‫ر‬

‫م ُ‬
‫خت ْ َ‬
‫ص ُ‬
‫ج‬
‫ها‬
‫من‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ال ُّ‬
‫سن ّة‬
‫لبي العباس شيخ السلم أحمد بن‬
‫تيمية رحمه الله‬
‫اختصره‬
‫الشيخ عبد الله الغنيمان‬
‫المدرس بقسم الدراسات العليا‬
‫بالجامعة السلمية (سابقاً)‬
‫بالمدينة المنورة‬
‫الجزء الول ‪1 4 1 0‬ﻫﺜﻫﻫ‬
‫المقدمة‬
‫الحمد ل مظهر الحق ومعليه ‪ ،‬وقاطع الباطل وذويه ‪ ،‬قال ال تعالى ‪:‬‬
‫صفُون[‪،‬‬
‫طلِ فَيَ ْد َمغُهُ فَإِذَا ُهوَ زَا ِهقْ وَ َلكُمُ ا ْلوَ ْيلُ ِممّا تَ ِ‬
‫علَى الْبَا ِ‬
‫] َبلْ َنقْذِف ُبِا ْلحَق ّ َ‬

‫‪1‬‬

‫طلَ كاَ نَ َزهُوقًا [ ‪ُ ] ،‬قلْ جَا َء ا ْلحَقّ َومَا‬
‫طلُ إِنّ الْبَا ِ‬
‫ق الْبَا ِ‬
‫] وَ ُق ْل جَا َء ا ْلحَقّ وَزَهَ َ‬
‫طلُ َومَا ُيعِيد [‪ .‬أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ‪ ،‬وأشهد أن ل إله‬
‫يُبْ ِدئُ الْبَا ِ‬
‫إل ال وحده ل شريسك له ‪ ،‬وأشهسد أن محمدا عبده ورسسوله ‪ ،‬أرسسله بالهدى‬
‫ودين الحق ‪ ،‬ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ‪.‬‬
‫أما بعد‪ (:‬فإن منهاج السنة النبوية في نقض دعاوى الرافضة والقدرية )‬
‫من أع ظم ك تب المام المجا هد ال صابر الم صابر ش يخ ال سلم أح مد بن ع بد‬
‫الحل يم بن ع بد ال سلم بن تيم ية ‪ ،‬قد نا ضل ف يه عن ال حق وأهله ‪ ،‬ود حض‬
‫البا طل وفض حه ‪ .‬وشباب ال سلم اليوم بأ مس الحا جة إلى قراءة هذا الكتاب ‪،‬‬
‫ومعر فة محتواه ح يث أ طل الر فض على كل بلد من بلد ال سلم ‪ ،‬وغير ها‬
‫بوج هه الكر يه ‪ ،‬وك شر عن أنيا به الكال حة ‪ ،‬وأل قى حبائله أمام من ل يعرف‬
‫حقيقته ‪ ،‬مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال ‪ ،‬فاغتر به من يجهل‬
‫حقيقته ‪ ،‬ومن لم يقرأ مثل هذا الكتاب‪.‬‬
‫والغالب على مذاهسب أهسل البدع والهواء ‪ ،‬أنهسا تتراجسع عسن الشطسح‬
‫وعظيسم الضلل مسا عدا مذهسب الرفسض فإنسه يزداد بمرور اليام تطرفسا‬
‫وانحدارا‪ ،‬وتماديسا فسي محاربسة أولياء ال وأنصسار دينسه ‪ ،‬وقسد ملئت كتسب‬
‫الرافضسة بالسسباب والشتائم واللعنات لخيسر خلق ال بعسد النسبياء ‪ ،‬أعنسي ‪،‬‬
‫أصسحاب رسسول ال ‪ ، e‬ورضسي ال عنهسم ‪ ،‬وهسم ل يتورعون عسن تكفيسر‬
‫ال صحابة ‪ ،‬ول سيما كبار هم و سادتهم ‪ ،‬م ثل أ بي ب كر ال صديق ‪ ،‬وع مر بن‬
‫الخطاب ‪ ،‬وعثمان بن عفان ‪ ،‬وإخوانهم _ رضوان ال عليهم _ الذين اطفؤوا‬
‫نار المجوس ‪ ،‬وهدموا معبودات هم ‪ ،‬وإكفار ال صحابة و من يتول هم في كتب هم‬
‫المعتمدة عند هم ل يح صره ن قل ‪ ،‬ف هم يتعبدون بل عن صحابة ر سول ال ‪، e‬‬
‫ويعتقدون أن الشيعسة بأئمتهسم هسم الناس ‪ ،‬ومسا عداهسم همسج للنار وإلى النار ‪،‬‬
‫وال ل يقبل من مسلم حسنة مهما بالغ في الحسان ما لم يكن شيعيا كما في‬
‫كتابهسم (الوافسي ‪ ،‬الباب السسابع والثامسن بعسد المائة ) ‪ ،‬وفسي ( الكافسي ) أحسد‬

‫‪2‬‬

‫الكتب الموثوق بها ‪ -‬عندهم ‪ -‬ما يبين عن حقدهم الدفين على السلم ومن‬
‫جاء بسه ‪ ،‬ومسن حمله واعتنقسه ‪ ،‬وهسم يرون أن القرآن نزل لشيئيسن أحدهمسا ‪:‬‬
‫الثناء و المدح على علي بن أبى طالب ‪ t‬وإعلء شأنه وذريته ‪ ،‬والثاني ‪ :‬ثلب‬
‫أصحاب رسول ال ‪ e‬وذكر معايبهم ‪ ،‬ولهذا قالوا ‪ :‬إنه ضاع من القرأن ثلثاه‬
‫أو ثلثة أرباعه ‪ ،‬وهم يعتمدون في دينهم على الكذب الذي يلصقونه بأئمتهم ‪،‬‬
‫والدعاءات الكاذبسة فصساروا مسن أكذب الناس ‪ ،‬وأكثرهسم تصسديقا للكذب ‪،‬‬
‫وت صديقا بالبا طل ‪ ،‬و مع ذلك يرمون ال صحابة بالنفاق ‪ ،‬ونبت هل إلى ال تعالى‬
‫أن يزيدهم غيظا وأن يكبتهم بكمدهم وكل من غاظه السلم ‪.‬‬
‫و لمسا كان كتاب منهاج السسنة مشتمل على مباحسث مطولة ‪ .‬وغيسر‬
‫مطولة في الرد على القدرية والمتكلمين وغيرهم من سائر الطوائف أحببت أن‬
‫أجرد مسا يخسص الرافضسة مسن الرد عليهسم فيمسا يتعلق بالخلفسة والصسحابة‬
‫وأمهات المؤمنين وغير ذلك ‪ .‬ولم أضف إليه شيئا من عندي ‪ ،‬ل في أصله ‪،‬‬
‫ول تعليقا ‪ ،‬لن كلم المام ابن تيمية فيه من القوة والرصانة والمتانة ما يغني‬
‫عن كل تعليق ‪ ،‬وعليه من نور الحق ووضوح البيان وقوة الحجة ما ل يحتاج‬
‫إلى غيره ‪ .‬فال يجزيه على جهاده ومنافحته عن السلم وأهله خير الجزاء ‪،‬‬
‫ونسسأله تعالى أن يشركنسا معسه فسي جهاده وجزائه إنسه خيسر مسسؤول ‪ ،‬وأكرم‬
‫مأمول ‪ ،‬وصسلى ال وسسلم وبارك على نبينسا محمسد وعلى آله وأزواجسه‬
‫وأصحابه ‪.‬‬

‫‪;l‬‬
‫قال شيخ السلم ‪:‬‬
‫ن َوأَنْ َزلَ َم َعهُ مُ ا ْلكِتَا بَ‬
‫ن َومُنْذِرِي َ‬
‫ن مُ َبشّرِي َ‬
‫الح مد ل الذي ] َبعَ ثَ النّبِيّي َ‬

‫‪3‬‬

‫ن أُوتُو هُ‬
‫ن النّا سِ فِيمَا اخْتَ َلفُوا فِي ِه ‪َ ،‬ومَا اخْتَلَ فَ فِي ِه ِإلّ الّذِي َ‬
‫حكُ مَ بَ ْي َ‬
‫بِا ْلحَقّ لِ َي ْ‬
‫ن آمَنُوا ِلمَا اخْتَلَفُوا فِي هِ‬
‫مِ نْ َبعْ ِد مَا جَاءَ ْتهُم الْبَيّنَا تُ َبغْيًا بَيْ َنهُ مْ َفهَدَى الُ الّذِي َ‬
‫صرَاطٍ ُمسْ َتقِيم[ (‪.)1‬‬
‫ق بِإِذْ ِن ِه وَالُ َيهْدِي َمنْ َيشَا ُء إِلَى ِ‬
‫مِنَ ا ْلحَ ّ‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له ‪ ،‬كما شهد هو سبحانه وتعالى‬
‫أنه ل إله إل هو ‪ ،‬والملئكة ‪ ،‬وأولو العلم ‪ ،‬قائما بالقسط ل إله إل هو العزيز‬
‫الحكيم ‪.‬‬
‫وأشهسد أن محمدا عبده ورسسوله ختسم بسه أنسبياءه ‪ ،‬وهدى بسه أولياءه ‪ ،‬ونعتسه‬
‫سكُم عَزِيزٌ عَلَيْ ِه مَا عَنِتّ مْ‬
‫بقوله في القرآن الكريم ‪َ ] :‬لقَ ْد جَا َءكُ مْ رَ سُولٌ مِ نْ أَ ْنفُ ِ‬
‫ي الُ َل إِلَ هَ ِإلّ‬
‫ن َتوَّلوْا َف ُقلْ حَ سْبِ َ‬
‫ص عَلَ ْيكُ مْ بِا ْل ُم ْؤمِنِي نَ َرؤُو فٌ َرحِيم ‪ .‬فَإِ ْ‬
‫حَرِي ٌ‬
‫ش ا ْلعَظِ يم [(‪ . )2‬صلى ال عل يه أف ضل صلة‬
‫ت وَ ُهوَ رَبّ ا ْلعَرْ ِ‬
‫ُهوَ عَلَيْ هِ َت َوكّلْ ُ‬
‫وأكمل تسليم ‪.‬‬
‫( أ ما ب عد ) ‪ :‬فإ نه أح ضر إلي طائ فة من أ هل ال سنة والجما عة كتا با‬
‫صنفه بعض شيوخ الرافضة‪ ،‬في عصرنا منفقا لهذه البضاعة ‪ ،‬يدعو به إلى‬
‫مذ هب الراف ضة المام ية ‪ ،‬من أمك نه دعو ته من ولة المور وغير هم ‪ ،‬أ هل‬
‫الجاهلية ‪ ،‬ممن قلت معرفتهم بالعلم والدين ‪ ،‬ولم يعرفوا أصل دين المسلمين ‪.‬‬
‫وأعانه على ذلك من عادتهم إعانة الرافضة ‪ ،‬من المتظاهرين بالسلم‪،‬‬
‫من أ صناف الباطن ية الملحد ين ‪ ،‬الذي هم في البا طن من ال صابئة الفل سفة‬
‫الخارجين عن حقيقة متابعة المرسلين ‪ ،‬الذين ل يوجبون اتباع دين السلم ‪،‬‬
‫ول يحرمون اتباع مسا سسواه مسن الديان‪ ،‬بسل يجعلون الملل بمنزلة المذاهسب‬
‫ال سياسية ال تي ي سوغ أتباع ها ‪ ،‬وأن النبوة من ال سياسة العادلة ال تي وض عت‬
‫لمصلحة العامة في الدنيا ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 213‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬اليتان ‪ 129 ،128‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها‪ ،‬ولم يكن‬
‫هناك مسن أهسل العلم بالنبوة والمتابعسة لهسا مسن يظهسر أنوارهسا الماحيسة لظلمسة‬
‫الضلل ‪ ،‬ويكشف ما في خلفها من الفك والشرك والمحال ‪.‬‬
‫وهؤلء ل يكذبون بالنبوة تكذي با مطل قا ‪ ،‬بل هم يؤمنون بب عض أحوال ها‬
‫ويكفرون بب عض الحوال ‪ ،‬و هم متفاوتون في ما يؤمنون به ويكفرون من تلك‬
‫الخلل ‪ ،‬فلهذا يلتبسس أمرهسم بسسبب تعظيمهسم للنبوات على كثيسر مسن أهسل‬
‫الجهالت ‪.‬‬
‫والرافضسة والجهميسة هسم الباب لهؤلء الملحديسن ‪ ،‬ومنهسم يدخلون إلى‬
‫أ صناف اللحاد في أ سماء ال و في آيات كتا به ال مبين ‪ ،‬ك ما قرر ذلك رؤوس‬
‫الملحدة من القرامطة الباطنية ‪ ،‬وغيرهم من المنافقين ‪.‬‬
‫وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم السباب في تقرير مذاهبهم‬
‫ع ند من مال إلي هم ‪ ،‬من الملوك وغير هم ‪ ،‬و قد صنفه للملك المعروف الذي‬
‫سسماه ‪ :‬خدابنده ‪ ،‬وطلبوا منسي بيان مسا فسي هذا الكتاب مسن الضلل وباطسل‬
‫الخطاب ‪ ،‬لمسا فسي ذلك مسن نصسر عباد ال المؤمنيسن ‪ ،‬وبيان بطلن أقوال‬
‫المفترين الملحدين ‪ ،‬فأخبرتهم أن هذا الكتاب وإن كان من أعلى ما يقولونه في‬
‫باب الحجة والدليل ‪ ،‬فالقوم من أضل الناس عن سواء السبيل ‪ .‬فإن الدلة إما‬
‫نقليسة ‪ ،‬وإمسا عقليسة‪ ،‬و القوم مسن أضسل الناس فسي المنقول والمعقول ‪ ،‬فسي‬
‫المذهب التقرير‪ ،‬وهم من أشبه الناس بمن قال ال تعالى فيهم ‪ ] :‬وَقَالُوا َلوْ كُنّا‬
‫سعِير [ (‪.)1‬‬
‫صحَابِ ال ّ‬
‫سمَعُ َأوْ َن ْع ِقلُ مَا كُنّا فِي أَ ْ‬
‫َن ْ‬
‫وهسم مسن أكذب الناس فسي النقليات ‪ ،‬ومسن أجهسل الناس فسي العقليات ‪،‬‬
‫يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالضطرار أنه من الباطيل ‪ ،‬ويكذبون‬
‫بالمعلوم من الضطرار المتواتر أعظم تواتر في المة جيل بعد جيل ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 10‬من سورة الملك ‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫ول يميزون فسسي نقلة العلم ورواة الخبار بيسسن المعروف الكذب ‪ ،‬أو‬
‫الغلط ‪ ،‬أو الج هل ‪ ،‬ب ما ين قل ‪ ،‬وب ين العدل الحا فظ الضا بط المعروف بالعلم ‪،‬‬
‫والثار ‪ ،‬وعمدتهم في نفس المر على التقليد ‪ ،‬وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات ‪.‬‬
‫فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية ‪ ،‬وتارة يتبعون المجسمة والجبرية ‪.‬‬
‫وهسم مسن أجهسل هذه الطوائف بالنظريات ‪ ،‬ولهذا كانوا عنسد عامسة أهسل‬
‫العلم والد ين ‪ ،‬من أج هل الطوائف الداخل ين في الم سلمين ‪ ،‬ومن هم من أد خل‬
‫على الديسن مسن الفسساد ‪ ،‬مسا ل يحصسيه إل رب العباد فملحدة السسماعيلية ‪،‬‬
‫والنصيرية ‪ ،‬وغيرهم من الباطنية المنافقين ‪ ،‬من بابهم دخلوا ‪.‬‬
‫وأعداءالسلم من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا ‪ ،‬واستولوا‬
‫بهسم على بلد السسلم ‪ ،‬وسسبوا الحريسم ‪ ،‬وأخذوا الموال ‪ ،‬وسسفكوا الدم‬
‫الحرام ‪ ،‬وجرى على ال مة بمعاونت هم من ف ساد الدن يا والد ين ما ل يعل مه إل‬
‫رب العالمين ‪.‬‬
‫إذا كان أ صل المذ هب من إحداث الزناد قة المنافق ين ‪ ،‬الذ ين عاقب هم في‬
‫حياتسه علي أميسر المؤمنيسن _ ‪ _ t‬فحرق منهسم طائفسة بالنار ‪ ،‬وطلب قتسل‬
‫بعض هم ففروا من سيفه البتار ‪ ،‬وتو عد بالجلد طائ فة مفتر ية في ما عرف ع نه‬
‫من الخبار ‪ ،‬إذ قد تواتر عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال ‪ .‬على منبر الكوفة ‪،‬‬
‫وقد أسمع من حضر ‪(( :‬خير هذه المة بعد نبيها ‪ ،‬أبو بكر ثم عمر ))‬

‫(‪)1‬‬

‫وبذلك أجاب ابنه محمد بن الحنفية ‪ ،‬فيما رواه البخاري ‪ ،‬في صحيحه وغيره‬
‫من علماء الملة الحنيفية ‪.‬‬
‫ولهذا كانست الشيعسة المتقدمون الذيسن صسحبوا عليسا ‪ ،‬أو كانوا فسي ذلك‬
‫الزمان ‪ ،‬لم يتنازعوا فسي تفضيسل أبسي بكسر وعمسر ‪ ،‬وإنمسا كان نزاعهسم فسي‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪5‬ص ‪ 7‬فضائل أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم وسنن أبي داود‬
‫ج ‪4‬ص ‪ 288‬وابن ماجه ج ‪1‬ص ‪ 39‬وغيرها ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫تفض يل علي وعثمان ‪ ،‬وهذا م ما يعترف به علماء الشي عة الكابر من الوائل‬
‫والواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬سأل سائل شريك بن عبد ال ‪ ،‬فقال له أيهما أفضل أبو بكر أو علي ؟‬
‫فقال له ‪ :‬أ بو ب كر ‪ .‬فقال له ال سائل ‪ :‬تقول هذا وأ نت شي عي ؟ فقال له ن عم ‪.‬‬
‫من لم ي قل هذا فل يس شيع يا ‪ ،‬وال ل قد ر قى هذه العواد علي ‪ ،‬فقال ‪ :‬أل إن‬
‫خير هذه المة بعد نبيها أبو بكر ‪ ،‬ثم عمر فكيف نرد قوله ؟ وكيف نكذبه ؟‬
‫وال ما كان كذابا ‪ .‬نقل هذا عبد الجبار الهمداني في كتاب تثبيت النبوة‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫قال ذكره أبسو القاسسم البلخسي فسي النقسض على ابسن الراوندي على‬
‫اعتراضه على الجاحظ ‪.‬‬

‫‪)1(1‬‬

‫هو القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني شيخ المعتزلة‬

‫في وقته وكتابه تثبيت دلئل النبوة من أحسن الكتب في هذا الباب وانظر هذا الثر فيه ج‬
‫‪2‬ص ‪.549‬‬

‫‪7‬‬

‫( فصل )‬
‫فلما ألحوا في طلب الرد لهذا الضلل المبين ‪ ،‬ذاكر ين أن في العراض‬
‫عن ذلك خذلنا للمؤمنين ‪ ،‬وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد البهتان‪،‬‬
‫فكتبت ما يسره ال تعالى من البيان ‪ ،‬وفاء بما أخذه ال من الميثاق على أهل‬
‫العلم واليمان ‪ ،‬وقيا ما بالق سط وشهادة ل ‪ ،‬ك ما قال تعالى ‪ ] :‬يَا أَيّهَا الّذِي نَ‬
‫نكُم َأوِ ا َلوَالِدَيْننِ‬
‫شهَدَاءَ ِلِن وَ َلوْ عَلَى أَ ْنفُس ِ‬
‫نطِ ُ‬
‫آمَنُوا كُونُوا َقوّامِيننَ بِا ْلقِس ْ‬
‫ل تَتّ ِبعُوا ا ْل َهوَى أَ نْ َتعْدِلُوا‬
‫وَالَقْرَبِ ين إِ نْ َيكُ نْ غَنِيًا َأوْ َفقِيرًا فَالُ َأوْلَى ِبهِمَا فَ َ‬
‫ن ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرًا [‬
‫ن الَ كَا َ‬
‫َوإِنْ َتوَّلوْا َأوْ ُتعْرِضُوا فَإِ ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫واللي هو تغيير الشهادة ‪ ،‬والعراض هو كتمانها ‪.‬‬
‫وال تعالى قسد أمسر بالصسدق والبيان ‪ ،‬ونهسى عسن الكذب والكتمان ‪ ،‬فيمسا‬
‫يحتاج إلى معرفته وإظهاره ‪ ،‬كما قال صلى ال تعالى عليه وسلم في الحديث‬
‫المت فق عل يه ‪(( :‬البيعان بالخيار مالم يتفر قا فإن صدقا وبي نا ‪ ،‬بورك له ما في‬
‫بيعهما ‪ ،‬وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما )) (‪. )2‬‬
‫ل سيما الكتمان إذا ل عن آ خر هذه ال مة أول ها ‪ ،‬ك ما في ال ثر (إذا ل عن‬
‫آخسر هذه المسة أولهسا ‪ ،‬فمسن كان عنده علم فليظهره ‪ ،‬فإن كاتسم العلم يومئذ‬
‫ككاتم ما أنزل ال على محمد )(‪. )3‬‬
‫وذلك أن أول هذه المة هم الذين قاموا بالدين ‪ ،‬تصديقا وعلما وعمل ‪،‬‬
‫وتبلي غا ‪ ،‬فالط عن في هم ط عن في الد ين ‪ ،‬مو جب للعراض ع ما ب عث ال به‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 135‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الحديث في البخاري في أماكن متعددة ان ظر كتاب البيوع ج ‪3‬ص ‪ 58‬ومسلم كتاب‬
‫البيوع أيضا ج ‪3‬ص ‪. 1164‬‬
‫‪ )3(3‬رواه ابن ماجه في سننه ج ‪ 1‬ص ‪ 97-96‬عن جابر مرفوعا ‪ ،‬و هو ضعيف ‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫النبيين ‪.‬‬
‫وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع ‪ ،‬فإنما كان قصده الصد‬
‫عسن سسبيل ال ‪ ،‬وإبطال مسا جاءت بسه الرسسل عسن ال تعالى ‪ ،‬ولهذا كانوا‬
‫يظهرون ذلك بحسسب ضعسف الملة ‪ ،‬فظهسر فسي الملحدة حقيقسة هذه البدعسة‬
‫المضلة ‪.‬‬
‫ل كن راج كث ير من ها على من ل يس من المنافق ين الملحد ين ‪ ،‬لنوع من‬
‫الشب هة والجهالة المخلو طة بهوى ‪ ،‬فقبل م عه الضللة وهذا أ صل كل باطل ‪،‬‬
‫َنن‬
‫ِقن ع ِ‬
‫غوَى وَمَا يَ ْنط ُ‬
‫ض ّل صنَاحِبُ ُكمْ وَمَا َ‬
‫ْمن إِذَا َهوَى مَا َ‬
‫قال تعالى ‪ ] :‬وَال ّنج ِ‬
‫ن يُوحَنى [ فنزه ال رسسوله عسن الضلل والغسي ‪،‬‬
‫ن ُه َو ِإلّ َوحْي ٌ‬
‫ا ْل َهوَى إِن ْ‬
‫حمَ َلهَا الِنْ سَان إِنّ هُ‬
‫والضلل عدم العلم ‪ ،‬والغي اتباع الهوى كما قال تعالى ] َو َ‬
‫جهُولً [(‪ )1‬فالظلوم غاو ‪ ،‬والجهول ضال ‪ ،‬إل من تاب ال عليه ‪.‬‬
‫كَانَ ظَلُومًا َ‬
‫وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة ‪ ،‬فإنهم إن يتبعون إل الظن‬
‫و ما تهوى الن فس ‪ ،‬ففي هم ج هل وظلم ‪ ،‬ل سيما الراف ضة ‪ ،‬فإن هم أع ظم ذوى‬
‫الهواء جهل وظل ما ‪ ،‬يعادون خيار أولياء ال تعالى ‪ -‬من ب عد ال نبيين ‪ ،‬من‬
‫السسابقين الوليسن ‪ ،‬مسن المهاجريسن والنصسار ‪ ،‬والذيسن اتبعوهسم بإحسسان ‪t‬م‬
‫ورضوا عنسه ‪،‬و يوالون الكفار والمنافقيسن مسن اليهود والنصسارى والمشركيسن‬
‫وأصناف الملحدين ‪ ،‬كالنصيرية والسماعيلية وغيرهم من الضالين ‪ ،‬فتجدهم‬
‫أو كثيرا من هم إذا اخت صم خ صمان في رب هم من المؤمن ين والكفار ‪ ،‬واختلف‬
‫الناس فيمسا جاءت بسه النسبياء فمنهسم مسن آمسن ومنهسم مسن كفسر ‪ ،‬سسواء كان‬
‫سل الكتاب‬
‫سلمين وأهس‬
‫سن المسس‬
‫سي بيس‬
‫سل ‪ ،‬كالحروب التس‬
‫الختلف بقول أو عمس‬
‫والمشركين ‪.‬‬
‫تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن ‪ ،‬كما‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 72‬من سورة الحزاب ‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫قد جربه الناس منهم غير مرة ‪ ،‬في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم‬
‫على أهل السلم ‪ ،‬بخراسان والعراق والجزيرة والشام ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام ‪ ،‬ومصر وغير ذلك في وقائع‬
‫متعددة ‪.‬‬
‫من أعظم الحوادث التي كانت في السلم ‪ ،‬في المائة الرابعة والسابعة‪،‬‬
‫فإ نه ل ما قدم كفار الترك إلى بلد ال سلم ‪ ،‬وق تل من الم سلمين ما ل يح صى‬
‫سم الناس عداوة للمسسسلمين ومعاونسسة‬
‫عدده إل رب النام ‪ ،‬كانوا مسسن أعظس‬
‫للكافرين‪ ،‬وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير ‪ ،‬حتى جعلهم الناس لهم كالحمير‪.‬‬

‫( فصل )‬
‫مشابهة الرافضة لليهود والنصارى من وجوه كثيرة‬
‫وهذا الم صنف سمى كتا به ‪ :‬منهاج الكرا مة في معر فة الما مة‪ ،‬و هو‬
‫خليق بأن يسمى ‪ :‬منهاج الندامة ‪ ،‬كما أن من ادعى الطهارة ‪ ،‬وهو من الذين‬
‫لم يرد ال أن يطهسر قلوبهسم ‪ ،‬بسل مسن أهسل الجبست والطاغوت والنفاق ‪ ،‬كان‬
‫وصفه بالنجاسة والتكدير ‪ ،‬أولى من وصفه بالتطهير ‪.‬‬
‫و من أع ظم خ بث القلوب أن يكون في قلب الع بد غل لخيار المؤمن ين ‪،‬‬
‫وسادات أولياء ال بعد النبيين ‪ ،‬ولهذا لم يجعل ال تعالى في الفيء نصيبا لمن‬
‫ن سَ َبقُونَا بِالِيمَا نِ‬
‫خوَانِنَا الّذِي َ‬
‫غفِ ْر لَنَا َو ِل ْ‬
‫بعد هم ‪ ،‬إل الذ ين يقولون ‪ ] :‬رَبّنَا ا ْ‬
‫ل لِلّذِينَ آمَنُوا رَبّنَا إِنّكَ َرؤُوفٌ َرحِيم [ ‪.‬‬
‫ج َعلْ فِي قُلُوبِنَا غِ ّ‬
‫َولَ َت ْ‬
‫ولهذا كان بين هم وب ين اليهود من المشاب هة واتباع الهوى وغ ير ذلك من‬
‫أخلق اليهود ‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وبين هم وب ين الن صارى من المشاب هة في الغلو والج هل ‪ ،‬واتباع الهوى‬
‫وغ ير ذلك من أخلق الن صارى ‪ ،‬ما أشبهوا به هؤلء من و جه وهؤلء من‬
‫وجه ‪ ،‬وما زال الناس يصفونهم بذلك ‪.‬‬
‫ومن اخبر الناس بهم الشعبي ‪ ،‬وأمثاله من علماء الكوفة ‪.‬‬
‫وقد ثبت عن الشعبي أنه قال ‪ :‬ما رأيت أحمق من الخشبية ‪ ،‬لو كانوا‬
‫مسن الطيسر لكانوا رخمسا ‪ ،‬ولو كانوا مسن البهائم لكانوا حمرا ‪ ،‬وال لو طلبست‬
‫منهسم ان يملؤا هذا البيست ذهبسا على أن أكذب على علي لعطونسي ‪ ،‬وال مسا‬
‫أكذب عليه أبدا ‪ ،‬وقد روى هذا الكلم عنه مبسوطا لكن ‪ ،‬الظهر أن المبسوط‬
‫من كلم غيره ‪.‬‬
‫كما روى أبو ح فص بن شاهين‬

‫(‪)1‬‬

‫في كتاب اللطف في السنة ‪ :‬حدثنا‬

‫مح مد بن أ بي القا سم بن هارون ‪ ،‬حدث نا أح مد بن الول يد الوا سطي ‪ ،‬حدث ني‬
‫جع فر بن ن صير الطو سي الوا سطي ‪ ،‬عن ع بد الرح من بن مالك بن مغول ‪،‬‬
‫عسن أبيسه ‪ ،‬قال ‪ .‬قال الشعسبي ‪ :‬أحذركسم أهسل هذه الهواء المضلة ‪ ،‬وشرهسا‬
‫الراف ضة ‪ ،‬لم يدخلوا في ال سلم رغ بة ول ره بة‪ ،‬ول كن مق تا ل هل ال سلم‬
‫وبغيا عليهم ‪ ،‬وقد حرقهم علي ‪ t‬ونفاهم إلى البلدان ‪.‬‬
‫ومنهم عبد ال بن سبأ من يهود صنعاء ‪ ،‬نفاه إلى سباباط ‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫يسسار نفاه إلى خاذر ‪ ،‬وآيسة ذلك أن محنسة الرافضسة ‪ ،‬محنسة اليهود ‪ .‬قالت‬
‫اليهود ‪ :‬ل يصلح الملك إل في آل داود ‪ ،‬وقالت الرافضة ل تصلح المامة إل‬
‫فسي ولد علي ‪ ،‬وقالت اليهود ‪ :‬ل جهاد فسي سسبيل ال حتسى يخرج المسسيح‬
‫الدجال ‪ ،‬وينزل سيف من ال سماء ‪ ،‬وقالت الراف ضة ‪ :‬ل جهاد في سبيل ال‬
‫حتى يخرج المهدي‪ ،‬وينادي مناد من السماء ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬هو أ بو ح فص ع مر بن أح مد بن عثمان البغدادي تو في سنة ‪ 385‬ان ظر تذكرة‬
‫الحفاظ ج ‪3‬ص ‪.183‬‬

‫‪11‬‬

‫واليهود يؤخرون الصسلة إلى اشتباك النجوم ‪ ،‬وكذلك الرافضسة يؤخرون‬
‫المغرب إلى اشتباك النجوم ‪ ،‬والحد يث عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم‬
‫سسي على الفطرة مالم يؤخروا المغرب إلى اشتباك‬
‫سسه قال ‪((:‬ل تزال أمتس‬
‫أنس‬
‫النجوم))(‪. )1‬‬
‫واليهود تزول عسن القبلة شيئا ‪ ،‬وكذلك الرافضسة ‪ ،‬واليهود تنود فسي‬
‫الصسلة ‪ ،‬وكذلك الرافضسة ‪ ،‬واليهود تسسدل أثوابهسا فسي الصسلة ‪ ،‬وكذلك‬
‫الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود ل يرون على النسساء عدة ‪ ،‬وكذلك الرافضسة ‪ ،‬واليهود حرفوا‬
‫التوراة ‪ ،‬وكذلك الرافضسة حرفوا القرآن ‪ .‬واليهود قالوا ‪ :‬افترض ال علينسا‬
‫خمسين صلة ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود ل يخل صون السسلم على المؤمنيسن إنمسا يقولون ‪ :‬السسام علي كم _‬
‫والسسام الموت _ وكذلك الرافضسة ‪ ،‬واليهود ل يأكلون الجرى(‪ )2‬والمرماهسى ‪.‬‬
‫والذناب ‪ ،‬وكذلك الرافضة‪.‬‬
‫واليهود ل يرون المسح على الخفين ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود يسستحلون أموال الناس كلهسم ‪ ،‬وكذلك الرافضسة ‪ .‬وقسد أخبرنسا ال‬
‫عنهم في القرآن أنهم‪ ]:‬قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ا ُلمِيّينَ سَبِيل [(‪ )3‬وكذلك الرافضة‪.‬‬
‫واليهود ت سجد على قرون ها في ال صلة ‪ ،‬وكذلك الراف ضة ‪ ،‬واليهود ل‬
‫تسجد حتى تخفق برؤوسها مرارا شبه الركوع ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود تبغسض جبريسل ‪ ،‬ويقولون هسو عدونسا مسن الملئكسة ‪ ،‬وكذلك‬
‫‪ )1(1‬رواه أبو داود في السنن ج ‪1‬ص ‪169‬وابن ماجه ج ‪1‬ص ‪225‬وأحمد في المسند ج‬
‫‪4‬ص ‪147‬وج ‪5‬ص ‪422‬‬
‫‪ )2(2‬نوع من السمك زعموا أن السمك خاطب عليا إل هذين النوعين منه ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬الية ‪ 75‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫الرافضة ‪ ،‬يقولون غلط جبريل بالوحي على محمد ‪.‬‬
‫وكذلك الراف ضة وافقوا الن صارى في خ صلة ‪ :‬الن صارى ل يس لن سائهم‬
‫صسداق إنمسا يتمتعون بهسن تمتعسا ‪ ،‬وكذلك الرافضسة يتزوجون بالمتعسة ‪،‬‬
‫ويسستحلون المتعسة ‪ ،‬وفضلت اليهود والنصسارى على الرافضسة بخصسلتين ‪،‬‬
‫سسئلت اليهود ‪ :‬مسن خيسر أهسل ملتكسم ؟ قالوا ‪ :‬أصسحاب موسسى ‪ ،‬وسسئلت‬
‫النصارى من خير أهل ملتكم ؟ قالوا ‪ :‬حواري عيسى ‪ .‬وسئلت الرافضة من‬
‫شر أهل ملتكم ؟ قالوا أصحاب محمد ‪.‬‬
‫أمروا بالستغفار لهم ‪ ،‬فسبوهم والسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة ‪،‬‬
‫ل تقوم لهسم رايسة ‪ ،‬ول يثبست لهسم قدم ول تجتمسع لهسم كلمسة ‪ ،‬ول تجاب لهسم‬
‫دعوة ‪ ،‬دعوت هم مدحو ضة ‪ ،‬وكلمت هم مختل فة ‪ ،‬وجمع هم متفرق ‪ ،‬كل ما أوقدوا‬
‫نارا للحرب أطفأها ال ‪.‬‬
‫( قلت ) ‪ :‬هذا الكلم بعضه ثابت عن الشعبي كقوله ‪ :‬لو كانت الشيعة‬
‫مسن البهائم لكانوا حمرا ‪ ،‬ولو كانست مسن الطيسر لكانوا رخمسا ‪ ،‬فإن هذا ثابست‬
‫عنه ‪.‬‬
‫قال ابسن شاهيسن ‪ :‬حدثنسا محمسد بسن العباس النحوي ‪ ،‬حدثنسا ابراهيسم‬
‫الحربي ‪ ،‬حدثنا أبو الربيع الزهراني‪ ،‬حدثنا وكيع بن الجراح ‪ ،‬حدثنا مالك بن‬
‫مغول ‪ ،‬فذكره وأما السياق المذكور ‪ ،‬فهو معروف عن عبد الرحمن بن مالك‬
‫بن مغول ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن الشعبي ‪.‬‬
‫وروى أ بو عا صم خش يش بن أ صرم‬

‫(‪)1‬‬

‫في كتا به ورواه من طر قه أ بو‬

‫عمرو الطلمنكي ‪ ،‬في كتابه في الصول ‪ ،‬قال ‪ .‬حدثنا ابن جعفر الرقي ‪ ،‬عن‬
‫عبد الرحمن بن مالك بن مغول ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬قال قلت لعامر الشعبي ‪ :‬ما ردك‬
‫‪ )1(1‬هو خشيش بن أصرم بن السود ‪ ،‬أبو عاصم ‪ ،‬النسائي توفي سنة ‪ ، 253‬وأنظر‬
‫تهذيب التهذيب ج ‪3‬ص ‪142‬‬

‫‪13‬‬

‫عن هؤلء القوم ‪ ،‬وقد كنت فيهم رأسا ‪ ،‬قال رأيتهم يأخذون بأعجاز ل صدور‬
‫لها ‪.‬‬
‫ثم قال لي ‪ :‬يا مالك لو أردت أن يعطو ني رقاب هم عبيدا ‪ ،‬أو يملؤا لي‬
‫بي تي ذه با ‪ ،‬أو يحجوا إلى بي تي هذا ‪ ،‬على أن اكذب على علي ‪ t‬لفعلوا ‪ ،‬ول‬
‫‪ .‬وال أكذب عليه أبدا ‪ ،‬يا مالك إني قد درست أهل الهواء فلم أر فيهم أحمق‬
‫من الخشب ية ‪ ،‬فلو كانوا من الط ير لكانوا رخ ما ‪ ،‬ولو كانوا من الدواب لكانوا‬
‫حمرا ‪ ،‬يا مالك لم يدخلوا في ال سلم رغ بة ف يه ل ول ره بة من ال ‪ ،‬ول كن‬
‫مقتا من ال عليهم ‪ ،‬وبغيا منهم على أهل السلم ‪.‬‬
‫يريدون أن يغم صوا د ين ال سلم ‪ ،‬ك ما غ مص بولص بن يو شع ملك‬
‫اليهود دين النصرانية ‪ ،‬ول تتجاوز صلتهم آذانهم ‪.‬‬
‫قد حرقهم علي بن أبي طالب ‪ t‬بالنار ‪ ،‬ونفاهم من البلد ‪.‬‬
‫من هم ع بد ال بن سبأ ‪ ،‬يهودي من يهود صنعاء ‪ ،‬نفاه إلى ساباط وأ بو‬
‫ب كر الكروس ‪ ،‬نفاه إلى الجاب ية ‪ ،‬وحرق من هم قو ما ‪ ،‬أتوه فقالوا ‪ :‬أ نت هو ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬من أ نا ‪ .‬فقالوا ‪ :‬أ نت رب نا ‪ .‬فأ مر بنار فأج جت ‪ ،‬فألقوا في ها ‪ ،‬وفي هم‬
‫قال علي ‪: t‬‬
‫أججت ناري ودعوت قنبرا‬

‫لما رأيت المر أمرا منكرا‬

‫يا مالك إن محنت هم مح نة اليهود ‪ ،‬قالت اليهود ‪ :‬ل ي صلح الملك إل في‬
‫آل داود ‪ ،‬وكذلك قالت الرافضة ‪ :‬ل تصلح المامة إل في ولد علي ‪.‬‬
‫وقالت اليهود ‪ :‬ل جهاد في سبيل ال حتى يخرج المسيح الدجال وينزل‬
‫سيف من ال سماء ‪ ،‬وكذلك الراف ضة قالوا ‪ :‬ل جهاد في سبيل ال ح تى يخرج‬
‫الرضا من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وقالت اليهود ‪ :‬فرض ال علينسا خمسسين صسلة فسي كسل يوم وليلة ‪،‬‬
‫وكذلك قالت الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود ل يصسلون المغرب حتسى تشتبسك النجوم ‪ ،‬وقسد جاء عسن النسبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ‪(( :‬ل تزال أمتي على السلم مالم تؤخر المغرب‬
‫سلوا‬
‫سة‪ ،‬واليهود إذا صس‬
‫إلى اشتباك النجوم ))(‪ )1‬مضاهاة لليهود‪ ،‬وكذلك الرافضس‬
‫زالوا عن القبلة شيئا ‪ ،‬وكذلك الرافضة‪.‬‬
‫واليهود تنود في صلتها ‪ ،‬وكذلك الراف ضة ‪ .‬واليهود ي سدلون أثواب هم‬
‫في الصلة ‪ ،‬وقد بلغني أن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم مر برجل سادل‬
‫ثوبه فعطفه عليه ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫سسسة حرفوا القرآن ‪ .‬واليهود‬
‫واليهود حرفوا التوراة ‪ ،‬وكذلك الرافضس‬
‫يسسجدون فسي صسلة الفجسر الكندرة ‪ ،‬وكذلك الرافضسة ‪ .‬واليهود ل يخلصسون‬
‫بال سلم إن ما يقولون ‪ :‬سام علي كم ‪ .‬و هو الموت _ وكذلك الراف ضة ‪ ،‬واليهود‬
‫عادوا جبريسل فقالوا ‪ :‬هسو عدونسا ‪ .‬وكذلك الرافضسة قالوا ‪ :‬أخطسأ جبريسل‬
‫بالوحي ‪ .‬و اليهود يستحلون أموال الناس ‪ ،‬وقد نبأنا ال عنهم أنهم قالوا ]‬
‫قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ا ُلمِيّينَ سَبِيل [ ‪ ،‬وكذلك الرافضة يستحلون مال كل مسلم‬
‫‪.‬‬
‫واليهود ليسس لنسسائهم صسداق وإنمسا يتمتعون متعسة ‪ ،‬وكذلك الرافضسة‬
‫يستحلون المتعة ‪ ،‬واليهود يستحلون دم كل مسلم ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود يرون غسسش الناس ‪ ،‬وكذلك الرافضسسة ‪ .‬واليهود ل يعدون‬
‫الطلق شيئا إل عند كل حيضة ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫سة ‪ .‬واليهود‬
‫سرارى ‪ ،‬وكذلك الرافضس‬
‫واليهود ل يرون العزل عسن السس‬
‫‪ )1(1‬تقدم ذكرمن رواه قريبا ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫يحرمون الجرى والمرماهى ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫واليهود حرموا الر نب والطحال ‪ ،‬وكذلك الراف ضة ‪ .‬واليهود ل يرون‬
‫المسح على الخفين ‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪ .‬واليهود ل يلحدون‪ ،‬وكذلك الرافضة ‪.‬‬
‫و قد أل حد لنبي نا صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ .‬واليهود يدخلون مع موتا هم في‬
‫الكفن سعفة رطبة ‪ ،‬وكذلك الرافضة‪.‬‬
‫ثم قال يا مالك ‪ :‬وفضلهم اليهود والنصارى بخصلة ‪ ،‬قيل لليهود ‪ :‬من‬
‫خ ير أ هل ملت كم ؟ قالوا ‪ :‬أ صحاب مو سى ‪ ،‬وق يل للن صارى من خ ير أ هل‬
‫ملت كم؟ قالوا ‪ :‬حواري عي سى ‪ ،‬وق يل للراف ضة من شر أ هل ملت كم ؟ قالوا ‪:‬‬
‫حواري محمد _ يعنون بذلك طلحة والزبير _ أمروا بالستغفار لهم فسبوهم ‪،‬‬
‫والسسيف مسسلول عليهسم إلى يوم القيامسة ‪ ،‬ودعوتهسم مدحوضسة ‪ ،‬ورايتهسم‬
‫مهزومة ‪ ،‬وأمرهم متشتت ‪ ،‬كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ال ‪ ،‬ويسعون في‬
‫الرض فسادا ‪ ،‬وال ل يحب المفسدين ‪.‬‬
‫و قد روى أ بو القا سم ال طبري‬

‫(‪)1‬‬

‫في شرح ا صول ال سنة ن حو هذا الكلم‬

‫من حد يث و هب بن بق ية الوا سطي ‪ ،‬عن مح مد بن ح جر الباهلي ‪ ،‬عن ع بد‬
‫الرحمن بن مالك بن مغول من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا ‪ ،‬وبعضها‬
‫يزيد على بعض ‪ ،‬لكن عبد الرحمن بن مالك بن مغول ضعيف ‪ ،‬وذم الشعبي‬
‫ل هم ثا بت من طرق أخرى‪ ،‬ل كن ل فظ الراف ضة إن ما ظ هر ل ما رفضوا ز يد بن‬
‫علي بن الحسين ‪ ،‬في خلفة هشام ‪ ،‬وقصة زيد بن علي بن الحسين ‪ ،‬كانت‬
‫بعد العشر ين ومائة سنة إحدى و عشر ين ‪،‬أو اثنت ين وعشر ين ومائة في آخر‬
‫خلفة هشام ‪ .‬قال أبو حاتم البستى ‪ :‬قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة‬
‫اثنتين وعشرين ‪ ،‬فصلب على خشبة ‪ ،‬وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم ‪،‬‬
‫وكانت الشيعة تنتحله ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬هو الل لكائي‪.‬‬

‫‪16‬‬

17

‫متى سموا رافضة وكذا الزيدية‬
‫( قلت ) ‪ :‬ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية ‪،‬‬
‫فإ نه ل ما سئل عن ا بي ب كر وع مر ‪ .‬فتر حم عليه ما ‪ ،‬رف ضه قوم فقال ل هم ‪:‬‬
‫رفضتموني ‪ ،‬فسموا رافضة ‪ ،‬لرفضهم إياه ‪ ،‬وسمي من لم يرفضه من الشيعة‬
‫زيديسا ‪ ،‬لنتسسابهم إليسه ‪ ،‬ولمسا صسلب كانست العباد تأتسي إلى خشبتسه بالليسل ‪،‬‬
‫فيتعبدون عندها ‪.‬‬
‫والشعبي توفي في أوائل خلفة هشام ‪ ،‬أواخر خلفة يزيد بن عبد الملك‬
‫أخيه ‪ ،‬سنة خمس ومائة ‪ ،‬أو قريبا من ذلك ‪ .‬فلم يكن لفظ الرافضة معروفا إذ‬
‫ذاك ‪.‬‬
‫وبهذا وغيره يعرف كذب لفسظ الحاديسث المرفوعسة التسي فيهسا لفسظ‬
‫الرافضة ‪ ،‬ولكن كانوا يسمون بغير ذلك السم ‪ ،‬كما يسمون بالخشبية لقولهم‬
‫إنا ل نقاتل بالسيف إل مع إمام معصوم ‪ ،‬فقاتلوا بالخشب ‪.‬‬
‫ولهذا جاء في بعض الروايات عن الشعبي ‪ :‬ما رأيت أحمق من الخشبية‪،‬‬
‫فيكون المعبر عنهم بلفظ الراف ضة ذكره بالمعنى ‪ ،‬مع ضعف عبد الرح من ‪،‬‬
‫ومع أن الظاهر أن هذا الكلم ‪ ،‬إنما هو نظم عبد الرحمن بن مالك بن مغول‬
‫وتأليفه ‪ ،‬وقد سمع منه طرفا عن الشعبي ‪ ،‬وسواء كان هو ألفه ونظمه لما رآه‬
‫من أمور الشي عة في زما نه ‪ ،‬ول ما سمع عن هم ‪ ،‬أو ل ما سمع من أقوال أ هل‬
‫العلم فيهم ‪ ،‬أو بعضه أو مجموع المرين ‪ ،‬أو بعضه لهذا وبعضه لهذا ‪ ،‬فهذا‬
‫الكلم معروف بالدل يل الذي ل يحتاج ف يه إلى ن قل وإ سناد ‪ ،‬وقول القائل ‪ :‬إن‬
‫ت الَ َيهُودُ‬
‫الرافضة تفعل كذا ‪ ،‬المراد به بعض الرافضة ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ ] :‬وَقَاَل ْ‬
‫عُزَ ْيرٌ ابْ نُ الِ وَقَالَ تْ النّ صَارَى ا ْلمَ سِيحُ ابْ نُ ال [(‪ ] )1‬وَقَالَ تِ الْ َيهُودُ يَ ُد الِ‬
‫‪ )1(1‬الية ‪30‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫ت أَيْدِيهِم [(‪.)2‬‬
‫َمغْلُو َلةً غُلّ ْ‬
‫لم ي قل ذلك كل يهودي ‪ ،‬بل في هم من قال ذلك ‪ .‬و ما ذكره موجود في‬
‫الرافضة ‪.‬‬
‫وفي هم أضعاف ما ذكره ‪ ،‬م ثل تحر يم بعض هم لل حم الوز ‪ ،‬والج مل ‪،‬‬
‫مشابهة لليهود ‪.‬‬
‫وم ثل جمع هم ب ين ال صلتين دائ ما ‪ ،‬فل ي صلون إل في ثل ثة أوقات ‪،‬‬
‫مشابهة لليهود ‪.‬‬
‫ومثل قولهم أنه ل يقع الطلق إل بالشهاد على الزوج مشابهة لليهود ‪،‬‬
‫ومثل تنجيسهم لبدان غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب وتحريمهم لذبائحهم ‪،‬‬
‫وتنجيسهم ما يصيب ذلك من المياه والمائعات ‪ ،‬وغسل النية التي يأكل منها‬
‫غيرهسم ‪ ،‬مشابهسة للسسامرة الذيسن هسم شسر اليهود ‪ ،‬ولهذا تجعلهسم الناس فسي‬
‫المسلمين كالسامرة في اليهود ‪.‬‬
‫ومثل استعمالهم التقية ‪ ،‬وإظهار خلف ما يبطنون من العداوة‪ ،‬مشابهة‬
‫لليهود ونظائر ذلك كثير ‪.‬‬

‫ذكر بعض حماقات الرافضة‬
‫وأ ما سائر حماقات هم فكثيرة جدا ‪ ،‬م ثل كون بعض هم ل يشرب من ن هر‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 64‬من سورة المائدة ‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫حفره يز يد ‪ ،‬مع أن ال نبي ‪ e‬والذ ين كانوا م عه كانوا يشربون من آبار وأنهار‬
‫حفرها الكفار ‪.‬‬
‫وبعضهسم ل يأكسل مسن التوت الشامسي ‪ ،‬ومعلوم أن النسبي ‪ e‬ومسن معسه‬
‫كانوا يأكلون ممسا يجلب مسن بلد الكفار ‪،‬مسن الجبسن ‪ ،‬ويلبسسون مسا تنسسجه‬
‫الكفار‪ ،‬بل غالب ثيلبهم كانت من نسيج الكفار ‪.‬‬
‫ومثسل كونهسم يكرهون التكلم بلفسظ العشرة ‪ ،‬أو فعسل أي شيسء يكون‬
‫عشرة ‪ ،‬ح تى في البناء ل يبنون على عشرة أعمدة ‪ ،‬ول بعشرة جذوع ون حو‬
‫ذلك ‪ ،‬لكونهم يبغضون خيار الصحابة _ وهم العشرة _ المشهود لهم بالجنة ‪،‬‬
‫أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن‬
‫زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان‬
‫ال عليهسم أجمعيسن ‪ ،‬يبغضون هؤلء إل علي بسن أبسي طالب ‪ ، t‬ويبغضون‬
‫السابقين الولين من المهاجرين والنصار ‪ ،‬الذين بايعوا رسول ال ‪ ، e‬تحت‬
‫الشجرة ‪ ،‬وكانوا ألفا وأربعمائة ‪.‬‬
‫وقد أخبر ال أنه قد رضي عنهم ‪ .‬وثبت في صحيح مسلم وغيره ‪ ،‬عن‬
‫جابر أي ضا ‪ .‬أن غلم حا طب بن أ بي بلت عة قال ‪ :‬يا ر سول ال وال ليدخلن‬
‫حاطب النار ‪ ،‬فقال النبي ‪ (( : e‬كذبت ‪ ،‬إنه شهد بدرا والحديبية‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وهم يتبرؤون من جمهور هؤلء ‪ .‬بل يتبرؤون من سائر أصحاب رسول‬
‫ال ‪ ، e‬إل نفرا قليل نحسو بضعسة عشسر ‪ ،‬ومعلوم أنسه لو فرض فسي العالم‬
‫عشرة مسن أكفسر الناس ‪ ،‬لم يجسب هجسر هذا السسم لذلك ‪ ،‬كمسا أنسه سسبحانه‬
‫ْضن َولَ‬
‫فين الَر ِ‬
‫ْسندُونَ ِ‬
‫ْطن ُيف ِ‬
‫ِسنَعةُ َره ٍ‬
‫َانن فِي ا ْلمَدِي َنةِ ت ْ‬
‫وتعالى لمسا قال ‪َ ]:‬وك َ‬
‫يُصْ ِلحُون [ (‪.)2‬‬
‫لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا ‪ ،‬بل اسم العشرة قد مدح ال مسماه في‬
‫‪ )1(1‬انظر الحديث في مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1942‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 48‬من سورة النمل ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫ن لَ ْم َيجِدْ فَ صِيَامُ ثَل َث ِة أَيّا مٍ فِي‬
‫موا ضع ‪ ،‬كقوله تعالى في مت عة ال حج ‪َ ] :‬فمَ ْ‬
‫عشْرَةٌ كَامِلَة [(‪. )1‬‬
‫جعْتُمْ تِ ْلكَ َ‬
‫حجّ َوسَبْ َعةٍ إِذَا َر َ‬
‫ا ْل َ‬
‫ن لَيْ َلةً َوأَ ْت َممْنَاهَا ِبعَشْر فَتَمّ مِيقَا تُ‬
‫وقال تعالى ‪َ ]:‬ووَاعَدْنَا مُو سَى ثَلثِي َ‬
‫رَ ّب ِه أَرْ َبعِينَ لَيْلَة [(‪. )2‬‬
‫عشْرٍ[ ‪.‬‬
‫وقال تعالى ‪َ ] :‬واٌلْ َفجْ ِر وَلَيَالٍ َ‬
‫وقد ثبت في الصحيح أن النبي ‪ e‬كان يعتكف العشر الواخر من شهر‬
‫رمضان حتى توفاه ال تعالى‬

‫(‪. )3‬‬

‫وقال في ليلة القدر التمسوها في العشر الواخر‬
‫و قد ث بت في ال صحيح أن ال نبي ‪ e‬قال ‪:‬‬

‫((‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫ما من أيام الع مل ال صالح‬

‫فيهن أحب إلى ال من هذه اليام العشر)) (‪ )5‬نظائر ذلك متعددة ‪.‬‬
‫ومن العجيب أنهم يوالون لفظ التسعة ‪ ،‬وهم يبغضون التسعة من العشرة‬
‫فإنهم يبغضونهم إل عليا ‪ ،‬وكذلك هجرهم لسم أبي بكر وعمر وعثمان ولمن‬
‫يتسسمى بذلك ‪ ،‬حتسى يكرهون معاملتسه ‪ ،‬ومعلوم أن هؤلء لو كانوا مسن أكفسر‬
‫الناس ‪ ،‬لم يشرع أن ل يت سمى الر جل بم ثل أ سمائهم ‪ ،‬ف قد كان في ال صحابة‬
‫من اسمه الوليد ‪.‬‬
‫وكان ال نبي ‪ e‬يق نت في ال صلة ‪ ،‬ويقول الل هم أ نج الول يد بن الول يد بن‬
‫المغيرة(‪)6‬وأبوه وكان مسن أعظسم الناس كفرا ‪ ،‬وهسو الوحيسد المذكور فسي قوله‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 196‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬الية ‪ 142‬من سورة العراف ‪.‬‬
‫‪ )4(3‬انظر البخاري ج ‪3‬ص ‪ 48-47‬ومسلم ج ‪2‬ص ‪. 831-830‬‬
‫‪ )5(4‬انظر كتاب الصوم من البخاري الباب ‪ 72‬ومسلم ج ‪2‬ص ‪. 823‬‬
‫‪ )6(5‬انظر البخاري ج ‪2‬ص ‪ 20‬والترمذي ج ‪2‬ص ‪. 129‬‬
‫‪ )1(6‬انظره في البخاري ج ‪6‬ص ‪. 49-48‬‬

‫‪21‬‬

‫ن خَ َلقْ تُ َوحِيدًا [‬
‫تعالى ‪ ] :‬ذَرْنِي َومَ ْ‬

‫(‪)7‬‬

‫وفي الصحابة من اسمه عمرو ‪ ،‬وفي‬

‫المشركين من اسمه عمرو بن عبدود ‪ ،‬وأبو جهل اسمه عمرو بن هشام ‪.‬‬
‫و في ال صحابة خالد بن سعيد بن العاص من ال سابقين الول ين ‪ ،‬و في‬
‫المشركين خالد بن سفيان الهذلي ‪.‬‬
‫وفي الصحابة من اسمه هشام مثل هشام بن حكيم ‪ ،‬وأبو جهل كان اسم‬
‫أب يه هشا ما ‪ .‬و في ال صحابة من ا سمه عق بة م ثل أ بي م سعود عق بة بن عمرو‬
‫البدري ‪ ،‬وعقبة بن عامر الجهني ‪ ،‬وكان في المشركين عقبة بن أبي معيط ‪.‬‬
‫و في ال صحابة علي وعثمان ‪ ،‬وكان في المشرك ين من ا سمه علي م ثل‬
‫علي بن أمية بن خلف ‪ ،‬قتل يوم بدر كافرا ‪ ،‬ومثل عثمان بن طلحة قتل قبل‬
‫أن يسلم ‪ ،‬ومثل هذا كثير ‪.‬‬
‫فلم يكن النبي ‪ e‬والمؤمنون يكرهون اسما من السماء لكونه قد تسمى‬
‫به كافر من الكفار ‪ ،‬فلو قدر أن المسلمين بهذه السماء كفار ‪ ،‬لم يوجب ذلك‬
‫كرا هة هذه ال سماء مع العلم ل كل أ حد بأن ال نبي ‪ e‬كان يدعو هم ب ها ‪ ،‬وي قر‬
‫الناس على دعائهم بها ‪.‬‬
‫وكثير منهم يزعم أنهم كانوا منافقين ‪ ،‬وكان النبي ‪ e‬يعلم أنهم منافقون‪،‬‬
‫وهو مع هذا يدعوهم بها ‪ ،‬وعلي بن أبي طالب ‪ t‬قد سمى بها أولده فعلم أن‬
‫جواز الدعاء بهذه السسماء سسواء كان ذلك المسسمى بهسا مسسلما أو كافرا أمسر‬
‫معلوم من د ين السسلم ‪ ،‬ف من كره أن يد عو أحدا بهسا كان من أظهسر الناس‬
‫مخالفة لدين السلم ‪ ،‬ثم مع هذا إذا تسمى الرجل عندهم باسم علي‪ ،‬أو جعفر‬
‫أو حسن او حسين أو نحو ذلك ‪ ،‬عاملوه وأكرموه ‪ ،‬ول دليل لهم في ذلك على‬
‫أنه منهم ‪.‬‬
‫‪ )2(7‬الية ‪ 11‬من سورة المدثر ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫ومن حماقاتهم أيضا أنهم يجعلون للمنتظر عدة مشاهد ينتظرونه فيها ‪،‬‬
‫كالسرداب الذي بسامرا الذي يزعمون أنه غائب فيه‪.‬‬
‫ومشا هد أخرى و قد يقيمون هناك دا بة إ ما بغلة وإ ما فر سا ‪ ،‬وإ ما غ ير‬
‫ذلك ليركب ها إذا خرج ‪ ،‬ويقيمون هناك إ ما في طر في النهار وإ ما في أوقات‬
‫أخرى من ينادي عل يه بالخروج يا مول نا اخرج ‪ ،‬ويشهرون ال سلح ول أ حد‬
‫هناك يقاتلهسم ‪ ،‬وفيهسم من يقوم فسي أوقات دائمسا ل يصسلي ‪ ،‬خشيسة أن يخرج‬
‫وهو في الصلة فيشتغل بها عن خروجه ‪ ،‬وخدمته ‪ ،‬وهم في أماكن بعيدة عن‬
‫مشهده كمدينة النبي ‪ e‬إما في العشر الواخر من شهر رمضان‪.‬‬
‫وإمسا فسي غيسر ذلك يتوجهون إلى المشرق ‪ ،‬وينادون بأصسوات عاليسة‬
‫يطلبون خروجه ‪ ،‬ومن المعلوم أنه لو كان موجودا وقد أمره ال بالخروج فإنه‬
‫يخرج ‪ ،‬سواء نادوه أو لم ينادوه ‪ ،‬وإن لم يؤذن له فهو ل يقبل منهم ‪ ،‬وإنه إذا‬
‫خرج فإن ال يؤيده ويأتيسه بمسا يركبسه ‪ ،‬وبمسن يعينسه وينصسره ‪ ،‬ل يحتاج أن‬
‫يوقف له دائما من الدميين من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم‬
‫يحسسنون صسنعا ‪ ،‬وال سسبحانه وتعالى قسد عاب فسي كتابسه مسن يدعسو مسن ل‬
‫ن مِن‬
‫ك وَالّذِي نَ تَدْعُو َ‬
‫ي ستجيب دعاءه فقال تعالى ‪ ] :‬ذَ ِلكُ مُ الُ رَ ّبكُ مْ لَ ُه ا ْلمُلْ ُ‬
‫س ِمعُواْ مَا‬
‫س َمعُواْ دُعَآ َءكُ مْ وَ َل ْو َ‬
‫طمِي ٍر إِن تَ ْدعُوهُ مْ لَ يَ ْ‬
‫دُونِ هِ مَا َيمْ ِلكُو نَ مِن ِق ْ‬
‫ك مِ ْثلُ خَبِيرٍ [(‪)1‬هذا مع‬
‫ا سْتَجَابُواْ َلكُ مْ وَ َيوْ مَ ا ْلقِيَا َمةِ َي ْكفُرُو نَ ِبشِ ْر ِككُ مْ وَ َل يُنَبّئُ َ‬
‫أن الصنام موجودة ‪ ،‬وكان يكون بها أحيانا شياطين تتراءى لهم وتخاطبهم ‪.‬‬
‫و من خا طب معدو ما كا نت حال ته أ سوأ من حال من خا طب موجودا ‪،‬‬
‫وإن كان جمادا ‪ ،‬فمن دعا المنتظر الذي لم يخلقه ال ‪ ،‬كان ضلله أعظم من‬
‫ضلل هؤلء ‪ ،‬وإذا قال أنا أعتقد وجوده كان بمنزلة قول أولئك نحن نعتقد أن‬
‫هذه الصنام لها شفاعة عند ال فيعبدون من دون ال ما لينفعهم و ل يضرهم‬
‫و يقولون هؤلء شفعاؤنا عند ال ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬اليتان ‪ 13،14‬من سورة فاطر ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫و المقصسود أن كليهمسا يدعسو مسن ل ينفسع دعاؤه ‪ ،‬وإن كان أولئك‬
‫اتخذوهسم شفعاء آلهسة ‪ ،‬وهؤلء يقولون هسو إمام معصسوم فهسم يوالون عليسه ‪.‬‬
‫ويعادون عل يه كموالة المشرك ين على آلهت هم ‪ ،‬ويجعلو نه رك نا في اليمان ل‬
‫يتم الدين إل به ‪ ،‬كما يجعل بعض المشركين آلهتهم كذلك وقال تعالى ‪ ] :‬مَا‬
‫س كُونُواْ عِبَادا لّي‬
‫حكْمَ وَالنّ ُبوّةَ ُث ّم َيقُولَ لِلنّا ِ‬
‫شرٍ أَن ُيؤْتِ َيهُ الُ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ُ‬
‫كَانَ لِ َب َ‬
‫ب وَ ِبمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ‬
‫ن ِبمَا كُنتُمْ ُتعَّلمُونَ ا ْلكِتَا َ‬
‫مِن دُونِ الِ وَ َلكِن كُونُواْ رَبّانِيْ ِي َ‬
‫ِنن أَرْبَابَا أَيَ ْأمُرُك ُم بِا ْل ُكفْرِ َبعْدَ إِذْ أَنت ُم‬
‫ُمن أَن تَ ّتخِذُواْ ا ْلمَلَ ِئ َكةَ وَالنّبِْيي َ‬
‫‪َ .‬ولَ يَ ْأمُ َرك ْ‬
‫ّمسْ ِلمُونَ [(‪. )1‬‬
‫فإذا كان مسن يتخسذ الملئكسة والنسبيين أربابسا بهذه الحال ‪ ،‬فكيسف بمسن‬
‫يت خذ إما ما معدوما ل وجود له؟ وقد قال تعالى ‪ ] :‬ا ّتخَذُواْ َأحْبَارَهُ مْ َورُهْبَا َنهُ مْ‬
‫أَرْبَابَا مّن دُونِ الِ وَا ْلمَسِيحَ ابْنَ َمرْيَمَ َومَآ ُأمِرُو ْا ِإلّ لِ َيعْبُدُو ْا إِ َلهَا وَاحِدا ل إِلَهَ‬
‫ن [(‪ )2‬و قد ث بت في الترمذي وغيره من حد يث‬
‫عمّ ا ُيشْ ِركُو َ‬
‫ِإلّ ُه َو سُ ْبحَا َنهُ َ‬
‫عدي بن حا تم أ نه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫يا ر سول ال ما عبدو هم ‪ .‬فقال ‪ :‬إن هم أحلوا ل هم‬

‫الحرام وحرموا عليهسم الحلل فأطاعوهسم ‪ ،‬فكانست تلك عبادتهسم إياهسم‬

‫))‬

‫(‪)3‬‬

‫فهؤلء اتخذوا أناسا موجودين ‪ ،‬أربابا ‪.‬‬
‫وهؤلء يجعلون الحرام والحلل معلقسا بالمام المعدوم ‪ ،‬الذي ل حقيقسة‬
‫له ‪ ،‬ثم يعملون ب كل ما يقول المثبتون أ نه يحلله ويحر مه ‪ ،‬وإن خالف الكتاب‬
‫وال سنة وإجماع سلف ال مة ‪ ،‬ح تى إن طائفت هم إذا اختل فت على قول ين فالقول‬
‫الذي ل يعرفسه قائله هسو الحسق ‪ ،‬لنسه قول هذا المام المعصسوم ‪ ،‬فيجعلون‬
‫الحلل مسا حلله والحرام مسا حرمسه هذا الذي ل يوجسد ‪ .‬وعنسد مسن يقول إنسه‬
‫موجود ل يعرفه أحد ‪ ،‬ول يمكن أحدا أن ينقل عنه كلمة واحدة ‪.‬‬
‫‪ )2(1‬اليتان ‪ 80 ، 79‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬الية ‪ 31‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬انظر سنن الترمذي ج ‪ 4‬ص ‪ ، 341‬وقال ‪ :‬غريب ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫ومن حماقاتهم تمثيلهم لمن يبغضونه مثل اتخاذهم نعجة وقد تكون نعجة‬
‫حمراء ‪ ،‬لكون عائشة تسمى الحميرا يجعلونها عائشة ويعذبونها بنتف شعرها‪،‬‬
‫وغير ذلك ‪ ،‬ويرون أن ذلك عقوبة لعائشة و مثل ا تخاذهم حلسا مملوءا سمنا‬
‫يشقون بطنه فيخرج السمن فيشربونه ‪ ،‬ويقولون هذا مثل ضرب عمر وشرب‬
‫دمه ‪.‬‬
‫ومثسل تسسمية بعضهسم لحماريسن مسن حمسر الرحسا أحدهمسا بأبسي بكسر ‪،‬‬
‫وال خر بع مر ثم عقو بة الحمار ين جعل من هم تلك العقو بة عقو بة ل بي ب كر‬
‫وعمر ‪ ،‬وتارة يكتبون أسماءهم على اسفل أرجلهم حتى أن بعض الولة جعل‬
‫يضرب رجلي مسن فعسل ذلك ويقول إنمسا ضربست أبسا بكسر وعمسر ‪ ،‬ول أزال‬
‫أضربهما حتى أعدمهما ‪.‬‬
‫ومنهم من يسمي كلبه باسم أبي ب كر وعمر ‪ ،‬ويلعنهما ومنهم من إذا‬
‫سمى كل به فق يل له بكيسر يضارب من يف عل ذلك ‪ ،‬ويقول ت سمى كلبسي با سم‬
‫أصحاب النار ‪.‬‬
‫ومنهم من يعظم أبا لؤلؤة المجوسي الكافر الذي كان غلما للمغيرة بن‬
‫شعبة ‪ ،‬لما قتل عمر ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬واثارات أبي لؤلؤة فيعظمون كافرا مجوسيا‬
‫باتفاق المسلمين لكونه قتل عمر ‪. t‬‬
‫ومن حماقات هم إظهار هم لما يجعلونه مشهدا ‪ ،‬فكم كذبوا الناس‪ ،‬وادعوا‬
‫أن فسي هذا المكان ميتسا مسن أهسل البيست ‪ ،‬وربمسا جعلوه مقتول‪ ،‬فيبنون ذلك‬
‫مشهدا ‪ ،‬وقسد يكون ذلك كافرا أو قسبر بعسض الناس ‪ ،‬ويظهسر ذلك بعلمات‬
‫كثيرة ‪.‬‬
‫ومعلوم أن عقوبة الدواب المسماة بذلك ونحو هذا الفعل ل يكون إل من‬
‫ف عل أح مق الناس وأجهل هم ‪ ،‬فإ نه من المعلوم أ نا لو أرد نا أن نعا قب فرعون‬

‫‪25‬‬

‫وأبا لهب وأبا جهل وغيرهم ممن ثبت بإجماع المسلمين أنهم من أكفر الناس‬
‫مثل هذه العقوبة لكان هذا من أعظم الجهل ‪ ،‬لن ذلك ل فائدة فيه بل إذا قتل‬
‫كا فر ‪ ،‬يجوز قتله أو مات ح تف أن فه ‪ ،‬لم ي جز ب عد قتله أو مو ته أن يم ثل به‬
‫فل ي شق بط نه أو يجدع أن فه وأذ نه ول تق طع يده إل أن يكون ذلك على سبيل‬
‫المقابلة ‪.‬‬
‫فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره ‪ ،‬عن بريدة ‪ ،‬عن النبي ‪ ، e‬أنه كان‬
‫إذا بعسث أميرا على جيسش أو سسرية ‪ ،‬أوصساه فسي خاصسة نفسسه بتقوى ال ‪،‬‬
‫وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال ‪(( :‬اغزو في سبيل ال ‪ ،‬قاتلوا من‬
‫كفسر بال ‪ ،‬ل تغلوا ‪ ،‬ول تغدروا ‪ ،‬ول تمثلوا ‪ ،‬ول تقتلوا ‪ ،‬وليدا‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫وفسي‬

‫السنن أنه كان في خطبته يأمر بالصدقة ‪ ،‬وينهى عن المثلة(‪. )2‬‬
‫مع أن التمثيل بالكافر بعد موته فيه نكاية بالعدو ‪ ،‬ولكن نهى عنه لنه‬
‫زيادة إيذاء بل حاجسة ‪ ،‬فإن المقصسود كسف شره بقتله ‪ ،‬وقسد حصسل ‪ .‬فهؤلء‬
‫الذيسن بيغضونهسم لو كانوا كفارا وقسد ماتوا لم يكسن لهسم بعسد موتهسم أن يمثلوا‬
‫بأبدانهم ‪ ،‬ل يضربونهم ‪ ،‬ول يشقون بطونهم ول ينتفون شعورهم ‪ ،‬مع أن في‬
‫ذلك نكاية فيهم ‪ .‬أما إذا فعلوا ذلك بغيرهم ظنا أن ذلك يصل إليهم كان غاية‬
‫الج هل ‪ ،‬فك يف إذا كان بمحرم كالشاة ال تي يحرم إيذاؤ ها بغ ير حق ‪ ،‬فيفعلون‬
‫ما ل يحصل لهم به منفعة أصل بل ضرر في الدين والدنيا ‪ ،‬والخرة ‪ ،‬مع‬
‫تضمنه غاية الحمق والجهل ‪.‬‬
‫ومن حماقتهم إقامة المأتم والنياحة على من قتل من سنين عديدة ‪ ،‬ومن‬
‫المعلوم أن المقتول وغيره من المو تى إذا ف عل م ثل ذلك ب هم ع قب موت هم كان‬
‫ذلك م ما حر مه ال ور سوله ‪ ،‬ف قد ث بت في ال صحيح عن ال نبي ‪ e‬أ نه قال ‪:‬‬

‫‪ )1(1‬انظره في مسلم ج ‪3‬ص ‪1356‬‬
‫‪ )2(2‬انظر سنن أبي داود ج ‪3‬ص ‪ 72‬والدارمي ج ‪1‬ص ‪. 390‬‬

‫‪26‬‬

‫((‬

‫ليسس منسا مسن لطسم الخدود ‪ ،‬وشسق الجيوب ‪ ،‬ودعسا بدعوى الجاهليسة‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وثبت في الصحيح عنه أنه برئ من الحالقة والصالقة والشاقة(‪ . )2‬فالحالقة لتي‬
‫تحلق شعرهسا عنسد المصسيبة ‪ ،‬والصسالقة التسي ترفسع صسوتها عنسد المصسيبة‬
‫بالمصيبة والشاقة التي تشق ثيابها ‪.‬‬
‫وفي الصحيح عنه أنه قال ‪((:‬من نيح عليه فإنه يعذب ‪ ،‬بما نيح عليه))(‪.)3‬‬
‫وفي الصحيح عنه أنه قال ‪(( :‬إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم‬
‫القيامة درعا من جرب ‪ ،‬وسربال من قطران‬

‫))‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫والحاديسث فسي هذا المعنسى كثيرة ‪ ،‬وهؤلء يأتون مسن لطسم الخدود ‪،‬‬
‫وشق الجيوب ‪ ،‬ودعوى الجاهلية ‪ ،‬وغير ذلك من المنكرات بعد الموت بسنين‬
‫كثيرة ما لو فعلوه ع قب مو ته لكان ذلك من أع ظم المنكرات ال تي حرم ها ال‬
‫ورسوله ‪ ،‬فكيف بعد هذه المدة الطويلة ؟ ‪.‬‬
‫ومن المعلوم أنه قد قتل من النبياء وغير النبياء ظلما وعدوانا من هو‬
‫أفضل من الحسين ‪ ،‬قتل أبوه ظلما ‪ ،‬وهو أفضل منه ‪ ،‬وقتل عثمان بن عفان‪،‬‬
‫وكان قتله اول الفتن العظيمة التي وقعت بعد موت النبي ‪ ، e‬وترتب عليه من‬
‫الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين ‪.‬‬
‫وقتل غير هؤلء ومات ‪ ،‬وما فعل أحد من المسلمين ول غيرهم مأتما‬
‫ول نيا حة على م يت ‪ ،‬ول قت يل ب عد مدة طويلة من قتله ‪ ،‬إل هؤلء الحم قى‬
‫الذين لو كانوا من الطير لكانوا رخما ‪ ،‬ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا‬

‫(‪)5‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪2‬ص ‪ . 82‬في أماكن متعددة ومسلم ج ‪1‬ص ‪.99‬‬
‫‪ )2(2‬البخاري ج ‪2‬ص ‪ 81‬ومواضع أخرى ‪ .‬ومسلم ج ‪1‬ص ‪. 100‬‬
‫‪ )3(3‬انظر مسلم ج ‪2‬ص ‪ 644‬والبخاري ج ‪2‬ص ‪. 80‬‬
‫‪ )4(4‬انظره في مسلم ج ‪ 2‬ص ‪. 644‬‬
‫‪ )1(5‬اتخاذهم يوم عاشوراء مأتما على الحسين هو من أجل إيقاد نار الغل والحقد على أهل‬
‫السنة لنهم في تصويرهم هم الذين قتلوه ‪ ،‬وليس ذلك حبا للحسين وأهل بيته ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫ومن ذلك أن بعضهم ل يوقد خشب الطرفاء ‪ ،‬لنه أبلغه أن دم الحسين‬
‫و قع على شجرة من الطرفاء ‪ .‬ومعلوم أن تلك الشجرة بعين ها ل يكره وقود ها‬
‫ولو كان عليها من أي دم كان ‪ ،‬فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم ؟‬

‫‪28‬‬

‫ومن حماقاتهم ما يطول وصفها ول يحتاج أن تنقل بإسناد ‪ ،‬ولكن ينبغي‬
‫أن يعلم مع هذا أن المقصود أنه من ذلك الزمان القديم يصفهم الناس بمثل هذا‪،‬‬
‫من ع هد التابع ين وتابعي هم ك ما ث بت ب عض ذلك ‪ ،‬إ ما عن الش عبي ‪ ،‬وإ ما أن‬
‫يكون من كلم عبد الرحمن ‪ ،‬وعلى التقديرين فإن المقصود حاصل ‪ ،‬فإن عبد‬
‫الرحمن كان في زمن تابعي التابعين ‪.‬‬
‫وإنمسا ذكرنسا هذا لن عبسد الرحمسن كثيسر مسن الناس ل يحتسج بروايتسه‬
‫المفردة ‪ ،‬إما لسوء حظه ‪ ،‬وإما لتهمته في تحسين الحديث ‪ ،‬وإن كان له علم‬
‫ومعرفة بأنواع من العلوم ‪ ،‬ولكن ل يصلح للعتضاد ‪ ،‬والمتابعة ‪ ،‬كمقاتل بن‬
‫سليمان ‪ ،‬ومح مد بن ع مر الواقدي ‪ ،‬وأمثاله ما ‪ ،‬فإن كثرة الشهادات والخبار‬
‫قد توجب العلم ‪ ،‬وإن لم يكن كل من المخبرين ثقة حافظا حتى يحصل العلم‬
‫بمخبر الخبار المتواترة ‪ ،‬وإن كان المخبرون من أهل الفسوق ‪ ،‬إذا لم يحصل‬
‫بينهم تشاغر وتواطؤ ‪.‬‬
‫والقول الحق الذي يقوم عليه الدليل يقبل من كل من قاله ‪ ،‬وإن لم يقبل‬
‫بمجرد إخبار المخبر به ‪.‬‬
‫فلهذا ذكرنا ما ذكره عبد الرحمن بن مالك بن مغول ‪ ،‬فإن غاية ما فيه‬
‫أنه قاله ذاكرا الثر وعبد الرحمن هذا يروي عن أبيه ‪ ،‬وعن العمش ‪ ،‬وعن‬
‫عب يد ال بن ع مر ‪ ،‬ول يح تج بمفردا ته ‪ ،‬فإ نه ضع يف‪.‬وم ما ينب غي أن يعرف‬
‫أن مسا يوجسد فسي جنسس الشيعسة مسن القوال والفعال المذمومسة ‪ ،‬وإن كان‬
‫أضعاف ما ذكرناه ل كن قد ل يكون هذا كله في المام ية الث ني عشر ية ‪ ،‬ول‬
‫في الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية ‪ ،‬وفي كثير من عوامهم مثل ما‬
‫يذ كر عن هم من تحر يم ل حم الج مل ‪ ،‬وأن الطلق يشترط ف يه ر ضا المرأة ‪،‬‬
‫ونحو ذلك مما يقوله من يقوله من عوامهم وإن كان علماؤهم ل يقولون ذلك ‪،‬‬
‫ولكسن لمسا كان أصسل مذهبهسم مسستند إلى جهسل ‪ ،‬كانوا أكثسر الطوائف كذبسا‬

‫‪29‬‬

‫وجهل‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫( فصل )‬
‫الرافضة أكذب الناس ‪ ،‬وذلك فيهم قديم وليسوا أهل علم‬
‫ون حن نبين إن شاء ال تعالى طر يق ال ستقامة في معر فة هذا الكتاب ‪،‬‬
‫منهاج الندامسة بحول ال وقوتسه ‪ ،‬وهذا الرجسل سسلك مسسلك سسلفه ‪ ،‬شيوخ‬
‫الرافضة كابن النعمان المفيد ‪ ،‬ومتبعيه كالكراجكي ‪ ،‬وأبي القاسم الموسوي ‪،‬‬
‫والطوسي ‪ ،‬وأمثالهم ‪.‬‬
‫فإن الرافضسة فسي الصسل ليسسوا أهسل علم ‪ ،‬وخسبرة بطريسق النظسر‬
‫والمناظرة ‪ ،‬ومعرفة الدلة ‪ ،‬وما يدخل فيها من المنع والمعارضة ‪ ،‬كما أنهم‬
‫أج هل الناس بمعر فة المنقولت ‪ ،‬والحاد يث والثار ‪ ،‬والتمي يز ب ين صحيحها‬
‫وضعيفها ‪ ،‬وإنما عمدتهم في المنقولت على تواريخ منقطعة السناد ‪ ،‬وكثير‬
‫منها من وضع المعروفين بالكذب وباللحاد ‪.‬‬
‫وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن علي ‪ ،‬وهشام بن‬
‫مح مد بن ال سائب ‪ ،‬وأمثاله ما من المعروف ين بالكذب ع ند أ هل العلم ‪ ،‬مع أن‬
‫أمثال هؤلء هم أجل من يعتمدون عليه ‪ ،‬في النقل إذ كانوا يعتمدون على من‬
‫هو في غاية الجهل والفتراء ‪ ،‬ممن ل يذكر في الكتب ‪ ،‬ول يعرفه أهل العلم‬
‫بالرجال ‪.‬‬
‫وقسد اتفسق أهسل العلم بالنقسل والروايسة والسسناد على أن الرافضسة أكذب‬
‫الطوائف ‪ ،‬والكذب فيهم قديم ‪ ،‬ولهذا كان أئمة السلم يعلمون امتيازهم بكثرة‬
‫الكذب ‪.‬‬
‫قال أبو حاتم الرازي سمعت يونس بن عبد العلى يقول قال أشهب بن‬

‫‪31‬‬

‫ع بد العز يز ‪ :‬سئل مالك عن الراف ضة فقال ‪ :‬ل تكلم هم ول ترو عن هم فإن هم‬
‫يكذبون ‪.‬‬
‫وقال أبو حاتم حدثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول ‪ :‬لم أر أحدا أشهد‬
‫بالزور من الرافضة ‪.‬‬
‫وقال مؤ مل بن أهاب ‪ :‬سمعت يز يد بن هارون يقول ‪ :‬نك تب عن كل‬
‫صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إل الرافضة ‪ ،‬فإنهم يكذبون ‪ .‬وقال محمد بن‬
‫سسعيد الصسفهاني سسمعت شريكسا يقول احمسل العلم عسن كسل مسن لقيست إل‬
‫الرافضة ‪ ،‬فإنهم يضعون الحديث ‪ ،‬ويتخذونه دينا ‪.‬‬
‫وشريسك هسو شريسك بسن عبسد ال القاضسي ‪ ،‬قاضسي الكوفسة مسن أقران‬
‫الثوري وأ بي حني فة ‪ ،‬و هو من الشي عة ‪ ،‬الذي يقول بل سانه أ نا من الشي عة ‪.‬‬
‫وهذه شهاد ته في هم ‪ .‬وقال أ بو معاو ية سمعت الع مش يقول ‪ :‬أدر كت الناس‬
‫وما يسمونهم إل الكذابين ‪ ،‬يعني أصحاب المغيرة بن سعيد ‪.‬‬
‫وقال العمسش ول عليكسم أن تذكروا هذا فإنسي ل آمنهسم أن يقولوا إنسا‬
‫أ صبنا الع مش مع امرأة ‪ ،‬وهذه آثار ثاب تة قد روا ها ابوع بد ال بن ب طة في‬
‫البانة الكبرى ‪ ،‬هو وغيره ‪.‬‬
‫وروى أبسو القاسسم الطسبري ‪ :‬كان الشافعسي يقول ‪ :‬مسا رأيست فسي أهسل‬
‫الهواء قوما أشهد بالزور من الرافضة ‪ ،‬وهذا المعنى إن كان صحيحا فاللفظ‬
‫الول هو الثابت عن الشافعي ‪.‬‬
‫والمقصسود هنسا أن العلماء كلهسم متفقون على أن الكذب فسي الرافضسة‬
‫أظهر منه في سائر طوائف أهل القبلة ‪.‬‬
‫والراف ضة أ صل بدعت هم عن زند قة وإلحاد ‪ ،‬وتع مد الكذب في هم كث ير ‪،‬‬

‫‪32‬‬

‫وهسم يقرون بذلك ‪ ،‬حيسث يقولون ديننسا التقيسة ‪ ،‬وهسو أن يقول أحدهسم بلسسانه‬
‫خلف مسا فسي قلبسه ‪ ،‬وهذا هسو الكذب والنفاق ‪ ،‬ويدعون مسع هذا أنهسم هسم‬
‫المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة ‪.‬‬
‫ويصسفون السسابقين الوليسن بالردة والنفاق ‪ ،‬فهسم فسي ذلك كمسا قيسل ‪:‬‬
‫(رمت ني بدائ ها وان سلت ) ‪ ،‬إذ ل يس في المظهر ين لل سلم أقرب إلى النفاق‬
‫والردة منهم ‪ ،‬ول يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم ‪،‬‬
‫واعتسبر ذلك بالغاليسة مسن النصسيرية وغيرهسم ‪ ،‬وبالملحدة والسسماعيلية‬
‫وأمثالهم‪.‬‬
‫وعمدتهم في الشرعيات ما ينقل لهم عن بعض أهل البيت ‪ ،‬وذلك النقل‬
‫م نه ما هو صدق ‪ ،‬وم نه ما هو كذب عمدا ‪ ،‬أو خ طأ ولي سوا أ هل معر فة‬
‫ب صحيح المنقول وضعي فه ‪ ،‬كأ هل المعر فة بالحد يث ‪ ،‬ثم إذا صح الن قل عن‬
‫هؤلء فإن هم بنوا وجوب قبول قول الوا حد من هؤلء على ثل ثة أ صول على‬
‫أن الواحد من هؤلء معصوم مثل عصمة الرسول ‪.‬‬
‫وعلى أن ما يقول أحدهم فإنما يقوله نقل عن الرسول‪ ،‬ويدعون العصمة‬
‫في هذا النقل ‪.‬‬
‫والثالث أن إجماع العترة ح جة ‪ ،‬ثم يدعون أن العترة هم الث نا ع شر ‪،‬‬
‫ويدعون أن ما نقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه ‪ ،‬فهذه أصول الشرعيات‬
‫عندهم ‪ ،‬وهي أصول فاسدة ‪ ،‬كما سنبين ذلك في موضعه ‪ ،‬ل يعتمدون على‬
‫القرآن ‪ ،‬ول على الحديث ‪ ،‬ول على الجماع ‪ ،‬إل لكون المعصوم منهم‪.‬‬
‫ول على القياس ‪ ،‬وإن كان جليسا واضحسا ‪ .‬وأمسا أعمدتهسم فسي النظسر‬
‫والعقليات ‪ :‬فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة في الجملة ‪.‬‬
‫والمعتزلة أعقل وأصدق ‪ ،‬وليس في المعتزلة من يطعن في خلفة أبي‬

‫‪33‬‬

‫ب كر وع مر وعثمان رضوان ال علي هم أجمع ين ‪ ،‬بل هم متفقون على ت ثبيت‬
‫خلفة الثلثة ‪ ،‬وأما التفضيل فأئمتهم وجمهورهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر‬
‫‪t‬ما‪ ،‬وفي متأخريهم من توقف في التفضيل وبعضهم فضل عليا ‪ ،‬فصار بينهم‬
‫وب يم الزيد ية ن سب را جح من ج هة المشار كة ‪ ،‬في التوح يد والعدل والما مة‬
‫والتفضيل ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫الفصل الول‬
‫زعم الرافضة أن المامة من أهم أصول الدين‬
‫قال المصسنف الرافضسي أمسا بعسد ‪ :‬فهذه رسسالة شريفسة ‪ ،‬ومقالة لطيفسة‬
‫اشتملت على أ هم المطالب في أحكام الد ين ‪ ،‬وأشرف م سائل الم سلمين و هي‬
‫م سألة الما مة ‪ ،‬ال تي يح صل ب سبب إدراك ها ن يل در جة الكرا مة ‪ ،‬و هي أ حد‬
‫أركان اليمان ‪ ،‬المسستحق بسسببه الخلود فسي الجنان ‪ ،‬والتخلص مسن غضسب‬
‫الرحمسن ‪ ،‬فلقسد قال رسسول ال ‪(( : e‬مسن مات ولم يعرف إمام زمانسه مات‬
‫مي تة جاهل ية )) ‪ .‬خد مت بها خزانة السلطان العظم مالك رقاب المم ‪ ،‬ملك‬
‫ملوك طوائف العرب والعجسم ‪ ،‬مولى النعسم ومسسدي الخيسر والكرم ‪ ،‬شاهنشاه‬
‫المكرم غياث الملة والحسق والديسن ( أولجايسو خدابنده ) ‪ ،‬قسد لخصست فيسه‬
‫خلصة الدلئل ‪ ،‬وأشرت إلى رؤوس المسائل ‪ ،‬وسميتها منهاج الكرامة ‪ ،‬في‬
‫معرفة المامة ‪ ،‬وقد رتبتها على فصول ‪ .‬الفصل الول في نقل المذاهب في‬
‫هذه المسألة ‪ ،‬ثم ذكر الفصل الثاني في أن مذهب المامية واجب التباع ‪ ،‬ثم‬
‫ذ كر الف صل الثالث في الدلة على إما مة علي ‪ t‬ب عد ر سول ال ‪ ، e‬ثم ذ كر‬
‫الفصل الرابع في الثني عشر ثم ذكر الفصل الخامس في إبطال خلفة أبي‬
‫بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬فيقال الكلم على هذا من وجوه ‪:‬‬
‫( أحدها ) ‪ :‬أن يقال أول أن القائل ‪ :‬أن مسألة المامة أهم المطالب في‬
‫أحكام الديسن ‪ ،‬وأشرف مسسائل المسسلمين ‪ ،‬كذب بإجماع المسسلمين ‪ ،‬سسنيهم‬
‫وشيعيهم ‪ ،‬بل هو كفر ‪ ،‬فإن اليمان بال ورسوله أهم من مسألة المامة ‪.‬‬
‫وهذا معلوم بالضطرار من دين السلم ‪ ،‬فالكافر ل يصير مؤمنا حتى‬
‫يشهسد أن ل إله إل ال وأن محمدا رسسول ال ‪ ،‬وهذا هسو الذي قاتسل عليسه‬
‫الرسول ‪ e‬الكفار كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال‪(( :‬أمرت أن‬

‫‪35‬‬

‫أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأني رسول ال ‪ ،‬ويقيموا الصلة ‪،‬‬
‫ويؤتوا الزكاة ‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ‪ ،‬إل بحقها‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫شهُ ُر ا ْلحُرُمنُ فَاقْتُلُواْ ا ْل ُمشْ ِركِيننَ حَيْثنُ‬
‫خ الَ ْ‬
‫وقسد قال تعالى ‪ ] :‬فَإِذَا انسنَ َل َ‬
‫ْصندٍ َفإِن تَابُواْ َوأَقَامُواْ‬
‫ُمن ُكلّ َمر َ‬
‫ْصنرُو ْهُ وَاقْعُدُواْ َله ْ‬
‫ُمن وَاح ُ‬
‫ُمن َوخُذُوه ْ‬
‫َوجَد ّتمُوه ْ‬
‫ال صّلَةَ وَآ َت ُواْ ال ّزكَاةَ َفخَلّو ْا سَبِي َلهُ ْم [(‪ . )2‬وكذلك قال لعلي ل ما بع ثه إلى خ يبر‬
‫وكذلك كان النبي ‪ . e‬يسير في الكفار فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر ل يذكر‬
‫ل هم الما مة بحال و قد قال تعالى ب عد هذا ‪ ] :‬فَإِن تَابُواْ َوأَقَامُواْ ال صّلَ َة وَآ َت ُواْ‬
‫ن [(‪. )3‬‬
‫خوَانُ ُكمْ فِي الدّي ِ‬
‫ال ّزكَاةَ فَ ِإ ْ‬
‫فجعل هم إخوا نا في الد ين بالتو بة ‪ ،‬فإن الكفار على ع هد ر سول ال ‪e‬‬

‫كانوا إذا أ سلموا أجرى علي هم أحكام ال سلم ‪ ،‬ولم يذ كر ل هم الما مة بحال ‪،‬‬
‫ول ن قل هذا عن الر سول أ حد من أ هل العلم ‪ ،‬ل نقل خا صا ول عا ما ‪ ،‬بل‬
‫ن حن نعلم بالضطرار أن ال نبي صلى ال عل يه لم ي كن يذ كر للناس إذا أرادوا‬
‫الدخول في دينه المامة ل مطلقا ول معنيا ‪.‬‬
‫فك يف تكون أ هم المطالب في أحكام الد ين ؟ وم ما يبين ذلك ان الما مة‬
‫بتقدير الحتياج إلى معرفتها ل يحتاج إليها من مات على عهد رسول ال ‪_ e‬‬
‫فكيف يكون أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين ل يحتاج إليه أحد‬
‫على عهد النبي ‪. e‬‬
‫أوليس الذين آمنوا بالنبي ‪ e‬في حياته واتبعوه باطنا وظاهرا ولم يرتدوا‬
‫ولم يبدلوا هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين أهل السنة والشيعة ‪ ،‬فكيف يكون‬
‫أفضسل المسسلمين ل يحتاج إلى أهسم المطالب فسي الديسن ؟ وأشرف مسسائل‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪1‬ص ‪ 10‬وأماكن أخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪1‬ص ‪.53-52‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 5‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 11‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫المسلمين ؟ ‪.‬‬
‫فإن ق يل إن ال نبي ‪ e‬كان هو المام في حيا ته‪ ،‬وإن ما يحتاج إلى المام‬
‫بعد مماته فلم تكن هذه المسألة أهم مسائل الدين في حياته وإنما صارت أهم‬
‫مسائل الدين بعد موته قيل‪ :‬الجواب عن هذا من وجوه ‪:‬‬
‫( أحدهنا ) ‪ :‬أنسه بتقديسر صسحة ذلك ل يجوز أن يقال إنهسا أهسم مسسائل‬
‫الد ين مطل قا ‪ ،‬بل في و قت دون و قت ‪ ،‬و هي في خ ير الوقات لي ست أ هم‬
‫الطالب في أحكام الدين ول أشرف مسائل المسلمين ‪.‬‬
‫( الثانني ) ‪ :‬أن يقال اليمان بال ورسسوله فسي كسل زمان ومكان أعظسم‬
‫من مسألة المامة ‪ ،‬فلم تكن في وقت من الوقات ل الهم ول الشرف ‪.‬‬
‫( الثالث ) ‪ :‬أن يقال فقد كان يجب بيانها من النبي ‪ e‬لمته الباقين من‬
‫بعده ‪ ،‬كما بين لهم أمور الصلة والزكاة والصيام والحج ‪ ،‬وعين أمر اليمان‬
‫بال وتوحيده واليوم الخر ‪.‬‬
‫و من المعلوم أ نه ل يس بيان م سألة الما مة في الكتاب وال سنة ببيان هذه‬
‫الصول ‪ ،‬فإن قيل بل المامة في كل زمان هي الهم والنبي ‪ e‬كان نبيا إماما‬
‫وهذا كان معلوما لمن آمن به أنه كان إمام ذلك الزمان قيل العتذار بهذا باطل‬
‫من وجوه ‪:‬‬
‫( أحدها ) ‪ :‬أن قول القائل المامة أهم المطالب في أحكام الدين إما أن‬
‫ير يد به إما مة الث ني ع شر أو إما مة إمام كل زمان بعي نه في زما نه بح يث‬
‫يكون ال هم في زمان نا اليمان بإما مة محمدالمنت ظر‪ ،‬وال هم في زمان الخلفاء‬
‫الربعة اليمان بإمامة علي عندهم ‪ ،‬والهم في زمان النبي ‪ e‬اليمان بإمامته‬
‫‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫وإما أن يريد به اليمان بأحكام المامة مطلقا غير معين ‪ .‬وإما أن يريد‬
‫به مع نى راب عا ‪ ،‬أ ما الول ف قد علم بالضطرار أن هذا لم ي كن معلو ما شائ عا‬
‫ب ين ال صحابة ول التابع ين بل الشي عة تقول أن كل وا حد إن ما يع ين ب نص من‬
‫قبله ‪ ،‬فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين‪.‬‬
‫وأ ما الثا ني فعلى هذا التقد ير يكون أ هم المطالب في كل زمان اليمان‬
‫بإمام ذلك الزمان ‪ ،‬ويكون اليمان من سنة ستين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما‬
‫هو اليمان بإمامة محمد بن الحسن ‪ ،‬ويكون هذا أعظم من اليمان بأنه ل إله‬
‫إل ال وأن محمدا رسسول ال ‪ ،‬ومسن اليمان بال وملئكتسه وكتبسه ورسسله‬
‫والبعسث بعسد الموت ‪ ،‬ومسن اليمان بالصسلة والزكاة والصسيام والحسج وسسائر‬
‫الواجبات ‪ ،‬وهذا مع أنه معلوم فساده بالضطرار من دين السلم ‪ ،‬فليس هو‬
‫قول المامية ‪ ،‬فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر‬
‫كما ذكره هذا المصنف ‪ ،‬وأمثاله من شيوخ الشيعة ‪.‬‬
‫وأيضا فإن كان هذا هو أهم المطالب في الدين فالمامية آخر الناس في‬
‫صفقة هذا الد ين ‪ ،‬لن هم جعلوا المام المع صوم ‪ ،‬هو المام المعدوم الذي لم‬
‫ينفع هم في الد ين والدن يا ‪ ،‬فلم ي ستفيدوا م أ هم المور الدين ية شيئا من منا فع‬
‫الدين ول الدنيا ‪.‬‬
‫وإن قالوا ‪ :‬إن المراد أن اليمان بحكسم المامسة مطلقسا هسو أهسم أمور‬
‫الديسن‪ ،‬كان هذا أيضسا باطل للعلم الضروري أن غيرهسا مسن أمور الديسن أهسم‬
‫منها ‪ ،‬وإن أريد معني رابع فل بد من بيانه لنتكلم عليه ‪.‬‬
‫( الوجه الثاني ) أن يقال إن النبي ‪ e‬لم تجب طاعته على الناس لكونه‬
‫إما ما ‪ ،‬بل لكو نه ر سول ال إلى الناس ‪ ،‬وهذا المع نى ثا بت له ح يا ومي تا ‪،‬‬
‫فوجوب طاع ته على من بعده كوجوب طاع ته على أ هل زما نه ‪ ،‬وأ هل زما نه‬
‫فيهسم الشاهسد الذي يسسمع أمره ونهيسه ‪ ،‬وفيهسم الغائب الذي بلغسه الشاهسد أمره‬

‫‪38‬‬

‫ونهيه ‪.‬‬
‫فك ما ي جب على الغائب ع نه في حيا ته طا عة أمره ونه يه ‪ ،‬ي جب ذلك‬
‫على من يكون ب عد مو ته ‪ ،‬و هو ‪ e‬أمره شا مل عام ل كل مؤ من شهده أو غاب‬
‫عنه ‪ ،‬في حياته وبعد موته ‪ ،‬وهذا ليس لحد من اهل الئمة ول يستفاد هذا‬
‫بالمامة ‪.‬‬
‫حتى إنه ‪ e‬إذا أمر ناسا معينين بأمور وحكم في أعيان معينة بأحكام لم‬
‫ي كن حك مه وأمره مخت صا بتلك المعينات ‪ ،‬بل كان ثاب تا في نظائر ها وأمثال ها‬
‫إلى يوم القيا مة ‪ ،‬فقوله ‪ e‬ل من شهده ‪((:‬ل ت سبقوني بالركوع ول بال سجود‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫هو حكم ثابت لكل مأموم بإمام أن ل يسبقه بالركوع ول بالسجود ‪ ،‬وقوله لمن‬
‫قال ‪:‬‬

‫((‬

‫لم أشعسر فحلقست قبسل أن أرمسي ‪ .‬قال ‪ :‬ارم ول حرج ‪ .‬ولمسن قال‬

‫نحرت قبل أن أحلق ‪ .‬قال ‪ :‬احلق ول حرج‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪ .‬أمر لمن كان مثله ‪.‬‬

‫وكذلك قوله لعائ شة ‪t‬ا ل ما حا ضت و هي معتمرة ‪(( :‬ا صنعي ما ي صنع‬
‫الحاج غيسر أن ل تطوفسي بالبيست‬

‫))‬

‫(‪)3‬‬

‫‪ ،‬وأمثاله هذا كثيسر ‪ ،‬بخلف المام إذا‬

‫أطيع ‪.‬‬
‫وخلفاؤه بعده في تنف يذ أمره ونه يه كخلفائه في حيا ته ‪ ،‬ف كل آ مر بأ مر‬
‫يجب طاعته فيه ‪ ،‬إنما هو منفذ لمر رسول ال ‪ _ e‬لن ال أرسله إلى الناس‬
‫وفرض علي هم طاع ته ‪ ،‬ل ل جل كو نه إما ما له شو كة وأعوان ‪ ،‬أو ل جل أن‬
‫غيره عهسد له بالمامسة ‪ ،‬أو غيسر ذلك ‪ ،‬فطاعتسه ل تقسف على مسا تقسف عليسه‬
‫طاعة الئمة من عهد من قبله ‪ ،‬أو موافقته ذوي الشوكة أو غير ذلك بل تجب‬
‫طاعته ‪ _ e‬وإن لم يكن معه أحد ‪ ،‬وإن كذبه جميع الناس‪.‬‬
‫وكا نت طاع ته واج بة بم كة ق بل أن ي صير له أعوان ‪ ،‬وأن صار يقاتلون‬
‫‪ )1(1‬انظر مسلم ج ‪1‬ص ‪ 320‬وابن ماجه ج ‪1‬ص ‪. 309-308‬‬
‫‪ )2(2‬انظر البخاري ج ‪ 2‬ص ‪ 173‬ومسلم ج ‪2‬ص ‪. 948‬‬
‫‪ )3(3‬انظر البخاري ج ‪ 2‬ص ‪. 159‬‬

‫‪39‬‬

‫ت مِن قَبْلِ هِ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَ سُولٌ قَ ْد خَلَ ْ‬
‫م عه ‪ ،‬ف هو ك ما قال سبحانه ف يه ‪ ] :‬وَمَا ُم َ‬
‫عقِبَيْ هِ فَلَن‬
‫ب عَلَى َ‬
‫عقَا ِبكُ مْ وَمَن يَنقَلِ ْ‬
‫ت َأوْ قُ ِت َل انقَلَبْتُ مْ عَلَى أَ ْ‬
‫سلُ أَفَإِيْن مّا َ‬
‫الرّ ُ‬
‫ِينن [‬
‫َسنَيجْزِي الُ الشّاكِر َ‬
‫يَضُ ّر الَ شَيْئا و َ‬

‫(‪)1‬‬

‫بيسن سسبحانه وتعالى أنسه ليسس‬

‫بمو ته ول ق تل ينت قض ح كم ر سالته ‪ ،‬ك ما ينت قض ح كم الما مة بموت الئ مة‬
‫وقتل هم ‪ ،‬وأ نه ل يس من شر طه أن يكون خالدا ل يموت ‪ ،‬فإ نه ل يس هو ر با‬
‫وإنما هو رسول قد خلت من قبله الرسل ‪.‬‬
‫و قد بلغ الر سالة وأدى الما نة ون صح ال مة وجا هد في ال حق جهاده‬
‫وع بد ال ح تى أتاه اليق ين من ر به ‪ ،‬فطاع ته واج بة ب عد مما ته وجوب ها في‬
‫حيا ته‪ ،‬وأو كد لن الد ين ك مل وا ستقر بمو ته فلم ي بق ف يه ن سخ ‪ ،‬ولهذا ج مع‬
‫القرآن ب عد مو ته لكماله وا ستقراره بمو ته ‪ ،‬فإذا قال القائل إ نه كان إما ما في‬
‫حيا ته ‪ ،‬وبعده صار المام غيره إن أراد بذلك أ نه صار بعده من هو نظيره‬
‫يطاع كما يطاع الرسول فهو باطل ‪ ،‬وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره‬
‫ونه يه فهذا كان حا صل في حيا ته ‪ ،‬فإ نه إذا غاب كان هناك من يخل فه ‪ .‬وإن‬
‫ق يل أ نه ب عد مو ته ل يبا شر معي نا بال مر بخلف حيا ته ق يل مباشر ته بال مر‬
‫لي ست شر طا في وجوب طاع ته ‪ ،‬بل ت جب طاع ته على من بل غه أمره ونه يه‬
‫كما تجب طاعته على من سمع كلمه ‪.‬‬
‫وقد كان يقول ‪(( :‬ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫وإن ق يل إ نه في حيا ته كان يق ضي فسي قضا يا معي نة ‪ ،‬م ثل إعطاء ش خص‬
‫بعينه‪ ،‬وإقامة الحد على شخص بعينه ‪ ،‬وتنفيذ جيش بعينه ‪ .‬قيل نعم وطاعته‬
‫واجبة في نظير ذلك إلى يوم القيامة ‪ ،‬بخلف الئمة ‪ .‬لكن قد يخفى الستدلل‬
‫على نظيسر ذلك كمسا يخفسى العلم على مسن غاب عنسه ‪ ،‬فالشاهسد أعلم بمسا قال‬
‫وأفهسم له مسن الغائب‪ ،‬وإن كان فيمسن غاب وبلغ أمره مسن هو أوعسى له مسن‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 144‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬رواه البخاري ج ‪2‬ص ‪ 176‬وغيره ‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫بعض السامعين‪ ،‬لكن هذا لتفاضل الناس في معرفة أمره ونهيه ‪ ،‬ل لتفاضلهم‬
‫في وجوب طاعته عليهم ‪.‬‬
‫فما تجب طاعة ولي أمر بعده إل كما تجب طاعة ولة المور في حياته‬
‫فطاع ته شاملة لجم يع العباد شمول واحدا ‪ ،‬وإن تنو عت خدمت هم في البلغ و‬
‫السماع والفهم ‪ ،‬فهؤلء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلء ‪ ،‬وهؤلء يسمعون‬
‫من أمره ما لم ي سمعه هؤلء ‪ ،‬وهؤلء يفهمون من أمره ما ل يفهمه هؤلء ‪،‬‬
‫وكل من أمر بما أمر به الرسول وجبت طاعته ‪ ،‬طاعة ل ورسوله ل له ‪.‬‬
‫وإذا كان للناس ولي أ مر قادر ذو شو كة ‪ ،‬فيأ مر ب ما يأ مر ويح كم ب ما‬
‫يحكم ‪ ،‬انتظم المر بذلك ‪ ،‬ولم يجز أن يولى غيره ‪ ،‬ول يمكن بعده أن يكون‬
‫ش خص وا حد مثله ‪ ،‬وإن ما يو جد من هو أقرب إل يه من غيره ‪ ،‬فأ حق الناس‬
‫بخلفة نبوته أقربهم إلى المر بما يأمر به ‪ ،‬والنهي عما نهى عنه ‪ ،‬ول يطاع‬
‫أمره طاعة ظاهرة غالبة إل بقدرة وسلطان يوجب الطاعة ‪ ،‬كما لم يطع أمره‬
‫في حيا ته طا عة ظاهرة غال بة ح تى صار م عه من يقا تل على طا عة أمره ‪،‬‬
‫فالد ين كله طا عة ل ور سوله وطا عة ال ور سوله هي الد ين كله ف من ي طع‬
‫الرسول فقد أطاع ال ‪.‬‬
‫ودين المسلمين بعد موته طاعة ال ورسوله ‪ ،‬وطاعتهم لولي المر فيما‬
‫أمروا بطاع ته ف يه هو طا عة ل ور سوله ‪ ،‬وأ مر ولي ال مر الذي أمره ال أن‬
‫يأمرهم به ‪ ،‬وقسمه وحكمه هو طاعة ل ورسوله ‪ ،‬فأعمال الئمة والمة في‬
‫حياته ومماته التي يحبها ال ويرضاها ‪ ،‬كلها طاعة ل ورسوله ‪.‬‬
‫ولهذا كان أ صل الد ين شهادة أن ل إله إل ال وشهادة أن محمدا ر سول‬
‫ال ‪ ،‬فإذا قيل هو كان إماما وأريد بذلك إمامة خارجة عن الرسالة ‪ ،‬أو إمامة‬
‫يشترط فيها ما ل يشترط في الرسالة ‪ ،‬أو إمامة يعتبر فيها طاعته بدون طاعة‬
‫الرسول ‪ ،‬فهذا كله باطل فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته ‪ ،‬وهو في كل‬

‫‪41‬‬

‫ما يطاع فيه يطاع بأنه رسول ال ولو قدر أنه كان إماما مجردا لم يطع حتى‬
‫تكون طاعته داخلة في طاعة رسول آخر ‪.‬‬
‫فالطاعة إنما تجب ل ورسوله ‪ ،‬ولمن أمرت الرسل بطاعتهم ‪.‬‬
‫فإن قيل أطيع بإمامته طاعة داخلة في رسالته كان هذا عديم التأثير ‪،‬‬
‫فإن مجرد ر سالته كاف ية في وجوب طاع ته ‪ ،‬بخلف المام فإ نه إن ما ي صير‬
‫إماما بأعوان ينفذون أمره ‪ ،‬وإل كان كآحاد أهل العلم والدين ‪ ،‬فإن قيل أنه ‪e‬‬

‫لما صار له شوكة بالمدينة صار له مع الرسالة إمامة بالعدل ‪ ،‬قيل بل صار‬
‫رسول له أعوان وأنصار ينفذون أمره ‪ ،‬ويجاهدون من خالفه وهو ما دام في‬
‫الرض من بل صار رسول له أعوان وأنصار ينفذون أمره ‪ ،‬ويجاهدون من‬
‫خالفسه وهسو مسا دام فسي الرض مسن يؤمسن بال ورسسوله له أنصسار وأعوان‬
‫ينفذون أمره ويجاهدون من خال فه فلم ي ستفد بالعوان ما يحتاج أن يض مه إلى‬
‫الرسسالة مثسل كونسه إمامسا أو حاكمسا أو ولى أمسر إذا كان هذا كله داخسل فسي‬
‫رسالته ‪ ،‬ولكن بالعوان حصل له كمال قدرة أوجبت عليه من المر والجهاد‬
‫ما لم ي كن واج با بدون القدرة ‪ ،‬والحكام تختلف باختلف حال القدرة والع جز‬
‫والعلم وعدمه كما تختلف باختلف الغنى والفقر والصحة والمرض ‪ ،‬والمؤمن‬
‫مط يع ل في ذلك كله ‪ ،‬و هو مط يع لر سول ال في ذلك كله ‪ ،‬ومح مد ر سول‬
‫ال فيما أمر به ونهى عنه مطيع ل في ذلك كله‪.‬‬
‫وإن قالت المامية ‪ :‬المامة واجبة بالعقل بخلف الرسالة فهي أهم‬
‫مسن هذا الوجسه ‪ ،‬قيسل ‪ :‬الوجوب العقلي فيسه نزاع كمسا سسيأتي ‪ ،‬وعلى القول‬
‫بالوجوب العقلي فمسا يجسب مسن المامسة جزء مسن أجزاء الواجبات العقليسة ‪،‬‬
‫وغ ير الما مة أو جب من ذلك كالتوح يد ‪ ،‬وال صدق والعدل ‪ ،‬وغ ير ذلك من‬
‫الواجبات العقلية‪.‬‬
‫وأيضا فل ريب أن الرسالة يحصل بها هذا الواجب ‪ ،‬فمقصودها جزء‬

‫‪42‬‬

‫من أجزاء الرسالة ‪ ،‬فاليمان بالرسول يحصل به مقصود المامة ‪ ،‬في حياته‬
‫وبعد مماته بخلف المامة ‪ ،‬وأيضا فمن ثبت عنده أن محمدا رسول ال وأن‬
‫طاعته واجبة عليه واجتهد في طاعته بحسب المكان إن قيل أنه يدخل الجنة‬
‫فقد استغنى عن مسألة المامة ‪.‬‬
‫وإن قيسل ل يدخسل الجنسة كان هذا خلف نصسوص القرآن ‪ ،‬فإنسه‬
‫سبحانه أوجب الجنة لمن أطاع ال ورسوله في غير موضع كقوله تعالى‪]:‬مَ نْ‬
‫ن النّبِيّي نَ وَال صّدّيقِينَ‬
‫ك مَ َع الّذِي نَ أَ ْنعَ مَ الُ عَلَ ْيهِ مْ مِ َ‬
‫ُيطِ عِ الَ وَالرّ سُولَ فَُأوْلَئِ َ‬
‫ك َرفِيقا[(‪.)1‬‬
‫حسُنَ ُأوْلَئِ َ‬
‫شهَدَاء وَالصّا ِلحِين َو َ‬
‫وَال ّ‬
‫ِنن َتحْتِهَا الَنْهَار‬
‫ّاتن َتجْرِي م ْ‬
‫ُهن جَن ٍ‬
‫ِعن الَ وَرَسنُو َلهُ يُ ْدخِل ُ‬
‫َنن ُيط ِ‬
‫] َوم ْ‬
‫خَالِدِينَ فِيها وَذَلِكَ ا ْل َفوْز العَظِيم[(‪. )2‬‬
‫وأيضا فصاحب الزمان الذي يدعون إليه ‪ ،‬ل سبيل للناس إلى معرفته‬
‫ول معرفة ما يأمرهم به ‪ ،‬وما ينهاهم عنه ‪ ،‬وما يخبرهم به‪ ،‬فإن كان أحد ل‬
‫يصير سعيدا إل بطاعة هذا الذي ل يعرف أمرهول نهيه لزم أن ل يتمكن أحد‬
‫من طر يق النجاة وال سعادة وطا عة ال ‪ ،‬وهذا من أع ظم تكل يف ما ل يطاق‬
‫وهم من أعظم الناس إحالة له ‪.‬‬
‫وإن قيل بل هو يأمر بما عليه المامية ‪ ،‬قيل فل حاجة إلى وجوده ‪،‬‬
‫ول شهوده ‪ ،‬فإن هذا معروف سواء كان هو ح يا أو مي تا ‪ ،‬و سواء كان شاهدا‬
‫أو غائبسا ‪ ،‬وإذا كان معرفسة مسا أمسر ال بسه الخلق ممكنسا بدون هذا المام‬
‫المنت ظر‪ ،‬علم أ نه ل حا جة إل يه ول يتو قف عل يه طا عة ال ول نجاة أ حد ول‬
‫سسعادته ‪ ،‬وحينئذ فيمتنسع القول بجواز إمامسة مثسل هذا ‪ ،‬فضل عسن القول‬
‫بوجوب إمامة مثل هذا‪،‬وهذا أمر بيّن لمن تدبره ‪.‬‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 13‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫لكسن الرافضسة مسن أجهسل الناس ‪ ،‬وذلك أن فعسل الواجبات العقليسة‬
‫والشرعيسة إمسا أن يكون موقوفسا على معرفسة مسا يأمسر بسه ‪،‬وينهسى عنسه هذا‬
‫المنت ظر وإ ما أن ل يكون موقو فا ‪ ،‬فإن كان موقو فا لزم تكل يف ما ل يطاق ‪،‬‬
‫وأن يكون فعسل الواجبات وترك المحرمات موقوفسا على شرط ل يقدر عليسه‬
‫عامة الناس ‪ ،‬بل ول أحد منهم فإنه ليس في الرض من يدعي دعوة صادقة‬
‫أنه رأى هذا المنتظر ‪ ،‬أو سمع كلمه ‪.‬‬
‫وإن لم ي كن موقو فا على ذلك أم كن ف عل الواجبات العقل ية والشرع ية‬
‫وترك القبائح العقل ية والشرع ية بدون هذا المنت ظر ‪ ،‬فل يحتاج إل يه ول ي جب‬
‫وجوده ول شهوده ‪.‬‬
‫وهؤلء الرافضسة علقوا نجاة الخلق وسسعادتهم وطاعتهسم ل ورسسوله‬
‫بشرط ممت نع ل يقدر عل يه الناس ‪،‬ول يقدر عل يه أ حد من هم ‪ ،‬وقالوا للناس ل‬
‫يكون أ حد ناج يا من عذاب ال إل بذلك ‪،‬ول يكون سعيدا إل بذلك ‪ ،‬ول يكون‬
‫أحد مؤمنا إل بذلك ‪.‬‬
‫فلزمهسم أحسد أمريسن ‪ ،‬إمسا بطلن قولهسم وإمسا أن يكون ال قسد آيسس‬
‫عباده من رحم ته وأو جب عذا به لجم يع الخلق‪،‬الم سلمين وغير هم وعلى هذا‬
‫التقدير فهم أوّل الشقياء ‪ ،‬المعذبين فإنه ليس لحد منهم طريق إلى معرفة أمر‬
‫هذا المام ‪ ،‬الذي يعتقدون أنه موجود غائب ‪ ،‬ول نهيه ول خبره ‪ ،‬بل عندهم‬
‫مسن القوال المنقولة عسن شيوخ الرافضسة مسا يذكرون أنسه منقول عسن الئمسة‬
‫المتقدميسن على هذا المنتظسر ‪ ،‬وهسم ل ينقلون شيئا عسن المنتظسر وإن قدر أن‬
‫بعضهم نقل عنه شيئا علم أنه كاذب ‪ ،‬وحينئذ فتلك القوال إن كانت كافية فل‬
‫حاجة إلى المنتظر ‪ ،‬وإن لم تكن كافية فقد أقروا بشقائهم وعذابهم‪ ،‬حيث كانت‬
‫سعادتهم موقوفة على آمر ل يعلمون بماذا أمر‪.‬‬
‫وقد رأيت طائف من شيوخ الرافضة كابن العود الحلي يقول ‪ :‬إذا‬

‫‪44‬‬

‫اختل فت المام ية على قولين أحدهما يعرف قائله والخر ل يعرف قائله ‪ ،‬كان‬
‫القول الذي ل يعرف قائله هسو القول الحسق الذي يجسب اتباعسه لن المنتظسر‬
‫المعصوم في تلك الطائفة ‪.‬‬
‫وهذا غاية الجهل والضلل ‪ ،‬فإنه بتقدير وجود المنتظر المعصوم ل‬
‫يعلم أنه قال ذلك القول إذ لم ينقله عنه أحد ‪ ،‬ول عن من نقله عنه ‪ ،‬فمن أين‬
‫يجزم بأنسه قوله ‪ ،‬ولم ل يجوز أن يكون القول الخسر هسو قوله وهسو لغيبتسه‬
‫وخوفه من الظالمين ل يمكنه إظهار قوله ‪ ،‬كما يدعون ذلك فيه ‪.‬‬
‫وكان أصسل ديسن هؤلء الرافضسة مبنيسا على مجهول ‪ ،‬ومعدوم ‪ ،‬ل‬
‫على موجود ول معلوم ‪ ،‬يظنون أن إمامهسم موجود معصسوم ‪ ،‬وهسو مفقود‬
‫معدوم ‪ ،‬ولو كان موجودا معصسوما فهسم معترفون بأن هم ل يقدرون أن يعرفوا‬
‫أمره ونهيه ‪ ،‬كما كانوا يعرفون أمر آبائه ونهيهم ‪ ،‬والمقصود بالمام إنما هو‬
‫طاعة أمره ‪ ،‬فإذا كان العلم بأمره ممتنعا كانت طاعته ممتنعة ‪ ،‬فكان المقصود‬
‫به ممتنعا ‪ ،‬وإذا كان المقصود به ممتنعا لم يكن في إثبات الوسيلة فائدة أصل‪،‬‬
‫بل كان إثبات الو سيلة ال تي ل يح صل ب ها مق صودها من باب ال سفه والع بث‬
‫والعذاب القبيسح باتفاق أهسل الشرع ‪ ،‬وباتفاق العقلء القائليسن بتحسسين العقول‬
‫وتقبيح ها ‪ ،‬بل باتفاق العقلء مطل قا ‪ ،‬فإن هم إذا ف سروا القب يح ب ما ي ضر كانوا‬
‫متفقين على أن معرفة الضار يعلم بالعقل ‪.‬‬
‫واليمان بهذا المام الذي ليس فيه منفعة بل مضرة في العقل والنفس‬
‫والبدن والمال وغير ذلك قب يح شر عا وعقل ‪ ،‬ولهذا كان المتبعون له من أب عد‬
‫الناس عن مصلحة الدين والدنيا ‪ ،‬ل تنتظم لهم مصلحة دينهم ول دنياهم ‪ ،‬إن‬
‫لم يدخلوا في طاعة غيرهم ‪ .‬كاليهود الذين ل تنتظم لهم مصلحة إل بالدخول‬
‫في طاعة من هو خارج عن دينهم ‪.‬‬
‫فهسم يوجبون وجود المام المنتظسر المعصسوم ‪ ،‬لن مصسلحة الديسن‬

‫‪45‬‬

‫والدنيا ل تحصل إل به عندهم ‪ ،‬وهم لم يحصل لهم بهذا المنتظر مصلحة في‬
‫الدين ول في الدنيا ‪ ،‬والذين كذبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ول في الدنيا‪،‬‬
‫بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه ‪.‬‬
‫فعلم بذلك أن قولهسم فسي المامسة ل ينال بسه إل مسا يورث الخزى‬
‫والندا مة ‪،‬وأ نه ل يس ف يه ش يء من الكرا مة ‪ ،‬وان ذلك إذا كان أع ظم مطالب‬
‫الدين فهم أبعد الناس عن الحق والهدى ‪ ،‬في أعظم مطالب الدين ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫أعظم مطالب الدين ظهر بطلن ما ادّعوه من ذلك ‪ .‬فث بت بطلن قولهم على‬
‫التقديرين ‪ ،‬وهو المطلوب‪.‬‬
‫فإن قال هؤلء الرافضسة ‪ :‬إيماننسا بهذا المنتظسر المعصسوم مثسل إيمان‬
‫كثيسر مسن شيوخ الزهسد والديسن بالياس والخضسر والغوث والقطسب ‪ ،‬ورجال‬
‫الغيسب ‪ ،‬ونحسو ذلك مسن الشخاص الذيسن ل يعرفون وجودهسم ‪ ،‬ول بماذا‬
‫يأمرون ‪ ،‬ول عن ماذا ينهون ‪ ،‬فكيف يسوغ لمن يوافق هؤلء أن ينكر علينا‬
‫ما ندعيه ؟ قيل الجواب من وجوه ‪:‬‬
‫(أحدهنا )‪ :‬أن اليمان بوجود هؤلء ليسس واجبسا عنسد أحسد مسن علماء‬
‫الم سلمين وطوائف هم المعروف ين ‪ ،‬وإن كان ب عض الغلة يو جب على أ صحابه‬
‫اليمان بوجود هؤلء ‪ ،‬ويقول إنه ل يكون مؤمنا وليا ل إل من يؤمن بوجود‬
‫هؤلء في هذه الزمان ‪ ،‬كان قوله مردودا ‪ ،‬كقول الرافضة‬
‫(الوجه الثاني )‪:‬أن يقال من الناس من يظن أن التصديق بهؤلء يزداد‬
‫الرجل به إيمانا وخيرا ‪ ،‬وموالة ل وأن المصدق بوجود هؤلء أكمل وأشرف‬
‫وأفضسل عنسد ال ممسن لم يصسدق بوجود هؤلء ‪ ،‬وهذا القول ليسس مثسل قول‬
‫الراف ضة من كل و جه ‪ ،‬بل هو مشا به له من ب عض الوجوه ‪ ،‬لكون هم جعلوا‬
‫كمال الدين موقوفا على ذلك ‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫وحينئذ ‪ ،‬فيقال هذا القول أيضا باطل باتفاق علماء المسلمين وأئمتهم‪،‬‬
‫فإن العلم بالواجبات والمستحبات وفعل الواجبات والمستحبات كلها ليس موقوفا‬
‫على الت صديق بوجود هؤلء ‪ ،‬و من ظن من أ هل الن سك والز هد والعا مة أن‬
‫شيئا مسن الديسن واجبسا أو مسستحبا موقوف على التصسديق بوجود هؤلء فهذا‬
‫جاهسل ضال ‪ ،‬باتفاق أهسل العلم واليمان العالميسن بالكتاب والسسنّة ‪،‬إذ قسد علم‬
‫بالضرار من دين السلم أن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم لم يشرع لمته‬
‫التصديق بوجود هؤلء ‪ ،‬ول أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين ‪ ،‬ول أئمة‬
‫المسلمين وأيضا ‪.‬‬
‫فجم يع هذه اللفاظ ل فظ الغوث والق طب والوتاد والنجباء وغير ها لم‬
‫ينقل أحد عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم بإسناد معروف أنه تكلم بشيء‬
‫منها ‪ ،‬ول أصحابه ‪ ،‬ولكن لفظ البدال تكلم به بعض السلف ويروى فيه عن‬
‫النبي صلى ال تعالى عليه وسلم حديث ضعيف‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد بسطنا الكلم على ذلك‬

‫في غير هذا الموضع ‪.‬‬
‫شرك بعض الصوفية حتى في الربوبية‬
‫(الو جه الثالث) ‪ :‬أن يقال القائلون بهذه المور ‪ ،‬من هم من ين سب إلى‬
‫أ حد هؤلء ما ل تجوز ن سبته إلى أ حد من الب شر ‪ ،‬م ثل دعوى بعض هم أن‬
‫الغوث أو الق طب هو الذي ي مد أ هل الرض في هدا هم ون صرهم ورزق هم ‪،‬‬
‫وأن هذا ل ي صل إلى أ حد إل بوا سطة نزوله على ذلك الش خص وهذا با طل‬
‫بإجماع الم سلمين ‪ ،‬و هو من ج نس قول الن صارى في الباب وكذلك ما يدع يه‬
‫بعض هم من أن الوا حد من هؤلء يعلم كل ولى له كان أو يكون ‪ ،‬ا سمه وا سم‬
‫أبيه ومنزلته من ال ونحو ذلك من المقالت الباطلة ‪ ،‬التي تتضمن أن الواحد‬
‫من البشر يشارك ال في بعض خصائصه ‪.‬‬

‫‪ )1(1‬ورد الحديث في المسند ج ‪ 2‬ص ‪ 171‬تحقيق أحمد شاكر ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫م ثل أ نه ب كل ش يء عل يم ‪ ،‬أو على كل ش يء قد ير ‪ ،‬ون حو ذلك ك ما‬
‫يقول بعضهسم فسي النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم وفسي شيوخسه ‪ :‬أن علم‬
‫أحد هم ينط بق على علم ال وقدر ته منطب قة على قدرة ال ‪ ،‬فيعلم ما يعل مه ال‬
‫ويقدر و يقدر على ما يقدر ال عل يه ‪ ،‬فهذه المقالت ‪ ،‬و ما يشبه ها من ج نس‬
‫قول النصارى ‪ ،‬والغالية في عليّ ‪ ،‬وهي باطلة بإجماع المسلمين ‪.‬‬
‫ومن هم من ين سب إلى الوا حد من هؤلء ما تجوز ن سبته إلى ال نبياء‬
‫و صالحي المؤمن ين ‪ ،‬من الكرامات ‪ ،‬كدعوة مجا بة ومكاشفات من مكاشفات‬
‫الصسالحين ‪ ،‬ونحسو ذلك فهذا القدر يقسع كثيرا مسن الشخاص الموجوديسن‬
‫المعاينيسن ‪ ،‬ومسن نسسب ذلك إلى مسن ل يعرف وجوده ‪ ،‬فهؤلء وإن كانوا‬
‫مخطئ ين في ن سبة ذلك إلى ش خص معدوم فخطؤ هم كخ طأ من اعت قد أن في‬
‫البلد الفلنسي رجال مسن أولياء ال تعالى وليسس فيسه أحسد ‪ ،‬أو اعتقسد فسي ناس‬
‫معينيسن أنهسم أولياء ال ولم يكونوا كذلك ‪ ،‬ول ريسب أن هذا خطسأ وجهسل‬
‫وضلل يقع فيه كثير من الناس ‪ ،‬لكن خطأ المامية و ضللهم أقبح وأعظم ‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫ل وجود للياس والخضر‬

‫(الو جه الرا بع)‪:‬أن يقال ال صواب الذي عل يه محق قو العلماء أن إلياس‬
‫والخ ضر ما تا ‪ ،‬وأ نه ل يس أ حد من الب شر وا سطة ب ين ال عز سلطانه وب ين‬
‫خلقه في خلقه ورزقه وهداه ونصره ‪ ،‬وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالته ‪،‬‬
‫ل سبيل لحد إلى السعادة إل بطاعة الرسل ‪.‬‬
‫وأما خلقه وهداه ونصره ورزقه فل يقدر عليه إل ال تعالى‪ .‬فهذا ل‬
‫يتو قف على حياة الر سل وبقائ هم ‪ ،‬بل ول يتو قف ن صر الخلق ورزق هم على‬
‫وجود الرسل أصل ‪ ،‬بل قد يخلق ذلك بما شاء من السباب بواسطة الملئكة‬
‫أو غيرهم ‪ ،‬وقد يكون لبعض البشر في ذلك من السباب ما هو معروف في‬
‫البشر ‪.‬‬
‫وأما كون ذلك ل يكون إل بواسطة من البشر ‪ ،‬أو أن أحدا من البشر‬
‫يتولى ذلك كله ونحو ذلك ‪ ،‬فهذا كله باطل ‪ ،‬وحينئذ فيقال للرافضة إذا احتجوا‬
‫بضلل الضلل ]ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [(‪.)1‬‬
‫وأيضا فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدنيا ينبغي‬
‫أن يكون ذكرها في كتاب ال تعالى أعظم من غيرها وبيان الرسول لها أولى‬
‫من بيان غيرها ‪ ،‬والقرآن مملوء بذكر توحيد ال تعالى وذكر أسمائه وصفاته‪،‬‬
‫وآياتسه ‪ ،‬وملئكتسه ‪ ،‬وكتبسه ‪ ،‬ورسسله ‪ ،‬واليوم الخسر ‪ ،‬والقصسص ‪ ،‬والمسر‬
‫والنهسي‪ ،‬والحدود ‪ ،‬والفرائض ‪ ،‬بخلف المامسة فكيسف يكون القرآن مملوء‬
‫بغ ير ال هم الشرف ؟ وأي ضا فإن ال تعالى قد علق ال سعادة ب ما ل ذ كر ف يه‬
‫ن أَ ْنعَ مَ الُ عَلَ ْيهِ مْ‬
‫للمامة ‪ ،‬فقال ‪َ ] :‬ومَ نْ ُيطِ ِع الَ وَالرّ سُولَ فَأُولَ ِئ كَ َم عَ الّذِي َ‬
‫‪ )1(1‬الية من سورة الزخرف‬

‫‪49‬‬

‫شهَدَاءَ وَال صّا ِلحِين َوحَ سُنَ ُأوْلَئِ كَ َرفِيقًا [‬
‫ن النّبِيّي نَ َو ال صّدّيقِينَ وَال ّ‬
‫مِ َ‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال‪:‬‬

‫ص الَ وَرَسُو َلهُ‬
‫ن َيعْ ِ‬
‫] َومَنْ ُيطِ ِع الَ وَرَسُو َلهُ يُ ْدخِلْ ُه جَناّت [ إلى قوله ‪َ ] :‬ومَ ْ‬
‫وَيَ َتعَدّ حُدُودَهُ يُ ْدخِ ْلهُ نَارًا خَالِدًا فِيها وَ َل ُه عَذَابٌ ُمهِين [(‪.)2‬‬
‫فقسد بيسن ال فسي القرآن أن مسن أطاع ال ورسسوله كان سسعيدا ‪ ،‬فسي‬
‫الخرة ومسن عصسى ال ورسسوله وتعدّى حدوده كان معذبا ‪ ،‬وهذا هسو الفرق‬
‫بين السعداء والشقياء ‪ ،‬ولم يذكر المامة‪.‬‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬أن المامة داخلة في طاعة ال ورسوله ‪ .‬قيل نهايتها‬
‫أن تكون كبعسض الواجبات ‪ ،‬كالصسلة والزكاة والصسيام والحسج وغيسر ذلك ‪،‬‬
‫م ما يد خل في طا عة ال ور سوله ‪ ،‬فك يف تكون هي وحد ها أشرف م سائل‬
‫الم سلمين وأ هم مطالب الد ين ؟ فإن ق يل ل يمكن نا طا عة الر سول إل بطا عة‬
‫المام ‪ ،‬فإنه هو الذي يعرف الشرع ‪ .‬قيل هذا هو دعوى المذهب ‪ ،‬ول حجة‬
‫فيه ‪ ،‬ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل على سائر أصول الدين ‪ ،‬وقد‬
‫تقدم أن هذا المام الذي يدعونه لم ينتفع به أحد في ذلك ‪ ،‬وسيأتي إن شاء ال‬
‫تعالى أن ما جاء به الرسول ل يحتاج في معرفته إلى أحد من الئمة‪.‬‬

‫‪ )1(1‬ألية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬أليتان ‪ 14،13‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫أصول الدين عند المامية‬
‫(الو جه الثا ني)(‪ )1‬أن يقال ‪ :‬أ صول الد ين ع ند المام ية أرب عة‪ ،‬التوح يد‬
‫والعدل والنبوة ‪ ،‬والما مة ‪ ،‬هي آ خر المرا تب ‪ ،‬والتوح يد والعدل والنبوة ق بل‬
‫ذلك ‪ ،‬وهسم يدخلون فسي التوحيسد نفسي الصسفات ‪ ،‬والقول بأن القرآن مخلوق ‪،‬‬
‫وأن ال ل يرى فسي الخرة ‪ ،‬ويدخلون في العدل التكذ يب بالقدر ‪ ،‬وأن ال ل‬
‫يقدر أن يهدي من يشاء ‪ ،‬ول يقدر أن ي ضل من يشاء ‪ ،‬وأ نه قد يشاء ما ل‬
‫يكون ‪ ،‬ويكون ما ل يشاء ‪ ،‬وغ ير ذلك ‪ ،‬فل يقولون أ نه خالق كل ش يء‪ ،‬ول‬
‫أ نه على كل ش يء قد ير‪ ،‬ول أ نه ما شاء ال كان ‪ ،‬و ما لم ي شأ لم ي كن ‪ ،‬ل كن‬
‫التوحيد والعدل والنبوة مقدمة على المامة ‪ ،‬فكيف تكون المامة أشرف وأهم؟‬
‫وأيضا فالما مة إن ما أوجبو ها لكون ها لط فا في الواجبات ‪ ،‬ف هي واج بة وجوب‬
‫الوسائل ‪ ،‬فكيف تكون الوسيلة أشرف وأهم من المقصود ‪.‬‬
‫تناقض الرافضة في المامة بين القول والتطبيق‬
‫(الوجه الثالث)‪ :‬أن يقال إن كانت المامة أهم مطالب الدين ‪ ،‬وأشرف‬
‫مسائل المسلمين ‪ ،‬فأبعد الناس عن هذا الهم الشرف هم الرافضة ‪ ،‬فإنهم قد‬
‫قالوا في المامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين ‪ ،‬كما سنبينه إن شاء ال‬
‫تعالى إذا تكلمنا عن حججهم ‪.‬‬
‫ويكفيك أن مطلوبهم بالمامة أن يكون لهم رئيس معصوم ‪ ،‬يكون لطفا‬
‫فسي مصسالح دينهسم ودنياهسم ‪ ،‬وليسس فسي الطوائف أبعسد عسن مصسلحة اللطسف‬
‫والمامة منهم ‪ ،‬فإنهم يحتالون على مجهول ومعدوم‪،‬ل يرى له عين ول أثر‪،‬‬
‫ول يسمح له حس ول خبر ‪ ،‬فلم يحصل لهم من المر المقصود بإمامته شيء‬
‫‪ )1(1‬الوجه الول ما تقدم في ص ‪ 38‬على قول الرافضة أن المامة أهم أمور الدين ‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫وأي من فرض إما ما ناف عا في ب عض م صالح الد ين والدن يا كان خيرا م من ل‬
‫ينتفع به في شيء من مصالح المامة ‪.‬‬
‫ولهذا تجد هم ل ما فات هم م صلحة الما مة يدخلون في طا عة كا فر أو‬
‫ظالم لينالوا بسه بعسض مقاصسدهم ‪ ،‬فبينسا هسم يدعون الناس إلى طاعسة إمام‬
‫معصسوم ‪ ،‬أصسبحوا يرجعون إلى طاعسة كفور ظلوم ‪ ،‬فهسل يكسن أبعسد عسن‬
‫مقصود المامة وعن الخير والكرامة ‪،‬ممن سلك منهاج الندامة ‪ ،‬وفي الجملة‬
‫فال تعالى قد علق بولة المور مصالح في الدين والدنيا ‪ ،‬سواء كانت المامة‬
‫أهم المور أو لم تكن ‪ ،‬والرافضة أبعد الناس عن حصول هذه المصلحة لهم ‪،‬‬
‫ف قد فات هم على قول هم الخ ير المطلوب من أ هم مطالب الد ين وأشرف م سائل‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ولقد طلب مني بعض أكابر شيوخهم الفضلء أن يخلو بي وأتكلم معه‬
‫فسي ذلك فخلوت بسه وقررت له مسا يقولونسه فسي هذا الباب كقولهسم إن ال أمسر‬
‫العباد ونها هم ‪ ،‬في جب أن يف عل ب هم الل طف الذي يكونون عنده أقرب إلى ف عل‬
‫الواجسب ‪ ،‬وترك القبيسح ‪ ،‬لن مسن دعسا شخصسا ليأكسل طعامسا فإذا كان مراده‬
‫الكل فعل ما يعين على ذلك من السباب ‪ ،‬كتلقيه بالبشر وإجلسه في مجالس‬
‫مناسبة وأمثال ذلك ‪.‬‬
‫وإن لم يكن مراده أن يأكل عبس في وجهه وأغلق الباب ‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫وهذا أخذوه من المعتزلة ‪ ،‬ليس هو من أصول شيوخهم القدماء‪.‬‬
‫ثم قالوا والمام ل طف ‪ ،‬لن الناس إذا كان ل هم إمام يأمر هم بالوا جب‬
‫وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور ‪ ،‬وترك المحظور ‪ ،‬فيجب أن‬
‫يكون لهسم إمام ‪ ،‬ول بسد أن يكون معصسوما ‪ ،‬لنسه إذا لم يكسن معصسوما لم‬
‫يح صل به المق صود ‪،‬ولم تدع الع صمة ل حد ب عد ال نبي صلى ال تعالى عل يه‬
‫وسلم إل لعل يّ فتعين أن يكون هو إياه ‪ ،‬للجماع على انتقاء ما سواه وبسطت‬

‫‪52‬‬

‫له العبارة في هذه المعانى ‪.‬‬
‫ثسم قالوا ‪ :‬وعليّس نسص على الحسسن ‪ ،‬والحسسن على الحسسين إلى أن‬
‫انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب ‪ ،‬فاعترف‬
‫أن هذا تقريسر مذهبهسم على غايسة الكمال ‪ ،‬قلت له ‪ :‬فأنسا وأنست طالبان للعلم‬
‫والحق والهدى وهم يقولون من لم يؤمن بالمنتظر فهو كافر ‪ ،‬فهذا المنتظر هل‬
‫رأيتسه ‪ ،‬أو رأيست مسن رآه ‪ ،‬أو سسمعت بخسبره ‪ ،‬أو تعرف شيئا مسن كلمسه ‪،‬‬
‫الذي قاله هو ‪ ،‬أو ما أمر به أو نهى عنه مأخوذا عنه كما يؤخذ من الئمة ؟‬
‫قال‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪:‬فأي فائدة في إيماننا هذا ؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا ؟‪.‬‬
‫ثسم كيسف يجوز أن يكلفنسا ال تعالى بطاعسة شخسص ونحسن ل نعلم مسا‬
‫يأمرنسا بسه ول مسا ينهانسا عنسه ‪ ،‬ول طريسق لنسا إلى معرفسة ذلك بوجسه مسن‬
‫الوجوه ‪ ،‬وهم من أشد الناس إنكارا لتكليف ما ل يطاق ‪ ،‬فهل يكون في تكليف‬
‫ما ل يطاق أبلغ من هذا ؟‬
‫فقال ‪ :‬إثبات هذا مبنسي على تلك المقدمات ‪ .‬قلت ‪ :‬لكسن المقصسود لنسا‬
‫من تلك المقدمات هو ما يتعلق بنا نحن ‪ ،‬وإل فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق‬
‫المر بنا منه أمر ول نهى ‪.‬‬
‫وإذا كان كلمنسا فسي تلك المقدمات ل يحصسل لنسا فائدة ول لطفسا ول‬
‫يفيدنسا إل تكليسف مسا ل يقدر عليسه ‪ ،‬علم ان اليمان بهذا المنتظسر مسن باب‬
‫الجهل والضلل ‪ ،‬ل من باب اللطف والمصلحة ‪.‬‬
‫والذي عند المامية من النقل عن الئمة الموتى إن كان حقا يحصل به‬
‫سسعادتهم فل حاجسة بهسم إلى المنتظسر ‪ ،‬وإن كان باطل فهسم أيضسا لم ينتفعوا‬
‫بالمنت ظر في رد هذا البا طل ‪ ،‬فلم ينتفعوا بالمنت ظر ل في إثبات حق ول في‬
‫نفي باطل ‪ ،‬ول أمر بمعروف ول نهي عن منكر ‪،‬ولم يحصل به لواحد منهم‬

‫‪53‬‬

‫شيء من المصلحة واللطف والمنفعة المطلوبة من المامة ‪.‬‬
‫والجهال الذيسن يعلقون أمورهسم بالمجهولت كرجال الغيسب والقطسب‬
‫والغوث والخضر ونحو ذلك مع جهلهم وضللهم وكونهم يثبتون ما لم يحصل‬
‫لهم به مصلحة ول لطف ول منفعة ل في الدين ول في الدنيا ‪ ،‬أقل ضلل من‬
‫الرافضة ‪ ،‬فإن الخضر ينتفع برؤيته وبموعظته ‪ ،‬وإن كان غالطا في اعتقاده‬
‫ن أنه الخضر ‪ ،‬ول يخاطبه الجني‬
‫ن فيظ ّ‬
‫انه الخضر فقد يرى أحدهم بعض الج ّ‬
‫إل ب ما يرى أ نه يقبله م نه ليرب طه على ذلك ‪ ،‬فيكون الر جل أ تى من نف سه ل‬
‫من ذلك المخاطب له ومنهم من يقول لكل زمان خضر ‪ ،‬ومنهم من يقول لكل‬
‫وليّ خضر ‪.‬‬
‫وللكفار كاليهود موا ضع يقولون أن هم يرون الخضسر في ها ‪ ،‬و قد يرى‬
‫الخضسر على صسور مختلفسة ‪ ،‬وعلى صسورة هائلة ‪ ،‬وأمثال ذلك ‪ ،‬وذلك لن‬
‫هذا الذي يقول أ نه الخ ضر هو ج ني ‪ ،‬بل هو شيطان‪ ،‬يظ هر ل من يرى أ نه‬
‫يضله ‪ ،‬و في ذلك حكايات كثيرة يض يق هذا المو ضع عن ذكر ها ‪ ،‬وعلى كل‬
‫تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلل من هؤلء ‪ ،‬فإن المنتظر ليس عندهم نقل‬
‫ثا بت ع نه ‪ ،‬ول يعتقدون في من يرو نه أ نه المنت ظر ‪ ،‬ول ما د خل ال سرداب كان‬
‫عند هم صغيرا لم يبلغ سنّ التمي يز ‪ ،‬و هم يقبلون من الكاذ يب أضعاف ما‬
‫يقبله هؤلء ‪ ،‬ويعرضون عسن القتداء بالكتاب والسسنّة أكثسر مسن إعراض‬
‫هؤلء‪ ،‬ويقدحون في خيار الم سلمين قد حا يعادي هم عل يه هؤلء ‪ ،‬ف هم أ ضل‬
‫عن مصالح المامة من جميع طوائف المة ‪ ،‬فقد فاتهم على قولهم أهم الدين‬
‫وأشرفه ‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫ل يحصل بمعرفة المام خير إن لم يعمل صالحا‬
‫(الو جه الرا بع)‪ :‬أن يقال قوله ال تي يح صل ب سبب إدراك ها ن يل در جة‬
‫الكرامة ‪ ،‬كلم باطل فإن مجرد معرفة إمام وقته وإدراكه بعينه ل يستحق به‬
‫الكرامة ‪ ،‬إن لم يوافق أمره وإل فليست معرفة إمام الوقت بأعظم من معرفة‬
‫الرسسول صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬ومسن عرف أن محمدا رسسول ال فلم‬
‫يؤمن به ولم يطع أمره لم يحصل له شيء من الكرامة ‪.‬‬
‫ولو آ من بال نبي وع صاه ‪ ،‬وض يع الفرائض وتع ّد الحدود كان م ستحقا‬
‫للوع يد ع ند المام ية و سائر طوائف الم سلمين ‪ ،‬فك يف ب من عرف المام و هو‬
‫عليس حسسنة ل‬
‫ّ‬
‫مضيّع للفرائض متعدّ للحدود ؟ وكثيسر مسن هؤلء يقول حسب‬
‫ي فل حا جة إلى‬
‫ي ضر مع ها سيئة ‪ ،‬وإن كا نت ال سيئات ل ت ضر مع حب عل ّ‬
‫المام المع صوم ‪ ،‬الذي هو ل طف في التكل يف ‪ ،‬فإ نه إذا لم يو جد إن ما تو جد‬
‫ي كافيا فسواء وجد المام أو لم يوجد ‪..‬‬
‫سيئات ومعاص ‪ ،‬فإن كان حب عل ّ‬
‫ليست المامة من واجبات الدين‬
‫(الوجنه الخامنس)‪ :‬قوله وهسي أحسد أركان اليمان ‪ ،‬المسستحق بسسببه‬
‫الخلود فسي الجنان ‪ ،‬فيقال له ‪ :‬مسن جعسل هذا مسن اليمان إل أهسل الجهسل‬
‫والبهتان ؟ وسنتكلم إن شاء ال تعالى على ما ذكره من ذلك ‪.‬‬
‫وال تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم ‪ ،‬والنبي صلى ال تعالى عليه وسلم قد‬
‫فسسر اليمان ‪ ،‬وذكسر شعبسه ‪ ،‬ولم يذكسر ال ول رسسوله المامسة ‪ ،‬فسي أركان‬
‫اليمان ففي الحديث الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم في صورة أعرابي‪ ،‬وسأله عن السلم ‪ ،‬واليمان ‪ ،‬والحسان ‪ ،‬قال له‬
‫((‬

‫السلم ‪ :‬أن تشهد أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأن محمدا رسول ال ‪ ،‬وتقيم الصلة‬

‫‪55‬‬

‫وتؤتي الزكاة ‪ ،‬وتصوم رمضان ‪ ،‬وتحج البيت ‪ ،‬قال واليمان ‪ :‬أن تؤمن بال‬
‫وملئك ته وكت به ور سله واليوم ال خر والب عث ب عد الموت وتؤ من بالقدر خيره‬
‫وشره‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫ولم يذكر المامة ‪.‬‬

‫قال والح سان ‪ :‬أن تع بد ال كأ نك تراه فإن لم ت كن تراه فإ نه يراك ‪.‬‬
‫وهذا الحديث متفق على صحته ‪ ،‬متلقى بالقبول ‪ ،‬أجمع أهل العلم بالنقل على‬
‫صحته ‪ ،‬وقد أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه ‪ ،‬فهو من المتفق عليه‬
‫من حد يث أ بي هريرة و في أفراد م سلم من حد يث ع مر ‪ ،‬و هم وإن كانوا ل‬
‫يقرون ب صحة هذه الحاد يث ‪ ،‬فالم صنف قد اح تج بأحاد يث موضو عة كذب‬
‫باتفاق أهل المعرفة ‪.‬‬
‫فإمسا أن يحتسج بمسا يقوم الدليسل على صسحته نحسن وهسم ‪ ،‬أو ل يحتسج‬
‫بشيء من ذلك نحن ول هم ‪ ،‬فإن تركوا الرواية رأسا أمكن أن نترك الراوية‬
‫‪.‬‬
‫أ ما إذا رووا هم فل بد من معار ضة الراو ية بالروا ية ‪ ،‬والعتماد‬
‫على ما تقوم به الح جة ‪ ،‬ون حن نبين الدلئل الدالة على كذب ما يعرضون به‬
‫أهل السنّة من الروايات الباطلة ‪ ،‬والدلئل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم‬
‫بالحديث وصححوه ‪.‬‬
‫ن الّذِينَ‬
‫وهب أنّا ل نحتج بالحديث فقد قال ال تعالى ‪] :‬إ ِ ّنمَا ال ُم ْؤمِنُو َ‬
‫علَى رَبّهِم‬
‫إِذَا ُذكِرَ الُ َوجِلَ تْ قُلُو ُبهُ مْ َوإِذَا تُلِيَ تْ عَلَ ْيهِ مْ آيَاتُ هُ زَادَتْهُم إِيمَانًا وَ َ‬
‫حقًا‬
‫ن ُأوْلَئِكَ هُ ُم ال ُم ْؤمِنُونَ َ‬
‫ن الصّل َة َو ِممّا َرزَقْنَاهُمْ يُ ْن ِفقُو ْ‬
‫يَ َت َوكّلُون الّذِينَ ُيقِيمُو َ‬
‫ْقن كَرِينم [(‪ .)2‬فشهسد لهؤلء باليمان مسن‬
‫َاتن عِنْدَ رَبّهِم َومَ ْغفِرَ ٌة وَرِز ٌ‬
‫لَهُم َد َرج ٍ‬
‫ن الّذِينَ آمنُوا بِالِ وَرَسُو ِل ِه ُثمّ‬
‫غير ذكر للمامة وقال تعالى ‪ ] :‬إِ ّنمَا الُم ْؤمِنو َ‬
‫‪ )1(1‬رواه مسلم ج ‪ 1‬ص ‪ 36‬والبخاري في مواضع ‪ .‬انظر ج ‪ 1‬ص ‪. 15‬‬
‫‪ )2(2‬اليات ‪ 4-2‬من سورة النفال ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫سهِمْ فِي سَبِي ِل ال ُأوْلَئِكَ هُمُ الصّادِقُون [(‪.)3‬‬
‫لَمْ يَرْتَابُوا َوجَاهَدُوا بِ َأ ْموَا ِلهِمْ َوأَنْفُ ِ‬
‫فجعلهم صادقين في اليمان من غير ذكر للمامة ‪.‬‬
‫وأي ضا فن حن نعلم بالضطرار من د ين مح مد بن ع بد ال صلى ال‬
‫تعالى عليسه وسسلم أن الناس كانوا إذا أسسلموا لم يجعسل إيمانهسم موقوفسا على‬
‫معرفة المامة ‪ ،‬ولم يذكر لهم شيئا من ذلك ‪.‬‬
‫ومسا كان أحسد أركان اليمان ل بسد أن يسبينه الرسسول لهسل اليمان‬
‫ليحصسل لهسم بسه اليمان ‪ ،‬فإذا علم بالضطرار أن هذا ممسا لم يكسن الرسسول‬
‫يشترطه في اليمان ‪ ،‬علم أن اشتراطه في اليمان من أقوال البهتان ‪.‬‬
‫فإن قيسل هنسا قسد دخلت فسي عموم النسص ‪ ،‬أو هسي مسن باب ل يتسم‬
‫الواجب إل به ‪ ،‬أو دل عليه نص آخر ‪.‬‬
‫قيل هذا كله لو صح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الد ين ‪ ،‬ل‬
‫تكون مسن أركان اليمان ‪ ،‬فإن ركسن اليمان مسا ل يحصسل اليمان إل بسه‬
‫كالشهادت ين ‪ ،‬فل يكون الر جل مؤم نا ح تى يش هد أن ل إله إل ال وأن محمدا‬
‫رسسول ال ‪ ،‬فلو كانست المامسة ركنسا فسي اليمان ل يتسم إيمان أحسد إل بسه ‪،‬‬
‫لوجب أن يبينه الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر كما بين الشهادتين ‪ ،‬واليمان‬
‫بالملئ كة والك تب والر سل واليوم ال خر ‪ ،‬فك يف ون حن نعلم بالضطرار من‬
‫دينسه أن الذيسن دخلوا فسي دينسه أفواجسا لم يشترط على أحسد منهسم فسي اليمان‬
‫بالمامة ‪ ،‬مطلقا ول معينا ‪.‬‬
‫(الوجه السادس )‪ :‬قوله قال رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم من‬
‫مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ‪.‬‬
‫فيقال له أوّل من روى هذا الحديث بهذا اللفظ ‪ ،‬وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن‬
‫يحتج بنقل عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به‬
‫يثبت أن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم قاله ‪ ،‬هذا لو كان مجهول الحال عند‬
‫‪ )1(3‬الية ‪ 15‬من سورة الحجرات ‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫أ هل العلم بالحد يث ‪ ،‬فك يف وهذا الحد يث بهذا الل فظ ل يعرف ‪ ،‬إن ما الحد يث‬
‫المعروف م ثل روى م سلم في صحيحه عن نافع قال ‪ :‬جاء ع بد ال بن عمر‬
‫إلى عبد ال بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية ‪،‬‬
‫فقال اطرحوا لبي عبد الرحمن وسادة ‪ ،‬فقال إني لم آتك لجلس أتيتك لحدثك‬
‫حدي ثا سمعت ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم يقوله سمعته يقول (( من‬
‫خلع يدا من طا عة ل قى ال يوم القيا مة ل ح جة له ‪ ،‬و من مات ل يس في عن قه‬
‫بيعة مات ميتة جاهلية‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وهذا حديث حدث به عبد ال بن عمر لعبد ال بن مطيع بن السود‬
‫لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد ‪ ،‬مع إنه كان فيه من الظلم ما كان ‪ ،‬ثم أنه‬
‫اقت تل هو و هم وف عل بأ هل الحرة أمورا منكرة ‪ ،‬فعلم أن هذا الحد يث دل على‬
‫ما دل عليه سائر الحاديث التية ‪ ،‬من أنه ل يخرج على ولة أمور المسلمين‬
‫بالسيف ‪ ،‬فإن لم يكن مطيعا لولة المور مات ميتة جاهلية ‪.‬‬
‫وهذا ضسد قول الرافضسة ‪ ،‬فإنهسم أعظسم الناس مخالفسة لولة المور‬
‫وأبعد الناس عن طاعتهم إل كرها ‪ ،‬ونحن نطالبهم أول بصحة النقل ثم بتقدير‬
‫أن يكون ناقله واحد ‪ ،‬فكيف يجوز أن يثبت أصل اليمان بخبر مثل هذا الذي‬
‫ل يعرف له ناقل ‪ ،‬وإن عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه ‪ ،‬وهل يثبت أصل‬
‫اليمان إل بطريق علمي‪.‬‬
‫(الو جه ال سابع )‪ :‬أن يقال إن كان هذا الحد يث من كلم ال نبي صلى‬
‫ال تعالى عل يه و سلم فل يس ف يه ح جة لهذا القائل ‪ ،‬فإن ال نبي صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم قد قال مات ميتة جاهلية ‪.‬‬
‫وهذا الحديسث يتناول مسن قاتسل فسي العصسبية ‪ ،‬والرافضسة رؤوس‬
‫هؤلء‪ ،‬ولكن ل يكفر المسلم بالقتتال في العصبية ‪ ،‬كما دل على ذلك الكتاب‬
‫‪ )1(1‬رواه مسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1478‬‬

‫‪58‬‬

‫والسنّة ‪ ،‬فكيف يكفر بما دون ذلك ‪.‬‬
‫و في صحيح م سلم عن أ بي هريرة ‪ t‬قال ‪ .‬قال ر سول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ((:‬من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات ‪ ،‬مات ميتة‬
‫جاهليسة ))(‪.)1‬وهذا حال الرافضسة‪ ،‬فإنهسم يخرجون عسن الطاعسة و يفارقون‬
‫الجماعة ‪.‬‬
‫و في ال صحيحين عن ا بن عباس ر ضي ال ‪ t‬ما عن ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عل يه وسلم قال ‪:‬‬

‫((‬

‫من رأى من أميره شيئا يكر هه فلي صبر عل يه ‪ ،‬فإن‬

‫من خرج من السلطان شبرا ‪ ،‬مات ميتة جاهلية))(‪.)2‬‬
‫وهذه الن صوص مع كون ها صريحة في حال الراف ضة ف هي وأمثال ها‬
‫المعروفة عند أهل العلم ل بذلك اللفظ الذي نقله ‪.‬‬
‫( الو جه الثا من ) ‪ :‬أن هذا الحد يث الذي ذكره ح جة على الراف ضة ‪،‬‬
‫لنهسم ل يعرفون إمام زمانهسم ‪ ،‬فإنهسم يدّعون أنسه الغائب المنتظسر محمسد بسن‬
‫الحسن ‪ ،‬الذي دخل سرداب سامرّا ‪ ،‬سنة ستين ومائتين أو نحوهما ولم يعد ‪،‬‬
‫بل كان عمره إما سنتين ‪ ،‬وإما ثلثا ‪ ،‬وإما خمسا أو نحو ذلك وله الن على‬
‫قولهم أكثر من أربعمائة سنة ولم ير له عين ول أثر ‪ ،‬ول سمع له حس ول‬
‫خبر ‪.‬‬
‫فليسس فيهسم أحسد يعرفسه ل بعينسه ‪ ،‬ول صسفته ‪ ،‬لكسن يقولون أن هذا‬
‫الش خص الذي لم يره أ حد ‪ ،‬ولم ي سمع له خبر هو إمام زمان هم ‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫هذا ليس هو معرفة بالمام ‪ ،‬ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه‬
‫فسي الدنيسا ول يعرف شيئا مسن أحواله ‪ ،‬فهذا ل يعرف ابسن عمسه وكذلك المال‬
‫الملتقط إذا عرف أن له مالكا ولم يعرف عينه لم يكن عارفا لصاحب اللقطة ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬انظر مسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1476‬‬
‫‪ )2(2‬انظر البخاري ج ‪ 9‬ص ‪ 47‬ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1477‬‬

‫‪59‬‬

‫بل هذا أعرف لن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب عليه ‪.‬‬
‫وأما في المنتظر فل يعرف له حال ينتفع به في المامة ‪ ،‬فإن معرفة‬
‫المام التي تخرج النسان من الجاهلية ‪ ،‬هي المعرفة التي يحصل بها طاعة‬
‫وجماعة ‪ ،‬خلف ما كان عليه أهل الجاهلية ‪ ،‬فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم ‪،‬‬
‫ول جما عة تع صمهم ‪ ،‬وال تعالى ب عث محمدا صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪،‬‬
‫وهداهم به إلى الطاعة والجماعة ‪ ،‬وهذا المنتظر ل يحصل بمعرفته طاعة ول‬
‫جما عة ‪ ،‬فلم يعرف معر فة تخرج الن سان من الجاهل ية ‪ ،‬بل المنت سبون إل يه‬
‫أع ظم الطوائف جاهل ية ‪ ،‬وأشبه هم بالجاهل ية ‪ ،‬إن لم يدخلوا في طا عة غير هم‬
‫إما طا عة كا فر أو طاعة مسلم ‪ ،‬هو عندهم من الكفار أو النواصب لم ينت ظم‬
‫لهم مصلحة لكثرة اختلفهم ‪ ،‬وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة وهذا يبينه ‪.‬‬
‫( الوجنه التاسنع )‪ :‬وهسو أن النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم أمسر‬
‫بطاعة الئمة الموجودين ‪ ،‬المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة‬
‫الناس ‪ ،‬ل بطا عة معدوم ول مجهول ‪ ،‬ول من ل يس له سلطان ول قدرة على‬
‫شيء أصل ‪ ،‬كما أمر النبي صلى ال تعالى عليه وسلم بالجتماع والئتلف ‪،‬‬
‫ونهى عن الفرقة والختلف ‪ ،‬ولم يأمر بطاعة الئمة مطلقا‪ ،‬بل أمر بطاعتهم‬
‫في طاعة ال دون معصيته ‪،‬وهذا يبين أن الئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة‬
‫ال ليسوا معصومين ‪.‬‬
‫فإن قال أ نا أردت بقولي أن ها أ هم المطالب في الد ين وأشرف م سائل‬
‫الم سلمين ال تي تناز عت ال مة في ها ب عد ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪،‬‬
‫وهذه هي م سألة الما مة ‪ .‬ق يل له فل ل فظ ف صيح‪ ،‬ول مع نى صحيح فإن ما‬
‫ذكر ته ل يدل على هذا المع نى ‪ ،‬بل مفهوم الل فظ ومقتضاه أن ها أ هم المطالب‬
‫في الدين مطلقا ‪ ،‬وأشرف مسائل المسلمين مطلقا ‪.‬‬
‫وبتقديسر أن يكون هذا مرادك ‪ ،‬فهسو معنسى باطسل ‪ ،‬فإن المسسلمين‬

‫‪60‬‬

‫تنازعوا بعد النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬في مسائل أشرف من هذه ‪.‬‬
‫وبتقد ير أن تكون هي الشرف ‪ ،‬فالذي ذكر ته في ها أب طل المذا هب ‪،‬‬
‫وأفسد الطالب ‪ ،‬وذلك أن النزاع في المامة لم يظهر إل في خلفة علي ‪.‬‬
‫وأمسا على عهسد الخلفاء الثلثسة فلم يظهسر نزاع ‪ ،‬إل مسا جرى يوم‬
‫ال سقيفة ‪ ،‬و ما انف صلوا ح تى اتفقوا ‪ ،‬وم ثل هذا ل يعسد نزا عا ‪ ،‬ولو قدّر أن‬
‫النزاع في ها كان ع قب موت ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم فل يس كل ما‬
‫تنوزع فيه عقب موته صلى ال تعالى عليه وسلم يكون أشرف مما تنوزع فيه‬
‫بعد موته بدهر طويل ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك فمعلوم أن مسسسائل التوحيسسد والصسسفات ‪،‬والثبات‬
‫والتنز يه ‪ ،‬والقدر‪ ،‬والتعد يل ‪ ،‬والتجو يز والتح سين والتقب يح‪ ،‬أ هم وأشرف من‬
‫مسسائل المامسة ‪ ،‬ومسسائل السسماء والحكام والوعسد والوعيسد ‪ ،‬والشفاعسة‬
‫والتخليد ‪ ،‬أهم من مسائل المامة ‪.‬‬
‫فإن كانست أهسم مسسائل الديسن وهسم لم ينتفعوا بالمقصسود منهسا ‪ ،‬فقسد‬
‫فاتهسم مسن الديسن أهمسه وأشرفسه ‪ ،‬وحينئذ فل ينتفعون بمسا حصسل لهسم مسن‬
‫التوح يد ‪ ،‬والعدل ل نه يكون ناق صا بالن سبة إلى مق صود الما مة‪ ،‬في ستحقون‬
‫العذاب ‪.‬‬
‫ك يف و هم ي سلمون أن مق صود الما مة في الفروع الشرع ية ‪ ،‬وأ ما‬
‫ال صول العقل ية فل يحتاج في ها إلى المام ‪ ،‬وتلك هي أ هم وأشرف ‪ ،‬ثم ب عد‬
‫هذا كله فقولكم في المامة من أبعد القوال عن الصواب ‪ ،‬ولو لم يكن فيه إل‬
‫أنكسم أوجبتسم المامسة ‪ ،‬لمسا فيهسا مسن مصسلحة الخلق ‪ ،‬فسي دينهسم ودنياهسم ‪،‬‬
‫وإمامكم صاحب الوقت ‪ ،‬لم يحصل لكم من جهته مصلحة ‪ ،‬ل في الدين ول‬
‫في الدنيا ‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫فأي سسعى أضسل مسن سسعى مسن يتعسب التعسب الطويسل ‪ ،‬ويكثسر القال‬
‫والقيل ‪ ،‬ويفارق جماعة المسلمين ‪ ،‬ويلعن السابقين والتابعين‪ ،‬ويعاون الكفار‬
‫والمنافقين ‪ ،‬ويحتال بأنواع الحيل ‪ ،‬ويسلك ما أمكنه من السبل ويعتض بشهود‬
‫الزور ‪ ،‬ويدلى أتباعسه بحبسل الغرور ‪ ،‬ويفعسل مسا يطول وصسفه ‪ ،‬ومقصسوده‬
‫بذلك أن يكون له إمام يدله على أمسر ال ونهيسه ‪ ،‬ويعرّفسه مسا يقربسه إلى ال‬
‫تعالى ‪ ،‬ثم إنه لما علم اسم ذلك المام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه ‪ ،‬ول‬
‫وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده ‪ ،‬ول أمره ول نهيه ‪ ،‬ول حصل له من‬
‫جهتسه منفعسة ‪ ،‬ول مصسلحة أصسل ‪ ،‬إل إذهاب نفسسه وماله ‪ ،‬وقطسع السسفار‬
‫وطول النتظار بالليل والنهار ‪ ،‬ومعاداة الجمهور ‪ ،‬لداخل في سرداب ‪ ،‬ليس‬
‫له عمل ول خطاب ‪.‬‬
‫ولو كان موجودا بيق ين ل ما ح صل به منف عة لهؤلء الم ساكين‪ ،‬فك يف‬
‫وعقلء الناس يعلمون أن ليسس معهسم إل الفلس ‪ ،‬وأن الحسسن بسن علي‬
‫العسكري لم ينسل ولم يعقب‪ ،‬كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري ‪ ،‬وعبد‬
‫الباقي بن قانع ‪ ،‬وغيرهما من أهل العلم بالنسب ‪.‬‬
‫وهم يقولون أنه دخل في السرداب بعد موت أبيه ‪ ،‬وعمره إما سنتان‬
‫وإما ثلث وإما خمس ‪ ،‬وإما نحو ذلك ‪ ،‬ومثل هذا بنص القرآن يتيم‪ ،‬يجب أن‬
‫يح فظ له ماله ح تى يؤ نس م نه الر شد ‪ ،‬ويحض نه من ي ستحق حضان ته من‬
‫قرابته ‪ ،‬فإذا صار له سبع سنين أمر بالطهارة والصلة ‪.‬‬
‫فمن ل توضأ ول صلى ‪ ،‬وهو تحت حجر وليه في نفسه وماله بنص‬
‫القرآن لو كان موجودا يشهده العيان‪ ،‬فما جاز أن يكون هو إمام أهل اليمان‪،‬‬
‫فكيف إذا كان معدوما أو مفقودا مع طول هذه الغيبة ‪.‬‬
‫والمرأة إذا غاب ولي ها زوّج ها الحا كم أو الولي الحا ضر ‪ ،‬لئل تفوت‬
‫مصلحة المامة مع طول هذه المدة ‪ ،‬مع هذا المام المفقود ‪.‬‬

‫‪62‬‬

63

‫(فصسسل)‬
‫قال الرافضني ‪ :‬لمسا بعسث ال محمدا صسلى ال تعالى عليسه وسسلم قام‬
‫بث قل الر سالة ‪ ،‬و نص على أن الخلي فة بعده علي بن أ بي طالب عل يه ال سلم ‪،‬‬
‫ثم من بعده على ولده الح سن الز كي ‪ ،‬ثم على ولده الح سين الشهيد ‪ ،‬ثم على‬
‫علي بن الحسين زين العابدين ‪ ،‬ثم على محمد بن علي الباقر ‪ ،‬ثم على جعفر‬
‫بن محمد الصادق ‪ ،‬ثم على موسى بن جعفر الكاظم ‪ ،‬ثم على عليّ بن موسى‬
‫الر ضا ‪ ،‬ثم على مح مد بن علي الجواد ‪ ،‬ثم على علي بن مح مد الهادي ‪ ،‬ثم‬
‫على الحسسن بسن علي العسسكري ‪ ،‬ثسم على الخلف الحجسة محمسد بسن الحسسن‬
‫المهدي ‪ ،‬عليهم الصلة والسلم وأن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم لم يمت‬
‫إل عن وصية بالمامة ‪ ،‬وقال ‪ :‬وأهل السنّة ذهبوا إلى خلف ذلك كله ‪.‬‬
‫(فصسسسسل)‬
‫وأ ما قوله عن أ هل ال سنّة أن هم يقولون إن ال نبي صلى ال تعالى عل يه‬
‫وسلم لم ينص على إمامة أحد ‪ ،‬وأنه مات عن غير وصية ‪.‬‬
‫فالجواب أن يقال ل يس هذا قول جميع هم ‪ ،‬بل قد ذه بت طوائف من‬
‫أهل السنّة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص ‪ ،‬والنزاع في ذلك معروف في‬
‫مذهب أحمد وغيره ‪ ،‬من الئمة ‪.‬‬
‫و قد ذ كر القا ضي أ بو يعلى وغيره في ذلك روايت ين عن المام أح مد‬
‫إحداه ما أن ها ثب تت بالخبار قال وبهذا قال جما عة من أ هل الحد يث والمعتزلة‬
‫والشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره‪.‬‬
‫والثانيسة أنهسا ثبتست بالنسص الخفسي ‪ ،‬والشارة قال وبهذا قال الحسسن‬

‫‪64‬‬

‫البصري ‪ ،‬وجماعة من أهل الحديث ‪ ،‬وبكر ابن أخت عبد الواحد ‪ ،‬والبيهسية‬
‫من الخوارج‪.‬‬
‫قال شي خه أ بو عبد ال بن حامد ‪ :‬فأما الدل يل على استحقاق أبي ب كر‬
‫الخلفة دون غيره من أهل البيت ‪ ،‬والصحابة فمن كتاب ال وسنّة نبيه ‪ ،‬قال‬
‫و قد اختلف أ صحابنا في الخل فة هل أخذت من ح يث ال نص أو ال ستدلل ‪،‬‬
‫فذ هب طائ فة من أصسحابنا إلى أن ذلك بالنسص ‪ ،‬وأ نه صلى ال تعالى عل يه‬
‫وسلم ذكر ذلك نصا ‪ ،‬وقطع البيان على عينه حتما ‪ ،‬ومن أصحابنا من قال أن‬
‫ذلك بالستدلل الجلى ‪.‬‬
‫قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص ‪ ،‬أخبار من ذلك ما أسنده‬
‫البخاري ‪ ،‬عن ج ير بن مط عم قال ‪ (( :‬أ تت امرأة إلى ال نبي صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه ‪ ،‬قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك ‪ ،‬كأنها تريد‬
‫الموت ‪ ،‬قال ‪ :‬إن لم تجدي ني فأ تي أ با ب كر‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫وذ كر له سياقا آ خر وأحاد يث‬

‫أُخر ‪ .‬قال وذلك نص على إمامته ‪.‬‬
‫قال وحديسث سسفيان ‪ ،‬عسن عبسد الملك بسن عميسر ‪ ،‬عسن ربعسي ‪ ،‬عسن‬
‫حذيفة ابن اليمان ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم ‪:‬‬
‫بالذين من بعدي أبي بكر وعمر‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫((‬

‫اقتدوا‬

‫‪.‬‬

‫وأسسند البخاري ‪ ،‬عسن أبسي هريرة ‪ ،‬قال سسمعت رسسول ال صسلى ال‬
‫تعالى عل يه وسلم‪ .‬قال ‪ (( :‬بيّنا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو ‪ ،‬فنزعت‬
‫منها ما شاء ال ‪ ،‬ثم أخذها ابن أبي قحافة ‪ ،‬فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي‬
‫نزعه ضعف ول يغفر له ضعفه ‪ ،‬ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب‬
‫فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر ‪ ،‬حتى ضرب الناس بعطن‬
‫‪ )1(1‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ 5‬ومواضع أخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1856‬‬
‫‪ )2(2‬رواه أحمد ج ‪ 5‬ص ‪ ، 382‬والترمذي ج ‪ 5‬ص ‪. 271‬‬
‫‪ )1(3‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ 6‬ومواضع أُخر ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪.1860‬‬

‫‪65‬‬

‫))‬

‫(‪)3‬‬

‫قال ‪:‬‬

‫وذلك نص في المامة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ويدل عليه ما أخبرنا أبو بكر بن مالك ‪ ،‬وروى عن مسند أحمد ‪،‬‬
‫عن حماد بن سلمة ‪ ،‬عن علي بن زيد بن جدعان ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي‬
‫بكرة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم يوما‪:‬‬

‫((‬

‫أيكم‬

‫رأى رؤيا فقلت ‪ :‬أنا رأيت يا رسول ال كأن ميزانا دلي من السماء ‪ ،‬فوزنت‬
‫بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ‪ ،‬ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح ‪ ،‬أبو بكر بعمر ثم‬
‫وزن ع مر بعثمان فر جح ع مر بعثمان ثم ر فع الميزان ‪ ،‬فقال ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم (( خلفة نبوه ‪ ،‬ثم يؤتي ال الملك لمن يشاء))(‪.)1‬‬
‫قال وأسسند أبسو داود عسن جابر النصساري ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسسول ال‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ‪:‬‬

‫((‬

‫رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول‬

‫ال ‪ ،‬ونيط عمر بأبي بكر ‪ ،‬ونيط عثمان بعمر ))‪ ،‬قال جابر فلما قمنا من عند‬
‫رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ .‬قلنا أما الصالح فرسول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وأما نوط بعضهم ببعض ‪ ،‬فهم ولة هذا المر الذي بعث‬
‫ال به نبيه ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬و من ذلك حد يث صالح بن كي سان ‪ ،‬عن الزهري ‪ ،‬عن عروة‪،‬‬
‫عسن عائشسة –رضسي ال عنهسا ‪ ، -‬قالت ‪ :‬دخسل عليّس رسسول ال صسلى ال‬
‫تعالى عليسه وسسلم ‪.‬اليوم الذي بدئ فيسه ‪ ،‬فقال(( ادعسي لي أباك وأخاك ‪ ،‬حتسى‬
‫أكتب لبي لكر كتابا ‪ ،‬ثم قال يأبى ال والمسلمون إل أبا بكر ‪ ،‬وفي لفظ فل‬
‫يطمع في هذا المر طامع‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫و هذا الحديث في الصحيحين ورواه من طريق أبي داود الطيالسي ‪،‬‬
‫عن ابن أبي مليكة ‪ ،‬عن عائشة ‪ ،‬قالت ‪ :‬لما ثقل رسول ال صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم قال ‪ (( :‬ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لكتب لبي بكر كتابا‪،‬‬
‫ل يختلف عليسه ثسم قال معاذ ال أن يختلف المؤمنون فسي أبسي بكسر‬
‫‪ )2( 1‬أبو داود ج ‪ 4‬ص ‪ ، 289‬والترمذي ج ‪ 3‬ص ‪. 368‬‬
‫‪ )3(2‬انظر البخاري ج ‪ 7‬ص ‪ 119‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪.1857‬‬

‫‪66‬‬

‫))‬

‫‪ ،‬وذكسر‬

‫أحاديث تقديمه في الصلة ‪ ،‬وأحاديث أُخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته‬
‫أهل الحديث ‪.‬‬
‫وقال أ بو مح مد بن حزم في كتا به الملل والن حل ‪ :‬اختلف الناس في‬
‫الما مة ب عد ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬فقالت طائ فة ‪ :‬إن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عل يه و سلم لم ي ستخلف أحدا ‪ ،‬ثم اختلفوا فقال بعض هم ‪ :‬ل كن‬
‫لمسا اسستخلف أبسا بكسر على الصسلة كان ذلك دليل على أنسه أولهسم بالمامسة‬
‫والخلفسة على المسر ‪ ،‬وقال بعضهسم ‪ :‬ل ولكسن كان أثبتهسم فضل ‪ ،‬فقدموه‬
‫لذلك‪ ،‬وقالت طائفسة ‪ :‬بسل نسص رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم على‬
‫استخلف أبي بكر بعده ‪ ،‬على أمور الناس نصا جليا ‪.‬‬
‫قال أبو محمد وبهذا نقول ‪ :‬لبراهين أحدها أطباق الناس كلهم ‪ ،‬وهم‬
‫ن دِيَارِ ِهمْ َوَأمْوَا َلهُم‬
‫ن ُأخْ ِرجُوا مِ ْ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫الذين قال ال فيهم ‪ِ ] :‬للفقراءِ ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫ن ال وَ َرسُو َل ُه أُولَئِكَ هُم‬
‫ضوَانًا وَيَنْصُرُو َ‬
‫ن الِ و َرِ ْ‬
‫ضلً مِ َ‬
‫َيبْ َتغُونَ فَ ْ‬
‫الصّادِقُون‬

‫[ (‪. )1‬‬

‫فقسد اتفسق هؤلء الذيسن شهسد ال لهسم بالصسدق ‪ ،‬وجميسع إخوانهسم مسن‬
‫النصار ‪t‬م ‪ ،‬على أن سموه خليفة رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء ‪ ،‬ل الذي يخلفه دون‬
‫أن يستخلفه هو ‪ ،‬ل يجوز غير هذا البتة في اللغة بل خلف ‪ ،‬يقال ‪ :‬استخلف‬
‫فلن فل نا يستخلفه ف هو خليف ته وم ستخلفه ‪ ،‬فإن قام مكا نه دون أن ي ستخلفه لم‬
‫يقل إل خلف فلن فلنا يخلفه فهو خالف ‪.‬‬
‫سن‬
‫سلة ‪ ،‬لوجهيس‬
‫ستخلف على الصس‬
‫قال ‪ :‬ومحال أن يعنوا بذلك السس‬
‫ضروريين ‪.‬‬
‫( أحدهما )‪ :‬أنه لم يستحق أبو بكر قط هذا السم على الطلق في‬
‫حياة النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وهو حينئذ خليفته على الصلة فصح‬
‫يقينا أن خلفته المسمى بها هي غير خلفته على الصلة ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 8‬من الحشر ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫(والثا ني)‪:‬أن كل من ا ستخلفه ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم‬
‫في حياته ‪ ،‬كعليّ في غزوة تبوك ‪ ،‬وابن أم مكتوم في غزوة الخندق ‪ ،‬وعثمان‬
‫بسن عفان فسي غزوة ذات الرقاع ‪ ،‬وسسائر مسن اسستخلفه على البلد باليمسن ‪،‬‬
‫والبحرين‪ ،‬والطائف ‪ ،‬وغيرها ‪ ،‬لم يستحق أحد منهم بل خلف بين أحد من‬
‫الئ مة أن ي سمى خلي فة ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،-‬ف صح يقي نا‬
‫بالضرورة التي ل محيد عنها أنها الخلفة بعده ‪ ،‬على أمته ‪.‬‬
‫ومسن المحال أن يجمعوا على ذلك ‪ ،‬وهسو لم يسستخلفه نصسا ‪ ،‬ولو لم‬
‫ي كن هاه نا إل ا ستخلفه في ال صلة ‪ ،‬لم ي كن أ بو ب كر أولى بهذا ال سم من‬
‫سسائر مسن ذكرناه ‪ ،‬قال‪ :‬وأيضسا فإن الروايسة قسد صسحت‪ .‬أن امرأة قالت ‪ :‬يسا‬
‫ر سول ال ‪ :‬أرأ يت إن رج عت فلم أجدك ‪ ،‬كأن ها تع ني الموت ؟ قال ‪:‬‬
‫أبا بكر‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫((‬

‫فأ تي‬

‫قال‪ :‬وهذا نص جلى على استخلف أبي بكر ‪.‬‬

‫قال ‪ :‬وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول ال صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه ‪:‬‬

‫((‬

‫لقد هممت أن‬

‫أبعث إلى أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيل يقول قائل ‪ :‬أنا أحق أو‬
‫يتمنى متمنى ‪ ،‬ويأبى ال ورسوله والمؤمنون إل أبا بكر‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وروى أيضسا – ويأبسى ال والنسبيون إل أبسا بكسر – قال ‪ :‬فهذا نسص‬
‫جلى على ا ستخلفه صلى ال تعالى عل يه و سلم – أ با ب كر على ول ية ال مة‬
‫بعده ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد ال بن عمر‪،‬‬
‫عن عمر ‪ ،‬أنه قال إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر ‪،‬‬
‫وإل استخلف فلم يستخلف من هو خير مني ‪ ،‬يعني رسول ال صلى ال تعالى‬
‫عل يه و سلم (‪.)3‬وب ما روى عن عائ شة ‪t‬ا ‪ ،‬أن ها سئلت ‪ :‬من كان ر سول ال‬
‫‪ )1(1‬تقدم تخريجه قريبا ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬تقدم قريبا ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬البخاري ج ‪ 9‬ص ‪ 83‬ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1454‬‬

‫‪68‬‬

‫صلى ال تعالى عليه وسلم مستخلفا لو استخلف ؟‬

‫(‪)4‬‬

‫قال ‪ :‬ومسن المحال أن يعارض إجماع الصسحابة الذي ذكرنسا عنهسم ‪،‬‬
‫والثران الصحيحان المسندان إلى رسول ال صلى تعالى ال عليه وسلم ‪ ،‬من‬
‫لفظه بمثل هذين الثرين الموقوفين على عمر وعائشة ‪ ،‬مما ل تقوم به حجة‬
‫ظاهرة ‪ .‬مع أن هذا ال ثر خ فى على ع مر ‪ ،‬ك ما خ فى عل يه كث ير من أ مر‬
‫رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬كالسستئذان وغيره ‪ ،‬وأنسه أراد‬
‫ا ستخلفا بع هد مكتوب ‪ ،‬ون حن ن قر أن ا ستخلفه لم ي كن بع هد مكتوب ‪ ،‬وأ ما‬
‫الخسبر فسي ذلك عسن عائشسة ‪t‬ا فكذلك أيضسا ‪ ،‬وقسد يخرج كلهمسا عسن سسؤال‬
‫سائل‪ .‬وإنما الحجة في روايتهما ل في قولهما ‪.‬‬
‫(قلت )‪:‬الكلم في تثبيت خلفة أبي بكر و غيره مبسوط في غير هذا‬
‫الموضع ‪،‬وإنما المقصود هنا البيان لكلم الناس في خلفته‪ ،‬هل حصل عليها‬
‫نص خفى أو جلى‪ ،‬وهل تثبت بذلك أو بالختيار‪،‬من أهل الحل والعقد فقد تبين‬
‫أن كثيرا مسن السسلف والخلف قالوا فيهسا بالنسص الجلى‪،‬أو الخفسى ‪،‬وحينئذ فقسد‬
‫ب طل قدح الراف ضي في أ هل ال سنة بقوله‪:‬ان هم يقولون ان ال نبي ‪e‬لم ي نص إلى‬
‫إمامة أحد‪،‬وانه مات عن غير وصية‪.‬‬
‫وكذلك ان هذا القول لم يقله جميعهم‪،‬فان كان حقا فقد قاله بعضهم‪،‬وان‬
‫كان الحق هو نقيضه فقد قال بعضهم ذلك‪،‬فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن‬
‫أهل السنّة ‪ ،‬أيضا فلو قدر أن القول بالنص هو الحق لم يكن في ذلك حجة‬
‫للشيعة فإن الرواندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي‪.‬‬
‫قال القا ضي أ بو يعلى وغيره ‪ : ،‬واختل فت الرواند ية فذ هب جما عة‬
‫منهم إلى أن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم نص على العباس بعينه واسمه‬
‫وأعلن ذلك وكشسف وصسرح بسه ‪ ،‬وأن المسة جحدت هذا النسص وارتدت ‪.‬‬
‫‪ )2(4‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪.1856‬‬

‫‪69‬‬

‫وخالفت أمر الر سول صلى ال تعالى عل يه وسلم عنادا ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬إن‬
‫النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة ‪ ،‬يعني هو نص خفي ‪.‬‬
‫فهذان قولن للرواندية ‪ ،‬كالقولين للشيعة ‪ ،‬فإن المامية تقول ‪ :‬أنه نص علي‬
‫بن أبي طالب من طريق التصريح والتسمية ‪ ،‬بأن هذا هو المام من بعدي ‪.‬‬
‫فاسمعوا له وأطيعوا ‪ ،‬والزيدية تخالفهم في هذا ‪.‬‬
‫ثم من الزيدية من يقول ‪ :‬إنما نص عليه بقوله ‪ :‬من كنت موله فعل يّ‬
‫موله ‪ ،‬وأ نت م ني بمنزلة هارون من مو سى ‪ ،‬وأمثال ذلك من ال نص الخ في‬
‫الذي يحتاج إلى تأ مل لمعناه ‪ ،‬وح كي عن الجارود ية من الزيد ية ‪ :‬أن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم نص على عليّ بصفة لم توجد إل فيه ‪ ،‬ل من جهة‬
‫التسمية ‪ ،‬فدعوى الرواندية في النص من جنس دعوى الرافضة‪ ،‬وقد ذكر في‬
‫المامية أقوال أخرى ‪.‬‬
‫والمق صود ه نا أن أقوال الراف ضة معار ضة بنظير ها ‪ ،‬فإن دعوا هم‬
‫ي كدعوى أولئك النص على العباس ‪ ،‬وكل القولين مما يعلم‬
‫النص على عل ّ‬
‫فساده بالضطرار ‪ ،‬ولم يقل أحد من أهل العلم شيئا من هذين القولين ‪ ،‬وإنما‬
‫ابتدعه ما أ هل الكذب ك ما سيأتي إن شاء ال تعالى بيا نه ‪ ،‬ولهذا لم ي كن أ هل‬
‫الدين من ولد العباس وعلي يدّعون هذا ‪ ،‬ول هذا بخلف النص على أبي بكر‬
‫فإن القائلين به طائفة من أهل العلم ‪.‬‬
‫والمقصسود هنسا أن كثيرا مسن أهسل السسنّة يقولون ‪ :‬أن خلفتسه تثبست‬
‫بال نص ‪ ،‬و هم ي سندون ذلك إلى أحاد يث معروفة صحيحة ‪ ،‬ول ر يب أن قول‬
‫هؤلء أوجه من قول من يقول أن خلفة علي أو العباس ثبتت بالنص‪.‬‬
‫فإن هؤلء ليسس معهسم إل مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلنسه‬
‫بالضرورة كل من كان عارفا بأحوال السلم ‪ ،‬أو استدلل بألفاظ ل تدل على‬
‫ذلك ‪ ،‬كحديث استخلفه في غزوة تبوك ‪ ،‬ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء ال‬

‫‪70‬‬

‫تعالى ‪.‬‬
‫فيقال لهذا ‪ :‬إن و جب أن يكون الخلي فة من صوصا عل يه ‪ ،‬كان القول‬
‫بهذا ال نص أولى من القول بذلك ‪ ،‬وإن لم ي جب هذا ب طل ذاك ‪ .‬والتحق يق أن‬
‫النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم دل المسسلمين على اسستخلف أبسي بكسر‬
‫وأرشدهم إليه ‪ ،‬بأمور متعددة من أقواله وأفعاله ‪ ،‬وأخبر بخلفته أخبار راض‬
‫بذلك حامدا له وعزم على أن يكتب بذلك عهدا ‪ ،‬ثم علم أن المسلمين يجتمعون‬
‫عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ‪.‬‬
‫ثم عزم على ذلك في مر ضه يوم الخم يس ‪ ،‬ثم ل ما ح صل لبعض هم‬
‫شك هل ذلك القول من جهة المرض ‪ ،‬أو هو قول يجب اتباعه ‪ ،‬فترك الكتابة‬
‫اكتفاء بمسا علم أن ال يختاره والمؤمنون مسن خلفسة أبسي بكسر ‪ ، t‬فلو كان‬
‫التعيين مما يشتبه على المة لبينه رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم بيانا‬
‫قاطعا للعذر ‪ ،‬لكن لما دلهم دللت متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا‬
‫ذلك حصل المقصود ‪.‬‬
‫ولهذا قال ع مر بن الخطاب في خطب ته ال تي خطب ها بمح ضر من‬
‫المهاجرين والنصار ‪ (( :‬وليس فيكم من تقطع إليه العناق مثل أبي بكر ))‬
‫رواه البخاري ومسسلم‬

‫(‪)1‬‬

‫وفسي الصسحيحين أيضسا عنسه أنسه قال يوم السسقيفة‬

‫بمحضر من المهاجرين والنصار ‪ (( :‬أنت خيرنا وسيدنا ‪ ،‬وأحبنا إلى رسول‬
‫ال صلى ال تعالى عليه وسلم ))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪ -‬ولم ينكر ذلك منهم منكر ‪ ،‬ول قال أحد‬

‫من الصحابة أن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلفة منه ‪ ،‬ولم ينازع‬
‫أ حد في خلف ته ‪ ،‬إل ب عض الن صار طم عا في أن يكون من الن صار أم ير‬
‫و من المهاجر ين أم ير ‪ ،‬وهذا م ما ث بت بالن صوص المتواترة ع نه ال نبي صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم بطلنه ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 8‬ص ‪ 169‬ومواضع أُخر ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1317‬‬
‫‪ )1(2‬البخارى ج ‪ 5‬ص ‪. 7‬‬

‫‪71‬‬

‫ثم النصار جميعهم بايعوا أبا بكر إل سعد بن عبادة لكونه هو الذي‬
‫كان يطلب الول ية ‪ ،‬ولم ي قل قط أ حد من ال صحابة أن ال نبي صلى ال تعالى‬
‫عليسه وسسلم نسص على غيسر أبسي بكسر ل على العباس ول على علي ‪ ،‬ول‬
‫غيره ما ‪ ،‬ول اد عى العباس ول علي –ول أ حد م من يحبه ما –الخل فة لواحدٍ‬
‫منهما ‪ ،‬ول أنه منصوص عليه ‪ ،‬بل ول قال أحد من الصحابة أن في قريش‬
‫من هو أ حق ب ها من أ بي ب كر ‪ ،‬ل من ب ني ها شم ول من غ ير ب ني ها شم ‪،‬‬
‫وهذا كله ممسا يعلمسه العلماء العالمون بالثار والسسنن والحديسث ‪ ،‬وهسو معلوم‬
‫عندهم بالضطرار‪.‬‬
‫فخل فة أ بي ب كر ال صديق دلت الن صوص ال صحيحة على صحتها ‪،‬‬
‫وثبوت ها ور ضا ال ور سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم له ب ها ‪ ،‬وانعقدت‬
‫بمباي عة الم سلمين له ‪ ،‬واختيار هم إياه ‪ ،‬اختيارا أ سندوا ف يه إلى ما علموه من‬
‫تفضيل ال ورسوله ‪ ،‬وأنه أحقهم بهذا المر عند ال ورسوله ‪.‬‬
‫فصارت ثابتة بالنص والجماع جميعا لكن النص دل على رضا ال‬
‫ورسوله بها وأنها حق وأن ال أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان‬
‫هذا أبلغ من مجرد العهد بها لنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد ‪.‬‬
‫وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على‬
‫صسوابهم فيمسا فعلوه ‪ ،‬ورضسا ال ورسسوله بذلك ‪ ،‬كان ذلك دليل على أن‬
‫الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه‬
‫أحقهم بالخلفة ‪ ،‬فإن ذلك ل يحتاج فيه إلى عهد خاص ‪ ،‬كما قال النبي صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم ‪ .‬لما أراد أن يكتب لبي بكر فقال لعائشة ‪:‬‬

‫((‬

‫ادعي لي‬

‫أباك وأخاك ح تى أك تب ل بي ب كر كتا با فإ ني أخاف أن يتم نى متم نى ‪ ،‬ويقول‬
‫قائل أنسا أولى ‪،‬ويأبسى ال والمؤمنون إل أبسا بكسر ))(‪ )1‬أخرجاه فسي الصسحيحين‬
‫و في البخاري ‪ (( :‬ل قد هم مت أن أر سل إلى أ بي ب كر واب نه ‪ ،‬وأع هد أن يقول‬
‫‪ )1(1‬تقدم تخريجه ص ‪. 64‬‬

‫‪72‬‬

‫القائلون ‪ ،‬أو يتم نى المتمنون ‪ ،‬ويدفع ال ويأبى المؤمنون‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫فبين صلى ال‬

‫تعالى عليه وسلم أنه يريد ان يكتب كتابا خوفا ثم علم أن المر واضح ظاهر ‪،‬‬
‫ليس مما يقبل النزاع فيه ‪ ،‬والمة حديثة عهد بنبيها ‪ ،‬وهم خير أمة أخرجت‬
‫للناس ‪ ،‬وأفضل قرون هذه المة فل يتنازعون في هذا المر الواضح الجلي ‪.‬‬
‫فإن النزاع إنمسا يكون لخفاء العلم ‪ ،‬أو لسسوء القصسد وكل المريسن‬
‫منتسف ‪ ،‬فإن العلم بفضيلة أبسي بكسر جلى ‪ ،‬وسسوء القصسد ل يقسع مسن جمهور‬
‫ال مة الذ ين هم أف ضل القرون ‪ ،‬ولهذا قال يأ بى ال والمؤمنون إل أ با ب كر ‪،‬‬
‫فترك ذلك لعلمسه بأن ظهور فضيلة أبسى بكسر الصسديق واسستخلفه لهذا المسر‬
‫يغني عن العهد ‪ ،‬فل يحتاج إليه‪ ،‬فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق ‪،‬‬
‫واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد ‪.‬‬

‫‪ )2(2‬تقدم أيضا ص ‪. 63‬‬

‫‪73‬‬

‫(فصنننننل)‬
‫وأمسا قول الرافضسي ‪ :‬إنهسم يقولون المام بعسد رسسول ال صسلى ال‬
‫تعالى عل يه و سلم –أ بو ب كر بمباي عة ع مر ‪ ،‬بر ضا أرب عة ‪ ،‬فيقال له ل يس هذا‬
‫قول أئمسة السسنّة ‪ ،‬وإن كان بعسض أهسل الكلم يقول أن المامسة تنعقسد ببيعسة‬
‫أربعسة ‪ ،‬كمسا قال بعضهسم ‪ :‬تنعقسد ببيعسة اثنيسن ‪ ،‬وقال بعضهسم‪ :‬تنعقسد ببيعسة‬
‫وا حد ‪ ،‬فل يس هذه أقوال أئ مة ال سنّة ‪ ،‬بل الما مة عند هم تث بت بمواف قة أ هل‬
‫الشوكسة عليهسا ‪ ،‬ول يصسير الرجسل إمامسا حتسى يوافقسه ‪ ،‬أهسل الشوكسة الذيسن‬
‫يح صل بطاعت هم له مق صود الما مة ‪ ،‬فإن المق صود من الما مة إن ما يح صل‬
‫بالقدرة والسلطان ‪ ،‬فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان ‪ ،‬صار إماما ‪،‬‬
‫ولهذا قال أئ مة ال سنّة من صار له قدرة و سلطان ‪ ،‬يف عل به ما مق صود الول ية‬
‫فهسو مسن أولي المسر ‪ ،‬الذيسن أمسر ال بطاعتهسم ‪ ،‬مسا لم يأمروا بمعصسبة ال‪،‬‬
‫فالما مة ملك و سلطان ‪ ،‬والملك ل ي صير مل كا بمواف قة وا حد ول اثن ين ‪ ،‬ول‬
‫أرب عة ‪ ،‬إل أن تكون مواف قة غير هم بح يث ي صير مل كا بذلك ‪ ،‬وهكذا كل أ مر‬
‫يفت قر إلى المعاو نة عل يه ‪ ،‬ل يح صل إل بح صول من يمكن هم التعاون عل يه ‪،‬‬
‫ولهذا لما بويع علي ‪ t‬وصار معه شوكة صار إماما ‪.‬‬
‫وأمنا قوله ‪ :‬ثسم عثمان بسن عفان بنسص عمسر على سستة هسو أحدهسم‬
‫فاختاره بعضهم ‪ ،‬فيقال أيضا عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة‬
‫الناس له ‪ ،‬وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد ‪.‬‬
‫قال المام أح مد في روا ية حمدان بن علي ‪ :‬ما كان في القوم او كد‬
‫من بيعة عثمان كانت بإجماعهم ‪.‬‬
‫فلمسا بايعسه ذوو الشوكسة والقدرة صسار إمامسا ‪ ،‬وإل لو قدر أن عبسد‬

‫‪74‬‬

‫الرحمسن بايعسه ولم يبايعسه غيره علي ول غيره مسن الصسحابة أهسل الشوكسة لم‬
‫يصر إماما ‪.‬‬
‫ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة ‪ :‬عثمان وعلي وطلحة والزبير‬
‫و سعد وع بد الرح من بن عوف ثم أ نه خرج طل حة والزب ير و سعد باختيار هم‬
‫وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ‪ ،‬واتفق الثلثة باختيارهم على أن‬
‫عبد الرحمن بن عوف ل يتولى ويولى أحد الرجلين ‪.‬‬
‫وأقام ع بد الرح من ثل ثا حلف أ نه لم يغت مض في ها ب كبير نوم‪ ،‬يشاور‬
‫ال سابقين الول ين والتابع ين ل هم بإح سان ‪ ،‬ويشاور أمراء الم صار وكانوا قد‬
‫حجوا مع عمر ذلك العام ‪ ،‬فأشار عليه المسلمون بولية عثمان‪.‬‬
‫و ذكرهم أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه ‪ ،‬ل عن رغبة أعطاهم إياها‬
‫ول عن ره بة أخاف هم ب ها ‪ ،‬ولهذا قال غ ير وا حد من ال سلف والئ مة كأيوب‬
‫السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم‪ :‬من قدم عليا على عثمان فقد‬
‫أزرى بالمهاجريسن والنصسار‪ ،‬وهذا مسن الدلة الدالة على ان عثمان أفضسل‬
‫لنهم قدموه باختيارهم‪ ،‬واشتوارهم ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ :‬ثم علي بمباي عة الخلق له فتخ صيصه عليّا بمباي عة الخلق‬
‫دون أبي بكر وعمر وعثمان كلم ظاهر البطلن ‪ ،‬وذلك أنه من المعلوم لكل‬
‫من عرف سيرة القوم ‪ ،‬أن اتفاق الخلق ومبايعتهسم ل بي ب كر وع مر وعثمان‬
‫أع ظم من اتفاق هم على بي عة علي ‪ t‬وعن هم أجمع ين و كل أحد يعلم أن هم اتفقوا‬
‫على بيعة عثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول‬
‫المر أفضل من الذين بايعوا عليّا ‪ ،‬فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف و‬
‫طل حة والزبير بن العوام وعبد ال بن م سعود والعباس بن عبد المطلب وأبي‬
‫بن ك عب وأمثال هم مع سكينة وطمأني نة ‪ ،‬وب عد مشاورة الم سلمين ثل ثة أيام ‪،‬‬
‫وأما علي ‪ t‬فإنه بويع عقب قتل عثمان ‪ ، t‬والقلوب مضطربة ‪،‬مختلفة وأكابر‬

‫‪75‬‬

‫ال صحابة متفرقون وأح ضر طل حة إحضارا ح تى قال من قال أن هم جاءوا به‬
‫مكرها ‪ ،‬وأنه قال بايعت واللج على قفىّ وكان لهل الفتنة بالمدينة شوكة لما‬
‫قتلوا عثمان ‪ ،‬وماج الناس لقتله مو جا عظي ما ‪ ،‬وكث ير من ال صحابة لم يبا يع‬
‫عليّا كعبد ال بن عمر وأمثاله ‪ ،‬وكان الناس معه ثلثة أصناف ‪ ،‬صنف قاتلوا‬
‫معسه ‪ ،‬وصسنف قاتلوه ‪ ،‬وصسنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معسه ‪ ،‬فكيسف يجوز أن‬
‫يقال فسي علي بمبايعسة الخلق له ‪ ،‬ول يقال مثسل ذلك فسي مبايعسة الثلثسة ولم‬
‫يختلف عليهم أحد لما بايعهم الناس ‪ ،‬كلهم ل سيما عثمان ‪.‬‬
‫وأما أبو بكر ‪ t‬فتخلف عن بيعته سعد لنهم كانوا قد عينوه للمارة ‪،‬‬
‫فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر ‪ ،‬ولكن هو مع هذا ‪ t‬لم يعارض ‪ ،‬ولم‬
‫يدفع حقا ‪ ،‬ول أعان على باطل ‪.‬‬
‫بل قد روى المام أحمد بن حنبل رحمه ال في مسند الصديق عن عثمان ‪،‬‬
‫عن أبي معاوية عن داود بن عبد ال الودي ‪ ،‬عن حميد بن عبد الرحمن هو‬
‫الحميري فذكر حديث السقيفة وفيه ‪ :‬أن الصديق قال ‪ (( :‬ولقد علمت يا سعد‬
‫أن رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم قال وأنت قاعد قريش ولة هذا المر‬
‫فبرّ الناس تبع لبرهم ‪ ،‬وفاجرهم تبع لفاجرهم ‪ ،‬قال ‪ ،‬فقال له سعد ‪ :‬صدقت‬
‫نحن الوزراء وأنتم المراء ))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫فهذا مر سل ح سن ول عل حميدا أخذه عن ب عض ال صحابة الذ ين شهدوا‬
‫بذلك ‪ ،‬وف يه فائدة جليلة جدا و هي أن سعد بن عبادة نزل عن مقا مه الول ‪،‬‬
‫في دعوى المارة ‪ ،‬وأذعن للصديق بالمارة فرضي ال عنهم أجمعين ‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬أردت أن أهسل السسنّة يقولون أن خلفتسه انعقدت بمبايعسة‬
‫الخلق له ‪ ،‬ل بالنسص فل ريسب أن أهسل السسنّة وإن كانوا يقولون ‪ :‬إن النسص‬
‫على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله خلفة النبوة ثلثون سنة ‪ ،‬فهم يروون‬
‫‪ )1(1‬المسند ج ‪ 1‬ص ‪ 164‬تحقيق أحمد شاكر ‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫النصوص الكثيرة ‪ ،‬في صحة خلفة غيره وهذا أمر معلوم عند أهل الحديث‬
‫يروون ‪ ،‬في صحة خل فة الثل ثة ن صوصا كثيرة بخلف خل فة علي ‪ ،‬فإن‬
‫نصوصها قليلة ‪.‬‬
‫فإن الثلثة اجتمعت المة عليهم ‪ ،‬فحصل بهم مقصود المامة‪ ،‬وقوتل‬
‫بهم الكفار وفتحت بهم المصار ‪ ،‬وخلفة علي لم يقاتل فيها كافر ‪ .‬ول ف تح‬
‫مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة ‪.‬‬
‫وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كال نص الذي تدعيه الرواند ية ‪،‬‬
‫على العباس وكلهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم ‪ ،‬ولو لم يكن في‬
‫إثبات خلفسة علي إل هذا لم تثبست له إمامسة قسط‪ ،‬كمسا لم تثبست للعباس إمامسة‬
‫بنظيره ‪.‬‬
‫سن ‪،‬‬
‫سم ‪ :‬أن المام بعده الحسس‬
‫سم اختلفوا فقال بعضهس‬
‫سا قوله ‪ :‬ثس‬
‫وأمس‬
‫وبعضهم قال أنه معاوية ‪ ،‬فيقال أهل السنّة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون‬
‫أن الحسن بايعه أهل العراق مكان أبيه‪،‬وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك‪.‬‬
‫و قوله ‪ :‬ثم ساقوا الما مة في ب ني أم ية ثم في ب ني العباس ‪ .‬فيقال ‪:‬‬
‫أ هل ال سنة ل يقولون أن الوا حد من هؤلء كان هو الذي ي جب أن يولى دون‬
‫من سواه‪،‬ول يقولون أنه تجب طاعته في كل ما يأمر‪.‬‬
‫بسل أهسل السسنة يخسبرون بالواقسع‪،‬ويأمرون بالواجسب‪،‬فيشهدون بمسا‬
‫و قع‪،‬ويأمرون ب ما أ مر ال ور سوله‪،‬فيقولون هؤلء هم الذ ين تولوا‪،‬وكان ل هم‬
‫سلطان وقدرة‪ ، ،‬يقدرون ب ها على مقا صد الول ية ‪ ،‬من إقا مة الحدود ‪ ،‬وق سم‬
‫الموال ‪ ،‬وتولية الولية ‪ ،‬وجهاد العدوّ‪ ،‬وإقامة الحج والعياد ‪ ،‬والجمع وغير‬
‫ذلك من مقاصد الولية ‪.‬‬
‫ويقولون ‪ :‬إن الواحسد مسن هؤلء ونوابهسم وغيرهسم ل يجوز أن يطاع‬

‫‪77‬‬

‫فسي معصسية ال تعالى – بسل يشارك فيمسا يفعله مسن طاعسة ال ‪ ،‬فيغزى معسه‬
‫الكفار‪ ،‬ويصلى معه الجمعة ‪ ،‬والعيدان ويحج معه‪ ،‬ويعاون في إقامة الحدود ‪،‬‬
‫والمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ،‬وأمثال ذلك ‪.‬‬
‫فيعاونون على البر والتقوى ول يعاونون على الثم والعدوان ‪.‬‬
‫ويقولون ‪ :‬أنه قد تولى غير هؤلء بالمغرب من بني أمية ‪ ،‬ومن بني‬
‫علي ‪.‬‬
‫و من المعلوم أن الناس ل ي صلحون إل بولة ‪ ،‬وأ نه لو تولى من هو‬
‫دون هؤلء من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم ‪.‬‬
‫كمسا يقال سستون سسنة مسع إمام جائر خيسر مسن ليلة واحدة بل إمام ‪،‬‬
‫ويروى عن علي ‪ t‬أ نه قال ‪(( :‬ل بد للناس من إمارة ‪ ،‬برة كا نت أو فاجرة ‪،‬‬
‫قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة ؟ قال ‪ :‬يؤمن بها السبيل ‪ ،‬ويقام‬
‫بها الحدود ‪ ،‬ويجاهد بها العدوّ ‪ ،‬ويقسم بها الفيء )) ذكره علي بن مع بد في‬
‫كتاب الطاعة والمعصية ‪.‬‬
‫و كل من تولى كان خيرا من المعدوم المنت ظر ‪ ،‬الذي تقول الراف ضة‬
‫أ نه الخلف الح جة ‪ ،‬فإن هذا لم يح صل بإمام ته ش يء من الم صلحة ‪ ،‬ل في‬
‫الدن يا ول في الد ين أ صل ‪ ،‬ول فائدة في إمام ته ‪ ،‬إل العتقادات الفا سدة ‪،‬‬
‫والماني الكاذبة ‪ ،‬والفتن بين المة وانتظار من ل يجيء فتطوى العمار ولم‬
‫يحصل من فائدة هذه المامة شيء ‪.‬‬
‫والناس ل يمكنهسم بقاء أيام قليلة بل ولة أمور ‪ ،‬بسل كانست أمورهسم‬
‫تفسد ‪ ،‬فكيف تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إل من ل يعرف ‪ ،‬ول يدري‬
‫ما يقول ‪ ،‬ول يقدر على شيء من أمور المامة ‪ ،‬بل هو معدوم ‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫وأ ما آباؤه فلم ي كن ل هم قدرة و سلطان الما مة ‪ ،‬بل كان ل هل العلم‬
‫والدين منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث ‪ ،‬والفتيا ونحو ذلك ‪ ،‬لم يكن لهم‬
‫سلطان لشوكة ‪ ،‬فكانوا عاجزين عن المامة ‪ ،‬سواء كانوا أولى بالولية أو لم‬
‫يكونوا أولى ‪.‬‬
‫فبكسل حال مسا مكنوا ول ولوا ‪ ،‬ول كان يحصسل بهسم المطلوب‪ ،‬مسن‬
‫الوليسة لعدم القدرة والسسلطان ‪ ،‬ولو أطاعهسم المؤمسن لم يحصسل له بطاعتهسم‬
‫الم صالح ال تي تح صل بطا عة الئ مة من جهاد العداء ‪ ،‬وإي صال الحقوق إلى‬
‫مستحقيها ‪ ،‬أو بعضهم وإقامة الحدود‪.‬‬
‫فإن قال القائل ‪ :‬إن الواحسد مسن هؤلء أو مسن غيرهسم إمام أي ذو‬
‫سلطان وقدرة ‪ ،‬يحصل بهما مقاصد المامة ‪ ،‬كان هذا مكابر للحس ‪.‬‬
‫ولو كان ذلك كذلك لم يكسن هناك متول يزاحمهسم ‪ ،‬ول يسستبد المسر‬
‫دونهم ‪ ،‬وهذا ل يقوله أحد ‪ .‬وإن قال أنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين يجب أن‬
‫يولوا ‪ ،‬وأن الناس عصوا بترك توليتهم ‪.‬‬
‫سن لم‬
‫ستحق أن يولى القضاء ‪ ،‬ولكس‬
‫فهذا بمنزلة أن يقال فلن كان يسس‬
‫يول ظلما وعدوانا ‪.‬‬
‫ومسن المعلوم أن أهسل السسنّة ل ينازعون فسي أنسه كان بعسض أهسل‬
‫الشو كة ب عد الخلفاء الرب عة ‪ ،‬يولون شخ صا وغيره أولى بالول ية م نه ‪ ،‬و قد‬
‫كان ع مر بن ع بد العز يز يختار أن يولى القا سم بن مح مد بعده لك نه لم ي طق‬
‫ذلك ‪ ،‬لن أهسل الشوكسة لم يكونوا موافقيسن على ذلك ‪ .‬وحينئذ فأهسل الشوكسة‬
‫الذ ين قدّموا المرجوح وتركوا الرا جح ‪ ،‬والذي تولى بقوّ ته وقوة أتبا عه ظل ما‬
‫وبغيا ‪ ،‬فيكون إثم هذه الولية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله ‪ ،‬أو‬
‫أعان على الظلم ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫وأما من لم يظلم ول أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس‬
‫عل يه من هذا ش يء ‪ .‬ومعلوم أن صالحي المؤمن ين ل يعاونون الولة إل على‬
‫البر والتقوى ‪ ،‬ل يعاونونهم على الثم والعدوان ‪.‬‬
‫وأهسل السسنّة يقولون ينبغسي أن يولى الصسلح للوليسة ‪ ،‬إذا أمكسن إمسا‬
‫وجوبا عند أكثرهم ‪ ،‬وإما استحبابا عند بعضهم ‪ ،‬وإن من عدل عن الصلح‬
‫مع قدرته لهواه فهو ظالم ‪ ،‬ومن كان عاجزا عن تولية الصلح مع محبته لذلك‬
‫فهو معذور ‪.‬‬
‫ويقولون ‪ :‬من تولى فإنه يستعان به على طاعة ال بحسب المكان ‪،‬‬
‫ول يعان إل على طاعة ال ‪ ،‬ول يستعان به على معصية ال ‪ ،‬ول يعان على‬
‫معصية ال تعالى ‪.‬‬
‫أفليسس قول أهسل السسنّة فسي المامسة خيرا مسن قول مسن يأمسر بطاعسة‬
‫معدوم ‪ ،‬أو عاجز ل يمكنه العانة المطلوبة من الئمة ‪ ،‬ولهذا كانت الرافضة‬
‫ل ما عدلت عن مذ هب أ هل ال سنّة في معو نة أئ مة الم سلمين وال ستعانة ب هم ‪،‬‬
‫دخلوا في معاونة الكفار والستعانة بهم ‪.‬‬
‫سم إمام موجود ‪،‬‬
‫سوم ‪ ،‬ول يعرف لهس‬
‫سم يدعون إلى المام المعصس‬
‫فهس‬
‫يأتمون به ‪ ،‬إل كفور أو ظلوم ‪ ،‬فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء ال‬
‫رجال الغ يب ‪ ،‬ول رجال للغ يب عنده إل أ هل الكذب والم كر ‪ ،‬الذ ين يأكلون‬
‫أموال الناس بالبا طل ‪ ،‬وي صدّون عن سبيل ال ‪ ،‬أو ال جن أو الشياط ين الذ ين‬
‫يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية ‪.‬‬
‫فلو قدر أن ما تدّعيه الرافضة من النص هو حق موجود ‪ ،‬وأن الناس‬
‫لم يولوا المنصسوص عليسه لكانوا قسد تركوا مسن يجسب توليتسه ‪ ،‬ولولوا غيره‬
‫سود المامسسة هسسو هذا المولى ‪ ،‬دون الممنوع‬
‫وحينئذ فالمام الذي قام بمقصس‬

‫‪80‬‬

‫المقهور ‪.‬‬
‫نعم ذاك يستحق أن يولى ‪ ،‬لكن ما ولى ‪ ،‬فالثم على من ضيع حقه ‪،‬‬
‫وعدل عنه ل على من لم يضع حقه ولم يتعد ‪ .‬وهم يقولون ‪ :‬أن المام وجب‬
‫نصسبه ‪ ،‬لن لطسف ومصسلحة للعباد ‪ ،‬فإذا كان ال ورسسوله يعلم أن الناس ل‬
‫يولون هذا المعيسن إذا أمروا بوليتسه كان أمرهسم بوليسة مسن يولونسه وينتفعون‬
‫بوليته أولى ‪ ،‬من أمرهم بولية من ل يولونه ‪ ،‬ول ينتفعون بوليته ‪.‬‬
‫كما قيل في إمامة الصلة والقضاء ‪ ،‬وغير ذلك ‪ ،‬فكيف إذا كان ما‬
‫يدعو نه من ال نص من أع ظم الكذب والفتراء؟ وال نبي صلى ال تعالى عل يه‬
‫و سلم قد أ خبر أم ته ب ما سيكون ‪ ،‬و ما ي قع بعده ‪ ،‬من التفرق فإذا نص لم ته‬
‫على إمامسة شخسص يعلم أنهسم ل يولونسه ‪ ،‬بسل يعدلون عنسه ويولون غيره –‬
‫يح صل ل هم بولي ته مق صود الولة – وأ نه إذا أف ضت النو بة إلى المن صوص‬
‫ح صل من سفك دماء ال مة ما لم يح صل بغ ير المن صوص ‪ ،‬ولم يح صل من‬
‫مقاصسد الوليسة مسا حصسل بغيسر المنصسوص ‪ ،‬كان الواجسب العدول عسن‬
‫المنصوص ‪.‬‬
‫مثال ذلك أن ولىّ المسر إذا كان عنده شخصسان ‪ ،‬ويعلم أنسه إن ولى‬
‫أحدهما أطيع وفتح البلد ‪ ،‬وأقام الجهاد ‪ ،‬وقهر العداء ‪ ،‬وأنه إذا ولى الخر‬
‫لم يطع ‪ ،‬ولم يفتح شيئا من البلد ‪ ،‬بل يقع في الرعية الفتنة والفساد ‪ ،‬كان من‬
‫المعلوم ل كل عا قل أ نه ينب غي أن يولي من يعلم أ نه إذا وله ح صل به الخ ير‬
‫والمنفعة ‪ ،‬ل من إذا وله لم يطع وحصل بي نه وبين الرعية الحرب والفت نة ‪.‬‬
‫فك يف مع علم ال ور سوله بحال ول ية الثل ثة؟ و ما ح صل في ها من م صالح‬
‫المة ‪ ،‬في دينها ودنياها ‪ ،‬ل ينص عليها وينص على ولية من ل يطاع بل‬
‫يحارب ويقاتل ‪ ،‬حتى ل يمكنه قهر العداء ول إصلح الولياء ‪.‬‬
‫وهسل يكون مسن ينسص على وليسة هذا دون ذاك إل جاهل إن لم يعلم‬

‫‪81‬‬

‫الحال أو ظالما مفسدا ‪ .‬إن علم ‪ .‬وال ورسوله بريء من الجهل والظلم ‪.‬‬
‫و هم يضيفون إلى ال ور سوله العدول ع ما ف يه م صلحة العباد‪ ،‬إلى‬
‫ما ليس فيه إل الفساد ‪.‬‬
‫وإذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم ل من تقصيره ‪ .‬قيل أفليس‬
‫وليسة مسن يطيعونسه فتحصسل المصسلحة أولى مسن وليسة مسن يعصسونه ‪ ،‬فل‬
‫تحصل المصلحة بل المفسدة ؟‬
‫ولو كان للرجسسل ولد وهناك مؤدبان إذا أسسسلمه إلى أحدهمسسا تعلم‬
‫وتأدب ‪ ،‬وإذا أسسلمه إلى الخسر فرّ وهرب ‪ ،‬أفليسس إسسلمه إلى ذاك أولى ؟‬
‫ولو قدر أن ذاك افضل ‪ ،‬فأ يّ منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة‬
‫لنفوره عنه ‪.‬‬
‫ولو خطب المرأة رجلن أحدهما افضل من الخر لكن المرأة تكرهه‪،‬‬
‫وإن تزو جت به لم تط عه ‪ ،‬بل تخا صمه وتؤذ يه ‪ ،‬فل تنت فع به ول ينت فع هو‬
‫بها‪ ،‬والخر تحبه ويحصل به مقاصد النكاح ‪ ،‬أفليس تزويجها بهذا المفضول‬
‫أولى باتفاق العقلء ؟ ونص من ينص على تزويجها بهذا أولى من النص على‬
‫تزويجها بهذا ‪.‬‬
‫فكيسف يضاف إلى ال ورسسوله مسا ل يرضاه إل ظالم ‪ ،‬أو جاهسل ‪،‬‬
‫وهذا ونحوه ممسا يعلم بسه بطلن النسص بتقديسر أن يكون علي هسو الفضسل‬
‫الحق ‪ ،‬بالمارة ‪ ،‬لكن ل يحصل بوليته إل ما حصل ‪ ،‬وغيره ظالم يحصل‬
‫به ما حصل من المصالح ‪ ،‬فكيف إذا لم يكن المر كذلك ‪ ،‬ل في هذا ول في‬
‫هذا ‪.‬‬
‫فقول أ هل ال سنّة خبر صادق وقول حك يم ‪ ،‬وقول الراف ضة خبر كاذب‬
‫وقول سفه ‪ ،‬فأهل السنّة يقولون المير والمام والخليفة ذو السلطان الموجود ‪،‬‬

‫‪82‬‬

‫الذي له القدرة على عمسل مقصسود الوليسة ‪ ،‬كمسا أن إمام الصسلة هسو الذي‬
‫ي صلي بالناس ‪ ،‬و هم يأتمون به ل يس إمام ال صلة من ي ستحق أن يكون إما ما‬
‫وهو ل يصلي بأحد ‪ ،‬لكن هذا ينبغي أن يكون إماما ‪ ،‬والفرق بين المام وبين‬
‫من ينبغي أن يكون هو المام ل يخفى على الطغام ‪.‬‬
‫ويقولون أنسه يعاون على البر والتقوى ‪ ،‬دون الثسم والعدوان ‪ ،‬ويطاع‬
‫في طاعة ال دون معصيته ‪ ،‬ول يخرج عليه بالسيف ‪ ،‬وأحاديث النبي صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم إنما تدل على هذا ‪.‬‬
‫كما في الصحيحين ‪ ،‬عن ابن عباس –رضي ال عنهما – عن النبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم قال‪((:‬من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه ‪ ،‬فإنه ليس‬
‫أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إل مات ميتة جاهلية‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على‬
‫ما يكره من الم ير لم ي خص بذلك سلطانا معينا ول أميرا معي نا ول جما عة‬
‫معينة ‪.‬‬
‫(قال الرافضي الفصل الثاني في أن مذهب المامية واجب التباع)‬
‫ومضمون مسا ذكره أن الناس اختلفوا بعسد النسبي صسلى ال تعالى عليسه‬
‫وسسلم فيجسب النظسر فسي الحسق واعتماد النصساف ‪ ،‬ومذهسب الماميسة واجسب‬
‫التباع لربعة وجوه ‪ ،‬لنه أحقها ‪ ،‬وأصدقها ‪ ،‬ولنهم باينوا جميع الفرق في‬
‫أصسول العقائد ‪ ،‬ولنهسم جازمون بالنجاة لنفسسهم ‪ ،‬ولنهسم أخذوا دينهسم عسن‬
‫الئمة المعصومين ‪ ،‬وهذا حكاية لفظه ‪.‬‬
‫قال الراف ضي ‪ :‬أ نه ل ما ع مت البل ية بموت ال نبي صلى ال تعالى عل يه‬
‫سم ‪،‬‬
‫سب تعدد أهوائهس‬
‫سم ‪ ،‬بحسس‬
‫سلم –واختلف الناس بعده ‪ ،‬وتعددت آراؤهس‬
‫وسس‬
‫فبعض هم طلب ال مر لنف سه بغ ير حق ‪ ،‬وباي عه أك ثر الناس للدن يا ‪ ،‬ك ما اختار‬
‫‪ )1(1‬سبق ذكره انظر ص‬

‫‪83‬‬

‫عمرو بن سعد ملك الرى أيا ما ي سيرة ‪ ،‬ل ما خ ير بي نه وب ين ق تل الح سين مع‬
‫علمه ‪ ،‬بأن من قتله في النار ‪ ،‬واختياره ذلك في شعره حيث يقول ‪:‬‬
‫فوال ما أدري وإني لصسادق‬

‫أفسكرفي أمسرعلى خطرين‬

‫أاترك ملك الرىّ والرى منيتي‬

‫أم أصبسح مأثوما بقتل حسين‬

‫وفي قتله النار التي ليس دونها‬

‫حجاب وملك الرىّ قرة عيني‬

‫وبعضهم اشتبه المر عليه ‪ ،‬ورأى لطالب الدنيا مبايعا ‪ ،‬فقلده وبايعه‬
‫وق صر في نظره ‪ ،‬فخ فى عل يه ال حق فا ستحق المؤاخذة من ال تعالى بإعطاء‬
‫الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر ‪ ،‬وبعضهم قلد لقصور فطنته ‪ ،‬ورأى‬
‫الجسم الغفيسر فتابعهسم ‪ ،‬وتوهسم أن الكثرة تسستلزم الصسواب ‪ ،‬وغفسل عسن قوله‬
‫ُمن [‬
‫تعالى ‪] :‬وَ َقلِيلٌ مَا ه ْ‬

‫(‪)1‬‬

‫شكُور [‬
‫ِين ال ّ‬
‫ِنن عِبَاد َ‬
‫] وَقَلِي ُل م ْ‬

‫(‪)2‬‬

‫وبعضهسم طلب‬

‫ال مر لنف سه ب حق له وباي عه القلون الذ ين أعرضوا عن الدن يا وزينت ها ‪ ،‬ولم‬
‫يأخذ هم في ال لو مة لئم بل أخل صوا ل واتبعوا ما أمروا به من طا عة من‬
‫يستحق التقديم ‪.‬‬
‫وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ‪ ،‬وجب على كل أحد النظر في الحق‬
‫واعتماد النصساف ‪ ،‬وأن يقسر الحسق مسستقره ‪ ،‬ول يظلم مسستحقه ‪ ،‬فقسد قال‬
‫تعالى ‪َ] :‬ألَ َلعْ َنةُ الِ عَلَى الظّا ِلمِينن [‬

‫(‪)3‬‬

‫و إنمسا كان مذهسب الماميسة واجسب‬

‫التباع لوجوه هذا لفظه ‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬أنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف ‪ ،،‬وهذا من أعظم‬
‫الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الصناف الربعة‪،‬‬
‫فضل عن أن ل يكون فيهم أحد إل من هذه الصناف ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 13‬من سورة سبأ ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 18‬من سورة هود ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫إ ما طالب لل مر بغ ير حق كأ بي ب كر في زع مه ‪ .‬وإ ما طالب لل مر‬
‫بحق كعلي في زعمه ‪.‬‬
‫وهذا كذب على علي ‪ ، t‬وعلى أبي بكر ‪ ، t‬فل علي طلب المر لنفسه‬
‫قبل قتل عثمان ‪ ،‬ول أبو بكر طلب المر لنفسه فضل عن أن يكون طلبه بغير‬
‫حق ‪.‬‬
‫وجعل القسمين الخرين إما مقلدا لجل الدنيا‪ ،‬وإما مقلدا لقصوره في‬
‫النظر‪ ،‬وذلك أن النسان يجب عليه ان يعرف الحق وأن يتبعه ‪ ،‬وهو الصراط‬
‫المسستقيم صسراط الذيسن أنعسم ال عليهسم ‪ ،‬مسن النسبيين والصسديقين ‪ ،‬والشهداء‬
‫وال صالحين ‪ ،‬غ ير المغضوب علي هم ‪ ،‬ول الضال ين ‪ .‬وهذا هو ال صراط الذي‬
‫أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه ‪ ،‬في كل صلة بل في كل ركعة ‪.‬‬
‫وهذه المة خير المم ‪ ،‬وخيرها القرن الول ‪ ،‬كان القرن الول أكمل‬
‫الناس في العلم النافع ‪ ،‬والعمل الصالح ‪.‬‬
‫وهؤلء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك ‪ ،‬بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق‬
‫ويتبعونه ‪ ،‬بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه ‪ ،‬كما يزعمون في‬
‫الخلفاء الثل ثة ‪ ،‬وجمهور الصسحابة ‪ ،‬والمسة ‪ ،‬وكثيسر منهسم عندهسم ل يعلم‬
‫الحسق ‪ ،‬بسل اتبسع الظالميسن تقليدا لعدم نظرهسم المفضسى إلى العلم ‪ ،‬والذي لم‬
‫ين ظر قد يكون تر كه الن ظر ل جل الهوى وطلب الدن يا ‪ ،‬و قد يكون لق صوره‬
‫ونقص إدراكه ‪.‬‬
‫وادعسى أن منهسم مسن طلب المسر لنفسسه بحسق يعنسي عليا ‪ ،‬وهذا ممسا‬
‫علم نا بالضطرار أ نه لم ي كن ‪ ،‬فلزم من ذلك على قول هؤلء أن تكون ال مة‬
‫كلها كانت ضالة ‪ ،‬بعد نبيها ليس فيها مهتد ‪.‬‬
‫فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم ‪ ،‬لنهم كما قال‬

‫‪85‬‬

‫تعالى‪َ ] :‬ومِن ْن َقوْمِن مُوسنَى ُأ ّمةً َيهْدُونَن بِالحَقّ وَهُم ْن َيعْدِلُون [(‪ . )1‬و قد أ خبر‬
‫ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم أن اليهود والن صارى افتر قت على أكثر من‬
‫سبعين فر قة ‪ ،‬في ها واحدة ناج ية ‪ ،‬وهذه ال مة على مو جب ما ذكروه لم ي كن‬
‫فيهم بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ول تعدل به‪،‬‬
‫وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى ‪.‬‬
‫فيلزم من ذلك ان يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من‬
‫خ ير أ مة أخر جت للناس ‪ ،‬فهذا لزم ل ما يقوله هؤلء المفترون ‪ ،‬فإذا كان هذا‬
‫في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم من اختلف‬
‫المة ‪ ،‬فكيف سائر ما ينقله ويستدل به ‪ ،‬ونحن نبين ما في هذه الحكاية من‬
‫الكاذيب من وجوه كثيرة‪ ،‬فنقول ‪:‬‬
‫ما ذكره هذا المفترى من قوله ‪ :‬أنه لما عمت البلية على كافة المسلمين‬
‫بموت النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ .‬واختلف الناس بعده ‪ ،‬وتعددت‬
‫آراؤهسم بحسسب تعدد أهوائهسم ‪ ،‬فبعضهسم طلب المسر لنفسسه ‪ ،‬وتابعسه أكثسر‬
‫الناس طلبا للدنيا ‪ ،‬كما اختار عمر بن سعد ‪ ،‬ملك الرى أياما يسيرة لما خير‬
‫بينه وين قتل الحسين ‪ ،‬مع علمه بان في قتله النار واختياره ذلك في شعره ‪.‬‬
‫فيقال في هذا الكلم من الكذب ‪ ،‬والبا طل وذم خيار ال مة ‪ ،‬بغ ير‬
‫حسق مسا ل يخفسى مسن وجوه ‪( .‬أحدهمنا ) ‪:‬قوله تعددت آراؤهسم بحسسب تعدد‬
‫أهوائهم ‪ ،‬فيكون كلهم متبعين أهوائهم ‪ ،‬ليس فيهم طالب حق ‪ ،‬ول مريد لوجه‬
‫ال تعالى والدار الخرة ‪ ،‬ول من كان قوله عن اجتهاد واستدلل ‪.‬‬
‫وعموم لفظه يشمل عليا وغيره ‪ ،‬وهؤلء الذين وصفهم بهذا ‪ ،‬هم الذين أثنى‬
‫ال عليهم هو ورسوله ‪ ،‬ورضي ال عنهم ووعدهم الحسنى ‪ ،‬كما قال تعالى ‪:‬‬
‫ِينن اتّبَعُوهُم بِ ِإحْسنَان ‪t‬م‬
‫ِرينن وَالَنْصنَار الّذ َ‬
‫ِنن ال ُمهَاج َ‬
‫ُونن م َ‬
‫]وَالسنّا ِبقُونَ ا َلوّل َ‬
‫ك ال َفوْزُ‬
‫ت َتجْرِي َتحْتها الَ ْنهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِ َ‬
‫وَرَضُوا عَنْ ُه َوأَعَدّ َلهُمْ جَنّا ٍ‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 159‬من سورة العراف ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫ن َمعَ هُ َأشِدّاءَ عَلَى ال ُكفّارِ‬
‫حمّدٌ رَ سُولُ الِ وَالّذِي َ‬
‫العَظِ يم [ (‪. )1‬وقال تعالى ‪ُ ُ ] :‬م َ‬
‫ضوَانًا سِيمَاهُم في‬
‫ن الِ وَرِ ْ‬
‫ل مِ َ‬
‫سجّدًا يَبْ َتغُو نَ فَضْ ً‬
‫حمَا َء بَيْ َنهُ مْ تَرَاهُ مْ ُر ّكعًا ُ‬
‫ُر َ‬
‫ك مَثَُلهُ مْ في ال ّتوْرَاةِ ‪َ ،‬ومَثَُلهُ مْ في الِإ ْنجِيل كَ َزرْ عٍ‬
‫سجُودْ ذَلِ َ‬
‫ُوجُو ِههِم ِم نْ أَثَ ِر ال ّ‬
‫علَى سُو ِق ِه ُي ْعجِ بُ الزّرّا عَ لِ َيغِي ظَ ِبِ هم‬
‫شطْأَ هُ فآزَرَ هُ فَا سْ َتغْ َلظَ فَا سْ َتوَى َ‬
‫ج َ‬
‫َأخْرَ َ‬
‫ُمن َمغْفِرَ ًة َوَأجْرا‬
‫عمِلُوا الصنّا ِلحَاتِ مِ ْنه ْ‬
‫ُمن وَ َ‬
‫ِينن آمَنُوا مِ ْنه ْ‬
‫الكُفّار ‪ ،‬وَعَدَ الُ الّذ َ‬
‫عظِيمًا [(‪. )2‬‬
‫َ‬
‫ُسن ِهمْ‬
‫ِمن َوأَنْف ِ‬
‫ِينن آمَنُوا وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا بِ َأ ْموَا ِله ْ‬
‫وقال تعالى ‪] :‬إِنّ الّذ َ‬
‫في سَبِي ِل الِ وَالّذِي نَ آ َووْا وَنَ صَرُوا َأوْلَئِ كَ بَعضُهم َأوْلِيَا َء َبعْض –إلى قوله –‬
‫ِينن آمَنُوا مِن بَعند‬
‫ْقن كَرِينم وَالّذ َ‬
‫حقّان لَهُم َم ْغفِرَةٌ وَ ِرز ٌ‬
‫ُونن َ‬
‫ُمن ال ُم ْؤمِن َ‬
‫ِكن ه ُ‬
‫ُأوْلَئ َ‬
‫ك مِ ْنكُم [‬
‫وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا َم َعكُم فَُأوْلَئِ َ‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫ق مِ نْ قَ ْبلِ ا ْلفَتْ حِ وَقَاتَل أُولَئِ كَ‬
‫ن أَنْفَ َ‬
‫وقال تعالى ‪] :‬لَ يَ سْ َتوِي مِ ْنكُم مَ ْ‬
‫حسْنَى [(‪. )4‬‬
‫ن أَنْ َفقُوا مِنْ َبعْد َوقَاتَلُوا َوكُلّ وَعَ َد الُ ال ُ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫جةً مِ َ‬
‫عظَ ُم دَ َر َ‬
‫أَ ْ‬
‫ن دِيَارِهِ ْم َوَأمْوَالِهِم‬
‫وقال تعالى ‪ِ] :‬للفقرا ِء ا ْل ُمهَاجِرِي نَ الّذِي نَ ُأخْ ِرجُوا مِ ْ‬
‫ن ال َورَ سُو َل ُه ُأوْلَئِ كَ هُم ال صّادِقُون‬
‫ن الِ وَرِضوانًا وَيَنْ صُرُو َ‬
‫ل مِ َ‬
‫يَبْ َتغُو نَ فَضْ ً‬
‫ن تَ َبوّؤا الدّارَ وَالِيمَان مِن قَبْ ِلهِم ُيحِبّون مَن هَاجَ َر إِلَ ْيهِم َولَ َيجِدُو نَ في‬
‫وَالّذِي َ‬
‫ن ِبهِمْ خَصَاصَة َومَن‬
‫سهِم وَ َل ْو كَا َ‬
‫ن عَلَى أَنْف ِ‬
‫جةً ِممّا أُوتُوا وَ ُيؤْثِرُو َ‬
‫صُدُو ِرهِم حَا َ‬
‫ن جَاءُوا مِن َبعْدِهِم َيقُولُو نَ رَبّنَا‬
‫يُو قَ شُحّ َنفْ سِهِ فَُأوْلَئِ كَ هُ مُ ا ْل ُمفْ ِلحُون وَالّذِي َ‬
‫ِينن‬
‫ل لِلّذ َ‬
‫ج َعلْ فني قُلُوبِنَا غِ ّ‬
‫سنبَقُونَا بِالِيمَان َولَ َت ْ‬
‫ِينن َ‬
‫خوَانِنَا الّذ َ‬
‫غفِرْ لَنَا َو ِل ْ‬
‫اْ‬
‫آمَنُوا رَبّنَا إِنّكَ رَءُوفٌ َرحِيم [(‪. )5‬‬
‫وهذه اليات تتضمسن الثناء على المهاجريسن ‪ ،‬والنصسار ‪ ،‬وعلى‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 29‬من سورة الفتح ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬اليات من ‪ 75 -72‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )4(4‬الية ‪ 10‬من سورة الحديد ‪.‬‬
‫‪ )1(5‬اليات ‪ 10،9،8‬من سورة الحشر ‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫الذ ين جاءوا من بعد هم ‪ ،‬ي ستغفرون ل هم وي سألون ال أن ل يج عل في قلوب هم‬
‫غل لهم ‪ ،‬وتتضمن أن هؤلء الصناف هم المستحقون للفيء ‪.‬‬
‫ول ر يب أن هؤلء الراف ضة خارجون من ال صناف الثل ثة فإن هم لم‬
‫يستغفروا للسابقين ‪ ،‬وفي قلوبهم غل عليهم ‪ ،‬ففي اليات الثناء على الصحابة‪،‬‬
‫وعلى أهل السنّة الذين يتولونهم ‪ ،‬وإخراج الرافضة من ذلك ‪ ،‬وقد روى ابن‬
‫بطة وغيره من حديث أبي بدر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد ال بن زيد ‪ ،‬عن طلحة بن‬
‫م صرف ‪ ،‬عن م صعب بن سعد ‪ ،‬عن سعد بن أ بي وقاص ‪ ،‬قال ‪(( :‬الناس‬
‫على ثلث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة ‪ ،‬فأحسن ما أنتم عليه كائنون‪،‬‬
‫أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ‪.‬‬
‫ثسم قرأ ] للفقراء المهاجرينن الذينن أخرجوا منن ديارهنم وأموالهنم‬
‫يبتغون فضل من ال ورضوانا ‪ ،‬هؤلء المهاجرون ‪ ،‬وهذه منزلة قد مضت‪،‬‬
‫ثم قرا والذ ين تبوءوا الدار واليمان من قبل هم يحبون من ها جر إلي هم ول‬
‫يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ‪ .‬ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم‬
‫خصا صة[ ‪.‬‬
‫ثم قال هؤلء النصار وهذه منزلة قد مضت ‪.‬‬
‫غفِ ْر لَنَا َو ِلخْوَانِنَا‬
‫ن َبعْدِهِ مْ ‪َ ،‬يقُولُو نَ رَبّنَا ا ْ‬
‫ن جَاءُوا مِ ْ‬
‫ثم قرأ ] وَالّذِي َ‬
‫ّكن‬
‫ِينن آمَنُوا‪ ،‬رَبّن َا إِن َ‬
‫سنَبقُونَا بِالِيمَان ‪ ،‬وَل َتجْ َعلْ فني قُلُوبِن َا غُلّ للّذ َ‬
‫ِينن َ‬
‫الّذ َ‬
‫رَءُو فٌ َرحِي مٌ [(‪ ، )1‬فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة ‪ ،‬فأحسن ما أنتم عليه‬
‫كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم ))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال‪ ((:‬من سب السلف فليس‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 10‬من سورة الحشر ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬يظهر أن هذا الثر في البانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى ‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫ن َبعْدِهِم [‬
‫ن جَاءُوا مِ ْ‬
‫له في الفيء نصيب )) لن ال تعالى يقول ‪ ] :‬وَالّذِي َ‬

‫(‪)1‬‬

‫اليسة – وهذا معروف عسن مالك ‪ ،‬وغيسر مالك مسن أهسل العلم كأبسي عبيسد‬‫القاسم بن سلم‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني ‪ ،‬من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء‪،‬‬
‫وروى أيضا عن الحسن بن عمارة ‪ ،‬عن الحكيم عن مقسم عن ابن عباس ‪ t‬ما‬
‫‪ .‬قال ‪ (( :‬أ مر ال بال ستغفار ل صحاب ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪،‬‬
‫وهو يعلم أنهم يقتتلون ))‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫وقال عروة قالت لي عائشسة ‪t‬ا ‪ (( :‬يسا ابسن أختسي أمروا بالسستغفار‬
‫لصحاب النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ .‬فسبوهم ))‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ‪ t‬قال ‪ .‬قال رسول ال صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم ‪ (( :‬ل تسبوا أصحابي فلو ان أحدهم أنفق م ثل أُحد ذهبا‬
‫ما بلغ مد أحدهم ول نصيفه))(‪. )5‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ‪ t‬أن رسول ال صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم قال ‪ (( :‬ل تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد‬
‫ذهبا ما بلغ مد أحدهم ول نصيفه ))(‪. )6‬‬
‫وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبد ال قال ‪ :‬قيل لعائشة ‪ (( :‬إن‬
‫نا سا يتناولون أ صحاب ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ح تى أ با ب كر‬
‫وع مر ‪ ،‬فقالت و ما تعجبون من هذا ‪ ،‬انق طع عن هم الع مل ‪ ،‬فأ حب ال أن ل‬
‫يقطع عنهم الجر ))‬

‫(‪)7‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ )3(1‬هذا الثر في البانة مختصرا ص ‪ 162‬والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى ‪.‬‬
‫‪ )4(2‬انظر المرجع المذكور ص ‪. 162‬‬
‫‪ )5(3‬المرجع المذكور ص ‪. 119‬‬
‫‪ )6(4‬انظر البانة ص ‪. 120‬‬
‫‪ )7(5‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ 8‬و مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1967‬‬
‫‪ )8(6‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1967‬‬
‫‪ )2(7‬يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫وروى ابن بطة بالسناد الصحيح عن عبد ال بن أحمد قال حدثني أبي ‪.‬‬
‫حدثنا معاوية ‪ .‬حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪:‬‬
‫(( ل ت سبوا أ صحاب مح مد فإن ال تعالى قد أمر نا بال ستغفار ل هم و هو يعلم‬
‫أنهم سيقتلون ))(‪.)1‬‬
‫و من طر يق أح مد ‪ ،‬عن ع بد الرح من بن مهدي ‪ ،‬وطر يق غيره عن‬
‫وكيع ‪ ،‬وأبي نعيم ثلثتهم ‪ ،‬عن الثوري ‪ ،‬عن نسير بن ذعلوق ‪ ،‬سمعت عبد‬
‫ال بن عمر يقول ‪ (( :‬ل تسبوا أصحاب محمد ‪ ،‬فلمقام أحدهم ساعة يعني مع‬
‫النبي صلى ال تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة ))‪.‬‬
‫وفي رواية وكيع ( خير من عبادة أحدكم عمره ) ‪.‬‬
‫ت الشّجَرَة‬
‫ك َتحْ َ‬
‫ن اُلمُؤمِنِي نَ إِ ْذ يُبَا ِيعُونَ َ‬
‫ع ِ‬
‫ي الُ َ‬
‫ض َ‬
‫وقال تعالى ‪َ] :‬ل قد رَ ِ‬
‫سكِي َنةَ عَلَيْهِم َوأَثَا َبهُ مْ فَتْحًا َقرِيبًا َو َمغَانِ مَ كَثِيرَةً‬
‫َفعَلِ مَ مَا في قُلُو ِبهِ مْ َفأَنْ َزلَ ال ّ‬
‫جلَ َلكُم‬
‫حكِيمًا وَعَ َدكُم الُ َمغَانِ مَ كَثِيَرةً تَأخُذُو َنهَا َف َع ّ‬
‫يَ ْأخُذُو َنهَا وَكَا نَ الُ عَزِيزا َ‬
‫صرَاطًا مُسْ َتقِيمًا‬
‫هَذِ ِه َوكَفّ أيدي النّاسِ عَ ْنكُم وَلِ َتكُو نَ آيةً للمُؤمِنِين وَيهْديكُم ِ‬
‫ن الُ عَلَى ُكلّ شَيءٍ قَدِيرًا [‬
‫ط الُ ِبهَا َوكَا َ‬
‫علَ ْيهَا قَ ْد َأحَا َ‬
‫َوأُخْرَى َلمْ َتقْدِرُوا َ‬

‫(‪)2‬‬

‫وقد أخبر ال أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم ‪ ،‬وأنه علم ما في قلوبهم ‪،‬‬
‫وأنه أثابهم فتحا قريبا ‪.‬‬
‫وهؤلء هم أعيان من با يع أ با ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬ب عد موت ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬لم ي كن في الم سلمين من يتقدم علي هم ‪ ،‬بل كان‬
‫الم سلمون كل هم يعرفون فضل هم علي هم ‪ ،‬لن ال تعالى ب ين فضل هم في القرآن‬
‫جةً مِ نَ‬
‫عظَمُ دَ َر َ‬
‫ح وَقَا َتلَ أُولَئِ كَ أَ ْ‬
‫بقوله ‪َ ] :‬ل يَ سْ َتوِي مِ ْنكُم مَن أَنْفَ قَ مِن قَ ْبلِ الفَتْ ِ‬
‫ل الحُسْنَى [(‪. )3‬‬
‫الّذينَ أَ ْن َفقُوا مِن بَعدُ وَقَاتَلوا َوكُلّ وَعَ َد ا ُ‬
‫ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح ‪ ،‬والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ‪،‬‬
‫‪ )3(1‬انظر البانة ص ‪. 119‬‬
‫‪ )1(2‬اليات ‪ 21-18‬من سورة الفتح ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬الية ‪ 10‬من سورة الحديد ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫ولهذا سئل النبي صلى ال تعالى عليه وسلم (( أو فتح هو ؟ فقال ‪ :‬نعم ))(‪.)1‬‬
‫وأ هل العلم يعلمون أن ف يه أنزل ال تعالى ‪ ] :‬إِنّ ا فَ َتحْنَا لَ كَ فَتْحًا مُبينًا‬
‫ك صِرَاطًا‬
‫ك وَ َيهْدِيَ َ‬
‫ك َومَا تَ َأخّ َر وَيُتَ مَ ِن ْعمَتَ هُ عَلَيْ َ‬
‫ن ذَنْبِ َ‬
‫ك الُ مَا َتقَدّ مَ مِ ْ‬
‫لِ َي ْغفِرَ لَ َ‬
‫ك الُ نَ صْرًا عَزِيزا [‪ .‬فقال ب عض الم سلمين ‪ :‬يا ر سول ال‬
‫مُ سْ َتقِيمًا وَينْ صُرَ َ‬
‫هذا لك ‪ ،‬ف ما ل نا ؟ يا ر سول ال ‪ .‬فأنزل ال تعالى ‪ُ ]:‬هوَ الّذِي أَنْ َزلَ ال سّكِي َنةَ‬
‫ب ا ْل ُم ْؤمِنِينَ لِ َيزْدَادُوا إِيمَانًا مَ َع إِيمَا ِنهِم [‪.‬‬
‫في قُلُو ِ‬
‫وهذه ال ية نص في تفض يل المنفق ين المقاتل ين ق بل الف تح على المنفق ين‬
‫بعده‪ ،‬ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى‪ ] :‬وَال سّابِقُونَ‬
‫ن وَالَنْ صَار [‬
‫ن ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫ا َلوّلُو نَ ِم َ‬

‫(‪)2‬‬

‫هم هؤلء الذ ين أنفقوا من ق بل الف تح‬

‫قاتلوا ‪ ،‬وأ هل بي عة الرضوان كل هم من هم ‪،‬وكانوا أك ثر من ألف وأربعمائة ‪،‬‬
‫وقد ذهب بعضهم إلى أن ال سابقين الوّل ين‪ ،‬هم من صلى إلى القبلت ين ‪ ،‬وهذا‬
‫ضع يف ‪ ،‬فإن ال صلة إلى القبلة المن سوخة ل يس بمجرده فضيلة‪ ،‬ولن الن سخ‬
‫ليس من فعلهم ‪ ،‬الذي يفضلون به ‪ ،‬ولن التفضيل بالصلة إلى القبلتين لم يدل‬
‫عليسه دليسل شرعسي ‪ ،‬كمسا دل على التفضيسل بالسسبق إلى النفاق والجهاد ‪،‬‬
‫والمبايعة تحت الشجرة ‪.‬‬
‫وقسد علم بالضطرار أنسه كان فسي هؤلء السسابقين الوليسن أبسو بكسر ‪،‬‬
‫وعمر ‪ ،‬وعثمان ‪ ،‬وعلي ‪ ،‬وطلحة ‪ ،‬والزبير ‪ ،‬وبايع النبي بيده عن عثمان ‪،‬‬
‫ل نه كان غائ با قد أر سله إلى أ هل م كة ليبلغ هم ر سالته ‪ ،‬وب سببه با يع ال نبي‬
‫الناس ‪ ،‬لما بلغه أنهم قتلوه ‪ :‬وقد ثبت في صحيح مسلم‪ ،‬عن جابر بن عبد ال‬
‫‪ t‬أنسه قال ‪ (( :‬ل يدخسل النار أحسد بايسع تحست الشجرة ))(‪ ،)3‬وقال تعالى‪َ] :‬لقدْ‬
‫عةِ العُسْرَة مِن‬
‫ن اتّبَعُوهُ في سَا َ‬
‫ب الُ عَلَى النّبِي وَال ُمهَاجِرِينَ وَالَنْصَار الّذِي َ‬
‫تَا َ‬
‫‪ )3(1‬انظر سنن أبي داود ج ‪ 3‬ص ‪. 101‬‬
‫‪ ) 4(2‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪ 1942‬رقم ‪. 2496‬‬

‫‪91‬‬

‫ب عَلَ ْيهِم إِنّ ُه بِهِم رَءُو فٌ َرحِ يم[‬
‫ق مِ ْنهَ مْ ُثمّ تَا َ‬
‫َبعْدِ مَا كَا نَ َيزِي غُ قُلُو بَ فَرِي ٍ‬

‫(‪)1‬‬

‫ِينن آمَنُوا‬
‫‪.‬فجمسع بينهسم وبيسن رسسول ال فسي التوبسة ‪ .‬وقال تعالى ‪] :‬إِنّ الّذ َ‬
‫ن آ َووْا وَنَ صَرُوا‬
‫وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا ِبَأ ْموَالِهِم َوأَ ْنفُ سِهِم في سَبِيلِ ال ‪ ،‬وَالّذِي َ‬
‫ُأوْلَئِ كَ َبعْضُهُم َأوْلِيَا َء بَعْض ‪ ،‬وَالّذِي نَ آمَنُوا وَلَ مْ ُيهَاجِرُوا –إلى قوله تعالى –‬
‫ك مِ ْنكُم [(‪ )2‬فأثبت الموالة‬
‫وَالّذِي نَ آمَنُوا مِن بَعد َوهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا َم َعكُم فَُأوْلَئِ َ‬
‫ن آمَنُوا َل تَ ّتخِذُوا ال َيهُودَ وَالنّ صَارَى َأوْلِيَاءَ‬
‫بينهم وقال للمؤمنين‪ َ ]:‬يا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫َبعْضهُم َأوْلِيَا َء بَعْض وَمَن يَ َتوَلّهُم مِ ْنكُم ْن فَإِنّهُن مِنْهُم إِنّ الَ َل َيهْدِي ال َقوْ مَ‬
‫ن آمَنُوا الّذي نَ ُيقِيمُو نَ‬
‫الظّا ِلمِ ين –إلى قوله – إِنّمَا وَلِ ّيكُ ُم ال وَرَ سُو َل ُه وَالّذِي َ‬
‫ن يَ َت َولّ الَ وَرَ سُو َل ُه وَالّذِي نَ آمَنُوا‬
‫ال صّلةَ وَ ُيؤْتُو نَ ال ّزكَاةَ وَهُ مْ رَاكِعُون ‪َ ،‬ومَ ْ‬
‫ُونن و َالمُؤمِنَات‬
‫ُمن الغَالِبُون [(‪ . )3‬وقال تعالى ‪ ] :‬وَالمُؤمِن َ‬
‫ْبن ال ِ ه ُ‬
‫فَإِن ّ َحِز َ‬
‫ضهُم َأوْلِيَاء َبعْض[ (‪.)4‬‬
‫َبعْ َ‬
‫فأث بت الموالة بين هم‪ ،‬وأمر هم بموالت هم ‪ ،‬والراف ضة ت تبرأ من هم ول‬
‫تتولهم ‪،‬وأصل الموالة المحبة ‪ ،‬وأصل المعاداة البغض ‪،‬وهم يبغضونهم ول‬
‫يحبونهم ‪.‬‬
‫و قد و ضع ب عض الكذاب ين حدي ثا مفترى ‪ ،‬أن هذه ال ية نزلت في علي‬
‫ل ما ت صدق بخات مه في ال صلة ‪ ،‬وهذا كذب بإجماع أ هل العلم بالن قل ‪ ،‬وكذ به‬
‫بيّن من وجوه كثيرة ‪.‬‬
‫منها أن قوله الذين صيغة جمع ‪ .‬وعلي واحد ‪.‬‬
‫ومنهسا أن الواو ليسست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان ل يسسوغ أن‬
‫يتولى إل مسن أعطسى الزكاة فسي حال الركوع ‪ .‬فل يتولى سسائر الصسحابة‬
‫والقرابة ‪.‬‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 117‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬اليات ‪ 75-72‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ ) 1(3‬اليات من ‪ 56 – 51‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )2(4‬الية ‪ 71‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫ومنها ان المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ‪ ،‬وإيتاء الزكاة في‬
‫نفسس الصسلة ليسس واجسب ول مسستحب ‪ ،‬باتفاق علماء الملة ‪ ،‬فإن الصسلة‬
‫شغل‪.‬‬
‫ومنهسا أنسه لو كان إيتاؤهسا فسي الصسلة حسسنا لم يكسن فرق بيسن حال‬
‫الركوع وغير الركوع ‪ ،‬بل إيتاؤها في القيام و القعود أمكن ‪.‬‬
‫ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم ‪ ،‬فإن أكثر‬
‫الفقهاء يقولون ل يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة ‪.‬‬
‫ومنهسا أن هذا الحديسث فيسه أنسه أعطاه السسائل ‪،‬والمدح فسي الزكاة أن‬
‫يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور ‪ ،‬ل ينتظر أن يسأله سائل ‪.‬‬
‫ومن ها أن الكلم في سياق الن هي عن موالة الكفار ‪ ،‬وال مر بموالة‬
‫المؤمنين ‪ ،‬كما يدل عليه سياق الكلم ‪ ،‬وسيجيء إن شاء ال تعالى تمام الكلم‬
‫على هذه الية ‪ ،‬فإن الرافضة ل يكادون يحتجون بحجة إل كانت حجة عليهم‬
‫ل لهم ‪ ،‬كاحتجاجهم بهذه ال ية على الولية التي هي المارة ‪ ،‬وإنما هي في‬
‫الولية التي هي ضد العداوة ‪.‬‬
‫والرافضسة مخالفون لهسا ‪ ،‬والسسماعيلية والنصسيرية ونحوهسم يوالون‬
‫الكفار ‪ ،‬من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين ‪ ،‬ويعادون المؤمنين من‬
‫المهاجريسن والنصسار والذيسن اتبوعهسم بإحسسان إلى يوم الديسن ‪ ،‬وهذا أمسر‬
‫مشهور ‪.‬‬
‫يعادون خيار عباد ال المؤمن ين ويوالون اليهود والن صارى والمشرك ين‬
‫ك مِ نَ‬
‫ن اتّبَعَ َ‬
‫من الترك وغيرهم ‪ ،‬وقال تعالى ‪ َ ] :‬يا أَ ّيهَا النّبِيّ حَ سْبُكَ الُ َومَ ِ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِين[(‪ . )1‬أي ال كافيك ومن اتبعك من المؤمنين ‪ ،‬والصحابة أفضل من‬
‫صرُ الِ وَالفَتْح وَ َرأَيْتَ‬
‫اتبعه من المؤمنين‪ ،‬وأولهم و قال تعالى ‪ ] :‬إِذَا جَا َء نَ ْ‬
‫ن َتوّابًا‬
‫ك وَا سْ َتغْفِرْ ُه إِنّ هُ كَا َ‬
‫حمْدِ رَبّ َ‬
‫ن الِ أَ ْفوَاجًا فَ سَ ّبحْ ِب َ‬
‫ن في دِي ِ‬
‫س يَ ْدخُلُو َ‬
‫النّا َ‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 64‬من سورة النفال ‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫[‪.‬‬
‫والذ ين رآ هم ال نبي ‪e‬يدخلون في د ين ال أفوا جا هم الذ ين كانوا على‬
‫ْنن‬
‫ّفن بَي َ‬
‫ِينن َوأَل َ‬
‫َصنرِ ِه وَبِا ْل ُم ْؤمِن َ‬
‫َكن بِن ْ‬
‫عصسره ‪ ،‬وقال تعالى ‪ُ ] :‬ه َو الّذِي أَيّد َ‬
‫قُلُو ِب ِهمْ [‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ .‬و إنما أيده في حياته بالصحابة ‪ ،‬و قال تعالى ‪:‬‬

‫ُونن عِنْدَ‬
‫ُمن مَا َيشَاء َ‬
‫ُمن الم ّتقُون َله ْ‬
‫ِكن ه ُ‬
‫ِهن ُأوْلَئ َ‬
‫قب ِ‬
‫َصندّ َ‬
‫قو َ‬
‫ِالصندْ ِ‬
‫] وَالّذِي جَا َء ب ّ‬
‫ع ِملُوا وَ َيجْزِيَه ُم‬
‫َسن َوأَ الّذِي َ‬
‫ُمن أ ْ‬
‫ْسننِين لِ ُي َكفّرَ ال ُ عَ ْنه ْ‬
‫ِكن جَزَا ُء ا ْل ُمح ِ‬
‫ِمن ذَل َ‬
‫رَ ّبه ْ‬
‫ن الّذِي كَانُوا َي ْعمَلُون [(‪. )2‬‬
‫حسَ ِ‬
‫َأجْرَهُم بِ َأ ْ‬
‫وهذا الصسنف الذي يقول الصسدق ‪ ،‬ويصسدق بسه خلف الصسنف الذي‬
‫يفتري الكذب أو يكذب بال حق ‪ ،‬ل ما جاءه ك ما سنبسط القول فيه ما إن شاء ال‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫والصسحابة الذيسن كانوا يشهدون أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأن محمدا رسسول‬
‫ال ‪ ،‬وأن القرآن حق ‪ ،‬هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به ‪ ،‬بعد النبياء‬
‫وليسس فسي الطوائف المنتسسبة إلى القبلة أعظسم افتراء للكذب على ال وتكذيبسا‬
‫بال حق من المنت سبين إلى التش يع ‪ .‬ولهذا ل يو جد الغلو في طائ فة أك ثر م ما‬
‫يوجد فيهم ‪.‬‬
‫ومن هم من اد عى إله ية الب شر ‪ ،‬واد عى النبوة في غ ير ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وادعى العصمة في الئمة ‪ ،‬ونحو ذلك مما هو أعظم مما‬
‫يوجسد فسي سسائر الطوائف ‪ ،‬واتفسق أهسل العلم أن الكذب ليسس فسي طائفسة مسن‬
‫لمٌ عَلَى‬
‫حمْ ُد ِلِ وَ سَ َ‬
‫المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم ‪ ،‬وقال تعالى ‪ ُ] :‬قلِ ا ْل َ‬
‫صطَفَى [‪ .‬قال طائ فة من ال سلف هم أ صحاب مح مد صلى ال‬
‫عِبَادِ هِ الّذِي نَ ا ْ‬
‫تعالى عل يه وسلم ‪،‬ول ر يب أن هم أفضل الم صطفين من هذه ال مة ‪ ،‬ال تي قال‬
‫سهِ‬
‫طفَيْنَا مِ نْ عِبَادِنَا َفمِنْهُم ظَالِ ٌم لِ َنفْ ِ‬
‫صَ‬
‫نا ْ‬
‫ب الّذِي َ‬
‫ال في ها ‪ُ ]:‬ثمّ َأوْرَثْنَا ا ْلكِتَا َ‬
‫ضلُ الكَبِير جَنّات‬
‫ن ال ذَلِ كَ ُه َو الفَ ْ‬
‫َومِنْهُم ُمقْتَ صِد َومِنْهُم سَا ِبقٌ بِا ْلخَ ْيرَا تِ بِإِذْ ِ‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 62‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬اليات ‪ 35-33‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫سهُم فِيها حَرِير‬
‫ب وَُلؤُْلؤًا وَلِبَا ُ‬
‫ن أَ سَاوِ َر مِ نْ ذَ َه ٍ‬
‫عَدْ نٍ يَ ْدخُلُو َنهَا ُيحَّلوْ نَ فِيهَا مِ ْ‬
‫حمْدُ ِلِ الّذي أَذْهَ بَ عَنّا الحَزَن إِنّ رَبّنَا َلغَفُو ٌر شَكُور الّذِي َأحَلّنَا دَارَ‬
‫وَقَالوا ا ْل َ‬
‫ب َولَ َي َمسّنَا فيها ُلغُوب [(‪. )1‬‬
‫ال ُمقَا َمةِ مِنْ فَضْ ِلهِ َل َي َمسّنَا فيها نَص ٌ‬
‫فأمة محمد صلى ال تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد المتين‬
‫قبلهم اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫وقد أخبر ال تعالى أنهم الذين اصطفى ‪.‬‬
‫وتواتر عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم أنه قال ‪ (( :‬خير القرون‬
‫القرن الذي بعثت فيه ‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم ))‪ ،‬ومحمد صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون ‪ ،‬من المصطفين من عباد ال وقال‬
‫حمَا َء بَيْنَهُم [‬
‫تعالى ‪ُ ] :‬محمدٌ رَ سُو ُل الِ وَالّذِي نَ َمعَ هُ َأشِدّا َء عَلَى ا ْلكُفّارُ ُر َ‬

‫(‪)2‬‬

‫ع ِملُوا الصّا ِلحَاتِ‬
‫ن آمَنُوا مِ ْنكُمْ وَ َ‬
‫إلى آخر السورة ‪ .‬وقال تعالى ]وَعَدَ الُ الّذِي َ‬
‫ن مِن قَبْ ِلهِم وَلَ ُي َمكّنَنّ َل ُهمْ دِي َنهُمُ الّذِي‬
‫ض َكمَا اسْ َتخْلَفَ الّذِي َ‬
‫لَيَسْ َتخْ ِلفَ ّنهُم في الَ ْر ِ‬
‫خوْ ِفهِ مْ َأمْنًا َيعْبُدُونَنِي َل ُيشْ ِركُو نَ بِي شَيْئًا‬
‫ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبْ ِدلَنّهُم مِ نْ َبعْدِ َ‬
‫سقُون [(‪ . )3‬فقد وعد ال الذين آمنوا وعملوا‬
‫َومَ نْ َكفَرَ َبعْ َد ذَلِ كَ فَُأوْلَئِ كَ هُ مُ الفَا ِ‬
‫الصالحات بالستخلف ‪ ،‬كما وعدهم في تلك الية مغفرة وأجرا عظيما ‪ ،‬وال‬
‫ل يخلف الميعاد ‪.‬‬
‫فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين‬
‫ُمن‬
‫ِيتن َلك ُ‬
‫السسلم ‪ ،‬وهسو الديسن الذي ارتضاه لهسم ‪ ،‬كمسا قال تعالى ‪ ] :‬وَرَض ُ‬
‫ا ِلسْل َم دينًا [(‪ )4‬وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم (‪ )5‬المغفرة والجر العظيم ‪.‬‬
‫وهذا يسستدل بسه على وجهيسن ‪ :‬على أن المسستخلفين مؤمنون عملوا‬
‫‪ ) (1‬اليات ‪ 35 – 32‬من سورة فاطر ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 29‬من سورة الفتح ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬الية ‪ 55‬من سورة النور ‪.‬‬
‫‪ )1(4‬جزء من الية رقم ‪ 3‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )2(5‬قوله " لهم المغفرة والجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ ‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫الصالحات ‪ ،‬لن الوعد لهم ل لغيرهم ‪ ،‬ويستدل به على ان هؤلء مغفور لهم‪،‬‬
‫ولهسم أجسر عظيسم ‪ ،‬لنهسم آمنوا وعملوا الصسالحات ‪ ،‬فتناولتهسم اليتان – آيسة‬
‫النور وآية الفتح ‪.‬‬
‫من المعلوم أن هذه النعوت منطب قة على ال صحابة على ز من أ بي بكسر‬
‫وعمر وعثمان ‪ ،‬فإنه إذ ذاك حصل الستخلف ‪ ،‬وتمكن الدين والمن ‪ ،‬بعد‬
‫الخوف ل ما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ‪ ،‬ومصسر وخرا سان ‪،‬‬
‫وأفريقية ‪.‬‬
‫ول ما ق تل عثمان وح صلت الفت نة لم يفتحوا شيئا من بلد الكفار ‪ ،‬بل‬
‫طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان ‪ ،‬وكان بعضهم يخاف بعضا ‪.‬‬
‫وحينئذ قسد دل القرآن على إيمان أبسي بكسر وعمسر وعثمان ‪،‬ومسن كان‬
‫معهسم فسي زمسن السستخلف والتمكيسن والمسن ‪ ،‬والذيسن كانوا فسي زمسن‬
‫ال ستخلف والتمك ين وال من أدركوا ز من الفت نة كعلي وطل حة وأ بي مو سى‬
‫الشعري ‪ ،‬ومعاويسة وعمرو بسن العاص ‪ ،‬دخلوا فسي اليسة لنهسم اسستخلفوا‬
‫ومكنوا ‪ ،‬وأمنوا ‪.‬‬
‫و أ ما من حدث في ز من الفت نة كالراف ضة الذ ين حدثوا في ال سلم ‪،‬‬
‫في ز من الفت نة والفتراق ‪ ،‬وكالخوارج المارق ين ‪،‬فهؤلء لم يتناول هم ال نص ‪،‬‬
‫فلم يدخلوا في من وصف باليمان والعمل ال صالح ‪ ،‬المذكورين في هذه الية ‪،‬‬
‫لنهم أول ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا ‪.‬‬
‫ولم يحصسل لهسم مسن السستخلف والتمكيسن والمسن بعسد الخوف مسا‬
‫حصل للصحابة ‪ ،‬بل ل يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين ‪.‬‬
‫فإن قيل لما قال وعد ال الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل‬
‫وعدهم كلهم ‪ .‬قيل كما قال وعد ال الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ‪ ،‬ولم‬
‫يقل وعدكم ‪.‬‬
‫و"من" تكون لبيان الجنس فل يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها‬
‫س مِ نَ‬
‫ش يء خارج ‪ ،‬عن ذلك الج نس ك ما في قوله تعالى ‪َ] :‬فاجتنبوْا ال ّرجْ َ‬

‫‪96‬‬

‫ا َلوْثَان [(‪ )1‬فإنسه ل يقتضسى أن يكون مسن الوثان ما ليسس بر جس ‪ ،‬وإذا قلت‬
‫ثو با من حر ير ‪ ،‬ف هو كقولك ثوب حر ير ‪ ،‬وكذلك قولك باب من حد يد ف هو‪،‬‬
‫كقولك باب حديسد ‪ ،‬وذلك ل يقتضسي أن يكون هناك حريسر وحديسد غيسر‬
‫المضاف إل يه ‪ ،‬وإن كان الذي يت صوره كل يا ‪ ،‬فإن الج نس الكلي ‪ ،‬هو مسا ل‬
‫يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ‪ ،‬وإن لم يكن مشتركا فيه في الوجود ‪.‬‬
‫فإذا كا نت من بيان الج نس ‪ ،‬كان التقد ير و عد ال الذ ين آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات من هذا الجنس ‪ ،‬وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين ‪ ،‬وكذلك‬
‫إذا قال وعد ال الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة‬
‫وأجرا عظيما ‪ ،‬لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين ‪.‬‬
‫ت مِ ْنكُنّ‬
‫ن َيقْنُ ْ‬
‫ولما قال لزواج النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‪َ ] :‬ومَ ْ‬
‫ن َوأَعْتَدْنَا َلهَا ِرزْقًا كَرِيمًا [(‪ )2‬لم‬
‫لِ َورَ سُو ِلهِ وَ َت ْع َملْ صَالِحا ُنؤْ ِتهَا َأجْ َرهَا مَرّتَيْ ِ‬
‫يمنع أن يكون كل منهن تقنت ل ورسوله ‪ ،‬وتعمل صالحا ‪ ،‬ولما قال تعالى ‪:‬‬
‫ْسنهِ‬
‫َبن رَبّكُم عَلَى َنف ِ‬
‫لمٌ عَليَكُم كَت َ‬
‫سن َ‬
‫ُونن بِآيَاتِنَا َف ُقلْ َ‬
‫ِينن ُي ْؤمِن َ‬
‫َكن الّذ َ‬
‫] َوإِذَا جَاء َ‬
‫غفُورٌ‬
‫ن َبعْدِ هِ َوأَ صْ َلحَ فَإِنّ هُ َ‬
‫جهَا َلةٍ ُثمّ تَا بَ ِم ْ‬
‫ع ِملَ مِ ْنكُم سُوءا ِب َ‬
‫ن َ‬
‫حمَة أَنّ هُ مَ ْ‬
‫ال ّر ْ‬
‫َرحِي ٌم [ (‪ )3‬لم يمنع أن يكون كل من هم متصفا بهذه ال صفة ‪ ،‬ول يجوز ان يقال‬
‫أنهسم لو عملوا سسوءا بجهالة ثسم تابوا مسن بعسد ذلك وأصسلحوا لم يغفسر إل‬
‫لبعضهم‪.‬‬
‫ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن إِلَ ٍه ِإلّ ال[‬
‫عمَ ِلهِم مِن شَيء[(‪ )4‬وقوله تعالى‪َ ] :‬ومَا مِ ْ‬
‫] َومَا التّنَاهُم مِن َ‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 30‬من سورة الحج ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 31‬من سورة الحزاب ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬الية ‪ 54‬من سورة النعام ‪.‬‬
‫‪ )2(4‬الية ‪ 21‬من سورة الطور‪.‬‬
‫‪ )3(5‬الية ‪ 62‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫(‪)5‬‬

‫]‬

‫َفمَا مِ ْنكُم مِن َأحَدٍ عَ ْن ُه حَاجِزِين [(‪. )6‬‬
‫ولهذا إذا دخلت في النفي تحقسيقا أو تقديرا أفادت نفسي الجنس قطعا ‪،‬‬
‫(فالتحق يق ما ذ كر والتقد ير كقوله تعالى‪] :‬ل إله إل ال[ وقوله‪َ ] :‬لرَيْ بَ ف يه[‬
‫ونحو ذلك بخلف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك (( ما رأيت رجل )) فإنها‬
‫ظاهرة لنفي الجنس ‪ ،‬ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس ‪ ،‬كما قال‬
‫سيبويه ‪ :‬يجوز أن يقال ما رأيت رجل ‪ ،‬بل رجلين ‪.‬‬
‫ف تبين أ نه يجوز إرادة الوا حد ‪ ،‬وإن كان الظا هر ن في الج نس ‪ ،‬بخلف‬
‫ما إذا دخلت (من ) فإنه ينفي الجنس قطعا ‪ ،‬ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني‬
‫منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم ‪.‬‬
‫وكذلك لو قال وا حد لن سائه من أبرأت ني من كن من صداقها ف هي طالق‬
‫فأبرأنه كلهن ‪ ،‬طلقن كلهن ‪.‬‬
‫فإن المقصسود بقوله منكسن بيان جنسس المعطسى والمسبرئ ل إثبات هذا‬
‫الحكم لبعض العبيد والزواج ‪.‬‬
‫فإن ق يل فهذا ك ما ل يم نع أن يكون كل المذكور مت صفا بهذه ال صفة فل‬
‫يوجسب ذلك أيضسا ‪ ،‬فليسس فسي قوله وعسد ال الذيسن آمنوا منكسم و عملوا‬
‫الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك ‪.‬‬
‫قيسل ‪ :‬نعسم ونحسن ل ندعسي أن مجرد هذا اللفسظ دل على ان جميعهسم‬
‫موصسوفون باليمان والعمسل الصسالح ‪ ،‬ولكسن مقصسودنا أن (مسن ) ل ينافسى‬
‫شمول هذا الوصسف لهسم فل يقول قائل ان الخطاب دل على ان المدح شملهسم‬
‫وعمهم بقوله محمد رسول ال والذين معه إلى آخر الكلم ‪ ،‬ول ريب أن هذا‬
‫مدح ل هم ب ما ذ كر ‪ ،‬من ال صفات ‪ ،‬و هو الشدة على الكفار ‪ ،‬والرح مة بين هم‬
‫والركوع والسجود يبتغون فضل من ال ورضوانا ‪ ،‬والسيما في وجوههم من‬
‫أ ثر ال سجود ‪ ،‬وان هم يبتدئون من ض عف إلى كمال القوة والعتدال ‪ ،‬كالزرع‬
‫والوعسد بالمغفرة والجسر العظيسم ‪ ،‬ليسس على مجرد هذه الصسفات بسل على‬
‫‪ )4(6‬الية ‪ 47‬من سورة الحاقة ‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اليمان والعمل الصالح ‪.‬‬
‫فذكر ما به يستحقون الوعد ‪ ،‬وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ‪ ،‬ولول ذكر‬
‫ذلك لكان يظن انهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والجر العظيم ولم يكن‬
‫فيه بيان سبب الجزاء ‪ ،‬بخلف ما إذا ذكر اليمان والعمل الصالح ‪.‬‬
‫فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الشتقاق سبب الحكم‪.‬‬
‫فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين ‪ ،‬قيل المنافقون لم كونوا‬
‫متصفين بهذه الصفات ‪ ،‬ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم ‪،‬‬
‫ن عِنْدِ هِ فَيُ صْ ِبحُوا‬
‫ي بِالفَتْ حِ َأوْ َأمْرٍ مِ ْ‬
‫ن يَأْتِ َ‬
‫كما قال ال تعالى ‪َ ] :‬فعسى الُ أَ ْ‬
‫سمُوا‬
‫ن آمَنوا أَ َه ُؤلَ ِء الّذِي نَ أَقْ َ‬
‫سهِم نَا ِدمِين ‪ ،‬وَ َيقُولُ الّذِي َ‬
‫عَلَى مَا أَ سَرّوا في أَ ْنفُ ِ‬
‫عمَالُهُم فَاَ صْ َبحُوا خَا سِرِين [‬
‫جهْدَ أَ ْيمَانِهِم إِنّهُم َل َمعَكُم حَب طت أَ ْ‬
‫بِالِ َ‬

‫(‪)1‬‬

‫وقوله‬

‫جعَلَ فِتْ َنةَ النّا سِ‬
‫ن النّا سِ َم نْ َيقُولُ آمَنّا بِالِ فَإِذَا أُوذوى في الِ َ‬
‫تعالى‪َ ] :‬ومِ َ‬
‫س ال بِأَعْلَم بِمَا‬
‫ك لَ َيقُولن إِنّ ا َمعَكُم َأوَ لَيْ َ‬
‫ن جَا َء نَ ص ٌر مِ نْ رَبّ َ‬
‫كَعَذَا بَ الِ وَلَئِ ْ‬
‫ن ا ْلمُنَا ِفقِين [(‪. )2‬‬
‫ن ال الّذِينَ آمَنُوا مِ ْنكُم وَلَ َيعْ َلمَ ّ‬
‫في صُدُور العَا َلمِين وَلَ َيعْ َلمَ ّ‬
‫فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين ‪ ،‬ول من أهل الكتاب ‪.‬‬
‫هؤلء ل يجدون في طائفة من المتظاهرين بالسلم ‪ ،‬أكثر منهم في‬
‫الرافضة ‪ ،‬ومن انطوى إليهم ‪ .‬فدل هذا على ان المنافقين لم يكونوا من الذين‬
‫آمنوا معه ‪ ،‬والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه ‪ ،‬وهم‬
‫ن وَالّذِي نَ في ُقلُو ِبهِم َمرَ ضٌ‬
‫الغالب بدليل قوله تعالى ‪َ ] :‬لئ نْ لَ ْم يَنْتَ هِ المْنُا ِفقُو َ‬
‫ك بِهِم ثُمّ لَ ُيجَاوِرُونَ كَ فِيهَا إلّ َقلِيلً َم ْلعُونِي نَ‬
‫جفُو نَ في ا ْلمَدِي َنةِ ِل ُنغْرِيَنّ َ‬
‫وَا ْلمُ ْر َ‬
‫ل [(‪. )3‬‬
‫أَيْ َنمَا ُث ِقفُوا ُأخِذُوا وَقُتّلُوا َتقْتِي ً‬
‫فل ما لم يغره ال ب هم ‪ ،‬ولم يقتل هم تقتيل ‪ ،‬بل كانوا يجاورو نه بالمدي نة‬
‫فدل ذلك على أنهسم انتهوا ‪ ،‬والذيسن كانوا معسه بالحديبيسة كلهسم بايعوه تحست‬
‫‪)1(1‬اليات ‪ 53– 52‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪)2(2‬اليتان ‪ 10‬و ‪ 11‬من سورة العنكبوت ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬اليتان ‪ 60‬و ‪ 61‬من سورة الحزاب‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫الشجرة ‪ ،‬إل الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر ‪.‬‬
‫وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إل صاحب الجمل الحمر ‪،‬‬
‫وبالجملة فل ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين ‪ ،‬أذلء ‪ ،‬ل سيما في‬
‫آخسر أيام الرسسول ‪ .e‬وفسي غزوة تبوك لن ال تعالى قال ‪َ] :‬يقولون لئن‬
‫رَجعننا إِلَى ا ْلمَدِي َن ِة لَ َيخْ ُرجَنّ الَعَزّ مِنْهَا الَ َذلّ وَل العِزّةُ َلِرَسنُو ِلهِ وَلِ ْلمُؤمِنِينن‬
‫ن لَ َيعْ َلمُون[(‪. )1‬‬
‫وِ َلكِن ا ْلمُنَا ِفقِي َ‬
‫فأخبر أن العزة للمؤمنين ‪ ،‬ل للمنافقين ‪ ،‬فعلم أن العزة والقوة كانت في‬
‫المؤمنين ‪ ،‬وأن المنافقين كانوا أذلء بينهم ‪.‬‬
‫فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين ‪ ،‬بل‬
‫ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا ‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن السابقين الولين من المهاجرين والنصار ‪ ،‬الخلفاء‬
‫الراشديسن وغيرهسم كانوا اعسز الناس ‪ ،‬وهذا كله ممسا يسبين أن المنافقيسن كانوا‬
‫ذليلين في المؤمنين ‪.‬‬
‫فل يجوز أن يكون العزاء مسن الصسحابة منهسم ‪ ،‬ولكسن هذا الوصسف‬
‫مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم ‪،‬والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر‬
‫منه في سائر الطوائف ‪.‬‬
‫بل ل بد لكل منهم من شعبة نفاق ‪ ،‬فإن أساس النفاق الذي بني عليه ‪،‬‬
‫الكذب ‪ ،‬وأن يقول الر جل بل سانه ما ل يس في قل به ‪ ،‬ك ما ا خبر ال تعالى عن‬
‫المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ‪.‬‬
‫والراف ضة تج عل هذا من أ صول دين ها وت سميه التق ية وتح كى هذا عن‬
‫أئمسة أهسل البيست الذيسن برأهسم ال عسن ذلك ‪ ،‬حتسى يحكوا ذلك عسن جعفسر‬
‫الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي و قد نزه ال المؤمنين من أهل البيت‬
‫وغيرهم عن ذلك‪.‬‬
‫بل كانوا من أع ظم الناس صدقا وتحقي قا لليمان ‪ ،‬وكان دين هم التقوى‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 8‬من سورة المنافقون ‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫ُونن‬
‫ِنن د ِ‬
‫ِينن َأوْلِيَا َء م ْ‬
‫ِنونن الكَا ِفر َ‬
‫ل التقيسة ‪ ،‬وقول ال تعالى ‪] :‬لَ يَ ّتخِ ِذ ا ْل ُم ْؤم َ‬
‫ن الِ في شَيء إلّ أَنْ تَ ّتقُوا مِ ْنهُم ُتقَاه[(‪.)1‬إنما‬
‫ن َيفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسمِ َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِين َومَ ْ‬
‫هو المر بالتقاء من الكافرين ‪ ،‬ل المر بالنفاق والكذب ‪.‬‬
‫وال تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها ‪ ،‬إذا كان قلبه‬
‫مطمئنا باليمان ‪ ،‬لكن لم يكره أحدا من أهل البيت على شيء من ذلك ‪ ،‬حتى‬
‫أن أبا بكر ‪ t‬لم يكره أحدا ل منهم‪ ،‬ول من غيرهم على متابع ته‪ ،‬فضل على‬
‫ان يكرههم على مدحه ‪ ،‬والثناء عليه‪.‬‬
‫بسل كان علي وغيره مسن أهسل البيست يظهرون ذكسر فضائل الصسحابة‬
‫والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه‬
‫باتفاق الناس ‪.‬‬
‫و قد كان ز من ب ني أم ية وب ني العباس خلق عظ يم دون عل يّ وغيره في‬
‫اليمان والتقوى يكرهون منهسم أشياء ول يمدحونهسم ول يثنون عليهسم ‪ ،‬ول‬
‫يقربونهم ‪ ،‬ومع هذا لم يكن هؤلء يخافونهم ‪ ،‬ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن‬
‫الخلفاء الراشديسن كانوا باتفاق الخلق أبعسد عسن قهسر الناس وعقوبتهسم على‬
‫طاعتهم ‪ ،‬من هؤلء ‪.‬‬
‫فإذا كان لم يكسن الناس مسع هؤلء مكرهيسن على ان يقولوا بألسسنتهم‬
‫خلف ما في قلوبهم ‪ ،‬فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك ‪ ،‬بل على‬
‫الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر ‪ ،‬كما تقوله الرافضة من غير ان يكرههم‬
‫أحد على ذلك ‪.‬‬
‫فعلم أن مسا تتظاهسر بسه الرافضسة هسو مسن باب الكذب والنفاق ‪ ،‬وأنهسم‬
‫يقولوا بأل سنتهم ما ل يس في قلوب هم ‪ ،‬ل من باب ما يكره المؤ من عل يه ‪ ،‬من‬
‫التكلم بالكفسر وهؤلء أسسرى المسسلمين ‪ ،‬فسي بلد الكفار غالبهسم يظهرون‬
‫دينهسم‪،‬والخوارج مسع تظاهرهسم بتكفيسر الجمهور‪ ،‬وتكفيسر عثمان وعلي ومسن‬
‫ولهما يتظاهرون بدينهم‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 28‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫وإذا سكنوا بين الجماعة ‪ ،‬سكنوا على الموافقة والمخالفة ‪ ،‬والذي يسكن‬
‫في مدائن الراف ضة فل يظ هر الر فض وغاي ته إذا ض عف ان ي سكت عن ذ كر‬
‫مذهبه ل يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة‪ ،‬إل أن يكونوا قليل ‪.‬‬
‫فك يف ي ظن بعلي ‪ t‬وغيره من أ هل الب يت أن هم كانوا اض عف دي نا من‬
‫السرى في بلد الكفر ‪ ،‬ومن عوام أهل السنة ‪ ،‬ومن النواصب ‪ ،‬مع أنا قد‬
‫علمنسا بالتواتسر أن أحدا لم يكره علي ّا ول أولده على ذكسر فضائل الخلفاء ‪،‬‬
‫والترحم عليهم ‪ ،‬بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه ‪ ،‬ويقوله أحدهم لخاصته‬
‫كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر ‪.‬‬
‫عمِلوا‬
‫ن آمَنُوا مِنْكُم وَ َ‬
‫وأي ضا ف قد يقال في قوله تعالى ‪] :‬وَعَدَ الُ الّذِي َ‬
‫ال صّا ِلحَات [ أن ذلك و صف الجملة ب صفة تتض من حال هم ع ند الجتماع كقوله‬
‫علَى‬
‫شطْأَ هُ فَآزَرَهُ فَا سْ َتغْ َلظَ فَا سْ َتوَى َ‬
‫ج َ‬
‫ع َأخْرَ َ‬
‫تعالى ‪َ ] :‬ومَثَُلهُم في الِ ْنجِيلِ كَزَ ْر ٍ‬
‫ع لِيَغي ظَ ِبهِم الكُفّار [ والمغفرة والجر في الخرة يحصل‬
‫سُوقِه ُي ْعجِ بُ الزّرّا َ‬
‫لكل واحد واحد ‪ ،‬فل بد ان يتصف بسبب ذلك ‪ ،‬وهو اليمان والعمل الصالح‪،‬‬
‫إذ قد يكون في الجملة منافقا ‪.‬‬
‫و في الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمن ين والمتق ين والمح سنين ‪،‬‬
‫ومدحهم والثناء عليهم ‪ ،‬فهم أول من دخل في ذلك من هذه المة ‪ ،‬وأفضل من‬
‫دخل في ذلك من هذه المة كما استفاض عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‬
‫من غ ير و جه أ نه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫خ ير القرون القرن الذي بع ثت في هم ‪ ،‬ثم الذ ين‬

‫يلونهم ‪ ،‬ثم الذين يلونهم ))(‪. )1‬‬
‫(الو جه الثا ني ) ‪ :‬في بيان كذ به وتحري فه في ما نقله عن حال ال صحابة‬
‫بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫(قوله ‪ :‬فبعضهم طلب المر لنفسه بغير حق ‪ ،‬وبايعه اكثر الناس طلبا‬
‫للدنيا ) ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 3‬ص ‪ 171‬ومواضع أُخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1962‬‬

‫‪102‬‬

‫وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس ‪ ،‬ومن المعلوم‬
‫أن أبا بكر لم يطلب المر لنفسه ‪ ،‬ل بحق ول بغير حق ‪ ،‬بل قال‪ :‬قد رضيت‬
‫لكم أحد هذين الرجلين ‪ ،‬إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة ‪.‬‬
‫قال عمر ‪ :‬فوال لن أقدم فتضرب عنقي ل يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من‬
‫أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ‪ ،‬وهذا اللفظ في الصحيحين‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وقسد روى عنسه انسه قال ‪ :‬أقيلونسي‪ ،‬أقيلونسي ‪ ،‬فالمسسلمون اختاروه‬
‫وبايعوه ‪ ،‬لعلمهسم بأنسه خيرهسم ‪ ،‬كمسا قال له عمسر يوم السسقيفة بمحضسر‬
‫المهاجر ين والن صار أ نت سيدنا وخير نا ‪ ،‬وأحب نا إلى ر سول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ولم ينكر ذلك أحد ‪ ،‬وهذا أيضا في الصحيحين(‪. )2‬‬
‫والمسسلمون اختاروه كمسا قال النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم فسي الحديسث‬
‫الصسحيح لعائشسة ‪:‬‬

‫((‬

‫ادعسى لي أباك وأخاك حتسى أكتسب لبسي بكسر كتابسا‪ ،‬ل‬

‫يختلف عليه الناس من بعدي ‪ ،‬ثم قال يأبى ال والمؤمنون أن يتولى غير أبي‬
‫بكر‬

‫))‬

‫(‪)3‬‬

‫فال هو وله قدرا ‪ ،‬وشرعا ‪ ،‬وأمر المؤمنين ‪ ،‬بوليته ‪ ،‬وهداهم إلى‬

‫أن ولوه من غير أن يكون طلب ‪ ،‬ذلك لنفسه ‪.‬‬
‫(الو جه الثالث ) ‪ :‬أن يقال ف هب أ نه طلب ها وباي عه أك ثر الناس فقول كم ‪:‬‬
‫أن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر ‪.‬‬
‫فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا ‪ ،‬وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى ال‬
‫تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ول ما ر غب ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم في ال صدقة‬
‫جاء بماله كله ‪ ،‬فقال له‪((:‬ما تركت لهلك ‪ .‬قال ‪:‬تركت لهم ال ‪ ،‬ورسوله‬
‫والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا ‪ ،‬وهم الذين أثنى ال عليهم‪.‬‬
‫‪ )2(1‬انظر البخاري ج ‪ 8‬ص ‪. 142 – 140‬‬
‫‪ )3(2‬انظر الذي قبله ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬وقد سبق ذكره ص ‪. 63‬‬
‫‪ )2(4‬انظر البخاري ج ‪ 2‬ص ‪ 112‬وغيره ‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫))‬

‫(‪)4‬‬

‫و قد علم الخاص والعام ز هد ع مر ‪ ،‬وأ بي عبيدة ‪ ،‬وأمثاله ما ‪ ،‬وإنفاق‬
‫النصار أموالهم كأسيد بن حضير ‪ ،‬وأبي طلحة ‪ ،‬وأبي أيوب وأمثالهم ‪.‬‬
‫ولم يكسن عنسد موت النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم لهسم بيست مال‬
‫يعطيهم ما فيه ‪ ،‬ول كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه ‪ ،‬والنصار كانوا‬
‫في أملكهم ‪ ،‬وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغ نم أو غيره ف قد كان‬
‫له ‪.‬‬
‫وكانت سيرة أبي بكر في قسم الموال التسوية ‪ ،‬وكذلك سيرة علي ‪، t‬‬
‫فلو بايعوا عليّا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر ‪ ،‬مع كون قبيلته أشرف القبائل ‪،‬‬
‫وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم اقرب العرب من بني أمية‬
‫وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره ‪ ،‬وبني هاشم كالعباس وغيره ‪،‬‬
‫كانوا معه ‪.‬‬
‫ف قد أراد أ بو سفيان وغيره أن تكون المارة في ب ني ع بد مناف ‪ ،‬على‬
‫عادة الجاهليسة فلم يجبسه إلى ذلك علي ول عثمان ‪ ،‬ول غيرهمسا لعلمهسم ‪ ،‬أو‬
‫دينهم فأيّ رياسة ‪ ،‬وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر ‪ ،‬ل سيما‬
‫وهو يسوّي بين السابقين والولين ‪ ،‬وبين آحاد المسلمين في العطاء ‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫إنما أسلموا ل وأجورهم على ال ‪،‬وإنما هذا المتاع بلغ ‪.‬‬
‫وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء ‪ :‬أفأشتري منهم إيمانهم ؟‬
‫فالسابقون الولون من المهاجرين والنصار الذين اتبعوهم أول ‪ ،‬كعمر وأبي‬
‫عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم ‪ ،‬سوّى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام‬
‫الفتح ‪ ،‬وبين من أسلم بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬فهل حصل‬
‫لهؤلء من الدنيا بوليته شيء ‪.‬‬
‫(الوجنه الرابنع ) ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أهسل السسنّة مسع الرافضسة كالمسسلمين مسع‬

‫‪104‬‬

‫النصسارى ‪ ،‬فإن المسسلمين يؤمنون بأن المسسيح عبسد ال ورسسوله ‪ ،‬ول يغلون‬
‫فيه غلو النصارى ‪ ،‬ول يجفون جفاء اليهود ‪.‬‬
‫والنصسارى تدعسى فيسه اللهيسة وتريسد أن تفضله على محمسد وإبراهيسم‬
‫وموسى ‪ ،‬بل تفضل الحواريين على هؤلء الرسل ‪.‬‬
‫ك ما تر يد الروا فض أن تف ضل من قا تل مع علي كمح مد بن أ بي ب كر‬
‫والشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والنصار ‪،‬‬
‫فالم سلم إذا نا ظر الن صراني ل يمك نه أن يقول في عي سى إل ال حق ‪ ،‬ل كن إذا‬
‫أردت أن تعرف جهسل النصسراني وأنسه ل حجسة له فقدّر المناظرة بينسه وبيسن‬
‫اليهود ‪.‬‬
‫فإن النصراني ل يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي(‪ )1‬إل بما يجيب به المسلم‪،‬‬
‫فإن لم يدخسل فسي ديسن السسلم وإل كان منقطعسا مسع اليهودي ‪ ،‬فإنسه إذا أمسر‬
‫باليمان بمحمد صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫فإن قدح في نبو ته بش يء من الشياء ‪ ،‬لم يمك نه أن يقول شيئا إل قال‬
‫اليهودي فسي المسسيح مسا هسو أعظسم مسن ذلك ‪ ،‬فإن البينات لمحمسد أعظسم مسن‬
‫البينات للمسيح ‪.‬‬
‫وبعد أمره عن الشبهة ‪ ،‬أعظم من بعد المسيح عن الشبهة ‪ ،‬فإن جاز‬
‫القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق ‪ ،‬فالقدح فيما دونه أولى ‪.‬‬
‫وإن كان القدح في المسيح باطل فالقدح في محمد أولى بالبطلن ‪ ،‬فإنه‬
‫إذا بطلت الشبهسة القويسة فالضعيفسة أولى بالبطلن ‪ ،‬وإذا ثبتست الحجسة التسي‬
‫‪ )1(1‬يعنسي أن اليهود يرمون مريسم بالفجور ‪ ،‬ومسا دام النصسراني يكذب مسا نزل على‬
‫مح مد صلى ال عل يه و سلم ل يمك نه الرد على اليهود في أ مر عي سى ‪ .‬لن عي سى أ مر‬
‫باليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم فإذا امتنع النصارى من اليمان بمحمد صلى ال عليه‬
‫وسلم صار ذلك فيه كذيب لعيسى ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالثبات ‪.‬‬
‫ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية‬
‫المعرو فة عن القا ضي أ بي ب كر بن الط يب ‪ ،‬ل ما أر سله الم سلمون إلى ملك‬
‫الن صارى بالق سطنطينية ‪ ،‬فإن هم عظموه ‪ ،‬وعرف الن صارى قدره ‪ ،‬فخافوا أن‬
‫ل يسسجد للملك إذا دخسل ‪ ،‬فأدخلوه مسن باب صسغير ليدخسل منحنيسا ‪ ،‬ففطسن‬
‫لمكرهم ‪ ،‬فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه ‪.‬‬
‫فف عل نق يض ما ق صدوه ‪ ،‬ول ما جلس وكلموه ‪ ،‬أراد بعض هم القدح في‬
‫الم سلمين ‪ ،‬فقال له ما ق يل في عائ شة امرأة نبيكم ‪ ،‬ير يد إظهار قول ال فك‬
‫الذي يقوله من يقول من الرافضة ‪ ،‬أيضا ‪.‬‬
‫فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا ‪ ،‬مريم وعائشة‬
‫فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج ‪ ،‬وأما عائشة فلم تأت بولد مع‬
‫أنه كان لها زوج ‪ ،‬فأبهت النصارى ‪.‬‬
‫وكان مضمون كلمسه أن ظهور براءة عائشسة أعظسم مسن ظهور براءة‬
‫مريم ‪ ،‬وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة ‪ ،‬فإذا كان مع هذا قد ثبت‬
‫كذب القادحين في مريم ‪ ،‬فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى ‪.‬‬
‫وم ثل هذه المناظرة أن ي قع التفض يل ب ين طائفت ين ‪ ،‬ومحا سن إحداه ما‬
‫أك ثر وأع ظم وم ساويها أ قل وأ صغر ‪ ،‬فإذا ذ كر ما في ها من ذلك عورض بأن‬
‫شهْرِ ا ْلحَرَا مِ قِتَالٌ فِيه قُل‬
‫ن ال ّ‬
‫مساوئ تلك أعظم ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ ] :‬يسئلونكَ عَ ِ‬
‫َامن‬
‫َسنجِدِ ا ْلحَر ِ‬
‫ِهن وَا ْلم ْ‬
‫سنبِي ِل الِ َوكُفْ ٌر ب ِ‬
‫َنن َ‬
‫َصندّ ع ْ‬
‫فيهن كَبِينر[ثسم قال ‪ ] :‬و َ‬
‫قِتَالٌ ِ‬
‫ن الْقَتْل [(‪ )1‬فإن الكفار عيروا‬
‫ج أَهْلِ هِ مِنْ ُه َأكْبَرَ عِنْ َد ال وَا ْلفِتْنَ ُة أَكْبَ َر مِ َ‬
‫َوإِخْرَا ُ‬
‫سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام ‪ ،‬فقال‬
‫تعالى هذا كبير و ما عل يه المشركون من الك فر بال وال صد عن سبيله و عن‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 217‬من سورة البقرة ‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫الم سجد الحرام وإخراج أهله م نه أ كبر ع ند ال ‪ ،‬فإن هذا صد ع ما ل تح صل‬
‫النجاة والسسعادة إل بسه ‪ ،‬وفيسه مسن انتهاك المسسجد الحرام مسا هسو أعظسم مسن‬
‫انتهاك الشهر الحرام‪.‬‬
‫لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم ‪ ،‬وأما النوع‬
‫الول فيكون كل من الطائفتين ل يستحق الذم ‪ ،‬بل هناك شبه في الموضعين ‪،‬‬
‫وأدلة فسي الموضعيسن وأدلة أحسد الصسنفين أقوى وأظهسر ‪ ،‬وشبهتسه أضعسف‬
‫وأخفى ‪ ،‬فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف ‪ ،‬وشبهته أقوى ‪.‬‬
‫هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين ‪ ،‬وهو حال أهل البدع مع أهل‬
‫السسنّة لسسيما الرافضسة ‪ ،‬وهكذا أمسر أهسل السسنّة مسع الرافضسة فسي أبسي بكسر‬
‫وعلي‪ ،‬فإن الرافضي ل يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة‬
‫فضل عن إمامته إن لم يثبت ذلك لبي بكر وعمر وعثمان ‪.‬‬
‫وإل فمتسسى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تسسساعده الدلة ‪ ،‬كمسسا أن‬
‫النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الدلة ‪.‬‬
‫فإذا قالت له الخوارج الذ ين يكفرون عليّا ‪ ،‬أو النوا صب الذ ين يف سقونه‬
‫أ نه كان ظال ما طال با للدن يا ‪ ،‬وأ نه طلب الخل فة لنف سه ‪ ،‬وقا تل علي ها بال سيف‬
‫وق تل على ذلك ألو فا من الم سلمين ‪ ،‬ح تى ع جز عن انفراده بال مر ‪ ،‬وتفرق‬
‫عليسه أصسحابه وظهروا عليسه فقتلوه ‪ ،‬فهذا الكلم إن كان فاسسد ففسساد كلم‬
‫الراف ضي في أ بي ب كر وع مر أع ظم ‪،‬وإن كان ما قاله في أ بي ب كر وع مر‬
‫متوجها مقبول ‪ ،‬فهذا أولى بالتوجيه والقبول ‪.‬‬
‫لنسه مسن المعلوم للخاصسة والعامسة أن مسن وله الناس باختيارهسم‬
‫ورضا هم من غ ير أن يضرب أحدا بال سيف ول ع صى ول أع طى أحدا م من‬
‫وله مسن مال واجتمعوا عليسه فلم يول أحسد مسن أقاربسه ‪ ،‬وعترتسه ‪ ،‬ول خلف‬
‫لورثته مالً من مال المسلمين ‪ ،‬وكان له مال قد أنفقه في سبيل ال ‪ ،‬فلم يأخذ‬
‫بدله ‪ ،‬وأو صى أن يرد إلى ب يت مال هم ما كان عنده ل هم ‪ ،‬و هو جرد قطي فة ‪،‬‬
‫وبكر وأمة سوداء ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر ‪ :‬أتسلب هذا آل أبي بكر ‪ ،‬قال‬
‫كل وال ل يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا ‪ ،‬وقال يرحمك ال يا أبا بكر لقد‬
‫أتعبت المراء بعدك ‪.‬‬
‫ثم مع هذا لم يقتل مسلما على وليته ‪ ،‬ول قاتل مسلما بمسلم ‪ ،‬بل قاتل‬
‫بهم المرتدين عن دينهم ‪ ،‬والكفار حتى شرع بهم في فتح المصار واستخلف‬
‫القوي الميسن العبقري ‪ ،‬الذي فتسح المصسار ونصسب الديوان ‪ ،‬وعسم بالعدل‬
‫والحسان ‪.‬‬
‫فإن جاز للرافضسي أن يقول إن هذا كان طالبسا للمال والرياسسة ‪ ،‬أمكسن‬
‫النا صبي أن يقول ‪ :‬كان علي ظال ما طال با للمال والريا سة ‪ ،‬قا تل على الول ية‬
‫ح تى ق تل الم سلمون بعضهم بعضا ‪،‬ولم يقا تل كافرا ولم يح صل للمسلمين في‬
‫مدة وليته إل شر وفتنة في دينهم ودنياهم ‪.‬‬
‫فإن جاز أن يقال ‪ :‬علي كان مريدا لو جه ال ‪ ،‬والتق صير من غيره من‬
‫ال صحابة ‪ ،‬أو يقال كان مجتهدا م صيبا ‪ ،‬وغيره مخ طئ مع هذه الحالة فإ نه‬
‫يقال كان أ بو ب كر وع مر مريد ين و جه ال م صيبين والراف ضة مق صرون في‬
‫معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الولى والحرى ‪.‬‬
‫فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من‬
‫بعد علي عن ذلك ‪،‬وشبهة الخوارج الذين ذموا عليّا وعثمان وكفروهما أقرب‬
‫مسن شبهسة الرافضسة الذيسن ذموا أبسا بكسر وعمسر وكفروهمسا ‪ ،‬فكيسف بحال‬
‫ال صحابة والتابع ين الذ ين تخلفوا عن بيع ته أو قاتلوه فشبهت هم أقوى من شب هة‬
‫من قدح في أ بي ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬فإن أولئك قالوا ما يمكن نا أن نبا يع إل‬
‫من يعدل علي نا ‪،‬ويمنع نا م من ظلم نا ‪ ،‬ويأ خذ حق نا م من ظلم نا ‪ ،‬فإذا لم يف عل‬
‫هذا كان عاجزا أو ظالما ‪ ،‬وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما ‪.‬‬
‫وهذا الكلم إذا كان باطل ‪ ،‬فبطلن قول مسن يقول أن أبسا بكسر وعمسر‬
‫كانا ظالمين طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل ‪ ،‬وهذا المر ل يستريب فيه‬
‫من له بصر ومعرفة ‪ ،‬وأين شبهة مثل أبي موسى الشعري الذي وافق عمرو‬

‫‪108‬‬

‫على عزل علي ومعاوية ‪ ،‬وأن يجعل المر شورى في المسلمين ‪ ،‬من شبهة‬
‫عبد ال بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم ‪ ،‬وأنه إله أو نبي ‪.‬‬
‫بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله‬
‫أو نسبي ‪ ،‬فإن هؤلء كفار باتفاق المسسلمين بخلف أولئك ‪ ،‬وممسا يسبين هذا أن‬
‫الرافضسة تعجسز عسن إثبات إيمان علي وعدالتسه ‪ ،‬مسع كونهسم على مذهسب‬
‫الرافضسة ‪ ،‬ول يمكنهسم ذلك إل إذا صساروا مسن أهسل السسنة ‪ ،‬فإذا قالت لهسم‬
‫الخوارج وغير هم م من تكفره ‪ ،‬أو تف سقه ‪ ،‬ل ن سلم أ نه كان مؤمنا ‪ ،‬بل كان‬
‫كافرا أو ظال ما ‪ ،‬ك ما يقولون هم في أ بي ب كر وع مر لم ي كن ل هم دل يل على‬
‫إيمانه وعدله ‪ ،‬إل وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدل ‪.‬‬
‫فإن احتجوا بما تواتر من إسلمه وهجرته وجهاده ف قد تواتر ذلك عن‬
‫هؤلء ‪ ،‬بل تواتر إسلم معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلتهم‬
‫وصسيامهم ‪ ،‬وجهادهسم للكفار فإن ادعوا فسي واحسد مسن هؤلء النفاق ‪ ،‬أمكسن‬
‫الخارجى أن يدعى النفاق فيه(‪. )1‬‬
‫وإذا ذكروا شب هة ‪ ،‬ذ كر ما هو أع ظم من ها ‪ ،‬وإذا قالوا ما تقوله أ هل‬
‫الفرية ‪ ،‬من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن ‪ ،‬عدوين للنبي صلى ال‬
‫تعالى عل يه وسلم ‪ .‬أفسدا دي نه ‪ ،‬بحسب المكان أمكن الخار جى ان يقول ذلك‬
‫في علي ويو جه ذلك بأن يقول ‪ :‬كان يح سد ا بن ع مه وأ نه كان ير يد إف ساد‬
‫دي نه فلم يتم كن من ذلك في حيا ته وحياة الخلفاء الثل ثة ح تى سعى في ق تل‬
‫الخليفة الثالث ‪ ،‬وأوقد الفتنة ‪ ،‬حتى غلى في قتل أصحاب محمد ‪ ،‬وأمته بغضا‬
‫له وعداوة ‪ ،‬وأنه كان مباطنا للمنافق ين الذين ادعوا فيه الله ية والنبوة ‪ ،‬وكان‬
‫يظ هر خلف ما يب طن ‪ ،‬لن دي نه التق ية ‪ ،‬فل ما أحرق هم بالنار‪ ،‬أظ هر إنكار‬
‫ذلك ‪ ،‬وإل فكان في الباطن معهم ‪.‬‬
‫ولهذا كانست الباطنيسة مسن اتباعسه ‪،‬وعندهسم سسره ‪ ،‬وهسم ينقلون عنسه‬
‫‪ )1(1‬يعني في علي ‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫الباطن الذي ينتحلونه ‪ ،‬ويقول الخارجى مثل هذا الكلم الذي يروج على كثير‬
‫مسن الناس أعظسم ‪ ،‬ممسا يروج كلم الرافضسة فسي الخلفاء الثلثسة ‪ ،‬لن شبهسة‬
‫الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج ‪ ،‬وهم أصح منهم عقل ‪ ،‬ومقصدا ‪.‬‬
‫والراف ضة أكذب وأف سد دي نا ‪ ،‬وإن أرادوا إثبات إيما نه وعدال ته ب نص‬
‫القرآن عل يه ‪ ،‬ق يل القرآن عام وتناوله له ل يس بأع ظم من تناوله لغيره ‪ ،‬و ما‬
‫من آ ية يدعون اخت صاصها به إل أم كن أن يد عى اخت صاصها أو اخت صاص‬
‫مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫فباب الدعوى بل حجسة ممكنسة ‪ ،‬والدعوى فسي فضسل الشيخيسن أمكسن‬
‫منها في فضل غيرهما ‪ ،‬وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية ‪ ،‬فالنقل والرواية‬
‫في أولئك أكثر وأشهد ‪ ،‬فإن ادعوا تواترا ‪ ،‬فالتواتر هناك أصح ‪ ،‬وإن اعتمدوا‬
‫على ن قل ال صحابة فنقل هم لفضائل أ بي ب كر وع مر أك ثر ‪ ،‬ثم هم يقولون ‪ :‬أن‬
‫ال صحابة ارتدوا إل نفرا قليل فك يف تق بل روا ية هؤلء في فضيلة أ حد ‪ ،‬ولم‬
‫يكسن فسي الصسحابة رافضسة كثيرون ‪ ،‬يتواتسر نقلهسم ‪ ،‬فطريسق النقسل مقطوعسا‬
‫علي هم‪ ،‬إن لم ي سلكوا طر يق أ هل ال سنة ‪ ،‬ك ما هو مقطوع على الن صارى في‬
‫إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين ‪.‬‬
‫وهذا كمسن أراد أن يثبست فقسه ابسن عباس دون علي ‪ ،‬أو فقسه علقمسة‬
‫والسود دون ابن مسعود ‪ ،‬ونحو ذلك من المور التي يثبت فيها للشيء حكم‬
‫دون ما هو أولى بذلك الحكم منه ‪ ،‬فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق‬
‫العلم والعدل ‪.‬‬
‫ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ‪ ،‬كما أن النصارى من‬
‫أجهل الناس ‪ ،‬والراف ضة من أخبث الناس ‪ ،‬كما أن اليهود من أخبث الناس ‪،‬‬
‫ففيهم نوع من ضلل النصارى ‪،‬ونوع من خبث اليهود ‪.‬‬
‫(الوجنه الخامنس)‪ :‬أن يقال ‪ :‬تمثيسل هذا بقصسة عمسر بسن سسعد طالبسا‬
‫للرياسة والمال مقدما على المحرّم لحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الولون‬
‫بهذه الحال ‪ ،‬وهذا أبوه سعد بن أ بي وقاص‪ ،‬كان من أز هد الناس في المارة‬

‫‪110‬‬

‫والول ية ‪ ،‬ول ما وق عت الفت نة اعتزل الناس في ق صره بالعق يق ‪ ،‬وجاءه ع مر‬
‫ابنسه هذا فلمسه على ذلك ‪ ،‬وقال له الناس فسي المدينسة يتنازعون الملك وأنست‬
‫هه نا؟ فقال ‪:‬‬

‫((‬

‫اذ هب فإ ني سمعت ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم يقول إن‬

‫ال يحب العبد التقي الغني الخفيّ ))(‪. )1‬‬
‫هذا ولم ي كن قد ب قي أ حد من أ هل الشورى غيره وغ ير علي ر ضي‬
‫ال عنهمسا ‪ ،‬وهسو الذي فتسح العراق ‪ ،‬وأذل جنود كسسرى وهسو آخسر العشرة‬
‫موتا‪.‬‬
‫فإذا لم يح سن أن يش به باب نه ع مر أيش به به أ بو ب كر وع مر وعثمان ‪،‬‬
‫هذا وهسم ل يجعلون محمسد بسن أبسي بكسر بمنزلة أبيسه ‪ ،‬بسل يفضلون محمدا‬
‫ويعظمو نه ‪ ،‬ويتولو نه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي ل نه‬
‫كان ربي به ‪ ،‬وي سبون أباه أبا بكر ويلعنو نه ‪ ،‬فلو أن النواصب فعلوا بع مر بن‬
‫سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين ‪ ،‬لكونه كان من شيعة عثمان ‪ ،‬ومن‬
‫المنتصرين له ‪ ،‬وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والنتصار‬
‫لعثمان ‪ ،‬هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إل من جنس الرافضة ‪.‬‬
‫بل الراف ضة شر من هم ‪ ،‬فإن أ با ب كر أف ضل من سعد ‪ ،‬وعثمان كان‬
‫أبعد عن استحقاق القتل من الحسين ‪ ،‬وكلهما مظلوم وشهيد رضي ال تعالى‬
‫عنهما ‪ ،‬ولهذا كان الفساد الذي حصل في المة بقتل عثمان أعظم من الفساد‬
‫الذي حصل في المة بقتل الحسين ‪.‬‬
‫وعثمان من ال سابقين الول ين و هو خلي فة مظلوم طلب م نه أن ينعزل‬
‫بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل ‪ ،‬والحسين ‪ t‬لم يكن متوليا‬
‫وإن ما كان طال با للول ية ‪ ،‬ح تى رأى أن ها متعذرة وطلب م نه لي ستأسر ليح مل‬
‫إلى يزيد مأسورا ‪ ،‬فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما ‪ ،‬شهيدا ‪ ،‬فظلم‬
‫عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل ‪ ،‬وكلهما مظلوم شهيد ‪ ،‬ولو مثل‬
‫مم ثل طلب علي والح سين لل مر بطلب ال سماعيلية كالحا كم وأمثاله وقال إن‬
‫‪ )1(1‬انظر المسند ج ‪ 3‬ص ‪ 26‬تحقيق أحمد شاكر ‪ ،‬وانظر صحيح مسلم ج ‪ 4‬ص ‪.2277‬‬

‫‪111‬‬

‫علي والحسسين كانسا ظالميسن طالبيسن للرياسسة مسن غيسر حسق ‪ ،‬بمنزلة الحاكسم‬
‫وأمثاله من ملوك بني عبيد ‪ ،‬أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان‬
‫الحسن والحسين ‪ ،‬ودينهما وفضلهما ‪ ،‬ولنفاق هؤلء وإلحادهم ‪.‬‬
‫وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم‬
‫بالحجاز ‪ ،‬أو الشرق أو الغرب يطلب الوليسة بغيسر حسق ‪ ،‬ويظلم الناس فسي‬
‫أموالهم وأنفسهم ‪ ،‬أما كان يكون ظالما كاذبا ؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر‬
‫بن سعد أولى بالكذب والظلم ‪ ،‬ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله ‪ ،‬أن يعترف بأنه‬
‫طلب الدنيسا بمعصسية يعترف أنهسا معصسية ‪ ،‬وهذا ذنسب كثيسر وقوعسه مسن‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫وأ ما الشي عة فكثيرمن هم يعترفون بأن هم إن ما ق صدوا بالملك إف ساد د ين‬
‫السسلم ‪ ،‬ومعاداة النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم كمسا يعرف ذلك مسن‬
‫خطاب الباطنية وأمثالهم ‪ ،‬من الداخلين في الشيعة ‪ ،‬فإنهم يعترفون بأنهم في‬
‫الحقي قة ل يعتقدون د ين ال سلم ‪ ،‬وإن ما يتظاهرون بالتش يع لقلة ع قل الشي عة‬
‫وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم ‪.‬‬
‫وأوّل هؤلء ‪ ،‬بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب ‪ ،‬فإنه كان‬
‫أمير الشيعة ‪ ،‬وقتل عبيد ال بن زياد ‪ ،‬وأظهر النتصار للحسين ‪ ،‬حتى قتل‬
‫قاتله وتقرب بذلك إلى محمسد بسن الحنفيسة وأهسل البيست ‪ ،‬ثسم ادعسى النبوة وأن‬
‫جبريل يأتيه ‪ ،‬وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‬
‫أنه قال ‪ (( :‬سيكون في ثقيف كذاب ومبير‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫فكان الكذاب هو المختار بن أ بي عب يد ‪ ،‬وكان ال مبير هو الحجاج بن‬
‫يوسف الثقفي ‪ ،‬ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين‪،‬‬
‫مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين ‪ ،‬لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن‬
‫أبسي عبيسد ‪ ،‬الذي أظهسر النتصسار للحسسين ‪ ،‬وقتسل قاتله بسل كان هذا أكذب‬
‫‪ )1(1‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1971‬‬

‫‪112‬‬

‫وأعظم ذنبا من عمر بن سعد ‪.‬‬
‫فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي ‪ ،‬بل والحجاج بن يوسف خير من‬
‫المختار بن أبي عبيد ‪ ،‬فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم –يسفك الدماء بغير حق ‪ ،‬والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان‬
‫جبر يل إل يه ‪ ،‬وهذا الذ نب أع ظم من ق تل النفوس ‪ ،‬فإن هذا ك فر وإن لم ي تب‬
‫منه كان مرتدا ‪ ،‬والفتنة أعظم من القتل ‪.‬‬
‫وهذا باب مطرد ل تجسد أحدا ممسن تذمسه الشيعسة بحسق أو باطسل إل‬
‫وفي هم من هو شر م نه ‪ ،‬ول ت جد أحدا م من تمد حه الشي عة إل وفي من تمد حه‬
‫الخوارج من هو خير منه ‪ ،‬فإن الروافض شر من النواصب ‪،‬والذين تكفرهم‬
‫أو تفسقهم الروافض ‪ ،‬هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب ‪.‬‬
‫وأ ما أ هل ال سنة فيتولون ج مع لمؤمن ين ‪ ،‬ويتكلمون بعلم وعدل لي سوا‬
‫مسن أهسل الجهسل ‪ ،‬ول مسن أهسل الهواء ‪ ،‬ويتسبرءون مسن طريقسة الروافسض‬
‫والنواصب جميعا ‪ ،‬ويتولون السابقين الولين كلهم ‪،‬ويعرفون قدر الصحابة ‪،‬‬
‫وفضلهسم ‪ ،‬ومناقبهسم ‪،‬ويرعون حقوق أهسل البيست التسي شرعهسا ال لهسم ‪ ،‬ول‬
‫يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين ‪ ،‬ول ما فعل الحجاج ونحوه من‬
‫الظالمين ‪.‬‬
‫ويعلمون مسع هذا مراتسب السسابقين الوليسن ‪ ،‬فيعلمون أن لبسي بكسر‬
‫وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد ‪ ،‬من الصحابة ل عثمان‬
‫ول علي ول غيره ما ‪ ،‬وهذا كان متف قا عل يه في ال صدر الول ‪ ،‬إل أن يكون‬
‫خلف شاذ ل يعبأ به ‪.‬‬
‫حتى إن الشيعة الولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي‬
‫بكر وعمر عليه ‪ ،‬فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول ‪ :‬خير‬
‫هذه المة بعد نبيها أبو بكر وعمر ‪ ،‬ولكن كان طائفة من شيعة علي ‪ ،‬تقدمه‬
‫على عثمان ‪ ،‬وهذه المسألة أخفى من تلك ‪ ،‬ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين‬
‫على تقد يم أ بي ب كر وع مر ك ما في مذ هب أ بي حني فة ‪ ،‬والشاف عي ‪ ،‬ومالك ‪،‬‬

‫‪113‬‬

‫وأح مد بن حن بل ‪ ،‬والثورى ‪ ،‬والوزا عي ‪ ،‬والل يث بن سعد ‪ ،‬و سائر أئ مة‬
‫المسلمين ‪ ،‬من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين‪.‬‬
‫وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما ‪ ،‬وهي‬
‫إحدى الروايتين عن سفيان الثوري ‪ ،‬ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به‬
‫أيوب السسختياني ‪ ،‬وقال مسن قدم عليسا على عثمان فقسد أزرى بالمهاجريسن‬
‫والن صار ‪ ،‬و سائر أئ مة ال سنة على تقد يم عثمان و هو مذ هب جماه ير أ هل‬
‫الحديث وعليه يدل النص ‪ ،‬والجماع والعتبار ‪.‬‬
‫وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو‬
‫نحسو ذلك فذلك فسي أمور مخصسوصة ل تقديمسا عامسا ‪ ،‬و كذلك مسا ينقسل عسن‬
‫بعضهم في علي ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ :‬فبعضهم اشتبه المرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده ‪،‬‬
‫وباي عه وق صر في نظره فخ في عل يه ال حق فا ستحق المؤاخذة من ال تعالى ‪،‬‬
‫بإعطاء ال حق لغ ير م ستحقه ‪ ،‬قال ‪ :‬وبعض هم قلد لق صور فطن ته ‪ ،‬ورأى الجم‬
‫الغفير فتابعهم ‪ ،‬وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ‪ ،‬وغفل عن قوله تعالى ‪:‬‬
‫]وَ َقلِيلٌ مَا هُم [‬

‫(‪)1‬‬

‫شكُور [‬
‫‪ ] ،‬وَقَلِيلٌ ِمنْ عِبَا ِديَ ال ّ‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫فيقال لهذا المفترى ‪ :‬الذي ج عل ال صحابة الذ ين بايعوا أ با ب كر ثل ثة‬
‫أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر ‪ ،‬وصنف عجزوا عنه‪،‬‬
‫لن ال شر إ ما أن يكون لف ساد الق صد ‪ .‬وإ ما أن يكون للج هل ‪ ،‬والج هل إ ما أن‬
‫يكون لتفريط في النظر ‪ ،‬وإما أن يكون لعجز عنه ‪.‬‬
‫وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا‬
‫بكسر ‪ ،‬ولو نظسر لعرف الحسق ‪ ،‬وهذا يؤاخسذ على تفريطسه ‪ ،‬بترك النظسر‬
‫الواجب‪ ،‬وفيهم من عجز عن النظر ‪ ،‬فقلد الجم الغفير ‪ ،‬يشير بذلك إلى سبب‬
‫مبايعة أبي بكر ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫فيقال له هذا من الكذب الذي ل يعجز عنه أحد ‪ ،‬والرافضة قوم بهت‬
‫فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل ‪ ،‬وال تعال‬
‫قسد حرم القول بغيسر علم ‪ ،‬فكيسف إذا كان المعروف ضسد مسا قاله فلو لم نكسن‬
‫ن حن عالم ين بأحوال ال صحابة لم ي جز أن نش هد علي هم ب ما ل نعلم من ف ساد‬
‫الق صد ‪ ،‬والج هل بالم ستحق ‪ .‬قال تعالى ‪] :‬ول تق فُ ما ل يس لك به علم إنّ‬
‫ك كان عنهُ مَسئولً [‬
‫سمْعَ وَالبَصَ َر وَالفُؤَادَ ُكلّ أولئِ َ‬
‫ال ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال تعالى ‪َ] :‬ها أَنْتُمْ‬

‫س َلكُم بِ هِ عِلْم [(‪ )2‬فكيف‬
‫ججْتُ مْ فِيمَا َلكُم بِ ِه عِلْ مُ فَلِ مَ ُتحَاجّو نَ فِيمَا لَ ْي َ‬
‫َهؤُل ِء حَا َ‬
‫إذا ك نا نعلم أن هم كانوا أك مل هذه ال مة عقل ‪ ،‬وعل ما ‪ ،‬ودي نا ‪ ،‬ك ما قال في هم‬
‫عبد ال بن مسعود ‪ (( :‬من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ‪ ،‬فإن الحي‬
‫ل تؤمسن عليسه الفتنسة ‪ ،‬أولئك أصسحاب محمسد كانوا وال أفضسل هذه المسة ‪،‬‬
‫وأبر ها قلو با ‪ ،‬وأعمق ها عل ما وأقل ها تكل فا ‪ ،‬قوم اختار هم ال ل صحبة نبيه ‪،‬‬
‫وإقامسة دينسه‪ ،‬فأعرفوا لهسم فضلهسم ‪ ،‬واتبعوهسم ‪ ،‬فسي آثارهسم وتمسسكوا بمسا‬
‫اسستطعتم مسن أخلقهسم ‪ ،‬ودينهسم فإنهسم كانوا على الهدى المسستقيم ))(‪ . )3‬رواه‬
‫غير واحد منهم ابن بطة ‪ ،‬عن قتادة ‪.‬‬
‫وروى هو وغيره بال سانيد المعرو فة إلى زر ب نت حبيش ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ع بد‬
‫ال بن مسعود ‪ (( :‬إن ال تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ‪ ،‬وابتعثه برسالته‬
‫‪ ،‬ثم ن ظر في قلوب العباد ب عد قلب مح مد صلى ال تعالى عل يه و سلم فو جد‬
‫قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ‪ ،‬يقاتلون على دينه ‪ ،‬فما‬
‫رآه المسلمون حسنا فهو عند ال حسن ‪ ،‬وما رآه المسلمون سيئا فهو عند ال‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 36‬من سورة السراء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 66‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬انظر المسند ج ‪ 5‬ص ‪ 211‬تحقيق أحمد شاكر ‪ ،‬وقال الهيثمي ‪ :‬رواه أحمد والبزار ‪،‬‬
‫والطبراني في الكبير ‪ .‬مجمع الزوائد ج ‪ 1‬ص ‪177‬‬

‫‪115‬‬

‫سيء ))(‪. )1‬‬
‫وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الثر ‪ ،‬عن عاصم بن‬
‫أبي النجود ‪ ،‬عن زر بن حبيش عن عبد ال بن مسعود ‪ ، t‬وقد رأى أصحاب‬
‫رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ‪.‬‬
‫فقول عبد ال بن مسعود كانوا أبر هذه المة قلوبا ‪ ،‬وأعمقها علما ‪،‬‬
‫وأقلها تكلفا ‪ ،‬كلم جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ‪ ،‬ببر القلوب وبين فيه‬
‫كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم ‪ ،‬وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من‬
‫القول بل علم ‪ ،‬بقلة التكلف وهذا خلف مسسا قاله هذا المفترى الذي وصسسف‬
‫أكثر هم بطلب الدن يا ‪ ،‬وبعض هم بالج هل ‪ ،‬إ ما عجزا وإ ما تفري طا والذي قاله‬
‫ع بد ال حق فإن هم خ ير هذه ال مة ‪ ،‬ك ما تواترت بذلك الحاد يث عن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم حيث قال ‪:‬‬

‫((‬

‫خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ‪،‬‬

‫ثم الذين يلونهم ‪ ،‬ثم الذ ين يلونهم ))(‪. )2‬وهم أفضل المة الوسط الشهداء على‬
‫الناس ‪ ،‬الذين هداهم ال لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ‪ ،‬وال يهدي من يشاء‬
‫إلى صراط مستقيم ‪ ،‬فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم ‪ ،‬ول‬
‫من الضالين الجاهلين ‪ ،‬كما قسمهم هؤلء المفترون ‪ ،‬إلى ضلل وغواة ‪ ،‬بل‬
‫لهم كمال العلم ‪،‬وكمال القصد ‪.‬‬
‫إذ لو لم يكسن كذلك للزم أن ل تكون هذه المسة خيسر المسم ‪،‬وأن ل‬
‫يكونوا خير المة وكلهما خلف الكتاب والسنة ‪ ،‬وأيضا فالعتبار العقلي يدل‬
‫على ذلك ‪ ،‬فإن من تأمل أمة محمد صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وتأمل أحوال‬
‫اليهود والن صارى وال صابئين والمجوس والمشرك ين ‪ ،‬تبين له من فضيلة هذه‬
‫المسة على سسائر المسم فسي العلم النافسع ‪،‬والعمسل الصسالح ‪ ،‬مسا يضيسق هذا‬
‫الموضع عن بسطه ‪.‬‬
‫والصسحابة أكمسل المسة فسي ذلك بدللة الكتاب والسستة والجماع ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬انظر المرجع السابق ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬تقدمت الشارة إلى مواضعه انظر ص‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫والعتبار ولهذا ل تجد أحدا من أعيان المة إل وهو معترف بفضل الصحابة‬
‫عل يه ‪ ،‬وعلى أمثاله ‪ ،‬وت جد من ينازع في ذلك كالراف ضة من أج هل الناس ‪،‬‬
‫ولهذا ل يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ‪ ،‬ول في أئمة الحديث‬
‫ول في أئمة الزهد والعبادة ‪ ،‬ول في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي‪،‬‬
‫ول في الملوك الذين نصروا السلم وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي‪،‬‬
‫ول في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي ‪.‬‬
‫وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين ‪ ،‬وإما في‬
‫جهال ل يس ل هم علم بالمنقولت ول بالمعقولت ‪ ،‬قد ن شأ بالبوادي والجبال ‪،‬‬
‫وتجسبروا على المسسلمين ‪ ،‬فلم يجالسسوا أهسل العلم والديسن ‪ ،‬وإمسا فسي ذوي‬
‫الهواء م من قد ح صل له بذلك ريا سة ومال ‪ ،‬أوله ن سب يتع صب به كف عل‬
‫أهل الجاهلية ‪ ،‬وأما من هو عند المسلمين من أهل العلم والدين ‪ ،‬فليس في‬
‫هؤلء رافضي ‪ ،‬لظهور الجهل والظلم في قولهم ‪ ،‬و تجد ظهور الرفض في‬
‫شر الطوائف كالنصيرية والسماعيلية ‪ ،‬والملحدة الطرقية ‪ ،‬وفيهم من الكذب‬
‫والخيا نة وإخلف الو عد ما يدل على نفاق هم ‪ ،‬ك ما في ال صحيحين عن ال نبي‬
‫صسلى ال تعالى عليسه وسسلم أنسه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫آيسة المنافسق ثلث ‪،‬إذا حدث كذب ‪،‬‬

‫وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ))(‪ –)1‬زاد مسلم – (( وإن صام وصلى وزعم‬
‫أنه مسلم )) وأكثر ما توجد هذه الثلث في طوائف أهل القبلة في الرافضة‪.‬‬
‫وأي ضا فيقال لهذا المفترى ‪ :‬هب أن الذ ين بايعوا ال صديق كانوا ك ما‬
‫ذكرت إ ما طالب دن يا وإ ما جا هل ‪ ،‬ف قد جاء ب عد أولئك في قرون ال مة ‪ ،‬من‬
‫يعرف كل أحد زكاءهم ‪ ،‬وذكاءهم ‪.‬‬
‫م ثل سعيد بن الم سيب ‪ ،‬الح سن الب صري ‪ ،‬وعطاء بن أ بي رباح ‪،‬‬
‫وإبراهيسم النخعسي ‪ ،‬وعلقمسة ‪ ،‬والسسود ‪ ،‬وعسبيدة السسلماني ‪ ،‬وطاوس ‪،‬‬
‫ومجا هد‪ ،‬و سعيد بن جبير ‪ ،‬وأ بي الشعثاء جابر بن ز يد ‪ ،‬وعلي بن ز يد ‪،‬‬
‫وعلي بسن الحسسين ‪ ،‬وعبيسد ال بسن عبسد ال بسن عتبسة ‪ ،‬وعروة بسن الزبيسر ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 12‬وغيره ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 1‬ص ‪. 78‬‬

‫‪117‬‬

‫والقا سم بن مح مد بن أ بي ب كر ‪ ،‬وأ بي ب كر بن ع بد الرح من بن الحرث بن‬
‫هشام ‪ ،‬ومطرف بن الشخير ‪ ،‬ومحمد بن واسع ‪ ،‬وحبيب العجمى ‪ ،‬ومالك بن‬
‫دينار‪ ،‬ومكحول ‪ ،‬والح كم بن عت بة ‪ ،‬ويز يد بن أ بي حبيب ‪ ،‬و من ل يح صي‬
‫عددهم إل ال ‪.‬‬
‫ثم بعد هم أيوب السختياني ‪ ،‬وعبد ال بن عون ‪ ،‬ويو نس بن عبيد ‪،‬‬
‫وجعفر بن محمد ‪ ،‬والزهري‪ ،‬وعمرو بن دينار ‪ ،‬ويحيى بن سعيد النصاري‪،‬‬
‫وربيعة بن أبي عبد الرحمن ‪ ،‬وأبو الزناد ‪ ،‬ويحيى بن أبي كثير ‪ ،‬وقتادة ‪،‬‬
‫ومنصسور بسن المعتمسر ‪ ،‬والعمسش ‪ ،‬وحماد بسن أبسي سسليمان ‪ ،‬وهشام‬
‫الدستوائي‪ ،‬وسعيد بن أبي عروبة ‪.‬‬
‫و من ب عد هؤلء م ثل ‪ ،‬مالك بن ا نس ‪ ،‬وحماد بن ز يد ‪ ،‬وحماد بن‬
‫سسلمة ‪ ،‬والليسث بسن سسعد ‪ ،‬والوزاعسي ‪ ،‬وأبسي حنيفسة ‪ ،‬وابسن أبسي ليلى ‪،‬‬
‫وشريك‪ ،‬وابن أبي ذئب ‪ ،‬وابن الماجشون ‪.‬‬
‫ومن بعدهم ‪ ،‬مثل يحيى بن سعيد القطان ‪ ،‬وعبد الرحمن بن مهدي ‪،‬‬
‫ووكيع بن الجراح ‪ ،‬وعبد الرحمن بن القاسم ‪ ،‬وأشهب بن عبد العزيز ‪ ،‬وأبي‬
‫يوسسف ‪ ،‬ومحمسد بسن الحسسن ‪ ،‬والشافعسي ‪ ،‬وأحمسد بسن حنبسل ‪ ،‬وإسسحق بسن‬
‫راهو يه ‪ ،‬وأ بي عب يد ‪ ،‬وأ بي ثور ‪ ،‬و من ل يح صى عدده إل ال تعالى ‪،‬م من‬
‫ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل ل لجل رياسة ‪،‬ول مال ‪.‬‬
‫وممسن هسم اعظسم الناس نظرا فسي العلم وكشفسا لحقائقسه ‪ ،‬وهسم كلهسم‬
‫متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫بل الشي عة الولى الذ ين كانوا على ع هد علي كانوا يفضلون أ با ب كر‬
‫وعمر ‪ ،‬قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر‪ ،‬فقال ‪ :‬مارأيت أحدا‬
‫م من اقتدى به ي شك في تقديمه ما‪ .‬يع ني على علي وعثمان فح كى إجماع أ هل‬
‫المدينة على تقديمهما‪.‬‬
‫وأهل المدينة لم يكونوا مائلين الى بني أمية كما كان أهل الشام ‪ ،‬بل‬
‫قد خلعوا بيعة يزيد ‪ ،‬وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل‬
‫الشام ‪ ،‬بل كانوا يعدّونه من علماء المدينة ‪ ،‬إلى أن خرج منها ‪ ،‬وهم متفقون‬
‫على تقديم أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫وروى البيهقسي بإسسناده عسن الشافعسي ‪ .‬قال ‪ :‬لم يختلف الصسحابة‬
‫والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر ‪ ،‬وقال شريك بن أبي نمر ‪ :‬وقال له قائل‬
‫أي ما أف ضل أبو ب كر أو علي ؟ فقال له ‪ :‬أ بو بكر ‪ .‬فقال له ال سائل ‪ :‬تقول هذا‬
‫و أنت من الشيعة ؟ فقال‪ :‬نعم إنما الشيع يّ من يقول هذا ‪ ،‬وال لقد رقى علىّ‬
‫هذه العواد‪ ،‬فقال ‪ :‬أل إن خير هذه المة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نردّ‬
‫قوله‪ ،‬أفكنا نكذبه ‪ ،‬وال ما كان كذابا(‪. )1‬‬
‫وذ كر هذا القا ضي ع بد الجبار في كتاب تث بت النبوة له ‪ ،‬وعزاه إلى‬
‫كتاب أبي القاسم البلخي ‪ ،‬الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه‬
‫على الجاحظ(‪. )2‬‬
‫فكيف يقال مع هذا أن الذين بايعوه كانوا طلب الدنيا ‪،‬أو جهال‪،‬ولكن‬
‫هذا وصسف الطاعسن فيهسم ‪ ،‬فإنسك ل تجسد فسي طوائف القبلة أعظسم جهل مسن‬
‫الرافضة‪ ،‬ول أكثر حرصا على الدنيا ‪ ،‬وقد تدبرتهم فوجدتهم ل يضيفون إلى‬
‫ال صحابة عي با إل و هم أع ظم الناس ات صافا به ‪ ،‬وال صحابة اب عد ع نه ‪ ،‬ف هم‬
‫أكذب الناس بل ريب كمسيلمة الكذاب ‪ ،‬إذ قال ‪ :‬أنا نبي صادق‪ ،‬ولهذايصفون‬
‫أنفسسهم باليمان ‪ ،‬ويصسفون الصسحابة بالنفاق ‪،‬وهسم أعظسم الطوائف نفاقسا ‪،‬‬
‫والصحابة أعظم الخلق إيمانا ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ :‬وبعض هم طلب ال مر لنف سه ب حق وباي عه القلون الذ ين‬
‫اعرضوا عسن الدنيسا وزينتهسا ‪ ،‬ولم تأخذهسم بال لومسة لئم ‪ ،‬بسل أخلصسوا ل‬
‫واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم ‪ ،‬وحيث حصل للمسلمين هذه‬
‫‪ )1(1‬تقدمت الشارة إليه ص ‪ 55‬وص ‪. 9‬‬
‫‪ )2(2‬انظر في تثبيت دلئل النبوة ج ‪ 2‬ص ‪. 549‬‬

‫‪119‬‬

‫البلية ‪،‬وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد النصاف ‪ ،‬وأن يقر الحق‬
‫مقره‪ ،‬ول يظلم مستحقه ‪ ،‬فقد قال تعالى‪ََ] :‬ألَ َلعْ َنةَ الِ عَلَى الظّا ِلمِين [(‪. )1‬‬
‫فيقال له أول ‪ :‬قسد كان الواجسب أن يقال لمسا ذهسب طائفسة إلى كذا ‪،‬‬
‫وطائ فة إلى كذا ‪ ،‬و جب أن ين ظر أي القول ين أ صح ‪ ،‬فأ ما إذا رض يت إحدى‬
‫الطائفتيسن باتباع الحسق ‪ ،‬والُخرى باتباع الباطسل ‪ ،‬فإن كان هذا قسد تسبين فل‬
‫حاجة إلى النظر ‪ ،‬وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين ‪.‬‬
‫ويقال له ثان يا ‪ :‬قولك ‪ :‬أ نه طلب ال مر لنف سه ب حق ‪ ،‬وباي عه القلون‬
‫كذب على علي ‪ ، t‬فإ نه لم يطلب ال مر لنف سه في خل فة أ بي ب كر ‪ ،‬وع مر‬
‫وعثمان ‪،‬وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه ‪ ،‬لم‬
‫يكسن معسه القلون وقسد اتفسق أهسل السسنة والشيعسة على أن عليسا لم يدع إلى‬
‫مبايعته في خلفة أبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬ول بايعه على ذلك أحد‪.‬‬
‫ولكن الرافضة تدعى أنه كان يريد ذلك ‪ ،‬وتعتقد أنه المام المستحق‬
‫للمامة ‪ ،‬دون غيره ‪ ،‬لكن كان عاجزا عنه وهذا لو كان حقا لم يفدهم ‪ ،‬فإنه‬
‫لم يطلب المر لنفسه ‪ ،‬ول تابعه أحد على ذلك ‪ ،‬فكيف إذا كان باطل‪.‬‬
‫وكذلك قوله بايعه القلون ‪ ،‬كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد‬
‫لعلي على عهد الخلفاء الثلثة ‪ ،‬ول يمكن أحد أن يدعي هذا ‪ ،‬ولكن غاية ما‬
‫يقول القائل انه كان فيهم من يختار مبايعته ‪ ،‬ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان‬
‫كثير من الناس يختار ولية معاوية ‪ ،‬وولية غيرهما ‪ ،‬ولما بويع عثمان كان‬
‫في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره ‪ ،‬فمثل هذا ل يخلو من الوجود ‪.‬‬
‫وقسد كان رسسول ال صسلى ال تعالى عل يه وسسلم بالمدينسة وبهسا ومسا‬
‫ن الَعْرَاب مُنَا ِفقُون وَمِن‬
‫حوْلَكُم مِ َ‬
‫ن َ‬
‫حول ها منافقون ‪ ،‬ك ما قال تعالى ‪َ ] :‬و ِممّ ْ‬
‫ن َنعْ َلمُهُم [(‪ )2‬و قد قال تعالى عن‬
‫أَ ْهلِ ا ْلمَدِي َنةِ َمرَدُوا عَلَى ال ّنفَا قِ ل َتعْ َلمُهُم َنحْ ُ‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 18‬من سورة هود عليه السلم‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 101‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫عظِيم[‬
‫ن َ‬
‫ج ٍل مِنَ ا ْلقَرْيَتَيْ ِ‬
‫علَى َر ُ‬
‫المشركين ‪ ] :‬وَقَالُوا َل ْو َل نَ َزلَ هَذَا ا ْلقُرْآنَ َ‬

‫(‪)1‬‬

‫فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُم َمعِيشَ َتهُم في ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا‬
‫ح َمةَ رَبّكَ َنحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫] أَهُمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُم َفوْقَ َبعْض دَ َرجَات [‬
‫َبعْ َ‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وأما ما وصفه لهؤلء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ‪ ،‬وأنهم‬
‫ل تأخذهم في ال لومة لئم ‪ ،‬فهذا من أبين الكذب ‪ ،‬فإنه لم ير الزهد والجهاد‬
‫في طائ فة أقل م نه في الشي عة ‪ ،‬والخوارج المارقون كانوا أز هد منهم وأع ظم‬
‫قتال ‪ ،‬حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني‬
‫العباس وغيره ما بالعراق والجزيرة وخراسسان والمغرب وغيرهمسا معروفسة ‪،‬‬
‫وكانت لهم ديار يتحيزون فيها ل يقدر عليهم أحد ‪.‬‬
‫وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون ‪ ،‬مقهورون منهزمون ‪ ،‬وحبهم للدنيا‬
‫وحرصهم عليها ظاهر ‪ ،‬ولهذا كاتبوا الحسين ‪ ، t‬فلما أرسل إليهم ابن عمه‪،‬‬
‫ثم قدم بنف سه غدروا به ‪ ،‬وباعوا الخرة بالدنيا ‪ ،‬وأسلموه إلى عدوه ‪ ،‬وقاتلوه‬
‫مع عدوه ‪ ،‬فأي زهد عند هؤلء ‪ ،‬وأي جهاد عندهم ‪.‬‬
‫وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب ‪ t‬من الكاسات المرة ما ل يعل مه‬
‫إل ال ‪ ،‬حتى دعا عليهم ‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا‬
‫منهسم ‪ ،‬وأبدلهسم بسي شرا منسي ‪ ،‬وقسد كانوا يغشونسه ويكاتبون مسن يحاربسه ‪،‬‬
‫ويخونونه في الوليات ‪ ،‬والموال ‪ ،‬هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة ‪ ،‬إنما‬
‫سسمعوا شيعسة علي لمسا افترق الناس فرقتيسن ‪ ،‬فرقسة شايعست أولياء عثمان ‪،‬‬
‫وفر قة شاي عت أولياء عل يا ر ضى ال عنه ما ‪ ،‬فأولئك خيار الشي عة ‪ ،‬و هم من‬
‫شر الناس معاملة لعلي بن أبي طالب ‪ ، t‬وابنيه سبطى رسول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم وريحانته في الدنيا الحسن والحسين ‪ ،‬وهم أعظم الناس قبول‬
‫للوم اللئم في الحق ‪ ،‬وأسرع الناس إلى الفتنة ‪ ،‬وأعجزهم عنها ‪ ،‬يغرون من‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 31‬من سورة الزخرف ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬الية ‪ 32‬من سورة الزخرف ‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫يظهرون ن صره من أ هل الب يت ‪ ،‬ح تى إذا اطمأن إلي هم ولم هم عل يه اللئم ‪،‬‬
‫خذلوه وأ سلموه وآثروا عل يه الدن يا ‪ ،‬ولهذا أشار عقلء الم سلمين ون صحاؤهم‬
‫على الحسين أن ل يذهب إليهم ‪ ،‬مثل عبد ال بن عباس ‪ ،‬وعبد ال بن عمر ‪،‬‬
‫وأبسي بكسر بسن عبسد الرحمسن بسن الحرث بسن هشام وغيرهسم ‪ ،‬لعلمهسم بأنهسم‬
‫يخذلو نه ‪ ،‬ول ين صرونه ‪ ،‬ول يوفون له ب ما كتبوا به إل يه ‪ ،‬وكان ال مر ك ما‬
‫رأى هؤلء ‪ ،‬ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب ‪ ،‬ثم دعاء علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫حتى سلط ال عليهم الحجاج بن يوسف ‪ ،‬كان ل يقبل من محسنهم ‪،‬‬
‫ول يتجاوز عن مسيئهم ‪ ،‬ودب شرهم إلى من لم يكن منهم‪ ،‬حتى عم الشر ‪،‬‬
‫وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد المة ليس فيهم رافضي ‪.‬‬
‫كيف والرافضي من جنس المنافقين ‪ ،‬مذهبه التقية فهل هذا حال من‬
‫ل تأخذه بال لومة لئم ‪ ،‬إنما هذه حال من نعته ال في كتابه بقوله ‪َ] :‬يا أَ ّيهَا‬
‫سوْفَ يَأْتِي الَ ِبقَو مٍ ُيحِبّهُم وَ ُيحِبّونَ هُ‬
‫ن آمَنُوا مَ نْ يَرتَدّ مِ ْنكُ مْ عَ نْ دِيِن هِ فَ َ‬
‫الّذِي َ‬
‫ن في سَبِي ِل الِ َو َل َيخَافُو نَ‬
‫ن أَعِزّ ٍة عَلَى ا ْلكَا ِفرِ ين ُيجَاهِدُو َ‬
‫أَذِّلةٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫ن َيشَاء وَالُ وَاسِ ٌع عَلِيم [ (‪. )1‬‬
‫ض ُل الِ ُيؤْتِيهِ مَ ْ‬
‫َل ْو َمةَ لَ ِئمْ ذَِلكَ فَ ْ‬
‫وهذه حال من قا تل المرتد ين ‪ ،‬وأول هم ال صديق ‪ ،‬و من اتب عه إلى يوم‬
‫القيامسة ‪ ،‬فهسم الذيسن جاهدوا المرتديسن ‪ ،‬كأصسحاب مسسيلمة الكذاب ‪ ،‬ومانعسي‬
‫الزكاة ‪ ،‬وغيره ما و هم الذ ين فتحوا الم صار‪ ،‬وغلبوا فارس والروم ‪ ،‬وكانوا‬
‫أزهد الناس ‪ ،‬كما قال عبد ال بن مسعود لصحابه ‪ :‬أنتم أكثر صلة وصياما‬
‫من أصحاب محمد ‪ ،‬وهم كانوا خيرا منكم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لما يا أبا عبد الرحمن ‪،‬‬
‫قال‪ :‬لن هم كانوا ‪ ،‬أز هد في الدن يا ‪ ،‬وأر غب في الخرة ‪ ،‬فهؤلء هم الذ ين‬
‫لتأخذهم في ال لومة لئم ‪.‬‬
‫بخلف الرافضسة ‪ ،‬فإنهسم أشسد الناس خوفسا مسن لوم اللئم ‪،‬ومسن‬
‫علَ ْيهِم هُم ا ْلعَ ُدوّ فَاحْ َذرْهُم‬
‫حةٍ َ‬
‫عدوّهم‪ ،‬وهم كما قال تعالى ‪َ] :‬يحسبونَ ُكلّ صَ ْي َ‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 54‬من سورة المائدة ‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫قَاتَ َلهُ ُم الُ أَنّى ُيؤْ َفكُون [(‪. )2‬ول يعيشون في أهل القبلة إل من جنس اليهود في‬
‫أ هل الملل ‪ .‬ثم يقال ‪ :‬من هؤلء الذ ين زهدوا في الدن يا ‪ ،‬ولم تأخذهم في ال‬
‫لو مة لئم ‪ ،‬م من لم يبا يع أ با ب كر وع مر وعثمان ‪t‬م ‪ ،‬وبا يع عل يا‪ ،‬فإ نه من‬
‫المعلوم أن في ز من الثل ثة لم ي كن أ حد منحازا عن الثل ثة مظهرا لمخالفت هم‬
‫ومبايعسة علي ‪ ،‬بسل كسل الناس كانوا مبايعيسن لهسم فغايسة مسا يقال أنهسم كانوا‬
‫يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من ل تأخذه في ال لومة لئم ‪.‬‬
‫وأ ما في حال ول ية علي ف قد كان ‪ t‬من أك ثر الناس لو ما ل من م عه‬
‫على قلة جهاد هم ‪ ،‬ونكول هم عن القتال ‪ ،‬فأ ين هؤلء الذ ين ل تأخذ هم في ال‬
‫لومة لئم ‪ ،‬من هؤلء الشيعة ‪ ،‬وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان‬
‫وعمار وغيرهم ‪ ،‬فمن المتواتر أن هؤلء كانوا من أعظم الناس تعظيما لبي‬
‫بكر وعمر ‪ ،‬واتباعا لهما ‪ ،‬وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على عثمان ‪ ،‬ل‬
‫على أبي بكر وعمر ‪ ،‬وسيأتي الكلم على ما جرى لعثمان ‪. t‬‬
‫ففي خلفة أبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬لم يكن أحد يسمى من الشيعة ‪،‬‬
‫ول تضاف الشي عة إلى أ حد ل عثمان ول علي ول غيره ما ‪ ،‬فل ما ق تل عثمان‬
‫تفرق المسسسسسسلمون ‪ ،‬فمال قوم إلى عثمان ‪ ،‬ومال قوم إلى علي واقتتلت‬
‫الطائفتان‪ ،‬وق تل حينئذ شي عة عثمان شي عة علي ‪ ،‬و في صحيح م سلم عن سعد‬
‫بن هشام أنه أراد أن يغزو في سبيل ال وقدم المدي نة فأراد أن يبيع عقارا له‬
‫فيها فيجعله في السلح والكراع ‪ ،‬ويجاهد الروم حتى يموت ‪ ،‬فلما قدم المدينة‬
‫لقي أناسا من أهل المدينة ‪ ،‬فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك‬
‫في حياة النبي صلى ال تعالى عليه وسلم نهاهم نبي ال صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم ‪ .‬وقال ‪ (( :‬أليس لكم بي أسوة ؟)) ‪ ،‬فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ‪ ،‬وقد‬
‫كان طلق ها وأش هد على رجعت ها ‪ .‬فأ تى ا بن عباس و سأله عن و تر ر سول ال‬
‫صلى ل تعالى عليه وسلم ‪ .‬فقال ابن عباس ‪ :‬أل أدلك علىأعلم أهل الرض‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 4‬من سورة المنافقون ‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫بوتر رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم ؟ فقال من ؟ قال ‪ :‬عائشة رضى‬
‫ال عنها ‪ ،‬فأتها فاسألها ثم ائتني فاخبرني ‪ ،‬بردها عليك ‪ ،‬قال فانطلقت إليها‬
‫فأتيت على حكيم بن افلح فاستلحقته إليها فقال ‪ :‬ما أنا بقاربها لني نهيتها أن‬
‫تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما ل مضيا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فأقسسمت عليسه فجاء فانطلقنسا إلى عائشسة رضسى ال عنهسا و‬
‫ذكرا‬
‫الحديسث (‪ ،)1‬وقال معاويسة لبسن عباس أنست على ملة علي ‪ ،‬فقال ل على ملة‬
‫علي ‪ ،‬ول على ملة عثمان ‪ ،‬أنسا على ملة رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر ‪ ،‬وإنما كان‬
‫النزاع في تقديمه على عثمان ‪،‬ولم يكن حينئذ يسمى أحد ل إماميا ول رافضيا‬
‫وإن ما سموا راف ضة ‪ ،‬و صاروا راف ضة ‪ ،‬ل ما خرج ز يد بن علي بن الح سين‬
‫بالكوفة ‪ ،‬في خلفة هشام ‪ ،‬فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر ‪ ،‬فترحم عليهما‬
‫فرفضسه قوم ‪ ،‬فقال رفضتمونسي رفضتمونسي ‪ .‬فسسموا رافضسة ‪ ،‬وتوله قوم‬
‫فسموا زيدية ‪ ،‬لنتسابهم إليه ‪.‬‬
‫ومسن حينئذ انقسسمت الشيعسة ‪ ،‬إلى رافضسة إماميسة وزيديسة ‪ ،‬وكلمسا‬
‫زادوا في البدعة زادوا في الشر ‪ ،‬فالزيدية خير من الرافضة ‪ ،‬أعلم وأصدق‬
‫وأزهد ‪ ،‬وأشجع ‪.‬‬
‫ثم ب عد أ بي ب كر ‪ ،‬ع مر بن الخطاب هو الذي لم ت كن تأخذه في ال‬
‫لومسة لئم ‪ ،‬وكان أزهسد الناس باتفاق الخلق كمسا قيسل فيسه رحسم ال عمسر لقسد‬
‫تركه الحق ما له من صديق ‪.‬‬
‫ونحن ل ندعي العصمة لكل صنّف من أهل السنّة ‪ ،‬وإنما ندعي أنهم‬
‫ل يتفقون على ضللة ‪ ،‬وأن كسل مسسألة اختلف فيهسا أهسل السسنّة والجماعسة‬
‫والرافضة ‪ ،‬فالصواب فيها مع أهل السنّة ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬انظر مسلم ج ‪ 2‬ص ‪. 512‬‬

‫‪124‬‬

‫وحيث تصيب الرافضة ‪ ،‬فل بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل‬
‫السنّة‪ ،‬وللروافض خطأ ل يوافقهم أحد عليه من أهل السنّة ‪ ،‬وليس للرافضة‬
‫مسألة واحدة ل يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنّة والجماعة‬
‫إل وهم مخطئون فيها كإمامة الثنى عشر ‪ ،‬وعصمتهم ‪.‬‬
‫(فصسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وذهب جميع من عدا المامية والسماعيلية إلى أن‬
‫النبياء والئمة غير معصومين ‪ ،‬فجوّزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو‬
‫والخطأ والسرقة ‪ ،‬فأي وثوق يبقى للعامة في أقوالهم ‪ ،‬وكيف يحصل النقياد‬
‫إلي هم ‪ ،‬وك يف ي جب اتباع هم مع تجو يز أن يكون ما يأمرون به خ طأ ؟ ولم‬
‫يجعلوا الئمسة محصسورين فسي عدد معيسن ‪ ،‬بسل كان مسن بايسع قرشيسا انعقدت‬
‫إمام ته عند هم ‪ ،‬وو جب طاع ته على جميع الخلق إذا كان م ستور الحال ‪ ،‬وإن‬
‫كان على غاية من الكفر والفسوق والنفاق ))‪.‬‬
‫فيقال ‪:‬الكلم على هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدهنا ‪ :‬أن يقال ‪ :‬مسا ذكرتسه عسن الجمهور مسن نفسي العصسمة عسن‬
‫النسبياء وتجويسز الكذب والسسرقة والمسر بالخطسأ عليهسم ‪ ،‬فهذا كذب على‬
‫الجمهور ‪ ،‬فإن هم متفقون على أن ال نبياء مع صومون في تبل يغ الر سالة ‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين ‪ ،‬وكل ما يبلّغونه‬
‫عن ال عز وجل من المر والنهي يجب طاعتهم فيه باتفاق المسلمين ‪ ،‬وما‬
‫أخبروا به وجب تصديقهم فيه بإجماع المسلمين ‪ ،‬وما أمروهم به ونهوهم عنه‬
‫وجبت طاعتهم فيه عند جميع فرق المة ‪ ،‬إل عند طائفة من الخوارج يقولون‪:‬‬
‫إن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم معصوم فيما يبلّغه عن ال ‪ ،‬ل فيما يأمر‬
‫هو به وينهى عنه ‪ .‬وهؤلء ضُلّل باتفاق أهل السنّة والجماعة ‪.‬‬
‫وقد ذكرنا غير مرة أنه إذا كان في بعض المسلمين من قال قول خطأ‬
‫لم ي كن ذلك قد حا في الم سلمين ‪ ،‬ولو كان كذلك لكان خ طأ الراف ضة عي با في‬

‫‪125‬‬

‫دين المسلمين ‪ ،‬فل يُعرف في الطوائف أكثر خطأ وكذبا منهم ‪ ،‬وذلك ل يضر‬
‫المسلمين شيئا ‪ ،‬فكذلك ل يضرهم وجود مخطئ آخر غير الرافضة‪.‬‬
‫وأكثر الناس – أو كثير منهم – ل يجوّزون عليهم الكبائر ‪ ،‬والجمهور‬
‫الذ ين يجوزون ال صغائر – هم و من يجوّز الكبائر – يقولون ‪ :‬إن هم ل ُي َقرّون‬
‫عليها ‪ ،‬بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك ‪ ،‬كما‬
‫تقدم التنبيه عليه ‪.‬‬
‫وبالجملة فل يس في الم سلمين من يقول ‪ :‬أ نه ي جب طا عة الر سول مع‬
‫جواز أن يكون أمره خطأ ‪ ،‬بل هم متفقون على أن المر الذي يجب طاعته ل‬
‫يكون إل صسوابا ‪ .‬فقوله ‪ (( :‬كيسف يجسب اتباعهسم مسع تجويسز أن يكون مسا‬
‫يأمرون به خطأ ؟ قول ل يلزم أحدا من المة ‪.‬‬
‫وللناس في تجو يز الخ طأ علي هم في الجتهاد قولن معروفان ‪ ،‬و هم‬
‫متفقون على أنهسم ل يقرّون عليسه ‪ ،‬وإنمسا يطاعون فيمسا أقرّوا عليسه ‪ ،‬ل فيمسا‬
‫غيّره ال ونهى عنه ‪ ،‬ولم يأمر بالطاعة فيه ‪.‬‬
‫وأما عصمة الئمة فلم يَقُل بها – إل كما قال – المامية والسماعيلية‪.‬‬
‫وناهيسك بقول لم يوافقهسم عليسه إل الملحدة المنافقون ‪ ،‬الذيسن شيوخهسم الكبار‬
‫أكفر من اليهود والنصارى والمشركين !‪ .‬وهذا دأب الرافضة دائما يتجاوزون‬
‫عن جما عة الم سلمين إلى اليهود والن صارى والمشرك ين في القوال والموالة‬
‫والمعاونة والقتال وغير ذلك ‪.‬‬
‫فهسل يوجسد أضسل مسن قوم يعادون السسابقين الوليسن مسن المهاجريسن‬
‫والنصار ‪ ،‬ويوالون الكفار والمنافقين ؟ وقد قال ال تعالى ‪] :‬أَلَمْ َترَ إِلَى الّذِينَ‬
‫ب الُ عَلَ ْيهِم مّا هُم مِ ْنكُم وَل َمِ ْنهُم وَ َيحْ ِلفُونَ عَلَى ا ْلكَذِبِ وَهُمْ‬
‫َتوَلّوا َق ْومًا غَضِ َ‬
‫َيعْ َلمُون ‪ .‬أَعَدّ ال ُ لَه ُم عَذَاب ًا شَدِيدًا إِنّه ُم سنَا َء م َا كَانُوا َي ْعمَلُون ‪ ،‬اتّخَذُوا‬
‫أَ ْيمَا َنهُم جُ ّنةً فَصَدّوا عَن سَبِيلِ الِ فَ َلهُم عَذَابٌ ُمهِين ‪ .‬لَن ُتغْنِي عَ ْنهُم َأ ْموَا َلهُم‬
‫صحَابُ النّارِ هُ مْ فِيهَا خَالِدُون ‪َ .‬يوْ مَ يَ ْبعَ ُثهُم‬
‫ك أَ ْ‬
‫ن الِ شَيئًا ُأوْلَئِ َ‬
‫َولَ َأ ْولَدهُم ِم َ‬
‫جمِيعًا فَ َيحْ ِلفُو نَ لَ ُه كَمَا َيحْ ِلفُو نَ لَكُم وَ َيحْ سَبُونَ أَنّهُم عَلَى شَيْ ٍء َألَ إِنّهُم‬
‫الُ َ‬

‫‪126‬‬

‫ب الشّ ْيطَان‬
‫ك حِزْ ُ‬
‫حوَذَ عَلَ ْي ِهمُ الشّ ْيطَان فَأَ ْنسَا ُهمْ ِذكْرَ ال ُأوْلَئِ َ‬
‫ُهمُ الكَاذِبون ‪ .‬اسْ َت ْ‬
‫َألَ إِنّ حِزْ بَ الشّ ْيطَا نِ هُ مُ ا ْلخَا سِرُون ‪ .‬إِنّ الّذِي نَ ُيحَادّو نَ الَ وَرَ سُو َلهُ ُأوْلَئِ كَ‬
‫في الَذَلّ ين ‪ .‬كَتَ بَ الُ لَغْلِ َبنّ أَنَا وَرُ سِلِي إِنّ الَ َقوِيّ عَزِ يز‪َ ،‬ل َتجِدُ َقوْمًا‬
‫ن حَادّ الَ وَرَ سُو َل ُه وَ َلوْ كَانُوا آبَاءَهُم أَو‬
‫ن بِالِ وَالْ َيوْمِ الخِر ُيوَادّو نَ َم ْ‬
‫ُي ْؤمِنُو َ‬
‫ن َوأَيّدَهُمْ ِبرُوحٍ‬
‫عشِيرَ َتهُمْ ُأوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُو ِبهِم الِيمَا َ‬
‫خوَا َنهُمْ َأوْ َ‬
‫أَبْنَاءَهُم أو ِإ ْ‬
‫ن َتحْتِهَا الَنْهَارَ خَالِدِي نَ فِي ها ‪t‬م وَرَضُوا عَنْ هُ‬
‫ت َتجْرِي ِم ْ‬
‫مِنْه وَيُ ْدخِلُهُم جَنّا ٍ‬
‫ن حِزْبَ الِ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُون [(‪.)1‬‬
‫ب ال َألَ إِ ّ‬
‫ُأوْلَئِكَ حِزْ ُ‬
‫فهذه اليات نزلت في المنافقين ‪ ،‬وليس المنافقون في طائفة أكثر منهم‬
‫في الرافضة ‪ ،‬حتى أنه ليس في الروافض إل من فيه شعبة من شعب النفاق ‪.‬‬
‫ك ما فال ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ (( :‬أر بع من كن ف يه كان مناف قا‬
‫خالصا ‪ ،‬ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصل النفاق حتى‬
‫يدعهسا ‪ :‬إذا حدّث كذب ‪ ،‬وإذا اؤتمسن خان ‪ ،‬وإذا عاهسد غدر ‪ ،‬وإذا خاصسم‬
‫فجر)) أخرجاه في الصحيحين(‪. )2‬‬
‫س مَا قَ ّدمَ تْ‬
‫ن َكفَرُوا لَبِئْ َ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫قال تعالى ‪َ ]:‬ت َرىَ كَثِيرًا مِ ْنهُ مْ يَ َتوَّلوْ َ‬
‫خطَ الُ عَلَ ْيهِمْ وَفِي ا ْلعَذَابِ هُم خَالِدُون ‪ .‬وَلَو كَانُوا ُي ْؤمِنُونَ‬
‫سِ‬
‫ن َ‬
‫سهُم أَ ْ‬
‫َلهُم أَ ْنفُ ُ‬
‫بِالِ وَالنّبِ يّ َومَا أُ ْن ِزلَ إِلَيْ ِه مَا ا ّتخَذُوهُم َأوْلِيَا َء وَ َلكِنّ كَثِيرًا مِ ْنهُ مْ فَا سِقُون [‬

‫(‪)3‬‬

‫ن بَنِي إِ سْرَائِيلَ عَلَى لِ سَانِ دَاوُ َد وَعِي سَى‬
‫ن الّذِي نَ َكفَرُوا مِ ْ‬
‫وقال تعالى ‪ُ] :‬لع َ‬
‫ن مُ ْنكَرٍ َفعَلُو هُ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫صوْا َوكَانُوا َيعْتَدُون ‪ .‬كَانُوا لَ يَتَنَا َهوْ َ‬
‫ن مَرْيَ مَ ذَلِ كَ ِبمَا عَ َ‬
‫ابْ ِ‬
‫ن الّذِينَ َكفَرُوا [‬
‫س مَا كَانُوا َي ْفعَلُونَ ‪ ،‬تَرَى كَثِيرًا مِ ْنهُم يَ َتوَّلوْ َ‬
‫لَبِئْ َ‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫و هم غال با ل يتناهون عن من كر فعلوه ‪ ،‬بل ديار هم أك ثر البلد منكرا‬
‫من الظلم والفواحش وغير ذلك ‪ ،‬وهم يتولون الكفار الذين غضب ال عليهم ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬اليات ‪ 22– 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 12‬ومواضع أُخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 1‬ص ‪. 102‬‬
‫‪ )1(3‬اليتان ‪ 81- 80‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ ) 2(4‬اليات ‪ 80 – 78‬من سورة المائدة ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫ن َتوَلّوا‬
‫فليسوا مع المؤمنين ول مع الكفار ‪ ،‬كما قال تعالى ‪] :‬أَلَ مْ تَ َر إِلَى الّذِي َ‬
‫َق ْومًا غَضِبَ الُ عَلَ ْي ِهمْ مَا هُم مِ ْنكُم َولَ مِ ْنهُم [(‪. )1‬‬
‫ولهذا هم ع ند جماه ير الم سلمين نوع آ خر ‪ ،‬ح تى إن الم سلمين ل ما‬
‫قاتلوهم بالجبل الذي كانوا عاصين فيه بساحل الشام ‪ ،‬يسفكون دماء المسلمين‪،‬‬
‫ويأخذون أموالهسم ‪ ،‬ويقطعون الطريسق ‪ ،‬اسستحلل لذلك وتدينسا بسه ‪ ،‬فقاتلهسم‬
‫صنف من التركمان ‪ ،‬ف صاروا يقولون ‪ :‬ن حن م سلمون ‪ ،‬فيقولون ‪:‬ل ‪ ،‬أن تم‬
‫جنس آخر خارجون عن المسلمين لمتيازهم عنهم ‪.‬‬
‫ب وَ ُهمْ َيعْ َلمُون [(‪. )2‬‬
‫ن عَلَى الْكَذِ ِ‬
‫وقد قال ال تعالى‪ ] :‬وَ َيحْ ِلفُو َ‬
‫وهذا حال الرافضة ‪،‬وكذلك‪َ ] :‬ا ّتخَذُوا أَ ْيمَا َنهُ مْ جُ ّنةً فَ صَدّوا عَ نْ سَبِيلِ‬
‫ن مَنْ حَا ّد الَ‬
‫ن بِالِ وَالْ َي ْومِ الخِرِ ُيوَادّو َ‬
‫ال [ إلى قوله ‪ ] :‬لَ َتجِدُ َق ْومًا ُي ْؤمِنُو َ‬
‫وَرَ سُولَه ‪[...‬الية‬

‫(‪)3‬‬

‫وكثير منهم يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادّته‬

‫للمسسلمين ‪ .‬ولهذا لمسا خرج الترك الكفار مسن جهسة المشرق فقاتلوا المسسلمين‬
‫وسسفكوا دماءهسم ‪ ،‬ببلد خراسسان والعراق والشام والجزيرة وغيرهسا ‪ ،‬كانست‬
‫الرافضة معاونة لهم على قتال المسلمين ‪ ،‬ووزير بغداد المعروف بالعلقمي هو‬
‫وأمثاله كانوا من أع ظم الناس معاو نة ل هم على الم سلمين ‪ ،‬وكذلك الذ ين كانوا‬
‫بالشام بحلب وغيرها من الراف ضة كانوا من أشد الناس معاو نة لهم على قتال‬
‫المسلمين ‪ .‬وكذلك النصارى الذين قاتلهم المسلمون بالشام كانت الرافضة من‬
‫أعظسم أعوانهسم ‪ ،‬وكذلك إذا صسار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضسة‬
‫من أعظم أعوانهم ‪ ،‬فهم دائما يوالون الفار من المشركين واليهود والنصارى ‪،‬‬
‫ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم ‪.‬‬
‫ثم إن هذا ادّعى عصمة الئمة دعوى لم يقم عليها حجة ‪ ،‬إل ما تقدم‬
‫مسن أن ال لم يخسل العالم مسن أئمسة معصسومين لمسا فسي ذلك مسن المصسلحة‬
‫‪ ) 3(1‬الية ‪ 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬
‫‪ ) 4(2‬الية ‪ 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬
‫‪ ) 5(3‬اليات ‪ 22 – 16‬من سورة المجادلة ‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫واللطسف‪ ،‬ومسن المعلوم المتيقسن أن هذا المنتظسر الغائب المفقود لم يحصسل بسه‬
‫ش يء من الم صلحة والل طف ‪ ،‬سواء كان مي تا ‪ ،‬ك ما يقوله الجمهور ‪ ،‬أو كان‬
‫ح يا ‪ ،‬ك ما تظ نه المام ية ‪ .‬وكذلك أجداده المتقدمون لم يح صل ب هم ش يء من‬
‫الم صلحة والل طف الحا صلة من إمام مع صوم ذي سلطان ‪ ،‬ك ما كان ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم بالمدينة بعد الهجرة ‪ ،‬فإنه كان إمام المؤمنين الذي‬
‫يجب عليهم طاعته ‪ ،‬ويحصل بذلك سعادتهم ‪ ،‬ولم يحصل بعده أحد له سلطان‬
‫تُدعى له العصمة إل علي ّ ‪ t‬زمن خلفته ‪.‬‬
‫سي كان‬
‫سلحة التس‬
‫سف و المصس‬
‫سن المعلوم بالضرورة أن حال اللطس‬
‫ومس‬
‫المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلثة ‪ ،‬أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في‬
‫خل فة علي ز من القتال و الفت نة والفتراق ‪ ،‬فإذا لم يو جد من يد عي المام ية‬
‫فيه أنه معصوم وحصل له السلطان بمبايعة ذي الشوكة إل عليّ وحده ‪ ،‬وكان‬
‫م صلحة المكلف ين والل طف الذي ح صل ل هم في دين هم ودنيا هم في ذلك الزمان‬
‫أ قل م نه في ز من الخلفاء الثل ثة ‪،‬عُلم بالضرورة أن ما يدّعو نه من الل طف‬
‫والمصلحة الحاصلة بالئمة المعصومين باطل قطعا‪.‬‬
‫وهو من جنس الهدى واليمان الذي ُيدّعى في رجال الغيب بجبل لبنان‬
‫وغيره مسن الجبال مثسل جبسل قاسسيون بدمشسق ‪ ،‬ومغارة الدم ‪ ،‬وجبسل الفتسح‬
‫بم صر ‪ ،‬ون حو ذلك من الجبال والغيران ‪ ،‬فإن هذه الموا ضع ي سكنها ال جن ‪،‬‬
‫ويكون ب ها شياط ين ‪ ،‬ويتراءون أحيا نا لب عض الناس ‪ ،‬ويغيبون عن الب صار‬
‫في أكثر الوقات ‪ ،‬فيظن الجهال أنهم رجال من النس ‪ ،‬وإنما هم رجال من‬
‫الجن ‪.‬‬
‫ن بِ ِرجَالٍ ِم نَ ا ْلجِنّ‬
‫س َيعُوذُو َ‬
‫كما قال تعالى ‪َ ] :‬وإِنّ هُ كَا نَ ِرجَا ٌل مِ نَ الِنْ ِ‬
‫فَزَادُو ُهمْ رَ َهقًا [(‪. )1‬‬
‫وهؤلء يؤ من ب هم وب من ينتحل هم من المشا يخ طوائف ضالون ‪ ،‬ل كن‬
‫المشايخ الذين ينتحلون رجال الغيب ل يحصل بهم من الفساد ما يحصل بالذين‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 6‬من سورة الجن ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫يدّعون المام المعصوم ‪ ،‬بل المفسدة والشر الحاصل في هؤلء أكثر ‪ ،‬فإنهم‬
‫يدّعون الدعوة إلى إمام مع صوم ‪ ،‬ول يو جد ل هم أئ مة ذووا سيف ي ستعينون‬
‫بهسم ‪ ،‬إل كافسر أو فاسسق أو منافسق أو جاهسل ‪ ،‬ل تخرج رؤوسسهم عسن هذه‬
‫القسام ‪.‬‬
‫والسماعيلية شر منهم ‪ ،‬فإن هم يدعون إلى المام المعصوم ‪ ،‬ومنتهى‬
‫دعوتهم إلى رجال ملحدة منافقين ف سّاق ‪ ،‬ومنهم من هو شر في الباطن من‬
‫اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫فالداعون إلى المعصسوم ل يدعون إلى سسلطان معصسوم ‪ ،‬بسل إلى‬
‫سلطان كفور أو ظلوم ‪ ،‬وهذا أمر مشهور يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم ‪.‬‬
‫ن آمَنُوا َأطِيعُوا الَ َوأَطِيعُوا الرّ سُولَ‬
‫و قد قال تعالى ‪ َ] :‬يا أَيّهَا الّذِي َ‬
‫َوأُولِي ا َلمْرِ مِ ْنكُ مْ فَإِ نْ تَنَازَعْتُ مْ فِي شَيْءٍ فَرُدّو هُ إِلَى الِ وَالرّ سُولِ إِ نْ كُنْتُ مْ‬
‫ن بِالِ وَالْ َيوْ مِ الخِر ذَلِ كَ خَيْ ٌر َوَأحْ سَنُ َت ْأوِيلً [(‪ ،)1‬فأ مر ال المؤمن ين‬
‫ُت ْؤمِنُو َ‬
‫عنسد التنازع بالرد إلى ال والرسسول ‪ ،‬ولو كان للناس معصسوم غيسر الرسسول‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم لمرهم بالرد إليه ‪ ،‬فدل القرآن على أنه ل معصوم‬
‫إل الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫(فصسسسل )‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬ولم يجعلوا الئ مة مح صورين في عدد مع ين )) فهذا‬
‫ِينن آمَنُوا َأطِيعُوا ال َ َوأَطِيعُوا‬
‫حسق ‪ .‬وذلك أن ال تعالى قال ‪ َ] :‬ينا أَيّه َا الّذ َ‬
‫ال ّرسُولَ َوأُولِي ا َلمْ ِر مِ ْنكُم [ ‪ ،‬ولم يوقّتهم بعدد معين ‪.‬‬
‫وكذلك قال النبي صلى ال تعالى عليه وسلم في الحاديث الثابتة عنه‬
‫المستفيضة لم يوقّت ولة المور في عدد معين ‪ .‬ففي الصحيحين عن أبي ذر‬
‫قال ‪ (( :‬إن خليلي أوصساني أن أسسمع وأطيسع وإن كان عبدا حبشيسا مجدّع‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 59‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫الطراف ))(‪.)1‬‬
‫( فصسسسل )‬
‫وأما قوله عنهم (( كل من بايع قرشيا انعقدت إمامته ووجبت طاعته‬
‫على جميسع الخلق إذا كان مسستور الحال ‪ ،‬وإن كان على غايسة مسن الفسسق‬
‫والكفر والنفاق )) ‪.‬‬
‫فجوابه من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن هذا ليس من قول أهل السنة والجماعة ‪ ،‬وليس مذهبهم أنه‬
‫بمجرد مباي عة وا حد قر شي تنع قد بيع ته ‪ ،‬وي جب على جم يع الناس طاع ته ‪،‬‬
‫وهذا وإن كان قد قاله بعض أهل الكلم ‪ ،‬فليس هو قول أهل السنة والجماعة‪،‬‬
‫بل قد قال عمر بن الخطاب ‪ (( : t‬من بايع رجل بغير مشورة المسلمين ‪ ،‬فل‬
‫يبايسع هسو ول الذي بايعسه ت ِغرّة أن يُقتل ))‪ .‬الحديسث رواه البخاري ‪ ،‬وسسيأتي‬
‫بكماله إن شاء ال تعالى ‪.‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أنهم ل يوجبون طاعة المام في كل ما يأمر به ‪ ،‬بل‬
‫ل يوجبون طاعتسه إل فيمسا تسسوغ طاعتسه فيسه فسي الشريعسة ‪ ،‬فل يجوّزون‬
‫طاعته في معصية ال وإن كان إماما عادلً ‪ ،‬وإذا أمرهم بطاعة ال فأطاعوه‪:‬‬
‫مثل ان يأمرهم بإقامة الصلة وإيتاء الزكاة ‪ ،‬والصدق والعدل والحج والجهاد‬
‫في سبيل ال ‪ ،‬فهم في الحقيقة إنما أطاعوا ال ‪ ،‬والكافر والفاسق إذا أمر بما‬
‫هو طاعة ل لم تحرم طاعة ال ول يسقط وجوبها لجل أمر ذلك الفاسق بها ‪،‬‬
‫كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ول يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله‬
‫فاسق ‪ ،‬فأهل السنة ل يطيعون ولة المور مطل قا ‪ ،‬إنما يطيعونهم في ض من‬
‫طاعة الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪َ ]:‬أطِيعُوا الَ َوأَطِيعُوا ال ّرسُولَ َوأُولِي ا َلمْ ِر مِ ْنكُم[‬
‫‪ ) 1(1‬مسلم ج ‪ 1‬ص ‪ 448‬وج ‪ 3‬ص ‪ 1467‬وأبو داود ج ‪ 2‬ص ‪. 955‬‬
‫‪ ) 1(2‬الية ‪ 59‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫(‪)2‬‬

‫فأمر بطاعة ال مطلقا ‪ ،‬وأمر بطاعة الرسول لنه ل يأمر إل بطاعة ال ]َم نْ‬
‫ُيطِ عِ الرّ سُولَ َفقَدْ َأطَا عَ ال [‬

‫(‪)1‬‬

‫و ج عل طا عة أولي ال مر داخلة في ذلك ‪،‬‬

‫ُولين ا َلمْرِ مِنْكُم ) ولم يذكسر لهسم طاعسة ثالثسة ‪ ،‬لن ولي المسر ل‬
‫فقال ‪َ ( :‬وأ ِ‬
‫يطاع طاعة مطلقة ‪ ،‬إنما يطاع في المعروف‪.‬‬
‫كما قال النبي صلى ال تعالىعليه وسلم‪((:‬إنما الطاعة في المعروف‬

‫))‬

‫وقال‪ ((:‬ل طاعة في معصية ال ))(‪)3‬و((ل طاعة لمخلوق في معصية الخالق‬

‫))‬

‫وقال ‪ (( :‬من أمركم بمعصية ال فل تطيعوه‬

‫))‬

‫(‪)5‬‬

‫(‪)2‬‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫وقال هؤلء الرافضسة المنسسوبين إلى شيعسة علي ّ ‪ t‬أنسه تجسب طاعسة‬
‫غير الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم مطلقا في كل ما أمر به ‪ ،‬أفسد من‬
‫قول من كان من سوبا إلى شي عة عثمان ‪ t‬من أ هل الشام من أ نه ي جب طا عة‬
‫ولي المر مطلقا ‪ ،‬فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود ‪ ،‬وهؤلء‬
‫يوجبون طاعة معصوم مفقود ‪.‬‬
‫وأيضسا فأولئك لم يكونوا يدّعون فسي أئمتهسم العصسمة التسي تدعيهسا‬
‫الرافضة ‪،‬بل كانوا يجعلونهم كالخلفاء الراشدين وأئمة العدل الذين يقلدون فيما‬
‫ل تعرف حقي قة أمره ‪ ،‬أو يقولون ‪ :‬إن ال يق بل من هم الح سنات ويتجاوز عن‬
‫السيئات ‪ .‬وهذا أهون ممن يقول ‪ :‬أنهم معصومون ول يخطئون ‪.‬‬
‫فتسبين ان هؤلء المنسسوبين إلى النصسب مسن شيعسة عثمان ‪ ،‬وإن كان‬
‫فيهم خروج عن بعض الحق والعدل ‪ ،‬فخروج المامية عن الحق والعدل أكثر‬
‫وأشد ‪ ،‬فكيف بقول أئمة السنة الموافق للكتاب والسنة ‪،‬وهو المر بطاعة ولي‬
‫المر فيما يأمر به من طاعة ال ‪ ،‬دون ما يأمر به من معصية ال ‪.‬‬
‫‪ ) 2(1‬الية ‪ 80‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ ) 3(2‬المسند ج ‪ 4‬ص ‪. 436 ، 427 ، 426‬‬
‫‪ ) 4(3‬المسند ج ‪ 4‬ص ‪. 436 ، 427 ، 426‬‬
‫‪ ) 5(4‬المسند ج ‪ 5‬ص ‪. 66‬‬
‫‪ ) 6(5‬المسند ج ‪ 3‬ص ‪ 67‬وابن ماجة ج ‪ 2‬ص ‪. 955‬‬

‫‪132‬‬

‫( فصسل )‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬وذهسب الجميسع منهسم إلى القول بالقياس ‪ ،‬والخسذ‬
‫بالرأي ‪ ،‬فأدخلوا فسي ديسن ال مسا ليسس منسه ‪ ،‬وحرّفوا أحكام الشريعسة ‪،‬‬
‫وأحدثوا مذا هب أرب عة لم ت كن في ز من ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول‬
‫زمن صحابته ‪ ،‬وأهملوا أقاويل الصحابة ‪ ،‬مع أنهم ن صّوا على ترك القياس ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬أول من قاس إبليس )) ‪.‬‬
‫فيقال الجواب عن هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن دعواه على جميع أهل السنة المثبتين لمامة الخلفاء الثلثة‬
‫أنهم يقولون بالقياس دعوى باطلة ‪ ،‬قد عُرف فيهم طوائف ل يقولون بالقياس ‪،‬‬
‫كالمعتزلة البغدادي ين ‪ ،‬وكالظاهر ية كداود وا بن حزم وغيره ما ‪ ،‬وطائ فة من‬
‫أهل الحديث والصوفية ‪.‬‬
‫وأيضا ففي الشيعة من يقول بالقياس كالزيدية ‪ .‬فصار النزاع فيه بين‬
‫الشيعية كما هو بين أهل السنة والجماعة ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن يقال ‪ :‬القياس ولو قيل ‪ :‬إنه ضعيف هو خير من تقليد من‬
‫لم يبلغ في العلم مبلغ المجتهد ين ‪ ،‬فإن كل من له علم وإن صاف يعلم أن م ثل‬
‫مالك والليث بن سعد والوْزاعي وأبي حنيفة والثّوري وابن أبى ليلى ‪ ،‬ومثل‬
‫الشافعسي وأحمسد إسسحاق وأبسى عبيسد وأبسى َثوْر أعلم وأفقسه مسن العسسكريين‬
‫أمثالهما‪.‬‬
‫وأيضا فهؤلء خير من المنتظر الذي ل يعلم ما يقول ‪ ،‬فإن الواحد من‬
‫هؤلء إن كان عنده نص منقول عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم فل ريب‬
‫أن ال نص الثا بت عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم مقدّم على القياس بل‬
‫ريب ‪ ،‬وإن لم يكن عنده نص ولم يقل بالقياس كان جاهل ‪ ،‬فالقياس الذي يفيد‬
‫الظسن خيسر مسن الجهسل الذي ل علم معسه ول ظسن ‪ ،‬فإن قال هؤلء كسل مسا‬
‫يقولو نه هو ثا بت عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم كان هذا أض عف من‬

‫‪133‬‬

‫قول من قال كل ما يقوله المجتهد فإنه قول النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪،‬‬
‫فإن هذا يقوله طائ فة من أ هل الرأي ‪ ،‬وقول هم أقرب من قول الراف ضة ‪ ،‬فإن‬
‫قول أولئك كذب صريح ‪.‬‬
‫وأي ضا فهذا كقول من يقول ‪ :‬ع مل أ هل المدي نة متل قى عن ال صحابة‬
‫وقول الصحابة متلقى عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وقول من يقول ‪:‬‬
‫مسا قاله الصسحابة في غيسر مجاري القياس فإ نه ل يقوله إل توقيفسا عن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وقوله من يقول ‪ :‬قول المجتهد أو الشيخ العارف‬
‫هو إلهام من ال ووحي يجب اتباعه ‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬هؤلء تنازعوا ‪.‬‬
‫ق يل وأولئك تنازعوا ‪ ،‬فل يم كن أن تدّ عي دعوى باطلة إل أم كن معارضت هم‬
‫بمثلها أو بخير منها ول يقولون حقّا إل كان في أهل السنة والجماعة من يقول‬
‫مثل ذلك الحق أو ما هو خير منه ‪ ،‬فإن البدعة مع السنة كالكفر مع اليمان ‪.‬‬
‫حسَنَ َت ْفسِيرا[(‪. )1‬‬
‫ق َوَأ ْ‬
‫ك ِبمَ َثلٍ ِإلّ جِئْنَاكَ بِا ْلحَ ّ‬
‫وقد قال تعالى ‪َ ] :‬ولَ يَأْتُونَ َ‬
‫الثالث ‪ :‬أن يقال الذ ين أدخلوا في د ين ال ما ل يس م نه وحرّفوا أحكام‬
‫الشريعة ‪ ،‬ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة ‪ ،‬فإنهم أدخلوا في دين ال‬
‫من الكذب على ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ما لم يكذ به غير هم ‪،‬‬
‫وردّوا من ال صدق ما لم يرده غير هم ‪ ،‬وحرّفوا القرآن تحريفا لم يحرّ فه أ حد‬
‫ن آمَنُوا‬
‫غير هم م ثل قول هم ‪ :‬إن قوله تعالى ‪] :‬إِنّمَا وَلِ ّيكُ مُ الَ وَرَ سُو َل ُه وَالّذِي َ‬
‫ن ال صّلَ َة وَ ُيؤْتُو نَ ال ّزكَاةَ وَهُ مْ رَا ِكعُون [‬
‫ن ُيقِيمُو َ‬
‫الّذِي َ‬

‫(‪)2‬‬

‫نزلت في عل يّ ل ما‬

‫تصدق بخاتمه في الصلة ‪.‬‬
‫ُجس ِم ْنهُمَسا اللّؤْلُؤُ‬
‫س [(‪ : )3‬علي وفاطمسة ‪َ] ،‬يخر ُ‬
‫ح َريْن ِ‬
‫س ا ْل َب ْ‬
‫وقوله تعالى ‪َ] :‬مرَج َ‬

‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 33‬من سورة الفرقان ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 55‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ ) 2(3‬الية ‪ 19‬من سورة الرحمن ‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫ص ْينَاهُ فِي ِإمَامٍ ُمبِين [‬
‫ح َ‬
‫شيْءٍ َأ ْ‬
‫وَا ْل َم ْرجَان [(‪ : )1‬الحسن والحسين ‪َ ] ،‬وكُلّ َ‬

‫(‪)2‬‬

‫ع ْمرَانَ [‬
‫ل ِإ ْبرَاهِيم وَآلَ ِ‬
‫ل اصْطَفَى آ َدمَ َونُوحًا وَآ َ‬
‫علي بن أبي طالب ]ِإنّ ا َ‬

‫(‪)3‬‬

‫هسم آل أبسي طالب واسسم أبسي طالب عمران ‪َ] ،‬فقاتلوا َأ ِئمّةَ ا ْلكُف ْر[(‪: )4‬طلحسة‬
‫جرَةَ ا ْلمَ ْلعُونَةَ فِي الْ ُقرْآن [‬
‫شَ‬
‫والزبير‪] ،‬وَال ّ‬

‫(‪)5‬‬

‫هم بنو أمية ‪] ،‬إِنّ الَ َي ْأ ُمرُكُم َأ نْ‬

‫عمَلُ كَ [(‪: )7‬لئن أ شر كت ب ين‬
‫ح َبطَنّ َ‬
‫ش َركْ تَ َل َي ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َت ْذبَحُوا بَ َقرَة[(‪: )6‬عائ شة و ]َلئ ْ‬
‫أبي بكر وعلي في الولية ‪.‬‬
‫وكسل هذا وأمثاله وجدتسه فسي كتبهسم ‪ .‬ثسم مسن هذا دخلت السسماعيلية‬
‫والنصسيرية فسي تأويسل الواجبات والمحرّمات ‪ ،‬فهسم أئمسة التأويسل ‪ ،‬الذي هسو‬
‫تحر يف الكلم عن مواض عه ‪ ،‬و من تدبر ما عند هم و جد ف يه من الكذب في‬
‫المنقولت ‪ ،‬والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ‪ ،‬مال يوجد في صنف‬
‫من المسلمين ‪ ،‬فهم قطعا أدخلوا في دين ال ما ليس منه أكثر من كل أحد ‪،‬‬
‫وحرّفوا كتابه تحريفا لم يصل غيرهم إلى قريب منه ‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬قوله ‪(( :‬وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ول زمن صحابته ‪ ،‬وأهملوا أقاويل الصحابة ))‪.‬‬
‫فيقال له ‪ :‬متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكرا عند‬
‫المامية ؟ وهؤلء متفقون على محبة الصحابة وموالتهم وتفضيلهم على سائر‬
‫القرون وعلى أن إجماعهم حجة ‪ ،‬وعلى أنه ليس لهم الخروج عن إجماعهم ‪،‬‬
‫بسل عامسة الئمسة المجتهديسن يصسرّحون بأنسه ليسس لنسا أن نخرج عسن أقاويسل‬
‫الصسحابة ‪ ،‬فكيسف يطعسن عليهسم بمخالفسة الصسحابة مسن يقول ‪ :‬إن إجماع‬
‫‪ ) 3(1‬الية ‪ 22‬من سورة الرحمن ‪.‬‬
‫‪ ) 4(2‬الية ‪ 12‬من سورة يس ‪.‬‬
‫‪ ) 5(3‬الية ‪ 33‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ ) 6(4‬الية ‪ 12‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ ) 7(5‬الية ‪ 60‬من سورة السراء ‪.‬‬
‫‪ ) 8(6‬الية ‪ 67‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ ) 9(7‬الية ‪ 65‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫الصحابة ليس بحجة ‪ ،‬وينسبهم إلى الكفر والظلم ؟‬
‫فإن كان إجماع الصحابة حجة فهو حجة على الطائفتين ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫حجة فل يحتج به عليهم ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬أهل السنة يجعلونه حجة ‪ ،‬وقد خالفوه ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬أما أهل السنة فل يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة‬
‫‪ ،‬وأ ما المام ية فل ر يب أن هم متفقون على مخال فة إجماع العترة النبو ية ‪ ،‬مع‬
‫مخالفسة إجماع الصسحابة ‪ ،‬فإن لم يكسن فسي العترة النبويسة –بنسو هاشسم – على‬
‫عهد النبي صلى ال تعالى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رصى‬
‫ال عن هم من يقول بإما مة الث نى ع شر ول بع صمة أ حد ب عد ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬ول بكفر الخلفاء الثلثة ‪ ،‬بل ول من يطعن في إمامتهم ‪،‬‬
‫بل ول من ينكر الصفات ‪ ،‬ول من يكذب بالقدر ‪.‬‬
‫فالماميسة بل ريسب متفقون على مخالفسة إجماع العترة النبويسة ‪ ،‬مسع‬
‫مخالفتهسم لجماع الصسحابة ‪ ،‬فكيسف ينكرون على مسن لم يخالف ل إجماع‬
‫الصحابة ول إجماع العترة ؟ ‪.‬‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد‬
‫رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ))‪ .‬إن أراد بذلك أنهسم اتفقوا على أن‬
‫يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة فهذا كذب عليهم ‪ ،‬فإن هؤلء الئمة‬
‫لم يكونوا في عصر واحد ‪ ،‬بل أبو حنيفة توفى سنة خمسين ومائة ومالك سنة‬
‫ت سع و سبعين ومائة ‪ ،‬والشاف عي سنة أر بع ومائت ين ‪ ،‬وأح مد بن حن بل سنة‬
‫إحدى وأربعيسن ومائتيسن ‪ ،‬وليسس فسي هؤلء مسن يقلد الخسر ‪ ،‬ول مسن يأمسر‬
‫باتّباع الناس له ‪ ،‬بل كل منهم يدعو إلى متابعة الكتاب والسنة ‪ ،‬وإذا قال غيره‬
‫قول يخالف الكتاب والسنة عنده رده ‪،‬ول يوجب على الناس تقليده‪.‬‬
‫وإن قلت ان هذه المذاهب اتّبعهم الناس ‪ ،‬فهذا لم يحصل بموطأة ‪ ،‬بل‬
‫ات فق أن قو ما اتّبعوا هذا ‪ ،‬وقو ما اتبعوا هذا ‪ ،‬كالحجاج الذ ين طلبوا من يدل هم‬
‫على الطريق ‪ ،‬فرأى قوم هذا الدليل خبيرا فاتّبعوه ‪ ،‬وكذلك الخرون ‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫وإذا كان كذلك لم ي كن في ذلك اتفاق أ هل ال سنة على با طل ‪ ،‬بل كل‬
‫قوم منهسم ينكرون مسا عنسد غيرهسم مسن الخطسأ ‪ ،‬فلم يتفقوا على أن الشخسص‬
‫المعيّن عل يه أن يق بل من كل من هؤلء ما قاله ‪ ،‬بل جمهور هم ل يأمرون‬
‫العام يّ بتقليد ش خص معيّن غير النبي صلى ال تعالى عليه وسلم في كل ما‬
‫يقوله‪.‬‬
‫وال تعالى قد ضمن العصمة للمة ‪ ،‬فمن تمام العصمة أن يجعل عددا‬
‫من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الخر قد أصاب فيه حتى ل‬
‫يض يع ال حق ‪ ،‬ولهذا ل ما كان في قول بعض هم من الخ طأ م سائل ‪ ،‬كب عض‬
‫المسائل التي أوردها ‪ ،‬كان الصواب في قول الخر ‪ ،‬فلم يتفق أهل السنة على‬
‫ضللة أصل ‪ ،‬وأما خطأ بعضهم في بعض الدين ‪ ،‬فقد قدّمنا في غير مرة أن‬
‫هذا ل ي ضر ‪ ،‬كخ طأ ب عض الم سلمين ‪ .‬وأ ما الشي عة ف كل ما خالفوا ف يه أ هل‬
‫السنة كلهم فهم مخطئون فيه ‪ ،‬كما أخطأ اليهود والنصارى في كل ما خالفوا‬
‫فيه المسلمين ‪.‬‬
‫الوجنه السنادس ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬قوله ‪ (( :‬إن هذه المذاهسب لم تكسن فسي‬
‫زمن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ول الصحابة ))إن أراد أن القوال التي‬
‫ل هم لم تن قل عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول عن ال صحابة ‪ ،‬بل‬
‫تركوا قول النبي صلى ال تعالى عليه وسلم والصحابة وابتدعوا خلف ذلك ‪،‬‬
‫فهذا كذب عليهم ‪ ،‬فإنهم لم يتفقوا على مخالفة الصحابة ‪ ،‬بل هم – وسائر أهل‬
‫ال سنة – متبعون لل صحابة في أقوال هم ‪ ،‬وإن قدّر أن ب عض أ هل ال سنّة خالف‬
‫ال صحابة لعدم عل مه بأقاويل هم ‪ ،‬فالباقون يوافقون ويثبتون خ طأ من يخالف هم ‪،‬‬
‫وإن أراد أن ن فس أ صحابها لم يكونوا في ذلك الزمان ‪ ،‬فهذا ل محذور ف يه ‪.‬‬
‫فمن المعلوم أن كل قرن يأتي يكون بعد القرن الول ‪.‬‬
‫الوجه السابع ‪ :‬قوله ‪ (( :‬وأهملوا أقاويل الصحابة )) كذب منه ‪ ،‬بل‬
‫كتب أرباب المذاهب مشحونة بنقل أقاويل الصحابة والستدلل بها ‪ ،‬وإن كان‬
‫عنسد كسل طائفسة منهسا مسا ليسس عنسد الخرى ‪ .‬وإن قال ‪ :‬أردت بذلك أنهسم ل‬

‫‪137‬‬

‫يقولون ‪ :‬مذهب أبي بكر وعمر ونحو ذلك ‪ ،‬فسبب ذلك أن الواحد من هؤلء‬
‫جمع الثار وما استنبطه منها ‪ ،‬فأضيف ذلك إليه ‪ ،‬كما تضاف كتب الحديث‬
‫إلى من جمع ها ‪ ،‬كالبخاري وم سلم وأ بي داود ‪ ، ،‬وك ما تضاف القراءات إلى‬
‫من اختارها ‪ ،‬كنافع وابن كثير ‪.‬‬
‫وغالب ما يقوله هؤلء منقول عمن قبلهم ‪ ،‬وفي قول بعضهم ما ليس‬
‫منقول عمن قبله ‪ ،‬لكنه استنبطه من تلك الصول ‪ .‬ثم قد جاء بعده من تعقب‬
‫أقواله فبيّن من ها ما كان خ طأ عنده ‪ ،‬كل ذلك حف ظا لهذا الد ين ‪ ،‬ح تى يكون‬
‫ن ا ْلمُنْكَر [‬
‫أهله ك ما و صفهم ال به ] َي ْأمُرُو نَ بِا ْل َمعْرُو فِ وَيَ ْن َهوْ نَ عَ ِ‬

‫(‪)1‬‬

‫فم تى‬

‫وقع من أحدهم منكر خطأ أو عمدا أنكره عليه غيره ‪.‬‬
‫ول يس العلماء بأع ظم من ال نبياء ‪ ،‬و قد قال تعالى ‪] :‬وَدَاوُدَ وَ سُلَ ْيمَانَ‬
‫ِمن شَاهِدِينن ‪.‬‬
‫ح ْكمِه ْ‬
‫َمن الْ َقوْم َوكُنّان ِل ُ‬
‫ِيهن غَن ُ‬
‫َتن ف ِ‬
‫ْثن إِذ َن َفش ْ‬
‫َانن فِي ا ْلحَر ِ‬
‫ح ُكم ِ‬
‫إِذْ َي ْ‬
‫حكْما وَعِ ْلمًا [(‪. )2‬‬
‫ن وَكُلّ آتَيْنَا ُ‬
‫َف َف ّهمْناهَا سُلَ ْيمَا َ‬
‫وثبت في الصحيحين عن ابن عمر ‪ t‬ما أن النبي صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم قال لصحابه عام الخندق ‪(( :‬ل يصلين أحد العصر إل في بني قريظة ‪،‬‬
‫فأدركتهم صلة العصر في الطريق ‪ ،‬فقال بعضهم‪:‬لم يُرد منا تفويت الصلة ‪،‬‬
‫ف صلّوا في الطر يق ‪ .‬وقال بعض هم ‪ :‬ل ن صلي إل في ب ني قري ظة ‪،‬ف صلوا‬
‫الع صر ب عد ماغر بت الش مس‪،‬ف ما عنّف واحدة من الطائفت ين‬

‫))‬

‫(‪)3‬‬

‫فهذا دل يل‬

‫على أن المجتهديسن يتنازعون فسي فهسم كلم رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه‬
‫وسلم ‪ ،‬وليس كل واحد منهم آثما ‪.‬‬
‫الوجنه الثامنن ‪ :‬أن أهسل السسنة لم يقسل أحسد منهسم إن إجماع الئمسة‬
‫الربعسة حجسة معصسومة ‪ ،‬ول قال ‪ :‬إن الحسق منحصسر فيهسا ‪ ،‬وإن مسا خرج‬
‫عنهسا باطسل ‪ ،‬بسل إذا قال مسن ليسس مسن أتباع الئمسة ‪ ،‬كسسفيان الثوري‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 71‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ ) 1(2‬اليتان ‪ 79- 78‬من سورة النبياء ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ ، 112‬ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1391‬‬

‫‪138‬‬

‫والوزاعي والَليْث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قول يخالف‬
‫قول الئمة الربعة ‪ُ ،‬ردّ ما تنازعوا فيه إلى ال ورسوله ‪ ،‬وكان القول الراجح‬
‫هو القول الذي قام عليه الدليل ‪.‬‬
‫الوجه التاسع ‪ :‬قوله ‪ (( :‬الصحابة نصوا على ترك القياس )) ‪ .‬يقال‬
‫[له] ‪ :‬الجمهور الذيسن يثبتون القياس قالوا‪ :‬قسد ثبست عسن الصسحابة أنهسم قالوا‬
‫بالرأي واجتهاد الرأي وقاسوا ‪ ،‬كما ثبت عنهم ذم ما ذموه من القياس ‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫وكل القولين صحيح ‪ ،‬فالمذموم القياس المعارض للنص ‪ ،‬كقياس الذين قالوا ‪:‬‬
‫إنما البيع مثل الربا ‪ ،‬وقياس إبليس الذي عارض به أمر ال له بالسجود لدم ‪،‬‬
‫وقياس المشركين الذين قالوا‪ :‬أتأكلون ما قتلتم ول تأكلون ما قتله ال ؟ قال ال‬
‫ن َأطَعْ ُتمُوهُ مْ إِ ّنكُم‬
‫تعالى ‪َ ] :‬وإِنّ الشّيَاطِي نَ لَيُوحُو نَ إِلَى َأوْلِيَا ِئهِ مْ لِ ُيجَادِلُوكُ مْ َوإِ ْ‬
‫ال ُمشْ ِركُون [(‪. )1‬‬
‫وكذلك القياس الذي ل يكون الفرع فيسه مشاركسا للصسل فسي مناط‬
‫الحكم‪ ،‬فالقياس يُذم إما لفوات شرطه ‪،‬وهو عدم المساواة في مناط الحكم‪ ،‬وإما‬
‫لوجود مان عه ‪ ،‬و هو ال نص الذي ي جب تقدي مه عل يه ‪ ،‬وإن كا نا متلزمَيْن في‬
‫نفسس المسر ‪ ،‬فل يفوت الشرط إل والمانسع موجود ‪ ،‬ول يوجسد المانسع إل‬
‫والشرط مفقود ‪.‬‬
‫فأمسا القياس الذي يسستوي فيسه الصسل والفرع فسي مناط الحكسم ولم‬
‫يعارضه ماهو أرجح منه ‪ ،‬فهذا هو القياس الذي يتبع ‪.‬‬
‫ول ريب أن القياس فيه فاسد ‪ ،‬وكثير من الفقهاء قاسوا أقيسة فاسدة ‪،‬‬
‫بعضها باطل بالنص ‪ ،‬وبعضها مما اتفق على بطلنه ‪ ،‬لكن بطلن كثير من‬
‫القياس ل يقتضي بطلن جميعه ‪ ،‬كما أن وجود الكذب في كثير من الحديث ل‬
‫يوجب كذب جميعه ‪.‬‬
‫(فنصنننل)‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬الوجسه الثانسي ‪ :‬فسي الدللة على وجوب اتّباع‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 121‬من سورة النعام ‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫مذهسب الماميسة ‪ :‬مسا قاله شيخنسا المام العظسم خواجسه نصسير الملة والحسق‬
‫والدين محمد بن الحسن الطوسي ‪ ،‬قدّس ال روحه ‪ ،‬وقد سألته عن المذاهب‬
‫فقال ‪ :‬بحثنسا عنهسا وعسن قول رسسول ال ‪: e‬‬

‫((‬

‫سستفترق أمتسي على ثلث‬

‫وسسبعين فرقسه ‪،‬من ها فرقسة ناجيسة ‪ ،‬والباقسي فسى النار‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ ،‬و قد ع ين الفرقسة‬

‫الناجية والهالكة في حديث أخر صحيح متفق عليه ‪ ،‬وهو قوله ‪ (( :‬مثل أهل‬
‫بيتي كمثل سفينة نوح ‪ :‬من ركبها نجا ‪ ،‬ومن تخلف عنها غرق )) ‪ ،‬فوجدنا‬
‫الفرقه الناجية هي فرقة المامية‪ ،‬لنهم باينوا جميع المذاهب‪ ،‬وجميع المذاهب‬
‫قد اشتركت في أصول العقائد ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬الجواب من وجوه‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن هذا المامي قد كّفر من قال ‪ :‬ان ال موجب بالذات ‪ ،‬كما‬
‫تقدم من قوله ‪ :‬يلزم أن يكون ال موجبا بذاته ل مختارا فيلزم الكفر ‪.‬‬
‫وهذا الذي جعله شيخسه العظسم واحتسج بقوله‪ ،‬هسو ممسن يقول بأن ال‬
‫مو جب بالذات ‪ ،‬ويقول بقدم العالم‪،‬كمسا ذكرذلك فسى كتاب ((شرح الشارات))‬
‫له‪ .‬فيلزم على قوله أن يكون شي خه هذا الذي اح تج به كافرا‪ ،‬والكا فر ل يُق بل‬
‫قوله في دين المسلمين ‪.‬‬
‫الثانني‪ :‬أن هذا الرجسل قسد اشتهسر عنسد الخاص والعام أنسه كان وزيسر‬
‫الملحدة الباطنيسة السسماعيلية باللموت(‪ ، )2‬ثسم لمسا قدم الترك المشركون الى‬
‫بلد الم سلمين ‪ ،‬وجاءوا الى بغداد ‪،‬دار الخل فة ‪ ،‬كان هذا منج ما مشيرا لملك‬
‫الترك المشرك ين هول كو أشار عل يه بق تل الخلي فة ‪ ،‬وق تل أ هل العلم والد ين‪،‬‬
‫وا ستبقاء أ هل ال صناعات والتجارات الذ ين ينفعو نه في الدن يا ‪ ،‬وأ نه ا ستولى‬
‫على الوقسف الذي للمسسلمين ‪ ،‬وكان يعطسي منسه مسا شاء ال لعلماء المشركيسن‬
‫وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى الرّصد الذي بمراغة على‬
‫طريسق الصسابئة المشركيسن ‪ ،‬كان أبخسس الناس نصسيبا منسه مسن كان إلى أهلِ‬
‫‪ ) 2(1‬سنن أبي داود ج ‪ 4‬ص ‪ 276‬والترمذي ج ‪4‬ص ‪. 134‬‬
‫‪ ) 1(2‬اسم قلعه في جبال الديلم بناها أحد ملوك الديلم ‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫الملل أقرب ‪ ،‬وأوفرهسم نصسيبا مسن كان أبعدهسم عسن الملل ‪ ،‬مثسل الصسابئة‬
‫المشركيسن ومثسل المعطّلة وسسائر المشركون ‪ ،‬وإن ارتزقوا بالنجوم والطسب‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ومن المشهور عنه وعن أتباعه الستهتار بواجبات السلم ومحرّماته‪،‬‬
‫سن‬
‫سن محارم ال مس‬
‫سلوات ‪ ،‬ول ينزعون مس‬
‫ل يحافظون على الفرائض كالصس‬
‫الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ‪ ،‬حتى أنهم في شهر رمضان يُذكر‬
‫عن هم من إضا عة ال صلوات ‪ ،‬وارتكاب الفوا حش ‪ ،‬وشرب الخ مر – ما يعر فه‬
‫أهل الخبرة بهم ‪ ،‬ولم يكن لهم قوة وظهور إل مع المشركين ‪ ،‬الذين دينهم شر‬
‫من دين اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫ولهذا كان كل ما قوى ال سلم في الم غل وغير هم من ترك ‪ ،‬ض عف‬
‫أمر هؤلء لفرط معاداتهم للسلم وأهله ‪ .‬ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة‬
‫عند المير نوروز المجاهد في سبيل ال الشهيد ‪ ،‬الذي دعا ملك المغل غازان‬
‫إلى السلم ‪ ،‬والتزم له أن ينصره إذا أسلم ‪ ،‬وقتل المشركين الذين لم يسلموا‬
‫مسن البخشيسة السسحرة وغيرهسم ‪ ،‬وهدم البذخانات ‪ ،‬وكسسر الصسنام ومزق‬
‫سدنتها كل ممزق ‪ ،‬وألزم اليهود والنصارى بالجزية والصغار ‪ ،‬وبسببه ظهر‬
‫السلم في المغل وأتباعهم ‪.‬‬
‫وبالجملة فأمر هذا الطوسى وأتبا عه عند المسلمين أشهر وأعرف من‬
‫أن يعرف ويوصسف ‪ .‬ومسع هذا فقسد قيسل ‪ :‬إنسه كان آخسر عمره يحافسظ على‬
‫الصلوات الخمس ويشتغل بتفسير البغوى والفقه ونحو ذلك ‪ .‬فإن كان قد تاب‬
‫من اللحاد فال يقبل التوبة عن عباده ‪ ،‬ويعفو عن السيئات ‪ .‬وال تعالى يقول‪:‬‬
‫حمَة ال إنّ الَ َي ْغفِر‬
‫س ِهمْ ل َتقْنَطوا مِن ّر ْ‬
‫]َ يا عباِد يَ الّذِي نَ أَ سْرَفوا عَلَى أنف ِ‬
‫ب جميعا [(‪. )1‬‬
‫الذُنو َ‬
‫لكن ما ذكره عن هذا ‪ ،‬إن كان قبل التوبة لم يُقبل قوله ‪ ،‬وإن كان بعد‬
‫التوبة لم يكن قد تاب من الرفض ‪ ،‬بل من اللحاد وحده ‪ .‬وعلى التقديرين فل‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 53‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫يُق بل قوله ‪ .‬والظ هر أ نه إن ما كان يجت مع به وبأمثاله ل ما كان منج ما للم غل‬
‫المشركين ‪ ،‬واللحاد معروف من حاله إذ ذلك ‪.‬‬
‫ف من يقدح في م ثل أ بي ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬وغير هم من ال سابقين‬
‫الوّليسن مسن المهاجريسن والنصسار ‪ ،‬ويطعسن على مثسل مالك والشافعسي وأي‬
‫حني فة وأح مد بن حن بل وأتباع هم ‪ ،‬ويعير هم بغلطات بعض هم في م ثل إبا حة‬
‫الشطر نج والغناء ‪ ،‬ك يف يل يق به أن يح تج لمذه به بقول م ثل هؤلء الذ ين ل‬
‫سوله ‪ ،‬ول‬
‫سا حرم ال ورسس‬
‫سر ‪ ،‬ول يحرّمون مس‬
‫يؤمنون بال ول باليوم الخس‬
‫يدينون د ين ال حق ‪ ،‬وي ستحلون المحرّمات المج مع على تحريم ها ‪ ،‬كالفوا حش‬
‫والخ مر ‪ ،‬في م ثل ش هر رمضان ‪ ،‬الذ ين أضاعوا ال صلة واتّبعوا الشهوات ‪،‬‬
‫وخرقوا سسياج الشرائع ‪ ،‬واسستخفّوا بحرمات الديسن ‪ ،‬وسسلكوا غيسر طريسق‬
‫المؤمنين ‪ ،‬فهم كما قيل فيهم ‪:‬‬
‫الدين يشكو بليسسة‬

‫من فرقة فلسفسية‬

‫ل يشهدون صسلة‬

‫إل لجسل التقيسة‬

‫ول ترى الشرع إل‬

‫سياسسة مسدنسية‬

‫ويؤثسرون عليسه‬

‫مناهجسافلسسفيسة‬

‫ولكسن هذا حال الرافضسة ‪ :‬دائمسا يعادون أولياء ال المتقيسن سس مسن‬
‫السابقين الولين ‪،‬من المهاجرين والنصار ‪ ،‬والذين اتّبعوا بإحسان ‪ ،‬ويوالون‬
‫الكفّار والمنافقيسن ‪ .‬فإن أعظسم الناس نفاقسا فسي المنتسسبين إلى السسلم هسم‬
‫الملحدة الباطن ية ال سماعيلية ‪ ،‬ف من اح تج بأقوال هم في ن صرة قوله ‪ ،‬مع ما‬
‫تقدم من طع نه على أقوال أئمة المسلمين – كان من أع ظم الناس موالة ل هل‬
‫النفاق ‪ ،‬ومعاداة لهل اليمان ‪.‬‬
‫ومسن العجسب أن هذا المصسنف الرافضسي الخسبيث الكذّاب المفتري ‪،‬‬
‫يذ كر أ با ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬و سائر ال سابقين والوّل ين والتابع ين ‪ ،‬و سائر‬
‫أئمة المسلمين ‪ ،‬من أهل العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه‪،‬‬
‫ويجيء إلى من قد اشتُهر عند المسلمين بمحادته ل ورسوله ‪ ،‬فيقول ‪(( :‬قال‬

‫‪142‬‬

‫شيخنا العظم )) ‪ ،‬ويقول ((قدس ال روحه )) مع شهادته بالكفر عليه وعلى‬
‫أمثاله ‪،‬ومع لعنة طائفته لخيار المؤمنين من الولين والخرين ‪.‬‬
‫ن أُوتُوا‬
‫ن َترَ إِلَى الّذِين َ‬
‫وهؤلء داخلون فسي معنسى قوله تعالى ‪ ] :‬أَلَم ْ‬
‫ت وَالطّاغُو تِ وَ َيقُولُو نَ لِلّذِي نَ َكفَرُوا َهؤُلءِ‬
‫ن بِا ْلجِبْ ِ‬
‫نَ صِيبًا ِم نَ ا ْلكِتَا بِ ُي ْؤمِنُو َ‬
‫ن يَ ْلعَنِ الُ َفلَنْ َتجِ َد‬
‫ن َلعَ َنهُمُ الُ َومَ ْ‬
‫ك الّذِي َ‬
‫ن الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلً ‪ُ .‬أوْلَئِ َ‬
‫أَهْدَى مِ َ‬
‫َلهُ نَصِيرًا [(‪.)1‬‬
‫فإن هؤلء المام ية أوتوا ن صيبا من الكتاب ‪ ،‬إذ كانوا مقرّ ين بب عض‬
‫مسا فسي الكتاب المنزّل ‪ ،‬وفيهسم شعبسة مسن اليمان بالجبست وهسو السسحر ‪،‬‬
‫والطاغوت و هو كل ما يع بد من دون ال ‪ ،‬فإن هم يعظّمون الفل سفة المتضم نة‬
‫لذلك ‪ ،‬ويرون الدعاء والعبادة للموتسسسى ‪ ،‬واتخاذ المسسسساجد على القبور ‪،‬‬
‫ويجعلون السفر إليها حجا له مناسك ‪ ،‬ويقولون ‪ (( :‬مناسك حج المشاهد ))‪.‬‬
‫وحدثنسي الثقات أن فيهسم مسن يرون الحسج إليهسا أعظسم مسن الحسج إلى البيست‬
‫العتيسق‪ ،‬فيرون الشراك بال أعظسم مسن عبادة ال ‪ ،‬وهذا مسن أعظسم اليمان‬
‫بالطاغوت ‪.‬‬
‫وهم يقولون لمن يقرّون بكفره من القائلين بقدم العالم ودعوة الكواكب‪،‬‬
‫والمسوّغين للشرك ‪ :‬هؤلء أهدى من الذين آمنوا سبيل ‪ ،‬فإنهم فضّلوا هؤلء‬
‫الملحدة المشركيسن على السسابقين الوّليسن مسن المهاجريسن والنصسار والذيسن‬
‫اتبعوهم بإحسان‪ .‬وليس هذا ببدع من الرافضة ‪ ،‬فقد عُرف من موالتهم لليهود‬
‫والنصسارى والمشركيسن ‪،‬ومعاونتهسم على قتال المسسلمين ‪ ،‬مسا يعرفسه الخاص‬
‫والعام ‪ ،‬حتى قيل ‪ :‬أنه ما اقتتل يهودي ومسلم ‪ ،‬ول مشرك ومسلم – إل كان‬
‫الرافضي مع اليهودي والنصراني والمشرك‪.‬‬
‫الوجه الثالث ‪ :‬أنه قد عرف كل أحد أن السماعيلية والنصيرية هم‬
‫من الطوائف الذين يظهرون التشيع ‪ ،‬وإن كانوا في الباطن كفّارا منسلخين عن‬
‫‪ ) 1(1‬اليتان ‪ 52-51‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫كل ملة ‪ ،‬والن صيرية هم من غلة الراف ضة الذ ين يدّعون إله ية عل يّ وهؤلء‬
‫أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين ‪.‬‬
‫والسسماعيلية الباطنيسة أكفسر منهسم ‪ ،‬فإن حقيقسة قولهسم التعطيسل ‪ .‬أمسا‬
‫أ صحاب الناموس ال كبر والبلغ الع ظم ‪ ،‬الذي هو آ خر المرا تب عند هم ‪،‬‬
‫فهم من الدهرية القائلين بأن العالم ل فاعل له ‪ :‬ل علة ول خالق ‪ .‬ويقولون ‪:‬‬
‫ليس بيننا وبين الفلسفة خلف إل في واجب الوجود ‪ ، ،‬فإنهم يثبتونه ‪ ،‬وهو‬
‫ش يء ل حقي قة له ‪ ،‬وي ستهزئون بأ سماء ال عز و جل ‪ ،‬ول سيما هذا ال سم‬
‫الذي هو ال ‪ ،‬فإن منهم من يكتبه على أسفل قدميه ويطؤه ‪.‬‬
‫وأ ما من هو دون هؤلء فيقول بال سابق وبالتالي ‪ ،‬الذ ين عبّروا به ما‬
‫عن العقل والنفس عند الفلسفة ‪ ،‬وعن النور والظلمة عند المجوس ‪ ،‬وركّبوا‬
‫لهم مذهبا من مذاهب الصابئة والمجوس ظاهره التشيع ‪.‬‬
‫ول ريسب أن المجوس والصسابئة شسر مسن اليهود والنصسارى ‪ ،‬ولكسن‬
‫تظاهروا بالتشيع ‪.‬‬
‫قالوا ‪:‬لن الشيعة أ سرع الطوائف استجابة لنا ‪ ،‬لما في هم من الخروج‬
‫عن الشريعة ‪ ،‬ولما فيهم من الجهل وتصديق المجهولت ‪.‬‬
‫ولهذا كان أئمتهم في الباطن فلسفة ‪ ،‬كالنصير الطوسي هذا ‪ ،‬وكسنان‬
‫البصسري الذي كان بح صونهم بالشام ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬قد رَفَ عت عن هم ال صوم‬
‫والصلة والحج والزكاة ‪.‬‬
‫فإذا كانست السسماعيلية إنمسا يتظاهرون فسي السسلم بالتشيسع ‪ ،‬ومنسه‬
‫دخلوا وبسه ظهروا ‪ ،‬وأهله هسم المهاجريسن إليهسم ‪ ،‬ل إلى ال ورسسوله ‪ ،‬وهسم‬
‫أنصسارهم ل أنصسار ال ورسسوله – عُلم أن شهادة السسماعيلية للشيعسة بأنهسم‬
‫على حق شهادة مردودة باتفاق العقلء ‪.‬‬
‫فإن هذا الشاهد ‪ :‬إن كان يعرف أن ما هو عليه مخالف لد ين ال سلم‬
‫في البا طن ‪ ،‬وإن ما أظ هر التش يع لين فق به ع ند الم سلمين ‪ ،‬ف هو محتاج إلى‬
‫تعظ يم التش يع ‪ ،‬وشهاد ته له شهادة المرء نف سه ‪ ،‬ف هو كشهادة الد مي لنف سه ‪،‬‬

‫‪144‬‬

‫لكنسه فسي هذه الشهادة يعلم أنسه يكذب ‪ ،‬وإنمسا كذب فيهسا كمسا كذب فسي سسائر‬
‫أحواله ‪ ،‬وإن كان يعت قد د ين ال سلم في البا طن ‪ ،‬وي ظن أن هؤلء على د ين‬
‫السلم ‪ ،‬كان أيضا شاهدا لنفسه ‪ ،‬لكن مع جهله وضلله ‪.‬‬
‫وعلى التقديرين فشهادة المرء لنفسه ل تُقبل ‪ ،‬سواء علم كذب نفسه أو‬
‫اعتقد صدق نفسه ‪ .‬كما في السنن عن النبي صلى ال تعالى عل يه وسلم أ نه‬
‫قال ‪ (( :‬ل تُق بل شهادة خ صم ول ظن ين ول ذي غ مر على أخ يه ))(‪ . )1‬وهؤلء‬
‫ظنّاء متهمون ذو غمر على أهل السنة والجماعة ‪ ،‬فشهادتهم مردودة‬
‫خصمان أ ِ‬
‫بكل طريق ‪.‬‬
‫الوجننه الرابننع ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬أول أنتسسم قوم ل تحتجون بمثسسل هذه‬
‫الحاديسث‪ ،‬فإن هذا الحديسث إنمسا يرويسه أهسل السسنة بأسسانيد أهسل السسنة ‪،‬‬
‫والحديث نفسه ليس في الصحيحين ‪ ،‬بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن‬
‫حزم وغيره ‪ ،‬ول كن قد رواه أ هل ال سنن ‪ ،‬كأ بي داود والترمذي وا بن ما جة ‪،‬‬
‫ورواه أهل المسانيد ‪ ،‬كالمام أحمد وغيره‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫فمن أين لكم على أصولكم ثبوته حتى تحتجوا به ؟ وبتقدير ثبوته فهو‬
‫من أخبار الحاد ‪ ،‬فكيف يجوز أن تحتجوا في أصل من أصول الدين وإضلل‬
‫جميع المسلمين – إل فرقة واحدة – بأخبار الحاد التي ل يحتجون هم بها في‬
‫الفروع العملية ؟!‪.‬‬
‫وهل هذا إل من أعظم التناقض والجهل ؟!‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن الحديث روى تفسيره فيه من وجهين ‪ :‬أحدهما ‪:‬‬
‫أ نه صلى ال تعالى عل يه و سلم سأل عن الفر قة الناج ية ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫على مثسل مسا أنسا عليسه اليوم وأصسحابي‬

‫))‬

‫((‬

‫من كان‬

‫وفسي الروايسة الخرى قال ‪:‬‬

‫((‬

‫هسم‬

‫الجماعة ))‪ .‬وكل من التفسيرين يناقض قول المامية ‪ ،‬ويقتضي أنهم خارجون‬
‫‪ )1(1‬انظر المسند ج ‪ 10‬ص ‪ 224‬وج ‪ 11‬ص ‪ 163 ، 138‬تحقيق أحمد شاكر ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬يعني حديث الفتراق رواه أبو داود ج ‪ 5‬ص ‪ 5 ، 4‬والترمذي رقم ‪ 3991‬في‬
‫الفتن ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنه حسن صحيح وغيرهما وله طرق كثيرة ‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫عن الفرقة الناجية ‪ ،‬فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين ‪ :‬يكفرون أو يفسّقون‬
‫أئمة الجماعة ‪ ،‬كأبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬دع معاوية وملوك بني أمية وبني‬
‫العباس ‪ ،‬وكذلك يكفّرون أو يفسسسّقون علماء الجماعسسة وعبّادهسسم ‪ ،‬كمالك‬
‫والثوري والوزا عي والل يث بن سعد وأ بي حني فة والشاف عي وأح مد وإ سحاق‬
‫وأبسي عبيسد وإبراهيسم بسن أدهسم والفضيسل بسن عياض وأبسي سسليمان الدارانسي‬
‫ومعروف الكرخي وأمثال هؤلء ‪ ،‬وهم أبعد الناس عن معرفة سير الصحابة‬
‫والقتداء ب هم ‪ ،‬ل في حياة ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول بعده ‪ ،‬فإن‬
‫هذا إنمسا يعرفسه أهسل العلم بالحديسث والمنقولت ‪ ،‬والمعرفسة بالرجال الضعفاء‬
‫والثقات ‪ ،‬و هم من أع ظم الناس جهل بالحد يث وبغ ضا له ‪ ،‬ومعاداة لهله ‪،‬‬
‫فإذا كان وصف الفرقة الناجية ‪ :‬أتباع الصحابة على عهد رسول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وذلك شعار السنة والجماعة – كانت الفرقة الناجية هم أهل‬
‫السنة والجماعة ‪ ،‬فالسنة ما كان صلى ال تعالى عليه وسلم هو وأصحابه عليه‬
‫في عهده ‪ ،‬مما أمرهم به وأقرّهم عليه أو فعله هو ‪ ،‬والجماعة هم المجتمعون‬
‫الذ ين ما فرّقوا دين هم وكانوا شي عا ‪ ،‬فالذ ين فرّقوا دين هم وكانوا شي عا خارجون‬
‫عن الجما عة قسد برّأ ال نسبيه منهسم ‪ ،‬فعُلم بذلك أن هذا وصسف أهسل السسنة و‬
‫الجما عة ‪ ،‬ل و صف الراف ضة‪ ،‬وأن هذا الحد يث و صف الفر قة الناج ية باتّباع‬
‫سنته التي كان عليها هو وأصحابه ‪ ،‬وبلزوم جماعة المسلمين ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فقد قال في الحديث ‪:‬‬

‫((‬

‫من كان على مثل ما أنا عليه اليوم‬

‫وأصسحابي )) ‪ ،‬فمسن خرج عن تلك الطري قة بعده لم يكسن على طريقسة الفرقسة‬
‫الناجية ‪ ،‬وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬ن عم وأش هر الناس بالردة خ صوم أ بي ب كر ال صديق ‪ t‬وأتبا عه‬
‫كم سيلمة الكذّاب وأتبا عه وغير هم ‪ .‬وهؤلء تتول هم الراف ضة ك ما ذ كر ذلك‬
‫غير واحد من شيوخهم ‪ ،‬مثل هذا المامي وغيره ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إنهم كانوا على‬
‫حق ‪ ،‬وأن ال صديق قاتل هم بغ ير حق ‪ .‬ثم مِن أظ هر الناس ردة الغال ية الذ ين‬
‫حرّقهم علي ّ ‪ t‬بالنار لما ادّعوا فيه اللهية وهم السبائية أتباع عبد ال بن سبأ‬

‫‪146‬‬

‫الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫وأول من ظ هر ع نه دعوى النبوة من المنت سبين إلى ال سلم المختار‬
‫بن أبي عبيد وكان من الشيعة ‪ ،‬فعُلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر‬
‫منهسم فسي سسائر الطوائف ‪ ،‬ولهذا ل يُعرف ردة أسسوأ حال مسن ردة الغاليسة‬
‫كالنصسيرية ‪ ،‬ومسن ردة السسماعيلية الباطنيسة ونحوهسم ‪ ،‬وأشهسر الناس بقتال‬
‫المرتدين هو أبو بكر الصديق ‪ ، t‬فل يكون المرتدون في طائفة أكثر منها في‬
‫خصوم أبي بكر الصديق ‪ ،‬فدل ذلك على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين‬
‫على أعقابهم ‪ ،‬هم بالرافضة أوْلى منهم بأهل السنة والجماعة ‪.‬‬
‫وهذا بيّن يعرفه كل عاقل يعرف السلم وأهله ‪ ،‬ول يستريب أحد أن‬
‫جنسس المرتديسن فسي المنتسسبين إلى التشيسع أعظسم وأفحسش كفرا مسن جنسس‬
‫المرتدين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة ‪ ،‬إن كان فيهم مرتد‪.‬‬
‫الو جه ال سادس ‪ :‬أن يقال ‪ :‬هذه الح جة ال تي اح تج ب ها الطو سي على‬
‫أن المامية هم الفرقة الناجية كذب في وصفها ‪ ،‬كما هي باطلة في دللتها ‪.‬‬
‫وذلك أن قوله ‪ (( :‬باينوا جم يع المذا هب ‪ ،‬وجم يع المذا هب قد اشتر كت في‬
‫أ صول العقائد )) إن أراد بذلك أن هم باي نو جم يع المذا هب في ما اخت صوا به ‪،‬‬
‫فهذا شأن جميسع المذاهسب ‪ ،‬فإن الخوارج أيضسا باينوا جميسع المذاهسب فيمسا‬
‫اخت صوا به من التكف ير بالذنوب ‪ ،‬و من تكفيسر علي ‪ ، t‬ومسن إ سقاط طا عة‬
‫الر سول فيما لم ي خبر به عن ال ‪ ،‬وتجويز الظلم عليه في ق سْمهِ والجور في‬
‫حكمه ‪ ،‬وإسقاط اتّباع السنة المتواترة التي تخالف ما يُظن أنه ظاهر القرآن ‪،‬‬
‫كقطع السارق من المنكب وأمثال ذلك ‪.‬‬
‫الوجنه السنابع ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬مباينتهسم لجميسع المذاهسب هسو على فسساد‬
‫قولهم أدل منه على صحة قولهم ؛ فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف‬
‫ل يدل على أنه هو الصواب ‪ ،‬واشتراك أولئك في قول ل يدل على أنه باطل‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬إن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم جعل أمته ثلثا وسبعين‬
‫فرقسة كلهسا فسي النار إل واحدة ‪ ،‬فدل على أنهسا ل بسد أن تفارق هذه الواحدة‬

‫‪147‬‬

‫سائر الثنتين وسبعين فرقة ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬نعم ‪ .‬وكذلك يدل الحديث على مفار قة الثنتين وسبعين بعض ها بع ضا ‪،‬‬
‫كمسا فارقست هذه الواحدة ‪ .‬فليسس فسي الحديسث مسا يدل على اشتراك الثنتيسن‬
‫وال سبعين في أ صول العقائد ‪ ،‬بل ل يس في ظا هر الحد يث إل مباي نة الثلث‬
‫والسسبعين كسل طائفسة للخرى ‪ .‬وحينئذ فمعلوم أن جهسة الفتراق جهسة ذم ل‬
‫جهة مدح ‪ ،‬فإن ال تعالى أمر بالجماعة والئتلف ‪ ،‬وذم التفريق والختلف‪،‬‬
‫فقال تعالى ‪] :‬واْعتَ صِموا ِبحَ ْبلِ الِ جميعًا وَل َتفَرّقوا [‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال ‪َ ] :‬ولَ َتكُونوا‬

‫ت َوأُولَئِ كَ َلهُ مْ عَذَا بٌ عَظي مٌ ‪.‬‬
‫ن َبعْدِ ما جاءَهُ مُ الْبَيّنَا ْ‬
‫كالّذي نَ َتفَرّقُوا وَاخْتَلَفوا مِ ْ‬
‫سوَدّتْ وُجو ُههُم[ (‪. )2‬‬
‫سوَدّ وُجوهٌ فَ َأمّا الّذينَ ا ْ‬
‫ض وُجو ٌه وَ َت ْ‬
‫َي ْومَ تَبْيَ ْ‬
‫قال ابسن عباس وغيره ‪ :‬تسبيض وجوه أهسل السسنة وتسسودّ وجوه أهسل‬
‫ت مِ ْنهُمْ‬
‫البدعة والفرقة ‪ .‬وقال تعالى ‪] :‬إنّ الّذينَ فَرّقوا دِي َنهُمْ وَكانوا شِ َيعًا لَسْ َ‬
‫ِنن َبعْدِ منا جاءَ ْتهُمُن‬
‫ُوهن م ْ‬
‫ّذينن أُوت ُ‬
‫فيهن ِإلّ ال َ‬
‫َفن ِ‬
‫يءٍ [(‪ )3‬وقال ‪] :‬وَمنا اخْتَل َ‬
‫فني شَ ْ‬
‫البَيّنا تُ َبغْيًا بَينَهُم [‬

‫(‪)4‬‬

‫ب ِإلّ مِ نْ بَع ِد ما‬
‫ن اُوتوا الكِتا َ‬
‫ق الّذي َ‬
‫وقال‪ ] :‬وَ ما َتفَرّ َ‬

‫جاءَ ْت ُهمُ البَيّ َنةُ [(‪. )5‬‬
‫وإذا كان كذلك فأع ظم الطوائف مفار قة للجما عة و افترا قا في نف سها‬
‫أولى الطوائف الذم ‪ ،‬و أقلها افترا قا ومفار قة للجما عة أقرب ها إلى ال حق ‪ .‬وإذا‬
‫كانت المامية أوْلى بمفارقة سائر طوائف المة فهم أبعد عن الحق ‪ ،‬ل سيما‬
‫و هم في أنف سهم أك ثر اختل فا من جم يع فرق ال مة ‪ ،‬ح تى يقال ‪ :‬إن هم ثنتان‬
‫ض أصحابه‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫وسبعون فرقة ‪ .‬وهذا القدر فيما نقله عن هذا الطوسي بع ُ‬
‫كان يقول ‪ :‬الشيعة تبلغ فرقهم ثنتين وسبعين فرقة ‪ ،‬أو كما قال ‪ .‬وقد صنّف‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 103‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬اليتان ‪ 106 ، 105‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 159‬من سورة النعام ‪.‬‬
‫‪ )4(4‬الية ‪ 213‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )5(5‬الية ‪ 4‬من سورة البينة ‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة ‪.‬‬
‫وأمسا أهسل الجماعسة فهسم أقسل اختلفسا فسي أصسول دينهسم مسن سسائر‬
‫الطوائف‪ ،‬و هم أقرب إلى كل طائ فة من كل طائ فة إلى ضدّ ها ‪ ،‬ف هم الو سط‬
‫في أهل السلم كما أن أهل السلم هم الوسط في أهل الملل ‪ :‬هم وسط في‬
‫باب صفات ال بين أهل التعطيل وأهل التمثيل ‪.‬‬
‫وقال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪:‬‬

‫((‬

‫خيسر المور أوسسطها )) وحينئذ‬

‫أهل السنة والجماعة خير الفرق‪.‬‬
‫و في باب القدر ب ين أ هل التكذ يب به وأ هل الحتجاج به ‪ ،‬و في باب‬
‫السسماء والحكام بيسن الوعيديسة والمرجئة ‪ ،‬وفسي باب الصسحابة بيسن الغلة‬
‫والجفاة ‪ ،‬فل يغلون فسي عليّس غلو الرافضسة ‪ ،‬ول يكفّرونسه تكفيسر الخوارج ‪،‬‬
‫ول يكفّرون أبا بكر وعثمان كما تكفّرهم الروافض ‪ ،‬ول يكفّرون عثمان وعليا‬
‫كما يُكفرهما الخوارج ‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن يقال ‪ :‬إن الشيعة ليس لهم قول واحد اتفقوا عليه ‪،‬‬
‫فإن القول الذي ذكره هذا قول مسن أقوال الماميسة ‪ ،‬ومسن الماميسة طوائف‬
‫تخالف هؤلء في التوحيد والعدل ‪ ،‬كما تقدم حكايته ‪ .‬وجمهور الشيعة تخالف‬
‫المام ية في الث نى ع شر ‪ ،‬فالزيد ية وال سماعيلية وغير هم متفقون على إنكار‬
‫إمامة الثنى عشر‪.‬‬
‫وهؤلء الماميسة الثنسا عشريسة يقولون ‪ :‬إن أصسول الديسن أربعسة ‪:‬‬
‫التوحيسد ‪ ،‬والعدل ‪ ،‬والنبوة ‪ ،‬والمامسة‪ .‬وهسم مختلفون فسي التوحيسد والعدل‬
‫والمامسة ‪ .‬وأمسا النبوة فغايتهسم أن يكونوا مقرّيسن بهسا كإقرار سسائر المسة‪.‬‬
‫واختلفهم في المامة أعظم من اختلف سائر المة ‪ ،‬فإن قالت الثنا عشرية‬
‫‪ :‬نحن أكثر من هذه الطوائف ‪ ،‬فيكون الحق معنا دونهم ‪ .‬قيل لهم ‪ :‬وأهل‬
‫السسنة أكثسر منكسم ‪ ،‬فيكون الحسق معهسم دونكسم ‪ ،‬فغايتكسم أن تكون سسائر فرق‬
‫المامية معكم بمنزلتكم مع سائر المسلمين ‪ ،‬والسلم هو دين ال الذي يجمع‬
‫أهل الحق ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫(فصسسسل )‬
‫قال الرافضني ‪(( :‬الوجنه الثالث‪:‬أن الماميسة جازمون بحصسول النجاة‬
‫لهسم ولئمتهسم ‪ ،‬قاطعون بذلك ‪ ،‬وبحصسول ضدهسا لغيرهسم ‪ .‬وأهسل السسنة ل‬
‫يجيزون ول يجزمون بذلك ل لهم ول لغيرهم ‪ .‬فيكون اتّباع أولئك أوْلى ‪ ،‬لنّا‬
‫لو فرضنا مثل خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة ‪ ،‬فوجدا طريقين سلك‬
‫كل منهما طريقا ‪ ،‬فخرج ثالث يطلب الكوفة ‪ :‬فسأل أحدهما ‪ :‬إلى أين تذهب؟‬
‫فقال إلى الكو فة ‪ .‬فقال له ‪ :‬هل طري قك تو صلك إلي ها ؟ و هل طري قك آ من أم‬
‫مخوف ؟ وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة ؟ وهل هو آمن أم مخوف ؟‬
‫فقال ‪ :‬ل أعلم شيئا من ذلك ‪ .‬ثم سأل صاحبه فقال أعلم أن طري قي يو صّلني‬
‫إلى الكوفة ‪ ،‬وأنه آمن ‪ ،‬وأعلم أن طريق صاحبي ل يؤديه إلى الكوفة ‪ ،‬وأنه‬
‫ليسس بآمسن ‪ ،‬فإن الثالث إن تابسع الول عدّه العقلء سسفيها ‪ ،‬وإن تابسع الثانسي‬
‫نُسب إلى الخذ بالحزم )) ‪.‬‬
‫هكذا ذكره فسي كتابسه ‪ ،‬والصسواب أن يُقال ‪ :‬وسسأل الثانسي فقال له‬
‫الثاني‪ :‬ل أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ول أعلم أنه آمن أم مخوف ‪.‬‬
‫والجواب على هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدهنا ‪:‬أن يُقال ‪ :‬إن كان اتّباع الئمسة الذيسن ُتدّعسى لهسم الطاعسة‬
‫المطل قة‪ ،‬وأن ذلك يو جب ل هم النجاة واج با ‪ ،‬كان اتّباع خلفاء ب ني أم ية الذ ين‬
‫كانوا يوجبون طاعسة أئمتهسم طاعسة مطلقسة ويقولون ‪ :‬إن ذلك يوجسب النجاة‬
‫مصيبين على الحق ‪ ،‬وكانوا في سبّهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة‬
‫عل يّ م صيبين ‪ ،‬لن هم كانوا يعتقدون أن طا عة الئ مة واج بة في كل ش يء ‪،‬‬
‫وأن المام ل يؤاخذه ال بذنب ‪ ،‬وأنه ل ذنب لهم فيما أطاعوا فيه المام ‪ ،‬بل‬

‫‪150‬‬

‫أولئك أوْلى بالحجة من الشيعة ‪ ،‬لنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم ال ونصيهم‬
‫وأيّد هم وملّك هم ‪ ،‬فإذا كان مذ هب القدر ية أن ال ل يف عل إل ما هو ال صلح‬
‫لعباده ‪،‬كان تولية أولئك الئمة مصلحة لعباده ‪.‬‬
‫ومعلوم ان اللطسف والمصسلحة التسي حصسلت بهسم أعظسم مسن اللطسف‬
‫والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز ‪ .‬ولهذا حصل لتّباع خلفاء بني‬
‫أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم ‪ ،‬أعظم مما حصل لتّباع المنتظر ؛ فإن‬
‫هؤلء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ‪ ،‬ول ينهاهم عن شيء‬
‫من المن كر ‪ ،‬ول يعين هم على ش يء من م صلحة دين هم ول دنيا هم ‪ ،‬بخلف‬
‫أولئك ؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم ‪ ،‬أعظم مما انتفع‬
‫هؤلء بأئمتهم ‪.‬‬
‫فتسبين أنسه إن كانست حجسة هؤلء المنتسسبين إلى مشايعسة علي ّ ‪t‬‬

‫صسحيحة ‪ ،‬فحجسة أولئك المنتسسبين إلى مشايعسة عثمان ‪ t‬أوْلى بالصسحة ‪ ،‬وإن‬
‫كا نت باطلة فهذه أب طل من ها ‪ .‬فإذا كان هؤلء الشي عة متفق ين مع سائر أ هل‬
‫السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا أولئك الئمة طاعة مطلقة خطأ‬
‫وضلل ‪ ،‬فخ طأ هؤلء وضلل هم إذا جزموا بنجات هم لطاعت هم ل من يدّ عي أ نه‬
‫نائب المعصوم – والمعصوم ل عين له ول أثر – أعظم وأعظم ؛ فإن الشيعة‬
‫ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب ‪ ،‬إل شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل‪،‬‬
‫ويصدّونهم عن سبيل ال‪.‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقا لو ثبت مقدمتان ‪:‬‬
‫إحداهمسا ‪ :‬أن لنسا إمامسا معصسوما‪ .‬والثانيسة ‪ :‬أنسه أمسر بكذا وكذا ‪ .‬وكلتسا‬
‫المقدمتيسن غيسر معلومسة ‪ ،‬بسل باطلة ‪ .‬دع المقدمسة الولى ‪ ،‬بسل الثانيسة ‪ ،‬فإن‬
‫الئمة الذين يدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة ‪ ،‬والمنتظر له غائب‬
‫أك ثر من أربعمائة وخم سين سنة ‪ ،‬وعند آخرين هو معدوم لم يوجد ‪ .‬والذ ين‬
‫يُطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة ‪ ،‬أو كتب صنّفها بعض شيوخ الراف ضة ‪،‬‬
‫وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين ‪ .‬وهؤلء الشيوخ المصنّفون‬

‫‪151‬‬

‫ليسوا معصومين بالتفاق ‪ ،‬ول مقطوعا لهم بالنجاة ‪.‬‬
‫فإذا الراف ضة ل يتّبعون إل أئ مة ل يقطعون بنجات هم ول سعادتهم ‪،‬‬
‫فلم يكونوا قاطعيسن ل بنجاتهسم ‪ ،‬ول بنجاة أئمتهسم الذيسن يباشرونهسم بالمسر‬
‫والنهي ‪ ،‬وهم أئمتهم ‪ ،‬وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الئمة ‪ ،‬بمنزلة كثير‬
‫من أتباع شيوخ هم الذ ين ينت سبون إلى ش يخ قد مات من مدة ‪،‬ول يدرون بماذا‬
‫أمسر ‪ ،‬ول عماذا نهسى ‪ ،‬بسل له اتباع يأكلون أموالهسم بالباطسل ويصسدون عسن‬
‫سبيل ال ‪ ،‬يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه ‪ ،‬وأن يتخذوهم أربابا ‪،‬‬
‫وكما تأمر شيوخ الشي عة أتباعهم ‪ ،‬وكما تأ مر شيوخ النصارى أتباعهم ‪ ،‬ف هم‬
‫يأمرونهسم بالشراك بال وعبادة غيسر ال ‪ ،‬ويصسدونهم عسن سسبيل ال ‪،‬‬
‫سول ال ‪ ،‬فإن‬
‫سة شهادة أن ل إله إل ال وان محمدا رسس‬
‫سن حقيقس‬
‫فيخرجون عس‬
‫التوح يد أن نع بد ال وحده ‪ ،‬فل يُد عى إل هو ‪ ،‬ول يُخ شى إل هو ‪ ،‬ول يت قى‬
‫إل هو ‪ ،‬ول يتو كل إل عل يه ‪ ،‬ول يكون الد ين إل له ‪ ،‬ل ل حد من الخلق ‪،‬‬
‫وأن ل نتخذ الملئكة والنبيين أربابا ‪ ،‬فكيف بالئمة والشيوخ والعلماء والملوك‬
‫وغيرهم !؟‬
‫والرسول صلى ال تعالى عليه وسلم هو المبلّغ عن ال أمره ونهيه ‪،‬‬
‫فل يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إل هو ‪ ،‬فإذا جُعل الغمام والشيخ كأنه إله يُدعى‬
‫مع مغيبه وبعد موته ‪ ،‬ويُستغاث به ‪ ،‬ويُطلب منه الحوائج ‪ ،‬والطاعة إنما هي‬
‫لشخص حاضر يأمر بما يريد ‪ ،‬وينهى عمّا يريد كان الميت مشبّها بال تعالى‪،‬‬
‫وال حي مشبها بر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬فيخرجون عن حقي قة‬
‫السلم الذي أصله شهادة أن ل إله إل ال ‪ ،‬وشهادة أن محمدا رسول ال ‪.‬‬
‫ثم إن كثيرا منهم يتعلّقون بحكايات تُنقل عن ذلك الشيخ ‪ ،‬وكثير منها‬
‫كذب عليسه ‪ ،‬وبعضهسا خطسأ منسه ‪ ،‬فيَعدِلون عسن النقسل الصسدق عسن القائل‬
‫المعصسوم إلى نقسل غيسر مصسدّق عسن قائل غيسر معصسوم ‪ .‬فإذا كان هؤلء‬
‫مخطئين في هذا ‪ ،‬فالشيعة أكثر وأعظم خطأ ‪ ،‬لنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه‬
‫عن الئمة ‪ ،‬وأعظم غلوا في دعوى عصمة الئمة ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫الوجنه الثالث ‪ :‬منسع الحكسم فسي هذا المثال الذي ضربسه وجعله أصسل‬
‫قاس عل يه‪،‬فان الر جل إذا قال له أ حد الرجل ين‪:‬طري قى آ من يو صلني‪،‬وقال له‬
‫ال خر‪:‬ل علم لي بأن طري قي آ من يو صلني‪،‬أو قال ذلك الول ‪ ،‬لم يح سن في‬
‫الع قل ت صديق الول بمجرد قوله ‪ ،‬بل يجوز ع ند العقلء أن يكون هذا محتال‬
‫عل يه ‪ ،‬يكذب ح تى ي صحبه في الطر يق فيقتله ويأ خذ ماله ‪ ،‬ويجوز أن يكون‬
‫جاهل ل يعرف مسا فسي الطريسق مسن الخوف ‪ ،‬وأمسا ذاك الرجسل فلم يضمسن‬
‫للسسائل شيئا ‪ ،‬بسل رده إلى نظره ‪ ،‬فالحزم فسي مثسل هذا أن ينظسر الرجسل أيّس‬
‫الطريقين أولى بالسلوك ‪ :‬أحد ذينك الطريقين أو غيرهما ‪.‬‬
‫فتسبين أن مجرد القدام على الحزم ل يدل على علم صساحبه ول على‬
‫صدقه‪ ،‬وأن التوقف والمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلء ‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬أن يقال ‪ :‬قوله ‪ (( :‬إنهم جازمون بح صول النجاة لهم‬
‫دون أهل السنة )) كذب ‪ ،‬فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم‬
‫يدخل الجنة ‪ ،‬وإن َترَك الواجبات و َفعَل المحرمات ‪ ،‬فليس هذا قول المامية ‪،‬‬
‫ول يقوله عاقل ‪.‬‬
‫عليس حسسنة ل يضسر معهسا سسيئة ‪ ،‬فل يضره ترك‬
‫ّ‬
‫وإن كان حسب‬
‫الصلوات ‪ ،‬ول الفجور بالعلويّات ‪ ،‬ول نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا‬
‫كان يحب عليّا ‪.‬‬
‫فإن قالوا ‪ :‬المحبة الصادقة تستلزم الموافقة ‪ ،‬عاد المر إلى أنه ل بد‬
‫من أداء الواجبات وترك المحرمات ‪ .‬وإن أراد بذلك أن هم يعتقدون أن كل من‬
‫اعتقسد العتقاد الصسحيح ‪ ،‬وأدى الواجبات ‪ ،‬وترك المحرّمات يدخسل الجنسة –‬
‫فهذا اعتقاد أهل السنة ؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتّقى ال ‪ ،‬كما نطق به‬
‫القرآن‪.‬‬
‫وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن ‪ ،‬فإنه‬
‫إذا علم أ نه مات على التقوى عُلم أ نه من أ هل الج نة ‪ .‬ولهذا يشهدون بالج نة‬
‫ل من ش هد له الر سول صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ول هم في من ا ستفاض في‬

‫‪153‬‬

‫الناس حسن الثناء عليه قولن ‪.‬‬
‫ف تبين أ نه ل يس في المام ية جزم محمود اختُ صوا به عن أ هل ال سنة‬
‫والجماعسة ‪ .‬وإن قالوا ‪ :‬إنّا نجزم لكسل شخسص رأيناه ملتزما للواجبات عندنسا‬
‫تاركا للمحرمات ‪ ،‬بأنه من أهل الجنة ‪ ،‬من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬هذه المسألة ل تتعلق بالمامية ‪ ،‬بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو‬
‫لهل السنة ‪ ،‬وهم بسلوكه أحذق ‪ ،‬وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك ‪،‬‬
‫كان ذلك قول بل علم ‪ ،‬فل فضيلة فيه ‪ ،‬بل في عدمه ‪.‬‬
‫ففسي الجملة ل يدّعون عل ما صسحيحا إل وأهسل ال سنة أ حق بسه ‪ ،‬و ما‬
‫ادّعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه ‪.‬‬
‫الو جه الخا مس ‪ :‬أن أ هل ال سنة يجزمون بح صول النجاة لئمت هم أع ظم من‬
‫جزم الرافضسة ‪ .‬وذلك أن أئمتهسم بعسد النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم هسم‬
‫السسابقون الوّلون مسن المهاجريسن والنصسار ‪ ،‬وهسم جازمون بحصسول النجاة‬
‫لهؤلء ‪ ،‬فإنهم يشهدون ان العشرة في الجنة ‪ ،‬ويشهدون أن ال قال لهل بدر‪:‬‬
‫(( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) ‪ ،‬بل يقولون ‪ :‬إنه ((ل يدخل النار أحد‬
‫با يع ت حت الشجرة )) ك ما ث بت ذلك في ال صحيح عن ال نبي صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ .‬فهؤلء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لهل السنة ‪ ،‬يشهدون أنه‬

‫ل يدخل النار منهم أحد ‪ ،‬وهي شهادة بعلم ‪ ،‬كما دل على ذلك الكتاب والسنة‪.‬‬
‫الو جه ال سادس ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أ هل ال سنة يشهدون بالنجاة ‪ :‬إ ما مطل قا ‪،‬‬
‫وإما معينا ‪ ،‬شهادة مستندة إلى علم ‪ .‬وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما‬
‫ل يعلمون ‪ ،‬أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنسه كذب ‪ ،‬فهسم كمسا قال الشافعسي‬
‫رحمه ال ‪ :‬ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة ‪.‬‬
‫الوجنه السنابع ‪ :‬أن المام الذي شهسد له بالنجاة ‪ :‬إمسا أن يكون هسو‬
‫المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين ‪ ،‬أو هو مطاع فيما يأمر‬
‫بسه مسن طاعسة ال ورسسوله ‪ ،‬وفيمسا يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أوْلى‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 3‬ص ‪ 46‬ومسلم ج ‪ 2‬ص ‪.822‬‬

‫‪154‬‬

‫منسه‪ ،‬ونحسو ذلك ‪ .‬فإن كان المام هسو الول ‪ ،‬فل إمام لهسل السسنة بهذا‬
‫العتبار إل رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬وهسم يقولون كمسا قال‬
‫مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم ‪ :‬كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إل رسول ال‬
‫عليه السلم ‪ .‬وهم يشهدون لمام هم أ نه خير الخلئق ‪ ،‬ويشهدون ان كل من‬
‫ائتم به ‪ ،‬ففعل ما أُمر به وترك ما نُهى عنه ‪ ،‬دخل الجنة ‪ .‬وهذه الشهادة بهذا‬
‫وهذا هم في ها أ تم من الراف ضة من شهادت هم للع سكر ِييْن وأمثاله ما بأ نه من‬
‫أطاعهم دخل الجنة ‪.‬‬
‫فثبت أن إمام أهل السنة أكمل ‪ ،‬وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ‪،‬‬
‫ول سواء ‪.‬‬
‫ول كن قال ال تعالى ‪] :‬ءآل خَيْرٌ َأمّ ا ُيشْرِكون [‬

‫(‪)1‬‬

‫‪،‬فع ند المقابلة يُذ كر الخ ير‬

‫المحض على الشر المحض ‪ ،‬وإن كان الشر المحض ل خير فيه ‪.‬‬
‫وإن أرادوا بالمام المام المقيّد ‪ ،‬فذاك ل يُوجب أهل السنة طاعته ‪،‬‬
‫إن لم ي كن ما أ مر به مواف قا ل مر المام المطلق ر سول ال صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وهم إذا أطاعوه فيما أمر ال بطاعته فيه ‪ ،‬فإنما هم مطيعون ل‬
‫ورسوله ‪ ،‬فل يضرهم توقفهم في المام المقيّد ‪ :‬هل هو في الجنة أم ل ؟ ‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬إن ال قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله ‪،‬‬
‫وتوعّد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك ‪ ،‬فمناط السعادة طاعة ال ورسوله ‪ .‬كما قال‬
‫علَ ْيهِ مْ مّ نَ‬
‫ن أَ ْنعَ َم الُ َ‬
‫تعالى ‪ ] :‬وَمَن ُيطِ ْع الَ وَالرّ سُولَ فَُأوْلئِ كَ َم َع الّذي َ‬
‫شهَداءْ وَالصّالِحينَ َوحَسَنَ أولَئِكَ رَفيقًا [‬
‫ن وَالصّدّيقينَ وال ّ‬
‫النّبِيّي َ‬

‫(‪)2‬‬

‫وأمثال ذلك‬

‫‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك وال تعالى يقول ‪ ] :‬فاتّقوا ال ما ا سْ َتطَعْ ُتمْ [(‪ )3‬ف من اجت هد في‬
‫طاعة ال ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 59‬من سورة النمل ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫فقول الرافضة ‪ :‬لن يدخل الجنّة إل من كان إماميا ‪ ،‬كقول اليهود والنصارى ‪:‬‬
‫ك َأمَانّ ّيهُ مْ قُلْ هَاتُوا ُبرْهَا َنكُ مْ‬
‫ن كَا نَ هُودًا َأوْ نَ صَارَى ‪ ،‬تِلْ َ‬
‫جنّ َة ِإلّ مَ ْ‬
‫ن َي ْدخُلَ ا ْل َ‬
‫]َل ْ‬
‫ع ْندَ َربّ هِ َولَ‬
‫جرُ هُ ِ‬
‫جهَ ُه ِلِ وَ ُهوَ ُمحْ سِنٌ فَلَ هُ َأ ْ‬
‫ن أَ سَْلمَ َو ْ‬
‫إِ نْ ُك ْنتُ مْ صَادِقِين ‪ ،‬بَلَى َم ْ‬
‫خَ ْوفٌ عََل ْيهِمْ َولَ ُه ْم َيحْ َزنُون [(‪. )1‬‬
‫ومسن المعلوم أن المنتظسر الذي يدّعيسه الرافضسي ل يجسب على أحسد‬
‫طاعتسه ‪ ،‬فإنسه ل يُعلم له قول منقول عنسه ‪ ،‬فإذا مسن أطاع الرسسول صسلى ال‬
‫تعالى عل يه و سلم د خل الج نة وإن لم يؤ من بهذا المام ‪ ،‬و من آ من بهذا المام‬
‫لم يدخسل الجنسة إل إذا أطاع الرسسول صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬فطاعسة‬
‫الر سول صلى ال تعالى عل يه و سلم هي مدار ال سعادة وجودا وعد ما ‪ ،‬و هي‬
‫الفار قة ب ين أ هل الج نة والنار ‪ ،‬ومح مد صلى ل تعالى عل يه و سلم فرّق ب ين‬
‫الناس ‪ ،‬وال سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم ‪ ،‬فتبين أن‬
‫أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنّة ‪.‬‬
‫(فصسسسل)‬
‫قال الراف ضي‪ :‬الو جه الرا بع ‪ :‬أن المام ية أخذوا مذهب هم عن الئ مة‬
‫المعصسومين المشهوريسن بالفضسل والعلم ولزهسد والورع ‪ ،‬والشتغال فسي كسل‬
‫وقست بالعبادة والدعاء وتلوة القرآن ‪،‬والمداومسة على ذلك مسن زمسن الطفولة‬
‫إلى آ خر الع مر ‪ ،‬ومنهم من يعلم الناس العلوم ‪ ،‬ونزل في حق هم ‪] :‬ه ْل أَتَى [‬
‫وآ ية الطهارة ‪ ،‬وإيجاب المودة ل هم ‪ ،‬وآ ية البتهال وغ ير ذلك ‪ .‬وكان علي ّ ‪t‬‬

‫ي صلّي في كل يوم وليلة ألف رك عة ‪ ،‬ويتلو القرآن مع شدّة ابتلئه بالحروب‬
‫والجهاد ‪.‬‬
‫فأولهم عليّ بن أبي طالب ‪ t‬كان أفضل الخلق بعد رسول ال ‪e‬وجعله‬
‫ُسن ُكمْ [‬
‫ال نفسس رسسول ال حيسث قال‪َ ] :‬وأَنْفُسنَنا َوأَنْف َ‬
‫‪ )1(1‬اليتان ‪ 112 ، 111‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 61‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫(‪)2‬‬

‫وواخاه رسسول ال‬

‫وزوّجه ابنته ‪ ،‬و َفضْلُهُ ل يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة ‪ ،‬حتى ادّعى قوم‬
‫فيسه الربوبيسة وقتلهسم ‪ ،‬وصسار إلى مقالتهسم آخرون إلى هذه الغايسة كالغلة‬
‫والن صيرية ‪ .‬وكان ولداه سبطا ر سول ال ‪ e‬سيدا شباب أ هل الج نة ‪ ،‬إمام ين‬
‫بنسص النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬وكانسا أزهسد الناس وأعلمهسم فسي‬
‫زمانهما ‪ ،‬وجاهدا في ال حق جهاده حتى قتل ‪ ،‬ولبس الحسن الصوف تحت‬
‫ثيا به الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك ‪ ،‬وأخذ النبي صلى ال تعالى عليه‬
‫وسسلم يومسا الحسسين على فخذه اليمسن ‪ ،‬وإبراهيسم على فخذه اليسسر ‪ ،‬فنزل‬
‫جبرائيل عليه السلم وقال‪ :‬إن ال تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما ‪ ،‬فاختر من‬
‫شئت منه ما ‪ ،‬فقال ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ :‬إذا مات الح سين بك يت‬
‫أ نا وعل يّ وفاط مة ‪ ،‬وإذا مات إبراه يم بك يت أ نا عل يه ‪ ،‬فاختار موت إبراه يم‬
‫فمات بعسد ثلثسة أيام ‪ ،‬وكان إذا جاء الحسسين بعسد ذلك يقبله ويقول ‪ :‬أهل‬
‫ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم ‪.‬‬
‫وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويصوم ليله ‪ ،‬ويتلو‬
‫الكتاب العزيسز ‪ ،‬ويصسلّي كسل يوم وليلة ألف ركعسة ‪ ،‬ويدعسو كسل ركعتيسن‬
‫بالدعية المنقولة عنه وعن آبائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر ‪ ،‬ويقول ‪ :‬أنّى‬
‫لي بعبادة عل يّ ‪ ،‬وكان يبكي كثيرا حتى أخذت الدموع من لحم خديه ‪ ،‬وسجد‬
‫حتى سمى ذا الثَفِنات ‪ ،‬وسماه رسول ال ‪ e‬سيد العابدين ‪.‬‬
‫وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من‬
‫الزحام ‪ ،‬فجاء زين العابدين فوقف الناس له و َت َنحّوْا عن الحجر حتى استلمه ‪،‬‬
‫ولم يبق عند الحجر سواه ‪ ،‬فقال هشام بن عبد الملك ‪ :‬من هذا فقال الفرزدق‬
‫وذكسر أبيات الشعسر المشهورة فبعسث إليسه المام زيسن العابديسن بألف دينار ‪،‬‬
‫فرد ها ‪ ،‬وقال‪ :‬إن ما قلت هذا غضبا ل ولر سوله ‪ ،‬ف ما آ خذ عل يه أجرا ‪ ،‬فقال‬
‫عي بن الحسين ‪ :‬نحن أهل بيت ل يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق ‪.‬‬
‫وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليل ول يعرفون ممن هو ‪ ،‬فلما مات‬
‫زين العابدين ‪ ،‬انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه ‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫وكان اب نه مح مد البا قر أع ظم الناس زهدا وعبادة ‪ ،‬بَ َقرَ ال سجو ُد جبهتَه‪ ،‬وكان‬
‫أعلم أهل وقته ‪ ،‬سمّاه رسول ال ‪ e‬الباقر ‪ ،‬وجاء جابر بن عبد ال النصاري‬
‫إليه وهو صغير في ال ُكتّاب ‪ ،‬فقال له ‪ :‬جدّك رسول ال ‪ e‬يسلّم عليك ‪ .‬فقال‬
‫‪ :‬وعلى جدّي السلم ‪ .‬فقيل لجابر كيف هو ؟ قال كنت جالسا عند رسول ال‬
‫‪ e‬والحسين في حجره وهو يلعبه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا جابر يولد له ولد اسمه عليّ إذا‬
‫كان يوم القيا مة نادى منادٍ ‪ :‬لي قم سيد العابد ين ‪ ،‬فيقوم ولده ‪ ،‬ثم يولد له مولود‬
‫ا سمه مح مد البا قر ‪ ،‬يب قر العلم بقرا ‪ ،‬فإذا رأي ته فاقرئه م ني ال سلم ‪ .‬وروى‬
‫عنه أبي حنيفة وغيره ‪.‬‬
‫وكان ابنسه الصسادق عليسه السسلم أفضسل أهسل زمانسه وأعبدهسم ‪ ،‬قال‬
‫علماء السسيرة ‪ :‬إنسه اشتغسل بالعبادة عسن طلب الرياسسة ‪ ،‬وقال عمسر بسن أبسي‬
‫المقدام‪ :‬ك نت إذا نظرت إلى جع فر بن مح مد ال صادق عل مت أ نه من سللة‬
‫النبيين ‪،‬وهو الذي نشر فقه المامية ‪ ،‬والمعارف الحقيقية ‪ ،‬والعقائد اليقينية ‪،‬‬
‫وكان ل يخبر بأمر إل وقع ‪ ،‬وبه سمّوه الصادق المين ‪.‬‬
‫وكان عبسد ال بسن الحسسن جمسع أكابر العلوييسن للبيعسة لولديسه ‪ ،‬فقال‬
‫الصسادق ‪ :‬هذا المسر ل يتسم ‪ ،‬فاغتاظ مسن ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنسه لصساحب القباء‬
‫ال صفر ‪ ،‬وأشار بذلك إلى المن صور ‪ ،‬فل ما سمع المن صور بذلك فرح لعل مه‬
‫بوقوع ما يُ خبر به ‪ ،‬وعلم أن ال مر ي صل إل يه ‪ ،‬ول ما هرب كان يقول ‪ :‬أ ين‬
‫قول صادقهم ؟ وبعد ذلك انتهى المر إليه ‪.‬‬
‫وكان ابنه موسى الكاظم ُيدْعى بالعبد الصالح ‪ ،‬وكان أعبد أهل زمانه‪،‬‬
‫يقوم الليل ويصوم النهار ‪ ،‬وسمّي الكاظم لنه كان إذ بلغه عن أحد شيء بعث‬
‫إليسه بمال ‪ .‬ونقسل فضله الموافسق والمخالف ‪ .‬قال ابسن الجوزي مسن الحنابلة‪:‬‬
‫روي عن شقيق البلخي قال ‪ :‬خرجت حاجّا سنة تسع وأربعين ومائة ‪ ،‬فنزلت‬
‫القادسية فإذا شاب حسن الوجه شديد السمرة ‪ ،‬عليه ثياب صسوف مشتمل‬
‫بشملة ‪ ،‬في رجل يه نعلن ‪ ،‬و قد جلس منفردا عن الناس ‪ ،‬فقلت في نف سي ‪:‬‬
‫ل على الناس ‪ ،‬وال لمضيسن إليسه‬
‫هذا الفتسى مسن الصسوفية يريسد أن يكون كَ ّ‬

‫‪158‬‬

‫أوبّخه ‪ ،‬فدنوت منه فلما رآني مقبل قال‪ :‬يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن إن‬
‫بعض الظن إثم ‪.‬‬
‫فقلت فسي نفسسي ‪ :‬هذا عبسد صسالح قسد نطسق على مسا فسي خاطري ‪،‬‬
‫للحقنسه ول سألنّه أن يحاللنسي ‪ ،‬فغاب على عي ني ‪ ،‬فل ما نزلنسا واق صة إذا به‬
‫يصلي ‪ ،‬وأعضاؤه تضطرب ‪ ،‬ودموعه تتحادر ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أمضي إليه وأعتذر‪،‬‬
‫ع ِملَ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن تَا بَ وَآ َم َ‬
‫غفّارٌ ِلمَ ْ‬
‫فأوجز في صلته ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬يا شقيق ‪َ ] :‬وإِنّي َ‬
‫صَا ِلحًا ثُمّ اهْتَدَى [‬

‫(‪)1‬‬

‫فقلت ‪ :‬هذا من البدال ‪ ،‬قد تكلم على سرّي مرت ين ‪.‬‬

‫فل ما نزل نا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة ير يد ان ي سقي ماء ف سقطت‬
‫الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال ‪:‬‬
‫ء وقوتي إذا أردت الطعاما‬

‫أنت ربي إذا ظمئت إلى الما‬

‫يا سيدي مالي سواها قال شق يق ‪ :‬فوال ل قد رأ يت البئر قد ارت فع ماؤ ها فا خذ‬
‫الركوة وملها وتو ضأ وصلى أر بع ركعات ‪ ،‬ثم مال إلى كثيب ر مل هناك ‪،‬‬
‫فج عل يق بض بيده ويطر حه في الركوة ويشرب فقلت ‪ :‬أطعم ني من ف ضل ما‬
‫رزقك ال أو ما أنعم ال عليك ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا شقيق لم تزل نعم ال علينا ظاهرة‬
‫وباط نة فأح سن ظ نك بر بك ‪ ،‬ثم ناول ني الركوة فشر بت من ها فإذا هو سويق‬
‫وسكر ‪ ،‬ما شربت وال ألذ منه ول أطيب منه ريحا فشبعت ورويت ‪ .‬وأقمت‬
‫أياما ل أشتهي طعاما ول شرابا ‪ ،‬ثم لم أره حتى دخلت مكة ‪ ،‬فرأيته ليلة إلى‬
‫جا نب ق بة الميزاب ن صف الل يل ي صلّي بخشوع وأن ين وبكاء ‪ ،‬فلم يزل كذلك‬
‫حتى ذهب الليل ‪ ،‬فلما طلع الفجر جلس في مصله يسبح ‪ ،‬ثم قام إلى صلة‬
‫الفجسر ‪ ،‬وطاف بالبيست أسسبوعا ‪ ،‬وخرج فتبعتسه ‪ ،‬فإذا له حاشيسة وأموال‬
‫وغلمان‪ ،‬وهو على خلف ما رأيته في الطريق ‪ ،‬ودار به الناس يسلّمون عليه‬
‫ويتسبركون بسه ‪ ،‬فقلت لهسم ‪ :‬مسن هذا ؟ قالوا موسسى بسن جعفسر ‪ ،‬فقلت ‪ :‬قسد‬
‫عجبت أن تكون هذه العجائب إل لمثل هذا السيد ‪ .‬هذا رواه الحنبلي ‪.‬‬
‫وعلى يده تاب بشر الحافي لنه عليه السلم اجتاز على داره ببغداد ‪،‬‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 82‬من سورة طه ‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫فسسمع الملهسي وأصسوات الغناء والقصسب يخرج مسن تلك الدار ‪ ،‬فخرجست‬
‫جار ية وبيد ها قما مة الب قل ‪ ،‬فر مت ب ها في الدرب ‪ ،‬فقال ل ها ‪ :‬يا جار ية ‪،‬‬
‫صاحب هذا الدار حرّ أم ع بد ؟ فقالت ‪ :‬بل حر ‪ ،‬فقال ‪ :‬صدقت لو كان عبدا‬
‫لخاف من موله ‪ .‬فلما دخلت الجارية قال مولها وهو على مائدة السكر ‪ :‬ما‬
‫أبطأك علي نا ؟ قالت ‪ :‬حدث ني ر جل بكذا وكذا ‪ ،‬فخرج حاف يا ح تى ل قى مول نا‬
‫موسى بن جعفر فتاب على يده ‪.‬‬
‫والجواب عننه منن وجوه ‪ :‬أحدهنا ‪ :‬أن يقال ‪ :‬ل نسسلم أن الماميسة‬
‫أخذوا مذهبهم عن أهل البيت ‪ :‬ل الثنا عشرية ول غيرهم ‪ ،‬بل هم مخالفون‬
‫لعليس‪ t‬وأئمسة أهسل البيست فسي جميسع أصسولهم التسي فارقوا فيهسا أهسل السسنة‬
‫ّ‬
‫والجما عة ‪ :‬توحيد هم ‪ ،‬وعدل هم ‪ ،‬وإمامت هم ‪ ،‬فإن الثا بت عن علي ‪ t‬و أئ مة‬
‫أهسل البيست مسن إثبات الصسفات ل ‪ ،‬وإثبات القدر ‪ ،‬وإثبات خلفسة الخلفاء‬
‫الثلثسة ‪ ،‬وإثبات فضيلة أبسي بكسر وعمسر ‪t‬مسا ‪ ،‬وغيسر ذلك مسن المسسائل كله‬
‫يناقض مذهب الرافضة‪.‬‬
‫والنقسل بذلك ثابست مسستفيض فسي كتسب أهسل العلم ‪ ،‬بحيسث إن معرفسة‬
‫المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأن الرافضة‬
‫مخالفون لهم ل موافقون لهم ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن يقال ‪ :‬قد عُلم أن الشيعة مختلفون اختلفا كثيرا في مسائل‬
‫المامة والصفات والقدر ‪ ،‬وغير ذلك من مسائل أصول دينهم ‪ .‬فأي قول لهم‬
‫والمأخوذ عن الئمة المعصومين ‪ ،‬حتى مسائل المامة ‪ ،‬قد عُرف اضطرابهم‬
‫فيها ‪.‬‬
‫وقسد تقدم بعسض اختلفهسم فسي النسص وفسي المنتظسر فهسم فسي الباقسي‬
‫المنت ظر على أقوال ‪ :‬من هم من يقول ببقاء جع فر بن مح مد ‪ ،‬ومن هم من يقول‬
‫ببقاء ابنه موسى بن جعفر ‪ ،‬ومنهم من يقول ببقاء محمد بن عبد ال بن حسن‪،‬‬
‫ومنهسم مسن يقول ببقاء محمسد بن الحنف ية ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬نسص عليّ على‬
‫الح سن والح سين ‪ ،‬وهؤلء يقولون على مح مد بن الحنف ية ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪:‬‬

‫‪160‬‬

‫أوصى عليّ بن الحسين إلى ابنه أبي جعفر ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬إلى ابنه عبد‬
‫ال ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬أوصى إلى محمد بن عبد ال بن الحسن بن الحسين ‪،‬‬
‫وهؤلء يقولون ‪ :‬إن جع فر أو صى إلى اب نه إ سماعيل ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬إلى‬
‫ابنه محمد بن إسماعيل ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬إلى ابنه محمد ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪:‬‬
‫إلى ابنه عبد ال ‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬إلى ابنه موسى ‪ ،‬وهؤلء يسوقون النص‬
‫إلى مح مد بن الح سن ‪ ،‬وهؤلء ي سوقون ال نص إلى ب ني عب يد ال بن ميمون‬
‫القدّاح الحاكم وشيعته ‪ ،‬وهؤلء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس‪،‬‬
‫ويمت نع ان تكون هذه القوال المتناق ضة مأخوذة عن مع صوم ‪ ،‬فب طل قول هم ‪:‬‬
‫إن أقوالهم مأخوذة عن معصوم ‪.‬‬
‫سوما ‪ ،‬فإذا كان‬
‫سب أن عليّا كان معصس‬
‫الوجننه الثالث ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬هس‬
‫الختلف ب ين الشي عة هذا الختلف ‪ ،‬و هم متنازعون هذا التنازع ‪ ،‬ف من أ ين‬
‫يُعلم صحة بعض هذه القوال عن عل يّ دون الخر ‪ ،‬وكل منهم يدّعي أن ما‬
‫يقوله إنما أخذه عن المعصومين ؟ وليس للشيعة أسانيد أهل السنة حتى يُنظر‬
‫في ال سناد وعدالة الرجال ‪ .‬بل إن ما هي منقولت منقط عة عن طائ فة عُرف‬
‫فيها كثرة الكذب وكثرة التناقض في النقل فهل يثق عاقل بذلك ؟‬
‫ونصس هذا على هذا كان هذا‬
‫ّ‬
‫س هذا على هذا ‪،‬‬
‫وإن ادعوا تواتسر نص ّ‬
‫معارضا بدعوى غيرهم مثل هذا التواتر ‪ ،‬فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعوا‬
‫مثل هذه الدعوى لم يكن بين الدعويين فرق ‪.‬‬
‫فهذه الوجوه وغيرها تبين أن بتقدير ثبوت عصمة عليّ ‪ t‬فمذهبهم ليس‬
‫مأخوذا عنه ‪ ،‬فنفس دعواهم العصمة في عليّ مثل دعوى النصارى اللهية في‬
‫المسيح ‪ .‬مع أن ما هم عليه ليس مأخوذا عن المسيح ‪.‬‬
‫الو جه الرا بع ‪ :‬أن هم في مذهب هم محتاجون إلى مقدمت ين ‪ :‬إحداه ما ‪:‬‬
‫ع صمة من يضيفون المذ هب إل يه من الئ مة ‪ ،‬والثان ية ثبوت ذلك الن قل عن‬
‫المام ‪ .‬وكلتا المقدمتين باطلة ‪ ،‬فإن المسيح ليس بإله ‪ ،‬بل هو رسول كريم ‪،‬‬
‫وبتقد ير ان يكون إل ها أو ر سول كري ما فقوله حق ‪ ،‬ل كن ما تقوله الن صارى‬

‫‪161‬‬

‫ل يس من قوله ‪ ،‬ولهذا كان في علي ّ ‪ t‬ش به من الم سيح ‪ :‬قوم غلوا ف يه فوق‬
‫قدره ‪ ،‬وقوم نق صوه دون قدره ف هم كاليهود ‪ ،‬هؤلء يقولون عن الم سيح ‪ :‬إ نه‬
‫عليس ‪ :‬هؤلء يقولون ‪ :‬إنسه‬
‫ّ‬
‫إله ‪ .‬وهؤلء يقولون ‪ :‬كافسر ولد بغيّةس ‪ .‬وكذلك‬
‫إله‪ ،‬وهؤلء يقولون ‪ :‬إنه كافر ظالم ‪.‬‬
‫الو جه الخا مس ‪ :‬أن يقال‪ :‬قد ث بت لعل يّ بن أ بي طالب ‪ ،t‬والح سن ‪،‬‬
‫والح سين ‪ ،‬وعلي بن الح سين ‪ ،‬واب نه مح مد ‪ ،‬وجع فر بن مح مد من المنا قب‬
‫والفضائل ما لم يذكره هذا المصنف الرافضي‪.‬وذكر أشياء من الكذب تدل على‬
‫جهل ناقلها ‪ ،‬مثل قوله ‪ :‬نزل في حقهم ‪] :‬ه ْل أَتَى[ فإن سورة ]هَل أَتىَ [ مكّية‬
‫باتفاق العلماء ‪ ،‬وعل يّ إن ما تزوج فاط مة بالمدي نة ب عد الهجرة ‪ ،‬ولم يد خل ب ها‬
‫إل بعد غزوة بدر ‪ ،‬ووُلد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة ‪ ،‬والحسين في‬
‫السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول ‪] :‬هل أتى [بسنين كثيرة ‪.‬‬
‫فقول القائل ‪ :‬إن ها نزلت في هم ‪ ،‬من الكذب الذي ل يخ فى على من له‬
‫علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلء السادة الخيار ‪.‬‬
‫وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس‬
‫عنهم ‪ ،‬وإنما فيها المر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم ‪ .‬فإن‬
‫طهِيرًا[(‪ )1‬كقوله‬
‫طهّ َركُمْ َت ْ‬
‫ت وَ ُي َ‬
‫ب عَ ْنكُمُ ال ّرجْسَ أَ ْه َل الْبَيْ ِ‬
‫قوله ]إِ ّنمَا يُرِي ُد الُ لِيُذْهِ َ‬
‫طهّ َركُم[(‪ )2‬وقوله‪ُ] :‬‬
‫ن يُرِي ُد لِ ُي َ‬
‫ج وَ َلكِ ْ‬
‫ن حَرَ ٍ‬
‫ج َعلَ عَلَ ْيكُمْ مِ ْ‬
‫تعالى ‪َ] :‬ما ُيرِيدُ الُ لِ َي ْ‬
‫ن الّذِي نَ مِ نْ قَبْ ِلكُ مْ وَيَتُو بَ عَلَيْكُم وَالُ عَلِي مٌ‬
‫ن لَكُم وَ َيهْدِيَكُم سُنَ َ‬
‫يرِي ُد الُ لِيُبَيّ َ‬
‫ش َهوَا تِ أَ نْ َتمِيلُوا‬
‫ب عَلَ ْيكُ مْ وَ ُيرِيدُ الّذِي نَ يَتّ ِبعُو نَ ال ّ‬
‫ن يَتُو َ‬
‫حكِ يم ‪ .‬وَالُ يُرِي ُد أَ ْ‬
‫َ‬
‫ضعِيفًا [(‪. )3‬‬
‫ق الِ ْنسَانُ َ‬
‫خفّفَ عَ ْنكُم َوخُلِ َ‬
‫عظِيمًا ‪ .‬يُري ُد الُ أَنْ ُي َ‬
‫مَيْلً َ‬
‫فالرادة ه نا متضم نة لل مر والمح بة والر ضا ‪ ،‬ولي ست هي المشيئة‬
‫المسستلزمة لوقوع المراد ؛ فإنسه لو كان كذلك لكان قسد طهّرس كسل مسن أراد ال‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 33‬من سورة الحزاب ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 6‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬اليات من ‪ 28 – 26‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫طهارته ‪ .‬وهذا على قول هؤلء القدرية الشيعة أوجه ‪ ،‬فإن عندهم أن ال يريد‬
‫ما ل يكون ‪ ،‬ويكون ما ل يريد ‪.‬‬
‫ُمن‬
‫طهّ َرك ْ‬
‫ْتن وَ ُي َ‬
‫ن الرّج َز أَ ْهلَ الْبَي ِ‬
‫ِبن عَ ْنكُم ُ‬
‫فقوله ‪] :‬إِنّمَنا يُرِي ُد الُن لِيُذْه َ‬
‫طهِيرا[ إذا كان هذا بف عل المأمور وترك المحظور ‪ ،‬كان ذلك متعل قا بإرادت هم‬
‫َت ْ‬
‫طهّروا وإل فل ‪.‬‬
‫وأفعالهم ‪ ،‬فإن فعلوا ما أُمروا به ُ‬
‫وهسسم يقولون ‪:‬إن ال ل يخلق أفعالهسسم ‪ ،‬ول يقدر على تطهيرهسسم‬
‫وإذهاب الر جز عن هم ‪ .‬وأ ما المثبتون للقدر فيقولون ‪ :‬إن ال قادر على ذلك ‪،‬‬
‫حظَر حصلت الطهارة وذهاب الرجس ‪.‬‬
‫فإذا ألهمهم فعل ما َأ َمرَ وترك ما َ‬
‫ومما يبين أن هذا مما أُمروا به ل مما أُخبروا بوقوعه ‪ ،‬ما ثبت في‬
‫ي وفاطمة وحسن وحسين ‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬
‫الصحيح أن النبي ‪ e‬أدار الكساء على عل ّ‬
‫((‬

‫اللهم هؤلء أهل بيتي ‪،‬فأذهب عنهم الجس وطهّرهم تطهيرا ))‪ .‬وهذا الحديث‬

‫رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ‪ ،‬ورواه أهل السنن عن أم سلمة (‪. )1‬‬
‫وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنه دعا لهم‬
‫بذلك ‪،‬وهذا دليل على أن الية لم تخبر بوقوع ذلك ‪ ،‬فإنه لو كان قد وقع لكان‬
‫يثنى على ال بوقوعه ويشطره على ذلك ‪ ،‬ل يقتصر على مجرد الدعاء به ‪.‬‬
‫سم‬
‫سس عنهس‬
‫ني ‪ :‬أن هذا يدل على أن ال قادر على إذهاب الرجس‬
‫الثانن‬
‫وتطهيرهسم ‪ ،‬وذلك يدل على أنسه خالق أفعال العباد ‪ .‬وممسا يسبين ان اليسة‬
‫ت مِ ْنكُنّ‬
‫متضمنة للمر والنهي قوله في سياق الكلم ‪َ ] :‬يا نِ سَا َء النّبِيّ مَ نْ يَ ْأ ِ‬
‫ك عَلَى الِ يَ سِيرًا ‪َ .‬ومَ نْ‬
‫ن ذَلِ َ‬
‫ض ْعفَيْن َوكَا َ‬
‫ف َلهَا ا ْلعَذَا بُ ِ‬
‫حشَ ٍة مُبَيّ َنةٍ يُضَاعَ ْ‬
‫ِبفَا ِ‬
‫َيقْنُ تْ مِ ْنكُنّ ِلِ َورَ سُو ِلهِ وَ َت ْع َملْ صَا ِلحًا ُنؤْ ِتهَا َأجْرَهَا مَرّتَ ْي نِ َوأَعْتَدْنَا َلهَا رِ ْزقًا‬
‫ضعْ نَ بِا ْل َق ْولِ‬
‫ن كَ َأحَدٍ مِ نَ النّ سَاءِ إِ نِ ا ّتقَيْتُ نّ َفلَ َتخْ َ‬
‫كَرِيمًا ‪ .‬يَا نِ سَاءَ النّبِيّ لَ سْتُ ّ‬
‫ض وَقُ ْل نَ َق ْولً َمعْرُوفًا ‪.‬وَ َقرْ نَ فِي بُيُوتِكُنّ َو َل تَبَ ّرجْ نَ‬
‫طمَ عَ الّذِي فِي قَلْبِ هِ َمرَ ٌ‬
‫فَ َي ْ‬
‫‪ )1(1‬انظر مسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪ 1883‬والترمذي ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ 30‬وج ‪ 5‬ص ‪ 328‬والمسند ‪ :‬ج‬
‫‪ 6‬ص ‪.298، 292‬‬

‫‪163‬‬

‫طعْ نَ الَ وَرَ سُو َل ُه إِنّمَا‬
‫ج ا ْلجَاهِلِ ّي ِة الُولَى َوأَ ِقمْ نَ ال صّلَ َة وَآتِي نَ ال ّزكَاةَ َوَأ ِ‬
‫تَبَرّ َ‬
‫طهِيرًا ‪ .‬وَا ْذكُرْ نَ مَا يُتْلَى‬
‫طهّ َركُ مْ َت ْ‬
‫ب عَ ْنكُ مُ ال ّرجْ سَ أَ ْه َل الْبَيْ تِ وَ ُي َ‬
‫يُرِي ُد الُ لِيُذْهِ َ‬
‫ل كَانَ َلطِيفًا خَبِيرًا [(‪. )1‬‬
‫نا َ‬
‫ت الِ وَا ْلحِ ْك َمةِ إِ ّ‬
‫فِي بُيُو ِتكُنّ مِنْ آيَا ِ‬
‫وهذا السياق يدل على ان ذلك أمر ونهي ‪ ،‬ويدل على أن أزواج النبي‬
‫‪ e‬من أهل بيته ‪ ،‬فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن ‪ ،‬و يدل على أن قوله ‪:‬‬
‫ت [ع مّ غ ير أزوا جه ‪ ،‬كعلي وفاط مة وح سن‬
‫] لِيُ ْذهِ بَ عَ ْنكُ مُ ال ّرجْ سَ أَ ْهلَ الْبَيْ ِ‬
‫وحسين رضى ال عنهم لنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث‪،‬‬
‫وهؤلء خُصسّوا بكونهسم مسن أهسل البيست بالولى مسن أزواجسه ‪ ،‬فلهذا خصسّهم‬
‫بالدعاء لمسا أدخلهسم فسي الكسساء ‪ ،‬كمسا أن مسسجد قُباء أسسس على التقوى ‪،‬‬
‫ومسجده ‪e‬أيضا أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك ‪ ،‬فلما نزل قوله تعالى‪:‬‬
‫ن َتقُو مَ فِيه ِرجَا ٌل ُيحِبّو نَ أَ نْ‬
‫علَى ال ّت ْقوَى مِ نْ َأ ّولِ َيوْ مٍ َأحَقّ أَ ْ‬
‫]َلمسجدٌ أُ سّسَ َ‬
‫طهِرِينن [‬
‫طهّرُوا وَالُ ُيحِبّ ا ْل ُم ّ‬
‫يَ َت َ‬

‫ب سبب م سجد قباء ‪ ،‬تناول الل فظ لم سجد‬

‫(‪)2‬‬

‫قباء ولمسجده ‪ e‬بطريق الولى ‪.‬‬
‫وكذلك قوله في إيجاب المودة ل هم غلط ‪ .‬ف قد ث بت في ال صحيح عن‬
‫سعيد بن جبير أن ا بن عباس ر ضى ال عنه ما سئل عن قوله تعالى ‪ُ]:‬قلْ لَ‬
‫ْهن َأجْرًا ِإلّ ا ْل َموَدّةَ فِي ا ْلقُرْبَى [ (‪ )3‬قال‪ :‬فقلت ‪ :‬إل أن تودّوا ذوى‬
‫َسنأَُلكُمْ عَلَي ِ‬
‫أ ْ‬
‫قر بى مح مد ‪ .e‬فقال ا بن عباس ‪ :‬عَجل تَ ‪ ،‬إ نه لم ي كن ب طن من قر يش إل‬
‫لرسول ال ‪ e‬منهم قرابة ‪ .‬فقال ‪ :‬قل ل أسألكم عليه أجرا إل أن تودوني في‬
‫القرابة التي بيني وبينكم ‪.‬‬
‫فا بن عباس كان من كبار أ هل الب يت وأعلم هم بتف سير القرآن ‪ ،‬وهذا‬
‫تفسيره الثابت عنه ‪ .‬ويدل على ذلك أنه لم يقل ‪ :‬إل المودة لذوى القربى ‪ .‬و‬
‫لكن قال ‪ :‬إل المودة في القربى ‪ .‬أل ترى أنه لما أراد ذوى قرباه قال ‪:‬‬
‫‪ )1(1‬اليات ‪ 34-30‬من سورة الحزاب ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 108‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 23‬من سورة الشورى ‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫سهُ وَلِلرّ سُولِ وَلِذِي ا ْلقُرْبَى[‬
‫خمُ َ‬
‫ن شَيْءٍ فَِإنّ لِ ُ‬
‫]وَاعْ َلمُوا أَ ّنمَا غَ ِنمْتُم مِ ْ‬

‫(‪)1‬‬

‫‪،‬‬

‫ول يُقال ‪ :‬المودة في ذوى القربى ‪ .‬وإنما يقال ‪ :‬المودة لذوى القربى ‪ .‬فكيف‬
‫وقد قال قل ل أسألكم عليه أجرا إل المودة في القربى ؟!‬
‫ويسبين ذلك ان الرسسول ‪ e‬ل يسسال أجرا أصسلً إنمسا أجره على ال ‪،‬‬
‫وعلى الم سلمين موالة أ هل الب يت ل كن بأدلة أخرى غ ير هذه ال ية ‪ ،‬ولي ست‬
‫موالتنا أهل البيت من أجر النبي ‪ e‬في شيء‪.‬‬
‫وأيضا فإن هذه الية مكية ‪ ،‬ولم يكن عليّ قد تزوج بفاطمة ول وُلد له‬
‫أولد ‪.‬‬
‫وأ ما آ ية البتهال ف في ال صحيح أن ها ل ما نزلت أ خذ ال نبي ‪ e‬ب يد عليّ‬
‫وفاط مة وح سن وح سين ليبا هل ب هم(‪ ،)2‬ل كن خ صّهم بذلك لن هم كانوا أقرب‬
‫إليه من غيرهم ‪ ،‬فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه ‪.‬ولكن كان يقول‬
‫عن الح سن‪ ((:‬إن ابني هذا سيد‬

‫))‬

‫فهما ابناه ون ساؤه إذ لم يكن قد ب قي له ب نت‬

‫إل فاطمة ‪t‬ا‪ ،‬فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران ‪،‬وهم نصارى ‪ ،‬وذلك كان‬
‫بعد فتح مكة ‪ ،‬بل كان سنة تسع ‪ ،‬فهذه الية تدل على كمال اتّصالهم برسول‬
‫ال ‪ ،e‬كما دل على ذلك حديث الكساء ‪ ،‬ولكن هذا ل يقتضي أن يكون الواحد‬
‫منهسم أفضسل مسن سسائر المؤمنيسن ول أعلم منهسم ‪ ،‬لن الفضيلة بكمال اليمان‬
‫والتقوى ل بقرب النسب ‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪ ] :‬إِنّ أَكْ َر َمكُ ْم عِنْدَ الِ أَتْقَاكُم [(‪ )3‬وقد ث بت ان الصديق‬
‫كان أت قى ال مة بالكتاب وال سنة ‪ ،‬وتواتر عن ال نبي ‪e‬أ نه قال‪ ((:‬لو ك نت متخذا‬
‫من أهل الرض خليل لتخذت أبا بكر خليل ))(‪ ، )4‬وهذا بسوط في موضعه ‪.‬‬
‫وأما ما نقله عن عليّ أنه كان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة ‪ ،‬فهذا يدل على‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 41‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬انظر صحيح مسلم ج ‪ ، 4‬ص ‪ 1871‬والترمذي ج ‪ 4‬ص ‪.293‬‬
‫‪ )1(3‬الية ‪ 13‬من سورة الحجرات ‪.‬‬
‫‪ )2(4‬انظر البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 96‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪.1854‬‬

‫‪165‬‬

‫جهله بالفضيلة وجهله بالوا قع ‪ .‬أ ما أوّل فلن هذا ل يس بفضيلة ‪ ،‬فإ نه قد ث بت‬
‫في الصحيح عن النبي ‪ e‬أنه كان ل يزيد في الليل على ثلث عشرة ركعة(‪.)1‬‬
‫وثبت عنه في الصحيح أنه قال ‪ (( : e‬أفضل القيام قيام داود ‪ ،‬كان ينام نصف‬
‫الليل ‪ ،‬ويقوم ثلثه ‪ ،‬وينام سدسه))(‪.)2‬‬
‫وأيضا فقوله ‪ :‬إن علي بن أي طالب كان أفضل الخلق بعد رسول ال‬
‫‪ e‬دعوى مجردة ‪ ،‬ينازعه فيها جمهور المسلمين من الوّلين والخرين ‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬جعله ال ن فس ر سول ال ‪ e‬ح يث قال ‪َ ] :‬وأَنْفُ سَنَا َوأَ ْنفُ سَ ُكمْ [‬
‫وواخاه ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬أمسا حديسث المؤاخاه فباطسل موضوع ‪ ،‬فإن النسبي ‪ e‬لم يؤاخ‬
‫أحدا ‪ ،‬ول آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض ‪،‬ول بين النصار بعضهم‬
‫مع ب عض ‪ ،‬ول كن آ خى ب ين المهاجر ين والن صار ‪ ،‬ك ما آ خى ب ين سعد بن‬
‫الرب يع وع بد الرح من بن عوف ‪ ،‬وآ خى ب ين سلمان الفار سي وأ بي الدرداء ‪،‬‬
‫كما ثبت ذلك في الصحيح ‪ .‬وأما قوله‪َ ] :‬وأَنْفُ سَنَا َوأَنْفُ سَ ُكمْ [ فهذا مثل قوله ‪:‬‬
‫ت بِأَ ْن ُفسِهِم خَيْرًا [‬
‫س ِمعْ ُتمُوهُ ظَنّ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ وَا ْل ُم ْؤمِنَا ُ‬
‫]َ ل ْو َل إِذْ َ‬

‫(‪)3‬‬

‫نزلت في ق صة عائ شة ‪t‬ا في ال فك ‪ ،‬فإن الوا حد من المؤمن ين من أن فس‬
‫المؤمنين والمؤمنات ‪.‬‬
‫لعليس ‪ ،‬كمسا أن تزويجسه عثمان بابنتيسه‬
‫ّ‬
‫وأمسا تزويجسه فاطمسة ففضيلة‬
‫سمّي ذو النورين ‪ .‬وكذلك تزوجه بنت أبي بكر‬
‫فضيلة لعثمان أيضا ‪ ،‬ولذلك ُ‬
‫وبنت عمر فضيلة لهما ‪ ،‬فالخلفاء الربعة أصهاره ‪ e‬ورضي ال عنهم ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬وظهرت م نه معجزات كثيرة )) فكأ نه ي سمّى كرامات‬
‫ي أف ضل من‬
‫الولياء معجزات ‪ ،‬وهذا إ صلح لكث ير من الناس ‪ .‬فيقال ‪ :‬عل ّ‬
‫كثيسر ممسن له كرامات ‪ ،‬والكرامات متواترة عسن كثيسر مسن عوام أهسل السسنة‬
‫‪ )3(1‬انظر البخاري ج ‪ 2‬ص ‪ 51‬ومسلم ج ‪ 1‬ص ‪. 508‬‬
‫‪ )4(2‬انظر البخاري ج ‪ 4‬ص ‪ 161‬وج ‪ 2‬ص ‪ 50‬ومسلم ج ‪ 2‬ص ‪ 816‬وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ )5(3‬الية ‪ 12‬من سورة النور‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫ي ‪ ،‬فكيف ل تكون الكرامات ثابتة لعليّ ‪t‬‬
‫الذين يفضلون أبا بكر وعمر على عل ّ‬

‫؟ وليس في مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪(( :‬حتى ادّعى قوم فيه الربوبية و قتلهم )) ‪.‬‬
‫فهذه مقالة جاهل في غاية الجهل لوجوه ‪ :‬أحدها ‪ :‬أن معجزات النبي‬
‫‪ e‬أعظم بكثير وما ادّعى فيه أحد من الصحابة اللهية ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادّعى أحد فيهما‬
‫اللهية ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬إن معجزات نبينسا ومعجزات موسسى أعظسم مسن معجزات‬
‫المسيح ‪ ،‬وما ادّعيت فيهما اللهية كما ادعيت في المسيح ‪.‬‬
‫الرا بع ‪ :‬أن الم سيح ادع يت ف يه الله ية أع ظم م ما ادع يت في مح مد‬
‫وإبراهيم وموسى ‪ ،‬ولم يدل ذلك ل على أنه أفضل منهم ول على أن معجزاته‬
‫أبهر ‪.‬‬
‫الخا مس ‪ :‬أن دعوى الله ية فيه ما دعوى باطلة تقابل ها دعوى باطلة ‪،‬‬
‫وهسي دعوى اليهود فسي المسسيح ‪ ،‬ودعوى الخوارج فسي علي ّس ؛ فإن الخوارج‬
‫كفّروا عليّا ‪ ،‬فإن جاز أن يُقال ‪ :‬إن ما ادّع يت ف يه الله ية لقوة الشب هة ‪ .‬وجاز‬
‫أن يقال ‪ ،‬إنمسا ادّعسى فيسه الكفسر لقوة الشبهسة ‪ ،‬وجاز أن يقال ‪ ،‬صسدرت منسه‬
‫ذنوب اقتضت أن يكفّره بها الخوارج ‪.‬‬
‫والخوارج أك ثر وأع قل وأد ين من الذ ين ادّعوا ف يه الله ية ‪ ،‬فإن جاز‬
‫الحتجاج بمثسل هذا ‪ ،‬وجُعلت هذه الدعوى منقبسة ‪ ،‬كان دعوى المبغضيسن له‬
‫ودعوى الخوارج مثلبة أقوى وأقوى ‪ ،‬وأين الخوارج من الرافضة الغالية ؟!‬
‫فالخوارج مسن أعظسم الناس صسلة وصسياما وقراءة للقرآن ‪ ،‬ولهسم‬
‫جيوش وعسساكر ‪ ،‬وهسم متدينون بديسن السسلم باطنا و ظاهرا ‪ .‬والغاليسة‬
‫المدّعون لللهيسة إمسا أن يكونوا مسن أجهسل الناس ‪ ،‬وإمسا أن يكونوا مسن أكفسر‬
‫الناس ‪ ،‬والغالية كفّار بإجماع العلماء ‪ ،‬وأما الخوارج فل يكفّرهم إل من يكفّر‬
‫المامية ‪ ،‬وعلي ‪ t‬لم يكن يكفّرهم ‪ ،‬ول أمر بقتل الواحد المقدور عليه منهم‪،‬‬

‫‪167‬‬

‫كما أمر بتحريق الغالية ‪ ،‬بل لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد ال بن خبّاب وأغاروا‬
‫على سرح الناس ‪.‬‬
‫عليس ومسن سسائر الصسحابة والعلماء أن الخوارج‬
‫ّ‬
‫فثبست بالجماع مسن‬
‫خ ير من الغال ية ‪ ،‬فإن جاز لشيع ته أن تج عل دعوى الغال ية الله ية ف يه ح جة‬
‫على فضيلتسه كان لشيعسة عثمان ان يجعلوا دعوى الخوارج لكفره حجسة على‬
‫نقيضه بطريق الوْلى ‪ ،‬فعلم أن هذه الحجة إنما يحتج بها جاهل ‪ ،‬ثم أنها تعود‬
‫عليه ل له ‪ ،‬ولهذا كان الناس يعلمون أن الرافضة أجهل وأكذب من الناصبة ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬وكان ولده سبطا ر سول ال ‪ e‬سيدا شباب أ هل الج نة‬
‫إمامين بنص النبي ‪. ))e‬‬
‫فيقال ‪ :‬الذي ثبست بل شسك عسن النسبي ‪ e‬فسي الصسحيح أنسه قال عسن‬
‫الح سن ‪ (( :‬إن اب ني هذا سيد ‪ ،‬وإن ال سيصلح به ب ين فئت ين عظيمت ين من‬
‫الم سلمين ))(‪ . )1‬وث بت ع نه في ال صحيح أ نه كان يقعده وأ سامة بن ز يد على‬
‫فخذه ويقول ‪:‬‬

‫((‬

‫اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫وهذا يدل على أن مسا فعله الحسسن مسن ترك القتال على المامسة ‪،‬‬
‫وق صد ال صلح ب ين الم سلمين كان محبو با يح به ال ور سوله ولم ي كن ذلك‬
‫معصية ‪ ،‬بل كان ذلك أحب إلى ال ورسوله من اقتتال المسلمين ‪ ،‬ولهذا أحبه‬
‫وأحب أسامة بن زيد ودعا لهما ‪ ،‬فإن كلهما كان يكره القتال في الفتنة ‪،‬فأما‬
‫أ سامة فلم يقا تل ل مع علي ول مع معاو ية ‪ ،‬والح سن كان دائما يش ير على‬
‫عليس بترك القتال‪ ،‬وهذا نقيسض مسا عليسه الرافضسة مسن أن ذلك الصسلح كان‬
‫ّ‬
‫م صيبة وكان ذل ‪ ،‬ولو كان هناك إمام مع صوم ي جب على كل أ حد طاع ته ‪،‬‬
‫ومن تولّى غيره كانت وليته باطلة ل يجوز أن يجاهد معه ول يصلي خلفه ‪،‬‬
‫لكان ذلك الصلح من أعظم المصائب على أمة محمد ‪ e‬وفيه فساد دينها ‪ ،‬فأي‬
‫فضيلة كانست تكون للحسسن بذلك حتسى يُثنسى عليسه بسه ؟ وإنمسا غايتسه أن يُعذر‬
‫‪ )1(1‬البخاري ج ‪ 3‬ص ‪ 186‬ومواضع أخر منه وسنن أبي داود ج ‪ 4‬ص ‪.299‬‬
‫‪ )2(2‬انظر المسند ج ‪ 5‬ص ‪. 210 ، 205‬‬

‫‪168‬‬

‫لضع فه عن القتال الوا جب وال نبي ‪ e‬ج عل الح سن في ال صلح سيدا محمودا ‪،‬‬
‫ولم يجعله عاجزا معذورا ‪ ،‬ولم ي كن الح سن أع جز عن القتال من الح سين بل‬
‫كان أقدر على القتال من الحسين ‪ ،‬والحسين قاتل حتى قُتل ‪ ،‬فإن كان ما فعله‬
‫الح سين هو الف ضل الوا جب ‪ ،‬كان ما فعله الح سن تر كا للوا جب أو عجزا‬
‫عنه ‪ ،‬وإن كان ما فعله الحسن هو الفضل الصلح ‪ ،‬دل على أن ترك القتال‬
‫هو الف ضل ال صلح ‪ ،‬وأن الذي فعله الح سن أ حب إلى ال ور سوله م ما فعله‬
‫غيره ‪ ،‬وال ير فع درجات المؤمن ين المتق ين بعض هم على ب عض ‪ ،‬وكل هم في‬
‫الجنة ‪ ،‬رضى ال عنهم أجمعين ‪.‬‬
‫ثم إن كان ال نبي ‪ e‬جعله ما إمام ين لم يكو نا قد ا ستفادا الما مة بن صّ‬
‫عل يّ ‪ ،‬ولستفادها الحسين بنص الحسن عليه ‪ ،‬ول ريب أن الحسن والحسين‬
‫ريحانتا النبي ‪ e‬في الدنيا ‪ .‬وقد ثبت أنه ‪ e‬أدخلهما مع أبويهما تحت الكساء ‪،‬‬
‫وقال‪:‬‬

‫((‬

‫الل هم هؤلء أ هل بي تي فأذ هب عن هم الر جس وطهّر هم تطهيرا‬

‫))‬

‫وأ نه‬

‫دعالهما في المباهلة ‪ ،‬وفضائلهما كثيرة ‪ ،‬وهما من أجلء سادات المؤمن ين ‪.‬‬
‫وأما كونهما أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم فهذا قول بل دليل ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬وجاهدا في ال حق جهاده حتى قتل ))‪.‬‬
‫فهذا كذب عليهمسا ‪ ،‬فإن الحسسن تخلّى عسن المسر وسسلّمه إلى معاويسة‬
‫وم عه جيوش العراق ‪ ،‬و ما كان يختار قتال الم سلمين قط ‪ ،‬وهذا متوا تر من‬
‫سيرته ‪.‬‬
‫وأما موته ‪ ،‬فقد قيل ‪ :‬إنه مات مسموما ‪ ،‬وهذه شهادة له وكرامة في‬
‫حقّه ‪ ،‬لكن لم يمت مقاتل ‪.‬‬
‫والحسين ‪ t‬ما خرج يريد القتال ‪ ،‬ولكن ظن أن الناس يطيعونه ‪ ،‬فلما‬
‫رأى انصرافهم عنه ‪ ،‬طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر ‪ ،‬أو إتيان‬
‫يزيسد ‪ ،‬فلم يمكّنسه أولئك الظلمسة ل مسن هذا ول مسن هذا ‪ ،‬وطلبوا أن يأخذوه‬
‫أسسيرا إلى يزيسد ‪ ،‬فامتنسع مسن ذلك وقاتسل حتسى قُتسل مظلومًا شهيدا ‪ ،‬لم يكسن‬
‫قصده ابتدا ًء أن يُقاتل ‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫وأما قوله عن الحسن ‪ :‬إنه لبس الصوف تحت ثيابه الفاخرة ‪.‬‬
‫فهذا من جنس قوله في علي ‪ :‬إنه كان يصلي ألف ركعة ‪ ،‬فإن هذا ل‬
‫فضيلة ف يه ‪ ،‬وهو كذب ‪ .‬وذلك أن ل بس ال صوف ت حت ثياب الق طن وغيره لو‬
‫كان فاضل لكان النسبي ‪ e‬شرعسه لمتسه ‪ ،‬إمسا بقوله أو بفعله ‪ ،‬أو كان يفعله‬
‫أ صحابه على عهده ‪ ،‬فل ما لم يفعله هو ول أ حد من أ صحابه على عهده ‪ ،‬ول‬
‫ر غب ف يه ‪ ،‬دل على أ نه ل فضيلة ف يه ‪ ،‬ول كن ال نبي ‪ e‬ل بس في ال سفر ج بة‬
‫صوف فوق ثيابه ‪.‬‬
‫وأمسا الحديسث الذي رواه أن النسبي ‪ e‬أخسذ يوما الحسسين على فخذه‬
‫الي من وولده إبراه يم على فخذه الي سر ‪ ،‬فنزل جبر يل وقال‪ :‬إن ال تعالى لم‬
‫يكسن ليجمسع لك بينهمسا فاختسر مسن شئت منهمسا ‪ .‬فقال النسبي ‪ (( :e‬إذا مات‬
‫الح سن بك يت أ نا وعلي وفاط مة ‪ ،‬وإذا مات إبراه يم بك يت أ نا عل يه )) فاختار‬
‫موت إبراهيسم ‪ ،‬فمات بعسد ثلثسة أيام ‪ .‬وكان إذا جاء الحسسين بعسد ذلك يقبّله‬
‫ل ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم )) ‪.‬‬
‫ويقول ‪ :‬أه ً‬
‫فيقال ‪ :‬هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم ‪ ،‬ول يُعرف له إسنادا‬
‫ول يُعرف في ش يء من ك تب الحد يث ‪ .‬وهذا النا قل لم يذ كر له إ سنادا ‪ ،‬ول‬
‫عزاه إلى كتاب حديث ‪ ،‬ولكن ذكره على عادته في روايته أحاديث مسيّبة بل‬
‫زمام ول خطام ‪.‬‬
‫ومسن المعلوم أن المنقولت ل يُميّز بيسن صسدقها وكذبهسا إل بالطرق‬
‫الدالة على ذلك ‪ ،‬وإل فدعوى النقل المجرد بمنزلة سائر الدعاوى ‪.‬‬
‫ثم يقال‪ :‬هذا الحد يث كذب موضوع باتفاق أ هل المعر فة بالحد يث ‪ ،‬و هو من‬
‫أحاديث الجهّال ‪ ،‬فإن ال تعالى ليس في جمعه بين إبراهيم والحسين أعظم مما‬
‫في جم عه ب ين الح سن والح سين على مقت ضى الحد يث ‪ ،‬فإن موت الح سن أو‬
‫الحسين إذا كان أعظم من موت إبراهيم ‪ ،‬فبقاء الحسن أعظم من بقاء إبراهيم‪،‬‬
‫وقد بقى الحسن مع الحسين ‪.‬‬
‫(فصسسسسل)‬

‫‪170‬‬

‫ي بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علما ودينا ‪.‬‬
‫أما عل ّ‬
‫قال يحيى بن سعيد ‪ (( :‬هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة )) ‪ .‬وقال‬
‫محمد بن سعد في (( الطبقات ))(( كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا))‪.‬‬
‫وروى عن حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد النصاري قال ‪ (( :‬سمعت عليّ‬
‫بن الحسين ‪ ،‬وكان أفضل هاشمي أدركته ‪ ،‬يقول ‪ :‬يا أيها الناس أحبونا حب‬
‫السلم ‪ ،‬فما برح بنا حبكم حتى صار عارا علينا )) ‪.‬‬
‫وأ ما ما ذكره من قيام ألف رك عة ‪ ،‬ف قد تقدّم أن هذا ل يم كن إل على‬
‫وجسه يكره فسي الشريعسة ‪ ،‬أو ل يمكسن بحال ‪ ،‬فل يصسلح ذكسر مثسل هذا فسي‬
‫المناقب ‪ .‬وكذلك ما َذ َكرَه من تسمية ر سول ال صلى ل عل يه و سلم له سيد‬
‫العابدين هو شيء ل أصل له ‪ ،‬ولم يروه أحد من أهل العلم والدين ‪.‬‬
‫وكذلك أ بو جع فر مح مد بن عل يّ من خيار أ هل العلم والد ين ‪ .‬وق يل‬
‫إنما سمى الباقر لنه بَ َقرَ العلم ‪ ،‬ل لجل بقر السجود جبهته ‪ .‬وأما كونه أعلم‬
‫أهل زمانه فهذا يحتاج إلى دليل ‪ ،‬والزهري من أقرانه ‪ ،‬وهو عند الناس أعلم‬
‫ل تسميته بالباقر عن النبي ‪ e‬ل أصل له عند أهل العلم ‪ ،‬بل هو من‬
‫منه‪ ،‬ونَقْ ُ‬
‫الحاديسث الموضوعسة ‪ .‬وكذلك حديسث تبليسغ جابر له السسلم هسو مسن‬
‫الموضوعات عند أهل العلم بالحديث ‪.‬‬
‫وجع فر ال صادق ‪ t‬من خيار أ هل العلم والد ين ‪.‬وقال عمرو بن أ بي‬
‫المقدام ‪ ((:‬كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سللة النبيين))‪.‬‬
‫وأما قوله (( اشتغل بالعبادة عن الرياسة )) ‪.‬‬
‫وهذا تنا قض من المام ية ‪ ،‬لن الما مة عند هم وا جب عل يه أن يقوم‬
‫بها وبأعبائها ‪ ،‬فإنه ل إمام في وقته إل هو ‪ ،‬فالقيام بهذا المر العظيم لو كان‬
‫واجبا لكان أوْلى من الشتغال بنوافل العبادات ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ :‬إنه ‪ (( :‬هو الذي نشر فقه المامية ‪ ،‬والمعارف الحقيقية‪،‬‬
‫والعقائد اليقينية ))‪.‬‬
‫فهذا الكلم يستلزم أحد أمرين ‪ :‬إما أنه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه‬

‫‪171‬‬

‫من قبله ‪.‬وإ ما أن يكون الذ ين قبله ق صّروا في ما ي جب علي هم من ن شر العلم ‪.‬‬
‫وهل يشك عاقل أن النبي ‪ e‬بيّن لمته المعارف الحقيقية والعقائد اليقينية أكمل‬
‫بيان ؟ وأن أصحابه تلقّوا ذلك عنه وبلّغوه إلى المسلمين؟‬
‫وهذا يقتضسي القدح ‪ :‬إمسا فيسه ‪ ،‬وإمسا فيهسم ‪ .‬بسل ُكذِب على جعفسر‬
‫الصادق أكثر مما ُكذِب على من قبله ‪ ،‬فالفة وقعت من الكذّابين عليه ل منه ‪.‬‬
‫ولهذا نُ سب إل يه أنواع من الكاذ يب ‪ ،‬م ثل كتاب ((البطا قة )) و((الجَفْر)) و‬
‫((الهَفْت )) والكلم في النجوم ‪.‬‬
‫(فصسسسل)‬
‫وأما من بعد جعفر فموسى بن جعفر ‪ ،‬قال فيه أبو حاتم الرازي ‪:‬‬
‫(( ث قة صدوق إمام من أئ مة الم سلمين ))‪ .‬قلت ‪ :‬مو سى ولد بالمدي نة سنة‬
‫بضع وعشرين ومائة ‪،‬وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى المدينة ‪ ،‬وأقام بها‬
‫عمْرةٍ ‪ ،‬فحمسل موسسى معسه إلى‬
‫إلى أيام الرشيسد ‪ ،‬فقدم هارون منصسرفا مسن ُ‬
‫بغداد ‪ ،‬وحبسه بها إلى أن تُوفي في محبسه ‪.‬‬
‫وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في‬
‫كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم ‪ ،‬ول هم في التفسير وغيره أقوال معروفة‪،‬‬
‫ول كن ل هم من الفضائل والمحا سن ما هم له أ هل ‪t ،‬م أجمع ين ‪ ،‬ومو سى بن‬
‫جعفر مشهور بالعبادة والنسك ‪.‬‬
‫وأمسا الحكايسة المذكورة عسن شقسسق البلخسى فكذب ‪ ،‬فإن هذه الحكايسة‬
‫تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر ‪.‬‬
‫أما قوله ‪ (( :‬تاب على يديه بشر الحافي )) فمن أكاذيب من ل يعرف‬
‫حاله ول حال بشسر ‪ ،‬فإن موسسى بسن جعفسر لمسا قدم بسه الرشيسد إلى العراق‬
‫حبسه ‪ ،‬فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة ‪.‬‬
‫(فصسسسل)‬
‫عليس الرضسا أزهسد أهسل زمانسه وكان‬
‫ّ‬
‫قال الرافضني‪ (( :‬وكان ولده‬

‫‪172‬‬

‫أعلمهم وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا ‪ ،‬وولّه المأمون لعلمه بما هو عليه من‬
‫الكمال والفضل ‪ .‬ووعظ يوما أخاه زيدا ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا زيد ما أنت قائل لرسول‬
‫سسَفكْتَ الدماء ‪ ،‬وأخذت الموال مسن غيسر حلهسا وأخفست السسبل ‪،‬‬
‫ال ‪ e‬إذا َ‬
‫وغرّك حمقى أهل الكوفة؟ وقد قال رسول ال ‪ :e‬إن فاطمة أحصنت فرجها ‪،‬‬
‫فحرم ال ذريتها على النار وفي رواية ‪ :‬إن عليا قال ‪ :‬يا رسول ال لم سميت‬
‫فاطمسة ؟ قال ‪ :‬لن ال فطمهسا وذريتهسا مسن النار ‪ ،‬فل يكون الحصسان سسببا‬
‫لتحر يم ذريت ها على النار وأ نت تظلم ‪ .‬وال ما نالوا ذلك إل بطا عة ل ‪ ،‬فإن‬
‫أردت أن تنال بمعصية ال ما نالوا بطاعته ‪ ،‬إنك إذا لكرم على ال منهم ‪.‬‬
‫وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير ‪ ،‬وكتب إلى أهل الفاق‬
‫ببيعته ‪ ،‬وطرح السواد ولبس الخضرة )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬مسن المصسائب التسي ابتُلي بهسا ولد الحسسين انتسساب الرافضسة‬
‫إلي هم و تعظيم هم ومدح هم ل هم ‪ ،‬فإن هم يُمدحون ب ما ل يس بمدح ‪ ،‬ويدّعون ل هم‬
‫دعاوى ل ح جة ل ها ‪ ،‬ويذكرون من الكلم ما لو لم يُعرف فضلهسم من غيسر‬
‫كلم الرافضة ‪ ،‬لكان ما تذكره الرافضة بالقدح أشبه منه في المدح ‪ ،‬فإن علي‬
‫بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة‪ ،‬والممادح المناسبة لحاله اللئقة‬
‫به ‪ ،‬ما يعرفه بها أهل المعرفة ‪ .‬وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة‬
‫بحجة ‪.‬‬
‫وأمنا قوله ‪ (( :‬إن كان أزهسد الناس وأعلمهسم )) فدعوى مجردة بل‬
‫دليل ‪ ،‬فكل من غل في شخص أمكنه أن يدّعى له هذه الدعوى ‪ .‬كيف والناس‬
‫يعلمون أنه كان في زمانه من هو أعلم منه ‪ ،‬ومن هو أزهد منه ‪ ،‬كالشافعي‬
‫وإسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز ‪ ،‬وأبي سليمان‬
‫الداراني ‪ ،‬ومعروف الكرخي ‪،‬وأمثال هؤلء ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬إ نه أ خذ عن فقهاء الجمهور كثيرا )) فهذا من أظ هر‬
‫الكذب ‪ .‬هؤلء فقهاء الجمهور المشهوريسن لم يأخذوا عنسه مسا هسو معروف ‪،‬‬
‫وإن أخذ عنه بعض من ل يُعرف من فقهاء الجمهور فهذا ل يُنكر ‪ ،‬فإن طلبة‬

‫‪173‬‬

‫الفقهاء قد يأخذون من المتوسطين في العلم ‪ ،‬ومن هم دون المتوسطين ‪.‬‬
‫ومسا ذكره بعسض الناس مسن أن معروفسا الكرخسي كان خادماله ‪ ،‬وأنسه‬
‫أسلم على يديه ‪ ،‬أو أن الخرقة متصلة منه إليه ‪ ،‬فكله كذب باتفاق من يعرف‬
‫هذا الشأن ‪.‬‬
‫والحديسث الذي ذكره عسن النسبي ‪e‬عسن فاطمسة هسو كذب باتفاق أهسل‬
‫المعر فة بالحد يث ‪ ،‬ويظ هر كذ به لغ ير أ هل الحد يث أي ضا ؛ فإن قوله ‪ (( :‬إن‬
‫فاطمسة أحصسنت فرجهسا فحرّم ال ذريتهسا على النار )) يقتضسي أن إحصسان‬
‫فرجهسا هسو السسبب لتحريسم ذريتهسا على النار وهذا باطسل قطعسا ‪ ،‬فإن سسارّة‬
‫أحصنت فرجها ‪ ،‬ولم يحرّم ال جميع ذريتها على النار ‪.‬‬
‫وأي ضا فت سمية جبر يل ر سول ال إلى مح مد ‪e‬خادما له عبارة من ل‬
‫يعرف قدر الملئكة ‪ ،‬وقدر إرسال ال لهم إلى النبياء ‪.‬و لكن الرافضة غالب‬
‫حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم ‪ ،‬وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم ‪،‬‬
‫وما ُي ْثبِت أصول الدين بمثل هذه الشعار ‪ ،‬إل ليس معدودا من أولي البصار‪.‬‬

‫(فصسسسل)‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬وكان ولده محمسد بسن علي الجواد على منهاج أبيسه‬
‫في العلم والت قى والجود ‪ ،‬ول ما مات أبوه الر ضا ش غف بح به المأمون لكثرة‬
‫عل مه ودي نه ووفور عقله مع صغر سنه ‪،‬وأراد أن يزوّ جه ابن ته أم الف ضل ‪،‬‬
‫وكان قسد زوّج أباه الرضسا عليسه السسلم بابنتسه أم حسبيب ‪ ،‬فغلظ ذلك على‬
‫العباسيين واستنكروه وخافوا أن يخرج المر منهم ‪ ،‬وأن يبايعه كما بايع أباه ‪،‬‬
‫فاجتمسع الدنون منهسم وسسألوه ترك ذلك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنسه صسغير السسن ل علم‬
‫عنده‪ ،‬فقال ‪ :‬أنا أعرف منكم به ‪ ،‬فإن شئتم فامتحنوه ‪ ،‬فرضوا بذلك ‪ ،‬وجعلوا‬
‫للقاضسي يحيسى بسن أكثسم مالً كثيرا على امتحانسه فسي مسسألة يعجزه فيهسا ‪،‬‬
‫فتواعدوا إلى يوم ‪ ،‬وأحضره المأمون وحضسر القاضسي وجماعسة العباسسيين ‪،‬‬

‫‪174‬‬

‫فقال القا ضي ‪ :‬أ سألك عن ش يء ؟ فقال عل يه ال سلم سل فقال‪ :‬ما تقول في‬
‫ُمحْرِم ق تل صيدا؟ فقال له عل يه ال سلم قتله في حل أو حرم ‪ ،‬عال ما كان أو‬
‫جاهل ‪ ،‬مبتدئا بقتله أو عائذا ‪ ،‬مسن صسغار الصسيد كان أم مسن كبارهسا ‪ ،‬عبدا‬
‫كان المُحرم أو حرّا ‪ ،‬صغيرا كان أو كبيرا ‪ ،‬من ذوات الط ير كان ال صيد أم‬
‫من غير ها ؟ فتح ير يح يى بن أك ثم ‪ ،‬وبان الع جز في وج هه ‪ ،‬ح تى عرف‬
‫جماعسة أهسل المجلس أمره ‪ ،‬فقال المأمون لهسل بيتسه ‪ :‬عرفتسم الن مسا كنتسم‬
‫تنكرونسه ‪ ،‬ثسم أقبسل المام فقال ‪ :‬أتخطسب ؟ قال ‪ :‬نعسم فقال ‪ :‬أخطسب لنفسسك‬
‫خط بة النكاح ‪ ،‬فخ طب وع قد على خم سمائة در هم جيادا كم هر جد ته فاط مة‬
‫عليها السلم ‪ ،‬ثم تزوج بها ‪.‬‬
‫عليس الجواد كان مسن أعيان بنسي‬
‫ّ‬
‫والجواب أن يقال ‪ :‬إن محمسد بسن‬
‫سسّميَ الجواد ‪ ،‬ومات وهسو‬
‫هاشسم‪ ،‬وهسو معروف بالسسخاء والسسؤدد ‪ .‬ولهذا ُ‬
‫شاب ابن خمس وعشرين سنة ‪ ،‬ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة عشرين‬
‫أو سنة تسع عشرة ‪ ،‬وكان المأمون زوّجه بابنته ‪ ،‬وكان يرسل إليه في السنة‬
‫ألف ألف درهم ‪ ،‬واستقدمه المعتصم إلى بغداد ‪ ،‬ومات بها ‪.‬‬
‫وأمسا مسا ذكره فإنسه مسن نمسط مسا قبله ‪ ،‬فإن الرافضسة ليسس لهسم عقسل‬
‫صسريح ول نقسل صسحيح ‪ ،‬ول يقيمون حقسا ‪،‬ول يهدمون باطل ‪ ،‬ل بحجسة‬
‫وبيان ‪ ،‬ول بيد وسنان ‪ ،‬فإنه ليس فيما ذكره ما يثبت فضيلة محمد بن عل يّ ‪،‬‬
‫فضل عن ثبوت إمامته ‪ ،‬فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من‬
‫الكاذيسب التسي ل يفرح بهسا إل الجهال ‪ ،‬ويحيسى بسن أكثسم كان أفقسه وأعلم‬
‫حرِم ق تل صيدا ‪ ،‬فإن‬
‫وأف ضل من أن يطلب تعج يز ش خص بأن ي سأله عن ُم ْ‬
‫صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة ‪ ،‬فليست من دقائق العلم ول غرائبه ‪،‬‬
‫ول مما يختص به المبرّزون في العلم ‪.‬‬
‫( فصسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ ((:‬وكان ولده عل يّ الهادي ‪ ،‬ويُقال له‪ :‬العسكري ‪ ،‬لن‬
‫المتوكسل أشخصسه مسن المدينسة إلى بغداد ‪ ،‬ثسم منهسا إلى سُسرّ مسن رأى ‪ ،‬فأقام‬

‫‪175‬‬

‫سرّ من رأى فأقام ب ها عشر ين‬
‫بمو ضع عند ها يقال له الع سكر‪ ،‬ثم انت قل إلى ُ‬
‫سنة وت سعة أش هر ‪ ،‬وإن ما أشخ صه المتو كل ل نه كان يب غض عليّ ا ‪ ، t‬فبلّ غه‬
‫ي بالمدي نة ‪ ،‬وم يل الناس إل يه ‪ ،‬فخاف م نه ‪ ،‬فد عا يح يى بن هبيرة‬
‫مقام عل ّ‬
‫وأمره بإحضاره ‪ ،‬فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه ‪ ،‬لنه كان محسنا إليهم ‪،‬‬
‫ملزما للعبادة في الم سجد ‪ ،‬فحلف يح يى أ نه ل مكروه عل يه ‪ ،‬ثم فتّ ش منزله‬
‫فلم ي جد ف يه سوى م صاحف وأدع ية وك تب العلم ‪ ،‬فع ظم في عي نه ‪ ،‬وتولى‬
‫خدمته بنفسه ‪ ،‬فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي وإلى بغداد‪ .‬فقال‬
‫له ‪ :‬يسا يحيسى هذا الرجسل قسد ولده رسسول ال ‪ ،e‬والمتوكسل مسن َتعْلَم ‪ ،‬فإن‬
‫حرض ته عليه قتله ‪ ،‬وكان ر سول ال ‪e‬خ صمك يوم القيا مة ‪ ،‬فقال له يحيى ‪:‬‬
‫وال مسا وقعست منسه إل على خيسر ‪ .‬قال ‪ :‬فلمسا دخلت على المتوكسل أخسبرته‬
‫بح سن سيرته وور عه وزهده فأكر مه المتو كل ‪ ،‬ثم مرض المتو كل فنذر إن‬
‫عوفيَس تصسدّق بدراهسم كثيرة ‪ ،‬فسسأل الفقهاء عسن ذلك فلم يجسد عندهسم جوابسا‬
‫ي الهادي ‪ ،‬فسأله فقال ‪ :‬تصدّق بثلثة وثمانين درهما ‪ ،‬فسأله‬
‫فبعث إلى عل ّ‬
‫المتوكل عن السبب‪ ،‬فقال‪ :‬لقوله تعالى‪َ]:‬لقدْ نَ صَ َر ُكمُ الُ فِي َموَاطِ نَ كَثِيرَ ًة [‬

‫(‪)1‬‬

‫وكا نت لموا طن هذه الجملة ‪ ،‬فإن ال نبي ‪ e‬غزا سبعا وعشر ين غزاة ‪ ،‬وب عث‬
‫ستا وخمسين سرية ‪ .‬قال المسعودي ‪ :‬نُمى إلى المتوكل بعليّ بن محمد أن في‬
‫منزله سلحا من شيعته من أهل قُم وأنه عازم على الملك ‪ ،‬فبعث إليه جماعة‬
‫من التراك ‪ ،‬فهجموا داره ليل فلم يجدوا في ها شيئا ‪ ،‬ووجدوه في ب يت مغلق‬
‫عليه وهو يقرأ وعليه مُدرعة من صوف ‪ ،‬وهو جالس على الرمل والحصى‬
‫متوجهسا إلى ال تعالى يتلو القرآن ‪ ،‬فحُمسل على حالتسه تلك إلى المتوكسل ‪،‬‬
‫وأُدخسل عليسه وهسو فسي مجلس الشراب ‪ ،‬والكأس فسي يسد المتوكسل ‪ ،‬فعظّمسه‬
‫وأجلسسه إلى جانبسه ‪ ،‬وناوله الكأس ‪ ،‬فقال ‪ :‬وال مسا خامسر لحمسي ودمسي قسط‬
‫ن جَنّا تٍ وَعُ ُيوُن[‪.‬‬
‫فأعفني‪ ،‬فأعفاه وقال له‪ :‬أسمعني صوتا‪ ،‬فقال‪َ]:‬ك مْ تَرَكوا مِ ْ‬

‫‪ )1(1‬الية ‪ 25‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫اليات‬

‫(‪)2‬‬

‫فقال‪ :‬أنشدنى شعرا‪ ،‬فقال‪ :‬إني قليل الرواية للشعر ‪ ،‬فقال ل بد من‬

‫ذلك ‪ ،‬فأنشده ‪:‬‬
‫باتوا على قلسل الجبال تحرسهم‬

‫ب الرجسسال فما أغنتهسم القُلَسلُ‬
‫غُلْ ُ‬

‫واستُنزلوا بعد عسزٍمسن معاقلهم‬

‫وأسكنوا حفسرا يا بئس ما نسزلسوا‬
‫أيسسن السسسرّة والتيسسجان‬

‫س صسسارخ مسن بسسعد دفنهسم‬
‫ناداهُم ُ‬
‫والحسلسل‬
‫أيسن الوجسوه التي كانت منعّمة‬

‫من دونسها تُضرب الستار والكِلسلُ‬

‫فسأفصح القبر عن ُهمْ حين ساءَُل ُهمْ‬

‫تلك الوجسو ُه عليهسا السدود يقتتسل‬
‫فأصسبحوا بعسد طول الكسسل قسد‬

‫قسد طال مسا أكلوا دهرا ومسا شربوا‬
‫أُكلسوا‬
‫فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته )) ‪.‬‬

‫فيقال ‪ :‬هذا الكلم من جنس ما قبله ‪ ،‬لم يذكر منقبة بحجة صحيحة ‪،‬‬
‫بل ذكر ما يعلم العلماء أنه من الباطل ‪ ،‬فإ نه ذكر في الحكا ية أن والي بغداد‬
‫كان إ سحاق بن إبراه يم الطائي ‪ ،‬وهذا من جهله‪ ،‬فإن إ سحاق بن إبراه يم هذا‬
‫خزاعي معروف هو وأهل بيته‪،‬كانوا من خزاعة‪،‬فإنه إسحاق بن إبراهيم بن‬
‫الحسين بن مصعب ‪ ، ،‬وابن عمه عبد ال بن طاهر بن الحسين بن مصعب‬
‫أمير خراسان المشهورالمعلومة سيرته ‪ ،‬وابن هذا محمد بن عبد ال بن طاهر‬
‫كان نائ با على بغداد في خل فة المتو كل وغيره ‪ ،‬و هو الذي صلّى على أح مد‬
‫بن حنبل لما مات ‪ ،‬وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائبا لهم في إمارة المعتصم‬
‫والوا ثق وب عض أيام المتو كل ‪،‬وهؤلء كل هم من خزا عة لي سوا من ط يئ و هم‬
‫أهل بيت مشهورون ‪.‬‬
‫وأما الفُتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عُوفِ يَ يتصدّق بدراهم‬
‫كثيرة ‪ ،‬وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا ‪ ،‬وأن عل يّ بن محمد‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 25‬من سورة الدخان ‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫َصن َر ُكمْ ال فني‬
‫أمره أن يتصسدق بثلثسة وثمانيسن درهمسا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪] :‬لقدْ ن َ‬
‫مَواطِنَ كَثيرَ ًة [(‪ ، )1‬وأن المواطن كانت هذه الجملة ‪ ،‬فإن النبي صلى ال تعالى‬
‫عليسه وسسلم غزا سسبعا وعشريسن غزاة ‪ ،‬وبعسث سستا وخمسسين سسرية ‪ ،‬فهذه‬
‫ي بن موسى مع المأمون ‪ ،‬وهي دائرة بين أمرين‪:‬‬
‫الحكاية أيضا تحكى عن عل ّ‬
‫إما أن تكون كذبا ‪ ،‬وإما أن تكون جهل ممن أفتى بذلك ‪.‬‬
‫فإن قول القائل‪ :‬له عليّ درا هم كثيرة ‪ ،‬أو وال لعط ين فل نا درا هم‬
‫كثيرة ‪ ،‬أو لتصدقن بدراهم كثيرة ‪ ،‬ل يُحمل على ثلث وثمانين عند أحد من‬
‫علماء المسلمين ‪.‬‬
‫والحجة المذكورة باطلة لوجسسوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن قول القائل ‪ :‬إن المواطن كانت سبعا وعشرين غزاة وستا‬
‫وخم سين سرية ‪ ،‬ل يس ب صحيح ‪ ،‬فإن ال نبي ‪ e‬لم ي غز سبعا وعشر ين غزاة‬
‫باتفاق أهل العلم بالسير‪ ،‬بل أقل من ذلك‪.‬‬
‫الثانني ‪ :‬أن هذه اليسة نزلت يوم حنيسن ‪ ،‬وال قد أخسبر بمسا كان ق بل‬
‫ذلك‪ ،‬في جب أن يكون ما تقدّم ق بل ذلك موا طن كثيرة ‪ ،‬وكان ب عد يوم حن ين‬
‫غزوة الطائف وغزوة تبوك ‪ ،‬وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا‬
‫التي كانت بعد فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد ال إلى ذي الخلصة وأمثال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وجر ير إن ما أ سلم ق بل موت ال نبي ‪ e‬بن حو سنة ‪ ،‬وإذا كان كث ير من‬
‫الغزوات والسسرايا كانست بعسد نزول هذه اليسة ‪ ،‬امتنسع أن تكون هذه اليسة‬
‫المخبرة عن الماضي إخبارا بجميع المغازي والسرايا ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن ال لم ين صرهم في جم يع المغازي ‪ ،‬بل يوم أ حد تولوا ‪،‬‬
‫وكان يوم بلء وتمحيسص ‪ .‬وكذلك يوم مؤتسة وغيرهسا مسن السسرايا لم يكونوا‬
‫منصسورين فيهسا ‪ ،‬فلو كان مجموع المغازي والسسرايا ثلثسا وثمانيسن فإنهسم لم‬
‫ينصروا فيها كلها ‪ ،‬حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلثا وثمانين ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 25‬من سورة الدخان ‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫الرا بع ‪ :‬أنه بتقدير أن يكون المراد بالكثير في الية ثلثا وثمان ين ‪،‬‬
‫فهذا ل يقتضي اختصاص هذا القدر بذلك ؛ فإن لفظ ((الكثير)) لفظ عام يتناول‬
‫اللف واللفيسن واللف ‪ ،‬وإذا عمّ أنواعسا مسن المقاديسر ‪ ،‬فتخصسيص بعسض‬
‫المقادير دون بعض تحكّم ‪.‬‬
‫ض الَ َقرْضًا حَ سَنًا‬
‫ن ذَا الّذِي ُيقْ ِر ُ‬
‫الخا مس ‪ :‬أن ال تعالى قال‪َ] :‬م ْ‬
‫ضعَافًا كَثِيرَة [‬
‫عفَ هُ لَ هُ أَ ْ‬
‫فَيُضَا ِ‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ ،‬وال يضا عف الح سنة إلى سبعمائة ض عف‬

‫بنسص القرآن ‪ ،‬وقسد ورد أنسه يضاعفهسا ألفسى ألف حسسنة ‪ ،‬فقسد سسمّى هذه‬
‫الضعاف كثيرة ‪ ،‬وهذه المواطن كثيرة ‪.‬‬
‫ن ال وَالُ مَعَ‬
‫غلَبَتْ فِ َئ ًة كَثِيرَةً بِإِ ْذ ِ‬
‫وقد قال تعالى ‪َ ] :‬كمْ مِنْ فِ َئةٍ َقلِي َلةٍ َ‬
‫ال صّا ِبرِين [(‪ )2‬والكثرة هه نا تتناول أنوا عا من المقاد ير ‪ ،‬لن الفئات المعلو مة‬
‫مع الكثرة ل تح صر في عدد مع ين ‪ ،‬و قد تكون الفئة القليلة أل فا والفئة الكثيرة‬
‫ثلثة آلف ‪ ،‬فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الخرى ‪.‬‬
‫( فصسسسسل)‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وولده مولنا المهدي محمد عليه السلم ‪.‬روى ابن‬
‫الجوزى بإسناده إلى ابن عمر قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫((‬

‫يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي ‪ ،‬اسمه كاسمي وكنيته كنيتي ‪ ،‬يمل‬

‫الرض عدل ‪ ،‬كما ملئت جورا ‪ ،‬فذلك هو المهدي ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما‬
‫من أ هل العلم بالن ساب والتوار يخ ‪ :‬أن الح سن بن عل يّ الع سكري لم ي كن له‬
‫نسسل ول عقسب ‪ .‬والماميسة الذيسن يزعمون أنسه كان له ولد يدّعون أنسه دخسل‬
‫السرداب بسامرّا وهو صغير ‪ ،‬منهم من قال ‪ :‬عمره سنتان ‪ ،‬ومنهم من قال‪:‬‬
‫عمره ثلث ‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬خمس سنين وهذا لو كان موجودا معلوما ‪ ،‬لكن‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 245‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 249‬من سورة البقرة ‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫الواجب في ح كم ال الثابت ب نص القرآن وال سنة والجماع أن يكون محضونا‬
‫عند من يحضنه في بدنه ‪ ،‬كأمه ‪،‬وأم أمه ‪ ،‬ونحوهما من أهل الحضانة ‪ ،‬وأن‬
‫يكون ماله ع ند من يحف ظه ‪ :‬أ ما و صى أب يه إن كان له و صى ‪ ،‬وإ ما غ ير‬
‫الوصى ‪ :‬إما قريب ‪ ،‬وإما نائب لدى السلطان ‪ ،‬فإنه يتيم لموت أبيه ‪.‬‬
‫وال تعالى يقول ‪ ] :‬وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَ َلغُوا ال ّنكَا حَ َفإِ نْ آنَ سْ ُتمْ‬
‫مِ ْنهُم ُرشْدًا فَادْ َفعُوا إِلَ ْيهِم َأ ْموَا َلهُ مْ َولَ تَ ْأكُلُوهَا إِ سْرَافًا وَبِدَارًا أَ نْ َيكْبَرُوا [‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫فهذا ل يجوز ت سليم ماله إل يه ح تى يبلغ النكاح ويؤ نس م نه الر شد ‪ ،‬ك ما ذ كر‬
‫ال تعالى ذلك في كتابه ‪ ،‬فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله‬
‫إماما لجميع المسلمين معصوما ‪ ،‬ل يكون أحدا مؤمنا إل باليمان به ؟!‬
‫ثم إن هذا باتفاق منهم ‪ :‬سواء ُقدّر وجوده أو عدمه ‪ ،‬ل ينتفعون به ل‬
‫في د ين ول في دن يا ‪ ،‬ول علّ مَ أَحدا شيئا ‪ ،‬ول يعرف له صفة من صفات‬
‫الخ ير ول ال شر ‪ ،‬فلم يح صل به ش يء من مقا صد الما مة ول م صالحها ‪ ،‬ل‬
‫الخا صة ول العا مة ‪ ،‬بل إن قدّر وجوده ف هو ضرر على أ هل الرض بل ن فع‬
‫أصل ‪ ،‬فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به ‪ ،‬ول حصل لهم به لطف ول مصلحة‪،‬‬
‫والمكذّبون به يعذّبون عندهم على تكذيبهم به ‪ ،‬فهو شر محض ل خير فيه ‪،‬‬
‫وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل ‪.‬‬
‫وإذا قالوا ‪ :‬إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم ‪.‬‬
‫قيل‪ :‬أول ‪ :‬كان الظلم موجودا في زمن آبائه ولم يحتجبوا ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ثانيا ‪ :‬فالمؤمنون به طبّقوا الرض فهلّ اجتمع بهم في بعض‬
‫الوقات أو أرسل إليهم رسول يعلّمهم شيئا من العلم والدين ؟!‬
‫وقيل ‪ :‬ثالثا ‪ :‬قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها‬
‫شيعتسه ‪ ،‬كجبال الشام التسي كان فيهسا الرافضسة عاصسية ‪ ،‬وغيسر ذلك مسن‬
‫المواضع العاصية ‪.‬‬
‫وق يل ‪ :‬راب عا ‪ :‬فإذا كان هو ل يمك نه أن يذ كر شيئا من العلم والد ين‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 6‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫ل حد ‪ ،‬ل جل هذا الخوف ‪ ،‬لم ي كن في وجوده ل طف ول م صلحة ‪ ،‬فكان هذا‬
‫مناق ضا ل ما أثبتوه ‪.‬بخلف من أر سل من ال نبياء و ُكذّب‪ ،‬فإ نه بلّغ الر سالة ‪،‬‬
‫وح صل ل من آ من به من الل طف والم صلحة ما هو من ن عم ال عل يه ‪ .‬وهذا‬
‫المنتَظَر لم يحصل به لطائفته إل النتظار لمن ل يأتي ‪ ،‬ودوام الحسرة واللم‪،‬‬
‫ومعاداة العالم ‪ ،‬والدعاء الذي ل يسسستجيبه ال ‪ ،‬لنهسسم يدعون له بالخروج‬
‫والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخم سين سنة لم يحصل شيء من هذا ‪.‬‬
‫ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المدة أمر يعرف كذبه بالعادة المطّردة في‬
‫أمة مح مد ‪ ،‬فل يُعرف أحد وُلد في د ين السلم وعاش مائة وعشرين سنة ‪،‬‬
‫فضل عن هذا الع مر ‪ .‬و قد ث بت في ال صحيح عن ال نبي ‪ e‬أ نه قال في آ خر‬
‫عمره ‪ (( :‬أرأيتكسم ليلتكسم هذه ‪ ،‬فإنسه على رأس مائة سسنة منهسا ل يبقسى على‬
‫وجه الرض ممن هو اليوم عليها أحد ))(‪. )1‬‬
‫فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش ؟أكثر من مائه سنة‬
‫قطعا ‪ .‬وإذا كانت العمار في ذلك العصر ل تتجاوز هذا الحد ‪ ،‬فما بعده من‬
‫الع صار أوْلى بذلك في العادة الغال بة العا مة ‪ ،‬فإن أعمار ب ني آدم في الغالب‬
‫كلما تأخر الزمان قصرت ولم تطل ‪ ،‬فإن نوحا عليه السلم لبث في قومه ألف‬
‫سنة إل خم سين عا ما ‪ ،‬وآدم عل يه ال سلم عاش ألف سنة ‪ ،‬ك ما ث بت ذلك في‬
‫ححَه(‪ ، )2‬فكان العمر في ذلك الزمان طويل ‪،‬‬
‫حديث صحيح رواه الترمذي وص ّ‬
‫ثم أعمار هذه المة ما بين الستين إلى السبعين ‪ ،‬وأقلهم من يَجوز ذلك ‪ ،‬كما‬
‫ثبت ذلك في الحديث الصحيح‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫واحتجاجهسم بحياة الخضسر احتجاج باطسل ‪ ،‬فمسن الذي يسسلّم لهسم بقاء‬
‫الخ ضر ‪ .‬والذي عل يه سائر العلماء المحققون أ نه مات ‪ ،‬وبتقد ير بقائه فل يس‬
‫هو من هذه المة ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 119‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1965‬‬
‫‪ )1(2‬انظر سنن الترمذي ج ‪ 5‬ص ‪ 124– 123‬وقال ‪ :‬حسن غريب من هذا الوجه ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬انظر سنن الترمذي ج ‪ 3‬ص ‪ 387‬وابن ماجة ج ‪ 2‬ص ‪. 1415‬‬

‫‪181‬‬

‫ولهذا يوجد كثير من الكذّابين من الجن والنس ممن يدّعي أنه الخضر‬
‫ويظن من رآه أنه الخضر ‪ ،‬وفي ذلك من الحكايات الصحيحة التي نعرفها ما‬
‫يطول وصفها هنا ‪.‬‬
‫وكذلك المنت ظر مح مد بن الح سن ‪ ،‬فإن عددا كثيرا من الناس يدّ عي‬
‫كل واحد منهم أنه محمد بن الحسن ‪،‬منهم من يظهر ذلك لطائفة من الناس ‪،‬‬
‫ومنهم من يكتم ذلك ول يظهره إل للواحد أو الثنين ‪ ،‬وما من هؤلء إل من‬
‫َيظْ َهرُ كذبه كما يظهر كذب من يدّعي أنه الخضر ‪.‬‬
‫( فصسسسسسل )‬
‫وقوله ‪ :‬روى ا بن الجوزي بإ سناده إلى ا بن ع مر ‪ :‬قال ‪ :‬قال ر سول‬
‫ال ‪ (( :e‬يخرج فسي آخسر الزمان رجسل مسن ولدي ‪ ،‬اسسمه كاسسمي‪ ،‬وكنيتسه‬
‫كنيتي ‪ ،‬يمل الرض عدل كما ملئت جورا‪،‬فذلك هو المهدي))‬
‫فيقال ‪ :‬الجواب من وجوه ‪:‬‬
‫أحد ها ‪ :‬إن كم ل تحتجون بأحاد يث أ هل ال سنة ‪ ،‬فم ثل هذا الحد يث ل‬
‫يفيدكم فائدة ‪ .‬وإن قلتم ‪ :‬هو حجة على أهل السنة ‪ ،‬فنذكر كلمهم فيه ‪.‬‬
‫الثاني ‪:‬إن هذا من أخبار الحاد ‪ ،‬فكيف يثبت به أصل الدين الذي ل‬
‫يصح اليمان إل به ؟‬
‫الثالث ‪:‬أن لفسظ الحديسث حجسة عليكسم ل لكسم ‪ ،‬فإن لفظسه ‪(( :‬يواطسئ‬
‫اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي‬

‫))‬

‫فالمهدي الذي أخبر به النبي ‪e‬اسمه محمد‬

‫بن عبد ال ل محمد بن الحسن ‪ .‬وقد رُوي عن عل يّ ‪ t‬أنه قال ‪ :‬هو من ولد‬
‫ي ‪ ،‬ل من ولد الحسين بن عليّ ‪.‬‬
‫الحسن بن عل ّ‬
‫وأحاديسث المهدي معروفسة ‪ ،‬رواهسا المام أحمسد وأبسو داود والترمذي‬
‫وغيرهم ‪ ،‬كحديث عبد ال بن مسعود عن النبي ‪ e‬أنه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫لو لم يبق من‬

‫الدن يا إل يوم لطوّل ال ذلك اليوم ح تى يب عث ف يه رجل من أ هل بي تي يوا طئ‬
‫ا سمه ا سمي وا سم أب يه ا سم أ بي ‪ ،‬يمل الرض ق سطا وعدل ك ما ملئت ظل ما‬

‫‪182‬‬

‫وجورا ))(‪. )1‬‬
‫الرابنع ‪ :‬أن الحديسث الذي ذكره ‪ ،‬وقوله ‪ (( :‬اسسمه كاسسمي ‪ ،‬وكنيتسه‬
‫كني تي )) ولم ي قل ‪ (( :‬يوا طئ ا سمه ا سمي وا سم أب يه ا سم أ بي‬

‫))‬

‫فلم يروه أ حد‬

‫من أهل العلم بالحديث في كتب الحديث المعروفة‪ ،‬بهذا اللفظ ‪ .‬فهذا الرافضي‬
‫لم يذكر الحديث بلفظه المعروف في كتب الحديث ‪ ،‬مثل مسند أحمد ‪ ،‬وسنن‬
‫أبي داود والترمذي ‪ ،‬وغير ذلك من الكتب ‪ .‬وإنما ذكره بلفظ مكذوب لم يروه‬
‫أحد منهم ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬إن ابسسن الجوزي رواه بإسسسناده ‪ :‬إن أراد العالم المشهور‬
‫صاحب المصنّفات الكثيرة أبا الفرج ‪ ،‬فهو كذب عليه ‪ .‬وإن أراد سبطه يوسف‬
‫بن قز أوغلى صاحب التار يخ الم سمى (( بمرآة الزمان )) و صاحب الكتاب‬
‫المصسنّف فسي ((الثنسى عشسر ))الذي سسمّاه (( إعلم الخواص )) فهذا الرجسل‬
‫ج في أغراضه بأحاد يث‬
‫يذ كر في مصنفاته أنوا عا من الغ ثّ والسمين ‪ ،‬ويحت ّ‬
‫كثيرة ضعيفسة وموضوعسة ‪ ،‬وكان يصسنّف بحسسب مقاصسد الناس ‪ :‬يصسنّف‬
‫للشي عة ما ينا سبهم ليعوّضوه بذلك ‪ ،‬وي صنّف على مذ هب أ بي حني فة لب عض‬
‫الملوك لينال بذلك أغراضه ‪ ،‬فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له ‪ :‬ما‬
‫مذهبك ؟ قال ‪ :‬في أي مدينة ؟‬
‫ولهذا يوجسد فسي بعسض كتبسه ثلب الخلفاء الراشديسن وغيرهسم مسن‬
‫الصحابة رضوان ال عليهم لجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة ‪ ،‬ويوجد‬
‫في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم ‪.‬‬
‫( فصسسسسل)‬
‫قال الراف ضي ‪ (( :‬فهؤلء الئ مة الفضلء المع صومون ‪ ،‬الذ ين بلغوا‬
‫الغا ية في الكمال ‪ ،‬ولم يتخذوا ما ات خذ غير هم من الئ مة المشتغل ين بالملك‬
‫‪ )1(1‬انظر سنن أبي داود ج ‪ 4‬ص ‪ 151‬والترمذي ج ‪ 3‬ص ‪ 343‬والمسند ج ‪ 2‬ص ‪117‬‬
‫‪.‬‬

‫‪183‬‬

‫وأنواع المعا صي والمل هي ‪ ،‬وشرب الخمور والفجور ‪ ،‬ح تى فعلوا بأقارب هم‬
‫على ما هو المتواتر بين الناس ‪ .‬قالت المامية ‪ :‬فال يحكم بيننا وبين هؤلء ‪،‬‬
‫وهو خير الحاكمين ))‪.‬‬
‫قال ‪ (( :‬وما أحسن قول الشاعر‪:‬‬
‫إذا شئت أن ترضي لنفسك مذهبا‬

‫وتعلم أن الناس في نقل أخسسبار‬

‫فدع عنك قول الشافعي ومالسسك‬

‫وأحمد والمروىّ عن كسعب أحبار‬

‫ووال أناسسا قولهسم وحديثهسم‬

‫روى جدنا عن جبرئيل عن الباري))‬

‫والجواب من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أما دعوى العصمة في هؤلء فلم تذكر عليها حجة‬
‫إل ما ادّعي ته من أ نه ي جب على ال أن يج عل للناس إما ما مع صوما ‪ ،‬ليكون‬
‫لطفا ومصلحة في التكليف ‪ ،‬وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه ‪ :‬أدناها أن‬
‫هذا مفقود ل موجود ‪ ،‬فإنسه لم يوجسد إمام معصسوم حصسل بسه لطسف ول‬
‫مصسلحة‪ ،‬ولو لم يكسن فسي الدليسل على انتفاء ذلك إل المنتظسر الذي قسد عُلم‬
‫بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد ‪ ،‬ل في دين ول في دنيا ‪ ،‬ول حصل لحد‬
‫من المكلّفين به مصلحة ول لطف ‪ ،‬لكان هذا دليل على بطلن قولهم ‪ ،‬فكيف‬
‫مع كثرة الدلئل على ذلك ؟‬
‫الو جه الثا ني ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬كل وا حد من هؤلء قد بلغ الغا ية في‬
‫الكمال )) هو قول مجرد عن الدل يل ‪،‬والقول بل علم يم كن كل أ حد أن يقابله‬
‫بمثله ‪ .‬وإذا ادّعسى المدّعسي هذا الكمال فيمسن هو أشهسر فسي العلم والديسن مسن‬
‫الع سكريين وأمثاله ما من ال صحابة والتابع ين ‪ ،‬و سائر أئ مة الم سلمين ‪ ،‬لكان‬
‫ذلك أوْلى بالقبول ‪ .‬ومسن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلميسة والدينيسة‬
‫المتواترة عن غير واحد من الئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من‬
‫الكذب‪ ،‬دع الصدق ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬هؤلء الئمسة )) إن أراد بذلك أنهسم كانوا ذوى‬
‫سسلطان وقدرة معهسم السسيف ‪ ،‬فهذا كذب ظاهسر ‪ ،‬وهسم ل يدّعون ذلك ‪ ،‬بسل‬

‫‪184‬‬

‫يقولون ‪ :‬إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين ‪ ،‬لم يتمكن أحد منهم‬
‫عليس بسن أبسي طالب ‪ ،‬مسع أن المور اسستصعبت عليسه ‪،‬‬
‫ّ‬
‫مسن المامسة ‪ ،‬إلّ‬
‫ونصف المة – أو أقل أو أكثر – لم يبايعوه ‪ ،‬بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم ‪،‬‬
‫وكث ير من هم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا م عه ‪ ،‬و في هؤلء من هو أف ضل من الذ ين‬
‫عليس‬
‫ّ‬
‫قاتلوه وقاتلوا معسه ‪ ،‬وكان فيهسم مسن فضلء المسسلمين مسن لم يكسن مسع‬
‫مثلهم‪ ،‬بل الذين تخلّفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه ‪.‬‬
‫وإن أراد أنسه كان لهسم علم وديسن يسستحقون بسه أو كانوا أئمسة ‪ ،‬فهذه‬
‫الدعوى إذا صحت ل تُوجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم ‪ ،‬كما أن‬
‫اسستحقاق الرجسل أن يكون إمام مسسجد ل يجعله إمامسا ‪ ،‬واسستحقاقه أن يكون‬
‫قاضيسا ل يصسيّره قاضيسا ‪ ،‬واسستحقاقه أن يكون أميسر الحرب ل يجعله أميسر‬
‫الحرب ‪ .‬والصلة ل تصح إل خلف من يكون إماما ‪ .‬وكذلك الحكم بين الناس‬
‫إن ما يف صله ذو سلطان وقدرة ل من ي ستحق أن يولّى القضاء ‪ ،‬وكذلك الج ند‬
‫إنما يقاتلون مع أمير عليهم ل مع من لم يؤمّر وإن كان يستحق أن يؤمّر ‪.‬‬
‫الو جه الرا بع ‪:‬أن يقال ما تعنون بال ستحقاق ؟ أتعنون أن الوا حد من‬
‫هؤلء كان يجسب أن يولى المامسة دون سسائر قريسش ؟ أم تريدون أن الواحسد‬
‫منهم من جملة من يصلح للخلفة ؟ فإن أردتم الول فهو ممنوع مردود ‪ ،‬وإن‬
‫أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم و بين خلق كثير من قريش ‪.‬‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن يقال المام هو الذى يؤتم به وذلك على وجهين ‪:‬‬
‫أحد ها ‪ :‬أن ير جع إل يه في العلم و الد ين بح يث يطاع باختيار المط يع ‪ ،‬لكو نه‬
‫عالما بأمر ال عزوجل آمرا به ‪ ،‬فيطيعه المطيع لذلك ‪ ،‬وإن كان عاجزا عن‬
‫إلزامه الطاعة ‪.‬‬
‫والثانسي ‪ :‬أن يكون صساحب يسد وسسيف ‪ ،‬بحيسث يطاع طوعسا وكرهسا‬
‫لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة ‪.‬‬
‫الو جه ال سادس ‪ :‬أن يقال ‪ :‬قوله ‪ (( :‬لم يتخذوا ما اتخذه غير هم من‬
‫الئمسة المشتغليسن بالملك والمعاصسي )) كلم باطسل ‪ .‬وذلك أنسه إن أراد أهسل‬

‫‪185‬‬

‫السسنة يقولون ‪ :‬إنسه يؤتسم بهؤلء الملوك فيمسا يفعلونسه مسن معصسية ال ‪ ،‬فهذا‬
‫كذب علي هم ‪ .‬فإن علماء أ هل ال سنة المعروف ين بالعلم ع ند أ هل ال سنة متفقون‬
‫على أنه ل يُقتدى بأحد في معصية ال ‪ ،‬ول يُتخذ إماما في ذلك ‪.‬‬
‫وإن أراد ان أهل ال سنة ي ستعينون بهؤلء الملوك فيما يُحتاج إليهم ف يه‬
‫من طا عة ال ‪ ،‬ويعاونون هم على ما يفعلو نه من طا عة ال ‪ ،‬فيقال ل هم ‪ :‬إن‬
‫كان اتخاذهسم أئمسة بهذا العتبار محذورا ‪ ،‬فالرافضسة أدخسل منهسم فسي ذلك ‪،‬‬
‫فإنهم دائما يستعينون بالكفّار والفجّار على مطالبهم ‪ ،‬ويعاونون الكفّار والفجّار‬
‫على كث ير من مآرب هم ‪ ،‬وهذا أ مر مشهود في كل زمان ومكان ‪ ،‬ولو لم ي كن‬
‫إل صساحب هذا الكتاب (( منهاج الندامسة )) وإخوانسه ‪ ،‬فإنهسم يتخذون المغسل‬
‫والكفار أو الفسّاق أو الجهال أئمة بهذا العتبار ‪.‬‬
‫الوجه السابع ‪ :‬أن يقال الئمة الذين هم مثل هؤلء الذين ذكرهم في‬
‫كتا به وادّ عى ع صمتهم ‪ ،‬ل يس ل هم سلطان تح صل به مقا صد الما مة ‪ ،‬ول‬
‫يكفي الئتمام بهم في طاعة ال ‪ ،‬ول في تحصيل ما ل بد منه مما يعين على‬
‫طا عة ال ‪ ،‬فإن لم ي كن ل هم ملك ول سلطان لم يم كن أن ت صلّي خلف هم جم عة‬
‫ول جماعة ‪ ،‬ول يكونون أئمة في الجهاد ول في الحج ‪ ،‬ول تُقام بهم الحدود ‪،‬‬
‫ول تُف صل ب هم الخ صومات ‪ ،‬ول ي ستوفي الر جل ب هم حقو قه ال تي ع ند الناس‬
‫والتي في بيت المال ‪ ،‬ول يؤمّن بهم السبل ‪ ،‬فإن هذه المور كلها تحتاج إلى‬
‫ل مسن له أعوان على ذلك ‪ ،‬بسل القادر على‬
‫قادر يقوم بهسا ‪ ،‬ول يكون قادرا إ ّ‬
‫ذلك كان غيرهسم ‪ ،‬فمسن طلب هذه المور مسن إمام عاجسز عنهسا كان جاهل‬
‫ظالما ‪ ،‬ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها كان عالما مهتديا مسدّدا ‪ ،‬فهذا‬
‫يحصّل مصلحة دينه ودنياه ‪ ،‬والول تفوته مصلحة دينه ودنياه ‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن يقال‪ :‬دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما‬
‫ذكره من الخمور والفجور كذب علي هم ‪ ،‬والحكايات المنقولة في ذلك في ها ما‬
‫هو كذب ‪ ،‬وقد عُلم أن فيهم العدْل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدى بال ‪،‬‬
‫وأكثرهم لم يكن مظهرا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس ‪ ،‬وإن‬

‫‪186‬‬

‫كان أحدهسم قسد يُبتلى ببعسض الذنوب ‪،‬وقسد يكون تاب منهسا ‪ ،‬وقسد يكون له‬
‫حسنات كثيرة تمحو تلك السيئات ‪ ،‬وقد يُبتلى بمصائب تكفّر عنه خطاياه ‪ .‬ففي‬
‫الجملة الملوك ح سناتهم كبار و سيئاتهم كبار ‪ ،‬والوا حد من هؤلء وإن كان له‬
‫ذنوب ومعاص ل تكون لحاد المؤمنيسن ‪ ،‬فلهسم مسن الحسسنات مسا ليسس لحاد‬
‫المسلمين ‪ :‬من المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ،‬وإقامة الحدود ‪ ،‬وجهاد‬
‫العدو ‪ ،‬وإيصسال كثيسر مسن الحقوق إلى مسستحقيها ‪ ،‬ومنسع كثيسر مسن الظلم ‪،‬‬
‫وإقامة كثير من العدل ‪.‬‬
‫ونحسن ل نقول ‪ :‬إنهسم كانوا سسالمين مسن المظالم والذنوب ‪ ،‬كمسا ل‬
‫نقول‪ :‬إن أكثسر المسسلمين كانوا سسالمين مسن ذلك ‪ ،‬لكسن نقول ‪ :‬وجود الظلم‬
‫والمعا صي من ب عض الم سلمين وولة أمور هم وعامت هم ل يم نع أن يشارك‬
‫فيما يعمله من طاعة ال ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬مرادى بهؤلء الئ مة الث نا ع شر ‪ .‬ق يل له ‪ :‬ما رواه عل يّ‬
‫بن الح سين وأبو جع فر وأمثاله ما من حديث جد هم ‪ ،‬فمقبول من هم كما يرو يه‬
‫أمثاله ‪ .‬ولول أن الناس وجدوا عنسد مالك والشافعسي وأحمسد أكثسر ممسا وجدوه‬
‫ع ند مو سى بن جع فر ‪ ،‬وعلي بن مو سى ‪ ،‬ومح مد بن علي ‪ ،‬ل ما عدلوا عن‬
‫هؤلء إلى هؤلء ‪ .‬وإل فأي غرض ل هل العلم والد ين أن يعدلوا عن مو سى‬
‫بن جعفر إلى مالك بن أنس ‪ ،‬وكلهما من بلد واحد ‪ ،‬في عصر واحد ؟‬
‫فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك‬
‫لكن كانوا يكتمونه ‪ ،‬فأي فائدة للناس في علم يكتمونه ؟ فعلم ل يَقال به ككنز‬
‫ل يُنفق منه ‪،‬وكيف يأتم الناس بمن ل يبين لهم العلم المكتوم ‪ ،‬كالمام المعدوم‬
‫‪ ،‬وكله ما ل يُنت فع به ‪ ،‬ول يح صل به ل طف ول م صلحة ‪ .‬وإن قالوا ‪ :‬بل‬
‫كانوا يبينون ذلك لخوا صّهم دون هؤلء الئمة ‪ .‬قيل ‪ :‬أول ‪ :‬هذا كذب عليهم‪،‬‬
‫فإن جع فر بن مح مد لم يج يء بعده مثله ‪ .‬و قد أ خذ العلم ع نه هؤلء الئ مة ‪،‬‬
‫كمالك ‪ ،‬وا بن عيي نة ‪ ،‬والثوري ‪ ،‬وا بن جر يج ‪ ،‬ويح يى بن سعيد ‪ ،‬وأمثال هم‬
‫من العلماء المشاهير العيان ‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫ثسم مسن ظسن بهؤلء السسادة أنهسم يكتمون علمهسم ويخصسّون بسه قومسا‬
‫مجهولين ليس لهم في المة لسان صدق ‪ ،‬فقد أساء الظن بهم ؛ فإن في هؤلء‬
‫مسن المحبسة ل ولرسسوله ‪ ،‬والطاعسة له ‪ ،‬والرغبسة فسي حفسظ دينسه وتبليغسه ‪،‬‬
‫وموالة من واله ‪ ،‬ومعاداة من عاداه ‪ ،‬وصيانته عن الزيادة والنقصان ‪ ،‬ما ل‬
‫يوجسد قريسب منسه لحسد مسن شيوخ الشيعسة ‪.‬وهذا أمسر معلوم بالضرورة لمسن‬
‫عرف هؤلء وهؤلء ‪ .‬واع تبر هذا م ما تجده في كل زمان من شيوخ ال سنة‬
‫وشيوخ الرافضة ‪ ،‬كمصنّف هذا الكتاب ‪ ،‬فإنه عند المامية أفضلهم في زمانه‪،‬‬
‫بل يقول ب عض الناس ‪ :‬ل يس في بلد المشرق أف ضل م نه في ج نس العلوم‬
‫مطلقا ‪.‬ومع هذا فكلمه يدل على أنه من أجهل خلق ال بحال النبي ‪e‬وأقواله‬
‫وأعماله ‪ ،‬فيروى الكذب الذي يظهسر أنسه كذب مسن وجوه كثيرة ‪ ،‬فإن كان‬
‫عال ما بأ نه كذب ‪ ،‬ف قد ث بت ع نه ‪e‬أ نه قال ‪ (( :‬من حدّث ع ني بحد يث و هو‬
‫يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) وإن كان جاهل بذلك دلّ على أنه من أجهل‬
‫الناس بأحوال النبي ‪e‬كما قيل ‪:‬‬
‫وإن كنت تسدري فالمصيبة أعظسم‬

‫فإن كنت ل تدري فتلسك مصيبسة‬

‫(فصسسسل)‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬ومسا أظسن أحدا مسن المحصسّلين وقسف على هذه‬
‫المذاهب واختار غير مذهب المامية باطنا ‪ ،‬وإن كان في الظاهر يصير إلى‬
‫غيره طل با لدن يا ‪ ،‬ح يث وُض عت ل هم المدارس والر بط والوقاف ح تى ت ستمر‬
‫لبني العباس الدعوة ويُشيدوا للعامة اعتقاد إمامتهم ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬هذا الكلم ل يقوله إل مسن هسو مسن أجهسل الناس بأحوال أهسل‬
‫ال سنة ‪ ،‬أو من هو من أع ظم الناس كذ با وعنادا ‪ ،‬وبطل نه ظا هر من وجوه‬
‫كثيرة ؛ فإنه من المعلوم أن السنة كانت قبل أن تُبنى المدارس أقوى وأظهر ‪،‬‬
‫فإن المدارس إنما بُنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة ‪ :‬بنيت النظامية في‬
‫حدود السستين والربعمائة ‪ ،‬وبنيتسا على مذهسب واحسد مسن الئمسة الربعسة ‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫والمذاهسب الربعسة طبقست المشرق والمغرب ‪ ،‬وليسس لحسد منهسم مدرسسة ‪،‬‬
‫والمالكية في المغرب ل يُذكر عندهم ولد العباس‪.‬‬
‫ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني‬
‫العباس ‪ ،‬فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير من الشيعة وغيرهم من أهل‬
‫أبدع ‪ .‬ثم أن أهل السنة متفقون على أن الخلفة ل تختص ببني العباس ‪ ،‬وإنه‬
‫لو تولهما بعض العلويين أو الموييين أو غيرهم من بطون قريش جاز ‪ ،‬ثم‬
‫من المعلوم أن علماء ال سنة ‪ ،‬كمالك وأح مد وغيره ما ‪ ،‬من أب عد الناس عن‬
‫مداهنة الملوك أو مقاربتهم ‪ ،‬ثم إن أهل السنة إنما يعظّمون الخلفاء الراشدين ‪،‬‬
‫وليس فيهم أحد من بني العباس ‪.‬‬
‫ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد‬
‫راف ضي ‪ ،‬بل كل هم متفقون على تجه يل الراف ضة وتضليل هم ‪ ،‬وكتب هم كل ها‬
‫شاهدة بذلك ‪ ،‬وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك ‪ ،‬مع أنه ل أحد يلجئهم إلى‬
‫ذكر الرافضة ‪ ،‬وذكر جهلهم وضللهم ‪.‬‬
‫وهم دائما يذكون من جهل الرافضة وضللهم ما يُعلم معه بالضطرار‬
‫أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ‪ ،‬وأبعد طوائف المة عن‬
‫الهدى ‪ .‬كيسف ومذهسب هؤلء الماميسة قسد جمسع عظائم البدع المنكرة ‪ ،‬فإنهسم‬
‫جهميسة قدريسة رافضسة ‪،‬وكلم السسلف والعلماء فسي ذم كسل صسنف مسن هذه‬
‫ال صناف ل يح صيه إل ال ‪ ،‬والك تب مشحو نة بذلك ‪ ،‬كك تب الحد يث والثار‬
‫والفقه والتفسير والصول والفروع وغير ذلك ‪ ،‬وهؤلء الثلثة شر من غيرهم‬
‫من أهل البدع كالمرجئة والحرورية ‪.‬‬
‫وال يعلم أنسي مسع كثرة بحثسي وتطلعسي إلى معرفسة أقوال الناس‬
‫ومذاهب هم ما عل مت رجل له في ال مة ل سان صدق يُت هم بمذ هب المام ية ‪،‬‬
‫فضل عن أن يُقال ‪ :‬إنه يعتقده في الباطن ‪.‬‬
‫و قد اتّ هم بمذ هب الزيد ية الح سن بن ال صالح بن ح يّ ‪ ،‬وكان فقي ها‬
‫صالحا زاهدا‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن ذلك كذب عليه ‪ ،‬ولم ينقل أحد عنه ‪ :‬إنه طعن في‬

‫‪189‬‬

‫أبي بكر وعمر ‪ ،‬فضل عن أن يشك في إمامتهما ‪ ،‬واتّهم طائفة من الشيعة‬
‫الولى بتفض يل عل يّ على عثمان ‪ ،‬ولم يُت هم أ حد من الشي عة الولى بتفض يل‬
‫عل يّ على أ بي ب كر وع مر ‪ ،‬بل كا نت عا مة الشي عة الولى الذ ين يحبون عليّ ا‬
‫يفضّلون عليسه أبسا بكسر وعمسر ‪ ،‬لكسن كان فيهسم طائفسة ترجّحسه على عثمان ‪،‬‬
‫وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين ‪ :‬شيعة عثمانية ‪ ،‬وشيعة علوية ‪ .‬وليس‬
‫كل من قا تل مع عل يّ كان يفضله على عثمان ‪ ،‬بل كان كث ير منهسم يفضّل‬
‫عثمان على عليّ ‪ ،‬كما هو قول سائر أهل السنة ‪.‬‬
‫( فصسسسسل)‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬وكثيرا مسا رأينسا مسن يتديسن فسي الباطسن بمذهسب‬
‫المام ية ‪ ،‬ويمن عه عن إظهار ح بّ الدن يا وطلب الريا سة ‪ ،‬و قد رأ يت ب عض‬
‫أئمسة الحنابلة يقول ‪ :‬إنسي على مذهسب الماميسة فقلت ‪ :‬لم تدرس على مذهسب‬
‫الحنابلة ؟ فقال ‪ :‬ل يس في مذهب كم البغلت والمشاهرات ‪ .‬وكان أ كبر مدر سي‬
‫الشافعيسة فسي زماننسا حيسث توفسي أوصسى أن يتولى أمره فسي غُسسله وتجهيزه‬
‫ب عض المؤمن ين ‪ ،‬وأن يُد فن في مش هد مول نا الكا ظم ‪ ،‬وأش هد عل يه أ نه كان‬
‫على مذهب المامية ))‪.‬‬
‫والجواب ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬وكثيرا ما رأي نا )) هذا كذب ‪ ،‬بل قد يو جد‬
‫في ب عض المنت سبين إلى مذ هب الئ مة الرب عة من هو في الباطن راف ضي ‪،‬‬
‫كما يوجد في المظهرين للسلم من هو في الباطن منافق ‪ ،‬فإن الرافضة لما‬
‫كانوا من جنس المنافقين يخفون أمرهم احتاجوا أن يتظاهروا بغير ذلك ‪ ،‬كما‬
‫احتاج المنافقون أن يتظاهروا بغ ير الك فر ‪ ،‬ول يو جد هذا إل في من هو جا هل‬
‫بأحوال النبي ‪ e‬وأمور المسلمين كيف كانت في أول السلم‪ .‬وأما من عرف‬
‫السلم كيف كان ‪ ،‬وهو مق ّر بأن محمدا رسول ال باطنا وظاهرا ‪ ،‬فإنه يمتنع‬
‫أن يكون في البا طن رافض يا ‪ ،‬ول يُت صور أن يكون في البا طن رافض يا إل‬
‫زنديق منافق ‪ ،‬أو جاهل بالسلم كيف كان مُفرط في الجهل ‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫والحكا ية ال تي ذكر ها عن ب عض الئ مة المدر سين ذ كر لي ب عض‬
‫البغدادي ين أن ها كذب مفترى ‪ ،‬فإن كان صادقا في ما نقله عن ب عض المدر سين‬
‫من هؤلء وهؤلء ‪ ،‬فل يُن كر أن يكون في المنت سبين إلى الئ مة الرب عة من‬
‫هسو زنديسق ملحسد مارق مسن السسلم ‪،‬فضل عسن أن يكون رافضيسا ‪ .‬ومسن‬
‫استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زنادقة ‪،‬‬
‫كان من أجهل الناس‪ ،‬كذلك من استدل برفض بعض الناس في الباطن ‪.‬‬
‫( فصسسسسل )‬
‫قال الرافضني ‪(( :‬الوجسه الخامسس ‪ :‬فسي بيان وجوب اتباع مذهسب‬
‫المامية أنهم لم يذهبوا إلى التعصب في غير الحق ‪ ،‬بخلف غيرهم ‪ ،‬فقد ذكر‬
‫الغزالي والماوردي ‪ ،‬وهما إمامان للشافعية ‪ ،‬أن تسطيح القبور هي المشروع‪،‬‬
‫لكسن لمسا جعلتسه الرافضسة شعارا لهسم عدلنسا عنسه إلى التسسنيم ‪ ،‬وذكسر‬
‫الزمخشري ‪ ،‬وكان مسن أئمسة الحنفيسة ‪ ،‬فسي تفسسير قوله تعالى ‪ُ ] :‬هوَ الّذِي‬
‫يُ صَلّي عَلَ ْيكُم َومَلَ ِئكَتَ هُ [‬

‫(‪)1‬‬

‫أ نه يجوز بمقت ضى هذه الية أن يُصلّى على آحاد‬

‫المسسلمين ‪ ،‬لكسن لمسا اتخذت الرافضسة ذلك فسي أئمتهسم منعناه ‪ .‬وقال مصسنف‬
‫(( الهدا ية )) من الحنف ية‪ :‬إن المشروع التخ تم في اليم ين ‪ ،‬ول كن ل ما اتخذ ته‬
‫الرافضسة جعلنسا التختسم فسي اليسسار ‪ ،‬وأمثال ذلك كثيسر فانظسر إلى مسن يغيّر‬
‫الشريعسة ويبدّل الحكام التسي ورد بهسا النسص عسن النسبي ‪ e‬ويذهسب إلى ضسد‬
‫الصواب معاندة لقوم معينين ‪ ،‬فهل يجوز اتّباعه والمصير إلى أقواله ؟))‬
‫والجواب من طريقت ين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أن هذا الذي ذكره هو بالراف ضة‬
‫ألصق ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬أن أئمة السنة براء من هذا ‪.‬‬
‫أ ما الطر يق الول فيقال ‪ :‬ل نعلم طائ فة أع ظم تع صبا في البا طل من‬
‫الراف ضة ‪ ،‬ح تى إن هم دون سائر الطوائف عُرف من هم شهادة الزور لموافق هم‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 43‬من سورة الحزاب ‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫على مخالفهم ‪ ،‬وليس في التعصب أعظم من الكذب ‪ ،‬وحتى أنهم في التعصب‬
‫جعلوا للبنست جميسع الميراث ‪ ،‬ليقولوا ‪ :‬إن فاطمسة رضسى ال عنهسا ورثست‬
‫ر سول ال ‪ e‬دون ع مه العباس ‪ ، t‬وح تى أن في هم من حرّم ل حم الج مل لن‬
‫عائ شة قاتلت على ج مل ‪ ،‬فخالفوا كتاب ال و سنة ر سوله ‪e‬وإجماع ال صحابة‬
‫والقرا بة ل مر ل ينا سب ذلك ‪ ،‬فإن ذلك الج مل الذي ركب ته عائ شة ر ضى ال‬
‫عنها مات ‪،‬ولو فرض أنه ح يّ فركوب الكفّار على الجمال ل يوجب تحريمها‪،‬‬
‫و ما زال الكفّار يركبون جمال ويغنم ها الم سلمون من هم ‪ ،‬ولحم ها حلل ل هم ‪،‬‬
‫فأي شيسء فسي ركوب عائشسة للجمسل ممسا يوجسب تحريسم لحمسه ؟وغايسة مسا‬
‫يفرضون أن ب عض من يجعلو نه كافرا ر كب جمل ‪ ،‬مع أن هم كاذبون مفترون‬
‫فيما يرمون به أم المؤمنين رضى ال عنها ‪.‬‬
‫ومسن تعصسبهم أنهسم ل يذكرون اسسم (( العشرة )) بسل يقولون تسسعة‬
‫وواحسد ‪ ،‬وإذا بنوا أعمدة أو غيرهسا ل يجعلونهسا عشرة ‪ ،‬وهسم يتحرّون ذلك‬
‫في كثير من أمورهم ‪.‬‬
‫بعليس أو جعفسر أو الحسسن أو‬
‫ّ‬
‫ومسن تعصسبهم أنهسم إذا وجدوا مسسمّى‬
‫الح سين بادروا إلى إكرا مه ‪ ،‬مع أ نه قد يكون فا سقا ‪ ،‬و قد يكون في البا طن‬
‫سنيا ‪ ،‬فإن أهل السنة يسمّون بهذه السماء ‪ .‬كل هذا من التعصب والجهل ‪،‬‬
‫و من تع صبهم وجهل هم أن هم يُبغضون ب ني أم ية كل هم لكون بعض هم كان م من‬
‫يبغض عليّا ‪.‬‬
‫وقد كان في بني أمية قوم صالحون ماتوا قبل الفتنة ‪ ،‬وكان بنو أمية‬
‫اكثر القبائل عمّال للنبي ‪ ،e‬فإنه لما فتح مكة استعمل عليها عتّاب ابن أسيد بن‬
‫أبي العاصي بن أمية‪ ،‬واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ‪ ،‬وأخويه‬
‫أَبان بن سعيد وسعيد بن سعيد على أعمال أُخر ‪ ،‬واستعمل أبا سفيان بن حرب‬
‫بن أم ية على نجران أو اب نه يز يد ‪ ،‬ومات و هو علي ها ‪ ،‬و صاهر نبي ال ‪e‬‬

‫ببناته الثلث لبني أمية ‪، ،‬فزوّج أكبر بناته زينب بأبي العاص بن الربيع بن‬
‫أمية بن عبد شمس ‪ ،‬وحمد صهره لما أراد عليّ أن يتزوج ببنت أبي جهل ‪،‬‬

‫‪192‬‬

‫فذكسر صسهرا له مسن بنسي أميسة بسن عبسد شمسس فأثنسى عل يه فسي مصساهرته ‪،‬‬
‫وقال‪((:‬حدثني فصدقني ‪ ،‬ووعدني فوفّى لي))‪ .‬وزوّج ابنتيه لعثمان بن عفان ‪،‬‬
‫واحدة بعد واحدة ‪ ،‬وقال‪ ((:‬لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان)) ‪.‬‬
‫وكذلك من جهلهسم وتعصسبهم أنهسم يبغضون أهسل الشام ‪ ،‬لكونهسم كان‬
‫فيهم أول من يبغض عليّا ‪ .‬ومعلوم أن مكة كان فيها كفّار ومؤمنون ‪ ،‬وكذلك‬
‫المدينة كان فيها مؤمنون ومنافقون ‪ ،‬والشام في هذه العصار لم يبق فيه من‬
‫يتظا هر بب غض عل يّ ‪ ،‬ول كن لفرط جهل هم ي سحبون ذ يل الب غض ‪.‬وكذلك من‬
‫جهلهم أنهم يذمون من ينتفع بشيء من آثار بني أمية ‪ ،‬كالشرب من نهر يزيد‪،‬‬
‫ويزيد لم يحفره ولكن وسّعه ‪ ،‬وكالصلة في جامع بناه بنو أمية ‪ .‬ومن المعلوم‬
‫أن النسبي ‪ e‬كان يصسلّي إلى الكعبسة التسي بناهسا المشركون ‪ ،‬وكان يسسكن فسي‬
‫الم ساكن ال تي بنو ها ‪ ،‬وكان يشرب من ماء البار ال تي حفرو ها ‪ ،‬ويل بس من‬
‫الثياب التسي نسسجوها ‪ ،‬ويعامسل بالدراهسم التسي ضربوهسا ‪ .‬فإذا كان ينتفسع‬
‫بم ساكنهم وملب سهم ‪ ،‬والمياه ال تي أنبطو ها ‪ ،‬والم ساجد ال تي بنو ها ‪ ،‬فك يف‬
‫بأهل القبلة ؟ !‬
‫سه‬
‫سر نهرا ‪ ،‬لم يكره الشرب منس‬
‫سد كان حافرا وحفس‬
‫فلو فرض أن يزيس‬
‫بإجماع المسلمين ‪،‬ولكن لفرط تعصبهم كرهوا ما يضاف إلى من يبغضونه ‪.‬‬
‫ول قد حدث ني ث قة أ نه كان لر جل من هم كلب فدعاه آ خر من هم ‪ :‬بك ير ‪،‬‬
‫فقال صساحب الكلب ‪ :‬أتسسمي كلبسي بأسسماء أصسحاب النار ؟ فاقتتل على ذلك‬
‫حتى جرى بينهما دم ‪ .‬فهل يكون أجهل من هؤلء ؟!‬
‫وأ ما الطر يق الثا ني في الجواب فنقول ‪ :‬الذي عل يه أئ مة ال سلم إن‬
‫كان مشروعا لم يُترك لمجرد فعسل أهسل البدع ‪ :‬ل الرافضسة ول غيرهسم ‪.‬‬
‫وأصسول الئمسة كلهسم توافسق هذا ‪ ،‬منهسا مسسألة التسسطيح الذي ذكرهسا ‪ ،‬فإن‬
‫مذهب أبي حنيفة وأحمد أن تسنيم القبور أفضل ‪ ،‬كما ثبت في الصحيح أن قبر‬
‫النبي ‪e‬كان مسنّما ‪ ،‬ولن ذلك أبعد عن مشابهة أبنية الدنيا‪ ،‬وأمنع عن القعود‬
‫على القبور ‪.‬والشاف عي ي ستحب الت سطيح ل ما رُوى من ال مر بت سوية القبور ‪،‬‬

‫‪193‬‬

‫فرأى أن التسسوية هسي التسسطيح ‪ .‬ثسم إن بعسض أصسحابه قال ‪ :‬إن هذا شعار‬
‫الرافضة فيُكره ذلك ‪ ،‬فخالفه جمهور الصحاب وقالوا ‪ :‬بل هو المستحب وإن‬
‫فعلته الرافضة ‪.‬‬
‫وكذلك الج هر بالب سملة هو مذ هب الراف ضة ‪ ،‬وب عض الناس تكلّم في‬
‫الشافعسي بسسببها ‪ ،‬وبسسبب القنوت ‪،‬ونسسبه إلى قول الرافضسة والقدريسة ‪ ،‬لن‬
‫المعروف فسي العراق إن الجهسر كان مسن شعار الرافضسة ‪ ،‬وأن القنوت فسي‬
‫الف جر كان من شعار القدر ية الراف ضة ‪ ،‬ح تى أن سفيان الثوري وغيره من‬
‫الئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة ‪ ،‬لنه كان عندهم من شعار‬
‫الرافضسة ‪ ،‬كمسا يذكرون المسسح على الخفيسن لن تركسه كان مسن شعار‬
‫الراف ضة‪ ،‬و مع هذا فالشاف عي ل ما رأى أن هذا هو ال سنة كان ذلك مذه به وإن‬
‫وافق قول الرافضة ‪.‬‬
‫وكذلك إحرام أهسل العراق مسن العقيسق يسستحب عنده ‪ ،‬وإن كان ذلك‬
‫مذهب الرافضة ‪ ،‬ونظائر هذا كثيرة ‪.‬‬
‫(فصسسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬مع أنهم ابتدعوا أشياء ‪ ،‬واعترفوا بأنها بدعة ‪ ،‬وأن‬
‫ال نبي ‪ e‬قال ‪:‬‬
‫‪:e‬‬

‫((‬

‫((‬

‫كل بد عة ضللة ‪ ،‬و كل ضللة فإن م صيرها النار ))‪ .‬وقال‬

‫من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ر ّد ))‪ ،‬ولو ردوا عنها كرهته نفوسهم‬

‫ونفرت قلوبهم ‪ ،‬كذكر الخلفاء في خطبهم ‪ ،‬مع أنه بالجماع لم يكن في زمن‬
‫النبي ‪ ،e‬ول في زمن أحد من الصحابة والتابعين ‪ ،‬ول في زمن بني أمية ‪،‬‬
‫ول في صدور ولية العباسيين ‪ ،‬بل شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين‬
‫العلوية خلف‪،‬فقال‪:‬وال لرغمن أنفي وأنوفهم وأرفع عليهم بني تيم وعدي ‪،‬‬
‫وذكر الصحابة في خطبته ‪ ،‬واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬الجواب من وجوه ‪ :‬أحد ها ‪ :‬أن ذكر الخلفاء على المنبر كان‬
‫على ع هد ع مر بن ع بد العز يز ‪ ،‬بل قد رُوى أ نه كان على ع هد ع مر بن‬

‫‪194‬‬

‫الخطاب ‪. t‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أنه قيل ‪ :‬أن عمر بن عبد العزيز ذكر الخلفاء الربعة‬
‫لما كان بعض بني أمية يسبّون عليا ‪ ،‬فعوّض عن ذلك بذكر الخلفاء والترضّي‬
‫عنهم ‪ ،‬ليمحو تلك السنة الفاسدة ‪.‬‬
‫الوجه الثالث ‪ :‬أن ما ذكره من إحداث المنصور وقصده بذلك باطل ‪،‬‬
‫فإن أبا بكر وعمر ‪t‬ما توليا الخلفة قبل المنصور وقبل بني أمية‪ ،‬فلم يكن في‬
‫ذ كر المن صور له ما إرغام لن فه ول لنوف ب ني عل يّ‪ ،‬إل لو كان ب عض ب ني‬
‫تيْم أو ب عض ب ني عدي ينازع هم الخل فة ‪ ،‬ولم ي كن أ حد من هؤلء ينازع هم‬
‫فيها ‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬أن أهل السنة ل يقولون ‪ :‬إن ذكر الخلفاء الربعة في‬
‫الخط بة فر ضٌ ‪ ،‬بل يقولون ‪ :‬إن القت صار على عل يّ وحده ‪ ،‬أو ذ كر الث نى‬
‫عشسر هسو البدعسة المنكرة التسي لم يفعلهسا أحسد ‪ ،‬ل مسن الصسحابة ‪ ،‬ول مسن‬
‫التابعين ‪ ،‬ول من بني أمية ‪ ،‬ول من بني العباس ‪ .‬كما يقولون ‪ :‬إن سب عليّ‬
‫أو غيره من السلف بدعة منكرة ‪ ،‬فإن كان ذكر الخلفاء الربعة بدعة ‪ ،‬مع أن‬
‫كثيرا من الخلفاء فعلوا ذلك ‪ ،‬فالقتصار على عل يّ ‪ ،‬مع أنه لم يسبق إليه أحد‬
‫مسن المسة أوْلى أن يكون بدعسة ‪ ،‬وإن كان ذكسر عليّ لكونسه أميسر المؤمنيسن‬
‫م ستحبا ‪ ،‬فذ كر الرب عة الذ ين هم الخلفاء الراشدون أوْلى بال ستحباب ‪ ،‬ل كن‬
‫الراف ضة من المطفف ين ‪ :‬يرى أحد هم ال َقذَاة في عيون أ هل ال سنة ‪ ،‬ول يرى‬
‫الجذع المعترض في عينه ‪.‬‬
‫و من المعلوم أن الخلفاء الثل ثة ات فق علي هم الم سلمون ‪ ،‬وكان ال سيف‬
‫في زمانهم مسلول على الكفار ‪ ،‬مكفوفا عن أهل السلم ‪ .‬وأما عليّ فلم يتفق‬
‫المسسلمون على مبايعتسه ‪ ،‬بسل وقعست الفتنسة تلك المدة ‪ ،‬وكان السسيف فسي تلك‬
‫المدة مكفو فا عن الكفار م سلولً على أ هل ال سلم ‪ ،‬فاقت صار المقت صر على‬
‫ذكر عل يّ وحده دون من سبقه ‪ ،‬هو ترك لذكر الئمة وقت اجتماع المسلمين‬
‫وانتصسارهم على عدوهسم ‪ ،‬واقتصسار على ذكسر المام الذي كان إمامسا وقست‬

‫‪195‬‬

‫افتراق المسلمين وطلب عدوهم لبلدهم ‪.‬‬
‫( فصسسسسل)‬
‫نصس ال تعالى عليسه فسي‬
‫ّ‬
‫قال الرافضسي ‪ (( :‬وكمسسح الرجليسن الذي‬
‫ْسنحُوا‬
‫ِقن وَام َ‬
‫ُمن َوأَيْدِيَك ُم إِلَى ا ْلمَرَاف ِ‬
‫ْغسنلُوا ُوجُو َهك ْ‬
‫كتابسه العزيسز فقال ‪ َ]:‬فا ِ‬
‫سكُمْ َوأَ ْرجُ َلكُمْ إِلَى ا ْل َكعْبَيْن [(‪ ، )1‬وقال ابن عباس ‪ (( :‬عضوان مغسولن‪،‬‬
‫بِ ُرؤُو ِ‬
‫وعضوان ممسوحان ‪ ،‬فغيروه وأوجبوا الغسل )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬الذيسن نقلوا عسن النسبي ‪e‬الوضوء قول وفعل‪ ،‬والذيسن تعلّموا‬
‫الوضوء م نه وتوضؤوا على عهده ‪ ،‬و هو يرا هم ويقر هم عل يه ونقلوه إلى من‬
‫بعد هم ‪ ،‬أك ثر عددا من الذ ين نقلوا ل فظ هذه ال ية ‪ ،‬فإن جم يع الم سلمين كانوا‬
‫يتوضؤون على عهده ‪ ،‬ولم يتعلموا الوضوء إل منه ‪e‬؛ فإن هذا العمل لم يكن‬
‫معهودا عند هم في الجاهل ية ‪ ،‬و هم قد رأوه يتو ضأ ما ل يح صى عدده إل ال‬
‫تعالى ‪ ،‬ونقلوا عنه ذكر غسل الرجل ين فيما شاء ال من الحد يث ‪ ،‬حتى نقلوا‬
‫ع نه من غ ير و جه في ال صحاح وغير ها أ نه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫و يل للعقاب وبطون‬

‫القدام مسن النار)) ‪ ،‬مسع أن الفرض إذا كان مسسح ظهسر القدم ‪ ،‬كان غسسل‬
‫الجميع كلفة ل تدعو إليها الطباع ‪ ،‬كما تدعو الطباع إلى طلب الرئاسة والمال‬
‫فإن جاز أن يقال ‪ :‬إن هم كذبوا وأخطؤوا في ما نقلوه ع نه من ذلك ‪ ،‬كان الكذب‬
‫والخطأ فيما نُقل من لفظ الية أقرب إلى الجواز ‪.‬‬
‫وإن ق يل بل لف ظت ال ية بالتوا تر الذي ل يم كن الخ طأ ف يه ‪ ،‬فثبوت‬
‫التواتر في نقل الوضوء عنه أوْلى وأكمل ‪،‬ولفظ الية ل يخالف ما تواتر من‬
‫ال سنّة ‪ ،‬فإن الم سح ج نس تح ته نوعان ‪ :‬ال سالة ‪ ،‬وغ ير ال سالة ‪ ،‬ك ما تقول‬
‫العرب ‪ :‬تمسسّحت للصسلة ‪ ،‬فمسا كان بالسسالة فهسو الغسسل ‪ ،‬وإذا خسص أحسد‬
‫النوعين باسم الغسل ف قد ي خص النوع الخر باسم الم سح ‪ ،‬فالمسح يُقال على‬
‫المسسح العام الذي يندرج فيسه الغسسل ‪ ،‬ويُقال على الخاص الذي ل يندرج فيسه‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 6‬من سورة المائدة ‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫الغسل‪.‬‬
‫و في القرآن ما يدل على أ نه لم يُرد بم سح الرجل ين الم سح الذي هو‬
‫قسيم الغسل ‪ ،‬بل المسح الذي الغسل قسم منه ؛ فإنه قال ‪ ] :‬إلى الكعبين [ ولم‬
‫ي قل ‪ :‬إلى الكعاب ‪ ،‬ك ما قال ‪ ] :‬إلى المرا فق [ ‪ ،‬فدل على أ نه ل يس في كل‬
‫ر جل ك عب وا حد ‪ ،‬ك ما في كل يد مر فق وا حد ‪ ،‬بل في كل ر جل كعبان ‪،‬‬
‫فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين ‪ ،‬وهذا هو الغسل ‪ ،‬فإن من‬
‫يمسسح المسسح الخاص يجعسل المسسح لظهور القدميسن ‪ ،‬وفسي ذكره الغسسل فسي‬
‫العضوين الوّليْن والمسح في الخرين ‪ ،‬التنبيه على أن هذين العضوين يجب‬
‫فيهمسا المسسح العام ‪ ،‬فتارة يُجزئ المسسح الخاص ‪ ،‬كمسا فسي مسسح الرأس‬
‫والعمامة والمسح على الخفين ‪ ،‬وتارة ل بد من المسح الكامل الذي هو غسل‪،‬‬
‫كما في الرجلين المكشوفتين ‪.‬‬
‫وقد تواترت السنة عن النبي ‪ e‬بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين ‪،‬‬
‫والرافضسة تخالف هذه السسنة المتواترة‪ ،‬كمسا تخالف الخوارج نحسو ذلك ‪ ،‬ممسا‬
‫يتوهمون أ نه مخالف لظا هر القرآن ‪ ،‬بل توا تر غ سل الرجل ين والم سح على‬
‫الخفين عن النبي ‪e‬أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار‪ ،‬أو ثلثة دراهم ‪،‬‬
‫أو عشرة دراهم ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫وفسي الجملة فالقرآن ليسس فيسه نفسي إيجاب الغسسل ‪ ،‬بسل فيسه إيجاب‬
‫المسح‪ ،‬فلو قدّر أن السنة أوجبت قدرا زائدا على ما أوجبه القرآن لم يكن في‬
‫هذا رف عا لمو جب القرآن ‪ ،‬فك يف إذا ف سّرته وبيّ نت معناه ؟ وهذا مب سوط في‬
‫موضعه ‪.‬‬
‫( فصسسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وكالمتعتين اللتين ورد بهما القرآن ‪ ،‬فقال في متعة‬
‫ن ا ْلهَدْي [(‪ )1‬وتأسّف النبي‬
‫حجّ َفمَا اسْتَ ْيسَ َر مِ َ‬
‫الحج ‪َ] :‬فمنْ َتمَتّ َع بِا ْل ُعمْرَةِ إِلَى ا ْل َ‬
‫‪e‬على فوات ها ل ما حجّ قار نا‪ ،‬وقال لو ((ا ستقبلت من أمرى ما ا ستدبرت ل ما‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 196‬من سورة البقرة ‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫ِهن مِ ْنهُنّ فَأْتُوهُنّ‬
‫سسقت الهدى )) وقال فسي متعسة النسساء ‪َ] :‬فمنا اْسنَتمْتَعْ ُتمْ ب ِ‬
‫ُأجُو َرهُنّ فَرِيضَة [‬

‫(‪)1‬‬

‫واستمرت فعلهما مدة زمان النبي ‪e‬ومدة خلفة أبي بكر‬

‫‪ ،‬وب عض خل فة عمر ‪ ،‬إلى أن صعد المنبر ‪ ،‬وقال‪ (( :‬متعتان كانتا محللت ين‬
‫على عهد رسول ال ‪e‬وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما )) ‪.‬‬
‫والجواب أن يقال ‪ :‬أمسا متعسة الحسج فمتفسق على جوازهسا بيسن أئمسة‬
‫المسسلمين ‪ ،‬ودعواه أن أهسل السسنة ابتدعوا تحريمهسا كذب عليهسم ‪ ،‬بسل أكثسر‬
‫علماء السنة يستحبون المتعة ويرجّحونها أو يوجبونها ‪ .‬والمتعة اسم جامع لمن‬
‫ل من‬
‫اعتمر في أشهر الحج وجمع بينها وبين الحج في سفر واحد ‪ ،‬سواء ح ّ‬
‫إحرا مه بالعمرة ثم أحرم بال حج ‪ ،‬أو أحرم بال حج ق بل طوا فه بالب يت و صار‬
‫قارنا ‪ ،‬أو بعد طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة قبل التحلل من إحرامه لكونه‬
‫ساق الهدى ‪ ،‬أو مطلقا‪ .‬وقد يراد بالمتعة مجرد العمرة في أشهر الحج ‪.‬‬
‫وأكثر العلماء ‪ ،‬كأحمد وغيره من فقهاء الحديث ‪ ،‬وأبي حنيفة وغيره‬
‫من فقهاء العراق ‪ ،‬والشافعي في أحد قوْلَيه ‪ ،‬وغيره من فقهاء مكة‪ :‬يستحبون‬
‫المتعة ‪.‬‬
‫وأ ما مت عة الن ساء المتنازع في ها فل يس في ال ية ن صّ صريح بحل ها ‪،‬‬
‫ن تَبْ َتغُوا ِبَأ ْموَا ِلكُم ُمحْ صِنِينَ غَيْرَ‬
‫حلّ َلكُ مْ مَا َورَاءَ ذَ ِلكُم أَ ْ‬
‫فإنه تعالى قال ‪َ ] :‬وُأ ِ‬
‫ح عَلَ ْيكُ مْ‬
‫ض ًة َولَ جُنَا َ‬
‫مُ سَا ِفحِين فَمَا ا سْتَمْ َتعْ ُتمْ بِ هِ مِ ْنهُنّ فَآتُوهُنّ ُأجُورَهُنّ فَرِي َ‬
‫حكِيمًا ‪َ .‬ومَ نْ لّ ْم يَسْ َتطِعْ‬
‫ن عَلِيمًا َ‬
‫فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ ِمنْ َبعْدِ ا ْلفَرِيضَة إِنّ الَ كَا َ‬
‫ن يَ ْنكِ حَ ا ْل ُمحْصَنَاتِ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ [(‪ )2‬الية ‪ .‬فقوله ‪َ ]:‬فمَا اسْ َتمْتَعْ ُتمْ بِ هِ‬
‫ط ْولً أَ ْ‬
‫مِ ْنكُمْ َ‬
‫مِ ْنهُنّ [ يتناول كسل مسن دخسل بهسا مسن النسساء‪ ،‬فإنسه أمسر بأن يعطسى جميسع‬
‫الصداق ‪ ،‬بخلف المطلّقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها ل تستحق إل‬
‫نصفه ‪.‬‬
‫ْضن‬
‫ُمن إِلَى َبع ٍ‬
‫َهن وَقَ ْد أَفْضَى َبعْضُك ْ‬
‫ْفن تَ ْأخُذُون ُ‬
‫وهذا كقوله تعالى ‪َ ] :‬وكَي َ‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 24‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬اليتان ‪ 25 ،24‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫ن مِ ْنكُ مْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [‬
‫َوأَخَذْ َ‬

‫(‪)3‬‬

‫‪ .‬فج عل الفضاء مع الع قد موج با ل ستقرار‬

‫الصداق ‪ ،‬يبيّن ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الجر فيه دون‬
‫النكاح المؤ بد مع نى ‪ ،‬بل إعطاء ال صداق كامل في المؤ بد أوْلى ‪ ،‬فل بد أن‬
‫تدل الية على المؤبد ‪ :‬إما بطريق التخصيص ‪ ،‬وإما بطريق العموم ‪.‬‬
‫يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الماء ‪ ،‬فعُلم أن ما ذُكر كان في‬
‫نكاح الحرائر مطلقا ‪ .‬فإن قيل ‪ :‬ففي قراءة طائفة من السلف ‪َ ] :‬فما اْس َتمْ َتعْتُمْ‬
‫سمّى [ ق يل ‪ :‬أوّل ‪ :‬لي ست هذه القراءة متواترة‪ ،‬وغايت ها‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫بِ ِه مِ ْنهُنّ إِلَى َأ َ‬
‫أن تكون كأخبار الحاد ‪ .‬ونحسن ل ننكسر أن المتعسة أحلت فسي أوّل السسلم ‪،‬‬
‫لكن الكلم في دللة القرآن على ذلك ‪.‬‬
‫الثانسي ‪ :‬أن يقال‪ :‬هذا الحرف إن كان نزل ‪ ،‬فل ريسب أنسه ليسس ثابتسا‬
‫مسن القراءة المشهورة ‪ ،‬فيكون منسسوخا ‪ ،‬ويكون نزوله لمسا كانست المتعسة‬
‫حرّمت نسخ هذا الحرف ‪ ،‬ويكون المر باليتاء في الوقت تنبيها‬
‫مباحة‪ ،‬فلما ُ‬
‫على اليتاء فسي النكاح المطلق ‪ .‬وغايسة مسا يقال إنهمسا قراءتان ‪،‬وكلهمسا‬
‫حق‪.‬والمر باليتاء في الستمتاع إلى أجل مسمّى واجب إذا كان ذلك حلل ‪،‬‬
‫وإنما يكون ذلك إذا كان الستمتاع إلى أجل مسمّى حلل ‪ ،‬وهذا كان في أول‬
‫السسلم ‪ ،‬فليسس فسي اليسة مسا يدل على أن السستمتاع بهسا إلى أجسل مسسمّى‬
‫حلل ‪ ،‬فإنه لم يقل ‪ :‬وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمّى ‪ ،‬بل قال ‪:‬‬
‫]َفما اْس َتمْتَعْ ُتمْ بِ ِه مِ ْنهُنّ فَآتُوهُنّ ُأجُورَهُنّ [ فهذا يتناول ما وقع من الستمتاع‬
‫‪ :‬سواء كان حلل ‪ ،‬أو كان في وطء شبهة ‪.‬‬
‫ولهذا يجسب المهسر فسي النكاح الفاسسد بالسسنة والتفاق ‪ .‬والمتمتسع إذا‬
‫اعتقد حلّ المتعة و َفعَلَها فعليه المهر ‪ ،‬وأما الستمتاع المحرّم فلم تتناوله الية؛‬
‫فإنه لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها ‪ ،‬لكان زنا ‪ ،‬ول مهر فيه ‪.‬‬
‫وإن كانت مستكرهة ‪ ،‬ففيه نزاع مشهور ‪.‬‬
‫وأ ما ما ذكره من ن هي ع مر عن مت عة الن ساء ‪ ،‬ف قد ث بت عن ال نبي‬
‫‪ )2(3‬الية ‪ 21‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫‪e‬أنسه حرّم متعسة النسساء بعسد الحلل ‪ .‬هكذا رواه الثقات فسي الصسحيحين‬
‫وغيرهما عن الزهري عن عبد ال والحسن ابنى محمد بن الحنفية عن أبيهما‬
‫محمد بن الحنفية‪ ،‬عن علي بن أبي طالب ‪ ، t‬أنه قال لبن عباس ‪ t‬لما أباح‬
‫المت عة ‪ :‬إ نك امرؤ تائه ‪ ،‬إن ر سول ال ‪ e‬حرّم المت عة ولحوم الح مر الهل ية‬
‫عام خ يبر(‪ ، )1‬رواه عن الزهري أعلم أ هل زما نه بال سنة وأحفظ هم ل ها ‪ ،‬أئ مة‬
‫السلم في زمنهم ‪ ،‬مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما ‪ ،‬ممن اتفق‬
‫المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم ‪ ،‬ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن‬
‫هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ‪ ،‬ليس في أهل العلم من طعن فيه ‪.‬‬
‫وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرّمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة(‪. )2‬‬
‫وقسد تنازع رواة حديسث علي ّ ‪ : t‬هسل قوله ‪(( :‬عام خيسبر )) توقيست لتحريسم‬
‫حمُر فقط أو له ولتحريم المتعة ؟ فالول قول ابن عيينة وغيره ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إنما‬
‫ال ُ‬
‫حرّمت عام الفتح ‪ .‬ومن قال بالخر قال ‪ :‬إنها حرّمت ثم أحلّت ثم حرّمت ‪.‬‬
‫وادعت طائفة ثالثة أنها أحلّت بعد ذلك ‪ ،‬ثم حرّمت في حجة الوداع‪.‬‬
‫فالروايات المسستفيضة المتواترة متواطئة على أنسه حرّم المتعسة بعسد‬
‫إحللها ‪ .‬والصواب أنها بعد أن حرّمت لم تُحل ‪ ،‬وأنها إنما حرّمت عام فتح‬
‫مكسة ولم تُحسل بعسد ذلك ‪ ،‬ولم تحرّم عام خيسبر‪ ،‬بسل عام خيسبر حرّمست لحوم‬
‫حمُر فأنكر علي بن أبي‬
‫حمُر الهلية ‪ .‬وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم ال ُ‬
‫ال ُ‬
‫طالب ‪ t‬ذلك عليه ‪ ،‬وقال له ‪ :‬إن رسول ال ‪ e‬حرّم متعة النساء وحرّم لحوم‬
‫الحمسر يوم خيسبر‪ ،‬فقرن علي ّ ‪ t‬بينهمسا فسي الذكسر لمسا روى ذلك لبسن عباس‬
‫رضى ال عنهمما ‪ ،‬لن ابن عباس كان يبيحهما ‪ .‬وقد روى عن ابن عباس ‪t‬‬

‫أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما ‪.‬‬
‫فأهسل ال سنة اتبعوا عل يا وغيره من الخلفاء الراشديسن فيمسا رووه عن‬
‫النبي ‪.e‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 7‬ص ‪ 12‬و مسلم ج ‪ 2‬ص ‪. 1027‬‬
‫‪ )2(2‬انظر صحيح مسلم ج ‪ 2‬ص ‪. 1026‬‬

‫‪200‬‬

‫والشيعة خالفوا عليّا فيما رواه عن النبي ‪ ،e‬واتبعوا قول من خالفه ‪.‬‬
‫وأيضسا فإن ال تعالى إنمسا أباح فسي كتابسه الزوجسة وملك اليميسن ‪،‬‬
‫والمتم تع ب ها لي ست واحدة منه ما ‪ ،‬فإن ها لو كا نت زو جة لتوار ثا ‪ ،‬ولوج بت‬
‫عليها عدة الوفاة‪ ،‬ولحقها الطلق الثلث ؛ فإن هذه أحكام الزوجة في كتاب ال‬
‫تعالى ‪ ،‬فلمسا انتفسى عنهسا لوازم النكاح دل على انتفاء النكاح فإن انتفاء اللزم‬
‫يقتضي انتفاء الملزوم ‪ .‬وال تعالى إنما أباح في كتابه الزواج وملك اليمين ‪،‬‬
‫علَى‬
‫جهِ مْ حَا ِفظُون‪ِ .‬إلّ َ‬
‫وحرّم ما زاد على ذلك بقوله تعالى ‪] :‬وَالّذِي نَ هُ مْ ِلفُرُو ِ‬
‫َنن ابْتَغَى وَرَا َء ذَلِكَن‬
‫َتن أَ ْيمَانُهم ْن فَإِ ّنهُم ْن غَ ْيرُ مَلُومِينن ‪َ .‬فم ْ‬
‫ِمن َأوْ مَا مَ َلك ْ‬
‫أَ ْزوَاجِه ْ‬
‫فَُأوْلَئِكَ ُه ُم الْعَادُون [(‪. )1‬‬
‫والمستمتع بها بعد التحريم ليست زوجة ول ملك يمين ‪ ،‬فتكون حراما‬
‫ب نص القرآن ‪ .‬أ ما كون ها لي ست مملو كة فظا هر ‪ ،‬وأ ما كون ها لي ست زو جة‬
‫فلنتفاء لوازم النكاح فيهسا ‪ ،‬فإن مسن لوازم النكاح كونسه سسببا للتوارث وثبوت‬
‫عدة الوفاة فيسه ‪ ،‬والطلق الثلث ‪ ،‬وتنصسيف المهسر بالطلق قبسل الدخول ‪،‬‬
‫وغير ذلك من اللوازم ‪.‬‬
‫( فصسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬ومنع أبو بكر فاطمة إرثها فقالت يا ابن أبي قحافة‬
‫أترث أباك ول أرث أ بي ؟ والت جأ فسي ذلك إلى روا ية انفرد ب ها – وكان هو‬
‫الغريم لها ‪ ،‬لن الصدقة تحل ّله – لن النبي ‪ e‬قال‪:‬‬
‫نُورث ‪ ،‬ما تركناه صدقة‬

‫))‬

‫((‬

‫نحن معاشر النبياء ل‬

‫على أن ما رووه ع نه فالقرآن يخالف ذلك ‪ ،‬لن‬

‫ن [(‪. )2‬ولم يجعل‬
‫حظّ الُنْثَيَي ْ‬
‫ال تعالى قال‪ُ ]:‬يوصيكمُ الُ فِي َأوْل ِدكُم لِل ّذكَ ِر مِ ْثلُ َ‬
‫ث سُلَ ْيمَانَ‬
‫ال ذلك خا صا بال مة دو نه ‪ ،e‬وكذّب روايت هم فقال تعالى ‪َ ] :‬ووَرِ َ‬

‫‪ )1(1‬اليات ‪ 7-5‬من سورة المؤمنون ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 11‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫دَاوُد [‬

‫(‪)1‬‬

‫ن وَرَائِي وَكَانَ تِ‬
‫ي مِ ْ‬
‫خفْ تُ ا ْل َموَالِ َ‬
‫‪ ،‬وقال تعالى عن زكريا ‪َ ] :‬وإِنّي ِ‬

‫ن آلِ َي ْعقُوب [(‪. )2‬‬
‫ث مِ ْ‬
‫ك وَلِيّا ‪ .‬يَرِثُنِي وَيَرِ ُ‬
‫ن لّدُنْ َ‬
‫امْ َرأَتِي عَاقِرا َفهَبْ لِي مِ ْ‬
‫والجواب عن ذلك من وجوه ‪ :‬أحد ها ‪ :‬أن ما ذ كر من قول فاط مة‬
‫رضى ال عنها ‪ :‬أترث أباك ول أرث أبي ؟ ل يُعلم صحته عنها ‪ ،‬وإن صح‬
‫فليس فيه حجة ‪ ،‬لن أباها صلوات ال وسلمه عليه ل يُقاس بأحد من البشر ‪،‬‬
‫وليس أبو بكر أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم كأبيها ‪ ،‬ول هو ممن حرّم ال عليه‬
‫صدقة الفرض والتطوع كأبي ها ‪ ،‬ول هو أي ضا م من ج عل ال محب ته مقد مة‬
‫على محبة الهل والمال ‪ ،‬كما جعل أباها كذلك ‪.‬‬
‫والفرق بيسن النسبياء وغيرهسم أن ال تعالى صسان النسبياء على أن‬
‫يورّثوا دنيسا ‪ ،‬لئل يكون ذلك شبهسة لمسن يقدح فسي نبوتهسم بأنهسم طلبوا الدنيسا‬
‫وخلّفوا لورثت هم ‪ .‬وأ ما أ بو ب كر ال صديق وأمثاله فل نبوة ل هم يُقدح في ها بم ثل‬
‫ذلك ‪ ،‬كما صان ال تعالى نبينا عن الخط والشعر صيانة لنبوّته عن الشبهة ‪،‬‬
‫وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه الصيانة ‪.‬‬
‫الثا ني ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬والت جأ في ذلك إلى روا ية انفرد ب ها )) كذب ؛‬
‫فإن قول النبي ‪ (( :e‬ل نُورَثُ ما تركنا فهو صدقة‬

‫))‬

‫رواه عنه أبو بكر وعمر‬

‫وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد‬
‫المطلب وأزواج ال نبي ‪e‬وأ بو هريرة‪ ،‬والروا ية عن هؤلء ثاب تة في ال صحاح‬
‫والم سانيد ‪ ،‬مشهورة يعلم ها أ هل العلم بالحد يث‬

‫(‪)3‬‬

‫فقول القائل ‪ :‬إن أ با ب كر‬

‫انفرد بالرواية ‪ ،‬يدل على فرط جهله أو تعمده الكذب ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬قوله ‪ (( :‬وكان هسو الغريسم لهسا )) كذب ‪ ،‬فإن أبسا بكسر ‪ t‬لم‬
‫يدع هذا المال لنفسسه ول لهسل بيتسه ‪ ،‬وإنمسا هسو صسدقة لمسستحقيها كمسا أن‬
‫المسجد حق للمسلمين ‪.‬‬
‫‪ )3(1‬الية ‪ 16‬من سورة النمل ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪5‬و ‪ 6‬من سورة مريم ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪ ، 79‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 3‬ص ‪. 1376‬‬

‫‪202‬‬

‫الرابع ‪ :‬أن الصديق ‪ t‬لم يكن من أهل هذه الصدقة ‪ ،‬بل كان مستغنيا‬
‫عنها ‪ ،‬ول انتفع هو ول أحد من أهله بهذه الصدقة ؛ فهو كما لو شهد قوم من‬
‫الغنياء على رجل أ نه و صّى بصدقة للفقراء ؛ فإن هذه شهادة مقبولة بالتفاق‬
‫‪.‬‬
‫الخامنس ‪ :‬أن هذا لو كان فيسه مسا يعود نفعسه على الراوي له مسن‬
‫الصحابة لقُبلت روايته لنه من باب الرواية ل من باب الشهادة ‪ ،‬والمحدّث إذا‬
‫حدّث بحديث في حكومة بينه وبين خصمه قُبلت روايته للحديث ‪ ،‬لن الرواية‬
‫تتضمن حكما عاما يدخل فيه الراوي وغيره ‪.‬وهذا من باب الخير ‪ ،‬كالشهادة‬
‫برؤ ية الهلل ؛ فإن ما أ مر به ال نبي ‪e‬يتناول الراوي وغيره‪ ،‬وكذلك ما ن هى‬
‫عنه ‪ ،‬وكذلك ما أباحه ‪.‬‬
‫وهذا الحديسث تضمّنس روايسة بحكسم شرعسي ‪ ،‬ولهذا تضمسن تحريسم‬
‫الميراث على ابنة أبي بكر عائشة ‪t‬ا ‪ ،‬وتضمن تحريم شرائه لهذا الميراث من‬
‫الور ثة واتّها به لذلك من هم ‪ ،‬وتض من وجوب صرف هذا المال في م صارف‬
‫الصدقة ‪.‬‬
‫السنادس ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬على مسا رووه فالقرآن يخالف ذلك ‪ ،‬لن ال‬
‫حظّ الُنْثَيَيْن [‬
‫تعالى قال‪ُ ]:‬يوصيك ُم الُ فِي َأ ْولَدِكُمْ لِلّ َذكَرِ مِ ْث ُل َ‬

‫(‪)1‬‬

‫ولم يجعل ال‬

‫لمّة دونه ‪.e‬‬
‫ذلك خاصا با ُ‬
‫فيقال‪ :‬أول ‪ :‬ليس في عموم لفظ الية ما يقتضي أن النبي ‪ e‬يورث ‪،‬‬
‫حظّ الُنْثَيَيْن فَِإنْ كُنّ‬
‫فإن ال تعالى قال ‪ُ ]:‬يوصيكمُ الُ فِي َأ ْولَ ِدكُمْ لِلّ َذكَرِ مِ ْث ُل َ‬
‫ت وَاحِدَةً فَلَهَا النّ صْفُ َولَ َبوَيْ هِ‬
‫ق اثْنَتَيْ نِ فَ َلهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَك َوإِ نْ كَانَ ْ‬
‫نِ سَاءً َف ْو َ‬
‫ن لَ ُه وَلَدٌ َو َورِثَ هُ‬
‫ن لَ مْ َيكُ ْ‬
‫ِل ُكلّ وَاحِدٍ مِ ْن ُهمَا ال سّدُسُ ِممّا تَرَ كَ إِ نْ كَا نَ لَ ُه وَلَدٌ َفإِ ْ‬
‫لمّ هِ ال سُدُس [(‪ )2‬وفي الية الخرى ‪] :‬‬
‫خوَةٌ َف ُ‬
‫ن لَ هُ ِإ ْ‬
‫ن كاَ َ‬
‫لمّ هِ الثُّلثُ فَإِ ْ‬
‫أَ َبوَا هُ فَ ُ‬
‫ن كَا نَ َلهُنّ وَلَدٌ فَ َلكُ مُ‬
‫ك أَ ْزوَاجُكُ مْ إِ نْ ل َم ْيَكُن َلهُنّ وَلَد فَإِ ْ‬
‫ف مَا تَرَ َ‬
‫وَ َلكُ مْ نِ صْ ُ‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 11‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 11‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫ْنن غيرَ‬
‫َصنّيةٍ يُوصنَى بِهَا َأوْ دَي ٍ‬
‫منن َبعْ ِد و ِ‬
‫ُعن ِممّان َترَك ْن [ –إلى قوله‪ْ ] -‬‬
‫الرّب ُ‬
‫مُضَارّ [( ‪. )1‬‬
‫وهذا الخطاب شامسل للمقصسودين بالخطاب وليسس فيسه مسا يوجسب أن‬
‫النبي ‪ e‬مخاطب بها ‪.‬‬
‫الوجنه التاسنع ‪ :‬أن يقال ‪ :‬كون النسبي ‪ e‬ل يُورث ثبست بالسسنة‬
‫المقطوع بها وبإجماع الصحابة وكل منهما دليل قطعي ‪ ،‬فل يُعارض ذلك بما‬
‫يُظن أنه العموم ‪ ،‬وإن كان عموما فهو مخصوص ‪ ،‬لن ذلك لو كان دليل لما‬
‫كان إل ظنيا ‪ ،‬فل يعارض القطعي ؛ إذ الظنى ل يعارض القطعي ‪.‬‬
‫وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس‪،‬‬
‫وليس فيهم من ينكره ‪ ،‬بل كلهم تلقّاه بالقبول والتصديق ‪ .‬ولهذا لم يُصرّ أحد‬
‫من أزوا جه على طلب الميراث ‪،‬ول أ صرّ ال عم على طلب الميراث ‪ ،‬بل من‬
‫طلب من ذلك شيئا فأ خبر بقول ال نبي ‪ e‬ر جع عن طل به‪ .‬وا ستمر ال مر على‬
‫ي ‪ ،‬فلم يغير شيئا من ذلك ول قسم له‬
‫ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى عل ّ‬
‫تركة ‪.‬‬
‫الوجه العاشر ‪ :‬أن يقال ‪ :‬إن أبا بكر وعمر قد أعطيا عليّا وأولده من‬
‫المال أضعاف أضعاف ما خلّفه النبي ‪ e‬من المال ‪ .‬والمال الذي خلّفه النبي ‪e‬‬

‫لم ينتفع واحد منهما منه بشيء ‪ ،‬بل سلّمه عمر إلى العباس ‪t‬م يليانه ويفعلن‬
‫فيه ما كان النبي ‪ e‬يفعله ‪ .‬وهذا مما يوجب انتفاء التهمة عنهما في ذلك ‪.‬‬
‫ن دَاوُد [(‪.)2‬وقوله‬
‫ث سُلَ ْيمَا َ‬
‫الوجه الحادىعشر‪ :‬أن قوله تعالى ] َووَرِ َ‬
‫ك وَلِيّا ‪َ .‬يرِثُنِي وَيَرِثُ ِمنْ آ ِل َي ْعقُوب [‬
‫ن لّدُنْ َ‬
‫ب لِي مِ ْ‬
‫تعالىعن زكريا‪ َ]:‬فه ْ‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬ل يدل على محل النزاع ‪ .‬لن الرث اسم جنس تحته أنواع ‪ ،‬والدال على ما‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 12‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 16‬من سورة النمل ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬اليتان ‪ 5‬و ‪6‬من سورة مريم ‪.‬‬

‫‪204‬‬

‫به الشتراك ل يدل على ما به المتياز ‪ .‬فإذا ق يل ‪ :‬هذا حيوان ‪ ،‬ل يدل على‬
‫أنه إنسان أو فرس أو بعير ‪.‬‬
‫وذلك أن لفظ ((الرث )) يُستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير‬
‫صطَفَيْنَا مِن ْن‬
‫ذلك من أنواع النتقال‪ .‬قال تعالى ‪ُ ] :‬ثمّ َأوْرَثْنَا الْكِتَا بَ الّذِي نَ ا ْ‬
‫عِبَادِنَا [(‪. )1‬‬
‫ن ‪ .‬الّذِي نَ َيرِثُو نَ ا ْلفِرْ َدوْ سَ هَ مْ فِيهَا‬
‫وقال تعالى ‪ُ ] :‬أوْلَئِ كَ هُ مُ الوَارِثُو َ‬
‫خَالِدُون [(‪ .)2‬وغيرها كثير في القرآن ‪.‬‬
‫وقال النسبي ‪ (( :e‬إن النسبياء لم يورثوا دينارا ول درهمسا ‪ ،‬وإنمسا‬
‫ورثوا العلم ‪ ،‬فمن أخذه أخذ بحظ وافر‬

‫))‬

‫رواه أبو داود وغيره‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫الو جه الثالث ع شر ‪ :‬أن يقال ‪ :‬المراد بهذا الرث إرث العلم والنبوة‬
‫سنلَ ْيمَانَ دَاوُد [‪ ،‬ومعلوم‬
‫ِثن ُ‬
‫ونحسو ذلك ل إرث المال ‪ .‬وذلك لنسه قال ‪َ ]:‬ووَر َ‬
‫أن داود كان له أولد كثيرون غير سليمان ‪ ،‬فل يختص سليمان بماله ‪.‬‬
‫وأيضا فليس في كونه ورث ماله صفة مدح ‪،‬ل لداود ول لسليمان ‪،‬‬
‫فإن اليهودي والنصسراني يرث ابنسه ماله ‪ ،‬واليسة سسيقت فسي بيان المدح‬
‫لسليمان‪،‬وما خصه ال به من النعمة ‪.‬‬
‫وأيضسا فإرث المال هسو مسن المور العاديسة المشتركسة بيسن الناس ‪،‬‬
‫ص عن النبياء إذ ل فائدة‬
‫كالكل‪ ،‬والشرب ‪ ،‬ودفن الميت ‪ .‬ومثل هذا ل يُق ّ‬
‫ص ما فيه عبرة وفائدة تستفاد ‪ ،‬وإل فقول القائل ‪(( :‬مات فلن‬
‫فيه ‪ ،‬وإنما يُق ّ‬
‫وورث ابنُسه ماله )) مثسل قوله ‪ (( :‬ودفنوه )) ومثسل قوله ‪ (( :‬أكلوا وشربوا‬
‫وناموا )) ونحو ذلك مما ل يحسن أن يُجعل من قصص القرآن ‪.‬‬
‫(فصسسسسل)‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬ولما ذكرت فاطمة أن أباها رسول ال ‪e‬وهبها فدَك‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 32‬من سورة فاطر ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬اليتان ‪ 10‬و ‪ 11‬من سورة المؤمنون ‪.‬‬
‫‪ )4(3‬انظر سنن أبي داود ‪ :‬ج ‪ 3‬ص ‪ ، 432‬والترمذي ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪ 153‬وغيرها ‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫قال ل ها ‪ :‬هات أ سودا وأح مر يش هد لك بذلك ‪ ،‬فجاءت بأم أي من ‪ ،‬فشهدت ل ها‬
‫بذلك ‪ ،‬فقال‪ :‬امرأة ل يق بل قول ها ‪ .‬و قد رووا جمي عا أن ر سول ال ‪ e‬قال‪ :‬أم‬
‫أي من امرأة من أ هل الج نة ‪ ،‬فجاء أم ير المؤمن ين فش هد ل ها بذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا‬
‫بعلك يجرّه إلى نف سه ول نح كم بشهاد ته لك ‪ ،‬و قد رووا جمي عا أن ر سول ال‬
‫‪ e‬قال ‪ :‬عليّ مع الحق ‪ ،‬والحق معه يدور معه حيث دار لن يفترقا حتى يردا‬
‫عليّ الحوض‪ ،‬فغضبت فاطمة عليها السلم عند ذلك وانصرفت ‪ ،‬وحلفت أن‬
‫ل تكلمه ول صاحبه حتى تلقى أباها وتشكو إليه ‪ ،‬فلما حضرتها الوفاة أوصت‬
‫عليّا أن يدفنها ليل ول يدع أحدا منهم يصلّي عليها ‪ ،‬وقد رووا جميعا أن النبي‬
‫‪ e‬قال ‪ :‬يسا فاطمسة إن ال تعالى يغضسب لغضبسك ويرضسى لرضاك‪ ،‬ورووا‬
‫جميعا أنه قال فاطمة بضعة مني ‪ ،‬من آذاها فقد آذاني ‪ ،‬ومن آذاني فقد آذى‬
‫ال ‪ .‬ولو كان هذا الخبر صحيحا حقا لما جاز له ترك البغلة التي خلفها النبي‬
‫‪ e‬و سيفه وعمام ته ع ند أم ير المؤمن ين عل يّ ‪ ،‬ول ما ح كم له ب ها ل ما ادّعا ها‬
‫العباس ‪ ،‬ولكان أهل البيت الذين طهّرهم ال في كتابه من الرجس مرتكبين ما‬
‫ل يجوز ‪ ،‬لن الصدقة عليهم محرّمة ‪ .‬وبعد ذلك جاء إليه مال البحرين وعنده‬
‫جابر بسن عبسد ال النصساري ‪ ،‬فقال له ‪ :‬إن النسبي ‪ e‬قال لي ‪ :‬إذا أتسى مال‬
‫البحر ين حثوث لك ‪ ،‬ثم حثوت لك ‪ ،‬ثل ثا‪ ،‬فقال له ‪ :‬تقدم ف خذ بعدد ها ‪ ،‬فأ خذ‬
‫من بيت مال المسلمين من غير بيّنة بل بمجرد قوله )) ‪.‬‬
‫والجواب ‪ :‬أن في هذا الكلم من الكذب والبهتان والكلم الفا سد ما ل‬
‫يكاد يحصى إل بكلفة ‪،‬ولكن سنذكر من ذلك وجوها إن شاء ال تعالى ‪.‬‬
‫أحد ها ‪ :‬أن ما ذ كر من ادّعاء فاط مة ر ضى ال عن ها َفدَاك فإن هذا‬
‫يناقسض كونهسا ميراثسا لهسا ‪ ،‬فإن كان طلبهسا بطريسق الرث امتنسع أن يكون‬
‫بطر يق اله بة ‪ ،‬وإن كان بطر يق اله بة امت نع أن يكون بطر يق الرث ‪ ،‬ثم إن‬
‫كا نت هذه ه بة في مرض الموت ‪ ،‬فر سول ال ‪ e‬منزّه ‪ ،‬إن كان يُورث ك ما‬
‫يورث غيره ‪ ،‬أن يو صى لوارث أو يخ صه في مرض موته بأك ثر من حقه ‪،‬‬
‫وإن كان في صحته فل بد أن تكون هذه هبة مقبوضة ‪ ،‬وإل إذا وهب الواهب‬

‫‪206‬‬

‫بكلمسه ولم يقبسض الموهوب شيئا حتسى مات الواهسب كان ذلك باطل عنسد‬
‫جماهير العلماء ‪ ،‬فكيف يهب النبي ‪َ e‬فدَك لفاطمة ول يكون هذا أمرا معروفا‬
‫ع ند أ هل بي ته والم سلمين ‪ ،‬ح تى تخ تص بمعرف ته أم أي من أو علي ر ضى ال‬
‫عنهما ؟‬
‫الوجنه الثانني ‪ :‬أن ادعاء فاطمسة ذلك كذب على فاطمسة ‪ ،‬وقسد قال‬
‫المام أ بو العباس بن سريج في الكتاب الذي صنّفه في الرد على عي سى بن‬
‫أبان ل ما تكلّم م عه في باب اليم ين والشا هد ‪ ،‬واحت جّ ب ما احت جّ ‪ ،‬وأجاب عمّ ا‬
‫عارض به عيسى بن أبان ‪ ،‬قال ‪ :‬وأما حديث البحتري بن ح سّان عن زيد بن‬
‫علي أن فاط مة ذكرت ل بي ب كر أن ر سول ال ‪e‬أعطا ها َفدَك ‪ ،‬وأن ها جاءت‬
‫برجسل وامرأة ‪ ،‬فقال ‪ :‬رجسل مسع رجسل ‪ ،‬وامرأة مسع امرأة‪ ،‬فسسبحان ال مسا‬
‫أع جب هذا ! قد سألت فاط مة أ با ب كر ميراث ها وأخبر ها عن ر سول ال ‪e‬أ نه‬
‫قال ‪ :‬ل نُورث ‪ ،‬و ما ح كى في ش يء من الحاد يث أن فاط مة ادّعت ها بغ ير‬
‫الميراث ‪ ،‬ول أن أحدا شهد بذلك ‪.‬‬
‫ولقد روى جرير عن مغيرة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في َفدَك‪:‬‬
‫(( إن فاطمة سألت النبي ‪e‬أن يجعلها لها فأبى ‪ ،‬وأن النبي ‪ e‬كان ينفق منها‬
‫ضعَفَة ب ني ها شم ويزوّج م نه أ ّيمِ هم‪ ،‬وكا نت كذلك حياة الر سول‬
‫ويعود على َ‬
‫‪e‬أمر صدقة وقبلت فاطمة الحق ‪ ،‬وإني أُشهدكم أني رددتها إلى ما كانت عليه‬
‫في عهد رسول ال ‪.e‬‬
‫ولم يُسمع أن فاطمة رضى ال عنها ا ّد عت أن النبي ‪ e‬أعطاها إياها‬
‫في حديث ثابت متصل ‪ ،‬ول أن شاهدا شهد لها ‪ .‬ولو كان ذلك لحُكي ‪ ،‬لنها‬
‫خصسومة وأمسر ظاهسر تنازعست فيسه المسة وتحادثست فيسه ‪ ،‬فلم يقسل أحسد مسن‬
‫المسلمين ‪ :‬شهدت النبي ‪ e‬أعطاها فاطمة ول سمعت فاطمة تدّعيها حتى جاء‬
‫البحتري بن ح سّان يحكى عن زيد شيئا ل ندري ما أصله ‪ ،‬ول من جاء به ‪،‬‬
‫وليس من أحاديث أهل العلم ‪ :‬فضل بن مرزوق عن البحتري عن زيد ‪ ،‬وقد‬
‫كان ينب غي ل صاحب الكتاب أن ي كف عن ب عض هذا الذي ل مع نى له ‪ ،‬وكان‬

‫‪207‬‬

‫الحديث قد حسن بقول زيد ‪ :‬لو كنت أنا لقضيت بما قضى أبو بكر ‪ .‬وهذا مما‬
‫ل يثبت على أبي بكر ول فاطمة لو لم يخالفه أحد ‪ ،‬ولو لم تجر فيه المناظرة‬
‫ويأ تي في ها الروا ية ‪ ،‬فك يف و قد جاءت ؟ وأ صل المذ هب أن الحد يث إذا ث بت‬
‫عن ر سول ال ‪ ،e‬ثم قال أ بو ب كر بخل فه ‪ ،‬إن هذا من أ بي ب كر رح مه ال‬
‫كنحو ما كان منه في الجدّة ‪ ،‬وأنه متى بلغه الخبر رجع إليه ‪.‬‬
‫ولو ثبست هذا الحديسث لم يكسن فيسه حجسة ‪ ،‬لن فاطمسة لم تقسل ‪ :‬إنسي‬
‫أحلف مع شاهدي فمنعت ‪ .‬ولم يقل أبو بكر ‪ :‬إني ل أرى اليمين مع الشاهد ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وهذا الحد يث غلط ؛ لن أ سامة بن ز يد يروى عن الزهري عن مالك‬
‫حدَثان قال ‪ :‬كا نت لر سول ال ‪ e‬ثلث صفايا‪ :‬ب نو النض ير ‪،‬‬
‫بن أوس بن ال َ‬
‫حبُسا‬
‫وخيبر وفدك ‪ .‬فأما بنو النضير فكانت حُبسا لنوائبه ‪ .‬وأما َفدَك فكانت ُ‬
‫لبناء ال سبيل ‪ ،‬وأ ما خ يبر فجزّأ ها ر سول ال ‪ e‬ثل ثة أجزاء ‪ :‬جزئ ين ب ين‬
‫المسسلمين ‪ ،‬وجزءا نفقسة لهله ‪ ،‬فمسا فَضَلَ عسن نفقسة أهله جعله بيسن فقراء‬
‫المهاجرين جزئين ‪.‬‬
‫وروى الل يث عن عق يل عن ا بن شهاب عن عروة عن عائ شة أن ها‬
‫أخسبرته أن فاطمسة بنست رسسول ال ‪ e‬أرسسلت إلى أبسي بكسر الصسديق تسسأله‬
‫ميراثها من ر سول ال ‪e‬مما أفاء ال عليه بالمدي نة وفدك وما ب قي من خمس‬
‫خيبر‪،‬فقال أبو بكر‪:‬إن رسول ال ‪ e‬قال‪:‬ل نورث ما تركنا صدقة‪،‬وإنما يأكل‬
‫آل مح مد من هذا المال‪،‬وإ نى وال ل أغ ير شيئا من صدقة ر سول ال ‪ e‬عن‬
‫حال ها ال تي كا نت علي ها في ع هد ر سول ال ‪ ،e‬ولعملن في ها ب ما ع مل به‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا(‪.)1‬‬
‫و قد روى عن أ نس أن أ با ب كر قال لفاط مة و قد قرأت عل يه إ ني أقرأ‬
‫مثسل مسا قرأت ول يبلغسن علمسي أن يكون قاله كله ‪ .‬قالت فاطمسة ‪ :‬هسو لك‬
‫ولقراب تك ؟ قال ‪ :‬ل وأ نت عندي م صدّقة أمي نة ‪ ،‬فإن كان ر سول ال ‪e‬ع هد‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ 20‬ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪. 1382– 1381‬‬

‫‪208‬‬

‫إليك في هذا ‪ ،‬أو وعدك فيه موعدا أو أوجبه لكم حقّا صدّقتك‪ .‬فقالت‪:‬لغيرأن‬
‫رسول ال ‪ e‬قال حين أنزل عليه ‪ (( :‬أبشروا يا آل محمد وقد جاءكم ال عز‬
‫وجل بالغنى ))‪ .‬قال أبو بكر ‪ :‬صدق ال ورسوله وصدقت ‪ ،‬فلكم الفيء ‪ ،‬ولم‬
‫يبلغ علمي بتأويل هذه أن أستلم هذا السهم كله كامل إليكم ‪،‬ولكن الفيء الذي‬
‫يسسعكم ‪ .‬وهذا يسبيّن أن أبسا بكسر كان يقبسل قولهسا ‪ ،‬فكيسف يرده ومعسه شاهسد‬
‫وامرأة؟ ولكنه يتعلق بشيء يجده ‪.‬‬
‫سم فيذلك‬
‫سبي ‪ e‬يُورث فالخصس‬
‫نه الثالث ‪ :‬أن يقال ‪ :‬إن كان النس‬
‫الوجن‬
‫أزواجه وعمه ‪ ،‬ول تُقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ول رجل واحد بكتاب ال‬
‫وسسنة رسسوله ‪ e‬واتفاق المسسلمين ‪ ،‬وإن كان ل يُورث فالخصسم فسي ذلك‬
‫المسسلمون ‪ ،‬فكذلك ل يقبسل عليهسم شهادة امرأة واحدة ول رجسل واحسد باتفاق‬
‫الم سلمين ‪ ،‬ول ر جل وامرأة ‪ .‬ن عم يُح كم في م ثل ذلك بشهادة ويم ين الطالب‬
‫عنسد فقهاء الحجاز وفقهاء أصسحاب الحديسث ‪ .‬وشهادة الزوج لزوجتسه فيهسا‬
‫قولن مشهوران للعلماء ‪ ،‬هما روايتان عن أحمد ‪ :‬إحداهما ‪ :‬ل تُقبل ‪ ،‬وهي‬
‫مذهب أبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والوزاعي وإسحاق وغيرهم ‪.‬‬
‫والثان ية ‪ :‬تُق بل ‪ ،‬و هي مذ هب المام الشاف عي وأ بي ثور وا بن المنذر‬
‫وغير هم ‪ .‬فعلى هذا لو قدّر صحة هذه الق صة لم ي جز للمام أن يح كم بشهادة‬
‫رجسل واحسد وامرأة واحدة باتفاق المسسلمين ‪ ،‬ل سسيما وأكثرهسم ل يجيزون‬
‫شهادة الزوج ‪ ،‬و من هؤلء من ل يح كم بشا هد ويم ين ‪ ،‬و من يح كم بشا هد‬
‫ويمين لم يحكم للطالب حتى يحلّفه ‪.‬‬
‫الو جه الرا بع ‪ :‬قوله ‪ (( :‬فجاءت بأم أي من فشهدت ل ها بذلك ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫امرأة ل يُق بل قول ها ‪ .‬و قد رووا جمي عا أن ر سول ال ‪ e‬قال‪:‬‬
‫من أهل الجنة‬

‫))‬

‫((‬

‫أم أي من امرأة‬

‫‪.‬‬

‫الجواب ‪ :‬أن هذا احتاج جا هل مفرط في الج هل ير يد أن يح تج لنف سه‬
‫فيحتج عليها ‪ ،‬فإن هذا القول لو قاله الحجّاج بن يوسف والمختار بن أبي عبيد‬
‫وأمثاله ما لكان قد قال حقّا ‪ ،‬فإن امرأة واحدة ل يُق بل قول ها في الح كم بالمال‬

‫‪209‬‬

‫لمدعٍ يريد أن يأخذ ما هو في الظاهر لغيره ‪ ،‬فكيف إذا حُكى مثل هذا عن أبي‬
‫بكر الصديق ‪ t‬؟!‬
‫وأمسا الحديسث الذي ذكره وزعسم أنهسم رووه جميعسا ‪ ،‬فهذا الخسبر ل‬
‫يعرف في شيء من دواوين السلم ول يُعرف عالم من علماء الحديث رواه ‪.‬‬
‫وأم أيمن هي أم أسامة بن زيد ‪ ،‬وهي حاضنة النبي ‪ ،e‬وهي من المهاجرات‪،‬‬
‫ولها حق وحرمة ‪ ،‬لكن الرواية عن النبي ‪ e‬ل تكون بالكذب عليه وعلى أهل‬
‫العلم ‪ .‬وقول القائل ‪(( :‬رووا جميعسا )) ل يكون إل فسي خسبر متواتسر ‪ ،‬فمسن‬
‫ين كر حديث النبي ‪ e‬أنه ل يُورث ‪ ،‬وقد رواه أكابر الصحابة ‪ ،‬ويقول ‪ :‬إن هم‬
‫جميعا رووا هذا الحديث ‪ ،‬إنما يكون من أجهل الناس وأعظمهم جحدا للحق ‪.‬‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬قوله ‪((:‬إن عليّا شهد لها فردّ شهادته لكونه زوجها))‬
‫فهذا مع أنه كذب لو صح ليس يقدح ‪ ،‬إذ كانت شهادة الزوج مردودة عند أكثر‬
‫العلماء ‪ ،‬ومن قبلها منهم لم يقبلها حتى يتم النصاب إما برجل آخر وإما بامرأة‬
‫مسع امرأة ‪ ،‬وأمسا الحكسم بشهادة رجسل وامرأة مسع عدم يميسن المدّعسي فهذا ل‬
‫يسوغ ‪.‬‬
‫الوجنه السنادس ‪ :‬قوله ‪ :‬إنهسم رووا جميعسا أن رسسول ال ‪ e‬قال ‪:‬‬
‫ي مع ال حق ‪ ،‬وال حق م عه يدور ح يث دار ‪،‬ولن يفتر قا ح تى يردا عليّ‬
‫((عل ّ‬
‫الحوض )) من أع ظم الكلم كذ با وجهل ‪ ،‬فإن هذا الحد يث لم يروه أ حد عن‬
‫ال نبي ‪ :e‬ل بإ سناد صحيح ول ضع يف ‪ .‬فك يف يقال ‪ :‬إن هم جمي عا رووا هذا‬
‫الحديسث ؟ وهسل يكون أكذب ممسن يروى عسن الصسحابة والعلماء أنهسم رووا‬
‫حدي ثا‪،‬والحد يث ل يُعرف عن وا حد من هم أ صل ؟ بل هذا من أظ هر الكذب ‪.‬‬
‫ولو قيسل رواه بعضهسم ‪ ،‬وكان يمكسن صسحته لكان ممكنسا ‪ ،‬فكيسف وهسو كذب‬
‫قطعا على النبي ‪e‬؟!‬
‫بخلف إخباره أن أم أيمسن فسي الجنسة ‪ ،‬فهذا يمكسن أنسه قاله ‪ ،‬فإن أم‬
‫أيمن امرأة صالحة من المهاجرات ‪ ،‬فإخباره أنها في الجنة ل يُنكر ‪ ،‬بخلف‬
‫قوله عن رجل من أصحابه أنه مع الحق وأن الحق يدور معه حيثما دار ولن‬

‫‪210‬‬

‫يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ؛ فإنه كلم ينزّه عنه رسول ال ‪.e‬‬
‫أما أول ‪ :‬فلن الحوض إنما َي ِردُه عليه أشخاص ‪ ،‬كما قال للنصار ‪:‬‬
‫((‬

‫ا صبروا ح تى تلقو ني على الحوض‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ ،‬وقال ‪ (( :‬إن حو ضي لب عد من‬

‫بيسن أيلة إلى عدن ‪ ،‬وإن أول الناس ورودا فقراء المهاجريسن الشعسث رؤوسسا‬
‫الدنسس ثيابسا الذيسن ل ينكحون المتنعّمات ول تفتسح لهسم أبواب السسدد ‪ ،‬يموت‬
‫أحدهم وحاجته في صدره ل يجد لها قضاء )) رواه مسلم وغيره‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وأما الحق فليس من الشخاص الذين يردون الحوض ‪ .‬وقد روى أنه‬
‫قال ‪:‬‬

‫((‬

‫إنسي تارك فيكسم الثقليسن ‪ :‬كتاب ال وعترتسى أهسل بيتسي ‪ ،‬ولن يفترقسا‬

‫حتى يردا عليّ الحوض‬

‫))‬

‫‪ .‬فهو من هذا النمط ‪ ،‬وفيه كلم يذكر في موضعه‬

‫إن شاء ال ‪.‬‬
‫الو جه ال سابع ‪ :‬أن ما ذكره عن فاط مة أ مر ل يل يق ب ها ‪ ،‬ول يح تج‬
‫بذلك إل رجل جاهل يحسب أنه يمدحها وهو يجرحها ؛ فإنه ليس فيما ذكره ما‬
‫يوجب الغضب عليه ‪ ،‬إذ لم يحكم –لو كان ذلك صحيحا – إل بالحق الذي ل‬
‫ي حل لم سلم أن يح كم بخل فه ‪ .‬و من طلب أن يُح كم له بغ ير ح كم ال ور سوله‬
‫فغ ضب وحلف أن ل يكلّم الحا كم ول صاحب الحا كم ‪ ،‬لم ي كن هذا م ما ُيحْ مد‬
‫عل يه ول م ما يذم به الحا كم ‪ ،‬بل هذا إلى أن يكون جر حا أقرب م نه إلى أن‬
‫يكون مد حا ‪ .‬ون حن نعلم أن ما يح كى عن فاط مة وغير ها من ال صحابة من‬
‫القوادح كثيسر منهسا كذب وبعضهسا كانوا فيسه متأوليسن ‪ .‬وإذا كان بعضهسا ذنبسا‬
‫فليس القوم معصومين ‪ ،‬بل هم مع كونهم أولياء ال ومن أهل الجنة لهم ذنوب‬
‫يغفرها ال لهم ‪.‬‬
‫وكذلك ما ذكره من إيصائها أن تُدفن ليل ول يُصلّى عليها أحد منهم ‪،‬‬
‫ل يحكيه عن فاطمة ويحتج به إل رجلٌ جاهل يطرق على فاطمة ما ل يليق‬
‫بهسا ‪ ،‬وهذا لو صسح لكان بالذنسب المغفور أوْلى منسه بالسسعي المشكور ‪ ،‬فإن‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ ، 33‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 3‬ص ‪.1474‬‬
‫‪ )2(2‬مسلم ‪ :‬باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ج ‪ 247/ 1‬ص ‪.217‬‬

‫‪211‬‬

‫صلة الم سلم على غيره زيادة خيسر ت صل إل يه ‪ ،‬ول ي ضر أف ضل الخلق أن‬
‫ي صلّي عل يه شر الخلق ‪ ،‬وهذا ر سول ال ‪e‬ي صلى عل يه وي سلم عل يه البرار‬
‫والفجار بسل والمنافقون ‪،‬وهذا إن لم ينفعسه لم يضره ‪ ،‬وهسو يعلم أن فسي أمتسه‬
‫منافقين ولم ينه أحد من أمته عن الصلة عليه ‪.‬‬
‫وأمنا قوله ‪ (( :‬ورووا جميعسا أن النسبي ‪ e‬قال ‪ :‬يسا فاطمسة إن ال يغضسب‬
‫لغضبك ‪ ،‬ويرضى لرضاك )) فهذا كذب منه ‪ ،‬ما رووا هذا عن النبي ‪ ،e‬ول‬
‫يُعرف هذا في ش يء من ك تب الحد يث المعرو فة ‪ ،‬ول له إ سناد معروف عن‬
‫النسبي ‪ :e‬ل صسحيح ول حسسن ‪ .‬ونحسن إذا شهدنسا لفاطمسة بالجنسة ‪،‬وبأن ال‬
‫يرضى عنها ‪ ،‬فنحن لبي بكر وعمر وعثمان وعل يّ وطلحة والزبير وسعيد‬
‫وعبد الرحمن بن عوف بذلك نشهد ‪ ،‬ونشهد بان ال تعالى أخبر برضاه عنهم‬
‫ن وَالَنْصَارَ‬
‫ن ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫ن ا َلوّلُو نَ ِم َ‬
‫في غير موضع‪ ،‬كقوله تعالى ‪] :‬وَالسّابِقُو َ‬
‫ن اتّبَعُوهُم بِ ِإحْ سَانٍ ‪ t‬مْ وَرَضُوا عَنْه [(‪ ، )1‬وقوله تعالى ‪َ ] :‬لقدْ رَضِ يَ الُ‬
‫وَالّذِي َ‬
‫شجَرَة [(‪. )2‬و قد ث بت أن ال نبي ‪ e‬تو فى و‬
‫عَ نِ ا ْل ُم ْؤمِنِي نَ إِذْ يُبَا ِيعُونَ كَ َتحْ تَ ال ّ‬
‫هو عن هم راض ‪ ،‬و من ر ضى ال ع نه ور سوله ل يضره غ ضب أ حد من‬
‫الخلق عليه كائنا من كان‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬رووا جمي عا أن فاط مة بض عة م ني من آذا ها آذا ني ‪،‬‬
‫و من آذا ني آذى ال )) فإن هذا الحد يث لم يرو بهذا الل فظ ‪ ،‬بل روى بغيره ‪،‬‬
‫ي لبنة أبي جهل ‪ ،‬لما قام النبي ‪e‬خطيبا‬
‫كما روى في سياق حديث خطبة عل ّ‬
‫فقال ‪ (( :‬إن اب ني هشام بن المغيرة ا ستأذنوني أن ينكحوا ابنت هم عل يّ بن أ بي‬
‫طالب ‪ ،‬وإني ل آذن ‪ ،‬ثم ل آذن‪ ،‬ثم ل آذن ‪ ،‬إنما فاطمة بضعة مني يريبني‬
‫مسا رابهسا ‪ ،‬ويؤذينسي مسا آذاهسا ‪ ،‬إل أن يريسد ابسن أبسي طالب أن يطلق ابنتسي‬
‫وينكح ابنتهم ))‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن قوله ‪ ((:‬لو كان هذا الخبر صحيحا حقّا لما جاز له‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫ترك البغلة والسيف و العمامة عند عليّ والحكم له بها لما ادّعاها العباس ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬و من ن قل أن أ با ب كر وع مر حك ما بذلك ل حد ‪ ،‬أو تر كا ذلك‬
‫عند أحد على أن ذلك ملك له ‪ ،‬فهذا من أ ْبيَن الكذب عليهما ‪ ،‬بل غاية ما في‬
‫عليس والعباس‬
‫ّ‬
‫هذا أن يُترك عنسد مسن يُترك عنده ‪ ،‬كمسا ترك صسدقته عنسد‬
‫ليصرفاها في مصارفها الشرعية ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬ولكان أهل البيت الذين طهّرهم ال في كتابه مرتكبين‬
‫ما ل يجوز )) ‪.‬‬
‫فيقال له ‪ :‬أولً ‪ :‬إن ال تعالى لم يخسبر أنسه طهّر جميسع أهسل البيست‬
‫وأذ هب عن هم الر جس ‪ ،‬فإن هذا كذب على ال ‪ .‬ك يف ون حن نعلم أن في ب ني‬
‫ها شم من ل يس بمطهّر من الذنوب ‪،‬ول أذ هب عن هم الر جس ‪ ،‬ل سيما ع ند‬
‫الرافضة ‪ ،‬فإن عندهم كل من كان من بني هاشم يحب أبا بكر عمر ‪ t‬ما فليس‬
‫ج وَ َلكِ نْ‬
‫ن حَرَ ٍ‬
‫ج َعلَ عَلَيْكُم مِ ْ‬
‫بمطهّ ر ‪ ،‬وال ية إن ما قال في ها ‪ َ ] :‬ما يُرِي ُد الُ لِ َي ْ‬
‫شكُرُون [(‪)1‬وقوله‪ُ]:‬يرِيدُ الُ ِليُبَين َلكُم‬
‫طهّ َركُمْ وَلِيُ ِتمّ ِن ْعمَتَهُ عَلَ ْيكُم َلعَّلكُمْ َت ْ‬
‫يُرِي ُد لِ ُي َ‬
‫ب عَلَ ْيكُم [(‪ ، )2‬ونحو ذلك مما فيه بيان أن‬
‫ن مِ نْ قَبْ ِلكُم وَيَتُو َ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫وَ َيهْدِيَكُم سُنَ َ‬
‫ال يحسب ذلك لكسم‪،‬ويرضاه لكسم‪،‬ويأمركسم بسه فمسن فعلة حصسل له هذا المراد‬
‫المحبوب المرضي ‪ ،‬ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك‬
‫وأما قوله ‪(( :‬لن الصدقة محرمة عليهم )) ‪.‬‬
‫فيقال له ‪:‬أول المحرم عليهسم صسدقة الفرض ‪ ،‬وأمسا صسدقات التطوع‬
‫ف قد كانوا يشربون من المياه الم سبّلة ب ين م كة والمدي نة ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إن ما حرّم‬
‫حرّم علينسسا التطوع‪ .‬وإذا جاز أن ينتفعوا بصسسدقات‬
‫علينسسا الفرض ‪ ،‬ولم ي َ‬
‫الجانسب ال تي هسي تطوع ‪ ،‬فانتفاع هم بصسدقة ال نبي ‪e‬أولى وأحرى؛ فإن هذه‬
‫الموال لم ت كن زكاة مفروضة على النبي صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وهي أوساخ‬
‫الناس التي حرّمت عليهم ‪ ،‬وإنما هي من الفيء الذي أفاءه ال على رسوله ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 6‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 26‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫والفيء حلل لهم‪ ،‬والنبي ‪ e‬جعل ما جعله ال له من الفيء صدقة ‪ ،‬إذ غايته‬
‫أن يكون مل كا للنبي ‪ e‬ت صدّق به على الم سلمين ‪ ،‬وأ هل بي ته أ حق بصدقته ؛‬
‫فإن الصدقة على المسلمين صدقة ‪ ،‬والصدقة على القرابة صدقة وصلة ‪.‬‬
‫الوجه التاسع ‪ :‬في معارضته بحديث جابر ‪ t‬فيقال ‪ :‬جابر لم يدّع حقا‬
‫لغيره يُنتزع من ذلك الغ ير ويُج عل له ‪ ،‬وإن ما طلب شيئا من ب يت المال يجوز‬
‫سه كان أوْلى‬
‫سبي ‪ ،e‬فإذا وعده بس‬
‫سه النس‬
‫سه إياه ‪ ،‬ولو لم يعده بس‬
‫للمام أن يعطيس‬
‫بالجواز ‪ ،‬فلهذا لم يفتقر إلى بيّنة ‪.‬‬
‫أمسا قصسة فاطمسة رضسى ال عنهسا فمسا ذكروه مسن دعواهسا الهبسة والشهادة‬
‫المذكورة ونحو ذلك ‪ ،‬لو كان صحيحا لكان بالقدح فيمن يحتجون له أشبه منه‬
‫بالمدح ‪.‬‬
‫(فصسسسسل)‬
‫قال الرافضي‪ (( :‬وقد روى عن الجماعة كلهم أن النبي ‪ e‬قال في حق‬
‫أبي ذر ‪ (( :‬ما أقلّت الغبراء ‪ ،‬ول أظلّت الخضراء على ذي له جة أصدق من‬
‫أبي ذر )) ‪ ،‬ولم يسمّوه صدّيقا ‪ ،‬وسمّوا أبا بكر بذلك مع أنه لم يرد مثل ذلك‬
‫في حقه ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬هذا الحديث لم يروه الجماعة كلهم ‪ ،‬ول هو في الصحيحين ‪،‬‬
‫ول هو في ال سنن ‪ ،‬بل هو مروي في الجملة وبتقد ير صحته و ثبو ته ‪ ،‬ف من‬
‫المعلوم ان هذا الحديث لم يرد به أن أبا ذر أصدق من جميع الخلق ‪ ،‬فإن هذا‬
‫ي بن أبي‬
‫يلزم منه أن يكون أصدق من النبي ‪ ،e‬ومن سائر النبيين ‪ ،‬ومن عل ّ‬
‫طالب وهذا خلف إجماع المسسلمين كلهسم مسن السسنة والشيعسة‪ ،‬فعُلم أن هذه‬
‫الكل مة معنا ها أن أ با ذر صادق ‪ ،‬ل يس غيره أك ثر تحرّ يا لل صدق م نه ‪ .‬و ل‬
‫يلزم إذا كان بمنزلة غيره فسي تحرّي الصسدق ‪ ،‬أن يكون بمنزلتسه فسي كثرة‬
‫صدَقَ فيه وصدّق به ‪ .‬وذلك‬
‫الصدق والتصديق بالحق ‪ ،‬وفي عظم الحق الذي َ‬
‫أ نه يقال ‪ :‬فلن صادق الله جة إذا تحرّى ال صدق ‪ ،‬وإن كان قل يل العلم ب ما‬
‫جاءت به النبياء ‪ ،‬والنبي ‪ e‬لم يقل ‪ :‬ما أقلت الغبراء أعظم تصديقا من أبي‬

‫‪214‬‬

‫ذر ‪ .‬بل قال ‪ :‬أصدق لهجة ‪ ،‬والمدح للصدّيق الذي صدّق النبياء ليس بمجرد‬
‫كو نه صادقا‪ ،‬بل في كو نه م صدّقا لل نبياء ‪ .‬وت صديقه لل نبي ‪ e‬هو صدق‬
‫خاص ‪ ،‬فالمدح بهذا الت صديق –الذي هو صدق خاص –نوع ‪ ،‬والمدح بن فس‬
‫كونه صادقا من نوع آخر ‪ .‬فكل صدّيق صادق ‪ ،‬وليس كل صادق صدّيقا ‪.‬‬

‫(فصسسسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وسمّوه خليفة رسول ال ‪ ،e‬ولم يستخلفه في حياته‬
‫ول ب عد وفا ته عند هم ‪ ،‬ولم ي سمّوا أم ير المؤمن ين خلي فة ر سول ال مع أ نه‬
‫استخلف في عدة مواطن ‪ ،‬منها ‪ :‬أنه استخلفه على المدينة المنورة في غزوة‬
‫تبوك ‪ ،‬وقال له ‪ :‬إن المدينسة ل تصسلح إل بسي أو بسك ‪ ،‬أمسا ترضسى أن تكون‬
‫مني بمنزلة هارون من موسى ‪ ،‬إل أنه ل نبي بعدي ‪.‬‬
‫وأمّر أ سامة بن ز يد على الج يش الذ ين في هم أ بو ب كر وع مر ‪ ،‬ومات‬
‫ولم يعزله ‪ ،‬ولم يسمّوه خليفة ‪ ،‬ولما تولى أبو بكر غضب أسامة ‪ ،‬وقال ‪ :‬إن‬
‫رسول ال ‪e‬أمّرني عليك ‪ ،‬فمن استخلفك عل يّ ؟ فمشى إليه هو وعمر حتى‬
‫استرضياه ‪ ،‬وكانا يسمّيانه مدة حياته أميرا )) ‪.‬‬
‫والجواب منن وجوه ‪ :‬أحدهسا ‪ :‬أن الخليفسة إمسا أن يكون معناه ‪ :‬الذي‬
‫يخلف غيره وإن كان لم يسستخلفه ‪ ،‬كمسا هسو المعروف فسي اللغسة ‪ ،‬وهسو قول‬
‫الجمهور ‪ .‬وإما أن يكون معناه ‪ :‬من استخلفه غيره ‪ ،‬كما قاله طائفة من أهل‬
‫الظاهر و الشيعة ونحوهم ‪.‬فإن كان هو الوّل ؛ فأبو بكر خليفة رسول ال ‪،e‬‬
‫ل نه خل فه ب عد مو ته ‪ ،‬ولم يخلف ر سول ال ‪e‬أ حد ب عد مو ته إل أ بو ب كر ن‬
‫فكان هو الخليفة دون غيره ضرورة ‪ ،‬فإن الشيعة وغيرهم ل ينازعون في أنه‬
‫ي ال مر بعده ‪ ،‬و صار خلي فة له ي صلّي بالم سلمين ‪ ،‬ويق يم‬
‫هو الذي صار ول ّ‬
‫في هم الحدود ‪ ،‬ويقسسم بينهسم الف يء ‪ ،‬ويغزو بهسم العدو ‪ ،‬ويولّي عليهسم العمال‬

‫‪215‬‬

‫والمراء ‪ ،‬وغير ذلك من المور التي يفعلها ولة المور ‪.‬‬
‫فهذه باتفاق الناس إن ما باشر ها ب عد مو ته أ بو ب كر ‪ ،‬فكان هو الخلي فة‬
‫للرسول ‪ e‬فيها قطعا ‪ .‬لكن أهل السنة يقولون ‪ :‬خلفه وكان هو أحق بخلفته‬
‫والشيعة يقولون ‪ :‬عل يّ كان هو الحق لكن تصح خلفة أبي بكر ‪ ،‬ويقولون ‪:‬‬
‫ما كان يحلّ له أن ي صير هو الخلي فة ‪ ،‬ل كن ل ينازعون في أ نه صار خلي فة‬
‫بالف عل ‪ ،‬و هو م ستحق لهذا ال سم ‪ ،‬إذ كان الخلي فة من خَلَ فَ غيره على كل‬
‫تقدير‪.‬‬
‫وأمسا إن قيسل ‪ :‬إن الخليفسة مسن اسستخلفه غيره ‪ ،‬كمسا قاله بعسض أهسل‬
‫السسنة وبعسض الشيعسة ‪ ،‬فمسن قال هذا مسن أهسل السسنة فإنسه يقول ‪ :‬إن النسبي‬
‫‪e‬استخلف أبا بكر إما بالنص الجل يّ ‪ ،‬كما قال بعضهم ‪ ،‬وإما بالنص الخف يّ ‪.‬‬
‫ي من هم من يقول بال نص الجل يّ ‪ ،‬ك ما‬
‫ك ما أن الشي عة القائل ين بال نص على عل ّ‬
‫تقوله الماميسة ‪ ،‬ومنهسم مسن يقول بالنسص الخفيّس ‪ ،‬كمسا تقوله الجاروديسة مسن‬
‫الزيد ية ‪ .‬ودعوى أولئك لل نص الجل يّ أو الخف يّ على أ بي ب كر أقوى وأظ هر‬
‫بكث ير من دعوى هؤلء لل نص على عل يّ ‪ ،‬لكثرة الن صوص الدالّة على ثبوت‬
‫خلفة أبي بكر‪ ،‬وأن عليّا لم يدل على خلفته إل ما يُعلم أنه كذب‪ ،‬أو يُعلم أنه‬
‫ل دللة فيه ‪.‬‬
‫وعلى هذا التقد ير فلم ي ستخلف ب عد مو ته أحدا إل أ با ب كر ‪ ،‬فلهذا كان‬
‫هو الخلي فة ‪ ،‬فإن الخلي فة المطلق هو من خل فه ب عد مو ته ‪ ،‬أو ا ستخلفه ب عد‬
‫موته‪ .‬وهذان الوصفان لم يثبتا إل لبي بكر ؛ فلهذا كان هو الخليفة ‪.‬‬
‫وأمسا اسستخلفه لعليّس على المدينسة ‪ ،‬فذلك ليسس مسن خصسائصه ‪ ،‬فإن‬
‫النبي ‪ e‬كان إذا خرج في غزاة استخلف على المدينة رجل من أصحابه ‪ ،‬كما‬
‫استخلف ابن أم مكتوم تارة ‪ ،‬وعثمان ابن عفان تارة ‪.‬‬
‫ي على أَكثر وأفضل مما استخلف عليه‬
‫وإذا كان قد استخلف غير عل ّ‬
‫عليّا ‪ ،‬وكان ذلك اسستخلفا مقيّدا على طائفسة معينسة فسي مغيبسه ‪ ،‬ليسس هسو‬
‫ا ستخلفا مطلقا ب عد مو ته على أم ته ‪ ،‬لم يطلق على أ حد من هؤلء أ نه خلي فة‬

‫‪216‬‬

‫عليس بذلك فغيره مسن الصسحابة‬
‫ّ‬
‫رسسول ال ‪ e‬إل مسع التقييسد ‪ .‬وإذا سس ّميَ‬
‫المستخلفين أوْلى بهذا السم ‪ ،‬فلم يكن هذا من خصائصه ‪.‬‬
‫وأيضا فالذي يخلف المَطاع بعد موته ل يكون إل أفضل الناس ‪ .‬وأما‬
‫الذي يخلفه في حال غزوه لعدوه ‪ ،‬فل يجب أن يكون أفضل الناس ‪ ،‬بل العادة‬
‫جار ية بأ نه ي ستصحب في خرو جه لحاج ته إل يه في المغازي من يكون عنده‬
‫أف ضل م من ي ستخلفه على عياله ‪ ،‬لن الذي ين فع في الجهاد هو شري كه في ما‬
‫يفعله ‪ ،‬فهو أعظم ممن يخلفه على العيال ‪ ،‬فإن نفع ذاك ليس كنفع المشارك له‬
‫في الجهاد ‪.‬‬
‫وال نبي ‪ e‬إن ما ش به عليّا بهارون في أ صل ال ستخلف ل في كماله ‪،‬‬
‫ولعل يّ شركاء في هذا ال ستخلف ‪ .‬يبين ذلك أن مو سى ل ما ذ هب إلى ميقات‬
‫ر به لم ي كن م عه أ حد يشار كه في ذلك ‪ ،‬فا ستخلف هارون على جم يع قو مه ‪.‬‬
‫والنبي ‪ e‬لما ذهب إلى غزوة تبوك أخذ معه جميع المسلمين إل المعذور ‪ ،‬ولم‬
‫يستخلف عليّا إل على العيال وقليل من الرجال ‪ ،‬فلم يكن استخلفه كاستخلف‬
‫موسى لهارون ‪ ،‬بل ائتمنه في حال مغيبه ‪ ،‬كما ائتمن موسى هارون في حال‬
‫مغيبه ‪ ،‬فبيّن له النبي ‪ e‬أن الستخلف ليس لنقص مرتبة المستخلَف ‪ ،‬بل قد‬
‫يكون لمان ته ك ما ا ستخلف مو سى هارون على قو مه ‪ ،‬وكان عل يّ خرج إل يه‬
‫يبكي وقال ‪ :‬أتذرني مع الصبيان والنساء ؟ كأنه كره أن يتخلف عنه ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬إنه قال له ‪ :‬إن المدينة ل تصلح إل بي أو بك )) فهذا‬
‫كذب على النسبي ‪ e‬ل يُعرف فسي كتسب العلم المعتمدة ‪ .‬وممسا يسبين كذبسه أن‬
‫النسبي ‪ e‬خرج من المدي نة غ ير مرة وم عه عليسّ‪ .‬ول يس بالمدينسة ل هو ول‬
‫عليّ‪ .‬فكيف يقول ‪ :‬إن المدينة ل تصلح إل بي أو بك ؟‬
‫والراف ضة من فرط جهلهسم يكذبون الكذب الذي ل يخفسى على من له‬
‫بالسيرة أدنى علم ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬إنه أمّر أسامة ‪ t‬على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر‬
‫)) ‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث ؛ فإن أبا بكر لم‬
‫ي كن في ذلك الج يش ‪ ،‬بل كان ال نبي ‪ e‬ي ستخلفه في ال صلة من ح ين مرض‬
‫إلى أن مات ‪ ،‬وأسسامة قسد رُوي أ نه قسد عقسد له الرايسة قبسل مرضسه ‪ ،‬ثسم لمسا‬
‫مرض أ مر أ با ب كر أن ي صلّي بالناس ‪ ،‬ف صلى ب هم إلى أن مات ال نبي ‪ ،e‬فلو‬
‫قدر أنه أُمر بالخروج مع أسامة قبل المرض لكن أمره له بالصلة تلك المدة ‪،‬‬
‫مع إذنه لسامة أن يسافر في مرضه ‪ ،‬موجبا لنسخ إمرة أسامة عنه ‪ ،‬فكيف‬
‫إذا لم يؤمّر عليه أسامة بحال ؟‬
‫وقوله ‪ (( :‬ومات ولم يعزله ))‪.‬‬
‫فأ بو ب كر أن فذ ج يش أ سامة ‪ t‬ب عد أن أشار الناس عل يه برده خو فا من‬
‫العدو ‪ .‬وقال ‪ :‬وال ل أحلَ راية عقدها رسول ال ‪ ،e‬مع أنه كان يملك عزله‬
‫‪ ،‬كمسا كان يملك ذلك رسسول ال ‪ ،e‬لنسه قام مقامسه ‪ ،‬فيعمسل مسا هسو أصسلح‬
‫للمسلمين ‪.‬‬
‫وأ ما ما ذكره من غ ضب أ سامة ل ما تولّى أ بو ب كر ‪ ،‬ف من الكاذ يب‬
‫السسمجة ‪ ،‬فإن محبسة أسسامة ‪ t‬لبسي بكسر وطاعتسه له أشهسر وأعرف مسن أن‬
‫تُن كر ‪ ،‬وأ سامة من أب عد الناس عن الفر قة والختلف ‪ ،‬فإ نه لم يقا تل ل مع‬
‫عل يّ ول مع معاو ية واعتزل الفت نة ‪ .‬وأ سامة لم ي كن من قر يش ‪ ،‬ول م من‬
‫ي صلح للخل فة ‪ ،‬ول يخ طر بقل به أن يتول ها ‪ ،‬فأي فائدة له في أن يقول م ثل‬
‫هذا القول ليّس مسن تولى المسر ‪ ،‬مسع علمسه أنسه ل يتولّى المسر أحسد إل كان‬
‫خليفة عليه ‪ ،‬ولو قدّر أن النبي ‪ e‬أمّره على أبي بكر ثم مات ‪ ،‬فبموته صار‬
‫المسر إلى الخلي فة من بعده ‪ ،‬وإل يه ال مر فسي إنفاذ الج يش أو حبسسه ‪ ،‬وفسي‬
‫تأمير أسامة أو عزله ‪ .‬وإذا قال ‪ :‬أمّرني عليك فمن استخلفك عليّ ؟ قال ‪ :‬من‬
‫ا ستخلفني على جم يع الم سلمين ‪ ،‬وعلى من هو أف ضل م نك ‪ .‬وإذا قال ‪ :‬أ نا‬
‫عليس قبسل أن أُسستخلف‪ ،‬فبعسد أن صسرت خليفسة‬
‫ّ‬
‫أمّرنسي عليسك ‪ .‬قال ‪ :‬أمّرك‬
‫صرت أنا المير عليك ‪.‬‬
‫ومثل هذا ل ينكره إل جاهل ‪ .‬وأسامة أعقل وأتقى وأعلم من أن يتكلم‬

‫‪218‬‬

‫بمثل هذا الهذيان لمثل أبي بكر ‪.‬‬
‫وأعجب من هذا قول هؤلء المفترين ‪ :‬أنه مشى هو وعمر إليه حتى‬
‫اسسترضياه ‪ ،‬مسع قولهسم ‪ :‬إنهمسا قهرا عليّا وبنسي هاشسم وبنسي عبسد مناف ‪،‬ولم‬
‫ي سترضياهم ‪،‬و هم أ عز وأقوى وأك ثر وأشرف من أ سامة ‪ ، t‬فأي حا جة ب من‬
‫قهروا بني هاشم وبني أمية وسائر بني عبد مناف ‪ ،‬وبطون قريش والنصار‬
‫والعرب ‪ ،‬إلى أن يسترضوا أسامة بن زيد ‪ ،‬وهو من أضعف رعيتهم ‪ ،‬ليس‬
‫له قسبيلة ول عشيرة ‪ ،‬ول معسه مال ول رجال ‪ ،‬ولول حسب النسبي ‪ e‬إياه‬
‫وتقديمه له لم يكن إل كأمثاله من الضعفاء ؟‪.‬‬
‫فإن قلتسم ‪ :‬إنهمسا اسسترضياه لحسب النسبي ‪ e‬له ‪ .‬فأنتسم تقولون ‪ :‬إنهسم‬
‫بدّلوا عهده ‪ ،‬وظلموا و صيّه وغ صبوه ‪ ،‬ف من ع صى ال مر ال صحيح ‪ ،‬وبدل‬
‫الع هد البيّن ‪ ،‬وظلم واعتدى وق هر ‪ ،‬ولم يلت فت إلى طا عة ال ور سوله ‪ ،‬ولم‬
‫ير قب في آل مح مد إلّ ول ذ مة ‪ ،‬يرا عى م ثل أ سامة بن ز يد وي سترضيه ؟‬
‫و هو قد ردّ شهادة أم أي من ولم ي سترضيها ‪ ،‬وأغ ضب فاط مة وآذا ها ‪ ،‬و هي‬
‫أحق بالسترضاء ‪ .‬فمن يفعل هذا أي حاجة به إلى استرضاء أسامة بن زيد ؟‬
‫وإنما يُسترضى الشخص للدين أو للدنيا ‪ ،‬فإذا لم يكن عندهم دين يحملهم على‬
‫ا سترضاء من ي جب ا سترضاؤه ‪ ،‬ول هم محتاجون في الدن يا إل يه ‪ ،‬فأي داع‬
‫يدعوهسم إلى اسسترضائه ؟! والرافضسة مسن جهلهسم وكذبهسم يتناقضون تناقضسا‬
‫كثيرا بيّنا إذ هم في قول مختلف ‪ ،‬يُوفك عنه من أُفك‪.‬‬
‫( فصسسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وسمّوا عمر الفاروق ‪ ،‬ولم يسموا عليّا عليه السلم‬
‫بذلك ‪ ،‬مع أن ر سول ال ‪ e‬قال ف يه ‪ :‬هذا فاروق أم تي يفرق ب ين أ هل ال حق‬
‫والباطسل ‪ .‬وقال ابسن عمسر ‪ :‬مسا كنسا نعرف المنافقيسن على عهسد النسبي ‪ e‬إل‬
‫ببغضهم عليّا عليه السلم )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬أوّل ‪ :‬أ ما هذان الحديثان فل ي ستريب أ هل المعر فة بالحد يث‬

‫‪219‬‬

‫أنهما حديثان موضوعان مكذوبان على النبي ‪ e‬ولم يرو واحدٌ منهما في شيء‬
‫من كتب العلم المعتمدة ‪ ،‬ول لواحد منهما إسناد معروف‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬ثان يا ‪ :‬من اح تج في م سألة فرع ية بحد يث فل بد ان ي سنده ‪،‬‬
‫فك يف في م سائل أ صول الد ين ؟ وإل فمجرد قول القائل ‪ (( :‬قال ر سول ال‬
‫‪ ))e‬ليس حجة باتفاق أهل العلم ‪ .‬ولو كان حجة لكان كل حديث قال فيه واحد‬
‫من أ هل ال سنة ‪ (( :‬قال ر سول ال ‪ ))e‬ح جة ‪ ،‬ون حن نقنع في هذا الباب بأن‬
‫ُيرْوى الحديثُ بإسناد معروفون بالصدق من أي طائفة كانوا ‪.‬‬
‫لكن إذا لم يكن الحديث له إسناد ‪ ،‬فهذا الناقل له ‪ ،‬وإن كان لم يكذبه‬
‫بسل نقله مسن كتاب غيره ‪ ،‬فذلك الناقسل لم يعرف عمّن نقله ‪ .‬ومسن المعروف‬
‫كثرة الكذب في هذا الباب وغيره ‪ ،‬فكيف يجوز لحد أن يشهد على رسول ال‬
‫‪ e‬بما لم يعرف إسناده ؟‬
‫ويقال ‪ :‬ثال ثا ‪ :‬من المعلوم ل كل من له خبرة أن أ هل الحد يث أع ظم‬
‫الناس بحثا عن أقوال ال نبي ‪ ،e‬وطل با لعلم ها ‪ ،‬وأر غب الناس في اتّباع ها ‪،‬‬
‫ى يخالف ها ‪ ،‬فلو ث بت عند هم أن ال نبي ‪ e‬قال لعل يّ‬
‫وأب عد الناس عن اتّباع هو ً‬
‫هذا ‪ ،‬لم ي كن أ حد من الناس أوْلى من هم باتّباع قوله ‪ ،‬فإن هم يتّبعون قوله إيمانا‬
‫به ‪ ،‬ومحبة لمتابعته ‪ ،‬ول لغرض لهم في الشخص الممدوح ‪.‬‬
‫فلو ثبت عندهم أن النبي ‪ –e‬قال لعليّ ‪ :‬هذا فاروق أمتي ‪ ،‬لقبلوا ذلك‬
‫‪،‬ونقلوه ‪ ،‬كما نقلوا قوله لبي عبيدة‪ (( :‬هذا أم ين هذه المة ))(‪)1‬وقوله للزب ير‪:‬‬

‫((‬

‫سا قبلوا ونقلوا قوله لعليسّ‬
‫سر ))(‪ )2‬وكمس‬
‫ى الزبيس‬
‫سبي حوارىّ وحوار ّ‬
‫سل نس‬
‫إن لكس‬
‫((‬

‫لعطين الراية غدا رجل يحب ال ورسوله‪ ،‬ويحبه ال ورسوله ))(‪ )3‬وحديث‬

‫الكساء لما قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين ‪ ((:‬اللهم هؤلء أهل بيتي ‪ ،‬فأذهب‬

‫‪ )1(1‬رواه البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ 25‬وغيره ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ ، 21‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪.1879‬‬
‫‪ )3(3‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ ، 18‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪.1871‬‬

‫‪220‬‬

‫عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫وأمثال ذلك ‪.‬‬

‫ل مسن الحديثيسن يُعلم بالدليسل أنسه كذب ‪ ،‬ل يجوز‬
‫ويقال ‪ :‬رابعسا ‪ :‬ك ّ‬
‫عليس أو غيره فاروق هذه‬
‫ّ‬
‫نسسبته إلى النسبي ‪ .e‬فإنسه يقال ‪ :‬مسا المعنسى بكون‬
‫المسة يفرق بيسن الحسق والباطسل ؟ إن عنسى بذلك أنسه يميّز بيسن أهسل الحسق‬
‫والباطسل‪ ،‬فيميّز بيسن المؤمنيسن والمنافقيسن ‪ ،‬فهذا أمسر ل يقدر عليسه أحدٌ مسن‬
‫ب مُنَا ِفقُونَ‬
‫ن الَعْرَا ِ‬
‫حوْ َلكُمْ مِ َ‬
‫البشر‪ :‬ل نبي ول غيره ‪ .‬وقد قال تعالى‪ِ ] :‬مّنْ َ‬
‫ق لَ َتعْ َل ُمهُم َنحْنُ َنعْ َل ُمهُم [(‪ )2‬كان النبي ‪e‬ل‬
‫َومِنْ أَ ْه ِل ا ْلمَدِي َنةِ مَرَدُوا عَلَى ال ّنفَا ِ‬
‫ن كل منافق في مدينته وفيما حولها ‪ ،‬فكيف يعلم ذلك غيره ؟‬
‫يعلَم عي َ‬
‫ومح بة الراف ضة لعل يّ باطلة ‪ ،‬فإن هم يحبّون ما لم يو جد ‪ ،‬و هو المام‬
‫المع صوم المن صوص على إمام ته ‪ ،‬الذي ل إمام ب عد ال نبي ‪ e‬إل هو ‪ ،‬الذي‬
‫كان يعتقد أن أبا بكر وعمر رضى ال عنهما ظالمان معتديان أو كافران ‪ ،‬فإذا‬
‫تبيّن لهم يوم القيامة أن عليّا لم يكن أفضل من واحد من هؤلء ‪ ،‬وإنما غايته‬
‫أن يكون قريبا مسن أحدهسم ‪ ،‬وأنسه كان مقرّا بإمامتهسم وفضلهسم ‪ ،‬ولم يكسن‬
‫معصسوما ل هسو ول هسم ول كان منصسوصا على إمامتسه ‪ ،‬تسبين لهسم أنهسم لم‬
‫يكونوا يحبون عليّا ‪ ،‬بل هم من أعظم الناس بغضا لعلي ّ ‪ t‬في الحقيقة ‪ ،‬فإنهم‬
‫يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في عل يّ أكمل منها في غيره ‪ :‬من‬
‫إثبات إمامة الثلثة وتفضيلهم ‪ ،‬فإن عليّا ‪ t‬كان يفضّلهم ويقرّ بإمامتهم ‪ .‬فتبيّن‬
‫أنهم مبغضون لعليّ قطعا ‪.‬‬
‫وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عل يّ ‪ t‬أنه قال‪:‬‬
‫إنه لعهد النبي الميّ إليّ أنه((ل يحبني إل مؤمن ول يبغضني إلمنافق ))(‪)3‬إن‬
‫كان هذا محفو ظا ثاب تا عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬فإن الراف ضة ل تح به‬
‫على مسا هسو عليسه ‪ ،‬بسل محبتهسم مسن جنسس محبسة اليهود لموسسى والنصسارى‬
‫‪ )4(1‬انظر مسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪.1883‬‬
‫‪ )5(2‬الية ‪ 101‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬انظر مسلم ‪ :‬ج ‪ 1‬ص ‪.86‬‬

‫‪221‬‬

‫عليس وصسفاته ‪ ،‬كمسا تبغسض اليهود‬
‫ّ‬
‫لعيسسى ‪ ،‬بسل الرافضسة تبغسض نعوت‬
‫والنصسارى نعوت موسسى وعيسسى ‪ ،‬فإنهسم يبغضون مسن أقسر نبوة محمسد ‪،e‬‬
‫وكانا مقرين بها صلى ال عليهم أجمعين ‪.‬‬
‫(فصسسسسسل)‬
‫قال الراف ضي ‪ (( :‬وأعظموا أ مر عائ شة على با قي ن سوانه ‪ ،‬مع أ نه‬
‫عل يه ال سلم كان يك ثر من ذ كر خدي جة ب نت خويلد ‪ ،‬وقالت له عائ شة ‪ :‬إ نك‬
‫تك ثر من ذكر ها ‪ ،‬وقد أبدلك ال خيرا منها ‪ .‬فقال ‪ :‬وال ما ُبدّلت ب ها ما هو‬
‫خ ير من ها ؛ صدّقتني إذ كذب ني الناس ‪ ،‬وآوت ني إذ طرد ني الناس ‪ ،‬وأ سعدتني‬
‫بمالها ‪ ،‬ورزقني ال الولد منها ‪ ،‬ولم أرزق من غيرها ))‪.‬‬
‫والجواب أول ‪ :‬أن يقال ‪ :‬إن أهسل السسنة ليسسوا مجمعيسن على أن‬
‫عائشة أفضل نسائه ‪ ،‬بل قد ذهب إلى ذلك كثير من أهل السنة ‪ ،‬واحتجوا بما‬
‫فسي الصسحيحين عسن أبسي موسسى وعسن أنسس رضسى ال عنهمسا أن النسبي‬
‫‪e‬قال‪((:‬فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ))(‪.)1‬‬
‫والثريد هو أفضل الطعمة لنه خبز ولحم ‪ ،‬كما قال الشعر ‪:‬‬
‫فسذاك أمسانسة ال الثسسريسد‬

‫إذا مسا الخسبز تأدمسسه بلحسسم‬

‫وذلك أن ال ُبرّ أفضل القوات ‪ ،‬واللحم أفضل الدام ‪ ،‬كما في الحديث‬
‫الذي رواه ابسن قتيبسة وغيره عسن النسبي ‪e‬أنسه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫سسيد إدام أهسل الدنيسا‬

‫والخرة اللحسسم ))(‪ .)2‬فإذا كان اللحسسم سسسيد الدام ‪ ،‬وال ُبرّ سسسيد القوات ‪،‬‬
‫ومجموعها الثر يد ‪ ،‬لكان الثريد أفضل الطعام ‪ .‬وقد صح من غير وجه عن‬
‫ال صادق الم صدوق أ نه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫ف ضل عائ شة على الن ساء كف ضل الثر يد على‬

‫سائر الطعام ))‪.‬‬
‫و في ال صحيح عن عمرو بن العاص ‪ t‬قال ‪ :‬قلت يا ر سول ال ‪ :‬أي‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ ، 29‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪.189 5‬‬
‫‪ )2(2‬سنن ابن ماجة ‪ :‬ج ‪ 2‬ص ‪ 1099‬وهو ضعيف ‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫الناس أحب إليك ؟ قال ‪ (( :‬عائشة )) ‪ .‬قلت ‪ :‬من الرجال ؟ قال ‪:‬‬
‫قلت ‪ :‬ثم من ؟ قال ‪(( :‬عمر)) وسمّى رجال‬

‫(‪)1‬‬

‫((‬

‫أبوها‬

‫))‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫وهؤلء يقولون ‪ :‬قوله لخديجسة ‪ (( :‬مسا أبدلنسي ال بخيسر منهسا‬

‫))‬

‫‪ :‬إن‬

‫صح معناه‪ :‬ما أبدلني بخير لي منها ؛ لن خديجة نفعته في أول السلم نفعا‬
‫لم يقم غيرها فيه مقامها ‪ ،‬فكانت خيرا له من هذا الوجه ‪ ،‬لكونها نفعته وقت‬
‫الحا جة ‪ ،‬ل كن عائ شة صحبته في آ خر النبوة وكمال الد ين ‪ ،‬فح صل ل ها من‬
‫العلم واليمان ما لم يح صل ل من لم يدرك إل أول ز من النبوة ‪ ،‬فكا نت أف ضل‬
‫بهذه الزيادة ‪ ،‬فإن المة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها ‪،‬وبلغت من العلم‬
‫والسنة ما لم يبلغه غيرها ‪ ،‬فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي ‪،e‬‬
‫لم تبلّغ عنه شيئا ‪ ،‬ولم تنت فع بها المة كما انتفعوا بعائ شة ‪ ،‬ول كان الد ين قد‬
‫كمل حتى تعلمه ويحصل لها من كمال اليمان به ما حصل لمن علمه وآمن به‬
‫بعد كماله ‪.‬‬
‫( فصسسسسسل)‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وأذاعت سر رسول ال صلى ل عليه وسلم ‪ ،‬وقال‬
‫لها النبي ‪ :e‬إنك تقاتلين عليّا وأنت ظالمة له ‪ ،‬ثم إنها خالفت أمر ال في قوله‬
‫تعالى ‪] :‬وقرن فني بيوتكنن [‪ ،‬وخرجست فسي مل مسن الناس لتقاتسل عليّاس على‬
‫غير ذنب ‪ ،‬لن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان ‪ ،‬وكانت هي في كل وقت‬
‫تأمر بقتله ‪ ،‬وتقول اقتلوا نعثل ‪ ،‬قتل ال نعثل ‪ ،‬ولما بلغها قتله فرحت بذلك‪،‬‬
‫ثم سألت ‪ :‬من تولى الخل فة ؟ فقالوا عل يّ‪ .‬فخر جت لقتاله على دم عثمان ‪،‬‬
‫لعليس على ذلك ؟ وكيسف اسستجاز طلحسة والزبيسر وغيرهمسا‬
‫ّ‬
‫فأي ذنسب كان‬
‫مطاوعت ها على ذلك ؟ وبأي و جه يلقون ر سول ال ‪e‬؟ مع أن الوا حد م نا لو‬
‫تحدث مع امرأة غيره وأخرج ها من منزل ها و سافر ب ها كان أ شد الناس عداوة‬
‫له ‪ ،‬وك يف أطاع ها على ذلك عشرات ألوف من الم سلمين ‪ ،‬و ساعدوها على‬
‫‪ )3(1‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 5‬ص ‪ ، 5‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 4‬ص ‪.1856‬‬

‫‪223‬‬

‫حرب أمير المؤمنين ‪ ،‬ولم ينصر أحد منهم بنت رسول ال ‪e‬لما طلبت حقها‬
‫من أبي بكر ‪ ،‬ول شخص واحد كلّمه بكلمة واحدة )) ‪.‬‬
‫والجواب ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أما أهل السنة فإنهم في هذا الباب وغيره قائمون‬
‫بالقسط شهداء ل ‪ ،‬وقولهم حق وعدل ل يتناقض ‪ .‬وأما الرافضة وغيرهم من‬
‫أ هل البدع ف في أقوال هم من البا طل والتنا قض ما ننبّ ه إن شاء ال تعالى على‬
‫بعضسه ‪ ،‬وذلك أن أهسل السسنة عندهسم أن أهسل بدر كلهسم فسي الجنسة ‪ ،‬وكذلك‬
‫أمّهات المؤمن ين ‪ :‬عائ شة وغير ها ‪ ،‬وأ بو ب كر وع مر وعثمان وعل يّ وطل حة‬
‫والزب ير هم سادات أ هل الج نة ب عد ال نبياء ‪ ،‬وأ هل ال سنة يقولون ‪ :‬إن أ هل‬
‫الجنة ليس من شرطهم سل متهم عن الخطأ ‪ ،‬بل ول عن الذنب ‪ ،‬بل يجوز‬
‫أن يذنب الرجل منهم ذنبا صغيرا أو كبيرا ويتوب منه ‪ .‬وهذا متفق عليه بين‬
‫المسلمين ‪ ،‬ولو لم يتب منه فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر عند جماهيرهم‪،‬‬
‫بل وعند الكثرين منهم أن الكبائر قد تمحى بالحسنات التي هي أعظم منها ‪،‬‬
‫وبالمصائب المكفّرة وغير ذلك ‪.‬‬
‫وإذا كان هذا أصسلهم فيقولون ‪ :‬مسا يذكسر عسن الصسحابة مسن السسيّئات‬
‫كث ير م نه كذب ‪ ،‬وكث ير م نه كانوا مجتهد ين ف يه ‪ ،‬ول كن لم يعرف كث ير من‬
‫الناس وجه اجتهادهم ‪ ،‬وما ُقدّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور‬
‫ل هم ‪ :‬إ ما بتو بة ‪ ،‬وإ ما بح سنات ماح ية ‪ ،‬وإ ما بم صائب مكفّرة ‪ ،‬وإ ما بغ ير‬
‫ذلك؛ فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه ‪ :‬إنهم من أهل الجنة فامتنع‬
‫أن يفعلوا ما يوجب النار ل محالة ‪ ،‬وإذا لم يمت أحد منهم ‪ ،‬على موجب النار‬
‫لم يقدح ما سوى ذلك في ا ستحقاقهم للج نة ‪ .‬ون حن قد علم نا أن هم من أ هل‬
‫الجنسة‪ ،‬ولو لم يُعلم أن أولئك المعيّنيسن فسي الجنسة لم يجسز لنسا أن نقدح فسي‬
‫ا ستحقاقهم للج نة بأمور ل نعلم أن ها تو جب النار ‪ ،‬فإن هذا ل يجوز في آحاد‬
‫المؤمنين الذين لم يُعلم أنهم يدخلون الجنة ‪ ،‬ليس لنا أن نشهد لحد منهم بالنار‬
‫لمور محتملة ل تدل على ذلك ‪ ،‬فكيسف يجوز م ثل ذلك في خيار المؤمن ين ‪،‬‬
‫والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد واحد منهم باطنا وظاهرا ‪ ،‬وحسناته وسيئاته‬

‫‪224‬‬

‫واجتهادا ته ‪ ،‬أ مر يتعذر علي نا معرف ته ؟! فكان كلم نا في ذلك كلما في ما ل‬
‫نعلمسه ‪،‬والكلم بل علم حرام ‪ ،‬فلهذا كان المسساك عمّا شجسر بيسن الصسحابة‬
‫خيرا مسن الخوض فسي ذلك بغيسر علم بحقيقسة الحوال ‪ ،‬إذ كان كثيسر مسن‬
‫الخوض فسي ذلك – أو أكثره – كلما بل علم ‪ ،‬وهذا حرام لو لم يكسن فيسه‬
‫ى يطلب فيسه دفسع‬
‫هوىً ومعارضسة الحسق المعلوم ‪ ،‬فكيسف إذا كان كلما بهو ً‬
‫الحق المعلوم؟‬
‫وأمسا قوله ‪ (( :‬وأذاعست سسرّ رسسول ال ‪ ))e‬فل ريسب أن ال تعالى‬
‫ت بِ ِه َوَأظْهَرَ هُ الُ‬
‫يقول ‪َ ] :‬وإِذْ أَ سَ ّر النّبِيّ إِلَى َبعْ ضِ أَ ْزوَاجِ هِ حَدِيثا فَ َلمّ ا نَبّأَ ْ‬
‫ت مَ نْ أَنْبَأَ كَ هَذَا قَالَ‬
‫ن َبعْ ضٍ فَ َلمّا نَبّأَهَا بِ هِ قَالَ ْ‬
‫ض عَ ْ‬
‫ف َبعْضَ هُ َوأَعْرَ َ‬
‫عَلَيْ ِه عَرّ َ‬
‫يِ ا ْلعَلِيمُ ا ْلخَبِير[(‪. )1‬‬
‫نَبّأَن َ‬
‫وقد ثبت في الصحيح عن عمر أنها عائشة وحفصة‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫فيقال ‪ :‬أول ‪ :‬هؤلء يعمدون إلى نصسوص القرآن التسي فيهسا ذكسر‬
‫ب ومعا صٍ بيّ نة ل من ن صّت ع نه من المتقدم ين يتأوّلون الن صوص بأنواع‬
‫ذنو ٍ‬
‫التأويلت ‪ ،‬وأهسل السسنة يقولون ‪ :‬بسل أصسحاب الذنوب تابوا منهسا ورفسع ال‬
‫درجاتهم بالتوبة ‪.‬‬
‫وهذه الية ليست أوْلى في دللتها على الذنوب من تلك اليات ‪ ،‬فإن‬
‫كان تأويل تلك سائغا كان تأويل هذه كذلك ‪ ،‬وإن كان تأويل هذه باطل فتأويل‬
‫تلك أبطل ‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬ثانيا ‪ :‬بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة ‪ ،‬فيكونان قد‬
‫صغَتْ قُلُو ُبكُما [‪،‬‬
‫تابتا منه‪ .‬وهذا ظاهر لقوله تعالى ‪ ] :‬إِ نْ تَتُوبَا إِلَى الِ َفقَدْ َ‬
‫فدعاهما ال تعالى إلى التوبة ‪ ،‬فل يظن بهما أنهما لم يتوبا ‪ ،‬مع ما ثبت من‬
‫علو درجتهمسا ‪ ،‬وأنهمسا زوجتسا نبيّنسا فسي الجنسة ‪ ،‬وأن ال خيرهسن بيسن الحياة‬
‫الدن يا وزينت ها وب ين ال ور سوله والدار الخرة ‪ ،‬فاخترن ال ور سوله والدار‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 3‬من سورة التحريم ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬انظر البخاري ‪ :‬ج ‪ 6‬ص ‪ ،156‬ومسلم ‪ :‬ج ‪ 2‬ص ‪. 1110‬‬

‫‪225‬‬

‫الخرة ‪ ،‬ولذلك حرّم ال عل يه أن يت َبدّل ب هن غير هن ‪ ،‬وحرم عل يه أن يتزوج‬
‫عليهن ‪،‬واختُلف في إباحة ذلك له بعد ذلك ‪،‬ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين‬
‫بنسص القرآن ‪ .‬ثسم قسد تقدّم أن الذنسب يُغفسر ويُعفسى عنسه بالتوبسة وبالحسسنات‬
‫الماحية وبالمصائب المكفرة ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬ثالثا ‪ :‬المذكور عن أزواجه كالمذكور عمّن شُهد له بالجنة من‬
‫أ هل بي ته وغير هم من ال صحابة ‪ ،‬فإن عليّ ا ل ما خ طب اب نة أ بي ج هل على‬
‫فاطمة‪ ،‬وقام النبي ‪e‬خطيبا فقال ‪ (( :‬إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا عليّا‬
‫ابنتهسم ‪ ،‬وإنسي ل آذن ثسم ل آذن ثسم ل آذن ‪ ،‬إل أن يريسد ابسن أبسي طالب أن‬
‫يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم ‪ ،‬إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني‬
‫ما آذاها )) فل يُظن بعلي ‪ t‬أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط ‪ ،‬بل تركها بقلبه‬
‫وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه‪.‬‬
‫وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها‪((:‬تقاتلين عليّا وأنت ظالمة له‬

‫))‬

‫فهذا ل يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ‪ ،‬ول له إسناد معروف ‪،‬وهو‬
‫بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالحاديث الصحيحة ‪ ،‬بل هو كذب قطعا ‪،‬‬
‫فإن عائشسة لم تقاتسل ولم تخرج لقتال ‪ ،‬وإنمسا خرجست لقصسد الصسلح بيسن‬
‫المسلمين ‪ ،‬وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ‪ ،‬ثم تبين لها فيما بعد أن‬
‫ترك الخروج كان أوْلى ‪ ،‬فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬وخال فت أ مر ال في قوله تعالى ‪] :‬وَقَ ْر نَ فِي بُيُو ِتكُنّ‬
‫ن تَبَرّ جَ ا ْلجَاهِلِ ّي ِة الُولَى[(‪. )1‬ف هي ‪ t‬لم ت تبرج تبرج الجاهل ية الولى‪.‬‬
‫َولَ تَبَ ّرجْ َ‬
‫وال مر بال ستقرار في البيوت ل ينا في الخروج لم صلحة مأمور ب ها ‪ ،‬ك ما لو‬
‫خر جت لل حج وللعمرة أو خر جت مع زوج ها في سفره ‪ ،‬فإن هذه ال ية قد‬
‫نزلت في حياة النبي ‪ ،e‬وقد سافر بهن رسول ال ‪ e‬بعد ذلك كما سافر في‬
‫حجة الوداع بعائشة رضى ال عنها وغيرها ‪ ،‬وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها‬
‫فأردفها خلفه ‪ ،‬وأعمرها من التنعيم ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 33‬من سورة الحزاب ‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫وأمنا قوله ‪ ((:‬إنهسا خرجست فسي مل مسن الناس تقاتسل عليّاس مسن غيسر‬
‫ذنب)) ‪.‬‬
‫فهذا أول ‪ :‬كذب علي ها ‪ .‬فإن ها لم تخرج لق صد القتال ‪ ،‬ول كان أي ضا‬
‫طلحسة والزبيسر قصسدهما قتال عليّس ‪ ،‬ولو قدر أنهسم قصسدوا القتال ‪ ،‬فهذا هسو‬
‫صِلحُوا‬
‫القتال المذكور في قوله تعالى ‪َ ] :‬وإِ نْ طَا ِئفَتَا نِ مِ نَ ا ْل ُم ْؤمِنِي نَ اقْتَتَلُوا فَأَ ْ‬
‫ن َبغَ تْ ِإحْدَا ُهمَا عَلَى ا ُلخْرَى َفقَاتِلُوا الّتِي تَ ْبغِي حَتّى َتفِيء إِلَى َأمْرِ‬
‫بَيْ َن ُهمَا فَإِ ْ‬
‫سطِين ‪ .‬إِ ّنمَا‬
‫سطُوا إِنّ الَ ُيحِبّ ا ْل ُمقْ ِ‬
‫صِلحُوا بَيْ َن ُهمَا بِالعَ ْدلِ َوأَقْ ِ‬
‫ال فَإِنْ فَاءَتْ فَأَ ْ‬
‫خوَ ْيكُم [(‪ )1‬فجعلهم مؤمنين أخوة مع القتتال‪.‬‬
‫ن أَ َ‬
‫خوَةٌ فَأَ صْ ِلحُوا بَيْ َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنُو نَ إ ْ‬
‫وإذا كان هذا ثابتا لمن هو دون أولئك المؤمنين فهم به أوْلى وأحرى‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬إن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان )) ‪.‬‬
‫فجوابنه منن وجوه ‪ :‬أحدهنا ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أول ‪ :‬هذا مسن أظهسر الكذب‬
‫وأَبينسه ؛ فإن جماهيسر المسسلمين لم يأمروا بقتله ‪ ،‬ول شاركوا فسي قتله ‪ ،‬ول‬
‫رضوا بقتله ‪.‬‬
‫أمسا أول ‪ :‬فلن أكثسر المسسلمين لم يكونوا بالمدينسة ‪ ،‬بسل كانوا بمكسة‬
‫واليمسن والشام والكوفسة والبصسرة ومصسر وخراسسان ‪ ،‬وأهسل المدينسة بعسض‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫وأ ما ثان يا ‪ :‬فلن خيار الم سلمين لم يد خل وا حد من هم في دم عثمان ل‬
‫قتسل ول أمسر بقتله ‪ ،‬وإنمسا قتله طائفسة مسن المفسسدين فسي الرض مسن أوباش‬
‫القبائل وأهسل الفتسن ‪ ،‬وكان علي ّ ‪ t‬يحلف دائمسا ‪ (( :‬إنسي مسا قتلت عثمان ول‬
‫مالت على قتله )) ويقول ‪ (( :‬اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل‬
‫والجبل )) ‪ .‬وغاية ما يقال ‪ :‬إنهم لن ينصروه حق النصرة ‪ ،‬وأنه حصل نوع‬
‫من الفتور والخذلن ‪ ،‬ح تى تم كن أولئك المف سدون ‪ .‬ول هم في ذلك تأويلت ‪،‬‬
‫ومسا كانوا يظنون أن المسر يبلغ إلى مسا بلغ ‪ ،‬ولو علموا ذلك لسسدّوا الذريعسة‬
‫وحسموا مادة الفتنة ‪.‬‬
‫‪ )2(1‬اليتان ‪9‬و ‪ 10‬من سورة الحجرات ‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫الثاني ‪ :‬أن هؤلء الرافضة في غاية التناقض والكذب ؛ فإنه من المعلوم‬
‫أن الناس أجمعوا على بي عة عثمان ما لم يجمعوا على قتله ؛ فإن هم كلهم بايعوه‬
‫فسي جميسع الرض ‪ .‬فإن جاز الحتجاج بالجماع الظاهسر ‪ ،‬فيجسب أن تكون‬
‫بيع ته حقّا لحصول الجماع عليها ‪ .‬وإن لم يجز الحتجاج به ‪ ،‬بطلت حجت هم‬
‫بالجماع على قتله ‪ .‬ل سيما و من المعلوم أ نه لم يبا شر قتله إل طائ فة قليلة ‪.‬‬
‫ثم إنهم ينكرون الجماع على بيعته‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إنما بايع أهل الحق منهم خوفا‬
‫وكرهسا ‪ .‬ومعلوم أنهسم لو اتفقوا كلهسم على قتله ‪ ،‬وقال قائل ‪ :‬كان أهسل الحسق‬
‫كارهين لقتله لكن سكتوا خوفا وتقيّة على أنفسهم ‪ ،‬لكان هذا أقرب إلى الحق ‪،‬‬
‫لن العادة قد جرت بأن من يريد قتل الئ مة يخ يف من يناز عه ‪ ،‬بخلف من‬
‫يريد مبايعة الئمة ‪ ،‬فإنه ل يخيف المخالف ‪ ،‬كما يخيف من يريد قتله ‪ ،‬فإن‬
‫المريديسن للقتسل أسسرع إلى الشسر وسسفك الدماء وإخافسة الناس مسن المريديسن‬
‫للمبايعسة ‪ .‬فقول أهسل السسنّة خسبر صسادق وقول حكيسم ‪ ،‬وقول الرافضسة خسبر‬
‫كاذب وقول سسفه ‪ ،‬فأهسل السسنّة يقولون الميسر والمام والخليفسة ذو السسلطان‬
‫الموجود ‪ ،‬الذي له القدرة على عمل مقصود الولية ‪ ،‬كما أن إمام الصلة هو‬
‫الذي ي صلي بالناس ‪ ،‬و هم يأتمون به ل يس إمام ال صلة من ي ستحق أن يكون‬
‫إماما وهو ل يصلي بأحد ‪ ،‬لكن هذا ينبغي أن يكون إماما ‪ ،‬والفرق بين المام‬
‫وبين من ينبغي أن يكون هو المام ل يخفى على الطغام ‪.‬‬
‫ويقولون أنسه يعاون على البر والتقوى ‪ ،‬دون الثسم والعدوان ‪ ،‬ويطاع‬
‫في طاعة ال دون معصيته ‪ ،‬ول يخرج عليه بالسيف ‪ ،‬وأحاديث النبي صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم إنما تدل على هذا ‪.‬‬
‫ك ما في ال صحيحين ‪ ،‬عن ا بن عباس –ر ضي ال عنه ما – عن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم قال‪ ((:‬من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبرعليه ‪،‬‬
‫فإ نه ل يس أ حد من الناس يخرج عن ال سلطان شبرا فمات عل يه إل مات مي تة‬

‫‪228‬‬

‫جاهل ية ))(‪ )1‬فج عل المحذور هو الخروج عن ال سلطان ومفار قة الجما عة وأ مر‬
‫بال صبر على ما يكره من الم ير لم ي خص بذلك سلطانا معينا ول أميرا معي نا‬
‫ول جماعة معينة ‪.‬‬
‫(قال الرافضي الفصل الثاني في أن مذهب المامية واجب التباع)‬
‫ومضمون مسا ذكره أن الناس اختلفوا بعسد النسبي صسلى ال تعالى عليسه‬
‫وسسلم فيجسب النظسر فسي الحسق واعتماد النصساف ‪ ،‬ومذهسب الماميسة واجسب‬
‫التباع لربعة وجوه ‪ ،‬لنه أحقها ‪ ،‬وأصدقها ‪ ،‬ولنهم باينوا جميع الفرق في‬
‫أصسول العقائد ‪ ،‬ولنهسم جازمون بالنجاة لنفسسهم ‪ ،‬ولنهسم أخذوا دينهسم عسن‬
‫الئمة المعصومين ‪ ،‬وهذا حكاية لفظه ‪.‬‬
‫قال الراف ضي ‪ :‬أ نه ل ما ع مت البل ية بموت ال نبي صلى ال تعالى عل يه‬
‫سم ‪،‬‬
‫سب تعدد أهوائهس‬
‫سم ‪ ،‬بحسس‬
‫سلم –واختلف الناس بعده ‪ ،‬وتعددت آراؤهس‬
‫وسس‬
‫فبعض هم طلب ال مر لنف سه بغ ير حق ‪ ،‬وباي عه أك ثر الناس للدن يا ‪ ،‬ك ما اختار‬
‫عمرو بن سعد ملك الرى أيا ما ي سيرة ‪ ،‬ل ما خ ير بي نه وب ين ق تل الح سين مع‬
‫علمه ‪ ،‬بأن من قتله في النار ‪ ،‬واختياره ذلك في شعره حيث يقول ‪:‬‬
‫فوال ما أدري وإني لصادق‬

‫أفسكرفي أمسر على خطرين‬

‫أاترك ملك الرىّ والرى منيتي‬

‫أم أصبسح مأثوما بقتل حسين‬

‫وفي قتله النار التي ليس دونها‬

‫حجاب وملك الرىّ قرة عيني‬

‫وبعضهم اشتبه المر عليه ‪ ،‬ورأى لطالب الدنيا مبايعا ‪ ،‬فقلده وبايعه‬
‫وق صر في نظره ‪ ،‬فخ فى عل يه ال حق فا ستحق المؤاخذة من ال تعالى بإعطاء‬
‫الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر ‪ ،‬وبعضهم قلد لقصور فطنته ‪ ،‬ورأى‬
‫الجسم الغفيسر فتابعهسم ‪ ،‬وتوهسم أن الكثرة تسستلزم الصسواب ‪ ،‬وغفسل عسن قوله‬
‫‪ )1(1‬سبق ذكره انظر ص‬

‫‪229‬‬

‫ُمن [‬
‫تعالى ‪] :‬وَ َقلِيلٌ مَا ه ْ‬

‫(‪)1‬‬

‫شكُور [‬
‫ِين ال ّ‬
‫ِنن عِبَاد َ‬
‫] وَقَلِي ُل م ْ‬

‫(‪)2‬‬

‫وبعضهسم طلب‬

‫ال مر لنف سه ب حق له وباي عه القلون الذ ين أعرضوا عن الدن يا وزينت ها ‪ ،‬ولم‬
‫يأخذ هم في ال لو مة لئم بل أخل صوا ل واتبعوا ما أمروا به من طا عة من‬
‫يستحق التقديم ‪.‬‬
‫وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ‪ ،‬وجب على كل أحد النظر في الحق‬
‫واعتماد النصساف ‪ ،‬وأن يقسر الحسق مسستقره ‪ ،‬ول يظلم مسستحقه ‪ ،‬فقسد قال‬
‫تعالى ‪َ] :‬ألَ َلعْ َنةُ الِ عَلَى الظّا ِلمِينن [‬

‫(‪)3‬‬

‫و إنمسا كان مذهسب الماميسة واجسب‬

‫التباع لوجوه هذا لفظه ‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬أنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف ‪ ،،‬وهذا من أعظم‬
‫الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الصناف الربعة‪،‬‬
‫فضل عن أن ل يكون فيهم أحد إل من هذه الصناف ‪.‬‬
‫إ ما طالب لل مر بغ ير حق كأ بي ب كر في زع مه ‪ .‬وإ ما طالب لل مر‬
‫بحق كعلي في زعمه ‪.‬‬
‫وهذا كذب على علي ‪ ، t‬وعلى أبسي بكسر ‪ ، t‬فل علي طلب المسر‬
‫لنف سه ق بل ق تل عثمان ‪ ،‬ول أ بو ب كر طلب ال مر لنف سه فضل عن أن يكون‬
‫طلبه بغير حق ‪.‬‬
‫وجعل القسمين الخرين إما مقلدا لجل الدنيا‪ ،‬وإما مقلدا لقصوره في‬
‫النظر‪ ،‬وذلك أن النسان يجب عليه ان يعرف الحق وأن يتبعه ‪ ،‬وهو الصراط‬
‫المسستقيم صسراط الذيسن أنعسم ال عليهسم ‪ ،‬مسن النسبيين والصسديقين ‪ ،‬والشهداء‬
‫وال صالحين ‪ ،‬غ ير المغضوب علي هم ‪ ،‬ول الضال ين ‪ .‬وهذا هو ال صراط الذي‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 13‬من سورة سبأ ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 18‬من سورة هود ‪.‬‬

‫‪230‬‬

‫أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه ‪ ،‬في كل صلة بل في كل ركعة ‪.‬‬
‫وهذه المة خير المم ‪ ،‬وخيرها القرن الول ‪ ،‬كان القرن الول أكمل‬
‫الناس في العلم النافع ‪ ،‬والعمل الصالح ‪.‬‬
‫وهؤلء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك ‪ ،‬بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق‬
‫ويتبعونه ‪ ،‬بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه ‪ ،‬كما يزعمون في‬
‫الخلفاء الثل ثة ‪ ،‬وجمهور الصسحابة ‪ ،‬والمسة ‪ ،‬وكثيسر منهسم عندهسم ل يعلم‬
‫الحسق ‪ ،‬بسل اتبسع الظالميسن تقليدا لعدم نظرهسم المفضسى إلى العلم ‪ ،‬والذي لم‬
‫ين ظر قد يكون تر كه الن ظر ل جل الهوى وطلب الدن يا ‪ ،‬و قد يكون لق صوره‬
‫ونقص إدراكه ‪.‬‬
‫وادعسى أن منهسم مسن طلب المسر لنفسسه بحسق يعنسي عليا ‪ ،‬وهذا ممسا‬
‫علم نا بالضطرار أ نه لم ي كن ‪ ،‬فلزم من ذلك على قول هؤلء أن تكون ال مة‬
‫كلها كانت ضالة ‪ ،‬بعد نبيها ليس فيها مهتد ‪.‬‬
‫فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم ‪ ،‬لنهم كما قال‬
‫تعالى‪َ ] :‬ومِن ْن َقوْمِن مُوسنَى ُأ ّمةً َيهْدُونَن بِالحَقّ وَهُم ْن َيعْدِلُون [(‪ . )1‬و قد أ خبر‬
‫ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم أن اليهود والن صارى افتر قت على أكثر من‬
‫سبعين فر قة ‪ ،‬في ها واحدة ناج ية ‪ ،‬وهذه ال مة على مو جب ما ذكروه لم ي كن‬
‫فيهم بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ول تعدل به‪،‬‬
‫وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى ‪.‬‬
‫فيلزم من ذلك ان يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من‬
‫خ ير أ مة أخر جت للناس ‪ ،‬فهذا لزم ل ما يقوله هؤلء المفترون ‪ ،‬فإذا كان هذا‬
‫في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم من اختلف‬
‫المة ‪ ،‬فكيف سائر ما ينقله ويستدل به ‪ ،‬ونحن نبين ما في هذه الحكاية من‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 159‬من سورة العراف ‪.‬‬

‫‪231‬‬

‫الكاذيب من وجوه كثيرة‪ ،‬فنقول ‪:‬‬
‫ما ذكره هذا المفترى من قوله ‪ :‬أنه لما عمت البلية على كافة المسلمين‬
‫بموت النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ .‬واختلف الناس بعده ‪ ،‬وتعددت‬
‫آراؤهسم بحسسب تعدد أهوائهسم ‪ ،‬فبعضهسم طلب المسر لنفسسه ‪ ،‬وتابعسه أكثسر‬
‫الناس طلبا للدنيا ‪ ،‬كما اختار عمر بن سعد ‪ ،‬ملك الرى أياما يسيرة لما خير‬
‫بينه وين قتل الحسين ‪ ،‬مع علمه بان في قتله النار واختياره ذلك في شعره ‪.‬‬
‫فيقال في هذا الكلم من الكذب ‪ ،‬والباطل وذم خيار المة ‪ ،‬بغير حق‬
‫مسا ل يخفسى مسن وجوه ‪( .‬أحدهمنا ) ‪:‬قوله تعددت آراؤهسم بحسسب تعدد‬
‫أهوائهم ‪ ،‬فيكون كلهم متبعين أهوائهم ‪ ،‬ليس فيهم طالب حق ‪ ،‬ول مريد لوجه‬
‫ال تعالى والدار الخرة ‪ ،‬ول من كان قوله عن اجتهاد واستدلل ‪.‬‬
‫وعموم لفظه يشمل عليا وغيره ‪ ،‬وهؤلء الذين وصفهم بهذا ‪ ،‬هم الذين أثنى‬
‫ال عليهم هو ورسوله ‪ ،‬ورضي ال عنهم ووعدهم الحسنى ‪ ،‬كما قال تعالى ‪:‬‬
‫ِينن اتّبَعُوهُم بِ ِإحْسنَان ‪t‬م‬
‫ِرينن وَالَنْصنَار الّذ َ‬
‫ِنن ال ُمهَاج َ‬
‫ُونن م َ‬
‫]وَالسنّا ِبقُونَ ا َلوّل َ‬
‫ك ال َفوْزُ‬
‫ت َتجْرِي َتحْتها الَ ْنهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِ َ‬
‫وَرَضُوا عَنْ ُه َوأَعَدّ َلهُمْ جَنّا ٍ‬
‫ن َمعَ هُ َأشِدّاءَ عَلَى ال ُكفّارِ‬
‫حمّدٌ رَ سُولُ الِ وَالّذِي َ‬
‫العَظِ يم [ (‪. )1‬وقال تعالى ‪ُ ُ ] :‬م َ‬
‫ضوَانًا سِيمَاهُم في‬
‫ن الِ وَرِ ْ‬
‫ل مِ َ‬
‫سجّدًا يَبْ َتغُو نَ فَضْ ً‬
‫حمَا َء بَيْ َنهُ مْ تَرَاهُ مْ ُر ّكعًا ُ‬
‫ُر َ‬
‫ك مَثَُلهُ مْ في ال ّتوْرَاةِ ‪َ ،‬ومَثَُلهُ مْ في الِإ ْنجِيل كَ َزرْ عٍ‬
‫سجُودْ ذَلِ َ‬
‫ُوجُو ِههِم ِم نْ أَثَ ِر ال ّ‬
‫علَى سُو ِق ِه ُي ْعجِ بُ الزّرّا عَ لِ َيغِي ظَ ِبِ هم‬
‫شطْأَ هُ فآزَرَ هُ فَا سْ َتغْ َلظَ فَا سْ َتوَى َ‬
‫ج َ‬
‫َأخْرَ َ‬
‫ُمن َمغْفِرَ ًة َوَأجْرا‬
‫عمِلُوا الصنّا ِلحَاتِ مِ ْنه ْ‬
‫ُمن وَ َ‬
‫ِينن آمَنُوا مِ ْنه ْ‬
‫الكُفّار ‪ ،‬وَعَدَ الُ الّذ َ‬
‫عظِيمًا [(‪. )2‬‬
‫َ‬
‫ُسن ِهمْ‬
‫ِمن َوأَنْف ِ‬
‫ِينن آمَنُوا وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا بِ َأ ْموَا ِله ْ‬
‫وقال تعالى ‪] :‬إِنّ الّذ َ‬
‫في سَبِي ِل الِ وَالّذِي نَ آ َووْا وَنَ صَرُوا َأوْلَئِ كَ بَعضُهم َأوْلِيَا َء َبعْض –إلى قوله –‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 29‬من سورة الفتح ‪.‬‬

‫‪232‬‬

‫ِينن آمَنُوا مِن بَعند‬
‫ْقن كَرِينم وَالّذ َ‬
‫حقّان لَهُم َم ْغفِرَةٌ وَ ِرز ٌ‬
‫ُونن َ‬
‫ُمن ال ُم ْؤمِن َ‬
‫ِكن ه ُ‬
‫ُأوْلَئ َ‬
‫ك مِ ْنكُم [‬
‫وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا َم َعكُم فَُأوْلَئِ َ‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫ق مِ نْ قَ ْبلِ ا ْلفَتْ حِ وَقَاتَل أُولَئِ كَ‬
‫ن أَنْفَ َ‬
‫وقال تعالى ‪] :‬لَ يَ سْ َتوِي مِ ْنكُم مَ ْ‬
‫حسْنَى [(‪. )2‬‬
‫ن أَنْ َفقُوا مِنْ َبعْد َوقَاتَلُوا َوكُلّ وَعَ َد الُ ال ُ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫جةً مِ َ‬
‫عظَ ُم دَ َر َ‬
‫أَ ْ‬
‫ن دِيَارِهِ ْم َوَأمْوَالِهِم‬
‫وقال تعالى ‪ِ] :‬للفقرا ِء ا ْل ُمهَاجِرِي نَ الّذِي نَ ُأخْ ِرجُوا مِ ْ‬
‫ن ال َورَ سُو َل ُه ُأوْلَئِ كَ هُم ال صّادِقُون‬
‫ن الِ وَرِضوانًا وَيَنْ صُرُو َ‬
‫ل مِ َ‬
‫يَبْ َتغُو نَ فَضْ ً‬
‫ن تَ َبوّؤا الدّارَ وَالِيمَان مِن قَبْ ِلهِم ُيحِبّون مَن هَاجَ َر إِلَ ْيهِم َولَ َيجِدُو نَ في‬
‫وَالّذِي َ‬
‫ن ِبهِمْ خَصَاصَة َومَن‬
‫سهِم وَ َل ْو كَا َ‬
‫ن عَلَى أَنْف ِ‬
‫جةً ِممّا أُوتُوا وَ ُيؤْثِرُو َ‬
‫صُدُو ِرهِم حَا َ‬
‫ن جَاءُوا مِن َبعْدِهِم َيقُولُو نَ رَبّنَا‬
‫يُو قَ شُحّ َنفْ سِهِ فَُأوْلَئِ كَ هُ مُ ا ْل ُمفْ ِلحُون وَالّذِي َ‬
‫ِينن‬
‫ل لِلّذ َ‬
‫ج َعلْ فني قُلُوبِنَا غِ ّ‬
‫سنبَقُونَا بِالِيمَان َولَ َت ْ‬
‫ِينن َ‬
‫خوَانِنَا الّذ َ‬
‫غفِرْ لَنَا َو ِل ْ‬
‫اْ‬
‫آمَنُوا رَبّنَا إِنّكَ رَءُوفٌ َرحِيم [(‪. )3‬‬
‫وهذه اليات تتضمسن الثناء على المهاجريسن ‪ ،‬والنصسار ‪ ،‬وعلى‬
‫الذ ين جاءوا من بعد هم ‪ ،‬ي ستغفرون ل هم وي سألون ال أن ل يج عل في قلوب هم‬
‫غل لهم ‪ ،‬وتتضمن أن هؤلء الصناف هم المستحقون للفيء ‪.‬‬
‫ول ر يب أن هؤلء الراف ضة خارجون من ال صناف الثل ثة فإن هم لم‬
‫يستغفروا للسابقين ‪ ،‬وفي قلوبهم غل عليهم ‪ ،‬ففي اليات الثناء على الصحابة‪،‬‬
‫وعلى أهل السنّة الذين يتولونهم ‪ ،‬وإخراج الرافضة من ذلك ‪ ،‬وقد روى ابن‬
‫بطة وغيره من حديث أبي بدر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد ال بن زيد ‪ ،‬عن طلحة بن‬
‫م صرف ‪ ،‬عن م صعب بن سعد ‪ ،‬عن سعد بن أ بي وقاص ‪ ،‬قال ‪(( :‬الناس‬
‫على ثلث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة ‪ ،‬فأحسن ما أنتم عليه كائنون‪،‬‬
‫أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ‪.‬‬
‫‪ )3(1‬اليات من ‪ 75 -72‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )4(2‬الية ‪ 10‬من سورة الحديد ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬اليات ‪ 10،9،8‬من سورة الحشر ‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫ثسم قرأ ] للفقراء المهاجرينن الذينن أخرجوا منن ديارهنم وأموالهنم‬
‫يبتغون فضل من ال ورضوانا ‪ ،‬هؤلء المهاجرون ‪ ،‬وهذه منزلة قد مضت‪،‬‬
‫ثم قرا والذ ين تبوءوا الدار واليمان من قبل هم يحبون من ها جر إلي هم ول‬
‫يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ‪ .‬ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم‬
‫خصا صة[ ‪.‬‬
‫ثم قال هؤلء النصار وهذه منزلة قد مضت ‪.‬‬
‫غفِ ْر لَنَا َو ِلخْوَانِنَا‬
‫ن َبعْدِهِ مْ ‪َ ،‬يقُولُو نَ رَبّنَا ا ْ‬
‫ن جَاءُوا مِ ْ‬
‫ثم قرأ ] وَالّذِي َ‬
‫ّكن‬
‫ِينن آمَنُوا‪ ،‬رَبّن َا إِن َ‬
‫سنَبقُونَا بِالِيمَان ‪ ،‬وَل َتجْ َعلْ فني قُلُوبِن َا غُلّ للّذ َ‬
‫ِينن َ‬
‫الّذ َ‬
‫رَءُو فٌ َرحِي مٌ [(‪ ، )1‬فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة ‪ ،‬فأحسن ما أنتم عليه‬
‫كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم ))‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال‪ ((:‬من سب السلف فليس‬
‫ن َبعْدِهِم [‬
‫ن جَاءُوا مِ ْ‬
‫له في الفيء نصيب )) لن ال تعالى يقول ‪ ] :‬وَالّذِي َ‬

‫(‪)3‬‬

‫اليسة – وهذا معروف عسن مالك ‪ ،‬وغيسر مالك مسن أهسل العلم كأبسي عبيسد‬‫القاسم بن سلم‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني ‪ ،‬من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء‪،‬‬
‫وروى أي ضا عن الح سن بن عمارة ‪ ،‬عن الحك يم عن مق سم عن ا بن عباس‬
‫رضسى ال عنهمسا ‪ .‬قال ‪ (( :‬أمسر ال بالسستغفار لصسحاب النسبي صسلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وهو يعلم أنهم يقتتلون ))‬

‫(‪)5‬‬

‫‪.‬‬

‫وقال عروة قالت لي عائشسة رضسى ال عنهسا‪ (( :‬يسا ابسن أختسي أمروا‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 10‬من سورة الحشر ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬يظهر أن هذا الثر في البانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬هذا الثر في البانة مختصرا ص ‪ 162‬والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى ‪.‬‬
‫‪ )4(4‬انظر المرجع المذكور ص ‪. 162‬‬
‫‪ )5(5‬المرجع المذكور ص ‪. 119‬‬

‫‪234‬‬

‫بالستغفار لصحاب النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ .‬فسبوهم ))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ‪ t‬قال ‪ .‬قال رسول ال صلى‬
‫ال تعالى عليه وسلم (( ل تسبوا أصحابي فلو ان أحدهم أنفق مثل أُحد ذهبا ما‬
‫بلغ مد أحدهم ول نصيفه))(‪. )2‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ‪ t‬أن رسول ال صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم قال ‪ (( :‬ل تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد‬
‫ذهبا ما بلغ مد أحدهم ول نصيفه ))(‪. )3‬‬
‫وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبد ال قال ‪ :‬قيل لعائشة ‪ (( :‬إن‬
‫نا سا يتناولون أ صحاب ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ح تى أ با ب كر‬
‫وع مر ‪ ،‬فقالت و ما تعجبون من هذا ‪ ،‬انق طع عن هم الع مل ‪ ،‬فأ حب ال أن ل‬
‫يقطع عنهم الجر ))‬

‫(‪)4‬‬

‫‪.‬‬

‫وروى ابن بطة بالسناد الصحيح عن عبد ال بن أحمد قال حدثني أبي ‪.‬‬
‫حدثنا معاوية ‪ .‬حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضى ال عنهما قال ‪:‬‬
‫(( ل ت سبوا أ صحاب مح مد فإن ال تعالى قد أمر نا بال ستغفار ل هم و هو يعلم‬
‫أنهم سيقتلون ))(‪.)5‬‬
‫و من طر يق أح مد ‪ ،‬عن ع بد الرح من بن مهدي ‪ ،‬وطر يق غيره عن‬
‫وكيع ‪ ،‬وأبي نعيم ثلثتهم ‪ ،‬عن الثوري ‪ ،‬عن نسير بن ذعلوق ‪ ،‬سمعت عبد‬
‫ال بن عمر يقول ‪ (( :‬ل تسبوا أصحاب محمد ‪ ،‬فلمقام أحدهم ساعة يعني مع‬
‫النبي صلى ال تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة ))‪.‬‬
‫وفي رواية وكيع ( خير من عبادة أحدكم عمره ) ‪.‬‬
‫‪ )6(1‬انظر البانة ص ‪. 120‬‬
‫‪ )7(2‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ 8‬و مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1967‬‬
‫‪ )1(3‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1967‬‬
‫‪ )1(4‬يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم ‪.‬‬
‫‪ )2(5‬انظر البانة ص ‪. 119‬‬

‫‪235‬‬

‫ت الشّجَرَة‬
‫ك َتحْ َ‬
‫ن اُلمُؤمِنِي نَ إِ ْذ يُبَا ِيعُونَ َ‬
‫ع ِ‬
‫ي الُ َ‬
‫ض َ‬
‫وقال تعالى ‪َ] :‬ل قد رَ ِ‬
‫سكِي َنةَ عَلَيْهِم َوأَثَا َبهُ مْ فَتْحًا َقرِيبًا َو َمغَانِ مَ كَثِيرَةً‬
‫َفعَلِ مَ مَا في قُلُو ِبهِ مْ َفأَنْ َزلَ ال ّ‬
‫جلَ َلكُم‬
‫حكِيمًا وَعَ َدكُم الُ َمغَانِ مَ كَثِيَرةً تَأخُذُو َنهَا َف َع ّ‬
‫يَ ْأخُذُو َنهَا وَكَا نَ الُ عَزِيزا َ‬
‫صرَاطًا مُسْ َتقِيمًا‬
‫هَذِ ِه َوكَفّ أيدي النّاسِ عَ ْنكُم وَلِ َتكُو نَ آيةً للمُؤمِنِين وَيهْديكُم ِ‬
‫ن الُ عَلَى ُكلّ شَيءٍ قَدِيرًا [‬
‫ط الُ ِبهَا َوكَا َ‬
‫علَ ْيهَا قَ ْد َأحَا َ‬
‫َوأُخْرَى َلمْ َتقْدِرُوا َ‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أخبر ال أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم ‪ ،‬وأنه علم ما في قلوبهم ‪،‬‬
‫وأنه أثابهم فتحا قريبا ‪.‬‬
‫وهؤلء هم أعيان من با يع أ با ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬ب عد موت ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬لم ي كن في الم سلمين من يتقدم علي هم ‪ ،‬بل كان‬
‫الم سلمون كل هم يعرفون فضل هم علي هم ‪ ،‬لن ال تعالى ب ين فضل هم في القرآن‬
‫جةً مِ نَ‬
‫عظَمُ دَ َر َ‬
‫ح وَقَا َتلَ أُولَئِ كَ أَ ْ‬
‫بقوله ‪َ ] :‬ل يَ سْ َتوِي مِ ْنكُم مَن أَنْفَ قَ مِن قَ ْبلِ الفَتْ ِ‬
‫ل الحُسْنَى [(‪. )2‬‬
‫الّذينَ أَ ْن َفقُوا مِن بَعدُ وَقَاتَلوا َوكُلّ وَعَ َد ا ُ‬
‫ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح ‪ ،‬والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ‪ ،‬ولهذا‬
‫سئل النبي صلى ال تعالى عليه وسلم (( أو فتح هو ؟ فقال ‪ :‬نعم ))(‪.)3‬‬
‫وأ هل العلم يعلمون أن ف يه أنزل ال تعالى ‪ ] :‬إِنّ ا فَ َتحْنَا لَ كَ فَتْحًا مُبينًا‬
‫ك صِرَاطًا‬
‫ك وَ َيهْدِيَ َ‬
‫ك َومَا تَ َأخّ َر وَيُتَ مَ ِن ْعمَتَ هُ عَلَيْ َ‬
‫ن ذَنْبِ َ‬
‫ك الُ مَا َتقَدّ مَ مِ ْ‬
‫لِ َي ْغفِرَ لَ َ‬
‫ك الُ نَ صْرًا عَزِيزا [‪ .‬فقال ب عض الم سلمين ‪ :‬يا ر سول ال‬
‫مُ سْ َتقِيمًا وَينْ صُرَ َ‬
‫هذا لك ‪ ،‬ف ما ل نا ؟ يا ر سول ال ‪ .‬فأنزل ال تعالى ‪ُ ]:‬هوَ الّذِي أَنْ َزلَ ال سّكِي َنةَ‬
‫ب ا ْل ُم ْؤمِنِينَ لِ َيزْدَادُوا إِيمَانًا مَ َع إِيمَا ِنهِم [‪.‬‬
‫في قُلُو ِ‬
‫وهذه ال ية نص في تفض يل المنفق ين المقاتل ين ق بل الف تح على المنفق ين‬
‫بعده‪،‬ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى ‪ ]:‬وَال سّابِقُونَ‬
‫‪ )3(1‬اليات ‪ 21-18‬من سورة الفتح ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 10‬من سورة الحديد ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬انظر سنن أبي داود ج ‪ 3‬ص ‪. 101‬‬

‫‪236‬‬

‫ن وَالَنْصَار [(‪)1‬هم هؤلء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا‬
‫ن ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫ا َلوّلُونَ ِم َ‬
‫‪ ،‬وأهسل بيعسة الرضوان كلهسم منهسم ‪،‬وكانوا أكثسر مسن ألف وأربعمائة ‪ ،‬وقسد‬
‫ذهسب بعضهسم إلى أن السسابقين الوّليسن‪ ،‬هسم مسن صسلى إلى القبلتيسن ‪ ،‬وهذا‬
‫ضع يف ‪ ،‬فإن ال صلة إلى القبلة المن سوخة ل يس بمجرده فضيلة‪ ،‬ولن الن سخ‬
‫ليس من فعلهم ‪ ،‬الذي يفضلون به ‪ ،‬ولن التفضيل بالصلة إلى القبلتين لم يدل‬
‫عليسه دليسل شرعسي ‪ ،‬كمسا دل على التفضيسل بالسسبق إلى النفاق والجهاد ‪،‬‬
‫والمبايعة تحت الشجرة ‪.‬‬
‫وقسد علم بالضطرار أنسه كان فسي هؤلء السسابقين الوليسن أبسو بكسر ‪،‬‬
‫وعمسر ‪ ،‬وعثمان ‪ ،‬وعلي ‪ ،‬وطلحسة ‪ ،‬والزبيسر ‪ ،‬وبايسع النسبي ‪e‬بيده عسن‬
‫عثمان ‪ ،‬لنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته ‪ ،‬وبسببه بايع‬
‫النبي ‪e‬الناس ‪ ،‬لما بلغه أنهم قتلوه ‪ :‬وقد ثبت في صحيح مسلم ‪ ،‬عن جابر‬
‫بن ع بد ال ‪ t‬أ نه قال ‪ (( :‬ل يد خل النار أ حد با يع ت حت الشجرة ))(‪ ، )2‬و قال‬
‫ُوهن فني‬
‫ِينن اتّ َبع ُ‬
‫ِينن وَالَنْصنَار الّذ َ‬
‫علَى النّبِي وَال ُمهَاجِر َ‬
‫َابن الُ َ‬
‫تعالى ‪َ] :‬لق ْد ت َ‬
‫ب عَلَ ْيهِم إِنّ هُ ِبهِم‬
‫ق مِ ْنهَ مْ ُثمّ تَا َ‬
‫ن يَزِي غُ قُلُو بَ فَرِي ٍ‬
‫عةِ العُ سْرَة مِن َبعْ ِد مَا كَا َ‬
‫سَا َ‬
‫رَءُو فٌ َرحِيم [(‪. )3‬فجمع بينهم وبين رسول ال في التوبة ‪ .‬وقال تعالى ‪] :‬إِنّ‬
‫ِينن‬
‫سنبِي ِل ال ‪ ،‬وَالّذ َ‬
‫ُسنهِم فني َ‬
‫ِينن آمَنُوا وَهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا بِ َأ ْموَالِهِم َوأَ ْنف ِ‬
‫الّذ َ‬
‫جرُوا –إلى‬
‫ضهُم َأوْلِيَا َء َبعْض ‪ ،‬وَالّذِي نَ آمَنُوا وَلَ مْ ُيهَا ِ‬
‫ك َبعْ ُ‬
‫صرُوا ُأوْلَئِ َ‬
‫آ َووْا وَنَ َ‬
‫ك مِنْكُم [‬
‫قوله تعالى –وَالّذِي نَ آمَنُوا مِن بَ عد َوهَاجَرُوا َوجَاهَدُوا َمعَكُم فَُأوْلَ ِئ َ‬

‫(‪)4‬‬

‫ِينن آمَنُوا لَ تَ ّتخِذُوا ال َيهُودَ‬
‫فأثبست الموالة بينهسم وقال للمؤمنيسن‪َ ]:‬ينا أَيّهَا الّذ َ‬
‫وَالنّصَارَى َأوْلِيَا َء َبعْضهُم َأوْلِيَاءَ َبعْض َومَن يَ َتوَّلهُم مِ ْنكُمْ َفإِنّهُ مِ ْنهُم إِنّ الَ لَ‬
‫ِينن آمَنُوا‬
‫ُمن ال وَرَسنُو َل ُه وَالّذ َ‬
‫ْمن الظّا ِلمِينن –إلى قوله – إِنّم َا وَلِ ّيك ُ‬
‫َيهْدِي ال َقو َ‬
‫‪ ) 3(1‬الية ‪ 100‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪ 1942‬رقم ‪. 2496‬‬
‫‪ )2(3‬الية ‪ 117‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )3(4‬اليات ‪ 75-72‬من سورة النفال ‪.‬‬

‫‪237‬‬

‫ن يَ َت َولّ الَ وَرَ سُو َلهُ‬
‫ن ال صّلةَ وَ ُيؤْتُو نَ ال ّزكَاةَ وَهُ مْ رَاكِعُون ‪َ ،‬ومَ ْ‬
‫الّذي نَ ُيقِيمُو َ‬
‫ن وَ‬
‫ن آمَنُوا َفإِنّ َحِزْ بَ الِ هُ ُم الغَالِبُون [(‪ . )1‬وقال تعالى ‪ ] :‬وَالمُؤمِنُو َ‬
‫وَالّذِي َ‬
‫ضهُم َأوْلِيَاء َبعْض[ (‪.)2‬‬
‫المُؤمِنَات َبعْ َ‬
‫فأث بت الموالة بين هم‪ ،‬وأمر هم بموالت هم ‪ ،‬والراف ضة ت تبرأ من هم ول‬
‫تتولهم ‪،‬وأصل الموالة المحبة ‪ ،‬وأصل المعاداة البغض ‪،‬وهم يبغضونهم ول‬
‫يحبونهم ‪.‬‬
‫و قد و ضع ب عض الكذاب ين حدي ثا مفترى ‪ ،‬أن هذه ال ية نزلت في علي‬
‫ل ما ت صدق بخات مه في ال صلة ‪ ،‬وهذا كذب بإجماع أ هل العلم بالن قل ‪ ،‬وكذ به‬
‫بيّن من وجوه كثيرة ‪.‬‬
‫منها أن قوله الذين صيغة جمع ‪ .‬وعلي واحد ‪.‬‬
‫ومنهسا أن الواو ليسست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان ل يسسوغ أن‬
‫يتولى إل مسن أعطسى الزكاة فسي حال الركوع ‪ .‬فل يتولى سسائر الصسحابة‬
‫والقرابة ‪.‬‬
‫ومنها ان المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ‪ ،‬وإيتاء الزكاة في‬
‫نفسس الصسلة ليسس واجسب ول مسستحب ‪ ،‬باتفاق علماء الملة ‪ ،‬فإن الصسلة‬
‫شغل‪.‬‬
‫ومنهسا أنسه لو كان إيتاؤهسا فسي الصسلة حسسنا لم يكسن فرق بيسن حال‬
‫الركوع وغير الركوع ‪ ،‬بل إيتاؤها في القيام و القعود أمكن ‪.‬‬
‫ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم ‪ ،‬فإن أكثر‬
‫الفقهاء يقولون ل يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة ‪.‬‬
‫ومنهسا أن هذا الحديسث فيسه أنسه أعطاه السسائل ‪،‬والمدح فسي الزكاة أن‬
‫يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور ‪ ،‬ل ينتظر أن يسأله سائل ‪.‬‬
‫‪ )4(1‬اليات من ‪ 56 – 51‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )5(2‬الية ‪ 71‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪238‬‬

‫ومن ها أن الكلم في سياق الن هي عن موالة الكفار ‪ ،‬وال مر بموالة‬
‫المؤمنين ‪ ،‬كما يدل عليه سياق الكلم ‪ ،‬وسيجيء إن شاء ال تعالى تمام الكلم‬
‫على هذه الية ‪ ،‬فإن الرافضة ل يكادون يحتجون بحجة إل كانت حجة عليهم‬
‫ل لهم ‪ ،‬كاحتجاجهم بهذه ال ية على الولية التي هي المارة ‪ ،‬وإنما هي في‬
‫الولية التي هي ضد العداوة ‪.‬‬
‫والرافضسة مخالفون لهسا ‪ ،‬والسسماعيلية والنصسيرية ونحوهسم يوالون‬
‫الكفار ‪ ،‬من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين ‪ ،‬ويعادون المؤمنين من‬
‫المهاجريسن والنصسار والذيسن اتبوعهسم بإحسسان إلى يوم الديسن ‪ ،‬وهذا أمسر‬
‫مشهور ‪.‬‬
‫يعادون خيار عباد ال المؤمن ين ويوالون اليهود والن صارى والمشرك ين‬
‫ك مِ نَ‬
‫ن اتّبَعَ َ‬
‫من الترك وغيرهم ‪ ،‬وقال تعالى ‪ َ ] :‬يا أَ ّيهَا النّبِيّ حَ سْبُكَ الُ َومَ ِ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِين[(‪ . )1‬أي ال كافيك ومن اتبعك من المؤمنين ‪ ،‬والصحابة أفضل من‬
‫صرُ الِ وَالفَتْح وَ َرأَيْتَ‬
‫اتبعه من المؤمنين‪ ،‬وأولهم و قال تعالى ‪ ] :‬إِذَا جَا َء نَ ْ‬
‫ن َتوّابًا‬
‫ك وَا سْ َتغْفِرْ ُه إِنّ هُ كَا َ‬
‫حمْدِ رَبّ َ‬
‫ن الِ أَ ْفوَاجًا فَ سَ ّبحْ ِب َ‬
‫ن في دِي ِ‬
‫س يَ ْدخُلُو َ‬
‫النّا َ‬
‫[‪.‬‬
‫والذ ين رآ هم ال نبي ‪e‬يدخلون في د ين ال أفوا جا هم الذ ين كانوا على‬
‫ْنن‬
‫ّفن بَي َ‬
‫ِينن َوأَل َ‬
‫َصنرِ ِه وَبِا ْل ُم ْؤمِن َ‬
‫َكن بِن ْ‬
‫عصسره ‪ ،‬وقال تعالى ‪ُ ] :‬ه َو الّذِي أَيّد َ‬
‫قُلُو ِب ِهمْ [‬

‫(‪)2‬‬

‫‪ .‬و إنما أيده في حياته بالصحابة ‪ ،‬و قال تعالى ‪:‬‬

‫ُونن عِنْدَ‬
‫ُمن مَا َيشَاء َ‬
‫ُمن الم ّتقُون َله ْ‬
‫ِكن ه ُ‬
‫ِهن ُأوْلَئ َ‬
‫قب ِ‬
‫َصندّ َ‬
‫قو َ‬
‫ِالصندْ ِ‬
‫] وَالّذِي جَا َء ب ّ‬
‫ع ِملُوا وَ َيجْزِيَه ُم‬
‫َسن َوأَ الّذِي َ‬
‫ُمن أ ْ‬
‫ْسننِين لِ ُي َكفّرَ ال ُ عَ ْنه ْ‬
‫ِكن جَزَا ُء ا ْل ُمح ِ‬
‫ِمن ذَل َ‬
‫رَ ّبه ْ‬
‫ن الّذِي كَانُوا َي ْعمَلُون [(‪. )3‬‬
‫حسَ ِ‬
‫َأجْرَهُم بِ َأ ْ‬
‫وهذا الصسنف الذي يقول الصسدق ‪ ،‬ويصسدق بسه خلف الصسنف الذي‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 64‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 62‬من سورة النفال ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬اليات ‪ 35-33‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫يفتري الكذب أو يكذب بال حق ‪ ،‬ل ما جاءه ك ما سنبسط القول فيه ما إن شاء ال‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫والصسحابة الذيسن كانوا يشهدون أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأن محمدا رسسول‬
‫ال ‪ ،‬وأن القرآن حق ‪ ،‬هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به ‪ ،‬بعد النبياء‬
‫وليسس فسي الطوائف المنتسسبة إلى القبلة أعظسم افتراء للكذب على ال وتكذيبسا‬
‫بال حق من المنت سبين إلى التش يع ‪ .‬ولهذا ل يو جد الغلو في طائ فة أك ثر م ما‬
‫يوجد فيهم ‪.‬‬
‫ومن هم من اد عى إله ية الب شر ‪ ،‬واد عى النبوة في غ ير ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وادعى العصمة في الئمة ‪ ،‬ونحو ذلك مما هو أعظم مما‬
‫يوجسد فسي سسائر الطوائف ‪ ،‬واتفسق أهسل العلم أن الكذب ليسس فسي طائفسة مسن‬
‫لمٌ عَلَى‬
‫حمْ ُد ِلِ وَ سَ َ‬
‫المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم ‪ ،‬وقال تعالى ‪ ُ] :‬قلِ ا ْل َ‬
‫صطَفَى [‪ .‬قال طائ فة من ال سلف هم أ صحاب مح مد صلى ال‬
‫عِبَادِ هِ الّذِي نَ ا ْ‬
‫تعالى عل يه وسلم ‪،‬ول ر يب أن هم أفضل الم صطفين من هذه ال مة ‪ ،‬ال تي قال‬
‫سهِ‬
‫طفَيْنَا مِ نْ عِبَادِنَا َفمِنْهُم ظَالِ ٌم لِ َنفْ ِ‬
‫صَ‬
‫نا ْ‬
‫ب الّذِي َ‬
‫ال في ها ‪ُ ]:‬ثمّ َأوْرَثْنَا ا ْلكِتَا َ‬
‫ضلُ الكَبِير جَنّات‬
‫ن ال ذَلِ كَ ُه َو الفَ ْ‬
‫َومِنْهُم ُمقْتَ صِد َومِنْهُم سَا ِبقٌ بِا ْلخَ ْيرَا تِ بِإِذْ ِ‬
‫سهُم فِيها حَرِير‬
‫ب وَُلؤُْلؤًا وَلِبَا ُ‬
‫ن أَ سَاوِ َر مِ نْ ذَ َه ٍ‬
‫عَدْ نٍ يَ ْدخُلُو َنهَا ُيحَّلوْ نَ فِيهَا مِ ْ‬
‫حمْدُ ِلِ الّذي أَذْهَ بَ عَنّا الحَزَن إِنّ رَبّنَا َلغَفُو ٌر شَكُور الّذِي َأحَلّنَا دَارَ‬
‫وَقَالوا ا ْل َ‬
‫ب َولَ َي َمسّنَا فيها ُلغُوب [(‪. )1‬‬
‫ال ُمقَا َمةِ مِنْ فَضْ ِلهِ َل َي َمسّنَا فيها نَص ٌ‬
‫فأمة محمد صلى ال تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد المتين‬
‫قبلهم اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫وقد أخبر ال تعالى أنهم الذين اصطفى ‪.‬‬
‫وتواتر عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم أنه قال ‪ (( :‬خير القرون‬
‫القرن الذي بعثت فيه ‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم ))‪ ،‬ومحمد صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون ‪ ،‬من المصطفين من عباد ال وقال‬
‫‪ )1(1‬اليات ‪ 35 – 32‬من سورة فاطر ‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫حمَا َء بَيْنَهُم [‬
‫تعالى ‪ُ ] :‬محمدٌ رَ سُو ُل الِ وَالّذِي نَ َمعَ هُ َأشِدّا َء عَلَى ا ْلكُفّارُ ُر َ‬

‫(‪)1‬‬

‫ع ِملُوا‬
‫سورة ‪ .‬وقال تعالى ‪] :‬وَعَ َد الُن الّذِين نَ آمَنُوا مِ ْنكُم نْ وَ َ‬
‫سر السس‬
‫إلى آخس‬
‫ن مِن قَبْ ِلهِم وَلَ ُي َمكّنَنّ َلهُ مْ‬
‫ض َكمَا ا سْ َتخْلَفَ الّذِي َ‬
‫ال صّا ِلحَاتِ لَيَ سْ َتخْلِفَ ّنهُم في الَرْ ِ‬
‫خوْ ِفهِ ْم َأمْنًا َيعْبُدُونَنِي َل ُيشْ ِركُو نَ‬
‫ن َبعْدِ َ‬
‫دِي َنهُ مُ الّذِي ارْتَضَى َلهُم وَلَيُبْدِلَ ّنهُم مِ ْ‬
‫ن كَفَ َر َبعْدَ ذَلِكَ فَُأوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون [(‪ . )2‬فقد وعد ال الذين آمنوا‬
‫بِي شَيْئًا َومَ ْ‬
‫وعملوا الصسالحات بالسستخلف ‪ ،‬كمسا وعدهسم فسي تلك اليسة مغفرة وأجرا‬
‫عظيما ‪ ،‬وال ل يخلف الميعاد ‪.‬‬
‫فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين‬
‫ُمن‬
‫ِيتن َلك ُ‬
‫السسلم ‪ ،‬وهسو الديسن الذي ارتضاه لهسم ‪ ،‬كمسا قال تعالى ‪ ] :‬وَرَض ُ‬
‫ا ِلسْل َم دينًا [(‪ )3‬وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم (‪ )4‬المغفرة والجر العظيم ‪.‬‬
‫وهذا يسستدل بسه على وجهيسن ‪ :‬على أن المسستخلفين مؤمنون عملوا‬
‫الصالحات ‪ ،‬لن الوعد لهم ل لغيرهم ‪ ،‬ويستدل به على ان هؤلء مغفور لهم‪،‬‬
‫ولهسم أجسر عظيسم ‪ ،‬لنهسم آمنوا وعملوا الصسالحات ‪ ،‬فتناولتهسم اليتان – آيسة‬
‫النور وآية الفتح ‪.‬‬
‫من المعلوم أن هذه النعوت منطب قة على ال صحابة على ز من أ بي بكسر‬
‫وعمر وعثمان ‪ ،‬فإنه إذ ذاك حصل الستخلف ‪ ،‬وتمكن الدين والمن ‪ ،‬بعد‬
‫الخوف ل ما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ‪ ،‬ومصسر وخرا سان ‪،‬‬
‫وأفريقية ‪.‬‬
‫ول ما ق تل عثمان وح صلت الفت نة لم يفتحوا شيئا من بلد الكفار ‪ ،‬بل‬
‫طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان ‪ ،‬وكان بعضهم يخاف بعضا ‪.‬‬
‫وحينئذ قسد دل القرآن على إيمان أبسي بكسر وعمسر وعثمان ‪،‬ومسن كان‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 29‬من سورة الفتح ‪.‬‬
‫‪ )3(2‬الية ‪ 55‬من سورة النور ‪.‬‬
‫‪ )1(3‬جزء من الية رقم ‪ 3‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )2(4‬قوله " لهم المغفرة والجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ ‪.‬‬

‫‪241‬‬

‫معهسم فسي زمسن السستخلف والتمكيسن والمسن ‪ ،‬والذيسن كانوا فسي زمسن‬
‫ال ستخلف والتمك ين وال من أدركوا ز من الفت نة كعلي وطل حة وأ بي مو سى‬
‫الشعري ‪ ،‬ومعاويسة وعمرو بسن العاص ‪ ،‬دخلوا فسي اليسة لنهسم اسستخلفوا‬
‫ومكنوا ‪ ،‬وأمنوا ‪.‬‬
‫و أ ما من حدث في ز من الفت نة كالراف ضة الذ ين حدثوا في ال سلم ‪،‬‬
‫في ز من الفت نة والفتراق ‪ ،‬وكالخوارج المارق ين ‪،‬فهؤلء لم يتناول هم ال نص ‪،‬‬
‫فلم يدخلوا في من وصف باليمان والعمل ال صالح ‪ ،‬المذكورين في هذه الية ‪،‬‬
‫لنهم أول ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا ‪.‬‬
‫ولم يحصسل لهسم مسن السستخلف والتمكيسن والمسن بعسد الخوف مسا‬
‫حصل للصحابة ‪ ،‬بل ل يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين ‪.‬‬
‫فإن قيل لما قال وعد ال الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل‬
‫وعدهم كلهم ‪ .‬قيل كما قال وعد ال الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ‪ ،‬ولم‬
‫يقل وعدكم ‪.‬‬
‫و"من" تكون لبيان الجنس فل يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها‬
‫س مِ نَ‬
‫ش يء خارج ‪ ،‬عن ذلك الج نس ك ما في قوله تعالى ‪َ] :‬فاجتنبوْا ال ّرجْ َ‬
‫ا َلوْثَان [(‪ )1‬فإنسه ل يقتضسى أن يكون مسن الوثان ما ليسس بر جس ‪ ،‬وإذا قلت‬
‫ثو با من حر ير ‪ ،‬ف هو كقولك ثوب حر ير ‪ ،‬وكذلك قولك باب من حد يد ف هو‪،‬‬
‫كقولك باب حديسد ‪ ،‬وذلك ل يقتضسي أن يكون هناك حريسر وحديسد غيسر‬
‫المضاف إل يه ‪ ،‬وإن كان الذي يت صوره كل يا ‪ ،‬فإن الج نس الكلي ‪ ،‬هو مسا ل‬
‫يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ‪ ،‬وإن لم يكن مشتركا فيه في الوجود ‪.‬‬
‫فإذا كا نت من بيان الج نس ‪ ،‬كان التقد ير و عد ال الذ ين آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات من هذا الجنس ‪ ،‬وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين ‪ ،‬وكذلك‬
‫إذا قال وعد ال الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة‬
‫وأجرا عظيما ‪ ،‬لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 30‬من سورة الحج ‪.‬‬

‫‪242‬‬

‫ت مِ ْنكُنّ‬
‫ن َيقْنُ ْ‬
‫ولما قال لزواج النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‪َ ] :‬ومَ ْ‬
‫ن َوأَعْتَدْنَا َلهَا ِرزْقًا كَرِيمًا [(‪ )1‬لم‬
‫لِ َورَ سُو ِلهِ وَ َت ْع َملْ صَالِحا ُنؤْ ِتهَا َأجْ َرهَا مَرّتَيْ ِ‬
‫يمنع أن يكون كل منهن تقنت ل ورسوله ‪ ،‬وتعمل صالحا ‪ ،‬ولما قال تعالى ‪:‬‬
‫ْسنهِ‬
‫َبن رَبّكُم عَلَى َنف ِ‬
‫لمٌ عَليَكُم كَت َ‬
‫سن َ‬
‫ُونن بِآيَاتِنَا َف ُقلْ َ‬
‫ِينن ُي ْؤمِن َ‬
‫َكن الّذ َ‬
‫] َوإِذَا جَاء َ‬
‫غفُورٌ‬
‫ن َبعْدِ هِ َوأَ صْ َلحَ فَإِنّ هُ َ‬
‫جهَا َلةٍ ُثمّ تَا بَ ِم ْ‬
‫ع ِملَ مِ ْنكُم سُوءا ِب َ‬
‫ن َ‬
‫حمَة أَنّ هُ مَ ْ‬
‫ال ّر ْ‬
‫َرحِي ٌم [ (‪ )2‬لم يمنع أن يكون كل من هم متصفا بهذه ال صفة ‪ ،‬ول يجوز ان يقال‬
‫أنهسم لو عملوا سسوءا بجهالة ثسم تابوا مسن بعسد ذلك وأصسلحوا لم يغفسر إل‬
‫لبعضهم‪.‬‬
‫ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن إِلَ ٍه ِإلّ ال[‬
‫عمَ ِلهِم مِن شَيء[(‪ )3‬وقوله تعالى‪َ ] :‬ومَا مِ ْ‬
‫] َومَا التّنَاهُم مِن َ‬

‫(‪)4‬‬

‫]‬

‫َفمَا مِ ْنكُم مِن َأحَدٍ عَ ْن ُه حَاجِزِين [(‪. )5‬‬
‫ولهذا إذا دخسلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفسادت نفي الجنس قطعا ‪،‬‬
‫(فالتحق يق ما ذ كر والتقد ير كقوله تعالى‪] :‬ل إله إل ال[وقوله‪َ ] :‬لرَيْ بَ ف يه [‬
‫ونحو ذلك بخلف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك (( ما رأيت رجل )) فإنها‬
‫ظاهرة لنفي الجنس ‪ ،‬ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس ‪ ،‬كما قال‬
‫سيبويه ‪ :‬يجوز أن يقال ما رأيت رجل ‪ ،‬بل رجلين ‪.‬‬
‫ف تبين أ نه يجوز إرادة الوا حد ‪ ،‬وإن كان الظا هر ن في الج نس ‪ ،‬بخلف‬
‫ما إذا دخلت (من ) فإنه ينفي الجنس قطعا ‪ ،‬ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني‬
‫منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم ‪.‬‬
‫وكذلك لو قال وا حد لن سائه من أبرأت ني من كن من صداقها ف هي طالق‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 31‬من سورة الحزاب ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 54‬من سورة النعام ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬الية ‪ 21‬من سورة الطور‪.‬‬
‫‪ )3(4‬الية ‪ 62‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )4(5‬الية ‪ 47‬من سورة الحاقة ‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫فأبرأنه كلهن ‪ ،‬طلقن كلهن ‪.‬‬
‫فإن المقصسود بقوله منكسن بيان جنسس المعطسى والمسبرئ ل إثبات هذا‬
‫الحكم لبعض العبيد والزواج ‪.‬‬
‫فإن ق يل فهذا ك ما ل يم نع أن يكون كل المذكور مت صفا بهذه ال صفة فل‬
‫يوجسب ذلك أيضسا ‪ ،‬فليسس فسي قوله وعسد ال الذيسن آمنوا منكسم و عملوا‬
‫الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك ‪.‬‬
‫قيسل ‪ :‬نعسم ونحسن ل ندعسي أن مجرد هذا اللفسظ دل على ان جميعهسم‬
‫موصسوفون باليمان والعمسل الصسالح ‪ ،‬ولكسن مقصسودنا أن (مسن ) ل ينافسى‬
‫شمول هذا الوصسف لهسم فل يقول قائل ان الخطاب دل على ان المدح شملهسم‬
‫وعمهم بقوله محمد رسول ال والذين معه إلى آخر الكلم ‪ ،‬ول ريب أن هذا‬
‫مدح ل هم ب ما ذ كر ‪ ،‬من ال صفات ‪ ،‬و هو الشدة على الكفار ‪ ،‬والرح مة بين هم‬
‫والركوع والسجود يبتغون فضل من ال ورضوانا ‪ ،‬والسيما في وجوههم من‬
‫أ ثر ال سجود ‪ ،‬وان هم يبتدئون من ض عف إلى كمال القوة والعتدال ‪ ،‬كالزرع‬
‫والوعسد بالمغفرة والجسر العظيسم ‪ ،‬ليسس على مجرد هذه الصسفات بسل على‬
‫اليمان والعمل الصالح ‪.‬‬
‫فذكر ما به يستحقون الوعد ‪ ،‬وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ‪ ،‬ولول ذكر‬
‫ذلك لكان يظن انهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والجر العظيم ولم يكن‬
‫فيه بيان سبب الجزاء ‪ ،‬بخلف ما إذا ذكر اليمان والعمل الصالح ‪.‬‬
‫فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الشتقاق سبب الحكم‪.‬‬
‫فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين ‪ ،‬قيل المنافقون لم كونوا‬
‫متصفين بهذه الصفات ‪ ،‬ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم ‪،‬‬
‫ن عِنْدِ هِ فَيُ صْ ِبحُوا‬
‫ي بِالفَتْ حِ َأوْ َأمْرٍ مِ ْ‬
‫ن يَأْتِ َ‬
‫كما قال ال تعالى ‪َ ] :‬فعسى الُ أَ ْ‬
‫سمُوا‬
‫ن آمَنوا أَ َه ُؤلَ ِء الّذِي نَ أَقْ َ‬
‫سهِم نَا ِدمِين ‪ ،‬وَ َيقُولُ الّذِي َ‬
‫عَلَى مَا أَ سَرّوا في أَ ْنفُ ِ‬
‫عمَالُهُم فَاَ صْ َبحُوا خَا سِرِين [‬
‫جهْدَ أَ ْيمَانِهِم إِنّهُم َل َمعَكُم حَب طت أَ ْ‬
‫بِالِ َ‬
‫‪)1(1‬اليات ‪ 53– 52‬من سورة المائدة ‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫(‪)1‬‬

‫وقوله‬

‫ن َيقُو ُل آمَنّ ا بِالِ فَإِذَا أُو ذوى‬
‫س مَ ْ‬
‫تعالى ‪َ ] :‬ومِ نَ النّا ِ‬

‫ج َعلَ فِتْ َنةَ‬
‫في الِ َ‬

‫س ال ِبأَعْلَم‬
‫ن جَاءَ نَصرٌ ِمنْ رَبّكَ لَ َيقُولن إِنّا َم َعكُم َأوَ لَيْ َ‬
‫ب الِ وَلَئِ ْ‬
‫النّاسِ َكعَذَا َ‬
‫ن آمَنُوا مِ ْنكُم وَلَ َيعْ َلمَنّ ا ْلمُنَا ِفقِين [‬
‫ِبمَا في صُدُور العَا َلمِين وَلَ َيعْ َلمَنّ ال الّذِي َ‬

‫(‪)1‬‬

‫فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين ‪ ،‬ول من أهل الكتاب ‪.‬‬
‫هؤلء ل يجدون في طائفة من المتظاهرين بالسلم ‪ ،‬أكثر منهم في‬
‫الرافضة ‪ ،‬ومن انطوى إليهم ‪ .‬فدل هذا على ان المنافقين لم يكونوا من الذين‬
‫آمنوا معه ‪ ،‬والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه ‪ ،‬وهم‬
‫ن وَالّذِي نَ في ُقلُو ِبهِم َمرَ ضٌ‬
‫الغالب بدليل قوله تعالى ‪َ ] :‬لئ نْ لَ ْم يَنْتَ هِ المْنُا ِفقُو َ‬
‫ك بِهِم ثُمّ لَ ُيجَاوِرُونَ كَ فِيهَا إلّ َقلِيلً َم ْلعُونِي نَ‬
‫جفُو نَ في ا ْلمَدِي َنةِ ِل ُنغْرِيَنّ َ‬
‫وَا ْلمُ ْر َ‬
‫ل [(‪. )2‬‬
‫أَيْ َنمَا ُث ِقفُوا ُأخِذُوا وَقُتّلُوا َتقْتِي ً‬
‫فل ما لم يغره ال ب هم ‪ ،‬ولم يقتل هم تقتيل ‪ ،‬بل كانوا يجاورو نه بالمدي نة‬
‫فدل ذلك على أنهسم انتهوا ‪ ،‬والذيسن كانوا معسه بالحديبيسة كلهسم بايعوه تحست‬
‫الشجرة ‪ ،‬إل الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر ‪.‬‬
‫وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إل صاحب الجمل الحمر ‪،‬‬
‫وبالجملة فل ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين ‪ ،‬أذلء ‪ ،‬ل سيما في‬
‫آخسر أيام الرسسول ‪ .e‬وفسي غزوة تبوك لن ال تعالى قال ‪َ] :‬يقولون لئن‬
‫رَجعننا إِلَى ا ْلمَدِي َن ِة لَ َيخْ ُرجَنّ الَعَزّ مِنْهَا الَ َذلّ وَل العِزّةُ َلِرَسنُو ِلهِ وَلِ ْلمُؤمِنِينن‬
‫ن لَ َيعْ َلمُون[(‪. )3‬‬
‫وِ َلكِن ا ْلمُنَا ِفقِي َ‬
‫فأخبر أن العزة للمؤمنين ‪ ،‬ل للمنافقين ‪ ،‬فعلم أن العزة والقوة كانت في‬
‫المؤمنين ‪ ،‬وأن المنافقين كانوا أذلء بينهم ‪.‬‬
‫فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين ‪ ،‬بل‬
‫ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا ‪.‬‬
‫‪)1(1‬اليتان ‪ 10‬و ‪ 11‬من سورة العنكبوت ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬اليتان ‪ 60‬و ‪ 61‬من سورة الحزاب‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 8‬من سورة المنافقون ‪.‬‬

‫‪245‬‬

‫ومن المعلوم أن السابقين الولين من المهاجرين والنصار ‪ ،‬الخلفاء‬
‫الراشديسن وغيرهسم كانوا اعسز الناس ‪ ،‬وهذا كله ممسا يسبين أن المنافقيسن كانوا‬
‫ذليلين في المؤمنين ‪.‬‬
‫فل يجوز أن يكون العزاء مسن الصسحابة منهسم ‪ ،‬ولكسن هذا الوصسف‬
‫مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم ‪،‬والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر‬
‫منه في سائر الطوائف ‪.‬‬
‫بل ل بد لكل منهم من شعبة نفاق ‪ ،‬فإن أساس النفاق الذي بني عليه ‪،‬‬
‫الكذب ‪ ،‬وأن يقول الر جل بل سانه ما ل يس في قل به ‪ ،‬ك ما ا خبر ال تعالى عن‬
‫المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ‪.‬‬
‫والراف ضة تج عل هذا من أ صول دين ها وت سميه التق ية وتح كى هذا عن‬
‫أئمسة أهسل البيست الذيسن برأهسم ال عسن ذلك ‪ ،‬حتسى يحكوا ذلك عسن جعفسر‬
‫الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي و قد نزه ال المؤمنين من أهل البيت‬
‫وغيرهم عن ذلك‪.‬‬
‫بل كانوا من أع ظم الناس صدقا وتحقي قا لليمان ‪ ،‬وكان دين هم التقوى‬
‫ُونن‬
‫ِنن د ِ‬
‫ِينن َأوْلِيَا َء م ْ‬
‫ِنونن الكَا ِفر َ‬
‫ل التقيسة ‪ ،‬وقول ال تعالى ‪] :‬لَ يَ ّتخِ ِذ ا ْل ُم ْؤم َ‬
‫ن تَ ّتقُوا مِ ْنهُم ُتقَاه[(‪.)1‬‬
‫ن َيفْعَل ذَِلكَ فَلَيْسَ ِمنَ الِ في شَيء إلّ أَ ْ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِين َومَ ْ‬
‫إنما هو المر بالتقاء من الكافرين ‪ ،‬ل المر بالنفاق والكذب ‪.‬‬
‫وال تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها ‪ ،‬إذا كان قلبه‬
‫مطمئنا باليمان ‪ ،‬لكن لم يكره أحدا من أهل البيت على شيء من ذلك ‪ ،‬حتى‬
‫أن أبا بكر ‪ t‬لم يكره أحدا ل منهم‪ ،‬ول من غيرهم على متابع ته‪ ،‬فضل على‬
‫ان يكرههم على مدحه ‪ ،‬والثناء عليه‪.‬‬
‫بسل كان علي وغيره مسن أهسل البيست يظهرون ذكسر فضائل الصسحابة‬
‫والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه‬
‫باتفاق الناس ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 28‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫و قد كان ز من ب ني أم ية وب ني العباس خلق عظ يم دون عل يّ وغيره في‬
‫اليمان والتقوى يكرهون منهسم أشياء ول يمدحونهسم ول يثنون عليهسم ‪ ،‬ول‬
‫يقربونهم ‪ ،‬ومع هذا لم يكن هؤلء يخافونهم ‪ ،‬ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن‬
‫الخلفاء الراشديسن كانوا باتفاق الخلق أبعسد عسن قهسر الناس وعقوبتهسم على‬
‫طاعتهم ‪ ،‬من هؤلء ‪.‬‬
‫فإذا كان لم يكسن الناس مسع هؤلء مكرهيسن على ان يقولوا بألسسنتهم‬
‫خلف ما في قلوبهم ‪ ،‬فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك ‪ ،‬بل على‬
‫الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر ‪ ،‬كما تقوله الرافضة من غير ان يكرههم‬
‫أحد على ذلك ‪.‬‬
‫فعلم أن مسا تتظاهسر بسه الرافضسة هسو مسن باب الكذب والنفاق ‪ ،‬وأنهسم‬
‫يقولوا بأل سنتهم ما ل يس في قلوب هم ‪ ،‬ل من باب ما يكره المؤ من عل يه ‪ ،‬من‬
‫التكلم بالكفسر وهؤلء أسسرى المسسلمين ‪ ،‬فسي بلد الكفار غالبهسم يظهرون‬
‫دينهسم‪،‬والخوارج مسع تظاهرهسم بتكفيسر الجمهور‪ ،‬وتكفيسر عثمان وعلي ومسن‬
‫ولهما يتظاهرون بدينهم‪.‬‬
‫وإذا سكنوا بين الجماعة ‪ ،‬سكنوا على الموافقة والمخالفة ‪ ،‬والذي يسكن‬
‫في مدائن الراف ضة فل يظ هر الر فض وغاي ته إذا ض عف ان ي سكت عن ذ كر‬
‫مذهبه ل يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة‪ ،‬إل أن يكونوا قليل ‪.‬‬
‫فك يف ي ظن بعلي ‪ t‬وغيره من أ هل الب يت أن هم كانوا اض عف دي نا من‬
‫السرى في بلد الكفر ‪ ،‬ومن عوام أهل السنة ‪ ،‬ومن النواصب ‪ ،‬مع أنا قد‬
‫علمنسا بالتواتسر أن أحدا لم يكره علي ّا ول أولده على ذكسر فضائل الخلفاء ‪،‬‬
‫والترحم عليهم ‪ ،‬بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه ‪ ،‬ويقوله أحدهم لخاصته‬
‫كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر ‪.‬‬
‫عمِلوا‬
‫ن آمَنُوا مِنْكُم وَ َ‬
‫وأي ضا ف قد يقال في قوله تعالى ‪] :‬وَعَدَ الُ الّذِي َ‬
‫ال صّا ِلحَات [ أن ذلك و صف الجملة ب صفة تتض من حال هم ع ند الجتماع كقوله‬
‫علَى‬
‫شطْأَ هُ فَآزَرَهُ فَا سْ َتغْ َلظَ فَا سْ َتوَى َ‬
‫ج َ‬
‫ع َأخْرَ َ‬
‫تعالى ‪َ ] :‬ومَثَُلهُم في الِ ْنجِيلِ كَزَ ْر ٍ‬

‫‪247‬‬

‫ع لِيَغي ظَ ِبهِم الكُفّار [ والمغفرة والجر في الخرة يحصل‬
‫سُوقِه ُي ْعجِ بُ الزّرّا َ‬
‫لكل واحد واحد ‪ ،‬فل بد ان يتصف بسبب ذلك ‪ ،‬وهو اليمان والعمل الصالح‪،‬‬
‫إذ قد يكون في الجملة منافقا ‪.‬‬
‫و في الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمن ين والمتق ين والمح سنين ‪،‬‬
‫ومدحهم والثناء عليهم ‪ ،‬فهم أول من دخل في ذلك من هذه المة ‪ ،‬وأفضل من‬
‫دخل في ذلك من هذه المة كما استفاض عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‬
‫من غ ير و جه أ نه قال ‪:‬‬

‫((‬

‫خ ير القرون القرن الذي بع ثت في هم ‪ ،‬ثم الذ ين‬

‫يلونهم ‪ ،‬ثم الذين يلونهم ))(‪. )1‬‬
‫(الو جه الثا ني ) ‪ :‬في بيان كذ به وتحري فه في ما نقله عن حال ال صحابة‬
‫بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫(قوله ‪ :‬فبعضهم طلب المر لنفسه بغير حق ‪ ،‬وبايعه اكثر الناس طلبا‬
‫للدنيا ) ‪.‬‬
‫وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس ‪ ،‬ومن المعلوم‬
‫أن أبا بكر لم يطلب المر لنفسه ‪ ،‬ل بحق ول بغير حق ‪ ،‬بل قال‪ :‬قد رضيت‬
‫لكم أحد هذين الرجلين ‪ ،‬إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة ‪.‬‬
‫قال عمر ‪ :‬فوال لن أقدم فتضرب عنقي ل يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من‬
‫أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ‪ ،‬وهذا اللفظ في الصحيحين‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫و قد روى ع نه ا نه قال ‪ :‬أقيلو ني‪ ،‬أقيلو ني ‪ ،‬فالم سلمون اختاروه وبايعوه ‪،‬‬
‫لعلمهسم بأنسه خيرهسم ‪ ،‬كمسا قال له عمسر يوم السسقيفة بمحضسر المهاجريسن‬
‫والن صار أ نت سيدنا وخير نا ‪ ،‬وأحب نا إلى ر سول ال صلى ال تعالى عل يه‬
‫وسلم ولم ينكر ذلك أحد ‪ ،‬وهذا أيضا في الصحيحين(‪. )3‬‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 3‬ص ‪ 171‬ومواضع أُخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1962‬‬
‫‪ )2(2‬انظر البخاري ج ‪ 8‬ص ‪. 142 – 140‬‬
‫‪ )1(3‬انظر الذي قبله ‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫والمسسلمون اختاروه كمسا قال النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم فسي‬
‫الحديث الصحيح لعائشة ‪:‬‬

‫((‬

‫ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لبي بكر كتابا‪،‬‬

‫ل يختلف عليسه الناس مسن بعدي ‪ ،‬ثسم قال يأبسى ال والمؤمنون أن يتولى غيسر‬
‫أبي بكر‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫فال هو وله قدرا ‪ ،‬وشرعا ‪ ،‬وأمر المؤمنين ‪ ،‬بوليته ‪ ،‬وهداهم‬

‫إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب ‪ ،‬ذلك لنفسه ‪.‬‬
‫(الو جه الثالث ) ‪ :‬أن يقال ف هب أ نه طلب ها وباي عه أك ثر الناس فقول كم ‪:‬‬
‫أن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر ‪.‬‬
‫فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا ‪ ،‬وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى ال‬
‫تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ول ما ر غب ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم في ال صدقة‬
‫جاء بماله كله ‪ ،‬فقال له‪((:‬ما تركت لهلك ‪ .‬قال ‪:‬تركت لهم ال ‪ ،‬ورسوله‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا ‪ ،‬وهم الذين أثنى ال عليهم‪.‬‬
‫و قد علم الخاص والعام ز هد ع مر ‪ ،‬وأ بي عبيدة ‪ ،‬وأمثاله ما ‪ ،‬وإنفاق‬
‫النصار أموالهم كأسيد بن حضير ‪ ،‬وأبي طلحة ‪ ،‬وأبي أيوب وأمثالهم ‪.‬‬
‫ولم يكسن عنسد موت النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم لهسم بيست مال‬
‫يعطيهم ما فيه ‪ ،‬ول كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه ‪ ،‬والنصار كانوا‬
‫في أملكهم ‪ ،‬وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغ نم أو غيره ف قد كان‬
‫له ‪.‬‬
‫وكانت سيرة أبي بكر في قسم الموال التسوية ‪ ،‬وكذلك سيرة علي ‪، t‬‬
‫فلو بايعوا عليّا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر ‪ ،‬مع كون قبيلته أشرف القبائل ‪،‬‬
‫وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم اقرب العرب من بني أمية‬
‫وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره ‪ ،‬وبني هاشم كالعباس وغيره ‪،‬‬
‫‪ ) 2(1‬وقد سبق ذكره ص ‪. 63‬‬
‫‪ ) 3(2‬انظر البخاري ج ‪ 2‬ص ‪ 112‬وغيره ‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫كانوا معه ‪.‬‬
‫ف قد أراد أ بو سفيان وغيره أن تكون المارة في ب ني ع بد مناف ‪ ،‬على‬
‫عادة الجاهليسة فلم يجبسه إلى ذلك علي ول عثمان ‪ ،‬ول غيرهمسا لعلمهسم ‪ ،‬أو‬
‫دينهم فأيّ رياسة ‪ ،‬وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر ‪ ،‬ل سيما‬
‫وهو يسوّي بين السابقين والولين ‪ ،‬وبين آحاد المسلمين في العطاء ‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫إنما أسلموا ل وأجورهم على ال ‪،‬وإنما هذا المتاع بلغ ‪.‬‬
‫وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء أفأشتري منهم إيمانهم؟‬
‫فالسابقون الولون من المهاجرين والنصار الذين اتبعوهم أول ‪ ،‬كعمر وأبي‬
‫عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم ‪ ،‬سوّى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام‬
‫الفتح ‪ ،‬وبين من أسلم بعد موت النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬فهل حصل‬
‫لهؤلء من الدنيا بوليته شيء ‪.‬‬
‫(الوجنه الرابنع ) ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أهسل السسنّة مسع الرافضسة كالمسسلمين مسع‬
‫النصسارى ‪ ،‬فإن المسسلمين يؤمنون بأن المسسيح عبسد ال ورسسوله ‪ ،‬ول يغلون‬
‫فيه غلو النصارى ‪ ،‬ول يجفون جفاء اليهود ‪.‬‬
‫والنصسارى تدعسى فيسه اللهيسة وتريسد أن تفضله على محمسد وإبراهيسم‬
‫وموسى ‪ ،‬بل تفضل الحواريين على هؤلء الرسل ‪.‬‬
‫ك ما تر يد الروا فض أن تف ضل من قا تل مع علي كمح مد بن أ بي ب كر‬
‫والشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والنصار ‪،‬‬
‫فالم سلم إذا نا ظر الن صراني ل يمك نه أن يقول في عي سى إل ال حق ‪ ،‬ل كن إذا‬
‫أردت أن تعرف جهسل النصسراني وأنسه ل حجسة له فقدّر المناظرة بينسه وبيسن‬
‫اليهود ‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫فإن النصراني ل يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي(‪ )1‬إل بما يجيب به‬
‫المسلم ‪ ،‬فإن لم يدخل في دين السلم وإل كان منقطعا مع اليهودي ‪ ،‬فإنه إذا‬
‫أمر باليمان بمحمد صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫فإن قدح في نبو ته بش يء من الشياء ‪ ،‬لم يمك نه أن يقول شيئا إل قال‬
‫اليهودي فسي المسسيح مسا هسو أعظسم مسن ذلك ‪ ،‬فإن البينات لمحمسد أعظسم مسن‬
‫البينات للمسيح ‪.‬‬
‫وبعد أمره عن الشبهة ‪ ،‬أعظم من بعد المسيح عن الشبهة ‪ ،‬فإن جاز‬
‫القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق ‪ ،‬فالقدح فيما دونه أولى ‪.‬‬
‫وإن كان القدح في المسيح باطل فالقدح في محمد أولى بالبطلن ‪ ،‬فإنه‬
‫إذا بطلت الشبهسة القويسة فالضعيفسة أولى بالبطلن ‪ ،‬وإذا ثبتست الحجسة التسي‬
‫غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالثبات ‪.‬‬
‫ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية‬
‫المعرو فة عن القا ضي أ بي ب كر بن الط يب ‪ ،‬ل ما أر سله الم سلمون إلى ملك‬
‫الن صارى بالق سطنطينية ‪ ،‬فإن هم عظموه ‪ ،‬وعرف الن صارى قدره ‪ ،‬فخافوا أن‬
‫ل يسسجد للملك إذا دخسل ‪ ،‬فأدخلوه مسن باب صسغير ليدخسل منحنيسا ‪ ،‬ففطسن‬
‫لمكرهم ‪ ،‬فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه ‪.‬‬
‫فف عل نق يض ما ق صدوه ‪ ،‬ول ما جلس وكلموه ‪ ،‬أراد بعض هم القدح في‬
‫الم سلمين ‪ ،‬فقال له ما ق يل في عائ شة امرأة نبيكم ‪ ،‬ير يد إظهار قول ال فك‬
‫الذي يقوله من يقول من الرافضة ‪ ،‬أيضا ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬يعني أن اليهود يرمون مريم بالفجور ‪ ،‬وما دام النصراني يكذب ما نزل على محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يمكنه الرد على اليهود في أمر عيسى ‪ .‬لن عيسى أمر باليمان‬
‫بمحمد صلى ال عليه وسلم فإذا امتنع النصارى من اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم‬
‫صار ذلك فيه كذيب لعيسى ‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا ‪ ،‬مريم وعائشة‬
‫فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج ‪ ،‬وأما عائشة فلم تأت بولد مع‬
‫أنه كان لها زوج ‪ ،‬فأبهت النصارى ‪.‬‬
‫وكان مضمون كلمسه أن ظهور براءة عائشسة أعظسم مسن ظهور براءة‬
‫مريم ‪ ،‬وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة ‪ ،‬فإذا كان مع هذا قد ثبت‬
‫كذب القادحين في مريم ‪ ،‬فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى ‪.‬‬
‫وم ثل هذه المناظرة أن ي قع التفض يل ب ين طائفت ين ‪ ،‬ومحا سن إحداه ما‬
‫أك ثر وأع ظم وم ساويها أ قل وأ صغر ‪ ،‬فإذا ذ كر ما في ها من ذلك عورض بأن‬
‫شهْرِ ا ْلحَرَا مِ قِتَالٌ فِيه قُل‬
‫ن ال ّ‬
‫مساوئ تلك أعظم ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ ] :‬يسئلونكَ عَ ِ‬
‫َامن‬
‫َسنجِدِ ا ْلحَر ِ‬
‫ِهن وَا ْلم ْ‬
‫سنبِي ِل الِ َوكُفْ ٌر ب ِ‬
‫َنن َ‬
‫َصندّ ع ْ‬
‫فيهن كَبِينر[ثسم قال ‪ ] :‬و َ‬
‫قِتَالٌ ِ‬
‫ن الْقَتْل [(‪ )1‬فإن الكفار عيروا‬
‫ج أَهْلِ هِ مِنْ ُه َأكْبَرَ عِنْ َد ال وَا ْلفِتْنَ ُة أَكْبَ َر مِ َ‬
‫َوإِخْرَا ُ‬
‫سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام ‪ ،‬فقال‬
‫تعالى هذا كبير و ما عل يه المشركون من الك فر بال وال صد عن سبيله و عن‬
‫الم سجد الحرام وإخراج أهله م نه أ كبر ع ند ال ‪ ،‬فإن هذا صد ع ما ل تح صل‬
‫النجاة والسسعادة إل بسه ‪ ،‬وفيسه مسن انتهاك المسسجد الحرام مسا هسو أعظسم مسن‬
‫انتهاك الشهر الحرام‪.‬‬
‫لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم ‪ ،‬وأما النوع‬
‫الول فيكون كل من الطائفتين ل يستحق الذم ‪ ،‬بل هناك شبه في الموضعين ‪،‬‬
‫وأدلة فسي الموضعيسن وأدلة أحسد الصسنفين أقوى وأظهسر ‪ ،‬وشبهتسه أضعسف‬
‫وأخفى ‪ ،‬فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف ‪ ،‬وشبهته أقوى ‪.‬‬
‫هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين ‪ ،‬وهو حال أهل البدع مع أهل‬
‫السسنّة لسسيما الرافضسة ‪ ،‬وهكذا أمسر أهسل السسنّة مسع الرافضسة فسي أبسي بكسر‬
‫وعلي‪ ،‬فإن الرافضي ل يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 217‬من سورة البقرة ‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫فضل عن إمامته إن لم يثبت ذلك لبي بكر وعمر وعثمان ‪.‬‬
‫وإل فمتسسى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تسسساعده الدلة ‪ ،‬كمسسا أن‬
‫النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الدلة ‪.‬‬
‫فإذا قالت له الخوارج الذ ين يكفرون عليّا ‪ ،‬أو النوا صب الذ ين يف سقونه‬
‫أ نه كان ظال ما طال با للدن يا ‪ ،‬وأ نه طلب الخل فة لنف سه ‪ ،‬وقا تل علي ها بال سيف‬
‫وق تل على ذلك ألو فا من الم سلمين ‪ ،‬ح تى ع جز عن انفراده بال مر ‪ ،‬وتفرق‬
‫عليسه أصسحابه وظهروا عليسه فقتلوه ‪ ،‬فهذا الكلم إن كان فاسسد ففسساد كلم‬
‫الراف ضي في أ بي ب كر وع مر أع ظم ‪،‬وإن كان ما قاله في أ بي ب كر وع مر‬
‫متوجها مقبول ‪ ،‬فهذا أولى بالتوجيه والقبول ‪.‬‬
‫لنسه مسن المعلوم للخاصسة والعامسة أن مسن وله الناس باختيارهسم‬
‫ورضا هم من غ ير أن يضرب أحدا بال سيف ول ع صى ول أع طى أحدا م من‬
‫وله مسن مال واجتمعوا عليسه فلم يول أحسد مسن أقاربسه ‪ ،‬وعترتسه ‪ ،‬ول خلف‬
‫لورثته مالً من مال المسلمين ‪ ،‬وكان له مال قد أنفقه في سبيل ال ‪ ،‬فلم يأخذ‬
‫بدله ‪ ،‬وأو صى أن يرد إلى ب يت مال هم ما كان عنده ل هم ‪ ،‬و هو جرد قطي فة ‪،‬‬
‫وبكر وأمة سوداء ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر ‪ :‬أتسلب هذا آل أبي بكر ‪ ،‬قال‬
‫كل وال ل يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا ‪ ،‬وقال يرحمك ال يا أبا بكر لقد‬
‫أتعبت المراء بعدك ‪.‬‬
‫ثم مع هذا لم يقتل مسلما على وليته ‪ ،‬ول قاتل مسلما بمسلم ‪ ،‬بل قاتل‬
‫بهم المرتدين عن دينهم ‪ ،‬والكفار حتى شرع بهم في فتح المصار واستخلف‬
‫القوي الميسن العبقري ‪ ،‬الذي فتسح المصسار ونصسب الديوان ‪ ،‬وعسم بالعدل‬
‫والحسان ‪.‬‬
‫فإن جاز للرافضسي أن يقول إن هذا كان طالبسا للمال والرياسسة ‪ ،‬أمكسن‬
‫النا صبي أن يقول ‪ :‬كان علي ظال ما طال با للمال والريا سة ‪ ،‬قا تل على الول ية‬
‫ح تى ق تل الم سلمون بعضهم بعضا ‪،‬ولم يقا تل كافرا ولم يح صل للمسلمين في‬

‫‪253‬‬

‫مدة وليته إل شر وفتنة في دينهم ودنياهم ‪.‬‬
‫فإن جاز أن يقال ‪ :‬علي كان مريدا لو جه ال ‪ ،‬والتق صير من غيره من‬
‫ال صحابة ‪ ،‬أو يقال كان مجتهدا م صيبا ‪ ،‬وغيره مخ طئ مع هذه الحالة فإ نه‬
‫يقال كان أ بو ب كر وع مر مريد ين و جه ال م صيبين والراف ضة مق صرون في‬
‫معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الولى والحرى ‪.‬‬
‫فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من‬
‫بعد علي عن ذلك ‪،‬وشبهة الخوارج الذين ذموا عليّا وعثمان وكفروهما أقرب‬
‫مسن شبهسة الرافضسة الذيسن ذموا أبسا بكسر وعمسر وكفروهمسا ‪ ،‬فكيسف بحال‬
‫ال صحابة والتابع ين الذ ين تخلفوا عن بيع ته أو قاتلوه فشبهت هم أقوى من شب هة‬
‫من قدح في أ بي ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬فإن أولئك قالوا ما يمكن نا أن نبا يع إل‬
‫من يعدل علي نا ‪،‬ويمنع نا م من ظلم نا ‪ ،‬ويأ خذ حق نا م من ظلم نا ‪ ،‬فإذا لم يف عل‬
‫هذا كان عاجزا أو ظالما ‪ ،‬وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما ‪.‬‬
‫وهذا الكلم إذا كان باطل ‪ ،‬فبطلن قول مسن يقول أن أبسا بكسر وعمسر‬
‫كانا ظالمين طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل ‪ ،‬وهذا المر ل يستريب فيه‬
‫من له بصر ومعرفة ‪ ،‬وأين شبهة مثل أبي موسى الشعري الذي وافق عمرو‬
‫على عزل علي ومعاوية ‪ ،‬وأن يجعل المر شورى في المسلمين ‪ ،‬من شبهة‬
‫عبد ال بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم ‪ ،‬وأنه إله أو نبي ‪.‬‬
‫بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله‬
‫أو نسبي ‪ ،‬فإن هؤلء كفار باتفاق المسسلمين بخلف أولئك ‪ ،‬وممسا يسبين هذا أن‬
‫الرافضسة تعجسز عسن إثبات إيمان علي وعدالتسه ‪ ،‬مسع كونهسم على مذهسب‬
‫الرافضسة ‪ ،‬ول يمكنهسم ذلك إل إذا صساروا مسن أهسل السسنة ‪ ،‬فإذا قالت لهسم‬
‫الخوارج وغير هم م من تكفره ‪ ،‬أو تف سقه ‪ ،‬ل ن سلم أ نه كان مؤمنا ‪ ،‬بل كان‬
‫كافرا أو ظال ما ‪ ،‬ك ما يقولون هم في أ بي ب كر وع مر لم ي كن ل هم دل يل على‬
‫إيمانه وعدله ‪ ،‬إل وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدل ‪.‬‬

‫‪254‬‬

‫فإن احتجوا بما تواتر من إسلمه وهجرته وجهاده ف قد تواتر ذلك عن‬
‫هؤلء ‪ ،‬بل تواتر إسلم معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلتهم‬
‫وصسيامهم ‪ ،‬وجهادهسم للكفار فإن ادعوا فسي واحسد مسن هؤلء النفاق ‪ ،‬أمكسن‬
‫الخارجى أن يدعى النفاق فيه‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫وإذا ذكروا شب هة ‪ ،‬ذ كر ما هو أع ظم من ها ‪ ،‬وإذا قالوا ما تقوله أ هل‬
‫الفرية ‪ ،‬من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن ‪ ،‬عدوين للنبي صلى ال‬
‫تعالى عل يه وسلم ‪ .‬أفسدا دي نه ‪ ،‬بحسب المكان أمكن الخار جى ان يقول ذلك‬
‫في علي ويو جه ذلك بأن يقول ‪ :‬كان يح سد ا بن ع مه وأ نه كان ير يد إف ساد‬
‫دي نه فلم يتم كن من ذلك في حيا ته وحياة الخلفاء الثل ثة ح تى سعى في ق تل‬
‫الخليفة الثالث ‪ ،‬وأوقد الفتنة ‪ ،‬حتى غلى في قتل أصحاب محمد ‪ ،‬وأمته بغضا‬
‫له وعداوة ‪ ،‬وأنسه كان مباطنا للمنافقيسن الذيسن ادعوا فيسه اللهيسة والنبوة ‪،‬‬
‫وكانيظهر خلف ما يبطن ‪ ،‬لن دينه التقية ‪ ،‬فلما أحرقهم بالنار‪ ،‬أظهر إنكار‬
‫ذلك ‪ ،‬وإل فكان في الباطن معهم ‪.‬‬
‫ولهذا كانست الباطنيسة مسن اتباعسه ‪،‬وعندهسم سسره ‪ ،‬وهسم ينقلون عنسه‬
‫الباطن الذي ينتحلونه ‪ ،‬ويقول الخارجى مثل هذا الكلم الذي يروج على كثير‬
‫مسن الناس أعظسم ‪ ،‬ممسا يروج كلم الرافضسة فسي الخلفاء الثلثسة ‪ ،‬لن شبهسة‬
‫الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج ‪ ،‬وهم أصح منهم عقل ‪ ،‬ومقصدا ‪.‬‬
‫والراف ضة أكذب وأف سد دي نا ‪ ،‬وإن أرادوا إثبات إيما نه وعدال ته ب نص‬
‫القرآن عل يه ‪ ،‬ق يل القرآن عام وتناوله له ل يس بأع ظم من تناوله لغيره ‪ ،‬و ما‬
‫من آ ية يدعون اخت صاصها به إل أم كن أن يد عى اخت صاصها أو اخت صاص‬
‫مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫فباب الدعوى بل حجسة ممكنسة ‪ ،‬والدعوى فسي فضسل الشيخيسن أمكسن‬
‫منها في فضل غيرهما ‪ ،‬وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية ‪ ،‬فالنقل والرواية‬
‫فسي أولئك أكثسر وأشهسد ‪ ،‬فإن ادعوا تواترا ‪ ،‬فالتواتسر هناك أصسح ‪ ،‬وإن‬
‫‪ ) 1(1‬يعني في علي ‪.‬‬

‫‪255‬‬

‫اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر ‪ ،‬ثم هم يقولون‬
‫‪ :‬أن الصحابة ارتدوا إل نفرا قليل فكيف تقبل رواية هؤلء في فضيلة أحد ‪،‬‬
‫ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون ‪ ،‬يتواتر نقلهم ‪ ،‬فطريق النقل مقطوعا‬
‫عليهم ‪ ،‬إن لم يسلكوا طريق أهل السنة ‪ ،‬كما هو مقطوع على النصارى في‬
‫إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين ‪.‬‬
‫وهذا كمسن أراد أن يثبست فقسه ابسن عباس دون علي ‪ ،‬أو فقسه علقمسة‬
‫والسود دون ابن مسعود ‪ ،‬ونحو ذلك من المور التي يثبت فيها للشيء حكم‬
‫دون ما هو أولى بذلك الحكم منه ‪ ،‬فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق‬
‫العلم والعدل ‪.‬‬
‫ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ‪ ،‬كما أن النصارى من‬
‫أجهل الناس ‪ ،‬والراف ضة من أخبث الناس ‪ ،‬كما أن اليهود من أخبث الناس ‪،‬‬
‫ففيهم نوع من ضلل النصارى ‪،‬ونوع من خبث اليهود ‪.‬‬
‫(الوجنه الخامنس)‪ :‬أن يقال ‪ :‬تمثيسل هذا بقصسة عمسر بسن سسعد طالبسا‬
‫للرياسة والمال مقدما على المحرّم لحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الولون‬
‫بهذه الحال ‪ ،‬وهذا أبوه سعد بن أ بي وقاص‪ ،‬كان من أز هد الناس في المارة‬
‫والول ية ‪ ،‬ول ما وق عت الفت نة اعتزل الناس في ق صره بالعق يق ‪ ،‬وجاءه ع مر‬
‫ابنسه هذا فلمسه على ذلك ‪ ،‬وقال له الناس فسي المدينسة يتنازعون الملك وأنست‬
‫هه نا؟ فقال ‪:‬‬

‫((‬

‫اذ هب فإ ني سمعت ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم يقول إن‬

‫ال يحب العبد التقي الغني الخفيّ ))(‪. )1‬‬
‫هذا ولم ي كن قد ب قي أ حد من أ هل الشورى غيره وغ ير علي ر ضى‬
‫ال عنهمسا ‪ ،‬وهسو الذي فتسح العراق ‪ ،‬وأذل جنود كسسرى وهسو آخسر العشرة‬
‫موتا‪.‬‬
‫فإذا لم يح سن أن يش به باب نه ع مر أيش به به أ بو ب كر وع مر وعثمان ‪،‬‬
‫‪ ) 1(1‬انظر المسند ج ‪ 3‬ص ‪ 26‬تحقيق أحمد شاكر ‪ ،‬وانظر صحيح مسلم ج ‪ 4‬ص‬
‫‪.2277‬‬

‫‪256‬‬

‫هذا وهسم ل يجعلون محمسد بسن أبسي بكسر بمنزلة أبيسه ‪ ،‬بسل يفضلون محمدا‬
‫ويعظمو نه ‪ ،‬ويتولو نه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي ل نه‬
‫كان ربي به ‪ ،‬وي سبون أباه أبا بكر ويلعنو نه ‪ ،‬فلو أن النواصب فعلوا بع مر بن‬
‫سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين ‪ ،‬لكونه كان من شيعة عثمان ‪ ،‬ومن‬
‫المنتصرين له ‪ ،‬وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والنتصار‬
‫لعثمان ‪ ،‬هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إل من جنس الرافضة ‪.‬‬
‫بل الراف ضة شر من هم ‪ ،‬فإن أ با ب كر أف ضل من سعد ‪ ،‬وعثمان كان‬
‫أبعد عن استحقاق القتل من الحسين ‪ ،‬وكلهما مظلوم وشهيد رضي ال تعالى‬
‫عنهما ‪ ،‬ولهذا كان الفساد الذي حصل في المة بقتل عثمان أعظم من الفساد‬
‫الذي حصل في المة بقتل الحسين ‪.‬‬
‫وعثمان من ال سابقين الول ين و هو خلي فة مظلوم طلب م نه أن ينعزل‬
‫بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل ‪ ،‬والحسين ‪ t‬لم يكن متوليا‬
‫وإن ما كان طال با للول ية ‪ ،‬ح تى رأى أن ها متعذرة وطلب م نه لي ستأسر ليح مل‬
‫إلى يزيد مأسورا ‪ ،‬فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما ‪ ،‬شهيدا ‪ ،‬فظلم‬
‫عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل ‪ ،‬وكلهما مظلوم شهيد ‪ ،‬ولو مثل‬
‫مم ثل طلب علي والح سين لل مر بطلب ال سماعيلية كالحا كم وأمثاله وقال إن‬
‫علي والحسسين كانسا ظالميسن طالبيسن للرياسسة مسن غيسر حسق ‪ ،‬بمنزلة الحاكسم‬
‫وأمثاله من ملوك بني عبيد ‪ ،‬أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان‬
‫الحسن والحسين ‪ ،‬ودينهما وفضلهما ‪ ،‬ولنفاق هؤلء وإلحادهم ‪.‬‬
‫وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم‬
‫بالحجاز ‪ ،‬أو الشرق أو الغرب يطلب الوليسة بغيسر حسق ‪ ،‬ويظلم الناس فسي‬
‫أموالهم وأنفسهم ‪ ،‬أما كان يكون ظالما كاذبا ؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر‬
‫بن سعد أولى بالكذب والظلم ‪ ،‬ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله ‪ ،‬أن يعترف بأنه‬
‫طلب الدنيسا بمعصسية يعترف أنهسا معصسية ‪ ،‬وهذا ذنسب كثيسر وقوعسه مسن‬
‫المسلمين ‪.‬‬

‫‪257‬‬

‫وأ ما الشي عة فكثيرمن هم يعترفون بأن هم إن ما ق صدوا بالملك إف ساد د ين‬
‫السسلم ‪ ،‬ومعاداة النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم كمسا يعرف ذلك مسن‬
‫خطاب الباطنية وأمثالهم ‪ ،‬من الداخلين في الشيعة ‪ ،‬فإنهم يعترفون بأنهم في‬
‫الحقي قة ل يعتقدون د ين ال سلم ‪ ،‬وإن ما يتظاهرون بالتش يع لقلة ع قل الشي عة‬
‫وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم ‪.‬‬
‫وأوّل هؤلء ‪ ،‬بل خيار هم هو المختار بن أ بي عب يد الكذاب ‪ ،‬فإ نه‬
‫كان أمير الشيعة ‪ ،‬وقتل عبيد ال بن زياد ‪ ،‬وأظهر النتصار للحسين ‪ ،‬حتى‬
‫قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت ‪ ،‬ثم ادعى النبوة وأن‬
‫جبريل يأتيه ‪ ،‬وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم‬
‫أنه قال ‪ (( :‬سيكون في ثقيف كذاب ومبير‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪.‬‬

‫فكان الكذاب هو المختار بن أ بي عب يد ‪ ،‬وكان ال مبير هو الحجاج بن‬
‫يوسف الثقفي ‪ ،‬ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين‪،‬‬
‫مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين ‪ ،‬لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن‬
‫أبسي عبيسد ‪ ،‬الذي أظهسر النتصسار للحسسين ‪ ،‬وقتسل قاتله بسل كان هذا أكذب‬
‫وأعظم ذنبا من عمر بن سعد ‪.‬‬
‫فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي ‪ ،‬بل والحجاج بن يوسف خير من‬
‫المختار بن أبي عبيد ‪ ،‬فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم –يسفك الدماء بغير حق ‪ ،‬والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان‬
‫جبر يل إل يه ‪ ،‬وهذا الذ نب أع ظم من ق تل النفوس ‪ ،‬فإن هذا ك فر وإن لم ي تب‬
‫منه كان مرتدا ‪ ،‬والفتنة أعظم من القتل ‪.‬‬
‫وهذا باب مطرد ل تجسد أحدا ممسن تذمسه الشيعسة بحسق أو باطسل إل‬
‫وفي هم من هو شر م نه ‪ ،‬ول ت جد أحدا م من تمد حه الشي عة إل وفي من تمد حه‬
‫الخوارج من هو خير منه ‪ ،‬فإن الروافض شر من النواصب ‪،‬والذين تكفرهم‬
‫‪ )1(1‬مسلم ج ‪ 4‬ص ‪. 1971‬‬

‫‪258‬‬

‫أو تفسقهم الروافض ‪ ،‬هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب ‪.‬‬
‫وأ ما أ هل ال سنة فيتولون ج مع لمؤمن ين ‪ ،‬ويتكلمون بعلم وعدل لي سوا‬
‫مسن أهسل الجهسل ‪ ،‬ول مسن أهسل الهواء ‪ ،‬ويتسبرءون مسن طريقسة الروافسض‬
‫والنواصب جميعا ‪ ،‬ويتولون السابقين الولين كلهم ‪،‬ويعرفون قدر الصحابة ‪،‬‬
‫وفضلهسم ‪ ،‬ومناقبهسم ‪،‬ويرعون حقوق أهسل البيست التسي شرعهسا ال لهسم ‪ ،‬ول‬
‫يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين ‪ ،‬ول ما فعل الحجاج ونحوه من‬
‫الظالمين ‪.‬‬
‫ويعلمون مسع هذا مراتسب السسابقين الوليسن ‪ ،‬فيعلمون أن لبسي بكسر‬
‫وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد ‪ ،‬من الصحابة ل عثمان‬
‫ول علي ول غيره ما ‪ ،‬وهذا كان متف قا عل يه في ال صدر الول ‪ ،‬إل أن يكون‬
‫خلف شاذ ل يعبأ به ‪.‬‬
‫حتى إن الشيعة الولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي‬
‫بكر وعمر عليه ‪ ،‬فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول ‪ :‬خير‬
‫هذه المة بعد نبيها أبو بكر وعمر ‪ ،‬ولكن كان طائفة من شيعة علي ‪ ،‬تقدمه‬
‫على عثمان ‪ ،‬وهذه المسألة أخفى من تلك ‪ ،‬ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين‬
‫على تقد يم أ بي ب كر وع مر ك ما في مذ هب أ بي حني فة ‪ ،‬والشاف عي ‪ ،‬ومالك ‪،‬‬
‫وأح مد بن حن بل ‪ ،‬والثورى ‪ ،‬والوزا عي ‪ ،‬والل يث بن سعد ‪ ،‬و سائر أئ مة‬
‫المسلمين ‪ ،‬من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين‪.‬‬
‫وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما ‪ ،‬وهي‬
‫إحدى الروايتين عن سفيان الثوري ‪ ،‬ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به‬
‫أيوب السسختياني ‪ ،‬وقال مسن قدم عليسا على عثمان فقسد أزرى بالمهاجريسن‬
‫والن صار ‪ ،‬و سائر أئ مة ال سنة على تقد يم عثمان و هو مذ هب جماه ير أ هل‬
‫الحديث وعليه يدل النص ‪ ،‬والجماع والعتبار ‪.‬‬
‫وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو‬
‫نحسو ذلك فذلك فسي أمور مخصسوصة ل تقديمسا عامسا ‪ ،‬و كذلك مسا ينقسل عسن‬

‫‪259‬‬

‫بعضهم في علي ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ :‬فبعضهم اشتبه المرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده ‪،‬‬
‫وباي عه وق صر في نظره فخ في عل يه ال حق فا ستحق المؤاخذة من ال تعالى ‪،‬‬
‫بإعطاء ال حق لغ ير م ستحقه ‪ ،‬قال ‪ :‬وبعض هم قلد لق صور فطن ته ‪ ،‬ورأى الجم‬
‫الغفير فتابعهم ‪ ،‬وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ‪ ،‬وغفل عن قوله تعالى ‪:‬‬
‫]وَ َقلِيلٌ مَا هُم [‬

‫(‪)1‬‬

‫شكُور [‬
‫‪] ،‬وَقَلِيلٌ ِمنْ عِبَا ِديَ ال ّ‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫فيقال لهذا المفترى ‪ :‬الذي ج عل ال صحابة الذ ين بايعوا أ با ب كر ثل ثة‬
‫أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر ‪ ،‬وصنف عجزوا عنه‪،‬‬
‫لن ال شر إ ما أن يكون لف ساد الق صد ‪ .‬وإ ما أن يكون للج هل ‪ ،‬والج هل إ ما أن‬
‫يكون لتفريط في النظر ‪ ،‬وإما أن يكون لعجز عنه ‪.‬‬
‫وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا‬
‫بكسر ‪ ،‬ولو نظسر لعرف الحسق ‪ ،‬وهذا يؤاخسذ على تفريطسه ‪ ،‬بترك النظسر‬
‫الواجب‪ ،‬وفيهم من عجز عن النظر ‪ ،‬فقلد الجم الغفير ‪ ،‬يشير بذلك إلى سبب‬
‫مبايعة أبي بكر ‪.‬‬
‫فيقال له هذا من الكذب الذي ل يعجز عنه أحد ‪ ،‬والرافضة قوم بهت‬
‫فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل ‪ ،‬وال تعال‬
‫قسد حرم القول بغيسر علم ‪ ،‬فكيسف إذا كان المعروف ضسد مسا قاله فلو لم نكسن‬
‫ن حن عالم ين بأحوال ال صحابة لم ي جز أن نش هد علي هم ب ما ل نعلم من ف ساد‬
‫الق صد ‪ ،‬والج هل بالم ستحق ‪ .‬قال تعالى ‪] :‬ول تق فُ ما ل يس لك به علم إنّ‬
‫ك كان عنهُ مَسئولً [‬
‫سمْعَ وَالبَصَ َر وَالفُؤَادَ ُكلّ أولئِ َ‬
‫ال ّ‬

‫(‪)3‬‬

‫وقال تعالى ‪َ] :‬ها أَنْتُمْ‬

‫س َلكُم بِ هِ عِلْم [(‪ )4‬فكيف‬
‫ججْتُ مْ فِيمَا َلكُم بِ ِه عِلْ مُ فَلِ مَ ُتحَاجّو نَ فِيمَا لَ ْي َ‬
‫َهؤُل ِء حَا َ‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬
‫‪ ) 2(2‬الية ‪ 24‬من سورة ص ‪.‬‬
‫‪ ) 1(3‬الية ‪ 36‬من سورة السراء ‪.‬‬
‫‪ ) 2(4‬الية ‪ 66‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫إذا ك نا نعلم أن هم كانوا أك مل هذه ال مة عقل ‪ ،‬وعل ما ‪ ،‬ودي نا ‪ ،‬ك ما قال في هم‬
‫عبد ال بن مسعود ‪ (( :‬من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ‪ ،‬فإن الحي‬
‫ل تؤمسن عليسه الفتنسة ‪ ،‬أولئك أصسحاب محمسد كانوا وال أفضسل هذه المسة ‪،‬‬
‫وأبر ها قلو با ‪ ،‬وأعمق ها عل ما وأقل ها تكل فا ‪ ،‬قوم اختار هم ال ل صحبة نبيه ‪،‬‬
‫وإقامسة دينسه‪ ،‬فأعرفوا لهسم فضلهسم ‪ ،‬واتبعوهسم ‪ ،‬فسي آثارهسم وتمسسكوا بمسا‬
‫اسستطعتم مسن أخلقهسم ‪ ،‬ودينهسم فإنهسم كانوا على الهدى المسستقيم ))(‪ . )1‬رواه‬
‫غير واحد منهم ابن بطة ‪ ،‬عن قتادة ‪.‬‬
‫وروى هسو وغيره بالسسانيد المعروفسة إلى زر بنست حسبيش ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫قال ع بد ال بن م سعود ‪ (( :‬إن ال تبارك وتعالى ن ظر في قلوب العباد فو جد‬
‫قلب محمسد صسلى ال تعالى عليسه وسسلم خيسر قلوب العباد فاصسطفاه لنفسسه ‪،‬‬
‫وابتعثه برسالته ‪ ،‬ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ‪ ،‬يقاتلون على‬
‫دي نه ‪ ،‬ف ما رآه الم سلمون ح سنا ف هو ع ند ال ح سن ‪ ،‬و ما رآه الم سلمون سيئا‬
‫فهو عند ال سيء ))(‪. )2‬‬
‫وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الثر ‪ ،‬عن عاصم بن‬
‫أبي النجود ‪ ،‬عن زر بن حبيش عن عبد ال بن مسعود ‪ ، t‬وقد رأى أصحاب‬
‫رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ‪.‬‬
‫فقول ع بد ال بن م سعود كانوا أبر هذه ال مة قلو با ‪ ،‬وأعمق ها عل ما ‪ ،‬وأقل ها‬
‫تكلفا ‪ ،‬كلم جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ‪ ،‬ببر القلوب وبين فيه كمال‬
‫المعرفة ودقتها بعمق العلم ‪ ،‬وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول‬
‫بل علم ‪ ،‬بقلة التكلف وهذا خلف مسا قاله هذا المفترى الذي وصسف أكثرهسم‬
‫بطلب الدن يا ‪ ،‬وبعض هم بالج هل ‪ ،‬إ ما عجزا وإ ما تفري طا والذي قاله ع بد ال‬
‫‪ ) 3(1‬انظر المسند ج ‪ 5‬ص ‪ 211‬تحقيق أحمد شاكر ‪ ،‬وقال الهيثمي ‪ :‬رواه أحمد‬
‫والبزار ‪ ،‬والطبراني في الكبير ‪ .‬مجمع الزوائد ج ‪ 1‬ص ‪177‬‬
‫‪ ) 1(2‬انظر المرجع السابق ‪.‬‬

‫‪261‬‬

‫حق فإن هم خ ير هذه ال مة ‪ ،‬ك ما تواترت بذلك الحاد يث عن ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم حيث قال ‪ (( :‬خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ‪ ،‬ثم الذين‬
‫يلون هم ‪ ،‬ثم الذ ين يلون هم ))(‪. )1‬و هم أف ضل ال مة الو سط الشهداء على الناس ‪،‬‬
‫الذيسن هداهسم ال لمسا اختلفوا فيسه مسن الحسق بإذنسه ‪ ،‬وال يهدي مسن يشاء إلى‬
‫صراط مستقيم ‪ ،‬فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم ‪ ،‬ول من‬
‫الضالين الجاهلين ‪ ،‬كما قسمهم هؤلء المفترون ‪ ،‬إلى ضلل وغواة ‪ ،‬بل لهم‬
‫كمال العلم ‪،‬وكمال القصد ‪.‬‬
‫إذ لو لم يكسن كذلك للزم أن ل تكون هذه المسة خيسر المسم ‪،‬وأن ل‬
‫يكونوا خير المة وكلهما خلف الكتاب والسنة ‪ ،‬وأيضا فالعتبار العقلي يدل‬
‫على ذلك ‪ ،‬فإن من تأمل أمة محمد صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وتأمل أحوال‬
‫اليهود والن صارى وال صابئين والمجوس والمشرك ين ‪ ،‬تبين له من فضيلة هذه‬
‫المسة على سسائر المسم فسي العلم النافسع ‪،‬والعمسل الصسالح ‪ ،‬مسا يضيسق هذا‬
‫الموضع عن بسطه ‪.‬‬
‫والصسحابة أكمسل المسة فسي ذلك بدللة الكتاب والسستة والجماع ‪،‬‬
‫والعتبار ولهذا ل تجد أحدا من أعيان المة إل وهو معترف بفضل الصحابة‬
‫عل يه ‪ ،‬وعلى أمثاله ‪ ،‬وت جد من ينازع في ذلك كالراف ضة من أج هل الناس ‪،‬‬
‫ولهذا ل يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ‪ ،‬ول في أئمة الحديث‬
‫ول في أئمة الزهد والعبادة ‪ ،‬ول في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي‪،‬‬
‫ول في الملوك الذين نصروا السلم وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي‪،‬‬
‫ول في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي ‪.‬‬
‫وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين ‪ ،‬وإما في‬
‫جهال ل يس ل هم علم بالمنقولت ول بالمعقولت ‪ ،‬قد ن شأ بالبوادي والجبال ‪،‬‬
‫وتجسبروا على المسسلمين ‪ ،‬فلم يجالسسوا أهسل العلم والديسن ‪ ،‬وإمسا فسي ذوي‬
‫الهواء م من قد ح صل له بذلك ريا سة ومال ‪ ،‬أوله ن سب يتع صب به كف عل‬
‫‪ ) 2(1‬تقدمت الشارة إلى مواضعه انظر ص‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫أهل الجاهلية ‪ ،‬وأما من هو عند المسلمين من أهل العلم والدين ‪ ،‬فليس في‬
‫هؤلء رافضي ‪ ،‬لظهور الجهل والظلم في قولهم ‪ ،‬و تجد ظهور الرفض في‬
‫شر الطوائف كالنصيرية والسماعيلية ‪ ،‬والملحدة الطرقية ‪ ،‬وفيهم من الكذب‬
‫والخيا نة وإخلف الو عد ما يدل على نفاق هم ‪ ،‬ك ما في ال صحيحين عن ال نبي‬
‫صسلى ال تعالى عليسه وسسلم أنسه قال ‪:‬‬
‫وإذا وعسد أخلف وإذا اؤتمسن خان‬
‫وزعسم أنسه مسسلم‬

‫))‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫((‬

‫آيسة المنافسق ثلث ‪،‬إذا حدث كذب ‪،‬‬

‫– زاد مسسلم – (( وإن صسام وصسلى‬

‫وأكثسر مسا توجسد هذه الثلث فسي طوائف أهسل القبلة فسي‬

‫الرافضة‪.‬‬
‫وأي ضا فيقال لهذا المفترى ‪ :‬هب أن الذ ين بايعوا ال صديق كانوا ك ما‬
‫ذكرت إ ما طالب دن يا وإ ما جا هل ‪ ،‬ف قد جاء ب عد أولئك في قرون ال مة ‪ ،‬من‬
‫يعرف كل أحد زكاءهم ‪ ،‬وذكاءهم ‪.‬‬
‫م ثل سعيد بن الم سيب ‪ ،‬الح سن الب صري ‪ ،‬وعطاء بن أ بي رباح ‪،‬‬
‫وإبراهيسم النخعسي ‪ ،‬وعلقمسة ‪ ،‬والسسود ‪ ،‬وعسبيدة السسلماني ‪ ،‬وطاوس ‪،‬‬
‫ومجا هد‪ ،‬و سعيد بن جبير ‪ ،‬وأ بي الشعثاء جابر بن ز يد ‪ ،‬وعلي بن ز يد ‪،‬‬
‫وعلي بسن الحسسين ‪ ،‬وعبيسد ال بسن عبسد ال بسن عتبسة ‪ ،‬وعروة بسن الزبيسر ‪،‬‬
‫والقا سم بن مح مد بن أ بي ب كر ‪ ،‬وأ بي ب كر بن ع بد الرح من بن الحرث بن‬
‫هشام ‪ ،‬ومطرف بن الشخير ‪ ،‬ومحمد بن واسع ‪ ،‬وحبيب العجمى ‪ ،‬ومالك بن‬
‫دينار‪ ،‬ومكحول ‪ ،‬والح كم بن عت بة ‪ ،‬ويز يد بن أ بي حبيب ‪ ،‬و من ل يح صي‬
‫عددهم إل ال ‪.‬‬
‫ثم بعد هم أيوب السختياني ‪ ،‬وعبد ال بن عون ‪ ،‬ويو نس بن عبيد ‪،‬‬
‫وجعفر بن محمد ‪ ،‬والزهري‪ ،‬وعمرو بن دينار ‪ ،‬ويحيى بن سعيد النصاري‪،‬‬
‫وربيعة بن أبي عبد الرحمن ‪ ،‬وأبو الزناد ‪ ،‬ويحيى بن أبي كثير ‪ ،‬وقتادة ‪،‬‬
‫ومنصسور بسن المعتمسر ‪ ،‬والعمسش ‪ ،‬وحماد بسن أبسي سسليمان ‪ ،‬وهشام‬
‫الدستوائي‪ ،‬وسعيد بن أبي عروبة ‪.‬‬
‫‪ ) 1(1‬انظر البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 12‬وغيره ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 1‬ص ‪. 78‬‬

‫‪263‬‬

‫و من ب عد هؤلء م ثل ‪ ،‬مالك بن ا نس ‪ ،‬وحماد بن ز يد ‪ ،‬وحماد بن‬
‫سسلمة ‪ ،‬والليسث بسن سسعد ‪ ،‬والوزاعسي ‪ ،‬وأبسي حنيفسة ‪ ،‬وابسن أبسي ليلى ‪،‬‬
‫وشريك‪ ،‬وابن أبي ذئب ‪ ،‬وابن الماجشون ‪.‬‬
‫ومن بعدهم ‪ ،‬مثل يحيى بن سعيد القطان ‪ ،‬وعبد الرحمن بن مهدي ‪،‬‬
‫ووكيع بن الجراح ‪ ،‬وعبد الرحمن بن القاسم ‪ ،‬وأشهب بن عبد العزيز ‪ ،‬وأبي‬
‫يوسسف ‪ ،‬ومحمسد بسن الحسسن ‪ ،‬والشافعسي ‪ ،‬وأحمسد بسن حنبسل ‪ ،‬وإسسحق بسن‬
‫راهو يه ‪ ،‬وأ بي عب يد ‪ ،‬وأ بي ثور ‪ ،‬و من ل يح صى عدده إل ال تعالى ‪،‬م من‬
‫ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل ل لجل رياسة ‪،‬ول مال ‪.‬‬
‫وممسن هسم اعظسم الناس نظرا فسي العلم وكشفسا لحقائقسه ‪ ،‬وهسم كلهسم‬
‫متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫بل الشي عة الولى الذ ين كانوا على ع هد علي كانوا يفضلون أ با ب كر‬
‫وعمر ‪ ،‬قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر‪ ،‬فقال ‪ :‬مارأيت أحدا‬
‫م من اقتدى به ي شك في تقديمه ما‪ .‬يع ني على علي وعثمان فح كى إجماع أ هل‬
‫المدينة على تقديمهما‪.‬‬
‫وأهل المدينة لم يكونوا مائلين الى بني أمية كما كان أهل الشام ‪ ،‬بل‬
‫قد خلعوا بيعة يزيد ‪ ،‬وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى ‪.‬‬
‫ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل‬
‫الشام ‪ ،‬بل كانوا يعدّونه من علماء المدينة ‪ ،‬إلى أن خرج منها ‪ ،‬وهم متفقون‬
‫على تقديم أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫وروى البيهقسي بإسسناده عسن الشافعسي ‪ .‬قال ‪ :‬لم يختلف الصسحابة‬
‫والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر ‪ ،‬وقال شريك بن أبي نمر ‪ :‬وقال له قائل‬
‫أي ما أف ضل أبو ب كر أو علي ؟ فقال له ‪ :‬أ بو بكر ‪ .‬فقال له ال سائل ‪ :‬تقول هذا‬
‫و أنت من الشيعة ؟ فقال‪ :‬نعم إنما الشيع يّ من يقول هذا ‪ ،‬وال لقد رقى علىّ‬
‫هذه العواد‪ ،‬فقال ‪ :‬أل إن خير هذه المة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نردّ‬

‫‪264‬‬

‫قوله‪ ،‬أفكنا نكذبه ‪ ،‬وال ما كان كذابا(‪. )1‬‬
‫وذ كر هذا القا ضي ع بد الجبار في كتاب تث بت النبوة له ‪ ،‬وعزاه إلى‬
‫كتاب أبي القاسم البلخي ‪ ،‬الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه‬
‫على الجاحظ(‪. )2‬‬
‫فكيف يقال مع هذا أن الذين بايعوه كانوا طلب الدنيا ‪،‬أو جهال‪،‬ولكن‬
‫هذا وصسف الطاعسن فيهسم ‪ ،‬فإنسك ل تجسد فسي طوائف القبلة أعظسم جهل مسن‬
‫الرافضة‪ ،‬ول أكثر حرصا على الدنيا ‪ ،‬وقد تدبرتهم فوجدتهم ل يضيفون إلى‬
‫ال صحابة عي با إل و هم أع ظم الناس ات صافا به ‪ ،‬وال صحابة اب عد ع نه ‪ ،‬ف هم‬
‫أكذب الناس بل ريب كمسيلمة الكذاب ‪ ،‬إذ قال ‪ :‬أنا نبي صادق‪ ،‬ولهذايصفون‬
‫أنفسسهم باليمان ‪ ،‬ويصسفون الصسحابة بالنفاق ‪،‬وهسم أعظسم الطوائف نفاقسا ‪،‬‬
‫والصحابة أعظم الخلق إيمانا ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ :‬وبعض هم طلب ال مر لنف سه ب حق وباي عه القلون الذ ين‬
‫اعرضوا عسن الدنيسا وزينتهسا ‪ ،‬ولم تأخذهسم بال لومسة لئم ‪ ،‬بسل أخلصسوا ل‬
‫واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم ‪ ،‬وحيث حصل للمسلمين هذه‬
‫البلية ‪،‬وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد النصاف ‪ ،‬وأن يقر الحق‬
‫مقره‪ ،‬ول يظلم مستحقه ‪ ،‬فقد قال تعالى‪ََ] :‬ألَ َلعْ َنةَ الِ عَلَى الظّا ِلمِين [(‪. )3‬‬
‫فيقال له أول ‪ :‬قسد كان الواجسب أن يقال لمسا ذهسب طائفسة إلى كذا ‪،‬‬
‫وطائ فة إلى كذا ‪ ،‬و جب أن ين ظر أي القول ين أ صح ‪ ،‬فأ ما إذا رض يت إحدى‬
‫الطائفتيسن باتباع الحسق ‪ ،‬والُخرى باتباع الباطسل ‪ ،‬فإن كان هذا قسد تسبين فل‬
‫حاجة إلى النظر ‪ ،‬وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين ‪.‬‬
‫ويقال له ثان يا ‪ :‬قولك ‪ :‬أ نه طلب ال مر لنف سه ب حق ‪ ،‬وباي عه القلون‬
‫‪ ) 1(1‬تقدمت الشارة إليه ص ‪ 55‬وص ‪. 9‬‬
‫‪ ) 2(2‬انظر في تثبيت دلئل النبوة ج ‪ 2‬ص ‪. 549‬‬
‫‪ )1(3‬الية ‪ 18‬من سورة هود عليه السلم‬

‫‪265‬‬

‫كذب على علي ‪ ، t‬فإ نه لم يطلب ال مر لنف سه في خل فة أ بي ب كر ‪ ،‬وع مر‬
‫وعثمان ‪،‬وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه ‪ ،‬لم‬
‫يكسن معسه القلون وقسد اتفسق أهسل السسنة والشيعسة على أن عليسا لم يدع إلى‬
‫مبايعته في خلفة أبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬ول بايعه على ذلك أحد‪.‬‬
‫ولكن الرافضة تدعى أنه كان يريد ذلك ‪ ،‬وتعتقد أنه المام المستحق‬
‫للمامة ‪ ،‬دون غيره ‪ ،‬لكن كان عاجزا عنه وهذا لو كان حقا لم يفدهم ‪ ،‬فإنه‬
‫لم يطلب المر لنفسه ‪ ،‬ول تابعه أحد على ذلك ‪ ،‬فكيف إذا كان باطل‪.‬‬
‫وكذلك قوله بايعه القلون ‪ ،‬كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد‬
‫لعلي على عهد الخلفاء الثلثة ‪ ،‬ول يمكن أحد أن يدعي هذا ‪ ،‬ولكن غاية ما‬
‫يقول القائل انه كان فيهم من يختار مبايعته ‪ ،‬ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان‬
‫كثير من الناس يختار ولية معاوية ‪ ،‬وولية غيرهما ‪ ،‬ولما بويع عثمان كان‬
‫في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره ‪ ،‬فمثل هذا ل يخلو من الوجود ‪.‬‬
‫وقسد كان رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم بالمدينسة وبهسا ومسا‬
‫ن الَعْرَاب مُنَا ِفقُون وَمِن‬
‫حوْلَكُم مِ َ‬
‫ن َ‬
‫حول ها منافقون ‪ ،‬ك ما قال تعالى ‪َ ] :‬و ِممّ ْ‬
‫ن َنعْ َلمُهُم [(‪ )1‬و قد قال تعالى عن‬
‫أَ ْهلِ ا ْلمَدِي َنةِ َمرَدُوا عَلَى ال ّنفَا قِ ل َتعْ َلمُهُم َنحْ ُ‬
‫عظِيم[‬
‫ن َ‬
‫ج ٍل مِنَ ا ْلقَرْيَتَيْ ِ‬
‫علَى َر ُ‬
‫المشركين ‪ ] :‬وَقَالُوا َل ْو َل نَ َزلَ هَذَا ا ْلقُرْآنَ َ‬

‫(‪)2‬‬

‫فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُم َمعِيشَ َتهُم في ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا‬
‫ح َمةَ رَبّكَ َنحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫] أَهُمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُم َفوْقَ َبعْض دَ َرجَات [‬
‫َبعْ َ‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫وأما ما وصفه لهؤلء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ‪ ،‬وأنهم‬
‫ل تأخذهم في ال لومة لئم ‪ ،‬فهذا من أبين الكذب ‪ ،‬فإنه لم ير الزهد والجهاد‬
‫في طائ فة أقل م نه في الشي عة ‪ ،‬والخوارج المارقون كانوا أز هد منهم وأع ظم‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 101‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 31‬من سورة الزخرف ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 32‬من سورة الزخرف ‪.‬‬

‫‪266‬‬

‫قتال ‪ ،‬حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني‬
‫العباس وغيره ما بالعراق والجزيرة وخراسسان والمغرب وغيرهمسا معروفسة ‪،‬‬
‫وكانت لهم ديار يتحيزون فيها ل يقدر عليهم أحد ‪.‬‬
‫وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون ‪ ،‬مقهورون منهزمون ‪ ،‬وحبهم للدنيا‬
‫وحرصهم عليها ظاهر ‪ ،‬ولهذا كاتبوا الحسين ‪ ، t‬فلما أرسل إليهم ابن عمه‪،‬‬
‫ثم قدم بنف سه غدروا به ‪ ،‬وباعوا الخرة بالدنيا ‪ ،‬وأسلموه إلى عدوه ‪ ،‬وقاتلوه‬
‫مع عدوه ‪ ،‬فأي زهد عند هؤلء ‪ ،‬وأي جهاد عندهم ‪.‬‬
‫وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب ‪ t‬من الكاسات المرة ما ل يعل مه‬
‫إل ال ‪ ،‬حتى دعا عليهم ‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا‬
‫منهسم ‪ ،‬وأبدلهسم بسي شرا منسي ‪ ،‬وقسد كانوا يغشونسه ويكاتبون مسن يحاربسه ‪،‬‬
‫ويخونونه في الوليات ‪ ،‬والموال ‪ ،‬هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة ‪ ،‬إنما‬
‫سسمعوا شيعسة علي لمسا افترق الناس فرقتيسن ‪ ،‬فرقسة شايعست أولياء عثمان ‪،‬‬
‫وفر قة شاي عت أولياء عل يا ر ضى ال عنه ما ‪ ،‬فأولئك خيار الشي عة ‪ ،‬و هم من‬
‫شر الناس معاملة لعلي بن أبي طالب ‪ ، t‬وابنيه سبطى رسول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم وريحانته في الدنيا الحسن والحسين ‪ ،‬وهم أعظم الناس قبول‬
‫للوم اللئم في الحق ‪ ،‬وأسرع الناس إلى الفتنة ‪ ،‬وأعجزهم عنها ‪ ،‬يغرون من‬
‫يظهرون ن صره من أ هل الب يت ‪ ،‬ح تى إذا اطمأن إلي هم ولم هم عل يه اللئم ‪،‬‬
‫خذلوه وأ سلموه وآثروا عل يه الدن يا ‪ ،‬ولهذا أشار عقلء الم سلمين ون صحاؤهم‬
‫على الحسين أن ل يذهب إليهم ‪ ،‬مثل عبد ال بن عباس ‪ ،‬وعبد ال بن عمر ‪،‬‬
‫وأبسي بكسر بسن عبسد الرحمسن بسن الحرث بسن هشام وغيرهسم ‪ ،‬لعلمهسم بأنهسم‬
‫يخذلو نه ‪ ،‬ول ين صرونه ‪ ،‬ول يوفون له ب ما كتبوا به إل يه ‪ ،‬وكان ال مر ك ما‬
‫رأى هؤلء‪ ،‬ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب ‪ ،‬ثم دعاء علي بن أبي طالب ‪.‬‬
‫حتى سلط ال عليهم الحجاج بن يوسف ‪ ،‬كان ل يقبل من محسنهم ‪،‬‬
‫ول يتجاوز عن مسيئهم ‪ ،‬ودب شرهم إلى من لم يكن منهم‪ ،‬حتى عم الشر ‪،‬‬
‫وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد المة ليس فيهم رافضي ‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫كيف والرافضي من جنس المنافقين ‪ ،‬مذهبه التقية فهل هذا حال من‬
‫ل تأخذه بال لومة لئم ‪ ،‬إنما هذه حال من نعته ال في كتابه بقوله ‪َ] :‬يا أَ ّيهَا‬
‫سوْفَ يَأْتِي الَ ِبقَو مٍ ُيحِبّهُم وَ ُيحِبّونَ هُ‬
‫ن آمَنُوا مَ نْ يَرتَدّ مِ ْنكُ مْ عَ نْ دِيِن هِ فَ َ‬
‫الّذِي َ‬
‫ن في سَبِي ِل الِ َو َل َيخَافُو نَ‬
‫ن أَعِزّ ٍة عَلَى ا ْلكَا ِفرِ ين ُيجَاهِدُو َ‬
‫أَذِّلةٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫ن َيشَاء وَالُ وَاسِ ٌع عَلِيم [ (‪. )1‬‬
‫ض ُل الِ ُيؤْتِيهِ مَ ْ‬
‫َل ْو َمةَ لَ ِئمْ ذَِلكَ فَ ْ‬
‫وهذه حال من قا تل المرتد ين ‪ ،‬وأول هم ال صديق ‪ ،‬و من اتب عه إلى يوم‬
‫القيامسة ‪ ،‬فهسم الذيسن جاهدوا المرتديسن ‪ ،‬كأصسحاب مسسيلمة الكذاب ‪ ،‬ومانعسي‬
‫الزكاة ‪ ،‬وغيره ما و هم الذ ين فتحوا الم صار‪ ،‬وغلبوا فارس والروم ‪ ،‬وكانوا‬
‫أزهد الناس ‪ ،‬كما قال عبد ال بن مسعود لصحابه ‪ :‬أنتم أكثر صلة وصياما‬
‫من أصحاب محمد ‪ ،‬وهم كانوا خيرا منكم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لما يا أبا عبد الرحمن ‪،‬‬
‫قال‪ :‬لن هم كانوا ‪ ،‬أز هد في الدن يا ‪ ،‬وأر غب في الخرة ‪ ،‬فهؤلء هم الذ ين‬
‫لتأخذهم في ال لومة لئم ‪.‬‬
‫بخلف الرافضسة ‪ ،‬فإنهسم أشسد الناس خوفسا مسن لوم اللئم ‪،‬ومسن‬
‫علَ ْيهِم هُم ا ْلعَ ُدوّ فَاحْ َذرْهُم‬
‫حةٍ َ‬
‫عدوّهم‪ ،‬وهم كما قال تعالى ‪َ] :‬يحسبونَ ُكلّ صَ ْي َ‬
‫قَاتَ َلهُ ُم الُ أَنّى ُيؤْ َفكُون [(‪. )2‬ول يعيشون في أهل القبلة إل من جنس اليهود في‬
‫أ هل الملل ‪ .‬ثم يقال ‪ :‬من هؤلء الذ ين زهدوا في الدن يا ‪ ،‬ولم تأخذهم في ال‬
‫لومة لئم ‪ ،‬ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمان رضى ال عنهم ‪ ،‬وبايع عليا‪،‬‬
‫فإ نه من المعلوم أن في ز من الثل ثة لم ي كن أ حد منحازا عن الثل ثة مظهرا‬
‫لمخالفتهم ومبايعة علي ‪ ،‬بل كل الناس كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم‬
‫كانوا يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من ل تأخذه في ال لومة لئم ‪.‬‬
‫وأ ما في حال ول ية علي ف قد كان ‪ t‬من أك ثر الناس لو ما ل من م عه‬
‫على قلة جهاد هم ‪ ،‬ونكول هم عن القتال ‪ ،‬فأ ين هؤلء الذ ين ل تأخذ هم في ال‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 54‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ ) 1(2‬الية ‪ 4‬من سورة المنافقون ‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫لومة لئم ‪ ،‬من هؤلء الشيعة ‪ ،‬وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان‬
‫وعمار وغيرهم ‪ ،‬فمن المتواتر أن هؤلء كانوا من أعظم الناس تعظيما لبي‬
‫بكر وعمر ‪ ،‬واتباعا لهما ‪ ،‬وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على عثمان ‪ ،‬ل‬
‫على أبي بكر وعمر ‪ ،‬وسيأتي الكلم على ما جرى لعثمان ‪. t‬‬
‫ففي خلفة أبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬لم يكن أحد يسمى من الشيعة ‪،‬‬
‫ول تضاف الشي عة إلى أ حد ل عثمان ول علي ول غيره ما ‪ ،‬فل ما ق تل عثمان‬
‫تفرق المسسسسسسلمون ‪ ،‬فمال قوم إلى عثمان ‪ ،‬ومال قوم إلى علي واقتتلت‬
‫الطائفتان‪ ،‬وق تل حينئذ شي عة عثمان شي عة علي ‪ ،‬و في صحيح م سلم عن سعد‬
‫بن هشام أنه أراد أن يغزو في سبيل ال وقدم المدي نة فأراد أن يبيع عقارا له‬
‫فيها فيجعله في السلح والكراع ‪ ،‬ويجاهد الروم حتى يموت ‪ ،‬فلما قدم المدينة‬
‫لقي أناسا من أهل المدينة ‪ ،‬فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك‬
‫في حياة النبي صلى ال تعالى عليه وسلم نهاهم نبي ال صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم ‪ .‬وقال ‪ (( :‬أليس لكم بي أسوة ؟)) ‪ ،‬فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ‪ ،‬وقد‬
‫كان طلق ها وأش هد على رجعت ها ‪ .‬فأ تى ا بن عباس و سأله عن و تر ر سول ال‬
‫صلى ل تعالى عليه وسلم ‪ .‬فقال ابن عباس ‪ :‬أل أدلك علىأعلم أهل الرض‬
‫بوتسر رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ؟ فقال من ؟ قال ‪ :‬عائشسة ‪t‬ا ‪،‬‬
‫فأتها فاسألها ثم ائتني فاخبرني ‪ ،‬بردها عليك ‪ ،‬قال فانطلقت إليها فأتيت على‬
‫حك يم بن افلح فا ستلحقته إلي ها فقال ‪ :‬ما أ نا بقارب ها ل ني نهيت ها أن تقول في‬
‫هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما ل مضيا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فأقسمت عليه فجاء فانطلقنسا إلى عائشة رضى ال عنها وذكرا‬
‫الحديسث(‪ ،)1‬وقال معاويسة لبسن عباس أنست على ملة علي ‪ ،‬فقال ل على ملة‬
‫علي ‪ ،‬ول على ملة عثمان ‪ ،‬أنسا على ملة رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر ‪ ،‬وإنما كان‬
‫‪ ) 1(1‬انظر مسلم ج ‪ 2‬ص ‪. 512‬‬

‫‪269‬‬

‫النزاع في تقديمه على عثمان ‪،‬ولم يكن حينئذ يسمى أحد ل إماميا ول رافضيا‬
‫وإن ما سموا راف ضة ‪ ،‬و صاروا راف ضة ‪ ،‬ل ما خرج ز يد بن علي بن الح سين‬
‫بالكوفة ‪ ،‬في خلفة هشام ‪ ،‬فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر ‪ ،‬فترحم عليهما‬
‫فرفضسه قوم ‪ ،‬فقال رفضتمونسي رفضتمونسي ‪ .‬فسسموا رافضسة ‪ ،‬وتوله قوم‬
‫فسموا زيدية ‪ ،‬لنتسابهم إليه ‪.‬‬
‫ومسن حينئذ انقسسمت الشيعسة ‪ ،‬إلى رافضسة إماميسة وزيديسة ‪ ،‬وكلمسا‬
‫زادوا في البدعة زادوا في الشر ‪ ،‬فالزيدية خير من الرافضة ‪ ،‬أعلم وأصدق‬
‫وأزهد ‪ ،‬وأشجع ‪.‬‬
‫ثم ب عد أ بي ب كر ‪ ،‬ع مر بن الخطاب هو الذي لم ت كن تأخذه في ال‬
‫لومسة لئم ‪ ،‬وكان أزهسد الناس باتفاق الخلق كمسا قيسل فيسه رحسم ال عمسر لقسد‬
‫تركه الحق ما له من صديق ‪.‬‬
‫ونحن ل ندعي العصمة لكل صنّف من أهل السنّة ‪ ،‬وإنما ندعي أنهم‬
‫ل يتفقون على ضللة ‪ ،‬وأن كسل مسسألة اختلف فيهسا أهسل السسنّة والجماعسة‬
‫والرافضة ‪ ،‬فالصواب فيها مع أهل السنّة ‪.‬‬
‫وحيث تصيب الرافضة ‪ ،‬فل بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل‬
‫السنّة‪ ،‬وللروافض خطأ ل يوافقهم أحد عليه من أهل السنّة ‪ ،‬وليس للرافضة‬
‫مسألة واحدة ل يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنّة والجماعة‬
‫إل وهم مخطئون فيها كإمامة الثنى عشر ‪ ،‬وعصمتهم ‪.‬‬
‫(فصسسسل )‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬وذهب جميع من عدا المامية والسماعيلية إلى أن‬
‫النبياء والئمة غير معصومين ‪ ،‬فجوّزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو‬
‫والخطأ والسرقة ‪ ،‬فأي وثوق يبقى للعامة في أقوالهم ‪ ،‬وكيف يحصل النقياد‬
‫إلي هم ‪ ،‬وك يف ي جب اتباع هم مع تجو يز أن يكون ما يأمرون به خ طأ ؟ ولم‬
‫يجعلوا الئمسة محصسورين فسي عدد معيسن ‪ ،‬بسل كان مسن بايسع قرشيسا انعقدت‬

‫‪270‬‬

‫إمام ته عند هم ‪ ،‬وو جب طاع ته على جميع الخلق إذا كان م ستور الحال ‪ ،‬وإن‬
‫كان على غاية من الكفر والفسوق والنفاق ))‪.‬‬
‫فيقال ‪:‬الكلم على هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدهنا ‪ :‬أن يقال ‪ :‬مسا ذكرتسه عسن الجمهور مسن نفسي العصسمة عسن‬
‫النسبياء وتجويسز الكذب والسسرقة والمسر بالخطسأ عليهسم ‪ ،‬فهذا كذب على‬
‫الجمهور ‪ ،‬فإن هم متفقون على أن ال نبياء مع صومون في تبل يغ الر سالة ‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين ‪ ،‬وكل ما يبلّغونه‬
‫عن ال عز وجل من المر والنهي يجب طاعتهم فيه باتفاق المسلمين ‪ ،‬وما‬
‫أخبروا به وجب تصديقهم فيه بإجماع المسلمين ‪ ،‬وما أمروهم به ونهوهم عنه‬
‫وجبت طاعتهم فيه عند جميع فرق المة ‪ ،‬إل عند طائفة من الخوارج يقولون‪:‬‬
‫إن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم معصوم فيما يبلّغه عن ال ‪ ،‬ل فيما يأمر‬
‫هو به وينهى عنه ‪ .‬وهؤلء ضُلّل باتفاق أهل السنّة والجماعة ‪.‬‬
‫وقد ذكرنا غير مرة أنه إذا كان في بعض المسلمين من قال قول خطأ‬
‫لم ي كن ذلك قد حا في الم سلمين ‪ ،‬ولو كان كذلك لكان خ طأ الراف ضة عي با في‬
‫دين المسلمين ‪ ،‬فل يُعرف في الطوائف أكثر خطأ وكذبا منهم ‪ ،‬وذلك ل يضر‬
‫المسلمين شيئا ‪ ،‬فكذلك ل يضرهم وجود مخطئ آخر غير الرافضة‪.‬‬
‫وأكثر الناس – أو كثير منهم – ل يجوّزون عليهم الكبائر ‪ ،‬والجمهور‬
‫الذ ين يجوزون ال صغائر – هم و من يجوّز الكبائر – يقولون ‪ :‬إن هم ل ُي َقرّون‬
‫عليها ‪ ،‬بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك ‪ ،‬كما‬
‫تقدم التنبيه عليه ‪.‬‬
‫وبالجملة فل يس في الم سلمين من يقول ‪ :‬أ نه ي جب طا عة الر سول مع‬
‫جواز أن يكون أمره خطأ ‪ ،‬بل هم متفقون على أن المر الذي يجب طاعته ل‬
‫يكون إل صسوابا ‪ .‬فقوله ‪ (( :‬كيسف يجسب اتباعهسم مسع تجويسز أن يكون مسا‬
‫يأمرون به خطأ ؟ قول ل يلزم أحدا من المة ‪.‬‬
‫وللناس في تجو يز الخ طأ علي هم في الجتهاد قولن معروفان ‪ ،‬و هم‬

‫‪271‬‬

‫متفقون على أنهسم ل يقرّون عليسه ‪ ،‬وإنمسا يطاعون فيمسا أقرّوا عليسه ‪ ،‬ل فيمسا‬
‫غيّره ال ونهى عنه ‪ ،‬ولم يأمر بالطاعة فيه ‪.‬‬
‫وأما عصمة الئمة فلم يَقُل بها – إل كما قال – المامية والسماعيلية‪.‬‬
‫وناهيسك بقول لم يوافقهسم عليسه إل الملحدة المنافقون ‪ ،‬الذيسن شيوخهسم الكبار‬
‫أكفر من اليهود والنصارى والمشركين !‪ .‬وهذا دأب الرافضة دائما يتجاوزون‬
‫عن جما عة الم سلمين إلى اليهود والن صارى والمشرك ين في القوال والموالة‬
‫والمعاونة والقتال وغير ذلك ‪.‬‬
‫فهسل يوجسد أضسل مسن قوم يعادون السسابقين الوليسن مسن المهاجريسن‬
‫والنصار ‪ ،‬ويوالون الكفار والمنافقين ؟ وقد قال ال تعالى ‪] :‬أَلَمْ َترَ إِلَى الّذِينَ‬
‫ب الُ عَلَ ْيهِم مّا هُم مِ ْنكُم وَل َمِ ْنهُم وَ َيحْ ِلفُونَ عَلَى ا ْلكَذِبِ وَهُمْ‬
‫َتوَلّوا َق ْومًا غَضِ َ‬
‫َيعْ َلمُون ‪ .‬أَعَدّ ال ُ لَه ُم عَذَاب ًا شَدِيدًا إِنّه ُم سنَا َء م َا كَانُوا َي ْعمَلُون ‪ ،‬اتّخَذُوا‬
‫أَ ْيمَا َنهُم جُ ّنةً فَصَدّوا عَن سَبِيلِ الِ فَ َلهُم عَذَابٌ ُمهِين ‪ .‬لَن ُتغْنِي عَ ْنهُم َأ ْموَا َلهُم‬
‫صحَابُ النّارِ هُ مْ فِيهَا خَالِدُون ‪َ .‬يوْ مَ يَ ْبعَ ُثهُم‬
‫ك أَ ْ‬
‫ن الِ شَيئًا ُأوْلَئِ َ‬
‫َولَ َأ ْولَدهُم ِم َ‬
‫جمِيعًا فَ َيحْ ِلفُو نَ لَ ُه كَمَا َيحْ ِلفُو نَ لَكُم وَ َيحْ سَبُونَ أَنّهُم عَلَى شَيْ ٍء َألَ إِنّهُم‬
‫الُ َ‬
‫ب الشّ ْيطَان‬
‫ك حِزْ ُ‬
‫حوَذَ عَلَ ْي ِهمُ الشّ ْيطَان فَأَ ْنسَا ُهمْ ِذكْرَ ال ُأوْلَئِ َ‬
‫ُهمُ الكَاذِبون ‪ .‬اسْ َت ْ‬
‫َألَ إِنّ حِزْ بَ الشّ ْيطَا نِ هُ مُ ا ْلخَا سِرُون ‪ .‬إِنّ الّذِي نَ ُيحَادّو نَ الَ وَرَ سُو َلهُ ُأوْلَئِ كَ‬
‫في الَذَلّ ين ‪ .‬كَتَ بَ الُ لَغْلِ َبنّ أَنَا وَرُ سِلِي إِنّ الَ َقوِيّ عَزِ يز‪َ ،‬ل َتجِدُ َقوْمًا‬
‫ن حَادّ الَ وَرَ سُو َل ُه وَ َلوْ كَانُوا آبَاءَهُم أَو‬
‫ن بِالِ وَالْ َيوْمِ الخِر ُيوَادّو نَ َم ْ‬
‫ُي ْؤمِنُو َ‬
‫ن َوأَيّدَهُمْ ِبرُوحٍ‬
‫عشِيرَ َتهُمْ ُأوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُو ِبهِم الِيمَا َ‬
‫خوَا َنهُمْ َأوْ َ‬
‫أَبْنَاءَهُم أو ِإ ْ‬
‫ن َتحْتِهَا الَنْهَارَ خَالِدِي نَ فِي ها ‪t‬م وَرَضُوا عَنْ هُ‬
‫ت َتجْرِي ِم ْ‬
‫مِنْه وَيُ ْدخِلُهُم جَنّا ٍ‬
‫ن حِزْبَ الِ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُون [(‪.)1‬‬
‫ب ال َألَ إِ ّ‬
‫ُأوْلَئِكَ حِزْ ُ‬
‫فهذه اليات نزلت في المنافقين ‪ ،‬وليس المنافقون في طائفة أكثر منهم‬
‫في الرافضة ‪ ،‬حتى أنه ليس في الروافض إل من فيه شعبة من شعب النفاق ‪.‬‬
‫ك ما فال ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ (( :‬أر بع من كن ف يه كان مناف قا‬
‫‪ ) 1(1‬اليات ‪ 22– 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬

‫‪272‬‬

‫خالصا ‪ ،‬ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصل النفاق حتى‬
‫يدعهسا ‪ :‬إذا حدّث كذب ‪ ،‬وإذا اؤتمسن خان ‪ ،‬وإذا عاهسد غدر ‪ ،‬وإذا خاصسم‬
‫فجر)) أخرجاه في الصحيحين(‪. )1‬‬
‫س مَا قَ ّدمَ تْ‬
‫ن َكفَرُوا لَبِئْ َ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫قال تعالى ‪َ ]:‬ت َرىَ كَثِيرًا مِ ْنهُ مْ يَ َتوَّلوْ َ‬
‫خطَ الُ عَلَ ْيهِمْ وَفِي ا ْلعَذَابِ هُم خَالِدُون ‪ .‬وَلَو كَانُوا ُي ْؤمِنُونَ‬
‫سِ‬
‫ن َ‬
‫سهُم أَ ْ‬
‫َلهُم أَ ْنفُ ُ‬
‫بِالِ وَالنّبِ يّ َومَا أُ ْن ِزلَ إِلَيْ ِه مَا ا ّتخَذُوهُم َأوْلِيَا َء وَ َلكِنّ كَثِيرًا مِ ْنهُ مْ فَا سِقُون [‬

‫(‪)2‬‬

‫ن بَنِي إِ سْرَائِيلَ عَلَى لِ سَانِ دَاوُ َد وَعِي سَى‬
‫ن الّذِي نَ َكفَرُوا مِ ْ‬
‫وقال تعالى ‪ُ] :‬لع َ‬
‫ن مُ ْنكَرٍ َفعَلُو هُ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫صوْا َوكَانُوا َيعْتَدُون ‪ .‬كَانُوا لَ يَتَنَا َهوْ َ‬
‫ن مَرْيَ مَ ذَلِ كَ ِبمَا عَ َ‬
‫ابْ َ‬
‫ن الّذِينَ َكفَرُوا [‬
‫س مَا كَانُوا َي ْفعَلُونَ ‪ ،‬تَرَى كَثِيرًا مِ ْنهُم يَ َتوَّلوْ َ‬
‫لَبِئْ َ‬

‫(‪)3‬‬

‫‪.‬‬

‫و هم غال با ل يتناهون عن من كر فعلوه ‪ ،‬بل ديار هم أك ثر البلد منكرا‬
‫من الظلم والفواحش وغير ذلك ‪ ،‬وهم يتولون الكفار الذين غضب ال عليهم ‪،‬‬
‫ن َتوَلّوا‬
‫فليسوا مع المؤمنين ول مع الكفار ‪ ،‬كما قال تعالى ‪] :‬أَلَ مْ تَ َر إِلَى الّذِي َ‬
‫َق ْومًا غَضِبَ الُ عَلَ ْي ِهمْ مَا هُم مِ ْنكُم َولَ مِ ْنهُم [(‪. )4‬‬
‫ولهذا هم ع ند جماه ير الم سلمين نوع آ خر ‪ ،‬ح تى إن الم سلمين ل ما‬
‫قاتلوهم بالجبل الذي كانوا عاصين فيه بساحل الشام ‪ ،‬يسفكون دماء المسلمين‪،‬‬
‫ويأخذون أموالهسم ‪ ،‬ويقطعون الطريسق ‪ ،‬اسستحلل لذلك وتدينسا بسه ‪ ،‬فقاتلهسم‬
‫صنف من التركمان ‪ ،‬ف صاروا يقولون ‪ :‬ن حن م سلمون ‪ ،‬فيقولون ‪:‬ل ‪ ،‬أن تم‬
‫جنس آخر خارجون عن المسلمين لمتيازهم عنهم ‪.‬‬
‫ب وَ ُهمْ َيعْ َلمُون [(‪. )5‬‬
‫ن عَلَى الْكَذِ ِ‬
‫وقد قال ال تعالى‪ ] :‬وَ َيحْ ِلفُو َ‬
‫ن سَبِيلِ‬
‫وهذا حال الرافضة ‪،‬وكذلك‪ ] :‬وَاتّخَذُوا أَ ْيمَا َنهُمْ جُ ّنةً فَصَدّوا عَ ْ‬
‫‪ ) 1(1‬البخاري ج ‪ 1‬ص ‪ 12‬ومواضع أُخر ‪ ،‬ومسلم ج ‪ 1‬ص ‪. 102‬‬
‫‪ ) 2(2‬اليتان ‪ 81- 80‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ ) 3(3‬اليات ‪ 80 – 78‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ ) 4(4‬الية ‪ 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬
‫‪ ) 5(5‬الية ‪ 14‬من سورة المجادلة ‪.‬‬

‫‪273‬‬

‫ن مَنْ حَا ّد الَ‬
‫ن بِالِ وَالْ َي ْومِ الخِرِ ُيوَادّو َ‬
‫ال [ إلى قوله ‪ ] :‬لَ َتجِدُ َق ْومًا ُي ْؤمِنُو َ‬
‫وَرَ سُولَه …‪[.‬الية‬

‫(‪)1‬‬

‫وكثير منهم يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادّته‬

‫للمسسلمين ‪ .‬ولهذا لمسا خرج الترك الكفار مسن جهسة المشرق فقاتلوا المسسلمين‬
‫وسسفكوا دماءهسم ‪ ،‬ببلد خرسسان والعراق والشام والجزيرة وغيرهسا ‪ ،‬كانست‬
‫الرافضة معاونة لهم على قتال المسلمين ‪ ،‬ووزير بغداد المعروف بالعلقمي هو‬
‫وأمثاله كانوا من أع ظم الناس معاو نة ل هم على الم سلمين ‪ ،‬وكذلك الذ ين كانوا‬
‫بالشام بحلب وغيرها من الراف ضة كانوا من أشد الناس معاو نة لهم على قتال‬
‫المسلمين ‪ .‬وكذلك النصارى الذين قاتلهم المسلمون بالشام كانت الرافضة من‬
‫أعظسم أعوانهسم ‪ ،‬وكذلك إذا صسار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضسة‬
‫من أعظم أعوانهم ‪ ،‬فهم دائما يوالون الفار من المشركين واليهود والنصارى ‪،‬‬
‫ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم ‪.‬‬
‫ثم إن هذا ادّعى عصمة الئمة دعوى لم يقم عليها حجة ‪ ،‬إل ما تقدم‬
‫مسن أن ال لم يخسل العالم مسن أئمسة معصسومين لمسا فسي ذلك مسن المصسلحة‬
‫واللطسف‪ ،‬ومسن المعلوم المتيقسن أن هذا المنتظسر الغائب المفقود لم يحصسل بسه‬
‫ش يء من الم صلحة والل طف ‪ ،‬سواء كان مي تا ‪ ،‬ك ما يقوله الجمهور ‪ ،‬أو كان‬
‫ح يا ‪ ،‬ك ما تظ نه المام ية ‪ .‬وكذلك أجداده المتقدمون لم يح صل ب هم ش يء من‬
‫الم صلحة والل طف الحا صلة من إمام مع صوم ذي سلطان ‪ ،‬ك ما كان ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم بالمدينة بعد الهجرة ‪ ،‬فإنه كان إمام المؤمنين الذي‬
‫يجب عليهم طاعته ‪ ،‬ويحصل بذلك سعادتهم ‪ ،‬ولم يحصل بعده أحد له سلطان‬
‫تُدعى له العصمة إل علي ّ ‪ t‬زمن خلفته ‪.‬‬
‫سي كان‬
‫سلحة التس‬
‫سف و المصس‬
‫سن المعلوم بالضرورة أن حال اللطس‬
‫ومس‬
‫المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلثة ‪ ،‬أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في‬
‫خل فة علي ز من القتال و الفت نة والفتراق ‪ ،‬فإذا لم يو جد من يد عي المام ية‬
‫فيه أنه معصوم وحصل له السلطان بمبايعة ذي الشوكة إل عليّ وحده ‪ ،‬وكان‬
‫‪ ) 1(1‬اليات ‪ 22 – 16‬من سورة المجادلة ‪.‬‬

‫‪274‬‬

‫م صلحة المكلف ين والل طف الذي ح صل ل هم في دين هم ودنيا هم في ذلك الزمان‬
‫أ قل م نه في ز من الخلفاء الثل ثة ‪،‬عُلم بالضرورة أن ما يدّعو نه من الل طف‬
‫والمصلحة الحاصلة بالئمة المعصومين باطل قطعا‪.‬‬
‫وهو من جنس الهدى واليمان الذي ُيدّعى في رجال الغيب بجبل لبنان‬
‫وغيره مسن الجبال مثسل جبسل قاسسيون بدمشسق ‪ ،‬ومغارة الدم ‪ ،‬وجبسل الفتسح‬
‫بم صر ‪ ،‬ون حو ذلك من الجبال والغيران ‪ ،‬فإن هذه الموا ضع ي سكنها ال جن ‪،‬‬
‫ويكون ب ها شياط ين ‪ ،‬ويتراءون أحيا نا لب عض الناس ‪ ،‬ويغيبون عن الب صار‬
‫في أكثر الوقات ‪ ،‬فيظن الجهال أنهم رجال من النس ‪ ،‬وإنما هم رجال من‬
‫الجن ‪.‬‬
‫ن بِ ِرجَالٍ ِم نَ ا ْلجِنّ‬
‫س َيعُوذُو َ‬
‫كما قال تعالى ‪َ ] :‬وإِنّ هُ كَا نَ ِرجَا ٌل مِ نَ الِنْ ِ‬
‫فَزَادُو ُهمْ رَ َهقًا [(‪. )1‬‬
‫وهؤلء يؤ من ب هم وب من ينتحل هم من المشا يخ طوائف ضالون ‪ ،‬ل كن‬
‫المشايخ الذين ينتحلون رجال الغيب ل يحصل بهم من الفساد ما يحصل بالذين‬
‫يدّعون المام المعصوم ‪ ،‬بل المفسدة والشر الحاصل في هؤلء أكثر ‪ ،‬فإنهم‬
‫يدّعون الدعوة إلى إمام مع صوم ‪ ،‬ول يو جد ل هم أئ مة ذووا سيف ي ستعينون‬
‫بهسم ‪ ،‬إل كافسر أو فاسسق أو منافسق أو جاهسل ‪ ،‬ل تخرج رؤوسسهم عسن هذه‬
‫القسام ‪.‬‬
‫والسماعيلية شر منهم ‪ ،‬فإن هم يدعون إلى المام المعصوم ‪ ،‬ومنتهى‬
‫دعوتهم إلى رجال ملحدة منافقين ف سّاق ‪ ،‬ومنهم من هو شر في الباطن من‬
‫اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫فالداعون إلى المعصسوم ل يدعون إلى سسلطان معصسوم ‪ ،‬بسل إلى‬
‫سلطان كفور أو ظلوم ‪ ،‬وهذا أمر مشهور يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم ‪.‬‬
‫ِينن آمَنُوا َأطِيعُوا الَ َوأَطِيعُوا الرّسنُولَ‬
‫وقسد قال تعالى ‪َ] :‬ينا أَيّهَا الّذ َ‬
‫َوأُولِي ا َلمْرِ مِ ْنكُ مْ فَإِ نْ تَنَازَعْتُ مْ فِي شَيْءٍ فَرُدّو هُ إِلَى الِ وَالرّ سُولِ إِ نْ كُنْتُ مْ‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 6‬من سورة الجن ‪.‬‬

‫‪275‬‬

‫ن بِالِ وَالْ َيوْ مِ الخِر ذَلِ كَ خَيْ ٌر َوَأحْ سَنُ َت ْأوِيلً [(‪ ،)1‬فأ مر ال المؤمن ين‬
‫ُت ْؤمِنُو َ‬
‫عنسد التنازع بالرد إلى ال والرسسول ‪ ،‬ولو كان للناس معصسوم غيسر الرسسول‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم لمرهم بالرد إليه ‪ ،‬فدل القرآن على أنه ل معصوم‬
‫إل الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫(فصسسسل )‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬ولم يجعلوا الئ مة مح صورين في عدد مع ين )) فهذا‬
‫ِينن آمَنُوا َأطِيعُوا الَن َوأَطِيعُوا‬
‫حسق ‪ .‬وذلك أن ال تعالى قال ‪َ ]:‬ينا أَيّهَنا الّذ َ‬
‫ال ّرسُولَ َوأُولِي ا َلمْ ِر مِ ْنكُم [‪ ،‬ولم يوقّتهم بعدد معين ‪.‬‬
‫وكذلك قال النبي صلى ال تعالى عليه وسلم في الحاديث الثابتة عنه‬
‫المستفيضة لم يوقّت ولة المور في عدد معين ‪ .‬ففي الصحيحين عن أبي ذر‬
‫قال ‪ (( :‬إن خليلي أوصساني أن أسسمع وأطيسع وإن كان عبدا حبشيسا مجدّع‬
‫الطراف ))(‪. )2‬‬
‫( فصسسسل )‬
‫وأما قوله عنهم (( كل من بايع قرشيا انعقدت إمامته ووجبت طاعته‬
‫على جميسع الخلق إذا كان مسستور الحال ‪ ،‬وإن كان على غايسة مسن الفسسق‬
‫والكفر والنفاق )) ‪.‬‬
‫فجوابه من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن هذا ليس من قول أهل السنة والجماعة ‪ ،‬وليس مذهبهم أنه‬
‫بمجرد مباي عة وا حد قر شي تنع قد بيع ته ‪ ،‬وي جب على جم يع الناس طاع ته ‪،‬‬
‫وهذا وإن كان قد قاله بعض أهل الكلم ‪ ،‬فليس هو قول أهل السنة والجماعة‪،‬‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 59‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ ) 2(2‬مسلم ج ‪ 1‬ص ‪ 448‬وج ‪ 3‬ص ‪ 1467‬وأبو داود ج ‪ 2‬ص ‪. 955‬‬

‫‪276‬‬

‫بل قد قال عمر بن الخطاب ‪ (( : t‬من بايع رجل بغير مشورة المسلمين ‪ ،‬فل‬
‫يبايسع هسو ول الذي بايعسه ت ِغرّة أن يُقتل ))‪ .‬الحديسث رواه البخاري ‪ ،‬وسسيأتي‬
‫بكماله إن شاء ال تعالى ‪.‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أنهم ل يوجبون طاعة المام في كل ما يأمر به ‪ ،‬بل‬
‫ل يوجبون طاعتسه إل فيمسا تسسوغ طاعتسه فيسه فسي الشريعسة ‪ ،‬فل يجوّزون‬
‫طاعته في معصية ال وإن كان إماما عادلً ‪ ،‬وإذا أمرهم بطاعة ال فأطاعوه‪:‬‬
‫مثل ان يأمرهم بإقامة الصلة وإيتاء الزكاة ‪ ،‬والصدق والعدل والحج والجهاد‬
‫في سبيل ال ‪ ،‬فهم في الحقيقة إنما أطاعوا ال ‪ ،‬والكافر والفاسق إذا أمر بما‬
‫هو طاعة ل لم تحرم طاعة ال ول يسقط وجوبها لجل أمر ذلك الفاسق بها ‪،‬‬
‫كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ول يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله‬
‫فاسق ‪ ،‬فأهل السنة ل يطيعون ولة المور مطل قا ‪ ،‬إنما يطيعونهم في ض من‬
‫طاعة الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم ‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪َ ] :‬أطِيعُوا الَ َوَأطِيعُوا ال ّرسُولَ َوأُولِي ا َلمْرِ مِ ْنكُم [‬

‫(‪)1‬‬

‫فأمر بطاعة ال مطلقا ‪ ،‬وأمر بطاعة الرسول لنه ل يأمر إل بطاعة ال ]َم نْ‬
‫ُيطِ عِ الرّ سُولَ َفقَدْ َأطَا عَ ال [‬

‫(‪)2‬‬

‫و ج عل طا عة أولي ال مر داخلة في ذلك ‪،‬‬

‫ُولين ا َلمْ ِر مِنْكُم [ ولم يذكسر لهسم طاعسة ثالثسة ‪ ،‬لن ولي المسر ل‬
‫فقال ‪َ ] :‬وأ ِ‬
‫يطاع طاعة مطلقة ‪ ،‬إنما يطاع في المعروف‪.‬‬
‫كما قال النبي صلى ال تعالىعليه وسلم‪((:‬إنما الطاعة في المعروف‬

‫))‬

‫وقال‪:‬‬

‫((‬

‫ل طاعسة فسي معصسية ال‬

‫))‬

‫(‪)4‬‬

‫و ((ل طاعسة لمخلوق فسي معصسية‬

‫الخالق))(‪ )5‬وقال ‪ (( :‬من أمركم بمعصية ال فل تطيعوه‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 59‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ ) 2(2‬الية ‪ 80‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ ) 3(3‬المسند ج ‪ 4‬ص ‪. 436 ، 427 ، 426‬‬
‫‪ ) 4(4‬المسند ج ‪ 4‬ص ‪. 436 ، 427 ، 426‬‬
‫‪ ) 5(5‬المسند ج ‪ 5‬ص ‪. 66‬‬
‫‪ ) 1(6‬المسند ج ‪ 3‬ص ‪ 67‬وابن ماجة ج ‪ 2‬ص ‪. 955‬‬

‫‪277‬‬

‫(‪)3‬‬

‫))‬

‫(‪)6‬‬

‫‪.‬‬

‫وقال هؤلء الرافضسة المنسسوبين إلى شيعسة علي ّ ‪ t‬أنسه تجسب طاعسة‬
‫غير الرسول صلى ال تعالى عليه وسلم مطلقا في كل ما أمر به ‪ ،‬أفسد من‬
‫قول من كان من سوبا إلى شي عة عثمان ‪ t‬من أ هل الشام من أ نه ي جب طا عة‬
‫ولي المر مطلقا ‪ ،‬فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود ‪ ،‬وهؤلء‬
‫يوجبون طاعة معصوم مفقود ‪.‬‬
‫وأيضسا فأولئك لم يكونوا يدّعون فسي أئمتهسم العصسمة التسي تدعيهسا‬
‫الرافضة ‪،‬بل كانوا يجعلونهم كالخلفاء الراشدين وأئمة العدل الذين يقلدون فيما‬
‫ل تعرف حقي قة أمره ‪ ،‬أو يقولون ‪ :‬إن ال يق بل من هم الح سنات ويتجاوز عن‬
‫السيئات ‪ .‬وهذا أهون ممن يقول ‪ :‬أنهم معصومون ول يخطئون ‪.‬‬
‫فتسبين ان هؤلء المنسسوبين إلى النصسب مسن شيعسة عثمان ‪ ،‬وإن كان‬
‫فيهم خروج عن بعض الحق والعدل ‪ ،‬فخروج المامية عن الحق والعدل أكثر‬
‫وأشد ‪ ،‬فكيف بقول أئمة السنة الموافق للكتاب والسنة ‪،‬وهو المر بطاعة ولي‬
‫المر فيما يأمر به من طاعة ال ‪ ،‬دون ما يأمر به من معصية ال ‪.‬‬
‫( فصسل )‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬وذهسب الجميسع منهسم إلى القول بالقياس ‪ ،‬والخسذ‬
‫بالرأي ‪ ،‬فأدخلوا فسي ديسن ال مسا ليسس منسه ‪ ،‬وحرّفوا أحكام الشريعسة ‪،‬‬
‫وأحدثوا مذا هب أرب عة لم ت كن في ز من ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول‬
‫زمن صحابته ‪ ،‬وأهملوا أقاويل الصحابة ‪ ،‬مع أنهم ن صّوا على ترك القياس ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬أول من قاس إبليس )) ‪.‬‬
‫فيقال الجواب عن هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن دعواه على جميع أهل السنة المثبتين لمامة الخلفاء الثلثة‬
‫أنهم يقولون بالقياس دعوى باطلة ‪ ،‬قد عُرف فيهم طوائف ل يقولون بالقياس ‪،‬‬
‫كالمعتزلة البغدادي ين ‪ ،‬وكالظاهر ية كداود وا بن حزم وغيره ما ‪ ،‬وطائ فة من‬
‫أهل الحديث والصوفية ‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫وأيضا ففي الشيعة من يقول بالقياس كالزيدية ‪ .‬فصار النزاع فيه بين‬
‫الشيعية كما هو بين أهل السنة والجماعة ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن يقال ‪ :‬القياس ولو قيل ‪ :‬إنه ضعيف هو خير من تقليد من‬
‫لم يبلغ في العلم مبلغ المجتهد ين ‪ ،‬فإن كل من له علم وإن صاف يعلم أن م ثل‬
‫مالك والليث بن سعد والوْزاعي وأبي حنيفة والثّوري وابن أبى ليلى ‪ ،‬ومثل‬
‫الشافعسي وأحمسد إسسحاق وأبسى عبيسد وأبسى َثوْر أعلم وأفقسه مسن العسسكريين‬
‫أمثالهما‪.‬‬
‫وأيضا فهؤلء خير من المنتظر الذي ل يعلم ما يقول ‪ ،‬فإن الواحد من‬
‫هؤلء إن كان عنده نص منقول عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم فل ريب‬
‫أن ال نص الثا بت عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم مقدّم على القياس بل‬
‫ريب ‪ ،‬وإن لم يكن عنده نص ولم يقل بالقياس كان جاهل ‪ ،‬فالقياس الذي يفيد‬
‫الظسن خيسر مسن الجهسل الذي ل علم معسه ول ظسن ‪ ،‬فإن قال هؤلء كسل مسا‬
‫يقولو نه هو ثا بت عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم كان هذا أض عف من‬
‫قول من قال كل ما يقوله المجتهد فإنه قول النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪،‬‬
‫فإن هذا يقوله طائ فة من أ هل الرأي ‪ ،‬وقول هم أقرب من قول الراف ضة ‪ ،‬فإن‬
‫قول أولئك كذب صريح ‪.‬‬
‫وأي ضا فهذا كقول من يقول ‪ :‬ع مل أ هل المدي نة متل قى عن ال صحابة‬
‫وقول الصحابة متلقى عن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وقول من يقول ‪:‬‬
‫مسا قاله الصسحابة في غيسر مجاري القياس فإ نه ل يقوله إل توقيفسا عن ال نبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وقوله من يقول ‪ :‬قول المجتهد أو الشيخ العارف‬
‫هو إلهام من ال ووحي يجب اتباعه ‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬هؤلء تنازعوا ‪.‬‬
‫ق يل وأولئك تنازعوا ‪ ،‬فل يم كن أن تدّ عي دعوى باطلة إل أم كن معارضت هم‬
‫بمثلها أو بخير منها ول يقولون حقّا إل كان في أهل السنة والجماعة من يقول‬
‫مثل ذلك الحق أو ما هو خير منه ‪ ،‬فإن البدعة مع السنة كالكفر مع اليمان ‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫حسَنَ َت ْفسِيرا[(‪. )1‬‬
‫ق َوَأ ْ‬
‫ك ِبمَ َثلٍ ِإلّ جِئْنَاكَ بِا ْلحَ ّ‬
‫وقد قال تعالى ‪َ ] :‬ولَ يَأْتُونَ َ‬
‫الثالث ‪ :‬أن يقال الذ ين أدخلوا في د ين ال ما ل يس م نه وحرّفوا أحكام‬
‫الشريعة ‪ ،‬ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة ‪ ،‬فإنهم أدخلوا في دين ال‬
‫من الكذب على ر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ما لم يكذ به غير هم ‪،‬‬
‫وردّوا من ال صدق ما لم يرده غير هم ‪ ،‬وحرّفوا القرآن تحريفا لم يحرّ فه أ حد‬
‫ن آمَنُوا‬
‫غير هم م ثل قول هم ‪ :‬إن قوله تعالى ‪] :‬إِنّمَا وَلِ ّيكُ مُ الَ وَرَ سُو َل ُه وَالّذِي َ‬
‫ن ال صّلَ َة وَ ُيؤْتُو نَ ال ّزكَاةَ وَهُ مْ رَا ِكعُون [‬
‫ن ُيقِيمُو َ‬
‫الّذِي َ‬

‫(‪)2‬‬

‫نزلت في عل يّ ل ما‬

‫تصدق بخاتمه في الصلة ‪.‬‬
‫ُجن مِ ْنهُم َا‬
‫ْنن [(‪ : )3‬علي وفاطمسة ‪َ] ،‬يخر ُ‬
‫َجن الْ َبحْرَي ِ‬
‫وقوله تعالى ‪َ] :‬مر َ‬
‫الّلؤُْلؤُ وَا ْلمَ ْرجَان [(‪ : )4‬الحسن والحسين ‪َ ] ،‬وكُ ّل شَيْءٍ َأحْ صَيْنَاهُ فِي ِإمَا مٍ مُبِين‬
‫ع ْمرَا نَ‬
‫طفَى آدَ مَ وَنُوحًا وَآ َل إِبْرَاهِ يم وَآلَ ِ‬
‫صَ‬
‫[(‪)5‬علي بن أ بي طالب ]إِنّ الَ ا ْ‬
‫[(‪)6‬هسم آل أبسي طالب واسسم أبسي طالب عمران‪َ]،‬فقاتلواأَ ِئ ّمةَ ا ْلكُف ْر[(‪: )7‬طلحسة‬
‫شجَرَةَ ا ْلمَ ْلعُو َنةَ فِي ا ْلقُرْآن [‬
‫والزبير‪] ،‬وَال ّ‬

‫(‪)8‬‬

‫هم بنو أمية ‪] ،‬إِنّ الَ يَ ْأمُ ُركُم أَنْ‬

‫عمَلُ كَ [(‪ : )10‬لئن أشركت بين‬
‫ن َأشْ َركْ تَ لَ َيحْ َبطَنّ َ‬
‫تَذْ َبحُوا َبقَرَة[(‪: )9‬عائشة و ]َلئ ْ‬
‫أبي بكر وعلي في الولية ‪.‬‬
‫وكسل هذا وأمثاله وجدتسه فسي كتبهسم ‪ .‬ثسم مسن هذا دخلت السسماعيلية‬
‫‪ )1 (1‬الية ‪ 33‬من سورة الفرقان ‪.‬‬
‫‪ )2 (2‬الية ‪ 55‬من سورة المائدة ‪.‬‬
‫‪ )3 (3‬الية ‪ 19‬من سورة الرحمن ‪.‬‬
‫‪ )4 (4‬الية ‪ 22‬من سورة الرحمن ‪.‬‬
‫‪ ) 5(5‬الية ‪ 12‬من سورة يس ‪.‬‬
‫‪ ) 6(6‬الية ‪ 33‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ ) 7(7‬الية ‪ 12‬من سورة التوبة ‪.‬‬
‫‪ ) 8(8‬الية ‪ 60‬من سورة السراء ‪.‬‬
‫‪ ) (9‬الية ‪ 67‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ ) (10‬الية ‪ 65‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫والنصسيرية فسي تأويسل الواجبات والمحرّمات ‪ ،‬فهسم أئمسة التأويسل ‪ ،‬الذي هسو‬
‫تحر يف الكلم عن مواض عه ‪ ،‬و من تدبر ما عند هم و جد ف يه من الكذب في‬
‫المنقولت ‪ ،‬والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ‪ ،‬مال يوجد في صنف‬
‫من المسلمين ‪ ،‬فهم قطعا أدخلوا في دين ال ما ليس منه أكثر من كل أحد ‪،‬‬
‫وحرّفوا كتابه تحريفا لم يصل غيرهم إلى قريب منه ‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬قوله ‪(( :‬وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي‬
‫صلى ال تعالى عليه وسلم ول زمن صحابته ‪ ،‬وأهملوا أقاويل الصحابة ))‪.‬‬
‫فيقال له ‪ :‬متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكرا عند‬
‫المامية ؟ وهؤلء متفقون على محبة الصحابة وموالتهم وتفضيلهم على سائر‬
‫القرون وعلى أن إجماعهم حجة ‪ ،‬وعلى أنه ليس لهم الخروج عن إجماعهم ‪،‬‬
‫بسل عامسة الئمسة المجتهديسن يصسرّحون بأنسه ليسس لنسا أن نخرج عسن أقاويسل‬
‫الصسحابة ‪ ،‬فكيسف يطعسن عليهسم بمخالفسة الصسحابة مسن يقول ‪ :‬إن إجماع‬
‫الصحابة ليس بحجة ‪ ،‬وينسبهم إلى الكفر والظلم ؟‬
‫فإن كان إجماع الصحابة حجة فهو حجة على الطائفتين ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫حجة فل يحتج به عليهم ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬أهل السنة يجعلونه حجة ‪ ،‬وقد خالفوه ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬أما أهل السنة فل يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة‬
‫‪ ،‬وأ ما المام ية فل ر يب أن هم متفقون على مخال فة إجماع العترة النبو ية ‪ ،‬مع‬
‫مخالفسة إجماع الصسحابة ‪ ،‬فإن لم يكسن فسي العترة النبويسة –بنسو هاشسم – على‬
‫عهد النبي صلى ال تعالى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضى‬
‫ال عن هم من يقول بإما مة الث نى ع شر ول بع صمة أ حد ب عد ال نبي صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬ول بكفر الخلفاء الثلثة ‪ ،‬بل ول من يطعن في إمامتهم ‪،‬‬
‫بل ول من ينكر الصفات ‪ ،‬ول من يكذب بالقدر ‪.‬‬
‫فالماميسة بل ريسب متفقون على مخالفسة إجماع العترة النبويسة ‪ ،‬مسع‬
‫مخالفتهسم لجماع الصسحابة ‪ ،‬فكيسف ينكرون على مسن لم يخالف ل إجماع‬

‫‪281‬‬

‫الصحابة ول إجماع العترة ؟ ‪.‬‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن قوله ‪ (( :‬أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد‬
‫رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ))‪ .‬إن أراد بذلك أنهسم اتفقوا على أن‬
‫يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة فهذا كذب عليهم ‪ ،‬فإن هؤلء الئمة‬
‫لم يكونوا في عصر واحد ‪ ،‬بل أبو حنيفة توفى سنة خمسين ومائة ومالك سنة‬
‫ت سع و سبعين ومائة ‪ ،‬والشاف عي سنة أر بع ومائت ين ‪ ،‬وأح مد بن حن بل سنة‬
‫إحدى وأربعيسن ومائتيسن ‪ ،‬وليسس فسي هؤلء مسن يقلد الخسر ‪ ،‬ول مسن يأمسر‬
‫باتّباع الناس له ‪ ،‬بل كل منهم يدعو إلى متابعة الكتاب والسنة ‪ ،‬وإذا قال غيره‬
‫قول يخالف الكتاب والسنة عنده رده ‪،‬ول يوجب على الناس تقليده‪.‬‬
‫وإن قلت ان هذه المذاهب اتّبعهم الناس ‪ ،‬فهذا لم يحصل بموطأة ‪ ،‬بل‬
‫ات فق أن قو ما اتّبعوا هذا ‪ ،‬وقو ما اتبعوا هذا ‪ ،‬كالحجاج الذ ين طلبوا من يدل هم‬
‫على الطريق ‪ ،‬فرأى قوم هذا الدليل خبيرا فاتّبعوه ‪ ،‬وكذلك الخرون ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك لم ي كن في ذلك اتفاق أ هل ال سنة على با طل ‪ ،‬بل كل‬
‫قوم منهسم ينكرون مسا عنسد غيرهسم مسن الخطسأ ‪ ،‬فلم يتفقوا على أن الشخسص‬
‫المعيّن عل يه أن يق بل من كل من هؤلء ما قاله ‪ ،‬بل جمهور هم ل يأمرون‬
‫العام يّ بتقليد ش خص معيّن غير النبي صلى ال تعالى عليه وسلم في كل ما‬
‫يقوله‪.‬‬
‫وال تعالى قد ضمن العصمة للمة ‪ ،‬فمن تمام العصمة أن يجعل عددا‬
‫من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الخر قد أصاب فيه حتى ل‬
‫يض يع ال حق ‪ ،‬ولهذا ل ما كان في قول بعض هم من الخ طأ م سائل ‪ ،‬كب عض‬
‫المسائل التي أوردها ‪ ،‬كان الصواب في قول الخر ‪ ،‬فلم يتفق أهل السنة على‬
‫ضللة أصل ‪ ،‬وأما خطأ بعضهم في بعض الدين ‪ ،‬فقد قدّمنا في غير مرة أن‬
‫هذا ل ي ضر ‪ ،‬كخ طأ ب عض الم سلمين ‪ .‬وأ ما الشي عة ف كل ما خالفوا ف يه أ هل‬
‫السنة كلهم فهم مخطئون فيه ‪ ،‬كما أخطأ اليهود والنصارى في كل ما خالفوا‬
‫فيه المسلمين ‪.‬‬

‫‪282‬‬

‫الوجنه السنادس ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬قوله ‪ (( :‬إن هذه المذاهسب لم تكسن فسي‬
‫زمن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم ول الصحابة ))إن أراد أن القوال التي‬
‫ل هم لم تن قل عن ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول عن ال صحابة ‪ ،‬بل‬
‫تركوا قول النبي صلى ال تعالى عليه وسلم والصحابة وابتدعوا خلف ذلك ‪،‬‬
‫فهذا كذب عليهم ‪ ،‬فإنهم لم يتفقوا على مخالفة الصحابة ‪ ،‬بل هم – وسائر أهل‬
‫ال سنة – متبعون لل صحابة في أقوال هم ‪ ،‬وإن قدّر أن ب عض أ هل ال سنّة خالف‬
‫ال صحابة لعدم عل مه بأقاويل هم ‪ ،‬فالباقون يوافقون ويثبتون خ طأ من يخالف هم ‪،‬‬
‫وإن أراد أن ن فس أ صحابها لم يكونوا في ذلك الزمان ‪ ،‬فهذا ل محذور ف يه ‪.‬‬
‫فمن المعلوم أن كل قرن يأتي يكون بعد القرن الول ‪.‬‬
‫الوجه السابع ‪ :‬قوله ‪ (( :‬وأهملوا أقاويل الصحابة )) كذب منه ‪ ،‬بل‬
‫كتب أرباب المذاهب مشحونة بنقل أقاويل الصحابة والستدلل بها ‪ ،‬وإن كان‬
‫عنسد كسل طائفسة منهسا مسا ليسس عنسد الخرى ‪ .‬وإن قال ‪ :‬أردت بذلك أنهسم ل‬
‫يقولون ‪ :‬مذهب أبي بكر وعمر ونحو ذلك ‪ ،‬فسبب ذلك أن الواحد من هؤلء‬
‫جمع الثار وما استنبطه منها ‪ ،‬فأضيف ذلك إليه ‪ ،‬كما تضاف كتب الحديث‬
‫إلى من جمع ها ‪ ،‬كالبخاري وم سلم وأ بي داود ‪ ، ،‬وك ما تضاف القراءات إلى‬
‫من اختارها ‪ ،‬كنافع وابن كثير ‪.‬‬
‫وغالب ما يقوله هؤلء منقول عمن قبلهم ‪ ،‬وفي قول بعضهم ما ليس‬
‫منقول عمن قبله ‪ ،‬لكنه استنبطه من تلك الصول ‪ .‬ثم قد جاء بعده من تعقب‬
‫أقواله فبيّن من ها ما كان خ طأ عنده ‪ ،‬كل ذلك حف ظا لهذا الد ين ‪ ،‬ح تى يكون‬
‫ن ا ْلمُنْكَر [‬
‫أهله ك ما و صفهم ال به ] َي ْأمُرُو نَ بِا ْل َمعْرُو فِ وَيَ ْن َهوْ نَ عَ ِ‬

‫(‪)1‬‬

‫فم تى‬

‫وقع من أحدهم منكر خطأ أو عمدا أنكره عليه غيره ‪.‬‬
‫ول يس العلماء بأع ظم من ال نبياء ‪ ،‬و قد قال تعالى ‪] :‬وَدَاوُدَ وَ سُلَ ْيمَانَ‬
‫ِمن شَاهِدِينن ‪.‬‬
‫ح ْكمِه ْ‬
‫َمن الْ َقوْم َوكُنّان ِل ُ‬
‫ِيهن غَن ُ‬
‫َتن ف ِ‬
‫ْثن إِذ َن َفش ْ‬
‫َانن فِي ا ْلحَر ِ‬
‫ح ُكم ِ‬
‫إِذْ َي ْ‬

‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 71‬من سورة التوبة ‪.‬‬

‫‪283‬‬

‫حكْما وَعِ ْلمًا [(‪. )1‬‬
‫ن وَكُلّ آتَيْنَا ُ‬
‫َف َف ّهمْناهَا سُلَ ْيمَا َ‬
‫وثبت في الصحيحين عن ابن عمر ‪ t‬ما أن النبي صلى ال تعالى عليه‬
‫وسلم قال لصحابه عام الخندق ‪ (( :‬ل يصلين أحد العصر إل في بني قريظة‪،‬‬
‫فأدركتهسم صسلة العصسر فسي الطريسق ‪ ،‬فقال بعضهسم ‪ :‬لم يُرد منسا تفويست‬
‫الصسلة‪ ،‬فصسلّوا فسي الطريسق ‪ .‬وقال بعضهسم ‪ :‬ل نصسلي إل فسي بنسي‬
‫قريظة‪،‬فصلوا العصر بعد ماغربت الشمس‪،‬فما عنّف واحدة من الطائفتين‬

‫))‬

‫(‪)2‬‬

‫فهذا دليسل على أن المجتهديسن يتنازعون فسي فهسم كلم رسسول ال صسلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وليس كل واحد منهم آثما ‪.‬‬
‫الوجنه الثامنن ‪ :‬أن أهسل السسنة لم يقسل أحسد منهسم إن إجماع الئمسة‬
‫الربعسة حجسة معصسومة ‪ ،‬ول قال ‪ :‬إن الحسق منحصسر فيهسا ‪ ،‬وإن مسا خرج‬
‫عنهسا باطسل ‪ ،‬بسل إذا قال مسن ليسس مسن أتباع الئمسة ‪ ،‬كسسفيان الثوري‬
‫والوزاعي والَليْث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قول يخالف‬
‫قول الئمة الربعة ‪ُ ،‬ردّ ما تنازعوا فيه إلى ال ورسوله ‪ ،‬وكان القول الراجح‬
‫هو القول الذي قام عليه الدليل ‪.‬‬
‫الوجه التاسع ‪ :‬قوله ‪ (( :‬الصحابة نصوا على ترك القياس )) ‪ .‬يقال‬
‫[له] ‪ :‬الجمهور الذيسن يثبتون القياس قالوا‪ :‬قسد ثبست عسن الصسحابة أنهسم قالوا‬
‫بالرأي واجتهاد الرأي وقاسوا ‪ ،‬كما ثبت عنهم ذم ما ذموه من القياس ‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫وكل القولين صحيح ‪ ،‬فالمذموم القياس المعارض للنص ‪ ،‬كقياس الذين قالوا ‪:‬‬
‫إنما البيع مثل الربا ‪ ،‬وقياس إبليس الذي عارض به أمر ال له بالسجود لدم ‪،‬‬
‫وقياس المشركين الذين قالوا‪ :‬أتأكلون ما قتلتم ول تأكلون ما قتله ال ؟ قال ال‬
‫ن َأطَعْ ُتمُوهُ مْ إِ ّنكُم‬
‫تعالى ‪َ ] :‬وإِنّ الشّيَاطِي نَ لَيُوحُو نَ إِلَى َأوْلِيَا ِئهِ مْ لِ ُيجَادِلُوكُ مْ َوإِ ْ‬
‫ال ُمشْ ِركُون [(‪. )3‬‬
‫‪ ) 2(1‬اليتان ‪ 79- 78‬من سورة النبياء ‪.‬‬
‫‪ ) 3(2‬البخاري ج ‪ 5‬ص ‪ ، 112‬ومسلم ج ‪ 3‬ص ‪.1391‬‬
‫‪ ) 1(3‬الية ‪ 121‬من سورة النعام ‪.‬‬

‫‪284‬‬

‫وكذلك القياس الذي ل يكون الفرع فيسه مشاركسا للصسل فسي مناط‬
‫الحكم‪ ،‬فالقياس يُذم إما لفوات شرطه ‪،‬وهو عدم المساواة في مناط الحكم‪ ،‬وإما‬
‫لوجود مان عه ‪ ،‬و هو ال نص الذي ي جب تقدي مه عل يه ‪ ،‬وإن كا نا متلزمَيْن في‬
‫نفسس المسر ‪ ،‬فل يفوت الشرط إل والمانسع موجود ‪ ،‬ول يوجسد المانسع إل‬
‫والشرط مفقود ‪.‬‬
‫فأمسا القياس الذي يسستوي فيسه الصسل والفرع فسي مناط الحكسم ولم‬
‫يعارضه ماهو أرجح منه ‪ ،‬فهذا هو القياس الذي يتبع ‪.‬‬
‫ول ريب أن القياس فيه فاسد ‪ ،‬وكثير من الفقهاء قاسوا أقيسة فاسدة ‪،‬‬
‫بعضها باطل بالنص ‪ ،‬وبعضها مما اتفق على بطلنه ‪ ،‬لكن بطلن كثير من‬
‫القياس ل يقتضي بطلن جميعه ‪ ،‬كما أن وجود الكذب في كثير من الحديث ل‬
‫يوجب كذب جميعه ‪.‬‬
‫(فنصنننل)‬
‫قال الرافضني ‪ (( :‬الوجسه الثانسي ‪ :‬فسي الدللة على وجوب اتّباع‬
‫مذهسب الماميسة ‪ :‬مسا قاله شيخنسا المام العظسم خواجسه نصسير الملة والحسق‬
‫والدين محمد بن الحسن الطوسي ‪ ،‬قدّس ال روحه ‪ ،‬وقد سألته عن المذاهب‬
‫فقال ‪ :‬بحثنسا عنهسا وعسن قول رسسول ال ‪ ((: e‬سستفترق أمتسي على ثلث‬
‫وسسبعين فرقسه ‪،‬من ها فرقسة ناجيسة ‪ ،‬والباقسي فسى النار‬

‫))‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ ،‬و قد ع ين الفرقسة‬

‫الناجية والهالكة في حديث أخر صحيح متفق عليه ‪ ،‬وهو قوله ‪ (( :‬مثل أهل‬
‫بيتي كمثل سفينة نوح ‪ :‬من ركبها نجا ‪ ،‬ومن تخلف عنها غرق )) ‪ ،‬فوجدنا‬
‫الفرقه الناجية هي فرقة المامية‪ ،‬لنهم باينوا جميع المذاهب‪ ،‬وجميع المذاهب‬
‫قد اشتركت في أصول العقائد ))‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬الجواب من وجوه‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن هذا المامي قد كّفر من قال ‪ :‬ان ال موجب بالذات ‪ ،‬كما‬
‫تقدم من قوله ‪ :‬يلزم أن يكون ال موجبا بذاته ل مختارا فيلزم الكفر ‪.‬‬
‫‪ ) 2(1‬سنن أبي داود ج ‪ 4‬ص ‪ 276‬والترمذي ج ‪4‬ص ‪. 134‬‬

‫‪285‬‬

‫وهذا الذي جعله شيخسه العظسم واحتسج بقوله‪ ،‬هسو ممسن يقول بأن ال‬
‫مو جب بالذات ‪ ،‬ويقول بقدم العالم‪،‬كمسا ذكرذلك فسى كتاب ((شرح الشارات))‬
‫له‪ .‬فيلزم على قوله أن يكون شي خه هذا الذي اح تج به كافرا‪ ،‬والكا فر ل يُق بل‬
‫قوله في دين المسلمين ‪.‬‬
‫الثانني‪ :‬أن هذا الرجسل قسد اشتهسر عنسد الخاص والعام أنسه كان وزيسر‬
‫الملحدة الباطنيسة السسماعيلية باللموت(‪ ، )1‬ثسم لمسا قدم الترك المشركون الى‬
‫بلد الم سلمين ‪ ،‬وجاءوا الى بغداد ‪،‬دار الخل فة ‪ ،‬كان هذا منج ما مشيرا لملك‬
‫الترك المشرك ين هول كو أشار عل يه بق تل الخلي فة ‪ ،‬وق تل أ هل العلم والد ين‪،‬‬
‫وا ستبقاء أ هل ال صناعات والتجارات الذ ين ينفعو نه في الدن يا ‪ ،‬وأ نه ا ستولى‬
‫على الوقسف الذي للمسسلمين ‪ ،‬وكان يعطسي منسه مسا شاء ال لعلماء المشركيسن‬
‫وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى الرّصد الذي بمراغة على‬
‫طريسق الصسابئة المشركيسن ‪ ،‬كان أبخسس الناس نصسيبا منسه مسن كان إلى أهلِ‬
‫الملل أقرب ‪ ،‬وأوفرهسم نصسيبا مسن كان أبعدهسم عسن الملل ‪ ،‬مثسل الصسابئة‬
‫المشركيسن ومثسل المعطّلة وسسائر المشركون ‪ ،‬وإن ارتزقوا بالنجوم والطسب‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ومن المشهور عنه وعن أتباعه الستهتار بواجبات السلم ومحرّماته‪،‬‬
‫سن‬
‫سن محارم ال مس‬
‫سلوات ‪ ،‬ول ينزعون مس‬
‫ل يحافظون على الفرائض كالصس‬
‫الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ‪ ،‬حتى أنهم في شهر رمضان يُذكر‬
‫عن هم من إضا عة ال صلوات ‪ ،‬وارتكاب الفوا حش ‪ ،‬وشرب الخ مر – ما يعر فه‬
‫أهل الخبرة بهم ‪ ،‬ولم يكن لهم قوة وظهور إل مع المشركين ‪ ،‬الذين دينهم شر‬
‫من دين اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫ولهذا كان كل ما قوى ال سلم في الم غل وغير هم من ترك ‪ ،‬ض عف‬
‫أمر هؤلء لفرط معاداتهم للسلم وأهله ‪ .‬ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة‬
‫عند المير نوروز المجاهد في سبيل ال الشهيد ‪ ،‬الذي دعا ملك المغل غازان‬
‫‪ ) 1(1‬اسم قلعه في جبال الديلم بناها أحد ملوك الديلم ‪.‬‬

‫‪286‬‬

‫إلى السلم ‪ ،‬والتزم له أن ينصره إذا أسلم ‪ ،‬وقتل المشركين الذين لم يسلموا‬
‫مسن البخشيسة السسحرة وغيرهسم ‪ ،‬وهدم البذخانات ‪ ،‬وكسسر الصسنام ومزق‬
‫سدنتها كل ممزق ‪ ،‬وألزم اليهود والنصارى بالجزية والصغار ‪ ،‬وبسببه ظهر‬
‫السلم في المغل وأتباعهم ‪.‬‬
‫وبالجملة فأمر هذا الطوسى وأتبا عه عند المسلمين أشهر وأعرف من‬
‫أن يعرف ويوصسف ‪ .‬ومسع هذا فقسد قيسل ‪ :‬إنسه كان آخسر عمره يحافسظ على‬
‫الصلوات الخمس ويشتغل بتفسير البغوى والفقه ونحو ذلك ‪ .‬فإن كان قد تاب‬
‫من اللحاد فال يقبل التوبة عن عباده ‪ ،‬ويعفو عن السيئات ‪ .‬وال تعالى يقول‪:‬‬
‫حمَة ال إنّ الَ َي ْغفِر‬
‫س ِهمْ ل َتقْنَطوا مِن ّر ْ‬
‫]َ يا عباِد يَ الّذِي نَ أَ سْرَفوا عَلَى أنف ِ‬
‫ب جميعا [(‪. )1‬‬
‫الذُنو َ‬
‫لكن ما ذكره عن هذا ‪ ،‬إن كان قبل التوبة لم يُقبل قوله ‪ ،‬وإن كان بعد‬
‫التوبة لم يكن قد تاب من الرفض ‪ ،‬بل من اللحاد وحده ‪ .‬وعلى التقديرين فل‬
‫يُق بل قوله ‪ .‬والظ هر أ نه إن ما كان يجت مع به وبأمثاله ل ما كان منج ما للم غل‬
‫المشركين ‪ ،‬واللحاد معروف من حاله إذ ذلك ‪.‬‬
‫ف من يقدح في م ثل أ بي ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬وغير هم من ال سابقين‬
‫الوّليسن مسن المهاجريسن والنصسار ‪ ،‬ويطعسن على مثسل مالك والشافعسي وأي‬
‫حني فة وأح مد بن حن بل وأتباع هم ‪ ،‬ويعير هم بغلطات بعض هم في م ثل إبا حة‬
‫الشطر نج والغناء ‪ ،‬ك يف يل يق به أن يح تج لمذه به بقول م ثل هؤلء الذ ين ل‬
‫سوله ‪ ،‬ول‬
‫سا حرم ال ورسس‬
‫سر ‪ ،‬ول يحرّمون مس‬
‫يؤمنون بال ول باليوم الخس‬
‫يدينون د ين ال حق ‪ ،‬وي ستحلون المحرّمات المج مع على تحريم ها ‪ ،‬كالفوا حش‬
‫والخ مر ‪ ،‬في م ثل ش هر رمضان ‪ ،‬الذ ين أضاعوا ال صلة واتّبعوا الشهوات ‪،‬‬
‫وخرقوا سسياج الشرائع ‪ ،‬واسستخفّوا بحرمات الديسن ‪ ،‬وسسلكوا غيسر طريسق‬
‫المؤمنين ‪ ،‬فهم كما قيل فيهم ‪:‬‬
‫من فرقة فلسسفية‬

‫الدين يشكسو بليسة‬
‫‪ ) 1(1‬الية ‪ 53‬من سورة الزمر ‪.‬‬

‫‪287‬‬

‫ل يشهدون صسلة‬

‫إل لجسل التقيسة‬

‫ول ترى الشرع إل‬

‫سياسسة مدنيسسة‬

‫ويؤثسرون عليسسه‬

‫منساهجا فلسفسية‬

‫ولكسن هذا حال الرافضسة ‪ :‬دائمسا يعادون أولياء ال المتقيسن سس مسن‬
‫السابقين الولين ‪،‬من المهاجرين والنصار ‪ ،‬والذين اتّبعوا بإحسان ‪ ،‬ويوالون‬
‫الكفّار والمنافقيسن ‪ .‬فإن أعظسم الناس نفاقسا فسي المنتسسبين إلى السسلم هسم‬
‫الملحدة الباطن ية ال سماعيلية ‪ ،‬ف من اح تج بأقوال هم في ن صرة قوله ‪ ،‬مع ما‬
‫تقدم من طع نه على أقوال أئمة المسلمين – كان من أع ظم الناس موالة ل هل‬
‫النفاق ‪ ،‬ومعاداة لهل اليمان ‪.‬‬
‫ومسن العجسب أن هذا المصسنف الرافضسي الخسبيث الكذّاب المفتري ‪،‬‬
‫يذ كر أ با ب كر وع مر وعثمان ‪ ،‬و سائر ال سابقين والوّل ين والتابع ين ‪ ،‬و سائر‬
‫أئمة المسلمين ‪ ،‬من أهل العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه‪،‬‬
‫ويجيء إلى من قد اشتُهر عند المسلمين بمحادته ل ورسوله ‪ ،‬فيقول ‪(( :‬قال‬
‫شيخنا العظم )) ‪ ،‬ويقول ((قدس ال روحه )) مع شهادته بالكفر عليه وعلى‬
‫أمثاله ‪،‬ومع لعنة طائفته لخيار المؤمنين من الولين والخرين ‪.‬‬
‫ن أُوتُوا‬
‫ن َترَ إِلَى الّذِين َ‬
‫وهؤلء داخلون فسي معنسى قوله تعالى ‪ ] :‬أَلَم ْ‬
‫ت وَالطّاغُو تِ وَ َيقُولُو نَ لِلّذِي نَ َكفَرُوا َهؤُلءِ‬
‫ن بِا ْلجِبْ ِ‬
‫نَ صِيبًا ِم نَ ا ْلكِتَا بِ ُي ْؤمِنُو َ‬
‫ن َتجِدَ‬
‫ن الُ فَلَ ْ‬
‫ك الّذِينَ َلعَ َن ُه ُم الُ َومَنْ يَ ْلعَ ِ‬
‫ن الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلً ‪ُ .‬أوْلَئِ َ‬
‫أَهْدَى مِ َ‬
‫َلهُ نَصِيرًا [(‪.)1‬‬
‫فإن هؤلء المام ية أوتوا ن صيبا من الكتاب ‪ ،‬إذ كانوا مقرّ ين بب عض‬
‫مسا فسي الكتاب المنزّل ‪ ،‬وفيهسم شعبسة مسن اليمان بالجبست وهسو السسحر ‪،‬‬
‫والطاغوت و هو كل ما يع بد من دون ال ‪ ،‬فإن هم يعظّمون الفل سفة المتضم نة‬
‫لذلك ‪ ،‬ويرون الدعاء والعبادة للموتسسسى ‪ ،‬واتخاذ المسسسساجد على القبور ‪،‬‬
‫ويجعلون السفر إليها حجا له مناسك ‪ ،‬ويقولون ‪ (( :‬مناسك حج المشاهد ))‪.‬‬
‫‪ ) 1(1‬اليتان ‪ 52-51‬من سورة النساء ‪.‬‬

‫‪288‬‬

‫وحدثنسي الثقات أن فيهسم مسن يرون الحسج إليهسا أعظسم مسن الحسج إلى‬
‫البيست العتيسق‪ ،‬فيرون الشراك بال أعظسم مسن عبادة ال ‪ ،‬وهذا مسن أعظسم‬
‫اليمان بالطاغوت ‪.‬‬
‫وهم يقولون لمن يقرّون بكفره من القائلين بقدم العالم ودعوة الكواكب‪،‬‬
‫والمسوّغين للشرك ‪ :‬هؤلء أهدى من الذين آمنوا سبيل ‪ ،‬فإنهم فضّلوا هؤلء‬
‫الملحدة المشركيسن على السسابقين الوّليسن مسن المهاجريسن والنصسار والذيسن‬
‫اتبعوهم بإحسان‪ .‬وليس هذا ببدع من الرافضة ‪ ،‬فقد عُرف من موالتهم لليهود‬
‫والنصسارى والمشركيسن ‪،‬ومعاونتهسم على قتال المسسلمين ‪ ،‬مسا يعرفسه الخاص‬
‫والعام ‪ ،‬حتى قيل ‪ :‬أنه ما اقتتل يهودي ومسلم ‪ ،‬ول مشرك ومسلم – إل كان‬
‫الرافضي مع اليهودي والنصراني والمشرك‪.‬‬
‫الوجه الثالث ‪ :‬أنه قد عرف كل أحد أن السماعيلية والنصيرية هم‬
‫من الطوائف الذين يظهرون التشيع ‪ ،‬وإن كانوا في الباطن كفّارا منسلخين عن‬
‫كل ملة ‪ ،‬والن صيرية هم من غلة الراف ضة الذ ين يدّعون إله ية عل يّ وهؤلء‬
‫أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين ‪.‬‬
‫والسسماعيلية الباطنيسة أكفسر منهسم ‪ ،‬فإن حقيقسة قولهسم التعطيسل ‪ .‬أمسا‬
‫أ صحاب الناموس ال كبر والبلغ الع ظم ‪ ،‬الذي هو آ خر المرا تب عند هم ‪،‬‬
‫فهم من الدهرية القائلين بأن العالم ل فاعل له ‪ :‬ل علة ول خالق ‪ .‬ويقولون ‪:‬‬
‫ليس بيننا وبين الفلسفة خلف إل في واجب الوجود ‪ ، ،‬فإنهم يثبتونه ‪ ،‬وهو‬
‫ش يء ل حقي قة له ‪ ،‬وي ستهزئون بأ سماء ال عز و جل ‪ ،‬ول سيما هذا ال سم‬
‫الذي هو ال ‪ ،‬فإن منهم من يكتبه على أسفل قدميه ويطؤه ‪.‬‬
‫وأ ما من هو دون هؤلء فيقول بال سابق وبالتالي ‪ ،‬الذ ين عبّروا به ما‬
‫عن العقل والنفس عند الفلسفة ‪ ،‬وعن النور والظلمة عند المجوس ‪ ،‬وركّبوا‬
‫لهم مذهبا من مذاهب الصابئة والمجوس ظاهره التشيع ‪.‬‬
‫ول ريسب أن المجوس والصسابئة شسر مسن اليهود والنصسارى ‪ ،‬ولكسن‬
‫تظاهروا بالتشيع ‪.‬‬

‫‪289‬‬

‫قالوا ‪:‬لن الشيعة أ سرع الطوائف استجابة لنا ‪ ،‬لما في هم من الخروج‬
‫عن الشريعة ‪ ،‬ولما فيهم من الجهل وتصديق المجهولت ‪.‬‬
‫ولهذا كان أئمتهم في الباطن فلسفة ‪ ،‬كالنصير الطوسي هذا ‪ ،‬وكسنان‬
‫البصسري الذي كان بح صونهم بالشام ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬قد رَفَ عت عن هم ال صوم‬
‫والصلة والحج والزكاة ‪.‬‬
‫فإذا كانست السسماعيلية إنمسا يتظاهرون فسي السسلم بالتشيسع ‪ ،‬ومنسه‬
‫دخلوا وبسه ظهروا ‪ ،‬وأهله هسم المهاجريسن إليهسم ‪ ،‬ل إلى ال ورسسوله ‪ ،‬وهسم‬
‫أنصسارهم ل أنصسار ال ورسسوله – عُلم أن شهادة السسماعيلية للشيعسة بأنهسم‬
‫على حق شهادة مردودة باتفاق العقلء ‪.‬‬
‫فإن هذا الشاهد ‪ :‬إن كان يعرف أن ما هو عليه مخالف لد ين ال سلم‬
‫في البا طن ‪ ،‬وإن ما أظ هر التش يع لين فق به ع ند الم سلمين ‪ ،‬ف هو محتاج إلى‬
‫تعظ يم التش يع ‪ ،‬وشهاد ته له شهادة المرء نف سه ‪ ،‬ف هو كشهادة الد مي لنف سه ‪،‬‬
‫لكنسه فسي هذه الشهادة يعلم أنسه يكذب ‪ ،‬وإنمسا كذب فيهسا كمسا كذب فسي سسائر‬
‫أحواله ‪ ،‬وإن كان يعت قد د ين ال سلم في البا طن ‪ ،‬وي ظن أن هؤلء على د ين‬
‫السلم ‪ ،‬كان أيضا شاهدا لنفسه ‪ ،‬لكن مع جهله وضلله ‪.‬‬
‫وعلى التقديرين فشهادة المرء لنفسه ل تُقبل ‪ ،‬سواء علم كذب نفسه أو‬
‫اعتقد صدق نفسه ‪ .‬كما في السنن عن النبي صلى ال تعالى عل يه وسلم أ نه‬
‫قال ‪ (( :‬ل تُق بل شهادة خ صم ول ظن ين ول ذي غ مر على أخ يه ))(‪ . )1‬وهؤلء‬
‫ظنّاء متهمون ذو غمر على أهل السنة والجماعة ‪ ،‬فشهادتهم مردودة‬
‫خصمان أ ِ‬
‫بكل طريق ‪.‬‬
‫الوجننه الرابننع ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬أول أنتسسم قوم ل تحتجون بمثسسل هذه‬
‫الحاديسث‪ ،‬فإن هذا الحديسث إنمسا يرويسه أهسل السسنة بأسسانيد أهسل السسنة ‪،‬‬
‫والحديث نفسه ليس في الصحيحين ‪ ،‬بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن‬
‫حزم وغيره ‪ ،‬ول كن قد رواه أ هل ال سنن ‪ ،‬كأ بي داود والترمذي وا بن ما جة ‪،‬‬
‫‪ )1(1‬انظر المسند ج ‪ 10‬ص ‪ 224‬وج ‪ 11‬ص ‪ 163 ، 138‬تحقيق أحمد شاكر ‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫ورواه أهل المسانيد ‪ ،‬كالمام أحمد وغيره‬

‫(‪)2‬‬

‫‪.‬‬

‫فمن أين لكم على أصولكم ثبوته حتى تحتجوا به ؟ وبتقدير ثبوته فهو‬
‫من أخبار الحاد ‪ ،‬فكيف يجوز أن تحتجوا في أصل من أصول الدين وإضلل‬
‫جميع المسلمين – إل فرقة واحدة – بأخبار الحاد التي ل يحتجون هم بها في‬
‫الفروع العملية ؟!‪.‬‬
‫وهل هذا إل من أعظم التناقض والجهل ؟!‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن الحديث روى تفسيره فيه من وجهين ‪ :‬أحدهما ‪:‬‬
‫أ نه صلى ال تعالى عل يه و سلم سأل عن الفر قة الناج ية ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫على مثسل مسا أنسا عليسه اليوم وأصسحابي‬

‫))‬

‫((‬

‫من كان‬

‫وفسي الروايسة الخرى قال ‪:‬‬

‫((‬

‫هسم‬

‫الجماعة ))‪ .‬وكل من التفسيرين يناقض قول المامية ‪ ،‬ويقتضي أنهم خارجون‬
‫عن الفرقة الناجية ‪ ،‬فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين ‪ :‬يكفرون أو يفسّقون‬
‫أئمة الجماعة ‪ ،‬كأبي بكر وعمر وعثمان ‪ ،‬دع معاوية وملوك بني أمية وبني‬
‫العباس ‪ ،‬وكذلك يكفّرون أو يفسسسّقون علماء الجماعسسة وعبّادهسسم ‪ ،‬كمالك‬
‫والثوري والوزا عي والل يث بن سعد وأ بي حني فة والشاف عي وأح مد وإ سحاق‬
‫وأبسي عبيسد وإبراهيسم بسن أدهسم والفضيسل بسن عياض وأبسي سسليمان الدارانسي‬
‫ومعروف الكرخي وأمثال هؤلء ‪ ،‬وهم أبعد الناس عن معرفة سير الصحابة‬
‫والقتداء ب هم ‪ ،‬ل في حياة ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ول بعده ‪ ،‬فإن‬
‫هذا إنمسا يعرفسه أهسل العلم بالحديسث والمنقولت ‪ ،‬والمعرفسة بالرجال الضعفاء‬
‫والثقات ‪ ،‬و هم من أع ظم الناس جهل بالحد يث وبغ ضا له ‪ ،‬ومعاداة لهله ‪،‬‬
‫فإذا كان وصف الفرقة الناجية ‪ :‬أتباع الصحابة على عهد رسول ال صلى ال‬
‫تعالى عليه وسلم ‪ ،‬وذلك شعار السنة والجماعة – كانت الفرقة الناجية هم أهل‬
‫السنة والجماعة ‪ ،‬فالسنة ما كان صلى ال تعالى عليه وسلم هو وأصحابه عليه‬
‫في عهده ‪ ،‬مما أمرهم به وأقرّهم عليه أو فعله هو ‪ ،‬والجماعة هم المجتمعون‬
‫‪ )2(2‬يعني حديث الفتراق رواه أبو داود ج ‪ 5‬ص ‪ 5 ، 4‬والترمذي رقم ‪ 3991‬في‬
‫الفتن ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنه حسن صحيح وغيرهما وله طرق كثيرة ‪.‬‬

‫‪291‬‬

‫الذ ين ما فرّقوا دين هم وكانوا شي عا ‪ ،‬فالذ ين فرّقوا دين هم وكانوا شي عا خارجون‬
‫عن الجما عة قسد برّأ ال نسبيه منهسم ‪ ،‬فعُلم بذلك أن هذا وصسف أهسل السسنة و‬
‫الجما عة ‪ ،‬ل و صف الراف ضة‪ ،‬وأن هذا الحد يث و صف الفر قة الناج ية باتّباع‬
‫سنته التي كان عليها هو وأصحابه ‪ ،‬وبلزوم جماعة المسلمين ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬فقد قال في الحديث ‪:‬‬

‫((‬

‫من كان على مثل ما أنا عليه اليوم‬

‫وأصسحابي )) ‪ ،‬فمسن خرج عن تلك الطري قة بعده لم يكسن على طريقسة الفرقسة‬
‫الناجية ‪ ،‬وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬ن عم وأش هر الناس بالردة خ صوم أ بي ب كر ال صديق ‪ t‬وأتبا عه‬
‫كم سيلمة الكذّاب وأتبا عه وغير هم ‪ .‬وهؤلء تتول هم الراف ضة ك ما ذ كر ذلك‬
‫غير واحد من شيوخهم ‪ ،‬مثل هذا المامي وغيره ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬إنهم كانوا على‬
‫حق ‪ ،‬وأن ال صديق قاتل هم بغ ير حق ‪ .‬ثم مِن أظ هر الناس ردة الغال ية الذ ين‬
‫حرّقهم علي ّ ‪ t‬بالنار لما ادّعوا فيه اللهية وهم السبائية أتباع عبد ال بن سبأ‬
‫الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر ‪.‬‬
‫وأول من ظ هر ع نه دعوى النبوة من المنت سبين إلى ال سلم المختار‬
‫بن أبي عبيد وكان من الشيعة ‪ ،‬فعُلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر‬
‫منهسم فسي سسائر الطوائف ‪ ،‬ولهذا ل يُعرف ردة أسسوأ حال مسن ردة الغاليسة‬
‫كالنصسيرية ‪ ،‬ومسن ردة السسماعيلية الباطنيسة ونحوهسم ‪ ،‬وأشهسر الناس بقتال‬
‫المرتدين هو أبو بكر الصديق ‪ ، t‬فل يكون المرتدون في طائفة أكثر منها في‬
‫خصوم أبي بكر الصديق ‪ ،‬فدل ذلك على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين‬
‫على أعقابهم ‪ ،‬هم بالرافضة أوْلى منهم بأهل السنة والجماعة ‪.‬‬
‫وهذا بيّن يعرفه كل عاقل يعرف السلم وأهله ‪ ،‬ول يستريب أحد أن‬
‫جنسس المرتديسن فسي المنتسسبين إلى التشيسع أعظسم وأفحسش كفرا مسن جنسس‬
‫المرتدين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة ‪ ،‬إن كان فيهم مرتد‪.‬‬
‫الو جه ال سادس ‪ :‬أن يقال ‪ :‬هذه الح جة ال تي اح تج ب ها الطو سي على‬
‫أن المامية هم الفرقة الناجية كذب في وصفها ‪ ،‬كما هي باطلة في دللتها ‪.‬‬

‫‪292‬‬

‫وذلك أن قوله ‪ (( :‬باينوا جم يع المذا هب ‪ ،‬وجم يع المذا هب قد اشتر كت في‬
‫أ صول العقائد )) إن أراد بذلك أن هم باي نو جم يع المذا هب في ما اخت صوا به ‪،‬‬
‫فهذا شأن جميسع المذاهسب ‪ ،‬فإن الخوارج أيضسا باينوا جميسع المذاهسب فيمسا‬
‫اخت صوا به من التكف ير بالذنوب ‪ ،‬و من تكفيسر علي ‪ ، t‬ومسن إ سقاط طا عة‬
‫الر سول فيما لم ي خبر به عن ال ‪ ،‬وتجويز الظلم عليه في ق سْمهِ والجور في‬
‫حكمه ‪ ،‬وإسقاط اتّباع السنة المتواترة التي تخالف ما يُظن أنه ظاهر القرآن ‪،‬‬
‫كقطع السارق من المنكب وأمثال ذلك ‪.‬‬
‫الوجنه السنابع ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬مباينتهسم لجميسع المذاهسب هسو على فسساد‬
‫قولهم أدل منه على صحة قولهم ؛ فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف‬
‫ل يدل على أنه هو الصواب ‪ ،‬واشتراك أولئك في قول ل يدل على أنه باطل‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬إن النبي صلى ال تعالى عليه وسلم جعل أمته ثلثا وسبعين‬
‫فرقسة كلهسا فسي النار إل واحدة ‪ ،‬فدل على أنهسا ل بسد أن تفارق هذه الواحدة‬
‫سائر الثنتين وسبعين فرقة ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬ن عم ‪ .‬وكذلك يدل الحد يث على مفار قة الثنت ين و سبعين بعض ها‬
‫بعضسا ‪ ،‬كمسا فارقست هذه الواحدة ‪ .‬فليسس فسي الحديسث مسا يدل على اشتراك‬
‫الثنت ين وال سبعين في أ صول العقائد ‪ ،‬بل ل يس في ظا هر الحد يث إل مباي نة‬
‫الثلث وال سبعين كل طائ فة للخرى ‪ .‬وحينئذ فمعلوم أن ج هة الفتراق ج هة‬
‫ذم ل جهسة مدح ‪ ،‬فإن ال تعالى أمسر بالجماعسة والئتلف ‪ ،‬وذم التفريسق‬
‫والختلف‪ ،‬فقال تعالى ‪] :‬واْعتَ صِموا ِبحَ ْب ِل الِ جميعًا وَل َتفَرّقوا [(‪)1‬وقال‪] :‬‬
‫ُمن‬
‫ِكن َله ْ‬
‫َاتن َوأُولَئ َ‬
‫ُمن الْبَيّن ْ‬
‫ِنن َبعْدِ منا جاءَه ُ‬
‫ّذينن َتفَرّقُوا وَاخْتَلَفوا م ْ‬
‫َولَ َتكُونوا كال َ‬
‫سوَدّتْ وُجو ُههُم[(‪.)2‬‬
‫نا ْ‬
‫سوَدّ وُجوهٌ َفَأمّا الّذي َ‬
‫ض وُجوهٌ وَ َت ْ‬
‫عَذَابٌ عَظيمٌ‪َ .‬ي ْومَ تَبْيَ ْ‬
‫قال ابسن عباس وغيره ‪ :‬تسبيض وجوه أهسل السسنة وتسسودّ وجوه أهسل البدعسة‬
‫ت مِ ْنهُ مْ في‬
‫والفر قة ‪ .‬وقال تعالى ‪] :‬إنّ الّذي نَ فَرّقوا دِي َنهُ مْ وَكانوا شِيَعًا لَ سْ َ‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 103‬من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬اليتان ‪ 106 ، 105‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪293‬‬

‫شَيْ ٍء [(‪ )1‬وقال ‪] :‬وَما اخْتَلَ فَ في ِه ِإلّ الّذي نَ أُوتُو هُ ِم نْ َبعْدِ ما جاءَ ْتهُ مُ البَيّنا تُ‬
‫َبغْيًا بَي َنهُم [‬

‫(‪)2‬‬

‫ن اُوتوا الكِتا بَ ِإلّ مِ نْ بَع ِد ما جاءَ ْتهُ مُ‬
‫ق الّذي َ‬
‫وقال‪ ] :‬وَما َتفَرّ َ‬

‫البَيّ َنةُ [(‪. )3‬‬
‫وإذا كان كذلك فأع ظم الطوائف مفار قة للجما عة و افترا قا في نف سها‬
‫أولى الطوائف الذم ‪ ،‬و أقلها افترا قا ومفار قة للجما عة أقرب ها إلى ال حق ‪ .‬وإذا‬
‫كانت المامية أوْلى بمفارقة سائر طوائف المة فهم أبعد عن الحق ‪ ،‬ل سيما‬
‫و هم في أنف سهم أك ثر اختل فا من جم يع فرق ال مة ‪ ،‬ح تى يقال ‪ :‬إن هم ثنتان‬
‫ض أصحابه‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫وسبعون فرقة ‪ .‬وهذا القدر فيما نقله عن هذا الطوسي بع ُ‬
‫كان يقول ‪ :‬الشيعة تبلغ فرقهم ثنتين وسبعين فرقة ‪ ،‬أو كما قال ‪ .‬وقد صنّف‬
‫الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة ‪.‬‬
‫وأمسا أهسل الجماعسة فهسم أقسل اختلفسا فسي أصسول دينهسم مسن سسائر‬
‫الطوائف‪ ،‬و هم أقرب إلى كل طائ فة من كل طائ فة إلى ضدّ ها ‪ ،‬ف هم الو سط‬
‫في أهل السلم كما أن أهل السلم هم الوسط في أهل الملل ‪ :‬هم وسط في‬
‫باب صفات ال بين أهل التعطيل وأهل التمثيل ‪.‬‬
‫وقال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪:‬‬

‫((‬

‫خيسر المور أوسسطها )) وحينئذ‬

‫أهل السنة والجماعة خير الفرق‪.‬‬
‫و في باب القدر ب ين أ هل التكذ يب به وأ هل الحتجاج به ‪ ،‬و في باب‬
‫السسماء والحكام بيسن الوعيديسة والمرجئة ‪ ،‬وفسي باب الصسحابة بيسن الغلة‬
‫والجفاة ‪ ،‬فل يغلون فسي عليّس غلو الرافضسة ‪ ،‬ول يكفّرونسه تكفيسر الخوارج ‪،‬‬
‫ول يكفّرون أبا بكر وعثمان كما تكفّرهم الروافض ‪ ،‬ول يكفّرون عثمان وعليا‬
‫كما يُكفرهما الخوارج ‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن يقال ‪ :‬إن الشيعة ليس لهم قول واحد اتفقوا عليه ‪،‬‬
‫‪ )3(1‬الية ‪ 159‬من سورة النعام ‪.‬‬
‫‪ )4(2‬الية ‪ 213‬من سورة البقرة ‪.‬‬
‫‪ )5(3‬الية ‪ 4‬من سورة البينة ‪.‬‬

‫‪294‬‬

‫فإن القول الذي ذكره هذا قول مسن أقوال الماميسة ‪ ،‬ومسن الماميسة طوائف‬
‫تخالف هؤلء في التوحيد والعدل ‪ ،‬كما تقدم حكايته ‪ .‬وجمهور الشيعة تخالف‬
‫المام ية في الث نى ع شر ‪ ،‬فالزيد ية وال سماعيلية وغير هم متفقون على إنكار‬
‫إمامة الثنى عشر‪.‬‬
‫وهؤلء الماميسة الثنسا عشريسة يقولون ‪ :‬إن أصسول الديسن أربعسة ‪:‬‬
‫التوحيسد ‪ ،‬والعدل ‪ ،‬والنبوة ‪ ،‬والمامسة‪ .‬وهسم مختلفون فسي التوحيسد والعدل‬
‫والمامسة ‪ .‬وأمسا النبوة فغايتهسم أن يكونوا مقرّيسن بهسا كإقرار سسائر المسة‪.‬‬
‫واختلفهم في المامة أعظم من اختلف سائر المة ‪ ،‬فإن قالت الثنا عشرية‪:‬‬
‫نحن أكثر من هذه الطوائف ‪ ،‬فيكون الحق معنا دونهم ‪ .‬قيل لهم ‪ :‬وأهل السنة‬
‫أك ثر من كم ‪ ،‬فيكون ال حق مع هم دون كم ‪ ،‬فغايت كم أن تكون سائر فرق المام ية‬
‫مع كم بمنزلت كم مع سائر الم سلمين ‪ ،‬وال سلم هو د ين ال الذي يج مع أ هل‬
‫الحق ‪.‬‬
‫(فصسسسل )‬
‫قال الرافضني ‪(( :‬الوجنه الثالث‪:‬أن الماميسة جازمون بحصسول النجاة‬
‫لهسم ولئمتهسم ‪ ،‬قاطعون بذلك ‪ ،‬وبحصسول ضدهسا لغيرهسم ‪ .‬وأهسل السسنة ل‬
‫يجيزون ول يجزمون بذلك ل لهم ول لغيرهم ‪ .‬فيكون اتّباع أولئك أوْلى ‪ ،‬لنّا‬
‫لو فرضنا مثل خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة ‪ ،‬فوجدا طريقين سلك‬
‫كل منهما طريقا ‪ ،‬فخرج ثالث يطلب الكوفة ‪ :‬فسأل أحدهما ‪ :‬إلى أين تذهب؟‬
‫فقال إلى الكو فة ‪ .‬فقال له ‪ :‬هل طري قك تو صلك إلي ها ؟ و هل طري قك آ من أم‬
‫مخوف ؟ وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة ؟ وهل هو آمن أم مخوف ؟‬
‫فقال ‪ :‬ل أعلم شيئا من ذلك ‪ .‬ثم سأل صاحبه فقال أعلم أن طري قي يو صّلني‬
‫إلى الكوفة ‪ ،‬وأنه آمن ‪ ،‬وأعلم أن طريق صاحبي ل يؤديه إلى الكوفة ‪ ،‬وأنه‬
‫ليسس بآمسن ‪ ،‬فإن الثالث إن تابسع الول عدّه العقلء سسفيها ‪ ،‬وإن تابسع الثانسي‬
‫نُسب إلى الخذ بالحزم )) ‪.‬‬

‫‪295‬‬

‫هكذا ذكره فسي كتابسه ‪ ،‬والصسواب أن يُقال ‪ :‬وسسأل الثانسي فقال له‬
‫الثاني‪ :‬ل أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ول أعلم أنه آمن أم مخوف ‪.‬‬
‫والجواب على هذا من وجوه ‪:‬‬
‫أحدهنا ‪:‬أن يُقال ‪ :‬إن كان اتّباع الئمسة الذيسن ُتدّعسى لهسم الطاعسة‬
‫المطل قة‪ ،‬وأن ذلك يو جب ل هم النجاة واج با ‪ ،‬كان اتّباع خلفاء ب ني أم ية الذ ين‬
‫كانوا يوجبون طاعسة أئمتهسم طاعسة مطلقسة ويقولون ‪ :‬إن ذلك يوجسب النجاة‬
‫مصيبين على الحق ‪ ،‬وكانوا في سبّهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة‬
‫عل يّ م صيبين ‪ ،‬لن هم كانوا يعتقدون أن طا عة الئ مة واج بة في كل ش يء ‪،‬‬
‫وأن المام ل يؤاخذه ال بذنب ‪ ،‬وأنه ل ذنب لهم فيما أطاعوا فيه المام ‪ ،‬بل‬
‫أولئك أوْلى بالحجة من الشيعة ‪ ،‬لنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم ال ونصيهم‬
‫وأيّد هم وملّك هم ‪ ،‬فإذا كان مذ هب القدر ية أن ال ل يف عل إل ما هو ال صلح‬
‫لعباده ‪،‬كان تولية أولئك الئمة مصلحة لعباده ‪.‬‬
‫ومعلوم ان اللطسف والمصسلحة التسي حصسلت بهسم أعظسم مسن اللطسف‬
‫والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز ‪ .‬ولهذا حصل لتّباع خلفاء بني‬
‫أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم ‪ ،‬أعظم مما حصل لتّباع المنتظر ؛ فإن‬
‫هؤلء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ‪ ،‬ول ينهاهم عن شيء‬
‫من المن كر ‪ ،‬ول يعين هم على ش يء من م صلحة دين هم ول دنيا هم ‪ ،‬بخلف‬
‫أولئك ؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم ‪ ،‬أعظم مما انتفع‬
‫هؤلء بأئمتهم ‪.‬‬
‫فتسبين أنسه إن كانست حجسة هؤلء المنتسسبين إلى مشايعسة علي ّ ‪t‬‬

‫صحيحة ‪ ،‬فح جة أولئك المنت سبين إلى مشاي عة عثمان ‪ t‬أوْلى بال صحة ‪ ،‬وإن‬
‫كا نت باطلة فهذه أب طل من ها ‪ .‬فإذا كان هؤلء الشي عة متفق ين مع سائر أ هل‬
‫السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا أولئك الئمة طاعة مطلقة خطأ‬
‫وضلل ‪ ،‬فخ طأ هؤلء وضلل هم إذا جزموا بنجات هم لطاعت هم ل من يدّ عي أ نه‬
‫نائب المعصوم – والمعصوم ل عين له ول أثر – أعظم وأعظم ؛ فإن الشيعة‬

‫‪296‬‬

‫ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب ‪ ،‬إل شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل‪،‬‬
‫ويصدّونهم عن سبيل ال‪.‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقا لو ثبت مقدمتان ‪:‬‬
‫إحداهمسا ‪ :‬أن لنسا إمامسا معصسوما‪ .‬والثانيسة ‪ :‬أنسه أمسر بكذا وكذا ‪ .‬وكلتسا‬
‫المقدمتيسن غيسر معلومسة ‪ ،‬بسل باطلة ‪ .‬دع المقدمسة الولى ‪ ،‬بسل الثانيسة ‪ ،‬فإن‬
‫الئمة الذين يدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة ‪ ،‬والمنتظر له غائب‬
‫أك ثر من أربعمائة وخم سين سنة ‪ ،‬وعند آخرين هو معدوم لم يوجد ‪ .‬والذ ين‬
‫يُطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة ‪ ،‬أو كتب صنّفها بعض شيوخ الراف ضة ‪،‬‬
‫وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين ‪ .‬وهؤلء الشيوخ المصنّفون‬
‫ليسوا معصومين بالتفاق ‪ ،‬ول مقطوعا لهم بالنجاة ‪.‬‬
‫فإذا الراف ضة ل يتّبعون إل أئ مة ل يقطعون بنجات هم ول سعادتهم ‪،‬‬
‫فلم يكونوا قاطعيسن ل بنجاتهسم ‪ ،‬ول بنجاة أئمتهسم الذيسن يباشرونهسم بالمسر‬
‫والنهي ‪ ،‬وهم أئمتهم ‪ ،‬وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الئمة ‪ ،‬بمنزلة كثير‬
‫من أتباع شيوخ هم الذ ين ينت سبون إلى ش يخ قد مات من مدة ‪،‬ول يدرون بماذا‬
‫أمسر ‪ ،‬ول عماذا نهسى ‪ ،‬بسل له اتباع يأكلون أموالهسم بالباطسل ويصسدون عسن‬
‫سبيل ال ‪ ،‬يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه ‪ ،‬وأن يتخذوهم أربابا ‪،‬‬
‫وكما تأمر شيوخ الشي عة أتباعهم ‪ ،‬وكما تأ مر شيوخ النصارى أتباعهم ‪ ،‬ف هم‬
‫يأمرونهسم بالشراك بال وعبادة غيسر ال ‪ ،‬ويصسدونهم عسن سسبيل ال ‪،‬‬
‫سول ال ‪ ،‬فإن‬
‫سة شهادة أن ل إله إل ال وان محمدا رسس‬
‫سن حقيقس‬
‫فيخرجون عس‬
‫التوح يد أن نع بد ال وحده ‪ ،‬فل يُد عى إل هو ‪ ،‬ول يُخ شى إل هو ‪ ،‬ول يت قى‬
‫إل هو ‪ ،‬ول يتو كل إل عل يه ‪ ،‬ول يكون الد ين إل له ‪ ،‬ل ل حد من الخلق ‪،‬‬
‫وأن ل نتخذ الملئكة والنبيين أربابا ‪ ،‬فكيف بالئمة والشيوخ والعلماء والملوك‬
‫وغيرهم !؟‬
‫والرسول صلى ال تعالى عليه وسلم هو المبلّغ عن ال أمره ونهيه ‪،‬‬
‫فل يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إل هو ‪ ،‬فإذا جُعل الغمام والشيخ كأنه إله يُدعى‬

‫‪297‬‬

‫مع مغيبه وبعد موته ‪ ،‬ويُستغاث به ‪ ،‬ويُطلب منه الحوائج ‪ ،‬والطاعة إنما هي‬
‫لشخص حاضر يأمر بما يريد ‪ ،‬وينهى عمّا يريد كان الميت مشبّها بال تعالى‪،‬‬
‫وال حي مشبها بر سول ال صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬فيخرجون عن حقي قة‬
‫السلم الذي أصله شهادة أن ل إله إل ال ‪ ،‬وشهادة أن محمدا رسول ال ‪.‬‬
‫ثم إن كثيرا منهم يتعلّقون بحكايات تُنقل عن ذلك الشيخ ‪ ،‬وكثير منها‬
‫كذب عليسه ‪ ،‬وبعضهسا خطسأ منسه ‪ ،‬فيَعدِلون عسن النقسل الصسدق عسن القائل‬
‫المعصسوم إلى نقسل غيسر مصسدّق عسن قائل غيسر معصسوم ‪ .‬فإذا كان هؤلء‬
‫مخطئين في هذا ‪ ،‬فالشيعة أكثر وأعظم خطأ ‪ ،‬لنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه‬
‫عن الئمة ‪ ،‬وأعظم غلوا في دعوى عصمة الئمة ‪.‬‬
‫الوجنه الثالث ‪ :‬منسع الحكسم فسي هذا المثال الذي ضربسه وجعله أصسل‬
‫قاس عل يه‪،‬فان الر جل إذا قال له أ حد الرجل ين‪:‬طري قى آ من يو صلني‪،‬وقال له‬
‫ال خر‪:‬ل علم لي بأن طري قي آ من يو صلني‪،‬أو قال ذلك الول ‪ ،‬لم يح سن في‬
‫الع قل ت صديق الول بمجرد قوله ‪ ،‬بل يجوز ع ند العقلء أن يكون هذا محتال‬
‫عل يه ‪ ،‬يكذب ح تى ي صحبه في الطر يق فيقتله ويأ خذ ماله ‪ ،‬ويجوز أن يكون‬
‫جاهل ل يعرف مسا فسي الطريسق مسن الخوف ‪ ،‬وأمسا ذاك الرجسل فلم يضمسن‬
‫للسسائل شيئا ‪ ،‬بسل رده إلى نظره ‪ ،‬فالحزم فسي مثسل هذا أن ينظسر الرجسل أيّس‬
‫الطريقين أولى بالسلوك ‪ :‬أحد ذينك الطريقين أو غيرهما ‪.‬‬
‫فتسبين أن مجرد القدام على الحزم ل يدل على علم صساحبه ول على‬
‫صدقه‪ ،‬وأن التوقف والمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلء ‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬أن يقال ‪ :‬قوله ‪ (( :‬إنهم جازمون بح صول النجاة لهم‬
‫دون أهل السنة )) كذب ‪ ،‬فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم‬
‫يدخل الجنة ‪ ،‬وإن َترَك الواجبات و َفعَل المحرمات ‪ ،‬فليس هذا قول المامية ‪،‬‬
‫ول يقوله عاقل ‪.‬‬
‫عليس حسسنة ل يضسر معهسا سسيئة ‪ ،‬فل يضره ترك‬
‫ّ‬
‫وإن كان حسب‬
‫الصلوات ‪ ،‬ول الفجور بالعلويّات ‪ ،‬ول نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا‬

‫‪298‬‬

‫كان يحب عليّا ‪.‬‬
‫فإن قالوا ‪ :‬المحبة الصادقة تستلزم الموافقة ‪ ،‬عاد المر إلى أنه ل بد‬
‫من أداء الواجبات وترك المحرمات ‪ .‬وإن أراد بذلك أن هم يعتقدون أن كل من‬
‫اعتقسد العتقاد الصسحيح ‪ ،‬وأدى الواجبات ‪ ،‬وترك المحرّمات يدخسل الجنسة –‬
‫فهذا اعتقاد أهل السنة ؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتّقى ال ‪ ،‬كما نطق به‬
‫القرآن‪.‬‬
‫وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن ‪ ،‬فإنه‬
‫إذا علم أ نه مات على التقوى عُلم أ نه من أ هل الج نة ‪ .‬ولهذا يشهدون بالج نة‬
‫ل من ش هد له الر سول صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ ،‬ول هم في من ا ستفاض في‬
‫الناس حسن الثناء عليه قولن ‪.‬‬
‫ف تبين أ نه ل يس في المام ية جزم محمود اختُ صوا به عن أ هل ال سنة‬
‫والجماعسة ‪ .‬وإن قالوا ‪ :‬إنّا نجزم لكسل شخسص رأيناه ملتزما للواجبات عندنسا‬
‫تاركا للمحرمات ‪ ،‬بأنه من أهل الجنة ‪ ،‬من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬هذه المسألة ل تتعلق بالمامية ‪ ،‬بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو‬
‫لهل السنة ‪ ،‬وهم بسلوكه أحذق ‪ ،‬وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك ‪،‬‬
‫كان ذلك قول بل علم ‪ ،‬فل فضيلة فيه ‪ ،‬بل في عدمه ‪.‬‬
‫ففسي الجملة ل يدّعون عل ما صسحيحا إل وأهسل ال سنة أ حق بسه ‪ ،‬و ما‬
‫ادّعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه ‪.‬‬
‫الوجه الخامس ‪ :‬أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لئمتهم أعظم‬
‫من جزم الرافضة ‪ .‬وذلك أن أئمتهم بعد النبي صلى ال تعالى عليه وسلم هم‬
‫السسابقون الوّلون مسن المهاجريسن والنصسار ‪ ،‬وهسم جازمون بحصسول النجاة‬
‫لهؤلء ‪ ،‬فإنهم يشهدون ان العشرة في الجنة ‪ ،‬ويشهدون أن ال قال لهل بدر‪:‬‬
‫((‬

‫اعملوا ما شئ تم ف قد غفرت ل كم‬

‫))‬

‫‪ ،‬بل يقولون ‪ :‬إ نه ((ل يد خل النار أ حد‬

‫بايع تحت الشجرة )) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى ال تعالى عليه‬

‫‪299‬‬

‫و سلم‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ .‬فهؤلء أك ثر من ألف وأربعمائة إمام ل هل ال سنة ‪ ،‬يشهدون أ نه ل‬

‫يدخل النار منهم أحد ‪ ،‬وهي شهادة بعلم ‪ ،‬كما دل على ذلك الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫الو جه ال سادس ‪ :‬أن يقال ‪ :‬أ هل ال سنة يشهدون بالنجاة ‪ :‬إ ما مطل قا ‪،‬‬
‫وإما معينا ‪ ،‬شهادة مستندة إلى علم ‪ .‬وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما‬
‫ل يعلمون ‪ ،‬أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنسه كذب ‪ ،‬فهسم كمسا قال الشافعسي‬
‫رحمه ال ‪ :‬ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة ‪.‬‬
‫الوجنه السنابع ‪ :‬أن المام الذي شهسد له بالنجاة ‪ :‬إمسا أن يكون هسو‬
‫المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين ‪ ،‬أو هو مطاع فيما يأمر‬
‫بسه مسن طاعسة ال ورسسوله ‪ ،‬وفيمسا يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أوْلى‬
‫منسه‪ ،‬ونحسو ذلك ‪ .‬فإن كان المام هسو الول ‪ ،‬فل إمام لهسل السسنة بهذا‬
‫العتبار إل رسسول ال صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬وهسم يقولون كمسا قال‬
‫مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم ‪ :‬كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إل رسول ال‬
‫عليه السلم ‪ .‬وهم يشهدون لمام هم أ نه خير الخلئق ‪ ،‬ويشهدون ان كل من‬
‫ائتم به ‪ ،‬ففعل ما أُمر به وترك ما نُهى عنه ‪ ،‬دخل الجنة ‪ .‬وهذه الشهادة بهذا‬
‫وهذا هم في ها أ تم من الراف ضة من شهادت هم للع سكر ِييْن وأمثاله ما بأ نه من‬
‫أطاعهم دخل الجنة ‪.‬‬
‫فثبت أن إمام أهل السنة أكمل ‪ ،‬وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ‪،‬‬
‫ول سواء ‪.‬‬
‫ول كن قال ال تعالى ‪] :‬ءآل خَيْرٌ َأمّ ا ُيشْرِكون [(‪،)2‬فع ند المقابلة يُذ كر‬
‫الخير المحض على الشر المحض ‪ ،‬وإن كان الشر المحض ل خير فيه ‪.‬‬
‫وإن أرادوا بالمام المام المقيّد ‪ ،‬فذاك ل يُوجب أهل السنة طاعته ‪،‬‬
‫إن لم ي كن ما أ مر به مواف قا ل مر المام المطلق ر سول ال صلى ال تعالى‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وهم إذا أطاعوه فيما أمر ال بطاعته فيه ‪ ،‬فإنما هم مطيعون ل‬
‫‪ )1(1‬انظر البخاري ج ‪ 3‬ص ‪ 46‬ومسلم ج ‪ 2‬ص ‪.822‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 59‬من سورة النمل ‪.‬‬

‫‪300‬‬

‫ورسوله ‪ ،‬فل يضرهم توقفهم في المام المقيّد ‪ :‬هل هو في الجنة أم ل ؟ ‪.‬‬
‫الوجه الثامن ‪ :‬أن يُقال ‪ :‬إن ال قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع‬
‫رسوله ‪ ،‬وتوعّد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك ‪ ،‬فمناط السعادة طاعة ال ورسوله ‪.‬‬
‫ك مَ َع الّذي نَ أَ ْنعَ َم الُ عَلَ ْيهِ مْ‬
‫كما قال تعالى ‪َ ] :‬ومَن ُيطِ ْع الَ وَالرّ سُولَ فَُأوْلئِ َ‬
‫ن َوحَ سَنَ أولَئِ كَ رَفيقًا [‬
‫شهَداءْ وَال صّالِحي َ‬
‫مّ نَ النّبِيّي نَ وَال صّدّيقينَ وال ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫وأمثال‬

‫ذلك ‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك وال تعالى يقول ‪ ] :‬فاتّقوا ال ما ا سْ َتطَعْ ُتمْ [(‪ )2‬ف من اجت هد في‬
‫طاعة ال ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة ‪.‬‬
‫فقول الرافضسة ‪ :‬لن يدخسل الجن ّة إل مسن كان إماميسا ‪ ،‬كقول اليهود‬
‫ن كَا نَ هُودًا َأوْ نَ صَارَى ‪ ،‬تِلْ كَ َأمَانّ ّيهُ مْ ُقلْ‬
‫خلَ ا ْلجَ ّنةَ ِإ ّل مَ ْ‬
‫والنصارى ‪َ] :‬ل نْ يَ ْد ُ‬
‫جهَ هُ ِلِ وَ ُهوَ ُمحْ سِنٌ َفلَ هُ‬
‫هَاتُوا ُبرْهَا َنكُ مْ إِ نْ كُنْتُ مْ صَا ِدقِين ‪َ ،‬بلَى مَ نْ أَ سْ َلمَ َو ْ‬
‫خوْفٌ عَلَ ْي ِهمْ َولَ ُه ْم َيحْزَنُون [(‪. )3‬‬
‫َأجْرُهُ عِنْدَ رَ ّب ِه َولَ َ‬
‫ومسن المعلوم أن المنتظسر الذي يدّعيسه الرافضسي ل يجسب على أحسد‬
‫طاعتسه ‪ ،‬فإنسه ل يُعلم له قول منقول عنسه ‪ ،‬فإذا مسن أطاع الرسسول صسلى ال‬
‫تعالى عل يه و سلم د خل الج نة وإن لم يؤ من بهذا المام ‪ ،‬و من آ من بهذا المام‬
‫لم يدخسل الجنسة إل إذا أطاع الرسسول صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬فطاعسة‬
‫الر سول صلى ال تعالى عل يه و سلم هي مدار ال سعادة وجودا وعد ما ‪ ،‬و هي‬
‫الفار قة ب ين أ هل الج نة والنار ‪ ،‬ومح مد صلى ل تعالى عل يه و سلم فرّق ب ين‬
‫الناس ‪ ،‬وال سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم ‪ ،‬فتبين أن‬
‫أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنّة ‪.‬‬
‫(فصسسسل)‬
‫‪ )2(1‬الية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )1(2‬الية ‪ 69‬من سورة النساء ‪.‬‬
‫‪ )2(3‬اليتان ‪ 112 ، 111‬من سورة البقرة ‪.‬‬

‫‪301‬‬

‫قال الراف ضي‪ :‬الو جه الرا بع ‪ :‬أن المام ية أخذوا مذهب هم عن الئ مة‬
‫المعصسومين المشهوريسن بالفضسل والعلم ولزهسد والورع ‪ ،‬والشتغال فسي كسل‬
‫وقست بالعبادة والدعاء وتلوة القرآن ‪،‬والمداومسة على ذلك مسن زمسن الطفولة‬
‫إلى آ خر الع مر ‪ ،‬ومنهم من يعلم الناس العلوم ‪ ،‬ونزل في حق هم ‪] :‬ه ْل أَتَى [‬
‫وآ ية الطهارة ‪ ،‬وإيجاب المودة ل هم ‪ ،‬وآ ية البتهال وغ ير ذلك ‪ .‬وكان علي ّ ‪t‬‬

‫ي صلّي في كل يوم وليلة ألف رك عة ‪ ،‬ويتلو القرآن مع شدّة ابتلئه بالحروب‬
‫والجهاد ‪.‬‬
‫س بسن أبسي طالب ‪ t‬كان أفضسل الخلق بعسد رسسول ال‬
‫فأولهسم علي ّ‬
‫سكُ ْم [‬
‫‪e‬وجعله ال ن فس ر سول ال ح يث قال‪َ ]:‬وأَ ْنفُ سَنا َوأَ ْنفُ َ‬

‫(‪)1‬‬

‫وواخاه ر سول‬

‫ال وزوّجه ابنته ‪ ،‬و َفضْلُ ُه ل يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة ‪ ،‬حتى ادّعى‬
‫قوم ف يه الربوب ية وقتل هم ‪ ،‬و صار إلى مقالت هم آخرون إلى هذه الغا ية كالغلة‬
‫والن صيرية ‪ .‬وكان ولداه سبطا ر سول ال ‪ e‬سيدا شباب أ هل الج نة ‪ ،‬إمام ين‬
‫بنسص النسبي صسلى ال تعالى عليسه وسسلم ‪ ،‬وكانسا أزهسد الناس وأعلمهسم فسي‬
‫زمانهما ‪ ،‬وجاهدا في ال حق جهاده حتى قتل ‪ ،‬ولبس الحسن الصوف تحت‬
‫ثيا به الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك ‪ ،‬وأخذ النبي صلى ال تعالى عليه‬
‫وسسلم يومسا الحسسين على فخذه اليمسن ‪ ،‬وإبراهيسم على فخذه اليسسر ‪ ،‬فنزل‬
‫جبرائيل عليه السلم وقال‪ :‬إن ال تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما ‪ ،‬فاختر من‬
‫شئت منه ما ‪ ،‬فقال ال نبي صلى ال تعالى عل يه و سلم ‪ :‬إذا مات الح سين بك يت‬
‫أ نا وعل يّ وفاط مة ‪ ،‬وإذا مات إبراه يم بك يت أ نا عل يه ‪ ،‬فاختار موت إبراه يم‬
‫فمات بعسد ثلثسة أيام ‪ ،‬وكان إذا جاء الحسسين بعسد ذلك يقبله ويقول ‪ :‬أهل‬
‫ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم ‪.‬‬
‫وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويصوم ليله ‪ ،‬ويتلو‬
‫الكتاب العزيسز ‪ ،‬ويصسلّي كسل يوم وليلة ألف ركعسة ‪ ،‬ويدعسو كسل ركعتيسن‬
‫بالدعية المنقولة عنه وعن آبائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر ‪ ،‬ويقول ‪ :‬أنّى‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 61‬من سورة آل عمران ‪.‬‬

‫‪302‬‬

‫لي بعبادة عل يّ ‪ ،‬وكان يبكي كثيرا حتى أخذت الدموع من لحم خديه ‪ ،‬وسجد‬
‫حتى سمى ذا الثَفِنات ‪ ،‬وسماه رسول ال ‪ e‬سيد العابدين ‪.‬‬
‫وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من‬
‫الزحام ‪ ،‬فجاء زين العابدين فوقف الناس له و َت َنحّوْا عن الحجر حتى استلمه ‪،‬‬
‫ولم يبق عند الحجر سواه ‪ ،‬فقال هشام بن عبد الملك ‪ :‬من هذا فقال الفرزدق‬
‫وذكسر أبيات الشعسر المشهورة فبعسث إليسه المام زيسن العابديسن بألف دينار ‪،‬‬
‫فرد ها ‪ ،‬وقال‪ :‬إن ما قلت هذا غضبا ل ولر سوله ‪ ،‬ف ما آ خذ عل يه أجرا ‪ ،‬فقال‬
‫عي بن الحسين ‪ :‬نحن أهل بيت ل يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق ‪.‬‬
‫وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليل ول يعرفون ممن هو ‪ ،‬فلما مات‬
‫زين العابدين ‪ ،‬انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه ‪.‬‬
‫وكان ابنه محمد الباقر أعظم الناس زهدا وعبادة ‪ ،‬بَ َقرَ السجو ُد جبهتَه‪،‬‬
‫وكان أعلم أهسل وقتسه ‪ ،‬سسمّاه رسسول ال ‪e‬الباقسر ‪ ،‬وجاء جابر بسن عبسد ال‬
‫الن صاري إل يه و هو صغير في ال ُكتّاب ‪ ،‬فقال له ‪ :‬جدّك ر سول ال ‪ e‬ي سلّم‬
‫عل يك ‪ .‬فقال ‪ :‬وعلى جدّي ال سلم ‪ .‬فق يل لجابر ك يف هو ؟ قال ك نت جال سا‬
‫عند رسول ال ‪ e‬والحسين في حجره وهو فهذا لو ُقدّر أن جميع الناس ظهر‬
‫من هم ال مر بقتله ‪ ،‬فك يف وجمهور هم أنكروا قتله ‪ ،‬ودا فع ع نه من دا فع في‬
‫بيته ‪ ،‬كالحسن بن عليّ وعبد ال بن الزبير وغيرهما ؟‬
‫ثسم دعوى المدّعسي الجماع على قتسل عثمان مسع ظهور النكار مسن‬
‫جماه ير ال مة له وقيام هم في النت صار له والنتقام م من قتله‪،‬أظ هر كذ با من‬
‫دعوى المدّعى إجماع المة على قتل الحسين ‪. t‬‬
‫فلو قال قائل‪:‬إن الح سين ق تل بإجماع الناس‪،‬لن الذ ين قاتلوه وقتلوه لم‬
‫يدفعهم أحد عن ذلك‪،‬لم يكن كذبه بأظهر من كذب المدّعى للجماع على قتل‬
‫عثمان؛فإن الحسسين ‪ t‬لم يعظسم إنكار المسة لقتله‪،‬كمسا عظسم إنكارهسم لقتسل‬
‫عثمان‪،‬ول انتصر له جيوش كالجيوش الذين انتصرت لعثمان‪،‬ول انتقم أعوانه‬
‫من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من أعدائه‪،‬ول حصل بقتله من الفتنة والشر‬

‫‪303‬‬

‫والفساد ما حصل بقتل عثمان‪ ،‬ول كان قتله أعظم إنكارا عند ال وعند رسوله‬
‫وعنسد المؤمنيسن مسن قتسل عثمان؛فإن عثمان مسن أعيان السسابقين الوليسن مسن‬
‫ي وطلحة والزبير ‪ ،‬وهو خليفة للمسلمين أجمعوا على‬
‫المهاجرين من طبقة عل ّ‬
‫بيع ته ‪ ،‬بل لم ُيشْ هر في ال مة سيفا ول ق تل على ولي ته أحدا ‪ ،‬وكان يغزو‬
‫بالم سلمين الكفّار بال سيف ‪ ،‬وكان ال سيف في خلف ته ك ما كان في خل فة أ بي‬
‫بكر وعمر مسلول على الكفّار ‪ ،‬مكفوفا عن أهل القبلة ‪.‬‬
‫وأمنا قوله ‪ (( :‬إن عائشسة كانست فسي كسل وقست تأمسر بقتسل عثمان ‪،‬‬
‫وتقول فسي كسل وقست‪:‬اقتلوا نعثل ‪ ،‬قتسل ال نعثل ‪ ،‬ولمسا بلغهسا قتله فرحست‬
‫بذلك))‪.‬‬
‫فيقال له ‪ :‬أول ‪ :‬أين النقل الثابت عن عائشة بذلك ؟‬
‫ويقال ‪ :‬ثانيسا ‪ :‬المنقول الثابست عنهسا يكذّب ذلك ‪ ،‬ويسبين أنهسا أنكرت‬
‫قتله ‪ ،‬وذمّت من قتله ‪ ،‬ودعت على أخيها محمد وغيره لمشاركتهم في ذلك ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬ثالثا ‪ :‬هب أن واحدا من الصحابة ‪ :‬عائشة أو غيرها قال في‬
‫ذلك على وجه الغضب ‪ ،‬لنكاره بعض ما ينكر ‪ ،‬فليس قوله حجة ‪ ،‬ول يقدح‬
‫ذلك ل في إيمان القائل ول المقول له ‪ ،‬بل قد يكون كلهما وليّا ل تعالى من‬
‫أهل الجنة ‪ ،‬ويظن أحدهما جواز قتل الخر ‪ ،‬بل يظن كفره ‪ ،‬وهو مخطئ في‬
‫هذا الظن ‪.‬‬
‫والكلم فسي الناس يجسب أن يكون فسي علم وعدل ‪ ،‬ل بجهسل وظلم ‪،‬‬
‫كحال أ هل البدع ؛ فإن الراف ضة تع مد إلى أقوام متقارب ين في الفضيلة ‪ ،‬تر يد‬
‫أن تجعسل أحدهمسا معصسوما مسن الذنوب والخطايسا ‪ ،‬والخسر مأثوما فاسسقا أو‬
‫كافرا ‪ ،‬فيظهر جهلهم وتناقضهم ‪ ،‬كاليهودي والنصراني إذا أراد أن يثبت نبوّة‬
‫موسسى أو عيسسى ‪ ،‬مسع قدحسه فسي نبوة محمسد ‪ ،e‬فإنسه يظهسر عجزه وجهله‬
‫وتناقضه ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬إن ها سألت من تولّى الخل فة ؟ فقالوا ‪ :‬عل يّ فخر جت‬
‫لقتاله على دم عثمان فأي ذنب كان لعليّ في ذلك ؟))‪.‬‬

‫‪304‬‬

‫فيقال له ‪ :‬أول ‪ :‬قول القائل إن عائشسة وطلحسة والزبيسر اتهموا عليّاس‬
‫بأنه قتل عثمان وقاتلوه على ذلك –كذب بيّن ‪ ،‬بل إنما طلبوا القتلة الذين كانوا‬
‫تحيّزوا إلى عليّ ‪،‬وهم يعلمون أن براءة عليّ من دم عثمان كبراءتهم وأعظم ‪،‬‬
‫ل كن القتلة كانوا قد أووا إل يه ‪ ،‬فطلبوا ق تل القتلة ‪ ،‬ول كن كانوا عاجز ين عن‬
‫ذلك هم وعليّ ‪ ،‬لن القوم كانت لهم قبائل يذبّون عنهم ‪.‬‬
‫والفتنة إذا وقعت عجز العقلء فيها عن دفع السفهاء ‪ ،‬فصار الكابر‬
‫رضى ال عنهم عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها ‪ .‬وهذا شأن الفتن كما‬
‫نةً [(‪. )1‬وإذا‬
‫ن خَاص َ‬
‫ن ظَ َلمُوا مِ ْنكُم ْ‬
‫ن الّذِين َ‬
‫نيَبَ ّ‬
‫قال تعالى ‪ ] :‬وَاتّقُوا فِتْ َن ًة لَ تُص ِ‬
‫وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إل من عصمه ال ‪.‬‬
‫وأيضا قوله ‪ (( :‬أي ذنب كان لعليّ في قتله؟ )) ‪.‬‬
‫تناقض منه ‪ ،‬فإنه يزعم أن عليّا كان ممن يستحل قتله وقتاله ‪ ،‬وممن‬
‫ألّب عليه وقام في ذلك ‪ ،‬فإن عليّا ‪ t‬نسبه إلى قتل عثمان كثير من شيعته ومن‬
‫شي عة عثمان ‪ ،‬هؤلء لبغض هم لعثمان وهؤلء لبغض هم لعل يّ ‪ ،‬وأ ما جماه ير‬
‫المسلمين فيعلمون كذب الطائفتين عَلَى عليّ ‪.‬‬
‫والرافضة تقول ‪ :‬إن عليّا كان ممن يستحل قتل عثمان ‪ ،‬بل وقتل أبي‬
‫بكر وعمر ‪ ،‬وترى أن العانة على قتله من الطاعات والقربات ‪ .‬فكيف يقول‬
‫من هذا اعتقاده ‪ :‬أ يّ ذ نب كان لعل يّ على ذلك ؟ وإن ما يل يق هذا التنز يه لعل يّ‬
‫بأقوال أهل السنة ‪ ،‬لكن الرافضة من أعظم الناس تناقضا ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬وكيف استجاز طلحة والزبير وغيرهما مطاوعته على‬
‫ذلك ؟ وبأي وجه يلقون رسول ال ‪e‬؟ مع ان الواحد منا لو تحدث مع امرأة‬
‫غيره وأخرجها من منزلها وسافر بها كان أشد الناس عداوة له )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬هذا مسن تناقسض الرافضسة وجهلهسم ؛ فإنهسم يرمون عائشسة‬
‫بالعظائم ‪ ،‬ثم منهم من يرميها بالفاحشة التي برّأها ال منها ‪ ،‬وأنزل القرآن في‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 25‬من سورة النفال ‪.‬‬

‫‪305‬‬

‫ثسم إنهسم لفرط جهلهسم يدّعون ذلك فسي غيرهسا مسن نسساء النسبياء ‪،‬‬
‫فيزعمون أن امرأة نوح كانست َب ِغيّاس ‪ ،‬وأن البسن الذي دعاه نوح لم يكسن منسه‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِح [(‪. )1‬أن هذا الولد‬
‫وإن ما كان من ها ‪ ،‬وأن مع نى قوله ‪ ] :‬إِنّ هُ َ‬
‫َهن [(‪ . )2‬يريدون ‪:‬‬
‫ُوحن ابْن ُ‬
‫مسن عملٍ غيسر صسالح ‪ .‬ومنهسم مسن يقرأ ‪] :‬وَنَادَى ن ٌ‬
‫س مِنْ أَ ْهلِكَ [ ‪ .‬و يتأوّلون قولسه تعالى ‪:‬‬
‫ابنها ‪ ،‬ويحتجون بقوله ‪ ] :‬إِ ّنهُ لَيْ َ‬
‫ن مِ نْ‬
‫ت عَبْدَيْ ِ‬
‫ح وَامْ َرأَ َة لُو طٍ كَانَتَا َتحْ َ‬
‫ن َكفَرُوا امْ َرأَةَ نُو ٍ‬
‫ل لِلّذِي َ‬
‫] ضرَ بَ الُ مَثَ ً‬
‫عِبَادِنَا صنَا ِلحَيْنِ َفخَانَتَاهُمَا [(‪ )3‬على أن امرأة نوح خانتسه فسي فراشسه‪ ،‬وأنهسا‬
‫كانت قَحبة ‪.‬‬
‫وضاهوا فسي ذلك المنافق ين والفا سقين أ هل الفسك الذ ين رموا عائ شة‬
‫بالفك والفاحشة ولم يتوبوا ‪ ،‬و فيهم خطب النبي ‪ e‬فقال ‪ ((:‬يا أيها الناس من‬
‫يعذرنسي مسن رجسل بلغنسي أذاه فسي أهلي ‪ ،‬وال مسا علمست على أهلي إل‬
‫خيرا‪،‬ولقد ذكروا رجل ‪ ،‬وال ما علمت عليه إل خيرا ))(‪. )4‬‬
‫ومن المعلوم أنه من أعظم أنواع الذى للنسان أن يكذب على امرأته‬
‫رجل ويقول إنها بغى ويجعل الزوج زوج قحبة ‪ ،‬فإن هذا من أعظم ما يشتم‬
‫بسه الناس بعضهسم بعضسا ‪ ،‬حتسى أنهسم يقولون فسي المبالغسة ‪ :‬شتمسه بالزاى‬
‫والقاف مبالغة في شتمه ‪.‬‬
‫والرمي بالفاحشة – دون سائر المعاصي – جعل ال فيه حد القذف ‪،‬‬
‫لن الذى الذي يحصل به للمرمى ل يحصل مثله بغيره ‪،‬فإنه لو ُرمِ يَ بالكفر‬
‫أمكنه تكذيب الرامي بما يظهره من السلم ‪ ،‬بخلف الرمي بالفاحشة ؛ فإنه‬
‫ل يمكنه تكذيب المفترى بما يضاد ذلك ‪ ،‬فإن الفاحشة تخفى وتكتم مع تظاهر‬
‫النسان بخلف ذلك ‪ ،‬وأما أهل السنة فعندهم أنه ما بغت امرأة نبي قط ‪ ،‬وأن‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 46‬من سورة هود ‪.‬‬
‫‪ )2(2‬الية ‪ 42‬من سورة هود ‪.‬‬
‫‪ )3(3‬الية ‪ 10‬من سورة التحريم ‪.‬‬
‫‪ )4(4‬رواه البخاري ‪ 3/173 :‬وغيره وتقدم ص ‪.‬‬

‫‪306‬‬

‫ا بن نوح كان اب نه ‪ .‬ك ما قال ال تعالى و هو أ صدق القائل ين ‪ ] :‬وَنَادَى نُو حٌ‬
‫ن ابْنِي مِن ْأَهْلِي[‪.‬‬
‫ي ا ْركَبْ َمعَنَا [ ‪،‬وقال‪]:‬إِ ّ‬
‫ابْنَه [‪ ،‬وكما قال نوح ‪َ ] :‬يا ُبن ّ‬
‫فال ور سوله يقولن ‪ :‬إ نه اب نه ‪ ،‬وهؤلء الكاذبون المفترون المؤذون لل نبياء‬
‫يقولون ‪ :‬إنه ليس ابنه ‪ .‬وال تعالى لم يقل ‪ :‬إنه ليس ابنك‪ ،‬ولكن قال‪ ] :‬إِنّ هُ‬
‫س مِنْ أَهِْلكَ [ ‪.‬‬
‫لَيْ َ‬
‫ثم من جهل الرافضة أنهم يعظّمون أنساب النبياء ‪ :‬آباءهم وأبناءهم‬
‫ويقدحون في أزواج هم ؛ كل ذلك ع صبية واتّباع هوى ح تى يعظّمون فاط مة‬
‫والحسن والحسين ‪ ،‬ويقدحون في عائشة أم المؤمنين ‪ ،‬فيقولون – أو من يقول‬
‫منهسم ‪: -‬إن آزر أبسا إبراهيسم كان مؤمنسا ‪ ،‬وأن أبوي النسبي ‪ e‬كانسا مؤم َنيْنسِ‪،‬‬
‫حتسى ل يقولون ‪ :‬إن النسبي يكون أبوه كافرا ‪ ،‬فإذا كان أبوه كافرا أمكسن أن‬
‫يكون ابنه كافرا ‪ ،‬فل يكون في مجرد النسب فضيلة ‪.‬‬
‫وأمنا قوله ‪ (( :‬كيسف أطاعهسا على ذلك عشرات ألوف مسن المسسلمين‬
‫و ساعدوها على حرب أم ير المؤمن ين ‪ ،‬ولم ين صر أ حد من هم ب نت ر سول ال‬
‫‪e‬لما طلبت حقّها من أبي بكر ‪ ، t‬ول شخص واحد كلّمه بكلمة واحدة )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬أول ‪ :‬هذا مسن أعظسم الحجسج عليسك ؛ فإنسه ل يشسك عاقسل أن‬
‫القوم كانوا يحبون ر سول ال ‪ e‬ويعظمو نه ويعظمون قبيلته وبن ته أع ظم م ما‬
‫يعظمون أبا بكر وعمر‪،‬ولو لم يكن هو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬فكيف‬
‫إذا كان هو رسول ال ‪ e‬الذي هو أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم؟ول يستريب‬
‫عا قل أن العرب‪-‬قري شا وغ ير قر يش‪-‬كا نت تد ين لب ني ع بد مناف وتعظّم هم‬
‫أعظسم ممسا يعظّمون بنسي تيسم وعدي‪،‬ولهذا لمسا مات رسسول ال ‪e‬وتولّى أبسو‬
‫بكر‪،‬قيل لبي قحافة‪:‬مات رسول ال ‪.e‬فقال‪:‬حدث عظيم‪،‬فمن ولي بعده؟ قالوا‬
‫أ بو ب كر‪ .‬قال ‪ :‬أو رض يت ب نو ع بد مناف وب نو مخزوم ؟ قالوا ‪ :‬ن عم ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء ‪ ،‬أو كما قال ‪.‬‬
‫ولهذا جاء أبو سفيان إلى عل يّ فقال ‪ :‬أرضيتم أن يكون هذا المر في‬
‫ب ني ت يم ؟ فقال ‪ :‬يا أ با سفيان إن أ مر ال سلم ل يس كأ مر الجاهل ية ‪ ،‬أو ك ما‬

‫‪307‬‬

‫قال‪.‬‬
‫فإذا كان المسلمون كلهم ليس فيهم من قال ‪ :‬إن فاطمة رضى ال عنها‬
‫مظلو مة ‪ ،‬ول أن ل ها حقًا ع ند أ بي ب كر وع مر ر ضى ال عنه ما ول أنه ما‬
‫ظلماهسا ‪ ،‬ول تكلّم أحسد فسي هذا بكلمسة واحدة‪-‬دل ذلك على أن القوم كانوا‬
‫يعلمون أنها ليست مظلومة ‪ ،‬إذ لو علموا أنها مظلومة لكان تركهم لنصرتها ‪:‬‬
‫إ ما عجزا عن ن صرتها ‪ ،‬وإ ما إهمال وإضا عة لحق ها ‪ ،‬وإ ما بغ ضا في ها ‪ ،‬إذ‬
‫الفعسل الذي يقدر عليسه النسسان إذا أراده إرادة جازمسة فعله ل محالة ‪ ،‬فإذا لم‬
‫يرده – مع قيام المقت ضى لراد ته –فإ ما أن يكون جاهل به ‪ ،‬أو له معارض‬
‫يمنعه من إرادته ‪ ،‬فلو كانت مظلومة مع شرفها وشرف قبيلتها وأقاربها ‪ ،‬وأن‬
‫أبا ها أف ضل الخلق وأحب هم إلى أم ته ‪ ،‬و هم يعلمون أن ها مظلو مة –لكانوا إ ما‬
‫عاجزين عن نصرتها ‪ ،‬وإما أن يكون لهم معارض عارض إرادة النصر مع‬
‫بغضهسا ‪ ،‬وكل المريسن باطسل ؛ فإن القوم مسا كانوا كلهسم عاجزيسن أن يتكلم‬
‫واحد منهم بكلمة حق ‪،‬وهم كانوا أقدر على تغيير ما هو أعظم من هذا ‪.‬‬
‫وهذا وغيره ممسا يسبيّن أن المسر على نقيسض مسا تقوله الرافضسة مسن‬
‫أكاذيب هم ‪ ،‬وأن القوم كانوا يعلمون أن فاط مة لم ت كن مظلو مة أ صل ‪ ،‬فك يف‬
‫ينتصر القوم لعثمان حتى سفكوا دماءهم ‪ ، ،‬ول ينتصرون لمن هو أحب إليهم‬
‫من عثمان ‪،‬وهو رسول ال ‪e‬وأهل بيته ؟!‬
‫(فصسسسسسسل )‬
‫قال الراف ضي ‪ (( :‬و سمّوها أم المؤمن ين ولم ي سمّوا غير ها بذلك ‪ ،‬ولم‬
‫يسمّوا أخاها محمد بن أبي بكر‪ -‬مع عظم شأنه وقربه من منزلة أبيه وأخته‬
‫عائشة أم المؤمنين – فلم يسموه خال المؤمنين ‪ ،‬وسموا معوية بن أبي سفيان‬
‫خال المؤمن ين ‪ ،‬لن أخ ته أم حبي بة ب نت أ بي سفيان إحدى زوجات ال نبي ‪،e‬‬
‫وأخت محمد بن أبي بكر وأبوه أعظم من أخت معاوية ومن أبيها )) ‪.‬‬
‫والجواب أن يقال ‪ :‬أمسا قوله (( إنهسم سسموا عائشةرضسى ال عنهسا أم‬
‫المؤمنين ولم يسموا غيرها بذلك ))‪.‬‬

‫‪308‬‬

‫فهذا من البهتان الواضح الظاهر لكل أحد ‪ ،‬وما أدرى هل هذا الرجل‬
‫وأمثاله يتعمّدون الكذب ‪ ،‬أم أعمسى ال أبصسارهم لفرط هواهسم ‪ ،‬حتسى خفسى‬
‫عليهم أن هذا كذب ؟ وهم ينكرون على بعض النواصب أن الحسن لما قال لهم‬
‫أما تعلمون أني ابن فاطمة بنت رسول ال ‪e‬؟ قالوا ‪ :‬وال ما نعلم ذلك ‪ .‬وهذا‬
‫ل يقوله ول يج حد ن سب الح سين إل متعمدا للكذب والفتراء ‪ ،‬و من أع مى ال‬
‫بصسيرته باتّباع هواه حتسى يخفسى عليسه مثسل هذا ؟ فإن عيسن الهوى عمياء ‪.‬‬
‫والرافضسة أعظسم جحدا للحسق تعمدا ‪ ،‬وأعمسى مسن هؤلء ؛ فإن منهسم – مسن‬
‫المنتسبين إليهم – كالنصيرية وغيرهم من يقول ‪ :‬إن الحسن و الحسين ما كانا‬
‫أولد عل يّ ‪ ،‬بل أولد سلمان الفار سي ‪ .‬ومن هم من يقول ‪ :‬إن عليّ ا لم ي مت‪،‬‬
‫وكذلك يقولون عن غيره ‪.‬‬
‫ومنهم من يقول ‪ :‬إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين عند النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪،‬ومنهم من يقول‪:‬إن رقية وأم كلثوم زوجتى عثمان ليستا بنتى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪،‬ولكن هما بنتا خديجة من غيره‪.‬ولهم في المكابرات وجحد‬
‫العلومات بالضرورة أعظم مما لولئك النواصب الذين قتلوا الحسين‪.‬وهذا مما‬
‫يبين أنهم أكذب وأظلم وأجهل من قتلة الحسين‪.‬‬
‫وذلك أ نه من المعلوم أن كل واحدة من أزواج ال نبي ‪ e‬يقال ل ها ((أم‬
‫المؤمنيسن))عائشسة‪،‬وحفصسة‪،‬و زينسب بنست جحسش ‪،‬وأم سسلمة ‪،‬و سسودة بنست‬
‫زمعة‪،‬وميمونة بنت الحارث الهللية‪،‬وجويرية بنت الحارث المصطلقية‪،‬وصفية‬
‫بنت حي بن أخطب الهارونية‪،‬رضي ال عنهن‪.‬وقد قال ال تعالى‪]:‬النبيّ أولى‬
‫بالمؤمنينن منن أنفسنهم وأزواجنه أمهاتهنم[(‪ . )1‬وهذا أمسر معلوم للمسة علمسا‬
‫عاما‪،‬وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح هؤلء بعد موته على غيره‪،‬وعلى‬
‫وجوب احترامهسن؛فهسن أمهات المؤمنيسن فسي الحرمسة والتحريسم‪،‬ولسسن أمهات‬
‫المؤمنين في المحرمية‪،‬فل يجوز لغير أقاربهن الخلوة بهن‪،‬ول السفر بهن‪،‬كما‬
‫يخلو الرجل ويسافر بذوات محارمه‪.‬‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 6‬من سورة الحزاب ‪.‬‬

‫‪309‬‬

‫وأما قوله‪((:‬وعظم شأنه))‪.‬‬
‫فإن أراد عظسم نسسبه‪،‬فالنسسب لحرمسة له عندهسم‪،‬لقدحهسم فسي أبيسه‬
‫وأخ ته‪.‬وأ ما أ هل ال سنة فإن ما يعظّمون بالتقوى‪،‬ل بمجرد الن سب‪.‬قال تعالى‪]:‬إِنّ‬
‫أَكْ َر َمكُ مْ عِنْ َد الِ أَتْقَاكُم[(‪ . )1‬وإن أراد ع ظم شأ نه ل سابقته وهجر ته ون صرته‬
‫وجهاده ‪ ،‬ف هو ل يس من ال صحابة ‪ :‬ل من المهاجر ين ول من الن صار ‪ .‬وإن‬
‫أراد بعظم شأنه أنه كان من أعلم الناس وَأ ْديَنهم ‪ ،‬فليس المر كذلك ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬وأخت محمد وأبوه أعظم من أخت معاوية وأبيها )) ‪.‬‬
‫فيقال ‪ :‬هذه الحجسة باطلة على الصسلين ‪ .‬وذلك أن أهسل السسنة ل‬
‫يفضلون الرجل إل بنفسه ‪ ،‬فل ينفع محمدا قربه من أبي بكر وعائشة ‪ ،‬ول‬
‫يضر معاوية أن يكون ذلك أفضل نسبا منه ‪ ،‬وهذا أصل معروف لهل السنة‪،‬‬
‫ك ما لم ي ضر ال سابقين الوّل ين من المهاجر ين والن صار الذ ين أنفقوا من ق بل‬
‫الفتح وقاتلوا ‪ ،‬كبلل وصهيب وخبّاب وأمثالهم ‪ ،‬أن يكون من تأخر عنهم من‬
‫الطلقاء وغيرهم ‪ ،‬كأبي سفيان بن حرب وابنيه معاوية ويزيد وأبي سفيان بن‬
‫الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونحوهم ‪ ،‬أعظم نسبا منهم ‪.‬‬
‫(فصسسسسل)‬
‫قال الرافضي ‪ (( :‬مع أن رسول ال ‪ e‬لعن معاوية الطليق بن الطليق‬
‫اللع ين بن اللع ين ‪ ،‬وقال ‪ :‬إذا رأي تم معاو ية على م نبري فاقتلوه ‪ .‬وكان من‬
‫المؤل فة قلوب هم ‪ ،‬وقا تل عليّ ا و هو عند هم را بع الخلفاء ‪ ،‬إمام حق ‪ ،‬و كل من‬
‫حارب إمام حق فهو باغ ظالم )) ‪.‬‬
‫قال ‪ (( :‬و سبب ذلك مح بة مح مد بن أ بي بكسر لعل يّ عل يه ال سلم ‪،‬‬
‫ومفارقته لبيه ‪ ،‬وبغض معاوية لعل يّ ومحاربته له ‪ .‬وسموه كاتب الوحي ولم‬
‫يكتب له كلمة واحدة من الوحي ‪ ،‬بل كان يكتب له رسائل ‪ .‬وقد كان بين يدي‬
‫النبي ‪e‬أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي ‪ ،‬أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن‬
‫‪ )1(1‬الية ‪ 13‬من سورة الحجرات‪.‬‬

‫‪310‬‬

‫أ بي طالب عل يه ال سلم‪ ،‬مع أن معاو ية لم يزل مشر كا بال تعالى في مدة كون‬
‫النبي ‪ e‬مبعوثا يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع))‪.‬‬
‫والجواب‪:‬أن يقال((أما ما ذكره من أن النبي ‪ e‬لعن معاوية وأمر بقتله‬
‫إذا رؤى على المنبر ‪،‬فهذا الحديث ليس في شيء من كتب السلم التي يرجع‬
‫إليها في علم النقل‪،‬وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على‬
‫ال نبي صلى ال عل يه و سلم‪،‬وهذا الراف ضي الراوي له لم يذ كر له إ سنادا ح تى‬
‫ينظر فيه‪،‬وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات‪.‬‬
‫وم ما يبيّن كذ به أن م نبر ال نبي ‪ e‬قد صعد عل يه ب عد معاو ية من كان‬
‫معاو ية خيرا م نه باتفاق الم سلمين‪.‬فإن كان ي جب ق تل من صعد عل يه لمجرد‬
‫الصعود على المنبر‪،‬وجب قتل هؤلء كلهم‪.‬ثم هذا خلف المعلوم بالضطرار‬
‫من د ين ال سلم‪ ،‬فإن مجرد صعود الم نبر ل يب يح ق تل م سلم‪.‬وإن أ مر بقتله‬
‫لكو نه تولّى ال مر و هو ل ي صلح‪،‬في جب ق تل كل من تولّى ال مر ب عد معاو ية‬
‫ممن معاوية أفضل منه‪.‬وهذا خلف ما تواترت به السنن عن النبي ‪e‬من نهيه‬
‫عن قتل ولة المور وقتالهم‪،‬كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫ثم المة متفقة على خلف هذا ؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ول‬
‫ا ستحلّت ذلك ‪ .‬ثم هذا يو جب من الف ساد والهرج ما هو أع ظم من ول ية كل‬
‫ظالم ‪ ،‬فكيف يأمر النبي ‪e‬بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه ؟ !‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬إنه الطليق ابن الطليق )) ‪.‬‬
‫فهذا ليس نعت ذم ‪ ،‬فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح ‪ ،‬الذين أسلموا عام فتح مكة ‪،‬‬
‫وأطلقهسم النسبي ‪ ،e‬وكانوا نحوا مسن أل َفىْ رجسل ‪ ،‬وفيهسم مسن صسار مسن خيار‬
‫المسسلمين ‪ ،‬كالحارث بسن هشام ‪ ،‬وسسهل بسن عمرو ‪ ،‬وصسفوان بسن أمي ّة ‪،‬‬
‫وعكرمة بن أبي جهل ‪ ،‬ويزيد بن أبي سفيان ‪ ،‬وحكيم بن حزام ‪ ،‬وأبي سفيان‬
‫بسن الحارث بسن عبسد المطلب ابسن عسم النسبي ‪ e‬الذي كان يهجوه ثسم حسسن‬
‫إسلمه‪ ،‬وعتّاب بن أسيد الذي ولّه النبي ‪ e‬مكة لما فتحها ‪ ،‬وغير هؤلء ممن‬
‫حسُنَ إسلمه ‪.‬‬
‫َ‬

‫‪311‬‬

‫ومعاو ية ممسن حَسسُن إسسلمه باتفاق أهسل العلم ‪ .‬ولهذا ولّه ع مر بسن‬
‫الخطاب ‪ t‬موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام ‪ ،‬وكان‬
‫يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس ‪ ،‬وكان أحد المراء الذين بعثهم أبو بكر‬
‫وع مر لف تح الشام ‪ :‬يز يد بن أ بي سفيان ‪ ،‬وشرحب يل بن ح سنة ‪ ،‬وعمرو بن‬
‫العاص ‪ ،‬مع أبي عُبيدة بن الجراح ‪ ،‬وخالد بن الوليد ‪ ،‬فلما توفي يزيد بن أبي‬
‫سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية ‪ ،‬وعمر لم تكن تأخذه في ال لومة لئم ‪،‬‬
‫وليس هو ممن يحابى في الولية ‪ ،‬ول كان ممن يحب أبا سفيان أباه ‪ ،‬بل كان‬
‫من أع ظم الناس عداوة لب يه أ بي سفيان ق بل ال سلم ‪ ،‬ح تى أ نه ل ما جاء به‬
‫العباس يوم فتسح مكسة كان عمسر حريصسا على قتله ‪ ،‬حتسى جرى بينسه وبيسن‬
‫العباس نوع من المخاشنة بسبب بغض عمر لبي سفيان ‪ .‬فتولية عمر لب نه‬
‫معاوية ليس لها سبب دنيوي ‪ ،‬ولول استحقاقه للمارة لما أمّره ‪.‬‬
‫وأما قوله ‪ (( :‬كان معاوية من المؤَلّفة قلوبهم )) ‪.‬‬
‫نعم وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم ‪ ،‬كالحارث بن هشام ‪ ،‬وابن‬
‫أخيه عكرمة بن أبي جهل ‪ ،‬وسهيل بن عمرو ‪ ،‬وصفوان بن أمية ‪ ،‬وحكيم بن‬
‫حزام ‪ ،‬وهؤلء من خيار الم سلمين ‪ .‬والمؤلّ فة قلوب هم غالب هم ح سُن إ سلمه ‪،‬‬
‫وكان الرجل منهم يُسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا ‪ ،‬فل يجيء آخر النهار‬
‫إل والسلم أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ‪.‬‬
‫وأ ما قوله ‪ (( :‬وقا تل عليّ ا و هو عند هم را بع لخلفاء إمام حق ‪ ،‬و كل‬
‫من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم )) ‪.‬‬
‫فيقال له ‪ :‬أول ‪ :‬الباغسي قسد يكون متأوّل معتقدا أنسه على حسق ‪ ،‬وقسد‬
‫يكون متعمدا يعلم أ نه با غٍ ‪ ،‬و قد يكون َب ْغيُ هُ مركّ با من شب هة وشهوة ‪ ،‬و هو‬
‫الغالب ‪ .‬وعلى كل تقدير فهذا ل يقدح فيما عليه أهل السنة ؛ فإنهم ل ينزّهون‬
‫معاوية ول من هو أفضل منه من الذنوب ‪ ،‬فضل عن تنزيههم عن الخطأ في‬
‫الجتهاد ‪ ،‬بسل يقولون ‪ :‬إن الذنوب لهسا أسسباب تُدفسع عقوبتهسا مسن التوبسة‬
‫والستغفار ‪ ،‬والحسنات الماحية ‪ ،‬والمصائب المكفّرة ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬وهذا أمر‬

‫‪312‬‬

‫يعم الصحابة وغيرهم ‪.‬‬
‫ويقال لهنم ‪ :‬ثانينا ‪ :‬أمسا أهسل السسنة فأصسلهم مسستقيم مطّرد فسي هذا‬
‫الباب ‪ .‬وأما أنتم فمتناقضون ‪ .‬وذلك أن النواصب – من الخوارج وغيرهم –‬
‫الذ ين يكفّرون عليّ ا أو يف سّقونه أو يشكّون في عدال ته من المعتزلة والمروان ية‬
‫وغير هم ‪ ،‬لو قالوا ل كم ‪ :‬ما الدل يل على إيمان عل يّ وإمام ته وعدله ؟ لم ي كن‬
‫لكم حجة ؛ فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلمه وعبادته ‪ ،‬قالوا لكم ‪ :‬وهذا‬
‫متو