‫نزار قباني ‪ ..‬من دمشق إلى دمشق !!

‫الولدة على سرير أخضر ‪:‬‬

‫يوم ولدتُ في ‪ 21‬آذار(مارس) ‪ 1923‬في بيت من بيوت دمشق القديمة‪ ,‬كانت الرض‬
‫هي الخرى في حالة ولدة‪ ..‬و كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء‪.‬‬
‫ت واحد ‪.‬‬
‫الرض و أمي حملتنا في وقت واحد‪ ..‬و وضعتنا في وق ٍ‬
‫هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولدتي هي الفصلُ الذي تثور فيه الرض على‬
‫نفسها ‪ ,‬و ترمي فيه الشجار كل أثوابها القديمة ؟ أم كان مكتوباً عليَ أن أكون‬
‫كشهر آذار ‪ ,‬شهر التغيير و التحولت ؟‪.‬‬
‫كلّ الذي أعرفه أنني يوم ولدتُ ‪ ,‬كانت الطبيعة تنفّذ إنقلبها على الشتاء ‪ ..‬و تطلب‬
‫من الحقول و الحشائش و الزهار و العصافير أن تؤيدها في إنقلبها ‪ ..‬على روتين‬
‫الرض ‪.‬‬
‫هذا ما كان يجري في داخل التراب ‪ ,‬أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضدّ‬
‫النتداب الفرنسي تمتد من الرياف السورية إلى المدن و الحياء الشعبية ‪ .‬و كان‬
‫ل من معاقل المقاومة ‪ ,‬و كان زعماء هذه‬
‫حي ( الشاغور )‪ ,‬حيث كنا نسكن ‪ ,‬معق ً‬
‫الحياء الدمشقية من تجار و مهنيين ‪ ,‬و أصحاب حوانيت ‪ ,‬يمولون الحركة الوطنية‬
‫‪ ,‬و يقودونها من حوانيتهم و منازلهم ‪.‬‬
‫أبي ‪ ,‬توفيق القباني ‪ ,‬كان واحدًا من هؤلء الرجال ‪ ,‬و بيتنا واحداً من تلك البيوت‪.‬‬
‫و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة ‪ ,‬أستمع بشغف طفولي غامر‪ ,‬إلى‬
‫الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا ‪ ,‬و يخطبون في ألوف الناس ‪,‬‬
‫مطالبين بمقاومة الحتلل الفرنسي‪ ,‬و محرضين الشعب على الثورة من أجل‬
‫الحريّة ‪.‬‬
‫و في بيتنا في حي ( مئذنة الشحم ) كانت تعقد الجتماعات السياسية ضمن أبواب‬
‫مغلقة ‪ ,‬و توضع خطط الضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة ‪ ،‬و كنا من‬
‫وراء البواب نسترق الهمسات و ل نكاد نفهم منها شيئاً ‪..‬‬
‫و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك العوام من الثلثينيات قادرة على وعي الشياء‬
‫بوضوح ‪ ،‬و لكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الولى‬
‫منزلنا بالبنادق و الحراب و يأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل ( تدمر‬
‫) الصحراوي ‪..‬عرفت أن أبي كان يمتهن عملً آخر غير صناعة الحلويّات ‪ ..‬كان‬
‫يمتهن صناعة الحريّة ‪.‬‬
‫كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة ‪ .‬و كنت أعجب بهذه الزدواجية فيه ‪,‬‬
‫و أدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلوة و بين الضراوة‪..‬‬

‫أسرتي و طفولتي ‪:‬‬
‫في التشكيل العائلي‪ ,‬كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت‪ ,‬هم المعتز و رشيد‬
‫و صباح و هيفاء‪.‬‬
‫أسرتنا من السر الدمشقية المتوسطة الحال ‪ .‬لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة ‪ ,‬كل‬
‫مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه‪ ,‬كان ينفق على إعاشتنا‪ ,‬و تعليمنا‪ ,‬و تمويل‬
‫حركة المقاومة الشعبية ضدّ الفرنسيين ‪.‬‬
‫و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين ‪ ,‬لنه أنفق خمسين عامًا‬
‫من عمره‪ ,‬يستنشق روائح الفحم الحجري‪ ,‬و يتوسد أكياس السكّر‪ ,‬و ألواح خشب‬
‫السحاحير ‪..‬‬
‫و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كلّ مساء ‪ ,‬تحت المزاريب الشتائية‬
‫كأنه سفينة مثقوبة‪..‬‬
‫و إني لتذّكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم‪ ,‬و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق ‪,‬‬
‫كلّما قرأت كل َم من يتّهمونني بالبرجوازية و النتماء إلى الطبقة المرفهة ‪ ,‬و‬
‫السللت ذات الدم الزرق ‪..‬‬
‫أي طبقة ‪ ..‬و أي دم أزرق ‪ ..‬هذا الذي يتحدثون عنه ؟‬
‫إن دمي ليس ملكيًا ‪ ,‬و ل شاهانيًا ‪ ,‬و إنما هو دم عادي كدم آلف السر الدمشقية‬
‫الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الستقامة و الخوف من الّ‪..‬‬
‫وراثياً‪ ,‬في حديقة السرة شجرة كبيرة ‪ ..‬كبيرة‪ ..‬إسمها أبو خليل القباني‪ .‬إنه عمّ‬
‫والدتي و شقيق جدّ والدي ‪..‬‬
‫قليلون منكم‪ -‬ربّما ‪ -‬من يعرفون هذا الرجل‪.‬‬
‫قليلون من يعرفون أنه ه ّز مملكة ‪ ,‬و هزّ باب ( الباب العالي ) و هزّ مفاصل الدولة‬
‫العثمانيّة ‪ ,‬في أواخر القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫أعجوبةٌ كان هذا الرجل‪ .‬تصوّروا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت‬
‫تزرب فيها الدواب إلى مسارح ‪ ..‬و يجعل من دمشق المحافظة ‪ ,‬التقيّة ‪ ,‬الورعة ‪..‬‬
‫(برودواي) ثانية‪..‬‬
‫خطيرة كانت أفكار أبي خليل ‪،‬و أخطر ما فيها أنه نفّذها ‪ ..‬و صُلب من أجلها‪..‬‬

‫أبو خليل القبّاني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد ‪ ..‬يؤلف الروايات ‪ ,‬و يخرجها‬
‫‪ ,‬و يكتب السيناريو‪ ,‬و يضع الحوار ‪ ,‬و يصمم الزياء ‪ ,‬و يغني و يمثل ‪ ,‬و يرقص‬
‫‪ ,‬و يلحّن كلم المسرحيات ‪ ,‬و يكتب الشعر بالعربية و الفارسيّة‪.‬‬
‫و حين كانت دمشق ل تعرف من الفن المسرحيّ غير خيمة ( قره كوز ) و ل‬
‫تعرف من البطال ‪ ,‬غير أبي زيد الهللي ‪ ,‬و عنترة ‪ ,‬و الزير‪ ..‬كان أبو خليل‬
‫يترجم لها راسّين عن الفرنسية ‪..‬‬
‫و في غياب العنصر النسائي‪ ,‬اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملبس النساء ‪ ,‬و‬
‫إسناد الدوار النسائية إليهم ‪ ,‬تمامًا مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري‪.‬‬
‫و طار صواب دمشق ‪ ,‬و أصيب مشايخها ‪ ,‬و رجال الدين فيها بإنهيار عصبيّ‪,‬‬
‫فقاموا بكل ما يملكون من وسائل‪ ,‬و سلّطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و‬
‫رواحه‪ ,‬و هجوه بأقذر الشعر‪ ,‬و لكنه ظل صامداً ‪ ,‬و ظلّت مسرحياته تعرض في‬
‫خانات دمشق ‪ ,‬و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف‪.‬‬
‫و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل‪ ,‬ألفوا وفداً ذهب إلى‬
‫الستانة و قابل الباب العالي‪ ,‬و أخبره أنّ أبا خليل القباني يشكل خطرًا على مكارم‬
‫الخلق ‪ ,‬و الدين ‪ ,‬و الدولة العليّة‪ ,‬و أنه إذا لم ُي ْغلَق مسرحه ‪ ,‬فسوف تطير دمشق‬
‫من يد آل عثمان ‪ ..‬و تسقط الخلفة‪.‬‬
‫طبعاً خافت الخلفة على نفسها‪ ,‬و صدر فرمان سلطاني بإغلق أول مسرح طليعي‬
‫عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر‪ ,‬و ودّعته دمشق كما‬
‫ل المدن المتجرة موهوبيها ‪ ,‬أي بالحجارة‪ ,‬و البندورة‪ ,‬و البيض الفاسد‪..‬‬
‫تودّع ك ّ‬
‫و في مصر‪ ,‬التي كانت أكثر إنفتاحًا على الفن‪ ,‬و أكثر فهمًا لطبيعة العمل الفني‪,‬‬
‫أمضى أبو خليل بقيّة أيام حياته‪ ,‬و وضع الحجر الول في بناء المسرح الغنائي‬
‫المصري‪.‬‬
‫ي في تاريخ‬
‫إن انقضاض الرجعيّة على أبي خليل‪ ,‬هو أول حادث استشهاد فن ّ‬
‫أسرتنا‪ ..‬و حين أفكر في جراح أبي خليل ‪ ,‬و في الصليب الذي حمله على كتفيه‪ ,‬و‬
‫في ألوف المسامير المغروزة في لحمه ‪ ,‬تبدو جراحي تافهة ‪ ..‬و صليبي صغيراً‬
‫صغيراً ‪.‬‬
‫فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة ‪ ,‬و البندورة ‪ ,‬و البيض الفاسد ‪ ..‬حين نشرتُ‬
‫عام ‪ 1954‬قصيدتي (خبز و حشيش و قمر) ‪..‬‬
‫العمائم نفسها التي طالبت بشتق أبي خليل طالبت بشنقي ‪ ..‬و الذقون المحشوّة بغبار‬
‫التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي ‪..‬‬

‫( خبز و حشيش و قمر ) كانت أول مواجهة بالسلح البيض بيني و بين‬
‫الخرافة‪..‬و بين التاريخين‪..‬‬

‫دارنا الدمشقية ‪:‬‬
‫ل ب ّد من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار ( مئذنة الشحم ) لنها المفتاح إلى‬
‫شعري‪ ,‬و المدخل الصحيح إليه‪.‬‬
‫و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة‪ ,‬و منتزعة من إطارها‪.‬‬
‫هل تعرفون معنى أن يسكن النسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة‪.‬‬
‫إنني ل أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ‪ ,‬و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه ل أظلم قارورة‬
‫العطر ‪ ..‬و إنما أظلم دارنا ‪.‬‬
‫و الذين سكنوا دمشق ‪ ,‬و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة ‪ ,‬يعرفون كيف‬
‫تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث ل ينتظرون ‪...‬‬

‫بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح ‪ ،‬و يبدأ السراء على الخضر ‪ ,‬و الحمر ‪ ,‬و‬
‫الليلكيّ‪ ,‬و تبدأ سمفونية الضوء و الظّل و الرخام ‪.‬‬
‫شجرة النارنج تحتضن ثمارها ‪ ,‬و الدالية حامل‪ ,‬و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض‬
‫و علقتهم على قضبان النوافذ ‪ ..‬و أسراب السنونو ل تصطاف إل عندنا ‪..‬‬
‫أسود الرخام حول البركة الوسطى تمل فمها بالماء ‪ ..‬و تنفخه ‪ ..‬و تستمر اللعبة‬
‫المائية ليلً و نهاراً ‪ ..‬ل النوافير تتعب‪ ..‬و ل ماء دمشق ينتهي ‪..‬‬
‫الورد البلديّ سجّاد أحمر ممدود تحت أقدامك‪ ..‬و اللّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي ‪,‬‬
‫و الشِمشير‪ ,‬و الخبّيزة ‪ ,‬و الشاب الظريف ‪ ,‬و المنثور‪ ,‬و الريحان ‪ ,‬و الضاليا‪ ..‬و‬
‫ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكّر ألوانها و ل أتذكر أسمائها ‪ ..‬ل تزال تتسلق على‬
‫أصابعي كلّما أرت أن أكتب ‪..‬‬
‫القطط الشامّية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس‬
‫غزلها و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة ‪ ,‬و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع‬
‫من صغارها ستجد من يستقبلها و يُطعمها و يكفكف دموعها ‪..‬‬
‫الدراج الرخاميّة تصعد ‪ ..‬و تصعد ‪..‬على كيفها ‪ ..‬و الحمائم تهاجر و ترجع على‬
‫كيفها ‪ ..‬ل أحد يسألها ماذا تفعل ؟ و السمكُ الحمر يسبح على كيفه ‪ ..‬و ل أحد‬
‫يسأله إلى أين؟‬
‫و عشرون صحيفة فثلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي ‪.‬‬
‫كلّ زّر فّل عندها يساوي صبيّا من أولدها‪ ..‬لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من‬
‫أولدها ‪..‬بكتْ ‪ ..‬و شكتنا إلى ال ‪..‬‬
‫***‬
‫ضمن نطاق هذا الحزام الخضر ‪ ..‬ولدتُ ‪ ,‬و حبوتُ‪ ,‬و نطقتُ كلماتي الولى ‪.‬‬
‫كان إصطدامي بالجمال قدراً يوميًا ‪ ،‬كنتُ إذا تعثّرت أتعثّر بجناح حمامة‪ ..‬و إذا‬
‫سقطتُ أسقط على حضن وردة ‪..‬‬
‫هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهّية الخروج إلى‬
‫الزقاق ‪ ..‬كما يفعل الصبية في كل الحارات ‪ ..‬و من هنا نشأ عندي هذا الحسّ‬
‫( البيتوتّي ) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي ‪.‬‬
‫إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الكتفاء الذاتي‪ ,‬يجعل التسّكع على أرصفة الشوارع‬
‫ل ترفضه طبيعتي‪.‬‬
‫‪ ,‬و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال ‪ ,‬عم ً‬

‫و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكاديمية المقاهي‪ ,‬فإنني لم أكن من‬
‫متخرّجيها ‪.‬‬
‫لقد كنت أؤمن أن العمل الدبي عمل من أعمال العبادة‪ ,‬له طقوسه و مراسمه و‬
‫طهارته ‪ ,‬و كان من الصعب عليّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الدب الجادّ من‬
‫نرابيش النراجيل ‪ ,‬و طقطقة أحجار النرد ‪..‬‬
‫***‬
‫طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في ( مئذنة‬
‫الشحم ) ‪.‬‬
‫كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي‪ ,‬كان الصديق‪ ,‬و الواحة‪ ,‬و المشتى‪ ,‬و‬
‫المصيف‪..‬‬
‫أستطيع الن‪ ,‬أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه ‪ ,‬و أستعيد آيات القرآن‬
‫المحفورة على خشب قاعاته‪.‬‬
‫أستطيع الن أن أعدّ بلطاته واحد ًة ‪ ..‬واحدة ‪ ..‬و أسماك بركته واحد ًة ‪ ..‬واحدة ‪..‬‬
‫و سللمه الرخاميّة درج ًة ‪ ..‬درجة ‪..‬‬
‫أستطيع أن أغمض عيني‪ ,‬و أستعيد ‪ ,‬بعد ثلثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار‪,‬‬
‫و أمامه فنجان قهوته ‪ ,‬و منقله ‪ ,‬و علبة تبغه ‪ ,‬و جريدته ‪ ..‬و على صفحات‬
‫الجريدة تتساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء ‪ ..‬كأنها رسالة حبّ قادمة من‬
‫السماء‪..‬‬
‫على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلط الدار ذاكرتُ دروسي ‪ ,‬و كتبتُ فروضي‬
‫‪ ,‬و حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم ‪ ,‬و زهير‪ ,‬و النابغة الذبياني ‪ ,‬و طرفة بن العبد ‪..‬‬
‫هذا البيت ‪ -‬المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري ‪ .‬تماماً كما تركت غرناطة و‬
‫قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الندلسي‪.‬‬
‫القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطّاة بقشرة كثيفة من الغبار‬
‫الصحراوي ‪ ..‬و حين دخلتْ منطقة الماء و البرودة في جبال ( سييرا نيفادا ) و‬
‫شواطئ نهر الوادي الكبير‪ ..‬و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول‬
‫قرطبة‪ ,‬خلعت ملبسها و ألقت نفسها في الماء‪ ..‬و من هذا الصطدام التاريخي بين‬
‫الظمأ و الريّ ‪ُ ..‬ولِدَ الشعر الندلسيّ ‪..‬‬
‫ي في القصيدة العربية حين سافرتْ إلى‬
‫هذا هو تفسيري الوحيد لهذا النقلب الجذر ّ‬
‫إسبانيا في القرن السابع‪.‬‬

‫إنها بكل بساطة دخلتْ إلى قاعة مكيّفة الهواء‪ ..‬و الموشحات الندلسية ليست سوى‬
‫(قصائد مكيفة الهواء)‪..‬‬
‫و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي ‪ ,‬امتلت طفولتي رطوبة‪ ,‬و‬
‫امتلت دفاتري رطوبة‪ ,‬و امتلت أبجديتي رطوبة‪..‬‬
‫هذه اللغة الشاميّة التي تتغلغل في مفاصل كلماتي ‪ ,‬تعلّمتها في البيت – المظّلة الذي‬
‫حدثتكم عنه‪..‬‬
‫و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك‪ ,‬و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي‬
‫نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى‪ ,‬إلّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت‬
‫متمسكة بأصابعي و حنجرتي‪ ,‬و ثيابي‪ .‬و ظللتُ ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته‬
‫كلّ ما في أحواض دمشق‪ ,‬من نعناعٍ‪ ,‬و فلّ‪ ,‬و ورد بلدي‪..‬‬
‫إلى كل فنادق العالم التي دخلتُها‪..‬حملتُ معي دمشق‪ ,‬و نمت معها على سريرٍ واحد‪.‬‬

‫نزار قباني ‪ ...‬سيرةٌ ذاتيةٌ‬

‫* من موقع نزار قباني‬

‫مرّ بالشعر العربي كثيرون ‪ ,‬وكثيرون منهم عباقرة و"فطاحل" في عالم الشعر‬
‫غير أنّ واحداً فقط ‪ ,‬أثار من الضجيج والحب والكراهية والعجاب والرفض‪ ,‬ما لم‬
‫يُثره الخرون ‪.‬‬
‫حيث توفي في الثلثين من أبريل ( نيسان ) في عام ‪ ، 1998‬وترك لنا ‪ 35‬ديواناً‬
‫وكتاباً ‪ ,‬من أجمل ما كتب في الشعر العربي ‪ ,‬وشجون النسان العربي‬
‫عرف نزار قباني في شرق الوطن العربي وفي غربه ‪ ,‬وقرأ له رجال ونساء ‪,‬‬
‫وأعجب به صغار وكبار ‪ ,‬وصارت دواوينه مثل روايات إحسان عبد القدوس ‪ ,‬مما‬
‫يزرع في المخدة أو يهجع في السرير ‪.‬‬
‫**المدلل**‬
‫ولد نزار قباني سنة ‪ ,1923‬في" مئذنة الشحم" في دمشق ‪ ,‬ليعيش طفولته مدللً بين‬
‫اخوته‪ ,‬في منزله الدمشقي الصيل‪ ,‬وهو من البيوت الشامية القديمة‪ ,‬ويتكون من‬
‫طابقين‪ ,‬أحدهما باحة مكشوفة مصنوعة من الرخام والعمدة الرخامية‪ ,‬التي يتسلقها‬
‫الياسمين البيض والورد الحمر وفيها شجر الليمون‪ ,‬وفي منتصف الباحة نافورة‬
‫مياه ‪.‬‬
‫نشأ نزار في هذا الجو الرومانسي الجميل‪ ,‬تربطه بأمه علقة حميمة‪ .‬فقد ظلت‬
‫ترضعه من صدرها حتى بلغ السابعة من عمره‪ ,‬وتطعمه الطعام بيدها حتى بلغ‬

‫الثالثة عشرة من عمره‪ ,‬حتى قالوا عنه انه يعاني من عقدة "اوديب" عاشق أمه‪,‬‬
‫حتى أن بعض العلماء النفسيين أخذ يطبق علم النفس على شعر نزار‪ ,‬ويرى أن سر‬
‫استعماله كلمة "نهد" هو طول فترة رضاعته ‪ ،‬وعندما كان في الثالثة عشرة من‬
‫عمره كان ضيوف أبيه يسألون‪" :‬ما هي اهتمامات نزار؟" فيجيبهم والده بكل بساطة‬
‫‪":‬ابني يريد أن يكون شاعرا" فيتغير لون سائليه‪ ,‬و يتصبب العرق البارد من‬
‫جباههم ويلتفتون إلى بعضهم قائلين‪" :‬ل حول ول قوة إل بال‪..‬قل لن يصيبنا إل ما‬
‫كتب ال لنا " ‪.‬‬
‫لكن نزار لم يبدأ حياته شاعرا بل بدأ بأشياء فنية أخرى مثل الرسم‪ ,‬وكان مولعاً‬
‫باللوان ويصبغ الجدران بها‪ .‬وأدرك أن لن يكون رساماً عبقرياً‪ ,‬فقرر أن يجرب‬
‫الموسيقى والتلحين‪ ,‬فأحضر عوداً وطلب من أمه أن تأتي له بأستاذ يعلمه العود‬
‫والموسيقى وبدأ يتلقى دروسه الموسيقية لكن الستاذ بدأ معه بطريقة غير موفقة ‪,‬‬
‫فقد بدأ يعلمه النوتة الموسيقية‪ ,‬وهي علم مثل الرياضيات‪ ,‬حسب قوله‪ ,‬وهو يكره‬
‫الرياضيات‬
‫**ميلده الشعري**‬
‫كان عمره ‪ 16‬عامًا ‪ ,‬عندما سافر سنة ‪ 1939‬في رحلة بحرية إلى روما مع المدرسة‪.‬‬
‫وأثناء وقوفه على سطح السفينة‪ ,‬شاهد المواج والدرافيل‪ ,‬وهي تقفز حول الباخرة‬
‫فجأة أول بيت شعري ثم الثاني والثالث و الرابع‪ ,‬وهكذا‬
‫فنزل سريعًا وكتب البيات كي ل ينساها ول تضيع‪ ,‬واضعا إياها طيّ الكتمان حتى‬
‫ليسخر أصحابه ونام تلك الليلة‪ ,‬ولول مرة في حياته‪ ,‬يوم ‪ 15‬أغسطس شاعراً‬
‫للمرة الولى واستيقظ وهو شاعر أيضًا ‪.‬‬
‫التحق نزار بكلية الحقوق لدراسة القانون ولم يمارس قضية الدفاع في حياته إل عن‬
‫قضية واحدة ‪ ,‬وهي قضية المرأة ‪.‬‬
‫عندما كبر نزار قباني وصار شاباً ‪ ,‬لم ينفصل عنه الطفل‪ ,‬بل كبر معه بكل‬
‫سلوكياته الصاخبة وأنانيته‪ .‬وعندما فشل في أن يكون رسامًا أو موسيقيًا ‪ ,‬قرر أن‬
‫يكون شاعراً ‪ ,‬وهو يعرف تمامًا أن التفرد لن يكون إل بالختلف‪ ,‬وهي موهبة ل‬
‫يجيدها كثيرون ‪ ،‬ومنذ ديوانه الول "قالت لي السمراء" الذي أصدره نزار قباني‪,‬‬
‫الطالب في كلية الحقوق‪ ,‬وعلى نفقته الخاصة‪ ,‬أثار هذا الصوت المختلف جدلً عنيفاً‬
‫‪ ,‬وصفه نزار في ما بعد فقال "لقد هاجموني بشراسة وحش مطعون ‪ ,‬وكان لحمي‬
‫يومئذ طرياً "‬
‫ويسهل أن نتصور رد الناس على شاعر لم يبلغ العشرين من عمره يتوجه لهم‬
‫بقصيدة عنوانها "خبز وحشيش وقمر" ‪ ,‬ينتقد بها سلوكياتهم ‪ .‬فقد هلل أناس‬
‫للقصيدة‪ ,‬بينما طالب آخرون برأس من قالها ‪ ,‬ويبدو أن الضجة أثارت شهية الطفل‬
‫الشاب نزار ووجدها أول سطر في كتابه السطوري ‪.‬‬
‫**العمل الدبلوماسي**‬

‫تخرج نزار سنة ‪ 1945‬من كلية الحقوق في جامعة دمشق‪ ,‬ثم التحق بوزارة‬
‫الخارجية السورية‪ ,‬وانتقل في العام ذاته إلى القاهرة موظفاً دبلوماسيًا في السفارة‬
‫السورية‪ .‬وكان عمره آنذاك ‪ 22‬عاماً ‪ ,‬وكانت القاهرة في ذروة نضجها الثقافي‬
‫والصحافي و الذاعي‪ ,‬وكان نزار يحمل في جعبته ديوان شعر جديد اسمه خارج‬
‫عن المألوف في عالم الكتاب وهو " طفولة نهد " وكانت صياغته الشعرية غير‬
‫مألوفة أيضا في ذلك الزمان ‪.‬‬
‫قدم نزار الديوان لثلثة من نجوم الفكر والصحافة والنقد‪ ,‬هم ‪ :‬توفيق الحكيم‪ ,‬وكامل‬
‫الشناوي ‪ ,‬وأنور المعداوي‪ ,‬الذي تحمس للشاعر الشاب ‪ ,‬فكتب مقالً نقدياً عن‬
‫الديوان وحمله إلى أحمد حسن الزيات‪ ,‬صاحب مجلة "الرسالة" المصرية‪ .‬ولما‬
‫كانت "الرسالة" مجلة محافظة‪ ,‬نشر الزيات نقد المعداوي‪ ,‬لكن بعد أن غير عنوان‬
‫الديوان من "طفولة نهد" الى "طفولة نهر"‪ ,‬فقال نزار تعليقاً على هذا ‪" :‬وبذلك‬
‫أرضى ( حسن الزيات ) صديقه الناقد أنور المعداوي وأرضى قراء الرسالة‬
‫المحافظين‪ ,‬الذين تخيفهم كلمة النهد وتزلزل وقارهم‪ ,‬ولكنه ذبح اسم كتابي الجميل‬
‫من الوريد إلى الوريد " ‪.‬‬
‫وهكذا شهدت القاهرة ميلد شاعر انطلق في بيئة تحفل بطه حسين‪ ,‬وعباس محمود‬
‫العقاد‪ ,‬وعبد القادر المازني‪ ,‬وعبد العزيز البشري‪ ,‬وأحمد أمين‪ ,‬وبشر فارس‪,‬‬
‫ودريني خشبة‪ ,‬وأحمد حسن الزيات‪ ,‬ومصطفى صادق الرافعي‪ ,‬ومحمود حسن‬
‫اسماعيل‪ ,‬وبيرم التونسي‪ ,‬وابراهيم ناجي‪ ,‬ونجيب محفوظ‪ ,‬ويحيى حقي‪ ,‬وعزيز‬
‫أباظة ‪.‬‬
‫وهكذا تعود على مصر وتعودت مصر عليه وصارت تعتبره واحداً من شعرائها أو‬
‫من أولدها ‪ .‬لكن حياة الدبلوماسيين ل تستقر بهم‪ ,‬فانتقل نزار إلى العمل في عدة‬
‫عواصم بعد القاهرة‪ ,‬منها‪ :‬أنقرة ولندن ومدريد وبكين وبيروت ‪.‬‬
‫وظل نزار يعمل في الخارجية السورية أكثر من ‪ 20‬عامًا ‪ ,‬حتى استقال منها عام‬
‫‪ ,1966‬وأسس دارا للنشر باسمه في بيروت‪ ,‬متفرغا بذلك لقراره الوحيد ‪ ,‬وهو‬
‫الشعر ‪.‬‬
‫**زواج وطلق**‬
‫تزوج نزار بعد سنوات من انتسابه الى السلك الدبلوماسي السوري‪ ,‬بقريبة له هي‬
‫"زهراء أقبيق"‪ ,‬أم ابنه توفيق وابنته هدباء ‪ .‬وقد جاء زواجه بها في مرحلة البدء‬
‫في إقلعه نحو عالم الكفاح الصعب بسيف الشعر ونحو آفاق الشهرة‪ .‬وكانت زهراء‬
‫"سيدة بيت"‪ ,‬نمت وترعرعت في بيئة اجتماعية محافظة شامية تقليدية‪ ,‬وكانت‬
‫اتصالت ورسائل "المعجبات" قد بدأت تنهمر على نزار انهمار المطر‪ ,‬من شتى‬
‫أرجاء الوطن العربي‪ ,‬وكان نزار وسميًا أنيقاً رشيقاً قوياً رقيقاً في آن‪ ,‬ولم تكن لدى‬
‫زهراء قدرة تعينها على تحمل أن يكون زوجها لها ولغيرها‪ ,‬فكانت تسارع إلى‬
‫تمزيق رسائل المعجبات به وبشعره‪ ,‬ولم يكن ثمة مفر من تصادم الماضي‬

‫بالمستقبل التي الكثر تطوراً وجمالً ‪ ,‬فطلقها نزار بالحسنى و في عقد الخمسينات‬
‫ارتبط نزار بعلقة ‪ ,‬بحفيدة رئيس الوزراء السوري السبق "فارس الخوري"‪,‬‬
‫كوليت خوري‪ ,‬ابنه سهيل خوري‪ ,‬النائب السبق في المجلس النيابي السوري‪ .‬وبعد‬
‫زواجها بشاب اسباني فارع الطول ووسيم الملمح‪ ,‬أنجبت منه طفلتها الوحيدة‪,‬‬
‫سجلت كوليت تفاصيل علقة الحب العاصف التي جمعتها بنزار‪ .‬وفي روايتها‬
‫الولى الشهيرة "أيام معه"‪ ,‬وهي الرواية التي اشتراها المنتج السينمائي السوري‬
‫صبحي فرحات لنتاجها للسينما ‪ ,‬كان نزار هو بطل الرواية ‪.‬‬

‫**على عرش بلقيس**‬
‫التقى نزار "بلقيس" للمرة الولى‪ ,‬ولم يكن يعلم أن عقله وقلبه سيتعلقان بها إلى هذا‬
‫الحد المجنون‪ ,‬الذي دفعه رغم الرفض المتواصل‪ ,‬إلى الستمرار في التقدم لخطبتها‬
‫حتى نال ما كان يحلم به ‪ ,‬التقاها في حفل استقبال بسيط في إحدى السفارات العربية‬
‫في بيروت‪ ,‬وكان خارجًا لتوه من أزمة وفاة زوجته الولى"زهراء" الدمشقية‪,‬‬
‫وولده " توفيق " الذي توفي اثر عملية جراحية للقلب في لندن‪ ,‬وهو ل يزال في‬
‫الثانية والعشرين من عمره‪ .‬وكانت ابنته الوحيدة "هدباء" قد تزوجت وانتقلت لتعيش‬
‫مع زوجها في إحدى دول الخليج العربي‪ .‬كان نزار وحيداً تماما وكانت بلقيس قبيلة‬
‫من النساء‪ ,‬هيفاء فرعاء يكاد شعرها يلمس الرض في استرسال لم تر عين نزار‬
‫مثله ‪ .‬هكذا رآها ‪ ,‬عفية وهدارة بشكل جعله يعود إلى كتابة الشعر مرة أخرى بعد‬
‫توقف دام ثلث سنوات‪ ,‬لم يكن يعرف له نزار مبرراً‪ .‬ويقول‪ " :‬لكنها بلقيس‪,‬‬
‫أعادت الحبر للقلم مثلما أعادت الدماء للعروق " ‪.‬‬
‫تقدم نزار لخطبة بلقيس لول مرة عام ‪ ,1962‬لكن عائلتها رفضت لما كانت تسمع‬
‫عن نزار من أنه شاعر النساء والغزل والحب‪ ,‬ولم تأمن على ابنتها أن تعيش مع‬
‫رجل كل كلمه عن النساء‪ .‬وظل نزار يلحقها بإصرار شديد مدة سبع سنين‪,‬‬
‫رفضت خللها أشخاصاً عديدين لنها تحب نزار على الرغم من أنه يكبرها كثيرا‪,‬‬
‫فهي لم تتجاوز ‪ 23‬عاما‪ ,‬وهو في سن الربعين وعاود الكرة عام ‪ ,1969‬وكانت‬
‫الموافقة وتزوجا ليعيشا معاً في بيروت‪ ,‬ورزقا بطفلين‪ :‬زينب وعمر‪ .‬ونعم نزار‬
‫ب عميق ل تشوبه شائبة ول تعكر صفوه اليام‪ ,‬حتى جاء اليوم المشؤوم‬
‫معها بح ٍ‬
‫الذي فقد فيه نزار كل شيء ‪ ،‬فقد قتلت بلقيس عام ‪ 1981‬في حادث انفجار دمّر‬
‫السفارة العراقية في بيروت ‪ ,‬وصمت نزار ليصيح وقد جن جنونه‪" :‬سأقول في‬
‫التحقيق‪ ..‬أني قد عرفت القاتلين‪..‬‬
‫بلقيس‪..‬يافرسي الجميلة‪..‬إنني من كل تاريخي خجول‬
‫هذي بلد يقتلون بها الخيول‪..‬‬
‫سأقول في التحقيق‪:‬‬
‫كيف أميرتي اغتصبت‪..‬‬

‫وكيف تقاسموا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب‬
‫سأقول كيف استنزفوا دمها‪..‬‬
‫وكيف استملكوا فمها‪..‬فما تركوا به ورداً‬
‫ول تركوا به عنبا‪..‬‬
‫هل موت بلقيس‪..‬هو النصر الوحيد في تاريخ كل العرب ؟"‬
‫وبكى نزار بمرارة زوجة سقته من حنانها ‪ 12‬عاما‪ ,‬نعم فيها بالراحة والسكينة‪,‬‬
‫وصار يجمع ولديه‪ ,‬زينب وعمر‪ ,‬ويغلق بابه منذ الغروب‪ ,‬بعيدا عن الناس‪ ,‬عله‬
‫يسبح بخياله فيقابل طيف بلقيس ‪.‬‬

‫**الموت والولدة**‬

‫لماذا هو الشاعر الوحيد الذي عندما تقرأ كلماته أي امرأة تشعر بأنها هي التي‬
‫تتكلم؟ ولماذا يحمل نزار لقب"نصير المرأة"؟ لماذا عاش ومات يدافع عن النساء؟‬
‫هو نفسه ل يدري‪ ,‬ويتساءل ‪ ":‬هل كان موت أختي في سبيل الحب‪ ,‬أهم العوامل‬
‫النفسية التي جعلتني أتجه إلى الكتابة عنها وعن مشاعرها واحساسها؟ هل كان ذلك‬
‫تعويضا لما حرمت منه أختي؟ "‬
‫وعلى جسد المرأة‪ ,‬صعد نزار قباني رقيقاً ‪ ,‬مثل الفراشة الهامسة‪:‬‬
‫"حبك يا عميقة العينين‬
‫حبك مثل الموت أو الولدة‬
‫صعب أن يعاد مرتين"‬
‫وكان يخرج من رقته أحياناً ليدخل المجال الذي يحلو للخرين أن يصفوه بالفحش‬
‫وهو داخله ومع هذا‪ ,‬كانت لنزار قباني آراء سياسية شديدة العمق‪ .‬فرأيه أن مشكلتنا‬
‫في العالم العربي هي التخلف وسيادة التفكير الضيق ودبلوماسية الوساطة‬
‫والتوكيلت ‪ ،‬وعن سلوكنا السياسي العربي يقول نزار‪ ":‬ان سلوكنا السياسي هو‬
‫مجموعة من السلبيات وسلسلة طويلة من الجبرية والقدرية‪ ,‬محاولة لدفع المسؤولية‬
‫عن ظهورنا‪ ,‬وربطها بعوامل وقوى خاريجة ل قدرة لنا على دفعها أو ردها " ‪.‬‬
‫**نحو الوطن**‬
‫حدثت منذ سنة ‪ 1967‬انعطافة جذرية في شعر نزار‪ ,‬وتحول من شاعر المشاعر‬
‫النسائية والجسد النثوي إلى شاعر سياسي‪ ,‬فقال في نكسة يونيو (حزيران) ‪1967‬‬
‫‪ ,‬قصيدة ذائعة الصيت "هوامش على دفتر النكسة"‪ ,‬لكن الشاعر الكبير صالح‬
‫جودت‪ ,‬شن عليه هجوماً بالغ العنف‪ .‬لم يقتصر على الوقوف ضد قصيدة نزار‪ ,‬بل‬
‫طالب بمنع بث أعماله في مصر ‪ .‬ويقال أن سبب تلك الحملة هو نجاح نزار المتميز‬
‫في مصر‪ ,‬في مجال الغناء بعد ظهور أغانيه المشهورة مثل "أيظن" و"ماذا أقول له‬
‫" ونجحت الحملة وصدر قرار بمنع أغاني نزار وأشعاره من خلل التلفزيون‬
‫المصري‪ ,‬بل ومنع اسمه نهائيًا ‪ ,‬وصدر في الكتمان قرار بمنعه من دخول مصر ‪.‬‬
‫وكانت تلك القرارت بالنسبة إليه أشبه بإصدار حكم العدام‬
‫لكن نزار بادر وأرسل إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رسالة‪ ,‬هذا جزء منها‬
‫‪:‬‬
‫" سيادة الرئيس‪ ,‬في هذه اليام التي أصبحت أعصابنا فيها رماداً وطوقتنا الحزان‬
‫من كل مكان ‪ ,‬يكتب اليك شاعر عربي ‪ ,‬يتعرض اليوم من قبل السلطات الرسمية‬
‫في الجمهورية العربية المتحدة لنوع من الظلم ل مثيل له في تاريخ الظلم‪ .‬وتفاصيل‬
‫القصة أنني نشرت في أعقاب النكسة قصيدة عنوانها "هوامش على دفتر النكسة"‪,‬‬
‫أودعتها خلصة ألمي وتمزقي‪ ,‬وكشفتً فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي‬
‫العربية‪ ,‬لقتناعي بأن ما انتهينا إليه ل يعالج بالتواري والهروب‪ ,‬وإنما بالمواجهة‬
‫الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا‪ .‬وإذا كانت صرختي حادة وجارحة‪ ,‬وأنا أعترف سلفاً بأنها‬

‫كذلك‪ ,‬فلن الصرخة تكون في حجم الطعنة‪ ,‬ولن النزيف بمساحة الجرح‪ .‬ومن منا‬
‫يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد ‪ 5‬حزيران؟ من منا لم يخدش السماء بأظافره؟ من‬
‫منا لم يكره نفسه وثيابه وظله على الرض؟ إن قصيدتي كانت محاولة لتقييم أنفسنا‬
‫كما نحن ‪" ..‬‬
‫وختم رسالته بقوله‪" :‬يا سيادة الرئيس‪ ,‬ل أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف‬
‫على نزيفه‪ ,‬والمجروح على جراحه ويسمح باضطهاد شاعر عربي يريد أن يكون‬
‫شريفاً وشجاعاً ‪ ,‬في ظل مواجهة نفسه وأمته‪ ,‬فدفع ثمن صدقه وشجاعته‬
‫ياسيادة الرئيس ‪ ,‬ل أصدق أن يحدث هذا في عصرك! "‬
‫وكان تاريخ الرسالة ‪ 30‬تشرين الول (اكتوبر) سنة ‪ ,1967‬ونجحت هذه الرسالة في‬
‫إنقاذ نزار قباني من "العلم" بعد أن أوصلها الكاتب أحمد بهاء الدين إلى الرئيس‬
‫عبد الناصر‪ .‬وعادت أغانيه تردد في الذاعة والتلفزيون‪ ,‬وعن هذا يقول نزار‪":‬‬
‫كسرت الحاجز بين السلطة والدب " ‪.‬‬
‫وهكذا طاف نزار بأشرعة الشعر بحار الحب وعوالم الحرية‪ ,‬وخاض بقلمه غمار‬
‫السياسة‪ ,‬يدافع عن عروبته‪ ,‬واضعا أمته أمام نفسها بل تزييف أو تضليل‪ ,‬ل لنه‬
‫يكرههم فينتقص منهم ويقلل من قدرهم‪ ,‬بل لنه يحب العروبة والعرب ول يريد لهم‬
‫النغماس في بحر عدو لدود شمر عن ذراعيه وجمع عتاده وسلحه وتربص به‬
‫ريب المنون ‪.‬‬
‫ولم يبتعد نزار عن قضايا وطنه‪ ,‬حتى عندما استقر به المقام بعيداً في مدينة‬
‫الضباب‪ ,‬لندن‪ ,‬حيث كان قلبه في اتجاه عروبته دائماً‪.‬‬
‫وقبل الرحيل بعشر سنوات‪ ,‬عاود نزار الحنين إلى المنزل الذي ولد فيه‪ ,‬وإلى‬
‫شجرة الياسمين التي علمته حب الجمال ‪ .‬وشد الرحال الى دمشق‪ ,‬حيث زار المنزل‬
‫العائلي‪ ,‬الذي نشأ فيه‪ ,‬وكأنه أراد أن يودع ملعب الطفولة ‪.‬‬
‫وآن للغريب أن يعود الى حضن الرض التي أنجبته‪ .‬بعد أن أسلم نزار الروح في‬
‫‪ 30‬ابريل عام ‪ ,1998‬عاد الى دمشق جثماناً محمولً بالطائرة‪ ,‬إلى رحم التي علمته‬
‫الشعر والبداع وأهدته أبجدية الياسمين ‪ .‬فقد أوصى نزار قائل ‪ " :‬أدفن في دمشق‪,‬‬
‫الرحم التي عملتني الشعر والبداع ‪ ,‬وأهدتني أبجدية الياسمين " ‪.‬‬

‫نزار قباني ‪ :‬منذ أيام النبي العربي ‪ ..‬والشام تتكلم عربي‬
‫شمس الدين العجلني‬

‫لملمت من كل بساتين العالم ورداً وقرنفلً وأشياء غريبة وجميلة وطوقتها بالياسمين‬
‫الدمشقي وحملتها بين أضلعي وقصدت نزار قباني أدق أبواب العشاق أسأل عنه ‪..‬‬
‫أدق نوافذ المحبين اسأل عنه أدق جفون الساهرين أسأل عنه‪...‬‬
‫أتسلق أحلمي وأصعد إلى النجوم اسأل عنه‪ ...‬وكان دائمًا معي عند كل باب طرقته‬
‫ونافذة سألتها‪ ...‬كان معي كلما نظرت إلى السماء فقلت ‪:‬‬

‫‪.........‬‬
‫‪....‬‬
‫*ما هو تحصيلك الجامعي وأين درست ‪....‬؟!‬
‫**مدرستي الولى هي الكلية العلمية الوطنية في دمشق دخلت إليها في السابعة من‬
‫عمري وخرجت في الثامنة عشر أحمل شهادة البكالوريا الدبي (القسم الدبي)‬
‫ومنها انتقلت إلى مدرسة التجهيز حيث حصلت على شهادة البكالوريا الثانية (قسم‬
‫الفلسفة) وحصلت عام ‪ 1945‬من الجامعة السورية في دمشق على الليسانس في‬
‫الحقوق لم أقبل على دراسة القانون مختاراً وإنما درسته لنه مفتاح عملي إلى‬
‫المستقبل وأتقن اللغة الفرنسية التي تعلمتها أثناء دراستي في الكلية العلمية الوطنية‬
‫واللغة النكليزية أثناء عملي في السفارة السورية في لندن (‪ )1955-1952‬واللغة‬
‫السبانية أثناء عملي الدبلوماسي في مدريد (‪.)1966-1962‬‬
‫ولم أمارس المحاماة ولم أترافع في قضية قانونية واحدة القضية الوحيدة التي‬
‫ترافعت عنها ولتزال هي قضية الجمال ‪ ...‬والبريء الوحيد الذي دافعت عنه هو‬
‫الشعر‪...‬‬

‫‪................‬‬
‫* و أول بيت شعر نظمته‪:‬‬

‫** حين كانت طيور النورس تلمس الزبد البيض عن أغصان السفينة المبحرة من‬
‫بيروت إلى ايطاليا في صيف ‪ 1939‬وفيما كان رفاق الرحلة من الطلب والطالبات‬
‫يضحكون‪,‬ويتشمسون ‪ ,‬ويأخذون الصور التذكارية على ظهر السفينة كنت أقف‬
‫وحدي في مقدمتها ادمدم الكلمة الولى من أول بيت شعر نظمته في حياتي ‪...‬‬
‫وللمرة الولى وفي سن السادسة عشرة وبعد رحلة طويلة في البحث عن نفسي نمت‬
‫شاعراً‪.‬‬
‫*ومن هي بلقيس بالنسبة إليك ؟!‬
‫**في عام ‪ 1969‬جئت إلى بغداد للقي قصيدة ‪ ,‬وبعد قراءة قصيدتي التقيت بقصيدة‬
‫ثانية اسمها بلقيس ‪ ..‬وتزوجتها‪ ..‬وأقمنا ‪ .‬أول مؤسسة وحدوية بين قلبين وبين‬
‫وطنين‪ ..‬مؤسستنا الصغيرة كانت رائدة وطليعية وشجاعة ‪0‬‬
‫وكنا – بلقيس وأنا‪ -‬نطمح إلى إن نكون مثالً ونموذجًا لوحدات أخرى قادمة تجعل‬
‫سماء الوطن أكثر اتساعاً ونجومه أكثر عدداً وبحاره أكثر زرقة وأطفاله يتكاثرون‬
‫بالمليين كما تتكاثر شقائق النعمان في أول الربيع بين الرطبة وأبي الشامات‪.‬‬

‫*هل تحدثنا عن ابنك توفيق ‪:‬‬
‫** في العاشر من شهر آب ‪ /1973/‬مات ابني توفيق في لندن توقف قلبه عن العمل‬
‫كما يتوقف قلب طائر النورس عن الضرب ‪ ,‬عمره اثنتان وعشرون سنة‪ ..‬وشعره‬
‫كلون حقول القمح في تموز ‪ ,‬كان توفيق أميراً دمشقيًا جميلً‪...‬‬
‫كان طويلً كزرافة ‪ ,‬وشفافًا كالدمعة ‪ ,‬وعالي الرأس كصواري المراكب‪.‬‬
‫قبل أن يموت توفيق بأيام قال لخته هدباء التي سافرت معنا إلى لندن ‪ :‬أتعرفين‬
‫ياهدباء ماذا يخطر ببالي أن افعل ؟ إنني سآتي بسيارتي من القاهرة وأبيعها في لندن‬
‫وأعيش الحياة طولً وعرضاً‪.‬‬

‫وعندما قالت له هدباء ‪ :‬وإذا انتهت فلوس السيارة فماذا ستفعل ؟ أجابها على الفور ‪:‬‬
‫ل تخافي سأموت أنا والسيارة معاً‪...‬‬
‫وذات يوم كنت أتمشى مع توفيق في اكسفورد ستريت ورأينا في إحدى الواجهات‬
‫قميصاً أزرق من النوع الذي يعجبه فقلت له‪ :‬ما رأيك أن نشتريه ؟ قال ولماذا‬
‫الستعجال ؟ أن القميص سيبقى ‪ ...‬ولكن هل سأبقى أنا؟‬
‫إن رحيل توفيق المفاجئ ‪ ,‬أكد لي حقيقة لم أكن أعرفها وهي أن الصغار أشجع منا‬
‫وأكثر منا قدرة على فهم طبيعة هذه الرحلة التي يسمونها الموت ‪...‬‬
‫*هل تحدتنا عن والدتك أم معتز ‪:‬‬
‫أما أمي فكانت ينبوع عاطفة يعطي بغير حساب كانت تعتبرني ولدها المفضل‬
‫وتخصني دون سائر اخوتي بالطيبات وتلبى مطالبي الطفولية بل شكوى ولتزمر ‪.‬‬
‫بيت أمي كان معقلً للحركة الوطنية عام ‪ 1935‬وفي باحة دارنا الفسيحة كان يلتقي‬
‫قادة الحركة السياسية السورية بالجماهير ومنها كانت تنطلق المسيرات والتظاهرات‬
‫ضد النتداب الفرنسي ‪.‬‬
‫يعرفونها في دمشق باسم ( أم المعتز ) اسمها فائزة ‪ ..‬جاءني هاتف من دمشق يقول‬
‫لي ‪ :‬أمك ماتت ‪ ..‬لم استوعب الكلمات في البداية ‪ ..‬لم استوعب كيف يموت السمك‬
‫كله ‪ ...‬في وقت واحد ‪...‬‬
‫وعن الشام يقول نزار قباني ‪:‬‬
‫‪..‬منذ أيام النبي العربي ‪ ..‬والشام تتكلم عربي ومنذ أيام معاوية ‪ ،‬وهشام ومروان ‪..‬‬
‫حتى أيام حافظ السد ومنذ موقعة بدر ‪ ..‬حتى موقعة جبل الشيخ ‪ ..‬والشام مواظبة‬
‫على تكلم اللغة العربية وعلى تعليمها ‪ ،‬إن صناعة دمشق الساسية هي العروبة ‪.‬‬
‫وحين نسأل نزار قباني عن سورية ومواقفها القومية يختصر كل تاريخ سورية قائل‬
‫ً‪:‬‬
‫هكذا خلق ال السوريين‬
‫كل رغيف يخبزونه يقتسمونه مع العرب‬
‫وكل شجرة يزرعونها تأكل من ثمرها العرب‬
‫وكل حجر يحملونه على أكتافهم هو لتعمير‬
‫بيت العرب‬
‫اشتهرت بكونك شاعر المرأة ؟ ترى ما هو موقفك من حرب تشرين ‪:‬‬
‫قبل السادس من تشرين ‪ / 1973 /‬كانت صورتي مشوشة وغائمة ‪ ،‬وقبيحة‬
‫واليوم ‪ 6 /‬تشرين ‪ /‬يبدا عمري‬
‫ل تستغربوا كلمي فأنا ولدت‬
‫تحت الطوافات والجسور العائمة‬

‫وخرجت من أسنان المجنزرات السورية‬
‫التي كانت تقرقش الصخور في مرتفعات الجولن‬
‫‪.‬ويتابع شاعرنا التغني بأمجاد تشرين وبالتضامن العربي حين استعمل العرب سلح‬
‫النفط في المعركة فيقول ‪:‬‬
‫للمرة الولى ‪..‬اشتري زجاجة بترول واهديها لحبيبتي‬
‫وتشكرني لنني أعدت إليها الثقة بأنوثتها‬
‫أهديتها عطرها المفضل ‪ :‬النفط‬
‫حبيبتي ‪ ،‬بعد حرب ‪ 6‬تشرين تفضل‬
‫أن تستعمل عطرا قومياً‬
‫ترى هل تجول شاعرنا في شوارع دمشق أثناء حرب تشرين وشاهد القصف‬
‫السرائيلي لشوارع دمشق وخاصة شارع ( ابو رمانة ) ‪:‬‬
‫تجولت في كل شوارع العشاق ولكن‬
‫شارع أبو رمانة في مدينة دمشق‬
‫بأبنيته المهدمة وشرفه المتساقطة‬
‫واصص أزهاره المحترقة ‪ ،‬وأشجاره‬
‫التي حصدتها الصواريخ لقد أصبح أهم شارع‬
‫في العالم لن الكبرياء والبطولة‬
‫اصبحتا من بين سكانه‬
‫‪.‬وبعد تشرين التحرير تحاول آلة العدوان والدمار الستمرار في العتداء على‬
‫ارض سورية فيقف الجندي السوري شامخا مدافعا عن بوابة العروبة عن دمشق‬
‫الشام وتروي دماء جنودنا البواسل ارض الوطن فيقول نزار ‪:‬‬
‫‪ 82‬يوما والشام تكتب إلياذتها العظيمة على الصخر‬
‫والثلج بحروف كبيرة‬
‫‪ 82‬يوما والشام تسدد وحدها كل ديون العالم العربي المستحقة منذ‬
‫عام ‪ 1967‬وعام ‪ 1948‬ول تطلب‬
‫من المديونين جزاء ول شكورا‬
‫لقد حاربت الشام ‪ ،‬واستحقت ثواب حربها‬
‫هذه هي سورية‬
‫كانت في الحرب أستاذة‬
‫تتكلم بالعربي الفصيح‬
‫ولملمت أوراقي ثانية ‪ ..‬وجمعت الورد والقرنفل والياسمين ونثرتها في الفق البعيد‬
‫بين النجوم وكلمات نزار ‪ ..‬فكانت الوردة تنبت وردة ‪,‬والقرنفل ينبت قرنفل‪,‬‬

‫والياسمين الدمشقي يملئ السماء ‪,‬والغيوم تمطر كلمات نزار قباني على تراب‬
‫الوطن‪.‬‬
‫* هذا اللقاء لم يحدث مع الشاعر الكبير نزار قباني وإنما الذي حدث أنني غصت‬
‫في أعماق ما كتب نزار قباني لجد السؤال والجواب فكان هذا اللقاء الذي حدث ‪...‬‬

‫مختارات هدباء قباني (ابنة نزار قباني رحمه ال) ‪:‬‬
‫كانت جدتي تدلـله باسم " نزوري " حين كان طفل ضائعا بين أحواض الورد‬
‫والخبيزة وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه الزرقاء‬
‫في بيت أبويه بدمشق القديمة‪ ،‬وهائما مع أسراب الحمام والسنونو وقطط البيت‪.‬‬
‫وعندما بلغ سن العاشرة ‪ ،‬لم يترك " نزار " صنعة فن لم يجربها ‪ :‬من الرسم‬
‫إلى الخط العربي ‪ ،‬إلى الموسيقى‪ ،‬إلى أن رسا قاربه ‪ -‬وهو في السادسة عشرة ‪-‬‬
‫على شاطئ الشعر‪.‬‬
‫قبل أن يكون أبي كان صديقي‪ ،‬ومنه تعلمت أن أحكي بينما هو يستمع ‪ ،‬رغم ندرة‬
‫استماع الرجل إلى المرأة في مجتمعنا‪ .‬زان أبي مراهقتي وشبابي بشعره‪ ،‬لكنه ‪ -‬في‬
‫المقابل وبصفاء نية ‪ -‬أفسد حياتي بشعره وبتعامله معي؛ فقد جعلني أقارن بينه وبين‬
‫الرجال الذين ألقاهم ‪ ،‬وأتت المقارنة دائما لصالح أبي ‪ ،‬ورأيت أغلب الرجال طغاة‪.‬‬
‫كان جاري في لندن ‪ ،‬لكنه لم يزرني قط دون موعد مسبق‪ .‬وفي نادرة ‪ ،‬دق بابي‬
‫دون موعد ‪ ،‬وعندما وجد لدي صديقات اعتذر ‪ ،‬واستدار عائدا مؤجل زيارته لمرة‬
‫أخرى ‪ ،‬ولم يسبقه سوى صراخ الصديقات بأن يبقى‪.‬‬

‫قد يكون أهم ما أذكره عن أبي ‪ ،‬هو ذلك التشابه المذهل بينه وبين شعره ؛ فهو ل‬
‫يلعب دورا على ورق الكتابة ‪ ،‬ودورا آخر على مسرح الحياة‪ .‬ول يضع ملبس‬
‫العاشق حين يكتب قصائده‪ ،‬ثم يخلعها عند عودته إلى البيت‪.‬‬
‫أنقل عن " أدونيس " فقرة مما قاله عن نزار قباني ‪:‬‬
‫" كان منذ بداياته الكثر براعة بين معاصريه من الشعراء العرب‪ ،‬في المساك‬
‫باللحظة ‪ -‬التي تمسك بهموم الناس وشواغلهم الضاغطة ‪ :‬من أكثرها بساطة‪،‬‬
‫وبخاصة تلك المكبوتة والمهمشة ‪ ،‬إلى أكثرها إيغالً في الحلم وفي الحق بحياة‬
‫أفضل‪ .‬وفي هذا تأسست نواة العجاب به ‪ ،‬ذلك العجاب التلقائي الذي تجمع عليه‬
‫الطراف كلها‪" .‬‬
‫ابتكر نزار قباني تقنية لغوية وكتابية خاصة ‪ ،‬تحتضن مفردات الحياة اليومية‬
‫بتنوعها‪ ،‬ونضارتها ‪ ،‬وتشيع فيها النسم الشعري‪ ،‬صانعا منها قاموسا يتصالح فيه‬
‫الفصيح والدارج‪ ،‬القديم والحديث‪ ،‬الشفوي والكتابي "‬
‫وبعد ‪ ،‬كم أشعر بالفخر لن أبي هو نزار قباني‪ ،‬الشاعر الذي نقل الحب من القبية‬
‫السرية إلى الهواء الطلق‪.‬‬
‫* هدباء قباني توفيت في لندن في ‪ 8‬نيسان ‪ 2009‬عن ‪ 54‬سنة ‪ ،‬رحمها ال ‪.‬‬

‫نزار قباني ‪ :‬ذكرى شاعر الحب والغزل‬
‫عزيز العرباوي‬
‫‪14/08/2007‬‬

‫عرف القرن العشرون ظهور عدة تيارات شعرية ‪ ،‬حيث كان فاتحة زمان مختلف‬
‫عن القرون التي سبقته للقصيدة العربية ‪ ،‬وديوانا إبداعيا مغايرا للسائد والمألوف‬
‫بحيث وجد شعراء من كل صنف ولون ومن كل موضوع شيق يتفق وروح المتلقي‬
‫والقاريء الذي ما فتيء يجعل الشعر الجيد في صفحة حياته وتواصله مع الخرين ‪.‬‬
‫رغم أن العصر الذي كان يعيش فيه الشاعر " نزار قباني " هو عصر النهيارات‬
‫والتدهور والصراعات المتتالية على الصعيد العالمي ‪ ،‬كان ل بد منه أن يحيد عن‬
‫ذاك الجانب وأن يميل قدر ما يستطيع عن ما يعانيه الناس جراء المعاناة اليومية ‪.‬‬
‫فأتاح لموهبته الثقافية والشعرية خاصة ‪ ،‬تجليات ظهورها وتفوقها في العديد من‬
‫قصائد الحب والغزل ‪ ،‬ورسم المثل العلى للعاشق الموهوب خلقيا بهذه الصفة ‪.‬‬
‫إن تجربة " نزار قباني " الشعرية المتخمة بقصائد السقوط والصعود ‪ ،‬بقصائد‬
‫انهيار الحلم الطبيعي ‪ ،‬وبناء الذات العاشقة بقصائد الفشل على سرير المرض‬
‫والعجز والشيخوخة ‪ ،‬ونجاح التجربة العاطفية الكبرى والتغني بها ‪ ،‬كل هذا جعل‬
‫الشاعر المهموم بواجباته ومسؤولياته وهموم وطنه ورغبات عشاقه وقرائه في‬
‫صف الصاعدين إلى القمم الشعرية في عصور ازدهار الشعر العربي ‪ .‬بل رأى‬
‫الكثير ممن عاصروه أنه الباب الواسع الوحيد الذي ولج منه العديد من الشعراء‬
‫والعديد من التجارب الشعرية التي سارت على النهج الذي رسمه وقننه ‪ .‬حيث كان‬
‫وبقي إلى الن التجاه الوجداني والرومانسي الوحيد في الشعر العربي الحديث ‪.‬‬
‫شعر " نزار قباني " هو شعر المواجهة مع الذات الخرى التي يخاطبها ‪ ،‬يحاول‬
‫النفاذ إلى قاع وقعر الشياء المخاطبة ‪ .‬يرصد كل التغيرات والتحولت الطارئة‬

‫عليها ‪ .‬يدين كل ما هو سلبي ويبارك كل ما هو إيجابي ويتفق مع روحه الثائرة ‪.‬‬
‫فاللغة التي يتوسلها في قصائده لغة تقطر نصحا وتوهجا وعمقا شديدا ‪ ،‬لغة تقف‬
‫على حدود الخطر ‪ ،‬وتغترف منه ما يؤيدها على إلقاء آخر عزيمة وقوة يحتويها ‪.‬‬
‫الكلم عن التجربة الشعرية أو لنقل ‪ -‬ولنكون عادلين ‪ -‬التفوق الشعري عند " نزار‬
‫قباني " يعني الولوج معه إلى قائمة غير محدودة من الحتمالت والتغيرات ‪ .‬حيث‬
‫أنه يرحل بنا في دواوينه إلى عالم آخر يختلف عن عالم الخرين ‪ ،‬عالم يتجلى على‬
‫غيمة الفرح والسرور والرتياح ‪ .‬عالم ساحر منمق يخلو إلى ذاته فيفجر نفسه على‬
‫أجساد رقيقة وممشوقة ‪.‬‬
‫المشروع الفكري الذي أنجزه " نزار قباني " في شعره والذي توجه به إلى كل‬
‫امرأة توجد في هذا الكون ‪ ،‬مشروع لم يختبر بعد في الواقع العربي المزمن ‪ .‬حيث‬
‫تناول بكثير من الناة والعمق ما يراه عصبا حقيقيا للمجتمع العربي ‪ .‬حاول كشف‬
‫الزيف الذي يعرفه المجتمع من منبره الخاص ‪ ،‬بلغة سلسة يبللها ماء الحياة بلغة‬
‫تحرك نهر النوثة في كل اتجاه ‪ .‬لغة تؤسس كوكبا للعشق والحب والشمس‬
‫مهووسة بالنثر والشعر والحب واللون والغزل الجميل ‪.‬‬
‫لقد كان شعر نزار مختلف سعى به إلى اقتحام عالم الفكر ‪ ،‬وصياغة ثقافته الشعرية‬
‫المتأثرة بالعاطفية والرومانسية ‪ ،‬المتجذرة في شعر الجاهلية وتقنيات شاعر‬
‫مخضرم مثل " عمر بن أبي ربيعة " ‪ .‬ومن يدرك سر غوصه وإبحاره في فضاء‬
‫الفكر مؤسساً لنوع جديد من الفكر الشعري بمثابة قناع ثقافي حاول الحفاظ فيه على‬
‫الدللة اللغوية والشعرية التي تشكلها ومن هذا المنظور الخير تكتسب دللة العاطفة‬
‫والرومانسية بعدا حقيقيا في دواوين الشاعر ‪ .‬بعداً يثير معنى سياسياً واجتماعياً‬
‫داخل مجتمع الشاعر بما يشبه التقديم الدرامي للبطل في مسرحية أسطورية ‪ ،‬إن‬
‫هذه الكتابة النابعة من أغواره وأعماقه تستدعي قراءة عاشقة وعاطفية لروح النص‬
‫الشعري المتعدد المواضيع والجوانب الفكرية ‪ .‬وتستدعي معرفة نتيجة اختيار‬
‫الشاعر لهذا اللون الفكري الحساس في هذا العصر لحظة التوتر والتردد العصيب ‪.‬‬
‫كان الشاعر مثقل بالحزن والكآبة ولكنه لم يقم بتأكيد هذا المنطق في قصائده ‪ ،‬ولم‬
‫يكن عالمه الفكري مليئا بالكذب والقسوة والتفاهة والخداع ‪ .‬بل تجلت الحقيقة مع‬
‫الفجر ‪ ،‬مع ولدة أول قصيدة في العهد التي تولدت فيه الحكمة والقداسة ‪ .‬فكانت‬
‫فلسفته في شرح نظرياته محط سخرية الكثير من السوفسائيين والجهلة من القوم‬
‫الذين ما فتئوا يبددون حقيقة الكون على نحو مغاير ‪ .‬هذه الحقيقة التي تجلت في فعل‬
‫الختيار الصائب الذي تولد لديه ‪ ،‬ولم يتردد في النطواء عليه طيلة مشواره‬
‫الفكري ‪ ،‬ضمن منظومة ثقافية عادلة ‪ .‬فأدرك بعد ذلك أن النسان حيثما وجد توجد‬
‫إنسانيته ‪ .‬وأن النسان الحق هو من يطلق المور التافهة ويرث بساط الرض على‬
‫جنة أنثوية من الحريم والحوريات ‪ ،‬محبا للوجود كله ببساطة وتلقائية وليس بعنف‬
‫ينبض بصوفية مقدسة ‪.‬‬

‫فإذا ما انتقلنا إلى الوجه الخر للشعار " نزار قباني " ‪ ،‬وجه المنفى والبكائيات ‪،‬‬
‫وجه العروبة الخبيث والنكسارات المتتالية والهزائم المتتابعة ‪ ،‬وتوالي الفواجع‬
‫والمصائب على الوطن العربي من كل صوب ‪ .‬نجد شعره كذلك في هذا الصدد‬
‫قويا وعنيفا في لغته وأسلوبه ‪ .‬ل يفارقه في امتداده اليأس والحزن والخنوع للطرف‬
‫الخر ‪ ،‬ل يفارقه الغضب والثورة المعلنة على كل ما هو مقدس ‪ ،‬وعلى جسامة‬
‫المصيبة وشماتة العداء ‪ .‬يقول في حوار له مع الجرائد ‪ " :‬صعب علي أن أرسم‬
‫حدود غضبي ‪ ،‬فطالما أن هناك سنتمترا واحدا من أرضي تحتله إسرائيل وتذله ‪،‬‬
‫وتقيم عليه مستعمراتها ‪ ،‬فإن غضبي بحر ل ساحل له ‪. "...‬‬
‫لم يستقبل شعر " نزار قباني " بالحفاوة والترحيب والتحفيز كما استقبل العديد‬
‫من الشعراء في عصر كان يعرف عدة توترات وانكسارات وهزائم وانقلبات‬
‫عسكرية في العالم كله ‪ .‬وبدا واضحا وجليا النقد الصارخ الذي واجهه طول حياته‬
‫وفكره فقد اتُهم بأنه هو السبب في الهزائم التي عرفتها المة العربية بشعره الفاحش‬
‫والغير الناضج والمتطور فكريا ‪ .‬ولكن " نزار قباني " لم يمض مع هذا المنظور‬
‫إلى النهاية ‪ ،‬إذ سرعان ما غير من فكره الشعري ‪ ،‬مؤكدا أنه ل يقل عروبة وقومية‬
‫وإنسانية عن الخرين ‪ ،‬والدليل على ذلك عدة قصائد موجودة بديوان " ل " وكذا‬
‫قصيدته الرائعة التي جلبت عليه الكثير من الويلت والتهامات " هوامش على دفتر‬
‫النكسة " ‪ ،‬فهي خير ما في شعر "نزار قباني " الذي يقطر ندما وصراخا وأنينا ‪.‬‬
‫قد أخذ " نزار قباني " على عاتقه مسؤولية كبيرة وأقسم على تحملها إلى آخر رمق‬
‫في حياته ‪ ،‬لكن الجهلة من قومه لم يتمكنوا من تصديقه لرضاء غرورهم الفكري ‪.‬‬
‫إنه واحد من شعراء القرن العشرين العظام بنفس شاعرية تنسج الشعر كما تنسج‬
‫الحشرات أنسجتها ‪ ،‬يبني خليته الشعرية كما يبني النحل خليته العسلية ‪ .‬فل تجد في‬
‫شعره قصيدة تخرج على عمود الشعر والفكر المعبرين القويين ‪ .‬حيث كان يفشي‬
‫أسراره المتعددة في حياته دون مبالة لحد ودون تردد ‪ ،‬ملتزما بشاعريته المرهفة‬
‫الحس التي عاشت بل أمجاد وبل ظل وماتت في غياهب النسيان دون رحمة ورأفة‬
‫‪.‬‬
‫معرفتي بـ "نزار قباني " لم تكن عبر اللقاء المباشر بل بمصادفة قوية التفاعل‬
‫والوجودية ‪ ،‬عرفته من خلل كتاباته وفكره المنتظم ‪ ،‬حيث ارتفع صوته وشعره‬
‫في أدراج مخيلتي ناشر الحكمة واللفة ذات اليمين وذات الشمال ‪ .‬فالحياة عند أي‬
‫إنسان وكما أعتقد ويعتقد معي الكثير ‪ ،‬كبيرة بالفن والتجارب والمشاعر القوية ‪.‬‬
‫لذلك كانت هذه المعرفة قوية التفاعل ومرهفة الحس والذوق الشعريين ‪ .‬كانت ثقافة‬
‫نزار وكتاباته بالنسبة إلى مدرسة في الشعر الحديث ‪ ،‬ارتبطت بها وتجاوزت‬
‫بطموحي إلى الحكمة فيها ‪ ،‬والفلسفة حسب إيقاع رتيب ‪ ،‬متأثرا بالنقد البناء‬
‫والقريب الفكرة إلى تصحيح المسار الشعري عند الشاعر ‪ .‬وكانت قراءاتي لدواوين‬
‫نزار في أفق المعنى والمضمون والمحتوى هي بالضرورة قراءة متمعنة وناجحة‬
‫الجوانب التفاعلية مع القصيدة ‪ ،‬وليست ترزح تحت وطأة ثقافة سلطوية ‪ ،‬سلطة‬

‫الروح والحوار والغزل ‪ .‬فكل قصيدة كنت أقرأها كانت تسكنني حرارة متعمقة‬
‫داخليا بصحبة الجرح والنزيف والثورة والحلم المجهضة والفكار المنتحرة بماء‬
‫القلق والموت ‪.‬‬
‫‪........‬‬

‫مقتطفات من حوار بين نزار قباني ومنير العكش ‪:‬‬
‫بيروت‪ ،‬تشرين الوّل (أكتوبر)‬

‫‪1971‬‬

‫هذا الحوار نُشر في مجلّة ﴿مواقف﴾‬

‫منير العكش ‪:‬‬
‫ هل يشاركك جمهورك في كتابة القصيدة ؟‬‫نزار قباني ‪:‬‬
‫‬‫فهذا‬

‫إذا كنت تعني بالمشاركة أنّ هذا الجمهور يجلس على أصابعي عندما أكتب‪،‬‬

‫غير صحيح‪ .‬أمّا إذا كنت تعني بالمشاركة أنّني أستقطب هموم هذا الجمهور‬
‫وانفعالته وأتحسّس بها كما تش ّم الخيول رائحة المطر قبل سقوطه‪ ...‬فهذا صحيح‪.‬‬
‫بهذا المعنى‪ ،‬أنا أقف على أرض التوقّع والنبوءة‪.‬‬
‫منير العكش ‪:‬‬
‫تعني أنّ هموم الجماهير استغرقتك كلّية‪ ،‬وأنّه ليس هناك انفصال بينها وبين‬
‫‬‫تجاربك الصغيرة ؟‬
‫نزار قباني ‪:‬‬
‫ليس عندي تجربة صغيرة وتجربة كبيرة‪ .‬كلّ تجاربي هي في الوقت ذاته‬
‫‬‫تجربة العالم كلّه‪ .‬فأنا‪ ،‬حين أتحدّث عن حبّي‪ ،‬إنّما أتحدّث عن حبّ العالم كلّه‪،‬‬
‫وحين أتحدّث عن حزني‪ ،‬إنّما أتحدّث عن حزن الدنيا بأجمعها‪ .‬تخطئ حين تظنّ أنّ‬
‫تجربة الشاعر الجزئية تجيء من برزخ آخر‪ .‬فالشاعر جزء من أرض‪ ،‬ومجتمع‪،‬‬
‫وتاريخ‪ ،‬وموروثات ثقافية ونفسية وعضوية‪ .‬وكلّ كلمة يضعها الشاعر على‬
‫الورقة‪ ،‬تحمل في ثناياها النسانية كلّها‪ .‬والتجربة الذاتية التي تظنّها صغيرة‪ ،‬تأخذ‬
‫في بعض الحيان حجم الكون‪ .‬لذلك فإنّ خصوصيات الشاعر‪ ،‬بمجرّد اصطدامها‬
‫ن الدب الذاتي‬
‫بالورق‪ ،‬تتعدّى ذاتها‪ ،‬لتصبح فضيحة‪ ،‬فضيحة يقرؤها العالم‪ .‬إ ّ‬
‫خرافة‪ ...‬وافتراض‪ .‬فالذات ليست إلكترونا منفصل ولكنّها جزء من حركة الكون‪.‬‬
‫ن الواحدة التي أحبّها‪ ...‬هي كلّ النساء‪.‬‬
‫حتّى في حالت عشقى الشخصي‪ ،‬أشعر أ ّ‬
‫‪....‬‬
‫منير العكش ‪:‬‬
‫أتصوّر أنّ المرأة في شعرك لم تكن قضية‪ ،‬بقدر ما كانت بطاقة إلى‬
‫‬‫الجماهير‪ .‬أعني أنّ المرأة في شعرك "مَضافة" تزوّقها كلّ مرّة بما يرضي أذواق‬
‫الضيوف ويخدّرهم‪.‬‬
‫نزار قباني ‪:‬‬
‫المرأة‪ ،‬كانت ذات يوم وردة في عُروة ثوبي‪ ،‬خاتما في أصبعي‪ ،‬همّا جميل‬
‫‬‫ينام على وسادتي‪ ،‬ثمّ تحوّلت إلى سيف يذبحني‪ .‬المرأة عندي الن ليست ليرة ذهبية‬
‫ملفوفة بالقطن‪ ،‬ول جارية تنتظرني في مقاصير الحريم‪ ،‬ول فندقا أحمل إليه‬
‫حقائبي‪ ،‬ث ّم أرحل‪ .‬المرأة هي الن عندي أرض ثورية‪ ،‬ووسيلة من وسائل التحرير‪.‬‬
‫إنّني أربط قضيّتها بحرب التحرير الجتماعية التي يخوضها العالم العربي اليوم‪.‬‬
‫إنّني أكتب اليوم لنقذها من أضراس الخليفة‪ ،‬وأظافر رجال القبيلة‪ .‬إنّني أريد أن‬
‫أنهي حالة المرأة‪ -‬الوليمة‪ ،‬أو المرأة – «المَنسف» وأحرّرها من سيف عنترة‬
‫وأبي زيد الهللي‪.‬‬

‫ما لم نكفّ عن اعتبار جسد المرأة «مَنسفا» تغوص فيه أصابعنا وشهواتنا‪ ،‬وما لم‬
‫نكفّ عن اعتبار جسدها جدارا نجرّب عليه شهامتنا‪ ،‬ورصاص مسدّساتنا‪ ،‬فل‬
‫ن الجنس هو صداعنا الكبير في هذه المنطقة‪ ،‬وهو المقياس البدائي‬
‫تحرير إطلقا‪ .‬إ ّ‬
‫لكلّ أخلقيّاتنا التي حملناها معنا من الصحراء‪ .‬يجب أن يعود للجنس حجمه‬
‫الطبيعي‪ ،‬وأن ل نضخّمه بشكل يحوّله إلى عول أو عنقاء‪ .‬الكائنات كلّها تلعب لعبة‬
‫الجنس بمنتهى الطهارة‪ .‬السماك‪ ...‬الرانب ‪ ...‬والزاهير‪ ...‬والعصافير‪...‬‬
‫وشرانق الحرير‪ ...‬والمواج‪ ....‬والغيوم‪ ...‬كلّها تمارس طقوس الجنس بعفوية‬
‫وشفافية‪ ،‬إلّ نحن فقد اعتبرناه طفل غير شرعي‪ ،‬وطردناه من مدننا وجرّدناه من‬
‫حقوقه المدنية‪.‬‬

‫النوثة في شعر نزار قباني ‪:‬‬
‫نهلة فيصل الحمد‬
‫جريدة الرياض‬
‫يعدّ نص الشاعرالعربي السوري نزار قباني (‪1998 - 1923‬م) من أكثر التجارب‬
‫المعاصرة إثارة للجدل والفضول واللتباس‪ ،‬لما يحمله من معين هائل من الرؤى‬
‫والطياف والجمالت‪ ،‬ولما يحيل إليه من عوالم شديدة الثراء والتساع‪ ،‬فهو نص‬
‫يستعصي على التصنيف والنتماء‪ ،‬وأكبر من أن تستوعبه مدرسة شعرية واحدة أو‬
‫اتجاه فني بعينه‪ ،‬فـ «كونه الشعري مازال يحفل بكل عجيب وغريب» وشعره ظلّ‬

‫يخاطب قارئاً ظاهراً‪ ،‬وينشد قارئاً مضمراً‪ ،‬ومختلفاً ما فتئ يتكاثر ويتعدد‪ ،‬ولكأن‬
‫هذا الشعر متعال عن الزمان يجري غير آبه بتعاقبه وتراخيه‪ ،‬ولكأنه موصول بكل‬
‫ف عن المؤسسة‬
‫المراحل يحتضن داثرها وباقيها‪ ،‬فمنذ خمسين عاماً ونيف وهو يع ّ‬
‫النقدية تسنده وتزكيه‪ ،‬بل ظل على امتداد هذا الزمن يحتكم إلى أفق تقبل أوسع‬
‫يحوز فيه الجمهور غير المختص الصدارة‪.‬‬
‫وإذا كانت الحداثة قد زعزعت المفاهيم‪ ،‬ونفضت عنها غبار عصور خلت‪ ،‬رافضة‬
‫الرث‪ ،‬فإن ما بعد الحداثة قادرة على خلق الشكاليات ضمن المسلمات حتى يتسنى‬
‫لها خلخلة الثقة بما لم يكن سابقًا يقبل الشك‪ .‬وقد ل نبالغ إذا قلنا إن القباني يعدّ بحق‬
‫رائداً لفهم جديد للنوثة على المستويات جميعها‪ :‬الفكري والفلسفي والدبي وذلك‬
‫عبر مشروعه الشعري النهضوي الذي اضطلع به على مدى نصف قرن ونيّف من‬
‫الزمان‪.‬‬
‫فما الذي فعله القباني؟‬
‫إن القباني عمل منذ البداية على إثارة الشك في الكثير من الرواسب القديمة‪،‬‬
‫وزعزع مصداقيتها‪ ،‬وأعاد اختبار مجموعة المسلمات والبديهيات القائمة حول‬
‫النوثة‪ ،‬وذلك لنجاز مستوى آخر لفهمها من جديد‪.‬‬
‫لقد فتح القباني الباب على مصراعيه أمام عمليات تحليل جذري لكل البنى الرمزية‬
‫المترسبة من الماضي‪ ،‬والمنتقلة باستاتيكية عجيبة إلى عصرنا هذا‪ .‬فأظهر سلبياتها‬
‫إلى السطح‪ ،‬من خلل عبوره إلى داخلها‪ ،‬وتحليلها تحليلً حاذقًا يفضي إلى السخرية‬
‫والتهكم حيناً وإلى اللتفات إلى النفس والنظر في العماق المعرّاة بشيء من الخجل‬
‫حينًا آخر‪.‬‬
‫وقد استخدم القباني النقد المرتد أو العكسي هو ما يمكن تسميته بالميتا تكست ‪،‬‬
‫ونعني هنا النقد الموجه من داخل نص القباني إلى خطابات المجتمع بأكملها‪ ،‬عبر‬
‫التفاعل النصي لنصه مع نصوص أخرى سابقة أو معاصرة‪ ،‬يسائل من خلل هذا‬
‫التفاعل نظمًا واعتقادات مبنية على أسس مفككة أصلً‪ ،‬تم تركيبها تعسفياً‪ ،‬وأحكم‬
‫النطاق حولها‪ ،‬لترتقي إلى مصافي المقدسات‪ ،‬وتكتسب بذلك شرعية التحريم‪.‬‬
‫ولعل العمل الكثر وضوحاً لنص القباني هو تعرية مرتكزات الفكر الرجعي‬
‫والكشف عن هشاشة هذا الفكر عبر توجيه ضربات من الداخل إلى المراكز التي‬
‫اعتمدها النظام المتحكم عبر أزمانه‪ ،‬فنتج عن مركزية الخطاب الحادي السلطوي‬
‫الذكوري تهميش الخطاب النثوي‪ ،‬المر الذي ح ّد من الفعل الخلق للعقل‪ ،‬وأغلق‬
‫باب الجتهاد‪ ،‬وعمل على تأكيد ثوابت طالها العطب‪ ،‬وتأويلت تشهّت الوصول‬
‫إلى ح ّد النص‪.‬‬
‫إن عمل القباني المبكر هذا كان له دور هام في تنويع مسارات حركية الشعر أولً‪،‬‬
‫وفي تغيير حركية الحياة وتجديدها وتنشيطها ثانياً‪ ،‬فعبر إعادة تعريفه للحقائق‬

‫المتغيرة‪ ،‬أبطل القباني المقولت المتعالية لهذه الحقائق‪ ،‬وسعى جاهداً إلى الغاء‬
‫التحيزات الهرمية عن طريق استبعاد وجودها‪ ،‬فاحتفل باليومي والتفصيلي بل‬
‫وبالعادي والمبتذل والعرضي‪ ،‬وبكل الشياء المهمشة والمتناهية في الصغر‪ .‬وبذكاء‬
‫حاد حول كل هذه الشياء إلى عناصر شعرية بفضل السياق الجديد لقصيدته التي‬
‫تقوم على لغة قريبة ومفاجئة‪ ،‬أليفة ومباغتة تطلق طاقتها لتخلق فجوات توتر عديدة‬
‫في مسافة يتحرر فيها الدال من قيد المدلول فيجتمع لنا دال يعوم ومدلول ينزلق على‬
‫ح ّد تعبير ( جاك لكان )فل نقبض على مدلول واحد للدال‪ ،‬بل تتوزع المدلولت في‬
‫جسد النص القباني‪ ،‬مما يوسع دائرة المعجم فتدخل ملفوظاته في تجريبية دائمة‪،‬‬
‫عبر حشرها في علقات جديدة وسياقات جديدة تفسح المجال للمتلقي بقراءات عديدة‬
‫تغذي مخيلته وتدرب حواسه على التذوق وترفع من منسوب الجمال في نظرته إلى‬
‫الشياء‪ .‬وفي هذا المقام نستطيع القول إن القباني كان رائداً لـ (قصيدة التفاصيل‬
‫الصغيرة) أو ما أطلق عليها (قصيدة التفاصيل اليومية)‪ ،‬أو حسب مصطلح بيلنسكي‬
‫(قصيدة نثريات الحياة) وهي ظاهرة شعرية بدأت بالتكون في سماء شعرنا العربي‪،‬‬
‫وتكاد أن تشكل عنواناً لمرحلة جديدة‪ .‬ونجح القباني في خلق ملحم صغيرة كبيرة‬
‫بأن معًا صغيرة لنها تعرض لحياة النسان العادي البسيط ولهمومه ولحلمه‬
‫المنكسرة‪ ،‬وكبيرة لنها استطاعت أن ترقى إلى صفة الملحمي‪ .‬ولعل نزاراً قد سبق‬
‫بأسطورياته التفات النقاد إلى هذا الصنيع‪ ،‬فهم لم ينتبهوا إل في زمن لحق لنقد‬
‫الخمسينيات الفرنسي وخاصة بعد (أسطوريات) رولن بارت الذي التفت إلى‬
‫أسطرة اليومي والجزئي والتافه والني‪ .‬فنزار جير كل ما صار اليه وشحنه بكل‬
‫العطاءات الشعرية الممكنة وأعاد النبض إلى كل الملفوظات وأخرجها من حيز‬
‫المعمارية‪ .‬فكل المفردات سبائك يمكن أن تكون شعرية حيث يبطل أو يفسد الحكم‬
‫على السبائك‪.‬‬
‫ول ننسى أن التكنولوجي قد أسعف نزاراً بـ (قصيدة التلكس) أو (قصيدة الومضة)‬
‫ويعد رائداً لهذا النوع من القصائد الذي بدأ يزدهر في بداية اللفية الثانية وفي أكثر‬
‫من جنس أدبي كالرسائل والقصة القصيرة والشعر‪.‬‬
‫وإن اجتمعت للقباني كل هذه الريادات فهي ل توازي ريادته للحركة النسوية‬
‫العربية‪ ،‬والمر ل يخلو من طرافة أن يقود حركة تحرير المرأة رجل‪ ،‬ولكن القباني‬
‫أفرد المساحة الكبر من شعره إن لم نقل كله للمرأة يخاطبها أو يتكلم على لسانها‪.‬‬
‫فنزار ومنذ البداية سلط الضوء على المرأة وبقوة ومشى بخطى حثيثة تنويرية راح‬
‫يفكك البنى التي ارتكز اليها الفكر العربي والتي رسخها متجاوزاً بذلك يقظة‬
‫الوجدان الرومانسي الرخو راسماً أمامه الكثير من الهداف ساعيًا لمستقبل تكون‬
‫فيه النوثة بخير‪.‬‬
‫اجتهد القباني منذ باكورة أعماله في هذا التجاه فحاول تنقية مفهوم النوثة من‬
‫رواسب العلقات الجتماعية‪ ،‬وأراد له أل يخضع لمنظومة الفكر التقليدي وسلطة‬
‫الب وتجليات التهميش بل أن يتحرر من التراتبية في نظام التصنيف وفي نظام‬

‫العلقات الرمزي‪ ،‬الذي أحكمت حلقته سلطة الذكر‪ ،‬الذي تمدد بدوره على مساحة‬
‫واسعة من العقد المكبوتة وانتهى أمره إلى وضع المرأة على الهامش بحيث ل‬
‫يراعى أي عامل آخر في التصنيف حتى ولو كان هذا العامل بيولوجياً أو نفسياً أو‬
‫طبيعياً‪.‬‬
‫ونزار يكشف عبر خطابه الشعري عن كل التحيزات التي همشت فيها المرأة لصالح‬
‫الرجل‪ ،‬فقصائده تعري التحيزات اللغوية ضد المرأة‪ ،‬حيث كانت توضع في‬
‫المفردات في موضع يكرّس التصور السائد بتفوق الذكر على النثى وتكشف لنا‬
‫قصائده أن التحيزات ليست كامنة في اللغة ذاتها بل في سياقات إنتاجها واستخدامها‪،‬‬
‫فإن تحصل المرأة على هوية إنسانية أساسية في مجتمع ذكوري فكرة بحاجة إلى‬
‫الكثير من اللغة المراوغة وإلى الكثير من التفكيك‪.‬‬
‫ولم يكتف القباني برد العتبار إلى اللغة النثوية‪ ،‬بل عمل على توظيف الجانب‬
‫اللغوي ‪ -‬وبردة فعل عنيفة ‪ -‬ضد الخطاب اللغوي الذكوري‪ ،‬فاستخدم اللغة ذاتها في‬
‫مواجهة المحرمات المتراكمة فدعا إلى اظهار ما تم السكوت عنه‪ ،‬وإلى اظهار‬
‫الجسد المغيب إلى السطح والحتفاء به‪ .‬وهنا يجب التنبيه إلى أن قصيدة القباني‬
‫كانت تصدر عن منابع بريئة تنطوي على أنماط من النشوة الجامحة‪ ،‬وتنقض على‬
‫الجمال الكلسيكي المتوازن المتناغم والمنقطع عن الحياة‪ ،‬وتهتك المنظومة السلفية‬
‫المغلقة الصادرة عن عقول رتيبة حافظت على السلفي القاضي بضرورة عدم‬
‫الفاعلية والصادرة أيضًا عن نظرة أحادية إلى الجسد‪ ،‬هذا الجسد الذي رماه العسف‬
‫الجتماعي بالعاقة‪ ،‬وكبله بالقيد‪ ،‬رامياً من وراء ذلك وبمخاتلة خبيثة تكبيل عقل‬
‫النثى ووصمه بالقصور ليبعدها عن موطن المشاركة‪ ،‬فارضاً عليها البتعاد‬
‫القسري منفرداً بساحة الرأي‪.‬‬
‫ومن كل ما سبق نرى أن قصيدة القباني ل تحيل على جسد المرأة مباشرةالضوء‪،‬‬
‫فتتحدث القصيدة عن جسد مغيب مهمّش‪ ،‬قبل حديثها عن جمال أنثوي‪.‬‬
‫فتطلق قصائده صيحة هي صرخة الجسد النثوي في وجه من قمع المرأة‪ ،‬وكبلها‬
‫وطوقها‪ ،‬وأدخل في تلفيف عقلها أسطورة القصور‪ ،‬فنزار ومنذ البداية دعا إلى‬
‫اظهار النثى جسداً وروحاً من مقام المكبوت والمسكوت عنه مصدر العار والخجل‬
‫إلى موضوع مستقطب للتجربة الشعرية‪.‬‬
‫وعمل نزار هذا يوازي عمل الحركة النسوية العالمية في الستينيات والسبعينيات في‬
‫الفعل ويتجاوزها بالسبقية في الزمن أولً وفي الستمرارية ثانياً‪ .‬فنزار قباني قاد‬
‫المرأة لكتشاف مخابئ هذه الروح وأسرار هذا الجسد فجعلها منذ دواوينه الولى‬
‫تتحسس جمالها وذلك من خلل أشيائها‪ ،‬لتدرك فيما بعد ذاتها‪ .‬تطالعنا قصائد تدلل‬
‫عتباتها عليها مثل (مذعورة الفستان‪ ،‬غرفتها) من ديوان (قالت لي السمراء ‪)1944 -‬‬
‫و(غرفتها إلى ساق إلى رداء أصفر همجية الشفتين) من ديوان (طفولة نهر ‪)1948 -‬‬

‫و(الفم الصياد‪ ،‬والمايو الزرق‪ ،‬وثوب النوم الوردي‪ ،‬وأحمر الشفاه) من ديوان‬
‫(أنت لي ‪ )1949 -‬و(عودة التنورة المزركشة‪ ،‬والجورب المقطوع والقميص‬
‫البيض‪ ،‬والجورب المقطوع‪ ،،‬وإلى ساذجة) من ديوان (قصائد ‪ ،)1956 -‬و(لوليتا)‬
‫من ديوان (حبيبتي ‪ )1961 -‬ولننتبه إلى زمن كتابة القصيدة وهو العام ‪1941‬م‪ ،‬لما‬
‫لهذا الزمن من إضفاء الجرأة والريادة لنزار قباني فلم تكن المرأة تحوز على شيء‬
‫من حريتها بعد وكان ذكر أشيائها الخاصة ومستلزمات جمالها أو ثيابها أو ردائها أو‬
‫تسمية أعضائها شيء من العار والعيب‪ ،‬وموطن للخجل الشد حساسية عند الرجل‬
‫فهو من المور السرية بالنسبة للرجل‪ ،‬ومحظور عليه ذكرها على العلن بل محظور‬
‫عليها ذلك أيضاً‪ .‬أما القصيدة الديوان فهي قصيدة (يوميات امرأة ل مبالية) الديوان‬
‫الذي تمّ انجازه في العام ‪1958‬م ولم ينشر إل في العام ‪1968‬م هذا الديوان يعد بحق‬
‫مانفيستو المرأة العربية فهو ثورة على وضع المرأة وطرح حقيقي لقضاياها‪.‬‬
‫ونزار منذ ديوان (قصائد) وقصيدتاه (أوعية الصديد‪ ،‬و رسالة من امرأة حاقدة)‬
‫وهو يموضع المرأة كقضية‪ ،‬ويبحث في مشاكلها فيتصاعد الخط البياني لهذه الثورة‬
‫فمن وصف لشياء المرأة الصغيرة جدًا إلى وصف لقضاياها الكبيرة حيث نقرأ‬
‫(حبلى‪ ،‬وأوعية الصديد) ومن وصف زينتها (المانيكور وأحمر الشفاه والثوب‬
‫الوردي وكم الدانتيل وكريستيان ديور والمايو الزرق) إلى وصف أحزانها‬
‫ومشكلتها في قصائد من مثل‪( :‬أنا محرومة‪ ،‬البغي‪ ،‬وامرأة من دخان‪ ،‬ومع جريدة‪،‬‬
‫ورسالة من سيدة حاقدة‪ ،‬وشؤون صغيرة‪ ،‬وكلمات‪ ،‬والرسائل المحترقة‪ ،‬والرجل‬
‫الثاني‪ ،‬والحب والبترول‪ ،‬وصوت من الخليج) وهذه القصائد تدعو المرأة بقدر ما‬
‫تشهد ذلك إلى خروج صوت المرأة المقموع في سراديب الكبت والحرمان إلى‬
‫الهواء الطلق وخروج المرأة من قصور السلطين وبيوت الحرملك إلى بيوت أكثر‬
‫نوراً وأكثر حرية‪ .‬والملحظ هنا على الخط البياني لشعر القباني والخاص‬
‫بمشروعه النثوي النهضوي يشاهد انه في تصاعد‪ ،‬حيث يدفع القباني تصاعده هذا‬
‫إلى الذروة حيث تطمئن النثى إلى انسانيتها وإلى تسلمها عرشها وامتلك جسدها‪.‬‬
‫إذ يحيد القباني في هذه المرحلة عن لغته التأنيبية‪ ،‬وتهدأ نبرته شيئاً فشيئًا ويرضى‬
‫عن علقة جديدة بين الرجل والمرأة‪ ،‬يغلب عليها الحوار في جانبها العظم‪،‬‬
‫ويتراجع فيها مفهوم (الرجل) يعبر عنها القباني في حنينه الدائم إلى امرأة تحتضنه‬
‫وتحرره وتجعله إنساناً حضارياً‪ ،‬ولعل (كتاب الحب) خير مثال على هذه المرحلة‬
‫في أوليتها‪.‬‬
‫وتتالى دواوين القباني في السبعينيات‪ ،‬وتتسع مع تتاليها لغة الحوار بين نزار وأنثاه‪:‬‬
‫محبوبته نصفه‪ ،‬فل حياة إن لم تكن معه‪ ،‬تسير إلى جانبه‪ .‬فيمطرنا نزار في هذه‬
‫المرحلة ب (أشعار خارجة على القانون) فهذا الديوان نقرأ لحياة حقيقية وعواطف‬
‫معاشة‪ .‬وصور حية يرصد من خللها نزار هنيهات العلقة وتشابكاتها وما يصدر‬
‫عن هذه العلقات من حرارة أو برودة وتمثل ذلك قصائد من مثل (بيروت والحب‬
‫والمطر)‪ ،‬وقصيدة التحديات‪ ،‬والستحالة‪ ،‬ومحاولة لغتيال امرأة‪ ،‬وحبوب منومة‬
‫امرأة من خشب)‪.‬‬

‫وتتصاعد حركة العمل لبلورة مفهوم النوثة في قصائد القباني التي تلي ذلك‪ ،‬ففي‬
‫ديوان (أحبك أحبك والبقية تأتي) يتطور نوع العلقة بين الرجل والنثى‪ ،‬ففي هذه‬
‫القصيدة تصل العلقة بينهما إلى علقة حب ل تقتله الرغبات النية بل يقويه الدم‬
‫المتدفق في الزمن‪.‬‬
‫ب للنثى النموذج‪ ،‬وسعي للكمال في العلقة‬
‫ففي هاتين القصيدتين وفي غيرهما ح ّ‬
‫معها فنقرأ (كل عام وأنت حبيبتي ‪ ،)1978‬و(حب استثنائي‪ ،‬وأقرأ جسدك وأتثقف‪،‬‬
‫وأشهد أن ل امرأة إل أنت ‪ )1979‬بكل ما في هذه الشهادة من حب وحضارة‪ ،‬حيث‬
‫تنتقل النثى لتصبح عضواً فعالً في كتابة القصيدة‪ ،‬ونزار هنا يصر على تجذير‬
‫حركة النوثة ويصر على انطلقها بالن ذاته‪ ،‬فل يغادر السبعينيات إل والمرأة‬
‫تحقق اختلفها عن الرجل‪ ،‬وتصبح موازية له‪ ،‬فتصبغ باختلفها هذا اللغة والحدث‬
‫وتنقذ الثقافة من مطب النقياد إلى ثقافة أحادية تتسع لضمير الرجل فقط وتضيق‬
‫عن ضمير النسانية ومن القصائد الممثلة لهذه الفترة (قولي أحبك‪ ،‬والوردة‬
‫والفنجان)‪.‬‬
‫ويصل نزار إلى قمة التفكيك في مشروعه النثوي فيقرر أن النثى كتابة‪ ،‬وأن‬
‫الكتابة هي الصل وهو محور عمل التفكيكيين‪ ،‬علماً أن لجاك دريدا رائد الفكر‬
‫التفكيكي الفلسفة والنقد وصاحب مقولة الختلف كتاباً بعنوان الكتابة والختلف فيه‬
‫طبعاً يثبت أن الكتابة هي الصل لنها ثابتة والشفاهية ليست أصلً وهو عكس ما‬
‫يقول به فلسفة اللغة والمنطق وعلماء اللغة حيث يعود الهامشي ليحتل المركز‬
‫مكانه الصل الذي سلب منه لسنوات إن لم يكن لقرون فنزار يعود بالمرأة إلى‬
‫ل فيكتب (هكذا أكتب تاريخ النساء ‪)1981 -‬‬
‫مكانها الصل والطبيعي فتعود عنده أص ً‬
‫يطلب فيه من المرأة أن تبقى أنثى تحافظ على أنوثتها وتجلوها لنها عنصر مختلف‬
‫أصلً‪ ،‬ولن كل الحضارة أنثى‪ ،‬والحرية أنثى والقصيدة أنثى‪ ،‬بل كل الشياء‬
‫الجميلة في حياتنا هي أشياء أنثوية‪.‬‬
‫ويصل نزار إلى الذروة عندما يقرر أن النوثة منتشرة في كل شيء من حولنا‪ ،‬ف‬
‫(فاطمة) النثى متمثلة في كل الموجودات في كل الشياء هي البدء وهي الختام ففي‬
‫قصيدة نظرة جديدة لتكوين العالم يقول نزار‪:‬‬
‫في البدء كانت فاطمة‬
‫وبعدها تكونت عناصر الشياء‬
‫النار والتراب والمياه والهواء‬
‫وبعد عيني فاطمة اكتشف العالم س ّر الوردة السوداء‬
‫إلى أن يقولك ‪:‬‬

‫أشهرك في وجه البشاعة دفتر شعر‬
‫أرمي جواز سفري في البحر ‪ -‬وأسميك وطني‬
‫وبعد ديوانه (ل غالب إل الحب ‪ )1990‬الذي يعرض لتكافؤ العلقة بين الذكر‬
‫والنثى يطلع علينا نزار بديوانه (هل تسمعين صهيل أحزاني‪ )1991 ،‬وفي هذا‬
‫الديوان يطمئن القباني إلى ما وصلت اليه المرأة بل إن الديوان يعرض حاجة الرجل‬
‫الشديدة لها ويصور ضعفه ويناشدها خلصه من جروحه وعذاباته وأحزانه ويصور‬
‫نظرة الرجل الناضج للمرأة‪.‬‬
‫أما ديوان (خمسون عاماً في مديح النساء ‪ )1993 -‬فعنوانه يدلّ على مضمونه‪ ،‬فهو‬
‫يعرض لمشروعه النثوي وانجازاته الكثيرة‪ ،‬التي أخذت من عمره نصف قرن‪،‬‬
‫وكيف كانت المرأة قبله‪ ،‬وفي أثناء حياته‪ ،‬وكيف أصبحت بعد كل قصيدة‪ .‬وكذلك‬
‫الحال في ديوان (تنويعات نزارية على مقام العشق ‪.)1996‬‬
‫وأخيراً منتخبات من قصائده شكلت نقاط ضوء في مسيرته وكان لها بالغ الثر في‬
‫الشعر العربي وفي الواقع وفي مشروعه النثوي فجاء ديوانه الخير المطبوع بعد‬
‫موته (إضاءات ‪.)1999 -‬‬
‫وفي الدواوين الخيرة تبلغ النثى حدّا عاليًا من التكثيف والقوة والعمق‪ ،‬حتى تكاد‬
‫تتجلى في مظاهر الوجود كلها‪ ،‬وهكذا يتجاوز القباني النثى المحدودة بالزمان‬
‫والمكان إلى النثى ذات الحضور المطلق‪ ،‬مزاوجاً بين اللغوي والنثوي في قصائد‬
‫ملحمية‪ ،‬بيد أن ملحميتها تختلف عمّا ألفناه في الملحم الكلسيكية‪ ،‬إنها ملحمة‬
‫الشياء الصغيرة النثرية البسيطة‪ ،‬ملحمة النسان في انشغاله وهشاشته في أحلمه‬
‫المنكسرة وأشواقه حيث ل مكان في ملحمه للجليل المجرد ول موقع للرائع‬
‫المصقول في عمل نزار هذا‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن النوثة قد شغلت الحيز الكبر من حياة القباني وشعره‪ ،‬فلم يغب نزار‬
‫جسديًا إل وقد اطمأن لهذا الصنيع‪ ،‬حيث ترك ارثاً عظيماً‪ ،‬سينتقل ليصبح من قبيل‬
‫المدونات الكبرى في التاريخ كالغاني وألف ليلة وليلة والسير الشعبية‪ ،‬وستبقى‬
‫نصوصه تستنفر الذاكرة لتقاوم النسيان والخوف والموت‪ ،‬وتعقد مصالحة بين‬
‫النسان والفرح‪ ،‬ودائماً ستبقى أشعاره تحتكم إلى أفق جماهيري أوسع لنها شعر‬
‫ارتقى إلى الجميل وحقق من خلله شعرية أضفت على النصوص المتعة والمعرفة‪،‬‬
‫وأسهمت في الكشف‪ ،‬وقامت بنزع المقدس عن الرجل والمرأة والحاسة‪ ،‬وهتك‬
‫ب من حيث هو فعل حياة وإعلن وجود‪.‬‬
‫الحجب عن فعل الح ّ‬

‫محاولة قراءة جديدة في شعر نزار قباني‬
‫محمد علء الدين عبد المولى‬
‫الحوار المتمدن ‪ -‬العدد‪11 / 1 / 2006 - 1427 :‬‬
‫مدخل إلى الحرية‬
‫علقة الذات كبعد اجتماعي بالحرية في شعر نزا ر قباني‬
‫أولً ‪ :‬مدخل إلى الحرية‪:‬‬
‫ليس كثيراً على نزار قباني أن نجد في شعره ما يدفعنا إلى تتويجه شاعراً من‬
‫شعراء الحرية‪ ..‬وذلك إذا ما تشربنا رحيق مفهوم الحرية بعيداً عن كونها حاجةً‬
‫قوميةً جماعيةً‪ ،‬أو مطلبًا للشعوب المقهورة‪ ،‬فهي تتضمن جميع هذه الحريات‪..‬‬
‫ولكن ثمة ما هو أبعد وأعمق بالنسبة لخلصة فضاء الحرية الشمل‪ ،‬الذي يمتد في‬
‫داخل النسان أكثر مما يمتد خارجه‪.‬‬
‫وبعيدًا عن التأويلت الساذجة لدى بعض قراء شعره‪ ،‬والتي تفيد بأنه يستعبد المرأة‪،‬‬
‫ويهينها‪ ،‬و‪ ...‬الخ‪ ،‬فإننا نعتقد بأن تعلق الشاعر بطاقة الحب‪ ،‬والجنس‪ ،‬والجسد‪ ،‬هذا‬
‫التعلق كله كان من أجل الوصول إلى هذا الفضاء الداخلي من الحرية‪ ..‬لسيما وأنه‬
‫تعاطى مع هذه المفاهيم في ثقافة عربية تحتكر خطاب الجسد وتغلق عالمه‪ ،‬وتشلّ‬
‫إلى ح ّد بعيد صوتَ الحب‪ ،‬أو تتهم بالجنون والمروق والنحراف من يرفع نشيد‬
‫الحب في هذا الظلم العالي‪.‬‬
‫الحب والجنس‪ ،‬ليسا من المعطياتِ المكتسبة‪ ،‬حتى يتعلمها الجسد فيما بعد‪ .‬هما تدفّق‬
‫إنساني نابع من جغرافيا الرّوح البشري منذ الزل ليشكّل غريزةً كبرى من الغرائز‬
‫الناظمة لشخصيته الحقيقية‪ .‬وهذه الغريزة لم تتشكّل فيما بعد‪ ،‬بل هي تتشكل الن‪،‬‬
‫وتحيا في اللحظة الراهنة أبداً عميقًا يعيد النسان من أعماقه إلى بدئه الول‪ .‬المسبع‬
‫بالحرية الولى حيث لباب تتكلم من خلفه النثى وفي فمها خرق ٌة حتى إذا سمعها‬
‫الرجل فل يسمع صوتها الحقيقي‪ ،‬فصوتها عورةٌ‪ .‬الحب يعود بالكائن الراهن إلى‬
‫عدم زواله‪ .‬إلى الزمن الذي فيه نوع من التحاد الشامل بين الطاقات والمكانيات‬
‫البشرية المبدعة‪ .‬وقد اكتشف حدس نزار‪ ،‬وثقافته الروحية المنتزعة من الحياة ل‬
‫من الكتب‪ ،‬أن العلقة مع الحبّ تفضي إلى علقة مع الحرية… فالحب اسم من‬
‫أسمائها كما هي معنى من معانيه‪ .‬واكتشف منذ حادثة انتحار شقيقته وهو في مرحلة‬
‫الطفولة بسبب فشلها في تحقيق معادلة الحب والحرية‪ ،‬أنّ الشاعر الذي سيكونهُ‬
‫مستقبلً أتى في زمنٍ هو من الزمنة الجاهلية في صلته مع النسان وروحه‬
‫وفاعليات وجدانه‪ .‬وكأن ذلك إرادةٌ قدريّة‪ .‬ولبد للقصيدة من أن تواجه بنود الجاهلية‬
‫ومنطقها الذي يحتكر قلب وروح النسان في عصرٍ من المفترض أن يحرر النسان‬
‫هذا‪ ،‬ل أن يعتقله في صميمه‪..‬‬
‫أي لبد أن تتوتّر القصيدة‪ ،‬وعليها أن تتزيّا بلغة القلق والصهيل والثورة والتمرد‪،‬‬
‫على داخلها المتسرّب من خطاب شعري موروث ومعاصر تقليدي‪ ،‬وعلى خارجها‬

‫الذي تحكمهُ شروط الستغلل والبشاعة الروحية‪ ،‬وقد تمكن نزار قباني من أن يفتح‬
‫قصيدته البسيطة على هذين المحورين‪ .‬فبالنسبة لداخل القصيدة تحرّر الشاعر من‬
‫أدوات غيره من آبائه الشعريين‪ .‬لسيما الباء الذين يشكلون ذاكرةً مفاهيمي ًة من‬
‫شأنها تأخير النشاط النفسي والبداعي والثقافي للنسان الراهن والقادم عبر‬
‫المستقبل‪ .‬فليس هناك شاع ٌر في تراثنا الشعري القديم من يمكن أن نرد إليه نزار‬
‫قباني‪ ،‬بل هو سينفر كقطب سلبيّ لمغناطيس إبداعي من أي قطب مماثل له ‪ .‬إنه ل‬
‫يلتقي مع العذريين أو الحسيين ول مع الصوفيين العشاق ول مع الندلسيين في‬
‫تناوله لمشكلة الحب والجسد‪ ،‬ول يلتقي معهم ومع سواهم في الخطاب الشعري‬
‫والجمالي‪ ،‬وما فيه من عناصر فنية تقنية وأسلوبية‪ .‬بمعنى آخر إنه قطع علقته‬
‫معهم تحرر منهم‪ .‬طرد إرادتهم من داخل قصيدته‪ .‬وقطعه معهم لم يأت بقرارٍ طبعاً‬
‫إنّ أتى إلى البداع من تلقاء خصوصيةٍ اجتماعية آمنت أنه الكتابة كما كان يكتب‬
‫هؤلء نوع من العبودية لهم‪ .‬فهو إذاً جاء الشعر متخففاً من إرث هؤلء الباء‪.‬‬
‫يقول نزار قباني‪*:‬‬
‫((ليس عندي عقدة الشكل‪ ،‬فأنا أكتب بالشكل الذي يعجبني… وألبسُ اللغة التي‬
‫تريحني‪ .‬أنا سيد أشكالي وليست هي سيدتي‪ ..‬أنا غيرُ مصرّ على ارتداء عباءة‬
‫الفرزدق أو العشى أو الشنفرى ول على السفر في بحور الخليل بن أحمد‬
‫الفراهيدي‪ .‬فأنا أسافر في البحر‪ ..‬وعندي بطاقة سفر دائمة‪ ..‬هي بطاقة الحرية))‬
‫هذا العتراف وهو واحد من عديد العترافات الخرى يقول لنا إن الشاعر غير‬
‫((معقّد)) من أي شكل فني‪ ،‬وبالفعل فهو كتبَ قصيدة البيت الواحد‪ ،‬وقصيدة‬
‫التفعيلة‪ ،‬وقصيدة (النثر) معياره في ذلك‪ :‬هل يعجبه هذا الشكل أم ل؟ هل تريحه‬
‫هذه اللغة أم ستشكل عبئًا على حركات جسده البداعي؟ أي هل تعتني لغته بحريته‪،‬‬
‫أم ستقيدها؟ ولنقرأ مرةً ثانية هذه العبارة‪(( :‬أنا سيد أشكالي وليست هي سيدتي))‪.‬‬
‫كم من المعنى النقدي العميق يمكن في هذا الكلم البسيط والعفوي‪ /‬الدال على أن‬
‫نزار سيد على شكل الشعر الذي يبدعه‪ ،‬ل عبدٌ له‪ ،‬ومع كل كلمه في أماكن أخرى‬
‫عن مفاجأة القصيدة للشاعر‪ ،‬والحرائق التي تشعلها على الورقة البيضاء‪ ،‬والزلزل‬
‫التي تحدثها في قشرة الرض‪ ،‬مع كل ذلك‪ ،‬وعند التقييم الجاد‪ ،‬إن الشاعر هو من‬
‫يفعل ذلك‪ .‬هو الذي يفاجئ ويحرق ويزلزل‪ .‬بقدر ما يكون مالكًا لصولجان شعره‪.‬‬
‫وإذا كانت بساطة الشعر معروفة لدى نزار‪ .‬ولغته الخاصة المنسابة والمائية‪ ،‬كذلك‪،‬‬
‫فإن الشاعر هو من جعلها كذلك وهو يتحكم بها‪ ،‬ويمارس إرادته الصارمة عليها‪.‬‬
‫إنه سيد الشعر ل عب ٌد له‪ .‬بل هو سيدٌ عندما يغني الوقت والروح في إبداع الشعر‪،‬‬
‫ويمنح هذا الملك الجميل قلبه وأعصابه وسلمه الروحي‪ ،‬بل حياته في النهاية‪،‬‬
‫ليثبت أنه سيد عاشق لما يكتبهُ‪ .‬والعاشق يتبع موضوع عشقه حتى ولو اضطره‬
‫للخضوع والنحناء‪ .‬لكنه خضوع نابع من فوق وانحناء الكبير للكبير‪ .‬سجود الند‬
‫على أرض الندّ‪..‬‬
‫إنّ نزارا ل يرتدي عباءة العشى‪ ،‬ول الفرزدق‪ ،‬وليس بالضرورة أن يمسك بيد‬
‫الفراهيدي‪ .‬إن ما يقرر ذلك ليس الفرزدق ول الفراهيدي‪ .‬بل نزار قباني نفسه‪ .‬إذا‬
‫رغب في تنويع أشكاله الفنية قام بذلك‪ ،‬فكتب على الوزن الخليلي إذا قرر (السيد)‬

‫ذلك‪ .‬وإل فليكتب على شكل آخر‪ ،‬هو التفعيلة أو الشكل النثري فهو الشاعر الحائز‬
‫على شرعية السفر في البحر‪ .‬والذي يختار سفر البحر ل ينتظر أن يملي عليه‬
‫(البرّ) لغته‪ .‬ففي اللحظة التي يضع الشاعر كيانه في سحر البحر سيتحوّل هو إلى‬
‫ربّان لحواله وأهوال البحر‪ ،‬حيث يقود هو بكل سيادة رحلة البداع‪ .‬لماذا؟ ذلك هو‬
‫سر البداع الكبير‪ :‬الحرية‪ ،‬بطاقة السفر الدائمة‪.‬‬
‫لقد اكتسب نزار فضيلة البحر في كتابته عن العشق والذات والمرأة‪ .‬وذلك بما يعنيه‬
‫ذلك من مفاجآت على صعيد الكتابة واليقاع والصورة الشعرية واللغة والغناء‪..‬‬
‫الخ‪ .‬كما يفاجئ البحر يفاجئ الشعر‪ .‬بل ان نزارا اتخذ البحر ماد ًة شعريةً كثيراً ما‬
‫صاغ منها مواقف جميلة مدهشة في علقته مع المرأة حيث تتردد مفردات البحر‬
‫في أنحاء شعره بصورة واضحة‪ .‬وهذا البحر القباني هو من معاني الحرية تماماً‬
‫فالمشهد الشعري الذي يدخل البحر في صياغته هو دائماً مشه ٌد متعلق بحرية اللحظة‬
‫النسانية‪ ،‬وحرية الكلم‪ ،‬وحرية الجسد‪ .‬وحرية الختيار‪ ،‬وحرية ال َغرَق كذلك‪.‬‬
‫والبحر عند نزار يعني العمق‪ ،‬يعني الدخول في المواجهة بما تعني من دوار‬
‫وصراع مع الطبيعة والطغيان والموت‪ .‬وهو الحب بل شروط‪ ،‬فالحب هنا يصبح‬
‫البحار دون سفينة‪ ،‬وعلى النثى أن تغوص في البحر أو تبتعد بعيداً فل بحر من‬
‫غير دوار‪ .‬حيث الحب مواجهة‪ ،‬إبحار ضد التيار‪ .‬وليس هناك وقت للسؤال عن‬
‫النهاية في تجربة الحب الوجودية‪ ،‬إنه إبحار لغاية البحار‪ ،‬كما أن الحب هو غاية‬
‫ي غير مشروط‪.‬‬
‫الحب وحده‪ .‬إنها حرية مكلِفةٌ وباهظ ُة الثّمن‪ ،‬لكنها خيارٌ إنسان ّ‬
‫لقد جمعنا في الكلم السابق بين سفر الشاعر في البحر كحالة وجدانية إنسانية تعادل‬
‫الحرية الحقيقية‪ ،‬وبين سفره في الشعر بطريقة جديدة غير مسبقة الوجود‪.‬‬
‫وكان لبد أن تترافق هذه الحرية كمحرك فني‪ ،‬مع حرية أبعد وأشمل هي حرية‬
‫التعبير عما يؤرخ انهيار الذات النثوية‪ ،‬وعما يشرخ العلقة بينها وبين الرجل‬
‫كذلك‪ .‬حرية قول ما يجب قوله في لحظة الصدق مع الذات والخر‪ ،‬في لحظة رثاء‬
‫المة والرض‪ ،‬في لحظة معاناة العقدة النفسية داخل أعماق النسان العربي كنتاج‬
‫اجتماعي في شروط القهر والتخلف‪.‬‬
‫كان لبد أن يحرّر نزار طريق َة القول‪ ،‬والقول نفسه‪ ،‬داخل القصيدة وخارجها كما‬
‫أشرنا‪ ،‬أي كانت خيارات العوالمُ الشعرية التي تعامل معها نزار خياراتٍ من وجهة‬
‫نظر بحريةٍ كذبك‪ .‬ليس عليها رقيبٌ داخليّ مسبقٌ‪ ،‬ول شرط على المدى الممكن أن‬
‫تصل إليها‪ .‬لهذا قال الشاعر ما قاله‪ .‬وصدم أذهان الناس بما فيه الكفاية ليسرق من‬
‫سواه ضوء النجومية عشرات السنوات‪.‬‬
‫نزار قباني عبر عن هذه الحرية‪ ،‬كحالة مرافقة للشعر من داخله وخارجه‪ ،‬عبر‬
‫عنها بحيث ل تكون همّا نخبويًا محصوراً في شرائح اجتماعية ثقافية محدودة‪ .‬ومع‬
‫إدراكنا لخصوصية المرجعية الجتماعية المحافظة التي يستند إليها شخص الشاعر‪،‬‬
‫فإننا رأينا في هذه المرجعية محرضا آخر على التحرر‪ .‬ولسيما وان هذه المرجعية‬
‫حاربت شاعرها الذي من المنتظر أن يكون صوتاً خاصًا بها وبمتطلباتها‪ ،‬لكنه خذل‬
‫هذه المرجعية لنها ستقف عائقاً أمام رؤيته للشياء‪ .‬فخيار (الشاعر) غير خيار هذه‬
‫المرجعية بخطابها الثقافي المستقر‪ ،‬المحدد سلفاً‪ .‬وليس سهلً على شاعرٍ أن يدير‬

‫ظهره لرضى مجتمعه المحدود‪ ،‬ويمضي نحو الشمس بكل ما يعني ذلك من اختيار‬
‫للمجابهة والصدام‪ ،‬كما تمت الشارة إلى ذلك فير غير مكان‪.‬‬
‫هل كان نزار قباني يتعاطى مع حرية الفرد‪ ،‬أم حرية الجماعة‪..‬؟ إن ذلك أمر‬
‫ملتبس كثيراً‪ .‬وإذا حاولنا الفصل بين الفرد والجماعية كنا كمن يكسر عنق الزجاجة‬
‫ليتأمل جمالها بمعزل عن العنق‪ ،‬مع أنها ل قيمة لها إل بذلك الجزء الصغير‪.‬‬
‫ت شخصية‪ ،‬أو‬
‫ومن مهمة الشاعر العربي أن يختار حازماً بين أن يكون شاعرَ ذا ٍ‬
‫شاعرَ جماعةٍ‪ ،‬بما يقتضي ذلك من رضوخ لمطالب الجماعة وشؤونها وملحقتها‬
‫في إيقاعها اليومي‪.‬‬
‫والتزام الشاعر العربي بلحظة الجماعة لم يكُنْ ظاهرةً معاصرةً‪ ،‬بل لقد تبلور الشعر‬
‫العربي عبر عصوره الولى بصفته قبلياً‪ ،‬مهموماً لهموم قبيلةٍ‪ ،‬أو عشيرةٍ‪ ،‬أو‬
‫حزبٍ…‪.‬الخ‪.‬‬
‫ولكن النظرة الفاحصةَ للنتاج الشعري العربي الغارق في محيط ((الجماعة))‪،‬‬
‫تكشف عن تبعيّة مح ّقتْ ذات الشاعر‪ ،‬وانتصرت لـ ((غزيّة)) التي كانت تُملي على‬
‫شاعرها رُشده‪ ،‬وغوايته‪ ،‬وبالتالي شعره‪ .‬بينما الدور الهمّ المنتظر من الشاعر أن‬
‫يملي هو حكمته وغوايته وصوته الرائي‪ .‬ولم يقدم الشعر العربي (( الجماعي‪/‬‬
‫ل للشعر كفنّ ل تمارسه‬
‫القبلي)) ملمحَ فني ًة ظاهرةً وخاصّةً تخدم تطوراً محتم ً‬
‫القبيلة‪ ،‬بل (الفرد ‪ /‬الشاعر)‪ .‬مع الشادة الدائمة بأن هذا الشعر كان يتجلى بصورة‬
‫أسمى وأقدر إقناعًا من وجهة النظر الجمالية الفنية عندما كان صوت الذات‬
‫المبدعة‪ ،‬صوتَ الشاعر وحده ‪.‬هذا ل يلغي طبعاً انتماءً جدلياً هنا‪ ،‬يعطي للجماعة‬
‫مالها‪ ،‬ويستقل عنها عندما تريد أن تطغى على أفق الشعر وتمله بحاجاتها‪ ،‬من‬
‫حروب ونزاعات ودعوات أيديولوجية‪.‬‬
‫وهنا تجدر الشارة إلى شعر الحب‪ ،‬والعشق الصوفي على سبيل المثال وشعر‬
‫الخمرة وشعر الطبيعة‪ ،‬وشعر رثاء الذات ورثاء المدن‪ ،‬وشعر الذات المتعالية‪..‬‬
‫الخ‪.‬‬
‫وعندما برزت بوادر عصير الحياء المعاصر‪ ،‬مع شعراء النهضة‪ ،‬استُعيد وبُعث‬
‫من التراث الوجه القل إبداعيّة في معظمه‪ ،‬فكان مرّة ثانية تابعًا لشؤون الحياة‬
‫والجماعة القومية أو الدينية أو السياسية وقد استمر ذلك حتى بعد انتشار شعر‬
‫ت على هذا الشعر فرصةً للبداع والبقاء الهم‪.‬‬
‫الحداثة بعامة مما ف ّو َ‬
‫وقد تولى هذا الدور شعرُ الذات والشخصية الشعر الرومانسي الذي كانت (الذات)‬
‫من أهم محاوره وسبله‪ ،‬بل كانت المحور الول والخير وليس هذا مكان البحث في‬
‫فرضيات القصيدة الرومانسية وما قدمت من إبداعات بشرت فيما بعد ببروز صوت‬
‫الحداثة شيئاً فشيئًا فليس الشعر الحديث شعراً جماعياً بأي شكل من الشكال‪ ..‬ولبد‬
‫أن نظرةً قارئ ًة بعمق لبعض معاني الحداثة‪ ،‬سترى أنها مفهوم يشمل مستويات‬
‫الحياة جميعها‪ .‬من علقة مع العصر والثقافة والدين والعادات والكتابة والمؤسسات‬
‫الجتماعية المشكلة للنظام الجتماعي والخلقي المكرّس في المجتمع‪.‬‬
‫وهي‪ -‬الحداثة ُ‪ -‬موقفٌ كليّ من العناصرِ المذكورة جميعها وبنيانٌ ل انفصام فيه بين‬
‫جزء وآخر‪.‬‬

‫من هنا قد نشرع في الكلم عن ولدة شعر نزار من قلب هذا الموقف الشمولي‬
‫للحداثة‪.‬‬
‫لقد حررت قصيدة نزار موضوعها من هويته القبلية الجماعية واحتفلت بالذات‬
‫وركزت عليها وعلى أهمية أن تشعر باستقلليتها عن شروط التبعية والهيمنة‪.‬‬
‫وسلّطت القصيدة النوارَ الكاشفة على هموم هذه الذات كما تبدو في اللحظة‬
‫التاريخية المعيشة الن‪ .‬مطلقةً العنان لكلم الذات بصوتٍ عال ليرتسم لها خطابٌ‬
‫حرّ تبني من خلله ومع تنميته وتطويره‪ ،‬عالماً جديداً على حجم أهوائها ورغباتها‬
‫المقموعة‪.‬‬
‫وكان الشاعر أمينًا على الذّات التي نذر شعره لخطابها فلم يتخيل لها وجوداً خارج‬
‫معاناتها‪ ،‬لم يزيّن لها فردوساً مستحيلً بمعنى لم يبالغ في الكلم على سعادة هذه‬
‫الذات ومثاليتها بل انطلق من أسرها التاريخي‪ ،‬كما هو معطى ثقافياً واجتماعياً‬
‫وأخلقياً‪ .‬جاء إلى أرضية موجودة في الساس ولم يقم بإنشائها عبر طرق البلغة‬
‫واللغة‪ .‬فما قام بتزييف أمور الذات‪ ،‬ول وصفها بما ليس متضمناً فيها‪ .‬إنه كان‬
‫القدر في جملة الشعراء العرب على إشعال ليل الذات من كل جوانبه‪ ،‬بحيث لم يبق‬
‫ورقة توت لتغطي أي شيء‪.‬‬
‫وهذا الفعل ليس خارج مغزى الحداثة‪ ،‬وليس بعيداً عن درسها وأنموذجها فالحداثة‬
‫من شؤونها إعادة الذات إلى ذاتها‪ ،‬والبوح بما تخفيه‪ ،‬ومجابهة كل عناصر العاقة‬
‫الخلقية والجتماعية التي تقف في طريق الذات‪ ،‬عندما تشعر بقيمتها بصورة‬
‫حادة‪.‬‬
‫والمهم أن نزار لم يفعل هذا بصورة مسبقة مصممة من ذي قبل‪ ،‬لكنه وجد نفسه‬
‫ف الذات العربية‪ ،‬وأزمات تعصف بنظام الشخصية‬
‫كشاعر أمام كمّ من الظّلم يل ّ‬
‫ورأى أن الشعر العربي بمجمله كان يلعب دوراً تزييفياً في هذه المسألة‪ ،‬لسيما‬
‫الحلم الذي كان ينشئه الشعر على أرض تحرّض على الهويّ في الضياع أكثر كان‬
‫الشعر مصابيح تخدر الساهرين‪ ،‬وتحرر لهم جنة العسل من حراسها‪ .‬وعندما يمد‬
‫النسان يده ليقطف‪ ،‬كانت أصابعه تفقد الطريق إلى أي شجرة ممكنة‪ .‬فالمر كله‬
‫كان تعويضيّا زخرفيّا‪ ،‬بلغيّا‪ .‬من هنا يلعب الشعر ذلك الدور التنويمي عندما يخون‬
‫رؤياه الثاقبة‪ ،‬فل يعود يميز بين الممكن والوهم‪ ،‬أو بين الحلم الممكن والحلم‬
‫الكاذب‪.‬‬
‫وإذا كان من حق الذات على القصيدة أن تجعلها أكثر قدرةً على بناء الحلم‪ ،‬فإن من‬
‫حق الذات أيضًا أن تطالب هذه القصيدة بأل يتم تزويرُ واقعها ـ واقع الذات ـ‪.‬‬
‫وإذا تذكرنا ما فعله شعراء الحداثة الولى في أوروبا‪( ،‬بودلير على سبيل المثال)‬
‫بموضوع تحرير الذات من مرض الحلم الرومانسي المنفصل عن واقع الحال‪ ،‬لقلنا‬
‫إن شعر (بودلير) قام بمهمّة عظيمة عندما كشفَ تناقضات الذات وقبحها وشذوذها‬
‫وجمالها المضمَر‪ ،‬جمالها كقيمة تتشكل الن من خلل علقات الذات بما حولها‪،‬‬
‫وبنفسها وليس الجمال كقيمةٍ مطلقةٍ مقدّمة سلفاً عبر النظريات‪.‬‬
‫إن التفكير الحديث أوّل ما يتوجه‪ ،‬إلى الذات ليصنع من العلقة معها مشروع حرية‬
‫صادقة‪ ،‬غيرَ خجول من كل ما في هذه الذات من ملمح سوداء وأمراض فالخطاب‬

‫حول هذه العناصر‪ ،‬الخطاب المتواصل والذي يحقق وجوداً مؤثراً لبد أن يخرج‬
‫هذه الذات من علقاتها المشوهة‪ ،‬وطبيعتها السوداء إلى فضاء من البوح الصريح‪،‬‬
‫والقول بصوتٍ حقيقيّ أبيّ‪ ،‬حتى تدرك هذه الذات أولى خطوات حريتها‪.‬‬
‫ن بعيداً في عدد من مهامه عن تحقيق هذه الحرية للذات‪.‬‬
‫وليس الف ّ‬
‫من هنا تناول نزار كفنّان حقيقيّ‪ ،‬الذات العربية في أشد طبقاتها سواداً وتناقضاً‬
‫وقمعاً مزمناً‪ .‬وقام شيئاً فشيئاً بتحريرها فنياً‪ .‬وكان يحقّق نتائجه على المدى البعيد‬
‫ي يرى ديمومته المشروعة‪ ،‬وهيمنته في إبقاء الذات‬
‫غير آبه بمعارضة جهاز ثقاف ّ‬
‫مغمضة العيون‪ ،‬مشلولة الرغبات‪ ،‬فاقدة قدرة البوح والحياة‪..‬‬
‫هذه هي علقته مع ذات الفرد‪ .‬وأثر ولدته (حديثاً) على هذه العلقة‪.‬‬
‫لكن هذه الذات لم تكن ذاتاً من كوكب آخر كما هو واضح‪ ،‬بل هي ذات موجودة في‬
‫مجتمع متشكل من عدد هائل من الذوات التي تشترك فيما بينها في انتمائها لمرحلة‬
‫من التخلف والصمت والظلم والل إرادة‪ .‬فنزار لم يتحدث عن ذات مقموعة قرأ‬
‫عنها‪ ،‬بل ذات مقموعة موجودة حوله‪ ،‬وداخله‪ ،‬وداخل أسرته ومحيطه الثقافي‪.‬‬
‫واختياره للذات لتحريرها لم يكن ليختزل في ذات عابرة متنقلة من جماعتها‪ .‬إنها‬
‫الذات النموذج‪ .‬وذلك من أهم ما قد يكون من طموحات الفنان المبدع‪ ،‬أن ينمذج‬
‫الواقع‪ ،‬ويكثف العداد في عدد واحد له مواصفات المجموع كلها‪ ،‬ويغني الكلم‬
‫عليه عن الكلم على آلف العداد غيره‪.‬‬
‫الذاتُ المقموعةُ‪ ،‬المكبوتةُ‪ ،‬المتوترةُ‪ ،‬المتأزّمة‪ ،‬التي أبدع نزار في الجدل معها‪ ،‬هي‬
‫ذاتنا جميعاً‪.‬‬
‫ل من نفسه‬
‫قد يختار الديب أن يتحدث بصيغة (أنا) عن ظاهرة الطغيان‪ ،‬جاع ً‬
‫نموذجاً لطاغية ما‪ .‬هل يحق لنا هنا أن نقيم تطابقاً بين مفهوم الطاغية‪ ،‬وشخصية‬
‫هذا الديب؟ بحيث يخرج الديبُ طاغيةً؟‬
‫نزار فعل ذلك مرات ومرات‪ ،‬وفي كل مرة كان يحاكم من قبل جمهورٍ عابرٍ‪ ،‬أو‬
‫نقدٍ جاهل‪ ،‬على أساس أن ما يقوله نزار عن ذاته هو معلومات شخصية عنه‬
‫تستدعي محاكمته ورجمه‪..‬‬
‫ذلك إسقاط لوظيفة الدب‪ ،‬ومهمة الشعر هنا‪ ،‬في أن يقوم بقراءة جميع التفاصيل‬
‫المبثوثة عبر ثنيات الحياة‪ ،‬ثم يستخلص من مجموع قراءته نموذجاً يخاطبه‪،‬‬
‫ويتحدث بلسانه ويفجر أعماقه ويستدرج أزماته إلى حلبة الصراع لتخوضه بحرية‬
‫لم يحققها لها شاعر كما حققها نزار‪ .‬الذي استطاع رفع الغطاء الجتماعي‬
‫والخلقي والنفسي والعاطفي‪ ..‬عن وجوه الذات العربية‪ ،‬بالطريقة التي تحوّل هذا‬
‫الغطاءَ من مشكلة يتداولها المثقفون وأهل الختصاص‪ ،‬إلى مشكلة ذات طابع‬
‫جماهيري يكتشفها القراء‪ ،‬ويتلمسون خطورتها‪ ،‬وتتسرب في وجدانهم بحيث تغدو‬
‫هماً مجلواً مفضوحاً يومياً‪.‬‬
‫إن الدور الذي قامت به قصيدة نزار قباني في هذه النقطة‪ ،‬هو دور يجب التركيز‬
‫عليه و الحاطة بأهميته‪ .‬إنه لمرٌ معقّد أن يستطيع الشاعر القبض على وجدان‬
‫الذات الجماعية وأخذ هذا الوجدان إلى البؤر الملتهبة من المعاناة‪ ،‬التي استأثر‬
‫بالحديث عنها المثقف‪ ،‬والمفكر‪ ،‬والباحث الختصاصيّ‪ ،‬وربط هذا الوجدان بطريقة‬

‫خفية بهذه المعاناة‪ ،‬لن من حقه أن هو أن يعيها ويعمل على دراستها ورصدها‪،‬‬
‫للوصول إلى لحظة اكتشافها بشمولية مقنعة‪ ،‬من أجل التغلب على أسبابها‪ ،‬وحلها‬
‫كأزمةٍ حتى لو على صعيد الدراك والمفهوم‪ ،‬لن إدراك أزمة الذات‪ ،‬فردي ًة كانت‬
‫أم جماعيةًَ‪ ،‬وامتلك تصور كلي عن هذه الزمة‪ ،‬سيفضي‪ ،‬على الصعيد السّلوكي‪،‬‬
‫والجتماعيّ والسياسيّ‪ ..‬إلى تغيير في المواقف وتطوير في العلقات‪.‬‬
‫ول نغالي إذا ادعينا أن قصيدة نزار قباني فعلت في القاع الجماهيري‪ ،‬ذواتاً‬
‫وجماعات‪ ،‬فعلً خلقاً في تنمية قدرات هذا القاع على بلورة موقف شعوري‪ ،‬أو‬
‫لشعوري‪ ،،‬من مجمل المشكلت التي يصطدم بها القاع‪ ،‬على مختلف انتماءات هذا‬
‫القاع‪ ،‬فكرًا ووعياً واجتماعاً…‬
‫(*) حوار مع نزار قباني‪-‬مجلة العواصف – عدد ‪17/7/1992‬‬

‫ثانيًا ‪ :‬حرية التصالح بين المتناقضات في الذات ‪:‬‬
‫من الصعوبة بمكان اجتزاءُ مقط ٍع من المشهد الشموليّ الذي تتصاعد فيه قصائد‬
‫نزار قباني‪ ،‬لتقديم هذا المقطع ‪ /‬الجزء على أنه الشاعر كله‪ .‬فالشاعر (كلّه) غير‬
‫حصْر والتعيين‪ ،‬بل هو مبثوثٌ على أكثر‬
‫موجود بهذه الطريقة وحدها على وجه ال َ‬
‫من صعيد مشتّت كما لم يتشتت إل قلّ ٌة من الشعراء غيره‪ ،‬متناقض فيما بين واحدة‬
‫النّار والماء‪ ،‬ويضع عينًا على النهار‪ ،‬وأخرى في الغسق‪ .‬وهو بنفسه ل يعترف‬
‫بجدوى تجزئته واقتطاع عناصر جزئيّة من عالمه‪ ،‬أو اختزاله إلى وجه ما‪ ،‬لنه‬
‫حقّا ل يُختزَلُ‪.‬‬
‫وقد كتب قصيدةً يحتفي فيها بتناقضاته ((تناقضات ن‪.‬ق الرائعة)) وله قصيدة‬
‫بعنوان ((شيزوفرينيا)) وقصيدة بعنوان ((اعترافات رجل نرجسي))‪.‬‬
‫وهي قصائد يفصح فيها الشاعر عن لحظات من الصّدق الجارح والكشف لسرار‬
‫الشخصية وتقلباتها‪ .‬لنه يحمل في طيات هذا الشعر إنساناً هو نتاج تاريخ طويل من‬
‫التناقض وعدم الستقرار‪ .‬ونزار قباني تجرّأ فقدّم هذا النسان بصبغة أنا المتكلّم‪.‬‬
‫بينما في الحقيقة يمكن أن يكون هذا النسان قارىء القصيدة نفسه‪ ،‬بل هو أسلوب‬
‫فنيّ مخاتلٌ يوقِ ُع القارىء في بقعة من العتراف بأعماقه بصوت واضح‪ .‬لهذا‬
‫لتميل إلى اعتبار ما يكتبه نزار مذكرات شخصية تخصه وحده‪ ،‬بل إنه يتخذ صفة‬
‫الراوي ليتحدث بلسان الرجل‪ ،‬أو المرأة كذلك بصدق ل نبالغ عندما نصفه بأنه‬
‫جارح‪ ،‬بل فاضح‪ ،‬إلى درجة أننا نهرب ممن العتراف به‪ ،‬ونختزله إلى مشكلة‬
‫تخص الشاعر وحده‪ ،‬والحقيقة كما أشرنا أن نزار (يُنمذِج) هذا النسان المأزوم‪،‬‬
‫ويتكلم بلسانه‪.‬‬
‫إن الشعر والفن عموماً ليس تأريخاً للمسيرة اليومية التي يمر بها الفنان بل هو‬
‫خطاب جمالي ذو أساليب مختلفة‪ ،‬وليس بالضرورة بل ليس ممكنًا أن ندين شخص‬
‫الفنان إدانةً مسلكيّة لتجرّئه على العتراف بصفات الذات النسانية وتقلباتها وكذبها‬
‫وخيانتها لنفسها ولحقيقتها‪ .‬وإل لتحوّل الدب إلى ملفات نحاكم من خلل حيثياتها‬

‫الفنانين والمبدعين‪ ،‬فإذا كتب الفقير عن الحلم النبيل والقمر الفضي والجنة الذهبية‬
‫والمخمل‪ ،‬اتهمناه بالكذب‪ ،‬وإذا كتب الرستقراطي عن مشاعر الطبقة الدنيا‪ ،‬اتهمناه‬
‫كذلك بخيانة منطق طبقته والدعاء بما ليس فيه‪ .‬إن الدب ليس نقل الحياة من ثقب‬
‫ل للدانة الشخصية‪.‬‬
‫إبرة ضيق‪ ..‬وليس مجا ً‬
‫من هنا‪ ،‬قام نزار بتقديم ذات هي منتشرة فنيا‪ ،‬متشكّلة بأثرِ التّاريخ والمجتمع‪ ،‬ولم‬
‫يقدم شخصَ ُه هو في الشعر‪.‬‬
‫إن مثل هذا الرأي يساعدنا كثيراً في فهم نزار وقراءة شعره عبر وضع تناقضاته‬
‫موقعها السليم‪ .‬فمن خلل كون نزار هو الفراز التاريخي الطبيعي لثقافتنا وذهنيتنا‪،‬‬
‫نتفهم مجمل التقلبات في الرؤى النزارية حول نفسه هو‪ ،‬وحول المرأة والحياة‬
‫وأشيائهما‪ ،‬فنزار لم يأت ممن خارج الذات التاريخية لشخصية عربية ثقافية تتمتع‬
‫ضعًت عبر تاريخ ليس هادئًا ول منسجماً‪ ،‬خلق‬
‫بمجموع مواصفات تبلورَت‪ ،‬أو تمو َ‬
‫نموذجَ روحٍ قلق ٍة على مصيرها‪ ،‬مقهورة في قاعها العميق‪ ،‬مشوشة في نظرتها إلى‬
‫كل شيء‪ ،‬وهو قلق هائل‪ ،‬موجود رغم كل مظاهر التسليم المعلن عنها عبر‬
‫ل هذا التاريخ من التوتر والنفصام والنقسام والتشظي والتناقض‪،‬‬
‫التاريخ‪ .‬فلفم يخْ ُ‬
‫إيجابًا وسلباً‪ .‬تاريخ ارتسمت كائناته على الصورة التي اختصرها شخص الشاعر‬
‫نزار‪ .‬مضافًا إليها الوضعية الخاصة للمبدع والشاعر الذي هو أصلً غير منسجم‬
‫مع محيطه ول متصالح مع العالم‪ .‬إن التصالح في هذه الحالة شكل من أشكال‬
‫الخيانة‪ ،‬لذلك‪ :‬لبد من التصالح مع التناقض‪ ..‬من قبيل القرار بتناقض جوّاني‬
‫وعدم أمان…‬
‫إذاً‪ ،‬لينسى نزار أنه ولد ورث ثقافة هذا التاريخ التي أشرنا إلى ما فعله في‬
‫شخصيتنا‪ .‬مما سمح له أن يراوح بين عدد من المفاهيم المتناقضة المبثوثة عير‬
‫قصائده‪..‬‬
‫ولنأخذ مثالً‪ ،‬علقته بالمفهومين المتضادين ظاهريًا على القل‪( :‬الحضاري) و‬
‫(البدوي)‪ .‬وما بعنب ذلك من تضاد بين عددٍ ممن السمات المنضوية تحت كل‬
‫مفهوم‪.‬‬
‫(الشفافية‪ /‬القسوة) (النظام ‪ /‬الفوضى) على سبيل التمثيل‪.‬‬
‫وتكاد هذه اللحظة الجامعة بين الحضاري والبدوي‪ ،‬كمفهومين كبيرين‪ ،‬تشكل أهم‬
‫لحظات تجربة نزار الوربية‪ .‬عندما اختار بشيء من الرادة وكثير من القهر‬
‫النفسي أوربا مكاناً للقامة فدخل هذا المكان كمفهوم ثقافي واجتماعي وحضاري‬
‫شامل في مكوّنات خطاب هذا المكان على لغة الشاعر القادم من خطاب آخر‪ ،‬إن لم‬
‫يكن متناقضًا بالضرورة مع الخطاب الول‪ ،‬فإنه حتماً مختلف أشد الختلف‪،‬‬
‫متباين أوضح التباين‪ ،‬لصالح الخطاب الثقافي الوروبي طبعاً‪ .‬وهذه ظاهرة تدخل‬
‫في إطار العلقة بين العربي والخر الوروبي التي غالباً ما ينظر إليها من موقع‬
‫الصدمة الحضارية‪ ،‬والنبهار بالخر‬
‫ومستوياتِه على الصعدةِ جميعها‪ ،‬بما يشمل ذلك من طبيعة العلقة بين النسان‬
‫والنسان‪ ،‬وبينه وبين الطبيعة‪ ،‬بين الذكر والنثى‪.‬‬

‫فكان أن عبّر الخطابان عن علقة الخلل بينهما‪ .‬وقد عبّر المثقف العربي كثيراً عن‬
‫هذه العلقة‪ ،‬عبر الدراسة‪ ،‬والبحث‪ ،‬والدب الروائي والقصصي‪ .‬ولكن في الشعر‬
‫كان الشاعر نزار أهم من جعل من شعره حاملً فنياً جمالياً لهذه الظاهرة الحضارية‬
‫المعقدة‪.‬‬
‫وقد أشرنا في مكان آخر‪ ،‬إلى الفضيلة الكبرى التي يمتاز بها نزار‪ ،‬شاعراً‪ .‬وهي‬
‫قدرته الل متناهية على تحويل اله ّم والهاجس الفكري المعقد إلى هم ذي طابع‬
‫جماهيري يتغلغل عبر أحاسيسهم ويتشبعون به ويتمثلونه‪ .‬أي أن نزار بعفوية يحسد‬
‫عليها‪ ،‬ودون تعقيدات الطبقة المثقفة والطليعية‪ ،‬أعطى الجماهير حقها في أن تعرف‬
‫مشكلتها النفسية والجتماعية‪ ،‬خاصة مسألة الكبت النفسي والخلقي بوساطة‬
‫الشعر‪.‬‬
‫وفي هذا السياق يأتي تعبير نزار عن العلقة مع خطاب الثقافة الوروبية‪ ،‬وتناقض‬
‫الذات مع ذاتها‪ ،‬تعبيرًا ذا وزن شفّاف يناسب طبيعة الشعر الذي يمارسه هو من‬
‫موقعه شاعرًا للجميع‪..‬‬
‫ولن نزارا جاء أوربا وفي مشروعه الكبير تكمن المرأة العربية بإشكالتها‬
‫التاريخية والعاطفية‪ ،‬ووضَعَ هذه الشكالية (عبر القصيدة طبعًا كما أشرنا) في قلب‬
‫الصراع مع مفهوم أوربي مختلف أشد الختلف‪ ،‬على صعيد المرأة ومكانتها‬
‫ودورها وفاعليتها وحريتها‪ .‬برزت المرأة مرة أخرى كاختيار يتعرض له الشاعر‬
‫لثبات مدى صلته بالجمال والحرية والنفتاح على الفضاء‪.‬‬
‫جاء نزار‪ ،‬ووراءه ثقافة تخاطب المرأة بكثير من التهميش والتبعية والمتلك على‬
‫أنها بضاعة‪ ،‬سلعة تخضع لقوانين السوق والشارع التجاري بمنطقه المادي‬
‫والنتهازي‪.‬‬
‫ل كثيرٍ من مشكلت النسان‪،‬‬
‫جاء إذاً ووراءه تلك الثقافة وأمامه ثقافة تمكنت من ح ّ‬
‫بما في ذلك المرأة‪ ,‬و نقلتها إلى المعنى الحضاري الكريم‪ ,‬أي ثقافة نفضت فيها‬
‫المرأة رماد تخلفها و كسرت الحاجز بينها وبين جنة الرض وجدوى العمل‬
‫والحرية‪..‬‬
‫على أنه من المفترض أن يجد الشاعر في أوروبا ضالته المتمثلة في امرأة حرة‪،‬‬
‫أنثى حضارية‪ ،‬منفتحة‪ ،،‬تبتكر حاضرها وتطالب بحقوقها وترحل إلى مستقبلها بثقة‬
‫وطموح وأمان‪.‬‬
‫أليست هذه المرأة التي يدعو إليها شعر نزار ؟ تاريخها هي كذلك‪ ،‬تنتمي لمشاكلها‬
‫وتعانيها‪ ،‬وتتبصر الطريق إلى خلصها من داخل هذه اللحظة التاريخية ل من‬
‫خارجها‪ .‬فأنثى نزار أساساً بنت ألف ليلة وليلة‪ ،‬وبنت نصوص العشق‪ ،‬والطغيان‪،‬‬
‫والفقه‪ ،‬والتقاليد السوداء والخضوع والعبودية‪ .‬أنثاه التي انتمى إلى فضائها‪ ،‬هذه‬
‫هي‪ ،‬وهي نفسها التي اجتهد عبر عمره على تحريضها وصياغة أزماتها‪ ،‬مقترحاً‬
‫لها بدائل جمالية سعى إلى تعميقها وتكريسها كعادات شعرية يمكن عبر تراكمها في‬
‫وجدان القراء‪ ،‬واستمرارها وإذاعتها عبر قنوات العلقات النسانية ومفاهيم‬
‫البسطاء من الناس‪ ،‬أن تمتلك القدرة على إنتاج حالة حضارية مقبولة تسم المرأة‬
‫النثى وتساعد على تفريغ أعماقها من عقدها وأزماتها‪.‬‬

‫فماذا تشكل أوربا على هذا الصعيد لدى الشاعر؟ أوربا المجتمع المدني‪ ،‬فردوس‬
‫للمرأة‪ ،‬ولمجمل حرياتها العاطفية والقتصادية والجنسية‪.‬‬
‫لكن أوروبا ستحرض الشاعر على الحساس أكثر فأكثر بالفجوة الحضارية بين‬
‫المرأة العربية‪ ،‬كجزء من مشكلته الثقافية‪ ،‬والحداثة الوربية‪.‬‬
‫وسوف يقف الشاعر أمام منعطفات عديدة فتارة سيجد النثى الحضارية التي يبحث‬
‫عنها‪ ،‬وسوف يكتب عنها كما لم يكتتب عن المرأة الدمشقية مثلً‪ .‬فهنا يجد نفسه أمام‬
‫امرأة تستمع إلى ((شوبان)) وتشاهد متحفاً‪ ،‬أو معرض رسم‪ ،‬وتحضر حفلة شاي‬
‫الساعة الخامسة‪ ،‬وتلعب ((البريدج)) أي أمام امرأة تعيش نبض العصر بشغف‪،‬‬
‫متخففة نوعًا ما من الزمات الحادة و الفصامات و العصابات التي تعصف بنفس‬
‫المرأة العربية في ظل شروطها التاريخية المتراكمة‪.‬‬
‫ولكنه في مرة ثانية لن يجد هذه المرأة العصرية ملئمة لحقيقته كعربي ذي ذهنية‬
‫حادة عصبية مزاجية متقلبة صحراوية بدوية (وكلها صفات ترد في شعره على أنها‬
‫صفاته‪ ،‬ل كنزار قباني الشخص‪ ،‬بل نزار كنموذج في مواجهة حياة في لندن أو‬
‫باريس)‪.‬‬
‫وهنا سيرى نفسه هذا النموذج مشدوداً بحبل سرّي إلى أعماقه الولى المتشكّلة‬
‫هناك‪ ،‬في مناخ ((جميل بثينة)) و غزليات ((امرىء القيس)) والقهوة المرة‬
‫وإيقاعات البحر الطويل‪ ،‬وهو عندما يستدعي هذه الرموز التاريخية‪ ،‬ل لكي يتناولها‬
‫بصورة متعمّدة مسيئةٍ‪ ،‬حتى وإن كان سياقُها التّعبيري يوحي من الظاهر بذلك‬
‫المعنى التهكمي‪ ،‬لكنه يستدعيها لتكون دالّةً على جملة مواصفات طبعت جزءاً كبيراً‬
‫من رؤية العربي لشؤون الحب والجسد والمحرمات فهو يوظف هذه الرموز من‬
‫جهة ما توحي به فقط‪ .‬فكيف إذاً تنسجم هذه الشخصية مع حب امرأة مغزولة‬
‫بأصابع ((بيير غاردان)) أو ((فالنتينو))؟‬
‫ليست المسألة ذات لونين‪ ،‬أسود‪/‬أبيض ‪ ،‬أبداً‪ ،‬فالشعر ل بعمل في هذه المنطقة‬
‫المقسمة بمنطق ثنائي فجّ‪ .‬بل علينا ‪ ،‬نعود هنا إلى ما أشرنا إليه من أن نزار شاعر‬
‫خلق في قلب المشكلة وتمثلها وقد تسللت تمظهراتها عبر كتابته أحياناً‪ ،‬مع رفضه‬
‫لها‪ .‬بمعنى ‪ ،‬أن نزار عندما يترك لحظة البدوي تعبر عن نفسها في (بار) انكليزي‪،‬‬
‫فليس من أجل التباهي ببداوته‪ ،‬بل كان القهر والحباط هما غالبًا ما يظهران‪ ،‬أو‬
‫يختفيان وراء هذه اللحظة المفارقة‪ ،‬إنه يحارب هذه اللحظة عبر تبيانها وشرحها‬
‫وعرضها على الضوء الكاشف بسطوع يترك أسرار المتلقي تهتز وتنتهك‪ ،‬مذكرة‬
‫هذا المتلقي أن البدوي الكامن فيه‪ ،‬يمد رأسه من حين إلى آخر في أشد لحظات‬
‫علقته مع العصر‪ .‬إذاً ل يمكن أن نصدق أن البدوي كمفهوم اجتماعي متأخر ل‬
‫يمثل حاجة حديثة سيكون حاضرًا في خطاب الشاعر حول امرأة انكليزية‪ ،‬أو مع‬
‫امرأة تشربت حضارة العصر وتشبعت بالمدينة والحريات على أشكالها‪.‬‬
‫إن هذا البدوي جزء من معاناة الشاعر‪ ،‬والشاعر هنا هو ليس شخصاً يتعلق بإنسان‬
‫اسمه نزار قباني‪ ،‬بل هو نموذج للعلقة بين العربي والثقافة الوروبية وليس غريباً‬
‫على وعينا ذلك المفهوم الملتبس في هذه العلقة عندما يزدوج الموقف أمام هذه‬

‫الثقافة الوروبية‪ .‬فنحن نتعاطى معها ولكننا لنوفر فرصة النقضاض عليها‬
‫ونهشها بالظافر و تفتيل الشوارب أمامها‪.‬‬
‫مع هذا‪ ،‬فإن هذا البدوي قد يمثل رمزاً لحالت إنسانية عفوية صادقة شهمة كريمة‬
‫نبيلة‪ ،‬تؤسس جانبًا من ضمير النسان العربي في علقته مع مادية الحضارة‬
‫الوروبية‪ .‬وذلك البدوي هو بالضبط ما يستدعيه نزار قباني كذلك في لحظة الحوار‬
‫مع جسد وثقافة المرأة‪ ،‬في المكان الوروبي‪.‬‬
‫فمن جهة هو جز ٌء من العاقة‪ ،‬ومن جهة هو الصورة العاطفية المتوترة والصادقة‬
‫أمام حالة البرودة والثلج والجمود والفراط في ( التيكيت) المحاصر للحرية‬
‫الروحية الجوهرية التي تحتاج أحيانًا إلى فضاء وحشي طبيعي‪.‬‬
‫هذه هي الزمة وقد تشخصت بالضبط ‪ :‬الصراع الحاد الداخلي الذي ارتفعت‬
‫وتيرته في الشاعر‪ ،‬بين حضارة وطبيعة‪ .‬بين بداوة ومدنية بين حرارة وبرود‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫بين جسد يخضع للبرمجة عبر دقائقه و ثوانيه‪ ،‬وجسد هو الذي يبدع‪ ،‬ببروق‬
‫أعماقه‪ ،‬أزمنته على هواه‪.‬‬
‫وعلى ما يبدو كان لبد من وجود هذا الصراع‪ ،‬بل كان يجب أل يجد طريقه إلى‬
‫الحل‪ ،‬لنه يمثل أس الشخصية المركبة التي نتحدث عنها‪ .‬فمن المحال النحياز إلى‬
‫أحد هذين الجانبين‪ .‬فل يمكن أن يكون الشاعر ((طبيعياً)) بالمطلق‪ ،‬ول ((مدنياً))‬
‫بالمطلق‪ ،‬وهو في صدد العلقة مع المرأة في هذا المكان‪ .‬فهي علقة ل تخضع‬
‫للبرنامج الثابت‪ .‬ولينظمها قانون مستقر بعناصره ومبادئه‪ .‬وهي العلقة الطبيعية‬
‫التي تنتاب الذهنية المقهورة للنسان العربي المتمزق المتشظي بين سلطة الماضي‬
‫الثقيل‪ ،‬وطموح المستقبل الغامض‪ .‬ولبد أن تعكس هذه الذهنية أداءها على جميع‬
‫مستويات الحياة التي يتمثلها النسان‪ .‬إذاً نؤكد مرة أخرى أننا ل نستقرىء هذه‬
‫الظاهرة‪ ،‬والتناقضات الناتجة عنها‪ ،‬بل إننا نحاول استنباط ما اتخذ منه نزار نموذجاً‬
‫للنسان العربي أمام المرأة المعاصرة‪.‬‬
‫لشك أن الحضارة ل تتجزأ‪ ،‬وأن الحداثة عملية شموليةٌ تصيب حتى النظرة العابرة‬
‫إلى أدق الوقائع والشياء‪ .‬ولكن هناك في النسان لحظة سرية يفلت فيها وحش‬
‫(الطبيعة) داخله‪ ،‬منسحبًا من جميع (الثقافات) ساعيًا إلى الحرية الولى المفقودة‬
‫والتي أصبحت مع مرور الزمن تشكل مادة لحلم جميع المبدعين والفنانين‪.‬‬
‫ولنها حلم إنساني‪ ،‬إبداعي‪ ،‬يمارسه فنان‪ ،‬فسوف يكون حلمًا من قلب المخيلة‬
‫البداعية التي تبني كوناً جميلً‪ ،‬وتقيم معماراً جمالياً أساسياً‪ .‬لهذا لن تكون هذه‬
‫اللحظة الوحشية الولى‪ ،‬الطبيعية عند الشاعر‪ ،‬حاضرة بمعناها الحقيقي أو‬
‫المسلكي‪ ،‬لكنه سيدخلها إلى مختبره الجمالي‪ ،،‬مسبغًا عليها الروح والناقة‪ .‬وهنا‬
‫يكمن جزء مهم ممن مسؤولية المبدع‪ ،‬عندما يزاوج بين اللحظتين الساسيتين اللتين‬
‫تبنى عليهما روح النسان الطبيعي‪ .‬وهما لحظتا المدنية‪ ،‬والوحشية‪ .‬ولشك أن‬
‫البداع يعطي هذين المتناقضين فرصة اللقاء السليم‪ ،‬حتى ل يتحول النسان إلى‬
‫طاقة مهدورة‪..‬‬

‫وقد زاوج نزار قباني بين هاتين اللحظتين بمهارة نادرة ولسيّما عندما كان المكان‬
‫ينتقل عنده من هوية عربية إلى هوية أوربية متخذًا من ((الحب)) هذا المطلب‬
‫ل لهذه المزاوجة‪.‬‬
‫النساني الذي ينتقل على تخوم الغريزة والثقافة معاً مجا ً‬
‫وكانت نبرة نزار تمثل الصورة الصادقة والعفوية‪ ،‬لهذه الحالة‬
‫فيه المتناقضات‪ .‬وقد استطاع نزار كونه شاعراً للجماهير المقهورة أن يستنطق‬
‫بأدواته الشعريةـ بما في ذلك إحساسه العميق والناقد إلى المشاعر طبيعة العلقة‬
‫المعقدة التي يعيشها النسان مع أنثاه في ظروف اجتماعية ونفسية مأزومة‪.‬‬
‫فكان ليترك اللحظة البدائية‪ ،‬تقود السلوك النساني مع الخر‪ ،‬ول يتباهى بأن‬
‫يغرق في نور الحضارة كلياً بالصورة المزيفة‪ .‬لن في المرين‪ ،‬كل على حدة‪،‬‬
‫تشويهاً للحقيقة‪ ،‬هذه الحقيقة التي فحواها أن المشاعر الدقيقة مؤسسة بأسلوب‬
‫متداخل يسمح لمجمل العناصر المتنافرة أن تتصالح‪.‬‬

‫الصراع العربي السرائيلي في شعر نزار قباني‬
‫رشوان عبد ال‬
‫الثلثاء ‪2006 / 4 / 18 /‬‬
‫جريدة الفرات السورية‬

‫ ل أحد منا يستطيع أن يدخل أبواب الشعر العربي الحديث دون أن يجلس على‬‫طاولة شاعر كبير مثل نزار قباني شغل القراء أكثر من نصف قرن فهو الشاعر‬
‫المتمكن الذي طرح مواضيع مختلفة في شعره أدهش كل من قرأ له حتى أنه كون‬
‫قاعدة جماهيرية كبيرة ولم يكن جمهوره فقط من النساء كما يعتقد الكثيرون ولكن‬
‫شغل البال الرجال والشعراء الذين قرؤوا شعره وأنصفوه فقد كتب نزار قباني‬
‫الشعر صغيراً وقد كانت بداياته بمواضيع جريئة قوية تخص الدخول في الكثير من‬
‫الجزيئات التي تتعلق بالمرأة وربما كان له أسبابه في هذا لكن بعد نكسة حزيران‬
‫‪ 1967‬أخذ نزار قباني يتجه في شعره إلى منحى ثان فخرج إلينا يلبس حلة جديدة‬
‫التزم فيها قضايا أمته العربية وهمومها التي أثرت فيه أيما تأثير فاستطاع بإبداعه‬
‫الكبير أن يطرح مشكلت المواطن العربي وهمومه وطموحه إلى الخلص من‬
‫الستعمار وقلما نجد مدينة عربية لم يكتب فيها شعراً جميلً سحرنا نحن القراء‬
‫فنزار قباني يهاجم القراء الذين أنكروا شعره الغزلي وهاجموه وتقولوا عليه فهو‬
‫يحاول أن يثبت لهم براءته يقول‪:‬‬

‫‪..‬ويقول عني الغبياء ‪ / :‬إني دخلت الى مقاصير النساء ‪..‬وماخرجت ‪/‬ويطالبون‬
‫بنصب مشنقتي ‪/‬لنني عن شؤون حبيبتي ‪ ..‬شعراً كتبت ‪ /‬أنا لم أتاجر ‪ -‬مثل غيري‬
‫ بالحشيش ‪..‬ولسرقت ‪/.‬ول قتلت ‪ /‬إذاً فهو يدافع عن شعره بقوة لنه يكتب الشعر‬‫العربي فهو لم يقترف ذنبًا خطيراً مثل غيره من المجرمين الذين لرقيب عليهم‬
‫‪.‬وربما كتب باكراً عن اليهود الذي زرعوا حنجراً في خاصرة المة العربية فكتب‬
‫قصيدة بعنوان (قصة راشيل شوا رزنبرغ) عام ‪ 1955‬يقول فيها ‪:‬‬
‫جاؤوا الى موطننا المسالم الصغير ‪ /‬فلطخوا ترابنا ‪ /‬وأعدموا نساءنا ‪ /‬ويتموا‬
‫أطفالنا ‪ /‬ولتزال المم المتحدة ‪/‬ولم يزل ميثاقها الخطير ‪ /‬يبحث في حرية الشعوب‬
‫‪/‬وحق تقرير المصير ‪/‬‬
‫فهو يعترف أن المصائب التي حلت بالوطن العربي حولته من شاعر عربي الى‬
‫شاعر ثائر يكتب بدمه ‪.‬‬
‫يقول‪ :‬ياوطني الحزين ‪/‬حولتني بلحظة ‪ /‬من شاعر يكتب الحب والحنين ‪/‬لشاعر‬
‫يكتب بالسكين ‪./‬‬
‫فنزار قباني كان شاهدًا على كثير من الحداث التي حلت بالوطن العربي فهو‬
‫يعترف بالهزيمة في نكسة ‪ 1967‬لننا لم نكن جاهزين للحرب ولننا لم نعد العدة‬
‫فالحرب تحتاج الى عزيمة واصرار ل أن ندافع عن حقوقنا بالهتافات والصراخ‬
‫يقول‪:‬‬
‫إذا خسرنا الحرب ‪،‬لغرابة ‪ /‬لننا ندخلها ‪/‬بكل مايملكه الشرقيّ من مواهب الخطابة‬
‫‪ /‬بالعنتريات التي ماقتلت دبابة ‪/‬لننا ندخلها ‪/‬بمنطق الطبلة والربابة ‪./‬‬
‫فنزار قباني كان من الناس المحبين للوحدة والمرحبين بها ولكن النفصال أحزنه‬
‫وجعله يائساً من تكرار المحاولة التي قامت بها سورية مع مصر فهو يعترف بأنه‬
‫لول النفصال لما قدر علينا الحتلل ‪.‬يقول‪:‬‬
‫لوأننا لم ندفن الوحدة في التراب ‪/‬لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب ‪ /‬لوبقيت في‬
‫داخل العيون والهداب ‪/‬لما استباحت لحمنا الكلب ‪..‬‬
‫فالشاعر غاضب جداً من جيله الذي ألف السكوت على الهوان فأراد أن يكون هناك‬
‫جيل في المستقبل يستطيع أن يفعل مالم يفعله أبناء جيله فهو يحدد طبيعة هذا الجيل‬
‫يقول‪ :‬نريد جيلً غاضباً ‪/‬نريد جيلً يفلح الفاق ‪/‬وينكش التاريخ من جذوره ‪/‬وينكش‬
‫الفكر من العماق ‪/‬نريد جيلً قادمًا مختلف الملمح ‪/‬ليغفر الخطاء ليسامح‬
‫‪/..‬نريد جيلً رائداً ‪،‬عملق ‪/..‬‬

‫فنزار شاعر ثوري يرغب أن يفعل العرب شيئاً اتجاه اليهود الذين تسربوا الى بلدنا‬
‫كالجراد فأخذوا ينشرون الموت والفساد بعد نكسة حزيران لذلك فهو يتألم لحالنا‬
‫المزري يقول‪:‬‬
‫حرب حزيران انتهت ‪/..‬فكل حرب بعدها ‪،‬ونحن طيبون ‪ /..‬أخبارنا جيدة ‪ /‬وحالنا‬
‫ والحمدل ‪ -‬على أحسن مايكون ‪ /..‬وصوت فيروز ‪ /‬من الفردوس يأتي ‪«/‬نحن‬‫راجعون » تغلغل اليهود في ثيابنا ‪/‬و« نحن راجعون »‪ /‬صارا على مترين من‬
‫أبوابنا ‪ /‬و«نحن راجعون» ‪/‬ناموا على فراشنا ‪ /..‬و«نحن راجعون» ‪/‬وكل مانملك‬
‫أن نقوله ‪ «/ :‬إنا الى ال لراجعون » ‪..‬‬
‫ثم يخاطب نزار شعراء الرض المحتلة وهوليملك ال أن يتحدث لهم عن هزائم‬
‫العرب المتوالية وكيف نحن العرب لنملك إل اللهو واللعب يقول‪:‬‬
‫مازلنا منذ حزيران ‪..‬نحن الكتاب ‪/‬نتمطى فوق وسائدنا ‪/‬نلهو بالصرف وبالعراب‬
‫‪/‬يطأ الرهاب جماجمنا ‪/‬ونقبل أقدام الرهاب ‪ /‬نركب أحصنة من خشب ‪/‬ونقاتل‬
‫أشباحًا ‪ /‬وسراب‪ .‬ثم يعود نزار فيصف لنا حالة العرب غير المكترثين لما يحصل‬
‫ولما يفعله اليهود وكأن المر ليعنهم فهم مشغولون بأمورهم التافهة التي حجبت‬
‫عيونهم عن ضوء الحقيقة المرة يقول‪:‬‬
‫في قصيدة جريمة شرف أمام المحاكم العربية ‪:‬‬
‫مازال يكتب شعره العذري قيس ‪/‬واليهود تسربوا الفراش ليلى العامرية ‪/‬حتى كلب‬
‫الحيّ لم تنبح ‪ /‬ولم تطلق على الزاني رصاصة بندقية ‪..‬‬
‫ثم يعود في نفس القصيدة ويصف لنا حالة العرب وشعور الناس بعد القصف الذي‬
‫طال مدنهم ولم يبق على شيخ ولطفل ولامرأة والكل غير مكترث ‪.‬‬
‫الشمس تشرق مرة أخرى ‪ /..‬وعمال النظافة يجمعون أصابع الموتى ‪ /..‬وألعاب‬
‫الصغار ‪ /‬الشمس تشرق مرة أخرى ‪ /..‬وذاكرة المدائن مثل ذاكرة البغايا والبحار‬
‫‪/‬الشمس تشرق مرة أخرى ‪/‬وتمتلئ المقاهي مرة أخرى ‪/‬ويحتدم الحوار‪./‬‬
‫فنزار لم يترك مدينة عربية منكوبة إل وأرسل لها من عذب أشعاره يرثيها ويشجب‬
‫كل من تقاعس في الدفاع عنها يقول عن القدس ‪:‬‬
‫ياقدس يا منارة الشرائع ‪/‬ياطفلة جميلة محروقة الصابع ‪ /‬حزينة عيناك يامدينة‬
‫البتول ‪/‬ياواحة ظليلة مرّ بها الرسول ‪/‬حزينة مآذن الجوامع ‪/‬حزينة حجارة الشوارع‬
‫‪/..‬من يغسل الدماء عن حجارة الجدران ؟ ‪/‬من ينقذ النجيل ؟ ‪ /‬من ينقذ القرآن ‪..‬ثم‬
‫يخاطب بيروت بعد الحرب الهلية يقول‪:‬‬

‫ياست الدنيا يابيروت ‪/‬قومي من تحت الردم ‪،‬كزهرة لوز في نيسان ‪ /..‬قومي من‬
‫حزنك ان الثورة تولد من رحم الحزان ‪ /..‬قومي إكراماً للنسان ‪/‬إنا أخطأنا‬
‫يابيروت وجئنا نلتمس الغفران ‪»..‬‬
‫ولكن رغم هذه الشعار الرائعة التي وبخّ فيها العرب الذين تقاعسوا عن رد العدوان‬
‫ل‪:‬‬
‫إل أن المل كان حاضراً أيضًا في قصائده يقول قائ ً‬
‫ياآل اسرائيل ‪،‬ليأخذكم الغرور ‪ /‬عقارب الساعة إن توقفت ‪ /‬لبد أن تدور ‪ /‬إن‬
‫اغتصاب الرض ليخفينا ‪/‬فالريش قد يسقط من أجنحة النسور ‪/‬والعطش الطويل‬
‫ليخيفنا ‪/‬فالماء يبقى دائمًا في باطن الصخور ‪ /‬هزمتهم الجيوش إل أنكم لم تهزموا‬
‫الشعور ‪/‬قطعتهم الشجار من رؤوسها ‪/‬وظلّت الجذور‪..‬‬
‫وأخيراً يتحدى نزار اليهود بالرجال والنساء والطفال الفلسطينيين وبأنهم سوف‬
‫يخرجونهم من كل مكان ليقاتلوهم ويطردوهم من الراضي الفلسطينية يقول ‪:‬‬
‫رجالنا يأتون دون موعد ‪/‬في غضب الرعد وزخات المطر ‪/‬يأتون في عباءة‬
‫الرسول ‪ /‬أو سيف عمر ‪/‬نساؤنا ‪/..‬يرسمن أحزان فلسطين على دمع الشجر ‪ /‬يقبرن‬
‫أطفال فلسطين بوجدان البشر ‪/‬نساؤنا ‪/‬يحملن أحجار فلسطين الى أرض القمر ‪:‬‬
‫ولعل أجمل بيت قاله نزار في هذا الخصوص‪:‬‬
‫كل ليمونة ستنجب طفلً‬
‫ومحال أن ينتهي الليمون‬
‫أخيراً نقول‪ :‬لقد استطاع نزار أن يعبّر عن وجدان كل مواطن عربي يبحث عن‬
‫الحرية وأن ينقل لنا بشعره وضع المة العربية آنذاك وذلك ردًا على من يقول أن‬
‫نزاراً شاعر المرأة فقط ‪..‬‬
‫وفتوحاته‪ ..‬كانت لغوية‬

‫جريدة الثورة السورية‬
‫‪1/5/2008‬‬

‫هاني الخير‬
‫عندما رحل نزار قباني عن عالمنا في الربيع مع عودة أسراب السنونو‪ ,‬عن ‪ 75‬سنة‬
‫في منزله وسط العاصمة البريطانية‪ ,‬ونقل جثمانه المشحون باللم السرية والعلنية‬

‫‪ ,‬في طائرة سورية خاصة ‪ ,‬ليوارى الثرى في مقبرة " الباب الصغير " بدمشق‪,‬‬
‫بجوار قبور الحبة من أفراد أسرته الكريمة‪...‬‬
‫كان الجسد النائم نوماً مرحلياً‪ ,‬يتلشى بمرور السنوات‪ ,‬في عتمة رطوبة التراب‬
‫الحزين الذي يتوسد عليه الشاعر‪ ,‬ليتألق بعد رحيله ويسطع شعره المتميز‪ ,‬دون‬
‫استئذان من الرقابات العربية المتشددة‪ ,‬في فضاءات العالم العربي‪ ,‬مع نسائم‬
‫الصباح الولى‪ ,‬وفي ذاكرة من يتذوق شعره من القراء القدامى‪ ,‬الذين عاصروا‬
‫وتابعوا بشغف ومحبة مسيرته البداعية المظفرة‪ ,‬التي أوصلته دون شفاعة من أحد‪,‬‬
‫إلى ذروة القمة‪ ,‬التي ليصل إليها إل أصحاب المقامات الكبيرة أمثال‪ :‬عمر أبو‬
‫ريشة‪ ,‬وبدوي الجبل‪ ,‬وسليمان العيسى ‪ ,‬والجواهري‪ ,‬والخضل الصغير‪.‬‬
‫وفي الوقت ذاته فإن أجيالً شابة وهرمة‪ ,‬سيدفعها الفضول المعرفي الثقافي‪ ,‬إلى‬
‫اكتشاف شاعريته النيقة‪ ,‬التي أسست ما يمكن تسميته»المدرسة النزارية«التي‬
‫أخذت من اللغة الكاديمية منطقها وحكمتها ورصانتها‪ ,‬ومن اللغة المحكية حرارتها‬
‫وشجاعتها وفتوحاتها الجريئة‪ .‬فكان تراثه الشعري صفحة جديدة في ديوان الشعر‬
‫العربي‪.‬‬
‫كانت اللغة الثالثة هذه‪ ,‬هاجس الكثيرين من الكتّاب والشعراء‪ ,‬أمثال‪ :‬يوسف‬
‫إدريس‪ ,‬وحنا مينة ‪ ,‬وفارس زرزور‪ ,‬وسعيد حورانية وتوفيق الحكيم‪ ,‬وكان الخير‬
‫يسعى إلى تطويعها في كتاباته البداعية‪ .‬كان الحكيم في( النثر) والقباني في(الشعر)‬
‫يجاهدان بقوة لحلل اللغة الثالثة‪ ,‬أو اللغة الوسطى ‪ ,‬مكان اللغة المتقعرة الجافة‪.‬‬
‫وفي هذا الشأن يقول نزار قباني عن طبيعة خصوصية شعره‪:‬‬
‫ المجمع اللغوي‪ ,‬ل علقة له بشعري‪ ,‬ول المعاجم ‪.‬الناس هم قاموسي الكبير‪ .‬وإذا‬‫أردت أن أتعرف عدد المفردات الجديدة في شعري‪ ,‬فاسأل تلميذ المدارس‬
‫البتدائية‪ .‬اسأل أولد الحارة‪.‬‬
‫اسأل سائق التاكسي‪ ,‬والممرضة ‪ ,‬ومضيفة الطيران‪ ,‬ونادل المقهى‪ ,‬ومعلمة‬
‫المدرسة ‪ ,‬وبائعة الورد‪ ,‬ومذيعة التلفزيون‪.‬‬
‫إنك ستجدني في كل مكان‪ .‬من نواكشوط ‪ ,‬إلى عدن‪ ,‬ومن الدار البيضاء‪ ,‬إلى‬
‫السكندرية ‪ .‬ومن قرطاج إلى بيروت‪ .‬وباختصار أقول‪:‬إن كل فتوحاتي كانت‬
‫فتوحات لغوية‪" ..‬‬
‫نزار قباني ل يزال حاضراً بيننا‪ ,‬بوسامته المعهودة وأناقته المريحة للنفس‪ ,‬في‬
‫كهولتنا وما يتبقى من سنوات العمر الراحل‪ ,‬كما حضر بقوة في زمن المراهقة‬
‫وسنوات النزاقة والغضب‪...‬‬

‫فالشاعر قد اقترن اسمه بنداء الحرية الواعية‪ ,‬وبدعوته التي استهلكت عمره‪,‬‬
‫للتحرر من العقد النفسية التي تتحكم بالجسد والعقل والسلوك‪ ,‬لذلك خاض معاركه‬
‫بشجاعة يحسد عليها‪ ,‬فانتصر بعد أن أدمت سكاكين النقد جسده‪ ,‬وكذلك آراء‬
‫المتزمتين ‪ ,‬ومعه انتصر الشعر العظيم‪ ...‬وتبقى ذكرى الراحل الكبير ماثلة في‬
‫ذاكرتنا الجمعية دائماً‪ ,‬في انتصاراتنا الوطنية‪ ,‬وفي سهراتنا وفرحنا‪ ,‬وكذلك في‬
‫أحزاننا الشخصية‪ ,‬ولغرابة في ذلك فقد كان صوت عصره‪ ,‬الذي نطق بصوت‬
‫عال عن المسكوت عنه في الحياة العربية‪ .‬وعودة سريعة إلى قصائد الشاعر تثبت‬
‫صحة ما ذهبنا إليه‪.‬‬
‫عشر سنواتٍ على الرحيل‬
‫الخميس‬
‫جريدة الثورة السورية‬
‫ديب علي حسن‬

‫‪1/5/2008‬‬

‫عشر سنوات على رحيل نزار قباني‪ ..‬الشاعر الذي أضرم النار في هشيم اللغة فإذا‬
‫بالهشيم يتقد جمراً وينبت زرعاً جديداً كان له قصب السبق فيه‪ ..‬عشر سنوات‬
‫وكأن الشاعر رحل بالمس لم يؤثر غيابه على حضوره‪ ,‬بل ربما جعله الغياب أكثر‬
‫حضوراً وألقاً وبهاءً‪ ,‬ما من مطبوعة عربية تعنى بالشأن الثقافي إل وتوقفت عند‬
‫هذا الرحيل في ذكراه‪ ..‬بدورنا آثرنا أن نقدم شيئاً مختلفًا من تراثه الثر في اللقاءات‬
‫الصحفية كانت لنا هذه الوقفة مع حوار أجري معه قبل ما يقارب النصف قرن وفيه‬
‫يكشف الكثير من آرائه الفنية‪ ..‬مجلة صباح الخير وفي عددها ‪ /270/‬الصادر يوم‬
‫‪ 9/3/1961‬م نشرت حواراً مع الشاعر نزار قباني أجراه معه الصحفي المصري‬
‫الشهير مفيد فوزي ونظراً لخطورة هذا الحوار وجرأة آراء نزار المطروحة فيه‬
‫نعيد نشر الحوار كما هو ‪ ,‬ودون تغيير أو تعديل وجاء تحت عنوان‪ :‬رسالة دمشق‪-‬‬
‫مفيد فوزي‪ -‬نزار قباني أنا مشغول بحبيبتي‪.‬‬
‫رسالة دمشق ‪ :‬مفيد فوزي‬
‫دق جرس التليفون في غرفتي بفندق بردى!‬
‫رفعت السماعة ‪ ,‬فجاءني صوت فتاة السنترال تقول‪:‬‬
‫ استاذ‪ ..‬اتفضل احكي‪ ..‬بيروت معنا!‬‫بعد ثوان سمعت صوته يرحب بي‪:‬‬
‫كيف الصحة‪..‬‬

‫قلت له‪ :‬كنت أريد أن ألقاك في دمشق‪..‬فبحثت عن رقم تيلفونك حتى حصلت عليه‬
‫من شقيقك الدكتور صباح وطلبتك‪..‬‬
‫قال نزار قباني وأصداء ضحكته تصل أذني ‪ :‬ياسيدي‪ ..‬أنا مشغول‪..‬‬
‫ثم صمت قليلً واستطرد يقول‪:‬‬
‫بحبيبتي!‬
‫عاد يقول‪ :‬نعم حبيبتي‪ ,‬هكذا بكل بساطة‪ ,‬كل يوم أطعمها وأسقيها وأحمل لها الورد‬
‫والطيب والحلي لتتزين!‬
‫أدهشني حديثه عن حبيبته‪ ..‬فدفعني الفضول أن أسأله ‪ :‬ما اسمها?‬
‫قال‪ :‬حتى ليذهب بك الخيال بعيداً‪» ..‬حبيبتي« هذه اسم ديواني الجديد‪ ..‬وحبيبتي‬
‫جميلة‪ ..‬بعد أسبوعين سترونها‪ ..‬وأنا أذهب كل يوم إلى المطبعة‪ ..‬لطعمها‬
‫وأسقيها‪..‬‬
‫وضحكنا!‪..‬‬
‫عدت أقول له‪ :‬أنت وبيروت‪ ..‬كيف تمضي بكما اليام?‬
‫قال وهو يتنهد‪ :‬بيروت حبيبة قديمة لي‪ ,‬حبيبة جميلة‪ ,‬رقيقة‪ ,‬وحساسة ‪ ..‬وبيني‬
‫وبينها خيط حريري ول أحلى!‬
‫هنا‪ ..‬كل شيء يقول شعراً‪ ,‬يتنفس شعراً حتى يتهيأ إلي أن أمشي على أرض‬
‫حجارتها شفاه تتكلم‪..‬‬
‫استطرد نزار يقول‪ :‬أنا في لبنان أنام في جفون قصيدة‪ ,‬وأعيش شعري كما لم أعشه‬
‫من قبل‪ .‬إنني أتفاعل هنا مع كل شيء‪ ..‬مع الموجة والنجمة والغيمة والصداف‬
‫الصغيرة التي تصلي كل صباح على أقدام شرفتي البحرية‪..‬‬
‫قلت له‪ :‬قبل أن أتحدث إليك‪ ,‬ماذا كنت تفعل?‬
‫جاءني صوته يقول‪ :‬كنت أكتب‪ ..‬فأنا أكتب‪ ,‬وأكتب يختلط دمي بدم أوراقي ‪ ,‬أكتب‬
‫في المقهى‪ ,‬وأكتب في الطريق‪ ,‬وأكتب في المطبعة‪ ,‬وأكتب‪ -‬حين لأجد الورق‪-‬‬
‫على أية غمامة تعبر سماء لبنان‪ ..‬على أية قطعة ثلج تكسو جباله البيضاء‪ ,‬الحروف‬
‫تنام معي‪ ,‬وتصحو معي‪ ,‬ولول مرة اكتشفت أن الحرف مخدة من الحرير‪..‬‬

‫سألته‪ :‬ألم يوح لك جو بيروت بحب جديد? قال بصوته الرخيم‪ :‬أنا في بيروت أحب‬
‫حبًا واحداً‪ ..‬هو فني‪ ,‬وهو أروع حب عشته حتى الن‪..‬‬
‫قلت له‪ :‬بنات لبنان‪ ,‬ألم يغيرن وجهة نظرك في المرأة الحديثة? قال بعد تفكير‪:‬‬
‫وجهة نظري في المرأة »الحديثة« لتتغير أينما ذهبت‪ .‬إنها فقدت أهم ملمحها‬
‫كامرأة‪ ..‬فقدت ياسيدي أنوثتها‪.‬‬
‫قاطعته‪ :‬لماذا لم تحدثني عن كبرياء المرأة?‬
‫ضحك نزار‪ ..‬وقال‪ :‬كبرياء‪ ..‬تقول كبرياء المرأة?!‬
‫قلت وأنا أكتم غيظي‪ ..‬نعم يا أستاذ نزار!‬
‫قال بحسم ‪ .‬إن كبرياء المرأة ليس إل ستارة تخفي وراءها أنوثتها لتزيد من »‬
‫شوقك« إليها‪ ..‬لتلهب‪ ..‬حنينك‪ ..‬لها ‪ ..‬لتأسرك!‬
‫ولم يعجبني هذا الوصف‪ ..‬فقلت له‪:‬‬
‫ يا أستاذ نزار‪ :‬هل تحتقر المرأة?‬‫قال وضحكاته يصل رنينها إلى أذني‪ :‬أنا لأحتقرها‪ ..‬أنا أفهمها‪ ..‬فقط!‬
‫قلت له‪ :‬كيف تفهمها?‬
‫قال‪ :‬سيدي‪ ,‬المرأة مجموعة من الهتمامات الصغيرة‪ ..‬التافهة!!‬
‫قلت له‪ :‬ولكنني ل أستطيع أن أستغني عنها ‪ ..‬صديقة أو حبيبة‪.‬‬
‫قال بإصرار‪ :‬ل أحد من الرجال يستطيع أن يستغني عن الهتمامات الصغيرة‬
‫التافهة!‬
‫قلت له‪ :‬بالمناسبة‪ ,‬هل قابلت ليلى بعلبكي قبل سفرها إلى باريس?‬
‫قال نزار‪ :‬نعم‪ ..‬قابلتها‪ ,‬وكانت لنا جلسات‪..‬‬
‫قلت له‪ :‬ما انطباعك عنها?‬
‫قال‪ :‬عرفت ليلى بعلبكي وأعجبت كثيرًا بوحدة شخصيتها وطبيعتها الطلقة‬
‫المنسابة‪..‬‬
‫إنها لتعرف الزدواجية والتهريج الدبي‪.‬‬

‫إنها فنانة بل مساحيق وبل أقنعة فهي تعيش كما تكتب وتكتب كما تعيش‪..‬‬
‫وعدت أسأله‪ :‬أين تسهر في بيروت?‬
‫قال‪ :‬أتردد على المقاهي التي تذكرني بأجواء باريس‪ ,‬أي تلك المقاهي التي تندفع‬
‫كراسيها ومظلتها على الرصيف‪.‬‬
‫وفجأة قلت لنزار‪ :‬سمعت أنك أرسلت قصيدة جديدة لعبد الوهاب وأريد أن أسمعها‪.‬‬
‫ضحك نزار‪ ..‬وسمعته يقول لي‪ :‬لتسمح لي أن أدخن سيجارة وأنا أحدثك‪..‬‬
‫ثم استطرد يقول‪:‬‬
‫ هذا صحيح‪ ..‬أرسلت لعبد الوهاب حكاية! حكاية الرجل الذي يغفر للحبيبة الهاجرة‬‫أخطاءها‪ ..‬في قصيدة اسمها »تليفون«‬
‫قلت‪ :‬لنسمع سوياً‪ ..‬حكايتك الجديدة‪..‬‬
‫صوتك القادم من خلف الغيوم‬
‫سكب النار على الجرح القديم‬
‫مد لي أرجوحة من نغم‬
‫ورماني نجمه تحت النجوم‬
‫من ترى يطلبني? مخطئة‬
‫فاتركيني لدخاني وهمومي‬
‫أنا جرح مطبق أجفانه‬
‫فلماذا جئت تحيين هشيمه‬
‫رقمي من أين قد جئت به‬
‫تحت عصف الريح في الليل البهيم‬
‫بعد أن عاش غريباً مهملً‬
‫بين أوراقك كالطفل اليتيم‬
‫ثم سمعت نزار يقول‪ :‬ويظل يعاتبها‬

‫ويؤنبها‪ ..‬ثم يقول لها‪:‬‬
‫حلوتي‪ ,‬بالرغم مما قلته‬
‫فأنا بعد على حبي القديم‬
‫داعبي كل مساء رقمي‬
‫واصدحي مثل عصافير الكروم‬
‫كلمة منك‪ ..‬ولو كاذبة‬
‫عمرت لي منزلً فوق النجوم‬
‫واستجمعت أطراف خيالي الذي كان نزا ر قد سحبه مني‪ ..‬وقلت له‪:‬‬
‫ما رأيك في آراء عزيز أباظة التي ذكرها للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي عن‬
‫الشعر الحديث?‪.‬‬
‫ضحك نزار ‪ ..‬وقال‬
‫ ياسيدي‪ ,‬عزيز أباظة يذكرني بأهل الكهف الذين استيقظوا بعد نوم خمسمائة سنة‬‫ليجدوا أن الدنيا غير الدنيا‪ ,‬وأن النقود التي بين أيديهم ألغيت من التداول‪ .‬وإذا كان‬
‫عزيز أباظة ليعرف شيئًا عن شاعر اسمه بدر السياب ‪.‬‬
‫وشاعرة اسمها نازك الملئكة‪ .‬فإنني أنصحه أن يرجع إلى سريره وينام!‬
‫وقلت لنزار‪ :‬أريد أن أسمع منك أجرأ قصيدة كتبتها هذا العام‪..‬‬
‫قال نزار‪ ..‬اسمها‪ :‬الحب والبترول‪ ,‬إنها تروي قصة فتاة تمردت على الرجل‬
‫الشرقي الجشع الذي يشتري النساء بماله‪ ..‬وبتروله‪..‬‬
‫تقول كلمات القصيدة‪:‬‬
‫متى ياسيدي تفهم?‬
‫بأني لست واحدة‬
‫كغيري من خليلتك‪..‬‬

‫ول فتحا نسائيا يضاف إلى فتوحاتك‬
‫ول رقمًا من الرقام يعبر في سجلتك‬
‫متى تفهم?‬
‫بأني لن أكون هنا‬
‫رمادا في سيجارتك‬
‫ورأساً بين آلف الرؤوس على مخداتك‬
‫وتمثالً تزيد عليه في حمى مزاداتك‬
‫ونهدا فوق مرمره تسجل شكل بصماتك‬
‫متى تفهم?‬
‫بأنك لن تحذرني‬
‫بجاهك أو إماراتك‬
‫ولن تتملك الدنيا‬
‫بنفطك وامتيازاتك‬
‫وبالبترول يعبق من عباءاتك‬
‫وبالعربات تطرحها على قدمي عشيقاتك‬
‫بل عدد‪ ,‬فأين ظهور ناقاتك‬
‫أيا متشقق القدمين ياعبد انفعالتك‬
‫ويامن صارت الزوجات بعضًا من هواياتك‬
‫تكدسهن بالعشرات فوق فراش لذاتك‬
‫تحنطهن »كالحشرات« في جدران صالتك‬
‫متى تفهم‬
‫متى يستيقظ النسان في ذاتك?‬

‫مواقع و مراجع مهمة ‪:‬‬
‫موقع نزار قباني‬
‫موقع نزار قباني ‪2‬‬
‫موقع نزار قباني ‪3‬‬
‫موقع نزار قباني ‪4‬‬
‫‪1‬‬

‫جمع و إعداد‬

‫مدوّنة رسول الحساس‬
‫‪WWW.NAELKHALIL.JEERAN.COM‬‬

‫نائل شيخ خليل‬
‫‪ 17‬نيسان‬

‫‪2009‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful