‫دكتور‬

‫مجــــــــدي الهــــــــللي‬
‫‪www.alemanawalan.com‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬
‫الطبعة الولى‬

‫‪1 4 2 8‬هـ ‪2 0 0 7 -‬م‬
‫رقم اليداع‪2 5 1 2 1 / 2 0 0 6 :‬‬
‫الترقيم الدولي‪I.S.B.N :‬‬
‫‪2 – 009 – 441 – 977‬‬
‫مركز السلم للتجهيز‬
‫الفني‬

‫عبد الحميد عمر‬

‫‪01069‬‬

‫مؤسسة اقرأ‬

‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة ‪ -‬بجوار حديقة الفسطاط‬
‫القاهرة ت‪ 5326610 :‬محمول‪-0102327302:‬‬
‫‪0101175447‬‬

‫‪www.iqraakotob.com‬‬
‫‪Email:info@iqraakotob.com‬‬

‫بالله أستعين‬

‫م‬
‫قدم‬
‫ة‬

‫المقدمـــــــــــــة‬

‫الحمد لله حمدًا كثيًرا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا‬
‫ويرضى‪ ،‬والصلة والسلم على الحبيب المصطفى محمد‬
‫وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫وبعد‪..‬‬
‫الحب – كما نعلم – جزء أصيل من مشاعر النسان‪ ،‬وهو‬
‫معاملة قلبية يشعر من خللها المرء بميله وانجذابه إلى‬
‫الخر‪.‬‬
‫والواقع المشاهد يخبرنا بأنه عندما يتمكن الحب في القلب‬
‫بين شخصين فإننا نجد آثار هذا الحب بادية في تعامل أحدهما‬
‫ما‬
‫مع الخر‪ ،‬فتجد كل ً منهما يكثر من ذكر محبوبه‪ ،‬ويشتاق دو ً‬
‫إلى رؤيته‪ ،‬ويرغب في الخلوة به‪ ،‬ويأنس بقربه‪ ،‬ويغضب من‬
‫أجله‪ ،‬ويغار عليه‪ ..‬يُقََرب من يحبه محبوبه‪ ،‬ويُبعد من يبعده‪,‬‬
‫يطيع أوامره بسعادة وحبور‪ ،‬ويضحي من أجله‪ ،‬ويفرح بهداياه‬
‫مهما صغرت‪.‬‬
‫فهذه وغيرها بعض آثار الحب عندما يتمكن من قلوب‬
‫البشر تجاه بعضهم البعض‪.‬‬
‫فكيف ينبغي أن تكون هذه الثار عندما يصبح المحبوب هو‬
‫المحبوب العظم؟!‬
‫كيف يكون حال من يتمكن حب الله من قلبه؟!‬
‫بل شك أن آثاًرا عظيمة ستظهر على هذا المحب الصادق‬
‫ما يكثر من ذكره ويأنس‬
‫لموله سبحانه وتعالى‪ ,‬ستراه دو ً‬
‫بقربه‪ ،‬ويستوحش مما سواه‪ ،‬ويحب الخلوة به ومناجاته‪,‬‬
‫ما على رضاه‪ ,‬يغار على محارمه‪،‬‬
‫يسارع في طاعته ويعمل دو ً‬
‫ما عليها‪ ,‬يضحي‬
‫ويغضب من أجله‪ ,‬يفرح بعطاياه ويشكره دو ً‬
‫بالغالي والرخيص من أجله‪ ،‬يرضى بكل ما يقضيه له‪ ،‬ويبذل‬
‫ما إلى رؤيته‪.‬‬
‫غاية جهده في خدمته‪ ،‬ويشتاق دو ً‬
‫ولكننا نحب الله !‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ولكننا نحب الله ومع ذلك ل نشعر بكل‬
‫‪3‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫هذه العلمات‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬في القلوب حب لله عز وجل‪ ،‬ولكنه في الغالب لم‬
‫يصل للدرجة التي تهمين وتسيطر على المشاعر وتحتل‬
‫الجزء الكبر منها‪ ،‬فمع وجود قدر من حب الله في القلب إل‬
‫أن هناك محاب أخرى تشوش عليه‪ ،‬وتنازعه المكان مثل حب‬
‫المال والزوجة والولد والنفس و‪...‬‬
‫وليس معنى هذا أن المطلوب هو تجريد مشاعر الحب من‬
‫هذه المور‪ ،‬بل المطلوب أن يكون حب الله أكبر منها جميعًا كما‬
‫قال تعالى‪ :‬وَالّذِينَ آ َمنُوا أَشَدّ ُحبّا لِ [البقرة‪ ]165 :‬فإن لم يحدث هذا‬
‫فلن تظهر تلك العلمات‪ ،‬وهذا ما أكده بقوله‪« :‬ثلث من كن فيه‬
‫وجد حلوة اليان‪ :‬أن يكون ال ورسوله أحب إليه ما سواها»(‪ ..)1‬الحديث‪.‬‬
‫فلكي يجد المؤمن حلوة اليمان ل بد أن تكون مساحة‬
‫حب الله في قلبه أكبر من مساحة حبه لما سواه من المحاب‬
‫الخرى مجتمعة‪.‬‬
‫المعرفة طريق المحبة‬
‫المحبة ما هي إل صورة من صور المعاملة التي ينبغي أن‬
‫يعامل بها العبد ربه‪ ،‬وأكبر عامل يؤثر ويحدد درجة المعاملة‬
‫هو المعرفة‪.‬‬
‫فكلما ازدادت المعرفة بالله تحسنت درجة معاملة العبد‬
‫له‪ ،‬وازداد له حبًا وإجلل وهيبة وخشية‪ ،‬وفي المقابل عندما‬
‫يجهل النسان ربه‪ ،‬ول يعرف قدره فإن ذلك من شأنه أن‬
‫يؤدي إلى أن يعامله معاملة ل تليق بجلله وكماله‪ ،‬فيخشى‬
‫الناس أكثر مما يخشاه‪ ،‬ويحب نفسه وماله وعقاراته أكثر مما‬
‫يحب ربه‪ ،‬ويجتهد في التزيَُن للخرين دون أن يبالي بربه‪.‬‬
‫فالسبب الول لعراض الناس عن الله‪ ،‬واستهانتهم‬
‫ش َهدَ عَ َليْ ُكمْ‬
‫بأوامره هو جهلهم بقدره سبحانه‪ ..‬وَمَا كُنُْتمْ تَسَْتتِرُونَ أَن يَ ْ‬
‫‪1‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫المقدمـــــــــــــة‬

‫َس ْمعُ ُكمْ وَلَ أَْبصَارُ ُكمْ وَلَ ُجلُودُ ُكمْ وَلَكِن ظَنَنُْتمْ أَنّ الَ لَ َيعْ َلمُ َكِثيًا ّممّا َت ْعمَلُو َن وَذَلِ ُكمْ‬
‫حتُم ّمنَ اْلخَاسِرِينَ [فصلت‪.]22،23 :‬‬
‫ظَنّ ُكمُ اّلذِي َظنَنُْتمْ بِرَبّ ُكمْ أَرْدَا ُكمْ َفَأصْبَ ْ‬
‫ويؤكد الحافظ ابن رجب على أن المعاملة على قدر‬
‫المعرفة بقوله‪:‬‬
‫ل قوت للقلب والروح‪ ،‬ول غذاء لهما سوى معرفة الله‬
‫تعالى‪ ،‬ومعرفة عظمته وجلله وكبريائه‪ .‬فيترتب على هذه‬
‫المعرفة‪ :‬خشيته‪ ،‬وتعظيمه‪ ،‬وإجلله‪ ،‬والنس به‪ ،‬والمحبة له‪،‬‬
‫والشوق إلى لقائه‪ ،‬والرضا بقضائه(‪.)1‬‬
‫المعرفة النافعة‬
‫المعرفة المؤثرة النافعة ليست تلك التي تخاطب العقل‬
‫فقط‪ ،‬فالكثير من الناس يتحدث عن الله حديثًا جميل ومبهًرا‪،‬‬
‫فإذا ما نظرت لواقعه وجدت فعله بعيدًا عن قوله فل خشية‬
‫سمَاءِ وَالَرْضِ َأمّن‬
‫ول تقوى ول مهابة ول إجلل لله قُلْ مَن َيرْزُقُكُم ّمنَ ال ّ‬
‫سمْعَ وَالَْبصَارَ َومَن يّخْ ِرجُ اْلحَ ّي ِمنَ اْلمَيّتِ وَيُخْ ِرجُ اْلمَيّتَ ِمنَ الْحَيّ َومَن ّيدَبّرُ‬
‫َيمْ ِلكُ ال ّ‬
‫المْرَ َفسََيقُولُونَ الُ َفقُلْ أَ َفلَ تَّتقُونَ [يونس‪.]31 :‬‬
‫فإن أردنا معرفة تؤثر في المعاملة فل بد أن يتم مخاطبة‬
‫العقل والقلب معًا‪ ،‬وأن تستمر تلك المخاطبة حتى يستقر‬
‫ما إيمانيًا‬
‫مدلولها في قلب ومشاعر النسان فتُشكل مقا ً‬
‫مستقًرا في القلب يظهر أثره في سلوك العبد وأعماله وَلَِيعْ َلمَ‬
‫حقّ مِن رّّبكَ فَُي ْؤمِنُوا ِبهِ َفتُخْبِتَ َلهُ قُلُوبُ ُهمْ [الحج‪.]54 :‬‬
‫اّلذِينَ أُوتُوا اْلعِ ْلمَ أَّنهُ الْ َ‬
‫‪ ..‬معنى ذلك أن الطريق الساسي لرحلة المحبة يبدأ من‬
‫بوابة المعرفة الحقة بالله عز وجل‪ ،‬على أن تخاطب تلك‬
‫المعرفة‪ :‬الفكر والوجدان‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية‪ :‬وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه‬
‫‪1‬‬

‫() مجموعة رسائل ابن رجب ‪.2/467‬‬

‫‪5‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وتعالى( )‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫ومع هذه المعرفة‪ ،‬ل بد من القيام بأعمال تؤكد وترسخ‬
‫ة على‬
‫مدلول الحب في قلوبنا فيزداد استقراًرا وهيمن ً‬
‫شدّ تَثْبِيتًا [النساء‪:‬‬
‫مشاعرنا‪ :‬وََلوْ َأنّ ُهمْ َفعَلُوا مَا يُوعَظُونَ ِبهِ لَكَانَ خَ ْيرًا لّ ُهمْ وَأَ َ‬
‫‪.]66‬‬
‫وفي الصفحات القادمة سيكون الحديث بمشيئة الله عن‬
‫أهمية المحبة وثمارها ونقطة البداية لرحلة المحبة مع ذكر‬
‫ما في‬
‫بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تسير بنا قُد ً‬
‫طريق حب الله عز وجل‪ ،‬لعلنا نستنشق نسيم النس به في‬
‫الدنيا‪ ،‬فتزداد قلوبنا شوقًا إليه سبحانه‪ ،‬لتكون أسعد لحظاتنا‬
‫تلك اللحظات التي تقُبض فيها أرواحنا ونبشر من الملئكة‬
‫بلقاء الحبيب جل وعل وهو راض عنا‪.‬‬
‫***‬

‫‪2‬‬

‫() التحفة العراقية في العمال القلبية لبن تيمية ‪.61/‬‬

‫‪6‬‬

‫حول علقة المحبة‬
‫بالعبودية‬
‫والتحذير من التركيز‬
‫عليها‬
‫دون غيرها من ألوان‬
‫العبودية‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫تكامل العبودية‬
‫العبودية الحقة لله عز وجل تعني في حقيقتها اتجاه الجزء‬
‫الكبر من مشاعر العبد نحوه سبحانه‪ ،‬حتى ينعكس ذلك على‬
‫معاملته له بمقتضى الحال التي يعيشها والحداث التي يمر‬
‫بها‪ ،‬ليتمثل فيه قوله ‪« :‬عجبًا لمر الؤمن‪ ،‬إن أمره كله له خي‪ ،‬وليس ذلك‬
‫لحد إل للمؤمن‪ ،‬إن أصابته سراء شكر فكان خيًا له‪ ،‬وإن أصابته ضراء صب فكان خيًا‬
‫له»(‪.)1‬‬
‫هذه هي العبودية الحقة من المؤمن لله عز وجل‪ ,‬أن‬
‫يعبده سبحانه‪ ،‬وتتجه مشاعره نحوه حسب الحالة التي يمر‬
‫بها‪ ،‬فتجده يتقلب بين الخوف والرجاء والرضا والفرح‬
‫والنكسار و ‪...‬‬
‫أما العبودية الناقصة فهي تتمثل في التركيز على جانب أو‬
‫جوانب بعينها وترك أخرى‪ ،‬فهذا المر له أضرار كثيرة‪،‬‬
‫ومنزلقات خطيرة‪.‬‬
‫يقول ابن رجب‪ :‬وقد ع ُلم أن العبادة إنما تنبني على ثلثة‬
‫أصول‪ :‬الخوف والرجاء والمحبة‪ ،‬وكل منها فرض لزم‪،‬‬
‫والجمع بين الثلثة حتم واجب‪ ،‬فلهذا كان السلف يذمون من‬
‫تعبد بواحد منها وأهمل الخَرين‪.‬‬
‫فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد‬
‫في الخوف والعراض عن المحبة والرجاء‪.‬‬
‫وبدع المرجئة نشأت من التعلق بالرجاء وحده‪ ،‬والعراض‬
‫عن الخوف‪ .‬وبدع كثير من أهل الباحة والحلول – ممن‬
‫ينسب إلى التعبد – نشأت من إفراد المحبة والعراض عن‬
‫الخوف والرجاء(‪.)2‬‬
‫سياج المحبة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() استنشاق نسيم النس لبن رجب‪.21 -18 /‬‬

‫‪8‬‬

‫تمهيــــــــــــد‬

‫معنى ذلك أن عبادة الله بالمحبة فقط لها مخاطرها‬
‫ومنزلقاتها‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية‪ :‬الحب المجرد تتبسط النفوس به حتى تتسع‬
‫في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله‪ ،‬حتى قالت اليهود‬
‫والنصاري نَحْ ُن َأْبنَاءُ الِ َوأَ ِحبّاؤُهُ [المائدة‪.)1( ]18 :‬‬
‫لذلك كان مقياس المحبة الصادقة لله عز وجل هو ظهور‬
‫علماتها التي بينها الله في كتابه‪ ،‬وبينها رسوله في سنته‬
‫والتي سيأتي بيانها بشيء من التفصيل في الصفحات‬
‫القادمة‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية‪:‬‬
‫فاتباع سنة الرسول واتباع شريعته هي موجب محبة‬
‫الله‪ ،‬كما أن الجهاد في سبيله‪ ،‬وموالة أوليائه‪ ،‬ومعاداة‬
‫أعدائه هو حقيقتها‪ ،‬كما في الحديث «أوثق عرى اليان الب ف ال‬
‫والبغض ف ال»(‪.)2‬‬
‫وكثير ممن يدََعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع‬
‫السنة‪ ،‬وعن المر بالمعروف‪ ،‬وعن النهي عن المنكر‪،‬‬
‫والجهاد في سبيل الله‪ ،‬ويدََعي مع هذا أن ذلك أكمل‬
‫لطريق المحبة من غيره‪ ،‬لزعمه أن طريق المحبة لله‬
‫ليس فيه غيرة‪ ،‬ول غضب لله‪ ،‬وهذا خلف ما دل عليه‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬ولهذا في الحديث المأثور‪« :‬يقول ال تعال‬
‫يوم القيامة‪ :‬أين التحابون بلل‪ ،‬اليوم أظلهم ف ظلي يوم ل ظل إل ظلي»(‪.)3‬‬
‫فقوله‪ :‬أين المتحابون بجلل الله‪ ،‬تنبيه على ما في قلوبهم‬
‫من إجلل الله وتعظيمه والتحاب فيه‪ ،‬وبذلك يكونون حافظين‬
‫‪1‬‬

‫() التحفة العراقية في العمال القلبية لبن تيمية ‪.59‬‬

‫‪2‬‬

‫() حسن‪ ،‬حسنه اللباني في السلسلة الصحيحة (‪.)998‬‬

‫‪3‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)2566‬‬

‫‪9‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫لحدود الله‪ ،‬دون الذين ل يحفظون حدوده لضعف اليمان في‬
‫قلوبهم(‪.)1‬‬
‫ضرورة التوازن‬
‫ل بد إذن من التوازن بين ألوان العبودية‪ ،‬وأن نقرأ‬
‫الحاديث والخبار الواردة في كل باب من أبواب العبودية لله‬
‫فنضعه في حجمه المناسب‪ ،‬وأل نجعل جانبًا يطغى على‬
‫الخر‪.‬‬
‫قال ‪« :‬لو تعلمون قدر رحة ال لتكلتم وما عملتم من عمل‪ ،‬ولو علمتم قدر‬
‫غضبه ما نفعكم شيء»(‪.)2‬‬
‫فكما أنه ينبغي للمسلم أن يفتح لقلبه بابًا لحب الله‬
‫والرجاء فيه‪ ،‬فعليه كذلك أن يفتح بابًا للخوف منه سبحانه‬
‫وخشيته‪.‬‬
‫ل بد من فتح هذين البابين لكي نحقق مراد الله في قوله‬
‫تعالى‪َ :‬ففِرّوا إِلَى الِ‬
‫[الذاريات‪.]50:‬‬
‫فمن رجا شيئًا طلبه‪ ،‬ومن خاف شيئًا هرب منه‪ ,‬فعلينا أن‬
‫نطلب رضا الله ومحبته والقرب منه‪ ،‬ونفر من كل ما يغضبه‬
‫فنحقق بذلك حقيقة الفرار إلى الله‪.‬‬
‫أما إذا فتحنا باب الخوف فقط فسيكون الفرار من الله ل‬
‫إليه‪ ،‬وفي المقابل فإن العكس يخدع النفس ويدفعها للغرور‪.‬‬
‫سن ظنه بالله عز وجل ثم ل يخاف‬
‫قال أبو سليمان‪ :‬من َ‬
‫ح ُ‬
‫الله فهو مخدوع(‪.)3‬‬
‫وهذا أحد السلف وهو عبد الواحد بن زيد يسأل زياد النميري‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() النحفة العراقية ‪.60/‬‬

‫‪2‬‬

‫() أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪.10/384‬‬

‫‪3‬‬

‫() حسن الظن بالله لبن أبى الدنيا ‪.27/‬‬

‫‪10‬‬

‫تمهيــــــــــــد‬

‫ما منتهى الخوف؟‍‬
‫قال‪ :‬إجلل الله عن مقام السيئات‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما منتهى الرجاء؟‬
‫قال‪ :‬تأمل الله على كل الحالت(‪.)1‬‬
‫رحلة المحبة‬
‫ولننا في هذه الصفحات نتناول عبودية المحبة‪ ،‬وكيف‬
‫ننميََها في قلوبنا‪ ،‬فإن الحديث سيكون بمشيئة الله وعونه‬
‫منصبًا على كل ما يستثير مشاعر الحب لله عز وجل والرجاء‬
‫فيه‪ ،‬لذلك أطلب منك ومن نفسي – أخي القارئ – أل تنسى‬
‫هذه الكلمات التي تم ذكرها في هذا التمهيد وأنت تقرأ‬
‫الصفحات القادمة‪ ،‬ونفس المر سنطلبه منك بمشيئة الله‬
‫عندما نتحدث عن عبودية الخوف والخشية لله عز وجل في‬
‫موضع آخر‪.‬‬
‫كيف نفتح باب المحبة؟!‬
‫يقول ابن عطاء في حكمه‪:‬‬
‫إذا أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك‪ ،‬وإذا‬
‫أردت أن ينفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه‪.‬‬
‫ونحن هنا في هذه الصفحات نريد – بعون الله وكرمه – أن‬
‫ينفتح لنا باب الحب والرجاء في الله‪ ،‬لذلك سيكون غالب‬
‫الحديث في التعرف على الله الودود‪ ،‬ومظاهر معاملته‬
‫الحانية لنا‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق‪.77 /‬‬

‫‪11‬‬

‫الفصل الول‬
‫أهمية المحبة‬
‫الصادقة‬
‫من العبد لربه‬

‫الفصـــــل الول‬

‫‪13‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الثمار الحلوة‬
‫كلما تعرف العبد على مظاهر حب ربه له‪ ،‬وسيطرت هذه‬
‫المعرفة على مشاعره انعكس ذلك على علقته به سبحانه‬
‫فيزداد له حبًا وشوقًا‪.‬‬
‫وعندما يمل هذا الحب القلب ستكون له بل شك ثمار‬
‫عظيمة تظهر في سلوك العبد وأعماله‪ ،‬هذه الثمار من‬
‫الصعب الحصول عليها من أي شجرة أخرى غير شجرة‬
‫ن للعبودية ل يخرجها‬
‫الحب‪ ،‬فالحب يُخرج من القلب معا ٍ‬
‫غيره‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية‪ :‬فمن ل يحب الشيء ل يمكن أن يحب‬
‫التقرب إليه‪ ،‬إذ التقرب إليه وسيلة‪ ،‬ومحبة الوسيلة تبع لمحبة‬
‫المقصود( )‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني‪ ،‬فالخوف والرجاء‬
‫وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها‪ ،‬فإن الراجي الطامع إنما‬
‫يطمع فيما يحبه ل فيما يبغضه‪ ،‬والخائف يفر من المخوف‬
‫لينال المحبة أُولَِئكَ اّلذِينَ َي ْدعُونَ يَبَْتغُونَ إِلَى َربّ ِهمُ اْلوَسِي َلةَ أَيّ ُهمْ أَقْ َربُ وََيرْجُونَ‬
‫رَ ْحمََتهُ وَيَخَافُونَ َعذَاَبهُ [السراء‪.) ( ]57 :‬‬
‫ولهذا اتفقت الُمتان من قبلنا على ما عندهم من مأثور‬
‫وحكم عن موسى وعيسى أن أعظم الوصايا‪ :‬أن تحب الله‬
‫بقلبك وعقلك وقصدك‪ ،‬وهذه هي حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم‬
‫التي هي أصل شريعة التوراة والنجيل والقرآن( )‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫لذلك أدعو نفسي‪ ،‬وأدعوك أخي القارئ إلى الهتمام بغرس‬
‫بذور محبة الله في القلب‪ ،‬وتعهدها بالعمال الصالحة حتى يصير‬
‫حبّا لِ [البقرة‪:‬‬
‫الله عز وجل أحب إلينا من كل شيء وَاّلذِينَ آ َمنُوا َأ َشدّ ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() التحفة العراقية ‪.51/‬‬
‫() المصدر السابق‪.‬‬
‫() المصدر السابق‪.54/‬‬

‫‪14‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫‪ .]165‬عند ذلك سنجد الثمار الحلوة أمامنا دون عناء أو مشقة‪.‬‬
‫ومن هذه الثمار المتوقعة‪:‬‬
‫أولً‪ :‬الرضا بالقضاء‬
‫عندما يتعرف الواحد منا على مدى حب ربه له وحرصه‬
‫ما للرضى بقضائه‪ ،‬وكيف‬
‫عليه فإن هذا من شأنه أن يدفعه دو ً‬
‫ل وقد أيقن أن ربه ل يريد له إل َ الخير‪ ,‬وأنه ما خلقه ليعذبه‪،‬‬
‫بل خلقه بيده‪ ،‬وكرمه على سائر خلقه ليدخله الجنة‪ ،‬دار‬
‫النعيم البدي‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م فإن كل قضاء يقضيه له ما هو إل‬
‫خطوة يمهد له من خللها طريقه إلى تلك الدار‪ ،‬فالقدار‬
‫المؤلمة والبليا ما هي إل أدوات تذكير يُ ذكَِر الله بها عباده‬
‫بحقيقة وجودهم في الدنيا وأنها ليست دار مقام بل دار‬
‫امتحان‪ ،‬وأن عليهم الرجوع إليه قبل فوات الوان وَأَ َخذْنَاهُم‬
‫بِاْل َعذَابِ َلعَلّ ُهمْ يَرْ ِجعُونَ [الزخرف‪ ،]48 :‬وَلَُنذِيقَنّهُم ّمنَ اْل َعذَابِ الدْنَى دُونَ‬
‫اْل َعذَابِ الكْبَرِ َلعَلّ ُهمْ َيرْ ِجعُونَ [السجدة‪.]21 :‬‬
‫وهي كذلك أدوات تطهير من أثر الذنوب والغفلت التي‬
‫يقع فيها العبد «ما يصيب السلم من نصب‪ ،‬ول وصب‪ ،‬ول هم‪ ،‬ول حزن‪ ،‬ول‬
‫أذى‪ ،‬ول غم‪ ،‬حت الشوكة يشاكها‪ ،‬إل كفر ال با من خطاياه»( )‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫فجميع القدار التي يُقدََرها الله عز وجل لعباده تحمل في‬
‫طياتها الخير الحقيقي لهم وإن بدت غير ذلك‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ :‬الرزق‪ ،‬فالله عز وجل يبسط الرزق‬
‫للبعض ويضيقه على البعض لعلمه سبحانه بما يصلح عباده‪,‬‬
‫سطَ الُ الرّ ْزقَ ِلعِبَادِهِ لََب َغوْا فِي الَرْضِ وَلَكِن ُينَزّلُ ِبقَدَرٍ مّا‬
‫ألم يقل سبحانه وََلوْ بَ َ‬
‫صيٌ [الشورى‪.]27 :‬‬
‫يَشَاءُ إِّنهُ ِبعِبَادِهِ خَِبيٌ َب ِ‬
‫فمنعه الرزق الوفير عن بعض الناس ما هو إل صورة من‬
‫صور رحمته‪ ،‬وشفقته بهم‪ .‬قال ‪« :‬إن ال تعال ليحمي عبده الؤمن من‬
‫‪1‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الدنيا‪ ،‬وهو يبه‪ ،‬كما تمون مريضكم الطعام والشراب تافون عليه» ( )‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫هذه المعاني العظيمة ل يمكن تذكرها واستحضارها‬
‫بصورة دائمة‪ ،‬وممارسة مقتضاها في الحياة العملية إل إذا‬
‫تمكن حب الله من القلب وهيمن عليه‪ ،‬فمفتاح‪ّ :‬رضِيَ الُ َعنْ ُهمْ‬
‫وَ َرضُوا َع ْنهُ هو‪ُ :‬يحِبّ ُهمْ وَيُحِبّوَنهُ [المائدة‪.]54 :‬‬
‫جاء في الثر أن الله تعالى يقول‪« :‬معشر المتوجهين إل ََ‬
‫ي‬
‫بحبي‪ ،‬ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظًا‪ ،‬وما‬
‫ما»( )‪.‬‬
‫ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سل ً‬
‫وكان عامر بن عبد قيس يقول‪ :‬أحببت الله حبًا سهل عل ََ‬
‫ي‬
‫كل مصيبة‪ ،‬ورضاني بكل قضية‪ ،‬فما أبالي مع حبي إياه ما‬
‫أصبحت عليه وما أمسيت( )‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬أخي فإننا إن أحببنا الله حبًا صادقًا أحببنا كل ما يرد‬
‫علينا منه سبحانه‪.‬‬
‫لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة‪ ،‬وقد كان ك ُ ََ‬
‫ف‬
‫بصره‪ ،‬جاءه الناس يهرعون إليه‪ ,‬كل واحد يسأله أن يدعو له‪،‬‬
‫فيدعو لهذا ولهذا‪ ،‬وكان مجاب الدعوة‪ ،‬فأتاه عبدالله بن أبي‬
‫السائب فقال له‪ :‬يا عم‪ ،‬أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك‪،‬‬
‫فرد الله عليك بصرك؟‍ فتبسم وقال‪ :‬يا بن ََ‬
‫ي‪ ،‬قضاء الله‬
‫سبحانه عندي أحسن من بصري‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه‪ ،‬فبقي ملقى‬
‫على ظهره ثلثين سنة ل يقوم ول يقعد‪ ،‬قد نقب له في سرير‬
‫من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته‪ ،‬فدخل عليه مطَرف‬
‫وأخوه العلء‪ ،‬فجعل يبكي لما يراه من حاله‪ ،‬فقال‪ :‬لم تبكي؟‬
‫حبََه‬
‫قال‪ :‬لني أراك على هذه الحالة العظيمة قال‪ :‬ل تبك‪ ،‬فإن أ َ‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح‪ ،‬أخرجه المام في المسند‪ ،‬والحاكم عن أبي سعيد‪ ،‬وصححه اللباني‬
‫في صحيح الجامع (‪.)1814‬‬

‫‪2‬‬

‫() المحبة لله سبحانه للمام الجنيد‪ -60/‬دار المكتبي‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() استنشاق نسيم النس لبن رجب‪.36 /‬‬

‫‪16‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫ي( )‪.‬‬
‫إلى الله أحبه إل َ‬
‫ثانيًا‪ :‬التلذذ بالعبادة وسرعة المبادرة إليها‬
‫كلما ازداد حب العبد لربه ازدادت مبادرته لطاعته‬
‫واستمتاعه بذكره‪ ،‬وكان هذا الحب سببًا في استخراج معاني‬
‫النس والشوق إلى محبوبه العظم‪ ،‬والتعبير عنها من خلل‬
‫ذكره ومناجاته‪.‬‬
‫هذه المعاني ما كانت لتخرج إل إذا فُتح لها باب الحب‪،‬‬
‫فالمحب يقبل على محبوبه بسعادة‪ ،‬ويطيع أوامره برضى‪ ،‬ل‬
‫تحركه لتلك الطاعة سياط الخوف من عقوبة عدم أدائه‬
‫للعمل‪ ،‬بل يحركه ما حرك موسى عليه السلم عندما قال‬
‫جلْتُ ِإلَ ْيكَ َربّ لَِت ْرضَى [طه‪ ]84 :‬وكذلك ما جعل رسولنا‬
‫لربه َوعَ ِ‬
‫يقول لبلل‪« :‬أرحنا با يا بلل»‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫إن هناك بالفعل سعادة حقيقية ومتعة وشعور باللذة‬
‫والنعيم يجدها المحب في مناجاته وذكره وخلوته بربه‪ ،‬وهذا‬
‫ما يُطلق عليه‪« :‬جنة الدنيا»‪ ,‬هذه الجنة من الصعب علينا أن‬
‫ندخلها من غير باب المحبة‪.‬‬
‫قال أحد الصالحين‪ :‬مساكين أهل الدنيا‪ ،‬خرجوا منها وما‬
‫ذاقوا أطيب ما فيها‪ ،‬قيل‪ :‬وما أطيب ما فيها؟ قال‪ :‬محبة الله‬
‫تعالى ومعرفته وذكره‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬إنه لتمر بي أوقات أقول‪ :‬إن كان أهل الجنة‬
‫في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب(‪.)2‬‬
‫ثالثًا‪ :‬الشوق إلى الله‬
‫عندما يتمكن حب الله من قلب العبد‪ ،‬فإن هذا من شانه‬
‫صا على اغتنام أية فرصة تتاح له فيها‬
‫أن يجعله دو ً‬
‫ما حري ً‬
‫الخلوة به سبحانه وبذكره ومناجاته‪ ،‬وجمع قلبه معه‪ ،‬وشيئًا‬
‫فشيئًا تستثار كوامن الشوق إليه سبحانه‪ ،‬وتستبد بالقلب‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() صلح المة في علو الهمة ‪.4/516‬‬

‫‪2‬‬

‫() الوابل الصيب ص ‪.97‬‬

‫‪17‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وتلح عليه في طلب رؤيته‪ ،‬ليأتي العِلم فيخبره بأنه ل رؤية ول‬
‫لقاء لله في الحياة الدنيا‪ ،‬بل بعد الموت‪ ،‬فيزداد الشوق إلى‬
‫هذا اللقاء‪ ،‬وأي لقاء‪:‬‬
‫لقاء المحبوب العظم الذي ناجاه لسنوات‬
‫طويلة‪ ،‬وسكب الدمع في محرابه‪.‬‬
‫لقاء من دعاه في أوقات عصيبة فوجده منه‬
‫قريبًا‪ ،‬ولدعائه مجيبًا‪.‬‬
‫لقاء من كفاه وحماه وأعانه على نفسه وعدوه‪.‬‬
‫لقاء من أعطاه وأكرمه وحفظه ورعاه وبكل بلء‬
‫حسن أبله‪.‬‬
‫يقول الحسن البصري‪ :‬إن أحباء الله هم الذين ورثوا الحياة‬
‫الطيبة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم‪ ،‬وبما وجدوا‬
‫من حلوة في قلوبهم‪ ،‬لسيما إذا خطر على بالهم ذكر مشافهته‬
‫وكشف ستور الحجب عنه في المقام المين والسرور‪ ،‬وأراهم‬
‫جلله وأسمعهم لذة كلمه ورد عليهم جواب ما ناجوه به أيام‬
‫حياتهم(‪.)1‬‬
‫فالشوق إلى الله – إذن – ثمرة من ثمار تمكن حبه في‬
‫قلب العبد‪ ،‬ويؤكد ابن رجب على ذلك بقوله‪:‬‬
‫الشوق إلى الله درجة عالية رفيعة تنشأ من قوة محبة‬
‫‪2‬‬
‫الله عز وجل‪ ،‬وقد كان يسأل الله هذه الدرجة( )‪.‬‬
‫ففي دعائه «اللهم إن أسألك الرضى بعد القضاء‪ ،‬وبرد العيش بعد الوت‪،‬‬
‫ولذة النظر إل وجهك‪ ،‬والشوق إل لقائك من غي ضراء مضرة ول فتنة مضلة» (‪ )3‬فهو‬
‫يسأل ربه الشوق إلى لقائه دون وجود أسباب ضاغطة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() شرح حديث لبيك اللهم لبيك لبن رجب ص ‪ – 89‬دار عالم الفوائد‪.‬‬
‫() استنشاق نسيم النس ‪.93/‬‬
‫() أخرجه الطبراني‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫عليه تدعوه لذلك مثل‪ :‬ضراء الدنيا وأقدارها المؤلمة‪ ،‬أو‬
‫الفتن في الدين المضلة‪ ،‬أو بمعنى آخر أن يكون الشوق إلى‬
‫الله ناشئًا عن محض المحبة‪.‬‬
‫جاء في الثر أن الله تبارك وتعالى يقول‪:‬‬
‫أل قد طال شوق البرار إل لقائي‪ ،‬وإن إليهم لشد شوقًا‪ ،‬وما شوق الشتاقي إلّ إل‬
‫بفضل شوقي إليهم‪ .‬أل من طلبن وجدن‪ ،‬ومن طلب غيي ل يدن‪ ،‬من ذا الذي أقبل عليّ‬
‫فلم أقبل عليه؟ ومن ذا الذي دعان فلم أجبه؟ ومن ذا الذي سألن فلم أعطه(‪.)1‬‬
‫راب ًعا‪ :‬التضحية من أجله والجهاد في سبيله‬
‫المحبة الصادقة لله عز وجل تدفع صاحبها لبذل كل ما‬
‫يملكه من أجل نيل رضا محبوبه‪ ،‬وليس ذلك فحسب بل إنه‬
‫يفعل ذلك بسعادة‪ ،‬وكل ما يتمناه أن تحوز هذه التضحية على‬
‫رضاه‪.‬‬
‫تأمل معي ما حدث من عبد الله بن جحش ليلة غزوة أحد‬
‫عندما قال لسعد بن أبي وقاص‪ :‬أل تأتي ندعو الله تعالى‪،‬‬
‫خلَوا في ناحية‪ ،‬فدعا سعد‪ ،‬فقال‪ :‬يا رب إذا لقينا العدو غدًا‬
‫فَ َ‬
‫ً‬
‫فَلَقَِني رجل شديدًا بأسه‪ ،‬شديدًا حرده‪ ،‬أقاتله ويقاتلني‪ ،‬ثم‬
‫ارزقني الظفر عليه حتى أقتله فآخذ سلبه فأ ََ‬
‫من عبد الله‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬اللهم ارزقني غدًا رجل ً شديدًا بأسه‪ ،‬شديدًا حرده‪ ،‬أقاتله‬
‫ويقاتلني‪ ،‬ثم يأخذني‪ ،‬فيجدع أنفي وأذني‪ ،‬فإذا لقيتك غدًا قلت‬
‫جدع أنفك وأذنك؟ فأقول‪ :‬فيك وفي‬
‫لي‪ :‬يا عبد الله فيم ُ‬
‫رسولك‪ ،‬فتقول‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫قال سعد‪ :‬كانت دعوته خيًرا من دعوتي‪ ،‬فلقد رأيته آخر‬
‫النهار‪ ،‬وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط(‪.)2‬‬
‫وفي يوم من اليام رأى رسول الله مصعب بن عمير‬
‫يمشي وعليه إهاب كبش قد تمنطق به‪ ،‬فقال النبي ‪« :‬انظروا‬
‫‪1‬‬

‫() المحبة لله سبحانه للجنيد ‪.111/‬‬

‫‪2‬‬

‫() سير أعلم النبلء للذهبي ‪.1/112‬‬

‫‪19‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫إل هذا الرجل الذي قد نور ال قلبه‪ ،‬ولقد رأيته بي أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب‬
‫فدعاه حب ال ورسوله إل ما ترون»(‪.)1‬‬
‫فالتضحية والجهاد من أعظم دلئل المحبة‪.‬‬
‫سا‪ :‬الرجاء والطمع فيما عند الله‬
‫خام ً‬
‫فكلما اشتد الحب اشتد الرجاء في الله وحسن الظن فيه‬
‫أل يلقي حبيبه في النار‪ ،‬فالمحب ل يعذب حبيبه كما جاء الرد‬
‫حنُ أَبْنَاءُ الِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ َف ِلمَ ُي َعذّبُكُم‬
‫اللهي على اليهود عندما قالوا‪ :‬نَ ْ‬

‫ِبذُنُوبِكُم [المائدة‪.]18 :‬‬
‫وفي الحديث أنه‬

‫قال‪« :‬وال‪ ،‬ل يلقي ال حبيبه ف النار» (‪.)2‬‬

‫مرض أعرابي فقيل له‪ :‬إنك تموت‪ .‬قال‪ :‬وأين أذهب؟‬
‫قالوا‪ :‬إلى الله‪ .‬قال‪ :‬فما كراهتى أن أذهب إلى من ل أرى‬
‫الخير إل منه(‪.)3‬‬
‫وكان سفيان الثوري يقول‪ :‬ما أُحب أن حسابي جعل إلى‬
‫والديََ‪ ،‬ربي خير لي من والدي(‪.)4‬‬
‫وقال ابن المبارك‪ :‬أتيت سفيان الثوري عشية عرفة وهو‬
‫جاث على ركبته وعيناه تهملن فبكيت‪ ،‬فالتفت إلى فقال‪ :‬ما‬
‫شأنك؟ فقلت‪ :‬من أسوأ أهل الجمع حال؟ قال‪ :‬الذي يظن أن‬
‫الله ل يغفر له(‪.)5‬‬
‫سا‪ :‬الحياء من الله‬
‫ساد ً‬
‫‪1‬‬

‫() رواه أبو نعيم في الحلية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() صحيح الجامع (‪.)7095‬‬

‫‪3‬‬

‫() حسن الظن بالله لبن أبي الدنيا برقم (‪.)40‬‬

‫‪4‬‬

‫() المصدر السابق برقم (‪.)27‬‬

‫‪5‬‬

‫() المصدر السابق برقم (‪.)77‬‬

‫‪20‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫فالمحب الصادق في حبه لله عز وجل يستحي أن يراه‬
‫حبيبه في وضع مشين‪ ،‬أو مكان ل يحب أن يراه فيه‪ ،‬فإذا ما‬
‫وقع في معصية أو تقصير سارع بالعتذار إليه واسترضائه‬
‫بشتى الطرق‪.‬‬
‫بل إن أي بلء يتعرض إليه يجعله قلقًا بأن يكون هذا البلء‬
‫مظهر من مظاهر لوم الله له وغضبه عليه‪ ،‬لذلك تجده حينئذٍ‬
‫يهرع إلى موله يسترضيه ويتذلل إليه ويستغفره‪ ،‬ويطلب منه‬
‫العفو والصفح‪.‬‬
‫ويتجلى هذا المر جيدًا في دعاء رسولنا بعد أحداث‬
‫الطائف وما تعرض فيها من استهزاء وتضيق وإيذاء‪ ،‬فكان‬
‫مما قاله لربه «‪...‬إن ل يكن بك غضب علي فل أبال‪ ،‬لكن عافيتك هي أوسع ل‪،‬‬
‫أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات‪ ،‬وصلح عليه أمر الدنيا والخرة‪ :‬أن ينل ب‬
‫غضبك أو يل علىّ سخطك‪ ،‬لك العتب(‪ )1‬حت ترضى ول حول ول قوة إل بك»‪.‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول ابن رجب‪ :‬إن محبة الله إذا صدقت‬
‫أوجبت محبة طاعته وامتثالها‪ ،‬وبغض معصيته واجتنابها‪ ،‬وقد‬
‫يقع المحب أحيانًا في تفريط في بعض المأمورات‪ ،‬وارتكاب‬
‫بعض المحظورات‪ ،‬ثم يرجع إلى نفسه بالملمة‪ ،‬وينزع عن‬
‫ذلك‪ ،‬ويتداركه بالتوبة(‪.)2‬‬
‫سابعًا‪ :‬الشفقة على الخلق‬
‫من الثمار العظيمة للحب الصادق تلك الشفقة التي يجدها‬
‫المحب في قلبه تجاه الناس جميعًا بخاصة العصاة منهم‪،‬‬
‫وكيف ل وقد علم أنه ما من أحد من البشر إل وفيه نفخة‬
‫علوية كََرمه الله بها على سائر خلقه‪ ،‬وأن الذي يرضيه –‬
‫سبحانه – هو عودة الجميع إليه ودخولهم الجنة‪ ،‬لذلك تجد هذا‬
‫صا على دعوتهم لسان حاله‬
‫المحب شفيقًا على الخلق‪ ،‬حري ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() لك أن تعاتبني حتى ترضى‪.‬‬
‫() استنشاق نسيم النس لبن رجب ‪.37 /‬‬

‫‪21‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫يقول‪ :‬يَا َق ْومِ اعُْبدُوا الَ مَا لَكُم مّنْ إَِلهٍ غَيْرُهُ إِنّي أَخَافُ عَ َليْ ُكمْ َعذَابَ َي ْومٍ عَظِيمٍ‬
‫[العراف‪.]59 :‬‬
‫‪ ..‬يستخدم في ذلك كل الطرق والوسائل الممكنة‪ ،‬ول‬
‫يرتاح له بال حتى يُعيد الشاردين إلى حظيرة العبودية لربهم‪.‬‬
‫ومن المثلة العظيمة التي تبين تلك الشفقة على العصاة‬
‫ما فعله مؤمن آل فرعون مع قومه‪ ,‬تأمل أقواله الذي جاء‬
‫ذكرها في سورة غافر يَا َق ْومِ اتِّبعُونِ َأ ْهدِ ُكمْ سَبِيلَ الرّشَادِ [غافر‪ .]38:‬يَا‬
‫َق ْومِ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُم مّثْلَ َي ْومِ الَحْزَابِ [غافر‪ ,]30:‬وَيَا َق ْومِ مَا لِي َأ ْدعُو ُكمْ ِإلَى‬
‫النّجَاةِ وََت ْدعُونَنِي إِلَى النّارِ [غافر‪ .]41:‬وَأَنَا َأ ْدعُو ُكمْ ِإلَى اْلعَزِيزِ اْلغَفّارِ [غافر‪.]42:‬‬
‫هذه الثمرة العظيمة من ثمار المحبة من شأنها أن تجعلنا‬
‫نقوم بتعديل خطابنا الدعوي‪ ،‬فنستوعب الجميع ونبشرهم‬
‫ونطمئنهم تجاه ربهم قبل تخويفهم وترهيبهم‪.‬‬
‫ثامنًا‪ :‬الغيرة لله‬
‫عندما يستبد حب الله في قلب العبد فإن هذا من شأنه أن‬
‫يجعله يغار لموله‪ ،‬وعلى محارمه أن تنتهك‪ ،‬وحدوده أن‬
‫تُتجاوز‪ ،‬وأوامره أن تخالف‪.‬‬
‫فمع شفقته على العصاة‪ ،‬إل َ أن هذا ل يمنعه من بغضه‬
‫لتصرفاتهم التي تغضب ربه‪ ،‬ولو كانت من أقرب الناس إليه‬
‫سَنةٌ فِي إِْبرَاهِيمَ وَاّلذِينَ مَ َعهُ إِذْ قَالُوا ِل َقوْمِ ِهمْ إِنّا ُب َرءَاءُ مِنْ ُكمْ َومِمّا‬
‫َقدْ كَانَتْ لَ ُكمْ أُ ْسوَةٌ حَ َ‬
‫َتعُْبدُونَ ِمنْ دُونِ الِ َكفَرْنَا بِ ُكمْ وََبدَا بَيَْننَا وَبَيْنَ ُكمُ اْل َعدَاوَةُ وَالَْب ْغضَاءُ أََبدًا حَتّى ُتؤْمِنُوا بِالِ‬
‫وَ ْحدَهُ [الممتحنة‪.]4 :‬‬
‫لقد علم المحب الصادق أن محبوبه العظم يحب عباده‪،‬‬
‫ويحب من يحببهم فيه‪ ،‬ويعيدهم إليه‪ ،‬وفي نفس الوقت فإنه‬
‫سبحانه ل يحب تصرفاتهم المخالفة لوامره‪ ،‬المنافية لصفة‬
‫كفْرَ [الزمر‪:‬‬
‫العبودية التي ينبغي أن يتصفوا بها وَلَ يَ ْرضَى ِلعِبَادِهِ الْ ُ‬
‫‪ ]7‬فهو ل يحب الكفر‪ ،‬ول يحب الظلم‪ ،‬ول الطغيان‪ ،‬ول‬
‫‪22‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫الكبر‪ ،‬ول الفسق‪ ،‬لذلك ترى المحب لله يجمع بين المرين‪:‬‬
‫الشفقة على الخلق‪ ،‬وحب الخير لهم من جانب‪ ،‬وبغضه‬
‫لتصرفاتهم التي ل ترضى موله‪ ،‬ونهيهم عنها‪ ،‬بل ومحاربتهم‬
‫عليها إن تطلب المر من جانب آخر‪.‬‬
‫ومن لوازم هذه الغيرة‪ :‬الغيرة على رسوله‪ ،‬وكيف ل وهو‬
‫أحب الخلق إلى الله‪ ,‬فلو كانت المحبة لله صادقة لتبعتها‬
‫ولزمتها محبة رسوله والغيرة عليه‪ ،‬ولقد تمثل هذا المر في‬
‫الصحابة جيدًا‪ ،‬ولعل ما حدث لخبيب بن عدي ما يؤكد ذلك‪ ،‬فقد‬
‫صلب لكي يُقتل‪ ،‬وقبل قتله قال‬
‫تم أسره في يوم الرجيع‪ ،‬و ُ‬
‫المشركون له‪ :‬أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال‪ :‬ل والله العظيم‪.‬‬
‫ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه(‪.)1‬‬
‫تاسعًا‪ :‬الغنى بالله‬
‫ومع كل الثمار السابقة تأتي أهم ثمرة للمحبة أل وهي‬
‫الستغناء بالله سبحانه وتعالى‪ ،‬والكتفاء به وَالُ خَيْرٌ وَأَ ْبقَى [طه‪:‬‬
‫‪.]73‬‬
‫فينعكس ذلك على تعاملت العبد مع الحداث التي تمر به‪،‬‬
‫فإن ادلهمت الخطوب استشعر معية الله له لَ َتحْ َزنْ ِإنّ الَ َمعَنَا‬
‫[التوبة‪ ،]40 :‬وإن تشابكت أمامه المور تذكر فردد فى نفسه إِنّ‬
‫مَعِيَ رَبّي سَيَ ْهدِينِ [الشعراء‪.]62 :‬‬
‫‪ ..‬شعاره الدائم وَ َكفَى بِالِ وَكِيلً [النساء‪.]132 :‬‬
‫يتغنى بمثل قول الشاعر‪:‬‬
‫وليتك ترضى والنام‬
‫فليتك تحلو والحياة‬
‫غضاب‬
‫مريرة‬
‫وبين وبين العالمين خراب‬
‫وليت الذي بيني وبينك‬
‫عامر‬
‫وكل الذي فوق التراب‬
‫إذا صح منك الود‬
‫تراب‬
‫فالكل هين‬
‫قال الجنيد‪ :‬قد أوجب الله لهل محبته الصنع والتوفيق في‬
‫‪1‬‬

‫() حياة الصحابة للكاندهلوي ‪.1/400‬‬

‫‪23‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫جميع أحوالهم‪ ،‬فأورثهم الغنى‪ ،‬وسد َ عنهم طلب الحاجات إلى‬
‫الخلق‪ ،‬تأتيهم ألطاف من الله من حيث ل يحتسبون‪ ،‬وقام‬
‫ما لهم‬
‫لهم بما يكتفون‪ ،‬ونََزه أنفسهم عما سوى ذلك‪ ،‬إكرا ً‬
‫عن فضول الدنيا‪ ،‬وطهارة لقلوبهم من كل دنس‪ ،‬وأمشاهم‬
‫في طرقات الدنيا طيبين‪ ،‬وقد رفع أبصار قلوبهم إليه‪ ،‬فهم‬
‫ينظرون إليه بتلك القلوب غير‬
‫محجوبة عنه(‪.)1‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬

‫() المحبة لله سبحانه ‪.84/‬‬

‫‪24‬‬

‫الفصـــــل الول‬

‫‪25‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫لماذا يحب‬
‫الله عباده؟‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫النفخة العلوية‬
‫العلقة بين الله عز وجل وبين عباده من بنى آدم تختلف‬
‫عن علقته سبحانه بجميع خلقه‪ ،‬وكيف ل وما من مخلوق من‬
‫البشر إل ََ وفيه نفخة علوية من روح الله إِذْ قَالَ رَّبكَ ِل ْلمَلَئِ َكةِ إِنّي‬
‫جدِينَ [ص‪،71 :‬‬
‫خَاِلقٌ َبشَرًا مّن طِيٍ َفإِذَا َسوّيُْتهُ وََنفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي َفقَعُوا َلهُ سَا ِ‬
‫‪.]72‬‬
‫نعم‪ ،‬هذه النفخة ليست جزءًا من ذات الله – كما ادعت‬
‫النصارى – بل هي من ملكه(‪ )1‬وأمره‪ ،‬اختص بها سبحانه‬
‫النسان وميزه عن سائر مخلوقاته‪ ،‬وجعلها مرحلة هامة‬
‫سوّْيُتهُ وََنفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي [الحجر‪:‬‬
‫وأساسية ومميزة في خلقه َفإِذَا َ‬
‫‪ ]29‬بينما لم يُذكر ذلك في حق أي مخلوق آخر‪.‬‬
‫جدَ ِلمَا‬
‫ومما يؤكد هذا المر قوله تعالى لبليس مَا مََن َعكَ أَن َتسْ ُ‬
‫خَ َلقْتُ‬
‫بَِيدَيّ [ص‪.]75 :‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول سيد قطب‪ :‬ولن الله عز وجل‬
‫خالق كل شيء‪ ،‬فل بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا‬
‫النسان تستحق هذا التنويه‪ ،‬هي خصوصية العناية الربانية‬
‫بهذا الكائن‪ ،‬وإيداعه نفخة من روح الله دللة على هذه‬
‫العناية(‪.)2‬‬
‫ويقول رحمه الله‪ :‬وما كان هذا الكائن الصغير الحجم‪،‬‬
‫المحدود القوة‪ ،‬القصير الجل‪ ،‬المحدود المعرفة‪ ،‬ما كان له‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() يقول عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني‪ :‬والضافة في (روحي) ليست على‬
‫معنى أنها جزء من روح ذات الله سبحانه وتعالى‪ ،‬بل هي على معنى الملك‪،‬كما‬
‫أن كل شيء في السماوات والرض‪ ،‬وما بينهما ملك لله‪ ،‬فلله ما في السماوات‬
‫والرض‪ ،‬وهذا التعبير نظير التعبير في (سمائي‪ ،‬وأرضي‪ ،‬وجنتي‪ ،‬وناري) أو على‬
‫معنى الختصاص بأمر من أموري‪ ،‬مثل «وطهر بيتي للطائفين» وبسبب الفهم‬
‫الخطأ في هذه الضافة سقط النصاري في توهم أن عيسى عليه السلم جزء‬
‫من ذات الله‪ ،‬سبحانه وتعالى عما يصفون‪ ،‬انظر تفسير معارج التفكر ودقائق‬
‫التدبر الجزء الثالث ص (‪.)267‬‬
‫() في ظلل القرآن ‪.5/3028‬‬

‫‪27‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫أن ينال شيئًا من هذه الكرامة لول تلك اللطيفة الربانية‬
‫الكريمة‪ ,‬وإل فماذا يبلغ هذا النسان لتسجد له ملئكة‬
‫الرحمن‪ ،‬إل بهذا السر اللطيف العظيم؟! (‪.)1‬‬
‫تكريم النسان‬
‫وليس أدل على خصوصية العناية الربانية بالنسان من هذا‬
‫التكريم الذي شمله منذ بدء خلق أبيه آدم وسجود الملئكة له‬
‫جدُوا إِلّ إِبْلِيسَ [البقرة‪ .]34 :‬مروًرا‬
‫سَ‬
‫جدُوا لَ َدمَ فَ َ‬
‫لئِكَةِ اسْ ُ‬
‫وَإِذْ ُقلْنَا ِل ْلمَ َ‬
‫سنِ َت ْقوِيٍ‬
‫خلق عليها َل َقدْ خَ َلقْنَا ا ِلنْسَانَ فِي أَ ْح َ‬
‫بالصورة الحسنة التي ُ‬
‫[التين‪.]4 :‬‬
‫وتميزه بنعمة العقل الذي يُعد بمثابة وعاء للعلم والدراك‬
‫والتمييز بين الخير والشر والنافع والضار‪.‬‬
‫قال الحسن البصري‪ :‬لما خلق الله عز وجل العقل‪ ،‬قال‬
‫له‪ :‬أقبل‪ ،‬فأقبل‪ ،‬ثم قال له‪ :‬أدبر‪ ،‬فأدبر‪ ،‬وقال‪ :‬ما خلقت‬
‫ى منك‪ ،‬إني بك أُعبد‪ ،‬وبك أُعرف‪ ،‬وبك آخذ‪،‬‬
‫خلقًا هو أحب إل ََ‬
‫وبك أُعطي(‪.)2‬‬
‫ومن مظاهر هذا التكريم كذلك‪ :‬تسخير الكون كله لخدمته‬
‫سمَاوَاتِ وَمَا فِي الَرْضِ َجمِيعًا مّ ْنهُ [الجاثية‪.]13 :‬‬
‫وَسَخّرَ لَكُم مّا فِي ال ّ‬
‫هذا التكريم يشمل جميع بني آدم دون تفرقة بين لون أو‬
‫جنس أو عرق وََل َقدْ كَ ّرمْنَا َبنِي آ َدمَ وَ َحمَلْنَا ُهمْ فِي الْبَرّ وَالَْبحْرِ وَرَزَقْنَاهُم ّمنَ‬
‫الطّيّبَاتِ وَ َفضّلْنَا ُهمْ عَلَى َكِثيٍ ّم ّمنْ خَ َلقْنَا َتفْضِيلً [السراء‪.]70 :‬‬
‫سا؟!‬
‫أليست نف ً‬
‫ما‬
‫إن النفخة العلوية التي يحملها النسان تجعله دو ً‬
‫موضعًا للتكريم ولو كان من الكافرين‪.‬‬
‫وإليك – أخي القارئ‪ -‬هذا الخبر الصحيح الذي يؤكد لنا‬
‫‪1‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.5/3129‬‬

‫‪2‬‬

‫() شعب اليمان للبيهقي (‪ )4/154‬برقم (‪.)4632‬‬

‫‪28‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫جميعًا هذا المعنى‪:‬‬
‫كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد رضي الله عنهما‬
‫قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما‪ ،‬فقيل لهما‪:‬‬
‫إنها من أهل الرض‪ ،‬أي من أهل الذمة‪ ،‬فقال‪« :‬إن النبي‬
‫مرت به جنازة فقام‪ ،‬فقيل له‪ :‬إنها جنازة يهودي‪ ،‬فقال‪ :‬أليست‬
‫نفسًا؟» (‪.)1‬‬

‫وليس هذا فحسب بل إننا نجد الشريعة السلمية توجه‬
‫حسن التعامل مع جميع الناس في السلم‬
‫المسلمين إلى ُ‬
‫والحرب‪ ،‬ومن ذلك النهي عن التمثيل بالقتلى في الحرب‪،‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم إذا أ ََ‬
‫مر أميًرا على جيش أو سرية‬
‫يوصيه‪ ،‬فكان مما يقول له‪« :‬ل تثلون»(‪ )2‬وفي الحديث القدسي‪:‬‬
‫«ل تثلوا بعبادي»(‪.)3‬‬

‫ل الّذِينَ‬
‫وكذلك حصر القتل فيمن يقاتل دون غيره َوقَاتِلُوا فِي َسبِيلِ ا ِ‬

‫ُيقَاتِلُونَكُمْ وَ َل َت ْعتَدُوا ِإنّ الَ َل يُحِبّ اْل ُم ْعتَدِينَ [البقرة‪ .]190 :‬فل قتل لمرأة أو‬
‫صبي أو أجير أو راهب في صومعته‪ ،‬فإن انتهت الحرب وكان‬
‫هناك أسرى فل إهانة ول إذلل بل احترام لنسانيتهم َوُي ْط ِعمُونَ‬
‫ال ّطعَامَ َعلَى ُحّبهِ مِسْكِينًا َوَيتِيمًا َوأَ ِسيًا [النسان‪.]8 :‬‬

‫وعندما أسر المسلمون من المشركين يوم بدر‪ ،‬كانت‬
‫وصية الرسول بهم كبيرة‪ ،‬فقال لصحابه‪« :‬استوصوا بم‬

‫خيًا»(‪.)4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)1250‬‬
‫() رواه مسلم (‪.)3261‬‬
‫() رواه أحمد (‪.)16899‬‬
‫() انظر مجلة الوعي السلمي عدد ‪ 494‬مقال بعنوان (حفظ السلم للكرامة‬
‫النسانية) د‪ .‬إبراهيم أحمد مهنا‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫تقرب الملئكة إلى الله بالدعاء للبشر‬
‫لقد اختص الله عز وجل النسان لنفسه من بين سائر‬
‫مخلوقات كما جاء في الثر‪ :‬يا ابن آدم خلقت كل شيء لك وخلقتك‬
‫لنفسي‪ ،‬فل تشتغل با خلقته لك عما خلقتك له‪.‬‬
‫اختصه ليقوم بمهمة عظيمة أل وهي عبادته سبحانه‬
‫بالغيب في ظل تمتعه بخاصية حرية الختيار‪ ،‬ووجود نفس‬
‫أمارة بالسوء‪ ،‬وشيطان يوسوس‪ ،‬ودنيا تتزين‪.‬‬
‫وإن كانت العلقة بين الب وأبنائه تتسم بالحب والحنان‬
‫والرحمة والحرص الدائم على مصلحتهم‪ ،‬فإن علقته سبحانه‬
‫بالبشر أسمى وأسمى‪ ,‬إنها علقة الرب بعباده الذين أوجدهم‬
‫من العدم ونفخ فيهم من روحه‪.‬‬
‫علقة الخالق بالمخلوق الذي اختصه لنفسه فهو يحبه‬
‫ويريد له الخير‪ ،‬والنجاح في مهمته العظيمة‪.‬‬
‫ومن عجب أن الملئكة الطهار الكرام لما علمت بمنزلة‬
‫البشر عند الله جعلت جزءًا من عبادتها دعاءها لهم وهي‬
‫لئِكَةُ‬
‫بذلك تريد التقرب إليه سبحانه وتطمع في نيل رضاه وَاْلمَ َ‬
‫ح ْمدِ رَبّ ِهمْ وَيَسَْت ْغفِرُونَ ِل َمنْ فِي الَرْضِ [الشورى‪.]5 :‬‬
‫سبّحُونَ ِب َ‬
‫يُ َ‬
‫ويزداد تقربهم وتوددهم إليه سبحانه بكثرة الدعاء لمن لهم‬
‫ح ِملُونَ اْلعَرْشَ َو َمنْ َحوْلَهُ يُسَبّحُونَ‬
‫حب خاص وولية خاصة عنده اّلذِينَ يَ ْ‬
‫ح ْمدِ رَبّ ِهمْ وَُيؤْمِنُونَ ِبهِ وَيَسَْت ْغفِرُونَ ِل ّلذِي َن آمَنُوا رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَ ْيءٍ رّ ْح َمةً َوعِ ْلمًا فَا ْغفِرْ‬
‫بِ َ‬
‫لِ ّلذِينَ تَابُوا وَاتَّبعُوا سَبِي َلكَ وَقِ ِهمْ َعذَابَ اْلجَحِيمِ َربّنَا وَأَدْ ِخلْ ُهمْ جَنّاتِ َعدْنٍ الّتِي َو َعدْتّ ُهمْ‬
‫وَمَن صَلَحَ ِمنْ آبَاِئ ِهمْ وَأَ ْزوَاجِ ِهمْ وَذُرّيّاتِ ِهمْ ِإّنكَ أَنتَ اْلعَزِيزُ اْلحَكِيمُ وَقِ ِهمُ السّيّئَاتِ َومَن‬
‫َتقِ السّيّئَاتِ َيوْمَِئذٍ َف َقدْ رَ ِحمَْتهُ وَذَِلكَ ُهوَ اْلفَوْزُ اْلعَظِيمُ [غافر‪.]9 -7 :‬‬
‫لئِ َكَت ُه يُصَلّونَ عَلَى الّنبِيّ‬
‫ويزداد ويزداد لحب الخلق إليه ِإنّ الَ َومَ َ‬
‫[الحزاب‪.]56 :‬‬
‫‪30‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫مباهاته بعباده‬
‫ومما يؤكد علقته – سبحانه – الخاصة بعباده البشر‬
‫الموحدين له‪ :‬مباهاته بهم الملئكة عند قيامهم بطاعته‪.‬‬
‫ما على حلقة من أصحابه فقال‪« :‬ما أجلسكم؟»‬
‫خرج يو ً‬
‫نَ‬
‫قالوا‪ :‬جلسنا نذكر الله‪ ،‬ونحمده على ما هدانا للسلم‪ ،‬وم َ‬
‫به علينا‪ .‬قال‪« :‬آل ما أجلسكم إل ذاك؟» قالوا‪ :‬والله ما أجلسنا إل‬
‫ذاك قال‪« :‬أما إن ل أستحلفكم تمة لكم‪ ،‬ولكنه أتان جبيل فأخبن أن ال يباهي‬
‫بكم اللئكة»(‪.)1‬‬
‫وانظر إليه وهو يحدث أصحابه عن صورة أخرى من‬
‫صور هذه المباهاة فيقول‪« :‬إن ال يباهي بأهل عرفات أهل السماء‪ ،‬فيقول‬
‫لم‪ :‬انظروا إل عبادي جاءون شعثًا غبًا»(‪.)2‬‬
‫مع أنه سبحانه ‪-‬يقينًا‪ -‬ل تنفعه طاعة الطائعين مهما بلغت‪،‬‬
‫ول تضره معصية العاصين مهما عظمت‪ ،‬وما مباهاته وفرحه‬
‫بطاعات عباده إل لنه يحبهم ويريد لهم الخير‪.‬‬
‫وما إخبارهم بتلك المباهاة في أكثر من موضع على لسان‬
‫رسول الله إل رسالة حب منه لهم لعلها تزيدهم إقبال عليه‬
‫وحبًا له وشوقًا إلى لقائه‪.‬‬
‫ضحكه سبحانه‬
‫ومن مظاهر العلقة المميََزة بين الله تعالى وعباده‬
‫وبخاصة الطائعين منهم‪ :‬ضحكه سبحانه عندما يرى عباده‬
‫يخلصون أعمالهم له‪ ،‬ويضحون من أجله‪.‬‬
‫عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي قال‪« :‬ثلثة يبهم‬
‫ال‪ ،‬ويضحك إليهم‪ ،‬ويستبشر بم‪ :‬الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه ل عز وجل‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم (‪. )2701‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه ابن حبان والحاكم وصححه اللباني في ص‪ .‬ج (‪.)1867‬‬

‫‪31‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫فإما أن يُقتل وإما أن ينصره ال ويكفيه‪ ،‬فيقول‪ :‬انظروا إل عبدي هذا كيف صب ل‬
‫بنفسه؟‪ ,‬والذي له امرأة حسنة وفراش لي حسن‪ ،‬فيقوم من الليل‪ ،‬فيقول‪ :‬يذر شهوته‬
‫ويذكرن‪ ،‬ولو شاء رقد‪ ،‬والذي كان ف سفر‪ ،‬وكان معه ركب‪ ،‬فسهروا‪ ،‬ث هجعوا‪ ،‬فقام‬
‫من السحر ف ضراء وسراء»(‪.)1‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى قوله ‪« :‬يعجب ربك من راعي غنم‪ ،‬ف رأس‬
‫شظية ببل‪ ،‬يؤذن للصلة‪ ،‬ويصلي‪ ،‬فيقول ال عز وجل‪ :‬انظروا إل عبدي هذا يؤذن ويقيم‬
‫الصلة‪ ،‬ياف من‪ ،‬قد غفرت لعبدي‪ ،‬وأدخلته النة»(‪.)2‬‬
‫قدر المؤمن عند الله‬
‫إن الجسد الذي خلقه الله عز وجل ونفخ فيه نفخة علوية‬
‫له حرمة عظيمة عنده سبحانه ويكفيك في ذلك قوله تعالى‪:‬‬
‫أَّنهُ مَن قَتَلَ َنفْسًا ِبغَيْرِ َنفْسٍ َأوْ َفسَادٍ فِي الَرْضِ فَ َكأَّنمَا قَتَلَ النّاسَ َجمِيعًا َو َمنْ أَحْيَاهَا‬
‫فَ َكأَّنمَا أَحْيَا النّاسَ َجمِيعًا [المائدة‪.]32 :‬‬
‫وهذا يؤكد مكانة النسان الخاصة عند الله عز وجل‪،‬‬
‫وتزداد هذه المكانة كلما كان النسان أطوع لله عز وجل‪ ,‬قال‬
‫‪« :‬لزوال الدنيا أهون على ال من قتل مؤمن بغي حق»(‪.)3‬‬
‫يكره سبحانه مساءة عبده المؤمن‬
‫تأمل معي أخي القارئ قول الله عز وجل في الحديث‬
‫القدسي‪:‬‬
‫«وما ترددت ف شيء أنا فاعله ترددي ف قبض نفس عبدي الؤمن‪ ،‬يكره الوت وأنا‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه الطبراني في الكبير وقال إسناده حسن وقال عنه الهيثمي‪:‬‬
‫رجاله ثقات‪ ،‬وحسنه‪ ،‬اللباني في صحيح الترغيب والترهيب (‪.)624‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)8102‬‬
‫() صحيح الجامع (‪.)5077‬‬

‫‪32‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫أكره مساءته‪ ،‬ول بد له منه»(‪.)1‬‬
‫يعلق ابن تيمية على ذلك فيقول‪ :‬فبيََن سبحانه أنه يتردد (عن‬
‫قبض نفس عبده المؤمن) لن التردد تعارض إرادتين‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه يحب ما يحبه عبده‪ ،‬ويكره ما يكرهه‪ ،‬وهو يكره الموت‬
‫فهو يكرهه كما قال (وأنا أكره مساءته) وهو سبحانه قد قضى‬
‫بالموت‪ ،‬فهو يريد له أن يموت‪ ،‬فسمى ذلك ترددًا‪ ،‬ثم بين أنه‬
‫لبد من وقوع ذلك(‪.)2‬‬
‫فرحه – سبحانه – بتوبة العاصين‬
‫أرأيت لو أن ابنًا قد شرد بعيدًا عن أبيه‪ ،‬وسار في طريق‬
‫الفساد‪ ،‬ثم عاد إلى رشده وارتمى في حضن أبيه‪ ,‬أي فرحة‬
‫يكون عليها الب في هذا الوقت؟!‬
‫هذه الفرحة ل تساوي شيئًا بجوار فرحته سبحانه بتوبة عبد‬
‫من عباده مهما أسرف في ذنبه ول ََ‬
‫ج في طغيانه‪.‬‬
‫تأمل معي الحديث الذي يؤكد فيه هذا المعنى بقوله‪:‬‬
‫«وال‪ ،‬ل أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل كان ف سفر‪ ،‬ف فلة من الرض فأوى إل‬
‫ظل شجرة فنام تتها‪ ،‬واستيقظ فلم يد راحلته‪ ،‬فأتى شرفًا فصعد عليه‪ ،‬فلم ير شيئًا‪ ،‬ث أتى‬
‫آخر‪ ،‬فأشرف فلم ير شيئًا‪ ،‬فقال‪ :‬أرجع إل مكان الذي كنت فيه‪ ،‬فأكون فيه حت أموت‪،‬‬
‫فذهب‪ ،‬فإذا براحلته تر خطامها‪ ،‬فال أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته»(‪.)3‬‬
‫مراده أن تدخل الجنة‬
‫عندما يقرأ المرء الخبار السابقة‪ ،‬وبخاصة ما يتعلق بفرح‬
‫الله عز وجل العظيم بتوبة عبد من عباده فمن المتوقع أن‬
‫تقفز إلى الذهن بعض التساؤلت عن أسباب هذا الفرح فالله‬
‫عز وجل ل تنفعه هذه التوبة بشيء‪ ،‬فهو الغنى الحميد‪ ,‬فلماذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)6502‬‬
‫() التحفة العراقية‪.43 /‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫هذه الفرحة إذن؟‬
‫من السهل علينا أن ندرك سر هذا الفرح عندما نتذكر أن‬
‫الله عز وجل اختص النسان لنفسه دون خلقه جميعًا‪ ،‬وأنه‬
‫يريد منه أن ينجح في امتحان العبودية ليُدخله الجنة‪ ,‬فمراده‬
‫سبحانه من جميع البشر دخول جنته وَالُ َي ْدعُو ِإلَى الْجَّنةِ وَاْل َم ْغفِرَةِ‬
‫ِبإِذِْنهِ [البقرة‪.]221 :‬‬
‫مراده أن يعود الجميع إليه ليكرمهم وينعمهم في دار‬
‫ما‪ ،‬وهو‬
‫صا لهم‪ ،‬وجعل لكل منهم فيها جزءًا مقسو ً‬
‫أعدها خصي ً‬
‫سبحانه يريد لكل منهم أن ينال نصيبه في تلك الدار‪ ،‬ويتبوأ‬
‫لمِ [يونس‪ ]25 :‬وفي‬
‫منزله فيها وَالُ َي ْدعُو ِإلَى دَارِ السّ َ‬
‫نفس الوقت فهو ل يريد أن يُدخل أحدًا من عباده النار وَلَ‬
‫يَ ْرضَى ِلعِبَادِهِ‬
‫الْ ُكفْرَ [الزمر‪.]7 :‬‬
‫هذا المر ينطبق على جميع البشر في مشارق الرض‬
‫ومغاربها‪ ،‬وفي كل العصور والزمان‪ ..‬عباد الصليب‪ ..‬عباد‬
‫البقر‪ ..‬الملحدين والوثنيين‪ ..‬كل هؤلء يريد الله منهم أن‬
‫يدخلوا الجنة‪ ،‬ويكفيك في هذا أنه سبحانه وتعالى يمهل هؤلء‬
‫وغيرهم من الكافرين‪ ،‬ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة‪ ,‬مع‬
‫قدرته المطلقة عليهم وإحاطته التامة بهم‪ ،‬فلو شاء أن يهلكم‬
‫لي ذنب يفعلونه لهلكهم‪ ،‬لكنه ل يفعل‪ ،‬بل يحلم ويصبر‬
‫ويمهل لعلهم ينتبهون من غفلتهم‪.‬‬
‫معنى ذلك أنه ما من واحد يدخل النار إل لنه يأبى ويصر‬
‫(‪)1‬‬
‫جنّة إلّ َمنْ أَبَى» ‪.‬‬
‫على أل يدخل الجنة كما قال ‪« :‬كُلّ ُأمّتِي َيدْخُلُونَ الْ َ‬
‫نعم‪ ،‬هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها البشر «كلكم يدخل‬
‫النة إل من شرد على ال شراد البعي على أهله»(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صحيح البخاري ج (‪.)6737‬‬
‫() صحيح الجامع (‪.)4570‬‬

‫‪34‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫ومثال ذلك ما حدث لصحاب القرية التي كذبت الرسل‬
‫فأصابهم العذاب بعد طول إمهال ليأتي التعقيب القرآني‬
‫ليؤكد أنهم هم الذين أبوا إل العذاب يَا َحسْرَةً عَلَى اْلعِبَادِ مَا َيأْتِيهِم مّن‬
‫رّسُولٍ إِلّ كَانُوا ِبهِ يَسَْتهْزِئُونَ [يس‪.]30:‬‬
‫أحب العباد إلى الله‬
‫وأهم صور الباء والصرار على عدم دخول الجنة عدم‬
‫العتراف بالله‪ ،‬ربًا وخالقُا ورازقًا‪ ،‬وإلهًا معبودًا‪ ،‬أو إشراك‬
‫أحد معه في ذلك‪.‬‬
‫فالشرك أو الكفر ظلم عظيم يظلم فيه العبد الحقيقة‬
‫العظيمة‪ ،‬حقيقة التوحيد التي قامت عليها السماوات‬
‫ما‪ ،‬فيرتد إلى‬
‫والرض‪ ،‬ومن ثََم يهون على الله هوانًا عظي ً‬
‫حا للجميع للتوبة‬
‫أسفل السافلين‪ ،‬ومع ذلك يظل الباب مفتو ً‬
‫والعودة إليه سبحانه قبل فوات الوان‪ ،‬بل إنه سبحانه وتعالى‬
‫جعل أحب خلقه إليه من يُحبب الناس فيه‪ ،‬ويدعوهم للعودة‬
‫إليه وإلى طاعته كي يدخلهم الجنة‪.‬‬
‫قال ‪« :‬إن لعرف ناسًا ما هم بأنبياء ول شهداء يغبطهم النبياء والشهداء‬
‫بنلتهم عند ال سبحانه يوم القيامة‪ ،‬الذين يبون ال ويببونه إل خلقه‪ ،‬يأمرونم بطاعة ال‬
‫فإذا أطاعوا ال أحبهم ال» (‪.)1‬‬
‫فالله عز وجل يبغض الشرك والكفر الذي تلبََس‬
‫بالمشركين الكفار‪ ،‬ولكنه سبحانه يريد أن يتوب عليهم‪،‬‬
‫ويدخلهم الجنة بينما هم يأبون‪ ،‬لذلك فإنه سبحانه رغََب عباده‬
‫َ‬
‫المؤمنين بدعوة هؤلء وتحبيبهم فيه عل َهم يفيقون من‬
‫غفلتهم‪ ،‬ويعودون إلى ربهم‪.‬‬
‫تأمل قوله تعالى الذي يتفجر إشفاقًا ورحمة‪ :‬قُل لِ ّلذِينَ َكفَرُوا‬
‫إِن يَنتَهُوا ُي َغفَرْ َل ُهمْ مّا َقدْ سَ َلفَ [النفال‪ .]38 :‬وتأمل كذلك قوله‪ :‬وَِإنْ‬
‫لمَ الِ ُثمّ َأبْ ِلغْهُ َم ْأمَنَهُ ذَِلكَ ِبأَنّ ُهمْ َق ْومٌ لّ‬
‫سمَعَ كَ َ‬
‫أَ َحدٌ ّمنَ اْل ُمشْرِ ِكيَ ا ْستَجَارَكَ َفأَجِرْهُ حَتّى َي ْ‬
‫‪1‬‬

‫() أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪.1/126‬‬

‫‪35‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫َيعْ َلمُونَ [التوبة‪.]6 :‬‬
‫أشد ما يغضبه‪:‬‬
‫ومع فرحه سبحانه بتوبة عبد من عباده الضالين‪ ،‬ومع حبه‬
‫الخاص لمن يحبب الناس فيه‪ ،‬فإنه سبحانه يغضب أشد‬
‫الغضب لمن يُيئس الناس من بلوغ رحمته ويُنذرهم بانقطاع‬
‫المل‪ ،‬وبأنه ل مآل لهم إل النار‪.‬‬
‫وما إمهال الله لعباده المقصرين والمسرفين على‬
‫أنفسهم‪ ،‬بل والكفار والمشركين – كما أسلفنا‪ -‬إل لنه‬
‫سبحانه يهيئ لهم من المور‪ ،‬ويرسل لهم من الرسائل ما قد‬
‫يوقظهم من سباتهم‪ ،‬ويذكرهم بربهم‪.‬‬
‫فإذا ما جاء شخص ما وأشعر هؤلء بأن الله لن يغفر لهم‪،‬‬
‫وأنهم مغضوب عليهم‪ ،‬ول أمل أمامهم‪ ،‬فسيؤدي ذلك إلى‬
‫م زيادة تماديهم في‬
‫قنوطهم ويأسهم من رحمة الله‪ ،‬ومن ث َ‬
‫الطغيان‪ ،‬وانحرافهم‪ ،‬وابتعادهم عن طريق الهدى‪ ،‬لتكون‬
‫نهايتهم النار‪.‬‬
‫فإن كنت‪ -‬أخي القارئ‪ -‬في شك من هذا فاقرأ هذا‬
‫الحديث‪:‬‬
‫عن أبى قتادة أن رسول الله قال‪« :‬قال ال تبارك وتعال‬
‫للملئكة‪ :‬أل أخبكم عن عبدين من بن إسرائيل أما أحدها فيى بنو إسرائيل أنه أفضلهما‬
‫ف الدين والعلم واللق‪ ،‬والخر يَرى أنه مسرف‪ ،‬فذُكر عند صاحبه‪ ،‬فقال‪ :‬لن يغفر ال له‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أل يعلم بأن أرحم الراحي؟ أل يعلم أن رحت سبقت غضب؟ وإن قد أوجبت لذا‬
‫الرحة وأوجبت لذا العذاب‪ ،‬فقال رسول الله ‪ :‬فل تألوا على ال عز‬
‫وجل»(‪.)1‬‬
‫جوْس قال‪ :‬دخلت مسجد رسول الله‬
‫وعن ضمضم بن َ‬
‫في طلب صاحب لي فإذا رجل أدعج العين‪ ،‬براق الثنايا‪ ،‬فقال‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫لي‪ :‬يا تهامي ل تقولن لحد ل يغفر الله لك‪ ،‬ول يدخلك الجنة‪،‬‬
‫قلت‪ :‬من أنت يرحمك الله؟ قال‪ :‬أنا أبو هريرة‪ .‬قلت‪ :‬قد‬
‫نهيتني عن شيء كنت أقوله إذا غضبت على أهل بيتي‬
‫وحشمي‪ ،‬قال‪ :‬فل تفعل فإني سمعت رسول الله يقول‪:‬‬
‫«كان رجلن من بن إسرائيل فكان أحدها به رهق‪ ،‬والخر عابدًا‪ ،‬فكان ل يزال يقول له‪:‬‬
‫أل تكف‪ ،‬أل تقصر‪ ،‬فيقول‪ :‬ما ل ولك دعن ورب‪ .‬قال‪ :‬فهجم عليه يومًا فإذا هو على‬
‫كبية‪ ،‬فقال‪ :‬وال ل يغفر ال لك‪ ،‬وال ل يدخلك النة‪ ،‬فبعث ال إليهما ملكًا فقبض‬
‫أرواحهما‪ ،‬فلما قدما بما على ال عز وجل قال للمذنب‪ :‬ادخل النة برحت‪ ،‬وقال للعابد‪:‬‬
‫حظرت على عبدي رحت‪ ،‬أكنت قادرًا على ما تت يدي؟ انطلقوا به إل النار»‪.‬‬
‫قال أبو هريرة‪ :‬والذي نفسي بيده لقد تكلم كلمة أوبقت‬
‫دنياه وآخرته(‪.)1‬‬
‫المرحلة الخيرة‬
‫ولنه سبحانه يريد من عباده دخول الجنة‪ ،‬فقد أتاح لهم‬
‫صا عظيمة للتوبة والرجوع إليه وذلك طيلة حياتهم في‬
‫فر ً‬
‫الدنيا‪ ،‬ول يقتصر المر على ذلك‪ ،‬بل وعند مماتهم كذلك‬
‫طالما أنهم لم يهتكوا الستر بالكفر أو الشرك‪ ،‬فقد أعطى‬
‫عباده الموحدين أشياء تساعدهم على محو السيئات وزيادة‬
‫الحسنات‪.‬‬
‫ومن ذلك أنه تصدق عليهم بثلث أموالهم التي يتركونها‬
‫كوصية يتصرفون فيها كيفما شاءوا‪ ،‬فإن كان المال الذي‬
‫بحوزتهم سيئول إلى ورثتهم‪ ،‬إل أن لهم أن يوصوا بثلثه فيما‬
‫يريدونه من أبواب الخير‪.‬‬
‫قال ‪« :‬إن ال تعال تصدق عليكم عند وفاتكم بثُلث أموالكم‪ ،‬وجعل ذلك زيادة‬
‫لكم ف أعمالكم»(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه أبو داود (‪.)4901‬‬
‫() حسن صحيح الجامع (‪.)1733‬‬

‫‪37‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وحث سبحانه عباده المسلمين – على لسان رسوله‬
‫الصلة على الميت ليكون دعاؤهم سببًا من أسباب تكفير‬
‫سيئاته‪ ،‬ورفع درجاته وإنزال الرحمة عليه‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫قال ‪« :‬من تبع النازة وصلى عليها‪ ،‬فله قياط‪ ،‬ومن تبعها حت يُفرغ منها فله‬
‫قياطان‪ ,‬أصغرها مثل أحد‪ ،‬أو أحدها مثل أحد»(‪.)1‬‬
‫وحثهم على الدعاء له بالتثبيت عند دفنه «ادعوا لخيكم فإنه الن‬
‫يسأل»(‪.)2‬‬
‫وليس هذا فحسب‪ ،‬بل جعل هناك أعمال يجري على‬
‫المسلم ثوابها بعد موته كدعاء الولد الصالح‪ ،‬وكالعلم النافع‪،‬‬
‫وكالصدقة الجارية‪.‬‬
‫قال ‪« :‬إن ما يلحق الؤمن من عمله وحسناته‪ ،‬بعد موته‪ ،‬علمًا نشره‪ ،‬وولدًا‬
‫صالًا تركه‪ ،‬ومصحفًا ورّثه‪ ،‬أو مسجدًا بناه‪ ،‬أو بيتًا لبن السبيل بناه‪ ،‬أو نرًا أجراه‪ ،‬أو‬
‫صدقة أخرجها من ماله ف صحته وحياته‪ ،‬تلحقه بعد موته»(‪.)3‬‬
‫أهل المظالم‪:‬‬
‫وإن أردت أن تتأكد – أخي القارئ – أكثر وأكثر بأن مراد‬
‫الله عز وجل هو دخول جميع عباده الموحدين الجنة فاقرأ هذا‬
‫الحديث‪:‬‬
‫سا إذ رأيناه‬
‫عن أنس بن مالك قال‪ :‬بينما النبي جال ً‬
‫ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر‪ :‬ما أضحكك يا رسول الله‬
‫بأبي أنت وأمي؟‬
‫قال‪« :‬رجلن من أمت جثيا بي يدي رب العزة‪ ،‬فقال أحدها‪ :‬يا رب خذ ل‬
‫مظلمت من أخي‪ ،‬قال ال‪ :‬أعط أخاك مظلمته‪ ،‬فيقول‪ :‬يا رب ل يبق من حسنات‪ ،‬قال‪ :‬يا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() سنن أبو داود ح (‪.)2755‬‬
‫() سنن أبو داود ح (‪.)2804‬‬
‫() صحيح الجامع (‪.)2231‬‬

‫‪38‬‬

‫الفصـــــل الثاني‬

‫رب فليحمل عن من أوزاري‪ ،‬ففاضت عين رسول الله بالبكاء ثم‬
‫قال‪ :‬إن ذلك اليوم عظيم يوم يتاج الناس فيه إل أن يمل عنهم من أوزارهم‪ ،‬فيقول ال‬
‫عز وجل للمطالب‪ :‬ارفع رأسك فانظر إل النان فرفع رأسه فقال‪ :‬يا رب أرى مدائن من‬
‫فضة وقصورًا من ذهب مكلل باللؤلؤ‪ ،‬لي نب هذا؟ لي صدّيق هذا؟ لي شهيد هذا؟‬
‫قال ال عز وجل‪ :‬هذا لن أعطان الثمن‪ .‬قال‪ :‬يا رب فمن يلك ذلك؟ قال‪ :‬أنت تلكه‪.‬‬
‫قال‪ :‬باذا يا رب؟ قال بعفوك عن أخيك‪ .‬قال‪ :‬يا رب قد عفوت عنه‪ .‬قال‪ :‬خذ أخاك‬
‫فأدخله النة‪ ،‬ثم قال رسول الله ‪ :‬اتقوا ال وأصلحوا ذات بينكم فإن ال‬
‫يصلح بي الؤمني يوم القيامة(‪.)1‬‬
‫فهذا يا أخي هو ربنا الذي يحبنا ويفرح بتوبتنا ويريد أن‬
‫يدخلنا الجنة‪.‬‬
‫هذا هو ربنا الذي عََرفنا بنفسه فقال‪ :‬وَإِلَهُ ُكمْ إَِلهٌ وَا ِحدٌ لّ إَِلهَ إِلّ‬
‫ُهوَ الرّ ْح َمنُ ال ّرحِيمُ [البقرة‪.]163 :‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪.354 ،10/353‬‬

‫‪39‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫‪40‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫مظاهر حب الله‬
‫تعالى لعباده‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫‪42‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫تمهيــــــد‪:‬‬
‫كأني بك أخي القارئ تتساءل عن الدليل العملي لهذه‬
‫العلقة المميزة بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده البشر‪،‬‬
‫بل وبينك أنت على وجه الخصوص‪.‬‬
‫ل أريدك أخي الحبيب أن تطلب دليل واحدًا‪ ،‬بل اطلب ما‬
‫شئت من الدلة فهي – بفضل الله – أكثر من أن تحصى‪،‬‬
‫فمظاهر حب الله لعباده كثيرة كثيرة‪ ،‬تنتظر منا أن ننتبه إليها‬
‫لنستدل من خللها على الرب الودود سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫كل ما هو مطلوب أن نـُعطي عقولنا الفرصة لكي تقوم‬
‫خلقت من أجلها‪ ..‬مهمة التعرف على الله‪.‬‬
‫بالمهمة التي ُ‬
‫فبالتفكير في مظاهر حب الله لعباده‪ ،‬مع الجتهاد في‬
‫تجاوب المشاعر مع هذا التفكر ستزداد المعرفة بالله الودود‪،‬‬
‫وستستولي هذه المعرفة – بإذن الله – على الجزء الكبر من‬
‫مشاعر الحب في القلب‪ ،‬لتظهر الثمار الطيبة لهذا الحب‬
‫بصورة تلقائية ودون تكلف‪.‬‬
‫جوانب المعرفة‬
‫وفي الصفحات القادمة سيتم الحديث بعون الله عن بعض‬
‫مظاهر حب الله لعباده‪ ،‬والمطلوب منا أن نتفكر فيها جيدًا‪،‬‬
‫ونعيش معها بعقولنا ومشاعرنا‪ ،‬لعلها تساهم في إشعال‬
‫جذوة حب المولى سبحانه وتعالى في قلوبنا‪.‬‬
‫وستلحظ أخي القارئ أننا في أغلبها نتوجه إليك بالخطاب‬
‫ليكون ذلك أدعى لستشعار معانيها بصورة أقرب إلى‬
‫الحقيقة والواقع‪.‬‬
‫***‬

‫‪43‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سب ْلً ‪:‬قمنفضله عليك‬
‫َأو‬
‫مظاهر‬
‫قبـــــــل وجودك‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫والمقصد من سبق الفضل‪ :‬أن فضل الله عز وجل علينا‪،‬‬
‫وحبه لنا سبق وجودنا على الرض‪.‬‬
‫هذا الجانب من أهم الجوانب التي من شأنها أن تؤجج‬
‫مشاعر الحب داخل القلب‪ ،‬وكيف ل ومن خلله يكتشف الواحد‬
‫منا مدى حب ربه له دون أي سبب منه‪.‬‬
‫فهيا بنا أخي القارئ نعيش في أجواء هذ المظهر‪:‬‬
‫سبق الفضل في التكريم‬
‫شاء الله عز وجل أن يخلق مخلوقات من العدم‪ ,‬كنت أنت‬
‫من مخلوقاته‪.‬‬
‫واختار من هذه المخلوقات التي ل تعد ول تحصى مخلوقًا‬
‫ليختصه بنعمة العقل‪ ،‬وينفخ فيه من روحه‪ ,‬نلت أنت هذا‬
‫الشرف‪ ,‬شرف التكريم وََل َقدْ كَ ّرمْنَا َبنِي آ َدمَ وَ َحمَلْنَا ُهمْ فِي الْبَرّ وَالَْبحْرِ‬
‫وَرَزَقْنَاهُم مّنَ الطّيّبَاتِ وَ َفضّلْنَا ُهمْ عَلَى كَِثيٍ ّم ّمنْ َخ َلقْنَا َت ْفضِيلً [السراء‪.]70 :‬‬
‫كان من الممكن أن تكون مخلوقًا آخر غير النسان كأن‬
‫تكون حجًرا‪ ،‬أو عصفوًرا‪ ،‬أو شجرة‪ ،‬أو حبة رمل‪ ،‬أو ‪...‬‬
‫ولكنه الفضل العظيم من الله عز وجل الذي اجتباك على‬
‫كثير من مخلوقاته‪ ،‬وكََرمك عليهم‪.‬‬
‫المشهد العظيم‬
‫قدََر الله عز وجل لبينا آدم – عليه السلم – عددًا محددًا من‬
‫الذرية تهبط إلى الرض لتؤدي اختبار العبودية‪ ,‬كنت أنت واحدًا‬
‫‪44‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫منهم‪ ،‬وشهدت المشهد العظيم الذي أخذ الله فيه العهد من‬
‫جميع ذرية آدم على عبادته وَإِذْ أَ َخذَ َرّبكَ مِن َبنِي آ َدمَ مِن ظُهُو ِر ِهمْ ذُرّيّتَ ُهمْ‬
‫وَأَشْ َه َد ُهمْ عَلَى أَْنفُسِ ِهمْ أَلَسْتُ بِ َربّ ُكمْ قَالُوا َبلَى شَ ِه ْدنَا [العراف‪.]172 :‬‬
‫هذا العدد الكبير الذي قدََره الله لذرية آدم – عليه السلم‬
‫– لم يشأ سبحانه أن يُهبطه إلى الرض دفعة واحدة‪ ،‬بل‬
‫مجموعة تلو الخرى‪ ,‬كل مجموعة تؤدي المتحان ثم تترك‬
‫الرض بعد نزع أرواحها‪ ،‬وتبقى في القبور انتظاًرا لنهاية‬
‫امتحان الجميع‪ ،‬ليتم بعدها الحساب والجزاء‪.‬‬
‫لم يختر أحد من البشر المكان‪ ،‬أو الزمان‪ ،‬أو البيئة‪ ،‬أو‬
‫البوين‪ ،‬أو الشكل الذي ستحل روحه فيه‪ ،‬ويؤدي من خلله‬
‫المتحان‪ ،‬مع الخذ في العتبار بأن الله عز وجل لم يظلم‬
‫أحدًا من الناس‪ ،‬فبالعقل والفطرة يستطيع المرء في أي‬
‫زمان ومكان الستدلل على وحدانية الله‪ ،‬وكذلك فإن الرسل‬
‫والكتب السماوية التي أنزلها الله عز وجل تبين للناس‬
‫المطلوب منهم‪ ،‬ولكن بل شك أن نزولك إلى الرض في هذا‬
‫الزمان وهذا المكان الذي نحيا فيه له مميزات ضخمة تدل‬
‫ل واجتباء عظيم من الله لك‪.‬‬
‫على سبق فض ٍ‬
‫سبق فضل الزمان‬
‫هيا بنا نُطلق لخيالنا العنان‪ ،‬وليتخيل كل منا أنه قد ولد في‬
‫زمان آخر غير الزمان الذي ُولد فيه‪.‬‬
‫تخيل أنك قد وُلدت في زمان قوم لوط‪ ،‬لتجد نفسك –‬
‫عافاك الله – من أبناء أسرة تقترف أسوأ أنواع الفاحشة‬
‫والعياذ بالله ‪ ..‬ماذا كنت ستفعل؟!‬
‫س كان عليك اجتيازه‪ ،‬وأن نسبة‬
‫أل توافقني أنه اختبار قا ٍ‬
‫نجاحك فيه ل شك ضعيفة؟!‬
‫تخيل لو أنك وجدت نفسك ابنًا من أبناء قوم فرعون أو‬
‫عاد أو ثمود‪ ،‬أو من أبناء القرامطة أو أحد الفرق الضالة التي‬
‫ظهرت في فترة من فترات التاريخ السلمي‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫تخيل أنك قد ولدت في زمن التتار‪ ،‬أو محاكم التفتيش‬
‫ماذا كنت ستفعل؟!‬
‫أل ترى في تجنيبك كل ذلك عظيم حب ربك لك‪ ،‬وسبق‬
‫فضله عليك أن أوجدك في هذا الزمان‪.‬‬
‫تيسر الحياة‬
‫ومما يلحق بنعم سبق الفضل في الزمان‪ :‬تي َُ‬
‫سر الحياة‪،‬‬
‫فلو كنت قد وُلدت منذ بضع قرون في نفس المكان الذي‬
‫تحيا فيه الن‪ ..‬تخيل مدى صعوبة الحياة في ذلك الوقت ‪ ..‬ل‬
‫كهرباء ‪ ..‬ل دورات مياه ‪ ..‬ل سيارات ‪ ..‬أو طائرات‪ ..‬ل‬
‫وسائل اتصال ‪ ..‬ل عمليات جراحية ‪.‬‬
‫تخيل أنك في هذا الزمان أصبت بضعف في النظر ماذا‬
‫كنت ستفعل؟ أتدري حجم الصعوبات التي كنت ستواجهها‬
‫بنظرك الضعيف؟‬
‫تخيل أماكن قضاء الحاجة التي كانت تبعد عن مساكن‬
‫الناس ‪ ..‬وتخيل حجم الجهد والوقت والمخاطر التي تواجه‬
‫من يريد قضاء حاجته بخاصة في ليالي الشتاء الباردة‬
‫والجواء المتقلبة‪.‬‬
‫تخيل نفسك تريد السفر إلى مكة أو المدينة ‪ ..‬كم من‬
‫اليام كنت ستقضيها على ظهر بعيرك لتصل إلى مقصودك؟!‬
‫تخيل ‪ ..‬تخيل‪.‬‬
‫سبق فضل المكان‬
‫هذا بالنسبة لنعم سبق الفضل في الزمان‪ ،‬ولكن هب أنك‬
‫قد ولدت في هذا الزمان بالفعل‪ ،‬ولكن في مكان آخر‬
‫غيرالذي تحيا فيه الن‪ ،‬تخيل أنك وُلدت في أدغال أفريقيا‪ ،‬أو‬
‫في السكيمو‪ ،‬أو في أماكن الفيضانات أو الزلزل‪ ،‬أو‬
‫العاصير‪ ،‬أو البراكين‪.‬‬
‫تخيل أنك قد ولدت في أماكن الفتن والضطهاد‬
‫للمسلمين كتركستان وكشمير والفلبين وبورما‪ ..‬ماذا عساك‬
‫‪46‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫أن تفعل؟!‬
‫إن هؤلء المضطهدين شاء الله عز وجل لهم أن يكونوا‬
‫في هذه الماكن ليؤدوا امتحان عبوديتهم لله بخاصة في مادة‬
‫الصبر‪ ،‬وجزاؤهم عظيم إذا اجتازوا هذا المتحان إِّنمَا ُيوَفّى‬
‫س‬
‫الصّابِرُونَ أَجْ َر ُهمْ ِبغَيْرِ ِحسَابٍ [الزمر‪ ]10 :‬ولكنه بل شك امتحان قا ٍ‬
‫عصمك الله منه‪.‬‬
‫الوالدان‬
‫تخيل أنك ولدت في هذا الزمان‪ ،‬ولكن لبوين نصرانيين أو‬
‫يهوديين أو بوذيين أو ملحدين أو شيوعيين أو هندوسيين‪ ..‬ماذا‬
‫كنت ستفعل؟!‬
‫ماذا كنت ستفعل عندما ترى أبويك يسجدان للبقرة‪ ،‬أو‬
‫للصليب؟! أكنت ستُعمل عقلك وتستنفر سليم فطرتك كما‬
‫أمرك الله‪ ،‬وكما حدث من القليل منهم‪ ،‬أم كنت ستسير على‬
‫خطى الغلبية؟!‬
‫امتحان رهيب عصمك الله منه‪ ،‬بأن خلقك لبوين مسلمين‬
‫‪ ..‬أليس كذلك؟!‬
‫ثم تخيل أنك كما أنت وُلدت في هذا الزمان والمكان‬
‫والديانة ولكنك وجدت أباك يعمل في مهنة مخلة بالشرف‪..‬‬
‫أو وجدته جباًرا من الجبابرة؟!‬
‫تخيل أنك وُلدت في بيئة فجور أو أسرة مترفة ‪ ..‬ماذا‬
‫كنت ستفعل؟!‬
‫إنها امتحانات صعبة عصمك الله منها دون سبب منك أو‬
‫اجتهاد‪.‬‬
‫اللسان العربي‬
‫خلقت من أبوين مسلمين لكنهما‬
‫ولكن هب أنك قد ُ‬
‫يتحدثان غير العربية كاللغة الفارسية أو الردية أو الهندية أو‬
‫‪47‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الصينية أو النجليزية ‪ ..‬ماذا كنت ستفعل لكي تفهم القرآن‬
‫وتتأثر بآياته وهو أمر واجب عليك وليس اختياريًا؟!‬
‫نعم‪ ،‬هؤلء عليهم تعلم العربية ليفهموا القرآن ويتأثروا به‪،‬‬
‫ولكن أل ترى في ذلك عظيم فضل الله عليك أن أوجدك في‬
‫بيئة تتحدث العربية‪ ،‬فل تحتاج إلى جهد عظيم لكي تفهم كتابه‬
‫وسنة نبيه؟! (‪.)1‬‬
‫سبق الفضل في العافية‪:‬‬
‫تفكر ثم تفكر في مدى حب ربك لك‪ ،‬وسبق فضله عليك‬
‫قبل أن تولد وذلك فيما سبق من جوانب‪ ،‬ثم تفكر في جانب‬
‫عظيم من جوانب سبق الفضل اللهي لك‪ ,‬أل وهو سبق‬
‫الفضل في العافية‪.‬‬
‫فلقد قدََر الله عز وجل أن يولد عدد من الناس وبهم‬
‫عيوب خلقية في القلب‪ ،‬أو قصور في المخ‪ ،‬أو خلل في‬
‫الطراف كامتحان لهم من ناحية‪ ،‬ولظهار نعمته على‬
‫المعافين من ناحية أخرى‪ ،‬ومع ذلك‪ ,‬لم تكن أنت – بفضل‬
‫الله – منهم‪.‬‬
‫بل شك أن هذا النقص الذي ابتُلى به هؤلء يحتاج منهم‬
‫إلى صبر واحتساب لينجحوا في اختبارهم‪ ،‬ولكن أل ترى‬
‫عظيم فضل ربك عليك أن اختارك فألبسك ثوب العافية ترفل‬
‫فيه؟!‬
‫كلمة ل بد منها‪:‬‬
‫ليس معنى وجود نقص عند إنسان في أحد المور التي‬
‫ذكرت أو غيرها دليل على عدم حب الله عز وجل له‪ ،‬بل هو‬
‫عين الحب ولكن من جانب آخر‪ ،‬ولنعلم جميعًا أن الدنيا‬
‫ليست داًرا للجزاء والنعيم كي يظن البعض هذا الظن‪ ،‬ولو‬
‫‪1‬‬

‫() اعلم أخي الحبيب أنه كلما زادت النعم على العبد زاد المطلوب من الشكر‪،‬‬
‫وجوهر الشكر هو الشعور بالمتنان تجاه الله عز وجل بالقلب‪ ،‬والعتراف بفضله‬
‫وكثرة حمده باللسان‪ ،‬واستخدام هذه النعمة في طاعته والتواضع بها لخلقه‬
‫بالجوارح‪ ،‬فالذي يجد نفسه محاطا بما سبق ذكره من نعم ثم ل يشكر ربه عليها‬
‫انقلبت النعمة في حقه نقمة‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫يدري أهل العافية ما أعده الله لهل البلء الصابرين في‬
‫الخرة لتمنوا أنهم كانوا مثلهم‪.‬‬
‫إن النقص والبلء الذي يصيب المرء ليس إهانة بل امتحان‬
‫على صاحبه أن يجتازه‪ ،‬وكذلك فإن العطاء والفضل ليس‬
‫ضا‪ ،‬فإن ظن المرء أن العطاء تفضيل‬
‫كرامة بل امتحان أي ً‬
‫ذاتي لشخصه دون مقابل فإن هذا العطاء يصبح وبال عليه‬
‫كما حدث مع فرعون وقارون وصاحب الجنتين‪.‬‬
‫والحقيقة التي ل مرية فيها أن الله عز وجل يحب عباده‬
‫جميعًا ويريد لهم الخير‪ ،‬فإن اختص أحدًا منهم بشيء فهو‬
‫سبحانه يريد من وراء ذلك أن يشكره عليها‪ ،‬وأن ينفع عباده‬
‫به كما جاء في الحديث‪« :‬إن ل تعال أقوامًا يتصهم بالنعم لنافع العباد‪،‬‬
‫ويقرهم فيها ما بذلوها‪ ،‬فإذا منعوها نزعها منهم فحولا إل غيهم»(‪.)1‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير‬

‫‪49‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫هدايته وعصمته‬
‫ثانيًا ‪ :‬من‬
‫مظاهر‬
‫ودوام عافيتـــــه‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫خلصنا مما سبق أنه قبل أن تولد وتخرج إلى الدنيا اختارك‬
‫الله عز وجل لتكون من مخلوقاته‪ ،‬وأكرمك أكثر وأكثر‬
‫فجعلك واحدًا من بني آدم‪ ،‬واختارك لهذا الزمان ابنًا لبوين‬
‫مسلمين ناطقين بالعربية‪.‬‬
‫أح ََ‬
‫ل روحك في شكل مناسب‪ ،‬وعافاك من كثير من‬
‫المراض الخِلقية قبل أن تبدأ رحلتك على الرض‪.‬‬
‫واستمر فضله عليك حتى يومك هذا‪...‬‬
‫استمر فضله في نعمة العافية‪ ،‬فقد حفظك طيلة سنوات‬
‫عمرك الماضية من الصابة بأمراض كثيرة‪ ،‬وإذا ما أردت أن‬
‫تعرف حجم هذا الحفظ‪ ،‬فتأمل كل صاحب مرض قد عافاك‬
‫الله منه‪.‬‬
‫مئات بل آلف المراض التي تصيب أجهزة الجسم‬
‫وأعضاءه المختلفة قد عافاك الله منها‪.‬‬
‫لو علمت عدد الفيروسات والكائنات الدقيقة ومسببات‬
‫ضا خطيرة‪ ،‬والتي ل‬
‫المراض التي تحيط بنا‪ ،‬وتسبب أمرا ً‬
‫يمنعها من مهاجمتنا إل الله عز وجل‪ ،‬لهرعت إلى السجود‬
‫الطويل شاكًرا لله عز وجل على حفظه لك طيلة هذه‬
‫السنين‪ ،‬ولسألته دوام وتمام العافية‪.‬‬
‫هدايته لك‬
‫أخي القارئ‪ ,‬يا من أكرمك الله عز وجل باليمان‪.‬‬
‫أتدري ما الذي حدث معك لتكون من أهل المساجد‪ ،‬بل‬
‫من أهل الصلة أصل‪ ،‬ومن أهل الصيام والذكر والصدقة‬
‫‪50‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫وفعل الخير؟!‬
‫لقد حبب الله إلى قلبك اليمان‪ ،‬وشرح له صدرك‪ ،‬وكره‬
‫إليك طريق الضلل والغي‪ ،‬ولو أردت أن تدرك حجم هذه‬
‫النعمة العظيمة فتأمل أقرانك وجيرانك‪ ،‬وزملء دراستك‪.‬‬
‫كم واحد منهم مثلك في تدينك والتزامك؟!‬
‫أتظن أن لك يدًا في ذلك؟! ل والله‪ ،‬بل هو محض الفضل‬
‫اللهي الذي م ََ‬
‫ن الله به عليك وََلوْلَ َفضْلُ الِ عَلَيْ ُكمْ وَرَ ْحمَُتهُ مَا زَكَا مِنكُم‬
‫مّنْ أَ َحدٍ أََبدًا وَلَ ِكنّ الَ يُزَكّي مَن يَشَاءُ [النور‪.]21 :‬‬
‫إن كل صلة صليتها كان الله سبحانه سببًا في أدائك إياها‪.‬‬
‫فقد كان من الممكن أل تجد في نفسك همة ول عزيمة‬
‫للقيام بها‪ ،‬بل فتور وتكاسل‪.‬‬
‫كان من الممكن أن يصيبك شيء يقعدك‪ ،‬ويعيقك عن‬
‫أدائها‪.‬‬
‫كان من الممكن أن يأتيك من يشغلك عنها‪ ,‬يأتيك اتصال‬
‫هاتفي طويل‪ ،‬أو تحدث مشكلة تتدخل لحلها أو ‪...‬‬
‫كان من الممكن أن تذهب إلى أدائها فل يطاوعك لسانك‬
‫على الذكر‪ ،‬ول أعضاؤك على الحركة‪.‬‬
‫هذه هي الحقيقة‪ ،‬فالذي مكنك من هذا كله وأزال عنك‬
‫العوائق وشرح صدرك لدائها هو ربك الودود‪ ،‬فليس بينك‬
‫وبين ترك الصلة إل أن يتركك الله عز وجل لنفسك وحبها‬
‫الدائم للراحة وكرهها المعهود للتكليف‪.‬‬
‫وكن على يقين بأن الفضل اللهي يحدث مع كل صلة‬
‫تصليها‪ ،‬وكل صوم تصومه‪ ،‬وكل صدقة تتصدق بها‪ ،‬وكل‬
‫تسبيحة تسبحها وَإِنِ اهَْتدَيْتُ فَِبمَا يُوحِي إِلَيّ رَبّي [سبأ‪.]50 :‬‬
‫العصمة‬
‫أما عن مظاهر حب ربك لك في جانب العصمة من‬
‫‪51‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الفجور والكفر فمن الصعب إدراك أبعادها‪ ،‬ويكفيك في ذلك‬
‫أن كل معصية تحدث على وجه الرض من كفر واستهزاء‬
‫بالدين‪ ،‬وإلحاد‪ ،‬وسرقة‪ ،‬وزنا‪ ،‬و تعامل بالربا‪ ،‬وأكل أموال‬
‫الناس بالباطل‪ ،‬وغش‪ ،‬وخداع‪ ،‬ورشوة‪ ،‬وعقوق للوالدين‪،‬‬
‫و‪....‬‬
‫كل هذه المعاصي وغيرها ل يمنعك من القيام بها سوى‬
‫ربك الذي كََرهك فيها‪ ،‬وصرف ذهنك عنها‪ ،‬وأبعدك عن‬
‫طريقها‪ ،‬وأبعدها عن طريقك‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬وهل من الممكن أن أفعل ذلك وأنا لم أقترف‬
‫شيئًا منها طيلة حياتي‪ ،‬ولم أفكر فيها؟‬
‫نعم أخي‪ ،‬من الممكن أن يفعلها أي واحد منََا لو تركه الله‬
‫عز وجل ولم يعصمه منها‪ ،‬فل يوجد في البشر من يستعصي‬
‫على فعل المعصية – صغيرة أو كبيرة – وذلك لطبيعة النفس‬
‫البشرية المارة بالسوء ووجود الشيطان الذي يوسوس‬
‫ويزين للنفس فعل المعاصي‪.‬‬
‫فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي دعاء إبراهيم عليه‬
‫السلم لربه وَاجُْنبْنِي وَبَنِيّ أَن ّنعُْبدَ الصْنَامَ [إبراهيم‪ .]35 :‬وكذلك‬
‫يوسف الصديق عليه السلم عندما استجار بربه ليصرف عنه‬
‫هنّ َأصْبُ إَِليْ ِهنّ وَأَكُن ّمنَ ا ْلجَاهِلِيَ [يوسف‪:‬‬
‫فعل السوء وَإِلّ َتصْرِفْ عَنّي كَ ْي َد ُ‬
‫‪.]33‬‬
‫فماذا تقول لربك بعد ذلك؟!‬
‫ماذا تقول لمن عصمك من الكفر والفسوق والعصيان؟!‬
‫ماذا تقول لمن اجتباك وهداك إلى صراطه المستقيم؟!‬
‫أل ينبغي لنا أن نردد – بيقين – ما كان يقوله رسولنا لربه‬
‫في صباح كل يوم‪ :‬وإنك إن تكلن إل نفسي تكلن إل ضعف‪ ،‬وعورة‪ ،‬وذنب‬

‫‪52‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫ل الّذِي هَدَانَا ِلهَذَا َومَا ُكنّا ِلَنهْتَدِيَ‬
‫حمْدُ ِ‬
‫وخطيئة‪ ،‬وإن ل أثق إل برحتك(‪ .)1‬ونقول‪ :‬الْ َ‬

‫لَوْلَ َأنْ هَدَانَا الُ [العراف‪.]43 :‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه أحمد والطبراني والحاكم‪ ،‬وقال صحيح السناد‪ ،‬وحسنه اللباني‬
‫في صحيح الترغيب والترهيب ح (‪.)657‬‬

‫‪53‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ثالثًا ‪ :‬من‬
‫مظاهر‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫قيامه على شئونك‬
‫صا ما يقوم برعايتك باستمرار‪ ،‬ويدير‬
‫تخيل معي لو أن شخ ً‬
‫كل شئونك‪ ..‬يأتيك بالطعام والشراب وسائر ما تحتاج‪.‬‬
‫تريد الماء فتجده يسارع بإحضاره‪ ،‬وسقايته لك‪.‬‬
‫تريد الطعام فيشتريه ويطهيه ويناولك إياه‪ ،‬بل يطعمك‬
‫بنفسه‪.‬‬
‫يحمل عنك أغراضك‪ ،‬ويقضي لك حوائجك‪.‬‬
‫تنام فيظل ساهًرا بجوارك‪ ،‬يحرسك ويحميك‪ ،‬ويطمئن‬
‫عليك‪.‬‬
‫صا يفعل معك ذلك كل يوم وبدون‬
‫تخيل لو أن شخ ً‬
‫مقابل‪ ..‬ماذا ستكون مشاعرك نحوه؟!‬
‫أليست مشاعر المتنان والحب هي التي ستغمرك‬
‫تجاهه؟!‬
‫فإن كان من الطبيعي أن تتملكك هذه المشاعر تجاه من‬
‫يتولى رعايتك في بعض جوانب حياتك‪ ،‬فماذا ينبغي أن تكون‬
‫مشاعرك تجاه من يتولى القيام على جميع شئونك منذ أن‬
‫ولدت وحتى يومنا هذا‪ ..‬وحتى لحظتك هذه؟!‬
‫ل حول ول قوة إل بالله‬
‫لقد خلقنا الله عز وجل من العدم وجعل لنا السمع‬
‫والبصار والفئدة والطراف والجهزة المختلفة كأسباب‬
‫تتيسر لنا من خللها الحياة بل منغصات‪.‬‬
‫هذه السباب ل تملك في نفسها القدرة الذاتية على القيام‬
‫بوظائفها المختلفة‪ ،‬فالعضلت‪ -‬مثل‪ -‬خلقها الله عز وجل‬
‫‪54‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫ولديها القابلية للنقباض والنبساط‪ ،‬لكن الذي يمدها بالفاعلية‬
‫والقدرة على ذلك هو الله سبحانه وتعالى‪ .‬في كل لحظة‬
‫وطرفة عين يمدها سبحانه بما يكفل لها القيام بوظيفتها ولو‬
‫تخلى عنها طرفة عين لما انقبضت‪ ،‬ول انبسطت‪ ،‬فإذا أردت‬
‫الضحك ل تطاوعك عضلت فمك فيما تريد لنها بدون المدد‬
‫حكَ وََأبْكَى [النجم‪.]43 :‬‬
‫اللهي تبقي عاجزة وَأَّنهُ ُهوَ َأضْ َ‬
‫هذه هي الحقيقة فهو سبحانه الذي أضحك وأبكى‪ ،‬وهو‬
‫الذي أقام وأقعد‪ ،‬وهو الذي حََرك وسكََن‪.‬‬
‫نعم‪ -‬أخي القارئ‪ -‬ل قيمة لحد منا بدون الله‪ ،‬وكيف ل‬
‫وكل خلية تعمل في جسمك فإن ربك هو القائم عليها‪ ،‬وعلى‬
‫تدبير شئونها‪.‬‬
‫القلب يتعاهده ويحفظه ويتولى ضبط سرعة ضخه للدم‪.‬‬
‫اللقمة التي تأكلها في فمك يتولى سبحانه وتعالى عملية‬
‫تسييرها وهضمها وامتصاص النافع منها‪ ،‬وإخراج ما ينبغي‬
‫إخراجه‪.‬‬
‫النَفَس الذي تتنفسه يتولى سبحانه عملية دخوله إلى‬
‫الرئتين وأخذ مادة الكسجين منه وإخراجه محمل بثاني أكسيد‬
‫الكربون‪.‬‬
‫الكُلية يعمل بها حوالي مليون جهاز ترشيح يقوم عليهم‬
‫جميعًا ويتولى أمر حفظهم وإمدادهم بالقدرة على تنقية الدم‬
‫والسوائل مرات ومرات في اليوم الواحد‪.‬‬
‫يقوم سبحانه على الجهاز العصبي والحساس‪ ,‬وعلى‬
‫الجهاز المناعي‪ ،‬وعلى الغدد وما تفرزه من هرمونات تحتاج‬
‫ما إلى ضبط نسبها الدقيقة في الدم‪.‬‬
‫دو ً‬
‫قائم على الدم‪ ،‬وضبط درجة سيولته في كل لحظة‪ ،‬فلو‬
‫زادت لحدث النزيف ولو نقصت لكانت الجلطات والعياذ بالله‪.‬‬
‫يتولى سبحانه أمر إبصارك بالعين‪ ،‬وسماعك بالذن‪،‬‬
‫‪55‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ونطقك باللسان‪.‬‬
‫يمدك بالماء ويمكنك من شربه‪ ،‬ويمده بالقدرة على‬
‫سمَاءِ مَاءً َفأَ ْسقَيْنَا ُكمُوهُ َومَا أَنُْتمْ َلهُ ِبخَازِنِيَ‬
‫إروائك وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ َلوَاقِحَ َفأَنْزَْلنَا مِنَ ال ّ‬
‫[الحجر‪.]22 :‬‬
‫يتولى أمر إثمار الطعام بأنواعه لتجده أمامك في أي‬
‫ل ْرضَ‬
‫صبّا ُثمّ شَ َق ْقنَا ا َ‬
‫صَب ْبنَا الْمَاءَ َ‬
‫لْنسَانُ ِإلَى َطعَا ِمهِ َأنّا َ‬
‫وقت تشاء فَ ْليَن ُظرِ ا ِ‬
‫حدَائِقَ ُغ ْلبًا وَفَا ِكهَةً َوَأبّا‬
‫خلً وَ َ‬
‫ضبًا َو َزْيتُونًا َونَ ْ‬
‫حبّا وَ ِعنَبًا وَقَ ْ‬
‫شَقّا فََأْنَب ْتنَا فِيهَا َ‬
‫كمْ [عبس‪.]32 -24 :‬‬
‫لنْعَامِ ُ‬
‫كمْ وَ َ‬
‫َمتَاعًا لّ ُ‬
‫يوحي إليك فعل الخيرات ويحببها إليك‪ ،‬ويصرف عنك فعل‬
‫المنكرات ويكرهك فيها‪.‬‬
‫يجعلك تنام لترتاح‪ ،‬ويتولى حفظك وأنت نائم‪ ،‬ثم هو الذي‬
‫يوقظك ويرد إليك روحك‪.‬‬
‫قريب منك‪ ..‬أقرب مما تتخيل‪ ،‬يجيب دعاءك إذا ناديته‬
‫بصدق وطلبت منه حاجتك‪.‬‬
‫وَإِذَا َسأََلكَ عِبَادِي عَنّي َفإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ َد ْعوَةَ الدّاعِ إِذَا َدعَانِ‬
‫‪.]186‬‬

‫[البقرة‪:‬‬

‫يحميك من نفسك ومن عدوك وَِإمّا يَ ْن َزغَّنكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَ ْزغٌ فَاسَْت ِعذْ‬
‫سمِيعُ اْلعَلِيمُ [فصلت‪.]36 :‬‬
‫بِالِ إِّنهُ ُهوَ ال ّ‬
‫يحفظ لك أولدك وأهلك «اللهم أنت الصاحب ف السفر والليفة ف‬
‫الهل»‪.‬‬
‫فماذا تقول لمن يفعل معك كل هذه المور وغيرها كل‬
‫يوم ومنذ أن ولدت؟!‬
‫ماذا تقول لمن يطعمك ويسقيك وإذا مرضت فهو الذي‬
‫يشفيك؟!‬
‫‪56‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫فلتردد معي قوله ‪« :‬المد ل الذي يطُعمِ ول يُطعمَ‪ ،‬منّ علينا فهدانا‪،‬‬
‫وأطعمنا وسقانا‪ ،‬وكل بلء حسن أبلنا‪ ،‬المد ل غي مودّع رب‪ ،‬ول مكافأ ول مكفور‬
‫ول مستغن عنه‪ ،‬المد ل الذي أطعم من الطعام‪ ،‬وسقى من الشراب‪ ،‬وكسا من العُري‪،‬‬
‫وهدى من الضللة‪ ،‬وَبصّر من العَمي‪ ،‬وفضّل على كثي من خلق تفضيل‪ ،‬المد ل‬
‫(‪)1‬‬
‫رب العالي»‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() أخرجه النسائي وابن السني والحاكم وابن حبان‪ ،‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح على‬
‫شرط مسلم‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫رابعًا ‪:‬‬

‫من‬
‫مظاهر‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫تسخيـــر الكون لك‬

‫الله عز وجل خلق النسان ليكون عبدًا له‪ ،‬وسيدا لما سواه‪،‬‬
‫فلقد جعل الكون‬
‫المحيط به مسخًرا لخدمته‪ ،‬يعمل من أجل راحته هُوَ اّلذِي خَلَقَ َلكُم مّا‬
‫فِي الَرْضِ‬
‫جَمِيعًا [البقرة‪ ]29 :‬وَالَرْضَ َوضَعَهَا لِلنَامِ [الرحمن ‪.]10 :‬‬
‫انظر‪ -‬مثل‪ -‬إلى السماء فستجد الشمس تتحرك حركة‬
‫ما إلى‬
‫دائبة كل يوم من المشرق إلى المغرب‪ ،‬لم تخلد يو ً‬
‫الراحة‪ ،‬وكيف تفعل ذلك وتغيب عنا وهي مأمورة بإمدادنا‬
‫بالضياء والطاقة؟‬
‫والقمر كذلك يتحرك حركة دائبة من أول يوم في الشهر‬
‫العربي يكون فيه هلل ً يكبر يوما بعد يوم فيكون بدًرا يضيء‬
‫السماء ثم يعود كما كان في نهاية الشهر فيساعدنا بذلك‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ‬
‫على معرفة اليام والشهور الُ اّلذِي َخ َلقَ ال ّ‬
‫حرِ ِبَأمْرِهِ‬
‫سمَاءِ مَاءً َفأَخْ َرجَ ِبهِ مِنَ الّثمَرَاتِ رِزْقًا لّ ُكمْ وَسَخّرَ لَ ُكمُ اْلفُ ْلكَ ِلتَجْرِيَ فِي الْبَ ْ‬
‫ال ّ‬
‫شمْسَ وَاْلقَمَرَ دَاِئبَيَ وَسَخّرَ لَ ُكمُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ‬
‫وَسَخّرَ لَ ُكمُ الْنهَارَ وَسَخّرَ لَ ُكمُ ال ّ‬
‫[إبراهيم‪.]33 -32 :‬‬
‫أنت القائد‬
‫أنت قائد هذا الكون أيها النسان‪ ،‬فكل ما فيه مسخر‬
‫لخدمتك‪..‬‬
‫انظر إلى جسمك وتأمل ما فيه من جوانب التسخير‬
‫مس ََ‬
‫خرة لترى بها ما حولك‪،‬‬
‫والخدمة لك أيها المكرم‪ ..‬فعينك ُ‬
‫ولسانك ما هو إل خادم لك لتعبَِر من خلله عما تريده‪ ،‬ويدك‬
‫للبطش والكتابة‪ ،‬والتسبيح‪ ،‬ورجلك للحركة والذهاب إلى‬
‫‪58‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫حيث تشاء‪.‬‬
‫كل هذا يتم دون اعتراض أو تمنَُع‪ ،‬بل استسلم تام وانقياد‬
‫تام لوامرك‪.‬‬
‫ما في الطعام الذي تأكله كيف تتم رحلته‬
‫هل فكرت يو ً‬
‫داخل جسمك فيحدث من خللها الهضم والمتصاص وإخراج‬
‫الفضلت‪.‬‬
‫إن الجهزة الداخلية تعمل داخلك ليل نهار لتقوم على‬
‫راحتك‪ ،‬فل تجهد ذهنك في التفكير عن كيفية عملها وماذا‬
‫يحدث في داخل الرئتين أو القلب أو الكبد أو‪....‬‬
‫ل تفكر في كيفية التئام جرح من الجروح فهناك من يقوم‬
‫بذلك‪.‬‬
‫أرح نفسك من هذا كله فهناك خدم كثيرون ل يحصى‬
‫عددهم يقومون على خدمتك‪.‬‬
‫أيها المدلل‬
‫انظر إلى طعامك وتخيل أن هذه الخضروات والفواكه لن‬
‫تكون موجودة بهذه السهولة‪ ،‬وأن المطلوب منك هو أن تقوم‬
‫بنفسك على عملية استخراجها من مكوناتها الصلية‪.‬‬
‫كم من الوقت والجهد ستبذله للحصول على بعض ثمار‬
‫الخيار مثل‪ ،‬بل على ثمرة واحدة؟!‬
‫أيها المدلل‪...‬‬
‫أتدري أن هناك مصانع ل تعد ول تحصى موجودة تحت‬
‫الرض وفوقها تعمل ليل نهار‪ -‬بإذن ربها‪ -‬من أجل أن توفر‬
‫لك شتى أنواع الطعمة وما عليك إل أن تجمع إنتاجها‪ ،‬وتختار‬
‫منه ما يروق لك؟!‬
‫تخيل ثم تخيل‬
‫تخيل‪ -‬أخي القارئ‪ -‬أن الدابة التي تستخدمها في تنقلتك‬
‫من مكان لخر‪ ،‬قد أنطقها الله عز وجل‪ ،‬فإذا هي تسألك قبل‬
‫‪59‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫تحركها بك عن وجهتك‪ ،‬ولماذا تذهب إلى هذا المكان‪ ،‬وكم‬
‫من الوقت ستستغرقه فيه و‪.....‬‬
‫تخيل أن الماء الذي تريد شربه ل يتحرك في فمك‪ ،‬بل‬
‫يسألك لماذا تشرب الن؟ ألم تشرب منذ قليل؟!‬
‫تخيل أنك تريد الكتابة فل تتحرك معك يدك بل توبخك‬
‫على كثرة استخدامها وعدم إعطائها راحتها‪.‬‬
‫تخيل ذلك وتخيل أن كل من حولك من المخلوقات يتكلم‪،‬‬
‫ويناقش قبل قيامه بتنفيذ الوامر‪ ..‬ثم اسأل نفسك كيف‬
‫ستكون الحياة بهذا الشكل؟!‬
‫ل تستغرب – أخي‪ -‬هذا الكلم‪ ،‬فبالفعل قد أنطق الله‬
‫بقرة في عصر من العصور السابقة لتكون آية للناس‬
‫تشعرهم بحجم نعمة التسخير‪ ،‬ونعمة صمت الكائنات من‬
‫حولنا‪.‬‬
‫فعن أبي هريرة قال‪ :‬صلى رسول الله صلة الصبح‪،‬‬
‫ثم أقبل على الناس‪ ،‬فقال‪« :‬بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربا‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫إنّا ل نلق لذا‪ ،‬إنا خلقنا للحرث‪ ،‬فقال الناس‪ :‬سبحان ال‪ ،‬بقرة تتكلم؟ فقال‪ :‬فإن أومن‬
‫(‪)1‬‬
‫بذا أنا وأبو بكر وعمر‪.»...‬‬
‫سل نفسك‬
‫وبعد أن تخيلت ما تخيلت‪ ،‬سل نفسك‪:‬‬
‫هل يرفض الماء إرواءك‪ ،‬والطعام إشباعك؟!‬
‫هل ترفض الدواب حملك إلى المكان الذي تريد ولو كان‬
‫ل يرضي الله عز وجل؟!‬
‫هل امتنعت النار عن الحراق والماء عن الغليان؟!‬
‫ما عن الشراق‪ ،‬والليل عن‬
‫هل امتنعت الشمس يو ً‬
‫الظلم؟!‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)3471‬‬

‫‪60‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫تأمل ثم تأمل هذا اللون العجيب من نعم التسخير‬
‫والتكريم لك أيها النسان واسأل نفسك‪ -‬مرة أخرى‪ -‬لماذا‬
‫ميزك الله عن سائر مخلوقاته؟!‬
‫ولماذا هيأ الكون كله لخدمتك‪ ،‬وجعلك قائده وسيده؟!‬
‫هل هناك جواب آخر غير أنه يحبك ويريد لك النجاح في‬
‫خلقت لجلها‪ ،‬ومن ثََم دخول الجنة والتمتع‬
‫المهمة التي ُ‬
‫بنعيمها البدي؟!‬
‫جاء في الثر‪« :‬يا ابن آدم خلقت كل شيء لك‪ ،‬وخلقتك لنفسي‪ ،‬فل تشتغل‬
‫با خلقته لك عما خلقتك له»‪.‬‬
‫***‬

‫‪61‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫خامًسا ‪:‬كرمه البالغ‬
‫من‬
‫مظاهر‬
‫وهداياه المتنوعة إليك‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫إن ميزان العدل يقول إن من عمل حسنة كان جزاؤه‬
‫حسنة‪ ،‬ومن عمل سيئة كانت عليه سيئة‪ ،‬ولكن ميزان الكرم‬
‫سَنةً نّزِدْ َلهُ فِيهَا حُسْنًا‬
‫والفضل اللهي له رأي آخر َومَن َيقْتَرِفْ حَ َ‬
‫[الشورى‪.]23 :‬‬

‫ما منه‬
‫فميزان الحسنات يختلف عن ميزان السيئات‪ ,‬كر ً‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬وحبًا لعباده‪ ،‬ورغبة في دخولهم الجنة مَن جَاءَ‬
‫ظ َلمُونَ [النعام‪:‬‬
‫جزَى إِلّ مِثْلَهَا َو ُهمْ لَ يُ ْ‬
‫بِاْلحَسََنةِ َف َلهُ عَشْرُ َأمْثَالِهَا َومَن جَاءَ بِالسّيَّئةِ فَلَ يُ ْ‬
‫‪.]160‬‬

‫تأمل أخي القارئ قوله ‪« :‬فمن همّ بسنة فلم يعملها كتبها ال عنده‬
‫حسنة كاملة‪ ،‬فإن هو همّ با فعملها كتبها ال له عنده عشر حسنات إل سبع مائة ضعف‬
‫إل أضعاف كثية‪ ،‬ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها ال له عنده حسنة كاملة‪ ،‬فإن هو همّ‬

‫با فعملها كتبها ال له سيئة واحدة»‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫فإن كنت في شك من جوده وكرمه فماذا تقول في قوله‬
‫‪« :‬من قال سبحان ال وبمده ف يوم مائة مرة حُطت ذنوبه وإن كانت مثل زبد‬

‫البحر»‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫وماذا تقول في قوله ‪« :‬من قال‪ :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه البخاري ح (‪.)6010‬‬
‫() متفق عليه‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫اللك‪ ،‬وله المد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ ،‬عشرًا‪ ،‬كان كمن أعتق رقبة من ولد‬
‫إساعيل»‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫وغير ذلك من العمال المتاحة للجميع في أي وقت‪،‬‬
‫والتي رتب الله على أدائها عظيم الثواب‪.‬‬
‫من المير؟‬
‫جعل الله عز وجل لكل عبد من عباده ملكان يحصيان‬
‫ملَك على اليمين يكتب الحسنات‪ ،‬وملك على‬
‫عليه أعماله‪َ ,‬‬
‫الشمال يكتب السيئات‪ ،‬فمن هو المير الذي له الكلمة على‬
‫الخر؟!‬
‫يقول ‪« :‬صاحب اليمي أمي على صاحب الشمال‪ ،‬فإذا عمل عبد حسنة كتبها‬
‫بعشر أمثالا‪ ،‬فإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمي‪:‬‬
‫أمسك‪ ،‬فيمسك ست ساعات‪ ،‬فإن استغفر منها ل يكتب عليه شيئًا‪ ،‬وإن ل يستغفر كُتبت‬
‫(‪)2‬‬
‫عليه سيئة واحدة»‪.‬‬
‫أأدركت أخي قدر المعاملة الكريمة التي يعاملنا الله بها؟!‬
‫كريم في عطاياه‬
‫هذا من ناحية الكرم في الجزاء‪ ،‬أما الكرم في العطاء‬
‫حدث ول حرج‪ ..‬انظر معي إلى أصناف الفواكه مثل‪،‬‬
‫والرزق ف َِ‬
‫ألم يكن يكفينا صنف أو صنفان يدُخلن السرور علينا‪ ،‬ونتمتع‬
‫بلذيذ طعمها؟! ولكنه الكرم اللهي الغير محدود الذي أتاح لنا‬
‫هذه النواع الكثيرة كي نتمتع بها‪ ،‬بل إن الصنف الواحد له‬
‫عدة صور‪ ،‬وقل مثل هذا على الخضروات والطيور‬
‫والسماك‪ ..‬هذا مع العلم بأننا لم نعرف بعد كل أنواع هذه‬
‫المأكولت‪.‬‬
‫بل العجيب أن هناك مخلوقات خلقها الله عز وجل لشاعة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() ضعيف‪ ،‬أورده اللباني‪ ،‬في السلسلة الضعيفة ح (‪.)2237‬‬

‫‪63‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سمَاءِ مَاءً َفأَنَْبتْنَا ِبهِ َحدَاِئقَ‬
‫البهجة في نفوسنا عند رؤيتها وَأَنْزَلَ لَكُم ّمنَ ال ّ‬
‫جةٍ [النمل‪.]60 :‬‬
‫ذَاتَ َبهْ َ‬
‫الهدايا المتنوعة‬
‫لقد وصانا نبينا بالتهادي فيما بيننا ليزداد الحب‪ ،‬فالهدية‬
‫معطيها؛ قال‬
‫لها تأثير عجيب في استمالة القلوب تجاه ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫«تادوا تابوا»‪.‬‬
‫هذه الوسيلة العظيمة ذات الثر المجرب في تنمية الحب‬
‫يفعلها معنا ربنا باستمرار‪ ،‬فهداياه ل تنقطع عنا رغم إعراضنا‬
‫الشديد عنه‪ ,‬يتحبب بها إلينا حتى نزداد له حبًا‪ ،‬وهو من هو‪..‬‬
‫هو الله العظيم الذي خضعت له السماوات والرض والجبال‬
‫والبحار وكل شيء في هذا الكون‪ ..‬هو الله الذي له ملكوت‬
‫كل شيء‪.‬‬
‫هو الرب الغني الذي ل ينتظر من عباده طاعة تنفعه‪ ،‬ول‬
‫يخشى منهم معصية تضره‪ -‬حاشاه‪ -‬هذا الله بجلله وكماله‬
‫وملكه العظيم يتودد ويتحبب إلينا بإرسال تحفه وهداياه كل‬
‫حين‪ ,‬قال ‪« :‬إن لربكم ف أيام دهركم نفحات فتعرضوا لا‪ ،‬لعل أحدكم أن يصيبه‬
‫(‪)2‬‬
‫منها نفحة ل يشقى بعدها أبدًا»‪.‬‬
‫ومن هذه النفحات والهدايا‪ :‬يوم عرفة‪ ..‬فإن صمته أخي‬
‫القارئ غُفر لك ذنوب عامين‪ ,‬عام سابق وعام لحق‪ ،‬وإن‬
‫استطعت أن تكون في أرض عرفة في هذا اليوم تستغفر‬
‫ربك غُفرت كل ذنوبك‪ ،‬وأصبحت كيوم ولدتك أمك‪ ..‬بل ذنوب‬
‫ول خطايا‪.‬‬
‫وكذلك يوم عاشوراء فمن صامه غُفرت له ذنوب عام‬
‫كامل‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه أبو يعلي في مسنده‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح الجامع (‪.)3004‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه الطبراني في الوسط والكبير‪ ،‬وأورده الهيثمي في مجمع الفوائد ‪/10‬‬
‫‪.230‬‬

‫‪64‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت‬
‫الكبائر‪.‬‬
‫وفي شهر رمضان‪ :‬الفريضة فيه بسبعين فريضة‪ ،‬والعبادة‬
‫في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر‪.‬‬
‫فماذا تقول لمن يهديك كل هذه الهدايا بل مقابل ينتظره؟!‬
‫«يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما‬
‫زاد ذلك ف ملكي شيئًا»‪.‬‬
‫جب من فقير يتودد‪ ،‬وإنما العجب‬
‫قال بعضهم‪ :‬ليس العَ َ‬
‫من غني يتحبب‪.‬‬
‫يرضى بالحمد شكًرا‬
‫إن الحقيقة التي ل مرية فيها أن لله عز وجل هو الذي‬
‫يطعمنا ويسقينا ويتولى جميع شئوننا بالمداد والرعاية ولوله‬
‫ما كانت حياة‪.‬‬
‫والمفترض أن يكون المقابل الذي نؤديه لله عز وجل‬
‫كشكر له على نعمه وإمداده المتواصل لنا‪ :‬هو السجود‬
‫المتواصل‪ ،‬والتسبيح المطلق كحال الكون كله وما فيه من‬
‫مخلوقات ُيسَبّحُونَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ لَ َيفْتُرُونَ [النبياء‪.]20 :‬‬
‫ولكنه‪ -‬سبحانه وتعالى‪ -‬لم يطلب منا ذلك‪ ،‬بل طلب‬
‫أعمال يسيرة ل تستغرق منا وقتًا معتبًرا‪ ،‬ويكفيك في هذا‬
‫قوله ‪« :‬إن ال تعال ليضى عن العبد أن يأكل الكلة‪ ،‬أو يشرب الشربة‪ ،‬فيحمد ال‬
‫(‪)1‬‬
‫عليها»‪.‬‬
‫بل إنه سبحانه وتعالى يعلي من شأن هذا الحمد كما قال‬
‫«ما أنعم ال على عبد نعمة‪ ،‬فحمد ال عليها‪ ،‬إل كان ذلك المد أفضل من تلك‬
‫(‪)2‬‬
‫النعمة»‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)5562‬‬

‫‪65‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫رب شكور‬
‫بل شك أن الله عز وجل هو الذي يحبب إلينا فعل الخير‪،‬‬
‫ويعيننا على القيام به‪ ،‬ويصرف عنا الشواغل‪ ،‬ويزيل العوائق‪،‬‬
‫فلوله سبحانه ما اهتدينا ول تصدقنا ول صلينا َومَا كُنّا لِنَ ْهَتدِيَ َلوْلَ‬
‫أَنْ َهدَانَا الُ [العراف‪.]43 :‬‬
‫ومع ذلك فإننا نجده سبحانه يُعظ َِم أعمالنا ويكبرها‪،‬‬
‫ما‪ ..‬تأمل قوله لهل الجنة‬
‫ويشعرنا بأننا قد فعلنا شيئًا عظي ً‬
‫خلُوا اْلجَّنةَ ِبمَا كُنُْتمْ َت ْعمَلُونَ [النحل‪.]32 :‬‬
‫ادْ ُ‬
‫أهذه العمال القليلة تستحق هذا الجزاء العظيم لو‬
‫افترضنا أن أصحابها بالفعل قد قاموا بها دون إعانة من أحد؟‬
‫فما بالك والمر غير ذلك‪ ،‬فالله عز وجل هو الذي وفقهم‬
‫وأعانهم للقيام بها‪ ,‬ثم يقول لهم بعد ذلك وهم يتقلبون في‬
‫صور النعيم في جنات الخلود‪ :‬إِنّ َهذَا كَانَ لَ ُكمْ جَزَاءً وَكَانَ َسعْيُكُم‬
‫مّشْكُورًا [النسان‪.]22 :‬‬
‫تخيل لو أن رجل غنيًا‪ -‬واسع الثراء‪ -‬له صديق فقير يحبه‬
‫كثيًرا ويريد أن يساعده دون أن يجرح مشاعره‪ ،‬فهداه تفكيره‬
‫إلى أن يطلب منه القيام ببعض العمال البسيطة الخاصة به‪،‬‬
‫فلما قام بها أعطاه مقابل ذلك عطاء كبيًرا‪ ،‬ولم يكتف بذلك‬
‫بل أشعره بأن ما قام به من أعمال قد عادت عليه بنفع كبير‪،‬‬
‫وأنه مهما أعطاه فلن يستطيع أن يوفيه حقه‪ ،‬و‪...‬‬
‫كل هذا ليقبل صديقه الفقير أعطيته بنفس راضية‪ ،‬على‬
‫الرغم من أن هذا الفقير يعلم في قرارة نفسه أن هذا‬
‫المقابل ل يتناسب بأي حال من الحوال مع ما قام به من‬
‫أعمال‪.‬‬
‫هذا تشبيه‪ -‬مع الفارق‪ -‬لما يستشعره أهل الجنة عندما‬
‫ح ّلوْنَ فِيهَا ِمنْ أَسَاوِرَ‬
‫يفاجئون بنعيم ل يمكن تخيله جَنّاتُ َعدْنٍ َيدْخُلُونَهَا يُ َ‬
‫مِن َذهَبٍ وَُلؤُْلؤًا وَلِبَاسُ ُهمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر‪.]33 :‬‬
‫‪66‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫فماذا يقولون بعد ذلك؟!‬
‫ح ْمدُ لِ اّلذِي َهدَانَا لِ َهذَا وَمَا كُنّا ِلنَهَْتدِيَ َلوْلَ َأنْ َهدَانَا ا ُ‬
‫ل‬
‫وَقَالُوا الْ َ‬
‫‪ ]43‬فإذا بهم يفاجئون بنداء يقول لهم‪ :‬بل هذا حقكم وجزاء‬
‫جّنةُ أُورِثُْتمُوهَا ِبمَا كُنُْتمْ َت ْعمَلُونَ [العراف‪.]43 :‬‬
‫أعمالكم وَنُودُوا أَن تِلْ ُكمُ الْ َ‬
‫[العراف‪:‬‬

‫كرم عجيب‬
‫تأمل معي أخي القارئ هذا الحديث الشريف الذي يخبرنا‬
‫عن حوار دار بين آخر رجل يدخل الجنة‪ ،‬وبين الله عز وجل‪،‬‬
‫فعن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول الله ‪« :‬إن لعلم آخر أهل‬
‫النار خروجًا منها‪ ،‬وآخر أهل النة دخول النة‪ .‬رجل يرج من النار حبوًا‪ ،‬فيقول ال عز‬
‫وجل له‪ :‬اذهب فادخل النة‪ ،‬فيأتيها‪ ،‬فيخيل إليه أنا ملى‪ ،‬فيجع فيقول‪ :‬يا رب وجدتا‬
‫ملى! فيقول ال عز وجل له‪ :‬اذهب فادخل النة‪ ،‬فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالا أو أن‬
‫لك مثل عشرة أمثال الدنيا‪ ،‬فيقول‪ :‬أتسخر ب‪ ،‬أو تضحك ب وأنت اللك» قال‪:‬‬
‫فلقد رأيت رسول الله × ضحك حتى بدت نواجذه‪ ،‬فكان‬
‫(‪)1‬‬
‫يقول‪« :‬ذلك أدن أهل النة منلة»‪.‬‬
‫وفي نهاية الحديث عن مظاهر الكرم اللهي أتركك‪ -‬أخي‪-‬‬
‫تتأمل قول رسول الله ‪« :‬إن ال رحيم‪ ،‬حيّ‪ ،‬كري‪ ،‬يستحي من عبده أن‬

‫يرفع يديه ث ل يضع فيهما خيًا»(‪.)2‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)1768‬‬

‫‪67‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سا ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫رحمته ورأفته بك‬
‫من‬
‫مظاهر‬
‫وشفقته وحنانه عليك‬

‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫بين صحابته إذ‬

‫في يوم من اليام وبينما كان رسول الله‬
‫سبْي‪،‬‬
‫جاءه َ‬
‫سبْي امرأة تسعى ملهوفة مضطربة‪ -‬فقد ضاع‬
‫وفي هذا ال َ‬
‫منها صبيها‪ -‬واستمرت على ذلك الحال الشديد حتى وجدته‪،‬‬
‫فأخذته وضمته إلى صدرها بشدة‪ ،‬ثم أرضعته‪.‬‬

‫منظر مؤثر دفع رسول الله لن يعلق عليه ويقول‬
‫لصحابه‪« :‬أترون هذه طارحة ولدها ف النار»؟! قالوا‪ :‬ل والله‪ .‬قال «ال‬
‫(‪)1‬‬

‫أرحم بعباده من هذه على ولدها»‪.‬‬

‫وفي بعض مغازيه وبينما كان يسير مع أصحابه‪ ،‬إذ أخذ‬
‫بعضهم فرخ طير‪ ،‬فأقبل أحد أبويه حتى سقط في أيدي الذي‬
‫أخذه‪ ،‬فقال رسول الله ‪« :‬أل تعجبون لذا الطي أُخذ فرخه فأقبل حت سقط‬
‫(‪)2‬‬

‫ف أيديهم‪ ،‬وال ل أرحم بلقه من هذا الطي بفرخه»‪.‬‬

‫نعم‪ ،‬أخي القارئ‪ ،‬الله عز وجل أرحم بنا من أمهاتنا‪ ،‬ومن‬
‫آبائنا‪ ،‬وأبنائنا وأزواجنا‪ .‬يقول عبد الله بن مسعود‪ :‬لله أرحم‬
‫بعبده يوم يأتيه‪ ،‬أو يوم يلقاه‪ ،‬من أم واحد فرشت له بأرض‬
‫قَر‪ ،‬ثم قالت (نامت) فلمست فراشه بيدها‪ ،‬فإن كان به‬
‫(‪)3‬‬
‫شوكة كانت قبله‪ ،‬وإن كانت لدغة كانت بها قبله‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم (‪ )2754‬والبخاري (‪.)5999‬‬

‫‪2‬‬

‫() أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ ،383 /10‬وقال‪ :‬رواه البزار من طريقين‬
‫ورجال أحدهما رجال الصحيح‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() حسن الظن بالله لبن أبي الدنيا برقم (‪.)21‬‬

‫‪68‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫ل وجه للمقارنة‬
‫فإن قلت إن والديََ ل يفتآن يدعوان لي بالصلح والفلح‬
‫صا منهما عل ََ‬
‫ي وعلى استقامتي‪ ،‬ذكرناك بقوله تعالى ُهوَ‬
‫حر ً‬
‫خرِجَكُم مّنَ الظّ ُلمَاتِ إِلَى النّورِ وَكَانَ بِاْل ُمؤْمِنِيَ رَحِيمًا‬
‫اّلذِي ُيصَلّي عَلَيْ ُكمْ َومَلَئِكَُتهُ لِيُ ْ‬

‫[الحزاب‪.]43 :‬‬

‫وإن قلت فإن والدي يعتصرهما اللم والشفقة إذا ما‬
‫أصابني مكروه من مرض ونحوه‪ ،‬بشرناك بأن الله عز وجل‬
‫يشملك وقت مرضك‪ -‬عافاك الله من كل مكروه‪ -‬برعاية‬
‫ومعية ل يمكن تصورها‪ ،‬ويكفيك في ذلك هذا الحديث‬
‫القدسي الذي يخبرنا بأن الله عز وجل يقول يوم القيامة‪« :‬يا‬
‫ابن آدم مرضت فلم تعدن قال‪ :‬يا رب كيف أعودك وأنت رب العالي؟ قال‪ :‬أما علمت‬
‫أن عبدي فلنا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته لوجدتن عنده»‪...‬‬
‫الحديث(‪.)1‬‬

‫وليس هذا فحسب بل إنه سبحانه وتعالى قد رغََب عباده‬
‫في عيادة المريض‪ ،‬ووعدهم على ذلك بعظيم الجزاء لتكون‬
‫الزيارة سببًا في رفع معنويات المريض‪ ،‬وتخفيفًا عنه‪ ،‬وتسرية‬
‫له‪.‬‬
‫قال ‪« :‬ما من مسلم يعود مسلمًا ُغ ْدوَة إل صلى عليه سبعون ألف ملك حت‬
‫يسي‪ ،‬وإن عادة عشيّة صلى عليه سبعون ألف ملك حت يصبح‪ ،‬وكان له خريف ف‬
‫(‪)2‬‬

‫النة»‪.‬‬

‫وليس ذلك للمريض فحسب‪ ،‬بل لكل أصحاب الحالت‬
‫الخاصة والضعفاء كأهل البلء والرامل واليتام‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)2569‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه الترمذي (‪ )969‬وأبو داود (‪ )3098‬وابن ماجه (‪ )1442‬وهو حديث صحيح‪،‬‬
‫والخريف‪ :‬أي الثمر المجتني‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫فهؤلء تزداد الرحمة والشفقة اللهية عليهم‪ ،‬وتزداد تبعًا‬
‫لذلك وصاياه لنا برعايتهم مع وعده – سبحانه‪ -‬بعظيم الجزاء‬
‫الذي يفوق ويفوق ثواب الكثير من العبادات‪.‬‬
‫ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله قال‪:‬‬
‫«الساعي على الرملة والسكي كالجاهد ف سبيل ال» وأحسبه قال‪« :‬وكالقائم‬
‫الذي ل يَفتُر‪ ،‬وكالصائم الذي ل يُفطر»‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫ويخبرنا عليه الصلة والسلم مبلغًا عن ربه بأن «من عال‬
‫جاريتي حت يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتي» وضم أصابعه‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫أما عن اليتيم فل تسل عن فضل كفالته‪ ..‬يكفي أن كافله‬
‫سيكون جار رسول الله في الجنة‪.‬‬
‫وليس هذا فحسب‪ ،‬بل كان الترهيب الشديد من تضييع‬
‫أمواله إِنّ اّلذِينَ َيأْ ُكلُونَ َأ ْموَالَ الْيَتَامَى ظُ ْلمًا إِّنمَا َيأْكُلُونَ فِي ُبطُونِ ِهمْ نَارًا وَسََيصْ َل ْونَ‬

‫َسعِيًا [النساء‪.]10 :‬‬

‫ولماذا البتلء؟!‬
‫قد يقول قائل‪ :‬ولماذا هذه القدار المؤلمة‪ ،‬والبتلءات‬
‫الشديدة التي تتنافى‬
‫ظاهًرا‪ -‬مع مظاهر الرحمة اللهية بالناس؟‍!‬‫نعم‪ ،‬قد يكون لهذا السؤال وجاهته إن كانت الدنيا هي دار‬
‫النعيم البدي والمستقر النهائي‪ ،‬ولكن الدنيا ليست كذلك‪،‬‬
‫فهي دار اختبار‪ ،‬يؤدي كل من عليها امتحانًا في مدى عبوديته‬
‫سنُ َع َملً [الكهف‪.]7 :‬‬
‫لربه ِإنّا َجعَلْنَا مَا عَلَى الَرْضِ زِيَنةً لّهَا لَِنبْ ُل َو ُهمْ أَيّهُم أَحْ َ‬
‫هذا المتحان مكون من تكاليف يقوم بها الفرد‪ ،‬وأدوات‬
‫عليه أن يُحسن التعامل معها‪ ،‬فالتكاليف هي الوامر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه البخاري ‪ ،366 /10‬ومسلم (‪.)2982‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫والنواهي‪ ،‬والدوات هي العطاء والمنع‪.‬‬
‫أما العطاء فهو كل ما يرد على العبد من النعم‪،‬‬
‫والمطلوب منه أن يشكر الله عليها‪.‬‬
‫والمنع هو كل ما يمنع الله منه العبد من صحة أو مال‬
‫أو‪ ،....‬والمطلوب أن يصبر على ذلك ابتغاء وجه الله‪.‬‬
‫فالعطاء ليس دليل كرامة من الله للعبد‪ ،‬والمنع ليس‬
‫دليل إهانة‪ ،‬بل كلهما مواد اختبار َفَأمّا الِْنسَانُ إِذَا مَا ابَْتلَهُ َرّبهُ َفأَكْ َر َمهُ‬
‫وََن ّعمَهُ فََيقُولُ رَبّي أَكْ َر َمنِ وََأمّا إِذَا مَا ابَْتلَهُ َف َقدَرَ عَلَ ْيهِ رِزْ َقهُ فََيقُولُ رَبّي َأهَاَننِ كَلّ‬
‫[الفجر‪.]17 -15 :‬‬
‫فإن قلت‪ :‬ولماذا ل يمتحن الناس جميعًا في مادة العطاء؟‬
‫لو كان الجميع في صحة وعافية ورزق وفير ما استشعر‬
‫الناس قيمة هذه النعم‪ ،‬ولما انكشف المتواضع من المتكبر‪،‬‬
‫ول الشاكر من الجاحد‪ ،‬ول الصابر من الشاكي ربه‪ ..‬ألم يقل‬
‫كمْ [محمد‪:‬‬
‫سبحانه‪ :‬وَلَنَ ْب ُلوَنّ ُكمْ حَتّى َنعْ َلمَ اْل ُمجَا ِهدِينَ مِنْ ُكمْ وَالصّابِرِينَ وَنَ ْب ُلوَ أَخْبَا َر ُ‬
‫‪.]31‬‬
‫وقال‪َ :‬و ُهوَ اّلذِي جَعَلَ ُكمْ خَلَئِفَ الَرْضِ وَرَفَعَ َب ْعضَ ُكمْ َفوْقَ َبعْضٍ دَرَجَاتٍ‬
‫لّيَ ْب ُلوَ ُكمْ فِيمَا آتَا ُكمْ ِإنّ َرّبكَ سَرِيعُ اْل ِعقَابِ وَإِّنهُ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ [النعام‪.]165 :‬‬
‫هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الله عز وجل يبسط‬
‫الرزق أو يمنعه عن عباده حسب ما يصلحهم‪ ،‬وبحسب حالتهم‬
‫التي ل يعلمها سواه ِإنّ َرّبكَ يَ ْبسُطُ الرّ ْزقَ ِلمَن يّشَاءُ وََي ْقدِرُ ِإّنهُ كَانَ ِبعِبَادِهِ‬
‫صيًا [السراء‪.]30 :‬‬
‫خَِبيًا َب ِ‬
‫لذلك جاء في الحديث القدسي يقول الله عز وجل‪« :‬إن من‬
‫عبادي من ل يُصلح إيانه إل الغن ولو أفقرته لفسده ذلك‪ ،‬وإن من عبادي من ل يُصلح‬
‫إيانه إل الفقر ولو أغنيته لفسده ذلك‪ ،‬وإن من عبادي من ل يُصلح إيانه إل الصحة‪ ،‬ولو‬
‫أسقمته لفسده ذلك‪ ،‬وإن من عبادي من ل يصلح حاله إل السقم ولو أصححته لفسده‬
‫‪71‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ذلك‪.»...‬‬

‫(‪)1‬‬

‫وما يؤكد هذا المعنى قوله ‪« :‬إن ال تعال ليحمي عبده الؤمن من‬
‫(‪)2‬‬
‫الدنيا‪ ،‬وهو يبه‪ ،‬كما تمون مريضكم الطعام والشراب‪ ،‬تافون عليه»‪.‬‬
‫من فوائد البتلء‬
‫الله عز وجل يبتلي عباده ليذكَِرهم به‪ ،‬وبضرورة العودة‬
‫جعُونَ [الزخرف‪]48 :‬‬
‫إليه قبل فوات الوان وَأَ َخذْنَاهُم بِاْل َعذَابِ َلعَلّ ُهمْ يَرْ ِ‬
‫فهو إذن مظهر عظيم من مظاهر رحمة الله بالعصاة وََل َقدْ‬
‫أَرْسَ ْلنَا إِلَى ُأ َممٍ مّن َقبْ ِلكَ َفأَ َخذْنَا ُهمْ بِالَْبأْسَاءِ وَالضّرّاءِ َلعَلّ ُهمْ يََتضَ ّرعُونَ [النعام‪.]42 :‬‬
‫ويبتلي سبحانه عباده كذلك ليطهرهم من ذنوبهم في الدنيا‬
‫قبل أن ل يصبح أمامهم طريقة للتخلص منها إل بالنار‪.‬‬
‫أيهما أهون علينا‪ -‬أخي القارئ‪ -‬التطهير في الدنيا أم‬
‫التطهير في الخرة بالنار والعياذ بالله‪.‬‬
‫ألم يقل ‪« :‬ما يُصيب السلم من نصب‪ ،‬ول وصب‪ ،‬ول هم‪ ،‬ول حزن‪ ،‬ول‬
‫(‪)3‬‬
‫أذى‪ ،‬ول غم‪ ،‬حت الشوكة يشاكها‪ ،‬إل كفر ال با من خطاياه»‪.‬‬
‫وقال‪« :‬ما يزال البلء بالؤمن والؤمنة‪ ،‬ف نفسه وولده وماله‪ ،‬حت يلقى ال وما‬
‫عليه من خطيئة»(‪.)4‬‬
‫وهناك طائفة أخرى من العباد الطائعين لربهم‪ ،‬يريد‬
‫سبحانه أن يكافئهم برفع درجاتهم في الجنة‪ ،‬ولكن أعمالهم ل‬
‫يمكنها أن ترقى بهم إلى هذه الدرجات فكان البتلء وسيلة‬
‫يستخرج الله عز وجل من قلوب هؤلء ألوانًا من العبودية من‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس مرفوعًا‪.‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير ح (‪.)1418‬‬
‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() رواه الترمذي عن أبي هريرة‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع (‪.)5815‬‬

‫‪72‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫ذل وانكسار وفقر واضطرار ما كانت لتخرج من قلوبهم إل‬
‫من خلل هذا البتلء‪.‬‬
‫ويؤكد على هذا المعنى القاضي عياض في كتاب «الشفا‬
‫بتعريف حقوق المصطفى »‪ ،‬فيقول‪ :‬فإن قيل‪ :‬فما الحكمة في‬
‫إجراء المراض وشدَتها عليه وعلى غيره من النبياء على‬
‫جميعهم السلم؟ وما الوجه فيما ابتلهم الله به من البلء‪،‬‬
‫حنوا به‪ ،‬كأيوب‪ ،‬ويعقوب‪ ،‬ودانيال‪ ،‬ويحيي‪،‬‬
‫وامتحانهم بما امت ُ‬
‫وزكريا‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬ويوسف‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬صلوات الله عليهم‪ ،‬وهم‬
‫خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه؟‬
‫فاعلم‪ -‬وفقنا الله وإياك‪ -‬أن أفعال الله تعالى كلها عدل‪،‬‬
‫وكلماته جميعها صدق‪ ،‬ل مبدل لكلماته‪ ،‬يبتلي عباده كما قال‬
‫تعالى لهم ِلنَن ُظرَ كَيْفَ َت ْعمَلُونَ [يونس‪ .]14 :‬فامتحانه إياهم‬
‫بضروب المحن زيادة في مكانتهم‪ ،‬ورفعة في درجاتهم‪،‬‬
‫وأسباب لستخراج حالت الصبر والرضا‪ ،‬والشكر والتسليم‪،‬‬
‫والتوكل‪ ،‬والتفويض‪ ،‬والدعاء‪ ،‬والتضرع منهم‪ ،‬وتأكيد‬
‫لبصائرهم في رحمة الممتحنين‪ ،‬والشفقة على المبتلين‪،‬‬
‫وتذكرة لغيرهم‪ ،‬وموعظة لسواهم ليتأ ََ‬
‫سوا في البلء بهم‪،‬‬
‫فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم‪ ،‬ويقتدوا بهم في الصبر‪،‬‬
‫ت فرطت منهم‪ ،‬أو غفلت سلفت لهم‪ ،‬ليلقوا الله‬
‫ومحوٌ لهَنََا ٍ‬
‫َ‬
‫جزل‪.‬‬
‫مهذ َبين‪ ،‬وليكون أجرهم أكمل‪ ،‬وثوابهم أوفر وأ ْ‬
‫طيبين ُ‬
‫(‪)1‬‬

‫جاء في الثر‪ :‬إن الله تعالى ليصيب العبد بالمر‪ ،‬وإنه‬
‫(‪)2‬‬
‫ليحبه‪ ،‬لينظر كيف كان تضَُرعه إليه‪.‬‬
‫‪ ‬أخي ‪..‬‬
‫إن بعض الناس ل يرغب في نزول المطر لنه يراه عائقًا‬
‫أمام حركة السير‪ ،‬وسببًا لبعض الحوادث‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() الشفا للقاضي عياض ‪.178 /2‬‬

‫‪2‬‬

‫() المحبة للجنيد‪.73 /‬‬

‫‪73‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ج َ‬
‫ل صور الرحمة اللهية‬
‫ولكن المطر‪ -‬في حقيقته‪ -‬من أ َ‬
‫بالناس‪ ،‬فيه ينبت الزرع وتحيا الحياة‪ ،‬وترتوي المخلوقات‪،‬‬
‫وليس معنى عدم استشعار البعض لهذه الحقيقة أن يتوقف‬
‫نزول المطر‪ -‬رحمة بهم على حد زعمهم‪ -‬بل إن الرب‬
‫دَر القدار‪ ،‬ويحرك‬
‫الرحيم يرى المصلحة العامة لعباده فُيق ِ‬
‫الحداث من أجل تحقيقها‪.‬‬
‫فالبتلء وإن كان في ظاهره الضيق والعنت إل أنه يحمل‬
‫جعَلَ الُ فِيهِ خَيْرًا َكِثيًا‬
‫في طياته رحمات كثيرة َفعَسَى أَن تَ ْك َرهُوا شَيْئًا وََي ْ‬
‫[النساء‪.]19 :‬‬
‫الشفقة اللهية‬
‫ضا من أبعاد الشفقة‬
‫ثم تأمل معي هذا الحديث لتدرك بع ً‬
‫والرأفة اللهية بعباده والتي تزداد وتزداد عند ابتلئهم‪.‬‬
‫عن أبي موسى الشعري ‪ ،‬أن رسول الله قال‪« :‬إذا مات‬
‫ولد العبد قال تعال للئكته‪ :‬قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون‪ :‬نعم‪ ،‬فيقول‪ ،‬قبضتم ثرة فؤاده؟‬
‫فيقولون‪ :‬نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬ماذا قال عبدي؟ فيقولون‪ :‬حدك واسترجع‪ ،‬فيقول ال تعال‪ :‬ابنوا‬
‫(‪)1‬‬
‫لعبدي بيتًا ف النة‪ ،‬وسوه بيت المد»‪.‬‬
‫أما يوم القيامة فالتكريم الخاص ينتظر أهل البلء الذين‬
‫نجحوا في مادة الصبر‪ .‬يقول ‪« :‬يود أهل العافية يوم القيامة حي يعطي‬
‫(‪)2‬‬
‫أهل البلء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرّضت ف الدنيا بالقاريض»‪.‬‬
‫البتلء بالذنب والحرمان من الطاعة‬
‫ومن المظاهر العجيبة للرحمة اللهية ابتلؤه لعباده‬
‫بالذنب‪ ،‬والحرمان من الطاعة‪ ،‬بتركهم لنفسهم وعدم‬
‫إعانتهم وتوفيقهم للقيام بالطاعة والقلع عن الذنب‪،‬‬
‫فيستشعروا وقتها مدة فضل ربهم عليهم‪ ،‬وأنهم به ل‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الترمذي (‪.)1021‬‬

‫‪2‬‬

‫() حسن‪ ،‬أخرجه الترمذي وأورده اللباني في صحيح الجامع ح (‪.)8177‬‬

‫‪74‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫بأنفسهم‪ ،‬وأنه لو تخلى عنهم طرفة عين لهلكوا‪ ،‬ولضلوا‪،‬‬
‫ولوقعوا في أشد المعاصي‪.‬‬
‫وفي المقابل لو استمر إمدادهم بالتوفيق والعانة اللزمة‬
‫للقيام بالطاعة‪ ،‬وترك المعصية‪ ،‬فمن المتوقع أن يتسرب إلى‬
‫نفوسهم داء العُجب‪ ،‬فيعجبوا بأعمالهم‪ ،‬وبصلحهم‪ ،‬ويغترون‬
‫بذلك‪ ،‬ويظنون أن لهم مكانة خاصة عند الله بهذا الصلح‬
‫وهذه العمال‪ ،‬ويحتقرون غيرهم من المقصرين‪ ،‬فتكون هذه‬
‫الطاعات سببًا لرتدائهم رداء الكبر‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م استدعائهم‬
‫مستحق للمتكبرين‪.‬‬
‫لغضب الله وعقابه ال ُ‬
‫لذلك كان البتلء بالذنب‪ ،‬والحرمان من الطاعة من لطف‬
‫الله الخفي بعبده‪ ،‬بل من دلئل حبه له أحيانًا‪.‬‬
‫جاء في الحديث‪« :‬يقول ال عز وجل‪ :‬وإن من عبادي من يطلب بابًا من‬
‫العبادة فأكفه عنه كيل يدخله العجب‪ ،‬إن أدبر أمر عبادي بعلمي با ف قلوبم‪ ،‬إن عليم‬
‫خبي»(‪.)1‬‬
‫ولعلنا بذلك ندرك مغزى قوله ‪« :‬لو ل تكونوا تذنبون‪ ،‬لفت عليكم‬
‫(‪)2‬‬
‫ما هو أكب من ذلك العُجب العُجْب»‪.‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله للصحابة «لو أنكم تكونون على‬
‫كل حال على الالة الت أنتم عليها عندي لصافحتكم اللئكة بأكفهم‪ ،‬ولزارتكم ف‬
‫(‪)3‬‬
‫بيوتكم‪ ،‬ولو ل تذنبوا‪ ،‬لاء ال بقوم يذنبون كي يغفر لم»‪.‬‬
‫الرحمة الواسعة‬
‫إن رحمة الله بعباده ولطفه الخفي بهم ليس له حدود ول‬
‫يمكن للعقل البشري أن يدرك أبعاده‪ ،‬ويكفي أنه سبحانه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس مرفوعًا‪.‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)5303‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه المام أحمد والترمذي وصححه اللباني في صحيح الجامع (‬
‫‪.)5253‬‬

‫‪75‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وتعالى كتب على نفسه الرحمة‪ ،‬ففي الحديث «إن ال حي خلق‬
‫اللق كتب بيده على نفسه أن رحت تغلب غضب»‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫وجاء في الثر أن بني إسرائيل قالت لموسى ‪« :‬هل يصلي‬
‫ربك؟ قال موسى‪ :‬اتقوا ال يا بن إسرائيل‪ .‬فقال ال يا موسى‪ :‬ماذا قالت لك قومك؟ قال‪:‬‬
‫يا رب قد علمت‪ ،‬قالوا‪ :‬هل يصلي ربك؟ قال‪ :‬فأخبهم أن صلت على عبادي أن تسبق‬
‫(‪)2‬‬

‫رحت غضب‪ ,‬لول ذلك لهلكتهم»‪.‬‬

‫ومن أعظم الدلة التي تؤكد هذا المعنى‪ :‬رحمته سبحانه‬
‫بالعصاة له والكافرين به‪ ،‬فهو سبحانه لم يمنع عنهم رزقه رغم‬
‫عصيانهم وابتعادهم عن طريقه‪ ،‬ولم يُعجل نهايتهم فلعلهم‬
‫س َلرَؤُوفٌ رّحِيمٌ‬
‫ل بِالنّا ِ‬
‫يعودون إليه في لحظة من اللحظات ِإنّ ا َ‬

‫[البقرة‪.]143 :‬‬

‫ويكفينا في ذلك ما حدث من فرعون من طغيان فاق‬
‫الحدود‪ ،‬ومع ذلك أمهله الله عز وجل وأرسل إليه موسى‬
‫وهارون عليهما السلم ا ْذهَبَا إِلَى فِ ْر َعوْنَ إِّنهُ َطغَى َفقُولَ َلهُ َقوْلً لّيّنًا ّلعَ ّلهُ‬
‫خشَى [طه‪ ]44 ،43 :‬فظل يحاورانه ويثُبتان له بالدلة‬
‫يََت َذكّرُ َأوْ يَ ْ‬
‫الدامغة ألوهية الله وربوبيته على خلقه‪ ،‬ولكنه أبى واستكبر‪..‬‬
‫وكان ما كان من تتبعه لموسى في البحر إلى أن أغرقه الله‬
‫عز وجل‪ ..‬في هذه اللحظات‪ -‬لحظات النهاية‪ ،‬وبعد أن أصبح‬
‫الغيب عنده كالشهادة قال آمَنتُ أَّنهُ لَ ِإَلهَ إِلّ اّلذِي آمَنَتْ ِبهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ‬
‫وَأَنَا ِمنَ اْل ُمسْ ِلمِيَ [يونس‪.]90 :‬‬

‫شهادة ل تنفع في هذا الوقت‪ ،‬وقت الغرغرة ونزع الروح‪،‬‬
‫ورؤية الملئكة‪ ،‬ومع ذلك فإن جبريل كان له موقف عجيب‬
‫انطلق من إدراكه لمدى سعة الرحمة اللهية‪ ،‬وانطلق كذلك‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صحيح‪ ،‬رواه الترمذي وصححه اللباني في صحيح الجامع (‪.)1755‬‬
‫() كنز العمال رقم ‪.10399‬‬

‫‪76‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫من بغضه الشديد لفرعون وأفعاله الطاغية‪ ،‬وكبره وإصراره‬
‫على الكفر رغم ما رأى من آيات مبصرة‪.‬‬
‫يقول ‪« :‬لا أغرق ال فرعون‪ ،‬قال‪ :‬آمنت أنه ل إله إل الذي آمنت به بنو‬
‫إسرائيل‪ ،‬قال جبيل‪ :‬يا ممد! فلو رأيتن وأنا آخذ من ماء البحر فأدسه ف فيه مافة أن‬
‫(‪)1‬‬
‫تدركه الرحة»‪.‬‬
‫رب رءوف‪:‬‬
‫‪ ‬أخي القارئ‪ ,‬لعلك قد لمست مدى شفقة أمك عليك وهي‬
‫ترِغَبك في تناول وجبة الفطار قبل ذهابك لمدرستك أو عملك‬
‫خوفًا عليك من أن يداهمك التعب والرهاق‪.‬‬
‫وأين هي رحمة أمك وعطفها‪-‬مهما بلغا‪ -‬من رحمة ورأفة‬
‫الرءوف الرحيم‪ ،‬الذي يعاملك ويعاملنا جميعًا بشفقة تفوق‬
‫وتفوق شفقة أمك بك‪.‬‬
‫فمع أنه‪ -‬عز وجل‪ -‬يكلفنا بأداء العبادات ليجزينا عليها الجنة‪،‬‬
‫إل أنه ل يريد لنا أن نقع في مشقة أو حرج من أدائها َومَا َجعَلَ‬
‫عَ َليْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ َحرَجٍ [الحج‪.]78 :‬‬
‫يطالبنا بالصوم‪ ،‬ثم يرغبنا في التعجيل بالفطر‪ ،‬فيكفي‬
‫الصيام حتى المغرب‪ ،‬ول داعي للتأخير أكثر من ذلك حتى ل‬
‫يزداد الرهاق‪ ،‬ففي الحديث القدسي‪ :‬قال الله عز وجل‪:‬‬
‫(‪)2‬‬
‫«أحب عبادي إلّ أعجلهم فطرًا»‪.‬‬
‫ويحثنا كذلك على السحور‪ ،‬وعلى تأخيره قدر المستطاع‬
‫لينشط به الصائم ويقوى‪ ،‬ويهون عليه صيام يومه‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صحيح‪ ،‬أورده المام أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع (‬
‫‪.)5206‬‬
‫() رواه الترمذي (‪ )700‬وقال حديث حسن‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬
‫(‪)3‬‬

‫قال ‪« :‬تسحروا فإن ف السحور بركة»‪.‬‬

‫ربك‪ -‬أخي‪ -‬علمنا على لسان نبيه كلمات نقولها حتى ل‬
‫يصيبنا مكروه‪ ،‬ففي الحديث‪« :‬ما من عبد يقول ف صباح كل يوم ومساء‬
‫كل ليلة‪ :‬بسم ال الذي ل يضر مع اسه شيء ف الرض ول ف السماء وهو السميع‬
‫(‪)2‬‬
‫العليم‪ -‬ثلث مرات‪ -‬فيضره شيء»‪.‬‬
‫وعند الخروج من المنزل ومواجهة أحداث الحياة أوصاك‬
‫أن تقول‪« :‬بسم ال‪ ،‬توكلت على ال ول حول ول قوة إل بال‪ .‬فيقال لك‪ :‬كُفيت‬
‫(‪)3‬‬
‫ووقيت وهُديت‪ ،‬وتنحى عنك الشيطان»‪.‬؟‬
‫وتأمل معي هذه الوصية النبوية التي تقطر شفقة ورحمة‬
‫إلهية‪:‬‬
‫«من لزم الستغفار جعل ال له من كل هم فرجًا‪ ،‬ومن كل ضيق مرجًا‪ ،‬ورزقه من‬
‫(‪) 4‬‬
‫حيث ل يتسب»‪.‬‬
‫ربك أوصاك على لسان نبيه بأن تميط الذى عن الطريق‬
‫كيل يتسبب وجوده في إيذاء الناس؛ شفقة عليهم ورحمة‬
‫بهم‪.‬‬
‫ولكي يشجعنا على تنفيذ هذا المر أعد مكافأة خاصة لمن‬
‫يقوم بذلك‪ ,‬قال «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل‬
‫(‪)5‬‬
‫فأُدخل النة»‬
‫‪3‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وصححه اللباني في صحيح الجامع‬
‫(‪.)5621‬‬

‫‪3‬‬

‫() انظر صحيح الجامع ح (‪.)6295‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه أبو داود (‪.)1518‬‬

‫‪5‬‬

‫() رواه ابن ماجة (‪ )3682‬وصححه اللباني‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫فأي شفقة ورحمة تلك التي يغمرنا الله بها؟!‬
‫رفع الحـــــــرج‬
‫ومن مظاهر رحمة الله وشفقته بعباده رفع الحرج عنهم‬
‫من خلل تخفيف العبادات عند مظنة وقوعهم في مشقة‪.‬‬
‫فالصلوات الخمس التي ل يستغرق أداؤها وقتا طويل‪،‬‬
‫والتي نستفيد نحن منها لتسكب داخلنا الطمأنينة‪ ،‬والسلم‬
‫الداخلي‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬ففي وقت السفر‪ ،‬ومظنة التعب‪ ،‬فإنه‬
‫سبحانه يخفف عن المسافرين عدد ركعات الصلوات الرباعية‬
‫ليجعلها ركعتين‪ ،‬ويسمح لهم كذلك بالجمع بين الصلوات‬
‫تخفيفًا عليهم‪ ،‬ورفعًا للحرج عنهم‪ ،‬مع العلم بأنه ليست كل‬
‫السفار تسبب تعبًا ومشقة ولكنها الرحمة اللهية التي تغمر‬
‫الجميع ُيرِيدُ الُ بِ ُكمُ اْليُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِ ُكمُ اْلعُسْرَ [البقرة‪.]185 :‬‬
‫ولعلمه سبحانه بأن البعض قد يتحامل على نفسه ول يأخذ‬
‫بهذه الرخص فلقد أخبرنا على لسان نبيه بأنه‪ -‬سبحانه‪ -‬يحب‬
‫(‪)1‬‬
‫أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه‪.‬‬
‫ومن مظاهر رفع الحرج قوله ‪« :‬وُضع عن أمت الطأ والنسيان وما‬

‫استكرهوا عليه»‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫ومنها كذلك‪ :‬عدم محاسبتنا عما نحدث به أنفسنا من‬
‫مخالفات‪ -‬وما أكثرها‪ -‬يقول ‪« :‬إن ال تعال تاوز لمت عما حدثت به‬
‫نفسها‪ ،‬ما ل تتكلم به‪ ،‬أو تعمل به»‪.‬‬

‫(‪)3‬‬

‫ضا مراعاته سبحانه للحاجات‬
‫ومن مظاهر رفع الحرج أي ً‬
‫الفطرية للناس وحالت الضعف البشري التي تعتريهم ومن‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح الجامع ح (‪.)1885‬‬

‫‪2‬‬

‫() صحيح الجامع ح (‪.)711‬‬

‫‪3‬‬

‫() صحيح الجامع ح (‪.)1730‬‬

‫‪79‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ذلك قوله تعالى‪ :‬أُحِلّ لَ ُكمْ لَ ْي َلةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَى ِنسَائِ ُكمْ ُهنّ ِلبَاسٌ لّ ُكمْ وَأَنُْتمْ‬
‫لِبَاسٌ لّ ُهنّ [البقرة‪.]187 :‬‬
‫ومنها السماح للناس وهم في رحلة الحج أن يبيعوا‬
‫ويشتروا ويتزودوا بما يريدونه لَيْسَ عَلَيْ ُكمْ جُنَاحٌ أَن َتبَْتغُوا َفضْلً مّن رّبّ ُكمْ‬
‫[البقرة‪.]198 :‬‬

‫ل تنس أنك عبد‬
‫إن العبد‪ -‬أي عبد‪ -‬من المفترض عليه أن يقوم بالتكاليف‬
‫التي يطلبها منه سيده لمجرد أنه عبد‪ ،‬وأن هذا سيده‪ ،‬وليس‬
‫ضا أن يسأل عن سبب تكليف سيده له بذلك‪ ،‬ول أن‬
‫له أي ً‬
‫ينتظر أجًرا عليه‪ ،‬لنه يخدمه بموجب أنه عبد عنده‪.‬‬
‫أي أننا وإن افترض الله علينا ما شاء من عبادات فهذا ما‬
‫تقتضيه عبوديتنا له سبحانه‪ ،‬ويقتضيه كونه مستحقًا للعبادة‪،‬‬
‫وعندما نراه‪ -‬جل شأنه‪ -‬يخفف عنا بعض التكاليف‪ ،‬ويرفع‬
‫بعضها في أوقات معينة‪ ،‬مراعاة لظروف البعض‪ ،‬فهذا منتهى‬
‫الرحمة والرأفة من الرب بعبيده المكلفين في الصل بطاعته‬
‫وعبادته‪.‬‬
‫شريعته كلها رحمة‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى أن أحكام الشريعة التي أمرنا الله‬
‫أن نتحاكم إليها ونتعامل بها ما هي إل مظهر عظيم من‬
‫مظاهر رحمته بعباده‪ ،‬ألم يقل سبحانه لرسوله محمد ‪ :‬وَمَا‬
‫أَرْسَ ْلنَاكَ إِلّ رَ ْح َمةً لّ ْلعَاَلمِيَ [النبياء‪ ]107:‬فالحدود على سبيل المثال لو‬
‫تأملناها جيدًا لوجدناها بمثابة السور الشائك الذي يحمي بناء‬
‫المجتمع المسلم‪ ،‬والذي ل بد من وجوده وإل ضاع المن‬
‫والمان والثقة والستقرار وَلَ ُكمْ فِي اْل ِقصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي اللْبَابِ َلعَلّ ُكمْ‬
‫تَّتقُونَ [البقرة‪.]179 :‬‬
‫والجهاد في سبيل الله ما هو إل مظهر عظيم من مظاهر‬
‫الرحمة بعموم الناس‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫فإن قلت‪ :‬كيف يكون القتل والدماء رحمة بالناس؟!‬
‫يكون رحمة بالناس لن من خلله يزيل المسلمون‬
‫العوائق التي تحول بينهم وبين دعوة الناس الذين ل يعلمون‬
‫شيئًا عن السلم‪ ،‬فطغاتهم يشكلون حائل يحول بينهم وبين‬
‫وصول الدعوة إليهم وَقَاتِلُو ُهمْ حَتّى لَ تَكُونَ فِتَْنةٌ وَيَكُونَ الدّينُ لِ َفإِنِ اْنتَهَوا‬
‫فَلَ ُع ْدوَانَ إِلّ عَلَى الظّاِلمِيَ [البقرة‪.]193 :‬‬
‫تقليل العمال في أعيننا‬
‫ومن مظاهر رحمة الله بعباده أنه سبحانه يريد منهم أن‬
‫يؤدوا ما أمرهم به كي يدخلهم الجنة‪ ،‬ولنه يعلم كراهية‬
‫نفوسنا للتكليف وحبها للراحة‪ ،‬فإنك تجده يقلل العمال‬
‫المطلوبة في أعيننا ليسهل علينا أداءها‪ ،‬فيقول لنا عن الصيام‬
‫يَا َأيّهَا اّلذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْ ُكمُ الصّيَامُ َكمَا ُكتِبَ عَلَى اّلذِينَ مِن قَ ْبلِ ُكمْ َلعَلّ ُكمْ تَّتقُونَ‬
‫أَيّامًا مّ ْعدُودَاتٍ [البقرة‪ ]184 ،183 :‬تأمل عبارة‪َ :‬أيّامًا ّم ْعدُودَاتٍ‬
‫وما فيها من معان الستدراج وتيسير العبادة‪.‬‬
‫ونفس المر بالنسبة للحج‪ :‬وَاذْ ُكرُوا الَ فِي أَيّامٍ ّمعْدُودَاتٍ‬
‫‪.]203‬‬

‫[البقرة‪:‬‬

‫أما بالنسبة للمحرمات فهو سبحانه يخبرنا بأن كل‬
‫الطعمة والشربة مباحة لنا إل بعض الصناف اليسيرة‪ ،‬ولو‬
‫حمَ الْخِ ْنزِيرِ‬
‫اضطررنا لتناولها فل إثم علينا ِإّنمَا حَ ّرمَ َعلَيْ ُكمُ اْلمَيَْتةَ وَال ّدمَ وََل ْ‬
‫ضطُرّ َغيْرَ بَاغٍ وَلَ عَادٍ َفإِنّ الَ غَفُورٌ رّحِيمٌ [النحل‪.]115 :‬‬
‫وَمَا ُأهِلّ ِلغَيْرِ الِ ِبهِ َف َمنِ ا ْ‬
‫الرحمة المدََخرة‬
‫إن الحديث عن مظاهر الرحمة اللهية ل ينتهي‪ ،‬وكيف له‬
‫مةَ [النعام‪:‬‬
‫سهِ الرّ ْح َ‬
‫أن ينتهي وقد أخبرنا سبحانه بأنه كَتَبَ عَلَى َنفْ ِ‬
‫‪ ]12‬فرحمته سبحانه قد شملت كل شيء وَرَ ْحمَتِي وَ ِسعَتْ كُلّ‬
‫شَ ْيءٍ [العراف‪.]156 :‬‬
‫‪81‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ولعل أفضل ما نختم به الحديث عن هذا المظهر العظيم‬
‫من مظاهر حب الله تعالى هذه البشرى التي حملها إلينا‬
‫رسول الله عندما أخبرنا بأن الله عز وجل قد خلق مائة‬
‫رحمة جعل جزءًا واحدًا منها للدنيا يتراحم بها الناس فيما‬
‫بينهم‪ ،‬أما بقية المئة (التسعة وتسعون جزءًا) فقد ادخرها‪-‬‬
‫سبحانه‪ -‬ليوم أحوج ما نكون فيه إلى الرحمة‪ ,‬ليوم القيامة‪.‬‬
‫قال ‪« :‬إن ال تعال خلق يوم خلق السماوات والرض مائة رحة‪ ،‬كل رحة‬
‫طباق بي السماء والرض‪ ،‬فجعل منها ف الدنيا رحة‪ ،‬فبها تعطف الوالدة على ولدها‪،‬‬
‫والوحش والطي بعضها على بعض‪ ،‬وأخّر تسعًا وتسعي‪ ،‬فإذا كان يوم القيامة أكملها‬
‫بذه الرحة» (‪.)1‬‬
‫وكذلك قوله ‪« :‬والذي نفسي بيده ليغفرن ال يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب‬
‫بشر‪ ،‬والذي نفسي بيده ليغفرن ال يوم القيامة مغفرة يتطاول لا إبليس رجاء أن تصيبه»؟(‪. )2‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() رواه الطبراني‪ ..‬انظر كنز العمال (‪.) 10359‬‬

‫‪82‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫سابعًا ‪:‬‬
‫من‬
‫تيسير طريقك إلى التوبة‬
‫مظاهر‬
‫والرجــــــــــوع إليـــــــه‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫كان رجل في بني إسرائيل اسمه «الكفل»‪ ،‬وكان معروفًا‬
‫بين الناس بفحشه وإجرامه‪ ،‬وذات ليلة وبينما هو في منزله إذ‬
‫سمع طرقًا على بابه‪ ،‬فقام ليفتحه فإذا بامرأة يقطر منها‬
‫الحياء وقد جاءته لتطلب منه أن يقرضها مبلغًا من المال‬
‫لحاجتها الضرورية إليه‪ ،‬فيوافق على إقراضها بشرط أن‬
‫تمكنه من نفسها‪ ،‬فتضطر المرأة للموافقة‪ ،‬وعندما يقترب‬
‫منها إذ بها ترتعد‪ ،‬فيسألها عن السبب‪ ،‬فتجيبه بأنها لم تفعل‬
‫هذا من قبل‪ ،‬وإنها تخاف من غضب الله عليها‪.‬‬
‫هنا توقف الكفل عما كان ينوي فعله‪ ،‬وقال لها‪ :‬من الذي‬
‫ينبغي له أن يخاف من غضب الله‪ :‬أنا أم أنت؟ ثم أعطاها ما‬
‫تريد من مال‪ ،‬وتركها تنصرف‪ ،‬والندم يعتصر قلبه على آثامه‬
‫التي اقترفها‪ ،‬وعلى استخفافه بأوامر ربه‪ ،‬ثم توجه إلى الله‬
‫بهذا القلب المنكسر يسأله العفو والصفح والتوبة‪.‬‬
‫هل انتهت القصة على هذا الوضع؟!‬
‫ل‪ ،‬فقد حدث أن جاءه الموت وهو في هذه الحالة‪ ،‬فلما‬
‫أشرقت الشمس وجاء الصباح‪ ،‬فوجئ الناس‪ ,‬جيرانه‬
‫ومعارفه الذين تركوه بالليل‪ ,‬وهم يعلمون عنه ما يعلمون‪,‬‬
‫فوجئوا جميعًا بأن باب داره مكتوب عليه «إن الله قد غفر‬
‫للكفل»‪.‬‬
‫لم يصدقوا ما قرءوه‪ ،‬فهرعوا إلى نبيهم‪ ،‬فأوحى الله إليه‬
‫بما حدث‪ ،‬فأخبرهم خبره‪ ،‬فتلقوه فاغرين أفواههم‪ ،‬غير‬
‫مصدقين ما حدث‪.‬‬
‫سا كثيرة تحملها هذه‬
‫بل شك‪ -‬أخي القارئ‪ -‬أن هناك درو ً‬
‫‪83‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫القصة‪ ،‬لعل من أهمها أن الله عز وجل عندما وجد من الكفل‬
‫هذه التوبة الصادقة‪ ،‬وهذا الندم‪ ،‬أمر ملك الموت بأن يأخذه‬
‫على هذا الحال لُينهي حياته نهاية سعيدة‪ ،‬فربما‪ -‬كما في علم‬
‫الله‪ -‬أنه إذا ما استمرت حياته لعاد مرة أخرى لغيه وعصيانه‪.‬‬
‫ومن هذه الدروس كذلك معرفة مدى حب الله العظيم‬
‫لعباده فكتابة العبارة على الباب ما هي إل رسالة للناس‬
‫جميعًا بأن رحمة الله واسعة‪ ..‬تسع الجميع‪ ،‬فل ينبغي لمذنب‬
‫جرمه أن ييأس أو يقنط من بلوغها‪ ،‬والدليل أن‬
‫مهما كان ُ‬
‫الكفل قد غُفَر له‪ ..‬إنها رسالة تقول لكل فرد‪ :‬أقبل ول تخف‪،‬‬
‫فربك ينتظرك‪.‬‬
‫وكيف ل يكون المر كذلك‪ ،‬والله عز وجل يحب عباده‬
‫جميعًا‪ ،‬ويريد لهم الخير‪ ،‬ودخول الجنة‪ ،‬وينتظر من أي منهم‬
‫التفاتة صادقة إليه ليقبل عليه‪ ،‬ويعفو عما مضى منه‪.‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لقاتل المئة نفس‪:‬‬
‫قال ‪« :‬كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعي نفسًا‪ ،‬فسأل عن أعلم أهل‬
‫الرض‪َ ،‬فدُلّ على راهب‪ ،‬فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعي نفسًا‪ ،‬فهل له من توبة؟ فقال‪:‬‬
‫ل‪ .‬فقتله فكمّل به مئَة‪ ،‬ث سأل عن أعلم أهل الرض‪َ ،‬فدُلّ على رجل عال‪ ،‬فقال‪ :‬إنه قَتل‬
‫مئة نفس فهل له من توبة؟‬
‫فقال‪ :‬نعم‪ ،‬ومن يول بينه وبي التوبة؟ انطلق إل أرض كذا وكذا‪ ،‬فإن با أُناسًا‬
‫يعبدون ال فاعبد ال معهم‪ ،‬ول ترجع إل أرضك فإنا أرض سوء‪ ،‬فانطلق حت إذا َنصَف‬
‫الطريق أتاه الوت‪ ،‬فاختصمت فيه ملئكة الرحة وملئكة العذاب‪ ،‬فقالت ملئكة الرحة‪:‬‬
‫جاء تائبًا مقبلً بقلبه إل ال تعال‪ ،‬وقالت ملئكة العذاب‪ :‬إنه ل يفعل خيًا قط‪ ،‬فأتاهم ملك‬
‫ف صورة آدمي فجعلوه بينهم‪ -‬أي حكمًا‪ -‬فقال‪ :‬قيسوا ما بي الرضي فإل أيتهما كان‬
‫أدن فهو له‪ ،‬فقاسوا فوجدوه أدن إل الرض الت أراد‪ ،‬فقبضته ملئكة الرحة»(‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫وفي رواية‪« :‬فأوحي الله تعالى إلى هذه أن تباعدي‪ ،‬وإلى‬
‫هذه أن تقََربي‪ ،‬وقال‪ :‬قيسوا ما بينهما‪ ،‬فوجدوه إلى هذه‬
‫أقرب بشبر فغفر له»‪.‬‬
‫ل يحوجنا إلى المشي الكثير‬
‫نعم‪ ،‬أخي القارئ‪ ،‬إن ربك ينتظر منك أي بادرة صادقة في‬
‫العودة إليه‪ ،‬ليقترب منك ويقترب‪ ،‬ول يحوجك إلى المشي‬
‫الكثير‪ ،‬كما في الحديث القدسي‪:‬‬
‫«‪ ..‬ومن تقرب من شبًا‪ ،‬تقربت منه ذراعًا‪ ،‬ومن تقرب من ذراعًا تقربت منه باعًا‪ ،‬ومن‬
‫أتان يشي أتيته هرولة‪.)1(»... ،‬‬
‫يعلق المام النووي على هذا الحديث فيقول‪:‬‬
‫أي من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي‪ ،‬وإن زاد‬
‫عبدي زدت‪ ،‬فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة‬
‫أي صببت عليه الرحمة‪ ،‬وسبقته بها‪ ،‬ولم أحوجه إلى المشي‬
‫الكثير في الوصول إلى المقصود (‪.)2‬‬
‫فهل توافقنى ‪-‬أخى‪ -‬أن هذا الحديث وغيره مما سبق‬
‫ذكره يدل على شدة شوقه سبحانه لعودة عبادة إليه‪ ،‬وأنه‬
‫أشد شوقا لهذه العودة من العبادة أنفسهم؟!‬
‫جب‪ ،‬وتأكد الشاردون عن الله من هذه‬
‫ح ُ‬
‫ولو كُشفت ال ُ‬
‫الحقيقة لماتوا خجل منه سبحانه‪.‬‬
‫بابه مفتوح للجميع‪:‬‬
‫‪ ‬أخي ‪ ..‬ما تعليقك على قوله ‪« :‬إن ال تعال يبسط يده بالليل‬
‫ليتوب مسيء النهار‪ ،‬ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حت تطلع الشمس من‬
‫مغربا»(‪)3‬؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() رواه مسلم من حديث أبي ذر‪.‬‬
‫() صحيح مسلم بشرح النووي‪.‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫حا أمامك‬
‫أل يكفيك دليل على حب ربك لك أن جعل بابه مفتو ً‬
‫ليل نهار‪ ،‬وبدون وجود حاجب ول واسطة‪ ،‬فمتى شئت‪ ،‬ومتى‬
‫رغبت في الدخول عليه دخلت؟!‬
‫ألم يكن من الممكن أن يكون الدخول على الله ودعاؤه‬
‫في وقت محدد بالليل أو بالنهار‪ ،‬وعلى من يريد أن يجاب‬
‫طلبه أن يجتهد في تحري هذا الوقت كما يحدث مع كل‬
‫صاحب سلطان‪.‬‬
‫ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ أن يفعل ذلك‪ ،‬فلم يغلق بابه‬
‫جرمه‪.‬‬
‫أبدًا في وجه أحد مهما كان ُ‬
‫جرمه‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬مهما كان ُ‬
‫وليس ذلك للمسلمين فحسب بل لجميع عباده من يهود‬
‫ونصاري وملحدين وبوذيين‪ ,‬ومن منافقين‪ ،‬وفاجرين‪ ،‬وقطاع‬
‫طرق‪ ،‬ومجرمين‪.‬‬
‫أليس كل واحد من هؤلء له مكان في الجنة يريد الله له‬
‫أن يشغله‪ ،‬ول يتركه؟!‬
‫فإن كنت تشك في هذه الحقيقة فتأمل معي توجيهه‬
‫كفَرُوا إِن يَنَتهُوا ُي َغفَرْ لَ ُهمْ مّا َقدْ سَلَفَ [النفال‪:‬‬
‫لرسوله الكريم‪ :‬قُل ِل ّلذِينَ َ‬

‫‪ ]38‬هكذا بكل بساطة‪.‬‬

‫وتأمل خطابه للمنافقين‪ ،‬فبعد أن حذرهم وخوفهم من مآل‬
‫أفعالهم عاد فلم ييئسهم من رحمته بل جعل الطريق أمامهم‬
‫ممهدًا للتوبة والعودة إليه ِإ ّن اْلمُنَا ِفقِيَ فِي الدّرْكِ ال ْسفَلِ مِنَ النّارِ َولَن تَجِدَ‬
‫صمُوا بِالِ َوأَخْ َلصُوا دِيَنهُمْ لِ فَأُوَلِئكَ مَ َع اْلمُ ْؤ ِمنِيَ‬
‫صلَحُوا وَا ْعتَ َ‬
‫َلهُمْ نَصِيًا إِلّ الّذِي َن تَابُوا َوأَ ْ‬
‫ي أَ ْجرًا َعظِيمًا [النساء‪.]146 ،145 :‬‬
‫ل اْلمُ ْؤ ِمنِ َ‬
‫َوسَوْفَ يُ ْؤتِ ا ُ‬

‫وبعد ذلك يأتي التأكيد على أن الله عز وجل ل يريد أن‬
‫يعذب أحدًا من خلقه مَا َيفْعَلُ الُ ِب َعذَابِ ُكمْ إِن شَكَرُْتمْ وَآمَنُْتمْ وَكَانَ الُ شَا ِكرًا‬

‫عَلِيمًا [النساء‪.]147 :‬‬

‫‪86‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫وتأمل كذلك – أخي القارئ – خطابه للذين يعذبون الناس‪,‬‬
‫الطواغيت الظلمة‪ ,‬هؤلء لو تابوا لتاب عليهم ِإنّ اّلذِينَ فََتنُوا‬
‫عذَابُ ا ْلحَرِيقِ [البروج‪:‬‬
‫اْل ُم ْؤمِنِيَ وَاْل ُم ْؤمِنَاتِ ُثمّ َلمْ يَتُوبُوا َفلَ ُهمْ َعذَابُ جَهَّنمَ وَلَ ُهمْ َ‬

‫‪.]10‬‬

‫والذين يروعون المنين ويقطعون الطريق حدد الشرع‬
‫س َعوْنَ فِي ا َلرْضِ َفسَادًا أَن ُيقَتّلُوا‬
‫جزاءهم ِإّنمَا جَزَاءُ اّلذِينَ يُحَارِبُونَ الَ وَرَسُوَلهُ وََي ْ‬
‫صلّبُوا َأوْ ُتقَطّعَ أَْيدِي ِهمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ ِخلَفٍ َأوْ يُنفَوْا مِنَ الَ ْرضِ ذَِلكَ لَ ُهمْ خِ ْزيٌ فِي‬
‫َأوْ ُي َ‬

‫الدّْنيَا وَلَ ُهمْ فِي الَخِرَةِ َعذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة‪ .]33 :‬ولكن لو تاب هؤلء‬
‫اللصوص القتلة لتاب الله عليهم كما جاء في الية التي تليها‪:‬‬

‫‪.]34‬‬

‫إِلّ اّلذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن َت ْقدِرُوا عَلَيْ ِهمْ فَاعْ َلمُوا َأنّ الَ غَفُورٌ رّحِيمٌ‬

‫[المائدة‪:‬‬

‫وكذلك الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى إِنّ اّلذِينَ يَكُْتمُونَ‬
‫مَا أَْنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَاْل ُهدَى مِن َب ْعدِ مَا َبيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَُن ُهمُ الُ وَيَ ْلعَُن ُهمُ‬
‫صلَحُوا وَبَيّنُوا َفأُولَِئكَ أَتُوبُ عَ َل ْي ِهمْ وَأَنَا التّوّابُ الرّحِيمُ‬
‫اللّ ِعنُونَ إِلّ اّلذِينَ تَابُوا وَأَ ْ‬
‫[البقرة‪.]160 ،159 :‬‬

‫أقبل ول تخف‬
‫‪ ‬أخي‪ ,‬إن ربك ينتظرك – وينتظرنا جميعًا – يناديك‪ :‬أقبل‬
‫ول تخف‪ ..‬متى جئتني قبلتك‪ ،‬وعلى أي حال تكون فيها «يا ابن‬
‫آدم إنك ما دعوتن ورجوتن غفرت لك على ما كان منك ول أبال‪ ،‬يا ابن آدم لو بلغت‬
‫ذنوبك عنان السماء‪ ،‬ث استغفرتن غفرت لك‪ ،‬يا ابن آدم لو أتيتن بقراب الرض خطايا‪،‬‬
‫ث لقيتن ل تشرك ب شيئًا‪ ،‬لتيتك بقرابا مغفرة»(‪.)1‬‬

‫نعم يا أخي إن مغفرته سبحانه تسع كل ذنوبك‪ ،‬وكل‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الترمذي (‪ )3534‬وقال حديث حسن‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ذنوبنا‪ ،‬كل ما هو مطلوب منك أن تُقبل عليه بصدق‪ ,‬أن تعتذر‬
‫له عما مضى من ذنوب وتقصير‪.‬‬
‫فإن قلت ولكن ذنبي كبير ‪ ..‬أكبر مما يتخيله أحد‪.‬‬
‫ل يا أخي‪ ،‬ل تقل هذا‪ ،‬فماذا فعلت؟!‬
‫هل سرقت‪ ،‬هل زنيت‪ ،‬هل أشركت‪ ،‬هل‪...‬‬
‫مهما فعلت فبابه مفتوح لك ‪ ..‬أتدري لماذا؟‬
‫لنه يريد أن يتوب عليك وَالُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَ َليْ ُكمْ [النساء‪.]27 :‬‬
‫ولماذا يريد أن يتوب عليك؟‬
‫ليدخلك الجنة‪ ،‬دار أبيك‪ ،‬والتي فيها جزء مخصص لك وَالُ‬

‫َي ْدعُو إِلَى اْلجَّنةِ وَاْل َمغْفِرَةِ ِبإِذِْنهِ [البقرة‪.]221 :‬‬

‫وليس أدل على ذلك من فرحته سبحانه الشديدة عندما‬
‫يتوب عبد من عباده ولو كان من أشد المعاندين له‪.‬‬
‫تأمل معي قوله «ل أشد فرحًا بتوبة عبده حي يتوب إليه من أحدكم كان‬
‫على راحلته بأرض فلة‪ ،‬فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه‪ ،‬فأيس منها‪ ،‬فأتى شجرة‬
‫فاضطجع ف ظلها‪ ،‬وقد أيس من راحلته‪ ،‬فبينما هو كذلك إذا هو با‪ ،‬قائمة عنده‪ ،‬فأخذ‬

‫بطامها ث قال من شدة الفرح‪ :‬اللهم أنت عبدي وأنا ربك‪ .‬أخطأ من شدة الفرح»(‪.)1‬‬
‫وإليك كذلك هذا الحديث العجيب‪ ,‬قال ‪« :‬ل أشد فرحًا بتوبة‬
‫‪2‬‬

‫عبده من العقيم الوالد‪ ،‬ومن الضال الواجد‪ ،‬ومن الظمآن الوارد»( )‪.‬‬
‫يعلمنا ما نقوله لنتوب‬
‫ما شديدًا‪،‬‬
‫لما عصا آدم – عليه السلم – ربه‪ ،‬ندم ند ً‬
‫ولكنه لم يعرف كيف يعبر عن ندمه واعتذاره لربه‪ ,‬فرأى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫() رواه ابن عساكر في أماليه عن أبى هريرة ‪ ...‬وأورده الهندي في كنز العمال‬
‫(‪.)10165‬‬

‫‪88‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫َ‬
‫منه الله هذه الحال فدل َه – الرحيم – على ما يقوله له‪،‬‬
‫ليختصر عليه الطريق َفتَلَقّى آ َدمُ مِن ّربّهِ َكلِمَاتٍ َفتَابَ عَ َليْهِ ِإنّهُ ُهوَ الّتوّابُ‬
‫الرّحِيمُ [البقرة‪.]37 :‬‬

‫وكذلك ما حدث مع بني إسرائيل‪ ،‬فبعد أن ارتكبوا كبائر‬
‫الذنوب‪ ،‬وعبدوا العجل‪ ،‬وقالوا لنبيهم‪ :‬أرنا الله جهرة و‪ ..‬أراد‬
‫الله أن يتوب عليهم فدلهم على وسيلة ذلك واللفاظ التي‬
‫جدًا‬
‫يقولونها َوِإذْ قُ ْلنَا ادْخُلُوا َهذِهِ اْل َقرَْيةَ فَكُلُوا مِ ْنهَا حَيْثُ ِشئُْتمْ رَ َغدًا وَادْخُلُوا اْلبَابَ سُ ّ‬

‫سنِيَ [البقرة‪.]58 :‬‬
‫وَقُولُوا ِح ّطةٌ ّن ْغ ِفرْ لَ ُكمْ خَطَايَا ُكمْ وَسََنزِيدُ الْمُحْ ِ‬
‫فأي رب غفور رحيم هو ربنا!‬

‫يعلمنا كلمات نقولها‪ ،‬وأدعية ندعوه بها تحمل معان‬
‫عظيمة‪ ،‬ثم يخبرنا بأننا لو قلناها بصدق غفر لنا ذنوبنا وأعطانا‬
‫مرادنا‪.‬‬
‫حمِلْ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪ :‬رَبّنَا لَ ُتؤَا ِخذْنَا إِن نّسِينَا َأوْ أَخْ َطأْنَا َربّنَا وَلَ َت ْ‬
‫حمّلْنَا مَا لَ طَا َقةَ َلنَا ِبهِ وَاعْفُ عَنّا‬
‫عَلَ ْينَا ِإصْرًا َكمَا َحمَ ْلَتهُ عَلَى اّلذِينَ مِن قَبْ ِلنَا رَبّنَا وَلَ تُ َ‬

‫وَا ْغفِرْ لَنَا وَارْ َح ْمنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَاْنصُ ْرنَا عَلَى اْل َق ْومِ الْكَافِرِينَ [البقرة‪.]286 :‬‬

‫هذه الكلمات النورانية لو أردنا نُعبََر عما تحمله من معان‬
‫بكلمات من عندنا فكم عبارة سنقولها؟ وهل سترقى تلك‬
‫العبارات فتليق ببلغة اليات؟!‬
‫ثم إن هذه اليات وغيرها من الدعية مما ورد على لسان‬
‫المؤمنين‪ ,‬من الذي أنزلها؟!‬
‫أليس هو الله عز وجل؟!‬
‫ومن هم هؤلء المؤمنين الذي يقولونها؟!‬
‫صا بعينهم‪ ،‬ولكنها نموذج يقدمه الله لنا‬
‫إنهم ليسوا أشخا ً‬
‫لكي يختصر علينا طريق اختيار الكلمات والعبارات التي تنال‬
‫رضاه‪ ،‬وتستفتح باب فضله وكرمه‪ ،‬فيجيب علينا – حين‬
‫‪89‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫نرددها – بفتح خزائن عفوه وفضله ورزقه‪.‬‬
‫وقد ورد أن العبد حين يقرأ‪َ :‬ربّنَا لَ ُتؤَا ِخذْنَا إِن نّسِينَا َأوْ أَ ْخ َطأْنَا‬
‫حمِلْ عَ َليْنَا ِإصْرًا َكمَا‬
‫يجيب سبحانه‪« :‬قد فعلت»‪ ،‬فإذا قال‪َ :‬ربّنَا وَلَ َت ْ‬
‫َحمَلَْتهُ عَلَى اّلذِينَ مِن قَ ْبلِنَا يجيب الله‪« :‬قد فعلت» وهكذا(‪.)1‬‬
‫فانظر إلى مدى حب الله لنا‪ ,‬يعلمنا ما نقول‪ ،‬ليجيبنا بعد‬
‫القول‪ :‬قد فعلت!‪.‬‬
‫عدم الستقصاء‬
‫أرأيت لو أن زميل لك قد أساء إليك إساءات بالغة‪،‬‬
‫وارتكب في حقك مخالفات جسيمة‪ ،‬ثم جاءك بعد أن أفسد‬
‫وأفسد ليعتذر لك عما فعله‪ ,‬أليس أدنى ما يتوقع منك ساعتها‬
‫أن تجلس معه وتعاتبه‪ ،‬وتطلب منه إصلح ما أفسده قبل‬
‫قبول اعتذاره‪ ،‬وأن تأخذ منه المواثيق على ذلك؟!‬
‫ولكن الله عز وجل ل يفعل معنا ذلك‪ ،‬فهو يقبل منا‬
‫العتذار – مهما كان حجم جرائمنا في حقه – دون استقصاء‪،‬‬
‫كما حدث مع موسى – عليه السلم – فبعد أن قتل القبطي‪،‬‬
‫وقبيل هروبه من مصر قال‪ :‬قَالَ َربّ إِنّي َظ َلمْتُ َنفْسِي فَاغْفِرْ لِي‬
‫فبماذا أجاب الله؟ َفغَفَرَ َلهُ لماذا المغفرة بكل هذه السهولة‬
‫إِّنهُ ُهوَ اْل َغفُورُ الرّحِيمُ [القصص‪.]16 :‬‬
‫ل يطالب أحدًا بإصلح ما أفسده إل إذا كان في حقوق‬
‫الناس – رحمة بهم – أما ما كان في حقه سبحانه‪ ،‬فهو يتجاوز‬
‫عنه ‪ ..‬لماذا؟!‬
‫لنه ل يريد أن يضع أي عقبات أمام طريق التوبة‪.‬‬
‫يريد أن يجعل الطريق سهل ميسًرا للجميع دون استثناء‪.‬‬
‫يكفي أن يندم المرء على ما فعل‪ ،‬ويستغفر الله بصدق‬
‫ويتوب إليه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() انظر صحيح مسلم (‪.)126‬‬

‫‪90‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫يكفي ذلك‪ ،‬فليس المطلوب منه تقديم كشف بالمخالفات‬
‫التي ارتكبها‪ ،‬وكيف سيصلحها ‪..‬تأمل معي قوله تعالى‪َ :‬ومَن‬
‫سهُ ُثمّ َيسَْت ْغفِرِ الَ ما الذي سيحدث إن فعل ذلك؟‬
‫َي ْعمَلْ سُوءً َأوْ َيظْ ِلمْ َنفْ َ‬

‫ما ول يجده‬
‫يَ ِ‬
‫جدِ الَ َغفُورًا رّحِيمًا [النساء‪ .]110 :‬ل يجده منتق ً‬
‫حا بتوبته‪ ،‬لنه يحبه‪ ،‬وينتظر منه هذه التوبة‬
‫جباًرا‪ .‬بل يجده فر ً‬
‫إِنّ الَ ُيحِبّ الّتوّابِيَ [البقرة‪.]222 :‬‬
‫يسهل علينا طريق التوبة‬

‫ولنه سبحانه يحبنا ويريد لنا الجنة‪ ،‬لذلك فهو يسهل علينا‬
‫طريق التوبة من كل جانب‪.‬‬
‫يطمئننا بأنه سيغفر لنا جميع ذنوبنا – مهما بلغت – وذلك‬
‫س ِهمْ لَ َتقْنَطُوا مِن رّ ْح َمةِ الِ ِإنّ الَ‬
‫بمجرد توبتنا قُلْ يَا عِبَادِيَ اّلذِينَ أَسْرَفُوا َعلَى أَْنفُ ِ‬

‫َيغْفِرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا إِّنهُ ُهوَ اْل َغفُورُ الرّحِيمُ [الزمر‪.]53 :‬‬

‫ويؤكد لنا رسول الله على هذا المعنى فيقول‪« :‬إن عبدًا‬
‫أصاب ذنبًا فقال‪ :‬رب أذنبت‪ ،‬فاغفره‪ ،‬فقال ربه‪ :‬أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ‬
‫به؟ غفرت لعبدي‪ ،‬ث مكث ما شاء ال‪ ،‬ث أصاب ذنبًا‪ ،‬فقال‪ :‬ربّ أذنبت آخر‪ ،‬فاغفر ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬أعلم عبدي‬
‫أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي‪ ،‬ث أصاب ذنبًا‪ ،‬فقال‪ :‬ربّ أذنبت آخر‪،‬‬
‫فاغفر ل‪ ،‬قال‪ :‬أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ قد غفرت لعبدي فليعمل‬

‫ما شاء»(‪.)1‬‬

‫يعني‪ -‬كما يقول ابن رجب – ما دام على هذا الحال كلما‬
‫أذنب استغفر(‪.)2‬‬
‫أتدري ما الذي يغضب ربك غضبًا شديدًا؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() شرح الحديث لبيك اللهم لبيك لبن رجب ‪.136/‬‬

‫‪91‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫جاء رجل إلى رسول الله‬
‫فقال‪:‬‬

‫يسأله عن سعة رحمة الله‪،‬‬

‫«جئت تسألن عن سعة رحة ال؟ وأخبك أن ال تعال يقول‪ :‬ما غضبت على أحد‬
‫غضب على عبد أتى معصية فتعاظمها ف جنب عفوي‪ ،‬فلو كنت معُجّل أو كانت العجلة‬
‫من شأن لعجلت للقانطي من رحت»(‪.)1‬‬

‫لم تعلموا قدري لذلك أخطأتم في حقي‬
‫تخيل أن ابنًا من البناء قد أخطأ في حق أبيه‪ ،‬ويريد أبوه‬
‫منه أن يعتذر ليسامحه على خطئه‪ ،‬فتراه يسهل عليه طريق‬
‫العتذار‪ ،‬فيقول له لعلك لم تدرك أن ما فعلته كان خطأ‪،‬‬
‫ولعلك قد أخذتك الغفلة حينها ولعلك ‪ ،....‬فيجد البن نفسه‬
‫مندفعًا إلى العتذار بعد أن شعر بالمان من جانب والده‪.‬‬
‫أكثر من هذا يفعله الله معنا‪ ,‬تأمل قوله تعالى‪ :‬ثُ ّم ِإنّ َرّبكَ لِلّذِينَ‬
‫م تَابُوا مِن َبعْدِ َذِلكَ َوأَصْلَحُوا ِإنّ َرّبكَ مِن َبعْدِهَا َل َغفُورٌ رّحِيمٌ [النحل‪:‬‬
‫جهَاَل ٍة ثُ ّ‬
‫َعمِلُوا السّو َء بِ َ‬

‫‪.]119‬‬

‫سهِ الرّ ْح َمةَ َأّنهُ مَن َعمِلَ مِنْ ُكمْ سُوءً ِبجَهَاَلةٍ ُثمّ تَابَ‬
‫وقوله‪ :‬كَتَبَ َربّ ُكمْ عَلَى َنفْ ِ‬

‫مِن َبعْدِهِ وََأصْلَحَ َفَأّنهُ َغفُورٌ رّحِيمٌ [النعام‪.]54 :‬‬

‫إنها رسالة تطمين وترغيب تقول لنا‪ :‬لقد أخطأتم‬
‫واقترفتم السيئات لنكم كنتم غافلين عني‪ ،‬جاهلين بقدري‪،‬‬
‫فما عليكم إل أن تستغفروني لغفر لكم وأتوب عليكم‪.‬‬
‫لننتهز الفرصة‬
‫‪ ‬أخي القارئ‪:‬‬
‫وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر‬
‫حب ربك لك‪ ،‬ولسائر عباده‪ ،‬تبق كلمة ل بد أن تُذكر في هذا‬
‫‪1‬‬

‫() كنز العمال (‪.)5901‬‬

‫‪92‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫المقام وهي أن كل ما قيل في الصفحات السابقة عن ترغيب‬
‫الله لعباده في التوبة وتيسيره لطريقها‪ ،‬ما هو إل استدراج‬
‫مَ‬
‫منه سبحانه لهم لكي يسارعوا بالفرار والعودة إليه‪ ،‬ومن ث َ‬
‫يرزقهم الحياة الطيبة في الدنيا‪ ،‬والجنة في الخرة بَ ْل َدةٌ طَيَّبةٌ‬
‫وَ َربّ َغفُورٌ [سبأ‪.]15 :‬‬
‫ولكن هب أن البعض لم يستفد من هذه الفرصة العظيمة‬
‫التي أتاحها الله له‪ ،‬ولم يتب إليه أو يقبل عليه‪ ،‬وظل في غفلته‬
‫يمنََي نفسه أنه سيفعل ذلك بعد حين ‪ ..‬بعد أن يحج‪ ،‬أو يزوج‬
‫الولد‪ ،‬أو يخرج على المعاش‪ ...‬بل شك أن هؤلء سيندمون أشد‬
‫الندم عندما تتسرب أعمارهم يوًما بعد يوم دون أن يشعروا‪ ،‬ثم‬
‫يفاجئوا بملك الموت أمامهم قد جاءهم ليقبض أرواحهم‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م‬
‫ينغلق باب التوبة أمامهم‪.‬‬
‫ومن عجب أن الرب الرحيم حذرنا كثيًرا من ذلك الموقف‬
‫كي ل نقع فيه وَأَنِيبُوا ِإلَى رَبّ ُكمْ وَأَسْ ِلمُوا َلهُ مِن قَبْلِ أَن َيأْتِيَ ُكمُ اْل َعذَابُ ُثمّ لَ‬
‫سنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مّن رّبّكُم مّن َقبْلِ أَن َيأِْتيَ ُكمُ اْل َعذَابُ َبغَْتةً وَأَنُْتمْ لَ‬
‫تُ ْنصَرُونَ وَاتِّبعُوا أَ ْح َ‬
‫شعُرُونَ [الزمر‪.]55 ،54 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫فلننتهز الفرصة‪ ،‬ولنستجب لنصائح ربنا‪ ،‬ولنبادر بالستغفار‬
‫والتوبة‪ ،‬والستفادة من ثمارها في الدنيا قبل الخرة وَأَنِ‬
‫سمّى وَُي ْؤتِ كُلّ ذِي َفضْلٍ‬
‫سنًا إِلَى أَجَلٍ مّ َ‬
‫اسَْت ْغفِرُوا رَبّ ُكمْ ُثمّ تُوبُوا إِلَ ْيهِ ُيمَّتعْكُم مّتَاعًا حَ َ‬
‫َفضْ َلهُ [هود‪.]3 :‬‬
‫ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب‬
‫الله لعباده بقوله ‪« :‬إن للتوبة بابًا عرضُ ما بي مصراعيه ما بي الشرق والغرب‬
‫ل يُغلق حت تطلع الشمس من مغربا»(‪.)1‬‬

‫‪1‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه الطبراني‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح الجامع ح (‪.)2177‬‬

‫‪93‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫ثامنا ‪ :‬من‬
‫مظاهر‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫حلمه وصبره وستره لك‬
‫‪ ‬أخي‪.‬‬
‫نعلم جميعًا أن الله عز وجل حي قيوم ل يغفل ول ينام‪,‬‬
‫أحاط بالناس جميعًا ل تختلط عليه اللغات‪ ،‬ول يتوارى عليه‬
‫شيء ولو كان في قعر الجبال أو قاع البحار‪.‬‬
‫قريب منا جميعًا‪ ،‬يرى مكاننا‪ ،‬ويسمع كلمنا‪ ،‬ويعلم ما‬
‫ب ِإلَ ْيهِ‬
‫سهُ َونَحْ ُن َأ ْق َر ُ‬
‫س ِبهِ َن ْف ُ‬
‫توسوس به أنفسنا َوَلقَدْ خَ َل ْقنَا ا ِلْنسَانَ َوَنعْلَمُ مَا تُ َوسْوِ ُ‬

‫مِنْ َح ْب ِل الْوَرِيدِ [ق‪.]16 :‬‬

‫ل يحدث شيء في أي مكان من الرض إل ويعرفه‬
‫ما وَمَا َيعْ ُزبُ عَن رّّبكَ مِن مّ ْثقَالِ ذَرّةٍ فِي الَرْضِ وَلَ‬
‫سبحانه‪ ،‬ويحيط به عل ً‬
‫صغَرَ مِن ذَِلكَ وَلَ أَ ْكبَرَ إِلّ فِي كِتَابٍ مّبِيٍ [يونس‪.]61 :‬‬
‫سمَاءِ وَلَ َأ ْ‬
‫فِي ال ّ‬
‫ل يغيب عنه – سبحانه – سقوط ورقة يابسة من شجرة‬
‫وارفة في ليلة مظلمة داخل غابة من الغابات الكثيفة َوعِ ْندَهُ‬
‫سقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلّ َيعْ َلمُهَا وَلَ‬
‫مَفَاتِحُ اْلغَيْبِ لَ َيعْ َلمُهَا إِلّ ُهوَ وَيَعْ َلمُ مَا فِي اْلبَرّ وَاْلبَحْرِ وَمَا َت ْ‬
‫حَّبةٍ فِي ُظ ُلمَاتِ الَرْضِ وَلَ َرطْبٍ وَلَ يَابِسٍ إِلّ فِي ِكتَابٍ مّبِيٍ [النعام‪.]59 :‬‬

‫ومع هذا العلم وهذه الحاطة فإنه سبحانه قادر مقتدر‪ ،‬ل‬
‫شيْ ٍء ِإذَا أَ َر ْدنَا ُه أَن‬
‫يعجزه شيء أن يفعله إذا اراد أن يفعله ِإنّمَا قَ ْوُلنَا لِ َ‬

‫ّنقُو َل َلهُ كُنْ َفيَكُونُ [النحل‪.]40 :‬‬

‫كان معنا‬
‫يقينًا‪ -‬أخي – أن الله عز وجل لم يغب عنا ولو للحظة من‬
‫‪94‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫لحظات حياتنا وَمَا تَكُونُ فِي َشأْنٍ َومَا تَتْلُو مِ ْنهُ مِن قُرْآنٍ وَلَ َت ْعمَلُونَ ِمنْ َعمَلٍ إِلّ‬
‫كُنّا عَلَيْ ُكمْ شُهُودًا إِذْ ُتفِيضُونَ فِيهِ [يونس‪.]61 :‬‬
‫معنى ذلك أنه كان معي ومعك حين عصيناه‪.‬‬
‫كان معك حين أطلت النظر إلى غير محارمك من النساء‪.‬‬
‫كان معك وقت أن سمعت مؤذن الفجر ينادي للصلة‪ ،‬فلم‬
‫تجب النداء بل تكاسلت وتجاهلت‪ ،‬وأخلدت إلى النوم‪.‬‬
‫كان معك وأنت تجتهد في إقناع الخرين بشيء تعلم في‬
‫قرارة نفسك أنه غير حقيقي‪ ،‬وأنك تكذب عليهم‪.‬‬
‫كان معي ومعك وقت كل معصية عصيناها‪ ،‬وكل تقصير‬
‫قصرناه‪ ،‬وكان يقدر – سبحانه – على أن يأخذ الواحد منا على‬
‫الحال التي كان عليها‪.‬‬
‫كان يقدر أن يأخذه وهو يكذب‪ ..‬وهو يطلق بصره‪ ..‬وهو‬
‫يحسد غيره‪ ..‬يأخذه في لحظات شهادة الزور أو لحظات‬
‫تطاوله على والديه أو ‪....‬‬
‫كان من السهل واليسير عليه سبحانه أن يأخذنا في هذه‬
‫الوضاع المشينة وََلوْ َنشَاءُ َل َمسَخْنَا ُهمْ َعلَى مَكَانَتِ ِهمْ َفمَا اسْتَطَاعُوا ُمضِيّا وَلَ‬

‫يَرْ ِجعُونَ [يس‪.]67 :‬‬

‫ولكنه لم يفعل‪ ،‬بل تركنا نعصاه‪ ،‬ونقصر في حقه أكثر‬
‫وأكثر‪.‬‬
‫ولكن لماذا لم يفعل ذلك وهو القادر المقتدر؟!‬
‫الجابة واضحة؛ لنه يحب عباده ويريد لهم أن يُنهوا حياتهم‬
‫نهاية سعيدة لذلك فهو يحلم ويصبر عليهم لعل لحظة تأتي‬
‫عليهم يفيقون فيها من غفلتهم‪ ،‬ويتوبون إليه فيتوب عليهم‬
‫وَإِنّ رَّبكَ َلذُو َمغْفِرَةٍ لّلنّاسِ َعلَى ظُ ْل ِم ِهمْ [الرعد‪.]6 :‬‬
‫سفَ الُ ِب ِهمُ‬
‫تأمل معي قوله تعالى‪ :‬أَ َفَأ ِمنَ اّلذِينَ مَكَرُوا السّيّئَاتِ أَن َيخْ ِ‬
‫‪95‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫شعُرُونَ َأوْ َيأْ ُخ َذ ُهمْ فِي َتقَلّبِ ِهمْ َفمَا هُم ِب ُمعْجِزِينَ‬
‫الَرْضَ َأوْ َيأْتَِي ُهمُ اْلعَذَابُ ِمنْ حَيْثُ لَ يَ ْ‬

‫خوّفٍ [النحل‪.]47 -45 :‬‬
‫َأوْ َيأْ ُخ َذ ُهمْ عَلَى تَ َ‬

‫لكنه لم يفعل‪ ،‬لنه كما جاء في ختام الية الخيرة ‪َ +‬فإِنّ‬
‫رَبّ ُكمْ لَ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ"‬
‫[النحل‪.]47 :‬‬
‫نعم أخي القارئ‪ ،‬فربنا رب حليم‪ ،‬صبور‪ ،‬ل يؤاخذ عباده‬
‫بأفعالهم السيئة ولو فعل لما تنعم متنعم بيومه أو ليله ولتذوََق‬
‫سبُوا َلعَجّلَ‬
‫الجميع العذاب الليم وَرَّبكَ اْلغَفُورُ ذُو الرّ ْح َمةِ َلوْ ُيؤَا ِخ ُذهُم ِبمَا كَ َ‬

‫لَ ُهمُ اْل َعذَابَ [الكهف‪.]58 :‬‬

‫جاء في الثر‪ :‬ما من ليلة اختلط ظلمها‪ ،‬وأرخى الليل‬
‫من أعظم مني‬
‫سربال سترها‪ ،‬إل نادى الجليل جل جلله‪َ :‬‬
‫جودًا والخلئق لي عاصون وأنا لهم مراقب‪ ،‬أكلؤهم في‬
‫مضاجعهم كأنهم لم يعصوني‪ ،‬وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا‬
‫فيما بيني وبينهم‪ ،‬أجود بالفضل على العاصي‪ ،‬وأتفضل على‬
‫المسيء‪.‬‬
‫من ذا الذي دعاني فلم أُلبََه‪ ،‬أم من ذا الذي سألني فلم‬
‫أعطه‪ ،‬من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته(‪.)1‬‬
‫وكان ابن السماك يقول في مناجاته‪:‬‬
‫تباركت يا عظيم ‪ ..‬لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة‬
‫أطعت فيها ما زاد على النعماء التي تبتليها‪.‬‬
‫وإنك لتزيد في الحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الساءة‬
‫إحسان‪.‬‬
‫فل أنت بكثرة الساءة منا تدع الحسان‪ ،‬ول نحن بكثرة‬
‫الحسان منك إلينا عن الساءة نقلع‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() شرح حديث لبيك اللهم لبيك لبن رجب ص ‪.138‬‬

‫‪96‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫أبيت إل إحسانًا وأبينا إل إساءة واجتراء‪.‬‬
‫فمن ذا الذي يحصي نعمك ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك‬
‫(‪)1‬‬
‫إل بتوفيقك ونعمك؟!‬
‫غضبة الكون‬
‫‪ ‬أخي القارئ‪.‬‬
‫والله ثم والله لو قُدََر لحدنا أن يرى ما يحدث في الرض‬
‫كما يراه المل العلى لستشاط غضبًا‪ ،‬وللح على الله بتعجيل‬
‫عقوبته لهل الرض جميعًا‪.‬‬
‫سا يعيشون في ملك الله‪.‬‬
‫تخيل أنك ترى أنا ً‬
‫ويأكلون من رزقه‪.‬‬
‫وينامون آمنين في حفظه‪.‬‬
‫والخدم تحيط بهم من كل جانب ‪ ..‬مس ََ‬
‫خرة لديهم‬
‫ومأتمرة بأوامرهم‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك كله ل يذكرون من أكرمهم بهذا كله‪ ,‬ل‬
‫يشكرونه‪ ،‬ول يعبدونه‪ ،‬بل يعصون أوامره‪ ،‬ويجحدون نعمه‪،‬‬
‫ََ‬
‫ويدعون عليه الدعاءات‪ ,‬فمن قائل إن‬
‫ويبارزونه بالمعاصي‪،‬‬
‫ً‬
‫له ولدًا‪ ،‬ومن قائل إن له شريكا‪ ،‬ومن قائل إن هناك إل ًها‬
‫غيره‪.‬‬
‫تخيل أن هذا يحدث كل يوم‪ ،‬بل في كل وقت‪ ،‬وتخيل أنك‬
‫ترى هذا كله‪ ،‬فماذا سيكون رد فعلك؟!‬
‫سيكون بل شك رد الفعل الطبيعي الذي تعيشه كل‬
‫المخلوقات التي تشاهد ما يفعله النسان من جحود وعصيان‪،‬‬
‫وتجرؤ على ربه‪.‬‬
‫سيكون مثل رد فعل السماوات والرض والجبال حينما‬
‫خذَ الرّ ْح َمنُ وََلدًا َل َقدْ جِ ْئُتمْ شَيْئًا‬
‫يردد بعض الضالين أن لله ولدًا وَقَالُوا اتّ َ‬
‫‪1‬‬

‫() حسن الظن بالله لبن أبى الدنيا ص ‪.63‬‬

‫‪97‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫شقّ الَرْضُ وََتخِرّ اْلجِبَالُ َهدّا أَن َد َعوْا لِلرّ ْح َمنِ‬
‫سمَاوَاتُ يََتفَطّ ْرنَ مِ ْنهُ وَتَن َ‬
‫إِدّا تَكَادُ ال ّ‬
‫وََلدًا [مريم‪.]91 ،88 :‬‬

‫سيكون رد فعلك كالبحر الذي يستأذن كل يوم أن يغرق‬
‫ابن آدم لكثرة معاصيه‪ ،‬وجرأته على ربه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضَ َأنْ‬
‫سكُ ال ّ‬
‫ولكن الحليم ل يسمح بذلك إِنّ الَ ُي ْم ِ‬

‫تَزُولَ وَلَِئنْ زَالَتَا إِنْ َأمْسَكَ ُهمَا ِمنْ أَ َحدٍ مّن َب ْعدِهِ إِّنهُ كَانَ حَلِيمًا َغفُورًا [فاطر‪.]41 :‬‬
‫الخليل يرى الملكوت‬
‫لقد حدث – أخي القارئ – لبراهيم عليه السلم ما كنا‬
‫نتخيله منذ قليل‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ وَِليَكُونَ ِمنَ ا ْلمُوقِنِيَ" [النعام‪:‬‬
‫‪+‬وَ َك َذِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ال ّ‬

‫‪ ]75‬فلقد ُرفع إلى ملكوت السماوات‪ ،‬ونظر إلى أهل الرض‪،‬‬
‫ورأى منهم ما رأى من معاص وفجور فماذا كان رد فعله وهو‬
‫حلِيمٌ َأوّاهٌ مّنِيبٌ [هود‪.]75 :‬‬
‫كما وصفه الله عز وجل ِإنّ إِبْرَاهِيمَ لَ َ‬
‫فعن سلمان الفارسي قال‪ :‬لما رأى إبراهيم ملكوت‬
‫السماوات والرض رأى رجل على فاحشة فدعا عليه فهلك‪،‬‬
‫ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك‪ ،‬ثم رأى آخر على‬
‫فاحشة فدعا عليه‪ ،‬فأوحى الله إليه‪ :‬أن يا إبراهيم مهل فإنك‬
‫رجل مستجاب لك‪ ،‬وإني من عبدي على ثلث خصال‪ :‬إما أن‬
‫يتوب قبل الموت فأتوب عليه‪ ،‬وإما أن أُخرج من صلبه ذرية‬
‫يذكروني‪ ،‬وإما أن يتولى فجهنم من ورائه»(‪.)1‬‬
‫الستير‬
‫ومع حلمه العظيم وصبره سبحانه على عباده‪ ،‬فإنه كذلك‬
‫ستير‪ ،‬يسترهم ول يفضحهم رغم إساءاتهم البالغة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر‬
‫المنثور للسيوطي ‪.3/45‬‬

‫‪98‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫تخيل – أخي القارئ‪ -‬أن صديقك الذي يحبك وتحبه‪ ،‬قد‬
‫علم أنك قد حسدته على الخير الذي أتاه‪ ..‬ماذا ستكون‬
‫مشاعره تجاهك؟!‬
‫ولو علم من اغتبته بما ذكرته عنه‪ ..‬بأي وجه سيلقاك بعد‬
‫ذلك؟!‬
‫ولو علم الناس حقيقة أمري وأمرك ومدى تقصيرنا في‬
‫جنب الله‪ ،‬وجرأتنا على معاصيه أتراهم يُقبلون علينا‬
‫ويبتسمون في وجوهنا؟ وهل سيلقون علينا السلم أصل؟!‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ل رحمات الله بعباده ستره لهم‪ ،‬وعدم انكشاف‬
‫إن من أ َ‬
‫هذا الستر أمام بعضهم البعض‪ ،‬وإل لما استطاعوا أن يتعايشوا‬
‫فيما بينهم‪ ،‬أو يتوادوا‪ ،‬أو يتراحموا‪ ،‬ولما أقدم بعضهم على‬
‫مساعدة البعض‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م يصبح الجميع فريسة سهلة للشيطان‪.‬‬
‫بل إنه سبحانه يستحثنا على ستر بعضنا البعض‪ ،‬ووعد بعظيم‬
‫الجزاء لمن ستر أخاه‪.‬‬
‫يقول‬

‫«ل يستر عبد عبدًا ف الدنيا إل ستره ال يوم القيامة»(‪.)1‬‬

‫هذه في الدنيا‪ ,‬أما في الخرة فيستمر الستر لعباده‬
‫المؤمنين‪.‬‬
‫قال ‪« :‬إن ال تعال يُدن الؤمن‪ ،‬فيضع عليه كنفه‪ ،‬وستره من الناس‪ ،‬ويقرره‬
‫بذنوبه‪ ،‬فيقول‪ :‬أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول‪ :‬نعم أي رب‪ ،‬حت إذا قرره‬
‫بذنوبه‪ ،‬ورأى ف نفسه أنه قد هلك‪ ،‬قال‪ :‬فإن قد سترتا عليك ف الدنيا‪ ،‬وأنا أغفرها لك‬
‫اليوم‪ ،‬ث يُعطى كتاب حسناته بيمينه»(‪.)2‬‬
‫وإليك هذه القصة‪:‬‬
‫ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب‬
‫الله لعباده بهذه القصة التي وقعت أحداثها في زمن موسى –‬
‫عليه السلم – إذ أصاب قومه القحط‪ ،‬فاجتمع الناس إليه‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() صحيح الجامع الصغير ح (‪.)1894‬‬

‫‪99‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫فقالوا‪ :‬يا كليم الله‪ ,‬ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث‪ ،‬فقام‬
‫معهم‪ ،‬وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون‪.‬‬
‫فقال موسى عليه السلم‪ :‬إلهي‪ ,‬اسقنا غيثك‪ ،‬وانشر علينا‬
‫رحمتك‪ ،‬وارحمنا بالطفال الُر ََ‬
‫ضع‪ ،‬والبهائم الُرتع‪ ،‬والمشايخ‬
‫الركع‪ ،‬فما زادت السماء إل تق َُ‬
‫شعًا‪ ،‬والشمس إل حرارة‬
‫وأوحى الله إليه إ ََ‬
‫ن فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة‬
‫بالمعاصي‪ ،‬فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم‪ ،‬فبه‬
‫منعتكم‪.‬‬
‫فقام مناديًا وقال‪ :‬أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ‬
‫منعنا المطر‪.‬‬
‫أربعين سنة‪ ,‬أخرج من بين أظهرنا‪ ،‬فبك ُ‬
‫فقام العبد العاصي‪ ،‬فنظر ذات اليمين وذات الشمال‪ ،‬فلم‬
‫ير أحدًا خرج‪ ،‬فعلم أنه المطلوب‪ ،‬فقال في نفسه‪ :‬إن أنا‬
‫خرجت من بين هذا الخلق افُتضحت على رءوس بني‬
‫إسرائيل‪ ،‬وإن قعدت معهم منُعوا لجلي‪ ،‬فأدخل رأسه في‬
‫ما على فعاله‪ ،‬وقال‪ :‬إلهي وسيدي‪ ,‬عصيتك أربعين‬
‫ثيابه ناد ً‬
‫سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني‪ ،‬فلم يستتم الكلم‬
‫حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه ال ِقَرب‪ ،‬فقال‬
‫سقينا وما خرج من بين أظهرنا‬
‫موسى‪ :‬إلهي وسيدي‪ ,‬بماذا ُ‬
‫أحد؟ فقال‪ :‬يا موسى‪ ,‬سقيتكم بالذي به منعتكم‪.‬‬
‫ي أرني هذا العبد الطائع‪ .‬فقال‪ :‬يا‬
‫فقال موسى‪ :‬إله َ‬
‫موسى إنَي لم أفضحه وهو يعصيني‪ ،‬أأفضحه وهو يطيعني؟!‬
‫(‪.)1‬‬

‫‪1‬‬

‫() كتاب التوابين لبن قدامة المقدسي ‪.70 ،69‬‬

‫‪100‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫تاسعًا ‪:‬‬
‫خطابـــــــه الودود‬
‫من‬
‫مظاهر‬
‫الذي يخاطبـــك به‬
‫حب الله‬

‫لك ‪:‬‬

‫الله عز وجل يملك كل شيء في هذه الرض التي‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ وَمَا فِي ِهنّ‬
‫نسكنها‪ ،‬والسماء التي تراها أعيننا لِ مُ ْلكُ ال ّ‬

‫َوهُوَ عَلَى كُلّ شَ ْيءٍ َقدِيرٌ [المائدة‪.]120 :‬‬

‫وكل المخلوقات التي نراها من جبال وأنهار وبحار وأشجار‬
‫ورمال وأحجار ودواب و‪...‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ‬
‫جدُ مَن فِي ال ّ‬
‫كل هذا خاضع لله عز وجل وَلِ َيسْ ُ‬

‫َط ْوعًا وكَ ْرهًا وظِللُهُم بِاْلغُ ُدوّ وَا َلصَالِ [الرعد‪.]15 :‬‬

‫وخضوع الكون كله لله عز وجل خضوع سرمدي يغلَفه الحمد‬
‫لتاحته سبحانه الفرصة للوجود من العدم‪ ،‬واستمرار بقائه‬
‫ويغلَ فه كذلك الجلل لعظمته‪ ،‬والرهبة من جبروته‬
‫وحفظه‪،‬‬
‫ِ‬
‫لِئ َكةُ مِنْ خِي َفِتهِ [الرعد‪.]13 :‬‬
‫حمْدِهِ وَالْمَ َ‬
‫ح ال ّرعْ ُد بِ َ‬
‫سبّ ُ‬
‫وسلطانه َويُ َ‬
‫ومن مظاهر الجلل والرهبة والخضوع لله عز وجل عبودية‬
‫الملئكة له سبحانه‪ ،‬فهناك بعضهم في حالة من الركوع منذ أن‬
‫خلقه الله عز وجل‪ ،‬ومنهم من هو في حالة السجود له سبحانه‬
‫سَت ْكِبرُونَ عَنْ ِعبَا َدِتهِ وَلَ‬
‫سمَاوَاتِ وَا َلرْضِ َومَنْ ِعنْدَهُ َل يَ ْ‬
‫منذ أن خلقهم َوَلهُ مَن فِي ال ّ‬

‫سبّحُو َن ال ّليْلَ وَالّنهَارَ َل َيفُْترُونَ [النبياء‪.]20 ،19 :‬‬
‫سرُونَ ُي َ‬
‫حِ‬
‫ستَ ْ‬
‫يَ ْ‬

‫يقول ‪« :‬إن ل ملئكة ف السماء قيامًا إل يوم القيامة ترعد فرائصهم من مافته‪،‬‬
‫ما منهم ملك تقطر من عينيه دمعة إل وقعت على ملك يسبح‪ ،‬ول ملئكة سجدوا منذ‬
‫خلق ال السماوات والرض ل يرفعوا رءوسهم‪ ،‬ول يرفعونا إل يوم القيامة‪ ،‬وصفوفًا ل‬
‫يتفرقوا عن مقامهم إل يوم القيامة‪ ،‬فإذا كان يوم القيامة تلى لم ربم عز وجل‪ ،‬فينظرون‬
‫‪101‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫إليه تبارك وتعال‪ ،‬فقالوا‪ :‬سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك»(‪.)1‬‬
‫من أنت؟‬
‫هذا الله العظيم بعظمته وجبروته‪ ,‬بجلله وكماله‪ ,‬بعزه‬
‫وسلطانه كيف يخاطبك أنت؟! ومن أنت؟! أنت ذرة يسيرة‬
‫في ملكه ل تساوي شيئًا بجوار جبل من الجبال أو بحر من‬
‫البحار‪ ،‬بل إن الرض كلها بمن عليها بالنسبة لمملكته ل‬
‫تساوي مقدار حبة رمل من صحراء شاسعة ل حدود لها‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ذلك فل تنس أن ربك هو الذي أوجدك من‬
‫العدم‪ ،‬فقبل شهور من ولدتك لم تكن شيئًا مذكوًرا‪.‬‬
‫وتذكر أن حياتك كلها متوقفة على إمداداته‪ ،‬ولو توقفت‬
‫تلك المدادات لنتهت حياتك‪.‬‬
‫ما المتوقع أن يكون خطاب العزيز للذليل‪ ،‬والغني للفقير‪،‬‬
‫والقوي للضعيف‪ ،‬والعظيم للحقير‪ ،‬والكبير للصغير‪ ،‬والمعطي‬
‫للخذ‪ ،‬والقادر للعاجز‪.‬‬
‫أليس من المتوقع أن يكون الخطاب الموجه إلينا يتناسب‬
‫مع صفاته سبحانه وصفاتنا؟‬
‫أليس من المتوقع من إله عظيم له هذا الملك والجلل‬
‫والكمال أن يكون خطابه عبارة عن تعريف بمهمتنا مع بيان‬
‫بالوامر المطلوبة منا وكفى؟!‬
‫ولكنه ليس كذلك‪.‬‬
‫إنه خطاب عجيب يقطر ودا وحبًا‪.‬‬
‫خطاب عنوانه وَإَِلهُ ُكمْ إَِلهٌ وَا ِحدٌ لّ إَِلهَ إِلّ ُهوَ الرّ ْح َمنُ الرّحِيمُ‬

‫[البقرة‪:‬‬

‫‪.]163‬‬

‫خطاب يطمئن مستمعه‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البيهقي في السنن والخطيب وابن عساكر‪ ،‬انظر كنز العمال (‪.)29836‬‬

‫‪102‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫لو تفكرنا فقط في خطاب الله لعباده – مؤمنهم وكافرهم‬
‫– لتأكدنا من حبه سبحانه لهم‪ ،‬وحرصه عليهم‪.‬‬
‫إنه خطاب يطمئن من يسمعه ويدفعه ويستدرجه للفرار‬
‫في اتجاه قائله‪ ..‬الفرار إلى الله‪ ،‬ل الفرار منه‪.‬‬
‫ولنبدأ بصيغة النداء‪:‬‬
‫تأمل نداءه سبحانه للعصاة والمجرمين الذي يحادونه‪،‬‬
‫ويجاهرون بارتكاب كل ما يغضبه‪ ،‬ويصرون على ذلك‪ ،‬بل‬
‫ويستهزئون بالمؤمنين‪ ..‬بماذا يناديهم‪ :‬يَا عِبَادِيَ اّلذِينَ أَ ْسرَفُوا عَلَى‬
‫أَْنفُسِ ِهمْ لَ َتقَْنطُوا مِن رّ ْحمَةِ الِ إِنّ الَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا إِّنهُ ُهوَ اْلغَفُورُ الرّحِيمُ‬
‫[الزمر‪.]53 :‬‬

‫إنه يناديهم بـ‪ :‬يا عبادي‪ ،‬بكل ما يحمله هذا النداء من ود‪،‬‬
‫وتلطف‪ ،‬وحنان‪ .‬ثم انظر إلى ندائه للبشر جميعًا‪ :‬يَا َأيّهَا النّاسُ إِنّ‬

‫َو ْعدَ الِ َحقّ فَلَ َتغُرّنّ ُكمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلَ َيغُرّنّ ُكمْ بِالِ اْلغَرُورُ [فاطر‪.]5 :‬‬

‫وتأمل نداءه للنصارى الذين ادعوا عليه زوًرا وبهتانًا أن له‬
‫ولدًا وزوجة – حاشاه‪ -‬يناديهم بقوله‪ :‬يا أهل الكتاب‪،‬‬
‫فيشعرهم بأن هناك صلة قوية بينهم وبينه‪ ،‬وأنهم ليسوا‬
‫ببعيدين عنه‪.‬‬
‫ثم تأمل وتأمل نداءه لليهود الذين ارتكبوا من الثام‪،‬‬
‫ومظاهر العلو والستكبار ما ارتكبوا ‪ ..‬قتلوا النبياء‪ ،‬وعبدوا‬
‫العجل‪ ،‬وحاربوا المسيح – عليه السلم – وكذبوا بمحمد و‬
‫‪ ...‬ومع ذلك يناديهم فيقول لهم «يا بني إسرائيل» ‪..‬يا أبناء‬
‫النبي إسرائيل ‪ ..‬نداء لطيف رقيق من المفترض أن يستثير‬
‫مشاعرهم‪ ،‬ويستدرجهم لصغاء سمعهم لما يتضمنه الخطاب‬
‫اللهي‪.‬‬
‫خطاب يقول لك‪ :‬أقبل ول تخف‬
‫نعم‪ ،‬أخي القارئ‪ ،‬إن خطاب الله عز وجل للبشر جميعًا‬
‫‪103‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫خطاب مطمئن‪ ،‬يؤكد لهم فيه أن بابه مفتوح للجميع «يا ابن آدم‬
‫إنك إن دعوتن ورجوتن غفرت لك على ما كان منك ول أبال»‪.‬‬
‫«يا عبادي إنك تطئون باليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جيعًا فاستغفرون أغفر لكم»‬
‫إنه خطاب عجيب يناشدنا فيه الله عز وجل أن نستغفره‬
‫ليغفر لنا‪ ...‬أن نستفيد بالفرصة المتاحة أمامنا قبل أن يحل‬
‫بنا الجل‪.‬‬
‫ففي كل ليلة وبالخص ثلثها الخير يوجَِه الله عز وجل‬
‫نداءه لعباده ويقول لهم‪ :‬من يدعوني فأستجيب له؟ من‬
‫يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟! (‪.)1‬‬
‫فماذا تقول بعد ذلك؟!‬
‫ماذا تقول لمن يناديك وينادي عباده جميعًا فيقول‪« :‬يا عبادي‬
‫كلكم ضال إل من هديته فاستهدون أهدكم‪ .‬يا عبادي كلكم جائع إل من أطعمته‬
‫فاستطعمون أطعمكم‪ .‬يا عبادي كلكم عار إل من كسوته فاستكسون أكسكم» (‪.)2‬‬

‫ما أن تحسن به الظن فهو‬
‫ماذا تقول لمن يطلب منك دو ً‬
‫لن يضيعك‪ ،‬ولن يتركك‪ ،‬فمراده دخولك الجنة‪ .‬قال «ل يوتن‬
‫أحد منكم إل وهو يسن الظن بال تعال»(‪.)3‬‬
‫خطاب يستثير الهمم‬
‫ومن سمات خطابه سبحانه لعباده أنه يستثير همتهم لفعل‬
‫الخير‪ ،‬وذلك من خلل قوة طرقه على مشاعر الرغبة‪،‬‬
‫واستجاشته للعاطفة‪ ،‬والتركيز على الجزاء العظيم المترتب‬
‫على الفعل الذي يريد منهم فعله‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ :‬النفاق في سبيل الله عمل عظيم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() رواه البخاري‪.‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫يطهر نفس صاحبه من الشح‪ ،‬ويسمو بها إلى السماء‪،‬‬
‫ويخلصها من جواذب الرض‪ ،‬ومن ثم يصبح من اليسير عليها‬
‫العمل للخرة والزهد في الدنيا بمفهومه الصحيح‪.‬‬
‫هذا العلج الناجع للنفس البشرية يريد الله عز وجل أن‬
‫يجعلنا نتناوله بكثرة حتى ننتفع به‪ ،‬لذلك فهو يحببه لنا‪ ،‬ويرغبنا‬
‫في القيام به بأساليب شتى‪ ،‬من أهمها رصد الجوائز الكبيرة‬
‫والمغرية لمن ينفق من ماله في سبيل مرضاته كما قال عز‬
‫جرٌ كَرِيٌ [الحديد‪:‬‬
‫سنًا فَُيضَا ِعفَهُ َلهُ وََلهُ أَ ْ‬
‫من قائل‪ :‬مَن ذَا اّلذِي ُيقْرِضُ الَ قَ ْرضًا حَ َ‬

‫‪.]11‬‬

‫ويتكرر هذا النوع من الخطاب الذي يستثير الهمم كثيًرا‬
‫سمَاوَاتُ وَالَرْضُ ُأ ِع ّدتْ‬
‫في القرآن‪ :‬وَسَا ِرعُوا إِلَى مَ ْغفِرَةٍ مّن رّبّ ُكمْ وَجَّنةٍ عَ ْرضُهَا ال ّ‬
‫لِ ْل ُمّتقِيَ من هم؟!‬
‫ل يُحِ ّ‬
‫ب‬
‫ي اْلغَ ْيظَ وَاْلعَافِيَ عَنِ النّاسِ وَا ُ‬
‫ضرّاءِ وَالْكَا ِظ ِم َ‬
‫سرّاءِ وَال ّ‬
‫الّذِي َن ُي ْنفِقُونَ فِي ال ّ‬
‫سهُمْ َذ َكرُوا الَ فَا ْسَتغْ َفرُوا لِ ُذنُوِبهِمْ َومَن َي ْغ ِفرُ‬
‫ش ًة أَوْ ظَ َلمُوا أَْنفُ َ‬
‫سنِيَ وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُوا فَاحِ َ‬
‫حِ‬
‫الْمُ ْ‬
‫صرّوا عَلَى مَا َفعَلُوا وَهُ ْم َيعْ َلمُونَ أُوَلِئكَ َجزَاؤُهُم ّم ْغ ِفرَةٌ مّن ّرّبهِمْ َو َجنّاتٌ‬
‫ب إِلّ الُ َولَ ْم ُي ِ‬
‫الذّنُو َ‬

‫حِتهَا الْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا َوِنعْ َم أَ ْج ُر اْلعَامِلِيَ [آل عمران‪.]136 ،133 :‬‬
‫جرِي مِن تَ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫النصائح الغالية‬

‫أتَذ ْكر كم من المرات سمعت فيها نصائح غالية من أبويك‬
‫وهما يوجهانك من خللها نحو المعالي‪ ،‬ويحذرانك من العقبات‬
‫التي قد تعترض طريقك؟‬
‫هذه النصائح ما انطلقت من ألسنتهما إل بدافع الحب‬
‫والشفقة والحرص على أن تكون في أحسن حال‪.‬‬
‫وكذلك يفعل الله مع عباده مع الفارق الكبير بين نصائحه‬
‫ونصائحهم‪ ،‬وبين حبه وحبهم‪ ،‬وبين علمه وإحاطته بما يصلحك‬
‫وبين علمهم‪.‬‬
‫فإن كنت تريد دليل على ذلك فتأمل معي هذا الخطاب‬
‫‪105‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الناصح منه سبحانه للناس جميعًا والذي يقول فيه يَا َأيّهَا النّا ُ‬
‫س‬
‫حيَاةُ الدّنْيَا وَلَ َيغُرّنّ ُكمْ بِالِ اْلغَرُورُ إِنّ الشّ ْيطَانَ لَ ُكمْ َع ُدوّ‬
‫إِنّ َو ْعدَ الِ َحقّ فَلَ َتغُرّنّ ُكمُ الْ َ‬
‫س ِعيِ [فاطر‪.]6 ،5 :‬‬
‫خذُوهُ َع ُدوّا إِّنمَا َي ْدعُو حِزَْبهُ لِيَكُونُوا مِنْ َأصْحَابِ ال ّ‬
‫فَاتّ ِ‬

‫حقّ مِن رّبّ ُكمْ فَآمِنُوا‬
‫وكذلك قوله لهم‪ :‬يَا أَيّهَا النّاسُ َقدْ جَاءَ ُكمُ الرّسُولُ بِالْ َ‬

‫خَيْرًا لّ ُكمْ [النساء‪.]170 :‬‬

‫وانظر إلى الخطاب الموجه لهل الكتاب وما يحمل في‬
‫طياته من نصائح غالية لهم على الرغم مما فعلوه من كفر‬
‫حقّ ِإّنمَا‬
‫وعصيان‪ :‬يَا َأهْلَ الْ ِكتَابِ لَ َتغْلُوا فِي دِينِ ُكمْ وَلَ َتقُولُوا عَلَى الِ إِلّ الْ َ‬
‫اْل َمسِيحُ عِيسَى اْبنُ مَرَْيمَ رَسُولُ الِ وَكَ ِل َمُتهُ أَْلقَاهَا إِلَى مَرَْيمَ وَرُوحٌ مّ ْنهُ فَآمِنُوا بِالِ وَرُسُ ِلهِ‬

‫لَثةٌ انَْتهُوا خَيْرًا لّ ُكمْ [النساء‪.]171 :‬‬
‫وَلَ َتقُولُوا ثَ َ‬

‫وتأمل كذلك خطابه الناصح لليهود‪ :‬يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا ِن ْعمَتِيَ‬
‫الّتِي أَْن َعمْتُ عَ َليْ ُكمْ وََأوْفُوا ِبعَ ْهدِي أُوفِ ِبعَ ْهدِ ُكمْ وَإِيّايَ فَا ْرهَبُونِ وَآمِنُوا ِبمَا أَنزَلْتُ‬
‫صدّقًا ّلمَا مَعَ ُكمْ وَلَ تَكُونُوا َأوّلَ كَافِرٍ ِبهِ وَلَ َتشْتَرُوا بِآيَاتِي َثمَنًا َقلِيلً وَإِيّايَ فَاّتقُونِ‬
‫ُم َ‬
‫[البقرة‪.]41 ،40 :‬‬

‫أما المؤمنين فوصاياه لهم كثيرة منها قوله تعالى‪ :‬يَا َأيّهَا‬
‫اّلذِي َن آمَنُوا لَ تُلْهِ ُكمْ َأمْوَالُ ُكمْ وَلَ َأوْلَدُ ُكمْ َعنْ ذِ ْكرِ الِ َومَن ّيفْعَلْ َذِلكَ َفأُولَِئكَ ُهمُ‬
‫اْلخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن َيأْتِيَ أَ َحدَ ُكمُ اْل َم ْوتُ فََيقُولَ َربّ َلوْلَ‬

‫حيَ [المنافقون‪.]10 ،9 :‬‬
‫صدّقَ وََأكُن ّمنَ الصّالِ ِ‬
‫أَخّرَْتنِي إِلَى أَجَلٍ َقرِيبٍ َفَأ ّ‬

‫وأحيانًا نجد الخطاب جامعًا بين لهجة النصح ولهجة‬
‫الشفاق والحنو‪ ،‬التي يُشعر الله فيها عباده المؤمنين بمدى‬
‫حبه لهم‪ ،‬وخوفه عليهم من الحساب في الخرة‪ :‬يَا َأيّهَا النّاسُ‬
‫شوْا َيوْمًا لّ يَجْزِي وَاِلدٌ عَن وََلدِهِ وَلَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَاِلدِهِ شَ ْيئًا ِإنّ‬
‫اّتقُوا رَبّ ُكمْ وَاخْ َ‬

‫َو ْعدَ الِ َحقّ فَلَ َتغُرّنّ ُكمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلَ َيغُرّنّ ُكمْ بِالِ اْلغَرُورُ [لقمان‪.]33 :‬‬
‫‪106‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫جأٍ َيوْمَِئذٍ َومَا‬
‫ا ْستَجِيبُوا لِ َربّكُم مّن قَبْلِ أَن َيأْتِيَ َي ْومٌ لّ مَرَدّ َلهُ ِمنَ الِ مَا لَكُم مّن مّلْ َ‬

‫لَكُم مّن نّ ِكيٍ [الشورى‪.]47 :‬‬

‫التوجيه غير المباشر‬
‫ولعلمه سبحانه بطبيعة نفوسنا‪ ،‬وصعوبة قبولها النقد‬
‫والتوجيه المباشر‪ ،‬كانت توجيهاته سبحانه غاية في التلطف‬
‫والتوجيه الغير مباشر‪ ،‬وإن أردت أن تتأكد من ذلك بنفسك –‬
‫أخي القارئ‪ -‬فما عليك إل أن تقوم بإحصاء أوامره المباشرة‬
‫في القرآن فستفاجأ أنها ل تتجاوز أصابع اليد الواحدة‪ ،‬وفي‬
‫المقابل تجد أن الله عز وجل كثيًرا ما يعرض لك أمرين ويبين‬
‫سمات كل واحد منهما ثم يترك لك حرية الختيار مثل قوله‬
‫تعالى‪ :‬اْلمَالُ وَالْبَنُونَ زِيَنةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَ ْيرٌ عِ ْندَ رَبّكَ َثوَابًا َوخَ ْيرٌ‬

‫َأمَلً [الكهف‪ ]46 :‬وقوله‪ :‬مَن كَانَ ُيرِيدُ َحرْثَ الَ ِخرَةِ َن ِزدْ َلهُ فِي َحرِْثهِ َومَن كَانَ‬

‫ُيرِيدُ َح ْرثَ الدّنْيَا نُؤِْتهِ ِم ْنهَا َومَا َلهُ فِي الَ ِخرَةِ مِن نّصِيبٍ [الشورى‪.]20 :‬‬

‫وقوله تعالى‪ :‬وَإِذَا رََأوْا تِجَا َرةً َأوْ لَ ْهوًا اْن َفضّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَاِئمًا قُلْ مَا عِ ْندَ‬

‫الِ خَيْرٌ مّنَ اللّ ْهوِ وَ ِمنَ التّجَارَةِ وَالُ َخيْرُ الرّازِ ِقيَ [الجمعة‪.]11 :‬‬
‫مراعاة النفسية البشرية‬

‫ومن أبرز صور مراعاة الخطاب اللهي لطبيعة النفس‬
‫البشرية عدم الكثار من قوله «أنا» عند سرده لنعمه على‬
‫عباده‪ ،‬وفضله الذي ل حدود له‪.‬‬
‫فالنفس ل تحب سماع هذه الكلمة بكثرة من الطرف‬
‫الذي يخاطبها‪ ،‬ومع أن الله عز وجل هو الذي خلقنا من‬
‫العدم‪ ،‬وأعطانا من النعم ما ل يُعد ول يُحصى‪ ،‬وأن من حقه‬
‫أن يحدثنا بضمير المتكلم «أنا» وهو يعرفنا بنفسه وبنعمه‬
‫وبقيوميته وقدرته و‪...‬‬
‫إل أنه سبحانه ل يفعل ذلك‪ ،‬بل يتحدث عن نفسه – في‬
‫غالب القرآن – بضمير الغائب «هو» ُهوَ اّلذِي يُسَيّرُ ُكمْ فِي اْلبَرّ وَاْلبَحْرِ‬
‫‪107‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫[يونس‪.]22 :‬‬
‫ُهوَ اّلذِي يُرِي ُكمْ آيَاِتهِ [غافر‪.]13 :‬‬
‫شمْسَ ضِيَاءً وَاْل َقمَرَ نُورًا وَ َقدّرَهُ مَنَازِلَ لَِتعْ َلمُوا َعدَدَ السّنِيَ‬
‫ُهوَ اّلذِي َجعَلَ ال ّ‬

‫حسَابَ [يونس‪.]5 :‬‬
‫وَالْ ِ‬

‫فأي رب رءوف ودود حي كريم هو ربنا‪.‬‬
‫ما بال أقوام؟!‬
‫ومن صور مراعاته سبحانه لطبيعة النفس البشرية توجيهه‬
‫الغير مباشر لعباده في خطابه لهم‪ ،‬فحين يريد تحذير‬
‫المؤمنين من القيام بفعل ما‪ ،‬فإنه ل يتوجه مباشرة بذلك –‬
‫في غالب الحيان – بل يحدثهم عن أناس آخرين – بصيغة‬
‫النكرة – ويشهََدهم عليهم‪ ،‬ويجعلهم يستنكرون أفعالهم‪ ،‬مع‬
‫أنهم قد يكونون هم المعنيين بهذا التحذير‪ ،‬ومن ذلك قوله‬
‫حصُوهَا" [إبراهيم‪ ]34 :‬الخطاب هنا‬
‫تعالى‪+ :‬وَإِن َت ُعدّوا ِن ْعمَةَ الِ لَ تُ ْ‬
‫موجه لنا بأن علينا أن نجتهد في إحصاء نعم الله كصورة من‬
‫صور الشكر‪ ،‬ومن المفترض أن يكون التحذير الذي تتضمنه‬
‫الية بعد ذلك من مغبة عدم ذكر النعم حتى ل نقع في دائرة‬
‫الظلم والكفر موجه لنا كذلك‪ ،‬فهل جاء الخطاب يحمل هذا‬
‫المعنى المباشر‪.‬‬
‫صا آخر‪ :‬وَإِن‬
‫ل‪ ،‬لم يحدث ذلك‪ ،‬بل جاء وكأنه يخاطب شخ ً‬
‫حصُوهَا إِنّ الِْنسَانَ لَظَلُومٌ َكفّارٌ [إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫َت ُعدّوا ِن ْعمَتَ الِ لَ ُت ْ‬
‫الخطاب موجه للنسان‪ ,‬وكأنه شخص آخر بعيد ل نعرفه‪،‬‬
‫مع أن الخطاب في بدايته موجه لنا‪ ،‬ومما ل شك فيه أن هذا‬
‫التلطف العجيب في التوجيه والنصح له دور كبير في استقبال‬
‫النصيحة بنفس هادئة‪.‬‬
‫لماذا العقاب؟‬
‫‪108‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫ما‬
‫ومن مظاهر خطابه المطمئن لعباده أنه يذكر لهم دو ً‬
‫ما في الماضي‪ ،‬مع‬
‫السبب الذي من أجله عاقب فردًا أو قو ً‬
‫أنه الله العظيم ملك الملوك الذي ل ينبغي أن يُسأل عما‬
‫يفعل‪ ،‬لكنه في نفس الوقت الرب الودود الذي يحب عباده‬
‫ويريد منهم أن يفروا إليه‪ ،‬ل أن يفروا منه‪ ،‬لذلك تراه سبحانه‬
‫يُف ََ‬
‫ل في السباب التي أدت إلى عقوبة العصاة‪ ،‬وأنه قد‬
‫ص ِ‬
‫صبر عليهم وأمهلهم وأعطاهم الفرصة تلو الفرصة‪ ،‬ولكنهم‬
‫هم الذين أبوا العودة إليه‪ ،‬وأصروا على طغيانهم‪ ،‬واستكبروا‬
‫عليه سبحانه‪ ،‬وحاربوا عباده‪ ،‬فاستدعوا بأفعالهم الكثيرة‬
‫الظالمة غضب الحليم عليهم َومَا كُنّا مُهْلِكِي اْلقُرَى إِلّ وََأهْ ُلهَا ظَاِلمُونَ‬
‫[القصص‪.]59 :‬‬

‫ومع العقاب المستحق للظالمين‪ ،‬والذي يقع بعد طول‬
‫إمهال‪ ،‬نجد التعقيب القرآني‪ :‬يَا حَسْ َرةً عَلَى اْلعِبَادِ مَا َي ْأتِيهِم مّن رّسُولٍ إِلّ‬

‫كَانُوا ِبهِ َيسْتَهْ ِزئُونَ [يس‪ .]30 :‬فالله عز وجل ل يرضى لعباده هذا‬
‫المصير‪ ،‬وأنهم هم الذين أبوا أو استكبروا إل أن يسيروا إليه‪،‬‬
‫ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن هذا المر واضح فيه تمام‬
‫الوضوح‪ ،‬وأن الله عز وجل ل يظلم أحدا‪ ،‬لذلك نجده سبحانه‬
‫ما أسباب العقوبة التي يعاقب بها الناس‪.‬‬
‫يذكر لنا دو ً‬
‫سَبأٍ فِي مَسْكَِن ِهمْ آَيةٌ جَنّتَانِ عَن َيمِيٍ‬
‫تأمل معي قوله تعالى‪َ :‬ل َقدْ كَانَ لِ َ‬
‫وَ ِشمَالٍ كُلُوا مِن رّ ْزقِ َربّ ُكمْ وَاشْكُرُوا َلهُ بَ ْلدَةٌ طَيَّبةٌ وَ َربّ َغفُورٌ ‪.‬‬

‫فماذا فعل أهل سبأ؟ هل شكروا هذه النعم العظيمة؟ لم‬
‫يفعلوا ذلك‪ ،‬بل أكلوا من رزق ربهم ولم يشكروا له؟ وتبطروا‬
‫على نعمه‪ ،‬فاستدعوا العقاب من الله عز وجل لهم َفَأعْ َرضُوا‬
‫َفأَرْسَلْنَا َعلَيْ ِهمْ سَيْلَ اْلعَ ِرمِ وََبدّلْنَا ُهمْ ِبجَنّتَ ْي ِهمْ جَنَّت ْينِ َذوَاتَيْ أُكُلٍ َخ ْمطٍ وَأَثْلٍ وَشَ ْيءٍ مّن ِسدْرٍ‬
‫قَلِيلٍ ثم تأتي حيثيات هذه العقوبة َذِلكَ جَزَيْنَا ُهمْ ِبمَا َكفَرُوا ويتلوها‬
‫الخطاب المطمئن َوهَلْ نُجَازِي إِلّ الْ َكفُورَ [سبأ‪.]17 -15 :‬‬

‫وتأمل قوله تعالى وهو يحدثنا عن اليهود ولماذا عاقبهم بما‬
‫‪109‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫عاقبهم‪ ،‬وكيف أنه صبر عليهم طويل‪ ،‬ولكنهم هم الذين أصروا‬
‫سمَاءِ َف َقدْ َسأَلُوا‬
‫سَأُلكَ َأهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْ ِهمْ كِتَابًا مّنَ ال ّ‬
‫على طغيانهم يَ ْ‬
‫خذُوا اْلعِجْلَ مِن‬
‫مُوسَى َأكْبَرَ مِن ذَِلكَ َفقَالُوا أَرِنَا الِ جَهْرَةً َفأَ َخذَتْ ُهمُ الصّا ِعقَةُ ِبظُ ْلمِ ِهمْ ُثمّ اتّ َ‬
‫َب ْعدِ مَا جَاءَتْ ُهمُ اْلبَيّنَاتُ َف َعفَوْنَا عَن َذِلكَ وَآتَ ْينَا مُوسَى ُسلْطَانًا مّبِينًا تأمل قوله‪:‬‬
‫َفعَ َفوْنَا عَن ذَِلكَ ‪.‬‬
‫وتمضي اليات تعدد مظاهر حلم الله عليهم وتعدد كذلك‬
‫جدًا‬
‫مظاهر طغيانهم وَرَ َفعْنَا َفوْقَ ُهمُ الطّورَ ِبمِيثَاقِ ِهمْ وَ ُقلْنَا َل ُهمُ ادْ ُخلُوا الْبَابَ سُ ّ‬
‫وَقُلْنَا لَ ُهمْ لَ َت ْعدُوا فِي السّبْتِ وَأَ َخذْنَا مِنْهُم مّيثَاقًا غَلِيظًا فَِبمَا َن ْقضِهِم مّيثَاقَ ُهمْ وَ ُكفْ ِرهِم‬
‫بِآيَاتِ الِ وَقَتْلِ ِهمُ الَنْبِيَاءَ ِبغَيْرِ َحقّ وَ َقوْلِ ِهمْ ُقلُوبُنَا ُغلْفٌ بَلْ طَبَعَ الُ عَلَ ْيهَا بِ ُكفْ ِر ِهمْ فَلَ‬

‫ُي ْؤمِنُونَ إِلّ قَلِيلً وَبِ ُكفْ ِر ِهمْ وَ َقوْلِ ِهمْ عَلَى مَرَْيمَ بُ ْهتَانًا عَظِيمًا [النساء‪.]156 -154 :‬‬
‫وكأنه يطلب منك الشهادة على الناس‪:‬‬
‫وفي بعض الحيان نستشعر بأن الخطاب المتوجه إلينا‬
‫يطلب منا الشهادة على فعل من الفعال المشينة‪ ،‬كل ذلك‬
‫لتزداد اطمئنانًا بأن الله عز وجل لَ يَ ْظ ِلمُ النّاسَ شَيْئًا وَلَ ِكنّ النّاسَ أَْنفُسَ ُهمْ‬

‫يَ ْظ ِلمُونَ [يونس‪ ]44 :‬ومن ذلك قوله تعالى‪ :‬مَا اْلمَسِيحُ اْبنُ مَرَْيمَ إِلّ‬
‫لنِ ال ّطعَامَ اْنظُرْ كَيْفَ نَُبّينُ لَ ُهمُ‬
‫صدّيقَةٌ كَانَا َي ْأكُ َ‬
‫رَسُولٌ َقدْ خَلَتْ مِن َقبْ ِلهِ الرّسُلُ وَُأمّهُ ِ‬

‫الَيَاتِ ُثمّ اْنظُرْ َأنّى ُيؤْفَكُونَ [المائدة‪ .]75 :‬وقوله‪َ :‬ومَا وَ َجدْنَا لكَْث ِرهِم مّنْ عَ ْهدٍ‬

‫وَإِن وَ َجدْنَا أَ ْكثَ َر ُهمْ َلفَاسِقِيَ [العراف‪.]102 :‬‬
‫مواساته للمبتلين‬

‫ومن عجيب خطابه سبحانه وتعالى لعباده مواساته لهم‬
‫عندما يحدث لهم مكروه بسبب ذنوبهم أو تقصيرهم‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ :‬عندما خالف الرماة أمر رسول الله‬
‫وحدثت الهزيمة نجد أن الخطاب القرآني يخفف عن الصحابة‬
‫آثار ما حدث لهم‪ ،‬ويبين السباب‪ ،‬وأن ربهم نصرهم في البداية‬
‫‪110‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫نصًرا مؤزًرا ولكنهم هم الذين اختلفوا وخالفوا أمر رسولهم فكان‬
‫ما كان‪َ :‬وَلقَدْ صَ َدقَكُمُ الُ َوعْدَهُ ِإذْ تَحُسّوَنهُمْ بِِإ ْذِنهِ َحتّى ِإذَا فَشِ ْلتُمْ َوَتنَا َز ْعتُمْ فِي ال ْمرِ‬
‫ص َرفَكُمْ‬
‫حبّونَ ِمنْكُم مّن ُيرِي ُد ال ّدنْيَا َو ِمنْكُم مّن ُيرِيدُ الَ ِخ َر َة ثُمّ َ‬
‫ص ْيتُم مّن َبعْدِ مَا َأرَاكُم مّا تُ ِ‬
‫َو َع َ‬

‫َع ْنهُمْ ِلَي ْبتَ ِليَكُمْ َولَقَدْ َعفَا َع ْنكُمْ وَالُ ذُو َفضْلٍ عَلَى اْلمُ ْؤ ِمنِيَ [آل عمران‪.]152 :‬‬

‫ومع بيانه سبحانه لسباب هزيمة المؤمنين وأنهم هم الذين‬
‫تسببوا في ذلك إل أنه يواسيهم‪ ،‬ويضمد جراحهم بكلم يقطر‬
‫سسْكُمْ َقرْحٌ‬
‫ح َزنُوا َوَأنْتُمُ ا َلعْ َل ْو َن ِإنْ ُكنْتُم مّ ْؤ ِمنِيَ إِن َيمْ َ‬
‫حنانًا وشفقة‪ :‬وَ َل َت ِهنُوا َو َل تَ ْ‬
‫َفقَدْ مَسّ اْلقَوْمَ َقرْحٌ ّمثْ ُلهُ َوتِ ْلكَ اليّا ُم نُدَا ِوُلهَا َبيْ َن النّاسِ َوِليَعْلَمَ الُ الّذِي َن آ َمنُوا َوَيتّخِذَ ِمنْكُمْ‬
‫ُشهَدَاءَ وَالُ َل يُحِبّ الظّاِلمِيَ‬

‫[آل عمران‪.]10 ،139 :‬‬

‫ويطمئنهم على إخوانهم الشهداء بأنهم في أحسن حال‪:‬‬
‫حسََبنّ اّلذِينَ قُِتلُوا فِي َسبِيلِ الِ َأمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِ ْندَ رَبّ ِهمْ يُ ْرزَقُونَ فَرِحِيَ ِبمَا آتَا ُهمُ‬
‫وَلَ تَ ْ‬
‫حقُوا ِبهِم ّمنْ خَ ْلفِ ِهمْ أَلّ َخوْفٌ َعلَيْ ِهمْ وَلَ ُهمْ‬
‫ض ِلهِ وَيَسَْتبْشِرُونَ بِاّلذِينَ َلمْ َيلْ َ‬
‫الُ مِن َف ْ‬
‫م ْؤمِنِيَ [آل عمران‪:‬‬
‫شرُونَ بِِن ْعمَةٍ ّمنَ الِ وَ َفضْلٍ وَأَنّ الَ لَ ُيضِيعُ أَ ْجرَ اْل ُ‬
‫ستَبْ ِ‬
‫حزَنُونَ يَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫‪.]171 -169‬‬

‫وفي النهاية‪:‬‬
‫وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر‬
‫حب الله لنا ولعباده أجمعين أتركك أخي القارئ مع هذا‬
‫الحديث القدسي لكي تقرأه وتعيش معه بعقلك ومشاعرك‪:‬‬
‫«إن والن والنس ف نبأ عظيم‪ :‬أخلقُ ويُعبد غيي‪ ،‬وأُرزقُ ويُشكر سواي‪ ,‬خيي إل‬
‫العباد نازل وشرهم إلّ صاعد‪ .‬أتبب إليهم بنعمي‪ ،‬وأنا الغن عنهم‪ ،‬ويتبغضون إلّ‬
‫بالعاصي‪ ،‬وهم أفقر شيء إلّ‪.‬‬
‫من أقبل إلّ تلقيته من بعيد‪ .‬ومن أعرض عن ناديته من قريب‪ .‬ومن ترك لجلي‬
‫أعطيته فوق الزيد‪ .‬ومن أراد رضاي أردت ما يريد‪ .‬ومن تصرف بول وقوت ألنت له‬
‫الديد‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫أهل ذكري أهل مالست‪ ،‬وأهل شكري أهل زيادت‪ ،‬وأهل طاعت أهل كرامت‪ ،‬وأهل‬
‫معصيت ل أُقنّطهم من رحت‪ ،‬إن تابوا فأنا حبيبهم‪ ،‬فإن أحب التوابي وأحب التطهرين‪،‬‬
‫وإن ل يتوبوا إلّ فأنا طبيبهم‪ .‬أبتليهم بالصائب‪ ،‬لطهرهم من العايب‪.»...‬‬
‫***‬

‫‪112‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫عاشًرا ‪:‬‬
‫من‬
‫مظاهر‬
‫حب الله‬
‫لك ‪:‬‬

‫ترغيبــك وترهيبك‬

‫ف على أحد أن النفس البشرية إذا ما ُرغََبت في‬
‫ليس بخا ٍ‬
‫فعل شيء ما‪ ،‬وعلمت بما ينتظرها من جزاء حسن نظير‬
‫قيامها بهذا الفعل فإنها تتشجع‪ ،‬وتقدم عليه بقدر ما تستثار‬
‫فيها مشاعر الرغبة‪.‬‬
‫خوََفت‪ ،‬وُرهََبت من القيام بفعل‬
‫وفي المقابل فإنها إذا ما ُ‬
‫ما‪ ،‬وأن مكروهًا سيصيبها إذا ما فعلته‪ ،‬فإنها تُحجم عن القيام‬
‫به بقدر ما ينسكب داخلها من خوف ورهبة‪.‬‬
‫هذه خاصية أصيلة من خصائص النفس البشرية‪ ,‬هذه‬
‫الخاصية لها دور كبير في إقدام المرء على أداء العمل أو‬
‫إحجامه عنه‪ ،‬ففي الحديث «من خاف أدل‪ ،‬ومن أدل بلغ النل‪ ،‬أل إن سلعة‬
‫ال غالية‪ ،‬إل إن سلعة ال النة»(‪.)1‬‬
‫ويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول‪:‬‬
‫فكل من خاف الردى أو فَوْت ما يتمنى ل يركن إلى‬
‫الراحة ول ينتظر الصباح‪ ،‬بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو‬
‫كان بالليل(‪.)2‬‬
‫التربية الربانية‬
‫ولنه سبحانه هو الذي خلق فينا هذه الخاصية‪ ،‬فإنه‬
‫يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في تربيتنا وتوجيهنا نحو‬
‫المبادرة لفعل الخير واجتناب فعل الشر‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صيح‪ ،‬صحيح اللباني في صحيح الجامع ح (‪.)6232‬‬
‫() فيض القدير ‪.6/159‬‬

‫‪113‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫خوِيفًا‬
‫تأمل معي قوله تعالى‪َ :‬ومَا نُرْسِلُ بِالَيَاتِ إِلّ َت ْ‬

‫[السراء‪:‬‬

‫‪.]59‬‬

‫فالية تدل دللة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى‬
‫يخوفنا لنخاف ونترك طريق الضلل ونتجه نحو صراطه‬
‫المستقيم فندخل الجنة‪.‬‬
‫حتِ ِهمْ‬
‫انظر مثل إلى قوله تعالى‪َ :‬لهُم مّن َفوْقِ ِهمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ َومِن تَ ْ‬

‫خوّفُ الُ ِبهِ عِبَا َدهُ يَا عِبَادِ فَاّتقُونِ [الزمر‪.]16 :‬‬
‫ظُلَلٌ ذَِلكَ ُي َ‬

‫أرأيت صيغة الخطاب‪ :‬ذلك الذي يخوف الله به عباده ‪ ..‬يا‬
‫عباد فاتقون‪.‬‬
‫فمع أن الية تتحدث عن النار وما فيها من عذاب‪ ،‬إل أنها‬
‫تحمل في طياتها دللت عظيمة عن حب الله لعباده‪ ،‬وكيف ل‬
‫ونحن نلمح فيها مناشدة من الله عز وجل لعباده بأن يخافوا‪،‬‬
‫ويحذروا عقابه لنه ل يريد لهم أن يدخلوا هذه النار‪.‬‬
‫هل قامت القيامة؟!‬
‫ثم إن ثمة أسئلة قد تقفز إلى أذهان البعض وهي‪:‬‬
‫هل قامت القيامة أم لم تقم؟‬
‫هل بالفعل دخل بعض الناس الجنة والبعض الخر النار؟!‬
‫الجابة معروفة للجميع‪ ,‬بأنه إلى الن لم تقم القيامة ولم‬
‫يتوزع الناس بين الجنة والنار‪.‬‬
‫إذن فلماذا يقص القرآن هذه الصور التفصيلية عن‬
‫القيامة‪ ،‬والجنة والنار‪ ،‬وكأن المر قد انقضى‪ ،‬والمور قد‬
‫صحَابُ النّارِ َأصْحَابَ‬
‫حسمت مثل ما جاء في قوله تعالى‪ :‬وَنَادَى َأ ْ‬
‫ُ‬
‫اْلجَّنةِ َأنْ أَفِيضُوا عَلَ ْينَا ِمنَ اْلمَاءِ َأوْ ِممّا رَزَقَ ُكمُ الُ قَالُوا ِإنّ الَ حَ ّرمَ ُهمَا َعلَى الْكَافِرِينَ‬
‫حيَاةُ الدّنْيَا فَاْلَي ْومَ نَنسَا ُهمْ َكمَا َنسُوا ِلقَاءَ َي ْومِ ِهمْ‬
‫خذُوا دِيَن ُهمْ َل ْهوًا وََلعِبًا َوغَرّتْ ُهمُ الْ َ‬
‫اّلذِينَ اتّ َ‬

‫حدُونَ [العراف‪.]51 ،50 :‬‬
‫َهذَا َومَا كَانُوا بِآيَاِتنَا َيجْ َ‬
‫‪114‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫هذا الحوار بين أهل النار وأهل الجنة لم يتم حتى الن‪،‬‬
‫فلماذا يعرضه الله لنا ويسرده بهذا التفصيل؟!‬
‫لماذا يحتل الحديث عن القيامة والجنة والنار هذه‬
‫المساحة الواسعة من القرآن؟!‬
‫أل توافقني ‪-‬أخي القارئ‪ -‬أن هذا التفصيل في عرض‬
‫الجنة وكأننا نراها رأي العين‪ ،‬وكأن أهلها قد سكنوها وبدءوا‬
‫في التمتع بما فيها من نعيم‪ ,‬أل توافقني أن الغرض من ذلك‬
‫هو استثارة رغبتنا لدخولها ومن ث ََ‬
‫م الوفاء بحقها والسباق‬
‫نحوها؟!‬
‫وكذلك عرض النار بهذه الصورة البشعة الكريهة‪ ،‬المنفرة‬
‫لنخاف منها ونجتهد في البتعاد عنها؟!‪.‬‬
‫وتأكيدًا على هذا المعنى أتركك مع هذه اليات لتقرأها‬
‫وتتدبر معانيها‪.‬‬
‫إِلّ عِبَادَ الِ اْل ُمخْ َلصِيَ أُولَِئكَ َل ُهمْ رِ ْزقٌ ّمعْلُومٌ َفوَا ِكهُ وَهُم مّكْ َرمُونَ فِي جَنّاتِ‬

‫الّنعِيمِ َعلَى سُرُرٍ مّتَقَابِ ِليَ يُطَافُ عَلَيْ ِهمْ بِ َكأْسٍ مّن ّمعِيٍ بَ ْيضَاءَ َلذّةٍ لّلشّارِِبيَ لَ فِيهَا‬

‫َغوْلٌ وَلَ ُهمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ َوعِن َد ُهمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ ِعيٌ َكأَنّ ُهنّ بَ ْيضٌ مّكْنُونٌ َفأَقْبَلَ‬

‫َب ْعضُ ُهمْ عَلَى َبعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مّنْ ُهمْ ِإنّي كَانَ لِي قَرِينٌ َيقُولُ أَإِّنكَ َل ِمنَ‬

‫صدّقِيَ َأإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَابًا َوعِظَامًا أَإِنّا َل َمدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنْتُم مّطّ ِلعُونَ فَاطّلَعَ فَرَآهُ‬
‫اْل ُم َ‬

‫حضَرِينَ‬
‫جحِيمِ قَالَ تَالِ إِن كِدتّ لَتُرْدِينِ وََلوْلَ ِن ْع َمةُ رَبّي لَكُنتُ ِمنَ اْل ُم ْ‬
‫فِي َسوَاءِ الْ َ‬

‫حنُ ِب ُم َعذّبِيَ إِنّ َهذَا َل ُهوَ اْل َفوْزُ اْلعَظِيمُ ِل ِمثْلِ‬
‫حنُ ِبمَيّتِيَ إِلّ َموْتَتَنَا الُولَى َومَا نَ ْ‬
‫أَ َفمَا َن ْ‬

‫َهذَا فَ ْلَي ْعمَلِ اْلعَامِلُونَ َأذَِلكَ خَيْرٌ نّزُلً َأمْ َشجَرَةُ الزّقّومِ إِنّا َجعَ ْلنَاهَا ِفتَْنةً لّلظّاِلمِيَ إِنّهَا‬
‫شَجَ َرةٌ َتخْ ُرجُ فِي َأصْلِ اْلجَحِيمِ َط ْلعُهَا َكأَّنهُ ُرؤُوسُ الشّيَاطِيِ َفإِنّ ُهمْ لَ ِكلُونَ مِنْهَا‬

‫شوْبًا مِنْ َحمِيمٍ ُثمّ إِنّ مَرْ ِجعَ ُهمْ لِلَى اْلجَحِيمِ‬
‫َفمَالِئُونَ مِنْهَا اْلبُطُونَ ُثمّ ِإنّ لَ ُهمْ عَلَ ْيهَا َل َ‬
‫[الصافات‪.]68 ،40 :‬‬

‫معنى ذلك أن التوسع في الحديث عن أحداث اليوم الخر‬
‫‪115‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وما فيها من ترغيب وترهيب ما هو إل مظهر عظيم من‬
‫مظاهر حب الله لعباده‪.‬‬
‫وإليك هذا الدليل‪:‬‬
‫حضَرًا وَمَا َعمِلَتْ مِن‬
‫جدُ كُلّ َنفْسٍ مّا َعمِلَتْ مِنْ خَ ْيرٍ مّ ْ‬
‫يقول تعالى‪َ :‬ي ْومَ َت ِ‬
‫سهُ وَالُ َرؤُوفٌ بِا ْلعِبَادِ [آل‬
‫حذّرُ ُكمُ الُ َنفْ َ‬
‫سُوءٍ َتوَدّ َلوْ أَنّ بَيَْنهَا وَبَيَْنهُ َأ َمدًا َبعِيدًا وَُي َ‬
‫عمران‪.]30 :‬‬

‫أرأيت ما تحمله الية من تحذير وتخويف؟ ورأيت بماذا‬
‫انتهت؟!‪.‬‬
‫فالية تدل دللة قاطعة على أن الله عز وجل يخوََفنا‬
‫ة بنا لكي نرتدع ونبتعد عما نهانا عنه‪.‬‬
‫ة ورأف ً‬
‫ويحذََرنا رحم ً‬
‫فإن قلت وما الداعي لوجود النار من الصل في ظل‬
‫وجود هذه الرأفة والرحمة اللهية؟!‬
‫هذا السؤال أجاب عنه القرآن في عدة مواضع منها قوله‬
‫كمُونَ [القلم‪،35 :‬‬
‫جعَلُ اْلمُسْ ِل ِميَ كَاْلمُجْ ِرمِيَ مَا لَ ُكمْ َكيْفَ تَحْ ُ‬
‫تعالى‪ :‬أَ َفنَ ْ‬

‫‪.]36‬‬

‫جعَ َل ُهمْ كَاّلذِينَ آمَنُوا َو َعمِلُوا‬
‫وقوله‪َ :‬أمْ حَسِبَ اّلذِينَ ا ْجتَرَحُوا السّيّئَاتِ أَن نّ ْ‬

‫الصّاِلحَاتِ َسوَاءً مّحْيَا ُهمْ وَ َممَاتُ ُهمْ سَاءَ مَا َيحْ ُكمُونَ [الجاثية‪.]21 :‬‬

‫ل يمكن أن يستوي – بأي حال من الحوال – المجد‬
‫المجتهد الذي ألزم نفسه الستقامة على أمر الله مع من‬
‫أسرف على نفسه‪ ،‬ولم يبال بأوامر ربه واستهان بها‪ ،‬وعاث‬
‫في الرض فسادًا‪.‬‬
‫إن من دواعي العدل والرحمة اللهية أل يستوي هذا مع‬
‫ذاك أَ َف َمنْ كَانَ ُمؤْمِنًا َكمَن كَانَ فَا ِسقًا لّ َيسَْتوُونَ [السجدة‪.]18 :‬‬
‫‪116‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫اللص والسجن‬
‫صا قد اقتحم قرية من القرى‪ ،‬واختبأ في بعض‬
‫هب أن ل ً‬
‫نواحيها‪،‬وظل يُغير كل ليلة على منزل من منازلها فيهدد أهله‪،‬‬
‫ويسرق ما فيه‪.‬‬
‫تُرى على أي حال سيكون أهل هذه القرية التي كانت قبل‬
‫مجيء هذا اللص آمنة مطمئنة؟!‬
‫بل شك سيتبدل أمنهم فزع ًا‪ ،‬وطمأنينتهم رعبًا وهلعًا‪،‬‬
‫وكيف ل وكل واحد منهم يتوقع كل ليلة هجوم اللص على‬
‫داره‪ ...‬ليعرف النوم إلى عينه طريقًا‪ ،‬بل ينخلع قلبه من‬
‫الفزع إذا ما سمع صوتًا غريبًا حول داره‪.‬‬
‫هل من المناسب في ظل هذا الوضع المأساوي أن يُترك‬
‫اللص هكذا دون العمل علىالقبض عليه والقصاص منه تحت‬
‫مسمى الرحمة‪.‬‬
‫إن الرحمة تقتضي سرعة المساك به وحبسه لتعود‬
‫السكينة للناس‪ ،‬ويعود إليهم أمنهم‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬أخي القارئ‪ ،‬ل بد من عقاب المخطئ الذي أساء‬
‫الدب مع ربه وخالف أوامره‪ ،‬واستخدم ما سخره له من‬
‫النعم الكثيرة في معصيته‪.‬‬
‫استخدم يده ورجله وعقله وعينيه ولسانه وشفتيه في‬
‫محادََة الله وعصيانه واستحلل محارمه‪ ،‬استخدم كل هذه‬
‫سنَتُ ُهمْ وََأْيدِي ِهمْ وَأَرْ ُجلُ ُهمْ ِبمَا‬
‫ما عنها‪َ -‬ي ْومَ َتشْ َهدُ َعلَيْ ِهمْ أَلْ ِ‬
‫الشياء وغيرها ‪-‬رغ ً‬

‫كَانُوا َي ْعمَلُونَ [النور‪.]24 :‬‬

‫ومع هذا كله فالله عز وجل الرءوف الرحيم يحذر العصاة‬
‫والكافرين‪ ,‬يستحثهم على التوبة ويرغبهم في الجنة ويخوفهم‬
‫من النار لعلهم يعودون إليه قبل فوات الوان ‪.‬‬
‫تأمل معي هذه اليات التي تؤكد هذا المعنى‪ :‬أَ َفَأمِنَ اّلذِي َن‬
‫شعُرُونَ َأوْ‬
‫سفَ الُ ِب ِهمُ الَرْضَ َأوْ َي ْأتِيَ ُهمُ اْل َعذَابُ مِنْ حَيْثُ لَ َي ْ‬
‫مَكَرُوا السّيّئَاتِ أَن َيخْ ِ‬
‫‪117‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫خوّفٍ َفإِنّ رَبّ ُكمْ َل َرؤُوفٌ رّحِيمٌ‬
‫جزِينَ َأوْ َيأْ ُخ َذهُمْ َعلَى َت َ‬
‫َيأْ ُخ َذ ُهمْ فِي َتقَلِّب ِهمْ َفمَا هُم ِب ُمعْ ِ‬
‫[النحل‪.]47-45 :‬‬

‫هل رأيت أخي القارئ بماذا اختتمت هذه اليات التي‬
‫تحمل تحذيًرا شديدًا للعصاة َفِإنّ رَبّ ُكمْ لَ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ ‪.‬‬
‫نعم‪ ,‬إن ربنا لرءوف رحيم‪ ،‬وما عاقب إنسانًا إل لنه هو‬
‫الذي استدعى واستحق العقوبة بأفعاله الكثيرة المخالفة‬
‫لوامر ربه والمستهينة به‪.‬‬
‫ولو كان الله عز وجل يريد بالفعل أن يعاقب كل مخطئ‬
‫على خطئه‪ ،‬وأن يقيم ميزان العدل على الجميع ما خوفنا كل‬
‫هذا التخويف‪ ,‬يكفي أن يقول لنا بأن هناك حساب للمخطئ‬
‫على خطئه‪ ،‬وأن النار في انتظاره‪ ،‬ولكنه‪-‬سبحانه – لم يفعل‬
‫ذلك‪ ،‬بل حذرنا وحذرنا بأساليب شتى‪ ،‬وقص علينا ما سيحدث‬
‫في يوم القيامة حتى صرنا وكأننا نراه رأي العين يَا أَيّهَا النّاسُ‬
‫اّتقُوا رَبّ ُكمْ إِنّ زَلْ َزَلةَ السّاعَةِ شَ ْيءٌ َعظِيمٌ َي ْومَ تَ َروْنَهَا َت ْذهَلُ كُلّ مُ ْرضِ َعةٍ َعمّا أَ ْرضَعَتْ‬
‫وََتضَعُ كُلّ ذَاتِ َحمْلٍ َحمْلَهَا وََترَى النّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم ِبسُكَارَى وَلَ ِكنّ َعذَابَ الِ‬
‫َشدِيدٌ [الحج‪.]2 ،1 :‬‬

‫كل ذلك مبعثه الشفقة والرحمة بالناس جميعًا ِإنّ الَ بِالنّاسِ‬
‫لَ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ‬

‫[البقرة‪.]143 :‬‬

‫شمول الترغيب والترهيب‬
‫ول يكفي أسلوب الترغيب والترهيب بذكر اليوم الخر والجنة‬
‫والنار‪ ،‬بل يتسع ويمتد ليشمل أموًرا كثيرة في حياة الفرد‬
‫والجماعة‪ ،‬وليتناول الماضي والحاضر والمستقبل‪ ،‬كل ذلك‬
‫ليحقق المقصود من استخدامه أل وهو الستقامة على أمر الله‪.‬‬
‫ضا من التفصيل في هذا المر‪:‬‬
‫وإليك أخي القارئ بع ً‬
‫‪118‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫الناس جميعًا‬
‫لن الله عز وجل يحب عباده ويريد لهم الخير فإنه سبحانه‬
‫قد شملهم جميعًا بتوجيهاته ما بين الترغيب والترهيب‪ ،‬فتراه‬
‫– على سبيل المثال‪ -‬يرغب اليهود فيقول لهم‪ :‬يَا َبنِي إِسْرَائِيلَ‬
‫ا ْذكُرُوا ِنعْمَتِيَ الّتِي أَْن َعمْتُ عَلَيْ ُكمْ وَأَنّي َفضّلْتُ ُكمْ عَلَى اْلعَاَلمِيَ ثم تراه يخوفهم‬
‫جزِي َنفْسٌ عَن ّنفْسٍ شَيْئًا وَلَ ُيقْبَلُ مِنْهَا َشفَاعَةٌ وَلَ‬
‫فيقول لهم‪ :‬وَاّتقُوا َي ْومًا لّ تَ ْ‬
‫ُيؤْ َخذُ مِنْهَا َعدْلٌ وَلَ ُهمْ يُ ْنصَرُونَ [البقرة‪.]123 ،122 :‬‬
‫وأهل الكتاب يخوفهم بقوله‪ :‬يَا َأيّهَا اّلذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا ِبمَا نَزّلْنَا‬
‫صدّقًا ّلمَا مَعَكُم مّن قَبْلِ أَن نّ ْطمِسَ وُجُوهًا فَنَ ُر ّدهَا َعلَى َأدْبَا ِرهَا َأوْ َن ْلعَنَ ُهمْ َكمَا َلعَنّا‬
‫ُم َ‬
‫َأصْحَابَ السّبْتِ َوكَانَ َأمْرُ الِ مَ ْفعُولً [النساء‪.]47 :‬‬
‫ب آمَنُوا وَاّت َقوْا لَ َكفّرْنَا عَ ْن ُهمْ سَيّئَاِت ِهمْ‬
‫ويرغبهم بقوله وََلوْ َأنّ َأهْلَ الْكِتَا ِ‬
‫وَلدْخَلْنَا ُهمْ جَنّاتِ الّنعِيمِ [المائدة‪.]65 :‬‬
‫والمشركين يقول لهم‪ :‬إِنّ الَ لَ َيغْفِرُ أَن يُشْ َركَ ِبهِ وََي ْغفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ‬
‫ِلمَن يّشَاءُ وَمَن يّشْرِكْ بِالِ َف َقدِ افْتَرَى إِْثمًا َعظِيمًا [النساء‪.]48 :‬‬
‫خذِ اْل ُم ْؤمِنُونَ الْكَافِرِينَ َأوِْليَاءَ مِن دُونِ اْل ُمؤْمِنِيَ‬
‫بل وحتى المؤمنين‪ :‬لَ يَتّ ِ‬
‫سهُ [آل‬
‫حذّرُ ُكمُ الُ َنفْ َ‬
‫وَمَن َي ْفعَلْ ذَِلكَ فَ َليْسَ ِمنَ الِ فِي شَ ْيءٍ إِلّ أَن تَّتقُوا مِنْ ُهمْ ُتقَاةً وَُي َ‬
‫عمران‪.]28 :‬‬
‫الترهيب والترغيب في قصص السابقين‬
‫ومع شمول أسلوب الترهيب والترغيب لجميع الناس فإنه‬
‫يمتد ليشمل الزمن كله ماضيه وحاضره ومستقبله‪.‬‬
‫فالله عز وجل يدعونا في كتابه للستفادة مما حدث مع‬
‫السابقين في الزمنة الماضية‪ ،‬فيرغبنا في الحتذاء بالنماذج‬
‫الصالحة‪ ،‬ويخوفنا من النماذج الطالحة‪.‬‬
‫فنجد أن الله سبحانه قد قدم إبراهيم – عليه السلم – في‬
‫القرآن‪ ،‬وفي أكثر من موضع كنموذج صحيح لما ينبغي أن‬
‫‪119‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫يكون عليه المؤمن‪ ،‬لذلك فقد عرضه القرآن بطريقة ترغب‬
‫القارئ وتحفزه على القتداء به إِنّ إِْبرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً قَانِتًا لِ حَنِيفًا وََلمْ َيكُ‬
‫مِنَ اْلمُشْ ِركِيَ شَا ِكرًا لْنعُ ِمهِ اجَْتبَاهُ َو َهدَاهُ ِإلَى صِرَاطٍ مّسَْتقِيمٍ وَآتَ ْينَاهُ فِي الدّنْيَا حَسََنةً‬
‫حيَ ُثمّ َأوْحَيْنَا إَِل ْيكَ أَنِ اتّبِعْ مِ ّلةَ إِْبرَاهِيمَ حَنِيفًا َومَا كَانَ ِمنَ‬
‫وَإِّنهُ فِي الَخِ َرةِ َل ِمنَ الصّالِ ِ‬
‫اْل ُمشْرِ ِكيَ [النحل‪.]123 -120 :‬‬
‫جا فاسدًا لعبد آبق اغتر بماله وتوهم‬
‫أما قارون‪ ،‬فكان نموذ ً‬
‫أن له مكانة أعلى من سائر البشر‪ ،‬وكذلك فرعون الذي‬
‫طغى وتكبر‪ ،‬وقوم عاد وثمود وغيرهم من نماذج الظالمين‬
‫المتكبرين‪ ,‬هذه النماذج أفاض القرآن في ذكرها‪ ،‬والمآل‬
‫الذي صار إليه أصحابها ترهيبًا وتخويفًا لنا كي نجتنب ما‬
‫صصِ ِهمْ عِبْرَةٌ لُولِي الْلبَابِ [يوسف‪.]111 :‬‬
‫فعلوه‪َ :‬ل َقدْ كَانَ فِي َق َ‬
‫الرسائل اللهية‬
‫هذا في الماضي‪ ،‬أما في الحاضر فيظهر أسلوب الترغيب‬
‫والترهيب من‬
‫خلل الرسائل اللهية التي يُرسلها الله لعباده متشابكة مع‬
‫أحداث حياتهم‪،‬‬
‫فالبرق رسالة ترغيب وطمع في رحمة الله لما يبشر به من‬
‫نزول المطر‪ ،‬وهو كذلك ترهيب لمن يراه حين يضيء‬
‫معًا [الروم‪:‬‬
‫السماء‪ ،‬ويشق السحب وَ ِمنْ آيَاِتهِ يُرِي ُكمُ الَْبرْقَ َخوْفًا وَ َط َ‬

‫‪.]24‬‬

‫والزلزل والبراكين والعاصير‪ ،‬وكسوف الشمس‪،‬‬
‫وخسوف القمر ‪ ..‬كل هذه رسائل تخويف‪ ،‬يخوف الله بها‬
‫عباده‪ ،‬لعلهم يقدروه حق قدره فيعبدوه حق عبادته فيدخلوا‬
‫خوِيفًا [السراء‪.]59 :‬‬
‫الجنة‪ :‬وَمَا ُنرْسِلُ بِالَيَاتِ إِلّ تَ ْ‬
‫المستقبل والترغيب والترهيب‬
‫وأما ما يخص المستقبل فنرى القرآن والسنة قد امتل باليات‬
‫‪120‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫والحاديث التي تحدثنا عن اليوم الخر والجنة والنار – كما أسلفنا‬
‫– بأسلوب مثير‪ ،‬يستجيش عواطف الرغبة والرهبة‪ ,‬تأمل معي –‬
‫على سبيل المثال – هذه الية وما تحمله من خطاب يستثير‬
‫جّنةِ اّلتِي ُوعِ َد اْلمُّتقُونَ فِيهَا َأْنهَارٌ مّن مّاءٍ َغ ْيرِ آسِنٍ َوَأْنهَارٌ مّن ّلبَنٍ لّمْ‬
‫العاطفة‪َ :‬مثَ ُل الْ َ‬
‫صفّى َوَلهُمْ فِيهَا مِن ُك ّل الّث َمرَاتِ‬
‫سلٍ مّ َ‬
‫َيتَ َغّيرْ َط ْع ُمهُ َوَأْنهَارٌ مّنْ َخ ْم ٍر لّذّةٍ لّلشّا ِربِيَ َوَأْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫َو َم ْغ ِفرَةٌ مّن ّرّبهِمْ َكمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النّارِ وَ ُسقُوا مَاءً َحمِيمًا َف َقطّ َع َأ ْمعَاءَهُمْ [محمد‪.]15 :‬‬

‫الترغيب والترهيب في أفعال العباد‪:‬‬
‫ومع شمول أسلوب الترغيب لجميع الناس وامتداده عبر‬
‫الزمان كله‪ ،‬فإنه كذلك يتناول الكثير من أفعال العباد‪ ,‬فيرغب‬
‫في التيان بالعمال الصالحة‪ ،‬ويُرهََب من التيان بأعمال‬
‫الفسق والفجور والعصيان‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪:‬‬
‫الترغيب في النفاق في سبيل الله ‪:‬‬
‫الله عز وجل أعطى للنسان حرية الختيار واتخاذ القرار ‪،‬‬
‫فهو ل يجبره على فعل شيء ل يريده‪ ،‬ومع ذلك فهو سبحانه‬
‫يريد للبشر جميعًا دخول جنته‪ ،‬لذلك نجده سبحانه في خطابه‬
‫إلينا يرغبنا في كل ما يقربنا من جنته‪ ،‬ويبعدنا من ناره ‪...‬‬
‫يستثير رغبتنا لتخاذ القرار بفعل الخيرات وترك المنكرات‪.‬‬
‫ولنه سبحانه قد أسكننا الرض ويعلم أن من أشد ما‬
‫يحول بيننا وبين دخول الجنة‪ :‬التعلق بزينة الحياة الدنيا‪ ،‬وأن‬
‫أهم رمز للدنيا هو المال‪ ،‬لذلك فقد أخبرنا بأن من أهم‬
‫العقبات التي تقف في طريق الجنة هي التعلق بالمال‪َ :‬فلَ‬

‫حمَ اْلعَقََبةَ َومَا أَدْرَاكَ مَا اْل َعقََبةُ َفكّ رَقََبةٍ [البلد‪.]13 -11 :‬‬
‫اقَْت َ‬

‫والتغلب على هذه العقبة إنما يكون بدوام النفاق‪.‬‬
‫فالنفاق إذ ًا طريق سهل لدخول الجنة‪ ,‬ولكن النفس ل‬
‫تحب النفاق وَأُ ْحضِ َرتِ الْنفُسُ الشّحّ [النساء‪.]128 :‬‬
‫من هنا نجد تنوع أساليب الحث عليه‪ ،‬وإنشاء الرغبة فيه‪,‬‬
‫‪121‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫كل ذلك ليتغلب المرء على شح نفسه وخوفها من الفقر‪،‬‬
‫ومن ثم اجتيازها للعقبة‪ ,‬ومن هذه الساليب‪ :‬التذكير بأهميتها‬
‫وأنها من أبواب الجهاد في سبيل الله‪ :‬يَا َأيّهَا اّلذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدّلّكمْ‬
‫عَلَى تِجَارَةٍ تُ ْنجِيكُم ّمنْ َعذَابٍ أَلِيمٍ ُت ْؤمِنُونَ بِالِ وَرَسُوِلهِ وَُتجَا ِهدُونَ فِي سَبِيلِ الِ‬

‫ِبَأمْوَالِ ُكمْ وَأَْنفُسِ ُكمْ َذلِ ُكمْ خَيْرٌ لّ ُكمْ ِإنْ كُنُْتمْ َتعْ َلمُونَ [الصف‪.]11 ،10 :‬‬

‫ومنها‪ :‬التذكير بأن النفاق يرضي الله عز وجل ويقرب‬
‫صاحبه منه سبحانه‪ :‬فَآتِ ذَا اْلقُرْبَى َح ّقهُ وَاْلمِسْكِيَ وَاْبنَ السّبِيلِ ذَِلكَ َخيْرٌ‬

‫لّ ّلذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الِ وَأُولَِئكَ ُهمُ اْل ُمفْلِحُونَ [الروم‪.]38 :‬‬

‫ومنها‪ :‬التذكير بفضل العمل وثماره المتوقعة‪ :‬مَثَلُ اّلذِي َن‬
‫يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَالَ ُهمْ فِي سَبِيلِ الِ َكمَثَلِ حَّبةٍ أَنَبتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُ َلةٍ مّاَئةُ حَّبةٍ وَالُ‬

‫ُيضَاعِفُ ِلمَن يّشَاءُ وَالُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة‪.]261 :‬‬

‫وأن من هذه الثمار ما يجدها صاحبها في الدنيا‪ :‬وَمَا َأْنفَقْتُم‬

‫خ ِلفُهُ َو ُهوَ خَيْرُ الرّازِقِيَ [سبأ‪.]39 :‬‬
‫مّن شَ ْيءٍ َف ُهوَ يُ ْ‬

‫والتذكير بأن المستفيد الول من النفاق هو المنفق‪ُ :‬خذْ‬

‫صدَقَةً ُتطَهّ ُر ُهمْ وَُتزَكّي ِهمْ بِهَا [التوبة‪.]103 :‬‬
‫مِنْ َأمْوَالِ ِهمْ َ‬

‫والترهيب من تركها‪ :‬يَا أَيّهَا اّلذِي َن آمَنُوا َأْنفِقُوا ِممّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن‬

‫َيأْتِيَ َي ْومٌ لّ بَ ْيعٌ فِيهِ وَلَ خُ ّلةٌ وَلَ َشفَا َعةٌ [البقرة‪.]254 :‬‬

‫ويطمئننا بأن الذي يأخذها هو الله‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م فلن تضيع على‬
‫صاحبها‪َ :‬ألَ ْم َيعْ َلمُوا َأنّ الَ ُه َو َي ْقبَ ُل التّ ْوَبةَ عَنْ ِعبَادِهِ َويَ ْأخُذُ الصّ َدقَاتِ َوَأنّ الَ هُوَ التّوّابُ‬

‫الرّحِيمُ [التوبة‪.]104 :‬‬

‫هذه المعاني العظيمة وغيرها كثيًرا ما نجدها تتكرر في‬
‫القرآن بأساليب مختلفة‪.‬‬
‫وهكذا يصبح استخدام أسلوب الترغيب والترهيب من أعظم‬
‫‪122‬‬

‫الفصـــــل الثالث‬

‫مظاهر حب الله لعباده‪.‬‬
‫ع‬
‫ورأينا‬
‫جميعًا‬
‫أخي‬
‫أما‬
‫صفحة‬
‫طاعة‬
‫أل‬
‫نعامله‬
‫يعاملنا‬

‫كلمة‬
‫أخيرة‬
‫عن‬
‫مظاهر‬
‫حب الله‬
‫لك‬
‫ولعباده‬
‫أجمعين‬

‫شنا سويًا في ظلل شجرة المحبة‪،‬‬
‫ضا من مظاهر الحب اللهي لنا‬
‫بع ً‬
‫ليبقى سؤال أوجهه إلى نفسي وإليك‬
‫القارئ وهو‪:‬‬
‫آن لي ولك أن نبدأ مع الله عز وجل‬
‫جديدة من الحب الصادق الذي يثمر‬
‫سا به وشوقًا إلى لقائه؟!‬
‫له‪ ،‬وأن ً‬
‫يستحق هذه الله الودود الكريم أن‬
‫معاملة تليق بجلله وتتناسب مع ما‬
‫به؟!‬

‫فلنبدأ إذن من الن‪ ،‬وقبل أن تذهب تلك الحالة الشعورية‬
‫التي صاحبتنا ونحن نتعرف على مظاهر حب الله لنا‪.‬‬
‫لنبدأ بدعائه سبحانه دعاء فيه إلحاح وتضرع ونسأله فيه أن‬
‫يرزقنا حبه‪ ،‬وأن يهيمن هذا الحب على مشاعرنا حتى يصير‬
‫حبه سبحانه الحب إلينا من كل شيء‪ ،‬وندعو كذلك بدعاء‬
‫النبي عليه الصلة والسلم‪« :‬اللهم إن أسالك حبك‪ ،‬وحب من يبك‪ ،‬وحب‬
‫عمل يقربن إل حبك‪ ,‬ال ما رزقتن ما أحب فاجعله قوة ل فيما تب‪ ،‬وما زويت عن ما‬
‫أحب فاجعله فراغًا فيما تب‪ ،‬اللهم اجعل حبك أحب إل من أهلي ومال‪ ،‬ومن الاء البارد‬
‫على الظمأ‪ ،‬اللهم حببن إليك وإل ملئكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالي‪ ،‬واجعلن‬
‫من يبك ويب ملئكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالي‪ ،‬اللهم أحيي قلب ببك‬
‫واجعلن لك كما تب‪ ،‬اللهم اجعلن أحبك بقلب كله‪ ،‬وأرضيك بسدي كله‪ ،‬اللهم اجعل‬
‫حب كله لك‪ ،‬وسعيي كل ف مرضاتك»(‪.)1‬‬
‫ولننتقل الن إلى الوسائل العملية التي تمكن لحب‬
‫الله في قلوبنا‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الترمذي‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫الوسائل العملية‬
‫لتمكين حب الله‬
‫في القلب‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫أمران لبد منهما‪:‬‬
‫إن كانت المعرفة هي طريق المحبة الصادقة لله‬
‫عز وجل – كما أسلفنا في المقدمة‪ -‬فإن هذه‬
‫ما إلى‬
‫المعرفة‪ ،‬التي عشنا في أجوائها‪ ،‬تحتاج دو ً‬
‫تذكير يتجاوب معه الفكر والعاطفة‪ ,‬هذا التذكير‬
‫الدائم من شأنه أن يبذر بذور المحبة في القلب‪،‬‬
‫ويشكل قاعدته في المشاعر والوجدان‪.‬‬
‫ومع أهمية التذكير الدائم تأتي العمال الصالحة‬
‫ذات الصلة بموضوع المحبة لتكون بمثابة الماء الذي‬
‫يسقي بذور المعرفة بالله الودود‪ ،‬فتنمو شجرتها‬
‫ويرتفع بنيانها‪ ،‬لتكون النتيجة هي استحواذ حب الله‬
‫على أكبر قدر من مشاعر الحب داخل القلب وََلوْ َأنّ ُهمْ‬
‫َفعَلُوا مَا يُوعَظُونَ ِبهِ لَكَانَ خَيْرًا لّ ُهمْ وَأَ َشدّ تَ ْثبِيتًا [النساء‪.]66 :‬‬
‫وسائل التذكير بمعارف المحبة‬
‫ووسائل التذكير بمعارف المحبة‪ ،‬ومظاهرها تتركز في‬
‫أمرين عظيمين‪ :‬كتاب الله المقروء‪ ،‬وكتاب الله المنظور‪.‬‬

‫أولً‪ :‬القرآن ودوره في إنشاء اليمان والتذكير‬
‫بمعارف المحبة‪:‬‬
‫القرآن هو أفضل وسيلة للتعريف بالله عز وجل والتذكير‬
‫الدائم بمظاهر حبه لنا‪ ،‬وأفضل وسيلة كذلك لتحويل هذه‬
‫المعرفة إلى إيمان يستحوذ على مشاعر الحب داخل القلب‬
‫ويوجهها للمولى سبحانه‪ ،‬قال ‪« :‬من سره أن يب ال ورسوله‪ ،‬فليقرأ ف‬
‫الصحف»(‪.)1‬‬
‫نعم‪ ،‬هناك وسائل أخرى تقوم بالتذكير بهذه المظاهر‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه أبو نعيم في الحلية‪ ،‬والبيهقي في شعب اليمان‪ ،‬وحسنه اللباني‬
‫في صحيح الجامع (‪.)6289‬‬

‫‪125‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سنة والتي تعتبر شارحة للقرآن مؤكدة لما‬
‫تقف على رأسها ال ُ‬
‫فيه‪ ،‬ومع ذلك يبقى القرآن الوسيلة العظيمة لدوام التذكير‪،‬‬
‫وتقرير الحقائق‪ ،‬وإنشاء اليمان‪ ،‬فهو دائم التعريف بالله عز‬
‫وجل وبأسمائه وصفاته ومظاهر حبه لعباده‪.‬‬
‫ومع هذا التعريف نجد التكرار للمعنى الواحد بأساليب‬
‫مختلفة ليرسخ مدلوله في العقل الباطن للنسان فيشكل‬
‫جزءًا من يقينه وََل َقدْ صَرّ ْفنَا فِي َهذَا اْلقُرْآنِ ِلَيذّكّرُوا [السراء‪.]41 :‬‬
‫وفي عرضه للمعاني نجد أن العرض يخاطب العقل فيقنعه‬
‫والمشاعر فيستثيرها‪ ،‬مما يحوََل الحقائق والقناعات الفكرية‬
‫إلى إيمان راسخ في القلب‪.‬‬
‫ومما يساعد القارئ على انتفاعه بالقرآن هو التزامه بما‬
‫أمره الله به من تدبر وتفهم لما يقرؤه من آيات‪ ،‬وكذلك‬
‫ترتيله لها‪ ,‬فالفهم والتدبر يخاطبان العقل فيقتنع‪ ،‬والترتيل‬
‫يهز المشاعر‪ ،‬فيمتزج بذلك الفكر مع العاطفة ليثمر يقينًا‬
‫في العقل‪ ،‬وإيمانًا في القلب‪ ،‬وهذا ل يتوافر في أي كتاب‬
‫آخر على وجه الرض َأوَ َلمْ يَ ْكفِ ِهمْ أَنّا َأنْزَلْنَا عَلَ ْيكَ الْكِتَابَ يُ ْتلَى عَ َليْ ِهمْ‬

‫[العنكبوت‪.]51 :‬‬

‫يقول ابن رجب‪ :‬سماع القرآن ينبت القرآن في القلب كما‬
‫ينبت الماء البقل‪.‬‬
‫تعرف على ربك‬
‫القرآن‪ -‬أخي القارئ‪ -‬هو أفضل وسيلة لغرس محبة الله‬
‫في القلب‪ ،‬ولقد تم الحديث بشيء من التفصيل حول هذا‬
‫الموضوع في أكثر من موضع سابق(‪ ،)1‬ول داعي لتكرار ما‬
‫قيل‪ ،‬ولكن نُذ َكر بأمر هام وهو‪:‬أن إنشاء اليمان في القلب‬
‫من خلل القرآن لن يتم إل إذا كان هدفنا حين نقرؤه أن نفهم‬
‫ما نقرؤه – ولو بصورة إجمالية – وأن نجتهد في التأثر به من‬
‫‪1‬‬

‫() مثل ما تضمنته كتب‪ :‬العودة إلى القرآن –بناء اليمان من خلل القرآن ‪-‬كيف‬
‫نغير ما بأنفسنا‪ -‬حقيقة العبودية‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫خلل الترتيل والتباكي مع القراءة‪ .‬مع عدم إغفال أمر مهم‬
‫ضا وهو كثرة قراءته‪ ،‬وإعطاؤه الولوية الولى في حياتنا‪.‬‬
‫أي ً‬
‫حزن‪ ،‬ول تجفوا‬
‫قال حذيفة بن اليمان‪ :‬اقرأوا القرآن ب ُ‬
‫عنه‪ ،‬وتعاهدوه ورتلوه ترتيل(‪.)1‬‬
‫وبالضافة إلىذلك علينا ونحن نعيش في أجواء محبة الله‬
‫عز وجل‪ ،‬وبعد أن تعرفنا على كثير من مظاهرها أن نتتبع هذه‬
‫المظاهر ونحن نقرأ القرآن‪ ،‬فإن هذا من شأنه – إذا ما داومنا‬
‫عليه‪ -‬أن يؤكد ويرسخ مدلولها في اليقين‪ ،‬ويزيد اليمان في‬
‫القلب ويحوله إلى مقام ثابت‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬علينا أل نقف عند كل آية لنستخرج منها ما يدل على‬
‫حب الله لعباده حتى ل تتحول القراءة إلى عملية عقلية‬
‫فكرية فقط‪ ،‬فالمطلوب‪ -‬كما قيل سالفًا – هو مزج الفكر‬
‫بالعاطفة‪ ،‬وتجاوب العقل مع القلب‪ ،‬وهذا يستدعى‬
‫استمرارية وانسيابية القراءة ليتسرب تأثيرها شيئًا فشيئًا إلى‬
‫المشاعر حتى تصل فى النهاية لمرحلة النفعال والتأثر‪.‬‬
‫معنى ذلك أنه من المناسب أن نبحث عن مظاهر المحبة‬
‫في القرآن بصورة إجمالية‪ ،‬ل تؤثر بالسلب على تدبرنا العام‬
‫لليات‪ ،‬ولتجعلنا نقف عند كل كلمة‪ ،‬ولعل ما قيل في‬
‫الصفحات السابقة من شأنه أن يستثير مشاعرنا‪ ،‬وينشئ‬
‫داخلنا حالة شعورية لمحبة الله عز وجل‪ ،‬فإذا ما استثمرنا‬
‫وجود هذه الحالة‪ ،‬ودخلنا بها إلى القرآن فسنجد ما يؤكدها‬
‫من آيات‪ ،‬وسنفاجأ وكأن محور القرآن الرئيس يدور حول هذا‬
‫الموضوع‪.‬‬
‫‪ ‬أخي القارئ‪:‬‬
‫إن القرآن هو أفضل وسيلة لتنمية حب الله في القلب‬
‫والوصول لمرحلة النس به والشوق إليه سبحانه‪ ،‬لذلك أنصح‬
‫نفسي وإياك أن نكثر من تلوته بفهم وترتيل وتباك‪ ،‬وأن‬
‫نتعرف على الله الودود من خلل هذا الكتاب وحبذا لو‬
‫‪1‬‬

‫() لمحات النوار للغافقي(‪.)566‬‬

‫‪127‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫خصصنا ختمة أو أكثر لهذا البحث العظيم‪.‬‬
‫يقول ابن رجب‪ :‬ومما يستجلب المحبة‪ :‬تلوة القرآن‬
‫بالتدبر والتفكر ل سيما اليات المتضمنة للسماء والصفات‬
‫والفعال الباهرات‪ ،‬ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله‪،‬‬
‫حبّ ُهمْ وَُيحِبّوَنهُ ‪.‬‬
‫ومحبة الله له(‪)1‬فتتحقق يُ ِ‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى قوله ‪« :‬أل من اشتاق إل ال فليستمع كلم‬
‫ال فإن مثل القرآن كمثل جراب مسك أي وقت فتحه فاح ريه»(‪.)2‬‬
‫وقوله‪« :‬ما من كلم أعظم عند ال من كلمه‪ ،‬وما ردّ العباد إل ال كلمًا أحب‬
‫إليه من كلمه»(‪.)3‬‬
‫فالمر واضح‪ ،‬والطريق معبد لتنمية حب الله في القلب‪،‬‬
‫وكيف ل والقرآن بين أيدينا ول يوجد أي شيء يحول بيننا‬
‫وبينه‪ ،‬فكلما اهتاجت لدينا مشاعر الشوق إلى الله‪ ،‬وأردنا أن‬
‫نسكنها‪ ,‬وكلما أردنا أن نأنس بالله‪ ،‬ونزداد حبًا له‪ ،‬وتعلقًا به‬
‫فلنهرع إلى المصحف‪ ,‬نناجيه ونتحدث إليه – سبحانه‪ -‬من‬
‫خلل قراءتنا وتجاوبنا مع خطابه لنا‪ ,‬قال ‪« :‬إذا أحب أحدكم أن‬
‫يدث ربه فليقرأ ف الصحف»(‪.)4‬‬
‫ى‬
‫فإن قلت‪ :‬ولكن مشاعر الشوق إلى الله ل تهتاج عل ََ‬
‫كثيًرا !‬
‫ضا في مداومة قراءة القرآن آناء الليل وأطراف‬
‫الحل أي ً‬
‫النهار‪ ،‬لتزداد مساحة حب الله في قلوبنا شيئًا فشيئًا‪ ،‬فيثمر‬
‫ذلك شوقًا مستمًرا إليه يجعل صاحبه في عجلة دائمة للتصال‬
‫بالله من خلل قراءة القرآن في الصلة وخارج الصلة وكذلك‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() استنشاق نسيم النس لبن رجب ‪.55/‬‬
‫() رواه الديلمي عن أبى هريرة‪ ،‬كذا في كنز العمال (‪.)2472‬‬
‫() رواه الدارمي (‪.)3354‬‬
‫() كنز العمال ‪.2366‬‬

‫‪128‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫في الدعاء والذكر والمناجاة وَ َعجِلْتُ إِلَ ْيكَ َربّ لِتَ ْرضَى [طه‪.]84 :‬‬
‫وخلصة القول‪:‬‬
‫إن أفضل شيء وأحب شيء نتقرب به إلى الله‪ :‬قراءة‬
‫القرآن بالتدبر والتفهم والترتيل والصوت الحزين (التباكي)‬
‫قال ‪« :‬ما تقرب العباد إل ال بشيء أحب إليه ما خرج منه»(‪.)1‬‬
‫وكلما ازداد حب المرء لربه‪ ،‬ازداد حبًا لكتابه ولكثرة‬
‫قراءته‪.‬‬
‫قال أبو سعيد الخراز‪ :‬من أحب الله أحب كلم الله‪ ،‬ولم‬
‫يشبع من تلوته(‪.)2‬‬

‫ثانيًا‪ :‬التفكر في الكون وأحداث الحياة‬
‫اليمان بالحقائق والمعارف التي تم ذكرها يحتاج إلى‬
‫تذكرة دائمة تستثير المشاعر‪ ،‬وتُنشئ اليمان وترسخه في‬
‫القلب‪ ،‬والقرآن – كما أسلفنا – هو المدخل الساسي لذلك‬
‫بما فيه من آيات ودلئل تدل على الله عز وجل وتعرفنا‬
‫بمظاهر حبه لعباده ومدى رأفته وشفقته وبره بهم‪.‬‬
‫ومع اليات المقروءة في القرآن تأتي اليات المرئية‬
‫والمنظورة في الكون وأحداث الحياة‪.‬‬
‫فكل ما في الكون يدل على الله ويُذكَِر به َأوََلمْ يَكْفِ بِرَّبكَ َأّنهُ‬
‫عَلَى كُلّ شَ ْيءٍ شَهِيدٌ‬

‫[فصلت‪.]53 :‬‬

‫ولقد حثنا – سبحانه – على أن نتفكر في آياته المبثوثة في‬
‫كونه‪ ،‬وفيما يمر بنا من أحداث في حياتنا لتكون وسيلة‬
‫للتذكرة الدائمة به‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م الوصول إلى معرفته‪ ،‬وحبه‪،‬‬
‫والتعلق التام به‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() كنز العمال ‪.2257‬‬
‫() مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب ‪.2/47‬‬

‫‪129‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سمَاءِ َفوْقَ ُهمْ كَيْفَ بَنَ ْينَاهَا وَزَيّنّاهَا َومَا‬
‫تأمل قوله تعالى‪ :‬أَفَ َلمْ يَ ْنظُرُوا إِلَى ال ّ‬
‫لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالَرْضَ َمدَدْنَاهَا وَأَْلقَيْنَا فِيهَا َروَاسِيَ وَأَْنبَتْنا فِيهَا مِن كُلّ َز ْوجٍ بَهِيجٍ‬

‫تَ ْبصِ َرةً وَذِ ْكرَى لِكُلّ عَ ْبدٍ مّنِيبٍ [ق‪.]8 -6 :‬‬

‫ومما يلفت النتباه أن الله عز وجل يُصرف اليات الكونية‬
‫ويكررها بأشكال مختلفة‪ ،‬كما يكرر اليات بأساليب مختلفة‬
‫في القرآن ليتم من خللها التذكرة والتبصرة‪ ،‬ومن ثم يزداد‬
‫خا في القلب اْنظُرْ كَيْفَ ُنصَرّفُ الَيَاتِ َلعَلّ ُهمْ َيفْقَهُونَ‬
‫اليمان رسو ً‬
‫[النعام‪.]65 :‬‬

‫ومثال ذلك‪ :‬الحر الشديد أو البرد الشديد‪ ،‬أو العواصف‪ ،‬أو‬
‫‪ ...‬كل ذلك آيات تذكر بالله عز وجل‪.‬‬
‫وكما أن الله عز وجل قد ذم من يعرض عن تدبر القرآن‬
‫وفهم المراد من آياته‪ ،‬فإنه كذلك قد ذم من يعرض عن التدبر‬
‫والتفكر في آياته المبثوثة في كونه َف َمنْ َأظْ َلمُ ِممّن َك ّذبَ بِآيَاتِ الِ‬

‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا‬
‫صدَفَ عَ ْنهَا [النعام‪ .]157 :‬وَ َكأَيّن مّن آيَةٍ فِي ال ّ‬
‫وَ َ‬
‫َوهُمْ َعنْهَا ُمعْرِضُونَ [يوسف‪.]105 :‬‬
‫ل بديل عن التفكر‬

‫ل بد إذا من التفكر في آيات الله المبثوثة في كونه‬
‫المنظور والذي يشمل المخلوقات التي تراها أعيننا كالسماء‬
‫والجبال والشجار‪ ،‬ويشمل كذلك أحداث الحياة المختلفة التي‬
‫تمر بكل إنسان‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَرْضِ وَمَا خَ َلقَ الُ مِن شَ ْيءٍ وََأنْ َعسَى أَن‬
‫َأوَ َلمْ َينْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ ال ّ‬

‫يّكُونَ َقدِ اقَْت َربَ أَجَلُ ُهمْ [العراف‪.]185 :‬‬

‫فيستدل المرء من خللها على الله عز وجل فيزداد به‬
‫معرفة‪ ،‬فإذا ما تجاوب القلب مع هذه المعرفة ازدادت‬
‫مساحة اليمان فيه‪ ،‬وانجلت بصيرته‪ ،‬وشيئًا فشيئًا يتنور‬
‫‪130‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫القلب فيرى بهذا النور صفات ربه تتجلي من وراء كل شيء‬
‫تراه عيناه‪ ،‬فيوحده التوحيد الحقيقي‪ ،‬ويربط حياته كلها به‪.‬‬
‫لذلك كان التفكر من أفضل العبادات سواء كان هذا‬
‫التفكر في آيات القرآن‪ ،‬أو آيات الكون‪.‬‬
‫وصدق من قال‪:‬‬
‫إذا المرء كانت له فكرة‬

‫ففي كل شيء له عبرة‬

‫يقول ابن رجب‪ :‬كان السلف يفضلون التفكر عن نوافل‬
‫العبادة‪ ،‬وكان أكثر عمل أبي الدرداء العتبار والتفكر(‪.)1‬‬
‫تفكر يقود إلى المحبة‬
‫ولننا في هذه الصفحات نتحدث عن محبة الله وكيفية‬
‫غرس شجرتها في قلوبنا‪ ،‬لذلك فنحن نريد أن نتجه بعقولنا‬
‫ومشاعرنا نحو التفكر في مظاهر حب الله لعباده التي تحدثنا‬
‫سلفًا عن عشرة جوانب منها‪.‬‬
‫ومحيط التفكر في هذه المجالت يشمل أحداث الحياة التي‬
‫تمر بنا‪ ،‬والمشاهدات التي نشاهدها‪ ،‬والخبار التي تصل إلى‬
‫مسامعنا‪ ،‬فنربط ما يمكن ربطه منها بالله الودود‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪:‬‬
‫سبق فضله وحبه سبحانه لعباده قبل أن يولدوا‪ ،‬فهذا‬
‫الجانب العظيم من جوانب المحبة اللهية لنا‪ ،‬يمكننا إدراكه‬
‫من خلل ما نسمع وما نشاهد وما نقرأ عن الكفار‬
‫والملحدين والوثنيين والمشركين وكل من ابتعد عن السلم‪،‬‬
‫فنتذكر من خلل هذه المشاهد والقراءات مدى سبق فضل‬
‫الله علينا أن لم يجعلنا منهم‪.‬‬
‫ضا‪ :‬رؤية المخلوقات الخرى‬
‫ومما يلحق بهذا الجانب أي ً‬
‫التي نشاهدها طيلة ساعات يومنا من جمادات أو حيوانات أو‬
‫نباتات فنستشعر نعمة التكريم اللهي لنا والتي سبقت وجودنا‬
‫‪1‬‬

‫() استنشاق نسيم النس ‪.49/‬‬

‫‪131‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫في هذه الرض‪.‬‬
‫أما بالنسبة لجانب العافية وما فيه من عظيم فضل الله‬
‫علينا فيمكن استشعاره من خلل رؤية أهل البلء والنقص في‬
‫العافية‪ ،‬فما من مرض يصيب إنسانًا وعوفيت أنت منه إل‬
‫ويُذكرك بمدى فضل الله عليك‪.‬‬
‫ونفس المر بالنسبة لجانب العصمة‪ :‬فما من معصية‬
‫تحدث أمامك أو تصل إلى مسامعك ولم تفعل مثلها إل دليل‬
‫على حب الله بأن عصمك من ارتكابها وصرف رغبتك عنها‪،‬‬
‫وكََرهك فيها‪ ،‬سواء صغرت تلك المعصية أو كبرت‪.‬‬
‫وكل طاعة نؤديها علينا أن نرى من خللها حب الله لنا أن‬
‫وفقنا وأعاننا على القيام بها‪.‬‬
‫أما جانب القيومية فما أسهل رؤيته من خلل ما قد يحدث‬
‫لنا من منع وقتي لمدادات ربانية اعتدنا أن تتوالى علينا ليل‬
‫نهار مثل‪ :‬اختلل توازن الجسم‪ ،‬خفقان القلب‪ ،‬ألم مفاجئ‬
‫في الرأس ‪...‬‬
‫كل ذلك وغيره علينا أن نرى من خلله قيومية الله لنا في‬
‫حفظه لجسادنا ليل نهار‪.‬‬
‫وبالنسبة لجانب التسخير‪ :‬علينا أن ننظر بعين العتبار إلى‬
‫كل الشياء التي نتعامل معها‪ ،‬ونتفكر في مظاهر تسخيرها لنا‪،‬‬
‫وكيف ستكون الحياة بدون ذلك التسخير‪.‬‬
‫وهكذا فى بقية الجوانب العشرة يمكننا أن نتعرف عليها‬
‫ونربطها بالله الودود من خلل إعمال عقولنا في شريط‬
‫أحداث الحياة الذي يمر أمام أعيننا دون توقف‪.‬‬
‫حسن التفكر فيما يسمع‬
‫والذي يساعد الواحد منا على ُ‬
‫ويشاهد‪ :‬المداومة على قراءة القرآن والتفكر في آياته التي‬
‫تتحدث باستفاضة عن الله الودود‪ ،‬فإذا ما أغلق مصحفه‬
‫وانطلق إلى الحياة شاهد بعينه ما قد تعرف عليه في القرآن‬
‫حقّ [فصلت‪.]53 :‬‬
‫سَنُرِي ِهمْ آيَاتِنَا فِي الَفَاقِ وَفِي أَْنفُسِ ِهمْ حَتّى َيتَبَّينَ َل ُهمْ َأّنهُ الْ َ‬
‫وبهذا يحدث النسجام بين ما يقرؤه وما يشاهده‪ ،‬مما‬
‫‪132‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫يكون له أكبر الثر على علقته بربه فتزداد معرفته به‪ ،‬ومن‬
‫ثم حبه وأنسه وشوقه إليه‪.‬‬
‫قال ‪« :‬أعطوا أعينكم حظها من العبادة» فقالوا يا رسول الله‪ :‬وما‬
‫حظها من العبادة؟ قال‪« :‬النظر ف الصحف والتفكر فيه والعتبار عند‬
‫عجائبه»(‪.)1‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() أخرجه ابن أبى الدنيا بإسناد ضعيف‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫العمال الصالحة المقترح القيام بها‬
‫ومع أهمية وضرورة التفكر في القرآن والكون والتعرف‬
‫من خللهما على الله الودود لنشاء وترسيخ قاعدة المحبة‪ ،‬إل‬
‫أن هذا وحده ل يكفي لتمكين هذه المحبة من القلب‪ ،‬فل بد –‬
‫كما أسلفنا – من القيام بأعمال تثبََت القواعد وترفع وتدعم‬
‫البنيان‪.‬‬
‫تأمل معي قوله تعالى وََلوْ أَنّ ُهمْ َفعَلُوا مَا يُوعَظُونَ ِبهِ لَكَانَ خَيْرًا لّ ُهمْ‬
‫وَأَ َشدّ تَ ْثبِيتًا‬
‫[النساء‪.]66 :‬‬
‫فالقيام بالعمال الصالحة أمر لزم لتنمية اليمان بالله‬
‫الودود وتثبيته في القلب مع الخذ في العتبار أنه كلما كان‬
‫العمل الصالح له علقة بهذا الموضوع كان تأثيره أشد وأشد‬
‫من غيره‪.‬‬
‫وهناك أعمال صالحة لها ارتباط وثيق بموضوع المحبة‬
‫علينا أن نكثر من القيام بها حتى تنمو شجرتها وتأتي بثمارها‬
‫الطيبة‪.‬‬
‫ومن هذه العمال‪:‬‬
‫‪ -1‬ذكر النعم‪.‬‬
‫‪ -2‬رحلت العتبار‪.‬‬
‫‪ -3‬كثرة حمد الله باللسان‪.‬‬
‫‪ -4‬مناجاة الله بالنعم (خاصة في جوف الليل)‬
‫‪ -5‬تحبيب الناس في الله عز وجل‪.‬‬
‫‪ -6‬اللحاح على الله بأن يرزقنا محبته‪.‬‬
‫وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل حول هذه العمال‪:‬‬
‫‪134‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫‪ ‬أول‪ :‬ذكر النعم‬
‫من طبيعة النسان أن مشاعر الحب داخله تتوجه لمن‬
‫يُعطيه ويُحسن إليه‪ ،‬وكلما ازداد العطاء ازداد الحب خاصة إذا‬
‫ما كان العطاء بل مقابل‪ ،‬وصدق من قال‪ :‬النسان عبد‬
‫الحسان‪.‬‬
‫وتحكي لنا كتب السيرة عن أحد المشركين وهو صفوان‬
‫بن أمية‪ ،‬وكيف كانت مشاعره تجاه الرسول ‪.‬‬
‫هذه المشاعر التي كان يسيطر عليها البغض والكره‪،‬‬
‫ما حتى صار رسول الله من أحب الناس إليه‬
‫تبدلت تما ً‬
‫بسبب عطائه المتواصل له من غنائم حنين والطائف‪.‬‬
‫ف تجاه الله‬
‫فإن قلت‪ :‬ولكننا ل نستشعر ذلك بشكل كا ٍ‬
‫عز وجل مع ما أسبغ علنيا من نعم ل تُعد ول تُحصى‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬نحن نعيش في هذه الحالة – حالة الجحود للرب‬
‫المنعم الودود – لننا غرقى في نعمه‪ ،‬وفي الوقت نفسه ل‬
‫نسمح لعقولنا بتذكرها‪ ،‬ول لعيننا برؤيتها‪ ،‬لننا قد ألفنا‬
‫تواصلها علينا حتى نسيناها‪.‬‬
‫لقد انشغلنا بجمع النعم‪ ،‬ولم نلتفت إلى من أنعم بها علينا‬
‫فخفتت مشاعر الحب تجاهه سبحانه‪.‬‬
‫من هنا نقول‪ :‬إن أهم عمل صالح يورث المحبة وينميها هو‬
‫كمْ ُتفْ ِلحُونَ [العراف‪:‬‬
‫ذكر النعم وربطها بالمنعم فَاذْ ُكرُوا آ َلءَ الِ َلعَلّ ُ‬
‫‪.]69‬‬
‫قال ‪ :‬أحبوا ال لا يغذوكم به من نعمة ‪ .....‬الحديث(‪.)1‬‬
‫العبادة المهجورة‬
‫المر اللفت للنتباه أن هناك العديد من اليات القرآنية‬
‫التي تحثنا على القيام بهذا العمل العظيم يَا أَيّهَا النّاسُ اذْكُرُوا ِن ْعمَتَ‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الترمذي (‪ )3878‬وقال حديث حسن غريب‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫سمَاءِ وَالَرْضِ‬
‫الِ عَلَيْ ُكمْ هَلْ مِنْ خَاِلقٍ َغيْرُ الِ يَرْزُقُ ُكمْ ّمنَ ال ّ‬
‫منَ الضّالّيَ [البقرة‪.]198 :‬‬
‫َكمَا َهدَا ُكمْ وَإِن ُكنُْتمْ مّن قَبْ ِلهِ َل ِ‬

‫[فاطر‪]3 :‬‬

‫وَا ْذكُرُوهُ‬

‫إن التفكر في النعم التي تحيط بنا من كل جانب وربطها‬
‫بالمنعم له دور كبير في استثارة العقل‪ ،‬وتأجيج مشاعر‬
‫المتنان لله عز وجل ومن ثم الخروج من حالة الغفلة إلى‬
‫اليقظة والنتباه‪ ،‬لذلك كان ذكر النعم من أفضل العبادات‪.‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول أبو سليمان الواسطي‪ :‬ذكر النعم‬
‫يُورث الحب لله عز وجل‪.‬‬
‫ويقول الجنيد‪ :‬إن الرضا يُنال بالتفويض‪ ،‬والتفويض يُنال‬
‫بالمحبة‪ ،‬والمحبة تنال باشتغال القلب بالذكر في نعم الله عز‬
‫وجل(‪.)1‬‬
‫ويؤكد عمر بن عبد العزيز على أهمية هذه العبادة فيقول‪:‬‬
‫التفكر في نعم الله أفضل العبادة(‪.)2‬‬
‫ويكفينا في بيان أهميتها وفضلها ما جاء في حديث‬
‫الملئكة السيارة التي تلتمس مواضع الذكر فإذا وجدت واحدًا‬
‫منها بعثت برائدهم إلى الله تبارك وتعالى فيقولون‪« :‬ربنا أتينا‬
‫على عباد من عبادك‪ ،‬يُعظمون آلءك‪ ،‬ويتلون كتابك‪ ،‬ويُصلّون على نبيك ممد ‪،‬‬
‫ويسألونك لخرتم ودنياهم‪ ،‬فيقول تبارك وتعال‪ :‬غشّوهم رحت»(‪.)3‬‬
‫كيفية ذكر النعم‬
‫وذكر النعم يكون بالعمل على إحصائها‪ -‬قدر المستطاع –‬
‫من خلل الجوانب المختلفة التي تم الحديث عنها‪:‬‬
‫(نعم سبق الفضل – نعم الهداية والعصمة‪ -‬نعم العافية –‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() المحبة لله سبحانه للجنيد‪ – 75 /‬دار المكتبي – سوريا‪.‬‬
‫() استنشاق نسيم النس ‪.49/‬‬
‫() رواه البزار بإسناد حسن‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫نعم التسخير – نعم القيومية والحفظ – نعم المهال والستر‪-‬‬
‫نعم اللطف والرحمة‪.)...-‬‬
‫فمن خلل توجيه الفكر إلى جانب من هذه الجوانب يمكن‬
‫للواحد منا أن يُعمل عقله في تذكر ما أنعم الله به عليه في‬
‫هذا الجانب‪ ،‬حبذا لو قام بتسجيل هذه النعم كتابة حتى يسهل‬
‫عليه الرجوع إليها في أي وقت شاءه وقراءتها وهذا من شأنه‬
‫أن يستثير مشاعر الحب لله عز وجل داخله‪.‬‬
‫ومع قيام المرء بالتفكر في نعم الله عليه والجتهاد في‬
‫إحصائها مع نفسه‪ ،‬فعليه كذلك أن تكون له مجالس مع أهله‬
‫وأصدقائه يتذاكرون فيها نعم الله عليهم‪.‬‬
‫ولقد كان الصحابة والسلف يجلسون مثل تلك المجالس‬
‫التي تُذكرهم بفضل الله عليهم وتزيدهم حبًا له‪.‬‬
‫فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله خرج على‬
‫حلقة من أصحابه‪ ،‬فقال‪« :‬ما أجلسكم»؟ قالوا‪ :‬جلسنا نذكر الله‬
‫ونحمده على ما هدانا للسلم وم ََ‬
‫ن به علينا‪ ،‬قال‪« :‬آل ما‬
‫أجلسكم إل ذاك؟» قالوا‪ :‬آلله ما أجلسنا إل ذاك‪ .‬قال‪« :‬أما إن ل‬

‫أستحلفكم تُهمة لكم‪ ،‬ولكنه أتان جبيل فأخبن أن ال عز وجل يباهي بكم اللئكة»(‪.)1‬‬
‫وجلس الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينه ليلة إلى‬
‫الصباح يتذاكرون النعم‪ ،‬فجعل سفيان يقول‪ :‬أنعم الله علينا‬
‫في كذا‪ ،‬أنعم الله علينا في كذا‪ ،‬أنعم الله علينا في كذا‪ ،‬فعل‬
‫بنا كذا‪ ،‬فعل بنا كذا(‪.)2‬‬
‫فلنجلس مثل هذه المجالس المباركة وبخاصة مع الهل‬
‫والولد لنزداد حبًا لله عز وجل‪ ،‬وحبذا لو كانت هذه المجالس‬
‫بعد النعم الكبيرة التي تمر بالسرة كنجاح وتفوق الولد‪،‬‬
‫وصيام رمضان وقيامه‪ ،‬و‪...‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم (‪ )2701‬كتاب الذكر والدعاء‪.‬‬
‫() الشكر لبن أبى الدنيا‪.50/‬‬

‫‪137‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫القرآن يعلمنا‬
‫ونحن بهذه الطريقة نتعلم ونقتدي بالقرآن حيث كان يتنزل‬
‫على رسول الله بعد النعم اللهية الكبيرة ليذكَره وأصحابه‬
‫بها‪ ،‬وبما أنعم الله عليهم من خللها فيزدادوا له حبًا وشكًرا‪،‬‬
‫فبعد بدر وما كان فيها من نصر مبين نزلت سورة النفال‬
‫سَتغِيثُونَ‬
‫تُذكَر بنعم الله العظيمة التي صاحبت هذا النصر‪ :‬إِذْ تَ ْ‬
‫شرَى‬
‫رَبّ ُكمْ فَاسَْتجَابَ لَ ُكمْ َأنّي ُم ِمدّ ُكمْ ِبأَْلفٍ ّمنَ اْلمَلئِ َكةِ مُرْدِفِيَ وَمَا َجعَ َلهُ الُ إِلّ بُ ْ‬
‫وَلِتَ ْط َمِئنّ ِبهِ قُلُوبُ ُكمْ َومَا الّنصْرُ إِلّ مِنْ عِ ْندِ الِ ِإنّ الَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ِإذْ ُيغَشّي ُكمُ الّنعَاسَ َأمََنةً‬
‫سمَاءِ مَاءً لّيُطَهّرَ ُكمْ ِبهِ وَُي ْذهِبَ عَن ُكمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَ ْربِطَ َعلَى‬
‫مّنْهُ وَُينَزّلُ عَ َليْكُم مّن ال ّ‬
‫قُلُوبِ ُكمْ وَيَُثبّتَ ِبهِ ال ْقدَامَ ِإذْ يُوحِي َرّبكَ إِلَى اْلمَلئِ َكةِ أَنّي َمعَ ُكمْ فَثَبّتُوا اّلذِي َن آمَنُوا َسأُْلقِي‬
‫عنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْ ُهمْ كُلّ بَنَانٍ [النفال‪:‬‬
‫فِي قُلُوبِ اّلذِينَ َكفَرُوا ال ّرعْبَ فَاضْرِبُوا َفوْقَ ال ْ‬
‫‪.]12 -9‬‬
‫وبعد غزوة الحزاب‪ :‬يَا أَيّهَا اّلذِينَ آ َمنُوا ا ْذ ُكرُوا نِ ْعمَةَ الِ عَ َل ْيكُمْ إِذْ جَاءَْت ُكمْ ُجنُودٌ‬
‫صيًا ِإذْ جَاءُوكُم مّن فَ ْو ِق ُكمْ وَمِنْ‬
‫فَأَ ْرسَ ْلنَا عَ َليْ ِهمْ ِريًا َو ُجنُودًا ّلمْ َترَوْهَا َوكَانَ الُ ِبمَا تَ ْعمَلُونَ بَ ِ‬
‫ظنُونَا [الحزاب‪،9 :‬‬
‫َأسْ َفلَ ِم ْن ُكمْ وَِإذْ زَاغَتِ البْصَارُ وََبلَ َغتِ الْقُلُوبُ الْ َحنَاجِرَ َوَت ُظنّونَ بِالِ ال ّ‬
‫‪.]10‬‬

‫‪ ‬ثانيًا‪ :‬رحلت العتبار‬
‫والمقصد من رحلت العتبار هو الذهاب إلى الماكن التي‬
‫يتواجد فيها أهل البلء كالمستشفيات والملجئ‪ ،‬ودور اليتام‬
‫وأصحاب الحتياجات الخاصة‪ ،‬فهذه الرحلت لها دور كبير في‬
‫إدراك حجم النعم العظيمة التي أمدنا الله بها وأغرقنا فيها‪.‬‬
‫وحبذا لو اصطحبنا في هذه الرحلت أهلنا وأولدنا ليدركوا‬
‫معنا عظيم فضل الله‪.‬‬
‫ما لتعرف قيمة نعمة الحرية‪.‬‬
‫‪ ‬أخي ‪ ,‬زر السجن يو ً‬
‫زر أقسام الحروق والكسور وأصحاب الحالت الحرجة‬
‫‪138‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫لتدرك قيمة نعمة العافية‪.‬‬
‫أغمض عينيك وتفكر في صعوبة الحياة بدون أبصار‪.‬‬
‫تخيل نفسك‪ ،‬وأنت تشاهد الخبار‪ ،‬مكان أصحاب‬
‫المجاعات والزلزل والحروب والنكبات ثم ردد‪ :‬يا رب لك‬
‫الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪.‬‬
‫ول تنس أن تقول عند رؤية أهل البلء‪:‬‬
‫الحمد لله الذي عافاني مما ابتلكم به وفضلني على كثير‬
‫ممن خلق تفضيل‪.‬‬

‫‪ ‬ثالثًا‪ :‬كثرة الحمد‬
‫حمد الله باللسان عمل صالح يحبه الله عز وجل‪ ،‬فعلينا‬
‫أن نكثر منه‪.‬‬
‫ولكي يؤتي هذا الذكر ثماره المرجوة في تنمية المحبة لله‬
‫في القلب‪ ،‬علينا أن نجتهد في مواطأة القلب اللسان وقت‬
‫الذكر‪ ،‬أو بعبارة أخرى تجاوب المشاعر مع اللسان‪ ،‬والطريقة‬
‫الميسرة لذلك أن نستفيد من الوقات التي تستثار فيها‬
‫مشاعر الحب لله عز وجل كوقت تذكر نعمه المختلفة‪،‬‬
‫وجوانب رحمته ولطفه وشفقته بعباده‪ ،‬و عند رؤية أهل البلء‬
‫والنقص‪.‬‬
‫فعندما نجد انفعال وجدانيًا وتأثًرا لمظهر من مظاهر حب‬
‫الله لعباده‪ ،‬علينا أن نسارع بحمده سبحانه‪ ،‬فيواطئ اللسان‬
‫القلب‪ ،‬فيزداد التأثير والنفعال‪ ،‬ومن ثم تزداد المحبة أكثر‬
‫وأكثر‪.‬‬
‫وصيغ الحمد كثيرة علينا أن نختار منها ما يناسب حالتنا‬
‫الشعورية‪.‬‬
‫والطريقة الثانية التي من شأنها أن تجعل الذكر نافعًا هي‬
‫أن نجتهد قبل الذكر في استثارة مشاعر الحب من خلل‬
‫التفكر في جوانب حب الله لعباده‪ ،‬فإذا ما تجاوب القلب‪،‬‬
‫‪139‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫وانفعلت المشاعر بدأنا الذكر‪.‬‬
‫يقول السن البصري‪:‬‬
‫إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر‪،‬‬
‫وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا القلوب فنطقت‬
‫بالحكمة(‪.)1‬‬

‫‪ ‬رابعًا‪ :‬مناجاة الله بالنعم‬
‫من العمال الصالحة التي تورث المحبة والقرب من الله‪:‬‬
‫مناجاته سبحانه‬
‫بذكر نعمه التي أنعم بها علينا كما فعل إبراهيم – عليه السلم‬
‫– في مناجاته‬
‫سمِيعُ‬
‫ح ْمدُ لِ اّلذِي َوهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِ ْسمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ِإنّ َربّي َل َ‬
‫لربه‪+ :‬الْ َ‬
‫ال ّدعَاءِ" [إبراهيم‪.]39 :‬‬
‫فبعد إحصاء النعم‪ ،‬وبعد رحلت العتبار‪ ،‬وفي أوقات‬
‫الخلوة به سبحانه علينا أن نناجيه ونتحدث إليه ونحمده على‬
‫ما أنعم به علينا‪ ،‬وحبذا لو تضمنت هذه المناجاة النعم بصورة‬
‫تفصيلية‪ ،‬وقد أحسن من قال في مناجاته‪:‬‬
‫أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع‬
‫اليمان‬
‫أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري‬
‫واعي القرآن‬
‫أنت الذي أطعمتني وسقيتني بغير كسب يد ٍ ول‬
‫دكان‬
‫وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل‬
‫والحسان‬
‫أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة‬
‫الخذلن‬
‫‪1‬‬

‫() إحياء علوم الدين ‪.5/6‬‬

‫‪140‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫وزرعت لي بين القلوب مودة والعطف منك‬
‫برحمة وحنان‬
‫ونشرت لي في العالمين محاسنا وسترت عن‬
‫أبصارهم عصياني‬
‫وجعلت ذكري في البرية شائعًا حتى جعلت‬
‫جميعهم إخواني‬
‫والله لو علموا قبيح سريرتي لبى السلم عل ََ‬
‫ي‬
‫من يلقاني‬
‫ولعرضوا عني وملوا صحبتي ولذقت بعد‬
‫كرامة بهواني‬
‫لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن‬
‫سقطي وعن طغياني‬
‫فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري‬
‫وجوارحي ولساني‬
‫َ‬
‫ب بأنعم ما لي بشكر أقلهن‬
‫ير َ‬
‫ولقد مننت عل َ‬
‫يدان‬
‫من صور المناجاة‪:‬‬
‫عن أبى هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬دعا رجل من النصار‬
‫من أهل قباء النبي ‪ ،‬فلما طَعِم وغسل يده – أو قال يديه –‬
‫قال‪« :‬المد ل الذي يُطعِم ول يُطعَم‪ ،‬من ّ علينا فهدانا‪ ،‬وأطعمنا وسقانا‪ ،‬وكل بلء‬
‫حسن أبلنا‪ ،‬المد ل غي مودّع رب‪ ،‬ول مكافأ ول مكفور ول مستغن عنه‪ ،‬المد ل‬
‫الذي أطعم من الطعام‪ ،‬وسقى من الشراب‪ ،‬وكسا من العُري‪ ،‬وهدى من الضللة‪ ،‬وَبصّر‬
‫من العَمى‪ ،‬وفضّل على كثي من خلق تفضيل‪ ،‬المد ل رب العالي»(‪.)1‬‬

‫فلتكن – أخي – مناجاتنا لله بالثناء عليه ومدحه‪،‬‬
‫والعتراف بنعمه‪ ،‬ولنداوم على ذلك حتى نذوق حلوة حبه‬
‫فنصل من خلل المناجاة إلى استشعار قربه منا وكأننا نراه‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه النسائي‪ ،‬وابن السني‪ ،‬والحاكم‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح على‬
‫شرط مسلم‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫فنكلمه على الحضور‪.‬‬
‫أفضل أوقات المناجاة‪:‬‬
‫ومن أفضل أوقات المناجاة على الطلق ذلك الوقت الذي‬
‫يجد فيه المرء قلبه حاضًرا معه‪ ،‬ومشاعره متأججة ومتجهة‬
‫نحو ربه‪.‬‬
‫أما أفضل الوقات بالنسبة لساعات الليل والنهار‪ ،‬فمما ل‬
‫شك فيه أن المناجاة بالليل خاصة في جوفه ونصفه الخير لها‬
‫تأثير عجيب على القلب‪ ،‬وكيف ل وقد وصفها الله بذلك‪ :‬إِنّ‬

‫نَاشَِئةَ اللّيْلِ هِيَ أَ َشدّ وَطئًا وَأَ ْق َومُ قِيلً [المزمل‪.]6 :‬‬

‫فأفضل الوقات التي يمكن أن يحدث فيها مواطأة بين‬
‫القلب واللسان هي ساعات الليل‪ ،‬قال ‪« :‬أقرب ما يكون العبد من‬
‫ربه ف جوف الليل الخر»(‪.)1‬‬

‫وفي هذا المعنى يقول المام حسن البنا – رحمه الله ‪ :-‬يا‬
‫أخي لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام‪،‬‬
‫خليَُون هجع‪ ،‬قد سكن الليل كله‪ ،‬وأرخى سدوله‪ ،‬وغابت‬
‫وال َ‬
‫النجوم‪ ،‬فتستحضر قلبك‪ ،‬وتتذكر ربك‪ ،‬وتتمثل ضعفك وعظمة‬
‫مولك فتأنس بحضرته‪ ،‬ويطمئن قلبك بذكره‪ ،‬وتفرح بفضله‬
‫ورحمته(‪.)2‬‬
‫وروى أبو نعيم بإسناده عن حسين بن زياد قال‪ :‬أخذ‬
‫فضيل بن عياض بيدي فقال‪ :‬يا حسين ينزل الله تعالى كل‬
‫ليلة إلى سماء الدنيا فيقول‪ :‬كذب من ادعى محبتي‪ ،‬فإذا جنه‬
‫الليل نام عني‪ ،‬أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه‪ ،‬ها أنذا‬
‫مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل مثلت نفسي بين أعينهم‬
‫فخاطبوني على المشاهدة‪ ،‬وكلموني على الحضور‪ ،‬غدًا أقر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صحيح‪ ،‬أخرجه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن عبسة‪ ،‬وصححه اللباني‬
‫في صحيح الجامع ح (‪.)1173‬‬
‫() رسالة المناجاة لحسن البنا‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫أعين أحبابي في جناتي»(‪.)1‬‬
‫وعن عنبسة بن الزهر قال‪ :‬كان محارب بن دِثار‪ ،‬قاضي‬
‫أهل الكوفة‪ ،‬قريب الجوار مني‪ ،‬فربما سمعته في بعض الليل‬
‫يقول وهو يرفع صوته‪:‬‬
‫«أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الضعف الذي‬
‫قويته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد‪ ،‬وأنا‬
‫موََلته‬
‫الغريب الذي وصلته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الصعلوك الذي َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ساغ ُ‬
‫فكل الحمد‪ ،‬وأنا العَزب الذي زوجته فلك الحمد‪ ،‬وأنا ال َ‬
‫الذي أشبعته فلك الحمد‪ ،‬وأنا العاري الذي كسوته فلك‬
‫الحمد‪ ،‬وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الغائب‬
‫الذي أدََيته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد‪،‬‬
‫وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد‪ ،‬وأنا السائل الذي‬
‫أعطيته فلك الحمد‪ ،‬وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد‪ ،‬فلك‬
‫الحمد ربنا حمدًا كثيًرا على حمد ٍ لك»(‪.)2‬‬
‫سجود الشكر‬
‫ومن أفضل أوقات المناجاة والثناء على الله بنعمه‪ :‬أثناء‬
‫سجود الشكر ‪ ..‬ففي هذا السجود يكون النسان في حالة‬
‫من التأثر‪ ،‬والتأجج المشاعري لما يرى من إحسان ربه عليه‪،‬‬
‫لذلك علينا أن نستثمر هذا الوقت بمناجاة الله وذكر نعمه‪،‬‬
‫ليزداد الحب‪ ،‬والشعور بالمتنان تجاهه سبحانه‪.‬‬

‫سا‪ :‬تحبيب الناس في الله عز وجل‬
‫‪ ‬خام ً‬
‫ومن العمال الصالحة التي تسقي شجرة المحبة‪ :‬تحبيب‬
‫الناس في الله عز وجل وذلك بالحديث معهم عن نعمه‬
‫سبحانه ومدى حبه لهم ورأفته وشفقته ولطفه بهم‪.‬‬
‫فهذه الوسيلة لها أكثر من فائدة‪ :‬منها أنها تذكر المتحدث‬
‫بما قد يكون غفل عنه‪ ،‬فتجعله في حالة دائمة من التذكر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() استنشاق نسيم النس ‪.87/‬‬
‫() الشكر لبن أبى الدنيا ‪.75/‬‬

‫‪143‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫والنتباه‪.‬‬
‫ومن فوائدها كذلك أنها تدفعه إلى العمل بما يقول حتى ل‬
‫يدخل في دائرة من يقول ول يفعل‪.‬‬
‫ومنها كذلك أنها من أفضل العمال التي يحبها الله عز‬
‫وجل‪ ،‬ومن ث ََ‬
‫م فإنها تعرض صاحبها لنفحات المحبة اللهية‪.‬‬
‫عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يقول‪ :‬حببوا الله إلى‬
‫الناس يحببكم الله(‪.)1‬‬
‫وجاء في الثر أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه‬
‫السلم‪:‬‬
‫يا داود أحبني‪ ،‬وأحب من يحبني‪ ،‬وحببني إلى خلقي‪ .‬قال‪:‬‬
‫يا رب‪ ،‬هذا أحبك وأحب من يحبك‪ ،‬فكيف أحببك إلى خلقك؟‬
‫قال‪ :‬ذكرهم بآلئي فإنهم ل يذكرون مني إل خيرا(‪.)2‬‬
‫وعن كعب قال‪ :‬أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه‬
‫السلم‪ :‬أتحب أن تحبك جنتي وملئكتي‪ ،‬وما ذرأت من الجن‬
‫والنس؟ قال‪ :‬نعم يا رب‪ ،‬قال‪ :‬حببني إلى خلقي‪ ،‬قال‪ :‬كيف‬
‫أحببك إلى خلقك؟ قال‪ :‬ذكرهم آلئي ونعمائي‪ ،‬فإنهم ل‬
‫يذكرون مني إل كل حسنة»(‪.)3‬‬
‫وكان أبو الدرداء يقول‪ :‬إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل‬
‫الذين يحبون الله ويحببون الله إلى الناس‪ ،‬والذين يراعون‬
‫الشمس والقمر والظلة لذكر الله عز وجل(‪.)4‬‬
‫نموذج عملي‪:‬‬
‫وإذا أردت أخي القارئ تطبيقًا عمليًا لهذه الوسيلة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() المحبة لله سبحانه للجنيد‪.57 /‬‬
‫() المصدر السابق‪.63 /‬‬
‫() استنشاق نسيم النس‪.46 ،45 /‬‬
‫() المصدر السابق‪.75 /‬‬

‫‪144‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫فانظر إلى قوله تعالى وهو يخاطب فيه نبيه‪ ،‬ويعلمه‬
‫طريقة الدعوة وما ينبغي أن يتضمنه خطابها من تحبيب‬
‫كمْ َكتَبَ‬
‫لمٌ َع َليْ ُ‬
‫الناس في ربهم‪َ :‬وإِذَا جَاءَكَ اّلذِينَ ُيؤْ ِمنُونَ بِآيَاِتنَا فَ ُقلْ سَ َ‬
‫صلَحَ فََأنّهُ‬
‫جهَاَلةٍ ُثمّ تَابَ مِن بَ ْعدِهِ َوأَ ْ‬
‫كمْ سُوءً بِ َ‬
‫كمْ عَلَى َنفْسِهِ الرّحْمَةَ َأنّهُ مَن عَ ِملَ ِمنْ ُ‬
‫َربّ ُ‬
‫غَفُورٌ رّحِيمٌ [النعام‪.]54 :‬‬
‫وهذا كثير في القرآن تأمل قوله تعالى‪ :‬وَأَنِ اسَْتغْفِرُوا رَبّ ُكمْ ُث ّم‬
‫سمّى وَُي ْؤتِ كُلّ ذِي َفضْلٍ َفضْ َلهُ وَإِن َتوَّلوْا َفإِنّي‬
‫تُوبُوا ِإلَ ْيهِ ُيمَّتعْكُم مّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مّ َ‬
‫أَخَافُ عَ َليْ ُكمْ َعذَابَ َي ْومٍ كَِبيٍ [هود‪.]3 :‬‬
‫ولقد كان رسول الله مثال كامل للداعية الذي يحبب‬
‫الناس في الله عز وجل‪ ،‬ويدفعهم للفرار إليه مهما ارتكبوا‬
‫من آثام‪.‬‬
‫ما من اليام شيخ كبير وهو يستند على عصاه‪،‬‬
‫أتاه يو ً‬
‫فقال‪ :‬يا نبي الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر الله لي؟‬
‫فقال النبي ‪ :‬تشهد أن ل إله إل ال وأن ممدًا رسول ال؟ قال‪ :‬بلى يا‬
‫رسول الله‪ .‬قال‪ :‬فإن ال قد غفر لك غدراتك وفجراتك‪ .‬فانطلق وهو‬
‫يقول‪ :‬الله أكبر الله أكبر(‪.)1‬‬
‫وكذلك كان صحابته‪ :‬فهذا أبو هريرة يلقى الفرزدق وقد‬
‫كان شاعًرا يقذف النساء‪ ،‬وكانت الناس تكره فيه ذلك‪ ،‬فماذا‬
‫قال له أبو هريرة عندما لقيه؟‬
‫يقول الفرزدق‪ :‬قال لي أبو هريرة‪ :‬أنت الفرزدق؟ قلت‪:‬‬
‫نعم‪ .‬فقال‪ :‬أنت الشاعر؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬فقال‪ :‬أما إنك إن بقيت‬
‫ما يقولون ل توبة لك‪ ،‬فإياك أن تقطع رجاءك من‬
‫لقيت قو ً‬
‫(‪)2‬‬
‫رحمة الله ‪.‬‬
‫ي بن‬
‫ومات لرجل ابن مسرف على نفسه‪ ،‬فلقيه عل َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ ،10/83‬ونسبه لبي يعلى والبزار‬
‫والطبراني في الصغير ورجالهم ثقات‪.‬‬
‫() حسن الظن بالله لبن أبي الدنيا ص ‪.69‬‬

‫‪145‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الحسين فقال له‪ :‬إن من وراء ابنك ثلث خلل‪ :‬أما أولها‬
‫فشهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬وأما الثانية فشفاعة رسول الله ‪،‬‬
‫وأما الثالثة فرحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء(‪.)1‬‬

‫سا‪ :‬اللحاح على الله بأن يرزقنا حبه‬
‫‪ ‬ساد ً‬
‫علينا أن نسأل الله عز وجل ونلح عليه بأن يرزقنا حبه‪ ،‬مثل‬
‫ما كان يفعل رسول الله ‪ ،‬فمن دعائه قوله‪« :‬اللهم إن اسألك حبك‪،‬‬
‫وحب من أحبك‪ ،‬وحب عمل يقربن إل حبك‪ .‬اللهم اجعل حبك أحب إلّ من نفسي ومال‬
‫وأهلي ومن الاء البارد على الظمأ»‪.‬‬
‫وقوله‪« :‬اللهم اجعل حبك أحب الشياء إلّ‪ ،‬وخشيتك أخوف الشياء عندي‪ ،‬واقطع عن‬
‫حاجات الدنيا بالشوق إل لقائك‪ ،‬وإذا أقررت أعي أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عين ف عبادتك»‪.‬‬
‫واعلم أخي أن الله عز وجل ل يرد سائل عن بابه‪ ،‬فلو رأى‬
‫منا صدقًا في طلب محبته لرزقنا إياها‪ ،‬وفتح لنا باب النس به‬
‫والشوق إليه‪.‬‬
‫ونختم الحديث بأثر رواه الجنيد بإسناده عن صالح بن‬
‫مسمار قال‪ :‬بلغنا أن الله عز وجل أرسل إلى سليمان بن‬
‫داود عليه السلم بعد موت أبيه داود ملكًا من الملئكة فقال‬
‫له الملك‪ :‬إن ربي عز وجل أرسلني إليك لتسأله حاجة‪.‬‬
‫قال سليمان‪ :‬فإني أسال ربي أن يجعل قلبي يحبه كما‬
‫كان قلب أبي داود يحبه‪ ،‬وأسال الله أن يجعل قلبي يخشاه‬
‫كما كان قلب أبي داود يخشاه‪.‬‬
‫فقال الرب تبارك وتعالى‪« :‬أرسلت إل عبدي ليسألن حاجة فكانت حاجته‬
‫إ ّل أن أجعل قلبه يبن‪ ،‬وأجعل قلبه يشان‪ ،‬وعزت لكرمنه‪ .‬فوهب له ملكًا ل ينبغي لحد من‬
‫بعده(‪.»)2‬‬
‫***‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق‪.‬‬
‫() المحبة لله سبحانه للجنيد خبر رقم (‪.)79‬‬

‫‪146‬‬

‫الفصـــــل الرابـــع‬

‫كلمة أخيرة‬
‫حول الطريق إلى محبة الله‬
‫وخلصة القول أن الطريق إلى محبة الله عز وجل – محبة‬
‫صادقة مثمرة – يبدأ بكثرة قراءة القرآن بفهم وتأثر‪ ،‬وكذلك‬
‫بالتفكر اليومي في أحداث الحياة التي تمر بنا وتحمل في‬
‫طياتها مظاهر الحب اللهي لنا من لطف ورحمة وقيومية‬
‫وتذكير وتسخير‪.‬‬
‫ومع هاتين الوسيلتين العظيمتين اللتين من شأنهما إنشاء‬
‫المحبة في القلب وغرس بذرتها وتأسيس قاعدتها‪ ،‬تأتي‬
‫العمال الصالحة بعد ذلك لترفع البنيان وتسقي البذرة فل‬
‫تتركها إل بعد أن تصبح شجرة وارفة مثمرة تؤتي أكلها كل‬
‫حين بإذن ربها‪.‬‬
‫وهذه العمال هي ذكر النعم‪ ،‬ورحلت العتبار‪ ،‬وكثرة‬
‫الحمد باللسان‪ ،‬ومناجاة الله بالنعم‪ ،‬وتحبيب الناس في الله‬
‫عز وجل وأخيًرا اللحاح على الله عز وجل بأن يرزقنا محبته‪.‬‬
‫نسأل الله عز وجل أن يجعل حبه يهيمن على قلوبنا وأن‬
‫يفتح لنا باب النس به والشوق إليه وأن يجعلنا ممن قال في‬
‫حبّ ُهمْ وَُيحِبّوَنهُ [المائدة‪ ]54:‬و ّرضِيَ الُ َعنْ ُهمْ وَ َرضُوا عَ ْنهُ‬
‫شأنهم يُ ِ‬
‫[المائدة‪.]119:‬‬
‫وص ََ‬
‫ل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن هدانا‬
‫الله‬
‫وللتواصل‪:‬‬
‫‪.www. Alemanawalan.Com‬‬

‫***‬

‫‪147‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الفهــــــــرس‬
‫الموضوع‬
‫المقدمة‪..................................................‬‬
‫ولكننا نحب الله !‪.................................. .....‬‬
‫المعرفة طريق المحبة‪................................‬‬
‫المعرفة النافعة‪.........................................‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫تمهيد لبد منه‬
‫تكامل العبودية‪..........................................‬‬
‫سياج المحبة‪.......................................... ...‬‬
‫ضرورة التوازن‪.........................................‬‬
‫رحلة المحبة‪.............................................‬‬
‫كيف نفتح باب المحبة؟!‪..............................‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪12‬‬

‫الفصل الول‬
‫أهمية المحبة الصادقة من العبد لربه‬
‫الثمار الحلوة‪............................................‬‬
‫أولً‪ :‬الرضا بالقضاء ‪.....................................‬‬
‫ثانيًا‪ :‬التلذذ بالعبادة وسرعة المبادرة إليها‪.........‬‬
‫ثالثًا‪ :‬الشوق إلى الله‪..................................‬‬
‫رابعًا‪ :‬التضحية من أجله والجهاد في سبيله‪........‬‬
‫سا‪ :‬الرجاء والطمع فيما عند الله‪...............‬‬
‫خام ً‬
‫سا‪ :‬الحياء من الله‪................................‬‬
‫ساد ً‬
‫سابعًا‪ :‬الشفقة على الخلق‪...........................‬‬
‫ثامنًا‪ :‬الغيرة لله‪................................... ......‬‬
‫تاسعًا‪ :‬الغنى بالله‪......................................‬‬

‫‪15‬‬
‫‪16‬‬
‫‪18‬‬
‫‪18‬‬
‫‪20‬‬
‫‪21‬‬
‫‪22‬‬
‫‪22‬‬
‫‪23‬‬
‫‪24‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫لماذا يحب الله عباده؟‬
‫النفخة العلوية‪...........................................‬‬

‫‪29‬‬

‫‪148‬‬

‫الصفحة‬

‫الفهــــــــــرس‬

‫الموضوع‬
‫تكريم النسان‪.......................................... .‬‬
‫سا؟!‪.................................... ......‬‬
‫أليست نف ً‬
‫تقرب الملئكة إلى الله بالدعاء للبشر‪.............‬‬
‫مباهاته بعباده‪...........................................‬‬
‫ضحكه سبحانه‪..........................................‬‬
‫قدر المؤمن عند الله‪..................................‬‬
‫يكره سبحانه مساءة عبده المؤمن‪.................‬‬
‫فرحه – سبحانه – بتوبة العاصين‪...................‬‬
‫مراده أن تدخل الجنة‪..................................‬‬
‫أحب العباد إلى الله‪....................................‬‬
‫أشد ما يغضبه‪...........................................‬‬
‫المرحلة الخيرة‪........................................‬‬
‫أهل المظالم‪............................................‬‬

‫‪30‬‬
‫‪30‬‬
‫‪31‬‬
‫‪32‬‬
‫‪33‬‬
‫‪34‬‬
‫‪34‬‬
‫‪35‬‬
‫‪35‬‬
‫‪37‬‬
‫‪38‬‬
‫‪39‬‬
‫‪40‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫مظاهر حب الله تعالى لعباده‬
‫تمهيد‪.............................................. ........‬‬
‫جوانب المعرفة‪.........................................‬‬
‫أول‪ :‬سبق فضله عليك قبل أن توجد‪................‬‬
‫سبق الفضل في التكريم‪.........................‬‬
‫المشهد العظيم‪.....................................‬‬
‫سبق فضل الزمان‪.................................‬‬
‫تيسر الحياة‪......................................... .‬‬
‫سبق فضل المكان‪.................................‬‬
‫الوالدان‪..............................................‬‬
‫اللسان العربي‪......................................‬‬
‫سبق الفضل في العافية‪..........................‬‬
‫كلمة ل بد منها‪......................................‬‬
‫ثانيًا‪ :‬هدايته وعصمته ودوام عافيته‪................. .‬‬
‫هدايته لك‪................................................‬‬

‫‪45‬‬
‫‪45‬‬
‫‪46‬‬
‫‪46‬‬
‫‪47‬‬
‫‪47‬‬
‫‪48‬‬
‫‪49‬‬
‫‪49‬‬
‫‪50‬‬
‫‪50‬‬
‫‪51‬‬
‫‪52‬‬
‫‪53‬‬

‫‪149‬‬

‫الصفحة‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الموضوع‬
‫العصمة‪.................................... ...............‬‬
‫ثالثًا‪ :‬قيامه على شئونك‪...............................‬‬
‫ل حول ول قوة إل بالله‪................................‬‬
‫رابعًا‪ :‬تسخير الكون لك‪...............................‬‬
‫أنت القائد‪.......................................... ..‬‬
‫أيها المدلل‪..........................................‬‬
‫تخيل ثم تخيل‪.......................................‬‬
‫سل نفسك‪..........................................‬‬
‫سا‪ :‬كرمه البالغ‪ ،‬وهداياه المتنوعة إليك‪.......‬‬
‫خام ً‬
‫من المير؟ ‪...........................................‬‬
‫كريم في عطاياه‪...................................‬‬
‫الهدايا المتنوعة‪.....................................‬‬
‫يرضى بالحمد شكًرا‪...............................‬‬
‫رب شكور‪...........................................‬‬
‫كرم عجيب‪..........................................‬‬
‫سا‪ :‬رحمته ورأفته بك‪ ،‬وشفقته وحنانه عليك‪.‬‬
‫ساد ً‬
‫ل وجه للمقارنة‪.....................................‬‬
‫ولماذا البتلء؟!‪.....................................‬‬
‫من فوائد البتلء‪....................................‬‬
‫الشفقة اللهية‪......................................‬‬
‫البتلء بالذنب والحرمان من الطاعة‪...........‬‬
‫الرحمة الواسعة‪....................................‬‬
‫رب رءوف‪...........................................‬‬
‫رفع الحرج‪...........................................‬‬
‫ل تنس أنك عبد‪.....................................‬‬
‫شريعته كلها رحمة‪.................................‬‬
‫تقليل العمال في أعيننا‪..........................‬‬
‫الرحمة المدََخرة‪....................................‬‬
‫سابعًا‪ :‬تيسير طريقك إلى التوبة والرجوع إليه‪....‬‬
‫‪150‬‬

‫الصفحة‬

‫‪54‬‬
‫‪56‬‬
‫‪56‬‬
‫‪60‬‬
‫‪60‬‬
‫‪61‬‬
‫‪62‬‬
‫‪62‬‬
‫‪64‬‬
‫‪65‬‬
‫‪65‬‬
‫‪66‬‬
‫‪67‬‬
‫‪67‬‬
‫‪69‬‬
‫‪70‬‬
‫‪71‬‬
‫‪72‬‬
‫‪74‬‬
‫‪76‬‬
‫‪77‬‬
‫‪78‬‬
‫‪79‬‬
‫‪81‬‬
‫‪82‬‬
‫‪82‬‬
‫‪83‬‬
‫‪83‬‬
‫‪85‬‬

‫الفهــــــــــرس‬

‫الموضوع‬
‫ل يحوجنا إلى المشي الكثير‪......................‬‬
‫بابه مفتوح للجميع‪..................................‬‬
‫أقبل ول تخف‪.......................................‬‬
‫يعلمنا ما نقوله لنتوب‪.............................‬‬
‫عدم الستقصاء‪.....................................‬‬
‫يسهل علينا طريق التوبة‪.........................‬‬
‫لننتهز الفرصة‪.......................................‬‬
‫ثامنًا‪ :‬حلمه وصبره وستره لك‪.......................‬‬
‫كان معنا‪.............................................‬‬
‫غضبة الكون‪.........................................‬‬
‫الخليل يرى الملكوت‪..............................‬‬
‫الستير‪................................................‬‬
‫تاسعًا‪ :‬خطابه الودود الذي يخاطبك به‪.............‬‬
‫من أنت؟‪.................................... .........‬‬
‫خطاب يطمئن مستمعه‪...........................‬‬
‫ولنبدأ بصيغة النداء‪.................................‬‬
‫خطاب يقول لك‪ :‬أقبل ول تخف‪.................‬‬
‫خطاب يستثير الهمم‪..............................‬‬
‫النصائح الغالية‪......................................‬‬
‫التوجيه غير المباشر‪...............................‬‬
‫مراعاة النفسية البشرية‪..........................‬‬
‫ما بال أقوام؟!‪......................................‬‬
‫لماذا العقاب؟‪.......................................‬‬
‫مواساته للمبتلين‪...................................‬‬
‫وفي النهاية‪..........................................‬‬
‫عاشًرا‪ :‬ترغيبك وترهيبك‪..............................‬‬
‫التربية الربانية‪......................................‬‬
‫هل قامت القيامة؟!‪...............................‬‬
‫اللص والسجن‪......................................‬‬
‫‪151‬‬

‫الصفحة‬

‫‪87‬‬
‫‪87‬‬
‫‪89‬‬
‫‪91‬‬
‫‪92‬‬
‫‪93‬‬
‫‪95‬‬
‫‪96‬‬
‫‪96‬‬
‫‪99‬‬
‫‪100‬‬
‫‪101‬‬
‫‪103‬‬
‫‪104‬‬
‫‪105‬‬
‫‪105‬‬
‫‪106‬‬
‫‪107‬‬
‫‪107‬‬
‫‪109‬‬
‫‪109‬‬
‫‪110‬‬
‫‪111‬‬
‫‪113‬‬
‫‪113‬‬
‫‪115‬‬
‫‪115‬‬
‫‪116‬‬
‫‪119‬‬

‫كيف نحب الله ونشتاق إليه؟‬

‫الموضوع‬
‫شمول الترغيب والترهيب‪........................‬‬
‫الناس جميعًا‪....................................... ..‬‬
‫الترهيب والترغيب في قصص السابقين‪.......‬‬
‫الرسائل اللهية‪.....................................‬‬
‫المستقبل والترغيب والترهيب‪...................‬‬
‫الترغيب والترهيب في أفعال العباد‪.............‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫الوسائل العملية لتمكين حب الله في القلب‬
‫أمران لبد منهما‪........................................‬‬
‫وسائل التذكير بمعارف المحبة‪......................‬‬
‫أول‪ :‬القرآن ودوره في إنشاء اليمان والتذكير‬
‫بمعارف المحبة‪.........................................‬‬
‫ثانيًا‪ :‬التفكر في الكون وأحداث الحياة‪.............‬‬
‫ل بديل عن التفكر‪......................................‬‬
‫تفكر يقود إلى المحبة‪.................................‬‬
‫العمال الصالحة المقترح القيام بها‪................‬‬
‫أول‪ :‬ذكر النعم‪..........................................‬‬
‫العبادة المهجورة‪.......................................‬‬
‫كيفية ذكر النعم‪.........................................‬‬
‫القرآن يعلمنا‪............................................‬‬
‫ثانيًا‪ :‬رحلت العتبار‪....................................‬‬
‫ثالثًا‪ :‬كثرة الحمد‪..................................... ...‬‬
‫رابعًا‪ :‬مناجاة الله بالنعم‪...............................‬‬
‫من صور المناجاة‪......................................‬‬
‫أفضل أوقات المناجاة ‪................................‬‬
‫سجود الشكر ‪.................................... .......‬‬
‫سا‪ :‬تحبيب الناس في الله عز وجل‪............‬‬
‫خام ً‬
‫سا‪ :‬اللحاح على الله بأن يرزقنا حبه‪..........‬‬
‫ساد ً‬
‫كلمة أخيرة حول الطريق إلى محبة الله‪...........‬‬
‫‪152‬‬

‫الصفحة‬

‫‪120‬‬
‫‪121‬‬
‫‪121‬‬
‫‪122‬‬
‫‪122‬‬
‫‪123‬‬

‫‪129‬‬
‫‪129‬‬
‫‪129‬‬
‫‪133‬‬
‫‪134‬‬
‫‪135‬‬
‫‪138‬‬
‫‪139‬‬
‫‪140‬‬
‫‪141‬‬
‫‪142‬‬
‫‪142‬‬
‫‪143‬‬
‫‪144‬‬
‫‪145‬‬
‫‪146‬‬
‫‪147‬‬
‫‪147‬‬
‫‪150‬‬
‫‪151‬‬

‫الفهــــــــــرس‬

‫الموضوع‬
‫الفهرس‪..................................................‬‬
‫***‬

‫‪153‬‬

‫الصفحة‬

‫‪153‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful