‫أرنستو تشي‬

‫غيفارا‬
‫مقالت العسكرية‬

‫حرب الغوار‬
‫(حرب العصابات)‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫إهداء‬
‫سه‬
‫سد قراءتس‬
‫سيانفويغوس‪ .1‬كان مفروضا أن يعيس‬
‫نهدي هذا الكتاب إلى ذكرى كاميلو سس‬

‫ويُجري ف يه الت صحيحات اللز مة‪ ،‬إل أن القدر لم ي تح له ذلك‪ .‬ويم كن اعتبار هذه ال سطور‬
‫تكريما من الجيش الثائر‬

‫‪2‬‬

‫إلى رائده الكبير‪ ،‬إلى أعظم قائد مغاور‪ 3‬أنجنبته هذه الثورة‪ ،‬إلى‬

‫الثوري الناصع‪ ،‬إلى الصديق الخ‪.‬‬

‫كان كاميلو رف يق مئة قتال‪ ،‬كان مو ضع ث قة فيدل في اللحظات الع صبية من الحرب‪،‬‬

‫كان المنا ضل المف عم نكرانا للذات‪ ،‬الذي أت خذ الفداء دوما أداة ل سقاط طب عه وت صليب طباع‬
‫الجنود‪ .‬أعت قد أ نه كان قمينا أن يوا فق على هذا الكتاب الوج يز الذي جم عت ف يه تجارب نا في‬
‫حرب الغوار‪ ،4‬لن ها نتاج الحياة ذات ها‪ .‬إل أ نه كان خليقا أن ير فد هذه ال صفحات بالحيو ية‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬كان كاميلو سيانفويغوس ‪ Camilo Cienfuegos‬أحد قادة الجيش الثائر الكوبي‪ .‬ومن أكثر‬

‫مجاهدين شعبية في حرب التحرر الكوبية‪ .‬هو أحد أفراد الرعيل الول الذي أبجر من المكسيك مع فيدل‬
‫كاستررو على متن السفينة "غرانما"‪ .‬ونزل إلى البر في ‪ 56 / 12 / 2‬في منطقة سييرا مايسترا الجبلية‬
‫شرقي كوبا لبدء الثورة المسلحة‪ .‬وقد توفي سيانفويغوس عام ‪ 1959‬في حادث طائرة‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الجيش الثائر‪ :‬هو السم لجيش الثورة الكوبية‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬المغاور‪ :‬المقاتل في حرب الغوار‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬حرب الغوار‪ :‬نمط من الحرب الشعبية يؤلف الثوار فيها فرقا صغيرة نسبيا‪ .‬يكون شكل عملها‬

‫الرئيسي هو شن الغارات المتكررة على قوات العدو لبادته شيئا فشيئا‪ .‬وهي الشكل= =الرئيسي للحرب‬
‫في المرحلة الولى من الحرب الشعبية الثورية‪ .‬ويوليها المؤلف أهمية خاصة وله فيها آراء يعرضها في‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫(تسمى ايضا حرب العصابات‪ .‬وحرب النتصار‪ .‬تجاوزا)‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫العميقة التي يفيض بها خلقه وذكاؤه وإقدامه‪ ،‬تلك الصفات التي ل تبلغ مثل هذا الكمال إل‬
‫في نفر من شخصيات التاريخ‪.‬‬
‫بيد أنه ل ينبغي للمرء أن يتصور كاميلو كبطل أسطوري‪ ،‬يحقق مآثر خارقة بحافز من‬
‫عبقريته وحدها‪ .‬يجب النظر إليه كفيض من الشعب الذي صنعه‪ ،‬على نحو ما يصنع أبطاله‬
‫وشهداءه وقادته‪ ،‬في الصطفاء العظيم إبان النضال وظروفه القاسية‪.‬‬

‫ل ادري هسل كان كاميلو يعرف قولة دانتون بصسدد الحركات الثوريسة‪" :‬القدام‪ ،‬ثسم‬

‫القدام‪ ،‬القدام أبدا!"‪ .‬على أيسة حال‪ ،‬كان كاميلو قسد مارسسها فسي أعماله بعسد أن قرنهسا‬
‫بالضرورات الخا صة بالمغاور‪ ،‬و هي تحل يل الو ضع بد قة و سرعة‪ ،‬ومل كة التن بؤ بالم سائل‬
‫التي يطرحها المستقبل‪.‬‬

‫وإذا كانت هذه السطور بمثابة تكريم شخصي وتكريم شعب بأسره لبطلنا في آن‪ ،‬فهي‬

‫ل ت ستهدف أن تروي سيرته وت قص مآثره‪ ،‬إل أن ني أقول إن كاميلو كان ر جل ألف مأثرة‪،‬‬
‫كان يرسلها بصورة طبيعية‪ ،‬إذ كان‪ ،‬إلى جرأته واحترامه للشعب‪ ،‬يجمع شخصيته الخاصة‪،‬‬
‫ذلك العن صر الذي كثيرا ما يُن سى ويُن كر شأ نه‪ ،‬والذي كان كاميلو يط بع به كل ما يخ صه‪.‬‬

‫إنها الصالة الثمينة التي قلما تجد رجالً يدمغون بها كل عمل من أعمالهم‪ .‬لقد قالها فيدل‬

‫مرة‪ :‬لم تأ ته ثقاف ته من الك تب‪ ،‬بل كان له ذكاء الش عب الفطري‪ ،‬فاختاره الش عب ب ين ألف‬
‫ر جل ليرف عه إلى المكا نة الممتازة ال تي تبوّأ ها بف ضل إقدام و صلبة وذكاء واجتهاد ل مث يل‬

‫لها‪.‬‬

‫كان كاميلو يمارس الصسدق دينا‪ ،‬وقسد نذر نفسسه له‪ :‬الصسدق تجاه فيدل الذي يجسسد‬

‫بشخ صه إرادة الش عب‪ ،‬وال صدق تجاه الش عب ذا ته‪ .‬كا نت هاتان العاطفتان ل تنف صمان لدى‬
‫هذا المغاور الغلّب‪ ،‬تتلحمان تلحم فيدل والشعب‪.‬‬
‫حرّي بنسا أن نتسساءل‪ :‬مسن الذي أزال كيانسه الجسسماني مسن الوجود؟ لن حياة أمثاله‬
‫تتمادى في الشعب ول تنتهي إل عندما يقرر الشعب ذلك‪.‬‬
‫إن العدو هو الذي قتله‪ ،‬ل نه كان يب غي مو ته‪ ،‬ل نه ل يس ث مة طائرات مضمو نة‪ ،‬لن‬
‫ملحي ها ل ي ستطيعون اكت ساب كل ال خبرة اللز مة‪ ،‬ول نه و هو مث قل بالعمال‪ ،‬كان ير يد‬

‫‪6‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الو صول إلى ل هابانا‪ 5‬بأ سرع و قت‪ ...‬وإن ما قتله هو طب عه أيضا‪ ،‬لم ي كن كاميلو يرزن‬
‫الخطر‪ ،‬كان يستخدمه الللهاء‪ ،‬يداعبه‪ ،‬ويثيره كما تثار ثيران الحلبة‪ ،‬يجتذبه ويداوره‪ .‬ففي‬
‫عقليته الغوارية لم تكن هناك عثرة تستطيع إيقاف أو تشويه الخط الذي ارتسمه لنفسه‪.‬‬

‫ذ هب عند ما كان شعب بأ سره قد عر فه وأع جب به وأح به‪ .‬كان من المم كن أن يحدث‬

‫ذلك فسي وقست أبكسر وكانست سسيرته عندئذ لن تعدو سسيرة أي قائد مغاور‪ .‬قال فيدل‪ :‬سسوف‬
‫يجيء كثير من مثال كاميلو‪ ،‬ويمكن ني الضافة أ نه ظهر كثير من م ثل كاميلو‪ ،‬و قد انتهت‬

‫حيات هم قبل أن يتموا ذات الدورة الرائعة ال تي أدخلت هم في التار يخ‪ .‬إن كاميلو‪ ،‬والكاميلوي ين‬
‫الخرين (الذين لم يحققوا أنفسهم‪ ،‬والقادمين)‪ ،‬هم البرهان على قوة الشعب‪ ،‬والتعبير السمى‬

‫عما يمكن أن تنجبه أمة شاكية السلح دفاعا عن أصفى مثلها العليا وعن إيمانها في إنجاز‬
‫أنبل غاياتها‪.‬‬

‫لن نثبّ ته لنحب سه في قالب‪ ،‬ف في ذلك قتله‪ .‬لند عه هكذا‪ ،‬على هيئة مل مح‪ ،‬دون تحد يد‬
‫دق يق لفكرانه‪ 6‬الجتما عي والقتصادي الذي لم ي كن محددا تماما‪ .‬ولنتذ كر ف قط أ نه لم يو جد‬
‫في هذه الحرب التحررية جندي يضارع كاميلو‪ .‬ثوري مكتمل‪ ،‬رجل شعبي‪ ،‬صنّاع في هذه‬

‫الثورة ال تي صنعتها ال مة الكوب ية لنف سها‪ ،‬لم ي كن عقله ليت صور أ قل ه نة من العياء أو‬
‫القنوط‪ .‬إن كاميلو المغاور هو موضوع دائم للتخ يل كل يوم‪ .‬إ نه الذي ف عل هذا أو ذاك من‬

‫العمال‪" ،‬شيئا من كاميلو"‪ ،‬إنه الذي طبع الثورة الكوبية بسمته الدقيقة التي ل تَمحي‪ ،‬والذي‬
‫يبقى حاضرا في قلوب كل من لم يحققوا أنفسهم والقادمين‪.‬‬

‫إن كاميلو‪ ،‬في تجدده المستمر الخالد‪ ،‬هو صورة الشعب‪.‬‬

‫‪ -‬تشي غيفارا ‪-‬‬

‫‪5‬‬

‫ل هابانا‪ :‬عاصمة كوبا باللفظ السباني‪ ،‬وهي التي تسمى بالنكليزية "هافانا"‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الفكران‪ :‬ميدان الفكر‪ ،‬وما يمت إليه من نظريات علمية‪( .‬اليديولوجية)‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مدخل‬
‫إنقضى عام على كتابة هذه المقدمة‪ .‬ومن نافلة القول إنه لو قدر لي أن‬
‫أكتبها اليوم لفعلت بشكل آخر‪ .‬فموت تشي غيفارا في الظروف المثيرة التي‬
‫نعرف‪ ،‬يكاد يضفسي على كسل شيسء معنسى جديدا كسل الجدة‪ ،‬وبالتالي على‬
‫ب عض هذه ال سطور البائ سة‪ .‬وأول ها‪ ،‬مثلً‪ ،‬لح ظة‪ ،‬أت صوره في ها يقرأ هذه‬
‫الصسفحات بانتقاده اللذع الذي عرف عنسه عسل الدوام‪ ،‬أو السسطور التسي‬
‫تتحدث عن رحيله عن كوبا‪ ،‬وقد كتبت عندما كان العداء ينشرون عن هذا‬
‫الرح يل الشاعات المتجن ية‪ ،‬واليوم نعرف أ نه في تشر ين الثا ني‬

‫‪1966‬‬

‫بدأ‬

‫يكتب يوميّته الخيرة‪ ،‬في الغوار البولفي‪ .‬لقد سمع العالم‪ ،‬في ربيع ‪،1967‬‬
‫رسالته الرائعة إلى مؤتمر القارات الثلث التي سحقت‪ ،‬في جملة ما سحقت‪،‬‬
‫تلك الفتراءات‪ ،‬وأكدت بعسد نظرتسه‪ ،‬وعمسق فكره وتلحمسه وشجاعتسه‬
‫العجيبة‪.‬‬
‫تشرين الول‬

‫‪1967‬‬

‫"إن الساس الول الذي يجب أن تبنى عليه الحركة (حركة الغوار) هو‬
‫الكتمان المطلق‪ ،‬وإنعدام تسسرب المعلومات إلى العدو"‪ ،‬هذا مسا كتبسه فسي‬
‫‪8‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫حرب الغوار الذي ظهسر عام ‪ ،1960‬المقدم أرنسستو غيفارا‪ ،‬الذي ندعوه فسي‬
‫كوبسا تشسي‪ ،‬للسسبب ذاتسه الذي حملنسا على أن ندعسو أنتونيوميل ‪A. Mella‬‬

‫الشيكو عندما كان منفيا في المكسيك‪ .‬إن ما يمنع تشي من أن يرتّب بنفسه‬
‫هذه الوراق ويقدّم المنشود واقعسة أنسه انقطسع منسذ عام لمهمسة ثوريسة جديدة‬
‫يرافقها‪ ،‬حسب نصيحته هو‪" ،‬كتمان مطلق" و "انعدام في تسرب المعلومات‬
‫إلى العدو"‪.‬‬
‫وإذا كان هذا التف سير يبرر ه نا غياب ا سمه‪ ،‬فل ش يء يبرر‪ ،‬بالمقا بل‪،‬‬
‫وجود اسسمي‪ ،‬ويؤسسفني أل يكون التواضسع التاكتيكسي المعتاد فسي حالت‬
‫مماثلة هو الذي يحملني على هذا القول‪ .‬يجب علي‪ ،‬لسباب سأوضحها في‬
‫الحال‪ ،‬أن أضسع الورقسة على الطاولة ولو أدى ذلك إلى ملل القارىء‪ .‬فإذا‬
‫كنست قسد قبلت دعوة الناشريسن لكتابسة هذه المقدمسة فلنسي عوّلت منسذ زمسن‬
‫طو يل على الم ساهمة في ن شر ف كر العالم الثالث (عدا عن ال سرور ال ساذج‬
‫لن أرى ا سمي يقترن ب صورة ما با سم ر جل أ كن له أ كبر العجاب)؛ لن‬
‫هذا النشسر يجسب أن يتسم فسي الوقست الذي ندُل فيسه على أصسالة هذا الفكسر‪،‬‬
‫وأخيرا‪ ،‬لنسي اقترحست نشسر هذه النصسوص إذ وجدت نشرهسا نافعا‪ ،‬ممسا‬
‫أجبرني بصورة من الصور على كتابة هذه الكلمات‪ .‬إن للقارىء ملء الحق‬
‫أن يتساءل عن سبب هذه التصريحات‪ .‬وها إني أقدم له ورقتي الخيرة‪ .‬لقد‬
‫كتبتهسا على الخسص للمقدم غيفارا‪ ،‬ليرى‪ ،‬عندمسا يصسله هذا الكتاب‪ ،‬أنسي‬
‫نب شت أورا قه‪ ،‬فتخيرت من ها ما تخيرت وطر حت ماطر حت‪ ،‬بل وقد مت‬
‫بعض الكلمات‪ .‬وإني أتخيل بسهولة ابتسامتك وتعليقك‪ .‬وأسمح لنفسي‪ ،‬أيها‬
‫المقدم‪ ،‬بأن أجي بك أنّ ما فعل ته كان ي جب أن يفغله غيري‪ ،‬وأ نك على أ ية‬
‫‪9‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫حال سستستاء مسن هذا الفعسل‪ ،‬وأنسك‪ ،‬إذا أسسفت لغياب نسص أو بدا لك غيره‬
‫عد يم الجدوى‪ ،‬فلدي من ال سباب ما يك في ل تبرير هذا النتقاء‪ .‬لم أ سترسل‬
‫فسي هذا الع مل بدافسع من رأيسي وحده‪ ،‬ر غم أن هذا الرأي كان‪ ،‬فسي نها ية‬
‫المطاف أكثر الراء مسؤولية‪ :‬ف قد استشرت أصدقاء أفضل مرانا مني في‬
‫الم سائل ال سياسية (وبعض هم يعرفو نك)‪ ،‬ح تى انت هى ب نا ال مر إلى البقاء‬
‫على هذا النتقاء‪ .‬أعدت قراءتهسسا دفعسسة واحدة فبدت لي جيدة‪ ،‬وبدت لي‬
‫مجدية‪.‬‬
‫سي‬
‫ستو غيفارا فس‬
‫سه إلى القارىء‪ :‬ولد أرنسس‬
‫سب علي أن أتوجس‬
‫والن يجس‬
‫بوينوس ايرس‪ ،‬عام ‪ ،1928‬في أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة‪ .‬كان أبوه‬
‫مهند سا‪ .‬فثق فه الثقا فة المتنا سبة مع وض عه‪ :‬تعلّم ل غة ثان ية (الل غة الفرن سية)‬
‫ومهنتسه رفيعسة‪ :‬الطسب‪ ،‬هذه المهنسة التسي يقول عنهسا الناس جميعا ويؤمسن‬
‫البعض إنها كهنوت‪ .‬قرأ كثيرا‪ ،‬الدب والسياسة وهو في القناصة‪ ،‬كما قرأ‬
‫سبنغلر وفرو يد‪ .‬و قد يكون فرو يد هو الذي وج هه ن حو ال طب‪ .‬كان يرتاد‬
‫الجماعات الطلب ية المتمردة دون أن ينا ضل في أي اتجاه خاص‪ .‬وكان قد‬
‫شعر‪ ،‬حتى قبل أن ينهي دروسه بأن شيئا آخر يجذبه إليه‪ .‬مارس الطب في‬
‫مسستشفى للبرص فسي سسانتياغو ديسل أسستيرو‪ .‬وأراد أن يتعرف إلى القارة‬
‫فانطلق لسستكشافها‪ ،‬على دراجسة ناريسة‪ ،‬مسع أحسد الصسدقاء‪ ،‬وقطعهسا مسن‬
‫الرجنتيسن إلى فنزويل وتوقسف فسي ميامسي حيسث أعيسد إلى الرجنتيسن فسي‬
‫طائرة كا نت تن قل خيول سباق‪ .‬والر جح أ نه تجلى له في ذلك الو قت ما‬
‫تجلى لمار تي ‪ Marti‬في زم نه‪ :‬وحدة بلد نا وحدة عمي قة ل تتح طم‪ ،‬وحدة‬
‫تتجاوز الحدود المصطنعة‪ .‬والرجح أنه بدأ في تلك اللحظة يشعر بأميركيته‬

‫‪10‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫– اللتينية‪ .‬وفي البيرو‪ ،‬وغواتيمال‪ ،‬والمكسيك – ثم في كوبا على الخص‬
‫– سيتثبت م ما طر حت هذه ال سفار أمام ناظر يه‪ :‬البؤس‪ ،‬والعري والهو ية‬
‫العميقة لرضنا الهجين‪.‬‬
‫وإذا كان الوضسع الخاص للبلد التسي ولد فيهسا يبدو له مبهما وبدفعسه‬
‫للبحسث عسن سسماوات أخرى (كان ذلك أيام البيرونيسة)‪ ،‬فإن هذه السسماوات‬
‫ستتبناه و ستحوله‪ .‬والغر يب أن الذ ين كانوا يتحدثون إل يه‪ ،‬كانوا يجدون أن‬
‫لهجتسه ليسست أرجنتينيسة‪ ،‬ول مكسسيكية‪ ،‬ول كوبيسة‪ .‬دون أن تكون بطبيعسة‬
‫الحال‪ ،‬تلك اللهجة السبانية المجردة الشاحبة‪ ،‬لهجة بعض أستاذة اللغة في‬
‫بلد أجنب ية‪ :‬إن ها في الوا قع‪ ،‬ما كان أدنامو نو يقترح‪ ،‬بالن سبة لقارت نا‪ ،‬في‬
‫مجال الل غة‪ :‬فوق الكا ستيلنية‪ .‬ف كل وا حد م نا يعترف ب ها ل غة له ر غم أن‬
‫لديه في الوقت ذاته شيئا ما من مكان آخر‪ .‬وهذا المكان الثاني قد ل يكون‬
‫شيئا آخسر سسوى الشمول ذاتسه‪ ،‬سسوى أميركتنسا بمجموعهسا‪ .‬أل نسستطيع‬
‫التخميسن بأن لغسة مارتسي السسبانية يجسب أن تكون كذلك؟ لغسة ل تصسطبغ‬
‫بال صبغة الكوب ية قدر صبغتها ال سبانية – الميرك ية؟ (ح تى لو كان التأث ير‬
‫الكوبي سائدا‪ .‬إذ تحدث أوربينا عن لهجته الساحلية)‪.‬‬
‫توقفت عند هذه النقطة لني أعتقد أن هذه دللة إضافية على أن "تشي"‪،‬‬
‫كمار تي‪ ،‬يف كر‪ ،‬بل ويش عر أيضا أ نه أمير كي – لتي ني ويتكلم كأمير كي –‬
‫لتينسي تماما كمسا يشعسر غيره أنسه ينتمسي إلى بلد مسن البلدان أو حتسى إلى‬
‫منط قة من هذه البلد‪ .‬لم ي كن لد يه أي صلف قو مي‪ ،‬بل نوع من المرارة‬
‫القار ية الم سؤولة‪ :‬فكل ما يفرق نا كان يبدو له عبثا حيال المشكلت الواقع ية‬

‫‪11‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫والمشتركسة التسي يجسب أن نعقسد العزم على مجابهتهسا مجابهسة واقعيسة‬
‫ومشتركة‪.‬‬
‫في عام‬

‫‪1954‬‬

‫كان أرنستو غيفارا في غواتيمال‪ .‬جذبته إليها المكانيات‬

‫الثورية التي كانت تعيشها تلك البلد‪ .‬هذه المكانيات حصدتها بقسوة جيوش‬
‫كاسستيلو آرماس‪ ،‬أجيرة حكو مة أميركسا الشمال ية‪ .‬وكانست هذه الحكو مة قد‬
‫تعاونت مع أجرائها في كاراكاس على القضاء على نظام لم يكن (كما نراه‬
‫اليوم) سوى نظام خجول في تقدمي ته‪ .‬كان غيفارا ب ين أولئك الذ ين اجتازوا‬
‫الحدود المكسسيكية بعسد أن انتظروا عبثا وصسول السسلحة ليقاتلوا‪ ،‬وبعسد أن‬
‫شعروا في لحم هم بغل ظة حكو مة لتد ين بمبدأ‪ :‬هذه الحكو مة هي ال تي قدر‬
‫لها بعد سبع سنوات أن ترسل مرتزقة آخرين ضد كوبا‪ ،‬وأن تُنزل مباشرة‬
‫بعد ستع سنين جيوشها في سان دومينيك‪ ..‬وفي المكسيك كان غيفارا يكسب‬
‫عيشه من أعمال تافهة‪ ،‬فعمل‪ ،‬مثلً‪ ،‬مصورا متجولً‪ .‬وفي ذلك الوقت التقى‬
‫بفيدل كاسترو‪ .‬وقد روى مقابلته معه كما يلي‪:‬‬
‫(‪ ...‬إن كا تب هذه ال سطور‪ ،‬الذي تقاذف ته أمواج الحركات الجتماع ية‬
‫التي تهز أميركا اللتينية‪ ،‬قد أُتيحت له فرصة اللتقاء‪ ،‬لهذه السباب ذاتها‬
‫بمنفي أميركي آخر‪ :‬هو فيدل كاسترو‪.‬‬
‫"تعرفت إليه في أحدى الليالي الميركية الباردة وأذكر أن حديثنا الول‬
‫دار حول السسياسة الدوليسة‪ :‬ففسي سساعات الصسباح الولى‪ ،‬كنست واحدا مسن‬
‫الغزاة المستقليين"‪( .‬ذكريات من الحرب الثورية)‪.‬‬
‫وقال أيضا‪" :‬كان المر يستحق أن أموت على شاطىء أجنبي في سبيل‬
‫مثل أعلى طاهر كهذا المثل" أما بقية حياة تشي فهي من شأن مؤرخي القارة‬
‫‪12‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫أك ثر م ما هي من شأن كا تبي ال سير الشخ صية‪ .‬وب عد أن تدرب ت شي في‬
‫المكسيك رحل إلى كوبا في أواخر عام ‪ .1956‬فكان واحدا من الس‬

‫‪82‬‬

‫رجلً‬

‫الذيسن نزلوا فسي غرانمسا‪ .‬ولحسسن حظنسا أنسه لم يكسن واحدا مسن أبرز‬
‫الشخصيات في تلك المأثرة فحسب‪ ،‬بل كان مؤرخها الول‪ ،‬وهو أمر يجعل‬
‫من العبث أن أذكر هنا تلك اللحظات التي وصفها وصفا مدهشا‪ .‬أضف إلى‬
‫هذا‪ ،‬أن لحظسة النزول ذاتهسا كانست مادة لعمسل أدبسي عظيسم‪ :‬قصسة جوليسو‬
‫كورتازار "اجتماع" ال تي أخذ ها عن روا ية ت شي‪" ،‬أليغر يا دي ب يو ‪Alegria‬‬

‫‪ de pio‬وعندمسا انتصسرت الثورة فسي أول كانون الثانسي ‪ ،1959‬برز تشسي‬
‫كأحد أوائل الزعماء‪ ،‬رغم إصابته بالربو المزمن‪ ،‬والمسؤول الذي قاد (مع‬
‫كاميلو سيانفويغوس) غزو كوبا حسب أوامر فيدل كاسترو‪.‬‬
‫يجب أن ألفت النتباه إلى بعض السفار التي قام بها تشي بعد انتصار‬
‫الثورة‪ .‬كان يعرف – ك ما قال هو نف سه عام‬
‫جميسع بلدان أميركسا اللتينيسة تقريبا‪ .‬فسي عام‬

‫‪1961‬‬
‫‪1959‬‬

‫في جام عة مونتيفيد يو –‬
‫زار بلدانا أخرى‪ :‬ليرى‬

‫مشكلت نا " من الشر فة ال سيوية – الفريق ية"‪ :‬الجمهور ية العرب ية المتحدة‪،‬‬
‫وأندونيسيا‪ ،‬والهند‪.‬‬
‫ل قد انف تح عال مه‪ ،‬و صار بإمكا نه أن يث بت من تما ثل المشكلت ل في‬
‫بلدان قارتنسا فحسسب‪ ،‬بسل فسي القارات الثلث الناميسة أيضا‪ .‬بيسد أن الثورة‬
‫الكوبيسة أسسرع فسي مسسيرتها وأعمسق مسن ثورات هذه البلدان الخرى‪ :‬فقسد‬
‫تحولت عام‬

‫‪1960‬‬

‫إلى ثورة اشتراكيسة‪ .‬وسسافر تشسي‪ ،‬فسي نهايسة العام‪ ،‬إلى‬

‫البلدان الشتراك ية‪ .‬وتأ كد في ها من قيام راب طة جديدة مع البلدان ال تي تب ني‬
‫الشتراكيسة كبلدنسا‪ ،‬وخاصسة تلك التسي تنطلق‪ ،‬مثسل كوريسا‪ ،‬مسن شروط‬
‫‪13‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫التخلف ال صناعي واضطرت لن تد فع ثمنا رهيبا للعتداءات‪ .‬وعند ما عاد‬
‫ب ين سنتي‬

‫‪1964‬‬

‫و‬

‫‪1965‬‬

‫إلى البلدان النام ية (إلى أفريق يا على و جه التحد يد)‬

‫عاد ممثلً لثورة من ثورات العالم الثالث‪ :‬ثورة يذوب فيها الخطان الكبيران‬
‫لتجد يد هذا الع صر‪ :‬ثورة ترت بط بالكفاح ضد ال ستعمار وت صدر عن ثورة‬
‫أوكتوبر وبديهي أن هذه السفار كانت أكثر من مجرد تنقلت‪ :‬إنها علمات‬
‫مرئية لفكر سيشرحه تشي شيئا فشيئا وبوضوح كبير‪.‬‬
‫ولقسد بدأ هذا الفكسر يعبّر عن نفسسه علنا منسذ اليام الولى‪ ،‬فسي خطابسه‬
‫بتاريسخ ‪ ،1959 / 1 / 28‬مثلً‪ ،‬الذي نشسر تحست عنوان "الدور الجتماعسي‬
‫للجيش المتمرد"‪.‬‬
‫في هذا الخطاب‪ ،‬يشرح لنا تشي كيف بدأت في الجيش المتمرد‪ ،‬انطلقا‬
‫مسسن فشسسل إضراب نيسسسان ‪ ،1958‬الجهود الولى لعطاء الثورة عقيدة‬
‫ونظريسة‪ .‬بيسد أن هذه الهتمامات‪ ،‬بطبيعسة الحال‪ ،‬ل تتضمسن أبدا أن يكون‬
‫تشسي باحثا نظريا محضا‪ .‬فهسو يقول فسي هذا الخطاب ذاتسه إن مسن أكسبر‬
‫صسفات الثورة التسي اسستولت لتوهسا على الحكسم هسو أنهسا "حطمست جميسع‬
‫نظريات الصالونات"‪ .‬ول ينوي مطلقا إعاداتها إلى ما كانت عليه‪ .‬إن هدفه‬
‫يختلف عن هذا اختلفا تاما‪ ،‬فيك تب في ال صفحات الولى من حرب الغوار‬
‫(‪ :)1960‬رسسالتنا الحاليسة أن نجعسل مسن الواقعات نظريسة‪ ،‬وأن نبنسي هذه‬
‫التجربسة ونعممهسا ليسستفيد منهسا الخرون" هذا التعريسف ل بديسل له فكومسة‬
‫الواقعات الثور ية‪ ،‬بالن سبة للمرا قب الذي تعوزه الد قة‪ ،‬ح تى لو كان ن صيرا‬
‫سا مهمتان نظريتان‪،‬‬
‫س‪ .‬إنهمس‬
‫سة وأن تعمّمس‬
‫سا بنيس‬
‫مندفعا‪ ،‬تحتاج لن تكون لهس‬
‫ت صلحان ل ما دعاه التو سر ‪ Althusser‬وب حق الممار سة النظر ية‪ :‬ي جب أن‬
‫‪14‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫نف كر في المعطيات لن ستخلص من ها صورة‪ ،‬وي جب أيضا أن نم يز الحادث‬
‫الموض عي عن التجر بة القابلة للتعم يم‪ .‬والعداء يعون ذلك بطبي عة الحال‪:‬‬
‫فهم يقترحون ب سرعة على الثورات وجها خاليا تماما من الجاذبية‪ ،‬زاعم ين‬
‫أنهسم يعممون الوجسه المحليسة السسلبية بينمسا يتظاهرون بأنهسم ل يرون فسي‬
‫النجاحات الجوهر ية سوى واقعات عار ضة أو ثانو ية‪ .‬إن ع مل ت شي‪ ،‬إذا‪،‬‬
‫رسالة مكافحة ل تستسلم لنظريات الصالونات بل تتجه نحو النتائج العملية‬
‫وتنطلق مسن مادة بناء هسي أيضا عمليسة وعاجلة وكانست الثورة الكوبيسة قسد‬
‫سي‬
‫سة فس‬
‫سة الدكتاتوريس‬
‫سقاط النظمس‬
‫سق لسس‬
‫ست‪ ،‬عام ‪ ،1959‬وجود طريس‬
‫أثبتس‬
‫الم ستعمرات الخف ية الميرك ية اللتين ية‪ .‬وكان من ضروري شرح مضمون‬
‫هذا الطريسق وتقديسم نتائج مثسل هذه التجربسة للمحاربيسن القادميسن‪ :‬ذلك هسو‬
‫ال مر الذي كرس له ت شي جزءا كبيرا من جهوده خلل تلك ال سنة الحافلة‬
‫بالعمسل على وجسه خاص‪ ،‬وكان نتاجهسا حرب الغوار الذي أعلن عسن نفسسه‬
‫فسي مقال شباط ‪" ،1959‬مسن هسو المغاور؟"‪ .‬وفسي السسنوات التاليسة رأى‬
‫ضروريا أن يُج عل ذلك الكتاب من شؤون ال ساعة‪ .‬فأد خل أفكارا جديدة إلى‬
‫كتابسه "حرب الغوار‪ ،‬طريقسة"‪ .‬وكان يريسد أن يعيسد كتابتسه إذ كان يضسم‬
‫تجارب أحدث عهدا‪ .‬ومع ذلك فإن هذه الكتابة "يجب أن تنتظر بالتأكيد زمنا‬
‫طويلً"‪ ،‬كما ذكر لينين في نهاية كتابه الدولة والثورة‪ ،‬لن تشي ارتأى هو‬
‫أيضا "أن من الف ضل والجدى أن يع يش تجر بة الثورة بدلً من أن يك تب‬
‫عنها"‪.‬‬
‫إن الق صد الذي يد فع ت شي إلى الت ساؤل عن نظر ية الثورة في تنميت ها‬
‫ليس أقل قيمة عملية‪ .‬لكن قبل أن نتحدث عنه‪ ،‬يحسن بنا أن نشير هنا إلى‬
‫‪15‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫كتاب آخسر يتعلق بحرب الغوار مسن جهسة أخرى‪ :‬هسو كتاب "ذكريات عسن‬
‫الحرب الثور ية"‪ .‬لم ت كن العتبارات الفكر ية وحد ها هي ال تي دف عت ت شي‬
‫إلى كتابته بذلك السلوب النثري العجيب الذي عرف عنه‪ ،‬السلوب الجامع‬
‫المألوف‪ ،‬بل ي جب القول أيضا إ نه الفنان الذي يك تب‪ .‬ون حن ه نا ل "نع مم"‪،‬‬
‫بسل نضسع اليسد‪ ،‬والذاكرة على شيسء ملموس‪ .‬وإذا كان الكتاب السسابق دليلً‬
‫للعمسل وهيكله العظمسي‪ ،‬فإن الذكريات هسي الجسسم ذاتسه لذلك العمسل‪ ،‬مسع‬
‫كائنات بشر ية بطول ية أو مترددة‪ ،‬سامية أو حقيرة – حقيق ية في أ ية حال‪.‬‬
‫إ نه أك ثر الك تب ال تي نشرت في كو با في هذه ال سنوات الخيرة‪ ،‬وقعا في‬
‫النفس‪.‬‬
‫إن الكتاب ين اللذ ين يعالجان الحرب الثور ية – نظريت ها وممار ستها‪ ،‬إذا‬
‫صسح القول – همسا الكتابان الوحيدان اللذان كتبهمسا تشسي بصسفتهما كتابيسن‬
‫بنائين‪ .‬لكنهما لم يكونا كل ما كتب تشي – وقال‪ .‬بالعكس‪ :‬اهتم منذ البداية‬
‫بالوجه الخرى للثورة‪ ،‬وعبر عن هذه الهتمامات سواء بشكل خطب‪ ،‬أو‬
‫بشكسل مقالت أو محاولت‪ .‬وعالج‪ ،‬فسي كتبسه‪ ،‬مسسائل تتعلق بالتمرد‪ ،‬أي‬
‫بالثورة قبل أن تستلم الحكم‪ ،‬في أول كانون الثاني ‪ ،1959‬وتصدى في خطبه‬
‫ومقال ته‪ ،‬ب صورة عا مة‪ ،‬للمشكلت ال تي كا نت تعترض الثورة ب عد ت سلمها‬
‫الحكسم‪ .‬ولم تكسن هذه المشكلت‪ ،‬مسن وجهسة نظسر فكريسة‪ ،‬أقسل تعقيدا مسن‬
‫سابقاتها‪ ،‬وي حق ل نا أن نعت قد أن ها أك ثر تعقيدا وتتطلب من القادة دأبا كبيرا‬
‫في التخمين النظري وفي التطبيق العملي المناسب‪ .‬وكان هؤلء القادة‪ ،‬من‬
‫جهسة أخرى‪ ،‬قسد وصسلوا إلى السسلطة فسي ريعان الشباب‪ .‬فلم يكسن فيدل‬
‫كا سترو نف سه‪ ،‬عام‬

‫‪16‬‬

‫‪1959‬‬

‫يتجاوز الثلث ين من الع مر إل قليلًُ‪ .‬و سيقدم ل نا‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫هؤلء الرجال مشهدا غيسر معتاد‪ :‬فبدلً مسن أن يعيسش هؤلء الشباب طسي‬
‫الكتمان تطورا فكريا قلما يكون غيرهم مطلعا عليه لحظة العمل التاري خي‪،‬‬
‫سسيتطورون على مرأى ومسسمع مسن الجميسع‪ .‬وسسينهون تكوينهسم عراة‬
‫الجذور‪ .‬ل لنهسم وصسلوا إلى السسلطة دون صسفات كافيسة – للتثبست مسن‬
‫الصسلبة التسي انطلقوا بهسا إلى القتال‪ .‬نعيسد إلى الذاكرة فقسط الدفاع الرائع‬
‫الذي ألقاه فيدل كاسسترو عام ‪" .1952‬سسينصفني التاريسخ"‪ ، -‬بسل إن هذه‬
‫الصفات ستنضج في الحكم‪ ،‬بمجابهة المشكلت الجديدة الهائلة‪ .‬وسط واقع‬
‫معقد‪ ،‬دولي وقومي على السواء‪ ،‬سيكون من الواجب جلء غوامضه واحدا‬
‫بعد الخر‪ .‬فكان السؤال الول الذي وجب إذا أن يطرحوه على أنفسهم هو‬
‫ما هي الثورة‪ .‬ما هي النظرية الثورية لهذا العمل الثوري؟‬
‫قال فيدل كاسسترو‪ ،‬عام ‪ ،1953‬إن المسسؤول المثقسف عسن الهجوم على‬
‫ثكنة مونكادا ‪ -‬وبالتالي عن الحداث التي سيثيرها هذا الهجوم في السنوات‬
‫التسي أعقبتسه – كان جوزيسه مارتسي‪ .‬وقال تشسي غيفارا الذي كان يعلم عام‬
‫‪1959‬‬

‫أن هذه الثورة تنقش في إطار مكافحة الستعمار المعاصرة‪ ،‬في خط‬

‫البلدان النامية‪ ،‬قال في بداية ‪ ،1960‬في‬

‫‪28‬‬

‫كانون الثاني‪:‬‬

‫"كان مارتي المرشد المباشر لثورتنا‪ ،‬الرجل الذي كان يجب على الدوام‬
‫أن نرجسع إلى كلمسه لتفسسير الظاهرات التسي نحياهسا تفسسيرا صسحيحا‪ .‬لن‬
‫جوزيه مارتي أكثر من كوبي‪ :‬إنه أميركي‪ .‬إنه ملك البلدان العشرين كلها‬
‫ال تي تضم ها قارت نا‪ ..‬ويعود ل نا الشرف بإحياء كلمات جوز يه مار تي‪ ،‬في‬
‫وطنه‪ ،‬حيثما ولد"‪ .‬كان تشي يخمن دون شك بأن مارتي هو أول مفكر في‬
‫العالم الثالث وي صح هذا الت صريح‪ ،‬إذ يؤ كد ما قاله كا سترو ق بل ذلك ب ست‬
‫‪17‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫سسنوات‪ ،‬لثورة مسن ثورات البلدان الناميسة‪ .‬بيسد أن ثمسة أمرا آخسر فسي هذه‬
‫الكلمات يسستحق أن نعيره انتباهنسا هسو اسستخدام الماضسي‪ .‬قال تشسي‪ :‬كان‬
‫مارتي مرشدنا وكان يجب الرجوع إلى كلمه‪ ..‬ل لنه أنكر هذا الكلم‪ ،‬بل‬
‫بالعكس‪ .‬وكلمه‪ ،‬كان يجب أن نتذكر أنه نصحنا هو ذاته بأن نفعل "في كل‬
‫لحظة ما هو ضروري في كل لح ظة"‪ .‬وكان الواقع‪ ،‬أخيرا‪ ،‬قد طرح على‬
‫ثورتنا التي كانت قد وصلت إلى الحكم مشكلت ل يمكن أن تكون بالضبط‬
‫هي ذاتها المشكلت التي طرحت على مارتي‪ ،‬يوم لم يكن قد توصل إلى أن‬
‫يرى بلده حرة سسياسيا‪ .‬كانست هذه المشكلت المختلفسة تتطلب منسا أن‬
‫نتصدى لها تصديا أصيلً‪ .‬وكانت‪ ،‬بالتالي تقتضي منا إضفاء النظرية على‬
‫هذه المقار بة ال تي لم ت عد تلك ال تي عرف ها مار تي‪ .‬فم نذ ا ستلمها ال سلطة‬
‫كانت الثورة تتأصل في تبادل مأساوي للعمال التأديبية الميركية الشمالية‬
‫والردود الكوبيسة‪ .‬وقسد اسستطاع تشسي أن يقول إن القانون الول للصسلح‬
‫الزراعي كان على الرجح التدبير الوحيد الذي اتخذ مباشرة دون أن يكون‬
‫جوابا على عدوان أمير كي – شمالي‪ .‬وفي ما ب عد‪ ،‬بدءا من المقاو مة العنيدة‬
‫التسي وجهتهسا الوليات المتحدة لهذا القانون الذي كانست كوبسا تمارس بسه‬
‫سسيادتها – والذي يكاد يكون فاتحسة أعمالهسا ‪ ، -‬سستكون القرارت الكسبرى‬
‫التي اتخذتها الحكومة الثورية هجمات كوبية مضادة للعتداءات الميركية‪،‬‬
‫وقسد بدأت هذه العتداءات بشكسل حملة صسحفية شعواء تبعتهسا تصسريحات‬
‫رسمية حتى وصلت إلى العدوان المادي وإلى الحصار‪ ،‬مرورا بما سبقه من‬
‫و قف مشتريات ال سكر ور فض تكر ير الن فط الذي تشتر يه كو با من خارج‬
‫الدائرة الميركيسة الشماليسة‪ .‬وفسي هذه الثناء‪ ،‬وجدت الثورة الكوبيسة فسي‬

‫‪18‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫التحاد السسوفياتي سسوقا لسسكّرها‪ ،‬ولقيست المسساندة الحازمسة مسن الطبقات‬
‫الشعب ية ك ما لق يت في البدا ية التبا عد المطرد ثم العداء المكشوف م ما كان‬
‫يد عى البرجواز ية الوطن ية ال تي ارت بط م صيرها بم صير الوليات المتحدة‪.‬‬
‫ليس ثمة أي شك بأن الثورة الكوبية‪ ،‬إذ وُضعت أمام أحد أمرين‪ :‬أن تهلك‬
‫بيدي الوليات المتحدة أو أن تتأصسل بسسرعة‪ ،‬قسد اختارت هذه المكانيسة‬
‫الثانية‪ .‬وارتفعت أصوات الناقدين الكبار في العالم أجمع أنهم كانوا يعلمون‬
‫بأن الثورة شيوعيسة‪ .‬لقسد كانوا يرون‪ ،‬فسي الواقسع‪ .‬مسا لو توفسر للعالم‬
‫الجتما عي روبرت ك‪ .‬مرتون ل ستخدمه مثالً على "النبوءة المنجزة ذاتيا"‪.‬‬
‫وعند ما نت جت بف عل الوليات المتحدة قض ية شراء ال سكر الكو بي ور فض‬
‫تكر ير البترول ال سوفياتي في كو با‪ ،‬وعمدت كو با من جانب ها إلى تأميمات‬
‫م صافي التكر ير الميرك ية الشمال ية في الرض الكوب ية‪ ،‬قال ت شي‪ ،‬بتار يخ‬
‫‪28‬‬

‫تموز ‪ ،1960‬في مؤتمر الشبيبة المنعقد في هافانا‪:‬‬
‫"‪ ...‬إذا سئلت ما إذا كا نت هذه الثورة ال تي ترون ثورة شيوع ية‪...‬‬

‫فسأقول إن هذه الثورة‪ ،‬إذا ما صارت ماركسية – وأقول ماركسية – فلنها‬
‫اكتشفت أيضا‪ ،‬بأساليبها الخاصة‪ ،‬الطرق التي أشار إليها ماركس"‪.‬‬
‫إثر هذا الكتشاف‪ ،‬وجوابا للدانة التي فرضتها على كوبا منظمة الدول‬
‫الميركية‪ ،‬في سان جوزيه‪ ،‬قرأ فيدل كاسترو على الشعب الذي اجتمع في‬
‫تلك المناسسبة فسي سساحة الثورة بتاريسخ‬

‫‪2‬‬

‫ايلول‬

‫‪1960‬‬

‫مسا وجسب أن يصسير‬

‫ت صريح هافا نا الول‪ .‬و قد عبر هذا الت صريح ت عبيرا مضمرا عن ال صفة‬
‫الشتراكية التي أخذتها الثورة على عاتقها‪ .‬بعد ذلك بما ينوف عن الشهر‪،‬‬
‫في‬

‫‪8‬‬

‫تشرين الول‪ ،‬نشر تشي مذكراته بعنوان "مذكرات لدراسة إيديولوجية‬
‫‪19‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الثورة الكوب ية"‪ ،‬و هي درا سة عمي قة للموضوع‪ .‬ف هل أف سدت ال صفة غ ير‬
‫المهذ بة في ظاهر ها ال تي الت صقت بالثورة المبدأ الليني ني القائل‪ :‬ل حر كة‬
‫دون نظرية ثورية؟ ويجيب تشي متسائلً‪:‬‬
‫"يحسن القول إن النظرية الثورية‪ ،‬كتعبير عن حقيقة اجتماعية‪ ،‬تسمو‬
‫على كل بيان‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ ،‬أن الثورة يمكن أن تتم إذا فسرنا تفسيرا‬
‫صحيحا الواقع التاريخي واستخدامنا استخداما ملئما القوى التي تتدخل في‬
‫هذا الواقع‪ ،‬دون أن نعرف النظرية‪ ...‬يجب أن يكون المرء "ماركسيا"‬
‫بالبساطة ذاتها التي يكون فيها "نيوتونيا" في الفيزياء و "باستوريا" في‬
‫البيولوجيا‪ ،‬وبما أن الواقعات الجديدة تحدد مفاهيم جديدة‪ ،‬فإن ذلك ل ينزع‬
‫أبدا جانب الحقيقة من المفاهيم التي أنقضت‪ ...‬يعني هذا‪ ،‬ويجب أن نشير‬
‫إليه مرة أخرى‪ ،‬أن قوانين الماركسية حاضرة في أحداث الثورة الكوبية‪،‬‬
‫بصورة مستقلة عن واقعة أن قادتها يجاهرون بهذه القوانين أو يعرفونها‬
‫معرفة عميقة من الناحية النظرية"‪.‬‬
‫لقد توقفت عند هذه الستشهادات‪ ،‬إل أني أعتقد أنها تظهر بأكبر قدر‬
‫من الصفاء والوضوح كيف أُعِد فكر الثورة الكوبية إعدادا تدريجيا‪ ،‬دون‬
‫تخطيطات مبسطة قبلية‪ ،‬وكذلك دون خوف مما قد يلصق بها‪ .‬وقد نشأت‪،‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬لدى فيدل أولً‪ ،‬ولدى غيره من القادة الكبار أيضا‪ ،‬إرادة‬
‫إبعاد كل تضليل لغوي يدفعهم إلى رفض العبارة النمطية الجامدة لمصلحة‬
‫القتراب من الواقعة عن طريق الشرح‪ ،‬ويمضي حتى يرتدي شكل الخطاب‬
‫التعليمي الطويل الذي يلقيه فيدل كاسترو والذي تحدث عنه سارتر‪ .‬إن‬
‫ل لن يفيد شيئا كثيرا‬
‫القول أن كوبا تمضي في طريقها لقامة ديكتاتورية مث ً‬

‫‪20‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫بل قد يزعج المراقب قليل الحذر‪ .‬فالفضل أن نشرح ما يجري فيها‪.‬‬
‫وعندما تتلقى هذه الواقعة‪ ،‬بصورة لحقة‪ ،‬اسما‪ ،‬فسيكون هذا السم غنيا في‬
‫مغزاه بدلً من أن يكون صيغة جوفاء رنانة أو يحدث ارتكاسات انفعالية‬
‫متأصلة الجذور تستطيع الممارسة وحدها توضيحها‪ .‬وهكذا لم نقم بالثورة‬
‫الشتراكية إل بعد أن اتخذت الثورة الكوبية تدابير اشتراكية‪ ،‬عام ‪،1960‬‬
‫خاص في نصف الثاني منها‪ ،‬مدفوعة بالواقعات ذاتها‪ ،‬حتى بعد أن قوبلت‬
‫بحماس عدالة هذه التدابير لدى صدور تصريح هافانا الثاني‪ ،‬والتي أكدها‬
‫فيدل كاسترو‪ ،‬عشية الغزو‪ ،‬في‬

‫‪16‬‬

‫نيسان ‪ .1961‬في تلك الفترة شرح تشي‬

‫في نص جوهري ("كوبا‪ ،‬شذوذ تاريخي‪ ،‬أم طليعة الكفاح ضد الستعمار"‪،‬‬
‫(نشر بتاريخ‬

‫‪9‬‬

‫نيسان ‪ ،)1961‬أصالة الثورة الكوبية‪ ،‬الحركة التي اتبعت‪،‬‬

‫رغم أنها "مارقة إلى حد كبير بأشكالها وبمظاهرها – ولم يكن بمقدورها إل‬
‫أن تتبع – الخط العام لجميع أحداث القرن التاريخية الكبرى‪ ،‬المتميزة‬
‫بالنضالت المعادية للستعمار وبالنتقال نحو الشتراكية"‪ .‬ويعترف تشي‬
‫بالعوامل الستثنائية النادرة لثورتنا ("من بينها العامل الول‪ ،‬والهم‪ ،‬وربما‬
‫الكثر أصالة‪ ،‬تلك القوة الطبيعية المسماة فيدل كاسترو روز"؛ ومنها أيضا‬
‫"أن المبريالية الميركية الشمالية قد ضللت ولم تستطع قط أن تقدر البعاد‬
‫الحقيقية للثورة الكوبية") لكنه يشير بخاصة إلى "أن الجذور الدائمة لجميع‬
‫الظاهرات الجتماعية في أميركا‪ ،‬والتناقضات التي تنضج في داخل‬
‫المجتمعات الراهنة‪ ،‬تثير تحويلت يمكن أن تبلغ مدى ثورة كالثورة‬
‫الكوبية"‪ .‬في هذا النص يبلغ الفكر السياسي لدى تشي غيفارا درجة النضج‪.‬‬
‫وانطلقا من هذه اللحظة‪ ،‬سنراه يتحدث في خطبه الدولية الكبرى‪ ،‬خطبه‬

‫‪21‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫في بونتاديل إيسته‪ ،‬وجنيف‪ ،‬والمم المتحدة‪ ،‬أو الجزائر‪ ،‬كناطق فوق‬
‫العادي باسم العالم الثالث‪ .‬إن الثورة الكوبية لم تكّون فكرا دون أن تكّونه‬
‫في الوقت نفسه للبدان الخرى التي تجتاز ظروفا مماثلة لتلك التي تمر فيها‬
‫كوبا‪ :‬وفي طليعتها بلدان أميركتنا‪ ،‬وكذلك بلدان قارتين أخريين ناميتين‪.‬‬
‫وإذا كانت الثورة الكوبية قد وجدت بمساعيها هي فكرا أصيلً‪ ،‬فإن ذلك‬
‫المر يقتضي منا أن نجابه بهذا الفكر جملة من المشكلت‪ ،‬ستحمل بدورها‬
‫هذا الفكر على الغتناء‪ .‬وسيكون تشي الممثل والشاهد الستثنائي لهذا‬
‫التفاعل في بناء الشتراكية اليومي في بلد نام‪.‬‬
‫هذا الطبيب التائه الذي أقنعه فيدل كاسترو‪ ،‬في ليلة باردة من ليالي‬
‫المكسيك‪ ،‬بأن يرافقه لتحرير بلده‪ ،‬هذا المغاور الذي كلفه فيدل بشن‬
‫الحرب الثورية من أول الجزيرة إلى آخرها‪ ،‬هذا المحول الذكي الذي حول‬
‫الممارسة العملية إلى نظرية‪ ،‬هو الذي سيوكل إليه فيدل بعد تسلم السلطة‬
‫مراكز رئيسية في الحكومة‪ .‬أولً رئاسة البنك الوطني‪ ،‬لدخال الستقرار‬
‫على الوضع الخطير للقطع النادر‪ ،‬ثم وزارة الصناعة المكلفة بتنسيق‬
‫وتكبير الصناعة التي أممت فجأة في بلد قليل التنمية‪ ،‬والذي قُطع‪ ،‬بالضافة‬
‫إلى هذا‪ ،‬قطعا فظا عن المصدر الذي يكاد يكون المصدر الوحيد للمنتوجات‬
‫المصنوعة‪ .‬كانت القضية أن تظل المة واقفة على قدميها وأن تكون في‬
‫حالة تمكنها من العمل‪.‬‬
‫كان على تشي أن يتصدى لمشكلت اقتصادية ملموسة في سبيل إنجاز‬
‫هذه المهام الجديدة التي سيخرج منها أيضا ظافرا‪ .‬فالثورية‪ ،‬بطبيعة الحال‪،‬‬
‫ل تأتي جاهزة‪ :‬أنها على الدوام سلسلة من المهام التي يجب على الناس‬

‫‪22‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫تحقيقها‪ ،‬تحقيقا حسنا أو سيئا‪ .‬ول توجد صيغ يجب تطبيقها بصورة آلية‪.‬‬
‫إن الثورة تثبت‪ ،‬بمعنى مختلف عن المعنى الذي فكر به كروتشه ‪،Croce‬‬
‫أن التاريخ هو فعلً "مأثرة من مآثر الحرية"‪ .‬فأمام كل مشكلة جديدة تنبجس‬
‫المسألة اللينينية‪ :‬ما العمل؟ ول جدوى من البحث عن الجواب في أي كتاب‪.‬‬
‫بل يجب أن يأتي الجواب‪ ،‬كما نصح لينين بالذات‪ ،‬من "التحليل الملموس‬
‫للوضاع الملموسة"‪ .‬فتشي يجد نفسه إذا مرغما على أن يأخذ بعين العتبار‬
‫وقائع مثل طبيعة التخطيط الشتراكي‪ ،‬تبعا لوضع كوبا الملموس‪ ،‬وحسب‬
‫الصلة الديناميكية لهذا الوضع مع العالم أجمع‪ ،‬ويستنتج من هذا التحليل‬
‫مميزات نظام التمويل في الميزانية على الحساب القتصادي‪ ،‬وهذا يجره‬
‫إلى مهاترات سياسية مع شارل بيتلهايم ذاته‪ .‬وللسباب ذاتها يصر على‬
‫أولوية الحافز الخلقي على الحافز المادي إذا أردنا حقا بناء مجتمع‬
‫اشتراكي‪ ،‬لكنه طبعا ل يقول بالحافز الخلقي حصرا‪ :‬فنحن ل نرى كيف‬
‫يمكن التوصل إلى هذا المجتمع الشتراكي إذا حرضنا لدى الناس الشهوات‬
‫التي تقوم عليها الرأسمالية‪ .‬وليس هذا ما يقترحه تشي‪" :‬ل ننكر الضرورة‬
‫الموضوعية للحافز المادي‪ ،‬لكننا نرفض فعلً أن نستخدمه كدافع أساسي"‬
‫("حول نظام الميزانية‪ .)"...‬وبالمقابل‪ ،‬ليس من الخيال في تشي‪ ،‬بل ل بد‬
‫منه لهذا البناء الجديد أن نحفز النسان إلى اتخاذ موقف جديد تجاه العمل")‪،‬‬
‫موقف يتيح تطمين شاعر تشي المفضل‪ ،‬ليون فيليبه ‪ ،L. Felipe‬الذي رأى‬
‫بقلق تعارض العمل واللعب‪ .‬فهل من الضروري أن نصر على النفعال‬
‫الذي نعانيه ونحن نرى هذا الرجل‪ ،‬هذا تشي يبدأ خطابا في عمال مثاليين‬
‫وينشد أبياتا للشاعر السباني الكبير؟ إن ما لم ينسه تشي أبدا‪ ،‬وهو غارق‬

‫‪23‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫في عمله‪ ،‬أو في نظرياته‪ ،‬هو الغائية الحقيقية لثورة ما‪ :‬خلق كائن بشري‬
‫أفضل‪" ،‬إنسان جديد"‪ ،‬حسب تعبيره هو‪ .‬وإذا كان تشي يناقش قانون القيمة‪،‬‬
‫وخطر البيروقراطية‪ ،‬والطار الثوري‪ ،‬وصفات الشيوعي الشاب‪ ،‬وبناء‬
‫الحزب‪ ،‬فهذه الفكرة هي التي تجوب شواغله كلها‪ .‬ما أهمية عنف العمل أو‬
‫ضحالة الفكرة‪ ،‬فهذه أو ذاك‪ ،‬لدى الثوري‪ ،‬مسخّران لخدمة النسان‪ .‬وإذا‬
‫كان العداء يستطيعون طمس هذه الحقيقة‪ ،‬فإن واجب الثوريين‪ ،‬أن‬
‫يرددوها ويشرحوها‪.‬‬
‫"إن وزن هذا البناء‪ ،‬بناء العقل النساني ] كتاب رأس المال[ يبلغ حدا‬
‫يجعلنا ننسى في الغالب الصفة النسانية (بالمعنى الفضل للكلمة) لقلقه‪...‬‬
‫فالنسان هو الذي يهمنا الن‪ ...‬كان ماركس يفكر بتحرير النسان‪ ،‬وكان‬
‫يرى الشيوعية حلً للتناقضات التي أنتجت انحطاطه‪"...‬‬
‫وقد بلغ هذا الموقف الذي وقفه تشي تعبيره الصفى والوضح في‬
‫النص الخير الذي كتبه قبل رحيله عن كوبا في الرسالة الرائعة التي‬
‫وجهها إلى كارلوس كويجانو‪ ،‬مدير الصحيفة السبوعية مارشا‪ ،‬والتي‬
‫نشرت تحت عنوان "الشتراكية والنسان في كوبا"‪ :‬لقد كانت‪ ،‬بمقدار ما‪،‬‬
‫تلخيصا‪ ،‬وحصيلة‪ .‬وعندما نشر هذا النص في كوبا (وأذيع على نطاق‬
‫واسع جدا) كان تشي قد غادر البلد‪.‬‬
‫يستحيل أن نتجنب في هذه الصفحات المسألة التي يطرحها كثير من‬
‫الناس في العالم أجمع والمتعلقة بتشي‪ :‬لماذا غادر كوبا؟ أعتقد أن على هذه‬
‫المسألة أن تدخل في حسابها أمورا عديدة‪ :‬هي أن تشي فعلً أميركي –‬
‫لتيني‪ ،‬مثل الفنزويلي سيمون بوليفار‪،‬والرجنتيني جوزيه دوسان مارتان‪،‬‬
‫والدومينيكي ماكسيمو غوميز – أو المارتينيكي فرانتز فانون الذي كان تشي‬
‫‪24‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫يحبه كثيرا – الذين ناضلوا كلهم في سبيل بلد أخرى غير تلك التي ولدوا‬
‫فيها‪ ،‬وغالبا في سبيل عدة بلدان‪ ،‬وأن كوبا هي واحدة من بلدان عديدة في‬
‫أميركا اللتينية التي عاش فيها تشي‪ ،‬وأن الثورة الكوبية هي إحدى ثورتين‬
‫أمركيتين – لتينيتين اشترك فيهما تشي (الثورة الثانية هي الثورة‬
‫الغواتيمالية)‪ ،‬وأنه ما يزال في أميركا اللتينية – وفي العالم النامي بصورة‬
‫عامة – كثير من الثورات تنتظر التفجير‪ .‬وأن هذه الثورات الجديدة التي‬
‫تطالب الشعوب بها بإلحاح هي كالثورة الكوبية فصول لثورة واحدة‪ .‬وفي‬
‫عام ‪ ،1959‬عندما نزل الجيش المتمرد من الجبال كان الناس البسطاء في‬
‫كوبا مقتنعين أن تشي سينطلق بين لحظة وأخرى للشتراك في تحرير بلد‬
‫آخر مستبعد‪ .‬بيد أن الثورة الكوبية التي بدأت لتوها كانت بحاجة إليه‬
‫لتوطيد كيانها‪ .‬وكان آنذاك مثالً للعامل المتفاني‪ ،‬وبطل البناء‪ .‬وبعد ست‬
‫سنوات‪ ،‬عندما خاضت هذه الثورة معركتها الولى‪ ،‬وعندما عرفت جيرون‪،‬‬
‫وتطهير إيسكامبري‪ ،‬وأزمة تشرين أول‪ ،‬عندما نظمت معاملها وأريافها‬
‫على أساس النتاج من أجل الشعب‪ ،‬اعتبر تشي أن هنالك "أراضي أخرى‬
‫في العالم" بحاجة أمس إليه‪.‬‬
‫إن أولئك الذين يتهمون الثوريين بأنهم تقييديون بشكل أعمى هم أول من‬
‫يرفض عنصر الحرية‪ .‬والجدة‪ ،‬والبداع في التاريخ‪ .‬فما أن رأوا تشي‬
‫يغادر كوبا حتى نبشوا من القبر أزواجا شهيرة زعموا استخدامها لتجنب‬
‫التفكير في ظاهرة لم يتوقعوها وفهم هذه الظاهرة‪ ،‬فالعاطفيون أخذوا‬
‫يتحدثون عن بوليفار وسان مارتان‪ ،‬وسيّئو النية اقترحوا أسماء أخرى‪..‬‬
‫الحقيقة أن التاريخ يمتلك الن تشاركا جديرا ل تستطيع التشاركات السابقة‬
‫تفسيره بأي شكل ول تستطيع رده إلى تبسيطات سابقة‪ :‬إنه فيدل كاسترو‬
‫وأرنستو غيفارا‪ .‬وإنه لمر رائع أن نرى كم يكمل هذان الرجلن أحدهما‬
‫الخر‪ :‬فمن جهة الهزة البركانية للرجل الذي يعتبره تشي ذاته "تلك القوة‬
‫‪25‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫من قوى الطبيعة المسماة كاسترو روز" ومن جهة أخرى تلك الرغبة‬
‫الجامحة لدى تشي في صنع المفاهيم‪ .‬إن اللحظة التي تتداخل فيها هاتان‬
‫الوظيفتان – واللحظة التي نعيشها واحدة منهما – ليست أقل ما في هذا‬
‫الحوار من جمال‪ :‬فنحن نرى فيدل يثبت فكره ( وهذا يقوده إلى الدخول في‬
‫مهاترات من أجل توضيح فكره) لنه على وجه الضبط الزعيم الول للثورة‬
‫ونرى تشي يندفع في العمل‪ ،‬ليكون مرة أخرى‪ ،‬أمينا لنظريته‪ .‬وهكذا يسعد‬
‫الثورة الميركية – اللتينية الحالية أن يكون على رأسها رجلن يختفي‬
‫لديهما التفرع الثنائي القديم الرأس المفكر – والذراع المسلح‪ ،‬ويذوب في‬
‫واقع جديد ملتهب‪ .‬فلماذا قرر أحد الرجلين‪ ،‬ذاك الذي لم يولد في كوبا لكنه‬
‫خدمها خدمة لم يؤدها إل القلة من الكوبيين‪ ،‬أن يعود من جديد إلى القتال‪،‬‬
‫في سبيل حرية أرض أخرى هذه المرة؟ إن القراء ل يملكون كما ل أملك‬
‫أنا معطيات كافية للجابة‪ .‬بيد أن الرجل الذي يستطيع التحدث عن هذا‬
‫الموضوع‪ ،‬في الوقت النسب‪ :‬فيدل كاسترو‪ ،‬قال في ختام مؤتمر القارات‬
‫الثلث الذي يجسدا تجسيدا رائعا المثل العلى لفيدل وتشي على السواء‪:‬‬
‫"إنضم إلينا الرفيق غيفارا عندما كنا منفيين في المكسيك‪ .‬ومنذ اليوم‬
‫الول لم تكن تفارقه الفكرة التي عبر عنها بوضوح‪ ،‬وهي أنه عندما ينتهي‬
‫الكفاح في كوبا‪ ،‬فإن عليه واجبات أخرى يجب أن يقوم بها في أمكنة‬
‫أخرى‪ ،‬ولقد قطعنا له على أنفسنا وعدا بأننا لن نطلب منه البقاء في بلدنا‪،‬‬
‫من أجل أية مصلحة للدولة‪ ،‬وأية مصلحة قومية‪ ،‬وأي ظرف‪ ،‬ولن نمنعه‬
‫من تحقيق هذه الرغبة أو هذه الدعوة‪ .‬وقد وفينا وفاء تاما مخلصا بهذا‬
‫الوعد الذي قطعناه‪ .‬للرفيق غيفارا‪".‬‬
‫روبرتو فرناندزريتامار‬
‫‪26‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫لهافانا‪ ،‬تشرين الول‬

‫‪1966‬‬

‫‪27‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مقدمة المترجم‬
‫ل‪ ،‬لم يمت غيفارا‬
‫مات غيفارا‪...‬‬
‫حيسن حملت أمواج الثيسر هذا النبسأ الليسم رفسض الناس الطيبون فسي جميسع أنحاء‬
‫العالم‪ ،‬وبخا صة في تلك البلدان ح يث يحتدم ال صراع ضد ال ستعمار بمختلف الشكال‪،‬‬
‫تارة بالحد يد والنار ك ما في فيتنام أو الشرق الو سط أو ب عض أقطار أمير كا اللتين ية‪،‬‬
‫وتارة أخرى بمختلف الو سائل المتراو حة ب ين النضال الشر عي والن عف المتفاوت الشدة‬
‫ك ما في كث ير من البلدان السيوية والفريق ية‪ ،‬ر فض الناس الطيبون أن ي صدقوا‪ ،‬ل‪ ،‬لم‬
‫يمت غيفارا‪ ،‬ول يمكن أن يموت‪ ...‬إن غيفارا أكبر من ذلك‪ ،‬أكبر من الموت‪ ،‬أكبر من‬
‫أن يصرعه الرصاص الغادر يطلقه أعداء الشعوب‪ ،‬أكبر من أن يسقط والرسالة العظيمة‬
‫التي نذر لها نفسه لّما تتحقق‪...‬‬
‫وكانست النباء قسد تواترت مرات عديدة قبسل ذلك‪ ،‬تبثهسا مكاتسب السستخبارات‬
‫السستعمارية والعميلة‪ ،‬عسن مصسرع الثوري الكسبير‪ ،‬لكنسه سسرعان مسا يفتضسح كذبهسا‬
‫وبطلنها خلل ساعات معدودة أو أيام قلئل‪ ...‬ما يمنع أن يكون الخبر كاذبا هذه المرة‪،‬‬
‫رغما عن تكاثر الدلئل على صحته؟ لكنه حين أعلن فيدل كاسترو‪ ،‬زعيم رفيق البطل‬
‫الثائر الراحسل وبسل أقرب الرفاق إليسه فسي النضال‪ ،‬مسن راديسو هافانسا وتلفزيونهسا‪ ،‬ليلة‬
‫الخامس عشر من تشرين الول ‪ ،1967‬أن النبأ الفاجع صحيح بصورة أليمة‪ ،‬كان لبدّ‬
‫للناس الذ ين يؤمنون بالحقي قة الواق عة أن ي صدقوا‪ ،‬رغما عن كل ما يثيره هذا الت صديق‬
‫في قلوب هم من مرارة ولو عة وحزن‪ .‬ولم ت كن تلك هي المرة الولى ال تي يتألمون في ها‬
‫لفقدان رفيق بطل‪ ،‬كما أنها لن تكون المرة الخيرة‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل لنسه قارع الظلم بشجاعسة فحسسب‪ ،‬لنسه جابسه أعداء الشعسب‬
‫لم يكسن غيفارا بط ً‬
‫ل لنه كان‬
‫ببسالة‪ ،‬وبعزيمة ل ترهب الموت ول تهاب التضحية مهما غلت‪ ،‬بل كان بط ً‬
‫قبسل كسل شيسء مثال الثوري الكامسل‪ .‬كان مخلصسا لمثله العلى حتسى النهايسة مقداما ل‬
‫يعرف التراجسع‪ ،‬ذكيا يحذق سسياسة المور‪ ،‬متواضعا ل يتسسرب الخلل أو الهوى إلى‬
‫نفسه‪ ،‬وكانت كبرياؤه الوحيدة هي الكبرياء الثورية‪ ،‬هذه التي تجعله قاسيا ل يرجم حيال‬
‫أعداء الثورة وأعداء النسسان‪ ،‬وحيال جميسع الشياء أو الهواء التسي تعارض الثورة أو‬
‫ت سيء إلي ها‪ ،‬لك نه في الو قت نف سه رف يق ط يب ودود لجم يع أولئك الذ ين يشاركون في‬
‫الثورة‪ ،‬أو يتوقون إلي ها‪ ،‬أو يتعرضون للظلم والضطهاد من أ ية ج هة كا نت‪ .‬ول عل هذا‬
‫هو ال سبب في أن غيفارا كبر جدا في عيون الثوري ين والن صار‪ ،‬في كو با نف سها و في‬
‫ب بعسض الناس أنسه أضحسى أسسطورة‪ ،‬أو وهما‬
‫َسس َ‬
‫جميسع البلدان الخرى‪ ،‬كسبر حتسى ح ِ‬
‫يزعمون أن الثورة تنغذى به‪ ،‬وأنها ل تستطيع بدونه أن تستمر في البقاء‪ .‬ل‪ ،‬إن غيفارا‬
‫كسبير لنّ إخلصسه لمبادىء الثورة كان كسبيرا‪ ،‬إن غيفارا كسبير لن إيمانسه كان كسبيرا‬
‫بالثورة ال تي ل حدود ل ها ول و طن‪ ،‬الثورة ال تي لي ست هي وقفا على هذا البلد أو ذاك‪،‬‬
‫ولي ست هي مح صورة ضمن حدود هذا الق طر أو ذاك‪ ،‬بل هي ثورة قائمة أبدا‪ ،‬مت صلة‬
‫دون انقطاع‪ ،‬ولن ينطفىء لهسا لهيسب حتسى تطهسر هذه الكرة الرضيسة مسن كسل رجسس‪،‬‬
‫وتطهر نفس النسان من كل دنس‪ ،‬فتكون بذلك قد قضت قضاء مبرما على العالم القديم‬
‫والن سان القد يم‪ ،‬ووض عت ال سس المتي نة ال صلبة من ا جل بناء العالم الجد يد والن سان‬
‫الجد يد‪ .‬ول قد آ من غيفارا بهذه الثورة م نذ تف تح وع يه على العالم‪ ،‬و ظل وفيا ل ها ح تى‬
‫أغ مض عين يه الغما ضة الخيرة‪ ،‬وأن كر من أجل ها طبق ته وماض يه والحياة الهانئة ال تي‬
‫كان يم كن أن يحيا ها‪ ،‬وخلّف ذلك كله وراء ظهره ليرت مي في حمأة المعر كة‪ ،‬و سلحه‬
‫المادي ضعيف واهٍ‪ .‬لكن سلحه الفكري والروحي جبار ل يقاوم‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫كان أبوه مهندسا معماريا أرجنتيني التبعة‪ ،‬أي من تلك الطبقة البرجوازية الميسورة‬
‫التي يمكن أن تتوفر لها جميع مسرات الحياة العصرية‪ .‬ولقد أصيب أرنستو في طفولته‬
‫الولى بمرض الربو‪ ،‬المر الذي جعله موضع العناية الصحية الفائقة‪ ،‬هذه العناية التي‬
‫‪29‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫تمرد عليهسا حيسن اشتسد سساعده‪ ،‬فجعسل يمارس مختلف ضروب الرياضسة‪ ،‬حتسى أشدهسا‬
‫ارهاقا‪ ،‬في محاولة للتغلب على ذلك المرض الذي يفرض عل يه ب عض القيود‪ .‬ول عل هذا‬
‫هو ال سبب في تفضيله درا سة ال طب على أ ية درا سة أخرى‪ ،‬لن ال طب فن يم كن أن‬
‫يخلّص النسسان مسن بعسض القيود القاسسية التسي تفرضهسا عليسه الطبيعسة المناوئة‪.‬بيسد أن‬
‫مطالعاتسه علمتسه فسي تلك الثناء أن ثمسة قيودا أقسسى مسن سسلسل المرض‪ ،‬ومسن أكبال‬
‫الظروف الطبيعيسة المناوئة‪ ،‬قيودا ماديسة تئيسد على السسواد العظسم مسن البشسر‪ ،‬وقيودا‬
‫روحية تكبل نفوسهم وتنأى بهم عن الطبيعة النسانية الحقيقية‪ ،‬قيودا‪ ،‬طالعته من آلف‬
‫عيون الناس البائسسين الجياع‪ ،‬العاطليسن عسن العمسل‪ ،‬الرازحيسن تحست نيسر الكبست‬
‫والضطهاد‪ ،‬الطامحين إلى لقمة العيش وإلى الكرامة من وراء لقمة العيش‪ .‬ولقد طالعه‬
‫من قرار هذه العيون اليأس كله‪ ،‬والخوف كله‪ ،‬والذل كله‪ ،‬وطالع ته في الو قت نف سه قوة‬
‫ل تغلب‪ ،‬قوة عات ية‪ ،‬جبارة‪ ،‬ساحقة‪ ،‬سوف يتحول إلي ها اليأس والذل والخوف ذات يوم‪،‬‬
‫وعندئذ لن يعترض أحد أو مشيء سبيلها‪ .‬أليس ذلك ما حدث دائما في التاريخ‪ ،‬منذ أيام‬
‫روما القديمة؟ أو ليس ذلك ما حدث مؤخرا في روسيا حيث انقلب الخوف واليأس والذل‬
‫إلى تلك القوة الجار فة ال تي اكت سحت عالم القيا صرة الع فن‪ ،‬وجعلت تب ني على أنقا ضه‬
‫عالما جديدا يبشر بالمل‪ ،‬وبالحرية‪ ،‬وبالكرامة وبالغد السعيد؟‬
‫وإن غيفارا ليشعسر إذا أن مكانسه ليسس فسي بيست أبيسه‪ ،‬ول فسي عيادة يسستقبل فيهسا‬
‫المر ضى كل يوم‪ ،‬ول ح تى في وط نه الرجنت ين ح يث ل ي ستطيع أن يع مل شيئا في‬
‫الو قت الحا ضر‪ .‬إن "حيا ته تبدأ وراء الحدود"‪ ،‬ومكا نه هو العالم الف سيح‪ ،‬وموط نه هو‬
‫كل موضع في هذه الدنيا تحول فيه اليأس والخوف والذل على قوة تناضل في سبيل حياة‬
‫أف ضل‪ ...‬و هذا هو في قلب المعر كة‪ ،‬حيث ما تحتدم‪ ،‬في تشيلي و في كولومب يا‪ ،‬و في‬
‫بوليفيا وفنزويل‪ ،‬وفي غواتيمال حيث كان شعب صغير‪ ،‬رازح منذ مئات السنين تحت‬
‫نير الستعمار والستعباد والستغلل‪ ،‬قد صنع ثورة وهو يكافح عنها ضد قوى القارتين‬
‫مجتمعة‪ ،‬وعلى رأسها الوليات المتحدة الميركية واحتكاراتها الغاشمة‪.‬‬
‫أ جل‪ ،‬إن في قل به نارا تشت عل‪ ،‬تدف عه لن يكون إلى جا نب المظلوم ين‪ ،‬إلى جا نب‬
‫البائسين‪ ،‬إلى جانب المعذبين في الرض‪ .‬وهذا ما يعبر عنه في رسالة إلى والديه كتبها‬
‫‪30‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫مؤخرا‪" :‬ول يس ال حب الحقي قي الذي يروي ني حب الو طن والزو جة والولد وال صدقاء‪،‬‬
‫بل هو أكبر من ذلك كثيرا‪ ،‬فهو الشعلة التي تحترق في باطن المليين من بؤساء العالم‬
‫المحرومين‪ ،‬شعلة البحث عن الحرية والحق والعدالة‪ .‬إني أؤمن بأن النضال المسلح هو‬
‫الطريسق الوحيدة أمام الشعوب السسامية إلى التحرر‪ .‬ويعتسبرني الكثيرون مغامرا‪ ،‬وأنسا‬
‫مغا مر حقا‪ ،‬لكن من غ ير طراز أولئك المغامرين المن ساقين وراء نزوات فرد ية عابرة‪.‬‬
‫وإني أضحي بكل شيء من أجل الثورة والنضال المتصل"‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬ح ين سقط النظام الش عبي في غواتيمال ت حت الضربات ال ستعمارية المهيأة‬
‫ب كل خ بث‪ ،‬غادر غيفارا إلى المك سيك‪ ،‬مل جأ جم يع الثوري ين في أمير كا اللتين ية‪ ،‬و من‬
‫هناك بدأت قصسته مسع فيدل كاسسترو‪ ،‬واشتراكسه فسي حملة غرانمسا التسي نزلت على‬
‫الشاطىء الكو بي‪ ،‬دوره في ملح مة سييرا ماي سترا ال تي انت هت إلى ا سقاط نظام باتي ستا‬
‫الدكتاتوري وإقامة نظام شعبي ثوري يسير بخطى حثيثة نحو الشتراكية‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫يقول فيدل كاسترو في معرض حديثه عن أرنستو "تشي" غيفارا‪" :‬نحن الذين نعرف‬
‫أرن ستو غيفارا ب صورة وثي قة – وأقول "نعرف" ل نه ل يم كن قط الحد يث عن أرن ستو‬
‫غيفارا بصيغة الماضي – ل بد لنا أن نقول إن لدينا خبرة عظيمة بخلقه ومزاجه‪ .‬ومهما‬
‫يكن من الصعب أن نتصور أن مثل هذا الرجل‪ ،‬بمثل هذه السمعة وبمثل هذه الشخصية‪،‬‬
‫قد قضى في معركة دارت بين دورية من المغاورين وقوات من الجيش النظامي‪ ،‬حتى‬
‫إذا بدا ذلك أب عد ما يكون عن المن طق‪ ،‬فإن نا نعرف أن ل يس ف يه ش يء فوق عادي‪ .‬ذلك‬
‫أنه تميز دائما‪ ،‬خلل كل الوقت الذي عرفناه فيه‪ ،‬ببسالة عجيبة‪ ،‬بازدراء مطلق للخطر‪،‬‬
‫ف هو ي صنع في جم يع الوقات ال شد خطرا والع ظم صعوبة الشياء الع ظم صعوبة‬
‫وال شد خطرا‪ .‬هكذا كان سلوكه في منا سبات عديدة أثناء نضال نا في سييرا ما ي سترا‪،‬‬
‫وفي لس فيلس‪ ،‬وكثيرا ما اضطررنا‪ ،‬بطريقة أو أخرى‪ ،‬إلى اتخاذ بعض التدابير من‬
‫أ جل حماي ته‪ ،‬و قد عارض نا أك ثر من مرة تنف يذ ب عض العمال ال تي كان ير يد انجاز ها‪،‬‬
‫وذلك بقدر ما كنسا نتسبين فيسه تلك ال صفات الرائعسة التسي يتحلى ب ها المقاتسل والمكانات‬

‫‪31‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫المتوفرة لديه من أجل خدمة الثورة في واجبات أو مهمات ذات أهمية استراتيجية أعظم‪،‬‬
‫بحيث كنا نحميه من خطر السقوط في معركة ذات أهمية أقل‪.‬‬
‫"ولنعترف بأن نا ك نا نخاف دائما من أن يقود هذا المزاج‪ ،‬هذه المبادرة الخا صة به‪،‬‬
‫الحا صرة في جم يع أوقات الخ طر‪ ،‬إلى الموت في أ ية معر كة‪ .‬و ما كان في قدرة أي‬
‫إنسان أن يكون على يقين من أنه سيتخذ على القل حدا أدنى من تدابير الحماية‪ .‬وكثيرا‬
‫ما كان يتقدم في طليعة دورية استكشافية عادية‪...‬‬
‫"ولعله كان يف كر‪ ،‬و هو واع تماما للر سالة ال تي أخذ ها على عات قه ولهمية النشاط‬
‫الذي يقوم به‪ ،‬لعله كان يف كر – ك ما ف كر على الدوام – ب ما للب شر من قي مة ن سبية و ما‬
‫للقدرة من قيمة ل تدحض‪ .‬كانت هذه الشياء تشكل جزءا من شخصيته‪..‬‬
‫"ول قد ك نا ن حب أك ثر ما ن حب أن نشاهده يتحول إلى صانع لنت صارات الشعوب‬
‫ال كبرى بالحرى من أن يكون رائدا لهذه النت صارات‪ .‬ل كن رجلً له هذا المزاج‪ ،‬وهذه‬
‫الشخصسية‪ ،‬وهذا الخلق‪ ،‬وهسو يملك على الدوام هذا الرتكاس حيال بعسض الظروف‪،‬‬
‫لمدعو من سوء الحظ لن يكون رائدا لهذه النتصارات بالحرى منه صانعا لها‪ ..‬وإنه‬
‫ل عن ذلك‪ :‬لكنه‬
‫لمن المؤكد أن الرواد هم أيضا صناع النصر‪ ،‬ومن كبار الصنّاع فض ً‬
‫كان أقل الناس اهتماما بذلك‪.‬‬
‫"وإ نه لمنط قي أن يكون من المحال‪ ،‬بالن سبة إلي نا جميعا ن حن الذ ين ن كن له حبا‬
‫عميقا‪ ،‬أن نر ضى بأن نشاهده و قد انقلب إلى رائد فح سب‪ ،‬إلى قدوة ل نرتاب مطلقا في‬
‫أ نه سيكون ل ها و قع هائل‪ .‬إ نه لمنط قي أن يتألم كل كائن إن ساني ح ين يتعرض م ثل هذا‬
‫الخلق وهذا الذكاء وهذه الستقامة للدمار الحكمي‪".‬‬
‫أجل‪ ،‬لقد كان غيفارا رائدا لنتصارات الشعوب‪ ،‬وكان صانعا لهذه النتصارات في‬
‫الوقست نفسسه‪ .‬وإن هذا الخلص الذي كان ينطوي عليسه لمثله العلى‪ ،‬وللهدف السسامي‬
‫الذي كرس نف سه من أجله‪ ،‬هو الذي حمله على مغادرة كو با‪ ،‬ب عد ما تح قق الظ فر في ها‬
‫للشعب‪ ،‬كيما يذهب مرة أخرى إلى "ما وراء الحدود" إلى ميادين جديدة للنضال يواصل‬
‫الرسسالة التسي يحملهسا‪ .‬ولذا كان غيفارا قدوة‪ ،‬قدوة للثورة فسي كسل مكان‪ ،‬قدوة لطلئع‬
‫‪32‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الشعوب المناضلة في كل صقع من أجل حقها في الحياة‪ ،‬من أجل مكان ها اللئق تحت‬
‫الشمس‪ ،‬من أجل غدها المشرق السعيد‪...‬‬
‫وإن هذه القدوة الرائ عة‪ ،‬هذه القدوة ال تي هي ملء الب صار وال سماع والفئدة‪ ،‬هذه‬
‫القدوة التي وضعها الثوار في كل مكان‪ ،‬في أميركا اللتينية وفي آسيا وإفريقيا‪ ،‬نصب‬
‫أعينهسم‪ ،‬هسي بالضبسط مسا سسعى المسستعمرون وأجراؤهسم‪ ،‬ول يزالون يسسعون‪ ،‬للقضاء‬
‫عليهسا‪ .‬فمنسذ غادر غيفارا كوبسا جعلت المخسبرات الميركيسة كلهسا البحسث عنسه والسسعي‬
‫للقضاء عليسه‪ ،‬وكان العملء فسي منظمسة الشعوب الميركيسة الخاضعسة لشرافهسا أدوات‬
‫التنفيذ في هذه المؤامرة الجرامية‪ .‬وإذا هم نجحوا أخيرا‪ ،‬بفعل المصادقات والخيانة‪ ،‬في‬
‫القضاء على جسد غيفارا‪ ،‬فإنهم لن ينجحوا قط في القضاء على روحه‪ ،‬على عمله‪ ،‬على‬
‫القدوة التي صنعها من أجل الخرين‪.‬‬
‫لقد كانوا يخافونه‪ ..‬كانوا يخافونه حيا‪ ،‬وهو ل يبرحون يخافون الن‪ ،‬بعدما توصلوا‬
‫إلى حذف جسسده‪ .‬ولقسد أشارت جميسع الدلة إلى أن غيفارا وقسع أسسيرا‪ ،‬بعدمسا أصسيب‬
‫بجروح بلي غة‪ ،‬وبعد ما تعطلت بندقي ته من جراء إ صابتها بطلق ناري‪ ،‬في معر كة جرت‬
‫ب ين بض عة ثوار بوليفي ين وقوات نظام ية تفوق اللف وخم سمائة جندي في عدد ها‪ .‬و ما‬
‫كان يمكن ليغيفارا‪ ،‬كما يقول كاسترو‪ ،‬أن يستسلم حيا‪ ..‬لكن رفاقه القلئل حين شاهدوه‬
‫جريحا‪ ،‬ا ستماتوا في المقاو مة و في الدفاع ع نه‪ ،‬فا ستمرت المعر كة ب ين هؤلء الرجال‬
‫الستة عشر وقوات الجيش النظامي البوليفي قرابة ست ساعات‪ ،‬وهو شيء ل يمكن أن‬
‫يحدث فسي حرب النصسار مطلقا‪ .‬لكسن غيفارا جرح جروحا بليغسة بحيسث ل يسستطيع‬
‫النسحاب‪ ،‬وتعطلت بندقيته بحيث ل يستطيع أن يضع حدا لحياته بنفسه‪ .‬بيد أن الحكومة‬
‫الدكتاتورية في بوليفيا‪ ،‬التي أسرته حيا‪ ،‬قد أجهزت عليه‪ ،‬وبعدما أجهزت عليه رفضت‬
‫أن ت سلم جث ته لخ يه‪ ،‬ك ما رف ضت أن تطلع كائنا ما علي ها‪ ،‬أو على مكان وجود ها‪ .‬ل قد‬
‫دفنوه في مكان مجهول‪ ،‬ولعلهم أحرقوا الجثة وذروا رمادها في الرياح‪ ،‬حتى يزيلوا من‬
‫الوجود كل أثر له‪ ،‬فيما يعتقدون‪ ،‬فل يتحول قبره‪ ،‬في المستقبل‪ ،‬إلى محجة للثوريين في‬
‫كل مكان‪ ،‬إلى هيكل يقصده الناس الشرفاء من أنحاء المعمورة الربع‪ ،‬كي يعبروا عن‬
‫جلهم وتقديرهم واحترامهم للثائر الراحل‪ ،‬وعن حقدهم على القتلة وإدانتهم لهم‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫إن المسستعمرين وأذنابهسم‪ ،‬هؤلء يعرفون بغريزتهسم أن التاريسخ قسد أصسدر حكمسه‬
‫عليهم م سبقا على حد تعبير فيدل كا سترو‪ ،‬يخافون غيفارا حتى ب عد وفاته‪ ،‬ف هم يريدون‬
‫أن يحرموا الحر كة الثور ية – وبالخا صة في أمير كا اللتين ية – من الر مز‪ ،‬يريدون أن‬
‫يطفئوا الشعلة‪ ،‬ويحسبون أنهم بذلك يضربون الحركة الثورية ويزعزعونها‪.‬‬
‫أل بئس ما يح سبون و ما يخططون! إن الثوري ين هم على الدوام أف ضل الناس تأهبا‬
‫لجميسع الظروف وجميسع التقلبات وجميسع النكسسات الممكنسة‪ .‬ولقسد تميسز تاريسخ جميسع‬
‫الثورات وجم يع الشعوب الثور ية‪ ،‬في كل مكان و في كل الع صور‪ ،‬بب عض الضربات‬
‫اللي مة‪ ،‬وب عض النك سات الي سيرة‪ ،‬ل كن الثوري ين الحقيقي ين كانوا يتغلبون دائما على هذه‬
‫النكسات وتلك الضربات‪ ،‬ويواصلون الطريق بعزيمة أشد‪ ،‬وبتصميم أعظم على إحراز‬
‫الن صر‪ .‬وإن الثوري ين بالض بط هم أك ثر الناس معر فة وتقديرا لقي مة المبادىء الخلي قة‬
‫وقيمسة القدوة الحسسنة‪ ،‬وهسم بالضبسط أرسسخ الناس إيمانا بأعمال الرجال الحقيقييسن‬
‫ومبادئ هم‪ ،‬وأع ظم إدراكا ل ما تت صف به حياة الب شر الحكي مة من زوال و ما تت صف به‬
‫أفكار هم و سلوكهم وقدرت هم من خلود‪ ...‬ذلك أن القدوة هي ال تي أله مت الشعوب طوال‬
‫التاريخ وأرشدتها‪.‬‬
‫ويقول فيدل كاسسترو بالنسص الواحسد‪" :‬مسن ذا يسستطيع أن ينكسر شدة الضربسة التسي‬
‫تعر ضت ل ها الحر كة الثور ية من جراء موت ت شي‪ ،‬و من جراء انعدام إمكان ية العتماد‬
‫على خبرته‪ ،‬وعلى إلها مه وعلى قوة سمعته ال تي كان الرجعيون يرتعشون من ها ذعرا!‬
‫إنها ضربة شديدة‪ ،‬ضربة بالغة القسوة‪ .‬لكننا على يقين مع ذلك من أنه أشد قناعة من‬
‫أي إنسان آخر بأن حياة البشر الحكمية ليست الشيء الهم‪ ،‬بل إن سلوكهم هو الذي يأتي‬
‫فسي المرتبسة الولى‪ ..‬وهذا وحده هسو مسا يفسسر ازدراءه المطلق للخطسر‪ ،‬وهسو الشيسء‬
‫الوحيد الذي يتلءم مع شخصيته ومع عمله‪"...‬‬
‫ولذا فإن الحر كة الثور ية‪ ،‬انطلقا من هذه الحقي قة‪ ،‬ستعرف ك يف تحول هذه القدرة‬
‫إلى قوة ل تقهسر‪ ،‬وكيسف تسستلهمها لتسسير قدما إلى المام‪ ،‬دونمسا تردد‪ ،‬وبصسلبة أشسد‬
‫وعزيمة أمضى‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل‪ ،‬لم ي مت غيفارا‪ ،‬بل هو حي في أفئدة جم يع الثوري ين‪ ،‬جم يع الناس الط يبين‪،‬‬
‫جميسع الناس الشرفاء فسي سسائر أنحاء العالم‪ ،‬وإن صسرخته لتدوي فسي أسسماع الجميسع‪،‬‬
‫هادرة‪ ،‬شاحذة الهمم‪ ،‬وحافزة إلى العمل المستمر‪:‬‬
‫"ل يهمني أين ومتى سأموت‪ ،‬لكنه يهمني أن يبقى الثوار قائمين‪ ،‬يملون ضجيجا‬
‫حتى ل ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين؟‬

‫دمشق في ‪1967 / 11 / 22‬‬
‫الدكتور فؤاد أيوب‬

‫‪35‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫القسم الول‬
‫المبادىء العامة لحرب الغوار‬

‫‪36‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪1‬‬

‫– جوهر حرب الغوار‬

‫لم يكن الظفر المسلح الذي أحرزه الشعب الكوني على طغيان باتيستا‪ 7‬لينحصر فقط‬
‫فسي النصسر الملحمسي الذي سسجله المراقبون فسي العالم أجمسع‪ ،‬بسل كان كذلك انقلبا فسي‬
‫العقائد القديمسة حول سسلوك الجماهيسر الشعبيسة فسي أمريكسا اللتينيسة‪ .‬وقسد برهسن بشكسل‬
‫ملموس أن شعبا يستطيع‪ ،‬بالغوار‪ ،‬أن يتحرر من حكومة تضطهده‪.‬‬
‫ونحن نرى أن الثورة الكوبية قد رفدت الحركة الثورة في أمريكا بثلثة إسهامات إذ‬
‫أثبتت ما يلي‪:‬‬
‫أول – تستطيع القوى الشعبية أن تكسب حربا ضد الجيش النظامي‪.‬‬
‫ثانيا – ل ينبغسي النتظار دوما حتسى تجتمسع كافسة الظروف للقيام بالثورة‪ ،‬إذ يمكسن‬
‫للبؤرة الثورية أن تفجّر هذه الظروف الثورية‪.‬‬
‫ثالثا – ينب غي في النحاء المتخل فة من أمري كا‪ ،‬اتخاذ الر يف ميدانا أ ساسيا للنضال‬
‫المسلح‪.‬‬
‫تتعارض النقطتان الوليان مع المو قف التريّ ثي الذي يق فه ثوريون أو أشباه ثوري ين‬
‫م من يتذرعون لعطالت هم بدعوى أن شيئا ل يم كن محاول ته ضد الج يش النظا مي‪ ،‬ناه يك‬
‫عسن أولئك الذيسن ينتظرون أن يلقوا كافسة الظروف الموضوعيسة والذاتيسة وقسد اجتمعست‬
‫ب صورة آل ية‪ ،‬دون ما اهتمام بتعجيل ها‪ .‬إن هات ين الحقيقت ين اللت ين ل مجال لنكاره ما قد‬

‫‪7‬‬

‫كان باتيستا ‪ Fulgencio Batista‬رقيبا في الجيش الكوبي‪ ،‬تزعم حركة رجعية عام ‪،1952‬‬

‫فاستولى على السلطة وفرض طغيانا عسكريا داميا على كوبا دام ‪ 7‬سنوات‪ ،‬حتى اضطر إلى الفرار يوم‬
‫‪ ،1959 / 1 / 1‬أمام زحف الجيش الثائر ومد الثورة الشعبية‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫غدتا واضحتين تماما‪ ،‬إل أنهما قد نوقشتا في كوبا في الماضي وربما هما تُناقشان الن‬
‫في أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫ومسن الطسبيعي أن الحافسز الذي تشكله بؤرة الغوار ل يكفسي وحده لسستجماع كافسة‬
‫الظروف اللزمسة للثورة‪ .‬بسل ينبغسي العتبار دوما بأن إنشاء البؤرة الولى وتوطيدهسا‬
‫يقتضيان حدا أدنسى مسن الظروف المؤاتيسة‪ .‬فينبغسي إذا أن يسبرهن للشعسب بوضوح تعذر‬
‫الستمرار في النضال المطالبي في إطار الشرعية‪ .‬إن ما يخل بالسلم هو بالضبط أن‬
‫قوى الضطهاد تحتفظ لنفسها بالسلطة ضد الحق‪.‬‬
‫وسسوف يجسد اسستياء الشعسب‪ ،‬في مثسل هذه الظروف‪ ،‬تعسبيرا عسن ذاتسه يزداد قوة‪،‬‬
‫وسيأتي الوقت الذي تتبلور فيه المقاومة في نطفة‪ 8‬من نضال يثيرها في الصل موقف‬
‫السلطات‪.‬‬
‫عندما تصل إحدى الحكومات إلى السلطة عن طريق استشارة شعبية‪ ،‬مزيفة أو غير‬
‫مزي فة‪ ،‬وتحا فظ ولو في الظا هر على الشرع ية الد ستورية‪ ،‬فإن بذرة الغوار ل يم كن أن‬
‫تنتش‪ 9‬لن كافة إمكانات النضال الشرعي لما تستنفد بعد‪.‬‬
‫أمسا السسهام الثالث‪ ،‬فهسو على الصسعيد الريادي‪ .10‬ويجسب اعتباره تحذيرا للذيسن‬
‫ي ستندون إلى مقاي يس عقيدية‪ ،11‬فيدّعون ترك يز نضال الجماه ير على الحركات المدن ية‪،‬‬
‫نا سين تماما م ساهمة الفلح ين العظي مة في حياة كا فة البلدان المتخل فة من أمري كا‪ .‬ل يس‬
‫المسر اسستصغارا لنضال الجماهيسر العماليسة المنظمسة‪ ،‬إنمسا هسو تحليسل إمكانانتسا تحليلً‬
‫واقعيا‪ ،‬في ظروف النضال المسلح الصعبة‪ ،‬حيث تصاب الضمانات التي ترافق دساتيرنا‬
‫عادة‪ ،‬بالتعط يل أو التجا هل‪ .‬ينب غي عندئذ أن تغدو الحركات العمال ية سرية وأن توا جه‬
‫‪8‬‬

‫النطفة‪ :‬الشكل الولي للكائن الحي‪ ،‬قبل ظهور معالم خلقه‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫إنتشت البذرة‪ :‬خرج منها الجذر الذي ينغرس في الرض‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الريادة‪ :‬الخطة التوجيهية العامة المؤدية إلى الظفر بالهداف الحيوية في مرحلة معينة من التاريخ‪.‬‬

‫وتستعمل الكلمة في مختلف ميادين الحياة العامة كالقتصاد والسياسة والحرب‪( .‬الستراتيجية)‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫العقيدة‪ :‬نسبة إلى العقيدة‪ .‬والعقيدة هي ما يؤمن به المرء دون النظر في البرهان عليه‪( .‬الجمود‬

‫العقائدي‪ ،‬الدوغمائية)‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫دون سلح أخطارا هائلة في و ضع عدم الشرع ية‪ .‬أ ما في الر يف‪ ،‬فالمو قف ل يس على‬
‫ذات القدر من الصعوبة‪ ،‬لن المغاوير المسلحين يدعمون السكان‪ ،‬في أماكن يستحيل أن‬
‫تطالها قوى القمع‪.‬‬
‫سوف نتوسع في التحليل بدقة في ما بعد‪ .‬ولنلحظ منذ الن في مطلع هذا الكتاب‪،‬‬
‫الستنتاجات الثلثة النفة‪ ،‬التي تؤلف في رأينا‪ ،‬الشيء الساسي في مساهمتنا‪.‬‬
‫تتصسف حرب الغوار‪ ،‬أسساس النضال الشعسبي‪ ،‬بمميزات ووجوه متباينسة جدا‪ ،‬وإن‬
‫كانت تستمد دوما من إرادة التحرر ذاتها‪ .‬من الواضح – وقد قالها النظريون جيدا – أن‬
‫الحرب تستجيب إلى سلسلة معينة من القوانين العلمية‪ ،‬وأن من يخالفها يتحتم فشله‪ .‬إن‬
‫الغوار هو أحد أطوار الحرب النهجية‪ ،12‬وينبغي أن تحكمه قوانينها كافة‪ ،‬إلَ أنه يشتمل‬
‫إضافة‪ ،‬وبسبب طابعه الخاص‪ ،‬على قوانين لحقة ينبغي الرضوخ لها‪ .‬من الطبيعي أن‬
‫تحدد الظروف الجغرافيسة والجتماعيسة لكسل بلد مسا هسي القوالب الخاصسة التسي ترتديهسا‬
‫حرب الغوار فيه‪ ،‬غير أن هذه القوانين الساسية صحيحة لكل نضال من هذا النمط‪.‬‬
‫نقصد الن إلى إيجاد السس التي يقوم عليها هذا النمط من النضال‪ ،‬والقواعد التي‬
‫ينب غي أن تتبع ها الشعوب الباح ثة عن تحرر ها‪ .‬إن مق صدنا هو تحو يل الممار سة إلى‬
‫نظرية واتسجلء بنية هذه التجربة وتعميمها لفائدة الخرين‪.‬‬
‫ل مسن هسم المقاتلون‪ .‬إنهسم مسن جانسب‪ ،‬النواة المضطهِِدة‪ ،‬وفسي‬
‫ينبغسي أن نثبست أو ً‬
‫خدمتهسا الجيسش النظامسي‪ ،‬حسسن التجهيسز والضباطة‪ .13‬وتسستطيع هذه النواة فسي حالت‬
‫كثيرة أن تعوّل على تأييد الجنبي وتأييد جماعات صغيرة من الموظفين الدائرين في فلك‬
‫المضطهِد‪ .‬ويقف في الجانب الخر‪ ،‬سكان البلد أو المنطقة المعنية‪ .‬ومن المهم ملحظة‬
‫أن الغوار نضال جماهيري‪ ،‬نضال الش عب‪ ،‬وأن الغوّارة‪ ،14‬الجما عة الم سلحة ال صغيرة‪،‬‬
‫هي طليعته المقاتلة‪ .‬وتمكن قوت ها في جمهور ال سكان‪ .‬ل ينب غي اعتبار الغوّارة اضعف‬
‫‪12‬‬

‫النهجي‪ :‬ما يسير عليه اللحقون على نهج السابقين‪( .‬التباعي‪ ،‬الكلسيكي)‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫الضباطة‪ :‬التقيد الطوعي بالنظمة والقرارات‪ ،‬وذلك بصورة متبادلة بين الجماهير والهيئات المسؤولة‪.‬‬

‫(النضباط‪ ،‬الديسيبلين)‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫الغوّارة‪ :‬الوحدة الساسية في جيش الغوار‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫عدديا مسن الجيسش النظامسي الذي تقاتله‪ ،‬رغسم أن قوّة نارهسا اضعسف منسه‪ .‬لذلك ينبغسي‬
‫اللجوء إلى حرب الغوار لد فع الضطهاد‪ ،‬م تى تو فر تأي يد غالب ية ال سكان‪ ،‬مع كم ية من‬
‫السلحة في منته الضآلة‪.‬‬
‫تتم تع الغوارة حينئذ بالتأي يد الشا مل من ال سكان المحل ين وهذا شرط ل تقوم بدو نه‪.‬‬
‫يبدو ذلك واضحا إذا أخذ نا مثال ع صابات قطاع الطرق ال تي تع مل في منط قة ما‪ .‬لهذه‬
‫الع صابات كا فة مميزات ج يش الغوار‪ :‬التما سك‪ ،‬واحترام الرئ يس‪ ،‬والشجا عة‪ ،‬ومعر فة‬
‫الرض‪ ،‬وفي أحيان كثيرة‪ ،‬تقدير جريء لل صِيالة‪15‬الواجب اتباعها‪ ،‬ول ينقصها إل تأييد‬
‫الشعب‪ :‬فل مفر لهذه العصابات من أن تعزلها الضابِطة أو تبيدها‪.‬‬
‫ب عد أن حلّل نا صِيالة العمليات في حرب الغوار‪ ،‬وش كل الكفاح في ها‪ ،‬وب عد أن فهم نا‬
‫أن الشعسب هسو مسستندها‪ ،‬بقسي أن نتسساءل‪ :‬مسن أجسل ماذا يناضسل المغاور؟ فنصسل إلى‬
‫النتيجسة المحتومسة وهسي أن المغاور مصسلح اجتماعسي‪ ،‬وأنسه يحمسل السسلح اسستجابة‬
‫لستنكار الشعب الكامن ضد مضطهِديه‪ ،‬وأنه يقاتل لتغيير النظام الجتماعي الذي يبقي‬
‫على إخواته العزّل في الهوان والبؤس‪ .‬إنه يهاجم المؤسسات الخاصة بعصر معين‪ ،‬لكي‬
‫يحطم بنيانها‪ ،‬بكل ما تتيح له الظروف من قوة‪.‬‬
‫سوف نرى متى حللنا صِيالة حرب الغوار بعمق أكبر‪ ،‬أنه ينبغي للمغاور أن يعرف‬
‫الرض تمام المعرفسة‪ ،‬وكذلك مسسالك القدوم والنكفاء‪ ،‬وإمكانات المراوغسة السسريعة‪،‬‬
‫وأمكنسة الختباء‪ ،‬والتأييسد الشعسبي طبعا‪ .‬يدل كسل ذلك على أن المغاور سسوف يمارس‬
‫عمله في بيئة ريفية قليلة السكان‪ ،‬وفي المكان المفضل لكفاح الشعب من أجل مطاليبه‪،‬‬
‫كل ذلك في تطلع يكاد ينحصر بتغيير البنيان الجتماعي لملكية الراضي‪ .‬بعبارة أخرى‪،‬‬
‫إن المغاور هو قبل كل ش يء ثائر زراعي‪ .‬إنه يتر جم رغبة جماه ير الفلح ين ال كبرى‬
‫في امتلك الرض‪ ،‬امتلك و سائل إنتاج هم ودواب هم و كل ما رغبوا ف يه سنوات طوالً‪،‬‬
‫وما يؤلف حياتهم كما يؤلف الرض التي سوف يموتون فيها‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫الصيالة‪ :‬كيفية الوثوب على العدو واللتحام به‪ ،‬في الحرب والسياسة‪ ،‬وجملة الساليب والفنون‬

‫المتعلقة بذلك‪( .‬التاكتيك)‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ينبغي التدقيق في أن ثمة نمطين مختلفين من حرب الغوار‪ :‬أحدهما وهو حالة ذلك‬
‫النضال الذي يتمم عمل الجيوش النظامية الكبرى – مثل نضال النصار الوكرانيين في‬
‫التحاد السسوفياتي‪ ،‬ول يتناوله تحليلنسا‪ .‬النمسط الخسر وحده هسو الذي يهمنسا‪ :‬إنسه حالة‬
‫جماعسة مسسلحة تتقدم فسي النضال ضسد السسلطة القائمسة‪ ،‬سسواء أكانست اسستعمارية أم ل‪،‬‬
‫وت ستقر في مأرز‪ 16‬وح يد‪ ،‬وتنت شر في الو ساط الريف ية‪ .‬ومه ما كان البناء الفكري الذي‬
‫يلهم النضال‪ ،‬فإن أمنية امتلك الرض هي ما يؤلف أساسه القتصادي‪.‬‬
‫بدأت صين ماوتسي تونغ في الجنوب بنضال نَوَى عمالية منيت بالهزيمة وأشرفت‬
‫على البادة‪ .‬إنهسا لم تترسسخ وتشرع فسي سسيرها الصساعد إل بعسد المسسيرة الكسبرى فسي‬
‫مقاطعة يونّان‪ ،‬عندما استندت إلى الرياف واعتمدت الصلح الزراعي أساسا لمطالبها‪.‬‬
‫وكان نضال هوشسي منسه فسي الهنسد الصسينية يسستند إلى الفلحيسن زارعسي الرز الذيسن‬
‫يضطهدهم النير الستعماري الفرنسي‪ ،‬وأخذ هذا النضال يتقدم بمؤازرة هذه القوى حتى‬
‫هزم ال ستعماريين‪ .‬و في كل الحال ين‪ ،‬وعلى الر غم من المعتر ضة ال تي شكلت ها الحرب‬
‫الوطنية ضد المعتدين اليابانيين‪ ،‬فإن الساس القتصادي‪ ،‬وهو النضال من أجل الرض‪،‬‬
‫لم يختفسِ‪ .‬وفسي حالة الجزائر‪ ،‬فإن اسستثمار مليون مسستعمر فرنسسي لراضسي الجزائر‬
‫القابلة للزراعة كلها تقريبا‪ ،‬هو الملحق القتصادي بالفكرة العظيمة للقومية العربية‪ .‬وفي‬
‫بلدان أخرى مثسل بورتوريكسو‪ ،‬حيسث لم تسسمح الظروف الخاصسة بهذه الجزيرة بنشوء‬
‫حرب الغوار‪ ،‬فإن الروح القومسي الذي يجرحسه التمييسز كسل يوم أبلغ الجراح‪ ،‬يقوم على‬
‫تطلع الفلح (وإن تسم اسستكداحه‪ 17‬فسي أحيان كثيرة) إلى الرض التسي سسلبه إيا ها الغزاة‬
‫اليانكي‪ 18‬وكانت هذه الفكرة المركزية ذاتها‪ ،‬في ظروف مختلفة‪ ،‬هي التي تلهب صغار‬

‫‪16‬‬

‫المأرز‪ :‬مكان العتصام‪ ،‬المنطقة التي تتخذها الثورة قاعدة تقيم فيها الحكم قبل غيرها وتستند إليها‬

‫وتنطلق منها لمقاومة تضاد الثورة‪( .‬المنطقة القاعدية‪ ،‬القاعدة)‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫استكداح النسان‪ :‬تحويله إلى حال الطبقة الكادحة‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫اليانكي‪ :‬كناية عن سكان الوليات المتحدة المريكية‪ ،‬بمظهرهم الستعماري تجاه الشعوب الخرى‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫المالكيسن‪ ،‬والفلحيسن‪ ،‬والعبيسد‪ ،‬فسي مزارع كوبسا الشرقيسة‪ ،‬عندمسا تنادوا للدفاع معا عسن‬
‫حقهم في امتلك الرض إبان حرب التحرر ذات العوام الثلثين‪.19‬‬
‫وعلى الر غم من المميزات الخا صة ال تي تج عل من حرب الغوار نمطا من الحرب‬
‫صنٍ‬
‫محددا بدقة‪ ،‬فإن هذه الحرب‪ ،‬بالنظر إلى إمكانات تطورها وتحولها إلى حرب تحا ُ‬

‫‪20‬‬

‫عن طر يق تزا يد الجما عة العاملة ال صلية‪ ،‬يم كن اعتبار ها نط فة أو شكلً بدائيا لحرب‬
‫التحا صُن‪ ،‬وتت بع إمكانات ات ساع حرب الغوار وتحوير ها وتحويل ها إلى حرب تحا صن‪،‬‬
‫وضوحا‪ ،‬إلى إمكان هزم العدو في كل معركة تُخاض وكل قتال وكل مناو شة‪ .‬إنه مبدأ‬
‫أ ساسي‪ ،‬إذا ل يُخاض غمار أي معر كة أو قتال أو مناو شة ما لم ت كن مظفرة بالتأك يد‪.‬‬
‫يقول تعريسف سسيىء النيسة إن "المغاور هسو يسسوعي‪ 21‬الحرب"‪ .‬يعنسي هذا أن العناصسر‬
‫الجوهريسة فسي الغوار هي المفاجأة والخداع والعمسل الليلي‪ .‬واضسح أنسه نوع خاص مسن‬
‫اليسوعية‪ ،‬تسببه الظروف التي ترغم المرء أحيانا أن يتبنى سلوكا يخالف مفاهيم الرواء‬
‫والمباراة الرياضية التي يريدون حملنا على العتقاد أن الحرب تمارس وفقها‪.‬‬
‫الحرب هي دوما صراع ي سعى كل خ صم ف يه لفناء ال خر‪ .‬وللو صول إلى ذلك‬
‫يلجأ‪ ،‬إضافة إلى القوة‪ ،‬لكافة الساليب‪ ،‬كافة الحيل الممكنة‪.‬‬
‫ول تعدو الريادة والمهانة‪ 22‬أبدا إيضاح الهداف التسي ارتسسمها كسل مسن الخصسمين‬
‫لنف سه‪ ،‬والو سائل ال تي ي ستعملنها لبلوغ الهداف‪ .‬وتشت مل هذه الو سائل على ا ستعمال‬
‫كا فة نقاط الض عف لدى العدو‪ .‬فإذا ما حلّل المرء واحدة من حروب التحا صُن ل حظ أن‬
‫‪19‬‬

‫خاض الشعب الكوبي حروبا طوال القرن التاسع عشر للتحرر من الستعمار السباني‪ ،‬كانت تغرق‬

‫كل مرة بالدماء‪ .‬وأهمها هي حرب التحرر الكبرى التي دامت ثلثين عاما‪ ،‬بين ‪ 1868‬و ‪ ،1898‬وأنتهت‬
‫بزوال السيطرة السبانية عن كوبا‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫حرب التحاصُن‪ :‬شكل حرب النهجية بين الجيوش النظامية‪ ،‬حيث يسعى كل من الفريقين إلى تحصين‬

‫نفسه والستيلء على حصن عدوه‪ .‬ويظهر هذا الشكل من الحرب بالنسبة للجيش الثوري في المرحلة‬
‫الثالثة من الحرب الشعبية الثورية‪( .‬حرب المواضع‪ ،‬حرب الخنادق)‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫نسبة إلى الرهبنة اليسوعية (الجزويت أو "جمعية يسوع")‪ ،‬التي يعزى إليها مثل ذلك‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫المهانة‪ :‬جملة الوسائل والفنون الخاصة بمهنة أو صناعة‪( .‬التكنيك‪ ،‬التكنولوجيا)‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫كسل سسرية فيهسا مأخوذة على انفراد يتميسز عملهسا بمميزات حرب الغوار ذاتهسا‪ :‬تأثيسر‬
‫المفاجأة‪ ،‬الخداع‪ ،‬العمل الليلي‪ .‬وإذا لم تستعمل هذه الصيالة‪ ،‬فمرد ذلك إلى تعذر مداهمة‬
‫العداء الساهرين‪ .‬ولما كانت الغوارة بحد ذاتها جماعة مسلحة وإن ثمة مناطق واسعة‬
‫ل يراقبها العدو‪ ،‬فيمكن إحداث تأثير المفاجأة دوما‪ ،‬ومن واجب المغاوير أن يفعلوا ذلك‪.‬‬
‫"عضس واهرب"‪ ،‬وهسو صسحيح‪ .‬عسض‬
‫ّ‬
‫إنهسم يصسفون عمسل المغاور ذمّا بقولهسم‪:‬‬
‫عدْ ثانية ع ضّ واهرب مرة أخرى وهكذا دواليك‪ ،‬دون أن تترك‬
‫واهرب‪ ،‬تريّث‪ ،‬راقب‪ُ ،‬‬
‫للعدو راحسة‪ .‬يبدو فسي الظاهسر أن هذه التراجعات‪ ،‬هذا الرفسض للقتال الجبهسي‪ ،‬تؤلف‬
‫موقفا سلبيا‪ ،‬إل أن ها في الوا قع نتائج الريادة العا مة لحرب الغوار‪ ،‬ال تي تطا بق غايت ها‬
‫النهائية غاية كل حرب‪ :‬الظفر وإفناء العدو‪.‬‬
‫من الثابت أن حرب الغوار تؤلف أحد أطوار الحرب‪ ،‬فل يستطيع هذا الطور وحده‬
‫أن يؤدي إلى الظ فر‪ .‬إ نه أ حد الطوار الولى من الحرب‪ ،‬و سوف يتطور ح تى يكت سب‬
‫الج يش الثائر‪ ،‬إبان نموه الم ستمر‪ ،‬مميزات ج يش نظا مي‪ .‬يكون قد ته يأ ع ند ذلك لن‬
‫يكيسل الضربات النهائيسة للعدو وأن يظفسر‪ .‬فإذا كان النضال فسي البدء مسن شأن غوّارة‬
‫واحدة‪ ،‬فالظفر سيكون دائما من شأن جيش نظامي‪.‬‬
‫ومثل ما ينب غي في الحرب الحدي ثة‪ ،‬أن ل يموت اللواء قائد فر قة على رأس جنوده‪،‬‬
‫ينبغي كذلك للمغاور الذي هو لواء نفسه‪ ،‬أن يصون حياته‪ .‬إنه مستعد لعطائها‪ ،‬غير أن‬
‫الوجه اليجابي من حرب الغوار هو بالدقة أن كل مغاور مستعد للموت ليس دفاعا عن‬
‫مثسل أعلى‪ ،‬بسل لتحويسل المثسل العلى إلى حقيقسة‪ .‬هذه هسي قاعدة نضال الغوار وعيسن‬
‫جوهره‪ :‬إنها المعجزة التي تجترح ها جماعة صغيرة من الر جل‪ ،‬و هم الطليعة الم سلحة‬
‫للجمهرة الشعبيسة الكسبرى التسي تؤازرهسم‪ ،‬إذ يتطلعون إلى مسا وراء الهدف الصسيالي‬
‫المباشسر‪ ،‬ويجهدون بثبات لتحقيسق مثسل أعلى‪ ،‬لهدم البنيان القديسم‪ ،‬لقامسة مجتمسع جديسد‬
‫وإحقاق العدالة الجتماعية أخيرا‪.‬‬
‫وإذا ما نظر نا لل مر من هذه الزاو ية‪ ،‬فإن كل ما كان مدعاة لحكام مشو بة بالذم‪،‬‬
‫ي ستنير بنور جد يد وي جد تبريره في عظمة الغا ية التي ي صبو إلي ها المغاو ير‪ .‬فل يس في‬
‫‪43‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ال مر و سائل ملتو ية لبلوغ ها‪ .‬فهذا ال سلوك في النضال الذي ي جب أن ل يخ بو لح ظة‪،‬‬
‫وهذه الصسرامة فسي مواجهسة المسسائل الكسبرى المرتبطسة بالهدف النهائي‪ ،‬همسا عظمسة‬
‫المغاوير‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪2‬‬

‫– ريادة حرب الغوار‬

‫يُق صد بالريادة‪ ،‬في ال صطلح الع سكري‪ ،‬تحل يل الهداف ال تي ي جب بلوغ ها‪،‬تبعا‬
‫لوضع عسكري عام‪ ،‬والوسائل المؤدية إلى هذه الهداف‪.‬‬
‫ولتقديسر الريادة تقديرا صسحيحا‪ ،‬مسن وجهسة نظسر حرب الغوار‪ ،‬يلزم القيام بتحليسل‬
‫أ ساسي ل سلوك العدو‪ .‬فإذا ما ات ضح أن الهدف النهائي للج يش النظا مي هو إفناء القوى‬
‫ل نهجيا ينب غي للعدو أن‬
‫المعاد ية له‪ ،‬فإن حربا أهل ية من هذا الن مط تم ثل ال مر ل نا تمثي ً‬
‫يعمسد إلى إفناء كافسة أعضاء الغوارة إفناءً شاملً‪ .‬وبالمقابسل ينبغسي للمغاور أن يحلل‬
‫الوسائل التي يعتد بها العدو لدراك هذا الحل‪ ،‬الوسائل التي يستطيع العدو اعتمادها من‬
‫رجال‪ ،‬وجؤول‪ ،23‬وتأييسد شعسبي‪ ،‬وتسسلح‪ ،‬وحسسن قيادة ينبغسي ان تتكيسف ريادتنسا‬
‫باسستنتاجات هذا التحليسل‪ ،‬دون أن تُسسقِط مسن اعتبارهسا أبدا أن الهدف النهائي هسو إنزال‬
‫الهزيمة بالعدو‪.‬‬
‫ثمسة أوجسه أسساسية ينبغسي درسساتها‪ ،‬مثلً‪ :‬السسلح‪ ،‬وكيفيسة اسستعماله‪ ،‬والتحليسل‬
‫المضبوط لدر جة فعال ية دبا بة أو طائرة في صراع من هذا النوع‪ ،‬والب حث عن معر فة‬
‫أسسلحة العدو وذخائرة وعاداتسه‪ .‬فالسسلح الموجود لدى العدو هسو بالضبسط منبسع تمويسن‬
‫الغوار وإذا أم كن الختيار‪ ،‬في سفضل ن مط ال سلح الذي ي ستخدمه الج يش النظا مي‪ ،‬لن‬
‫أكبر أعداء الغوار هو فقدان الذخيرة‪ ،‬وهو ما ينبغي تداركه من العدو ذاته‪.‬‬
‫بعد تحليل وتدريج الهداف التي يجب بلوغها‪ ،‬يلزم تحديد المراحل لتحقيق الهدف‬
‫النهائي‪ ،‬و هي مرا حل يو ضع توقّ ع ب ها‪ ،‬إل أن ها تتعدل إبان ال صراع وتتك يف بالظروف‬
‫غير المتوقعة التي يحتمل نشوؤها‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الجؤول‪ :‬قابلية الحركة والمجاولة‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الش يء الجوهري بالن سبة للمغاور‪ ،‬في الطور الول‪ ،‬هو أن ل يدع نف سه ُيبَاد‪ .‬من‬
‫ثسم ورويدا‪ ،‬يزداد يُسسرا لعضاء الغوارة أو الغوارات المختلفسة أن يتكيفوا بطراز الحياة‬
‫هذا ويعتادوا الهروب بسسهولة وتخليسف القوى المرسسلة فسي أعقابهسم‪ .‬بعسد بلوغهسم هذا‬
‫الهدف‪ ،‬الذي يتم سوية مع اتخاذ المواقع التي تعصم المغاوير من أن تطالهم يد العدو (أو‬
‫مع النجاح في تأليب‪ 24‬قوى كافية ل َفلّ عزيمة العدو من أي هجوم)‪ ،‬ينبغي الشروع عندئذ‬
‫بإضعاف العدو تدريجا‪ .‬أولً في أقرب المكنة إلى مواضع المكافحة العنيفة ضد الغوار‪،‬‬
‫ثسم فسي أرض العدو‪ ،‬بمهاجمسة مواصسلته‪ ،‬وإرهاق مآرِز عملياتسه أو مآرِزه المركزيسة‪،‬‬
‫والكثار من التخريب جهد المستطاع‪ ،‬تبعا للوسائل المتوفرة‪.‬‬
‫ينبغسي الضرب باسستمرار‪ .‬يجسب عدم ترك جندي العدو يغمسض جفنسه فسي منطقسة‬
‫العمليات‪ .‬يجب مهاجمة المخافر وتصفيتها بطريقة منهجية‪ .‬يجب إعطاء العدو النطباع‬
‫ل في الرض‬
‫شجِرة‪ ،‬ولي ً‬
‫بأنه مطوّق في كل لحظة‪ ،‬ويتم ذلك نهارا في الرض الوعرة ال َ‬
‫المنب سطة أو سهلة الم سلك للدوريات‪ .‬يقت ضي كل ذلك تعاون ال سكان تعاونا كليا‪ ،‬ك ما‬
‫يقت ضي معر فة كاملة بالرض‪ .‬يتبادر هذان الشرطان إلى الن ظر في كل دقي قة من حياة‬
‫المغاور‪ .‬لذلك ينبغسي إقامسة مراكسز دراسسة لمناطسق العمليات الحاليسة أو المسستقبلة‪،‬‬
‫والنهوض فسي الوقست ذاتسه بعمسل جماهيري كثيسف‪ ،‬مسع شرح دواعسي الثورة وغاياتهسا‪،‬‬
‫ونشر الحقيقة التي ل مراء فيها وهي أنه يستحيل‪ ،‬في النهاية‪ ،‬الظ فر على الشعب‪ .‬إن‬
‫من ل يشعر بهذه الحقيقة المطلقة ل يمكن أن يكون مغاورا‪.‬‬
‫يجب في البدء أن يحمل هذا العمل محمل الكتمان‪ .‬يجب أن يطلب من كل فلح من‬
‫كل فرد من المجت مع الذي نع مل ف يه‪ ،‬أن ل يبدي أي تعل يق ع ما يرى أو ي سمع‪ .‬وي تم‬
‫البحث في وقت لحق عن مساعدة السكان الذين تتوافر أمتن الضمانات عن إخلصهم‬
‫للثورة‪ .‬ويُسستخدمون مسن ثسم فسي مهمات الرتباط ونقسل البضائع أو السسلحة‪ ،‬ويفيدون‬
‫كأدِلء فسي المناطسق التسي يعرفونهسا‪ .‬ويمكسن الوصسول أخيرا إلى عمسل جماهيسر سسبق‬
‫تنظيمها في مناطق النشاط‪ ،‬وتكون نتيجته النهائية الضراب العام‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫التأليب‪ :‬جعل الناس إلبا واحدا‪.‬‬

‫اللب‪ :‬الجماعة المجتمعة على غاية واحدة ول سيما في الخصومة لفريق آخر‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الضراب عامل في المقام الول من الهمية في الحرب الهلية‪ .‬لكن الوصول إليه‬
‫يستلزم سلسلة من العوامل الثانوية‪ .‬وهذه العوامل ليست حاضرة دائما ول تتوفر بصورة‬
‫عفوية إل في حالت قليلة جدا‪ .‬ينبغي استحداثها بشرح دواعي الثورة‪ ،‬بالتدليل على قوة‬
‫الشعب الحقيقية وإمكاناته‪.‬‬
‫ويم كن ال ستعانة أيضا بجماعات معي نة‪ ،‬شديدة التجا نس‪ .‬فب عد أن تكون قد أثب تت‬
‫فعاليت ها في أعمال أ قل خطرا‪ ،‬تبدأ بأعمال التخر يب‪ .‬إ نه سلح ماض آ خر في حرب‬
‫الغوار‪ :‬يمكسن بسه إنزال الشلل بجيوش كاملة‪ ،‬والضراب فسي الحياة الصسناعية لحدى‬
‫المنا طق‪ ،‬وحرمان سكان مدي نة من الع مل والماء والمو صلت وإرغام هم على هجران‬
‫الشوارع إل في ساعات معينة‪.‬‬
‫فإذا مسا تسم التوصسل إلى ذلك تدنست معنويات العدو أكثسر فأكثسر‪ ،‬ومعهسا معنويات‬
‫وحداته المقاتلة‪ ،‬وتماثلت الثمرة إلى النضج لقطافها في اللحظة المرغوبة‪.‬‬
‫يفترض ذلك أن تكون الرض التسي أدركهسا نشاط الغوار قسد اتسسعت سسابقا‪ ،‬لكنسه‬
‫ل يبالغ أبدا في تو سيعها‪ .‬ي جب الحتفاظ دوما بمأرِز عمليات قوي والسستمرار‬
‫ينبغسي أ ّ‬
‫في توطيده طوال مدة الحرب‪ .‬ي جب تلق ين سكان المنط قة‪ ،‬والحتراز من أعداء الثورة‬
‫الِلدّة‪ ،‬واسستكمال كافسة الوسسائل الدفاعيسة البحتسة‪ ،‬دا خل هذه الرض‪ ،‬كالخنادق واللغام‬
‫والموصلت‪.‬‬
‫ومتسى بلغست الغوار قِواما ذا شأن مسن سسلح ورجال‪ ،‬عليهسا أن تجنسح إلى تشكيسل‬
‫أرتال جديدة‪ .‬وعلى نحو ما يحصل في خلية النحل‪ ،‬حيث تنفصل ملكة جديدة في وقت‬
‫معين‪ ،‬وتذهب في جزء من الثول‪ ،‬فإن الخلية الم في الغوارة‪ ،‬مع أهم قائد فيها‪ ،‬تمكث‬
‫في المنط قة ال قل خطرا‪ ،‬بين ما تتو غل الرتال الجديدة في منا طق عدوة أخرى‪ ،‬و فق‬
‫النهوج‪ 25‬الذي وصفناه‪.‬‬
‫ويأتسي وقست تصسبح فيسه الرض التسي تحتلهسا الرتال المختلفسة أصسغر مسن أن‬
‫تستوعبها‪ ،‬في حين توجه هذه الرتال قوى عاتية إبان تقدمها نحو المناطق التي يقبض‬
‫‪25‬‬

‫النهوج‪ :‬التقدم على نهج‪ .‬والمقصود به سير حادثة إبان تطورها‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫عليها العدو قبضا شديدا‪ .‬في هذه الحالة‪ ،‬تتألب الرتال‪ ،‬وتكافح في جبهة متراصة‪ ،‬فإذا‬
‫بهسا حرب تحاصسن‪ ،‬حرب جيوش نظاميسة‪ ،‬غيسر أن جيسش الغوار القديسم ل يسستطيع‬
‫النفصسال عسن مأرِزه‪ .‬ينبغسي عندئذ تشكيسل أرتال غواريسة جديدة وراء خطوط العدو‪،‬‬
‫تنهج مثل سابقتها وتتوغل شيئا فشيئا في هذه المنطقة الجديدة حتى تسيطر عليها‪.‬‬
‫وبذلك نصسل على مرحلة الهجوم‪ ،‬محاصسرة المواضسع‪ ،‬وإنزال الهزيمسة بإمدادات‬
‫العدو‪ ،‬ن صل على نشاط الجماه ير المتزا يد شدّ ًة كل يوم في سائر أرجاء الو طن‪ ،‬وإلى‬
‫هدف الحرب النهائي‪ :‬الظفر‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪3‬‬

‫– صيالة حرب الغوار‬

‫الصيالة هي الوسيلة العملية لمتابعة الهداف الريادية الكبرى‪.‬‬
‫إن ها مت مم الريادة و هي‪ ،‬على ن حو ما‪ ،‬وضع ها مو ضع التنف يذ‪ .‬فالو سائل ال صيالية‬
‫أكثر قابلية للتحول وأكثر مرونة بكثير من الهداف النهائية‪ ،‬وعليها أن تتكيف بكل واحد‬
‫مسن ظروف الصسراع‪ .‬وخلل حرب واحدة‪ ،‬توجسد ثمسة أهداف صسيالية ثابتسة وأخرى‬
‫متحولة‪ .‬وينبغي قبل كل شيء مراعاة تصويب نشاط الغوّارة على نشاط العدو‪.‬‬
‫جؤول الغوارة هو مائزتها‪ 26‬الساسية‪ ،‬وهو يسمح لها أن تصل بدقائق معدودة بعيدا‬
‫عن مكان العمل‪ ،‬وإذا لزم المر‪ ،‬أن تغدو في بضع ساعات بعيدة عن منطقة العمليات‪،‬‬
‫فيت يح ل ها ذلك أن تغ ير جبهت ها با ستمرار وتتج نب كل تطو يق‪ .‬وح سب أطوار الحرب‬
‫المختلفسة‪ ،‬تسستطيع الغوارة أن تمارس التراجسع فقسط للفلت مسن الطوق‪ .‬التطويسق هسو‬
‫الو سيلة الوحيدة لرغام الغوارة على خوض معر كة حا سمة تكون غ ير مؤات ية ل ها على‬
‫نحو بليغ‪ .‬كما يمكّن الغوارة أيضا أن تخوض قتالت لتضاد التطويق‪ :‬يدع فريق صغير‬
‫من الرجال نفسه ليطوقه العدو في الظاهر‪ ،‬بينما يجد العدو نفسه فجأة وقد طوقته قوى‬
‫تفو قه عدّا‪ .‬أو يُ ستخدَم الفر يق ال صغير من الرجال المتح صّن في مو ضع من يع‪ ،‬كط عم‪،‬‬
‫بينمسا يتسم تطويسق وإبادة العتاد وكافسة الجنود التيسن لنجدة الجيسش النظامسي‪ .‬تسسمى هذه‬
‫الحرب الجائلة "مينوي تو" ت شبيها ل ها بالرق صة ال تي تح مل ال سم ذا ته‪ .‬يحا صر المغاو ير‬
‫ل عدوا إبان ال سير‪ ،‬واضع ين خم سة أو ستة رجال في كل من الجهات الر بع‪،‬‬
‫مثلً رت ً‬
‫بعيد ين عن بعض هم بعضا بكفا ية ل كي ل يقعوا في التطو يق‪ .‬تبا شر إحدى هذه الز مر‬
‫القتال‪ .‬فيتركز الرتل العدو عليها تلقائيا‪ .‬يتراجع هؤلء المغاوير وعندئذ‪ ،‬مع بقائهم في‬
‫‪26‬‬

‫المائزة‪ :‬الخاصة المميزة‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫تماس بالعدو ويبدأ الهجوم ثانية من زمرة أخرى‪ ،‬فيجدد الجيش حركته السابقة ويتراجع‬
‫المغاو ير ثان ية‪ .‬يم كن على هذا الن حو دون خ طر كبير‪ ،‬تجم يد ر تل عدو وجعله ي ستنفد‬
‫كمية كبيرة من الذخيرة وتحطيم معنوياته‪.‬‬
‫تطبق المهانة ذاتها في الليل‪ ،‬لكن بمزيد من القتراب‪ ،‬ومن الهجومية‪ ،‬لن التطويق‬
‫آنئذ أ صعب‪ .‬الع مل الليلي هو مائزة ها مة أخرى لحرب الغوار‪ :‬إ نه ي سمح بالتقدم أقرب‬
‫ما يم كن من الموا ضع المز مع مهاجمت ها‪ ،‬وبالتجول في المنا طق غ ير المعرو فة جيدا‬
‫ح يث تو جد مخا طر الوشا ية‪ .‬من المفهوم‪ ،‬نظرا لقلة العدد‪ ،‬أن هذه الهجمات ل بد من‬
‫وقوعها دوما بالمفاجأة‪ ،‬وهذا ما يهب تفوقا عظيما ويتيح للمغاوير إنزال الخسائر بالعدو‬
‫دون مقا بل في صفوفهم‪ .‬ف في قتال ي قف ف يه مئة ر جل في جا نب وعشرة في الجا نب‬
‫الخر‪ ،‬ل يمكن أن تتعادل الخسائر‪ .‬خسائر العدو قابلة التعويض في كل لحظة‪ ،‬وهي‪،‬‬
‫إذا استرسلنا في مثالنا‪ ،‬توافق ‪ % 10‬من العدد‪ .‬أما خسائر الغوارة فإن تعويضها يستلزم‬
‫وقتا أطول لن المغاور جندي ذو تخصسص عال وخسسارته تعادل ‪ % 10‬مسن مجموع‬
‫العدد‪.‬‬
‫ل يُترك جندي ميست مسن الغوار أبدا طريحا بسسلحه وذخيرتسه‪ ،‬ومسا أثمنهمسا فسي‬
‫النضال‪ .‬إن واجسب كسل مغاور‪ ،‬عندمسا يصسرع أحسد رفاقسه‪ ،‬هسو أن يسستعيد السسلح‬
‫والذخيرة‪ .‬فالعنا ية ال تي تبذل للذخيرة‪ ،‬والمدارة ال تي تحاط ب ها‪ ،‬ه ما بالض بط مم يز آ خر‬
‫لحرب الغوار‪ .‬فيمكسن فسي قتال بيسن غوارة وقوة نظاميسة‪ ،‬تحديسد هويسة الطرفيسن مسن‬
‫طريقتيهما في إطلق النار‪ :‬تركيز كبير للنار لدى الجيش النظامي‪ ،‬ورمي متباعد ودقيق‬
‫لدى المغاوير‪.‬‬
‫وقد حدث أن أحد أبطالنا‪ ،‬وهو متوفى الن‪ ،‬قد استعمل رشاشه حوالي خمس دقائق‬
‫دون مباعدة ب ين الرشّات‪ ،‬فاختلط ال مر على قوات نا من جراء هذه الوهازة‬

‫‪27‬‬

‫في الر مي‬

‫التسي حملتهسم على الظسن أن ذلك الموضسع المفتاح قسد سسقط فسي أيدي العدو‪ .‬إنهسا إحدى‬
‫المناسبات النادرة التي لم نحاول فيها توفير الذخيرة‪ ،‬نظرًا لهمية النقطة المدافع عنها‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫‪50‬‬

‫الوهازة‪ :‬شكل الخطو‪ ،‬المشية‪( .‬الوتيرة)‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫هناك مائزة جوهرية أخرى للمغاور‪ ،‬هي قابليته للتكيف بكل الظروف ولتحويل كل‬
‫الحوادث العارضسة إلى عناصسر مؤاتيسة‪ .‬فالمغاور‪ ،‬إزاء جمود طرائق القتال النهجيسة‪،‬‬
‫يرتجل صيالته في كل لحظة من النضال ويفاجىء العدو باستمرار‪.‬‬
‫إن مواضع المغاور هي مطاطة قبل كل شيء‪ .‬إنها نقاط محددة ل يستطيع العدو أن‬
‫يجوز ها‪ ،‬ونقاط إلهاء‪ .‬كثيرا ما تل حظ الده شة تعتري العدو عند ما ي تبين له‪ ،‬من ب عد‬
‫تقدمه بانتظام واجتيازه المعاثر بسهولة‪ ،‬أنه قد أوقف فجأة وتعذر عليه السير ُقدُما‪ .‬مرد‬
‫ذلك إلى أن المغاويسر يتخذون مواضسع ل تُنَال‪ ،‬إذا مسا أتيسح لهسم إجراء دراسسة جديسة‬
‫للرض‪ .‬ليس المهم هو عدد المهاجمين‪ ،‬بل المهم عدد المدافعين‪ .‬فإذا كان عددهم كافيا‬
‫أمكن هم أن يقوموا كتي بة‪ ،‬والنجاح حليف هم في أغلب الحيان‪ ،‬إن لم ن قل دائما‪ .‬إن مه مة‬
‫القادة ال كبرى هي الحكمة في اختيار المكان والزمان اللذين يمكن الدفاع فيه ما عن أ حد‬
‫المواضع حتى النهاية‪.‬‬
‫تختلف مِهانسة الهجوم هسي الخرى بالنسسبة للغوارة‪ :‬يبدأ الهجوم مفاجئا‪ ،‬حانقا‪ ،‬ل‬
‫يرحم‪ ،‬ليتجمد بغتة في سلبية مطبقة‪ .‬يتماثل من بقي حيا من العداء إلى الطمئنان‪ ،‬ظنا‬
‫منهسم أن العدو قسد انقلع‪ ،‬فيرتاحون ويعودون إلى حياة منتظمسة داخسل الثكنسة أو المدينسة‬
‫المحا صرة‪ ،‬فإذا بهجوم جد يد ينف جر‪ ،‬في نق طة أخرى‪ ،‬مت صفا بالموائز عين ها‪ .‬هذا في‬
‫حيسن تقبسع معظسم قوى الغوارة تراقسب نجدات العدو المحتملة‪ .‬وقسد يُشسن هجوم عنيسف‬
‫أحيانا على مخ فر يحرس حيا في سقط ب ين أيدي المغاو ير‪ .‬المفاجأة وال سرعة ه ما الش يء‬
‫الجوهري في الهجوم‪.‬‬
‫إن أعمال التخر يب ذات أهم ية عظي مة جدا‪ .‬ينب غي التمي يز بوضوح ب ين التخر يب‬
‫كوسيلة ثورية عالية النجاعة وبين الرهاب وهو وسيلة يغلب عليها عدم النجاعة بصورة‬
‫عا مة و هي ذات نتائج ل يم كن التن بؤ ب ها‪ ،‬وكثيرا ما تحدث ضحا يا ب ين الناس البرياء‪،‬‬
‫وتكلف عددا كسبيرا مسن الرواح المفيدة للثورة‪ .‬يمكسن اعتبار الرهاب وسسيلة مقبولة إذا‬
‫استخدم لمعاقبة قائد مرموق من قوى الضطهاد‪ ،‬إشتهر ببغيه وبفعاليته في القمع وعُرف‬

‫‪51‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫أن ثمة فائدة في إزالته من الوجود‪ .‬ولن يلجأ أبدا إلى إعدام أفراد قليلي الهمية‪ ،‬يستتبع‬
‫موتهم مزيدا من القمع‪.‬‬
‫هناك نقطة يختلف حولها كثيرون في تقدير الرهاب‪ .‬يعتبر بعضهم أن مجرد إثارة‬
‫الضطهاد المباحثي واستمضائه يعيق كل اتصال علني إلى حد ما – أو نصف سري –‬
‫مع الجماهير‪ ،‬فيجعل إعادة تأليب الجماهير مستحيلة‪ ،‬من أجل اعمال تضحى ضرورية‬
‫في حينها‪ .‬هذا صحيح بحد ذاته‪ .‬ولكنه يتفق خلل حرب أهلية‪ ،‬ولدى سكان معينين‪ ،‬أن‬
‫يكون القمع قد بلغ مبلغا من الشدة ينتفي معه في الواقع أي نوع من العمال الشرعية‪.‬‬
‫يسستحيل العمسل الجماهيري عندئذ مسا لم يكسن مدعوما بالسسلح‪ .‬ينبغسي إذا إعارة اهتمام‬
‫كبير لختيار الو سائل ال تي ستتّبع‪ ،‬وتحل يل النتائج المؤات ية ال تي يم كن أن تجر ها هذه‬
‫الوسسائل على الثورة‪ .‬فالتخريسب‪ ،‬بكسل حال‪ ،‬هسو دوما مسن أمضسى السسلحة إذا أُحسسِن‬
‫استعماله‪ .‬يجب عدم استخدامه لتعطيل وسائل إنتاجية تدع قطاعا من السكان مشلول‪ ،‬أي‬
‫تحدث البطالة‪ ،‬دون أن تشل حركة المجتمع المنتظمة‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬فمن المضحك مثلً‬
‫تخريب معمل للمرطبات‪ ،28‬بينما يكون تخريب مركز كهربائي ناجعا ومنصوحا به‪.‬‬
‫ففسي الحالة الولى يحصسل ترحيسل بضعسة عمال‪ ،‬لكسن ذلك ل يغيسر مجرى الحياة‬
‫ال صناعية في ش يء‪ .‬أ ما في الحالة الثان ية‪ ،‬فيح صل ترح يل العمال أيضا‪ ،‬إلّ أ نه ي جد‬
‫تبريره الكامل في الشلل التام لحياة المنطقة‪ .‬سوف نعود في ما بعد إلى مِهانة التخريب‪.‬‬
‫الطيران سلح ذو حظوة في الجيش‪ ،‬لكن ليس له عمل حقيقي في الطور الول من‬
‫حرب الغوار‪ ،‬عندمسا يكون الرجال قلة مبعثرة فسي منطقسة وعرة‪ .‬يغدو الطيران ناجعا‬
‫عندما يخرب بصورة منهجية وسائل الدفاع المنظمة والمرئية‪ ،‬وليس هذا واقعا في نمط‬
‫حرب نا‪ .‬إ نه نا جع أيضا أثناء سير الرتال‪ ،‬في الرض ال سهلة أو رديئة الوقا ية‪ ،‬ولك نه‬
‫يمكسن اسستبعاد هذه المسسألة بسسهولة بإجراء السسير ليلً‪ .‬إن النقسل‪ ،‬على الطرق أو على‬
‫السسكك الحديديسة‪ ،‬هسو إحدى نقاط ضعسف العدو‪ .‬يسستحيل عمليا مراقبسة طريسق أو سسكة‬
‫حديدية مترا مترا‪ .‬يمكن وضع شحنة كبيرة من المتفجرات في أي مكان‪ ،‬فتعطل السبيل‪،‬‬
‫‪28‬‬

‫‪52‬‬

‫صناعة المرطبات صناعة تصديرية هامة جدا في كوبا‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫أو تنفجر عند مرور ناقلة‪ 29‬عليها‪ ،‬فتحدث بالضافة إلى تعطيل السبيل خسارة كبيرة في‬
‫الرجال والعتاد‪.‬‬
‫مصادر المتفجرات متنوعة جدا‪ :‬يمكن استقدامها من الخارج‪ ،‬واستعمال القنابل التي‬
‫أطلق ها العدو ولم تنف جر‪ ،‬أو صناعتها في معا مل خف ية دا خل منط قة الغوار‪ .‬والمِهانات‬
‫المتبعة لتفجيرها متنوعة أيضا‪ .‬وتتعلق صناعة المتفجرات كذلك بظروف الغوارة‪.‬‬
‫كنا نصنع في معاملنا البارود ونستخدمه كمتفجر‪ ،‬وقد اخترعنا عدة أجهزة لتفجير‬
‫هذه اللغام في الوقت المرغوب‪ .‬كانت أفضل النتائج تحصل من الجهزة الكهربائية‪ .‬إلّ‬
‫أن أول لغسم فجرناه كان قنبلة ألقتهسا طائرات العدو‪ ،‬وقسد حشوناهسا بمتفجرات مختلفسة‪.‬‬
‫أ سنِدَت هذه القنبلة ببندقيسة ربسط بزناد ها مرس‪ .‬فل ما مرت مدرعسة عدوة شدد نا المرس‬
‫ففجرت الطلقة القنبلة‪.‬‬
‫يمكن إتقان هذه المِهانات إلى حد بع يد‪ ،‬وقد علم نا أن هم في الجزائر مثلً ي ستعملون‬
‫حاليا ضد الح كم ال ستعماري الفرن سي‪ ،‬ألغاما م سيرة عن ب عد تنف جر على م سافة كبيرة‬
‫من نقطة إطلقها باللسلكي‪.‬‬
‫إن الختباء فسي الدروب لتفجيسر اللغام ثسم إبادة مسن يبقسى حيا هسو مهانسة عظيمسة‬
‫المردود للتمون بالسسلح والذخيرة‪ ،‬لنسه ل يبقسى للعدو وقست لسستخدامها ول للهروب‪،‬‬
‫فيمكن بلوغ نتائج ذات شأن باستعمال ذخيرة ضئيلة جدا‪.‬‬
‫تضطر هذه العمال المرهقة العدو إلى تعديل صيالته‪ .‬وسوف يطفق يجري تنقلته‬
‫بأرتال آل ية حقيق ية ول يس في ناقلت منفردة‪ .‬إلّ أ نه يم كن‪ ،‬إذا أح سن اختيار الرض‪،‬‬
‫الو صول إلى ذات النتي جة‪ ،‬بتقط يع أو صال الر تل وترك يز القوى على ناقلة واحدة م نه‪.‬‬
‫ينبغسي فسي هذه الحالة عدم التجاوز عسن العناصسر الجوهريسة لصسيالة حرب الغوار‪:‬‬
‫المعروفة الكاملة بالرض‪ ،‬ومراقبة سبل التملّص وكافة الدروب الثانوية‪ ،‬ومعرفة سكان‬
‫المنط قة وحيازة تأييد هم الكا مل من أ جل التمو ين والن قل وإيواء الرفاق الجر حى خفيةً‪،‬‬

‫‪29‬‬

‫الناقلة‪ :‬كل عربة تفيد في نقل الشخاص والشياء‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫بصورة مؤقتة أو دائمة‪ ،‬وأخيرا‪ ،‬التفوق العددي في نقطة معينة‪ ،‬وقابلية عظيمة للجؤول‪،‬‬
‫وتوفر الحتياطات‪.‬‬
‫فإذا مسا اجتمعست كسل هذه الشروط‪ ،‬أعطسى الهجوم المفاجىء على سسبل مواصسلت‬
‫العدو نتائج ذات شأن‪.‬‬
‫يؤلف المو قف الوا جب التزا مه تجاه ب ني الن سان كا فة عن صرا جوهريا في صيالة‬
‫الغوار‪ .‬إن كيف ية معاملة العدو ها مة ب حد ذات ها‪ :‬ي جب أن يكون الهجوم صارما ل هوادة‬
‫فيسه‪ ،‬ومثله الموقسف إزاء كافسة العناصسر الحقيرة التسي تتعاطسى الوشايسة والغيلة‪ .‬إل أنسه‬
‫ينبغي التوسع في الرحمة جهد المستطاع إزاء الجنود الذين يذهبون للقتال قياما – أو ظنا‬
‫من هم أن هم يقومون – بواجب هم الع سكري‪ .‬ل أ سرى ع ند عدم وجود مآرِز عمليات كبيرة‬
‫أو أمك نة مني عة‪ .‬ي جب عندئذ إعادة الحر ية إلى الباق ين أحياء‪ ،‬ومعال جة الجر حى من هم‬
‫بكا فة الوسائل الممكنة‪ .‬يجب أن يرت كز ال سلوك نحو ال سكان المدنيين على احترام كبير‬
‫لكافسة تقاليسد وعادات أهالي المنطقسة‪ ،‬للتدليسل العملي على تفوق المغاور أخلقيا على‬
‫الجندي المضطهِد‪ .‬و في ما عدا حالت خا صة‪ ،‬ينب غي عدم إجراء العدالة مجرا ها دون‬
‫إعطاء المذنب إمكان الدفاع عن نفسه‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪4‬‬

‫– الحرب في الرض المؤاتية‬

‫قلنا في ما سبق إن نضال الغوار لن يجري دائما في الرض الكثر مؤاتاة لتطبيق‬
‫صيالة الغوار‪ .‬إلّ أن الصيالة العامة يجب أن تكون هي هي دائما‪ ،‬قائمة على المسلّمات‬
‫الساسية لحرب الغوار‪ ،‬عندما يوجد الفريق المغاور في مناطق صعبة المسالك‪ ،‬كالجبال‬
‫الشجِرة أو الوعرة‪ ،‬أو القفار الممتنعة على السير‪ ،‬أو المرازغ‪.30‬‬
‫النقطة المهمة هي‪ :‬ك يف العثور على التماس بالعدو؟ ك يف الشتباك به؟ فإذا كانت‬
‫المنط قة متا هة للج يش النظا مي مناوئة له لدر جة أ نه ل ي ستطيع دخول ها ينب غي أن تتقدم‬
‫الغوّارة حتى المناطق السالكة بالنسبة للجيش النظامي‪ ،‬حيث يمكن القتال‪.‬‬
‫وم تى انق ضى الطور الول‪ ،‬و مذ أن تؤ من الغوارة أود ها‪ ،‬علي ها أن تقا تل‪ .‬علي ها‬
‫لهذه الغاية أن تخرج باستمرار من ملجئها‪ ،‬لكن ليس لزاما أن تكون عظيمة الجؤول كما‬
‫في الرض غ ير المؤات ية ل ها‪ .‬ي جب أن تتك يف بظروف العدو‪ ،‬لكن ها ل تحتاج أن تتن قل‬
‫ك ما في الرا ضي ال تي ي ستطيع العدو أن يح شد في ها سريعا عددا كبيرا من جنوده‪ .‬ول‬
‫يتحتم أن تكون العمليات ليلية‪ .‬وفي حالت كثيرة‪ ،‬يمكن القيام بالعمليات نهارا‪ ،‬ول سيما‬
‫التنقسل‪ .‬يتعلق كسل ذلك طبعا بيقظسة العدو‪ ،‬برا وجوا‪ .‬ويمكسن أن يطول أمسد القتال‪ ،‬ول‬
‫سسيما فسي الجبسل‪ .‬ويمكسن القيام بقتالت طويلة المسد بعناصسر ضئيلة‪ ،‬ويُرجّحس جدا أن‬
‫يُستطاع منع وصول نجدات العدو إلى ميدان العمليات‪.‬‬
‫إن مراقبسة المسسالك هسي قاعدة ل يجوز أن ينسساها المغاور أبدا‪ .‬إلّ أن مصساعب‬
‫العدو في تلقي النجدات هي بالذات ما يزيد من هجومية المغاور‪ ،‬إذ يستطيع أن يدنو من‬

‫‪30‬‬

‫المرزغة‪ :‬الرض التي يكثر فيها الماء والوحل‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫العدو أك ثر‪ ،‬وأن يهاج مه بمز يد من المباشرة‪ ،‬وأن يقاتله جبهيا ول مد أطول‪ .‬يتعلق كل‬
‫ذلك طبعا بظروف شتَى‪ ،‬بكمية الذخيرة مثلً‪.‬‬
‫وعلى الر غم م ما للحرب في الرض المؤات ية‪ ،‬ول سيما في الج بل‪ ،‬من ح سنات‬
‫عديدة‪ ،‬ثمة محذور يعتريها هو كونها ل تسمح بالستيلء بعملية واحدة على كمية كبيرة‬
‫ل ينسسى‬
‫مسن السسلح والذخيرة‪ ،‬لن العدو يتخسذ احتياطات في مثسل هذه البقاع (ينبغسي أ ّ‬
‫المغاور أبدا أن العدو هسو مصسدر تموينسه بالسسلح والذخيرة)‪ .‬وبالمقابسل‪ ،‬فإن الغوارة‬
‫تستطيع أن تستقر في هذه الرض وتتحضر بسرعة أكبر منها في الرض غير المؤاتية‪،‬‬
‫لتنشىء مأرِزا مركزيا قادرا على الضطلع بحرب التحا صن‪ .‬إنها تستطيع أن تقيم في‬
‫هذه الرض المنشآت الصسغيرة التسي تحتاج إليهسا‪ ،‬وأن تحميهسا بالشكسل الملئم مسن أذى‬
‫الطيران والمدفعيسة بعيدة المدى‪ ،‬كالمشافسي ومراكسز التعليسم أو التدريسب‪ ،‬بالضافسة إلى‬
‫المخازن ووسائل النشر‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫لل‬
‫وتستطيع الغوارة في هذه الظروف أن تزيد من قوامها وتستطيع أن تضم رجا ً‬
‫يقاتلون‪ ،‬وح تى أن ت سدي التدر يب للذ ين سوف ي ستلمون ال سلح الذي سوف ي قع ب ين‬
‫أيديها في المستقبل‪.‬‬
‫يتبع عدد الرجال في الغوارة الواحدة لمقاييس مرنة‪ ،‬وفقا للمكان‪ ،‬وسهولة التموين‪،‬‬
‫وفرار الناس المضطهَديسن جماهيريا مسن المناطسق المجاورة‪ ،‬وتوفسر السسلح‪ ،‬وحاجات‬
‫المنظمة ذاتها‪ .‬ورفد المقاتلين الجدد هو بكل حال مما يسهل كثيرا عملية التحضر‪.‬‬
‫يمكسن أن يتسسع قطسر نشاط غوارة مسن هذا النمسط بقدر مسا تسسمح بذلك عمليات‬
‫الغوارات الخرى فسي المناطسق المجاورة‪ .‬غيسر أن هذا القطسر يحسد منسه الزمسن اللزم‬
‫ل ليلً‪ ،‬لن‬
‫للذهاب مسن مكان عمليسة إلى منطقسة آمنسة‪ .‬فإذا حسسبنا أن المسسير ل يجوز إ ّ‬
‫ت ستطيع الغوارة أن تقوم بعمل ية على أب عد من خ مس أو ست ساعات من نق طة أمان ها‬
‫الدنى‪ .‬وت ستطيع ز مر صغيرة من المغاوير أن تنت شر طبعا‪ ،‬منطلقة من منطقة المان‬
‫هذه‪ ،‬وتستشري تدريجيا في المنطقة المجاورة‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫إن السلحة ذات المدى البعيد والستهلك القليل من الذخيرة هي المنصوح بها لهذا‬
‫النمط من الحرب‪ .‬وتدعم بمجموعة من السلحة ذاتية الحركة أو نصف ذاتية الحركة‪.‬‬
‫و من جملة البنادق والرشيشات المتوفرة في ال سوق المريك ية الشمال ية‪ ،‬تجدر التو صية‬
‫ب صورة خا صة بالبندق ية م – ‪ 1‬ال سماة "غارا ند"‪ ،‬ال تي ينب غي أن ي ستعملها أناس على‬
‫جانب من الخبرة‪ ،‬إذ من محاذيرها أنها تستهلك كثيرا من الذخيرة‪ .‬ويمكن في الرض‬
‫المؤات ية ا ستخدام أ سلحة ن صف ثقيلة م ثل الرشاشات ذات المن صب الثل ثي‪ ،‬ال تي تو فر‬
‫لسدنتها مجال أمان أكبر‪َ .‬بيْ َد أنه ينبغي أن تكون دائما أسلحة للدفاع وليس للهجوم‪.‬‬
‫والمثل‪ ،‬من أجل غوارة قوامها خمسة وعشرون رجلً‪ ،‬هو وجود عشر إلى خمس‬
‫عشرة بندق ية من ذات الطل قة الواحدة‪ ،‬وحوالي عشرة ا سلحة ذات ية الحر كة‪ ،‬تتدرج من‬
‫"الغاراند" إلى المسدسات الرشاشة‪ ،‬تدعمها أسلحة ذاتية الحركة خفيفة وسهلة الحمل‪ ،‬مثل‬
‫الرشيشات "براوني نغ" أو ال س"ف‪ .‬أ‪ .‬ل‪ ".‬البلجيك ية وال س"م‪ "14 .‬وه ما أحدث نمطا‪ .‬و من‬
‫بيسن المسسدسات الرشاشسة‪ ،‬فإن ذات ‪ 9‬مسم هسي المفضلة لنهسا تسسمح بنقسل مزيسد مسن‬
‫الذخيرة‪ .‬وكل ما كان صنعها أب سط كل ما زاد الن صح ب ها ل سهولة تبد يل قطع ها في هذه‬
‫الحالة‪ .‬وبكسل حال‪ ،‬ينبغسي أن يكون التسسلح مماثلً لتسسلح العدو إذ أن الذخيرة التسي‬
‫يستخدمها هو‪ ،‬هي التي سوف نستخدمها نحن متى وقعت أسلحته في أيدينا‪ .‬وتهمل على‬
‫وجه العموم ال سلحة الثقيلة التي يمكن أن يستخدمها العدو فالطيران ل طائل له‪ ،‬لنعدام‬
‫الرؤية لديه‪ ،‬والدبابات والمدافع ل كبير جدوى منها لصعوبة التوغل التي تعترضها في‬
‫هذه المناطق‪.‬‬
‫التمويسن أمسر عظيسم الهميسة‪ .‬فللمناطسق الوعرة‪ ،‬على العموم‪ ،‬وبحكسم وعورتهسا‬
‫محاذير‪ ،‬إذ أن الفلحين (وبالتالي التموين المباشر بالمنتجات الزراعية واللحم) فيها قليلو‬
‫العدد‪ .‬ولجتناب فترات الضيسق المزعسج‪ ،‬ينبغسي الحتفاظ بطرق مواصسلت مسستقرة‬
‫لمكان التعويل باستمرار على حد أدنى من الزاد مخزون في أمكنة احتياطية‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وتقسل عموما فسي منطقسة العمليات هذه إمكانات التخريسب الواسسعة النطاق‪ .‬فهذه‬
‫المنطقة‪ ،‬بحكم قلة مسالكها‪ ،‬تقل فيها البنية والخطوط الهاتفية وأنابيب المياه التي يمكن‬
‫إلحاق الذى بها بالعمل المباشر‪.‬‬
‫ويكون من الم هم للتمو ين تو فر ب عض الدواب‪ ،‬وأكثر ها ملء مة هو الب غل‪ ،‬نظرا‬
‫لوعورة الرض‪( .‬و ينب غي تو فر مراع ت سمح بتغذ ية منا سبة)‪ .‬ي ستطيع الب غل أن يجتاز‬
‫أراض غا ية في الوعورة‪ ،‬ح يث يتعذر المرور لي دا بة أخرى‪ .‬و في حالت ال صعوبة‬
‫الق صوى ينب غي اللجوء على الن قل على ظهور الرجال‪ .‬ي ستطيع كل فرد أن ين قل حملً‬
‫زنته خمسة وعشرون كيلوغراما لعدة ساعات في اليوم‪ ،‬ولعدة أيام‪.‬‬
‫وينب غي أن تتض من طرق الموا صلت مع الخارج سلسلة من المحطات ح يث يقوم‬
‫أناس حائزون الثقسة الكاملة‪ ،‬على تخزيسن البضائع وخبسء عمال الرتباط‪ .‬كمسا يمكسن‬
‫إنشاء طرق موا صلت داخل ية يتعلق ات ساعها بدر جة الن مو ال تي بلغت ها الغوارة وك نا قد‬
‫ا ستطعنا في بعض المنا طق‪ ،‬حيث أقي مت جبهات عمليات الغوار في كو با‪ ،‬إنشاء طرق‬
‫وخطوط هاتف ية طولها عدة كيلو مترات‪ .‬وكان ل نا على الدوام جهاز من الر سلء يغ طي‬
‫المناطق كافة‪ ،‬في أقصر وقت ممكن‪.‬‬
‫وثمسة وسسائل ارتباط أخرى لم يسستخدمها الغوار فسي كوبسا‪ ،‬مثسل إشارات الدخان‬
‫والمرايا العاكسة للشمس‪ ،‬الحمام الزاجل‪.‬‬
‫ينبغي أن يعنى المغاوير بصيانة السلحة والذخائر‪ ،‬وفوق كل شيء‪ ،‬أن تكون لهم‬
‫أحذ ية جيدة‪ .‬إن ها ضرورة حيو ية‪ .‬و هي ما ينب غي أن ت ستهدفه الجهود الولى في الع مل‬
‫الحرفي لديهم‪ .‬لن تكون المعامل في البدء‪ ،‬إلّ منشآت لتسكيف الحذية العتيقة‪ .‬ومن ثم‪،‬‬
‫إبان تنظ يم الع مل‪ ،‬يم كن إنشاء عدة ورشات ت ستطيع إنتاج الحذ ية بمعدل يو مي ح سن‪.‬‬
‫إن صناعة البارود بسيطة نوعا ما‪ ،‬ويمكن إنتاج الكثير منه إذا وجد معمل صغير وإذا‬
‫جلبست العدة اللزمسة مسن الخارج‪ .‬تؤلف الراضسي الملغومسة خطرا بالغا للعدو‪ .‬فإذا مسا‬
‫انفجرت في آن واحد مساحات كبيرة ملغومة‪ ،‬أمكنها إزهاق مئات الرجال‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪5‬‬

‫– الحرب في الراضي المجافية‬

‫ينب غي أن تتو فر كا فة الشروط ال ساسية لحرب الغوار‪ ،‬من أ جل الحتراب في هذا‬
‫النوع من الرض‪ ،‬القليل الوعورة‪ ،‬الخالي من الغابات‪ ،‬وذي طرق المواصلت العديدة‪.‬‬
‫وطرائق الحرب وحدهسا هسي التسي سسوف تتغيسر‪ .‬ينبغسي ان يكون الجؤول فائقا فسي هذا‬
‫الن مط من الغوار‪ .‬فالضر بة ال تي تكال‪ ،‬والف ضل في الل يل‪ ،‬ينب غي أن تكون غا ية في‬
‫ال سرعة‪ ،‬ش به صاعقة‪ .‬ول يس على الغوارة أن تن سحب ب سرعة ف قط ‪ ،‬بل أن تبلغ أيضا‬
‫مأرِزا جديدا‪ ،‬غير مأرِز انطلق ها‪ ،‬وأبعد ما يكون عن مكان الشتباك‪ ،‬متذكرة أنه ليس‬
‫ثمة ملذ ينأى عن قوات القمع‪.‬‬
‫ي ستطيع الر جل أن يق طع في ليل ته ب ين ثلث ين وخم سين كيلو مترا ولك نه ي ستطيع‬
‫أيضا أن يسير في ساعات النهار الولى‪ ،‬إلّ إذا كانت مناطق العمليات غير تابعة تماما‬
‫لحمى الغوارة وإذا كان أهل المحلة يشكلون خطرا باحتمال إفشائهم وضع الفرقة والجهة‬
‫ال تي اتجهت ها إلى الج يش المعادي‪ .‬ف في هذه الحال يف ضل دائما الع مل ليلً‪ ،‬في صمت‬
‫مرين قبل العمل وبعده‪ ،‬ويتم اختبار الهزيع الول من الليل للقيام بالعمل وهنا أيضا قد‬
‫تتك شف الح سابات عن خطأ إذ يم كن وجود حالت تف ضل في ها ساعات الف جر‪ .‬ل يجوز‬
‫بأ ية حال تعو يد العدو على ش كل محدد من الحرب‪ ،‬بل ينب غي تنو يع المك نة وال ساعات‬
‫وطرائق العمل باستمرار‪.‬‬
‫ذكر نا آنفا أن الع مل ل يم كن أن يكون طو يل ال مد‪ ،‬بل سريعا وبالغ الفعال ية يدوم‬
‫بضع دقائق‪ ،‬ويعقبه النسحاب فورا‪ .‬ل تكون السلحة المستعملة في هذه الحالة مثلها في‬
‫الرض المؤاتية‪ ،‬ويفضل توفّر أكبر عدد من السلحة ذاتية الحركة‪ :‬ففي الهجمات الليلية‬

‫‪59‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ليست الدقة هي العامل الحاسم‪ ،‬بل تركيز الرمي‪ .‬فكلما كان رمي السلحة ذاتية الحركة‬
‫أكثب‪ ،31‬كلما ازداد احتمال القضاء على العدو‪.‬‬
‫ثسم إن انفجارات اللغام فسي الطرقات وهدم الجسسور هسي عوامسل رئيسسية‪ .‬تكون‬
‫الهجمات أق صر وأ قل تواترا‪ ،‬ول كن يم كن أن تكون عني فة جدا‪ .‬وت ستخدم أ سلحة مختل فة‬
‫مثل اللغام السابق وصفها وبارودة الصيد‪ .‬بارودة الصيد سلح فتاك للناقلت المكشوفة‬
‫المستخدمة لنقل الجنود‪ ،‬أو للناقلت ذات الغشاية التي ليس لها حماية خاصة‪ ،‬كالشاحنات‬
‫مثلً‪ .‬والبارورة ذات الفشك المحشو بالخردق الغليظ‪ 32‬فعالة للغاية‪ .‬ليست سلحا خاصا‬
‫بالغوار‪ ،‬فهي تستخدم ايضا في الحروب النهجية‪ ،‬وقد كان للمريكيين سرايا من المشاة‬
‫ذات بنادق رفيعة الجودة مجهزة بحراب‪ ،‬لتطهير ملجىء الرشاشات‪.‬‬
‫ثمة مسألة هامة هي مسألة الذخيرة‪ .‬إنها تغنم من العدو دائما تقريبا‪ .‬ل ينبغي كيل‬
‫الضربات إلّ حيث يتم التأكد تماما من إمكان تعويض الذخيرة المستعملة‪ ،‬إل إذا توفرت‬
‫مخزونات كبيرة مخبوءة في حرز أمين‪ .‬بعبارة اخرى‪ ،‬ل يسوغ شن هجوم على جماعة‬
‫من الرجال إذا كلف ذلك كل الذخيرة المتوفرة‪ ،‬دون إمكان تعويض ها‪ .‬ينب غي دائما‪ ،‬في‬
‫صيالة الغوار‪ ،‬أن يحسب الحساب للمسألة الخطيرة التي يشكلها التموين بالعتاد الحربي‪،‬‬
‫وهسو الجوهري لمتابعسة النضال‪ .‬ينبغسي إذا أن تكون السسلحة مماثلة لسسلحة العدو‪،‬‬
‫باستثناء المسدسات والبنادق التي يمكن الحصول على ذخيرتها في المدينة أو في منطقة‬
‫الغوار ذاتها‪.‬‬
‫يجسب أل يتجاوز قوام غوارة مسن هذا النوع عشرة او خمسسة عشرة رجلً‪ .‬ويكون‬
‫في غا ية الهم ية أن يؤ خذ بالح سبان دوما تحد يد قوام الوحدة المقاتلة‪ :‬فيم كن لعشرة أو‬
‫أث ني ع شر أو خم سة ع شر رجلً أن يختبئوا في أي مكان‪ ،‬و هم يكافحون العدو بمقاو مة‬
‫فعالة متعاون ين في ما بين هم‪ .‬ورب ما كان أرب عة أو خم سة غ ير كاف ين‪ .‬أ ما إذا تجوز العدد‬
‫العشرة‪ ،‬يتفاقم كثيرا إمكان تحديد موضعهم من جانب العدو إبان السير أو في مأرِزهم‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫أكثب‪ :‬أشد قربا إلى الهدف‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫الفشك المحشو بالخردق الغليظ‪ :‬ترجمة ‪.Chevrotine‬‬

‫‪60‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫تذكروا أن سرعة الغوارة إبان ال سير ت ساوي سرعة أب طأ رجال ها‪ .‬وي صعب إيجاد‬
‫وهّازة سسير واحدة لدى عشريسن أو ثلثيسن او أربعيسن رجلً‪ ،‬أكثسر منسه لدى عشرة‪.‬‬
‫وينبغسي أن يكون مغاور السسهل إطلقا‪ ،‬عدّاءً سسريعا‪ ،‬فينبغسي أن تتجلى فسي السسهل‬
‫ممارسة مبدأ "إضرب واهرب" بأكمل تعبير لها‪ .‬ولغوارات السهل محذور بالغ هو إمكان‬
‫تطويق ها بسسرعة‪ ،‬وافتقار ها لحروز أمي نة ت ستطيع أن تبدي من ها مقاو مة فعالة‪ .‬فعلي ها‬
‫بسبب ذلك أن تعيش في خفاء مطلق إبان جزء كبير من الطور البتدائي‪ ،‬فل تستطيع أن‬
‫تثسق بأي جار لم تختسبر أمانتسه اختبارا تاما‪ .‬إن أعمال قمسع العدو تبلغ على العموم مبلغا‬
‫من الع نف والوحش ية‪ ،‬وت صيب ل يس رب ال سرة ف قط‪ ،‬بل الن ساء والطفال في أحياء‬
‫كثيرة بحيسث يمكسن أن تحدو بهسم إلى "التخاذل" وإعطاء المعلومات عسن مكان وجود‬
‫الغوارة وطرائق عملهسا‪ ،‬ممسا يسسبب تطويقا ذا نتائج مزعجسة دوما وإن لم تكسن مميتسة‬
‫بالضرورة بالنسبة للغوارة‪ .‬وينبغي أن تنشط الغوارة متى سمح التموين بالسلح أو حالة‬
‫الشعسب الثوريسة بزيادة عدد الرجال‪ .‬وتسستطيع الغوارات المختلفسة‪ ،‬إذا لزم المسر‪ ،‬أن‬
‫تجمتع في وقت ما لكيل ضربة هامة‪ ،‬لكن بحيث تعود لتوّها تنقسم إلى جماعات صغيرة‬
‫ل تتبعثر باتجاه مناطقها المعتادة‪.‬‬
‫من عشرة إلى خمسة عشر رج ً‬
‫سة‪ ،‬دون‬
‫سة‪ ،‬ذات قيادة واحدة تحوز الحترام والطاعس‬
‫سم جيوش حقيقيس‬
‫سن تنظيس‬
‫يمكس‬
‫الضطرار إلى البقاء فسي جماعسة واحدة‪ .‬وهذا مسا يولي أهميسة عظمسى لنتخاب قائد‬
‫ل كليا مسن الناحيسة الفكريسة‬
‫الغوارة‪ ،‬إذ ينبغسي التأكسد مسن أن هذا القائد سسيكون مسسؤو ً‬
‫والشخصية‪ ،‬أمام أعلى قائد في المنطقة‪.‬‬
‫البازوكة هي أحد السلحة التي يمكن استخدمها في الغوار‪ .‬إنها سلح ثقيل‪ ،‬عظيم‬
‫الفائدة نظرا لسهولة نقله واستعماله‪ .‬ويمكن أن يستعاض عنه إذا اقتضى المر‪ ،‬بالرمانة‬
‫ضد الدرع‪ .‬البازو كة طبعا سلح يغ نم من العدو‪ :‬إ نه سلح أم ثل للر مي على الناقلت‬
‫المدرعسة‪ ،‬والناقلت غيسر المدرعسة المحملة بالجنود وللسستيلء بسسرعة على مراكسز‬
‫عسكرية صغيرة ذات حاميات قليلة‪ .‬لكنه ينبغي التنويه بأنه يتعذر لرجل واحد أن يحمل‬
‫أكثر من ثلث صِمامات‪ ،‬إذ تشكل هذه لوحدها مجهودا بالغا‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وفي ما يتعلق بالسحلة الثقيلة التي تغنم من العدو‪ ،‬ينبغي الجتهاد لعدم إضاعة أي‬
‫منها‪ .‬بَ ْيدَ أن بعض هذه السلحة‪ ،‬مثل الرشاش المنصوب والرشاش من عيار ‪ ،50‬يمكن‬
‫إذا مسا غنمست‪ ،‬اسستخدامها بشيسء مسن عدم الكتراث لخسسارتها‪ :‬فلن نقاتسل فسي ظروف‬
‫مجافية لنا‪ ،‬ذودا عن رشاش ثقيل أو سلح من هذا القبيل‪ ،‬بل سيستخدم بكل بساطة حتى‬
‫اللحظة التي يتحتم فيها تركه في موضع ما‪ .‬كان التخلي عن سلح في حربنا التحررية‬
‫يشكل جنحة خطيرة ولم يصدف قط أن قُبل العذر الذي نوهنا عنه‪ .‬غير أننا نلحظ ذلك‪،‬‬
‫مؤكد ين على هذه الحالة الفريدة ال تي ل يكون في ها التخلي عن ال سلح مدعاة للن قد‪ .‬إن‬
‫سلح المغاور في الرض المجافية‪ ،‬هو سرعة رميه‪.‬‬
‫إذا كا نت منط قة ما سهلة الم سلك‪ ،‬ف هي على العموم مأهولة وت صادف في ها كثا فة‬
‫فلحيسة كثيرة‪ .‬يتأتسى هذا الواقسع بشكسل ملموس مسع إمكانات التمويسن‪ .‬فبتوفسر أناس‬
‫موثوق ين‪ ،‬ذوي صلت مع مرا كز توز يع المؤن‪ ،‬ت ستطيع الغوارة أن تقوم بأود ها‪ ،‬دون‬
‫تخصسيص الوقست والمال لقامسة خطوط التمويسن الطويلة المحفوفسة بالخطسر‪ .‬ويحسسن‬
‫بالمرء التذكسر أنسه كلمسا كان عدد الرجال صسغيرا كلمسا تأمسن الغذاء بسسهولة‪ .‬والمؤن‬
‫الجوهريسة‪ ،‬مثسل شِباك النوم والبطانيات والقمشسة الكتيمسة للماء والكلِل‪ 33‬والحذيسة‬
‫والدوية والغذاء‪ ،‬متوفرة في المنطقة مباشرة ما دامت هي حاجات شائعة الستعمال لدى‬
‫السكان‪.‬‬
‫وتضحى الموصلت أسهل كثيرا إذ يمكن العتماد على عدد أكبر من الرجال ومن‬
‫خطوط المو صلت‪ ،‬إل أن المان الضروري لن قل الر سائل إلى نق طة بعيدة يتضاءل‪ ،‬إذ‬
‫يلزم هذه الحالة عدد من عمال الرتباط يقت ضى الوثوق ب هم‪ .‬ويب قى احتمال الق بض على‬
‫أ حد هؤلء الر سلء الذ ين يجوبون المنا طق العدوة با ستمرار‪ ،‬خطرا دائما‪ .‬فإذا لم ت كن‬
‫الرسائل غاية في الهمية‪ ،‬يفضل استخدام الصيغة الشفهية‪ .‬أما إذا كانت بالغة الهمية‪،‬‬
‫فينب غي كتابت ها بالر مز‪ .‬و قد أثب تت التجر بة أن الن قل الشف هي من فم إلى ُأذُن يشوه كل‬
‫مخابرة تشويها تاما‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫‪62‬‬

‫ال ِكلَّة (ج كلل)‪ :‬غشاء رقيق يُتوقّى به من البعوض‪ .‬وتعرف في بلد الشام بس"الناموسية"‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ولهذه السباب ذاتها تفقد الصناعات من أهميتها‪ .‬ولن يستطاع إنشاء معامل للحذية‬
‫أو السسلح‪ .‬ويجسب القتصسار عمليا على ورشات صسغيرة حسسنة التمويسه‪ ،‬حيسث يمكسن‬
‫إعادة حشو فشك البنادق‪ ،‬وصنع نمط ما من اللغام وقطع من السلح وكل ما يحتاج إليه‬
‫فسي الحال‪ .‬وبالمقابسل‪ ،‬يمكسن العتماد للقيام بالعمال الضروريسة‪ ،‬على كسل الورشات‬
‫الصديقة في المنطقة‪.‬‬
‫ن صل إلى النتيجت ين اللت ين تنتجان منطقيا م ما أ سلفنا‪ .‬النتج ية الولى هي أ نه‪ ،‬في‬
‫إطار حرب الغوار‪ ،‬تتنا سب شروط التحضّ ر عك سا مع در جة تطور المنط قة المعن ية‪.‬‬
‫فالمرافق تدفع النسان إلى التحضر‪ ،‬ولكن العكس هو الذي يحدث بصدد الغوار‪ :‬فكلما‬
‫لقى المغاور رفاها أكبر أصبحت حياته أقل ثباتا وأكبر بداوة‪ .‬إن عنوان هذا الفصل هو‬
‫بالض بط "الحرب في الرض المجاف ية" لن كل ما هو لحياة الن سان و ما ين تج ع نه من‬
‫مواصلت‪ ،‬ومراكز مدينة‪ ،‬أو نصف مدنية‪ ،‬وتجمعات السكان الكبرى‪ ،‬والراضي التي‬
‫يسهل شغلها باللة‪ ،‬كل ذلك مما يجافي وضع المغاور‪.‬‬
‫والنتجيسة الثانيسة‪ :‬إذاكان الغوار يسستلزم بالضرورة عملً جماهيريا هاما‪ ،‬فإن هذا‬
‫الع مل يزداد أهم ية في المنا طق المجاف ية‪ ،‬ح يث يم كن لهجوم وا حد من العدو أن ي سبب‬
‫نكبسة‪ .‬ينبغسي ههنسا أن تكون الدعايسة مسستمرة لتحقيسق وحدة العمال والفلحيسن وسسائر‬
‫الطبقات الجتماع ية في المنط قة‪ ،‬للتو صل إلى جب هة داخل ية متجان سة تماما ومتف قة مع‬
‫المغاو ير‪ .‬والن ظر إلى هذا الع مل الجماهيري الدائب ب صفته العا مة كعلقات ب ين الغوارة‬
‫وبين سكان المنطقة‪ ،‬ل يجيز نسيان الفردية لعدو مكابر ينبغي إزالته بل ندم إذا ما شكّل‬
‫خطرا‪ .‬وينبغي أن تكون الغوارة صارمة بهدا الصدد‪ .‬فل يمكن بقاء أعداء داخل منطقة‬
‫العمليات‪ ،‬في أماكن غير أمنية‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪6‬‬

‫– الحرب في المناطق المدنية‬

‫إذا مسا صسار المسر فسي مرحلة معينسة مسن حرب الغوار‪ ،‬إلى مهاجمسة المدن‪ ،‬بعسد‬
‫التو غل في الر يف المجاور على ن حو يت يح إنشاء الغوارات ف يه بش يء من المان‪ ،‬يلزم‬
‫عندئذ تزويدها بتنظيم خاص‪.‬‬
‫ينبغي التنويه بأن الغواراة ل يمكن أن تنشأ عفويا في منطقة مدنية‪ .‬لن تقوم إل بعد‬
‫أن تن شأ ب عض الشروط الضرور ية لوجود ها‪ .‬يش ير هذا الوا قع من ذا ته إلى أن الغوارة‬
‫في ضاحية المدينة توضع مباشرة تحت إمرة قادة موجودين في منطقة أخرى‪ .‬على أن‬
‫وظيفتها لن تكون القيام بمعمل مستقل‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬تقع في نطاق مخططات ريادية‬
‫محددة سلفا‪ .‬و ستكون وظيفت ها هي ردف ع مل جماعات أك ثر أهم ية في منط قة أخرى‪،‬‬
‫والسسهام فسي نجاح فكرة صسيالية معينسة‪ ،‬دون أن تبلغ اتسساع عمليات الغوارات غيسر‬
‫المدنية‪ .‬لن تستطيع غوارة في منطقة مدنية أن تختار بين تخريب المواصلت أو القيام‬
‫بالغتيالت أو مداه مة دور ية جنود على طر يق نائ ية‪ ،‬بل سوف تقوم ب ما يطلب من ها‬
‫بالضبط‪ ،‬فإذا كان دورها هو قطع العمدة‪ ،‬أو السلك الكهربائية‪ ،‬أو الخطوط الحديدية‬
‫أو أنابيب المياه‪ ،‬فعليها القتصار على تنفيذ هذه المهمات بدقة‪.‬‬
‫ل يتجاوز قوامهسا أربعسة أو خمسسة رجال‪ .‬إن هذا التحديسد هام لنسه ينبغسي‬
‫ينبغسي أ ّ‬
‫ض تبلغ مبلغا استثنائيا من المجافاة لها‪.‬‬
‫اعتبار الغوارة في ضاحية المدينة قائمة في أر ٍ‬
‫فالعدو هنسا بالغ اليقظسة‪ .‬وتزداد إمكانات التنكيسل والوشايسة إلى حسد عظيسم‪ .‬وثمسة ظرف‬
‫مشدّد ل صعوبتها‪ ،‬إذ ل ينب غي ن سيان أن الغوارة في ضاح ية المدي نة ل ت ستطيع البتعاد‬
‫عن مواضع عملياتها‪ .‬فإلى سرعة عملها وتنقلها ينبغي أن يضاف البتعاد الضئيل نسبيا‬

‫‪64‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫عن مكان الع مل‪ .‬ف هي غوارة ليل ية بالدر جة الولى‪ .‬ولن ت ستطيع تعد يل عمل ها ما لم‬
‫يسمح تقدم الثورة بمحاضرة المدينة واشتراك الغوارة في الحصار كمقاتلة عاملة‪.‬‬
‫ينب غي أن تكون ال صفات الجوهر ية لدى هذا المغاور‪ :‬مزيدا من الضبا طة ع ما لدى‬
‫ل على بيتين‬
‫المغاوير الخرين إذا كان ذلك ممكنا بعد‪ ،‬والكتمان‪ .‬ولن يستطيع التعويل إ ّ‬
‫أو ثل ثة بيوت صديقة ليوائه‪ .‬إ نه على م ثل اليق ين من أن التطو يق في هذه الظروف‬
‫يعدل الموت‪ .‬ولن يكون السسلح مثله لدى الزمسر الخرى‪ .‬سسوف تكون أسسلحة دفاعيسة‬
‫فردية يمكن إخفاؤها ول تعميق هروبا سريعا‪ .‬لن يكون لدى الزمرة إل بندقية واحدة أو‬
‫اثنتين في الحد القصى (أو بنادق مقصورة القناة)‪ ،‬ولدى أعضاء الزمرة مسدسات‪.‬‬
‫ل فُجاءً‪ ،‬ضد فرد أو اثن ين من ج يش المعادي‪ ،‬أو ضد‬
‫لن ت تم أ ية محاولة هجوم إ ّ‬
‫دائرة استخبارات‪ .‬وسوف يركز العمل على التخريب المنظم‪.‬‬
‫ويسسلتزم التخريسب عتادا هاما‪ :‬مناشيسر‪ ،‬ديناميست‪ ،‬معاول ورفوشا وأدوات لرفسع‬
‫ال سكك‪ ،‬وأخيرا‪ ،‬تجهيزا آليا منا سبا للمهمات المطلو بة‪ ،‬مخبوءا في حرز أم ين‪ ،‬إل أ نه‬
‫في متناول اليد عند الحاجة‪.‬‬
‫وإذا وجدت أكثسر مسن زمرة واحدة‪ ،‬فسسوف ترتبسط جميعا بقائد واحسد‪ ،‬يوجسه كسل‬
‫المهمات الضرور ية بوا سطة عمال ارتباط مدني ين موثوق ين كل الث قة‪ .‬ي ستطيع المغاور‬
‫في بعض الحالت أن يحافظ على العمل الذي كان يزاوله زمن السلم‪ ،‬ولكنه أمر عسير‬
‫جدا‪ .‬سسوف تكون الحرب فسي ضواحسي المدن عمليا واقسع فريسق مسن الرجال قسد لزموا‬
‫الختفاء‪ ،‬منظمين مثل الجيش‪ ،‬وموجودين في الظروف المجافية لهم كما وصفناها‪.‬‬
‫لقد أبخس النضال في المنطقة المدنية قدره كثيرا‪ ،‬إلّ أنه في غاية الهمية‪ .‬إن عملً‬
‫جيدا واسسع النطاق يشسل الحياة التجاريسة والصسناعية فسي القطاع شلً شبسه تام ويضسع‬
‫ال سكان كا فة في و ضع من عدم الطمئنان والقنوط والقلق بح يث يتمنون حوادث عني فة‬
‫للخروج من هذا النتظار‪ .‬فإذا ما جرى التفكير بالمستقبل منذ ابتداء الحرب‪ ،‬وتم تكوين‬
‫اختصاصيين لهذا النمط من القتال‪ ،‬فسوف يتم ضمان عمل أكثر سرعة بكثير‪ ،‬وبالتالي‬
‫اقتصاد ثمين للمة في الرواح والزمن‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫القسم الثاني‬
‫الغوار‬

‫‪66‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪ -1‬المغاور مصلحا اجتماعيا‬
‫ل قد حدد نا و ضع المغاور في ما سبق‪ :‬إ نه ر جل يند مج بإرادة الش عب التحرر ية‪،‬‬
‫ومتى استنفدت الوسائل السلمية‪ ،‬فهو يطلق العنان للنضال فيغدو الطليعة المسلحة للسكان‬
‫المقاتلين‪ .‬إنه يدخل النضال وفي نيته هدم النظام الظالم‪ ،‬ويتطلع أيضا‪ ،‬بكثير أو قليل من‬
‫التأكيد‪ ،‬إلى استبدال النظام القديم بشيء جديد‪.‬‬
‫لقد أكدنا أن الريف في أمريكا اللتينية وفي كافة البلدان المتخلفة تقريبا‪ ،‬هو الذي‬
‫يش كل ميدان النضال الم ثل‪ ،‬في الظروف الراه نة‪ .‬لذا فإن أ ساس المطال يب الجتماع ية‬
‫التي سوف يثيرها المغاور سيكون تغيير بنية الملكية الزراعية‪.‬‬
‫سيدور النضال إذا با ستمرار ت حت ال صلح الزرا عي‪ .‬ويم كن في البدء ألّ تكون‬
‫أهداف هذا الصسلح وحدوده محددة تماما‪ ،‬وأن يقسف عنسد رغبسة الفلح‪ ،‬القائمسة منسذ‬
‫قرون خلت‪ ،‬في امتلك الرض التي يشتغلها أو التي يرغب في اشتغالها‪.‬‬
‫تتعلق شروط تحقيق الصلح الزراعي بالشروط القائمة قبل بدء النضال وبالتساع‬
‫الجتماعسي لهذا النضال‪ .‬إلّ أن المغاور‪ ،‬بصسفته عنصسرا واعيا مسن الطليعسة الشعبيسة‪،‬‬
‫ينبغي أن يكون سلوكه الخلقي بحيث يستوثقه خادما حقيقيا للصلح الذي ينشده‪ .‬فإلى‬
‫الشدة الكراه ية الناج مة عن شروط الحرب القا سية‪ ،‬ينب غي أن يض يف الشدة الناشئة عن‬
‫الرقابسة الصسارمة على النفسس‪ ،‬التسي تقاوم كسل غلواء‪ ،‬كسل جنوح يمكسن أن تسستدرجه‬
‫الظروف‪ .‬ينبغي أن يكون المغاور ناسكا‪.‬‬
‫أمسا العلقات الجتماعيسة‪ ،‬فسسوف تتغيسر مسع تطور الحرب‪ .‬ففسي البدء‪ ،‬ل يزال‬
‫المغاويسر مسستجدين‪ ،‬فلن يسستطيعوا ولن يحاولوا حتسى تغييسر أي شيسء فسي البنيات‬

‫‪67‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الجتماعية المحلية‪ .‬أما البضائع التي ل ي ستطيعون تأدية قيمت ها‪ ،‬ف سوف يشترون ها لقاء‬
‫سندات تسدد في أول فرصة سانحة‪.‬‬
‫ينبغسي أن يسساعد المغاور الفلح دوما‪ ،‬مِهانيا واقتصساديا ومعنويا وثقافيا‪ .‬ومنسذ‬
‫لحظات الحرب الولى سيكون حاضرا دوما لم ساعدة الفق ير‪ ،‬مع فرض أ قل قدر مم كن‬
‫من الزعاج للغ ني‪ .‬إلّ أن المور تأ خذ مجرا ها‪ ،‬وتزداد التناقضات حدة‪ ،‬و سوف يأ تي‬
‫وقت يأخذ فيه كثيرون ممن كانوا ينظرون إلى الثورة بشيء من العطف يقلبون لها ظهر‬
‫المجنّ‪ ،‬وسوف يخطون خطوتهم الولى في الصراع ضد القوى الشعبية‪ .‬في هذه اللحظة‬
‫ينبغي أن ينقلب المغاور فيغدو حامل راية قضية الشعب‪ ،‬ويعاقب كل خيانة‪ .‬وفي منطقة‬
‫القتال‪ ،‬تق صر الملك ية الخا صة على حدود وظيفت ها الجتماع ية‪ :‬أي أن الرض الفائ ضة‬
‫والدواب غير الضرورية لعائلة غنية تنتقل إلى أيدي الشعب وتوزع بالعدل‪.‬‬
‫وي حق للمالك الذي ي حل هذا الم صير بأرزا قه أن يتقا ضى تعويضا وينب غي احترام‬
‫هذا ال حق‪ .‬إلّ أن الت سديد ي تم ب سندات (" سندات ال مل"‪ ،‬ك ما دعا ها ا ستاذنا اللواء بايو‬

‫‪34‬‬

‫عند الكلم عن هذا النوع من القرار بالدين)‪.‬‬
‫وتنتقسل أراضسي وأملك وصسناعات أعداء الثورة البارزيسن والمباشريسن فورا إلى‬
‫أيدي القوى الثور ية‪ ،‬وينب غي الفادة من مناخ الحرب‪ ،‬من هذه اللحظات ال تي تبلغ في ها‬
‫الخوة النسانية أسمى قيمتها‪ ،‬لبتعاث كل نمط من العمل التعاوني يمكن أن تتقبله ذهنية‬
‫المنطقة‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫كان بايو ‪ Bayo‬ضابطا محترفا في الجيش السباني‪ ،‬انضم إلى القوات الشعبية في الحرب الهلية‬

‫السبانية عام ‪ ،1936‬وقد اقترح على الحكومة الجمهورية مخططا لتقوية ومساعدة جبهات الغوار التي‬
‫نشأت خلل هذه الحرب في مؤخرات الجيوش الفاشية‪ ،‬إلّ أن هيئة أركان الجيش الجمهوري رفضت‬
‫مخططه‪ ،‬وكان رفض هذا المخطط من معالم الجمود وضعف التطلع الثوري الذي أدى إلى انهيار‬
‫الجمهورية السبانية وانتصار القوى الفاشية عليها بمساعدة التحالف الفاشي العالمي آنذاك‪.‬‬
‫بعد هزيمة ‪ 1939‬في أسبانيا ذهب بايو إلى المكسيك ليقيم فيها منفيا‪ .‬وهناك أصبح فيما بعد مدرب‬
‫كاسترو ورفاقه أفراد الرعيل الول الذي أبحر على السفينة "غرانما" إلى كوبا لبدء الثورة المسلحة فيها‪.‬‬
‫‪68‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل يكت في المغاور‪ ،‬الم صلح الجتما عي‪ ،‬بأن يضرب الم ثل ب سلوكه‪ ،‬بل ينب غي أن‬
‫يسسدي توجيها فكريا مسستمرا‪ ،‬بفضسل معارفسه‪ ،‬وأمانيسه‪ ،‬والتجربسة التسي يكتسسبها خلل‬
‫شهور الحرب أو سنواتها‪ .‬إن هذه التجربة تفيد الثوري إذ تنير مفاهيمه بقدر ما يتأكد له‬
‫بأس ال سلح‪ ،‬وبقدر ما ي عي ظروف أهالي المنط قة‪ .‬يدرك الثوري عندئذ ال ساس ال حق‬
‫والضرورة الحيويسة لكثيسر مسن التغييرات التسي كان يرى أهميتهسا النظريسة فيمسا مضسى‪،‬‬
‫ولكنه غالبا ما لم يفطن لطابعها العملي الملِح‪.‬‬
‫يكثر هذا الموقف نظرا لن بادئي حرب الغوار وقادتها ليسوا أناسا ينوءون كل يوم‬
‫بفلحة القَراح‪ ،35‬إنهم رجال يفهمون ضرورة تغيير وضع الفلحين الجتماعي ولكنهم لم‬
‫يتألموا‪ ،‬في جملت هم‪ ،‬من شرور حالة الفلح‪ .‬فيح صل عندئذ – وأتكلم هه نا عن التجربة‬
‫الكوب ية – تفا عل حقي قي ب ين أولئك القادة الذ ين يعلّمون الش عب‪ ،‬بالوقائع‪ ،‬أهم ية النضال‬
‫المسلح الساسية‪ ،‬وبين الشعب ذاته الذي يكبر شأنه إبان النضال‪ ،‬ويُري القادة بدوره ما‬
‫هي الضرورات العمل ية‪ .‬و من هذا التفا عل ب ين المغاور وشع به ين شأ تجاذر‪ 36‬تدري جي‬
‫يقوي الموائز الثورية للحركة شيئا فشيئا‪ ،‬ويعطيها بُعدها القومي‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫القَراح‪ :‬الحقل الذي يُحرث ويزرع‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫التجاذر‪ :‬الميل إلى الرأي والعمل الذي يعالج المر من جذوره أي عميقا‪( .‬الراديكالية)‪.‬‬
‫‪69‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪ -2‬المغاور مقاتلً‬
‫تتطلب حياة المغاور ومميزاتها التي رسمنا معالمها باقتضاب‪ ،‬مجموعة من الشروط‬
‫الجسسمية والعقليسة والخلقيسة ليتكيسف المرء بهذه الحياة وينجسز المهمات التسي تقتضيهسا‬
‫بنجاح‪.‬‬
‫وأول سؤال يتبادر هو التي‪ :‬ماذا يُطلب من المغاور؟ ينبغي الجابة أولً أنه يُفضّل‬
‫أن يكون المغاور من أهالي المنط قة‪ .‬إذ يكون له في محل ته علقات يمك نه الت صال ب ها‬
‫مباشرة‪ ،‬ويكون عارفا بهذه المنط قة إذ هو من ها‪( .‬إن معر فة الرض هي أ حد العوا مل‬
‫الها مة في نضال الغوار)‪ .‬وي ستطيع أن ين جز عملً أف ضل لعتياده مواج هة صعوبات‬
‫منطق ته‪ .‬ويض يف إلى ذلك الحماس في الدفاع عن حِماه الخاص أو في النضال لتغي ير‬
‫النظام الجتماعي الذي يُسيء إلى عالمه الشخصي‪.‬‬
‫المغاور مقاتسل ليلي‪ :‬نقصسد بذلك أنسه يجوز كافسة الصسفات اللزمسة للعمسل الليلي‪.‬‬
‫ينبغي أن يكون ماكرا‪ ،‬وأن يسير في الوهاد والنجاد إلى مكان القتال دون أن يشعر أحد‬
‫بتنقل ته‪ ،‬وينق ضّ على العدو با ستعمال المفاجأة‪ ،‬ف هي عن صر رئي سي في هذا الن مط من‬
‫الحرب‪ .‬ينبغي له أن يفيد من الذ عر الحا صل‪ ،‬فيلقي بنفسه في القتال جامحا‪ ،‬ل يحتمل‬
‫أدنسى توان لدى رفاقسه‪ ،‬مسستفيدا مسن أدنسى معالم الوهسن لدى العدو‪ .‬يصسل المغاور‬
‫ل ما تمل يه الظروف‪ ،‬يق تل ع ند القتضاء‪،‬‬
‫كالع صار‪ ،‬يهدم كل ش يء‪ ،‬ل رح مة لد يه إ ّ‬
‫ويزرع الرعب بين المقاتلين العداء‪ .‬إلّ أنه في آن‪ ،‬يعامل المهزومين العزّل بالحسنى‪،‬‬
‫ويحترم الموتى‪.‬‬
‫ل إذا أدانتسه حياتسه‬
‫الجريسح حرام‪ ،‬وينبغسي معالجتسه على أحسسن وجسه ممكسن – إ ّ‬
‫الماض ية بالعدام – فيجرى به المقت ضى في هذه الحالة‪ .‬إن ما ل ي سوغ عمله أبدا هو‬
‫أصطحاب أسير عندما ل يتوفر بعد مأرز متين يمتنع على العدو‪ :‬يغدو هذا السير عندئذ‬
‫‪70‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫خطرا على أمن السكان المحليين وعلى تشكيلة الغوار ذاتها‪ ،‬بسبب المعلومات التي يمكن‬
‫أن يقدمها إذا ما عاد إلى فرقته الصلية‪ .‬فإذا لم يكن مجرما‪ ،‬أطلِق سراحه بعد توبيخه‪.‬‬
‫ينب غي أن يجازف المغاور بحيا ته كل ما لزم ذلك‪ ،‬وأن يكون م ستعدا ليجود ب ها دون‬
‫تردد فسي اللحظسة المطلوبسة‪ .‬لكسن عليسه أن يكون حذرا فسي آن والّ يعرّض نفسسه بل‬
‫ضرورة‪ .‬ينبغي اتخاذ كافة الحتياطات الممكنة لجتناب النهاية غير الموفقة أو الهلك‪.‬‬
‫لذلك ي هم جدا في كل قتال‪ ،‬أن ترا قب كا فة النقاط ال تي يم كن أن يتل قى العدو النجدات‬
‫من ها‪ .‬ويم كن بذلك اجتناب التطو يق أيضا‪ ،‬ف هو نك بة ماد ية بال غة الخطورة‪ ،‬إلّ أ نه نك بة‬
‫معنوية أشد خطورة‪ ،‬إذ يُفقد اليمان بمستقبل النضال‪.‬‬
‫َبيْدَ أنه ينبغي أن يكون المغاور مقداما‪ ،‬أن يحلّل الخطر وإمكانات العمل ببرود‪ ،‬أن‬
‫يكون جاهزا دوما لتخاذ موقسف متفائل مهمسا كانست الظروف‪ ،‬أن يجسد مخرجا موفقا‪،‬‬
‫ح تى في اللحظات ال تي ل تترك في ها المقار نة ب ين العنا صر المؤات ية والمجاف ية له غ ير‬
‫أمل ضئيل‪.‬‬
‫ولكسي يفوز المغاور بالحياة‪ ،‬ينبغسي أن يثبست قدرة كافيسة على التكيسف ليسستطيع‬
‫الندماج بالبيئة ال تي يع يش في ها وا ستخدامها إلى ال حد الق صى حلي فة له‪ .‬ثم ينب غي أن‬
‫يكون حادّ الدراك‪ ،‬ذا قدرة عفويسة على البداع‪ ،‬تسسمح له باتخاذ القرارات فسي غمرة‬
‫العمل‪.‬‬
‫إن قدرات التكيسف والبداع هذه لدى الجيوش الشعبيسة تُفشسل كسل حسسابات أمراء‬
‫الحرب وتكبح جماحهم‪.‬‬
‫ل يسوغ للمغاور في أية حال أن يترك رفيقا جريحا إلى رحمة جنود العداء إذ أن‬
‫مصيره شبه المؤكد هو الموت‪ .‬يلزم إبعاده عن مناطق القتال مهما كلف المر‪ ،‬لنقله إلى‬
‫حرز أم ين‪ ،‬وينب غي احتمال أ شد المتا عب لهذه الغاية ومعاناة أع ظم المخا طر‪ :‬في جب ان‬
‫يكون جندي الغوار رفيقا ل يضارع‪.‬‬
‫وهو بالضافة إلى ذلك‪ ،‬أبكم‪ .‬كل ما يقال أو يجري أمامه ل يعرفه غيره‪ .‬ل يسمح‬
‫لنفسسه أبدا بكلمسة زائدة‪ ،‬حتسى مسع رفاقسه فسي القتال‪ ،‬فالعدو سسوف يحاول باسستمرار أن‬
‫‪71‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫يدخل رجاله إلى قلب تشكيلة الغوار‪ ،‬للتعرف إلى مخططات ها وإلى أما كن وو سائل الحياة‬
‫التي تستخدمها‪.‬‬
‫وبالضافة إلى الصفات الخلقية التي ذكرناها‪ ،‬ينبغي أن يتمتع بعدد من الصفات‬
‫الجسمية الهامة جدا‪ .‬ينبغي أن يكون غير تعوب‪ ،‬فيجد "نَفَسا ثانيا" عندما يبدو أنه بلغ من‬
‫العياء مبلغا ل يطاق‪ .‬فكل حركة من حركاته بطولية تخرج من أعماق إيمانه‪ ،‬فترغمه‬
‫على أن يخطسسو خطوة أخرى‪ ،‬لن تكون هسسي الخيرة‪ ،‬إذ يفوز بأخرى‪ ،‬ثسسم أخرى‪،‬‬
‫وأخرى‪ ،‬باستمرار إلى أن يبلغ المكان الذي حدده القائد‪.‬‬
‫ينب غي أن ي ستطيع معاناة اللم إلى أق صى حدوده‪ ،‬فيحت مل ل يس ف قط حرمان الغذاء‪،‬‬
‫والماء والثياب‪ ،‬والمأوى‪ ،‬الذي يتعرض له كل آن‪ ،‬بل يحتمل المراض والجراح أيضا‪.‬‬
‫وكثيرا ما ينبغي أن تندمل الجراح دون تدخل الجرّاح‪ ،‬بفعل الطبيعة وحدها‪ ،‬ول بد أن‬
‫يكون المر كذلك لنه يغلب لمن يغادر منطقة الغوار للمعالجة‪ ،‬أن يغتاله العدو‪.‬‬
‫ولكي يحقق هذه الشروط ينبغي أن يتمتع المغاور أيضا بصحة من حديد‪ ،‬تسمح له‬
‫باحتمال كل الخطوب دون أن ي صيبه مرض‪ ،‬ك ما ت سمح له بالتعا في إبان حياة الو حش‬
‫الطريد هذه‪ ،‬حتى يغدو‪ ،‬إذا أمكنني القول‪ ،‬جزءا ل يتجزأ من الرض التي يقاتل عليها‪،‬‬
‫بفعل من التكيف الطبيعي‪.‬‬
‫تحدو ب نا كل هذه العتبارات إلى الت ساؤل‪ :‬ما هي ال سن المثلى للمرء ل كي يكون‬
‫مغاورا؟ يصعب جدا تدقيق حدود السن‪ .‬ثمة مائزات اجتماعية أو فردية من شتى النواع‬
‫يمكن أن تغير منها‪ .‬فسوف يكون الفلح مثلً أجلد كثيرا من ابن المدينة‪ .‬والمدني الذي‬
‫اعتاد التمار ين الج سمية والحياة ال صحية سيكون أف عل بكث ير من ر جل ق ضى عمره كله‬
‫خلف المك تب‪ .‬إلّ أ نه يم كن القول بإيجاز إن ال سن الق صوى للمقا تل‪ ،‬في مرحلة البداوة‬
‫التامسة مسن الغوار‪ ،‬ل ينبغسي أن تتجاوز الربعيسن‪ ،‬مسع بعسض اسستثناءات قليلة ت صادف‬
‫خاصسة لدى الفلحيسن‪ .‬لقسد التحسق أحسد أبطال نضالنسا‪ ،‬هسو المقدم كريشنثيسو بيريسز‪،‬‬
‫بال س" سييرا"‪ 37‬وله من الع مر خ مس و ستون‪ ،‬وكان من أك ثر الرجال فائدة في الج يش‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫‪72‬‬

‫سييرا ‪ :Sierra‬كلمة إسبانية تعني الجبل‪ ،‬ويكنّى بها عن أرض الغوار‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ون ستطيع الت ساؤل هل ينب غي أن ينت مي أعضاء تشكيلة مغاورة إلى فئة اجتماع ية معي نة‪.‬‬
‫وقد قيل إنه ينبغي أن تتفق فئتهم الجتماعية مع فئة المنطقة التي تختار مركزا للعمليات‪،‬‬
‫أعني أن تكون النواة المقاتلة فلحية‪ .‬الفلح هو وضوحا أفضل جندي‪ ،‬لكن هذا ل يعني‬
‫أنه ينبغي ن في عنا صر السكان الخرين وحرمان هم من فر صة النضال في سبيل قضية‬
‫عادلة‪ .‬وفي هذا الصدد أيضا ليس من قاعدة ل استثناء لها‪.‬‬
‫لم نحدد بعد السن الدنيا‪ .‬نعتقد أنه ل يجوز قبول عناصر لم يبلغوا السادسة عشرة‪،‬‬
‫ل في ظروف خاصة جدا هنا أيضا‪ .‬فهؤلء المراهقون‪ ،‬الذين يكادون أن يكونوا أولدا‪،‬‬
‫إّ‬
‫ليسوا بعامّتهم على ما يكفي من النمو لحتمال المشاق والمتاعب واللم التي سيرغمون‬
‫عليها‪.‬‬
‫يمكن القول إن السن المثلى للمغاور تقع بين خمس وعشرين وخمس وثلثين سنة‪.‬‬
‫فالحياة في هذه المرحلة قد اتخذت لدى الجم يع وجهت ها النهائ ية‪ ،‬و من يذ هب مخلّفا بي ته‬
‫وعال مه قد ف كر مليا في م سؤولياته‪ ،‬ويف عل ذلك و قد حزم أمره على ألّ يترا جع خطوة‪.‬‬
‫ثمة بين الولد أيضا حالت لمقاتلين غير عاديين قد بلغوا أسمى تقديرات جيشنا الثائر‪.‬‬
‫ل أنها استثناءات فقط‪ .‬وازاء كل مراهق أثبت صفات المقاتل الرفيعة‪ ،‬ثمة عشرات لزم‬
‫إّ‬
‫ل خطيرا على تشكيلة الغوار‪.‬‬
‫إعادتهم إلى ديارهم وشكّلوا لوقت طويل ثق ً‬
‫والمغاور‪ ،‬ك ما قل نا‪ ،‬جندي يح مل بي ته على ظهره‪ ،‬م ثل الحلزون‪ .‬فينب غي له إذا أن‬
‫يجهز حقيبته بحيث أن أقل كمية ممكنة من المتاع تؤدي له أعظم الفائدة‪ .‬لن يصطحب‬
‫ل ما ل غنى عنه‪ ،‬لكنه سوف يحتفظ به خلل كل الظروف كأثمن ما عنده‪ ،‬فهو ما ل‬
‫إّ‬
‫يسوغ فقده إلّ في حالت يائسة حقا‪.‬‬
‫وسوف يقتصر تسلّحه إذا على ما يستطيع اصطحابه بنفسه حصرا‪ .‬سيكون تجديد‬
‫التموين بالسلح صعبا جدا‪ ،‬وأصعب منه التموين بالذخيرة‪ :‬فالتعليمات العسكرية هي إذا‬
‫عدم ابتلل الرصساص‪ ،‬وصسيانته‪ ،‬وعدّه واحدة واحدة لجتناب فقدان شيسء منسه‪ .‬أمسا‬
‫البندق ية فتب قى نظي فة دائما‪ ،‬مشح مة جيدا‪ ،‬لم عة القناة‪ ،‬و من المف يد أن يعا قب قائد كل‬
‫جماعة أولئك الذين ل يسهرون على صيانة سلحهم‪.‬‬
‫‪73‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ولكي يتحلى هؤلء الرجال بمثل هذه الصفات من إخلص وحزم‪ ،‬تسمح لهم بالعمل‬
‫في هذه الظروف المناوئة‪ ،‬ينب غي أن يكون ل هم م ثل أعلى‪ .‬إن هذا الم ثل ب سيط‪ ،‬مبا شر‪،‬‬
‫ل أنسه على قدر مسن الحزم‬
‫ليسس فيسه كسبير ادعاء‪ ،‬ول يرمسي بعيدا على وجسه العموم‪ ،‬إ ّ‬
‫والوضوح يمكسن معسه التضحيسة بالحياة فسي سسبيله‪ ،‬دون تردد‪ .‬إنسه لدى كافسة الفلحيسن‬
‫تقريبا‪ ،‬حق امتلك قطعة أرض تخصهم لشغلها والستمتاع بوضع اجتماعي عادل‪ .‬إنه‬
‫لدى العمال‪ ،‬الحصول على عمل وتقاضي أجر لئق‪ ،‬والستمتاع أيضا بوضع اجتماعي‬
‫عادل‪ .‬وتصسادف لدى الطلب وأهسل المهسن الحرة‪ ،‬أفكار أكثسر تجريدا‪ ،‬مثسل الشعور‬
‫بالحرية التي يكافحون من أجلها‪.‬‬
‫يحدو بنسا كسل ذلك إلى التسساؤل‪ :‬كيسف يعيسش المغاور؟ إن حياتسه النظاميسة هسي أن‬
‫شجِرة‪ ،‬يطارده العدو باستمرار‪.‬‬
‫يجوب الطرق‪ .‬لنأخذ مثلً مغاورا في الجبل في منطقة َ‬
‫تنتقسل تشكيلة غواريسة فسي هذه الظروف نهارا‪ ،‬دون أن تأخسذ وقتا للطعام‪ .‬ومتسى تدانسى‬
‫الل يل ت حط الرحال في فر جة من الغاب‪ ،‬قرب مورد ماء‪ ،‬و فق التنظ يم المعتاد‪ ،‬فتجت مع‬
‫كل جماعة للطعام سوية‪ ،‬ومتى ران الليل تشعل النيران بما يتوفر لذلك‪.‬‬
‫يأكسل المغاور متسى اسستطاع‪ ،‬وكسل مسا يسستطيع‪ .‬تختفسي وجبات خياليسة فسي بطون‬
‫المقاتلين‪ ،‬ويعانون أحيانا أخرى صيام يومين أو ثلثة دون هوادة في إجهادهم‪ .‬إن سقف‬
‫المغور هسو السسماء المكشوفسة‪ :‬وسسوف يداخسل بيسن السسماء وبيسن شبكسة نومسه رقا مسن‬
‫النايلون كتيما للماء‪ ،‬وي ضع ت حت شبك ته حقيب ته وبندقي ته ور صاصه ال تي هي كنوزه‪.‬‬
‫ي ستحسن أحيانا عدم نزع الحذ ية خش ية حدوث هجوم مفاجىء من العدو‪ .‬الحذ ية هي‬
‫ك نز آ خر للمغاور و من يملك زوجا من ها يضمن لنف سه حياة سعيدة في نطاق الم صاعب‬
‫اليومية‪.‬‬
‫هكذا يسير المغاور يوما بعد يوم‪ ،‬دون اقتراب من أي مكان آهل‪ ،‬مجتنبا كل تماس‬
‫لم يقصده هو‪ ،‬عائشا في أوعر المناطق‪ ،‬دون طعام أحيانا وحتى دون شراب‪ ،‬في الحر‬
‫وال قر‪ .‬يتف صد عر قه في الم سيرات الدائ بة وي جف عل يه ممتزجا بالعرق ال سبق‪ ،‬دون‬
‫توفر النظافة بانتظام (غير أن ذلك يتعلق كما هو المر دائما‪ ،‬بمزاج كل واحد)‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫حدث فسي الحرب الخيرة‪ ،‬عندمسا أوشكنسا على دخول بلدة "أل أوفيرو"‪ ،‬بعسد السسير‬
‫سستة ع شر كيلو مترا والقتال ساعتين وخ مس وأربعيسن دقي قة فسي ع ين الش مس‪ ،‬وبعسد‬
‫عشرة أيام ون يف قضينا ها في ظروف مجاف ية ل نا‪ ،‬أن وُجد نا قرب الب حر ت حت ش مس‬
‫محر قة‪ .‬كا نت أج سامنا تفوح برائ حة مميزة مؤذ ية إلى حد أن ها ت صد كل من يقترب‪.‬‬
‫وكانت حاسة الشم لدينا قد تكيفت بهذا النمط من الحياة‪ ،‬وكانت شبكة كل مغاور تعرف‬
‫عن سواها من رائحتها الخاصة‪.‬‬
‫ينبغي أن تكون المعسكرات سهلة المغادرة وألّ يبقى فيها أثر يشي بها‪ ،‬وأن تكون‬
‫اليقظسة فسي غايتهسا‪ .‬ولكسل عشرة رجال ينامون‪ ،‬يجسب أن يكون ثمسة واحسد أو اثنان‬
‫ساهرين‪ .‬ينبغي تبديل الحرس مرات عديدة ومراقبة كافة مداخل المعسكر مراقبة وثيقة‪.‬‬
‫تعلَّم حياة الحرب كثيرا من الح يل لتهيئة الطعام ولطب خه ب سرعة وتطيي به ب كل ما‬
‫ي صادف في الج بل‪ ،‬أو لبتكار ألوان جديدة وتنو يع أشكاله ال تي تتألف ب صورة أ ساسية‪،‬‬
‫فسي المنطقسة المداريسة‪ ،‬مسن النباتات الدَرَنيسة‪ ،‬والحبوب‪ ،‬والملح‪ ،‬وقليسل مسن الزيست أو‬
‫الزبدة‪ ،‬وفي مناسبات متباعدة جدا‪ ،‬من أحد صنوف اللحم‪.‬‬
‫المعركسة هسي أكثسر الحداث إثارة للهتمام‪ ،‬إبان حياة القتال‪ .‬وهسي مسا يحمسل فرح‬
‫الجميسع إلى أوجسه ويجعلهسم ي ِغذّون السسير بحماس متجدد‪ .‬تشسن المعركسة – ذروة حياة‬
‫الغوار – في اللح ظة المؤات ية ح يث تم تحد يد مو ضع مخ يم عدو ضع يف بكفا ية للقضاء‬
‫عليه‪ ،‬وتم التعرف إليه‪ ،‬أو عندما يتقدم رتل عدو حتى الرض التي تشرف عليها القوى‬
‫التحررية مباشرة‪ .‬الحالتان مختلفتان‪ .‬يتم العمل ضد المخيم بشكل جماهيري‪ ،‬ويرمي في‬
‫الساس إلى طرد الرتال التية لفك الطوق‪ .‬فالعدو المختبىء ليس أبدا هدفا مفضلً لدى‬
‫المغاور‪.‬‬
‫إن العدو الجائل‪ ،‬النزق‪ ،‬الجاهسل بأوصساف المنطقسة‪ ،‬المرتاع‪ ،‬المفتقسر إلى حمايسة‬
‫طبيعية‪ ،‬هو العدو المثل‪ .‬مهما ساء وضع عدو معتصم‪ ،‬فإن لديه أسلحة قوية يصد بها‬
‫الهجوم‪ ،‬ولن يجد نفسه أبدا في ذات الظروف التي يقع فيها رتل كبير يفاجأ بالهجوم في‬

‫‪75‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫نقطتين مختلفتين أو ثلث‪ ،‬وتقطّع أوصاله‪ ،‬وينسحب مهاجموه قبل صدور أي رد ضدهم‬
‫إذا ما تعذر عليهم تطويق الرتل أو إبادته‪.‬‬
‫وإذا تعذر ق هر المعت صمين بالجوع أو بالع طش أو بهجوم مبا شر‪ ،‬ينب غي الن سحاب‬
‫متسى أتاح التطويسق إنزال الخسسائر بالرتسل العدو‪ .‬وإذا كان رتسل المغاويسر أضعسف ممسا‬
‫ينبغي‪ ،‬أو رتل الغزاة أقوى مما ينبغي‪ ،‬يتم تركيز الهجوم على المقدمة‪ .‬فمتى تم ضرب‬
‫المقد مة عددا من المرات واقت نع الجنود بحتم ية موت الذ ين يحتلون ال صفوف المام ية‪،‬‬
‫يم كن لخشيت هم من النخراط في ها أن تُحدث تمردات حقيق ية‪ ،‬لذا ينب غي توج يه الضرب‬
‫إليها دائما‪ .‬ول يمنع ذلك من توجيه الضربات إلى نواح سواها أيضا‪.‬‬
‫تتوقف طلقة المغاور في العمل وإمكانات تكيفه بالبيئة على تجهيزه‪ .‬فالمغاور وإن‬
‫كان مندمجا في ز مر عاملة صغيرة‪ ،‬يحت فظ بموائز فرد ية‪ .‬ينب غي أن يحوز في حقيب ته‬
‫كل ما يلز مه للع يش‪ ،‬ح تى مأواه الفردي‪ ،‬ل نه قد يض طر للبقاء وحيدا لمدة من الز من‪.‬‬
‫وعند ما نورد م ساقا بالتجه يز‪ ،‬نش ير ب صورة جوهر ية إلى ما ي ستطيع الفرد أن يحمله‬
‫و هو خا ضع لظروف حرب في طور ها الول‪ ،‬يطارده العدو‪ ،‬في أرض وعرة ممطرة‬
‫باردة نسبيا‪ ،‬أي أننا نضعه في مثل الوضع الذي حصل لدى بدء حرب التحرر الكوبية‪.‬‬
‫ينبغي التمييز في هذا التجهيز‪ ،‬بين ما هو جوهري وما هو متمم‪ .‬نصنّف في ما هو‬
‫جوهري شب كة النوم ال تي ت سمح بالرا حة على ن حو ملئم‪ .‬ي جد المرء دوما شجرت ين ل مد‬
‫الشبكة بينهما‪ ،‬ويمكن اتخاذها بساطا إذا نام على اليابسة‪ .‬ل بديل عن الشبكة عند هطول‬
‫المطر أو عندما يوجد المرء في أرض رطبة‪ ،‬وهي حالة متواترة في المناطق المدارية‪.‬‬
‫تتم الشبكة بقطعة من رق النايلون الكتيم للماء‪ .‬يكون النايلون كبيرا بكفاية لتغطية الشبكة‬
‫وير بط بأرب عة أمراس مثب تة بزواياه الر بع‪ .‬وي شد مرس من مر كز الرق إلى الشجار‬
‫ال تي تح مل الشب كة فيف يد في تحد يد م سال المياه وير بط الرق من زواياه بشجيرة قري بة‪،‬‬
‫مشكّلً على هذا النحو خيمة صغيرة‪.‬‬
‫ل غنسى عسن البطانيسة‪ ،‬لن البرد شديسد جدا‪ ،‬فسي الجبسل‪ ،‬متسى سسجا الليسل‪ .‬ومسن‬
‫الضروري أيضا توفسر قطعسة لباس دافئة تسسمح بمواجهسة تغيرات الحرارة القصسوى‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫يشتمسل اللباس على بنطال وقميسص مسن كتان سسميك‪ ،‬موحسد أو غيسر موحسد‪ .‬ينبغسي أن‬
‫تكون الحذ ية على أح سن ما يم كن من الجودة‪ ،‬و هي من أولى ال صناف ال تي ينب غي‬
‫حيازة احتياط منها؛ إذ بدونها يصبح السير شاقا جدا‪.‬‬
‫ولما كان المغاور يحمل مأواه في حقيبته‪ ،‬فهذه الخيرة ذاتها هامة جدا‪ .‬يمكن صنع‬
‫أبسط الحقائب من جيب ما‪ ،‬يركب له سيران من الحبل‪ ،‬إلّ أن الحقائب المصنوعة من‬
‫الكتان الغل يظ والمتوفرة في ال سوق أو تلك ال تي ي صنعها ال سراّجون‪ ،‬تفضل ها‪ .‬ينب غي أن‬
‫يحمل المغاور دائما مؤونة فردية بالضافة إلى تموين الفرقة كلها‪ .‬المواد التي ل غنى‬
‫عنهسا هسي‪ :‬أولً الزبدة أو الزيست‪ ،‬الضروريان لسستهلك الجسسم مسن الدسسم‪ ،‬وعلب‬
‫ل عندمسا يتعذر الحصسول على غذاء للطبسخ‪ ،‬أو‬
‫المحفوظات التسي ل يجوز اسستعمالها إ ّ‬
‫عندما تتوفر كثرة من العلب فيعيق ثقلها السير‪ ،‬ومحفوظات السمك ذات القدرة الغذائية‬
‫العظي مة‪ ،‬والحل يب المك ثف و هو غذاء ممتاز سيما لكم ية ال سكر العظي مة ال تي يحوي ها‪،‬‬
‫وهو ايضا تفكهة حقيقية‪ .‬يمكن حيازة حليب مسحوق أيضا‪ .‬ثمة عنصر أساسي آخر هو‬
‫ال سكر ومثله الملح الذي تغدو الحياة بدو نه عذابا‪ .‬ولنخ تم ف صل المواد ال ساسية بب عض‬
‫التوابل التي أكثرها شيوعا البصل والثوم‪ ،‬ويمكن أن يوجد غيرهما‪ ،‬حسب المناطق‪ .‬هذا‬
‫هو الجوهري‪.‬‬
‫ينبغي أن يحمل المغاور في حقيبته صحنا وملعقة وسكينا متعدد النصال‪ .‬يمكن أن‬
‫يكون ال صحن ق صعة أو كَفتا أو عل بة محفوظات‪ .‬تت يح ط هي قط عة ل حم أو مالنغا‪ 38‬أو‬
‫رأس بطاطا أو شاي أو قهوة‪.‬‬
‫يلزم لصسيانة البندقيسة شحوم خاصسة ينبغسي اسستعمالها بعنايسة فائقسة‪ .‬وإذا لم يتوفسر‬
‫ق لتلميع السلح با ستمرار‪ ،‬وقض يب‬
‫الزيت الخاص‪ ،‬فزيت آلة الخياطة‪ .‬يلزم أيضا خِر َ‬
‫لتنظيف داخله‪ ،‬وهو عمل ينبغي إتيانه بتواتر كا فٍ‪ .‬تكون جعبة الفشك من صنع نظامي‬
‫أو محلي حسسب المكان‪ ،‬لكنسه ينبغسي أن تكون جيدة بكفايسة لعدم فقدان أي رصساصة‪.‬‬
‫الرصاص هو أساس النضال‪ .‬كل شيء سواه عبث بدونه‪ .‬إنه ثمين كالذهب‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫مالنغا ‪ : Malanga‬نبات يُغتذى به في بلدان أمريكا الوسطى‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫يجسب أن يحمسل المرء معسه مَطَرة أو صسفيحة ماء‪ ،‬إذ ل غنسى عسن الشرب الوافسر ول‬
‫يسستطيع دوما أن يحصسل على الماء فسي اللحظسة المرغوبسة‪ .‬ينبغسي حيازة الدويسة ذات‬
‫الستعمال العام أيضا كالبنسلين أو أي دواء آخر مضاد للحيوية‪ ،‬وبصورة رئيسية ما يؤخذ‬

‫منها بالفم‪ ،‬وكذلك مسكنات للحمى‪ ،‬واسبرين‪ ،‬وأدوية مضادة للمراض المستوطنة الخاصة‬
‫بالمنطقة‪ .‬كما يمكن توفر حبوب ضد البرداء وأدوية ضد السهال وضد الطفيليات من كل‬
‫نوع‪ .‬وفي المناطق التي تعيش فيها حيوانات سامة‪ ،‬يسوغ وجود المصل الموافق لها‪ .‬ويكون‬

‫باقسي التجهيسز جراحيا‪ .‬وينبغسي بالضافسة وجود حقائب للسسعاف الوّلي لجراء المعالجات‬
‫القل أهمية‪.‬‬
‫الت بغ مت مم عادي‪ ،‬ذو أهم ية خا صة في حياة المغاور‪ .‬ينب غي تو فر اللفائف وال سيكار‬
‫وتبغ الغليون‪ ،‬لن التبغ رفيق عظيم للجندي المنفرد في حالة الراحة‪ .‬الغليون مفيد جدا لنه‬

‫يسمح زمن العوز بالفادة القصوى من كل التبغ وأعقاب اللفائف والسيكار‪ .‬ليس الثقاب هاما‬

‫لشعال السسيكار فقسط‪ ،‬بسل لقدح النار أيضا‪ .‬فهذه مسن أصسعب المعضلت فسي الجبسل وقست‬
‫المطر‪ .‬ويستحسن بالضافة إلى القدّاحة توفر الثقاب الذي ينوب عنها إذا فقد وقود القداحة‪.‬‬

‫يلزم توفر الصابون ليس لنظافة الجسم بقدر ما هو لتنظيف الواني‪ .‬إذ متى بقيت هذه‬

‫وسخة‪ ،‬لوحظ توافر في التعفنات المعوية وحدثت التهابات تسببها بقايا الطعام المتخمرة التي‬
‫تستهلك مع الطعام الجديد‪ .‬يستطيع المغاور‪ ،‬بهذا التجهيز‪ ،‬أن يأمن الحياة في الجبل في أي‬
‫ظرف مجافٍ له‪ ،‬وللمدة اللزمة حتى يسيطر على الموقف مهما بلغ من السوء‪.‬‬

‫ثمسة متممات قسد تكون مربكسة أحيانا‪ ،‬إلّ أنهسا ذات فائدة عظمسى على وجسه العموم‪.‬‬

‫حقّة‪ 39‬هسي مسن هذا القبيسل‪ .‬تسستخدم كثيرا فسي البدء لحكام التوجيسه‪ ،‬لكسن معرفسة الرض‬
‫ال ُ‬

‫تج عل هذه الداة‪ ،‬شيئا فشيئا‪ ،‬غ ير ذات جدوى‪ .‬ثم إن ها صعبة ال ستعمال جدا في الرض‬

‫الجبل ية لن الطر يق ال تي تش ير إلي ها لي ست هي الفضلى بالضرورة‪ ،‬إذ أن ال خط الم ستقيم‬

‫تعترضه عادة عقبات ل تُجاز‪ .‬قطعة إضافية من رق النايلون هي شيء مفيد آخر‪ ،‬لتغطية‬

‫التجهيز كله وقت المطر‪ .‬ينبغي التذكر أن المطر في البلدان المدارية شبه مستمر في بعض‬

‫‪39‬‬

‫‪78‬‬

‫حقّّة‪ :‬العلبة الصغيرة التي تحوي إبراة مغناطيسية وتفيد في التوجيه‪( .‬البوصلة)‪.‬‬
‫ال ُ‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الشهور‪ ،‬وأن الماء عدو لكسل تجهيسز المغاور‪ ،‬مسن طعام وتسسليح وأدويسة وأوراق وملبسس‬
‫داخلية‪.‬‬
‫يمكسن حيازة ملبسس داخليسة للغيار‪ ،‬إلّ أنهسا عامسة‪ ،‬مسن أحمال الغرار‪ .‬يمكسن توفسر‬
‫بنطال للغيار‪ ،‬على الكثسر‪ ،‬وحذف الملبسس الداخليسة والمناشسف‪ ...‬الخ‪ .‬فعلى المغاور‪،‬‬

‫بالحياة ال تي يعيش ها‪ ،‬أن يقت صد من طاق ته ح ين يح مل متا عه‪ .‬سوف يتخلى هكذا شيئا فشيئا‬
‫عن كل ما ليس ذا قيمة جوهرية‪.‬‬
‫المتعة المتممة الخاصة باللياقة البدنية هي‪ :‬قطعة صابون تستخدم لغسل الثياب ولنظافة‬
‫سنُون‪ .40‬ويحسن توفر بعض الكتب يتعايرها أعضاء الغوارة‪ :‬سيرة‬
‫الجسم‪ ،‬فرشاة للسنان و َ‬

‫جيدة لبطال سالفين‪ ،‬ك تب تار يخ أو جغراف ية اقت صادية‪ ،‬والف ضل عن البلد ذا ته‪ ،‬وب عض‬
‫العمال ذات الطابع العام التي ترمي إلى رفع مستوى الجنود الثقافي وتُنقص من ميلهم إلى‬
‫الميسر‪ ،‬إذ ربما وجد وقت فراغ زائد أحيانا في حياة المغاور‪.‬‬

‫كل ما ب قي ث مة مكان في الحقي بة‪ ،‬ينب غي ملؤه بالزاد‪ ،‬إلّ في المنا طق ال تي تح سن في ها‬

‫شروط التموين‪ .‬يمكن حيازة السكاكر‪ ،‬أو الطعمة القل ضرورة‪ ،‬التي تشكّل تكملة للغذية‬
‫الجوهرية‪ .‬البسكويت هو من هذا القبيل‪ ،‬وإن كان كبير الحجم ويتكسر حتى يغدو مسحوقا‪.‬‬

‫ويف يد في الجبال ذات النبات المداري‪ ،‬حوز مُد ية "ماشي ته"‪ ،‬ك ما تف يد في المك نة الرط بة‬
‫جدا‪ ،‬قنينة بنزين صغيرة أو خشب راتنجي‪ ،‬لشعال النار عندما يكون الحطب مبلولً‪.‬‬

‫سا المعلومات‪ ،‬ويكتسب الرسسائل‬
‫على كسل مغاور أن يحوز أيضا مفكرة يسسجل فيهس‬
‫ويتخا طب مع المغاو ير الخر ين‪ ،‬وكذلك قلما أو قلم حبر‪ .‬ي جب أن يكون في متناوله دائما‬

‫قطعسة خيسط أو نبات حبلي‪ ،‬ذات فوائد متعددة‪ ،‬وكذلك إبر وخيسط وأزرار‪ .‬إن المغاور الذي‬

‫يمتلك هذا التجه يز يح مل على من كبيه بيتا متينا‪ ،‬كبير الوزن إلّ أ نه كا فٍ لتأم ين أر فه حياة‬

‫ممكنة في غمرة ظروف الحرب‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫سنُون‪ :‬المادة التي تستعمل لتنظيف السنان‪( .‬معجون السنان)‪.‬‬
‫ال َ‬
‫‪79‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪3‬‬

‫– تنظيم الغوارة‬

‫ل يمكن تنظيم الغوار وفق مخطط جامد‪ .‬فهناك فروق ل تحصى تبعا للبيئات التي‬
‫ينب غي أن تتك يف ب ها‪ .‬و سوف نفترض‪ ،‬تب سيطا لعرض نا‪ ،‬أن تجربت نا الخا صة هي ذات‬
‫قيمة عامة‪َ ،‬بيْدَ أنه ينبغي التذكير دائما أنه يمكن تنظيم غوارة بطرق أخرى أكثر مؤاتاة‬
‫لخصائص جماعة مسلحة أخرى‪.‬‬
‫إن عدد الرجال الذيسن يؤلفون الغوارة هسو مسن أعسسر المسسائل حسسما‪ .‬يتفاوت هذا‬
‫العدد‪ ،‬ومثله بنيسة الفرقسة ذاتهسا‪ ،‬كمسا شرحنسا آنفا‪ .‬وإذا قبلنسا أن الجماعسة قوة تجول فسي‬
‫أرض مؤات ية ل ها‪ ،‬جبل ية‪ ،‬في شروط لي ست من ال سوء بح يث تلوذ بفرار دائم‪ ،‬ول من‬
‫الجودة بحيث تتخذ لها مأرِز عمليات‪ ،‬ففي هذه الحالة ينبغي أل تعد جماعة مسلحة أكثر‬
‫ل في كل وحدة مقاتلة‪ .‬إنه عدد مرتفع نوعا ما‪ .‬والمثل أن ت ضم‬
‫من مئة وخم سين رج ً‬
‫ل يقوده مقدم‪ ،‬و فق ت سلسل الر تب الكوب ية‪ .‬ويح سن التذك ير‬
‫مئة ر جل‪ .‬هذا ما يش كل رت ً‬
‫بأن رتب العريف والرقيب التي كانت تعتبر مميزة للطغيان‪ ،‬كانت قد أُلغيت في حربنا‪.‬‬
‫يتولى إذا مقدّم قيادة جملة القوى التسي عددهسا مئة إلى مئة وخمسسين رجلً‪ .‬وسسوف‬
‫يكون عدد النقباء بعدد ما يوجد من مجموعات قوامها ثلثون إلى أربعين رجلً‪ .‬إن دور‬
‫النق يب هو قيادة مجموع ته وتأليب ها‪ ،‬وجعل ها تقا تل بتما سك‪ ،‬وتولي توزيع ها وتنظيم ها‬
‫العام‪ .‬إن الوحدة الوظيف ية في حرب الغوار هي الزمرة‪ .‬قوام الزمرة حوالي ثمان ية إلى‬
‫اثني عشر رجلً‪ ،‬وعلى رأسها ملزم يقوم من أجل زمرته بوظائف النقيب ذاتها‪ ،‬إلّ أنه‬
‫يبقى تحت إمرة الخير‪.‬‬
‫إن م يل الغوارة إلى الع مل في جماعات صغيرة يج عل من الزمرة الوحدة الحقيق ية‬
‫في ها‪ .‬فيؤلف ثمان ية رجال إلى عشرة ال حد الق صى للقتال المتما سك‪ .‬تع مل هذه الزمرة‬
‫تحت إمرة قائدها المباشر‪ ،‬الذي كثيرا ما يكون منفصلً عن النقيب‪ ،‬وإن كان في جبهة‬
‫‪80‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل فسي بعسض الظروف الخاصسة‪ .‬إن مسا ل يجوز عمله أبدا هسو تجزئة‬
‫واحدة معسه‪ ،‬إ ّ‬
‫الوحدة‪ .‬يُعيسن فسي كسل فصسيلة وكسل زمرة خَلَف مباشسر للقائد‪ ،‬فسي حالة فقدان الخيسر‪.‬‬
‫وينبغي أن يكون الخلف ذا تهيئة كافية لتولي مسؤولياته الجديدة مباشرة‪.‬‬
‫التغذية م سألة أ ساسية في هذه الفر قة حيث ينب غي أن يح ظى الجميع‪ ،‬من آ خر ن فر‬
‫إلى القائد‪ ،‬بذات المعاملة‪ .‬تتخذ التغذية أهميتها القصوى ليس فقط من جراء نقص التغذية‬
‫المز من‪ ،‬بل لن توزيع ها يش كل الحدث اليو مي الوح يد أيضا‪ .‬الفر قة شديدة الح ساسية‬
‫بالعدالة‪ ،‬فتَ ْرزِن الجِرَايات‪ 41‬بفكسر نقاد‪ .‬ينبغسي عدم السسماح بأيسة حظوة لحسد أبدا‪ .‬فإذا‬
‫أجرى توزيع الطعام‪ ،‬لسبب ما‪ ،‬على الرتل كله‪ ،‬ينبغي وضع نظام والتقيد به بصرامة‪،‬‬
‫مع احترام كميّات الطعام المقدم ل كل فرد وجودته‪ .‬أ ما توز يع المل بس‪ ،‬فم سألة مختل فة‪.‬‬
‫ل درجة احتياج‬
‫هذه أمتعة ذات استعمال فردي‪ .‬هناك عاملن يتقدمان في هذه الحالة‪ :‬أو ً‬
‫الطالب ين‪ ،‬وغالبا ما يكون عدد هم أك ثر من المت عة المعدة للتوز يع‪ ،‬وثانيا ِقدَم كل فرد‬
‫وا ستحقاقه‪ .‬يصسعب تحديسد نظام ال ِقدَم وال ستحقاق‪ ،‬وي جب أن يضعسه أحسد الم سؤولين‪،‬‬
‫ويخضع هذا بدوره إلى رقابة قائد الرتل المباشر‪ .‬ينبغي أن يتم التوزيع على ذات النحو‬
‫من أجل الشياء الخرى الطارئة والتي ليست ذات استعمال جماعي‪ .‬ينبغي توزيع التبغ‬
‫والسيكار بالعدل بين الجميع‪.‬‬
‫يجب تكليف رجال خاصين بعمل التوزيع هذا‪ .‬ويفضل أن يكونوا تابعين إلى القيادة‬
‫مباشرة‪ .‬تضطلع القيادة بالمهمات الدار ية وبالرتباطات‪ ،‬وه ما أمران جد هام ين‪ ،‬ك ما‬
‫تضطلع بسسائر المهمات التسي تخرج على العادة‪ .‬ينبغسي أن يشترك بالقيادة أشسد الضباط‬
‫ذكاء‪ .‬وينبغسي أن يكون جنودهسم نابهيسن ومفعميسن بروح تضحيسة قصسوى‪ ،‬إذ كثيرا مسا‬
‫يطلب من هم أك ثر م ما يطلب من سائر الفر قة‪ .‬أ ما الطعام فلن يكون ل هم ف يه حق بأي‬
‫معاملة خاصة‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫الجراية‪ :‬كمية الطعام المخصصة لكل فرد‪ .‬الرَزِن‪ :‬القيام بتقدير كمية الشيء‪ .‬والرَزِن هنا تقدير يتم‬

‫بمجرد النظر‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫يح مل كل مغاور تجهيزه الكا مل‪ ،‬إل أ نه ينب غي بالضا فة‪ ،‬توز يع عدة أشياء ها مة‬
‫تخص الرتل كله توزيعا عادلً‪ .‬توجد لذلك طريقتان‪ .‬يتعلق تفضيل أحديهما بعدد الرجال‬
‫الذيسن ل يحملون سسلحا‪ .‬تقوم الطريقسة الولى على توزيسع كسل الشياء مثسل الدويسة‬
‫والدوات الجراحية والسنية‪ ،‬والجرايات الضافية‪ ،‬والملبس والواني المختلفة الزائدة‪،‬‬
‫والتسليح الثقيل‪ ،‬بصورة متكافئة بين الفصائل كافة‪ ،‬وهي التي تكون مسؤولة عندئذ عن‬
‫العتاد المخصسص لهسا‪ .‬يوزع كسل نقيسب هذه الشياء بيسن الزمسر‪ ،‬وكسل آمسر زمرة بيسن‬
‫رجاله‪ .‬ت ستخدم الطري قة الثان ية عند ما ل تكون الفر قة كل ها م سلحة ت سليحا كاملً‪ ،‬فتقوم‬
‫على تشكيل زمر أو فصائل مكلفة بالنقل بصورة خاصة‪ :‬تكون هذه الطريقة عادة أحسن‬
‫مردودا إذ أن أحمال جنود هذه الزمر والفصائل أخف وزنا‪ ،‬ما دام العزّل منهم خالصين‬
‫مسن ثقسل البندقيسة ومسسؤوليتها‪ .‬والعدة فسي هذه الحالة أكثسر تمركزا‪ ،‬فيقسل عليهسا خطسر‬
‫الضياع‪ .‬ويكون جزاء الحامل ين منح هم قط عة سلح‪ ،‬فتدب بين هم روح المباراة ويريدون‬
‫مزيدا مسن الحمسل ويبدون حماسسا أعظسم‪ .‬تسسير هذه الفصسائل فسي المؤخرة‪ ،‬عليهسا ذات‬
‫الواجبات ولها حق في ذات المعاملة كبقية الفرقة‪.‬‬
‫تتنوع المهمات داخل الرتل تبعا لنشاطه‪ .‬فإذا لم يبارح الرتل المعسكر‪ ،‬تؤلف زمرة‬
‫خاصسة للحراسسة‪ ،‬ينبغسي أن تتألف مسن جنود متمرسسين بالقتال‪ ،‬مختصسين‪ ،‬ينالون لهذه‬
‫المه مة مكافأة خا صة‪ ،‬هي ب صورة عا مة‪ ،‬مز يد من ال ستقلل‪ ،‬أو توز يع فائض من‬
‫الحلوى أو الت بغ‪ .‬فإذا كان ثمة مئة ر جل مثلً‪ ،‬ومئة وخ مس عشرة علبة سيكارة‪ ،‬يم كن‬
‫توزيع هذه العلب الخمس عشرة الفائضة بين أفراد هذه الزمر‪ .‬تكلف المقدمة والمؤخرة‪،‬‬
‫والمتمايزتان نهارا على م ساحة مت سعة‪ ،‬وي صعب بلوغ ها ليلً‪ .‬وإذا و جب المكوث في ها‬
‫عدة أيام‪ ،‬لزم إنشاء وسسائل دفاع فعالة تحسسبا لحالة تعرضهسا للهجوم‪ .‬يمكسن ضرب‬
‫وسسائل الدفاع هذه عنسد انسسحاب الغوارة‪ ،‬أو تركهسا إذا لم تفرض الظروف ضرورة‬
‫تعفية‪ 42‬كل أثر عن مرور الرتل‪.‬‬
‫ينب غي أن ت قع الما كن المختارة للحرس على مرتفعات‪ ،‬ت سمح بالشراف تماما عن‬
‫بقية الفرقة بمهام الحراسة الرئيسية إلّ أن كل فصيلة ينبغي أن يكون لها حرّاسها وكلما‬
‫‪42‬‬

‫‪82‬‬

‫التعفية‪ :‬إزالة معالم الثر‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫كان الحرس مبتعدا عسن المعسسكر‪ ،‬ل سسيما فسي المنطقسة المحررة‪ ،‬كلمسا ازداد أمان‬
‫الجماعة‪.‬‬
‫و في حال إقا مة مع سكر دائم‪ ،‬يلزم ا ستكمال‪ .‬جملة و سائل الدفاع با ستمرار‪ .‬ينب غي‬
‫ل في المنط قة الجبل ية‬
‫التذ كر أن مد فع الهاون هو ال سلح الثق يل الوح يد الذي يكون فعا ً‬
‫وعلى أرض ُأحِ كم اختيار ها‪ .‬وبا ستخدام سقوف منا سبة من المواد المحل ية‪ ،‬كالخ شب‪،‬‬
‫والحجر‪ ...‬إلخ‪ ،‬يمكن إنشاء ملجىء ممتازة توقف اقتراب جنود العدو وتقي شر قذائفه‪.‬‬
‫من الم هم جدا في المع سكر أن يحا فظ على الضبا طة‪ ،‬ال تي ينب غي أن تر مي إلى‬
‫أهداف تربويسة‪ :‬إجبار المغاويسر على الهجوم والنهوض بسساعات محددة‪ ،‬ومنعهسم مسن‬
‫ممارسة اللعاب التي ل صفة اجتماعية لها والتي تستدرج معنويات الفرقة إلى النحلل‪،‬‬
‫ومنع استهلك المشاريب الغَوْلية‪ ...43‬إلخ‪ .‬وتكلف لجنة بالنظام الداخلي‪ ،‬تنتخب من بين‬
‫المقاتلين المتحلّين بأعظم الجدارات الثورية‪ :‬لتقوم بتحقيق هذه المهمات كافة‪ .‬ويكون من‬
‫مهماتها أيضا منع إيقاد النيران في المكنة المكشوفة أو تصاعد الدخان قبل حلول الليل‪،‬‬
‫والعناية بتنظيف المعسكر قبل مغادرته‪ ،‬لصون السر المطلق حول وجود الغوارة‪.‬‬
‫ينبغسي النتباه جدا إلى مواقسد النار التسي يسستمر جمرهسا متقدا لمدة طويلة‪ ،‬فتغطسى‬
‫بالتراب‪ ،‬كمسا تدفسن الوراق وعلب المحفوظات والفضلت الغذائيسة‪ .‬يجسب أن يريسن‬
‫ال صمت المطلق تماما على الر تل إبان ال سير‪ .‬تنت قل الوا مر إيما ًء أو هم سا‪ ،‬سارية من‬
‫فم إلى ُأذُ نْ حتى آخر رجل‪ .‬وإذا ما اجتازت الغوارة مناطق مجهولة وهي تشق طريقها‬
‫أو تتبع دليلً‪ ،‬تسير المقدمة على مسافة حوالي مئة أو مئتي متر إلى المام‪ ،‬تبعا لموائز‬
‫الرض‪ .‬و في المنا طق ال تي يحت مل في ها الت يه‪ ،‬يُترك ر جل ع ند كل منع طف لينت ظر‬
‫التالي‪ ،‬وهكذا حتى آخر رجل في المؤخرة‪ .‬وتسير المؤخرة منفصلة هي أيضا عن سائر‬
‫الر تل‪ ،‬ترا قب المؤخرات وتحاول م حو آثار المرور قدر المكان‪ .‬وإذا كان ث مة دروب‬
‫جانبية يلوح منها خطر‪ ،‬يجب أن تحرسها زمرة حتى مرور آخر رجل في الفرقة عنها‪.‬‬
‫ويكون من الي سر أن تفرز هذه الزمرة من ف صيلة خا صة‪ ،‬ب يد أ نه يم كن تشكيل ها أيضا‬
‫‪43‬‬

‫سكِر‪"( .‬الكحول")‪.‬‬
‫ال َغوْل‪ :‬المُ ْ‬
‫‪83‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫من عنا صر تنت مي إلى كل الف صائل‪ .‬ي جب أن تنت ظر هذه الزمرة ح تى تعقب ها الزمرة‬
‫التالية‪ ،‬قبل أن تعود إلى فصيلتها‪ ،‬وهكذا دواليك إلى أن يتم مرور الفرقة كلها‪.‬‬
‫ل ينبغي فقط أن يتم السير على نمط واحد بترتيب مقرر‪ ،‬بل أن يستمر هذا الترتيب‬
‫دوما‪ ،‬ليعرف أن الف صيلة ر قم ‪ 1‬هي المقد مة‪ ،‬والف صيلة ر قم ‪ 2‬هي ال تي تلي ها‪ ،‬و في‬
‫الو سط الف صيلة ر قم ‪ 3‬ال تي يم كن أن تكون ف صيلة القيادة‪ ،‬ثم الر قم ‪ ،4‬ثم المؤخرة أي‬
‫الفصيلة رقم ‪ .5‬ينبغي الحفاظ على هذا الترتيب دوما‪ .‬ويجب في السير الليلي أن يكون‬
‫الصمت أكثر إطباقا بعد‪ ،‬وأن تخفض المسافة بين كل مقاتلين اثنين‪ ،‬لكي ل يتيه أحد ول‬
‫ل هي عدوة المغاور‪.‬‬
‫يضطر امرؤ إلى رفع الصوت أو اشعال ما يضيء‪ ،‬فالضاءة لي ً‬
‫سة كالحقائب‬
‫سر اللزمس‬
‫سا‪ ،‬تترك الحمال غيس‬
‫سير توطئة لهجوم مس‬
‫وإذا كان هذا السس‬
‫والقدور‪ ...‬إلخ في المكان المحدد كنق طة ازدلف‪ 44‬عا مة بعسد بلوغ الهدف‪ ،‬وتتا بع كل‬
‫فصسيلة حاملة سسلحها وتجهيزهسا الحربسي فقسط‪ .‬يجسب أن يقوم أناس موثوقون‪ ،‬سسلفا‪،‬‬
‫بدراسة النقطة المزمع مهاجمتها‪ ،‬فيجرون التصالت ويرسلون تقريرا عن حرس العدو‬
‫وأوصساف معسسكره وعدد حماتسه‪ .‬تقرر عندئذ خطسة الهجوم النهائيسة‪ ،‬ويُوزع المقاتلون‪،‬‬
‫على أن يحسب دوما تخصيص قسم كبير من الرجال لمكافحة النجدات المحتملة‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫‪84‬‬

‫نقطة الزدلف‪ :‬النقطة المحددة للقتراب منها واللتقاء فيها بعد العمل‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪85‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وإذا كا نت مهاج مة المع سكر لي ست إلّ إلهاء ل ستدراج قدوم النجدات (تض طر هذه‬
‫النجدات أن تمر في دروب مؤاتية للكمائن)‪ ،‬وجب أن ينقل رجل من الكمين نتيجة المر‬
‫بسسرعة إلى القائد‪ ،‬مسع إشعاره إذا اقتضسى فسك الحصسار لكسي ل يتعرض المحاصسِرون‬
‫لهجوم خل في‪ .‬وبأ ية حال‪ ،‬ي جب دائما‪ ،‬خلل الح صار أو الهجوم المبا شر‪ ،‬وجود حرس‬
‫على الدروب المؤدية إلى مكان القتال‪.‬‬
‫ويفضسل الهجوم المباشسر دائما إذا كان الوقست ليلً‪ .‬ويمكسن السستيلء حتسى على‬
‫المعسكر دون كبير خطر‪ ،‬إذا ما توفرت الشجاعة وسرعة الخاطر اللزمتان‪.‬‬
‫ل النتظار وحفر الخنادق مع القتراب من العدو أكثر فأكثر‬
‫ل يبقي أثناء الحصار إ ّ‬
‫ومحاولة إرهاقسه بكسل الوسسائل وخاصسة إرغامسه بالنار على الخروج‪ .‬إن "كوكتيسل‬
‫مولوتوف" سسلح ذو فعاليسة خارقسة على مقربسة مسن العدو‪ .‬وإذا لم يتسم القتراب بكفايسة‬
‫للقاء "كوكتيل"‪ ،‬أمكن استخدام بنادق ذات إياد خاص‪ .‬تتألف هذه السلحة التي أسميناها‬
‫خلل الحرب "م – ‪ ،"16‬من بندق ية عيار ‪ 16‬مق صورة القناة‪ ،‬ت سند إلى ع صوين يؤلف‬
‫منقار الخ مص معه ما من صبا ثلثيا‪ .‬ت صنع القناة زاو ية قدر ها حوالي ‪ ْ 45‬مع ال فق‪.‬‬
‫تتغ ير الزاو ية وضوحا تبعا لتقد يم أو تأخ ير قائم تي المن صب الماميت ين‪ .‬تل قم النبدق ية‬
‫بفشكة خلّب تسند إليها عصا اسطوانية الشكل قدر المكان‪ ،‬تنوف على القناة‪ ،‬وهي التي‬
‫سوف تغدو مقذوفة‪ .‬يسند إلى طرف العصا المنيف إياد من ِفلِ ّز‪ 45‬يحمل مُخامدا مطاطيا‬
‫من جهة قاعدته‪ ،‬كما يحمل زجاجة البنزين‪ .‬يقذف هذا الجهاز زجاجات ملتهبة إلى مئة‬
‫م تر وأك ثر‪ ،‬بد قة ن سبية‪ .‬إ نه سلح أم ثل في الح صار‪ ،‬وازاء البن ية الخشب ية أو ذات‬
‫المواد القابلة للشتعال‪ ،‬وكذلك للرمسي على الدبابات فسي الرض الجبليسة‪ .‬ومتسى انتهسى‬
‫الحصار بالظفر أو رفع بسبب بلوغ الهداف‪ ،‬تنحسب الفصائل كافة بانتظام إلى النقطة‬
‫التي تركت فيها الحقائب‪ ،‬وتستأنف الحياة النظامية‪.‬‬
‫تولّد حياة المغاور البدو ية في هذه المرحلة ح سا من الخوة مرهفا جدا ب ين الرفاق‪،‬‬
‫لكن ها تولد أيضا أحيانا خ صومات ب ين الجماعات‪ ،‬فإذا لم تهذب هذه الخ صومات وتحوّل‬
‫‪45‬‬

‫‪86‬‬

‫الفلِزّ‪ :‬ما يصهر من المعدن كالحديد وغيره‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل خ طر ت صدّع وحدة الر تل‪ .‬ينب غي القيام بترب ية المغاو ير م نذ بدء‬
‫إلى مباراة سليمة‪َ ،‬مثُ َ‬
‫النضال بشرح معناه الجتما عي وواجبات هم‪ .‬ينب غي إعطاؤ هم مفاه يم واض حة‪ ،‬وتلقين هم‬
‫أخلقا تعرك طباع هم وتج عل من كل تجر بة عونا ل هم لتجاوز أنف سهم‪ ،‬فل تكون مجرد‬
‫وسيلة إضافية للصراع من أجل البقاء‪.‬‬
‫إن للمَثَل قي مة تربو ية كبرى‪ ،‬وعلى القادة أن يضربوا بأنف سهم م ثل حياة ل صدع‬
‫في ها وهبو ها للقض ية‪ .‬ت ستند ترق ية الجندي على شجاع ته وكفاءا ته وروح فدائه‪ .‬ف من ل‬
‫يو فر هذه الشروط مليا ل يمك نه ا ستلم الم سؤوليات‪ ،‬ل نه سوف يت سبب‪ ،‬إن عاجلً أو‬
‫آجلً‪ ،‬بطوارىء مؤسفة‪.‬‬
‫ما إن يقترب أحد المغاوير من بيت‪ ،‬إلّ ويقع سلوكه تحت المراقبة‪ :‬فبحسب طريقته‬
‫فسي طلب خدمسة مسا‪ ،‬أو تمويسن‪ ،‬وبحسسب السساليب التسي يسستخدمها للحصسول عليهمسا‪،‬‬
‫يستخلص الهلون عن تشكيلة الغوار استنتاجاتهم‪ ،‬مؤاتية أو مجافية لها‪.‬‬
‫يقتضسي الحذر إذا أن يشرح القائد هذه المسسائل بالتفصسيل‪ ،‬ويوليهسا الهميسة التسي‬
‫تستأهلها‪ .‬ينبغي أن يقنع الرجال أيضا بمثاله الخاص‪ .‬وإذا اتفق الدخول إلى قرية‪ ،‬يجب‬
‫ل ممكنا من الضبا طة‪،‬‬
‫م نع المشار يب الغول ية م سبقا‪ ،‬وتحض يض الفر قة‪ ،‬وإعطاؤ ها مثا ً‬
‫ومراقبة دخول الرجال إلى القرية وخروجهم منها باستمرار‪.‬‬
‫ل بسد أن تتعرض تشكيلة الغوار لمحنسة التطويسق لمعرفسة تنظيمهسا وقيمتهسا القتاليسة‬
‫وبطولتهسا وروحهسا‪ ،‬لن التطويسق أخطسر وضسع فسي الحرب‪ .‬كان مغاورونسا أثناء الحرب‬

‫يطلقون في لغت هم " سُحْنة الح صار" على الو جه القا نط لدى ب عض الجنود المذعور ين‪ .‬كان‬

‫زعماء العهسد المباد يدعون حملتهسم بفخار "تطويقا" و"إبادة"‪ .‬أمسا بالنسسبة لتشكيلة غواريسة‬
‫خبيرة بأرض ها‪ ،‬مرتب طة فكريا وعضويا بقائد ها‪ ،‬فلي ست هذه م سألة عظي مة الخ طر‪ .‬يك في‬

‫عندهسا التحصسّن‪ ،‬ومحاولة اجتناب تقدم العدو الذي تدعمسه السسلحة الثقيلة‪ ،‬وانتظار الليسل‪،‬‬
‫حليف المغاور الطبيعي‪ .‬وعند الغسق‪ ،‬في أشد تكتم ممكن‪ ،‬وبعد التعرف إلى أفضل الدروب‬

‫واختياره‪ ،‬تتخذ أكثر وسائل النسحاب ملءمة‪ ،‬مع التزام أطبق الصمت‪ .‬ويصعب للغاية في‬
‫هذه الظروف الحؤول بين جماعة من الرجال وبين الفلت من الطوق ليلً‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪4‬‬

‫– القتال‬

‫ل فصلً عابرا في تطور النضال‪ ،‬لكن‬
‫القتال أهم عمل في حياة الغوار‪ .‬ليس القتال إ ّ‬
‫هذه اللقاءات تت خذ بل ر يب أهم ية خار قة‪ ،‬لن كل اشتباك هو معر كة أ ساسية بالن سبة‬
‫للمقاتلين‪.‬‬
‫ذكر نا آنفا أن الهجوم ي جب أن ي تم مع ضمان تام لنجا حه‪ .‬علي نا أن نشرح الخطوط‬
‫العريضة للصيالة الواجب اتباعها‪ ،‬ولعمل الهجوم ذاته‪ ،‬مع الموائز المختلفة التي يمكن‬
‫أن تتبادر في كل عملية‪ .‬سوف نصف النضال في الرض المؤاتية في المقام الول‪ ،‬لنه‬
‫المثال ال َنمَطي‬

‫‪46‬‬

‫في حرب الغوار‪ ،‬ول نه ينب غي أن ت ستخدم ف يه مبادىء سابقة لكت ساب‬

‫التجربسة العمليسة‪ ،‬بغيسة حسل بعسض المسسائل‪( .‬أمسا حرب السسهل فهسي دائما نتيجسة تقدم‬
‫الغوّرات بف ضل اشتداد بأ سها وبف ضل الظروف الخا صة بالبيئة‪ ،‬وهذا يع ني أ نه أ صبح‬
‫لدى المغاوير تجربة غنية يمكنهم أن يفيدوا منها)‪.‬‬
‫تتو غل الرتال المعاد ية عميقا في الرض الثائرة‪ ،‬خلل الطور الول من الحرب‪.‬‬
‫وتبعا لقوى هذه الرتال‪ ،‬يمارس نمطان من الهجوم‪ .‬يؤدي الن مط الول ب صورة منهجية‬
‫وعلى مدى بضعسة شهور‪ ،‬إلى إفقاد هذه الرتال كفاءتهسا الهجوميسة‪ .‬إنسه يسسبق النمسط‬
‫الخر زمنيا يسدد هذا الهجوم على المقدمات‪ :‬فالراضي المجافية تمنع الرتال من التقدم‬
‫مع تغطية كافية على جناحيها‪ .‬لذا وجب أن تكون لها دوما مقدمة هي التي تدخل أولً‪،‬‬
‫فتعرض حياة رجالهسا لتضمسن بذلك سسلمة بقيسة الرتسل‪ .‬فعندمسا ل يكون عدد المغاويسر‬
‫كافيا‪ ،‬ول يمكسن التعويسل على احتياطات‪ ،‬ويكون العدو بالضافسة إلى ذلك قويا‪ ،‬ينبغسي‬
‫ل قدرا من‬
‫استهداف إبادة هذا الرأس المتقدم دوما‪ .‬جملة هذا العمل بسيطة‪ ،‬ول تتطلب إ ّ‬

‫‪46‬‬

‫‪88‬‬

‫النمط‪ :‬الشكل النموذجي الذي يُتمثل به‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫التنسيق‪ .‬عندما يَذُ ّر‪ 47‬رأس المقدمة في المكان المقرر – وهو المكان الكثر حُزونة‪- 48‬‬
‫يُ سمح لق سم من المقد مة بولوج الطر يق ويُ صْلى نارا فتّا كة‪ .‬هذا بين ما ت ستوقف جما عة‬
‫صغيرة بقية الرتل هنيهة بحيث يُستطاع وضع اليد على السلحة والذخائر والتجهيزات‪.‬‬
‫ينبغي أن تحضر لذهن المغاور دوما فكرة أن منبع تموينه بالسلح هو العدو‪ .‬يجب عدم‬
‫خوض المعركة إلّ ِلغَنم العتاد‪ ،‬عدا حالت الستثناء‪.‬‬
‫يجري تطويسق الرتسل تماما عندمسا تسسمح قوى تشكيلة الغوار بذلك‪ ،‬أو يخلق هذا‬
‫النطباع على ال قل‪ .‬و في هذه الحالة الخيرة ينب غي أن تكون مقدمة تشكيلة الغوار قوية‬
‫ومتحصسنة بقدر كاف لمقاومسة هجمات العدو الجبهيسة‪ .‬وعندمسا يتسم إيقاف العدو‪ ،‬تَ ْنتََل‬

‫‪49‬‬

‫قوى المؤخرة لمهاجمة العدو من خلفه‪ .‬ولما كان المكان قد اختير سلفا بحيث ل يستطيع‬
‫العدو التصرف بجناحيه‪ ،‬يسهل إرباض قناصين يبقون على الرتل كله في منطقة النار‪،‬‬
‫ولو بلغ ثمان ية إلى عشرة أضعاف عدد هم‪ .‬في جب في هذه الحالة‪ ،‬وبفرض كفا ية القوى‪،‬‬
‫نصسب كمائن تراقسب كافسة الدروب‪ ،‬لوقسف النجدات‪ .‬يُشسد الطوق تدريجا‪ ،‬وخاصسة فسي‬
‫ل بسه‪ ،‬فإن الليسل يدع قوة المغاور‬
‫الليسل‪ .‬ولمسا كان المغاور خسبيرا بالمكان والعدو جاه ً‬
‫تزداد‪ ،‬ومثلها رعب العدو‪.‬‬
‫يم كن بهذه الطري قة وعلى جا نب من ال سهولة‪ ،‬إبادة ر تل أو ت كبيده الخ سائر بح يث‬
‫يلزمه زمن طويل قبل أن يعاد تأليبه‪.‬‬
‫وعند ما تكون قوى الغوارة ضئيلة ويراد مع ذلك تأخ ير تقدّم الر تل العدو أو صدّه‪،‬‬
‫توزع قوى الغوارة إلى زمسر قوامهسا اثنيسن إلى عشرة رماة‪ ،‬فسي الجهات الربسع‪ ،‬حول‬
‫الرتل‪ .‬يمكن الشروع مثلً بالقتال على الميمنة‪ .‬وعندما يوجه العدو عمله إلى هذا الجناح‬
‫ويهجم منه‪ ،‬يبدأ الرمي على الميسرة‪ ،‬ثم في المؤخرة أو المقدمة‪ ،‬وهكذا‪ .‬يمكن على هذا‬
‫النحو جعل العدو في حالة إنذار دائمة‪ ،‬باستعمال ذخيرة قليلة جدا‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫ذَرّ الشيء‪ :‬ظهر منه أصغر جزء ممكن‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫حُزونة الرض‪ :‬وُعورتها‪ ،‬ضد السهولة‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫َنتَل‪ :‬تقدَم مستعدا‪.‬‬
‫‪89‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ينبغسي أن تُكيّفس مِهانسة الهجوم على قافلة أو على موضسع للعدو‪ ،‬بظروف الرض‬
‫المختارة‪ .‬وينب غي الع مل بعا مة‪ ،‬بح يث ي تم أول اقتحام ل حد الموا ضع‪ ،‬في الل يل‪ ،‬فجأة‪،‬‬
‫مستهدفا أحد المراكز المامية‪ .‬يمكن لهجوم مفاجىء يشنه مغاوير متمرسون أن يصفي‬
‫أحسد المواضسع بسسهولة‪ ،‬مسع احتسساب التفوق الحاصسل بتأثيسر الفجاء‪ .‬ومسن أجسل القيام‬
‫بتطويسق منظّمس‪ ،‬يمكسن مراقبسة منا طق الهروب بقلة مسن الرجال‪ ،‬وحما ية م سالك القدوم‬
‫بكمائن تنصب بحيث أن العدو إذا مر عن أحدها‪ ،‬استطاع المغاوير النكفاء وبقي هناك‬
‫كم ين ثا نٍ‪ .‬وعند ما ل يؤ ثر عن صر المفاجأة‪ ،‬يتو قف الظ فر أو الهزي مة‪ ،‬و قت احتلل‬
‫المع سكر‪ ،‬على كفاءة قوى التطو يق في إيقاف و صول النجدات‪ .‬يتو فر للعدو‪ ،‬عا مة في‬
‫هذه الحالة‪ ،‬دعم المدفعية ومدفعية الهاون والطيران والدبابات‪ .‬الدبابة سلح قليل الخطر‬
‫في الرض المؤاتية للغوارة‪ :‬علي ها أن ت مر في دروب ضي قة يسهل أن ت قع فيها فري سة‬
‫اللغام‪ .‬ثم أن كفاءة الدبابات الهجوم ية تف قد هه نا من قيمت ها ما دا مت تض طر أن ت سير‬
‫رتلً أحاديا أو على الكثر ثنائيا‪ .‬اللغم هو أفضل السلحة وآمنها ضد الدبابات‪ .‬أما في‬
‫اللتحامات التي يسهل تحقيقها في الراضي الوعرة‪ ،‬فيغدو "كوكتيل مولوتوف" سلحا ذا‬
‫فعالية خارقة‪ .‬ول نتكلم عن البازوكة التي تكون سلحا دفاعيا جديا لقوى الغوار‪ ،‬إلّ أنه‬
‫ي صعب توفيره‪ ،‬في بداية النضال على ال قل‪ .‬أما مدفع الهاون‪ ،‬فيم كن اللجوء ضده إلى‬
‫الخندق المسسقوف‪ .‬والهاون سسلح عظيسم الفعاليسة ضسد موضسع مطوق‪ ،‬غيسر أن قدرتسه‬
‫تنقسص بالمقابسل‪ ،‬إزاء مهاجميسن جائليسن‪ .‬ليسس للمدفعيسة دور كسبير فسي هذا النوع مسن‬
‫ال صراع ل نه ينب غي ن صبها في موا ضع سهلة المنال‪ ،‬و هي عاجزة ضد أهداف جائلة‪.‬‬
‫ل أن فعاليتسه تتضاءل كثيرا بقدر مسا‬
‫الطيران هسو السسلح الرئيسسي لقوى الضطهاد‪ ،‬إ ّ‬
‫تغدو أهدافسه الوحيدة هسي خنادق صسغيرة ل ترى‪ .‬سسوف يرمسي الطيران قنابسل شديدة‬
‫البأس‪ ،‬يكون صوتها أعظم من أذاها‪ .‬ثم إنه كلما ازداد القتراب من خطوط دفاع العدو‪،‬‬
‫كلما عسر على طيرانه مهاجمة هذه النقاط‪.‬‬
‫اللغم المسيّر عن بعد هو أكثر أنماط اللغام فعالية‪ ،‬إلّ أنه يتطلب معلومات مِهانية‬
‫ل تتو فر دائما‪ .‬غ ير أن اللغام ذات الض غط‪ ،‬وذات الفت يل‪ ،‬وخا صة اللغام الكهربائ ية‪،‬‬

‫‪90‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫بالغسة الفائدة أيضا‪ ،‬وتؤلف بالنسسبة للقوى الشعبيسة‪ ،‬على الدروب الجبليسة‪ ،‬وسسائل دفاع‬
‫تكاد ل ترام‪.‬‬
‫الخندق المائل‪ ،‬المن شأ على عرض الطر يق‪ ،‬بح يث تَلِ جه الدبا بة ب سهولة‪ ،‬ولكن ها ل‬
‫ل بصعوبة‪ ،‬هو وسيلة دفاع حسنة ضد المركبات المدرعة‪ .‬يمكن‬
‫تستطيع الخروج منه إ ّ‬
‫تمويسه هذه الخنادق بسسهولة إبان تقدم العدو ليلً‪ ،‬أو عندمسا تحول مقاومسة الغوارة دون‬
‫إرسال العدو مشاته أمام المدرعات‪.‬‬
‫الشاحنة هي وسيلة نهجية أخرى يتقدم بها العدو في الرض السالكة‪ .‬وتسبق بعض‬
‫المركبات المدرعة أرتال شاحنات العدو‪ .‬تستطيع تشكيلة الغوار‪ ،‬تبعا لقوتها‪ ،‬إما تطويق‬
‫الر تل بأكمله‪ ،‬أو الف تك به بمهاج مة ب عض الشاحنات مع تفج ير اللغام في آن‪ .‬ينب غي‬
‫العمل بسرعة في هذه الحالة‪ ،‬وغنم أسلحة العداء ال صرعى‪ ،‬والنسحاب‪ .‬وإذا سنحت‬
‫الظروف‪ ،‬يمكن محاولة التطويق الشامل الذي شرحنا قواعده العامة آنفا‪.‬‬
‫بارودة الصيد هي سلح عظيم الفعالية لمهاجمة الشاحنات المكشوفة‪ .‬فيمكن لخردق‬
‫بارودة ذات عيار ‪ 16‬أن يغطي حقلً قدره عشرة أمتار‪ ،‬أي بمدى طول الشاحنة كلها‪،‬‬
‫فيق تل ب عض ركاب ها‪ ،‬ويجرح غير هم‪ ،‬ويحدث اضطرابا شديدا‪ .‬وإذا ما توافرت ب عض‬
‫الرمّانات‪ ،‬تكون أسلحة ممتازة في هذه المناسبة‪.‬‬
‫إن تأثير المفاجأة هو الشيء الجوهري في هذه الهجمات كافة‪ .‬وهو مائزة في المقام‬
‫الول لصسيالة الغوار‪ .‬ول يمكسن حدوث هذا التأثيسر إذا كان فلحسو المنطقسة على علم‬
‫ل لرجال‬
‫بوجود الجيش الثائر‪ .‬لهذا السبب ينبغي إجراء كافة التحركات ليلً ول يسوغ إ ّ‬
‫شديدي الكتمان ذوي إخلص مخبور‪ ،‬أن يعلموا بها ويجروا الرتباطات‪ .‬يجب أن تكون‬
‫الحقائب مملوءة زادا لهذه المسسيرات‪ ،‬لكسي يسستطاع الصسمود يوميسن أو ثلثسة أو حتسى‬
‫أربعة في مكان الكمين‪.‬‬
‫ل طبيعيا للكلم والتعل يق على‬
‫ل لن لد يه مي ً‬
‫ل يجوز الوثوق كثيرا بتك تم الفلح‪ :‬أو ً‬
‫الحوادث مع أعضاء آخرين من أسرته أو مع الُخلّص من معارفه‪ ،‬ثم لن الوحشية التي‬
‫يعامل بها جنود العدو الهلين‪ ،‬عند الهزيمة‪ ،‬تبث الرعب وتحدو بالبعض‪ ،‬إنقاذا لحياتهم‪،‬‬
‫‪91‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫أن يتكلموا أك ثر مما ينب غي‪ ،‬فيقدمون بذلك معلومات جوهر ية‪ .‬ول جل ن صب كمين‪ ،‬ي تم‬
‫اختيار مكان يبعسد على العموم‪ ،‬مسا ل يقسل عسن مسسير يوم واحسد عسن مآرز الغوارة‬
‫المعتادة‪ ،‬والتي يعرفها العدو دائما بكثير أو قليل من التقريب‪.‬‬
‫لقد أكدنا آنفا أن كيفية الرمي في القتال تدل على مواضع المتقاتلين‪ ،‬فمن جهة رمي‬
‫الجندي النظامسي‪ ،‬حاميا‪ ،‬سخيا‪ ،‬معتادا أن تتوفسر له الذخيرة كيفيا‪ ،‬و من الج هة الخرى‬
‫رمي المغاور‪ ،‬منهجيا‪ ،‬منجّما‪ ،50‬عارفا قيمة كل رصاصة‪ ،‬يستعملها بحرص ول يرمي‬
‫أبدا أكثر مما يلزم‪ .‬ولما كان من غير المنطق أن يترك العدو يفلت‪ ،‬اقتصادا للذخيرة‪ ،‬أو‬
‫ل يستنجز الكمين عمله مليا‪ ،‬لذا وجب توقع كمية الذخيرة التي ينبغي استعمالها في كل‬
‫أّ‬
‫مناسبة‪ ،‬وتسيير القتال وفقا لهذه الحسابات المسبقة‪.‬‬
‫الذخيرة هسي مسسألة المغاور الكسبرى‪ .‬يتوفسر السسلح دائما‪ ،‬ومسا يُملك منسه ل يعود‬
‫يفارق الغوارة‪ .‬أ ما الذخيرة فتن فد‪ .‬وإذا كان ال سلح يغ نم بعا مة‪ ،‬مع ذخير ته‪ ،‬فل تغ نم‬
‫الذخيرة وحد ها أبدا إلّ نادرا‪ .‬ول يف يد ال سلح الذي يغ نم مع ذخير ته في تمو ين أ سلحة‬
‫أخرى‪ ،‬إذ ليس ثمة سلح فائض‪ .‬لذلك يغدو المبدأ ال صِيالي القائل بالقتصاد في الرمي‬
‫مبدأ أساسيا في هذا النمط من الحرب‪.‬‬
‫ل يسع القائد المغاور الذي يعتد بهذه الصفة لنفسه‪ ،‬أن يهمل شأن النسحاب‪ .‬ينبغي‬
‫إجراء الن سحابات في الو قت المجدي‪ ،‬وأن تكون مر نة‪ ،‬وت سمح بإنقاذ كل عتاد تشكيلة‬
‫الغوار‪ ،‬والجر حى‪ .‬ل يجوز للثائر أبدا أن يفاجئه العدو أثناء النسحاب‪ ،‬ول يستطيع قط‬
‫أن يسمح لنفسه بترف مطاوعة الطوق الذي يُشد حوله‪.‬‬
‫ينبغي إذا حراسة الطر يق المختارة في كافة النقاط ال تي يحتمل أن يُقبل العدو منها‬
‫بجنوده في محاولة للتطويق‪ .‬وإذا ما وقعت محاولة التطويق‪ ،‬وجب أن تكون هناك جملة‬
‫ارتباط تتيح إشعار الرفاق سريعا بالمحاولة‪.‬‬
‫ينبغي دائما توفر رجال غير مسلحين‪ ،‬يلتقطون بنادق الرفاق الجرحى أو الصرعى‪،‬‬
‫أو سلح ال سرى‪ ،‬ويعنون بال سرى‪ ،‬وبن قل الجر حى‪ ،‬بالرتباطات‪ .‬وي جب أن يتو فر‬
‫‪50‬‬

‫‪92‬‬

‫ال ُمنَجّم‪ :‬الذي يكون وروده قليلً‪ ،‬متقطعا‪ ،‬تتخلله فواصل زمنية‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫جدّهسم‪ ،‬وقادريسن على‬
‫دائما فريسق جيسد مسن الرسسلء ل يرقاهسم العياء‪ ،‬مخبوريسن فسي ِ‬
‫إيصال الوامر بعجل تام‪.‬‬
‫إن عدد هؤلء الردفاء ن سبي‪ ،‬ل كن يم كن تحديده باثن ين إلى ثل ثة في العشرة‪ :‬إن هم‬
‫يشهدون القتال‪ ،‬وينجزون المهمات المقتضاة فسي المؤخرة‪ ،‬مدافعيسن عسن المواضسع إبان‬
‫النسحاب‪ ،‬وقائمين على مصالح الرتباط التي ذكرناها‪.‬‬
‫عند ما تمارس تشكيلة الغوار حربا من الن مط الدفا عي – أع ني عند ما تؤ من حما ية‬
‫م سالك منط قة معي نة ضد ر تل من الغزاة – يتحول القتال إلى حرب تحا صن‪ .‬غ ير أ نه‬
‫ينبغي دائما عند بدء الشتباك‪ ،‬العناية بتأثير المفاجأة التي تكلمنا عنها آنفا‪ .‬وإذا تم حفر‬
‫خنادق أو جمل دفاعية أخرى يسهل على فلحي المنطقة تمييزها‪ ،‬ينبغي التأكد أن هؤلء‬
‫الفلحين باقون خلف الخطوط‪ .‬إذ أن الحكومة‪ ،‬في هذا النمط من الحرب‪ ،‬تقيم الحصار‬
‫على المنط قة‪ ،‬ويض طر الفلحون الذ ين لم يلوذوا بالفرار إلى الذهاب لمنا طق بعيدة عن‬
‫منط قة ح مى الغوّارة‪ ،‬بق صد التمو ين‪ .‬و في اللحظات الحر جة ال تي ن صفها‪ ،‬يض حى كل‬
‫رجسل يغادر منطقسة الغوار خطرا بالغا‪ ،‬نظرا للمعلومات التسي يمكسن أن يسسديها للعدو‪.‬‬
‫وعلى الجيسش الثائر‪ ،‬فسي الحرب الدفاعيسة‪ ،‬أن يتخسذ صسيالة الرض المحروقسة مبدأ‬
‫أساسيا‪.‬‬
‫ينب غي بناء الجهاز الدفا عي كله بح يث ت قع مقد مة العدو دائما في كم ين‪ .‬من الم هم‬
‫جدا على ال صعيد النف سي‪ ،‬أن يكون رجال المقد مة هم الذ ين يُ صرعون‪ ،‬دون ريب‪ ،‬في‬
‫كل قتال‪ .‬ينب غي خلق و عي لهذا الوا قع يتفا قم حدّة كل مرة لدى ج يش العدو‪ ،‬فيبلغ م نه‬
‫ل بل مقدمة‬
‫مبلغا ل يبقى معه أحد يرضى أن يكون في المقدمة‪ .‬ولما كان واضحا أن رت ً‬
‫ل يستطيع التقدم‪ ،‬فل بد إذا أن يتحمل أحد هذه المسؤولية‪...‬‬
‫وإذا مسا رُئي المسر مجديا‪ ،‬أمكسن القيام بمراوغات لللهاء‪ ،‬أو تطويقات أو هجمات‬
‫جناح ية‪ ،‬أو مجرد صد العدو جبهيا‪ .‬إلّ أ نه ينب غي في كل الحالت تقو ية النقاط الخلي قة‬
‫أن تستهدفها هجمات العدو الجناحية‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫يفترض ذلك توفر رجال وسلح أكثر مما في القتالت النف وصفها‪ ،‬فمن الواضح‬
‫أنه يلزم كثير من الرجال لرصد كافة الدروب المتواردة إلى منطقة ما‪ .‬وقد تكون عديدة‪.‬‬
‫ينبغي ههنا زيادة عدد الفخاخ والهجمات على الناقلت المدرعة‪ ،‬في آن مع ضمان أعظم‬
‫سلمة ممك نة لجملة الخنادق الثاب تة ال تي يم كن للعدو‪ ،‬بح كم ثبات ها‪ ،‬أن يحدد مواضع ها‪.‬‬
‫وإذا كان المر العسكري في هذا النمط من الحرب‪ ،‬هو بعامة‪ ،‬الصمود بوسائل الدفاع‬
‫ح تى الموت‪ ،‬ي جب مع ذلك أن يض من ل كل من الحماة ال حد الق صى من فرص البقاء‬
‫حيا‪.‬‬
‫كلمسا كان الخندق مسستخفيا للمراقبسة عسن بعسد‪ .‬كان أمينا‪ .‬ويحسسن تغطيتسه بسسقف‬
‫لبطال تأثير مدافع الهاون‪ .‬إن مدافع الهاون المستخدمة في الميدان عامة هي ذات عيار‬
‫‪ 60‬أو حتى ‪ 85‬مم‪ ،‬وهي ل تستطيع خرق سقف جيد مبني بالمواد المحلية‪ ،‬كالخشب أو‬
‫الحجسر‪ ،‬ومحكسم التمويسه‪ .‬ينبغسي الحتياط دائما بإنشاء مخرج يسسمح للمرء فسي الحالة‬
‫الق صوى‪ ،‬أن يفلت دون تعر يض حيا ته كثيرا‪ .‬ل قد أنشأ نا م ثل هذه الو سائل الدفاع ية في‬
‫سييرا ماسترا حيث كانت فعالة لوقايتنا من رمي مدافع الهاون‪ .‬تشير كل هذه العتبارات‬
‫بوضوح إلى انعدام وجود خطوط نار محددة‪ .‬إن خط النار هو شيء نظري إلى حد بعيد‬
‫أو قريب‪ ،‬يتثبت في بعض اللحظات الحرجة‪ ،‬إلّ أنه مطاط ومتنافذ بين المعسكرين‪ .‬وما‬
‫هو موجود إنما هو أرض سائبة‪ 51‬واسعة بينهما‪ .‬إلّ أن الرض السائبة تتميز في الغوار‬
‫بأن ث مة سكانا مدني ين يعيشون في ها‪ ،‬ويتعاونون إلى حد ما مع أ حد المع سكرين‪ .‬وت قف‬
‫أكثرية باهرة منهم‪ ،‬في الواقع‪ ،‬إلى جانب الثورة‪ .‬ل يمكن ترحيل هؤلء السكان حشرا‪،‬‬
‫إذ أن أي المتنازعين يحاول ذلك‪ ،‬يختلق لنفسه معضلة تموينية ل حل لها‪ .‬تمر في هذه‬
‫الرض السسائبة غزوات دوريسة‪ ،‬نهاريسة على وجسه العموم لقوى القمسع‪ ،‬وليليسة لقوى‬
‫الغوار‪ .‬وتجسد قوى الغوار فسي هذه الغزوات مصسدرا هاما للتمويسن ينبغسي تداركسه على‬
‫الصعيد السياسي بإقامة أحسن العلقات مع الفلحين والتجار‪.‬‬
‫إن عمل الذين ل يقاتلون مباشرة هام جدا في هذا النمط من الحرب‪ .‬لقد أشرنا آنفا‬
‫إلى بعسض مميزات الرتباط فسي أماكسن القتال‪ ،‬إلّ أن الرتباط هسو مؤسسسة تقوم داخسل‬
‫‪51‬‬

‫‪94‬‬

‫الرض السائبة‪ :‬أرض ل يسيطر أحد الفريقين عليها‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫تنظ يم الغوارة‪ .‬وينب غي بناء الرتباطات ح تى أبعد جما عة من المغاو ير‪ ،‬بح يث ت ستطيع‬
‫النتقال دائما من نقطة لخرى بأسرع وسيلة معروفة في المنطقة‪ ،‬هذا حتى في الرض‬
‫المجافية لنا‪ .‬ل يرد مثلً‪ ،‬لغوارة تعمل في أرض مجافية‪ ،‬أن تدع جمل موصلت حديثة‬
‫قائمة‪ ،‬كالبرق‪ ،‬والطرقات‪ ..‬إلخ‪ ،‬عدا بعض الجمل اللسلكية التي يتعذر تخريبها والتي‬
‫ل تفيسد إلّ حاميات عسسكرية قويسة تذود عنهسا‪ .‬وهسي بأيسة حالة‪ ،‬لو سسقطت فسي أيدي‬
‫الغوارة‪ ،‬لحتاجت إلى تغيير الرموز والتوترات‪ ،‬وهو عمل على جانب من الصعوبة في‬
‫بعض الحيان‪.‬‬
‫نقول ونحن نتذكر تجربتنا الخاصة خلل حرب التحرر‪ :‬إن الختبار اليومي المين‬
‫عسن كافسة نشاطات العدو يُسستكمل بالختبار الذي تؤديسه ارتباطاتنسا‪ .‬ينبغسي درس جملة‬
‫المخابرات در سا كثيرا‪ ،‬واختيار رجال ها بأ كبر عنا ية‪ .‬فل يم كن تقد ير مبلغ الذى الذي‬
‫يسستطيع أن يؤتيسه عميسل مزدوج‪ .‬وإذا لم نذهسب إلى هذا الحسد‪ ،‬فإن اختبارا مبالغا فيسه‪،‬‬
‫يسستعظم الخطسر أو يسستصغره‪ ،‬يمكسن أن تنجسم عنسه متاعسب جمسة‪ :‬ويندر أن يسستصغر‬
‫الخ طر‪ ،‬إذ أن م يل الفلح العام يحدو به إلى تضخ يم النباء‪ .‬إن الذهن ية الجبتية‪ 52‬ال تي‬
‫تستحضر أشباحا وكائنات غيبية شتى هي ذاتها التي تختلق جيوشا جبارة أيضا عندما ل‬
‫يعدو ال مر ف صيلة أو دور ية عدوة‪ .‬ك ما ينب غي أن يبدو الجا سوس محايدا قدر المكان‪،‬‬
‫ل يظ هر في ع ين العدو‪ ،‬على أ ية صلة بقوى التحرر‪ .‬لي ست هذه المه مة صعبة بقدر‬
‫وأ ّ‬
‫مسا تتراءى‪ ،‬ويصسادف أناس كثيرون‪ ،‬تجار أو أصسحاب مهسن حرة وحتسى رجال ديسن‪،‬‬
‫يستطيعون السهام فيها وتقديم المعلومات‪.‬‬
‫إن الفرق الشاسع بين المعلومات التي تحصل عليها القوى الثائرة ومعلومات الجيش‬
‫النظا مي‪ ،‬هو من أ هم موائز حرب الغوار‪ .‬يض طر الج يش النظا مي أن يجوب منا طق‬
‫ل صمت الفلحين المر‪ ،‬بينما تعتد تشكيلة الغوار بصديق‬
‫مناوئة له إطلقا‪ ،‬ل يلقى فيها إ ّ‬
‫في كل بيت‪ ،‬إن لم يكن في صفوفها أحد أعضاء السرة‪ ،‬وتتداول النباء باستمرار خلل‬
‫جملة ارتباطاتها‪ ،‬حتى الركان العامة أو مركز قيادة الغوار في المنطقة‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫الجبْت‪ :‬المعتقد الخُرافي الذي ل صحة له‪.‬‬
‫‪95‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫عندما يتوغل العدو في أرض قد جاهرت بالثورة‪ ،‬حيث انضوى الفلحون كافة إلى‬
‫قض ية الش عب‪ ،‬تن شأ م سألة بال غة الخطورة‪ .‬يحاول مع ظم الفلح ين أن يفروا مع الج يش‬
‫الشعسبي‪ ،‬مخلّفيسن أطفالهسم ومشاغلهسم‪ ،‬ويحاول غيرهسم اصسطحاب عيالهسم بقضّهسا‬
‫وقضيضها‪ ،‬وأخيرا يمكث غيرهم مكانه بانتظار الحداث‪ .‬إن أبلغ نتائج توغل العدو هو‬
‫زج أُ سَر كثيرة في وضع صعب‪ ،‬إن لم يكن يائساً‪ .‬ينبغي إسداء الحد القصى من الدعم‬
‫لهم‪ ،‬لكنه ينبغي تحذيرهم أيضا من أن الفرار صوب مناطق غير آهلة‪ ،‬بعيدا عن أماكن‬
‫التموين المعتادة‪ ،‬يعرضهم بالتأكيد إلى الِلزَن‪.53‬‬
‫ل يسوغ الحديث عن "نمط من القمع" من جانب أعداء الشعب‪ :‬ففي كل مكان‪ ،‬يعمل‬
‫أعداء الشعب تبعا للظروف النوعية من تاريخية واجتماعية واقتصادية‪ ،‬على نحو يزداد‬
‫أو يقل إجراما‪ ،‬وإن كانت طرائق القمع العامة متماثلة على الدوام‪ .‬ثمة أماكن ل يستثير‬
‫في ها فرار الر جل إلى منط قة الغوار‪ ،‬مخلفا أ سرته في الب يت‪ ،‬رد ف عل كبير‪َ .‬بيْ َد أن هذا‬
‫الفرار كاف‪ ،‬في أما كن أخرى‪ ،‬لم صادرة أرزا قه وإحراق ها وللت سبب بق تل ال سرة كل ها‪.‬‬
‫لذا فمسن الطسبيعي أن يتسم تنظيسم الفلحيسن الذيسن سسوف يتأثرون بتقدم العدو‪ ،‬على خيسر‬
‫وجه‪ ،‬تبعا لما يعرف عن قواعد الحرب في هذه المنطقة بالذات‪.‬‬
‫واضسح أنسه ينبغسي التأهسب لطرد العدو خارج المنطقسة المصسابة‪ ،‬بقطسع خطوط‬
‫مواصلته‪ ،‬ومنع تمونيه بواسطة غوارات صغيرة ترغمه على أن يلقي في القتال أعدادا‬
‫كبيرة جدا من الرجال‪.‬‬
‫إن استخدام الحتياط على نحو حكيم في كل لقاء هو أهم العوامل في هذه المعارك‪.‬‬
‫يندر أن يسستطيع الجيسش الثائر‪ ،‬بحكسم طسبيعته‪ ،‬أن يعتمسد احتياطات‪ ،‬لن عمسل أبسسط‬
‫المشتركين فيه منظم ومستخدم مليا في كل قتال‪ .‬غير أنه يحسن أن يحتفظ الجيش الثائر‬
‫برجال موزعيسن‪ ،‬يسستطيعون السستجابة لطارىء مسا‪ ،‬أو شسن هجوم معاكسس‪ ،‬أو تثسبيت‬
‫وضع ما‪ .‬ويمكن وفقا لتنظيم الغوارة وتبعا لمكانات الساعة‪ ،‬أن يحتفظ بفصيلة متأهبة‬
‫"صسالحة لكسل عمسل"‪ ،‬تكون مهمتهسا هسي النتقال إلى أشسد النقاط خطرا‪ .‬يمكسن تسسميتها‬
‫‪53‬‬

‫‪96‬‬

‫اللِزْن‪ ،‬ج لَزْنة‪ :‬الشدة والضيق من جوع أو برد أو خوف‪ ..‬إلخ‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫"الف صيلة النتحار ية"‪ ،‬أو أي ا سم آ خر‪ .‬إن ها تقوم جيدا في الوا قع بالوظائف ال تي تش ير‬
‫هذه التسمية إليها‪ .‬يجب إرسال هذه "الفصيلة النتحارية" إلى كافة النقاط التي يحسم فيها‬
‫القتال‪ ،‬وإلى الهجمات المفاجئة على المقدمات‪ ،‬وللدفاع عسسن المكنسسة الشسسد خطورة‬
‫وعر ضة لل صابة‪ ،‬وأخيرا إلى كل مكان يهدد ف يه العدو ا ستقرار خط النار‪ .‬يترك كل‬
‫امرىء حرا أن ينخرط في هذه الف صيلة‪ ،‬ال تي ي جب أن تغدو جائزة ينال ها من يختار ها‪.‬‬
‫والجندي من ها خل يق أن ي صبح على مر الز من مثالً ل كل ر تل غواري‪ ،‬ويتم تع المغاور‬
‫الذي يتشرف بالنتساب إلى هذه القطعة بإعجاب واحترام رفاقه كافة‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪5‬‬

‫– ابتداء حرب الغوار وتطورها وانتهاؤها‬

‫لقد عرّفنا بإسهاب ما هي حرب الغوار‪ .‬وسوف نعيد الن وصف تطورها المثل‪،‬‬
‫في الرض المؤات ية‪ ،‬م نذ ولدت ها بدءا من نواة وحيدة‪ ،‬أي أن نا سوف نؤلف نظريت ها‪،‬‬
‫اعتمادا على التجربة الكوبية‪.‬‬
‫ثمسة فسي البدء جماعسة قليلة أو كثيرة التسسلح‪ ،‬متفاوتسة التجانسس‪ ،‬تحاول بصسورة‬
‫حصرية تقريبا‪ ،‬أن تختبىء في أماكن وعرة‪ ،‬ل يُهتدى إليها‪ ،‬في حين أنها تحافظ على‬
‫صلة ضعي فة بالفلح ين‪ .‬تن جح هذه الجما عة في ك يل ضر بة‪ ،‬فتبدأ شهرت ها آنئذ‪ .‬يأ تي‬
‫بعض الفلحين الذين سُلبوا أراضيهم أو الذين يناضلون للحفاظ عليها‪ ،‬وبعض المثاليين‬
‫الناشئ ين في طب قة أخرى‪ ،‬فيرفدون صفوفها‪ .‬تكت سب الجما عة مزيدا من القدام للتجول‬
‫في المنا طق الهلة‪ ،‬و صلة أو ثق بأ هل المنط قة‪ ،‬فتبا شر ب عض الهجمات‪ ،‬يلي ها الهروب‬
‫توا‪ .‬وسرعان ما يصل بها المر إلى الشتباك في قتال مع رتل فتبيد مقدمته‪ .‬تستمر في‬
‫تجن يد الرجال في ها‪ ،‬ويتض خم عدد ها‪ ،‬إلّ أن تنظيم ها يبقى هو هو‪ ،‬عدا أن ها تلتزم حذرا‬
‫أقل وتغامر في مناطق أكثر سكانا‪.‬‬
‫ثم تأخذ الجماعة تقيم معسكرات مؤقتة لبضعة أيام‪ ،‬تبارحها مذ تعلم باقتراب العدو‪،‬‬
‫أو إذا حدث قصف‪ ،‬أو لمجرد ظنها في أحد هذه الخطار‪ .‬تتزايد الغوارة عدديا‪ ،‬ويقترن‬
‫ذلك بالعمسل الجماهيري الذي يجعسل مسن كسل فلح نصسيرا لحرب التحرر‪ .‬تختار أخيرا‬
‫منطقة في منأى عن يد العدو‪ ،‬وتبدأ الحياة الحضرية وتشرع بإقامة الصناعات الصغيرة‬
‫الولى‪ :‬الحذ ية‪ ،‬لفائف الت بغ‪ ،‬صناعة ال سلح‪ ،‬الخبازة‪ ،‬ش يء من الخيا طة‪ ،‬المشا في‪،‬‬
‫الذاعة‪ ،‬الطباعة‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫أ صبح للغوارة تنظ يم جد يد‪ ،‬وبن ية جديدة‪ .‬إن ها رأس حر كة كبيرة تظ هر في ها‪ ،‬على‬
‫هيئة ملمح‪ ،‬كافة مميزات الحكومة‪ .‬تقام محكمة لدارة العدالة‪ ،‬وإذا أمكن‪ ،‬تنشر بعض‬
‫‪98‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫القوانيسن‪ ،‬مسع متابعسة توعيسة الجماهيسر الفلحيسة سسياسيا‪ ،‬وكذلك الجماهيسر العماليسة إن‬
‫وجدت في المنط قة‪ .‬ي تم هزم هجوم من جا نب العدو‪ ،‬فيزداد عدد البنادق‪ ،‬وبالتالي عدد‬
‫رجال الغوارة‪ .‬غير أنه يحين وقت ل يتسع فيه قطر عملها بنسبة عدد رجالها‪ .‬فينفصل‬
‫عندئذ رتل عن الجماعة ويذهب لخلق منطقة قتال جديدة‪ .‬تعاود هذه النواة الجديدة العمل‬
‫مرة أخرى‪ ،‬لكن بموائز مختلفة نوعا ما‪ ،‬نظرا للتجربة المكتسبة ولتوغل جيوش التحرر‬
‫في منا طق الحرب‪ .‬وتتا بع النواة المركز ية ا ستفحالها في هذه الثناء‪ ،‬و قد تل قت أرفادا‬
‫هامسة مسن التمويسن ومسن البنادق أحيانا‪ ،‬مسن مناطسق بعيدة‪ ،‬ويسستمر قدوم الرجال إليهسا‪،‬‬
‫وتتابع المهمات الدارية بابرام القوانين‪ ،‬وتفتح مدارس تسمح بنشر الوعي السياسي بين‬
‫المجند ين وبتدريب هم‪ .‬ويتعلم القادة بقدر ما تتطور الحرب‪ ،‬وتتح سن كفاءت هم القياد ية في‬
‫آن مع تزايد القوى كمّا وكيفا‪.‬‬
‫وعند ما يح ين الو قت‪ ،‬ت ستطيع ب عض الجماعات أن تذ هب لتق يم في منا طق بعيدة‬
‫وتعاود الدورة ذاتها‪.‬‬
‫غير أن ثمة أرضا معادية‪ ،‬أرضا مجافية لحرب الغوار‪ .‬فتتوغل فيها زمرة صغيرة‬
‫لمهاجمسة المواصسلت وتخريسب الجسسور وبسث اللغام وبذر عدم الطمئنان‪ .‬وتسستمر‬
‫الحركة تتطور مع المد والجزر الخاصين بالحرب‪ .‬ل يلبث العمل الجماهيري الواسع أن‬
‫يت يح للقوى بالتجول في الرا ضي المجاف ية‪ ،‬فيبلغ المرحلة الخيرة و هي مرحلة الغوار‬
‫في ضواحي المدن‪.‬‬
‫يزداد التخريسب بشكسل محسسوس فسي المنطقسة كلهسا‪ .‬وتصساب الحياة بالشلل‪ ،‬فقسد‬
‫أصسبحت قيسد رقابسة الغوار‪ .‬يسستهدف الغوار مناطسق أخرى‪ ،‬ويقاتسل العدو على جبهات‬
‫محددة‪ ،‬وقد تم غنم أ سلحة ثقيلة (حتى بعض الدبابات)‪ ،‬وصار النضال بين ندّ وندّ‪ .‬يتم‬
‫م صرع العدو عند ما يتحول تتا بع الظفار الجزئ ية إلى ظ فر نهائي‪ ،‬عند ما ي صل ال مر‬
‫بالغوار أن يحمل العدو على القتال ضمن الشروط التي يفرضها الغوار‪ ،‬ويتم عندها قهر‬
‫العدو وإرغامه على الستسلم‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ل ت صوير المل مح ال تي تع يد إلى الذهان مختلف مرا حل حرب التحرر‬
‫ل يس هذا إ ّ‬
‫الكوب ية‪ ،‬غ ير أن محتواه عام تقريبا‪ ،‬وأن تضا فر العنا صر – الش عب‪ ،‬الشروط‪ ،‬القائد ‪-‬‬
‫ل يتو فر دائما ك ما ح صل في حرب نا‪ .‬و هل يلزم نا القول إن فيدل كا سترو يج مع صفات‬
‫المقاتسل ورجسل الدولة وإننسا مدينون إلى نظرتسه للمور بنزولنسا إلى البر وبظفرنسا؟ ل‬
‫نستطيع القول إن ظفر الشعب لم يكن ليحدث بدونه‪ ،‬لكننا نستطيع القول إن الظفر بدونه‪،‬‬
‫كان أغلى ثمنا وكان أقل اكتمالً‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫القسم الثالث‬
‫تنظيم جبهة الغوار‬

‫‪101‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪1‬‬

‫– التموين‬

‫إن تمويسن تشكيلة الغوار على نحسو صسحيح هسو أمسر جوهري‪ .‬ينبغسي أن تسستطيع‬
‫الجماعة إيجادها أودها من منتجات الرض‪ ،‬بينما هي تمكّن الفلحين الذين يقدمون هذه‬
‫المنتجات أن يجدوا أودهسم فيهسا أيضا‪ .‬ل يسستطيع المغاور‪ ،‬فسي النضال الشاق الذي‬
‫يخو ضه – ول سيما في البدء – أن ين تج بنف سه أي ش يء‪ ،‬خا صة إذا و جد في أرض‬
‫سالكة لرتال الق مع‪ .‬وبقدر ما تن مو تشكيلة الغوار‪ ،‬علي ها أن تؤمّن لنف سها منا بع تمو ين‬
‫بعيدة عن منا طق القتال‪ .‬تع يش في البدء م ما ينت جه الفلحون ف قط‪ .‬قد ت ستطيع المِيرة‬

‫‪54‬‬

‫من بعض المراكز‪ ،‬ولكنها ل تستطيع أبدا أن تنشىء شبكات تموينية لنها تفتقر بعد إلى‬
‫الرض التسي تقيمهسا عليهسا‪ .‬إذن تتكيسف شبكسة التمويسن ومثلهسا تخزيسن المؤن بتطور‬
‫الصراع‪.‬‬
‫ي جب ك سب ث قة سكان المنط قة كليا وق بل كل ش يء‪ .‬وي تم الفوز ب ها باتخاذ مو قف‬
‫إيجا بي من مشاكل هم‪ ،‬بم ساعدتهم وتوجيه هم با ستمرار‪ ،‬بالدفاع عن م صالحهم وبمعاق بة‬
‫الذيسن يسستغلون الفوضسى لطرد الفلحيسن مسن أراضيهسم والسستيلء على محاصسيلهم‬
‫وإقراضهم بالربا‪.‬‬
‫يجب أن يكون الخط المتبع مرنا وصلبا في آن‪ .‬يكون مرنا بانتهاج التعاون العفوي‬
‫مع كل الذين يعطفون باخلص على الحركة الثورية‪ .‬ويكون صلبا تجاه الذين يهاجمون‬
‫الحركة الثورية مباشرة‪ ،‬مثيرين التفرقة أو ناقلين معلومات هامة إلى جيش العدو‪.‬‬
‫يتم الشراف على المنطقة شيئا فشيئا ويمكن عندها اعتماد حرية حركة أكبر‪ .‬يجب‬
‫اتخاذ مبدأ أسساسي هسو دفسع أثمان البضائع المأخوذة مسن الصسدقاء دوما‪ ،‬سسواء أكانست‬
‫منتجات زراع ية أو سلعا تجار ية‪ .‬كثيرا ما تكون هذه البضائع هدا يا‪ ،‬غ ير أن ظروف‬
‫‪54‬‬

‫المِيرة‪ :‬جلب الطعام‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫حياة الفلح تحول أحيانا دون هذه الهبات‪ .‬و قد تفرض ضرورات الحرب مهاج مة ب عض‬
‫المتاجر‪ ،‬دون إمكان الدفع‪ .‬يجب دوما في هذه الحالت إعطاء التاجر إيصالً‪ ،‬سند إقرار‬
‫بالدين‪ ،‬من "سندات المل" التي ذكرناها آنفا‪ .‬ولكنه يفضّل استخدام هذه الوسيلة مع أناس‬
‫موجودين خارج حدود المنطقة المحررة‪ ،‬وتسديدها في أسرع وقت ولو جزئيا‪.‬‬
‫ومتسى تحسسنت الظروف بكفايسة لتسسمح بالحتفاظ بصسورة دائمسة بأرض ل يطالهسا‬
‫جيش العدو‪ ،‬أمكننا أن نعمد عندئذ إلى البذار بصورة جماعية‪ .‬يشتغل الفلحون الرض‬
‫لصالح جيش الغوار‪ ،‬فيضمنون بذلك مصدرا ثابتا للتموين‪.‬‬
‫وإذ كان عدد المغاويسر المتطوعيسن يتجاوز عدد السسلحة‪ ،‬وإذا كانست الظروف‬
‫السسياسية تحول دون نزول هؤلء الرجال إلى المناطسق الخاضعسة للعدو‪ ،‬يمكسن للجيسش‬
‫الثائر أن يدع رجاله وكافسة المجنديسن فيسه يشتغلون الرض‪ ،‬ويجنون المنتجات التسي‬
‫تضمسن التمويسن‪ .‬يمل هؤلء المتطوعون بذلك سسجلت خدمتهسم التسي تفيسد فيمسا بعسد‬
‫لترقيت هم إلى صفوف المقاتل ين‪ .‬غ ير أ نه يُفضّ ل أن ي تم البذار على يد الفلح ين أنف سهم‪،‬‬
‫لنهم ينجزون العمل بحماس أكبر وكفاءة أعظم‪ .‬ويمكن التوصل‪ ،‬في مرحلة أكثر تقدما‪،‬‬
‫إلى شراء محا صيل برمت ها وتخزين ها ل ستعمال الج يش‪ ،‬سواء في الهواء الطلق أو في‬
‫المخازن‪ ،‬حسب طبيعة السلع‪.‬‬
‫وعندما يتم إنشاء هيئات مكلفة بتموين السكان الفلحين أيضا‪ ،‬يتم تجميع كل السلع‬
‫لدى هذه الهيئات‪ ،‬لجراء عمليات مقايضة بين الفلحين‪ ،‬بوساطة الجيش الثائر‪.‬‬
‫وإذا تحسنت الظروف أكثر‪ ،‬أمكن تحديد الضرائب‪ .‬يجب أن تكون أخف ما يمكن‪،‬‬
‫ل سيما على المن تج ال صغير‪ .‬وي جب ال سهر‪ ،‬فوق كل ش يء‪ ،‬على العلقات الطي بة ب ين‬
‫طبقة الفلحين وبين الجيش الثائر الذي هو فيض منها‪.‬‬
‫يمكسن أن تُجْب َى الضرائب نقدا أو بشكسل حصسص مسن المحصسول تأتسي لترفسد‬
‫الحتياطات‪ .‬اللحسم مثلً سسلعة فسي المقام الول مسن الضرورة‪ ،‬فيجسب ضمان إنتاجسه‬
‫وحفظسه‪ .‬ويتسم بالتعاون مسع الفلحيسن إنشاء مزارع لتربيسة الدجاج والماعسز والخنازيسر‪،‬‬
‫شتَرى مسن كبار الملك أو تُصسَادر منهسم‪ ،‬وإذا كانست المنطقسة غيسر آمنسة‪ ،‬يبدو‬
‫التسي تُ ْ‬
‫‪103‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الفلحون فيها بمظهر مَن ل علقة له بالغوارة‪ .‬ومن المعتاد في مناطق الملكيات الكبرى‬
‫أن تتو فر الماش ية بكميات كبيرة‪ ،‬فتذ بح وتملّح‪ .‬فإذا ما ح فظ الل حم بهذه الشروط‪ ،‬ب قي‬
‫صالحا للستهلك مدة طويلة‪.‬‬
‫تنتج الماشية الجلد أيضا‪ .‬يمكن إقامة صناعة دباغة بدائية إلى حد ما‪ ،‬تسمح بتوفير‬
‫المادة الولية للحذية‪ ،‬وهي لوازم ل يستغني المغاور عنها‪ .‬يمكن القول‪ ،‬بصورة عامة‪،‬‬
‫إن الغذ ية ال تي ل غ نى عن ها هي‪ :‬الل حم‪ ،‬الملح‪ ،‬ب عض الخضار أو الدران أو البذور‪.‬‬
‫ينتج الفلح الغذاء الساسي دائما‪ ،‬وهو المالنغا في المناطق الجبلية من مقاطعة أوريينته‬
‫(كوبا)‪ ،‬والذرة في المناطق الجبلية من المكسيك وأمريكا الوسطى والبيرو‪ ،‬والبطاطا في‬
‫البيرو أيضا‪ ،‬وهو الماشية في بلدان أخرى كالرجنتين‪ ،‬وهو القمح في سواها‪ .‬يجب بأية‬
‫حال ضمان تمو ين الفر قة بالغذاء ال ساسي‪ ،‬وبب عض المواد الد سمة الحيوان ية أو النبات ية‬
‫التي تسمح بإغناء التغذية‪.‬‬
‫الملح حا جة ل غ نى عن ها‪ .‬عند ما نكون على مقر بة من الب حر ون ستطيع بلو غه‪،‬‬
‫جفّات‪ 55‬صسغيرة للملح فورا‪ ،‬لتكويسن احتياط منسه‪ .‬ول يسسعنا نسسيان أنسه‬
‫ينبغسي إنشاء مَ َ‬
‫يسهل فرض الحصار على المنطقة الجبلية‪ ،‬التي تكاد ل تنتج شيئا‪ ،‬فيؤدي الحصار إلى‬
‫إفقار المنط قة على ن حو بالغ‪ .‬وي ستحسن أن تتو قع المنظ مة الفلح ية والمنظمات المدن ية‬
‫عامسة هذا الحتمال‪ .‬يجسب أن تتوفسر لدى الفلحيسن احتياطات غذائيسة ليسستطيعوا البقاء‬
‫خلل أشد فترات النضال قسوة‪ .‬يجب الجتهاد بسرعة لتكوين مخزونات من السلع غير‬
‫التال فة كالحبوب‪ :‬ذرة‪ ،‬ق مح‪ ،‬ارز‪ ...‬إلخ‪ ،‬والدق يق‪ ،‬والملح‪ ،‬وال سكر‪ ،‬والمحفوظات بكا فة‬
‫أنواعها‪ ،‬ويجب القيام بالبذار الضروري أيضا‪.‬‬
‫سوف يأتي يوم يتم فيه حل كافة المسائل الغذائية في المنطقة‪ ،‬غير أن كمية كبيرة‬
‫مسن المنتجات الخرى تبقسى ضروريسة‪ ،‬كالجلد مثلً للحذيسة (إذا تعذر إنشاء صسناعة‬
‫للجلد)‪ ،‬والكتّان لللبسة‪ ،‬ولوازم أخرى كالورق وآلت الطباعة للصحف والحبر‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫جفّة‪ :‬المكان الذي يجفف فيه ماء البحر لستخراج الملح منه‪.‬‬
‫الم َ‬

‫‪104‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وكلمسا اسستكملت الغوارة تنظيمهسا‪ ،‬ازدادت حاجتهسا لصسناف تأتسي مسن العالم‬
‫الخارجسي‪ .‬فيصسبح ضروريا عندئذ أن تؤدي منظمسة خطوط التمويسن عملهسا على وجسه‬
‫الكمال‪ .‬تقوم هذه المنظمة بصورة أساسية بواسطة الفلحين الصدقاء‪ .‬ويجب أن تكون‬
‫بنيتها ذات قطبين‪ ،‬أي تكون لها نهاية في المدينة من جهة‪ ،‬ونهاية في جبهة الغوار من‬
‫الجهسة الخرى‪ .‬وتجتاز خطوط التمويسن‪ ،‬ابتداء مسن مناطسق الغوار‪ ،‬كسل الرض التسي‬
‫يمكن أن يمر فيها العتاد‪ .‬وسوف يألف الفلحون الخطر شيئا فشيئا (يمكنهم إتيان العجب‬
‫العجاب إذا عملوا في جماعات صغيرة)‪ ،‬فينقلون العتاد إلى المكان المحدد دون أن يعانوا‬
‫أخطارا بال غة‪ .‬يم كن إجراء هذه التنقلت ليلً على البغال أو أ ية زوامِل‪ 56‬أخرى‪ ،‬وح تى‬
‫ب سيارات الش حن في ب عض المنا طق‪ ،‬في تم بذلك ضمان تمو ين منت ظم‪ .‬والمق صود هه نا‬
‫نمط من خطوط التموين وارد من النحاء القريبة من أمكنة العمليات‪.‬‬
‫ب يد أ نه ي جب أيضا تنظ يم خطوط تمو ين واردة من منا طق أك ثر بعدا‪ .‬وينب غي لهذه‬
‫المنا طق‪ ،‬بالضا فة إلى العتاد غ ير المتو فر في القرى أو مدن المقاطعات‪ ،‬أن تقدم المال‬
‫اللزم للشراء‪.‬‬
‫تعيش المنظمة من ِهبَات الصدقاء المباشرة‪ ،‬وتعطي لقاءها إيصالت سرية‪ ،‬ويجب‬
‫أن يكون القائمون على تعاطي هذه المور خاضعين لرقابة شديدة‪ .‬وعندما تخرج غوارة‬
‫مسن مأرِز عملياتهسا لتداهسم منطقسة جديدة‪ ،‬يمكنهسا تسسديد مشترياتهسا نقدا أو بسس"سسندات‬
‫المل"‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬ليس ثمة حل غير أخذ بضائع التجار‪ .‬ويتبع التسديد عندئذ إلى‬
‫أمانة الغوارة أو إلى إمكاناتها المالية‪.‬‬
‫تحتاج كا فة خطوط التمو ين ال تي تجتاز الر يف إلى سلسلة من المحطات أو نهايات‬
‫المراحل‪ ،‬المنشأة في بيوت خاصة‪ ،‬يمكن إخفاء المؤن فيها في النهار‪ ،‬حتى الليل التالي‪.‬‬
‫ول يجوز أن يعرف هذه البيوت غير أولئك المكلفين مباشرة بالتموين‪ .‬ويجب أن يعرف‬
‫أهل هذه البيوت أنفسهم أقل ما يمكن عن هذه النقليات وأن يكونوا طبعا أشخاصا يوحون‬
‫للمنظمة بأكبر قدر من الثقة‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫الزامِلة‪ :‬الدابة التي تجعل عليها الحمال‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الب غل أك ثر الدواب ملء مة لن قل المؤن‪ .‬للب غل طا قة احتمال ل ت صدق‪ ،‬وي ستطيع‬
‫التجوال في أشد المناطق وعورة‪ ،‬حاملً أكثر من مئة كيلو طوال أيام وأيام‪ .‬وتجعل منه‬
‫قناعته وسيلة النقل المثلى‪ .‬يجب أن يكون حافره حسن النعال وأن َي ْعتَني بالبغل َبغّالون‬
‫حاذقون‪ .‬يم كن على هذا الن حو تجن يد ج يش حقي قي عظ يم الفائدة‪ ،‬يد بّ على أر بع‪ .‬و قد‬
‫يحصل‪ ،‬رغم صبر البغل وطاقته على احتمال أصعب المراحل‪ ،‬أن تؤدي صعوبة أحد‬
‫المسالك إلى وجوب تخفيف الحمال عنه‪ .‬ولتجنب ذلك يكلف فريق خاص بتحديد معالم‬
‫الدروب الجبليسة‪ .‬فإذا مسا اجتمعست كسل هذه الظروف‪ ،‬وإذا توفسر تنظيسم متيسن وإذا أقام‬
‫الجيش الثائر أطيب العلقات مع الفلحين‪ ،‬تم ضمان التموين بانتظام‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪2‬‬

‫– المنظمة المدنية‬

‫إن التنظيم المدني للحركة النتفاضية أمر بالغ الهمية‪ ،‬وذلك على الجبهتين الداخلية‬
‫والخارجيسة‪ .‬وللجبهتيسن طبعا‪ ،‬موائز ووظائف متباينسة إلى حسد بعيسد‪ ،‬وإن تسم تصسنيف‬
‫مهماتهما تحت تسمية واحدة‪ .‬فجباية المال التي يمكن أن تقوم بها الجبهة الخارجية مثلً‬
‫تختلف عن جباية الجبهة الداخلية‪ .‬ومثلها شأن الدعاية‪ ،‬أو التموين‪ .‬وسوف نصف أولً‬
‫مهمات الجبهة الداخلية‪.‬‬
‫نقصد بالجبهة الداخلية منطقة واقعة ولو جزئيا تحت إشراف قوى التحرر‪ ،‬ومؤاتية‬
‫للغوار‪ .‬أما عندما ينتشر قتال الغوار في أرض مجافية له‪ ،‬فل يتوطد تنظيم الغوار فيها‬
‫عمقا‪ ،‬بل اتساعا‪ ،‬لنه يصيب نقاطا متزايدة العدد‪ ،‬ولكنه ل يستطيع تحقيق تنظيم داخلي‪،‬‬
‫لن العدو متوغل في المنطقة‪ .‬ويمكن في الجبهة الداخلية توفر سلسلة من المنظمات التي‬
‫تؤدي وظائف نوعيسة لتحسسين عمسل الدارة‪ .‬تعود الدعايسة‪ ،‬بصسورة عامسة‪ ،‬مباشرة إلى‬
‫الجيش‪ ،‬غير أنه يمكن فصلها مع بقائها تحت إشرافه (وهذه المسألة‪ ،‬بأية حال‪ ،‬هامة إلى‬
‫حد يجعل ني أعالج ها على حدة في ما ب عد)‪ .‬وتعود جبا ية الضرائب إلى المنظ مة المدن ية‪،‬‬
‫ومثلهسا تنظيسم الفلحيسن بصسورة عامسة (والعمال إن وجدوا)‪ ،‬وينبغسي أن يخضسع هذان‬
‫المران إلى إشراف محكمة‪.‬‬
‫وك ما أوضح نا في الف صل السابق‪ ،‬يمكن تحق يق الجباية بأشكال شتى‪ ،‬من ضرائب‬
‫مباشرة وغير مباشرة و ِهبَات ومصادرات‪ .‬يؤلف كل ذلك جزءا من الفصل الهام المتعلق‬
‫بتموين جيش الغوار‪.‬‬
‫ينب غي النتباه بشدة كي ل يؤدي ع مل الج يش الثائر إلى إملق‪ 57‬المنط قة‪ ،‬وإن كان‬
‫ل عن ذلك ب صورة غ ير مباشرة ب سبب ح صار العدو‪ .‬إن ها ح جة ت ستخدمها‬
‫عمله م سؤو ً‬
‫‪57‬‬

‫الملق‪ :‬الفتقار الناشىء عن النفاق‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫دعا ية العدو با ستمرار‪ .‬فينب غي لهذا ال سبب بالض بط‪ ،‬عدم إثارة أي سبب مبا شر للنزاع‪.‬‬
‫فيجب مثلً أن ل يكون هناك أي نظام يمنع مالك محصول في المنطقة المحررة من بيع‬
‫ل في حالت قصوى وبصورة مؤقتة‪ ،‬مع شرح السباب‬
‫محصوله خارج هذه المنطقة‪ ،‬إ ّ‬
‫بوضوح للفلحين‪ .‬وخلل كل عمل يقوم به الجيش الثائر‪ ،‬ينبغي أن يشرح قسم الدعاية‬
‫دائما أسسباب هذا العمسل‪ ،‬وسسوف يفهمسه الفلح بعامسة فهما تاما‪ ،‬فقسد صسار هذا الجيسش‬
‫جي شه‪ ،‬طال ما أن له ف يه إبنا أو أخا أو قريبا‪ .‬ونظرا لهم ية العلقات مع الفلح ين ي جب‬
‫إنشاء هيئات تسسيّر هذه العلقات فسي مجرى محدد وتنظّمهسا‪ .‬تقوم هذه الهيئات فسي‬
‫المناطسق المحررة‪ ،‬ولكنهسا تنشىء علقات بالمناطسق المجاورة أيضا‪ .‬وتسستطيع هذه‬
‫الهيئات‪ ،‬عسن طريسق المناطسق المجاورة بالتحديسد‪ ،‬أن تتوغسل شيئا فشيئا فتسسمح بذلك‬
‫بتو سيع جب هة الغوار‪ .‬يذ يع الفلحون الدعا ية الشفه ية والمكتو بة‪ ،‬ويحكون ك يف يع يش‬
‫الناس في المنط قة الخرى‪ ،‬والقوانين التي أُب ِرمَت فيها لحماية صغار الفلحين‪ ،‬وروح‬
‫الفِداء لدى الجيش الثائر‪ ،‬فيخلقون بذلك الجو الملئم لدعم هذا الجيش‪.‬‬
‫يجب أن تكون لمنظمات الفلحين أيضا تفرعات تسمح للجيش الثائر‪ ،‬عندما يرغب‬
‫في ذلك‪ ،‬أن ينقل بعض المنتجات لبيعها في أرض العدو‪ ،‬عن طريق سلسلة من الوسطاء‬
‫الذ ين يعملون مجانا إلى حد متفاوت‪ .‬ذلك أن التا جر‪ ،‬إذا كان تعل قه بالقض ية يدف عه إلى‬
‫معاناة ب عض المخا طر‪ ،‬فإن ث مة تعلقا بالمال أيضا يدف عه إلى الفادة من المخا طر عين ها‬
‫لجني الربح‪.‬‬
‫أشرنسا عندمسا تكلمنسا عسن التمويسن إلى أهميسة مصسلحة إنشاء الطرق‪ .‬فعندمسا تبلغ‬
‫الغوارة درجة معينة من التطور‪ ،‬تنشىء مآرز ثابتة إلى حد ما‪ ،‬ول تعود تتيه بل موئل‬
‫في منا طق مختل فة‪ .‬يجب عندئذ إنشاء سلسلة من الدروب ال تي تتفاوت بين درب البغّالة‬
‫والطر يق المعبّدة‪ .‬ينب غي الن ظر طبعا في كفاءة الج يش الثائر للتنظ يم‪ ،‬و في قابل ية العدو‬
‫الهجومية‪ ،‬لنه يستطيع تدمير طرق المواصلت هذه‪ ،‬كما يستطيع استخدام الدروب التي‬
‫أنشأ ها المغاو ير‪ ،‬لبلوغ مع سكراتهم ب سهولة‪ .‬ي جب اعتماد مبدأ جوهري هو أن الدروب‬
‫ل إذا تم‬
‫معدة لت سهيل تمو ين الموا ضع ال تي ل يس ل ها حل آخر‪ ،‬وأنه ل يجوز إنشاؤها إ ّ‬
‫التأكد تقريبا من إمكان الصمود في الموضع أمام هجوم عنيف من جانب العدو‪ .‬ويمكن‬
‫‪108‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫القبول باستثناء من أجل الدروب التي تيسّر التصال بين نقطتين ولكنها ليست حيوية فل‬
‫يؤلف إنشاؤها خطرا‪.‬‬
‫َبيْدَ أن ث مة و سائل موا صلت أخرى‪ ،‬كالها تف مثلً‪ ،‬الذي يم كن إقام ته في الج بل‬
‫بسهولة أكبر بقدر ما يمكن اتخاذ الشجار أعمدة له‪ ،‬وهذا ما يستحيل على مراقبة العدو‬
‫ل في منطقة ليس للعدو إليها سبيل‪.‬‬
‫الجوية أن تميزه‪ .‬ولكنه واضح أن ذلك ل يجوز إ ّ‬
‫المحكمسة هسي الهيئة المركزيسة للعدالة والدارة والقوانيسن الثوريسة‪ ،‬ول غنسى عنهسا‬
‫لجيش غوار تم بناؤه في أرض محررة‪ .‬يجب أن يتبوأ مسؤولية المحكمة شخص مطلع‬
‫على قوانيسن البلد‪ ،‬والفضسل منسه شخسص يعرف الضرورات القانونيسة فسي المنطقسة‬
‫ويسستطيع وضسع سسلسلة مسن المراسسيم والنظمسة تسساعد الفلح على نَظْم الحياة وإقامسة‬
‫مؤسساتها داخل المنطقة الثائرة‪.‬‬
‫لقسد وضعنسا‪ ،‬إبان حرب غوارنسا الكوبيسة‪ ،‬قانون عقوبات‪ ،‬وقانونا مدنيا‪ ،‬ونظاما‬
‫لل صلح الزرا عي‪ ،‬ونظاما لتمو ين الفلح‪ ،‬و في ما ب عد قانون ال صلح الزرا عي في‬
‫سييرا ماسترا‪ .‬كما تتولى المحكمة‪ ،‬بالضافة لما سبق‪ ،‬كل محاسبة الجماعات المسلحة‬
‫المختلفسة‪ ،‬وتشرف على مشاكلهسا الماليسة كافسة‪ ،‬فتتدخسل مباشرة أحيانا حتسى فسي مسسائل‬
‫تموينها‪.‬‬
‫لنلحسظ أن كسل هذه التوصسيات السسياسية ليسست جامدة‪ .‬إنهسا نتاج تجربسة محددة‬
‫طيَات الواقعية لبيئة أخرى‪.‬‬
‫جغرافيا وتاريخيا‪ ،‬ويمكن تعديلها وفق الُمعْ َ‬
‫وينبغسي مسن جهسة أخرى بذل أكسبر عنايسة بصسحة سسكان المنطقسة‪ .‬تقدم المشافسي‬
‫الع سكرية المركز ية العنا ية ل كل فلح على أ تم و جه مم كن‪ .‬ويتعلق ذلك أيضا بالمرحلة‬
‫التي بلغتها القوى الثورية‪.‬‬
‫تتعلق المشافي المدنية وصحة السكان المدنيين‪ ،‬بالجيش الثائر اللذي يضطلع بمهمة‬
‫مزدوجة هي إسداء المعالجة للشعب وتثقيفه في ما يخص تحسين صحته‪ .‬إن الجهل التام‬
‫بأكثر أمور الصحة بداهة هو ما يجعل المسائل الصحية صعبة الحل لدى السكان‪ ،‬وهو‬
‫ما يشدد الخطورة في وضع بائس أصلً‪.‬‬
‫‪109‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وعندمسا تتحضسر الغوارة‪ ،‬عليهسا أن تنشىء المخازن‪ ،‬بأحسسن إدارة ممكنسة‪ ،‬لتؤمسن‬
‫حدا أدنى من الرقابة على البضائع‪ ،‬وبخاصة‪ ،‬لتتيح مراقبتها لكي توزع توزيعا عادلً‪.‬‬
‫تختلف المهمات في الجبهة الخارجية طبيعة واتساعا‪ .‬ينبغي أن تكون الدعاية‪ ،‬مثلً‪،‬‬
‫قومية وتعليمية في آن‪ .‬يجب أن تشرح المظافر التي حققها رفاق الغوار‪ ،‬وتدعو العمال‬
‫والفلحيسن إلى خوض نضالت جماهيريسة فعليسة‪ ،‬وتقدم المعلومات عندمسا يمكسن ذلك‪،‬‬
‫حول الظفار التي تم إحرازها في هذه الجبهة‪ .‬يجب جباية الموال بصورة سرية تماما‪،‬‬
‫ومع أعظم الحتراز‪ ،‬وإقامة الفواصل في الخط الواصل بين الجابي الول وبين خزينة‬
‫المنظمسة‪ .‬ويجسب تقسسيم هذه المنطقسة إلى مناطسق تتكامسل لتشكسل كلً واحدا‪ .‬ويمكسن أن‬
‫تكون هذه المنا طق مقاطعات‪ ،‬أو مدنا أو قرى‪ ،‬بح سب ات ساع الحر كة‪ .‬وي جب أن تو جد‬
‫لج نة مال ية في كل من هذه المنا طق لتوج يه ا ستخدام الواردات‪ .‬وعند ما ي صبح نُهوج‬
‫النضال متقدما بما فيه الكفاية‪ ،‬يمكن جباية الضرائب‪ ،‬وسوف يدفعها حتى الصناعيون‪،‬‬
‫إزاء القوة التي يؤلفها الجيش الثائر‪ .‬يتم تنظيم التموين وفق حاجات الغوارات‪ ،‬بخطوط‬
‫تمو ين متعددة‪ ،‬بح يث ي ستطاع توف ير البضائع الشائ عة من الجوار‪ ،‬بين ما تجلب البضائع‬
‫النادرة من المراكز الكبرى‪ .‬يجب الجتهاد في اختصار خط التموين إلى الحد القصى‪،‬‬
‫وأن يعرفه أقل عدد ممكن من الناس‪ ،‬ففي ذلك ضمان لديمومته‪.‬‬
‫ي تم تنظ يم أعمال التخر يب من ق بل المنظ مة المدن ية الخارج ية‪ ،‬وتن سق مع القيادة‬
‫المركزية‪ .‬تفرض بعض الظروف الخاصة ضرورة اللجوء إلى العدام الفردي‪ ،‬ويحسن‬
‫تحليل هذه الظروف‪ .‬غير أننا نعتبره سلبيا على وجه العموم‪ ،‬إلّ إذا أزال شخصا اشتهر‬
‫بجرائمه ضد الشعب وبنجاعته في القمع‪ .‬وقد بيّنت تجربتنا في النضال الكوبي أنه كان‬
‫ضحّي بهم لنجاز مهمات ثانوية‪ ،‬وقد‬
‫بالمكان توفير أرواح رفاق ذوي قيمة غالية‪ ،‬وقد ُ‬
‫أ ْتبَع العدو بهم‪ ،‬على سبيل النتقام‪ ،‬رفاقا آخرين كانت خسارتهم غير متناسبة مع النتيجة‬
‫الحا صلة‪ .‬ل يجوز ا ستخدام الغتيال والرهاب الع مى‪ .‬يف ضل القيام بع مل جماهيري‪،‬‬
‫وتلق ين الم ثل العلى الثوري‪ ،‬وإنضا جه‪ ،‬ح تى ت ستطيع هذه الجماه ير‪ ،‬يدعم ها الج يش‬
‫الثائر‪ ،‬أن تتعبأ في الوقت اللزم فترجح كفة الثورة‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وي جب لهذه الغا ية عدم إهمال منظمات العمال والفلحين الثور ية‪ ،‬ف هي تن شر الم ثل‬
‫العلى الثوري فسي صسفوفها‪ ،‬وتُقرىء منشورات الثورة وتنشرهسا‪ ،‬وتعلّم الحقيقسة‪ ،‬إذ‬
‫ينبغي أن تكون الحقيقة أحد موائز الدعاية الثورية‪ .‬يتم الفوز بالجماهير على هذا النحو‬
‫شيئا فشيئا‪ ،‬ويمكسن اصسطفاء الذيسن يؤدون أحسسن عمسل لتجنيدهسم فسي الجيسش الثائر أو‬
‫تسليمهم مسؤولية هامة‪.‬‬
‫هذا هو مخطط التنظيم المدني‪ ،‬داخل وخارج الرض التي يشرف عليها الغوار في‬
‫لحظة معينة من النضال الشعبي‪ .‬ويمكن استكمال هذه العناصر إلى الحد القصى‪ ،‬لني‬
‫أكرر‪ ،‬أن هذه لي ست إلّ تجربت نا الكوب ية ال تي أ عبر عن ها هه نا‪ .‬ويم كن أن تأ تي تجارب‬
‫جديدة فتغير من هذه الطرائق وتحسنها‪ .‬فنحن نقدم مخططا‪ ،‬ل توراة‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪3‬‬

‫– دور المرأة‬

‫تسستطيع المرأة أن تقوم‪ ،‬إبان تطور النهوج الثوري‪ ،‬بدور خارق الهميسة‪ .‬ويحسسن‬
‫التذكير بذلك‪ ،‬لنه يوجد في كل بلداننا ذات الذهنية الستعمارية استصغار واضح لشأن‬
‫المرأة‪ ،‬يصل حتى التمييز الحقيقي‪.‬‬
‫تسستطيع المرأة أن تؤدي أصسعب العمال وأن تقاتسل إلى جانسب الرجال‪ ،‬ول تخلق‬
‫في فرقة الجنود‪ ،‬كما يزعمون‪ ،‬نزاعا من النمط الجنسي‪.‬‬
‫والمرأة رفي قة‪ ،‬تأ تي في حياة القتال الشا قة بال صفات الخا صة بجن سها‪ ،‬ولكن ها م ثل‬
‫ل وت ستطيع النجاح‬
‫الر جل ت ستطيع الع مل والقتال‪ .‬إن ها أض عف ولكن ها لي ست أ قل احتما ً‬
‫مثل الرجل بإنجاز طائفة من المهمات القتالية‪ .‬وقد شغلت المرأة في كوبا دورا في المقام‬
‫الول في أوقات مختلفة من النضال‪.‬‬
‫النساء المقاتلت هن القل عددا بطبيعة الحال‪ .‬وعندما يتم إنشاء جبهة داخلية متينة‬
‫ونسسعى قدر المكان إلى اسستبعاد المقاتليسن الذيسن ل تتوفسر فيهسم الصسفات الجسسمية‬
‫الضرور ية‪ ،‬يم كن توج يه المرأة إلى عدد كبير من المهمات‪ .‬و من أهم ها ع مل الرتباط‬
‫ب ين القوى المقاتلة المختل فة‪ ،‬ول سيما في منط قة العدو‪ .‬ينب غي ت سليم ن قل الر سائل أو‬
‫المال‪ ،‬والشياء ذات الحجم الصغير والهمية الكبرى‪ ،‬إلى النساء المتمتعات بثقة مطلقة‪.‬‬
‫أنهن يستطعن نقلها باستعمال ألف حيلة‪ .‬وإذا كان القمع وحشيا‪ ،‬فإن معاملة المرأة تكون‬
‫على العموم أقل قسوة من معاملة الرجل وتستطيع بذلك أن تنجح أكثر منه‪.‬‬
‫تتمتع المرأة التي تؤدي وظيفة عامل ارتباط بحرية أعظم بكثير من الرجل لنجاز‬
‫مهمتهسا‪ .‬إنهسا أقسل مجلبسة للنظار‪ ،‬وأقسل إيحاء بالخطسر لجندي العدو‪ .‬علما بأن خشيسة‬
‫الخ طر هذه هي ال تي كثيرا ما تحدو بجندي العدو أن يرت كب أعماله الوحش ية خوفا من‬
‫المجهول‪ .‬ويمكن للنساء أن ينقلن الرسائل بين الوحدات المنعزلة‪ ،‬والرسائل الموجهة إلى‬
‫‪112‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫خارج الخطوط‪ ،‬وحتسى إلى خارج الوطسن‪ ،‬والشياء ذات الحجسم الصسغير نوعا مسا‬
‫كالرصاص مثلً‪ ،‬كل ذلك في أحزمة خاصة تختفي تحت التنورة‪.‬‬
‫وتسستطيع المرأة إبان هذه الفترة‪ ،‬أن تؤدي مهماتهسا المعتادة‪ ،‬كمسا فسي حالة السسلم‪.‬‬
‫و كم يكون الجندي سعيدا‪ ،‬و هو يعا ني ظروف حرب الغوار القا سية جدا‪ ،‬أن يتم كن من‬
‫العتداد بغذاء لذيذ‪ ،‬ذي طعم واضح (إن إحدى ضرورات الحرب المزعجة هي ازدراد‬
‫طسبيخ بشسع لزج بارد‪ ،‬عديسم الطعسم)‪ .‬تسستطيع طاهيسة أن تجوّد الطعام بشكسل محسسوس‬
‫ويسهل إبقاؤها في وظيفتها‪ ،‬لن إحدى المسائل التي ينبغي مواجهتها هي أن الرجال ل‬
‫يكترثون بالعمال المدنيسة كلهسا ويحاولون دائما أن يتخلوا عنهسا للنضمام إلى القوى‬
‫المقاتلة فعلً‪.‬‬
‫و من أ هم مهمات المرأة تعل يم القراءة وال سياسة لفل حي المنط قة وللجنود الثوري ين‬
‫أنفسهم‪ .‬ويجب أن يرتكز تسيير المدارس‪ ،‬وهو جزء من التنظيم المدني‪ ،‬بصورة أساسية‬
‫على النساء اللواتي يستطعن إيحاء مزيد من الحماس للولد ومزيد من العطف للسكان‪.‬‬
‫وعندمسا تكون الجبهات قسد اسستقرت وأضحست المؤخرة أمينسة‪ ،‬تسستطيع المرأة أن‬
‫تمارس وظيفسة السسعاف الجتماعسي‪ ،‬فتحاول تلطيسف الرزاء القتصسادية والجتماعيسة‬
‫قدر المكان في المنطقة‪.‬‬
‫تضطلع المرأة فسي الميدان الصسحي بدور هام كممرضسة‪ ،‬وأحيانا كطبيبسة‪ ،‬تؤديسه‬
‫بلطف فائق ل يدانيها فيه رفيق السلح الخشن‪ .‬يقدّر هذا اللطف كثيرا في اللحظات التي‬
‫ي قف في ها الن سان تجاه نف سه ُمعْوزا‪ ،‬محروما من الرفاه‪ ،‬يعا ني آلما قد تكون شديدة‪،‬‬
‫ومعرضا للمخاطر الكثيرة الخاصة بحرب الغوار‪.‬‬
‫وإذا مسا تسم بلوغ مرحلة إنشاء الصسناعات الصسغيرة‪ ،‬تسستطيع المرأة هنسا أيضا أن‬
‫تدلي بدلوهسا‪ ،‬ول سسيما لصسنع الملبسس‪ ،‬وهسو دور تقليدي للنسساء فسي بلدان أمريكسا‬
‫اللتينية‪ .‬وتستطيع إتيان العجب بآلة خياطة بسيطة وبعض النماذج‪ .‬هذا وتستطيع المرأة‬
‫أن تقوم مقام الر جل على أك مل و جه‪ ،‬وإن ها لفاعلة‪ ،‬في سائر قطاعات التتنظ يم المد ني‪،‬‬
‫وكذلك في حال الفتقار إلى من يح مل ال سلح (وإن كا نت هذه الحالة شديدة الندرة في‬
‫‪113‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫حرب الغوار)‪ .‬يجسب إسسداء التهيئة الملئمسة للرجال والنسساء لجتناب كسل نوع مسن‬
‫التجاوزات التي قد تُ ْفسِد أخلق التشكيلة‪ .‬غير أنه يجب السماح للشخاص الذين يتحابون‬
‫وهم غير متزوجين‪ ،‬وبعد أداء الشكليات البسيطة التي يقتضيها قانون الغوار‪ ،‬أن يعقدوا‬
‫قرانهم في السييرا ويعيشوا الحياة الزوجية‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪4‬‬

‫– الصحة‬

‫إن إحدى الم سائل الخطيرة ال تي توا جه الغوارة هي افتقار ها إلى ما تد فع به كل‬
‫الطوارىء التي تنشأ إبان وجودها‪ ،‬ول سيما الجراح والمراض‪ ،‬وما أكثرها في حرب‬
‫الغوار‪ .‬يؤدي ال طبيب وظي فة بال غة الهم ية‪ ،‬ف هو ل ين قذ الرواح وح سب (كثيرا ما ل‬
‫تكون وظيفتسه العمليسة ههنسا ذات بال‪ ،‬نظرا لضآلة العتاد الذي يتوفسر له عامسة)‪ ،‬بسل‬
‫يضطلع أيضا باستنهاض معنويات المريض‪ ،‬ويشعره أن بجانبه من يعنى بتخفيف آلمه‬
‫والسهر عليه حتى زوال الخطر‪.‬‬
‫يتعلق تنظ يم المشا في بالمرحلة التي بلغ ها الغوار‪ ،‬ويمكن تعداد ثلثة أنماط أ ساسية‬
‫من مؤسسات الشفاء‪ ،‬يوافق كل منها إحدى المراحل‪.‬‬
‫لدينا في ترتيب التطور التاريخي مرحلة بداوة أولى‪ ،‬حيث يتنقل الطبيب‪ ،‬إن وجد‪،‬‬
‫مع رفاقه باستمرار‪ .‬إنه رجل في عدادهم‪ ،‬يؤدي كافة وظائف المغاور الخرى‪ ،‬بما فيها‬
‫وظي فة المقا تل‪ .‬ويضطلع بمه مة مضن ية ومقن طة أحيانا‪ ،‬إذ يعالج حالت يفت قر في ها إلى‬
‫الدواء الذي ي سمح له بانقاذ حياة بشر ية‪ .‬إن ها المرحلة ال تي يتم تع في ها ال طبيب بأع ظم‬
‫التأثير على الفرقة‪ ،‬وأعظم الهمية بالنسبة لمعنوياتها‪ .‬إنه يؤدي في هذه المرحلة مِهانته‬
‫أدا ًء كاملً‪ ،‬ويحمل في حقيبته المعوزة كل العون الذي يمكن أن يقدمه للناس‪ .‬فإن قرص‬
‫ال سبيرين الب سيط ي ستحوذ الهم ية لدى الن سان المتألم‪ ،‬إذا ما قدم ته يد ال صديق الذي‬
‫يتح سس آلم الر جل ويشاطره إيا ها‪ .‬ي جب أن يند مج ال طبيب تماما بالم ثل العل يا للثورة‪،‬‬
‫في هذه المرحلة الولى‪ ،‬لن كلمه سوف ينفذ أعمق من أي فرد سواه في الفرقة‪.‬‬
‫يم كن و صف المرحلة التال ية بمرحلة ن صف بدو ية‪ .‬إن ها مرحلة المع سكرات ال تي‬
‫تعرّج الغوارة عليها‪ ،‬والبيوت الصديقة‪ ،‬المينة تماما‪ ،‬التي يمكن ترك العتاد فيها‪ ،‬وحتى‬
‫الرفاق‪ .‬ف قد أخذت الفر قة تن حو من حى التح ضر‪ .‬إن مه مة ال طبيب في هذه المرحلة أ قل‬
‫‪115‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مشقسة‪ .‬ويمكنسه أن يحوز فسي حقيبتسه تجهيزا جراحيا للمعالجسة الضروريسة الولى‪ ،‬وأن‬
‫تتو فر له حقيبة أخرى‪ ،‬أ هم شأنا‪ ،‬تودع في ب يت صديق‪ ،‬للعمليات ال قل إلحاحا‪ .‬ويمكن‬
‫ترك المر ضى والجر حى ليعنى ب هم الفلحون الذين ي سهرون علي هم برعاية‪ ،‬ك ما يمكن‬
‫تخزين مزيد من الدوية المصنفة تصنيفا جيدا‪ ،‬في حرز أمين‪ .‬ويمكن في هذه المرحلة‬
‫نصف البدوية‪ ،‬وفي المناطق التي تثبت منعتها‪ ،‬إقامة مشافي في بعض البيوت‪ ،‬ليترك‬
‫فيها المرضى والجرحى‪.‬‬
‫ل فسي المرحلة الثالثسة‪ ،‬عندمسا تحرز الغوارة‬
‫ل يمكسن بناء تنظيسم مشفوي حقيقسي إ ّ‬
‫أخيرا منا طق ل ي ستطيع العدو الدخول إلي ها‪ .‬و في المرحلة الك ثر تقدما‪ ،‬يم كن اعتماد‬
‫ثلث فئات مسن المراكسز‪ ،‬حسسب المكانات المتوفرة‪ .‬الفئة الولى على مسستوى خسط‬
‫القتال‪ ،‬تتألف من الطبيب الذي هو مقاتل أيضا‪ ،‬وهو أحب الرجال إلى الفرقة‪ ،‬ول يحتاج‬
‫أن تكون معلوماته عميقة جدا‪ .‬إني أؤكد هذه النقطة لن عمل الطبيب في هذه اللحظات‬
‫هو ق بل كل ش يء ع مل ترو يح وتهيئة نف سية للمر يض أو الجر يح‪ .‬أ ما الع مل ال طبي‬
‫الحقيقسي‪ ،‬فيتسم فسي المشافسي القائمسة فسي المؤخرة‪ .‬ل يجوز التضحيسة بجرّاح كُفسء فسي‬
‫خطوط النار‪.‬‬
‫عندما يسقط رجل في الخط المامي‪ ،‬يحمله النقّالون – إن وجدوا – إلى أول مركز‪.‬‬
‫وإلّ‪ ،‬فيتولى رفا قه ذلك بأنف سهم‪ .‬ينطوي ن قل الجر حى في المنط قة الجبل ية على مداراة‬
‫بالغة الدقة‪ .‬وربما كان نقل الجريح أصعب بسبب آلمه أكثر مما هو بسبب الجرح ذاته‬
‫مهمسا كان بليغا‪ .‬ويمكسن إجراء النقسل بطرق مختلفسة‪ ،‬تبعا لوصساف الرض‪ .‬ل يمكسن‬
‫السسير إلّ رتلً أحاديا فسي الراضسي الوعرة الشَجِرة‪ ،‬التسي هسي المثلى لحرب الغوار‪،‬‬
‫وأفضل نقالة تكون شبكة نوم معلقة بعصا طويلة‪.‬‬
‫وينبغي أن يتناوب الرجال كثيرا‪ ،‬لن أكتافهم سوف تؤلمهم ألما عظيما وسرعان ما‬
‫يملّون حمسل ثقسل كسبير وبالغ الرقسة‪ .‬وعندمسا يجتاز الجريسح هذا المأزق الول‪ ،‬يصسل‬
‫وإضبارتسه إلى مركسز يوجسد فيسه جرّاحون وأخصسائيون (تبعا لمكانات الفرقسة طبعا)‬
‫يؤمنون كل العمليات الهامة‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫أمّا الفئة الثالثة‪ ،‬فهي المشافي المقامة مع أجود و سائل الترفيه الممكنة‪ ،‬للبحث في‬
‫أسباب المراض التي يمكن أن تصيب سكان المنطقة وفي آثارها‪ .‬توافق هذه المشافي‬
‫حياة تامسة التحضسر وهسي ليسست مراكسز عمليات ونقاهسة وحسسب‪ ،‬لكنهسا أيضا منشآت‬
‫متصلة بالسكان المدنيين‪ ،‬يقوم فيها خبراء صحيون بدورهم التوجيهي‪ .‬كما ينبغي إنشاء‬
‫م ستوصفات تقوم بالرقا بة الطب ية على كل فرد‪ .‬ويم كن بح سب إمكانات تمو ين المنظ مة‬
‫المدنيسة‪ ،‬أن تتوفسر لمشافسي الفئة الثالثسة هذه تجهيزات تتيسح لهسا التشخيسص المخسبري‬
‫والشعاعي‪.‬‬
‫المعاونون ال طبيون مفيدون جدا‪ ،‬إلى جا نب ال طبيب‪ .‬إن هم فتيان في أغلب الحيان‪،‬‬
‫و هم أ صحاب ر سالة إلى حد ما‪ ،‬وتتو فر لدي هم ب عض المعلومات‪ ،‬وقوة ج سمية كاف ية‪،‬‬
‫لكنهم غير مسلحين‪ ،‬إما بسبب عقيدتهم الشخصية‪ ،‬أو – وهذا هو الغلب – لن السلح‬
‫سة والنقّالت والشبكات‬
‫سؤولية الدويس‬
‫سع‪ .‬يتولى هؤلء المعاونون مسس‬
‫سر كاف للجميس‬
‫غيس‬
‫بمجموعها‪ ،‬وعليهم أن يعنوا بالجرحى في كل قتال‪.‬‬
‫إن عمال الرتباط المت صلون بمنظمات ال صحة الموجودة في مؤخرة خطوط العدو‪،‬‬
‫هم الذ ين يؤمّنون الدو ية اللز مة‪ ،‬ح تى لو أم كن الح صول علي ها أحيانا بو سائل أخرى‬
‫بواسسطة الصسليب الحمسر الدولي‪َ .‬ب ْيدَ أنسه ل يجوز التعويسل على هذا الحتمال الخيسر‪،‬‬
‫سيما في بدء النضال‪ .‬لذا يجب تنظيم جملة قادرة على نقل الدوية ذات الضرورة الملحة‬
‫بسسرعة‪ ،‬وعلى تلبيسة حاجات المشافسي العسسكرية والمدنيسة على السسواء‪ .‬كمسا ينبغسي‪،‬‬
‫بالضافة‪ ،‬إقامة الصلت مع أطباء القصبات المجاورة‪ ،‬الخليقين باجراء إحدى العمليات‪،‬‬
‫عندما تعوز طبيب الغوارة الوسائل أو الكفاءة لجرائها بنفسه‪.‬‬
‫يسستلزم هذا النمسط مسن الحرب فئات مختلفسة مسن الطباء‪ :‬الطسبيب المقاتسل‪ ،‬رفيسق‬
‫الرجال‪ ،‬وهسو نموذج طسبيب المرحلة الولى‪ .‬وتتضاءل وظيفتسه بقدر مسا يغدو عمسل‬
‫الغوارة أكثر تعقيدا وبقدر ما يمكن بناء سلسلة من الهيئات الملحقة بها‪ ،‬فيغدو الجرّاحون‬
‫العامون عندئذ أفضسل المجنّديسن فسي الجيسش الثائر‪ .‬والمثسل وجود اختصساصي فسي‬
‫التخدير‪ ،‬حتى لو كانت العمليات تجرى اعتمادا على اللرغاكتيل أو البانتوتال الصودي‪،‬‬

‫‪117‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫اللذيسن همسا أسسهل إعطاءً للمريسض مسن المخدرات الغازيسة وأسسهل توفيرا وحفظا‪.‬‬
‫وبالضافة إلى الجراحين العامين‪ ،‬فإن المجبّرين مفيدون جدا‪ ،‬لن طبيعة الرض الجبلية‬
‫تسبب كسورا كثيرة‪ .‬كما ينبغي للطبيب أن يعالج جماهير الفلحين أيضا‪ ،‬إذ أن أمراض‬
‫جيوش المغاوير هي‪ ،‬بعامة‪ ،‬سهلة التشخيص‪ ،‬أما المراض الناجمة عن سوء التغذية‪،‬‬
‫فهي أصعب علجا بكثير‪.‬‬
‫ويمكسن فسي مرحلة أكثسر تقدما بكثيسر‪ ،‬أن يتاح اسستخدام المخَبريين‪ ،‬إذا مسا توفرت‬
‫مشاف جيدة‪ ،‬بغية القيام بعمل أكثر كمالً‪ .‬ينبغي استدعاء قطاعات الختصاص كافة عند‬
‫الحا جة إلي ها‪ ،‬وكثيرا ما تُل بى هذه الدعوة‪ .‬وي جب ا ستدعاء أطباء ال سنان‪ ،‬ويو ضح ل هم‬
‫أن عليهم اللتحاق مزودين بأجهزة ميدان بسيطة‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪5‬‬

‫– التخريب‬

‫التخريب سلح ل يُقّدر ثمنه لدى الشعوب التي تخوض حرب الغوار‪ .‬يتعلق تنظيمه‬
‫مباشرة بالمنظمة المدنية السرية‪ ،‬إذ أن التخريبات ل تتم إلّ خارج المناطق التي يشرف‬
‫عليهسا الجيسش الثوري‪ .‬غيسر أنسه ينبغسي وضسع هذه المنظمسة مباشرة تحست إمرة أركان‬
‫حرب الغوار‪ ،‬وهسي المخوّلة تحديسد الصسناعات والمواصسلت والهداف التسي يفضسل‬
‫إصابتها‪.‬‬
‫ل يمست التخريسب بصسلة إلى الرهاب‪ .‬فالرهاب والغتيال الفردي طرق تختلف‬
‫عسن التخريسب اختلفا مطلقا‪ .‬نحسن على يقيسن صسادق مسن أن الرهاب سسلح سسلبي ل‬
‫يعطي الثار المرغوبة أبدا وإطلقا‪ .‬ويمكن أن يبعد الشعب عن حركة ثورية‪ ،‬في حين‬
‫يت سبب لدى ممار سيه بخ سائر بشر ية ل تتنا سب مع النتائج الحا صلة‪ .‬غ ير أ نه يم كن‬
‫اللجوء‪ ،‬بالمقا بل‪ ،‬إلى اغتيالت فرد ية‪ ،‬ول كن في ب ضع حالت خا صة جدا‪ ،‬مثلً لزالة‬
‫أ حد رؤ ساء الق مع‪ .‬ولك نه ل يجوز في أ ية حال ا ستخدام عتاد بشري متخ صص لزالة‬
‫قاتل صغير يمكن أن يتسبب موته في القضاء على كل العناصر الثوريين الذين اشتركوا‬
‫في مقتله‪ ،‬بالضافة إلى ضحايا النتقام اللحق‪.‬‬
‫ثمسة نمطان ضروريان مسن التخريسب‪ :‬التخريسب على النطاق الوطنسي‪ ،‬ضسد أهداف‬
‫معينة‪ ،‬والتخريب على مقربة من خطوط القتال‪ .‬يجب أن يستهدف التخريب على النطاق‬
‫الوطنسي بصسورة أسساسية تدميسر المواصسلت‪ .‬يمكسن تدميسر كسل نوع مسن المواصسلت‬
‫بطريقسة مختلفسة‪ ،‬بيسد أنهسا عرضسة للصسابة كلهسا‪ .‬يسسهل تدميسر أعمدة البرق والهاتسف‬
‫بنشرها حتى ما قبل آخرها‪ ،‬بحيث أنها تظهر ليلً بمظهر سليم‪ ،‬ثم يسقط أحدها فجأة‪،‬‬
‫فيجرّ سائرها في سقوطه‪ ،‬مسببا تعطيلً واسعا‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫كما يمكن تخريب الجسور بنسفها بالديناميت‪ .‬وإذا لم يتوفر الديناميت‪ ،‬يمكن تدمير‬
‫حمْلج اكسسجيني ايدروجينسي‪ .‬يجسب قطسع الجائز الرئيسسي والجائز‬
‫الجسسور الحديديسة ب ِ‬
‫العلى اللذ ين يحملن الج سر الحديدي‪ .‬وم تى تمّ ق طع هذ ين الجائز ين بالحملج‪ ،‬يع مل‬
‫مثل ذلك من الطرف الخر أيضا‪ .‬هكذا ينقلب الجسر على جنبه‪ ،‬فيلتوي ثم يهوي‪ .‬إنها‬
‫أن جع و سيلة لتدم ير ج سر فلزي بل دينام يت‪ .‬ي جب تدم ير ال سكك الحديد ية والطرقات‬
‫أيضا‪ ،‬وكذلك الكهاريسز‪ .‬ويمكسن أحيانا بسث اللغام فسي القطارات‪ .‬يتعلق ذلك دائما بقوة‬
‫الغوارة‪.‬‬
‫كذلك يسسمح عتاد ملئم بتدميسر الصسناعات الحيويسة فسي كسل منطقسة عندمسا تأزف‬
‫ال ساعة‪ .‬ينب غي أن تؤلف م سألة التخر يب موضوع خ طة شاملة‪ ،‬فل يجوز تدم ير مجال‬
‫عمسل إلّ فسي اللحظسة الحاسسمة‪ ،‬لن تدميرا كهذا يسستتبع نزوحا جماهيريا بيسن العمال‬
‫ويؤدي للمجاعة‪ .‬يجب القضاء على الصناعات التي تخص شخصيات العهد‪ ،‬وبذل الجهد‬
‫ل إذا أدى القضاء عليهسا إلى عواقسب اجتماعيسة فائقسة‬
‫لقناع العمال بضرورة ذلك‪ ،‬إ ّ‬
‫الخطورة‪.‬‬
‫إن نا نلح على أهم ية تخر يب طرق الموا صلت‪ .‬إن الموا صلة ال سريعة هي ال سلح‬
‫ال كبر لدى ج يش العدو ضد الثائر ين‪ ،‬في الرض غ ير الوعرة‪ .‬لذا يتو جب علي نا أن‬
‫نحاول تدم ير هذا ال سلح با ستمرار بن سف ج سور ال سكك الحديد ية والكهار يز والعمدة‬
‫الكهربائية والهواتف وحتى أنابيب المياه‪ ،‬وبكلمة‪ ،‬تدمير كل ما ل يستغنى عنه في الحياة‬
‫الحديثة‪.‬‬
‫التخريسب ضروري أيضا قرب خطوط القتال‪ ،‬على النحسو ذاتسه‪ ،‬لكسن بإقدام وتفان‬
‫وتواتر أعظم بكثير‪ .‬يمكن التعويل في هذه الحالة على عون فائق القيمة‪ ،‬هو الذي تقدمه‬
‫الدوريات الجوّالة التابعة للغوارة‪ ،‬والتي يمكنها هبوط المناطق المعنية ومساعدة أعضاء‬
‫المنظ مة المدن ية في أداء مهمت هم‪ .‬وه نا أيضا ي ستهدف التخر يب الموا صلت ق بل كل‬
‫شيء‪ .‬ينبغي تصفية كافة المعامل ومراكز النتاج القمينة بتزويد العدو بما يلزمه لمتابعة‬
‫هجومه على القوى الشعبية‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ي جب ال ستيلء على مخزونات العدو‪ ،‬وقَطْع تموي نه‪ ،‬وإذا لزم ال مر‪ ،‬ي جب إخا فة‬
‫مُلّك الراضي الذين يودون بيعه منتجات زراعتهم وحيواناتهم‪ ،‬وإحراق السيارات التي‬
‫تتجول على الطرق واستخدامها لسد الطرق‪ .‬ولدى كل عمل تخريبي‪ ،‬وفي نقاط معينة‪،‬‬
‫على ب عد كبير أو صغير من مو ضع إجراء الع مل‪ ،‬ي جب إحداث مناوشات متكررة مع‬
‫العدو‪ ،‬باستخدام طريقة الضرب والهروب على الدوام‪ .‬ل ضرورة لبداء مقاومة كبيرة‪.‬‬
‫يك في مجرد إراءة العدو أ نه حيث ما يح صل تخر يب‪ ،‬ث مة قوى غوار ية على أه بة القتال‪،‬‬
‫ل يتنقل إلّ متألبا محترزا‪.‬‬
‫لجباره بذلك على أ ّ‬
‫وهكذا يتم إنزال الشلل شيئا فشيئا بكل المدن القريبة من مناطق نشاط الغوار‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪6‬‬

‫– الصناعة الحربية‬

‫إن الصسناعة الحربيسة‪ ،‬فسي منظور حرب الغوار‪ ،‬هسي نتاج تطور طويسل نوعا مسا‪،‬‬
‫وهي تثبت أن الغوار قائم في وضع جغرافي مؤات‪ .‬لقد قلنا سابقا إنه عندما تكون ثمة‬
‫مناطق محررة ويكون العدو قد بسط حصارا شاملً على التموين‪ ،‬ينبغي تنظيم صناعات‬
‫مختلفسة ل غنسى عنهسا‪ .‬ومسن بيسن هذه الصسناعات‪ ،‬ثمسة اثنتان أسساسيتان همسا الحِذاوة‬

‫‪58‬‬

‫شجِرة الوعرة‪ ،‬المفروشة‬
‫وال سِراجة‪ :‬ل تستطيع فرقة أن تسير بل أحذية‪ ،‬في المناطق ال َ‬
‫حجارة وشوكا‪ .‬يصسعب جدا أن يتنقسل المرء فسي هذه الظروف‪ ،‬ول يطيسق ذلك إلّ أبناء‬
‫المحلة‪ ،‬وليس جميعهم‪ .‬أما الخرون‪ ،‬فيجب أن ينتعلوا‪ .‬تنقسم هذه الصناعة إلى فرعين‪:‬‬
‫صسناعة الحذيسة الجديدة‪ ،‬وتسسكيف وإصسلح الحذيسة المعطوبسة‪ .‬يسستلزم إنشاء هذه‬
‫ال صناعة الحرف ية تجهيزا كاملً لش غل الجلود‪ .‬وتل حق ب ها ال سِراجة ل صنع كل اللوازم‬
‫الشائ عة كج عب الف شك وحقائب الظ هر‪ ،‬ويم كن صنعها من الكتان أو الجلد‪ ،‬و هي وإن‬
‫كانت غير أساسية‪ ،‬إنما تساعد على راحة الفرقة وتعطيها انطباع الكتفاء الذاتي‪.‬‬
‫إن السسِلحة‪ 59‬هسي صسناعة أسساسية أخرى‪ .‬ووظائفهسا متباينسة‪ ،‬مسن مجرد إصسلح‬
‫القطع المعطوبة لكافة البنادق والسلحة الخرى‪ ،‬إلى صناعة بعض أنماط أ سلحة القتال‬
‫التسي يبدعهسا روح الختراع الشعسبي‪ ،‬إلى صسنع اللغام ذات الليات المختلفسة‪ .‬وإذا مسا‬
‫أتاحت الظروف‪ ،‬تستكمل بورشة مكلفة ب صناعة الباردو‪ .‬فإذا أمكن صنع المتف جر ذاته‬
‫في المنطقة المحررة‪ ،‬إضافة إلى الصاعق‪ ،‬أمكن التوصل إلى منجزات عظيمة في هذا‬
‫الصسدد ذي الهميسة البالغسة‪ ،‬إذ أن اسستخداما حكيما لللغام يسسمح بشسل الطرقات شلً‬
‫كاملً‪.‬‬
‫‪58‬‬

‫الحِذاوة‪ :‬صناعة الحذية‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫السِلحة‪ :‬صناعة السلح‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫هناك صف آخر من ال صناعات الهامة‪ ،‬هي الحِدادة وال صِفاحة‪ .‬يجري في الحدادة‬
‫إنعال البغال‪ ،‬كمسا يمكسن أن تصسنع فيهسا النعال ذاتهسا‪ .‬أمسا فسي صسناعة الحاجات مسن‬
‫الصسفيح‪ ،‬فتجري أعمال صسنع الطباق‪ ،‬وخاصسة الصسفائح‪ .‬ويمكسن أن يلحسق بهسا قسسم‬
‫لل سِباكة‪ .‬فإذا تم صهر الفلزّات الطر ية‪ ،‬أم كن إنشاء مع مل لرمّانات ال يد‪ ،‬ي سهم بش كل‬
‫رئيسسي فسي تسسليح الفرقسة‪ .‬كمسا ينبغسي وجود ورشسة مِهانيسة مختصسة بالصسلحات‬
‫والنشاءات عامسة‪ ،‬تتولى وظائف مختلفسة ومحددة تماما‪ ،‬وهسي مسا تسسمى فسي الثكنات‬
‫"بطار ية الخد مة"‪ ،‬غ ير أن ها تكون ه نا خال صة من روح المداونة‪ ،60‬ومكل فة بتلب ية كل‬
‫الحاجات على نحو فعلي‪.‬‬
‫كمسا ينبغسي وجود مسسؤول عسن المواصسلت‪ .‬ل يكون مسسؤولً فقسط عسن الدعايسة‬
‫الل سلكية الموج هة إلى الخارج‪ ،‬بل م سؤولً أيضا عن الهوا تف والطرقات‪ ،‬وينب غي أن‬
‫س أن نا محتربون‪ ،‬ويم كن أن ي قع علي نا هجوم‪،‬‬
‫يع مل مترابطا مع المنظ مة المدن ية‪ .‬ل نن َ‬
‫وأنه كثيرا ما يتوقف حفظ أرواح كثيرة على مخابرة أُ ْرسِلَت في حينها‪.‬‬
‫ويَحْسسُن‪ ،‬مرضاة للفرقسة‪ ،‬أن توجسد صسناعة للسسيكار أو للفائف‪ُ .‬ت ْبتَاع لهذه الغايسة‬
‫أوراق التبسغ وتنقسل إلى المنطقسة المحررة حيسث تحول إلى مادة صسالحة للسستهلك‪.‬‬
‫الدِباغة صناعة أخرى عظيمة الشأن‪ .‬هذه الصناعات كلها منشآت بسيطة يمكن تحقيقها‬
‫تماما في أي مكان مع التك يف بظروف الغوار‪ .‬ت ستلزم الدبا غة ب عض البن ية ال سمنتية‬
‫ال صغيرة‪ ،‬و هي تتطلب خا صة‪ ،‬كثيرا من الملح‪ .‬غ ير أن ها ت سمح ل صناعة الحذ ية أن‬
‫تتوفر لها مادتها الولية محليا وفي ذلك المر إفادة عظيمة‪ .‬يجب استحضار الملح محليا‬
‫وتركيز كميات كبيرة منه‪ ،‬ويجب بلوغ أمكنة فيها تركيز ملحي كبير لهذه الغاية‪ ،‬وجعل‬
‫الماء يستبخر‪ .‬البحر هو بوضوح خير مصدر للملح‪ ،‬لكن ثمة مصادر أخرى‪ .‬ول حاجة‬
‫لتخليص الملح من كل الملح المرافقة له‪ ،‬فيمكن استهلكه على حاله‪ ،‬وإن كان طعمه‬
‫ليس سائغا جدا لدى الوهلة الولى‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫المُداونة‪ :‬أسلوب لمعالجة المور من جانب المسؤولين في المكاتب والدواوين‪ ،‬يتميز بالتعالي على‬

‫الشعب واستغلله واعتباره مسخرا دون الحكام لتنفيذ الوامر الصادرة إليه‪( .‬البيروقراطية‪ ،‬المكتبية)‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫يجسب حفسظ اللحسم مملحا‪ ،‬وهذا مسا يُسسهّل عمله ويُمكَّنس مسن إنقاذ أرواح كثيرة فسي‬
‫حالت الشدة القصسوى‪ .‬يُمكسن حفسظ اللحسم مدة طويلة نوعا مسا فسي براميسل تُمل ملحا‪،‬‬
‫ويُمكن استعماله على هذا الشكل مهما كانت الظروف‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪7‬‬

‫– الدعاية‬

‫يجب القيام ببث الفكار الثورية بالوسائل الملئمة وعلى أعمق نحو ممكن ويتطلب‬
‫ذلك إسهام فريق كامل من المتعاملين‪ ،‬وإسهام منظمة تعضدهم‪.‬‬
‫وينبغي أن تتألف هذه المنظمة من قسمين متكاملين‪ ،‬يغطيان نطاق الوطن كله‪ .‬يجب‬
‫أن ت تم الدعا ية من الخارج‪ ،‬أي ض من المنظ مة المدن ية الوطن ية‪ ،‬و من الدا خل‪ ،‬أي في‬
‫ل توجد سوى هيئة إدارية واحدة لهما‪ ،‬بغية تنسيق هذين العملين‬
‫وسط الغوار‪ .‬ويجب أ ّ‬
‫الدعائيين المتلزمين تلزما وثيقا‪.‬‬
‫ي جب أن ت تم الدعا ية في النطاق الوط ني ال صادرة عن المنظمات المدن ية الموجودة‬
‫خارج الرض المحررة‪ ،‬عن طريق الصحف والنشرات والعلنات‪ .‬تُعنى أهم الصحف‬
‫بمسسائل البلد العامسة‪ ،‬وتخسبر الجمهور بوضسع قوى الغوار المضبوط‪ ،‬ول تغفسل لحظسة‬
‫المبدأ الساسي القائل إن الحقيقة‪ ،‬في المدى البعيد‪ ،‬ل بد أن تؤتي الخير للشعوب‪ .‬وإلى‬
‫جا نب هذه المنشورات ذات الطا بع العام‪ ،‬تو جه منشورات سواها‪ ،‬أك ثر تخ صصا‪ ،‬إلى‬
‫قطاعات ال سكان المختل فة‪ .‬فعلى المنشورات الموجهة للفلح ين أن تح مل إلى هذه الطب قة‬
‫ر سالة رفاق هم في الرض المحررة‪ ،‬الذ ين لم سوا آثار الثورة المنع شة‪ ،‬فتن طق على هذا‬
‫النحو بأماني الفلحين‪ .‬وتتميز الجريدة العمالية بذات الطابع‪ ،‬ولكنها قد ل تتضمن دائما‬
‫رسسالة المقاتليسن مسن هذه الطبقسة‪ ،‬إذ يحتمسل ألّ توجسد قبسل المرحلة الخيرة‪ ،‬منظمات‬
‫عمالية في نطاق حرب الغوار‪.‬‬
‫يجسب إيضاح الشعارات الكسبرى للحركسة الثوريسة مثسل شعار الضراب العام فسي‬
‫الو قت المنا سب‪ ،‬وشعار م ساعدة القوى الثائرة‪ ،‬وشعار وحدة ال صف‪ ...‬إلخ‪ .‬ويم كن أن‬
‫ل مهمسة سسائر العناصسر فسي البلد الذيسن ل يقاتلون فسي‬
‫تشرح صسحف كفاحيسة أخرى مث ً‬
‫‪125‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الغوار‪ ،‬ولكنهم يعنون بشتى أعمال التخريب والغيلة‪ .‬ويمكن في داخل المنظمة‪ ،‬إصدار‬
‫سا‪ .‬هذا وتكون النشرات‬
‫سم وقائع يجهلونهس‬
‫سة إلى جنود العدو‪ ،‬تشرح لهس‬
‫سحف موجهس‬
‫صس‬
‫والعلنات المتعلقة بحياة الحركة مفيدة جدا‪.‬‬
‫إن أنجسع دعايسة هسي التسي تعود إلى داخسل منطقسة الغوار‪ ،‬إذ تطال سسكان المنطقسة‬
‫وتشرح ل هم نظر ية النتفاض ال تي ل يعرفون من ها غ ير وجه ها العملي‪ .‬ويتض من هذا‬
‫القسم‪ ،‬إلى جانب الذاعة اللسلكية‪ ،‬الصحيفة المركزية الناطقة باسم قوى الغوار كافة‪،‬‬
‫كما يتضمن صحفا فلحية‪ ،‬ومنشورات وإعلنات‪.‬‬
‫تشرح الذاعة اللسلكية كافة المسائل‪ ،‬ومنها م سائل درء الهجمات الجوية‪ ،‬ومكان‬
‫وجود قوى العدو‪ ،‬وتذكر السماء المألوفة‪ .‬وتوزع الدعاية ذات النطاق الوطني صحفٌ‬
‫مماثلة تصسف الوقائع والمعارك التسي تثيسر اهتماما عميقا لدى القارىء‪ ،‬تضاف إليهسا‬
‫معلومات أكثر جدّية ودقة بكثير‪ .‬أما العلم الدولي‪ ،‬فينحصر أو يكاد في التعليق على‬
‫الوقائع المتصلة مباشرة بنضال التحرر‪.‬‬
‫الدعاية الشفهية‪ ،‬باللسلكي‪ ،‬تفوق كل شيء‪ ،‬فهي الدعاية الكثر فعالية‪ ،‬التي تؤتي‬
‫تأثيرها بأعظم قسط من الحرية في أرض الوطن قاطبة‪ ،‬وتطال عقل الشعب ومشاعره‪.‬‬
‫إن للسلكي أهمية حاسمة‪ .‬ففي الوقت الذي يتلظى به سكان منطقة أو بلد على درجات‬
‫مختلفسة بحمّىس القتال‪ ،‬تأتسي قوة الكلمسة فتزيسد الحمسى ضراما وتفرضهسا على المقاتليسن‬
‫العتاد جميعا‪ .‬إنهسا تشرح‪ ،‬وتعلّم‪ ،‬وتحرّض‪ ،‬وتحدد لدى الصسدقاء والعداء مواقفهسم‬
‫المقبلة‪ .‬ول كن الذا عة ينب غي أن تخ ضع إلى المبدأ ال ساسي في الدعا ية الشعب ية و هو‬
‫الحقيقة‪ .‬إن حقيقة صغيرة‪ ،‬ولو كان تأثيرها ضئيلً‪ ،‬هي خير من أكذوبة كبيرة يكسوها‬
‫ثوب دليصس‪ .61‬يجسب أن تقدم الذاعسة على الخسص معلومات حيسة عسن المعارك‬
‫والشتباكات من كل نوع‪ ،‬وعن الغتيالت التي يرتكبها القمع‪ .‬كما ينبغي إعطاء السكان‬
‫المدنيين توجيهات فكرية‪ ،‬وتعاليم عملية‪ ،‬ومن وقت لخر خطابات لقادة الثورة‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫‪126‬‬

‫دليص‪ :‬مكسو بالخيوط والقطع البراقة‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫نعتقد أنه مفيدة أن تحمل الصحيفة المركزية للحركة اسما يرمز إلى العظمة ووحدة‬
‫الصف‪ ،‬كاسم أحد أبطال البلد مثلً‪ .‬كما ينبغي أن تشرح دائما في مقالت رئيسية أهداف‬
‫الحركة المسلحة وأن تجعل الناس يدركون القضايا الوطنية الكبرى‪ ،‬في حين تبقى فيها‬
‫طائفة من الركان التي تحظى من القارىء باهتمام مباشر أكبر‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪8‬‬

‫– الخبار والستخبار‬

‫"إعرف نفسسك واعرف خصسمك‪ ،‬تسستطيع هكذا أن تخوض مئة معركسة بل هزيمسة‬
‫واحدة"‪ .‬تعادل هذه الحكمة الصينية بالنسبة للغوار‪ ،‬قيمة مزمور من التوارة‪ .‬ليس للقوى‬
‫المقاتلة مسن عون أثمسن مسن الخبار الصسحيح‪ .‬سسوف يكون هذا الخبار عفويا‪ ،‬إذ يأتسي‬
‫سكان المنطقة إلى الجيش الصديق وإلى حلفائه‪ ،‬يروون لهم كل ما يحدث في كل مكان‪.‬‬
‫غ ير أن هذا الخبار ي جب أن يكون منظما تنظيما كاملً‪ .‬ومثل ما ل ي ستغنى عن البُرُد‬

‫‪62‬‬

‫والر سلء دا خل منط قة الغوار وخارج ها لقا مة الت صالت الضرور ية ون قل البضائع‪،‬‬
‫كذلك ينبغي أن تكون دائرة ال ستخبار على تماس مبا شر بجبهة العدو‪ .‬ويجب أن يت سلل‬
‫الرجال والن ساء إلى هذه الجب هة‪ ،‬ول سيما الن ساء‪ ،‬ل كي يكونوا على تماس دائم بالجنود‬
‫ويتحققوا من كل ما يمكن‪ .‬كما ينبغي إقامة منهج من التعاون مع رجال العدو لكي يتم‬
‫اجتياز الخطوط بل صدام‪.‬‬
‫فإذا ما تم تحقيق ذلك‪ ،‬وتوفر العملء الكفّاء‪ ،‬أمكن أن ينام معسكر الثوار أنعم بالً‪.‬‬
‫كما قلتها آنفا‪ ،‬سوف يكون الهدف الساسي لمصلحة الستخبار هو خط النار الول‬
‫بأجمعسه‪ ،‬أو أولى معسسكرات العدو المتاخمسة للرض السسائبة‪ .‬ويجسب أن تتقدم هذه‬
‫المصلحة بقدر ما يتقدم الغوار‪ ،‬وسوف يزداد دورها حتى يشمل توقع تحركات الوحدات‬
‫الوسسع نطاقا التسي يمكسن أن تحدث حتسى فسي مؤخرة العدو‪ .‬وحيثمسا تُشرف الغوارة أو‬
‫تُغ ير‪ ،‬يكون ال سكان كا فة عملء إخبار ها‪ .‬غ ير أ نه يَحْ سُن تو فر أُناس يخت صون بمه مة‬
‫الستخبار‪ ،‬إذ ل يمكن الوثوق بكلم الفلح الذي اعتاد أن يضخم كل شيء ولم يألف دقة‬
‫اللغة العسكرية‪ .‬وإذا تم الوصول إلى تخليق وتنظيم الشكال العفوية التي يتخذها التعاون‬
‫الشعبي‪ ،‬أمكن عندها جعل جهاز الستخبار ليس أهم عون لنا وحسب‪ ،‬وهو شأنه أصلً‪،‬‬
‫‪62‬‬

‫‪128‬‬

‫البُرُد‪ ،‬ج بريد‪ :‬المسافر المكلف بحمل الرسائل‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ل لهجومنا المعاكس أيضا‪ ،‬بفضل "باذرات الرعب" مثلً‪ .‬فتستطيع أولئك النسوة‬
‫بل عام ً‬
‫أن تنشرن بين الجند معلومات تحطم معنوياتهم‪ ،‬وهنّ‪ ،‬إذ يتظاهرن بالتواطؤ معهم‪ ،‬إنما‬
‫يبذرن الرعب والقلق بين جنود العدو‪ .‬ويمكن تنمية الجؤول‪ ،‬وهو مبدأنا الساسي‪ ،‬إلى‬
‫الحد القصى‪ ،‬فإذا ما عرفت المواضع التي يتأهب جيش العدو ليهاجم منها‪ ،‬يكون في‬
‫غاية السهولة اجتنابها ومهاجمته بالمقابل من أبعد المواضع توقعا لديه‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪9‬‬

‫– التدريب والتثقيف السياسي‬

‫إن خيسر تدريسب لجندي التحرر هسو حياة الغوار ذاتهسا‪ ،‬والقائد الذي لم يتعلم مهنتسه‬
‫ال صعبة في ممار سة الحرب يوميا ل يس قائدا حقيقيا‪ .‬يم كن أن تقوم جما عة من الرفاق‬
‫بتدريسب هذا الجندي‪ ،‬فيعلمونسه شيئا مسن اسستعمال السسلح‪ ،‬ويلقنونسه بعسض مبادىء‬
‫التوجيه‪ ،‬ويعلمونه كيف يسلك مع السكان المدنيين‪ ،‬وكيف يقاتل‪ ..‬إلخ‪ .‬غير أنه ل يجوز‬
‫تبذ ير و قت الغوار الثم ين في إعطاء تعل يم منه جي‪ .‬ول يم كن ع مل ذلك إلّ إذا توفرت‬
‫منطقسة محررة واسسعة وإذا كا نت هناك حاجسة لزيادة عدد المقاتليسن زيادة كبيرة‪ .‬يمكسن‬
‫عندئذ تأسيس مدارس للمجندين الغرار‪.‬‬
‫تؤدي هذه المدارس دورا هاما‪ .‬إنهسا تخلق الجندي الجديسد‪ ،‬الذي لمسا يجتسز بعسد‬
‫حرمانات حياة القتال القا سية ال تي تعر كه‪ .‬إن معاناة الحرمانات ت صطفي المرء ا صطفاء‬
‫حقيقيا‪ ،‬بعسد أن تجتاز المحسن العسسيرة التسي تسسمح له بأن ينخرط فسي هذا الجيسش الهائم‬
‫الذي ل يخلّف لمروره أثرا في أي مكان‪ .‬وتكون التدريبات البدن ية في مدارس المجند ين‬
‫على نوعيسن‪ :‬مسن جهسة‪ ،‬رياضسة التلييسن مسع تماريسن المغاويسر‪ ،‬والخفسة فسي الهجوم‬
‫والنسحاب‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬مسيرات شاقة جدا‪ ،‬وحتى مضنية‪ ،‬تخشَّن المجند‪ .‬يجب‬
‫أن يُحمل على الحياة في العراء‪ ،‬واحتمال النواء‪ ،‬والحياة على صلة وثيقة بالطبيعة‪ ،‬كما‬
‫في حياة الغوار‪.‬‬
‫يجسب أن تؤم ّن مدرسسة المجنديسن تموينهسا بذاتهسا‪ ،‬فتكون لهسا حظائر ماشيتهسا‪،‬‬
‫ومزارعها‪ ،‬وبساتينها‪ ،‬وملبنها‪ ،‬وكل ما تحتاجه‪ ،‬لكي ل تثقل ميزانية الغوارة‪ .‬ويمكن‬
‫أن يتناوب الطلب أعمال السسخرة‪ .‬ويمكسن أن يعهسد بهسا إلى أردأ الطلب‪ ،‬على سسبيل‬
‫العقوبة‪ ،‬أو إلى من يتطوع لها‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫يتعلق كل ذلك بمميزات المنطقة التي تنشأ فيها المدرسة‪ .‬نعتقد أنه مبدأ جيد أن يعهد‬
‫بأعمال السخرة لمن يتطوع لها‪ ،‬وأن يُستكمَل عددهم‪ ،‬إذا لزم المر‪ ،‬بمن يكون سلوكهم‬
‫أكثر مدعاة للسف‪ ،‬أو بمن يكونون أقل استعدادا للتدريب على الحرب‪.‬‬
‫يجب أن يكون للمدرسة منظمتها الصحية الخاصة‪ ،‬وفيها حسب المكان‪ ،‬طبيب أو‬
‫ممرض‪ ،‬يراقب المجندين عن كثب قدر المكان‪.‬‬
‫جلّ التدريب‪ .‬يجب أن يكون المغاور في هذا المضمار‪ ،‬رجلً عظيم‬
‫تشكل الرماية‪ُ ،‬‬
‫الدربة‪ ،‬إذ ينبغي استخدام أقل ما يمكن من الذخيرة‪ .‬يبدأ التدريب بما يسمى الرمي على‬
‫الدريئة‪ ،‬ويتسم بأن تثبست البندقيسة بقوة على هيكسل مسا‪ .‬ويسسدد الغرار‪ ،‬دون تحريسك‬
‫البندق ية‪ ،‬هدفا على صحيفة مُقوّى متحر كة تنت قل أمام خلف ية ثاب تة‪ .‬فإذا أ صابت الطلقات‬
‫الثلث نقطسة واحدة كان الرامسي ممتازا‪ .‬تكون البندقيسة ‪ – 22‬إن توفرت – سسلح هذه‬
‫الرمايات الولى‪ .‬و في الظروف الخا صة ‪ -‬م ثل تو فر فائض من الذخيرة‪ ،‬أو ضرورة‬
‫إجراء تدريب معجل للجنود – يتم التدريب برصاص حقيقي‪.‬‬
‫الغارات الجوية هي من أهم امتحانات مدرسة التدريب‪ .‬كان طيران العدو قد تعرف‬
‫تماما إلى مدرسستنا‪ ،‬وكان العدو يركسز هجماتسه مرة أو اثنتيسن كسل يوم على المعسسكر‪.‬‬
‫وكان تصسنيف هؤلء الفتيان عمليا كمقاتليسن عتيديسن يتسم وفقا للنحسو الذي يقاوم بسه كسل‬
‫طالب صدمات هذا القصف المستمر‪.‬‬
‫ل يجوز أبدا أن تُهمسل مدرسسة المجنديسن التثقيسف السسياسي‪ .‬لن أولئك الرجال‬
‫يتطوعون دون أن يكون لهم مفهوم واضح عن السباب التي تدفعهم‪ .‬إنهم يفتقرون إلى‬
‫ال سس‪ ،‬وي صلون إلي نا بمفاه يم مشو شة جدا عن الحر ية‪ ،‬وحر ية ال صحافة‪ ..‬إلخ‪ .‬ي جب‬
‫السير بهذا التثقيف إلى أبعد حد وبأعظم عناية ممكنة‪ .‬ويشتمل على مفاهيم ابتدائية عن‬
‫تار يخ البلد‪ ،‬مع إعطاء تف سيرات واض حة جدا للوقائع القت صادية‪ ،‬تلك الوقائع ال تي هي‬
‫منطلق كل حادثة تاريخية‪ .‬ويتضمن الحديث عن أبطال الوطن‪ ،‬وعن إرتكاساتهم‪ 63‬أمام‬
‫أشكال الظلم المعينة التي كافحوها‪ ،‬ثم ينفتح التثقيف على تحليل الوضع الوطني أو وضع‬
‫‪63‬‬

‫الركس والرتكاس‪ :‬رد الفعل‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫المنطقة‪ .‬ويُعطى لكل أعضاء الجيش وجيز‪ 64‬مبسط يدرسونه دراسة دقيقة ويفيدهم نهجا‬
‫للمستقبل‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ذلك يكون للمدرّبين مدرسة إتقان خاصة بهم‪ ،‬يشتركون فيها باختيار‬
‫النصوص‪ ،‬وينسقون إسهامات كل منهم في أمور التثقيف‪.‬‬
‫يجب تشجيع المطالعة باستمرار مع محاولة اختيار كتب ل مضاعة للوقت فيها‪ ،‬في‬
‫ح ين أن ها تمكَّ ن المج ند من ولوج أبواب الثقا فة والم سائل الوطن ية ال كبرى‪ .‬قد ير غب‬
‫المجند على طبيعته في مزيد من المطالعة‪ ،‬أو قد يدفعه وضع بيئته إلى ذلك بايقاظ وعيه‬
‫إلى مسائل جديدة‪ .‬وسوف تنشأ هذه الحالة الذهنية من جراء العمل‪ ،‬شيئا فشيئا‪ ،‬وبقدر ما‬
‫تثبست مدارس المجنديسن تفوق طلبهسا على الجنود العادييسن‪ ،‬سسواء فسي مضمار تحليسل‬
‫الوضاع‪ ،‬أو في مضمار الضبَاطة‪.‬‬
‫يجب أن تكون الضباطة معللة دوما‪ .‬فعندما ل تكون آلية‪ ،‬تعطي ساعة القتال نتائج‬
‫مدهشة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫‪132‬‬

‫الوجيز‪ :‬الكتاب الوجيز المستخدم مرجعا في التعليم‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪10‬‬

‫– بناء جيش حركة تحررية‬

‫ينبغسي للجيسش الثوري الذي يمارس حرب الغوار‪ ،‬أن يعول كذلك حسسبما أشرنسا‪،‬‬
‫ومهمسا كانست منطقسة العمليات‪ ،‬على منظمسة غيسر مقاتلة يكون إسسنادها له أمرا رئيسسيا‪.‬‬
‫وتدور هذه المنظمسة كليا حول الجيسش ودعمسه‪ ،‬إذ أن النضال المسسلح هسو طبعا العامسل‬
‫الجوهري في الظفر‪.‬‬
‫يستند التنظيم العسكري على آمر‪ ،‬وفي حالة التجربة الكوبية‪ ،‬على قائد أعلى يُعيّن‬
‫آمري المنا طق المختلف ين‪ ،‬الذ ين ل هم سلطة تا مة لح كم مناطق هم وتعي ين آمري الرتال‬
‫و سائر الر تب الد نى من هم‪ .‬يم كن أن يو جد دون القائد العلى آمرو منا طق ي قع ت حت‬
‫إمرت هم آمرو الرتال الذ ين يتفاوت دور هم ح سب الظروف‪ .‬وي قع دون آمري الرتال‪،‬‬
‫النقباء‪ ،‬وفسي تنظيمنسا الغواري‪ ،‬يقسع دون النقباء الملزمون وهسم أدنسى الرتسب‪ .‬وبعبارة‬
‫أخرى‪ ،‬يرقى المرء من جندي إلى رتبة ملزم‪.‬‬
‫ل يس هذا نمطا يحتذى‪ ،‬ولك نه و صف حقي قة‪ ،‬إ نه الطري قة ال تي ا ستخدِمت في بلد‬
‫سسمح فيسه هذا التنظيسم بالتغلب على جيسش ل بأس بتنظيمسه وتجهيزه‪ .‬وليسس هذا مثالً‬
‫مطلقا بأيسة حال‪ ،‬ول سسيما فسي هذا الصسدد‪ .‬إنمسا يقصسد فقسط إلى تسبيان كيسف تتسسلسل‬
‫الوقائع‪ ،‬وكيف يمكن تنظيم قوة مسلحة‪ .‬أما الرتب فليس لها من أهمية في نهاية التحليل‪.‬‬
‫المهسم هسو أن ل تمنسح رتبسة ل تتفسق مسع واقسع‪ ،‬أو تخالف الخلق والعدالة‪ ،‬أو ل تمسر‬
‫خلل غربال النضال والفداء‪.‬‬
‫ينط بق الو صف الذي قدمناه على ج يش ذي قوة‪ ،‬قادر على مواج هة معارك جد ية‪،‬‬
‫وليس صورة غوّارة بدائية يستطيع قائدها أن يحمل الرتبة التي تعجبه ولكنه ل يأمر في‬
‫الواقع إلّ جماعة صغيرة من الرجال‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫العقو بة الضبَاط ية هي من أ هم تداب ير التنظ يم الع سكري‪ .‬ي جب أن تكون الضبَا طة‬
‫أحسد أسسس الغوار وينبغسي التذكيسر بذلك دائما‪ .‬يجسب أن تكون الضباطسة قوة ناشئة عسن‬
‫قنا عة داخل ية ومعقولة‪ ،‬تزوّد الفرد هكذا بضبا طة داخل ية‪ .‬وعند ما تنق طع هذه الضبا طة‪،‬‬
‫ي جب إنزال العقو بة بالمرت كب ب صرامة‪ ،‬مه ما كا نت رتب ته‪ ،‬بت طبيق عقو بة تحدث أثرا‬
‫بليغا‪.‬‬
‫ملح ظة ها مة‪ :‬ل يتح سس المغاور بذات العقوبات ال تي تؤ ثر في جندي الثك نة‪ .‬إن‬
‫عشرة أيام فسي السسجن مثلً هسي عقوبسة للجندي ولكنهسا تؤلف راحسة اسستثنائية لحسد‬
‫المغاو ير‪ .‬إن ها عشرة أيام دون سير‪ ،‬دون ع مل‪ ،‬دون نوبات الحرا سة المعتادة‪ ،‬ي ستطيع‬
‫فيها أن يأكل وينام ملء جفونه‪ ،‬ويطالع ويستريح‪ .‬يفهم من ذلك تماما أن حرمان الحرية‬
‫ليس عقوبة منصوحة في الغوار‪.‬‬
‫عندما تكون أخلق المرء الثورية عالية‪ ،‬وشعوره بكرامته عميقا‪ ،‬ثمة حالت يمكن‬
‫فيها لحرمانه من حق حمل السلح أن يسبب ارتكاسا إيجابيا يكون بمثابة عقوبة حقيقية‪.‬‬
‫يكون تطبيقه إذ ذاك مناسبا‪.‬‬
‫حدث إبان الهجوم على مدي نة من مقاط عة لس فيلس‪ ،‬في أوا خر أيام الحرب‪ ،‬أن‬
‫ل قسد أغفسى على أريكسة أثناء الهجوم على مواضسع فسي وسسط المدينسة‪ .‬ولدى‬
‫ألفينسا رج ً‬
‫الستجواب‪ ،‬أفاد أنه قد نام لن سلحه قد نزع منه‪ .‬فقلنا له إن هذا ليس سلوكا صحيحا‬
‫إزاء الموقسف‪ .‬كان قسد عوقسب لعدم احترازه إذ ترك طلقسة تخرج عفوا‪ ،‬وكان عليسه أن‬
‫يستعيد سلحه‪ ،‬لكن ليس عن طريق النوم‪ ،‬بل بوجوده في الخطوط المامية‪.‬‬
‫مرت بضعسة أيام‪ ،‬وإبان الهجوم النهائي على مدينسة سسانتا كلرا‪ ،‬عندمسا كنسا نزور‬
‫مر كز ن قل الدم‪ ،‬مدّ محت ضر يده إلي نا وذكر نا بالحادث وأردف إ نه قد ا سترد حق ح مل‬
‫السلح‪ .‬وقد مات بعد قليل‪.‬‬
‫ل قد حملت ممارسسة النضال المسسلح الم ستمرة قواتنسا إلى هذه المرتبسة مسن الخلق‬
‫الثور ية‪َ ،‬بيْدَ أ نه ل يم كن إدراك هذه المرت بة م نذ البدء‪ ،‬عند ما ل يزال هناك كث ير من‬

‫‪134‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الخوف‪ ،‬كث ير من التيارات الذات ية‪ ،‬تك بح تأث ير الثورة‪ .‬إن ما تدرك هذه المرت بة بالع مل‬
‫والمثال‪.‬‬
‫يمكن لنوبات الحراسة الليلية الطويلة والمسيرات المضنية أن تشكل عقوبات أيضا‪،‬‬
‫ل معاقبة الفرد وإعياءه في آن مع المكلفين‬
‫ولكن الم سيرات ليست عملية لنها ل تفيد إ ّ‬
‫بحراسته‪ .‬أما نوبات الحراسة الليلية فمحذورها أنها تستلزم وجود جنود لمراقبة المعاقَبين‬
‫الذين تكون أخلقهم الثورية ضعيفة‪.‬‬
‫ك نت قد أحد ثت‪ ،‬في القوى الموضوع ية ت حت إمر تي المباشرة‪ ،‬من أ جل الج نح‬
‫الطفي فة‪ ،‬عقو بة التوق يف مع الحرمان من ال سكاكر والت بغ‪ ،‬و من أ جل الحالت البال غة‪،‬‬
‫الصوم التام‪ .‬وكانت النتائج ممتازة‪ ،‬رغم هول العقوبة‪ .‬فل ينبغي تطبيق هذه العقوبة إلّ‬
‫في حالت استثنائية حقا‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫القسم الرابع‬
‫من تشكيل الغوارة الولى إلى‬
‫الدفاع عن السلطة بعد الفوز بها‬

‫‪136‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪1‬‬

‫– تنظيم الغوّارة الصلية سراً‬

‫على الرغسم مسن أن حرب الغوار تخضسع لجملة مسن القوانيسن المشتقسة مسن قوانيسن‬
‫الحرب العامة‪ ،‬كما تخضع لقوانين أخرى خاصة بها‪ ،‬فمن الواضح‪ ،‬حينما يراد الشروع‬
‫بالنضال المسلح بدءا من خارج الوطن أو من مناطق نائية‪ ،‬أنه ينبغي حصر عمل التآمر‬
‫الصلي بنواة قليلة من المطلعين‪ .‬أما إذا ولّدت حركة الغوار من النشاط العفوي لجماعة‬
‫من الناس‪ ،‬ارتكاسا ضد بعض أساليب الكراه‪ ،‬فقد يُحتمل أن يغدو التنظيم اللحق لنواة‬
‫سو أن يشرع قائد مرموق النفوذ‬
‫سن الغالب هس‬
‫سر البادة‪ .‬ولكس‬
‫سا شس‬
‫الغوار هذه كافيا ليقيهس‬
‫بخوض حرب الغوار‪ ،‬وقسد حزم أمره‪ ،‬مسن أجسل خلص شعبسه‪ ،‬وينبغسي أن يسستعد هذا‬
‫الرجل أولً خارج البلد في ظروف صعبة‪.‬‬
‫لقسد عانست معظسم الحركات الشعبيسة التسي قامست فسي الونسة الخيرة لمناوأة الحكام‬
‫الطغاة‪ ،‬من خطيئة أساسية هي عدم كفاية التأهب‪ .‬ول تُطبق طرق التآ مر ال تي تقتضي‬
‫عملً دقيقا وسريا‪ .‬وغالبا ما تعلم السلطة سلفا‪ ،‬من دوائر استخباراتها‪ ،‬بنوايا الجماعة أو‬
‫الجماعات‪ .‬يحصل ذلك أحيانا بسبب عدم الحتراز‪ ،‬وأحيانا بسبب مظاهرات مباشرة كما‬
‫حدث في بلدنا حيث قال فيدل كاسترو‪" :‬عام ‪ 1956‬سنكون أحرارا أو شهداء"‪ ،‬فجاهرت‬
‫هذه العبارة علنا بالنزول إلى البر‪.‬‬
‫إن أول مبدأ في أ ساس الحر كة هو ال سرية المطل قة‪ ،‬وانعدام المعلومات تماما لدى‬
‫العدو‪ .‬والمبدأ الثا ني هو ا صطفاء العتاد البشري‪ ،‬و هو عظ يم الهم ية أيضا‪ .‬قد ي تم هذا‬
‫الصسطفاء بسسهولة‪ ،‬ولكنسه قسد يكون فسي غايسة الصسعوبة إذ ل يمكسن العتماد إلّ على‬
‫العناصر المتوفرين‪ ،‬أي على منفيين قدامى يتقدمون عندما يدعوهم الداعي دون التمكن‬
‫‪137‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫من إجراء تحق يق تام عن كل من هم‪ .‬وح تى لو ت سلل عملء النظام العدو‪ ،‬فل يغت فر أن‬
‫يستطيعوا تقديم المعلومات‪ ،‬إذ ينبغي قبل الشروع بالعمل‪ ،‬أن يتم تأليب كافة المشتركين‬
‫بالحر كة في أما كن سرية ل يعرف ها إلّ ش خص أو اثنان‪ ،‬وأن يرا قب القادة المشترك ين‬
‫مراق بة وثي قة‪ ،‬ول تكون لهؤلء أ ية صلة بالعالم الخار جي‪ .‬وينب غي دوما إبعاد العنا صر‬
‫جدُد‪ ،‬والذين لما تكتمل معرفتهم‪ ،‬عن النقاط الحساسة‪ ،‬أثناء الستعداد والتدريب ولدى‬
‫ال ُ‬
‫الفرار من وجه الشرطة‪.‬‬
‫وينبغسي فسي العمسل السسري أن ل يعلم أحسد‪ ،‬ل أحسد مطلقا‪ ،‬بأي شيسء ليسست له‬
‫ضرورة ماسة‪ ،‬وأن ل يثرثر أحد أبدا‪ .‬وعند بلوغ مرحلة معينة من بناء الحركة‪ ،‬ل بد‬
‫من مراق بة كل ش يء‪ ،‬ح تى الر سائل‪ ،‬بح يث تعرف تماما علقات كل وا حد‪ .‬ينب غي ألّ‬
‫يعيسش كسل عضسو منفردا وألّ يخرج منفردا‪ .‬وينبغسي منسع الصسلت الشخصسية للعضسو‬
‫العت يد في ج يش التحرر‪ ،‬مه ما كان نوع ها وب كل الو سائل‪ .‬ث مة عا مل ي جب ال صرار‬
‫عليسه‪ ،‬وتأثيره فسي هذه المرحلة الولى سسلبي على العموم بقدر مسا يغدو إيجابيا فسي‬
‫النضال‪ ،‬أل وهسو المرأة‪ .‬إن ضعسف الرجال الشبان تجاه النسساء أمسر معروف‪ ،‬عندمسا‬
‫يكونون بعيد ين عن بيئت هم المعتادة وموجود ين في أوضاع ا ستثنائية ح تى من الناح ية‬
‫النفسية‪ .‬وكم يعرف الحكام الطغاة هذا الضعف ويحاولون استخدام جاسوساتهم‪ .‬قد يسهل‬
‫أحيانا كشف علقات أولء النسوة بمن يستخدموهن‪ ،‬ولكنه كثيرا ما يصعب كشف أدنى‬
‫صلة‪ .‬من ثم ضرورة منع العلقات بالنساء‪.‬‬
‫على الثوري الذي يستعد في ال سر لخوض الحرب أن يكون نا سكا مكتملً‪ ،‬وهذا ما‬
‫ي سمح من ج هة أخرى بالتح قق على ن حو مف يد من شي مة سوف تغدو في ما ب عد إحدى‬
‫أسس السلطة‪ ،‬أل وهي الضباطة‪ .‬فإذا تجاوز رجل تكرارا أوامر رؤسائه والتقى بنساء‪،‬‬
‫وعقد صداقات غير مباحة‪ ،‬ينبغي النفصال عنه فورا ليس فقط بسبب الخطر المحتمل‬
‫في هذه الصلت‪ ،‬بل لمجرد مخالفته الضباطة الثورية‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ينبغي عدم التعويل أبدا على مساعدة غير مشروطة من إحدى الحكومات عندما يتم‬
‫العمل في أرضيها‪ ،‬سواء أكانت حليفة أو ل مبالية فقط‪ .‬يجب أن يتصرف المرء دائما‬
‫كما لو وجد معسكر معاد تماما‪ .‬يمكن طبعا أن توجد في هذا المعسكر استثناءات‪ ،‬ولكنها‬
‫ل تعدو أن تصدق القاعدة العامة‪.‬‬
‫ل يم كن التحدث هه نا عن عدد الرجال الذ ين سوف ي تم إعداد هم‪ ,‬يتعلق هذا ال مر‬
‫بعوامسل تتجاوز الحصسر‪ .‬نسستطيع أن نتحدث فقسط عسن العدد الدنسى مسن الرجال الذيسن‬
‫يمكن شن حرب الغوار بهم‪ .‬فإذا ما حسب حساب النسحابات وحالت الوهن التي ل بد‬
‫من ها‪ ،‬ر غم ال صطفاء ال صارم‪ ،‬ينب غي بح سب رأ يي‪ ،‬اعتماد أ ساس يتراوح ب ين ثلث ين‬
‫وخمسسين رجلً‪ .‬يك في هذا العدد للشروع بنضال م سلح في أي بلد أمريكسي لتينسي‪ ،‬إذا‬
‫كانت الرض مؤايتة‪ ،‬والرغبة في امتلك الرض متأججة لدى الفلحين‪ ،‬والعدالة مبكّتة‬
‫باستمرار‪.‬‬
‫أشرنسا أن السسلحة ينبغسي أن تكون مسن النمسط ذاتسه الذي يسستخدمه العدو‪ .‬وعلى‬
‫الجملة‪ ،‬وباعتبار أن كسل حكومسة تقسف دائما فسي البدء ضسد نشاط عسسكري يصسدر عسن‬
‫أراضي ها‪ ،‬فإن الجماعات ال تي ت ستعد ينب غي أن ل تتجاوز خم سين أو مئة ر جل في كل‬
‫وحدة‪ .‬ليسس ثمسة محذور فسي أن يشرع بالحرب خمسسمئة رجسل مثلً‪ ،‬ولكنسه ينبغسي ألّ‬
‫ل لن عددهسم الكسبير يسسترعى النتباه‪ ،‬ثسم لنسه فسي حال وقوع‬
‫يجتمسع هؤلء معا‪ .‬أو ً‬
‫خيانة‪ ،‬تسقط الجماعة كلها‪ .‬هذا في حين يصعب احتلل عدة أماكن في آن واحد‪.‬‬
‫يمكن أن تكون دار الجتماعات المركزية معروفة إلى حد ما‪ .‬يرتادها المنفيون لعقد‬
‫ل يو جد‬
‫ل ا ستثناءً‪ .‬وينب غي أ ّ‬
‫اجتماعات من ش تى النواع‪ ،‬ول كن القادة ل يظهرون في ها إ ّ‬
‫س َتمْسَك‪ .‬يجب أن يكون في تصرف القادة أكبر عدد من المنازل‪ ،‬مستورة قدر‬
‫فيها أي مُ ْ‬
‫ل مسن شخسص أو اثنيسن‪ ،‬وتوزع فسي أماكسن‬
‫المكان‪ .‬ول تعرف مسستودعات السسلح إ ّ‬
‫متعددة‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ل قمعيا‬
‫ينبغي دائما ت سليم السلحة إلى الذين يستخدمونها في آخر دقي قة‪ ،‬إذ أن عم ً‬
‫ضد الذيسن يتدربون ي سبب سجنهم ك ما ي سبب أيضا فقدان كا فة ال سلحة ال تي ي صعب‬
‫الحصول عليها جدا‪ ،‬والتي تشكل نفقة ل يسع القوى الشعبية أن تتهاون بها‪.‬‬
‫ينبغي إيلء أهمية عظمى لعداد القوى من أجل النضالت القاسية القادمة‪ :‬ضباطة‬
‫صارمة‪ ،‬م ستوى معنوي رف يع‪ ،‬تف هم كا مل للمه مة المراد تحقيق ها‪ ،‬بل تب جج ول أوهام‬
‫خادعة ول آمال كاذبة في ظفر سهل‪ .‬سوف يكون ال صراع مرا وطويلً‪ .‬سوف تعا ني‬
‫الفرقسة مسن الهزائم‪ ،‬وقسد تشارف النكبسة‪ ،‬ولن ينقذهسا إلّ مسستواها المعنوي وضباطتهسا‬
‫وإيمانها في الظفر النهائي‪ ،‬والصفات الستثنائية التي يتحلى بها قائدها‪ .‬هذه هي تجربتنا‬
‫الكوبية‪ ،‬حيث استطاع إثنا عشر رجلً أن يخلقوا جيشا لنهم كانوا يحققون هذه الشروط‬
‫كافة ولن الذي كان يقودهم اسمه فيدل كاسترو‪.‬‬
‫وبالضا فة إلى الستعداد الفكري والمعنوي‪ ،‬ل بد من تدر يب ج سمي دقيق‪ .‬سوف‬
‫يختار المغاو ير منط قة جبل ية للعمل فيها‪ .‬ومه ما كا نت الرض‪ ،‬فإن ال سير هو العن صر‬
‫ال ساسي في الغوار‪ .‬فل ي سع الغوارة أن تتع ثر بأناس بطيئ ين أو ُمتْعَبين‪ .‬يقوم التدر يب‬
‫الناجع على مسيرات مضنية نهارا وليلً‪ ،‬تُزَاد فيها المسافة كل مرة‪ ،‬وتصل بالرجال إلى‬
‫حافسة النهيار‪ ،‬بينمسا هسي تركسز الجهسد على السسرعة‪ .‬السسرعة والجَلَد همسا المائزتان‬
‫الج سميتان لجما عة الغوار ال صلية‪ .‬ك ما يم كن تلق ين الرجال المعلومات النظر ية‪ ،‬م ثل‬
‫التوجيسه‪ ،‬وقراءة الخرائط‪ ،‬ومِهانات التخريسب‪ ،‬وتُجرى إن أمكسن‪ ،‬تدريبات رمايسة كثيرة‬
‫ببندقية حربية‪ ،‬وخاصة على الدريئة‪ ،‬مع الصرار على كيفية استخدام الذخيرة‪.‬‬
‫ينبغي أن تحضر في ذهن المغاور دائما قاعدة شبه دينية ألّ وهي اقتصاد الذخيرة‪.‬‬
‫ينب غي أن يعرف الفادة من كل ر صاصة‪ ،‬ح تى الخيرة‪ .‬فإذا ما اتبِعَت هذه التعليمات‬
‫كافة‪ ،‬استطاعت قوى الغوار أن تدرك هدفها بسهولة‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪2‬‬

‫– الدفاع عن السلطة بعد الفوز بها‬

‫ما دم نا لم نن جح في تحط يم الج يش الذي كان يد عم النظام البائد تحطيما تاما‪ ،‬ف من‬
‫الواضسح أن الظفسر ل يمكسن أن يكون نهائيا‪ .‬وفوق ذلك‪ ،‬فإنسه ينبغسي تصسفية كافسة‬
‫المؤ سسات ال تي كا نت تح مي هذا النظام على ن حو منه جي‪ .‬غ ير أن هذا الكتاب ل يعدو‬
‫كونسه وجيزا تعليميا للغوار‪ ،‬ولذلك سسوف نقتصسر على تحليسل الدفاع الوطنسي فسي حال‬
‫وقوع عدوان على النظام الجديد‪.‬‬
‫سوف يحصل الصدام بادىء ذي بدء بالرأي العام العالمي‪ :‬فسوف تشرع "الصحافة‬
‫ال كبرى" ووكالت النباء "الموضوع ية" في الوليات المتحدة و سائر أوطان الحتكارات‪،‬‬
‫باعتداءات هجوميسة ومنهجيسة بقدر مسا تكون القوانيسن الشعبيسة فسي البلد المتحرر هسي‬
‫الخرى هجومية ومنهجية‪ .‬لذلك يتوجب عدم البقاء على أية بنية من الجيش القديم‪َ .‬بيْدَ‬
‫أن النظام الع سكري‪ ،‬والطا عة الل ية‪ ،‬ومفاه يم الوا جب الع سكري والخلق على الن مط‬
‫القديم ل يمكن اجتثاثها دفعة واحدة‪ ،‬كما أنه من الشد استحالة جعل الظافرين الحاذقين‬
‫فسي الحرب والمفتقريسن غالبا إلى كسل ثقافسة عامسة‪ ،‬يتعايشون مسع العدو المغلوب ولكنسه‬
‫المغترّ بدرايته الحربية والحاقد بكل ما أوتي من قوة على أولئك المغاوير غير المثقفين‪.‬‬
‫وا ضح أن هناك حالت فرد ية‪ ،‬ح يث يق طع ب عض الع سكريين كل صلة بماضي هم‬
‫ويدخلون النظام الجديسد بروح تعاون مطلق‪ .‬إنهسم عندئذ مفيدون على مثليسن‪ ،‬إذ أنهسم‬
‫يجمعون بين الرتباط بقضية الشعب‪ ،‬وبين المعارف اللزمة لقامة بناء الجيش الشعبي‬
‫الجد يد‪ .‬ينب غي تحط يم الج يش القد يم وتشتي ته وذلك با ستيلء الج يش الجد يد على كا فة‬
‫المرا كز‪ ،‬وأن يع قب ذلك تنظ يم الج يش الجد يد فورا‪ .‬ويم كن تعد يل بن ية الغوارة القدي مة‬
‫ستَفْرِدة‪ 65‬والتي كانت متروكة تماما تقريبا إلى مبادرة كل قائد بل أي تخطيط‪ .‬ولكنه‬
‫المُ ْ‬
‫‪65‬‬

‫المُسْ َتفْرِد‪ :‬المفرد بأمره‪ ،‬المتنحي عن أصحابه‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫في غاية الهمية أن يُعاد تنظيمها صدورا عن مفاهيم عمليات الغوار‪ ،‬وذلك باضفاء بنية‬
‫الغوار العضويسة على الجيسش الشعسبي‪ ،‬أي باضفاء تنظيسم على جيسش الغوار يُفصسّل له‬
‫تفصيلً بحسب أبعاده‪ ،‬فيجد نفسه مرتاحا فيه‪ .‬ينبغي عدم الوقوع في الخطيئة التي وقعنا‬
‫في ها خلل الش هر الول‪ ،‬عند ما أرد نا إدخال الج يش الش عبي الجد يد في أُطُر الضبا طة‬
‫والتنظيسم العسسكري القديميسن‪ .‬يمكسن أن تنجسم عسن ذلك صسدوع خطيرة تؤدي إلى بلبلة‬
‫التنظيم تماما‪.‬‬
‫ينبغسي الشروع بالسستعداد منسذ ذلك الوقست لحرب الدفاع الجديدة التسي ل بسد أن‬
‫يخوضهسا جيسش الشعسب‪ ،‬وهسو الذي اعتاد فسي نطاق النضال المشترك‪ ،‬حريسة اجتيال‬

‫‪66‬‬

‫كسبيرة كانست تترك مبادرة واسسعة لكسل جماعسة مسسلحة‪ .‬يواجسه هذا الجيسش مسسألتين‬
‫مباشرت ين‪ :‬الولى‪ ،‬إن آلفا من ثور يي ال ساعة الخيرة‪ ،‬ال صالحين أو الطالح ين‪ ،‬سوف‬
‫ينخرطون في الجيش في موجة الظفر العارمة‪ .‬ينبغي إمرارهم على صوارم حياة الغوار‬
‫وإعطاؤهم دروسا عجْلى وكثيفة في التهيئة الثورية‪ .‬إن التهيئة الثورية‪ .‬التي تمنح جيش‬
‫الش عب وحد ته الفكر ية ال تي ل بد من ها‪ ،‬هي أ ساس ال من القو مي‪ ،‬في المدى البع يد‬
‫والقريب على السواء‪ .‬أما المسألة الثانية‪ ،‬فتطرحها صعوبة التكيّف بالبنيات الجديدة‪.‬‬
‫ينبغي أن تضطلع هيئة خاصة يتم تشكيلها فورا‪ ،‬بشرح الحقائق الثورية الجديدة في‬
‫كل وحدة من وحدات الجيش‪ :‬فتشرح للجنود‪ ،‬الفلحين والعمال‪ ،‬عدالة وحقيقة كل واقعة‬
‫ثوريسة‪ ،‬وأمانسي الثورة‪ ،‬لماذا يقاتلون‪ ،‬ولماذا قضسى كسل الرفاق الذيسن لم يروا الظفسر‪.‬‬
‫وبصسورة موازيسة‪ ،‬تسسمح دروس مسستعجلة فسي التعليسم البتدائي بالتغلب على الميسة‪،‬‬
‫لتحويل الجيش الثوري‪ ،‬تدريجا‪ ،‬إلى أداة مِهانية متكاملة‪ ،‬ذات تهيئة فكرية متينة وكفاءة‬
‫قتالية متقنة‪.‬‬
‫سوف تتح قق هذه ال صفات الثلث شيئا فشيئا مع الز من‪ .‬ويم كن من ثم ا ستكمال‬
‫الجهاز العسسكري لكسي يسستطيع المقاتلون الحاذقون بالحرب أن يسستحيلوا عسسكريين‬
‫محترف ين‪ ،‬بف ضل دورات خا صة‪ ،‬فيهيئون بدور هم كل الش عب الذي يُدْعَى إلى الخد مة‬
‫‪66‬‬

‫‪142‬‬

‫الجتيال‪ :‬القدرة على الحركة والمجاولة‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫عن طر يق التجن يد الطو عي أو اللزا مي‪ .‬يتعلق ذلك بالمميزات القومية ول يم كن إثبات‬
‫قواعد عامة له‪.‬‬
‫إن نا نعبّر بهذا ال صدد و في كل ما يلي عن رأي قيادة الج يش الثائر حول ال سياسة‬
‫الوا جب اتباع ها في كو با‪ ،‬في حال شخوص خ طر غزو أج نبي في المرحلة الحاضرة‪،‬‬
‫وهسو مسا حدث أواخسر ‪ 1959‬وأوائل ‪ .67 1960‬هسا نحسن قسد توقعنسا عدونسا‪ ،‬ورزناه‪،‬‬
‫وننتظره بل خوف‪ .‬إننسا لم نعسد نضسع ههنسا نظريسة لفادة الجميسع‪ ،‬قائمسة على تجربتنسا‬
‫الخاصة الماضية‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬فإننا نستند إلى تجربة الخرين لتطبيقها على دفاعنا‬
‫القومي‪.‬‬
‫ول ما كان علي نا أن نع تبر حالة كو با‪ ،‬وأن نقدم فرضيت نا عن ها في علقات ها بالوقائع‬
‫المريكيسة المرافقسة‪ ،‬فنجعسل الفرضيسة والوقائع المذكورة على وِفاق‪ ،‬لذلك سسوف نقدم‪،‬‬
‫على سبيل الخاتمة‪ ،‬تحليلً للوضع الكوبي‪ ،‬حاضره ومستقبله‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫لقد وقعت محاولة غزو فيما بعد‪ ،‬في ‪ ،1961 / 4/ 16‬في موضع بليا خيرون ‪ ،Playa Giron‬وتم‬

‫سحقها وأسِر معظم الغزاة بما ل يزيد عن ‪ 72‬ساعة من القتال العنيف‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪3‬‬

‫– تحليل الوضع الكوبي‪ ،‬حاضره ومستقبله‬

‫هسا قسد مضست سسنة كاملة منسذ هروب الطاغية‪ 68‬نتيجسة نضال أهلي مسسلح قام بسه‬
‫الش عب الكو بي‪ .‬إن منجزات الحكو مة في المياد ين الجتماع ية والقت صادية وال سياسية‬
‫تتجاوز التقدير‪ .‬ولربما كان ضروريا أن نقوم بالتحليل‪ ،‬بإعطاء كل حد قيمته الصحيحة‪،‬‬
‫بسبيان أبعاد ثورتنسا الكوبيسة بدقسة إلى الشعسب‪ .‬إن هذه الثورة‪ ،‬وإن كانست زراعيسة فسي‬
‫الساس‪ ،‬قد كسبت مساهمة حماسية من جانب العمال والطبقة الوسطى‪ ،‬ونالت الن دعم‬
‫ال صناعيين‪ .‬إن ت صميم شعب ها الذي ل يتزعزع‪ ،‬والهداف ال تي تحر كه‪ ،‬قد من حت هذه‬
‫الثورة أهمية قاريّة‪ ،69‬بل عالمية‪.‬‬
‫ل يس موضوع نا هو إجراء ب حث ترك يبي مه ما كان موجزا‪ ،‬لكا فة القوان ين المبر مة‬
‫ال تي هي جميعا مفيدة للش عب ول ر يب‪ .‬سوف يكفي نا أن نشدد الشارة على ب عض هذه‬
‫القوانين‪ ،‬مبينين التسلسل المنطقي الذي يقودنا من أولها إلى آخرها‪ ،‬بمسيرة ذات خطى‬
‫متتابعة ولزمة‪ ،‬مظهرين الهتمام الذي توليه الدولة لحاجات الشعب الكوبي‪.‬‬
‫لقسد لزمست الحكومسة بادىء ذي بدء أن تحطسم آمال الطبقات الطفيليسة فسي البلد‪،‬‬
‫فر سمت بخ طى سريعة‪ ،‬قانون اليجارات‪ ،‬وتخف يض أ سعار الكهرباء وتعر فة الها تف‪.‬‬
‫و ما ل بث الذ ين كانوا يريدون أن يروا في فيدل كا سترو و صحبه القائم ين بهذه الثورة‪،‬‬
‫بعسض السسياسيين على النمسط القديسم أو بعسض البُلهاء الذيسن تسسهل مداورتهسم‪ ،‬إشارتهسم‬
‫المائزة الوحيدة هي اللحى في ذقونهم‪ ،‬ما لبثوا حتى اعتراهم الظن بأن شيئا أعمق كان‬
‫يتفجر من صميم الشعب الكوبي ذاته‪ ،‬وأن امتيازاتهم قد أحاق ب ها خطر الزوال‪ .‬بدأت‬

‫‪68‬‬

‫الطاغية باتيستا حاكم كوبا السبق الذي فر من وجه الثورة يوم ‪.1/1/1959‬‬

‫‪69‬‬

‫قارّية‪ :‬على نطاق القارة المريكية‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫كلمسة شيوعييسن ترتسسم حول القادة‪ ،‬حول المغاويسر الظافريسن‪ ،‬وأخذت كلمسة معاداة‬
‫الشيوعية‪ ،‬بالمقابل‪ ،‬تؤلب الذين قد جُرّدوا من امتيازاتهم الجائرة‪.‬‬
‫وجاء قانون الراضسي البور‪ ،‬وقانون البيسع لنسسيئة‪ ،70‬فألحقسا شعور انزعاج لدى‬
‫رؤوس الموال المراب ية‪ .‬ول كن الرجع ية ما كا نت لتعا ني ب عد إلّ مناوشات‪ ،‬وكان كل‬
‫ش يء ل ما يزل ممكنا‪ .‬كان ب عد با ستطاعة أمثال دوبوا أو بور تر أن ين صحوا "هذا الط فل‬
‫المجنون" فيدل كاسسترو و ُيهْدُوه إلى الطرق "الديمقراطيسة" الجيدة‪ .‬كان الوثوق بالمسستقبل‬
‫لما يزل ممكنا‪.‬‬
‫جاء قانون الصسلح الزراعسي صسدمة بالغسة‪ ،‬وانجلت المور واضحسة لكسل الذيسن‬
‫مسّهم القانون‪.‬‬
‫لقد كان غاستون باكويرو‪ ،‬الناطق بلسان الرجعية‪ ،‬قد توقع بدقة قبل هؤلء ماذا كان‬
‫يحدث‪ ،‬وانسسحب إلى مياه الطغيان فسي اسسبانيا‪ ،‬هسي أكثسر هدوءا‪ .‬كان بعضهسم مسا زال‬
‫يحدث نف سه قائلً‪" :‬القانون ما هو إلّ قانون"‪ ،‬وإن حكومات أخرى قد أ صدرت قوان ين‬
‫سواها‪ ،‬ح سنة للش عب نظريا‪ ،‬غ ير أن إنفاذ ها كان شأنا آ خر‪ .‬وأخذوا في البدء ينظرون‬
‫ل مسن شارتسه "اينرا"‪،71‬‬
‫إلى هذا الطفسل الصساخب المعقسد‪ ،‬الذي لم يكسن وجوده ليعرف إ ّ‬
‫شفِقسة‪ ،‬مسن أعالي أسسوار علم المذاهسب الجتماعيسة المفاض‬
‫نظرة أبويسة ممجوجسة ومُ ْ‬

‫‪72‬‬

‫والنظريات الجليلة في المالية العامة‪ ،‬التي ل تدانيها عقول المغاوير غير المثقفة‪ .‬ولكن‬
‫الينرا أخذت تتقدم مثسل الجرارة‪ ،‬أو كالدبابسة‪ ،‬لنهسا دبابسة وجرارة فسي آن‪ ،‬محطمسة‬
‫بطريق ها حوا جز الملكيات ال كبرى‪ ،‬وخال قة علقات اجتماع ية جديدة لملك ية الرض‪ .‬ل قد‬
‫أج مل هذا ال صلح الزرا عي الكو بي عددا من المميزات الها مة بالن سبة لمري كا‪ .‬كان‬
‫معاديا للقطاع إذ أ نه‪ ،‬بالضا فة إلى إزالة الملكيات ال كبرى (هذا في ظروف كو با)‪ ،‬قد‬
‫‪70‬‬

‫النسيئة‪ :‬تأخير الجل‪ .‬البيع لنسيئة‪ :‬البيع الذي يتم فيه سداد القيمة في آجال متأخرة‪ .‬كالتقسيط‪،‬‬

‫وينطوي هنا على الربا‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫"اينرا" ‪ INRA‬هي الحروف الولى من اسم "المؤسسة الوطنية للصلح الزراعي" في كوبا‬

‫‪.Instituto Nacional Reforma Agraria‬‬
‫‪72‬‬

‫العلم المُفاض‪ ،‬في المفهوم الغيبي‪ :‬هو العلم المقيم في النفس منذ الخليقة أي غير المكتسب بالبحث‪.‬‬
‫‪145‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ألغى كافة العقود التي تجبر على دفع الريع العقاري نقدا‪ ،‬وصفّى علقات القنانة التي ما‬
‫بر حت قائ مة في منتجات نا الزراع ية الرئي سية‪ ،‬ول سيما في مزارع ال بن والت بغ عند نا‪.‬‬
‫غ ير أ نه كان أيضا إ صلحا زراعيا ي تم في النظام الرأ سمالي ليح طم ض غط الحتكارات‬
‫التي تمنع الفلحين‪ ،‬المنعزلين أو المتألبين‪ ،‬من أن يشتغلوا في أرضهم بإخلص وينتجوا‬
‫دون خوف من المرابي أو المالك‪ .‬فقد أخذ الصلح الزراعي منذ البدء يؤمن للفلحين‬
‫والعمال الزراعيين ملك ية الرض‪ ،‬والد عم المِها ني الضروري‪ ،‬بتوف ير العاملين الكفّاء‪،‬‬
‫والعتاد‪ ،‬والدعسم المالي‪ ،‬بفضسل تسسليفات الينرا ومصسارف الدولة و"رابطسة متاجسر‬
‫الش عب"‪ .‬ل قد انتشرت هذه الخيرة انتشارا قويا في مقاط عة أوريين ته وأخذت تنت شر في‬
‫مقاطعات أخرى‪ ،‬حيث ت حل متا جر الدولة‪ ،‬م حل المرا بي القد يم‪ ،‬فتد فع قي مة المحا صيل‬
‫ل عن الستثمار‪.‬‬
‫بسعر عادل‪ ،‬معطية بذلك تعويضا عاد ً‬
‫وأهسم الموائز التسي تميزه عسن الصسلحات الزراعيسة الخرى الثلثسة فسي أمريكسا‬
‫(مكسيك‪ ،‬غواتيمال‪ ،‬بوليفيا)‪ ،‬هي الرادة في السير به حتى النهاية‪ ،‬دون مساومة من أي‬
‫نوع‪ .‬ل يحترم هذا الصلح الزراعي الكامل إلّ حق الشعب‪ ،‬ول يقف ل ضد طبقة ول‬
‫ضد قومية خاصة‪ :‬يقع القانون بنحو واحد على "يونايتد فروت كومباني"‪ 73‬و"كينغ رننش"‬
‫مثلما يقع على كبار الملك المولّدين‪.74‬‬
‫سي هذه‬
‫سن‪ ،‬تزداد بشدة فس‬
‫سة والقطس‬
‫سل الرز والبذور الزيتيس‬
‫أخذت منتجات البلد مثس‬
‫الظروف‪ ،‬فتصبح هي مركز نهوج التخطيط‪ .‬غير أن المة لما ترض بعد‪ .‬إنها مُ ْز ِمعَة‬
‫أن ت ستعيد ثروات ها كا فة‪ .‬و قد تم عمليا‪ ،‬بقانون الن فط‪ ،‬إ سترداد با طن أرض ها التر يف‪،‬‬
‫ميدان الصسراع بيسن الحتكارات وموضوع نهمهسا‪ .‬يسستجيب هذا القانون‪ ،‬شأن كافسة‬
‫القوان ين ال تي أملت ها الثورة‪ ،‬إلى ضرورات ل يم كن مراوغت ها‪ ،‬إلى عوا جل لم ي عد في‬
‫‪73‬‬

‫هي "شركة الفواكه المتحدة" المريكية ‪ United Fruit Company‬المتنفذة في كل البلدان المحيطة‬

‫بالبحر الكاريبي‪ ،‬والتي كان جون فوستر دالز يملك حصة كبيرة فيها‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫قصدنا بكلمة "المولَّد" ما يسمى بالسبانية "كريولو" ‪ ،Criollo; Créole‬وهم أحفاد المهاجرين‬

‫الوروبيين البيض الخالصين‪ ،‬المولودين في المستعمرات الوروبية ولم يختلطوا بالعروق الخرى من‬
‫أهالي المستعمرات‪ .‬وهم في كوبا من أصل اسباني‪.‬‬
‫‪146‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ُمكْنَة الشعب أن يُرجِئ ها وقد عزم أن يكون حرا‪ ،‬سيدا على اقتصاده‪ ،‬وأن يزد هر ويبلغ‬
‫تطورا اجتماعيا مت صاعدا في الر قي‪ .‬إن قانون الن فط هو‪ ،‬من هذا القب يل‪ ،‬مثال للقارة‬
‫بأسرها تحذره الحتكارات النفطية‪ .‬إن كوبا ل تعيق الحتكارات النفطية مباشرة وبشكل‬
‫جوهري‪ ،‬إذ ليس ثمة ما يدعو لعتبارها مركزا هاما جدا للوقود الثمين‪ ،‬وإن كان هناك‬
‫أمل في إمكان الوصول إلى كفاية الحاجات الداخلية‪ .‬غير أن ها تضرب المثل‪ ،‬بقانونها‪،‬‬
‫إلى الشعوب الشقيقة في أمريكا‪ ،‬بأنه يمكن إجراء ذلك في أمريكا‪ ،‬في حين وقع كثير من‬
‫هذه الشعوب فري سة تلك الحتكارات‪ ،‬ودُ فع ن فر آ خر من ها دفعا إلى الحروب مع بع ضه‬
‫بعضا‪ ،‬مرضاة لحاجات أو نهما لحتكارات متناز عة‪ .‬إ نه يبين في الو قت ذا ته في أ ية‬
‫لحظسة ينبغسي إجراء ذلك‪ .‬لقسد أخذت الحتكارات الكسبرى هي الخرى تميسل بأب صارها‬
‫جبّارة‬
‫القلقة إلى كوبا‪ :‬لم يجرؤ القوم في جزيرة الكاريبي‪ 75‬الصغيرة أن يصفّوا التركة ال َ‬
‫ال تي خلف ها ال سيد فو ستر دالز إلى ورث ته‪ ،‬و هي "يوناي تد فروت كومبا ني"‪ ،‬بل إن الثورة‬
‫الشعبية في كوبا قد ضربت أيضا سلطان "روكفلر" ومجموعة "رويال دتش"‪.76‬‬
‫هذا القانون‪ ،‬مثله مثسل قانون المناجسم‪ ،‬هسو جواب الشعسب على أولئك الذيسن يدّعون‬
‫إذلله‪ ،‬بتظاهرات القوة‪ ،‬والغزوات الجو ية‪ ،‬والعقوبات المختل فة‪ .‬يؤ كد بعض هم أن قانون‬
‫المنا جم ل ي قل أهم ية عن قانون ال صلح الزرا عي‪ .‬إن نا ل نعت قد‪ ،‬بعا مة‪ ،‬أ نه يبلغ هذه‬
‫الهمية في اقتصاد البلد‪ .‬غير أن ثمة ظاهرة جديدة‪ :‬فالضرائب بنسبة ‪ %25‬على إجمال‬
‫المنتجات الم صدرة‪ ،‬ال تي أ جبرت الشركات ال تي ت صدر معادن نا إلى الخارج على دفع ها‬
‫(فأخذت تخلّف الن شيئا غير الخواء في أراضينا)‪ ،‬ل ت سهم في رفاه كو با وحسب‪ ،‬بل‬
‫أع طت الحتكارات ال َكنَد ية منف عة في صراعها مع م ستثمري الني كل الحالي ين عند نا‪.‬‬
‫وبذلك أخذت الثورة الكوبيسسة‪ ،‬التسسي تصسسفَّي الملكيات الكسسبرى‪ ،‬تحدد أيضا أرباح‬
‫‪75‬‬

‫الكاريبي‪ :‬البحر الواقع في أمريكا الوسطى‪ ،‬وكوبا هي إحدى الجزر فيه‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫روكفلر ‪ Rockefeller‬هي أكبر مجموعة من شركات النفط في الوليات المتحدة‪ ،‬وما يرتبط بها من‬

‫مصارف ومؤسسات كثيرة أخرى‪ ،‬ول سيما شركة "ستاندارد أويل كومباني" ومصرف "تشيز منهتان‬
‫بنك"‪ .‬ورويال دتش ‪ Royal Dutch‬هي مجموعة شركات النفط البريطانية الهولندية المشهورة باسم "شل"‬
‫وما يرتبط بها من مصالح وتملك حوالي ‪ 500‬شركة مختلفة في أرجاء العالم‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الحتكارات والوسسطاء الجانسب‪ ،‬وتطلق فسي أمريكسا سسياسة جديدة إذ جرؤت على شسق‬
‫النظام الحتكاري الذي أقام ته حاكرات‪ 77‬المنا جم‪ .‬في هذا ل فت جد يد لنتباه جيران نا في‬
‫بلد هو من أكبر أوطان الحتكارات‪ ،‬ولكن للمر رجعا عميقا أيضا في أمريكا كلها‪ .‬لقد‬
‫أخذت الثورة الكوبية تحطم حواجز منشآت العلم كافة‪ ،‬وتذيع حقيقتها مثل نثار البارود‬
‫بيسن الجماه ير المريك ية اللتينيسة المتعطشسة إلى حياة أف ضل‪ .‬كو با هي ر مز القوم ية‬
‫الجديدة‪ ،‬وفيدل كاسترو رمز التحرر‪.‬‬
‫تضطلع الجزيرة الصغيرة التي مساحتها ‪ 114000‬كم ‪ ²‬وسكانها ‪ 6.5‬مليونا‪ ،‬بقيادة‬
‫النضال المعادي للستعمار في أمريكا‪ ،‬حيث تركت لها الثغرات البليغة في هذا النضال‬
‫أن تقوم بدور الطليعسة‪ ،‬الذي ملؤه البطولة والمجسد والخطسر‪ .‬وراحست المسم الضعسف‬
‫اقتصاديا في أمريكا المستعمرة‪ ،‬الخذة بتطوير رأسماليتها الوطنية متلمسة الطريق وسط‬
‫صراع دائب وأحيانا عن يف ضد الحتكارات الجنب ية‪ ،‬را حت تخلي ال ساحة شيئا فشيئا‬
‫أمام بطسل الحريسة الجديسد‪ ،‬لن حكوماتهسا تعوزهسا القوة اللزمسة للمضسي بنضالهسا إلى‬
‫غايته‪ .‬فليس هذا النضال بسيطا أو خاليا من المصاعب والمخاطر‪ ،‬ويلزمه تأييد الشعب‬
‫قاطبة‪ ،‬كما يلزمه كثير من المثالية وروح الفداء للظفر به في ظروف العزلة التي نعانيها‬
‫في أمري كا‪ .‬ل قد حاولت بلدان صغيرة أن تخوض هذا النضال في ما م ضى‪ :‬غواتيمال‪،‬‬
‫غواتيمال الكويتزال‪ ،78‬ذلك الطائر الذي يموت إذا أُد خل الق فص‪ ،‬ومثل ها بوليف يا‪ ،‬بوليف يا‬
‫موريلّو‪ ،‬أول شهداء السستقلل المريكسي‪ ،‬الذي تداعسى مسن وطأة القتال الهائلة‪ ،‬بعسد أن‬
‫ضرب ثلثة من المثلة التي قد مت للثورة الكوبية إرشادات ثمينة و هي‪ :‬ضرورة إزالة‬
‫الجيسش‪ ،‬وضرورة الصسلح الزراعسي‪ ،‬وتأميسم المناجسم‪ ،‬منبسع أعظسم الثروات وأعظسم‬
‫المآسي‪.‬‬
‫تعرف كوبا أمثلة الماضي‪ ،‬تعرف المصاعب والهزائم‪ ،‬ولكنها تعرف أيضا أنها عند‬
‫ف جر ع صر جد يد‪ .‬ل قد ع صفت نه ضة النضالت القوم ية والشعب ية في آ سيا وأفريق يا‬
‫‪77‬‬

‫الحاكرة‪ :‬الجماعة التي تنتظم أو تندمج لحتكار ميدان اقتصادي معيّن‪( .‬التروست‪ ،‬الكونسورسيوم)‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫الكويتزال ‪ :Quetzal‬طائر تقليدي جميل يغلب فيه اللون الخضر‪ ،‬يعيش في أمريكا الوسطى‪ ،‬وله‬

‫علقة رمزية بديانات السكان الصليين فيها‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫بمعاقل الستعمار‪ .‬ولم تعد وحدة هذه الشعوب من شأن الدين والتقاليد والطماع والُلفة‬
‫أو التما يز العرقي ين‪ ،‬فلحمت ها تشا به الظروف القت صادية والجتماع ية‪ ،‬والرغ بة الواحدة‬
‫في التقدم‪ .‬ل قد ت صافحت آ سيا وأفريق يا في باندو نغ‪ ،‬وه نا في لهايا نا‪ ،‬من خلل كو با‪،‬‬
‫هاهما آسيا وأفريقيا تصافحان أمريكا اللتينية والهندية‪.79‬‬
‫و من ج هة أخرى‪ ،‬ف قد تراج عت الدول ال ستعمارية ال كبرى أمام الشعوب المناضلة‪.‬‬
‫ل سخرية‪ .‬وفقدت ألمان يا وإيطال يا م ستعمراتهما‪.‬‬
‫لم ت عد بلجي كا وهولندا إ مبراطوريتين إ َ‬
‫وتتخبسط فرنسسا فسي مرارة حرب تحققست خسسارتها منسذ الن‪ .80‬وأخذت إنكلترا ماكرة‪،‬‬
‫تصفّي السلطة السياسية للبقاء على العلقات القتصادية‪.‬‬
‫تحل الرأسمالية المريكية الشمالية محل بعض الرأسماليات الستعمارية القديمة في‬
‫البلدان التي بدأت فيها الحياة المستقلة‪ ،‬ولكنها ل تجهل أن هذا أمر موقوت وأنه لن يكون‬
‫ث مة تو سع حقي قي لمضاربات ها المال ية في هذا الميدان‪ .‬سوف تقدر الوليات المتحدة أن‬
‫تم تص م صّ الخطبوط‪ ،‬ل كن دون أن ت ستطيع إطباق محاجم ها بالثبات ذا ته‪ .‬ل قد كلّت‬
‫مخالب النسر المبراطوري‪ .‬مات الستعمار في أنحاء العالم كافة‪ ،‬أو هو على وشك أن‬
‫يموت ميتته الطبيعية‪.‬‬
‫أما أمريكا‪ ،‬فلها شأن آخر‪ .‬لقد سحب السد النكليزي خطمه الشره من أمريكتنا منذ‬
‫زمسن بعيسد‪ ،‬وأنشسأ الرأسسماليون الشبّان المحبّّبون‪ ،‬اليانكسي‪ ،‬صسيغتهم "الديمقراطيسة" مسن‬
‫النوادي النكليزية‪ ،‬وفرضوا سلطانهم على كل واحدة من الجمهوريات العشرين‪.81‬‬
‫هذه الجمهوريات هسي القطاع السستعماري لحتكار أمريكسا الشماليسة‪ ،‬إنهسا "الباحسة‬
‫الخلفيسة لبيتسه الخاص"‪ ،‬إنهسا سسبب بقائه وسسبيل عيشسه‪ .‬فلو كانست الشعوب المريكيسة‬
‫اللتينيسة كافسة‪ ،‬تعزز مثسل كوبسا كرامتهسا‪ ،‬لرتعدت فرائص الحتكارات واضطرت إلى‬
‫‪79‬‬

‫أمريكا الهندية‪ :‬يقصد بها شعوب الهنود الحمر الذين يشكلون أساس السكان في أمريكا كلها قبل هجرة‬

‫الوروبيين إليها‪ ،‬وقد بقي بعضها على سماته الصلية‪ ،‬في حين امتزج غيرها بالوروبيين والزنوج‪ .‬أو‬
‫اقتبس لغات الوروبيين‪ ،‬أو ذاب فيهم‪ .‬أو أبادوه إبادة‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫إشارة إلى حرب الجزائر التي كانت مُحْتَ ِدمَة وقت تأليف الكتاب‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫الجمهوريات العشرون‪ :‬هي جمهوريات أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫‪149‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫التكيف بوضع سياسي واقتصادي جديد وبتقلّص أرباحها‪ .‬غير أن الحتكارات ل يعجبها‬
‫قسط أن ترى أرباحهسا فسي نكوص‪ ،‬هذا بينمسا أخسذ مَثَل كوبسا ‪ -‬هذا "المثسل السسيء" فسي‬
‫الكرامسة الوطنيسة والدوليسة – يسستشري بيسن بلدان أمريكسا اللتينيسة‪ .‬فكلمسا أطلق شعسب‬
‫صيحة تحرّره‪ ،‬يَشْكون كوبا‪ ،‬وكوبا هي مسؤولة حقا‪ ،‬على نحو معين‪ ،‬إذ أنها أهدت إلى‬
‫السسبيل‪ ،‬سسبيل النضال الشعسبي المسسلح ضسد جيوش زعموا أنهسا ل تقهسر‪ ،‬سسبيل حرب‬
‫الغوار‪ ،‬وبكلمة‪ ،‬سبيل الكرامة‪.‬‬
‫إن المثل الكوبي سيء‪ ،‬وما أسوأه! ل يسع الحتكارات أن يغمض لها جفن ما دام‬
‫هذا المثسل قائما‪ ،‬يكافسح الخطار ويسسير نحسو المسستقبل‪ .‬لقسد أعلن الناطقون باسسم‬
‫سسدَنة الحتكارات المتنكرون كممثليسن فسي‬
‫الحتكارات‪ :‬يجسب تدميسر هذا المثسل‪ .‬وقال َ‬
‫المجلس النيا بي‪ :‬ينب غي التد خل في هذا المع قل "الشيو عي"‪ .‬وغم غم أم كر المدافع ين عن‬
‫الحاكرات‪ :‬إن الوضع الكوبي يقلقنا كثيرا‪ ،‬وكلنا يفهم أنهم يعنون‪" :‬ينبغي تدمير كوبا"‪.‬‬
‫لنت ساءل ب عد هذا العرض‪ ،‬ما هي إمكانات العدوان‪ ،‬لتدم ير هذا الم ثل ال سيء؟ ث مة‬
‫إمكان اقت صادي ب حت‪ :‬تضي يق العتمادات الم صرفية واعتمادات الم صدّرين في أمري كا‬
‫الشمال ية ل كل ما هو كو بي‪ ،‬ب ما في ذلك م صرف كو با الوط ني‪ .‬ويم كن أن يم تد هذا‬
‫التضييق‪ ،‬بفضل الشركاء‪ ،‬إلى بلدان أوروبا الغربية كافة‪ .‬أما النفراد بالتضييق‪ ،‬فليس‬
‫كافيا‪.‬‬
‫مسن شأن رفسض منسح العتمادات أن يسسدد ضربسة أولى شديدة القسسوة إلى اقتصساد‬
‫البلد‪ ،‬ولكسن هذا القتصساد ل يلبسث أن يعيسد إحكام ذاتسه ويعود الميزان التجاري إلى‬
‫العتدال عند ما يعتاد البلد أن يع يش يوما بيوم‪ .‬ي جب إبقاء الض غط‪ .‬يد خل حل بة الر قص‬
‫هه نا نظام التح صيص المفروض على ال سكر‪ :‬ن عم‪ ،‬ل‪ ،‬ل‪ ،‬ن عم‪ .‬تش ير اللت الحا سبة‬
‫لدى وكالت الحتكار‪ ،‬على ع جل‪ ،‬أن تخف يض ح صة كو با أ مر جد خط ير‪ ،‬وأن إلغاء‬
‫هذه الحصة أمر محال‪ .‬لماذا خطير جدا؟ لنه بالضافة إلى الخطأ السياسي الذي يشكله‪،‬‬
‫ف هو سوف يش حذ نَهَ مَ عشرة أو خم سة عشرة بلدا منتجا‪ ،‬يحدث بين ها انزعاجا عميقا‪ ،‬إذ‬
‫يع تبر كل من ها نف سه هو صاحب ال حق في المز يد‪ .‬ك ما ي ستحيل التخلي عن الح صة‬

‫‪150‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الكوب ية لن كو با هي أجود وأر خص مورّدي ال سكر إلى الوليات المتحدة‪ ،‬ولن ‪%60‬‬
‫من المصالح المرتبطة مباشرة بإنتاج السكر والتجار به تخ صّ الوليات المتحدة‪ .‬ثم إن‬
‫الميزان يميل لصالح الوليات المتحدة‪ .‬وإن من ل يبيع ل يمكنه الشراء‪ ،‬وإنه لمثل سيء‬
‫حقا أن يتخلى المرء عن معاهدة‪ .‬ولكن المر ل يقف عند هذا الحد‪ :‬إن الهدية المريكية‬
‫الشمال ية المزعو مة‪ ،‬ال تي قوام ها أن هم يدفعون سعرا أعلى بثلث سنتافوات‬

‫‪82‬‬

‫من سعر‬

‫ل نتيجسة عجزهسم عسن إنتاج السسكر بسسعر منخفسض‪ .‬فمسستوى الجور‬
‫السسوق ليسست إ ّ‬
‫المرت فع وإنتاج ية الرض الضعي فة في الدولة ال كبرى يمنعان ها من إنتاج ال سكر بال سعر‬
‫الكوبسي‪ .‬إنهسم يتسسترون وراء السسعر المرتفسع الذي يدفعون لهذا المنتوج‪ ،‬لكسي يفرضوا‬
‫اتفاقات باه ظة ل يس على كو با ف قط‪ ،‬بل على جم يع الم ستفيدين‪ .‬محال علي هم أن يلغوا‬
‫الحصة الكوبية‪.‬‬
‫لن نتوقسف جديا عنسد إمكان لجوء الحتكارات إلى مسا يدّعون مسن قصسف حقول‬
‫القصب بالقنابل وإحراقها لخلق قحط في المحصول‪ .‬تبدو هذه الدعوى في الغالب وسيلة‬
‫ل بث المخاوف في صفوف الحكو مة الثور ية (غ ير أن ج ثة المرتزق المري كي الشمالي‬
‫الممزقة تلطخ بالدم أكثر من دار كوبية‪ ،83‬إنها تلطخ سياسة برمتها‪ .‬فما بالك بالنفجار‬
‫الهائل الحادث في السلحة المرسلة إلى الجيش الثائر)‪.84‬‬
‫ث مة نقاط ح ساسة أخرى يم كن ضرب القت صاد الكو بي من ها‪ ،‬مثلً مشتريا ته من‬
‫المواد الولية‪ ،‬كالقطن‪ .‬ولكنه ل يخفى أن في العالم إنتاجا مفرطا من القطن‪ ،‬فلن تكون‬
‫صسعوبة من هذا القب يل إلّ موقو تة‪ .‬وماذا عن الوقود؟ إن نفاده قميسن بإنزال الشلل في‬
‫البلد‪ ،‬وكو با ل تن تج من الن فط إلّ القل يل‪ .‬ث مة ب عض صنوف القطران يم كن أن تغذي‬
‫‪82‬‬

‫السنتافو ‪ Centavo‬جزء من مئة من وحدة العملة الكوبية‪ ،‬وهي البيزو ‪.Peso‬‬

‫‪83‬‬

‫إشارة إلى إحدى الغارات الكثيرة التي شنتها طائرات تنطلق من أرض الوليات المتحدة على‬

‫المنشآت والمزارع الكوبية‪.‬‬
‫‪84‬‬

‫إشارة إلى باخرة الشحن الفرنسية "لكوبر" ‪ La Coubre‬التي انفجرت في ‪ 4/3/60‬في مرفأ لهابانا‪،‬‬

‫بينما كانت تفرغ متفجرات بلجيكية المنشأ حملتها إلى الجيش الكوبي‪ .‬وقتل في النفجار قرابة ‪100‬‬
‫شخص‪.‬‬
‫‪151‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مراجلها‪ ،‬وبعض الغول يمكن في النهاية‪ ،‬أن يسيّر عرباتها‪ .‬ثم إن في العالم نفطا كثيرا‪.‬‬
‫فمصسر‪ ،‬والتحاد السسوفياتي يمكنهمسا أن يبيعسا منسه‪ ،‬وربمسا العراق قريبا‪ .‬لذلك يمكسن‬
‫الكتفاء بتطبيق ريادة اقتصادية بسيطة‪.‬‬
‫وإلى جا نب سلوكهم الفار قة القت صادية الن فة‪ ،‬إذا ما أضف نا إلى م سالك العدوان‬
‫الممكنة‪ ،‬تدخلت "دولة" من دول الجيب‪ ،‬مثل سانتو دومينكو‪ ،‬فسوف يغدو ال مر أكثر‬
‫إزعاجا بقليل‪ ،‬ولكن المم المتحدة سوف تضطر للتدخل في النهاية‪ ،‬ولن يؤدي المر إلى‬
‫شيء ملموس‪.‬‬
‫إن السبل الجديدة التي أخذت منظمة الدول المريكية تتبعها‪ ،‬تخلق سابقة خطيرة في‬
‫موضوع التدخسل‪ ،‬وكأن فسي المسر صسدفة‪ .‬إنتحلت الحتكارات حجسة تروخيلّو‪ ،85‬لكسي‬
‫تهيىء اعتداءات أخرى‪ .‬لقسد أحرجتنسا ديمقراطيسة فنزويل فسي هذه القضيسة آسسفين لن‬
‫نقاوم مبدأ التدخل ضد تروخيلّو‪ .‬يا لها من خدمة أسدوها إلى قراصنة هذه القارة!‬
‫ومسن بيسن المكانات الجديدة‪ ،‬ثمسة إزالة وجود ذلك الذي كانوا يدعونسه "الشاب‬
‫المجنون" فيدل كاسسترو‪ ،‬والذي أضحسى هدف غضبات الحتكارات‪ .‬ينبغسي طبعا اتخاذ‬
‫الجراءات كذلك ضد "العميلين الدوليين" الخطيرين الخرين‪ :‬راؤول كاسترو وكاتب هذه‬
‫جزٍ للرجعية‪،‬‬
‫السطر‪ ،‬اللذين ينبغي إزالتهما من الوجود أيضا‪ .‬إنه حل مرغوب فيه ومُ ْ‬
‫لو كان يع طي نتائج مرض ية في ع مل مثلث الوجهات في آن‪ ،‬أو لو كان ي صيب الرأس‬
‫القائد على ال قل‪( .‬ول كن أي ها ال سادة الحتكاريون‪ ،‬وأي ها ال سادة الجراء في الدا خل‪ ،‬ل‬
‫تنسوا الشعب‪ ،‬الشعب القادر على كل شيء‪ ،‬الذي لو واجه مثل هذه الجريمة‪ ،‬لسحق كل‬
‫ضالع على نحو مباشر أو غير مباشر في العتداء على قادة الثورة‪ ،‬دون أن يستطيع أي‬
‫شيء أو أي أحد أن يوقفه)‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫الطاغية تروخيلو ‪ :Rafael Trujillo‬طاغية جمهورية سانتو دومينكو في البحر الكاريبي‪ ،‬الشهيرة‬

‫بالدومينيكان‪ .‬وقد حكمها منذ أيام الحرب العالمية الولى عندما كانت تحتلها قوات بحرية الوليات‬
‫المتحدة‪ ،‬وحتى مقتله عام ‪.1961‬‬
‫‪152‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وأمام هم ش كل جد يد من الفار قة ال تي سلكوها في غواتيمال‪ ،86‬و هو القيام بالض غط‬
‫على مورّدي ال سلحة إلى كو با‪ ،‬لجبار بلد نا على شراء ال سلحة من البلدان الشيوع ية‪،‬‬
‫فتغدو التهامات الموجهسة إثسر ذلك أكثسر صسرامة‪ .‬لكسن أحسد أعضاء حكومتنسا قسد قال‬
‫"يحت مل أن يهاجمو نا بح جة أن نا شيوعيون‪ ،‬ولكن هم لن يزيلو نا من الوجود نتي جة كون نا‬
‫بَُلهَاء"‪.‬‬
‫سسوف ترتسسم عندهسا للحتكارات ضرورة عدوان مباشسر (وسسوف يتناجزون عدة‬
‫إمكانات ويتدارسونها بكل التفاصيل على آلت أي‪ .‬بي‪ .‬أم‪ .‬الحاسبة)‪ .‬ولكنه يتبادر إلى‬
‫ذهننسا أنهسم يسستطيعون اسستخدام الفارقسة السسبانية‪ :87‬يتخذون المبعديسن حجسة للبتداء‪،‬‬
‫ويدعمونهسم بمتطوعيسن ليسسوا طبعا إلّ مرتزقسة‪ ،‬أو جنود دولة أجنبيسة تدعمهسم البحريسة‬
‫والطيران دعما قويا‪ .‬ويمكسن أن يكون المسر أيضا عدوانا مباشرا مسن دول مثسل سسانتو‬
‫دومينكو‪ ،‬ترسل بعض رجالها‪ ،‬إخوتنا‪ ،‬مع مرتزقة كثيرين‪ ،‬للموت على شواطئنا‪ ،‬بغية‬
‫خلق حالة واقعة ترغم أوطان الحتكار المباركة على التصريح بأنها ل تريد التدخل في‬
‫هذا الصراع "الكارث" بين الخوة‪ ،‬وأنها سوف تكت في بإيقافه عند حد‪ ،‬فتجعل بوارجها‬
‫وطرّادات ها ون سّافاتها وغوّا صاتها وحاملت طائرات ها وطيران ها ت سهر على بحار و سماء‬
‫ذلك الجزء مسن أمريكسا‪ .‬ول يسستحيل أن يمنسع هؤلء الحراس الغيورون على السسلم فسي‬
‫القارة‪ ،‬مرور أية سفينة تفيد كوبا‪ ،‬في حين تنخدع يقظتهم "الحديدية" إزاء جميع أو أكثر‬
‫الذين يناصرون وطن تروخيلو المنكود‪ .‬ويمكنهم التدخل كذلك بوساطة إحدى المنظمات‬
‫"المجيدة" القائمة ب ين الدول المريك ية‪ ،‬لنهاء "الحرب الجنوب ية" ال تي أطلقت ها "الشيوع ية"‬
‫مسن عقالهسا فسي جزيرتنسا‪ ،‬أو حتسى أن يتدخلوا مباشرة باسسم هذه المنظمسة لعادة السسلم‬
‫وحماية مصالح رعاياهم‪ ،‬فينهجون بذلك فارقة من سلوكهم في كوريا‪.‬‬
‫‪86‬‬

‫إشارة إلى المسلك الذي سلكته الوليات المتحدة للطاحة بحكومة غواتيمال القومية المعتدلة عام‬

‫‪.1954‬‬
‫‪87‬‬

‫إشار إلى مسلك الدول الستعمارية إزاء اسبانيا عام ‪ :1936‬الدول الفاشية – ألمانيا وإيطاليا – تساعد‬

‫فرانكو عسكريا بصورة سافرة‪ .‬والدول "الديمقراطية" – إنكلترا وفرنسا – تحاصر اسبانيا لمنع النجدات‬
‫عن شعبها تحت شعار عدم التدخل في اسبانيا‪.‬‬
‫‪153‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫قد ل توجه الضربة الولى إلينا‪ ،‬بل إلى حكومة فينزويل الدستورية‪ ،‬لتصفية آخر‬
‫مستند لنا في القارة‪ .88‬وإذا ما حدث ذلك‪ ،‬فيمكن أن ل تعود كوبا هي مركز النضال ضد‬
‫الستعمار‪ ،‬بل يغدو وطن بوليفار‪ 89‬الكبير هو ذلك المركز‪ .‬وسوف يه بّ شعب فنزويل‬
‫ذائدا عسن حرياتسه‪ .‬يحفزه حماس الذيسن يعلمون أنهسم يخوضون معركسة حاسسمة‪ ،‬فمسع‬
‫الهزيمسة يريسن عليهسم أظلم ألوان الطغيان‪ ،‬ومسع الظفسر يشرق عليهسم أخيرا مسستقبل‬
‫أمريكت نا‪ ،‬حيث تستطيع هبّ ة من النضالت الشعبية أن ت شق صمت المقابر الستعمارية‬
‫التي استحالت إليها الجمهوريات الشقيقة المستعبدة‪.‬‬
‫يمكسن إتيان أسسباب كثيرة ضسد احتمال تغلّب العدو‪ ،‬ولكسن ثمسة سسببين رئيسسيين‪:‬‬
‫أحدهمسا خارجسي‪ ،‬وهسو أننسا عام ‪ ،1960‬عام الشعوب المتخلفسة النمسو‪ ،‬الشعوب الحرة‪،‬‬
‫العام الذي سوف تفرض فيه احترامها أخيرا وإلى البد‪ ،‬أصوات مليين الكائنات التي لم‬
‫يعد مصيرها أن يحكمها أصحاب وسائل القمع والثراء‪ .‬ولكنه أيضا – وهذا سبب داخلي‬
‫أع ظم قوة من الول – العام الذي سوف يتنكّ ب ف يه ال سلح ج يش قوا مه ستة ملي ين‬
‫كو بي‪ ،‬يقفون كالر جل الوا حد‪ ،‬ذودا عن أراضي هم وثورت هم‪ .‬لن يكون الج يش الثائر في‬
‫أرض الوغسى إلّ جزءا مسن شعسب شاكسي السسلح‪ ،‬يقاتسل فسي كسل أرجاء البلد‪ .‬سسوف‬
‫ي ستميت العمال أمام م صانعهم في المدن‪ .‬و في الريف‪ ،‬سوف يبذر الفلحون الموت في‬
‫شقّته المحاريث الجديدة التي زودتهم بها‬
‫صفوف الغزاة‪ ،‬خلف كل شجرة‪ ،‬وفي كل قرح َ‬
‫الثورة‪.‬‬
‫وفسي أرجاء العالم‪ ،‬سسوف يخلق التضامسن الُممسي حاجزا قوامسه مئات ملييسن‬
‫ال صدور التي ت ستنكر العدوان‪ .‬و سوف ترى الحتكارات كيف ت صطك دعائم ها النخرة‪،‬‬
‫وكيسف تعصسف نفخسة ريسح واحدة بنسسيج العنكبوت الذي حاكتسه وكالت النباء مسن‬
‫‪88‬‬

‫كانت حكومة فنزويل الدستورية عند كتابة هذا البحث لما تزل تقف إلى جانب حق الشعب الكوبي في‬

‫تقرير مصيره‪ ،‬وتقاوم ضغط الحتكارات عليها‪ .‬غير أنها انقلبت في ما بعد‪ .‬بزعامة الرئيس السابق‬
‫رومولو بيتانكور‪ ،‬إلى صفوف ألد أعداء الثورة الكوبية وقطعت علقاتها بكوبا‪.‬‬
‫‪89‬‬

‫سيمون بوليفار ‪ ،)Simon Bolivar (1783 – 1830‬أشهر أبطال حروب الستقلل عن الستعمار‬

‫السباني في كولومبيا وفينزويل وغيرهما من بلدان أمريكا اللتينية‪ .‬وفنزويل هي مسقط رأسه‪.‬‬
‫‪154‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫أكاذيبها‪ .‬ولنفترض مع ذلك أنهم لن يقيموا حسابا للستنكار الشعبي الممي‪ :‬فماذا يحدث‬
‫ههنا في الداخل؟‬
‫إن أول عنصر يبرز للعيان‪ ،‬تبعا لوضعنا كجزيرة صغيرة سهلة الصابة‪ ،‬تعوزها‬
‫السسلحة الثقيلة‪ ،‬وذات طيران وبحريسة ضعيفيسن جدا‪ ،‬هسو تطسبيق مفهوم الغوار على‬
‫نضال الدفاع الوطني‪.‬‬
‫سوف تقاتل وحداتنا البرية بالعزيمة والحماس والحميّة التي يستطيعها أولد الثورة‬
‫الكوبية في هذه السنوات المجيدة من تاريخها‪ .‬ولكننا في أسوأ الحوال‪ ،‬وبعد تحطيم بنية‬
‫جيشنا في جبهة القتال‪ ،‬سوف نبقى مستعدين لمتابعة النضال في وحدات مقاتلة‪ .‬وبعبارة‬
‫أخرى‪ ،‬إذا ما نجح التركيز الكبير لقوى العدو في تحطيم قوتنا‪ ،‬سوف ينقلب جيشنا فورا‬
‫إلى جيش غوار‪ ،‬عظيم الجؤول‪ ،‬وتغدو سلطة قادته غير محدودة في مستوى الرتل‪ ،‬في‬
‫ح ين تع طي القيادة العا مة الوا مر المنا سبة من نق طة ما في البلد وتحدد الريادة العا مة‪.‬‬
‫وتغدو الجبال آ خر معا قل الج يش الثائر‪ ،‬و هو طلي عة الش عب المنظ مة‪ ،‬في ح ين يتا بع‬
‫جيش المؤخرة العظيم وهو الشعب بأسره‪ ،‬النضال في كل بيت قروي وكل درب وكل‬
‫فَ ْلذَة من أرض الوطن‪.‬‬
‫ولما كانت وحدات مشاتنا تعوزها السلحة الثقيلة‪ ،‬فسوف يتركز عملها على الدفاع‬
‫ضد المدرعات و ضد الطيران‪ .‬و سوف تغدو ال سلحة الوحيدة ذات القدرة المرمو قة هي‬
‫اللغام بكثرة‪ ،‬والبازوكسة أو الرمّانات ضسد الدرع‪ ،‬والمدافسع المضادة للطيران‪ ،‬الجوّالة‬
‫جدا‪ ،‬دون إغفال ب عض مدا فع الهاون‪ .‬و سوف يعرف قُدا مى المشاة المزودون بال سلحة‬
‫الذات ية الحر كة‪ ،‬قي مة الذخيرة‪ ،‬ويعنون ب ها عنا ية كبيرة‪ .‬وترا فق كل وحدة من جيش نا‬
‫منشأة خاصة لعادة حشو الفشك‪ ،‬فتحافظ على احتياط الذخيرة في أشد الظروف حراجة‪.‬‬
‫سوف يصاب طيراننا‪ ،‬على الرجح‪ ،‬بعطب بالغ منذ اللحظات الولى في غزو من‬
‫هذا القب يل‪ ،‬تش نه دولة أجنب ية كبرى‪ ،‬أو يش نه مرتز قة أ ية دولة صغرى تدعم ها الدولة‬
‫الكسبرى سسرا أو علنيسة‪ .‬سسوف يغدو الطيران الوطنسي إذا محطما أو يكاد‪ ،‬وربمسا‬

‫‪155‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫اسستطاعت طائرات السستكشاف أن تتابسع العمسل‪ ،‬ومثلهسا طائرات الرتباط‪ ،‬ول سسيما‬
‫الطائرات العمودية‪.‬‬
‫سوف يعاد بناء البحرية أيضا تبعا لهذه الريادة الجائلة‪ :‬الزوارق الصغيرة هي التي‬
‫تبدي للعدو أصغر سطح وأعظم اجتيال‪ .‬وسوف يكون أشد مداعي اليأس لدى العدو في‬
‫هذه الحالة‪ ،‬كما في الحالت السابقة كلها‪ ،‬أنه ل يلقي شيئا صلبا يقاتله‪ .‬لن يكون هناك‬
‫غير كتلة رخوة‪ ،‬جائلة‪ ،‬ل نفاذ فيها‪ ،‬تتراجع ول تكافح بجبهة صلبة‪ ،‬في حين هي تسدد‬
‫الضربات من كل صوب‪.‬‬
‫فح تى لو هزم ج يش الش عب في معر كة جبه ية‪ ،‬لن يكون من ال سهل أن تراه يولي‬
‫الدبار‪ .‬يقسف عنصسران هامان مسن السسكان إلى جانبسه‪ :‬الفلحون والعمال‪ .‬لقسد دلّل‬
‫الفلحون على فعاليتهم عندما ألقوا القبض على العصابة التي كانت تحوم حول بينار دل‬
‫ر يو‪ .‬سوف ي تم تدريب هم محليا‪ ،‬غ ير أن آمري الف صائل والر تب العلى سوف ُيدَرّبون‬
‫ك ما يجري الن‪ ،‬في قواعد نا الع سكرية‪ .‬و من ه نا سوف يوزعون على منا طق النماء‬
‫ل مسن مراكسز النضال‬
‫ُسسَم البلد إليهسا‪ ،‬لكسي يشكلوا عددا مماث ً‬
‫الزراعسي الثلثيسن التسي ق ّ‬
‫الريفسي‪ .‬سسوف يذود الفلحون عسن أراضيهسم ومكاسسبهم الجتماعيسة ودورهسم الجديدة‬
‫وأقنيتهم وسدودهم ومحاصيلهم الزاهرة‪ ،‬أي عن استقللهم‪ ،‬وبكلمة‪ ،‬عن حقهم في الحياة‪.‬‬
‫سسوف يكافحون تقدم العدو بمقاومسة حازمسة فوريسة‪ .‬أمسا إذا كان تقدمسه فائق القوة‪،‬‬
‫فسوف يتبعثرون ويغدو كل فلح مزارعا مسالما في النهار‪ ،‬ومغاورا فعالً‪ ،‬تخشى قوى‬
‫العداء بأسسه ليلً‪ .‬ويكرر العمال هذا النهوج ذاتسه‪ .‬سسوف يتسم تدريسب خيرتهسم لكسي‬
‫يتسنّموا‪ 90‬من بعد قيادة رفاقهم فيتولوا تلقينهم معلومات الدفاع التي تلقوها‪ .‬سوف تتولى‬
‫كل فئة اجتماعية ول ريب مهمات مختلفة‪ :‬يقوم الفلح بنضال المغاور النهجي‪ ،‬وينبغي‬
‫أن يتعلم إتقان الرمايسة والفادة مسن وعورة الرض والختفاء دون قتال جبهسي أبدا‪ .‬أمسا‬
‫العامسل‪ ،‬فله حسظ الوجود داخسل القلعسة الهائلة التسي تشكلهسا مدينسة حديثسة‪ ،‬ولكنسه عديسم‬

‫‪90‬‬

‫‪156‬‬

‫تسنّم‪ :‬جلس في المكان المرتفع‪ ،‬ترأس‪.‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫الجؤول‪ :‬فسسوف يتعلم تتريسس الشوارع على نحسو رشيسد‪ ،‬واسستخدام كسل حِواء‪ 91‬قلعسة‪،‬‬
‫متوا صلة من الدا خل بثغرات تفتسح في الجدران‪ ،‬وا ستخدام سلح "كوكتيسل مولوتوف"‬
‫الدفا عي الره يب‪ ،‬وتن سيق الر مي ال صادر عن النوا فد ال تي ل ح صر ل ها وال تي توفر ها‬
‫أبنية مدينة حديثة‪.‬‬
‫سسوف تشكسل جماهيسر العمال‪ ،‬تدعمهسم الشرطسة الوطنيسة والقوى المسسلحة المكلفسة‬
‫بالدفاع عسن المدن‪ ،‬جيشا جبّارا ولكنسه سسوف يصساب بأذى بالغ‪ .‬ل يعدل النضال فسي‬
‫سقِط – كثيرين في هذا‬
‫المدن نضال الريف سهولة ومرونة‪ .‬سوف يسقطون – أو سوف نُ ْ‬
‫النضال الش عبي‪ .‬سوف ي ستخدم العدو دبابات سرعان ما ُتدَمّ ر عند ما يتعلم الش عب ألّ‬
‫يخشاها ويتعرف إلى مقاتلها‪ .‬ولكن الشعب سوف يخلّف قبل ذلك قسطه من الضحايا‪.‬‬
‫تنضسم منظمات أخرى أيضا إلى منظمات العمال والفلحيسن‪ .‬وفسي الصسف الول‪،‬‬
‫جواند‪ 92‬الطلب‪ ،‬التي ينسقها ويقودها الجيش الثائر‪ ،‬والتي تضم خيرة الشباب الطلبي‪،‬‬
‫ثم منظمات الشباب عامة‪ ،‬التي تشارك في القتال‪ ،‬ومنظمات النساء التي تقدم حافزا هاما‬
‫هو وجود المرأة‪ .‬سوف تُع نى منظمات الن ساء بأعمال عظي مة الشأن في مؤازرة رفاق‬
‫القتال‪ ،‬مثسل الط هي‪ ،‬والعنا ية بالجر حى‪ ،‬ومؤا ساة المحتضريسن‪ .‬وغ سل الثياب‪ .‬سوف‬
‫يثبتن لرفاقهن في السلح أن حضورهن ل يخيب أبدا في الساعات العصيبة من الثورة‪.‬‬
‫هذا كله نتيجة عمل تنظيمي واسع للجماهير‪ ،‬ونتيجة تربيتهم المتأنية الكاملة‪ .‬تستند هذه‬
‫التربيسة إلى المعلومات البتدائيسة‪ .‬لكسن ينبغسي تركيزهسا على شرح وقائع الثورة شرحا‬
‫عاقلً صحيحا‪.‬‬
‫ينبغي دراسة القوانين الثورية وشرحها والتعليق عليها في كل اجتماع‪ ،‬وكل مجلس‬
‫وكل مكان يلتقي فيه المسؤولون عن الثورة‪ .‬وينبغي‪ ،‬لتوجيه الجماهير‪ ،‬قراءة خطابات‬
‫القادة با ستمرار والتعليق علي ها ومناقشت ها‪ ،‬وبالن سبة إلي نا ب صورة أ خص‪ ،‬خطابات القائد‬
‫‪91‬‬

‫الحِواء من البنية‪ :‬طائفة منها في المدينة‪ ،‬تحف بها الشوارع من كل صوب‪ ،‬كالجزيرة‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫الجاندة‪ :‬الرابطة التنظيمية التي يتطوع فيها أبناء الشعب‪ ،‬فيتدربون على السلح ويؤدون بعض المهام‬

‫العسكرية المحلية على مقربة من أماكن اقامتهم‪ ،‬فتكون الجاندة رديفا محليا لقوات الغوار والجيش النظامي‬
‫في الحرب الشعبية‪( .‬الجيش الشعبي‪ ،‬الميليشيا)‪.‬‬
‫‪157‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الذي ل منازع له‪ .‬ينبغسي الجتماع فسي الريسف‪ ،‬للسستماع مسن الذاعسة أو للنظسر فسي‬
‫التلفزيون‪ ،‬إلى هذه الدروس الشعبية التي اعتاد رئيس وزارئنا أن يلقيها‪.‬‬
‫ينبغسي أن يكون تماس الشعسب بالسسياسة مسستمرا‪ ،‬فإنسه يعنسي تماس الشعسب بأعسز‬
‫رغباته‪ ،‬بعد أن تم التعبير عنها‪ ،‬فاستحالت قوانين ومراسيم ومقررات‪ .‬ينبغي أن تكون‬
‫اليق ظة الثور ية دائ بة إزاء كل تظاهرة معاد ية للثورة‪ .‬وي جب أن تكون يق ظة المرء إزاء‬
‫موق فه الخاص‪ ،‬و سط الجماه ير الثوري ين‪ ،‬أ شد صرامة بعسد من اليق ظة المطب قة إزاء‬
‫اللثوري أو اللمبالي‪ .‬فأيا كانست مكا نة الثوري وأيا كا نت مفاهي مه‪ ،‬ل يم كن السسماح‪،‬‬
‫لمجرد كونه ثوريا‪ ،‬بالصفح عن أخطاء بالغة قد ارتكبها ضد الشرف أو الخلق‪ ،‬وذلك‬
‫بطائلة انحدار الثورة فسي طريسق النتهاز الخطرة‪ .‬قسد يؤدي واقسع الرجسل إلى السسماح‬
‫بتخف يف العقو بة‪ ،‬و سوف تؤ خذ مناق به الماض ية بالح سبان‪ ،‬غ ير أ نه ل بد من معاق بة‬
‫الرتكاب بحد ذاته دائما‪.‬‬
‫ينب غي دائما تنم ية احترام الع مل‪ ،‬ول سيما الع مل الجما عي ذي المقا صد الجماع ية‪.‬‬
‫ينب غي إ سداء تنش يط عظ يم لكتائب المتطوع ين الذ ين يبنون الطرق والج سور والر صفة‬
‫وال سدود والمجمّعات المدر سية‪ ،‬ويوطدون روح هم الل بي با ستمرار‪ ،‬مبرهنين بالعمال‬
‫عن حبهم للثورة‪.‬‬
‫إن جيشا على مثل هذا الوفاق مع الشعب‪ ،‬يتحسس فيه المرء مثل هذا الوثوق بالفلحين‬
‫والعمال الذي هو ف يض من هم‪ ،‬ويعرف فضلً عن ذلك المِها نة الخا صة بحر به معر فة كل ية‪،‬‬

‫وقد تهيأ نفسيا لسوأ الحتمالت‪ ،‬إن هذا الجيش ل يقهر‪ .‬وسوف يزداد منعة كلما تبلورت‬
‫قولة خالد نا كاميلو سيانفويغوس‪" :‬الج يش هو الش عب في البزّة الع سكرية"‪ ،‬فازدادت تج سيدا‬

‫في الج يش وا ستوطنت ف يه‪ .‬وبف ضل كل ذلك‪ ،‬ور غم حا جة الحتكارات إلى إزالة "الم ثل‬

‫السيء" الكوبي‪ ،‬فإن مستقبلنا هو أكثر إشراقا منه في أي وقت مضى‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫‪-1‬‬‫ما هو المغاور؟‬
‫من المؤ كد أ نه ل يس في العالم بلد وا حد ل تش كل ف يه كل مة "المغاور" ع ند الش عب‬
‫رمزا للرغبسة فسي الحريسة‪ .‬وكانست كوبسا البلد الوحيسد الذي تملك فيسه هذه الكلمسة معنسى‬
‫منفرا‪ .‬وان ثورت نا‪ ،‬ال تي تملك فعلً محررا في جم يع امتدادات ها‪ ،‬قد ردت العتبار إلى‬
‫هذه الكلمسة‪ .‬ونحسن نعرف جميعا أن أولئك الذيسن تعاطفوا مسع النظام العبودي السسباني‬
‫وحملوا ال سلح كي يدافعوا عن التاج ال سباني قد كانوا مغاو ير؛ وم نذ ذلك الح ين‪ ،‬هذه‬
‫الكل مة تش كل في كو با رمزا لجم يع الشياء الرديئة والمتخل فة والمتعف نة في البلد‪ .‬و مع‬
‫ذلك‪ ،‬فليس ذلك هو المغاور‪ ،‬بل المر على النقيض من ذلك‪ ،‬إذ أن المغاور هو المقاتل‬
‫الفضل من أجل الحرية‪ ،‬هو المختار من قبل الشعب‪ ،‬هو الطليعة المقاتلة لهذا الشعب‬
‫فسي نضاله التحرري‪ .‬وليسست حرب الغوار‪ ،‬على النقيسض ممسا يعتقسد الكثيرون‪ ،‬حربا‬
‫هزيلة‪ ،‬حرب جماعسة قليلة ضسد جيسش قوي‪ ،‬ل‪ ،‬أن حرب الغوار هسي حرب الشعسب‬
‫بأ سره ضد ال سيطرة ال ستعبادية وإن المغاور هو طليعت ها الم سلحة؛ وأ ما الج يش‪ ،‬فإ نه‬
‫يتألف مسن جميسع أهالي منطقسة معينسة أو بلد بأكمله‪ ،‬وهذا هسو السسبب فسي قوتهسا‪ ،‬وفسي‬
‫ظفرها بعد أمد طويل أو قصير على جميع القوى التي تحاول اضطهاد الشعب؛ وبكلم‬
‫آخر‪ ،‬فإن أساس حرب الغوار وقاعدتها موجودان في الشعب‪.‬‬
‫وأ نه من غ ير المعقول أن تتم كن جماعات م سلحة صغيرة‪ ،‬مه ما ت كن قدرت ها على‬
‫الحر كة ومعرفت ها بالرض‪ ،‬من ال ستمرار بدون هذا الد عم القوي في البقاء في و جه‬
‫القمسع المنظسم الذي يمارسسه جيسش حسسن التنظيسم‪ .‬وإن البرهان على ذلك هسو أن جميسع‬
‫الشقياء‪ ،‬جميع ع صابات المجرمين تغلب على أمر ها أخيرا من قبل ال سلطة المركزية‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ول تنسوا أن هؤلء المجرمين يمثلون شيئا آخر بالنسبة إلى أهالي المنطقة‪ .‬انهم يمثلون‬
‫نضالً من أجل الحرية‪ ،‬حتى لو كان في شكل كاريكاتوري‪.‬‬
‫وي جب على ج يش الغوار‪ ،‬هذا الج يش الشعسبي على أف ضل صورة‪ ،‬أن يملك على‬
‫الصسعيد الفردي أفضسل الفضائل لفضسل جندي فسي العالم‪ .‬ويجسب أن يقوم على أسساس‬
‫النضباط الصارم‪ .‬وإذا كانت شكليات الحياة العسكرية ل تتكيف مع حرب الغوار‪ ،‬فليس‬
‫هناك وقوف بوضع ية ال ستعداد ول تح ية مت صلبة‪ ،‬ول تقد يم اليضاحات إلى الرئ يس‪،‬‬
‫فهذا ل يع ني انعدام النضباط‪ .‬أن انضباط المغاور انضباط با طن و هو يأ تي عن قنا عة‬
‫الفرد العميقة بضرورة طاعة الرئيس من أجل تأمين فعالية هذه العضوية المسلحة التي‬
‫يشكل جزءا منها‪ ،‬وفي الوقت نفسه من أجل الدفاع عن عضويته الخاصة‪ .‬وفي الجيش‬
‫النظامي يكون أدنى إهمال من قبل أي جندي خاضعا لرقابة رفيقه القرب إليه‪ .‬أما في‬
‫حرب الغوار‪ ،‬حيسث يشكسل كسل جندي على حدة وحدة وجماعسة‪ ،‬فأن كسل خطيئة تكون‬
‫قاضية‪ ،‬فل يمكن لي إنسان أن يتهاون بأي إهمال‪ ،‬كما ل يمكن لي أمرىء أن يخطو‬
‫خطوة فاسدة‪ ،‬لن ذلك قد يؤدي بحياته وحياة رفاقه‪.‬‬
‫وغالبا مسا ل يلحسظ الناس هذا النضباط المجرد عسن الشكليات‪ .‬ذلك أن المراقسبين‬
‫قليلي الطلع قسد يتوهمون أن الجندي النظامسي‪ ،‬الذي يتمسسك بكسل مظاهسر الرتسب‬
‫المتدرجسة‪ ،‬هسو أكثسر انضباطا مسن المغاور الذي يطيسع تعليمات رئيسسه باحترام بسسيط‬
‫وعاط في‪ .‬و مع ذلك ف قد كان ج يش التحر ير جيشا خال صا من أك ثر الغراءات البشر ية‬
‫ابتذالً‪ ،‬وذلك من دون أن يكون هنالك جهاز للق مع‪ ،‬و من دون مك تب للمخابرات يفرض‬
‫رقابته على الفرد أمام الغراء‪ .‬ان هذا الفرد يراقب نفسه بنفسه‪ ،‬ووعيه الشديد بالواجب‬
‫والنضباط هو الرقيب عليه‪.‬‬
‫وأن الجندي المغاور‪ ،‬بوصسفه جنديا انضباطيا‪ ،‬هسو فسي الوقست نفسسه جندي عظيسم‬
‫الرشاقسة‪ ،‬حكميا وذهنيا على حسد سسواء‪ .‬أن حربا غواريسة جامدة هسي شيسء ل يمكسن‬
‫تصوره‪ .‬أن الشياء جميعا تجري في الليل‪ .‬فالمغاوير‪ ،‬بفضل معرفتهم الجيدة بالرض‪،‬‬

‫‪160‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫يسيرون في الليل ويتخذون مواقعهم‪ ،‬ويهاجمون العدو وينسحبون‪ .‬وليس من الضروري‬
‫أن ينسحبوا بعيدا عن مسرح العمليات‪ ،‬بل كل ما يلزم هو أن ينسحبوا بسرعة كبيرة‪.‬‬
‫و سوف ير كز العدو في الحال جم يع وحدا ته الزجر ية على النق طة ال تي تعر ضت‬
‫للهجوم‪ ،‬ويذهب الطيران ليقصفها‪ ،‬وتتقدم الوحدات اللية لتطويقها‪ ،‬ويمضي الجنود وهم‬
‫عاقدو العزم جيدا على احتلل موقع وهمي‪.‬‬
‫ويكتفي المغاور بأن يوجه جبهة واحدة إلى العدو‪ .‬وحين ينسحب قليلً‪ ،‬وحين ينتظر‬
‫العدو‪ ،‬وح ين يخوض غمار معر كة جديدة‪ ،‬وح ين ين سحب من جد يد‪ ،‬فأ نه ين فذ مهم ته‬
‫المخصوصة‪ .‬وهكذا يمكن للجيش أن ينهك قواه خلل ساعات أو أيام كاملة‪ .‬أن المغاور‬
‫الشعبي ينتظر في مواقعه التي يراقب منها ويهاجم العدو في اللحظة المناسبة‪.‬‬
‫ويشت مل تكت يك حرب الغوار على مبادىء أ ساسية أخرى‪ ،‬معر فة الرض ي جب أن‬
‫تكون تامة وكاملة‪ .‬فليس في مقدور المغاور أن يجهل المكان الذي سيهاجمه‪ ،‬كما يجب‬
‫عليسه أن يعرف سسائر دروب التراجسع وجميسع مداخسل الطرقات فسي الجوار‪ ،‬والمنازل‬
‫الصديقة والعدوة‪ ،‬والماكن حيث يمكن إقامة معسكر مؤقت‪ ،‬وباختصار يجب عليه أن‬
‫يعرف مسرح العمليات معرفته بجيبه‪ .‬وأنه ليتوصل إلى هذه المعرفة لن الشعب‪ ،‬الذي‬
‫هو قلب جيش الغوار‪ ،‬يقف من وراء كل عملية‪.‬‬
‫إن أهالي المحلة ي سهمون في أعمال الن قل ويحملون الخبار ويبذلون العنا ية‪ ،‬وأن هم‬
‫ليزودون الجيسش بالمقاتليسن‪ :‬أنهسم يشكلون العناصسر المكملة البالغسة الهميسة لطليعتهسم‬
‫المسلحة‪.‬‬
‫أمام هذه التفاصيل جميعا‪ ،‬أمام هذا التراكم للضرورات التكتيكية عند المغاور‪ ،‬ل بد أن‬
‫نتسساءل "لماذا يناضسل"؟ وإليكسم الجواب العظيسم‪" :‬أن المغاور مصسلح اجتماعسي‪ .‬أن المغاور‬

‫يمسك بالسلح كي يمثل الحتجاجات العنيفة للشعب ضد مضطهديه‪ ،‬وهو يناضل كي يغير‬
‫النظام الجتما عي الذي يفرض على جم يع أخو ته المجرد ين من ال سلح أن يبقوا في حالة‬

‫الذل والبؤس‪ .‬أنسه يقاتسل ضسد الشروط المخصسوصة للمؤسسسات القائمسة فسي لحظسة معينسة‪،‬‬

‫ويكرس نفسه كي يحطم قوالب هذه المؤسسات بكل القوة التي تسمح له الظروف بها"‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫أننا نلمس هنا نقطة هامة؛ فقد قلنا أنه يجب على المغاور‪ ،‬على الصعيد التكتيكي‪،‬‬
‫أن يعرف الرض بمداخلهسا ومخارجهسا‪ ،‬وأن يناور بسسرعة وأن يحصسل على تأييسد‬
‫الشعسب‪ ،‬وأن يعرف أيسن يختسبىء‪ .‬وهذا يعنسي أن المغاور سسيمارس عمله فسي مناطسق‬
‫متوح شة وقليلة ال سكان‪ .‬و في هذه المنا طق يتر كز النضال الش عبي ب صورة مفضلة‪ ،‬بل‬
‫بصورة قاطعة تقريبا‪ ،‬على التحول الذي يجب أن يحدث في التركيب الجتماعي لملكية‬
‫الرض‪ .‬وبكلم آخر‪ ،‬فأن المغاور قبل كل شيء ثوري زراعي‪.‬‬
‫أنسه الناطسق بمطامسح الجماهيسر الفلحيسة الغفيرة التسي تريسد أن تكون سسيدة على‬
‫الرض‪ ،‬سسيدة على وسسائل النتاج‪ ،‬وحيواناتهسا‪ ،‬وكسل الشياء التسي ناضلت مسن أجلهسا‬
‫طوال سنوات‪ ،‬كل ما يصنع حياتها وما سوف يكون قبرها أيضا‪.‬‬
‫وهذا هو ال سبب في أن أفراد الج يش الجد يد الذي يم شي حاليا في كو با إلى الن صر‬
‫من جبال المقاط عة الشرق ية واي سكامبري‪ ،‬و سهول المقاط عة الشرق ية وكاماغوي‪ ،‬ن حو‬
‫جميع أرجاء البلد‪ ،‬يحمل معه الصلح الزراعي بوصفه رايته الخفاقة‪.‬‬
‫وذلك نضال مسن المرجسح أن يطول بقدر إنشاء الملكيسة الفرديسة‪ ،‬نضال خاضسه‬
‫الفلحون بشيء من النجاح يزيد أو ينقص في سياق التاريخ‪ ،‬لكنه استنهض على الدوام‬
‫الحم ية الشعب ية‪ .‬ول يس هو بملك ية موقو فة على الثورة‪ .‬أن الثورة قد تناولت هذه الرا ية‬
‫من ب ين الجماه ير الشعب ية وجعلت من ها رايت ها الخا صة‪ .‬لكن نا إذا عد نا إلى ما ق بل ذلك‬
‫بزمن طويل‪ ،‬فمنذ انتفاضة المزارعين في هافانا‪ ،‬ومنذ حاول السود الحصول على الحق‬
‫فسي الرض فسي حرب التحريسر الكسبرى التسي اسستمرت ثلثيسن عاما‪ ،‬ومنسذ اسستولى‬
‫الفلحون ثوريا على ما ي سمى ريالن غو ‪ ،93 18‬كا نت الرض مر كز ال صراع من أ جل‬
‫حياة أفضل‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫تعبير يطلق على الراضي التي كانت تخص التاج السباني‪ ،‬وهي أراضي بائرة على العموم أو سيئة‬

‫الستثمار‪ ،‬وكانت تثير حفيظة الفلحين الذين ل أرض لهم‪ .‬وفي ‪ ،1959‬كانت عبارة ريالنغو باقية في‬
‫اللغة الفلحية لتميز الراضي التي تخص الدولة‪ ،‬وكانت تؤجر للشركات الكبرى ويحظر ايجارها‬
‫للفلحين‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وأن هذا الصسلح الزراعسي ليتحقسق شيئا فشيئا؛ لقسد بدأ بصسورة حيسة فسي سسييرا‬
‫ماسترا‪ ،‬وانتقل إلى الجبهة الشرقية الثانية إلى سلسلة ايكامبري‪ .‬ومن بعد طواه النسيان‬
‫ب عض الو قت في الدراج الوزار ية وعاد فانب ثق ب صورة حاز مة مع قرار فيدل كا سترو‬
‫النهائي‪ .‬وأن هذا الصسلح الزراعسي – وهذا مسا يجسب أن نكرره – هسو الذي سسيمنح‬
‫حركة السادس والعشرين من تموز تعريفها التاريخي‪.‬‬
‫ان هذه الحركة لم تخترع الصلح الزراعي‪ ،‬لكنها ستحققه‪ :‬ولسوف تحققه بصورة‬
‫كاملة‪ ،‬ح تى ل يب قى فلح وا حد بدون أرض ول تب قى قط عة أرض واحدة بائرة‪ .‬ول عل‬
‫الحركة في ذلك الحين تفقد كل مبرر لوجودها‪ ،‬لكنها تكون قد قامت برسالتها التاريخية‪.‬‬
‫ن نصل إلى هذه النتيجة‪ ،‬ومن ثم يقول المستقبل ما إذا كان ثمة أعمال‬
‫وأن واجبنا هو أ ْ‬
‫أخرى ينبغي القيام بها‪.‬‬
‫الثورة‪،‬‬
‫‪ 19‬شباط ‪1959‬‬

‫‪163‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫‪-2‬‬‫حرب الغوار‪ :‬وسيلة‬

‫‪94‬‬

‫لقسد اسستخدمت حرب الغوار عددا ل يحصسى مسن المرات‪ ،‬فسي ظروف تاريخيسة‬
‫مختلفسة‪ ،‬لنيسل أهداف شتسى‪ .‬وقسد اسستخدمت فسي حروب التحرر الشعبيسة فسي السسنوات‬
‫الخيرة‪ ،‬إذ سلكت الطلئع الشعبية في حروبها التحررية طريق استخدام النضال المسلح‬
‫غ ير النظا مي لمقار عة عدو متفوق علي ها ع سكريا‪ .‬كا نت آ سيا وأفريق يا وأمري كا دائما‬
‫مسرح حروب الغوار‪ ،‬حيثما يسعى الشعب لتولي سلطة الدولة في نضاله ضد استغلل‬
‫القطاع والسستعمار القديسم والحديسث‪ .‬وفسي أوروبسا‪ ،‬تعتسبر الجيوش الوطنيسة النظاميسة‬
‫وجيوش حلفائها حرب الغوار وسيلة متممة‪.‬‬
‫لقسد شُن ّت حرب الغوار فسي أمريكسا فسي ظروف مختلفسة‪ .‬كان سسيزار أوغسستو‬
‫ساندينو‪ 95‬مثالً أخيرا‪ ،‬غ ير مبا شر عن ها‪ ،‬عند ما قا تل حملة ج يش الوليات المتحدة في‬
‫سيكوفيا من نيكاراغوا‪ .‬وكانت حرب كوبا الثورية آخر المثلة‪ ،‬فأصبحت حرب الغوار‬
‫منذ ذلك الحين موضوعا للنقاش النظري في صفوف الحزاب السياسية التقدمية في هذه‬

‫‪94‬‬

‫نشر هذا المقال في عدد أيلول ‪ 1963‬من مجلة ‪ Cuba Socialista‬الكوبية‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫حدثت انتفاضة تحررية عام ‪ 1926‬في نيكاراغوا إحدى جمهوريات أمريكا الوسطى ضد حكومة‬

‫شامورو الرجعية‪ .‬وتدخلت الوليات المتحدة بجنود بحريتها لسناد الحكومة الرجعية‪ ،‬مما أدى إلى نشوب‬
‫القتال بين الجنود المريكيين والجماهير الثورية‪ .‬وقد برز في هذا الصراع اللواء سيزار أوغستو ساندينو‬
‫‪ Cesar Augusto Sandino‬قائدا عسكريا شعبيا‪ ،‬خاض حرب غوار بطولية في الدغال لمدة خمس‬
‫سنوات ضد جنود بحرية الوليات المتحدة المتفوقين تدريبا وتجهيزا‪ .‬ولم يهزم‪ ،‬غير أنه وافق على‬
‫مشاورات الصلح التي استدرجوه إليها‪ .‬وبعد ذلك بفترة قصيرة‪ ،‬قتلوه غيلة في مكيدة نفذها العميل سوموزا‬
‫الذي أصبح فيما بعد دكتاتورا على نيكاراغوا‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫القارة‪ .‬وقسد أصسبحت معرفسة مسا إذا كان اسستخدام حرب الغوار ممكنا ومؤاتيا موضوعا‬
‫يحتدم له النقاش‪.‬‬
‫و سوف أحاول في هذا المقال أن أعرض أراء نا عن حرب الغوار وأن أشرح ك يف‬
‫يستخدم هذا التكتيك استخداما صحيحا‪.‬‬
‫ثلث مجلوبات أساسية‪:‬‬
‫يجسب أن نوضسح فسي المقام الول أن هذا الشكسل مسن النضال هسو وسسيلة‪ ،‬وسسيلة‬
‫تستخدم لبلوغ هدف هو تولي سلطة الدولة‪ .‬أنه هدف ضروري ول مناص منه للثوريين‬
‫كا فة‪ .‬لذا ي جب علي نا‪ ،‬عند ما نحلل الظروف الملمو سة في بلدان مختل فة من أمري كا‪ ،‬أن‬
‫نقتصسر على المعنسى الضيسق لعبارة "حرب الغوار"‪ ،‬أعنسي على اعتبارهسا وسسيلة للفوز‬
‫بسلطة الدولة‪.‬‬
‫قد يثار هذا ال سؤال فورا‪ :‬هل حرب الغوار هي الش كل الوح يد لتولي سلطة الدولة‬
‫في أمريكا؟ هل هي الشكل الرئيسي‪ ،‬أم هل هي مجرد شكل من أشكال النضال؟ وسوف‬
‫يسأل بعضهم أخيرا‪ :‬هل يمكن تطبيق المثال الذي ضربته كوبا‪ ،‬على الحقائق القائمة في‬
‫جهات أخرى من هذه القارة؟ كثيرا ما يكال ب عض الن قد‪ ،‬إبّان النقاش‪ ،‬إلى الذ ين يؤيدون‬
‫حرب الغوار‪ ،‬فيؤخذ عليهم أنهم نسوا النضال الجماهيري‪ ،‬وكأن نضال الجماهير وحرب‬
‫الغوار شكلن متضادان‪ .‬أن نا نر فض ما في هذا التأك يد من دس‪ .‬أن حرب الغوار هي‬
‫نوع من الحرب الشعبية‪ ،‬نوع من النضال الجماهيري‪ .‬ول تعني محاولة المضي في هذا‬
‫الشكل من الحرب دون تأييد السكان المحليين إلّ الهزيمة المؤكدة‪ .‬المغاورون هم طلئع‬
‫الش عب الم سلحة‪ ،‬المقاتلة‪ ،‬العاملة في منط قة معي نة من بلد مع ين‪ .‬أن هم ي ستهدفون شن‬
‫سلسلة من العمال القتالية‪ ،‬في سبيل – الهدف الستراتيجي الوحيد الممكن – الستيلء‬
‫على سلطة الدولة‪ .‬أنهم يحظون بتأييد جماهير العمال والفلحين في المنطقة التي يعملون‬
‫في ها‪ ،‬أو ح تى في البلد قاط بة ول يم كن شن أ ية حرب غوار بدون تو فر هذه الشروط‬
‫المسبقة‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫"أن نا نرى‪ ،‬في الو ضع الرا هن في أمري كا‪ ،‬أن الثورة الكوب ية قد رفدت الحر كة‬
‫الثورية فيها بثلثة اسهامات أساسية‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان القوى الشعبية تستطيع أن تنتصر على الجيش الرجعي‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أنه ل ينبغي ل نا النتظار حتى تنضج الظروف الثورية كافة‪ ،‬إذ يمكن للبؤرة‬
‫الثورية أن تفجر هذه الظروف الثورية‪.‬‬
‫ثالثا‪" :‬إن ميدان النضال المسسلح‪ ،‬فسي النحاء المتخلفسة مسن أمريكسا‪ ،‬ينبغسي له على‬
‫العموم‪ ،‬أن يكون في الريف"‪( .‬من كتاب "حرب الغوار" لغيفارا)‪.‬‬
‫تلك هي اسهامات الثورة الكوبية في تطوير النضال الثوري في أمريكا‪ ،‬وهي يمكن‬
‫أن يبلغها أي بلد في القارة إذا ما أمكن خوض حرب الغوار فيه‪.‬‬
‫قيادة الطبقة العاملة عامل ضروري‪:‬‬
‫ل قد أشار بيان هافا نا الثا ني إلى ما يلي‪" :‬يتضا فر في بلدان نا ظرفان ه ما ال صناعة‬
‫المتخلفة والنظام الزراعي ذو الطابع القطاعي‪ .‬لذا فمهما كانت ظروف العمال المعايشة‬
‫في المدن قاسية‪ ،‬فإن سكان الرياف يعانون ظروفا أشد هولً واضطهادا واستغللً منها‪.‬‬
‫غير أنهم‪ ،‬ما عدا استثناءات قليلة‪ ،‬يشكلون الكثرية المطلقة‪ ،‬وأحيانا أكثر من ‪ %70‬من‬
‫السكان في أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫"وإذا ما ا ستُثني مُلّك الرض الذ ين كثيرا ما يقطنون المدن‪ ،‬فأن سائر هذه الكتلة‬
‫ال كبيرة تك سب عيش ها بالع مل كأجراء‬

‫‪96‬‬

‫في المزارع لقاء أضأل الجور‪ ،‬أو أن ها تزرع‬

‫الرض بشروط استغلل ل تتميز عن شروط القرون الوسطى‪.‬‬
‫"تلك هي الظروف ال تي حت مت أن يؤلف سكان الر يف الفقراء قوة ثور ية كام نة‬
‫هائلة‪.‬‬
‫‪96‬‬

‫الجير هنا‪ :‬تعريب ‪ ،Peon‬وهو أجير مرتبط بمزرعة ويتفاوت وضعه تبعا للزمان والمكان‪ ،‬من‬

‫وضع يشبه الرق إلى وضع العامل الزراعي الحديث‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫"إن الجيوش قسد انشئت وجهزت لتقوم بالحرب النظاميسة‪ .‬وهسي القوة التسي تعتمدهسا‬
‫الطبقات المسستغلة لتثسبيت سسلطتها‪ .‬فإذا مسا واجهست هذه الجيوش حربا غيسر نظاميسة‬
‫يخوضهسا الفلحون مسستندين إلى الرض التسي يقطنونهسا‪ ،‬أضحست عاجزة عجزا مطلقا‪،‬‬
‫وفقدان ‪ 10‬رجال لقاء كسل مجاهسد ثوري يصسرع‪ .‬ويسستفحل فسي صسفوفها انهيار الروح‬
‫المعنوية عندما يقض مضاجعها جيش غير مرئي ل يغلب‪ ،‬ول يترك لها فرصة استخدام‬
‫خططها التكتيكية العسكرية الكاديمية وجعجعتها الحربية‪ ،‬هذه المور التي طالما فاخرت‬
‫بها في قمع العمال والطلب في المدن‪.‬‬
‫"تأتسي قوى جديدة باسستمرار لترفسد النضال الصسلي الذي شنتسه وحدات مقاتلة‬
‫صسغيرة‪ ،‬وتطفسق الحركسة الجماهيريسة تزداد جرأة‪ ،‬وينهار النظام القديسم شيئا فشيئا شسر‬
‫انهيار‪ .‬وتلك هي الساعة التي تحسم فيها الطبقة العاملة والجماهير المدنية المعركة‪.‬‬
‫"مسا الذي يجعسل هذه الوحدات ل تغلب‪ ،‬منسذ لحظسة القتال الولى‪ ،‬ومهمسا أوتسي‬
‫أعداؤهسا مسن تعداد وقوة وموارد؟ أنسه تأييسد الشعسب‪ ،‬فبوسسعها أن تعول على تأييسد‬
‫جماهيري متزايد أبدا‪.‬‬
‫"غير أن الفلحين يشكلون طبقة تحتاج إلى القيادة الثورية السياسية من جانب الطبقة‬
‫العاملة والمثقف ين الثوري ين‪ ،‬نظرا للج هل الذي أبق يت ف يه والعزلة ال تي تع يش في ها‪ .‬ول‬
‫تستطيع هذه الطبقة أن تشن النضال وتظفر بدون ذلك‪.‬‬
‫"ل تستطيع البرجوازية الوطنية‪ ،‬في الظروف التاريخية الراهنة في أمريكا اللتينية‪،‬‬
‫أن تقود النضال ضد القطاع و ضد البروليتار يا‪ .‬و قد أثب تت التجر بة أن هذه الطب قة في‬
‫بلداننا ‪-‬حتى عندما اصطدمت مصالحها بمصالح البروليتاريا اليانكي‪ -‬لم تستطع مكافحة‬
‫ال ستعمار‪ ،‬و قد انتاب ها الشلل خوفا من الثورة الجتماع ية‪ ،‬وأرعب ها صخب الجماه ير‬
‫المستثمَرة"‪( .‬من بيان هافانا الثاني)‪.‬‬
‫الثورة في أمريكا ل مفر منها‪:‬‬

‫‪167‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫تم ثل هذه الموضوعات جو هر هذا البيان الثوري الخاص بأمري كا‪ .‬وث مة ما يكمل ها‬
‫فسي فقرات أخرى مسن البيان‪" :‬بوسسع الظروف الذاتيسة فسي كسل بلد‪ ،‬أي عوامسل الوعسي‪،‬‬
‫والتنظيم‪ ،‬والقيادة‪ ،‬أن تسارع أو تؤجل الثورة‪ ،‬تبعا لحالة نمو هذه العوامل‪ .‬ومع نضوج‬
‫الظروف الموضوعية عاجلً أو آجلً‪ ،‬في كل حقبة تاريخية‪ ،‬يتم اكتساب الوعي‪ ،‬وبلوغ‬
‫التنظيم‪ ،‬وبزوغ القيادة‪ ،‬وانبلج الثورة‪.‬‬
‫"ل يتوقف على الثوريين أن يحدث ذلك سليما أو أن يولد بعد مخاض أليم‪ .‬انه أمر‬
‫يتعلق بالقوى الرجعية في المجتمع القديم‪ .‬أنه يتعلق بمقاومتها مولد المجتمع الجديد الذي‬
‫تنت جه تناقضات المجت مع القد يم‪ .‬دور الثورة في التار يخ كدور ال طبيب الذي ي ساعد في‬
‫مولد الحياة الجديدة‪ .‬ل تسستخدم الثورة العنسف إلّ عنسد الضرورة‪ ،‬ولكنهسا تسستخدمه بل‬
‫تردد كمسا اقتضاهسا المخاض ذلك‪ .‬أنسه المخاض الذي يحمسل‪ ،‬إلى الجماهيسر المسستعبدة‬
‫والمستثمَرة المل في حياة أفضل‪.‬‬
‫"ل مناص من الثورة في بلدان عديدة من أمريكا اللتينية‪ .‬لم تحتم ارادة أحد هذا‬
‫الواقع‪ .‬ل قد حتمته ظروف الستغلل المرعبة التي يعانيها النسان في أمريكا‪ ،‬ويحتمه‬
‫نمو الوعي الثوري لدى الجماهير‪ ،‬وأزمة البروليتاريا العالمية‪ ،‬وحركة النضال الشاملة‬
‫للشعوب المستعبدة في العالم"‪( .‬من بيان هافانا الثاني)‪.‬‬
‫سوف نحلل مسألة حرب الغوار في أمريكا من هذه الزاوية‪.‬‬
‫أن نا نرى أن حرب الغوار هي ش كل من أشكال النضال لبلوغ هدف مع ين‪ .‬الم سألة‬
‫الولى في هذا ال صدد هي تحل يل وايجاد ما إذا كان ال ستيلء على سلطة الدولة ممكنا‬
‫في قارتنا المريكية بوسائل غير النضال المسلح‪.‬‬
‫التاريخ ل يقبل الخطاء‪:‬‬
‫يمكسن خوض النضالت السسلمية عسن طريسق الحركات الجماهيريسة‪ .‬وفسي الظروف‬
‫الخاصسة حيسث تكون هناك أزمسة‪ ،‬تسستطيع هذه النضالت أن ترغسم حكومسة مسا على‬
‫المسساومة‪ .‬انهسا تتيسح لقوى الشعسب أن تسستولي على سسلطة الدولة وتقيسم دكتاتوريسة‬
‫‪168‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫البروليتار يا‪ .‬كل هذا صحيح إذا تكلم نا من الناح ية النظر ية‪ .‬ولكن نا إذا رح نا نحلل هذه‬
‫المسألة على ضوء الوضع القائم في أمريكا‪ ،‬كانت النتيجة الحتمية أن ثمة في كل مكان‬
‫مسن هذه القارة ظروفا موضوعيسة ترغسم الجماهيسر على مقاومسة حكومات البرجوازيسة‬
‫وملك الرض بأعمال عنيفسة‪ ،‬وأن بلدانا عديدة أخرى تعانسي أزمسة فسي الحكسم‪ ،‬فتكون‬
‫الظروف الذاتيسة هسي الخرى حاضرة هناك‪ .‬انهسا جريمسة ول ريسب أن ل يقدموا على‬
‫ا ستلم سلطة الدولة في البلدان ال تي تتحقق في ها هذه الشروط كافة‪ .‬وفي البلدان التي ل‬
‫تتوفسر فيهسا الشروط النفسة يمكسن طبعا اختيار مسسالك مختلفسة‪ ،‬وينبغسي الوصسول إلى‬
‫قرارات مناسبة في كل بلد على أساس التحليل النظري‪ .‬الشيء الوحيد الذي ل يسمح به‬
‫التار يخ لمحللي ومنفذي ال سياسات البروليتار ية هو ارتكاب هم أخطاء في أحكام هم‪ .‬لي ست‬
‫المؤهلت لدور الحزب ال سياسي الطلي عي كالمؤهلت لن يل شهادة جامع ية‪ .‬ينب غي لم ثل‬
‫هذا الحزب أن يقود الطب قة العاملة في النضال من أ جل سلطة الدولة‪ ،‬وأن يعرف ك يف‬
‫يهدي ها إلى ت سلم ال سلطة‪ ،‬فيقود النضال إلى الظ فر بأ سرع ما يم كن‪ .‬هذه مه مة أحزاب نا‬
‫الثورية كافة‪ .‬ولجتناب الخطاء‪ ،‬ينبغي أن يكون التحليل عميقا وشاملً‪.‬‬
‫تحالف البرجوازية والقطاعيين‪:‬‬
‫ان الشروط هي في أمري كا اليوم بح يث أن النفارات الحاك مة والجماه ير الضاغ طة‬
‫قد اشتبكت في صراع للقبض على مقاليد المور‪ ،‬ولما تزال الفئتان في حالة توازن غير‬
‫مستقر‪ .‬نعني بكلمة "النفارات" ذلك التحالف الرجعي الذي شكلته البرجوازية وطبقة ملك‬
‫الرض في كل بلد‪ ،‬مع تمتع البناء القطاعي فيه بالهيمنة إلى حد متفاوت‪ .‬تتعاقب هذه‬
‫النظمة الدكتاتورية ضمن إطار معين من الشرعية رسموه هم أنفسهم لمصلحة نشاطهم‬
‫ابان مدة حكمهسم الطبقسي غيسر المحدود‪ .‬غيسر أننسا نجتاز مرحلة ضغسط قوي مسن لدن‬
‫الش عب الذي ط فق يتقحّم باب شرع ية البرجواز ية‪ .‬سوف ين سف المشرعون شرعيت هم‬
‫بأنف سهم للحؤول دون اقتحام الجماه ير ل ها‪ .‬غ ير أن تدم ير كل تشر يع قائم تدميرا وقحا‪،‬‬
‫وإبرام القوانين لتثبيت المر الواقع‪ ،‬كلهما لن يكون من شأنه إل إهاجة القوى الشعبية‪.‬‬
‫لذا سوف تحاول النفارة الدكتاتورية أن تستخدم القوانين القديمة لتغيير النظام الدستوري‬
‫‪169‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وأن تخنق البروليتاريا مع اجتناب الصدام جبهيا‪ .‬ال أن هذا السلوك يستثير التناقضات‪.‬‬
‫ل يعود بو سع الش عب أن يط يق مختلف التداب ير الزجر ية القدي مة والجديدة ال تي تتخذ ها‬
‫النظمة الدكتاتورية وهو يحاول إحباطها‪ .‬ينبغي أل ننسى لحظة واحدة الطبيعة الطبقية‬
‫لدولة البروليتاريا‪ ،‬وصفتها الزجرية‪ ،‬وأفقها المحدود‪ ،‬قال لينين وهو يناقش في الدولة‪:‬‬
‫"الدولة هي النتاج والت عبير عن الت صارعات الطبق ية ال تي ل م صالحة في ها‪ .‬تن شأ الدولة‬
‫عندما وحيث ما وبقدر ما ل يمكن موضوعيا أن تت صالح الت صارعات الطبقية‪ .‬وبالع كس‪،‬‬
‫فإن وجود الدولة يثبت أن التصارعات الطبقية ل يمكن أن تتصالح"‪ ( .‬من كتاب‪ :‬الدولة‬
‫والثورة)‪.‬‬
‫بت عبير آ خر ل يجوز ل نا أبدا أن ن سمح با ستعمال كل مة "ديمقراط ية" ل تبييض و جه‬
‫دكتاتورية الطبقات المستثمِرة‪ ،‬عندما تكون الديمقراطية فاقدة معناها العميق ول تعني إل‬
‫منسح المواطنيسن بعسض الحريات‪ .‬إن مجرد السسعي لسسترداد شيسء مسن الشرعيسة‬
‫البرجوازيسة‪ ،‬دون إثارة مسسألة سسلطة الدولة الثوريسة‪ ،‬إنمسا يعدل السسعي لعادة نظام‬
‫الدكتاتوريسة الذي تفرضسه الطبقات الجتماعيسة الحاكمسة‪ .‬وبكلمسة واحدة‪ ،‬فأنسه ل يعدو‬
‫محاولة تزويد السجناء الذين يؤدون عقوبة ما بأغلل أخف‪.‬‬
‫دور العنف‪:‬‬
‫ورغم أن الطبقات الحاكمة تلجأ دائما وأبدا إلى وسائل بنيتها العليا التي أنشأتها لغاية‬
‫الق مع‪ ،‬فأن ها في ظروف النزاع هذه‪ ،‬سوف تمزق ما اتف قت عل يه إربا إربا‪ ،‬وتنزع قناع‬
‫"ديمقراطيتها"‪ ،‬وتهاجم الشعب‪ .‬وينبغي في مثل هذه اللحظة طرح السؤال مرة أخرى‪ :‬ما‬
‫الع مل؟ جواب نا هو أن الع نف ل يس حقا ارثيا للم ستثمِرين‪ ،‬وأن الم ستثمَرين ي ستطيعون‬
‫وي جب علي هم أن ي ستخدموا الع نف في اللح ظة الملئ مة‪ .‬قال مارتي‪" :97‬إذا كان مثيرو‬
‫حرب يم كن اجتناب ها في بلد مجرم ين‪ ،‬فإن الذ ين يرفضون خوض حرب ل مناص من ها‬
‫هم أيضا مجرمون"‪.‬‬
‫‪ 97‬خوزه مارتي ‪ ،(Jose Marti (1853-1895‬شاعر ومفكر وسياسي كوبي‪ ،‬رائد الثورة الستقللية في‬
‫كوبا ضد الستعمار السباني في أواخر القرن التاسع عشر‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وفسي الفترة ذاتهسا أوضسح لينيسن ذلك بقوله‪" :‬لم تنظسر الشتراكيسة الديمقراطيسة إلى‬
‫الحرب قط ول تن ظر إلي ها مسن وج هة ن ظر عاطف ية‪ .‬ف في ح ين ل تنسبري الشتراكيسة‬
‫الديمقراط ية تف ضح الحرب كو سيلة وحش ية لح سم خلفات ب ني الن سان‪ ،‬ف هي تعِلم أيضا‬
‫أن الحرب ل مناص من ها ما دام المجت مع منق سما إلى طبقات‪ ،‬ما دام ا ستثمار الن سان‬
‫للنسان موجودا‪ .‬ولن نستطيع‪ ،‬إبان إزالة هذا الستثمار‪ ،‬أن نتجنب الحروب التي تبدأها‬
‫الطبقات الم ستثمِرة الم سيطرة المضطهِدة هي ذات ها دائما و في كل مكان"‪ .‬قال لين ين هذا‬
‫عام ‪ ،1905‬وقد حلل مراكز الصراع الطبقي فيما بعد تحليلً ثاقبا عندما كتب في مقاله‬
‫"البرنا مج الع سكري لثورة البروليتار يا"‪ " :‬كل من يعترف ب صراع الطبقات ل بد له أن‬
‫يعترف بالحروب الهل ية‪ ،‬ف هي في كل مجت مع طب قي ا ستمرار وتثّور واشتداد طبيعي‪،‬‬
‫ول مناص منه في بعض الظروف للصراع الطبقي‪ .‬وتثبت الثورات الكبرى كلها ذلك‪.‬‬
‫أنّ نبذ الحرب الهلية أو نسيانها يعنيان ال سقوط في منتهى النتهاز والتخلي عن الثورة‬
‫الشتراكية"‪ .‬يعني هذا أنه ل ينب غي أن نخشى العنف‪ ،‬و هو قابلية المجتمع الجديد‪ .‬وما‬
‫ي جب مراعا ته هو أ نه ل ينب غي ا ستخدام الع نف إل عند ما يقرر قادة الش عب أن الو ضع‬
‫أشد ما يكون مؤاتاة‪.‬‬
‫يجب أن نفهم تحولت نسبة القوى‪:‬‬
‫ما هو الو ضع ال شد مؤاتاة؟ أ نه يتعلق من الناح ية الذات ية بعامل ين متفاعل ين معا‪،‬‬
‫يزدادان نضوجا أثناء النضال‪ ،‬وه ما‪ :‬و عي ضرورة التغي ير الثوري‪ ،‬والمكان الحقي قي‬
‫لمثل هذا التغيير‪ .‬وإذا ما أضفنا إلى هذين العاملين الظروف الموضوعية‪ ،‬وهي أشد ما‬
‫تكون مؤاتاة لنشسر النضال فسي أمريكسا كلهسا تقريبا‪ ،‬والتصسميم الثابست على الظفسر فسي‬
‫الصراع‪ ،‬وميزان القوى العالمية الجديد‪ ،‬تتحقق عندها شروط العمل‪.‬‬
‫ورغسم أن البلدان الشتراكيسة بعيدة‪ ،‬فأن تأثيرهسا المؤاتسي محسسوس باسستمرار بيسن‬
‫الناس المناضلين في كل البلدان‪ ،‬ومثال ها مثال تربوي متزا يد اللهام دون ر يب للشعوب‬
‫في كل مكان‪ .‬قال فيدل كاسترو في ‪ 26‬تموز من هذا العام‪" ،‬ينبغي على الثوريين كافة‪،‬‬

‫‪171‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫سيما في الو قت الحا ضر‪ ،‬أن يتعرفوا إلى التغي ير الذي تَمّ ح تى الن في ميزان القوى‬
‫العالمي‪ ،‬وأن يفهموه جيدا‪ ،‬ويدركوا أن مثل هذا التغيير هو في صالح نضال الشعب في‬
‫مختلف البلدان‪ .‬بدلً من انتظار ثورة اجتماعية تحدث كالمعجزة في أمريكا اللتينية من‬
‫جراء هذا التغي ير في ميزان القوى‪ ،‬فأن مه مة الثوري ين كا فة‪ ،‬وثور يي أمري كا اللتين ية‬
‫على ال خص‪ ،‬هي أن يفيدوا مليا من كل العوا مل المؤات ية للحر كة الثور ية في ميزان‬
‫القوى هذا‪ ،‬وأن يصنعوا الثورة!"‪.‬‬
‫ثمة من قد يقول‪" :‬نقبل أن الحرب الثورية هي‪ ،‬في ظروف نوعية معينة‪ ،‬وسيلة مناسبة‬
‫لتولي ال سلطة‪ .‬ل كن أ ين ن ستطيع إيجاد أولئك القادة الكبار‪ ،‬أمثال فيدل كا سترو‪ ،‬الذ ين سوف‬

‫يقودوننسا إلى الظفسر؟" إن فيدل كاسسترو‪ ،‬مثسل الخريسن جميعا‪ ،‬هسو نتاج التاريسخ‪ .‬والقادة‬
‫الحربيون والسياسيون الذين يقودون نضال الثورات في أمريكا‪ ،‬لو أمكن إدغامهم ليصبحوا‬

‫رجلً واحدا‪ ،‬سوف يتعلمون فن الحرب في ممارسة الحرب ذاتها‪ .‬ليس هناك مهنة أو حرفة‬
‫يمكن اتقانها بالكتب الدراسية وحدها‪ .‬النضال‪ ،‬والحالة هذه‪ ،‬هو المعلم الكبير‪.‬‬

‫لي ست هذه‪ ،‬طبعا‪ ،‬مه مة ب سيطة‪ .‬ول بد من مواج هة ب عض المخا طر الجد ية على طول‬
‫هذا النهج‪.‬‬

‫ثمة لحظتان في نمو النضال المسلح قد تكونان في غاية الحراجة بالنسبة للمستقبل‬
‫الثوري‪ .‬تحدث الولى في المرحلة التمهيد ية؛ وكيف ية ال سلوك في ها سوف تدل على مدى‬
‫تصسميم القوى الشعبيسة على القتال‪ ،‬وهسل أن هدفهسا محدد جيدا‪ .‬عندمسا تهاجسم الدولة‬
‫البرجوازية مواقع الشعب‪ ،‬لبد من اللجوء إلى الدفاع الذاتي لنّ العدو يشن الهجوم في‬
‫لح ظة مؤات ية له‪ ،‬فإذا تو فر ال حد الد نى والموضوع ية‪ ،‬كان ل ُبدّ لقوى الش عب أن تنت قل‬
‫إلى الدفاع الذا تي‪ ،‬ل كن ل يجوز ل ها أن ت سمح بزج ها في مو قف تل قي الضربات سلبيا‪.‬‬
‫كان ل يجوز ل ها اعتبار الدفاع الذا تي مجرد علج يائس للمضطهَد ين عند ما يُح صرون‬
‫في زاو ية‪ .‬حرب الغوار هي حر كة دفاع ذا تي للش عب في و قت مع ين‪ .‬أنّ ل ها قابل ية‬
‫لمهاجمة العدو وينبغي بذل جهود كبرى لنماء هذه القابلية‪ ،‬سوف تحدد هذه القابلية‪ ،‬مع‬
‫مر الزمن‪ ،‬طابع حرب الغوار الخاص في تعبئة قوى الشعب‪ .‬هذا يعني أن حرب الغوار‬

‫‪172‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ليست دفاعا ذاتيا سلبيا‪ ،‬بل دفاعا هجوميا‪ ،‬ومنذ اللحظة التي تُرى فيها المور على هذا‬
‫النحو‪ ،‬تؤدي حرب الغوار في النهاية إلى تولي السلطة السياسية‪.‬‬
‫يجب أن نجبر الدكتاتورية على كشف قناعها‪:‬‬
‫أنهسا لحظسة هامسة‪ .‬ل يمكسن فسي مجرى التقدم الجتماعسي قياس الفرق بيسن العنسف‬
‫واللعنسف بعدد الطلقات المتبادلة‪ .‬إنسه يتعلق كليا بالوضسع الملموس والمختلج‪ .‬ولكسي‬
‫يجتنب المرء استفحال وضع مناوئ‪ ،‬ينبغي له أن يحسن القبض على الفرصة الصحيحة‬
‫ويعرف م تى ي ستخدم قوى الش عب‪ ،‬أن يعرف ضعف ها الن سبي‪ ،‬و في الو قت ذا ته قوت ها‪،‬‬
‫لكسي يرغسم العدو على اتخاذ الخطوات اللزمسة‪ .‬ينبغسي للمرء على هذا النحسو أن يزيسح‬
‫التوازن القائم بيسن دكتاتوريسة الوليغارشيسة الحاكمسة والضغسط الشعسبي‪ .‬يحاول النظام‬
‫الدكتاتوري دائما أن يبقي سلطانه في ظروف ل يضطر فيها لستخدام العنف على نطاق‬
‫واسسع‪ .‬ينبغسي إرغامسه على الظهور بل قناع‪ ،‬أي إرغامسه على الظهور على حقيقتسه‪:‬‬
‫دكتاتورية عنيفة للطبقة الرجعية‪ .‬يساعد ذلك على نزع قناعه ويشدد النضال إلى نقطة ل‬
‫رج عة بعد ها‪ .‬ان مه مة القوى الشعب ية هي إرغام النظام الدكتاتوري على تقر ير أمره‪.‬‬
‫وأن الطري قة ال تي تن جز ب ها القوى الشعب ية مهمت ها في ك شف قناع الدكتاتور ية ‪ -‬أ ما‬
‫التراجع وأما خوض النضال ‪ -‬هي التي تقرر البداية الحازمة لعمل مسلح وطويل المد‪.‬‬
‫يتوقف على نمو القوى الشعبية اليومي ما إذا كان بالمكان اجتناب اللحظة الحرجة‬
‫الخرى‪ .‬أكدّ مار كس با ستمرار أ نه م تى بدأت العمل ية الثور ية‪ ،‬و جب على البروليتار يا‬
‫أن تها جم وتها جم بل هوادة‪ ،‬إذا لم تش تد الثورة با ستمرار‪ ،‬يم كن أن تعود أدراج ها‪ .‬أ ما‬
‫إذا اعترى العياء المقاتلين‪ ،‬فسوف يأخذون بفقد الثقة‪ ،‬ويحتمل أن تنجح المؤامرات التي‬
‫كثيرا ما تحيكها البرجوازية ضدنا‪ .‬ربما كان من هذه المؤامرات إجراء انتخابات لتسليم‬
‫السسلطة إلى سسادة مرائيسن آخريسن أقدر مسن الدكتاتور السسبق على اسستعمال الكلم‬
‫المع سول‪ ،‬أو قيام ب عض الرجعي ين بانقلب‪ ،‬يرأ سهم على العموم الع سكريون‪ ،‬وتدعم هم‬
‫قوى تقدمية‪ ،‬على نحو مباشر أو غير مباشر‪ .‬ثمة مؤامرات أخرى أيضا‪ ،‬غير أن تحليل‬
‫خططها التكتيكية ليس موضوعنا ههنا‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ان اهتمامنا الرئيسي هنا هو لفت نظر الجمهور إلى مخططات النقلبات العسكرية‬
‫المشار إليها‪ .‬كيف يستطيع أصحاب النزعة العسكرية أن يُسهموا في الديمقراطية الحقة؟‬
‫مسا داموا مجرد أدوات تبقسي بهسا الطبقات الرجعيسة والحتكار المسبريالي سسلطانها‪،‬‬
‫ومادا مت‪ ،‬كفئة اجتماع ية‪ ،‬ل تعرف شيئا إلّ ح مل ال سلح‪ ،‬ول همّ ل ها إلّ الحفاظ على‬
‫امتيازاتها‪ ،‬فكيف يمكن توقع إخلصها لبلدها؟‬
‫أحيانا‪ ،‬لمسا يكون الطغاة فسي موقسف صسعب‪ ،‬يصسمم العسسكريون انقلبا ويسسقطون‬
‫الدكتاتور الذي أصسبح فسي الحقيقسة شديسد الفتضاح‪ .‬ينبغسي إدراك أنهسم يفعلون ذلك لن‬
‫الدكتاتور المباد أض حى عاجزا عن صون المتيازات الطبق ية دون ا ستخدام منت هى الع نف‪،‬‬
‫في حين أن ذلك‪ ،‬ليس في الوقت الحاضر وعلى العموم‪ ،‬بصالح الوليغارشية الحاكمة‪.‬‬

‫يجب ألّ ننسى الهدف الخير‪:‬‬
‫غيسر أن هذا القول ل يعنسي مطلقا رفسض اسستخدام رجال عسسكريين‪ ،‬فسي حالت‬
‫فردية‪ ،‬إذا كانوا قد قطعوا الصلة بطبقتهم الخاصة وخانوها في الواقع‪ .‬لكن استخدامهم‬
‫جائز فقط عندما يكونون قد نقلوا ولءهم إلى القيادة الثورية‪ ،‬وبصفة مقاتلين‪ ،‬ل ممثلين‬
‫عن فئة اجتماعية‪.‬‬
‫ل حظ إنجلس م نذ ز من بع يد‪ ،‬في مقدم ته للطب عة الثال ثة من "الحرب الهل ية في‬
‫فرنسا"‪ ،‬ان العمال خرجوا من كل ثورة شاكّي السلح‪ .‬فقال‪ :‬لذا كان نزع سلح العمال‬
‫أولى فرائض البرجوازيين الذ ين كان زمام الدولة في أيدي هم‪ .‬من هنا كان ينشأ ب عد كل‬
‫ل عن لين ين في "الدولة‬
‫ثورة يظ فر ب ها العمال‪ ،‬صراع جد يد ينت هي بهزي مة العمال"‪( .‬نق ً‬
‫والثورة")‪.‬‬
‫تكرر هذا النوع من ال مد والجزر في العالم الرأ سمالي طوال عشرات ال سنين‪ ،‬و قد‬
‫ت مت به من ح ين ل خر ب عض ال صلحات الشكل ية وث مة أيضا تراجعات ا ستراتيجية‪.‬‬
‫تنخدع البروليتار يا على هذه ال صورة با ستمرار بالخدع ذات ها ال تي ظهرت مرة ب عد مرة‬
‫في القرن الماضي‪.‬‬
‫‪174‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ومسن الخطسر البالغ أيضا أن يكون قادة حزب تقدمسي مفرطسي الغيرة على اسستخدام‬
‫بعسض وجوه شرعيسة البرجوازيسة‪ ،‬أملً فسي الحفاظ على أكثسر الظروف مؤاتاة للعمسل‬
‫الثوري فسي وقست مسا‪ ،‬فيضيسع عليهسم بذلك الحسد الفاصسل (كمسا يُرى كثيرا فسي مجرى‬
‫العمل)‪ ،‬وينسون أن هدفهم الستراتيجي النهائي هو تولي سلطة الدولة‪.‬‬
‫يمكن اجتناب هاتين اللحظتين ال صعبتين في الثورة‪ ،‬اللتين حللناه ما بإيجاز‪ ،‬ما دام‬
‫الحزب الماركسي اللينيني القائد يعرف الخطر معرفة تامة في حقبة معينة‪ ،‬وما دام قادرا‬
‫على تعبئة الجماهيسر إلى أقصسى حسد ممكسن وعلى قيادتهسا فسي الطريسق الصسحيحة لحسل‬
‫التناقضات الساسية‪.‬‬
‫دور المناطق الريفية‪:‬‬
‫افترض نا ع ند صياغة موضوعات نا أ نه يم كن أن يق بل الش عب احتمال فكرة النضال‬
‫المسسلح وأن يقبسل اقتراح حرب الغوار وسسيلة للقتال‪ .‬لماذا نعتقسد أن حرب الغوار هسي‬
‫الطر يق ال صحيحة في الظروف المتحق قة في أمري كا اليوم؟ لماذا ينب غي أن تكون حر كة‬
‫الغوار هي وسيلة النضال الرئيسية في أمريكا؟ السباب الساسية‪ ،‬في رأينا‪ ،‬هي التية‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ما دام معلوما أن العدو سوف يقاتل لصون سلطته السياسية‪ ،‬وجب النظر في‬
‫إزالة جيش القمع‪ .‬لكن إزالة هذا الجيش تقتضي وجود جيش شعبي يناهضه‪ .‬ل يأتي هذا‬
‫الجيش الشعبي إلى الوجود من تلقاء ذاته‪ ،‬أنما ينبغي تسليحه بالسلح الذي يقدمه العدو‪.‬‬
‫هذا مسا يحدد للصسراع طابعسه الطاحسن والمديسد‪ ،‬ذلك الصسراع الذي يتعرض فيسه جيسش‬
‫الشعسب وقادتسه إلى هجمات مسستمرة مسن قوة عدوة متفوقسة‪ ،‬إذ تعوزهسم وسسائل الدفاع‬
‫والجؤول المناسبة‪.‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬فأن النواة الغوارية العاملة في مناطق مؤاتية للنضال سوف تضمن‬
‫سلمة واستمرار القيادة الثورية‪ .‬ويمكن للمفارز المدنية التي تقودها قيادة الجيش الشعبي‬
‫ل فسي غايسة الهميسة‪ .‬حتسى لو حدث أن دمرت هذه الوحدات‬
‫العامسة أن تؤدي أعما ً‬
‫ال صغيرة‪ ،‬فلن ي تم سحق مر كز الثورة الع صبي (القيادة الثور ية)‪ ،‬و سوف تم ضي قيادة‬

‫‪175‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الثورة تبعسث روح الجماهيسر الثوريسة انطلقا مسن المآزر الريفيسة‪ ،‬وتنظسم قوى جديدة‬
‫للمعركة القادمة‪.‬‬
‫ثم أن جهاز الدولة المقبل سوف يبدأ يتشكل في هذه المنطقة‪ .‬وسوف يكون مسؤولً‬
‫عسن ممارسسة الدكتاتوريسة الطبقيسة الفعليسة فسي المرحلة النتقاليسة كلهسا‪ .‬وكلمسا طال أمسد‬
‫الصسراع‪ ،‬عظمست وتعقدت مسسألة الشؤون الداريسة‪ .‬ينبغسي لحسل هذه المسسألة تدريسب‬
‫جماعة من الملكات لمعالجة هذه المهمة الصعبة وهي توطيد سلطة الدولة‪ ،‬وفي مرحلة‬
‫لحقة‪ ،‬تنمية القتصاد‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ينب غي الن ظر في الظرف العام لفل حي أمري كا اللتين ية‪ ،‬و في طا بع نضال هم‬
‫الذي يزداد انفجارا ضد البنيات القطاعية‪ ،‬في و ضع اجتما عي يتعاون فيه الم ستثمرون‬
‫المحليون مع المستثمرين الجانب‪.‬‬
‫سوف يكون النضال نضال حياة أو موت‪:‬‬
‫لن عد إلى بيان هافا نا الثا ني‪" :‬تحررت شعوب أمري كا في مطلع القرن الما ضي من‬
‫السستثمار السسباني‪ ،‬ولكنهسا لم تتحرر مسن السستثمار‪ .‬اضطلع الملكون القطاعيون‬
‫بسلطة الحكام السبان‪ ،‬وبقي الهنود يعانون عبوديتهم الشاقة‪ ،‬وبقي إنسان أمريكا اللتينية‬
‫عبدا بش كل أو بآ خر‪ ،‬وما تت أد نى آمال الشعوب من وطأة الفئات الوليغارش ية الحاك مة‬
‫وطغيان الرأ سمال الج نبي‪ .‬هذه هي حقي قة أمري كا بدرجات متباي نة من الختلف‪ .‬ت قع‬
‫أمري كا اللتين ية اليوم ت حت وطأة امبريال ية أك ثر وحش ية وعتّوا وشرا سة من المبريال ية‬
‫السبانية‪.‬‬
‫"مسا هسو موقسف المبرياليسة اليانكيسة مسن الثورة المريكيسة اللتينيسة ذات الحقيقسة‬
‫الموضوعية والمحتومة تاريخيا؟ انه التأهب لخوض حرب استعمارية ضد شعوب أمريكا‬
‫اللتينية‪ .‬انه إنشاء جهاز من القوة‪ ،‬وإقامة الذرائع السياسية والدوات شبه القانونية التي‬
‫يوقسع عليهسا ممثلو الفئات الوليغارشيسة الرجعيسة‪ ،‬لذلل نضال شعوب أمريكسا اللتينيسة‬
‫بالحديد والنار"‪.‬‬
‫‪176‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫لقد كشف لنا هذا الموقف الموضوعي أن لدى فلحينا ينابيع قوة كامنة لم يستنبطها‬
‫أحد‪ ،‬وأنه ينبغي استخدام هذه القوة لتحرير أمريكا‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ينبغي النظر في الطابع القاري للنضال‪.‬‬
‫هل يم كن اعتبار هذه المرحلة الجديدة من تحرر أمري كا على أن ها نزاع على سلطة‬
‫الدولة ب ين قوت ين محليت ين في ب عض الرجاء؟ هيهات‪ .‬سوف يكون هذا النضال معر كة‬
‫حياة أو موت بين قوى الشعب كافة وقوى القمع كافة‪ .‬وتتوقع المقاطع المستشهد بها آنفا‬
‫هي الخرى ذلك‪.‬‬
‫طابع النضال القاري‪:‬‬
‫سسوف يتدخسل اليانكيون لتدعيسم مصسالحهم‪ ،‬إذ أنهسم يعتسبرون الصسراع فسي أمريكسا‬
‫حاسسما‪ .‬انهسم فسي الواقسع قسد سساهموا منسذ الن فسي تنشئة قوى القمسع‪ ،‬وأقاموا منظمسة‬
‫للمكافحة على نطاق القارة‪ .‬و سوف يفعلون ذلك من الن فصاعدا بكل ما أُوتوا من قوة‬
‫ويحاولون قمع قوى الشعب بكل ما لديهم من أسلحة الفتك‪ .‬لن يسمحوا بتوطيد أي نظام‬
‫ثوري‪ ،‬وإذا ما اشتد ساعد أي نظام ثوري في أحد البلدان‪ ،‬فسوف يهاجمونه‪ ،‬ويرفضون‬
‫العتراف به‪ ،‬ويسعون جهدهم لشق القوى الثورية‪ ،‬ويرسلون كل صنوف المخربين إلى‬
‫داخله‪ ،‬ويخلقون اضطرابات على الحدود‪ ،‬ويعبئون بعسض البلدان الرجعيسة الخرى فسي‬
‫صف واحد لمناهضته‪ ،‬ويحاولون خنق البلد الوليد اقتصاديا‪ .‬وقصارى القول أنهم سوف‬
‫يسعون جهدهم لتدمير هذا البلد الوليد‪ .‬وبالنظر لهذا الوضع في أمريكا‪ ،‬يصعب جدا لبلد‬
‫واحسد أن يحرز الظفسر ويعززه‪ .‬ينبغسي مقاومسة تحالف القوى القمعيسة بتحالف القوى‬
‫الشعب ية‪ .‬و في كل البلدان ال تي بلغ في ها الق مع حدا ل يطاق‪ ،‬ينب غي ر فع را ية النتفاض‪،‬‬
‫وسوف تتخذ هذه الراية‪ ،‬نظرا للضرورة التاريخية‪ ،‬صفة شمول نطاق القارة‪ .‬فمثلما قال‬
‫فيدل إن جبال الندس سوف تتحول إلى سييرا ماسترا جديدة‪ ،‬كذلك سوف تتحول أرض‬
‫هذه القارة الواسعة إلى حلبة صراع حياة أو موت مع الحكم المبريالي‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ل ن ستطيع التأك يد م تى سوف يأ خذ هذا ال صراع صفة قار ية‪ ،‬و كم سوف يدوم‪،‬‬
‫ولكننا نستطيع التنبؤ أن هذا الصراع قادم ومظفر حتما‪ ،‬لنه النتيجة المحتومة للظروف‬
‫التاريخية والقتصادية والسياسية وليس ثمة وسيلة لتغيير مجراه‪ .‬إن مهمة القوى الثورية‬
‫فسي مختلف البلدان هسي المضسي قدما فسي النضال حالمسا تنضسج الظروف فسي بلدانهسا‪،‬‬
‫وب صرف الن ظر عن الو ضع في البلدان الخرى‪ .‬ون شر النضال هو الذي سوف يحدد‬
‫الستراتيجية العامة بالتدرج‪ .‬أما التنبؤ بأن النضال سوف يتخذ صفة قارية‪ ،‬فهو نتيجة‬
‫تحليسل مختلف القوى المتصسارعة‪ .‬انسه ل ينفسي أبدا وقوع انفجارات للصسراع بعضهسا‬
‫مستقل عن بعض‪ .‬وكما أن الصراع الذي ينبثق في مكان من بلد لبد أن ينتشر إلى البلد‬
‫كله‪ ،‬كذلك سوف يؤدي شن حرب ثورية إلى نشر ظروف جديدة في البلدان المجاورة‪.‬‬
‫أوائل حرب الغوار‪:‬‬
‫يشتمل تطور الثورة المنتظم على تعاقب المد والجزر‪ .‬المد في الثورة يعني الجزر‬
‫لتضاد الثورة‪ ،‬وبالمقابسل‪ ،‬لمسا تكون الثورة فسي نكوص يكون تضاد الثورة فسي نهوض‪.‬‬
‫يكون مو قف القوى الشعبية في م ثل هذه اللح ظة صعبا وعلي ها أن تبذل كل جهد لتخاذ‬
‫تداب ير دفاع ية بح يث تعا ني ال حد الد نى من الخ سائر‪ .‬ول ما كان العداء في غا ية القوة‬
‫وحائزين الصفة القارية‪ ،‬ينبغي أن نقتصر على تحليل نواحي ضعف البرجوازية النسبي‬
‫في منط قة محل ية وعلى صياغة قرارات ت خص نطاقا محدودا‪ .‬ولنبت عد عن التفك ير بأن‬
‫الفئات الوليغارشية الحاكمة قد تشكل يوما تحالفا مع الشعب المسلح‪ .‬لقد قرعت الثورة‬
‫الكوب ية جرس الخ طر‪ .‬ث مة ا ستقطاب كا مل لمختلف القوى‪ ،‬ح يث ي قف الم ستثمِرون في‬
‫أحد الطرفين‪ ،‬والمستثمَرون في الطرف الخر‪ .‬وسوف يميل سواد البرجوازية الصغيرة‬
‫إلى أي من هذ ين الطرف ين تبعا لم صلحة الخا صة ولكفاءة أي منه ما في اكت سابه سياسيا‬
‫إليه‪ .‬وسوف يغدو الحياد حالة استثنائية‪ .‬تلك هي الحرب الثورية‪.‬‬
‫لننظر كيف يمكن إحداث مركز لنشاط الغوار‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫تنت قي وحدات صغيرة ضئيلة القوام ب عض المك نة المؤات ية لنشاط الغوار‪ ،‬ت ستطيع‬
‫التقدم منها للهجوم‪ ،‬والنسحاب إليها ملذا‪ ،‬وتبدأ أعمالها في هذه المكنة‪ .‬لكن ثمة نقطة‬
‫ل بد من إيضاح ها تماما‪ :‬ل ما تكون الغوارات ل ما تزل أميَل إلى الض عف‪ ،‬في المرحلة‬
‫البدئ ية‪ ،‬علي ها أن تر كز عمل ها ف قط على ت ثبيت أقدام ها‪ ،‬والتآلف بالبيئة‪ ،‬وإقا مة ال صلة‬
‫بالسكان‪ ،‬وتوطيد الماكن التي يمكن تحويلها إلى مآرز‪.‬‬
‫وإذا ما أرادت وحدات الغوار أن تبقى حية في النضال بمثل هذه الظروف‪ ،‬لبد لها‬
‫أن تحرز صسفات ثلثا‪ :‬الجؤول الدائم‪ ،‬واليقظسة الدائمسة‪ ،‬والحتراز الدائم‪ ،‬ويؤدي سسوء‬
‫تطبيق هذه العناصر من التكتيك الحربي إلى صعوبة بقاء الغوارات حية‪ .‬ينبغي التذكر‬
‫أن بطولت المغاو ير في م ثل هذه ال ساعة تقوم على توسسيع الهدف الذي سبق تحديده‪،‬‬
‫وعلى اتيان تضحيات عظيمة في سبيل بلوغ الهدف‪.‬‬
‫ل تعني هذه التضحيات قتالً يوميا أو نضال العدو كشافا‪ .‬انها أمرّ وأصعب احتمالً‬
‫على المغاوير‪ ،‬جسميا وذهنيا‪.‬‬
‫قسد يتعرضون لضربات قاصسمة مسن قوى العدو‪ ،‬ويمكسن أحيانا أن يهزموهسم أو‬
‫يقتلوهم بعد السر‪ .‬وقد ي تم اصطيادهم مثل طرائد الوحش في المناطق التي اختاروها‬
‫لعملياتهم‪ ،‬وابقاؤهم في حالة استنفار مستمرة‪ ،‬خشية أن يكون العدو في أعقابهم‪ .‬ينبغي‬
‫أن يحترزوا من السذاجة في تصديق أي شيء‪ ،‬لن الفلحين المروعين‪ ،‬إذا ما أعوزتهم‬
‫الذريعة أحيانا ورغبوا في التنصل بأنفسهم‪ ،‬قد يسلمونهم إلى جيش القمع‪ .‬أما الظفر أو‬
‫الموت‪ .‬ليس ثمة احتمال آخر‪ .‬الموت في هذه اللحظات حقيقة داهمة‪ ،‬في حين أن الظفر‬
‫تُرهة ل يستطيع غير الثوري رؤياها‪.‬‬
‫تلك هسي بطولة المغاويسر‪ .‬يتبسع ذلك أن جؤولهسم هسو أيضا شكسل مسن القتال‪ ،‬وأن‬
‫اجتناب القتال‪ ،‬في لحظة معينة‪ ،‬هو أيضا شكل للقتال‪.‬‬
‫اتساع حرب الغوار‪:‬‬

‫‪179‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مذهب نا في و ضع الم سألة هو‪ ،‬إزاء تفوق العدو العام‪ ،‬ا ستخدام ش كل من التكت يك‬
‫ي ساعد على إحراز تفوق ن سبي في نق طة مختارة‪ ،‬أ ما بترك يز قوة أك ثر عددا من العدو‪،‬‬
‫أو باحتلل أرض مؤاتيسة‪ ،‬بحيسث يتغيسر ميزان القوى‪ .‬ويمكسن ضمان إحراز الظفار‬
‫التكتيكيسة فسي مثسل هذه الظروف‪ ،‬ويفضسل المتناع عسن العمسل عندمسا ل يكون التفوق‬
‫النسبي كثير الوضوح‪ .‬وما دام ثمة مجال لختيار "كيف نقاتل" و"متى نقاتل"‪ ،‬ينبغي عدم‬
‫خوض المعركة عندما ل يكون الظفر أكيدا‪.‬‬
‫سوف تم ضي الغوارات تن مو وتتو طد في حر كة سياسية ع سكرية هائلة‪ ،‬وي تم التأر يز‬
‫بالتدر يج‪ ،‬فيؤلف العا مل ال ساسي ل ستمرار ن مو الغوارات‪ .‬و سوف تغدو المآزر معا قل ل‬

‫يسستطيع العدو ولوجهسا دون أن يدفسع ثمنا غاليا مسن الصسابات‪ .‬انهسا حصسون الثورة وملذ‬
‫الغوارات التي تزداد إقداما في شن الهجمات باتجاه المناطق البعيدة‪.‬‬
‫ويأتي يوم يتغلب فيه المغاوير على المصاعب التكتيكية السياسية في أن ينبغي أل ينسوا‬
‫لحظة أنهم طلئع الشعب‪ ،‬ول ينسوا المهمة الملقاة على عواتقهم‪ .‬لذا وجب عليهم أن يخلقوا‬

‫المقدمات التسي تسسبق إقامسة نظام ثوري تؤيده الجماهيسر تأييدا تاما‪ .‬ينبغسي إجابسة مطالب‬
‫الفلحين الهامة حسب الظروف‪ ،‬بحيث يصبح السكان برمتهم متحدين كالبنيان المرصوص‪.‬‬
‫وإذا كان الوضع الحربي صعبا في المرحلة البتدائية‪ ،‬فالوضع السياسي ل يقل عنه دقة‪.‬‬

‫فإذا كا نت خطيئة حرب ية واحدة قد تؤدي إلى تدم ير الغوارات‪ ،‬فأن خطيئة سياسية قد‬

‫توقف نمو الغوارات لمدة طويلة جدا‪.‬‬

‫النضال حربي وسياسي معا‪ ،‬ولذا يجب نشره وفهمه على هذا النحو‪.‬‬
‫ولمسا كانست الغوارة تنمسو بانتظام‪ ،‬فسسوف يأتسي وقست تحوز فيسه عددا زائدا مسن‬
‫الرجال‪ ،‬وتركيزا مفرطا للقوى فسي المنطقسة التسي ل تسستطيع قدرتهسا على العمسل أن‬
‫تغطي ها‪ .‬يبدأ التأث ير عندئذ على ن مط تثو يل الن حل‪ ،‬ح يث يق فز أ حد قادة الغوار‪ ،‬ويكون‬
‫مغاورا بارزا‪ ،‬على رأس رجاله‪ ،‬إلى منطقسة أخرى‪ ،‬ويعيسد نشسر سسلسلة حرب الغوار‪،‬‬
‫تحت القيادة المركزية طبعا‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫يجب أن نبني جيشا شعبيا‪:‬‬
‫والخلصة‪ ،‬أنه ينبغي الشارة إلى عدم إمكان الظفر بدون بناء جيش شعبي‪ .‬يمكن‬
‫تو سيع الغوارات عدديا إلى حد ما ويم كن أن تنزل قوى الشعب الذى بالعدو في بعض‬
‫المدن والمناطق التي يحتلها‪ ،‬إلّ أن قوة الرجعيين العسكرية قد تبقى سالمة‪ .‬ينبغي التذكر‬
‫دائما أن النتي جة النهائ ية ي جب أن تكون إزالة العدو‪ .‬لذلك ينب غي أن تب قى منا طق الغوار‬
‫المفتتحة حديثا‪ ،‬والمنا طق العميقة في مؤخرة العدو‪ .‬والقوى العاملة في المدن الرئيسية‪،‬‬
‫كلهسا تحست امرة القيادة‪ .‬ليسس هذا نظام مرؤوسسية ضيسق مسن رتبسة إلى أخرى كمسا فسي‬
‫الج يش النظامسي‪ ،‬بسل علقسة مرؤوسسية فسي السستراتيجية‪ .‬يترك للغوارة الواحدة بعسض‬
‫الت صرف في الع مل‪ ،‬ل كن علي ها أن تن فذ كا فة ال ستراتيجية ال صادرة عن القيادة العا مة‬
‫الموجودة في أوثق وأمنع منطقة بغية تهيئة الظروف لستخدام القوى بشكل مركزي في‬
‫مرحلة معينة‪.‬‬
‫سسسل ثلثا‪ .‬تبدأ بمرحلة‬
‫تجتاز حرب الغوار أو حرب التحرر‪ ،‬على العموم‪ ،‬مراحس‬
‫الدفاع السستراتيجي‪ ،‬عندمسا تقوم الوحدات الصسغيرة‪ ،‬سسريعة الجؤول والختفاء‪ ،‬بطعسن‬
‫العدو من وقت لخر‪ ،‬لكنها ل تنسحب إلى منطقة صغيرة بغية الدفاع السلبي‪ .‬ان دفاعها‬
‫يعني شن كل الهجمات الصغيرة الممكنة‪ .‬يتلو ذلك مرحلة التوازن الستراتيجي‪ ،‬عندما‬
‫يكون ث مة نشاط من العدو والمغاو ير معا‪ .‬ثم تبلغ المرحلة النهائ ية‪ ،‬مرحلة انهيار ج يش‬
‫الق مع‪ .‬يح تل المغاو ير عند ها المدن ال كبرى ويخوضون معارك كبيرة حا سمة وي سحقون‬
‫العدو سحقا تاما ناجزا‪.‬‬
‫ب عد أن تبلغ حرب الغوار مرحلة التوازن لدى جيوش الطرف ين‪ ،‬تت خذ صفات جديدة‬
‫إبّان تطورهسا اللحسق‪ .‬يأخسذ مفهوم المناورة بالتكوّن‪ ،‬وتظهسر الوحدات الكسبيرة القادرة‬
‫على مهاج مة المعا قل المح صنة جيدا‪ ،‬وتبدأ ممار سة حرب الحر كة ال تي ت ستلزم تحر يك‬
‫عدد كبير من الجنود وشهر أ سلحة هجومية‪ ،‬غير أن العدو ما زال قادرا على المقاومة‬
‫والهجوم المعاكس‪ ،‬ولذا ل يمكن أن ت حل حرب الحركة كليا م حل حرب الغوار‪ .‬انها ل‬
‫ل من العمليات في تطور حرب الغوار‪ ،‬و هي أع ظم ترك يز لقوى الغوار‪ ،‬ذلك‬
‫تعدو شك ً‬

‫‪181‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫إلى أن يتم تشكيل عدة جيوش من القوى الشعبية‪ .‬وحتى بعد ذلك‪ ،‬سوف تتابع الغوارات‬
‫استخدام طريقة قتال الغوار "البحتة"‪ ،‬في عمل من سّق مع عمليات القوى الرئيسية‪ ،‬لنسف‬
‫وسائل النقل والمواصلت‪ ،‬وتخريب آلة دفاع العدو برمتها‪.‬‬
‫سوف يكون النضال طويلً وداميا‪:‬‬
‫تنبأ نا أن الحرب سوف تكون ذات صفة قار ية‪ .‬يع ني هذا أن ها سوف تكون مديدة‬
‫أيضا‪ .‬سوف تكون هناك جبهات قتال كثيرة وسوف تكلف دماء كثيرة ونفوسا ل تحصى‬
‫لمدة طويلة‪ .‬وفسق ذلك‪ ،‬فأن ظاهرة اسستقطاب القوى التسي أخذت تتبادر فسي أمريكسا‪،‬‬
‫والنف صام الوا ضح ب ين الم ستثمِرين والم ستثمَرين في الحروب الثور ية المقبلة‪ ،‬يشيران‬
‫إلى أن طليعة الشعب المسلحة‪ ،‬متى هبت لتولي سلطة الدولة‪ ،‬فأن البلد أو البلدان التي تم‬
‫فيهسا تولي سسلطة الدولة‪ ،‬سسوف تزيسل فسي الوقست ذاتسه للمضطهِديسن‪ ،‬مسن امسبرياليين‬
‫وم ستثمِرين محلي ين‪ ،‬في تم تحق يق المرحلة الولى من الثورة الشتراك ية‪ ،‬ويبادر الش عب‬
‫إلى تضميد الجراح‪ ،‬ويشرع في البناء الشتراكي‪.‬‬
‫هل ثمة إمكان أقل شراسة؟‬
‫لقد تم تمزيق العالم منذ زمن بعيد‪ ،‬وأخذت الوليات المتحدة حصة السد في قارتنا‪.‬‬
‫وراح ا مبرياليو العالم القد يم يهيئون عودة ل هم‪ .‬وأخذت قوة ال سوق الوروب ية المشتر كة‬
‫العاتيسة تهدد حتسى الوليات المتحدة‪ .‬يحدو كسل ذلك ببعسض الناس إلى العتقاد بأنسه قسد‬
‫يكون ث مة إمكان لتشك يل تحالف مع الدكتاتور ية الوطن ية‪ ،‬و هي الك ثر قوة م نا‪ ،‬لترقّ ب‬
‫الصسراع بيسن المسبرياليين بذراعيسن مكتوفتيسن‪ ،‬بحثا عسن فرصسة لحراز بعسض التقدم‪.‬‬
‫يجسب أن نفهسم أن سسياسة سسلبية فسي الصسراع الطبقسي ل تؤتسي أبدا نتائج حسسنة‪ .‬لن‬
‫الدكتاتورية‪ ،‬مهما بدت ثورية في وقت من الوقات‪ ،‬ل يمكن أن يكون التحالف معها إلّ‬
‫موقوتا‪ .‬فإذا ما تجاوز المرء عن هاتين النقطتين‪ ،‬سلك طريقا أخرى‪ ،‬إذا ما أدخل العامل‬
‫الزمني في الحساب‪ .‬لقد أخذت التناقضات الساسية في أمريكا اليوم تحتدم بسرعة كبيرة‬

‫‪182‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫إلى حد أنها طفقت تتداخل في تطور التناقضات "الطبيعي" بين المعسكرين الدكتاتوريين‬
‫المتناحرين على السواق‪.‬‬
‫اليقين بالنصر‪:‬‬
‫إن غالبية البرجوازية الوطنية مترابطة مع امبريالية الوليات المتحدة‪ ،‬وتريد ربط‬
‫مصسيرها بهسا فسي كسل بلد‪ .‬وحتسى لو حصسلت مسساومة واتفاق فسي التناقسض القائم بيسن‬
‫البرجواز ية الوطن ية و سائر المبريال ية من ج هة‪ ،‬وب ين امبريال ية الوليات المتحدة من‬
‫ج هة أخرى‪ ،‬فل يتعدى ذلك ب عد فلك ال صراع الرئي سي الذي ل بد أن يش مل الم ستثمِرين‬
‫والمستثمَرين كافة إبان تطوره‪ .‬ان استقطاب القوى الطبقية المتصارعة أسرع كثيرا من‬
‫اسستفحال التناقضات بيسن المسستثمِرين على تقاسسم السسلب‪ .‬المعسسكران متمايزان‪،‬‬
‫والختيار واضح لكل فرد وكل فئة‪.‬‬
‫يسعى "التحالف من أجل التقدم"‪ 98‬إلى تقييد ما ل يمكن تقييده‪.‬‬
‫غ ير أ نه‪ ،‬بحال إحراز ال سوق الوروب ية المشتر كة‪ ،‬أو ك تل امبريال ية أخرى‪ ،‬تقدما‬
‫في السواق المريكية يتجاوز تطور التناقض الساسي‪ ،‬يكون على القوى الشعبية عندئذ‬
‫أن ت شق طريق ها خلل الثغرة الحادثة‪ ،‬وتخوض النضال كله وتف يد من المتدخلين الجدد‪،‬‬
‫متذكرة هدفها الخاص النهائي‪.‬‬
‫ينبغي عدم تسليم أي موضع أو سلح أو سر إلى العدو الطبقي‪ ،‬وال خسرنا كل شيء‪.‬‬

‫الواقع أن النضال قائم منذ الن في أمريكا‪ .‬ألن ته بّ أعاصير النضال في فينزويل‬
‫وغواتيمال وكولومبيا وبيرو واكوادور‪.‬؟ هل صحيح أن القتال الحالي فيها ل يعدو كونه‬
‫ت عبيرا عن اندفاع جا مح ل طائل ف يه؟ أن ثمرة نضال هذا اليوم لي ست شيئا ملمو سا‪ .‬قد‬
‫تنقطع الحركة إلى حين‪ ،‬ولكن ذلك طفيف الثر على النتيجة النهائية‪ .‬المهم هو نضوج‬

‫‪98‬‬

‫"التحالف من أجل التقدم"‪ :‬منهج المساعدة من الوليات المتحدة لبلدان أمريكا اللتينية‪ ،‬الذي أعلن عنه‬

‫في مؤتمر بونتا دل إيسته عام ‪.1961‬‬

‫‪183‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الت صميم على النضال يوما ب عد يوم‪ ،‬وو عي ضرورة التغي ير الثوري‪ ،‬والقتناع الرا سخ‬
‫بإمكان ذلك‪.‬‬
‫هذا تن بؤ‪ .‬قناعت نا را سخة بأن التار يخ سوف يظ هر أن نا على حق‪ .‬و قد أو ضح ل نا‬
‫تحليل العوامل الذاتية والموضوعية في أمريكا وفي عالم البروليتاريا‪ ،‬أن التأكيدات التي‬
‫قدمناها على أساس بيان هافانا الثاني هي صحيحة‪.‬‬

‫الدور الجتماعي للجيش المتمرد‬

‫‪99‬‬

‫هذه الُمسية هي أُمسية الذكرى‪ ،‬ولذا أود ان أُلخّص ما كانت عليه حركة ‪ 26‬تموز‪،‬‬
‫وما هي عليه الن‪ ،‬قبل أن أدخل في صلب الموضوع أي في مغزاه التاريخي‪.‬‬
‫ل أسستطيع العودة إلى الوراء حتسى الهجوم على ثكنسة مونكادا‪ ،‬وفسي ‪ 26‬تموز‬
‫‪ .1953‬وإنما أريد أن أتحدث عما يختص بمشاركتي في الحداث المختلفة التي أدت إلى‬
‫انتصار الثورة في أول كانون الثاني الخير‪.‬‬
‫فلنبدأ إذا هذا التاريخ كما بدأ بالنسبة لي‪ ،‬في المكسيك‪.‬‬
‫إنسه لمسر مهسم جدا بالنسسبة لنسا جميعا أن نعرف فكسر أولئك الذيسن يؤلفون جيشنسا‬
‫المتمرد؛ وف كر تلك الجما عة ال تي اندف عت في مغامرة غران ما‪ ،‬وتطور هذا الف كر الذي‬
‫تولّد داخل حركة ‪ 26‬تموز وتحوّلته المتتالية تبعا لمراحل الثورة‪ ،‬كي نصل إلى درس‬
‫هذا الفصل الخر الذي يختتم به الشطر التمردي‪.‬‬
‫قلت ل كم إ ني تعر فت إلى العضاء الوائل في حر كة ‪ 26‬تموز في المك سيك‪ .‬كان‬
‫المسسقط الجتماعسي للجماعسة مختلفا كسل الختلف قبسل حادثسة غرانمسا‪ ،‬وقبسل أن يقسع‬
‫النقسسام الول داخسل حركسة ‪ 26‬تموز‪ ،‬زمسن الهجوم على ثكنسة المونكادا‪ ،‬وأذكسر أنسي‬
‫‪99‬‬

‫خطاب أُُلقي في جمعية "نوتستر يتيمبو" بتاريخ ‪ 22‬كانون الثاني ‪.1959‬‬

‫‪184‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫ع قد في منزل من منازل مك سيكو ضرورة تقد يم برنا مج‬
‫عر ضت أثناء اجتماع سري ُ‬
‫ثوري لش عب كو با‪ ،‬و قد أجاب ني أ حد محار بي المونكادا‪ ،‬الذي ه جر لح سن ال حظ حر كة‬
‫‪ 26‬تموز‪ ،‬جوابا مسا أزال أذكره فقال‪" :‬هذا أمسر بسسيط جدا‪ ،‬يجسب أن نقوم بانقلب‪،‬‬
‫ثانس‬
‫باتيسستا قام بانقلب واسستلم الحكسم فسي يوم واحسد؛ ومسن الضروري وقوع انقلب ٍ‬
‫لطرده‪ ...‬إرت ضى باتي ستا بمائة تنازل للمريكي ين‪ ،‬و سنقدم ل هم ن حن مائة تنازل آ خر"‪.‬‬
‫كا نت الم سألة بالن سبة إل يه م سألة ال ستيلء على الح كم‪ .‬وك نت أرى من جا نبي أن نقوم‬
‫بهذا النقلب على أسساس بعسض المبادئ‪ ،‬وأن المهسم فسي المسر هسو أيضا معرفسة ماذا‬
‫سنفعل عندما نصير في الحكم لقد رأيتم ما الذي كان يفكر به عضو من أعضاء الفترة‬
‫الولى لحر كة ‪ 26‬تموز؛ ب يد أ نه‪ ،‬لح سن حظ نا‪ ،‬ك ما قلت ل كم‪ ،‬ه جر حركت نا الثور ية‬
‫وسلك طريقا أخرى كجميع أولئك الذين كانوا يفكرون مثله‪.‬‬
‫إنطلقا مسن تلك اللحظسة بدأت ترتسسم ملمسح الجماعسة التسي سستنطلق فمسا بعسد إلى‬
‫الغرانما؛ تكونت بصعوبة كبيرة لننا كنا ملحقين باستمرار من السلطات المكسيكية التي‬
‫توصلت إلى تعريض نجاح حملتنا لخطر شديد‪ .‬لقد عملت بعض السباب الداخلية على‬
‫ل موقسف بعسض الفراد الذيسن كان يبدو أنهسم‬
‫التقليسل مسن عدد أعضاء حملتنسا؛ منهسا مث ً‬
‫يريدون فسي البدايسة الشتراك فسي المغامرة ثسم هجرهسا بحجسة مسن الحجسج‪ .‬وفسي نهايسة‬
‫المطاف‪ ،‬بقي ‪ 82‬رجلً للنزول في غرانما‪ .‬أما تتمة القصة فمعروفة تماما لدى الشعب‬
‫الكوبي‪.‬‬
‫إن ما يهمني‪ ،‬وما أجده هاما‪ ،‬هو الفكر الجتماعي للذين ظلوا على قيد الحياة بعد‬
‫أليغريا ده بيو ‪ Alegria de pio‬وهي النكبة الولى والوحيدة التي حلت بالجيش المتمرد‬
‫طوال فترة التمرد‪ .‬ك نا حوالي خم سة ع شر رجلً مضعضع ين ج سميا بل ومعنويا‪ ،‬ولم‬
‫نسستطع مواصسلة الكفاح إلّ بفضسل الثقسة الكسبرى لدى فيدل كاسسترو فسي تلك اللحظات‬
‫الحاسمة‪ ،‬وبفضل شخصيته القوية كزع يم ثوري وإيمانه بالشعب إيمانا ل يتزعزع‪ .‬كنا‬
‫من رجال المدي نة نطوف بال سييرا ما سترا دون أن نكون ملت صقين ب ها‪ .‬ك نا ننت قل من‬
‫كوخ إلى كوخ‪ ،‬ولم ن كن‪ ،‬بطبي عة الحال‪ ،‬ن مس شيئا م ما ل نملك؛ ح تى أ نا لم ن كن نأ كل‬
‫شيئا ل نقدر على د فع ثم نه (وغالبا ما كان هذا المبدأ ي سلمنا للجوع)‪ .‬ك نا جما عة تل قى‬
‫‪185‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الت سامح من الناس لكن ها لم ت كن مندم جة ب هم؛ ودام هذا الحال زمنا طويلً‪ ...‬ل قد قضي نا‬
‫عدة أشهر تائهين في أعالي القمم من جبال سييرا ماسترا حيث كنا نعود إلى الصعود بعد‬
‫القيام بعمليات متفرقة وكنا ننتقل من قمة إلى أخرى‪ ،‬في منطقة خالية من الماء‪ ،‬والحياة‬
‫فيها شاقة غاية المشقة‪.‬‬
‫تبدل شيئا فشيئا موقف الفلح منا بسبب القمع الذي تقوم به قوات باتيستا؛ فقد كانت‬
‫ل لولئك الذين كانوا يتصلون بجيشنا المتمرد أقل‬
‫تقتل وتدمر المنازل وتظهر عداءً شام ً‬
‫اتصال‪ ،‬حتى لو كان عرضيا‪ .‬ووجد هذا التبدل تعبيره بظهور قُبعة القش لدى مغاويرنا‬
‫وتحوّل تدريجيا جيش نا المؤلف مسن مدنييسن إلى جيسش فل حي‪ .‬وعندمسا أنضسم الفلحون‬
‫(الغواخييروس) إلى النضال المسسلح للمطالبسة بالحريسة وبالعدالة الجتماعيسة‪ ،‬ظهرت‬
‫الكل مة ال سحرية ال تي ستعبئ الجماه ير المضطهدة الكوب ية في النضال من أ جل امتلك‬
‫الرض‪ :‬الصسلح الزراعسي‪ .‬وهكذا تحدد المشروع الجتماعسي الكسبير الول الذي‬
‫سيصير لواء حركتنا‪ ،‬رغم فترة القلق الشديد التي وجب أن نمر بها بسبب سياسة جارتنا‬
‫الشمالية الكبرى‪ .‬في تلك الفترة‪ ،‬كان حضور صحفي أجنبي‪ ،‬والفضل أن يكون أمريكيا‬
‫أهم بالنسبة إلينا من تحقيق نصر عسكري‪ .‬وكنا نهتم بالمناضلين المريكيين‪ ،‬الذين يمكن‬
‫أن ينفعونا في تصدير دعايتنا الثورية‪ ،‬أكثر من اهتمامنا بانضمام الفلحين الذين كانوا‬
‫يجلبون للثورة إيمانهم ومثلهم العلى‪.‬‬
‫وفي هذا الوقت بالذات وقع في سانتياغو حادث مؤسف‪ :‬مصرع رفيقنا فرانك بايس‬
‫‪ ،F.Pais‬فكان انعطافا لبن ية الحر كة الثور ية كل ها‪ .‬ل قد تأ ثر ش عب سانتياغو كو با تأثرا‬
‫س هذه المحاولة الولى‬
‫عميقا لموت فرانسك بايسس فنزل عفويا إلى الشارع‪ :‬وقسد شَلّت ْ‬
‫للضراب السياسي العام شللً تاما مقاطعة أوريانته رغم غياب القيادة‪ ،‬وترددت أصداؤه‬
‫في مقاطعتي كاماغواي ولس فيلس‪ .‬وصفّت الديكتاتورية هذه الحركة التي انبثقت دون‬
‫تحض ير ودون إشراف ثوري‪ .‬هذه الظاهرة الشعب ية قد أتا حت ل نا أن نلت فت إلى وجوب‬
‫إدخال الشغيلة في الكفاح لتحر ير كو با؛ و في الحال بدأت النشاطات ال سرية في المرا كز‬
‫العمالية للقيام بإضراب عام يساعد الجيش المتمرد على الستيلء على السلطة‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وهكذا بدأت حملة تنظيمات سرية بروح تمردية؛ بيد أن الذين شجعوا هذه الحركات‬
‫لم يكونوا يعرفون حقا مغزى النضال الجماهيري وتاكتيكسسه‪ ،‬فقادوه فسسي طرق مضللة‬
‫إطلقا‪ ،‬لنهسم لم يؤمنوا بالروح الثوريسة وبوحدة المقاتليسن‪ ،‬ولنهسم حاولوا توجيسه‬
‫الضراب من القمة‪ ،‬دون أن تكون لهم أية صلت بقاعدة المضربين‪.‬‬
‫إن انت صارات الج يش المتمرد والنشاطات ال سرية الضار ية قد هزت البلد وخل قت‬
‫غليانا كبيرا إلى حد إعلن الضراب العام في ‪ 9‬ني سان‪ ،‬و قد ف شل الضراب ل سباب‬
‫تنظيميسة على وجسه الضبسط‪ ،‬وخاصسة بسسبب انعدام الحتكاك بيسن الجماهيسر العماليسة‬
‫والقيادة‪ .‬بيد أن التجربة كانت مفيدة وحدث في حركة ‪ 26‬تموز صراع إيديولوجي أثار‬
‫تبديلً جذريا في نظرتها إلى واقع البلد وفي تنظيم قطاعات نشاطها‪.‬‬
‫خر جت حر كة ‪ 26‬تموز من الضراب الفا شل عزيزة الجا نب و قد علّ مت التجر بة‬
‫قادت ها حقي قة ثمي نة‪ :‬هي أن الثورة لي ست ملكا لهذه الجما عة أو تلك‪ ،‬بل ي جب أن تكون‬
‫من عمل الشعب الكوبي بأسره‪ ،‬فتوجّهت طاقات مناضلي حركتنا كلها هذه الوجهة‪ ،‬في‬
‫السهل وفي الجبل على السواء‪.‬‬
‫وفسي هذه الفترة وقعست محاولت الجيسش المتمرد الولى لعطاء الثورة نظريسة‬
‫وعقيدة بتقد يم البراه ين الملمو سة عن التنم ية والن ضج ال سياسي للحر كة التمرد ية‪ .‬ف قد‬
‫انتقل نا من المرحلة التجريب ية إلى المرحلة البنّاءة‪ ،‬و من المحاولت إلى الفعال النهائ ية‪.‬‬
‫وفي الحال أخذت "الصناعات الصغيرة" في السييرا ماسترا في الظهور‪ .‬لقد حصل تحوّل‬
‫مماثل لذلك الذي كان أجدادنا قد عرفوه قبلنا بكثير‪ :‬إذ انتقلنا من الحياة البدوية إلى الحياة‬
‫الحضر ية‪ ،‬فن شأ مركزان للنتاج تبعا لحاجات نا المل حة‪ .‬وهكذا أوجد نا م صنعا للحذ ية‪،‬‬
‫وم صنعا لل سلحة وور شة ك نا نع يد في ها ترك يب القنا بل ال تي كان الطغيان يرمي نا ب ها‪،‬‬
‫لنردها إلى جنود باتيستا بشكل ألغام‪.‬‬
‫إن رجال جيش نا المتمرد ون ساءه لم ين سوا قط‪ ،‬ل في ال سييرا ما سترا ول في مكان‬
‫آ خر‪ ،‬أن ر سالتهم الرئي سية هي تح سين شروط الفلح‪ ،‬والندماج في الكفاح من أ جل‬
‫الرض ومساعدته بفضل المدارس التي أنشأها المعلمون المرتجلون في الماكن الكثر‬
‫‪187‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫وعورة من منط قة أوريان ته‪ .‬ف في هذه الما كن جرت المحاولة الولى لتوز يع الرا ضي‬
‫وفسق نظام زراعسي حرّره بصسورة رئيسسية الدكتور هومسبرتو سسوري ماران وفيدل‬
‫كاسترو‪ ،‬وكان لي شرف المعاونة في هذا العمل‪ ،‬ووُزعت الراضي توزيعا ثوريا على‬
‫الفلح ين‪ ،‬فاحتُّل تْ ملكيات كبيرة ت خص خدم الدكتاتور ية ووز عت‪ ،‬و صارت شيئا فشيئا‬
‫جم يع أرا ضي الدولة ملكا لفل حي المنط قة‪ .‬ل قد حان الو قت لن نحدد هويت نا تحديدا تاما‬
‫كحركة فلحية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالرض تحت راية الصلح الزراعي‪.‬‬
‫عرفنا فيما بعد نتائج إضراب ‪ 9‬نيسان الفاشل‪ ،‬فقد بدأنا نشعر في نهاية أيار بالقمع‬
‫الوحشي الذي لجأ إليه باتيستا إذ أحدث بين كوادرنا المناضلة تراخيا خطيرا جدا كان من‬
‫شأنه أن يؤدي إلى نتائج مفجعة لقضيتنا‪ .‬لقد هيأت الديكتاتورية هجومها الكثر وحشية‪.‬‬
‫فها جم عشرة آلف جندي مدجج ين بال سلح مواقع نا حوالي ‪ 25‬أيار من ال سنة الخيرة‪،‬‬
‫وركزوا هجومهم على الرتل رقم ‪ 1‬الذي كان يقوده شخصيا قائدنا العلى فيدل كاسترو‪.‬‬
‫كان الجيش المتمرد يحتل رقعة ضيقة جدا ولم يكن أحد يصدق أن نستطيع الصمود لهذه‬
‫الجمهرة المؤلفسة مسن عشرة ألف جندي بثلثمائة بندقيسة مسن بنادق الحريسة‪ ،‬البنادق‬
‫الوحيدة التي كانت موجودة ذلك الوقت في السييرا ماسترا‪ .‬وبفضل قيادة تكتيكية جيدة‪،‬‬
‫انت هى هجوم باتي ستا في ‪ 30‬تموز‪ ،‬وانت قل المتمردون من الدفاع إلى الهجوم‪ :‬فا ستولينا‬
‫على أكثر من ستمائة قطعة سلح جديدة (أي أكثر من ضعف عدد البنادق التي بدأنا بها‬
‫المعركة) وبلغت خسائر العدو أكثر من ألف رجل بين قتيل‪ ،‬وجريح‪ ،‬وهارب وأسير‪.‬‬
‫فسي نهايسة هذه المعركسة كان الجيسش المتمرد مسستعدا لن يبدأ هجوما فسي السسهل‪،‬‬
‫هجوما تكتيكيا وسيكولوجيا‪ ،‬لن سلحنا لم يكن قادرا على منافسة سلح الدكتاتورية في‬
‫الكيف ية وأ قل قدرة على مناف سته في الكم ية‪ .‬إن ها حرب اعتمد نا في ها دوما على الش عب‪،‬‬
‫بوزنس ول ثمسن‪ .‬كانست أرتالنسا تسستطيع على الدوام أن تخدع‬
‫ٍ‬
‫ذلك الحليسف الذي ل يُقدّر‬
‫العدو وتحتسل أفضسل المواقسع‪ ،‬وبفضسل الميزات التكتيكيسة والمعنويات العاليسة لجنودنسا‪،‬‬
‫وكذلك بفضل مساعدة الفلحين مساعدة هامة جدا‪ .‬فقد كان الفلح المتعاون غير المرئي‬
‫الذي يتك فل ب كل مالم ي كن ي ستطيع المتمرد فعله‪ ،‬ين قل إلي نا المعلومات‪ ،‬ويرا قب العدو‪،‬‬
‫ويتر صد نقا طه الضعي فة‪ ،‬وين قل ب سرعة الر سائل العاجلة‪ ،‬ويتج سس ح تى في صفوف‬
‫‪188‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫جيش باتيستا‪ .‬لم يكن ذلك أعجوبة بل نتيجة لسياسة المطالب الزراعية التي شرعنا بها‬
‫بقوة‪ .‬وأمام ع نف الهجوم وح صار الجوع اللذ ين طوّ قا ال سييرا ما سترا صعد إلى الج بل‬
‫ت في‬
‫خدِم ْ‬
‫جمِ عت من الملكيات المجاورة بأكمل ها‪ ،‬و قد ا ستُ ْ‬
‫عشرة آلف رأس من الب قر ُ‬
‫تغذيسة الجيسش المتمرد‪ ،‬لكنهسا وزّعست كذلك على الفلحيسن الفقراء الذيسن عرفوا الرخاء‬
‫لول مرة في هذه المنط قة القاحلة بش كل خاص‪ ،‬ولول مرة أُت يح للفلح ين ال صغار أن‬
‫يشربوا الحليسب وأن يأكلوا لحسم البقسر‪ .‬ولول مرة عرفوا محاسسن الثقافسة‪ ،‬لن الثورة‬
‫جلبت معها المدارس‪ .‬وهكذا تكوّن لدى الفلحين جميعا رأى محبذ لنظامنا‪.‬‬
‫و من ج هة أخرى كا نت الديكتاتور ية تقدم ل هم بانتظام حرق منازل هم‪ ،‬وطرد هم من‬
‫أرضهم وقتلهم‪ ،‬كان الموت يأتيهم من الرض كما كان يأتيهم من السماء‪ ،‬وكان جيراننا‬
‫الديمقراطيون في الشمال قد قدّموا بطيبة خاطر لباتيستا قنابل نابالم تزن ‪ 500‬كيلو غرام‬
‫لير هب ب ها ال سكان‪ .‬كان سقوط هذه القنا بل يزرع الخراب في دائرة قطر ها يز يد عن‬
‫مائة متر‪ .‬إن سقوط قنبلة نابالم على مزرعة للبُن يعني خراب هذه الثروة في قطر يبلغ‬
‫ب في دقيقة يقتضي‬
‫خرّ َ‬
‫مائة متر وضياع سنوات العمل التي تمثلها‪ ،‬وإن التعويض عما ُ‬
‫جهد خمس أو ست سنوات‪.‬‬
‫في هذه الفترة بدأ السير على لس فيلس‪ .‬وأتحدث عنها ل لني شاركت فيها‪ ،‬بل‬
‫لننا رأينا لدى وصولنا إلى لس فيلس منظرا سياسيا واجتماعيا جديدا للثورة‪.‬‬
‫وصلنا إلى لس فيلس مع عَلَم ‪ 26‬تموز‪ ،‬وكانت الدارة الثورية‪ ،‬وجماعات جبهة‬
‫اليسسكامبري الثانيسة‪ ،‬وجماعات الحزب الشتراكسي الشعسبي والجماعات الصسغيرة مسن‬
‫المنظمسة الصسلية تناضسل هناك ضسد الديكتاتوريسة‪ .‬كان يجسب أن نُنجِز مهمسة سسياسية‬
‫خطيرة و قد بدا أك ثر من أي و قت م ضى أن الوحدة كا نت عن صرا أولويا من عنا صر‬
‫النضال الثوري‪ .‬كانست على حركسة ‪ 26‬تموز وعلى رأسسها الجيسش المتمرد‪ ،‬أن توحّدس‬
‫مختلف العناصسر المسستاءة التسي وجدت فسي عمسل السسييرا ماسسترا الحافسز الوحيسد إلى‬
‫الوحدة‪ .‬كان يجب قبل كل شيء وضع خطة لهذه الوحدة التي كان عليها أن تجمع شمل‬
‫ب علينا أن ننصرف إلى‬
‫ج َ‬
‫منظمات السهل ومجموعات المحاربين على حد سواء‪ .‬لقد وَ َ‬

‫‪189‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫ع مل غا ية في الهم ية هو ت صنيف جم يع الق سام العمال ية في المقاط عة‪ .‬فا صطدمنا‬
‫بخصوم عديدين‪ .‬منهم خصوم في صفوف حركتنا نحن كانوا ما يزالون يعانون مرض‬
‫التشيّع‪.‬‬
‫فور وصولنا إلى لس فيلس‪ ،‬كان أول عمل حكومي قمنا به ‪ -‬قبل إنشاء المدرسة‬
‫ص هذا الت صريح على بنود‬
‫الولى‪ -‬ن شر ت صريح بت طبيق ال صلح الزرا عي‪ ،‬و قد ن ّ‬
‫كثيرة من ها أ نّ على مال كي ق طع الرض ال صغيرة أن يمتنعوا عن د فع أجور هم ح تى‬
‫تفصل الثورة في كل حالة على حدة‪ .‬لقد صار الصلح الزراعي رأس الحربة للجيش‬
‫المتمرد‪ .‬ولم ي كن ذلك مناورة ديماغوج ية‪ ،‬فب عد عشر ين ش هر ف قط من الثورة‪ ،‬صارت‬
‫ال صلت ب ين القادة والجماه ير الفلح ية وثي قة إلى حد إن ها كا نت تد فع الثورة في بعض‬
‫الحيان إلى العمل بصورة غير متوقعة‪ .‬لم نكن نحن الذين ابتكرنا الصلح الزراعي‪،‬‬
‫بل إن الفلحين هم الذين دفعونا إليه فقد أقنعناهم أن النصر مؤكد إذا تسلحوا‪ ،‬وتنظموا‪،‬‬
‫وكفوا عن خش ية العدو‪ .‬وفرض الفلحون‪ ،‬من جانب هم‪ ،‬على الثورة‪ ،‬و قد كا نت لدي هم‬
‫أ سباب وجي هة لذلك‪ ،‬ال صلح الزرا عي‪ ،‬ومُ صَادرة قطعان الب قر‪ ،‬وجم يع التداب ير ذات‬
‫الصفة الجتماعية التي اتخذت في السييرا ماسترا‪.‬‬
‫في ز من المهزلة النتخاب ية في ‪ 3‬تشر ين الثا ني‪ ،‬ن شر القانون ر قم ‪ 3‬في ال سييرا‬
‫ما سترا‪ ،‬كان ي نص على إجراء إ صلح زرا عي حقي قي وح تى لو لم ي كن تاما ف قد كان‬
‫يتضمسن نقاطا إيجابيسة جدا‪ :‬توزيسع أراضسي الدولة‪ ،‬وأراضسي خدم الديكتاتوريسة وأولئك‬
‫الذين يمتلكون سندات ملكية حصلوا عليها بواسطة مناورات دنيئة مثل ملتهمي الراضي‬
‫الذين احتكروا آلف الكاباليرياس‪ ،‬وإعطاء صغار المزارعين الذين كانوا يدفعون أُجورا‬
‫تقل عن ‪ 2‬كاباليرياس ملكية الرض التي كانوا يشغلونها‪ .‬كان كل ذلك بالمجان‪ .‬فالمبدأ‬
‫كان ثوريا جدا‪ .‬و قد ا ستفاد من ال صلح الزرا عي أك ثر من مائ تي ألف عائلة ب يد أن‬
‫الثورة الزراعية لم تنته بالقانون رقم ‪ .3‬فما يزال على الثورة أن تسن القوانين للحد من‬
‫الملك ية ال كبيرة ك ما ي نص على ذلك الد ستور‪ .‬وي جب علي ها أن تحدّد بالض بط ما هي‬
‫الملكية الكبيرة التي تميز بنيتنا الزراعية‪ .‬إن الملكية الزراعية الكبيرة‪ ،‬العلة الكيدة لفقر‬
‫بلدنا ولجميع الشرور التي تعاني منها الجماهير الفلحية‪ ،‬لم تمس بعد‪.‬‬
‫‪190‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫وسيكون على الجماهير الفلحية المنظمة أن تفرض قانونا‪ ،‬يحظّر الملكية الكبرى‪،‬‬
‫تماما كمسا أرغمست الجيسش المتمرد على فرض مبدأ الصسلح الزراعسي المتضمسن فسي‬
‫القانون ر قم ‪ .3‬علي نا كذلك أن نأ خذ بع ين العتبار وجها آ خر للم سألة‪ :‬فالد ستور ي نص‬
‫على أنّ كل نزع لملك ية الرض ي جب أن ي سبقه د فع تعو يض نقدي فإذا ن فذ ال صلح‬
‫الزراعسي حسسب هذا المبدأ‪ ،‬كان بطيئا وباهسظ التكاليسف‪ .‬إن العمسل الجماعسي للفلحيسن‬
‫الذين كسبوا الحق في الحرية منذ انتصار الثورة أمر ضروري كذلك للمطالبة ديمقراطيا‬
‫بالشذوذ عسن هذا المبدأ وليكون بمقدور الثورة أن تحقسق دون منازعسة إصسلحا زراعيا‬
‫حقيقيا وعميقا‪.100‬‬
‫وهكذا ن صل إلى الدور الجتما عي للج يش المتمرد‪ ،‬ف قد حقق نا الديمقراط ية الم سلحة‬
‫وعندما وضعنا خطة الصلح الزراعي واحترمنا متطلبات القوانين الثورية الجديدة التي‬
‫تكملهسا وتجعلهسا قابلة للحياة وفوريسة‪ ،‬كنسا نفكسر بالعدالة الجتماعيسة المتمثلة فسي إعادة‬
‫توزيع الرض كما كنا نفكر بخلق سوق داخلية واسعة وبتنويع الزراعات‪ ،‬هذان الهدفان‬
‫الجوهريان واللذان لينف صلن عن الح كم الثوري ليم كن تأجيله ما‪ ،‬باعتباره ما يمثلن‬
‫مصلحة الشعب‪.‬‬
‫إن جميسع الفاعليات القت صادية مرتبطسة فيمسا بينهسا‪ .‬فعلينسا أن نمضسي فسي تصسنيع‬
‫البلد‪ ،‬دون أن نهمل المشكلت العديدة التي تؤدي إليها‪ .‬بيد أن سياسة التصنيع تقتضي‬
‫اتخاذ بعسض التدابيسر الجمركيسة الخاصسة بحمايسة الصسناعة الناشئة وإيجاد سسوق داخليسة‬
‫قادرة على امتصاص البضائع الجديدة‪ .‬ونحن ل نستطيع توسيع هذه السوق إلّ إذا أدخلنا‬
‫إليهسا الجماهيسر الفلحيسة الواسسعة‪ ،‬أولئك الفواخيروس الذيسن ل يملكون القدرة الشرائيسة‬
‫والذين ل يستطيعون حاليا شراء مايسدون به حاجاتهم‪.‬‬
‫ن حن نعي أن هذه الهداف لي ست الهداف الوحيدة وأن ها تل قي على عاتق نا م سؤولية‬
‫كسبيرة جدا‪ .‬ويجسب أن نتوقسع عداء أولئك الذيسن يشرفون على أكثسر مسن ‪ % 75‬مسن‬
‫مبادلتنسا التجاريسة ومسن سسوقنا‪ .‬ويجسب توقُعا لهذا الخطسر‪ ،‬أن نسستعد لتطسبيق تدابيسر‬
‫‪100‬‬

‫أقر مجلس الوزراء الشذوذ عن هذا المبدأ الدستوري‪( .‬ملحظة تشي غيفارا)‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫مضادة‪ ،‬خاصة التعريفة الجمركية والكثار من السواق الداخلية‪ .‬فنحن بحاجة إلى خلق‬
‫أسسطول تجاري كوبسي لنقسل السسكر‪ ،‬والتبسغ‪ ،‬والبضائع الخرى‪ ،‬وسسيؤثر امتلك هذا‬
‫ال سطول تأثيرا مشجعا جدا على كيف ية الن قل البحري الذي يرت بط به إلى حد كبير تقدم‬
‫البلدان النامية مثل كوبا‪.‬‬
‫وإذا كان علي نا أن ن ضع مو ضع الع مل برنامجا ت صنيعيا‪ ،‬فال هم أن ن ستثمر المواد‬
‫الوليسة التسي كان الدسستور يدافسع عنهسا بحكمسة وكانست ديكتاتوريسة باتيسستا تسسلمها‬
‫للحتكارات الجنب ية‪ .‬علي نا أن نشتري با طن أرض نا‪ ،‬ثروات نا المنجم ية‪ .‬وهنالك عن صر‬
‫آ خر م هم من عنا صر الت صنيع هو الكهرباء‪ .‬سنتأكد من أنّ الكهرباء قد أوكلت إلى‬
‫سيّر العمل بشكل سيء وباهظ التكاليف‪.‬‬
‫كوبيين‪ .‬كما يجب أن تؤمم شركة الهاتف التي تُ َ‬
‫فعلى أية موارد يجب أن نعتمد لننفذ على خير وجه مثل هذا البرنامج؟ لدينا الجيش‬
‫المتمرد‪ ،‬وهسو الذي يجسب أن يكون أداتنسا الولى فسي الكفاح‪ ،‬وسسلحنا الكثسر إيجابيسة‬
‫والشد مضاء؛ يجب أن نحطم كل ما تبقى من الجيش الباتيستي‪ .‬ويجب أن ندرك جيدا‬
‫أنّ هذه الت صفية ل ت مت ب صلة إلى روح النتقام ول ح تى للعدالة وحد ها‪ ،‬بل علي نا أن‬
‫نحيط أنفسنا بجميع الضمانات لتحقيق مكتسبات الشعب في أقصر المهل‪.‬‬
‫لقد قهرنا جيشا أكثر عددا من جيشنا بكثير بفضل مساهمة الشعب‪ ،‬وتكتيك محكم‪،‬‬
‫وخلق ثوري‪ .‬والن يجسب علينسا أن نسسلم بأن جيشنسا مسا زال غيسر مهيسأ لمسسؤولياته‬
‫ل عن الرض الكوب ية كل ها‪ .‬وي جب أن نقوم سريعا بإعادة‬
‫الجديدة‪ ،‬م ثل الدفاع دفاعاً فعا ً‬
‫النظر في بنية الجيش المتمرد لننا شكلنا أثناء الكفاح جيشا مسلحا من الفلحين والعمال‪،‬‬
‫معظمهم أُميّون‪ ،‬وغير مثقفين ومحرومون من كل تكوين تقني‪ .‬علينا إعداد هذا الجيش‬
‫للمهام العظيمة التي يجب على أفراده مواجهتها وتزويدهم بتكوين تقني وثقافي‪.‬‬
‫إن الجيسش المتمرد هسو طليعسة الشعسب الكوبسي‪ ،‬وإذا كنسا نتحدث عسن التقدم التقنسي‬
‫والثقا في في جب علي نا أن نعرف المع نى الع صري لهذه الكلمات‪ .‬ل قد بدأ نا تربي ته ترب ية‬
‫رمز ية في اجتماع ت سوده ب صورة تكاد تكون ح صرية روح مار تي وتعالي مه‪ .‬إن إعادة‬
‫البناء القو مي ي جب أن تح طم كثيرا من المتيازات؛ فعلي نا إذا أن نكون م ستعدين للدفاع‬
‫‪192‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫عن ال مة ضد أعدائ ها ال صريحين أو المت سترين‪ .‬وي جب أن يتآلف الج يش الجد يد مع‬
‫الشروط الجديدة المتولدة من هذه الحرب التحرير ية‪ :‬ن حن نعلم أن نا إذا هوجم نا من ق بل‬
‫جزيرة صغيرة فإنما يعود الفضل لم ساندة دولة تكاد تشكل قارة؟ وعلي نا أن نتحمل على‬
‫أرضنا عدوانا عاتيا‪.‬‬
‫يجسب إذا أن نحترز وأن نعسد تقدمنسا بروح الغوار واسستراتيجيته‪ ،‬بحيسث ل يتفكسك‬
‫دفاعنا لدى أول هجوم‪ ،‬ويحتفظ بوحدته المركزية‪ .‬يجب أن يتحول الشعب الكوبي بأسره‬
‫إلى ج يش من الغوار فالج يش المتمرد ج سم في أوج نموه ل يحدّه في تنمي ته سوى ر قم‬
‫وا حد هو الملي ين ال ستة من الكوبي ين وي جب أن يتعلم كل كو بي ا ستخدام ال سلحة وأن‬
‫يعرف متى يجب أن يستخدمها للدفاع عن نفسه‪.‬‬
‫ت علي كم الخطوط ال كبرى لدور الج يش المتمرد ب عد الن صر ودوره في د فع‬
‫عرض ُ‬
‫الحكومة إلى الستجابة للمطامح الثورية‪.‬‬
‫ب قي أن أحدث كم في نها ية هذه الكل مة عن أ مر هام‪ ،‬عن الم ثل الذي ج سدته ثورت نا‬
‫بالنسبة لمريكا اللتينية‪ ،‬وعن تعاليمها التي حطمت جميع نظريات الصالونات‪ :‬فقد أثبتنا‬
‫أن فئة صسغيرة مسن الرجال المصسممين‪ ،‬الذيسن يسساندهم الشعسب والذيسن ل يخافون مسن‬
‫الموت‪ ،‬يم كن أن تتو صل إلى فرض إرادت ها حيال ج يش نظا مي انضبا طي وإلى قهره‪.‬‬
‫ذلك هو الدرس ال ساسي‪ .‬ين تج ع نه درس آ خر ي جب أن يف يد إخوان نا في أمري كا الذ ين‬
‫ي صنفون على ال صعيد القت صادي في زمرت نا الزراع ية ذات ها‪ :‬هو أ نه ي جب علي هم أن‬
‫يقوموا بثورات زراعية‪ ،‬وأن يناضلوا في الرياف‪ ،‬وفي الجبال‪ ،‬وأن يحملوا الثورة من‬
‫هناك إلى المدن وألّ يطمحوا إلى القيام بالثورة دون محتوى اجتماعي راسخ‪.‬‬
‫والن‪ ،‬تطرح‪ ،‬ب عد تجارب نا‪ ،‬م سألة م ستقبلنا‪ ،‬المرت بط ارتباطا وثيقا بم ستقبل جم يع‬
‫البلدان الناميسة فسي أمريكسا اللتينيسة‪ .‬فالثورة ليسست مقصسورة على المسة الكوبيسة‪ ،‬بسل‬
‫لمسست وعسي أمريكسا كلهسا واسستنفرت جديا أعداء شعوبنسا‪ .‬ولذا أعلنّا أن كسل محاولة‬
‫للعدوان ستصدّ بقوة السلح‪ .‬لقد أحدث مثال كوبا فَوَرَانا كبيرا في أمريكا اللتينية كلها‬
‫وفسي البلدان المضطهدة‪ .‬إن الثورة أمهلت الطغاة فسي أمريكسا اللتينيسة‪ ،‬أعداء النظمسة‬
‫‪193‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫الشعبية كما أمهلت الحتكارات الجنبية‪ .‬وبما أننا بلد صغير‪ ،‬فنحن بحاجة لمساندة جميع‬
‫الشعوب الديمقراطية‪ ،‬وبخاصة في أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫ي جب أن نعلن ب كل وضوح‪ ،‬على العالم أج مع‪ ،‬الهداف ال نبيلة للثورة الكوب ية وأن‬
‫نستعين بالشعوب الصديقة في هذه القارة‪ ،‬شمالها وجنوبها‪ .‬ويجب أن نخلق اتحادا روحيا‬
‫لبلداننسا كلهسا‪ ،‬اتحادا يتجاوز الثرثرة والتعايسش البيروقراطسي ليترجسم إلى مسساعدة فعليسة‬
‫لخوتنا الذين نعرض عليهم تجربتنا‪.‬‬
‫وأخيرا ي جب أن نفت تح طرقا جديدة ن حو تعر يف الم صالح المشتر كة لبلدان نا النام ية‬
‫وأن نصسون أنفسسنا مسن جميسع المحاولت الهادفسة لتفريقنسا‪ ،‬والنضال ضسد أولئك الذيسن‬
‫يطمعون فسي بذر الشقاق بيننسا‪ ،‬ضسد أولئك الذيسن نعرف مناوراتهسم‪ ،‬والذيسن يأملون فسي‬
‫الستفادة من خلفاتنا السياسية وإثارة أفكار قبلية غير مفهومة في بلدنا‪.‬‬
‫إن الشعسب الكوبسي بأسسره‪ ،‬مسستعد‪ ،‬اليوم‪ ،‬للنضال ويجسب أن يظسل موحدا لكسي ل‬
‫يكون النصر على الديكتاتورية مؤقتا‪ ،‬بل المرحلة الولى لنتصار القارة المريكية‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫أرنستو تشي غيفارا‬

‫محتويات‬
‫إهداء ‪05 .............................................................................‬‬
‫مدخل ‪08 ............................................................................‬‬
‫مقدمة المترجم ل‪ ،‬لم يمت غيفارا‪23 .................................................‬‬
‫القسم الول‬

‫المبادىء العامة لحرب الغوار‬
‫‪ – 1‬جوهر حرب الغوار ‪31 .........................................................‬‬
‫‪ – 2‬ريادة حرب الغوار ‪39 ..........................................................‬‬
‫‪ – 3‬صيالة حرب الغوار ‪43 .........................................................‬‬
‫‪ – 4‬الحرب في الرض المؤاتية ‪49 ..................................................‬‬
‫‪ – 5‬الحرب في الراضي المجافية ‪53 ................................................‬‬
‫‪ – 6‬الحرب في المناطق المدنية ‪58 ..................................................‬‬
‫القسم الثاني‬
‫الغوار‬

‫‪ -1‬المغاور مصلحا اجتماعيا ‪61 .....................................................‬‬
‫ل ‪64 ................................................................‬‬
‫‪ -2‬المغاور مقات ً‬
‫‪ – 3‬تنظيم الغوارة ‪74 ................................................................‬‬
‫‪ – 4‬القتال ‪82 .......................................................................‬‬
‫‪ – 5‬ابتداء حرب الغوار وتطورها وانتهاؤها ‪92 ......................................‬‬
‫القسم الثالث‬
‫‪195‬‬

‫مقالت العسكرية‬

‫تنظيم جبهة الغوار‬
‫‪ – 1‬التموين ‪96 ......................................................................‬‬
‫‪ – 2‬المنظمة المدنية ‪101 ............................................................‬‬
‫‪ – 3‬دور المرأة ‪106 .................................................................‬‬
‫‪ – 4‬الصحة ‪109 ....................................................................‬‬
‫‪ – 5‬التخريب ‪113 ...................................................................‬‬
‫‪ – 6‬الصناعة الحربية ‪116 ...........................................................‬‬
‫‪ – 7‬الدعاية ‪119 ....................................................................‬‬
‫‪ – 8‬الخبار والستخبار ‪122 ........................................................‬‬
‫‪ – 9‬التدريب والتثقيف السياسي ‪124 .................................................‬‬
‫‪ – 10‬بناء جيش حركة تحررية ‪127 .................................................‬‬
‫القسم الرابع‬

‫من تشكيل الغوارة الولى إلى الدفاع عن السلطة بعد الفوز بها‬
‫‪ – 1‬تنظيم الغوّارة الصلية سرا ‪131 .................................................‬‬
‫‪ – 2‬الدفاع عن السلطة بعد الفوز بها ‪135 ............................................‬‬
‫‪ – 3‬تحليل الوضع الكوبي‪ ،‬حاضره ومستقبله ‪138 ....................................‬‬
‫**‬
‫‪ -1‬ما هو المغاور؟ ‪153 .............................................................‬‬
‫‪ -2‬حرب الغوار‪ :‬وسيلة ‪158 ........................................................‬‬
‫الدور الجتماعي للجيش المتمرد ‪179 ................................................‬‬

‫‪196‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful