ،‬وألغى المكوس الداخلية‪ ،‬وأعاد بناء البحرية واستبدل بضريبة البيوع البغيضة ضريبة على الدخل‬
‫والممتلكات‪ ،‬ونظم المالية من جديد‪ ،‬وحطم عزلة أسبانيا الفكرية بإيفاده البعوث من الطلبة إلى الخارج‪ .‬ويرجع بعض‬
‫الفصل إلى دبلوماسية انسنادا في إبرام اتفاق مع البابوية (‪ )1753‬احتفظ للملك بحق فرض الضرائب على الملك‬
‫الكنسية وتعيين الساقفة للكراسي السبانية‪ .‬وقد حد من سلطان الكنيسة‪ ،‬وأخضع ديوان التفتيش‪ ،‬وألغيت الحتفالت‬
‫العلنية بإحراق المهرطقين‪.‬‬
‫واختلف الوزيران في سياستهما الخارجية‪ .‬فأما كارفاخال فقد أثر فيه لطف السفير البريطاني المخلص‪ ،‬السير بنجامين‬
‫كين‪ ،‬فاستن سياسة مؤيدة للبريطانيين مسالمة لهم‪ ،‬وأما انسنادا فقد حابى فرنسا‪ ،‬وتحرك نحو محاربة إنجلترا‪ .‬وطال‬
‫صبر فرديناند عليه لنه قدر نشاطه وكفايته‪ ،‬ولكنه أقاله‬

‫صفحة رقم ‪13294 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرديناند السادس‬
‫في النهاية‪ .‬وبينما كانت كل أوربا تقريباً تتردى في سنوات سبع من الحرب‪ ،‬منح فرديناند شعبه فترة من السلم‬
‫والرخاء أطول مما حظيت به أسبانيا منذ أيام فليب الثاني‪.‬‬

‫وفي ‪ 1758‬ماتت ماريا بربارا‪ .‬وكان الملك يحبها حبًا يوحي بأن السياسة لم يكن لها دخل في زواجهما‪ ،‬ومن ثم‬
‫اعترته حالة من الكتئاب وتشعث الشعر وإطلق اللحية ذكرت الناس باكتئاب أبيه من قبل‪ ،‬وأصابته هو الخر لوثة‬
‫في آخر سنة من عمره‪ .‬وفي أخريات أيامه كان يأبى الذهاب إلى فراشه مخافة أل ينهض منه أبداً‪ .‬ومات في كرسيه‬
‫في ‪ 10‬أغسطس ‪ 1759‬وبكى الجميع الملكين الحبيبين لن حكمهما كان بركة ندر أن حظيت بها أسبانيا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13295 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬التنوير يدخل أسبانيا‬

‫‪ -4‬التنوير يدخل أسبانيا‬
‫قصة التنوير في أسبانيا مثال لقوة عرضة للمقاومة تصطدم بجسم ثابت ل يقبل الحركة‪ .‬فالخلق السباني‪ ،‬ووفاؤه‬
‫ليمانه الوسيط وفاء كتبه بالدم‪ ،‬كان يصد كل رياح الهرطقة أو الشك عاجلً أو آجلً‪ ،‬ويرفض كل دخيل من الزي أو‬
‫العادات أو القتصاد‪ .‬ولم يحبذ الفكر الدخيل غير قوة اقتصادية واحدة‪-‬هي التجار السبان الذين كانوا يتعاملون مع‬
‫الجانب كل يوم‪ ،‬ويعرفون أي قوة وثراء حققهما ونظراؤهم في إنجلترا وفرنسا‪ .‬وكانوا راغبين في استيراد الفكار‬
‫إذا استطاعت أن تضعف من السلطة التي ورثها النبلء والكليروس على أرض أسبانيا وحياتها وعقلها‪ .‬وقد علموا أن‬
‫الدين فقد سلطانه في إنجلترا‪ ،‬وسمع بعضهم بنيوتن ولوك‪ ،‬ل بل أن جبون قدر له أن يجد بعض من يقرؤونه في‬
‫أسبانيا(‪.)19‬‬
‫وبالطبع هبت أقوى رياح التنوير من فرنسا‪ .‬وكان النبلء الفرنسيون الذين تبعوا فليب الخامس إلى مدريد قد مستهم‬
‫الزندقة التي أخفت رأسها أيام لويس الرابع عشر‪ ،‬ولكنها استشرت أيام الوصاية‪ .‬وفي ‪ 1714‬أسس‬

‫صفحة رقم ‪13296 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬التنوير يدخل أسبانيا‬
‫بعض الدارسين الكاديمية الملكية السبانية محاكاة للكاديمية الفرنسية؛ وسرعان ما بدأت وضع معجم لغوي؛ وفي‬
‫‪ 1737‬اضطلعت صحيفة "دياريو دي لوس لتراتوس دي أسبانيا" بمنافسة "الجورنال دي سافان" الفرنسية‪ .‬وكان‬
‫الدوق ألبا الذي أشرف على الكاديمية الملكية عشرين عاماً (‪ )76-1756‬شديد العجاب بجان‪-‬جاك روسو(‪.)20‬‬
‫وفي ‪-1773‬أكتتب بثمانية جنيهات ذهبية (لوي دور) لتمثال فولتير الذي كان يصنعه بيجال‪ .‬كتب إلى دالمبير يقول‬

‫ي بتثقيف عقلي سراً أغتنم هذه الفرصة للشهادة علنية بعرفاني وإعجابي بالرجل العظيم الذي‬
‫"أنني وقد مضى عل ّ‬
‫كان أول من دلني على الطريق(‪.")21‬‬
‫وحظي كتاب روسو "إميل" بإعلن مجاني حين أحرق في احتفال رسمي بكنيسة من كنائس مدريد (‪.)22()1765‬‬
‫وعاد شباب من السبان الذين عرفوا باريس كالمركيز دي مورا الذي عشق جولي دلسبيناس إلى أسبانيا يحملون شيئاً‬
‫من آثار الشكوكية التي التقوا بها في الصالونات‪ .‬وهربت إلى أسبانيا نسخ من أعمال فولتير أو ديدرو أو رينال؛‬
‫فأيقظت بعض العقول المحددة‪.‬وكتب أسباني في ‪ 1763‬يقول "كان من أثر الكتب المؤذية الكثيرة التي راجت بين‬
‫الناس؛ ككتب فولتير وروسو وهلفتيوس؛ أن كثر فتور اليمان في هذا البلد(‪ .")23‬وكان بابلو أو لفيدي يجهر‬
‫بالفكار الفولتيرية في صالونه بمدريد (حوالي ‪ .)24()1766‬وحوت رفوف "الجمعية القتصادية لصدقاء السلم"‬
‫أعمالً لفولتير وروسو وبيل ودالمبير ومونتسكيو وهوبز ولوك وهيوم(‪ .)25‬وذكر البيه كليمان الذي جاب أرجاء‬
‫أسبانيا عام ‪ 1768‬انتشار اللمبالة بالدين انتشاراً واسعاً‪ ،‬ل بل الكفر بالعقيدة‪ ،‬المستتر وراء مراعاة الطقوس‬
‫الكاثوليكية في الظاهر(‪ .)26‬وقد أبلغ ديوان التفتيش في ‪ 1778‬أن كبار موظفي البلط يقرؤون لجماعة الفلسفة‬
‫الفرنسيين(‪.)27‬‬
‫وكان من الهمية بمكان للتاريخ السباني أن يصبح بدرو أباركا‪ ،‬كونت أراندا‪ ،‬خلل رحلة قام بها في فرنسا‪ ،‬صديقاً‬
‫لفولتير‪ .‬وقد نحكم‬

‫صفحة رقم ‪13297 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬التنوير يدخل أسبانيا‬
‫على علقته من نشاطه اللحق سفيرًا لسبانيا لدى فرنسا‪ ،‬وقد اختلط في غير تجرح بالموسوعيين في باريس وقامت‬
‫بينه وبين دالمبير صداقة ملؤها العجاب به‪ ،‬وعبر فرنسا ليزور فولتير في فرنيه‪ .‬وكان يصرح بولئه للكنيسة في‬
‫أسبانيا‪ ،‬ولكنه هو الذي أقنع شارل الثالث بطرد اليسوعيين‪ ،‬وبإرشاده انظم إب صفوف "المستبدين المستنيرين" الذين‬
‫كان يتطلع إليهم جماعة الفلسفة باعتبارهم خير معوان لهم في نشر التعليم والحرية والعقلنية‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13298 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬

‫‪ -5‬شارل الثالث‬

‫‪1788 - 1759‬‬

‫أ‪ -‬الحكومة الجديدة‬
‫حين وصل من نابلي كان يناهز الثالثة والربعين‪ .‬ورحب به الجميع إل اليسوعيين(‪ )28‬الذين ساءهم بيع أسبانيا‬
‫لمستوطناته في باراجواي إلى البرتغال (‪ ،)1750‬وفيما عدا هذا كسب جميع القلوب بإعفاء الناس من الضرائب‬
‫المتأخرة‪ ،‬ورد بعض المتيازات التي فقدتها القاليم في ظل سياسة المركزية التي انتهجها فليب الخامس‪ .‬وقد جلل‬
‫موت زوجته ماريا أماليا بالحزن سنة حكمه الولى لسبانيا‪ .‬ولم يتزوج بعدها قط وإنه لمما يشرف آل بوربون‬
‫السبان في القرن الثامن عشر أنهم ضربوا لملوك أوربا المثل في الوفاء لزواجهم والثبات على حبهم‪.‬‬
‫وقد رسم دبلوماسي بريطاني صورة بريطانية لشارل الذي كانت له مواجهات مع النجليز في نابلي‪.‬‬
‫"للملك مظهر غريب سواء شخصه أو زيه‪ .‬فهو ضئيل القامة ولون بشرته شبيه بلون المحنة ولم يفصل له سترة‬
‫طوال هذه السنين الثلثين‪ ،‬لذلك يبدو في سترته وكأنها الزكيبة‪ ،‬وصدريته وسراويله وكوبه من الجلد عادة‪ ،‬وعل‬
‫ساقه طماق يقيهما من البلل‪ .‬وهو يخرج للرياضة كل يوم من أيام السنة غير عابئ بمطر أو ريح(‪.)29‬‬

‫صفحة رقم ‪13299 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫ولكن إيرل برستول‪ -‬أردف في ‪" ،1761‬إن للملك الكاثوليكي مواهب جيدة‪ ،‬وذاكرة مواتية‪ ،‬وسيطرة غير عادية على‬
‫نفسه في جميع المناسبات‪ .‬وقد بات يتشكك في الناس لكثرة ما خدعوه‪ .‬وهو يفضل دائماً أن ينال موافقة الخرين على‬
‫رأيه باللين‪ ،‬وله من طول الناة ما يجعله ينصح محدثه المرة بعد المرة دون أن يستعمل سلطته‪ .‬ومع ذلك فرغم سيماء‬
‫اللطف العظيم البادي عليه استطاع أن يبث الرهبة في قلوب وزرائه وحاشيته‪)30(".‬‬
‫ولم يكن في تقواه الشخصية ما ينذر بأنه سيهاجم اليسوعيين أو يضطلع بالصلحات الدينية‪ .‬كان يختلف إلى القداس‬
‫كل يوم‪ .‬وقد أدهش عدواً إنجليزياً "وفاؤه المين العنيد بكل معاهداته مبادئه وارتباطاته"(‪ )31‬وكان يخصص جزءاً‬
‫كبيرًا من كل يوم من أيام السبوع (عدا الحد) لشؤون الحكم‪ .‬يستيقظ في السادسة‪ ،‬ويزور أبناؤه‪ ،‬ويفطر‪ ،‬ويعكف‬
‫على العمل من الثامنة إلى الحادية عشرة‪ ،‬ويجتمع بوزرائه‪ ،‬ويستقبل كبار القوم ويتناول غداءه مع غيره‪ ،‬ويخصص‬
‫عدة ساعات للصيد‪ ،‬ويتعشى في التاسعة والنصف‪ ،‬ويطعم كلبه‪ ،‬ويتلو صلواته‪ ،‬ثم يمضي إلى فراشه‪ .‬ولعل الصيد‬
‫كان وقاءً صحياً قصد بن أن يصرف عنه الكتئاب الموروث في السرة‪.‬‬
‫وبدأ ببعض الخطاء الخطيرة‪ .‬ذلك أنه لجهله بأسبانيا التي لم يرها من كان في السادسة عشرة اتخذ اثنين من‬
‫اليطاليين كانا قد أخلصا في خدمته بنابلس مساعدين أثيرين لديه‪ :‬المركيز دي جريمالدي في السياسة الخارجية‪،‬‬
‫والمركيز دي سكللتشي في الشؤون الداخلية‪.‬‬
‫وقد وصف إيرل برستول سكللتشي هذا بأنه "غير ذكي‪ .‬أنه مولع بالعمل ول يشكو أبدًا من كثرته تنوع إدارات‬
‫الحكومة التي تتركز فيه‪...‬وأعتقد أنه غير قابل للرتشاء‪ ،‬ولكنني ل أريد أن أكون مسئولً بهذا القدر عن زوجته(‪)32‬‬

‫ولم يحب جرائم مدريد ول روائحها الخبيثة ول ظلمتها‪ ،‬ومن ثم فقد نظم لها شرطة نشيطة وفرقة لتنظيف شوارعها‪،‬‬
‫وأنار‬

‫صفحة رقم ‪13300 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫العاصمة بخمسة آلف مصباح‪ .‬وأباح الحتكارات لتزويد المدينة بالزيت والخبز وغيرهما من الضروريات‪ .‬وحدث‬
‫أن الجفاف رفع السعار‪ ،‬فطالبت الجماهير برأس سكللتشي‪ .‬وقد أغضب رجال الدين بلوائح حدت من امتيازاتهم‬
‫وسلطتهم‪ .‬وفقد المئات من المؤيدين حين صادر السلحة المخبأة‪ .‬وأخيراً أثار الشعب بمحاولة تغيير زي الشعب‪ .‬فقد‬
‫أقنع الملك بأن العباءة أو الكاب الطويل الذي يخفي البدن والقبعة العريضة ذات الحافة المقلوبة التي تخفي كثيرًا من‬
‫الوجه‪ ،‬يسهلن إخفاء السلح ويعوقان الشرطة عن التعرف على المجرمين‪ .‬ومن ثم حظرت سلسلة متعاقبة من‬
‫المراسيم الملكية الكاب والقبعة‪ ،‬وزود رجال الضبط بالمقصات الكبيرة يقصون بها العباءات المخالفة حتى يصلوا بها‬
‫إلى الطول القانوني(‪ .)33‬وكان في هذا التحكم فوق ما يطيقه المدريديون الباة‪ .‬فثاروا في أحد الشعانين‪ 23 ،‬مارس‬
‫‪ ،1766‬واستولوا على مخازن الذخيرة‪ ،‬وأطلقوا السجناء‪ ،‬وتغلبوا على الجنود والشرطة‪ ،‬وهاجموا بيت سكللتشي‪،‬‬
‫وحصبوا جريمالدي‪ ،‬وقتلوا الحرس الولوني الذين يحرسون القصر الملكي‪ ،‬وجابوا الشوارع يرفعون رءوس هؤلء‬
‫الدخلء الممقوتين على الرماح متوجة بقبعات عريضة الحواف‪ .‬وظل الرعاع يومين يواصلون التقتيل والنهب‪ .‬وهنا‬
‫أذعن شارل‪ ،‬وألغى المراسيم‪ ،‬وأعاد سكللتشي إلى إيطاليا محروساً‪ .‬وكان في غضون ذلك قد أكتشف مواهب‬
‫الكونت أراندا‪ ،‬وعينه رئيساً لمجلس قشتالة‪ .‬فجعل أراندا العباءة والصمبريرة ‪ Sombrero‬أي القبعة العريضة الحافة‬
‫الزي الرسمي للبلد‪.‬وكان في هذا المعنى الجديد المتضمن ما زهد الناس في الزي القديم‪ ،‬ومن ثم اتخذ معظم أهل‬
‫مدريد الزي الفرنسي‪.‬‬
‫كان أراندا سليل أسرة عريقة غنية في أرجوان‪ .‬رأيناه يتشرب التنوير في فرنسا‪ ،‬كذلك ذهب إلى بروسيا حيث درس‬
‫التنظيم العسكري ثم عاد إلى أسبانيا متشوقاً إلى العمل على أن يصل وطنه إلى مستوى تلك الدول الشمالية‪ .‬وأفرط‬
‫أصحابه الموسوعيون في الجهر باغتباطهم لتقليده السلطة‪ ،‬وأحزنه أنهم بذلك زادوا مهمته صعوبة‪ )34(،‬وود لون‬
‫أنهم درسوا‬

‫صفحة رقم ‪13301 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬

‫الدبلوماسية من قبل‪ .‬وقد عرف الدبلوماسية السياسة بأنها فن "إعادة تنظيم قوة مختلفة السلطات‪ ،‬ومواردها‪،‬‬
‫ومصالحها‪ ،‬وحقوقها‪ ،‬ومخاوفها وآمالها‪ ،‬حتى إذا سمحت المناسبة استطعنا أن نهدئ من هذه القوى‪ ،‬أو نفرق بينها‪،‬‬
‫أو نهزمها أو نتحالف معها‪ ،‬ذلك رهن بكيفية خدمتها لمصالحنا وزيادتها لمتنا"(‪.)35‬‬
‫وكنا الملك في حالة نفسية مواتية لصلحات الكنيسة لتوجسه من أن الكليروس شجعوا الثورة على سكللتشي سراً(‬
‫ل من أسم الكاتب عنوانه ‪Tratado de la‬‬
‫‪ .)36‬وكان قد أذن للمطبعة الحكومية في أن تطبع عام ‪ 1765‬مقالً غف ً‬
‫‪ .Regalia de L'amortizaction‬تشكك في حق الكنيسة في جمع الثورة العقارية‪ ،‬وزعم أن الكنيسة ينبغي أن‬
‫تكون خاضعة للدولة في جميع المور الزمنية‪ .‬وكان المؤلف هو كونديه بدرو رودريجر دي كومبومانيس‪ ،‬وكان‬
‫عضواً في مجلس قشتالة‪ .‬وكان شارل قد أصدر عام ‪ 1761‬أمراً يشترط موافقة الملك على نشر الوامر أو الرسائل‬
‫البابوية في أسبانيا‪ ،‬وفي تاريخ لحق ألغى هذا المر‪ .‬ولكنه عاد فجدده في ‪ .1768‬وأيد الن أراندا وكومبومانتيس في‬
‫سلسلة من الصلحات الدينية شكلت من جديد وجه أسبانيا الفكري طوال جيل مثير‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصلح الديني السباني‬
‫لم يكن في نية المصلحين السبان أن يقضوا على الكاثوليكية في أسبانيا‪ -‬ربما باستثناء أراندا‪ .‬وكانت الحروب الطويلة‬
‫التي خاضتها البلد لطرد العرب (كالكفاح الطويل لتحرير أيرلندا) قد جعلت الكاثوليكية جزءاً من الوطنية وكتفتها إلى‬
‫درجة إحالتها إلى إيمان قدسته تضحيات المة تقديسًا ل يتيح التحدي الناجح أو التغيير الجذري‪ .‬وكان أمل المصلحين‬
‫أن يخضعوا الكنيسة لشراف الدولة‪ ،‬وأن يحرروا عقل أسبانيا من رهبة محكمة التفتيش‪ .‬وقد بدءوا بمهاجمة‬
‫اليسوعيين‪.‬‬
‫كانت جماعة اليسوعيين قد ولدت بأسبانيا في عقل أغناطيوس لويول‬

‫صفحة رقم ‪13302 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫وتجاربه‪ ،‬وكان نفر من أعظم قادتها من أسبانيا‪ .‬وكما حدث في البرتغال‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وإيطاليا‪ ،‬والنمسا اضطلعت‬
‫الجماعة بالتعليم الثانوي‪ ،‬وزودت الملوك والملكات بآباء العتراف‪ ،‬وشاركت في تشكيل السياسات الملكية‪ .‬وقد أثار‬
‫سلطانها المتسع غيرة الكليروس الكاثوليكي غير الرهباني‪ ،‬وأحياناً عداءه‪ .‬وكان بعض هؤلء يؤمنون بأن سلطة‬
‫المجامع المسكونة تعلو على سلطة الباباوات‪ ،‬أما اليسوعيين فقد دافعوا عن سمو سلطة الباباوات على سلطة المجامع‬
‫والملوك‪ .‬وشكا رجال العمال السبان من أن اليسوعيين المشتغلين بتجارة المستعمرات يبيعون بأسعار أقل من‬
‫التجار المحترفين بفضل ما يتمتعون به من إعفاءات كنسية من الضرائب‪ ،‬وقرروا أن هذا يقلل من اليرادات الملكية‪.‬‬
‫وآمن شارل بأن اليسوعيين ما زالوا يشجعون مقاومة هنود باراجواي لوامر الحكومة السبانية(‪)37‬؛ وروعه أن‬
‫يطالعه أراندا وكامبومانيس وغيرهما على خطابات ادعوا أنهم وجدوها بين رسائل اليسوعيين‪ ،‬وقد صرح أحد هذه‬
‫الخطابات الذين زعموا أن كاتبه هو الب ريكي قائد الطائفة اليسوعية؛ بأن شارل ابن غير شرعي ويجب أن يحل‬
‫محله أخوه لويز‪ .‬وقد رفض الكاثوليك وغير المؤمنين على السواء صحة هذه الخطابات(‪ ،)39‬ولكن شارل ظنها‬
‫صحيحة وانتهى إلى أن اليسوعيين يأتمرون لخلعه‪ ،‬وربما لقتله(‪ .)40‬ولحظ أن محاولة‪ -‬زعموا أن اليسوعيين كانوا‬
‫ضالعين فيها‪ -‬بذلت لغتيال يوسف الول ملك البرتغال (‪ ،)1758‬فصحت نيته على أن يحذو حذو يوسف ويطرد‬
‫الطائفة من مملكته‪.‬‬

‫وحذره كامبومانيس من أن خطوة كهذه لن يتاح لها النجاح إل بالستعدادات المستورة تتبعها ضربة فجائية مدبرة‪،‬‬
‫وإل استطاع اليسوعيين الذين كانوا يحظون بتبجيل الشعب أن يثيروا ضجة مؤذية في المة وممتلكاتها جميعاً‪ .‬وعملً‬
‫باقتراح أراندا أرسلت رسائل مختومة ممهورة بتوقيع الملك في مطلع عام ‪ 1767‬إلى الموظفين في جميع أرجاء‬
‫المبراطورية مشفوعة بالمر بعدم فضها إل في ‪ 31‬مارس في أسبانيا‪ ،‬وفي ‪ 2‬إبريل في المستعمرات‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13303 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫وأل كان الموت عقاب المخالفين ‪ .‬وفي ‪ 31‬مارس أستيقظ اليسوعيون السبان ليجدوا بيوتهم ومدارسهم يطوقها‬
‫الجنود‪ ،‬ويجدوا أنفسهم معتقلين‪ .‬وأمروا بالرحيل في هدوء‪ ،‬غير مصطحبين سوى ما يطيقون حمله‪ ،‬أما سائر‬
‫ممتلكات اليسوعيين فقد صادرتها الدولة‪ .‬ومنح كل مبعد معاشاً صغيراً يوقف أن عارض أي يسوعي في طرده‪ .‬ثم‬
‫أخذوا في عربات تحت الحراسة العسكرية إلى أقرب ميناء وأركبوا السفن إلى إيطاليا‪ .‬وبعث شارل بكلمة إلى البابا‬
‫كلمنت الثالث عشر يخيره أنه "ينقلهم إلى الراضي الكنسية ليظلوا تحت إشراف قداسته الحكيم العاجل‪....‬وأني أرجو‬
‫من قداستكم أل تعتبروا هذا القرار إل احتياطًا مدنياً ل غنى عنه‪ ،‬لم أتخذه إل بعد البحث الناضج والتفكير العميق(‬
‫‪.")41‬‬
‫فلما حاولت أولى السفن التي كانت تحمل ستمائة من اليسوعيين‪ ،‬أن تنزلهم في تشيفبتافكيا‪ ،‬رفض الكردينال‬
‫تورجياني‪ ،‬السكرتير البابوي‪ ،‬السماح لهم بالرسو محتجاً بأن إيطاليا ل تستطيع بهذه السرعة المفاجئة أن تعنى بهذا‬
‫العدد الكبير من اللجئين(‪ .)42‬وظلت السفينة السابيع تجوب البحر المتوسط باحثة عن ميناء مضياف بينما يعاني‬
‫ركابها البائسون من رداءة الجو ومن الجوع والمرض‪ .‬وأخيراً سمح لهم بالنزول في قورسقه‪ ،‬وبعد حين استوعبتهم‬
‫الوليات البابوية في جماعات سهلة القيادة‪ .‬ولقي اليسوعيون في غضون هذا النفي المماثل من نابلي وبارما وأمريكا‬
‫السبانية والفلبين‪ .‬وناشد كلمنت الثالث عشر شارل الثالث أن يلغي هذه المراسيم التي سيصعق العالم المسيحي كله ل‬
‫محالة لما فيها من مباغتة وقسوة‪ .‬فأجاب شارل "أنني لرغبتي في أن أعفي العالم من فضيحة كبرى سأظل ما حييت‬
‫مختبئاً في قلبي سر المؤامرة النكراء التي اقتضت هذه الصرامة‪ .‬وينبغي لقداستكم أن تصدقوا كلمتي‪ ،‬فسلمة حياتي‬
‫تفرض عليّ الصمت العميق(‪.")43‬‬
‫ولم يصفح الملك قط عن الدلة التي قام عليها مراسيمه‪ .‬وفي التفاصيل من التناقض والغموض ما يجعل المرء عاجزاً‬
‫عن الحكم عليها‪ .‬وقد اعترض‬

‫صفحة رقم ‪13304 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬

‫دالمبير على الطريقة التي نفي بها اليسوعيون‪ ،‬ولم يكن بصديق لهم‪ .‬ففي ‪ 4‬مايو ‪ 1767‬كتب إلى فولتير يقول‪:‬‬
‫"ما رأيك في مرسوم شارل الثالث الذي طرد اليسوعيين على هذا النحو المفاجئ؟ أل ترى‪ ،‬رغم اقتناعي بأن لديه‬
‫مبررات كافية ووجيهة‪ ،‬بأنه كان ينبغي أن يصفح عنها ل أن يحبسها في "قلبه الملكي"؟ أل ترى أنه كان ينبغي له أن‬
‫يسمح لليسوعيين بتبرير أنفسهم‪ ،‬ل سيما لن الجميع واثقون أنهم ما كانوا يستطيعون هذا؟ وأل ترى أيضًا أن من‬
‫الظلم البين لهم أن يتركوا جميعاً ليموتوا جوعًا بينما الواجب على أخ علماني واحد‪ ،‬ربما يقطع الكرنب الن في‬
‫المطبخ‪ ،‬أن يقول كلمة بطريقة أو بأخرى في الدفاع عنهم؟‪...‬أل يبدو لك أنه كان مستطيعاً أن يتصرف بتعقل أكثر في‬
‫تنفيذ أمر هو رغم كل شيء أمر معقول(‪")44‬؟‬
‫أكان طردهم إجراء محبباً لدى الشعب؟ بعد عام من استكمال هذا الطرد وفي عيد القديس شارل‪ ،‬طلع الملك على شعبه‬
‫من شرفة قصره‪ ،‬فلما سألهم جرياً على عادة مألوفة عندهم أي منحة يرغبون في أن يهبهم صاحوا "بصوت واحد" أن‬
‫يسمح لليسوعيين بالعودة‪ ،‬وأن يلبسوا رداء الكليروس غير الرهباني‪ -‬فأبى شارل‪ ،‬ونفى رئيس أساقفة طليطلة متهماً‬
‫إياه بأنه المحرض على اللتماس الذي أشتبه في أنه يهدف إلى التوفيق(‪ .)45‬ولما طلب البابا في ‪ 1769‬إلى أساقفة‬
‫أسبانيا رأيهم في طرد اليسوعيين‪ ،‬وافق عليه اثنان وأربعون‪ ،‬وعارضه ستة‪ ،‬ولم يبد ثمانية رأياً في المر(‪.)46‬‬
‫وأغلب الظن أن الكهنة من غير الرهبان كانوا مغتبطين بإعفائه من منافسة اليسوعيين لهم‪ .‬ووافق الخوة‬
‫الوغسطينيون في أسبانيا على الطرد‪ ،‬ثم أيدوا بعد ذلك مطالبة شارل الثالث بفض جماعة اليسوعيين بجملتها(‪.)47‬‬
‫أما ديوان التفتيش فلم يكن في المكان اتخاذ إجراء معجل كهذا معه‪ ،‬فقد كان أعمق من جمعية اليسوعيين تغلغلً في‬
‫رهبة وتقاليد الشعب الذي عزا إلى الديوان في صيانة الخلق والحتفاظ بنقاء إيمانهم‪ -‬بل حتى‬

‫صفحة رقم ‪13305 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫نقاء دمائهم‪ .‬وحين ولي شارل العرش كان الديوان يسيطر على عقل أسبانيا برقابة صارمة ساهرة‪ .‬فأي كتاب تظن به‬
‫الهرطقة الدينية أو النحراف الخلقي يقدم إلى الفاحصين‪ ،‬فإذا رأوه خطرًا بعثوا بتوصياتهم إلى مجلس ديوان التفتيش‪،‬‬
‫وللمجلس سلطة المر بمصادرة الكتاب وعقاب مؤلفه‪ .‬وكان الديوان يصدر دوريًا فهرسًا بالكتب المحرمة‪ ،‬وكان‬
‫إحراز كتاب منها أو قراءته دون إذن كنسي جريمة ل يغتفرها إل ديوان التفتيش‪ ،‬وقد يعاقب مرتكبها بالجرم‪ .‬وكان‬
‫على القساوسة خصوصاً في الصوم الكبير أن يسألوا جميع المعترفين بذنوبهم أن كانوا يملكون أو يعلمون أن إنساناً‬
‫يملك كتاباً محظوراً‪ .‬وكل مقصر في البلغ عن انتهاك للفهرس يعتبر مذنبًا كمنتهكه‪ ،‬وما كان لية روابط أسرية أو‬
‫علقات ودية أن تعفيه من العقاب(‪.)48‬‬
‫ولم ينجز وزراء شارل في هذا المضمار سوى إصلحات صغيرة‪ .‬ففي ‪ 1768‬حد من سلطة الديوان في رقابة‬
‫المطبوعات باشتراط الحصول على التصديق الملكي على جميع المراسيم المحرمة للكتب قبل تنفيذها‪ .‬وفي ‪1770‬‬
‫أمر الملك محكمة الديوان بأن تقتصر على الهرطقة والرتداد دون غيرهما‪ ،‬وإل تسجن إنساناً ما لم يثبت ذنبه على‬
‫نحو قاطع‪ .‬وفي ‪ 1784‬أمر بأن تعرض عليه إجراءات الديوان الخاصة بكبار النبلء‪ ،‬وأعضاء مجلس الوزراء‬
‫والموظفين الملكيين‪ ،‬لمراجعتها‪ .‬ثم عين رئيساً عاماً للديوان أبدى موقفًا أكثر تحرراً بازاء خلفات الفكر(‪.)49‬‬
‫وكان لهذه الجراءات المتواضعة بعض الثر‪ ،‬لن الرئيس العام لديوان التفتيش قرر في حزن أن الخوف من اللوم‬
‫الكنسي على قراءة الكتب المحرمة يكاد يصبح في خبر كان(‪ ،)50‬وكان وكلء الديوان بعد ‪ 1770‬بوجه عام أقل‬
‫غلواً‪ ،‬وعقوباته أرحم من ذي قبل‪ .‬ومنح التسامح الديني للبروتستنت في عهد شارل الثالث‪ ،‬وللمسلمين في ‪،1779‬‬
‫وأن لم يمنح لليهود(‪ .)51‬وفي عهد شارل الثالث أحتفل بإحراق المنحرفين أربع مرات‪ ،‬آخرها عام ‪ 1780‬في إشبيلية‬
‫حين أحرقت عجوز اتهمت بالسحر‪ ،‬وأثار إعدامها‬

‫صفحة رقم ‪13306 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫هذا من النقد في كل أرجاء أوربا(‪ )52‬ما مهد الطريق للغاء ديوان التفتيش السباني في ‪.1713‬‬
‫ومع ذلك ظلت حرية الفكر إذا أعرب صاحبها عنها حتى في عهد شارل الثالث تعاقب قانوناً بالموت‪ .‬ففي ‪ 1768‬أتهم‬
‫بابلو أولفيدي أمام ديوان التفتيش بحيازته صوراً بذيئة في بيته بمدريد‪ ،‬وربما كانت نسخًا من عرايا بوشيه‪ ،‬لن‬
‫أولفيدي كان قد جاب فرنسا حتى فرنيه‪ .‬ثم رمي بتهمة أخطر في ‪ ،1774‬هي أنه لم يسمح بإقامة أديرة في القرى‬
‫النموذجية التي أنشأها في سييرا مورينا‪ ،‬وأنه حظر على الكهنة تلوة القداس في غير يوم الحد أو طلب الصدقات‪.‬‬
‫وأحاط ديوان التفتيش الملك بأن هذه الجرائم وغيرها قد أثبتت بشهادة ثمانين شاهداً‪ .‬وفي ‪ 1778‬أستدعي أوفلفيدي‬
‫لمحاكمته وأتهم بتأييده نظرية كوبرنيق الفلكية وتراسله مع فولتير وروسو‪ .‬فرجع الرجل عن أخطائه وتصالح مع‬
‫الكنيسة‪ ،‬وصودرت كل أملكه‪ ،‬وحكم عليه بالحبس في دير ثمانية أعوام‪ .‬وفي ‪ 1780‬تداعت صحته‪ ،‬وسمح له‬
‫بالستشفاء بمياه منتجع معدني في قنلونيه‪ ،‬ومنها فر إلى فرنسا‪ ،‬حيث أستقبله أصحابه الفلسفة في باريس استقبال‬
‫البطال‪ .‬ولكنه لم يقضِ في منفاه بضع سنوات حتى استبد به الحنين إلى مغانيه السبانية‪ .‬فألف كتاباً مشرباً بروح‬
‫التقوى عنوانه "النجيل المنتصر أو الفيلسوف المهدي" وعليه أذن ديوان التفتيش بعودته(‪.)53‬‬
‫ونلحظ أن محاكمة أوفلفيدي جرت بعد سقوط أراندا من رآسة مجلس قتشتالة وفي أخريات حكم أراندا أنشأ مدارس‬
‫جديدة يقوم بالتدريس فيها أكليروس غير رهباني لملء الفراغ الذي خلفه اليسوعيون‪ ،‬وأصلح العملة بإحلل نقود من‬
‫نوع جيد وتصميم أرقى محل العملت الممزوقة (‪ .)1770‬على أن إحساسه باستنارته الفائقة جعله بمضي الزمن نزقاً‬
‫متغطرساً وقحاً‪ .‬فبعد أن جعل سلطة الملك مطلقة سعى إلى تقييدها بزيادة نفوذ الوزراء‪ .‬وفقد القدرة على الرؤية‬
‫المتناسية وتقدير المور في أوضاعها الصحيحة‪ ،‬وحلم بإخراج أسبانيا بعد جيل واحد من كتلتها المطمئنة إلى تيار‬
‫الفلسفة‬

‫صفحة رقم ‪13307 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫الفرنسية‪ .‬وأعرب في جرأة مغالية عن أفكاره المهرطقة‪ ،‬حتى لكاهن اعترافه‪ .‬ومع أن الكثير من رجال الكليروس‬
‫غير الرهبان أيدوا بعض إصلحاته الكنسية لما فيها من نفع للكنيسة(‪ ،)54‬فأنه أخاف عدد أكبر بالكشف عن أمله في‬
‫حل ديوان التفتيش جملة(‪ .)55‬وأشتد كره الناس له حتى أنه لم يجرؤ على الخروج من قصره دون حرس‪ .‬وراح يكثر‬
‫من الشكوى من ثقل أعباء وظيفته حتى أخذه شارل آخر المر عن كلمته فأوفده سفيراً إلى فرنسا (‪)87 -1713‬‬
‫وهناك تنبأ بأن المستعمرات النجليزية في أمريكا‪ ،‬التي بدأت ثورتها آنذاك‪ ،‬ستصبح في الوقت المناسب من أعظم‬
‫دول العالم(‪.)56‬‬

‫جـ ‪ -‬القتصاد الجديد‬
‫سيطر على الوزارة بعد رحيل أراندا ثلثة من الرجال الكفاء‪ .‬فخلف خوزيه مونينو‪ ،‬كونت فلوريدا بلنكا‪،‬‬
‫جريمالدي وزيراً للشؤون الخارجية (‪ ،)1776‬وسيطر على مجلس الوزراء حتى عام ‪ .1792‬وقد تأثر بالفلسفة‬
‫الفرنسيين كما تأثر أراندا ولكن بدرجة أقل‪ .‬وأرشد الملك في إجراءات لتحسين الزراعة والتجارة والتعليم والعلوم‬
‫والفنون‪ ،‬ولكن الثورة الفرنسية أخافته فانتكس محافظاً‪ ،‬وقاد أسبانيا إلى أول تحالف ضد فرنسا الثورة (‪ .)1792‬أما‬
‫بدور دي كامبومانيس فقد ترأس مجلس قشتالة خمس سنين‪ ،‬وكان المحرك الول في الصلح القتصادي‪ .‬وأما‬
‫جسبار ملكور دي خوفللنوس‪ ،‬أرفع السبان في جيله(‪ ")57‬فقد عرفته الجماهير أول ما عرفته قاضياً رحيماً نزيهاً‬
‫في إشبيلية (‪ )1767‬ومدريد (‪ .)1778‬وجاء أكثر نشاطه في الحكومة المركزية تاليًا لعام ‪ ،1789‬ولكنه أسهم إسهاماً‬
‫قوياً في السياسة القتصادية أيام شارل الثالث بكتاب ألفه في الصلح الزراعي (‪ .)1787‬وقد أذاع اقتراحه مراجعة‬
‫القانون الزراعي‪ ،‬وهو القتراح الذي كتبه برشاقة أسلوب كاد يداني بها رشاقة أسلوب شيشيرون‪ ،‬وشهرته في أوربا‬
‫طولً وعرضاً‪ .‬هؤلء الثلثة‪ ،‬بالضافة إلى أراندا‪ ،‬كانوا أباء التنوير السباني والقتصاد الجديد‪ .‬ويرى دارس‬
‫إنجليزي‪ ،‬بوجه عام‪ ،‬أن النتيجة الطيبة التي حققوها تضارع ما تحقق في مثل هذا‬

‫صفحة رقم ‪13308 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫الزمن القليل في أي بلد آخر‪ ،‬ول ريب في أن تاريخ أسبانيا ل يحوي فترة يمكن مقارنتها بحكم شارل الثالث(‪.)58‬‬
‫كانت العقبات التي اعترضت الصلح في أسبانيا ل تقل خطراً في القتصاد عنها في الدين‪ .‬فقد بدأ تركيز الملكية‬
‫الثانية في السر الشريفة أو الجماعات الكنسية‪ ،‬واحتكار "المستا" لنتاج الصوف‪ ،‬حاجزين في وجه التغيير‬
‫القتصادي ل سبيل إلى التغلب عليهما‪ .‬وكان مليين السبان يفخرون بحياة الكسل التي يحيونها‪ ،‬ول يخجلون من‬
‫التسول‪ ،‬وكانوا ل يثقون في التغيير لنه خطر يهدد بالتبطل ‪ .‬وكان المال يختزن في خزائن القصور والكنائس بدلً‬
‫من استثماره في التجارة أو الصناعة‪ .‬وكان طرد المغاربة واليهود والموريسكو قد أزال كثيرًا من مصادر تحسين‬
‫الزراعة وتطوير التجارة‪ .‬وقد نجم عن صعوبات التصال والنقل الداخليين أن تخلف داخل البلد قرناً عن برشلونة‬
‫وإشبيلية ومدريد‪.‬‬
‫ل ونساء‪ -‬كونوا رغم هذه المعوقات "جمعية‬
‫على أن فريقاً صادقي النية‪ -‬نبلء وقساوسة وأفراد من طبقة العامة رجا ً‬
‫اقتصادية لصدقاء السلم" لدراسة وتشجيع التعليم والعلوم والصناعة والتجارة والفنون‪ .‬فأنشئوا المدارس والمكتبات‪،‬‬
‫وترجموا البحاث الجنبية وقدموا الجوائز على المقالت والفكار‪ ،‬وجمعوا المال لمشروعات وتجارب اقتصادية‬
‫تقدمية‪ .‬وقد أدانوا تكديس المة للذهب باعتباره أثرًا مذكراً بالركود‪ ،‬وذلك اعترافًا منهم بتأثير الطبيعيين الفرنسيين‬
‫وآدم سمث‪ .‬وأكد واحد منهم‪" :‬أن المة التي تملك معظم الذهب هي أفقر المم‪...‬كما أثبتت أسبانيا(‪ .)60‬ورحب‬
‫خوفللنوس بـــ"علم القتصاد المدني" باعتباره "علم الدولة الحقيقي"‪ .‬وكثرت المقالت القتصادية‪ .‬وكان مقال‬
‫كاميومانيس عن الصناعة الشعبية إلهاماً لللف ومنهم الملك‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13309 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫وبدأ شارل باستيراد الغلل والبذور للقاليم التي اندثرت فيها الزراعة‪ .‬وحث المدن على أن تؤجر أراضيها المشاع‬
‫غير المزروعة للفلحين بأقل إيجار عملي‪ .‬وأنشأ فلوريدا بليكا ببعض إيرادات التاج من دخول الرتب الكنسية‬
‫الشاغرة أرصدة دينية في بلنسية وملقا لقراض المال للمزارعين بفائدة منخفضة‪ .‬ولكي يحد شارل من إزالة الغابات‬
‫وتعرية التربة أمر جميع الكومونات بأن تزرع كل سنة عددًا محدداً من الشجار‪ .‬ومن هنا ذلك الحتفال السنوي‬
‫بــ"يوم الشجرة" الذي ظل في نصف الكرة تقليداً صحيًا أيام شبابنا‪ .‬وقد شجع إغفال الوقاف القديمة‪ ،‬وثبط وقف‬
‫الجديد منها‪ ،‬وبهذا يسر تجزئة الضياع الكبيرة إلى ملكيات للفلحين‪ .‬ثم اختزلت امتيازات احتكار أغنام المستا اختزالً‬
‫حادًا وأبيح زرع مساحات كبيرة من الرض كانت من قبل حكراً للرعي‪ .‬واستقدم المستعمرون الجانب لتعمير‬
‫المناطق الخفيفة السكان‪ .‬مثال ذلك أن أولفيدي أنشأ (‪ 1767‬وما بعدها) في إقليم سبيرا مورينا بجنوب غربي أسبانيا‪،‬‬
‫الذي كان إلى ذلك الحين متروكاً للصوص والوحوش‪ ،‬أربعاً وأربعين قرية وإحدى عشرة مدينة مأهولة بالوافدين‬
‫الفرنسيين أو اللمان‪ ،‬وأصبحت هذه المستوطنات مشهورة برخائها‪ .‬وشقت القنوات الطويلة لربط النهار وري‬
‫مساحات واسعة من الرض كانت من قبل جرداء قاحلة‪ .‬ثم شقت شبكة من الطرق الجديدة كانت في فترة خير الطرق‬
‫في أوربا(‪ ،)62‬فربطت القرى والمدن في تيسير يعين على سرعة المواصلت والنقل والتجارة‪.‬‬
‫ومدت الحكومة يد العون للصناعة‪ .‬ورغبة في إزالة الوصمة التي ألصقتها التقاليد بالعمل اليدوي‪ ،‬أعلن مرسوم ملكي‬
‫أن ل تعارض بين العمال الحرفية وشرف المكانة الجتماعية‪ ،‬وأن الحرفيين يصح منذ الن اختيارهم للوظائف‬
‫الحكومية‪ .‬وأنشئت المصانع النموذجية‪ :‬للمنسوجات في وادي الحجارة وسقوبية‪ ،‬وللقبعات في سان فرناندو‪ ،‬وللحرائر‬
‫في طلبيه‪ ،‬وللصيني في بوين رتيرو‪ ،‬وللزجاج في سان إلدفونسو‪ ،‬وللزجاج والثاث الخشبي الفاخر وقطع النسيج‬
‫المرسوم في مدريد‪ .‬وشجعت المراسيم الملكية تطور‬

‫صفحة رقم ‪13310 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫النتاج الرأسمالي على نطاق واسع‪ ،‬ل سيما في صناعة النسيج‪ .‬فكان في وادي الحجارة عام ‪ 1780‬ثمانمائة نول‬
‫تستخدم أربعة آلف نساج‪ ،‬وأدارت شركة واحدة في برشلونة ستين مصنعاً تضم ‪ 2.162‬نولً نساج القطن‪ ،‬وكان في‬
‫بلنسيه أربعة آلف نول تنسج الحرير‪ ،‬وأخذت تنافس تجارة ليون في الحرير لما حظيت به من إمكانات التصدير‪ .‬وفي‬
‫‪ 1792‬كان في برشلونة ثمانون ألف نساج‪ ،‬ولم يفقها في إنتاج القمشة القطنية غير أقاليم إنجلترا الوسطى‪.‬‬
‫وكانت إشبيلية وقادس تتمتعان منذ عهد بعيد باحتكار تحميه الدولة للتجارة مع الممتلكات السبانية في الدنيا الجديدة‪،‬‬
‫فأنهى شارل الثالث هذا المتياز وسمح لمختلف الثغور بالتجار مع المستعمرات‪ ،‬ثم أبرم بعد التفاوض مع تركيا‬
‫معاهدة (‪ )1782‬فتحت الموانئ السلمية للسلع السبانية‪ .‬وكانت النتائج مجزية لجميع الطراف‪ .‬وازداد أمريكا‬

‫السبانية سريعاً‪ ،‬وارتفع دخل أسبانيا من أمريكا ثمانمائة في المائة في عهد شارل الثالث‪ ،‬وتضاعفت تجارة صادرها‬
‫ثلث مرات(‪.)63‬‬
‫ل أكبر‪ .‬وقد أمكن الحصول عليها إلى حد ما باحتكار الدولة لبيع البراندي‪،‬‬
‫وتطلبت أنشطة الحكومة المتسعة دخو ً‬
‫والتبغ‪ ،‬وورق اللعب‪ ،‬والبارود‪ ،‬والرصاص‪ ،‬والزئبق‪ ،‬والكبريت‪ ،‬والملح‪ .‬وفي بداية العهد كانت هناك ضرائب‬
‫مبيعات نسبتها خمسة عشر في المائة في قتلونيا‪ ،‬وأربعة عشر قشتالة‪ .‬وقد وصف خوفللنوس ضرائب المبيعات بحق‬
‫إذ قال "إنها تفاجئ ضحيتها‪...‬عند ميلدها‪ ،‬وتطاردها وتعترضها حين تدور‪ ،‬ول تغفل عينها عنها أبداً أو تدعها تفلت‬
‫منها حتى تقضي عليها"‪ )64(.‬وفي عهد شارل الثالث ألغيت ضريبة المبيعات في قتلونيا‪ ،‬وفي قشتالة خفضت إلى‬
‫اثنين أو ثلثة أو أربعة في المائة(‪ .)65‬وفرضت ضريبة متدرجة معتدلة على الدخول‪ .‬وضماناً للمزيد من المال‬
‫بتشغيل مدخرات الشعب‪ ،‬أقنع فرانسسكو دي كاباروس الخزانة بأن تصدر سندات حكومية تقل فائدة‪ .‬فلما هبطت هذه‬
‫السندات إلى ثمانية في المائة من قيمتها السمية‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13311 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫أسس (‪ )1782‬أول مصرف قومي أسباني‪ -‬بنكودي سان كارلوس‪ -‬استهلك السندات بقيمتها السمية وأعاد الثقة‬
‫المالية بالدولة‪.‬‬
‫وأثمر حسن الدارة وروح القدام زيادة محسوسة في ثروة المة في جملتها‪ .‬وكان أكثر الطبقات انتفاعاً هي الوسطى‪،‬‬
‫لن منظماتها هي التي أعادت تشكيل القتصاد السباني‪ .‬ففي مدريد كون ‪ 375‬من رجال العمال خمس نقابات‬
‫تجارية كبرى سيطرت على معظم تجارة العاصمة‪ .‬ونستطيع الحكم على مبلغ ثرائها من استطاعتها أن تقرض‬
‫الحكومة عام ‪ 1776‬ثلثين مليون ريال(‪.)66‬‬
‫وقد حبذت الحكومة بوجه عام ظهور طبقة رجال العمال هذا باعتباره أمرًا ل غنى عنه لتحرير أسبانيا من العتماد‬
‫القتصادي والسياسي على دول ذات اقتصاد أرقى‪ .‬ولم تحظ البرولتاريا الناشئة‪ ،‬هنا شأنها في تلك الدول‪ ،‬بنصيب‬
‫مذكور في الثراء الجديد‪ .‬وارتفعت الجور ل سيما في قتلونية حيث شكا الغنياء من صعوبة العثور على الخدم‬
‫والحتفاظ بهم(‪ ،)67‬ولكن يمكن القول بوجه عام أن السعار ارتفعت بأسرع من ارتفاع الجور‪ ،‬وإن الطبقات العاملة‬
‫كانت فقيرة في ختام العهد فقرها في مطلعه‪ .‬وقد لحظ إنجليزي حساب لنسيه في ‪ 1797‬ذلك التناقض بين‬
‫(ثراء‪..‬التجار‪ ،‬وأصحاب المصانع‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬والعسكريين‪ ،‬والسادة من ملك الرض و "الفقر‪ ،‬والبؤس‪،‬‬
‫والسمال" التي ترى في كل شارع(‪ .)68‬وعليه فقد رحبت الطبقات الوسطى بالتنوير ‪ Luees‬التي من فرنسا‬
‫وإنجلترا في حين كان موظفيهم الذين ملئوا الكنائس ولثموا المزارات يعوزون أنفسهم بالنعمة اللهية وبآمال‬
‫الفردوس‪.‬‬
‫واتسعت المدن في ظل القتصاد الجديد‪ .‬وكان يعيش في المراكز البحرية الكبرى‪ -‬برشلونة وبلنسية وإشبيلية وقادس‪-‬‬
‫سكان يتفاوتون من ‪ 80.000‬إلى ‪ .)1800( 100.000‬وكان يسكن مدريد (في ‪ ،167.607 )1797‬بالضافة إلى‬
‫‪ 30.000‬من الجانب‪ .‬وحين ولي شارل الثالث العرش كانت المدينة تشتهر بأنها أقذر عواصم أوربا‪ .‬وكان الناس من‬
‫سكان‬

‫صفحة رقم ‪13312 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫الحياء الفقيرة ل يزالون يفرغون قمامتهم في الشوارع معتمدين على الريح أو المطر لتبديدها‪ ،‬فلما حظر شارل هذه‬
‫العادة رموه بالطغيان‪ .‬قال "إن السبان أطفال يبكون حين يحممون(‪ .")69‬وقد أقام موظفوه رغم هذا نظاماً لجمع‬
‫القمامة وللصرف‪ ،‬ونظم الزبالون لجمع النفاية لستخدامها سماداً(‪ ،)70‬وبذل جهد لمنع التسول ولكنه باء بالفشل‪،‬‬
‫ورفض الشعب السماح للشرطة بالقبض على المتسولين‪ -‬ل سيما المكفوفين منهم الذين شكلوا نقابة قوية فيما بينهم‪.‬‬
‫وأصلح شارل من أمر عاصمته عامًا بعد عام‪ .‬فجيء لها بالماء من الجبال إلى سبعمائة نافورة‪ ،‬حمله منها ‪ 720‬سقاء‬
‫في مشقة وعناء لتوزيعه على بيوت المدينة‪ .‬وأضيأت الشوارع بمصابيح الزيت من الغسق إلى نصف الليل طوال‬
‫شهور ستة في الخريف والشتاء‪ ،‬وكان أكثر الشوارع ضيقاً ملتويًا يتبع دروبًا عتيقة متعرجة ويتوارى من شمس‬
‫الصيف‪ ،‬ولكن بعض الشوارع المشجرة العريضة الجميلة شقت‪ ،‬وتمتع الشعب بالبساتين الفسيحة والمماشي الظليلة‪.‬‬
‫وكان أحبها إلى الناس (باسيوديل برادو) أو متنزه المرج‪ ،‬الذي لطفت هواءه النوافير والشجار‪ ،‬وفضله العشاق‬
‫للستطلع ولقاءات الغرام‪ .‬وهناك في ‪ 1785‬بدأ خوان دي فيلل نوفا تشييد متحف البرادو‪ .‬وهناك في أي يوم تقريباً‬
‫كانت تجري أربعمائة مركبة‪ ،‬وفي أي عشية كان يتجمع ثلثون ألف مدريدي‪ .‬وحظر عليهم التغني بالغاني البذيئة‪،‬‬
‫أو الستحمام عراة في النوافير‪ ،‬أو عزف الموسيقى بعد منتصف الليل‪ ،‬ولكنهم كانوا يستمتعون بأصوات النساء‬
‫الرخيمة وهن ينادين على البرتقال والليمون والبندق‪ .‬ذكر الرحالة أن المشهد الذي كان يرى كل يوم على البادو في‬
‫أخريات القرن الثامن عشر كان يعدل ما يرى في مدن أخرى في الفترة نفسها في الحاد والعطلت فقط(‪،)71‬‬
‫وأصبحت مدريد آنئذ‪ ،‬كما عادت في عصرنا هذا‪ ،‬من أجمل مدن أوربا‪.‬‬
‫لم ينجح شارل الثالث في السياسة الخارجية نجاحه في الشؤون الداخلية‪ .‬وبدا أن ثورة المستعمرات النجليزية في‬
‫أمريكا تتيح فرصة النتقام للخسائر التي منيت بها أسبانيا في حرب السنين السبع‪ ،‬فحث أراندا شارل على تقديم‬

‫صفحة رقم ‪13313 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬شارل الثالث‬
‫العون للثوار‪ ،‬فبعث له الملك سرًا بمليون جنيه (يونيو ‪ .)1776‬وأفضت هجمات القراصنة النجليز على السفن‬
‫السبانية آخر المر إلى إعلن أسبانيا الحرب على إنجلترا (‪ 23‬يونيو ‪ .)1779‬واستعادت قوة أسبانية مينورقة‪ ،‬ولكن‬
‫محاولة السبان الستيلء على جبل طارق باءت بالفشل‪ .‬واتخذت العدة لغزو إنجلترا‪ ،‬ولكن الغزو عطلته العواصف‬
‫(البروتستنتية) وفي صلح فرساي (‪ )1783‬سحبت أسبانيا مطالبها بجبل طارق ولكنها استعادت فلوريدا‪.‬‬
‫وأحزن الملك في سنيه الخيرة إخفاقه في استرداد وحدة الراضي السبانية وكانت الحروب قد أتت على شطر كبير‬
‫من الثروة التي أنتجها القتصاد الجديد‪ .‬ولم يستطع وزراؤه الكفاء أن يتغلبوا قط على شديدتين من قوى المحافظة‪-‬‬
‫كبار النبلء بضياعهم الشاسعة‪ ،‬والكليروس بما لهم من مصلحة راسخة في سذاجة الشعب‪ .‬أما شارل نفسه فنذر أن‬
‫تذبذب في ولئه الصيل للكنيسة‪ .‬ولم يعجب به شعبه قط إعجابه حين يراه‪ -‬وقد لقي موكبًا دينياً‪ -‬يعطي مركبته‬
‫للسقف حامل القربان ثم ينضم إلى الموكب سائراً على قدميه‪ .‬وأكسبه ورعه المحبة التي افتقدها من الشعب وهو‬
‫الغريب الوافد من إيطاليا‪ -‬في العقد الول من حكمه‪ .‬فلما وافته منيته (‪ 14‬ديسمبر ‪ ،)1788‬بعد أربعة وخمسين عاماً‬

‫حكم فيها نابلي وأسبانيا‪ ،‬كان كثيرون يرون فيه أبر ملوك أسبانيا إن لم يكن أعظمهم‪ .‬وقد تجلت فطرته الطيبة الرقيقة‬
‫ل "كيف أنتظر جواز‬
‫حين سأله السقف القائم على خدمته وهو على فراش الموت هل غفر لعدائه جميعاً‪ ،‬فقال متسائ ً‬
‫المرور هذا قبل أن أغفر لهم؟ لقد غفرت لهم أجمعين في اللحظة التالية للساءة(‪.")72‬‬

‫صفحة رقم ‪13314 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬

‫‪ -6‬الخلق السباني‬
‫أي طراز من الناس كان أسبان القرن الثامن عشر هؤلء؟ الجماع على أنهم كانوا قوماً أفاضل إذا قيسوا بنظرائهم في‬
‫إنجلترا وفرنسا‪ .‬وكان لهم في تدينهم الشديد‪ ،‬ومن شجاعتهم وإحساسهم بالشرف‪ ،‬ومن تماسكهم ونظامهم السريين‪،‬‬
‫عوامل تصحيح قوية لحساسيتهم الجنسية وكبريائهم‬

‫صفحة رقم ‪13315 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬
‫العدوانية‪ ،‬حتى مع تكريسهم شوفينيه مشبوبة في مسائل العرق والدين‪ .‬وقد أعاق النتخاب الجنسي الشجاعة لن‬
‫النساء السبانيات وهن يطلبن الحماية كن يمنحن أرق ابتساماتهن للرجال الذين يواجهون الثيران في الحلبة أو‬
‫الشوارع‪ ،‬أو الذين يبادرون برفض الهانة والثأر لنفسهم‪ ،‬أو الذين يعودون من الحرب مكللين بغار النتصار‪.‬‬
‫ولنت الفضائل الجنسية يتفق الفكار والعادات الفرنسية‪ ،‬وكانت الصبايا يحرسن حراسة مشددة‪ ،‬وكان رضا الوالدين‬
‫(بعد ‪ )1766‬شرطاً قانونياً للزواج‪ ،‬ولكن النساء في المدن الكبيرة كن بعد الزواج ينغمسن في الغزل والمعابثة وأصبح‬
‫"الفرس التابع" ملحقاً ضرورياً للسيدة العصرية‪ ،‬وازداد الفجور(‪ .)73‬وابتدعت جماعة صغيرة تدعى "الماخو"‬
‫ل من الطبقة الدنيا يلبسون كالغنادير‪ ،‬ويرتدون‬
‫و"الماخا" مظهرًا فذًا من مظاهر الحياة السبانية‪ .‬وكان الماخو رجا ً‬
‫العباءات الطويلة‪ ،‬ويطيلون شعورهم‪ ،‬ويغطون رؤوسهم بقبعات عريضة الحافة‪ ،‬ويدخنون السيجار الكبير‪ ،‬وكانوا‬
‫على استعداد دائم للعراك‪ ،‬يعيشون عيشة بوهيمية على نفقة خليلتهم‪-‬الماخا‪-‬كلما أمكن ذلك‪ .‬ولم يعبئوا بالقانون في‬
‫اتصالتهم الجنسية؛ وكان للماخا في كثير من الحالت زوج يعولها بينما تعول هي خليلها الماخو‪ ،‬ويعرف نصف‬
‫العالم الماخا‪ ،‬كاسية أو عارية من فرشاة جويا‪.‬‬

‫أما الفضيلة الجتماعية فكانت عالية المستوى نسبياً‪ .‬لقد وجد الفساد السياسي والتجاري‪ ،‬ولكن ليس على النطاق‬
‫الواسع المعروف آنئذ في فرنسا أو إنجلترا‪ ،‬ذكر رحالة فرنسي أن "المانة السبانية مضرب المثال وتتجلى واضحة‬
‫في العلقات التجارية"(‪.)74‬فكانت كلمة السيد السباني مستنداً أدبياً ساري المفعول من لشبونة إلى سانت بطرسبرج‪.‬‬
‫وكثيراً ما كانت الصداقة في أسبانيا أبقى من الحب‪ .‬أما البر بالفقراء فموفور‪ .‬ففي مدريد وحدها كانت المؤسسات‬
‫الدينية توزع كل يوم ثلثين ألفًا من قصاع الحساء المغذي على الفقراء(‪ .)75‬وأسس الكثير من المستشفيات والملجئ‬
‫الجديدة‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13316 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬
‫ووسع الكثير من القديم منها أو حسن‪ .‬وكان جل السبان كرماء رحماء إل مع المهرطقين والثيران‪.‬‬
‫وكان قتال الثيران ينافس الدين والجنس والشرف والسرة محلً لحب السبان‪ .‬وكان الدفاع عن هذه المعارك‪ ،‬شأنه‬
‫شأن ألعاب المجالدة في روما القديمة‪ ،‬يقوم على أساسين أن الشجاعة يجب أن تربى في الرجال‪ ،‬وأن الثيران ل بد أن‬
‫تموت قبل أن تؤكل‪ .‬وقد حرم شارل هذه المعارك‪ ،‬ولكنها استأنفت بعد موته بقليل‪ .‬وكان مهرة المصارعين الفرسان‬
‫ومغامروهم معبودي الطبقات كلها‪ .‬وكان لكل منهم أنصاره‪ ،‬فدوقة ألبا تؤثر كوستللريس ودوقة أوزونا تؤثر‬
‫روميرو‪ ،‬وقسم الحزبان مدريد كمل قسم جلوك ويتشيني باريس‪ .‬وراهن الرجال والنساء بأرزاقهم على مصير‬
‫الثيران‪ ،‬وعلى كل شيء آخر تقريباً‪ .‬وكان القمار محرماً بالقانون ولكنه شائع‪ ،‬ل بل كانت البيوت الخاصة تدير‬
‫أمسيات للقمار وكانت المضيفات يقبضن رسوم اللعب‪.‬‬
‫وتخلت ملبس السادة شيئاً فشيئاً عن العباءة السوداء المقبضة والياقة الصلبة التي تزيا بها الجيل السابق‪ ،‬واستبدلت‬
‫بها الزي الفرنسي‪-‬وهو السترة الملونة والصدرة الطويلة من الساقان أو الحرير‪ ،‬وسراويل الركوب‪ ،‬والجوارب‬
‫الحريرية الطويلة‪ ،‬والحذاء ذو المشبك‪ ،‬يتوج هذا كله باروكة وقبعة مثلثة الركان‪ .‬أما المرأة السبانية فألفت أن تجعل‬
‫من مفاتنها سراً غامضًا مقدساً تلفها في صدرات من الدنتلل وتنورات طويلة‪ ،‬ذات أطواق موسعة أحياناً‪ .‬وتستعمل‬
‫براقع من قماش الطرح إخفاء لعيونهن التي يود المعجب السباني لو أغرق روحه في أعماقها المظلمة‪ .‬وكانت السيدة‬
‫في القرن السابع عشر نادرًا ما تكشف عن قدميها لنظار الرجال‪ ،‬أما الن فقد قصرت الجونلة إلى بضع بوصات‬
‫فوق الرض‪ ،‬واستعيض عن الخفين المستويين بحذاء مدبب عالي الكعب‪ ،‬وقد أنذر الوعاظ بأن تعرية النساء‬
‫لقدامهن على هذا النحو غير مهذب إنما يزيد نار الرجال المتقدة اشتعالً‪ .‬ولكن النساء ابتسمن‪ ،‬وزين أحذيتهن‪،‬‬
‫ونشرن تنوراتهن‪ ،‬وروحن بمراوحهن‬

‫صفحة رقم ‪13317 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬

‫حتى في أيام الشتاء‪ .‬وكانت إيزابيلل فارنيزي تملك ذخيرة من ‪ 1626‬مروحة زين بعضها برسوم لرسامين ذوي‬
‫شهرة قومية‪.‬‬
‫وكانت الحياة الجتماعية مقيدة في كل شيء إل المراقص‪ .‬فاجتنبت المجتمعات في المسيات النقاش الجاد مؤثرة عليه‬
‫اللعاب والرقص والغزل‪ .‬وكان الرقص غرامًا كبيراً في أسبانيا‪ ،‬وقد أفرخ ألواناً اشتهرت في أوربا‪ .‬فكانت‬
‫"الفاندانجو" ترقص على ميزان ثلثي بالصاجات‪ ،‬أما السجيديلل فيؤديها زوجان أو أربعة أزواج من الراقصين‪،‬‬
‫بمصاحبة الصاجات وبالغناء عادة‪ ،‬وقد اتخذت رقصة مشتقة منها تسمى البوليرو وشكلها حوالي ‪ ،1780‬وسرعان ما‬
‫اكتسبت شعبية مجنونة‪ .‬وفي رقصة الكونترادانزا كان صف من الرجال يواجه صفًا من النساء في تقدم وتأخر‬
‫متناوبين‪ ،‬وكأنما يرمز هذا إلى تكتيك الحرب البدية بين المرأة والرجل‪ ،‬أو كان أربعة أزواج يؤلفون ويحيطون‬
‫مربعاً في رقصة فخمة تدعى الكونترا دانزا كوادرادا‪-‬أي الكدريل‪ .‬وكانت حفلت الرقص المقنع تجتذب أحياناً‬
‫‪ 3.500‬من الراقصين المتحمسين‪ ،‬وكان القوم في المرافع يرقصون حتى مطلع الفجر‪.‬‬
‫وجعلت هذه الرقصات الحركة شعراً حياً وحافزاً جنسياً‪ .‬قيل إن المرأة السبانية التي ترقص السجيديلل كان في‬
‫رقصها من الغراء ما يخرج البابا ومجمع الكرادلة بأسره عن وقارهم(‪ .)76‬وقد وجد كازانوفا نفسه شيئًا يتعلمه في‬
‫أسبانيا فقال‪:‬‬
‫"حين أوشك الليل أن ينتصف بدأت أعنف الرقصات وأكثرها جنوناً‪...‬وهي الفندانجو‪ ،‬التي ظننت في سذاجتي أنني‬
‫طالما شهدتها‪ ،‬والتي فاقت (هنا) أشد تصوراتي جموحاً‪...‬ففي إيطاليا وفرنسا يحرص الراقصون على تجنب‬
‫اليماءات التي تجعل هذه الرقصة أكثر الرقصات شهوانية‪ .‬ويخطو الزوجان‪-‬راقص وراقصة‪-‬ثلث خطوات فقط‪ ،‬ثم‬
‫يرتميان في مختلف الوضاع الفاجرة وهما يصحبان الموسيقى بالمصاحبات ويعرضان قصة العشق كلها من مولده‬
‫إلى ختامه من أول تنهيدة إلى آخر نشوه‪ .‬فلم أملك لشدة انفعالي إل أن أصيح عاليا(‪.")77‬‬

‫صفحة رقم ‪13318 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬
‫وقد عجب من سماح ديوان التفتيش برقصة مثيرة كهذه إلى هذا الحد‪ ،‬فقيل له أنها "محرمة تحريماً باتاً‪ ،‬لول أن‬
‫الكونت أراندا أذن بها لما جرؤ أحد على رقصها"‪.‬‬
‫وارتبطت بالرقص ألوان من الموسيقى السبانية كانت من أحبها إلى الشعب‪ ،‬مثال ذلك أن الكانتي فلمنكو أو الغناء‬
‫الغجري (الفلمنكي) استخدم نغمة شاكية عاطفية كان كل المغنين الغجر يصاحبون بها "السجيديلل جيتانا"‪ .‬ولعل هذه‬
‫الغاني الشجية كانت أصداء للحان مغربية‪ ،‬أو لعلها عكست النوعية المكتئبة للدين والفن السبانيين‪ ،‬أو العجز‬
‫المسخط عن الوصول إلى جسد المرأة‪ ،‬أو انقشاع الوهم عقب الوصال‪ .‬وقد وفدت نغمة أبهج بوفود الوبرا اليطالية (‬
‫‪ )1703‬وأغاني فازينللي‪ .‬ولكن "الخصي" العجوز فقد الحظوة في عهد شارل الثالث بعد أن ظل يشدو بأغانيه طوال‬
‫عهدين‪ ،‬وقد أنزله شارل عن عرشه بهذا السطر "أن الديوك المخصية ل تصلح إل للكل(‪ .")78‬واتصل النفوذ‬
‫اليطالي بمجيء سكارلتي‪ ،‬وانتصر مرة أخرى بمجيء بوكيريني الذي قدم في ‪ ،1768‬وسيطر على موسيقى البلط‬
‫على عهد شارل الثالث وشارل الرابع‪ ،‬ومكث بأسبانيا حتى وافاه الجل (‪.)1805‬‬
‫وبحركة عكس هذه الحركة وفق فنشنتي مارتن أي سولر‪ ،‬بعد أن حقق لنفسه الشهرة في أسبانيا‪ ،‬في أن يخرج‬
‫الوبرا اليطالية في فلورنسة‪ ،‬وفيينا‪ ،‬وسانت بطرسبرج ونافست صوناتات أنطونيو سولر على الهاربسكورد‬
‫ل من الغناء بين‬
‫صونتات سكارلتي‪ ،‬وحول دون لويز ميسون "التونادا" أو السولو الصوتية‪ ،‬إلى "التوناد يللو" فاص ً‬
‫فصول المسرحية‪ .‬وفي ‪ 1799‬أنهى أمر ملكي حكم الموسيقى اليطالية في أسبانيا بحظر أداء أي تمثيلية ما لم تكتب‬
‫باللغة القشتالية ويمثلها ممثلون أسبان(‪.)79‬‬

‫والخلق السباني ل يمكن صبه في قالب متماثل واحد‪ .‬فالروح السبانية تتفاوت بتفاوت المشهد الطبيعي من ولية إلى‬
‫ولية‪ ،‬وكان السبان المتفرنسون الذين تجمعوا في مدريد طرازاً يختلف كل الختلف عن المواطنين الذين‬

‫صفحة رقم ‪13319 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الخلق السباني‬
‫تجمدوا في العادات السبانية‪ .‬ولكننا قد نستطيع بعد أن نغض النظر عن القليات الدخيلة ظان نتبين في الشعب‬
‫السباني طبعاً أصيلً متفرداً‪ .‬فقد كان في السباني كبرياء ولكن في قوة صامته ل تستمد الكثير من الشوفينية أو‬
‫القومية‪ ،‬كانت كبرياء الفردية‪ ،‬وإحساساً مصمماً بالكفاح المنفرد ضد الذى الدنيوي أو الهانة الشخصية أو الهلك‬
‫البدي‪ .‬ولمثل هذه الروح كان يمكن أن يبتدي العالم الخارجي أمرًا ذا أهمية ثانوية ل يستحق القلق أو الكد في سبيله‪،‬‬
‫فل أهمية إل مصير النفس في الصراع مع النسان والبحث عن ال‪ .‬إذن فما أتفه مشكلت السياسة‪ ،‬والسباق على‬
‫المال‪ ،‬والعلء من قدرة الشهرة أو المنصب‪ ،‬وحتى انتصارات الحرب ل مجد يكللها ما لم تكن انتصارات على‬
‫أعداء الدين‪ .‬أما وقد ضربت جذور السباني في صميم هذا الدين‪ ،‬فقد كان في استطاعته أن يقابل الحياة بهدوء‬
‫رواقي‪ ،‬وبإيمان بالقضاء والقدر ينتظر في اطمئنان ثواب الجنة بعد الممات‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13320 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬

‫‪ -7‬العقل السباني‬
‫حين قبل لويس الرابع عشر ما عرضه آخر ملوك الهابسبورج في أسبانيا من اليصاء بتاجه لحفيد الملك العظيم‪،‬‬
‫صاح سفير أسباني بفرساي في ابتهاج "لم يعد الن وجود لجبل البرانس!" ولكن تلك الكتل الرهيبة لم تتزحزح عن‬
‫موقفها عقبة كؤوداً في سبيل التنوير الفرنسي‪ ،‬ورموزاً للمقاومة التي ستلقاها محاولة قلة مخلصة أن تصبغ العقل‬
‫السباني بالصبغة الوربية‪.‬‬
‫وقد فاجأ كاميومانيس الشيوخ بمقال في التعليم الشعبي (‪ ،)76-1774‬جعل من التوسع في التعليم الشعبي أساسًا ل‬
‫غنى عنه لحيوية المة ونموها‪ .‬ولم يرَ بعض كبار رجال الدين وملك الراضي معنى لزعاج الشعب بمعرفة ل‬
‫لزوم لها قد تفضي في النهاية إلى الهرطقة الدينية أو الثورة الجتماعية‪ .‬ولكن خوفيللنوس الذي لم يثنه هذا‬

‫العتراض كافح لنشر اليمان بالتعليم‪ ،‬وكتب يقول "كثيرة هي الجداول المؤدية إلى الرخاء الجتماعي‪ ،‬ولكنها كلها‬
‫تنبع من منبع واحد هو التعليم العام‪ )80(.‬وكان يعلل نفسه بأن التعليم‬

‫صفحة رقم ‪13321 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫سيعلم الناس أن يفكروا‪ ،‬وإن التفكير سيحررهم من سلطان الخرافة والتعصب‪ ،‬وإن العلم الذي يطوره أمثال هؤلء‬
‫سيستخدم موارد الطبيعة لقهر المرض والفقر‪ .‬وتقبل بعض كرائم النبيلت هذا التحدي‪ ،‬والفن ‪Junta dw Damas‬‬
‫لتميل المدارس البتدائية‪ .‬وأنفق شارل الثالث مبالغ كبيرة في إنشاء المدارس الولية المجانية‪ .‬وشارك أفراد غير‬
‫رسميين في تأسيس الكاديميات لدراسة اللغات أو الدب أو التاريخ أو الفن أو القانون أو الطب‪.‬‬
‫وكان طرد اليسوعيين ملزماً بإعادة تشكيل المدارس الثانوية وميسراً لها‪ .‬وأمر شارل بتوسيع مقررات العلوم في هذه‬
‫الكليات‪ ،‬وبتحديث كتبها المدرسية‪ ،‬وبالسماح للعلمانيين بالتدريس في أقسامها‪ .‬وأعان الكليات بالمنح والهبات‪ ،‬وقرر‬
‫المعاشات للبارزين من المعلمين(‪ .")81‬ونصحت الجامعات بتدريس فيزياء نيوتن وفلسفة ديكارت وليبنتز في‬
‫مناهجها‪ .‬ورفضت جامعة سلمنقه النصيحة بحجة أن "مبادئ نيوتن‪...‬وديكارت ل تشابه الحقيقة الموحى بها بالقدر‬
‫الذي تشابهها به مبادئ أرسطو(‪ ،")82‬ولكن معظم الجامعات السبانية قبلت التوجيه الملكي‪ ،‬وكانت جامعة بلنسيه‬
‫الن (‪ ،)1784‬بطلبها البالغ عددهم ‪ ،2.400‬أكبر المراكز التعليمية وأكثرها تقدماً في أسبانيا‪ .‬وأدخلت عدة طوائف‬
‫دينية "الفلسفة الحديثة" في كلياتها‪ .‬وحث قائد الرهبان الكرملين الحفاة‪ ،‬المعلمين الكرمليين على قراءة أفلطون‬
‫وشيشرون وفرنسيس بيكن وديكارت ونيوتن وليبنتز ولوك وفولف وكوندياك‪ ،‬هنا لم يكن للقديسين حكم‪ .‬ودرست‬
‫جماعة من الرهبان الوغسطينيين هوبز‪ ،‬وأخرى هلفيتوس‪ .‬وكانت مثل هذه الدراسات تلحق دائمًا بردود تفندها‪،‬‬
‫ولكن كثيرًا من المؤمنين الغيورين فقدوا إيمانهم وهم يفندون دعاوى أعدائه‪.‬‬
‫من ذلك "حداثة" راهب فذ اشتهر يوم كان شارل ل زال شاباً‪ ،‬ذلك هو بنيتو خيرونيمو فيخواي مونتنجرو الذي انفق‬
‫العوام السبعة والربعين الخيرة من عمره (‪ )64-1717‬في دير بندكتي ياوفيدو‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13322 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫ومع ذلك استطاع أن يدرس بيكن وديكارت وجاليلو وبسكال وجاسندي ونيوتن وليبنتز‪ ،‬ورأى في عجب وخجل كيف‬
‫عزلت أسبانيا بعد سرفانتس عن التيارات الكبرى للفكر الوربي‪ .‬فأرسل من قليته‪ ،‬بين عامي ‪ 1726‬و ‪،1739‬‬
‫سلسلة من ثمانية مجلدات سماها ‪ Teatro Critico‬وهو ل يعني نقد المسرح‪ ،‬بل المتحان الدقيق للفكار‪ .‬وقد هاجم‬
‫فيها المنطق والفلسفة اللذين يدرسان في أسبانيا في أيامه‪ ،‬وامتدح دفاع بيكن عن العلم الستقرائي‪ ،‬ولخص كشوف‬

‫العلماء في كثير من المجالت‪ ،‬وهزأ بالسحر والكهنة والمعجزات الزائفة‪ ،‬والجهل بالطب‪ ،‬والخرافات الشعبية‪،‬‬
‫ووضع قواعد للوثوق بالتاريخ نسفت الساطير القوية الساذجة في غير رحمة‪ ،‬وطالب بنشر التعليم بين جميع‬
‫الطبقات‪ ،‬ودافع عن حياة أكثر حرية وعلنية للنساء في التعليم والمجتمع‪.‬‬
‫واجتمع حول كتبه شرذمة من العداء يتهمون وطنيته وينددون بإقتحاماته‪ .‬واستدعاه ديوان التفتيش أمام محكمته‪،‬‬
‫ولكنها لم تهتد إلى هرطقة صريحة ل في شخصه ول في كتابه‪ .‬وفي ‪ 1742‬استأنف حملته بأول مجلدات خمس‬
‫عنوانه "رسائل متفقهة مستطلعة"‪ .‬وكان يكتب بأسلوب جيد‪ ،‬مقراً بالتزام كل مؤلف التزامًا أدبيًا بأن يكون واضحاً‪،‬‬
‫واستطاب الجمهور تعليمه وشجاعته فتكاثر الطلب على "التياترو" و "الرسائل" حتى بلغ ما طبع منها خمس عشرة‬
‫طبعة حتى علم ‪ .1786‬ولكنه لم يستطع قطع دابر الخرافة في أسبانيا‪ ،‬فظلت الساحرات والعفاريت والشياطين تمل‬
‫الجو وتخيف العقول‪ ،‬ولكن كان جهده بداية السير على الدرب‪ ،‬ومن مفاخر طائفته أن يقوم بهذا الجهد راهب لزم‬
‫قليته المتواضعة دون أن يزعجه أحد حتى أوفته منيته وهو في الثامنة والثمانين (‪.)1764‬‬
‫وأكليريكي أخر هو الذي كتب أشهر كتاب نثري في أسبانيا في القرن الثامن عشر‪ .‬وكما حرص البندكتيون على أل‬
‫يلحق بفيخواي أذى‪ ،‬فكذلك حمي اليسوعيون قسيساً منهم كان أهم إنتاج له نقدًا لذعاً للمواعظ‪ .‬وكان خوزيه‬
‫فرانسسكو ذي ايزل هو نفسه واعظًا بليغاً‪ ،‬ولكن أضحكته‬

‫صفحة رقم ‪13323 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫أول الوامر‪ ،‬ثم أزعجته‪ ،‬الحيل الخطابية والوهام الدبية‪ ،‬والتمثيل والتهريج الذي يجذب به بعض الوعاظ انتباه‬
‫الشعب ودراهمه في الكنائس والميادين العامة‪ .‬وفي ‪ 1758‬سخر سخرية لذعة بهؤلء المبشرين في "قصة عن‬
‫الراهب جيروندو الواعظ المشهور"‪ .‬يقول الب ايزل إن الراهب جيروندو‪:‬‬
‫"ألف أن يبدأ عظاته بمثل أو نكتة سوقية أو شذرة غريبة انتزعت من سياقها فبدت لول وهلة غير منطقية أو تجديفاً‬
‫أو كفراً حتى إذا ترك جمهوره لحظة مترقباً في عجب أنهى عباراته وطلع بتفسير أحال كل ما قاله إلى ضرب من‬
‫التفاهة الحقيرة‪ .‬من ذلك أنه كان يعظ ذات يوم عن سر الثالوث فاستهل عظته بقوله "أنى أنكر إن ال موجود كوحدة‬
‫في الجوهر وثالوث في الذات" ثم توقف لحظة‪ .‬وتلفت السامعون بالطبع حولهم‪..‬متسائلين ما عسى أن تكون خاتمة هذا‬
‫التجديف المهرطق‪ .‬وأخيراً‪ ،‬وبعد أن ظن الواعظ أنه قبض على ناصيتهم‪ ،‬وأصل الحديث قائلً‪" :‬كذلك يزعم‬
‫البيونيون‪ ،‬والمارسيونيون‪ ،‬والريوسيون‪ ،‬والمانويون‪ ،‬والسوسينيون‪ ،‬ولكني أثبت ضللهم كلهم من السفار‬
‫المقدسة‪ ،‬والمجامع‪ ،‬وآباء الكنيسة(‪.")83‬‬
‫وبيعت ثمانمائة نسخة من كتاب "الراهب جيروندو" خلل يوم من صدوره‪ .‬وهاجمه الرهبان الوعاظ زاعمين أنه‬
‫يشجع على احتقار رجال الدين‪ .‬وأستدعى أيزل أما محكمة التفتيش‪ ،‬وأدين كتابه (‪ ،)1760‬أما هو فلم يعاقب‪ .‬ثم أنضم‬
‫إلى إخوانه اليسوعيين في المنفى‪ ،‬وأصيب في الطريق بالشلل‪ .‬وقضى ختام عمره في بولونيا عائشاً على المعاش‬
‫الضئيل الذي منحه إياه الحكومة السبانية‪.‬‬
‫أما الشعر فكان يقرضه كل أسباني ملم بالكتابة‪ .‬وقد اجتمع في ‪ 1727‬في مباراة شعرية (عام ‪ 150 )1727‬متنافساً‪.‬‬
‫وأضاف خوفيلنوس الشعر والدراما لضروب نشاطه الخرى فقيهاً ومربياً ورجل دولة‪ .‬وأصبح بيته‬

‫صفحة رقم ‪13324 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫في مدريد ملتقى لرجال الدب وقد ألف الهجائيات على طريقة جوفينال‪ ،‬موبخاً الفساد الذي وجده في الحكومة‬
‫والقانون‪ ،‬وتغنى بمناهج الحياة الريفية المنة المطمئنة شأن كل ساكن للمدن‪ .‬ونظم نقول فرنانديز دي موراتن شعراً‬
‫ملحميًا تناول مغامرات كورتيز‪ ،‬ويقول العارفون أن‪-‬هذه القصيدة "أرفع قصيدة من نوعها أنجبتها أسبانيا في القرن‬
‫الثامن عشر(‪.")84‬‬
‫وكانت الشعار المرحة المهذبة التي نظمها دييجو جونزالز‪ ،‬الراهب الوغسطيني‪ ،‬أحب إلى الشعب من قصيدته‬
‫التعليمية "مراحل النسان الربع" التي أهداها إلى خوفيللنوس‪ .‬كذلك اتخذ دون توماس دي أيريارتي أي أوروبيزا‬
‫اتجاهًا تعليميًا في قصيدته "في الموسيقى"‪ ،‬وكان خيرًا منها "قصصه الخرافية" (‪ )1782‬التي طغت مغامز العلماء‬
‫وأكسبته شهرة لم تزل حية إلى اليوم‪ .‬وترجم بعض مآسي فولتير وملهي موليير‪ ،‬وسخر من الرهبان "الذين‬
‫يتسلطون على السموات وعلى ثلثي أسبانيا"‪ ،‬وقد حاكمه ديوان التفتيش فأنكر آراءه‪ ،‬ومات بالزهري وهو في الحادية‬
‫والربعين (‪.)85()1791‬‬
‫وفي ‪ 1780‬أعلنت الكاديمية السبانية عن جائزة تمنح لقصيدة تمجد الحياة الرعوية‪ .‬فقال إيريارتي الجائزة الثانية‬
‫ولم يغفر قط لصاحب الجائزة الولى‪ ،‬لن ميلنديز فالديس مضى ليصبح كبير الشعراء السبان في ذلك العهد‪ .‬وتودد‬
‫خوان إلى خوفيلنوس‪ ،‬وحصل بنفوذه على كرسي النسانيات في جامعة سلمنقة (‪ )1781‬وهناك أقنع الطلب أولً‪،‬‬
‫ثم الكلية‪ ،‬بدراسة منهج أكثر اقتحاماً‪ ،‬بلغ إلى حد قراءة لوك ومونتسيكو‪ .‬وألف في أوقات فراغه فيما بين المحاضرات‬
‫مجلداً من الغاني والشعر الرعوي‪-‬هو استحضارات حية لمشاهدة الطبيعة في أبيات بلغت من الرقة وكمال الصقل ما‬
‫لم تقرأه أسبانيا منذ أكثر من قرن‪ .‬وكان للرضى الذي أسبغه عليه خوفللنوس الفضل في ترقيته إلى منصب القضاء‬
‫بسرقسطة وإلى محكمة القضاء العالي في بلد الوليد‪ ،‬وأضرت السياسة بشعره‪ .‬فلما نفي خوفيللنوس (‪ )1798‬أقصى‬
‫ميلنديز أيضاً‪ .‬فجرد قلمه للتنديد بغزاة‬

‫صفحة رقم ‪13325 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫أسبانيا الفرنسيين‪ ،‬وخص منهم جوزيف بونابرت‪ ،‬ولكنه عاد إلى مدريد في ‪ ،1808‬وقبل وظيفة تحت رآسية جوزيف‬
‫بونابرت‪ ،‬وصدم أسبانيا بقصائد يتملق بها سادته الجانب‪ .‬وفي حرب التحرير التي خلعت جوزيف نهب الجنود‬
‫الفرنسيون منزل الشاعر‪ ،‬وهاجمه هو نفسه الغوغاء الغاضبون‪ ،‬فهرب لحياته من أسبانيا‪ .‬وقبل أن يعبر البيداسوا إلى‬
‫فرنسا قبل آخر بقعة من التراب السباني (‪ .)1813‬وبعد أربع سنوات مات فقيرًا مغمورًا في مونبلييه‪.‬‬
‫وكان ينبغي أن يكون لسبانيا كتاب مسرح أكفاء في هذا العهد‪ ،‬لن الملوك البوربون كانوا ميالين للمسرح‪ .‬وقد عملت‬
‫على اضمحلله ثلثة عوامل‪ :‬إيثار إيزابلل فارنيزي القوي الوبرا‪ ،‬وفليب الخامس لفارنيللي‪ ،‬ومن ثم اعتماد المسرح‬
‫على الجمهور الذي كان أكثر ما يستحسنه هو "الفرص"‪ ،‬والمعجزات‪ ،‬والساطير والشقشقات اللفظية‪ ،‬وجهد كتاب‬
‫الدراما الجادون لحبس تمثيلياتهم داخل "الوحدات الرسطاطالية" في الحركة والمكان والزمان‪ .‬وكان أحب كتاب‬
‫المسرحية إلى الشعب في ذلك القرن هو رامون فرانسسكودي لكروز‪ ،‬الذي كتب نحو أربعمائة فارص صغير يهجو‬

‫فيها عادات الطبقتين الوسطى والدنيا وأفكارهما وحديثهما‪ ،‬ويصور مع ذلك ذنوب الجماهير وحماقاتهم بعطف غافر‪.‬‬
‫أما خوفيللنوس‪" ،‬رجل أسبانيا الجامع" فقد جرب الكوميديا‪ ،‬وظفر باستحسان الجمهور والنقاد جميعًا بملهاته‬
‫"المجرم المكرم" (‪ :)1773‬وفحواها أن سيداً أسبانياً يرفض مراراً وتكراراً أن يبارز غريماً ثم يقبل التحدي أخيراً‬
‫ض يتبين أنه أبوه‪ .‬وقد أستهدف خوفيللنوس‪ ،‬وهو‬
‫بعد إلحاح‪ ،‬ويقتله في معركة عادلة‪ ،‬ثم يحكم عليه بالعدام قا ٍ‬
‫المصلح على الدوام‪ ،‬من تمثيليته هذه الوصول إلى التخفيف من القانون الذي اعتبر المبارزة جريمة كبرى‪.‬‬
‫أما الحملة الداعية إلى الوحدات الرسطاطالية فقد تزعمها الشاعر نيقول فرنانديزدي موراتن‪ :‬وواصلها حتى تكللت‬
‫بالنجاح ابنه لياندرو‪ .‬وقد أبهجت خوفللنوس أشعار هذا الفتى الباكرة‪ ،‬فحصل له على وظيفة في‬

‫صفحة رقم ‪13326 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬العقل السباني‬
‫السفارة السبانية بباريس‪ .‬وهناك صادق جولدوني‪ ،‬فوجهه إلى كتابة التمثيليات‪ .‬وأغدق الحظ هباته على صوراتين‬
‫البن‪ :‬فأوفد على نفقة الدولة ليدرس المسارح في ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا‪ .‬وحين عاد إلى أسبانيا منح وظيفة شرفية‬
‫أتاحت له الفراغ اللزم للعمل الدبي‪ .‬وقدمت ملهاته الولى لمسرح في مدريد عام ‪ ،1786‬ولكن عرضها عطل أربع‬
‫سنوات ريثما يفرغ المديرون والممثلون من الجدل في استطاعته تمثيلية تتبع قواعد أرسطو والتمثيلية الفرنسية أن‬
‫تجتذب جمهوراً أسبانياً‪ .‬وقد نجحت نجاحًا معتدلً‪ .‬وانقلب موراتين مهاجماً‪ ،‬ففي تمثيليته الكوميديا الجديدة (‪)1792‬‬
‫سخر من المرهي الشهبية سخرية تقبل الجمهور بعدها الدرامات التي تدرس الخلق وتنير الحياة‪ .‬وأشاد القوم بموراتين‬
‫مولييرا أسبانيا‪ ،‬وسيطر على مسرح مدريد حتى غزا الفرنسيون أسبانيا عام ‪ .1808‬وقادته ميوله الفرنسية وسياسته‬
‫التحررية كما قادت ميلنديز وجويا إلى التعاون مع حكومة جوزف بونابرت‪ ،‬فلما سقط جوزيف لم ينج موراتين من‬
‫السجن إل بشق النفس‪ .‬ولجأ إلى فرنسا‪ ،‬ومات أخيرًا بباريس في ‪ 1828‬وهي السنة التي مات فيها ببوردو الرسام‬
‫جويا الذي نفى نفسه عن وطنه مختاراً‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13327 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬

‫‪ -8‬الفن السباني‬

‫ما الذي يمكن توقعه منه بعد اجتياح أسبانيا في حرب الوراثة لسبانيا الطويلة؟ لقد سلبت الجيوش الغازية الكنائس‪،‬‬
‫ونهبت المقابر‪ ،‬وأحرقت الصورة‪ ،‬وربطت خيولها في المزارات المقدسة‪ .‬ثم جاء غزو جديد بعد الحرب‪ ،‬وخضع‬
‫الفن السباني طوال نصف قرن للنفوذ الفرنسي أو اليطالي فلما أنشئت أكاديمية سان فرناندو عام ‪ 1752‬لرشاد‬
‫شباب الفنانين ومساعدتهم‪ ،‬جاهدت لتقر في أذهانهم مبادئ كلسيكية جديدة غريبة كل الغرابة عن الروح السبانية‪.‬‬
‫وكافح الباروك كفاحاً عنيفاً في سبيل البقاء‪ ،‬وكان له ما أراد في المعمار‬

‫صفحة رقم ‪13328 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬
‫والنحت‪ .‬فانتصر في البراج التي أضافها فرناندو دي كازيس أي نوفا (‪ )1738‬إلى كاتدرائية سنتياجودي‬
‫كومبوستيل‪ ،‬وفي الواجهة الشمالية التي شيدها فنتورا روديجيز _‪ )1764‬لهذا الصرح ذلته تذكاراً للقديس يعقوب‬
‫حامي أسبانيا وقد زعمت إحدى الساطير المحببة للشعب أن تمثالً للعذراء مقاماً على عمود في سرقسطة دبت فيه‬
‫الحياة وتكلم مع القديس يعقوب‪ .‬في ذلك الموقع شيدت التقوى السبانية "كنيسة عذراء العمود"‪ ،‬ولتلك الكنيسة صمم‬
‫ل هو مقصورة من الرخام والفضية يضم تمثال العذراء‪.‬‬
‫رودريجيز هيك ً‬
‫وأقيم قصران مشهوران فيعهد فليب الخامس‪ .‬فقد اشترى على مقربة من سقوبية أرض دير ومزرعته الملحقة‪ ،‬ووكل‬
‫إلى فليبو يوفارا التوريني أن يشيد على هذه البقعة قصر سان الدوفونسو (‪ 1719‬وما يليها)‪ ،‬وأحاط المباني بحدائق‬
‫وست وعشرين نافورة تنافس نافورات فرساي‪ .‬وعرفت هذه المجموعة بلجرانغا‪ ،‬وقد كلفت الشعب ‪45.000.000‬‬
‫كراون‪ .‬ولم تكد تكتمل حتى دمرت النار ليلة ميلد عام ‪" 1734‬القصر" الذي كان المقر الملكي بمدريد منذ عهد‬
‫المبراطور شارل الخامس وانتقل فيليب إلى بوين رتيرو التي شيد فيها فليب الثاني قصراً ‪ .1631‬فظل هذا المقر‬
‫الرئيسي للملك طوال ثلثين عاماً‪.‬‬
‫وصمم يوفارا قصرًا ملكياً آخر عوضاً عن "القصر" المحترق‪-‬يضم المساكن والمكاتب وحجرات الجتماع ومصلى‬
‫ومكتبة ومسرحاً وحدائق‪-‬لوشيد لفاق في فخامته أي قصر ملكي عرف يومها‪ ،‬وكان النموذج وحده يحوي من الخشب‬
‫كمية تكفي لبناء بيت‪ .‬ولكن يوفارا عاجلته المنية قبل أن يبدأ البناء (‪ .)1736‬ورفضت إيزابلل فارنيزي تصميمه‬
‫لفداحة تكاليفه‪ ،‬فشيد خلفه جوفاني باتستا ساكيتي التوريني القصر الملكي (‪ )64-1737‬القائم بمدريد اليوم‪-‬وطوله‬
‫‪ 470‬قدماً‪ ،‬وعرضه ‪ 470‬قدماً‪ ،‬وارتفاعه ‪ 100‬قدم‪ .‬هنا حل طراز النهضة المـتأخرة محل الباروك‪ :‬فكانت الواجهة‬
‫ذات أعمدة دورية وإيوانية‪ ،‬يتوجها درابزين انتشرت عليه تماثيل ضخمة‬

‫صفحة رقم ‪13329 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬

‫لملوك أسبانيا القدامى‪ .‬وحين صحب نابليون أخاه جوزيف ليملك في هذا القصر قال وهما يصعدان السلم الفخم‬
‫"ستكون أفضل من مني منزلً(‪ .")86‬وقد انتقل شارل الثالث إلى هذا الصرح الهائل عام ‪.1764‬‬
‫أما النحت السباني ففقد بعض صرامته وجموده متأثراً بالفنين الفرنسي واليطالي‪ ،‬وخلع الضحك على ملكه‬
‫(السيرافيم) والرشاقة على قديس أو قديسين‪ .‬وكانت موضوعاته دينية على الدوام تقريباً‪ ،‬لن الكنيسة كانت تدفع‬
‫للنحاتين أعلى الجور‪ .‬من ذلك أن رئيس أساقفة طليطلة أنفق ‪ 200.000‬دوقاتية على حجاب المذبح الشفاف الذي‬
‫أقامه نارسيسوتومي (‪ )1721‬خلف خورس الكاتدرائية‪ :‬وهو مجموعة ملئكة من رخام يطوفون على سحب من‬
‫رخام‪ ،‬وكان في ممشى الكنيسة المسقوف فتحه جعلت الرخام وضاء ومنه اتخذ حجاب المذبح اسمه‪ .‬وعاشت الواقعية‬
‫القديمة في تمثال "جلد المسيح(‪ ")87‬الذي نحته لوزيز كارمونا‪-‬وهو تمثال من الخشب‪ ،‬رهيب بما فيه من آثار ضرب‬
‫وجروح دامية‪ .‬وأجمل منه تمثال اليمان‪ ،‬والرجاء‪ ،‬والمحبة‪ ،‬التي نحتها فرانسسكو فرجارا البن لكاتدرائيات كوينسا‬
‫(‪ .)1759‬وقد عدها سبان‪-‬برموديز‪ ،‬فازارى أسبانيا‪ ،‬أروع ما أنتجه الفن السباني‪.‬‬
‫وأعظم السماء في فن النحت السباني في القرن الثامن عشر كان اسم فرانسسكو زاركيللو إي الكراز‪ .‬مات أبوه‬
‫ومعلمه‪ ،‬وكان نحاتاً في كابوا‪ ،‬وفرانسسكو في العشرين وخلفه العائل الول لمه وأخته وستة أخوة‪ .‬وكان الفتة أفقر‬
‫من أن يستأجر الموديلت‪ ،‬لذلك كان يدعو المارة‪ ،‬بل المتسولين ليشاركوه غداءه وليرسمهم‪ ،‬وربما كانت تلك هي‬
‫الطريقة التي عثر فيها على الشخاص لرائعته "العشاء الخير" المحفوظة الن في "دير يسوع" بمرسيه‪ .‬وبمساعدة‬
‫أخته اينيس التي كانت ترسم وتعمل نموذجاً له؛ وأخيه خوزيه‪ ،‬الذي كان ينحت التفاصيل‪ ،‬وأخيه القسيس باتريسيو‪،‬‬
‫ل فيها الكبير وفيها‬
‫الذي كان يلون الجسام والثياب‪ ،‬انتج فرانسسكو في سني عمره الربع والسبعين ‪ 1.792‬تمثا ً‬
‫الصغير‪ ،‬بعضها ذو حيل ل طعم لها كعباءة‬

‫صفحة رقم ‪13330 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬
‫من المخمل المطرز فوق تمثال للمسيح‪ ،‬بعضها مؤثر بتقواه البسيطة تأثيرًا حمل مدريد على أن تعرض عليه مهام‬
‫مجزية لتزيين القصر الملكي‪ .‬ولكنه فضل البقاء في وطنه مرسيه الذي شيعه عند وفاته عام ‪ 1781‬في مشهد جليل‪.‬‬
‫أما التصوير السباني في القرن الثامن عشر فكان يرزخ تحت كابوس أجنبي مزدوج لم يفق منه حتى حطم جويا كل‬
‫القيود بفنه الجارف الذي لم يسبق له نظير‪ .‬جاءت أول موجة فرنسية بمجيء ران ورينيه وميشيل‪-‬آنج هواس‪ ،‬ولوي‪-‬‬
‫ميشيل فانلو‪ .‬وقد أصبح هذا مصور البلط لفليب الخامس‪ ،‬ورسم لوحة هائلة للسرة المالكة كلها‪ ،‬بالبواريك‬
‫والجونلت المطوقة‪ ،‬وغيرها(‪ .)88‬ثم أقبل قطيع من اليطاليين الذين يفيضون حيوية فانفينللي‪ ،‬واميجوني‪،‬‬
‫وكورادو‪.‬‬
‫ووصل جامباتستا تيبولو وأبناؤه إلى مدريد في يونيو ‪ .1762‬وعلى سقف غرفة العرش في القصر الملكي الجديد‬
‫ل بتمجيد الملكية السبانية وقتها وفضائلها وتقواها وأقاليمها‪ :‬فيها‬
‫رسموا صورة جصية شاسعة "تمجيد أسبانيا"‪ ،‬احتفا ً‬
‫الجسام السطورية الرمزية متوازنة في الهواء‪ ،‬والنيريدات والتريتونات والزفيرات‪ ،‬والجن المجنح‪ ،‬والطفال‬
‫السمان‪ ،‬والفضائل والرذائل ملحقة في الفضاء المنور‪ ،‬وأسبانيا ذاتها متربعة على العرش وسط ممتلكاتها‪ ،‬ممجدة بكل‬
‫صفات الحكومة الصالحة‪ .‬وعلى سقف غرفة الحرس رسم تيبولو "اينياس تقوده فينوس إلى معبد الخلود"‪ ،‬وعلى يقف‬
‫الحجرة الملحقة بمخدع الملكة رسم ثانية "انتصار الملكية السبانية"‪ .‬وفي ‪ 1766‬كلف شارل تيبولو بأن يرسم سبع‬
‫لوحات لمذبح كنيسة القديس بسكال بأرانحيز‪ ،‬واستخدم المصور في إحداها وجه حسناء أسبانية ليمثل حمل العذراء‬
‫غير المدنس‪ ،‬ول تزال الصورة تتألق‪ .‬في البرادو‪ .‬وأدان كاهن الملك‪ ،‬الب خوالين دي إلكنا ما في فن تيبولو من‬
‫وثنية وفجاجات لنها دخيلة على روح أسبانيا‪ .‬وتاب تيبولو‪ ،‬ورسم صورة قوية سماها إنزال المسيح عن الصليب"(‬
‫‪ ،)89‬وهي تأمل في الموت تنيره الملئكة‬

‫صفحة رقم ‪13331 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬
‫الواعدة بالقيامة وأرهقت هذه الجهود الجبار الهرم‪ ،‬فمات في مدريد عام ‪ 1770‬وقد بلغ الرابعة والسبعين‪ .‬وبعد قليل‬
‫أزيلت لوحات مذبح ارانجنيز وكلف أنطوان روفائيل منجز برسم لوحات بدلها‪.‬‬
‫وكان منجز قد وفد على مدريد في ‪ 1761‬وهو في الثالثة والثلثين‪ ،‬فتى قوي واثق من نفسه آمر ناه‪ .‬ولم يكن شارل‬
‫يشعر قط بارتياح لمرأى غيوم تيبولو المنورة‪-‬فآنس الن في هذا اللماني المقحام الرجل المطلوب لتنظيم العمل الفني‬
‫اللزم للقصر‪ .‬وفي ‪ 1764‬عين منجز مديرًا لكاديمية سان فرناندو‪ ،‬وسيطر على التصوير السباني في فترات إقامته‬
‫بأسبانيا‪ .‬وقد أساء ترجمة الطراز الكلسيكي إلى سكون ل دم فيه ول حياة‪ ،‬وأغضب بذلك تيبولو الشيخ وجويا الشاب‪.‬‬
‫ولكنه كافح كفاحاً نافعًا لينهي إسراف الزخرفة الباروكية وشطحات خيال الروكوك‪ .‬ومن أقواله أن الفن يجب أن‬
‫يسعى أولً إلى "أسلوب طبيعي" بمحاكاته المينة للطبيعة‪ ،‬وعندها فقط يستهدف السلوب السامي "الذي انتهجه‬
‫الغريق‪ .‬فكيف السبيل إلى هذا التسامي؟ بإقصاء الناقص وغير المتصل بالموضوع‪ ،‬بالربط بين الكمالت الجزئية‬
‫التي توجد هنا وهناك في أشكال مثالية يتصورها خيال مدرب مع تجنب كل ضروب السراف‪.‬‬
‫وافتتح منجز إنتاجه برسم أرباب أولمب على سقف مخدع الملك‪ ،‬وزين مخدع الملكة بصورة مماثلة‪ .‬وربما أدرك‬
‫منجز أن صاحبي الجللة‪ ،‬لم يتبعاه تماماً حتى جبل أولمب‪ ،‬لذلك رسم رافده مذبح للمصلى الملكي‪" ،‬ميلد المسيح" و‬
‫"إنزال المسيح من الصليب"‪ .‬وكان يضني نفسه في العمل‪ ،‬ول يأكل إل قليلً‪ ،‬بات عصبي المزاج‪ ،‬وانهارت صحته‪،‬‬
‫وخيل إليه أنه واجد البرء في روما‪ .‬ومنحه شارل إجازة مدها منجز إلى أربعة أعوام‪ .‬وفي فترة إقامته الثانية بأسبانيا‬
‫مزيدًا من الرسوم الجصية إلى القصور الملكية في مدريد وأرانجيز‪ .‬ولكن صحته تداعت مرة أخرى‪ ،‬فالتمس من‬
‫الملك الذن له بالتقاعد في روما‪ .‬ومنحه الملك الطيب طلبته‪ ،‬وأجرى عليه معاشًا متصلً من ثلث آلف كراون في‬
‫العام‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13332 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬الفن السباني‬
‫ولكن ألم يكن في أسبانيا آنئذ فنانون وطنيون يرسمون؟ أجل كانوا كثيرين ولكن اهتمامنا الذي تضائل مع بعد الشقة‬
‫والزمان خلفهم على هامش الشهرة الخابية‪ .‬كان هناك لويز ميلنديز للذي كاد يعدل شاروان في صور الطبيعة الصامتة‬
‫(الطيور والفواكه) ويحتفظ متحف البرادو بأربعين منها‪ ،‬ومتحف بوسطن بمثال منها فاتح للشهية‪ ،‬ولكن اللوفر يبزهما‬
‫جميعًا بصورة ذاتية رائعة‪ .‬وهناك لويز باريت أي الكازار‪ ،‬الذي بارى كاناليتو في تصوير مناظر المدينة كما ترى‬
‫في لوحته ‪-Puerta de Sol‬أكبر ميادين مدريد‪ ،‬وأنطونيو فيلدامات‪ ،‬الذي شهد له منجز بأنه أكفأ مصوري العصر‬

‫السبان‪ ،‬وفرانسسكو بايو لي سوبياس‪ ،‬الرقيق المتهجم المخلص لفنه‪ ،‬الذي نال الجائزة الولى في الكاديمية عام‬
‫‪ ،1758‬وصمم قطع النسيج لمنجز‪ ،‬وأصبح صديقاً‪ ،‬وعدواً‪ ،‬وصهراً لجويا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13333 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬

‫‪ -9‬فرانسسكو دي جويا أي لوسيبنتس‬

‫أ ‪ -‬نشأته‬
‫اتخذ فرانسسكو اسم قديس حام شأن جميع الصبيان اليبيريين‪ ،‬ثم اسم أبيه خوزيه جويا‪ ،‬واسم أمه أورجاسيا‬
‫لوسيبنتس‪ -‬أي ربة اللطف والنور‪ .‬وكانت تنتمي إلى طبقة الهيدلج (أدنى طبقات النبلء) ومن هنا إضافة "دي" التي‬
‫أدخلها فرانسسكو على اسمه‪ .‬ولد في ‪ 30‬مارس ‪ 1746‬بفونتينودوس‪ ،‬وهي قرية ارجونية يسكنها ‪ 150‬من النفس‬
‫ول يزينها شجر‪ -‬إنما هي تربة حجرية‪ ،‬وصيف قائظ‪ ،‬وشتاء قارس‪ ،‬يأتي على الكثيرين‪ ،‬ويصيب الحياء بالكتئاب‬
‫والخشونة‪.‬‬
‫وراح فرانسسكو يتلهى بفرشاة الرسم‪ ،‬فرسم في صباه لكنيسة القرية صورة للعذراء "سيدة العمود"‪ ،‬حامية أرجون‪.‬‬
‫وفي ‪ 1760‬انتقلت السرة إلى سرقسطة‪ ،‬حيث اشتغل الب بالطلء بالذهب‪ ،‬وأتاح له دخله أن يوفد ابنه لدراسة الفن‬
‫على يد خوزيه لوزان‪ .‬ومع هذا الفنان وخوان راميريز نسخ جويا صور كبار الرسامين القدامى‪ ،‬وقلد تلوين تيبولو‬
‫الناعم‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13334 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬

‫وتعلم من التشريح قدرًا يكفي لرسم صور العرايا المحرمة‪ .‬وفي رواية أنه شارك‪ -‬ثم تزعم بعد قليل‪ -‬فريقاً من الشباب‬
‫الجموح الذين دافعوا عن قريتهم ضد قرية أخرى‪ ،‬وكيف أن بعض الفتيان قتلوا في إحدى المعارك‪ ،‬وكيف فر‬
‫فرانسسكو إلى مدريد مخافة أن يقبض عليه‪.‬‬
‫وفي ديسمبر ‪ 1763‬دخل امتحاناً لللتحاق بالكاديمية فرسب‪ .‬وتصف السطورة حياته الصاخبة في العاصمة‪ ،‬ولكن‬
‫ل نعلم على التحقيق إل أن جويا كان بينه وبين القوانين حب مفقود‪ .‬وعاد إلى دخول امتحان المسابقة في ‪1766‬‬
‫ورسب‪ .‬وربما كان هذا الرسوب المتكرر من حسن حظه‪ :‬فقد أفلت من وصاية منجز الكاديمية‪ ،‬ودرس الصور التي‬
‫كان تيبولو يرسمها في مدريد‪ ،‬ثم أرسى أسلوب فذ تغلب عليه شخصيته‪ .‬وتروي السطورة بعد ذلك أنه أنظم إلى‬
‫فريق من مصارعي الثيران وسافر معهم إلى روما في تاريخ مجهول‪ .‬ولقد كان دائمًا شديد التحمس لمصارعي‬
‫الثيران الراكبين (التوريادور) ومرة وقع باسم دي لويس تورس‪ .‬كتب إلى موارنين في شيخوخته يقول "كنت في‬
‫شبابي مصارع ثيران‪ ،‬ل أرهب شيئاً وسيفي في يدي"(‪ .)91‬وربما قصد بهذا أنه كان من أولئك الصبية المغامرين‬
‫الذين يصارعون الثيران في الشوارع‪ .‬على أية حال وصل إلى إيطاليا‪ ،‬لنه في ‪ 1770‬فاز بالجائزة الثانية في مسابقة‬
‫بأكاديمية الفنون الجميلة في بارما‪ .‬وتحكي السطورة أنه تسلق قبة كاتدرائية القديس بطرس وسطا على دير ليخطف‬
‫راهبة‪ .‬وأكثر من هذا احتمالً أنه كان يدرس صور ماناسكو الذي ربما كان لتلوينه القاتم‪ ،‬وأجساده المعذبة‪ ،‬ومناظر‬
‫محكمة تفتيشه‪ ،‬من الثر العميق في نفسه ما فاق الوضاع الهادئة الكلسيكية التي أوصى بها منجز في أسبانيا‪.‬‬
‫وفي خريف ‪ 1771‬نلتقي به في سرقسطة التي عاد إليها ليزين مصلى في الكاتدرائية "الكنيسة الكبرى لسيدة العمود"‪.‬‬
‫وقد أجاد التصوير‪ ،‬وكوفئ بخمسة عشر ألف ريال نظير جهد استغرقه ستة أشهر‪ ،‬واستطاع الن أن يعول زوجة إذا‬
‫تزوج‪ .‬وعامل القرب‬

‫صفحة رقم ‪13335 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫في تقرير اختارنا شريك الحياة‪ ،‬وهكذا تزوج (‪ )1773‬خوزيفا بايو‪ ،‬وكان فيها ريعان الشباب‪ ،‬ولها شعر ذهبي‪،‬‬
‫ومكانها في متناوله‪ .‬وقد استخدمها نموذجاً‪ ،‬ورسم صورتها مراراً‪ ،‬وصورتها المعلقة في البرادو تظهرها متعبة‬
‫بتكرار الحمل‪ ،‬أو محزونة لخيانات فرانسسكو لها(‪.)92‬‬
‫ثم نقل إلى مدريد (‪ .)1775‬وكلفه منجز (‪ -)1776‬بتوصية من من بايو على الرجح‪ -‬بأن يرسم لوحات قماشية كبيرة‬
‫تصلح رسوماً تخطيطية (كرتونات) للمصنع الملكي للنسجيات الذي أنشأه فليب الخامس على غرار مصنع الجوبلن‪.‬‬
‫وغامر جويا الن برفض خطير‪ ،‬فاتخذ قراراً شكل مستقبله‪ .‬ذلك أنه أغفل ميل منجز إلى الميثولوجيا الكلسيكية‬
‫وتاريخ البطال‪ ،‬فرسم على اتساع كبير وبألوان ناصعة الناس الذين ينتمون إلى طبقته وعصره‪ -‬رسم كدهم وحبهم‪،‬‬
‫ومهرجاناتهم وأعيادهم‪ ،‬ومصارعاتهم مع الثيران ولعبهم بطائرات الورق‪ ،‬أسواقهم ورحلتهم الخلوية وألعابهم‪ ،‬وإلى‬
‫هذه الواقعية أضاف في جرأة أشياء تخيلها ولكنه لم يرها قط‪ .‬أما منجز فقد ارتفع إلى مستوى الموقف‪ :‬فلم يذم هذا‬
‫الخروج على التقاليد الكاديمية‪ ،‬وشعر بنبض الحياة يسري في السلوب الجديد‪ ،‬وأعطى هذا التمرد مزيدًا من‬
‫التكليفات‪ .‬وأنتج جزياً خلل خمسة عشر عاماً خمسة وأربعين كلتوناً أساسيًا لعمله‪ ،‬بينما راح ينتقل إلى مجالت‬
‫أخرى بثقة متزايدة‪ .‬واستطاع الن أن يأكل ويشرب مطمئناً‪ .‬كتب إلى صديقه زاباترا "أن دخلي يتراوح بين اثني‬
‫عشر ألفاً وثلثة عشر ألف ريال في السنة"‪.‬‬
‫على أن نوعاً من البكتريا تطفل على هذا النجاح الذي أصابه ولسنا نعرف مصدر الزهري الذي ابتلي به جويا‪ ،‬ولكنا‬
‫نعرف أنه مرض مرضاً خطيراً في إبريل ‪ .)93(1777‬وأبلى منه شيئاً فشيئاً‪ ،‬ولكن لعل المرض كان له بعض الثر‬
‫في التشاؤم الذي شاب فنه‪ ،‬وربما في فقده السمع في ‪ .1793‬على أنه تملك صحته في ‪ 1778‬بالقدر الذي أتاح له‬

‫المشاركة في مشروع وضعه شارل الثالث ليذيع في خارج أسبانيا بالنسخ المطبوعة عن الكليشهات ذخائر الفن‬
‫السباني‪ .‬ولهذا الغرض نسخ جويا ثماني عشرة‬

‫صفحة رقم ‪13336 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫لوحة لفيلسكيذ‪ ،‬ومن هذه النسخ صنع محفورات‪ ،‬وكانت هذه مهارة جديدة عليه‪ ،‬وظل مناقشه حينًا مترددًا فجاً‪ ،‬ولكن‬
‫من هذه البداية تطور ليصبح من أعظم الحفارين بعد رمبرانت‪ .‬وسمح له بأن يقدم نسخة بشخصه إلى الملك‪ ،‬وفي‬
‫‪ 1780‬سجل واحد من مصوري البلط‪ .‬وقبل الن في الكاديمية آخر المر‪ .‬وحوالي ‪ 1785‬رسم لوحة شارل الثالث‬
‫الشهيرة‪ ،‬التي بدأ فيهل الملك لبسا حلة الصيد‪ ،‬مهيأ للقتل‪ ،‬ولكنه هرم‪ ،‬مكدود‪ ،‬متقوس الساقين محدودب الظهر‪ ،‬هنا‬
‫ضحى جويا كعادته بالرضى في سبيل الصدق‪.‬‬
‫واستقدم جويا أمه وأخاه كاميلو بعد موت أبيه ليعيشا معه ومع خوزيفا والطفال‪ .‬وقبل شتى التكليفات ليعول هذه‬
‫السرة المتكاثرة‪ :‬فرسم لوحة جصية في كنيسة سان فرانسسكو الجراندي‪ ،‬وصورًا دينية لكلية كالترافا بسلمنقة‪،‬‬
‫ومشاهد من الحياة اليومية لمنزل دوق أوزونا الريفي‪ ،‬ثم رسم لوحات للشخاص لكونها أربح فرع في مهنته‪ .‬فرسم‬
‫عدة لوحات لوزونا(‪ ،)94‬واحدة للدوق وأسرته‪ -‬يبدو فيها الطفال شديدي التصلب وأخرى لدوقة أوزونا بثلثة أرباع‬
‫طولها(‪ -)95‬وهي معجزة من اللون والزيت تستحيل حريراً ومخرمات‪.‬‬
‫وربما كان جويا سعيداً عام ‪ .1784‬ففي ذلك العام ولد له خافيد‪ ،‬وهو البن الوحيد الذي قدر له أن يبقى حيًا بعد موت‬
‫أبيه‪ .‬وأزيح الستار عن الصور الجصية التي رسمها لكنيسة القديس فرنسيس الكبير في احتفال رسمي‪ ،‬وأثنى‬
‫مشاهدوها عليها كأروع لوحة في ذلك العهد‪ ،‬وكان الملك وكل حاشيته حضوراً‪ ،‬وقد شاركوا في الثناء‪ .‬وحوالي‬
‫‪ 1787‬رسم جويا لوحة المركيز دي بونتيخوس‪ ،‬وهي الن من أنفس ما تملكه قاعة الصور القومية في واشنطن‪ .‬وبعد‬
‫ل غص بالمتنزهين يحتفلون بعيد‬
‫عام إلى رسم الطبيعة في لوحته ‪ -)La Pradera de San Isidro)96‬وتمثل حق ً‬
‫القديس حامي مدريد العظيم بالركوب والتمشي والجلوس والكل والشرب والغناء‬

‫صفحة رقم ‪13337 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫والرقص على شواطئ مانزاناريس المعشية‪ .‬وهي ل تعدوا أن تكون تخطيطاً‪ ،‬ولكنها آية من آيات التصوير‪.‬‬
‫ولم يزد عمر جويا على الثالثة والربعين حين مات شارل (‪ )1788‬ولكنه حسب نفسه قد شاخ‪ .‬وكان قد كتب في‬
‫ديسمبر من العام إلى زاياتر يقول "لقد شخت‪ ،‬وملت التجاعيد وجهي حتى أنك لن تستطيع التعرف عليّ "لول أنفي‬
‫الفطس وعيناي الغائرتان(‪ .")97‬وما كان في استطاعته التنبؤ بأنه ما زال أمامه فسحة في الجل تمتد أربعين سنة‪،‬‬

‫وبأن أكثر مغامراته شططا وأروع إنتاجه مستكناً في مستقبل أيامه‪ .‬لقد تطور في بطء والن سيكرهه الغرام والثورة‬
‫أن يتابع السير وإل كان من المغرقين‪ .‬فأرتفع مع الحداث‪ ،‬وأصبح أعظم فنان في جيله‪.‬‬
‫ب ‪ -‬غرامه‬
‫وقد شغله ‪ 1789‬رسم صور للملك والملكة الجديدين احتفالً بدخولهما مدريد رسمياً في ‪ 21‬سبتمبر‪ .‬وكان "فيليبي"‬
‫بن شارل الثالث البكر‪ ،‬قد أقصي عن وراثة العرش لعتهه‪ ،‬فآل العرش للبن الثاني الذي وصفه مؤرخ غير متعاطف‬
‫بأنه "نصف معتوه(‪ ")98‬ل أكثر‪ .‬وكان شارل الرابع ساذجاً حسن الظن بالناس‪ ،‬فيه من الطيبة ما يكاد يغري الشرار‬
‫بالشر‪ .‬وكان قد انصرف إلى حياة القنص والكل والنجاب لفتراضه أنه مقصي عن وراثة العرش‪ ،‬بحكم كونه البن‬
‫الثاني‪ .‬أما وقد بات الن بديناً لين العريكة‪ ،‬فأنه أستسلم راضياً لزوجته ماريا لويز البارمية‪ ،‬وتجاهل‪ -‬أو جهل‪ -‬فسقها‬
‫مع عشقها‪ ،‬ورقى عشيقها مانويل دي جودوي رئيساً للوزارة (‪.)97 -1792‬‬
‫وكانت الملكة الجديدة قد داعبت الفكار التحررية قبل وليتها للعرش‪ ،‬وقد شجع شارل الرابع في أول سني حكمه‬
‫فلوريدا بلنكا‪ ،‬وخوفيللنوس‪ ،‬وكامبومانيس (وكلهم رسمهم جويا) على المضي في برنامج إصلحاتهم‪ .‬غير أن‬
‫سقوط الباستيل روع شارل الرابع وفلوريدا بلنكا فارتدت الحكومة‬

‫صفحة رقم ‪13338 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫إلى رجعة سياسية أعدتها إلى التعاون الكامل مع الكنيسة باعتبارها أقوى معقل للملكية‪ .‬وأهمل الكثير من القوانين‬
‫التقدمية التي سنت في عهد شارل الثالث‪ ،‬وأستعاد التفتيش بعض سلطاته‪ ،‬وأوقف استيراد الدب الفرنسي‪ ،‬وحظرت‬
‫جميع الصحف إل صحيفة مدريد اليومية الرسمية‪ ،‬وأقصي عن البلط خوفيللنوس وكامبومانيس وأراندا‪ .‬وابتهج‬
‫الشعب بانتصار إيمانهم الذي يعتزون به‪ .‬وفي ‪ 1793‬انضمت أسبانيا إلى الحرب التي خاضتها الملكيات ضد فرنسا‬
‫الثائرة‪.‬‬
‫في وسط هذا المعمعان حالف الحظ جويا‪.‬ففي إبريل ‪ 1789‬عين "رساماً للحجرة" فلما مرضت خوزيفا وأشار الطبيب‬
‫بهواء البحر علجاً لها صحبها جويا إلى بلنسيه (‪ )1790‬حيث كرمه القوم كأنه فيلسكويز أسبانيا الجديد‪ .‬وواضح أن‬
‫الطلب أشتد عليه من أقصى أسبانيا إلى أقصاها‪ ،‬لننا نجده في ‪ 1792‬في قادس ضيفاً على سبستيان مارتينيز‪ .‬وفي‬
‫طريق عودته أصيب في إشبيلية بالدوار والشلل الجزئي‪ ،‬فعاد إلى صديقه في قادس‪ ،‬وظل نهباً للقلق طوال فترة نقاهة‬
‫غير قصيرة‪.‬‬
‫فأي مرض هذا الذي شكا منه؟ لقد وصفه بايو وصفاً غامضاً بقوله أنه "ذو طبيعة رهيبة جداً"‪ .‬وخامره الشك في أن‬
‫جويا سيبرأ منه يوماً ما(‪ .)99‬وكتب رياتر صديق جويا في مارس ‪" :1793‬لقد جلب على جويا هذا المأزق افتقاره‬
‫إلى التدبر‪ ،‬ولكن لبد من مواساته بكل الشفقة التي يتطلبها مصابه(‪ .")100‬وقد فسر دارسون كثيرون هذا المرض‬
‫بأنه من أعقاب الزهري(‪ )101‬ولكن آخر تحليل طبي رفض هذا الرأي وشخصه بأنه التهاب أعصاب تلفيف الذن(‬
‫‪ .)102‬أياً كان المر فإن جويا كان فاقد السمع حين عاد إلى مدريد في يوليو ‪ ،1793‬وكذلك ظل إلى يوم مماته‪ .‬وفي‬
‫فبراير ‪ 1794‬كتب خوفيللنوس في يوميته "كنبت إلى جويا‪ ،‬فرد بأنه كان عاجزاً حتى عن الكتابة نتيجة السكتة‬
‫الدماغية التي أصيب بها(‪ .")103‬ولكن الشلل زال شيئاً فشيئاً‪ ،‬وما وافى عام ‪ 1795‬حتى كان في جويا من العافية ما‬
‫أغراه بالوقوع في الحب‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13339 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫وكانت تريزا كاتيانا ماريا ديل بيلر الدوقة الثالثة عشرة من سللة ألبا الشهيرة‪ .‬وكان أبوها قد تشرب الفلسفة‬
‫الفرنسية‪ ،‬فرباها على مبادئ متحررة‪ ،‬وتلقت تعليماً هيأ لها عقلً يقظاً وإرادة عنيدة‪ .‬فلما بلغت الثالثة عشرة تزوجت‬
‫الدوق خوزيه دي توليدو أوزوريو‪ ،‬دوق ألبا البالغ من العمر تسعة عشر ربيعاً‪ .‬وكان الدوق رقيق الجسد معلولً‪ ،‬فلزم‬
‫بيته أكثر الوقت وأغرق نفسه في الموسيقى‪ .‬ورسمه جويا جالساً إلى البيانو أمام نوتة لهايدن‪ .‬وكانت الدوقة متغطرسة‬
‫جميلة شهوانية‪ .‬وقد لحظ رحالة فرنسي أنه "ليس في رأسها شعرة ل تثير الشهوة(‪ ،")104‬وكانت تشبع رغباتها‬
‫دون قيد من فضيلة أو نفقة أو طبقة‪ .‬واقتنت في بيتها شخصًا معتوهاً‪ ،‬وراهباً أعور‪ ،‬وزنجية صغيرة أصبحت ربيبتها‬
‫المفضلة‪ .‬ولكن كان وراء هذه المغامرات الجريئة نفس سمحة كريمة‪ ،‬ولعلها انعطفت نحو جويا لنه كان أصم تعساً‬
‫بقدر ما مالت إليه لنه يستطيع أن يخلدها بفرشاته‪.‬‬
‫ول بد أنه رآها مراراً قبل أن تقف ليرسمها‪ ،‬لنها كانت تحوم داخل البلط وخارجه وتثير القاويل بمغازلتها‬
‫وبعدائها الجريء للملكية‪ .‬وأول صورة تحمل تاريخاً رسمها لها تبدو فيها بطولها كله‪ ،‬وقد لفت قسماتها النحيلة الحارة‬
‫في لمة من الشعر السود‪ ،‬ويمناها تشير إلى شيء على الرض‪ .‬فإذا تأملنا الصورة قرأنا عليها بوضوح هذه العبارة‬
‫"إلى دوقة ألبا دي جويا ‪ .")105(1795‬وهنا إيماءة إلى صداقة قائمة فعلً‪ .‬وليست الصورة من روائع جويا‪.‬‬
‫ويفضلها كثيراً تلك التي رسمها في العام نفسه لفرانسسكو بايو الذي كان قد مات لتوه‪ .‬وفي نوفمبر خلفه جويا مديراً‬
‫لمدرسة التصوير بالكاديمية‪.‬‬
‫ومات دوق ألبا في يونيو ‪ .1796‬واعتكفت الدوقة فترة حداد وجيزة في ضيعتها الريفية بسانلوكار‪ ،‬بين إشبيلية‬
‫وقاديس‪ .‬وليس من المؤكد أن جويا رافقها‪ ،‬ول علم لنا إل بغيابه عن مدريد من أكتوبر ‪ 1796‬إلى إبريل ‪،1797‬‬
‫وبتدوينه في كراستين رسوماً لبعض ما رأى في سانلوكار‪ .‬ومعظم الرسوم تبدو فيها الدوقة تستقبل الضيوف‪ ،‬أو‬
‫تربت الزنجية‪ ،‬أو تشد شعرها في نوبة غضب‪ ،‬أو تتقيل (بينما تنقل الخادمة المبولة)(‪ ،)106‬أو يغشى‬

‫صفحة رقم ‪13340 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫عليها في نزهة‪ ،‬أو تعبث مع منافس أو آخر ممن ينافسون جويا على يديها الملطفتين‪ .‬وتدل الرسوم التخطيطية على‬
‫غيرته المتصاعدة‪ ،‬وتبدو فيها أيضاً امرأة أخرى‪ -‬تخرج عارية من الحمام‪ ،‬أو ترقد على الفراش نصف كاسية أو‬
‫تضع الرباط على ساق بديعة التكوين‪ ،‬ولعل جويا انغمس كالدوقة في انحرافات الحب‪ .‬ومع ذلك فالراجح أنه في‬
‫سانلوكار رسم أعظم ما يفخر به من صورها(‪ -)107‬في زي "ماخا" وقحة ترتدي ثوباً أسود في صفرة‪ ،‬بحزام من‬

‫القرمز والذهب حول خصرها النحيل‪ ،‬وطرحة سوداء فوق رأسها‪ ،‬وفي يمناها (وهي في حد ذاتها من آيات‬
‫التصوير) خاتمان يحمل أحدهما اسم "ألبا" والخر "جويا"‪ ،‬وتشير سبابتها إلى اسمه‪ ،‬وتاريخ ‪ ،1797‬مكتوبين على‬
‫التربة الرملية تحت قدميها‪ .‬وكان يرفض دائمًا بيع هذه اللوحة‪.‬‬
‫وكانت مغامرة غرامه المزدهر قد صورت حين رجع جويا إلى مدريد‪ .‬وتتهمها بعض رسومه "الكابريكو" (‪)1797‬‬
‫بالستسلم الفاجر لشتات من ذكور يفتقرون إلى اللياقة‪ .‬وقد اتهمها جودوي بإغواء وزير الحربية وكتب إلى الملكة‬
‫يقول أن ألبا وكل أنصارها ينبغي أن يدفنوا في حفرة كبيرة(‪ .")108‬وحين ماتت الدوقة (‪ 23‬يوليو ‪ )1803‬وهي بعد‬
‫في الربعين‪ ،‬أرجفت مدريد أنها سممت‪ ،‬وعطف الناس عليها لنها خلفت قدرًا كبيراً من ثروتها الضخمة لخدمتها‪.‬‬
‫كذلك أوصت براتب سنوي يبلغ ‪ 3.600‬ريال لخافير بن جويا‪ .‬وأمر الملك بالتحقيق في موتها‪ -‬وعين جودوي رئيساً‬
‫للمحققين‪ -‬وزج بالطبيب وبعض أتباع الدوقة في السجن‪ ،‬وألغيت وصيتها‪ ،‬وحرم خدمها من أنصبتهم التي أوصت لهم‬
‫بها‪ ،‬وسرعان ما تزينت الملكة بأجمل جواهر ألبا(‪.)109‬‬
‫جـ ‪ -‬قمة المجد‬
‫كان جويا قد استقال عام ‪ 1797‬من منصبه مديراً للتصوير في الكاديمية‪ ،‬فقد أعجزته كثرة شواغله الن عن‬
‫التدريس‪ .‬وفي ‪1978‬‬

‫صفحة رقم ‪13341 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫اختير لزخرفة قبة كنيسة سان أنطوني دي لفلوريدا وقلب قوصرتها‪ ،‬ومع أنه أثار غضب الكليروس بتصويره‬
‫الملئكة بأطراف شهوانية‪ ،‬إل أن الكل تقريباً أجمعوا على أنه نقل إلى تلك الفراغات المقدسة‪ ،‬في صورة الهام‪ ،‬حياة‬
‫شوارع مدريد ودمها‪ .‬وفي ‪ 31‬أكتوبر ‪ 1799‬عين "مصور البلط الول" براتب قدره خمسون ألف ريال في العام‪.‬‬
‫ورسم في (‪ )1800‬أشهر لوحاته قاطبة وهي "شارل الرابع وأسرته(‪ -")110‬وهي كشف قاس عن بلهة السرة‬
‫المالكة‪ ،‬ونحن نقشعر حين نتخيل منظر هذه المجموعة من البدان المنتفخة والرواح القميئة إذا جردوا من ثيابهم‬
‫البراقة‪ -‬وتلك براعة في الشعاع والتألق ندر أن بزها رسام في تاريخ الفن‪ .‬ويروي التاريخ أن الضحايا أعربوا عن‬
‫كامل الرضى عن اللوحة(‪.)111‬‬
‫وفي ركن من اللوحة رسم جويا نفسه‪ .‬وعلينا أن نغفر أنانية صوره الذاتية الكثيرة‪ ،‬ول ريب في أن بعضها كان‬
‫دراسات تجريبية استخدم فيها مرآة‪ ،‬شأنه فيها شأن ممثل يتدرب على التعبير بسحنته أمام المرآة‪ ،‬واثنتان منهما‬
‫رائعتان‪ .‬وخيرهما (اللوحة الولى من الكابريكو) يبدو فيها في الخمسين ‪ ،‬أصم ولكن في كبرياء‪ ،‬له ذقن عدواني‪،‬‬
‫وشفتان شهوانيتان وعيون فظة‪ ،‬وشعر ينمو فوق أذنيه ويكاد يصل إلى ذقنه‪ ،‬وتتوج هذا كله قبعة حريرية فاخرة تعلوا‬
‫رأسه الضخم كأنها تحد لجميع نبلء الدنيا المحظوظين‪ .‬وبعد تسعة عشر عامًا من رسمه هذه اللوحة‪ ،‬وبعد أن نجا من‬
‫ثورة‪ ،‬رمى القبعة‪ ،‬وفتح قميصه عن عنقه‪ ،‬وكشف عن نفسه في مزاج ألطف‪ .‬لم تزل له كبرياؤه‪ ،‬ولكن فيه من الثقة‬
‫الكبيرة بنفسه ما يربأ به عن التحديات(‪.)112‬‬
‫وكان رسم الشخاص أقوى نواحي فنه‪ .‬ومع أن معاصريه كانوا يعلمون بأنه لن يتملقهم‪ ،‬فأنهم خضعوا في لهفة لحكم‬
‫فن راودهم المل في أنه سيحمل ذكراهم قروناً طوالً سواء كانت الذكرى مبعث صيت ذائع أو عار يخزيهم‪ .‬ولدينا‬

‫علم بثلثمائة نبيل وثمانية وثمانين عضواً في السرة المالكة جلسوا أمامه ليرسمهم‪ ،‬وقد بقيت من هذه الصور مائتان‪.‬‬
‫ومن أفضلها صورة لفرديناند جييمارويه‪ ،‬السفير الفرنسي‪ ،‬وقد أتى بها صاحبها إلى‬

‫صفحة رقم ‪13342 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫باريس‪ ،‬واقتناها اللوفر ‪ ،1865‬وإليها يرجع بعض الفضل في بعث شهرة جويا في فرنسا‪ .‬وأروع ما رسم من صور‬
‫الطفال صورة دون مانويل أوزوريو دي زونيجا‪ ،‬المحفوظة بمتحف المتروبوليتان للفن بنيويورك‪ ،‬هنا أدرك جويا‬
‫فيلسكيز‪ .‬وقد ضارع فيلسكيز ثانية في كوكبة النساء اللتي صورهن‪ ،‬وانتظمت صوره لهن أشتاتاً‪ ،‬فيها النحيلت‬
‫مثل "الطفلة الملكية يوزيفا"‪ ،‬وفيهن المرأة الساحرة الخلبة مثل السنيورا جارثيا(‪ ،)113‬والممثلة المتكهلة "لتيرانا(‬
‫‪_")114‬جمال مصور ولكنه يخلي مكانه للشخصية‪.‬‬
‫أما أكثر نساء جويا سفوراً فهي "الماخا" الوقحة التي رقدت حوالي (‪ )1798‬خالية من كل زينة ليرسم لها "الماخا‬
‫العارية" ثم كاسية في إغراء ليرسم لها "الماخا في ثيابها" وهاتان اللوحتان الصنوان تجتذبان من رواد البرادو عدداً‬
‫غفيرًا كالذي تجتذبه الموناليزا من رواد اللوفر‪ .‬والماخا العارية ولوحة فيلسكويز "فينوس في المرآة" هما الصورتان‬
‫العاريتان الوحيدتان في التصوير السباني‪ ،‬لن رسم العرايا في الفن السباني كان عقابه السجن سنة ومصادرة‬
‫المنقولت والنفي‪ .‬وقد غامر به فيلسكويز في حماية فليب الرابع‪ ،‬وجويا في حماية جودوي الذي وافق جويا على‬
‫تفضيل الثديين الكبيرين والخصر النحيل والشفاه الممتلئة‪" .‬وماخا" جويا لم تكن صورة لدوقة ألبا رغم ما تواتر عنها‪،‬‬
‫كذلك لم تكن الكاسية التي رسمها جويا لتحل محل العارية حين جاء الدوق الغاضب (كما تروي السطورة) وفي‬
‫عينيه نذير المبارزة‪ .‬ولكن اللوحتين اشترتهما الدوقة أو أعطيتا لها‪ ،‬وانتقلتا بعد وافتها إلى مجموعة جودوي‪.‬‬
‫وبينما كان جويا يمد أسرته بالمال الذي يكسبه من تصوير الشخاص‪ ،‬راح يتسلى (‪ )97 -1796‬بمحفورات وصور‬
‫مائية نشرها في ‪ 1799‬على أنها "نزوات"‪ -‬ثلث وثمانون صورة لعقل أرزن فيه خشونة وغضب‪ ،‬وتصف في هجاء‬
‫قاتم وعناوين ساخرة عادات جيله وأخلقه ونظمه‪ .‬وألمع هذه السلسلة هي رقم ‪ :43‬وهي تصور‬

‫صفحة رقم ‪13343 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫رجلً أستسلم للنوم على مكتبة بينما العفاريت تحوم حول رأسه‪ :‬وعلى المكتب عبارة تقول "حلم العقل يبعث‬
‫العفاريت"‪ .‬وقد فسر جويا هذا بأن "الخيال إذا هجره العقل أفرخ العفاريت‪ ،‬وإذا اتحد بالعقل كان خالق الفنون ومبدع‬
‫أعاجيبها(‪ .")114‬وهذه طعنة للخرافات التي أظلمت عقل أسبانيا‪ ،‬ولكنها كذلك وصف انصف إن جويا‪ .‬فلقد كانت‬
‫الحلم المرعبة ل تبرحه‪" ،‬ونزواته" على الخص تمتلئ بمناظرها المروعة‪ .‬هناك ترى جسد النسان وقد انحط إلى‬

‫عشرات الشكال الوارمة‪ ،‬العجفاء‪ ،‬الكسيحة‪ ،‬الوحشية‪ ،‬والبوم والقطط تنظر إلينا شزراً‪ ،‬والذئاب والنسور تجوس‬
‫خلسة‪ ،‬والساحرات يطرن في الهواء‪ ،‬والرض تبعثرت فيها الجماجم وعظام السيقان وجثث الطفال حديثي الولدة‬
‫حديثي الموت‪ .‬وكأنما قفز خيال هيرونيموس بوش المريض عبر فرنسا متخطياً القرون ليدخل عقل جويا ويشيع فيه‬
‫الفوضى‪.‬‬
‫أكان جويا عقلنياً؟ كل ما نستطيع أن نقوله هو أنه فضل العقل على الخرافة‪ .‬ففي أحد رسومه صور شابة مكللة‬
‫بالغار ممسكة بميزان تطارد طيور سوداء بالسوط‪ ،‬وتحت الصورة كتب جويا "أيها العقل المقدس ل تبق على أحد(‬
‫‪ .")116‬وفي رسم أخر رهبان يجردون أنفسهم من أرديتهم(‪)117‬؛ وقد ركب على جسد راهب يصلي وجه مجنون(‬
‫‪ .)118‬وصور "محكمة ديوان التفتيش(‪ ")119‬مشهداً كئيبًا من ضحايا مساكين تحاكمهم سلطة باردة الشعور‪ .‬وصور‬
‫يهودياً مقيداً بالغلل في زنزانة التفتيش‪ ،‬وكتب هذا التعليق "أي زاباتا‪ ،‬أن مجدك سيدوم إلى البد(‪ .")120‬أكان هذا‬
‫صدى لكتاب فولتير "أسئلة زاباتا"؟ وقد رسم تسعاً وعشرين لوحة لضحايا التفتيش يعانون شتى العقوبات(‪،)121‬‬
‫وفي أخرهم رسم إنسانًا مبتهجاً فوق هذا العنوان "الحرية المقدسة!"(‪ )122‬ومع ذلك ظل إلى يوم مماته يرسم علمة‬
‫الصليب على وجهه في روع‪ ،‬ويدعو المسيح والقديسين ويتوج رسائله برسم الصليب‪ ،‬وربما كانت هذه كلها أثار‬
‫متخلفة من عادات كونها في صباه‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13344 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬

‫د ‪ -‬ثورة‬
‫أكان جويا ثائراً؟ ل بل إنه لم يكن حتى جمهورياً‪ .‬وليس في فنه أو كلمه علمة تدل على أنه يرغب في الحاطة‬
‫بالملكية السبانية‪ .‬وقد ربط شخصه وحظه بشارل الثالث‪ ،‬وشارل الرابع‪ ،‬وجودوي‪ ،‬وجوزف بونابرت‪ ،‬وعاشر‬
‫نبلء البلط في سرور وابتهاج‪ .‬ولكنه خبر الفقر من قبل‪ ،‬وما زال يراه من حوله‪ ،‬ونفره إملق الجماهير وما ترتب‬
‫عليه من جهل وخرافة‪ ،‬وتقبل الكنيسة للفقر الجماعي نتيجة طبيعية لطبيعة البشر وفوارقهم‪ .‬وقد خلد نصف فنه‬
‫الغنياء‪ ،‬أما النصف الخر فكان صرخة تطالب بإنصاف الفقراء‪ ،‬واحتجاجاً على همجية القانون وديوان التفتيش‬
‫والحرب‪ .‬كان موالياً للملكية قي لوحاته الشخصية‪ ،‬كاثوليكياً في صوره‪ ،‬متمرداً في رسومه‪ ،‬ففيها أعرب بقوة تكاد‬
‫ل ممداً فوق مخدعه وعنوان الرسم‬
‫تكون وحشية عن مقته للظلمية والظلم والحماقة والقسوة‪ .‬ويمثل رسم منها رج ً‬
‫"لنه أكتشف حركة الرض"‪ .‬ورسم آخر يصور امرأة وضعت في المقطرة لنها "أبدت عطفها على قضية‬
‫التحرير"‪.‬‬
‫ومن هؤلء السبان الذين سموا أنفسهم تحرريين؛ يبدوا أنهم كانوا أول حزب سياسي استعمل ذلك السم‪ .‬وقد عنوا به‬
‫التدليل على شوقهم إلى الحرية‪ -‬حرية العقل من الرقابة‪ ،‬وحرية الجسد من النحطاط‪ ،‬وحرية الروح من الطغيان‪.‬‬
‫وكانوا قد تلقوا في عرفان "التنوير" الوافد من حركة التنوير الفرنسية‪ .‬ورحبوا بدخول قوة فرنسية في أسبانيا (‬
‫‪ ،)1807‬والواقع أنه نصف السكان رحبوا بها جيشاً للتحرير؛ ولم يسمع احتجاج حين استقال شارل الرابع وتوج ولده‬
‫فرديناند السابع تحت حماية جنود مورا‪ .‬وقد رسم جويا صورة للحاكم الجديد‪.‬‬
‫ولكن مزاج الشعب ومزاج جويا تغيرا حين استدعى نابليون شارل الرابع وفرديناند السابع إلى بايون وخلعهما؛ ونفى‬
‫أحدهما إلى إيطاليا‬

‫صفحة رقم ‪13345 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫والخر إلى فرنسا‪ ،‬ونصب أخاه جوزف ملكاً على أسبانيا‪ .‬وتجمع حشد غاضب أمام القصر الملكي‪ .‬وأمر جنده بأن‬
‫يخلوا الميدان‪ ،‬ففر الجمع‪ ،‬ولكنه عاد إلى الحتشاد حتى بلغوا عشرين ألفاً في ميدان مايور‪ .‬فلما زحف الجنود‬
‫الفرنسيون والمماليك نحو الميدان أطلقت عليهم النيران من النوافذ والبواكي‪ .‬فاشتد غضبهم‪ ،‬واقتحموا البيوت وراحوا‬
‫يقتلون أهلها دون تمييز‪ .‬ودارت بين الجند والجماهير معركة امتدت طوال النهار‪ ،‬هو يوم مايو الشهر (‪ 2‬مايو‬
‫‪ ،)1808‬وسقط مئات الرجال والنساء صرعى‪ ،‬وشهد جويا من موضع قريب شطرًا من المذبحة(‪ .)123‬وفي ‪ 3‬مايو‬
‫أعدم ثلثون من السجناء الذين قبض عليهم الجند بواسطة فرقة لطلق النار‪ .‬وأعدم كل أسباني أمسك متلبسًا ببندقية‬
‫في يده‪ .‬وهبت أسبانيا الن كلها تقريباً ثائرة على الفرنسيين‪ ،‬وسرت "حرب التحرير" من إقليم لقليم‪ .‬ولطخت‬
‫الطرفين بما اقترفا من فظائع وحشية وشهد جويا بعضها ولم تبرحه ذكراها حتى يوم مماته‪ .‬وفي ‪ 1811‬كتب وصيته‬
‫مخافة أن يتفاقم سوء الحال‪ .‬وفي ‪ 1812‬ماتت خوزيفا‪ .‬وفي ‪ 1813‬استولى ولنجتن على مدريد‪ ،‬وعاد فرديناند السابع‬
‫إلى عرشه‪.‬‬
‫واحتفل جويا بانتصار أسبانيا برسم لوحتين من أشهر لوحاته (‪ .)124()1814‬إحداهما "يوم مايو" أعاد فيها يناء ما‬
‫رأى أو سمع أو تخيل من المعركة الناشبة بين جماهير مدريد وجنود الفرنسيين والمماليك‪ .‬فوضع المماليك في القلب‪،‬‬
‫لن اشتراكهم في القتال هو الذي أثار أبلغ استنكار في الذاكرة السبانية‪ .‬ول داعي للسؤال هل كانت الصورة تاريخاً‬
‫صحيحاً‪ ،‬فهي فن رائع قوي‪ ،‬ابتداء من تدريجات اللوان التي تومض على جواد المملوك المجند وانتهاء بوجوه‬
‫الرجال الذين روعهم ووحشهم الختيار بين أن يقتلوا أو يُقتلوا‪ .‬وأنصع من هذه اللوحة‪ ،‬اللوحة الخت "الرمي بالنار‬
‫في الثالث من مايو"‪ -‬وفيها فرقة لحملة البنادق الفرنسيين يعدمون السجناء السبان‪ .‬وليس في فن جويا ما هم أبلغ وقعاً‬
‫في النفس من التباين بين الرعب والتحدي في الشخصية الوسطى في تلك المذبحة‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13346 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫والن وقد بات جويا أرملً‪ ،‬أصم‪ ،‬مكرهاً على الصمت‪ ،‬فقد انكفأ إلى فنه وهو ما يزال "مصور الحجرة الملكية" ذا‬
‫المعاش المقرر‪ ،‬ولكنه لم يعد أثيراً لدى البلط‪ .‬ولعل أقوى محفوراته قد حفرها في ‪ .1812‬وهي "العملق"(‪-)125‬‬
‫وتثمل هرقول بوجه كاليبان‪ ،‬جالساً على حافة الكرة الرضية‪ ،‬كأنه مارس يستريح بعد حرب ظافرة‪ .‬وكان طوال‬
‫الفترة من ‪ 1810‬يرسم رسوماً تخطيطية صغيرة ثم يحفرها ويطبعها‪ ،‬وقد سماها "العقابيل القتالة لحرب أسبانيا‬

‫الدموية مع بونابرت‪ ،‬وغيرها من النزوات"‪ .‬ولم يجرؤ على نشر هذه الرسوم الخمسة الثمانين ولكن أوصى بها‬
‫لولده‪ ،‬الذي باعها أبنه لكاديمية سان فرناندو‪ ،‬والتي نشرتها عام ‪ 1863‬بعنوان "توارث الحرب"‪.‬‬
‫وهذه الرسوم التخطيطية ليست مشاهد عادية للمعارك يستخفي القتال فيها في ثوب البطولة والمجد‪ .‬إنما هي لحظات‬
‫من الرعب والقسوة تنسى خللها ضوابط الحضارة الهزلية في حميا الصراع ونشوة الدماء‪ .‬هنا بيوت تحترق وتنهار‬
‫على ساكنيها‪ ،‬ونسوة يهرعن إلى المعركة بحجارة أو رماح أو بنادق‪ ،‬هنا نساء تهتك أعراضهن‪ ،‬ورجال يشدون إلى‬
‫أعمدة أما فرق ضرب النار‪ ،‬ورجال طاحت سيقانهم أو أذرعهم أو رؤوسهم‪ ,‬وجندي يحب العضاء التناسلية لرجل(‬
‫‪ )126‬وجثث تخوزق فوق جذوع أو أطراف الشر الحادة‪ ،‬ونساء ميتات مازلن قابضات على أطفالهن الرضع‪،‬‬
‫وأطفال يرقبون في هلع قتال آبائهم‪ ،‬وأكداس من الموتى يقذف بهم في الحفر‪ ،‬والنسور تستمتع بالتهام الموتى من‬
‫الدميين‪ .‬وتحت هذه الصور أضاف جويا تعليقات ساخرة‪" .‬هذا ما ولدت له"(‪" ،)127‬هذا رأيته"(‪" ،)128‬لقد حدث‬
‫هكذا"(‪" ،)129‬ليدفنوا الموتى ويلزموا الصمت"(‪ .)130‬وفي النهاية أعرب جويا عن يأسه وأمله‪ .‬فالصورة رقم ‪79‬‬
‫تمثل امرأة تموت بين الحفارين والكهنة‪ ،‬وعنوانها "الحق يموت"‪ ،‬ولكن الصورة رقم ‪ 80‬تظهرها وهي تشع ضياء‪،‬‬
‫وتسأل "أتبعث حية مرة أخرى؟"‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13347 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬

‫هـ ‪ -‬انحدار‬
‫في فبراير ‪ 1819‬أشترى بيتاً ريفياً على الضفة الخرى لنهر مانزاتاريس‪ .‬كانت الشجار تظلله‪ ،‬ومع أنه كان عاجزًا‬
‫عن سماع شدو الغدير الذي حف به‪ ،‬فإنه استطاع أن يحس الدرس المستفاد من جريانه الهادئ المطمئن‪ .‬وكان جيرانه‬
‫يسمون بيته "بيت الصم"‪ .‬ولما كان خافير قد تزوج واستقل ببيته‪ ،‬فقد صحب جويا معه دونا لونادياوايس‪ ،‬خليلة‬
‫ومديرة لبيته‪ .‬وكانت امرأة سليطة اللسان قوية البدن‪ ،‬ولكن جويا كان في حصن حصين من لسانها السليط‪ .‬وأتت معها‬
‫بطفلين‪ -‬صبي هو جييرمو‪ ،‬وفتاة صغيرة مرحة تدعى ماريا ديل روزاريو‪ ،‬وقد أصبحا عزاء لحياة الفنان في‬
‫شيخوخته‪.‬‬
‫ولقد كان في أمس الحاجة لهذا الحافز الصحي لن عقله كان على شفا الجنون‪.‬على هذا النحو فقط نستطيع أن نفهم‬
‫"الرسوم الزنجية" التي غطى بها كثيرًا من جدران البيت الذي كان مستشفاه‪ .‬وراح يرسم بالسود والبيض في‬
‫الغلب‪ ،‬وكأنه يعكس ظلم عقله‪ ،‬ولم يعطِ حدودَا معينة للجساد التي رسمها وكأنه وفي لغموض رؤاه‪ ،‬ولكنه‬
‫استعمل ألواناً جصية حسنة ليثبت بسرعة على الحائط صور حلم سريعة الزوال‪ .‬وقد رسم على جدار جانبي طويل‬
‫"رحلة سان ايزيدرو" وهو العيد الذي رسمه مبتهجاً عام ‪ 1788‬قبل إحدى وثلثين سنة ولكنه الن أصبح مشهداً كئيباً‬
‫لمتعصبين متوحشين مخمورين‪ .‬وجمع على الجدار المقابل أشخاصاً أفظع حتى من هؤلء في "سبت الساحرات"‬
‫وهن يتعبدن لنيس أسود ضخم على نحوٍ رهيب لنه شيطانهن وإلههن المر‪ .‬وفي أقصى الحجرة ارتفعت أبشع صورة‬
‫في تاريخ الفن‪ ،‬صورة ساترن يفترس ابنه‪ -‬مار يفترس طفلً عاريا‪ ،‬أكل رأسه وذراعه وأخذ يلتهم الذراع الباقية وهو‬
‫يرش الدم من حوله(‪ .)131‬وربما كانت الصورة رمزاً مجنونًا لمم مجنونة تأكل بنيها في الحرب‪ .‬هذه رؤى رجل‬
‫تعذبه أطياف الموت المروعة فهو يرسمها في جنون ليطردها من ذاته ويثبتها على الجدار‪.‬‬
‫وفي ‪ 1823‬هربت ليوثاديا إلى بوردو بولديها لخوفها من العتقال‬

‫صفحة رقم ‪13348 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬أسبانيا وحركة التنوير ‪ >-‬فرانسسكو دي جويا‬
‫بسبب نشاطها الماسوني‪ .‬وقرر جويا أن يلحق بهم بعد أن ترك وحيدًا مع الجنون الذي رسمه على جدرانه‪ .‬ولكنه لو‬
‫رحل بغير إذن من الملك لفقد حقه في الراتب الرسمي الذي كان يتقاضاه بوصفه مصور الحجرة‪ ،‬فألتمس إجازة‬
‫شهوراً للستشفاء بمياه بلومبيير‪ ،‬فمنح الجازة‪ .‬ونقل ملكية بيته لحفيده ماريانو‪ ،‬وفي يونيو ‪ 1824‬يمم شطر بوردو‪،‬‬
‫وليوثاريا‪ ،‬ماريا ديل روزاريو‪.‬‬
‫وبات حبه لحفيده ماريانو العاطفة المشبوبة المتسلطة عليه كلما دنت منيته‪ .‬فأوصى بمعاش سنوي للصبي وعرض‬
‫دفع النفقات إذا أتى خافيير بماريانو إلى بوردو‪ .‬ولم يستطع خافيير الحضور ولكنه أرسل زوجته وأبته‪ ،‬فلما وصل‬
‫عانقهما جويا في انفعال انهار بسببه واضطر إلى ملزمة الفراش‪ .‬وكتب إلى ابنه يقول‪" :‬يا عزيزي خافيير‪ ،‬إنما‬
‫أردت أن أخبرك بأن هذه الفرحة كلها كانت فوق ما أحتمل‪...‬أدعو ال أن يتيح لك أن تأتي وتأخذهما وعندها تفيض‬
‫كأس سعادتي(‪ .")132‬وفي صباح الغد أحتبس صوته وشل نصف بدنه‪ .‬وطال احتضاره ثلثة عشر يوماً وهو ينتظر‬
‫بصبر نافذ مجيء خافيير دون جدوى‪ .‬ومات في ‪ 16‬إبريل ‪ .1828‬وفي ‪ 1899‬نقل رفاته من بوربو إلى مدريد ودفن‬
‫أمام مذبح كنيسة سان أنطونيو دي لفلوريدا‪ ،‬حيث رسم قبل مائة عام تحت القبة آلم الحياة السبانية وأحزانها‬
‫وأفراحها وقصص حبها‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13349 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬

‫الفصل الثاني عشر‬

‫وداعاً إيطاليا‬

‫‪1789 - 1760‬‬

‫‪ -1‬جولة وداع‬
‫لو سمحنا لنفسنا بنظرة واحدة أخرى إلى إيطاليا لوجدناها حتى في هذه القيلولة الظاهرية دافئة بالحياة‪ .‬فسنرى تورين‬
‫تحتضن الفيري‪ ،‬ولوكا تنشر موسوعة ديدرو‪ ،‬وفلورنسة تزدهر ثانية تحت حكم الدوق الكبير ليوبولد‪ ،‬وميلن تصلح‬
‫القانون بفضل بيكاريا وبافيا وبولونيا تهتزان طربًا لتجارب فولتا وكلفاني‪ ،‬والبندقية تعاني من سلوك كازانوفا‪ ،‬ونابلي‬
‫تتحدى البابوية‪ ،‬وروما متورطة في مأساة اليسوعيين‪ ،‬وعشرات من مرابي الموسيقى تصدر الوبرا ومهرة العازفين‬
‫ليهدئوا صدر القطار المتوحشة عبر اللب‪ .‬وسنلتقي في إيطاليا بمائة ألف أجني قدموا إليها ليدرسوا كنوزها‬
‫وليصطلوا بشمسها‪ .‬ففي هذا العهد وفد إليها جوته بعد أن أرهقه نبلء قيمار ليجدد شبابه ويروض ربة شعره‪.‬‬
‫كان انطباع جوته الول وهو منحدر من الب إلى فينتسيا ترد نتينا (سبتمبر ‪ )1786‬تأثره بالهواء المعتدل والجو‬
‫المشرق الذي "يضفي غاية البهجة على مجر الوجود بل حتى على الفقر"(‪ )1‬ثم هذه الحياة الطليقة‪" :‬فالهالي دائماً‬
‫خارج بيوتهم وهم لخلو بالهم ل يفكرون في شيء‪ ،‬إل في أن يحيوا"‪ .‬وظن أن التربة المثمرة لبد أن تجود على‬
‫هؤلء القوم البسطاء بحاجاتهم المتواضعة دون إبطاء‪ ،‬ولكن الفقر وعدم وجود الوسائل الصحية في المدن الصغيرة‬
‫أفزعاه‪:‬‬
‫"حين سألت النادل عن مكان (لقضاء الحاجة) أشار لي على الفناء قائلً "ممكن‪ ،‬تحت‪ ،‬في الحوش"‪ .‬فسألته "أين؟"‬
‫فقال في لهجة ودية "في أي‬

‫صفحة رقم ‪13350 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫مكان‪ ،‬كما تشاء‪...‬كل الفنية المامية والعمدة تلوثها القذار‪ ،‬لن القوم يقضون حاجاتهم بطريقة طبيعية جداً"(‪.)2‬‬
‫على أن التكيف الحسي جعله يسلم بالمر الواقع شيئاً فشيئاً‪.‬‬
‫وكانت البندقية تستمتع بانحللها اللطيف‪ ،‬فحوالي ‪ 1778‬وصف كارلو جوتسي في مبالغة تغار على الفضيلة ما بدا له‬
‫أنه انحلل عام في الخلق‪:‬‬
‫"إن منظر النساء وقد انقلبن رجالً‪ ،‬والرجال نساء‪ ،‬وكلهم نسانيس‪ ،‬وكلهم غارقون‪...‬في دوامة الموضة‪ ،‬يفسدون‬
‫ويغوون بعضهم بعضا بلهفة كلب الصيد تجري وراء رائحة الفريسة‪ ،‬ويتنافسون في شهواتهم وسرفهم‬
‫المدمر‪...‬ويحرقون البخور‪...‬ليريابوس(‪(...)3‬إله الشهوة)"‪.‬‬
‫وفي ‪ 1797‬ألقى اللوم على الفلسفة في هذا النهيار‪:‬‬
‫"إن الدين‪ ،‬ذلك الكابح الصحي لشهوات البشر‪...‬قد أصبح هزؤوا بين الناس‪ .‬ولست أملك إل اليمان بأن المشنقة مفيدة‬
‫للمجتمع‪ ،‬لنها أداة لعقاب الجريمة وردع من تحدثه نفسه بالجرام‪ .‬ولكن فلسفتنا العصريين نددوا بالمشنقة زاعمين‬
‫أنها تحيز ظالم وهكذا زادوا جرائم القتل على الطريق العام والسرقات وأعمال العنف مائة ضعف"‪.‬‬

‫"وقد أكدوا لنا أن إبقاء النساء في بيوتهن لرعاية بنيهن وبناتهن‪...‬والشراف على خدمة السرة واقتصادها‪ ،‬إنما هو‬
‫تحيز بالٍ وهمي‪ .‬وللتو انطلقت النساء من بيوتهن معربدات كالباخوسيات‪ ،‬صائحات "الحرية‪...‬الحرية‪ "...‬وغصت‬
‫الشوارع بهن‪...‬وأسلمن أثناء ذلك عقولهن الطائشة إلى الموضات والبدع التافهة‪ ،‬والملهي ومغامرات الحب ومظاهر‬
‫الدلل وسائر السفاسف ‪ ....‬أما الزواج فلم يؤتوا من الشجاعة ما يمكنهم من مقاومة هذا التدمير لشرفهم ومالهم‬
‫وأسرهم‪ ،‬وخافوا من أن يشهر بهم ويرموا بهذه الكلمة الرهيبة‪ ،‬كلمة "التحيز"‪...‬فقد وصفت مكارم الخلق‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13351 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫والحشمة‪ ،‬والعفة‪ ،‬بأنها تحيز‪...‬وحين أكرهت جميع هذه التحيزات المزعومة على الهروب‪...‬ظهر الكثير من النعم‬
‫الكبرى والبركات العظمى‪ .‬كالكفر‪ ،‬والحاطة بالحترام والتوقير‪ ،‬وقلب العدالة رأساً على عقب‪...‬وتشجيع المجرمين‬
‫والرثاء لهم‪ ،‬والخيالت الملتهبة‪ ،‬والحاسيس المرهفة‪ ،‬والغرائز البهيمية‪ ،‬والنهماك في جميع اللذات والشهوات‪،‬‬
‫والترف العاتي‪ ...‬والتفاليس‪ ...‬والخيانات الزوجية(‪.")4‬‬
‫ولكن أسباب النحلل الرئيسية كانت بالطبع اقتصادية وحربية؛ ذلك أن البندقية فقدت ثراءها الذي لها الدفاع عن‬
‫قوتها وعلى النقيض منها ازدادت قوة غريمتها النمسا البشرية ازديادًا مكنها من السيطرة على كل المداخل البرية إلى‬
‫بحيرات البندقية‪ ،‬ومن خوض بعض حملتها الحربية على أرض الجمهورية المحايدة العاجزة‪.‬‬
‫وفي ‪ 9‬مارس ‪ 1789‬انتخب لودوفيكومانن لرئاسة الجمهورية‪-‬وكان بذلك آخر الدواج المائة والعشرين الذين تعاقبوا‬
‫ل ذا ثراء طائل وشخصية هزيلة‪ ،‬ولكن ما كان‬
‫على كرسي رئاسة البندقية في استمرار رائع منذ عام ‪ .697‬وكان رج ً‬
‫في طوق الفقر أو الشجاعة أن يردا عنه مأساته‪ .‬ذلك أن الباستيل سقط في أربعة أشهر‪ ،‬وتسلطت عبادة الحرية على‬
‫خيال فرنسا‪ ،‬وحين أقبل هذا الدين مع فيالق نابليون اكتسح كل إيطاليا تقريباً تحت رايته وبقوة نشوته‪ .‬وفرض‬
‫الكورسيكي الظافر يظاهره ثمانون ألف جندي على ملكة الدرياتيكي حكومة مؤقتة أملها بنفسه (‪ 12‬مايو ‪)1797‬‬
‫محجاً بأن القوات النمساوية قد استعانت عليه بأرض البندقية‪ ،‬ومتهمًا البندقية بأنها ساعدت أعداءه سراً‪ .‬وفي ذلك‬
‫اليوم أعطى الدوج مانن قلنسوة الرئاسة لحد أتباعه بعد أن استقال‪ ،‬وأمره قائلً "خذها بعيداً عني فلن تحتاج إليها‬
‫ثاني(‪ ")5‬وبعد أيام مات‪ .‬وفي ‪ 16‬مايو احتلت الجنود الفرنسية المدينة‪ .‬وفي ‪ 17‬أكتوبر وقع بونابرت في‬
‫كاميوفورميو معاهدة نقلت البندقية وكل القاليم التي تمتلكها تقريباً إلى النمسا في مقابل تنازلت من النمسا لفرنسا في‬
‫البلجيك وضفة الرين اليسرى‪ .‬وحدث هذا بالضبط‬

‫صفحة رقم ‪13352 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬

‫بعد ألف ومائة عام من انتخاب أول دوج لحكم بحيرات البندقية والدفاع عنها‪.‬‬
‫أما بارما فكانت محمية أسبانية‪ ،‬ولكن دوقها‪ ،‬والدون فيليبي‪ ،‬ابن فيليب الخامس وايزابيلل فارنيزي‪ ،‬تزوج لويزا‬
‫اليزابث ابنة لويس الخامس عشر وقد عود نفسه عاداتها المسرفة وجعل بلطه فرسايا مصغرة‪ .‬وأصبحت بارما‬
‫مركزاً للثقافة تختلط فيه أساليب الحياة العالمية في بهجة ومرح‪ .‬يقول كازانوفا "لقد خيل إلي أنني لم أعد عائشاً في‬
‫إيطاليا‪ ،‬فكل شيء بدا منتمياً للجانب الخر من اللب‪ .‬ولم يكن المارة يتكلمون إل الفرنسية والسبانية(‪ .")6‬وقام وزير‬
‫مستنير يدعى جيوم دوتيو بإصلحات حافزة للدوقية‪ .‬هنا كانت تنتج مصنوعات من أبدع أنواع النسيج والبللور‬
‫والقاشاني‪.‬‬
‫أما ميلن فقد شهدت توسعاً صناعيًا ينبئ في تواضع بما بلغته من تفوق اقتصادي في إيطاليا اليوم‪ .‬ذلك أن الحكم‬
‫النمساوي أرخى قبضته على قدرات الهالي وإقدامهم‪ .‬وتعاون الكونت كارل يوزف فون فرميان‪ ،‬حاكم لومبارديا‪ ،‬مع‬
‫الزعماء الوطنيين على تحسين الدارة‪ ،‬وحد من السلطة الظالمة التي كان يمارسها البارونات القطاعيون‬
‫الوليجركيون في المدن‪ .‬وظهرت طائفة من أحرار القتصاد يتزعمهم بيترو فري‪ ،‬وتشيزاري بونيزانا دي بيكاريا‪،‬‬
‫وجوفاني كارلي‪ ،‬اعتنقت مبادئ الفيزوقراطيين‪ ،‬وألغوا المكوس على التجارة الداخلية‪ ،‬وأنهوا نظام اللتزام‬
‫الضرائبي‪ ،‬ووزعوا العبء بفرض الضرائب على الملك الكنسية‪ .‬ونمت صناعة النسيج حتى انتظمت في ‪1785‬‬
‫تسعاً وعشرين شركة تشغل ‪ 1.384‬نولً‪ .‬ومسحت الراضي‪ ،‬ومولت الدولة مشروعات الري‪ ،‬واشتغل الفلحون‬
‫بهمة صادقة‪ .‬وفي السنوات الحدى والعشرين فيما بين ‪ 1749‬و ‪ 1770‬ارتفع سكان الدوقية من ‪ 90.000‬إلى‬
‫‪ .)7(130.000‬وفي فترة انتعاش ميلنو هذه بنى مجتمعها التياترو السكال (‪ ،)78-1776‬الذي اتسع لــ ‪3.600‬‬
‫متفرج تحيط بهم زخارف فاخرة كزخارف القصور‪ ،‬واحتوى تسهيلت‬

‫صفحة رقم ‪13353 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫للموسيقى‪ ،‬والسمر‪ ،‬والكل‪ ،‬ولعب الورق‪ ،‬والنوم‪ .‬وفوق هذا كلها صهريجًا للمياه صمم لطفاء أي حريق‪ .‬هنا ظفر‬
‫تشيما روزا وكيروبيني بانتصارات مدوية‪.‬‬
‫وكان العصر عصر البطولة لكورسكا‪ .‬لقد كانت تلك الجزيرة الجبلية الصغيرة مثقلة بأحداث التاريخ‪ .‬فالفينيقيون‬
‫القادمون من آسيا الصغرى أقاموا مستعمرات فيها حوالي ‪560‬ق‪.‬م‪ .‬ثم قهرهم الثروريون‪ ،‬الذين قهرهم‬
‫القرطاجنيون‪ ،‬الذين قهرهم الرومان‪ ،‬الذي قهرهم الروم البيزنطيون‪ ،‬الذين قهرهم الفرنجة‪ ،‬الذي قهرهم المسلمون‪،‬‬
‫الذين قهرهم إيطاليو تسكانيا‪ ،‬الذي قهرهم البيزاويون‪ ،‬الذي قهرهم الجنويون (‪ .)1347‬ومات في ذلك القرن ثلثا‬
‫السكان من الطاعون السود‪ .‬وفي ظل الحكم الجنوي انحدر الكورسيكيون الذين أرهقهم الوباء وغارات القراصنة‪،‬‬
‫والذين حرمت عليهم المناصب الكبرى وأثقلت كواهلهم بضرائب ل يطيقونها‪ ،‬وانقلبوا إلى حال أشبه بالتوحش لم‬
‫يحترم فيها قانون غير قانون الثورات العنيفة‪..‬وأخفقت الثورات التي اندلعت بين الحين والحين لما ابتلي به القوم من‬
‫عداوات طاحنة وما افتقدوا من العون الجنبي‪ .‬أما جنوه ففي سبيل الدفاع عن حياتها ضد الجيوش النمساوية استنجدت‬
‫بفرنسا لتعينها على حفظ النظام في كورسكا‪ .‬واستجابت فرنسا مخافة أن يستولي البريطانيون على الجزيرة‬
‫ويستخدموها قلعة يتسلطون منها على البحر المتوسط‪ ،‬فاحتلت الجنود الفرنسية أياتشو وغيرها من الحصون‬
‫الكورسيكية (‪ .)48-1719‬ولما بدا أن المن قد استتب انسحب الفرنسيون‪ ،‬وعاد سلطان جنوه إلى سابق عهده‪ ،‬وبدأت‬
‫ثورة باولي التاريخية‪.‬‬
‫وقد سبق باسكالي دي باولي هذه البطولت غاريبالدي بقرن كامل‪ .‬وقد وصفه اللورد شاتام بأنه "واحد من هؤلء‬
‫الرجال الذين لم يعد الناس يعثرون عليهم إل في صفحات بلوتارخ(‪ .")8‬ولد (‪ )1725‬ابناً لثائر كورسيكي وتبع أباه‬

‫إلى المنفى‪ ،‬ودرس في نابلي على يد القتصادي المتحرر جينوفيزي‪ ،‬وخدم في جيش نابلي‪ ،‬ثم عاد إلى كورسيكا (‬
‫‪)1755‬‬

‫صفحة رقم ‪13354 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫واختير ليقود تمرداً على جنوه‪ .‬وبعد عامين من القتال أفلح في طرد الجنويين من الجزيرة إل بعض مدنها الساحلية‬
‫فلما ولي رئاسة الجمهورية الجديدة بالنتخاب (‪ )68-1757‬أظهر في ميدان التشريع والدارة نبوغاً ل يقل عن نبوغه‬
‫في استراتيجية الحرب وتكتيكها‪ .‬فقد وضع دستوراً ديمقراطياً‪ ،‬وقمع الثورات‪ ،‬وألغى حقوق أمراء القطاع الظالمة‪،‬‬
‫ونشر التعليم‪ ،‬وأسس جامعة في عاصمته كورتي‪.‬‬
‫واضطرت حنوه لعجزها عن قهره إلى بيع الجزيرة لفرنسا (‪ 15‬مايو ‪ )1768‬بمليوني فرنك‪ .‬ووجد باولي الن نفسه‬
‫يقاتل جنودًا فرنسيين يعززون بالمداد المرة بعد المرة‪ .‬وكان سكرتيره ومساعده في ذلك الوقت كارلو بونابتي‪ ،‬الذي‬
‫ولد له ابن سماه نابليوني باياتشو في ‪ 15‬أغسطس ‪ .1769‬فلم قهر الفرنسيون باولي في بونتينوفو (مايو ‪ )1769‬طلق‬
‫هذا النضال الذي ل أمل فيه ولجأ إلى إنجلترا‪ ،‬وهناك منحته الحكومة معاشاً‪ ،‬وأذاع بوزويل اسمه‪ .‬وكان جونسون‬
‫واحدًا من أصدقائه‪ .‬على أن الجمعية الوطنية لفرنسا الثورة استدعته من منفاه‪ ،‬وأشادت به "بطلً وشهيداً للحرية"‬
‫وعينته حاكماً على كورسيكا‪ .)1791( ،‬ولكن المؤتمر الفرنسي حكم بأن في ميوله اليعقوبية قصوراً‪ ،‬فأرسل لجنة‬
‫لخلعه‪ ،‬وخف الجنود البريطانيون لنجدته‪ ،‬ولكن القائد البريطاني استولى على الجزيرة وأعاد باولي إلى إنجلترا (‬
‫‪ .)1795‬ثم جرد نابليون قوة فرنسية لتطرد البريطانيين (‪ ،)1796‬ورحب أهل الجزيرة بالفرنسيين باعتبارهم موفدين‬
‫من قبل "الكورسيكي"‪ ،‬وانسحب البريطانيون‪ ،‬وخضعت كورسيكا لفرنسا‪.‬‬
‫أما توسكاني فقد ازدهرت تحت حكم كبار الدواق الهابسبورج الذين خلفوا آل مديتشي (‪ .)1738‬وبعد أن اتخذ‬
‫حاكمها السمى فرانسوا اللوريني النمسا مقراً له لزواجه من ماريا تريزا‪ ،‬فوض الحكم إلى مجلس وصاية يرأسه‬
‫زعماء وطنيون نافسوا الميلنيين الحرار في إصلحاتهم القتصادية‪ ،‬فقد حققوا حرية التجارة الداخلية في الغلل (‬
‫‪ )1767‬قبل أن يبذل طورجو محاولة كمحاولتهم في فرنسا بسبع سنين‪ .‬وحين مات فرانسوا‬

‫صفحة رقم ‪13355 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫(‪ )1765‬خلفه دوقًا أكبر ابنه الصغر ليوبولد‪ ،‬الذي تطور حتى أصبح واحداً من أجرأ وأشجع "المستبدين‬
‫المستنيرين"‪ .‬كبح الفساد في المناصب‪ ،‬وأصبح القضاء والدارة المالية‪ ،‬وسوى بين الناس في الضرائب‪ ،‬وألغى‬
‫التعذيب والمصادرة وحكم العدام‪ ،‬وأعان الفلحين‪ ،‬وجفف المستنقعات‪ ،‬وأنهى الحتكارات‪ ،‬ونشر حرية التجارة‬

‫وحرية المؤسسات التجارية‪ ،‬وسمح للكومونات بالحكم الذاتي‪ ،‬وتطلع إلى وضع دستور شبيه بالدساتير الديمقراطية‬
‫للدوقية‪ .‬وقد راع جوته ما شهده من نظافة المدن التوستانية النسبية وصلحية الطرق والكباري‪ ،‬وجمال الشغال‬
‫العامة وفخامتها(‪ .)9‬وحين أصبح يوزف أخو ليوبولد إمبراطوراً أوحد‪ ،‬أعان ليوبولد على إلغاء معظم المتيازات‬
‫القطاعية في تسكانيا‪ ،‬وإغلق كثير من الديرة‪ ،‬والحد من سلطة الكليروس‪.‬‬
‫وفي ميدان الصلحات الكنسية تلقى ليوبولد تعاوناً صادقاً من سكبيوني دي ريكي أسقف بستويا وبراتو‪ .‬وكان في‬
‫تسكانيا عرف قاسي يقضي على جميع الفتيات اللتي ل مهور لهن بالرهبة‪ ،‬وانضم ريكي إلى الدوق الكبير في رفع‬
‫السن الدنيا لنذر الرهبنة وتحويل الكثير من الديرة إلى مدارس للبنات‪ .‬واتخذت التدابير لنشر التعليم غير الديني‬
‫بإحلل المدارس العلمانية محل مدارس اليسوعيين‪ .‬وكان ريكي يتلو القداس باليطالية‪ .‬ويقاوم الخرافات‪ ،‬المر الذي‬
‫أساء كثيراً إلى جماهير الشعب‪ .‬فلما شاع أنه ينوي إزالة "حزام العذراء مريم" الشهير في براتو لنه زائف‪ ،‬أحدث‬
‫الشعب شغبًا ونهبوا قصر السقف‪ .‬على أن ريكي دعا رغم ذلك مجمعاً أسقفياً انعقد في بستويا عام ‪ 1786‬وأعلن‬
‫مبادئ تذكر بـــ"المواد الغالية" الصادرة في ‪ .1682‬ومفادها أن السلطة الزمنية مستقلة عن السلطة الروحية (أي أن‬
‫الدولة مستقلة عن الكنيسة)‪ ،‬وأن البابا عرضة للخطأ حتى في المور المتصلة بالعقيدة‪.‬‬
‫وكان ليوبولد يحيا حياة البساطة‪ ،‬وأحبه الناس لطباعه الفطرية غير المتكلفة‪ .‬ولكن حين امتد حكمه وأرهقته خصومة‬
‫السنين بات ظنونًا معتزلً الناس‪ ،‬واستخدم عدداً غفيرًا من الجواسيس ليكونوا له عيوناً على مساعديه‬

‫صفحة رقم ‪13356 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫وأعدائه على السواء‪ .‬وقد أسدى له يوزف النصيحة من فيينا قائلً‪" :‬دعهم يغشونك أحياناً‪ ،‬فهذا خير من أن تعذب‬
‫نفسك عذابًا متصلً ل غناء فيه"(‪ .)10‬فلما غادر ليوبولد فلورنسة ليخلف يوزف إمبراطوراً (‪ )1790‬انتصرت قوى‬
‫الرجعية في تسكانيا وأدان البابا بيوس الداس ريكي في ‪ 1794‬وأودعه السجن (‪ )1805-1799‬حتى سحب هرطقاته‪.‬‬
‫ورد قدوم حكومة نابليون (‪ )1800‬الحرار إلى سابق سلطانهم‪.‬‬
‫وهرول جوته إلى روما عبر تسكانيا‪ .‬استمع إليه وهو يكتب في أول نوفمبر ‪:1786‬‬
‫"وأخيراً وصلت إلى عاصمة العالم العظيمة هذه‪..‬وكأنما طرت طيراناً فوق جبال النيرول‪ .‬إن شوقي لبلوغ روما كان‬
‫شديدا‪..‬حتى كان التفكير في التخلف في أي مكان ضربًا من المحال‪ ،‬وحتى فلورنسة لم أمكث فيها سوى ثلث ساعات‪.‬‬
‫والن‪ ،‬كما أخالني سأظفر بالهدوء مدى الحياة‪ ،‬فلنا أن نقول إن حياة جديدة تبدأ حين يرى النسان بعينيه ما لم يسمع‬
‫أو يقرأ عنه من قبل إل قليلً‪ .‬وأنا الن أرى جميع أحلم شبابي تتحقق أمام عيني"‪.‬‬
‫وأي خليط يدير الرؤوس كانت روما القرن الثامن عشر وهي تشغى بالشحاذين والنبلء‪ ،‬بالكرادلة والخصيان‬
‫المغنين‪ ،‬بالساقفة والبغايا‪ ،‬بالرهبان والتجار‪ ،‬باليسوعيين واليهود‪ ،‬بالفنانين والمجرمين‪ ،‬بالفتاك والقديسين‪ ،‬وبالسياح‬
‫يبحثون عن الثار نهاراً وعن الغواني ليلً‪ .‬وهنا‪ ،‬وعلى اثني عشر ميلً من أسوار المدينة‪ ،‬مدرجات وثنية وأقواس‬
‫نصر‪ ،‬وقصور ونافورات من عهد النهضة‪ ،‬وثلثمائة كنيسة وعشرة آلف قسيس و ‪ 170.000‬نسمة‪ .‬ومن حول‬
‫الفاتيكان قلعة المسيحية الكاثوليكية‪ ،‬عاش صنف من الرعاع كانوا أشد ما عرف العالم المسيحي صخبًا وتمرداً وعداءاً‬
‫للكليروس‪ .‬وكالنت الكراسات البذيئة المهاجمة للكنيسة يطاف بها في الشوارع‪ ،‬والمهرجون يقلدون في سخرية في‬
‫الميادين العامة أقدس مراسم القداس‪ .‬ولعل فنكلمان وهو الرجل الحي الرقيق كان يبالغ قليلً حين قال‪:‬‬

‫صفحة رقم ‪13357 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫"في النهار يسود روما هدوء معتدل‪ ،‬أما في الليل فإن الشيطان ينطلق من عقاله‪ .‬ونتيجة للحرية الكبيرة التي تسود‬
‫هنا‪ ،‬ولعدم وجود أي نوع من أنواع الشرطة‪ ،‬يتصل الشجار وضرب النار وإطلق الصواريخ واللعاب الناري في‬
‫جميع الشوارع الليل كله‪..‬والجماهير عاصية ل تخضع لسلطان‪ ،‬قد أعيا الحاكم كثرة النفي والشنق"(‪.)11‬‬
‫كانت روما مدينة تتسم بطابع العالمية أكثر حتى من باريس‪-‬يختلط فيها الفنانون والطلب والشعراء والسياح بالحبار‬
‫والميرات في الصالونات وقاعات الفن والمسارح‪.‬‬
‫هنا كان فنكلمان ومنجز يبشران بإحياء الطراز الكلسيكي‪ ،‬وهنا كان الباباوات المرهقون المحاصرون يكافحون‬
‫لتهدئة ثائرة الجماهير التي طحنها الفقر بالخبز والبركات الروحية‪ ،‬ولتعطيل السفراء الذين يلحون في إلغاء الطائفة‬
‫اليسوعية والحفاظ على صرح المسيحية المعقد بأسره من النهيار تحت وطأة التقدم العلم وهجمات الفلسفة‪.‬‬
‫ولكن لنمضي قدمًا مع جيته إلى نابلي‪ .‬لقد خيل إليه أنه لم يشهد قط مثل هذه الفرحة بالحياة‪:‬‬
‫"إذا كان في استطاعة المرء وهو في روما أن يعكف من فوره على الدراسة‪ ،‬فليس في استطاعته هنا أن يفعل شيئاً إل‬
‫أن يعيش‪ .‬فأنت تنسى نفسك والعالم‪ ،‬وأنا عن نفسي أجده شعوراً غريباً أن أتنقل من قوم ل يفكرون إل في الستمتاع‬
‫بالحياة‪...‬عنا ل يعرف الناش شيئاً بعضهم عن بعض‪ .‬وقلما يلحظون أن غيرهم يسيرون أيضاً في طريق سيرهم جنباً‬
‫إلى جنب معهم‪ .‬وهم يجرون سحابة نهارهم خلفاً وأماماً في فردوس دون أن يلتفتوا حولهم‪ ،‬ولو بدأ فكا الجحيم‬
‫المجاوران ينفتحان ويثوران‪ ،‬فإنهم يستنجدون بالقديس يتيواريوس(‪.)12‬‬
‫وكان الدوق كارلوس بعد رحيله عن نابلي قاصداً أسبانيا في ‪1759‬‬

‫صفحة رقم ‪13358 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬جولة وداع‬
‫قد أوصى بمملكة بانلي وصقلية إلى ابنه فرديناند الرابع البالغ من العمر ثمانية أعوام‪ ،‬بوصاية المركيز دي تانوكي‬
‫وواصل تانوكي حرب الكنيسة التي بدأها على عهد كارلوس‪ .‬فألغى الكثير من أديرة الرهبان والراهبات ولم يتردد في‬
‫إتباع تعليمات شارل الثالث ملك أسبانيا بطرد اليسوعيين‪ .‬فما أن انتصف ليل ‪4-3‬نوفمبر ‪ 1767‬حتى قبض الجند‬
‫على جميع أعضاء الطائفة في المملكة‪ ،‬وقادوهم‪-‬وهو ل يحملون من مقتنياتهم سوى الثياب التي عليهم‪-‬إلى أقرب ثغر‬
‫أو نقطة حدود‪ ،‬ومن هناك رحلوا إلى الوليات البابوية‪.‬‬
‫ولما بلغ فرديناند الرابع عامه السادس عشر (‪ )1767‬أنهى وصاية تانوكي‪ .‬وبعد عام تزوج ماريا كارولينا‪ ،‬البنة‬
‫التقية لماريا تريزا‪ .‬وسرعان ما سيطرت على زوجها وتزعمت حركة رجعية ضد سياسات تانوكي المناهضة لرجال‬
‫الدين‪ .‬وكانت إصلحات المركيز قد قوت ملكية تانوكي ضد نبلء القطاع والكنيسة‪ ،‬ولكنها لم تحقق شيئاً يذكر في‬
‫تخفيف الفقر الذي لم يترك للجماهير أملً إل في الخرة‪.‬‬
‫وانتهجت صقلية نهجًا مماثلً‪ .‬فكان بناء كاتدرائية بلرمو (‪ )1802-1782‬أهم وأخطر في نظر الشعب من محاولة‬
‫دمونيكو دي كاراكولي ترويض أمراء القطاع الذين سيطروا على البلد‪ .‬وكان قد عمل سنوات كثيرة سفيراً لنابلي‬

‫في لندن وباريس‪ ،‬وأستمع إلى البروتستنت والفلسفة‪ .‬فلما عُين والياً على صقلية (‪ )1781‬فرض الضرائب الباهظة‬
‫على كبار ملك الراضي‪ ،‬واختزل حقوقهم القطاعية على أقنانهم‪ ،‬وأنه ما كان لهم من امتيازات اختيار القضاة‬
‫المحليين‪ .‬ولكن حين تجاسر على حبس أمير يحمي قطاع الطرق‪ ،‬وأمر بإنقاص يومين من العطلت التي تمنح تكريماً‬
‫للقديس روزاليا حامي بلرمو‪ ،‬ثارت عليه جميع الطبقات‪ ،‬وقفل إلى نابلي مهزوماً (‪ .)13()1785‬فالفلسفة لم يكونوا‬
‫قد برهنوا بعد على أنهم يفهمون حاجات النسان وطبيعته خيرًا مما تفهمها الكنيسة‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13359 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬

‫‪ -2‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫استندت قوة الكنيسة الكاثوليكية على إيمان بالخوارق ركب في فطرة البشر‪ ،‬والتسليم بالدوافع الحسية والمخلفات‬
‫الوثنية والتسامي بها‪ ،‬وتشجيع الخصوبة الكاثوليكية‪ ،‬وغرس لهوت غني بالشعر والمل‪ ،‬نافع للتهذيب الخلقي‬
‫والنظام الجتماعي‪ .‬كذلك كانت الكنيسة في إيطاليا لمصدر الرئيسي للدخل القومي‪ ،‬ورادعًا معترفاً بقيمته لشعب‬
‫يؤمن إيمانًا شديداً بالخرافات‪ ،‬وثني النزعة مشبوب العطفة‪ .‬وقد كثرت الخرافات بين اليطاليين‪ ،‬فحتى (‪)1787‬‬
‫أحرقت الساحرات في بلرمو‪-‬وقدمت المرطبات للنبيلت العصريات اللتي حضرن هذا المشهد(‪ .)14‬وعاشت‬
‫المعتقدات والعادات والمراسم الوثنية في ظل موافقة الكنيسة عليها عن طيب خاطر‪ .‬كتب جوته يقول "لقد انتهيت إلى‬
‫اعتقاد القاطع بأن كل آثار المسيحية الصلية قد انقرضت هنا في روما(‪ .")15‬على انه بقي في العالم المسيحي الكثير‬
‫من المسيحيين الحقيقيين‪ ،‬حتى في إيطاليا‪ .‬ومن هؤلء الكونت كايسوتي دي كيوزانو‪ ،‬أسقف أستي‪ ،‬الذي نزل عن‬
‫ميراثه الكبير‪ ،‬وعاش في فقر اختياري‪ ،‬وكان ل يسافر إل راجلً‪ .‬كذلك كان تستا أسقف مونريالي ينام على القش‪،‬‬
‫ول يأكل إل ما يمسك رمقه ول يحتفظ من دخله إل بثلثة آلف ليرة لحاجاته الشخصية‪ ،‬ويخصص ما بقي منه‬
‫للشغال العامة وللفقراء(‪.)16‬‬
‫واستجابت الكنيسة لحركة التنوير إلى حد ما‪ .‬وبالطبع أدرجت أعمال فولتير وروسو وديدرو وهلفتيوس ودولباخ ول‬
‫متري وغيرهم من أحرار الفكر في قائمة الكتب المحرمة‪ ،‬ولكن أبيح الحصول على إذن بقراءتها من البابا‪ .‬وكان‬
‫المونسنيور فنتمليو أسقف قطنيا (‪ )73-1757‬يقتني في مكتبته طبعات كاملة من فولتير وهلفتيوس وروسو(‪.)17‬‬
‫وألغيت محكمة التفتيش في تسكانيا وبارما عام ‪ ،1769‬وفي صقلية عام ‪ ،1782‬وفي روما عام ‪ .1809‬وفي ‪1783‬‬
‫نشر قسيس كاثوليكي يدعى تابعورني‪ ،‬تحت اسم صديقه تراوتما نسدورف‪ ،‬مقالً "في التسامح الكنسي والمدني"‬

‫صفحة رقم ‪13360 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫أدان فيه محكمة التفتيش وحكم على كل ضروب الكراه للضمير بأنها منافية للمسيحية‪ ،‬ودافع عن جميع أنواع‬
‫اللهوت إل اللحاد(‪.)18‬‬
‫وكان من سوء طالع البابوات في نصف القرن الثامن عشر هذا أن يضطروا إلى مواجهة مطالبة الملوك الكاثوليك‬
‫بحل جمعية اليسوعيين كلية‪ .‬وكانت الحركة المناهضة لليسوعيين جزءًا من صراع على القوة بين قومية الدولة‬
‫الحديثة الظافرة‪ ،‬ودولية بابوية أضعفتها حركة الصلح البروتستانتي وحركة التنوير وصعود طبقة رجال العمال‪.‬‬
‫ولم يلح أعداء الجمعية الكاثوليك إلحاحاً سافراً باعتراضهم الرئيسي عليها‪ ،‬وهو أنها دأبت على تأييد سلطة الباباوات‬
‫باعتبارها فوق سلطة الملوك‪ ،‬ولكنه كرهوا أشد الكره أن يشكل قيام منظمة ل تعترف برئيس غير رئيسها‪ ،‬والبابا في‬
‫الواقع داخل كل دولة عميلً لسلطة أجنبية‪ .‬وقد سلموا بغزارة علم اليسوعيين وتقواهم‪ ،‬وبإسهاماتهم في العلوم والدب‬
‫والفلسفة والفن‪ ،‬وبتربيتهم المثابرة الفعالة للشباب الكاثوليكي؛ وببطولتهم في البعثات الجنبية وباستعادتهم كثيرًا من‬
‫الرض التي فقدتها الكاثوليكية واستولت عليها البروتستنتية‪ .‬ولكن التهمة التي وجهوها إلى الجمعية هي أنها كانت‬
‫تتدخل المرة بعد المرة في الشؤون العلمانية؛ وأنها اشتغلت بالتجارة طمعاً في الربح المادي؛ وأنها غرست مبادئ‬
‫الفتاوى التي تغتفر الفساد الخلقي والجريمة‪ ،‬وأغضت حتى عن قتل الملوك‪ ،‬وأنها سمحت للعادات والمعتقدات الوثنية‬
‫بأن تعيش بين أتباعها المزعومين في آسيا؛ وأنها أساءت إلى الطوائف الدينية الخرى وإلى كثير من الكهنة غير‬
‫الرهبان‪ ،‬بحدتها في الجدل ونغمتها المشربة بالحتقار‪ .‬وأصر سفراء ملوك البرتغال وأسبانيا ونابلي وفرنسا على‬
‫إلغاء الترخيص البابوي الخاص بالجمعية وعلى حل المنظمة رسمياً وفي كل مكان‪.‬‬
‫على أن طرد اليسوعيين من البرتغال في ‪ 1759‬ومن فرنسا في ‪ ،67-1764‬ومن أسبانيا ونابلي في ‪ ،1767‬ترك‬
‫الجمعية تواصل نشاطها وسط وشمالي إيطاليا‪ ،‬وفي سيليزيا وبولندا‪.‬وفي ‪ 7‬فبراير ‪ 1768‬طردوا من دوقية بارما‬
‫البوربونية‪ ،‬وأضيفوا إلى حشد اللجئين اليسوعيين في وليات‬

‫صفحة رقم ‪13361 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫الكنيسة‪ .‬واحتج البابا كلمنت الثالث عشر بأن بارما إقطاعة بابوية‪ ،‬وهدد الدوق فرديناند السادس ووزراءه بالجرم إذا‬
‫نفذ مرسوم الطرد‪ .‬فلما أصروا أصدر مرسومًا أعلن فيه مصادرة رتبة الدوق ولقبه وإلغاءهما‪ .‬وبدأت الحكومات‬
‫الكاثوليكية في أسبانيا ونابلي وفرنسا حرباُ على البابوية‪ .‬واستولى تانوتشي على مدينتي بنيفنتو وبونتيكوفو البابويتين‬
‫واحتلت فرنسا أفنيون‪ .‬وفي ‪ 10‬ديسمبر ‪ 1768‬قدم السفير الفرنسي في روما باسم فرنسا ونابلي وأسبانيا إلى البابا‬
‫مطلباً بسحب المرسوم الموجه ضد بارما وبإلغاء جمعية اليسوعيين‪ .‬وانهار الحبر العظم تحت وطأة هذا النذار‬
‫النهائي‪ .‬وكان يبلغ من العمر آنذاك ستة وسبعين عاماً‪ ،‬فدعا لعقد مجمع من المطارنة والمبعوثين في ‪ 3‬فبراير ‪1769‬‬
‫لدراسة المر‪ .‬وفي ‪ 2‬فبراير خر صريعاً بانفجار عرق في دماغه‪.‬‬
‫وانقسم الكرادلة الذين دعوا لختيار خلف له فريقين‪ :‬الغيورين الذين اقترحوا تحدي الملوك‪ ،‬والمهدئين الذين آثروا‬
‫التسويات الهادئة‪ .‬ولما كانت الكثرة العظمى من الكرادلة اليطاليين من فريق الغيورين الذين اجتمعوا سريعاً في‬
‫روما‪ ،‬فقد حاولوا افتتاح المجمع قبل أن يصل فريق الكرادلة المهدئين من فرنسا وأسبانيا والبرتغال‪ .‬واحتج السفير‬
‫الفرنسي فأجل المجمع‪ .‬وفي غضون هذا عرض لورنتسو ريكي قائد اليسوعيين قضيتهم للخطر إذ أصدر كراسة‬
‫اعترضت على سلطة أي بابا في إلغاء الجمعية(‪ .)19‬وفي مارس وصل الكاردينال دبيرني من فرنسا وبدأ طوافه على‬
‫الكرادلة بهدف ضمان انتخاب بابا راغب في إرضاء أصحاب الجللة الكاثوليك‪ .‬وقد رفض المؤرخون‪ ،‬سواء منهم‬

‫الكاثوليك(‪ ،)21‬وخصوم الكاثوليك(‪ ،)22‬الشائعات التي زعمت بعد ذلك(‪ )20‬أنه هو أو غيره رشوا أغروا بوسيلة ما‬
‫الكاردينال جوفاني جانجاتللي بأن يعد بهذا إذا اختير لكرسي البابوية‪ .‬وكان جانجاتللي بإجماع الكل رجلً عظيم الثقافة‬
‫والتقوى والنزاهة‪ ،‬بيد أنه كان ينتمي إلى طائفة الفرنسسكان التي طالما خاصمت اليسوعيين سواء في ميدان البعثات‬
‫التبشيرية أو اللهوت(‪.)23‬‬

‫صفحة رقم ‪13362 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫وفي ‪ 19‬مايو ‪ 1769‬انتخب باجماع آراء الكرادلة الربعين‪ ،‬واتخذ اسم كلمنت الرابع عشر‪ ،‬وكان يومها في الثالثة‬
‫والستين‪.‬‬
‫ثم ألفى نفسه واقفًا تحت رحمة الدول الكاثوليكية‪ .‬ففرنسا ونابلي تتشبثان بالقاليم البابوية التي استولتا عليها‪ ،‬وأسبانيا‬
‫وبارما تتخذان موقف التحدي‪ ،‬وهددت البرتغال بإقامة بطريركية مستقلة عن روما‪ ،‬بل أن ماريا تريزا التي كانت‬
‫حتى ذلك الحين حارة الولء للبابوية واليسوعيين ولكنها الن فقدت سلطانها الذي انتزعه منها ابنها حر التفكير‬
‫جوزف الثاني‪ ،‬وردت على نداء البابا بطلب معونتها بـأنها ل تستطيع مقاومة الرادة الموحدة لمثل هذا العدد الكبير‬
‫من الملوك والحكام‪ .‬وأصدر شوازيل الذي كان مسيطراً على حكومة فرنسا آنذاك تعليماته لبيرني بأن يخبر البابا أنه‬
‫"إذا لم يستطع التوصل إلى تفاهم مع فرنسا ففي استطاعته أن يعتبر كل علقاته به منتهية(‪.")24‬‬
‫وكان شارل الثالث ملك أسبانيا قد أرسل مثل هذا النذار النهائي في ‪ 22‬إبريل‪ .‬أما كلمنت‪ ،‬الذي حاول كسب الوقت‪،‬‬
‫فقد وعد شارل بأنه عن قريب "سأرفع إلى حكمة جللتكم وذكائكم خطة للقضاء المبرم على الجمعية(‪ .")25‬وأمر‬
‫مساعديه بالرجوع إلى السجلت وتلخيص تاريخ جمعية اليسوعيين وإنجازاتها وجرائمها المزعومة‪ .‬ورفض التسليم‬
‫بما طالب به شوازيل من الفصل في النزاع خلل شهرين‪ .‬وقد اقتضاه الفص ثلث سنين‪ ،‬ولكنه أذعن في النهاية‪.‬‬
‫ففي ‪ 21‬يوليو ‪ 1773‬وقع الرسالة البابوية التاريخية‪ ،‬وقد بدأت بقائمة طويلة من الجماعات الدينية التي حظرها‬
‫الكرسي البابوي المقدس على مدى اليام‪ ،‬وذكرت الشكاوى الكثير التي رفعت ضد اليسوعيين‪ ،‬والجهود الكثيرة التي‬
‫بذلها البابوات لعلج المساوئ المزعومة‪" .‬وقد لحظنا ببالغ الحزن أن هذه العلجات وغيرها مما استعمل بعد ذلك لم‬
‫يكن لها من الفاعلية أو القوة ما يضع حدَا لهذه المتاعب والتهم‬

‫صفحة رقم ‪13363 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫والشكاوى(‪ .")26‬واختتمت الرسالة بهذه العبارة "وإذ تبين لنا أن جمعية اليسوعيين لم تعد قادرة على أن تؤتي‬
‫الثمرات الوفيرة والخير العظيم اللذين من أجلهما أسست ووافق عليها العدد الكبير من الباباوات أسلفنا الذين شرفوها‬

‫بالكثير من المزايا الجديرة بالعجاب‪ ،‬وإذ رأينا أنه من المستحيل تقريباً‪-‬بل أنه مستحيل إطلقاً‪-‬على الكنيسة أن تتمتع‬
‫بسلم صادق متين ما بقيت هذه الطائفة‪...‬فإننا بعد الفحص المتـأني‪ ،‬ونتيجة لمعرفتنا الخاصة وبحكم كمال سلطتنا‬
‫الرسولية‪ ،‬نحل ونلغي بمقتضى هذه الرسالة البابوية جمعية اليسوعيين‪ .‬ونبطل ونلغي كل مناصبها ووظائفها‬
‫وإداراتها‪ ،‬ودورها‪ ،‬ومدارسها‪ ،‬وكلياتها وخلواتها‪ ،‬وملجئها وسائر المؤسسات التي تخصها على أي وجه كائناً ما‬
‫كان وفي أي إقليم أو مملكة أو دولة لها وجود فيه(‪.")27‬‬
‫ثم وعدت الرسالة البابوية بصرف معاشات لليسوعيين الذين لم يرسموا بعد ويريدون العودة لحياة العلمانيين‪ ،‬وأذن‬
‫للكهنة اليسوعيين بالنضمام إلى الكليروس غير الرهبان أو بأي طائفة دينية يوافق عليها الكرسي البابوي‪ ،‬وسمح‬
‫لليسوعيين المقبولين في الرهبنة والذين نذروا أنفسهم نذرًا نهائياً مطلقاً بأن يبقوا في بيوتهم السابقة شريطة أن يلبسوا‬
‫رداء الكهنة غير الرهبان ويخضعوا لسلطة السقف المحلي‪.‬‬
‫وفي معظم الحالت؛ وباستثناء بعض المبعوثين في الصين‪ ،‬تقبل اليسوعيون حكم إعدام هذا الذي أصدره البابا على‬
‫جمعيتهم بامتثال ونظام ظاهرين‪..‬بيد أن كراسات غفل من اسم المؤلف طبعت ووزعت دفاعاً عن قضيتهم‪ ،‬وقبض‬
‫على ريتشي وعدد من معاونيه بتهم لم تثبت عليهم قط بأنهم يتراسلون مع خصوم المرسوم‪ .‬ومات ريتشي في السجن‬
‫في ‪ 24‬نوفمبر ‪ 1775‬بالغًا الثمانية والسبعين‪.‬‬
‫ولم يعش كلمنت الرابع عشر إل عاماً واحداً أو يزيد بعد المرسوم‪ .‬وكثرت الشائعات بأن عقله أختل في شهوره‬
‫الخيرة‪ .‬وقد اجتمعت عليه‬

‫صفحة رقم ‪13364 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬البابوات والملوك واليسوعيون‬
‫السقام‪ ،‬ومنها السقربوط والبواسير‪ ،‬لتجعل كل نهار وليل في حياته شقاء وتعاسة له‪ .‬وأصابته في إبريل ‪ 1774‬نزلة‬
‫برد لم تبرحه قط‪ ،‬ولم تحل نهاية أغسطس حتى كان الكرادلة يناقشون مسألة خلفتهم‪ ،‬وفي ‪ 22‬سبتمبر قضى كلمنت‬
‫نحبه‪.‬‬
‫وبعد الكثير من التأجيلت والدسائس أجلس مجمع الكرادلة على كرسي البابوية (‪ 15‬فبراير ‪ )1775‬جوفاني براسكي‬
‫ل مثقفًا أكثر منه سياسياً‪ ،‬يجمع التف الفنية‪ ،‬ويسحر الجميع برفته‪ ،‬وقد حسن‬
‫الذي اتخذ اسم بيوس السادس‪ .‬وكان رج ً‬
‫إدارة الكوريا (الدارة البابوية) وأستصلح بعض المستنقعات الوبتية‪ .‬ورتب حلً وسطاً مؤقتاً مسالماً لليسوعيين مع‬
‫فردريك الكبر‪ .‬وفي ‪ 1793‬أنظم للحلف المعدي لفرنسا الثائرة‪ .‬وفي ‪ 1796‬غزا نابليون الوليات البابوية‪ ،‬وفي‬
‫‪ 1798‬دخل الجيش الفرنسي روما‪ ،‬وأعلنها جمهورية‪ ،‬وطالب البابا بالتخلي عن كل سلطاته الزمنية‪ .‬ولكنه أبى‪،‬‬
‫فاعتقل‪ ،‬وظل في أماكن وحالت مختلفة من السجن حتى وفاته (‪ 29‬أغسطس ‪ .)1799‬أما خليفته بيوس السابع فقد‬
‫جعل رد جمعية اليسوعيين إلى سابق عهدها (‪ )1714‬جزءًا من انتصار التحالف على نابليون‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13365 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬القانون وبيكاريا‬

‫‪ -3‬القانون وبيكاريا‬
‫ظلت أخلق إيطاليا وسلوكها مزيجاً من العنف والتراخي‪ ،‬من الثأر والحب‪ .‬كتب موتسارت من بولونيا عام ‪،1770‬‬
‫وكان في الرابعة عشرة من عمره "إن إيطاليا بلد ناعس"(‪ ،)28‬ولم يكن قد تعلم فلسفة القيلولة‪ .‬أما أبوه فكان رأيه في‬
‫‪ 1775‬أن "اليطاليين أوغاد في كل أنحاء العالم"(‪.)29‬‬
‫وقد علق موتسارت وجوته كلهما على الجريمة اليطالية‪ .‬كتب موتسارت يقول إن في نابلي "زعيماً للشحاذين‬
‫يتقاضى من الملك خمساً وعشرين دوقاتية كل شهر مقابل تهدئتهم ل أكثر"(‪ .)30‬وكتب جوته يقول ‪:‬إن أكثر ما يلفت‬
‫نظر الغريب هو كثرة الغتيالت‪ .‬واليوم كان الضحية فناناً ممتازاً‬

‫صفحة رقم ‪13366 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬القانون وبيكاريا‬
‫هو شفندمان‪...‬وقد طعنه القاتل الذي اشتبك معه عشرين طعنة‪ ،‬فلما أقبل الحارس طعن نفسه‪ .‬وليس هذا ما يجري به‬
‫العرف هنا عموماً‪ ،‬فالقاتل عادة يقصد أقرب كنيسة‪ ،‬فمتى بلغها أصبح في مأمن تام"(‪ .)31‬وكانت كل كنيسة تعطي‬
‫المجرم المان في حرمها‪-‬أي الحصانة من العتقال ما بقي تحت سقفها‪.‬‬
‫وحاول القانون كبح الجريمة بتشديد العقوبة أكثر مما حاولها بكفاية الشرطة‪ .‬فقد نصت قوانين بندكت الرابع عشر‬
‫الرحيم على عقوبات التجديف بالجلد‪ ،‬فإذا تكررت الجريمة ثلث مرات كان عقابها التشغيل خمس سنوات في سفن‬
‫السرى والعبيد‪ .‬وكان السطو على دير الراهبات ليلً جناية كبرى‪ ،‬أما مغازلة امرأة شريفة أو معانقتها علنية فعقابه‬
‫التشغيل المؤبد على هذه السفن‪ .‬وكان تشويه السمعة الخلقية‪ ،‬حتى إذا لم يحتو غير الصدق يعاقب بالعدام ومصادرة‬
‫الممتلكات‪( .‬ومع ذلك لم يقلل هذا من المقطوعات الهجائية)‪ .‬ومثل هذه العقوبة فرضت على حمل الطبنجات المخبأة‪.‬‬
‫على أن الجناة كانوا في كثير من المناطق يتفادون هذه الوامر بالفرار إلى دولة مجاورة أو بفضل رحمة القاضي‪ ،‬أو‬
‫الحتماء بالكنيسة‪ .‬ولكن العقوبات كانت تنفذ بصرامة في حالت عديدة‪ .‬من ذلك أن رجلً شنق لدعائه أنه كاهن‪،‬‬
‫وآخر لسرقة ثوبًا كهنوتيًا باعه بفرنك وربع‪ ،‬وثالث ضرب عنقه لكتابته خطاباً أتهم البابا كلمنت الحادي عشر بعلقة‬
‫غرامية مع ماريا كلمنتينا سوبيسكا(‪ .)32‬وإلى تاريخ متأخر (‪ )1762‬كان السجناء تحطم أجسادهم على دولب‬
‫التعذيب‪ ،‬عظمة بعد عظمة‪ ،‬أو يسحلون على الرض في ذيل حصان مهموز‪ .‬على أن من واجبنا أن نضيف جانباً‬
‫أكثر إشراقاً على الصورة‪ ،‬هو أن بعض الجماعات كانت تجمع المال لدفع غرامات السجناء وتحريرهم‪ .‬وغدا إصلح‬
‫القانون‪ ،‬سواء من حيث الجراءات أو من حيث العقوبات‪ ،‬جزءًا طبيعيًا من الروح الرحيمة التي أنجبها أبوان‪-‬حركة‬
‫تنوير إنسانية‪ ،‬وأخلقيات مسيحية تحررت من لهوت قاس‪.‬‬
‫ومن مفاخر إيطاليا أن يصدر أقوى نداء يدعو لصلح القانون في هذا‬

‫صفحة رقم ‪13367 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬القانون وبيكاريا‬
‫القرن عن شريف ميلني‪ .‬وقد كان هذا الشريف‪-‬تشزاري بونيزانا‪ ،‬مركيز بكاريا‪ ،‬نتاج اليسوعيين والفلسفة‬
‫الفرنسيين‪ .‬ومع أنه وهب من الثراء ما يسمح له بحياة التبطل فإنه كرس نفسه بغيرة ل تفتر لحياة التأليف الفلسفي‬
‫والصلح العملي‪ .‬وقد أمسك عن مهاجمة دين الشعب؛ ولكنه تصدى رأساً للظروف الفعلية للجريمة والعقاب‪ .‬وقد‬
‫صدمه أن يرى قذارة السجون الميلنية التي كانت مرتعاً للمراض‪ ،‬وأن يسمع من السجناء كيف ولم اعتادوا الجرام‬
‫وكيف حوكموا على جرائمهم‪ .‬وأفزعه أن يكتشف مخالفات صارخة في الجراءات القضائية‪ ،‬وألوانًا من التعذيب‬
‫الوحشي للمشبوهين والشهود‪ ،‬وضروباً من التعسف في الحكام سواء بالتشديد أو التخفيف‪ ،‬وألوانًا من القسوة‬
‫الضاربة في العقاب‪ .‬وحوالي ‪ 1761‬انضم إلى بييتروفيري في جمعية سمياها "البونيات" (قبضات اليدي)‪-‬نذرت‬
‫نفسها للعمل والفكر معاً‪ .‬وفي ‪ 1764‬بدءا مجلة "المقهى" محاكاة لمجلة أديسون "سيكتير"‪ ،‬وفي ذلك العام نشر‬
‫نيكاريا بحثه التاريخي "بحث في الجرائم والعقوبات"‪.‬‬
‫وفي مستهل كتابه أعلن غي تواضع أنه يتأثر بخطى "روح القوانين" الذي ألفه "الرئيس الخالد" لبرلمان بوردو‪،‬‬
‫فالقوانين يجب أن ترسي على العقل‪ ،‬ورائدها الساسي ليس النتقام من الجريمة بل حفظ النظام الجتماعي‪ ،‬وينبغي‬
‫أن تستهدف دائماً "أوفر سعادة موزعة على أكبر عدد(‪ .")33‬هنا قبل بنتام بخمسة عشر عاماً‪ ،‬نجد المبدأ الشهير‬
‫لخلقيات مذهب المنفعة‪ .‬واعترف بكاريا بصراحته المعهودة بتأثره بهلفتيوس‪ ،‬الذي أورد الصيغة ذاتها في كتابه‬
‫"في الروح" (‪( .)1758‬وكان قد صدر في سلسلة فرانسس هتشسن "أفكار في الجمال والفضيلة" (‪.)1725‬وقال بكايا‬
‫أن توسع التعليم وتعميقه أملً في الحد من الجرائم أصوب لمصلحة المجتمع من اللتجاء إلى عقوبات فد تحول شخصاً‬
‫أجرم عرضًا من مخالطته المجرمين إلى مجرم عريق‪ .‬فالواجب أن يكون لكل متهم الحق في محاكمة عادلة وعلنية‬
‫أما قضاة أكفاء يتعهدون بالحياد والنزاهة‪.‬ويجب أن تقفو المحاكمة التهام سريعاً؛ وأن يكون العقاب متناسبًا مع‬

‫صفحة رقم ‪13368 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬القانون وبيكاريا‬
‫الضرر الواقع على المجتمع ل مع نية الفاعل‪ .‬فضراوة العقوبة تولد ضراوة الخلق‪ ،‬حتى في الجمهور غير المجرم‪.‬‬
‫أما التعذيب فيجب عد اللتجاء إليه إطلقاً‪ ،‬فالمذنب الذي تعود على اللم قد يحتمله في تجلد وتفترض براءته‪ ،‬في حين‬
‫قد يكره اللم بريئاً مرهب العصاب على العتراف بأي شيء فيحكم بأنه مذنب‪ .‬ويجب أل يسمح بعد بحماية الكنيسة‬
‫للمجرمين‪ ،‬ويجب إلغاء عقوبة العدام‪.‬‬
‫وطبع الكتيب ست طبعات في ثمانية عشر شهراً‪ ،‬وترجم إلى اثنتين وعشرين لغة أوربية‪ .‬وأشاد بكاريا بالترجمة‬
‫الفرنسية التي قام بها مورلليه وقال أنها أفضل من الصل‪ .‬وقد شارك فولتير بمقدمة غفل من السم لتلك الترجمة؛ وأقر‬
‫المرة بعد المرة بأثر بكاريا في جمهوره لصلح القانون‪ .‬وبادرت معظم الدويلت اليطالية إلى إصلح قوانين‬
‫عقوباتها‪ .‬ولم يحل عام ‪ 1789‬حتى كانت أوربا كلها تقريبًا قد ألغت التعذيب‪ .‬وتأثرت كاترين ببكاريا كما تأثرت‬
‫بفولتير في إلغاء التعذيب في أملكها‪ .‬أما فردريك الكبر فكان قد أنهاه فعلً في روسيا(‪ )1740‬إل في حالت الخيانة‪.‬‬

‫وفي ‪ 1768‬عين بكاريا في كرسي للقانون والقتصاد أنشئ خصيصاً له في كلية البالتين بميلن‪ .‬وفي ‪ 1790‬عين‬
‫في لجنة لصلح القضاء في لمبارديا‪ .‬وقد سبقت محاضراته عدة أفكار أساسية لدم سمث ومالتامن في تقسيم العمل‬
‫والعلقة بين العمال ورأس المال‪ ،‬وبين السكان وكمية الطعام‪ .‬وفيه بعثت "إنسانية" النهضة الوربية من جديد في‬
‫صورة التنوير في إيطاليا‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13369 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬

‫‪ -4‬مغامرات‬

‫أ ‪ -‬كاليوسترو‬
‫ولد جوزيبي بلسامو لصاحب متجر ببلرمو في ‪ .1743‬ونضج مبكراً وسرعان ما أصبح لصاً بارعاً‪ .‬وفي الثالثة‬
‫عشرة قيد تلميذاً في دير‬

‫صفحة رقم ‪13370 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫البنفراتيللي‪ .‬وعين هناك مساعداً لصيدلي الدير‪ ،‬فتعلم كم قواريره ومحابيره وكتبه من الكيمياء والخيمياء ما يكفي‬
‫لعداد نفسه لحتراف الشعوذة الطبية‪...‬ولما كلف بأن يقرأ حياة القديسين على الرهبان وهم يتناولون طعامهم‪ ،‬استبدل‬
‫بأسماء القديسين أسماء أشهر مومسات بلرمو‪ .‬وجلد عقاباً له‪ ،‬فهرب من الدير وانظم إلى عالم المجرمين السفلي‪،‬‬
‫ودرس فن الكل دون بذل العرق‪ .‬واشتغل قواداً ومزوراً ومزيفاً للنقود‪ ،‬وقارئاً للبخت‪ ،‬وساحراً‪ ،‬ولصاً وأفلح في‬
‫إخفاء آثاره بمهارة عجزت معها الشرطة عن إدانته إل بالوقاحة‪.‬‬
‫فلما رأى نفسه مشبوهاً على نحو يضايقه‪ ،‬انتقل إلى مسينا‪ ،‬وعبر إلى ريدجو كالبرياء‪ ،‬وجرب الفرص التي تتيحها‬
‫نابلي وروما‪ .‬وتكسب فترة بإدخال لمسات على نسخ الصور وبيعها على أنها من صنعه‪ .‬ثم تزوج لورنتسا فيلكياني‪،‬‬

‫وأثرى ببيع جسدها‪ .‬وأنتحل اسم المركيز دي بللجريني‪ ،‬وأخذ نبيلته المكسبة إلى البندقية ومرسليا وباريس ولندن‪ .‬ثم‬
‫دبر أن تمسك زوجته بين ذراعي كويكري ثري؛ وعاشا على المال الذي ابتزاه نتيجة للخطة شهوراً‪ .‬ثم غير اسمه إلى‬
‫الكونت دي كاليوسترو‪ ،‬وتنكر بشوارب ولبس حلة كولونيل بروسي‪ ،‬وسمى زوجته من جديد بالكونتيسة سيرافينا‪ .‬ثم‬
‫عاد إلى بلرمو‪ ،‬وقبض عليه بتهمة التزوير‪ ،‬ولكن أفرج عنه تحت إلحاح منذر بالشر من أصحابه الذين روعوا‬
‫القضاء‪.‬‬
‫وإذ بليت مفاتن سيرافينا لكثرة تداولها‪ ،‬فقد أخذ يطبق ما تعلم من كيمياء فجهز وباع العقاقير التي تضمن إزالتها‬
‫التجاعيد وتأجيجها لنار العشق‪ .‬ولما عاد إلى إنجلترا أتهم بسرقة قلدة من الماس وقضى فترة في السجن ثم انضم إلى‬
‫جماعة الماسون وانتقل إلى باريس‪ ،‬وادعى أنه الرئيس الكبر للماسون المصريين‪ .‬وأكد لعشرات السذج أنه عثر على‬
‫السرار القديمة لعادة الشباب‪ ،‬الذي يمكن تحقيقه بعلج يمتد أربعين يومًا تستعمل فيه المسهلت والمعرقات وغذاء‬
‫من الجذور‪ ،‬والحجامة‪ ،‬والتيوصوفية(‪ .)34‬وكان كلما أفتضح أمره في مدينة مضى إلى غيرها؛ وأتصل بأسرها‬
‫الفنية‬

‫صفحة رقم ‪13371 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫بفضل طريقة المصافحة وخاتمه الماسونيين‪ .‬وفي سانت بطرسبرج أشتغل طبيباً‪ ،‬وعالج الفقراء مجاناً؛ وأستقبله‬
‫بوتمكين‪ ،‬ولكن طبيب كاترين الكبرى‪ ،‬وكان اسكتلندياً حاذقاً‪ ،‬حلل بعض أكاسير هذا الطبيب ووجدها فارغة ل قيمة‬
‫لها‪ .‬فسمح لكاليوسترو بيوم واحد يحمل فيه بضاعته ويرحل‪ .‬وفي وارسو أفتضح أمره ثانية على يد طبيب آخر في‬
‫كتيب سماه "نزع القناع عن كاليوسترو" (‪ ،)1780‬ولكن قبل أن يدركه كان قد انطلق إلى فيينا وفرانكفورت‬
‫وستراسبورج‪ .‬وهناك سحر الكردينال المير لوي‪-‬رينيه‪-‬إدوارد روهان‪ ،‬الذي وضع في قصره تمثالً نصفياً لزعيم‬
‫الماسون الكبر كتب عليه "كاليوسترو المقدس" وأتى به الكردينال إلى باريس‪ ،‬وتورط النصاب الكبير على غير‬
‫قصد منه قصة القلدة الماسية‪ .‬فلما انكشفت هذه الخدعة زج بكاليوسترو في الباستيل؛ ولكن سرعان ما أفرج عنه‬
‫لبراءته‪ ،‬ولكنه أمر بمغادرة فرنسا(‪ .)1786‬فوجد زبائن جدداً في لندن‪ .‬وزار جوته أثناء ذلك أم كاليوسترو في صقلية‬
‫وأكد لها أن ولدها الذائع الصيت قد أطلق سراحه وأنه في مأمن(‪. )35‬‬
‫وفي لندن حيث تكاثر المشككون في أمره انتقل الكونت والكونتيسة إلى بازل وتورين وزوفبريتو وترنت‪ ،‬يشتبه فيهما‬
‫في كل بلد ثم يطردان‪ .‬وتوسلت إليه سيرافينا أن يأخذها إلى روما لتصلي عند قبر أمها‪ ،‬فوافق الكونت‪ .‬وفي روما‬
‫ل لماسونيته المصرية‪ ،‬فقبضت عليهما محكمة التفتيش (‪ 29‬ديسمبر ‪ ،)1789‬واعترفا بأنهما‬
‫حاول أن يقيما محف ً‬
‫دجالن نصابان‪ ،‬فحكم على كاليوسترو بالسجن مدى الحياة‪ ،‬وأنهى أيامه في قلعة سان ليو قرب بيزارو في ‪1795‬‬
‫وقد بلغ الثانية والخمسين‪ .‬وهكذا كان هو أيضاً جزءاً من صورة القرن المستنير‪.‬‬
‫ب‪ -‬كازانوفا‬
‫أضاف جوفاني ياكوبو كازانوفا لقب "دي سينجالت" الفخم لسمه‬

‫صفحة رقم ‪13372 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫بتفنيط عشوائي للبجدية‪ ،‬باعتبار هذا اللقب تشريفاً يفيد في أبهر الراهبات وتحدى حكومات أوربا‪ .‬ولد لممثل وممثلة‬
‫في البندقية عام ‪ ،1725‬وظهرت عليه منذ طفولته أمارات النشاط الذهني‪ .‬تتلمذ لحتراف القانون‪ ،‬وزعم أنه نال‬
‫الدكتوراه في جامعة بادوا وهو في السادسة عشرة‪ .‬وعلينا في كل خطوة من "مذكراته" الشائقة أن نكون على حذر‬
‫من شطط خياله‪ ،‬ولكنه يقص قصته بصراحة يدين بها نفسه إدانة تحملنا على تصديقه حتى ونحن نعلم أنه يكذب‪.‬‬
‫وبينما كان في بادو حقق أول غزواته‪-‬وهي بتينا‪" ،‬فتاة حلوة في الثالثة عشرة" وأخت لمعلمه الكاهن الطيب جوتسي‪.‬‬
‫فلما مرضت بالجدري عني بها كازانوفا وأصيب بالمرض‪ .‬ويزعم في روايته أن أعمال الرحمة التي كان يقوم بها‬
‫كانت تعدل غزواته الغرامية‪ .‬وحين ذهب في شيخوخته إلى بادو لخر مرة ‪"،‬ألفيتها عجوزاً‪ ،‬مريضة‪ ،‬فقيرة‪ ،‬وقد‬
‫ماتت بين ذراعي"‪ )37(.‬وكل عشيقاته تقريبًا يصورهن مغرمات به إلى النهاية‪.‬‬
‫على أنه عانى من فقر مذل رغم درجته القانونية‪ .‬مات أبوه‪ ،‬وكانت أمه تمثل في مدن بعضها وصل في بعده حتى‬
‫سانت بطرسبورج‪ ،‬وتنساه عادة‪ .‬وكسب بعض المال من عزف الكمان في الحانات والشوارع‪ .‬ولكنه وهب القوة كما‬
‫وهب الوسامة والشجاعة‪ .‬فلما أصيب السناتور البندقي زوان براجادينو (‪ )1746‬بالنقطة وهو يهبط السلم‪ ،‬احتمله‬
‫ياكوبو بين ذراعيه وأنقذه من سقطة فجائية‪ .‬وبعدها بسط عليه السناتور حمايته في مآزق كثيرة وزوده بالمال لزيارة‬
‫فرنسا والنمسا‪ .‬وفي ليون انضم إلى الماسون الحرار‪ ،‬وفي باريس "أصبحت رفيقاً‪ ،‬ثم رئيساً للطائفة"‪( .‬ونحن نلحظ‬
‫في شيء من الدهشة قوله "في زمني لم يكن في فرنسا من يعرف كيف يبالغ في السعار")(‪.)38‬‬
‫وفي ‪ 1753‬عاد إلى البندقية‪ ،‬وسرعان ما لفت نظر الحكومة باحترافه السحر والتنجيم‪ .‬وبعد عام أبلغ محقق رسمي‬
‫مجلس الشيوخ عنه فقال‪:‬‬

‫صفحة رقم ‪13373 :‬‬
‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫لقد أفلح في التسلل إلى قلب الشريف زوان براجادينو‪ ....‬وابتز ماله ابتزازاً باهظاً‪ .....‬وقد أخبرني بنديتو بيزانو أن‬
‫كازانوفا بسبيله إلى أن يصبح فيلسوفًا قبلنياً وأنه يحاول التكسب بالحجج الزائفة يموه بها في مهارة على عقول‬
‫ضحاياه‪.....‬وقد أمكنه‪.....‬إقناع براجادينو بأن في استطاعته استحضار ملك النور لينفعه‪)39(.‬‬
‫ويضيف التقرير أن كازانوفا قد بعث إلى أصحابه بكتابات تشي بحقيقته مفكراً ملحداً‪ .‬ويقول كازانوفا "لقد وقر في‬
‫نفسي سيدة تدعى مدام ممنو أنني أعلم ولدها مبادئ اللحاد(‪.")40‬‬
‫ي تتعلق بالكرسي (البابوي) المقدس‪ ،‬والكرسي المقدس وحش ضا ٍر من الخطر أن تمسه‪.‬‬
‫"أن التهم التي وجهت إل ّ‬
‫وكانت هناك ظروف معينة‪...‬جعلت من الصعب عليهم حبسي في السجون الكنسية التابعة لمحكمة التفتيش‪ ،‬ولهذا‬
‫السبب تقرر في النهاية أن تناط محكمة التفتيش الدولة "بمحاكمتي(‪.")41‬‬
‫ونصحه براجادينو بالرحيل عن البندقية‪ ،‬ولكن كازانوفا أبى‪ .‬وفي الغداة قبض عليه‪ ،‬وصودرت أوراقه‪ ،‬وحبس دون‬
‫محاكمة في البيومبي "ألواح الرصاص" هو اسم سجن الدولة البندقي نسبة إلى ألواح الرصاص المسقوف بها‪.‬‬

‫"حين جن الليل استحال على أن أغمض عيني لسباب ثلثة‪ :‬أولها الفئران‪ ،‬وثانيها الطنين الرهيب الذي تحدثه ساعة‬
‫كاتدرائية القديس مرقس التي كانت تدق وكأنها في حجرتي‪ ،‬وثالثها ألوف البراغيث التي أغارت على بدني تعضني‬
‫وتلدغني وتسمم دمي بحيث أصابتني انقباضات عنيفة بلغت حد التشنجات"(‪.)42‬‬
‫وحكم عليه بالسجن خمس سنين‪ ،‬ولكنه هرب بعد أن ظل رهين محبسه خمسة عشر شهراً (‪ )1757‬بفضل سلسلة‬
‫معقدة من الحيل‬

‫صفحة رقم ‪13374 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫والمخاطرات والهوال أصبحت روايته لها جزءًا من "عدة نصبه" في كثير من القطار‪.‬‬
‫فلما عاد ثانية إلى باريس اشتبك في مبارزة مع فتى يدعى الكونت نيكول دلتور دوقرن وأصابه بجرح‪ ،‬ثم شفاه‬
‫بمرهم "سحري"‪ ،‬وكسب صداقته‪ ،‬فقدمه إلى عمة له غنية تسمى مدام دورفيه‪ ،‬كانت شديدة اليمان بقوى السحر‪،‬‬
‫ومؤملة أن تستعين بها على تغيير جنسها‪ .‬واستغل كازونوفا سذاجتها‪ ،‬ووجد فيها وسيلة خفية للثراء‪.‬‬
‫"إنني ل أستطيع وقد شخت الن أن أرجع ببصري إلى هذا الفصل من حياتي دون أن أخمر خجلً"(‪ .)43‬وهذا اتصل‬
‫على مدى فصول كثيرة أخرى من كتابه‪ .‬وأضاف إلى دخله بالغش في لعب الورق‪ ،‬وتنظيم يانصيب للحكومة‬
‫الفرنسية‪ ،‬وبالحصول على قرض لفرنسا من القاليم المتحدة‪ .‬وفي الرحلة من باريس إلى بوكسل قرأت كتاب‬
‫هلفتيوس "في الروح" طول الطريق‪( )44(.‬ويقدم للمحافظين مثالً مقنعًا من إنسان حر التفكير انقلب رجلً فاسقاً وإن‬
‫كانت المرحلة التالية هي العكس في أغلب الظن)‪ .‬وكان في كل محطة يلتقط خليلة‪ ،‬وفي كثير من المحطات يجد خليلة‬
‫سابقة‪ ،‬وبين الحين والحين يقع مصادفة على ذرية له لم يقصد إنجابها‪.‬‬
‫وزار روسو في مونمورنسي‪ ،‬وفولتير في فرنيه (‪ )1760‬وقد سبق أن استمتعنا بشطر من ذلك الحديث الخاص بينهم‪.‬‬
‫وإذا جاز لنا أن نصدق كازانوفا‪ ،‬فإنه اغتنم الفرصة ليوبخ فولتير على فضحه سخافات الميثولوجيا الشعبية‪:‬‬
‫كازانوفا‪ :‬هيك نجحت في القضاء على الخرافة‪ ،‬فماذا تحل محلها؟‬
‫فولتير‪ :‬يعجبني هذا! حين أخلص البشرية من وحش ضار يفترسها‪ ،‬أتسألني ماذا أحل محله ؟‬

‫صفحة رقم ‪13375 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫كازانوفا‪ :‬إن الخرافة ل تفترس البشرية‪ ،‬بل أنها على العكس ضرورية لوجودها‪.‬‬
‫فولتير‪ :‬ضرورية لوجودها! ذلك تجديف مخيف‪ .‬إنني أحب البشر‪ ،‬وأود أن أراهم أحراراً سعداء مثلي‪ .‬والخرافة‬
‫والحرية ل يمكن أن يسيرا يداً بيد‪ .‬أتظن أن العبودية تؤدي إلى السعادة؟‬

‫كازانوفا‪ :‬إن ما تريده إذن هو سيادة الشعب؟‬
‫فولتير‪ :‬معاذ ال! يجب أن يكون للجماهير ملك يحكمها‪.‬‬
‫ل هو مجرد إنسان حق حكمه‪...‬‬
‫كازانوفا‪ :‬في هذه الحالة تكون الخرافة ضرورية‪ ،‬لن الشعب لن يعطي رج ً‬
‫فولتير‪ :‬أريد ملكاً يحكم شعباً حراً‪ ،‬ويلتزم قبله بشروط متبادلة تمنع أي ميل من جانبه للستبداد‪.‬‬
‫كازانوفا‪ :‬يقول أديسون أن هذا الملك‪...‬يستحيل وجوده‪ .‬وأنا متفق مع هوبز‪ .‬فعلى المرء أن يختار من الشرين أقلهما‬
‫ضرراً‪ .‬والمة التي تحررت من الخرافة هي أمة من الفلسفة والفلسفة ل يعرفون كيف يطيعون‪ .‬وما من سعادة‬
‫ترجى لشعب ل يسحق ويذل ويظل مصفداً بالقيود‪.‬‬
‫فولتير‪ :‬هذا شنيع! وأنت فرد في الشعب!‪...‬‬
‫كازانوفا‪ :‬إن العاطفة المسيطرة عليك هي حبك للبشرية‪ .‬وهذا الحب يعميك‪ .‬أحب البشرية‪ ،‬ولكني أحبها كما هي‪.‬‬
‫فالبشرية ليست قابلة للمزايا التي تود أن تغدقها عليها‪ ،‬فهذه المزايا لن تزيدها إل تعاسة وانحرافاً‪.....‬‬
‫فولتير‪ :‬يؤسفني أن يكون لك هذا الرأي السيئ في إخوانك في النسانية(‪.)45‬‬
‫وكان كازانوفا يشق طريقه أينما ذهب إلى بيت من البيوت الرستقراطية‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13376 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫لن الكثير من النبلء الوربيين كانوا ماسوناً‪ ،‬أو روزيكروشيين أو مدمنين على علوم السحر‪ .‬وهو لم يقتصر على‬
‫ادعاء العلم الغيبي في هذه الميادين‪ ،‬بل أضاف إلى دعواه القوام الممشوق‪ ،‬والوجه المتميز (وإن لم يكن وسيماً)‬
‫والتمكن من اللغات‪ ،‬وتأكيد الذات الخداع‪ ،‬ومعينًا من القصص والفكاهات‪ ،‬وقدرة خفية غامضة على الكسب في لعب‬
‫الورق أو ألعاب الكازينوات‪ .‬وكان حيثما ذهب يساق عاجلً أو آجلً إلى السجن أو حدود البلد‪ .‬واضطر بين الحين‬
‫والحين إلى الشتباك في مبارزة‪ ،‬ولكنهم كالمة في مراحل تاريخها لم يخسر قط‪.‬‬
‫وأخيراً غلبه الحنين إلى وطنه‪ .‬وكان حراً في السفر أينما شاء في إيطاليا إل في البندقية‪ .‬والتمس الذن مراراً بالعودة‪،‬‬
‫وأخيراً منحه‪ ،‬وفي ‪ 1775‬عاد إلى البندقية‪ .‬واستخدمته الحكومة جاسوساً‪ ،‬وكان نصيب تقاريره الهمال لحتوائها‬
‫على الكثير جدًا من الفلسفة والقليل جدًا من المعلومات‪ ،‬فرفت‪ .‬وانتكس إلى عادات صباه وكتب هجاء للشريف‬
‫جريمالدي‪ ،‬فأمر بأن يبرح البندقية وإل واجه السجن مرة أخرى في "ألواح الرصاص"‪ .‬وفر إلى فيينا (‪ ،)1782‬ثم‬
‫إلى سبا‪ ،‬ومنها إلى باريس‪.‬‬
‫وهناك التقى بالكونت فون فالدشتين‪ ،‬الذي أحبه فدعاه إلى العمل أمينًا لمكتبته في قلعة دوكس بيوهيميا‪ .‬وكانت فنون‬
‫كازانوفا في العشق والسحر وخفة اليد قد وصلت إلى نقطة تقلصت فيها عائداتها‪ ،‬فقبل الوظيفة براتب ألف فلورين في‬
‫العام‪ .‬فلما وصل وتسلم منصبه‪ ،‬أحزنه أن يتكشف أنه أعتبر خادماً‪ ،‬وأن يتناول غداءه في قاعة الخدم‪ .‬وفي دوكس‬
‫ل لتخفيف هذا الركود الميت الذي يقتلني‬
‫أنفق أعوامه الربعة عشر الخيرة من عمره‪ .‬وهناك كتب "تاريخ حياته" "أو ً‬
‫في بوهيميا الخاملة هذه‪...‬وقد استطعت بالكتابة عشر ساعات أو اثنتي عشرة كل يوم أن امنع الحزن السود من نهش‬
‫قلبي المسكين وإتلف عقلي"(‪ .)46‬وقد زعم الصدق المطلق في روايته‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13377 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬مغامرات‬
‫وهي في كثير من الحالت تتفق والتاريخ في الهزء والسخرية‪ ،‬بيد أننا كثيراً ما نفتقر إلى إثبات صحة روايته‪ ،‬ولعل‬
‫ذاكرته تداعت بينما قوي خياله‪ .‬ول نملك إلى القول بأن كتابه من أكثر مخلفات القرن الثامن عشر فتنة واستهواء‬
‫للقارئين‪.‬‬
‫وقد عمر كازانوفا حتى ناح على موت النظام القديم فقال‪" :‬إيه يا فرنسا العزيزة الجميلة! البلد الذي كانت المور في‬
‫تلك اليام تجري فيه رخاء رغم أوامر العتقال الملكية‪ ،‬ورغم السحرة ورغم فقر الشعب! أي فرنسا العزيزة‪ ،‬إلم‬
‫انتهى أمركِ اليوم؟ لقد أصبح الشعب ملكًا عليك‪ ،‬الشعب الذي هو أشرس الحكام قاطبة وأشدهم طغياناً"(‪.)47‬‬
‫وهكذا في آخر أيامه‪ ،‬وهو ‪ 4‬يونيو ‪ ،1798‬أختتم حياته في تقوى أتته في أوانه‪" .‬لقد عشت فيلسوفاً وهاأنذا أموت‬
‫مسيحياً"(‪ .)48‬لقد حسب الفسق فلسفة‪ ،‬ورهان بسكال مسيحية‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13378 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬

‫‪ -5‬فنكلمان‬
‫ولننظر الن إلى رجل مثالي على سبيل المقابلة بينت الضداد‪.‬‬
‫وهذا الرجل الذي كان أعظم الشخصيات أثراً في تاريخ الفن في هذا العهد لم يكن فناناً بل دارسًا كرس حياته الناضجة‬
‫لدراسة تاريخ الفن‪ ،‬وحرك موته الغريب روح أوربا المثقفة‪ .‬ولد في ‪ 9‬ديسمبر ‪ 1717‬بمدينة ستندال في براندنبورج‪.‬‬
‫وكان أبوه السكافي يأمل أن يحترف ابنه حرفته‪ ،‬ولكن يوهان رغب في درس اللتينية‪ .‬وقد أدى نفقات تعليمه الباكر‬
‫بالغناء‪ .‬ثم تقدم سريعاً مدفوعًا بشوقه واجتهاده‪ .‬فكان يعلم التلميذ الذين تنقصهم الكفاية‪ ،‬ويشترى الكتب والطعام‪ .‬فلما‬
‫كف بصر معلمه كان يوهان يقرأ له‪ ،‬وراح يلتهم مكتبة أستاذه‪ .‬وأجاد تعلم اللتينية واليونانية‪ ،‬ولم يكن ميالً إلى‬
‫اللغات الجنبية الحديثة‪ .‬وحين سمع بأن مكتبة يوهان ألبرت فابريكوس الدارس الكلسيكي الشهير ستباع بالمزاد‬
‫لوفاته‪ ،‬سار ‪ 178‬ميلً من برلين إلى همبرج‪ ،‬واشترى روائع الكتب اليونانية واللتينية‪ ،‬وحملها على كتفه عائداً إلى‬
‫برلين(‪ .)49‬وفي ‪ 1738‬دخل جامعة هاله طالب لهوت‪ ،‬ولم يكن به شغف باللهوت‪ ،‬ولكنه اغتنم الفرصة‬

‫صفحة رقم ‪13379 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫لدراسة العبرية‪ .‬وبعد أن تخرج اكتسب قوته بتعليم التلميذ الخصوصيين وقرأ مرتين كل قاموس بيل "القاموس‬
‫التاريخي والنقدي"‪ .‬ولعل هذه القراءة خلفت بعض الثر على إيمانه الديني‪ .‬وفي عام واحد قرأ اللياذة والوديسة‬
‫ثلث مرات من أولهما لخرهما باليونانية‪.‬‬
‫وفي ‪ 1743‬قبل دعوة ليكون مديرًا معاوناً لمدرسة بزيهاوزن في ألتمارك‪ ،‬بمرتب قدره ‪ 250‬طالراً في العام‪ .‬وكان‬
‫في النهار يعلم "أطفالً جرب الرؤوس أبجديتهم‪ .‬بينما كنت‪...‬أتحرق شوقاً لمعرفة "الجنين"‪ ،‬وأردد تشبيهات من‬
‫هومر"(‪ .)50‬وكان في المساء يدرس لتلميذه الخصوصيين ليحصل على نفقات مسكنه وطعامه‪ ،‬ثم يعكف على‬
‫الروائع الكلسيكية حتى منصف الليل وينام حتى الرابعة‪ ،‬ثم يعود إلى روائعه الكلسيكية ثانية‪ ،‬ثم يخرج متعباً‬
‫ليدرس‪ .‬وقبل بابتهاج دعوة وجهها إليه الكونت فون بون بوناو ليكون مساعدًا لمين مكتبة في قصره الريفي بنوتهنتز‪،‬‬
‫قرب درسدن‪ ،‬لقاء السكن وخمسين إلى ثمانين طالراً في العام (‪ .)1748‬هناك ألفى المتعة البالغة في مجموعة من‬
‫أضخم مجموعات الكتب في ذلك العصر‪.‬‬
‫وممن كانوا يختلفون إلى هذه المكتبة الكردينال أركنتو‪ ،‬القاصد البابوي في بلط ناخب سكسونيا‪ .‬وقد راعه علم‬
‫فنكلمان وحماسته‪ ،‬ونحوله وشحوبه‪ .‬فقال له "ينبغي أن تذهب إلى إيطاليا"‪ .‬وأجاب يوهان أن هذه الرحلة غاية مشها‬
‫قلبه‪ ،‬ولكن موارده تعجز عن نفقتها‪ .‬ودعاه القاصد لزيارته بدرسدن‪ ،‬فذهب إليه مرات‪ .‬وقد أبهجه تفقه اليسوعيين‬
‫الذين التقى بهم في بيت القاصد وأدبهم‪ .‬وعرض عليه الكردينال باسونيي‪-‬وكان يقتني ‪ 300.000‬مجلد في روما‪-‬‬
‫وظيفة أمين مكتبته هناك‪ ،‬لقاء السكن والمعيشة وسبعين دوقاتية‪ ،‬ولكن الوظيفة ل يمكن أن يشغلها غير كاثوليكي‪.‬‬
‫ووافق فنكلمان على الدخول في الكاثوليكية‪ .‬وإذا كان قد أعرب من قبل عن إيمانه بأنك "بعد الموت ليس هناك ما‬
‫يخيفك‪ ،‬ول ما تؤمل فيه"(‪ )51‬فإنه لم يجد صعوبات لهوتية في هذا التحول‪ ،‬وكل صعوباته كانت اجتماعية‪ .‬وقد‬
‫كتب إلى صديق لمه يقول "إن حب‬

‫صفحة رقم ‪13380 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫المعرفة‪ ،‬وهذا الحب وحده‪ ،‬هو الذي يستطيع إغرائي بالستماع إلى القتراح الذي رض علي"(‪. )52‬‬
‫وفي ‪ 11‬يوليو ‪ ،1754‬في مصلى القاصد في درسدن‪ ،‬أعلن إيمانه الجديد‪ ،‬واتخذت الترتيبات لرحلته إلى روما‪.‬‬
‫ولسباب شتى مكث في درسدن عاماً آخر‪ ،‬ساكنًا دارسًا مع الرسام‪-‬النحات‪-‬الحفار آدم وايزن‪ .‬وفي مايو ‪ 1755‬نشر‬
‫في طبعة محدودة لم تتجاوز خمسين نسخة أول كتبه "خواطر في تقليد الثار اليونانية في الرسم والنحت"‪ .‬وقد وصف‬
‫فيه الثار التي جمعت في درسدن‪ ،‬ورأى بالضافة إلى هذا الوصف أن فهم اليونان للطبيعة كان أسمى من الفهم‬
‫العصري لها‪ ،‬وهذا هو السر في التفوق الهليني في الفن‪ .‬ثم اختتم بقوله "إن سبيلنا الوحيد إلى العظمة‪ ،‬بل إلى العظمة‬
‫التي ل تحاكي‪...‬هو بمحاكاة القدماء"(‪ .)56‬ومن رأيه أن روفائيل دون جميع الفنانين المحدثين هو الذي حقق هذا‬
‫الهدف السمى‪ .‬وكان هذا الكتيب علمة بداية للحركة الكلسيكية الجديدة في الفن الحديث‪ .‬وقد لقي قبولً طيباً‪ ،‬وأجمع‬
‫كلويشتوك وجوتشيد على الشادة بعلمه وأسلوبه‪ .‬وحصل الب رواخ‪ ،‬كاهن العتراف الخاص بفردريك أوغسطس‪،‬‬
‫لفنكلمان من الملك الناخب على معاش من مائتي طالر لكل من العامين التاليين‪ ،‬وأعانه بثمانين دوقاتية لرحلته إلى‬

‫روما‪ .‬وأخيراً‪ ،‬في ‪ 20‬سبتمبر ‪ ،1755‬انطلق فنكلمان إلى إيطاليا في صحبة يسوعي شاب‪ .‬وكان قد بلغ السابعة‬
‫والثلثين‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13381 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫فلما بلغ روما لقي عنتاً في جمرك المدينة الذي صادر عدة مجلدات لفولتير من حقائبه‪ ،‬على أنها أعيدت له بعد ذلك‪.‬‬
‫ووجد سكنًا من خمسة مصورين في بيت على التل الينسي‪-‬الذي قدسته ظلل بوسان وكلود لوران‪ .‬والتقى بمنجز‪،‬‬
‫الذي أعانه بشتى الطرق الكثيرة‪ .‬وأطلق له الكاردينال باسيونيي في العمل بمكتبته‪ ،‬ولكن فنكلمان كان إلى الن‬
‫يرفض أي وظيفة ثابتة لرغبته في ارتياد فن روما‪ .‬فحصل على إذن بزيارات متكررة لبلفيدير الفاتيكان وأنفق‬
‫الساعات أمام تماثيل أبوللو‪ ،‬وهرقول النصفي‪ ،‬واللوكون‪ ،‬واتخذت أفكاره شكلً أوضح بعد تأمله في هذه المنحوتات‪.‬‬
‫وزار تيفولي وفراسكاتي وغيرهما من الضواحي ذات الطلل القديمة‪ .‬وأكسبه حبه للفن القديم صداقة الكردينال‬
‫الساندور الباني‪ ،‬وأعطاه الكردينال أركنتو مسكناً في البلتسوديلل كانسلليريا‪-‬وهو المقر البابوي‪ ،‬وفي مقابل هذه‬
‫المنحة أعاد فنكلمان تنظيم مكتبة القصر‪ .‬وأصبح الن في سعادة غامرة‪ .‬قال "لقد كان ال مديناً لي بهذا‪ ،‬فأنني قاسيت‬
‫كثيراً جداً في شبابي"(‪ .)57‬وكتب إلى صديق في ألمانيا كما كان يكتب عشرات الزوار الكبار‪:‬‬
‫"كل شيء صفر إذا قورن بروما! لقد ظننت فيما مضى أنني درست كل شيء دراسة كاملة‪ ،‬وهاأنذا أدرك بعد مجيئي‬
‫أنني لم أعرف شيئاً‪ .‬لقد أصبحت هنا أصغر مما كنت يوم خرجت من المدرسة إلى مكتبة بوناو‪ .‬فإذا شئت أن تتعلم‬
‫كيف تعرف الرجال‪ ،‬فهذا مكانك‪ ،‬هنا رؤوس ذات مواهب ل حد لها‪ ،‬رجال أوتوا قدرات فائقة‪ ،‬وآيات في الطابع‬
‫ل إذا‬
‫الرفيع الذي خلعه اليونان على تماثيلهم‪...‬وكما أن الحرية التي يتمتع بها الناس في الدول الخرى ليست إل ظ َ‬
‫قيست بحرية روما‪-‬وهو ما قد تخاله مفرقة‪-‬كذلك تجد في هذه المدينة أسلوباً مختلفاً في التفكير‪ .‬فروما في اعتقادي هي‬
‫المدرسة العليا للعالم‪ ،‬وأنا أيضاً امتحنت فيها وهذبت"(‪.)58‬‬
‫وفي أكتوبر ‪ 1757‬غادر روما قاصداً نابلي مزوداً بخطابات تعريف‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13382 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫وسكن هناك ديرًا ولكنه كان يتناول طعامه مع رجال كتانوكي وجالياني‪ .‬وزار مدناً عابقة بأريج التاريخ القديم‪-‬‬
‫بوتسولي‪ ،‬وبايا‪ ،‬وميزينوم‪ ،‬وكاوماي‪-‬ووقف مدهوشاً أمام هياكل بايستوم المهيبة‪ .‬وفي مايو ‪ 1758‬قفل إلى روما‬
‫محملً بذخائر العلم بالثار‪ .‬في ذلك الشهر استدعى إلى فلورنسة ليصنف ويوصف المجموعة الضخمة من الجواهر‪،‬‬
‫والمحفورات‪ ،‬والخرائط‪ ،‬والمخطوطات التي خلفها البارون فليب فون ستوش‪ .‬وشغلته المهمة قرابة عام وكادت تهدم‬

‫صحته‪ .‬ومات أركنتو أثناء ذلك‪ ،‬واجتاح فردريك الكبر أرض سكسونيا‪ ،‬وفقد فنكلمان مسكنه في الكانسليريا ومعاشه‬
‫من الملك الناخب التعس‪ .‬وخف ألباني لنجدته إذ قدم له أربع حجرات وعشرة أسكوزات في الشهر لقاء العناية بمكتبته‪.‬‬
‫وكان الكاردينال نفسه اثرياً متحمساً‪ ،‬وفي كل أحد كان يركب مع فنكلمان لتصيد التحف القديمة‪.‬‬
‫وأضاف فمكلمان جديداً إلى سمعته بإصداره كتيبات عميقة في هذه الموضوعات المفردة "في جمال العمال الفنية‪،‬‬
‫ملحظات على عمارة القدماء‪ ،‬وصف لتمثال هرقول النصفي في البلفدير‪ ،‬دراسة الثار الفنية"‪ .‬وفي ‪ 1760‬حاول‬
‫ترتيب رحلة إلى اليونان مع الليدي أورفورد‪ ،‬زوجة أخي هوراس ولبول؛ ولكن الخطة أخفقت‪ .‬كتب يقول "ما من‬
‫شيء في الدنيا تقت إليه بحرارة كهذه الرحلة‪ .‬وما كنت لضن بإصبع من أصابعي تقطع‪ ،‬ل بل وددت أن أجعل من‬
‫نفسي كاهنًا لسيبيل (إلهة الطبيعة) لو استطعت أن أشهد هذا البلد في فرصة كهذه"(‪ )50‬أما كهنة سيبيل فكان الشرط‬
‫فيهم أن يكونوا خصياناً‪ ،‬ولكن هذا لم يمنع فنكلمان من التنديد بأمر قديم للحكومة الرومانية يشترط تغطية العضاء‬
‫الداخلية لبوللو واللردكون وغيرهما من التماثيل في البلفدير بمآزر المعدن‪ ،‬وقد أعلن "إنه لم يشرع في روما طوال‬
‫عهدها مثل هذه السنة الغبية"‪.‬‬
‫وكان للحساس بالجمال من السلطان عليه ما ألغى تقريباً كل وعي فيه بالجنس‪ .‬فإذا شعر بتفصيل جمالي فإن تفضيله‬
‫يؤثر جمال جسم الذكر المكتمل‬

‫صفحة رقم ‪13383 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫الرجولة عن حلوة المرأة الهشة العابرة‪ .‬ويبدو أن تمثال هرقل النصفي (التورسو) قد أثر فيه أكثر مما أثرت خطوط‬
‫جسد فينوس الناعمة الملفوفة‪ .‬وقال كلمة طيبة في الخناثي‪-‬على القل في التمثال الذي شهده في فيللبورجيزي(‪.)60‬‬
‫وقال مؤكد "لم أكن في حياتي عدوا للجنس الخر‪ ،‬ولكن أسلوب حياتي أبعدني عن كل اتصال به‪ .‬ولعلي كنت أتزوج‪،‬‬
‫وأكبر ظني أنه كان واجباً على أن أفعل‪ ،‬لو أنني عدت إلى زيارة وطني الول‪ ،‬أما الن فإن هذا ل يكاد يخطر لي‬
‫ببال"(‪ .)61‬وفي زيهاوزن كانت صداقته لتلميذه لمبريشت تقوم مقام التعلق بالمرأة‪ ،‬وفي روما عاش مع رجال‬
‫الكنيسة‪ ،‬وندر أن التقى بالشباب مع النساء‪ .‬وذكروا "إنه كان يتناول العشاء في السبوت فترة طويلة مع فتى من روما‪،‬‬
‫نحيل وسيم الطلعة‪ ،‬فارع القامة‪ ،‬يتحدث معه عن الحب"(‪ .)62‬وقد "رسمت بناء على طلبه صورة لمغن جميل من‬
‫الخصيان"(‪ )63‬ثم إنه أهدى للشريف الفتى البارون فريدرش راينهولد فون برج "رسالة في القدرة على الحساس‬
‫بالجمال"‪" ،‬وقد وجد القراء فيها وفي خطاباته لبرج لغة الحب ل لغة الصداقة‪ ،‬وهي في الواقع كذلك"(‪.)64‬‬
‫وفي ‪ 1762‬و ‪ 1764‬عاد إلى زيارة نابلي‪ .‬وقد قدم للدارسين الوربيين قي "خطاب عن آثار هوكولنيوم" (‪)1762‬‬
‫و"تقرير عن أحدث كشوف هوكولنيوم"(‪ )1764‬أول معلومات منظمة وعلمية عن الكنوز التي تم الحفر عنها في‬
‫تلك المدينة وفي بومبي‪ .‬وكان الن معترفاً به أعظم حجة في الفن الكلسيكي القديم‪ .‬وفي ‪ 1763‬عين بالفاتيكان في‬
‫وظيفة "أثرى الحجرة الرسولية" وأخيراً‪ ،‬في ‪ ،1764‬نشر المجلدات الضخمة التي كان يؤلفها ويحيلها بالصور طوال‬
‫سنوات سبع ‪" Geschichte der Kunst des Alterthums‬تاريخ الفن القديم"‪ .‬وقد أحتوى الكتاب على أخطاء‬
‫كثيرة رغم ما أنفق في إعداده من وقت وجهد‪ ،‬واثنان من هذه الخطاء كانا خدعتين قاسيتين‪ .‬ذلك أن صديقه منجز‬
‫كان قد درس رسمين هما وليدا خيال منجز وزعم‬

‫صفحة رقم ‪13384 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫إنهما نسختان دقيقتان لصورة أثرية‪ .‬وأدرج فنكلمان الصورتين في كتابه‪ ،‬واستعمل الرواسم وأهدى الكتاب كله‬
‫لمنجز‪ .‬وتضمنت المترجمات التي ظهرت سريعاً في الفرنسية واليطالية كل الخطاء تقريباً‪ ،‬مما أشعر فنكلمان‬
‫بالخزي‪ ،‬فكتب إلى بعض أصحابه "إننا اليوم أحكم مما كنا بالمس‪ .‬ليتني أستطيع أن أريك كتابي "تاريخ الفن" وقد‬
‫نقح تنقيحًا كاملً ووسع توسيعًا كبيراً! لم أكن قد تعلمت الكتابة بعد حين شرعت في تأليفه فلم تكن الفكار مترابطة‬
‫بدرجة كافية‪ ،‬وفي مواضع كثيرة افتقار إلى النتقال من السابق إلى اللحق‪-‬وهو ملك الفن السمى"(‪ .)65‬ومع ذلك‬
‫أنجز الكتاب عملً غاية في العسر‪-‬هو إجادة الكتابة في الفن‪ .‬وقد رفعه حبه الشديد لموضوعه إلى مستوى السلوب‬
‫الجميل‪.‬‬
‫وقد اتجه حرفياً إلى تاريخ الفن ل إلى الفنانين‪ ،‬وهو موضوع أيسر مأخذاً بكثير‪ .‬وبعد أن مسح مسحًا متعجلً الفن‬
‫المصري والفينيقي واليهودي والفارسي والتروري‪ ،‬أطلق العنان لحماسته الفياضة في ‪ 450‬صفحة تناولت فن‬
‫اليونان القديم‪ .‬وفي فصول ختامية ناقش الفن اليوناني في عهد الرومان‪ .‬وكان توكيده دائماً على اليونان لنه كان‬
‫مقتنعاً بأنهم عثروا على أسمى صور الجمال‪ :‬في رهافة الخط ل في لمعة اللون‪ ،‬في تمثيل النماط ل الفراد‪ ،‬في‬
‫طبيعة الجسام ونبلها‪ ،‬في انضباط التعبير العاطفي‪ ،‬في هدوء المظهر وصقله‪ ،‬في اطمئنان القسمات حتى في‬
‫الحركة‪ ،‬وفوق هذا كلها في النسبة والعلقات المتسقتين بين الجزاء المتميزة في كل موحد توحيداً منطقياً‪ .‬لقد كان‬
‫الفن الغريقي في رأي فنكلمان هو عصر العقل مجسماً‪.‬‬
‫وقد ربط تفوق الفن الغريقي بالحترام العظيم الذي كان الغريق يكنونه بامتياز الجسد في الجنسين‪" .‬كان الجمال‬
‫امتياز يقضي إلى الشهرة‪ ،‬لننا نجد تواريخ الغريق تذكر أولئك الذين تميزوا به"(‪ ،)66‬على نحو ما تفعل التواريخ‬
‫الن في ذكر كبار الساسة والشعراء والفلسفة‪ .‬وكانت هناك مباريات في الجمال عند الغريق كما كانت مباريا‬
‫لللعاب الرياضية‪ .‬وعند فنكلمان أن الحرية السياسية‪ ،‬وتزعم اليونان لعالم البحر المتوسط‬

‫صفحة رقم ‪13385 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫قبل حرب البلوبونيز‪ ،‬هذان أفضيا إلى مركب من العظمة والجمال‪ ،‬وأنتجا "الطراز الفخم" في فيدياس مكانه‬
‫لبراكستليس‪ ،‬وبدأ الضمحلل‪ .‬وكانت حرية الفن جزءًا من الحرية اليونانية‪ ،‬وتحرر الفنانون من القواعد الصارمة‬
‫وجزءوا على خلق أجساد مثالية ل توجد في الطبعة‪ .‬فلم يقلدوا الطبيعة إل في التفاصيل‪ ،‬وكان العمل الفني كله‬
‫مجموعة كمالت ل توجد في أي شيء طبيعي إل جزئياً‪ .‬لقد كان فنكلمان رومانتيكياً يبشر بالشكل الكلسيكي‪.‬‬
‫ولقي كتابه القبول في أوربا بأسرها باعتباره حدثاً في تاريخ الدب والفن‪ .‬وأرسل إليه فردريك الكبر دعوة (‪)1765‬‬
‫للحضور إلى برلين مشرفاً على المكتبة الملكية وإدارة الثار‪ .‬ووافق فنكلمان نظير ألفي طالر في العام‪ ،‬وعرض‬
‫فردريك ألفاً فقط‪ ،‬وأصر فنكلمان على موقفه‪ ،‬وذكر فردريك بقصة المغني الخصي الذي طالبه بمبلغ ضخم نظير‬
‫أغانيه‪ ،‬فشكا فردريك من أنه يطلب أكثر مما يكلفه خير قواده‪ ،‬فكان رد المغني "إذن فليكلف قائده بالغناء"‪.‬‬

‫وفي ‪ 1765‬عاد فنكلمان لزيارة نابلي‪ ،‬هذه المرة في صحبة جون ولكز الذي كان قد جعل أوربا تدوي بتحديه للبرلمان‬
‫ولجور الثالث‪ .‬وبعد أن جمع المزيد من المعلومات عاد إلى روما وأكمل كتابه الهام الثاني "آثار قديمة غير منشورة"‬
‫(‪ .)1767‬وكان أصدقاؤه من الحبار قد شكوا من كتابته "تاريخه" باللمانية التي لم تكن إلى ذلك الحين أداة كبرى‬
‫من أدوات الدرس فأبهجهم الن استعماله اليطالية‪ ،‬وانتشى المؤلف السعيد‪ ،‬الجالس بين كردينالين‪ ،‬بقراءة جزء من‬
‫كتابه في كاستل جاندولفو على كلمنت الثالث عشر وجمع غفير من العيان‪ .‬على أنه أتهم بحيازته كتبًا مهرطقة‬
‫وإبدائه ملحظات(‪ ،)68‬ولم يحصل من البابوية قط على المنصب الذي شعر بأنه جدير به‪.‬‬

‫صفحة رقم ‪13386 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬
‫وقرر أن يزور ألمانيا (‪ )1768‬ربما مؤملً أن يحصل فيها على مورد يمكنه من رؤية بلد اليونان‪ .‬ولكن استغراقه‬
‫الشديد في الفن الكلسيكي وأساليب الحياة اليطالية أفقده اللذة في وجوده بأرض الوطن‪ ،‬فتجاهل مناظرها الطبيعية‬
‫وساءه معمارها وزخارفها الباروكية‪ .‬وكان يردد مائة مرة لرفيق رحلته(‪" ،)69‬لنعد إلى روما" وقد احتفى به القوم‬
‫في ميونخ‪ ،‬وأهدوه جوهرة أثرية رائعة‪ .‬وفي فيينا أعطته ماريا تريزا مداليات غالية‪ ،‬ودعته المبراطورة والمير‬
‫فون كاونتز للقامة هناك‪ ،‬ولكنه ما لبث أن قفل إلى إيطاليا في ‪ 18‬مايو وهو لم يكد يغيب عنها شهراً واحداً‪.‬‬
‫وفي تريستا تعطل انتظاراً لسفينة يستقلها إلى أنكونا‪ .‬وأثناء أيام النتظار هذه تعرف إلى مسافر آخر يدعى‬
‫فرانشيسكون أركانجيلي‪ .‬وكانا يتمشيان معًا ويشغلن حجرتين متجاورتين في الفندق‪ .‬وسرعان ما أراه فنكلمان‬
‫الميداليات التي تلقاها في فيينا‪ .‬على أنه‪-‬على قدر علمنا‪-‬لم يريه كيسه المملوء بالذهب‪ .‬وفي صبيحة ‪ 8‬يونيو ‪1768‬‬
‫دخل أركانجيلي حجرة فنكلمان‪ ،‬ووجده جالساً إلى منضدة‪ ،‬فألقى أنشوطة حول عنقه‪ ،‬ونهض فنكلمان واشتبك معه‪،‬‬
‫فطعنه أركانجيلي خمس مرات وفر هارباً‪ .‬وضمد طبيب جروحه ولكنه قال أنها مميتة‪ .‬وتناول فنكلمان السرار‬
‫المقدسة‪ ،‬وأملى وصيته‪ ،‬وأعرب عن الرغبة في أن يرى مهاجمه ويصفح عنه‪ ،‬ثم لفظ أنفاسه الخيرة في الرابعة بعد‬
‫الظهر‪ .‬وقد خلدت تريستا ذكراه بتماثل جميل‪.‬‬
‫وقبض على أركانجيلي في ‪ 14‬يونيو‪ .‬فاعترف بجريمته‪ ،‬وفي ‪ 18‬يونيو صدر عليه هذا الحكم‪" :‬عقاباً على جريمة‬
‫القتل التي اقترفتها على جسد يوهان فنكلمان‪..‬قضت محكمة الجنايات المبراطورية بأن‪...‬تحطم حياً على دولب‬
‫التعليم‪ ،‬من رأسك إلى قدميك حتى تفارق روحك بدنك" وكذلك صنع به في ‪ 20‬يوليو‪.‬‬
‫كانت عيوب فنكلمان وثيقة الصلة بالجغرافيا‪ .‬فلنه لم يحقق قط أمله في زيارة اليونان في ظروف كانت ستتيح له‬
‫الدرس المستفيض للثار القديمة‪،‬‬

‫صفحة رقم ‪13387 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬فنكلمان‬

‫كان يفكر في الفن اليوناني وكأنه الفن اليوناني الروماني كما وجده في المتاحف والمجموعات والقصور في ألمانيا‬
‫وإيطاليا‪ ،‬وفي إطلل هركو لنيوم وبوميي‪ .‬وتفضيله النحت على التصوير‪ ،‬وتمثيل النماط ل الفراد‪ ،‬والهدوء ل‬
‫التعبير عن العاطفة‪ ،‬وإيثاره النسبة والتناسق‪ ،‬ومحاكاة القدامى دون البتكار والتجريب‪ .‬كل هذا فرض على الدوافع‬
‫الخلقة في الفن عدة قيود أسفرت عن النتقاص الرومانتيكي على ما في الشكال الكلسيكية من الصرامة الباردة‪.‬‬
‫وقد أعماه التركيز على اليونان والرومان عن حقوق الطرز الخرى وإمكاناتها‪ ،‬وكان يرى‪-‬كما رأى لويس الرابع‬
‫عشر‪-‬إن رسوم الحياة اليومية التي أنتجتها الراضي الواطئة ليست إل من قبيل "الجروتسك"‪.‬‬
‫ومع ذلك كان إنجازه رائعاً‪ .‬فقد أحدث انتفاضة في كل دنيا الفن والدب والتاريخ الوربي بتمجيده لليونان‪ .‬ولقد جاوز‬
‫حدود النزعة الشبيهة بالكلسيكية التي نزعت إليها إيطاليا النهضة وفرنسا لويس الرابع عشر إلى الفن الكلسيكي‬
‫ذاته‪ .‬ونبه العقل الحديث إلى ما في النحت اليوناني من كمال ناصع مطمأن‪ .‬وجعل من فوضى مئات التحف الرخامية‬
‫والبرونزية والصور والمجوهرات والعملت آثار علمية‪ .‬وكان تأثيره على أفضل العقول في الجيل التالي هائلً‪ .‬فقد‬
‫ألهم لسبخ‪ ،‬ولو بالعتراض على آراءه‪ ،‬وشارك في إنضاج هيردر وجوته‪ ،‬ولعله لول اللهام الذي انبعث من فنكلمان‬
‫لما توج بيرون شعره بالموت في بلد اليونان‪ .‬وقد أعان هذا الهلنستي الغيور على تشكيل مبادئ منجز ونورفالدسن‬
‫الكلسيكية الحديثة‪ ،‬وتصوير جاك‪-‬لوي دافيد الكلسيكي الحديث‪ .‬يقول هيجل "يجب أن يعد فنكلمان واحدًا من أولئك‬
‫الذين عرفوا في ميدان الفن كيف يخلقون أداة جديدة للروح النسانية"(‪.)70‬‬

‫صفحة رقم ‪13388 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬الفنانون‬

‫‪ -6‬الفنانون‬
‫لم تكن إيطاليا في حاجة إلى حث يأتيها من فنكلمان‪ ،‬لنها كانت تكرم أربابها‪ ،‬وكان فنها المتراكم يقوم في كل جيل‬
‫بمهمة المدرسة التي تدرب مئات الفنانين من أقطار كثيرة‪ .‬من ذلك أن كارلو ماركيوني صمم فيل‬

‫صفحة رقم ‪13389 :‬‬

‫قصة الحضارة ‪ >-‬روسو والثورة ‪ >-‬الجنوب الكاثوليكي ‪ >-‬وداعًا إيطاليا ‪ >-‬الفنانون‬

‫الباني الفخمة (‪ )1758‬التي جمع فيها الكردينال الباني بإرشاد فنكلمان مجموعة عالمية الشهرة من المنحوتات القديمة‪-‬‬
‫ل تزال غنية رغم طول لعدوان عليها‪( .‬فقد سرق نابليون ‪ 294‬من تحفها لفرنسا‪ ،‬وربما كان هذا هو العلة في قول‬
‫إيطالي مأثورة في تلك اليام‪ :‬ليس كل الفرنسيين لصوصاً‪ ،‬بل عدد عديد منهم)‪.‬‬
‫وأنجبت البندقية أكثر كبار المصورين اليطاليين في تلك السنة‪ ،‬وقد ورث ثلثة منهم أسماء مشهورة‪ .‬أولها أليساندرو‬
‫لونجي بن بييترو‪ ،‬الذي أبرز عبقرية قومه بصور شخصية رقيقة منها صورتان لجولدوني(‪ .)71‬ولقد رأينا من قبل‬
‫دومنيكو تيبولو يصحب أباه إلى أوجزبورج ومدريد‪ ،‬ويعرض في تواضع تخصصه على عامة الشعب‪ .‬ففي مضيفة‬
‫فيل فالمارنا أستهل إنتاجه المستقل بصور المشاهد اليومية في حياة الريف‪ ،‬فصورة "الفلحين يستجمون" أشبه‬
‫بالقصيدة الرعوية‪ ،‬تصور أدواتهم وقد سقطت عنهم‪ ،‬وتصور استرخاءهم في دعة واطمئنان‪ .‬وبعد أن مات أبوه في‬
‫أسبانيا عاد دومنيكو إلى البندقية وأطلق العنان لسلوب الواقعية الساخرة الذي اتخذه لنفسه(‪.)72‬‬
‫وثالث هؤلء هو فرانشسكو جواردي‪ ،‬صهر جامباتستا تيبول‪ ،‬الذي تعلم التصوير من أبيه‪ ،‬وأخيه‪ ،‬وكانا ليتو‪ .‬وقد‬
‫فاته التقدير في جيله‪ ،‬ولكن لوحته "فيدوتي" لفتت أنظار النقاد ببراعتها في التقاط ونقل لطائف الضوء وتقلبات الجو‪،‬‬
‫وربما أوحى ببعض اللماعات للتأثريين الفرنسيين‪ .‬ولم ينتظر تحذير كونستابل الذي قال "تذكر أن الضوء والظل ل‬
‫يقفان ساكنين أبداً"(‪ )74‬وكأنما صممت أجواء البندقية ومياهها لتهيئ هذه المناظر المضببة المنصهرة‪ .‬وقد ذكروا أن‬
‫جواردي كان