You are on page 1of 4

‫الحاكم بامر الله ومنع اكل الملوخية‬

‫هل كان مجنوناً بالفعل؟‬


‫أم كان عبقرياً سبق زمنه؟‬
‫أم منحرفاً فاسداً ملحداً؟‬
‫أم كان شاباً غرًا تلعب به الهواء والتناقضات؟‬
‫أم أنه لم يكن أكثر من دكتاتور غريب الطوار من تلك النوعية التي طالما ابتليت بها أمة السلم على امتداد‬
‫تاريخها الطويل!!‬
‫تعالوا نتوقف مع (الحاكم بأمر ال) أكثر حكام الدولة الفاطمية إثارة الجدل‪ ،‬وتحفيزًا للتساؤل‪ ،‬ونبحث في‬
‫سيرته وأفكاره وتصرفاته!!‬
‫نشأته وتوليه الحكم‪:‬‬
‫(الحاكم بأمر ال) هو سادس حكام الدولة الفاطمية‪ ،‬واسمه (أبو علي المنصور بن العزيز بال نزار بن المعز‬
‫لدين ال أبي تميم معد بن المنصور بنصر ال أبي الطاهر إسماعيل بن القائم بأمر ال أبي القاسم محمد بن‬
‫المهدي عبيد ال العبيدي)‪ ،‬والمشكوك في انتساب أسرته إلى آل البيت‪ ،‬وهي قضية خلفية لسنا هنا في‬
‫معرض التفصيل فيها‪.‬‬
‫ولد الحاكم بأمر ال سنة ‪375‬هـ في القاهرة خلل حكم أبيه العزيز من أم يونانية الصل نصرانية الديانة‪،‬‬
‫وحين توفى والده في رمضان سنة ‪386‬هـ (‪996‬م) فجأة وهو في الحمام خلفه (الحاكم) ولده الوحيد الصبي‬
‫ذو الحد عشر عاماً‪ ،‬وتلقب بالمام المنصور الحاكم بأمر ال‪ ،‬ولما كان قاصراً وقتئذ قام بالوصاية عليه‬
‫وزيره (برجوان) تنفيذاً لوصية العزيز‪ ،‬وكان برجوان هذا مملوكاً خصياً سلقونياً تولى الوصاية في ظل‬
‫صراع على السلطة بينه وبين قائد الجيش ابن عمار مما أدخل البلد في اضطرابات واضحة‪.‬‬
‫فقد كان ابن عمار قائد الجيش زعيماً للكتاميين الذين يعتبرون عماد قوة الدولة الفاطمية‪ ،‬وانتهى المر بتولي‬
‫ابن عمار إدارة الدولة‪ ,‬والذي لم يلبث أن قتل بعد هزيمة قواته المكونة من القبائل المغربية‪.‬‬
‫وما إن بلغ الحاكم سن الخامسة عشر حتى تولى مقاليد الحكم فعلي ًا في ظل سيطرة لخواله النصارى على‬
‫الدولة‪ ،‬وفي ذلك يقول ابن القلنسى‪( :‬حينما بلغ سن الرشد سارع الحاكم إلى طمأنة كل الموظفين النصارى‬
‫على مراكزهم‪ ،‬واهتدى بنصائح أخته ست الملك التي كانت تعطف على النصارى عطفاً شديداً)‪.‬‬
‫وكان أول ضحايا الحاكم هو وصيه (برجوان) الذي رباه‪ ،‬وسبب غدره به أنه كان يسميه في صغره (الوزغة)‬
‫أي السحلية‪ ،‬فأرسل الحاكم في بداية حكمه يطلب معلمه قائل‪( :‬الوزغة الصغيرة قد صار تنين ًا عظيماً‪ ،‬وهو‬
‫يدعوك)‪ ،‬فجاء برجوان‪ ،‬وهو يرتعد‪ ،‬وعندما حضر إليه أمر الحاكم بقطع رأسه‪ ,‬وكان ذلك سنة ‪390‬هـ‪،‬‬
‫وبرر الحاكم ذلك بقوله‪( :‬أن برجوان كان يسعى للستئثار بالسلطة‪ ،‬فلم أستطع كخليفة أن أقوم بالحكم‬
‫الفعلي‪ ،‬وأنني أفتقر إلى الحكمة بسبب شبابي‪ ،‬وصغر سني‪ ،‬وعدم درايتي بأسلوب الحكم)‪.‬‬
‫ودخل عليه ذات أحد قادته‪ ,‬فرأى الحاكم جالساً‪ ،‬وبين يديه صبى جميل الصورة مذبوح‪ ،‬وفى يد الحاكم سكين‬
‫مخضبة بالدماء ذبحه بها‪ ,‬وفى يده الخرى كبده ومصارينه‪ ،‬وهو يقطعها‪ ،‬فخرج ذلك القائد‪ ،‬وهو خائف إلى‬
‫منزله‪ ،‬وحكى ما رآه لهله‪ ،‬وكتب وصيته‪ ،‬وبعد ساعة جاءه سياف الحاكم‪ ،‬فقطع رأسه‪ ،‬وكان من عادة‬
‫الحاكم أنه إذا أراد قتل إنسان أن ينعم عليه بالمال‪ ،‬ويكرمه أولً ثم يرسل من يقطع رقبته‪ ،‬ويأتيه بها!!‬
‫تناقضات الحاكم‪:‬‬
‫ومع توليه السلطة واجه الحاكم صراعين خارجيين‪ ،‬فبالضافة إلى الخلف الموروث مع العباسيين دخل في‬
‫نزاع آخر مع القرامطة‪ ،‬ولكن ما ميز عهد الحاكم أكثر من غيره هو غرابة أطواره‪ ،‬والذي تمثل بإصداره‬
‫للعديد من القوانين الغريبة مثل تحريمه أكل الملوخية‪ ،‬وأمره الناس بالعمل ليلً‪ ،‬والنوم نهاراً‪.‬‬
‫ويذكر المقريزي في أحداث سنة ‪391‬هـ‪:‬‬
‫(أمر الناس بالوقيد‪ ،‬فتزايدوا بالشوارع والزقة‪ ،‬وزينت السواق بأنواع الزينة‪ ،‬وأوقدوا الشموع الكبيرة‬
‫طول الليل‪ ،‬وأنفقوا الموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو‪ ،‬وخرج سائر الناس بالليل للتفرج‪،‬‬
‫وغلب النساء الرجال على الخروج في الليل‪ ،‬وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات‪ ،‬وتجاهروا بكثير من‬
‫المسكرات‪ ،‬فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم أل تخرج امرأة من العشاء‪ ،‬فإن ظهرت نكل بها‪ ،‬ومنع‬
‫الناس من الجلوس في الحوانيت)‪.‬‬
‫ومن تناقضاته أيضاً أنه مرة كان يأمر بسب الصحابة الكرام‪ ،‬ويأمر بكتابة ذلك في المساجد ثم يعود فيأمر‬
‫بمحو تلك الشتائم‪ ،‬فيذكر المقريزي أنه سنة ‪395‬هـ‪( :‬سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنار‪،‬‬
‫ولبس الغيار‪ ،‬وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين‪ ،‬وفيه فحش كثير‪ ،‬وقدح في حق الشيخين رضي‬
‫ال عنهما) ثم منع الحاكم بعد ذلك الناس من سب السلف‪ ،‬وضرب في ذلك رجل‪ ،‬وشهر‪ ،‬ونودي عليه‪( :‬هذا‬
‫جزاء من سب أبا بكر وعمر)‪ ،‬وتبرأ الحاكم من ذلك‪ ،‬وقرئ سجل بالقصر فيه الترحم على السلف من‬
‫الصحابة‪ ،‬والنهي عن الخوض في مثل ذلك‪.‬‬
‫قال ابن قزأوغلي في تاريخه‪( :‬كانت خلفة الحاكم متضادة بين شجاعة وإقدام‪ ،‬وجبن وإحجام‪ ،‬ومحب ٍة للعلم‬
‫وانتقام من العلماء‪ ،‬وميل إلى الصلح‪ ،‬وقتل الصلحاء‪ ،‬وكان الغالب عليه السخاء‪ ،‬وربما بخل بما لم يبخل به‬
‫أحد قط‪ ،‬وأقام يلبس الصوف سبع سنين‪ ،‬وامتنع من دخول الحمام‪ ،‬وأقام سنين يجلس في الشمع ليلً ونهاراً‬
‫ثم عن له أن يجلس في الظلمة فجلس فيها مدة‪ ،‬وقتل من العلماء والكتاب والماثل ما ل يحصى‪ ،‬وكتب على‬
‫المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي‬
‫ال عنهم في سنة ‪935‬هـ ثم محاه في سنة ‪397‬هـ‪ ،‬وأمر بقتل الكلب‪ ،‬وحرم بيع الفقاع (البيرة المسكرة)‬
‫وعمله ثم نهى عنه‪ ،‬ورفع المكوس عن البلد‪ ،‬وعما يباع فيها‪ ،‬ونهى عن النجوم‪ ،‬وكان ينظر فيها‪ ،‬ونفى‬
‫المنجمين‪ ،‬وكان يرصدها‪.‬‬
‫ومنع من صلة التراويح عشر سنين‪ ،‬ثم أباحها‪ ،‬وقطع الكروم‪ ،‬ومنع بيع العنب‪ ،‬ولم يبق في وليته كرماً‪،‬‬
‫وأراق خمسة آلف جرة من عسل في البحر خوفاً من أن تعمل نبيذاً‪ ،‬ومنع النساء من الخروج من بيوتهن‬
‫ليلً ونهاراً‪ ،‬وجعل لهل الذمة علمات يعرفون بها‪ ،‬وألبس اليهود العمائم السود‪ ،‬وأمر أل يركبوا مع‬
‫المسلمين في سفينة‪ ،‬وأل يستخدموا غلماً مسلماً‪ ،‬ول يركبوا حمار مسلم‪ ،‬ول يدخلوا مع المسلمين حماماً‪،‬‬
‫وجعل لهم حمامات على حدة‪ ،‬ولم يبق في وليته ديراً ول كنيسة إل هدمها‪ ،‬ونهى عن تقبيل الرض بين‬
‫يديه‪ ،‬والصلة عليه في الخطب والمكاتبات‪ ،‬وجعل مكان الصلة عليه‪ :‬السلم على أمير المؤمنين ثم رجع عن‬
‫ذلك‪ ،‬وأسلم خلق من أهل الذمة خوف ًا منه ثم ارتدوا‪ ،‬وأعاد الكنائس إلى حالها)‪.‬‬
‫وبنى الحاكم الكثير من المساجد‪ ،‬ومن بينها مسجده الشهير بجوار باب الفتوح جهة حي الجمالية في شارع‬
‫المعز‪ ،‬والذي يعد مكاناً مقدساً لطائفة السماعيلية البهرة‪ ،‬ويتواجدون به كثيراً خصوص ًا خلل شهر رمضان‪.‬‬
‫وقال الذهبي في تاريخه‪( :‬كان الحاكم جواداً سمحاً خبيث ًا ماكراً رديء العتقاد سفاكاً للدماء قتل عدداً كبيراً‬
‫من كبراء دولته صبراً‪ ،‬وكان عجيب السيرة يخترع كل وقت أمورًا وأحكاماً يحمل الرعية عليها‪ ،‬فأمر بكتب‬
‫سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع‪ ،‬وأمر العمال بالسب في القطار في سنة ‪395‬هـ‪ ،‬وأمر بقتل‬
‫الكلب في مملكته‪ ،‬وبطل الفقاع والملوخية‪ ،‬ونهى عن السمك‪ ،‬وظفر بمن باع ذلك فقتلهم)‪.‬‬
‫ونهى الحاكم في سنة ‪402‬هـ عن بيع الرطب‪ ،‬وجمع منه شيئاً عظيماً‪ ،‬فأحرق‪ ،‬ومنع من بيع العنب وأباد‬
‫كثيرًا من الكروم‪ ،‬وأمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصلبان‪ ،‬وأن يكون طول الصليب ذراعاً وزنته خمسة‬
‫أرطال بالمصري‪ ،‬وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي الخشب في زنة الصلبان أيضاً‪ ،‬وأن يلبسوا‬
‫العمائم السود‪ ،‬ول يكتروا من مسلم بهيمة‪ ،‬وأن يدخلوا الحمام بالصلبان ثم أفرد لهم حمامات‪ ،‬وأمر بهدم‬
‫الكنيسة المعروفة بالقمامة‪.‬‬
‫ولما أرسل إليه ابن باديس صاحب المغرب ينكر عليه أفعاله أراد استمالته‪ ،‬فأظهر التفقه‪ ،‬وحمل في كمه‬
‫الدفاتر‪ ،‬وطلب إليه فقيهين‪ ،‬وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع ثم بدا له‪ ،‬فقتلهما صبراً‪ ،‬وأذن‬
‫للنصارى الذين أكرههم إلى السلم في الرجوع إلى الشرك‪.‬‬
‫وفي سنة ‪404‬هـ منع النساء من الخروج في الطريق‪ ،‬ومنع من عمل الخفاف لهن‪ ،‬فلم يزلن ممنوعات سبع‬
‫سنين وسبعة أشهر حتى مات ثم إنه بعد مدة أمر ببناء ما كان أمر بهدمه من الكنائس‪ .‬وكان أبوه العزيز قد‬
‫ابتدأ ببناء جامعه الكبير بالقاهرة‪ ،‬فأتمه هو‪.‬‬
‫وقال ابن تغري بردي في حسن المحاضرة‪:‬‬
‫(كان جباراً عنيداً‪ ،‬وشيطاناً مريداً‪ ،‬كثير التلون في أقواله وأفعاله‪ ،‬هدم كنائس مصر ثم أعادها‪ ،‬وخرب قمامة‬
‫ثم أعادها‪ ،‬ولم يعهد في ملة السلم بناء كنيسة في بلد السلم قبله‪.‬‬
‫ومن قبائح الحاكم أنه ابتنى المدارس‪ ،‬وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ثم قتلهم وخربها‪ ،‬وألزم الناس بإغلق‬
‫السواق نهاراً‪ ،‬وفتحها ليلً‪ ،‬فامتثلوا ذلك دهراً طويلً حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار‪،‬‬
‫فوقف عليه‪ ،‬وقال‪ :‬ألم ننهكم عن هذا!‪ .‬فقال‪ :‬يا سيدي‪ ..‬أما كان الناس يسهرون لما كانوا يتعيشون‬
‫بالنهار؟‪ ..‬فهذا من جملة السهر‪.‬‬
‫فتبسم وتركه‪ ،‬وأعاد الناس إلى أمرهم الول‪.‬‬
‫وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في السواق على حمار له‪ ،‬وكان ل يركب إل حماراً‪ ،‬فمن وجده قد غش في‬
‫معيشته أمر عبداً أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى‪.‬‬
‫وكان منع النساء من الخروج من منازلهن‪ ،‬ومنعهن من دخول الحمامات‪ ،‬وقتل خلقاً من النساء على مخالفته‬
‫في ذلك‪ ،‬وهدم بعض الحمامات عليهن‪ ،‬ومنع من طبخ الملوخية‪.‬‬
‫وله رعونات كثيرة ل تنضبط‪ ،‬فأبغضه الخلق‪ ،‬وكتبوا له الوراق بالشتم له ولسلفه في صورة قصص حتى‬
‫عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها‪ ،‬وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير‪ ،‬فلما رآها ظنها‬
‫امرأة‪ ،‬فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها‪ ،‬فلما رأى ما فيها غضب‪ ،‬وأمر بقتلها‪ ،‬فلما تحققها من ورق‪،‬‬
‫ازداد غضباً إلى غضبه‪ ،‬وأمر العبيد من السود أن يحرقوا مصر‪ ،‬وينهبوا ما فيها من الموال والحريم‪،‬‬
‫ففعلوا‪ ،‬وقاتلهم أهل مصر قتالً عظيماً ثلثة أيام‪ ،‬والنار تعمل في الدور والحريم‪ ،‬واجتمع الناس في الجوامع‪،‬‬
‫ورفعوا المصاحف‪ ،‬وجأروا إلى ال واستغاثوا به‪ ،‬وما انجلى الحال حتى اخترق من مصر نحو ثلثها‪ ،‬ونهب‬
‫نحو نصفها‪ ،‬وسبي حريم كثير‪ ،‬وفعل بهن الفواحش‪ ،‬واشترى الرجال من سبي لهم من النساء والحريم من‬
‫أيدي العبيد)‪.‬‬
‫واشتهر الحاكم باستسهاله سفك الدماء‪ ،‬وقدر بعض المؤرخين عدد قتله بحوالي ثمانية عشر ألف قتيل ‪،‬‬
‫فكان يفتك دائماً ما بوزرائه‪ ،‬ويقتلهم شر قتلة‪ ،‬فيعين أحدهم في منصبه ثم يقتله‪ ،‬ويعين آخر‪ ،‬فل تمضي فترة‬
‫بسيطة إل والمعين الجديد يتخبط في دمه‪ ،‬وقد قتل من العلماء والكتاب ووجهاء الناس ما ل يحصى عدده‪.‬‬
‫ادعاء اللوهية‪:‬‬
‫وتمادى الحاكم في طريق الضلل‪ ،‬ففي سنة ‪408‬هـ قدم مصر داع عجمي اسمه محمد بن إسماعيل الدرزي‪،‬‬
‫واتصل بالحاكم‪ ،‬فأنعم عليه‪ ،‬ودعا الناس إلى القول بإلوهية الحاكم‪ ،‬فأنكر الناس عليه ذلك‪ ،‬ووثب به أحد‬
‫التراك‪ ،‬ومحمد في موكب الحاكم‪ ،‬فقتله‪ ،‬وثارت الفتنة‪ ،‬فنهبت داره‪ ،‬وأغلقت أبواب القاهرة‪ ،‬واستمرت‬
‫الفتنة ثلثة أيام قتل فيها جماعة من أتباع الدرزي‪ ،‬وقبض على التركي قاتل الدرزي‪ ،‬وحبس ثم قتل‪.‬‬
‫ثم ظهر داع آخر اسمه (حمزة بن أحمد)‪ ،‬وتلقب بالهادي‪ ،‬وأقام بمسجد خارج القاهرة‪ ،‬ودعا إلى نفس دعوى‬
‫الدرزي‪ ،‬وبث دعاته في مصر والشام‪ ،‬وترخص في أعمال الشريعة‪ ،‬وأباح المهات والبنات ونحوهن‪،‬‬
‫وأسقط جميع التكاليف في الصلة والصوم‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فاستجاب له خلق كثير‪ ،‬فظهر من حينئذ المذهب‬
‫الدرزي ببلد صيدا وبيروت وساحل الشام‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول في ذلك السيوطي‪( :‬أن الحاكم أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على‬
‫أقدامهم صفوفاً إعظاماً لذكره‪ ،‬واحتراماً لسمه‪ ،‬فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين‪،‬‬
‫وكان أهل مصر إذا قام خروا سجداً حتى إنه يسجد بسجودهم في السواق وغيرها‪ ،‬وكان جبارًا عنيداً‪،‬‬
‫وشيطان ًا مريداً كثير التلون في أقواله وأفعاله)‪.‬‬
‫قال ابن الجوزي‪( :‬زاد ظلم الحاكم‪ ،‬وعن له أن يدعي الربوبية‪ ،‬فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون‪ :‬يا‬
‫واحد‪ ،‬يا أحد‪ ،‬يا محيي يا مميت)!‬
‫وقال ابن تغري بردي في حسن المحاضرة‪( :‬ولي الحاكم‪ ،‬فكان شر الخليقة لم يل مصر بعد فرعون شر منه‬
‫رام أن يدعي اللهية كما ادعاها فرعون‪ ،‬فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم‬
‫صفوفاً إعظامًا لذكره‪ ،‬واحترام ًا لسمه‪ ،‬فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين‪ ،‬وكان‬
‫أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجداً حتى أنه يسجد بسجودهم في السواق الرعاع‪ ،‬وغيرهم)‪.‬‬
‫نهاية الحاكم‪:‬‬
‫شغف الحاكم في السنوات الخيرة من حكمه بالتجول ليلً عند جبل المقطم بالقاهرة‪ ،‬فكان ينظر في النجوم‪،‬‬
‫ويخلو بنفسه‪ ،‬وكانت نهاية الحاكم متسقة مع المسار الغريب لحياته‪ ،‬فقد اختفى ليلة الثنين ‪ 27‬شوال‬
‫‪411‬هـ إذ أنه خرج كعادته للطواف في الجبل‪ ،‬وليس معه إل رجل وصبي‪ ،‬ولكنه لم يرجع إلى قصره‪،‬‬
‫واختفى إلى البد‪ ،‬وعمره ست وثلثون سنة وسبعة أشهر حكم منها خمساً وعشرين سنة‪ ،‬وحكم بعده ابنه‬
‫علي الملقب بالظاهر‪.‬‬
‫واختلف المؤرخون في توضيح أمر نهايته‪ ،‬والشهر أن أخته ست الملك دبرت اغتياله لسببين أولهما أنها‬
‫خافت على نفسها من بطشه بعد أن اتهمها بسوء سلوكها مع الرجال‪ ،‬فآثرت أن تقضي عليه قبل أن يقضي‬
‫عليها‪ ،‬ودفنته في مجلس دارها‪ ،‬والسبب الثاني هو إنكارها لما أقدم عليه الحاكم‪ ،‬وخوفها أن يزول الحكم‬
‫عنهم بسبب دعواه لللوهية‪ ،‬وإن كان بعض المؤرخين ينكر أن تكون أخته قد قتلته حيث يقول الدكتور محمد‬
‫كامل حسين‪ :‬أن الحاكم قتل نتيجة لمؤامرة يهودية لضطهاد الحاكم لهم بينما يرى الدكتور محمد أحمد‬
‫الخطيب أن الحاكم قتل بسبب مؤامرة باطنية بسبب ما أفشاه من مذهبهم السري‪ ،‬وذهب المؤرخ المقريزي‪،‬‬
‫وهو من سللة الحكام الفاطميين إلى أن قتل الحاكم كان مؤامرة معدة بإحكام من قبل سلطات الدولة الرسمية‪،‬‬
‫وبمباركة دعاة المذهب السماعيلي‪.‬‬
‫ويذكر المقريزي سبب فقده أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة‪ ،‬وكانت أسن منه‪ ،‬فدار بينها وبينه‬
‫يوما كلم‪ ،‬فرماها بالفجور‪ ،‬وقال لها‪ :‬أنت حامل!‬
‫فراسلت سيف الدين حسين بن علي بن دواس من رؤساء جيش كتامة‪ ،‬وكان قد تخوف من الحاكم‪ ،‬وتواعدا‬
‫على قتل الحاكم‪ ،‬وتحالفا عليه‪ ،‬فأحضرت ست الكل عبدين‪ ،‬وحلفتهما على كتمان المر‪ ،‬ودفعت إليهما ألف‬
‫دينار ليقتل الحاكم‪.‬‬
‫فلما صعد إلى الجبل في الليل‪ ،‬ولم يكن معه سوى ركابي وصبي يحمل دواته عارضه وسط الجبل سبع‬
‫فوارس من بني قرة‪ ،‬فخدموه وسألوه المان‪ ،‬وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم‪ ،‬فأمنهم‪ ،‬وأمر الركابي أن‬
‫يحملهم إلى الخازن يدفع إليهم عشرة آلف درهم‪ ،‬ودخل الوادي الذي كان يدخله‪ ،‬وقد وقف العبدان له‪،‬‬
‫فضرباه حتى مات‪ ،‬وطرحاه‪ ،‬وشقا جوفه‪ ،‬ولفاه في كساء‪ ،‬وقتل الصبي وغرقا حماره‪ ،‬وحمل الحاكم في‬
‫كساء إلى أخته‪ ،‬فدفنته‪.‬‬
‫ومهما قيل‪ ،‬فقد كان اختفاء الحاكم بهذه الطريقة الغريبة فرصة لذكاء دعوى مؤسسي المعتقد الدرزي بأن‬
‫الحاكم اختفى‪ ،‬وسيعود مرة أخرى‪ ،‬ويملك الرض‪ ،‬وينشر العدل باعتباره المهدي المنتظر‪.‬‬
‫وقد ترددت في جنبات التاريخ عدة دعاوى بعودة الحاكم‪ ،‬فقد ظهر سنة ‪418‬هـ رجل اسمه (سكين) ادعى أنه‬
‫الحاكم بأمر ال قد رجع من غيبته خصوصاً أنه كان يشبه ملمح الحاكم‪ ،‬وقد وصل إلى مصر‪ ،‬ودعا الناس‬
‫إلى هذه الفكرة بل ووصل إلى قصر الحكم‪ ،‬ووقف على بابه ينادي أصحابه بأنه الحاكم‪ ،‬فارتاع حرس القصر‬
‫برهة ثم عادوا إلى رشدهم‪ ،‬وهجموا على سكين وأصحابه‪ ،‬وقتلوهم‪ ،‬وأخذ سكين وتم صلبه‪.‬‬
‫ثم ظهر رجل آخر في صعيد مصر كان قبطياً اسمه (شروط)‪ ،‬وادعى أنه الحاكم بأمر ال‪ ،‬وسمى نفسه أبا‬
‫العرب‪ ،‬وأعيى الدولة في القبض عليه ثم ظهر شخص آخر يعرف بابن الكردي‪ ،‬وادعى نفس الدعوة‬
‫السابقة!! نقله لكم ‪ /‬محمد عبدالفتاح محمد ‪ -‬السويس‬