‫صفحات من التاريخ‬

‫السلمي‬
‫في الشمال الفريقي‬

‫فقه التمكين عند‬

‫دولة المرابطين‬
‫تأليف‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى‪1 4 2 7 :‬هـ ‪2 0 0 6 -‬م‬
‫رقم اليداع‪13403/2006 :‬‬
‫بطاقة الفهرسة‬
‫فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة‬
‫لدار الكتب والوثائق القومية‬
‫إدارة الشئون الفنية‬
‫الصلبي‪ ،‬على محمد‪.‬‬
‫فقه التمكين عند دولة المرابطين‬
‫تأليف‪ /‬على محمد الصلبي‪ .‬ط ‪ -1‬القاهرة‬
‫مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة ‪2 0 0 6 ،‬‬
‫تدمك‪9 7 7 - 6 1 1 9 - 8 4 -0 :‬‬
‫‪ 2 2 4‬ص؛ ‪ 2 4‬سم‬
‫‪ -1‬المرابطون‬
‫‪95 3. 071 3‬‬
‫أ‪ -‬العنوان‬
‫مركز السلم للتجهيز‬
‫الفني‬

‫عبد الحميد عمر‬

‫‪01069‬‬

‫مؤسسـة اقـــــرأ‬

‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة ‪ -‬بجوار حديقة الفسطاط‬
‫محمول‪-0102327302:‬‬
‫القاهرة ت‪5326610 :‬‬

‫‪0101175447‬‬

‫‪www.iqraakotob.com‬‬
‫‪Email: info@iqraakotob.com‬‬

‫الهــــــداء‬
‫إلى أبناء ال َّ‬
‫صا‪,‬‬
‫ش َ‬
‫مال الفريقى خصو ً‬
‫وأبناء ال ُ َّ‬
‫ما‬
‫مة عمو ً‬
‫أهدى هذا الكتاب سائل ً المولى‬
‫عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى‬
‫صا لوجهه الكريم‬
‫أن يكون خال ً‬

‫‪َ +‬فمَن كَانَ َيرْجُو ِلقَاءَ رَّبهِ َف ْلَي ْع َملْ‬
‫شرِكْ ب ِعبَا َدةِ رَّبهِ‬
‫َعمَلً صَالِحًا وَلَ ُي ْ‬
‫حدًا" [الكهف‪.]1 1 0 :‬‬
‫أَ َ‬

4

‫مقدمـــــــــة‬
‫من‬
‫إن الحمد لله‪ ,‬نحمده‪ ,‬ونستعينه‪ ،‬ونستغفره‪ ,‬ونعوذ بالله ِ‬
‫شرور أنفسنا‪ ،‬ومن سي ّئات أعمالنا‪ ,‬من يهده الله فل مض َّ‬
‫ل له‪،‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫من يُضلِل فل هادى له‪ ،‬وأَشهد ُ أن ل إله إل الله وحده ل شريك‬
‫و َ‬
‫محمدًا عبده ورسوله‪.‬‬
‫له‪ ،‬وأشهد ُ إن ُ‬
‫س ِلمُونَ﴾ [آل عمران‪:‬‬
‫ل حَقّ تُقَاِتهِ َولَ َتمُوتُ ّن ِإلّ وَأَنْتُم مّ ْ‬
‫﴿يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا ا َ‬
‫‪.]102‬‬
‫﴿يَا َأّيهَا النّاسُ اتّقُوا رَّبكُمُ الّذِى َخلَ َقكُم مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ َو َخلَ َق مِ ْنهَا زَ ْو َجهَا وَبَثّ مِ ْن ُهمَا‬
‫ل كَانَ َعلَ ْيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء‪.]1:‬‬
‫ِرجَالً َكِثيًا َونِسَاءً وَاتّقُوا الَ الّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَال ْرحَا َم إن ا َ‬
‫ص ِلحْ َلكُ ْم َأ ْعمَاَلكُمْ َويَ ْغ ِفرْ َلكُ ْم ذُنُوَبكُمْ‬
‫﴿يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اتّقُوا الَ وَقُولُوا َق ْولً سَدِيدًا يُ ْ‬
‫َومَن ُيطِ ِع الَ وَ َرسُولَهُ َفقَدْ فَازَ َفوْزًا َعظِيمًا﴾ [الحزاب‪.]71-70 :‬‬
‫وبعد‪ :‬فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى‪ ،‬وخير الهدي‪ ،‬هدى‬
‫ل محدثةٍ بدعة‪ ،‬وك َّ‬
‫َ‬
‫ل بدعة‬
‫محمد ×‪ ,‬وشَّر المور محدثاتُها‪ ،‬وك ّ ُ‬
‫ضللة‪.‬‬
‫ب لك الحمد ُ كما ينبغى لجلل وجهك‪ ,‬وعظيم‬
‫أما بعد‪ :‬يا ر ِّ‬
‫سلطانك‪ ,‬لك الحمد حتى ترضى‪ ,‬ولك الحمد ُ إذا رضيت‪.‬‬
‫هذا الكتاب الرابع (صفحات من التَّاريخ السلمى فى ال َّ‬
‫مال‬
‫ش َ‬
‫ِ‬
‫الفريقي) يتحدث عن دولة المرابطين ال ُّ‬
‫سنيَّة منذ نشأتها وحتى‬
‫الدول وإحيا ِء الشعوب‪ ،‬فيُعطِى‬
‫ض لسنن الله فى بناء‬
‫سقوطها‪ ،‬ويتعَّر ُ‬
‫َ‬
‫نبذة تاريخيّة عن أصول القبائل التى قامت عليها دولة المرابطين‪،‬‬
‫فيتكلم عن مواطنها‪ ,‬ومواقعها‪ ,‬وحياتها الجتماعية والسياسية‬
‫والقتصادية والدينية قبل دخول المام عبد الله بن ياسين فى قلب‬
‫الصحراء الكبرى لدعوة قبائل صنهاجة إلى السلم‪ ,‬وكيف تعامل ذلك‬
‫المام مع تلك القبائل‪ ،‬وجعل منها أَّمًة تحمل السلم عقيدةً ودعو ًة‬
‫جا‪ ،‬كما يسلط هذا الكتاب الضواء على زعماء دولة المرابطين ِمن‬
‫ومنه ً‬
‫أمثال المير يحيى بن إبراهيم‪ ،‬والمير أبى بكر ابن عمر‪ ،‬ويوسف بن‬
‫سيْر المرابطين فى توحيد المغرب القصى‪،‬‬
‫تاشفين‪ ,‬ويتكلم عن خط َ‬
‫وتوغُّلِهم الدَّعَوِى فى جنوب المغرب نحو غانا ومالى وغيرها من دِوَل‬
‫إفريقيا‪ ,‬ويتحدث عن دفاع المرابطين عن مسلمى الَنْدَلُس‪ ,‬وأسباب‬
‫مع‬
‫سلِمين هناك‪ ،‬وعن أثر تحكيم شرِع الله فى ُم ْ‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ضعف ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫المرابطين‪ ،‬وعن سياستهم الد ّاخلي ّة والخارِجي ّة‪ ,‬وكيف أعطوا حقوق‬
‫الرعية من خلل دستور دولتهم ال ُّ‬
‫سنيَّة‪ ،‬وما موقف الرعية من دولة‬
‫المرابطين؟‬

‫‪5‬‬

‫ويتحدث عن علقة دولة المرابطين بالخلفة العباسية‪ ،‬ودولة‬
‫بنى حماد وملوك الطوائف والسبان والنصارى‪ ،‬ويعطى نبذة‬
‫مختصرة عن أنظمة الدولة المرابطية‪ ،‬كنظام الحكم والدارة‪,‬‬
‫والنظام القضائي‪ ,‬والنظام العسكري‪ ،‬والنظام المالي‪ ,‬ويدافع عن‬
‫دولة المرابطين ويبين مآثرها الحضارية من أعمال معمارية وحياة‬
‫أدبيَّة علمية وفقهية وتاريخيّة وجغرافية وطبية‪ ،‬ويجد القارئ‬
‫الكريم فى ثنايا هذا البحث تركيًزا على معرفة سنن الله‪ ,‬وكيفية‬
‫من خلل الوقائع التاريخيَّة‪ ,‬وأهمية العلماء فى قيادة‬
‫التعامل معها ِ‬
‫َ‬
‫المة نحو المجد والع ّزة والكرامة‪ ،‬وكيف حرصوا على الخذِ‬
‫بالسباب الماديَّة والمعنويَّة التى حققت النَّصر على العداء‪،‬‬
‫ث عن أهمية سنة التدُّرج فى تغيير الشعوب وبناء الدول‪،‬‬
‫ويتحد ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مى‬
‫ويعطى للتربية الرب ّانية أهمية قصوَى فى تحقيق الهداف العُظ َ‬
‫للمة سواء على مستوى القادة فى أخلقهم وعلمهم وجهادهم‪ ,‬أو‬
‫على مستوى الشعوب فى استجابتها لكتاب رب ِّها وسنة نبي ِّها‬
‫مخلصة‪.‬‬
‫وقيادتها ال ُ‬
‫وهذا الجهد المتواضع حاول أن يسلط الضواء على فقه‬
‫من خلل التحليل والتفسير للحداث التى وقعت فى دولة‬
‫التَّمكين ِ‬
‫المرابطين‪.‬‬

‫والهدف من هذا الكتاب‪:‬‬
‫من أمثال‪ :‬عبد الله بن‬
‫‪-1‬التعريف بزعماء دولة المرابطين ِ‬

‫ياسين‪ ،‬ويحيى بن إبراهيم‪ ,‬وأبى بكر بن عمر‪ ,‬ويوسف بن‬
‫تاشفين‪ ،‬وأبى عمران الفاسي‪.‬‬
‫ن فى فقه التَّمكين من خلل المنظور التَّارِيخى‬
‫‪ -2‬إظهار معا ٍ‬
‫َ‬
‫مَّرت بها الحركة‬
‫لدولة المرابطين‪ ،‬فيوضح مراحل الت ّمكين التى َ‬
‫المرابطية إلى أن وصلت إلى الدولة‪ ،‬وما السباب التى اتخذوها‬
‫والشروط التى حققوها؟ وما الهداف التى نفَّذوها ل َّ‬
‫ما وصلوا إلى‬
‫حكْم‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫مبدأ العتبار والتعاظ بمعرفة أحوال الدوَل‪,‬‬
‫‪ -3‬تسهيل َ‬
‫وعوامل بنائها‪ ،‬وأسباب سقوطها‪ ،‬والنظر فى سنن الله فى‬
‫َ‬
‫معات‪.‬‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫س وال ُ‬
‫الفاق‪ ،‬وفى النْفُ ِ‬
‫‪ -4‬الهتمام بمعرفة عقيدة أهل السنة والجماعة‪ ،‬وتربية أبناء المة‬
‫عليها‪،‬‬
‫وكيف كان اهتمام المرابطين بهذه العقيدة التى استمدوها من كتاب‬
‫الله وسنة رسوله ×‪.‬‬
‫‪ -4‬إثراء المكتبة السلمية التاريخيّة بالبحاث المنبثقة عن‬
‫عقيدة صحيحة وتصوُّر سليم بعيدة عن سموم المستشرقين‪،‬‬

‫‪6‬‬

‫وأفكار العلمانيين الذين يسعون لقلب الحقائق التاريخيّة من أجل‬
‫خدمة أهدافهم‪.‬‬
‫أما خطة الكتاب‪ :‬فقد قمت بتقسيمه إلى خمسة فصول‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬بناء دولة المرابطين ويشتمل على ستة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬الجذور التاريخية للمرابطين‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬المير يحيى بن إبراهيم‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬أبو عمران الفاسي‪.‬‬
‫عيم الدينى عبد الله بن ياسين‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الَّز ِ‬
‫المبحث الخامس‪ :‬المراحل التى مر بها ابن ياسين لبناء الدولة‪.‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬مرحلة التَّمكين‪.‬‬
‫الفصل الثانِي‪ :‬المرابطون ودفاعاتهم عن مسلمى الَنْدَلُس‪.‬‬
‫ويشتمل على تسعة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬الصراع بين طُلَيْطِلَة وقُْرطُبَة‪.‬‬
‫َ‬
‫سلِمين فى النْدَلُس‪.‬‬
‫م ْ‬
‫المبحث الثاني‪ :‬أسباب ضعف ال ُ‬
‫المبحث الثالث‪ :‬العالم زمن ظهور دولة المرابطين‪.‬‬
‫مع المرابطين‪.‬‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫المبحث الرابع‪ :‬أثَُر الحكم بما أنزل الله على ُ‬
‫المبحث الخامس‪ :‬الَنْدَلُس بعد الزلقة‪.‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬الفتاوى فى جواز ضم الَنْدَلُس‪.‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬العبور الثالث للمير يوسف بن تاشفين‪.‬‬
‫المبحث الثامن‪ :‬الجواز الرابع‪.‬‬
‫المبحث التَّاسع‪ :‬آثار البتعاد عن تحكيم شرع الله‪.‬‬
‫الفصل الثالِث‪ :‬السياسة الدَّاخليَّة والخارِجيَّة فى دولة‬
‫المرابطين‪.‬‬
‫ويشتمل على ستة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬حقوق الرعية الذين يعيشون فى الدولة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬موقف الرعية فى دولة المرابطين‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬موقف المرابطين من الخلفة العباسية‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬علقة المير يوسف مع بنى حماد‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬علقة المرابطين مع ملوك الطوائف‪.‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬علقة المرابطين مع السبان النصارى‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ :‬سياسة المرابطين فى دولتهم المجيدة‪.‬‬
‫ويشتمل على خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬نظام الحكم والدارة‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫المبحث الثاني‪ :‬النظام القضائي‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬النظام العسكري‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬النظام المالي‪.‬‬
‫الفصل الخامس‪ :‬أهم أعمال دولة المرابطين الحضارية‪.‬‬
‫ويشتمل على سبعة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬الثار المعمارية فى المغرب والَنْدَلُس‪.‬‬
‫ميَّة فى دولة المرابطين‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬الحياة الدبية والعِل ِ‬
‫المبحث الثالث‪ :‬من مشاهير علماء دولة المرابطين‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬علوم اللغة فى زمن المرابطين‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬علوم التَّارِيخ والجغرافيا‪.‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬علوم الطب فى عصر المرابطين‪.‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬أسباب السقوط‪.‬‬

‫ثم نتائج البحث‪.‬‬
‫صا لوجهه‬
‫وأخيًرا‪ ,‬أرجو من الله تعالى أن يكون عمل ً خال ً‬
‫الكريم وأن يُثيبَنى على ك ِّ‬
‫ف كتبتُه‪ ,‬ويجعله فى ميزان‬
‫ل حر ٍ‬
‫من‬
‫ب إخوانى الذين أعانونى بكل ما يملكون ِ‬
‫حسناتي‪ ،‬وأن يثي َ‬
‫ل إتمام ِ هذا الكتاب‪ ،‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ,‬أشهد ُ أن ل إله إل‬
‫أج ِ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫لله‬
‫د‬
‫الحم‬
‫أن‬
‫دعوانا‬
‫ر‬
‫وآخ‬
‫إليك‪،‬‬
‫وأتوب‬
‫أستغفرك‬
‫أنت‪،‬‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫العالمين‪.‬‬
‫الفقير إلى عفو ربه ومغفرته‬
‫ورحمته ورضوانه‬

‫على محمدـ محمد الصلبـى‬

‫الخوة الكرام‪ ,‬يسرني أن تصل ملحظاتكم وانطباعاتكم حول‬
‫هذا الكتاب وغيره من كتبي من خلل دور النشر‪ ,‬وأطلب من‬
‫إخواني الدعاء بظهر الغيب بالخلص لله رب العالمين‪ ،‬والصواب‬
‫للوصول للحقائق ومواصلة المسيرة في خدمة تاريخ أمتنا‪.‬‬

‫البريد اللكتروني‬

‫‪E- Mail: abumohamed2@maktoob.com‬‬

‫‪8‬‬

‫الفصل الول‬
‫بناء دولة المرابطين‬
‫المبحث الول‬
‫الجذور التاريخية للمرابطين‬
‫تمهيد ‪:‬‬
‫تعتبر قبائ ُ‬
‫ل صنهاجة أقوى قبائل البربر وأشدها وأمنعها‪,‬‬
‫َ‬
‫واشتهرت بقُوَّة شكيمتها‪ ,‬وكثرة رجالها الذين ملوا ال ّ‬
‫مال‬
‫ش َ‬
‫صا من المغرب الوسط‬
‫الفريقى وسكنوا جباله‪ ،‬وسهوله وخصو ً‬
‫إلى المغرب القصى‪.‬‬
‫ت‬
‫ض المؤرخين قبائل صنهاجة مثلت شعبًا انضو ْ‬
‫واعتبَر بع ُ‬
‫من أهم هذه القبائل‬
‫تحت لوائه أكثر من سبعين قبيلة بربرية‪ ،‬و ِ‬
‫وأشهرها لمتونة‪ ،‬وجدالة‪ ،‬ولمطة‪ ،‬ومسوفة‪ ،‬وهى التى تكوَّنت‬
‫منها دولة المرابطين ال ُّ‬
‫سنيَّة‪ .‬وبعض المؤرخين يجعل القبائل‬
‫َ‬
‫الصنهاجية لها أصل من حمير بن سبأ أى‪ :‬إن أصلهم يمانيِّون‪.‬‬
‫والبعض الخر يذهب إلى أنهم برابرة ل علقة لهم بالعرب(‪.)1‬‬

‫‪ -1‬تسمية الملثمين‪:‬‬

‫ملَثَّمين‪ ،‬وأصبح‬
‫ت القبائل الصنهاجية فى التَّارِيخ باسم ال ُ‬
‫اشتهر ْ‬
‫َ‬
‫موا بالمرابطين‪ ،‬ويرى بعض‬
‫اللثام شعاًرا عُرفوا به إلى أن تس ّ‬
‫ملَثَّمين ينتسبون إلى قبيلة لمتونة إحدى بطون‬
‫المؤرخين إن ال ُ‬
‫صنهاجة‪ ,‬وكانت لمتونة تتولى رئاسة سائر قبائل مسوفة‪،‬‬
‫ومسراته‪ ،‬ومداسة‪ ,‬وجدالة‪ ،‬ولمطة‪ ،‬وغيرها‪ ،‬ثم آلت الرئاسة إلى‬
‫قبيلة جدالة على عهد المير يحيى بن إبراهيم الجدالي(‪.)2‬‬
‫ملَثَّمين فى بدايته كان خا ًّ‬
‫صا بقبيلة‬
‫ويبدو أن إطلق اسم ال ُ‬
‫لمتونة ثم توسع وأصبح شعاًرا لكل من حالف لمتونة ودخل تحت‬
‫اسم سيادتها‪.‬‬

‫‪ -2‬سبب تسميتهم‪:‬‬
‫وأَّما سبب تسميتهم فقد وردت أقوال كثيرة فى سبب تسميتهم‬
‫ميَر كانوا يتلثمون لشدة الحّرِ‪ ،‬ويذهب‬
‫بذلك‪ ،‬منها‪ :‬إن أجدادهم ِمن ِ‬
‫ح ْ‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬دولة المرابطين فى المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬سعدون عباس ص (‪.)13-12‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬تاريخ المغرب والندلس فى عصر المرابطين‪ ،‬د‪ .‬حمدي عبد المنعم‪ ،‬ص (‬
‫‪.)27‬‬

‫‪9‬‬

‫إلى هذا الرأى َمن ظ َّ‬
‫ن إن أصل قبائل صنهاجة يرجع إلى الهجرات‬
‫القديمة من المشرق لسباب متعددة‪ ،‬منها اقتصادية‪ ,‬وسياسية‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنَّهم آمنوا بالرسول × وكانوا قلة فاضطُّروا للهرب لما‬
‫َ‬
‫موا بقصد التمويه‪ ،‬وقيل‪ :‬إن طائفة منهم‬
‫غلبهم أهل الكفر فتلث ّ ُ‬
‫من‬
‫أغارت على عدو لهم فخالفهم إلى مواطنهم وهى خالية إل ِ‬
‫النساء والطفال والشيوخ‪ ،‬فأمر الشيو ُ‬
‫س‬
‫خ النساءَ بأن يرتدين لبا َ‬
‫َ‬
‫ن‪ ،‬ففر العداء وهكذا اتخذوا اللثام سنة يلزمونه‬
‫الحرب ويتلث ّ َ‬
‫م َ‬
‫وارتقى عندهم إلى مستوى رفيع فى حياتهم وأعرافهم ومما قيل‬
‫فى اللثام‪:‬‬
‫قَوم لهم درك العل فى‬
‫حمير‬
‫حَراَز ك ُ ّ‬
‫لَ‬
‫حوَوْا إ ْ‬
‫لما َ‬
‫فضيلة‬

‫م‬
‫وإن انتموا صنهاجة فه ُ‬
‫م‬
‫ه ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫فتلثَّموا‬

‫‪ -3‬موطن الملثمين‪:‬‬

‫ملَثَّمون الصحراء الكبرى الممتدة من غدامس شرقًا‬
‫سكن ال ُ‬
‫من جبال درن شمال ً إلى أواسط‬
‫و‬
‫ا‪،‬‬
‫غرب‬
‫الطلسى‬
‫إلى المحيط‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫الصحراء الكبرى جنوبًا‪.‬‬
‫ولم تكن هذه الماكن والمواطن تجرى بها أنهار دائمة‪ ,‬وكانت‬
‫س عنها المطار لسنوات عديدة؛‬
‫قليلة المطار وأحيانًا تُحب َ ُ‬
‫فيتعرض سكانها للمجاعة فيرتحلون لطلب الماء والكل‪ ،‬فتفرقوا‬
‫حول الواحات الصغيرة فى تلك الصحارى الممتدة الطراف‪،‬‬
‫وكوَّنوا قرى بدائية تتماشى مع ظروف حياتهم الرعوية(‪.)2‬‬

‫‪ -4‬حياتُهم القتصادية‪:‬‬
‫ملَثَّمون حول الواحات بحثًا عن المياه وعملوا فى‬
‫توَّزع ال ُ‬
‫الزراعة وخا َّ‬
‫صة زراعة الشعير الذى ينبت فى الرض الفقيرة‬
‫ويكفيه قليل من الماء‪ ،‬وقد ازدهرت زراعته فى منطقة أزكى‬
‫التى تسكنها قبيلة لمتونة‪.‬‬
‫وكان النخي ُ‬
‫من أهم أشجارهم‪ ،‬وكانت مدينة سجلماسة من‬
‫ل ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ملثمون من‬
‫أهم واحات الصحراء عمرانًا بشجر النخيل‪ ,‬واستفاد ال ُ‬
‫ظل أشجار النخيل؛ فزرعوا البطيخ والقرع والكوسى والقثاء‪،‬‬
‫وشهدت بعض الواحات زراعة الذرة‪ ،‬وازدهرت فى واحة‬
‫سجلماسة زراعة القطن وقصب ال ُّ‬
‫سكَّر‪ .‬وكانت وسيلة الزراعة‬
‫فى تلك الواحات الصحراوية المحراث البدائى الذى تجُّره الجمال‪.‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬وفيات العيان (ج ‪.)7/130‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬دولة المرابطين فى المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)13‬‬

‫‪10‬‬

‫وكانت تلك القبائل تهتم بتربية الحيوانات للحصول على قوتهم‬
‫ولكى يستعملوها فى تنقلتهم‪ ،‬ومن أهم الحيوانات التى اهت َ ُّ‬
‫موا بها‬
‫البل‪ ،‬والتى كانوا يشربون ألبانها ويأكلون لحومها ويستفيدون من‬
‫أوبارها وجلودها لصناعة العباءات واللبسة والنعال وأسقف‬
‫البيوت الصغيرة‪.‬‬
‫وكذلك اهت َ ُّ‬
‫موا بتربية البغال والحمير لستخدامها فى النقل‬
‫المحلي(‪.)1‬‬
‫واهت َ ُّ‬
‫بقر وغنم وماعز لستعمال ألبانها‬
‫من‬
‫موا بتربية المواشى ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫موا‬
‫ولحومها فى غذائهم‪ ,‬وجلودها وأصوافها فى لباسهم‪ ،‬واهت َ ّ‬
‫د‬
‫الصي‬
‫بتربية النحل للحصول على العسل والشمع‪ ,‬وقد مارسوا‬
‫َ‬
‫وخاصة صيد البقر الوحشي‪.‬‬
‫وازدهرت الصناعات المحلية للكتفاء الذاتي‪ ،‬وتطوَّرت فى‬
‫الكم والنوع الصناعات المنزلية‪ ,‬وكذلك الدوات الحربية التى‬
‫ملَثَّمين وجيرانهم‬
‫ازدهرت بسبب الحروب المستمَّرة بين ال ُ‬
‫الوثنيين من السودان وغانا‪ ,‬واهت َ ُّ‬
‫موا بصناعة السروج ولجم الخيل‪،‬‬
‫وازدهرت الصناعات الغذائية فاستخرجوا الزيت من ثمر الفرتى‬
‫وذلك بعصر قشره‪ ،‬واستعملوه فى طهى الطعام وإنارة ال ُّ‬
‫سرج‬
‫ليلً‪ ،‬وكانوا يمزجونه بالرمل ويطلون به أسطح المنازل فيخفف‬
‫من شدة الحر‪ ،‬ويمنع تسُّرب الماء‪ ،‬واشتهرت مدينة تارودانت‬
‫بصناعة قصب السكر‪ ،‬والمنسوجات واللبسة من الصوف‬
‫والقطن والوبر‪ ,‬وكانوا يصنعون من ثمار القرع أوانى يضعون فيها‬
‫الملح والبهارات‪.‬‬
‫ملَثَّمين؛ الملح ويكثر فى أوليل‬
‫و ِ‬
‫من أهم المعادن فى بلد ال ُ‬
‫وتفاري‪ ،‬والخيرة تضم معظم مناجمه وهى على شكل ألواح‬
‫يُقط ِّعُهَا العبيد وتحملُها الجمال إلى بلد السودان وغانا‪ ،‬وكان‬
‫من الذهب‪ ،‬أما فى‬
‫الحمل الواحد يُباع فى أيوالتن بعشرة مثاقيل ِ‬
‫مالى فكان يُباع بعشرين مثقالً‪ ،‬وربما ارتفع إلى الثلثين‪ .‬كان‬
‫للملح أهمية فى حياتهم القتصادية‪ ،‬إذ كانوا يقطعونه قطعًا‬
‫صغيرة يقايضون به كالذهب والفضة‪ ،‬وكان الفائض من إنتاجهم‬
‫الزراعى والصناعى يُصدَّر إلى خارج بلدهم(‪.)2‬‬

‫‪ -5‬أهمية موقع الملثمين‪:‬‬

‫ملَثَّمين الممَّر الوحيد بين الَنْدَلُس وأواسط‬
‫كانت بلد ال ُ‬
‫إفريقية؛ فكانت تسلكه القوافل على ثلث طرق‪ ،‬فالطريق الول‬
‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬دولة المرابطين‪ ,‬ص(‪.)15‬‬
‫‪ )(2‬انظر دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)16‬‬

‫‪11‬‬

‫وهو الطريق الساحلى على المحيط الطلسى ينطلق من أغادير‬
‫ب نهر السنغال‪ ,‬يقابله طريق داخلى غير‬
‫ماًرا بنواكشوط حتى مص ِّ‬
‫بعيد عنه لجهة الشرق هو طريق تارودانت أويل‪ ،‬أما الطريق‬
‫الثَّانِى وهو الوسط فيمتد من أواسط المغرب إلى قلب الصحراء‬
‫حيث بلدان مالى والنيجر‪,‬يبدأ هذا الطريق من سجلماسة ويمر‬
‫بأزكى حتى أودغشت فى بلد النيجر‪.‬‬
‫والطريق الثالث والخير وهو طريق الصحراء يمتد من‬
‫ُ‬
‫السودان الغربى إلى أواسط الصحراء شرقًا‪ ,‬ول تخلو هذه الط ُّرق‬
‫من صعوبات طبيعية‪ ،‬فتحرك الرمال يمحى معالمها وتتعرض‬
‫ِ‬
‫القوافل المارة بها إلى مخاطر ل تُ حمد عقباها‪ ،‬ولذلك احتاجت‬
‫ملَثَّمين لكى يقودوا القوافل فى تلك‬
‫صاص من ال ُ‬
‫هذه القوافل للقُ ّ‬
‫الصحارى حتى تصل إلى بر أمانها مقابل مبالغ مالية على المجهود‬
‫الرائع العظيم‪.‬‬
‫ونشطت حركة التجارة بين إفريقيا الغربية وبلد المغرب‬
‫والَنْدَلُس بسبب الدور الريادى الذى قامت به قبائل لمتونة‬
‫ومسوفة وجدالة التى كوَّنت حلقة التصال الناجحة والمثمرة‬
‫للطراف المشاركة‪ ,‬وكثُرت السواق التجارية التى تعرض فيها‬
‫بضائع بلد الَنْدَلُس والمغرب القصى وبلد السودان الغربى حيث‬
‫يتم التبادل بالتقايض‪,‬أو بالذهب والفضة على حسب التفاق بين‬
‫المتبايعين‪ ،‬ومن أشهر تلك السواق التى اشتهرت فى تاريخ‬
‫البلد‪ :‬أوغشت‪ ،‬أغمات‪ ،‬أسيل(‪.)1‬‬

‫‪ -6‬الحياة الجتماعية فى بلد الملـثمين‪:‬‬

‫ملَثَّمين إلى ظهور طبقة من‬
‫وأدى ازدهار التجارة فى بلد ال ُ‬
‫الثرياء تجمعت لديهم أموال عظيمة بسبب نشاطهم التجاري‪،‬‬
‫وعلى رأس هذه الطبقة المراء الذين استأثروا بالحكم وحافظوا‬
‫دّ ُد‬
‫من يُه ِ‬
‫على مصالحهم‪ ،‬وكانت هذه الطبقة مستعدة لمقاومة َ‬
‫مصالحها‪,‬أو يحاول انتزاع مكانتها وثروتها وجاهها‪ ،‬مستخدمين من‬
‫محَّرمة‪ ،‬ويساندهم فى‬
‫أجل تلك الهداف الساليب المشروعة وال ُ‬
‫ذلك الفقهاء المحليون الذين ارتبطت مصالحهم بهم وأصبحت‬
‫أطماعهم والسعى لتحقيقها فوق أحكام الله‪.‬‬
‫واحتكرت هذه الطبقة الراضى الزراعية فى الواحات‪ ،‬وكذلك‬
‫مناجم الملح وقطعان الماشية‪ ،‬أى جميع مصادر الثروة‪ ,‬وكانت‬
‫تبنى بيوتها بطريقة تدل على ترفعها عن سائر النَّاس‪ ,‬ومعلوم‬
‫معات البشرية أنه عندما‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫لدى الدارسين والباحثين فى تاريخ ال ُ‬
‫تظهر طبقة ذات ثراء مفرط ينتج عنه ظهور طبقة من الفقراء‬
‫‪ )(1‬المصدر السابق ‪ ،‬ص (‪.)18‬‬

‫‪12‬‬

‫ملَثَّم‪ ،‬حيث‬
‫م ْ‬
‫مع ال ُ‬
‫جت َ َ‬
‫المدقعين فى فقرهم‪ ,‬وهذا ما حدث فى ال ُ‬
‫نجد أن عامة النَّاس أصابهم الفقر واضطروا إلى الشتغال برعى‬
‫المواشى وبالعمل فى الراضى الزراعية‪ ،‬ويؤدون الضرائب‬
‫للمراء والعيان الذين استغلوهم استغلل ً مشينًا‪ ،‬وكانت طبقة‬
‫الفقراء تتعرض للمجاعة فى سنوات الجفاف وكانت منازلهم من‬
‫مغطاة بالجلود كالكواخ‪.‬‬
‫أغصان الشجار و ُ‬
‫ملَثَّم كثرة العبيد الذين استُخدموا‬
‫م ْ‬
‫مع ال ُ‬
‫جت َ َ‬
‫وظهرت فى ال ُ‬
‫ُّ‬
‫سخروا للعمل فى مناجم الملح‪ ،‬وجلهم كانوا أسرى فى الحروب‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ملثمين والوثنيين‪ ،‬وارتفع شأن العبيد فيما‬
‫التى نشبت بين ال ُ‬
‫بعد؛فكانوا فرقة خاصة فى جيش المرابطين‪ ،‬واشتهرت المرأة‬
‫ملَثَّمة بالجمال‪ ،‬وهى سمراء اللون‪ ,‬وبعض نساء الطبقة العليا‬
‫ال ُ‬
‫كانت له َّ‬
‫ن منزلة رفيعة فاقت منزلة الرجال فى بعض الحيان‪.‬‬
‫ملَثَّم تتنافى مع تعاليم‬
‫م ْ‬
‫مع ال ُ‬
‫جت َ َ‬
‫وانتشرت عادات خبيثة فى ال ُ‬
‫السلم‪ ،‬بل هى عادات غارقة فى مستنقعات الجاهلية‪ ،‬ومن أبشع‬
‫هذه العادات السيئة الزواج بأكثر من أربع حرائر‪ ،‬وعادة الزنى‪،‬‬
‫ومصادقة الرجل للمرأة المتزوجة بعلم زوجها وحضوره‪ ،‬وغابت‬
‫مع واضطربت تصوراتُه‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫العقيدة السلمية الصحيحة عن ذلك ال ُ‬
‫مع قد‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫وانحرف عن الصراط المستقيم‪ ,‬بعدما كان أجداد هذا ال ُ‬
‫آمنوا بالله ربًّا وبالسلم دينًا وبمحمد × نبيًّا ورسولً‪ ،‬ونبذوا‬
‫مع دعاة إلى‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ديانتهم المجوسية القديمة‪ ،‬بل كان أجداد هذا ال ُ‬
‫الله ‪ ،‬ورفعوا لواء الجهاد ‪ ,‬وخاضوا حروبًا فى سبيل إعلء كلمة‬
‫السلم الخالدة التى وصلتهم بعد فتح الَنْدَلُس‪.‬‬
‫ملَثَّمين بحرصهم على نشر السلم وكسر‬
‫واشتهَر ِ‬
‫من ملوك ال ُ‬
‫شوكة من يعاديه الملك «تيولوثان بن تيكلن اللمتوني» الذى‬
‫حارب القبائل الوثنية ونشر بينها السلم‪ ،‬وبعد وفاته سنة ‪222‬هـ‬
‫خلفه حفيده الثر الذى دام حكمه حتى وفاته عام ‪287‬هـ‪ ،‬فخلفه‬
‫ابنه تميم الذى قتل عام ‪306‬هـ‪920 /‬م على يد مشايخ صنهاجة‪.‬‬
‫ملَثَّمين‪ ,‬وضاعت كثير من تعاليم‬
‫وبعد ذلك افترقت كلمة ال ُ‬
‫الدين واستمَّر شتاتهم مدة مائة وعشرين سنة الى أن قام بالمر‬
‫المير محمد بن تيفاوت اللمتوني(‪ )1‬الذى و َّ‬
‫حدَهم‪ ،‬وقد استشهد‬
‫مه على يد الوثنيين‪ ،‬فقام‬
‫حك ِ‬
‫هذا المير بعد ثلث سنوات من ُ‬
‫بالمر بعده صهره المير يحيى بن إبراهيم الجدالى الذى قاد قَومه‬
‫جه ورحلته المشهورة‪.‬‬
‫من ِ‬
‫نحو دين الله بعد رجوعه ِ‬
‫ح ِّ‬

‫***‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬ابن أبي زرع‪ ،‬روض القرطاس‪ ،‬ص (‪ )746‬نقل ً عن دولة المرابطين ص (‬
‫‪.)19‬‬

‫‪13‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫المير يحيى بن إبراهيم (الزعيم السياسي)‬
‫ف‬
‫كان المير يحيى بن إبراهيم سيدًا مطاعًا فى قَومه لِما عُر َ‬
‫من شجاعة وكرم وجود ومقدرة قيادية عالية‪ ,‬واشتهر برجاحة‬
‫عنه ِ‬
‫عقلة ونفاذ بصيرته وسداد رأيه وحرصه على هداية قَومه‪.‬‬
‫ملَثَّمين قاصدًا بيت الله‬
‫خرج هذا المير الجليل من ديار ال ُ‬
‫الحرام‪ ,‬لداء فريضة الحج تاركًا الحكم لبنه إبراهيم عام ‪427‬هـ ‪-‬‬
‫‪1035‬م(‪.)1‬‬
‫ن الحج بطلب العلم‪ ،‬وبعد أداء الفريضة‪،‬‬
‫وكانت العادة أن يقتر َ‬
‫انطلق المير يحيى يبحث عن المعرفة فى مدارس المغرب‬
‫الفقهية طالبًا للعلم لرواء روحه الظمأى إلى نور المعرفة‬
‫ت به أقداُر الله‬
‫السلمية التى اندرست معالمها فى بلده‪ ,‬ورم ْ‬
‫حلَقَةِ إمام المغرب فى زمانه فى مدينة القيروان «المام أبو‬
‫فى َ‬
‫َّ‬
‫س المير يحيى بتعاليمه وفقهه‪,‬‬
‫عمران الفاسي» الذى تعلقت نف ُ‬
‫وعرض نفسه على المام أبى عمران الفاسى الذى ورث زعامة‬
‫المدرسة المالكية التى انتصرت على الهيمنة السماعيلية العبيدية‬
‫الباطنية الرافضية‪ ،‬واستردَّت حريتها كاملة بعد جهادهم المرير‬
‫ما من معالم أهل السنة فى ال َّ‬
‫مال الفريقي‪.‬‬
‫ش َ‬
‫معْل َ ً‬
‫الذى أصبح َ‬
‫ُ‬
‫ب الشيخ أبو عمران بالمير يحيى لما لمسه فيه من حبه‬
‫ج َ‬
‫وأع ِ‬
‫للخير وحرصه على التعلم‪ ،‬وتحدث إليه المير عن سوء الحوال‬
‫الجتماعية فى بلده‪ ،‬وجهل قبائلها بأصول الدين وفروع الشريعة‪،‬‬
‫وطلب من أبى عمران أن يبعث معه أحد طلبته ليعلم قَومه‬
‫أصول الفقه والشريعة السلمية(‪.)2‬‬
‫وتذكر بعض كتب التَّارِيخ‪ ,‬أن أبا عمران الفاسى هو الذى وضع‬
‫عيم يحيى بن إبراهيم لقيام دولة صحراوية‬
‫الخطوط الولى مع الَّز ِ‬
‫سنية فى المغرب على أسس دينية صحيحة‪ ,‬كى تستطيع القضاء‬
‫على الفوضى السياسية والدينية التى كان المغرب يتخبط فيها‬
‫منذ سنوات عديدة‪ ،‬وفى ذلك يقول صاحب كتاب «بعض مشاهير‬
‫أعيان فاس فى القديم»‪:‬‬
‫«ولما اجتمع أبو عمران مع يحيى بن إبراهيم‪ ،‬ندبه إلى قتال‬
‫برغواطة‪ ،‬وقتال زناتة على ما صدر منهم من الظلم‪ ،‬واستنزال‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)19‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬تاريخ المغرب والندلس فى عصر المرابطين‪ ،‬ص (‪.)38‬‬

‫‪14‬‬

‫رؤسائهم من الولية‪ ،‬فوعده يحيى بالنهوض‬
‫إلى ذلك» (‪.)1‬‬
‫صا على أخذ فقيه وعالم معه إلى‬
‫وكان يحيى بن إبراهيم حري ً‬
‫من أجل تحقيق الهداف التى‬
‫قَومه‪ ،‬ورأى أبو عمران الفاسى ِ‬
‫رسموها‪ ,‬أنه لبُد َّ من المرور بمراحل ضرورية فى بناء الدولة‬
‫المنشودة‪ ,‬من مرحلة التعريف بالمنهج وتكوين أفراده وتربيتهم‬
‫عليه‪ ,‬وتنفيذ السياسة المرسومة بعد التكوين للوصول إلى مرحلة‬
‫القُوَّة والتَّمكين‪.‬‬
‫ملَثَّمين على تلميذ له فى بلد‬
‫فأحال أبو عمران أمير ال ُ‬
‫السوس فى أقصى المغرب‪ ،‬وهو الفقيه وجاج بن زلوا اللمطي‪،‬‬
‫الذى كان يقيم فى رباط هناك بمدينة نفيس يسمى دار‬
‫المرابطين‪ ،‬ومن هذا الّرِبَاط أرسل وجاج صحبة هذا المير الفقيه‬
‫عبد الله بن ياسين الجزولى ليفقه هؤلء الصحراويين فى أمور‬
‫دينهم‪.‬‬
‫وكان يحيى بن إبراهيم بجانب تفكيره فى إخراج قَومه من‬
‫ُ‬
‫مات إلى النُّور يفكر فى إنقاذ قَومه من الهيمنة الزناتية‬
‫الظ ّل ُ َ‬
‫ملَثَّمة تعانى من جورها‬
‫الظالمة‪ ,‬التى كانت قبائل صنهاجة ال ُ‬
‫وقسوتها وإذللها وإهانتها‪.‬‬
‫لقد رأى المير يحيى أن طريق عزة قَومه فى تمسكهم‬
‫َ‬
‫بالسلم الصحيح‪ ،‬وقد لحظ المير يحيى بن إبراهيم أن ك ّ‬
‫من‬
‫ل َ‬
‫حَّركوا القبائل البربرية وهيأوها لنشاء الدول‪ ،‬كانوا جميعًا من‬
‫من علماء الدين‪ ،‬أو أصحاب الدعوات الدينية سواء‬
‫المتحمسين ِ‬
‫من‬
‫كانت خارجية بدعية‪ ،‬أو إسماعيلية كفرية‪ ،‬أو إدريسية مالكية‪ِ ،‬‬
‫أمثال‪ :‬أبى الخطاب عبد العلى بن السمح المعافرى الخارجي‪،‬‬
‫وأبى عبد الله الشيعى الباطني‪ ،‬وإدريس بن عبد الله بن الحسن‬
‫ابن على بن أبى طالب‪ ,‬حتى برغواطة ذات الديانة الشركية‬
‫من أهل العلم‪ ،‬وهو‬
‫مها رجل يدَّعى أنه ِ‬
‫المجوسية اليهودية تزعَّ َ‬
‫ميسرة الفقير‪ ،‬وحتى قبيلة غمارة تزعمها صالح البرغواطى الذى‬
‫زعم أنه «صالح المؤمنين» الذى ورد ذكره فى القرآن(‪.)2‬‬
‫مَّرت فى ذاكرته حرص على‬
‫لهذه الجولة التاريخيّة التى َ‬
‫الهتمام بالشيخ عبد الله ياسين الرجل الفقيه العالم السنى ليعلم‬
‫قَومه ويزكيهم ويفقههم‪.‬‬
‫كما كان المير يحيى بن إبراهيم يخشى من خطر الجنوب‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬فى تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬أحمد العبادي‪ ،‬ص (‪.)271‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬معالم تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬حسين مؤنس‪ ,‬ص (‪.)160‬‬

‫‪15‬‬

‫م بدعوة القبائل‬
‫ويهت ُ‬
‫الوثنية للسلم‪.‬‬
‫وبدأ المير يحيى فى شق طريقه المليء بالشواك من أجل‬
‫إنقاذ قَومه وإعزازهم فى الدنيا والخرة‪ ،‬ورجع إلى أهله وعشيرته‬
‫عيم‬
‫ومعه الرجل الربَّانى والفقيه المالكى والمربى الصبور والَّز ِ‬
‫الدينى المام عبد الله ياسين‪ ،‬وقبل الدخول فى سيرته نترجم‬
‫للمام السنى المالكى سيد القيروان فى زمانه‪.‬‬
‫***‬

‫‪16‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫أبو عمران الفاسي‬
‫مهندس الخطوط العريضة‬
‫لدولة المرابطين ( ‪ 3 6 8‬هـ ‪ 4 3 0 -‬هـ)‬
‫ذكر القاضى عياض فى «ترتيب المدارك وتقريب المسالك‬
‫لمعرفة أعلم مذهب مالك» ترجمة أبى عمران الفاسى فقال‪:‬‬
‫جومي‪،‬‬
‫«هو موسى بن عيسى بن أبى حاج بن وليم بن الخير الغَفَ ُ‬
‫جوم فخذ من زناتة من هوارة‪ ,‬وأصله من فاس‪ ،‬وبيته بها بيت‬
‫وغَفَ ُ‬
‫مشهور‪ ،‬يعرفون ببنى أبى حاج‪ ،‬ولهم عقب‪ ،‬وفيهم نباهة إلى‬
‫الن»(‪.)1‬‬

‫‪ -1‬شيوخه‪:‬‬

‫تفقَّه بالقيروان عند أبى الحسن القابسي‪ ،‬وسمع بها من أبى‬
‫بكر الدويلي‪ ،‬وعلى بن أحمد اللواتى السوسي‪ ،‬ورحل إلى‬
‫قُْرطُبَة‪ ،‬فتفقَّه بها عند أبى محمد الصيلي‪ ،‬وسمع الحديث من أبى‬
‫عثمان سعيد بن نصر‪ ،‬وعبد الوارث بن سفيان‪ ،‬وأحمد بن قاسم‪،‬‬
‫وغيرهم‪ ،‬ثم رحل إلى المشرق‪ ،‬فحج ودخل العراق‪ ،‬فسمع من‬
‫أبى الفتح ابن أبى الفوارس‪ ،‬وأبى الحسن على بن إبراهيم‬
‫المستملي‪ ،‬وأبى الحسن الخضر‪ ،‬وغيرهم من العراقيين(‪ ،)2‬ودرس‬
‫الصول على القاضى أبى بكر الباقلني‪ ،‬وسمع بالحجاز من أبى‬
‫الحسن بن أبى فراس‪ ،‬وأبى القاسم السقطي‪ ،‬وبمصر من أبى‬
‫الحسن ابن أبى جدار‪ ،‬وأحمد بن نور القاضي‪ ،‬ثم رجع إلى‬
‫القيروان‪ ،‬وسكنها‪ ،‬وأصبح سيدها المطاع‪ ،‬وأقبل عليه طلب العلم‬
‫من كل صوب‪ ،‬وطارت فتاويه فى المشرق والمغرب‪ ،‬واعتنى‬
‫النَّاس بقوله(‪.)3‬‬

‫‪ -2‬أثره وتلميذه‪:‬‬
‫ابتدأ نشاطه العلمى سنة ‪402‬هـ‪ ،‬حين عاد من المشرق‪ ،‬فقد‬
‫ضا‪ ،‬وسرعان ما عُرف‬
‫جلس للطلبة فى المسجد‪ ،‬وفى داره أي ً‬
‫قدره‪ ،‬واشتهرت إمامته‪ ،‬وطار ذكره فى الفاق‪ ،‬وقد خلف المام‬
‫القابسى المتوفى سنة ‪403‬هـ‪ ،‬فى نشر علوم السنة فى إفريقية‬
‫‪ )(1‬ترتيب المدارك‪ ،‬الطبعة المغربية‪( ،‬ج ‪.)244-7/243‬‬
‫‪ )(2‬المرجع السابق‪.‬‬
‫‪ )(3‬انظر‪ :‬مدرسة الحديث فى القيروان (ج ‪.)766-2/765‬‬

‫‪17‬‬

‫ورئاسة العلم بها‪ ,‬ورحل إليه النَّاس من القطار لسماع مروياته‬
‫واستجازه من لم يستطع الجتماع به(‪.)1‬‬
‫ميَّة من بعد صلة الصبح إلى صلة‬
‫وكان يجلس فى حلقته العِل ِ‬
‫الظهر‪ ،‬يحدثهم ويملى عليهم‪ ،‬ويقرأ لهم‪« ،‬فل يتكلم بشيء إل‬
‫كُتب عنه إلى أن مات»‪.‬‬
‫ضا‪،‬‬
‫وكان يحد ُ‬
‫ث بصحيح البُخارى و «التَّارِيخ الكبير» له أي ً‬
‫حدِّثِين» للدارقطني‪ ،‬وكان يحدّث كذلك بمصنفاته‬
‫م َ‬
‫و«تصحيف ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فى الحديث والرجال والفقه‪ ،‬وقد انتشرت روايتها فى النْدَلس‬
‫ضا عن طريق تلميذه من أهلها(‪.)2‬‬
‫أي ً‬
‫حا وتعديلً‪ ،‬ومعرفة سيرهم‬
‫وكان متضل ًعا فى كلم الرواة جر ً‬
‫ووفياتهم وغير ذلك‪.‬‬
‫صا يرجعون إليه فيما يلم‬
‫وكان العامة من أهل القيروان خصو ً‬
‫بهم ويستفتونه‪.‬‬
‫كما كان الموفدون فى مهمات سياسية إلى القيروان يسألونه‬
‫ويستفتونه ويستفيدون من علمه‪.‬‬
‫وكان له اهتمام بالبلد البعيدة ويرسل إليها من يقَوم بنشر‬
‫العلم كما حدث فى اهتمامه بصحراء المغرب‪ ،‬وما نتج عن ذلك‬
‫الهتمام من قيام دولة المرابطين فى تلك المناطق النائية(‪.)3‬‬
‫وقد تتلمذ عليه عدد كبير من النَّاس من أهل إفريقية‬
‫والمغرب‪ ،‬والَنْدَلُس‪ ،‬وصقلية‪ ،‬قال الذهبي‪« :‬تخَّرج بهذا المام‬
‫خلق من الفقهاء والعلماء»(‪.)4‬‬

‫‪ -3‬ثناء العلماء عليه‪:‬‬
‫قال تلميذه الحافظ حاتم الطرابلسي‪« :‬لقيتُه بالقيروان فى‬
‫رحلتى سنة ‪402‬هـ‪،‬‬
‫من أحفظ النَّاس‪ ,‬وأعلمهم وكان جمع حفظ المذهب‬
‫وكان ِ‬
‫المالكي‪ ،‬وحفظ حديث‬
‫النبى ×‪ ,‬والمعرفة بمعانيه‪ ،‬وكان يُقرئ بالسبعة‪ ،‬ويُجودها مع‬
‫المعرفة بالرجال‪،‬‬
‫(‪)5‬‬
‫والمعدلين منهم والمجرحين‪. » . . .‬‬
‫وقال الذهبي‪« :‬المام الكبير العلمة عالم القيروان‪ . . .‬أحد‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬
‫‪) (4‬‬
‫‪) (5‬‬

‫انظر‪ :‬مدرسة الحديث فى القيروان‪( ,‬ج ‪)766-765 /2‬‬
‫المرجع السابق‪.‬‬
‫المرجع السابق‪.‬‬
‫سير أعلم النبلء (ج ‪.)17/546‬‬
‫ترتيب المدارك (ج ‪ )7/246‬الطبعة المغربية‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫العلم‪ . . .‬تخَّرج به خلق من الفقهاء والعلماء»(‪.)1‬‬
‫وقال أبو بكر الباقلنى لبى عمران الفاسي‪« :‬لو اجتمعت فى‬
‫مدرستى أنت وعبد الوهاب بن نصر‪ -‬وكان إذ ذاك بالموصل –‬
‫لجتمع فيها علم مالك‪ :‬أنت تحفظه‪ ,‬وهو ينصره لو رآكما مالك‬
‫لسر بكما»(‪.)2‬‬

‫‪ -4‬شعره‪:‬‬
‫عندما كتب محمد بن على الطبنى أبياتًا من الشعر وأرسلها‬
‫إلى أبى عمران الفاسى بمناسبة العزم على الذهاب إلى بيت الله‬
‫الحرام‪ ،‬أجاب أبو عمران الفاسى بهذه البيات‪:‬‬
‫وصان نفسك بالتكريم‬
‫من خلٍّ أخى‬
‫حيَّاك ربُّك ِ‬
‫مولها‬
‫ثقة‬
‫فهو العليم بما يبديه‬
‫من كلِّ غم وشان ل‬
‫ِ‬
‫مولها‬
‫يوفقها‬
‫أضاع لها َّ‬
‫وقولها إن تسر ودعتك‬
‫الرحمن‬
‫ول‬
‫الله‬
‫حرمتها‬
‫(‪)3‬‬
‫أسناها‬
‫الله يجمعنا من بعد أوبتنا‬
‫هذه ترجمة موجزة لواضع الخطوط العريضة لدولة‬
‫المرابطين‪.‬‬
‫وتُوفى ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬سنة ثلثين وأربعمائة من الهجرة‪.‬‬

‫***‬

‫‪ )(1‬سير أعلم النبلء (ج ‪.)456-17/545‬‬
‫‪ )(2‬ترتيب المدارك (ج ‪)7/246‬‬
‫‪ )(3‬المصدر السابق (ج ‪.)7/52‬‬

‫‪19‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫الزعيم الدينى لدولة المرابطين‬
‫عبد الله بن ياسين‬
‫هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن على الجزولي‪,‬‬
‫أصله من قرية «تماماناوت» فى طرف صحراء غانة(‪.)1‬‬
‫درس على فقيه السوس وجاج بن زلوا‪ ،‬رحل إلى الَنْدَلُس‬
‫فى عهد ملوك الطوائف وأقام بها سبع سنين(‪ ,)2‬واجتهد فى‬
‫من خيرة طلب الفقيه وجاج‬
‫تحصيل العلوم السلمية‪ ,‬ثم أصبح ِ‬
‫من تلميذه وجاج ابن‬
‫بن زلوا فعندما طلب أبو عمران الفاسى ِ‬
‫ما دينًا تقيًا مربيًا‬
‫عال‬
‫زلوا أن يرسل مع يحيى بن إبراهيم فقي ًها‬
‫ً‬
‫فاضل ً وقع الختيار على عبد الله بن ياسين الصنهاجى الذى كان‬
‫ما بتقاليد قَومه وأعرافهم وبيئتهم وأحوالهم‪.‬‬
‫عال ً‬
‫ودخل عبد ُ الله بن ياسين مع يحيى بن إبراهيم فى مضارب‬
‫ملَثَّمين من قبيلة جدالة فى عام ‪ 430‬هـ‪/‬‬
‫ومواطن ومساكن ال ُ‬
‫ُ‬
‫مه‬
‫‪1038‬م فاستقبله أهلها واستمعوا له‪ ،‬وأخذ يعلمهم‪ ،‬فكان تعلي ُ‬
‫باللغة العربية لطلبة العلم‪ ،‬والرشاد الدينى للعامة بلهجة أهل‬
‫الصحراء البربرية‪.‬‬
‫لقى عبد الله بن ياسين كثيًرا من الصعوبات‪ ،‬فقد وجد أكثر‬
‫ملَثَّمين ل يصلون ول يعرفون من السلم إل اسمه‪ ،‬وعم الجهل‬
‫ال ُ‬
‫عليهم‪ ،‬وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة وتلوثت أخلقُهم‬
‫وأحكام دينهم‪ ،‬واصطدمت تعاليمه بمصالح المراء والشراف‪،‬‬
‫فثاروا عليه‪ ،‬وكادوا يقتلوه‪ ،‬إل أنه ترك قبيلة جدالة‪ ،‬وانتقل إلى‬
‫من ث َّ‬
‫م اختار رباطه المشهور على مصب نهر‬
‫قبيلة لمتونة‪ ،‬و ِ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫السنغال‪ ،‬بعد انتشار صيته‪ ،‬وتعلق الن ّاس به‪ ،‬فهرعوا إليه ليربيهم‬
‫وينظمهم ويعلمهم‪.‬‬
‫من خلل كُتب التَّارِيخ نستطيع أن نقول‪ :‬إن عبد الله بن‬
‫و ِ‬
‫مه َّ‬
‫مة يجب‬
‫لسباب‬
‫الدعوية‬
‫رسالته‬
‫فى‬
‫نجح‬
‫الله‪-‬‬
‫رحمه‬
‫–‬
‫ياسين‬
‫ُ‬
‫من صفات‬
‫أن يعرفَها الدعاةُ إلى الله‪ ,‬أل وهى ما وهبه الله ِ‬
‫فطرية‪ ,‬وما اكتسبه فى حياته من صفات عقلية‪ ,‬وصفات حركية‪.‬‬

‫صفَات الفطرية التى ظهرت لى من سيرته‪:‬‬
‫من أهم ال ِّ‬
‫أ‪ -‬و ِ‬
‫‪ -1‬الذكاء‪ :‬فكان ‪-‬رحمه الله‪ -‬عميقَ الفهم‪ ,‬صاحب حجة‪ ،‬يُقيم‬
‫‪ )(1‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪ )21‬نقل ً عن البكري المغرب‪ ,‬ص (‪.)165‬‬
‫‪ )(2‬ابن الخطيب‪ ,‬الخلل‪ ,‬ص (‪.)191‬‬

‫‪20‬‬

‫الدليل على خصومه من الفقهاء‪ ،‬والمحليين الذين تحالفوا مع‬
‫المراء والعيان للقضاء عليه أو طرده‪.‬‬
‫واختياره لمكان أنسب لتربية أتباعه وتعليمهم يدل على ذكائه‬
‫وبعد نظره‪ ,‬ويظهر ذلك فى حروبه التى خاضها لتوحيد القبائل‬
‫الصنهاجية‪ ،‬ثم انتقاله للقضاء على المخالفين له فى المنهج‬
‫ُّ‬
‫والتصور‪.‬‬
‫والمعتقد‬
‫‪ -2‬الشجاعة‪ :‬حيث إنه دخل الصحراء داعيًا إلى الله تعالى مع‬
‫من تلميذ أبى عمران الفاسى اعتذروا وكذلك من تلميذ‬
‫إن غيره ِ‬
‫وجاج بن زلوا‪.‬‬
‫وامتاَز بشجاعة وصلبة عظيمة فى دعوته وأمره بالمعروف‬
‫ونهيه عن المنكر‪ ،‬وفى جهاده حتى إنه استشهد فى إحدى معاركه‬
‫ضد أعدائه‪.‬‬
‫ل ال َّ‬
‫شجاعًا عظيم الحتمال‪ ،‬ومارس أفض َ‬
‫فكان ُ‬
‫جاعَة‪ ،‬أل‬
‫ش َ‬
‫وهى ال َّ‬
‫ر إذ إنه كان قد خطط مع‬
‫صراحة فى الح ِ ّ‬
‫ق‪ ،‬وكتمان الس ّ ِ‬
‫َ‬
‫مي ّة ولم يتسَّرب منها شيء لعدائه‬
‫يحيى بن إبراهيم المراحل العِل ِ‬
‫حتى أخذت حيز التنفيذ‪.‬‬
‫سلِم تد ُّ‬
‫وال َّ‬
‫ل‬
‫ش َ‬
‫م ْ‬
‫جاعَة فى الحق وفى ميادين القتال بالنسبة لل ُ‬
‫على قُوَّة عقيدته وسلمتها من غَبش التصوُّر وانحراف المنهج‪،‬‬
‫ومن المعلوم أن صفاء العقيدة يرفع الهمة وينمى ال َّ‬
‫جاعَة‪،‬‬
‫ش َ‬
‫ع‬
‫ويلهب المشاعر‪ ،‬ويذكى الروح‪ ,‬ويربط الفؤاد وينور العقل‪ ،‬ويو ِّ‬
‫س ُ‬
‫المدارك‪ ،‬والعاملون فى الدعوة إلى الله ينبغى عليهم أن يكونوا‬
‫شجعانًا فهى منه وإليه‪.‬‬
‫شوْهُمْ َفزَادَهُ ْم إِيَانًا‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬الّذِينَ قَا َل َلهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَ ْد َجمَعُوا َلكُمْ فَاخْ َ‬
‫سهُمْ سُو ٌء وَاتّبَعُوا ِرضْوَانَ‬
‫ض ٍل لّ ْم َيمْسَ ْ‬
‫وَقَالُوا حَسْبُنَا الُ وَنِعْمَ اْل َوكِيلُ فَاْن َقلَبُوا ِبنِ ْعمَ ٍة مّ َن الِ وَفَ ْ‬
‫ضلٍ َعظِيمٍ﴾ [آل عمران‪.]174-173 :‬‬
‫ل ذُو فَ ْ‬
‫الِ وَا ُ‬
‫وحامل دين الله ينبغى أل يستكين‪ ،‬ول يجبن‪ ،‬ول يخور عزمه؛‬
‫من عند العليم الحكيم‪ ،‬سار على‬
‫مقدَّسةٍ ِ‬
‫لنه صاحب رسالة ُ‬
‫من عدوهم‪.‬‬
‫نهجها رسل الله ِمن قبل‪ ،‬فنصرهم الله‪ ,‬وانتقم ِ‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ثم ترضى بعده أن‬
‫سا ترتضى السلم‬
‫إن نف ً‬
‫تستكينا‬
‫دينًا‬
‫ثم تهوى العيش نفس‬
‫أو ترى السلم فى أرض‬
‫لن تكونا‬
‫مهينًا‬

‫‪21‬‬

‫(‪)1‬‬

‫سلِمين العظماء‬
‫م ْ‬
‫فى عداد ال ُ‬
‫من أمثال‬
‫وكم نحن محتاجون إلى شجاعة الدعاة إلى الله َ‬
‫الفقيه عبد الله بن ياسين لندك بها الباطل‪ ،‬ونزِيل بها المنكرات‬
‫الظاهرة‪ ،‬وندمغَ ال ُّ‬
‫شبُهات الخادعة بالنورين كتاب الله وسنة‬
‫رسوله ×‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ن‬
‫وإذا اضطررت إلى‬
‫لك مهربًا وتلق ِ‬
‫ت الصفا ِ‬
‫الجدال ولم تجد‬
‫والشرعَ سيفك وابد فى‬
‫فاجعل كتاب الله درعًا‬
‫الميدان‬
‫سابغًا‬
‫واركب جواد العزم فى‬
‫جنة‬
‫دونك‬
‫البيضاء‬
‫السنة‬
‫و‬
‫ُ‬
‫الجولن‬
‫أوث‬
‫فالصبر‬
‫واثبت بصبرك تحت ألوية‬
‫ق عُدةِ‬
‫ُ‬
‫النسان‬
‫الهدى‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫س الطعان‬
‫الفار‬
‫ر‬
‫د‬
‫لله‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ق‬
‫الح‬
‫برمح‬
‫واطعن‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫معاندٍ‬
‫(‪)2‬‬
‫متجردٍ لله غيرِ جبان‬
‫صدْق‬
‫واحمل بسيف ال ِّ‬
‫حملة مخلص‬
‫وكم نحن محتاجون للدعاة الذين يتوغلون فى مواطن القبائل‬
‫من جديد إلى‬
‫التى ابتعدت عن إسلمها ودينها وإيمانها‪ ,‬ليقودوها ِ‬
‫دعم حركة السلم المعاصرة التى استهدفها ك ٌّ‬
‫من النصارى‬
‫ل ِ‬
‫واليهود والملحدة الحاقدين‪.‬‬
‫صفَات التى ظهرت لى فى سيرة عبد الله‬
‫‪ -3‬المهابة‪ :‬ومن ال ِّ‬
‫َ‬
‫بن ياسين أنه كان مهيبًا قويًا شديدًا‪ ،‬فمن الدلة على قوّته البدنية‪،‬‬
‫خوضه الحروب بنفسه وتقدُّمه فى ميدان الفروسية بل جعل من‬
‫منهجه الذى ربى عليه أصحابه فى هذا الجانب قوله تعالى‪﴿ :‬وََأعِدّوا‬
‫خ ْيلِ ُترْهِبُو َن بِ ِه عَدُ ّو الِ َوعَدُ ّوكُمْ﴾ [النفال‪.]60 :‬‬
‫َلهُمْ مّا اسَْتطَعْتُم مّن قُوّ ٍة وَمِن رّبَاطِ اْل َ‬
‫وف َّ‬
‫سر الرسول × القُوَّة ‪ -‬فى هذه الية بالرمى بقوله‪« :‬أل إن‬
‫ال ُقوّة الرمي»(‪ ،)3‬والرمية إن لم تخرج من ساعد قوى ومتين فهى ل‬
‫ة لقت حظًا‬
‫تُحقِّقُ الهدف المطلوب‪ ،‬وفى السنة نجد القُوَّة البدني َّ َ‬
‫جع أصحابه على‬
‫وافًرا‪ ،‬فالرسول × هو أقوى القوياء‪ ،‬وكان يُش ِّ‬
‫اكتساب هذه الصفة‪ ،‬بل ُربَّما كان يباريهم‪ ،‬ويصارعهم‪ ،‬ويسابقهم‪،‬‬
‫وكما تحدثنا السيرة عن ذلك‪ ،‬يروى مرة أنه تسابق × مع عائشة‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة‪ ،‬أحمد القطان‪ ،‬جاسم المهلهل‪ ،‬ص (‪.)20‬‬
‫‪ )(2‬نونية أبي عبد الله القحطاني‪ ،‬ص (‪.)39‬‬
‫‪ )(3‬رواه مسلم رقم (‪.)910‬‬

‫‪22‬‬

‫رضى الله عنها فسبقها مَّرة‪ ،‬ثم سبقته مَّرة‪ ،‬وكذلك تحدثنا‬
‫السيرة عن مصارعته × لحد أصحابه فصرعه‪.‬‬
‫ومَّر × على صبيان يرمون بالسهام؛ فأخذ يرمى معهم‬
‫ويشجعهم ويذكى فيهم روح البطولة وال َّ‬
‫جاعَة والقُوَّة‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫ش َ‬
‫«ارموا فإن أباكم إسماعيل كان راميًا»(‪.)1‬‬
‫وهذه الية والحاديث الفعلية كانت منهج عبد الله بن ياسين‬
‫وأصحابه‪ ،‬ولذلك تظهر لنا صلبة وقُوَّة أتباعه فى ميادين القتال‪.‬‬
‫ن للقُوَّة عام يشمل كل أنوع القُوَّة‪ ،‬قال‬
‫ومفهوم القرآ ِ‬
‫السعدى – رحمه الله – فى تفسير قوله تعالى‪﴿ :‬مّا اسَْتطَ ْعتُم مّن ُقوّةٍ﴾‬
‫أي‪« :‬كل ما تقدرون عليه‪ ،‬من القُوَّة العقلية‪ ،‬والبدنية‪ ،‬وأنواع‬
‫السلحة‪ ,‬ونحو ذلك»‪.‬‬
‫فدخل فى ذلك أنواع الصناعات التى تعمل فيها أصناف‬
‫السلحة واللت‪ ،‬من المدافع والرشاشات والبنادق‪ ،‬والطيارات‬
‫الجوية‪ ،‬والمراكب البرية والبحرية‪ ،‬وال ِقلع‪ ،‬والخنادق‪ ،‬وآلت‬
‫سلِمون‪ ،‬ويندفع‬
‫م ْ‬
‫الدفاع‪ ،‬والرأى والسياسة‪ ،‬التى بها يتقدم ال ُ‬
‫(‪)2‬‬
‫عنهم بها شُر أعدائهم‪ ،‬وتعلم الرمى وال َّ‬
‫جاعَة‪ ،‬والتدبير» ‪.‬‬
‫ش َ‬
‫ّ‬
‫لقد جمع عبد الله بن ياسين – رحمه الله‪ -‬من القُوَّة الفكرية‬
‫أنواعًا متعددة؛ من قُوَّة الدراك‪ ،‬وقُوَّة الصبر‪ ،‬وقُوَّة العلم‪ ،‬وقُوَّة‬
‫التلقي‪ ،‬وغيرها من القوى‪.‬‬
‫ومن هنا يتضح لنا حاجة العاملين فى الحركة السلمية إلى‬
‫هاتين القُوَّتَيْن‪ ،‬البدنية والعقلية وجميع أنواع القوى الفكرية‬
‫لتوظيفها فى الدعوة إلى الله(‪.)3‬‬
‫ولقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة القُوَّة العقلية الفكرية‬
‫وإلى القُوَّة البدنية فى بنيان أمة مجاهدة تحفز للنهوض بعبء‬
‫النضال‪ ،‬فى سبيل عقيدتها وحريتها‪ ،‬وكان من صفات قائدها أن‬
‫الله أعطاه وم َّ‬
‫ن عليه بهاتين القُوَّتَيْن البدنية والعقلية‪ ،‬قال‬
‫سطَ ًة فِى اْل ِعلْمِ وَاْلجِسْمِ﴾ [البقرة‪ .]247:‬فبسطة‬
‫صطَفَا ُه َعلَ ْيكُمْ وَزَادَ ُه بَ ْ‬
‫لا ْ‬
‫تعالى‪﴿:‬إنّ ا َ‬
‫العلم إشارة إلى القُوَّة العقلية‪ ،‬وبسطة الجسم إشارة إلى القُوَّة‬
‫البدنية‪ ،‬قال الشيخ حسن البنا – رحمه الله – فى الصل الول من‬
‫الصول العشرين‪ :‬إن القُوَّة تشمل قُوَّة النسان التى تجعله قويًا‬
‫فى نفسه وبدنه وعقله‪ ،‬وعليه أن يباشر السباب التى تجعله قويًا‪،‬‬
‫ما قُوَّة نفسه فباليمان‪ ،‬وأ َّ‬
‫أ َّ‬
‫ما قُوَّة بدنه فبالرياضة والفروسية‬
‫‪ )(1‬رواه البخاري فتح الباري‪( ،‬ج ‪.)6/431‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة‪ ،‬ص (‪.)22‬‬
‫‪ )(3‬المرجع السابق‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫ونحوها‪ ,‬أما قُوَّة عقله فبالعلم» (‪.)1‬‬
‫سلِم الذى وهبه الله القُوَّة العقلية والفكرية‬
‫م ْ‬
‫والنسان ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ي العزيز الذى أمده بكل خير‬
‫القو‬
‫ة‬
‫و‬
‫ق‬
‫ا‬
‫د‬
‫وأب‬
‫ما‬
‫دائ‬
‫ينسى‬
‫والبدنية ل‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫وفلح وصلح‪ ,‬وما سوى قُوَّة الله‬
‫فهى قُوَّة ضئيلة هزيلة‪ ،‬مهما أوتيت من وسائل البطش والقُوَّة‬
‫والتنكيل‪ ،‬فهى بمثابة خيوط العنكبوت‪﴿:‬وَإ ّن أَوْ َهنَ الْبُيُوتِ لََبيْتُ الْعَنكَبُوتِ َلوْ‬
‫كَانُوا يَ ْع َلمُونَ﴾ [العنكبوت‪.)2(]41:‬‬
‫قال سيِّد قُطب – رحمه الله – فى ظلله‪« :‬وإن أصحاب‬
‫الدعوات‪ ،‬الذين يتعرضون للفتنة والذى والغراء والغواء‬
‫لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة‪ ،‬ول ينسوها لحظة‪،‬‬
‫حقَهم‬
‫س ْ‬
‫وهم يواجهون القوى المختلفة المعادية‪ ،‬التى تحاول َ‬
‫(‪)3‬‬
‫وإبادتهم‪ ،‬كلها خيوط عنكبوت فى حساب العقيدة الصحيحة» ‪.‬‬
‫عيم الدينى‬
‫صفَات الفطرية التى تميز بها الَّز ِ‬
‫‪ -4‬المانة‪ :‬ومن ال ِّ‬
‫لدولة المرابطين المانة‪ ،‬فحين وجد الفقيه عبد الله بن ياسين أن‬
‫ملَثَّمين‪ ،‬لم‬
‫القلوب التفت حوله‪ ،‬وأصبح المَر الناهى فى قبائل ال ُ‬
‫يُنافِس المير يحيى بن إبراهيم فى منصبه‪ ،‬بل نجده لم يتجاوز‬
‫حدوده‪ ،‬ولم يتد َّ‬
‫سلطات المير يحيى مع مقدرته على‬
‫خل فى ُ‬
‫إزاحته وإبعاده من الطريق ليتبوأ الزعامة السياسية والدينية م ًعا‪،‬‬
‫وهذا يد ُّ‬
‫ل على أمانة الداعية الفقيه عبد الله بن ياسين‪ ,‬والمانة‬
‫صفة مهمة للعاملين فى الحركة السلمية‪ ،‬فهى ذات أنوار تشع‬
‫على من حول الدعاة إلى الله فتجذبهم للنخراط فى ميادين‬
‫العمل السلمى الواسعة والمحتاجة لكل جهد وشخص مخلص‬
‫لهذا الدين‪.‬‬
‫والمانة تحتاج إلى أشخاص أقوياء لحملها‪ ,‬ومفهوم المانة فى‬
‫القرآن واسع جدًا‪.‬‬
‫وقد وصف الله المؤمنين الذين نالوا الفلح فى الدنيا والخرة‬
‫وورثوا جنة الفردوس بصفات منها المانة‪.‬‬
‫قال تعالى‪﴿:‬وَالّذِينَ هُمْ لمَانَاِتهِمْ َو َعهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون‪.]8 :‬‬
‫يقول سيِّد قُطب – رحمه الله – فى تفسير هذه الية‪:‬‬
‫«وراعون لماناتهم وعهدهم أفرادًا‪ ،‬وراعون لماناتهم وعهدهم‬
‫جماعة‪ ،‬والمانات كثيرة فى عنق الفرد‪ ،‬وفى عنق الجماعة‪،‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬رسالة التعاليم‪ ,‬ص (‪.)10‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة‪ ،‬ص (‪ ,)22‬نقل ً عن طريق الدعوة فى الظلل‪.‬‬
‫‪ )(3‬انظر‪ :‬الظلل‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬نقل ً عن الصفات اللزمة لصحاب الدعوات‪ ،‬ص (‬
‫‪.)22‬‬

‫‪24‬‬

‫سلِمة مسئولة عن أماناتها العامة‪ ،‬عن عهدها مع‬
‫م ْ‬
‫والجماعة ال ُ‬
‫الله تعالى‪ ،‬وما يترتب على هذا العهد من تبعات‪ ،‬والنص يحمل‬
‫التعبير ويدعه يشمل كل أمانة‪ ،‬وكل عهد‪ ,‬ويصف المؤمنين بأنهم‬
‫لماناتهم وعهدهم راعون‪ ،‬فهى صفة دائمة لهم فى كل حين‪ ،‬وما‬
‫تستقيم حياة الجماعة إل أن تُؤدَّى فيها المانات وتُرعَى فيها‬
‫العهود»(‪.)1‬‬
‫فعبد الله بن ياسين – رحمه الله – اتصف بالمانة فعظم شأنه‬
‫سلِمين؛ لنَّه كان أمينًا فى نفسه‬
‫م ْ‬
‫فى نظر أتباعه وفى تاريخ ال ُ‬
‫ومع إخوته‪ ،‬وحمل أمانة السلم‪ ،‬وبذل كل ما فى وسعه‪ ،‬وتحَّرك‬
‫بمنهج الله فى دنيا النَّاس لتحكيم شرع الله‪ ،‬فأكسبته هذه الصفة‬
‫فى نفوس النَّاس قبولً‪.‬‬
‫جبل عليها عبد الله‬
‫‪ -5‬الحياء‪ :‬والصفة الخامسة الفطرية التى ُ‬
‫بن ياسين‪ ,‬الحياء الذى هو شعبة من ُ‬
‫ب اليمان‪ ،‬ويظهر ذلك‬
‫شعَ ِ‬
‫جليًا عندما طلب شيخه منه الذهاب مع يحيى ابن إبراهيم للدعوة‬
‫فلم يعارض ولم يناقش بل استجاب لشيخه‪ ,‬كما نلحظ ذلك فى‬
‫سيرته مع يحيى بن إبراهيم الذى تملك قلبَه ح ُّ‬
‫ب عبد الله بن‬
‫ياسين وأسر فؤاده بإحسانه وكرمه وحرصه على دعوة النَّاس‬
‫لدين الله‪ ،‬فعندما عرض المير يحيى على عبد الله بن ياسين‬
‫رِبَاطًا فى ضفاف نهر السنغال أجابه عبد الله بن ياسين الذى كان‬
‫ما على ترك جدالة ولمتونة؛ لما أصابه من عنتهم وظلمهم‬
‫عاز ً‬
‫وجورهم فى بداية دعوته لهم‪ .‬وعَّرف العلماء الحياء فقالوا‪« :‬‬
‫أصل الستحياء النقباض عن الشيء والمتناع منه خوفًا من‬
‫مواقعة القبيح»(‪.)2‬‬
‫وقال الجنيد‪« :‬إن الحياء يتولد من مشاهدة النعم ورؤية‬
‫التقصير»(‪.)3‬‬
‫ف بها النبلء‬
‫ص ُ‬
‫صفَات الرائعة التى يت َّ ِ‬
‫فالحياء من المعانى وال ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫والشرفاء من النَّاس‪ ,‬وكان الرسول × أشد ّ الن ّاس حياءً‪ ,‬وقد‬
‫وصفه ال َّ‬
‫حابِى الجليل أبو سعيد‬
‫ص َ‬
‫خد َ ُّ‬
‫ري بقوله‪« :‬كان رسو ُ‬
‫ل اللهِ × أشد َّ حياءً من العذراء فى‬
‫ال ُ‬
‫(‪)4‬‬
‫خدرها‪ ،‬فإذا رأى شيئًا يكرهه عَرفناه فى وجهه» ‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫وقال رسول الله ×‪« :‬الحياء ل يأتى إل بخير» (‪ ،)5‬ومن الحياء‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬
‫‪) (4‬‬
‫‪) (5‬‬

‫فى ظلل القرآن‪ ,‬ص (‪.)2456‬‬
‫الصفات اللزمة لحياة الدعاة‪ ,‬ص (‪.)27-26‬‬
‫المرجع السابق نفسه‪ ,‬ص (‪.)27-26‬‬
‫البخاري‪ ،‬فتح الباري‪( ,‬ج ‪.)12/151‬‬
‫رواه البخاري (‪.)6117‬‬

‫‪25‬‬

‫غ ُّ‬
‫ض البصر‪ ،‬وخفض الجناح‪ ،‬وعدم رفع الصوت إل فى وجه‬
‫الباطل‪.‬‬
‫فعلى العاملين فى الدعوة إلى الله أن يُلزموا هذه الصفة‬
‫الجميلة‪.‬‬
‫فالحياء المطلوب فى صفة الداعية والذى تدعو إليه الشريعة‬
‫وتح ُّ‬
‫ث عليه‪ ،‬هو الذى يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصى والوقوع فى‬
‫ُ‬
‫ث صاحبه على العمل الدَّءُوب للسلم‪،‬‬
‫الثام‪ ،‬وفى نفس الوقت يح ّ‬
‫قّ والذَّود عنه‪ ،‬والوقوف أمام الباطل بشتى أنواعه‪.‬‬
‫ومناصرة الح ِ‬
‫قال رسول الله ×‪« :‬اليمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول‬
‫ل إله إل الله‪ ,‬وأدناها إماطة الذى عن الطريق‪ ،‬والحياء شعبة من‬
‫اليمان»(‪.)1‬‬
‫صفة الفاضلة لبُد َّ منها فى أخلق‬
‫إن هذا الخلق الكريم وال ِّ‬
‫الدُّعاة الربَّانيين ول يمنعهم هذا الخلق أن يُفّرِطوا فى طلب‬
‫َ‬
‫سل ّم الفضائل‪ ،‬والوصول إلى الغايات‬
‫معالى المور والصعود على ُ‬
‫النبيلة من تفقه فى الدين وتعلم العلم والحرص عليه‪.‬‬
‫م النساء نساء النصار‪،‬‬
‫فعن عائشة –رضى الله عنها‪ -‬قال‪« :‬ن‪ِ2‬ع َ‬
‫لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين»( )‪.‬‬
‫صفَات الفطرية التى‬
‫‪ -6‬الحلم‪ :‬والصفة السادسة من ال ِّ‬
‫يلحظها الباحث فى حياة الفقيه عبد الله بن ياسين هى صفة‬
‫حلم‪ ،‬فنجده عندما تمكَّن من قبائل جدالة ولمتونة التى حاربت‬
‫ال ِ‬
‫دعوته عفا عنها وأحسن إليها‪ ،‬وكل من انصاع لحكام الله من‬
‫المخالفين والمحاربين له عفا عنه‪.‬‬
‫والحلم كما هو معلوم سيد الخلق؛ فالحليم هو الذى يتحمل‬
‫أسباب الغضب‪ ,‬فيصبر ويتأنى‪ ,‬ول يثور‪.‬‬
‫من هنا ينبغى على الداعية أن يمل صدره بالحلم‪ ,‬لن طريق‬
‫الدعوة محفوفة بالمكاره‪ ،‬والمتاعب واليذاء‪ ،‬والبطش‪،‬‬
‫والسخرية‪ ،‬وهذه كلها عقبات تزدحم فى وجه الداعية والدعاة إلى‬
‫الله(‪.)3‬‬
‫من حلم رسله‬
‫ولقد ضَرب الله لنا فى كتابه العزيز نماذج ِ‬
‫وسعة صدورهم على ما لقوه من إيذاء وابتلء من قَومهم‪ ،‬قال‬
‫تعالى عن هُود عليه السلم‪﴿ :‬قَالَ اْل َملُ الّذِي َن َك َفرُوا مِن قَو ِم ِه إِنّا لََنرَاكَ فِى سَفَا َهةٍ‬
‫ي أَُبلّ ُغكُمْ‬
‫وَإِنّا لََنظُّنكَ ِمنَ اْلكَاذِبِيَ قَا َل يَا قَوم َليْسَ بِى سَفَاهَةٌ وََلكِنّى َرسُولٌ مّن ّربّ الْعَاَلمِ َ‬
‫‪ )(1‬رواه مسلم رقم (‪.)35‬‬
‫‪ )(2‬رواه مسلم (ج ‪.)1/261‬‬
‫‪ )(3‬انظر ‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة إلى الله‪ ،‬ص (‪.)30‬‬

‫‪26‬‬

‫صحٌ َأمِيٌ ﴾ [العراف‪.]68-66 :‬‬
‫ِرسَا َلتِ َربّى َوأَنَا َلكُ ْم نَا ِ‬
‫َّ‬
‫صورت لنا هذه اليات مقدار الحلم الذى يتصف به هود عليه‬
‫السلم وسعة صدره‪ ،‬حيث لم يعبأ بهذا السباب‪ ،‬وبهذه السخرية‬
‫والشتائم‪ ،‬ولم يطش لها حلمه‪ ،‬بل قابل هذه الشتائم والسباب‬
‫والسخرية بدعوة التوحيد‪ ،‬وو َّ‬
‫ضح لهم مهمة رسالته وأخيًرا نصحهم‬
‫بالحسنى وأنَّه أمين على ذلك‪.‬‬
‫أ َّ‬
‫صا إذا‬
‫ما رسول الله × فكان حلمه‪ ،‬يفوق حد التصوُّر‪ ،‬وخصو ً‬
‫علمنا أن حلمه‪ ،‬كان مع القدرة على البطش وردِّ الفعل بأنكى‬
‫وأعتى‪ ،‬فقد روى أنس بن مالك قال‪« :‬كنت أمشى مع رسول‬
‫الله ×‪ ,‬وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية‪ ،‬فأدركه أعرابي‪ ،‬فجذبه‬
‫ت إلى صفحة عاتق رسول الله ×‬
‫بردائه جذبة شديدة حتى نظر ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد‪,‬‬
‫م‬
‫«يا‬
‫قال‪:‬‬
‫ثم‬
‫جذبته‬
‫شدة‬
‫وقد أثَّرت بها حاشية الرداء من‬
‫ُ َ‬
‫ت إليه فضحك‪ ،‬ثم أمر له‬
‫مْر لى من مال الله الذى عندك‪ ،‬فالتف َ‬
‫ُ‬
‫بعطاء»(‪.)1‬‬
‫إن الدعاة إلى الله تعالى الذين يسعون لقامة شرع الله على‬
‫منهج النبوة الخالد‪ ،‬لمحتاجون إلى هذه الصفة الرفيعة فى‬
‫حركتهم الدائبة والمستمرة‪ ،‬وإن كتب التَّارِيخ السلمى تبين لنا أن‬
‫ما وأبدًا تكون هذه الصفة بارزة فى‬
‫طلئع الفتح والتَّمكين دائ ً‬
‫صفوفهم‪.‬‬
‫‪ -7‬الجاذبية الفطرية‪ :‬وهذه الصفة بارزة للعيان فى شخصية‬
‫الفقيه عبد الله‬
‫ُ‬
‫ابن ياسين وبها جذ َب قلوب أبناء الصنهاجيين بدون تكل ّف‪ ,‬وهى‬
‫من أقوى العناصر التى تكونت منها شخصية الفقيه ابن ياسين‪.‬‬
‫من جالسوه وسمعوا حديثه من‬
‫لقد استطاع أن يملك قلوب َ‬
‫أمثال يحيى بن إبراهيم‪ ،‬ويحيى بن عمر‪ ،‬وأبى بكر بن عمر‪،‬‬
‫وغيرهم من قادة الصنهاجيين وشيخوخهم‪ ،‬ول ش َّ‬
‫ك إن ما ذكرناه‬
‫صفَات المهمة فى شخصية الداعية هى من العطايا‬
‫من هذه ال ِّ‬
‫العظيمة التى يهبها الله لفئة من عباده الذين أخلصوا القول‬
‫والعمل‪.‬‬
‫سكِى َو َمحْيَايَ وَ َممَاتِى‬
‫صلَتِى وَنُ ُ‬
‫وكان قول الله تعالى متمثل ً فيهم‪ُ ﴿:‬ق ْل إ ّن َ‬

‫سلِمي﴾ [النعام‪.]162،163 :‬‬
‫ك أُ ِم ْرتُ وَأَنَا أَ ّولُ الُ ْ‬
‫ي لَ َشرِيكَ َلهُ وَبِذَِل َ‬
‫لِ َربّ اْلعَاَلمِ َ‬

‫ب ‪ -‬من الصفات المكتسبة فى شخصية الفقيه ابن‬
‫ياسين‪:‬‬
‫‪ )(1‬أخرجه البخاري فى الفتح (‪ ،)7/63‬والحديث (‪.)3149‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -1‬الصدق‪ :‬وظهر ذلك فى أقواله وأفعاله ومخالطته لِلنَّاس‪،‬‬
‫فكان صادقًا فى دعوته وفى عرضها‪ ،‬وفى مخاطبته لِلنَّاس‪ ،‬ول‬
‫يهاب أحدًا‪ ,‬ول يخشى فى الله لومة لئم‪ ،‬ول همزة هماز‪ ،‬ول‬
‫لمزة ل َّ‬
‫ماز‪.‬‬
‫ولمس النَّاس صدقه فى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر‪,‬‬
‫وفى حربه للبدع‪ ,‬وفى تعليمه لِلنَّاس وجهاده فى سبيل الله فتأثر‬
‫أتباعه به غاية التأثر‪.‬‬
‫ُّ‬
‫وحثنا القرآن الكريم على التخلق بهذه الصفة فقال تعالى‪﴿:‬يَا‬

‫أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا اتّقُوا الَ َوكُونُوا َمعَ الصّادِقِيَ﴾ [التوبة‪.]119 :‬‬

‫وكانت التوجيهات النبوية الكريمة للصحابة رضوان الله عليهم‬
‫صدْق‪ ،‬فعن ابن مسعود ‪ ,‬عن النبى × أنه قال‪:‬‬
‫تحثُّهم على ال ِّ‬
‫صدْق يهدى إلى البر‪ ،‬وإن البَّر يهدى إلى الجنَّة‪ ،‬وإن الَّرجل‬
‫«إن ال ِّ‬
‫(‪)1‬‬
‫صدْق حتى يكتب عند الله صديقًا» ‪.‬‬
‫ليصدُق ويتحرى ال ِّ‬
‫صدْق من أهم صفات المنتسبين للعمل السلمى‬
‫ويُعتَبَُر ال ِّ‬
‫القائمين بإرشاد النَّاس إلى دين الله‪ ،‬فليعلم ذلك كل داعية‪ ،‬وليِع‬
‫صدْق‪ ،‬كما قال تعالى‪﴿:‬وَالّذِى جَاءَ بِالصّ ْدقِ‬
‫ما أن دعوته جاءت بال ِّ‬
‫تما ً‬
‫َوصَ ّدقَ ِب ِه أُوَلِئكَ هُمُ اْلمُتّقُونَ﴾ [الزمر‪.]33:‬‬
‫خون حتى الذين طعنوا فى دولة المرابطين‬
‫مؤَّرِ ُ‬
‫وقد شهد ال ُ‬
‫على صدق زعيمها‬
‫ملَثَّمين‬
‫عبد الله بن ياسين‪ ،‬لقد ساد ابن ياسين فى قبائل ال ُ‬
‫بصدقه فى دعوته‪.‬‬
‫‪ -2‬ضبط النفس والبتعاد عن التهور والنفعال‪ :‬ويظهر ذلك‬
‫جليًا فى شخصية ابن ياسين عندما باشر المير يحيى بن عمر‬
‫اللمتونى القتال‪ ,‬وأمضى الحرب بنفسه فأدَّبه ابن ياسين وضربه‬
‫بالسوط عشرين مرة‪ ,‬وبيَّن له أن ذلك خطأ‪ ،‬لن المير ل يقاتل‬
‫وإنَّما يقف يُحّرِض النَّاس ويُقوِّى نفوسهم فإن حياة المير حياة‬
‫عسكره‪ ،‬وموته فناء جيشه‪.‬‬
‫واعتبََر عبد الله بن ياسين إقدام المير يحيى على القتال فيه تهور‬
‫وعدم ضبط النفس‪.‬‬
‫كما يد ُّ‬
‫ل على ضبط نفس الفقيه ابن ياسين‪ ،‬وابتعاده عن‬
‫التَّهَوُّر أنه لم يعلن الجهاد حتى أعد َّ عُدَّتَه‪ ،‬واستكمل أمره وأخذه‬
‫بمراحله‪ ،‬وربى رجاله‪ ،‬ولذلك عندما خاض جهاده كان موفقًا‬
‫‪ )(1‬أخرجه البخاري في الفتح (‪ ،)13/121‬الحديث (‪.)2094‬‬

‫‪28‬‬

‫منصوًرا‪ ،‬ولم تستطع القُوَّة المعارضة له أن تقضى عليه(‪.)1‬‬
‫إن الداعية يتعرض أثناء قيامه بعمله الصلحي‪ ،‬إلى كثير من‬
‫َ‬
‫الجدال والتحدى والذى‪ ،‬فعليه أن يتحل ّى بالصبر‪ ،‬وضبط النفس؛‬
‫لن طريق الدعوة كما هو معروف طويل ويحتاج إلى صبر حتى‬
‫الوصول إلى نهايته‪.‬‬
‫فعملية ضبط النفس وعدم التَّهَوُّر والسراع فى تهدئة الجو‬
‫مد ُ عقباه‪.‬‬
‫مطلوب من الداعية قبل التوُّرط فيما ل تُح َ‬
‫محددة تقى صاحبها من مغبة‬
‫إن ضبط النفس يتم بموازين ُ‬
‫انسياقه وراء ما يصوِّر له خياله‪ ،‬ويراه فى نظره هو السلم‬
‫فعندئذٍ يغضب‪ ،‬ويندفع ويتعجل المور فيتوَّرط‪ ,‬ولقد ذكر لنا‬
‫القرآن قصة تعطى هذه المعاني‪ ،‬وتصوُِّرها لنا تصويًرا كأنَّنا نلمسه‬
‫ث لَنَا َم ِلكًا‬
‫ونشاهده‪ ،‬تلك قصة المل من بنى إسرائيل‪ِ﴿:‬إذْ قَالُوا ِلنَِبيّ ّلهُمُ اْبعَ ْ‬
‫نّقَاِتلْ فِى سَبِيلِ الِ﴾[البقرة‪.]246 :‬‬
‫وفى هذه القصة عبر وعظات‪ ،‬فإن أشد َّ النَّاس حماسة‬
‫واندفاعًا وتهوًرا‪ ،‬قد‬
‫ضا للعهد‪﴿:‬قَالَ َهلْ عَسَ ْيتُمْ‬
‫يكون أشد النَّاس جزعًا وانهياًرا وهزيمة ونق ً‬
‫ل وَقَ ْد ُأ ْخ ِرجْنَا مِن دِيَارِنَا‬
‫ب َعلَ ْيكُمُ اْلقِتَالُ َألّ ُتقَاِتلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا َأ ّل نُقَاِتلَ فِى سَبِيلِ ا ِ‬
‫إِن كُتِ َ‬
‫ل َعلِي ٌم بِالظّاِلمِيَ﴾ [البقرة‪.]246 :‬‬
‫ب َعلَ ْيهِمُ الْ ِقتَالُ تَ َولّوْا ِإلّ َقلِيلً مّ ْنهُمْ وَا ُ‬
‫وَأَبْنَاِئنَا َف َلمّا كُتِ َ‬
‫َ‬
‫وهكذا نكثوا وعدهم‪ ،‬وتفل ّتوا من الطاعة‪ ،‬ونكصوا عن التكليف‪،‬‬
‫دّرون الظروف‪ ،‬ول‬
‫وهذا شأن المتهورين المتسّرِعين‪ ،‬الذين ل يُق ِ‬
‫يحسبون الصحيح ول يعرفون قيمة للتكاليف الملقاة على‬
‫عاتقهم(‪.)2‬‬
‫ورحم الله الشيخ حسن البنا حيث يقول‪« :‬أيُّها الخوان‬
‫سلِمون‪ ،‬وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم‪ ،‬اسمعوها منى‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر ‪ -‬فى مؤتمركم هذا الجامع‪-‬‬
‫إن طريقكم هذا مرسومة خطواته‪ ,‬موضوعة حدوده‪ ،‬ولست‬
‫مخالفًا هذه الحدود التى اقتنعت كل القتناع بأنَّها أسلم طريق‬
‫من أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها‪ ،‬أو يقطف‬
‫للوصول‪ ،‬ف َ‬
‫زهرة قبل أوانها‪ ،‬فلست معه فى ذلك بحال‪ ،‬وخير له أن ينصرف‬
‫عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات‪ ...‬ألجموا نزوات‬
‫العواطف‪ ،‬بنظرات العقول‪ ،‬وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف‪،‬‬
‫وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع‪ ،‬واكتشفوا الحقائق فى‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬روض القرطاس ص (‪.)80-79‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة‪ ,‬ص (‪.)44‬‬

‫‪29‬‬

‫أضواء الخيال الزاهية البَراقة‪ ،‬ول تميلوا ك َّ‬
‫ل الميل فتذروها‬
‫ّ‬
‫كالمعلقة‪ ،‬ول تصادموا نواميس الكون‪ ،‬فإنها غلبة‪ ،‬ولكن غالبوها‪،‬‬
‫واستخدموها‪ ،‬وحوّلوا تيارها‪ ،‬واستعينوا ببعضها على بعض‪ ،‬وترقَّبوا‬
‫ساعة النصر وما هى منكم ببعيد»(‪.)1‬‬
‫فينبغى على العاملين فى الحركة السلمية أن يُد ْ ِركُوا هذا‬
‫جيدًا‪ ,‬ويتركوا عنهم الحماس المتهوِّر‪ ،‬ويتفهموا أصول العمل‪,‬‬
‫ويُدْرِكُوا الواقع الذى يحيط بهم‪ ,‬وينبذوا المجازفات الفاشلة؛ إن‬
‫واقعنا المعاصر يحتاج إلى صفة ضبط النفس وعدم التَّهَوُّر‬
‫للعاملين فى الدعوة إلى الله عز وجل‪.‬‬

‫‪ -3‬الرادة القوية‪:‬‬
‫سلِمون وغيرهم أن ابن ياسين – رحمه‬
‫مؤَ ّ ِر ُ‬
‫م ْ‬
‫خون ال ُ‬
‫لقد شهد ال ُ‬
‫الله تعالى – كان ذا همة وعزيمة ل تهزها الجبال‪ ,‬آمن بسموِّ‬
‫دعوته‪ ,‬وقدسيَّة فكرتِه‪ ،‬وعزم على أن يعيش لها ويموت فى‬
‫سبيلها‪ ،‬وأدَرك أن المانة التى يحملها ودخل بها الصحراء الكبرى‬
‫تبعتها عظيمة؛ فعليه أن يصبر فى عزيمة قوية‪ ،‬وإيمان ثابت‬
‫ويقين ل يدخله تردد ول شك‪.‬‬
‫م على العمل الجاد وأخذ َ بقُوَّة وعزم ومثابرة ومصابرة‬
‫فداو َ‬
‫َ‬
‫حتى تحقق إعزاز دين الله فى تلك الصحارى القاحلة المقفرة‬
‫الخالية من العلماء والفقهاء‪ ،‬فأصبحت بفضل الله ثم بجهده‬
‫وجهاده مليئة بالدعاة والفقهاء والعلماء والمجاهدين‪.‬‬
‫فينبغى علينا ونحن فى طريق الدعوة سائرون أن نأخذ أمر‬
‫الدعوة بقُوَّة‪ ،‬وإرادة قوية وعزيمة ماضية‪ ،‬وهمة متطلعة للمعالي‪،‬‬
‫ونترك حياة الرخاء واللين والدعة‪ ،‬ونقتدى بسيد الدعاة الرسول‬
‫× فى عزمه وقُوَّة إرادته‪ ،‬وجمال صبره وشدة تحمله‪ ،‬وعظم‬
‫حلمه‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الصفات العقلية التى ظهرت فى شخصية ابن ياسين‪:‬‬
‫‪ -1‬القدرة على الفهم والستيعاب‪ :‬استطاع ابن ياسين أن‬

‫ميَّة التى كانت فى زمانه من فقه‬
‫يفهم ويستوعب المناهج العِل ِ‬
‫وحديث ولغة وأصول وغيرها من العلوم حتى تأهَّل لن يكون أهلً‬
‫َ‬
‫لحمل الرسالة التى كل ّفه بها شيوخه‪ ،‬كما انجلى لى قدرته على‬
‫فهم واقعه الذى يريد تغييره وحدد أولويات المرحلة التى هو فيها‬
‫وشرع فى إصلحها‪ ،‬كما أنه استوعب الظروف السياسية فى‬
‫زمانه‪ ,‬واستطاع أن يستفيد منها لدعوته‪.‬‬
‫‪ )(1‬مجموعة الرسائل‪ ،‬لحسن البنا‪ ,‬ص (‪.)180‬‬

‫‪30‬‬

‫فينبغى على العاملين فى الدعوة السلمية أن يكون لهم وعى‬
‫سياسى بواقعهم‪ ،‬وخبرة بالساليب الحركية والتنظيمية‪ ,‬ومهارة فى‬
‫التخطيط المنظم المتزن حتى نستطيع أن نواجه العدوان الشرس‬
‫مو َّ‬
‫جه لمتنا السلمية ونتصدى له بأسلوب كله حكمة وحنكة‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫ومن هنا يتوجب على الخ الداعية‪ ،‬أن تكون عنده قدرة على‬
‫الفهم والتجارب والسرعة فى التنفيذ‪ ،‬وأن يتسلح بالمعرفة‬
‫التا َّ‬
‫مة‪ ،‬وأن يفهم دعوته حق الفهم كى يستطيع أن يُبلغَها حق‬
‫ُ‬
‫ب يخدعني»‪.‬‬
‫ب‪ ,‬ول ال ِ‬
‫التبليغ‪ ،‬قال عمر ‪« :‬لست بال ِ‬
‫خ ّ‬
‫خ ِّ‬

‫‪ -2‬النظر الثاقب والقدرة على الوصول للقرار الحاسم‬
‫دون تردد‪:‬‬
‫ويظهر ذلك فى سيرة الفقيه عبد الله بن ياسين عندما طلب‬
‫فقهاء سجلماسة ودرعة فى عام ‪447‬هـ منه القدوم ليخلصهم‬
‫من الحكام والطغاة الظلمة من زناتة المغراويين‪ ،‬ومن أميرهم‬
‫مسعود بن أنودين‪ ،‬فجمع ابن ياسين شيوخ قَومه وقرأ عليهم‬
‫رسالة فقهاء سجلماسة‪ ،‬فأشاروا عليه بمدِّ يد العون لهم‪ ،‬وقالوا‬
‫له‪:‬‬
‫«أيها الشيخ الفقيه هذا ما يلزمنا فسر على بركة الله»؛ فأخذ‬
‫قراره الحاسم‪ ,‬وتحركت جموع المرابطين فى شهر صفر سنة‬
‫‪447‬هـ إلى بلد درعة‪ ،‬واشتبكت مع المغراويين الذين انهزموا‬
‫أمام المرابطين وتشتت جموعهم‪ ,‬ودخل ابن ياسين سجلماسة‪،‬‬
‫وأصلح أحوالها وقدَّم عليها عامل ً من أتباعه وجعل فيها حامية من‬
‫جنوده ورجع إلى الصحراء(‪.)1‬‬
‫فعلى العاملين فى الدعوة السلمية‪ ,‬التصاف بصفة النظر‬
‫الثاقب‪ ،‬وسرعة اتخاذ القرار الحاسم دون أى تردد‪ ،‬ودون أى‬
‫ريب‪ ،‬لأن الداعية الربانى ينظر بنور الله‪ ،‬وهذا النُّور اللهي‪ ،‬إذا‬
‫ح َّ‬
‫ل فى قلب المؤمن يول ِّد فيه البصيرة الثاقبة‪ ,‬التى يعرف بها‬
‫الحقائق‪ ،‬ويزن بها المور‪ ،‬ويدر ُ‬
‫صعاب(‪َ﴿ .)2‬يهْدِى الُ ِلنُورِ ِه مَن‬
‫ك بها ال ِّ‬
‫يَشَاءُ ﴾ [النور‪.]35:‬‬

‫د ‪ -‬الصفات الحركية التى ظهرت للباحثين فى شخصية‬
‫ابن ياسين‪:‬‬
‫‪ -1‬الشعور بالمسئولية‪:‬‬
‫وبدأ الشعور بالمسئولية فى حياة ابن ياسين منذ أن رغب فى‬
‫‪ )(1‬تاريخ المغرب والندلس فى عصر المرابطين‪ ,‬حمدي عبد المنعم‪ ،‬ص (‪.)42‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة إلى الله‪ ,‬ص (‪.)63‬‬

‫‪31‬‬

‫التحصيل والتزوُّد للعلم والستعداد للدعوة‪ ,‬وازداد ظهور ذلك فى‬
‫شخصيته عندما دخل مع المير يحيى ابن إبراهيم فى قبائل‬
‫ملَثَّمين حيث تولد فى أعماقه شعور بمسئولية الدعوة فى هذه‬
‫ال ُ‬
‫المة الجاهلة من قبائل صنهاجة‪ ،‬وكان شعوًرا جرى فى عروقه‬
‫جريان الدم‪ ،‬فأح َّ‬
‫س بعظمة التكليف‪ ,‬وأعباء المسئولية فقام‬
‫بأدائها خير أداء‪.‬‬
‫إن المة السلمية فى هذه اليام بمسيس الحاجة إلى العناصر‬
‫التى تتحرك ذاتيًا نحو مسئوليتها‪ ،‬وبحاجة إلى عناصر تتقد نفوسها‬
‫سا بواجباتها السلمية‪ ،‬وبحاجة إلى عناصر يغلى‬
‫شعوًرا وإحسا ً‬
‫فيها الشعور لهذا الدِّين‪ ،‬وهى تريد عناصر ل يهدأ تفكيرها للعمل‬
‫لهذا الدين ساعة من ليل أو نهار‪.‬‬
‫فالشعور بالمسئولية أمر لبُد َّ منه لكل داعية نذر نفسه لله‬
‫ولرسوله ولدينه‪ ،‬وعليه أن يتحرك فى هذه الحياة بمقدار ما‬
‫يحمله من مسئولية‪ ,‬لن حياة الداعية هى التحرك للسلم ل‬
‫القعود ول الهمود(‪.)1‬‬
‫وقد أحسن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوى عندما قال‪:‬‬
‫ل السكون ول الهمود‬

‫ت الحيلة هى‬
‫قل ُ‬
‫التحرك‬
‫وهى الجهاد وهل يجاهد‬

‫من تعلق بالقعود‬

‫وهى التلذذ بالمتاعب‬

‫ل التلذذ بالرقود‬

‫هى أن تذود عن‬
‫الحياض‬
‫هى أن تحس بأن كأس‬

‫وأى حر ل يذود‬
‫الذل من ماء صديد‬

‫هى أن تعيش خليفة‬

‫تسود‬

‫(‪)2‬‬

‫‪ -2‬النظام والدقة‪:‬‬
‫وظهرت صفة النظام والدقة فى شخصية الفقيه ابن ياسين‬
‫عندما تكاثر عدد المريدين فى رباطه الذى اتخذه قريبًا من نهر‬
‫السنغال؛ حيث وضع شروطًا فى قبول كل جديد كى يحفظ صفو‬
‫سا وأوفرهم‬
‫م َ‬
‫ملَثَّمين نف ً‬
‫خّرِبين‪ ،‬فكان ينتقى أطهر ال ُ‬
‫جماعته من ال ُ‬
‫من توفرت فيه الشروط‬
‫قُوَّة وأقدرهم على تحمل المشاق‪ ،‬و َ‬
‫واجتاز التجربة بنجاح يتولى تعليمه وتثقيفه من قرآن وسنة‬
‫‪ )(1‬المصدر السابق‪ ,‬ص (‪.)73-72-71‬‬
‫‪ )(2‬الصفات اللزمة للدعاة إلى الله‪ ،‬ص (‪.)73‬‬

‫‪32‬‬

‫وتفسير وحديث وأحكام الدين(‪.)1‬‬
‫وأصبح رباطه قمة فى النظام والدقة‪ ,‬واختار لدارته أحد‬
‫المراء‪ ،‬وفى المور المهمة كان المر شورى بين الجماعة‬
‫السلمية المرابطة(‪.)3‬‬
‫حثَّنا على النظام فى كل شيء‪ ،‬ومن‬
‫إن ديننا السلمى َ‬
‫التطبيقات العملية على ذلك نأخذ مثال السفر‪ ،‬حيث أمر السلم‬
‫الركب إذا كانوا ثلثة أن يؤمروا عليهم أميًرا‪ ،‬حتى ل يختلفوا فى‬
‫صا أن السفر‪ ,‬كما قال الرسول‬
‫الطريق وتتبعثر جهودهم‪ ،‬خصو ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫×‪ ,‬قطعة من العذاب‪ ،‬فعملية التنظيم واختيار المير‪ ،‬ل ش ّ‬
‫ك أن ّها‬
‫عملية تريح المسافرين من أعباء كثيرة‪ ،‬قال ×‪« :‬إذا خرج ثلثة‬
‫فى سفر فليؤمروا أحدهم»(‪ .)2‬فلبُد َّ إذا ً من تعويد النفس وضبطها‬
‫سلِم ل يتربى تربية منظمة‪ ,‬إل إذا كان فى‬
‫م ْ‬
‫على النظام‪ ،‬فال ُ‬
‫جماعة منظمة ذات ارتباط ونظام ودقة فى كل شيء‪ ,‬وفى كل‬
‫أمر‪ ،‬كما أن هذه الجماعة لها هدف جماعي‪ ،‬يتحقق بتعاون الفرد‬
‫وانصهاره فى بوتقة الطاعة والنظام(‪.)3‬‬

‫‪ -3‬القدرة على التعامل مع الناس‪:‬‬
‫تميَّزت شخصية الفقيه ابن ياسين بمقدرته فى تعامله مع‬
‫أصناف النَّاس من أمراء وعوام وتجار وغيرهم من طبقات‬
‫مع الصنهاجي‪ .‬كان ‪ -‬رحمه الله‪ -‬رقيق الشعور‪ ،‬ثائر‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ال ُ‬
‫العاطفة‪ ،‬يقظ القلب‪ ،‬بعيد المال‪ ،‬كبير المطامح فى الصلح‪،‬‬
‫وكان كل همه أن ينتفع النَّاس بعلمه ودعوته‪ ،‬ولذلك اختلط‬
‫بالنَّاس ودرس أخلقهم وطبيعتهم عن كثب‪ ،‬وكان فى خطابه‬
‫لِلنَّاس متحليًا بمكارم الخلق بعيدًا عن التجريح والساءة‪.‬‬
‫جا فى أسلوبه ودعوته متمثل ً بقول الله‬
‫واتخذ من القرآن منه ً‬
‫ح ْكمَةِ وَاْلمَ ْو ِع َظةِ اْلحَسَنَةِ َوجَادِْلهُمْ بِالّتِى ِهيَ‬
‫ع إِلَى سَبِيلِ َرّبكَ بِاْل ِ‬
‫تعالى‪﴿ :‬ا ْد ُ‬
‫َأحْسَنُ﴾[النحل‪.]125:‬‬
‫ت َفظّا‬
‫ت َلهُمْ وَلَ ْو كُن َ‬
‫ل لِن َ‬
‫وقد وصف نبيه الكريم × بقوله‪َ ﴿ :‬فِبمَا َر ْحمَةٍ مّ َن ا ِ‬
‫سلِم‬
‫َغلِيظَ الْ َقلْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ب لَنفَضّوا مِ ْن حَوِْلكَ﴾ [آل عمران‪ .]159 :‬فليقتد الداعى ال ُ‬
‫برسول الله ×‪ ،‬وليكن شأنه وديدنه لمن يدعوهم‪ ,‬ويتحمل صدور‬
‫أى أذى منهم‪.‬‬

‫‪ -4‬الستعداد للبذل والتضحية بكل شيء‪:‬‬
‫‪ )3،(1‬دولة المرابطين ص (‪.)27‬‬
‫‪ )(2‬مسلم‪ ،‬كتاب المساجد‪ ,‬باب من أحق بالمامة‪ )1/464( ،‬رقم (‪.)672‬‬
‫‪ )(3‬انظر ‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة‪ ،‬ص (‪.)75‬‬

‫‪33‬‬

‫نجد الفقيه عبد الله بن ياسين ‪ -‬رحمه الله‪ -‬قد بذل نفسه‬
‫وماله ووقته وحياته‪ ،‬وكل شيء فى سبيل الغاية التى خرج من‬
‫أجلها إلى قبائل صنهاجة‪ ،‬وقد أيقن هذا الداعية الربانى أنه ليس‬
‫فى الدنيا جهاد ل تضحية معه‪ ،‬إنَّما هو الجر الجزيل‪ ،‬والثواب‬
‫الجميل‪.‬‬
‫سلِم عندما يبذل ما فى وسعه من أجل دعوته ورضا ربه‬
‫م ْ‬
‫إن ال ُ‬
‫يرجو بذلك أعظم الدرجات عند الله‪ ,‬والفوز والخلود والنعيم‬
‫المقيم بالجنة‪ ،‬وأعظم من ذلك إحلل رضوان الله عليه‪ ،‬قال‬
‫سهِمْ َأ ْعظَ ُم دَ َرجَ ًة عِنْ َد الِ‬
‫ل بَِأمْوَاِلهِمْ وَأَْنفُ ِ‬
‫تعالى‪ ﴿ :‬الّذِي َن آ َمنُوا وَهَا َجرُوا َوجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ ا ِ‬
‫حمَةٍ مّ ْنهُ وَ ِرضْوَانٍ َوجَنّاتٍ ّلهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مّقِيمٌ﴾ [التوبة‪:‬‬
‫شرُهُمْ رَّبهُم ِب َر ْ‬
‫وَأُولَِئكَ هُمُ الْفَاِئزُو َن يُبَ ّ‬
‫‪.]21-20‬‬
‫إن الذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا‪ ,‬استطاعوا أن يُغي ِّروا مجرى‬
‫التَّارِيخ‪ ،‬ويبدلوا أفكار ومبادئ البشر الرضية بمبادئ سامية ربانية‪.‬‬
‫فينبغى على العاملين فى مجال الدعوة السلمية أن يجردوا‬
‫أنفسهم من الهوى‪ ،‬وينفضوا أنفسهم من كل بهرج وزينة‪ ،‬وأن‬
‫يبذلوا المال برضاء وسخاء‪ ،‬ويبذلوا العافية والصحة والسهر‬
‫والتعب‪ ،‬والمسير المضني‪ ،‬لرفع دعوة الله‪ ،‬وإذا دعت الحاجة إلى‬
‫بذل الروح فل يضنون بها‪ ،‬بل يجعلونها رخيصة بجانب مغفرته‬
‫ورحمته ورضوانه وجنته(‪.)1‬‬
‫لقد تع َّ‬
‫صفَات اللزمة فى الشخصية‬
‫ت السهاب فى ذكر ال ِّ‬
‫مد ُ‬
‫َ‬
‫التى تريد أن تربى أمة وتنشئ شعبًا وتبنى دولة‪ ،‬لع ّ‬
‫ل الله ينفعنا‬
‫بالدراسة التحليلية للشخصيات الربانية التى ظهرت فى أمتنا‬
‫العظيمة‪.‬‬
‫***‬

‫‪ )(1‬انظر‪ :‬الصفات اللزمة للدعاة إلى الله‪ ,‬ص (‪ 74‬وما بعدها)‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫المبحث الخامس‬
‫المراحل التى مر بها ابن ياسين فى دعوته‬
‫نستطيع أن نقرر من الستقراء التَّارِيخى لسيرته أنه مَّر بعدة‬
‫مراحل قبل أن تقوم دولة المرابطين‪ ،‬وبعض المراحل عاصرها‬
‫وأشرف عليها وبعضها الخر قام بها أتباعه المخلصون‪.‬‬
‫مَّرت بها دولة المرابطين قبل قيامها فهى‬
‫أما المراحل التى َ‬
‫َ‬
‫مرحلة التعريف والتكوين والتنفيذ‪ ،‬أما مرحلة الت ّمكين فهى التى‬
‫جعلت ملمح دولة المرابطين واضحة للعيان‪ ،‬إن المراحل التى‬
‫عاصرها وأشرف عليها بنفسه هى مرحلة التعريف والتكوين وجزء‬
‫من التنفيذ‪ ،‬أما بقية المعارك فقام بها تلميذه المخلصون من‬
‫أمثال أبى بكر بن عمر‪ ،‬ويوسف ابن تاشفين‪ ،‬وأ َّ‬
‫ما صاحب الفضل‬
‫بعد الله تعالى فى مرحلة التَّمكين والتوسع والنتشار الفعلي‪ ،‬فهو‬
‫يوسف بن تاشفين منقذ الَنْدَلُس من الضياع ومبيد الحركات‬
‫الكفرية البدعية من الوجود‪.‬‬

‫‪ -1‬مرحلة الدعوة والتعريف بالسلم‪:‬‬
‫قام ابن ياسين فى هذه المرحلة بتعريف النَّاس بالعقيدة‬
‫حا لهم أركان اليمان الستة‪« :‬اليمان‬
‫السلمية الصحيحة؛ موض ً‬
‫بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وقضائه وقدره» على‬
‫أصول منهج أهل السنة والجماعة‪ ،‬واهتم بتنقية العقيدة السلمية‬
‫ملَثَّمين فى‬
‫من اللوثات الشركية والوثنية التى خالطت عقائد ال ُ‬
‫تلك الفترة‪.‬‬
‫واهتم بتعليم النَّاس الصلة والزكاة وأحكام الصيام حيث‬
‫وجدهم ل يعرفون من السلم إل اسمه‪ ،‬وحارب العادات السيئة‬
‫التى تصطدم مع ثوابت الدين من زنى وزواج بأكثر من أربع‪ ،‬وغير‬
‫ذلك من العراف والتقاليد الممزوجة بالجهل والتخلف والضلل‪،‬‬
‫وبذل جهدًا فى بيان أصول السلم لِلنَّاس وحاول جاهدًا أن‬
‫يربطهم بالكتاب والسنة وإجماع المة‪ ،‬وأوضح لِلنَّاس ضرورة‬
‫اللتزام بالسنة وأنَّها هى المبينة للقرآن الكريم‪ ،‬بل هى شرح‬
‫وتفصيل للقرآن العظيم‪ ،‬وعمل على تفسير نصوص الدين‬
‫ملَثَّمين‪ ,‬وأزال الشبهات التى تعلقت بأذهان‬
‫بأسلوب يلئم عقول ال ُ‬
‫َ‬
‫النَّاس من قبائل صنهاجة‪ ,‬وكان همه جمع الن ّاس على السلم‬
‫ومبادئه والعمل به على العموم‪.‬‬
‫ودعا النَّاس جميعًا إلى محبَّة كل أعمال الخير وكراهية كل‬
‫أنواع الشر‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫ونستطيع أن نقول‪:‬إن هذه المرحلة فى دعوة ابن ياسين كانت‬
‫انطلقًا من قوله تعالى‪َ ﴿:‬كمَا أَ ْر َسلْنَا فِيكُمْ َرسُولً مّ ْنكُ ْم يَ ْتلُو َعلَ ْيكُمْ آيَاتِنَا وَُي َزكّيكُمْ‬
‫ح ْكمَةَ وَيُ َع ّل ُمكُم مّا لَ ْم َتكُونُوا َت ْع َلمُونَ﴾ [البقرة‪.]151 :‬‬
‫وَُي َع ّلمُكُمُ اْلكِتَابَ وَاْل ِ‬
‫وهذه الية حدَّد الله بها وظيفة النبى × وواجبه‪ ,‬وكذلك الدعاة‬
‫من أمته من بعده‪ ,‬حيث نجد الداعية الفقيه ابن ياسين سلك فى‬
‫دعوته هذه المور أو الوظائف أو الواجبات وهي‪:‬‬
‫‪ -1‬تبليغ وحى الله على النَّاس‪ ،‬وذلك فى قوله تعالى‪َ﴿ :‬ي ْتلُو‬

‫َعلَ ْيكُمْ آيَاتِنَا‪.﴾...‬‬

‫‪ -2‬تزكية نفوس النَّاس وتطهيرها وتنميتها بالخيرات والبركات‬
‫فى الدنيا والخرة‪ ,‬بحيث يصير النسان فى الدنيا مستحقًا‬
‫للوصاف المحمودة‪ ،‬وفى الخرة الجر والمثوبة وذلك فى‬
‫قوله – سبحانه وتعالى‪﴿ :-‬وَُي َزكّيكُمْ﴾‪.‬‬
‫فالداعية إلى الله يطهِّر نفوس النَّاس بوحى الله‪ ،‬وينمى‬
‫أرواحهم وأقوالهم وأبدانهم‪ ،‬ويرتفع بهم إلى المستوى الذى يليق‬
‫بكرامة النسان‪ ،‬الذى كَّرمه ربه وف َّ‬
‫ضله على كثير ممن خلق‪.‬‬
‫‪ -3‬التعليم‪ ،‬تعليم النَّاس العلم النافع‪ ،‬أى القرآن والحكمة‪،‬‬
‫وذلك فى قوله سبحانه من هذه الية‪﴿ :‬وَيُ َع ّل ُمكُمُ اْلكِتَابَ‬
‫ح ْكمَةَ﴾‪.‬‬
‫وَاْل ِ‬
‫فهو واجب النبى ×‪ ,‬وواجب الدعاة إلى الله إلى يوم الدين‪،‬‬
‫و«الكتاب» هو القرآن الكريم‪ ،‬وهو هديً لِلنَّاس؛ كل النَّاس‪ ,‬إذ ما‬
‫من خير للبشرية فى دينها ودنياها إل أمر به القرآن‪ ،‬وما من شيء‬
‫من هذا وذاك إل اشتمل عليه القرآن‪﴿ :‬مّا َفرّ ْطنَا فِى اْلكِتَابِ مِن َشيْءٍ﴾‬
‫و﴿تَفْصِيلَ ُكلّ َشيْءٍ﴾ و﴿تِبْيَانًا ّل ُكلّ َشيْءٍ﴾‪.‬‬
‫سمى القرآن الكريم قرآنًا من بين كتب الله؛ لنَّه جمع‬
‫وقد ُ‬
‫ثمرة هذه الكتب كلها‪ ،‬بل جمع ثمرة العلوم والمعارف كلها‪ ،‬إذ‬
‫القرآن معناه الجمع والثبات‪.‬‬
‫والحكمة هي‪ :‬إصابة الحق بالعلم والعقل‪ ،‬ولها معان‪ ،‬فهى‬
‫من الله سبحانه‪ :‬معرفة الشياء وإيجادها‪ ،‬على غاية ما يكون‬
‫الحكام‪ ،‬ومن النسان‪ :‬معرفة الموجودات‪ ،‬والعلم بها‪ ،‬وفعل‬
‫الخيرات‪ .‬و«الكتاب والكمة» بهذه المعانى هما تنوير الذهان بما‬
‫تفتقر إليه من هدايات فى عالمى الغيب والشهادة‪ ،‬وكم كانت‬
‫قبائل صنهاجة محتاجة لهذه الهدايات التى أصلحت اعتقادها‬

‫‪36‬‬

‫وتصورها ومنهجها‪ ،‬وأصبحت قبائل تحمل أهم رسالة ودعوة ربانية‬
‫بفضل الله عليها ثم بجهود المخلصين من أمثال الفقيه ابن‬
‫ياسين‪.‬‬
‫‪ -4‬واجتهد ابن ياسين – رحمه الله – فى نقل النَّاس من‬
‫ضلل الباطل إلى طريق الحق‪ ،‬ومن ظلم الجهل إلى نور‬
‫العلم مسترشدًا بقول الله تعالى‪﴿ :‬وَُي َع ّل ُمكُم مّا لَ ْم َتكُونُوا تَ ْع َلمُونَ﴾‬
‫صُركم بحاضركم‪ ،‬ويرسم لكم أسلم طريق‬
‫أى يُب َ ِّ‬
‫لمستقبلكم‪.‬‬
‫حا فى شخصية ابن ياسين –‬
‫كان أثر التربية القرآنية واض ً‬
‫رحمه الله – حيث نجده فى تبليغ رسالت الله ل يُداهن ول‬
‫يُجامل‪ ,‬بل يأخذ بجميع الخلق الشرعية‪ ،‬ويتوكل على الله فى‬
‫الصدع بكلمة الحق‪ ,‬وكأن بين عينيه قول الله تعالى‪﴿ :‬الّذِي َن يَُبلّغُونَ‬
‫ل حَسِيبًا﴾ [الحزاب‪.]39 :‬‬
‫ِرسَا َلتِ الِ وََيخْشَ ْونَهُ َو َل َيخْشَ ْو َن َأحَدًا ِإلّ الَ َو َكفَى بِا ِ‬
‫َ وكان يشعُُر فى قرارة نفسه بالثم والمعصية إن قعد وكتم ما‬
‫عل ّمه الله –‬
‫سبحانه وتعالى‪-‬وهذا من أثر القران فى نفسه حيث قال‬
‫تعالى‪﴿:‬إن الّذِي َن َيكُْتمُونَ مَا أَْنزَلْنَا ِمنَ الْبَيّنَاتِ وَاْلهُدَى مِن َبعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاس فِى اْلكِتَابِ‬
‫لعِنُونَ﴾‬
‫ك يَل َعُنهُمُ الُ وََي ْلعَُنهُمُ ال ّ‬
‫أُولَِئ َ‬
‫[البقرة‪.]159:‬‬
‫من عرف الحق‪ ،‬فقد وجب عليه أن‬
‫والية واضحة فى بيان أن َ‬
‫من لم يفعل فقد أثِم‪.‬‬
‫يُبينه لِلنَّاس‪ ،‬و َ‬
‫إننا محتاجون بأن نتربى على آيات الله‪ ،‬لنفهمها ثم لننطلق‬
‫فى دنيا الناس عاملين بها ابتغاء مرضاة الله‪ ،‬وطمعًا فى ثوابه‬
‫ورغبة فى جنته‪ ،‬وخوفًا من عقابه وشفقة من ناره‪.‬‬
‫نعى الله تعالى فى كتابه العزيز على أهل الكتاب عدم بيانهم‬
‫ل من متاع الدنيا‪ ,‬فقال‬
‫أحكام الله لِلنَّاس وكتمانها مقابل ثمن قلي ٍ‬
‫تعالى‪﴿ :‬وَِإذْ َأ َخذَ الُ مِيثَاقَ اّلذِينَ أُوتُوا الْ ِكتَابَ َلُتَبّيُننّهُ لِلنّاس وَلَ تَ ْكتُمُوَن ُه َفَنبَذُوهُ َورَاءَ ظُهُو ِر ِهمْ‬
‫شتَرُونَ﴾ [آل عمران‪.]187:‬‬
‫وَا ْشتَ َروْا ِبهِ ثَ َمنًا َقلِيلً َفِبئْسَ مَا يَ ْ‬
‫وهكذا يا أخى الكريم نجد القرآن الكريم فى تربيته للدعاة إليه‬
‫يرغبهم ويرهبهم‪ ،‬فتنطلق القلوب تسعى للمثوبة والدرجات‬
‫العلى؛ لن ما عند الله خير وأبقى‪.‬‬
‫كما نجد الحاديث النبوية التى تربى عليها ابن ياسين وتلميذه‬
‫مشجعة لهم فى السعى الدءوب من أجل إكمال مرحلة التعريف‬
‫بنجاح‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫فإن السنة النبوية المطهرة شارحة القرآن وقد فاضت‬
‫بالحاديث فى هذا المجال‪.‬‬
‫روى المام البخارى بسنده‪ ،‬عن عبد الله بن عباس –رضى‬
‫الله عنهما‪ ,-‬فى باب‪ :‬تعريف النبى × وفد عبد القيس على أن‬
‫من وراءهم‪ ،‬قال مالك بن‬
‫يحفظوا اليمان‪ ،‬والعلم‪ ،‬ويخبروا َ‬
‫الحويرث‪ -‬وهو من بنى عبد القيس‪ -‬قال لنا النبى ×‪« :‬ارجعوا‬
‫إلى أهليكم فعلِّموهم»‪.‬‬
‫عن ابن عباس قال‪« :‬قال النبى × لما قَدِم إليه‪ ،‬وفد عبد‬
‫من القَوم؟» قالوا‪ :‬ربيعة‪ ,‬فقال‪« :‬مرحبًا‬
‫من الوفد‪ ,‬أو َ‬
‫القيس‪َ :‬‬
‫بالقَوم‪ ،‬أو الوفد‪ ،‬غير خزايا ول ندامى»‪ ،‬قالوا‪ :‬إنا نأتيك من شقة‬
‫بعيدة‪ ،‬وبيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر‪ ،‬ول نستطيع أن نأتيك‬
‫من وراءنا ندخل به الجنة‪،‬‬
‫إل فى شهر حرام‪ ،‬فمرنا بأمر نخبر به َ‬
‫فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع‪ :‬أمرهم باليمان بالله عز وجل‬
‫وحده‪ ،‬قال‪« :‬هل تدرون ما اليمان بالله وحده؟» قالوا‪ :‬الله‬
‫ورسوله أعلم‪.‬‬
‫قال‪« :‬شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬وإن محمدًا رسول الله‪ ،‬وإقام‬
‫الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وتعطوا الخمس من‬
‫المغنم»‪.‬‬
‫ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت‪ ،‬قال شعبة‪ :‬ربما قال‪:‬‬
‫من‬
‫«النقير» وربما قال‪« :‬المقير» قال‪« :‬احفظوه وأخبروه َ‬
‫وراءكم»(‪.)1‬‬
‫وهذا الحديث النبوى الشريف نهج للقَوم لمعرفة أصول الدعوة‬
‫مع‪ ،‬حيث كانت عادة‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫فى مرحلة التعريف ومعالجة المراض بال ُ‬
‫شرب الخمر قد انتشرت فى ربوع هؤلء القَوم انتشار النار فى‬
‫الهشيم‪ ،‬ولذلك نهاهم رسول الله × عن الدباء والحنتم والمزفت‬
‫ن لشرب الخمر‪ ،‬ومن مثل هذا الحديث‬
‫التى كانت عبارة عن أوا ٍ‬
‫يستلهم الدعاة أولويات مرحلة التعريف فى الدعوة إلى الله‬
‫تعالى‪ ،‬وغيره من الحاديث الكثيرة والرشادات النبوية الكريمة‪.‬‬
‫استمَّر الفقيه ابن ياسين فى تعريف النَّاس بأصول دينهم‬
‫وأحكامه والخلق التى تطلبها شريعتهم وحارب التقاليد والعراف‬
‫السيئة بكل شجاعة وجرأة‪.‬‬
‫إل إن الله تعالى ابتله بقَوم غلظ الكباد قساة القلوب‬
‫فاصطدمت دعوة المصلح الفقيه بأطماعهم؛ فتعَّرض للتضييق‬
‫والشدَّة والعسف من بعض وجهاء قبائل صنهاجة من قبيلة جدالة‬
‫وحاولوا قتله إل إن الله نجاه منهم‪.‬‬
‫‪ )(1‬مسلم ‪ :‬كتاب اليمان‪ ،‬باب المر باليمان بالله تعالى ورسوله‪ )1/46( ،‬رقم (‪.)17‬‬

‫‪38‬‬

‫فأشار المير المخلص والتلميذ الوفى يحيى بن إبراهيم على‬
‫ابن ياسين أن يذهبوا إلى جزيرة فى حوض السنغال ليتربى التباع‬
‫فيها ابتغاء مرضاة الله والدار الخرة‪.‬‬
‫وقال له‪ :‬إن الجزيرة إذا حسر البحر دخلنا إليها على أقدامنا‬
‫وإذا امتل دخلنا فى الزوارق‪ ،‬وفيها الحلل المحض الذى ل تشك‬
‫فيه من الشجر البري وصيد البر والبحر من أصناف الطير‬
‫والوحوش والحوت(‪.)1‬‬
‫ملَثَّمين‬
‫وبذلك يكون ابن ياسين – رحمه الله – ترك ديار ال ُ‬
‫واختار جزيرة فى حوض نهر السنغال للمرابطة وتربية المريدين‬
‫على كتاب الله وسنة رسوله ×‪ ،‬بعد أن ترك صدى ودويًا لدعوته‬
‫ملَثَّمين‪ ،‬وبذلك قَّرر ابن ياسين أن ينتقل إلى مرحلة‬
‫فى ديار ال ُ‬
‫التكوين مختاًرا مكانًا مناسبًا لهذه المرحلة المهمة فى تاريخ دولة‬
‫المرابطين بعد أن نجح فى مرحلة التعريف فى إبلغ الدعوة‬
‫والتعريف بها لهم‪.‬‬

‫ب ‪ -‬مرحلة اختيار العناصر التي تحمل الدعوية عند الفقيه‬
‫ابن ياسين‪:‬‬
‫تمهيد‪ :‬اشتهر فى تاريخ المرابطين ما يُسمى برباط ابن‬

‫ياسين‪ ،‬وقبل أن نتعرض لرباط ابن ياسين الذى اتخذه فى مرحلة‬
‫التكوين أرى من باب الفائدة للقارئ الكريم أن يأخذ فكرة‬
‫مختصرة عن معنى الّرِبَاط فى السلم‪.‬‬
‫الرباط‪ :‬حصن حربى يُقام فى الثغور المواجهة للعدو للذود‬
‫سلِمين‪ ،‬وهذه التسمية مقتبسة من القرآن الكريم‬
‫م ْ‬
‫عن ديار ال ُ‬
‫والسنة النبوية المطهرة‪:‬‬
‫أما القرآن الكريم فمن قوله تعالى‪﴿ :‬وََأعِدّوا َلهُمْ مّا اسَْت َطعْتُم مّن قُوّةٍ َومِن‬
‫رّبَاطِ اْلخَ ْيلِ﴾ [النفال‪ ,]60:‬ومن قوله تعالى‪﴿ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا اصِْبرُوا َوصَاِبرُوا‬
‫ل لَ َع ّلكُ ْم تُ ْف ِلحُونَ﴾ [آل عمران‪.]200 :‬‬
‫وَرَاِبطُوا وَاتّقُوا ا َ‬
‫وفى الحديث النبوى فى البخارى جاء فضل الّرِبَاط فى سبيل‬
‫الله تعالى عن سهل بن سعد الساعدى أن رسول الله × قال‪:‬‬
‫«رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما عليها‪ ،‬وموضع سوط‬
‫أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبد‬
‫فى سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها»(‪.)2‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)23‬‬
‫‪ )(2‬رواه البخاري فى كتاب الجهاد والسير (ج ‪ ،)3/295‬حديث رقم (‪.)2892‬‬

‫‪39‬‬

‫وأصبحت كلمة مرابط تطلق على الشخص الذى خرج إلى الثغور‬
‫سلِمون على الثغر أى‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سلِمين من أعدائهم‪ ،‬وأطلق ال ُ‬
‫للدفاع عن ال ُ‬
‫المحل الذى يقيمون فيه اسم الّرِبَاط‪.‬‬
‫ويحتوى الّرِبَاط على برج مراقبة وحصن صغير‪ ،‬وقد أقام ولة‬
‫الثغور كثيًرا من هذه الُّربُط لحماية حدود الدولة السلمية على‬
‫مّرِ التَّارِيخ‪ ،‬فكان فى بلد ما وراء النهر عشرة آلف رباط‪ ،‬وكذلك‬
‫َ‬
‫فى ثغور الجزيرة الفراتية‪ ،‬وكانت سواحل المغرب المطل ّة على‬
‫البحر المتوسط عرضة لغارات البيزنطيين أكثر من غيرها‪,‬‬
‫فأقيمت فيها الُّربُط وشحنت بالمجاهدين للدفاع عنها‪ ،‬حتى إن‬
‫ال َّ‬
‫حابِى الجليل عقبة بن نافع الفهرى عندما أراد بناء مدينة‬
‫ص َ‬
‫القيروان بلغت الحماسة برجاله فاقترحوا عليه إقامتها على‬
‫الساحل للمرابطة فيها‪ ،‬وقالوا له‪ :‬قّرِبها من البحر ليكون أهلها‬
‫(‪)1‬‬
‫من المرابطين»‪.‬‬
‫وقد تو َّ‬
‫سعت الُّربُط فى عهد العباسيين‪ ،‬وبنى الوالى العباسى‬
‫(‪)2‬‬
‫هرثمة بن أعين أول رباط فى إفريقية عام (‪179‬هـ ‪795 /‬م)‬
‫سع الغالبة فى هذا المجال تو ُّ‬
‫وتو َّ‬
‫ما‪ ،‬وأقام الوالى زيادة‬
‫سعًا عظي ً‬
‫الله الغلبى رباط سوسة عام (‪206‬هـ‪822 /‬م)‪.‬‬
‫وكان الغالبة يسمون هذه الُّربُط بالقصور والمحاريس‪ ،‬وقد‬
‫انتشرت من السكندرية إلى المحيط الطلسي‪ ،‬وكان أهالى‬
‫ال َّ‬
‫مال الفريقى يلجأون إليها إذا داهمهم الغزاة‪ ،‬وقد قاومت‬
‫ش َ‬
‫هذه الثغور أساطيل وجيوش البيزنطيين الذين عجزوا رغم‬
‫تفوقهم البحرى عن احتلل الساحل الفريقي‪ ،‬وقد التزم‬
‫المقيمون فى هذه الثغور بالهتمام بالفروسية والتدريب عليها‬
‫خا َّ‬
‫صة‪ ،‬بالضافة إلى كل التدريبات الجهادية الخرى التى أهلتهم‬
‫سلِمين‬
‫م ْ‬
‫للقيام بمهماتهم على أكمل وجه من الذود عن حياض ال ُ‬
‫والجهاد فى سبيل الله‪.‬‬
‫وإلى جانب المهمات الجهادية التى قامت بها الثغور فقد‬
‫ميَّة‪ ،‬فمع انتشارها أخذت التعاليم السلمية‬
‫اهتمت بالناحية العِل ِ‬
‫تنتشر من خللها‪ ،‬وقد قام فقهاء أهل السنة والجماعة فى تلك‬
‫الثغور من فقهاء المالكية بدور ريادى عظيم فى وجه التيارات‬
‫الفكرية والمذهبية التى عصفت بالمشرق‪ ،‬وكانت الُّربُط والثغور‬
‫والقلع والحصون هى المنطلق لنشر ما كان عليه رسول الله ×‬
‫وأصحابه من عقيدة وعبادة وأخلق ومعاملة‪ ،‬وأصبحت الثغور فى‬
‫ال َّ‬
‫تدرس أمور الدين من فقه‬
‫ِّ‬
‫مال الفريقى مدارس علمية‬
‫ش َ‬
‫وحديث وتفسير وأصول وغيرها‪ ،‬وكانت حياة أهل الثغور تقوم‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬المالكي‪ ،‬رياض النفوس‪ ،‬ص (‪.)6‬‬
‫‪ )(2‬دائرة المعارف السلمية مادة رباط‪ ،‬ص (‪.)19‬‬

‫‪40‬‬

‫على أساس من التعاون بين أفرادها لتحقيق حياة إسلمية مثالية‪،‬‬
‫وكان الفراد يجمعون المؤن بأنفسهم عن طريق الصيد البرى‬
‫والبحرى حسب موقع الّرِبَاط‪ ،‬وكذلك يقومون بإعداد الطعام‪،‬‬
‫وكل ما تتطلبه عمليات التموين من زراعة وصناعة آلتها بالضافة‬
‫إلى صناعة السلحة(‪.)1‬‬
‫وأَّما من ناحية العبادة‪ ،‬فالجماعة التى التزمت بالّرِبَاط مؤمنة‬
‫بربها وبرسالة السلم‪ ،‬فكانت العبادة تقتصر على الصلوات الخمس‬
‫جماعة‪ ،‬وقد وضعت عقوبات لمن يتأ َّ‬
‫خر عنها‪.‬‬
‫وفى أوقات السلم كانوا يحفظون القرآن وتفسيره وكل ما‬
‫يمت إلى الدين بصلة‪ ،‬ويقُومون بالمهمات التى تتعلق بحياة‬
‫الّرِبَاط‪ ،‬وبما أن التبشير بهذا الدين والدعوة إليه من أهم‬
‫واجباتهم؛ فكانوا يخرجون إلى القبائل لهدايتها وترغيبها فى‬
‫السلم وتربيتها عليه‪ ،‬وقد أدَّت الثغُور فى ال َّ‬
‫مال الفريقى‬
‫ش َ‬
‫سلِمين‪ ،‬فقد عصمت أهل المغرب إلى‬
‫م ْ‬
‫خدمات جليلة للسلم ولل ُ‬
‫فتَن التى سادت المشرق‪ ،‬وكان لمنهج أهل السنة‬
‫حد كبير من ال ِ‬
‫والجماعة شوكة وحماة وعلماء وفقهاء فى تلك الربوع من عالمنا‬
‫السلمي‪ ،‬وتميَّز أهل الثغور عن غيرهم بالزهد والتقشف والتفانى‬
‫فى سبيل الله‪ ،‬ول يبتغى أهلها من النَّاس من وراء ذلك جزاء ول‬
‫ف مِن رّبّنَا َيوْمًا عَبُوسًا َق ْم َطرِيرًا﴾ (‪.)2‬‬
‫شكوًرا‪ ،‬وإنما لسان حالهم‪ِ ﴿ :‬إنّا َنخَا ُ‬

‫‪ -1‬رباط عبد الله بن ياسين‪:‬‬
‫أقام الفقيه العالم الَّربانى المربى المجاهد ابن ياسين رباطه‬
‫فى الحوض الدنى لنهر السنغال‪ ،‬وموقعه يد ُّ‬
‫ل على أهداف ابن‬
‫ياسين التى أعد لها‪ ،‬فهو يقع قريبًا من مملكة غانة الوثنية‪ ،‬لذلك‬
‫ما بالعداء‪ ،‬ولبُد َّ للجماعة المقيمة فيه من الجهاد‪،‬‬
‫مهدَّد دائ ً‬
‫فهو ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ملث ّمين‪ ،‬فيستند إليهم فى حالت الخطر‪،‬‬
‫وهو غير بعيد عن ديار ال ُ‬
‫وتشكل تلك الديار موردًا بشريًا ل ينضب لمن يريد النضمام إليه‪،‬‬
‫وهذا يفسر كثرة عدد رجاله‪.‬‬
‫دخل ابن ياسين الجزيرة التى فى الحوض الدنى لنهر‬
‫السنغال عام (‪433‬هـ‪1040 /‬م) ومعه أتباعه المخلصون‪ ,‬ثم بدأ‬
‫ملَثَّمين‪ ،‬وتكاثر عدده حتى بلغ‬
‫النضمام إلى جماعته من أبناء ال ُ‬
‫اللف رجل‪ ،‬ولما كثر أتباعه‪ ،‬وضع ابن ياسين شروطًا رآها لزمة‬
‫لكى ل يتأثر تنظيم رباطه الجديد ومرحلته التى بدأ الشروع فيها‪،‬‬
‫سا وأوفرهم قُوَّة وأقدرهم على‬
‫ملَثَّمين نف ً‬
‫فكان ينتقى أطهر ال ُ‬
‫تحمل المشاق‪ ،‬كان يطلب منهم أن يتخلوا عن تقاليدهم‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)25 ،24‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)27‬‬

‫‪41‬‬

‫وأعرافهم وتصوُّراتهم التى تخالف السلم‪ ،‬ويدخلوا السلم‬
‫بقلوب صافية ونفوس طاهرة وهمم عالية تسعى لتحكيم شرع‬
‫الله على وجه المعمورة(‪.)1‬‬
‫معه‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫وعمل جاهدًا على تحكيم شرع الله على الفراد وفى ُ‬
‫من فاتته صلة من عمره عليه أن يقضيها‪،‬‬
‫الجديد‪ ،‬وكان يرى أن َ‬
‫من يكتفى‬
‫وهى مسألة فقهية اختلف علماء المة فيها‪ ،‬فمنهم َ‬
‫من يطلب قضاء ما فات‪.‬‬
‫بالتوبة النصوح‪ ،‬ومنهم َ‬
‫ما بالغًا بالفقهاء والعلماء ويرفعهم‬
‫وكان ابن ياسين يهتم اهتما ً‬
‫إلى مراتب عالية حيث التف حوله مجموعة من الفقهاء والعلماء‬
‫ليساعدوه على تربية النَّاس وتعليمهم وتأهيلهم للمرحلة القادمة‪.‬‬
‫من ل يراه مناسبًا لهدفه‬
‫وكان ل يمنعه الحياء من طرد َ‬
‫المنشود‪.‬‬
‫وكان أهل الّرِبَاط فى قمة الصفاء الروحي‪ ,‬ويعيشون حياة‬
‫مثالية فى رباطهم‪ ،‬فيتعاونون على قوتهم اليومى معتمدين على‬
‫ما توفُِّره لهم جزيرتهم من الصيد البحري‪ ،‬يقنعون بالقليل من‬
‫َ‬
‫الط ّعام‪ ،‬ويرتدون الخشن من الثياب(‪.)2‬‬
‫كان رباط السنغال الذى أ َّ‬
‫سسه الداعية الَّربانى ابن ياسين‬
‫منارة يشع نوُرها وخيرها وعلمها فى تلك الصحارى القاحلة‪،‬‬
‫فأصبح قطبًا جذابًا؛ عامل ً على جذب أبناء قبائل صنهاجة إليه‪،‬‬
‫ووفر المن والستقرار فى تلك الديار الصحراوية البعيدة‪،‬‬
‫فأصبحت القوافل تمُّر بأمن وسلم دون أن يتعرض لها أحد بسوء‪،‬‬
‫وقد أدَّى ذلك إلى ازدهار التجارة‪.‬‬
‫وتميََّز ذلك الّرِبَاط بحسن إدارته وتنظيمه وتشكيله مما ساعد‬
‫على قُوَّة النواة الولى لدولة المرابطين حيث تشكل مجلس‬
‫الشورى‪ ,‬وجماعة للح ِّ‬
‫ل والعقد تطورت مع مرور اليام‪ ,‬وأصبحت‬
‫مين‪.‬‬
‫ملَث َّ ِ‬
‫مرجعية عليا لِل ْ ُ‬
‫‪ -2‬أصول المنهجية العلمية والفقهية عند الفقيه ابن ياسين‬
‫التى ربى عليها أتباعه‪:‬‬
‫يُعتَبر الفقيه ابن ياسين من علماء أهل السنة والجماعة‪,‬‬
‫مالكى المذهب‪ ،‬واستمد َّ أصول فهمه من أصول المالكية التى‬
‫كانت ول زالت ضاربة بجذورها فى قلوب أهالى ال َّ‬
‫مال‬
‫ش َ‬
‫الفريقي‪ ،‬إل َّ أنه كانت له اجتهاداته الحركية والتنظيمية التى أملتها‬
‫عليه طبيعة دعوته التى عاشها وتحرك بها‪ ،‬وبذلك نستطيع أن‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)28-27‬‬
‫‪ )(2‬المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫نقو َ‬
‫ل عنه بأنَّه فقيه مالكى حركي‪ ،‬ويرى علماء المالكية الذين‬
‫تتلمذ ابن ياسين على كتبهم وفقههم أن المذهب المالكى له‬
‫أصول فى الستنباط واستخراج الدلة الشرعية ومن هذه الصول‪:‬‬
‫المصدر الول‪ :‬القرآن الكريم‪ :‬كان المام مالك يرى أن‬
‫القرآن قد اشتمل على كليات الشريعة‪ ،‬وأنه عمدة الدين‪ ،‬وآية‬
‫الرسالة‪ ،‬ولم تكن نظرته إليه كنظرة الجدليين‪ ،‬فابتعد عن نظر‬
‫المتكلمين‪ ،‬هل القرآن لفظ ومعنى‪ ,‬أو معنى فقط‪ ،‬وهو عنده‬
‫سلِمين‪ ،‬وُروى‬
‫م ْ‬
‫من يعتد ُّ بهم من ال ُ‬
‫اللفظ والمعنى‪ ،‬كما هو إجماع َ‬
‫من يقول بأن القرآن مخلوق فهو زنديق يجب‬
‫أنه كان يقول‪ :‬إن َ‬
‫قتله‪ ،‬ولذا لم يعتبر الترجمة قرآنا يُتلى تجوز به الصلة‪ ،‬بل هى‬
‫تفسير أو وجه من وجوه المعنى المعقول‪ ،‬وهو يأخذ بنص القرآن‪،‬‬
‫وظاهره ومفهومه‪ ،‬ويعتبر العلة التى يأتى التنبيه عليها(‪.)1‬‬
‫إن القرآن الكريم هو المرجعية العليا لبن ياسين وأتباعه وكان‬
‫موقفهم الذعان والتسليم لكل ما جاء فيه‪ ،‬وما يتعلق بالعقائد أو‬
‫العبادات أو الخلق أو المعاملت‪ ,‬فالقرآن الكريم لم يفّرِق بينها‪,‬‬
‫ُ‬
‫فكل ّها تتضمن كلمات الله الهادية إلى أقوم سبيل‪ ،‬الداعية إلى كل‬
‫ذّرة من كل ضللة وغي‪ ،‬فكان وأتباعه على‬
‫هدى ورشد‪ ،‬والمح ِ‬
‫بينة من ربهم وبصيرة من دينهم؛ فلم تتحير عقولهم أو ترتاب‬
‫قلوبهم‪ ،‬أو يتردد عزمهم فى أى تصور أو معتقد أو خلق أرشد إليه‬
‫القرآن‪ ،‬ليمانهم العميق بقوله تعالى‪َ ﴿ :‬ل يَأْتِيهِ اْلبَا ِطلُ مِن بَ ْي ِن يَدَيْهِ َولَ ِمنْ‬
‫َخلْفِ ِه َتنِيلٌ مّ ْن َحكِي ٍم َحمِيدٍ﴾ [فصلت‪.]42:‬‬
‫وكان تدبُُّر ابن ياسين وفقهاء المرابطين للقرآن الكريم معينًا‬
‫لهم على استنباط الحكام الشرعية‪.‬‬
‫ب أَْنزَلْنَا ُه إِلَ ْيكَ مُبَارَ ٌك لّيَدّّبرُوا آيَاتِهِ وَِليَتَ َذ ّكرَ أُولُو اللْبَابِ﴾‬
‫قال تعالى‪﴿:‬كِتَا ٌ‬
‫ل لَ َوجَدُوا فِي ِه اخِْتلَفًا‬
‫ل يَتَدَّبرُونَ اْل ُقرْآنَ وَلَ ْو كَانَ ِمنْ عِنْ ِد غَ ْي ِر ا ِ‬
‫‪ ,]29‬وقال تعالى‪﴿ :‬أَ َف َ‬
‫ب أَ ْقفَاُلهَا﴾‬
‫ل يَتَدَّبرُونَ اْل ُقرْآ َن أَ ْم َعلَى ُقلُو ٍ‬
‫كَِثيًا﴾ [النساء‪ .]82:‬وقال عز وجل‪﴿ :‬أَ َف َ‬
‫[محمد‪.]24:‬‬
‫[ص‪:‬‬

‫لقد فهم المرابطون أن القرآن الكريم لم ينزل ليُتلى‬
‫على الموات‪ ،‬بل نزل ليحكم الحياء‪ ،‬وأنَّه لم ينزله الله‬
‫متبِع‬
‫تعالى إل من أجل اتباعه والعمل به‪ ،‬وبذلك ينال ال ُ‬
‫والعامل به رحمة الله تعالى‪َ ﴿ :‬وهَذَا كِتَابٌ أَْنزَلْنَا ُه مُبَارَ ٌك فَاتّبِعُوهُ وَاتّقُوا لَ َع ّلكُمْ‬
‫ُت ْر َحمُونَ﴾ [النعام‪.]155:‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬تاريخ التشريع‪ ،‬مناع القطان‪ ،‬ص (‪.)291‬‬

‫‪43‬‬

‫إن الله تعالى حدد فى كتابه أهداف القرآن الكريم فى الحياة‬
‫مع فى عبارات أبْيَن من الشمس فى رابعة النهار‪ ،‬فقال‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫وال ُ‬
‫س ِبمَا أَرَا َك الُ﴾ [النساء‪،]105:‬‬
‫حكُمَ َبيْنَ النّا ِ‬
‫تعالى‪﴿ :‬إِنّا أَْنزَلْنَا إِلَ ْيكَ اْلكِتَابَ بِاْلحَقّ لَِت ْ‬
‫خفُونَ ِمنَ‬
‫وقال تعالى‪﴿ :‬يَا َأ ْهلَ اْلكِتَابِ قَ ْد جَا َءكُمْ َرسُولُنَا يَُبيّ ُن َلكُمْ َكِثيًا ّممّا كُ ْنتُمْ ُت ْ‬
‫ل مَنِ اتَّبعَ ِرضْوَاَنهُ سُُبلَ‬
‫ي َيهْدِى ِبهِ ا ُ‬
‫اْلكِتَابِ وَيَ ْعفُو عَن كَِثيٍ قَ ْد جَا َءكُم مّ َن الِ نُورٌ َوكِتَابٌ مّبِ ٌ‬
‫صرَاطٍ مّسَْتقِيمٍ﴾ [المائدة‪-15 :‬‬
‫خ ِر ُجهُم مّنَ ال ّظ ُلمَات إِلَى النّورِ بِِإذِْنهِ وََيهْدِيهِمْ ِإلَى ِ‬
‫سلَمِ وَُي ْ‬
‫ال ّ‬
‫شرُ اْلمُ ْؤمِنِيَ الّذِي َن َي ْع َملُونَ‬
‫‪ .]16‬وقال تعالى‪ِ﴿ :‬إنّ هَذَا اْل ُقرْآنَ َيهْدِى ِللّتِى ِه َي أَ ْقوَمُ وَيُبَ ّ‬
‫الصّاِلحَاتِ َأ ّن َلهُ ْم َأ ْجرًا كَِبيًا وََأنّ الّذِي َن لَ ُيؤْمِنُونَ بِا َل ِخرَةِ َأعْتَدْنَا َلهُ ْم عَذَابًا أَلِيمًا﴾‬
‫[السراء‪.]10-9 :‬‬
‫إن من أسباب قُوَّة المرابطين وتوفيق الله لهم تمسكهم‬
‫بكتاب الله‪.‬‬
‫صا‬
‫المصدر الثانى‪ :‬السنة النبوية‪ :‬اعتمد المرابطون وخصو ً‬
‫فقيههم الكبر ابن ياسين على السنة النبوية فى استنباط الحكام‬
‫الشرعية وألزموا أنفسهم وغيرهم بمنهج الله تعالى‪.‬‬
‫والسنة عند المرابطين‪ :‬هى المنهج النبوى المفصل فى تعاليم‬
‫السلم وتطبيقه وتربية المة عليه‪ ،‬والذى يتجسد فيه قوله تعالى‪:‬‬
‫سهِمْ َي ْتلُو َعلَ ْيهِمْ آيَاتِهِ وَُي َزكّيهِمْ وَُي َع ّل ُمهُمُ‬
‫ي ِإ ْذ بَعَثَ فِيهِمْ َرسُولً مّ ْن أَْنفُ ِ‬
‫ل َعلَى اْلمُؤمِنِ َ‬
‫﴿َلقَدْ مَ ّن ا ُ‬
‫ضلَلٍ مِّبيٍ﴾ [آل عمران‪.]164:‬‬
‫ح ْكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَ ْبلُ لَفِى َ‬
‫اْلكِتَابَ وَاْل ِ‬
‫ويتمثل ذلك فى أقواله × وأفعاله وتقريراته‪.‬‬
‫فالقرآن‪ :‬هو الدستور الذى يحوى الصول والقواعد الساسية‬
‫للسلم وعقائده وعباداته‪ ،‬وأخلقه‪ ،‬ومعاملته‪ ،‬وآدابه‪.‬‬
‫والسنة‪ :‬هى البيان النظرى والتطبيق العملى للقرآن فى ذلك‬
‫كل ِّه‪.‬‬
‫ورأى علماء المرابطين وجوب اتباع الرسول × فى أقواله‬
‫وأفعاله وتقريراته مستندين بقوله تعالى‪﴿ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا أَطِيعُوا الَ‬
‫وََأطِيعُوا ال ّرسُولَ﴾ [النساء‪.]59:‬‬
‫ع‬
‫وجعل طاعته طاعة لله تعالى‪﴿:‬مَ ْن ُي ِطعِ ال ّرسُولَ َفقَ ْد أَطَا َ‬
‫‪.]80‬‬

‫الَ﴾[النساء‪:‬‬

‫وجعل ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬طاعته الهتداء‪﴿ :‬وَإِن ُتطِيعُو ُه َتهْتَدُوا﴾‬
‫[النور‪.]54:‬‬

‫‪44‬‬

‫وجعل ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬اتباع النبى × دليل ً على محبة الله‬
‫م الُ وََيغْ ِف ْر َلكُمْ ذُنُوَبكُمْ﴾ [آل عمران‪:‬‬
‫ومغفرته‪ُ ﴿ :‬ق ْل إِن كُنْتُ ْم ُتحِبّو َن الَ فَاتّبِعُونِى ُيحْبِ ْبكُ ُ‬

‫‪.]31‬‬

‫وأمرهم باتباعه فيما أمر ونهى‪﴿ :‬وَمَا آتَاكُمُ ال ّرسُولُ َفخُذُوهُ وَمَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ‬
‫فَانَْتهُوا﴾‬

‫[الحشر‪.]7:‬‬

‫وأمرهم بالستجابة لدعوته‪،‬واعتبر ما يدعوهم إليه هو الحياة‪﴿ :‬‬
‫ن آمَنُوا اسَْتجِيبُوا لِ وَلِل ّرسُولِ ِإذَا َدعَاكُم ِلمَا َيحْيَيكُمْ﴾ [النفال‪.]24:‬‬
‫يَا أَّيهَا الّذِي َ‬
‫حكمه‪﴿:‬وَمَا كَانَ‬
‫ولم يجعل لمؤمن ول مؤمنةٍ خيارا ً فى قبول ُ‬
‫ص الَ‬
‫ِلمُؤْ ِمنٍ َولَ مُ ْؤمِنَ ٍة ِإذَا َقضَى الُ َو َرسُولُ ُه َأ ْمرًا أَن َيكُو َن َلهُمُ اْلخَِيرَةُ مِ ْن َأ ْمرِهِمْ َومَن يَعْ ِ‬
‫للً مّبِينًا﴾‬
‫ضَ‬
‫وَ َرسُولَهُ َفقَ ْد ضَ ّل َ‬

‫[الحزاب‪.]36:‬‬

‫وأقسم على نفى اليمان ع َّ‬
‫من أعرض عن تحكيمه‪ ,‬أو لم يقبل‬
‫جرَ َبيَْنهُمْ ثُمّ َل َيجِدُوا‬
‫ح ّكمُوكَ فِيمَا َش َ‬
‫ك لَ يُؤْ ِمنُو َن حَتّى ُي َ‬
‫مسل ِّماً‪َ ﴿:‬فلَ وَرَّب َ‬
‫ُ‬
‫مه راضيا ً ُ‬
‫حك َ‬
‫سلِيمًا﴾ [النساء‪.]65:‬‬
‫س ّلمُوا تَ ْ‬
‫ضيْتَ وَيُ َ‬
‫سهِ ْم َح َرجًا ّممّا قَ َ‬
‫فِى أَنْفُ ِ‬
‫وجعل ‪-‬سبحانه وتعالى ‪ -‬قبول حكمه أو التولى عنه المح َّ‬
‫ك‬
‫ُ‬
‫الذى يميز اليمان من النفاق؛ قال تعالى‪﴿ :‬وََيقُولُونَ آمَنّا بِالِ وَبِال ّرسُولِ‬
‫ي وَِإذَا ُدعُوا ِإلَى الِ َو َرسُولِهِ‬
‫وََأطَعْنَا ثُ ّم يََتوَلّى َفرِيقٌ مّ ْنهُم مّن بَعْ ِد ذَِلكَ وَمَا أُوَلِئكَ بِاْلمُ ْؤمِنِ َ‬
‫ي ِإذَا ُدعُوا‬
‫حكُمَ بَيَْنهُ ْم ِإذَا َفرِيقٌ مّ ْنهُم مّ ْع ِرضُونَ﴾ [النور‪ ﴿ .]48 - 47:‬إِّنمَا كَانَ قَ ْولَ اْلمُؤْ ِمنِ َ‬
‫لَِي ْ‬
‫حكُمَ َبيَْنهُمْ أَن َيقُولُوا َسمِ ْعنَا وَأَ َطعْنَا وَأُولَِئكَ هُمُ اْلمُ ْف ِلحُونَ﴾ [النور‪.]51:‬‬
‫ل وَ َرسُوِلهِ لَِي ْ‬
‫إِلَى ا ِ‬
‫وحث على القتداء بالنبى ×‪َ﴿:‬لقَدْ كَا َن َلكُمْ فِى َرسُو ِل الِ ُأسْوَةٌ حَسنة ّلمَنْ‬
‫ل كَِثيًا﴾ [الحزاب‪.]21:‬‬
‫كَانَ َي ْرجُو الَ وَاْليَوْ َم ا َل ِخرَ َو َذ َكرَ ا َ‬
‫َ‬
‫ودل ّت أحاديث كثيرة على وجوب اتباع النبى ×‪ ,‬ولذلك سعى‬
‫المرابطون لتحقيقها فى حياتهم‪ ،‬ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن‬
‫النبى × قال‪« :‬ك ُّ‬
‫من‬
‫ل أمتى يدخلون الجنة إل من أبي‪ ،‬قيل‪ :‬و َ‬
‫من عصانى‬
‫من أطاعنى دخل الجنة‪ ،‬و َ‬
‫يأبى يا رسول الله؟ قال‪َ :‬‬
‫فقد أبى» (‪.)1‬‬
‫ومن ذلك ما رواه العرباض بن سارية قال‪« :‬وعظنا رسول‬
‫‪ )(1‬أخرجه البخاري (‪.)7280‬‬

‫‪45‬‬

‫الله × موعظة وجلت منها القلوب‪ ،‬وذرفت منها العيون‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا‬
‫مودِّع‪ :‬فأوصنا‪ ،‬قال‪« :‬أوصيكم بتقوى‬
‫رسول الله‪ ،‬كأنَّها موعظة ُ‬
‫الله‪ ،‬وال َّ‬
‫سمِع والطاعةِ‪ ،‬وإن تأ َّ‬
‫من يعش منكم‬
‫مر عليكم عبد‪ ،‬وإنَّه َ‬
‫فسيرى اختلفًا كثيًرا‪ ،‬فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين‬
‫محدَثات المر‪ ،‬فإن كل‬
‫المهديين عضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإيَّاكم و ُ‬
‫بدعة ضللة»(‪.)1‬‬
‫ملَثَّمين ثم أُطلق عليهم اسم‬
‫إن قبائل صنهاجة الذين عُرفوا بال ُ‬
‫ت آثار التزامهم بسنة النبى × فى كل مناشط‬
‫المرابطين ظهر ْ‬
‫حياتهم؛ فى التعلم والتزكية والجهاد والسياسة‪ ,‬وغيرها من المور‬
‫التى كوَّنوا بها دولتهم المعروفة‪.‬‬
‫المصدر الثالث‪ :‬عمل أهل المدينة‪ :‬الذى اهتمت به‬
‫المدرسة المالكية المغربية ال ُّ‬
‫ما عمل أهل المدينة حيث‬
‫سنيَّة عمو ً‬
‫إنَّها دار الهجرة‪ ،‬وبها تنزل القرآن‪ ،‬وأقام رسول الله × ومعه‬
‫أصحابه بها‪ ،‬وأهل المدينة أعرف النَّاس بالتنزيل‪ ،‬وبما كان من‬
‫بيان رسول الله ×‪ ،‬على هذا رأى المالكيُّون أن عملهم بالقتداء‬
‫بعلماء أهل المدينة فى أقوالهم وأفعالهم حجة‪ ،‬وقدَّموا ذلك على‬
‫القياس‪ ،‬وعلى خبر الواحد‪ ،‬وفى كتاب المام مالك إلى الليث ابن‬
‫سعد الفقيه المصري‪« :‬إن النَّاس تبع لهل المدينة‪ ،‬التى إليها‬
‫كانت الهجرة‪ ،‬وبها‬
‫تنزل القرآن»(‪.)2‬‬
‫وسار فقهاء الدولة المرابطية وعلى رأسهم الفقيه عبد الله بن‬
‫ياسين على هذا الطريق ولم يُغيِّروا أو يبدلوا أو يرضوا بغيره‬
‫حولً‪.‬‬
‫ل الصحابي‪ :‬جعل المالكية قول ال َّ‬
‫المصدر الرابع‪ :‬قو ُ‬
‫حابِى‬
‫ص َ‬
‫الذى ل يعرف له مخالف حجة‪ ،‬واعتمدوا فى ذلك على ما ذكر‬
‫المام مالك فى «الموطأ» حيث اعتمد فى كثير من فتاويه على‬
‫العديد من أقوال ال َّ‬
‫صحابَة الذين هم أعلم بالتأويل‬
‫وأعرف بالمقاصد‪.‬‬
‫وحين تتعدد أقوال ال َّ‬
‫صحابَة فى المسألة الواحدة يختار علماء‬
‫المالكية من أقوالهم ما يتفق مع عمل أهل المدينة‪.‬‬
‫سلَة‪ :‬اعتبر المالكية‬
‫المصدر الخامس‪ :‬المصال ُ‬
‫مْر َ‬
‫ح ال ُ‬
‫المصالح المرسلة دليل ً شرعيًا ومارسوها ممارسة عملية فى‬
‫ُ‬
‫الحياة‪ ،‬وأصل ّوا لها أصول ً فى جلب المنفعة‪ ،‬ودفع المفسدة‪،‬‬
‫وقاسوا بهذه القواعد المور التى لم يشهد لها الشرع بإبطال ول‬
‫‪ )(1‬أخرجه أبو داود (‪ ,)4607‬والترمذي (‪.)2676‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬تاريخ التشريع السلمي‪ ،‬ص (‪.)292-291‬‬

‫‪46‬‬

‫معيَّن‪ ،‬لن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها فى‬
‫باعتبار ُ‬
‫الخلق‪ ،‬والمقاصد إما ضرورية أو حاجية‪ ،‬أو تحسينية‪.‬‬
‫والضرورية‪ :‬هى التى لبُد َّ منها فى قيام مصالح الدين والدنيا‬
‫فى الضروريات الخمس فى الملل جميعًا وهي‪ :‬حفظ الدين‪،‬‬
‫والنفس‪ ،‬والنسل‪ ،‬والمال‪ ،‬والعقل‪.‬‬
‫والحاجية‪ :‬هى التى تؤدى إلى رفع الضيق والحرج والمشقة‪.‬‬
‫والتحسينية‪ :‬هى المتعلقة بمكارم الخلق وكون هذه المعانى‬
‫مقصودة عرف بأدلة كثيرة ل حصر لها من الكتاب والسنة‪ ،‬مما‬
‫يد ُّ‬
‫ل على مقاصد الشرع‪ ،‬ولذا ذهب المالكية إلى أن المصلحة‬
‫تكون حجة‪ ،‬ويعتبر بعض الباحثين القول بالمصلحة من خصوصيات‬
‫مذهب المالكية‪.‬‬
‫ميَّة‬
‫المصدُر السادس‪ :‬القياس‪ :‬وهو من أصول المنهجية العِل ِ‬
‫التى سار عليها ابن ياسين وربى عليها أتباعه‪.‬‬
‫المصدر السابع‪ :‬سد الذرائع‪ :‬سار عليه ابن ياسين فى‬
‫منهجه العلمى فى تأصيل أصول فقه مذهبه‪ ,‬وسار على نهج‬
‫فقهاء المالكية فى القتداء بالمام مالك – رحمه الله – الذى أكثر‬
‫إكثاًرا شديدًا من العمل بسد الذرائع‪ ،‬حتى اعتبر بعض العلماء‬
‫العمل بها من خصوصيات مذهبه‪ ,‬حتى وصفه الشاطبى بأنَّه كان‬
‫دّ الذرائع(‪.)1‬‬
‫شديد المبالغة فى س ِ‬

‫ج ‪ -‬مرحلة المغالبة التى قام بها ابن ياسين‪:‬‬
‫بعد أن قطع ابن ياسين بأصحابه وأتباعه مرحلة التكوين‬
‫العقدى والفقهى والحركى والتنظيمى والتربوي‪ ،‬وأصبح معه رجال‬
‫يعتمد عليهم فى تبليغ دعوة الله على فهم صحيح لكتاب الله‪،‬‬
‫وفقه واسع لسنة نبيه ×‪ ,‬ورغبهم فى ثواب الله تعالى‪ ،‬وطلب‬
‫َ‬
‫ح ُّ‬
‫ب التباع من قائدهم العالم‬
‫مرضاته‪ ،‬وخوَّفهم من عقابه‪ ،‬وتمك ّن ُ‬
‫الفقيه‪ ،‬بدأ ابن ياسين بإرسال البعوث إلى القبائل‪ ،‬لترغيب النَّاس‬
‫فى السلم‪ ،‬فلبى مجموعة من أشراف صنهاجة هذه الدعوة‬
‫المحكمة والتفوا حوله‪.‬‬
‫ثم أمر ابن ياسين أتباعه وتلميذه أن يذهب كل منهم إلى‬
‫قبيلته أو عشيرته يدعوهم إلى العمل بأحكام الله وسنة نبيه ×‪،‬‬
‫فلما لم يجدوا استجابة من أقوامهم‪ ،‬خرج إليهم بنفسه‪ ،‬فجمع‬
‫أشياخ القبائل‪ ،‬ووعظهم وحذرهم عقاب الله‪ ،‬واستمَّر فى ذلك‬
‫سبعة أيام‪ ،‬فلم يزدادوا إل فسقًا‪ ،‬فل َّ‬
‫ما يئس منهم أعلن الجهاد‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬التشريع والفقه فى السلم‪ ،‬مناع القطان‪ ،‬ص (‪.)294‬‬

‫‪47‬‬

‫عليهم(‪.)1‬‬
‫تحَّركت جموعُ المرابطين أول ً صوب قبيلة جدالة‪ ،‬حيث‬
‫اشتبكوا معهم فى معركة شرسة وأوقعوا بهم الهزيمة‪ ،‬وقتلوا‬
‫منهم خلقًا كثيًرا‪ ،‬وانقاد الباقون لحكام السلم‪ ،‬ثم سار ابن‬
‫ياسين إلى قبيلة لمتونة فقاتلهم وانتصر عليهم‪ ،‬ودخلوا فى طاعة‬
‫ابن ياسين‪ ،‬وبايعوه على إقامة الكتاب والسنة‪ ،‬ثم مضى إلى‬
‫قبيلة مسوفة التى دخلت تحت لوائه وبايعوه على ما بايعته قبائل‬
‫جدالة ولمتونة‪ ،‬فلما شهدت قبائل صنهاجة هذه الحداث بادرت‬
‫إلى مبايعة ابن ياسين على بذل الطاعة له‪ ،‬وقلدتها كثير من‬
‫القبائل الصحراوية‬
‫فى ذلك(‪.)2‬‬
‫ووضع ابن ياسين خطة شاملة تركَّزت على توزيع النابغين من‬
‫تلميذه على القبائل التى دخلت فى دعوته ليعلموها القرآن‬
‫وشرائع السلم‪ ،‬وبدأ ابن ياسين فى تخطيط الدولة التى شرع‬
‫لتأسيسها على أسس شرعية ربَّانية‪ ،‬وفى ظنى أن الذى أسس‬
‫الدولة المرابطية فعليًا ونفذ أحكامها الشرعية هو يوسف بن‬
‫تاشفين‪ ،‬وهذا ما يتضح من خلل دراسة هذه الدولة البهية‪ ،‬ولما‬
‫تُوفى المير يحيى بن إبراهيم الجدالي‪ ،‬قدَّم ابن ياسين مكانه‬
‫يحيى بن عمر اللمتونى وكان من أهل الدين والفضل‪ ،‬كما كان‬
‫منقادًا فى جميع أموره لمامه ابن ياسين(‪.)3‬‬
‫وبذلك أصبحت القبائل الصنهاجية فى المغرب القصى لها‬
‫قيادة دينية وسياسية ومجالس شورى تُدبُِّر دفتها وحركتها‪،‬‬
‫فتطلعت لتوحيد المغرب القصى كله وإزالة كل عائق يمنعها من‬
‫تحكيم شرع ربها‪.‬‬
‫الوضع السياسى فى المغرب القصى عند ظهور المرابطين‪:‬‬
‫كان المغرب القصى فى أوائل القرن الخامس الهجرى فى‬
‫محنة سياسية ودينية؛ حيث ظهرت دعوات منحرفة عن السلم‬
‫وحقيقته وجوهره الصيل‪ ،‬واستطاعت بعض الدعوات البدعية‬
‫الكفرية أن تُشكِّل كيانًا سياسيًا تحتمى به‪ ,‬وأصبح المغرب القصى‬
‫شبيهًا بالَنْدَلُس فى زمن ملوك الطوائف‪ ،‬وكانت الطوائف التى‬
‫سادت المغرب قبيل وصول المرابطين تتكون من أربع شوكات‬
‫قوية لها وزنها فى المغرب القصى‪:‬‬
‫أولً‪ :‬قبائل غمارة فى ال َّ‬
‫مال‪.‬‬
‫ش َ‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬ابن أبي زرع‪ ،‬روض القرطاس‪ ،‬ص (‪.)85‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬حمدي عبد المنعم‪ ،‬ص (‪.)41‬‬
‫‪ )(3‬انظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)31‬‬

‫‪48‬‬

‫ثانياً‪ :‬قبائل برغواطة فى المغرب‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬قبائل زناتة وكانت تكوِّن نطاقًا حول الطوائف السابقة ل‬
‫ما برغواطة‪.‬‬
‫ِ‬
‫سي َّ َ‬
‫راب ًعا‪ :‬طوائف الشيعة والرافضة والوثنيين فى الجنوب‪.‬‬

‫‪ -1‬الطائفة الُولى‪ :‬قبائل غمارة‪:‬‬

‫كانت تسكن جبال الّرِيف الممتدة من ناحية البحر المتوسط‬
‫من سبتة وطنجة غربًا‪ ،‬إلى وادى نكور بالقرب من المزمة أو‬
‫سيْمة الحالية شرقًا‪ ،‬وتمتد بلدُهم جنوبًا إلى قرب فاس‪,‬‬
‫ال ُ‬
‫ح َ‬
‫وكانت غمارة بطنًا من بطون مصمودة وظهر فيها مشعوذون‪،‬‬
‫خون من‬
‫مؤَ ّ ِر ُ‬
‫وقصدتهم الخوارج للمنعة فى جبالهم‪ ،‬ووصفهم ال ُ‬
‫أمثال ابن خلدون وغيره‪ :‬بأنَّهم‪« :‬عريقون فى الجاهلية؛ بل‬
‫الجهالة‪ ،‬والبعد عن الشرائع بالبداوة والنتباذ عن مواطن الخير‪،‬‬
‫ن الله‪ ،‬ولُقِّب بالمفتري‪،‬‬
‫وتنبَّأ فيهم إنسان يعرف بحاميم بن َ‬
‫م ِّ‬
‫حّرِفت إلى‬
‫وفى رواية أخرى بالمقتدي‪ -‬ولعلها هى الصل ثم ُ‬
‫المفترى – والجبل الذى تنبِّأ فيه يُنسب إليه‪ ،‬وهو جبل على مقربة‬
‫من تطوان‪ ،‬وأجابه بشر كثير من غمارة وأقروا بنبوته‪ ،‬ووضع لهم‬
‫شريعة استهواهم برخصها‪ ،‬فرد َّ لهم الصلة صلتين عند طلوع‬
‫الشمس وعند غروبها‪ ،‬ووضع لهم قرآنًا بلسانهم «أى البربرى»‪،‬‬
‫ومن تعاليمه أنه أح َّ‬
‫ل لهم أكل أنثى الخنزير‪ ،‬وأسقط عنهم الحج‬
‫والطهر والوضوء‪ ،‬وحَّرم عليهم الحوت حتى يُذكى‪ ،‬وحَّرم بيض كل‬
‫طائر‪ . .‬إلخ»(‪.)1‬‬
‫وقد قتل هذا المشعوذ الزنديق فى النصف الول من القرن‬
‫الرابع الهجرى فى طنجة فى حروبه مع قبائل مصمودة الساحلية‬
‫على حد قول البكرى وابن خلدون‪ ،‬أو فى حروبه مع جيوش‬
‫الخليفة الموى عبد الَّرحمن الناصر على حد قول صاحب‬
‫«الستبصار»‪ ،‬وصاحب «مفاخر البربر»(‪.)2‬‬
‫واستمَّرت البدع الكفرية بالرغم من موت المتنبى المشعوذ‬
‫مب َّ‬
‫جل ً فى قَومه‪ ،‬وكانت‬
‫وظهر أحد أبنائه ويُدعَى عيسى وكان ُ‬
‫قبائل غمارة غارقة فى الباحيَّة بين النساء والرجال‪ ،‬وكان رجالهم‬
‫يربون شعورهم كالنساء ويتخذونها ضفائر ويطيبونها ويتعممون‬
‫بها‪ . . .‬إلخ(‪.)3‬‬

‫ة البرغواطيَّة‪:‬‬
‫‪ -2‬الطائف ُ‬
‫‪ )(1‬انطر ‪ :‬الستبصار فى عجائب المصار‪ ،‬لمؤلف مجهول‪ ،‬ص (‪.)190‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬كتاب الستبصار‪ ،‬ص (‪ ،)192-191‬ومفاخر البربر‪ ,‬ص (‪.)77‬‬
‫‪ )(3‬انظر‪ :‬فى تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬العبادي‪ ،‬ص (‪.)278‬‬

‫‪49‬‬

‫كوَّنت هذه الطائفة الكافرة دولة لها فى القرن الثَّانِى للهجرة‬
‫فى إقليم تامسنا أو ما يُسمى اليوم بالشاوية(‪ ،)1‬وكانت دولتهم‬
‫تمتد ُّ من الّرِبَاط الحالية إلى ثغر فضالة الذى كان قاعدة‬
‫ُ‬
‫م ِ الربيع‪.‬‬
‫ب وادى أ ّ‬
‫لسطولها‪ ،‬وتنتهى عند بلدة أزمور عند َ‬
‫ص ِّ‬
‫م َ‬
‫ونجد أن المؤرخين اختلفوا حول اسم برغواطة‪ ،‬فبعضهم يرى‬
‫معينة يجمعها أصل واحد أو أب واحد‪ ،‬بل‬
‫ما لقبيلة ُ‬
‫بأنَّه لم يكن اس ً‬
‫ما لخلط من البربر اجتمعوا على شخص يهودى الصل‪،‬‬
‫كان اس ً‬
‫ادَّعى النبوة‪ ،‬اسمه صالح بن طريف بن شمعون البرباطي‪ ،‬نسبة‬
‫إلى وادى البرباط فى جنوب الَنْدَلُس؛ فصارت كلمة برباطى‬
‫حّرِفَت إلى برغواطي(‪.)2‬‬
‫تُطلق على كل من اعتنق ديانته‪ ،‬ثم ُ‬
‫ويرى ابن خلدون أن برغواطة قبيلة من المصامدة وأن ملوكها‬
‫كانوا من مصامدة المغرب(‪.)3‬‬
‫َ‬
‫ومن عقائد هذه الطائفة الضال ّة اعتقادهم بأن صالح بن طريف‬
‫هو المقصود بقوله تعالى فى سورة التحريم‪﴿:‬وَإِن َتظَا َهرَا َعلَيْ ِه فَِإنّ الَ ُهوَ‬
‫َم ْولَهُ َوجِ ْبرِيلُ َوصَاِلحُ اْلمُؤْمِِنيَ وَاْل َملَِئكَ ُة بَعْ َد ذَِلكَ َظ ِهيٌ﴾ [التحريم‪ .]4:‬وزعم‬
‫زعيمهم أنه المهدى الكبر الذى يخرج فى آخر الزمان لقتال‬
‫ّ‬
‫المسيح الدجال‪ ،‬وأن عيسى ابن مريم يكون من أصحابه ويُصلِى‬
‫خلفه‪.‬‬
‫وشرع لتباعه صوم رجب‪ ,‬والكل فى رمضان‪ ،‬وفى الوضوء‬
‫غسل السرة والخاصرتين بالضافة إلى طريقة الوضوء عند‬
‫سلِمين‪ ،‬وفرض عليهم خمس صلوات فى النَّهار وخمس‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫صلوات فى الليل‪ ،‬وبعض صلواتهم إيماء بل سجود‪ ،‬وبعضها على‬
‫سلِمين‪ ،‬وعند ابتداء الصلة يضع الفرد إحدى يديه‬
‫م ْ‬
‫كيفية صلة ال ُ‬
‫على الخرى‪ ،‬ويقول بالبربرية‪ :‬ابسمن باكش‪ ،‬وتفسيره باسم‬
‫الله‪ ،‬ثم مقر ياكش‪ ،‬أى الله أكبر‪ ،‬ويقولون فى تسليمهم‬
‫بالبربرية‪ :‬أيحن ياكش‪ ،‬ووردام ياكش الله أحد ل مثيل له‪ .‬كما‬
‫وضع‬
‫صالح بن طريف قرآنًا باللغة البربرية فى ثمانين سورة أكثرها‬
‫منسوب إلى أسماء النبيين‪ ،‬أولها سورة أيوب وآخرها سورة‬
‫يونس‪.‬‬
‫وأباح لهم تزوُّج النساء فوق الربع‪ ،‬وأباح لهم الطلق‪ ،‬وحَّرم‬
‫سلِمات‪ ،‬كذلك شرع قتل‬
‫م ْ‬
‫عليهم زواج بنت العم‪ ،‬وزواج ال ُ‬
‫‪ )(1‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)279‬‬
‫‪ )(2‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)279‬‬
‫‪ )(3‬ابن خلدون‪ ،‬العبر‪( ،‬ج ‪.)2/210‬‬

‫‪50‬‬

‫السارق‪ ،‬ورجم الزاني‪ ،‬ونفى الكاذب‪ ،‬وحَّرم رأس كل حيوان‪،‬‬
‫وحَّرم ذبح الديك‪ ،‬والحوت أى السمك‪ ،‬ول يُؤكَل إل أن يُذكى «أى‬
‫يذبح» والبيض عندهم حرام‪ ،‬وليس عندهم أذان ول إقامة وهم‬
‫يكتفون فى معرفة الوقات بصياح الديوك‪ ،‬ولذلك حَّرموها إلى‬
‫غير ذلك من التعاليم الشيطانية وإلى حدٍّ كبير تشبه ديانة حاميت‬
‫المفترى فى غمارة(‪.)1‬‬
‫لقد كانت تعاليم هذه الدولة الكفرية متأثرة بتعاليم اليهود‬
‫المنحرفة‪ ،‬وكذلك ببعض التعاليم السلمية حيث يمكننا أن نقول‬
‫إنَّها ديانة مشوِّهة للسلم تعمل للقضاء عليه‪ ،‬وكانت هذه الدولة‬
‫سا منحرفين مارقين عن الدين‬
‫عند أهل السنة والجماعة مجو ً‬
‫الحنيف‪ ،‬ولهذا فرضوا قتالهم واستحلوا دماءهم‪.‬‬
‫واستمَّرت هذه الدعوة الكفرية منذ سنة ‪125‬هـ فى خلفة‬
‫ملَثَّمين‬
‫هشام بن عبد الملك إلى ظهور أهل السنة المرابطين ال ُ‬
‫ما‪ ،‬وقد ذكرت كتب التَّارِيخ أن حكام‬
‫مبر ً‬
‫الذى قضوا عليهم قضا ًء ُ‬
‫المغرب قبل مجيء المرابطين‪ ،‬كالدارسة والمويين والزناتيين‬
‫قد قاتلوا برغواطة وأنزلوا بها هزائم منكرة وخسائر فادحة‪.‬‬
‫لقد قاسى المغرب القصى محنة كبيرة بسبب هذه الدولة‬
‫الكفرية والطائفية البدعية وكان خطرها أشد وأقوى مما تصوِّره‬
‫كتب التَّارِيخ(‪.)2‬‬

‫‪ -3‬الطائفة الثالثة‪ :‬وهى الدولة الزناتية‪:‬‬
‫وهى تتكوَّن من قبائل مكناسة ومغراوة وبنى يفرن وغيرها من‬
‫القبائل الزناتية التى حكمت المغرب سنين بعد زوال نفوذ‬
‫الدارسة‪ ،‬حيث قامت بدور إيجابى فى حرب الدولة البرغواطية‪،‬‬
‫إل أن حكام هذه الدولة اشتهروا بالجور والظلم والتعسف فى آخر‬
‫زمانهم(‪.)3‬‬

‫‪ -4‬الطائفة الرابعة‪ :‬طوائف الشيعة والوثنيين‪:‬‬

‫ُ‬
‫كان محل ّهم جنوب المغرب فى أقصى بلد السوس‪ ،‬وكانوا‬
‫مبعثَرة‪.‬‬
‫عبارة عن أقليَّات ُ‬
‫أ َّ‬
‫ما الشيعة فقد انتشروا فى مدينة تارودانت ونواحيها وكانوا‬
‫دعاة للفكر الشيعى الرافضي‪ ،‬وبعضهم يرجع جذورهم وأصول‬
‫فكرتهم للدولة العبيدية الرافضية التى جاء ذكرها فى صفحات من‬
‫‪1‬‬

‫() نص على ذلك التشابه صاحب كتاب مفاخر البربر‪ ،‬ص (‪ ،)77‬انظر ‪ :‬فى تاريخ‬
‫المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)281‬‬

‫‪ )(2‬فى تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)278‬‬
‫‪ )(3‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)289‬‬

‫‪51‬‬

‫التَّاريخ السلمى فى ال َّ‬
‫مال الفريقى «الدولة العبيدية‬
‫ش َ‬
‫ِ‬
‫الرافضية»‪ ,‬لقد كان الصراع عنيفًا بين الشيعة وبين أهل السنة‬
‫فى كل ناحية وضاحية ومكان فى المغرب كله‪ ،‬وتوج جهاد أهل‬
‫السنة بالقضاء على الدولة العبيدية إل أن بقايا جذورهم أزالها‬
‫المرابطون بقوتهم ال ُّ‬
‫سنيَّة الميمونة‪ ،‬أما الوثنيون فكانوا يسكنون‬
‫الطلس الكبير فى جبل وعر‪ ،‬وكان الوثنيون يعبدون الكبش‪،‬‬
‫ويبدو أنَّهم تأثروا بديانات مصرية قديمة كانت تعبد الكبش فى‬
‫زمن الفراعنة ويسمونه الله خنوم‪ ،‬فكأن طقوس هؤلء الوثنيين‬
‫وعباداتهم من رواسب مؤثرات مصرية قديمة(‪.)1‬‬
‫لقد اِتضح لى فى دراستى التاريخيّة لبلد المغرب أنَّها كانت‬
‫تعانى من تفكُّك سياسي‪ ،‬وتكونت دول طائفية منحرفة عن مناهج‬
‫رب البرية‪ ،‬وكانت شعوب تلك الديار قد غرقت فى وحل الجهل‪،‬‬
‫ومستنقعات النحراف وفساد التصور‪ ،‬وضياع الخلق‪ ،‬وكثرة‬
‫الظلم‪ ،‬وانتشار العسف والجور‪ .‬وكان علماء وفقهاء المرابطين‬
‫َ‬
‫خط ّتِهم الجهادية توحيد المغرب‬
‫على علم ودراية‪ ،‬وقد وضعوا فى ُ‬
‫القصى والقضاء على الدولة الطائفية الكفرية‪ ،‬وإزالة الظلم‬
‫والجور والتعسف‪.‬‬
‫وعملوا على توحيد الديار المغربية وتربيتها على منهج سنى‬
‫مالكي‪ ،‬ومحاربة المناهج الكفرية‪ ،‬والقضاء على المذاهب البدعية‬
‫من خوارج ومعتزلة وروافض ومنعها من النتشار أو أن يكون لها‬
‫وجود‪.‬‬

‫د ‪ -‬الشروع فى توحيد المغرب القصى‪:‬‬
‫فى عام ‪447‬هـ‪1055 /‬م اجتمع فقهاء سجلماسة ودرعة وكتبوا‬
‫إلى ابن ياسين يُرِغّبونَه فى الوصول إليهم ليخلص بلدهم مما‬
‫تعانيه من الحكام الطغاة الظلمة؛ زناتة المغراويين وأميرهم‬
‫مسعود بن واندين‪ ،‬فجمع ابن ياسين شيوخ قَومه وقرأ عليهم‬
‫دّ يد المعونة لهم‪ ،‬وقالوا‬
‫رسالة فقهاء سجلماسة‪ ،‬فأشاروا عليه بم ِ‬
‫(‪)2‬‬
‫سْر بنا على بركة الله» ‪.‬‬
‫له‪« :‬أيُّها الشيخ الفقيه‪ ,‬هذا ما يلزمنا فَ ِ‬
‫فخرجت جموع المرابطين فى شهر صفر سنة ‪447‬هـ إلى بلد‬
‫درعة‪ ،‬فتصدى لهم المير مسعود بن واندين بالقتال‪ ،‬وانتهت‬
‫المعركة بهزيمة المغراويين ومصرع مسعود وتشتت جيشه‪،‬‬
‫وأسرع ابن ياسين بدخول سجلماسة‪ ،‬وأصلح أحوالها‪ ،‬وقدم عليها‬
‫عامل ً من لمتونة وحامية مرابطية ثم عاد إلى الصحراء»(‪.)3‬‬
‫‪ )(1‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)291‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬موسوعة المغرب العربي (‪.)2/128‬‬
‫‪ )(3‬المصدر السابق‪.)2/182( ،‬‬

‫‪52‬‬

‫وفى عام ‪448‬هـ‪1056/‬م تُوفى المير يحيى بن عمر اللمتونى‬
‫فَعيَّن عبد الله بن ياسين أخاه أبا بكر بن عمر مكانه للقيادة‪ ،‬ثم‬
‫تأهَّب أبو بكر لغزو بلد السوس؛ ففى ربيع الثَّانِى سنة ‪448‬هـ سار‬
‫ب بلد السوس‪ ،‬واختار أبو بكر بن عمر ابن عمه‬
‫صوْ َ‬
‫المرابطون َ‬
‫يوسف بن تاشفين ليتولى القيادة على مقدمة الجيش المرابطي‪،‬‬
‫وكان ذلك أول ظهور ليوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين‬
‫وقائد مرحلة التَّمكين‪ ،‬وتمكنوا من احتلل اردوانت‪ ،‬وقضوا على‬
‫الروافض والوثنيين‪ ،‬كما قاتلوا اليهود المنتشرين فى تلك النواحى‬
‫فأعادوا بذلك تلك المناطق إلى مذهب أهل السنة والجماعة(‪.)1‬‬
‫وسار المرابطون إلى مدينة أغمات‪ ،‬وكان أميرها يومئذٍ لقوط‬
‫بن يوسف بن على المغراوى وحاصروها‪ ,‬واضطر لقوط إلى‬
‫الفرار عندما أيقن عبث المقاومة‪ ،‬فخرج يتلمس النجاة فى أهله‬
‫وحشمه تحت جنح الظلم‪ ،‬ودخل المرابطون أغمات عام ‪449‬هـ‪/‬‬
‫‪1057‬م وأقاموا فيها ما يقرب الشهرين‪ ،‬وتحركوا حركات حربية‬
‫مغراويين‪ ،‬واستطاعوا قتل أمير‬
‫محكَمة للقضاء على فلول ال ُ‬
‫ُ‬
‫أغمات وتزوج أبو بكر بن عمر من زينب النفراوية زوجة لقوط‬
‫المغراوي‪.‬‬
‫ثم سار أبو بكر بن عمر فى جموع المرابطين إلى أرض‬
‫برغواطة وكان أميرهم يومئذٍ أبا حفص بن عبد الله بن أبى غفير‬
‫بن محمد بن معاذ‪ ،‬ونشبت بين المرابطين والبرغواطيين وقائع‬
‫ومعارك حامية الوطيس أصيب فيها العالم الربانى والمقاتل‬
‫جه ابن ياسين بجراح أودت بحياته إلى‬
‫الميدانى والفقيه المو ِّ‬
‫ّ‬
‫الشهادة‪ ,‬نحسبه كذلك ول نُز ِكى على الله أحدًا‪ ،‬حمل على إثر‬
‫ر القيادة فى معسكر المرابطين‪ ،‬وقبل خروج‬
‫تلك الجراح إلى مق ّ ِ‬
‫روحه جمع رؤساء وشيوخ المرابطين وحثَّهم على الثبات فى‬
‫القتال‪ ،‬وحذَّرهم من عواقب التفرقة والتحاسد فى طلب الرياسة‪،‬‬
‫ولم يلبث أن فارق الحياة(‪ ،)2‬فعلى أمثال هؤلء الرحمة والمغفرة‬
‫والرضوان من الرحيم الواحد المنان‪ .‬واتفق رأى المرابطين على‬
‫اختيار أبى بكر ابن عمر للرياسة مكان ابن ياسين‪ ،‬وأجمع شيوخ‬
‫المرابطين على مبايعة أبى بكر‪ ,‬فجمع بين الزعامتين الدينية‬
‫والسياسية‪ ،‬بينما يؤكد كل من القاضى عياض وابن خلدون أن‬
‫المرابطين اتفقوا فيما بينهم على تقديم الشيخ سليمان بن حدو‪،‬‬
‫َ‬
‫ليرجعوا إليه فى مشاكلهم وقضايا دينهم‪ ،‬وتول ّى القائد الجديد‬
‫الزعامة بهمة عالية وشجاعة فائقة‪ ،‬واستعداد للتضحية والفداء‬
‫من أجل إحياء دين الله على منهج النبوة‪ ،‬وطمس المعالم‬
‫‪ )(1‬فى المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)293‬‬
‫‪ )(2‬تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)44‬‬

‫‪53‬‬

‫الكفرية للدولة البرغواطية‪ ،‬فأمر بتعبئة جيوشه المجاهدة وخرج‬
‫لقتال واستئصال الكفر من بلد المغرب‪ ،‬فأثخن فى جنود الدولة‬
‫البرغواطية‪ ،‬وفَّرق جموعهم‪ ،‬وكسر شوكتهم‪ ،‬وأعلنوا الطاعة‬
‫والولء للدولة المجاهدة الجديدة‪ ،‬ثم قصد أبو بكر مدينة أغمات‪،‬‬
‫فمكث بها حتى شهر صفر سنة (‪452‬هـ‪1060 /‬م) ثم تابع سيره‬
‫فى بلد المغرب‪ ،‬يفتح البلدان والقرى وحصون الجبال‪ ،‬ففتح‬
‫سائر بلد زناتة‪ ،‬وفتح مكناسة‪ ،‬وحاصر مدينة لواتة ودخلها عنوة‬
‫فى شهر ربيع الثَّانِى سنة ‪452‬هـ‪ ,‬ثم عاد إلى أغمات التى اتخذها‬
‫قاعدة عسكرية للمرابطين ومقًرا للمير وأخوته‪ ،‬وعندما امتلت‬
‫المدينة اتجه أبو بكر إلى اختيار عاصمة جديدة‪ ،‬فوقع على موضع‬
‫مدينة مراكش الحالية‪ ،‬وشرع فى بنائها‪ ،‬فأتاه رسول من‬
‫َ‬
‫الصحراء يخبره بإغارة قبيلة جدالة على قبيلة لمتونة‪ ،‬فعي ّن ابن‬
‫عمه يوسف‪ ,‬وأسرع من أجل الصلح بين القبائل المتنازعة‪،‬‬
‫وق َّ‬
‫سم الجيش إلى فريقين‪ ،‬نصفه مع يوسف الذى شرع فى‬
‫تأديب القبائل المغربية المتمردة من مغراوة وزناتة وبنى يفرن‬
‫وغيرهم‪ ,‬ووقع اختياره على أربعة من القوَّاد هم‪ :‬محمد بن تميم‬
‫الجدالي‪ ،‬وعمر بن سليمان المسوفي‪ ,‬ومدرك التلكاني‪ ،‬وسير بن‬
‫أبى بكر اللمتوني‪ ،‬وعقد لكل منهم على خمسة آلف من قبيلته‪،‬‬
‫وسيرهم لتأديب تلك القبائل المتمردة‪ ،‬وسار فى أثرهم فغزوا‬
‫قبائل المغرب قبيلة بعد قبيلة‪ ،‬وبلدًا بعد بلد‪ ،‬وكان بعضهم يفرون‬
‫وبعضهم يقاتلونه‪ ,‬والبعض الخر يدخلون فى طاعته‪.‬‬
‫واستمَّر فى توحيد بلد المغرب وسنرى جهوده الجهادية فى‬
‫سيرته الميمونة‪.‬‬
‫أما أبو بكر فقد استطاع نشر المن فى الصحراء‪ ،‬وأزال‬
‫الخلف القائم بين لمتونة وجدالة‪ ،‬وتوسع فى جهاد قبائل السود‬
‫الوثنية لتدخل فى دين الله؛ حيث صاول وجاول وقاتل الزنوج‬
‫لتأمين حدود دولة المرابطين الجديدة بعد دعوة الزنوج للدخول‬
‫فى السلم‪.‬‬
‫وبعد أن حقق أبو بكر بن عمر نجاحات هائلة فى مهمته‬
‫الدعوية؛ رجع إلى المغرب القصى بجيوشه؛ فأكرمهم يوسف بن‬
‫ما يليق بالقائد الربَّانى أبى بكر بن عمر‪ ،‬واختار أبو‬
‫تاشفين إكرا ً‬
‫حكم المغرب القصى‪ ،‬وأمره بالعدل‬
‫بكر يوسف نائبًا عنه على ُ‬
‫سلِمين‪ ,‬ثم ودَّعه وعاد إلى الصحراء وقد زوَّده يوسف‬
‫م ْ‬
‫والرفق بال ُ‬
‫بطائفة عظيمة من الهدايا الجليلة‪ ،‬من المال والخيل والبغال‬
‫والسلحة المحلة بالذهب‪ ،‬والجوارى والثياب الفاخرة والمؤن‬
‫ب‪ ،‬وهناك استأنف الجهاد والغزو حتى قُتل فى إحدى‬
‫والدوا ِّ‬

‫‪54‬‬

‫غزواته فى سنة (‪480‬هـ‪1087/‬م)(‪.)1‬‬
‫قال ابن كثير فى «البداية والنهاية» عنه ‪-‬أى عن أبى بكر بن‬
‫عمر‪« :-‬اتفق له من الناموس ما لم تتفق لغيره من ملوك‪ ,‬كان‬
‫يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل‪ ،‬كان يعتقد‬
‫طاعته‪ ،‬وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم السلم‪ ،‬ويحوط‬
‫الدين ويسير فى النَّاس سيرة شرعية‪ ،‬مع صحة اعتقاده ودينه‪،‬‬
‫وموالة الدولة العباسية‪ ،‬أصابته نشابة فى بعض غزواته فى حلقه‬
‫فقتلته»(‪.)2‬‬
‫لقد كان أبو بكر بن عمر من أعظم قادة المرابطين‪ ،‬وأتقاهم‬
‫وأكثرهم ورعًا ودينًا وحبًا للشهادة فى سبيل الله‪ ،‬وساهم فى‬
‫توحيد بلد المغرب‪ ،‬ونشر السلم فى الصحارى القاحلة وحدود‬
‫السنغال والنيجر‪ ،‬وجاهد القبائل الوثنية حتى خضعت وانقادت‬
‫سلِمين‪ ،‬ودخل من الزنوج أعداد كبيرة فى السلم‪,‬‬
‫م ْ‬
‫للسلم وال ُ‬
‫وساهموا فى بناء دولة المرابطين الفتية‪ ،‬وشاركوا فى الجهاد فى‬
‫َ‬
‫سلِمين فى دولة المرابطين‬
‫م ْ‬
‫بلد النْدَلُس‪ ,‬وصنعوا مع إخوانهم ال ُ‬
‫حضارة متميزة‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬تأملت فى مسيرة ابن ياسين الجهادية‪:‬‬

‫ملَثَّمين الصنهاجية‬
‫لقد سار ابن ياسين فى دعوته لقبائل ال ُ‬
‫سيرة حسنة نقية‪ ،‬وتدَّرج بهم من مرحلة التعريف إلى التكوين ثم‬
‫التنفيذ حيث شرع فى قتال القبائل التى لم تحترم أو تُقدِّس‬
‫حرمات الله‪ ،‬وأزال المنكرات‪ ،‬واعتبر ذلك جهادًا فى سبيل الله‪.‬‬
‫وقد لحظت أن إعلن الجهاد على القبائل التى تفشت فيها‬
‫المنكرات جاء بعد إعداد وشورى من أهل الحل والعقد‪ ،‬وبعد أن‬
‫أصبحت لهم شوكة قوية وإمام مطاع‪ ،‬ومجلس من العلماء‬
‫والفقهاء يقلبون أمور السلم والحرب‪.‬‬
‫ويكفى هؤلء البطال على صحة جهادهم ما رواه مسلم فى‬
‫صحيحه عن النبى × ‪« :‬ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إل كان‬
‫له من أ َّ‬
‫مته حواريون‪ ،‬وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره‪ ،‬ثم‬
‫خلوف‪ ،‬يقولون مال يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ل‬
‫إنَّها تخلف من بعدهم ُ‬
‫يؤمرون‪ ،‬فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بلسانه فهو‬
‫مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن‪ ،‬وليس وراء ذلك من‬
‫ة خردل»(‪.)3‬‬
‫اليمان حب ُ‬
‫إن حركة المرابطين كانت موفقة حيث استطاعت أن تنسق‬
‫‪ )2( ,)(1‬البداية والنهاية‪.)12/143( ،‬‬
‫‪2‬‬
‫() البداية والنهايةـ (‪.)12/143‬‬

‫‪ )(3‬صحيح مسلم رقم (‪ ,50‬ج ‪.)1/70‬‬

‫‪55‬‬

‫مع علماء وفقهاء سجلماسة لسقاط الدولة الزناتية التى تفشى‬
‫فيها الظلم والجور والعسف‪ ،‬فعندما رأوا من أنفسهم الستطاعة‬
‫والمقدرة على إزالة الظلم‪ ،‬ورأوا أن تحقُّ‬
‫ق المصلحة كان أرجح‪،‬‬
‫َ‬
‫سارع الفقهاء والعلماء بالموافقة على مقترح ابن ياسين‪ ،‬وتدفَّقت‬
‫جيوش المرابطين‪ ،‬وتعاونت مع المستضعفين وطهَّرت البلد من‬
‫سلِمين‪ ،‬ورفعت الضرائب‬
‫م ْ‬
‫هيمنة العابثين‪ ،‬ونشرت العدل بين ال ُ‬
‫والمكوس عن المظلومين‪ ،‬وفى نظرى أن نجاح حركة المرابطين‬
‫كان بتوفيق الله‪ ،‬ثم إن القيادة الفعلية للعلماء والفقهاء ومجلس‬
‫حل والعقد ممن شهدت لهم جموع‬
‫مثِّل أهل ال ِّ‬
‫الشورى الذى ي ُ َ‬
‫المرابطين بأنَّهم أهل لذلك كانت حساباتهم دقيقة‪ ,‬وفتاويهم‬
‫موزونة‪ ،‬ومعاركهم مدروسة‪.‬‬
‫أما قتالهم لبرغواطة‪ ,‬وغمارة‪ ,‬ذات المعتقدات الكُفرية‬
‫والنحرافات العقدية فهذا يعتبر من أعظم أعمالهم الجهادية‪,‬‬
‫عندما وقفوا لزالة الدولة الشركية واقتلعوها من جذورها‪ ،‬وبُدِّلت‬
‫ل سنية زكية بهية‪.‬‬
‫بأصو ٍ‬
‫ت أن للعلماء شبكة عملية للتصال والتشاور ووضع‬
‫كما لحظ ُ‬
‫َ‬
‫الخطط اللزمة لحياء السلم فى ال ّ‬
‫مال الفريقي‪ ،‬حيث نجد‬
‫ش َ‬
‫أن المام أبا عمران الفاسى هو الذى وضع الخطوط العريضة‬
‫والرشادات النافعة لدولة المرابطين‪ ،‬ثم و َّ‬
‫جه المير يحيى بن‬
‫إبراهيم إلى موقع من مواقع حلقة التصال الواسعة بين العلماء‬
‫ليرسل قائد تلك الجهة وهو ابن وجاج مع المير يحيى أحد الفراد‬
‫حا وتفوقًا للدعوة فى قبائل‬
‫الذين يتوسم فيهم ذكاءً ونجاب ً‬
‫ة وصل ً‬
‫َ‬
‫صنهاجة‪ ,‬وكان اختيار ابن وجاج فى محله الذى استم ّر على‬
‫اتصاله بشيوخه‪.‬‬
‫كما أن علماء سجلماسة كانوا ضمن شبكة من شبكات‬
‫التعاون بين فقهاء أهل السنة‪ ،‬فهم الذين ش َّ‬
‫جعوا جيوش‬
‫المرابطين لتوحيد الديار المغربية تحت لواء دولة سنية‪.‬‬

‫***‬

‫‪56‬‬

‫المبحث السادس‬
‫مرحلة التمكين والتوسع لدولة المرابطين‬
‫القائد الربانى يوسف بن تاشفين‬
‫‪400‬‬

‫‪-‬‬

‫‪500‬‬

‫هـ ‪1 1 0 6 -1 0 0 9 /‬م‬

‫تمهيد‪:‬‬
‫قد علمت بأهم المراحل فى فقه الدعوة إلى الله التى مَّر بها‬
‫ما فى تنفيذ مرحلة‬
‫المام ابن ياسين حيث نجده نجح نجا ً‬
‫حا عظي ً‬
‫التعريف واختيار العناصر التي تحمل الدعوة‪ ،‬ومرحلة المغالبة‪،‬‬
‫واستشهد فى مرحلة المغالبة وتولى القيادة فى هذه المرحلة أبو‬
‫بكر بن عمر الذى سار على نفس المنهج الذى رسمه ابن ياسين‪.‬‬
‫واستمَّر فى فتح مدن المغرب إل أنه ترك نصف جيش‬
‫المرابطين لبن عمه يوسف‪ ،‬ودخل بالباقى نحو الجنوب داعيًا‬
‫حا واستمَّر فى فتوحاته حتى استشهد – رحمه الله‬
‫ومجاهدًا ومصل ً‬
‫َ‬
‫– وتول ّى المر بالكلية القائد الربانى ابن تاشفين الذى أنهى مرحلة‬
‫المغالبة وانتقل إلى مرحلة التَّمكين‪.‬‬

‫أ ‪ -‬نسبه‪:‬‬

‫يوسف بن تاشفين بن إبراهيم اللمتونى الصنهاجي‪ ,‬وأ ُ ُّ‬
‫مه بنت‬
‫عم أبيه فاطمة بنت سير بن يحيى بن وجاج بن وارتقين‪ ،‬وكانت‬
‫قبيلته قد سيطرت بسيادتها وقيادتها على صنهاجة‪ ،‬واحتفظت‬
‫بالرئاسة منذ أن جعلها المام ابن ياسين فيها بعد وفاة المير‬
‫ما فى قَومه‪.‬‬
‫يحيى ابن إبراهيم الجدالى ‪ ،‬فنما عزيًزا كري ً‬
‫خون من أمثال أشياخ‪« :‬خلق للزعامة»(‪.)1‬‬
‫مؤَّرِ ُ‬
‫قال عنه ال ُ‬
‫ملك له ال َّ‬
‫وإن اتهموا صنهاجة‬
‫ف العلى من حمير‬
‫شَر ُ‬
‫(‪)2‬‬
‫فهم هـــم‬
‫كان يوسف أسمر اللون نقيُّه‪ ,‬معتدل القامة‪ ،‬نحيف الجسم‪،‬‬
‫خفيف العارضين‪،‬‬
‫رقيق الصوت‪ ،‬أكحل العينين‪ ،‬أقنى النف‪ ،‬له وفرة تبلغ شحمة‬
‫الذن‪،‬‬
‫مقرون الحاجبين‪ ,‬أجعد الشعر(‪.)3‬‬
‫‪ )(1‬الندلس فى عهد المرابطين والموحدين‪ ,‬ص (‪.)65‬‬
‫‪ )(2‬وفيات العيان‪( :‬ج ‪.)7/130‬‬
‫(‪ )2‬انظر‪ :‬الروض القرطاس‪ ،‬ص (‪.)87‬‬
‫‪ )(3‬دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)36‬‬

‫‪57‬‬

‫كان يجمع بين جمال الطلعة وجمال الجسم‪ ،‬وبين أبدع‬
‫ما‪ ،‬زاهدًا فى‬
‫المواهب‪ ،‬كان بطل ً شجاعًا‪ ،‬نجدًا حاذقًا‪ ،‬جوَّادًا كري ً‬
‫زينة الدنيا‪ ،‬عادل ً متورعًا‪ ,‬متقشفًا‪ ,‬لباسه الصوف‪ ،‬وطعامه خبز‬
‫الشعير‪ ،‬ولحوم البل وألبانها(‪ .)1‬كان عزيز النَّفس كثير الخوف من‬
‫الله‪.‬‬
‫كان يجمع الصفح والعفو عن الذنوب مهما كبرت ما عدا الذين‬
‫يرتكبون الخيانة فى حق الدِّين فل مجال للعفو عنهم (‪.)2‬‬
‫م‬
‫ربَّته الحداث وصاغت من شخصيته قائدًا فذ ًا‪ ،‬وبرهنت اليا ُ‬
‫على أنه له مقدرة على فهم واقعه‪ ,‬قادر على النهوض بقَومه‬
‫وشعبه وجيشه نحو حياة إسلمية حضارية أفضل‪.‬‬
‫تلقَّى يوسف تعاليمه الولى فى قلب الصحراء من أفواه‬
‫حدِّثِين والفقهاء‪ ،‬ونما وترعرع وتربَّى على تعاليم المام الفقيه‬
‫م َ‬
‫ال ُ‬
‫ابن ياسين‪ ،‬ونبغ فى فنون رجال الحرب‪ ،‬وفى السياسة الشرعية‬
‫التى تتلمذ على الفقهاء فيها‪ ،‬وقام بها خير قيام‪ ,‬وسنرى ذلك ‪-‬‬
‫بإذن الله‪ -‬فى بحثنا هذا‪.‬‬
‫َ‬
‫تذكُر كتب التَّارِيخ أنه تزوج زينب النفروية بعد أن طل ّقها ابن‬
‫عمه أبو بكر بن عمر عندما عزم على السفر إلى الصحراء للجهاد‬
‫والدعوة والصلح‪ ،‬فقال لها‪ :‬أنت امرأة جميلة ب َّ‬
‫ضة‪ ،‬ل طاقة لك‬
‫على حرارة الصحراء‪ ،‬وإنِّى مطلقك؛ فإذا انقضت عدتك فانكحى‬
‫َّ‬
‫وتزوجها يوسف بعد تمام عدَّتِها‪،‬‬
‫ابن عمى يوسف بن تاشفين‪،‬‬
‫وكانت زينب بنت إسحاق مشهورة بالجمال والرئاسة‪ ,‬بارعة‬
‫الحسن‪ ,‬حازمة‪ ,‬لبيبة‪ ,‬ذات عقل رصين‪ ,‬ورأى سديد‪ ,‬ومعرفة‬
‫م الزوجة المعينة لزوجها‪ ,‬وقد‬
‫بإدارة المور‪ ،‬فكانت نِعْ َ‬
‫مدحت كتب التَّارِيخ هذه المرأة‪ ,‬واعتبرتها من خيرة نساء دولة‬
‫المرابطين‪ ،‬وتوفيت‬
‫عام ‪464‬هـ‪1071 /‬م‪.‬‬
‫وتزوَّج المير يوسف من سيدة أندلسية تُدعَى قمر ول تذكر‬
‫كتب التَّارِيخ عنها شيئًا‪ ،‬ويقال‪ :‬هى التى أنجبت المير علي ولى‬
‫العهد‪ ،‬وأمير الَنْدَلُس والمغرب بعد والده‪.‬‬
‫وتزوَج يوسف امرأة تسمى عائشة‪ ,‬وأنجبت له المير محمد‬
‫ّ‬
‫رزق يوسف‬
‫و‬
‫عائشة‪،‬‬
‫بن‬
‫ا‬
‫محمد‬
‫يدعى‬
‫فصار‬
‫إليها‬
‫نسب‬
‫الذى‬
‫َُ ِ‬
‫مجموعة من الذكور والناث بكرهم تميم الذى توفى غداة معركة‬
‫الزلقة وكان واليًا على سبتة‪ ،‬وعل ٌّ‬
‫ي الذى تولى المارة بعده‪،‬‬
‫وإبراهيم‪ ,‬ومحمد الذى كان أحد القادة البارزين فى جيش والده‬
‫‪1‬‬

‫‪ )(2‬دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)36‬‬

‫‪58‬‬

‫وأ َّ‬
‫ما بناته فهما‪ :‬كونة ورقيَّة(‪.)3‬‬

‫ب ‪ -‬المراحل العسكرية التى مر بها يوسف فى جيش‬
‫المرابطين‪:‬‬
‫‪4 4 8 - 4 5 2 -1‬هـ ‪1 0 6 0 -1 0 5 6 /‬م‪:‬‬
‫كان فى هذه المرحلة مجرد قائد من قواد المرابطين يتلقَّى‬
‫الوامر وينفِذ ُها بكل نجاح‪ ،‬وكانت هذه المرحلة غنية بالتجارب‬
‫والخبرات التى شحذت ذهنه وأهَّلته للمرحلة التالية‪ ،‬فكأنَّها كانت‬
‫ممارسة للسلطة‪ ،‬والطلع على خفاياها دون تح ُّ‬
‫مل المسئولية‪،‬‬
‫ُ‬
‫استطاع بعدها تسل ّم المارة بكل الوامر التى و ِكّلت إليه بكل همة‬
‫ونشاط ودون تردد‪ ،‬وقاد المرابطين إلى النصر فى ميادين الجهاد‬
‫والعزة والكرامة والشرف‪.‬‬
‫وظهر نجم يوسف للمرابطين فى معركة الواحات ‪448‬هـ ‪-‬‬
‫‪1056‬م التى كان فيها قائدًا لمقدمة جيش المرابطين المهاجم‪،‬‬
‫وبعد فتح مدينة سجلماسة عيَّنه المير أبو بكر واليًا عليها‪ ،‬فأظهر‬
‫مهارة إدارية فى تنظيمها‪ ،‬ثم غزا بلد جزولة وفتح ماسة ثم سار‬
‫إلى تارودانت قاعدة بلد السوس وفتحها‪ ,‬وكان بها طائفة من‬
‫الشيعة البجليين نسبة إلى مؤسسها على بن عبد الله البجلي‪،‬‬
‫من بقى منهم على قيد‬
‫وقتل المرابطون أولئك الشيعة‪ ,‬وتحوَّل َ‬
‫الحياة إلى السنة‪.‬‬
‫ثم جاء دور أغمات‪ ،‬كانت مدينة مزدهرة حضاريًّا إذ كانت أحد‬
‫مراكز النصرانية القديمة‪ ,‬ومقًرا للبربر المتهودين‪ ،‬كان يحكمها‬
‫المير لقوط بن يوسف بن على المغراوي‪.‬‬
‫ف التعليمات من المير أبى بكر بالزحف نحوها‪,‬‬
‫تلقَّى يوس ُ‬
‫ومهاجمتها‪ ,‬ودكِّها‪ ،‬ودخل المرابطون المدينة ( ‪449‬هـ‪1057 /‬م)‪.‬‬
‫وسار المرابطون وفى جملتهم يوسف نحو دولة برغواطة‬
‫«الدولة الكافرة الملحدة» ونشبت المعارك بين الفريقين‪ ،‬وأصيب‬
‫ت‬
‫خللها المام ابن ياسين بجراح بالغة توفى على أثرها كما علم َ‬
‫فى ‪451‬هـ ‪1059 /‬م‪.‬‬
‫كان استشهاد المام الفقيه عبد الله بن ياسين البداية الولى‬
‫فى دفع يوسف إلى رئاسة الدولة الناشئة‪.‬‬
‫إذ إن جانب المامة يغلب على جانب المارة فى عهد المام‬
‫َ‬
‫ابن ياسين‪ ،‬وبعد وفاته تول ّى أبو بكر بن عمر‪ ،‬فرجح جانب المارة‬
‫على جانب المامة‪ ،‬وأخذت الدولة الناشئة تتحول إلى طابع‬
‫‪ )(3‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)38‬‬

‫‪59‬‬

‫سياسى جديد‪ ,‬ومَّرت بها ظروف تتطلب رجال ً من طراز يوسف‬
‫بن تاشفين‪.‬‬
‫وعندما دخل أبو بكر بن عمر بجيوشه إلى الصحراء‪ ,‬وأناب ابن‬
‫عمه يوسف على المغرب‪ ,‬ظهرت خللها مواهب يوسف‬
‫َ‬
‫س‬
‫العسكرية والدارية والتنظيمية والحركية والدعوية‪ ،‬وسلم الن ّا ُ‬
‫بزعامته‪ ,‬وبدأ فى تأسيس دولته بالحزم والعلم والجد والمثابرة‬
‫والبذل والعطاء‪.‬‬
‫وعندما رجع أبو بكر من الصحراء جمع أشياخ المرابطين من‬
‫لمتونة وأعيان الدولة‪ ،‬والكُتَّاب والشهود‪ ،‬وأشهدهم على نفسه‬
‫َ‬
‫بالتخلى ليوسف عن المارة‪ ،‬وعل ّل المير أبو بكر هذا التنازل لبن‬
‫عمه يوسف لدينه وفضله وشجاعته وحزمه ونجدته وعدله وورعه‬
‫وسداد رأيه ويمن نقيبته‪ ،‬وأوصاه الوصية التالية «يا يوسف إنِّى قد‬
‫َ‬
‫سلِمين‪,‬‬
‫م ْ‬
‫ول ّيتُك هذا المر وإنِّى مسئول عنه؛ فاتق الله فى ال ُ‬
‫وأعتقنى وأعتق نفسك من النار‪ ،‬ول تُضيِّع من أمر رعيتك شيئًا؛‬
‫فإنَّك مسئول عنهم‪ ،‬والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل‬
‫الصالح والعدل فى رعيتك‪ ,‬وهو خليفتى عليك وعليهم» (‪.)1‬‬
‫سَر هذا اليثار‬
‫ويحلو لبعض الكُتَّاب من المؤرخين أن يُفَ ِّ‬
‫ملك بإن أبا بكر خشى من سطوة يوسف الذى‬
‫والتنازل عن ال ُ‬
‫جلين من‬
‫أظهر له عدم استعداده التنازل عن الملك؛ وسيرة الر ُ‬
‫الصلح والتقوى تنافى ادعاءهم الباطل‪.‬‬

‫مغْرب القصى ال َّ‬
‫مالى ‪4 5 4‬هـ ‪4 7 7 -‬هـ ‪:‬‬
‫ش َ‬
‫‪ -2‬فتح ال َ ِ‬

‫قام يوسف بن تاشفين نحو المغرب ال َّ‬
‫مالى لينتزعه من‬
‫ش َ‬
‫أيدى الزناتيين‪ ,‬واستخدم من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود‬
‫إرسال الجيوش للقضاء على جيوش المخالفين مستفيدًا من‬
‫الخلفات السياسية بين قادة المدن‪ ،‬فحالف بعضها من أجل قتال‬
‫خ َ‬
‫حا عام ‪455‬هـ‪ ،‬ثم تمَّرد‬
‫الباقي‪ ،‬واستطاع أن يد ُ‬
‫ل مدينة فاس صل ً‬
‫أهلها عليه إل أنه استطاع إخماد جميع الثورات التى قامت ضد‬
‫المرابطين بجهاده‪ ،‬وكفاحه المستمّرِ‪ ،‬حتى ت َّ‬
‫م له فتح جميع البلد‬
‫من الريف إلى طنجة عام ‪460‬هـ ‪1067 /‬م‪.‬‬
‫وأعاد فتح فاس عنوة بحصار ضربه عليها بجيش قوامه مائة‬
‫ألف جندى عام ‪462‬هـ‪1069 /‬م‪ ,‬فقضى على شوكة مغراوة وبنى‬
‫يقرن وسائر زناتة‪ ،‬ونظم المساجد والفنادق وأصلح السواق‪،‬‬
‫وخرج من فاس عام ‪463‬هـ إلى بلد ملوية وفتحها واستولى على‬
‫حصون وطاط من بلد طنجة (‪.)2‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬روض القرطاس‪ ،‬ص (‪.)86‬‬
‫‪ )(2‬انظر‪ :‬روض القرطاس‪ ،‬ص (‪ ,)91‬العبر (‪.)6/185‬‬

‫‪60‬‬

‫‪ -3‬لقب المارة‪:‬‬
‫بعد هذه النتصارات الناجحة استدعى شيوخ وأمراء المغرب‬
‫من قبائل زناتة ومصمودة وغمارة‪ ،‬وأكرمهم وبذل لهم العطاء‬
‫وأحسن إليهم‪ ،‬وبايعوه على المارة وخرج بهم يطوف فى أقاليم‬
‫المغرب يتابع المراء ويحاسب الولة‪ ،‬وينشر العدل ويرفع‬
‫المظالم فهابته النفوس‪ ،‬واقتنعت أنها أمام رجل دولة عبقرى فذ‪.‬‬
‫وبعد أن رجع من تلك الجولَة التفقدية الصلحية سار بجيوشه‬
‫عام (‪465‬هـ‪1072/‬م) لغزو الدمنة من بلد طنجة وفتح جبل‬
‫علودان ‪ ،‬وفى عام (‪467‬هـ‪1074/‬م) استولى على جبل غياثة وبنى‬
‫مكود وبنى رهينة من أحواز تازا‪ ,‬وجعلها حدًّا فاصل ً بينه وبين زناتة‬
‫الهاربة إلى الشرق‪ ،‬وأبعد عن المغرب ك َّ‬
‫من ظ َّ‬
‫ن فيه أنه من‬
‫ل َ‬
‫حا إلى طاعته مطمئنًا إلى‬
‫صا له مرتا ً‬
‫أهل العصيان‪ ،‬فأصبح خال ً‬
‫خلوده إلى السكينة والهدوء غير تواق للثورة عليه‪.‬‬
‫وأصبحت منطقة تازا ثغًرا منيعًا بينه وبين زناتة؛ ولذلك اعتبر‬
‫خون عام ‪467‬هـ‪1074 /‬م فاصل ً فى تاريخ الدولة المرابطية‬
‫مؤَ ّ ِر ُ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مالى‬
‫ش‬
‫ال‬
‫القصى‬
‫المغرب‬
‫سائر‬
‫على‬
‫نفوذه‬
‫يوسف‬
‫بسط‬
‫إذ‬
‫َ‬
‫باستثناء طنجة وسبتة‪.‬‬
‫وسيَّر يوسف بن تاشفين إلى طنجة جي ً‬
‫شا من اثنى عشر ألف‬
‫فارس مرابطى وعشرين ألفًا من سائر القبائل‪ ,‬وأسند قيادته إلى‬
‫صالح بن عمران عام ‪470‬هـ‪ ،‬وعندما اقتربت جيوش المرابطين‬
‫من طنجة برز إليهم الحاجب بن سكوت على رأس جيش وهو‬
‫شيخ يناهز التسعين‪ ،‬وانتصر المرابطون وفتحوا طنجة وقتل فى‬
‫تلك المعارك الحاجب بن سكوت(‪ .)1‬وبعد فتح طنجة استأنف‬
‫المير يوسف تو ُّ‬
‫سعَه نحو الشرق لمطاردة زناتة التى لجأت إلى‬
‫دّد دولة‬
‫تلمسان‪ ،‬وكان هدفه القضاء على أى مقاومة تُهَ ِ‬
‫المرابطين فى المستقبل‪ ،‬وبدأت عمليات الهجوم الوقائى التى‬
‫استطاعت أن تحقق أهدافها وتهزم جيش تلمسان المعادى وتأسر‬
‫قائده معلى بن يعلى المغراوى الذى قُتل على الفور‪ ،‬ورجعت‬
‫كتائب المرابطين إلى مراكش‪ ,‬ثم عاد يوسف نحو الريف‪ ،‬وغزا‬
‫تلك الراضى وضم مدينة تكرور ولم تعمر بعد ذلك‪.‬‬
‫ثم رجع بجيوشه نحو وهران وتنس وجبال وانشريش ووادى‬
‫الشلف حتى دخل مدينة الجزائر‪ ,‬وتوقف عند حدود مملكة بجاية‬
‫التى حكمها بنو ح َّ‬
‫ماد ‪-‬فرع من صنهاجة‪.‬‬
‫وبنى يوسف فى مدينة الجزائر جامعًا ل يزال إلى اليوم‬
‫ويُعرف بالجامع الكبير‪.‬‬
‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)50‬‬

‫‪61‬‬

‫وعاد إلى مراكش عام ‪475‬هـ‪1081/‬م وبذلك تو َّ‬
‫حد المغرب‬
‫ما‪ ،‬وأصبحت دولة المرابطين‬
‫القصى بعد جهاد استمَّر ثلثين عا ً‬
‫فى مرحلة التَّمكين الفعلية‪ ,‬وفى عام ‪476‬هـ ‪1083 /‬م و َّ‬
‫جه المير‬
‫معَّز فى جيش إلى سبتة لفتحها إذ كانت المدينة‬
‫يوسف ابنه ال ُ‬
‫ُ‬
‫مها بعد وفاة الحاجب بن‬
‫الوحيدة التى لم تخضع له‪ ,‬كان يحك ُ‬
‫سكوت ابنه ضياء الدولة يحيى‪ ,‬فحاصرها المعُّز بًرا وبحًرا‪ ,‬ودارت‬
‫معركة بحرية طاحنة‪ ،‬وفى نهاية المطاف استطاع المرابطون أن‬
‫يفتحوا سبتة‪ ،‬وقتل ضياء الدولة بعد أن ألقى القبض عليه‪ ،‬وكان‬
‫ذلك عام ‪477‬هـ‪1084 /‬م(‪ .)1‬بعد هذه الجولة الجهادية الموفَّقَة تم‬
‫توحيد المغرب القصى بجميع نواحيه بعد عمل جادٍّ مستمّرٍ‪،‬‬
‫وأصبحت الدولة المرابطية قُوَّة ل يُستهان بها تُشكل خطًرا على‬
‫النصارى فى الندلس‪ ،‬وملجأ ً وحصنًا للمسلمين فى الندلس‪،‬‬
‫حيث إن النصارى استفحل خطرهم فى الَنْدَلُس‪ ،‬حيث قامت‬
‫دويلت فى كل مدينة وصلت إلى ثلث وعشرين دويلة تناحرت‬
‫فيما بينها‪ ،‬وعُرف حكامها بملوك الطوائف وتلقَّبوا باللقاب‬
‫الخلفية كالمأمون والمعتمد والمستعين والمعتصم والمتوكل إلى‬
‫غير ذلك من اللقاب‪ ،‬ووصف هذه الحالة المشينة الشاعر أبو‬
‫على الحسن بن رشيق‪:‬‬
‫سماع مقتدر فيها‬
‫مما يزهدنى فى أرض‬
‫ومعتضد‬
‫أندلس‬
‫ضا‬
‫انتفا‬
‫يحكى‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫كالهر‬
‫غير‬
‫فى‬
‫مملكة‬
‫ألقاب‬
‫ً‬
‫صولة السد‬
‫موضعها‬
‫لقد آلت أوضاع الَنْدَلُس إلى السوء‪ ،‬وأصبحت ل حول لها ول‬
‫سلِمين‪ ،‬وقد‬
‫م ْ‬
‫قُوَّة مما شجع النصارى على توجيه ضربات إلى ال ُ‬
‫شنوا حربًا ل هوادة فيها نابعة من شعورهم العدائى للعرب‬
‫سلِمين‪ ،‬تهدف إلى طردهم من إسبانيا‪ ،‬وبدأت هذه الحرب‬
‫م ْ‬
‫وال ُ‬
‫بدافع الحقد الصليبي‪ ,‬وأضافوا إليها مع مرور اليام عامل القَومية‬
‫وأطلقوا عليها حرب السترداد (‪.)2‬‬
‫ولم تكن للمقاومة السلمية فى الَنْدَلُس القدرة على إيقاف‬
‫سلِمين‪ ،‬فاضطَّر أهل‬
‫الم ِ‬
‫م ْ‬
‫دّ الصليبى الزاحف للخلص من ال ُ‬
‫ُ‬
‫الَنْدَلس إلى طلب العون من المرابطين‪.‬‬

‫***‬

‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬الستقصار (‪ ،)1/111‬وانظر‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)53‬‬
‫‪ )(2‬انظر ‪ :‬دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)59‬‬

‫‪62‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫المرابطون ودفاعهم عن مسلمى الندلس‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫س إمارة أموية فى‬
‫استطاع عبد ُ الرحمن الداخل أن يُؤ ِّ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫الَنْدَلُس سنة ‪138‬هـ‪ ،‬وبدأ عصر الخلفة الموية فى النْدَلُس سنة‬
‫(‪316‬هـ‪929/‬م) عندما أعلنها عبد الرحمن الناصر‪ ،‬الذى اشتهر‬
‫بالحزم والذكاء والعدل‪ ،‬والعقل وال َّ‬
‫جاعَة وحبه للصلح وحرصه‬
‫ش َ‬
‫عليه‪.‬‬
‫َ‬
‫وو َّ‬
‫حد النْدَلُس بالقُوَّة والسياسة وأعاد وحدتها وقوتها ومكانتها‪,‬‬
‫َ‬
‫وحارب المتمردين من حكام ال ّ‬
‫مال السبانى وأخضعهم‬
‫ش َ‬
‫لشروطه‪.‬‬
‫وكان سبب إعلنه الخلفة فى الَنْدَلُس ضعف الخلفة‬
‫العباسية‪ ،‬وظهور الدولة العُبيدية فى ال َّ‬
‫مال الفريقي‪ ،‬فأعلن‬
‫ش َ‬
‫(‪)1‬‬
‫الخلفة‪ ،‬وتلقَّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله ‪ .‬وفى عام‬
‫‪400‬هـ ‪1009 /‬م بدأ ظهور عصر الطوائف فى الَنْدَلُس‪ ،‬الذى دام‬
‫حتى عام ‪484‬هـ‪1091 /‬م‪.‬‬
‫وكان ذلك بسبب سقوط الخلفة الموية التى نخرتها الطماع‬
‫ي بعض‬
‫والحقاد والصراعات الدَّاخليَّة على الحكم‪ ،‬وسع ُ‬
‫الشخصيات للمجد الشخصى متناسيًا فى ذلك مصالح المة‬
‫وضرورة وحدتها لتقف صفًا واحدًا أمام أعدائها‪.‬‬
‫لقد انقسمت الَنْدَلُس إلى دويلت‪ ,‬واتخذ حكامها ألقابهم تبعًا‬
‫ل أو قاض‪.‬‬
‫لحجم دويلتهم فأحدهم‪ :‬ملك أو أمير‪ ،‬أو وا ٍ‬
‫ونظًرا لختلف القوى والرياسات‪ ،‬فقد أخذ القوى يبطش‬
‫ف يدرأ الخطر بالتحالف مع جاره القوي‪ ،‬وأحيانًا‬
‫بالضعف‪ ،‬والضع ُ‬
‫يستنجد بأمراء النصارى مقابل ثمن باهظ‪.‬‬
‫وتكوَّنت من هذه الدويلت العديدة أربع دِوَل رئيسية‪:‬‬
‫‪ -1‬فى جنوب الَنْدَلُس‪ ،‬حكم الدارسة الفريقيون أو بنو حمود‬
‫أصحاب مالقة‪ ،‬وحالفهم أمير غرناطة وقرمونة‪ ،‬وألبيرة‬
‫وجيان وأستجة‪ ،‬فضل ً عن حكمهم مليلة وطنجة وسبتة فى‬
‫شمال المغرب‪.‬‬
‫‪ -2‬بنو عباد أمراء إشبيلية‪ ،‬أقوى ملوك الطوائف‪ ،‬ومن حلفائهم‬
‫بنو جهور فى قُْرطُبَة‪ ،‬وبنو الفطس أصحاب بطليوس فى‬
‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬فى تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬أحمد العبادي‪ ،‬ص (‪ 168‬إلى ‪.)170‬‬

‫‪63‬‬

‫جنوب وغرب الَنْدَلُس‪.‬‬
‫‪ -3‬بنو ذى النون أمراء طُلَيْطِلَة‪ ،‬الذين حكموا أواسط إسبانيا‪،‬‬
‫والذين وقفوا فى وجه بنى عباد‪ ،‬وكلفهم ذلك دفع جزية‬
‫سا لعونه ضد خصومهم‪.‬‬
‫لملك قشتالة النصرانى التما ً‬
‫‪ -4‬بنو عامر فى بلنسية ومرسية الذين حكموا فى شرقى‬
‫إسبانيا‪ ،‬وطبقًا لظروفهم‪ ،‬فقد كانوا يحالفون الدارسة تارة‬
‫أو بنى عباد‪ ،‬أو بنى ذى النون تارة أخرى‪ . . .‬بسط بنو‬
‫ب‬
‫عامر نفوذهم على الثغور الممتدة من مرية حتى مص ِّ‬
‫نهر أبرة سنة ‪1051‬م (‪.)1‬‬

‫***‬

‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬الزلقة‪ ,‬شوقي أبو خليل‪ ,‬ص (‪.)12‬‬

‫‪64‬‬

‫المبحث الول‬
‫الصراع بين طليطلة وقرطبة‬
‫عندما تولى المأمون يحيى بن ذى النُّون عام ‪1043‬م‪ ،‬إمارة‬
‫طُلَيْطِلَة اغتنم عون حليفه القوى عبد العزيز بن أبى عامر‪،‬‬
‫واستأجر الفرسان النصارى من القشتاليين ليبطش بمحمد بن‬
‫جهور أمير قُْرطُبَة‪ ،‬فتدخل بنو عباد أصحاب إشبيلية‪ ،‬وبنو الفطس‬
‫أصحاب بطليوس للوقوف ضد صاحب طُلَيْطِلَة الذى كان يهددهم‬
‫جمي ًعا‪ ،‬وسار أمراء لبلة وولبة وجزيرة شليطش للانضمام إلى‬
‫الحلف الذى تزعمه صاحب لبلة عبد العزيز اليحصبى ليعقد‬
‫محالفة مع قُْرطُبَة‪.‬‬
‫تحَّرك الجميع تطبيقًا لهذا التحالف لنجاد قُْرطُبَة‪ ،‬فانتهز ابن‬
‫عباد أمير إشبيلية هذه الفرصة واكتفى بإرسال خمسمائة فارس‬
‫إلى ابن جهور‪ ،‬وزحف فى جيش قوى على لبلة‪ ،‬وولبة وجزيرة‬
‫شليطش وأكسونية واستولى عليها‪ ،‬ثم فتح قرمونة سنة ‪1053‬م‪,‬‬
‫ما‪ ،‬وكانت‬
‫طالت الحرب بين طُلَيْطِلَة وقُْرطُبَة‪ ،‬ودامت أعوا ً‬
‫سجالً‪ ،‬وأراد المأمون صاحب طُلَيْطِلَة حسم الموقف‪ ،‬فأوقع‬
‫بقوات قُْرطُبَة وحليفاتها هزيمة شديدة‪ ،‬واستطاع الوصول إلى‬
‫قُْرطُبَة فحاصرها‪ ،‬فبادرت إشبيلية إلى إغاثتها‪ ،‬فأرسل ابن عباد‬
‫ابنه محمدًا على رأس جيش قوى فيه وزيره أبو بكر محمد بن‬
‫عمار الموصوف برجاحة عقله‪ ،‬وشدة ذكائه‪ ,‬وزوَّدهما بخطة‬
‫وأوامر سرية خا َّ‬
‫صة‪.‬‬
‫واستطاع جيش ابن عباد أن يفك الحصار عن قُْرطُبَة‪ ،‬واضطَّر‬
‫الطليطليون لرفع الحصار‪ ,‬وارتدوا عنها‪ ،‬وخرج القرطبيون‬
‫ليطاردوا أعداءهم فأتموا بذلك هزيمة الطليطليين(‪.)1‬‬
‫َ‬
‫ة ابن عباد السرية وكان محتواها دخول قُْرطُبَة‬
‫ت ُ‬
‫خط ّ ُ‬
‫ون ُ ِ‬
‫فّذ َ ْ‬
‫عندما يخرج منها أهلها خلف الطليطليين‪ ،‬ودخلتها قوات ابن عباد‬
‫دون معارضة‪ ،‬واحتلت مراكزها الحصينة قبل أن يفطن‬
‫من جاء لنُصَرتِهم غدَر بهم‪ ،‬وبذلك سقطت‬
‫القرطبيون إلى أن َ‬
‫ُ‬
‫ما فى‬
‫دولة بنى جهور فى قُْرطبَة ولم يمض على قيامها ثلثون عا ً‬
‫محنة محزنة وخيانة فظيعة‪ ،‬وأصبح ابن عباد أمير إشبيلية أقوى‬
‫َ‬
‫سلِمة‪ ،‬تخوَّف المأمون أمير طُلَيْطِلَة من قُوَّة‬
‫م ْ‬
‫أمراء النْدَلُس ال ُ‬
‫ابن عباد أمير إشبيلية التى نمت نموًا سريعًا‪ ،‬وبخا َّ‬
‫صة بعد أن‬
‫حالفه العامريون أمراء قسطلون ومربيطر وشاطبة المرية ودانية‪،‬‬
‫فحاول التحالف مع صهره زوج ابنته عبد الملك المظفر حاكم‬
‫‪ )(1‬انظر ‪ :‬الزلقة‪ ,‬ص (‪.)14‬‬

‫‪65‬‬

‫محت َ ًّ‬
‫جا بأن وقوف العامريين إلى جانب‬
‫بلنسية الذى رفض ذلك ُ‬
‫إشبيلية يجعل إقدامه على هذا التحالف خطًرا على بلنسية‪ ،‬فما‬
‫كان من المأمون إل أن عقد حلفًا مع فرديناند الول صاحب‬
‫قشتالة‪.‬‬
‫وهجمت القوات المشتركة المتحالفة «قوات المأمون‬
‫ُ‬
‫وفرديناند الول» على بلنسية‪ ،‬فسقطت ولية بلنسية كل ّها فى يد‬
‫المأمون فى تشرين الول سنة ‪1065‬م‪ ,‬عاد بعدها إلى طُلَيْطِلَة‬
‫ليجهز قواته لقتال ابن عباد‪ ،‬وحال بينه وبين ما أراد وفاة فرديناند‬
‫الول‪ ،‬ونشوب حرب ضروس بين أولده‪ ،‬فنقض المأمون عهده‬
‫مع قشتالة‪ ،‬وامتنع عن دفع الجزية‪ ،‬مما أدى إلى حرمانه من‬
‫معونة النصارى‪ ،‬وهى المعونة التى لم يستطع أن يحارب أمير‬
‫إشبيلية بدونها‪ ،‬فلما ت َّ‬
‫م أمر الحكم لسانشو ابن فرديناند سنة‬
‫‪1070‬م‪ ,‬هرب أخوه ألفونسو إلى المأمون صاحب طُلَيْطِلَة والتجأ‬
‫أخوه الثَّانِى جارسية إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية‪ ،‬وفى‬
‫سنة ‪461‬هـ‪1069 /‬م توفى المعتضد بن عباد أمير إشبيلية‪ ،‬فخلفه‬
‫ملقَّب بالمعتمد على الله‪ ،‬ولم يكن أمام المير الجديد ما‬
‫ابنه ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫يخشاه إل أمير طليْطِلة الذى ملك بلنسية فى الوقت نفسه‪ ،‬أما‬
‫بقيَّة ملوك الطوائف فقد انكسرت شوكتهم وتزعزع كيانهم فى‬
‫حروبهم الدَّاخليَّة من غزوات النصارى المتتابعة عليهم‪.‬‬
‫واستطاع المأمون حاكم طُلَيْطِلَة أن يتو َّ‬
‫سعَ ويحقق انتصارات‬
‫واسعة سنة ‪1073‬م على مرسية وأريولة وعدة مدن أخرى‪ ،‬وبهذا‬
‫أصبح المير القوى الذى يسيطر على أواسط إسبانيا كل ِّها‪،‬‬
‫وبخاصة بعد أن فاز ألفونسو بحكم قشتالة بعد وفاة «شانجة»‬
‫وتحالف مع المأمون الذى رعاه وحماه عند محنته وتعاهد الميران‬
‫على أن يرتبطا معًا برباط الصداقة الوثيق‪.‬‬
‫ف من تو ُّ‬
‫سع أمير طُلَيْطِلَة الذى‬
‫وأصبح أمير إشبيلية فى خو ٍ‬
‫فاجأ المعتمد بتحالفه مع بنى هود أصحاب سرقسطة وبنى‬
‫الفطس أصحاب بطليوس‪ ،‬وهاجم خصمه من ثلث جهات لكى‬
‫م تسديد الضربة إلى قُْرطُبَة؛ فسقطت دون مقاومة تُذكَر سنة‬
‫يُحك ِ َ‬
‫‪468‬هـ‪ ,‬ولكن المأمون تُوفى بعد دخولها بأيام قلئل؛ فرجع جنده‬
‫عنها إلى طُلَيْطِلَة‪ ،‬واسترد ابن عباد قُْرطُبَة‪ ،‬وبقيت إشبيلية تحت‬
‫حكم ابن عباد حتى استولى عليها المرابطون سنة ‪474‬م‪.‬‬
‫وأرسل ابن عباد سفيره ووزيره البارع ابن عمار إلى عاصمة‬
‫قشتالة يومئذٍ‪ ,‬وتحالف مع ألفونسو‪ ،‬وتعهَّد بها ملك قشتالة‬
‫سلِمين‪،‬‬
‫م ْ‬
‫بمعاونة أمير إشبيلية بالجند والمرتزقة ضد جميع ال ُ‬
‫ويتعهَّد ُ ابن عباد مقابل ذلك أن يدفع إلى ملك قشتالة جزية كبيرة‪،‬‬

‫‪66‬‬

‫وتعهَّد َ بأل يتعرض لمشروع ألفونسو فى افتتاح طُلَيْطِلَة‪ ،‬وهكذا‬
‫سلِمة‪ ،‬لكى يفوز‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سلِمين إسبانيا ال ُ‬
‫ضحى ابن عباد بمعقل ال ُ‬
‫ببسط سيادته على المارات التى لم تخضع له بعد‪ ،‬وهى إمارات‬
‫غرناطة وبطليوس وسرقسطة(‪.)1‬‬
‫واستفاد ألفونسو من هذه التفاقية وأعلنها حربًا ل هوادة فيها‬
‫على طُلَيْطِلَة التى حمته من مطاردة أخيه سانشو‪ ,‬ونسى المير‬
‫سع ك َّ‬
‫الطموح للتو ُّ‬
‫من‬
‫ل عهوده ومواثيقه‪ ,‬وشرع فى غدره ب ِ َ‬
‫أحسن إليه‪.‬‬
‫ض َّ‬
‫مها إلى سلطانه‬
‫وتحَّرك المعتمد بن عباد بجيشه نحو غرناطة لي ُ‬
‫وكان حاكمها عبد الله بلكين بن باديس‪ ،‬وكان ابن هود أمير‬
‫سرقسطة يرى الخطر يشتد ُّ عليه يوًما فيوًما من شانشو الول ملك‬
‫أرجون‪ ،‬فلم يستطع إنجاد طُلَيْطِلَة سوى أمير بطليوس يحيى بن‬
‫ملَقَّب بالمنصور‪ ،‬فجمع قواته وسار إلى لقاء ألفونسو‪،‬‬
‫الفطس ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ولكن ألفونسو الذى كان قد أثخن فى ولية طليْطِلة‪ ،‬حتى صيرها‬
‫قفًرا بلقعًا‪ ،‬شعر باقتراب المنصور‪ ،‬فانسحب‪ ,‬ولكنَّه كَّرر الرجعة فى‬
‫العام التالي؛ فعاث فى بسائط طُلَيْطِلَة وخَّربها مرة أخرى‪ ،‬وزحف‬
‫المعتمد على بطليوس‪ ،‬وبهذا استطاع أن يُحول دون معاونة بنى‬
‫الفطس لطُلَيْطِلَة حيث القادر بن ذى النون‪ ،‬ولم يستطع أمير‬
‫سرقسطة من بنى هود «المؤتمن» معاونة القادر معاونة قوية خشية‬
‫أن تقع سرقسطة ذاتها فريسة لبن عباد أو النصارى‪ ،‬وهو فى جهاد‬
‫ضد أرجون وبرشلونة‪ ،‬واستمَّرت الحرب أعواًما‪ ،‬وألفونسو يفسد فى‬
‫سلِمين «طُلَيْطِلَة» وَمن حولها فسادًا‪.‬‬
‫م ْ‬
‫بلد ال ُ‬
‫وفى السابع والعشرين من المحرم سنة ‪478‬هـ ‪ -‬الخامس‬
‫والعشرين من آيار «مايو» سنة ‪1085‬م استطاع أن يدخل طُلَيْطِلةَ‬
‫«عاصمة القوط القديمة» ودخلت طُلَيْطِلَة بذلك إلى حظيرة‬
‫ما‪،‬‬
‫م ْ‬
‫سلِمون ثلثمائة واثنين وسبعين عا ً‬
‫النصرانية بعد أن حكمها ال ُ‬
‫واتخذها ملك قشتالة حاضرة ملكه من ذلك الحين‪ ،‬وأصبحت بذلك‬
‫عاصمة إسبانيا النصرانية‪.‬‬
‫وهكذا انتهت دولة ذى النون فى طُلَيْطِلَة لتستمَّر فى‬
‫بلنسية(‪.)2‬‬
‫سلِمون بسقوط طُلَيْطِلَة تأثًُّرا عميقًا على مختلف الساحة‬
‫تأثَّر ال‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫السلمية فى الَنْدَلُس‪ ،‬وتف َّ‬
‫جرت قريحة الشعراء فى استثارة الهمم‬
‫والتحريض على الجهاد‪ ،‬والتحذير من تفاقم الخطر‪ ،‬ومما قيل فى‬
‫ذلك قول عبد الله بن فرج اليحصبى المشهور بابن عسال الطليطلي‪:‬‬
‫‪ )(1‬انظر‪ :‬الزلقة‪ ,‬ص (‪.)17‬‬
‫‪ )(2‬انظر ‪ :‬الزلقة‪ ,‬ص (‪.)18‬‬

‫‪67‬‬

‫فما المقام بها إل من‬
‫الغلط‬
‫ثوب الجزيرة منسول ً من‬
‫الوسط‬
‫(‪)1‬‬
‫سفط‬

‫يا أهل أندلس حثوا‬
‫مطيتكم‬
‫الثوب ينسل من‬
‫أطرافه وأرى‬
‫ونحن بين عدو ل‬
‫يفارقنا‬
‫ضا‪:‬‬
‫ومن ذلك أي ً‬
‫فى العرف عارية إلى‬
‫يا أهل أندلس ردُّوا‬
‫مردات‬
‫المعار فما‬
‫(‪)2‬‬
‫شهمات‬
‫ألم تروا بيدق الكفار‬
‫فرزنه‬
‫لقد كانت روما تقف بكل ما تملك من قُوَّة معنوية ومادية‬
‫سلِمين‪ ،‬وأسبغوا على‬
‫م ْ‬
‫خلف ألفونسو وجنوده للقضاء على ال ُ‬
‫سلِمين صفة الحروب الصليبية المقدسة وأصبح البابوات‬
‫م ْ‬
‫قتال ال ُ‬
‫لهم دور فى توجيهها‪.‬‬
‫صا عندما رأى ألفونسو‬
‫وندم المعتمد بن عبَّاد على فعلته خصو ً‬
‫يتو َّ‬
‫سلِمين إليه‪ ،‬وأيقن إن الدائرة عليه‬
‫م ْ‬
‫م ِ ممالك ال ُ‬
‫سع فى ض ّ‬
‫سلِمين عندما رأوا إن شبح السقوط ماثلً‬
‫م ْ‬
‫قادمة‪ ،‬واجتمع أمراء ال ُ‬
‫أمام أعينهم‪ ،‬فاتحدوا لول مرة واجتمعت كلمتهم على أن يضعوا‬
‫معة ل تكفى لرد‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫حدًا لفتوح ألفونسو‪ ,‬وإذا كانت قواتهم ُ‬
‫عدوانه‪ ،‬فقد اتفقت كلمتهم على الستنجاد بالمرابطين فى‬
‫َ‬
‫ما بإن ملوك الَنْدَلُس كانت‬
‫إفريقية واستدعائهم إلى النْدَلُس‪ ،‬عل ً‬
‫ك المغرب يوسف بن تاشفين‪،‬‬
‫ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫تره ُ‬
‫ب الفرنج بإظهار موالتهم ل َ‬
‫م ِ دِوَل إلى‬
‫وكان له شهرة تطايرت فى الفاق لما حققه من ض ّ‬
‫ملَثَّمين فى‬
‫دولته وقضائه عليها‪ ,‬واشتهر بين النَّاس أن لبطال ال ُ‬
‫المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس‪ ,‬وطعنات تنظم الكلى‪،‬‬
‫فكان لهم بذلك ناموس ورعب فى قلوب المنتدبين لقتالهم(‪.)3‬‬

‫***‬

‫‪ )(1‬وفيات العيان (ج ‪.)5/28‬‬
‫‪ )(3‬وفيات العيان (ج ‪.)17/114‬‬

‫(‪ )2‬انظر‪ :‬الزلقة‪ ,‬ص (‪.)19‬‬

‫‪2‬‬

‫‪68‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫أسباب ضعف المسلمين فى الندلس وقوة‬
‫النصارى‬
‫أولاً‪ :‬ضعف العقيدة السلمية‪ ,‬والنحراف عن المنهج الربَّانى‬
‫وهذا السبب‬
‫هو الساس‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬موالة النصارى‪ ,‬والثقة بهم‪ ,‬والتحالف معهم؛ حيث نجد‬
‫أن تاريخ الَنْدَلُس مليء بالتحالف مع النصارى إلى أن بلغ ذروة‬
‫ب فى الله‬
‫رهيبة واضطرب بسبب ذلك مفهوم الولء والبراء‪ ،‬وال ُ‬
‫ح ِّ‬
‫والبغض فى الله‪ ،‬بل هذه المعانى كادت تندثر‪.‬‬
‫قه‪ ,‬فلبُد َّ أن‬
‫إن المة حين تخالف أمَر ربِّها‪ ,‬وتنحرف عن طري ِ‬
‫يح َّ‬
‫ل بها سخطُه‪ ,‬وتستوفى أسباب نقمتِه‪ .‬قال تعالى‪﴿:‬يَا َأّيهَا الّذِينَ‬
‫آمَنُوا َل تَّتخِذُوا الّذِينَ اّتخَذُوا دِيَنكُمْ ُهزُوًا وََلعِبًا مّنَ الّذِي َن أُوتُوا اْلكِتَابَ مِن قَ ْب ِلكُمْ وَاْلكُفّا َر أَوْلِيَاءَ‬
‫ل إِن كُنْتُم مّؤْمِِنيَ﴾ [المائدة‪.]57:‬‬
‫وَاتّقُوا ا َ‬
‫وقوله عَّز وج َّ‬
‫ي وَمَن َيفْ َعلْ‬
‫ل‪َ ﴿ :‬ل يَّتخِذِ اْلمُ ْؤمِنُونَ اْلكَا ِفرِي َن َأوْلِيَاءَ مِن دُونِ اْلمُ ْؤمِنِ َ‬
‫س مِ َن الِ فِى َشيْءٍ﴾ [آل عمران‪.]28:‬‬
‫ذَِلكَ َفلَيْ َ‬
‫وقوله تعالى‪َ ﴿ :‬ل َتجِدُ َقوْمًا يُ ْؤمِنُو َن بِالِ وَالَْيوْ ِم ا َلخِ ِر يُوَادّو َن مَ ْن حَادّ الَ وَ َرسُولَهُ‬
‫وَلَ ْو كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة‪.]22:‬‬
‫وقد أبان رسول الله × طريق المة فى الولء والبراء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«أَوثَقُ عَُرى اليمان الموالة فى الله‪ ،‬والمعاداة فى الله‪ ،‬والح ُّ‬
‫ب‬
‫فى الله‪ ،‬والبغض فى الله»(‪.)1‬‬
‫ويقول × فيما يرويه عن ربه ‪-‬عَّز وج َّ‬
‫من عادى لى وليًّا‬
‫ل‪َ « :-‬‬
‫فقد آذانته بالحرب»(‪.)2‬‬
‫َ‬
‫مسط ًّرا فى كتاب رب ِّها وسنة نبيها وتخالفه‪،‬‬
‫فإذا كان هذا كله ُ‬
‫فلبُد َّ أن تُرى فيها سنة الله التى ل تتغير ول تتبدل‪.‬‬
‫فحين تجد أن المعتمد بن عَبَّاد يذهب إلى ملك قشتالة ويطلب‬
‫منه الصلح ويدفع له المال‪ ،‬نراه جاهدًا فى حرب أمراء الطوائف‬
‫واستئصالهم‪ ،‬أما كان الفضل له أن يتحد مع إخوانه أمراء‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أخرجه أحمد فى مسنده (ج ‪.)4/286‬‬
‫() البخاري‪ ،‬فتح الباري‪ ،‬كتاب الرقاق‪ ،‬باب (‪ 38‬رقم ‪.)6501‬‬

‫‪69‬‬

‫الطوائف؛ وفى ذلك مصلحة له ولهم وللَنْدَلُس عامة‪ ،‬وللسلم‬
‫وأهله‪ ،‬ولكنَّك ل تجنى من الشوك العنب(‪.)1‬‬
‫َ‬
‫مين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م الولء والبراء حتى إن بعض ُ‬
‫بل ضعف مفهو ُ‬
‫م ْ‬
‫حك ّام ال ُ‬
‫استوزروا وزراء نصارى ويهود يصرفون أمور دولة السلم‪ ،‬فهل‬
‫يؤمن الذئب على الغنم!! (‪.)2‬‬
‫ثالثًـا‪ :‬السبب الثالث النغماس فى الشهوات والركون إلى‬
‫الدعة والترف وعدم إعداد المة للجهاد‪ ،‬إن المة التى تركن إلى‬
‫الدعة والترف واللهو‪ ،‬وهى غالبة قاهرة يجب أن تُعد غير مستحقة‬
‫للريادة والقيادة‪ ،‬فما بالك بأمة تغرق فى اللهو والدعة والترف‪،‬‬
‫وهى ل تدرى إن كان العدو قد كسر حصنها واجتاحها‪ ،‬أم أنه ل‬
‫يزال ينتظر تلك اللحظات؟!‪.‬‬
‫يقول المؤرخ النصرانى كوندي‪« :‬العرب هُزموا عندما نسوا‬
‫فضائلهم التى جاءوا بها‪ ،‬وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى‬
‫الخفة والمرح‪ ،‬والسترسال بالشهوات»(‪.)3‬‬
‫إن المؤرخين رأوا‪« :‬إن الَنْدَلُسيين ألقوا بأنفسهم فى أحضان‬
‫النعيم‪ ،‬ناموا فى ظل ظليل من الغنى الواسع والحياة العابثة‬
‫والمجون‪ ،‬وما يرضى الهواء من ألوان الترف الفاجر‪ ،‬فذهبت‬
‫أخلقهم كما ماتت فيهم حمية آبائهم البواسل‪ ،‬وغدا التهتك‬
‫والخلعة والغراق فى المجون‪ ،‬واهتمام النساء بمظاهر التبرج‬
‫من أبرز المميزات أيام الضمحلل التى‬
‫والزينة بالذهب والللى ِ‬
‫استناموا للشهوات والسهرات الماجنة‪ ،‬والجوارى الشاديات‪ ،‬وإن‬
‫شعبًا يهوى إلى هذا الدرك من النحلل والميوعة ل يستطيع أن‬
‫مد رجاله لحرب أو جهاد»(‪.)4‬‬
‫يص ُ‬
‫َ‬
‫مون النْدَلُس وأصبحوا ساداتها عندما كان نشيد‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫دخل ال ُ‬
‫طارق فى العبور «الله أكبر» وبقوا فيها زمنًا‪ ،‬حين كان يحكمها‬
‫أمثال عبد الرحمن الداخل عندما قُدم إليه الخمر ليشرب فقال‪:‬‬
‫«إنِّى محتاج لما يزيد فى عقلى ل ما ينقصه»(‪.)5‬‬
‫يقول الدكتور عبد الرحمن الحجى عن الفاتحين الوائل‬
‫للَنْدَلُس‪« :‬كانت غيرة هؤلء المجاهدين شديدة على إسلمهم‪،‬‬
‫فدوه بالنفس وهى عندهم له رخيصة‪ ،‬فهو أغلى من حياتهم‪,‬‬
‫حبَّه‪ ،‬غدا تصورهم وفكرهم ونورهم وربيع‬
‫أشربت نفوسهم ُ‬
‫حياتهم»(‪.)6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫() انظر ‪ :‬تاريخ الندلس‪ ،‬ص (‪ ,)390‬د‪ .‬عبد الرحمن الحجي‪.‬‬
‫(‪ )3‬مصرع غرناطة‪ ،‬ص (‪.)93‬‬
‫() سقوط الندلس‪ :‬د‪ .‬ناصر العمر‪ ،‬ص (‪.)24‬‬
‫(‪ )5‬سقوط الندلس‪ ،‬ص (‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)120‬‬
‫‪.)27‬‬
‫() انظر‪ :‬تاريخ الندلس‪ ،‬ص (‪.)211‬‬

‫‪70‬‬

‫َ‬
‫مين عندما كان نشيد‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وضاعت ممالك النْدَلُس من يدى ال ُ‬
‫أحفاد الفاتحين‪:‬‬
‫راقت الخمرة والورد‬
‫ووزن العود وهات‬
‫صحا‬
‫القدحا‬
‫وعندما قصد الفرنج بلنسية لغزوها عام ‪456‬هـ خرج أهلها‬
‫للقائهم بثياب الزينة؛ فكانت وقعة بطرنة التى قال فيها الشاعر‬
‫أبو إسحاق بن معلي‪:‬‬
‫ل الحرير عليكم ألوانًا‬
‫حلَ َ‬
‫ُ‬

‫لبسوا الحديد إلى‬
‫الوغى ولبستم‬
‫(‪)1‬‬
‫كانا‬
‫ما كان أقبحهم‬
‫وأحسنكم بها‬
‫مون فى الَنْدَلُس وسلب كثير من ديارهم لما‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ضعف ال ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حكام من أجل إسعاد زوجاتهم وجواريهم بالباطل‪.‬‬
‫تنافس الولة وال ُ‬
‫مد مع إحدى زوجاته‪ :‬اشتهت زوجة‬
‫معْت َ ِ‬
‫وإليك ما فعله ال ُ‬
‫مد بن عَبَّاد أن تمشى فى الطين وتحمل القرب‪ ،‬فأمر‬
‫معْت َ ِ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫مد بن عَب ّاد أن ينشر المسك على الكافور والزعفران وتحمل‬
‫معْت َ ِ‬
‫ال ُ‬
‫قربًا من طيب المسك وتخوض فيها تحقيقًا لشهواتها!!‬
‫مد‪،‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولكن الله المعز المذل أراد أن تنقلب المور على ال ُ‬
‫فيؤخذ أسيًرا فى أغمات وتبقى بناته يغزلن للنَّاس يتكسبن‪ ،‬وفى‬
‫مد وهو شاعر مجيد‪:‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫ذلك يقول ال ُ‬
‫فساءك العيد فى أغمات‬
‫مأسوًرا‬
‫يغزلن للناس ما يملكن‬
‫قطميًرا‬
‫أبصارهن حسيرات‬
‫مكاسيرا‬
‫َّ‬
‫كأنها لم تطأ مسكًا‬
‫وكافورا‬
‫ً (‪)2‬‬
‫مغروًرا‬

‫فيما مضى كنت بالعياد‬
‫مسروًرا‬
‫ترى بناتك فى الطمار‬
‫جائعة‬
‫برزن نحوك للتسليم‬
‫خاشعة‬
‫يطأن فى الطين‬
‫والقدام حافية‬
‫من بات بعدك فى مُلك‬
‫َ‬
‫سرُّ به‬
‫ُي َ‬
‫وصدق الحبييب ×‪ ,‬المؤتى جوامع الكلم إذ يقول‪« :‬إذا تبايعتم‬
‫َ‬
‫بالعينة‪ ،‬وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الجهاد‪ ،‬سل ّط‬
‫الله عليكم ذ ُلً‪ ،‬ل ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() انظر‪ :‬النصر والهزيمة‪ ،‬ص (‪.)122‬‬
‫() نفح الطيب‪( ،‬ج ‪.)274-4/273‬‬
‫() أخرجه أبو داود‪ ،‬كتاب البيوع‪( ،‬باب ‪ ،56‬ت ‪54 /‬م)‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫رابعا‪ :‬إلغاء الخلفة الموية وبداية عهد الطوائف‪:‬‬
‫ً‬

‫لش َّ‬
‫ك أن بداية النهيار الفعلى فى الَنْدَلُس بزوال الخلفة‬
‫الموية‪ ,‬ونشأ على أثر ذلك عهد السنوات الصعاب‪ ،‬كانت كلمة‬
‫المة واحدة وخليفتهم واحدًا فأصبحت المة كما قال الشاعر‪:‬‬
‫أســـماء معتمد فيها‬
‫مما يزهدنى فى أرض‬
‫أَنْدَل ُ‬
‫ومعتض‪1‬ـ)د‬
‫س‬
‫(‬
‫السد‬
‫ألقاب مملكة فى غير‬
‫موضعها‬
‫وكما قال الخر‪:‬‬
‫فيها أمير المؤمنين‬
‫وتفرَّقوا شيعًا فكل‬
‫ومنبر‬
‫محلة‬
‫حكَّام الَنْدَلُس أهل ً لقيادة المة فى عمومهم‪ ،‬واسمع‬
‫ولم يكن‬
‫ُ‬
‫حكَّام‪« :‬والله لو علموا أن‬
‫إلى ابن حزم وهو يقول عن هؤلء ال ُ‬
‫فى عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها‪ ،‬فنحن نراهم‬
‫مين‪ ،‬لعن الله‬
‫يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرب‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال) ُ‬
‫جميعهم وسلط عليهم سيفًا من سيوفه»(‪. 2‬‬
‫حكَّام‪« :‬وهكذا‬
‫ويقول الدكتور عبد الرحمن الحجى عن هؤلء ال ُ‬
‫وجدت فى الَنْدَلُس أوضاع يحكمها أمراء اتصف عدد منهم بصفات‬
‫الثرة والغدر‪ ،‬هانت لديهم معه مصالح المة‪ ،‬وتُركت دون‬
‫مصالحهم الذاتية‪ ،‬باعوا أمتهم للعدو المتربص ثمنًا لبقائهم فى‬
‫ُّ‬
‫السلطة‪ ،‬ولقد أصاب المة من الضياع بقدر ما ضيعوا من الحظ‬
‫خلقى المسلم‪ ،‬انحرف هؤلء المسئولون عن النهج الحنيف‪،‬‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫الذى به كانت النْدَلس وحضارته»‪.‬‬

‫خامسًا‪ :‬الختلف والتفرق بين المسلمين‪:‬‬
‫كان الختلف والتَّفُّرق سمة من سمات عصر ملوك الطوائف‪،‬‬
‫وكان بعضهم يستعدى النصارى على إخوانه ويعقدون مع النصارى‬
‫من أجل شهوة سلطة‬
‫عهودًا وأحلفًا ضد إخوانهم فى العقيدة‪ ،‬و ِ‬
‫تُراق على أرض الَنْدَلُس دماء المصلين‪ ،‬حتى قال ابن المرابط‬
‫مين‪:‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫واصفًا حال ال ُ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() سقوط الندلس‪ ،‬ص (‪.)31‬‬
‫() التاريخ الندلسي‪ ،‬د‪ .‬عبد الرحمن الحجي‪ ،‬ص (‪.)325‬‬

‫‪72‬‬

‫فيها وشمل الضد غير‬
‫مبدد‬
‫وطريق هذا الغدر غير‬
‫ممهَّد‬
‫ُ‬
‫وتركتموهم للعدو‬
‫المعتدي‬
‫(‪)1‬‬
‫السيدِ‬

‫مين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ما بال شمل ال ُ‬
‫مبدَّدٌ‬
‫ماذا اعتذاركم غدًا‬
‫لنبيكم‬
‫م فَّرطتم فى‬
‫إ ْ‬
‫ن قال ل ِ َ‬
‫أ ُ َّ‬
‫متي‬
‫تالله لو إن العقوبة لم‬
‫خف‬
‫تُ َ‬
‫ولما سقطت طُلَيْطِلَة كان من العجيب إن بعض ملوك‬
‫الطوائف وقفوا جامدين ل يتحركون لنجدة طُلَيْطِلَة‪ ,‬وكأن المر ل‬
‫يعنيهم فاغرين أفواههم جبنًا وغفلة وتفاهة‪ ،‬بل إن عددًا منهم كان‬
‫ضا‬
‫يرتمى على أعتاب ألفونسو ملك النصارى طالبًا عونه‪ ,‬أو عار ً‬
‫مسلِمة‪ ،‬تغافلوا عن أن ألفونسو‬
‫له الخضوع‪ ،‬بذلة تأباها النفوس ال ُ‬
‫ل يفّرِق‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫بين طُلَيْطِلة وغيرها من القواعد النْدَلسية‪ ،‬لكن العجب يزول إذا‬
‫تذكَّرنا نزعتهم النانية والعصبية(‪.)2‬‬

‫سادسا‪ :‬تخلى بعض العلماء عن القيام بواجبهم‪:‬‬
‫ً‬

‫لش َّ‬
‫ك أن حياة المة فى حياة علمائها فهم تاجها ومنارتها وهم‬
‫روحها ومادة حياتها‪ ,‬فكلما كان علماء المة ربَّانيين كان أمر المة‬
‫َ‬
‫فى طريقه نحو العزة والّرِفعة والكرامة‪ ،‬وكل ّما ابتعد العلماء عن‬
‫الربَّانية وتثاقلت نفوسهم إلى الرض‪ ,‬وحرصوا على مصالحهم‬
‫الذاتية‪ ,‬خبا نور المة‪ ،‬ود َّ‬
‫ب فى المة الضعف والجهالة‪.‬‬
‫«فحين كانت المة تغرق فى الَنْدَلُس بسبب الجتياح‬
‫ي المتلطم‪ ،‬انصرف عدد من العلماء إلى العناية المبالغة‬
‫النصران ِ ّ‬
‫(‪)3‬‬
‫بالفقه المذهبى وفروعه ونسوا وتناسوا واقع المة وآلمها» ‪.‬‬
‫وبعض هؤلء هم ممن قال فيهم ابن حزم رحمه الله‪« :‬ول‬
‫يغَّرنك الفُ َّ‬
‫ساق والمنتسبون إلى الفقه‪ ،‬اللبسون جلود الضأن‬
‫مزي ِّنون لهل الشّرِ شرهم‪ ،‬الناصرون لهم‬
‫على قلوب‬
‫السباع‪ ،‬ال ُ‬
‫(‪)4‬‬
‫على فسقهم» ‪.‬‬
‫ول ننسى دور العلماء الربَّانيين الذين قاموا بجمع شتات المة‬
‫الممزق‪ ,‬وبذلوا وسعهم فى ذلك من أمثال أبى الوليد الباجي‪،‬‬
‫ح َّ‬
‫مد بن حزم‪ ،‬وأبى إسحاق اللبيرى وغيرهم‪ ،‬عليهم رحمة‬
‫م َ‬
‫وأبى ُ‬
‫الله وبركاته‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫سقوط الندلس‪ ،‬د‪ .‬ناصر العمر ص (‪.)33‬‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)34‬‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)35‬‬
‫مجموع رسائل ابن حزم (ج ‪.)3/173‬‬

‫‪73‬‬

‫سابعًا‪ :‬عدم سماع ملوك الطوائف لنصح العلماء‪:‬‬
‫لقد بذل مجموعة من العلماء جهدًا مشكوًرا لتوحيد صفوف‬
‫مين وتصدَّى أبو الوليد الباجى لهذه المهمة بنفسه بعد‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫عودته من المشرق السلمي‪« ،‬فرفع صوته بالحتساب‪ ،‬ومشى‬
‫بين ملوك أهل الجزيرة لصلة ما انبت من تلك السباب‪ ،‬فقام‬
‫مقام مؤمن آل فرعون‪ ،‬ولكنَّه لم يصادف أسماعًا واعية‪ ،‬لنَّه نفخ‬
‫َ‬
‫فى عظام نخرة‪ ،‬وعطف على أطلل داثرة‪ ،‬بَيْد َ أنه كُل ّما وفد على‬
‫ملك منهم فى ظاهر أمره لقيه بالترحيب‪ ،‬وأجزل حظه فى‬
‫التنافس والتقريب‪ ،‬وهو فى باطن يستجهل نزعته ويستثقل‬
‫طلعته‪ ،‬وما كان أفطن الفقيه ‪ -‬رحمه الله‪ -‬بأمورهم وأعلمه‬
‫(‪)1‬‬
‫بتدبيرهم‪ ،‬لكنَّه كان يرجو حال ً تثوب‪ ،‬ومذنبًا يتوب»‬
‫حكَّام الَنْدَلُس أهل ً لقيادة المة‪ ،‬ولم تنفعهم نصائح‬
‫ولم يكن‬
‫ُ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫العلماء حتى حلت بهم مصيبة وكارثة أل وهى سقوط طليْطِلة‪.‬‬

‫ثامنا‪ :‬مؤتمرات النصارى ومخططاتهم‪:‬‬
‫ً‬
‫محكمة للقضاء على ملوك‬
‫استطاع النصارى أن يضعوا برامج ُ‬
‫من ث َ َّ‬
‫ما‪ ،‬وكان من أكبر‬
‫سل ِ ِ‬
‫الطوائف و ِ‬
‫م ْ‬
‫مين عمو ً‬
‫م على ال ُ‬
‫َ‬
‫خط ّطَات‬
‫ال‬
‫هذه‬
‫على‬
‫أشرف‬
‫الذى‬
‫النصارى‬
‫ملوك‬
‫من‬
‫المجرمين‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫وسهر على تنفيذها فرناندو ملك قشتالة‪.‬‬

‫تاسعًا‪ :‬وحدة كلمة النصارى‪:‬‬

‫مون فى الَنْدَلُس يعانون من‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫فى الوقت الذى كان ال ُ‬
‫ً‬
‫التَّفُّرق والشتات‪ ،‬كان النصارى فى وحدة كلمة وتراص صفّ فى‬
‫مواجهة أمة السلم فى الَنْدَلُس‪.‬‬

‫عاشرًا‪ :‬غدر النصارى ونقضهم للعهود‪:‬‬
‫لم يكن النصارى عُبَّاد الصليب محل ً للعهود وأهل ً للوفاء إل في‬
‫القليل النادر؛ فهم تبع لمصالحهم وأهوائهم‪ ,‬وهى التى تحكم‬
‫وفاءهم ونقضهم(‪.)2‬‬
‫قال تعالى‪َ ﴿:‬ومِنَ الّذِي َن قَالُوا إِنّا نَصَارَى َأخَذْنَا مِيثَا َقهُمْ فَنَسُوا َحظّا ّممّا ُذ ّكرُوا بِهِ‬
‫ل ِبمَا كَانُوا يَصَْنعُونَ﴾ [المائدة‪:‬‬
‫ف يُنَبُّئهُمُ ا ُ‬
‫فََأ ْغرَيْنَا بَيَْنهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالَْبغْضَا َء إِلَى يَوْمِ الْ ِقيَا َمةِ َوسَوْ َ‬
‫‪.]14‬‬
‫َ‬
‫خا مليئًا بالدماء وهتك‬
‫لقد سط ّر النصارى فى الَنْدَلُس تاري ً‬
‫العراض‪ ،‬وقتل النفوس وسبى النساء‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة‪ ,‬الشنتريني‪ ،‬القسم الثاني‪ ،‬ص (‪.)95‬‬
‫() سقوط الندلس‪ ،‬ص (‪.)40‬‬

‫‪74‬‬

‫قال تعالى‪َ ﴿ :‬ل َيرْ ُقبُونَ فِى مُ ْؤمِ ٍن ِإلّ َو َل ذِمّةً َوأُولَِئكَ هُمُ اْلمُ ْعتَدُونَ﴾ [التوبة‪.]14:‬‬
‫وقال تعالى‪﴿:‬وََل ْن َت ْرضَى عَنكَ اْلَيهُودُ َولَ النّصَارَى حَتّى َتتّبِ َع ِملَّتهُمْ﴾[البقرة‪.]12:‬‬
‫مين فمارسوا كل‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫لقد استمات النصارى فى حربهم لل ُ‬
‫الساليب المعو َّ‬
‫جة من أجل تحقيق أهدافهم الشيطانية‪.‬‬

‫الحادى عشر‪ :‬التخاذل عن نصرة من يحتاج إلى نصرة‪:‬‬

‫َ‬
‫معط ّلة كأنَّهم‬
‫لقد كانت أحاديث الرسول × فى تلك المرحلة ُ‬
‫لم يسمعوا قول رسول الله ×‪« :‬المسلم أخو المسلم ل يظلمه‬
‫ول يسلمه»(‪ ,)1‬وقوله ×‪« :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه‬
‫ضا»(‪.)2‬‬
‫بع ً‬
‫من يستحق النصرة‪،‬‬
‫لقد تخاذل ملوك الطوائف عن نصرة َ‬
‫وإليك ما حدث فى طُلَيْطِلَة‪ ،‬يقول الدكتور عبد الرحمن الحجى‬
‫حكَّام الطوائف‪« :‬قام حاكم‬
‫عن سقوط طُلَيْطِلَة وموقف ُ‬
‫ح َّ‬
‫متَوَ ِكّل على الله‬
‫م َ‬
‫مد الفطس الملقب بال ُ‬
‫بطليوس عمر بن ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة ملوك‬
‫ببعض واجبه تجاه طليْطِلة فى محنتها‪ ،‬التى لو أد ّى بقي ّ ُ‬
‫حموا‬
‫موْها و َ‬
‫الطوائف ما يجب عليهم لما لقت هذا المصير‪ ،‬ول َ‬
‫ح َ‬
‫أنفسهم‪ ،‬كان بعضهم ل هم له إل تحقيق مصلحته وإشباع أنانيته‪,‬‬
‫وكأن الَنْدَلُس وجدت لمنفعته وليتربع على كرسى حكم‪ ،‬مهما‬
‫كان قصير العمر ذليل المكان مهزوز القواعد»(‪.)3‬‬
‫فهذه مجموعة من السباب التى أدَّت إلى الحالة التعيسة التى‬
‫آلت إليها الَنْدَلُس‪ ،‬وعندى أن من أعظم السباب فى خذلن المة‬
‫ابتعادها عن منهج ربها وضياع عقيدتها وتربيتها على الترف‬
‫والدعة‪ ،‬وترك الجهاد فى سبيل الله‪ ،‬ولذلك عندما تربَّى‬
‫المرابطون على معانى الجهاد فى سبيل الله‪ ،‬ومنهج أهل السنة‪,‬‬
‫وفقهم الله لقامة دينه وإعزاز سنة نبيه ونصرة إخوانهم فى‬
‫الدِّين‪.‬‬
‫إن الجهاد من أعظم الدروس‪ ,‬فلما وُجد فى الَنْدَلُس بقيت‬
‫مهَابَة‪ ،‬ولما فُقد أصبحت المة مطمعًا لكل‬
‫المة فى عزة ومنعة و َ‬
‫جبار عنيد أو متكبر ل يؤمن بيوم الحساب‪ .‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫س المر السلم وعموده ال َّ‬
‫صلة وذروة سنامه الجهاد»(‪.)4‬‬
‫«رأ ُ‬
‫وقال ×‪« :‬لغدوةٌ فى سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما‬
‫فيها»(‪.)5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫أخرجه البخاري‪ ،‬كتاب المظالم‪ ،‬رقم (‪ ،)2442‬مع الفتح (ج ‪.)5/116‬‬
‫البخاري مع الفتح كتاب المظالم رقم (‪ 2446‬ج ‪.)5/117‬‬
‫انظر ‪ :‬التاريخ الندلسي‪.‬‬
‫الترمذي‪ ,‬باب اليمان‪ ،‬باب (‪ )8‬رقم (‪.)2616‬‬
‫البخاري مع الفتح رقم (‪ 2792‬ج ‪.)17 / 6‬‬

‫‪75‬‬

***

76

‫المبحث الثالث‬
‫العالم فى زمن ظهور دولة المرابطين‬
‫كانت أوروبا يتحكم فيها القطاعيون فى حالة همجية بعيدة‬
‫عن التح ُّ‬
‫ضر ومعالم الحضارة والمدنية‪.‬‬
‫مجَّزأ عند قيام دولة المرابطين‪ ،‬فظهر‬
‫وكان العالم السلمى ُ‬
‫ملوك الطوائف فى بلد الَنْدَلُس‪ ،‬واستطاع السلجقة أن يُط ِّهُروا‬
‫ح َّ‬
‫ماد فى‬
‫العراق من بنى بويه‪ ،‬والعبيديون حكموا مصر‪ ،‬وبنو َ‬
‫المغرب الوسط‪ ،‬والمعز بن باديس وأحفاده فى المهدية‪.‬‬
‫وتوسع المرابطون وشملت دولتهم أجزاء شاسعة من شمالى‬
‫إفريقية «جزء من الجزائر والريف فى المغرب»‪ ،‬وضربت جذورها‬
‫فى الصحراء حتى نهر النيجر والسنغال‪ ،‬فرفعوا راية السلم فى‬
‫تلك الماكن البعيدة‪.‬‬
‫وكان المشرق السلمى فى ظروف سياسية حرجة وصعبة‬
‫ض للخطر‪،‬‬
‫قاسية حيث أمُر الخلفة فى بغداد مهتز‪,‬‬
‫والخليفة ُ‬
‫معََّر ٌ‬
‫أمر الخلفة شيئًا وإنَما هو رمز تحك َّ‬
‫م فيه البويهيون‪،‬‬
‫ول يملك من‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما العبيدي ّون فى مصر فتحالفوا مع‬
‫ومن بعدهم السلجقة‪ ,‬أ ّ‬
‫مين فى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الفرنج من أجل مصالحهم وأطماعهم‪ ,‬فكان أمر ال ُ‬
‫غاية الخطورة حتى قيَّض الله لهل المشرق نور الدِّين محمود‬
‫وصلح الدِّين اليوبى اللذين قاما بدور عظيم فى القضاء على‬
‫النصارى والعبيديين ودحرهم‪ ،‬وفى هذه الظروف الصعبة‬
‫والعصيبة أرادت حكمة الله وقدرته أن تخرج دولة المرابطين‬
‫ال ُّ‬
‫سنيَّة لتكون سدًا منيعًا ضد أطماع النصارى فى الَنْدَلُس‪،‬‬
‫ولتحمى الشمال الفريقى من غاراتهم وأطماعهم‪ ،‬إنه تدبير‬
‫العزيز العليم‪.‬‬
‫لقد أكرم الله تعالى المرابطين وجنودهم بالدفاع والذود عن‬
‫مين وعن أعراضهم وأموالهم وعقائدهم التى ل‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫السلم وال ُ‬
‫تقدر بثمن‪.‬‬
‫وأعّزَ الله المة بهم فى زمن عصيب ورفع الله بهم لواء‬
‫السلم فى‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫المغرب والنْدَلس‪.‬‬
‫واستطاعوا بجهودهم الجهادية أن ينقذوا إخوانهم فى الدِّين‬
‫من ظلم النصارى وحقدهم الدفين‪ ،‬ويكبدوهم هزائم عسكرية‬
‫ر الدهور‪.‬‬
‫أصبحت نبرا ً‬
‫سا للمة على مّرِ العصور وم ّ ِ‬

‫مين وأطماع ألفونســو‬
‫أولً‪ :‬تكالب النصارى على المسل ِ‬

‫‪77‬‬

‫التوسعية‪:‬‬

‫بعد سقوط طُلَيْطِلَة بيد ألفونسو‪ ،‬بدا له أن كل شيء ممكن‪,‬‬
‫وعمل على توحيد جهود النصارى‪ ،‬واتفقوا على سحق دولة‬
‫السلم فى الَنْدَلُس‪ ،‬معتقدين أن قدرتهم تكفيهم لداء هذا‬
‫المهمة المقدسة لديهم‪.‬‬
‫وترك النصارى خصوماتهم الدَّاخلِيَّة‪ ،‬وتو َّ‬
‫حدت مدنهم‪ ،‬وكوَّنوا‬
‫جي ً‬
‫ما‪ ,‬واحتلوا مدينة«قورية» من بنى الفطس‪ ،‬ووصلوا‬
‫شا ضخ ً‬
‫إلى ضواحى إشبيلية‪ ،‬وأحرقوا قراها وحقولها‪ ،‬وسارت فرقة من‬
‫الفرسان إلى شذونة‪ ،‬ثم اخترقت جزيرة طريف قرب مضيق جبل‬
‫طارق‪ ،‬كما حاصر القشتاليون‪ -‬بمعاونة جند من الرجونيين‬
‫والقطلونيين الذين وضعهم ألفونسو السادس تحت قيادته‪ -‬قلعة‬
‫سطَة الحصينة التى يضع سقوطها منطقة البير «ابرة» فى‬
‫سْرقُ ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ة على البحر‬
‫حت‬
‫النصارى‬
‫يد‬
‫ما‪ ،‬وتصبح الشواطئ السبانية المطل ُ‬
‫ً‬
‫البيض المتوسط عرضة لغاراتهم‪ ،‬يقول المؤرخ يوسف أشباخ‪:‬‬
‫سطَة كلها بالنار والسيف‪ ،‬ولم‬
‫سْرقُ ْ‬
‫«وأثخن النصارى فى ولية َ‬
‫يكن يردُّهم فى الحرب أى اعتبار إنسانى ما دام المر متعلقًا‬
‫بأعداء الدِّين‪ ،‬كما يعتقدون‪ ،‬ولكن الحصون السلميَّة قاومتهم‬
‫مقاومة شديدة‪ ،‬وتلقى المؤتمن بن هود وعدًا لوصول المدد‬
‫مين فى جنوب الجزيرة‪ ،‬بَيْد َ أن النصارى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫السريع من إخوانه ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مون‬
‫م ْ‬
‫سْرق ْ‬
‫شددوا الضعط على َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ما بعد يوم‪ ،‬وخشى ال ُ‬
‫سطة يو ً‬
‫سقوط المعقل المنيع‪ ،‬بعد أن أصبحت قواتهم وأحوالهم فى حالة‬
‫ما دون قوى النصارى‪ ،‬فتطلعوا إلى عون‬
‫يرثى لها‪ ،‬فقد كانت حت ً‬
‫من الخارج‪ ،‬فاتجهت أبصارهم إلى قوة المرابطين المجاهدة فى‬
‫المغرب القصى»(‪.)1‬‬
‫مين الكبرى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وأصبح ألفونسو اللعين يضغط على ممالك ال ُ‬
‫ّ‬
‫وكِل‬
‫المجاورة له أى مملكتى بطليوس وإشبيلية؛ فأرسل إلى ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫بن الفطس صاحب بطليوس يطلب منه أن يُسل ِّم إليه القلع‬
‫والحصون المجاورة لحدوده مع تأدية الجزية‪ ،‬وضعُف مسلمو‬
‫الَنْدَلُس أمام هذه الضربات الماكرة‪ ،‬وأصبح سقوط الممالك قاب‬
‫حكَّام الممالك منغمسين بملذَّاتهم‬
‫قوسين أو أدنى‪ ،‬وظل ُ‬
‫وفسادهم‪ ،‬يحاربون أنفسهم ويحالفون النصارى ضد إخوانهم‪،‬‬
‫ويؤدُّون لهم الجزية مقابل تركهم على عروشهم التى تزعزعت‬
‫أمام ضرباتهم‪ ،‬واستخدم ملوك الطوائف المرتزقة من النصارى‬
‫لحماية أنفسهم بعد أن فقدوا المل فى شعوبهم ورعاياهم بسبب‬
‫ظلمهم وجورهم وتع ُّ‬
‫سفهم‪ ،‬وجعل الله بين أمراء الطوائف من‬
‫التنافس والتدابر والتقاطع والتحاسد والغيرة ما لم يجعله بين‬
‫‪1‬‬

‫() انظر الزلقة‪ ،‬ص (‪.)32‬‬

‫‪78‬‬

‫الضرائر المترفات والعشائر المتغايرات‪ ,‬فلم تصل لهم فى الله‬
‫يد‪ ،‬ول نشأ على التعاضد عزم(‪ ،)1‬لذلك انهارت الروح المعنوية‬
‫للشعب الَنْدَلُسى بعدما رأى من أمرائه التخاذل والخيانة‪ ,‬حتى‬
‫كاد هذا الشعب الصابر يفقد القدرة على القتال بما كان يرهقه‬
‫َ‬
‫صاَرى‪،‬‬
‫ُ‬
‫حك ّامه من الضرائب للتنعم بالعيش الرغيد ودفع الجزية للن َّ َ‬
‫ص‪ ،‬فقد ارتقى عرش إسبانيا‬
‫مترب‬
‫وعدو‬
‫ز‬
‫مبت‬
‫حاكم‬
‫بين‬
‫وأصبح‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫ُ ٍ‬
‫ٍ‬
‫النصرانية ألفونسو السادس بن فرديناند الذى كان يرغب فى‬
‫احتلل الجزيرة اليبرية‪ ،‬وعادت حرب السترداد قوية على يده‪،‬‬
‫وقد بدأ أعماله الحربية بمدينة طُلَيْطِلَة فحاصرها سبع سنوات‬
‫حتى سقطت بيده فى ‪ 25‬آيار ‪1085‬م مستهل صفر ‪478‬هـ‪ ,‬وقد‬
‫أحدث سقوطها دويًا هائل ً فى العالم السلمى الغربي‪ ،‬وبات‬
‫مون فى حال من الضياع التام(‪ )2‬ل يعرفون كيف يتصرفون‪,‬‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ال ُ‬
‫وبدأوا بمغادرة المناطق المتاخمة للفونسو‪ ،‬وأصبحت مملكة‬
‫طُلَيْطِلَة خالية من السكان الذين هجروها إلى بطليوس هربًا من‬
‫الضطهاد وحفاظًا على دينهم‪ ،‬ورأى ألفونسو أن زمام الَنْدَلُس‬
‫مدُن‬
‫أصبح فى يده‪ ،‬فضاعف غاراته على جميع البلد؛ وتساقطت ال ُ‬
‫متَوَكِّل بن الفطس‬
‫والقرى بين يدى اللعين الحقود وأرسل إلى ال ُ‬
‫وصاحب بطليوس يطلب إليه تسليم بعض الحصون‪ ،‬والقلع‬
‫المتاخمة لحدوده مع تأدية الجزية‪ ،‬ويتوعده بشر العواقب إذا‬
‫وكِّل بشجاعة ونبل معلنًا تحديه‪ ،‬وفى هذه الرسالة‬
‫رفض‪ ،‬فرد َّ ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫ن عميقة وفهم دقيق للموقف الحرج الذى أصبح فيه‬
‫معا ٍ‬
‫متَوَكِّل‪..« :‬ولو علم – أى ألفونسو‪ -‬أن لله‬
‫ال‬
‫قال‬
‫حيث‬
‫مون‬
‫ل‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫م ْ ُ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مد × وأعزه‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫جنودًا أع ّز بهم كلمة السلم‪ ,‬وأظهر بهم دين نبينا ُ‬
‫مين فيما وهَى من أحوالهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫على الكافرين‪ ..‬وأما تعييرك لل ُ‬
‫فبالذنوب المركوبة‪ ،‬ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الملك أى‬
‫مصاب أذقناك كما كان أبوك تتجَرعه‪ ...‬وبالمس كانت قطيعة‬
‫المنصور على سلفك أهدى ابنته إليه مع الذخائر التى كانت تفد‬
‫كل عام عليه»(‪.)3‬‬
‫متَوَكِّل قاضيه العالم الفقيه أبا الوليد الباجى ليطوف‬
‫وأرسل ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ِ الشعث وتوحيد الكلمة‪،‬‬
‫ل‬
‫إلى‬
‫يدعو‬
‫س‬
‫ل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ال‬
‫على حواضر‬
‫ْ َ‬
‫ّ‬
‫ومدافعة العدو‪ ،‬ولكن مهمة القاضى لم تُكلل بالنجاح لن ضعف‬
‫المراء‪ ،‬وانهيار مقومات الدولة‪ ،‬وتخاذل الشعب فرضت على‬
‫ال َ‬
‫و ِكّل إلى المير يوسف بن‬
‫ُ‬
‫حك ّام استرضاء العدو‪ ،‬عندئذٍ كتب ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() انظر‪ :‬أعلم العلم‪ ،‬تحقيق د‪ .‬عبادي‪ ,‬ص (‪.)2411‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)61‬‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)62‬‬

‫‪79‬‬

‫تاشفين(‪ ،)1‬يصور له محنة الَنْدَلُس ويستنصره(‪« ،)2‬لما كان نور‬
‫الهدى ‪-‬أيدك الله‪ -‬دليلك‪ ,‬وسبيل الخير سبيلك‪ ،‬ووضحت فى‬
‫َ‬
‫الصلح معالمك‪ ،‬ووقفت على الجهاد عزائمك‪ ،‬وص َّ‬
‫ح العلم بأن ّك‬
‫لدعوة السلم أعُّز ناصر‪ ،‬وعلى غزو الشرك أقدر قادر‪ ،‬وجب أن‬
‫تستدعى لما عضل الداء‪ ،‬وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلء‪،‬‬
‫ُ‬
‫فقد كانت طوائف العدو المطيف بأنحائها عند إفراط تسل ّطها‬
‫واعتدائها وشدة كلفها واستشرائها تلطف بالحتيال‪ ،‬وتستنزل‬
‫بالموال‪ ،‬ويخرج لها عن كل ذخيرة‪ ،‬وتسترضى بكل خطيرة‪ ،‬ولم‬
‫يزل دأبها التشكك والعناد‪ ،‬ودأبها الذعان والنقياد حتى نفذ‬
‫المطارف والتلد‪ ،‬وأتى على الظاهر والباطن النفاد‪ ،‬وأيقنوا الن‬
‫بضعف المنن‪ ،‬وقويت أطماعهم فى افتتاح المدن‪ ،‬واضطرمت‬
‫فى ك ِّ‬
‫مين أسنتهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ل جهة نارهم‪ ،‬ورويت من دماء ال ُ‬
‫وشفارهم‪ ،‬ومن أخطئ القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسارى‬
‫وسبايا‪ ،‬يمتحنونهم بأنواع المحن والبليا‪ ،‬وقد هموا بما أرادوه من‬
‫التوثب‪ ،‬وأشرفوا على ما أملوه من التغلب‪ ،‬فيا الله ويا‬
‫ك‪ ،‬ويغلب التوحيدَ الشرك‪ُ،‬‬
‫مين أيسطو هكذا بالحق الف ُ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫لل ُ‬
‫ويظهر على اليمان الكفُر‪ ،‬ول يكشف هذه البلية النصُر‪ ،‬أل ناصر‬
‫لهذا المهتضم؟ أل حامى لما استبيح من الحرم؟‪ ،‬وإنا لله على ما‬
‫لحق عرشه من ثل‪ ،‬وعزه من ذل‪ ،‬فإنها الرزيَّة التى ليس فيها‬
‫عزاء‪ ،‬والبلية التى ليس مثلها بلء‪ ،‬ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك‬
‫– أعَّزك الله – بالنازلة فى مدينة قورية أعادها الله وإنَّها مؤيدة‬
‫مين بالجلء‪ ،‬ثم ما زال‬
‫من فيها من المسل ِ‬
‫للجزيرة بالخلء‪ ،‬و َ‬
‫ُ ْ ِ َّ‬
‫التخاذل يتزايد‪ ،‬والتدابر يتساند حتى تخلصت القضية وتضاعفت‬
‫البلية وتح َّ‬
‫صلت فى يد العدو مدينة سرية‪ ،‬وعليها قلعة تجاوزت حد‬
‫القلع فى الحصانة والمتناع‪.‬‬
‫وهى من المدينة كنقطة دائرية تدركها من جميع نواحيها‪،‬‬
‫ويستوى فى الرض بها قاصيها ودانيها‪ ،‬وما هو إل نفس خافت‬
‫وزمر داهق استولى عليها عدو مشترك وطاغية منافق‪ ،‬إن لم‬
‫تبادروا بجماعتكم عجالً‪ ,‬وتتداركها ركبانًا ورجالً‪ ،‬وتنفروا نحوها‬
‫خفافًا وثقالً‪ ،‬وما أحضكم على الجهاد بما فى كتاب الله فإنَّكم له‬
‫أتلى‪ ،‬ول بما فى حديث رسول الله × فإنكم إلى معرفته أهدى‪،‬‬
‫صلها ويشُرحها‪،‬‬
‫وكتابى إليكم هذا يحمله الشيخ الفقيه الواعظ يف ِّ‬
‫ضحها‪ ،‬فإنه لما توجه نحوك‬
‫ومشتمل على نكتة وهو يبينها ويو ِّ‬
‫احتسابًا‪ ،‬وتكلف المشقة إليك طالبًا ثوابًا‪ ،‬عوَّلت على بيانه‪,‬‬
‫ووثقت بفصاحة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() تاريخ ابن الكردبوس ص (‪ ،)88‬عن كتاب دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)62‬‬
‫() د‪ .‬عدنان‪ ،‬دولة السلم فى الندلس ودول الطوائف‪ ،‬ص (‪.)92-91‬‬

‫‪80‬‬

‫لسانه‪ ,‬وال َّ‬
‫سلم»(‪.)1‬‬

‫ثانيًا‪ :‬ألفونسو والمعتمد بن عباد‪:‬‬
‫مد بن عَبَّاد فى أخطاء كثيرة؛ حيث تعاهد مع‬
‫معْت َ ِ‬
‫لقد وقع ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مين فى طليْطِلة مقابل أن يسمح له‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ألفونسو ضد إخوانه ال ُ‬
‫ألفونسو بأخذ ممالك ممن حوله إل َّ إن النصارى ‪ -‬كما علمت ‪ -‬ل‬
‫عهود لهم ول مواثيق‪ ،‬فأراد ألفونسو أن يجد مبرًرا لضرب الحصار‬
‫مد حصونًا وقرى‬
‫معْت َ ِ‬
‫على إشبيلية‪ ,‬واحتلل قرطبة‪ ،‬فطلب من ال ُ‬
‫الموت أح ُّ‬
‫مد أنواعًا‬
‫ت‬
‫ع‬
‫م‬
‫ال‬
‫مع‬
‫ألفونسو‬
‫ب إليه من تسليمها‪ ,‬ومارس‬
‫ُ َْ ِ‬
‫مد عن طوره ويلغى التفاقية‬
‫معْت َ ِ‬
‫من الذلل والتجنى لتخرج ال ُ‬
‫الهزيلة بين الطرفين ويجد ألفونسو والنصارى ما يبّرِر أفعاله‬
‫النتقامية والوحشية‪.‬‬
‫مد أن يسمح لزوجته القمطجية أن‬
‫معْت َ ِ‬
‫فطلب ألفونسو من ال ُ‬
‫تلد فى جامع قرطبة بناءً على نصيحة الساقفة‪ ،‬لأن الطرف‬
‫الغربى كان موقع كنيسة قرطبة القديمة‪ ،‬وسأله أن تنزل بالزهراء‬
‫مدينة الخليفة الناصر‪ ،‬لتكون ولدتها بين طيب نسيم الزهراء‬
‫وفضيلة موضع الكنيسة المزعوم(‪ ،)2‬وأرسل إليه بعثة من‬
‫خمسمائة فارس برئاسة اليهودى ابن ساليب لخذ الجزية‪ ،‬وتجرأ‬
‫السفير وق َّ‬
‫ل أدبه إن كان له أدب‪ ،‬وخرج على العرف‬
‫مد وقال‪« :‬ل تعتقدونى‬
‫معْت َ ِ‬
‫الدبلوماسي‪ ،‬وأغلظ فى القول لل ُ‬
‫بسيطًا لقبل مثل هذه العملة المزيفة‪ ,‬ل آخذ إل الذهب الصافي‪،‬‬
‫(‪)3‬‬
‫مد النخوة السلميَّة‬
‫معْت َ ِ‬
‫السنة القادمة ستكون مدنًا» ‪ .‬فأخذت ال ُ‬
‫وصلب اليهودي‪ ،‬وقتل البعثة‪ ،‬وبذلك يكون ألفونسو قد تحصل‬
‫على ما يريده‪ ،‬وكان ألفونسو متجهًا لحصار قرطبة فل َّ‬
‫ما وصل خبر‬
‫مد فى إشبيلية‪ ،‬وحَّرك جيوشه‬
‫معْت َ ِ‬
‫البعثة أقسم َ بآلهته ليغزون ال ُ‬
‫نحو غرب النْدَلُس فد َّ‬
‫مر كل القرى والتخوم التى فى طريقه نحو‬
‫مر ويخّرِب ويقتل‬
‫إشبيلية‪ ,‬وخرج فى جيش من طريق آخر يد ِّ‬
‫ويحرق ويسفك ويسبي‪ ،‬حتى وصل إلى جزيرة طريف أقصى‬
‫جنوب الَنْدَلُس على المضيق‪ ،‬وأدخل قوائم فرسه فى البحر قائل‪ً:‬‬
‫«هذا آخر بلد الَنْدَلُس قد وطئته»(‪.)4‬‬
‫من هنا أرسل إلى المير يوسف بن تاشفين‪« :‬أ َّ‬
‫ما بعد‪ ..‬فل‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫مين بل الملة السلميَّة‪ ،‬كما‬
‫م‬
‫ال‬
‫أمير‬
‫ك‬
‫أن‬
‫عينين‬
‫ذى‬
‫على‬
‫خفاء‬
‫سل ِِ‬
‫ّ‬
‫ُ ْ‬
‫أنا أمير الملة النصرانية‪ ،‬ولم يخف عليك ما عليه رؤساؤكم‬
‫بالَنْدَلُس من التخاذل والتواكل‪ ،‬والهمال للرعية والخلد إلى‬
‫دّيار وأهتك الستار‪،‬‬
‫الراحة‪ ،‬وأنا أسومهم الخسف‪ ،‬فأخرب ال ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫(‪ )2‬المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)64-63‬‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)66‬‬
‫()دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)66‬‬

‫(‪ )2‬نفس المصدر السابق‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫وأقتل الشبَّان وآسر الولدان‪ ،‬ول عذر لك فى التخلف عن نصرتهم‬
‫إن أمكنك معرفة هذا‪ ،‬وأنتم تعتقدون أن الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬فرض على‬
‫واحد منكم عشرة منا‪ ،‬وأن قتلكم فى الجنة وقتلنا فى النار‪،‬‬
‫ونحن نعتقد أن الله أظفرنا بكم وأعاننا عليكم‪ ،‬ول تقدرون دفاعًا‬
‫ول تستطيعون امتناعًا‪ ،‬وبلغنا عنك وأنَّك فى الحتفال عن نية‬
‫الستقبال فل يدرى أكان الجبن بك أم التكذيب بما أنزل عليك‪،‬‬
‫فإن كنت ل تستطيع الجواز فابعث إل َّ‬
‫ي ما عندك من المراكب‬
‫نجوز إليك‪ ،‬أناظرك فى أحب البقاع إليك؛ فإن غلبتنى فتلك نعمة‬
‫جلبت إليك‪ ،‬ونعمة شملت بين يديك‪ ،‬وإن غلبتك كانت لى اليد‬
‫العليا عليك‪ ,‬واستكملت المارة‪ ,‬والله يتم الرادة»(‪.)1‬‬
‫فكان رد ُّ يوسف بن تاشفين – رحمه الله – على ظهر الكتاب‬
‫ذاته‪« :‬ما ترى ل ما تسمع إن شاء الله ‪-‬تعالى‪ » -‬وأردف‪:‬‬
‫العرمرم‬

‫(‪)2‬‬

‫ول كتب إل المشرفية‬
‫والقنا‬
‫وعاد ألفونسو المغرور المتكبر إلى إشبيلية حيث التقى بجيشه‬
‫مد بن عَبَّاد بضفة النهر‪ ،‬وحاصر المدينة ثلثة‬
‫معْت َ ِ‬
‫الخر أمام قصر ال ُ‬
‫مد يسأله أن يرسل إليه مروحة لطرد الذباب‪،‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫أيام‪ ،‬وكتب إلى ال ُ‬
‫َ‬
‫مد هذه الهانة فرد ّ‪« :‬قرأت كتابك وفهمت خيلءك‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولم يتحمل ال ُ‬
‫وإعجابك‪ ,‬وسأنظر إليك فى مراوح من الجلود اللمطية تروح منك ول‬
‫تروح عليك»(‪.)3‬‬
‫سطَة وحاصرها‪ ،‬كانت‬
‫سْرقُ ْ‬
‫ترك ألفونسو إشبيلية وسار نحو َ‬
‫شبه ضائعة تنتظر مصيرها المؤلم‪ ,‬وصاحبها ابن هود ل يستطيع‬
‫الدفاع كثيًرا‪ ،‬ثم أخذ بلنسية‪ ,‬وأعطاها القادر بن ذى النون صاحب‬
‫طُلَيْطِلَة السابق‪ ،‬وهاجم مملكة المرية‪ ,‬ووصل القشتاليون إلى‬
‫نابار قرب غرناطة‪ ,‬كان الخطر على الَنْدَلُس شديدًا‪ ،‬وقلة‬
‫الشجاعة وانهيار الروح المعنوية تثبط العزائم‪ ،‬إذ أن ثمانين‬
‫قشتاليًا هزموا أربعمائة من المرية(‪.)4‬‬

‫ثالثًا‪ :‬اجتماع علماء قرطبة‪:‬‬

‫أمام هذا الضياع المفزع الذى وصلت إليه ممالك الَنْدَلُس؛‬
‫اجتمع علماء وفقهاء وزعماء قرطبة للتشاور فيما يجب عمله‬
‫لنقاذ مدينتهم‪ ،‬ووصل رأيهم بعد تبادل الراء والفكار إلى‬
‫استدعاء المرابطين‪.‬‬
‫مد أن هذا الرأى فيه صواب ونفاذ بصيرة؛ فجد َّ فى‬
‫معْت َ ِ‬
‫ورأى ال ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫(‪ )4‬الرياض المعطار‪ ،‬ص (‪)80‬‬

‫() تاريخ ابن الكردبوس‪ ,‬ص (‪.)91‬‬
‫للحميري‪.‬‬
‫() تاريخ ابن الكردبوس ص (‪ ،)89‬نقل ً عن دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)66‬‬

‫‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫تقوية جيشه ورمم الحصون والقلع‪ ،‬وقَّرر أن يطلب النجدة من‬
‫مين‪ ،‬وتشاور فى المر مع ابنه الرشيد وزعماء‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫إخوانه ال ُ‬
‫إشبيلية الذين أشاروا عليه بمهادنة ألفونسو والخضوع لشروطه‪،‬‬
‫مد الذى خل بابنه‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولكن هذا الرأى لم يجد هوى فى نفس ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫الرشيد وكان ولى عهده وقال له‪« :‬أنا فى هذه النْدَلس غريب‬
‫بين بحر مظلم وعدو مجرم‪ ،‬وليس لنا ولى ول ناصر إل الله‪ ،‬وإن‬
‫جى منهم‬
‫إخواننا وجيراننا ملوك الَنْدَلُس ليس فيهم نفع‪ ،‬ول يُر َ‬
‫نصرة‪ ،‬ول حيلة إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدو ثقيل وهو اللعين‬
‫أذفونش فقد أخذ طُلَيْطِلَة وعادت دار كفر وها هو قد رفع رأسه‬
‫إلينا‪.‬‬
‫وإن نزل علينا طُلَيْطِلَة ما يرفع عنا حتى يأخذ إشبيلية‪ ،‬ونرى‬
‫من الرأى أن نبعث إلى هذه الصحراء وملك العدوة نستدعيه‬
‫للجواز إلينا ليدافع عنا الكلب اللعين إذ ل قدرة لنا على ذلك‬
‫بأنفسنا‪ ،‬فقد تلف لجاؤنا وتدبرت بل تبردت أجنادنا‪ ,‬وبغضتنا‬
‫العامة والخا َّ‬
‫صة(‪ .)1‬فأجابه الرشيد‪ :‬يا أبت أتدخل علينا فى أَنْدَلُسنا‬
‫من يسلبنا ملكنا ويبدد شملنا؟ فقال‪ :‬أى بنى والله ل يسمع عنى‬
‫َ‬
‫أبدًا أنى أعدت الَنْدَلُس دار كفر ول تركتها للنصارى فتقوم عل َّ‬
‫ي‬
‫مين مثل ما قامت على غيري‪ ،‬والله‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫اللعنة من على منابر ال ُ‬
‫(‪)2‬‬
‫خرز الخنازير» ‪.‬‬
‫خرز الجمال عندى خير من ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مد بن عَبَّاد فى النْدَلُس حذره ملوك‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولما انتشر رأى ال ُ‬
‫الطوائف من ذلك وقالوا له‪« :‬الملك عقيم والسيفان ل يجتمعان‬
‫فى غمد واحد»‪ ،‬وعارض بشدة طلب العون من المرابطين عبد‬
‫الله بن سكوت والى مالقة الذى كان يرى أن المرابطين أشد‬
‫‬‫خطًرا من النصارى‪ ،‬ويجب العتماد على القوة الذاتية للَنْدَلُسيين‬
‫(‪)4‬‬
‫(‪)3‬‬
‫مد‪« :‬رعى الجمال خير من رعى الخنازير»‬
‫معْت َ ِ‬
‫‪ ،‬فأجابهم ال ُ‬
‫وأضاف‪ :‬إن دهينا من مداخلة الضداد لنا فأهون الشَّرين أمر‬
‫الملثمين»(‪.)5‬‬
‫وقال للذين لموه على هذا الرأي‪ :‬يا قوم إنَّى فى أمرى على‬
‫حالين‪ :‬حالة يقين وحالة شك‪ ،‬ولبد لى من أحدهما‪ ،‬أ َّ‬
‫ما حالة‬
‫الشك فإنِّى إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الذفونش ففى‬
‫الممكن أن يفيا لى ويبقيا عل َّ‬
‫ي‪ ،‬ويمكن أن ل يفعل فهذه حالة‬
‫شك‪.‬‬
‫وأ َّ‬
‫ما حالة اليقين فإن ِّى إن استندت إلى ابن تاشفين فإنى‬
‫أرضى الله‪ ،‬وإن استندت إلى الذفونش أسخطت الله تعالى‪ ،‬فإذا‬
‫كانت حالة الشك فيها عارضة فلى شيء أدع ما يرضى الله وآتى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫(‪ )3‬المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)68‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)68‬‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)69‬‬
‫() وفيات العيان (‪.)7/115‬‬

‫(‪ )2‬نفس المصدر السابق‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫ما يسخطه؟ حينئذٍ قصر أصحابه عن لومه(‪.)1‬‬
‫مد‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولما عَزم على طلب النصرة من المرابطين؛ اتصل ال ُ‬
‫و ِكّل بن الفطس صاحب بطليوس‪ ،‬وعبد الله بن بلقين‬
‫بال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫الصنهاجى صاحب غرناطة‪ ،‬وطلب منهما أن يرسل كل منهما‬
‫قاضى مدينته حتى يكونوا وفدًا إلى المرابطين لمقابلة المير‬
‫يوسف بن تاشفين‪ ،‬وتشكَّلت البعثة من قاضى قرطبة ابن أدهم‪،‬‬
‫وقاضى بطليوس ابن مقانا‪ ,‬وقاضى غرناطة ابن القليعي‪ ,‬ومعهم‬
‫مد إلى القضاة وعظ‬
‫معْت َ ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫مد أبو بكر بن زيدون‪ ,‬وأسند ال ُ‬
‫وزير ال ُ‬
‫المير يوسف وترغيبه فى الجهاد‪ ،‬وأسند إلى وزيره إبرام العقود‪،‬‬
‫مد إلى المير يوسف‬
‫معْت َ ِ‬
‫وحملت البعثة معها رسالة مكتوبة من ال ُ‬
‫ّ‬
‫مؤرخة ‪479‬هـ‪ ,‬وهذا ن ُّ‬
‫صها‪« :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ,‬وصلِى‬
‫ح َّ‬
‫ما‪ ..‬إلى‬
‫م َ‬
‫مد وعلى آله وصحبه وسلم تسلي ً‬
‫الله على سيدنا ُ‬
‫دّين ومحيى دعوة الخليفة‪،‬‬
‫ال‬
‫وناصر‬
‫المسلمين‬
‫أمير‬
‫حضرة المام‬
‫ِ‬
‫المام أبى يعقوب يوسف بن تاشفين‪ ،‬القائم بعظيم أكبارها‪،‬‬
‫ال َّ‬
‫شاكر لجللها المعظ ِّم لما عظم الله من كريم مقدارها‪ ،‬اللئذ‬
‫بحرامها‪ ,‬المنقطع إلى س ُّ‬
‫مو مجدها‪ ,‬المستجير بالله وبطولها‬
‫ح َّ‬
‫مد عباد سلم كريم يخص الحضرة المعظمة السامية ورحمة‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫الله تعالى وبركاته‪.‬‬
‫كتب المنقطع إلى كريم سلطانها من إشبيلية فى غرة جمادى‬
‫مين ونصر به‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الولى ‪479‬هـ‪1086 /‬م وإنَّه أيَّد الله َأمير ال ُ‬
‫دّين‪ ،‬فإنَّا ‪ -‬نحن العرب ‪ -‬فى هذه النْدَلُس قد تلفت قبائلنا‪،‬‬
‫ال ِ‬
‫َ‬
‫وتفَّرق جمعنا‪ ،‬وتغي ّرت أنسابنا بقطع المادة عنا من ضيعتنا؛ فصرنا‬
‫شعوبًا ل قبائل‪ ,‬وأشتاتًا ل قرابة ول عشائر‪ ،‬فق َّ‬
‫ل نصرنا‪ ،‬وكثر‬
‫َ‬
‫ش َّ‬
‫ُ‬
‫ماتُنا‪ ،‬وتول ّى علينا هذا العدو المجرم اللعين ألفونسو وأناخ علينا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مين‪ ،‬وأخذ البلد والقلع‬
‫بطليْطِلة ووطئها بقدمه‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وأسر ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫والحصون‪ ،‬ونحن أهل هذه النْدَلس ليس لحد منا طاقة على‬
‫نصرة جاره ول أخيه‪ ،‬ولو شاءوا لفعلوا إل أن الهواء والماء منعهم‬
‫من ذلك‪ ،‬وقد ساءت الحوال‪ ،‬وانقطعت المال‪ ،‬وأنت أيدك الله‬
‫سيد حمير‪ ،‬ومليكها الكبر‪ ،‬وأميرها وزعيمها‪ ،‬نزعت بهمتى إليك‬
‫واستنصرت بالله ثم بك‪ ،‬واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو‬
‫ح َّ‬
‫مد ×‪ ،‬ولكم‬
‫م َ‬
‫الكافر وتحيون شريعة السلم وتدينون على دين ُ‬
‫عند الله الثواب الكريم على حضرتكم السامية السلم ورحمة الله‬
‫وبركاته ول حول ول قوة إل بالله‬
‫العلى العظيم»(‪.)2‬‬
‫ث المير‬
‫وأرسلت وفود شعبية من الشيوخ والعلماء رسائل تح ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() نفح الطيب (‪.)6/91‬‬
‫() دولة المرابطين ص (‪.)71‬‬

‫‪84‬‬

‫على إنقاذ الَنْدَلُس‪.‬‬
‫دّين‪ ،‬وعرض أميرهم‬
‫وتأثر‬
‫مصاب إخوانهم فى ال ِ‬
‫المرابطون ل ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قضية مسلمى النْدَلس على أهل الح ِّ‬
‫ل والعَقْد عنده‪ ،‬وأجمعوا‬
‫على نصرة دينهم وإعزاز كلمة التوحيد‪ ،‬وكان وزير يوسف‬
‫ومستشاره أَنْدَلُسى الصل اسمه عبد الرحمن بن أسبط أو‬
‫مد بن عَبَّاد‬
‫معْت َ ِ‬
‫أسباط‪ ،‬فنصحه المستشار بأن يطلب من ال ُ‬
‫الجزيرة الخضراء لكى تكون آمنة لعبور الجيش‪ ،‬ولحماية خطوط‬
‫التموين‪ ،‬وقال له‪ :‬إن المر لله تعالى ولكم‪ ،‬وواجب على كل‬
‫مسلم إغاثة أخيه المسلم والنتصار له‪ ،‬واقتنع المير يوسف برأى‬
‫وزيره فى طلب الجزيرة الخضراء ليجعل فيها أثقال جيشه‬
‫وأجناده ويكون الجواز بيده متى شاء‪ ،‬وقال المير يوسف لعبد‬
‫الرحمن‪ :‬صدقت يا عبد الرحمن‪ ,‬لقد نبهتنى على شيء لم يخطر‬
‫ببالي‪ ,‬اكتب إليه بذلك‪.‬‬
‫مد بن عَبَّاد الكتاب التالى ن ُّ‬
‫صه‪:‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫وكتب ابن أسبط إلى ال ُ‬
‫َ‬
‫مد وآله‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫«بسم الله الرحمن الرحيم‪ ,‬وصلى الله على سيدنا ُ‬
‫وصحبه وسل ِّم‪.‬‬
‫مين وناصر الدِّين معين دعوة أمير المؤمنين‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫من أمير ال ُ‬
‫مد على الله أبى‬
‫معْت َ ِ‬
‫إلى المير أكرم المؤيد بنصرة الله تعالى ال ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن عَبَّاد أدام الله كرامته بتقواه‪ ،‬ووفقه لما يرضاه‪،‬‬
‫م َ‬
‫القاسم ُ‬
‫سلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فإنه وصل خطابك الكريم‪ ،‬فوقفنا على ما تضمنه من‬
‫استدعائنا لنصرتك‪ ،‬وما ذكرته من كربتك‪ ،‬وما كان من قلة حماية‬
‫جيرانك‪ ،‬فنحن يمين لشمالك ومبادرون لنصرتك وحمايتك‪ ،‬وواجب‬
‫علينا فى ال َّ‬
‫شرع‪ ,‬وفى كتاب الله تعالى‪ ،‬وإنَّه ل يمكننا الجواز إل‬
‫أن تُسل ِّم لنا الجزيرة الخضراء؛ تكون لنا لكى يكون جوازنا إليك‬
‫على أيدينا متى شئنا‪ ،‬فإن رأيت ذلك فاشهد على نفسك بذلك‪,‬‬
‫وابعث إلينا بعقودها ونحن فى أثر خطابك إن شاء الله تعالى»‪.‬‬
‫مد ابنه الرشيد على خطاب المير يوسف فقال له‪:‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫اطلع ال ُ‬
‫مد‪ :‬يا بنى هذا قليل‬
‫معْت َ ِ‬
‫يا أبت أل تنظر إلى ما طلب؟ فقال له ال ُ‬
‫مد القاضى والفقهاء‪،‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مين‪ ،‬ثم جمع ال ُ‬
‫فى حق نصرة ال ُ‬
‫وكتب عقد هبة الجزيرة الخضراء للمير يوسف‪ ،‬وتسليمها له‬
‫مد‪ ،‬فبعث إليه‬
‫معْت َ ِ‬
‫بحضورهم‪ ،‬وكان يحكمها يزيد الراضى بن ال ُ‬
‫ً‬
‫أمره بإخلئها وتسليمها للمرابطين لتكون رهنا بتصرف المير‬
‫(‪)1‬‬
‫مد تجهَّز يوسف لتلبية نداء إخوانه‬
‫معْت َ ِ‬
‫يوسف ‪ .‬وبعد موافقة ال ُ‬
‫فى العقيدة راغبًا فى الجر والمثوبة من الله بتأدية فريضة الجهاد‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪ ،)74‬مذكرات المير عبد الله صاحب غرناطة ص (‪،102‬‬
‫‪.)103‬‬

‫‪85‬‬

‫وكتب أمانًا لهل الَنْدَلُس أل يتعرض لحد منهم فى بلده وقال‪:‬‬
‫ب لنصرة هذا الدِّين‪ ,‬ل يتولى المر أحد إل أنا‬
‫«أنا أول ُ‬
‫منتَد َ ٍ‬
‫بنفسي» وأعلن النفير العام فى قوات المرابطين‪ ،‬فأقبلت من‬
‫مراكش‪ ,‬ومن الصحراء وبلد الزاب‪ ,‬ومن مختلف نواحى المغرب‬
‫يتوافدون على قيادتهم الربَّانية‪ ،‬وجهزت السفن لتحمل هذه‬
‫القوات‪ ،‬وكان أول من نفَّذ أمر العبور قائد المرابطين النابغ داود‬
‫ابن عائشة‪ ,‬وتمركز فى الجزيرة الخضراء‪ ،‬وتتابعت كتائب‬
‫المرابطين‪ ،‬وكانت معهم الجمال الكثيرة‪ ،‬وقد أثار وجودها دهشة‬
‫الَنْدَلُسيين‪ ،‬لنَّهم لم يكونوا يعرفونها من قبل‪ ،‬وقد أثَّر وجودها‬
‫على الخيل فأخذت تجمح لدى رؤيتها‪.‬‬
‫ولما تكامل الجيش المرابطى بساحل الجزيرة الخضراء‪ ,‬ركب‬
‫المير يوسف ومعه قادة من خيرة قادة المرابطين وصلحائهم‪،‬‬
‫ول َّ‬
‫ما ركب واستوى على السفينة رفع يديه نحو السماء مناجيًا‪:‬‬
‫مين فسهِّل علينا‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫«اللهم إن كنت تعلم أن جوازنا هذا إصلح لل ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫هذا البحر حتى نعبره‪ ،‬وإن كان غير ذلك فصعبه حتى ل نجوزه» ‪.‬‬
‫وسهل الله عبورهم‪ ،‬وكان ذلك يوم الخميس بعد الزوال منتصف‬
‫ربيع الول ‪479‬هـ حزيران ‪1086‬م‪ ،‬وصلى المير يوسف بالجزيرة‬
‫الخضراء صلة الظهر‪ ،‬وقام أهل الجزيرة بضيافة المرابطين‪،‬‬
‫وظهر فرحهم وسرورهم على وجوههم‪ ،‬وبدأ المير يوسف فى‬
‫تحصين الجزيرة الخضراء‪ ،‬ور َّ‬
‫مم أسوارها وما تصدَّع من أبراجها‪،‬‬
‫وشحنها بالسلحة والطعمة وكلف مجموعة من جنوده بحراستها‬
‫ثم ساروا نحو إشبيلية(‪.)2‬‬
‫مد مع قادة قومه وشيوخ مدينته وفقهاء بلده‬
‫معْت َ ِ‬
‫سارع ال ُ‬
‫لستقبال أمير المرابطين‪ ،‬ولما التقى بيوسف تعانقا طويل ً بمودة‬
‫وحب وإخلص وأخوة فى الدِّين‪ ،‬وتذاكرا نعم الله عليهما‪ ،‬وتواصيا‬
‫مد‬
‫معْت َ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مين‪ ،‬وكان ال ُ‬
‫بالصبر والجهاد فى سبيل نصرة دين ال ُ‬
‫مح َّ‬
‫مل ً بالهدايا‪ ،‬وأصدر أوامره لعمال البلد بجلب الرزاق لضيافة‬
‫ُ‬
‫ما وجوادًا باذل ً للخير‪.‬‬
‫كري‬
‫مد‬
‫ت‬
‫ع‬
‫م‬
‫ال‬
‫وكان‬
‫المرابطي‪،‬‬
‫الجيش‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫مد الجيش المرابطى فرأى «عسكًرا نقيًا‬
‫معْت َ ِ‬
‫واستعرض ال ُ‬
‫ومنظًرا بهيًا»(‪.)3‬‬
‫وواصل المير يوسف سيره نحو إشبيلية حيث كان يستقبل‬
‫بالترحاب مع جيشه المرابطى على امتداد الطريق حتى وصل‬
‫مد‪:‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫مد‪ ،‬فأقام بها ثلثة أيام للستراحة‪ ,‬ثم قال لل ُ‬
‫حاضرة ال ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() الندلس فى عهد المرابطين‪ ،‬ص (‪.)79‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)75‬‬

‫‪86‬‬

‫(‪ )2‬انظر ‪ :‬الحلل‪ ,‬ص (‪.)79‬‬

‫«إنما جئت ناويًا جهاد العدو حيثما كان توجهت»(‪.)1‬‬
‫وأثناء مقام المير يوسف فى إشبيلية بعث المير يوسف إلى‬
‫ملوك الَنْدَلُس يستنفرهم للجهاد(‪ ،)2‬فكان أول من لبى الدعوة‬
‫عبد الله بن بلقين الصنهاجى صاحب غرناطة الذى خرج إليه‬
‫بأمواله ورجاله‪ ،‬وأخوه تميم صاحب مالقة‪ ،‬وأرسل ابن صمادح‬
‫ابنه معز الدولة فى فرقة من جيشه‪ ,‬وسار المير الربَّانى والقائد‬
‫و ِكّل بن الفطس‬
‫الميدانى نحو بطليوس‪ ،‬فاستقبلهم صاحبها ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫على ثلث مراحل من المدينة(‪ ,)3‬وقدَّم لهم الهدايا والضيافة‬
‫ما عدة حتى‬
‫وعلف الدواب وظهر منه جود وكرم‪ ،‬وأقام المير أيا ً‬
‫يصل باقى المتطوعين إل أن أكثرهم لم يصل لنشغالهم بمدافعة‬
‫َّ‬
‫‬‫ط رحاله عند سهل الّزِلقَة‬
‫النصارى‪ ،‬فتابع سيره الجهادى حتى ح‬
‫(‪ ,)4‬وكان يبعد عن بطليوس ثمانية أميال‪.‬‬
‫ونظَّم يوسف بن تاشفين جيشه‪ ،‬فجعل الَنْدَلُسيين جي ً‬
‫شا‪,‬‬
‫مد بن عَبَّاد الذى تولى‬
‫معْت َ ِ‬
‫مستقل ً بذاته وأسند قيادته إلى ال ُ‬
‫متَوَكِّل بن الفطس‪ ،‬وجعل أهل‬
‫المقدمة‪ ،‬وأسندت الميمنة إلى ال ُ‬
‫شرق الَنْدَلُس على الميسرة‪ ،‬وباقى أهل الَنْدَلُس فى الساقة‪.‬‬
‫أَّما الجيش المرابطى فتولى داود ابن عائشة قيادة فرسانه‪ ،‬وأما‬
‫سير بن أبى بكر فتولى قيادة الحشم‪ ،‬وبقية المرابطين مع حرس‬
‫المير يوسف بن تاشفين إلى جانب قيادته الجيش السلمي‪ ،‬وعسكر‬
‫المرابطون خلف الَنْدَلُسيين تفصل بينهم ربوة بقصد التمويه‪ ،‬وكان‬
‫(‪)5‬‬
‫تعداد جيش المرابطين والَنْدَلُسيين أكثر من ‪ 24‬ألف جندي‬
‫وتضاربت الروايات فى ذلك‪.‬‬
‫سطَة‪ ,‬ولما وصله الخبر‬
‫سْرقُ ْ‬
‫وكان ألفونسو مشغول ً بمحاصرة َ‬
‫السعيد ارتبك وجزع‪ ،‬وطلب من المستعين بن هود حاكم‬
‫سطَة أن يدفع له مال ً مقابل فك الحصار‪ ،‬فامتنع ابن هود لما‬
‫سْرقُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مه من وصول المرابطين وق ّرر أل يساعد ألفونسو بأى مال‬
‫عَل ِ َ‬
‫مين‪.‬‬
‫م‬
‫ال‬
‫قتال‬
‫على‬
‫به‬
‫يستعين‬
‫سل ِِ‬
‫ُ ْ‬
‫واضطَّر ألفونسو لرفع الحصار‪ ،‬ورجع مسرعًا إلى طُلَيْطِلَة‪ ،‬وأعلن‬
‫الستنفار العام‪ ،‬وحل نزاعه وخلفه مع بعض أمراء النصارى‪ ،‬وأرسل‬
‫إلى َمن وراء جبال ألبرتات فأتته أفواج عديدة من النصارى متطاوعة‬
‫مقدَّسة‪ ،‬وجند الفونسو كل َمن يستطيع حمل‬
‫من أجل الحرب ال ُ‬
‫َ‬
‫السلح صغيًرا أو كبيًرا‪ ،‬ونظ ّم جيشه وقسمه إلى قسمين كبيرين‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫(‪ )4‬مذكرات المير عبد الله بن‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)79‬‬
‫رير‪ ،‬ص (‪.)104‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)80‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)81‬‬

‫(‪ )6‬وفيات العيان‪( ،‬ج ‪.)5/29‬‬

‫‪87‬‬

‫أسند قيادة الجيش الول إلى ابن عمه الكونت غرسيا ورودريك‪ ،‬وما‬
‫لبث غرسيا أن انسحب قبل بدء المعركة أثر خلف مع ألفونسو الذى‬
‫أبقى رودريك فى القيادة‪ ،‬واحتفظ بقيادة الجيش الثانى وعيَّن على‬
‫َّ‬
‫(‪)1‬‬
‫جناحيه سانتشور أميرز والكونت برنجار ريموند‪ ,‬وتولى هو القلب ‪,‬‬
‫«وكان جيش ألفونسو يعتمد على الفرسان كمجموعة‪ ,‬وكان الفارس‬
‫يلبس الزرد والدروع التى تغطيه من الرأس إلى القدم كأنَّه حصن‬
‫من الحديد يتحرك لتزداد شجاعته وجرأته»‪.‬‬
‫ولما استعرض جيشه نفخ فيه الشيطان غروره وكبرياءه‪ ،‬وقال‬
‫قولة تدل على تجذر كفره وعتوه وفساد معتقده حيث قال‪« :‬بهذا‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد والنس والجن والملئكة»(‪.)2‬‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مدا وآل ُ‬
‫الجيش ألقى ُ‬
‫«وكانت جموع الرهبان والقسيسين أمام جيش ألفونسو الملعون‬
‫يرفعون النجيل والصلبان لذكاء الحماس الدِّينى فى نفوس الجنود‬
‫الذين بلغ عددهم أكثر من ستين ألفًا»(‪.)3‬‬
‫مد بن‬
‫معْت َ ِ‬
‫وخرج ألفونسو بجيشه نحو بطليوس‪ ،‬وكتب إلى ال ُ‬
‫عَبَّاد كتابًا جاء فيه‪« :‬إن صاحبكم يوسف قد تعنَّى من بلده وخاض‬
‫البحار‪ ،‬وأنا أكفيه العناء فيما بقى‪ ,‬ول أكلفكم تعبًا‪ ،‬وأمضى إليكم‬
‫وألقاكم فى بلدكم رفقًا بكم وتوفيًرا عليكم»(‪.)4‬‬
‫وقصد ألفونسو بذلك أن تكون المعركة خارج بلده فإذا انهزم‬
‫ولحقوا به يكون مسيرهم فى أرضهم ولبد من الستعداد لكتساح‬
‫بلده‪ ،‬وبذلك تنجو من التدمير‪ ،‬وإذا انتصر حدث ذلك فى أرض‬
‫أعدائه‪.‬‬
‫وصل ألفونسو إلى بطحاء الّزِلقَة وخيم على بعد ثلثة أميال‬
‫من الجيش المسلم يفصل بينهما نهر بطليوس يشرب منه‬
‫المتحاربون(‪.)5‬‬
‫جا كبيًرا‪ ,‬حيث‬
‫لقد انزعج ألفونسو من مجيء المرابطين انزعا ً‬
‫شعر بعودة الروح المعنوية إلى أهالى الَنْدَلُس الذين كان‬
‫يسومهم سوء العذاب‪ ،‬يُقتِّل رجالهم ويسبى نساءهم‪ ،‬ويأخذ منهم‬
‫الجزية‪ ،‬ويحتقرهم ويزدريهم‪ ،‬ويتلعب بمصيرهم‪ ,‬وينتظر الفرصة‬
‫لستئصالهم من الَنْدَلُس‪ ،‬لتعم النصرانية فى سائر البلد‪ ،‬ويرتفع‬
‫الصليب على أعناق العباد‪ ،‬وإذا بالمرابطين يربكون مخططاته‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫() انظر‪ :‬الحلل‪ ،‬ص (‪.)34‬‬
‫() انظر‪ :‬الندلس فى عهد المرابطين‪ ،‬ص (‪.)83‬‬
‫() انظر‪ :‬الكامل‪( ،‬ج ‪.)6/303‬‬
‫() الروض المعطار‪ ،‬ص (‪ ،)88‬نفح الطيب (‪.)6/96‬‬
‫() ابن الكردبوس ص (‪ ،)93‬روض القرطاس ص (‪ ،)94‬نقل ً عن دولة المرابطين‪,‬‬
‫ص (‪.)84‬‬

‫‪88‬‬

‫ويبددون أحلمه‪.‬‬
‫جه ضربة قاصمة لمن كان السبب‬
‫لذلك أراد ألفونسو أن يو ِّ‬
‫مد بن‬
‫معْت َ ِ‬
‫صا للفارس المغوار ال ُ‬
‫فى استدعاء المرابطين وخصو ً‬
‫وكِّل بن الفطس‪ ،‬وكان يرى أن نصره يعتمد على‬
‫عَبَّاد وقرينه ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫َ‬
‫تكبيل القوة الدَّاخلِيَّة فى النْدَلُس بالهزائم المتتالية والمتلحقة‪.‬‬
‫أما المرابطون بعد ذلك سيرجعون إلى وطنهم الصلى‬
‫المغرب‪ ،‬وبالقضاء على الَنْدَلُس يسهل القضاء على المرابطين‬
‫بسبب جهلهم بالطبيعة الجغرافية للبلد‪.‬‬
‫ومما ساعد ألفونسو على أن يعيش فى تلك الحلم فتور‬
‫معظم أهل الَنْدَلُس بسبب ترفهم ونعيمهم وجبنهم وحبهم للحياة‬
‫وهروبهم من الشهادة‪ ،‬كما أن أسباب الهزيمة نخرت فى ذلك‬
‫المجتمع المتهالك‪.‬‬
‫وكِّل بن الفطس‬
‫معْت َ ِ‬
‫مد بن عَبَّاد صاحب إشبيلية وال ُ‬
‫أما ال ُ‬
‫مت َ َ‬
‫من ظفر عاش‬
‫صاحب بطليوس فقد قررا امتشاق الحسام‪ ،‬ف َ‬
‫من مات كان شهيدًا(‪.)1‬‬
‫سعيدًا و َ‬
‫وأما المرابطون الذين تربوا على تعاليم السلم وأصول أهل‬
‫جماعَة ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إل بعد تربية عميقة‪،‬‬
‫السنة وال َ‬
‫وتكوين فريد وإيمان راسخ ساهم علماء وفقهاء المالكية فى ذلك‪،‬‬
‫وعلى رأسهم الفقيد الشهيد ابن ياسين‪ ,‬فقد مروا بمراحل‬
‫صقلتهم وحروب زكتهم‪ ،‬وأصبحوا متشوِّقين إلى الستشهاد‬
‫معتمدين على رب العباد‪ ,‬آخذين بأسباب النصر المعنوية والمادية‪.‬‬
‫وكان رأى المرابطين إن المعركة فى الَنْدَلُس مصيرية للمة‬
‫السلميَّة وبذلك ل يمكن العتماد على شعب مهزوم وقع فى أسر‬
‫المعاصى والذنوب‪.‬‬
‫وكما أن انتصارهم فى الَنْدَلُس يرعب أعداءهم وخصومهم فى‬
‫المغرب ويتم بنصرهم إنقاذ السلم والحضارة فى ذلك البلد‬
‫البعيد عن العالم السلمي‪.‬‬
‫مين‪ ،‬ودعمته‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫كان ألفونسو يقود حربًا صليبية شرسة ضد ال ُ‬
‫الكنيسة فى روما بالجنود والعتاد والموال‪ ،‬ورغبت بلدان الفرنجة‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫بالوقوف مع ألفونسو فى حربه المقدسة ضد ال ُ‬
‫إن الجانب المادى عند النصارى كان أعلى بكثير مما عند‬
‫المرابطين‪ ،‬ولك َّ‬
‫ن الجانب المعنوى عند المرابطين ل حدود له‪.‬‬
‫وأرسل يوسف بن تاشفين إلى ألفونسو كتابًا يعرض عليه‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬د‪ .‬سعدون عباس‪ ،‬ص (‪.)85‬‬

‫‪89‬‬

‫الدخول فى السلم أو دفع الجزية أو الحرب‪ ،‬ومما جاء فى كتاب‬
‫المير‪« :‬بلغنا يا أذفونش أنَّك نحوت الجتماع بنا‪ ,‬وتمنيَّت أن تكون‬
‫لك فُل ْ ٌ‬
‫ك تعبر البحر عليها إلينا‪ ،‬فقد جزناه إليك‪ ،‬وجمع الله فى‬
‫هذه العرصة بيننا وبينك‪ ،‬وترى عاقبة ادعائك (وما دعاء الكافرين‬
‫إل فى ضلل)» (‪.)1‬‬
‫ولما قرأ ألفونسو الكتاب زاد غضبه وذهب بعقله وقال‪:‬‬
‫«أبمثل هذه المخاطبة يخاطبنى وأنا وأبى نغرم الجزية لهل ملته‬
‫منذ ثمانين سنة؟» (‪ )2‬وقال لرسول المير يوسف‪« :‬قُل للمير ل‬
‫‬‫تتعب نفسك أنا أصل إليك»(‪ ،)3‬وإنَّنا سنلتقى فى ساحة المعركة‬
‫(‪ ،)4‬ومعنى ذلك أن ألفونسو اختار الحرب‪ ،‬وحاول ألفونسو حامى‬
‫مين ويمكر بهم‪ ،‬فكتب‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫حمى النصرانية فى إسبانيا أن يخدع ال ُ‬
‫إلى المير يوسف فى تحديد يوم المعركة فكتب إليه‪« :‬إن بعد غد‬
‫الجمعة ل نحب مقابلتكم فيه لنَّه عيدكم‪ ،‬وبعده السبت يوم عيد‬
‫اليهود‪ ،‬وهم كثير فى محلتنا‪ ،‬وبعده الحد عيدنا‪ ،‬فنحترم هذه‬
‫العياد‪ ،‬ويكون اللقاء يوم الثنين» فكان جواب المير يوسف‪:‬‬
‫(‪)5‬‬
‫مد وقال للمير‬
‫معْت َ ِ‬
‫«اتركوا اللعين وما أحب» فاعترض ال ُ‬
‫يوسف‪« :‬إنها حيلة منه وخديعة إنَّما يريد غدرنا فل تطمئن إليه‪،‬‬
‫وقصده الفتك بنا يوم الجمعة فليكن الناس على استعداد له يوم‬
‫الجمعة كل النَّهار»(‪.)6‬‬
‫مون لرصد تحركات النصارى وكان حدس‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫واستعد ال ُ‬
‫حا‪ ,‬ورصدوا تحرك العدو نحوهم‪.‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫مد صائبًا صحي ً‬
‫ال ُ‬
‫وانقض الجيش الذى يقوده رودريك بمنتهى العنف على‬
‫مين من الَنْدَلُسيين فتصدَّى فرسان المرابطين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫معسكر ال ُ‬
‫الذين يقودهم داود ابن عائشة الذين أرسلهم يوسف ابن تاشفين‬
‫على عجل لدعم الَنْدَلُسيين‪ ،‬وصمد المرابطون أمام هجوم‬
‫النصارى‪ ،‬واضطر النصارى إلى الرتداد إلى خط دفاعهم الثانى‬
‫وظهرت من داود ابن عائشة وجنوده كفاءة قتالية لم يعرف لها‬
‫مثيل‪ ،‬واختار الله من المرابطين شهداء‪ ،‬واحتدم الصراع‪ ،‬وزحف‬
‫ألفونسو ببقية جيشه‪ ،‬وأقرن زحفه بصياح هائل أفزع قلوب‬
‫الَنْدَلُسيين قبل خوضهم المعركة‪ ،‬ولذوا بالفرار ووجدوا أنفسهم‬
‫أمام أسوار بطليوس للحتماء بها‪ ،‬ولم يصمد منهم إل فارس‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫وفيات العيان (‪.)7/116‬‬
‫دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)78‬‬
‫روض القرطاس‪ ،‬ص (‪.)94‬‬
‫الندلس فى عصر المرابطين‪ ،‬ص (‪.)82‬‬
‫الحلل الموشية‪ ،‬ص (‪.)36‬‬
‫أعلم العلم‪ ،‬تحقيق العبادي‪ ,‬ص (‪.)243‬‬

‫‪90‬‬

‫َ‬
‫مد بن عَبَّاد وأهل إشبيلية» وأبلى بل ًء‬
‫معْت َ ِ‬
‫النْدَلُسيين وقومه «ال ُ‬
‫ما وعقرت تحته ثلثة أفراس‪ ،‬وأصيب بجروح بليغة‪ ،‬واستمرت‬
‫عظي ً‬
‫مد مع داود ابن عائشة حتى فلت‬
‫معْت َ ِ‬
‫المعركة الرهيبة‪ ،‬وصمد ال ُ‬
‫مون فى المعركة صبًرا‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ال‬
‫وصبر‬
‫الرماح‪,‬‬
‫السيوف‪ ،‬وتكسرت‬
‫ُ ْ ِ ُ‬
‫ما سجل فى صفحات المجد والعزة والكرامة فى تاريخنا‬
‫عظي ً‬
‫المجيد‪.‬‬
‫مين تضعف وتتقهقر أمام ضربات النصارى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وبدأت قوة ال ُ‬
‫قدًا إن هذه هى قوة‬
‫معت‬
‫النصر‬
‫ببلوغ‬
‫ألفونسو‬
‫الحاقدة‪ ،‬وأيقن‬
‫ُ َِ‬
‫مين المقاتلة التى ظهر العياء عليها‪ ،‬وأخذت موقف‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫ً‬
‫المدافعة‪ ،‬ولم يستغرق ألفونسو طويل فى أحلمه حتى وثب‬
‫جيش من المرابطين إلى ميدان المعركة أرسله المير يوسف‬
‫بقيادة سير بن أبى بكر على رأس الحشم لمساندة القوات‬
‫السلميَّة‪ ،‬فتقوَّت بذلك معنوياتهم فى معركة مالت إلى هزيمتهم‪،‬‬
‫وزحف المير يوسف بحرسه المرابطي‪ ،‬وقام بعملية التفاف‬
‫سريعة باغت فيها معسكر العدو من الخلف‪ ،‬ووصل إلى خيامه‬
‫وأحرقها وأباد حراسها‪ ،‬ولم ينج منهم إل القليل‪ ،‬وكانت طبول‬
‫المرابطين تدق بعنف فترتج منها الرض‪ ،‬ورغاء الجمال يتصاعد‬
‫إلى السماء فبث الذعر فى نفوس العداء وهلعت قلوبهم(‪.)1‬‬
‫وذهل ألفونسو عندما رأى بعض حرس معسكره فا ّ ِرين‪ ،‬وأتته‬
‫الخبار من داخل المعسكر باستيلء المرابطين عليه‪ ،‬وأنَّه خسر‬
‫حوالى عشرة آلف قتيل(‪ ,)2‬ووجد ألفونسو نفسه محاصًرا من‬
‫مين فاضطر للقتال متقهقًرا نحو معسكره المحروق‪ ،‬ولكن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫يوسف لم يترك له الفرصة للتقاط النفاس‪ ،‬فانق َّ‬
‫ض عليه‬
‫كالسيل‪ ،‬وقاتل ألفونسو عند ذلك قتال المستميت‪ ،‬وكان المير‬
‫مين قائلً‪« :‬يا معشر‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫يوسف يبث الحماس فى نفوس ال ُ‬
‫مين اصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين‪ ,‬ومن ُرزِق منكم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫الشهادة فله الجنة ومن سلم فقد فاز بالجر العظيم والغنيمة»‪،‬‬
‫وكان رحمه الله يقاتل فى مقدمة الصفوف وهو ابن التاسعة‬
‫والسبعين‪ ،‬وكأن العناية اللهية كانت تحميه(‪ ،)3‬وكان فقهاء‬
‫مين وصالحوهم يعظون الجنود ويشجعونهم على مصابرة‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫دّين‪ ،‬وفى هذا الجو الرهيب من القتال الذى دام بضع‬
‫ال‬
‫أعداء‬
‫ِ‬
‫ساعات وسقط فيه آلف القتلى‪ ،‬وغمر الدم ساحة المعركة‬
‫عندما دفع المير حرسه الخاص من السودان إلى القتال‪ ،‬فترجل‬
‫منهم أربعة آلف كانوا مسلحين بدروق اللمط وسيوف الهند‬
‫ونزاريق الزان(‪.)4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() الحلل الموشية‪ ،‬ص (‪.)42‬‬
‫() الندلس فى عهد المرابطين‪ ،‬ص (‪.)85‬‬
‫() الروض المعطار‪ ،‬ص (‪.)92‬‬

‫‪91‬‬

‫(‪ )2‬ابن الكردبوس‪ ،‬ص (‪.)93‬‬

‫اندفعوا إلى المعركة اندفاع السود فحطموا مقاومة‬
‫النصرانية‪ ،‬وتك َّ‬
‫مين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫سرت شوكتهم‪ ,‬وانقض أسد من أسود ال ُ‬
‫على ألفونسو وطعنه فى فخذه‪ ،‬ولذ النصارى بالفرار‪ ،‬وتمنى‬
‫ألفونسو الموت على العيش‪ ,‬ولجأ مع خمسمائة فارس من‬
‫‬‫فرسانه إلى تل قريب ينتظر الظلم لينجو من سيوف المرابطين‬
‫(‪.)1‬‬
‫ومنع يوسف جنوده من اللحاق بهم‪ ،‬وكانت مناسبة للفونسو‬
‫ما حزينًا‬
‫الذى تابع سيره مع الظلم إلى طُلَيْطِلَة‪ ،‬وصل إليها مغمو ً‬
‫حا بعد أن فقد خيرة رجاله وجنوده وقادة جيشه‪.‬‬
‫كسيًرا جري ً‬
‫وفقد ألفونسو فى الّزِلقَة القسم العظم من جيشه‪ ،‬وأمر‬
‫مون منها‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫يوسف بضم رءوس القتلى من النصارى‪ ،‬فعمل ال ُ‬
‫مآذن يؤذنون عليها‪ ,‬واستشهد فى تلك المعركة الخالدة جماعة‬
‫من العلماء والفقهاء‪ ،‬قلما يجود الزمان بمثلهم منهم قاضى‬
‫مراكش عبد الملك المصمودي‪ ،‬والفقيه الناسك أبو العبَّاس بن‬
‫(‪)2‬‬
‫مون السلب والغنائم التى تركها‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫رميلة القرطبي ‪ .‬وجمع ال ُ‬
‫النصارى وراءهم فى ساحة المعركة‪ ،‬وآثر المير يوسف بها ملوك‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬وقد عَّرفهم أن هدفه الجهاد فى سبيل الله ونصرة‬
‫السلم(‪.)3‬‬
‫وأرسل المير يوسف إلى المغرب أخبار النصر المبين وهذا‬
‫نص خطابه‪« :‬‬
‫أ َّ‬
‫فّل بنصر أهل دينه الذى ارتضاه‪،‬‬
‫ما بعد حمدًا لله المتك ِ‬
‫ح َّ‬
‫مد أفضل وأكرم خلقه‪ ،‬فإن العدو‬
‫م َ‬
‫والصلة والسلم على سيدنا ُ‬
‫الطاغية لما قربنا من حماه وتوافقنا بإزائه بلغناه الدعوة‪ ،‬وخيرناه‬
‫بين السلم والجزية والحرب‪ ،‬فاختار الحرب‪ ،‬فوقع التفاق بيننا‬
‫وبينه على الملقاة يوم الثنين ‪ 15‬رجب وقال‪ :‬الجمعة عيد‬
‫مين‪ ,‬والسبت عيد اليهود‪ ,‬وفى عسكرنا منهم خلق كثير‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫والحد عيدنا نحن‪ ،‬فافترقنا على ذلك‪ ،‬وأضمر اللعين خلف ما‬
‫شرطناه وعلمناه أنهم أهل خدع ونقض عهود فأخذنا أهبة الحرب‬
‫لهم‪ ،‬وجعلنا عليهم العيون ليرفعوا إلينا أحوالهم‪ ،‬فأتتنا النباء فى‬
‫سحر يوم الجمعة ‪ 12‬رجب أن العدو قد قصد بجيوشه نحو‬
‫مين‪ ،‬يرى أنه قد اغتنم فرصته فى ذلك الحين‪ ،‬فنبذت إليه‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫مين‪ ،‬وفرسان المجاهدين فتغشته قبل أن يتغشاها‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫أبطال ال ُ‬
‫مين على جيوشهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وتعدَّته قبل أن يتعداها‪ ،‬وانقضت جيوش ال ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() ملوك الطوائف‪ ،‬ص (‪.)314‬‬
‫() الروض المعطار‪ ،‬ص (‪.)95‬‬
‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫كانقضاض العقاب على عقيرته‪ ،‬ووثبت عليهم وثوب السد على‬
‫فريسته‪ ،‬وقصدنا برايته السعيدة المنصورة فى سائر المشاهد‬
‫مشتهرة ونظروا إلى جيوش لمتونة نحو ألفونسو – فل َّ‬
‫ما أبصر‬
‫النصارى راياتنا المشتهرة المنتشرة‪ ،‬ونظروا إلى مراكبنا‬
‫َ‬
‫المنتظمة المظفرة‪ ،‬وأغشتهم بروق الصفاح‪ ,‬وأظل ّتهم سحائب‬
‫الرماح‪ ,‬ونزلت بحوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح‪ ،‬فالتحم‬
‫مين حملة منكرة؛‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫النصارى بطاغيتهم ألفونسو‪ ،‬وحملوا على ال ُ‬
‫فتلقَّاهم المرابطون بنيَّات خالصة وهمم عالية‪ ،‬فعصفت ريح‬
‫الحرب وركبت دائم السيوف والرماح‪ ،‬بالطعن والضرب‪ ،‬وطاحت‬
‫المهج وأقلبت سيل الدماء فى هرج‪ ,‬ونزل من سماء الله على‬
‫أوليائه النصر العزيز والفرج‪.‬‬
‫َ‬
‫وول ّى ألفونسو مطعونًا فى إحدى ركبتيه طعنة أفقدته إحدى‬
‫ساقيه فى ‪ 500‬فارس من ثمانين ألف فارس ومائتى ألف راجل‬
‫َ‬
‫قادهم الله على المصارع والحتف العاجل‪ ،‬وتخل ّص إلى جبل‬
‫هنالك‪ ,‬ونظر النهب والنيران فى محلته من كل جانب وهو من‬
‫أعلى الجبل ينظرها شذًرا‪ ،‬ويحيد عنها صبًرا‪ ،‬ول يستطيع عنها‬
‫دفعًا ول لها نصًرا‪ ،‬فأخذ يدعو بالثبور والويل‪ ،‬ويرجو النجاة فى‬
‫مين يحمد الله؛ قد ثبتت فى وسط‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ظلم الليل‪ ،‬وأمير ال ُ‬
‫المعركة مراكبه المظفرة‪ ،‬تحت ظلل بنوده المنتشرة منصوًرا‬
‫لجهاد مرفوع العداء‪ ،‬ويشكر الله تعالى على ما منحه من نيل‬
‫السؤال والمراد‪ ،‬فقد سرح الغارات فى محلتهم تهدم بناءها‪،‬‬
‫وتصطلم ذخائرها وأسبابها‪ ،‬وتريه رأى العين دمارها ونهبها‪،‬‬
‫وألفونسو ينظر إليها نظر المغشى عليه‪ ،‬ويعض غيظًا وأسفًا على‬
‫أنامل كفيه‪ ،‬فتتابعت البهرجة الفرار‪ ،‬رؤساء الَنْدَلُس المهزومين‬
‫نحو بطليوس والفار‪ ،‬فتراجعوا حذًرا من العار‪ ،‬ولم يثبت منهم غير‬
‫مد بن عَبَّاد‪ ،‬فأتى أمير‬
‫معْت َ ِ‬
‫زعيم الرؤساء والقوَّاد‪ ،‬أبو القاسم ال ُ‬
‫مين وهو مهيض الجناح‪ ،‬مريض عنه وجراح‪ ،‬فهنأه بالفتح‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الجليل‪ ،‬وتسل َ‬
‫ل ألفنش تحت الظلم فاًرا ل يهدى ول ينام ومات‬
‫من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربعمائة فلم‬
‫يدخل طُلَيْطِلَة إل مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيًرا‪.‬‬
‫وكانت هذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة يوم الجمعة ‪12‬‬
‫رجب ‪479‬هـ‪ 23/‬شهر أكتوبر ‪1086‬م ‪ ..‬العجمي(‪.)1‬‬
‫مد إلى ابنه الرشيد فى إشبيلية يز ُّ‬
‫ف إليه‬
‫معْت َ ِ‬
‫وأرسل ال ُ‬
‫البشرى بالنصر‪ ،‬وكان الناس بانتظار النباء على أحّرِ من الجمر‪،‬‬
‫وقد حمل الرسالة الحمام الزاجل وهى مقتضبة إذ ل تتعدى‬
‫مين بالطاغية‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫السطرين‪ ،‬هذا نصها‪« :‬اعلم أنه التقت جموع ال ُ‬
‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬الحلل الموشية‪ ،‬ص (‪.)47-45‬‬

‫‪93‬‬

‫مين وهزم على أيديهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ألفونسو اللعين ففتح الله لل ُ‬
‫المشركين والحمد لله رب العالمين‪ ،‬فأعلم بذلك من قبلك إخواننا‬
‫مين والسلم»‪ ،‬وقرئت الرسالة بمسجد إشبيلية فعمها‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫السرور‪ ،‬ثم توالت الكتب تفيض بأخبار النصر منها إنشاء الكاتب‬
‫ابن عبد الله بن عبد البر النمرى وفيه يحدد تاريخ المعركة وسيرها‬
‫وما أظهره ألفونسو من الغدر والخرة للصالحين(‪.)1‬‬
‫وأصبح يوم الّزِلقَة عند المغاربة والَنْدَلُسيين مثل يوم‬
‫القادسية واليرموك‪« :‬يوم لم يسمع بمثله من القادسية‬
‫واليرموك‪ ،‬فياله من فتح ما كان أعظمه‪ ،‬يوم كبير ما كان أكرمه‪،‬‬
‫فيوم الّزِلقَة ثبتت قدم الدِّين بعد زلقها وعادت ظلمة الحق إلى‬
‫إشراقها»‪.‬‬

‫نتائج معركة الزلقة‪:‬‬
‫كانت لمعركة الّزِلقَة نتائج مهمة من أهمها‪:‬‬
‫َ‬
‫صا بعد أن أنقذ‬
‫‪ -1‬رفع الروح المعنوية لهل النْدَلُس‪ ,‬خصو ً‬
‫سطَة من سقوط محتَّم‪ ،‬وأزاح عن‬
‫سْرقُ ْ‬
‫الله بها سقوط َ‬
‫ملوك الطوائف وأمرائها كابوس النصارى ومتطلباتهم التى‬
‫ل تنتهى من الجزية وغيرها‪.‬‬
‫‪ -2‬سقوط هيبة ملوك الطوائف أمام رعاياهم خا َّ‬
‫صة أنهم قد‬
‫هزموا فى بدء المعركة ولول أن أكرمهم الله بالمرابطين‬
‫لضاعت الَنْدَلُس‪.‬‬
‫‪ -3‬امتناع الرعية عن دفع الضرائب المخالفة لتعاليم السلم‬
‫ُ‬
‫وتعل ّقهم بالمرابطين‪.‬‬
‫‪ -4‬مهَّدت الّزِلقَة إلى إسقاط دول الطوائف فيما بعد على يد‬
‫منقذيهم‪.‬‬
‫‪ -5‬ظهور نجم يوسف بن تاشفين والمرابطين فى العالم‬
‫أجمع‪.‬‬
‫‪ -6‬انصياع قبائل المغرب التى كانت مترددة فى ولئها وتنتظر‬
‫فرصة الوثوب على المرابطين‪ ،‬وبذلك تكون نتيجة معركة‬
‫الّزِلقَة أن جعلت تلك القبائل تخلد إلى السكينة وأعلنت‬
‫ولءها التام‪.‬‬
‫‪ -7‬عمت الفراح أرجاء العالم السلمى فى شرقه وغربه‬
‫سَّر العلماء والفقهاء بهذا النبأ السعيد‪.‬‬
‫وأعتقت الرقاب و ُ‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)47‬‬

‫‪94‬‬

‫‪ -8‬أصيب نصارى السبان بهزيمة تعيسة أثَّرت فى نفوسهم‪,‬‬
‫مين فى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وتحطمت آمالهم فى الستيلء على أراضى ال ُ‬
‫الَنْدَلُس وإبعادهم‪.‬‬
‫حدون صفوفهم‪,‬‬
‫‪ -9‬جعلت النصارى يُرتِّبون أمورهم ويو ِّ‬
‫ويتنازلون عن صراعاتهم الدَّاخلِيَّة‪.‬‬
‫وغير ذلك من النتائج المهمة التى غيرت مجرى تاريخ الَنْدَلُس‬
‫وبلد المغرب‪.‬‬
‫بعد أن رتب المير يوسف أموره بعد معركة الّزِلقَة عاد إلى‬
‫إشبيلية‪ ،‬ودعا رؤساء الَنْدَلُس إلى اجتماع عام‪ ،‬وطلب منهم‬
‫التفاق والتحاد ضد عدوهم المشترك الذى نخر فيهم بسبب‬
‫اختلفهم؛ فأجابه الجميع بقبول وصيته وتحقيق رغبته‪ ،‬وترك ثلثة‬
‫آلف جندى مرابطى للدفاع عن ثغور الَنْدَلُس بقيادة سير بن أبى‬
‫بكر(‪.)1‬‬

‫رابعا‪ :‬رجوع المير يوسف إلى المغرب‪:‬‬
‫ً‬
‫لقد عدد المؤرخون أسباب رجوع يوسف إلى المغرب وهو لم‬
‫ن ثمرة النتصار بعد إلى أسباب منها‪:‬‬
‫يج ِ‬
‫‪ -1‬وفاة ابنه المير أبى بكر الذى استخلفه على سبتة وكان‬
‫ضا‪.‬‬
‫مري ً‬
‫ح َّ‬
‫ماد مع‬
‫‪ -2‬اضطراب الحدود الشرقية بسبب تحالف بنى َ‬
‫عرب بنى هلل وحاولوا غزو المناطق الحدودية التابعة‬
‫للدولة المرابطية‪.‬‬
‫‪ -3‬أراد أن يتفقد الولة وال َ‬
‫مدُن والقرى‪،‬‬
‫ُ‬
‫حك ّام الذين تركهم فى ال ُ‬
‫وينظر فى أمور الرعية‪.‬‬
‫‪ -4‬أراد أن يخرج من إلحاح مسلمى الَنْدَلُس الذين طلبوا منه‬
‫تعقُّب ألفونسو وجنوده حيث إنه رأى إن قواته ل تستطيع أن‬
‫تسيطر على كل الَنْدَلُس لتساع أراضيها‪.‬‬
‫‪ -5‬خشى من إبراهيم بن أبى بكر بن عمر الذى زعم أنه له‬
‫حق شرعى فى استخلف والده المجاهد الكبير‪.‬‬
‫ما فى حياة‬
‫إن نظرتى للتاريخ السلمى تؤكِّد لى معنى عظي ً‬
‫أمتنا أل وهو أن المعارك الفاصلة فى تاريخها المجيد ل تكون إل‬
‫لقوم أقاموا الشريعة على مستوى الشعب والجيش والقادة‪ ،‬وهذا‬
‫المعنى واضح فى سيرة المرابطين الذين تدَّرجوا فى مراحلهم‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬الحلل الموشية‪ ،‬ص (‪.)47-45‬‬

‫‪95‬‬

‫وأقاموا شرع ربهم على أنفسهم‪.‬‬
‫ولهذا أرى أن من أقوى السباب على الطلق فى نصر الله‬
‫للمرابطين هو تمسكهم وتحكيمهم للقرآن والسنة على مستوى‬
‫شعبهم ودولتهم وجيشهم وقائدهم‪ ،‬ولذلك يهمنا كثيًرا أن نبين أثر‬
‫تحكيم شرع الله فى المم والشعوب والجيوش والفراد‪.‬‬
‫***‬

‫‪96‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫أثر الحكم بما أنزل الله على مجتمع المرابطين‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫إن التأ ُّ‬
‫مل فى كتاب الله وسنة رسوله × وفى حياة المم‬
‫والشعوب تعطى العبد معرفة أصيلة بأثر سنن الله فى النفس‬
‫والكون والفاق‪ ,‬وأوضح مكان لسنن الله وقوانينه كتاب الله‬
‫تعالى‪ ,‬قال تعالى‪ُ﴿ :‬يرِي ُد الُ ِليُبَيّ َن َلكُمْ وََيهْدَِيكُ ْم سُنَن الّذِي َن مِن قَ ْب ِلكُمْ وَيَتُوبَ َعلَ ْيكُمْ‬
‫حكِيمٌ﴾ [النساء‪.]26:‬‬
‫ل َعلِيمٌ َ‬
‫وَا ُ‬
‫وسنن الله تتضح بالدراسة فيما ص َّ‬
‫ح عن رسول الله ×‬
‫بالمطالعة فى سنته ×‪ ،‬فقد كان يقتنص الفرص والحداث ليدل‬
‫أصحابه على شيء من السنن‪ ،‬ومن ذلك أن‬
‫ناقته × «العضباء» كانت ل تُسبق‪ ،‬فحدث مرة أن سبقها أعرابى‬
‫على قعود له‪ ،‬فش َّ‬
‫ق ذلك على أصحاب النبى ×‪ ،‬فقال لهم ×‬
‫كاشفًا عن سنة من سنن الله‪« :‬حق على الله أن ل يرتفع شيء‬
‫من الدنيا إل وضعه» (‪.)1‬‬
‫وقد أرشدنا كتاب الله إلى تتبع آثار السنن فى المكنة بالسعى‬
‫وال َّ‬
‫سير‪.‬‬
‫سيْر‪ ،‬وفى الزمنة من التَّارِيخ وال ِّ‬
‫ف كَانَ عَاقَِبةُ‬
‫سيُوا فِى الَ ْرضِ فَاْن ُظرُوا كَ ْي َ‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬قَ ْد َخلَتْ مِن قَ ْب ِلكُ ْم سُنَنٌ فَ ِ‬
‫اْل ُمكَذّبِيَ هَذَا َبيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى َومَ ْو ِعظَ ٌة ّل ْلمُتّ ِقيَ﴾ [آل عمران‪.]138 ،137:‬‬
‫وأرشدنا القرآن الكريم إلى معرفة السنن بالنظر والتفكُّر‪،‬‬

‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َومَا ُتغْنِى الَيَاتُ وَالنّذُ ُر عَن َقوْمٍ ّل‬
‫قال تعالى‪ُ ﴿ :‬قلِ اْن ُظرُوا مَاذَا فِى ال ّ‬
‫يُ ْؤمِنُو َن َف َهلْ يَ ْنَت ِظرُونَ ِإلّ مِ ْثلَ َأيّامِ الّذِي َن َخلَوْا مِن َق ْب ِلهِمْ ُقلْ فَانَْت ِظرُوا ِإنّى مَ َعكُم مّنَ اْلمُ ْنَت ِظرِينَ﴾‬
‫[يونس‪.]102 ،101:‬‬
‫ومن خلل آيات القرآن يظهر لنا أن السنن اللهية تختص‬
‫بخصائص‪:‬‬
‫ض الُ‬
‫أولً‪ :‬أنَّها قدر سابق‪ :‬قال تعالى‪﴿:‬مَا كَانَ َعلَى النِّبيّ ِمنْ َحرَجٍ فِيمَا َف َر َ‬
‫لَ ُه سُنّةَ الِ فِى الّذِي َن َخلَوْا مِن َق ْبلُ َوكَا َن َأ ْمرُ الِ قَ َدرًا مّقْدُورًا﴾ [الحزاب‪.]38:‬‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه البخاري‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب ناقة رسول الله × (ج ‪،)6/86‬‬
‫حديث رقم (‪.)2872‬‬

‫‪97‬‬

‫أى أن حكم الله تعالى وأمره الذى يقدره كائن ل محالة‪،‬‬
‫وواقع ل محيد عنه‪ ،‬ول معدل‪ ،‬فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أنَّها ل تتحول ول تتبدل‪ :‬قال تعالى‪﴿ :‬لَئِن لّ ْم يَنَتهِ اْلمُنَا ِفقُونَ وَالّذِينَ‬
‫ً‬

‫فِى‬
‫ي‬
‫ك ِبهِمْ ثُ ّم َل ُيجَاوِرُوَنكَ فِيهَا ِإلّ َقلِيلً َملْعُونِ َ‬
‫ُقلُوِبهِم ّم َرضٌ وَاْل ُم ْرجِفُونَ فِى اْلمَدِينَ ِة َلنُ ْغرِيَّن َ‬
‫ل سنة الِ فِى الّذِي َن َخلَوْا مِن قَ ْبلُ وَلَن َتجِ َد لِسُنّةِ الِ‬
‫أَيَْنمَا ثُ ِقفُوا ُأخِذُوا َوقُّتلُوا َتقْتِي ً‬
‫تَبْدِيلً﴾ [الحزاب‪.]62-60:‬‬

‫صيًا سنة الِ‬
‫وقال‪﴿ :‬وَلَوْ قَاَت َلكُمُ الّذِي َن كَ َفرُوا لَوَلّوُا الدْبَا َر ثُ ّم َل َيجِدُونَ وَلِيّا َو َل نَ ِ‬
‫ل تَبْدِيلً﴾ [الفتح‪.)1(]23 ،22:‬‬
‫الّتِى قَ ْد َخلَتْ مِن َق ْبلُ وَلَن َتجِدَ لِسُنّةِ ا ِ‬
‫ثالثًا‪ :‬أنها ماضية ل تتوقف‪ :‬قال تعالى‪﴿:‬قُل ِللّذِينَ َك َفرُوا إِن يَنَتهُوا ُيغَ َفرْ‬
‫ت سُنّتُ الوليَ﴾ [النفال‪.]38:‬‬
‫َلهُمْ مّا قَ ْد َسلَفَ وَإِن َيعُودُوا َفقَدْ مَضَ ْ‬
‫سيُوا فِى‬
‫راب ًعا‪ :‬أنها ل تُخالف ول تنفع مخالفتها‪ :‬قال تعالى‪﴿ :‬أَ َفلَ ْم يَ ِ‬
‫ف كَانَ عَاقَِبةُ الّذِي َن مِن قَ ْب ِلهِ ْم كَانُوا َأكَْثرَ مِ ْنهُمْ وََأشَدّ ُقوّةً وَآثَارًا فِى الَ ْرضِ َفمَا‬
‫الَ ْرضِ فَيَن ُظرُوا كَ ْي َ‬
‫سبُو َن َف َلمّا جَاءَْتهُمْ ُر ُس ُلهُم بِالَْبيّنَاتِ َف ِرحُوا ِبمَا عِنْدَهُم مّنَ الْ ِعلْمِ َوحَاقَ‬
‫َأغْنَى عَ ْنهُم مّا كَانُوا َيكْ ِ‬
‫ِبهِم مّا‬
‫ي‬
‫ش ِركِ َ‬
‫سَت ْهزِئُونَ َف َلمّا رََأوْا بَ ْأسَنَا قَالُوا آمَنّا بِالِ َوحْدَهُ َوكَ َفرْنَا ِبمَا ُكنّا ِبهِ مُ ْ‬
‫كَانُوا بِ ِه يَ ْ‬
‫ك‬
‫سرَ هُنَاِل َ‬
‫ت الِ الّتِى قَ ْد َخلَتْ فِى عِبَادِهِ َوخَ ِ‬
‫َفلَ ْم َيكُ يَن َف ُعهُمْ ِإيَاُنهُمْ َلمّا رََأوْا بَ ْأسَنَا سُنّ َ‬
‫اْلكَا ِفرُونَ﴾ [غافر‪.]85-82:‬‬
‫خامسا‪ :‬ل ينتفع بها المعاندون‪ ،‬ولكن يتعظ بها المتقون‪﴿:‬قَ ْد‬
‫ً‬
‫ف كَانَ عَاقَِبةُ اْل ُمكَذّبِيَ هَذَا َبيَانٌ لّلنّاسِ‬
‫سيُوا فِى الَ ْرضِ فَاْن ُظرُوا كَ ْي َ‬
‫َخلَتْ مِن قَ ْب ِلكُ ْم سُنَنٌ فَ ِ‬
‫وَهُدًى َومَ ْو ِعظَ ٌة ّل ْلمُتّقِيَ﴾ [آل عمران‪.]138 ،137:‬‬
‫سادسًا‪ :‬أنها تسرى على البر والفاجر‪ ،‬فالمؤمنون – والنبياء‬
‫أعلهم قدًرا – تسرى عليهم سنن الله‪ ,‬ولله سنن جارية تتعلق‬
‫بالثار المترتبة على من امتثل شرع الله أو أعرض عنه‪ ،‬وبما أن‬
‫المرابطين التزموا بشرع الله فى كل شئونهم ومُّروا بمراحل‬
‫طبيعية فى حياة الدول فإن أثر حكم الله فيهم واضح وبيِّن‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() لقد استفدت من كتاب الحكم والتحاكم فى خطاب الوحي للشيخ عبد العزيز‬
‫مصطفى كامل فى بيان أثر الحكم بما أنزل الله‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫وللحكم بما أنزل الله آثار دنيوية وأخرى أخروية‪ ,‬أ َّ‬
‫ما الثار‬
‫الدنيوية التى ظهرت لى فى دراستى لشعوب الملثمين التى‬
‫قامت بهم دولة المرابطين فعدة أمور منها‪:‬‬

‫أولً‪ :‬الستخلف والتمكين‪:‬‬
‫حيث نجد أن المرابطين منذ زعيمهم عبد الله بن ياسين‬
‫حرصوا على إقامة شرع الله فى أنفسهم وأهليهم‪ ،‬وأخلصوا لله‬
‫تحاكمهم فى سّرِهم وعلنيتهم‪ ،‬فالله سبحانه وتعالى قوَّاهم وشدَّ‬
‫أزرهم حتى استخلفهم فى الرض‪ ،‬وأقام المرابطون شريعة الله‬
‫فى الرض التى حكموها‪ ،‬فمكن لهم المولى عَّز وج َّ‬
‫ل الملك‪,‬‬
‫ووطأ لهم السلطان‪.‬‬
‫وهذه سنة ربَّانية نافذة ل تتبدل فى الشعوب والمم التى‬
‫تسعى جاهدة وجادة لقامة شرع الله تعالى‪.‬‬
‫والمتأمل فى القرآن الكريم يجد هذه السنة ماضية فى الفراد‬
‫والشعوب والمم‪ ،‬فيوسف عليه السلم استخلف فى الرض بعد‬
‫أن ابتُلى فأبلى وظهر منه أنه كان من المخلَصين‪ ،‬وعندما قال له‬
‫ي َأمِيٌ﴾ [يوسف‪ ]54 :‬عرف أنه قد جاء أوان‬
‫الملك‪﴿ :‬إِّنكَ اْليَوْ َم لَدَيْنَا ِمكِ ٌ‬
‫الستخلف‪ ،‬فاستعد لتبعته ونهض لحمل رسالته فقال‪﴿:‬قَا َل اجْ َعلْنِى‬
‫َعلَى‬
‫ظ َعلِيمٌ﴾ [يوسف‪ ،]55:‬وصار بهذا من أهل‬
‫َخزَائِنِ ا َل ْرضِ إِنّى حَفِي ٌ‬
‫ك‬
‫التمكين‪َ ﴿:‬وكَذَِل َ‬
‫ب ِب َرحْمَتِنَا مَن نَشَاءُ َو َل نُضِيعُ َأ ْجرَ‬
‫ث يَشَا ُء نُصِي ُ‬
‫َمكّنّا لِيُوسُفَ فِى الَ ْرضِ َيتَبَوُّأ مِ ْنهَا حَيْ ُ‬
‫اْل ُمحْسِنِيَ﴾ [يوسف‪.]56:‬‬
‫وقد بيَّن الله تعالى تحقُق سنة التمكين فى بنى إسرائيل‪ ،‬قال‬
‫ج َع َلهُمُ الْوَارِثِيَ﴾‬
‫تعالى‪﴿ :‬وَُنرِي ُد أَن ّنمُ ّن َعلَى الّذِينَ اسُْتضْ ِعفُوا فِى الَ ْرضِ وََنجْ َع َلهُ ْم أَِئمّةً وََن ْ‬
‫[القصص‪.]5:‬‬
‫وكان بعد وراثة الرض والستخلف فيها أن م َّ‬
‫ن الله عليهم‬
‫بالتمكين إنفاذ ًا‬
‫لمشيئته السابقة‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬وَُن َمكّ َن َلهُمْ فِى الَ ْرضِ وَُن ِريَ ِف ْرعَ ْونَ وَهَامَانَ‬
‫َوجُنُودَ ُهمَا ِم ْنهُم مّا كَانُوا َيحْذَرونَ﴾ [القصص‪.]6:‬‬
‫ضح هذه السنة فى القرآن الكريم كما هى ملموسة فى‬
‫وبذلك تت ِ‬
‫واقع المم والشعوب‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫وقد خاطب الله تعالى المؤمنين من هذه المة واعدًا إياهم بما‬
‫وعد به المؤمنين قبلهم‪ ،‬فقال سبحانه فى سورة النُّور‪َ ﴿:‬وعَ َد الُ الّذِينَ‬
‫خلِفَّنهُمْ فِى الَ ْرضِ﴾ [النور‪ .]55:‬أى بدل ً عن‬
‫آمَنُوا مِ ْنكُمْ َو َع ِملُوا الصّاِلحَاتِ لََيسَْت ْ‬
‫خ َلفَ الّذِينَ مِن َق ْب ِلهِمْ﴾ من بنى إسرائيل(‪ ،)1‬فإذا حقق‬
‫الكفار ﴿ َكمَا اسَْت ْ‬
‫الناس اليمان وتحاكموا إلى شريعة الَّرحمن‪ ،‬فستأتيهم ثمرة ذلك‬
‫وأثره الباقى ﴿وََلُي َمكّنَ ّن َلهُمْ دِيَنهُمُ الّذِى ارْتَضَى َلهُمْ﴾ فتحقيق التحاكم إلى‬
‫الدِّين يتحقق به الستخلف‪ ،‬وتحقيق الحكم به يوصل إلى الدِّين‪.‬‬
‫وهذا ما رأيته فى دراستى للدولة ال ُّ‬
‫سنيَّة التى أقامها‬
‫المرابطون‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬المن الستقرار‪:‬‬
‫ً‬
‫كانت بلد المغرب قبل وصول المرابطين دويلت متنازعة فيما‬
‫بينها‪ ،‬بل بعض هذه الدويلت لها معتقدات تخرجها عن الملة‪ ،‬كما‬
‫أن قبائل الملثمين كانت متناحرة فيما بينها‪ ،‬وصراعهم مع الزنوج‬
‫َ‬
‫لم يستقر مما ول ّد لهم الخوف والزعاج الشديد‪.‬‬
‫وبعد أن أكرم الله المرابطين بتوحيد قبائل صنهاجة‪ ،‬وساروا‬
‫ُ‬
‫فى جهادهم المجيد سيرة حسنة‪ ،‬وتو َّ‬
‫حد المغرب القصى كل ّه‪،‬‬
‫ي َّ‬
‫سر الله لهم المن والستقرار فى تلك الربوع التى حكم فيها‬
‫شرع الله‪.‬‬
‫حيث نجد أن دولة المرابطين بعد أن استخلفت ومكَّن الله لها‪,‬‬
‫أعطاها دواعى المن وأسباب الستقرار حتى تُحافظ على‬
‫ه لهل اليمان والعمل‬
‫مكانتها‪ ،‬وهذه سنة جارية ماضية ضمن الل ُ‬
‫بشرعه وحكمه أن ييسر لهم المن الذى ينشدون فى أنفسهم‬
‫وواقعهم‪ ,‬فبيده ‪ -‬سبحانه ‪ -‬مقاليد المور‪ ،‬وتصريف القدار‪ ،‬وهو‬
‫ب المن المطلق لمن استقام على‬
‫مقلب القلوب‪ ،‬والله يَهَ ُ‬
‫التوحيد وتطهر من الشرك بأنواعه‪.‬‬
‫ك َلهُمُ المْنُ وَهُم ّمهْتَدُونَ﴾‬
‫قال تعالى‪﴿:‬الّذِينَ آ َمنُوا وَلَ ْم َيلْبِسُوا إِيَاَنهُ ْم ِب ُظلْمٍ أُولَِئ َ‬
‫[النعام‪ .]82:‬فنفوسهم فى أمن من المخاوف ومن العذاب‬
‫والشقاء‪ ,‬إذا خلصت لله من الشرك صغيره وكبيره‪ .‬إن تحكيم‬
‫شرع الله فيه راحة للنفوس لكونها تمس عدل الله ورحمته‬
‫وحكمته‪ ،‬إن الله تعالى بعد أن وعد المؤمنين بالستخلف ثم‬
‫التمكين لم يحرمهم بعد ذلك من المن والطمأنينة والبعد عن‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬تفسير الجللين‪ ،‬ص (‪.)466‬‬

‫‪100‬‬

‫الخوف والفزع‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وعَ َد الُ الّذِي َن آمَنُوا مِ ْنكُمْ َو َع ِملُوا الصّاِلحَاتِ‬
‫خ َلفَ الّذِينَ مِن قَ ْب ِلهِمْ وَلَُي َمكّنَ ّن َلهُ ْم دِيَنهُمُ الّذِى ارْتَضَى َلهُمْ‬
‫خ ِلفَّنهُمْ فِى ا َل ْرضِ َكمَا اسَْت ْ‬
‫لَيَسَْت ْ‬
‫ش ِركُو َن بِى شَ ْيئًا﴾[النور‪ .]55:‬وإن تحقيق‬
‫وَلَُيبَدّلَّنهُم مّن َبعْ ِد خَوْ ِفهِ ْم أَمْنًا َيعْبُدُوَننِى َل يُ ْ‬
‫العبودية لله ونبذ الشرك بأنواعه يحقق المن فى النفوس على‬
‫مستوى الفراد والشعوب‪.‬‬
‫وهذا ما حدث لقيادات المرابطين وشعبهم الذى انقاد لمنهج‬
‫رب العالمين‪.‬‬

‫ثالثًا‪ :‬النصر والفتح‪:‬‬
‫إن المرابطين حرصوا على نصرة دين الله بكل ما يملكون‪،‬‬
‫وتحققت فيهم سنة الله فى نصرته لمن ينصره‪ ,‬لن الله ضمن‬
‫لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعَّزته وقوَّته‪ ،‬قال‬
‫ل لَ َق ِويّ َعزِيزٌ الّذِينَ إِن ّمكّنّاهُمْ فِى الَ ْرضِ َأقَامُوا‬
‫صرُ ُه إن ا َ‬
‫ص َر ّن الُ مَن يَن ُ‬
‫تعالى‪﴿ :‬وََليَن ُ‬
‫ل عَاقِبَ ُة الُمُورِ﴾ [الحج‪.]40،41:‬‬
‫صلَةَ وَآتَوُا ال ّزكَاةَ وَأَ َمرُوا بِاْلمَ ْعرُوفِ وََنهَوْا عَنِ اْلمُ ْن َكرِ َو ِ‬
‫ال ّ‬
‫يقول سيد قطب رحمه الله‪« :‬وما حدث قط فى تاريخ‬
‫البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إل منحها القوة‬
‫والمنعة والسيادة فى نهاية المطاف لعدادها لحمل أمانة الخلفة‬
‫فى الرض وتصريف الحياة‪ . .‬إن الكثيرين ليشفقون من اتباع‬
‫شريعة الله والسير على هداه‪ ،‬يشفقون من عداوة أعداء الله‬
‫ُ‬
‫ومكرهم‪ ،‬ويشفقون من تأل ّب الخصوم عليهم‪ ،‬ويشفقون من‬
‫المضايقات القتصادية وغير القتصادية‪ ،‬وإن هى إل أوهام كأوهام‬
‫خطّفْ ِمنْ َأ ْرضِنَا﴾‬
‫قريش يوم قالت لرسول الله ×‪﴿ :‬إِن نّتّبِعِ اْلهُدَى َم َعكَ ُنَت َ‬
‫[القصص‪.]57:‬‬
‫فل َّ‬
‫ما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الرض ومغاربها‬
‫(‪)1‬‬
‫فى ربع قرن أو أقل من الزمان» ‪ .‬إن الله تعالى أيد المرابطين‬
‫على العداء وم َّ‬
‫ن عليهم بالفتح؛ فتح الراضى وإخضاعها لحكم‬
‫الله تعالى‪ ،‬وفتح القلوب وهدايتها لدين السلم‪.‬‬
‫إن المرابطين عندما استجابوا وانقادوا لشريعة الله جلبت لهم‬
‫الفتح‪ ،‬واستنزلت لهم نصر الله‪.‬‬
‫حكَّام والشعوب السلميَّة التى تبتعد عن شريعة الله تذل‬
‫إن ال ُ‬
‫نفسها فى الدنيا والخرة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() فى ظلل القرآن‪( ،‬ج ‪.)4/2407‬‬

‫‪101‬‬

‫حكَّام والقضاة والعلماء فى الدعوة إلى‬
‫إن مسئولية ال ُ‬
‫تحكيم شرع الله مسئولية عظيمة يُسألون عنها يوم القيامة‬
‫أمام الله‪ ،‬قال ابن تيمية ‪ -‬رحمه الله‪« :-‬إذا حكم ولة المر‬
‫بغير ما أنزل الله‪ ،‬وقع بأسهم بينهم‪ . .‬وهذا من أعظم‬
‫أسباب تغيُّر الدول كما جرى هذا مرة بعد مرة فى زماننا‬
‫من أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب‬
‫وغير زماننا‪ ،‬و َ‬
‫من أيده الله ونصره‪ ،‬ويجتنب مسلك‬
‫غيره‪ ،‬فيسلك مسلك َ‬
‫ص َر ّن الُ مَن‬
‫من خذله الله وأهانه‪ ،‬فإن الله يقول فى كتابه‪﴿ :‬وََليَن ُ‬
‫َ‬
‫ل عَاقِبَ ُة الُمُورِ﴾ [الحج‪.]40،41:‬‬
‫ي َعزِيزٌ﴾ إلى ﴿ َو ِ‬
‫صرُ ُه إن الَ َلقَ ِو ّ‬
‫يَن ُ‬
‫فقد وعد الله بنصر من ينصره‪ ،‬ونصره هو نصر كتابه ودينه‬
‫من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما ل يعلم ‪.‬‬
‫ورسوله‪ ،‬ل نصر َ‬
‫(‪)1‬‬

‫رابعًا‪ :‬العز والشرف‪:‬‬
‫سط ِّر فى كتب‬
‫إن عز المرابطين وشرفهم العظيم الذى ُ‬
‫التَّارِيخ يرجع إلى تم ُّ‬
‫من‬
‫سكِهم بكتاب الله وسنة رسوله ×‪ ،‬إن َ‬
‫يعتز بالنتساب لكتاب الله الذى به تشُرف المة‪ ،‬وبه يعلو ذكرها‬
‫وضع رجله على الطريق الصحيح وأصاب سنة الله الجارية فى‬
‫إعزاز وتشريف من يتمسك بكتابه وسنة رسوله ×‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬‬
‫ك ُركُمْ َأ َفلَ َتعْ ِقلُونَ﴾ [النبياء‪.]10 :‬‬
‫لَقَ ْد أَْنزَلْنَا إَِل ْيكُمْ كِتَابًا فِي ِه ِذ ْ‬
‫قال ابن عبَّاس – رضى الله عنهما‪ -‬فى تفسير هذه الية‪ :‬فيه‬
‫شرفكم(‪ ،)2‬فهذه المة ل تستمد الشرف والعزة إل من‬
‫استمساكها بأَحكام السلم‪ ،‬كما قال عمر بن الخطاب ‪« :t‬إنَّا كنَّا‬
‫أذل قوم‪ ،‬فأعَّزنا الله بالسلم‪ ،‬فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا‬
‫الله أذلنا الله»(‪ ،)3‬فعمر ‪ t‬كشف لنا بكلماته عن حقيقة الرتباط‬
‫بين حال المة عًزا وذلً‪ ،‬مع موقفها من الشريعة إقبال ً وإدباًرا‪ ،‬فما‬
‫َ‬
‫عَّزت فى يوم بغير دين الله‪ ،‬ول ذل ّت فى يوم إل بالنحراف عنه‪.‬‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬مَن كَا َن ُيرِيدُ الْ ِعزّةَ َف ِللّهِ اْل ِعزّةُ َجمِيعًا﴾ [فاطر‪ ]10:‬يعنى من‬
‫طلب العزة فليعتز بطاعة الله عَّز وج َّ‬
‫ل(‪.)4‬‬
‫‪.]8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫ي َل يَ ْع َلمُونَ﴾‬
‫وقال تعالى‪َ ﴿ :‬ولِ اْل ِعزّةُ وَِل َرسُولِهِ وَِل ْلمُ ْؤمِنِيَ وََلكِنّ اْلمُنَافِقِ َ‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫مجموع الفتاوى (ج ‪.)35/388‬‬
‫انظر ‪ :‬تفسير ابن كثير (ج ‪.)3/170‬‬
‫أخرجه الحاكم فى المستدرك فى اليمان (ج ‪.)1/62‬‬
‫ابن كثير (ج ‪.)2/526‬‬

‫‪102‬‬

‫[المنافقون‪:‬‬

‫إننى عندما مررت بسيرة المام ابن ياسين ذكرت وصفه بأنَّه‬
‫مهَابَة عظيمة فى نفوس أتباعه‪ ,‬ونال شرفًا وعزة فى قومه‪.‬‬
‫ذو َ‬
‫ت أنه إذا‬
‫وعندما مررت بسيرة المام أبى بكر بن عمر‪ ،‬ذكر ُ‬
‫ركب للجهاد ركب معه ‪ 500‬ألف من قومه يجاهدون معه‪.‬‬
‫وعندما ذكرت سيرة المير يوسف بن تاشفين ذكرت وصفًا له‬
‫خلق للزعامة‪.‬‬
‫كأنه ُ‬
‫ورأيت فى سيرة هؤلء البطال عًّزا وشرفًا نالوه بالستعلء‬
‫على شهوة النفس وبالستعلء على القيد والذُّل‪ ،‬كان استعلؤهم‬
‫حا فى سيرتهم العطرة‪ ،‬كانت‬
‫على الخضوع الخانع لغير الله واض ً‬
‫حياتهم خضوعا ً لله وخشوعا‪ ،‬وخشية لله وتقوى ومراقبة لله فى‬
‫السراء والضراء‪ ،‬وهذا هو سُّر عزهم وشرفهم فى تاريخنا‬
‫السلمى المجيد‪.‬‬
‫لقد عاش المرابطون فى بركة من العيش‪ ،‬ورغد من الحياة‬
‫الطيبة التى وصلوا إليها بإقامة دين الله‪.‬‬
‫سمَاءِ وَالَ ْرضِ‬
‫قال تعالى‪﴿:‬وََل ْو إن أَ ْهلَ الْ ُقرَى آمَنُوا وَاتّقَوْا َلفََتحْنَا َعلَ ْيهِم َب َركَاتٍ مّنَ ال ّ‬
‫وََلكِن كَذّبُوا فََأخَذْنَاهُم ِبمَا كَانُوا َيكْسِبُونَ﴾ [العراف‪.]96:‬‬

‫سا‪ :‬انتشار الفضائل وانزواء الرذائل‪:‬‬
‫خام ً‬
‫لقد انتشرت الفضائل فى عصر المرابطين وانحسرت الرذائل‪،‬‬
‫فخرج جيل فيه نبل وكرم وشجاعة وعطاء وتضحية من أجل‬
‫العقيدة والشريعة‪ ،‬متطلعًا إلى ما عند الله من الثواب‪ ,‬يخشى من‬
‫حكَّامه إلى‬
‫عقاب الله؛ لقد استجاب ذلك المجتمع بشعبه ودولته و ُ‬
‫ما يُحييه من اليمان والقرآن وسنة سيد النام عليه أفضل الصلة‬
‫والسلم‪.‬‬
‫إن آثار تحكيم شرع الله فى الشعوب التى نفذت أوامر الله‪،‬‬
‫ونواهيه ظاهرة بينة لدارس التَّارِيخ‪ ،‬وإن تلك الثار الطيبة التى‬
‫أصابت دولة المرابطين لهى سنن من سنن الله الجارية والماضية‬
‫التى ل تستبدل ول تتغير‪ ،‬فأى شعب يسعى لهذا المطلب الجليل‬
‫والعمل العظيم يصل إليه ولو بعد حين‪ ،‬ويرى آثار ذلك التحكيم‬
‫حكَّامه‪.‬‬
‫على أفراده ودولته و ُ‬
‫إن الغرض من البحاث التَّارِيخية السلميَّة الستفادة الجادة‬
‫من أولئك الذين سبقونا باليمان؛ فى جهادهم وعلمهم وتربيتهم‬
‫وسعيهم الدءوب لتحكيم شرع الله‪ ،‬وأخذهم بسنن التمكين‬

‫‪103‬‬

‫وفقهه‪ ,‬ومراعاة التدُّرج والمرحلية‪ ،‬والنتقاء من الشعب والرتقاء‬
‫بهم نحو الكمالت السلميَّة المنشودة‪.‬‬
‫إن النتصارات العظيمة فى تاريخ أمتنا يجريها الله تعالى‬
‫ن أخلص لربه ودينه‪ ،‬وأقام شرعه‪ ،‬وزكَّى نفسه‪،‬‬
‫على يدى َ‬
‫م ْ‬
‫من فراغ‪ ,‬لقد جاهد المرابطون‬
‫زِلقَة ِ‬
‫ولهذا لم يأت فتح ال ّ‬
‫َ‬
‫حا مبينًا فى معركة‬
‫ما وفت ً‬
‫را عظي ً‬
‫فى النْدَلُس وحققوا نص ً‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫زِلقَة وأنقذ َ الله بهم ال ُ‬
‫***‬

‫‪104‬‬

‫المبحث الخامس‬
‫الندلـــــس بعد الزلقــــــة‬
‫بعد رجوع يوسف بن تاشفين إلى المغرب للسباب التى‬
‫ذكرتها تولى قيادة المرابطين القائد الميدانى سير بن أبى بكر‪,‬‬
‫الذى واصل غاراته الناجحة مع أمير بطليوس على أواسط‬
‫ت قواتُه مع قوات‬
‫البرتغال الحالية مما يلى تاجة‪ ،‬وقد أثخن ْ‬
‫المرابطين فى تلك البقاع‪.‬‬
‫كما و َّ‬
‫مد بن عَبَّاد ضربات موفقة بقيادته إلى عدة‬
‫معْت َ ِ‬
‫جه ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مدُن حول طليْطِلة‪ ,‬ثم اتجه نحو أرض مرسية‪ ،‬حيث استقَّرت‬
‫ُ‬
‫جموع الفرسان النصارى بقيادة الكنبيطور فى أحد الحصون‬
‫مدُن المسلمين‪ ,‬خاصة مدينة‬
‫القريبة التى تشن غاراتها على ُ‬
‫مد انهزم واضطَّر أن يلتجئ إلى قلعة لورقة‬
‫معْت َ ِ‬
‫المرية‪ ,‬إل أن ال ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫مد بن ليون‪ ,‬ثم توجه نحو قرطبة تاركا مرسية‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫فى كنف واليها ُ‬
‫لمصيرها‪.‬‬
‫مدُن‬
‫وبدأت قوات النصارى تتجمع حول ألفونسو الذى أربك ُ‬
‫حصن لييط المنيع الواقع على مسيرة‬
‫شرق الَنْدَلُس‪ ,‬متخذين من ِ‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن الغارات على أراضى ال ُ‬
‫يوم من لورقة مركًزا لش ِ ّ‬
‫فلم يمض عام واحد على هزيمة ألفونسو حتى عاد نشاطه‬
‫وجيشه‪ ,‬ونقل مقر العمليات إلى شرق الَنْدَلُس الذى خيمت عليه‬
‫الفرقة السياسية‪ ,‬بعكس غرب الَنْدَلُس الذى كانت تحكمه‬
‫مملكتان قويتان هما مملكة إشبيلية وبطليوس‪ ,‬تعضدهما فرقة‬
‫من المرابطين قوامها ثلثة آلف رجل على رأسها القائد العظيم‬
‫سير بن أبى بكر(‪.)1‬‬
‫تأذى أهل غرب الَنْدَلُس من النصارى الحاقدين فتوافدت‬
‫صا أهل بلنسية ومرسية‬
‫وفودهم على المير يوسف‪ ,‬وخصو ً‬
‫ولورقة‪ ,‬يصفون للمير يوسف ما نزل بهم على أيدى النصارى‬
‫الذى يتحكمون فى حصن لييط‪.‬‬
‫مد المجاز إلى المغرب وطلب من يوسف العبور‪،‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫وعبر ال ُ‬
‫فاستجاب يوسف لرغبته‪ ،‬ت َّ‬
‫م جواز يوسف إلى الجزيرة الخضراء‬
‫فى ربيع الول سنة ‪481‬هـ‪1088 /‬م‪ ,‬ومن هناك كتب المير‬
‫يوسف إلى جميع أمراء الَنْدَلُس يدعوهم إلى الجهاد‪ ،‬ثم تحَّرك‬
‫المير يوسف إلى مالقة فى صحبة أميرها تميم بن بلقين‪ ،‬كما‬
‫لحق المير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة‪ ,‬والمعتصم بن‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ,‬ص (‪.)62‬‬

‫‪105‬‬

‫مد بن عَبَّاد‪ ،‬بالضافة إلى أمراء مرسية‬
‫معْت َ ِ‬
‫صمادح‪ ،‬فضل ً عن ال ُ‬
‫وشقورة وبسطة وجيان‪ ،‬ولم يتخلف من ملوك الطوائف سوى‬
‫ابن الفطس صاحب بطليوس‪ ،‬وتوجهت تلك الجموع لضرب‬
‫الحصار على حصن لييط الذى كان يسكنه ألف فارس واثنا عشر‬
‫ألفًا من المشاة من جنود النصارى الحاقدين أصحاب النزعة‬
‫الصليبية النتقامية‪ ،‬واستبسل النصارى فى الدفاع عن الحصن‬
‫مين وإلحاق الخسائر‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وكانوا يخرجون ليل ً للنقضاض على ال ُ‬
‫بهم‪.‬‬
‫واستمَّر الحصار بدون جدوى وظهرت صراعات ملوك‬
‫الطوائف فيما بينهم ووصلت للمير يوسف الذى ساءه ذلك كثيًرا‪.‬‬
‫مد بن عَبَّاد للمير يوسف خروج ابن رشيق‬
‫معْت َ ِ‬
‫وشكى ال ُ‬
‫صاحب مرسية عن الطاعة ودفعه الموال للفونسو السادس‬
‫تقربًا إليه‪ ،‬وظهرت المشاكل بين أبناء بلكين‬
‫عبد الله وتميم للمير يوسف‪ ،‬وكأن ل عمل له إل حل المشاكل‬
‫والمنازعات بين‬
‫الطراف المتنازعة‪.‬‬
‫وتضايق المير يوسف من خيانة ابن رشيق الذى دفع أموال ً طائلة‬
‫للفونسو‪ ,‬وعرض المر على الفقهاء والعلماء الذين أفتوا بإزاحته من‬
‫مد‪ ،‬واستغاث ابن رشيق بالمير يوسف الذى‬
‫حكمه‬
‫معْت َ ِ‬
‫وتسليمه لل ُ‬
‫َ‬
‫(‪)1‬‬
‫َ‬
‫أجابه بأن ّها أحكام الدِّين ول يستطيع مخالفتها ‪.‬‬
‫مد‬
‫معْت َ ِ‬
‫وأمر القائد سير بن أبى بكر باعتقاله وتسليمه لل ُ‬
‫مشترطًا عليه إبقاءه حيًّا (‪.)2‬‬
‫وكانت لفتوى الفقهاء عند قادة المرابطين مكانة عظيمة‬
‫يضعونها فوق كل اعتبار‪.‬‬
‫وف َّ‬
‫ر جيش ابن رشيق من المعركة‪ ،‬ومنع الزاد على‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫من معه من النْدَلسيين الذين يحاصرون‬
‫جيش المرابطين و َ‬
‫الحصن‪ ،‬فارتفعت السعار‪ ،‬ووقع الغلء واضطربت الحوال‪،‬‬
‫وعندما علم ألفونسو بالخلفات التى وقعت حشد جي ً‬
‫شا من‬
‫أجل فك الحصار عن أتباعه فى حصن لييط‪ ،‬فاضط َّ‬
‫ر المير‬
‫يوسف إلى فك الحصار خوفًا من معركة خاسرة غير مأمونة‬
‫حكَّام الَنْدَلُس وتآمرهم‬
‫النتائج خاصة بعد الذى رآه من ُ‬
‫واتصالهم بالعدو‪ ،‬ورجع المير يوسف إلى لورقة وترك أربعة‬
‫آلف مرابطى بقيادة داود ابن عائشة للمحافظة على‬
‫ح َّ‬
‫مد بن‬
‫م َ‬
‫منطقة مرسية وبعث بجنود إلى بلنسية بقيادة ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() مذاكرات المير عبد الله‪ ,‬ص (‪.)112‬‬
‫() انظر ‪ :‬دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)108‬‬

‫‪106‬‬

‫تاشفين(‪.)1‬‬
‫واستطاع ألفونسو الوصول للحصن وأخرج من نجا من الموت‪،‬‬
‫ورأى أن ل فائدة من الحتفاظ بالحصن‪ ,‬لنَّه يتطلب حماية كبيرة‬
‫معرضة لمصير سابقاتها فقَّرر إخلءه وتدميره‪ ,‬واسترجع ابن عَبَّاد‬
‫الحصن بعد أن أصبح أطللً‪.‬‬
‫لقد أيقن المير يوسف إن أمراء الَنْدَلُس ل يصلحون للحكم‬
‫ول يعتمد عليهم فى جهاد‪ ،‬وبعد رجوع المير يوسف فى عام‬
‫‪482‬هـ‪1089/‬م عرض المر على الفقهاء والعلماء فأفتوا له بضم‬
‫الَنْدَلُس للمغرب‪.‬‬
‫وكان فقهاء وعلماء الَنْدَلُس يؤيدون ذلك‪ ،‬وكذلك فقهاء‬
‫وعلماء المغرب والمشرق‪ ،‬وأرسل المام الغزالى وأبو بكر‬
‫الطرطوشي(‪ )2‬فتوى تؤيد عمله الجليل من أجل توحيد صفوف‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫يقول الغزالي فى شأن أمراء الطوائف‪ :‬فيجب على المير‬
‫وأشياعه قتال هؤلء المتمردة ول سيما وقد استنجددوا‬
‫بالنصارى(‪ ،)3‬فقد أفتاه العلماء بجواز خلعهم وإزاحتهم‪ ،‬وبأنه فى‬
‫حل مما تعهد لهم به من البقاء عليهم في جوازه الول‪ ،‬لنهم‬
‫خانوا الله بمعاهدتهم ألفونس على محاربة المسلمين؛ وبالتالي‬
‫فإن عليه أن يبادر إلى خلعهم جميعًا‪ ،‬فإنك إن تركتهم وأنت قادر‬
‫عليهم‪ ،‬أغاروا بقية بلد المسلمين إلى الروم وكنت أنت المحاسب‬
‫بين يدي الله(‪ ،)4‬وكان ممن استفتى في هذا الموضوع الفقيه‬
‫يوسف بن عيسى المعروف بأبي الملجوم(‪.)5‬‬
‫وطلب القضاة والفقهاء من يوسف أن يرجع ويوحد البلد‬
‫بالقوة‪ ،‬لتدخل تحت الخلفة السلميَّة فى بغداد‪.‬‬
‫لقد كان ملوك الطوائف يهتمون بمصالحهم الخاصة ل ينظرون‬
‫إلى عزة أمتهم حتى وصفهم ابن حزم بقوله‪« :‬لو وجدوا فى‬
‫اعتناق النصرانية وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم لما ترددوا‬
‫»(‪.)6‬‬
‫مون فى الَنْدَلُس يتمنون أن ينضموا إلى دولة‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫وكان ال ُ‬
‫المرابطين‪ ,‬وعبَّر عن ذلك فقهاؤهم وعلماؤهم وبرز الفقيه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫ابن خلدون‪ ,‬العبر‪( ،‬ج ‪ ،6‬ص ‪.)187‬‬
‫المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫رسائل أبي بكر بن العربي ‪ ،‬تحقيق د‪.‬عصمت دندش ص ‪.198‬‬
‫الكتفاء لبن الكردبوس ص (‪.)106‬‬
‫الثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين‪ ،‬محمد بن بيّه ص (‪.)155‬‬
‫رسالة ابن حزم‪ ,‬نقل ًً عن دول الطوائف‪ ,‬محمد عبد الله عنان‪ ,‬ص (‪.)406‬‬

‫‪107‬‬

‫القاضى ابن القلعى «قاضى غرناطة»‪ ,‬الذى توطدت العلقة بينه‬
‫وبين يوسف بن تاشفين منذ ذهاب أول بعثة إلى المغرب لطلب‬
‫حا‬
‫النجدة‪ ،‬إذ كان أحد أعضائها‪ ,‬وكان يرى فى المير يوسف صل ً‬
‫ما‪.‬‬
‫وعدل ً وحز ً‬
‫حاول المير عبد الله ابن ملك غرناطة أن يتخلص منه‬
‫فاعتقله‪ ,‬ثم اضطر‬
‫إلى إطلق سراحه‪ ،‬فهرب إلى قرطبة‪ ،‬ومن هناك اتصل بالمير‬
‫يوسف وأطلعه على خفايا من المور‪ ،‬وأفتى بخلع ملوك‬
‫الطوائف‪ ,‬وتفاعل مسلمو الَنْدَلُس مع هذه‬
‫الفتوى الموفَّقَة(‪.)1‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)113‬‬

‫‪108‬‬

‫المبحث السادس‬
‫فتوى فى جواز ضم الندلس بالقوة والقضاء على‬
‫ملوك الطوائف‬
‫أرسل المام أبو بكر بن العربى المالكى إلى المام الغزالى‬
‫كتابًا يشرح فيه موقف ملوك الطوائف بالَنْدَلُس من حركة يوسف‬
‫بن تاشفين الجهادية‪ ،‬ويطلب منه فتيا فى ذلك‪ ،‬قال المام أبو بكر‬
‫بن العربي‪« :‬وكان أشهر من لقينا من العلماء فى الفاق‪ ،‬ومن‬
‫سارت بذكره الرفاق‪ ،‬ولطول باعه فى العلم ورحب ذراعه‪ ،‬المام‬
‫ح َّ‬
‫مد الطوسى الغزالي‪ ،‬فاستدعينا منه فتيا وكتابًا‪،‬‬
‫م َ‬
‫أبو حامد بن ُ‬
‫واختصرت لفظ الفتيا لوقت ضاق عن تقييدها لكن أنبه على‬
‫معناها وهو‪ :‬فى علم المام ما ذكر فى وصف خلل أمير‬
‫مين وناصر الدِّين أبى يعقوب يوسف بن تاشفين أمير‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫دّين‪،‬‬
‫ال‬
‫إعزاز‬
‫من‬
‫لديه‬
‫أوضحت‬
‫وما‬
‫والعدوة‪،‬‬
‫س‬
‫ل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ال‬
‫المغربين‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫مين‪ ،‬وهو حميرى النسب ومعه المرابطون‪ ،‬وقد‬
‫سل‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫والذب عن ال ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وقفوا أنفسهم على الجهاد‪ ،‬وقد كانت جزيرة النْدَلس قد تملكها‬
‫من تاريخ ابتداء الفتنة سنة أربعمائة‪ ,‬عدة ثوار تسوروا على البلد‪،‬‬
‫فضعف أهلها عن مدافعتهم‪ ،‬وتلقَّبُوا بألقاب الخلفاء وخطبُوا‬
‫لنفسهم‪ ،‬وضربوا النقود بأسمائهم‪ ،‬وأثاروا الفتنة بينهم لرغبة ك ِّ‬
‫ل‬
‫واحد منهم فى الستيلء على صاحبه‪ ،‬واستبانوا ال ُف َّ‬
‫ساق فى‬
‫ضا‪ ،‬واستنجدوا‬
‫الرقاء والصنائع الطلقاء فى محاربة بعضهم بع ً‬
‫بالنصارى عندما اعتقد كل واحد منهم أنه أحق من صاحبه‪ ،‬وعند‬
‫مين‪ ،‬وحينما انكشف للنصارى ضعف‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذهاب شوكة ال ُ‬
‫مين‪ ،‬طلبوا‬
‫سل ِ ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫مين‪ ،‬وعلموا المداخل والمخارج إلى بلد ال ُ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫المعاقل وأخذوا بالحرب كثيًرا منها من غير مؤونة ول مشقّة‪ ،‬ثم‬
‫مين إلى المرابطين واستصرخوهم فلباهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫لجأ الباقى من ال ُ‬
‫مسلِمين ووصل إلى البحر‪ ،‬فاستاء بعض الرؤساء وفاءً‬
‫أمير ال ُ‬
‫مين فى استدعائهم له‪ ،‬ووصل‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫للمشركين‪ ،‬وحقدًا على ال ُ‬
‫المير إلى غرب الَنْدَلُس فمنحه الله نصًرا‪ ،‬وألجم الكفار السيف‪،‬‬
‫ثم عاود الجواز فى العام الثالث من هذا الفتح فتهيبه العدو‪،‬‬
‫وتح َّ‬
‫صن منه‪ ،‬ولم يخرج للقائه مع تثاقل الرؤساء عنه‪ ،‬وعثر‬
‫لحدهم على خطاب يشجع العدو على اللقاء‪ ،‬واستولى على من‬
‫قدر عليه من الرؤساء من البلد والمعاقل‪ ،‬وبقيت طائفة من‬
‫رؤساء الثغر الشرقى من جزيرة الَنْدَلُس‪ ،‬حالفوا النصارى أو‬
‫مين إلى الجهاد‪ ،‬والدخول فى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫صاروا معه إلبًا‪ ،‬ودعاهم أمير ال ُ‬
‫بيعة الجمهور‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل جهاد إل مع إمام من قريش‪ ،‬ولست به‪،‬‬
‫أو مع نائب عن المام‪ ،‬وما أنت ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أنا خادم المام‬

‫‪109‬‬

‫العبَّاسي‪ ،‬فقالوا له‪ :‬أظهر لنا تقديمه إليك‪ ،‬فقال‪ :‬أو ليست‬
‫الخطبة فى جميع بلدى له؟ فقالوا‪ :‬ذلك احتيال‪ .‬ومردوا على‬
‫النفاق‪ ،‬فهل يجب قتالهم؟ وإذا ظفر بهم كيف الحكم فى‬
‫أموالهم؟ وهل على المسلم حرج فى قتالهم؟ وهل على المام‬
‫العبَّاسى أن يبعث بمنشور يتضمن تقديمه له على جهادهم‪ ،‬فإنهم‬
‫إنَّما خرجوا عليه بأن المير خادمه‪ ،‬وهو يخطب له على أكثر من‬
‫ألفى منبر‪ ،‬وتضرب السكة باسمه إلى غير ذلك‪ ،‬ومتى وصف‬
‫نفسه قال‪ :‬لست مستبدًّا وإنما خادم أمير المؤمنين المستظهر‪،‬‬
‫وهذا أشهر أن يؤكد بالتحلية‪ ,‬وأظهر من أن يجدد بالتزكية‪.‬‬
‫فللشيخ المام الجل الزاهد والوحد أبى حامد أتم الجر‪ ،‬وأعم‬
‫‬‫الشكر فى النعام بالمراجعة فى هذا السؤال إن شاء الله تعالى‬
‫(‪.)1‬‬
‫أول‪ :‬فتوى المام الغزالى فى موقف كل من يوسف بن تاشفين‬
‫ً‬
‫وملوك الطوائف والخلفة العباسية‪:‬‬
‫فأجاب المام الغزالى رحمه الله‪« :‬لقد سمعت من لسانه وهو‬
‫الموثوق به الذى يستغنى عن شهادته عن غيره وعن طبقة من‬
‫ثقاة المغرب الفقهاء وغيرهم‪ ،‬من سيرة هذا المير ‪-‬أكثر الله من‬
‫المراء أمثاله ‪ -‬ما أوجب الدعاء لمثاله‪ ،‬ولقد أصاب الحق فى‬
‫إظهار الشعار المامى المستظهرى‪ -‬حرس الله على‬
‫المستظهرين ظلله‪ -‬وهذا هو الواجب على كل ملك استولى على‬
‫مين فى مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬فعليهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫قطر من أقطار ال ُ‬
‫قّ‪ ،‬وإن لم يكن بلغهم صريح‬
‫تزيين منابرهم بالدعاء للمام الح ِ‬
‫التقليد من المام‪ ،‬أو تأخر عنهم ذلك لعائق‪ ،‬وإذا نادى الملك‬
‫المستولى بشعار الخلفة العباسية‪ ،‬وجب على كل الرعايا‬
‫والرؤساء الذعان والنقياد‪ ،‬ولزمهم السمع والطاعة‪ ،‬وعليهم أن‬
‫يعتقدوا أن طاعته هى طاعة المام‪ ،‬ومخالفته هى مخالفة المام‪،‬‬
‫وكل من تمرد واستعصى وسل يده عن الطاعة‪ ،‬فحكمه حكم‬
‫ص ِلحُوا بَيَْن ُهمَا فَإِن َبغَتْ‬
‫الباغي‪ ،‬وقد قال تعالى‪﴿:‬وَإِن طَائِفَتَا ِن مِنَ اْلمُؤْ ِمنِيَ اقَْتَتلُوا فََأ ْ‬
‫ِإحْدَا ُهمَا َعلَى ا ُلخْرَى فَقَاِتلُوا الّتِى تَبْغِى حَتّى تَفِي َء إِلَى أَ ْم ِر الِ﴾ [الحجرات‪ .]9:‬والفيئة‬
‫إلى أمر الله‪ ،‬الرجوع إلى السلطان العادل المتمسك بولء المام‬
‫الحق المنتسب إلى الخلفة العباسية‪ ،‬فكل متمرد على الحق فإنه‬
‫مردود بالسيف إلى الحق‪ ،‬فيجب على المير وأشياعه قتال هؤلء‬
‫المتمردة عن طاعته‪ ،‬ول سيَّما وقد استنجدوا بالنصارى المشركين‬
‫مين الذين هم أولياء‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وأوليائهم‪ ,‬وهم أعداء الله فى مقابلة ال ُ‬
‫الله‪ ،‬فمن أعظم القربات قتالهم إلى أن يعودوا إلى طاعة المير‬
‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬دراسات فى تاريخ المغرب‪ ،‬د‪ .‬أحمد العبادي‪ ،‬ص (‪.)480-479‬‬

‫‪110‬‬

‫العادل المتمسك بطاعة الخلفة العباسية‪ ,‬ويتركوا المخالفة‪،‬‬
‫وجب الك ُّ‬
‫جز أن يُتَتَبَّعَ مدبرهم‪ ،‬ول أن‬
‫ف عنهم‪ ،‬وإذا قاتلوا لم ي َ ُ‬
‫يُذَفَّف(‪ )1‬على جريحهم‪ ,‬بل متى سقطت شوكتهم وانهزموا‪ ،‬وجب‬
‫الك ُّ‬
‫مين منهم دون النصارى الذين ل‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ف عنهم‪ ،‬أعنى عن ال ُ‬
‫مين‪ ،‬وأما ما يظفر به من‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫يبقى لهم عهد مع التشاغل بقتال ال ُ‬
‫أموالهم فمردود عليهم أو على وريثهم‪ ،‬وما يؤخذ من نسائهم‬
‫وذراريهم فى القتال مهدرة ل ضمان فيها وحكمهم فى الجملة فى‬
‫البغى على المير المتمسك بطاعة الخلفة‪ ،‬والمستولى على‬
‫المنابر والبلد بقوة الشوكة حكم الباغى على نائب المام‪ ،‬فإنه وإن‬
‫تأ َّ‬
‫خر عنه صريح التقليد لعتراض العوائق المانعة من وصول المنشور‬
‫بالتقليد فهو نائب بحكم قرينة الحال‪ ،‬إذ يجب على المام المصر أن‬
‫يأذن لكل إمام عادل استولى على قطر من أقطار الرض‪ ،‬فى أن‬
‫يخطب عليه‪ ،‬وينادى بشعاره ويحمل الخلق على العدل والنصفة‪ ،‬ول‬
‫ينبغى أن يظن بالمام توقف فى الرضا بذلك والذن فيه‪.‬‬
‫وإن توقَّف فى كتبه المنشور‪ ،‬فالكتب قد يعوق عن إنشائها‬
‫وإيصالها المعاذير‪ ،‬وأما الذن والرضا بعدما ظهر حال المير فى‬
‫سة وابتغاء المصلحة للتفويض والتعيين فل رخصة‬
‫العدل وال ِّ‬
‫سيَا َ‬
‫فى تركه‪ ،‬وقد ظهر حال هذا المير بالستفاضة ظهوًرا ل شك‬
‫فيه‪ ،‬وإن لم يكن عن إيصال الكتاب وإنشائه عائق‪ ،‬وكانت هذه‬
‫الفتنة ل تنطفئ إل بأن يصل إليهم صريح الذن والتقليد بمنشور‬
‫مقرون بما جرت العادة بمثله فى تقليد المراء‪ ،‬فيجب على‬
‫حضرة الخلفة بذل ذلك‪ .‬فإن المام الحق عاقلة أهل السلم‪ ،‬ول‬
‫يح ُّ‬
‫ل له أن يترك فى أقطار الرض فتنة ثائرة إل ويسعى فى‬
‫إطفائها بكل ممكن‪ ،‬قال عمر ‪« :t‬لو تركت جرباء على ضفة‬
‫الفرات‪ ،‬لم تطل بالهناء‪ ،‬فأنا المسئول عنها يوم القيامة»‪ ,‬قال‬
‫ما وقد أحدق به الناس‪« :‬قد كثر الناس»‬
‫سليمان بن عبد الملك يو ً‬
‫فقال عمر بن عبد العزيز‪« :‬خصماؤك يا أمير المؤمنين»‪ ,‬يعنى‬
‫أنَّك مسئول عن كل واحد منهم إن ضيعت حق الله فيهم أو‬
‫أقمته‪ ،‬فل رخصة فى التوقيف عن إطفاء الفتنة فى قرى تحوى‬
‫عشرة‪ ،‬فكيف فى أقاليم وأقاليم إل أن يعوق عن ذلك عائق‪،‬‬
‫ويمنع منه مانع‪ ،‬المواقف القدسية المامية المستظهرية حرس‬
‫الله جللها أبصر بها‪ ,‬ونحن نعلم أن ل نستجيز التوقف عن إطفاء‬
‫هذه الفتنة إل لعذر ظاهر وجب على أهل الغرب أن ل يعتقدوا فى‬
‫حضرة الخلفة إل ذلك‪ ،‬فإن المسافة إذا بعدت وتخللها المارقون‬
‫عن ربقة الحق‪ ،‬ولم يبعد أن يقتضى الرأى الشريف صيانة الوامر‬
‫الشريفة عن أن تمد إليها أعين الدولة فضل ً عن أيديهم‪ ،‬وأ َّ‬
‫من‬
‫ما َ‬
‫يستجيز التوقُّف فيها من غير عذر عن التقليد لمير قد ظهرت‬
‫‪1‬‬

‫() ل يذفف ‪ :‬ل يجهز‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫شوكته وعرفت سياسته‪ ،‬وتناطقت اللسن بعدله‪ ،‬ولم يعرف فى‬
‫ذلك القطر من يجرى مجراه‪ ،‬ويسد فى هذا الحال مسده‪ ،‬فهذا‬
‫سب إلى‬
‫اعتقاد فساد فى حضرة الخلفة‪ ,‬حاشاها من أن تُن َ‬
‫قصور‪ ،‬أو تقتضى فى نصرة أهل العدل المتمسكين بخدمتها‪،‬‬
‫والمعتصمين بعروتها‪ ،‬والقائمين فى أقطار الرض بإنفاذ شعائرها‬
‫وأوامرها المعلومة بقرائن الحوال‪ ،‬فهذا حكم كل أمير عادل فى‬
‫أقطار الرض‪ ،‬وحكم من بغى عليه‪ ،‬والله أعلم(‪.)1‬‬
‫يتضح لى من فتوى المام الغزالى أن رأيه فى قتال يوسف بن‬
‫تاشفين لملوك الطوائف مبنى على كون أولئك الملوك من البُغاة‬
‫والخارجين عن سلطة الدولة المرابطية التابعة للخلفة السلميَّة‪.‬‬
‫وبهذا يتضح أن الفقهاء والعلماء رأوا ضرورة ضم الَنْدَلُس‬
‫لقيادة المغرب القصى بعد أن فَّرط أمراء الَنْدَلُس فى أمور‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الشرع ومصالح الرعية‪ ,‬وحالفوا النصارى ضد إخوانهم ال ُ‬
‫ول ش َّ‬
‫ك فى أن ما فعله المير يوسف ضد ملوك الطوائف‬
‫صحيح من الناحية الشرعية والستراتيجية العسكرية والمنطلقات‬
‫السياسية‪.‬‬
‫بل فى رأيى أن وجود ملوك الطوائف مفسدة عظيمة‪،‬‬
‫تابا من‬
‫والسعى لزالتهم خطوة نحو توحيد الصفوف‪ ،‬ونجد ك ُ ً‬
‫مين يصفون ما فعله المير‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الغرب وأذيال ً لهم من أبناء ال ُ‬
‫يوسف ضد ملوك الطوائف بأنَّه خروج عن النسانية‪ ،‬ودليل على‬
‫الهمجية‪ ،‬حسب وجهة نظرهم المغشوشة‪ ،‬وتصوُّرِهم المغلوط‪،‬‬
‫ما بالنسبة للمؤرخ المسلم فإن ما قام به يوسف يعتبر عملً‬
‫أ َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما قد ّمه للمة‪ ،‬وحفظ به السلم فى النْدَلس من انهيار‬
‫عظي ً‬
‫محقَّق‪ ،‬وضبط المور بعزم وحزم بعد فوضى وضياع وخنوع‬
‫ُ‬
‫واستسلم مارسه ملوك الطوائف دون اهتمام بدين أو شعب أو‬
‫عقيدة‪.‬‬
‫لقد تميَّز يوسف بن تاشفين بوفائه التام للعهود‪ ،‬وابتعاده عن‬
‫الطماع الدنيوية‪ ،‬وحرصه على إعزاز الدِّين‪ ،‬وإزاحة العوائق التى‬
‫مين‪ ،‬ولذلك أقدم على الخطوة المباركة‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫تحول دون وحدة َال ُ‬
‫ُ‬
‫من أجل توحيد النْدَلس‪ ،‬وضمها تحت قبضة دولته الميمونة التابعة‬
‫للخلفة العباسية ال ُّ‬
‫سنيَّة‪.‬‬
‫حكَّام المعاصرين المتسترين بالدِّين‪ ،‬والذين‬
‫إن كثيًرا من ال ُ‬
‫يحالفون النصارى الحاقدين واليهود الماكرين وأشياعهم وأتباعهم‬
‫الكافرين‪ ,‬واجب على الدولة السلميَّة ال ُّ‬
‫سنيَّة الفتية أن تعمل‬
‫مين من قبضتهم وتضمها إليها‪ ،‬وتسعى من‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫على تخليص ال ُ‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬دراسات فى تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬أحمد عبادي‪ ,‬ص (‪.)484‬‬

‫‪112‬‬

‫أجل تحقيق ذلك بكل المور الشرعية المعروفة‪.‬‬
‫سنية لها هموم إسلميَّة وتطلعات شرعية‬
‫وإذا تعذَّر وجود دولة ُ‬
‫حد صفوفها للوصول إلى هذا‬
‫فعلى الحركات السلميَّة أن تو ِّ‬
‫الهدف المنشود‪ ،‬ومن ثم السعى لتوحيد المة تحت دولة إسلميَّة‬
‫تقوم على عقيدة التوحيد‪ ،‬وتحكمها شريعة الرب المجيد‪ ,‬وإذا ما‬
‫وصلت أى حركة معاصرة إلى ذلك الهدف المذكور تجد نفسها‬
‫تحتاج إلى فتاوى شرعية وتجارب لتستأنس بها فى مسيرتها‬
‫المباركة‪ ،‬ولذلك أرى من الفائدة العميمة والخبرة الرشيدة دراسة‬
‫الدول السلميَّة التى قامت‪ ،‬واجتهاداتهم فى الحروب‪ ،‬وتربيتهم‬
‫للشعوب‪ ،‬لنسترشد بها ولنطورها على حسب متطلبات المرحلة‬
‫التى نمُّر بها‪.‬‬
‫ما عندما تعد طلئع قيادية تهتم‬
‫ولذلك نجد أن المم عمو ً‬
‫بدراسة الشعوب والحركات التحررية‪ ،‬والثورات النسانية لتكون‬
‫رصيدًا لولئك الذين يعدون ويربون على قيادة أمتهم فى‬
‫المستقبل المنظور‪.‬‬
‫سدة القيادة ل‬
‫إن العقلية الضيقة المتحجرة عندما تكون فى ُ‬
‫ما عنيفًا‬
‫اصطدا‬
‫تستطيع أن ترتقى بجنودها‪ ،‬وتجد نفسها تصطدم‬
‫ً‬
‫مع مستجدات الحياة ومشاكلها المعقدة‪.‬‬
‫إن تجارب التَّارِيخ السلمى تُكسب الطلئع القيادية للحركة‬
‫ت مهمة فى مجال البناء والحركة‬
‫السلميَّة المعاصرة خبرا ٍ‬
‫والتنظيم والتكوين والتنفيذ والتمكين‪.‬‬
‫إن دروس التَّارِيخ تعلمنا أن العلماء الربَّانيين‪ ،‬والفقهاء‬
‫َ‬
‫مهم‪،‬‬
‫حك ّا ِ‬
‫مهَابَة عند ُ‬
‫العاملين لهم مكانة فى نفوس شعوبهم‪ ،‬و َ‬
‫حكم والدول والحروب وعزل‬
‫ن عظيم فى شئون ال ُ‬
‫ولفتاويهم شأ ٌ‬
‫الملوك وتوليةِ غيرهم‪ . . .‬إلخ‪.‬‬

‫***‬

‫‪113‬‬

‫المبحث السابع‬
‫العبور الثالث للمير يوسف بن تاشفين للندلس‬
‫بعد طلب العلماء والفقهاء في الَنْدَلُس والمغرب والمشرق‬
‫ض َّ‬
‫م الَنْدَلُس إلى دولة المرابطين الفتية‬
‫من المير يوسف أن ي ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سني ّة‪ ،‬عبر المير يوسف بقوة ضخمة‪,‬‬
‫التابعة للخلفة العباسية ال ّ‬
‫عبرت من سبتة إلى الجزيرة الخضراء وسار على رأس جيشه‬
‫إلى طُلَيْطِلَة وأرسل فرقا ً من جيشه نحو مختلف المدن‪ ،‬وسار‬
‫بنفسه نحو مدينة غرناطة‪.‬‬
‫ح غرناطة بعد شهرين من حصارها واعتقل‬
‫واستطاع أن يفت َ‬
‫أميرها‪ ،‬عبد الله بن بلكين الصنهاجى الذى تحالف مع النصارى من‬
‫أجل أملكه‪ ،‬ثم أرسله أسيًرا إلى المغرب‪ ،‬واستقَّر فى أغمات‬
‫بالقرب من مراكش(‪.)1‬‬
‫مد بن عَبَّاد والفطس أن يثنيا المير يوسف عن‬
‫معْت َ ِ‬
‫وحاول ال ُ‬
‫عزمه‪ ،‬ولكنَّه رفض مقابلتهما‪ ,‬وأيقنا أن زوالهما قريب‪.‬‬
‫وألقى المرابطون القبض على تميم بن بلكين والى مالقة‬
‫َ‬
‫وأرسل إلى إفريقية‪ ،‬ثم رجع المير يوسف إلى سبتة‪ ،‬وتول ّى‬
‫القيادة السياسية والعسكرية القائد المحنك سير بن أبى بكر‪ ،‬وبدأ‬
‫المير يوسف فى إرسال الجيوش من المغرب إلى الَنْدَلُس‬
‫للقضاء الكلى على ملوك الطوائف‪ ،‬وأصبحت القوة المرابطة فى‬
‫الَنْدَلُس قوة ضاربة ل يستطيع أحد الصمود أمامها‪ ،‬وقسم المير‬
‫يوسف جيش المرابطين إلى أربعة أقسام‪:‬‬
‫‪-1‬جيش بقيادة سير بن أبى بكر تو َّ‬
‫جه إلى إشبيلية‪.‬‬
‫‪-2‬وجيش سار إلى قرطبة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج‬
‫مد الفتح أبو النصر‪.‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫وواليها‪ ،‬آنذاك‪ ،‬ولد ال ُ‬
‫‪-3‬وسار جرور اللمتونى إلى أرض رندة بجيش ثالث‪ ،‬وفيها‬
‫مد وهو يزيد الراضى بالله‪.‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫ولد آخر لل ُ‬
‫‪-4‬وسار أبو زكريا بن واسندوا إلى المرية التى فيها‬
‫مد الحميم‪.‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫المعتصم بن صمادح‪ ،‬صديق ال ُ‬
‫وبقى يوسف بن تاشفين فى سبتة على رأس جيش احتياطى‬
‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬معركة الزلقة‪ ،‬ص (‪.)62‬‬

‫‪114‬‬

‫لكى يقوم عند الحاجة بإنجاد هذا الجيش أو ذاك(‪.)1‬‬
‫وسقطت قرطبة فى يد المرابطين فى صفر ‪484‬هـ‪1091/‬م‬
‫مد اللذين قتل «المأمون ويزيد‬
‫معْت َ ِ‬
‫بعد مقاومة عنيفة من ابنى ال ُ‬
‫الراضي» ووصل المرابطون إلى ضواحى طُلَيْطِلَة مهددين ملوك‬
‫النصارى‪ ،‬واستولوا على قلعة رباح التى فتحت الطريق أمامهم‬
‫مد بن عَبَّاد الذى أرسل إلى‬
‫معْت َ ِ‬
‫إلى قشتالة‪ ،‬واشتد َّ الخوف بال ُ‬
‫ألفونسو يستنجده ضد المرابطين‪ ،‬وعقد الخطر المشترك أواصر‬
‫الصداقة بينهم‪.‬‬
‫وسقطت قومونة بعد حصار قصير فى ربيع الول‬
‫‪484/1091‬م‪ ،‬وأصبح أمير إشبيلية فى خطر عظيم‪ ،‬وجاءته‬
‫إمدادات النصارى التى أرسلها ألفونسو بقيادة الكونت جومز‪،‬‬
‫وعدتها أربعون ألف رجل مرتجل‪ ،‬وعشرون ألف فارس‪ ،‬ووصلت‬
‫إلى مقربة من قرطبة وتصدَّى لهم القائد الشجاع إبراهيم بن‬
‫إسحاق فى جند الشجعان‪ ،‬ونشبت بين الفريقين معركة حاسمة‪،‬‬
‫أصاب فيها المرابطون بالرغم من خسائرهم نصًرا كبيًرا مبينًا‪،‬‬
‫وغدت إشبيلية بعد فرار النصارى تحت رحمة المرابطين‪ ،‬وكانوا‬
‫قد ضربوا حولها الحصار‪ ،‬وكان سير بن أبى أبكر يقود الجيش‬
‫صر‪ ،‬وفتحت إشبيلية عنوة فى رجب ‪484‬هـ‪1091/‬م‪،‬‬
‫المحا ِ‬
‫ُ‬
‫مد بن عَبَّاد مأساة حزينة‪ ،‬وكانت عبرة لتقل ّب‬
‫ت‬
‫ع‬
‫م‬
‫ال‬
‫خاتمة‬
‫وكانت‬
‫ُ ْ َ ِ‬
‫الدهر‪ ،‬وذلك أن الرجل الذى لبث زهاء ربع قرن يقبض بيديه على‬
‫مصاير إسبانيا‪ ،‬والذى كان يحكم سواد النصف الجنوبى لشبه‬
‫الجزيرة‪ ،‬والذى يرجع إليه سبب استيلء ألفونسو السادس على‬
‫طُلَيْطِلَة‪ ،‬والذى استدعى المرابطين إلى الَنْدَلُس‪ ،‬اختتم حياته‬
‫الحافلة بالحداث فى غمرة البؤس والحزن فى أغمات المغرب‬
‫فقد قبض عليه بعد سقوط إشبيلية‪ ،‬وعلى نسائه وأبنائه وبناته –‬
‫وهم نحو مائة – وأرسلوا إلى مراكش(‪ ،)2‬وفى طريقه تألم‬
‫مد من قيده وضيقه وثقله فقال‪:‬‬
‫معْت َ ِ‬
‫ال ُ‬
‫بذل الحديد وثقل القيود‬
‫تبدَّلت من ظل عّزِ‬
‫البنودِ‬
‫وعضبًا رقيقًا صقيل‬
‫وكان حديدى سنانًا‬
‫الحديد‬
‫ذليقًا‬
‫يعض بساقى عض‬
‫وقد صار ذلك وذا أدهما‬
‫السود‬
‫مد‬
‫ال‬
‫سيرة‬
‫فى‬
‫الدب‬
‫لقد أطنب الشعراء والمؤرخون وأهل‬
‫معْت َ ِ‬
‫ُ‬
‫بن عَبَّاد‪ ،‬وسبب ذلك أمور كثيرة وأهمها فى نظرى أن قضيته‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() انظر‪ :‬معركة الزلقة ص (‪.)62‬‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)64‬‬

‫‪115‬‬

‫غريبة‪ ،‬وشخصيته عجيبة‪ ،‬ومَّر بأمور رهيبة وكانت سيرته مليئة‬
‫بالمتناقضات فهو الذى قال‪« :‬رعى البل ول رعى الخنازير» وهو‬
‫مين‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الذى استعان بالنصارى‪ ،‬وأجلب خيلهم ورجالهم ضد ال ُ‬
‫وسيرته تبين لنا سنن الله فى إعزاز من يشاء وإذلل من يشاء‪،‬‬
‫وإعطاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن يشاء‪.‬‬
‫نعُ اْل ُم ْلكَ ِممّ ْن تَشَاءُ وَُت ِعزّ‬
‫ك تُؤْتِى اْل ُم ْلكَ مَن تَشَاءُ وََت ِ‬
‫قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ِل ال ّلهُمّ مَاِلكَ اْل ُملْ ِ‬
‫ك َعلَى ُكلّ َشيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران‪.]26 :‬‬
‫مَن تَشَا ُء وَتُ ِذلّ مَن تَشَا ُء بِيَدِكَ اْلخَ ْي ُر إِّن َ‬
‫مد بن عَبَّاد فى أغمات سنة ‪488‬هـ ‪-‬رحمه الله‬
‫معْت َ ِ‬
‫وتوفى ال ُ‬
‫تعالى‪.-‬‬
‫وفى النادر الغريب أنه نودى فى جنازته بالصلة على الغريب‪،‬‬
‫من له البقاء والعَّزة‬
‫بعد عظم سلطانه وجللة شأنه‪ ،‬فتبارك َ‬
‫والكبرياء(‪.)1‬‬

‫من شعر المعتمد بن عباد‪:‬‬
‫دخل عليه ولده أبو هاشم والقيود قد عضت بساقيه فخاطب‬
‫قيده فقال‪:‬‬
‫قيدي‪ ,‬أما تعلمنى‬
‫ما‬
‫مسل ً‬
‫ُ‬
‫ب‪ ،‬واللحم‬
‫شرا‬
‫دمى‬
‫ٌ‬
‫قد‬
‫يُبصرنى فيك أبو هاشم‬
‫ت له مثله‬
‫ارحم أخيا ٍ‬

‫أبيت أن تشفق أو ترحما‬
‫أكلته ول تهشم العظُما‬
‫فينثني‪ ,‬والقلب قد‬
‫هُشما‬
‫جّرَعتهن ال ُّ‬
‫سم والعَلقما‬

‫وقال ذات مرة بعد أن أحيط به فى إحدى معاركه‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫() وفيات العيان (ج ‪.)5/37‬‬

‫‪116‬‬

‫لما تماسكت الدموع‬

‫ب الصديع‬
‫وتَنْهنه القل ُ‬

‫قالوا الخضوعُ سياسة‬

‫خضوع‬
‫فليبد ُ منك لهم ُ‬

‫ضوع‬
‫وألذ من طعم ال ُ‬
‫خ َ‬

‫س ُّ‬
‫م النقيع‬
‫على فمى ال ّ‬

‫ب عنى الدُّنا‬
‫أتسل ْ‬

‫ب‬
‫ملكى وتُسلْم القل َ‬
‫ال ُّ‬
‫ضلوع‬
‫أن ل تحصُِّننى الدروع‬

‫ت يوم نِزالهم‬
‫قد ُرم ُ‬
‫وبرزت ليس سوى‬
‫القميـ‬
‫أجلى تأخَّ‬
‫ن‬
‫يك‬
‫لم‬
‫ر‪,‬‬
‫ْ‬
‫ُّ‬
‫ط إلى‬
‫ما سرتُ ق‬
‫القتال‬
‫شيم الولى أنا منهم‬

‫ـص عن الحشى شيء‬
‫دَفُوع‬
‫خضوع‬
‫بهواى ذلى وال ُ‬
‫وكان فى أملى الرجوع‬
‫والصل تتبعه الفُروعْ‬

‫(‪)1‬‬

‫ولما تُوفِّى فى أغمات رثاه الشعراء بقصائد معبرة عن‬
‫المشاعر النسانية الدفينة‪ ,‬وممن رثاه شاعره المخلص أبو بحر‬
‫عبد الصمد بقصيدة طويلة أجاد فيها‪ ،‬وأولها‪:‬‬
‫أم قد عدتك عن السماع‬
‫عوادي‬
‫فيها كما قد كنت فى‬
‫العياد‬
‫(‪)2‬‬
‫النشاد‬

‫ملك الملوك‪ ،‬أسامع‬
‫فأنادي‬
‫لما نقلت عن القصور‬
‫ولم تكن‬
‫أقبلت فى الثرى لك‬
‫خاضعًا‬
‫مد بن عَبَّاد عظيمة‪ ،‬وتعاطف معه كثير‬
‫ال‬
‫محنة‬
‫كانت‬
‫لقد‬
‫معْت َ ِ‬
‫ُ‬
‫من المؤرخين والدباء والشعراء‪ ،‬واتهموا يوسف بن تاشفين‬
‫بالقسوة والغلظة وأنَّه صحراوى بدوى نزعت الرحمة من قلبه‪،‬‬
‫ُ‬
‫واستدل ّوا أنه ذو نزعة توسعية دنيوية‪ ،‬ولذلك أنزل العقوبة المؤلمة‬
‫َ‬
‫على من استطاع من ملوك الَنْدَلُس وتخل ّص منهم‪.‬‬
‫والواقع يقول‪ :‬إن ابن تاشفين لم يطمع فى الَنْدَلُس‪ ،‬وتردد‬
‫كثيًرا قبل العبور‪ ،‬وع َّ‬
‫مد‬
‫معْت َ ِ‬
‫ف عن الغنائم بعد الّزِلقَة وتركها لل ُ‬
‫ولمراء الَنْدَلُس‪ ،‬ولم يأخذ منها شيئًا‪ ،‬وكانت عودته‪ ,‬ثم عاد فى‬
‫ف‬
‫الجواز الثانى بسبب اختلفات ملوك الطوائف الهزلي‪ ،‬وتحال ُ ِ‬
‫بعضهم مع ملوك النصارى‪ ،‬ولما اشتد الخطب على أهل الَنْدَلُس‪,‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() التاريخ السلمي‪ ،‬للذهبي‪ ،‬حوادث ووفيات‪ ،‬مجلد (‪490-481‬هـ)‪ ,‬ص (‪.)271‬‬
‫() وفيات العيان (ج ‪.)5/37‬‬

‫‪117‬‬

‫دّين‬
‫صا على سلمة ال ِ‬
‫وأفتى العلماء بخلع ملوك الطوائف حر ً‬
‫والعقيدة؛ قَّرر المير يوسف أن يضع حدًا لمهزلة ملوك الطوائف‪,‬‬
‫ن ‪ -‬من أجل الشريعة والمصلحة العظمى للمة‪ -‬لهذه‬
‫لقد آ َ‬
‫الدويلت الهزيلة الضعيفة المتناحرة المتحالف بعضها مع العداء‬
‫أن تنتهي‪ ،‬وكما قال الشاعر محمود غنيم‪:‬‬
‫َّ‬
‫ليديه‪ ,‬حطــمَ جانب‬
‫من عالج الباب العصى فلم يلن‬
‫َ‬
‫المصـراع‬
‫فقد شغله هؤلء المراء المتفرقون عن الجهاد والفتوحات‬
‫والمرابطة فى سبيل الله لضعفهم وفرقتهم‪ ،‬فلقوا جزاء خيانتهم‬
‫وفرقتهم‪ ،‬وابن تاشفين خص المراء وحدهم بشدة عقابه‪ ,‬وعفا‬
‫عن الشعب المسلم‪ ،‬لن التناقض جلى بين الشعب الذى تعلق‬
‫بالمرابطين وبالمير يوسف لعدله وحزمه وجهاده‪ ،‬والذى حرص‬
‫على رفع المظالم والضرائب والمكوس عن كاهل الشعب الذى‬
‫طلب من ملوكه التحاد فى وجه النصارى‪ ،‬وبين المراء والملوك‬
‫حبًّا فى الحكم‪ ،‬وحفاظًا على‬
‫الذين آثروا التَّفُّرق والخلف‪ُ ،‬‬
‫مصالحهم الشخصية‪.‬‬
‫وهذا الذى قام به المير يوسف‪ ،‬وإزاحة الملوك من أعظم‬
‫حسناته ومآثره الخالدة فى تاريخه المجيد الذى تعتز به أمتنا‬
‫العريقة‪.‬‬
‫مدُن والحصون‪ ،‬وأصبحت‬
‫وبسقوط إشبيلية تزعزعت باقى ال ُ‬
‫غرناطة ومالقة وجيان وقرطبة وإشبيلية والمرية تحت حكم‬
‫المرابطين فى وقت لم يتجاوز ثمانية عشر شهًرا‪.‬‬
‫ت المرية بيد داود ابن عائشة‪ ،‬هذا القائد المجاهد‬
‫ولما سقط ْ‬
‫المرابط فى سبيل الله‪ ،‬المنصور بإسلمه ودينه وصفاء عقيدته‬
‫وحفظه للعهود‪ ،‬واصل سيره الموفق مع جنوده البواسل‪ ,‬وافتتح‬
‫مرابيطر وبلنسية وشنتمرية‪ ،‬ولم تغن أمراءهم معاونة الكمبيادور‬
‫وفرسانه‪ ،‬فبلنسية كان بها يحيى بن ذى النون «القادر»‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من أنه كان منضويًا تحت حماية ملك قشتالة‪ ،‬وقد خفت‬
‫مين من‬
‫لنجاده فرقة كبيرة منهم‪ ،‬وقوة من المرتزقة المسل ِ‬
‫مرسية بقيادة ابن طاهر على الرغم من كل هذا سقطت بلنسية‬
‫بيد المرابطين أصحاب اليادى المتوضئة‪ ،‬والقلوب الطاهرة‪،‬‬
‫والضربات الفتاكة لكل جبار عنيد‪.‬‬
‫مدُن شرق‬
‫واستمَّر داود ابن عائشة فى فتح حصون وقلع ُ‬
‫َ‬
‫إسبانية تحفُّه العناية اللهية‪ ،‬وتنزل عليه الفتوحات الرب ّانية‪,‬‬
‫خا مجيدًا باقيًا على مر‬
‫ويخط للمغاربة وللمة السلميَّة تاري ً‬
‫العصور والزمان‪ ،‬واضحة معالم العقيدة واليمان فى نحته‬

‫‪118‬‬

‫وكتبه بماء الذهب الصافي‪.‬‬
‫أ َّ‬
‫ما القائد الربَّانى والفارس الميدانى سير بن أبى بكر فكان‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جهاده الميمون فى غرب النْدَلس؛ حيث زحف إلى بطليوس‬
‫ح َّ‬
‫متَوَكِّل» بعد أن فتح إشبيلية‬
‫م َ‬
‫مد بن الفطس «ال ُ‬
‫وأميرها يومئذٍ ُ‬
‫َ‬
‫كما سلف‪ ،‬فاستولى على شلب ويابرة‪ ,‬ثم احت ّ‬
‫ل بطليوس فى‬
‫صفر ‪487‬هـ ‪ -‬آذار (مارس) ‪1094‬م‪.‬‬
‫وفى الوقت الذى سقطت فيه بطليوس‪ ،‬استطاع المرابطون‬
‫أن يفتحوا جزر البليار‪ ،‬التى كان واليها يومئذٍ من بنى شهيد أتباع‬
‫أمراء بلنسية ودانية‪ ،‬وأحسن المرابطون صنعًا بفتح الجزر‬
‫الشرقية «بليار» فى الوقت الملئم‪ ،‬فقد كانت منعزلة تعيش‬
‫تحت هيمنة السطول النصراني‪ ،‬وقد تم الفتح على يد القائد‬
‫البحرى ابن تافرطست‪.‬‬
‫بذلك أصبحت إسبانيا المسلمة تحت قبضة دولة المرابطين الفتية‬
‫سطَة التى كان‬
‫سْرقُ ْ‬
‫سنة ‪487‬هـ ‪1094/‬م‪ ،‬ونستثنى من ذلك ولية َ‬
‫واليها أحمد بن هود «المستعين بالله» الذى أبلى بلءً حسنًا فى جهاد‬
‫النصارى‪ ,‬وظهرت فيه شهامة ورجولة أقنعت المير يوسف على‬
‫إبقائه فى ُملكِه‪ ،‬وتحالف ابن هود مع إخوانه فى العقيدة ضد َّ أعدائهم‬
‫فى ال ِدّين‪ ،‬وكان سدًا منيعًا فى الثغور الشمالية وقد كلف النصارى‬
‫خسائر هائلة فى الموال والرواح‪.‬‬
‫ُ‬
‫واستطاع النصارى أن يحتل ّوا مدينة «بلنسية» عام ‪487‬هـ بقيادة‬
‫القائد‬
‫النصرانى الكمبيادور الذى أمن قاضيها «ابن جحاف» ثم أحرقه بالنار‪،‬‬
‫وعمل المرابطون على إرجاع بلنسية والحصون التى وقعت فى يد‬
‫النصارى‪ ،‬وتمكَّنوا من تحرير بلنسية عام ‪495‬هـ‪.‬‬
‫من حولهم‬
‫والجدير بالذكر أن بابا‬
‫الفاتيكان أفتى لهل إسبانيا و َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مين جهاد مقدس‪,‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫من الفرنج إن قتالهم فى النْدَلس ضد ال ُ‬
‫ولذلك لم يشارك السبان فى حروب النصارى الصليبية فى شرق‬
‫العالم السلمى فى هذه الفترة‪.‬‬
‫مين صليبية‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫لقد كانت سياسة السبان فى حروبهم لل ُ‬
‫النزعة‪ ،‬همجية الخلق‪ ،‬خالية من الخلق‪ ،‬ممزوجة بالغدر بعيدة‬
‫عن العلم والحضارة‪.‬‬
‫وكانت سياسة المرابطين فى حروبهم وجهادهم مبنية على‬
‫نشر السلم ومكارم الخلق فى أُطُر حضارية نابعة من مشكاة‬
‫الوحيين كتاب الله وسنة رسوله × (‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬معركة الزلقة‪ ،‬ص (‪.)68‬‬

‫‪119‬‬

***

120

‫المبحث الثامن‬
‫الجواز الرابع للمير يوسف فى الندلس‬
‫لما أصبحت إسبانيا المسلمة تحت حكم المرابطين بما فى ذلك‬
‫سطَة التى حكمها بنو هود‪ ،‬عبر أبو يعقوب يوسف بن تاشفين‬
‫سْرقُ ْ‬
‫َ‬
‫العبور الرابع سنة ‪496‬هـ‪1103 /‬م بعد استرداد بلنسية بعام واحد‪،‬‬
‫يبتغى تنظيم شئونها‪ ،‬وليطلع على حسن سير الدارة‪ ،‬ودعا القادة‬
‫والولة وزعماء الَنْدَلُس‪ ،‬وشيوخ القبائل المغربية التى تدين بالطاعة‬
‫له إلى الجتماع فى قرطبة‪ ،‬وعيَّن ولده الصغر عليًًّا «أبا الحسن»‬
‫وليًّا للعهد؛ فقد ظهرت مواهبه ونجابته ورجاحة عقله ولمس والده‬
‫فيه الخصال اللزمة لحكم شعوب وأمم كثيرة(‪.)1‬‬

‫أول‪ :‬نص ولية العهد للمير على بن يوسف‪:‬‬
‫ً‬
‫ح َّ‬
‫مد بن عبد الغفور‬
‫م َ‬
‫عهد المير يوسف إلى كاتبه الفقيه أبى ُ‬
‫أن يكتب نص ولية العهد وكان مشهوًرا ببلغته‪ ،‬وهذا هو النص‪:‬‬
‫«الحمد لله الذى رحم عباده بالستخلف‪ ،‬وجعل المامة سبب‬
‫ح َّ‬
‫مد نبيه الكريم الذى ألف‬
‫م َ‬
‫الئتلف‪ ،‬وصلى الله على سيدنا ُ‬
‫القلوب المتنافرة‪ ،‬وأذل لتواضعه عزة الملوك الجبابرة‪.‬‬
‫مين وناصر الدِّين أبا يعقوب بن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫أما بعد‪ :‬فإن أمير ال ُ‬
‫تاشفين لما استرعاه على كثير من عباده المؤمنين‪ ،‬خاف أن‬
‫يسأله الله غدًا عما استرعاه كيف تركه همل ً لم يستنب فيه‬
‫سواه‪ ،‬وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظمة‪ ،‬وجعلها من‬
‫آكد الشياء الكريمة‪ ،‬كيف فى هذه المور العائدة فى المصلحة‬
‫مين بما لزمه من هذه الوظيفة‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الخاصة والجمهور‪ ،‬وإن أمير ال ُ‬
‫وحضه الله بها من النظر فى المور الدِّينية الشريفة‪ ،‬قد أعّز الله‬
‫رماحه وأحد سلحه‪ ،‬فوجد ابنه المير الجل أبا الحسن أكثرها‬
‫حا إلى المعالى واهتزاًزا‪ ،‬وأكرمها سجية وأنفسها اعتزاًزا‪،‬‬
‫ارتيا ً‬
‫فاستنابه فيما استرعي‪ ،‬ودعاه لما كان إليه ودعا‪ ،‬بعد استشارة‬
‫أهل الرأى على القرب والنأي‪ ،‬فرضوه لما رضيه‪ ،‬واصطفوه لما‬
‫اصطفاه‪ ،‬ورأوه أهل ً أن يسترعى فيما استرعاه‪ ،‬فأحضره‬
‫مشترطًا عليه الشروط الجامعة بينهما وبين المشروط قبل‪،‬‬
‫وأجاب حين دُعي‪ ،‬بعد استخارة الله الذى بيده الخيرة والستعانة‬
‫بحول الله الذى من آمن به شكره‪ ،‬وبعد ذلك مواعظ ووصية‬
‫بلغت النصيحة مرامى قصية‪ ،‬يقول فى ختامه شروطها وتوثيق‬
‫ربوطها‪ ،‬كتب شهادته على النائب والمستنيب من رضى إمامتها‬
‫ما يقينًا بما وصاه فى هذا الترتيب‬
‫على البعيد والقريب‪ ،‬وعلم عل ً‬
‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬معركة الزلقة‪ ،‬ص (‪.)71‬‬

‫‪121‬‬

‫وذلك فى عام ‪495‬هـ ‪1101 /‬م(‪.)1‬‬

‫أ‪ -‬وأوصى يوسف بن تاشفين ابنه عليًّا بما يلي‪:‬‬

‫حكَّام والقضاة فى الوليات والحصون‬
‫أل يُعَيّن فى مناصب ال ُ‬
‫مدُن إل المرابطين من قبيلة لمتونة‪.‬‬
‫وال ُ‬
‫َ‬
‫وأن يحتفظ فى النْدَلُس بجيش دائم حسن الجر من‬
‫المرابطين‪ ،‬قوامه سبعة عشر ألف فارس‪ ،‬يطعمون على حساب‬
‫سطَة‪ ،‬وسبعة‬
‫سْرقُ ْ‬
‫الدولة يوزعون كما يأتي‪ :‬أربعة ألف فى ولية َ‬
‫آلف فى إشبيلية‪ ،‬وثلثة آلف فى غرناطة‪ ،‬وألف فى قرطبة‪،‬‬
‫والباقى قدره ألفان يحتلون قلع الحصون كحامية‪ ،‬ويحسن أن‬
‫يعهد إلى مسلمى الَنْدَلُس بحراسة الحدود النصرانية ومحاربة‬
‫النصارى‪ ،‬فهم لهم معرفة أوسع وخبرة أكبر على مقاتلة النصارى‬
‫من المغاربة‪ ،‬وأن يعمل على تشجيع الَنْدَلُسيين على روح الجهاد‬
‫وأن يكافئ المتفوقين فى الحرب منهم بالخيل والسلح والثياب‬
‫والمال‪.‬‬
‫َ‬
‫صا قرطبة‬
‫ونصح أبو يعقوب ابنه أن يعامل أهل النْدَلُس وخصو ً‬
‫بالرفق واللين‪ ،‬وأن يقوى علقته الخوية مع بنى هود الذين هم‬
‫طليعة الَنْدَلُسيين فى محاربة النصارى‪.‬‬
‫ولما انتهى يوسف بن تاشفين من تنظيم شئون الَنْدَلُس‬
‫وقسمها إلى ست وليات هى إشبيلية‪ ،‬غرناطة‪ ،‬قرطبة‪ ،‬بلنسية‪،‬‬
‫سطَة‪ ،‬عاد ابن تاشفين إلى مراكش‪.‬‬
‫سْرقُ ْ‬
‫مرسية‪ ،‬و َ‬

‫ب‪ -‬لقد مرت سياسة المرابطين فى الندلس بمراحل‬
‫ثلث‪:‬‬
‫مين‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪-1‬مرحلة التدخل من أجل الجهاد وإنقاذ ال ُ‬
‫وقد انتهت بانسحاب المرابطين بمجرد انتصار‬
‫الّزِلقَة‪.‬‬
‫‪-2‬مرحلة الحذر من ملوك الطوائف‪ ،‬بعد أن ظل‬
‫وضعهم وضع التنافر والتحاسد والتباعد‪ ،‬ولم يفكروا‬
‫فى الندماج فى دولة واحدة‪ ،‬بل فضل بعضهم‬
‫التقرب إلى العداء للكيد ببعضهم‪.‬‬
‫‪-3‬مرحلة ضم الَنْدَلُس إلى المغرب‪ ،‬فوضعوا حدا‬
‫لمهزلة ملوك الطوائف‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫() الزلقة ص (‪ ،)72-71‬انظر‪ :‬ابن الخطيب‪ ،‬الحاطة (‪.)2/519،520‬‬

‫‪122‬‬

‫المبحث التاسع‬
‫آثار البتعاد عن تحكيم شرع الله‬
‫على ملوك الطوائف‬
‫‪ -1‬إن البتعاد عن تحكيم شرع الله تعالى يجلب للفراد‬
‫والمة تعاسة وضنكًا فى الدنيا‪ ،‬وهلكًا وعذابًا فى الخرة‪،‬‬
‫وإن آثار البتعاد عن شرع الله لتبدو على الحياة فى وجهتها‬
‫دّينية والجتماعية والسياسية والقتصادية‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫وإن الفتن تظل تتوالى وتترى على الناس حتى تم َّ‬
‫س جميع‬
‫شئون حياتهم‪ ,‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬فلَْيحْذَرِ الّذِينَ ُيخَاِلفُو َن عَ ْن أَ ْمرِ ِه أَن تُصِيَبهُمْ ِفتْنَ ٌة َأوْ‬
‫يُصِيَبهُ ْم عَذَابٌ َألِيمٌ﴾ [النور‪.]63:‬‬
‫مارسة ملوك الطوائف للحكم البعيد عن شرع‬
‫م َ‬
‫لقد كانت فى ُ‬
‫الله آثار على المة‪ ،‬فتجد النسان المنغمس فى حياة المادة‬
‫سب ك َّ‬
‫ل‬
‫مصابا ً بالقلق والحيرة والخوف والجبن يح َ‬
‫والجاهلية ُ‬
‫من النصارى ول يستطيع أن يقف أمامهم‬
‫صيحة عليه‪ ،‬يخشى ِ‬
‫ز وشموخ واستعلء‪ ،‬وإذا تشجع فى معركة من المعارك‬
‫وقفة ع ّ ٍ‬
‫ضعف قلبه أمام العداء من أثر المعاصى على قلبه‪ ،‬وأصبح فى‬
‫شةً ضَنكًا﴾ [طه‪.]124:‬‬
‫ضنك من العيش‪﴿ :‬وَ َمنْ َأ ْعرَضَ عَن ِذ ْكرِى فَإن َلهُ َمعِي َ‬
‫ُ‬
‫‪ -2‬أ َّ‬
‫ما الثار على المة الَنْدَلُسية فقد أصيبت بالتبل ّد وفقد‬
‫الحساس بالذات ومات ضميرها الروحي‪ ،‬فل أمر بمعروف‬
‫تأمر به‪ ،‬ول نهى عن منكر تنهى عنه‪ ،‬وأصابهم ما أصاب‬
‫بنى إسرائيل عندما تركوا المر بالمعروف والنهى عن‬
‫المنكر‪.‬‬
‫قال تعالى‪ُ﴿:‬لعِنَ الّذِي َن كَ َفرُوا مِن بَنِى ِإ ْسرَائِيلَ َعلَى لِسَانِ دَا ُودَ َوعِيسَى اْبنِ َمرْيَ َم‬
‫ذَِلكَ ِبمَا عَصَوْا َوكَانُوا َيعْتَدُو َن كَانُوا َل يَتَنَاهَ ْو َن عَن مّن َكرٍ فَ َعلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا‬
‫يَ ْف َعلُونَ﴾ [المائدة‪.]79 ،78 :‬‬
‫فإن أيَّ أ َّ‬
‫مة ل تعظ ِّم شرع الله أمًرا ونهيًا فإنها تسقط كما‬
‫مُر َّ‬
‫ن‬
‫سقط بنو إسرائيل‪ ،‬قال رسول الله ×‪« :‬كل والله لتأ ُ‬
‫ن على يد الظالم ولتأطرن ّهَ‬
‫ن عن المنكر ولتأخذ ُ َّ‬
‫بالمعروف ولتنهوُ َّ‬
‫على الحق أطًرا‪ ،‬ولتقصرنه على الحق قصًرا‪ ،‬أو ليضربن الله‬
‫ضا‪ ,‬ثم ليلعننكم كما لعنهم»(‪.)1‬‬
‫بقلوب بعضكم بع ً‬
‫‪1‬‬

‫() أبو داود‪ ،‬كتاب الملحم‪ ،‬باب المر بالمعروف‪ ,‬رقم الحديث(‪.)4670‬‬

‫‪123‬‬

‫‪ -3‬إن ملوك الَنْدَلُس تحققت فيهم سنة الله الماضية بسبب‬
‫تغيُّر النفوس من الطاعة والنقياد إلى المخالفة والتمرد‬
‫ك بِإن الَ لَ ْم َيكُ ُمغَّيرًا نّ ْع َمةً أَنْ َع َمهَا َعلَى قَوْ ٍم حَتّى يُغَّيرُوا‬
‫على أَحكام الله‪﴿ :‬ذَِل َ‬
‫سهِمْ﴾ [النفال‪.]53:‬‬
‫مَا بِأَْنفُ ِ‬
‫حكَّام الذين تباعدوا عن‬
‫كما أن المجتمعات التى تخضع تحت ال ُ‬
‫من خالف أمر الله وتطلب‬
‫شرع الله تُذ َل وتهان‪ ,‬حتى تقوم أمام َ‬
‫العون من إخوانهم فى العقيدة‪ ,‬لرجاع حكم الله فى مجتمعاتهم‪.‬‬
‫إن ملوك الَنْدَلُس انعكس انحرافهم على شباب الَنْدَلُس كل ِّه‪،‬‬
‫وفَّرط أهل الَنْدَلُس فى المر بالمعروف والنهى عن المنكر‪،‬‬
‫َ‬
‫ت‪ ،‬ولذلك‬
‫وانعكس ذلك فى حركة الفتوحات السلميَّة التى توقّف ْ‬
‫حرمت شعوب كثيرة من سعادتها فى الدنيا والخرة بسبب تضييع‬
‫دّين‪ ،‬لقد قست قلوب ملوك‬
‫المانة والرسالة والدعوة إلى هذا ال ِ‬
‫الطوائف وكثير من أتباعهم إل من رحم الله‪ ،‬وتركوا الحق‬
‫وانقادوا للضلل‪ ،‬وابتلوا بالنفاق وفضحهم الله بذلك‪ ،‬وحرموا‬
‫التوفيق والرجوع للصواب‪ ،‬وخف دينهم وضعف إيمانهم‪ ،‬بسبب‬
‫بطرهم للحق وغمطهم لحقوق الناس وابتعادهم عن شرع الله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫‪ -4‬لقد كانت ممالك الَنْدَلُس مليئة بالعتداءات على النفس‬
‫والموال والعراض‪ ،‬وتعطلت أَحكام الله فيما بينهم‪،‬‬
‫َ‬
‫ونشبت حروب وفتن وبليا تول ّدت على أثرها عداوة‬
‫وبغضاء لم تزل عنها حتى بعد زوالهم‪.‬‬
‫‪ -5‬وبسبب البتعاد عن كتاب الله وسنة رسوله × سهلت‬
‫مهمة النصارى فى الَنْدَلُس فأصبحت شوكتهم تقوى‬
‫وتحصلوا على مكاسب كبيرة‪ ،‬وغاب نصر الله عن ملوك‬
‫الطوائف وأهل الَنْدَلُس‪ ،‬وحرموا من التمكين‪ ،‬وأصبحوا‬
‫مدُن تبتلى بالجوع‬
‫فى خوف وفزع من أعدائهم‪ ،‬وبعض ال ُ‬
‫بسبب حصار النصارى لهم‪ ,‬وكم قت َ‬
‫ل النصارى من‬
‫مين وكم سبوا من نسائهم‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫‪ -6‬إن البتعاد عن شرع الله فى الَنْدَلُس ترتب عليه انتقاص‬
‫ُ‬
‫الرض وضياع الملك‪ ،‬وتسل ّط الكفار وتوالى المصائب‪.‬‬
‫دّين‬
‫‪ -7‬إن من سنن الله تعالى المستخَرجة من حقائق ال َ ِ‬
‫سل ّط عليهم‬
‫والتَّارِيخ أنه إذا عُصى الله َ تعالى ِ‬
‫من يعرفونه َ‬
‫م َ‬
‫مين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫من ل َيعرفونه‪ ،‬ولذلك سل ّط الله النصارى على ال ُ‬
‫َ‬
‫فى النْدَلُس‪ ،‬وعندما تحرك الفقهاء والعلماء وبعض‬
‫الملوك واستنصروا إخوانهم فى الدِّين‪ ،‬والتفوا حول دولة‬

‫‪124‬‬

‫َ‬
‫الشريعة نصرهم الله على أعدائهم‪ ،‬ثم خل ّص الله أهل‬
‫الَنْدَلُس من ملوك الطوائف الظالمين وأبدلهم بأمراء‬
‫عادلين‪ ،‬منقادين لشريعة رب العالمين‪.‬‬
‫‪ -8‬إن الذنوب التى يهلك الله بها القرون ويعذب بها المم‬
‫قسمان‪:‬‬
‫أولما‪ :‬معاندة الرسل والكفر بما جاءوا به‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬كفر النعم بالبطر والشر‪ ،‬وغمط الحق واحتقار الناس‬
‫وظلم الضعفاء ومحاباة القوياء‪ ،‬والسراف فى الفسق‬
‫ُ‬
‫والفجور‪ ،‬والغرور بالغنى والثروة‪ ،‬فهذا كل ّه من الكفر‬
‫بنعمة الله‪ ،‬واستعمالها فى غير ما يرضيه من نفع النَّاس‬
‫ل العام‪ ،‬والنَّوع الثَّانى من الذنوب هو الذى مارسه‬
‫والعد ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ملوك النْدَلس وأمراؤهم وأتقنوه إتقانًا عجيبًا‪.‬‬
‫***‬

‫‪125‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫السياسة الداخلية والخارجية فى دولة‬
‫المرابطين‬
‫المبحث الول‬
‫حقوق الرعية فى دولة المرابطين‬
‫إن الله تعالى جعل بين الحاكم والمحكوم حقوقًا وواجبات‬
‫متبادلة‪ ،‬وبينت الشريعة الغَّراء هذه الحقوق المتبادلة؛ فمن أهم‬
‫عي‪:‬‬
‫حقوق الرعية على الَّرا ِ‬

‫أولً‪ :‬العمل على البقاء على عقيدة المة صافية نقية‪:‬‬
‫وذلك عن طريق حفظ الدِّين على أصوله المستقَّرة‪ ،‬وما أجمع‬
‫عليه سلف المة‪ ،‬فهذا هو أهم المور التى تلزم ولة المر تجاه‬
‫الرعية(‪ ،)1‬وأهم هذه الصول‪ :‬التمسك بالكتاب والسنة وإجماع‬
‫القرون المفضلة الولى‪ ،‬وفى دراستى التَّارِيخية لدولة المرابطين‬
‫حكَّامها ساروا على هذا المنهج الذى رسمه شيوخهم‬
‫وجدت أن ُ‬
‫الذين سبقوهم‪ ،‬ولذلك توحدت دولة المرابطين‪ ،‬وكان لذلك‬
‫المسلك سبب فى حماية المة من التَّفُّرق فى الدِّين إلى دروب‬
‫الهواء والضللت‪ ،‬وكان حماية ووقاية للحاكم والمحكوم فى دولة‬
‫المرابطين على السواء من الزيع عن السبيل‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬‬
‫ل َجمِيعًا َو َل تَ َفرّقُوا﴾ [آل عمران‪ ]103 :‬أي‪ :‬تم َّ‬
‫سكوا بدين‬
‫صمُوا ِبحَ ْب ِل ا ِ‬
‫وَاعْتَ ِ‬
‫الله الذى أمركم به‪ ،‬وعهده الذى عهده إليكم‪ ،‬فى كتابه إليكم من‬
‫اللفة والجتماع على كلمة الحق والتسليم لمر الله»(‪ ,)2‬لقد كان‬
‫حكَّام دولة المرابطين على‬
‫يوسف بن تاشفين ومن سبقه من ُ‬
‫سبُل أهل‬
‫ل‬
‫َة‪،‬‬
‫ع‬
‫جما‬
‫وال‬
‫السنة‬
‫منهج الفرقة الناجية وسبيل أهل‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫الزيغ والتفريق التى نهى الله عنها فى قوله‪َ ﴿:‬ولَ َتكُونُوا كَالّذِي َن َت َفرّقُوا‬
‫ب َعظِيمٌ يَوْ َم َتبْيَضّ ُوجُوهٌ وََتسْ َودّ ُوجُوهٌ﴾‬
‫ك َلهُمْ عَذَا ٌ‬
‫وَاخَْتلَفُوا مِن َبعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ َوأُولَِئ َ‬
‫[آل عمران‪.]105،106:‬‬
‫قال ابن عبَّاس –رضى الله عنهما‪« :-‬يعنى تبيض وجوه أهل‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() الحكام السلطانية للماوردي‪ ،‬ص (‪.)22‬‬
‫‪.)7/70‬‬

‫‪126‬‬

‫(‪ )2‬تفسير الطبري‪( ،‬ج‬

‫جماعَة وتسوَّد وجوه أهل الفرقة والزيغ»(‪ ،)1‬لقد قام‬
‫السنة وال َ‬
‫جماعَة بتشجيع‬
‫وال‬
‫السنة‬
‫أهل‬
‫أصول‬
‫بحماية‬
‫تاشفين‬
‫يوسف بن‬
‫َ‬
‫العلماء والفقهاء وبنشرها وحمل الناس عليها واستخدم فى ذلك‬
‫سلطانه وصلحياته الشرعية(‪.)2‬‬

‫ثانيًا‪ :‬توحيد المغرب تحت راية الخلفة السلمية‪:‬‬
‫قام يوسف بن تاشفين بتوحيد المغرب القصى تحت راية‬
‫الخلفة السلميَّة‪ ,‬واستعمل من أجل هذا الهدف كافة السباب‬
‫المشروعة سواء بإصلح ذات البين بين القبائل المتناحرة‪ ،‬أو‬
‫من استعصى عن الجابة‪ ،‬وكان يسعى سعيًا‬
‫باستعمال القوة مع َ‬
‫حثيثًا للقضاء على الشرور فى بلده‪ ،‬ويعمل على إغلق أبوابها أولً‬
‫بأول وسبيله فى ذلك‪« :‬تنفيذ الَحكام بين المتشاجرين‪ ،‬وقطع‬
‫الخصام بين المتنازعين حتى تع َّ‬
‫م النصفة‪ ،‬فل يتعدى ظالم ول‬
‫يضعف مظلوم»(‪.)3‬‬

‫ثالثًا‪ :‬العمل على حماية المة من المفسدين والمحاربين‪:‬‬
‫مين يوسف بن تاشفين أن يؤمن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫حيث استطاع أمير ال ُ‬
‫السبل فى بلده‪ ,‬وأن يبسط المن‪ ,‬ويقمع الخطار التى هددت‬
‫دولته من المارقين‪ ,‬ونظم طرق السفار ومسارب التجارات‪.‬‬
‫وقد عد َّ علماء السلم تأمين السبل والطرق حقًّا من حقوق‬
‫الرعية التى سيُسأل عنها كل راع‪ ،‬فذكروا أن المام يلزمه‪:‬‬
‫حرم‪ ،‬ليتصرف الناس فى‬
‫«حماية بيضة السلم‪ ,‬والذب عن ال ُ‬
‫‬‫معايشهم وينتشروا فى أسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم»‬
‫(‪ ,)4‬ول ش َّ‬
‫ك أن تأمين السبل دليل بارٌز على انتصار الدِّين وتمكينه‪،‬‬
‫فإنه × لما دَعا عدى بن حاتم إلى السلم‪ ،‬وعده – إن طالت به‬
‫مين آمنة‪ ،‬وسبلهم محفوظة لما‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الحياة – أن يرى طرق ال ُ‬
‫مين بعد ضعفهم‪ ،‬فقد روى البخارى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫يؤول إليه المر من قوة ال ُ‬
‫فى صحيحه عن عدى بن حاتم قال‪« :‬بينما أنا عند النبى × إذا‬
‫أتاه رجل فشكا إليه الفاقة‪ ،‬ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا عدى هل رأيت الحيرة؟ قلت‪ :‬لم أرها‪ ،‬وقد أنبئت عنها‪،‬‬
‫قال‪ :‬فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى‬
‫تطوف بالكعبة ل تخاف أحدًا إل الله‪ »...‬وفيه أن عديًا ‪ t‬قال‬
‫بعدها‪« :‬فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() تفسير ابن كثير‪( ،‬ج ‪.)1/369‬‬
‫() انظر‪ :‬الحكم والتحاكم‪( ،‬ج ‪.)2/514‬‬
‫() الحكام السلطانية للماوردي‪ ،‬ص (‪.)22‬‬
‫(‪ )4‬المصدر السابق ص (‪.)27‬‬

‫‪127‬‬

‫تخاف إل الله»(‪.)1‬‬

‫رابعا‪ :‬العمل على حماية المة من أعداء الخارج‪:‬‬
‫ً‬
‫قام المير يوسف بن تاشفين – رحمه الله – بأعمال عظيمة‬
‫حماية لدولته وشعبه من ك ِّ‬
‫ل عدوٍّ يحاول أن يعتدي‪ ،‬واتخذ كل‬
‫السباب المتاحة من أجل تحقيق هذا العمل المنشود من تحصين‬
‫الثغور بالعُدَّة المانعة والقوة الدافعة حتى ل يظفر العداء بثغرة‬
‫ما لمسلم أو معاهد (‪.)2‬‬
‫ما‪ ,‬ويسفكون د ً‬
‫ينتهكون بها محر ً‬
‫وقضى على ك ِّ‬
‫ل محاولت أعداء دولته من البرغواطيين‬
‫ح َّ‬
‫ماديين الذين حاولوا ضم أراض من دولته‪ ,‬وقضى‬
‫والمغاورة وال َ‬
‫ح َّ‬
‫ماديين احترامه بالقوة‪.‬‬
‫ال‬
‫وألزم‬
‫واللحاد‪,‬‬
‫الكفر‬
‫على دويلت‬
‫َ‬

‫ضعَت الشريعة لجله‪:‬‬
‫خامسًا‪ :‬حفظ ما وُ ِ‬
‫فقام بإقامة الحدود‪ ،‬حتى تُصان محارم الله عن النتهاك‪,‬‬
‫َ‬
‫وتحفظ حقوق العباد من أى إتلف أو استهلك‪ ,‬ونفذ فى رعي ّتِه‬
‫ح ُكمُوا بِاْلعَ ْدلِ﴾ [النساء‪.]58:‬‬
‫س أَن َت ْ‬
‫قوله تعالى‪﴿ :‬وَِإذَا َحكَمْتُ ْم بَ ْينَ النّا ِ‬

‫سادسا‪ :‬إعداد المة إعدادًا جهاديًّا‪:‬‬
‫ً‬
‫ومسيرة المرابطين منذ خروجهم من رباط عبد الله بن ياسين‬
‫تد ُّ‬
‫ل على أنَّهم قوم مجاهدون‪ ،‬وقام قادتهم بجهاد الوثنيين‪,‬‬
‫واستمَّر يوسف بن تاشفين فى قتال أهل الردة‪ ,‬وغلة المبتدعة‪,‬‬
‫وتوحيد القبائل الخارجة عن نطاق الدولة‪ ،‬وقام بواجبه فى جهاد‬
‫الكفرة المعاندين للسلم حتى أسلموا أو أدخلوا فى ذمة‬
‫ّ (‪)3‬‬
‫ما بحق الله تعالى فى ظهور دينه على الدِّين كلِه ‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مين قيا ً‬
‫ال ُ‬

‫سابعًا‪ :‬القيام على تحصيل الصدقات وأموال الزكـــاة‬
‫والخراج والفيء‪:‬‬
‫حيث قام المير يوسف بالشراف على جباية وصرف الزكاة‬
‫فى مصارفها الشرعية من غير حيف ول عسف‪ ،‬فكانت من‬
‫مصادر دولة المرابطين الزكاة والخراج والفيء وغيرها‪ ،‬فكان‬
‫س‪ ،‬بل أسقطها‪ ,‬وإنَّما يأخذ‬
‫المير يوسف ل يأخذ الضرائب والمكو َ‬
‫(‪)4‬‬
‫حل ِّه‪ ،‬ويضعه فى حقه‪ ،‬ول يمنعه من مستحقِّه ‪.‬‬
‫المال من ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫() أخرجه البخاري‪ :‬كتاب المناقب‪ ،‬باب علمة النبوة‪( ،‬ج ‪ ،)6/706‬رقم الحديث (‬
‫‪.)3595‬‬
‫(‪ )2‬انظر‪ :‬الحكام السلطانية‪،‬‬
‫() الحكام السلطانية‪ ،‬لبي يعلي‪.‬‬
‫للماوردي‪ ،‬ص (‪.)23‬‬
‫() انظر‪ :‬السياسة الشرعية‪ ،‬لبن تيمية‪ ،‬ص (‪.)29‬‬

‫‪128‬‬

‫ثامنا‪ :‬تحرى المانة فى اختيار المناصب‪:‬‬
‫ً‬
‫حرص المير يوسف على أن يختار المناء والكفاء وأسند‬
‫إليهم الوليات وقيادات الجنود ومناصب القضاة‪ ،‬وحرص على أن‬
‫من يجده لذلك العمل‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫مين أصل َ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫يول ِّى كل عمل من أعمال ال ُ‬
‫واختار وانتخب أحسن وأنفع العناصر لدولته ال ُّ‬
‫سنيَّة من أجل أن‬
‫يقوم بواجبه نحو رعيَّتِه‪.‬‬

‫تاسعًا‪ :‬الشراف المباشر على شئون الدولة‪:‬‬
‫اعتاد المير يوسف أن يُشرف بنفسه على أمور رعيَّتِه‪ ،‬ويتابع‬
‫ولته‪ ,‬ويزورهم فى مواطنهم‪ ,‬ويستمع للنَّاس‪ ،‬وما كان يعتمد على‬
‫التفويض وحده؛ خوفًا من الله تعالى الذى قال فى كتابه‪﴿:‬يَا دَا ُودُ إِنّا‬
‫ل الِ﴾ [ص‪:‬‬
‫ض ّلكَ عَن سَبِي ِ‬
‫س بِاْلحَقّ َو َل تَتِّبعِ اْلهَوَى فَيُ ِ‬
‫جَ َعلْنَا َك َخلِي َفةً فِى الَ ْرضِ فَا ْحكُ ْم بَيْ َن النّا ِ‬
‫‪ ,]26‬وقد عد َّ المام الماوردى هذا المر من حقوق الرعية على‬
‫الوالي‪ ،‬وذكر أنه يلزمه‪« :‬أن يباشر بنفسه مشارفة المور‪,‬‬
‫وتصفح الحوال؛ لينهض بسياسة المة وحراسة الملة‪ ،‬ول يعوِّل‬
‫على التفويض تشاغل ً بلذَّة‪ ,‬أو عبادة؛ فقد يخون المين‪ ,‬ويغش‬
‫الناصح‪.)1( »...‬‬
‫كان المير يوسف يراقب ولته مراقبة شديدة‪ ,‬ول يتردد ُ فى‬
‫تبديلهم وعزلهم إذا أساءوا‪ ،‬وكان يضع مصلحة الرعية فى المقام‬
‫الول عند تعيين الولة ويوصيهم بها خيًرا‪ ،‬وقد جاء فى كتابه إلى‬
‫عبد الله ابن فاطمة‪« :‬فاتخذ الحق إيمانك‪ ،‬وارفع لدعوة المظلوم‬
‫حجابك‪ ،‬ول تسد فى وجه المضطهد بابك‪ ،‬ووطن للرعية ‪-‬أحاطها‬
‫الله ‪ -‬أكنافك‪ ،‬وابذل لها إنصافك‪ ،‬والحرج من كل ما يَحيف عليها‬
‫ويؤذيها‪ ،‬ومن سدَّد عليها من عمالك زيادة‪ ،‬أو خرق فى أمرها‬
‫ما‬
‫ما ظل ً‬
‫ما‪ ،‬أو أخذ لنفسه منها دره ً‬
‫ما‪ ،‬أو بدَّل حك ً‬
‫عادة‪ ،‬أو غيََّر رس ً‬
‫فاعزله من عمله‪ ،‬وعاقبه فى بدنه‪ ،‬وألزمه فى ردِّ ما أخذ متعديًا‬
‫إلى أهله‪ ،‬واجعله نكال ً لغيره حتى ل يقدم منهم أحد على مثل‬
‫فعله»(‪.)2‬‬
‫وكان المير يوسف يُخطر أهل الولية بتعيين الوالى‬
‫الجديد؛ فكتب إلى أهل سبتة بشأن المير يحيى بن أبى‬
‫بكر‪« :‬ونحن من وراء اختياره والفحص عن أخباره‪ ،‬فإذا‬
‫وصل إليكم كتابنا؛ فالتزموا له السمع والطاعة‪ ،‬والنصح‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() الحكام السلطانية للماوردي‪ ,‬ص (‪.)29‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)66‬‬

‫‪129‬‬

‫والمتابعة جهد الستطاعة»(‪ )1‬بالضافة إلى ذلك كان المير‬
‫يوسف كثير الطواف فى مملكته للشراف على تنفيذ‬
‫أوامره وتعليماته من قبل الولة(‪ ,)2‬والطلع على أحوال‬
‫الرعية والنظر فى أمورها‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)166‬‬
‫() الندلس فى عهد المرابطين‪.‬‬
‫استفدت فى مباحث أثر حكم الله على دولة المرابطين‪ ،‬وأثر ترك حكم الله‬
‫والواجبات السياسية التي قام بها المير يوسف من كتاب الحكم والتحاكم‬
‫فى خطاب الوحي‪ ،‬للمؤلف عبد العزيز مصطفى كامل‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫موقف الرعية فى دولة المرابطين‬
‫ت الرعية فى دولة المرابطين حقوقها الشرعية‪،‬‬
‫لقد استوف ْ‬
‫َ‬
‫حك ّامها وولتها‪ ,‬وأهم هذه‬
‫فكان طبيعيًّا جدًّا أن تؤديَ واجباتها إلى ُ‬
‫الواجبات التى أدتها‪:‬‬

‫أولً‪ :‬الطاعة‪:‬‬
‫كان مسلمو المغرب فى زمن دولة المرابطين يتقربون إلى‬
‫الله تعالى بطاعة أميرهم والنقياد له فى كل معروف‪ ،‬ويرون هذه‬
‫حكَّامهم بنص القرآن وصريح السنة وصحيحها‪.‬‬
‫الطاعة حقًا ثابتًا ل ُ‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا أَطِيعُوا الَ وََأطِيعُوا ال ّرسُولَ َوأُولِى ال ْمرِ‬
‫مِ ْنكُمْ﴾ [النساء‪.]59:‬‬
‫وفى مجتمع المرابطين كانت الشريعة فوق الجميع يخضع لها‬
‫حكَّام كانت عندهم مقيدة‬
‫الحاكم والمحكوم‪ ،‬ولهذا فإن طاعة ال ُ‬
‫ما بطاعة الله ورسوله‪.‬‬
‫دائ ً‬
‫قال ×‪« :‬ل طاعة فى المعصية‪ ،‬إنما الطاعة فى‬
‫المعروف»(‪.)1‬‬

‫ثانيًا‪ :‬النصرة‪:‬‬
‫مون تحت قيادة أمراء المرابطين يعاضدون‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫كان ال ُ‬
‫وينصرون أمراءهم فى أمور دينهم وجهادهم لعدوهم عاملين بقوله‬
‫تعالى‪﴿ :‬وََتعَاوَنُوا َعلَى اْلبّ وَالتّقْوَى ﴾ [المائدة‪.]2:‬‬
‫حكَّامهم‪ ،‬ويدافعون‬
‫وكانوا يكرمون من يقيم شرع الله من ُ‬
‫وينافحون عنه ويكرمونه ويجلونه لقوله ×‪« :‬إن من إجلل الله‬
‫تعالى‪ :‬إكرام ذى الشيبة المسلم‪ ،‬وحامل القرآن غير الغالى فيه‬
‫والجافى عنه‪ ,‬وإكرام ذى السلطان المقسط»(‪.)2‬‬

‫ثالثًا‪ :‬النصح‪:‬‬
‫قامت هذه الدولة الميمونة المباركة على النصح المتبادل بين‬
‫الحاكم والمحكومين‪ ،‬ونجد إن أحد الوزراء يطلب من المير‬
‫يوسف عدم جواز البحر فى جهاده ضد النصارى حتى يسلم‬
‫مد بن عَبَّاد له الجزيرة الخضراء‪ ،‬فيسمع المير يوسف هذه‬
‫معْت َ ِ‬
‫ال ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أخرجه البخاري فى كتاب الحكام‪ ،‬باب السمع والطاعة‪ ،‬حديث (‪.)7145‬‬
‫() رواه أبو داود‪ ،‬كتاب الدب‪ ،‬باب تنزيل الناس منازلهم (‪/23‬رقم ‪.)4822‬‬

‫‪131‬‬

‫النصيحة وينفذها فى أرض الواقع‪ ،‬وامتنع عن جواز البحر حتى‬
‫تح َّ‬
‫صل على تلك الجزيرة التى أفادته فى جهاده كثيًرا‪ ،‬لقد كانت‬
‫قيادات المرابطين تستمع للنصح فى تواضع جم‪ ،‬واستعداد نفسى‬
‫رفيع يدل على عمق التربية العميقة التى تح َّ‬
‫صلوا عليها‪.‬‬
‫إن السلم أوجب على الرعية أن تُناصح ولة أمرها‪ ،‬وقد جاء‬
‫المر بذلك فى حديث من جوامع الكلم لرسول الله × إذ يقول‪:‬‬
‫من يا رسول الله؟ قال‪:‬‬
‫«الدِّين النصيحة – ثلثًا – قال الصحابة‪ :‬ل ِ َ‬
‫(‪)1‬‬
‫لله – عَّز وج َّ‬
‫مين وعامتهم» ‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ -‬ولكتابه ولرسوله ولئمة ال ُ‬
‫ومعنى النصيحة لهم فى هذا الحديث‪« :‬معاونتهم على الحق‬
‫وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم فى رفق ولطف‪ ،‬ومجانبة‬
‫الوثوب عليهم‪ ،‬والدعاء لهم بالتوفيق»(‪.)2‬‬
‫وقال ×‪« :‬ثلثة ل يُغل عليهن قلب امرئ مسلم‪ :‬إخلص‬
‫مين‪ ،‬ولزوم جماعتهم»(‪.)3‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫العمل لله‪ ،‬والنصح لئمة ال ُ‬
‫حكَّام المرابطين ببطانة آمرة بالمعروف وناهية‬
‫لقد أكرم الله ُ‬
‫عن المنكر‪ ,‬مرشدة للصواب‪ ،‬ناصحة للراعى والرعية ل تخشى إل‬
‫الله‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬التقويم‪:‬‬
‫ً‬
‫مون الذين ارتبطوا بدولة المرابطين ل يجدون‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫كان ال ُ‬
‫جا ول مانعًا فى إيصال ما يرونه من النصح والرشاد وتقويم‬
‫حر ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حكام أثناء اجتهاداتهم فى شئون الحياة‪.‬‬
‫الخطاء التى يقع فيها ال ُ‬
‫وهذا المبدأ قد استقَّر فى مفهوم الصحابة منذ بداية دعوة‬
‫السلم‪ ،‬فهذا‬
‫دّيق ‪ t‬عندما تولى الخلفة‪ ،‬قام فى الصحابة خطيبًا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫الص ِ‬
‫ّ‬
‫«أيُّها الناس‪ ,‬فإنِّى قد ولِيت عليكم‪ ,‬ولست بخيركم‪ ،‬فإن أحسنت‬
‫فأعيونني‪ ،‬وإن أسأت فقوِّموني‪ ،‬الصدق أمانة‪ ،‬والكذب خيانة‪،‬‬
‫والضعيف فيكم قوى عندى حتى أرجع عليه حقه ‪-‬إن شاء الله‪-‬‬
‫والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه ‪ -‬إن شاء الله‪ ،-‬ل‬
‫يدعُ قوم الجهاد فى سبيل الله إل خذلهم الله بذ ٍّ‬
‫ل‪ ،‬ول تشيع‬
‫الفاحشة فى قوم إل ع َّ‬
‫مهم الله بالبلء‪ ,‬أطيعونى ما أطعت الله‬
‫ورسوله‪ ،‬فإذا عصيت الله ورسوله‪ ،‬فل طاعة لى عليكم‪ ,‬قوموا‬
‫إلى صلتكم يرحمكم الله»(‪.)4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫رواه مسلم‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬باب بيان أن الدين النصيحة‪/23( ،‬رقم ‪.)55‬‬
‫جامع العلوم والحكم‪ ،‬لبن رجب‪ ،‬ص (‪.)79‬‬
‫انظر‪ :‬صحيح ابن ماجه‪ ،‬للشيخ اللباني رحمه الله (ج ‪2/182‬رقم ‪.)248‬‬
‫البداية والنهاية‪( ,‬ج ‪ )1/306‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫وكان عمر ‪ t‬ل يكتفى بإنصاف الناس من نفسه‪ ،‬حتى ينصفهم‬
‫من عُماله وولته‪ ،‬يسأل الرعية عمن أساء منهم‪ ،‬وكان يقول‪:‬‬
‫«إنِّى لم أبعث عمالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم‬
‫ويأخذوا أموالكم‪ ،‬ولكنى استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة‬
‫ي‪ ،‬ليرفعها إل َّ‬
‫من ظلمه عامله بمظلمة فل إذن له عل َّ‬
‫ي‬
‫نبيكم‪ ،‬ف َ‬
‫(‪)1‬‬
‫حتى أقصه منه» ‪.‬‬
‫إن علقة الحاكم بالمحكوم فى السلم غرضها الول إعلء‬
‫عى والرعية‪ ,‬وثانياً‪ :‬فهى‬
‫كلمة الله‪ ,‬وإعزاز دينه‪ ,‬ولمصلحة الَّرا ِ‬
‫بعيدة كل البعد ع َّ‬
‫من ل يسألون فيها عما‬
‫من يجعلون فى مرتبة َ َ‬
‫ّ‬
‫حكامهم بدون وجه حق‪ ،‬إن‬
‫من يحقرون ويمتهنون ُ‬
‫يفعلون‪ ,‬وبين َ‬
‫الحاكم فى السلم له احترامه وحقوقه المستمدة من كتاب الله‬
‫وسنة رسوله ×‪ ،‬وكذلك للمحكوم حقوقه المستمدَّة من أصل‬
‫عقيدة السلم‪ ،‬لذلك نجد النصح والنقد والتقويم بين الحاكم‬
‫والمحكوم فى تاريخ السلم على مّرِ العصور والزمان‪ ،‬فإذا‬
‫لَ‬
‫تأملت فى الدول التى سارت على شرع الله المولى ‪ -‬عَّز وج ّ‬
‫وجدت هذه المعالم واضحة‪.‬‬‫َ‬
‫وهذا يوسف بن تاشفين عندما دخل فى بلد النْدَلُس للجهاد‬
‫فى سبيل الله فأرسل إلى أهل المرية من ممالك الَنْدَلُس‪ ،‬وذكر‬
‫َ‬
‫لهم أن جماعة أفتوه بجواز طلب العون اقتداء بعمر بن الخط ّاب ‪t‬‬
‫فرد َّ قاضى المرية «أبو عبد الله بن الفراء» على المير يوسف‬
‫ردًّا فيه نقد وتقويم ونصح‪ ،‬فلم يتعَّرض ذلك القاضى لعقوبة‪ ،‬بل‬
‫استمع إلى نصحه وإرشاده وما رآه ح ًّقا‪ ,‬وكان هذا القاضى من‬
‫الدِّين والورع بمكان‪ ،‬وهذا ن ُّ‬
‫ص الجواب الذى أرسله إلى المير‬
‫يوسف‪« :‬أ َّ‬
‫مين من اقتضاء المعونة‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ما بعد‪ ,‬ما ذكره أمير ال ُ‬
‫وتأخيرى عن ذلك‪ ،‬وإن أبا الوليد الباجى وجميع القضاة والفقهاء‬
‫بالعُدوة والَنْدَلُس أفتوا بأن عمر ابن الخطاب ‪ t‬اقتضاها‪ ،‬وكان‬
‫صاحب رسول الله × وضجيعه فى قبره‪ ،‬ول يشك فى عدله‪،‬‬
‫فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله × ول بضجيعه فى‬
‫قبره‪ ،‬ول من ل يشك فى عدله‪ ،‬فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك‬
‫بمنزلة فى العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك‪ ،‬وما اقتضاها‬
‫عمر حتى دخل مسجد رسول الله × وحلف أن ليس عنده درهم‬
‫مين ينفقه عليهم‪ ،‬فلتدخل المسجد‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫واحد من بيت مال ال ُ‬
‫الجامع هناك بحضرة أهل العلم‪ ،‬وتحلف أن ليس عندك درهم‬
‫واحد‪ ،‬ول فى بيت مال المسلمين‪ ,‬وحينئذٍ تستوجب ذلك‪,‬‬
‫والسلم»(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() الطبقات الكبرى‪ ،‬محمد بن سعد‪( ،‬ج ‪.)8/222‬‬
‫() وفيات العيان(ج ‪.)7/119‬‬

‫‪133‬‬

‫ومحل الشاهد من هذه الرسالة هو النقد والتقويم المستمُّر‬
‫فى حياة المة بين علمائها وأمرائها بدون ظلم وجور واعتداء من‬
‫الطرفين على بعضهما البعض‪ ،‬وبذلك تنطلق حضارة المة بآفاقها‬
‫المتنوعة لتحدث تغييًرا حضاريًا فى دنيا الناس‪ ،‬مبنى على النصح‬
‫والتناصح‪ ،‬والنقد والتقويم‪ ،‬كما حدث فى دولة المرابطين ال ُّ‬
‫سنيَّة‪.‬‬

‫***‬

‫‪134‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫موقف المرابطين من الخلفة العباسية‬
‫رأى المرابطون إن مبايعة الخليفة العبَّاسى واجبة‪ ،‬ولذلك‬
‫أعطوا بيعتهم له لكونهم مالكيين سنيين‪ ،‬فاعترفوا بالخلفة‬
‫العباسية واتخذوا السواد شعاًرا لهم‪ ،‬ونقشوا اسم الخليفة‬
‫العبَّاسى على نقودهم منذ منتصف القرن الخامس الهجري‪ ،‬وبعد‬
‫أن بسط المير يوسف سيادته على الَنْدَلُس طلب منه الفقهاء أن‬
‫تكون وليته من الخليفة لتجب طاعته على الكافة‪ ،‬ونزول ً عند‬
‫رغبتهم اتصل بالخليفة العبَّاسى أحمد المستظهر بالله ‪-487‬‬
‫‪512‬هـ ‪1094 /‬م‪1118 -‬م وأرسل إليه بعثة من عبد الله بن‬
‫ح َّ‬
‫مد بن العربى المام المعروف‪ ،‬وزوَّدها بهدية ثمينة‪ ,‬وبكتاب‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫يذكر فيه ما فتح الله على يده من البلد فى المغرب والنْدَلس‪،‬‬
‫وما أحرزه من نصر للمسلمين‪ ،‬وعّزٍ للسلم‪ ،‬ويطلب فى النهاية‬
‫تقليدًا بولية البلد التى بسط نفوذه عليها‪ ،‬وأدَّت البعثة مهمتها‬
‫َ‬
‫بنجاح؛ فتلط ّفت فى القول‪ ,‬وأحسنت البلغ وعادت إلى المغرب‬
‫سَّر بذلك‬
‫بتقليد الخليفة وعهده للمير يوسف بن تاشفين الذى ُ‬
‫ما(‪.)1‬‬
‫سروًرا عظي ً‬
‫لقد كانت دولة المرابطين من الناحية العملية تستطيع أن‬
‫تستغنى عن الخلفة العباسية الضعيفة‪ ,‬حيث إن السلطان ل يملك‬
‫من السلطة إل اسمه‪ ،‬بل كان المير يوسف أكثر قوة منه؛ يملك‬
‫صهم على تنفيذ أَحكام‬
‫ويحكم‪ ،‬ولكن حبَّهم لشريعة السلم وحر َ‬
‫الله فى أسوأ الظروف جعلهم يتقيدون بذلك‪ ،‬لقد كانت توجيهات‬
‫القرآن الكريم فى وجوب لزوم الجماعة وذم التَّفُّرق واضحة‬
‫المعالم بالنسبة إليهم‪ ,‬ولقد كانت أحاديث رسول الله × فى هذا‬
‫المضمار هى التى أرشدتهم للنضمام للخلفة العباسية الضعيفة‪،‬‬
‫قال تعالى‪﴿:‬وَلَ تَكُونُوا كَالّذِينَ تَفَ ّرقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَ ْعدِ مَا جَا َء ُهمُ الَْبيّنَاتُ َوأُولَِئكَ لَهُمْ‬
‫س َودّ وُجُو ٌه فَأَمّا الّذِينَ ا ْسوَدّتْ وُجُوهُ ُهمْ َأكْفَ ْرتُمْ بَعْدَ إِيَاِنكُمْ‬
‫َعذَابٌ َعظِيمٌ َيوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وََت ْ‬
‫ضتْ وُجُوهُهُ ْم فَفِى رَ ْحمَةِ الِ هُ ْم فِيهَا خَالِدُونَ﴾‬
‫فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنُْتمْ َتكْفُرُونَ وَأَمّا الّذِينَ ابْيَ ّ‬
‫[آل عمران‪.]107-105:‬‬
‫لقد ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عبَّاس – رضى الله عنهما‪:-‬‬
‫قوله‪َ ﴿ :‬و َل َتكُونُوا كَالّذِينَ َت َفرّقُوا وَاخَْتلَفُوا﴾ ونحو هذا فى القرآن أمر الله‪-‬‬
‫جل ثناؤه ‪-‬المؤمنين بالجماعة‪ ،‬فنهاهم عن الختلف والفُرقة‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)157‬‬

‫‪135‬‬

‫من كان قبلهم بالمراء‪ ,‬والخصومات فى دين‬
‫وأخبرهم إنَّما هلك َ‬
‫الله»(‪.)1‬‬
‫والحاديث فى هذا الشأن كثيرة‪ :‬فعن ابن عبَّاس – رضى الله‬
‫من فارق الجماعة شبًرا‬
‫عنهما – قال‪ :‬قال رسول الله ×‪َ « :‬‬
‫(‪)2‬‬
‫فكأنَّما خلع ربقة السلم من عنقه» ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر –رضى الله عنهما – قال‪ :‬سمعت رسول الله ×‬
‫ميتة جاهليَّة» (‪.)3‬‬
‫من فارق الجماعة‪ ،‬فإنه يموت ِ‬
‫يقول‪َ « :‬‬
‫والمراد بميتة الجاهلية ‪-‬وهى بكسر الميم‪ -‬حالة الموت كموت‬
‫أهل الجاهلية على ضلل‪ ،‬وليس له إمام مطاع‪ ،‬لنَّهم كانوا ل‬
‫يعرفون ذلك‪ ،‬وليس المراد أنه يموت كافًرا‪ ،‬بل يموت عاصيًا‪ ،‬لقد‬
‫ذهب علماء المرابطين إلى أن الجماعة المقصودة فى الحديث‬
‫مين إذا اجتمعوا على أمير‪ ،‬موافق للكتاب‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫جماعة ال ُ‬
‫والسنة(‪.)4‬‬
‫هذا فى نظرى سبب دخول المرابطين تحت الخلفة العباسية‪،‬‬
‫وأما ما ذكره المؤرخون أن من أسباب ذلك بعدهم عن العبَّاسيين‪،‬‬
‫صة بعد أن تطَّرق إليهم الفساد‪ ،‬ود َّ‬
‫ولذلك كانوا ل يخشونهم خا َّ‬
‫ب‬
‫الضعف فيهم‪ ،‬وهى ل تشكل أى خطر عليهم‪ ،‬فإنِّى استبعد ذلك‬
‫حيث إن سياسة قادة المرابطين تقاد بالشرع‪ ،‬وليس العكس‪،‬‬
‫فهم إسلميون سياسيون‪ ،‬وليسوا سياسيين إسلميين فى‬
‫علقاتهم الخارجيَّة وشئون دولتهم الدَّاخلِيَّة وارتباطاتهم الدولية‪.‬‬

‫أولً‪ :‬الخطاب الذى رفعه الفقيه ابن العربى إلى الخليفة‬
‫المستظهر بالله ‪512-487‬هـ‪:‬‬
‫يلتمس فيه تقليدًا يخوِّل يوسف بن تاشفين حكم بلد المغرب‬
‫والَنْدَلُس‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلي‪:‬‬
‫أسعد الله الدنيا وأهلها بدوام أنوار المواقف المقدسة النبوية‬
‫مين أمدها‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫المامية المستظهرية‪ ،‬وضاعف مددها‪ ،‬ول أرى ال ُ‬
‫بغرائب مجد تبدعها‪ ،‬وفرائض تشرعها الخلفة‪ ،‬ومستأنف سعود‬
‫تحرص جنابها‪ ،‬ول زالت اليام التى هى ليامها غرر‪ ،‬وفى إكليل‬
‫الخلفة درر‪ ،‬وللدهر تمائم‪ ،‬وفى المحل غنائم‪ ،‬والحمد لله الذى‬
‫جعل المواقف المقدسة النبوية المامية المستظهرية شرائط‬
‫السواد‪ ،‬وخ َّ‬
‫صها بالمجد المؤثل المطول بالنتساب‪ ،‬كابًرا عن كابر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫جامع البيان (ج ‪.)4/39‬‬
‫البخاري‪ ،‬فتح الباري‪ ،‬ج (‪.)13/7‬‬
‫انظر‪ :‬الشيخ اللباني رحمه الله فى السلسلة الصحيحة (ج ‪.)984 /‬‬
‫انظر‪ :‬وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق‪ ،‬د‪ .‬جمال أحمد‪ ،‬ص (‪.)97‬‬

‫‪136‬‬

‫إلى أعلى خندف(‪ ،)1‬فهى أعلها عمادًا‪ ,‬وأوراها فى مواقف الفضل‬
‫زنادًا‪ ,‬أرومة الرسالة وجرثومة الخلفة‪ ،‬إليها ينزع هاشم‪ ،‬وعنها‬
‫أخذت المكارم‪ ،‬مفاخر شهد لها الكتاب المنزل‪ ،‬وعهد بتخليدها‬
‫مخبًرا عن الوحى فى آله وعقبه النبى المرسل‪ ،‬قد آمنت بعصمة‬
‫الله من الغير‪ ،‬وتحققت أواخرها على السنن أولها فى هداية‬
‫البشر بحسن السير‪ ،‬أوزعنا الله الشكر على ما م َّ‬
‫ن به من توفيقنا‬
‫للتمسك بعراها الوثيقة‪ ,‬والهداء بهداها إلى واضح الطريقة‪ ،‬فهم‬
‫دّين وسليتنا‪ ،‬استعملنا الله من طاعته‬
‫دّين أمتنا‪ ,‬ويوم ال ِ‬
‫فى ال ِ‬
‫وطاعتهم بما يؤدى إلى مرضاته ومرضاتهم‪ ،‬إنه الموفِّق الهادى ل‬
‫ر َّ‬
‫ب غيُره‪.‬‬
‫وإن الخادم بالدعية المتقبلة للمواقف المقدسة النبوية‬
‫المامية المستظهرية‪ ،‬ألهمه الله منها لما يسمع فيرفع بمنه لما‬
‫علم بموجب الشرع أن بيعة المام العادل من أركان الديانة‪ ،‬ومما‬
‫يتعين ما يحتمل من رعاية المانة‪.‬‬
‫هاجر إلى ذلك بنفسه وبابنه المسترق القن من أقصى‬
‫المغارب‪ ،‬معتقدًا أن عمله أفضل القرب والرغائب‪ ،‬واحتمل برد‬
‫الهواء وظمأ الهواجر‪ ،‬واقتحم دون ذلك مسالك بلغت فيها القلوب‬
‫الحناجر‪ ،‬ولم يثنه بحر يزخر‪ ،‬ول قفر يذعر ويحتسب فى ذلك‬
‫أثره‪ ،‬ويرجو أن يقبل الله يوم الجزاء عثره‪ ،‬إلى أن انتهى هو وابنه‬
‫إلى مدينة السلم ل زالت محروسة من ِغيَر اليام‪ ،‬عاصمة لمن‬
‫التجأ إليه من مهتضمى النام‪.‬‬
‫ولم يزل الخادم بالدعية المتقبلة بحول الله يتو َّ‬
‫سل بهجرته‪،‬‬
‫ويتقَّرب بخلوص علنيته وسريرته‪ ,‬ويسأل تشريف رقاعه‪،‬‬
‫بملحظاتها‪ ،‬والنَّظر من انقطاعه‪ ،‬رغبة فى الحظ الجسيم‪ ،‬إلى أن‬
‫وصل إلى المجلس السامى وخدم البساط العالي‪ ،‬زاده الله‬
‫ما وتشريفًا‪ ،‬وأنهى أغراض وفادته ومقاصد إدارته‪ ,‬فنفذت‬
‫تعظي ً‬
‫الوامر الشريفة‪ ،‬أدام الله سموَّها وتشريفها‪ ,‬واصطفى على‬
‫الجميع ستر سلطانها‪ ،‬وكنف إحسانها بقبول وسائله‪ ،‬وإلحاح‬
‫مطالبه‪ ،‬وإضافة الحسان عليه‪.‬‬
‫ولما بسط له فى المل‪ ،‬وكان هو وابنه فى مح ِّ‬
‫ل الكرامة‬
‫والجذل‪ ،‬بدأ بعرض ما هو عليه ناصر الدِّين‪ ،‬وجامع كلمة‬
‫مين‪ ،‬القائم بدعوة مولنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫وعلى آبائه الطاهرين‪ ،‬المير أبو يعقوب يوسف بن تاشفين‬
‫مين باستئصال فئة العناد‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫المتحرك بالجهاد المتجهز إلى ال ُ‬
‫ولمة الفساد‪ ،‬قام بدعوة المامة العباسية والناس أشياع‪ ,‬وقد‬
‫‪1‬‬

‫() خندف هي امرأة إلياس بن معز أحد جدود العرب‪ ،‬وفد عرف بنوه بها‪ :‬نهاية‬
‫الرب فى معرفة أنساب العرب‪ ،‬ص (‪.)248‬‬

‫‪137‬‬

‫غلب عليهم قوم دعوا إلى أنفسهم ليسوا من الرهط الكريم‪ ،‬ول‬
‫من شعبة الطاهر الصميم‪ ،‬فنبَّه جميع من كان فى أفق قيامه‬
‫َ‬
‫ما‬
‫من توقّف عنها منذ أربعين عا ً‬
‫بالدعوة المامية العباسية‪ ،‬وقاتل َ‬
‫من فى جهة المغارب على سعتها وامتدادها له‬
‫إلى أن صار جميع َ‬
‫َ‬
‫طاعة‪ ،‬واجتمعت بحمد الله على دعوته الموفّقَة الجماعة‪،‬‬
‫فيخطب الن للخلفة‪ ،‬بسط الله أنوارها‪ ،‬وأعلى منارها على أكثر‬
‫من ألفى منبر وخمسمائة منبر‪ ،‬فإن طاعته ضاعفها الله من أول‬
‫بلد الفرنج ‪-‬استأصل الله شأفتهم‪ ،‬ود َّ‬
‫مر جملتهم ‪ -‬إلى آخر بلد‬
‫السوس مما يلى بلد غانة وهى بلد معادن الذهب‪ ،‬والمسافة بين‬
‫الحدين المذكورين مسيرة خمسة أشهر‪ ،‬وله وقائع فى جميع‬
‫أصناف الشرك من الفرنج وغيرهم قد فللت غربهم‪ ،‬وقللت‬
‫حزبهم‪ ،‬وألفت جموعه حربهم‪ ،‬وهو مستمٌّر على مجاهدتهم‪،‬‬
‫ومضايقتهم فى كل أفق‪ ،‬وعلى كل الطرق‪ ،‬وقد استرجع كثيًرا‬
‫مين‪ ،‬وسبت‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫من المعاقل التى استباحها الروم من أمور ال ُ‬
‫أهلها قبل حصول تلك الجهات فى حكم سلطانه‪ ،‬وكانت ثغور‬
‫مين بها مستضامة‪ ،‬وقد أعادها جده بحمد الله إلى أولها‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫مين والسلم وعّزِ سلطانه‪ ,‬وهذا دأبه‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫واحترمت لحرمة ال ُ‬
‫وهجيراه الذى ل عمل له سواه‪.‬‬
‫وعدة جيوشه إذا جمعها لحركته ستون ألف فارس‪ ,‬وكان أمله‬
‫مواصلة الخدمة والتشريف بإنهاء أعماله‪ ،‬والعلم بمناقل أحواله‬
‫مين‪ ,‬وإقباله على‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وأفعاله‪ ,‬وباحتماله على حماية دين ال ُ‬
‫مجاهدة المشركين‪ ،‬إل أن الحائل المانع دون ذلك لاشفاته‪ ،‬ولم‬
‫يزل محافظًا على ما هو عليه من إقامة الدعوة السعيدة‪,‬‬
‫والعتراف بجمل النعم الوافدة العديدة بفضل الله‪ ،‬ولقد وصل‬
‫إلى ديار المشرق فى هذا العام قاضى من قضاة المغرب يعرف‬
‫بابن القاسم‪ ،‬وذكر من حال هذا المير ما يؤ ِكّد ما ذكرته‪ ،‬ويؤيد ما‬
‫شرحته‪ ،‬وأشاع القاضى المذكور ذلك بمكة‪ ،‬وصل الله تشريفها‬
‫وتعظيمها‪ ،‬وذكر لى أن الروم على شفا جرف من تضييقه عليهم‪،‬‬
‫وحصاره لهم‪ ،‬وقد تكَّرر إعلم الخادم بذلك لما تلزمه من طاعة‬
‫أولى المر لسيما هذا المير‪ ،‬وقد حظى بفضائل منها الدِّين‬
‫المتين‪ ،‬والعدل المستبين‪ ،‬وطاعة المام‪ ،‬وابتدأ جهاده بالمحاربة‬
‫مين على طاعته والرتباط‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫على إظهار دعوته‪ ،‬وجميع ال ُ‬
‫مين‪ ،‬وهو ممن يقسم بالسوية‪ ،‬ويعدل فى‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫بحماية ثغور ال ُ‬
‫الرعية‪ ,‬والله ما فى طاعته مع سعتها دان منه‪ ،‬ول ناء عنه من‬
‫مين رسم مكس‪ ،‬وسبل‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫البلد ما يجرى فيه على أحد من ال ُ‬
‫مين آمنة‪ ،‬ونقوده من الذهب والفضة سليمة من الشرب‪،‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫مطرزة باسم الخلفة‪ ،‬ضاعف الله تعظيمها وجللها‪.‬‬
‫هذه حقيقة حالِه‪ ،‬والله يعلم أنى ما أسهبت ول لغوت‪ ،‬بل‬

‫‪138‬‬

‫لعلى قد أغفلت أو ق َّ‬
‫صرت‪ ،‬ولمولنا أمير المؤمنين المستظهر‬
‫بالله‪ ،‬صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين‪ ،‬والطول العميم فى‬
‫المر‪ ,‬تشريفه بقبول تأميله‪ ،‬وفى الشارة إليه بما يقوى أمره‪،‬‬
‫ويشد أزره‪ ,‬ويؤيد سلطانه‪ ،‬ويعلى شأنه‪ ,‬مجريًا له على السنن‬
‫الكريم‪ ،‬الطول العميم‪ ،‬فوالله ما فى المراء ول فى شيع النصحاء‬
‫الولياء من يجوز فى الولء وصحة النتماء سبقه‪ ،‬ول يلبس من‬
‫النصيحة من الخلفة المقدسة المبنية على طريق النبوية‪ ،‬ما يصل‬
‫يده ويقوى أيده ويشد عضده بمنه وطوله‪.‬‬
‫وضراعة الخادم بالدعية المتقبلة لنفسه ولبنه المسترق القن‬
‫بعد المتنان بإباحة الصدر لهما إلى الوطن‪ ،‬فقد بعد عنه سبعة‬
‫أعوام‪ ،‬وأقاما فى الجناب المخضب الظليل‪ ,‬والكنف الرحب‬
‫المأهول مدة عامين‪ ،‬يستدَّران النعم الحافلة جمل ً بعد جمل‪،‬‬
‫ويكرعان فى المشارب الجمة العذبة علل ً بعد نهل‪ ,‬فلله الهام‬
‫الشريفة التى مسحت على شكيتها من عدوان اليام بيد شيم‬
‫الكرام‪ ،‬فأزاحت عنهما جميع الشاكيات واللم‪ . .‬ل أعدم الله‬
‫مولنا المام المستظهر بالله أمير المؤمنين‪ ،‬صلوات الله عليه‬
‫وعلى آبائه المنتخبين مبرة تتضاعف بها المعالي‪ ,‬وسعادة تحرز‬
‫أسنى المال‪ ،‬وكفاية يستمد ُّ بها حرية اليام والليالي‪ ،‬فذلك بيده‬
‫وغيره معجزة‪ ،‬وهو المنعم الجوَاد‪ ،‬وك ُّ‬
‫ل خير من طوله مستفاد‪ ،‬ل‬
‫ّ‬
‫شريك له‪ ،‬ول توفيق إل به والحمد لله حق حمده‪ ،‬وصلواته على‬
‫سيد المرسلين رسوله وعبده وعلى آله الطيبين‪ ،‬وعترته‬
‫المنتخبين الراشدين‪ ،‬آباء أمير المؤمنين صلوات الله عليهم‬
‫أجمعين إلى يوم الدِّين‪ ،‬وحسبى الله ونعم الوكيل» (‪.)1‬‬
‫ُ‬
‫إذا تأ َّ‬
‫ملنا فى الرسالة المذكورة فإنها تدل ّنا على طابع رسائل‬
‫حكَّام فى فترة المرابطين‪ ،‬وتدلنا على حسن اختيار دولة‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫المرابطين لممثليها عند الخلفة العباسية‬
‫حيث إن ّها اختارت عال ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حكام والخلفاء‪ ،‬وبذلك‬
‫فقيهًا ذا دراية وخبرة كبيرة فى مخاطبة ال ُ‬
‫نجحت تلك الوفادة وحققت أهدافها‪ ،‬ورجعت تحمل معها ثمارها‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬رد الخلفة العباسية على طلب دولة المرابطين‪:‬‬

‫لش َّ‬
‫ك أن الخلفة العباسية دخلها سرور عظيم‪ ,‬وكسبت‬
‫مكسبًا معنويًا كبيًرا‪ ,‬ولذلك حرص الخليفة على أن يرد بنفسه‬
‫على خطاب ابن تاشفين حيث كتب سبعة وثلثين سطًرا جاء فيها‪:‬‬
‫«عرضت هذه القصة بمفاوز العز والعصمة‪ ،‬ومواقف المامة‬
‫المطهرة المكرمة‪ ،‬زاد الله جللها‪ ،‬وسبوغ ظللها‪ ،‬فخرجت‬
‫المراسم الشريفة بأن‬
‫ما‪،‬‬
‫ما‪ ,‬ولشرطه ملتز ً‬
‫ذلك الولى الذى أضحى بحبل الخلص معتص ً‬
‫‪1‬‬

‫() دراسات فى تاريخ المغرب والندلس‪ ,‬د‪ .‬أحمد العبادي‪ ،‬ص (‪.)476‬‬

‫‪139‬‬

‫وإلى أداء فروضه مسابقًا‪ ،‬وكل فعله فيما هو بصدده للتوفيق من‬
‫من غدا بالدِّين تمسكه‪ ,‬وفى الذيادة‬
‫الولء‪ ،‬طويل نجاده‪ ,‬إذ كان َ‬
‫عنه مسلكه‪ ،‬حقيقًا بأن يستتب صلح النظام على يده‪ ،‬ويستشف‬
‫من يليه من الكفار‪ ,‬وإتيان ما يقضى‬
‫من يومه حسن العقبى فى َ‬
‫عليهم بالجتياح والبوار‪ ،‬اتباعه لقوله تعالى‪﴿:‬قَاِتلُوا الّذِي َن َيلُوَنكُم مّنَ‬
‫اْلكُفّارِ﴾ [التوبة‪.]123 :‬‬
‫فهذا هو الواجب اعتماده الذى يقوم به الشرع‪ ،‬وأن يؤلف‬
‫من فى جملته من النجاد على الطاعة المامية التى هى‬
‫شمل َ‬
‫العروة الوثقى والذخر البقى واستقراه قوله تعالى العمل‪ ،‬والبدار‬
‫إلى التشبتث بسببه‪﴿ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آ َمنُوا أَطِيعُوا الَ وََأطِيعُوا ال ّرسُولَ وَأُولِى ال ْمرِ‬
‫مِ ْنكُمْ﴾ [النساء‪.]59:‬‬
‫وليكن دأبه الجهاد فيما يكسب عند الله الزلفى‪ ,‬ويمنحه من‬
‫ضرًا وَمَا‬
‫رضاه القسم الكمل الوفى‪﴿ :‬يَوْ َم َتجِ ُد ُكلّ َنفْسٍ مّا َعمِلَتْ ِمنْ خَ ْي ٍر ّمحْ َ‬
‫َع ِملَتْ مِن سُوءٍ تَ َودّ لَ ْو أن بَيَْنهَا وَبَيَْن ُه أَمَدًا َبعِيدًا﴾ [آل عمران‪.]30:‬‬
‫وأن يختص رافعها وولده بالرعاء الذى يضفو عليهما برده‪،‬‬
‫ويصفو لهما ورده‪ ،‬وليظهر عليهما من المهاجرة جميل الثر‪،‬‬
‫م ِ النشر‪،‬‬
‫ويؤول أمرهما فيما يرجو أنَّهما إلى استقامة النظام وض ّ‬
‫فليقابل المر السنى فى ذلك بامتثال واحتذاء مطاع المثال ‪ -‬إن‬
‫شاء الله‪.)1(»-‬‬
‫لقد استطاعت دولة المرابطين أن تكون سندًا قويًا معنويًا‬
‫للخلفة العباسية ال ُّ‬
‫سنيَّة‪ ,‬وبذلك تكون نفَّذت أوامر ربها‪,‬‬
‫واسترشدت بتوجيهات نبيها‪ ،‬فأصابها بركة ذلك من سمعتها‬
‫مين‪ ،‬وأصبحت جزءًا من الخلفة العباسية‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫العالمية فى ديار ال ُ‬
‫التى اكتفت منها بالطاعة المعنوية‪ ،‬وبذلك تحصل أمراء‬
‫المرابطين من اعتراف الخلفة العباسية بدولتهم‪ ,‬حيث إن‬
‫خا أنه لن يعتبر ملكهم‬
‫المرابطين كانوا يعتقدون اعتقادًا راس ً‬
‫مشروعًا إل إذا باركته المامة القرشية العباسية‪.‬‬
‫واختلف المؤّرِخون فى زمن اتصال المرابطين بالخلفة‬
‫العباسية‪ :‬فابن الثير يقول‪ :‬إن أول اتصال بين المرابطين‬
‫والعبَّاسيين قد حدث عقب انتصار الّزِلقَة‪ ,‬واستيلء يوسف على‬
‫الَنْدَلُس‪ ,‬ويتفق مع ابن الثير فى هذا الرأى ك ٌّ‬
‫ل من ابن خلدون‪,‬‬
‫والقلقشندي‪ ,‬والذهبي(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() دراسات فى تاريخ المغرب‪ ،‬ص (‪.)478‬‬
‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬حمدي عبد المنعم‪ ،‬ص (‪.)237‬‬

‫‪140‬‬

‫وأنا أميل إلى أن اتصال المرابطين كان قبل ذلك بكثير حيث‬
‫إن واضع الخطوط العريضة لدولة المرابطين الفقيه «أبو عمران‬
‫من أتباع العباسية‪ ,‬وك ُّ‬
‫ل الفقهاء الذين من‬
‫الفاسى القيرواني» ِ‬
‫سنيُّون مالكيُّون‪ ،‬وبذلك يكون زعماء المرابطين ساروا‬
‫مدرسته ُ‬
‫َ‬
‫على نفس التعاليم ال ُّ‬
‫سني ّة المالكية‪.‬‬
‫ونجد أن نقود المرابطين قد نقش عليها أسماء الخلفاء‬
‫العبَّاسيين منذ عام ‪450‬هـ‪ ،‬أى منذ عهد المير أبى بكر بن‬
‫عمران‪ ،‬وظ َّ‬
‫ل اسم الخليفة العبَّاسى يذكر مقرونًا باسم أبى بكر‬
‫بن عمران إلى أن توفى فى عام ‪480‬هـ‪ ،‬وخلفه يوسف بن‬
‫تاشفين فذكر اسمه على السكة مع اسم الخليفة العبَّاسي‪ ،‬وهذا‬
‫يدل على صلة المرابطين بالعبَاسيين قبل الزلقَة‪ ،‬ول ش َّ‬
‫ك أن‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫كتابة اسم الخليفة على عملة المرابطين تم بعد اتصالهم بالخليفة‬
‫العبَّاسي‪ ،‬وبعد أن تلقَّوا منه إجابة بقبول طاعتهم‪ ,‬وتقليدًا‬
‫بوليتهم(‪.)1‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)236‬‬

‫‪141‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫علقة المير يوسف مع بنى حماد‬
‫حرص المير يوسف على علقة حسن الجوار مع دولة بنى‬
‫ح َّ‬
‫ماد الصنهاجية التى تقع فى شرق دولة المرابطين‪ ،‬وكان‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ماديون يتحينون الفرصة لضم أطراف من مملكة المرابطين‪،‬‬
‫ال‬
‫َ‬
‫وت َّ‬
‫م لهم ذلك عندما عبر المير يوسف الَنْدَلُس عام ‪479‬هـ‪،‬‬
‫فتحالفوا مع عرب بنى هلل؛ وغزوا المغرب الوسط ؛وعادوا إلى‬
‫بلدهم محملين بالغنائم‪ ،‬وسكت يوسف عن النتقام منهم‪,‬‬
‫وصالحهم‪ ،‬ولم يرغب فى الدخول فى حرب معهم مع وجود‬
‫مين وحفظًا لشوكتهم وقوتهم‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫أسبابها حقنًا لدماء ال ُ‬
‫ح َّ‬
‫مادى فى عام ‪481‬هـ‪,‬‬
‫وعندما تُوفى الناصر بن علناس ال َ‬
‫بعث المير يوسف بكتاب تعزية إلى ولده وخليفته المنصور‪ ،‬مما‬
‫ح َّ‬
‫ماد‪ ،‬واستمَّرت حالة‬
‫يدل على نيَّات يوسف السلمية تجاه بنى َ‬
‫السلم بين الفريقين أكثر من عشر سنوات‪ ,‬ثم نشب خلف بين‬
‫والى تلمسان المرابطى تاشفين بن تنغمير و َ‬
‫ح َّ‬
‫ماد‪,‬‬
‫حك ّام بنى َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صراع‬
‫فهاجم المير تاشفين بدون إذن من المير يوسف‪ ،‬واشتد ّ ال ِّ‬
‫بين الطرفين‪ ,‬وتدخل المير يوسف واستطاع بحكمته وسياسته‬
‫مين‪ ،‬وعزل حاكم تلمسان تاشفين وعيَّن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫أن يحقن دماء ال ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مكانه المير مزدلي‪ ،‬وبعد أن ضم المير يوسف النْدَلس أضحت‬
‫مملكة بجاية ملذ ًا للفاّرِين من الَنْدَلُس‪ ،‬ومع ذلك لم يحرك المير‬
‫‬‫ح َّ‬
‫ماد‪ ,‬وبقى المر كذلك حتى وفاته‬
‫يوسف ساكنًا تجاه عمل بنى َ‬
‫(‪.)1‬‬
‫ح َّ‬
‫ماديين أثر فى تخفيف‬
‫لقد كان للتوجه السنى فى دولة ال َ‬
‫الصراع مع المرابطين‪ ،‬كما إن لصلة القرابة الصنهاجية سببًا آخر‪،‬‬
‫ح َّ‬
‫ماديين أن تقاوم جيوش المرابطين‬
‫وإل ما كانت تستطيع دولة ال َ‬
‫ح َّ‬
‫ماديين كانت من السباب‬
‫الفتية‪ ،‬وفى نظرى إن بقاء دولة ال َ‬
‫التى أضعفت الدولة الزيرية والصنهاجية‪ ،‬وسببت توتًرا وارتباكاً‬
‫لدولة المرابطين‪ ،‬ولو ضمت لدولة المرابطين لكان أفيد للسلم‬
‫مين وللمغرب الوسط والقصى‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وال ُ‬

‫* **‬

‫المبحث الخامس‬
‫علقة المرابطين مع ملوك الطوائف‬
‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)158‬‬

‫‪142‬‬

‫مَّرت علقة المرابطين مع ملوك الطوائف بمراحل متعددة‪،‬‬
‫وهي‪ :‬المسالمة‪،‬‬
‫التحالف‪ ،‬القتال‪.‬‬

‫أولً‪ :‬مرحلة المسالمة‪:‬‬
‫ل َّ‬
‫ما وصلت دولة المرابطين ذروة قوتها وحطت بجيوشها‬
‫وأساطيلها على سهل البحر المتوسط ارتعد ملوك الطوائف‪،‬‬
‫وأصابهم الخوف وركبهم اله ُّ‬
‫م‪ ،‬وأصبحوا بين قبضتين قويتين‪ :‬بين‬
‫النصارى الذين يمكن مداراتهم بالموال والتنازل عن بعض‬
‫الحصون‪ ,‬وبين المرابطين الذى عرفوا بجهادهم واستعلئهم على‬
‫متاع الدنيا‪ ،‬وحبِّهم للشهادة‪ ,‬ورفع المظالم عن العباد‪ ،‬وقد‬
‫وصلهم ظلم ملوك الَنْدَلُس‪ ،‬وقد اشتهر جنود المرابطين بصيت‬
‫عظيم فى تحقيق النصر فى المعارك‪ ،‬وبأس شديد فى القتال مما‬
‫أدخل الرعب فى قلوب ملوك الطوائف‪ ،‬فعقدوا اجتماعًا للتشاور‬
‫فى أمر الخطر القادم من الجنوب‪ ،‬واستقَّر رأيهم أن يكتبوا للمير‬
‫يوسف يسألونه العراض عنهم‪ ,‬وأنَّهم تحت طاعته‪ ،‬وهذا نص‬
‫الكتاب‪:‬‬
‫«أما بعد‪ ,‬فإنَّك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم‪ ,‬ولم تنسب‬
‫إلى عجز‪ ،‬وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن‪،‬‬
‫وقد اخترنا لنفسنا أجمل نسبنا فاختر لنفسك أكرم نسبتك‪ ،‬فإنَّك‬
‫بالمحل الذى ل يجب أن تُسبَق فيه إلى مكرمة‪ ،‬وإن فى استبقائك‬
‫ذوى البيوت ما شئت من دوام لمرك وثبوت والسلم»(‪.)1‬‬
‫وأرسلوا مع حامل الكتاب هدايا وتحفًا نفيسة‪.‬‬
‫وبعد أن تشاور المير يوسف مع مستشاريه رأى إن يسالمهم‬
‫ويرضى بما قدَّموا له من طاعة‪ ,‬ورد َّ عليهم بهذا الكتاب جاء فيه‪:‬‬
‫«بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلم‬
‫عليكم ورحمة الله وبركاته‪ ،‬تحية من سالمكم وسلم عليكم‪,‬‬
‫وحكمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم‪ ،‬وإنَّكم مما فى أيديكم من‬
‫الملك فى أوسع إباحة مخصوصين منا أكرم إيثار وسماحة‪،‬‬
‫فاستديموا وفاءنا بوفائكم‪ ,‬واستصلحوا إخاءنا بإصلح إخائكم‪،‬‬
‫والله ولى التوفيق لنا ولكم والسلم»‪.‬‬
‫وقد قرن المير يوسف الكتاب بالتحف وبدرق اللمط التى ل‬
‫توجد إل فى ديار المرابطين‪ ،‬ولما وصل كتابه إلى ملوك الطوائف‬
‫فرحوا بذلك‪ ،‬وتقوَّت نفوسهم على قتال السبان‪ ،‬وأحب أهل‬
‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)159‬‬

‫‪143‬‬

‫حكَّامهم ومحكوميهم(‪.)1‬‬
‫الَنْدَلُس دولة المرابطين ُ‬

‫ثانيًا‪ :‬مرحلة التحالف‪:‬‬
‫وبعد سقوط طُلَيْطِلَة فى يد السبان النصارى عام ‪478‬هـ‬
‫اضطَّر ملوك الطوائف أن يطلبوا النجدة من المير يوسف الذى‬
‫لبى نداءهم‪ ،‬وكان سببًا فى إيقاف زحف النصارى على ممالك‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬وانتصر على ألفونسو فى معركة الّزِلقَة المشهورة‪.‬‬
‫وبعد أن احتك المير يوسف بملوك الطوائف‪ ,‬ووقف على‬
‫مين انتقلت‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫خيانتهم وتحالفهم مع النصارى‪ ,‬واتصالهم بأعداء ال ُ‬
‫العلقة من التحالف إلى العداوة‪.‬‬

‫ثالثًا‪ :‬مرحلة العداوة‪:‬‬
‫ت نار الحرب بين المرابطين وملوك الطوائف‬
‫حيث استعر ْ‬
‫َ‬
‫سطةَ‬
‫ُ‬
‫سْرقُ ْ‬
‫انتهت بضم كل ممالك النْدَلس لدولة المرابطين إل َ‬
‫التى حكمها أحمد بن هود‪ ,‬والذى كان كالشوكة فى حلق‬
‫النصارى‪ ،‬فقد قاومهم زمنًا طويلً‪ ،‬وتراجع النصارى أمام صمود‬
‫بنى هود البطولي‪ ،‬وأظهر بنو هود مقدرة فائقة على قتال‬
‫النصارى مما جعل المرابطين يحترمونهم‪ ،‬وتوطَّدت العلقة الودي ّةَ‬
‫بين المير يوسف والمير أحمد بن هود الذى كان وفيًا فى عهوده‪,‬‬
‫صا على أ َّ‬
‫متِه‪ ،‬ورضى المرابطون ببقاء‬
‫صا فى جهاده‪ ,‬وحري ً‬
‫ومخل ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما تابعًا لهم‪ ,‬بذلك أصبحت النْدَلس ولية تابعة‬
‫أحمد بن هود حاك ً‬
‫لدولة المرابطين‪ ،‬وتوارت العناصر والزعامات الهزيلة وانهار‬
‫سلطان العصبيات الطائفية (‪.)2‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)160‬‬
‫() انظر ‪ :‬الندلس فى عصر المرابطين‪ ،‬ص (‪.)112‬‬

‫‪144‬‬

‫المبحث السادس‬
‫علقة المرابطين مع السبان والنصارى‬
‫كانت علقة المرابطين مع نصارى السبان عدائية بصورة‬
‫صا فى زمن المير‬
‫ي خصو ً‬
‫دائمة إذ لم يتخللها أى اتصال ود ٍ ّ‬
‫يوسف بن تاشفين‪ ،‬والتصال الوحيد الذى حدث عن طريق‬
‫الرسائل بين المير يوسف وألفونسو أثناء قيام هذا الخير‬
‫مد‪ ،‬ووصوله إلى مضيق‬
‫معْت َ ِ‬
‫بحملته العدائية على مملكة ال ُ‬
‫جبل طارق إذ أرسل إلى المير يوسف رسالة تفيض تهديدًا‬
‫ووعيدًا‪ ،‬ويذكر فيها حالة ملوك الطوائف‪ ،‬وكان جواب المير‬
‫را‪ :‬الجواب ما ترى ل ما تسمع‪ -‬إن شاء الله ‪-‬‬
‫يوسف مختص ً‬
‫تعالى‪ -‬وأردف‪:‬‬
‫ول رسل إل الخميس‬
‫ول كتب إل المشرفية والقنا‬
‫(‪)1‬‬
‫العرمرم‬
‫واستمَّر جهاد المرابطين للنصارى الذين امتنعوا عن دخول‬
‫مين‪ ،‬أ َّ‬
‫ما‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫السلم‪ ,‬ورفضوا دفع الجزية‪ ,‬وحملوا السيف ضد ال ُ‬
‫َ‬
‫الذين دفعوا الجزية‪ ,‬وعاشوا داخل دولة المرابطين؛ فكانت أحكام‬
‫ذّ َّ‬
‫مة تحفهم وتحفظ حقوقهم‪.‬‬
‫السلم فى أهل ال ِ‬

‫أولً‪ :‬عاملتهم دولة المرابطين معاملة أهل الذمة‪:‬‬
‫مين منها‪:‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫فكانت عليهم واجبات فى دولة ال ُ‬
‫‪-1‬التزام الجزية‪ ،‬وإجراء أَحكام أهل الذِّ َّ‬
‫مة عليهم‪.‬‬

‫مين فى أنفسهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪-2‬ترك ما فيه ضرر على ال ُ‬
‫مين بضرب أو نهب‪.‬‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ال‬
‫وأموالهم؛ كالتعدى على ُ ْ ِ ِ‬
‫مين‪ ،‬كذكر السلم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪-3‬تحاشى ما فيه غضاضة على ال ُ‬
‫أو القرآن أو الرسول × بما ل ينبغي‪.‬‬
‫‪-4‬تجنُّب ما فيه إظهار منكر‪ ،‬كشرب الخمر فى الماكن‬
‫مين‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫العامة لل ُ‬
‫مين بعلمة خاصة يُعرفون بها‪ ،‬كأن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪-5‬التميُّز عن ال ُ‬
‫تكون فى اللباس‬
‫‪1‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)66‬‬

‫‪145‬‬

‫أو غيره(‪.)2‬‬

‫مين‪:‬‬
‫ثانيًا‪ :‬حقوقهم فى دولة المسل ِ‬
‫الكف عنهم والحماية لهم‪ ،‬ليكونوا بالكف آمنين‪ ،‬وبالحماية‬
‫محروسين(‪ .)2‬روى نافع عن ابن عمر قال‪« :‬احفظونى فى‬
‫ذمتي»(‪ )3‬والَحكام فيما يتعلق بأهل الذِّ َّ‬
‫مة كثيرة يرجع إليها فى‬
‫كتب الفقه المختصة‪.‬‬

‫***‬

‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() انظر المغني‪ :‬لبن قدامة‪( ،‬ج ‪.)618-10/606‬‬
‫() الحكام السلطانية للماوردي‪ ,‬ص (‪.)143‬‬
‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫سياسة المرابطين فى دولتهم المجيدة‬
‫المبحث الول‬
‫نظم الحكم والدارة فى دولة المرابطين‬
‫أول‪ :‬النظام الدارى‪:‬‬
‫‪ -1‬نظام إمارة المسلمين‪:‬‬
‫مين عند المرابطين يعتمد‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫كان النظام السائد فى إمارة ال ُ‬
‫على اختيار المير وفق فقه الشورى‪ ،‬وكانوا حريصين على تطبيق‬
‫صلَةَ وَأَ ْمرُهُ ْم شُورَى بَيَْنهُمْ وَ ِممّا‬
‫قول الله تعالى‪﴿ :‬الّذِينَ اسَْتجَابُوا ِلرَّبهِمْ وََأقَامُوا ال ّ‬
‫َرزَقْنَاهُ ْم ُينْ ِفقُونَ﴾ [الشورى‪.]38 :‬‬
‫وكان زعماء المرابطين يتشاورون فى الوسائل التى تعين‬
‫على تمكين الحق وإظهار الصواب‪ ،‬ونشر الصلح بين العباد‪،‬‬
‫واقتدوا بالقرآن الكريم فى توجيهه للرسول ×‪﴿ :‬فَا ْعفُ عَ ْنهُمْ وَاسَْتغْ ِفرْ‬
‫م فِى ال ْمرِ﴾ [آل عمران‪.]159:‬‬
‫َلهُمْ َوشَاوِرْهُ ْ‬
‫«أى ل يصدنك ما كان منهم من خطأ رأيهم فيما بدا منهم يوم‬
‫أحد عن أن تستعين برأيهم فى مواقع أخرى‪ ،‬فإنَّما كان قد حصل‬
‫فلتة تُغفر وعثرة تُقال‪ ,‬وشاورهم فى أمر الحرب وأمثاله مما‬
‫يجرى فيه المشاورة»(‪.)1‬‬
‫وقد دلَّت الية على أن الشورى قد أمر بها الرسول × فى‬
‫مهمات المة ومصالحها كالحرب ونحوها‪ ،‬وذلك فى غير أمر‬
‫التشريع‪ ،‬لن أمر التشريع إن كان فيه وحى فل محيد عنه‪ ،‬وهى‬
‫دّين والدنيا‪ ،‬وما‬
‫توجيه لكل ولة المر بعده أن يشاوروا عن أمر ال ِ‬
‫ليس فيه ن ٌّ‬
‫ص واضح‪ ،‬وهى تشمل هنا المشاورة فى شئون المة‬
‫ومصالحها(‪.)2‬‬
‫وكان مذهبهم فى الشورى مذهب المالكية وليس الخصوص‪،‬‬
‫قال ابن خويز منداد‪« :‬واجب على الولة مشاورة العلماء فيما ل‬
‫دّين‪ ،‬ووجوه الجيش فيما يتعلق‬
‫يعلمون‪ ،‬وفيما يشكل من أمور ال ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() انظر‪ :‬تفسير أبي السعود‪( ،‬ج ‪.)1/558‬‬
‫() انظر ‪ :‬تفسير القرطبي‪( ،‬ج ‪.)4/205‬‬

‫‪147‬‬

‫بالحرب‪ ،‬ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح‪ ،‬ووجوه الكتاب‬
‫والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلد وعمارتها»(‪.)1‬‬
‫وأشار ابن العربى إلى وجوبها بأنها سبب الصواب‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫«والشورى مسبار العقل وسبب الصواب»‪ ،‬ويشير إلى أننا‬
‫مأمورون بتحرى الصواب فى مصالح المة وما يتوقف عليه‬
‫الواجب فهو واجب(‪.)2‬‬
‫ضا إلى الوجوب‪ ،‬بل يؤكد هذا الوجوب‬
‫ويذهب ابن عطية أي ً‬
‫فيقول‪« :‬الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الَحكام‪ ،‬ومن ل‬
‫يستشير أهل العلم فعزله واجب‪ ،‬وهذا ما ل اختلف فيه»(‪.)3‬‬
‫لقد كان نظام الشورى هو الساس الذى اعتمده المرابطون‬
‫فى نظام حكمهم فى بداية دولة المرابطين قبل يوسف بن‬
‫تاشفين‪ ،‬فقد كان المرابطون يختارون بكامل الحرية رئيسهم‬
‫الذى يتم تعيينه بعد عقد مجلس من زعماء القبائل والولة‬
‫والعلماء والفقهاء يشارك فيه شيوخ المرابطين وأعيانهم‪ ،‬بهذه‬
‫الطريقة تم اختيار عبد الله بن ياسين‪ ،‬الذى لم يحرص على‬
‫استمرار المارة فى أسرته‪ ،‬كما أنه لم يباشر أى ضغط على‬
‫المرابطين فى اختيار يحيى بن عمر ثم أبى بكر بن عمر‪ ،‬بل كانت‬
‫وصيته الخيرة للمرابطين قوله‪« :‬إياكم والمخالفة والتحاسد على‬
‫الرياسة‪ ،‬فإن الله يؤتى ملكه من يشاء‪ ،‬ويستخلف فى أرضه من‬
‫أحب من عباده‪ ،‬ولقد ذهبت عنكم فانظروا من تقدمونه منكم‪،‬‬
‫يقوم بأمركم ويقود جيوشكم‪ ،‬ويغزو عدوكم‪ ،‬ويقسم بينكم فيئكم‪،‬‬
‫ويأخذ زكاتكم وأعشاركم»(‪.)4‬‬
‫ومن هذه الوصية يتبين أن الزعيم الول للمرابطين‪ ،‬لم يكن‬
‫يرى طريقة الحكم الوراثي‪ ،‬أما يوسف بن تاشفين فقد كان‬
‫يخشى أن يعود المر فوضى بعده وأن تنفصم عرى هذه الوحدة‪،‬‬
‫وتنتهى هذه الدعوة التى عمل جاهدًا على تبيلغها زهاء نصف‬
‫قرن‪ ،‬لذلك رأى يوسف أن يُعَيّن واليًا للعهد يستخلفه بعد موته‪,‬‬
‫وهكذا حدث انحراف فى اختيار الحاكم عند المرابطين من‬
‫الشورى إلى النظام الوراثى منذ أن اختار يوسف بن تاشفين ابنه‬
‫عليًا واليًا لولية العهد‪ ،‬وكان اجتهاد يوسف بن تاشفين فى هذا‬
‫التعديل الخطير يعتمد على رأيه أن اجتهاده ذلك يحفظ وحدة‬
‫بلده ودولته‪ ،‬ويقضى على التنافس من أجل الحكم ورأى مصلحة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫تفسير القرطبي‪( ,‬ج ‪.)4/205‬‬
‫ابن العربي‪.‬‬
‫ابن أبي زرع القرطاس‪ ،‬ص (‪.)90‬‬
‫المرجع السابق‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫بلده وشعبه تقتضى اختيار ابنه‪.‬‬
‫كان من الطبيعى أن يمهِّد لفكرته فى اختيار ولى العهد‪,‬‬
‫من يهمه المر حول هذا الختيار‪ ،‬ولهذا بادر‬
‫ولذلك شاور كل َ‬
‫بمشاورة الفقهاء والقضاة وزعماء القبائل وأفراد السرة‬
‫المرابطية وكبار رجال الدولة فى سنة ‪495‬هـ ‪1101 /‬م‪،‬‬
‫وناقشهم فى المبررات التى دفعته إلى اختياره‪ ،‬فوافقه الجميع‬
‫على ما اعتزم عليه‪ ،‬وعلى أثر ذلك قرئ مرسوم البيعة الذى‬
‫يتضمن السباب التى حملته على هذا الختيار‪ ،‬والشروط الواجب‬
‫توافرها فيه‪ ،‬والمبادئ التى ينبغى أن يسير عليها‪ ،‬وهذا المرسوم‬
‫ح َّ‬
‫مد بن عبد الغفور‪ ،‬وكان من أعلم‬
‫م َ‬
‫كتبه الوزير الفقيه أبو ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫البلغة فى ذلك العصر» ‪.‬‬
‫ونستخلص من نص الوثيقة التى ذكرتها فيما مضى‪ :‬أن يوسف‬
‫بن تاشفين اتبع مبدأين فى اختياره ولده أبا الحسن عليًا وليًا‬
‫لعهده‪.‬‬

‫أولهما‪ :‬مبدأ الختيار‪:‬‬
‫من‬
‫فقد أشارت الوثيقة التى ذكرتها إلى أن يوسف قد اختار ِ‬
‫من هو أصلح لقيادة تلك الدولة المترامية الطراف‪:‬‬
‫بين أولده َ‬
‫حا إلى المعالى‬
‫«فوجد ابنه المير الجل أبا الحسن أكثرها ارتيا ً‬
‫واهتزاًزا‪ ،‬وأكرمها سجية وأنفسها اعتزاًزا‪ ،‬فاستنابه فيما استرعى‬
‫ودعاه لما كان إليه دعا»(‪.)2‬‬

‫ثانيهما‪ :‬مبدأ الشورى‪:‬‬
‫فقد أخذ يوسف به‪ ،‬وتم َّ‬
‫سك بما جاء فى القرآن الكريم‪ ,‬وما‬
‫جاء على لسان‬
‫نبيه × ‪ ,‬وما سار عليه الخلفاء الراشدون‪« :‬ودعاه لما كان إليه‬
‫دعا‪ ،‬بعد استشارة أهل الرأى على القرب والنأي»(‪.)3‬‬
‫كما أشار مرسوم البيعة إلى أنَّها كانت مشروطة ببعض‬
‫الشروط اشترطها المير يوسف على ابنه‪ ،‬وأهم تلك الشروط‬
‫التمسك بالمبادئ التى دعا إليها المام عبد الله بن ياسين من‬
‫إعلن الجهاد على أعداء السلم‪ ،‬واحترام الفقهاء والقضاة‬
‫والعلماء‪ ،‬والعمل على إقامة العدل بين الرعية‪ ،‬بالضافة إلى‬
‫بعض المور التى تتعلق بضمان أمن الدولة من وضع سبعة عشر‬
‫ألف فارس بالَنْدَلُس موزعة على أقطار معلومة‪ ،‬يكون منها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() انظر ‪ :‬الحلل الموشية‪ ،‬ص (‪.)57-56‬‬
‫() المرجع السابق نفسه‪.‬‬
‫() المرجع السابق نفسه‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫بإشبيلية سبعة آلف فارس وبقرطبة ألف فارس وباقى العدد على‬
‫مين للذَّب والمرابطة فى الحصون المعاينة للعدو(‪.)1‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ثغور ال ُ‬
‫وفى عام ‪496‬هـ دخل يوسف بن تاشفين قرطبة‪ ،‬وجمع كبار‬
‫رجال الدولة وأمراء لمتونة أشياخ البلد‪ ،‬وقادة الرأى والفقهاء‬
‫والعلماء والقضاة‪ ،‬وتل عليهم عقد البيعة لبنه على الذى سبقت‬
‫الشارة إليه‪ ،‬وضمنه السباب التى حملته على اختياره وليًا للعهد‪،‬‬
‫ثم أخذ البيعة له من جميع الحاضرين‪ ،‬وأقسم هؤلء يمين الطاعة‬
‫والولء‪ ،‬ثم وقَّعوا على عقد البيعة‪ ،‬وقام على أثر ذلك‪ ،‬فأقسم‬
‫سة التى‬
‫أمام الحاضرين بالتزام شروط العقد وترسم ال ِّ‬
‫سيَا َ‬
‫(‪)2‬‬
‫رسمها أبوه‪ ،‬ثم أشهد الكتاب ووقَّع على الوثيقة ‪.‬‬

‫أ‪ -‬وفاة المير يوسف‪:‬‬
‫ثم عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب‪ ،‬حيث مرض مرضه‬
‫الخير الذى استمَّر زهاء عامين وشهرين‪ ،‬وانتهى بوفاته عن مائة‬
‫عام حافلة بالجهاد والدعوة وإعزاز دين الله‪ ،‬وكانت سنة وفاته‬
‫‪ 500‬هـ ‪ 2 /‬سبتمبر ‪1106‬م وكان ولى العهد يقوم أثناء مرض‬
‫حا كبيًرا فى‬
‫أبيه بتصريف أمور الحكم نيابة عن أبيه‪ ،‬ونجح نجا ً‬
‫إدارة دفَّة الحكم لدولة المرابطين‪ ,‬وكانت آخر وصية من يوسف‬
‫لبنه فى مسته ِّ‬
‫ل سنة ‪500‬هـ‪ ،‬أن أوصى ولده وولى عهده بعده‬
‫من‬
‫أبا الحسن عليًّا بثلث وصايا أولها‪« :‬أل يهيج أهل جبل درن و َ‬
‫وراءه من المصامدة وأهل القبلة» والثانية‪« :‬أن يهادن بنى هود‬
‫بالَنْدَلُس‪ ,‬وأن يتركهم حائلين بينه وبين الروم» والثالثة‪« :‬يقبل‬
‫م َّ‬
‫من أحسن من أهل قرطبة ويتجاوز عن مسيئهم»(‪.)3‬‬
‫ِ‬

‫ب‪ -‬لقب أمير المسلمين‪:‬‬
‫كان زعماء المرابطين يطلقون على أنفسهم لقب المراء‪،‬‬
‫وظل المرابطون يطلقون لقب المير على كل زعيم يتولى أمرهم‬
‫ابتداءً من عهد أمير لمتونة أبى زكريا يحيى بن عمر اللمتوني‪،‬‬
‫فتلقَّب به يحيى كما تلقَّب به أخوه أبو بكر بن عمر بعد وفاته‪،‬‬
‫َ‬
‫وعندما تول ّى يوسف بن تاشفين زعامة المرابطين منذ ‪464‬هـ‪,‬‬
‫ظ َّ‬
‫ل يتلقب بالمارة إلى سقوط أبى بكر ابن عمر شهيدًا فى‬
‫إحدى المعارك فى سنة ‪480‬هـ ‪1087 /‬م‪ ,‬وعندئذٍ أصبح يوسف‬
‫الزعيم الوحد للمرابطين‪ ،‬واجتمع إليه أشياخ قبيلته وعرضوا عليه‬
‫أن يتلقَّب بأمير المؤمنين‪ ،‬لن حقَّه أكبر من أن يُلقَّب بالمير‬
‫فرفض ذلك قائلً‪« :‬حاشا أن أسمى بهذا السم‪ ,‬إنما يتسمى به‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)251‬‬
‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫() ابن أبي زرع‪ ,‬ص (‪.)103‬‬

‫‪150‬‬

‫خلفاء بنى العبَّاس لكونهم من تلك السللة الكريمة وأنا رجلهم‬
‫والقائم بدعوتهم»(‪ ،)1‬ولكنَّهم قالوا له‪ :‬إنه لبد له من اسم يمتاز‬
‫مين وناصر‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫به على سائر المراء واقترحوا عليه لقب أمير ال ُ‬
‫الدِّين‪ ،‬وأصبح العمل جاريًا به عند سائر المرابطين‪ ،‬وقد صدرت‬
‫الكتب تحمل هذا اللقب بعد وفاة أبى بكر بن عمر على القول‬
‫الرجح‪ ,‬وهذا نص الكتاب الذى أرسله إلى الولة والقادة والعلماء‪:‬‬
‫ح َّ‬
‫مد وآله‬
‫م َ‬
‫«بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ُ‬
‫مين وناصر الدِّين يوسف بن‬
‫سل ِ ِ‬
‫ما‪ِ :‬‬
‫م ْ‬
‫من أمير ال ُ‬
‫وصحبه وسلم تسلي ً‬
‫تاشفين إلى الشياخ والعيان والكافة أهل (فلنة) أدام الله‬
‫كرامتهم بتقواه ووفقهم لما يرضاه‪ ،‬سلم عليكم ورحمة الله‬
‫وبركاته‪ ،‬أ َّ‬
‫ما بعد‪ ,‬حمدا ً لله أهل الحمد والشكر‪ ،‬وميسر اليسر‬
‫َ‬
‫مد المبعوث بنور الفرقان والذكر‪،‬‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫وواهب النصر‪ ،‬والصلة على ُ‬
‫وأنا كتبناه إليكم من حضرتنا العلية بمراكش ‪ -‬حرسها الله ‪ ،-‬وأن ّهَ‬
‫ل َّ‬
‫ن الله علينا بالفتح الجسيم‪ ,‬وأسبغ علينا من أنعمه الظاهرة‬
‫ما َ‬
‫م ّ‬
‫ح َّ‬
‫مد المصطفى نبينا الكريم‬
‫م َ‬
‫والباطنة‪ ,‬وهدانا وهداكم إلى شريعة ُ‬
‫صص‬
‫صلى الله عليه أفضل الصلة وأتم التسليم؛ رأينا أن نُخ ِّ‬
‫أنفسنا بهذا السم لنمتاز به على سائر أمراء القبائل‪ ،‬وهو أمير‬
‫مين وناصر الدِّين‪ ،‬فمن خطب الخطبة العلية السامية‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫فليخطبها بهذا السم إن شاء الله تعالى‪ ,‬والله ول ُّ‬
‫ي العدل بمنِّه‬
‫وكرمه والسلم»(‪.)2‬‬
‫ويرى بعض المؤرخين من أمثال أبى زرع فى «روض‬
‫مين فى يوم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫القرطاس» إلى أن المير يوسف تلقَّب بأمير ال ُ‬
‫َ‬
‫الّزِلقَة‪ ،‬ولم يكن يُدعى به من قبل‪ ،‬وأن ملوك وأمراء النْدَلُس‬
‫َ‬
‫مين‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وكانوا ثلثة عشر ملكًا بايعوه وسل ّموا عليه باسم أمير ال ُ‬
‫سمى به من ملوك المغرب‪.‬‬
‫وهو أول من ُ‬
‫وقد تأثَّر شعب النيجر بشكل خاص بالمرابطين‪ ,‬وأطلق على‬
‫َ‬
‫مين‪ ,‬وكانوا مالكيين فى المذهب‪ ,‬ويرجع‬
‫سل ِ ِ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫حك ّامه لقب أمير ال ُ‬
‫ذلك إلى أن المرابطين هم الذين نشروا السلم فى تلك الربوع‬
‫النائية(‪.)3‬‬

‫ج‪ -‬نائب المير‪:‬‬
‫كان اتساع مملكة المرابطين سببًا فى اتخاذ نوَّاب ينوبون عن‬
‫أمير المسلمين؛ حيث كان من المستحيل عليه أن يشرف وحده‬
‫على تلك الدول المترامية الطراف‪ ،‬فعيَّن بعض النواب المقَّربين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)162‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)163-162‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)163-162‬‬

‫‪151‬‬

‫إليه‪ ،‬فعيَّن نائبًا على شئون الَنْدَلُس ونوَّابًا على إقليم المغرب‪،‬‬
‫وكان يراعى فى اختيار النائب أن يكون أقرب الناس إلى أمير‬
‫مين‪ ،‬وأن يتوفر فيه حسن الدارة والكفاية العسكرية ويعتبر‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫ً‬
‫مين‪ ,‬ويستمد نائب المير سلطته من‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ال‬
‫لمير‬
‫ا‬
‫أولي‬
‫ممثل‬
‫ُ ْ ِ ِ‬
‫ً‬
‫المير شخصيًا‪ ،‬وكان ولى العهد نائبًا للمير‪ ،‬وتولى نيابة الَنْدَلُس‪،‬‬
‫وكانت قرطبة هى المفضلة لقامة ولى العهد لمكانتها السامية‬
‫فى نفوس الَنْدَلُسيين‪ ،‬وأول نائب عيَّنه المير يوسف على‬
‫الَنْدَلُس القائد سير بن أبى بكر اللمتوني‪ ،‬ثم بدَّل به ابنه أبا‬
‫الطاهر تميم بن يوسف‪ ،‬وتلى نيابة الَنْدَلُس من حيث الهمية‬
‫نيابة فاس بالمغرب‪ ,‬وكان النائب يستقر فيها عندما كان المير‬
‫يوسف يعود إلى مراكش كى ل تحدث ازدواجية فى السلطة(‪.)1‬‬
‫كانت مهمة النائب بالدرجة الولى عسكرية‪ ,‬إذ كان عليه أن‬
‫يخوض الحروب‪ ,‬ويقمع الفتن وحركات التمرد‪ ,‬يعاونه قادة كبار‬
‫من لمتونة(‪.)2‬‬
‫وكان من سياسة يوسف بن تاشفين مع نوابه مراقبتهم‪ ,‬ول‬
‫يتيح لهم الستقرار فى مناصبهم لعهود طويلة حتى ل يعملوا على‬
‫ما معَّرضين للنقل من ولية إلى‬
‫الستقلل‪ ،‬فكان النوَّاب دائ ً‬
‫أخرى‪.‬‬
‫مين يتخذ لنفسه كتّابًا يقومون عنه‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫وكان نائب أمير ال ُ‬
‫من ظهر من‬
‫بالمكاتبات‪ ,‬أو تسند إليهم بعض العمال الدارية‪ ،‬و ِ‬
‫م َ‬
‫مين على بن يوسف فى الندلس الكاتب‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫كتاب نواب أمير ال ُ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد بن أبى الخصال كاتب المير ُ‬
‫الديب أبو عبد الله ُ‬
‫الحاج‪ ،‬وأبو بكر بن الصائغ كاتب المير أبى بكر بن إبراهيم‪،‬‬
‫والزبير بن عمر اللمتونى كاتب تاشفين بن علي‪ ،‬وكانت حياة كل‬
‫مصغَّرة من حياة هذا المير‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مين صورة ُ‬
‫نائب من نواب أمير ال ُ‬
‫(‪)3‬‬
‫فكانوا يتخذون القصور والخدم والفقهاء والعوان ‪.‬‬

‫د – تولية الولة‪:‬‬
‫كان المير يوسف يُعَيِّن الولة على القاليم من لمتونة بشكل‬
‫َ‬
‫خاص وصنهاجة بشكل عام؛ فول ّى أمراء قومه القاليم‪ ،‬فقبْل ضم‬
‫الَنْدَلُس كان سير بن أبى بكر على مدائن مكناسة وبلد مكللة‬
‫َ‬
‫وبلد فازاز‪ ،‬وول ّى عمر بن سليمان المسوفى مدينة فاس‬
‫وأحوازها‪ ،‬وداود ابن عائشة سجلماسة ودرعة‪ ،‬وتميم بن يوسف‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫() حركات النظام السياسي والحربي عند المرابطين‪ ،‬ص (‪.)65‬‬
‫() مجلة كلية الداب‪ ،‬جامعة القاهرة‪ ،‬المجلد ‪( ،11‬ج ‪ ،)2/27‬تحت عنوان الثغر‬
‫العلى فى عهد المرابطين‪,‬‬
‫د‪ .‬حسين مؤنس‪.‬‬
‫() تاريخ المغرب والندلس فى عصر المرابطين‪ ،‬ص (‪.)263‬‬

‫‪152‬‬

‫مدينة أغمات ومراكش وبلد السوس وسائر بلد المصامدة وتدل‬
‫وتامسنا‪ ,‬وبعد ضم الَنْدَلُس عين يوسف بن تاشفين القائد سير‬
‫َ‬
‫ل على كل‬
‫بن أبى بكر حاك ً‬
‫ما على النْدَلُس‪ ،‬وفوَّض له تعيين وا ٍ‬
‫بلد يفتحه ويكون من لمتونة‪.‬‬
‫منح المير‬
‫وكان الولة يخضعون مباشرة لنائب المير‪ ،‬و ُ‬
‫من‬
‫يوسف سلطات واسعة‪ :‬منها حق التصرف فى عزل وتعيين َ‬
‫من رجال السلطة‪ ،‬وكذلك‬
‫من يليهم ِ‬
‫دونهم ِ‬
‫من الولة المحليين‪ ،‬و َ‬
‫القيام بتحركات عسكرية داخل مناطق نفوذهم‪ ،‬وكان المير‬
‫يوسف وابنه من بعده يراقبون ولتهم مراقبة شديدة‪ ،‬ويجرى‬
‫تبديلهم وعزلهم إذا أساءوا‪ ،‬وكانوا يضعون مصالح الرعية فى‬
‫المقام الول عند تعيين الولة(‪.)1‬‬

‫هـ ‪ -‬نظام الوزارة‪:‬‬
‫كان المير يوسف بعيدًا كل البعد عن اتخاذ اللقاب واللفاظ‬
‫والهتمام بالمناصب‪ ،‬فلم يتخذ وزراء بالمعنى المتعارف عليه‪ ،‬ولم‬
‫يمنح لقب وزير لى شخص‪ ,‬إل أنه اتخذ لنفسه أعوانًا يرجع إلى‬
‫مشورتهم‪ ،‬وكُتَّابًا يشرفون على ديوان الرسائل أو النشاء‪ ،‬وكانت‬
‫لديه هيئة استشارية تشترك فيها طائفة من الفقهاء‪ ،‬والعيان‬
‫والكُتَّاب يلزمونه فى قصره وتنقلته يبدون آراءهم فى المشاكل‬
‫المطروحة للبحث‪ ,‬وتبقى الكلمة الفاصلة للمير‪ ،‬أ َّ‬
‫ما فى المور‬
‫المهمة فكان يجمع زعماء المرابطين وأبناء عمومته من لمتونة‬
‫للتداول واتخاذ الراء‪ ،‬وكان التصال بالمير عن طريق العوان من‬
‫السهولة بمكان‪ ،‬وساعد على ذلك ما امتاز به المير من ُزهد فى‬
‫الدنيا‪ ,‬وتطلع للخرة‪ ,‬وحب البساطة‪ ،‬وميل للتواضع‪.‬‬
‫ويذهب المير يوسف فى مذهبه إلى أن الشورى معلمة وغير‬
‫ملزمة وله فى ذلك أدلة؛ حيث ذهب بعض المفسرين إلى إن‬
‫الشورى غير ملزمة مستندين فى ذلك إلى قوله تعالى‪﴿:‬فَِإذَا َعزَ ْمتَ‬
‫فََت َو ّكلْ َعلَى الِ﴾‪.‬‬
‫ذهب المام الطبرى إلى القول‪« :‬إذا ص َّ‬
‫ح عزمك بتثبيتنا إياك‬
‫وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك‪ ،‬فامض لما‬
‫أمرناك به‪ ،‬وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها‪،‬‬
‫وتوكَّل فيما تأتى من أمورك على ربِّك‪ ،‬فثق به فى كل ذلك‪،‬‬
‫وارض بقضائه فى جميعه دون آراء سائر خلقه ومعونتهم»(‪.)2‬‬
‫ويرى بعض العلماء أن رأى الشورى ولو أنه غير ملزم لكنَّه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)165‬‬
‫() تفسير الطبري‪( ،‬ج ‪.)7/346‬‬

‫‪153‬‬

‫ينير الطريق‬
‫أمام الحاكم ‪.‬‬
‫وأضاف العلمة أبو العلى المودودى فى قضية الشورى هل‬
‫هى معلمة أو ملزمة بعدًا آخر وهو طبيعة المجتمع وما يسوده من‬
‫ما قاطعًا فى هذا الباب فى‬
‫أخلق؛ حيث يقول‪« :‬ما وجدت حك ً‬
‫أحاديث الرسول ×‪ ,‬غير أن العلماء قد استنبطوا من عمل‬
‫الصحابة فى عهد الخلفة الراشدة أن رئيس الدولة هو المسئول‬
‫الحقيقى عن شئون الدولة‪ ،‬وعليه أن يُسيِّرها بمشاورة أهل الحل‬
‫والعقد‪ ،‬ولكنَّه ليس مقيدًا بأن‬
‫يعمل بما يتفقون عليه كلهم أو أكثرهم من الراء‪ ،‬وبكلمة أخرى‬
‫أنه يتمتع‬
‫بحق العتراض على آرائهم‪.‬‬
‫ولكن هذا الرأى فى صورته المجملة كثيًرا ما يسبب سوء‬
‫الفهم بالقياس إلى أحوالهم وأوساطهم الحاضرة‪ ،‬ول ينظرون إلى‬
‫ذلك الزمان ول الوسط الذى قد أخذنا هذا الرأى من أعمال المة‬
‫ح ِّ‬
‫ل والعَقْد فى عهد الخلفة الراشدة‬
‫فيه‪ ،‬فما كان أهل ال ِ‬
‫منقسمين إلى أحزاب متفرقة‪ ,‬بل كانوا كلما دُعوا للمشاورة‬
‫يأتون المجلس بقلوب ملؤها الخلص‪ . .‬ثم يوازن الخليفة بين‬
‫الحجج الموافقة والمعارضة ويعرض عليهم ما عنده من الدلئل‪،‬‬
‫ويبين رأيه‪ ,‬وكان هذا الرأى فى عامة الحوال رأيًا يسلم به أعضاء‬
‫المجلس كلهم‪ » . .‬ثم قال‪« :‬لم نعثر فى تاريخ الخلفة الراشدة‬
‫ح ِّ‬
‫ل وال َعقْد قد تفرقت آرائهم‬
‫كل ِّه على مثال واحد نرى فيه أهل ال ِ‬
‫حتى آل المر إلى عدد الصوات»(‪ ،)2‬وهذا تفريق جميل بين‬
‫المجتمع السلمى فى حاضرنا وبين المجتمع السلمى القائم‬
‫على أسس دولة القرآن التى تربَّى المسلم على خشية الله فل‬
‫ينحرف عن الجادَّة‪.‬‬
‫قّين فى‬
‫مح ِ‬
‫وربما كان يوسف بن تاشفين وأمراء المرابطين ُ‬
‫أخذهم بالرأى القائل بأن الشورى معلمة للمير وليست ملزمة‪،‬‬
‫ولهم أدلة كثيرة للتدليل على هذا المبدأ‪.‬‬
‫إل أننى أرى الفائدة الكبرى والستفادة العظمى فى زمننا هذا‬
‫فى الخذ بالرأى القائل بأنها ملزمة‪ ،‬والقائلون بهذا القول لهم‬
‫أدلتهم منها‪:‬‬
‫إن الشورى ملزمة للحاكم طالما أنَّها مؤيدة بالشرع والعقل‪،‬‬
‫فيقول ابن تيمية‪« :‬وإذا استشارهم فإن بيَّن له بعضهم ما يجب‬
‫(‪)1‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() د‪ .‬عبد الحميد متولي‪ ،‬مبدأ الشورى فى السلم‪ ،‬ص (‪.)52‬‬
‫() أبو العلى المودودي‪ ،‬نظرية السلم وهديه فى السياسة والقانون‪ ،‬ص (‪273،‬‬
‫‪.)274‬‬

‫‪154‬‬

‫اتباعه من كتاب أو سنة رسوله أو إجماع‬
‫مين‪ ،‬فعليه اتباع ذلك‪ ،‬ول طاعة لحد فى خلف ذلك‪ ،‬وإن‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫ما فى‬
‫كان عظي ً‬
‫الدِّين والدنيا‪ ،‬لقوله تعالى‪﴿ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا َأطِيعُوا الَ وَأَطِيعُوا ال ّرسُولَ وَأُولِى‬
‫ال ْمرِ مِ ْنكُمْ﴾ [النساء‪.)1(]59:‬‬
‫ولو كانت الشورى غير ملزمة‪ ،‬لكان بإمكان النبى × أن‬
‫يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة التى تعَّرضت لها‬
‫فى غزوة أحد – لو أنه قضى برأيه فى خطة المعركة‪ ،‬مستندًا إلى‬
‫رؤياه‪ . .‬ولم يستشر أصحابه‪ ،‬أو لو أنه رجع عن الرأى عندما‬
‫سنحت له فرصة الرجوع‪ . .‬ولكنَّه – وهو يقدر النتائج كلها – أنفذ‬
‫الشورى‪ . .‬ثم يجئ المر اللهى له بالشورى – بعد المعركة‪ -‬تثبيتًا‬
‫للمبدأ فى مواجهة نتائجه المريرة »(‪ ،)2‬وبهذه الدلة التى ذكرتها‬
‫نسترشد بهذا المبدأ فى مسيرتنا الحركية والدعوية والتنظيمية‬
‫التى تسعى لعادة السلم كنظام شامل يتناول مظاهر الحياة‬
‫جميعًا‪ ،‬ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا‪.‬‬

‫و – ديوان الرسائل والمكاتبات عند المرابطين‪:‬‬
‫كان المرابطون يهتمون بديوان النشاء‪ ،‬ولذلك حرصوا على‬
‫أن يتوله رجال من أشهر الدباء فى تلك الفترة جلهم أَنْدَلُسيون‪،‬‬
‫واهتم المير يوسف بجلب الدباء والبلغاء والفقهاء لهذه العمال‪،‬‬
‫واستفاد من كُتَّاب ملوك الطوائف‪ ,‬وتوسع ديوان الرسائل مع‬
‫ما‬
‫امتداد رقعة دولة المرابطين‪ ،‬وانتفع المرابطون انتفاعًا عظي ً‬
‫بخبرة الَنْدَلُسيين أصحاب الحضارة والدب‪ ،‬وأقبل المغاربة على‬
‫ثقافة الَنْدَلُس ينهلون منها فى تواضع المستفيدين‪ ,‬وحدث تنافس‬
‫بين الكُتَّاب‪ ،‬وحاولوا أن يثبتوا جدارتهم فى هذا الفن‪ ،‬وأصبح‬
‫ديوان المير يوسف متألقًا بالحضارة‪.‬‬
‫وقام ابنه على بتطوير ديوان الرسائل وجلب له كتابًا فى غاية‬
‫البلغة ودقة السلوب‪ ,‬وجمال التعبير‪ ,‬ومما دفع المير عليًا إلى‬
‫تطوير دولته تربيته الرفيعة وذكاؤه الوقَّاد‪ ,‬واهتمامه بكتاب ملوك‬
‫الطوائف‪ ,‬وتقريبهم إليه فى زمانه‪ ،‬فشعر بحاجته إلى طائفة‬
‫من أشهر أولئك‬
‫مثقفة تفهم لغة الوفود‪ ،‬وتجيد فنون الكتابة‪ ،‬و ِ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن سليمان الكلعى المتوفى عام‬
‫م َ‬
‫الكتاب والدباء والبلغاء‪ُ ،‬‬
‫‪508‬هـ‪ ,‬وصفه ابن خاقان فى «القلئد» بقوله‪« :‬غرة فى جبين‬
‫الملك‪ ،‬ودَّرة ل تصلح إل لذلك السلك‪ ،‬باهت به اليام‪ ,‬وتاهت فى‬
‫يمينه القلم‪ ،‬واشتملت عليه الدول اشتمال الكمام على النور‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() السياسة الشرعية‪ ,‬لبن تيمية‪ ،‬ص (‪.)181،182‬‬
‫() سيد قطب‪ ,‬فى ظلل القرآن‪( ,‬ج ‪.)1/532‬‬

‫‪155‬‬

‫وانسربت إليه أمانى انسراب الماء على الغور»(‪.)1‬‬
‫ويقول عنه ابن الصيرفي‪« :‬الوزير الكاتب الناظم الناشر‪ ،‬القائم‬
‫بعمود الكتابة‪ ,‬والحامل للواء البلغة‪ ،‬والسابق الذى ل يشق غباره‪،‬‬
‫ول تخمد أبدًا أنواره‪ ،‬اجتمع له براعة النشر‪ ،‬وجزالة النظم‪ ،‬رقيق‬
‫النسيج حصيف المتن رقعته وما شيت فى العين واليد»(‪.)2‬‬
‫ح َّ‬
‫مد عبد المجيد بن‬
‫م َ‬
‫وكذلك انضم إلى البلط المرابطى أبو ُ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن عبد الله بن الجد‬
‫م َ‬
‫متَوَفّى ‪520‬هـ‪ ،‬وأبو القاسم ُ‬
‫عبدون ال ُ‬
‫الفهرى المتوفى فى عام ‪515‬هـ‪ ،‬وابن أبى الخصال الغافقى‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن يوسف النصارى‬
‫م َ‬
‫متَوَفّى ‪540‬هـ‪ ،‬وأبو زكريا بن ُ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫متَوَفّى ‪570‬هـ فى غرناطة‪ ،‬وأحمد بن أبى جعفر بن‬
‫الغرناطى ال ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن عطية القضاعى الذى نكبه عبد المؤمن بن على خليفة‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫حدين‪ ،‬وغير هؤلء كثير من الدباء والكت ّاب الذين عملوا فى‬
‫المو ِّ‬
‫مين على بن يوسف(‪ ,)3‬ول‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫خدمة دولة المرابطين زمن أمير ال ُ‬
‫َ‬
‫ننسى أن الوزارة فى زمن على بن يوسف تطوّرت تطوًرا‬
‫ملحوظًا‪ ,‬وأصبح الوزير بمنزلة السمع والبصر واللسان والقلب‬
‫مين‪ ،‬وفى المثال‪ :‬نعم الظهير الوزير‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫بالنسبة لمير ال ُ‬
‫كان الحكم فى دولة المرابطين قائما ً على أسس عسكرية‪،‬‬
‫مين هو قائد الجيش العلى‪ ،‬ومعاونوه هم قواد‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫فأمير ال ُ‬
‫الجيش‪ ،‬لهذا كان من الطبيعى أن يتسم منصب الوزير بالطابع‬
‫ضا كتابة‬
‫العسكرى كذلك‪ ،‬ولكن لما كان المر يتطلب من الوزير أي ً‬
‫جد فى دولة المرابطين‬
‫الوثائق‪ ،‬والمراسيم وصياغتها فقد ُو ِ‬
‫صنفان من الوزراء‪.‬‬
‫‪ -1‬وزراء عسكريون من قادة الجيش‪ ,‬وهم من قرابة‬
‫السلطان عادة أو من قبائل لمتونة وصنهاجة التى قامت‬
‫على أكتافهم دولة المرابطين‪.‬‬
‫‪ -2‬وزراء كُتَّاب وهم من الفقهاء‪.‬‬
‫وكان المغاربة يطلقون كلمة فقيه على العالم بالحكام‬
‫الشرعية إل أن أهل المشرق أصبح ذلك المصطلح عندهم يطلق‬
‫ما من الطلبة‪.‬‬
‫على دارس الفقه عمو ً‬
‫وتو َّ‬
‫سع المير على بن يوسف فى اتخاذ الوزراء والمستشارين‬
‫ص وزرائه الفقيه مالك بن‬
‫من الفقهاء وكبار العلماء‪ ،‬وكان من أخ ِّ‬
‫وهيب الشبيلى الذى شارك فى جميع العلوم‪ ،‬ونظم الشعر‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() قلئد العقيان‪ ،‬ص (‪.)104‬‬
‫() المركش‪ ،‬عن ابن الصيرفى فى المعجب‪ ,‬ص (‪.)164‬‬
‫() انظر‪ :‬تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬للدكتور حمدى عبد المنعم‪ ،‬ص (‪.)271 ،270‬‬

‫‪156‬‬

‫وكتب مؤلفات فى الفلسفة والتَّارِيخ‪ ،‬وهذا الفقيه هو الذى أشار‬
‫ح َّ‬
‫مد بن تومرت‬
‫م َ‬
‫على سلطان المرابطين على بن يوسف بقتل ُ‬
‫حدين فيما بعد‪ ،‬حيث تفَّرس فيه حدة نفسه وذكاء‬
‫زعيم دولة المو ِّ‬
‫مين بقتله أو‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ال‬
‫أمير‬
‫على‬
‫فأشار‬
‫عبارته‪,‬‬
‫خاطره‪ ،‬واتساع‬
‫ُ ْ ِ ِ‬
‫َ‬
‫اعتقاله‪ ،‬قبل أن يستفحل خطره‪ ،‬لن ّه رجل مفسد ول يسمع كلمه‬
‫أحد إل مال إليه‪ ,‬غير أن على بن يوسف توقف فى قتله واعتقاله‪،‬‬
‫وأبى ذلك عليه دينه‪ ،‬لعدم ثبوت التهمة عليه‪ ،‬وقد ص َّ‬
‫ح ما تفَّرسه‬
‫مالك بن وهيب‪ ،‬إذ إنه على يد هذا المدعى المهدية الكذاب ابن‬
‫تومرت قامت دولة الموحدين التى قضت على دولة المرابطين‬
‫فى المغرب والَنْدَلُس(‪.)1‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬للدكتور حمدى عبد المنعم‪ ،‬ص (‪.)368‬‬

‫‪157‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫النظام القضائى فى دولة المرابطين‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫للقضاء مكانة عظيمة ومنزلة شريفة‪ ،‬وفاصل بين النَّاس فى‬
‫خصوماتهم‬
‫وحاسم للتداعى وقاطع للتنازع‪ ،‬وكان العرب فى جاهليتهم‬
‫يعرفون منزلة القضاء‪ ,‬ويختارون له أهله‪ ,‬ويطلقون عليهم‬
‫حكَّام‪ ،‬واهتم المسلمون بهذا المر‪ ,‬ومارسه رسول الله × فى‬
‫ال ُ‬
‫زمانه‪ ،‬وسار الخلفاء من بعده على دربه‪ ،‬وأصبح القضاء بعد‬
‫رسول الله × فى عداد الوظائف الداخلة تحت الخلفة‪ ،‬وتطور‬
‫القضاء مع تطور دولة السلم فكان الخليفة يتخذ قاضيًا فى‬
‫حاضرة الخلفة وقضاة آخرين فى الوليات والمصار‪.‬‬
‫مضافًا إلى الولة حتى‬
‫كان القضاء فى المصار أول المر ُ‬
‫َ‬
‫كانت خلفة عمر بن الخطاب فجعله مستقل ً عن نظر الوالي‪ ،‬عي ّن‬
‫من يتفَّرد بالنظر فيه‪ ,‬ومع استقلل القضاء عن نظر الوالي‪،‬‬
‫له َ‬
‫فإن تقليد القضاء فى الوليات كان يتم فى الغالب عن طريق‬
‫الولة بتفويض الخليفة لهم‪ ،‬أ َّ‬
‫ما فى العاصمة فكان الخليفة هو‬
‫َ‬
‫الذى يُعي ِّن القاضى إلى أن جاء الخليفة العب ّاسى أبو جعفر‬
‫المنصور الذى انحرف بالقضاة نحو مركزية الدولة‪ ،‬وأخضع‬
‫المؤسسات القضائية لرقابته المستمَّرة‪ ،‬وجعل تقليد القضاة على‬
‫قضاء المصار من قبله‪ ،‬وتابعه على ذلك خلفاء بنى العبَّاس‪ ،‬إلى‬
‫َ‬
‫أن استحدث منصب قاضى القضاة فى فترة تالية‪ ،‬فتول ّى قاضى‬
‫القضاة النظر فى مؤهلت المرشحين للقضاء ومراقبة الكفاءة‬
‫مت ك ُّ‬
‫المهنية للقضاة فى عاصمة الخلفة وخارجها (‪ ،)1‬واهت َّ‬
‫ل‬
‫صا‬
‫الدول التابعة للخلفة بتطوير نظامها القضائى وخصو ً‬
‫المرابطين الذين حرصوا على إقامة العدل ونشره فى ربوع‬
‫بلدهم‪ ،‬فكان لمنصب القضاة أهمية كبيرة‪ ،‬ولذلك حرص أمراء‬
‫م َّ‬
‫من برزوا فى العلم والفقه‬
‫المرابطين على تعيين القضاة ِ‬
‫وتميزوا بالمقدرة على تولى هذه المناصب فى دولتهم دون‬
‫الستناد على العصبية القبلية‪ ،‬حتى أصبح أكثر القضاة من غير‬
‫قبيلة صنهاجة وهى سياسة حكيمة اتبعها المير يوسف رغبة فى‬
‫تحقيق العدالة وتطبيق‬
‫تعاليم السلم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ الحضارة العربية والسلمية‪ ،‬د‪ .‬محمد بطاينة‪ ،‬ص (‪.)79‬‬

‫‪158‬‬

‫وقد منحهم رتبة عالية فى الدولة حتى كثرت أموالهم‪،‬‬
‫واتسعت مكاسبهم‪ ،‬وكانوا يستمدون نفوذهم من سلطة الدولة‬
‫نفسها‪ ،‬يحكمون وفق المذهب المالكي‪ ،‬ويقوم بتنفيذ أحكامهم‬
‫حكَّام المحليون‪ ،‬وقد شارك القضاة فى معارك الجهاد‬
‫الولة وال ُ‬
‫فى‬
‫ُ‬
‫الَنْدَلس‪ ،‬واستشهد بعضهم فى معركة الّزِلقَة منهم القاضى عبد‬
‫الملك المصمودى قاضى مراكش(‪.)1‬‬
‫سلطَة القضائية تتمتع باستقلل كبير عن ال ُّ‬
‫وكانت ال ُّ‬
‫سلطَة‬
‫التنفيذية‪ ،‬وكان تعيين القاضى يصدر بمرسوم عن أمير المسلمين‪،‬‬
‫وكذلك عزله‪ ،‬وكان لهل البلدان التابعة لدولة المرابطين حق‬
‫من يرونه مناسبًا لمنصب القضاء فى بلدهم‪.‬‬
‫الترشيح ل َ‬
‫ض فى بلد معين فعليه أن‬
‫وإذا أراد أمير المسلمين عزل قا ٍ‬
‫يوضح السباب لهل ذلك البلد‪.‬‬

‫أ ‪ -‬منصب قاضى الجماعة فى الندلس‪:‬‬
‫يعتبر منصب قاضى الجماعة من أرفع المناصب القضائية فى‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬كان صاحبه يشرف على القضاء فى جميع أنحاء‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬ومن المرجح إن هذا المنصب الخطير كان ل يتوله إل‬
‫من يثبت كفاءة عالية فى أمور القضاء‪ ،‬وكان قاضى الجماعة‬
‫كل َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فى النْدَلس يتمتع بسلطات واسعة‪ ،‬ومنهم أبو القاسم أحمد بن‬
‫مد بن عبد العزيز التغلبى الذى و َّ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫جهه المير‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد بن على بن ُ‬
‫ُ‬
‫يوسف بن تاشفين إلى اتباع الحق فى الحكام دون أن يعرف فى‬
‫ل برغم راغم وتشفق من ملمة‬
‫الله لومة لئم‪ ،‬فكتب له‪« :‬ول تُبا ِ‬
‫لئم‪ ،‬فآس بين النَّاس فى عدلك ومجلسك حتى ل يطمع قوى فى‬
‫من‬
‫حيفك ول ييأس ضعيف فى عدلك‪ ،‬ول يكن عندك أقوى ِ‬
‫من القوى حتى تأخذ‬
‫الضعيف حتى تأخذ الحق له‪ ،‬ول أضعف ِ‬
‫الحق منه‪.)2( » . .‬‬
‫َ‬
‫من تول ّى منصب قضاء الجماعة فى الَنْدَلُس فى‬
‫ومن أشهر َ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن رشد‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد بن ُ‬
‫عصر على بن يوسف أبو الوليد ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن خلف إبراهيم التجيبى‬
‫م َ‬
‫المالكى وأبو عبد الله ُ‬
‫المعروف بابن الحاج(‪.)3‬‬

‫ب‪ -‬قاضى الجماعة فى المغرب‪:‬‬
‫كانت رئاسة القضاء فى المغرب فى زمن دولة المرابطين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)166‬‬
‫() الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة‪ ،‬ابن بسام (ج ‪. )2/106‬‬
‫() تاريخ المرابطين‪ ،‬ص (‪.)287‬‬

‫‪159‬‬

‫تسند إلى قاضى الجماعة بمراكش‪ ،‬الذى كان يُسمى بقاضى‬
‫َ‬
‫قضاة المغرب أو بقاضى الحضرة‪ ،‬وكان على من يتول ّى هذا‬
‫من المقربين إلى قلب أمير المسلمين يستفتيه‬
‫المنصب أن يكون ِ‬
‫َ‬
‫من تول ّى هذا‬
‫أشهر‬
‫ومن‬
‫شئون‪،‬‬
‫من‬
‫له‬
‫فى كل ما يعرض‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن إبراهيم بن قاسم بن‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد عبد الله بن ُ‬
‫المنصب‪ :‬أبو ُ‬
‫منصور اللخمي‪ ،‬وأبو الحسن على بن عبد الرحمن المعروف بابن‬
‫أبى حقون‪ ،‬وأبو سعيد خلوف بن خلف الله‪.‬‬
‫لقد قطع المرابطون فى تنظيم القضاء شوطًا أبعد من مجرد‬
‫تقسيم قضاء الَنْدَلُس والمغرب وجعل زعامة القضاء فى كل منهما‬
‫لقاضى القضاة‪ ،‬أحدهما يختص بالَنْدَلُس والخر بالمغرب‪ ،‬بل إن‬
‫المرابطين اتخذوا فقيهًا له ال ُّ‬
‫سلطَة العليا على قضاء المغرب‬
‫والَنْدَلُس على السواء‪ ،‬ومن المرجح أن زعامة القضاء فى العدوتين‬
‫كانت أحيانًا من نصيب قاضى مراكش أو قاضى سبتة أو طنجة‪،‬‬
‫وأحيانًا أخرى لقاضى الجماعة بقرطبة(‪.)1‬‬

‫جـ ‪ -‬مجلس الشورى القضائي‪:‬‬

‫َ‬
‫كان للقاضى فى صحبته مجموعة من فقهاء البلد الذى تول ّى‬
‫قضاءه ليشاورهم قبل أن يصدر الحكام‪ ،‬وكان قاضى المدينة‬
‫م َّ‬
‫من يُعرفون بالورع‬
‫يتولى اختيار هؤلء الفقهاء من أهل مدينته‪ِ ،‬‬
‫والتقوى والتبحر فى الفقه والعلوم الدينية‪ ،‬ويحدد ابن عبدون‬
‫هؤلء الفقهاء والمشاورين بأربعة‪ :‬اثنين يشتركان فى مجلس‬
‫القاضي‪ ،‬واثنين يقعدان فى المسجد الجامع (‪.)2‬‬

‫د‪ -‬القضاء العسكري‪:‬‬
‫عرفت دولة المرابطين ما يمكن تسميته بالقضاء العسكري‪،‬‬
‫وكان يمارسه قضاة مختصون بحل مشاكل الجند فى مواضع‬
‫خا َّ‬
‫ث الجند‬
‫صة بالمعسكرات‪ ،‬كما كانوا يشتركون فى القتال لح ِّ‬
‫وتشجيعهم على القتال‪ ،‬وكان هؤلء القضاة يسمون بقضاة المحلة‬
‫َ‬
‫أو قضاة الجند‪ ،‬وممن ذكرهم التاريخ فيمن تول ّوا منصب القضاء‬
‫العسكري‪ :‬عبد الرحيم بن إسماعيل الذى عُيِّن قاضيًا فى معسكر‬
‫أمير المسلمين على بن يوسف بمدينة سل(‪.)3‬‬

‫هـ ‪ -‬قضاء الذميين فى دولة المرابطين‪:‬‬

‫أما بالنسبة لهل الذِّمة فى الَنْدَلُس‪ ،‬فقد كان رجال الدين‬
‫النصارى واليهود يتولون القضاء لهم‪ ،‬دون أن يتدخل فيهم قضاة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)288‬‬
‫()المرجع السابق‪ ,‬ص (‪.)289‬‬
‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص(‪.)291‬‬

‫‪160‬‬

‫ذّمة‪ ،‬وفى‬
‫ذّمى القضاء لهل ال ِ‬
‫المسلمين‪ ،‬أجاز الفقهاء تقليد ال ِ‬
‫الَنْدَلُس خصص المسلمون لهل الذِّمة قاضيًا يعرف بقاضى‬
‫النصارى أو قاضى العجم‪ ،‬أما إذا كانت الخصومة بين ذمى‬
‫ومسلم فإن قضاة المسلمين يتولون الفصل بينهما‪ ،‬وفى هذا‬
‫الصدد يشير أشباخ إلى أن النصارى كانوا «يتمتعون بحرية‬
‫الشعائر ويحتفظون ببعض القوانين القوطية ولهم أساقفتهم‬
‫وقضاتهم»(‪.)1‬‬

‫و‪ -‬شجون وأحزان وآلم وآمال‪:‬‬
‫إن السعى لقامة دولة السلم فى أى بقعة من بقاع العالم‬
‫يحتاج للطلئع‬
‫التى تسعى لهذا الهدف العظيم وفقه الخذ بأسباب التمكين فى‬
‫جميع الصعدة‬
‫ومختلف الميادين‪.‬‬
‫وإذا نظرنا فى النُّظُم القضائية التى لبد منها فى أى دولة‬
‫دينية أو علمانية وسألنا أنفسنا ما حظ الحركات السلمية من هذا‬
‫الفقه؟ وما هى الخطط التى وضعت ليجاد هذه النُّظُم القضائية‬
‫الشرعية التى لبد منها فى أسلمة الدولة؟ وما هى الوسائل التى‬
‫اتخذتها؟ وهل بدأت فى إيجاد الكوادر التى تجمع فقه الشريعة‬
‫جا حيًا لقدرة‬
‫والنُّظُم المعاصرة بحيث تستطيع أن تقدم نموذ ً‬
‫السلم على مواكبة التطور والتقدم بمفهومه الصحيح المنبثق من‬
‫عقيدة المة ودينها وشريعتها لكانت الجابة محزنة‪.‬‬
‫من الجزئيات المطلوبة فى‬
‫إن السعى لتحقيق هذه الجزئية ِ‬
‫ن‬
‫إقامة الدول يحتاج ِ‬
‫من العاملين فى هذه الميادين إلى جهد مض ٍ‬
‫وسهر متواصل‪ ،‬وتصميم أكيد على الوصول للهدف‪ ،‬وسعى دءوب‬
‫ممزوج بالدموع والعرق والدماء‪ ،‬وهمم ل تعرف الوهن‪ ،‬وعزائم‬
‫تنخر فى هياكل الجاهلية ليدخل من خلل تلك الثقوب نور اليمان‬
‫وهدى القرآن لينتشر رويدًا رويدًا؛ زاحفًا على الظلم والضلل‬
‫والظلم والكفران‪ ،‬وإعادة دولة السلم فى أثوابها الزاهية‪،‬‬
‫وتيجانها الناصعة‪ ،‬وعدلها المنتظر‪ ،‬وآفاقها الواسعة‪ ،‬ووظائفها‬
‫المتعددة من إقامة الصلة وإيتاء الزكاة والمر بالمعروف والنهى‬
‫عن المنكر‪ ،‬ونصرة المستضعفين ومقارعة الظالمين‪ ،‬وفتح أبواب‬
‫الجهاد وشراء سلعة الجنة بالمهج والنفس والرواح ثمنًا لها‪ .‬إن‬
‫أصحاب تلك الهداف السامية والنبيلة لبد لهم من أن يتميزوا فى‬
‫حياتهم عن غيرهم فإن المال العظيمة ل يصل إليها إل أصحاب‬
‫النفوس الكبيرة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() انظر‪ :‬تاريخ الندلس‪ ،‬لشباخ‪ ,‬ص (‪.)82‬‬

‫‪161‬‬

‫تعبت من مرادها الجسام‬
‫وإذا كانت النفوس كبـــاًرا‬
‫إن تحديات الحركة السلمية كثيرة جدًا فعليها أن تستعين‬
‫من‬
‫بخالقها على تحقيق أهدافها‪ ,‬وعليها أن تكثر العمل وتُقل ِّل ِ‬
‫الجدل‪ ،‬وتهتم بالرواحل وتترك المثبطين‪ ،‬وتصعد بأبنائها على كل‬
‫المجالت والصعدة وتهتم بتربيتهم وتزكيتهم وتفجير طاقاتهم‬
‫سد َّ الثغرات المتعددة‪ ،‬وعليها أن تحرص على‬
‫وتوجيهها حتى ت ُ‬
‫أوقات أبنائها وتشغلهم بالنافع المفيد للمة ولهم‪.‬‬
‫إن تحريك الشعوب السلمية نحو التغيير لقامة شرع الله‬
‫مقيد بسنن الله فى المجتمعات والدول والشخاص‪ ،‬وسنن الله ل‬
‫تجامل ول ترحم ول تتغير ول تتبدل‪ ،‬فعلينا أن نفقه سنن الله‬
‫لنحسن التعامل معها‪ ,‬ونأخذ بها فى خطواتنا لقامة دولة السلم‬
‫ونشر شريعة الَّرحمن‪.‬‬
‫***‬

‫‪162‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫النظم العســـــكرية‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫صفات المجاهدين فى سبيل الله‪:‬‬
‫إن الجهاد فى سبيل الله عظيم الكلفة والمشقة على النفس‬
‫ب َعلَ ْيكُمُ الْقِتَالُ َوهُ َو ُكرْهٌ ّلكُمْ َوعَسَى أَن َت ْكرَهُوا شَيْئًا وَ ُهوَ‬
‫البشرية‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬كُتِ َ‬
‫خَ ْيرٌ ّلكُمْ﴾ [البقرة‪.]216:‬‬
‫ولذلك لم يستطع أن يقوم بالجهاد السلمى على أصوله‬
‫الصحيحة إل من رزقه الله صفات تجعله أهل ً للقيام بهذه العبادة‬
‫الكريمة‪.‬‬
‫جاهِدين سواء‬
‫م َ‬
‫والصل العظيم الذى تنبثق منه كل صفات ال ُ‬
‫كانوا قادة أو جنودًا‪ ،‬أو صفات الجيش كله هو اليمان بالله العلى‬
‫جاهِدين‪ ،‬وبضعفه تضعف تلك‬
‫م َ‬
‫العظيم الذى بقوته تقوى صفات ال ُ‬
‫الصفات الرفيعة فى القادة والفراد والجيش على حد سواء‪ ،‬ولذا‬
‫قال ابن تيمية رحمه الله‪« :‬وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين‬
‫المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون وليته لله تعالى‪ ،‬فمن‬
‫كان أكمل إيمانًا وتقوى‪ ،‬وكان أكمل ولية لله‪ ،‬فالنَّاس متفاضلون‬
‫فى ولية الله عز وجل بسبب تفاضلهم فى اليمان والتقوى»(‪.)1‬‬
‫والذى يكون إيمانه أكمل يحقق عبوديته لله أكثر‪ ،‬فيكون وقته‬
‫صا واعتزاًزا‬
‫كله عبادة وصبًرا وعل ً‬
‫ما وتذكًرا وتقوى وإحسانًا وإخل ً‬
‫بدينه(‪ ،)2‬قال تعالى‪َ﴿ :‬أمّنْ هُ َو قَانِتٌ آنَا َء اللّ ْي ِل سَاجِدًا َوقَاِئمًا َيحْذَ ُر ا َل ِخرَةَ وََي ْرجُو َر ْحمَةَ‬
‫ستَوِى الّذِي َن َي ْع َلمُونَ وَالّذِي َن لَ يَ ْع َلمُو َن إِّنمَا َيتَ َذ ّكرُ أُولُو اللْبَابِ ُق ْل يَا عِبَادِ الّذِينَ‬
‫رَبّهِ ُقلْ َهلْ يَ ْ‬
‫ض الِ وَاسِ َعةٌ إِّنمَا ُيوَفّى الصّاِبرُونَ‬
‫سنُوا فِى هَذِهِ الدّنْيَا حَسنة وَأَ ْر ُ‬
‫آمَنُوا اتّقُوا رَّبكُمْ ِللّذِينَ َأحْ َ‬
‫ت لنْ َأكُونَ َأ ّولَ‬
‫خلِصًا لّهُ الدّي َن وَأُ ِم ْر ُ‬
‫َأ ْجرَهُمْ بِغَ ْي ِر حِسَابٍ ُق ْل إِنّى أُ ِم ْرتُ َأنْ َأعْبُ َد الَ ُم ْ‬
‫س ِلمِيَ﴾ [الزمر‪.]12-9 :‬‬
‫اْلمُ ْ‬
‫إن زعماء المرابطين فى تاريخهم المجيد حرصوا على تربية‬
‫جاهِد‬
‫م َ‬
‫شعبهم ال ُ‬
‫جاهِدين سواء على مستوى الفراد أو القادة أو‬
‫م َ‬
‫على صفات ال ُ‬
‫الجيش أو الشعب‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() الفتاوى (ج ‪.)11/175‬‬
‫() انظر‪ :‬الجهاد فى سبيل الله‪ ،‬د‪ .‬عبد الله القادري‪( ،‬ج ‪.)2/5‬‬

‫‪163‬‬

‫أ ‪ -‬صفات القائد العسكرى عند المرابطين‪:‬‬
‫جاهِدين فى دولة المرابطين نجد‬
‫م َ‬
‫إذا نظرنا فى سيرة قادة ال ُ‬
‫أن خيار قادتهم تميَّزوا بصفات أهَّلَتهم لقيادة الجيوش وتحقيق‬
‫من أ ْ‬
‫شهر أولئك القادة الذين‬
‫النصر وإلحاق الهزائم بالعداء‪ ،‬و ِ‬
‫تميَّزوا بصفاتهم القيادية أبو بكر بن عمر‪ ،‬ويحيى بن عمر‪ ،‬ويوسف‬
‫ح َّ‬
‫مد مزدلي‪ ,‬وسير بن أبى بكر‪ ،‬وأبو عبد الله‬
‫م َ‬
‫بن تاشفين‪ ,‬وأبو ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن الحاج‪ ،‬وداود ابن عائشة‪ ،‬وعبد الله بن فاطمة وغيرهم‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫كثير‪.‬‬

‫نلحظ أنهم تميَّزوا بأمور أهمها‪:‬‬
‫من طاعة الله وإعداد النفس لتح ُّ‬
‫مل المشاق‪:‬‬
‫‪ -1‬الكثار ِ‬

‫حيث تربَّوا على حسن صلتهم بربهم الذى يمدهم بالعون بقدر‬
‫من القرآن والصيام‬
‫ما يحققون له العبودية؛ فكان لهم حظ ِ‬
‫والقيام وحسن الصلة والنفاق فى سبيل الله‪ ،‬وكان لتربية عبد‬
‫الله بن ياسين لهم فى رباطه أثر كبير لزمهم على طول حياتهم‪،‬‬
‫فكان فى مرحلة التكوين يُربِّى أتباعه على الذكر والتوكُّل على‬
‫الله‪ ,‬والصبر على الذيَّة فى سبيل الله‪ ،‬وكان يعل ِّمهم أساليب‬
‫إتعاب النفس فى ذات الله حتى تستطيع أن تتحمل المشاق فى‬
‫سبيله‪ ،‬وكان منهجه فى ترسيخ هذه المعانى فى نفوس أتباعه‬
‫القرآن الكريم‪:‬‬
‫ل أَ ْو ِزدْ َعلَ ْيهِ وَرَّتلِ الْ ُقرْآنَ‬
‫صفَ ُه َأوِ انقُصْ ِمنْهُ َقلِي ً‬
‫﴿يَا َأّيهَا اْل ُمزّ ّم ُل قُ ِم اللّ ْيلَ ِإلّ َقلِيلً نِ ْ‬
‫ل إن َلكَ فِى‬
‫ل إن نَاشَِئ َة اللّ ْيلِ ِهيَ َأشَدّ وَطئًا وََأقْوَمُ قِي ً‬
‫ل إِنّا سَُن ْلقِى َعلَ ْيكَ قَوْلً َثقِي ً‬
‫َترْتِي ً‬
‫ش ِرقِ وَا َل ْغ ِربِ لَ إِلَ َه ِإلّ هُوَ‬
‫ل َربّ اْلمَ ْ‬
‫ل وَا ْذ ُك ِر اسْمَ رَّبكَ وَتَبَّت ْل إِلَ ْي ِه تَبْتِي ً‬
‫الّنهَا ِر سَ ْبحًا طَوِي ً‬
‫جرًا َجمِيلً﴾ [المزمل‪.]10-1:‬‬
‫جرْهُمْ َه ْ‬
‫ل وَاصِْبرْ َعلَى مَا يَقُولُونَ وَا ْه ُ‬
‫فَاّتخِذْهُ َوكِي ً‬
‫يقول سيِّد قطب رحمه الله فى «ظلله» فى ترسيخ هذه‬
‫المعانى فى نفوس الدعاة‪« :‬إن الذى يعيش لنفسه قد يعيش‬
‫حا ولكنَّه يعيش صغيًرا ويموت صغيًرا‪ ،‬فأ َّ‬
‫ما الكبير الذى‬
‫مستري ً‬
‫َ‬
‫يحمل العبء فماله والن ّوم‪ ،‬وماله والراحة‪ ،‬وماله والفراش‬
‫الدافئ‪ ،‬والعيش الهادئ‪ ،‬والمتاع المريح‪ ،‬ولقد عرف رسول الله‬
‫× حقيقة المر وقدَّره‪ ،‬فقال لخديجة –رضى الله عنها‪ -‬وهى‬
‫تدعوه أن يطمئن وينام‪« :‬مضى عهد النوم يا خديجة» أجل مضى‬
‫عهد النوم‪ ,‬وما عاد منذ اليوم إل السهر والتعب والجهاد الطويل‬
‫الشاق»(‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() انظر ‪ :‬فى ظلل القرآن (ج ‪.)6/3744‬‬

‫‪164‬‬

‫لقد كان قادة المرابطين فى تربيتهم الرشيدة جادين بعيدين‬
‫عن الهزل واللهو واللعب‪ ,‬وتميز فيهم أبو بكر بن عمر‪ ,‬ويوسف‬
‫من‬
‫بن تاشفين‪ ،‬فكان لهما السبق على أتباعهما فى كل مجال ِ‬
‫المجالت التى تُعتَبر من ضرورات القائد الناجح‪.‬‬

‫‪ -2‬القدوة الحسنة للجنود‪:‬‬
‫حيث نجد أن قادة المرابطين يقودون المعارك بأنفسهم‪ ,‬فقتل‬
‫عبد الله بن ياسين فى ساحات الوغي‪ ،‬ويحيى بن عمر كذلك‪ ,‬وأبو‬
‫بكر بن عمر فى جهاده فى الصحراء الكبرى‪ ،‬كما كان يوسف بن‬
‫من العداء‬
‫تاشفين يقود الحرس الخاص الذى أعده لنتزاع النصر ِ‬
‫فى الساعات الحرجة‪ ،‬ويندفع بجواده فى ميادين الجهاد عندما‬
‫يشتد ُّ وطيس المعركة‪ ،‬وضربوا أمثلة رائعة فى إيمانهم وعملهم‬
‫الصالح وشجاعتهم وكرمهم الفياض وحزمهم وإيثارهم وإقدامهم‪.‬‬

‫‪ -3‬حرصوا على تزكية وتطهير جنودهم والرتقاء بهم‬
‫ة لله‪:‬‬
‫طاع ً‬
‫إن بُعد الجنود عن التعليم والتربية والتطهير يكون سببًا فى‬
‫من ث َ َّ‬
‫م الهزيمة‪.‬‬
‫قسوة قلوبهم وانغماسهم فى الثام والذنوب و ِ‬
‫سهِمْ يَ ْتلُو َعلَ ْيهِمْ‬
‫ي ِإذْ بَعَثَ فِيهِمْ َرسُولً مّ ْن أَنْ ُف ِ‬
‫ل َعلَى اْلمُؤمِنِ َ‬
‫قال تعالى‪ ﴿:‬لَقَ ْد مِن ا ُ‬
‫ضلَلٍ مِّبيٍ﴾ [آل عمران‪:‬‬
‫ح ْكمَةَ وَِإ ْن كَانُوا مِن قَ ْبلُ لَفِى َ‬
‫آيَاتِهِ وَُي َزكّيهِمْ وَُي َع ّلمُهُمُ اْلكِتَابَ وَاْل ِ‬
‫‪.]164‬‬
‫ث فِى الُمّيّيَ َرسُولً مّ ْنهُمْ يَ ْتلُو َعلَ ْيهِ ْم آيَاتِهِ وَُي َزكّيهِمْ‬
‫وقال تعالى‪ ﴿:‬هُوَ الّذِى بَعَ َ‬
‫ضلَلٍ مّبِيٍ﴾ [الجمعة‪.]2:‬‬
‫ح ْكمَةَ وَإِن كَانُوا ِمنْ قَ ْب ُل لَفِى َ‬
‫وَُي َع ّلمُهُمُ اْلكِتَابَ وَاْل ِ‬
‫يقول سي ِّد قطب رحمه الله‪« :‬ويزكيهم ويطهرهم‬
‫ويرفعهم وينقيهم‪ :‬يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم‪،‬‬
‫ويطهر بيوتهم وأعراضهم وصلتهم‪ ،‬ويطهر حياتهم‬
‫ومجتمعهم وأنظمتهم‪ ،‬ويطهرهم من أرجاس الشرك‬
‫والوثنية والخرافة والسطورة‪ ,‬وما تبثه فى الحياة من‬
‫مراسم وشعائر وعادات وتقاليد هابطة بالنسان وبمعنى‬
‫إنسانيته‪ ،‬ويطهرهم من دنس الحياة الجاهلية‪ ,‬وما تلوث به‬
‫المشاعر والشعائر والتقاليد والقيم والمفاهيم»(‪.)1‬‬

‫‪ -4‬الخبرة بأمور الحرب والقوَّة فيها‪:‬‬
‫وظهر ذلك فى قادة المرابطين فى جهادهم من أجل توحيد‬
‫‪1‬‬

‫() فى ظلل القرآن (ج ‪.)1/507‬‬

‫‪165‬‬

‫المغرب القصى كله‪ ,‬والقضاء على دولة برغواطة الملحدة‪ ،‬وما‬
‫خاضوه من حروب ومعارك ظهرت فيها خبرتهم الحربية‪,‬‬
‫ومقدرتهم على تنفيذ أساليب الكر والفر‪ ،‬وظهرت خبرة القائد‬
‫العلى يوسف بن تاشفين فى معركة الّزِلقَة التى أكسبت أركان‬
‫الحرب خبرات عميقة؛ ساعدتهم فى جهادهم من أجل ضم‬
‫الَنْدَلُس لدولتهم الفتية تحت راية السلم بمنهجه السنى القويم‪،‬‬
‫والقضاء على الخطر النصرانى فى الَنْدَلُس‪.‬‬
‫وفى القرآن الكريم نجد إشارة لطيفة تبين صفات القائد‬
‫العسكرية وهي‪ :‬العلم والقوة‪ ،‬كما قال تعالى‪﴿:‬وَقَا َل َلهُمْ َنبِّيهُ ْم إن الَ قَدْ‬
‫ث َلكُمْ طَالُوتَ َم ِلكًا قَالُوا أَنّى َيكُو ُن َلهُ اْل ُم ْلكُ َعلَيْنَا وََنحْ ُن َأحَ ّق بِاْل ُم ْلكِ مِنْ ُه وَلَمْ يُ ْؤتَ َسعَةً مِن‬
‫بَعَ َ‬
‫ل يُؤْتِى ُم ْلكَ ُه مَن يَشَاءُ وَالُ‬
‫سطَ ًة فِى اْل ِعلْمِ وَاْلجِسْمِ وَا ُ‬
‫صطَفَا ُه َعلَ ْيكُمْ وَزَادَ ُه بَ ْ‬
‫لا ْ‬
‫الَالِ قَالَ إن ا َ‬
‫وَاسِ ٌع َعلِيمٌ﴾ [البقرة‪.]247 :‬‬
‫وقد ظهر علمه وخبرته فى اختيار جنده‪ ,‬ومعرفة الصالح منهم‬
‫للجهاد وغير الصالح‪ ،‬وبرزت قوته فى صموده وصبره ومصابرته‬
‫ونجاحه فى جهاده‪.‬‬
‫قال سيِّد قطب رحمه الله‪« :‬وفى ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة‬
‫ُ‬
‫القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة‪ ،‬وكل ّها واضحة فى قيادة طالوت‪،‬‬
‫تبرز فيها خبرته بالنفوس وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة‪ ,‬وعدم‬
‫اكتفائه بالتجربة الولى‪ ،‬ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة فى‬
‫نفوس جنوده قبل المعركة‪ ،‬وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه‪،‬‬
‫ثم – وهذا هو الهم – عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد‬
‫تجربة‪ ،‬ولم يثبت معه فى النهاية إل تلك الفئة المختارة‪ ،‬فخاض بها‬
‫المعركة ثقة منه بقوة اليمان الخالص‪ ,‬ووعد الله الصادق‬
‫(‪)1‬‬
‫للمؤمنين»‪.‬‬

‫‪ -5‬البعد عن طلب القيادة وابتغاء الرئاسة‪:‬‬
‫جاهِد الزاهد أبى‬
‫م َ‬
‫وظهر لى هذا المعنى فى شخصية المير ال ُ‬
‫بكر بن عمر‪ ،‬فعندما لمس من ابن عمه مقدرة على القيادة أسند‬
‫المر إليه‪ ،‬ودخل متوغل ً فى الصحراء الكبرى من أجل الدعوة‬
‫والجهاد حتى أكرمه الله بالشهادة‪ ،‬وكان أمراء المرابطين يرون‬
‫المارة قربة وعبادة يتقربون بها إلى الله لنصر دينه وتحقيق‬
‫ما من جاه أو منصب أو مال‪.‬‬
‫مصالح عباده‪ ,‬وليست مغن ً‬

‫‪ -6‬إسناد المور إلى أهلها‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() فى ظلل القرآن (ج ‪.)1/263‬‬

‫‪166‬‬

‫وهذه الصفة ظهرت لى فى سيرة يوسف بن تاشفين فى‬
‫من ق َّ‬
‫صر‬
‫تعيينه للولة والقادة والفقهاء‪ ،‬وما كان ليمتنع عن عزل َ‬
‫من هو أفضل منه‪.‬‬
‫فى عمله‪ ,‬ويعين َ‬

‫‪ -7‬تربية الجندى على التسليم المطلق لله ل لشخص‬
‫القائد‪:‬‬
‫وكان أمراء المرابطين يضربون أروع المثلة فى زرع هذه‬
‫جاهِدين‪ ،‬فهذا أمير المسلمين يرفع يديه‬
‫م َ‬
‫المعانى فى نفوس ال ُ‬
‫نحو السماء مناجيًا المولى عز وجل‪« :‬اللهم إن كنت تعلم أن فى‬
‫حا للمسلمين فسهِّل علينا هذا البحر حتى نعبره‪،‬‬
‫جوازنا هذا إصل ً‬
‫(‪)1‬‬
‫وإن كان غير ذلك فصعبه حتى ل نجوزه» ‪.‬‬
‫وفى وسط معركة الّزِلقَة وهو يبث الحماس فى نفوس‬
‫جاهِدين‪« :‬يا معشر المسلمين اصبروا لجهاد أعداء الله‬
‫م َ‬
‫ال ُ‬
‫من سلم فقد فاز‬
‫و‬
‫الجنة‪،‬‬
‫فله‬
‫الشهادة‬
‫منكم‬
‫رزق‬
‫من‬
‫و‬
‫الكافرين‪,‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بالجر العظيم والغنيمة»(‪ ،)2‬وهكذا القائد المسلم هو الذى يربى‬
‫جنوده بالمواقف على تحقيق العبودية الخالصة لله‪.‬‬
‫ولهذا لما قتل عبد الله بن ياسين لم يتأثر المرابطون‪ ,‬وقتل‬
‫يحيى بن عمر ومن بعده أبو بكر بن عمر‪ ،‬وما زادهم ذلك إل إيمانًا‬
‫جاهِدين وتعلقهم‬
‫م َ‬
‫ما‪ ،‬وهذا يدل على حسن تربيتهم لل ُ‬
‫وتسلي ً‬
‫وتسليمهم لله ل للشخاص‪ ،‬أما تربية اليوم فى جيوش المسلمين‬
‫شبيهة بالفرعونية حيث يربى القائد جنوده على طاعته المطلقة‬
‫فى الخير والشر‪ ,‬كما يربيهم على الخضوع الكامل لشخصه‪.‬‬
‫ح َّ‬
‫مد الغزالى – رحمه الله – هذه التربية‬
‫م َ‬
‫ووصف الشيخ ُ‬
‫فقال‪« :‬إن الذى يدرس المجتمعات الفاسدة‪ ,‬ويتغلغل فى بحث‬
‫عللها‪ ،‬والذى يتتبع أعمال الدعياء وطلب الزعامة‪ ،‬ويستقصى‬
‫وسائلهم الملتوية فى تسخير الجماهير للوصول إلى القمة‪ ،‬والذى‬
‫يلحظ النهضات الكبرى وكيف يدركها الفشل فجأة لنهم أصيبوا‬
‫برجال يحبون الظهور‪ ،‬فل يرحبون بالنصر إل إذا جاء عن طريقهم‬
‫وحدهم‪ ،‬أ َّ‬
‫ما إذا جاء عن طريق غيرهم فهو‬
‫(‪)3‬‬
‫البلء المبين» ‪.‬‬
‫وقال سعد جمعة‪« :‬والفرق بين السلم والنُّظُم المعاصرة أن‬
‫الولء فى السلم هو لله وحده‪ ،‬بينما الولء فى النُّظُم الخرى‬
‫المنعوتة بالتقدمية‪ ،‬هو للطاغية‪ ،‬أو الدكتاتور أو الحزب الحاكم أو‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() دولة المرابطين ‪ ،‬ص (‪.)90‬‬
‫() دولة المرابطين‪.‬‬
‫() السلم والستبداد السياسي‪ ،‬ص (‪.)35‬‬

‫‪167‬‬

‫الجيش العقائدى أو اليديولوجية المتسلطة‪ ،‬ولذا فهو ولء إكراه‬
‫وضغط فكرى وقهر بوليسي‪ ،‬ل ولء الخير والمحبة والمودة‬
‫والتقوى والخوة»(‪.)1‬‬
‫وكم نحن محتاجون إلى منهج السلم الصحيح فى غرس‬
‫الربانية والتسليم المطلق لله ل للشخاص‪.‬‬

‫‪ -8‬الحرص على قاعدة الشورى‪:‬‬
‫س حرب ٌّ‬
‫ي‬
‫كان لمير المسلمين فى دولة المرابطين ونائبه مجل ٌ‬
‫يضم قواد الفرق العسكرية المختلفة لدراسة الخطط الحربية‪،‬‬
‫من القائد العلى‪ ,‬والتشاور فى أمور‬
‫وتلقى الوامر والتعليمات ِ‬
‫الجهاد والبلد والعباد‪ ،‬واتصف قادة المرابطين بحرصهم على‬
‫إقامة مبدأ الشورى فيما بينهم‪.‬‬
‫فكان قرار الجهاد ضد النصارى فى الَنْدَلُس بعد شورى شارك‬
‫فيها الشيوخ والقادة والعلماء والفقهاء‪ ،‬وكان قرار ضم ممالك‬
‫الطوائف بعد شورى كذلك‪ ,‬واشتهر المير يوسف بمشاورة ذوى‬
‫الرأى من علماء الشريعة السلمية وذوى الخبرة فيما يعرض له‬
‫من أمور‪.‬‬

‫‪ -9‬الحرص على تحقيق الهداف والضبط الدارى وقوة‬
‫التأثير‪:‬‬
‫ظهرت هذه الصفات فى شخصية يوسف بن تاشفين الذى‬
‫أظهر مهارة إدارية عندما فتح مدينة سجلماسة‪ ,‬واستطاع أن‬
‫يحقق أهداف المرابطين بعد جهاد دام ربع قرن‪ ،‬جنى بعدها‬
‫المرابطون ثمرة أتعابهم وبسطوا سيطرتهم على المغرب‬
‫القصى‪ ،‬ونُشر المن فى ربوعه‪ ،‬واستطاع يوسف بحسن سيرته‬
‫وعدله أن يؤثِّر بقوَّة الحق الذى التزمه على قبائل المصامدة‬
‫وزناتة وغمارة وغيرها‪.‬‬

‫‪ -1 0‬الشجاعة والكرم‪:‬‬
‫وظهرت هاتان الصفتان فى قادة المرابطين فى جهادهم فى‬
‫الَنْدَلُس‪ ,‬فبعد معركة الّزِلقَة ع َّ‬
‫ف المير يوسف وجنوده عن‬
‫من الدماء‬
‫الغنائم وتركوها لملوك الطوائف‪ ،‬مع كونهم بذلوا ِ‬
‫والنفوس فى تلك المعركة ما ل يعلمه إل الله‪ ،‬فدل فعلهم ذلك‬
‫على شجاعتهم وكرمهم‪.‬‬

‫‪ -1 1‬التصرف الحكيم السريع أمام المفاجآت‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() الله أو الدمار‪ ،‬ص (‪.)181‬‬

‫‪168‬‬

‫من الحدود‬
‫وظهرت لى هذه الصفة عندما تدخل الحماديون ِ‬
‫الشرقية‪ ،‬واعتدوا على دولة المرابطين من أطرافها‪ ,‬فجَّرد‬
‫المرابطون لهم جي ً‬
‫شا‪ ,‬وردوهم إلى حدودهم‪ ,‬وعقدوا معاهدة أمن‬
‫َ‬
‫ما على‬
‫ن هجو ً‬
‫وسلم‪ ،‬وعندما أخطأ والى تلمسان المرابطى وش ّ‬
‫من القيادة العليا عُزل ذلك القائد وعُيِّن مكانه‬
‫بنى حماد دون إذن ِ‬
‫َ‬
‫من هو أفضل منه‪ ,‬وتراضوا مع بنى ح َّ‬
‫ماد‪ ،‬وعندما تأك ّد المير‬
‫َ‬
‫يوسف من خيانة ملوك الطوائف أسَر بعضهم‪ ,‬وقتل بعضهم‪،‬‬
‫وضرب الحصار على ممالكهم حتى أسقطها جميعًا‪ ،‬وساعده على‬
‫تحقيق تلك الهداف قادة عظام اتصفوا بصفات عظيمة انعكست‬
‫على جنود المرابطين‪.‬‬
‫هذه بعض الصفات التى حرص المرابطون على غرسها فى‬
‫قياداتهم وزعمائهم‪ ،‬فكانت خيًرا وبركة على تلك الدولة السنية‬
‫الفتية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المنهج التربوى لجيش المرابطين‪:‬‬
‫اهتم المرابطون بتربية جنودهم تربية جهادية‪ ,‬اهتموا بجميع‬
‫جوانبها الروحية والنفسية والفكرية والجسدية‪ ،‬وقد تميزت‬
‫جاهِد بالجنة والشتياق إليها‪ ،‬فشهدت‬
‫م َ‬
‫تربيتُهم الروحية بربط ال ُ‬
‫المعارك التى خاضوها ضد أعدائهم على حبهم للموت كحب‬
‫خصومهم النصارى للحياة‪.‬‬
‫وغرس علماء المرابطين فى نفوس جنودهم عقيدة اليمان‬
‫بالقدر‪ ،‬فأصبح الفارس منهم ينطلق كالسهم فى صفوف العداء‬
‫يضرب ذات اليمين وذات الشمال‪ ،‬ل يخشى إل الله تعالى مؤمنًا‬
‫باليات القرآنية والحاديث النبوية التى تدل على تعميق هذا‬
‫جاهِدين‪.‬‬
‫م َ‬
‫المفهوم فى نفوس ال ُ‬
‫سكُ الّتِى قَضَى‬
‫س حِيَ مَوِْتهَا وَالّتِى لَ ْم َتمُتْ فِى مَنَا ِمهَا فَُيمْ ِ‬
‫ل يَتَ َوفّى الَْنفُ َ‬
‫قال تعالى‪﴿:‬ا ُ‬
‫سمّى﴾ [الزمر‪ ،]42:‬وقال تعالى‪﴿:‬قُل لّن‬
‫َعلَ ْيهَا اْلمَ ْوتَ وَُي ْر ِسلُ ا ُل ْخرَى إِلَى َأ َجلٍ مّ َ‬
‫كلِ اْلمُ ْؤمِنُونَ﴾ [التوبة‪.]51:‬‬
‫ل َلنَا هُوَ َم ْولَنَا َو َعلَى الِ َفلْيَتَ َو ّ‬
‫يّصِيَبنَا ِإلّ مَا َكتَبَ ا ُ‬
‫ما‬
‫وقال ×‪« :‬إن أحدَكم يجمع خلقه فى بطن أ ِّ‬
‫مه أربعين يو ً‬
‫نطفة‪ ،‬ثم يكون علقة مثل ذلك‪ ،‬ثم يكون مضعة مثل ذلك‪ ،‬ثم‬
‫يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه‬
‫وأجله وعمله وشقى أو سعيد‪.)1( »..‬‬
‫وكانت وسائل المرابطين فى تقوية الجانب الروحى فى‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البخاري‪ ,‬رقم (‪.)3036‬‬

‫‪169‬‬

‫جنودهم وشعبهم المقاتل تعتمد على إحياء شعيرة الصلة‪،‬‬
‫والصيام‪ ،‬والزكاة‪ ،‬والحج‪ ،‬وتلوة القرآن‪ ،‬والذكر‪ ،‬وأما وسائلهم‬
‫فى التربية النفسية فتعتمد على جهود العلماء والفقهاء الذين‬
‫يقومون بتزكيتهم وإيضاح حقيقة النفس والكون والحياة وغرض‬
‫النسان وهدفه فى هذه الدنيا‪.‬‬
‫وكانوا يرون أن أهم أسباب تربية النفوس أن تستعد دائما‬
‫للجهاد‪ ،‬وأن تتربى على خشونة العيش والطعام والشراب‪ ,‬وقلة‬
‫النوم لتنمية فضيلة الصبر فى نفوسهم‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أبرز الجوانب التربوية فى جيش المرابطين‪:‬‬

‫‪ -1‬الخوة السلمية‪:‬‬
‫كانت من أسباب قوة الجيش المرابطى سريان روح الخوة‬
‫بين جميع فصائل الجيش‪ ،‬وامتلت قلوبهم ونفوسهم بهذا‬
‫المعنى السامى الذى كان سببًا فى تذويب النعرات القليمية‬
‫من الزنوج‪ ،‬ومن قبائل صنهاجة‬
‫والعرقية‪ ،‬وجيوشهم تتكون ِ‬
‫المتفّرِقة‪ ,‬ومن العرب‪ ,‬ومن مسلمى السبان‪ ،‬وكل هذه‬
‫الفصائل المتعددة والمتنوعة كوَّنت أ َّ‬
‫مة واحدة‪.‬‬
‫ل لَ َع ّلكُ ْم ُت ْر َحمُونَ﴾‬
‫ص ِلحُوا بَيْ َن َأخَوَْيكُمْ وَاتّقُوا ا َ‬
‫قال تعالى‪ ﴿:‬إِّنمَا اْلمُؤْ ِمنُو َن ِإخْوَةٌ فََأ ْ‬
‫ل َعلَ ْيكُمْ ِإ ْذ كُنْتُ ْم َأعْدَاءً فَأَّلفَ بَيْنَ‬
‫تا ِ‬
‫[الحجرات‪ ,]10:‬وقال تعالى‪﴿:‬وَا ْذ ُكرُوا نِ ْعمَ َ‬
‫ُقلُوِبكُمْ فََأصَْبحْتُ ْم بِِن ْعمَتِ ِه ِإخْوَانًا﴾ [آل عمران‪.]103:‬‬
‫لقد تحلى جيش المرابطين بهذه الصفة الربانية العظيمة‬
‫جاهِدين‪ ,‬وجعلتهم صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص‬
‫م َ‬
‫فقوَّت رابطة ال ُ‬
‫فى مواجهة العداء‪.‬‬

‫‪ -2‬التواصى بالحق والتواصى بالصبر‪:‬‬
‫مل على‬
‫ح ِ‬
‫فعندما أصيب عبد الله بن ياسين بجراح بالغة‪ ,‬و ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫إثرها إلى معسكره؛ جمع رؤساء وشيوخ المرابطين وحثهم على‬
‫الثبات فى القتال‪ ،‬وحذَّرهم من عواقب التفرقة والتحاسد فى‬
‫طلب الرئاسة وما لبت أن فارق الحياة(‪.)1‬‬
‫وهكذا جند الله المجاهدون ل يتباطأون فى مناصحة بعضهم‬
‫ضا‪ ،‬لعلمهم أن فى هذا التباطؤ هلكهم جميعًا الذى وصفه لهم‬
‫بع ً‬
‫الرسول × فى حديث النعمان بن بشير ‪-‬رضى الله عنهما‪ -‬فقال‪:‬‬
‫«مثل القائم ف حدود ال والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة‪ ,‬فأصاب بعضهم أعلها‪,‬‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)44‬‬

‫‪170‬‬

‫وبعضهم أسفلها‪ ,‬فكان الذين ف أسفلها إذا استقوا الاء مرّوا على مَن فوقهم فقالوا‪ :‬لو أنا خرقنا‬
‫ف نصيبنا خرقًا‪ ,‬ول نؤذ مَن فوقنا‪ ,‬فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جيعًا‪ ,‬وإن أخذوا على أيديهم‬
‫نوا ونوا جيعًا»(‪.)1‬‬
‫إن مفهوم الجندية السلمية يترعرع فى بيئات التناصح‬
‫والتواصى بالحق‬
‫والتواصى بالصبر‪.‬‬

‫‪ -3‬إصلح ذات البين‪:‬‬
‫حرص المرابطون على نبذ الشقاق والقضاء على الخلف‬
‫وعلى رأب الصدع وإصلح ذات البين؛ لعلمهم أن فساد ذات البين‬
‫يقضى على جند الجهاد أكثر مما يقضى عليهم عدوهم الخارجى‬
‫مهما قويت شوكته وكثر جنده‪ ،‬فاتخذوا أسلوب الحكمة واللين‬
‫والرفق من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود‪ ،‬وإذا خرجت فئة‬
‫تستمرئ الشقاق أو تعمل على إيجاده؛ جَّردوا لها الجيوش‬
‫وأخضعوها بالقوة‪ ،‬وهذا ما قام به المير أبو بكر بن عمر عندما‬
‫تمَّردت بعض قبائل الصحراء على مبادئ المرابطين‪ ,‬واشتبكوا مع‬
‫بعض القبائل الخرى فى قتال؛ فخرج إليهم بجيشه الكثيف‪,‬‬
‫وأصلح ذات البين مستعمل ً فى ذلك القوة‪ ،‬ومن أجل الضرورة‬
‫وإصلح ذات البين أذن النبى × لمن أراد أن يستعمل الكذب الذى‬
‫ما ول يحرم حللً ‪ ,‬ل سيما إذا كان من باب التورية‬
‫ل يحل حرا ً‬
‫والتعريض‪ ،‬كما فى حديث أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول‬
‫الله × يقول‪« :‬ليس الكذب الذى يصلح بي النّاس فينمى خيًا أو يقول خيًا»(‪.)2‬‬
‫من الصلة والصيام‬
‫وجعل النبى × إصلح ذات البين أفضل ِ‬
‫والصدقة‪ ,‬وحذَّر النبى × من فساد ذات البين‪ ،‬قال رسول الله‬
‫×‪« :‬أل أخبكم بأفضل درجة مِن الصيام والصلة والصدقة؟»‪ ،‬قالوا‪ :‬بلى يا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪« :‬إصلح ذات البي‪ ،‬وفساد ذات البي الالقة»(‪.)3‬‬

‫‪ -4‬نصر الحق والثبات عليه‪:‬‬

‫لما أرسل فقهاءُ سجلماسة ودرعة إلى الفقيه ابن ياسين‪,‬‬
‫من‬
‫يرغبون فى الوصول إليهم ليخلص بلدهم مما تعانيه ِ‬
‫حكَّام الطغاة الظلمة زناتة المغراويين وأميرهم مسعود بن‬
‫ال ُ‬
‫وانودين‪ ،‬فجمع ابن ياسين شيوخ قومه‪ ,‬وقرأ عليهم رسالة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() البخاري رقم (‪ ،)2493‬فتح الباري (ج ‪.)5/132‬‬
‫() البخاري رقم (‪ ،)2692‬فتح الباري (ج ‪.)5/299‬‬
‫() رواه الترمذي (ج ‪.)633/‬‬

‫‪171‬‬

‫فقهاء سجلماسة؛ فأشاروا عليه بمد يد المعونة لهم‪ ،‬وقالوا له‪:‬‬
‫«أيها الشيخ الفقيه هذا ما يلزمنا فسر بنا على بركة الله‬
‫تعالى»(‪.)1‬‬
‫من المرابطين لنصرتهم على‬
‫ولما طلب ملوك الطائف العون ِ‬
‫صا على‬
‫النصارى لبوا نداء الحق‪ ،‬لقد كان جيش المرابطين حري ً‬
‫نصرة الحق وإحقاقه والقتال عليه‪.‬‬
‫لقد حرص المرابطون على أن يشملهم قول رسول الله ×‪:‬‬
‫«ل يزال من أمت أمة قائمة بأمر ال ل يضرهم من خذلم ول من خالفهم حت يأتيهم أمر ال وهم‬
‫على ذلك»(‪ ،)2‬وقوله ×‪« :‬مَن ُي ِر ِد ال به خيًا يفقهه ف الدين‪ ,‬ول تزال عصابة مِن‬
‫السلمي يقاتلون على الق ظاهرين على من ناوأهم إل يوم القيامة»(‪.)3‬‬
‫إن صفة نصر الحق والثبات عليه والقتال عليه ليست دعوة‬
‫تقال‪ ،‬أو شعارا ً يرفع على مستوى الجماعات أو الدول أو‬
‫الطوائف‪ ,‬وإنَّما حقيقة لها دللتها الواقعية فى حياة النَّاس‪ ،‬وأى‬
‫جماعة أو دولة تفقد صفة الفقه فى الدين ونصر الحق أو إحداهما‬
‫فليست أهل ً لن تكون هى الطائفة المنصورة‪.‬‬
‫وأى خلل يقع فى أى جماعة؛ فلبد أن يكون مصدره فقد‬
‫إحدى الصفتين أو فقدهما معًا أو ضعف فى إحداهما أو فيهما م ًعا‬
‫(‪.)4‬‬

‫‪-‬‬

‫إن دولة المرابطين فى جيلها الريادى حققت صفة الفقه فى‬
‫من الطائفة‬
‫الدين متمثل ً فى فقهائها العظام‪ ،‬فاستحقَّت أن تكون ِ‬
‫المنصورة التى حالفها نصر الله وتوفيقه‪ .‬وعندما ضعفت تلك‬
‫من الوجود‪.‬‬
‫الصفات آل أمرها إلى طائفة مغلوبة‪ ،‬بل زالت ِ‬
‫د ‪ -‬عناصر جيوش المرابطين‪:‬‬
‫‪ -1‬الملثمون أو المرابطون‪ :‬كانوا هم النواة الولى التى‬
‫تكوَّن منها الجيش المرابطي‪ ،‬وقد قامت الدولة على أكتافهم‪,‬‬
‫وقد اشتهر هؤلء الملثمون بقوة بأسهم فى الحرب‪ ،‬وكانوا أثبت‬
‫من الجبال الرواسى فى المعارك‪ ،‬ومهما تفوَّق عليهم عدوُّهم فى‬
‫ِ‬
‫العدد فل يتقهقرون‪ ،‬ولقد حققوا انتصارت رائعة فى معاركهم فى‬
‫المغرب القصى أو فى معارك الجهاد فى الَنْدَلُس‪.‬‬
‫َ‬
‫من أهم فرق الجيش‬
‫‪ -2‬العرب‪ :‬وشك ّلوا فرقة أصبحت ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)42‬‬
‫(‪ )4‬البخاري رقم (‪ ،)3641‬فتح الباري (ج ‪.)6/632‬‬
‫() مسلم (ج ‪.)3/1524‬‬
‫() الجهاد فى سبيل الله‪( ,‬ج ‪.)2/95‬‬

‫‪172‬‬

‫المرابطى وشاركوا فى معارك الَنْدَلُس‪ ،‬وتنتمى بعض العناصر‬
‫العربية إلى عرب الَنْدَلُس الذين استقُّروا فى المغرب فى عصر‬
‫الدارسة‪ ،‬ويرجع البعض الخر إلى قبائل بنى هلل التى انخرطت‬
‫فى سلك جيش المرابطين‪ ،‬وشاركوا فى معارك الجهاد‪ ،‬ومن‬
‫أشهر تلك المعارك معركة كنسويجرة‪ ..‬يقول ابن الكردبوس‪:‬‬
‫«فجر ابن تاشفين عسكًرا جراًرا من مرابطين وعرب وأَنْدَلُس‬
‫ح َّ‬
‫مد بن الحاج‪ ،‬فالتقوا‬
‫م َ‬
‫الشرق والغرب‪ ،‬وقدم عليهم قائده ُ‬
‫بكنثرة فكانت بينهم جولت وحملت إلى أن زلزل الله أقدام‬
‫المشركين‪ ,‬وولوا مدبرين‪.)1(»...‬‬
‫كما شاركوا فى معركة إقليش‪ ،‬فيقول ابن القطان‪:‬‬
‫«واستشهد فى هذه الوقيعة – أى إقليش – المام الجزولي‪ ،‬وكان‬
‫من العيان والعربان‪.)2(» ..‬‬
‫رجل صدق‪ ,‬وجماعة ِ‬
‫من‬
‫‪ -3‬الحرس الخاص‪ :‬كانت قوى الحرس الخاص تتألف ِ‬
‫أشجع الجند من مختلف الوليات‪ ،‬ويشترط فى قبولهم أن يكونوا‬
‫من ذوى القوام الحسن والشجاعة الفائقة والقوة والبراعة‪ ،‬يقول‬
‫أشباخ‪« :‬جمع يوسف بن تاشفين من تجار الرقيق من أقليم غانا‪،‬‬
‫من العبيد واختار منهم أمهرهم وزودهم بالسلح‬
‫عددًا كبيًرا ِ‬
‫والخيل‪ ,‬ودربهم على جميع فنون القتال‪ ،‬وأنشأ من حرسه الخاص‬
‫من‬
‫صا ِ‬
‫السود ِ‬
‫من ألفى رجل‪ ،‬وأنشأ على هذا النمط حر ً‬
‫سا خا ً‬
‫من النصارى المعاهدين‪ ،‬وكان يوسف‬
‫الَنْدَلُسيين يتألف من فتيان ِ‬
‫من امتاز منهم بالخلص‬
‫يحبوهم بعطفه وصلته‪ ،‬وينعم على َ‬
‫(‪)3‬‬
‫من الخيل والثياب والسلح والعبيد» ‪.‬‬
‫والشجاعة بمختلف الهبات ِ‬
‫وبين الدكتور سعدون عبَّاس نصر الله أن النصارى فى جيش‬
‫المرابطين اعتنقوا السلم(‪ ،)4‬وأصبح الحرس الخاص ركنًا أساسيًا‬
‫من أركان الجيش المرابطي‪ ،‬ل سيما أن على بن يوسف ض َّ‬
‫م إليه‬
‫الكثير من أسرى الحروب‪ ,‬وشارك هذا الحرس الخاص فى‬
‫‬‫حدِين‬
‫موَ ِّ‬
‫حراسة معاقل المغرب‪ ،‬بل حتى فى حروب الدولة ضد ال ُ‬
‫(‪.)5‬‬
‫‪ -4‬الحشم‪ :‬كانت فرق الحشم من أهم فرق الجيش‬
‫المرابطي‪ ,‬وكانت تتكون من زناتة والمصامدة‪ ،‬وكانت هذه الفرق‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫الكتفاء‪ ،‬ص (‪.)108 ،107‬‬
‫نظم الجمان‪ ،‬ص (‪ ،)10-9‬انظر‪ :‬الثغر العلى‪ ،‬الندلس‪ ،‬ص (‪.)129‬‬
‫تاريخ الندلس‪ ،‬لشباخ‪ ،‬ص (‪.)480، 479‬‬
‫دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)170‬‬
‫تاريخ المغرب فى عصر المرابطين‪ ،‬ص (‪.)298‬‬

‫‪173‬‬

‫تتقدم عادة الجيوش المرابطية فى القتال(‪.)6‬‬
‫هـ ‪ -‬فنون القتال‪:‬‬
‫َ‬
‫لما تول ّى المير يوسف مقاليد حكم المرابطين عمد إلى إصلح‬
‫نظام تسليح الجيش وطريقة إعداده للقتال‪ ،‬ففى البدء كانت‬
‫أسلحتهم يدوية ويعتمدون على البل‪ ,‬وهذه السلحة تصلح لحرب‬
‫الصحراء‪ ،‬أ َّ‬
‫ما حرب المدن والحصون فإنها تتطلب وسائل وأسلحة‬
‫تتلءم مع الوضع الجديد الناشيء عن حرب الحصار؛ ولهذا ابتكر‬
‫المير يوسف الخطة العسكرية المعروفة بالتقري‪ ،‬وخطة التقرى‬
‫تعتمد على توجيه الجيوش إلى بلد معينة للقتال مع جيوشها فى‬
‫معارك فاصلة ل لحصار المدن(‪.)2‬‬
‫َ‬
‫وسل ّح الجيش بكل أنواع السلحة المعروفة من مغربية‬
‫َ‬
‫من الجيش يتناسب مع‬
‫وأنْدَلُسية ونصرانية‪ ,‬وكان سلح كل فرقة ِ‬
‫تركيبها ووضعها القتالي‪ :‬فمشاة الصف الول يتسلحون بالقنا‬
‫الطوال وبدروق اللمط‪.‬‬
‫وكان للمير يوسف الفضل فى تنظيم جيش المرابطين‪,‬‬
‫ومعرفة الرجال ومواهبهم الفذة الذين أعادوا إلى الذهان تاريخ‬
‫الفتوحات الولى لمة السلم‪ ،‬لقد كانت حركة المرابطين مقنعة‬
‫للعالم فى زمانها بأن السلم قادر فى كل زمان ومكان على‬
‫إنجاب القادة الفذاذ أمثال سير بن أبى بكر‪ ،‬وداود ابن عائشة‪،‬‬
‫وابن فاطمة‪ ,‬وابن ميمون ومزدلى وغيرهم‪ ،‬وعلى رأس الجميع‬
‫القائد الربانى الذى أنقذ الله به السلم فى الَنْدَلُس والمغرب‬
‫يوسف بن تاشفين‪.‬‬
‫كان المير يوسف أثناء المعارك يرتب جيشه وفق نظام‬
‫خماسي؛ المقدمة‪ :‬ويحتلها الجنود المشاة ووحدة الفرسان‬
‫الخفيفة‪ ،‬والجناحان الميمنة والميسرة‪ :‬وفيهما حملة القسى‬
‫والنبال وأكثرهم من أهل الثغور‪ ،‬والقلب يتمركز فيه الفرسان‬
‫المرابطون المزودون بالسلحة الثقيلة والخفيفة‪ ،‬والمؤخرة‬
‫ويقودها المير بنفسه وتتألف من صفوة الجنود والحرس‪ ،‬وكان‬
‫لكل قسم من هذه القسام قائده الخاص‪ ،‬ويجتمع قادة الوحدات‬
‫قبيل المعركة على شكل مجلس حربى لتلقى الوامر والتعليمات‬
‫من القائد العلى يوسف(‪.)3‬‬
‫ِ‬
‫وتطوََّرت فنون القتال عند المرابطين وأهدى ابن الصيرفى‬
‫إلى المير تاشفين بن على قصيدة احتوت على فنون الحرب‬
‫‪6‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)44‬‬
‫() دولة المرابطين‪ ,‬ص (‪.)172‬‬

‫‪174‬‬

‫والقتال فقال‪:‬‬
‫أهديك من أدب السياسة ما‬
‫به‬
‫لنت أدرى بها ولكنها‬

‫كانت ملوك الفرس قبلك‬
‫تولع‬
‫ذكرى تحض المؤمنين وتنفع‬

‫خندق عليك إذا ضربت‬
‫محلة‬
‫حارب من يخشى عقابك‬
‫بالذي‬
‫قبل التهارش عبئ جيشك‬
‫مفسحـ‬
‫إياك تعبئة الجيوش مضيقًا‬

‫سيان تتبع ظاهًرا أو تتبع‬
‫يخشى وهو فى جود كفك‬
‫يطمع‬
‫ـا حيث التمكن والمجال‬
‫الوسع‬
‫والخيل تفحص بالرجال‬
‫وتمزع‬
‫واجعل أمامك منهم من‬
‫يشجع‬
‫وأمض كمينك خلفها إذا‬
‫تدفع‬
‫تلقى العدو فشُّره متوقع‬

‫حصن حواشيها ولكن فى‬
‫قابها‬
‫واحذر كمين الروم عند‬
‫لقائها‬
‫ل تبقين خلفك عندما‬
‫واصدمه أول وهلة ل ترتدع‬

‫يضعضع‬

‫(‪)1‬‬

‫ونستطيع أن نستخرج بعض فنون الحرب التى أوصى بها‬
‫الشاعر فى قصيدته للمير تاشفين بن علي‪:‬‬
‫‪-1‬ضرورة حفر الخنادق حول المدن لحمايتها من أى خطر‬
‫خارجي‪.‬‬
‫‪-2‬ضرورة تعبئة الجيوش وتنظيمها قبل المعركة بوقت كاف‬
‫لكى تدخل هذه الجيوش إلى المعركة‪ ،‬وهى على أهبة‬
‫الستعداد‪ ،‬وحتى ل يأخذها العدو على غرة‪.‬‬
‫‪-3‬ضرورة وضع أقوى الفرق العسكرية فى جناحى‬
‫الجيش‪ ،‬وفى المقدمة‪ ،‬بينما يقود القائد العام للجيش‬
‫المعركة من قلب جنده‪.‬‬
‫‪-4‬ضرورة نصب الكمائن خلف خطوط العدو‪.‬‬
‫‪-5‬عدم القتال وظهورهم إلى الماء‪ ،‬لن فى ذلك هلكة‬
‫لجيوشهم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)300‬‬

‫‪175‬‬

‫‪-6‬ضرورة إحداث عنصر المفاجأة فى بداية المعركة‪ ،‬عن‬
‫طريق الصدام مع العدو‪ ،‬مع ضرورة التقدم وعدم‬
‫التقهقر‪.‬‬
‫هذه بعض الفنون العسكرية التى طبقت فى دولة المرابطين‪.‬‬
‫وكان المرابطون فى بداية أمرهم قليلى الخبرة بفن الحصار‬
‫ما للهجوم‪ ،‬إل أنهم‬
‫لعتمادهم على قوات الفرسان المستعدة دائ ً‬
‫بعد فترات من جهادهم استطاعوا أن يتقنوا ف َّ‬
‫ن الحصار‪ ،‬وتجلى‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫من‬
‫ذلك بوضوح خلل حصارهم لقلعة شنتيرين الحصينة‪ ،‬وتمكنهم ِ‬
‫التغلب عليها‪ ،‬كما ظهرت براعتهم فى هذا الفن أثناء الحصار الذى‬
‫من‬
‫فرضته الجيوش السلمية على مدينة غرناطة‪ ,‬لحمايتها ِ‬
‫الفونسو المحارب خلل غزوته الكبرى للَنْدَلُس‪ ،‬التى كان يهدف‬
‫من ورائها تلبية دعوى النصارى المعاهدين فى مدينة غرناطة إلى‬
‫نصرتهم‪.‬‬
‫وضرب المرابطون الحصار‪ ،‬وكان موفقًا وحقق نتائجه‬
‫المطلوبة‪.‬‬
‫وكما أتقنوا ف َّ‬
‫ن‬
‫ن ضرب الحصار‪ ،‬فقد تفوَّقوا أي ً‬
‫ضا فى ف ِ ّ‬
‫من الحصار الذى‬
‫من الحصار‪ ،‬كما حدث فى تخلصهم ِ‬
‫التخلص ِ‬
‫ضربه الموحدون على مراكش عام ‪524‬هـ‪ ،‬ودام ما يقرب من‬
‫َ‬
‫حدِين هزيمة منكرة عند‬
‫موَ ِّ‬
‫ما‪ ،‬ثم تمك ّنوا وأوقعوا بال ُ‬
‫أربعين يو ً‬
‫البحيرة(‪.)1‬‬
‫واهتم المرابطون بجميع السلحة المعروفة فى زمانهم من‬
‫نشاب وسهام ورماح وسيوف ودروع ورعادات ومزاريق ودرق‬
‫لمطية والطاس‪.‬‬
‫و – السطول‪:‬‬
‫ومع تو ُّ‬
‫سع المرابطين فى المغرب القصى واستيلئهم على‬
‫معظم مدنها ولم تبق إل طنحة وسبتة‪ ،‬شعر المير يوسف بأهمية‬
‫السطول البحرى لما وصلت دولته إلى شواطئ البحر البيض‪،‬‬
‫وبعد القضاء على دولة برغواطة صاحبة السطول البحرى بدأ‬
‫يوسف يهتم بتطوير أسطوله‪ ،‬واستفاد من خبرات أهل الَنْدَلُس‬
‫فى ذلك‪ ،‬وأصبح أسطول المرابطين يتقدم نحو الهيمنة على البحر‬
‫المتوسط‪ ،‬وأثمرت جهود يوسف فى الهتمام بالسطول فى زمن‬
‫ابنه علي‪.‬‬
‫وأصبح أسطول المرابطين بفضل الله تعالى‪ ،‬ثم قادته الكبار‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)311‬‬

‫‪176‬‬

‫وعلى رأسهم أبو‬‫عبد الله بن ميمون‪ -‬قوة ضاربة هددت النصارى فى جنوب البحر‬
‫المتوسط‪ ,‬ونفَّس الله به كربات مسلمى الشمال الفريقي‪،‬‬
‫وحقق أسطول المرابطين انتصارات تجاوزت كل‬
‫تقدير وحسبان(‪.)1‬‬

‫ز– استيلء المرابطين على جزر البليار‪:‬‬
‫جاهِد العامرى صاحب دانية‪,‬‬
‫م َ‬
‫كانت جزيرة البليار خاضعة ل ُ‬
‫الذى استقل بملكها سنة ‪405‬هـ‪ ،‬وولى عليها بعض الولة‪ ،‬ولما‬
‫َ‬
‫جاهِد فى سنة ‪436‬هـ تول ّى ابنه على الذى وقع فى أسر‬
‫م َ‬
‫قتل ُ‬
‫بنى هود عام ‪468‬هـ ومات فى سرقسطة سجينًا عام ‪474‬هـ‪،‬‬
‫وكانت جزيرة ميورقة تابعة لجزر البليار وكان بها مبشر بن‬
‫سليمان الذى أعلن استقلله بميورقة‪ ،‬وأما مدينة دانية فضمها‬
‫المقتدر بن هود إلى سرقسطة‪ ،‬ولما ضم المرابطون ممالك‬
‫الطوائف تركوا مبشر بن سليمان صاحب البليار حًرا تقديًرا‬
‫دّ النصارى‪ ،‬وما اشتهر به من غيرة على‬
‫لجهوده التى بذلها لص ِ‬
‫مصالح المسلمين‪ ،‬وقدرته الفذة فى حماية ملكه من غارات‬
‫النصارى المتتابعة فضل ً عن كونه أقَّر العدل‪ ,‬وأرضى الرعية‪،‬‬
‫وهكذا أصبح مبشر يحكم الجزائر الشرقية فى عهد يوسف بن‬
‫تاشفين‪ ،‬وفى السنوات الولى من حكم على بن يوسف إلى عام‬
‫‪508‬هـ‪.‬‬
‫وعندما تحالف النصارى من أمراء فرنسا والبرتغال وإسبانيا‬
‫وقرروا القضاء على جزر مبشر بن سليمان خرجوا له فى‬
‫خمسمائة سفينة‪ ,‬وضربوا على جزيرة ميورقة حصاًرا عنيفًا‪,‬‬
‫وراسل مبشر أمير المسلمين على بن يوسف لنجدته ونصرة‬
‫المسلمين‪ ،‬وتُوفى مبشر بن سليمان أثناء الحصار وقام بعده‬
‫ت ميورقة عام ‪508‬هـ‪,‬‬
‫قريبه الربيع بن سليمان بن ليون‪ ,‬وسقط ْ‬
‫من المسلمين‪ ,‬وسبوا نساء المسلمين‪ ,‬وعاثوا فى‬
‫وقتل النصارى ِ‬
‫الرض فسادًا ونهبًا وتخريبًا‪.‬‬
‫وعندما اقترب أسطول المرابطين بقيادة القائد البحرى ابن‬
‫«تافرطاست» وجد النصارى قد رحلوا وتركوها كأن لم تكن‬
‫بالمس‪ ,‬وفى الحال شرع ابن «تافرطاست» فى تعمير الجزيرة‪,‬‬
‫وأعاد إليها الفارين من سكانها‪ ،‬وكان قد لجأ منهم إلى الجبال‬
‫جموع غفيرة‪ ,‬وبذلك أصبحت تلك الجزر تابعة لدولة المرابطين‬
‫الفتية‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص (‪.)311‬‬

‫‪177‬‬

‫دّى لطماع‬
‫وكان لأسطول المرابطين الفضل بعد الله فى التص ِ‬
‫النورمنديين فى مدن الشمال الفريقي‪ ،‬وكان لأسطول‬
‫َ‬
‫المرابطين جهاد مشكور فى سواحل أوروبا الجنوبية؛ مما ع ّزز من‬
‫هيبة المسلمين فى نفوس النصارى الحاقدين‪ ,‬فأغار على سواحل‬
‫جليقية وقطلونية وإيطاليا والمبراطورية البيزنطية(‪.)1‬‬
‫ومن أشهر قادة السطول المرابطى أبو عبد الله بن ميمون‪,‬‬
‫وتوارث أبناؤه من بعده قيادة أساطيل المرابطين‪ ,‬ولعبت أسرة‬
‫بنى ميمون دوًرا رياديًا فى حماية ثغور المسلمين‪ ,‬والذَّود عن‬
‫حوزتهم وأعراضهم وأموالهم وعقيدتهم‪.‬‬

‫ح – موانئ أسطول المرابطين‪:‬‬
‫كان المرية من أكبر موانئ السطول المرابطى فى‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬وكان بها قسم كبير من أسطول المرابطين بقيادة‬
‫ح َّ‬
‫مد بن ميمون‪ ،‬وكان بالمرية دار‬
‫م َ‬
‫أمير البحر أبى عبد الله ُ‬
‫صناعة للسفن‪ ،‬ثم تأتى بعد المرية مدينة دانية التى تعتبر مقر‬
‫قيادة السطول المرابطى فى الَنْدَلُس‪.‬‬
‫وكان موانئ أسطول المرابطين تنتشر على شواطئ سواحل‬
‫المغرب والَنْدَلُس‪ ،‬ومن أشهرها طنجة‪ ،‬وبجاية وإشبيلية والجزيرة‬
‫الخضراء‪ ،‬وجزر البليار(‪.)2‬‬
‫إن الشمال الفريقى ل عَّزة لشعوبه ول كرامة إل بالتم ُّ‬
‫سك‬
‫بالمنهج الرباني‪ ،‬وتربية شعوبه على النقياد لمنهجه الرشيد‪،‬‬
‫ويحتاج ذلك لعلماء ربانيين وقادة سياسيين يعرفون قيمة‬
‫دينهم‪ ،‬ويؤمنون بمنهج ربهم‪ ،‬ويستعدُّون لجهاد عدوهم‪,‬‬
‫ويهتمون بإحياء روح الجهاد‪ ،‬ويغرسون معانى الشهادة فى‬
‫شعوبهم حتى تتدفق دماء السلم من جديد فى شرايينهم‪،‬‬
‫ليعملوا على إرجاع الَنْدَلُس المفقود‪ ,‬ويقولون متى هو قل‬
‫عسى أن يكون قريبًا‪.‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)311‬‬
‫() المصدر السابق (‪.)112‬‬

‫‪178‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫النظام المالى فى عصر المرابطين‬
‫حرص المرابطون فى دولتهم على إسقاط الضرائب غير‬
‫المشروعة عن كاهل شعوبهم التى فرضها الزناتيون فى المغرب‬
‫وملوك الطوائف فى الَنْدَلُس‪ ،‬وكذلك المكوس والرسوم‬
‫والضرائب فى جبل طارق‪ ،‬ولم يفرض المرابطون فى دولتهم‬
‫رسم مكس أو معونة خراج ل فى حاضرة ول فى بادية‪ ،‬واتبعوا‬
‫ما ماليًا يقوم على قواعد السلم‪ ،‬وكان هذا النظام ظاهر‬
‫نظا ً‬
‫المعالم فى زمن المير يوسف بن تاشفين الذى التزم بالكتاب‬
‫والسنة فى جمع الموال وتوزيعها‪ ،‬فاعتمد على الزكاة والعشر‬
‫من الموال على الوجه‬
‫والجزية وأخماس الغنائم‪ ،‬وجبي بذلك ِ‬
‫الشرعى ما لم يجبه أحد‪ ،‬وترك فى خزائنه مبلغ ثلثة عشر ألف‬
‫سا وأربعين ألفًا من دنانير الذهب(‪ .)1‬وأ َّ‬
‫ما فى‬
‫ربع ِ‬
‫من الورق‪ ،‬وخم ً‬
‫عصر على بن يوسف فاختلف المر‪ ,‬وفرض الضرائب على بعض‬
‫السلع‪ ،‬وفرض ضريبة جديدة على مدن الَنْدَلُس الهامة‪ ،‬وكان‬
‫صص دخلها لقامة أسوار جديدة وترميم السوار القديمة‪ ،‬وكان‬
‫يُخ ِّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سبب فرض هذه الضريبة دخول ألفونسو المحارب للنْدَلس غازيًا‬
‫عام ‪519‬هـ؛ فاضطَّر لتحصين المدن وترميم السوار وتقوية‬
‫الجيوش؛ ففرض ضرائب تساعده فى تسديد هذه النفقات التى ل‬
‫غنى عنها‪.‬‬

‫العملــــــــة‪:‬‬
‫كانت العملة الرئيسية لدولة المرابطين هى الدينار الذهبى‬
‫َ‬
‫الذى كان عماد القتصاد فى الدولة‪ ,‬وظل ّت هذه العملة المرابطية‬
‫الذهبية مستخدمة لعدة قرون‪ ،‬حتى بعد سقوط الدولة المرابطية‪،‬‬
‫كما استخدمت العملة الفضية المعروفة بالدرهم الفضي‪ ،‬لتسهيل‬
‫المعاملت التجارية‪.‬‬
‫وانتشرت دور سك العملة فى مختلف أجزاء الدولة فى‬
‫المغرب أو فى الَنْدَلُس مثل أغمات‪ ,‬تلمسان‪ ،‬سجلماسة‪ ،‬فاس‪،‬‬
‫مراكش‪ ،‬سبتة‪ ،‬مكناسة‪ ،‬طنجة‪ ،‬شاطبة‪ ،‬إشبيلية‪ ،‬دانية‪ ،‬غرناطة‪،‬‬
‫قرطبة‪ ،‬مالقة‪ ،‬مرسية‪ ،‬سرقسطة‪ ،‬وغيرها(‪.)2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() دولة المرابطين‪ ،‬ص (‪.)179‬‬
‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)320‬‬

‫‪179‬‬

‫الفصل الخامس‬

‫أهم أعمال دولة المرابطين الحضارية‬
‫المبحث الول‬
‫الثار المعمارية فى المغرب والندلس‬
‫َ‬
‫إن دولة المرابطين تركت آثاًرا معمارية بارزة ظل ّت باقية على‬
‫سمو‬
‫ر العصور؛ لترشد الجيال المتعاقبة على‬
‫ِّ‬
‫مّرِ الدهور وك ّ ِ‬
‫حضارة المرابطين المعمارية‪ ،‬ومن أعظم هذه الثار على‬
‫الطلق‪:‬‬

‫‪ -1‬جامع القرويين‪:‬‬
‫من أهم المساجد الجامعة فى بلد المغرب وأكثرها شهرة‬
‫لكونه جامعة إسلمية عريقة ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ‪،‬‬
‫وكانت هذه الجامعة تقارع الزهر الشريف فى العلم وتخريج‬
‫الدعاة والعلماء والفقهاء‪.‬‬
‫ولقد مَّر جامع القرويين بثلثة أدوار‪:‬‬
‫الول عند تأسيسه سنة ‪254‬هـ‪859/‬م‪.‬‬
‫والثانى عند الزيادة فيه سنة ‪345‬هـ‪956/‬هـ‪.‬‬
‫والثالث عندما زيدت مساحته فى عصر على بن يوسف سنة‬
‫‪530/1135‬م‪.‬‬
‫َ‬
‫وتول ّى مشروع زيادة مسجد القرويين وتوسيعه القاضى أبو‬
‫ح َّ‬
‫مد بن داود بسبب ضيق المسجد بالنَّاس‪,‬‬
‫م َ‬
‫عبد الله ُ‬
‫واضطرارهم للصلة فى الشوارع والسواق فى يوم الجمعة‪،‬‬
‫وحرص على أن يكون المال من أوقاف مساجد المسلمين‪،‬‬
‫وأشرف القاضى‬
‫أبو عبد الله بنفسه على هذا المشروع الحضارى العظيم وكان‬
‫تمام التوسعة عام ‪538‬هـ‪.‬‬
‫ت فى جامع القرويين على مّرِ العصور وكّرِ الدهور‬
‫ولقد تخَّرج ْ‬
‫أفواج عديدة من فقهاء المة وعلماء الملة ودعاة الشريعة‬
‫جاهِدين البرار والقادة العظام‪ ،‬وكان لمسجد القرويين عند‬
‫م َ‬
‫وال ُ‬
‫المرابطين مكانة عظيمة فى نفوسهم‪.‬‬
‫وتذكُر كتب التاريخ أن منبر جامع القرويين من أجمل منابر‬

‫‪180‬‬

‫السلم‪ ،‬وتدل على روعة المغاربة فى اختياراتهم الذوقية‬
‫الرفيعة(‪.)1‬‬

‫‪ -2‬المسجد الجامع بتلمسان‪:‬‬
‫وكان مقًرا لنشر علوم السلم وتربية المسلمين على معانى‬
‫القرآن‪ ،‬وتم بناء هذا المسجد عام ‪530‬هـ فى إمارة على بن‬
‫يوسف‪ ،‬وكانت هندسته المعمارية فى غاية الجمال ودقة التقان‪،‬‬
‫ة المعمارية لمسجد تلمسان فيها‬
‫ورأى بعض المؤرخين إن البني َ‬
‫لمسات أَنْدَلُسية‪ ,‬وفنون معمارية قرطبية‪ ،‬بل بعضهم يرى أن‬
‫َ‬
‫عرفاء مسجد تلمسان قل ّدوا جامع قرطبة تقليدًا مباشًرا فى‬
‫لوحتى الرخام اللتين تكسوان إزار واجهة المحراب بتلمسان‪،‬‬
‫وكذلك سقف المسجد الخشبى شبيه بسطح مسجد قرطبة‪،‬‬
‫ضا‪.‬‬
‫ه به أي ً‬
‫وكذلك البلط شبي ٌ‬
‫ت فى بوتقتها حضارة‬
‫والذى‬
‫يظهر أن دولة المرابطين انصهر ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫المغاربة والنْدَلسيين والفارقة‪ ،‬فتجد تلك المعالم الحضارية‬
‫المختلفة فى كافة بقاع دولة المرابطين‪ ،‬ول ينكر تأثير المعالم‬
‫الحضارية المعمارية الَنْدَلُسية فى جميع مدن الدولة‪.‬‬

‫‪ -3‬الثاُر الحربية‪:‬‬
‫اهتم المرابطون بالحصون والقلع؛ ولذلك انتشرت فى المدن‬
‫والثغور‪.‬‬
‫وزاد الاهتمام بالتحصينات العسكرية فى زمن على بن يوسف‪,‬‬
‫الذى أكثر من السوار والقلع والحصون للدفاع عن دولته فى‬
‫المغرب ضد الحركات السياسية والثورات العدائية المناهضة‬
‫لدولة المرابطين‪ ،‬وواصل المير على اهتمامه بهذا المر كذلك‬
‫فى الَنْدَلُس‪.‬‬
‫ومن أروع آثار المرابطين الحضارية الحربية أسوار مراكش‬
‫حيث بدأ المير على بن يوسف فى بناء سور المدينة عام ‪520‬هـ‬
‫وك َّ‬
‫مل بناء السور عام ‪522‬هـ(‪.)2‬‬
‫وانتشرت فكرة بناء السوار فى الَنْدَلُس‪ ،‬وفرضت الدولة‬
‫على رعاياها ضريبة تنفق على هذا الهدف الستراتيجى الجهادى‬
‫الدفاعي‪.‬‬
‫من أشهر السوار التى بنيت أو أعيد ترميمها فى الَنْدَلُس‪،‬‬
‫و ِ‬
‫أسوار المرية وأسوار قرطبة التى امتازت بأبراجها المستطيلة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)366‬‬
‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)372‬‬

‫‪181‬‬

‫الضخمة المتقاربة‪ ،‬وأسوار إشبيلية من جهة نهر الوادى الكبير‪،‬‬
‫مَرابطون فى المناطق الوعرة حصونًا بالحجر‪ ،‬وشحنوها‬
‫وبنى ال ُ‬
‫بالجنود والقوات؛ لكى تصمد للحصار مدة طويلة‪.‬‬

‫وكان عدد جنود الحصون والقلع ما يعادل ‪ 200‬فارس و ‪500‬‬

‫راكب فى‬
‫كل حصن‪.‬‬
‫ومن أشهر قلع المرابطين فى الَنْدَلُس قلعة منتقوط التى‬
‫من أشهر قلع المرابطين فى المغرب‬
‫تقع على بساتين مرسية‪ ،‬و ِ‬
‫قلعة تاسغيموت التى تقع على بعد ثلثة كيلو مترات جنوب شرق‬
‫مراكش‪ ،‬وعلى بعد نحو عشرة كيلو مترات شرق أغمات على‬
‫سطح هضبة أطرافها ذات أجراف وعرة شديدة النحراف‪ ،‬يصعب‬
‫على الغازين ارتقاؤها‪ ،‬وأسوارها تمتد على حافة الهضبة نفسها‪.‬‬
‫إن قلع المرابطين وحصونهم تدل على أن ف َّ‬
‫ن العمارة فى‬
‫ن العمارة الَنْدَلُسي(‪.)1‬‬
‫زمانهم تأثر بالغ التأثر بف ِ ّ‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)377‬‬

‫‪182‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫الحياة الدبية والعلمية فى دولة المرابطين‬
‫‪ -1‬الحركة الدبية‪:‬‬
‫ازدهرت الحركة الدبية فى دولة المرابطين فى عهد المير‬
‫على بن يوسف الذى اهتم بالشعر والدب‪ ،‬وش َّ‬
‫جع الشعراء‬
‫من الذين مدحوا‬
‫والدباء؛ فتوافدوا على بلطه من أهل الَنْدَلُس‪ ،‬و ِ‬
‫المير على بن يوسف الشاعر الكبير أبو العبَّاس أحمد بن عبد الله‬
‫القيسى المعروف بالعمى التطيلى حيث قال‪:‬‬
‫وما أنت للملك بالسائس‬
‫يا على العلء فى كل يوم‬
‫يا ربيع البلد يا غيمة العالم‬

‫من بين مؤتل وموال‬

‫يا قريع اليام عن كل‬
‫مسجد‬
‫لك من تاشفين أو من أبي‬

‫يا سليل الذواء والقيال‬
‫يعقوب ذكر مكارم وفعال‬

‫(‪)1‬‬

‫وكان الشعراء يقصدون ولى عهد الدولة فى زمن المير على‬
‫بن يوسف لمدح ابنه تاشفين‪ ،‬ومن أشهرهم الشاعر أبو بكر يحيى‬
‫ح َّ‬
‫مد بن يوسف‪ ،‬كما حظى الشعراء فى عصر على بن‬
‫م َ‬
‫بن ُ‬
‫يوسف بمكانة عظيمة لدى السرة الحاكمة وكبار القادة وعمال‬
‫الدولة على القاليم المختلفة‪.‬‬
‫وكان المير عبد الله بن مزدلى موضع اهتمام الشعراء منهم‬
‫ابن عطية الذى‬
‫قال فيه‪:‬‬
‫ضاءت بنور إيابك اليام‬

‫السلم‬

‫(‪)2‬‬

‫ومن قبل مدح الشعراء والده الذى قال فيه أبو عامر بن‬
‫أرقم‪:‬‬
‫أنت المير الذى للمجد‬
‫همته‬
‫لمزدلى لواء كان يرفعه‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫وللمسالك يحميها وللدول‬
‫مناسب كالضحا والشمس‬
‫فى الحمل‬
‫(‪)3‬‬
‫الجلل‬

‫يا أيها الملك المرهب‬
‫صولته‬

‫() العمى التطيلي‪ ,‬الديوان‪ ,‬ص (‪.)104‬‬
‫() قلئد العقيان‪ ،‬لبن خاقان‪ ،‬ص (‪.)210‬‬

‫‪183‬‬

‫ووصل المديح إلى الفقهاء والعلماء لمكانتهم العالية فى دولة‬
‫المرابطين‪ ،‬فهذا العمى التطيلى يمدح القاضى الفقيه ابن أحمد‬
‫قاضى الجماعة بقوله‪:‬‬
‫وأن غربت بى عنك إحدى‬
‫المغارب‬

‫إليك ابن حمدين وإن بَعُد‬
‫المدى‬
‫صبابة ود لم يكدر جمامه‬

‫مرور الليالى وازدحام‬
‫الشوائب‬
‫ترى على أعقابه كل‬
‫شاغب‬
‫(‪)1‬‬
‫بالمتقارب‬

‫وذكر عساها أن تكون‬
‫مهزة‬
‫بأيه ما كان الهوى متقاربًا‬

‫من الشعراء قاموا بالتندر‬
‫ول ننسى أن أعداء المرابطين ِ‬
‫بالمرابطين‪ ،‬وبفقهاء دولتهم‪ ،‬وممن اشتهر بالهجاء والتندر فى هذا‬
‫العصر الشاعر أبو بكر يحيى بن سهل اليكي‪ ،‬الذى هجا‬
‫المرابطين‪ ,‬ومن ذلك قوله‪:‬‬
‫ولو أنه يعلو على كيوان‬

‫فى كل من ربط اللثام‬
‫دناءة‬
‫ما الفخر عندهم سوى أن‬
‫ينقلوا‬
‫المنتمون لحمير لكنهم‬

‫من بطن زانية لظهر‬
‫حصان‬
‫وضعوا القرون مواضع‬
‫التيجان‬
‫(‪)2‬‬
‫الغدران‬

‫ل تطلبن مرابطا ذا عفة‬

‫من ألوان الشعر أعنى‬
‫وازدهر فى عصر المرابطين لون آخر ِ‬
‫من الشعراء الذين‬
‫كبير‬
‫الطبيعة‪ ،‬فقد شهد هذا العصر ظهور عدد‬
‫ِ‬
‫نبغوا فى هذا الفن الشعري‪ ،‬نذكر منهم ابن سارة الشنتريني‪،‬‬
‫وابن الزقاق‪ ،‬وابن خفاجة البلنسي‪ ،‬وعبد الحق بن عطية‪ ،‬ومن‬
‫ذلك قول الشنترينى الشاعر يصف البركة‪:‬‬
‫من الزهر أهداب لها وطف‬
‫لله مسجورة فى شكل‬
‫ناظرة‬
‫فى مائها ولها من عرمض‬
‫فيها سلحف ألهانى‬
‫لخف‬
‫تقصمها‬
‫برد الشتاء فتستدلى‬
‫تنافر الشط إل حين‬
‫وتنصرف‬
‫يحضرها‬
‫(‪)3‬‬
‫الجحف‬
‫كأنَّها حين يُبديها تصرفها‬
‫‪3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() قلئد العقيان‪ ،‬لبن خاقان‪ ،‬ص (‪.)133‬‬
‫() العمى التطيلي‪ ,‬الديوان‪ ,‬ص (‪.)5-4‬‬
‫() تاريخ المغرب‪ ،‬ص (‪.)386‬‬

‫‪184‬‬

‫سا أغر‪:‬‬
‫وهذا أبو الحسن على بن عطية بن الزقاق يصف فر ً‬
‫وأغر مصقول الديم تخاله‬

‫برقًا إذا جمع العتاق رهان‬

‫يطأ الثرى متبختًرا فكأنَّه‬

‫من فى متنه‬
‫من لحظ َ‬
‫نشوان‬
‫(‪)1‬‬
‫حسنًا وبين جفونه كيوان‬

‫فكأن بدر التم فوق سراته‬

‫وهذا أبو جعفر بن سلم المعافرى يصف فى شعره الثلج‪:‬‬
‫تقُّر به عين وتشنعه نفس‬

‫ولم أر مثل الثلج فى‬
‫حسن منظر‬
‫فنار بل نور يضيء له سنا‬

‫وقطر بل ماء يقلبه اللمس‬

‫ترى الرض منه فى مثال‬
‫زجاجة‬
‫سا‪:‬‬
‫قو‬
‫لنا‬
‫يصف‬
‫آخر‬
‫شاعر‬
‫وهذا‬
‫ً‬

‫كأس‬

‫(‪)2‬‬

‫إذا دنا نزعها فالعيش‬
‫منتزح‬
‫كما ترنم نشوان به قزح‬

‫يا رب مائسة العطاف‬
‫مخطفه‬
‫ن فظ َّ‬
‫ظلَّت تر ُّ‬
‫ل النزع‬
‫يعطفها‬
‫َ‬
‫(‪)3‬‬
‫وقد تأل ّف نصل السهم‬
‫قزح‬
‫مندفعًا‬
‫م َّ‬
‫من عاصر المير على بن‬
‫وهذا ابن خفاجة يصف الربيع وهو ِ‬
‫يوسف‪:‬‬

‫‪3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫قلئد العقيان‪ ،‬ص (‪.)271‬‬
‫المطرب من أشعار أهل المغرب‪ ،‬لبن دحية‪ ،‬ص (‪.)106‬‬
‫تاريخ المغرب‪ ،‬ص (‪.)388‬‬
‫المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫أذن الغمام بديمة وعقار‬

‫فأمزج لجينا منهما بنضار‬

‫وأربع على حكم الربيع‬
‫بأجرع‬
‫وكمامة حدر الصباح قناعها‬

‫هزج الندامى مصفح‬
‫الطيار‬
‫من‬
‫عن صفحة تندى ِ‬
‫الزهار‬
‫أخلف ك ِّ‬
‫ل غمامة مدرار‬

‫فى أبطح رضعت ثغور‬
‫أقاحه‬
‫دور الندى ودارهم النوار‬
‫نثرت بحجر الروض فيه يد‬
‫الصبا‬
‫حلى الحباب سوالف‬
‫وقد ارتدى غصن النقى‬
‫َ‬
‫النهار‬
‫وتقل ّدت‬
‫جذل وحيث الشطر بدء‬
‫فحللت حيث الماء صفحة‬
‫عذار‬
‫ضاحك‬
‫(‪)1‬‬
‫والروح تنفض بكرة لمم‬
‫الشجار‬
‫الُربا‬
‫لقد ازدهَر الشعر والدب فى عصر المير على بن يوسف‬
‫ما شهدت بذلك قصائد شعراء المرابطين التى‬
‫ازدهاًرا عظي ً‬
‫سجلت فى ذاكرة التاريخ الخالدة‪.‬‬
‫وما قيل عن انحطاط الشعر والدب فى عصر المرابطين‬
‫أكذوبة استشراقية بان زيفها أمام حقائق التاريخ التى ل تُجامل ول‬
‫تعرف التحايل‪.‬‬
‫ول ننسى شيوع فن الموشحات والزجال فى عصر‬
‫ماَ‬
‫ن الموشحات‪« :‬وأ ّ‬
‫المرابطين‪ ،‬يقول ابن خلدون عن نشأة ف ِ ّ‬
‫أهل الَنْدَلُس‪ ،‬فلما كثُر الشعر فى قطرهم‪ ,‬وتهذَّبت مناحيه‬
‫وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية‪ ،‬استحدث المتأخرون منهم فنًا‬
‫يسمونه بالموشح ينظمونه أسماطًا وأغصانًا يكثرون منها ومن‬
‫أعاريضها المختلفة‪ ,‬ويسمون المتعدد منها بيتًا واحدًا‪ ,‬ويلتزمون‬
‫عند قوافى تلك الغصان‪ ,‬وأوزانها متتالية فيما بعد إلى آخر‬
‫ُ‬
‫القطعة‪ ،‬وأكثر ما تنتهى عندهم إلى سبعة أبيات‪ ،‬ويشمل ك ّ‬
‫ل بيت‬
‫على أغصان عددها بحسب الغراض والمذاهب‪ ,‬وينسبون فيها‬
‫ويمدحون كما يفعل فى القصائد‪ ,‬وتجاوزوا فى ذلك إلى الغاية‬
‫واستطرفه النَّاس جملة الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب‬
‫طريقه»(‪.)2‬‬
‫من أشهر وشاحى عصر المرابطين العمى التطيلي‪ ,‬ومن‬
‫و ِ‬
‫موشحاته‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() ابن خفاجة‪ ,‬الديوان‪ ،‬ص (‪.)291-290‬‬
‫() ابن خلدون‪ ,‬المقدمة‪ ،‬ص (‪.)436‬‬

‫‪186‬‬

‫ما اجتمعا إل لمر كبار‬

‫دمع مسفوح وضلوع‬
‫حرار ماء ونار‬
‫عمر قصير وعناء طويل‬
‫بئس لعمرى ما أراد‬
‫العذول‬
‫(‪)1‬‬
‫يا زفرات نطقت عن‬
‫مسيل‬
‫غليل‬
‫وأما نشأة الزجل فقال ابن خلدون عنه‪« :‬إنه لما شاع ف ُّ‬
‫ن‬
‫التوشيح فى أهل الَنْدَلُس‪ ,‬وأخذ به الجمهور لسلسته وتنميق‬
‫كلمه وترصيع أجزائه‪ ،‬نسجت العامة من أهل المصار على‬
‫منواله‪ ،‬ونظموا فى طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا‬
‫فيها إعرابًا‪ ،‬واستحدثوا فنًا سموه بالزجل‪ ،‬والتزموا النَّظْم فيه‬
‫على مناحيهم إلى هذا العهد‪ ،‬فجاءوا فيه بالغرائب‪ ,‬واتسع فيه‬
‫للبلغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة»(‪.)2‬‬
‫ويعتبر أبو بكر بن قزمان القرطبى أول من ابتكر الزجل‪.‬‬
‫ومن أشهر أزجاله ما كان فى مدح القاضى أحمد بن الحاج‬
‫قوله‪:‬‬
‫وصل المظلوم لحق وانتصف غنى ومسكين يحضر النكار‬
‫والقرار ويقع الفصل فالحين اجتمع فيه الثلثة الورع والعلم‬
‫والدين فيزول الحق إذا زال ويدوم الحق‬
‫إذا دام(‪.)3‬‬
‫هذه نبذة مختصرة عن بعض فنون الدب التى ازدهرت‬
‫وترعرعت فى ظ ِّ‬
‫ل دولة المرابطين‪.‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() ابن خلدون‪ ,‬المقدمة‪ ،‬ص (‪.)441‬‬
‫() الزجل فى الندلس‪ ،‬لعبد العزيز الهواني‪ ،‬ص (‪.)201‬‬
‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫من مشاهير علماء دولة المرابطين‬
‫كانت دولة المرابطين مبنية على أسس شرعية ولذلك اهتمت‬
‫بالعلماء والفقهاء الذين ل دوام لدولة تريد أن تحكم بشرع الله‬
‫حدِّثون والفقهاء‪ ،‬نذكر منهم‪:‬‬
‫م َ‬
‫بدونهم‪ ,‬ولذلك كثر ال ُ‬

‫أولً‪ :‬أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد (ت ‪5 2 0‬هـ)‪.‬‬
‫هو المام العلمة شيخ المالكية‪ ،‬قاضى الجماعة بقرطبة أبو‬
‫الوليد‪.‬‬

‫أ‪ -‬شيوخه‪:‬‬
‫من أشهر شيوخه الذين تتلمذ عليهم أبو جعفر أحمد بن رزق‪،‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مد بن فرج‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫مد بن خيرة‪ ،‬و ُ‬
‫ح ّ‬
‫وأبو مروان بن سراج‪ ،‬و ُ‬
‫الطلعي‪ ،‬والحافظ أبو علي‪ ,‬وأبو العبَّاس بن دلهات‪.‬‬
‫ما‬
‫ما‪ ،‬حافظًا للفقه مقد ً‬
‫قال ابن بشكوال فيه‪« :‬كان فقيهًا عال ً‬
‫فيه على جميع أهل عصره‪ ،‬عارفًا بالفتوى‪ ،‬بصيًرا بأقوال أئمة‬
‫المالكية‪ ،‬نافذ ًا فى علم الفرائض والصول‪ ،‬من أهل الرياسة فى‬
‫العلم‪ ،‬والبراعة والفهم‪ ،‬مع الدين والفضل‪ ،‬والوقار والحلم‪،‬‬
‫والسمت الحسن‪ ،‬والهدى الصالح‪ ،‬ومن تصانيفه كتاب‬
‫«المقدمات» لوائل كتب المدونة‪ ،‬وكتاب «البيان والتحصيل لما‬
‫من التوجيه والتعليل»‪ ،‬واختصار «المبسوطة»‪،‬‬
‫فى المستخرجة ِ‬
‫واختصار «مشكل الثار» للطحاوي‪ ،‬سمعنا عليه بعضها‪ ،‬وسار فى‬
‫القضاء بأحسن سيرة وأقوم طريقة‪ ،‬ثم استعفى منه‪ ،‬فأعفي‪،‬‬
‫ونشر كتبه‪ ،‬وكان النَّاس يُعوِّلون عليه ويلجأون إليه‪ ،‬وكان حسن‬
‫الخلق‪ ،‬سهل اللقاء‪ ،‬كثير النفع لخاصته جميل العشرة لهم‪ ،‬باًرا‬
‫بهم»(‪.)1‬‬
‫ب‪ -‬ومن أشهر فتاوى ابن رشد الجد ما أفتاه فى شأن‬
‫من النصارى فى بلد الَنْدَلُس بإبعادهم وتغريبهم‬
‫المعاهدين ِ‬
‫لغدرهم بالمسلمين ومساعدتهم للفونسو المحارب(‪ ،)2‬عاش هذا‬
‫ما‪ ,‬ومات فى ذى القعدة سنة عشرين‬
‫العالم الجليل سبعين عا ً‬
‫وخمسمائة‪ ،‬وصلى عليه ابنه أبو القاسم‪ ،‬وروى عنه أبو الوليد بن‬
‫الدباغ فقال‪« :‬كان أفقه أهل الَنْدَلُس‪ ،‬وصنَّف شرح العتبية‪ ،‬فبلغ‬
‫فيه الغاية»(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() سير أعلم النبلء‪( ،‬ج ‪.)19/502‬‬
‫() تاريخ المغرب‪ ،‬ص (‪.)231‬‬
‫() سير أعلم النبلء (ج ‪.)19/502‬‬

‫‪188‬‬

‫ثانيًا‪ :‬الشهيد القاضى الفقيه أبو على الصدفي‪:‬‬
‫ح َّ‬
‫مد بن‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫حدِّث الحسين بن ُ‬
‫هو العالم الفقيه القاضى ال ُ‬
‫سكرة‪.‬‬
‫ُ‬

‫أ‪ -‬شيوخه‪:‬‬
‫مد بن سعدون القروي‪ ،‬وح َّ‬
‫ح َّ‬
‫ج‬
‫م َ‬
‫روى عن أبى الوليد الباجي‪ ،‬و ُ‬
‫سنة إحدى وثمانين‪ ،‬ودخل مصر على أبى إسحاق الحبال‪ ،‬وقد‬
‫من التحديث‪.‬‬
‫منعه المستنصر العبيدى الرافضى ِ‬
‫قال‪ :‬فأول ما فاتحته الكلم أجابنى على غير سؤالي‪ ،‬حذًرا أن‬
‫سا عليه‪ ،‬حتى بسطته وأعلمتُه أنَّنى من أهل الَنْدَلُس‬
‫أكون مدسو ً‬
‫ً‬
‫أريد الحج‪ ،‬فأجاز لى لفظا‪ ،‬وامتنع من‬
‫غير ذلك‪.‬‬
‫ح َّ‬
‫مد بن الفضل‬
‫م َ‬
‫رحل للعراق‪ ،‬فسمع بالبصرة من جعفر بن ُ‬
‫العباداني‪ ،‬وعبد الملك ابن شغبة‪ ،‬وبالنبار‪ :‬الخطيب أبا الحسن‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد القطع‪ ،‬وببغداد‪ :‬على ابن الحسن بن‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد بن ُ‬
‫على بن ُ‬
‫قُريش بن الحسن صاحب ابن الصلت الهوازي‪ ،‬وعاصم بن‬
‫الحسن الديب‪ ،‬وأبا عبد الله الحميدي‪.‬‬
‫وتفقَّه ببغداد على أبى بكر الشاشي‪ ،‬وأخذ بالشام عن الفقيه‬
‫نصر المقدسي‪ ،‬ورجع إلى بلده فى سنة تسعين بعلم كثير‪،‬‬
‫مرسية‪ ،‬وجلس للسماع بجامعها‪.‬‬
‫وأسانيد شاهقة‪ ،‬واستوطن ُ‬
‫ما بالحديث وطرقه‪ ,‬عارفًا بعلله‬
‫ورحل النَّاس إليه‪ ،‬وكان عال ً‬
‫ّ‬
‫ط‪ ،‬جيد الضبط‪ ،‬كثير‬
‫ورجاله‪ ،‬بصيًرا بالجرح والتعديل‪ ،‬مليح الخ ِ‬
‫الكتابة‪ ،‬حافظًا لمصنفات الحديث‪ ,‬ذاكًرا لمتونها وأسانيدها‪ ،‬وكان‬
‫ما على «الصحيحين» مع «جامع» أبى عيسى الترمذي‪ ،‬ولى‬
‫قائ ً‬
‫َ‬
‫سي ّة‪ ،‬ثم استعفى منه فأعفي‪ ،‬وأقبل على نشر العلم‬
‫مر ِ‬
‫قضاء ُ‬
‫ً‬
‫ما متواضعًا‪ ،‬وخَّرج‬
‫وتأليفه‪ ،‬وكان صال ً‬
‫حا ديِّنا‪ ،‬عامل بعلمه‪ ،‬حلي ً‬
‫خا‪ ،‬وأنَّه‬
‫شي‬
‫وستين‬
‫مائة‬
‫عن‬
‫أخذ‬
‫أنه‬
‫وذكر‬
‫شيوخه‪,‬‬
‫القاضى عياض‬
‫ً‬
‫َ‬
‫من الصالحين والفضلء‪ ,‬وأن ّه أكره على‬
‫جالس نحو أربعين شي ً‬
‫خا ِ‬
‫القضاء فوليه‪ ،‬ثم اختفى حتى أعفى منه‪.‬‬
‫وتصدَّر فى زمن على بن يوسف فى نشر الكتاب والسنة فى‬
‫مرسية بالَنْدَلُس‪ ,‬وتوافد عليه الطلب من كل حدب وصوب‬
‫لينهلوا من علمه الجم الغزير‪ ,‬ونفع الله به المسلمين فى تلك‬
‫القطار‪.‬‬

‫ب‪ -‬وفاته‪:‬‬

‫استشهد أبو على الصدفى فى وقعة قُتُنْدَة بثغر الَنْدَلُس‪،‬‬

‫‪189‬‬

‫من أبناء الستين‪ ،‬وكانت هذه‬
‫لست بقين من ربيع الول‪ ،‬وهو ِ‬
‫الوقعة على المسلمين‪ ,‬وكان عيش أبى على من كسب بضاعة‬
‫مع ثقات إخوانه(‪.)1‬‬
‫انظر رحمك الله إلى هذا الطوَّد الشامخ‪ ،‬والجبل الراسخ‪،‬‬
‫والبحر الزاخر فى حبه لطلب العلم ونشره‪ ،‬والدعوة إلى دينه‬
‫رباط‪ ،‬وحرصه على أكل الحلل‪،‬‬
‫والدفاع عنه‪ ،‬وحبه للجهاد وال ّ ِ‬
‫والتحرى فى لقمة العيش‪ ،‬والستعلء على الدنيا وزخارفها‬
‫الكاذبة‪ ،‬ويا تَُرى كم نفس أحياها خبر استشهاد هذا العالم الفقيه‬
‫الزاهد‪ ،‬وكان – رحمه الله – يتذوَّق الشعر الذى فيه الذَّود عن‬
‫سنة سي ِّد المرسلين‪ ,‬ويكتبه لتلميذه‪ ,‬منه ما قال أبو عبد الله‬
‫ح َّ‬
‫مد بن على الصورى لنفسه‪:‬‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫عائبًا أهله ومن يدعيه‬
‫قل لمن أنكر الحديث‬
‫وأضحى‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫أبعلم تقول هذا؟ أين لي‬
‫أم بجهل فالجهل ُ‬
‫خلقُ‬
‫السفيه‬
‫من الترهات والتمويه؟‬
‫أيُعاب الذين هم حفظوا‬
‫الدِّين‬
‫(‪)2‬‬
‫راجعٌ ك ُّ‬
‫وإلى قولهم وما قد َروَوْه‬
‫ل عالم وفقيه‬

‫ثالثًا‪ :‬القاضى الفقيه أبو بكر بن العربي‪:‬‬

‫من أعظم فقهاء الَنْدَلُس فى عصر المرابطين‪ ،‬هو القاضى‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد المعافرى الَنْدَلُسي‪،‬‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد بن عبد الله ابن ُ‬
‫أبو بكر ُ‬
‫الشبيلي‪ ,‬المام العلمة‪ ،‬المتبحر فى العلوم‪.‬‬
‫ولد عام ‪468‬هـ‪1076/‬م وتأدَّب ببلده‪ ،‬وقرأ القراءات‪ ،‬ثم‬
‫رحل إلى مصر‪ ،‬والشام وبغداد ومكة وكان يأخذ عن علماء أى بلد‬
‫يرحل إليه حتى أتقن الفقه‪ ،‬والصول وقيد الحديث‪ ،‬واتسع فى‬
‫الرواية‪ ،‬وأتقن مسائل الخلف‪ ،‬وتبحر فى التفسير‪ ،‬وبرع فى‬
‫الدب والشعر‪ ،‬وعاد إلى بلده إشبيلية بعلم كثير‪ ،‬لم يأت به أحد‬
‫م َّ‬
‫من كانت له رحلة إلى المشرق(‪.)3‬‬
‫قبله ِ‬

‫أ‪ -‬مكانته العلمية‪:‬‬
‫قال الشيخ صديق حسن خان عن ابن العربي‪« :‬إمام فى‬
‫الصول والفروع‪ ،‬سمع ودرس الفقه والصول‪ ,‬وجلس للوعظ‬
‫ن‪ ،‬والتزم المر بالمعروف والنهى عن‬
‫والتفسير‪ ،‬وصنَّف فى غير ف ٍ ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() سير أعلم النبلء (ج ‪.)19/378‬‬
‫() تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬وفيات عام (‪ ،)520-511‬ص (‪.)369‬‬
‫() انظر ‪ :‬أحكام القرآن فى المقدمة‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫المنكر حتى أُوذى فى ذلك بذهاب كتبه وماله؛ فأحسن الصبر على‬
‫ذلك كله»(‪.)1‬‬
‫م َّ‬
‫من أخذوا عنه‪« :‬استقضى‬
‫قال عنه القاضى عياض‪ ,‬وهو ِ‬
‫ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته‪ ،‬وشدة نفوذ أحكامه‪ ،‬وكانت له‬
‫فى الظالمين سورة مرهوبة‪ ،‬وتؤثر عنه فى قضائه أحكام غريبة‪،‬‬
‫ثم صرف عن القضاء‪ ،‬وأقبل على نشر العلم وبثه»(‪.)2‬‬
‫ح َّ‬
‫مد المقري‪« :‬علم العلم‪ ،‬الطاهر‬
‫م َ‬
‫قال عنه الشيخ أحمد بن ُ‬
‫الثواب‪ ،‬الباهر البواب‪ ،‬الذى أنسى ذكاء إياس‪ ،‬وترك التقليد‬
‫من‬
‫من الصل‪ ،‬وغدا فى السلم أمضى ِ‬
‫للقياس‪ ،‬وأنتج الفرع ِ‬
‫النصل»(‪.)3‬‬

‫ب ‪ -‬مؤلفاته‪:‬‬
‫للمام القاضى أبى بكر بن العربى مؤلفات كثيرة لم يصلنا‬
‫ث ما‬
‫أغلبها‪ ،‬وقد قضى أربعين سنة فى الملء والتدريس‪ ،‬وفى ب ِّ‬
‫ح َّ‬
‫من العلوم‪ ،‬وصنَّف ‪-‬رحمه الله‪ -‬فى فنون متعددة منها‪:‬‬
‫صله ِ‬
‫علوم القرآن‪ ,‬والحديث‪ ،‬و«مشكل القرآن والحديث»‪ ،‬وأصول‬
‫الدين‪ ،‬وكتب الزهد‪ ،‬وأصول الفقه‪ ،‬وكتب الفقه‪ ،‬والجدال‬
‫من أشهر المؤلفات التى انتفع‬
‫والخلف‪ ،‬واللغة والنحو والتاريخ‪ ،‬و ِ‬
‫من القواصم»‪« ،‬عارضة الحوذى فى‬
‫بها المسلمون «العواصم ِ‬
‫شرح الترمذي»‪« ،‬أحكام القرآن»‪« ،‬القبس فى شرح موطأ ابن‬
‫أنس»‪« ،‬المسالك على موطأ مالك»‪« ,‬النصاف فى مسائل‬
‫الخلف»‪« ،‬أعيان العيان»‪« ،‬المحصول فى أصول الفقه»‪،‬‬
‫«قانون التأويل»(‪.)4‬‬
‫كان المام ابن العربى يصول ويجول بفقهه فى بلد الَنْدَلُس‬
‫ينور طرق الظلم بعلمه‪ ،‬ويقضى على الشبهات بحججه‪ ،‬ويدمغ‬
‫البدع المنتشرة بصبره وحلمه ودعوته‪ ،‬وكان من أعمدة دولة‬
‫المرابطين فى نشر الكتاب والسنة وتفقيه النَّاس وتربيتهم على‬
‫مبادئ السلم وأخلق اليمان ودرجات الحسان‪.‬‬
‫وله فوائد علمية س َّ‬
‫جلها فى كتبه وانتفع بها طلب العلم من‬
‫بعده منها‪:‬‬
‫‪ -1‬قوله‪ :‬قال علماء الحديث‪ :‬ما من رجل يطلب الحديث إل‬
‫كان على وجهه نضرة‪ ،‬لقوله ×‪« :‬نضر ال أمرأ سع مقالت فوعاها فأداها كما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫()‬
‫()‬
‫()‬
‫()‬

‫المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫من القواصم‪ ،‬ص (‪.)13‬‬
‫انظر‪ :‬العواصم ِ‬
‫من القواصم‪.‬‬
‫انظر‪ :‬ترجمته فى كتاب العواصم ِ‬

‫‪191‬‬

‫سعها‪.»..‬‬
‫قال‪ :‬وهذا دعاء منه × لحملة علمه‪ ,‬لبد بفضل الله تعالى من‬
‫نيل بركته‪.‬‬
‫‪ -2‬ومنه قوله‪ :‬كنت بمكة فى سنة ‪489‬هـ وكنت أشرب من‬
‫َ‬
‫ماء زمزم كثيًرا‪ ،‬وكل ّما شربته نويت العلم واليمان‪ ،‬فنويت العلم‬
‫واليمان‪ ،‬ففتح الله لى ببركته فى المقدار الذى ي َّ‬
‫من‬
‫سره لى ِ‬
‫العلم‪ ،‬ونسيت أن أشرب للعمل‪ ،‬ويا ليتنى شربته لهما حتى يفتح‬
‫الله لى فيهما‪ ،‬ولم يقدر فكان صفوى للعلم أكثر منه للعمل(‪.)1‬‬

‫وفاته‪:‬‬
‫أتاه أجله «بمغلية» قرب مدينة «فاس» فى ربيع الول سنة‬
‫‪543‬هـ‪ ،‬ودفن فى فاس خارج باب المحروف على مسيرة يوم‬
‫من فاس غربًا منها(‪.)2‬‬

‫راب ًعا‪ :‬القاضى الفقيه عياض‪:‬‬
‫هو القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو‬
‫بن موسى اليحصبى السبتي‪ ،‬كان إمام وقته فى الحديث وعلومه‬
‫والنحو واللغة وكلم العرب وأيامهم وأنسابهم‪ ،‬وصنف التصانيف‬
‫المفيدة‪ ،‬ولد فى سبتة فى عام ‪476‬هـ‪ ،‬وتتلمذ على شيوخها ومن‬
‫أشهرهم‪ :‬القاضى أبو عبد الله بن عيسى‪ ،‬والخطيب أبو القاسم‪,‬‬
‫والفقيه إسحاق بن الفاسي‪ ،‬وإبراهيم بن جعفر اللواتي‪ ،‬وإبراهيم‬
‫بن أحمد القيسي‪ ،‬وأبو بكر القاسم بن عبد الرحمن الكومى‬
‫وغيرهم الكثير(‪.)3‬‬

‫أ‪ -‬رحلته إلى الندلس‪:‬‬

‫كان خروجه للَنْدَلُس من بيته يوم الثلثاء منتصف جمادى‬
‫من‬
‫ما‪ ،‬و ِ‬
‫الولى سنة ‪507‬هـ‪ ،‬وكان عمره إذ ذاك واحدًا وثلثين عا ً‬
‫ح َّ‬
‫مد عبد‬
‫م َ‬
‫أشهر شيوخه الذين تتلمذ عليهم فى قرطبة أبو ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد المشهور بابن عتاب القرطبي‪ ,‬وقاضى الجماعة‬
‫م َ‬
‫الرحمن بن ُ‬
‫أبو‬
‫عبد الله بن الحاج‪ ،‬والفقيه أبو جعفر بن رزق‪ ،‬وأبو مروان عبد‬
‫ح َّ‬
‫مد عبد الله‬
‫م َ‬
‫الملك بن سراج‪ ،‬وأبوَ الوليد بن رشد الجد‪ ،‬وأبو ُ‬
‫بن أحمد بن سعيد النْدَلُسى الشبيلى وأبو علي الصدفي‪.‬‬
‫وتح َّ‬
‫صل على علوم غزيرة وتصدَّر للتعليم والتدريس‪ ،‬وعُين فى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫من القواصم‪ ،‬ص (‪.)16‬‬
‫() انظر‪ :‬العواصم ِ‬
‫() وفيات العيان (ج ‪.)3/483‬‬
‫() المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬مصطفى الشكعة‪ ،‬ص (‪.)124‬‬

‫‪192‬‬

‫القضاء‪ ،‬ونبغ فيه‪ ,‬واشتهر بعلمه وعبادته وعدله وجوده‪ ،‬وكانت‬
‫مؤلفات القاضى عياض أكثرها فى الحديث الشريف‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫م فى‬
‫التاريخ والطبقات ثم فى الفقه‪ ،‬ثم فى القرآن(‪.)4‬‬

‫ب‪ -‬مؤلفاته‪:‬‬
‫‪«-1‬الشفا بتعريف حقوق المصطفى»‪ ،‬موضوعه فى‬
‫السيرة النبوية والعقيدة والصول والتفسير‬
‫والحديث‪.‬‬
‫‪«-2‬مشارق النوار على صحيح الثار» وموضوعه‬
‫تفسير غريب الحديث فى الصحاح الثلثة‪« :‬موطأ‬
‫مالك» و «صحيحى البخارى ومسلم»‪ ،‬فضبط‬
‫أسماء الرجال واللفاظ‪ ,‬ونبَّه على مواضع الوهام‬
‫والتصحيفات‪.‬‬
‫وفى هذا الكتاب قال الشاعر‪:‬‬
‫ومن عجب كون‬
‫مشارق أنوار تبدَّت بســـــبتة‬
‫المشارق بالمغرب‬
‫فأجابه آخر بقوله‪:‬‬
‫وإل فل فضل لتُرب‬
‫وما شرف الوطان إل رجالها‬
‫على تُرب‬
‫‪ -3‬كتاب «الكمال»‪ ،‬أكمل به كتاب «المعلم بفوائد‬
‫كتاب مسلم» لشيخه المازرى الفقيه المالكى‬
‫دّث المتوفى سنة ‪536‬هـ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫ال ُ‬
‫‪-4‬كتاب «منهاج العوارف إلى روح المعارف» وهو فى‬
‫شرح مشكل الحديث‪.‬‬
‫‪-5‬كتاب «اللماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد‬
‫السماع» فى مصطلح الحديث‪.‬‬
‫من‬
‫‪-6‬كتاب «بغية الرائد فيما فى حديث أم زرع ِ‬
‫الفوائد»‪.‬‬
‫‪ -7‬كتاب «التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة»‬
‫فى الفقه وجمع فى هذه الكتاب فوائد وغرائب‪.‬‬
‫‪-8‬كتاب «العلم بحدود قواعد السلم» فى العقيدة‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)136-125‬‬

‫‪193‬‬

‫‪-9‬كتاب «الخطب» يحتوى على خمسين خطبة من‬
‫خطب الجمع‪.‬‬
‫‪-10‬كتاب «جامع التاريخ» فى التاريخ والطبقات‪.‬‬
‫‪-11‬كتاب «تاريخ سبتة» وهو مسودة‪.‬‬
‫‪«-12‬ترتيب المدارك وتقريب المسالك فى معرفة‬
‫أعلم مذهب المام مالك»‪.‬‬
‫‪«-13‬الغنية» وذكر فيه شيوخه وترجم لهم‪.‬‬
‫‪«-14‬المقاصد الحسان فيما يلزم النسان»‪.‬‬
‫‪«-15‬غنية الكتاب وبغية الطالب»‪ ،‬فى الدب والنشاء‪،‬‬
‫من المخطوطات والكتب التى تدل على‬
‫وغيرها ِ‬
‫سمو منزلته وسلمة منهجه‪.‬‬
‫عدَِة منها‪ :‬القضاء والفقه‬
‫لقد برع القاضى عياض فى أمور ِ‬
‫والحديث واللغة والدب‪ ،‬وكان شاعًرا مجيدًا‪ ,‬وله موهبة رائعة تدل‬
‫على قدرته على نظم الشعر‪ ،‬ومن أروع ما قاله القاضى عياض‬
‫من القصائد تلك التى أنشدها وهو يودِّع قرطبة فى عام ‪508‬هـ‪،‬‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ت له صلت بأهلها‬
‫بعد أن تلقّى العلم فيها من شيوخها‪ ،‬وتوطد ْ‬
‫ومودة وصداقة وأخوة أكيدة‪ ،‬فقال مودعًا المدينة الَنْدَلُسية ذات‬
‫التاريخ العريق‪:‬‬
‫أقول وقد جد َّ ارتحالى‬
‫وغَّردت‬
‫وقد غمضت من كثرة‬
‫الدمع مقلتي‬
‫ولم تبقَ إل وقفة يستحثها‬

‫حداتى َوُز َّ‬
‫مت للفراق‬
‫ُ‬
‫ركائبي‬
‫وصارت هواء من فؤاد‬
‫ترائبي‬
‫وداعى للحباب ل للحبائب‬

‫رعى الله جيرانًا بقرطبة‬
‫العُل‬
‫وحيَّا زمانًا بينهم قد ألفته‬

‫وسقى ربُاها بالعهاد‬
‫السواكب‬
‫َ‬
‫مستلن‬
‫ا‬
‫محي‬
‫طليق ال ُ ّ ُ‬
‫الجوانب‬
‫معهاد جار أو مودة صاحب‬

‫أإخواننا بالله فيها تذاكروا‬
‫ت بهم من برهم‬
‫غدو ُ‬
‫واحتفائهم‬

‫أقاربي‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن أشعاره الخوانية التى وصف فيها ليلة جمعت من أصحابه‬
‫‪1‬‬

‫() المغرب والندلس‪ ،‬د‪ .‬مصطفى الشكعة‪ ،‬ص (‪.)146-139‬‬

‫‪194‬‬

‫كل ذى مكانة وفضل وجاه‪:‬‬
‫ن بليلةٍ‬
‫ح الزما ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫س َ‬

‫غراءَ جامعة السروْر‬

‫ت أك ُّ‬
‫جناتِها‬
‫ف ُ‬
‫أجن ْ‬

‫ف المانى والحبور‬
‫قَط َ‬

‫ما ف َّ‬
‫ن ختامها‬
‫ض طي ُ‬

‫فيما تقدم من دهور‬

‫دارت على فلك السعود‬

‫بمثل أشباه البدور‬

‫ما إن ترى إل أميًرا‬

‫حاز إرثًا عن أمير‬

‫تَخذ ُوا القلوب أسرة‬

‫وثَوَوْا بها عوض السرير‬

‫فعليهم وقف العلءُ‬
‫وإن تُدووِلَت المور‬
‫لقد اهت َّ‬
‫م المير على بن يوسف بالقاضى عياض لما كان شابا‬
‫وظهر ذكاؤه وانتشر صيته‪ ،‬فأكرمته دولة المرابطين‪ ,‬وهيأت له‬
‫من التحصيل والتفقه فى الدين‪.‬‬
‫الجواء للمزيد ِ‬
‫وكان القاضى عياض ل يحب كثرة السفار والرتحال‪ ،‬ويلحظ‬
‫المتتبع لسيرته وحياته أنه كان قليل الرتحال بالقياس إلى‬
‫حدِّثين‪ ،‬وكانت له‬
‫معاصريه وأترابه ِ‬
‫م َ‬
‫من العلماء والفقهاء وال ُ‬
‫نظرية عجيبة فى ذم السفر وبيان أضراره وعيوبه نظمه فى‬
‫من العلماء فى نظرته المتفردة وإليك البيات‬
‫الشعر‪ ،‬وخالفه كثير ِ‬
‫التى ذكرها فى ذم السفر‪:‬‬
‫(‪)1‬‬

‫تقعَّد عن السفار إن كنت‬
‫طالبًا‬
‫ة‬
‫أحب‬
‫د‬
‫وفق‬
‫ن‬
‫إخوا‬
‫ف‬
‫تشو ُ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫س‬
‫ش وقل ُ‬
‫ة مؤن ٍ‬
‫وكثرةُ إيحا ٍ‬

‫نجاةً ففى السفار سبعُ‬
‫عوائق‬
‫سكنى‬
‫صاح‬
‫يا‬
‫وأعظمها‬
‫ُ‬
‫الفنادق‬
‫ة سارق‬
‫أموا‬
‫وتبذيُر‬
‫ل وخيف ُ‬
‫ٍ‬
‫وأعقبه دهر شديد ُ المضايق‬

‫فقد كان ذا دهًرا تقادم‬
‫عهده‬
‫(‪)2‬‬
‫فهذه مقالى والسلم كما‬
‫الحقائق‬
‫بدا‬
‫وهذه فلسفة غريبة فى السفار أخالف القاضى عياض – رحمه‬
‫الله – فيها‪ ،‬إل أنَّنى أقول إن النسان فى أسفاره العلمية أو‬
‫التجارية عندما يقضى مآربه عليه أن ينتقل إلى غيرها‪ ,‬حتى يحقق‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق‪ ،‬ص (‪.)149‬‬
‫() انظر ‪ :‬النبوغ المغربي‪ ،‬عبد الله كنون‪( ،‬ج ‪.)3/131‬‬

‫‪195‬‬

‫ما مفيدًا لهله وشعبه‪,‬‬
‫ما سال ً‬
‫أهدافه ويرجع إلى وطنه وقومه غان ً‬
‫وقد ذكر العلماء فى السفار فوائد فقال الشافعى رحمه الله‪:‬‬
‫تغرَّب عن الوطان فى‬
‫طلب العلى‬
‫ة‬
‫ب معيش ٍ‬
‫م ِ واكتسا ُ‬
‫تفرج ه ّ‬

‫س‬
‫وسافر ففى السفار خم ُ‬
‫فوائد‬
‫(‪)1‬‬
‫ماجدٍ‬

‫ضا‪:‬‬
‫وقال المام الشافعى فى الغتراب أي ً‬
‫من راحةٍ فَدَِع الوطان‬
‫ب‬
‫واغتر ِ‬
‫وانصب فإن لذيد َ العيش‬
‫فى النصب‬
‫يجر‬
‫لم‬
‫وإن‬
‫طاب‬
‫إن ساح‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫لم يط ِ‬
‫س‬
‫القو‬
‫ق‬
‫را‬
‫ف‬
‫لول‬
‫م‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫والسه ُ‬
‫ِ‬
‫لم يُصب‬
‫(‪)2‬‬
‫عرب‬

‫ل وذى‬
‫ما فى المقام لذى عَق ِ‬
‫ب‬
‫أد ِ‬
‫ضا عمن تفارقه‬
‫عو‬
‫تجد‬
‫سافر‬
‫ً‬
‫إنِّ ى رأيت وقوف الماء‬
‫يفسده‬
‫والسد ُ لول فراقُ الرض ما‬
‫افترست‬
‫س لو وقفت فى‬
‫والشم ُ‬
‫الفلك دائمة‬

‫م َّ‬
‫من عاصر القاضى عياض العلمة الشيخ يعلى أبو جبل‪,‬‬
‫وكان ِ‬
‫وكان له رأى يخالف رأى القاضى عياض فى السفر نظمه فى‬
‫هذه البيات‪:‬‬
‫سافر لتكسب فى السفار‬
‫فائدة‬
‫ب به‬
‫ول تُقم بمكان ل تُصي ُ‬

‫فَُر َّ‬
‫ب فائدةٍ تُلقى مع السفر‬
‫حا ولو كنت بين الظل‬
‫نص ً‬
‫والشجر‬
‫(‪)3‬‬
‫الخضر‬

‫فإن «موسى» كليم الله‬
‫ه‬
‫أعوز ُ‬

‫ومن شعره فى الشواق ما نظمه من أبيات واصفًا فيها شوقه‬
‫وحنينه لزيارة المدينة المنورة فقال‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() ديوان الشافعي‪ ،‬ص (‪.)57‬‬
‫() ديوان الشافعي‪ ،‬ص (‪.)34‬‬
‫() المغرب والندلس‪ ,‬ص (‪.)150‬‬

‫‪196‬‬

‫خ َّ‬
‫ت‬
‫هدى النام و ُ‬
‫ص باليا ِ‬

‫يا دار خير المرسلين ومَن‬
‫به‬
‫عندى لجلك لوعة وصابة‬

‫وتشوقٌ متوقد ُ الجمرات‬

‫وعل َّ‬
‫ي عهد ٌ إن ملت‬
‫محاجري‬
‫لعفر َّ‬
‫ن شيبى بينها‬
‫مصو‬
‫ن‬
‫َ‬
‫لول العوادى والعادى زرتها‬

‫من تلكم الجدران‬
‫والعرصات‬
‫من كثرة التقبيل‬
‫والَّرشقات‬
‫(‪)1‬‬
‫الوجنات‬
‫لقطين تلك الدار‬
‫ت‬
‫جرا ِ‬
‫ح ُ‬
‫وال ُ‬
‫تغشاه بالصال والبُكرات‬

‫لكن سأهدى من جميل‬
‫تحية‬
‫من المسك المفتق‬
‫أذكى ِ‬
‫ة‬
‫نفح ً‬
‫وتخصه بزواكى الصلوات‬

‫والبركات‬

‫(‪)2‬‬

‫وله أبيات يصف فيها نفسه وشوقه إلى وطنه قالها فى مدينة‬
‫«داي» ببلد المغرب سنة ‪541‬هـ‪ ،‬وكان قد ناهز الخامسة‬
‫ما على البقاء فيها ممنوعًا للرجوع‬
‫والستين ِ‬
‫من العمر‪ ،‬وكان مرغ ً‬
‫ال‬
‫دولة‬
‫زمن‬
‫فى‬
‫إلى بلده‬
‫حدِين‪.‬‬
‫موَ ِّ‬
‫ُ‬
‫يعلم الله وأنا أمر على هذه البيات التى فجرت الحزان فى‬
‫نفسي‪ ،‬وألهبت مشاعرى وهيجت الشواق إلى مدينتى «بنغازي»‬
‫ومنطقتى «الحدائق»‪ ،‬وذكرتنى ببلدى العزيزة ليبيا ما تملكت‬
‫دموع الشوق إلى مسقط رأسى الذى طالت مدة غيابى عليه أكثر‬
‫ما نصفها مسجونًا فى بلدي‪ ,‬والنصف الخر‬
‫من أربعة عشر عا ً‬
‫قضيتها متنقل ً بين البلدان‪ ،‬ولم تكن تهمتى التى كلفتنى هذه‬
‫العقوبة القاسية التى أحتسبها عند الله إل أن رضيت بالله ربا‬
‫ح َّ‬
‫مد نبيًا ورسول ً ×‪.‬‬
‫م َ‬
‫وبالسلم دينًا وب ُ‬
‫إن أبيات القاضى عياض فى غربته أضفت على وأنا أترجم‬
‫سا بالحنين إلى‬
‫من الحزن‪ ,‬ولوعة ِ‬
‫حياته مسحة ِ‬
‫من السى‪ ,‬وإحسا ً‬
‫أهلى ووطني‪ ،‬وأحبتى وإخواني‪ ،‬فقال القاضى – رحمه الله – وهو‬
‫يحاور حمامة مَّرت به‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫() أزهار الرياض‪( ،‬ج ‪.)4/180‬‬

‫‪197‬‬

‫أخا شجى بالنوح أو بغناء‬

‫أقمرية الدواح بالله‬
‫حى‬
‫طار ِ‬
‫فقد أرقتنى من هديلك رنة‬

‫تهيج من شوقى ومن‬
‫بُرحائي‬
‫ت‬
‫غريب «بداي» قد بُلي َ‬
‫بداءِ‬
‫خرق بعيد الخافقين قواءِ‬
‫و َ‬

‫م فإنني‬
‫لعلك مثلى يا حما ُ‬
‫فكم من فلةٍ بين «داي» و‬
‫«سبتة»‬
‫ق‬
‫خواف‬
‫للرياح‬
‫فيه‬
‫ٌ‬
‫تصفقُ‬

‫كما ض ْعضعتنى زفزةُ‬
‫الصعداء‬
‫ت‬
‫ت يوم بن ُ‬
‫دموع ًا أريق ْ‬
‫ورائي‬
‫خمائل أشجارِ ترف لِرائي‬
‫َ‬

‫يذكرنى س ُّ‬
‫ح المياه بأرضها‬
‫ويعجبنى فى سهلها وحزنها‬
‫لع َّ‬
‫ل الذى كان التفرُّق‬
‫ه‬
‫حكم ُ‬

‫تنائي‬

‫(‪)1‬‬

‫جـ ‪ -‬عياض والقضاء‪:‬‬
‫رجع القاضى عياض إلى سبتة بعد أن أت َّ‬
‫م ما أراد من علوم‬
‫الَنْدَلُس‪ ,‬وكان دخوله لمدينته الحبيبة إلى نفسه عام (‪508‬هـ)‪،‬‬
‫وفرح أهل سبتة بابنهم البار‪ ،‬وتصدَّر للتعليم والتدريس بعد أن‬
‫امتحنه علماء مدينة سبتة فى الفقه المالكي‪ ،‬وأصبح من أهل‬
‫مجلس الشورى‪ ،‬وكان حينئذ فى الثانية والثلثين من عمره أو‬
‫يزيد قليلً‪ ،‬وكانت تلك المرحلة سببًا فى إعداده ليتسنم سدة‬
‫القضاة الشريفة الرفيعة فى سبتة(‪.)2‬‬
‫ولما كان عياض فى التاسعة والثلثين من عمره تولى القضاء‪،‬‬
‫وكان ذلك عام ‪515‬هـ‪ ،‬وظ َّ‬
‫ل متربعًا على كرسى القضاء فى بلده‬
‫سبتة ستة عشر عاًما‪ ،‬فسار فيها أحسن سيرة‪ ,‬وكان محمود‬
‫الطريقة مشكور الحالة‪ ،‬أقام جميع الحدود على ضروبها واختلف‬
‫أنواعها‪ ،‬وبنى الزيادة الغربية فى جامع سبتة التى كمل بها جماله‬
‫وترك فى بلده آثاًرا محمودة(‪.)3‬‬
‫ويبدو أن بعض المراء لم يعجبهم حزم وعدالة القاضى عياض‪،‬‬
‫كما خافوا من كثرة أتباعه وانتشار صيته ومحبة النَّاس له‪ ،‬فلذلك‬
‫عزموا على نقله إلى غرناطة‪ ,‬ولم يذكروا سببًا مقنعًا‪ ،‬مما جعل‬
‫ضا فى‬
‫الفقيه أبا الحسن بن هارون المالقى يمدح القاضى عيا ً‬
‫أبيات سجلتها ذاكرة التاريخ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫() انظر‪ :‬المغرب والندلس‪ ,‬ص (‪.)150‬‬
‫‪.)150‬‬
‫() انظر‪ :‬أزهار الرياض‪( ،‬ج ‪.)3/10‬‬

‫‪198‬‬

‫(‪ )2‬المصدر السابق نفسه‪ ,‬ص (‬

‫م‬
‫ضا وهو ي َ ْ‬
‫ظلموا عيا ً‬
‫حل ُ ُ‬
‫عنهم‬
‫ن الرا ِء عينًا‬
‫جعلوا مكا َ‬
‫فى اسمه‬
‫(‪)1‬‬
‫ح‬
‫معدوم‬
‫ت بطائ ُ‬
‫لوله ما فاح ْ‬
‫سبتة‬
‫وانتقل القاضى عياض إلى غرناطة ممتثل ً لمر المير فه َّ‬
‫ب‬
‫أهل غرناطة لستقباله كما يستقبل الفاتحون‪ ،‬وبالله إنه لحق فاتح‬
‫خلُقه‬
‫للعقول‪ ,‬ومنور للقلوب‪ ,‬ومطهر للنفوس بعلمه الغزير‪ ،‬و ُ‬
‫المتواضع وسيرته العطرة‪.‬‬
‫وسار فى النَّاس سيرة العدل‪ ،‬ورفع الظلم‪ ،‬وإحقاق الحقوق‬
‫من تعَّرضت‬
‫دون خوف من أمير أو وزير‪ ،‬ونشط وضاق به ذرعًا َ‬
‫مصالحه للخطر‪ ،‬ول يستطيع الحصول عليها إل بالظلم‪ ،‬وأسفرت‬
‫مكايد الشرار فى غرناطة عن عزل القاضى النزيه فى عام‬
‫‪532‬هـ‪ ,‬ورجع إلى بلده ليكون بعيدًا عن القضاء قريبًا لطلب‬
‫العلم وحلقاته‪ ,‬وقصده النَّاس وانتفع به العباد‪ ,‬ونشر نور الكتاب‬
‫والسنة فى البلد‪ ،‬واستمَّر على تلك الحالة الدعوية سبع سنين‪،‬‬
‫وفى أواخر دولة المرابطين عام ‪539‬هـ دعى ليتولَّى قضاء سبتة‬
‫خا جليلً‬
‫من جديد‪ ،‬وهو فى الثالثة والستين من عمره‪ ،‬وكان شي ً‬
‫ما‪ ،‬فابتهج النَّاس لعودته‪,‬‬
‫ما‪ ,‬وأبًا رحي ً‬
‫ما‪ ،‬وقاضيًا حكي ً‬
‫ما عظي ً‬
‫وعال ً‬
‫وسار فيهم سابق سيرته‪ ،‬وما مضت شهور قليلة حتى سقطت‬
‫حدِين البدعية فاضطَّر القاضى‬
‫موَ ِّ‬
‫دولة المرابطين على يد دولة ال ُ‬
‫(‪)2‬‬
‫الجليل إلى خوض الحياة السياسية والحربية ‪.‬‬
‫م بين العالمين‬
‫والظل ُ‬
‫م‬
‫قدي ُ‬
‫كى يكتموه فإنَّه معلوم‬

‫د‪ -‬معارك السياسة والحرب‪:‬‬
‫ح َّ‬
‫مد بن‬
‫موَ ِّ‬
‫م َ‬
‫إن ظهور دولة ال ُ‬
‫حدِين على يد المبتدع الكبير ُ‬
‫تومرت كانت من أسباب سقوط دولة المرابطين‪ ،‬فطبيعى جدًّا‬
‫َّ‬
‫وتولى قيادة جيوش‬
‫حدِين‪،‬‬
‫مو ِّ‬
‫أن يخوض حربًا ضد دولة ال ُ َ‬
‫حدِين عبد المؤمن بن على الذى استطاع بجيشه أن يحتل‬
‫موَ ِّ‬
‫ال ُ‬
‫مدن المغرب مثل فاس ومراكش وغيرهما‪.‬‬
‫ورأى القاضى عياض أن المصلحة العليا لمدينة سبتة وأهلها أن‬
‫يبايع عبد المؤمن حفاظًا على العراض والموال‪ ،‬وتجنيب المدينة‬
‫حدِين تلك البيعة الضطرارية‪،‬‬
‫موَ ِّ‬
‫ِ‬
‫من الدمار الشامل‪ ,‬وقبل أمير ال ُ‬
‫َ‬
‫ال‬
‫على‬
‫بثورته‬
‫هود‬
‫بن‬
‫مد‬
‫ح‬
‫م‬
‫قام‬
‫أن‬
‫وما‬
‫حدِين حتى استجاب‬
‫موَ ِّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ ّ‬
‫أهل سبتة لذلك بزعامة القاضى عياض‪ ،‬وقام السبتيون بقتل‬
‫حدِين وأصحابه‪ ،‬وسار القاضى عياض إلى يحيى بن‬
‫موَ ِّ‬
‫عامل ال ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() انظر‪ :‬المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)162‬‬
‫() المصدر السابق‪ ,‬ص (‪.)162‬‬

‫‪199‬‬

‫على المسوفى المعروف بابن غانية فى قرطبة وبايعه‪ ،‬وكان‬
‫متمسكًا بدعوة المرابطين‪ ,‬وطلب منه أن يُعي ِّن واليًا على سبتة‬
‫فبعث معه يحيى بن أبى بكر الصحراوى‪ ،‬وأصبحت بذلك مدينة‬
‫حدِين‪ ,‬وعادت إلى حكم المرابطين‪.‬‬
‫موَ ِّ‬
‫سبتة خارجة عن دولة ال ُ‬
‫حدِين استطاعت إخضاع مدينة سبتة وأهلها‪,‬‬
‫موَ ِّ‬
‫إل إن جيوش ال ُ‬
‫حدِين الذين قبلوا ذلك‪ ,‬واشترطوا‬
‫مو ِّ‬
‫وأعادوا البيعة من جديد لل ُ َ‬
‫إبعاد القاضى عياض عن مدينته إلى مراكش‪ ،‬وقيل تدل‪ ,‬إلى أن‬
‫توفاه الله تعالى‪.‬‬
‫ما مع عقيدته وعلمه‬
‫إن موقف القاضى عياض كان منسج ً‬
‫حدِين الذين اعتقدوا عصمة إمامهم‬
‫موَ ِّ‬
‫ودعوته فى محاربته لل ُ‬
‫ح َّ‬
‫صلها‬
‫سنف‬
‫التى‬
‫البدعية‬
‫العقائد‬
‫من‬
‫ذلك‬
‫مد بن تومرت‪ ،‬وغير‬
‫ِّ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ال‬
‫عن‬
‫كلمنا‬
‫عند‬
‫تعالى‬
‫الله‬
‫بإذن‬
‫حدِين‪.‬‬
‫مو ِّ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫إن القاضى عياض ليس من أهل السنة وحسب‪ ،‬ولكن ّه فقيه‬
‫أهل السنة آنذاك على الطلق‪ ،‬وهو كذلك يرى وجوب الوقوف‬
‫ُ‬
‫أمام دعوة ابن تومرت‪ ،‬وينبغى التخل ّص منها حتى حانت أول‬
‫فرصة‪ ،‬وإن يكن قد بايع فالبيعة آنذاك كانت حفاظًا على سلمة‬
‫بلدته وأهلها‪ ،‬أما وقد لحت الفرصة بخروج بعض المدن على‬
‫حدِين القائم على بدعة المامة المعصومة‪ ،‬أما وقد‬
‫موَ ِّ‬
‫سلطان ال ُ‬
‫من العقل الستسلم ثم‬
‫جرت الريح بما ل تشتهى السفن؛ فإن ِ‬
‫المبايعة وله حكم المضطّرِ فى ذلك‪.‬‬
‫حدِين عبد المؤمن كان على مقدرة عجيبة ِمن‬
‫موَ ِّ‬
‫وإن سلطان ال ُ‬
‫الدهاء والمكر‪ ،‬ولذلك رأى لمصلحة دولته أن يضع الفقهاء والعلماء‬
‫الذين يشك فى ولئهم له فى مراكش‪ ،‬ومنعهم ِمن العودة إلى‬
‫بلدهم‪ ،‬أو يضعهم فى مدن أخرى ليخدموا مخططات الدولة‬
‫الناشئة(‪.)1‬‬

‫هـ ‪ -‬وفاة القاضى عياض‪:‬‬
‫توفى رحمه الله فى منفاه بعيدًا عن وطنه فى عام ‪544‬هـ‬
‫من الله الرحمة والمغفرة والرضوان‬
‫ودفن فى مراكش‪ )2(،‬فعليه ِ‬
‫على ما قدَّمه للسلم‪.‬‬
‫هؤلء بعض العلماء الذين كان لهم سبق ومكانة فى دولة‬
‫المرابطين‪ ,‬وانتفع النَّاس بعلمهم وفقههم‪ ،‬ترجمت لهم ترجمة‬
‫من العلماء‬
‫متواضعة‪ ,‬كما برز فى علوم الفقه والحديث كثير ِ‬
‫دّثين فى عصر دولة المرابطين منهم‪ :‬أبو الحسن‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫وال ُ‬
‫على بن عبد الرحمن المعروف بابن أبى حقون وله مختصر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() سير أعلم النبلء‪( ،‬ج ‪.)20/217‬‬
‫() سير أعلم النبلء‪( ,‬ج ‪.)2/217‬‬

‫‪200‬‬

‫فى أصول الفقه سماه «بالمقتضب الشفى فى أصول‬
‫ح َّ‬
‫مد عبد الله بن على بن عبد الله‬
‫م َ‬
‫المستصفى»‪ ,‬ومنهم أبو ُ‬
‫بن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي‪ ،‬ويعرف بالرشاطي‪ ،‬وكانت‬
‫له عناية بالحديث والرجال والرواة والتواريخ‪ ،‬وله كتاب سماه‬
‫«اقتباس النوار‪ ،‬والتماس الزهار فى أنساب الصحابة ورواة‬
‫ح َّ‬
‫مد بن حسين بن أحمد‬
‫م َ‬
‫الثار»‪ ،‬ومنهم أي ً‬
‫ضا أبو عبد الله بن ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد النصاري‪ ،‬وأبو جعفر أحمد بن عبد الصمد بن أبى‬
‫م َ‬
‫بن ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد الخزرجي‪ ،‬وقد ألف كتابًا فى أحكام الرسول‬
‫م َ‬
‫عبيدة بن ُ‬
‫× سماه «آفاق الشموس وأعلق النفوس»‪ ،‬وكتابًا آخر سماه‬
‫ح َّ‬
‫مد عبد‬
‫م َ‬
‫«مقاطع الصلبان ومراتع رياض أهل اليمان»‪ ،‬وأبو ُ‬
‫الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربى وله كتاب‬
‫يُسمى «بالوجيز فى التفسير»‪ ,‬وكذلك برز فى عصر على بن‬
‫ح َّ‬
‫مد بن‬
‫يوسف ِ‬
‫م َ‬
‫من الفقهاء وعلماء الحديث‪ :‬أبو عبد الله ُ‬
‫حسين بن أحمد النصارى المعروف بابن أبى أحد عشر‪ ،‬وأبو‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن سعيد بن يربوع بن سليمان‪ ،‬وأبو‬
‫م َ‬
‫عبد الله ُ‬
‫الوليد يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن عمر المعروف بابن‬
‫الدباغ‪ ،‬وأبو عبد الله‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيبى المعروف بابن‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫الحاج قاضى‬
‫الجماعة بقرطبة‪.‬‬
‫***‬

‫‪201‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫علوم اللغة فى زمن المرابطين‬
‫من‬
‫ونبغ فى علوم اللغة فى عصر على بن يوسف عدد كبير ِ‬
‫ح َّ‬
‫مد‪ ,‬عبد‬
‫م َ‬
‫العلماء المبرزين فى النحو وعلوم اللغة نذكر منهم‪ :‬أبا ُ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن السيِّد البطليوسى النحوى ت ‪521‬هـ‪ ،‬وكان‬
‫م َ‬
‫الله بن ُ‬
‫َ‬
‫ما متبحًرا فى النحو وعلوم اللغة‪ ،‬وكان الن ّاس‬
‫حجة فى علمه عال ً‬
‫يجتمعون إليه ويقرأون عليه‪ ،‬ومن تواليفه كتاب «القتضاب فى‬
‫شرح أدب الكتاب»‪ ,‬وكتاب «التنبيه على السباب الموجبة‬
‫َ‬
‫لختلف المة»‪ ,‬وكتاب آخر فى شرح الموط ّأ‪ ,‬بالضافة إلى ذلك‬
‫كان شاعًرا مطبوعًا فمن نظمه قوله‪:‬‬
‫وأوصاله تحت التراب‬
‫رميم‬
‫من الحياء وهو عديم‬
‫يظن ِ‬

‫أخو العلم حي خالد بعد موته‬

‫ش‬
‫وذو جهل ميت وهو ما ٍ‬
‫على الثرى‬
‫ومن أئمة اللغويين وأعلمهم فى عصر على بن يوسف‪ ،‬أبو‬
‫الحسن على بن أحمد بن خلف النصارى النحوي‪ ،‬وقد كان من‬
‫ما فى علم القراءات‪ ،‬وأبو‬
‫أهل المعرفة بالداب واللغة‪ ،‬متقد ً‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن عبد الله‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫مد بن أحمد بن عبد الله بن ُ‬
‫ُ‬
‫ما متبحًرا فى النحو‪،‬‬
‫عال‬
‫وكان‬
‫اللجاش‪،‬‬
‫بابن‬
‫المعروف‬
‫النحوى‬
‫ً‬
‫وأبو العبَّاس أحمد بن عبد الجليل ابن عبد الله المعروف‬
‫بالتدميرى ت ‪555‬هـ‪ ،‬ومن تواليفه «نظم القرطين وضم أشعار‬
‫السقطين» وجمع فيه أشعار «الكامل» للمبرد و «النوادر» لبى‬
‫على البغدادي‪ ،‬كما له كتاب «التوطئة فى العربية» وله شرح على‬
‫كتاب الفصيح لثعلب‪ ،‬وله فى شرح أبيات جمل الزجاجى كتاب‬
‫سماه «شفاء الصدور»‪ ،‬وكتاب «الفوائد والفرائد»‪ ،‬ومنهم أبو‬
‫العبَّاس أحمد بن عبد العزيز بن هشام بن غزوان الفري‪ ،‬وكان‬
‫من أهل المعرفة بالنحو واللغة والعروض‪ ,‬وله أرجوزة مزدوجة‬
‫فى قراءة نافع وثانية فى قراءة ابن كثير‪ ،‬ومن تواليفه كتاب‬
‫(‪)1‬‬
‫«فوائد الفصاح عن شواهد اليضاح»‬
‫***‬

‫المبحث الخامس‬
‫علوم التاريخ والجغرافيا فى عصر المرابطين‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)400- 398‬‬

‫‪202‬‬

‫ظهر فى عصر المرابطين عدد كبير من أعلم الرواية‬
‫والكتابة التاريخية نذكر فى مقدمتهم‪ :‬أبو زكريا بن يحيى بن‬
‫يوسف النصارى الغرناطى المعروف بابن الصيرفى‪ ،‬كان‬
‫من أعلم عصر على بن يوسف فى البلغة والدب والتاريخ‪،‬‬
‫كتب بغرناطة عن المير تاشفين بن على بن يوسف أيام أن‬
‫َ‬
‫كان واليًا على الَنْدَلُس‪ ،‬وأل ّف فى تاريخ الَنْدَلُس فى العصر‬
‫المرابطى كتابًا سماه «النوار الجلية فى تاريخ الدولة‬
‫المرابطية»‪ ،‬وكتابًا آخر سماه «قصص النباء وسياسة‬
‫الرؤساء»‪ ,‬وهما مؤلفان لم يصل إلينا مع السف‪ ،‬ولم يصل‬
‫إلينا من مؤلفاته الولى سوى شذور نقلها المتأخرون مثل‬
‫ابن الخطيب خاصة روايته عن غزوة ألفونسو المحارب‬
‫للَنْدَلُس سنة ‪519‬هـ‪1125/‬م‪ ،‬وقد توفى ابن الصيرفى‬
‫ضا أبو الحسن على بن‬
‫بغرناطة فى سنة ‪570‬هـ‪ ،‬وهناك أي ً‬
‫بسام الشنترينى (ت ‪542‬هـ) صاحب كتاب «الذخيرة فى‬
‫محاسن أهل الجزيرة»‪ ,‬وهذا الكتاب موسوعة أدبية تاريخية‬
‫يتضمن تراث القرن الخامس الهجرى‪ /‬الحادي عشر‬
‫ح َّ‬
‫مد بن خلف بن الحسن بن‬
‫م َ‬
‫الميلدي‪ ،‬وأبو عبد الله ُ‬
‫إسماعيل الصدفي‪ ،‬ويعرف بابن علقمة‪ ,‬وهو من أهل مدينة‬
‫بلنسية وله كتاب س َّ‬
‫ماه «البيان الواضح فى الملم الفادح»‬
‫وتوفى ابن علقمة عام ‪509‬هـ‪1114/‬م‪ ،‬وأبو طالب عبد‬
‫الجبار عبد الله ابن أحمد بن أصبغ‪ ،‬وله كتاب يسمى «عيون‬
‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن‬
‫م ََ‬
‫المامة ونواظر السياسة»‪ ،‬وأبو عامر ُ‬
‫ّ‬
‫عامر البلوى المعروف بالسالمي‪ ،‬وقد ألف كتابًا فى التاريخ‬
‫ح َّ‬
‫مد‬
‫م َ‬
‫سماه «درر القلئد وغرر الفوائد»‪ ،‬وأبو نصر الفتح بن ُ‬
‫القيسى الشبيلي‪ ،‬والمعروف بالفتح بن خاقان‪ ،‬ومن‬
‫تواليفه كتاب «قلئد العقيان فى محاسن العيان»‪ ،‬وكتاب‬
‫«مطمع النفس ومسرح التأنس»‪ ,‬وكتاب «رواية المحاسن‬
‫وغاية المحاسن»‪ ,‬وأبو القاسم خلف بن عبد الملك ويعرف‬
‫بابن بشكوال‪ ،‬وكان من أعلم المؤرخين فى عصر‬
‫المرابطين‪ ،‬وأشهر تواليفه كتابه المعروف «بالصلة»‪ ،‬الذى‬
‫جعله تتمة لكتاب ابن الفرضى فى تاريخ علماء الَنْدَلُس‪،‬‬
‫ضا كتاب «الغوامض والمبهمات» فى اثنى‬
‫ومن تواليفه أي ً‬
‫عشر جزءًا‪ ،‬وكتاب «المحاسن والفضائل فى معرفة العلماء‬
‫الفاضل» فى واحد وعشرين جزءًا وقد توفى ابن بشكوال‬
‫فى رمضان ‪578‬هـ‪.‬‬
‫وفى مجال الجغرافية نبغ عدد من كبار جغرافى الَنْدَلُس‬

‫‪203‬‬

‫والمغرب فى عصر المرابطين نذكر منهم‪ :‬الشريف أبو عبد الله‬
‫ح َّ‬
‫مد الدريسي‪ ,‬صاحب كتاب «نزهة المشتاق فى اختراق‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الفاق»‪ ،‬وقد ألف الدريسى لرجار الث ّانِى صاحب صقلية‪ ،‬ولذا‬
‫يُعرف هذا الكتاب فى كتب الجغرافية العربية باسم الرجاري‪.‬‬
‫ومن جغرافيى عصر المرابطين عبد الله بن إبراهيم بن وزمر‬
‫الحجارى صاحب كتاب «المسهب فى غرائب المغرب»‪ ،‬وقد اتخذ‬
‫سا لكتابهم المعروف باسم «المغرب فى حلى‬
‫بنو سعيد كتابه أسا ً‬
‫المغرب»(‪.)1‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)403-401‬‬

‫‪204‬‬

‫المبحث السادس‬
‫علوم الطب فى عصر المرابطين‬
‫تقدمت العلوم الطبية والصيدلنية فى عصر المرابطين‬
‫ما يشهد له السماء والعلم التى تألقت فى حضارة‬
‫تقد ً‬
‫الَنْدَلُس والمغرب‪ ،‬وأشهرها ابن زهر وهو اسم طبيب‬
‫َ‬
‫م َّ‬
‫من تركوا بصماتهم‬
‫أنْدَلُسى من أعظم أطباء السلم‪ِ ،‬‬
‫واضحة فى تاريخ الحضارة النسانية جمعاء‪ ،‬وينتسب أبو‬
‫مروان عبد الملك بن زهر إلى أسرة أَنْدَلُسية لمعت فى‬
‫ميدان الطب والعلوم الطبيعية والكيميائية‪ ,‬عميدها الكبر هو‬
‫ح َّ‬
‫مد بن مروان بن الزهر‬
‫م َ‬
‫أبو مروان عبد الملك ابن الفقيه ُ‬
‫اليادى الشبيلي‪ ،‬وكان والده الفقيه محمد بن مروان من‬
‫جلة الفقهاء المتميزين فى علم الحديث فى إشبيلية‪ ،‬وقد‬
‫رحل أبو مروان فى شبابه إلى المشرق وسمع فى القيروان‬
‫ومصر‪ ،‬وتتلمذ علىأيدى علماء المشرق فى الطب‪ ،‬ورجع‬
‫إلى الَنْدَلُس‪ ،‬وأصبح من أشهر علماء الطب فيها‪ ,‬وتوفى‬
‫فى إشبيلية‪ ،‬وورثه فى علم الطب ابنه أبو العلء الذى تبوأ‬
‫مكانة عظيمة فى دولة المرابطين‪ ،‬ومن تواليفه «الخواص»‬
‫وكتابه «الدوية المفردة» وكتاب «اليضاح بشواهد‬
‫الفتضاح» فى الرد على ابن رضوان فيما رده على حنين‬
‫بن إسحاق فى كتاب المدخل إلى «الطب»‪ ،‬وكتاب «النكت‬
‫الطبية»‪ ،‬وكتاب «الطرر» ومقالة فى تركيب الدوية‪،‬‬
‫وحمل إلى إشبيلية‬
‫ُ‬
‫وتوفى أبو العلء فى قرطبة ‪525‬هـ‪,‬‬
‫ودفن بها‪ ،‬وأمر المير على بن يوسف بجمع كتبه ونسخها‪،‬‬
‫وتم ذلك عام ‪526‬هـ‪ ,‬وورث ابنه أبو مروان من والده‬
‫صناعة علوم الطب‪ ،‬ونبغ فى هذا المجال‪ ،‬ولم يكن فى‬
‫من يماثله أو ينافسه‪ ،‬وكان له حظوة لدى المراء‬
‫زمانه َ‬
‫المرابطين‪ ،‬فقد صنف للمير أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف‬
‫بن تاشفين كتابًا سماه «القتصاد فى صلح الجساد»‪ ،‬ومن‬
‫ضا كتاب «التيسير فى المداواة والتدبير» وقد ألفه‬
‫تواليفه أي ً‬
‫القاضى أبو الوليد بن رشد وهذا الكتاب يُعد من أعظم‬
‫ضا كتاب‬
‫مراجع الطب فى العصور الوسطى‪ ،‬وله أي ً‬
‫«الغذية»‪ ،‬ومقالة فى علل الكلى‪ ،‬ورسالة فى علتى‬
‫البرص والبهق‪ ،‬وتوفى هذا العالم فى عام ‪557‬هـ فى‬
‫إشبيلية‪.‬‬
‫ومن الطباء الذين برعوا فى عصر على بن يوسف‪ :‬أبو عامر‬

‫‪205‬‬

‫ح َّ‬
‫مد بن أحمد بن عامر البلوي‪ ،‬وله فى الطب كتاب سماه‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫«الشفا»‪ ,‬وأبو الحسن على بن عبد الرحمن بن سعيد السعدى‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫ومما يؤكد اهتمام دولة المرابطين بالطب وجود منصب يعرف‬
‫برئيس الصناعة الطبية‪ ,‬وهو منصب هام يقابل ما نطلق عليه‬
‫اليوم اسم وزير الصحة‪ ،‬إذ كان فيما يبدو المسئول الول أمام‬
‫(‪)1‬‬
‫من الدَويَة والعقاقير ‪.‬‬
‫المير فى صناعة الطب‪ ,‬وما يتعلق بها ِ‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس‪ ،‬ص (‪.)409-407‬‬

‫‪206‬‬

‫المبحث السابع‬
‫أسباب سقوط دولة المرابطين‬
‫‪ -1‬ظهور روح الدعة والنغماس فى الملذَّات والشهوات عند‬
‫حكَّام المرابطين وأمرائهم فى أواخر عصر على بن‬
‫ُ‬
‫يوسف‪ ،‬وكان للمجتمع الَنْدَلُسى تأثير ل ينكر فى قادة‬
‫وأمراء وحكام دولة المرابطين الذين استجابوا لنزوات‬
‫شهواتهم وانغمسوا فى الحياة الدنيا‪ ،‬فتحقَّق قول الله‬
‫تعالى‪ ﴿:‬وَِإذَا أَ َردْنَا أَن ّن ْه ِلكَ َقرْيَ ًة َأ َمرْنَا مُ ْترَفِيهَا َففَسَقُوا فِيهَا َفحَ ّق َعلَ ْيهَا اْلقَ ْولُ‬
‫فَ َد ّمرْنَاهَا تَ ْد ِميًا﴾ [السراء‪.)1( ]16:‬‬
‫ل أ َّ‬
‫يقول سيِّد قطب رحمه الله‪« :‬والمترفون فى ك ِّ‬
‫مة هم‬
‫طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال‪ ،‬ويجدون الخدم‪،‬‬
‫ويجدون الراحة‪ ،‬فينعمون بالدعة والراحة‪ ،‬وبالسيادة حتى تترهل‬
‫نفوسهم وتأسن‪ ،‬وترتع فى الفسق والمجانة وتستهتر بالقيم‬
‫والمقدسات والكرامات‪ ،‬وتلغ فى الرض والحرمات‪ ،‬وهم إذا لم‬
‫ب على أيديهم عاثوا فى الرض فسادًا‪ ،‬ونشروا‬
‫ضرِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫يجدوا َ‬
‫م ْ‬
‫الفاحشة فى المة وأشاعوها‪ ،‬وأرخصوا القيم العليا التى ل تعيش‬
‫الشعوب إل بها ولها‪ ،‬ومن ث َ َّ‬
‫م تتحلل المة وتسترخي‪ ،‬وتفقد‬
‫حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها فتهلك وتطوى صفحتها‪.»..‬‬
‫من انغمس فى الشهوات‪،‬‬
‫والية تقرر سنة الله هذه فى إهلك َ‬
‫من القيم والخلق ولزم الفسق‬
‫وأسرف فى الملذات‪ ،‬وتحلل ِ‬
‫والنحلل والفساد‪.‬‬
‫‪ -2‬ظهور السفور والختلط بين النساء والرجال‪ ،‬وبدأت دولة‬
‫المرابطين فى آخر عهد المير على بن يوسف تفقد‬
‫طُهَرها وصفاءَها الذى اتصف به جيلهم الول‪ ،‬مما جعل‬
‫الرعية المسلمة تتذمر من هذا النحراف والفساد‪،‬‬
‫ح َّ‬
‫مد بن تومرت الذى أظهر نفسه‬
‫م َ‬
‫وتستجيب لدعوة ُ‬
‫للناس بالزاهد والنَّاسك والمر بالمعروف والناهى عن‬
‫المنكر‪.‬‬
‫‪ -3‬انحراف نظام الحكم عن نظام الشورى إلى الوراثى الذى‬
‫سبب نزاعًا عنيفًا على منصب ولية العهد بين أولد على‬
‫من المراء إلى منصب‬
‫بن يوسف‪ ،‬كما تطلع مجموعة ِ‬
‫المير على ونازعوه فى سلطانه مما سبب تمزقًا داخليًا‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() تاريخ المغرب والندلس ص (‪.)409-407‬‬

‫‪207‬‬

‫ففقدت الدولة المرابطية وحدتها الولى‪ ،‬وكثرت الجيوب‬
‫الداخلية فى كيان الدولة‪ ،‬وتفجرت ثورات عنيفة فى‬
‫قرطبة‪ ،‬وفى فاس وغيرهما ساهمت فى إضعاف الوحدة‬
‫السياسية وإسقاط هيبة الدولة المرابطية‪.‬‬
‫‪ -4‬الضيق الفكرى الذى أصاب فقهاء المرابطين وحجرهم‬
‫على أفكار النَّاس‪ ,‬ومحاولة إلزامهم بفروع مذهب المام‬
‫مالك وحده‪ ،‬وعملوا على منع بقية المذاهب السنية تعصبًا‬
‫لمذهبهم‪ ،‬وكان لفقهاء المالكية نفوذ كبير مما جعلهم‬
‫يوسعون تعصبهم وتحجرهم الفكري‪.‬‬
‫ويرى بعض المؤرخين أن التعصب العمى عند فقهاء‬
‫المرابطين فى زمن المير على ابن يوسف كان السبب الول فى‬
‫سقوط دولة المرابطين(‪ ،)1‬لقد أسهم فقهاء المالكية فى دولة‬
‫المرابطين بقسط وافر فى تذمر الرعايا‪ ،‬وإضعاف شأن المارة‪،‬‬
‫لقد استغل بعض الفقهاء نفوذهم من أجل جمع المال وبناء الدور‪،‬‬
‫وامتلك الرض‪ ،‬وعاشوا حياة البذخ والرفاهية المفرطة‪ ،‬وكان‬
‫ذلك سببًا فى إيجاد ردة فعل عنيفة عند أفراد المجتمع المرابطي‪،‬‬
‫وانبرى الشعراء فى تصوير حال الفقهاء فى تلك الفترة‪ ،‬فقال أبو‬
‫ح َّ‬
‫مد المعروف بابن البني‪:‬‬
‫م َ‬
‫جعفر أحمد بن ُ‬
‫كالذئب أدلج فى الظلم‬
‫العاتم‬
‫وقسمتم الموال بابن‬
‫القاسم‬
‫(‪)2‬‬
‫العالم‬

‫أهل الرياء لبستم‬
‫ناموسكم‬
‫فملكتم الدنيا بمذهب‬
‫مالك‬
‫وركبتم شهب الدواب‬
‫بأشهب‬
‫‪ -5‬ومن أهم العوامل التى أسقطت دولة المرابطين‪ :‬فقدها‬
‫لكثير من قياداتها وعلمائها العظام أمثال سير بن أبى بكر‪،‬‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫مد بن الحاج‪،‬‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد ابن فاطمة‪ ،‬و ُ‬
‫مد بن مزدلي‪ ،‬و ُ‬
‫و ُ‬
‫وأبى إسحاق بن دانية‪ ،‬وأبى بكر بن واسينو‪ ..‬فمن لم‬
‫يستشهد من كبار رجال الدولة أدركه الموت الطبيعي‪ ،‬ولم‬
‫يستطع ذلك الجيل أن يغرس المبادئ والقيم التى حملها‬
‫فى الجيل الذى بعده‪ ،‬فاختلفت قدرات الجيل الذى بعدهم‬
‫واستعداداتهم‪ ،‬وهذا درس مهم لبناء الحركات السلمية‬
‫فى أهمية توريث التجارب والخبرات المتنوعة والمتعددة‬
‫للجيال المتلحقة(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() الزلقة بقيادة يوسف بن تاشفين‪ ،‬ص (‪.)98‬‬
‫() انظر‪ :‬سقوط دولة الموحدين‪ ,‬للدكتور مراجع الغناي‪ ،‬ص (‪.)31‬‬
‫() انظر‪ :‬سقوط دولة الموحدين‪ ,‬للدكتور مراجع الغناي‪ ،‬ص (‪.)31‬‬

‫‪208‬‬

‫‪ -6‬ومن أهم العوامل التى أنهكت دولة المرابطين‪ ،‬أنها مَّرت‬
‫بأزمة اقتصادية حادة‪ ،‬نتيجة لنحباس المطر عدة سنوات‪،‬‬
‫وحلول الجفاف والقحط بالَنْدَلُس والمغرب‪ ،‬وزاد من حدة‬
‫من‬
‫الزمة القتصادية أن أسراب الجراد هاجمت ما بقى ِ‬
‫الخضر على وجه البلد مما هيأ الظروف لنتشار مختلف‬
‫من السكان‪ ،‬ووقعت هذه الزمة فى‬
‫الوبئة بين كثير ِ‬
‫(‪)1‬‬
‫الفترة الواقعة ما بين أعوام ‪524‬هـ‪530-‬م ‪.‬‬
‫‪ -7‬ومن أهم السباب الرئيسية فى زوال دولة المرابطين‪ -‬فى‬
‫حدِين‪ ،‬ورأيت أن‬
‫موَ ِّ‬
‫نظرى – صدامها المسلح مع جيوش ال ُ‬
‫أفرد له مبحثًا مستقلً (‪ )2‬ويكون ذلك عند دراسة دولة‬
‫حدِين إن شاء الله‪.‬‬
‫موَ ِّ‬
‫ال ُ‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫* * نتائج البحث‬

‫**‬

‫‪-1‬إن فى معظم قبائل العالم السلمى رجالً لهم عقول‬
‫راجحة وبعد نظر وتقدير للمور‪ ،‬وفى أغلب الحيان‬
‫َ‬
‫يتولّ َى أمر القبيلة أرجح النَّاس عقل ً وأكثرهم جودًا‪،‬‬
‫وأعظمهم شجاعة‪ ،‬وأخلصهم لهله وعشيرته‪ ،‬وشخصية‬
‫المير يحيى بن إبراهيم الجدالى خير دليل على ما قلت‪،‬‬
‫من الدروس العميقة من هذا البحث هو أهمية‬
‫ولذلك ِ‬
‫دور زعماء القبائل فى دعوة قبائلهم وعشائرهم‪ ،‬وإيجاد‬
‫الحماية اللزمة للدعاة إلى الله فى أوساط القبائل‪،‬‬
‫فعلى الحركات السلمية العامة أن توثِّق علقتها مع‬
‫من المجتمع‪ ،‬وتحرص على دعوتها‬
‫هذه الشريحة ِ‬
‫للسلم لتنصهر فى الدعوة الربَّانية التى تبذل جهدها‬
‫لتحكيم شرع الله تعالى‪.‬‬
‫‪-2‬إن أبا عمران الفاسى العالم الربَّانى والفقيه المالكى‬
‫سيِّد الفقهاء فى القيروان فى زمانه يعتبر هو واضع‬
‫الخطوط العريضة لدولة المرابطين‪ ،‬وكان – رحمه الله‬
‫– يميز بين العمل العلنى فى الدعوة وفقهها وتعليم‬
‫النَّاس‪ ،‬وبين العمل السرى لقامة دولة سنية‪ ،‬وكان‬
‫رحمه الله على اتصال بفقهاء أهل السنة فى مدن‬
‫وقرى الشمال الفريقي‪ ،‬ولذلك لما تعرَّف أبو عمران‬
‫الفاسى على المير الصنهاجى يحيى بن إبراهيم‪ ،‬وعلم‬
‫بأحوال قومه وحاجتهم لمنهج السلم ومن يربيهم على‬
‫ذلك‪ ،‬اتصل بأخيه الشيخ وجاج بن زلوا اللمطى فقيه‬
‫حا يقيم‬
‫المالكية بالسوس القصى‪ ،‬وكان فقيهًا صال ً‬
‫بمدينة ملكوس‪ ،‬وأطلعه على المهمة التى جاء من أجلها‬
‫المير يحيى‪ ،‬فاختار لهذه المهمة تلميذه الذكى الفقيه‬
‫العابد اللمعى عبد الله بن ياسين الجزولى صاحب‬
‫العلوم المتنوعة والشخصية الجذَّابة التى تجرى فى‬
‫دمائها صفات الدعاة المتعددة‪ ،‬وسار‪ -‬رحمه الله‪ -‬وفق‬
‫خطة محكمة بصبر وحلم وشجاعة فى قبائل الملثمين‪.‬‬
‫‪-3‬كانت مرحلة التعريف التى نفَّذها المام عبد الله بن‬
‫ياسين فى قبائل جزولة ولمتونة وغيرهما من أصعب‬
‫المراحل‪ ،‬وكادت تودى بحياته واستطاع أن يحارب‬
‫مظاهر الشرك والجهل فى مجتمع صنهاجة الصحراوي‪،‬‬
‫وأن يتحمل الكثير من أجل تعليمهم السلم وأركان‬

‫‪210‬‬

‫اليمان ومقامات الحسان‪.‬‬
‫‪-4‬وفى مرحلة اختيار العناصر التي تحمل الدعوة اختار‬
‫المام عبد الله بن ياسين رباطه على مصبِّ نهر‬
‫السنغال بعيدًا عن نفوذ المراء وأصحاب الجاه‬
‫والموال‪ ،‬وشكل نخبة صفوية ألزمها بلوائح تنظيمية‬
‫ومبادئ سلوكية‪ ،‬واجتهد فى تربيتها وشكل منها مجلس‬
‫الشورى‪.‬‬
‫‪-5‬وفى مرحلة المغالبة بعد أن أصبحت للمام ابن ياسين‬
‫شوكة وقوة ومنعة‪ ,‬استطاع أن يقضى على قوة الشر‬
‫فى قبائل لمتونة وجزولة وغيرها‪ ،‬وأن يوحِّدَها على‬
‫منهج السلم وعقيدة الرحمن ودعوة اليمان‪.‬‬
‫‪-6‬كانت تربية عبد الله بن ياسين لتباعه رفيعة المستوى‬
‫غرست فى نفوسهم حب الشهادة‪ ،‬والتلذُّذ بمتاعب‬
‫الجهاد والحرص على هداية النَّاس‪ ,‬واختار لتباعه اسماً‬
‫يدل على الرابطة السامية التى ربطت هذه الجموع‬
‫التى كانت متناحرة وأصبحت متآخية متعاونة أل وهى‬
‫«المرابطون»‪.‬‬
‫‪-7‬أصبح فقهاء المغرب القصى والحرار المتطلعون‬
‫لتحكيم شرع الله فى مدنهم يتصلون بالمرابطين‪،‬‬
‫ويطلبون منهم مساعدتهم لزالة الظُّلم الواقع عليهم‬
‫حكَّام زناتة‪ ،‬وبالفعل لبى المرابطون هذا النداء‪,‬‬
‫من ُ‬
‫وتحركت جيوشهم القوية لزالة المظالم ونشر العدل‪،‬‬
‫والقضاء على دولة برغواطة الملحدة‪ ،‬وعلى بقايا‬
‫الروافض‪ ،‬وأصبحت جبهاتهم متعددة نحو السنغال‬
‫والنيجر ونحو فاس ومكناسة وطنجة‪ ،‬وحققوا انتصارات‬
‫من الزنوج والوثنيين فى السلم‪.‬‬
‫رفيعة ودخلت أمم ِ‬
‫‪-8‬استمرَّ المام ابن ياسين يقود معارك التوحيد للمغرب‬
‫القصى من أجل إقامة دولة سنية‪ ،‬واستشهد فى تلك‬
‫المعارك بعد أن ترك خلفه رجال ً آمنوا بسمو دعوتهم‬
‫وقدسية فكرتهم وروعة أهدافهم‪.‬‬
‫َ‬
‫‪-9‬تول ّى قيادة المرابطين بعده المام أبو بكر بن عمر الذى‬
‫تميز بزهده وعبادته وبساطته وحبه للجهاد والستشهاد‪،‬‬
‫من‬
‫وكان إذا ركب للجهاد ركب معه ‪500‬ألف مقاتل ِ‬
‫المرابطين‪ ،‬فوضع هذا القائد الخطوة الولى لدولة‬

‫‪211‬‬

‫المرابطين‪ ,‬وأناب ابن عمه يوسف ابن تاشفين على‬
‫المغرب‪ ،‬وتحرَّك بجيش عظيم نحو الصحارى القاحلة‬
‫لنشر السلم فى النيجر والسنغال ومالي‪ ،‬وأبلى بلءً‬
‫ما‪ ,‬ودخلت أمم وشعوب وقبائل ل يحصيها إل‬
‫عظي ً‬
‫خالقها فى دين الفطرة ودعوة السلم الخالدة‪ ،‬ولما‬
‫رجع إلى ابن عمه المير يوسف بن تاشفين فى المغرب‬
‫وجده قد حقق فتوحات عظيمة‪ ،‬ووحَّد البلد‪ ,‬وقضى‬
‫على الفساد‪ ،‬وأزال الظلم ونشر العدل‪ ،‬فتنازل عن‬
‫المارة لبن عمه يوسف بعد أن أوصاه بتقوى الله‬
‫وذكَّره قدومه على الله‪ ،‬ثم ودَّعه‪ ,‬ودخل فى الصحراء‬
‫الكبرى بجيشه الداعى إلى رضوان الله وصراطه‬
‫المستقيم وأكرمه الله بالشهادة فى قلب الصحراء‬
‫الكبرى‪.‬‬
‫َ‬
‫‪-10‬تول ّى أمير المرابطين المير يوسف بن تاشفين؛ فنظم‬
‫المدن‪ ,‬وأرسى نظم الحكم‪ ,‬وخطَّط للدولة المرابطية‪،‬‬
‫فشرع فى إنشاء دواوينها ومجالسها وإداراتها وجيوشها‪,‬‬
‫ووضع المراء والفقهاء والقضاة على المدن والقرى‪،‬‬
‫وأشرف على تنفيذ أحكام الله‪ ،‬وأثبتت اليام والحروب‬
‫والمحن التى مرَّ بها على أنه قائد عسكرى وسياسى‬
‫من الطراز الول‪ ,‬وأحبه المرابطون والتفوا حوله‬
‫ِ‬
‫وتطايرت الركبان فى نشر سيرته وعدله وأحبه‬
‫المسلمون‪.‬‬
‫‪-11‬أصاب المسلمين فى الَنْدَلُس أضرار جسيمة بسبب‬
‫خنوع ملوك الطوائف للنصارى وضعفهم فى الحكم‪ ،‬مما‬
‫عرض ممالك الَنْدَلُس لطماع النصارى الحاقدين الذين‬
‫جاسوا خلل الديار فى الَنْدَلُس يقتلون ويذبحون‬
‫ويسبون‪ ,‬وأصبحت ممالك الَنْدَلُس السلمية تتساقط‬
‫فى أيديهم مدينة بعد مدينة‪ ،‬وقرية إثر قرية‪ ،‬وحصنًا‬
‫خلف حصن‪ ،‬وركب المسلمين فزع عظيم فاضطرَّ‬
‫من المير‬
‫ملوك الطوائف أن يطلبوا الغوث والنصر ِ‬
‫الربانى والقائد الميدانى يوسف بن تاشفين‪ ،‬وكان قرار‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما وتبَّناه الملك‬
‫ُ‬
‫حك ّام النْدَلُس فى استدعاء يوسف حكي ً‬
‫المعتمد ابن عباد بكل ما يملك من حجة وقوة‪ ،‬ولما‬
‫قالوا للمعتمد سيضم المير يوسف إليه الَنْدَلُس‪ ،‬فقال‬
‫قولته المشهورة التى أصبحت مثل ً رائعًا على مرِّ‬
‫العصور وكرِّ الدهور تتعلم منه الجيال الوفاء لدينها‬
‫والولء لعقيدتها حيث قال‪« :‬رعى البل ول رعى‬

‫‪212‬‬

‫الخنازير»‪ ،‬وقال المعتمد لبنه‪ :‬إن استدعاء المير‬
‫يوسف أمر يرضى الله تعالى‪ ،‬ولن أكون أبدًا سببًا فى‬
‫ضياع ديار المسلمين‪.‬‬
‫‪-12‬استجاب المير يوسف لدعوة إخوانه فى العقيدة‪,‬‬
‫وعرض المر على أهل مشورته؛ وتحصل على موافقة‬
‫العلماء والفقهاء ورجال الدولة المرابطية‪ ،‬وحرك كتائب‬
‫المرابطين بفرسانها الشجعان وجنودها البطال وعبر‬
‫المضيق‪ ،‬وقاد المير يوسف كتائب المسلمين فى‬
‫الَنْدَلُس‪ ،‬ووضع مع أركان جيشه خطة محكمة للقضاء‬
‫على جيش ألفونسو النصراني‪ ،‬وسطر المرابطون فى‬
‫تاريخ أمتنا ملحم العقيدة والفداء فى معركة الّزِلقَة‪،‬‬
‫وانتصر المسلمون وانهزم النصارى وحفظ الله السلم‬
‫فى الَنْدَلُس لقرون بعد تلك المعركة التاريخية‪ ،‬وبعد‬
‫هذا النصر الرائع والنفيس الذى حققه المرابطون‬
‫ورفعوا به راية السلم فى سماء الَنْدَلُس رجع المير‬
‫يوسف إلى المغرب‪ ,‬وترك الغنائم لملوك الَنْدَلُس‬
‫الذين اختلفوا بعد ذلك وكادوا أن يضيعوا السلم من‬
‫من المير‬
‫جديد فى تلك الديار‪ ،‬فطلب فقهاء الَنْدَلُس ِ‬
‫يوسف ضم الَنْدَلُس لحكم المرابطين‪ ،‬وشجَّعه علماء‬
‫وفقهاء المغرب وتحصل على فتاوى من علماء المشرق‬
‫من أمثال أبى بكر الطرطوشى فى مصر‪ ،‬وأبى حامد‬
‫الغزالى فى العراق‪.‬‬
‫‪-13‬استطاع يوسف بن تاشفين أن يفتح مدن الَنْدَلُس‪،‬‬
‫وأن يضم الممالك إلى دولة المرابطين‪ ،‬وأسر بعض‬
‫ملوك الَنْدَلُس الذين ثبت تعاونهم مع النصارى‪,‬‬
‫ووضعهم فى المغرب إلى أن توفاهم الله‪ ،‬وبذلك قضى‬
‫على مهزلة ملوك الطوائف‪.‬‬
‫لطخوا دولة المرابطين‪,‬‬
‫‪-14‬حاول المستشرقون أن يُ ِّ‬
‫صا المير يوسف إل أنَهم اصطدموا بحقائق‬
‫وخصو ً‬
‫التاريخ الناصعة التى دلَّت على عظمة المير يوسف‬
‫ودولته الميمونة‪ ,‬وحاول المستشرق رينهارت دوزى أن‬
‫يشوِّه دولة المرابطين ويصفها بالبربرية والتخلف‪،‬‬
‫ويصف السلطان على بن يوسف بالرجل التافه‪ ،‬ويمدح‬
‫ملوك الطوائف فى الَنْدَلُس الذين تحالفوا مع النصارى‬
‫نَ حملة مسعورة‬
‫للقضاء على السلم والمسلمين‪ ،‬وش ّ‬
‫على جهاد المرابطين الذين حقَّقوا وحدة صفوف‬

‫‪213‬‬

‫المسلمين‪ ،‬وهزموا أعداءهم النصارى‪ ،‬وخلصوا‬
‫المسلمين من هؤلء الملوك الضعفاء‪ ،‬لقد شتم دوزى‬
‫المستشرق المير يوسف‪ ,‬ووصفه هو وابنه بأنَّهم‬
‫تافهون‪ ،‬وأنا ل أستغرب من دوزى المستشرق أن يفقد‬
‫توازنه‪ ,‬ويخرج عن نهج المؤرخين النزيه‪ ،‬لقد كان‬
‫المستشرق دوزى ملحدًا زنديقًا عدوًا للسلم‬
‫والمسلمين‪ ،‬كيف تريده أن يتحمل شعارات المرابطين‬
‫الدالة على سمو عقيدتهم وطهارة منهجهم‪ ،‬وكأنى‬
‫بالمستشرق دوزى وهو يقلب الدينار المرابطى‬
‫ح َّ‬
‫مد رسول‬
‫م َ‬
‫والمكتوب على وجهيه «ل إله إل الله ُ‬
‫الله» ﴿وَمَن يَبْتَ ِغ غَ ْي َر ا ِل ْسلَمِ دِينًا َفلَ ْن ُيقَْبلَ مِ ْنهُ وَ ُهوَ فِى ا َل ِخرَةِ مِن الَا ِسرِينَ﴾‪,‬‬
‫وقد اشتاط غضبًا وفقد عقله وغرق فى كفره‪ ,‬فأباح‬
‫لنفسه الكذب والفتراء والزور ليهدئ من روعه‬
‫وانفعاله‪ ،‬كيف يكون تافهًا من يوحد المغرب القصى‬
‫ويضم إليه الَنْدَلُس ويقضى على ملوك الطوائف؟ لقد‬
‫وصف المؤرخون المنصفون المير يوسف بأنه كان‬
‫ما ضابطًا للنفس ماضى العزيمة عالى الهمة‪ ،‬تحركه‬
‫حاز ً‬
‫َ‬
‫عقيدته السلمية وشريعته الربانية‪ ،‬أمّا دولة المرابطين‬
‫فقد أثبت التاريخ أنَّها دولة حضارة وعلم وثقافة‪ ،‬أمَّا ما‬
‫قام به أعداؤها فى وصفها بالتخلف الحضارى والتعصب‬
‫من‬
‫المذهبى فهو قول باطل ل تسعفه الدلة‪،‬‬
‫عار ِ‬
‫ٍ‬
‫مو‬
‫حدِين‬
‫من ال ُ َ ِّ‬
‫الحقائق‪ ،‬وما كان دافع خصومهم ِ‬
‫والَنْدَلُسيين الذين حملوا عليهم حملة ظالمة إل من باب‬
‫التعصب الدينى أو المذهبي‪ ،‬أو كراهية سياسية أو قومية‬
‫حاولوا النيل من دولة المرابطين السنية‪ ،‬وتابع أولئك‬
‫حدثين أمثال‬
‫م َ‬
‫القوام الذين مضوا بعض المستشرقين ال ُ‬
‫المتعالم الحاقد الهولندى راينهارت دوزى‪ ,‬وتابعه على‬
‫من المعاصرين أمثال ارشيبالد لويس فى كتابه‬
‫ذلك نفر ِ‬
‫«القوى البحرية والتجارية فى حوض البحر المتوسط»‪.‬‬
‫‪ُ-15‬يعتبر ضم الَنْدَلُس إلى دولة المرابطين من أعظم‬
‫أعمال المير يوسف بن تاشفين الجهادية‪.‬‬
‫‪-16‬كانت نظرة دولة المرابطين إلى الخلفة السلمية‬
‫العباسية فى بغداد صائبة صحيحة‪ ,‬لكونها منبثقة من‬
‫منهج أهل السنة والجماعة‪ ,‬ولذلك بايعوا الخليفة‬
‫العبَّاسي‪ ,‬ورفعوا أعلمه وشعاره‪ ،‬ودعوا له على‬
‫منابرهم‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫‪-17‬كانت علقة الدولة المرابطية بالخلفة العبيدية فى‬
‫مصر عدائية لختلف العقائد والمناهج والمذاهب‪ ،‬ولذلك‬
‫حرص المرابطون على اقتلع بقايا الرفض والتشيع من‬
‫دولتهم‪.‬‬
‫‪-18‬كانت علقة دولة المرابطين بالدولة الزيرية الصنهاجية‬
‫ذات أبعاد استراتيجية تعاونية‪ ،‬بسبب وحدة المنهج‬
‫والمعتقد والمذهب والقرابة التى بين زعماء الدولتين‪،‬‬
‫ولذلك نجد تنسيقًا فى البحر المتوسط للغارة على‬
‫ما اقتصاديًا فى دولة تميم‬
‫أساطيل النصارى‪ ،‬ونجد دع ً‬
‫بن المعز الزيرى لدولة المرابطين عندما خاضوا جهادهم‬
‫المقدس ضد النصارى‪.‬‬
‫َّ‬
‫حماد بالمرابطين فهى محفوفة بالتخوف‬
‫‪-19‬أما علقة بنى‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من الطرفين‪ ،‬حيث نجد أن لبنى حمّاد أطماعًا توسّعية‬
‫ِ‬
‫تستهدف أطرافًا من دولة المرابطين‪ ,‬كما نجد أن‬
‫ُّ‬
‫استقروا فى حماية‬
‫المعارضين الَنْدَلُسيين للمرابطين‬
‫بنى حمَّاد‪ ،‬إل أن سياسة المير يوسف مع بنى حمَّاد‬
‫تميَّزت بالحكمة وبعد النظر‪ ,‬والبتعاد عن الصدام‪,‬‬
‫مراعيًا فى ذلك أموًرا عديدة‪ :‬منها قرابتهم‪ ,‬واتحادهم‬
‫فى المنهج والمعتقد والمذهب‪.‬‬
‫‪-20‬كانت علقة المرابطين مع ملوك النصارى عدائية‪ ,‬أما‬
‫مع أهل الذِّمة فكانت محكومة بحكم الشريعة فيهم‪،‬‬
‫فقامت على العدل والنصاف‪.‬‬
‫‪-21‬كانت الَنْدَلُس مليئة بالشعراء والدباء والفقهاء‪ ,‬إل إن‬
‫الولء والبراء ضاع مفهومه عند كثير من ملوكهم‪.‬‬
‫‪-22‬استطاع الَنْدَلُسيون أن يُثروا دولة المرابطين‬
‫بالشعراء والدباء‪ ،‬وأن يؤِّثروا فى كثير من جوانبها‬
‫المعمارية والفنية والثقافية‪.‬‬
‫‪-23‬الحضارة السلمية فى زمن دولة المرابطين امتزجت‬
‫بالعناصر الفريقية والعربية والَنْدَلُسية‪ ,‬مما جعلها‬
‫متميزة فى كثير من جوانبها الحضارية‪.‬‬
‫‪-24‬كان فى زمن المرابطين علماء وفقهاء ل زال أثرهم‬
‫فى المة ساريًا إلى يومنا هذا‪ ,‬من أمثال الفقيه القاضى‬
‫أبو بكر بن العربي‪ ،‬والوليد بن رشد‪ ،‬والقاضى عياض‪،‬‬

‫‪215‬‬

‫دّث الفقيه أبو على الصدفي‪ ،‬وغيرهم كثير‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫وال ُ‬
‫‪-25‬كان النظام العسكرى والقضائى والدارى والمالى‬
‫مواكبًا لعصره‪ ,‬منضبطًا بأحكام السلم فى دولة‬
‫المرابطين‪.‬‬
‫‪-26‬استطاع أسطول المرابطين أن يحقق المن والمان‬
‫لمسلمى الشمال الفريقي‪ ،‬وأن يُكبِّد النصارى فى‬
‫جنوب البحر المتوسط خسائر هائلة‪.‬‬
‫‪-27‬إن اهتمام المير على بن يوسف بالزهد والعبادة‬
‫وتسليمه لمور الملك فى آخر أيامه للمراء خطأ عظيم‬
‫كلَّف دولة المرابطين متاعب عظيمة‪ ،‬ومن أعظم‬
‫الخطاء التى وقع فيها المير على عدم أخذه بنصيحة‬
‫وزيره الفقيه مالك بن وهيب الشبيلى الذى أشار على‬
‫ح َّ‬
‫مد بن تومرت الكذَّاب زعيم‬
‫م َ‬
‫المير على بقتل ُ‬
‫حدِين‪ ،‬وقال للمير‪« :‬هذا رجل مفسد ل تؤمن‬
‫موَ ِّ‬
‫ال ُ‬
‫غائلته‪ ،‬ول يسمع كلمه أحد إل مال إليه‪ ،‬وإن وقع فى‬
‫بلد المصامدة ثار علينا منه شر كبير»‪.‬‬
‫إل أن المير على بن يوسف رفض قتله‪ ،‬فلما يئس مما أراد‬
‫من قتل ابن تومرت‪ ،‬أشار عليه بسجنه حتى يموت‪ ،‬فقال‬
‫أمير المسلمين‪ :‬نسجنه‪ ,‬ولم يتعين لنا عليه حق؟ وهل‬
‫من البلد‪,‬‬
‫السجن إل أخو القتل‪ ،‬ولكن نأمره يخرج عنا ِ‬
‫وليتوجه‬
‫(‪)1‬‬
‫حيث شاء» ‪.‬‬
‫‪-28‬إن من أعظم أسباب سقوط الدول الذنوب‬
‫والمعاصي‪ ,‬وارتكاب الكبائر والمظالم‪.‬‬
‫‪-29‬فى زمن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كانت‬
‫مقومات النصر متجسدة فى دولته‪ ،‬ومِن أبْيَن وأهم ما‬
‫ِّ‬
‫ظهر لى فى هذا البحث من مقومات النصر من أهمها‪،‬‬
‫أولً‪ :‬العداد قبل المعركة‪ ،‬ثانيًا‪ :‬معرفة قوة العدو‬
‫وإمكاناته‪ ،‬والتوجيه المعنوي‪ ،‬والتعمية على العدو‪،‬‬
‫والتحام القيادة مع الشعب‪ ،‬ومتانة العقيدة ووضوحها‪،‬‬
‫القيادة المثلى‪ ،‬عدم القتال لدنيا‪ ،‬الحكمة فى اتخاذ‬
‫جاهِدين الخلقية والروحية‪ ،‬مما‬
‫م َ‬
‫القرارات‪ ،‬صفات ال ُ‬
‫مهَّدت لهم طريق النصر‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() موسوعة المغرب العربي‪( ,‬ج ‪.)189-2/188‬‬

‫‪216‬‬

‫ُّ‬
‫تمر به الدول والحركات عدم قدرتها‬
‫‪-30‬من أخطر ما‬
‫على توريث أفكارها ومناهجها وعقيدتها للجيل الذى‬
‫بعدها‪.‬‬
‫تؤدى إلى انهزام المستهزئ‬
‫ِّ‬
‫‪-31‬إن الستهانة بالخصوم‬
‫وانتصار المستهزأ به‪.‬‬
‫‪-32‬كان لنفوذ المرابطين فى بلد الَنْدَلُس أثر واضح‬
‫المعالم فى الحروب الصليبية فى الشام‪ ،‬إذ أن دخولهم‬
‫الَنْدَلُس منع الممالك الصليبية التى كانت تتجه إلى بلد‬
‫الشام‪ ،‬بل إن ظهورهم فى تلك المرحلة التاريخية فى‬
‫المغرب والَنْدَلُس قد حال دون اشتراك القوى الوروبية‬
‫بكل ثقلها فى الحروب الصليبية فى الشرق‪ ،‬وبذلك قدم‬
‫المرابطون خدمات عظيمة وجليلة للشرق السلمي(‪.)1‬‬
‫‪-33‬كانت حضارة المرابطين فى الَنْدَلُس والمغرب‬
‫من الوروبيين الذين توالوا وتوافدوا‬
‫مقصدًا َلبناء العلم ِ‬
‫على الأنْدَلُس لتلقى العلوم والصناعات‪ ،‬بل إن بعض‬
‫ملوكهم أرسل بعثات لدراسة نظام الدولة والحكم‬
‫وآداب السلوك‪ ،‬وكل ما يؤدى إلى سير المور فى‬
‫الدولة‪ ,‬والسير بها فى مضمار الحضارة والتقدم‪.‬‬
‫‪-34‬تركت دولة المرابطين التى لم يصل عمرها الزمنى‬
‫إلى مائة عام‪ ,‬وهى فترة قصيرة فى عمر الدول‪ ,‬آثاًرا‬
‫واضحة جلية فى جميع المجالت‪ ,‬بل إن تلك المآثر‬
‫الحضارية تعدَّت حدود دولة المرابطين إلى أرجاء أخرى‬
‫من العالم السلمي‪.‬‬
‫ِ‬
‫حدِين وانقضاضها بعنف على دولة‬
‫مو ِّ‬
‫‪-35‬إن ظهور دولة ال ُ َ‬
‫المرابطين تسبَّب فى ضعف النواحى الحضارية‬
‫ما‪،‬‬
‫والثقافية والسياسية والعسكرية عند المغاربة عمو ً‬
‫وفتحت مجال ً لملوك النصارى للقضاء على السلم فى‬
‫الَنْدَلُس فيما بعد‪.‬‬
‫‪-36‬إن للفراد آجال ً محدودة‪ ،‬وكذلك لكل دولة أجل‬
‫محدود‪ ,‬فإذا جاء أجلها ل تستأخر ول تستقدم‪.‬‬
‫‪-37‬سنة الله جارية فى إعزاز من يشاء وإذلل من يشاء‪،‬‬
‫م َّ‬
‫من يشاء وإعطائه لمن يشاء‪.‬‬
‫ونزع الملك ِ‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪217‬‬

***

218

‫الفهرس‬
‫الموضوع‬
‫الصفحة‬

‫الهداء ‪3.......................................... .......................‬‬
‫المقدمة‪5..................................... ...........................‬‬

‫الفصل الول‬
‫بناء دولة المرابطين‬
‫المبحث الول‪ :‬الجذور التاريخيّة للمرابطين‪9.....................‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬المير يحيى بن إبراهيم (الزعيم السياسي) ‪15.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬أبو عمران الفاسي (مهندس الخطوط العريضة لدولة‬
‫المرابطين)‪18.......................... ...................................‬‬
‫عيم الدينى لدولة المرابطين عبد الله بن‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الَّز ِ‬
‫ياسين‪21.................................................................. .‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬المراحل التى مر بها ابن ياسين لبناء الدولة‬
‫‪36‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬مرحلة التَّمكين والتوسع والقائد الرباني يوسف‬
‫بن تاشفين‪59................................................... ..........‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫المرابطون ودفاعاتهم عن مسلمى الَنْدَلُس‬
‫تمهيد ‪66............................................................... .. :‬‬
‫المبحث الول‪ :‬الصراع بين طُلَيْطِلَة وقُْرطُبَة‪68....................‬‬
‫سلِمين فى الَنْدَلُس وقوة‬
‫م ْ‬
‫المبحث الثاني‪ :‬أسباب ضعف ال ُ‬
‫النصارى‪72............................................. ...................‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬العالم فى زمن ظهور دولة المرابطين‪80.......‬‬
‫مع المرابطين‬
‫المبحث الرابع‪ :‬أثَ ُ‬
‫م ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ر الحكم بما أنزل الله على ُ‬
‫‪100‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬الَنْدَلُس بعد الزلقة‪108...........................‬‬

‫‪219‬‬

‫الموضوع‬
‫الصفحة‬

‫المبحث السادس‪ :‬فتاوى فى جواز ضم الَنْدَلُس بالقوة والقضاء على‬
‫ملوك الطوائف‪112.......................................................... .....‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬العبور الثالث للمير يوسف بن تاشفين للندلس‬
‫‪117........................................ ..................................‬‬
‫المبحث الثامن‪ :‬الجواز الرابع للمير يوسف في الندلس‪123.....‬‬
‫المبحث التاسع‪ :‬آثار البتعاد عن تحكيم شرع الله على ملوك‬
‫الطوائف‪125.......................... .....................................‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫والخارجيَّة فى دولة المرابطين‬
‫السياسة الدَّاخليَّة‬
‫ِ‬
‫المبحث الول‪ :‬حقوق الرعية فى دولة المرابطين‪128.............‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬موقف الرعية فى دولة المرابطين‪133............‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬موقف المرابطين من الخلفة العباسية‪137......‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬علقة المير يوسف مع بنى حماد‪144..............‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬علقة المرابطين مع ملوك الطوائف‪145......‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬علقة المرابطين مع السبان النصارى‪147....‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫سياسة المرابطين فى دولتهم المجيدة‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬

‫الول‪ :‬نظم الحكم والدارة في دولة المرابطين‪149.....‬‬
‫الثاني‪ :‬النظام القضائي في دولة المرابطين‪160.........‬‬
‫الثالث‪ :‬النظم العسكرية‪165.................................‬‬
‫الرابع‪ :‬النظام المالي في عصر المرابطين‪182...........‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫أهم أعمال دولة المرابطين الحضارية‬
‫المبحث الول‪ :‬الثار المعمارية فى المغرب والَنْدَلُس‪183........‬‬
‫ميَّة فى دولة المرابطين‪186. .‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬الحياة الدبية والعِل ِ‬
‫الموضوع‬
‫الصفحة‬

‫المبحث الثالث‪ :‬من مشاهير علماء دولة المرابطين‪191...........‬‬

‫‪220‬‬

‫المبحث الرابع‪ :‬علوم اللغة فى زمن المرابطين‪205................‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬علوم التَّارِيخ والجغرافيا في عصر المرابطين‬
‫‪206‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬علوم الطب فى عصر المرابطين‪208..........‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬أسباب سقوط دولة المرابطين‪210...............‬‬
‫نتائج البحث‪213........................................... ...................‬‬
‫الفهرس‪221............................................. ...................‬‬

‫***‬

‫‪221‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful