‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫مارس ‪2013‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫في لحظة الثورة‪ ،‬كانت الدولة تمثل النظام‪ ،‬وال تمثل الثورة بالطبع‪ .‬وفي لحظة سقوط النظام‪،‬‬
‫كانت الدولة أيضا تمثل النظام الحاكم‪ ،‬الذي يسقط‪ .‬وأصبحت الدولة‪ ،‬بعد نجاح الثورة‪ ،‬تبدو خصما‬
‫للثورة‪ .‬وإذا كانت نخبة الدولة‪ ،‬شكلت دولة عميقة أو دولة خفية‪ ،‬وحاولت مرات عدة االنقضاض على‬
‫الثورة‪ ،‬فإن الدولة الرسمية‪ ،‬تبقى في مرمى تلك المعركة‪ ،‬أي في مرمى المعركة بين الثورة وخصوم‬
‫الثورة‪ ،‬بما في ذلك خصوم الثورة من داخل الدولة نفسها‪ .‬ولكن بقاء الدولة كلها في موقع الخصومة‬
‫للثورة‪ ،‬ومع الثورة المضادة‪ ،‬يعني أن الدولة سوف تدخل طرفا في صراع أهلي سياسي‪ ،‬وسوف تكون‬
‫طرفا في معركة مع عامة الناس الذين أيدوا الثورة‪.‬‬
‫لذا فإن بقاء الدولة في معسكر الثورة المضادة‪ ،‬يمثل خطرا عليها‪ ،‬ألنه يعني ببساطة أن كيان‬
‫الدولة كله‪ ،‬سوف ينخرط في معارك شعبية في األساس‪ ،‬وسوف تصبح الدولة في معركة مع المجتمع‪.‬‬
‫وبعد الثورة‪ ،‬بدأت معارك القوى السياسية‪ ،‬وهي معارك حادة‪ ،‬ألنها كانت معارك حول دور كل‬
‫قوة سياسية في عملية بناء النظام السياسي الجديد‪ ،‬وأيضا كانت معارك حول دور الكتل االجتماعية التي‬
‫تعبر عنها القوى السياسية في عملية بناء النظام السياسي الجديد‪ .‬وألن كل كتلة اجتماعية‪ ،‬تحاول أن‬
‫تشارك في البناء الجديد‪ ،‬وتضع له تصور‪ ،‬وتريد تحقيق تصورها عمليا‪ ،‬وأيضا ترفض التصورات‬
‫األخرى‪ ،‬وترفض تحققها؛ لذا أصبحت معارك القوى السياسية والكتل االجتماعية معارك حادة‬
‫ومتواصلة‪ .‬وهو ما مثل تحديا آخر للدولة‪ .‬فإذا كانت الدولة ضمن القوى التي تريد إعادة النظام السابق‪،‬‬
‫فسوف يؤدي ذلك إلى انخراطها في معترك سياسي‪ ،‬يضع كيان الدولة في خطر‪ .‬وإذا أصبحت الدولة مع‬
‫فريق سياسي ضد فريق سياسي آخر‪ ،‬فسوف تتحول إلى حزب‪ ،‬ولكن تكون دولة‪.‬‬
‫وكان التحدي األهم أمام مؤسسات الدولة‪ ،‬يتعلق بانتماء تلك المؤسسات لمنظومة سياسات‬
‫وتوجهات النظام السابق‪ ،‬وكلما قامت مؤسسات الدولة بحماية منظومة سياسات وتوجهات النظام السابق‪،‬‬
‫بدت الدولة تقف في وجه الثورة‪ ،‬وتفقد رضاء المجتمع عنها‪ ،‬وهو ما يعيدها لمربع الخصومة مع‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫وإذا ناصرت الدولة تصورا معينا للنظام السياسي الجديد‪ ،‬وكان لهذا التصور كتل اجتماعية‬
‫مؤيدة له‪ ،‬فمعنى هذا أن الدولة أصبحت تناصر مكون في المجتمع ضد المكونات األخرى‪ .‬وإذا كان‬
‫التصور الذي تحمله تلك الكتل‪ ،‬هو التصور العلماني مثال‪ ،‬وكانت هذه الكتل مؤيدة للثورة؛ فإن تأييد‬
‫الدولة لكتل مؤيدة للثورة‪ ،‬ضد كتل أخرى مؤيدة للثورة أيضا‪ ،‬سوف يجعل الدولة تقع مرة أخرى‪ ،‬داخل‬
‫صراع سياسي يهدد كيان الدولة‪.‬‬
‫والمشكلة أن بناء النظام السياسي الجديد‪ ،‬يحدد طبيعة الدولة‪ ،‬ويحدد النظام العام الذي يحكم‬
‫الدولة‪ ،‬أي أن الدولة هي محل التغيير‪ ،‬الناتج من بناء نظام سياسي جديد‪ .‬وهو ما يجعل قيادات مؤسسات‬
‫الدولة‪ ،‬تنخرط في العملية السياسية‪ ،‬وتصبح مرة ضد الثورة‪ ،‬ومرة مع فريق سياسي ضد آخر‪ ،‬حتى‬
‫يتأكد أن كيان الدولة نفسه أصبح في خطر‪ ،‬وال يوجد مفر من خروج الدولة من تلك الصراعات‪ ،‬ليصبح‬
‫لها موقع جديد‪ ،‬يتناسب مع النظام السياسي الجديد‪ ،‬الذي يبنى بعد الثورة‪.‬‬
‫والموقع الجديد‪ ،‬يجب أن يتحدد على أسس سليمة‪ ،‬فال يمكن للدولة إال أن تكون مع الثورة‪ ،‬أو‬
‫بتعب ير أدق‪ ،‬مع ما أنتجته الثورة‪ .‬وال يمكن للدولة إال أن تكون مع المجتمع‪ ،‬أو بتعبير أدق‪ ،‬مع أغلبية‬
‫المجتمع‪ ،‬ومع عامة الناس‪ ،‬وتصبح دولة السواد األعظم‪ .‬وعندها تحافظ الدولة على كيانها‪ ،‬وتقوي كيانها‬
‫‪3‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫وتعمق دورها‪ ،‬وتغيره وتصلحه‪ ،‬وتبدأ مرحلة جديدة‪ ،‬مرحلة بناء دولة السواد األعظم‪ .‬فهل تستطيع‬
‫مؤسسات الدولة‪ ،‬ونخبة الدولة‪ ،‬التوصل إلى هذا الموضع الجديد‪ ،‬وتحمي كيان الدولة‪ ،‬وتتصالح مع‬
‫المجتمع؟‬
‫وهذا التحدي‪ ،‬يضاف له تحدي آخر‪ ،‬يتمثل في أن الدولة تأسست على خصومة عميقة مع القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وأصبحت الدولة نقيضا للقوى اإلسالمية‪ ،‬بل ونقيضا للمشروع اإلسالمي‪ ،‬وال يمكن أن تبقى‬
‫الدولة في مربع الخصومة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬ألن هذا يعني بقائها في مربع الخصومة مع جزء كبير‬
‫من المجتمع‪ ،‬يمثل أغلبية فعليا‪ ،‬مما يعني بقاء الدولة في معركة مع المجتمع‪ ،‬وبقائها بالتالي في معركة‬
‫ضد الثورة‪ ،‬أو يعني أن الدول ة سوف تظل مع قوى سياسية ضد أخرى‪ .‬فال يمكن للدولة أن تتصالح مع‬
‫المجتمع‪ ،‬إال إذا تصالحت مع القوى اإلسالمية‪ ،‬وأصبحت عالقتها قائمة على أساس قيام الدولة بدورها‬
‫تجاه المجتمع‪ ،‬دون أن تكون طرفا في الصراع السياسي‪ .‬كما أن تصالح الدولة مع المجتمع‪ ،‬وتصالحها‬
‫ضمنيا مع ا لثورة‪ ،‬يعني أن الدولة سوف تقبل كل سلطة منتخبة من عامة الناس‪ ،‬وسوف تقبل الدستور‬
‫الذي يحدد طبيعتها‪ ،‬مادام جاء برغبة شعبية‪ ،‬وسوف تقبل السياسات والتوجهات التي تمثل السواد‬
‫األعظم‪ ،‬وتمثل المجتمع‪ ،‬لتصبح سياسات وتوجهات للدولة‪ .‬فهل تتصالح الدولة مع القوى اإلسالمية‪،‬‬
‫حتى تنهي الخصومة بينها وبين المجتمع؟‬
‫ماذا لو انهارت الدولة؟‬
‫أول تحدي يواجه الدولة بعد الثورة‪ ،‬هو الحفاظ على كيان الدولة‪ .‬فإذا كانت نخبة الدولة أو‬
‫بعضها يعادي الثورة‪ ،‬وإذا كانت نخبة الدولة تريد الحفاظ على طبيعة الدولة القائمة‪ ،‬فإن من المهم في كل‬
‫األحوال‪ ،‬أن تحافظ نخبة الدولة عن كيان الدولة ووجودها‪ ،‬فال معنى ألي محاولة الستعادة النظام السابق‪،‬‬
‫أو الحفاظ على طبيعة الدولة القائمة‪ ،‬إذا تعرضت الدولة نفسها لالنهيار‪.‬‬
‫لذا فإن نخبة الدولة التي عملت على نشر الفوضى‪ ،‬ورطت الدولة نفسها‪ ،‬وهددت كيان الدولة‪.‬‬
‫وهو ما يؤدي سريعا إلى فرز تلك النخبة التي تقود الفوضى المخططة‪ ،‬والتي بدأت عمليا في أيام الثورة‬
‫األولى‪ .‬ألن االستمرار في سيناريو ضرب الثورة من خالل نشر الفوضى‪ ،‬يؤدي في النهاية إلى غياب‬
‫الدولة‪ ،‬وليس غياب المجتمع‪ .‬فالمجتمع ال يغيب‪ ،‬حتى وإن تم إغراقه في الفوضى‪ .‬والثورة ملك المجتمع‪،‬‬
‫وضربها من خالل الفوضى‪ ،‬لن يغرق الثورة بالكامل‪ ،‬ولن يغرق المجتمع بالكامل‪ ،‬بل سيؤدي إلى تفكيك‬
‫الدولة‪ ،‬قبل أن ينهار المجتمع‪ ،‬أو تهزم الثورة‪.‬‬
‫لذا أصبح الدفاع عن الدولة‪ ،‬والحفاظ على كيانها‪ ،‬يمثل عامال مهما‪ ،‬يكبح كل عمليات نشر‬
‫الفوضى‪ ،‬ومحاوالت ضرب الثورة‪ .‬ألن أجهزة الدولة عندما تتعرض لحالة تفكيك‪ ،‬يتهدد كيان الدولة‬
‫نفسه‪ ،‬مما يجعل أجهزة الدولة نفسها‪ ،‬أول من يضطر إلى وقف سيناريو نخبة الدولة‪ ،‬الهادف إلى نشر‬
‫الفوضى‪ ،‬حفاظا على كيان الدولة‪ .‬كما أن انهيار الدولة‪ ،‬يطيح بكل نخبة الدولة‪ ،‬ويطيح بمؤسسات الدولة‪،‬‬
‫مم ا يجعل مقاومة سيناريو الفوضى‪ ،‬الذي تبنته نخبة من الدولة‪ ،‬يواجه ليس فقط من القوى السياسية أو‬
‫المجتمع‪ ،‬ولكن يواجه أيضا من داخل الدولة نفسها‪ ،‬حفاظا على كيان الدولة‪ ،‬ألن مكانة نخبة الدولة‬
‫وقياداتها‪ ،‬بل وكل العاملين بها‪ ،‬مرتبط أساسا ببقاء الدولة‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬
‫العمود الفقري للدولة‬

‫ليست كل مؤسسات الدولة لها نفس الدور أو نفس الموقف‪ ،‬فهناك مؤسسات تمثل العمود الفقري‬
‫للدولة‪ ،‬والنواة الصلبة لها‪ .‬وهي أساسا مؤسسة الجيش والقضاء والشرطة‪ ،‬فهي مؤسسات دولة‪ ،‬وال‬
‫توجد مؤسسات مثيلة لها خارج إطار الدولة‪ ،‬إذن هي مؤسسات الدولة المركزية‪ .‬وهذه المؤسسات‬
‫المركزية‪ ،‬هي أول من أنخرط في العملية السياسية‪ ،‬وهي أول من أنخرط في مواجهة الثورة‪ ،‬وهي أول‬
‫من أنخرط في مواجهة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬وهي أيضا أول من يخرج الدولة من غمار العملية السياسية‪،‬‬
‫ويخرج الدولة أيضا من المواجهة مع الثورة‪.‬‬
‫ففي البداية انخرطت قيادات القوات المسلحة في العملية السياسية‪ ،‬ووقفت مع القوى العلمانية‪،‬‬
‫وحاولت الحفاظ على الطابع القومي العلماني للدولة‪ ،‬كما حاولت قيادات القوات المسلحة‪ ،‬التي كلفت‬
‫بإدارة شئون البالد‪ ،‬إبعاد أي أثر للثورة عن المؤسسة العسكرية‪ .‬وهو نفس ما قامت به قيادات في‬
‫مؤسسات قضائية‪ ،‬حيث انخرطت أيضا في العملية السياسية‪ ،‬وتحالفت بصورة غير مباشرة مع قوى‬
‫علمانية‪ ،‬وحاولت الحفاظ على الطابع القومي العلماني للدولة‪ ،‬كما حاولت حماية المؤسسة القضائية من‬
‫أي تغيير أو إصالح‪ ،‬ينتج من الثورة‪.‬‬
‫أما مؤسسة الشرطة‪ ،‬فعملت على عقاب المجتمع على موقفه من جهاز الشرطة في وقت الثورة‪،‬‬
‫وحاولت إثبات أن المجتمع ال يستطيع االستغناء عن جهاز الشرطة‪ ،‬كما حاولت أيضا تجنب أي أثر‬
‫للثورة على جهاز الشرطة‪ .‬وعملت قيادات شرطية‪ ،‬على قيادة سيناريو الفوضى‪ ،‬وأيضا عملت من أجل‬
‫إعادة إنتاج النظام السابق‪ ،‬وتحالفت مع قوى النظام السابق‪.‬‬
‫وبهذا انخرطت مؤسسات العمود الفقري للدولة في العملية السياسية‪ ،‬وفي الصراع السياسي‪،‬‬
‫وفي المواجهة مع الثورة‪ .‬وهو ما أدى إلى توريط الدولة في صراع شديد‪ ،‬وفي لحظة تعاني منها الدولة‬
‫من حالة ضعف‪ ،‬وأيضا تعاني من رفض شعبي‪ .‬وما واجهته الدولة من أخطار تتعلق ببقائها‪ ،‬أصبح‬
‫خطرا محدقا تواجهه مؤسسات العمود الفقري للدولة أكثر من غيرها‪ .‬فالجيش والقضاء والشرطة‪ ،‬هي‬
‫أول مؤسسات انخرطت في العملية السياسية‪ ،‬وفي المواجهة مع الثورة‪ ،‬وهي في نفس الوقت‪ ،‬أول‬
‫مؤسسات أصبحت مهددة‪ ،‬بسبب ما تعرضت له الدولة من تهديد‪.‬‬
‫االنسحاب من العمل السياسي‬
‫أول ما قام به الرئيس المنتخب‪ ،‬هو محاولة إبعاد القوات المسلحة عن العمل السياسي‪ ،‬بتغيير‬
‫قيادات المجلس األعلى للقوات المسلحة‪ ،‬والتي انخرطت في العملية السياسية‪ .‬وكانت استجابة القوات‬
‫المسلحة لهذا القرار تبدو مفاجئة‪ ،‬حيث رحبت القوات المسلحة‪ ،‬كمؤسسة وكقيادات‪ ،‬بالخروج من العملية‬
‫السياسية‪ ،‬مما جعل البعض يتصور وجود صفقة بين القوات المسلحة‪ ،‬وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬التي‬
‫ينتمي لها الرئيس محمد مرسي‪ .‬ولكن الحقيقة‪ ،‬أن العامل األهم لقبول القوات المسلحة للخروج من العملية‬
‫السياسية‪ ،‬أن االنخراط في تلك العملية‪ ،‬مثل تهديدا مباشرا للقوات المسلحة‪ ،‬وتهديدا مباشرا لكيان الدولة‪.‬‬
‫وال يمكن ألحد أن يحاول الحفاظ على دور ومكانة القوات المسلحة‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬يقبل بتعرضها أو‬
‫تعرض الدولة للتهديد‪ .‬لذا أصبح خروج القوات المسلحة من العملية السياسية‪ ،‬يمثل مصلحة للقوات‬
‫المسلحة‪ ،‬ولكيان الدولة‪ .‬مما يعني أن انخراط قيادات في القوات المسلحة في العملية السياسية‪ ،‬كان‬
‫‪4‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫يستهدف تحقيق مصالح المؤسسة العسكرية ومصلحة الدولة من وجهت نظرهم‪ ،‬وأن خروج القوات‬
‫المسلحة من العملية السياسية‪ ،‬استهدف أيضا حماية مصالح المؤسسة العسكرية‪ ،‬ومصالح الدولة‪.‬‬
‫أما بالنسبة للمؤسسة القضائية‪ ،‬فإن المعركة كانت أصعب‪ ،‬مما يشير إلى أن قدر التداخل بين‬
‫مصالح المؤسسة القضائية والنظام السابق كان أكبر‪ ،‬وأن ما مثلته الثورة من تغيير‪ ،‬شكل تحديا أكبر‬
‫ألوضاع المؤسسة القضائية‪ .‬كما يتضح أن قدر تورط رموز من المؤسسة القضائية في صلب النظام‬
‫السابق‪ ،‬كان أكبر من العالقة بين قيادات المؤسسة العسكرية والنظام السابق‪ ،‬فالمسافة األكبر بين‬
‫المؤسسة العسكرية والنظام السابق ساعدت على فك روابط المؤسسة العسكرية بالماضي‪ ،‬وهو ما لم‬
‫يحدث مع المؤسسة القضائية‪ ،‬نظرا ألن المسافة الفاصلة بينها وبين النظام السابق كانت أقل‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬ظهر واضحا أن المؤسسة القضائية تتحرك للخروج من العملية السياسية‪ ،‬ألن بقائها‬
‫داخل الصراع السياسي يعرضها لمخاطر أكبر‪ ،‬فأصبح خروجها من العملية السياسية‪ ،‬يساعد المؤسسة‬
‫القضائية على الحفاظ على مكتسباتها‪ ،‬في حين أن بقائها في الصراع السياسي‪ ،‬يعرضها لخسائر‪ .‬وبنفس‬
‫المعنى‪ ،‬أصبح انخراط المؤسسة القضائية في العملية السياسية‪ ،‬يمثل محاولة للحفاظ على مكتسباتها‬
‫والحفاظ على الدولة القائمة‪ ،‬وأصبح خروجها من العملية السياسية ضروري لنفس األسباب‪ .‬ألن حفاظ‬
‫المؤسسة القضائية على وضعها ومكانتها‪ ،‬والحفاظ على الدولة‪ ،‬لم يعد ممكنا‪ ،‬إال بخروج المؤسسة‬
‫القضائية من العملية السياسية‪.‬‬
‫أما جهاز الشرطة‪ ،‬فواجه تحديا أكبر‪ ،‬ألنه كان في الواجهة في لحظة الثورة‪ ،‬ولم يستطع التدخل‬
‫في العملية السياسية‪ ،‬إال من خالل نشر الفوضى‪ ،‬أو التراجع عن القيام بدوره‪ ،‬ولم يكن طرفا مباشرا في‬
‫العملية السياسية‪ ،‬ولم يستطع التدخل في مسار تلك العملية‪ .‬مما جعل جهاز الشرطة يقف أمام تحدي‬
‫مزدوج‪ ،‬فإذا كان نشر الفوضى‪ ،‬يهدف إلى استعادة جهاز الشرطة لمكانته في المجتمع‪ ،‬فإن انتشار‬
‫الفوضى‪ ،‬يقضي على دور جهاز الشرطة‪ ،‬ويصبح وجوده مضرا للمجتمع‪ .‬وكلما انتشرت حالة الفوضى‪،‬‬
‫والتي خططت لها بعض قيادات جهاز الشرطة أو سمحت بها‪ ،‬أو شاركت فيها‪ ،‬فإن كيان الدولة يتعرض‬
‫للتهديد‪ ،‬ويصبح وجود جهاز الشرطة بال معنى‪ .‬فإذا انهارت الدولة‪ ،‬ينهار جهاز الشرطة معها‪ .‬لذا أصبح‬
‫أمام جهاز الشرطة سبيل وحيد للحفاظ على كيانه‪ ،‬وهو أن يكون جهازا للحفاظ على أمن المجتمع‪،‬‬
‫والحفاظ على مؤسسات الدولة‪.‬‬
‫وإذا كانت المؤسسة الشرطية‪ ،‬هي أكثر المؤسسات التي تعاند التغيير واإلصالح‪ ،‬وتعاند تغيير‬
‫موقفها من الثورة‪ ،‬فإنه لم يعد أمامها بديل‪ ،‬إال أن تنهي العداء بينها وبين الثورة‪ ،‬حتى تنهي العداء بينها‬
‫وبين المجتمع‪ ،‬ألن ال وجود للمؤسسة الشرطية‪ ،‬إذا تفاقم العداء بينها وبين المجتمع‪.‬‬
‫العودة من جديد‬
‫لم يكن انسحاب القوات المسلحة والقضاء والشرطة من العملية السياسية‪ ،‬ومن مواجهة الثورة‪ ،‬أو‬
‫مواجهة أي قوة سياسية‪ ،‬بمثابة المشهد النهائي‪ ،‬ألن المشهد النهائي يتشكل عندما تعود هذه المؤسسات‬
‫لممارسة دورها‪ ،‬وتحدد لنفسها موضعا جديدا‪ ،‬ومكانة جديدة‪ ،‬تحافظ بها على نفسها وعلى الدولة‪ .‬والدور‬
‫الجديد يرتبط برغبة تلك المؤسسات في الحفاظ على مكانتها ومكتسباتها‪ ،‬والحفاظ على وجود الدولة‪،‬‬
‫والحفاظ أيضا على هيبة الدولة‪ ،‬ألن مكانتها مرتبطة أساسا ببقاء هيبة الدولة‪ .‬لهذا تشكل فضاء جديد‪،‬‬
‫تعود فيه مؤسسات العمود الفقري للدولة‪ ،‬وهو فضاء المصلحة العامة‪ ،‬بدال من فضاء العمل السياسي‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫ففي إطار المصلحة العامة‪ ،‬وفي إطار المجال الوطني العام‪ ،‬تقوم هذه المؤسسات بدور مهم‪ ،‬وعليها أن‬
‫تثبت لعامة الناس أنها تقوم بهذا الدور المهم‪ .‬فالقوات المسلحة‪ ،‬عليها أن تثبت للمجتمع‪ ،‬أنها الدرع‬
‫الحامي لألمن القومي‪ ،‬ومؤسسة القضاء عليها أن تثبت أنها حامية العدالة‪ ،‬ومؤسسة الشرطة عليها أن‬
‫تثبت أنها حامية األمن‪ .‬وكلما حققت مؤسسة دورها بصورة مرضية للمجتمع‪ ،‬استعادة دورها ومكانتها‪،‬‬
‫وأصبح تأثير الثورة عليها إيجابي‪ ،‬مما يمكنها من بناء عالقة جديدة مع المجتمع‪ ،‬وإنهاء أي خصومة مع‬
‫المجتمع أو مع الثورة‪.‬‬
‫لهذا فإن خروج مؤسسات العمود الفقري للدولة من العملية السياسية‪ ،‬يوفر لها فرصة أفضل‬
‫للحفاظ على مكانتها‪ ،‬وأيضا القيام بدور في المجال العام‪ ،‬في إطار المصلحة العامة للمجتمع‪ .‬لذا نجد هذه‬
‫المؤسسات تحضر في األزمات‪ ،‬وتحضر للدفاع عن كيان الدولة‪ ،‬وتقدم نفسها بوصفها الحامي للدولة‬
‫والمصلحة العامة‪ ،‬وهو أمر مقبول من المجتمع‪ ،‬ومقبول أيضا من القوى السياسية الشعبية‪ ،‬وإن كان يجد‬
‫رفضا من القوى العلمانية وقوى النظام السابق‪ ،‬والتي أرادت توظيف الدولة في مشروعها السياسي‪.‬‬
‫القيادات التنفيذية‬
‫رغم أن مؤسسات العمود الفقري للدولة لها حضور واضح في ساحة العمل العام‪ ،‬إال أن مواجهة‬
‫أخرى ال تقل أهمية‪ ،‬بدأت بين أجهزة في الدولة والمجتمع والثورة‪ ،‬وهي مواجهة تمثل جانبا مركزيا في‬
‫تحديات ما بعد الثورة‪ .‬وهذه المواجهة جرت في الواقع‪ ،‬بين المجتمع من جانب والقيادات التنفيذية‬
‫والمحلية في جهاز الدولة‪ ،‬فتلك القيادات هي المسئولة عن القضايا الحياتية اليومية لعامة الناس‪ ،‬وهي‬
‫تمثل الجهاز التنفيذي للدولة‪ ،‬الذي كان قبل الثورة‪ ،‬في حالة انهيار كامل‪ ،‬وتوقف عن القيام بدوره‪،‬‬
‫وانتشر فيه الفساد لدرجة جعلت األجهزة التنفيذية تتآكل تدريجيا‪.‬‬
‫والثورة قامت في وجه النظام السابق‪ ،‬وفي وجه التردي المعيشي الذي وصل له عامة الناس‬
‫زمن النظام السابق‪ ،‬واألجهزة التنفيذية والمحلية هي المسئولة عن هذه الحالة‪ ،‬لذا قامت الثورة في وجه‬
‫تلك األجهزة‪ ،‬وأصبحت هذه األجهزة في خصومة مع الثورة‪ ،‬بعد أن كانت في خصومة مع المجتمع‪،‬‬
‫بسبب ما قامت به من دور سلبي في حياة الناس‪ .‬واألجهزة التنفيذية لم تواجه خطر انهيار الدولة‪ ،‬ولم‬
‫تنخرط في العملية السياسية‪ ،‬بل انخرطت أساسا في المواجهة مع عامة الناس‪ .‬فكانت أغلب األجهزة‬
‫التنفيذية بعد الثورة‪ ،‬تتراجع عن القيام بدورها‪ ،‬وتعاقب عامة الناس‪ ،‬وتحاول الحفاظ على مكاسبها‪،‬‬
‫وتحاول أيضا االستمرار في نفس ممارستها السابقة‪ ،‬وحماية الفساد المستشري‪.‬‬
‫وهذا الموقف من قيادات األجهزة التنفيذية‪ ،‬جعلها في مواجهة مباشرة مع عامة الناس‪ ،‬ومع حالة‬
‫السخط العام‪ .‬مما يجع لها أمام تحدي حقيقي‪ ،‬للحفاظ على بقائها في مناصبها‪ .‬فلم يعد من الممكن ألي قيادة‬
‫تنفيذية البقاء في منصبها‪ ،‬والحفاظ على المكانة والوجاهة االجتماعية‪ ،‬إال بتحقيق رضا المجتمع المحلي‬
‫عنها‪ ،‬حتى تبقى‪ .‬واستمرت عملية االستنزاف المتبادل بين األجهزة التنفيذية والمجتمع‪ ،‬فكلما تراجعت‬
‫األجهزة التنفيذية عن القيام بدورها‪ ،‬استنزفت المجتمع المحلي‪ ،‬وبالتالي يثور عليها المجتمع المحلي‬
‫ويهاجمها بعنف‪ .‬فلم يعد هناك مفر‪ ،‬إال بناء عالقة جديدة بين األجهزة التنفيذية والمجتمع المحلي‪ ،‬بحيث‬
‫تلبي تلك األجهزة حاجات المجتمع المحلي بقدر ما تستطيع‪ ،‬وبالصورة التي تقنع المجتمع المحلي‪ ،‬أن‬
‫األجهزة التنفيذية أصبحت تقوم بدورها‪ ،‬وتقوم بما تستطيع عمله فعال‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬
‫اللقاء في الشارع‪ ..‬الدولة واإلسالميون‬

‫كان من الواضح أن مؤسسات الدولة ال تستطيع الحفاظ على بقائها‪ ،‬بدون رضى الشارع عنها‪.‬‬
‫لهذا أصبحت المسافة تقل بين مؤسسات الدولة والمجتمع‪ ،‬حفاظا على مكانتها ودورها‪ ،‬وحفاظا على كيان‬
‫الدولة‪ .‬ومع اقتراب مؤسسات الدولة من الشارع‪ ،‬تقترب أيضا من القوى اإلسالمية‪ ،‬بل وتحتاج لهذه‬
‫القوى‪ ،‬نظرا لحضورها الجماهيري‪.‬‬
‫واألجهزة التنفيذية والمحلية‪ ،‬توجد أساسا في الشارع‪ ،‬تحتك يوميا بعامة الناس‪ ،‬وتحتاج للتفاهم‬
‫مع الجماهير‪ ،‬حتى تستطيع القيام بدورها‪ ،‬وحتى تتجنب غضب عامة الناس تجاهها‪ ،‬وتتجنب االحتجاج‬
‫العنيف من عامة الناس تجاهها‪ .‬لذا أصبحت األجهزة التنفيذية في عالقة مباشرة مع القوى اإلسالمية‪،‬‬
‫أكثر من أي قوى أخرى‪ ،‬نظرا للتواجد الجماهيري لهذه القوى‪ ،‬وحضورها الفاعل في الشارع المصري‪.‬‬
‫مما جعل العالقة تبنى على أسس جديدة‪ ،‬بين األجهزة التنفيذية والمحلية والقوى اإلسالمية‪ ،‬ضمن بناء‬
‫عالقة جديدة بين تلك األجهزة‪ ،‬وبين المجتمع‪.‬‬
‫وجهاز الشرطة أيضا‪ ،‬حاضر في الشارع كل الوقت‪ ،‬مما يجعله في احتكاك مستمر مع عامة‬
‫الناس‪ ،‬وفي احتكاك مستمر مع القوى الشعبية الحاضرة في الشارع‪ ،‬وهي القوى اإلسالمية‪ .‬كما أن جهاز‬
‫الشرطة يواجه تحدي المظاهرات‪ ،‬وحالة الفوضى الشعبية‪ ،‬وحالة الفوضى والعنف السياسي المخطط‪،‬‬
‫وحالة الفوضى المخططة من قيادات النظام السابق‪ .‬ورغم تغلغل النظام السابق داخل جهاز الشرطة‪ ،‬إال‬
‫أن جهاز الشرطة يجد نفسه مضطرا للحفاظ على المؤسسة الشرطية والقيام بدوره‪ ،‬حتى يجنب االنزالق‬
‫في مواجهات في الشارع‪ ،‬أو الدخول في حرب شوارع‪ .‬كما أن القوى اإلسالمية‪ ،‬هي أكثر القوى التي‬
‫تؤمن بأهمية الحفاظ على الدولة واالستقرار واألمن‪ ،‬ليس فقط بسبب تصدرها للمشهد السياسي‪،‬‬
‫باعتبارها تمثل قوى األغلبية‪ ،‬ولكن بسبب قناعتها بأن الثورة تهدف أساسا للبناء‪ ،‬وهو ما يحتاج‬
‫لالستقرار واألمن‪ .‬مما جعل القوى اإلسالمية‪ ،‬في صف الحفاظ على االستقرار واألمن‪ ،‬وضد كل أشكال‬
‫الفوضى والعنف‪ .‬وهو ما مثل سندا شعبيا مهما لجهاز الشرطة‪ ،‬حتى يخرج نفسه من دوامة الفوضى‬
‫والعنف‪ ،‬والتي يمكن أن تتسبب في انهيار جهاز الشرطة بالكامل مرة أخرى‪ ،‬بعد أن أنهار بعد الثورة‪،‬‬
‫وأي انهيار جديد لجهاز الشرطة‪ ،‬كفيل بالقضاء عليه تماما‪.‬‬
‫لذا أصبح جهاز الشرطة تدريجيا‪ ،‬يعتمد على الدعم الجماهيري‪ ،‬كما أصبح يحتاج للقبول‬
‫والرضى الجماهيري‪ ،‬مما جعله في حاجة للتفاعل اإليجابي مع الشارع‪ ،‬ومع القوى الفاعلة في الشارع‪،‬‬
‫وهي القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫وحتى القوات المسلحة نفسها‪ ،‬وعندما تضطر في مناسبات معينة للنزول للشارع‪ ،‬حفاظا على‬
‫األمن القومي‪ ،‬فهي تحتاج أيضا لقبول جماهيري‪ ،‬وتحتاج لرضى ومساندة جماهيرية‪ ،‬حتى ال تنزلق في‬
‫مواجهات مع الشارع‪ ،‬كما حدث في بعض المواقف في مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬وفي مرحلة إدارة المجلس‬
‫األعلى للقوات المسلحة لشئون البالد‪ .‬مما يجعل القوات المسلحة‪ ،‬تراهن على قدرتها على التفاعل‬
‫اإليجابي مع القواعد والقوى الشعبية‪ ،‬ومنها بالطبع القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫وفي مساحة التفاعل في الشارع‪ ،‬ونظرا ألهمية تحقيق مؤسسات الدولة‪ ،‬للرضى والقبول‬
‫الشعبي‪ ،‬تلتقي مؤسسات الدولة مع خصمها التقليدي‪ ،‬أي القوى اإلسالمية‪ ،‬وتكتشف ضمنا أنه لم يعد‬
‫هناك مكان لتلك الخصومة‪ ،‬بل أن كل القوى والمؤسسات الفاعلة في الشارع‪ ،‬تحتاج إلى التعاون المثمر‬
‫‪7‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫والفعال‪ ،‬لتحقيق مصالحتها‪ ،‬وتحقيق رضى وقبول الشارع‪ .‬وإذا كانت مؤسسات الدولة تحتاج للرضى‬
‫الشعبي‪ ،‬حتى تحافظ على كيان الدولة‪ ،‬فإن القوى اإلسالمية تعمل اساسا لتحظى بالرضى الشعبي‪ ،‬مما‬
‫يجعل الكل يلتقي من أجل تحقيق الرضى والقبول الشعبي‪ ،‬ومن أجل الحضور الفاعل والمستقر في‬
‫الشارع‪ ،‬ومن أجل تحقيق االستقرار‪ ،‬الذي يحمي الدولة والمجتمع معا‪.‬‬
‫أما المؤسسة القضائية‪ ،‬فليس لها حضورا في الشارع‪ ،‬وال تتفاعل مباشرة مع الجماهير في‬
‫الشارع‪ ،‬وهو ما يجعل لها وضعا خاصا‪ ،‬ويؤخر تكيفها مع األوضاع الجديدة‪ .‬ولكن المؤسسة القضائية‬
‫تحتاج إلى تأكيد حجية أحاكمها أمام الرأي العام‪ ،‬أي تحتاج ألن يكون ألحكامها حجية وقبول ورضى بين‬
‫الناس‪ ،‬وتكون أحاكمها مقدرة ومحترمة بين الناس‪ ،‬وأن يحترم الجميع أحاكم القضاء‪ ،‬حتى وإن لم تحقق‬
‫للبعض ما يتصور أنه العدالة‪ .‬لذا تبقى مكانة المؤسسة القضائية‪ ،‬مرتبطة بما يتحقق لها من تقدير واحترام‬
‫بين الناس‪ ،‬وهو ما يجعلها في تفاعل غير مباشر مع عامة الناس‪ ،‬حتى تستطيع إثبات أنها قادرة على‬
‫تحقيق العدالة الناجزة‪.‬‬
‫السلطة المنتخبة تقدم النموذج‬
‫والمتابع لمواقف السلطة المنتخبة‪ ،‬سوا ًء نواب الشعب‪ ،‬أو الرئيس المنتخب‪ ،‬يجد تفاعال قويا‬
‫بينهم وبين الرأي العام‪ ،‬حتى أن رئيس الجمهورية تراجع عن فقرات من اإلعالن الدستوري الصادر في‬
‫نوفمبر ‪ ،3103‬عندما وجد رفضا شعبيا لهذه الفقرات‪ .‬كما تراجع عن إجراءات اقتصادية‪ ،‬تخص‬
‫الضرائب أساسا‪ ،‬رغم أنها كانت تحقق العدالة االجتماعية‪ ،‬عندما وجد عدم تفهم لها من عامة الناس‪،‬‬
‫بسبب التشويه اإلعالمي‪ .‬وعندما أضطر رئيس الجمهورية لفرض حالة الطوارئ وحظر التجوال في‬
‫مدن القناة‪ ،‬بناء على مطالب شعبية‪ ،‬وحماية لألرواح والممتلكات‪ ،‬ووجد رفضا شعبيا لطول فترة حظر‬
‫التجول‪ ،‬وفترة الطوارئ‪ ،‬راجع تلك القرارات‪ ،‬وربط فترات حظر التجول بما توافق عليه القيادات‬
‫الشعبية‪ .‬والمعنى المهم في هذه األمثلة‪ ،‬أن السلطة المنتخبة أظهرت تفاعال قويا مع الرأي العام‪ ،‬وبنت‬
‫مواقفها على الرضى والقبول العام‪ ،‬وهو ما أسس لوضع جديد‪ ،‬تكون فيه السلطة في خدمة الشعب‪ ،‬وتلبي‬
‫مطالب الرأي العام‪ ،‬مما جعل مؤسسات الدولة أمام تحدي أن يكون تصرفها وسلوكها مرضيا للرأي‬
‫العام‪ ،‬ومقبوال شعبيا‪.‬‬
‫وهو ما فتح بابا مهما للتفاعل البناء‪ ،‬رغم أن هذا التفاعل يستغرق وقتا‪ ،‬ويحتاج من كل طرف‬
‫إلى تحديد منهجا جديدا‪ ،‬يسمح له بالتفاعل المستمر والبناء مع المجتمع وعامة الناس‪ .‬وليس من السهل أن‬
‫تتحول الدولة إلى حالة التفاعل المثمر مع الرأي العام‪ ،‬خاصة بعد عقود من ممارسة السلطة واالستبداد‪،‬‬
‫ولكن السلطة المنتخبة‪ ،‬والتي تأتي بإرادة عامة الناس‪ ،‬تتفاعل تلقائيا مع عامة الناس والرأي العام‪ ،‬مما‬
‫يجعلها تفتح الباب أمام تفاعل مثمر من مؤسسات الدولة‪.‬‬
‫الدولة والقيادة الشعبية‬
‫هنا يبرز دور القيادات الشعبية‪ ،‬حيث تحتاج مؤسسات الدولة للتفاهم مع القيادات الشعبية‪ ،‬حتى‬
‫تستطيع التوصل لتفاهمات مع عامة الناس‪ ،‬ألن القيادات الشعبية تقوم بدور مهم في التعبير عن الرأي‬
‫العام‪ ،‬كما تقوم بدور مهم في قيادة عامة الناس‪ ،‬وتنظيم حركتهم‪ .‬ومن هنا‪ ،‬يصبح على القيادات الشعبية‬
‫دور أساسي في تحديد المصلحة العامة‪ ،‬وتوعية عامة الناس بالمصلحة العامة‪ ،‬وهو ما تحتاجه مؤسسات‬
‫الدولة‪ .‬لذا تصبح العالقة بين القيادات الشعبية ومؤسسات الدولة ضرورية‪ ،‬وألن القوى اإلسالمية تمثل‬
‫‪8‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫قيادات شعبية أساسا‪ ،‬لذا تصبح العالقة بين مؤسسات الدولة‪ ،‬والقوى اإلسالمية‪ ،‬بوصفها قيادات شعبية‪،‬‬
‫ضرورية أيضا‪.‬‬
‫وهو ما ينتج عنه حالة تفاوض ثالثي‪ ،‬بين مؤسسات الدولة‪ ،‬والقيادات الشعبية المحلية‪ ،‬غير‬
‫السياسية‪ ،‬والقيادات الشعبية المحلية السياسية‪ ،‬وغالبها من القوى اإلسالمية‪ .‬وعملية التفاوض المستمر‪،‬‬
‫هي التي تعالج كل أثار العداوة القديمة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وتعالج في الوقت نفسه‪ ،‬العداوة الجديدة بين‬
‫الدولة والثورة‪ .‬بما يبني في النهاية نموذج جديد للعالقة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬ويبني نهجا جديدا في‬
‫التفاوض بين مؤسسات الدولة والمجتمع‪ ،‬وينهي الخصومة التي أضرت بالدولة والمجتمع‪.‬‬
‫تغييب الغائب‬
‫في تلك العملية التفاعلية التلقائية والضرورية‪ ،‬وربما الحتمية أيضا‪ ،‬يغيب عن هذا المشهد‪ ،‬من‬
‫يغيب عن الشارع‪ ،‬ومن ليس له حضورا فاعال في الشارع‪ ،‬ومن ال يمثل قيادة شعبية ومحلية فاعلة‪ ،‬وهي‬
‫القوى العلمانية‪ .‬فتلك القوى تعتمد على دور النخب‪ ،‬وعلى دور وسائل اإلعالم‪ ،‬كما تعتمد أساسا على‬
‫حشد الجماهير الرافضة للهوية اإلسالمية‪ ،‬أو المتخوفة من القوى اإلسالمية‪ .‬لذلك فإن قيادات القوى‬
‫العلمانية‪ ،‬ال تعتمد على التواصل المباشر مع عامة الناس‪ ،‬وال تعتمد على الحضور في المجتمع المحلي‪،‬‬
‫مما يجعلها غائبة عن مشهد التفاعل بين مؤسسات الدولة والقوى اإلسالمية وعامة الناس‪ ،‬وهو ما يجعلها‬
‫خارج عملية بناء عالقات جديدة بين الدولة والمجتمع‪ .‬وهو ما يؤثر سلبا على دور القوى العلمانية في‬
‫العملية السياسية‪ ،‬ألن بناء النظام السياسي الجديد‪ ،‬ال يتحقق بوضع دستور جديد فقط‪ ،‬بل يتحقق ببناء‬
‫واقع سياسي جديد‪.‬‬
‫والواقع السياسي الجديد الذي تنتجه الثورة‪ ،‬يبنى أساسا من خالل عالقات جديدة بين الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬وعالقات جديدة بين القوى السياسية وعامة الناس‪ ،‬وعالقات جديدة بين القيادات السياسية وبين‬
‫عامة الناس‪ .‬وتلك العالقات في مجملها‪ ،‬تشكل طبيعة النظام السياسي الجديد‪ ،‬وتفعل دور المجتمع في‬
‫تحديد هوية الدولة ومرجعية الدولة‪ ،‬وفي اختيار السياسات والتوجهات العامة والتي تتبناها الدولة‪ ،‬لتكون‬
‫معبرة عن خيارات عامة الناس‪ .‬وغياب القوى العلمانية عن هذه العملية‪ ،‬يعزلها عمليا عن مجرى بناء‬
‫النظ ام السياسي‪ ،‬ويحد من دورها في تشكيل هذا النظام السياسي الجديد‪ .‬كما أن غياب القوى العلمانية عن‬
‫الشارع‪ ،‬يجعلها في النهاية ليست طرفا في معادلة العالقة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬مما يقوي العالقة بين‬
‫القوى اإلسالمية والدولة‪ ،‬بوصفها قيادات شعبية‪ ،‬ويضعف العالقة بين القوى العلمانية والدولة‪ ،‬نظرا‬
‫لغيابها عن الشارع‪.‬‬
‫أوهام السيطرة على الدولة‬
‫يظن البعض أن القوى اإلسالمية تريد السيطرة على الدولة‪ ،‬حتى يستقر حكم اإلسالميين‪ ،‬ويدور‬
‫حديث حول أخونة الدولة‪ ،‬بوصفه السبيل الوحيد لسيطرة جماعة اإلخوان المسلمين على الدولة‪ ،‬حتى‬
‫يستقر حكمها‪ .‬وكأن السلطة المنتخبة تحتاج للسيطرة على الدولة‪ ،‬حتى يستقر حكمها وينجح‪ .‬وهو تصور‬
‫غير عملي‪ ،‬وال عالقة له بالنظام الديمقراطي‪ ،‬ألن السيطرة على الدولة هي منهج الحكم المستبد‪ ،‬والذي‬
‫يريد فرض حكمه بدون اختيار حر من عامة الناس‪ ،‬لذا يسيطر على الدولة‪ ،‬حتى يفرض سيطرته على‬
‫الدولة ‪ ،‬وتفرض الدولة سيطرتها على المجتمع‪ ،‬وبهذا تحتكر الحكم طبقة سياسية‪ .‬وهو وضع ال عالقة له‬
‫بالممارسة الديمقراطية‪ ،‬وال بالتحول السياسي بعد الثورة‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫والقوى اإلسالمية ال تحتاج للسيطرة على الدولة‪ ،‬ألن السلطة المنتخبة تختار السياسات العامة‬
‫التي تنفذها الدولة‪ ،‬فإذا أصبحت الدولة جهازا كف ًء وفاعال‪ ،‬عندئذ تستطيع القيام بدورها األساسي‪ ،‬وتنفيذ‬
‫السياسات العامة التي تختارها السلطة المنتخبة‪ ،‬وكلما خرجت مؤسسات الدولة من العملية السياسية‪،‬‬
‫أصبحت أكثر قدرة على تحقيق خيارات السلطة المنتخبة في السياسات العامة‪ ،‬دون أن تكون طرفا في‬
‫االختالفات السياسية‪.‬‬
‫كما أن أوهام أخونة الدولة‪ ،‬تفترض أساسا أن السيطرة على جهاز الدولة‪ ،‬تحتاج لتغيير كل‬
‫القيادات المهمة‪ ،‬لتصبح من الحزب الحاكم‪ ،‬حتى يمكن لهذا الحزب أن يحقق برنامجه‪ .‬وهذا التصور‬
‫يفترض أساسا‪ ،‬أن البيروقراطية سوف تظل تعمل لحسابها‪ ،‬وليس لحساب المجتمع‪ .‬ولكن هذا ليس واقع‬
‫مصر بعد الربيع العربي‪ ،‬وليس واقع دول الربيع العربي‪ ،‬فما يحدث بعد الثورة‪ ،‬أن الدولة تتغير حتى‬
‫تتكيف مع الثورة‪ ،‬وتنهي خصومتها للمجتمع والثورة‪ ،‬حتى تحافظ على بقائها ومكانتها‪ ،‬وعلى كيان‬
‫الدولة‪.‬‬
‫لذا فالرأي العام‪ ،‬هو الذي يوجه الدولة‪ ،‬ويحدد خياراتها‪ ،‬وهو الذي يربط بين السلطة المنتخبة‬
‫التي يختارها وبين الدولة‪ ،‬وهو الذي يقيم عالقة سياسية جديدة بين الدولة والمجتمع والسلطة المنتخبة‪.‬‬
‫ألن أجهزة الدولة عندما تتجه لتحقيق القبول والرضى الشعبي‪ ،‬تصبح في جانب السلطة المنتخبة‪ ،‬كما‬
‫تصبح في حاجة للقوى الشعبية المنتخبة‪ ،‬خاصة القوى اإلسالمية‪ ،‬والتي تساعد على بناء العالقة الجديدة‬
‫بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وتساعد على تقوية هذه العالقة واستمرارها‪.‬‬
‫بهذا يصبح المجتمع هو جسر العالقة بين الدولة والقوى اإلسالمية‪ ،‬وبين الدولة والسلطة‬
‫المنتخبة‪ ،‬ك ما تصبح القوى اإلسالمية‪ ،‬هي جسر العالقة بين الدولة والمجتمع‪ .‬وبهذا ال يصبح هناك حاجة‬
‫للسيطرة على الدولة‪ ،‬ألن الدولة عندما تصبح في خدمة المجتمع‪ ،‬والسلطة المنتخبة في خدمة المجتمع‪،‬‬
‫تصبح حاجات ومطالب المجتمع‪ ،‬هي واجبات على الدولة والسلطة المنتخبة‪ .‬وإذا ظلت البيروقراطية‬
‫تعمل على تعطيل مصالح الناس وعرقلة السلطة المنتخبة‪ ،‬فإن بقاء الدولة‪ ،‬وأجهزة الدولة‪ ،‬بل ومنشآت‬
‫الدولة نفسها‪ ،‬يصبح في خطر‪ .‬فال يمكن لعامة الناس‪ ،‬والتي تحتج كل يوم في وجه الدولة‪ ،‬أن تقبل من‬
‫أجهزة الدولة‪ ،‬االستمرار في نفس السياسيات القديمة‪ ،‬وتعريض مصالح المجتمع للخطر‪.‬‬
‫فبعد الثورة‪ ،‬أصبح من يعرض مصالح المجتمع للخطر‪ ،‬يتعرض هو لخطر أكبر‪ ،‬ألن المجتمع‬
‫أصبح هو صاحب المبادرة‪ ،‬حتى وإن كان احتجاجه يميل إلى شكل من أشكال الفوضى‪ .‬وربما بسبب‬
‫الفوضى الناتجة عن الفعل الشعبي الحر التلقائي‪ ،‬وهي غير الفوضى المخططة والمدبرة‪ ،‬وغير العنف‬
‫السياسي المخطط؛ ربما بسبب ذلك‪ ،‬تعاد بناء العالقة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وتصبح الدولة خاضعة‬
‫لخيارات عامة الناس‪ ،‬وخاضعة بالتالي للسلطة المنتخبة من عامة الناس‪ ،‬ألن الفوضى الناتجة من‬
‫االحتجاج الجماهيري‪ ،‬تعرض كيان الدولة للخطر‪ ،‬وال يوجد مفر من خضوع الدولة لعامة الناس‪ .‬فمن‬
‫سوف يسيطر على الدول في النهاية‪ ،‬هو المجتمع‪ .‬وعندما تصبح الدولة خاضعة لعامة الناس‪ ،‬تستطيع‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬ومنها جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬تنفيذ برنامجها عندما تنتخب من عامة الناس‪ ،‬دون أي‬
‫حاجة ألخونة الدولة‪ ،‬أو السيطرة على مفاصل الدولة‪ ،‬ألنها طرق غير فاعلة أساسا‪ ،‬وال تحقق أي‬
‫نهوض أو تقدم‪ .‬فالسبيل الوحيد لتفعيل دور الدولة‪ ،‬هو تغيير عالقة الدولة بالمجتمع‪ ،‬حتى تقوم باألدوار‬
‫التي يحتاجها المجتمع‪ ،‬بقيادة السلطة المنتخبة من المجتمع‪.‬‬
‫‪01‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬
‫في مربع واحد‬

‫من خالل هذه التفاعالت الحادثة على األرض‪ ،‬تصبح الدولة والمجتمع في مربع واحد‪ ،‬ألنه ال‬
‫يوجد خيار آخر‪ .‬وتصبح الدولة في مربع واحد مع القوى الشعبية والقيادات الشعبية‪ ،‬خاصة القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ألنه ال يوجد خيار آخر‪ .‬وتصبح العالقة بين كل هذه األطراف قائمة على تحقيق المصلحة‬
‫العامة‪ ،‬التي يحددها عامة الناس‪ ،‬فتصبح الدولة ملتزمة بالمصلحة العامة لعامة الناس‪ ،‬كما أن القوى‬
‫الشعبية اإلسالمية ملتزمة بالمصلحة العامة‪ ،‬وكل قيادة شعبية ملتزمة بها أيضا‪ ،‬فتصبح المصلحة العامة‪،‬‬
‫هي المجال الذي يحقق المصالحة التاريخية بين الدولة والمجتمع‪ ،‬والمصالحة التاريخية بين الدولة‬
‫والقوى اإلسالمية‪ ،‬فال يمكن للدولة أن تتصالح مع المجتمع‪ ،‬دون أن تتصالح مع القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫وألن القوى العلمانية تتبع منهج االحتجاج السياسي المستمر‪ ،‬وبعضها يستخدم سيناريو نشر‬
‫الفوضى‪ ،‬وبعضها يلجأ للعنف السياسي‪ ،‬لذا تخرج القوى العلمانية من تلك المعادلة‪ ،‬ألنها في الواقع تأزم‬
‫العالقة بين الدولة والثورة‪ ،‬وتأزم العالقة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وتضرب االستقرار واألمن‪ ،‬مما يعرض‬
‫كيان الدولة للخطر‪.‬‬
‫وفي اللحظة التي تصبح فيها القوى العلمانية‪ ،‬هي التي تتصدر مشهد االضطراب السياسي‪،‬‬
‫وتعرض كيان الدولة للخطر‪ ،‬ينفك كل تحالف سياسي بين أي جهاز من أجهزة الدولة والقوى العلمانية‪،‬‬
‫كما ينتهي أي انحياز سياسي ألي جهاز من أجهزة الدولة‪ ،‬وال تعود الدولة مرتبطة بالعلمانية‪ ،‬وال بطبيعة‬
‫الدولة زمن النظام السابق‪ ،‬بقدر ارتباط الدولة بالهوية والمرجعية والسياسات التي يختارها عامة الناس‪،‬‬
‫وتحقق للدولة الرضى والقبول من عامة الناس‪.‬‬
‫وهو ما يجعل القوى العلمانية تستغرق أكثر في طابعها النخبوي‪ ،‬مما يعزلها عن الشارع‪،‬‬
‫ويعزلها عن التفاعل مع جهاز الدولة‪ ،‬ويعزلها بالتالي عن أي دور في العالقة الجديدة بين الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬والتي تشكل في الواقع النظام السياسي الجديد‪ ،‬أي التي تعطي للدستور معناه الحقيقي والعملي‬
‫والفعلي‪.‬‬
‫قوى النظام السابق‬
‫أما قوى النظام السابق‪ ،‬فهي تتشكل من نخبة االستبداد والفساد‪ ،‬ونخبة السلطة والنفوذ‪ ،‬بجانب‬
‫قيادات شعبية تستطيع تحريك قواعد في الشارع لدعم النظام السابق‪ ،‬وحماية مصالحه‪ ،‬بعد الثورة‪ .‬وتلك‬
‫القيادات الشع بية المؤيدة للنظام السابق‪ ،‬والتي بنت أدوارا لها في الشارع‪ ،‬وبنت قواعد مؤيدة لها‪ ،‬تستطيع‬
‫أن تدخل العملية السياسية الجديدة‪ ،‬وتفتح لنفسها فرصة جديدة للعمل السياسي‪.‬‬
‫والقيادات الشعبية لقوى النظام السابق‪ ،‬هي التي تستطيع الحشد في االنتخابات والمظاهرات‪،‬‬
‫وهي التي تمثل القاعدة الفاعلة في معارك ما بعد الثورة‪ .‬ولكن هذه القيادات‪ ،‬والتي استخدمت لغة السلطة‬
‫والمال قبل الثورة‪ ،‬استخدمت لغة المال والعنف والفوضى بعد الثورة‪ ،‬لذا أصبح دورها رهنا بمواقفها‪.‬‬
‫فإذا ظلت تتبنى االستخدام السياسي الفاسد للمال‪ ،‬وتتبنى سيناريو الفوضى والعنف‪ ،‬فلن تستطيع دخول‬
‫العملية السياسية‪ ،‬وإذا أخرجت نفسها من معركة النظام السابق مع الثورة‪ ،‬وبدأت مرحلة جديدة مع‬
‫الثورة‪ ،‬ستجد نفسها في قلب العملية التفاعلية بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وفي قلب علمية بناء النظام السياسي‬
‫الجديد‪ .‬والواقع‪ ،‬أن العديد من قيادات النظام السابق ال تستطيع القيام بدور جديد‪ ،‬ولكن القواعد الشعبية‬
‫‪00‬‬

‫مارس ‪3102‬‬

‫هل تتصالح الدولة مع اإلسالميين؟‬

‫التي أيدت النظام السابق‪ ،‬سوف تعيد تغيير موضعها‪ ،‬وتتكيف مع الثورة‪ ،‬وتتكيف مع النظام السياسي‬
‫الجديد وتشارك فيه‪ ،‬سوا ًء بقيادات كانت فاعلة مع النظام السابق‪ ،‬وليست متورطة في أفعال تشينها‪ ،‬أو‬
‫بقيادات جديدة‪.‬‬
‫ببطء ولكن بعمق‬
‫تلك العملية التفاعلية تحدث ببطء شديد‪ ،‬ولكنها تحدث بعمق‪ ،‬وتتشكل لها جذور راسخة‪ ،‬فهي‬
‫عملية ال تحدث فجأة‪ ،‬ولن تحدث بقرار من أحد‪ ،‬وال يالحظها أغلب الناس‪ ،‬ولكنها تتحقق على األرض‪،‬‬
‫وال تظهر إال بعد اكتمال تشكلها‪ ،‬فيظهر لعامة الناس وضعا جديدا للعالقة بين الدولة والمجتمع والسلطة‬
‫المنتخبة والقوى السياسية الشعبية‪ .‬وهي علمية تدريجية تراكمية‪ ،‬ال يمكن ألحد أن يمسك بها أو يسيطر‬
‫عليها أو يمنع حدوثها‪ ،‬وهي العملية التي بمقتضاها يبنى النظام السياسي الجديد‪ .‬ومن المفارقات‪ ،‬أن‬
‫الدستور الجديد‪ ،‬ألنه كتب من خالل تفاعل لقوى وقيادات شعبية‪ ،‬وأصحاب اتجاهات مختلفة‪ ،‬وآراء‬
‫متعددة من داخل وخارج أجهزة الدولة‪ ،‬ومن الخبراء‪ ،‬لذا جاء مناسبا لتلك العالقة الجديدة بين المجتمع‬
‫والسياسية‪ ،‬وجاء ممهدا لبناء نظام سياسي جديد‪ ،‬يكون فيه المجتمع‪ ،‬هو مصدر السلطات‪ ،‬وهو المنظم‬
‫الحقيقي للعالقات بي ن المؤسسات والقوى المختلفة؛ أي يصبح المجتمع‪ ،‬هو ضابط إيقاع العملية السياسية‪،‬‬
‫ومصدر التفاهمات السياسية‪ ،‬ومصدر التوافق المجتمعي والسياسي‪ .‬وبهذا يصبح الرأي العام‪ ،‬هو حامي‬
‫النظام السياسي‪ ،‬مما يجعل له دور واسع‪ ،‬ومشاركة فاعلة‪.‬‬

‫‪03‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful