‫ضور‬

‫الدكتور جمال الدين الخ ّ‬

‫عودة التاريخ‬
‫ النتربولوجية المعرفية العربية‬‫‪ /‬دراسة في الناسة المعرفية العربية التاريخية‪ -‬اللغوية‬
‫ووحدتها‪/‬‬
‫الجزء الول‬

‫‪ÍÊì ÇáÃáÝ ÇáËÇäí ÞÈá ÇáãíáÇÏ‬‬

-2-

‫الدكتور جمال الدين الخضور‬

‫عــودة الـتـاريـخ‬
‫ النتربولوجية المعرفية العربية‬‫‪ /‬دراسة في الناسة المعرفية العربية‬
‫التاريخية‪ -‬اللغوية ووحدتها‪/‬‬
‫‪0‬‬

‫الجزء الول‬
‫‪ÍÊì ÇáÃáÝ ÇáËÇäí ÞÈá‬‬
‫‪ÇáãíáÇÏ‬‬

‫دراســــــــة‬
‫من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬
‫‪1997‬‬

‫‪-3-‬‬

-4-

‫‪ÇáÝÕá‬‬

‫‪ÇáÃæá‬‬
‫‪ãÞÏãÉ Ýí ÇáÃäÊÑÈæáæÌíÉ‬‬

‫‪:ÇáãÚÑÝíÉ ÇáÚÑÈíÉ ÇáÊÇÑíÎíÉ‬‬
‫ليست الحضارة العربية قفزات في فراغ متقطع وليس علم الناسة العربي‪،‬‬
‫لصاقا ت لتطورٍ عشوائ ي يرتط م بجدرا ن حضارا ت محيطي ة أحيانا ‪ ،‬وبنفسه‬
‫وتركيبته أحيانا أخرى‪ ،‬لينطوي على أحاديةٍ في الرؤية أو النمو‪ ...‬إنّ الناسة‬
‫ل متكام ل متواشج‬
‫العربي ة " النتربولوجية " المعرفية ‪ ،‬والحضار ة العربية ‪ ،‬ك ّ‬
‫متصاعد ‪ ،‬حلزون ي متواصل ‪ ،‬يستن د عل ى عم ق الر ض والجغرافية ‪ ،‬ويصعد‬
‫بهامته إلى السماء‪ .‬لقد كان إنساننا في هذه المنطقة ثمرة التعاضد بين جهوده‬
‫التطورية وتفجير الطبيعة عن قدرة خلّقة وقاسية‪ ،‬فصبّ الثنان ماءهما في‬
‫فسحة المكان التي فتحت صدرها لقلق النسان وهو يلتقط السنين تجترّ بعضها‬
‫حتَها على المكان الخالد‪ ،‬في قلب الكهوف وعلى ضفاف النهار‪ .‬وعندما‬
‫َفنَ َ‬
‫انتقل تحدي الزمن إلى عتبات الحضارات الجليلة‪ ،‬بدأ النسان ينقل قلقة ذاك‪،‬‬
‫إلى جدران الزقوّرات‪ ،‬والهرام وأعمدة المعابد في بعلبك وتدمر والكرنك‪ ..‬كل‬
‫ذلك في وحدة أناسية متكاملة مترابطة‪ ،‬لتعروها سمة لفصام أو لنفصال أو‬
‫لتصدع‪.‬‬
‫ولم يكن ذلك القلق معزولً عن السمو الروحي‪ ،‬بل شكّل وجهين متداخلين‬
‫لسيرورة النسان الراقي‪ ،‬عندما حطّ في مقدمة النسانية النمو التالي للديانة‬
‫التونية التوحيدية في ارتقا ٍء صعب لخناتون‪ ،‬كان من نتيجته تلك الرؤية الشفافة‬
‫لما في الكون كله‪..‬‬
‫من ثم تصاعدت تلك الرؤية في المسيحية التي لم تكن في قوامها الولى‪،‬‬
‫وقبل التغريب بها إلّ ارتقاء للناسة المعرفية العربية كما قال ستاندال في "‬
‫الحوليّات اليطالية "‪ :‬إن دين المسيح هو دين الفلسفة العرب معاصريه" (‪.)1‬‬
‫وبالضرورة الكيدة‪ ،‬كان لبد للمشرق العربي أن يدافع عن ذلك البناء‬
‫السبا ق والعظيم ‪ ،‬ولمتلك ه للمعرف ة الول ى والقدر ة الخارق ة أ ن يسم و بتلك‬
‫الحضارا ت عب ر مظاه ر أكث ر شفافي ة ومتان ة فكا ن السل م المظه ر الناسي‬
‫‪-5-‬‬

‫المعرفي التالي للعروبة‪ ،‬والذي‪ ،‬شكلّ مع اللغة العربية تكوينا بنائيا أناسيا احتوى‬
‫في صل ب ارتقائه الطر العامة لما سبقه من تكوينات ميثولوجية وثيولوجية‬
‫ومظاهر توحيدية بحيثيّاتٍ أرقى‪.‬‬
‫لذلك لم تكن الرؤى الستشراقية التي نظر إليها كتكوين مقدّس إلّ منظومة‬
‫أيدلوجي ة هدف ت بالضرور ة إل ى مس خ الشخصي ة العربي ة ف ي وجهٍ صحراويّ‬
‫جاف‪ ،‬خرج للتاريخ منذ ألف ونيفٍ من السنين فقط‪ ،‬وتشوّهت سلسلة تاريخية‬
‫ودفعته بعبثي ة مرعبة هادفة إل ى خلخلة وحدة البنية الثقافي ة المعرفي ة العربية‬
‫وتشويه جذروها التاريخية العميقة في تقسيم للشعب العربي ليستند إلى تأسيس‬
‫علمي‪ ،‬وغير قابل للخضوع للبحث العلمي أصلً‪.‬‬
‫ولقد بدأ ذلك بالتعبير عن منظومته اليديولوجية في فكر شلوتسر عندما‬
‫صاغ صفة " السامي" في مؤلفه المعروف والموسوم ب " فهرس الدب الشرقي‬
‫والتوراتي" عام ‪ .1781‬فقسم العرب إلى ساميين وحاميين‪ ،‬ووضع خطوطا خاصة‬
‫لدخول اليافثيين " الريين" بطريقة أو أخرى إلى نسيج المنطقة ليخلخل بنيتها‬
‫الناسية الواحدة بهدف التأسيس اللحق والسافر لعقد النتماءات الثقافية " بل‬
‫والعرقية " لشعو ب " المنطق ة العربية ‪ ،‬وصولً للتبري ر اليدلوج ي التال ي في‬
‫المشاريع السايكس بيكويه وزرع الكيان الصهيوني لحقا‪.‬‬
‫وهكذا استقبلنا وتقبلنا تاريخنا كما كتبه الخرون‪ ،‬بدون أدنى شك بما قدمه‬
‫لنا المستشرقون‪ ،‬حتى بعد المكتشفات الركيولوجية التي تكثّفت في القرن التاسع‬
‫عش ر وبشك ل خا ص في نهاي ة القر ن العشرين‪ ،‬والت ي ل م تخض ع حت ى الن‬
‫لدراسة أكاديمية مقارنة تعيد إظهار الحقيقة كما هي‪ ،‬وتزيل ماتراكم عليها من‬
‫غبار الستشراق والزمن‪ ،‬وتعتيم اليديولوجية المركزية الوربية‪ ،‬والتي قدمت‬
‫لنا تاريخينا كما تشتهي هي‪ ،‬وليس كما هو في واقع الحال‪.‬‬
‫فقدّم لنا أرنست رينان بأن الشوريين كانوا بالتأكيد ساميين‪ ،‬أما الكلدانيون‬
‫فمن المستحيل معرفة من هم ومن أين أتوا!!!! أما المصريون فيقدمهم أحباشا أو‬
‫أنصاف ساميين أو مهجّنين عن الحاميين أو الفارقة البيض‪ ،‬ويذهب بعضهم إلى‬
‫اعتبا ر أ ن القبائ ل السامية ‪ /‬بع د العترا ف البده ي م ن وجه ة نظره م بصحة‬
‫التسمية‪ /‬قد هاجر ت إل ى آسي ا الغربية " ويقصدون الشر ق العربي وكأن هذه‬
‫المنطقة كانت خالية من الشعب العربي!!!!!‬
‫" وإنّها لميزة يمتاز بها جميع هؤلء الخبراء الذين ليتفقون فيما بينهم‪ ،‬على‬
‫‪-6-‬‬

‫شيء‪ ،‬إل على أمر واحد‪ -‬وياللغرابة‪ -‬إنه هو التعبير " سامي" الذي يتفقوا أبدا‬
‫على محتواه‪ .‬إننا باختصار في جهل مطبق‪ ،‬جهل علمي‪ ،‬متفق عليه‪ .‬وأن المر‬
‫سيكون بسيطا جدا فيما لو أننا تكلمّنا بدلً عن الساميين‪ ،‬البطال المختلقين من‬
‫أصلٍ خيالي‪ ...،‬لو أننا تكلّمنا عن العرب‪ ،‬ذلكم الشعب الحقيقي والذي يمتلك‬
‫وجودا اجتماعيا مستمرا‪ ،‬وجودا ثقافيا ولغويا يعطي حياة وتوازنا لهذا البحر‬
‫المتوسط منذ عدة آلف من السنين‪ ..‬إن لغة واحدة مكتوبة ومتخاطب بها قد‬
‫انته ت إل ى فرض نفسه ا وتغطية هذ ا المجمو ع الكبير‪ :‬إنها اللغ ة الرامي ة "‬
‫والغريقي ة تابعتها " والملحق ة بها‪ ..‬ثم تطور ت الرامي ة منذئذٍ طبيعيا‪ ،‬ودون‬
‫معارضة‪ ،‬إلى اللغة العربية التي وجدت نفسها منذ ذلك الحين وارثة الماضي‬
‫المصري والكنعاني‪ ...‬والبابلي‪ .‬هاهوذا المعيار الدقيق للثقافة العربية أمّ الثقافة‬
‫الهيلينستية والموحية بها والتي شكّلت عقلها وقوانينها(‪.)2‬‬
‫فما هي المعطيات الناسية التي من الواجب مقاربتها بمنطقية وحيادية‪،‬‬
‫تأسيسا علميا دقيقا لكشف التزييف اليديولوجي الذي يركب صهوته الستشراق‪،‬‬
‫الذي كان من أهم مهماته زرع البنية التركيبية لثقافتنا كبديهة تقتضي بالضرورة‬
‫تناول اليديولوجيا اليهودية‪ -‬الصهيونية بنصوصها التلفيقية كإحدى العلمات‬
‫الملزمة لتاريخنا العربي؟‬
‫لذلك سنبدأ بحثنا في التاريخ الناسي " النتروبولوجي" للوطن العربي منذ‬
‫عصر الباليوليث الدنى وحتى فجر التاريخ مع نهاية اللف الرابع قبل الميلد‪.‬‬
‫ث م سننطل ق لبح ث الوحد ة اللغوي ة للبنا ء الناس ي العرب ي عب ر قراء ة مقارنة‬
‫تأسيسي ة للهجا ت اللغ ة العربي ة الت ي كان ت سائد ة عل ى كام ل مساح ة الوطن‬
‫العربي‪ .‬نع ّرجُ بعد ذلك على المفاصل المفقودة" أيديولوجيا" في التأصل التاريخي‬
‫والناسي للمظاهر الحضارية للوحدة المعرفية التاريخية العربية‪.‬‬
‫وبالضرورة لبد أن تدرس البنية الميثولوجية الواحدة في تطورها التاريخي‬
‫من ذ عصو ر م ا قب ل التاري خ وحت ى الرسال ة السلمي ة ف ي تسلس ل تاريخي‬
‫ثيولوجي‪ -‬ثقافي علمي‪.‬قاصدين بذلك كشف التأسيس الناسي لوحدتنا التاريخية‬
‫عب ر وحد ة الخيا ل والذاكر ة الجمعيي ن العربية ‪ ،‬ووحد ة التاري خ الجغرافي‪،‬‬
‫والجغرافي ة التاريخية ‪ ،‬وبالتال ي وحد ة اللغة ‪ ،‬والسيكولوجي ا الجمعية ‪ ،‬وصولً‬
‫للتأسيس التلقائي التالي للهوية القومية العربية الناجزة تاريخيا‪ ،‬بما يقدمه ذلك‬
‫من ارتكاز متين لنجاز المشروع النهضوي العربي عبر طموحه للوصول إلى‬
‫الدولة الوطنية العربية الواحدة على كامل التراب العربي‪.‬‬
‫‪-7-‬‬

‫لذل ك قمن ا بتقسي م التاري خ العرب ي إل ى مجموع ة مترابط ة متواشج ة من‬
‫المراحل‪ ،‬يظهر فيها التاريخ اشتراطيا لن عملية الفصل بين مرحلة وأخرى‬
‫مستحيل ة خصوصا عندم ا نستن د ف ي قراءتن ا عل ى التأسي س المعرف ي بمعناه‬
‫الشمولي بما يملك من علقة وطيدة بمفهوم التأسيس الناسي الثقافي‪.‬‬
‫فاللغ ة ليمك ن أ ن تخل ق للتو ‪ ،‬ف ي لحظ ة معينة ‪ ،‬إنه ا منظوم ة سيرورية‬
‫اجتماعية تاريخية ‪ ...‬كما أن البنى الحضارية متداخلة‪ ،‬لدرجة ليمكن أن نفصل‬
‫أو نميز في البناء الميتولوجي أو الحضاري أو غيره للبابليين عن الشوريين أو‬
‫عن الكنعانيين أو عن الليبيين أو عن اليمانيين أو الحبشيين أو المصريين‪ ...‬الخ‬
‫كم ا أنن ا لنستطي ع إيجا د تحدي د معي ن لمفهو م المخيا ل الجمع ي ف ي مراحل‬
‫السللت الولى ونفصله عما سبقه أو تله‪.‬مثله مثل الحالة الفينيقية‪ /‬الكنعانية‪/‬‬
‫التي ليمكن دراسة منظومة الذاكرة الجمعية والميثولوجية فيها بمعزل عن البنية‬
‫الناسية العامة المعرفية والثقافية " لشقيقاتها العروبيات في زمن معين وواقع‬
‫تاريخي وجغرافي معزول‪ ،‬فكيف بنا باللغة وبعلقتها بالبنية الناسية المعرفية‬
‫العامة!!؟‬
‫وقبل أن يستعجل القارئ بحكمه على العمل‪ ،‬لبدّ من المتابعة‪ ،‬لبهذا الجزء‬
‫فقط‪ ،‬بل بما سيتلوه من دراسات متتابعة ومكمّلة تشكل قراءة معرفية مقارنة‬
‫حيادية لتاريخنا العربي‪ .‬فالمتابع لهذا التاريخ يدرك عناصر التواصل والتداخل‬
‫والتواشج المكونة لبنية واحدة غير منقطعة لبالمفهوم" أو بالقياس" الشاقولي‪ ،‬ول‬
‫بالقيا س الفقي ‪ .‬وأعن ي بالشاقول ي البني ة الهرمي ة الحلزوني ة الشامل ة للناسة‬
‫العربية معرفيا وحضاريا وثقافيا‪ ،‬قياسا تناسبيا مع الحلزون الزمني بمفهوميه‬
‫الفيزيائي‪ ،‬والجتماعي‪ .‬وأما الفقي فلقد قصدت به الرافعة الجغرافية‪ -‬التاريخية‬
‫لمتداد‪ ،‬وسعة رقعة النتشار العروبي‪ -‬العربي‪ .‬وهذا التكامل بين البعاد يجعل‬
‫من المستحيل بمكان لي باحث أو قارئٍ‪ ،‬ولما سيكتشفه من وحدة مترابطة‬
‫ل عبر المنهج الشتراطي‪ .‬أي الذي يستطيع أن‬
‫العناصر‪ ،‬أن يجزئ هذه البنية إ ّ‬
‫يحدّد من خلله الفواصل المحددة بين نشوء المظهر الكدي والبابلي والشوري‪،‬‬
‫وبين كلٍ منهم والوغاريتي أو العبلوي " اليبلوي" أو المصري أو الليبي أو‬
‫اليماني أو القرطاجوي أو غيرها‪ ،‬إلّ عبر الشتراط المحدد لتأريخية معينة‪ .‬وهنا‬
‫لنلجأ عادة لقراءة التاريخ الذي يرسم بخطوط هندسية " أو حسابية" معينة بحدث‬
‫ما‪ ،‬بل نستخدم القراءة التاريخية المعرفية التي تعني المقاربة الداخلية للبنائية‬
‫المجتمعية " بارتكازاته ا الناسي ة " النتربولوجية " المعرفية ‪ ،‬والت ي يتع ّذ ر من‬
‫‪-8-‬‬

‫خللها تقسيم الحلزون التطوري الصاعد للبناء العروبي‪ -‬العربي إلى مراحل‬
‫متمفصلة بتأريخية اشتراطية‪ .‬لكن‪ ،‬ونظرا لعوامل هامة سنذكرها لحقا‪ ،‬حافظت‬
‫وبصيغة اشتراطية على بعض التسميات الكلسكية‪ ،‬ريثما يقتنع معنا القارئ‬
‫بأهمية منهجها وحياديته في المقاربة‪.‬‬
‫ومن المهم التذكير بأهم العوامل التي تدفع تلك القراءة للوصول إلى الحقائق‬
‫التاريخية‪ ،‬بحيث تبدو عناصر الفصل في جوانب منها‪ ،‬محّددة بمعنى الفتراض‬
‫لأكثر‪:‬‬
‫‪ - 1‬التاريخية المقارنة‪ ،‬والتي تعني ضرورة اتباع منهج المقارنة بين بنى‬
‫تاريخية متوازية أو متماثلة أو متشابهة أو متطابقة‪ ،‬للدللة على الوليّ‪ ،‬والتالي‪،‬‬
‫وعلى المصدر الخلق للمعرفة كنتاج أولي‪ ،‬وعلى التبني التمثلي‪ ،‬أو المنمذج‬
‫كنتاج الولي‪ ،‬وهذا ليمكن أن يتم إن لم نربطه بالبناء المعرفي‪ ،‬بسبب ضرورة‬
‫وضعه في سياقه التاريخي الطبيعي‪ ،‬بما يعنيه ذلك من رسم الخارطة المعرفية‬
‫لحداثيات تطور الفكر أو اللغة أو المظهر الحضاري‪ ..‬ول أقصد بالتاريخية‬
‫المقارنة‪ ،‬المعنى الحرفي‪ ،‬بل‪ ،‬المعنى الدللي‪ ،‬لعلقته المباشرة بعلم الناسة‬
‫المعرفي " النتربولوجيا المعرفية" كحالة من المنظومة‪ ،‬التي نتناول فيها وعبر‬
‫علم الناسة الثقافي العروبي‪ -‬العربي دراسة التطور التاريخي المعرفي للغة‬
‫العربية البدئية " الولية" ومن ثم للية تطور لهجاتها وعلقة ذلك بالبنية الثقافية‬
‫العامة‪ ،‬وهذا ما يحمل في جوانبه مجالين آخرين‪ ،‬هما الثنولوجيا التاريخية‬
‫المعرفية للشعب العربي‪ ،‬والتي نعني بها الدراسة التحليلية المقارنة للكم والنوع‬
‫الثنوغراف ي بهد ف الوصو ل إل ى التصورا ت النظري ة والتطبيقي ة والتعميمات‬
‫المختلف ة بم ا يخ ص النظ م الجتماعي ة العروبي ة م ن حي ث وصوله ا وتطورها‬
‫النوعي‪ ،‬والمجال الخر هو الثنوغرافيا المعرفية والتي تعني الدراسة الوصفية‬
‫لسلو ب الحيا ة ومجموع ة التقاليد ‪ ،‬والبن ى الميتولوجي ة " بمظاه ر انتشارها"‬
‫والعادا ت والقي م والتقالي د والدوا ت والفنو ن والمأثورا ت الشعبي ة وعلقتها‬
‫بالتكوين الثقافي المعرفي العروبي‪ -‬العربي‪.‬‬
‫وانطلقا من تعري ف مارغري ت مي د ‪ " M.Mead 1890-1979‬للنتروبولوجيا"‬
‫نح ن نص ف الخصائ ص النسانية ‪ ،‬البيولوجية ‪ ،‬والثقافي ة للنو ع البشر ي عبر‬
‫الزمان وفي سائر الماكن ونحلل الصفات البيولوجية والثقافية المحلية‪ ،‬كأنساق‬
‫مترابطة ومتغيرة‪ ،‬وذلك عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة‪ .‬كما نهتم‬
‫بوص ف وتحلي ل النظ م الجتماعي ة والتكنولوجيا‪ ،‬ونعن ى أيضا ببح ث الدراك‬
‫‪-9-‬‬

‫العقل ي للنسان‪ ،‬وابتكارات ه ومعتقدات ه ووسائ ل اتصالته‪ .‬وبصف ة عامة‪ ،‬نحن‬
‫نسعى لربط وتفسير نتائج الدراسات في إطار نظريات التطور أو مفهوم الوحدة‬
‫النفسية‪ ) 3( " ..‬يمكنن ا أ ن نؤس س عل ى ذل ك تصوّرن ا المعرف ي للخصائص‬
‫التاريخية " القومية " ‪ /‬العروبية ‪ -‬كمرحل ة أولى ‪ -‬والعربية ‪ ،‬كمرحل ة ثانية‪/‬‬
‫والمرتبط ة بالحداثيا ت المعرفي ة " الذاكر ة الجمعي ة والمخيا ل الجتماعي‪،‬‬
‫والسيكيولوجيا الجمعية‪ ،‬والدراك‪ ،‬والختزان‪ ،‬والستقبال والمعالجة‬
‫والتشفير‪.).‬الخاص ة واللغة ‪ ،‬وتطو ر تل ك الخصائ ص عب ر المراح ل التاريخية‬
‫ببعديها التأريخي والجتماعي‪ ،‬وفي النتشار الجغرافي البيئي" من ثم تحليل تلك‬
‫السما ت بعلقاته ا المؤسسة ‪ ،‬كم ا قلنا ‪ ،‬بأنسا ق له ا احداثيا ت الوقائ ع المعرفية‬
‫الجتماعية‪ .‬وهذا يرتبط بدوره بمفهوم المنظومة الجتماعية العروبية‪ -‬العربية‪،‬‬
‫وكيفية النطلق لتحديد التالي من انتقال الفكر من حالة التراكم الموضوعي‪-‬‬
‫الوصفي‪ -‬إلى التجريد فالفلسفة‪ ،‬وهذا أعطى منظومة معتقدية ميثولوجية متطورة‬
‫ذات سمات خاصة ومميزة ترتبط بالبناء المعرفي الناسي الذي نحلله ونفككه من‬
‫خلل الهرمية البنائية الخاصة به‪ ،‬وعلقتها باللغة‪ ..‬وهذا ليعني أن علم الناسة‬
‫" النتروبولوجيا" وكما عرفه الدكتور شاكر سليم في قاموس النتروبولوجيا " إن‬
‫النتروبولوجيا هي علم دراسة النسان طبيعيا‪ ،‬واجتماعيا وحضاريا" ( ‪ ) 4‬يفسر‬
‫الستناد الذي اتبعناه في دراستنا‪ ،‬لن هذه القراءة تعميمية‪ ،‬ونحن نحدد قراءتنا‬
‫بالتخصصية‪ ،‬بمفهوم تطور الناسة المعرفية العربية‪ ،‬لنبتعد‪ ،‬عن مفهوم التطور‬
‫العرقي‪ ،‬البعيد تماما عن البعاد النسانية لقراءة تطور الجماعات البشرية بما‬
‫حملت أثناء سيرورتها‪ ،‬من تأثر وتأثير وتداخل وتماذج وتفاعل ومعالجة مع‬
‫جماعات قريبة وبعيدة خصوصا ما يعنيه ذلك من بنية تشريحية ومورفولوجية‬
‫لتمتّ للبحث الدقيق الموضوعي بصلة أساسية إل بما يخدم البناء المعرفي العام‬
‫في إحداثياته الزمانية‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬نؤكد أن القراءة التاريخية المعرفية في محور الناسة المعرفية يعني‬
‫دراس ة الظاهر ة الثقافي ة بآلي ة تطوره ا النسان ي بخصائصه ا القومية ‪ .‬وهذا‬
‫يتعارض مع التجاه البنائي الوظيفي الذي يغفل الجانب الديناميكي التطوري‪ .‬في‬
‫حين ندرس معرفيا منظومة ادراك الجماعة البشرية وأسلوبه‪ ،‬للشياء والمبادئ‬
‫وما يكمن وراء هذا التفكير من منظومات معرفية متداخلة تخلق هوية الجماعة‬
‫التي تعرف من خللها وتتعامل مع العالم المحيط بواسطة منهجها الخاص‪ .‬لذلك‬
‫كانت رؤيتنا للمفهوم التطوري من زمن لخر" اجتماعيا " وما يفرضه ذلك من‬
‫قراءة معرفية خاصة لعلقة اللغة بالثقافة‪ .‬وما تعنيه الولى من منظومة مفتوحة‪،‬‬
‫‪- 10 -‬‬

‫لنه ا تعتم د عل ى آليا ت استقبا ل الواق ع ف ي المنظوم ة الفكرية ‪ ،‬وعلق ة هذه‬
‫المنظومة باللغة ذاتها‪.‬‬
‫لقد أجرى ليفي ستروس دراسات على أساس الفتراض القائل بأن لدى‬
‫العقل النساني طريقة تسمح له بتصنيف الشياء في ألفاظ أو معانٍ متقابلة‪،‬‬
‫الم ر الذ ي جع ل النسا ن يمي ز بي ن نفس ه وغيره ‪ ،‬أ و بي ن الحيوا ن والذات‬
‫النسانية‪ ،‬وبين الطبيعة والثقافة‪ .‬هذه القدرة على التمييز تمثل في نظر ليفي‬
‫ستروس جوهر الختلف بين النسان والحيوان‪ ،‬كما أنها سهلت قيام النسان‬
‫بالتفاهم والتخاطب عن طريق استخدام مجموعة من التجريدات والرموز‪ ،‬التي‬
‫ساهمت في بلورة تشكيل نمط الثقافة السائدة وتمييزها عن غيرها من الثقافات‬
‫النسانية‪ .‬وأيا كان طابع أو طبيعة الثقافة‪ ،‬فإن اللغة تمثل العمود الفقري فيها‪.‬‬
‫فالمجتمع‪ -‬وبالتالي الثقافة‪ -‬على حد تعبير رومان ياكوبسون مؤلف كتاب علم‬
‫اللغة‪ -‬ما هو إلّ " شبكة محكمة جدا من التفاهم الجزئي أو الكلي بين أعضاء‬
‫الجماعات" واللغة بطبيعة الحال تمثل الداة الساسية بيد النسان لتحقيق أشكال‬
‫التصال والعلم والتفاهم كافة‪ .‬ولقد حدد ليفي ستروس ثلثة أنواع من أنظمة‬
‫التصال بين الفراد والجماعات وهي‪ :‬تواصل الوسائل " اللغة" وتواصل المنافع‬
‫" القتصاد" والتواصل الجنسي" الزواج" (‪ ) 5‬لكن تلك الدراسات وما بني عليها‬
‫من مدارس أخرى للقراءات النترولوجية‪ ،‬لم تعنِ الجوانب الخرى المتعددة‬
‫التي تحملها المنظومة الثقافية في سيرورتها‪ .‬وإن كان قد أشار إلى ثلثة عناصر‬
‫هامة" اللغة‪ ،‬القتصاد‪ ،‬القرابة" رغم ارتباطها أيضا فيما بينها‪ ،‬فاللغة وإن كانت‬
‫ذات علقة هامة‪ ،‬بالميتولوجيا‪ ،‬والمعتقدات‪ ،‬والبناء الديني مثلً‪ ،‬وتحمل في‬
‫داخل تكوينها الكثيرَ المعبّرَ عن ذلك‪ ،‬إلّ أن لهذه العناصر الخيرة بنى تبدو‬
‫علقة اللغة فيها محدودة بشكل أو بآخر‪ .‬وللمخيال الجتماعي أيضا كمنظومة‬
‫حجمية جماعية لتصورات الجماعات البشرية عن سيرورية الحداث وتخيلها‬
‫وتحميله ا الجمالي ‪ ،‬خصائ ص معرفي ة رغ م ارتباطه ا الوثي ق بآلي ة التواصل‬
‫اللغوي‪ ،‬إل أنها تحمل جوانب تخيلية خاصة‪ ،‬تتحدّد فيها علقة اللغة ومثل ذلك‬
‫أيضا الذاكر ة الجمعي ة ف ي آلي ة الختزا ن والمعالج ة والتشفي ر والستحضار‬
‫والكتساب والتأصيل والتحديث‪ .‬وأيضا تبدو علقة السيكيولوجيا الجمعية بآليات‬
‫الحراك الجماعي‪ ،‬تجاه الظواهر الجتماعية والبيئية والطبيعية والقلق والخوف‬
‫والولد ة والمو ت والحرب‪ . .‬ذا ت ملم ح خاص ة أبع د م ن قدر ة اللغ ة على‬
‫تحميلها‪ .‬لذلك لتحمل مقاربتنا في هذا البحث جوانب طاغية معرفيا وأخرى‬
‫مقهورة بمقدار ما تحمل من تداخل هذه المكونات التي تحدثنا عنها أعله جوانب‬
‫‪- 11 -‬‬

‫الترابط والتداخل في المنظومة الناسية المعرفية العربية على مدى تطورها‬
‫التاريخي‪ .‬وإن كنا قد خصصنا فصلً موسعا وهاما في هذا الكتاب لدراسة البنية‬
‫اللغوية الناسية المعرفية العربية وذلك لما تحمله هذه البنية من تقاطعات هامة‬
‫ورئيسية بين كل العناصر المكونة للمنظومة النتروبولوجية التطورية( التاريخ‬
‫الناسي‪ ،‬الذاكرة الجمعية‪ ،‬المخيال الجتماعي‪ ،‬السيكيولوجيا الجمعية‪،‬‬
‫الميتولوجي ا والمعتقدات ‪ ،‬البني ة القتصادي ة والنمطية ‪ ،‬وتطو ر وسائ ل النتاج‬
‫الجماعي والفردي‪ )..‬حملت آلية التعبير الخاصة بها عبر أنساق لغوية ذات‬
‫دللت هامة‪.‬‬
‫وانطلقا من تلك المقاربة حددنا المراحل التاريخية المعرفية " اشتراطيا"‬
‫لتطور اللغة العربية‪:‬‬
‫‪-1‬ـ ـاللغةـ ـالعروبيةـ ـالبدئية‪،‬ـ ـوهيـ ـشفاهية‪،‬ـ ـتركتـ ـبعضـ ـرموزها‬
‫وعناصرها في المراحل الخيرة من أزمنة ما قبل التاريخ‪.‬‬
‫وهي ال ُّ‬
‫م للهجات الكتابية العروبية التي ظهرت لحقاً‪.‬‬
‫‪ - 2‬اللهجات العروبية‪ ،‬وهي كتابية‪ ،‬ويمكن تحديدها تأريخيا ًـ في‬
‫نهايةـ ـاللفـ ـالرابعـ ـقبلـ ـالميلدـ ـمعـ ـظهورـ ـالمسمارية‬
‫والهيروغليفية‪ ،‬وهي لهجات فرعية بقيت متمحورة حول لغةٍ‬
‫م ٍ‪ -‬أساس وتمتد حتى النصف الثاني من اللف الثاني قبل‬
‫أ ّ‬
‫الميلد‪.‬‬
‫‪-3‬ـ ـاللغةـ ـالعربيةـ ـويبدأـ ـتاريخهاـ ـمعـ ـظهورـ ـالبجديةـ ـالعربية‬
‫الفينيقية"ـ ـأبجد‪،‬ـ ـهوز‪،‬ـ ـحطي‪،‬ـ ـكلمنـ ـسعفص‪،‬ـ ـقرشت"‬
‫والسنياوية " نسبة إلى سيناء" والمسند‪.‬‬
‫‪-4‬ـ ـالعربيةـ ـالمعاصرة‪:‬ـ ـوالتيـ ـتمتدـ ـبتاريخهاـ ـمنذـ ـالرسالة‬
‫المحمدية العظيمة وحتى الن‪.‬‬
‫أما ما يخض العروبيّ‪ ،‬والعربيّ‪ ،‬فلنا في ذلك وجهة نظر محددة‪ ،‬نتمنى من‬
‫القارئ أن يعيرنا شيئا من صبره لمواصلة الحوار‪:‬‬
‫فالعروبة‪ :‬اسم يُرادُ به خصائص الجنس العربي ومزاياه " المعجم الوسيط"‬
‫وهذ ا يعن ي منظوم ة البنا ء المعرف ي الناس ي الت ي تحم ل ف ي مكوناته ا جملة‬
‫المواصفا ت المتمحور ة حو ل أسا س لغو ي واح د وبني ة ميتولوجي ة ومعتقدية‬
‫واحدة‪ ،‬وجغرافية تاريخية واحدة‪ ،‬وتاريخ جغرافي واحد‪ ،‬وسيكيولوجيا جمعية‬
‫واحدة ‪ ،‬وتأسي س حضار ي واحد ‪ ،‬وتمحو ر تقن ي واحد ‪ ،‬ومرتكزا ت منظومة‬
‫بدورها عقلية واحدة‪ ..‬تتعدد مظاهر حركيتها وتتنوع‪ ،‬لكنها تبقى متمحورة حول‬
‫بنية مركزية واحدة متطورة بدورها تماما كما تتعدد مظاهر الخيال الجتماعي‬
‫‪- 12 -‬‬

‫الواحد أو أشكال الذاكرة الجمعية الواحدة " وسنأتي على كل واحدة من تلك‪،‬‬
‫بالتفصيل في حينه"‪.‬ومنها" العروبي"‬
‫أما " العربي" ‪ :‬فهو من يحمل سمات المبادئ والمعاهد وجملة النساق‬
‫الناظمة للخصائص المميزة للجنس العربي‪ .‬أي يختلف عن " العروبي" بتوفر‬
‫العناصر الناظمة للخصائص‪ ،‬التي تكون متوفرة في التاريخ القبلي ولكنها لم‬
‫تص ل إل ى درج ة التعقي د للمنظوم ة الت ي تصو غ السيرور ة التالي ة لتطوّر‬
‫عناصرها‪.‬‬
‫فمثلً كان هناك في المرحلة اللغوية الثانية مجموعة لهجات" عروبية" تتمتع‬
‫بنفس الخصائص والمواصفات وتتقاطع فيما بينها بمعظم مفرداتها‪ ،‬لكنها لم تكن‬
‫قد انتقلت بعد إلى مرحلة التعقيد في أبجديات متطورة‪ .‬فاللهجات تلك كانت‬
‫تتمحور حول خصائص واسمة للغة العروبية‪ ،‬أينما كان ذلك التوضع الجغرافي‬
‫لتلك اللهجات‪ .‬فالخصائص التي تتمتع بها اللهجة الليبية " الجبالية" والحبشية‪،‬‬
‫والمسندية والكدية هي واحدة لكنها لم تحمل اشتراط التعقيد في أبجدية ناظمة‬
‫لحركيتها‪ .‬وهذا مافرضه التطور التاريخي التالي‪ .‬لكن ذلك بقي في كل مراحل‬
‫تطوره( كما سيمر معنا بالتفصيل وبالمثلة التطبيقية في الفصول الموافقة) يحمل‬
‫الصفات التي أصبحت واسمة للغة العربية فيما بعد‪ .‬من هنا كان التعريف‬
‫المعرفي‪ ،‬بأنه فعل سيروري‪ .‬أي ليمكن أن نسمي شيئا قبل وجوده باحداثيات‬
‫ومواصفات معينة‪ .‬فهل كان من الواجب على العرب أن يطلقوا على أنفسهم هذه‬
‫التسمية منذ عشرات السنين ثم يصوغون تطورهم بما يتناسب مع هذه التسمية‪.‬‬
‫والتاريخ المعرفي ليعنى بالواقع البعدي إلّ عبر قراءته السيرورية‪.‬‬
‫أيضا يمكن مناقشة البنية التطورية الشاقولية في الحلزون الجتماعي‪ ،‬بنفس‬
‫المنهج‪ .‬فالمسمارية والهيروغليفية سُبقت بنظام كلمي تطوّر عبر آلف السنين‪،‬‬
‫ولم تخترع الجماعة البشرية العروبية تلك الكتابات قبل أن تعرف اللغة الشفاهية‪.‬‬
‫فأتت لتحدد مواصفات معينة تواصلية للغةٍ ماسابقةٍ عليها‪ .‬لكن اختراع البجدية‬
‫الذي أتى أيضا على نفس الرضية الناظمة‪ ،‬حدّد المسار التالي وبشكل مبادئ‬
‫ومعاه د وقواع د ونظم ‪ ،‬وأعط ى تل ك الميزا ت تسمياتها ‪ .‬وعندم ا تحدثن ا عن‬
‫البجدي ة باعتباره ا الفاص ل بي ن العروبية ‪ ،‬فل ن دراستن ا المقارن ة للبجديات‬
‫الثلث خرجت بنتيجة مفادها ( أن اللغة المحورية لتلك اللهجات هي واحدة‪ /‬كما‬
‫سيلحظ القارئ في الفصل المخصص لذلك‪ .)/‬وهو مارُسّخ أكثر مع ظهور‬
‫‪- 13 -‬‬

‫أبجدية اللغة العربية المعاصرة التي حملها القرآن الكريم إلى أقاليم النتشار‬
‫العروب ي الساب ق والعرب ي اللحق ‪ .‬وهذ ا يفسّر ه عد م انتشا ر اللغ ة العربية‬
‫المعاصرة ( التي كانت لغة الدولة السلمية في كيانها السياسي من الصين شرقا‬
‫وحتى جبال اللب غربا) خارج النتشار الجغرافي التاريخي للجماعات البشرية‬
‫العروبية في رقعة الوطن العربي بامتداده المعاصر‪.‬‬
‫" أ و بالحر ي أ ن اللغ ة العربي ة ق د أعطت ‪ ،‬دو ن انقطا ع من ذ أصولها‬
‫النيوليتيكي ة والرافدي ة حت ى يومن ا هذ ا وف ي جمي ع أشكاله ا وصورها ‪ ،‬دون‬
‫استثناء‪ ..‬أعطت تدينا صاغ منه مجتمعنا‪ ،‬جميع التأملت والفلسفات‪،‬‬
‫والجماليات ‪ ،‬والعلو م الخفية ( الخاصة ) أ و العامة ‪ .‬فلق د كا ن كاه ن بع ل يتكلم‬
‫ي المؤم ن ب " إيزيس " أ و موس ى المصري‪،‬‬
‫العربية ‪ ،‬وبه ا كذل ك يتعّب د التق ّ‬
‫وبالعربي ة يتكل م من ث م عيس ى المسيح عندم ا يتحاد ث مع قيافا أو مع شعب‬
‫فلسطين‪،‬ولعله ا بديه ة أ ن نسج ل هن ا أ ن محمدا ق د بشّر بالعربية ‪ ،‬وبه ا نشر‬
‫رسالته‪ .‬وأن الخط المستقيم لثقافتنا لم يكن منحرفا يوما ما أدنى انحراف‪ .‬وإنها‬
‫في الحقيقة‪ ،‬لعبة أطفال بالنسبة لعالم لغة‪ ،‬أن يجد في أصول اللهجات المصرية‬
‫والكنعانية والناضولية أو الشورية البابلية العناصر الساسية للغة العربية‪ ،‬فلقد‬
‫نقل ت الكلمة أحيانا بكليتها خلل العصور بحيث تلخصها في كلمة مقصورة‬
‫مدهشة ‪ .‬فإذ ا م ا أردت م أمثل ة قدمن ا بعضه ا فيم ا يلي ‪ /‬سنعا ر ف ي النصوص‬
‫السومري ة والرامي ة والرافدي ة نسميه ا ف ي العربي ة المعاصر ة شنعار ‪ .‬والله"‬
‫شمش" يطابق في العربية الحديثة شمس‪ .‬و" بعل" يعني بالعربية " المعلم والسيد"‪،‬‬
‫ورب " وهي كلمة من مابين النهرين" تعني " أ ب " ورب البيت" هو سيد‬
‫المنزل"‪ ،‬ويُسمى إله الصاعقة البابلي" براك" وعربية القرن العشرين تسميه "‬
‫برقا" الله تموز أعطى اسمه لشهر تموز العربي‪ .‬الله السوري الفلسطيني‬
‫للجحيم يسمى" موت" والتعبير نفسه في العربية يعني الموت‪ .‬العيد الطقسي في‬
‫لغة ما بين النهرين" هاج" وهي" الحج" بالعربية‪ ،‬الفريضة المعروفة‪ .‬أما سبت‪،‬‬
‫فمرادف مباشر لكلمة " سباتو " البابلية‪ ،‬وهي تحدد عيد القمر عندما يصير بدرا‬
‫(‪ .)6‬وهناك آلف المثلة " سترد في حينها"‪ .‬والرأي السابق ليس لباحث عربي‪،‬‬
‫إنه لصاحب مدينة إيزيس‪ -‬التاريخ الحقيقي للعرب‪/ -‬بييروسي‪ ،‬والذي يتابع‬
‫قائلً‪ ":‬وإذا كنّا عازمين على أل نستعير شيئا من أحلمنا‪ ،‬فيجب علينا عندئذٍ أن‬
‫نعرّف العروبة كثقافة الشرق الوحيدة" (‪ ) 7‬والتي امتدت عبر مساحة جغرافية‬
‫ذا ت تاريخي ة خاص ة ميزته ا عب ر آل ف السنين " وكان ت شعوبها ‪ ،‬المصرية‬
‫والكنعانية والناضولية والسورية والبابلية تنتمي للسرة العربية نفسها"(‪ ) 8‬فهذه‬
‫‪- 14 -‬‬

‫الرض الشرقية قد عاشت من خلل إيقاعٍ وحيد النغمة لخمس امبراطوريات‪:‬‬
‫مصرية وبابلية وبيزنطية وفارسية واسلمية‪ ...‬بحيث أنه منذ حكم أول فرعون‬
‫في اللف الخامس قبل الميلد وحتى سقوط آخر خلفة‪ ،‬مرورا بالسكندر‪ ..‬كان‬
‫المر استمرارا لانقطاع فيه قد تركّز في الشرق‪ ،‬استمرارا للقوى‪ ،‬استمرارا‬
‫للفكر ‪ ،‬استمرارا للقتصاد(‪ " )9‬وانن ا عندم ا نؤك د من خل ل نظر ة شاملة‪ ،‬أن‬
‫الشرق يتعين من خلل ثقافة عربية في مساحة عربية فإننا لنخترع شيئا‪ ،‬إننا‬
‫لنفع ل شيئا جديدا سو ى جم ع وإحكا م العناص ر الجغرافي ة والثقافي ة الموطّدة‬
‫الواحد للخر"(‪.)10‬‬
‫وم ن خل ل الكلما ت القليل ة السابق ة نكتش ف مباشرةً العلق ة الحي ة بين‬
‫الميثولوجي ا والمعتقدات ‪ ،‬والدي ن والمثيولوجيا ‪ ،‬فاللغ ة ليس ت أدوا ت تواصل‪،‬‬
‫وتفكير فقط‪ ،‬إنه ا الشك ل المتحرك من الفكر في " الفضاء" الجتماعي‪ .‬إنها‬
‫النموذج الرقى" الحركي" لمنظومة الفكر‪ .‬وهذا ما نجد نموذجه في كل أركان"‬
‫الدولة العروبية في الشرق‪ .‬تلك الدولة التي ما عرفت صيغة الدولة بالمفهوم‬
‫السياسي قبل الرسالة السلمية‪ ،‬ولكنها كانت قائمة على الرض‪ ،‬في الواقع وإن‬
‫عرفت بعض التكوينات السياسية الضخمة التي شملت مناطق واسعة من الوطن‬
‫العرب ي وخصوصا بين واد ي الني ل وبل د الرافدي ن شامل ة البل د السوري ة ما‬
‫بينهما‪ "،‬لننا نلحظ دون أن ندخل في التفاصيل أو نضيع في ضباب سمير‬
‫أميس السطوري أو فينوس‪ ،‬إلى أي حدّ كان تاريخا مصر وما بين النهرين‬
‫متطابقين‪ ،‬وإلى أي درجة تكون طيبة وبابل قطبي عالم ملتحم(‪ ")11‬واحد مُؤسّس‬
‫في عمق التاريخ ويشكّل وحدة متوازنة واحدة‪ .‬فلقد أعادت الرسالة السلمية‬
‫الشرق العربي إلى نفسه‪ ،‬إلى ذاته أعادت الشرق بامتداده الجغرافي من بحر‬
‫الظلما ت " المحيط الطلسي " إل ى الخليج العربي " البح ر السفل " ومن شمال‬
‫هضب ة الناضو ل إل ى بح ر العر ب وعم ق الصحرا ء العربي ة ف ي لغ ة عربية‬
‫واحدة‪ ،‬حملت حداثتها مع السلم لن القرآن حمل الكمال الجمالي والصوتي‬
‫والدللي والقواعدي والديني للغة شعب مصري‪ -‬رافدي قديمة محكية(‪ .)12‬فإذا‬
‫ما كانت سياسة السلم قد مركزت الدولة بمفهومها السياسي فإنها لم توحد‬
‫(القوميات) لن القومية الوحيدة التي كانت منتشرة في رقعة الوطن العربي في‬
‫حينه ‪ ،‬ه ي العروبة ‪ ،‬انتشارا جغرافيا وتاريخيا مثل ه وحد ة البنا ء المعرفي‬
‫الفرعوني والبابلي والكنعاني واليماني والفينيقي‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫إن السلم وقد خرج من الصحراء لم يعد إلى الصحراء‪ ،‬بل توجّه إلى‬
‫‪- 15 -‬‬

‫الجماهير الكبيرة في لغتها وعقليتها‪ ،‬وفي مدنها البحرية والنهرية‪ ،‬لن الدين‬
‫الموحى إلى النبي كان متلئما مع فهم تلك الجماهير‪ ،‬ذلك أنّه ليس بدعة ول‬
‫ثورة‪ ،‬إنّه يكمّل بصورة عالية بسيطة التراثات العروبية السابقة‪،‬وإن عقليات‬
‫الشرق العربي المركبة المتنوعة ظاهريا‪ ،‬قد كانت واحدة في جوهرها(‪ ،)13‬الذي‬
‫يلخصها في إيمان واحد حول وحدانية ال‪ .‬فالقرآن يجمع وليفرّق‪ ،‬ويقرر ذلك‬
‫وليناقشه‪ ،‬لنه موجود على ساحة الواقع الموضوعي" إنه يقرر الخضوع ل‬
‫الخالد الزلي‪ -‬الحاضر في الماضي كما هو في المستقبل‪ ،‬الواحد الثابت الدائم‬
‫غير المخلوق‪ ،‬الموجود في كل مكان من الكون‪ .‬وليس هذا بالتأكيد مفهوما‬
‫مولودا في صدىً‪ ،‬في زاوية صحراء‪ ،‬ولكن من زبدة تأمل المخلوقات الكنعاني‪،‬‬
‫والبعث المصري أو المسيحي‪ ،‬والمل في رؤية مستقبلية‪ ،‬فالسلم لم يفاجئ‬
‫أحدا أبدا من شعوب الشرق‪ ،‬بل أنار من حولها‪ ،‬ما هو متغاير ومتمايز‪ .‬ولم يكن‬
‫هناك حاجة لسيف ول لضطهاد من أجل أن تعتنق هذه الشعوب دين السلم‪.‬‬
‫لقد اقتادهم إلى السلم الميل إلى اليمان المتوارث عن الجداد‪ .‬إن السلم لم‬
‫يكن بحاجة إلى احتلل الشرق والمتوسط عسكريا‪ ،‬حيث كانوا في وطنهم منذ‬
‫أماد بعيدة" (‪ )14‬فلتأتهم الوامر من ممفيس أو صور أو بابل أو آشور أو دمشق‬
‫أو بغداد أو القيروان أو مكة‪ ،‬لقد كانوا يعبّرون عمّا في نفوسهم باللغة نفسها‪،‬‬
‫ويعبدون اللهة نفسها‪ ،‬ويحكمهم موظفون من المقاطعات نفسها" (‪.)15‬‬
‫وقد يقودنا الحوار حول هذه النقطة إلى اعتبار ظهور الديانة التونية" ديانة‬
‫أخناتون" التوحيدية حلقة نوعية هامة في التطور المعتقدي العربي‪ ،‬مما يعني‬
‫إيجا د التطاب ق الها م بي ن ظهو ر البجديا ت العروبية " الوغاريتي ة والمسندية‬
‫والسيناوية" وظهور التونية كديانة توحيدية‪ ،‬وهذا ما يعني العلن عن النتقال‬
‫من العروبي ليس فقط على المستوى اللغوي كما تحدثنا أعله‪ ،‬بل على المستوى‬
‫المعتقدي ‪ /‬المعرف ي ‪ /‬وهنا ‪ ،‬لب د م ن الشار ة إل ى أهمي ة التماث ل بي ن البنية‬
‫المعتقدية والنتشار الجغرافي التاريخي‪ .‬هذا من جانب‪ .‬أما الجانب الخر‪ ،‬فإن‬
‫ظهور المسيحية لحقا ضمن المسار التطوري للبنية المعرفية العربية كان أهم‬
‫م ن سابقتها ‪ ،‬لك ن التغري ب الذ ي حص ل لحقا بالمسيحي ة بعيدا ع ن انتشارها‬
‫وجذورها العربية غطي في جانبٍ هام بما فعلته السلطات السياسية اللحقة حتى‬
‫ظهو ر السلم‪ ،‬ومعظمه ا كان رومانيا أو بيزنطيا‪ .‬ل م يوج د حلقا ت الترابط‬
‫المعروفة بين البنية المعتقدية المعرفية والتكوين التاريخي الجغرافي بشكل عام‪،‬‬
‫بما ينعكس كما لحظنا لحقا على بنية التكوين الشمولي العروبي بعد ظهور‬
‫السلم‪ "،‬فعندما صرخ يسوع المسيح على الصليب صرخته الكبرى"‪ :‬الهي‪،‬‬
‫‪- 16 -‬‬

‫إلهي‪ ،‬لماذا شبقتني" فإنما بالعربية كان يصرخ‪ ،‬وكل عربيّ يفهم معنى هذه‬
‫الصرخة"(‪ ،)16‬كما أن رؤيا القديس يوحنا النجيلي‪ ،‬والتي هي رسالة وحي في‬
‫نهاية القرن الول‪ ،‬وجهت إلى سبع كنائس عربية في آسيا‪ ،‬وهي نفسها بالذات‬
‫التي كانت تظل عقائد إيزيس وبعل(‪.)17‬‬
‫لكننا‪ ،‬وإن كنا قد خصصنا جزءا هاما لدراسة وحدة الميثولوجيا والبنية‬
‫المعتقدية بمرحلتيها العروبية والعربية‪ ،‬إل أننا وليضاح وجهة نظرنا عبرنا على‬
‫بعض المفاصل ذات العلقة بالتأسيس التاريخي المعرفي لقراءتنا" فإن نفتش على‬
‫طري ق جدل ي يقو د إل ى تفسي ر المسيحي ة باستناداته ا عل ى الديان ة المصرية‬
‫التوحيدية‪ ،‬فذاك أمر مشروع‪ ،‬فالناجيل تقدم لنا فرصة مثالية مع رحلة العائلة‬
‫المقدسة إلى مصر‪ .‬ثم أليس هناك دليل الصليب ذي العروة‪ ،‬إشارة الحياة التي‬
‫يتكرر فيها الموضوع على امتداد قبور وادي الملوك؟ أليس هنا الصليب الكلداني‬
‫الذي استعادته مصر أيضا‪ ،‬والذي يمثل صليبا محاطا بدائرة رمزا لنصر الفاق‬
‫الربعة وكمالها والتي تمسك خطا مقوسا سماويا؟ (‪ ) 18‬والمسيحية والسلم لم‬
‫يأخذا طريق عاصمة بركليس‪ ،‬لكنهما أخذا طريق دمشق والمدينة وبيت المقدس(‬
‫‪.)19‬‬
‫لذلك كان لبد من العبور في هذه المقدمة على نقاط هامة توضح مفهوم‬
‫المخيال الجتماعي والذاكرة الجمعية وعلقتهما بالتاريخ الجغرافي‪ /‬والمعرفي‪/‬‬
‫العروب ي وعناص ر ارتسامهم ا وتطورهم ا الول ي واللحق ‪ -‬فحي ن قراء ة هذه‬
‫المعاني لبدّ أن نتذكر علقة الثالوث المسيحي بالثالوث الفرعوني‪ ،‬ولبدّ أن‬
‫نتذك ر أ ن مفهوم " البعث " هو منظوم ة عربي ة مشرقية‪ ،‬وبأن عقلي ة التصوف‬
‫العربية المعاصرة تعود إلى جلجاش وبأن العمال الثني عشر التي أتمها البطل‬
‫الطيبي والتي تطابق الثني عشر قسما لفلك البروج البابلي هذا من مكونات‬
‫المنظومة المعرفية العربية‪...‬‬
‫لذلك‪ ،‬سيكون لدينا الكثير مما نتذكره‪ ،‬وتطلب منّا متابعته‪ ..‬لذلك قمنا ببحثنا‬
‫اللحق بتقسيم الميثولوجيا العربية إلى المراحل التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬الميثولوجيا العروبية البدئية‪ ،‬وتشكل المراحل المتأخرة من‬
‫عصرـ ــالباليوليتـ ــوالميزوليتـ ــوتتضمنـ ــالمرحلةـ ــالنباتية‬
‫والطوطميةـ ـوتتقابلـ ـمعـ ـمنظومةـ ـالفكرـ ـالوليةـ ـفيـ ـخلق‬
‫التصورات الموضوعية الواقعية واندغام الحلم بالواقع‪...‬‬
‫‪-2‬ـ ـالميثولوجياـ ـالعربيةـ ـالفلسفيةـ ـالولى‪-‬ـ ـوفيهاـ ـبدأـ ـالنسان‬
‫العروبىـ ـيجيبـ ـعنـ ـأسئلةـ ـالحياةـ ـالولى‪،‬ـ ـوآليةـ ـعلقته‬
‫‪- 17 -‬‬

‫بالطبيعةـ ـوبالجماعةـ ـالبشريةـ ـوآليةـ ـالنتاجـ ـالجتماعي‪،‬ـ ـوح َّ‬
‫ل‬
‫إشكالياتـ ـرؤيتهـ ـللزمانـ ـوالمكانـ ـوالخلقـ ـوالموتـ ـوالحياة‬
‫والبعثـ ـوالفرحـ ـوالحزن‪.‬ـ ـوانطلقـ ـبمنظومتهـ ـليجيبـ ـعن‬
‫أسئلةـ ـالسماءـ ـوالرض‪،‬ـ ـوارتفعـ ـبمكانهـ ـعبرـ ـالزقورات‬
‫والهرامـ ـوغيرها‪،‬ـ ـلنهـ ـليستطيعـ ـالتأثيرـ ـبفعلـ ـالسماءـ ـفبدأ‬
‫محاول ًـ الرتقاء بجسده نحو السماء‪ ،‬فعندما اكتشف عجزه‪،‬‬
‫بدأـ ـبالتفكيرـ ـالتجريديـ ـالوليـ ـوطورهـ ـلحقا ًـ عبرـ ـمنظومة‬
‫ميثولوجية تطورت بانتظام‪.‬‬
‫‪-3‬ـ ـالدياناتـ ـالتوحيديةـ ـالعروبيةـ ـالولىـ ـوتمثلهاـ ـالديانةـ ـالتونية‬
‫والمسيحية والصابئة والحناف‬
‫‪ - 4‬لسلم‪ ،‬وقد أعطيناه مجموعته المستقلة لنه كان الشكل‬
‫الرقىـ ـبمفاهيمـ ـالجابةـ ـعنـ ـالتطورـ ـالتاريخيـ ـلعلقةـ ـالفكر‬
‫العربي بأسئلة الحياة والمجتمع والموت والحياة‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫وهكذ ا نلح ظ أ ن التاري خ العرب ي يشك ل ببنائ ه الشاقول ي تراكما كميا‬
‫ل صاعدا مع ارتقاءات نوعية هامة‪.‬‬
‫متواص ً‬
‫فعلى الجانب اللغوي قدّمنا تصنيفنا الخاص بذلك‪ ،‬وعلى الجانب المعتقدي‬
‫أيضا ‪ ،‬ويمكنن ا م ن الناحي ة الحقوقي ة اعتبا ر شريع ة حموراب ي صعودا نوعيا‬
‫خاصا‪ ،‬عندما نحاول دراسة الفكر العروبي من جانب تطوره القانوني باعتباره‬
‫قفزة نوعية استندت على تراكمات كمية هامة تاريخيا وذلك ضمن السياق التالي‪:‬‬
‫أ‪ -‬المنظومة الحقوقية العروبية البدئية حددّت علقة النسان بذاته وبمن حوله‬
‫في سيرورة التطور المجتمعي‪ ،‬كما حدّدت علقته بالهرمية الميثولوجية‬
‫الملزمة لليات الملكية والتوزيع وغيرها‪ (/‬المشاعية العروبية البدئية)‪.‬‬
‫ب‪ -‬المنظومة الحقوقية العروبية الجتماعية‪ ،‬وظهرت مع شريعة حمورابي‬
‫بتنظيم علقات مجتمعية معقدة‪ ".‬فلقد شكلت قوانين حمورابي ملك بابل‬
‫الذي حكم ما بي ن ‪ 1750 -1792‬ق‪.‬م أول مجموعة شاملة من النصوص‬
‫القانونية التي وصلتنا من الشرق العربي‪ ،‬لكنها ليست أقدم قوانين باقية‪.‬‬
‫إذ من المعروف أنه حتى في الفترة التي سبقت أيام حمورابي‪ ،‬استن‬
‫ملوك عديدون من الملوك الرافديين الذين حكموا المدينة " الدولة " قوانين‬
‫مماثلة‪ .‬وكمثال على ذلك ما تبقى من قوانين عهد أوركاجينا في لغش "‬
‫لغ ش تللو " عام ‪ 2360‬ق‪ .‬م والمبراطو ر سرغو ن الكدي ‪ 2300‬ق‪.‬م‬
‫وأورنامو في مدينة أور‪/2100 /‬ق‪.‬م بالضافة إلى قوانين لبث عشتار ملك‬
‫إي سين عا م ‪1930‬ق‪.‬م والتي كانت نوعا ما أكثر شمولية والتي وصلنا‬
‫‪- 18 -‬‬

‫منها ثمان وثلثون قانونا‪ ،‬ومجموعة مدينة إشنونا التي تحتوي ستين‬
‫قانونا (‪ ،)20‬ومجموعة قوانين إيبل " تل مرديخ " وغيرها‪( /‬المشاعية‬
‫العروبية المقوننة)‪.‬‬
‫إنّ شريعة حمورابي " تشكل بالضافة إلى كونها منظومة حقوقية قانونية‬
‫شاملة‪ ،‬مظهرا آخر من مظاهر الحكمة العروبية بمظهرها البابلي لنها تنطلق‬
‫بقيمها المعنوية من عقيدة عامة في سلطة المعرفة النسانية " (‪ )21‬والتي تجلت‬
‫حقوقيا بتلك الشرائع والقوانين‪.‬‬
‫"‪ "128‬لو اتخذ رجل امرأة ولم يعقد عليها‪ ،‬هي ليست زوجه‪.‬‬
‫"‪ "138‬لو رغب إنسان في طلق زوجته الولى التي لم تحمل‬
‫منه‪ ،‬يعطيها مال ًـ بقيمة هدية زواجها ويردلها المهر الذي‬
‫أحضرته معها من بيت أبيها ويطلقها‪.‬‬
‫"‪ "186‬لو تبنّى رجل طفل ً ثم أصر الولد بعد ذلك أن يبحث عن‬
‫والديه الحقيقيين‪ ،‬يعود الطفل إلى والده‪.‬‬
‫ل حريقتل‪.‬‬
‫"‪ "14‬لو اختطف رجل ابنا ً رضيعا ً لرج ٍ‬
‫"‪ "21‬لو نقب رج ٌ‬
‫ل " بقصد السرقة" يُقتل‪ ،‬يشنق أمام النقب‬
‫الذي نقبه‪.‬‬
‫"‪ "265‬لو ـغي َّـر ـراٍع‪ -‬ـأؤتمن ـلرعي ـقطي ٍع ـ ـمن ـالبقار ـوالغنام‪،‬‬
‫علمة القطيع خبثا ًـ ثم باعه يُدان‪ ،‬وعليه تعويض المالك‬
‫عشرة أضعاف ما سرق غنما ً‬
‫كان أم بقراً‪.‬‬
‫" ‪ " 33‬لو أن ضابط تجنيد أو مساعدا ًـ في الجيش ساق رجالً‬
‫معفيينـ ـمنـ ـالخدمةـ ـاللزامية‪،‬ـ ـأوـ ـقبلـ ـوساقـ ـبديلً‬
‫مستأجرا ًــ فيـ ـمهمةـ ـلصالحـ ـالملك‪،‬ـ ـيُقتلـ ـالضابطـ ـأو‬
‫المساعد‪.‬‬
‫"‪ "1‬إذا اتّهم رج ٌ‬
‫ل آخر بجريمة قتل ثم لم يثبت ذلك" ضده"‬
‫يُحكم على المتهم بالموت‪.‬‬
‫"‪ "45‬ـلوـ ـأ َّ‬
‫جرـ ـسيد ـحقلهـ ـلمستأجر ـواستلمـ ـأجرةـ ـالحقلـ ـثم‬
‫أغرق آداد حقله أو دمره طوفان تكون الخسارة خسارة‬
‫المستأجر فقط‪.‬‬
‫"‪ "M/48‬لو أن رجل ً اقترض قرضا ً ولم يكن مايردّه فضة بل كان‬
‫عنده حب‪ ،‬يأخذ التاجر المقرض حبا ًـ فائدة" بنسبة تتفق‬
‫ومراسيمـ ـالملك"‪.‬ـ ـلكنـ ـلوـ ـرفعـ ـالتاجرـ ـفائدتهـ ـإلىـ ـأكثر‬
‫من" ‪ "100‬سيل من الحبوب على كل جور" أو" إلى مايزيد‬
‫عن ‪ 1/6‬ـالوحدة ـالنقدية وست قمحات وطالب بها ـويغّرم‬
‫بكل ما استرده "فوق القرض"‪.‬‬
‫‪- 19 -‬‬

‫"‪ " 4 /48‬لو أعطى رج ٌ‬
‫ل آخر فضة شراكة في تجارة‪ ،‬عليهما أن‬
‫يقسماـ ـالرباحـ ـأوـ ـالخسائرـ ـبينهماـ ـبشكلـ ـمتناسبـ ـوأمام‬
‫إله‪.‬‬
‫لو تقاعس " تكاسل" رج ٌ‬
‫ل أثناء شق ترعة للري " في‬
‫‪-55‬‬
‫حقله"ـ ـبحيثـ ـتركـ ـالمياهـ ـتتلفـ ـمحصولـ ـحقلـ ـمجاور‬
‫لحقله‪ ،‬يزن لجاره حبا ًـ بمقدار ماكان في أرض جاره من‬
‫حب‪.‬‬
‫ضبطتـ ـزوجةـ ـرجلـ ـتضاجعـ ـرجل ًـ آخر‪،‬ـ ـ ـيُربطـ ـالثنان‬
‫‪-129‬ـ ـلوـ ـ ُ‬
‫ماـ ـإنـ ـرغبـ ـزوجـ ـالمرأةـ ـمسامحة‬
‫ـأ‬
‫ـالنهر‪،‬ـ‬
‫ـفيـ‬
‫لقيانـ‬
‫وي ُ‬
‫ّ‬
‫زوجته والعفو عنها‪ ،‬فللملك الحق في العفو عن مواطنه‬
‫الخر‪.‬‬
‫‪ -136‬إن دخلت زوجة رجل‪ ،‬هرب من مدينته وغادرها‪ ،‬بيت رجل‬
‫آخر" بعد هروب الزوج" لتعود إلى زوجها الهارب إن عاد‬
‫ه حقر مدينته وهجرها‪.‬‬
‫ورغب في استرداد زوجته‪ ،‬لن ّ‬
‫‪ - 153‬لو تسببت امرأة في مقتل زوجها بسبب رجل آخر توضع‬
‫على الخارق‪.‬‬
‫‪ -168‬لو قرر رجل أن يحرم ابنه من الرث فقال للقضاة" أرغب‬
‫فيـ ـحرمانـ ـابني"ـ ـيبحثـ ـالقضاةـ ـعنـ ـماضيـ ـالبن‪،‬ـ ـفإن‬
‫وجدوا أنه لم يجترح ذنبا ً جسيما ً يبيح حرمانه ليحق للب‬
‫أن يحرمه‪.‬‬
‫‪ -197‬لو كسر رجل عظم رجل آخر يكسرون عظما ً له‪.‬‬
‫ل س َّ‬
‫‪ -200‬لو حطّم رج ٌ‬
‫ن رجل آخر من طبقته‪ -‬يحطمون سنّه" _‬
‫‪.)22‬‬
‫إن القراءة للمختارات العشوائية السابقة تقودنا إلى وضع تصور أوليّ لواقع‬
‫البنية" المدنية " المعيشة مع أوائل اللف الثاني قبل الميلد‪ ،‬ليس فقط في بلد‬
‫الرافدين‪ ،‬بل وفي البلد الشامية بداخلها وبسواحلها‪ ،‬وفي بلد النيل والشمال‬
‫العربي الفريقي " الليبي" وتوضح أن السيرورة المجتمعية ببنيتها المعرفية هي‬
‫ك ل متكامل ‪ ،‬متراب ط ف ي البني ة المعتقدي ة " الميثولوجية " وتتداخ ل م ع الواقع‬
‫ل مع‬
‫الجتماعي واللغة والداب وغيرها‪ ،‬لكن هذا الكتمال لم يبلغ ذروة نموّه إ ّ‬
‫القرن السادس للميلد وظهور الرسالة المحمدية‪.‬‬
‫لذلك كانت مقاربتنا وتصنيفنا للمراحل التاريخية قد أخذت بالعتبار تداخل‬
‫كل المكونات البنائية في السيرورة المجتمعية‪ .‬والمتابع لنا في الفصول القادمة‬
‫سيجد نفسه بصورة أو بأخرى مقتنعا معنا بأن التاريخ العربي ببعديه الشاقولي‬
‫والفقي يشكل ببيانه الحلزوني الصاعد بناءً متماسكا ليمكن عزل أو فصل‬
‫‪- 20 -‬‬

‫ل اشتراطيا‪ ،‬وبهدف الدراسة التحليلية‪.‬‬
‫عناصره عن بعضها إ ّ‬
‫فإذا كانت اللغة الشكل المتحرك للفكر‪ ،‬والزمان النموذج المتحرك للزلية‪،‬‬
‫فهل يمكن أن تقف اللغة أو الزمان " التاريخ" عند حدّ معين للتطور‪ ،‬تتحول‬
‫الشياء بعدها إلى مومياوات؟‍‪.‬‬
‫هنا لبد من إعادة القراءة بالنموذج " أو عبر المنهج" المعرفي الذي يأخذ‬
‫بالهمي ة والعتبار‪ /‬المقدما ت القبلية والنتائج البعدية التالي ة لها‪ ،‬ضمن الفعل‬
‫السيرور ي الجتماعي ‪ .‬وه و مايص ل بن ا هن ا إل ى قراء ة مفهو م الهوي ة قراءة‬
‫معرفية أكثر عمقا من القراءات السياسية واليديولوجية وغيرها‪.‬‬
‫فعندما نقول بأن التاريخ العربي م ّر بداية بمرحلة العروبة البدئية الولى‪،‬‬
‫فل ن ذل ك قائ م فعلً ف ي الزما ن والمكان ‪ .‬فالتوضعا ت المادي ة الموضوعية‬
‫والحيثيات الركيولوجية المكتشفة بنموها المتوازي والمتشابه إن لم نقل المتطابق‬
‫تؤكد‪ ،‬بما ليدع مجالً للشك‪ ،‬نموا حضاريا واحدا يشمل كل الجغرافية العربية‬
‫المعروفة اليوم‪ ،‬وذلك في اللف السابقة لفجر التاريخ " كما سيرد ذلك معنا في‬
‫الفصل التالي" وقسمناه بدورنا إلى مرحلتين أولهما مرحلة الحراك الجولني الما‬
‫قبل خليجي وذلك عندما كان شط العرب" ملتقى نهري دجلة والفرات" ليصب في‬
‫بحر العرب عند مضيق هرمز‪ ،‬وكانت المنطقة الممتدة من هرمز حاليا وحتى‬
‫الخليج العربي عند البصرة الحالية مأهولة بهؤلء الذين عاشوا في " الجنة"‬
‫سميت لحقا الدلمون= الديلم= البحرين حاليا‪.‬‬
‫ولهذه المرحلة خصائص معينة في الجزيرة العربية والبلد الشامية والشرق‬
‫الفريقي والدلتا " والصحراء" العربية الكبرى‪ ،‬والتي لم تكن في حينها صحراء‪.‬‬
‫أما ثانيهما وهو مايمتد حتى المرحلة الدفئية حيث امتدت مياه الخليج العربي‬
‫مغطيةً ليس فقط ما تغطيه مياه الخليج العربي الن بل وكانت إلى الشمال مما‬
‫هو عليه مستوى المياه الن لمسافة تبلغ ‪ 160-149‬كم‪ ،‬روفقت أيضا بخصائص‬
‫بيئي ة وتغيرا ت طبيعي ة وحرا ك جغراف ي تاريخ ي عل ى مستو ى ك ل المساحة‬
‫الجغرافية العربية‪.‬‬
‫أما المرحلة الثانية ‪:‬‬
‫فتمتد حتى بداية التدوين الكتابي التصويري‪ -‬الرمزي‪ -‬التركيبي‪ .‬مع‬
‫نهاية اللف الرابع قبل الميلد‪ ،‬وقد سميناه‪ /‬المرحلة العروبية الماقبل تاريخية‬
‫‪- 21 -‬‬

‫الخاصة‪ /‬وقد صار بحوزتنا الن الكثير من الحيثيات والمكتشفات والدراسات‬
‫اللغوية والنمطية والميثولوجية عن تلك المرحلة‪.‬‬
‫أما المرحلة الثالثة‬
‫فنسميها الصعود الحضاري العروبي الول والذي يمتد حتى سقوط بابل‬
‫عل ى ي د كير ش قائ د الغز و الفارس ي لبل د العر ب عام ‪539‬ق‪.‬م ‪ .‬وق د تميز‬
‫بمرحلتين ‪ ،‬أولهم ا النهو ض العروب ي الو ل والذ ي توّ ج حقوقيا بالشرائع‬
‫الحمورابية كما ورد معنا‪ ،‬وميثولوجيا ومعتقديا بالديانة التونية‪ ،‬ولغويا بظهور‬
‫البجدية العروبية‪ ،‬وجميعها تتمركز حوالي منتصف اللف الثاني قبل الميلد‪.‬‬
‫يتلوه النهوض العربي والذي تميز بالمتداد والنتشار خارج المساحة الجغرافية‬
‫العربية من ناحية المنظومة المعرفية الناسية بعناصرها البنائية كلها‪.‬‬
‫أما المرحلة الرابعة‬
‫والتي تمتد من سقوط بابل في نهاية اللف السادس قبل الميلد وحتى‬
‫الرسالة المحمدية فإنها تميزت بثلث صفات هامة‪:‬‬
‫ً‬
‫‪-1‬ـ ـاستمرارـ ـالنتشارـ ـالعربيـ ـمعرفيا ًـ وأناسيا ًـ وثقافيا ًـ‬
‫وحضاريا‬
‫خارجـ ـالرقعةـ ـالجغرافيةـ ـالعربيةـ ـوخصوصا ًـ باتجاهـ ـالسواحل‬
‫الوروبية المتوسطية‪..‬‬
‫‪-2‬ـ ـتطورـ ـالبنيةـ ـالمعتقديةـ ـالتوحيديةـ ـوتطورهاـ ـإلىـ ـظهور‬
‫المسيحيةـ ـوالتيـ ـلمـ ـيكنـ ـفكرهاـ ـإل ّـ فكرـ ـالفلسفةـ ـالعرب‬
‫معاصري المسيح‪ ،‬كما قال ستاندال في الحوليات اليطالية‪.‬‬
‫‪ -3‬قيام الحضارات العربية البديلة البعيدة عن جغرافية الحتكاك‬
‫معـ ـالغزاةـ ـ(النباط‪،‬ـ ـتدمر‪،‬ـ ـممالكـ ـجنوبـ ـالجزيرةـ ـالعربية‪،‬‬
‫مدائن الشمال الفريقي العربي‪)...‬‬
‫ويمك ن أ ن نطل ق عل ى هذ ه المرحلة " الركو د العرب ي الول " والذ ي تلته‬
‫المرحلة الخامسة والهم وهي مرحلة النهوض العربي الشامل والذي امتد مع‬
‫الرسالة المحمدية ليشمل كل جوانب المنظومة المعرفية جغرافيا وسياسيا وثقافيا‬
‫وحضاريا‪ ،‬واستمرت مراحل صعوده حتى سقوط الدولة العربية الكبرى لتبدأ‬
‫بعدها مرحلة الهبوط في الخط البياني العربي والذي بلغ أشدّه بسقوط غرناطة‬
‫مع نهاية القرن الخامس عشر للميلد عام ‪ 1492‬ميلدي ومعركة مرج دابق عام‬
‫‪ . 1516‬عندم ا بد أ النهيا ر التآكل ي ينخ ر جس د الجغرافي ة العربي ة م ن الشرق‬
‫والغرب‪ ،‬لتبدأ المرحلة التي ما زلنا نعيش نشوة هزائمها حتى الن‪.‬‬
‫‪- 22 -‬‬

‫أما ما نقصده بالحداثيات الفقية‪ ،‬فهي مساحة النتشار العربي والعروبي‬
‫عبر الجغرافية التاريخية والتي قسمتها كما سيلحظ القارئ لحقا إلى المنطقة‬
‫الشرقية العروبية وتشمل مناطق حضرموت وعمان " الحالية " والساحل العربي‬
‫من الخليج العربي بما في ذلك عربستان " لنه جزء من الجغرافية التاريخية‬
‫العروبية" وبلد ما بين النهرين والجزيرة السورية بما في ذلك كيليكيا " سيلحظ‬
‫القارئ في جزئنا المخصص للميثولوجيا العروبية المقارنة الدور الهام الذي لعبته‬
‫حرّان‪ /‬مركز عبادة القمر‪ /‬أريحا في فلسطين تعني أيضا مدينة القمر‪ /‬الله‬
‫سين" القمر" في جنوب الجزيرة العربية والميثولوجيا السومرية والبابلية‪ ،‬والذي‬
‫ولد في جزيرة الديلم ‪ /‬البحرين ‪ /‬ومن أسمائه الكثيرة في العربية يشع‪ ،‬يثع‪،‬‬
‫يشوع ‪ ،‬يسوع" ‪"23‬و " حرام" = نانار = النو ر الذ ي رم ز ف ي البنا ء المعتقدي‬
‫الرافديني والنيلي معا إلى تحليق الم الكبرى العادلة في السماء مبددة بنورها‬
‫غربة الليل ومعطية القوة الخصابية للنساء جميعا" ‪ " 24‬وهذا الرمز سنجده بدون‬
‫استثناء على مجمل الرقم واللوحات والختام والنصاب والتماثيل على شكل‬
‫شجرة‪ /‬شجرة الحياة‪ /‬مبسطة تجريدية‪ ،‬حيث يبدو القمر كأنه جزءٌ عضوي من‬
‫أجزائه ا قدمته ا السلطا ت م ن خل ل انزيا ح لليقونوغرافي ا السلطوي ة باتجاه‬
‫المومية التي كانت عشتارية‪ /‬ثم أضحت ‪ /‬تموزية‪ ،/‬أي قبل التشاركية بين‬
‫الرجل والمرأة كشكل من أشكال العدالة الذكورية_‪)25‬‬
‫أما المنطقة الوسطى العروبية فتضم سيناء والساحل الكنعاني على البحر‬
‫الحمر وتهامة ومنطقة اليمن في جنو ب غرب الجزيرة العربية وبلد الشام‬
‫ومنطقة القرن الفريقي والهضبة الحبشية وارتيريا والنوبة ووادي النيل والدلتا‪.‬‬
‫والثالثة هي المغاربية العربية وتضم الصحراء العربية الكبرى وليبيا وبلد‬
‫المغرب العربي الحالية‪.‬‬
‫وأعتقد أن القارئ سيقتنع بهذا التقسيم للجغرافيا التاريخية العربية بعد أن‬
‫يتابع تأسيسي " في الفصول اللحقة"‪.‬‬
‫إذن للهوية كسيرورة تاريخية خصائص قائمة في الزمان والمكان مستقلة‬
‫عن ارداتنا‪ ،‬وهذا ماهو قائم في الجغرافية التاريخية والتاريخ الجغرافي العربيين‪.‬‬
‫فالمقدمات الميثولوجية والمعتقدية مثلً في التثليث كانت قائمة قبل المسيحية "‬
‫بشكل غير مرتبط بإرادة الجماعة البشرية العربية" وهذا مقدّمة قبلية‪ ..‬فلقد كان‬
‫الثالوث المسيحي المقدّس‪ /‬الب والبن والروح القدس‪ /‬تردادا حقيقيا لثالوث‬
‫‪- 23 -‬‬

‫ايزيس وأوزوريس وحور يس النيلية‪ ،‬أنو انليل أنكي سن شمش حدد الرافدينية‪،‬‬
‫ومناة واللت والعزى في الجزيرة العربية‪.‬‬
‫ومع قدوم الهكسوس وبعده" نشأت حالة توحيدية في قمة السلطة الفرعونية‪،‬‬
‫حيث عبر التأزّم الجتماعي عن نفسه في قمة السلطة مما أدى إلى ظهور‬
‫الخناتونية‪ ،‬والتي كانت اصلحا في الجوهر فعبرت عن نفسها دينيا‪ ،‬بتبنيها إلها‬
‫واحدا هو الله الشمسي ‪ /‬آتون‪ /‬من دون جميع اللهة الفرعية العديدة التي كانت‬
‫معبودة في العهد السابق عليه(‪.)26‬‬
‫"والهكسوس على ما أرجح لفظ مركب من هيق وسوس‪ .‬ومعنى" هيق" ذكر‬
‫النعام‪ ،‬ومن الرجال المفرط الطول‪ .‬وجاء في لسان العرب في حديث أحد‪/‬‬
‫انخذل عبد ال بن أُبيّ في كتيبة كأنه هيق يقدمهم‪ .‬ومعنى سوس‪ :‬الخيل‪ .‬وقد‬
‫بقي في العربية المعاصرة الشارة اليها في كلمة" ساس " فإنه عند الطلق‬
‫ينصرف إلى من يسوس الخيل‪ ،‬وعليه فيجب أن يفهم من التركيب إما ملوك‬
‫الخيل‪ ،‬أو أصحاب نعام الخيل‪ ،‬والرجح أنهم كانوا فرسانا وادخلوا الخيول إلى‬
‫وادي النيل"(‪.)27‬‬
‫وتطورت تلك الرؤى التوحيدية لحقا لتترافق مع تراكمٍ كمي هائل من‬
‫الصياغات الجمالية العربية التي ترواحت ما بين التجريد البسيط في عصر الم‬
‫الكبرى‪ ،‬والمحاكاة في عصر الطبقات‪ ،‬والتجريد العميق التنزيهي في عصر‬
‫انتصار المستضعفين‪ ،‬بحيث أضحى قيمة جمالية تاريخية‪ ،‬تلح للتواصل معها‬
‫لنها حاضرةٌ في كل ماهيتنا البصرية والبصيرية للنطلق من كنه التكوين‬
‫الداخلي لهذه القيمة‪ ،‬لتكوين خطاب جمالي معرفي مستقبلي يؤكد لمن أراد في‬
‫عصر ابتلع الهُويات والماهيات‪ ،‬هويتنا وما هيتنا العربيتين‪ .‬لكن العودة إليه‬
‫ينبغي أل تفهم كعودة سلفوية تلفيقوية لستعارة أشكال وأساليب ورموز ابداعية‬
‫وفنية رغم أهميتها‪ ،‬بل العودة لفهم العلقة التي تربطه كشكل من أشكال الوعي‬
‫الجتماع ي بالنم ط النتاج ي المعي ش والبني ة المعرفي ة العام ة للتكوي ن الثقافي‪،‬‬
‫فالدائرة" نبع النور والطاقة"‪ -‬المثلث " نبع الخصب والعطاء" الشجرة " نبع لدوام‬
‫الحياة" النسان" نبع الخلق والعقل"(‪.)28‬‬
‫‪åæÇãÔ ÇáÝÕá ÇáÃæá‬‬
‫(‪ ) 1‬بييرروسي ‪-‬مدينة ايزيس‪ -‬التاريخ الحقيقي للعرب ترجمة فريد جحا وزارة‬
‫‪- 24 -‬‬

‫التعليم العالي‪-‬ج‪ .‬ع‪.‬س دمشق ‪ 1980‬ص ‪9‬‬

‫(‪)2‬المصدر السابق ص ‪..19-18‬‬
‫(‪ ) 3‬حسينـ فهيم‪ /‬قصة النتروبولوجيا‪/‬ـ فصولـ فيـ تاريخـ علمـ النسان‪ /‬سلسلة‬
‫عالم المعرفة‪ -‬الكويت‪ -98 -‬شباط ‪ 1986‬ص ‪13‬‬
‫(‪ )4‬المصدر السابق ص ‪18‬‬
‫(‪ )5‬المصدر السابق ص ‪230‬‬
‫(‪ )6‬بييرروسي ‪ -‬مدينة ايزيس‪ -‬التاريخ الحقيقي للعرب‬
‫(‪ )7‬المصدر السابق ص ‪34‬‬
‫(‪ )8‬المصدر السابق ص ‪38‬‬
‫(‪ )9‬المصدر السابق ص ‪37‬‬
‫(‪ )10‬المصدر السابق ص ‪31‬‬
‫(‪ )11‬المصدر السابق ص ‪50‬‬
‫(‪ )12‬المصدر السابق ص ‪263‬‬
‫(‪ )13‬المصدر السابق ص ‪35‬‬
‫(‪ )14‬المصدر السابق ص ‪36-35‬‬
‫(‪ )15‬المصدر السابق ص ‪54‬‬
‫(‪ )16‬المصدر السابق ص ‪20‬‬
‫(‪ )17‬المصدر السابق ص ‪. 29‬‬
‫(‪ )18‬المصدر السابق ص ‪72‬‬
‫(‪ )19‬المصدر السابق ص ‪29‬‬
‫(‪ )20‬مجموعة من المؤلفين ‪ -‬شريعة حمواربي وأصل التشريع في الشرق القديم‬
‫ترجمة أسامة سراس ‪ -‬دار علء الدين ص ‪9‬‬
‫(‪ ) 21‬يوسف الحوارنيـ ‪ -‬جمالياتـ الحكمةـ في التراثـ البابلي ‪ -‬دار النهار ط ‪1‬‬
‫‪ 1993‬ص ‪.13‬‬
‫(‪ )22‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ ) 23‬يفصل ذلك الدكتور سيد القمني ـ في كتابه التراث والسطورة في فصل‬
‫خاص عن الله القمر والثالوث المقدس ‪ -‬وفي كتابه أيضا ً " النبي ابراهيم‬
‫والتاريخـ ـالمجهول"ـ ـوبدراساتهـ ـالعلميةـ ـالدقيقةـ ـالموثقةـ ـالمنشورةـ ـوالتي‬
‫تمتاز برصانتها وعلميتها‪.‬‬
‫(‪ ) 24‬تتطابق الدورة الخصابية عند أكثر النساء مع الدورة القمرية‪ /‬الشهرية‪"/‬‬
‫شهر" أحد أسماء القمر بالعربية‪ /‬وقد ربط العروبيون ذلك بالنساء فقط‬
‫قبل اكتشاف دور الرجل في اللقاح والخصاب‪ "..‬سنفصل ذلك في جزئنا‬
‫التالي حول الميثولوجيا العروبية المقارنة"‪.‬‬
‫(‪ )25‬موريس سنكري ‪ -‬حول الوحدة الثقافية للمة العربية ‪ -‬مجلة الفكر العربي‬
‫العدد ‪ -78‬خريف ‪.1994‬‬
‫(‪ )26‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )27‬علي الشوك‪-‬مداخلة في المفردات المتشابهة‪-‬الكرمل العدد (‪)15‬ص ‪209‬‬
‫(‪ )28‬موريس سنكري‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪ρϖρ‬‬

‫‪- 25 -‬‬

- 26 -

‫‪ÇáÝÕá‬‬

‫‪ÇáËÇäí‬‬
‫‪ÇáÃäÇÓÉ ÇáãÚÑÝíÉ ÇáÚÑæÈíÉ‬‬

‫‪:ÇáãÇÞÈá ÊÇÑíÎíÉ‬‬
‫ليمكن فصل فعاليات النسان وتطوره‪ ،‬وعلقته بالبنية النتاجية ونموها‬
‫من الشكل الفردي إلى النتاج الجماعي‪ ،‬عن الصفات البيئية‪ ،‬والطبيعية الجغرافية‬
‫للموقع المعيش‪ .‬فهو يشكل في وحدته مع الشرط الجغرافي والبيئي المقدّمة‬
‫التأسيسية اللزمة للجغرافية التاريخية‪ .‬بما يعنيه هذا من تحديد الشروط الولية‬
‫للنتاج الجتماعي‪.‬‬
‫ولم تكن منطقة الشرق العربي الممتدة من الصحراء العربية الكبرى وحتى‬
‫الخليج العربي معزولة عن التغيرات البيئية والمناخية التي تطرأ على الكون‪ ،‬بل‬
‫يمكن القول بأن جملة التغيرات التي طرأت عليها خلقت الظروف المناسبة لحياة‬
‫النسان ( الجماعات الناسية) المتطور من أشباه النسان‪ .‬وقد بدأ هذا النسان‬
‫يرسم الخطى الولى لعلقته بالطبيعة بدخولٍ ليمكن تحديده بدقة خارج التأطير‬
‫العام للباليوليث الدنى والذي يشكل ‪ %99‬من تاريخ النسان والذي يمتد حتى (‬
‫‪ ) 100,000‬عام قبل يومنا هذا‪ ،‬حيث شقّ هذا التطور نهاية لمرحلة طويلة من‬
‫التطور البيولوجي استمر حوال ي ‪ 14‬مليون سنة من تطور الهوميثيد " أشباه‬
‫النسان" منها ‪ 3-2‬مليون سنة الخيرة عكست الثار الولية لكثر الثقافات قدما‬
‫حيث تعلم النسان أن يحضر أدواته‪ ،‬وبدأ تدريجيا يبني سكنه الولي‪ ،‬ليتبعه‬
‫لحقا بالفن الصخري‪ .‬ويتوضع كل هذا الزمن في الطور الجيولوجي الرابع‪.‬‬
‫بحيث تؤكد القراءات الولية لما تركه هذا النسان من أدوات وآثار على جدران‬
‫الكهوف أن التطور الفيزيائي‪ -‬الفيزلوجي والثقافي مرتبطان بشكل وثيق‪ .‬علما‬
‫بأن قسما ضئيلً جدا قد بقي فقط من الدوات التي استخدمها انسان مجتمع‬
‫الصيد ولقط الثمار‪ .‬فلم تصمد حتى أيامنا تلك العمال والشغال والدوات التي‬
‫صنعت من الخشب والجلد ومن لحاء الشجر واللياف النباتية‪ -‬وحتى الكثير من‬
‫الشغال العظيمة التي تحطمت في وسط غير ملئم _ كالطين والصلصال‪.‬‬
‫لقد عاش على سطح الرض‪ ،‬وعلى مدى‬
‫‪- 27 -‬‬

‫‪200-150‬‬

‫ألف سنة نوع بشري‬

‫واحد وحيد ( هومو‪ -‬سابينس)= النسان العاقل‪ .‬وقد انتمت لهذا النوع‪ ،‬وبدون‬
‫استثناء سللت الباليوليث المتوسط والخير‪ .‬مثلها مثل كل السلل ت التالية‬
‫حتى المعاصرة وكل منها قدمت قسطها في مسألة تطور النسانية(‪.)1‬‬
‫فبعد كل النظريات والفتراضات التي كانت سائدة حول الموقع المفترض‬
‫لنشوء وتطور النسان العاقل الولي خرج علينا العالم كوبنز بنظريته" قصة‬
‫الجانب الشرقي‪ -‬أصل الجنس البشري" والتي يؤكد فيها بأنه تطور على امتداد‬
‫وادي الخسيف عند منابع ومجرى النيل في إفريقيا الشرقية(‪ ،)2‬قبل ثمانية مليين‬
‫من السنين وهذا ما يضعه في لب التأسيس التطوري للنتروبولوجيا العربية‬
‫اللحقة‪ ،‬خصوصا لو أخذنا الرابط المناخي والمعيشي الوثيق بين جغرافية ذلك‬
‫الوادي وامتداده نحو القرن الفريقي‪ ،‬وبين المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة‬
‫العربية‪ -‬خصوصا إذا عدنا بذاكرتنا إلى الخلف أكثر عندما كانت تلك المنطقة‬
‫تشكل وحدة تضاريسية واحدة‪ ،‬واكتفت لحقا بالوحدة المناخية والبيئية‪ ،‬وتزداد‬
‫أهمية هذه المعطيات الموثوقة والموثقة إذا أدركنا بأن أنهار الجليد كانت تغطي‬
‫أغلب مناطق أميركا الشمالية وشمال أوروبا حتى ‪ 15,000‬سنة من يومنا هذا فقط‬
‫وهذا يعني أنها لم تكن قابلة للحياة النتاجية قبل هذا التاريخ بالتأكيد‪.‬‬
‫ومع انتقالنا إلى فترة الباليوليث الوسط حوالي ‪ 100,000‬إلى ‪ 40,000‬عام قبل‬
‫يومنا‪ ،‬تميزت المرحلة الناسية الثقافية بظهور وتطور إنسان النيارندرتال الذي‬
‫كان سائدا سابقا أنه تواجد في أوروبا! بشكل سابق لغيرها من المناطق(‪ ) 4‬إلى‬
‫أن جاءت دراسة فاندرميرس وباريوسف الموسومة ب" النسان الحديث في بلد‬
‫المشرق(‪ )5‬حيث يؤكدان أن جماعة النسان العاقل الحديث " استوطنت المشرق‬
‫العربي قبل النياندرتاليين واتبعت نمط عيش متماثل لنح و ‪ 60,000‬سنة‪ ،‬بحيث‬
‫نسف ت المكتشفا ت الحديث ة التراب ط المتب ع سابقا بي ن عل م البيولوجي ا والباليو‬
‫أنثروبولوجيا " علم تطور النسان القديم" فيقولن‪ ":‬إن هذا الترابط بين البيولوجيا‬
‫لحضارة يصعب تطبيقه في بلد المشرق‪ .‬فقد وجد علماء المستحاثات الذين‬
‫ينقبون في مواقع هذه المنطقة مجموعات من المستحاثات تشتمل على عينات‬
‫يبدو أنها أقدم من مثيلتها التي في أوروبا‪ ) 6 ( .‬ويتابعان " فقد استنتج بعض‬
‫هؤلء الباحثين‪ ،‬بعد مقارنتهم لعدد كبير من عينات مأخوذة من جماعات بشرية‬
‫أقليمية تقطن في بقاع مختلفة من العالم‪ ،‬أن أفراد النسان الحديث قد نشأت في‬
‫مناطق شبه صحراوية في افريقيا منذ أكثر من ‪ 100,000‬عام (‪ .)7‬وتناسى هؤلء‬
‫الباحثو ن التغيرا ت المناخي ة والبيئي ة الت ي طرأ ت عل ى الكون ‪ ،‬بحي ث تحولت‬
‫‪- 28 -‬‬

‫الكثير من المناطق التي كانت تشكل غابات تلك المراحل إلى مناطق صحرواية‬
‫أو شبه صحرواية‪ ،‬كما هو الحال بالنسبة للصحراء العربية الكبرى‪ -‬الليبية‬
‫نموذجا‪ -‬والتي اكتشفت فيها نقوش كهفية جدارية تثبت أنها كانت غنية ومسكونة‬
‫بالحيوانات المدارية كما هو مبين ‪ 0‬في اللوحات المكتشفة في الصحراء العربية‪-‬‬
‫الليبية وهذا يرتبط مع التوضع المناخي الملئم التالي لوادي الخسيف‪ ،‬بحيث كان‬
‫كل من وادي النيل والدلتا‪ ،‬ومنطقة الرافدين مناطق مغمورة بعد انتهاء الطور‬
‫الجليدي الخير‪.‬‬
‫ويؤك د الباحثا ن المذكورا ن ف ي دراستهم ا المنو ه عنه ا أعل ه أ ن بعض‬
‫مكتشفات الدفن في مغارة قفزة في فلسطين على سبيل المثال يدل على شعور‬
‫ديني قبل ما ينوف عل ى ‪ 100,000‬سنة فقد وجدا في أحد المدافن هيكلً عظميا‬
‫لطفل عند قدمي الهيكل العظمي لمرأة شابة‪ ،‬ربما تكون أمه‪.‬؟ يظهر هذان‬
‫الهيكل ن بمظه ر النسا ن الحدي ث ولك ن حضارتهم ا تشاب ه حضار ة النسان‬
‫النياندرتالي الشرقي عربي الكثر قوة‪ .‬أما في أوروبا ‪ -‬وحسب قول الباحثين(‪)8‬‬
‫فقد أقام الفراد ذوو المظهر الحديث وكذلك النياندرثاليوم حضارات مختلفة‪،‬‬
‫وذلك بعد مرور ‪ 60,000‬سنة مما كانت عليه في الشرق العربي‪ .‬وهذا ما يتناقض‬
‫قطعيا مع رأي الدكتور فراس السواح الذي يقول في مؤلفه" دين النسان‪ ":‬وفي‬
‫الواقع‪ ،‬فإنه من غير المجدي التفتتيش عن دلئل وآثار الحياة الدينية لبشر ذلك‬
‫الزمان‪ /‬ويقصد الباليوليث الدنى‪ /‬بسبب غموض الوثائق وتبعثرها‪ ،‬وصعوبة‬
‫الربط بينها‪ ،‬فإذا أردنا البقاء في حدود ما تسمح به الوثيقة المادية من تفسير‪،‬‬
‫يتوجب علينا القول بأن انسان الباليوليث الدنى لم يتمتع بحياة دينية من أي نوع‪،‬‬
‫وأن وسطه الفكري لم يتطور عن أسلفه من الرئيسات العليا‪ ،‬رغم صناعته‬
‫للدوات واستخدامها للتحكم بوسطه المادي" (‪ .)9‬أما ما يتابعه الباحثان حول‬
‫ضرورة الستناد إلى وثائق من المكتشفات من أن عملية الدفن تلك وغيرها مما‬
‫اكتشفوه في مغارة سخول بأن وضعيات الهياكل تدل على دفن مقصود‪ ،‬وهو‬
‫أقدم عملية دفن عثر عليها حتى الن‪ ،‬ويضيفان اكتشاف مجموعتين من الهياكل‬
‫ف ي مغار ة شانيدا ر ف ي سفو ح جبا ل زاكرو س ف ي العراق ‪ ،‬وكان ت كله ا من‬
‫النياندرتاليين وتبدي ما يدل على سلوك بشري راقٍ‪ ،‬مع مجموعة في مغارة‬
‫عمود قرب بحيرة طبرية‪ ،‬وهذا يعني النتقال بالضرورة إلى عنصر الباليوليث‬
‫الوسيط حيث تتقاطع في هذه المرحلة وجهة نظر الستاذ فراس السواح مع‬
‫الباحثين المذكورين حيث مارس النسان في منطقة الشرق العربي عملية الدفن‬
‫الطقسي‪ "،‬فتظهر قبور النياندرتاليين في المشرق العربي تقاليد دفن تميزت بطي‬
‫‪- 29 -‬‬

‫الجثة ضمن حفرة صغيرة وتوجيه الجسم وفق محور غرب‪ -‬شرق‪ .‬وتظهر‬
‫الهياكل العظمية لنسان النياندرتاليين المشرقي " العربي" بوادر ابتعاد‬
‫مورفولوج ي (المورفولوجي ا ه و عل م شك ل الحياء ) ع ن الهيئ ة الكلسيكية‬
‫للنياندرتال النموذجي في أوروبا واقترابا من هيئة النسان العاقل‪.‬‬
‫وهنا تجدر الشارة إلى أن الحديث يدور في الشرق العربي عن إنسان‬
‫متطور طقسيا ومورفولوجيا عن إنسان النياندرتاليين الذي سكن أوروبا في هذا‬
‫الزمن‪ -‬في المرحلة الفاصلة بين الباليوليث الدنى والمتوسط‪ ،‬وفي المراحل‬
‫الخيرة من الباليوليث الدنى" فالوجود الواضح لفراد النسان بأشكال حديثة في‬
‫بلد المشرق منذ ‪ 100,000‬سنة يقدم حقائق جديدة لتفسير وجود مستحاثات أخرى‬
‫غربي آسيا‪ .‬فقد يكون لفراد النسان سلسلة نسب "سللة" محلية واسعة المتداد‬
‫إلى حدٍ ما فبقايا الجمجمة التي وجدها ثورنطيل‪ -‬بيتر في مغارة زوتّيّة بالقرب‬
‫من مغارة عمود مثلً‪ -‬تثبت أن تأريخها يراوح بي ن ‪ 250.000 -200,000‬سنة‬
‫مضت‪ .‬وقد يكون صاحب هذه الجمجمة أحد أفراد الجماعة التي انحدرت منها‬
‫جماعة النسان النحيل " الحديث" في كل من سخول وقفزة" (‪.)10‬‬
‫وليست البنية المورفولوجية للجمجمة‪ ،‬أو الدوات المحيطة فقط هي التى‬
‫وفق ت هؤل ء العلما ء إل ى الجز م بوجو د ذل ك الفار ق الزمن ي ف ي التطو ر بل‬
‫عثورهم أيضا على العظم اللمي (‪ ) Hyoid‬وهو عظم منفصل يتحكم في حركة‬
‫النسان) وتم الستدلل من خلل دراسته الدقيقة على أن جهاز التصويت لدى‬
‫انسان الباليوليث الدنى‪ -‬المتوسط في منطقة الشرق العربي يشبه مالدى النسان‬
‫الحديث وإلى أنه كان قادرا على إصدار الصوات الضرورية لكلم مقطع‪.‬‬
‫ومن جانب آخريتجه الباحثان إلى تفسير المرحلة اللحقة التي بدأت منذ‬
‫نح و ‪ 40,000‬سنة إلى افتراض" أن جماعات النسان الحديث في بلد المشرق‬
‫العرب ي انتقل ت وانتشر ت ف ي أوروب ا وذل ك بع د أ ن حلّو ا مح ل النياتدرتاليين‬
‫المحليين أو نتيجة لعمليات التكاثر فيما بينهم (‪.)11‬‬
‫نستنتج مما سبق أن‪:‬‬
‫ـ ـانسانـ ـالباليوليتـ ـالدنىـ ـتركـ ـآثارا ًـ قابلةـ ـللدراسةـ ـفيـ ـبلد‬‫المشرق العربي في حين كان فقيرا ً بها جدا ً في أوروبا‪.‬‬
‫ ظهور النسان الحديث كان سباقا ً في بلد المشرق على ما‬‫هو عليه في أوروبا بعشرات اللف من السنين‪.‬‬
‫‪- 30 -‬‬

‫ـ ـممارسةـ ـالدفنـ ـالطقسيـ ـثبتتـ ـمنذـ ـالمرحلةـ ـالنهائيةـ ـمن‬‫الباليوليثـ ـالدنىـ ـفيـ ـمنطقةـ ـالشرقـ ـالعربي‪،‬ـ ـوبماـ ـيسبق‬
‫مثيلتها في أوروبا بـ ‪ 60,000‬عام‪.‬‬
‫ وجود العظم اللمي وببنيته المعاصرة يؤكد على وجود عناصر‬‫التواصلـ ـالصوتيـ ـفيـ ـمراحلـ ـسابقةـ ـلمثيلتهاـ ـفيـ ـمناطق‬
‫أخرى من العالم‪ ،‬وللف السنين‪ ،‬مما يثبت النخراط في‬
‫عملية النتاج الجتماعي في مراحل باكرة‪.‬‬
‫كان ذلك‪ ،‬كان له الدور الهام" إن لم نقل الهم" في وسائط تعبير النسان‬
‫عن علقته مع الشياء المحيطة وفي ترتيب نمطية ما من التعامل مع الجماعة‬
‫المحيطة‪ .‬وهذ ا يعن ي بالضرورة أن تطو ر النسان الثقاف ي برموز ه المعرفية‬
‫والدينية والفنية ليرتبط بما يعنيه مستوى التطور التقني بالسوية التقانية لتطور‬
‫الجماعة البشرية‪ .‬أي أن التوازي في التطور التقني والثقافي هو رؤية ميكانيكية‬
‫بعيد ة عن الخطوط البيانية التاريخية لسيرورة النسان‪ .‬ليمكننا أن ننفي أن‬
‫السوية الراقية " بمعانيها المعرفية" من التطور الثقافي تشكل الرضية المتينة‬
‫الهامة باتجاه التطور التقني‪ ،‬وهي ما تدفع باتجاه تجاوز مفاهيم الزمن الجتماعي‬
‫وترتيب ه الميقاتي ‪ ،‬بخل ق معاد ل جدي د يتناس ب م ع التراك م الكم ي والكيف ي في‬
‫سيرورة المة‪ ،‬وهذا ما نحاول اثباته بما يخص المة العربية‪ ،‬التي تمتلك خزانا‬
‫ثقافيا مميزا‪ ،‬تستطيع الستناد عليه لتحقيق قفزتها الحضارية التقنية في زمن‬
‫اجتماعي خاص‪ ،‬تستطيع من خلله تجاوز الفاصل الكبير من الزمن الميقاتي‬
‫الذي يفصلها في الزمن الراهن عن المجتمعات المتقدمة تقنيا‪ ،‬إن ذلك يعني‪،‬‬
‫بدايةً‪ ،‬أن التطور الثقافي ليمكن أن يعاني من عملية قطع تاريخية‪ ،‬فهو عملية‬
‫متواصلة سيرورية في تأصيلها وسبقها وصيرورتها اللحقة وهو ما نقصده‬
‫بعملية التأصيل في بدايات تكون المنظومات المعرفية فالحضارات الجليلة التي‬
‫بناه ا العر ب بم ا ف ي ذل ك البابلي ة والفينيقي ة والتدمري ة والمصرية‪ . .‬وحتى‬
‫السلمية لم تكن مقاطع معزولة في تاريخ أناسي متقطع‪ ،‬إنها تواصل أناسي‬
‫معرفي ‪ ،‬مؤسّ س ثقافيا عل ى ثواب ت تأصي ل عظيم ة لتمت د جذوره ا المعرفية‬
‫لمراحل التاريخ الكتابي فقط‪ ،‬بل تمتد كما أكدنا أعله إلى مراحل الباليوليث‬
‫الدنى حيث تواجد في منطقتنا النسان الحديث سباقا بذلك تواجده في المناطق‬
‫الخرى من العالم بعشرات اللف من السنين‪ .‬معطيا لحياته قيمةً ما‪ ،‬متسائلً‬
‫ع ن طبيع ة علق ة الر ض بالسماء ‪ ،‬والجس د بالروح ‪ ،‬والنسا ن الكائ ن الحلم‬
‫بالواقع‪..‬‬
‫إن بداية الشكالية في التساؤل تبدأ من طرح هذه السئلة‪ .‬وما دمنا استطعنا‬
‫‪- 31 -‬‬

‫التقاط بعض الجوبة من خلل تلك المراحل المغرقة في القدم‪ ،‬فمعنى ذلك أننا‬
‫استطعنا الوصول إلى البدايات السبّاقة التي حدّدت الملمح العامة اللحقة لتطور‬
‫النسانية‪ ،‬الذي تعيش تقنيته حاليا‪ ،‬مليين الناس خارج دائرة تواجد هذا التكوين‬
‫الناسي الرفيع_ العرب‪.‬‬
‫فالتكوّن الثقافي‪ -‬المعرفي‪ -‬الفني‪ /‬يبدأ بعلقة القتراب بين مفاهيم الجسد‬
‫والروح والرض القريبة‪ ،‬والسماء الجسد= الرض بمكوناتهما المحسوسة التي‬
‫يتعامل معها النسان في صيغة الداة التي يبتكرها‪ ،‬أو يحتاج إليها فيطورها‪،‬‬
‫وأعضاء يتعامل معها بتوافق خاص تختلط فيه الحاسيس الممكنة مع المجهولة‪.‬‬
‫والر ض بمكوناته ا الت ي تحم ل النبا ت ويسي ر عليه ا ذل ك الحيوا ن الذ ي دفع‬
‫النسان اللكتابي‪ -‬الباليوليتي إلى نقشه في أماكن إقامته عبر ابداعات انطباعية‬
‫ورمزي ة وتجريدي ة كان ت تتفاع ل بحركي ة ترق ى م ن مرحل ة إل ى أخر ى قابلة‬
‫للتعامل مع ما يحس به أو يركن إلى اللقمة التي يمنحه إياها بعد أراقة الدم من‬
‫أحد الطرفين‪ .‬فيقيم لنفسه هيكلية خاصة ترتبط برمزية ما‪ ،‬تدخل بين الحلم‬
‫والواقع وتدخلهما‪ .‬فينطلق لحقا معبّرا عن فن في الرتقاء نحو العلى‪ -‬نحو‬
‫السماء وقد دفعته للقتراب إليها عبر صورٍ رائعة‪ .‬دون أن ينسى حركة القمر‬
‫والشمس والكواكب فيها‪.‬‬
‫فلم يترك جثة الميت ملقيةً عبثا‪ ،‬لبد أن يتجه نحو الشرق حيث يشكل نافذة‬
‫ولدة الشمس والقمر‪ .‬وفي حالت لحقة كانت واسمة لمنطقة الشرق العربي‬
‫بدأ‪ ،‬بفصل الرأس عن جسد المتوفى معتقدا أن الروح فيه‪،‬ويضعه في كوخه‬
‫الصخري أو في كهفه‪ .‬مازجا بذلك اختلط معتقدات أولية صافية تزاوج بين‬
‫الطوطمية وعبادة السلف‪.‬‬
‫وهكذ ا كان ت البدايا ت الميثولوجي ة للنم و اللح ق للحلزو ن الثقافي ‪ ،‬الذي‬
‫سنأتي على تفصيلته الدقيقة فيما يلي من فصول‪ .‬لكن التأسيس الوّلي والهام‬
‫كان ارتكازا متينا على تكوين سباق ومتين‪ .‬فالتزيين الجنائزي بالقرون ارتبط‬
‫بعلقة ذلك النسان بالحركة الدورية للهلل‪.‬‬
‫ل الرمز البسيط عن القرابين التي تقدم للمتوفى بعد‬
‫ولم يكن اللون الحمر إ ّ‬
‫أن تنثر على جثته الورود والزهور وقد سجي شرقا بانتظار الشمس التي تحمل‬
‫معها الحياة والخصب‪.‬‬
‫" إن مفهوم القربان في ذلك الزمن‪ ،‬مرتبط بمفهوم اللهة المشخصة‪ ،‬أو‬
‫‪- 32 -‬‬

‫الكائنا ت الروحي ة المقدس ة الت ي صار ت إل ى م ا يشب ه اللهة ‪ ،‬مث ل‬
‫السلف لدى بعض الثقافات" (‪..)12‬‬

‫أرواح‬

‫انطلقا من ذلك كان النبثاق الولي في منطقة الشرق العربي باتجاه الثقافة‬
‫المتواكبة التي سبق فيها أسلفنا العرب كل الشعوب والجماعات الخرى حتى‬
‫المحيطة والتي بدأت تأخذ انعكاسها في التقدم التقني المادي التقني‪ ..‬وقد بدأوا‬
‫يميزو ن عالما خاصا محددا مشخصا ف ي التكوي ن الوصف ي المحي ط به م مع‬
‫مايربطه بعالم آخر قابل للتخييل‪ ،‬يصل بينهما الحلم أو الموت‪ ..‬ومن هنا أخذت‬
‫الفلسفة في بدايتها الولى تترنح في أولى خطاها على دروب الشرق العربي‪،‬‬
‫الذ ي تميز في مراح ل النتقا ل من الباليولي ث المتوس ط إل ى العلى بالتدجين‬
‫النباتي والحيواني وهو ما دفع أيضا هذا الشرق إلى السبق باتجاه الميزوليثية"‬
‫فكان أول وأكثر الحضارات والثقافات الميزوليثية تطورا توضّعت في الشرق‬
‫العربي‪ ،‬حيث كانوا أول من اكتشف واستخدم الطواحين الحجرية وكان ذلك‬
‫حوال ي ‪ 10,500‬سنة قبل الميلد" (‪ .)13‬وتل ذلك النتقال السباق إلى النيوليث‬
‫كمرحلة أخيرة من العصر الحجري تميزت بانتقال البشر إلى الشكل المستقر‬
‫للحياة" فمنذ الل ف ‪ 7-8‬قبل الميلد أقيمت في الشرق العربي" مدن" محاطة‬
‫بجدران حصينة (‪)14‬‬
‫وإذا كانت التغيرات المناخية والبيئية متوازية في منطقة الشرق العربي‪،‬‬
‫والتي شملت دراساتها بشكل مفصل وادي النيل وما بين الرافدين إلّ أن منطقة‬
‫بلد الشام من الشرق العربي بقيت في التحول الساسي من العصر الحجري‬
‫الوسيط " الميزوليتي الباكر" وحتى العصر الحجري الحديث " النيوليثي المبكر"‬
‫موضوعة خل ف مجموع ة من إشارا ت الستفها م التي ل م تق ّد م الجوب ة عليها‬
‫تفسيرا تفصيليا لقيام المواقع الحضارية العظيمة بعيدا عن الحزام الخضر‬
‫الممتد إلى الساحل البحري باتجاه الشمال والشرق الرافدي وجنوبا نحو العقبة‬
‫وسيناء باتجاه الدلتا ‪.‬‬
‫فيتضح التبدل المناخي في المشرق العربي بين اللف التاسع ق‪.‬م واللف‬
‫السادس من انحسار نطاق النبات الطبيعي‪ .‬فقد تسبب الهطول المطري الوفير في‬
‫الفترة المتأخرة من العصر الحجري الوسيط في توسع مناطق غابات البحر‬
‫المتوسط باتجاه الشرق‪ .‬وقد حظيت هذه المناطق بأكثر من ‪ 300‬ملم معدل هطول‬
‫سنوي‪ ،‬وحظيت المناطق الوسيطة من الغابات المفتوحة والسهوب خلفها بحدود‬
‫‪ 300-150‬مل م معد ل هطو ل سنوي ‪ .‬وف ي حي ن كان ت غالبي ة المواق ع السبعين‬
‫‪- 33 -‬‬

‫المعروفة في مواقع الفترة المتأخرة من العصر الحجري الحديث في منطقة‬
‫الهطول الغزر أو في المنطقة الوسيطة فإن بعضها كان في جيوب سهوبية‬
‫ملئمة لها على نحو خاص‪ .‬فمثلً كان موقع " أبو هريرة" وموقع" دبسي فرج‪-‬‬
‫شرق" على الفرات‪ ،‬في حين كان موقع " أزرق" في واحة‪ .‬وبعد ذلك بثلثة‬
‫آل ف عا م انحسر ت ك ل م ن الغابا ت العادي ة والمفتوح ة والسهو ب وتقدمت‬
‫الصحارى‪ .‬وحتى المواقع السهوبية بمواطنها الملئمة هُجرت آنذاك‪ .‬ومن بين‬
‫المواق ع الثماني ن المعروف ة الت ي تعو د للل ف الساد س م ن العص ر الحجري‬
‫الحديث‪ ،‬كانت تقع منطقة البحر المتوسط ضمن المنطقة الكثر ملءمة للزراعة‬
‫المختلطة(‪.)15‬‬
‫وبربط هذه المعطيات مع نتائج يان ايلينيك حول وجود الطواحين " الرحى"‬
‫الحجرية منذ اللف العاشر قبل الميلد في المشرق العربي نستنتج بأن تدجين‬
‫النبات القمح ( الحنطة ) والجاودار والشعير في المشرق العربي كانت سابقة‬
‫بالضرورة لختراع الرحى‪ .‬وإلّ لماذا الرحى اساسا ؟! خصوصا إذا أخذت آلية‬
‫البحث الطريق الطبيعي للتغيرات المناخية والبيئية التالية التي تدفع للستقصاء‬
‫في أوساط غير متوقعة في الظروف والشروط الحالية المناخية‪ .‬وهذا أدى بدوره‬
‫إلى كشف الكثير من السرار التي اتضحت لحقا في التكوين النتاجي الجماعي‬
‫التالي للتدجين النباتي والحيواني في منطقة الشرق العربي‪ ،‬والذي كان سباقا‬
‫بالضرورة ومن خلل الوثائق السابقة في آلية التطور الثقافي بآلف السنين عن‬
‫غيره من المواقع الخرى التي رسمت خرائط متأخرة لنتقال النياندرتال إلى‬
‫العصور التالية‪.‬‬
‫والمتتبع الدقيق لدراسة مجموعة من المواقع المتباعدة في المشرق العربي‬
‫يدرك التزامن الدقيق في التطور الحضاري‪ ،‬الذي يشي بوحدة أناسية فريدة في‬
‫نوعها‪ .‬ويؤكد ذلك الباحث جاك كوفان بقوله" والوصول إلى" القرية الزراعية"‬
‫حقق الوحدة بين أفراد الجماعة وأعطى لحياتهم مغزى وأهمية في إطار التطور‬
‫البشري‪ ،‬لسيما وأن القرية هي القاعدة الساسية لحضارتنا المدنية‪ .‬لكن سلم‬
‫ذلك الرتقاء وعناصره ظهر أولً في بلد الشام والمشرق" ( ‪ )16‬ومن الضروري‬
‫التأكيد على أن الوضع لم يكن قفزة في فراغ‪ ،‬بل‪ ،‬نتيجة لتراكم تاريخي كمي‬
‫وكيفي بطئ تالٍ للخروج من الكه ف والنتقال إل ى الكه ف الصخري فالبيت‬
‫الدائري فالمضلع وما يعنيه ذلك النتاج الزراعي من درجة استقرار معينة في‬
‫عملية النتاج الجتماعي منظومة تقنية خاصة تحدد السلوك النساني خصوصا‬
‫‪- 34 -‬‬

‫إذا توحّدت جغرافية واسعة على امتداد المشرق العربي في سويتها التطورية‬
‫السباقة من الشمال في المريبط وأبو هريرة على الفرات باتجاه يبرود وسعيدة‬
‫وجعيتا وعين الملحة والطيبة في أواسط بلد الشام باتجاه وادي الفلح والواد‬
‫وكيبارة على الساحل الفلسطيني‪ ،‬وجنوبا نحو شقبة وأريحا وأبو سيف والخيام‬
‫وأم الزيتونة ورأس البيض ثم باتجاه رأس حريس في سيناء لتمتد لحقا باتجاه‬
‫وادي النيل‪ ".‬وبذلك بدأ التاريخ يسجل بعض الدلة على قيام تطور متشابه جدا‬
‫للحضار ة النطوفي ة ف ي ك ل م ن فلسطي ن ومنطق ة الفرا ت ف ي أعقا ب المرور‬
‫المشترك بمرحلة الكيباربان‪ .‬كذلك تأكدت الن النظرية التي طرحها كل من أور‬
‫وكوبلند وأورانش والقائلة بأن بوتقة حضارية وحيدة امتدت خلل هذه الحقبة‬
‫من النيل إلى الفرات " (‪ ) 17‬ويؤكد باحث آخر وحدة مكتشفات نفس المرحلة‬
‫الزمنية بين وادي النيل و" الصحراء" العربية الكبرى " الليبية " والشمال الفريقي‬
‫" العربي" ف" وسط المكتشفات الليبية‪ -‬المصرية تصاد ف النقوش أكثر من‬
‫اللوحات وبفارق كبير‪ .‬بين القصر وشللت النيل الثانية تم اكتشاف كميات من‬
‫النقوش‪ .‬وتصادف هذه النقوش‪ ،‬عدا سهل النيل‪ ،‬وبكميات كبيرة في صحراء‬
‫النوبة والصحراء الليبية‪ .‬ولتختلف النقوش المصرية بتقنية التنفيذ عن الثار‬
‫المشابهة الخرى في الشمال الفريقي‪ ..‬مما لشك فيه أن علقات وثيقة ومتينة‬
‫تربط النقوش والرسوم الليبية المصرية من جهة أولى بالثار كما تظهر لفن‬
‫الشمال الفريقي من جهة ثانية‪ .‬وتظهر هذه العلئق في طراز وتقنية التنفيذ‬
‫تماما كما تظهر في انتشار المواضيع المتفرقة الوصفية لكل شمال افريقيا‪ .‬في‬
‫ذلك العصر‪ ،‬وعندما تشكل هذا الفن‪ ،‬كانت افريقيا الشمالية بما فيها الصحراء‬
‫مسكونة بشكل كثيف‪ ،‬وبين مناطقها المختلفة طبعا‪ ،‬نشأت علقات متينة ومتعددة‬
‫(‪ .)18‬فالحضارة النطوفية إذن " نسبة إلى وادي النطوف قرب أريحا" امتدت من‬
‫الفرات إلى النيل وهناك نجد المتداد التالي للشمال الفريقي وهذا يعني وجود‬
‫الخلفية المشتركة في المجالت المعمارية والقتصادية والتقنية‪ ،‬وبالتالي وجود‬
‫لغة حضارية مشتركة(‪.)19‬‬
‫إن أي صفة من ملمح ذلك التقدم كانت مرتبطة بقيمة اجتماعية أخلقية‬
‫تتحدد بالبعاد العديدة للقيمة أو للعنصر الثقافي وما يعنيه ذلك من رقي عبر سلم‬
‫التطور الناسي معرفيا‪ ،‬ليس فقط من الجوانب الفكرية والتقنية بل من الجوانب‬
‫الميثولوجية والمعتقدية أيضا‪.‬‬
‫فمفهوم " المدن" القلعية المكتشفة في الشرق العربي في اللف الثامن قبل‬
‫‪- 35 -‬‬

‫الميل د والذ ي يُعتب ر " البر ج والسو ر المكتشفا ن ف ي أريحا ‪ -‬مهم ا كانت‬
‫وظيفتهما‪ -‬ينمان عن وجود نظام اجتماعي مختلف‪ ،‬فهو أكثر تنظيما وجماعية‬
‫في تنفيذ العمال المعمارية من مجتمعات القرى الخرى"(‪.)20‬‬
‫فإذا كان الكوخ هو الصرخة المتحجرة للخيمة‪ -‬بتعبير جاك وفان‪ -‬فهو‬
‫يعني " فلسفة" خاصة ضد الترحال ونزوع للتأسيس في أرض قابلة وقادرة على‬
‫حماية هذا الكائن‪ -‬النسان ذي الروح الجماعية في العمل والكثر مودةَ ونزوعا‬
‫إنسانيا للتعاون مع الجماعة باتجاه الخلق والبداع‪ ،‬مما هو عليه إنسان التقنيات‬
‫المتطورة غير المستندة إلى إرث ثقافي معرفي عريق‪ .‬لذلك انطلق لحقا باحثا‬
‫عن توضع أفضل من المسكن المستدير العاجز عن استيعاب البنية الولية للكتلة‬
‫الجتماعية ‪ -‬العائلة ‪ ،‬فاكتش ف المسك ن المستطي ل الذ ي عن ى هدفا اجتماعيا‬
‫وميثولوجيا " فالمسكن المستدير مقيد بمساحة سكنية محددة وغير قابلة للتوسع‬
‫في حين أن المسكن المستطيل قابل لكل أنواع التوسع من خلل إضافة المزيد‬
‫من الحجيرات الجديدة إليه‪ .‬وبناءً على ذلك أصبح هذا النوع الجديد من السكن‬
‫يستوعب العائلة التي يتكاثر أفرادها باضطراد‪ -‬أي أنه يفسح المجال لنماط‬
‫جديدة من السكن الجماعي أو المشترك‪.‬‬
‫لقد مر العالم بأجمعه بهذه المرحلة النتقالية ولكن الزمنة تختلف من مكان‬
‫لخر‪ .‬ويبدو أن هذه المرحلة نضجت على الفرات قبل غيره من الماكن( ‪)21‬‬
‫يضاف إلى ذلك الضرورة الميثولوجية التي تركزت حول معرفة العائلة الجديدة‬
‫بضرور ة العتما د عل ى أروا ح أجدادها ‪ -‬أسلفها ‪ ،‬فبدأ ت بممارس ة إحضار‬
‫جماجمهم إلى بيوتها الخاصة‪ ،‬ثم انتقلت لحقا إلى احداث مقابر خاصة لهم تحت‬
‫مساط ب تل ك البيوت ‪ .‬بحي ث شكل ت ميثولوجي ا عباد ة جماج م السل ف نمطا‬
‫معتقديا خاصا ومميزا ‪ .‬وبهذ ا تكم ن إحد ى المنعطفا ت الهام ة جدا ف ي تطور‬
‫الجماعات البشرية‪ ،‬فهي لفتة حضارية هامة أسّست للبنى الجتماعية الرقى‬
‫لحقا‪.‬‬
‫إن الترابط الميثولوجي بين نمط الحياة المعيشة لدى أسلفنا في المنطقة‬
‫العربية ‪ ،‬ورمو ز التعام ل معه ا يحد د البني ة الفكري ة وآلي ة التوض ع اللحق‬
‫للمنظوم ة السيكولوجي ة ف ي التعام ل م ع الوس ط المحي ط ابتداءً م ن الحيوان=‬
‫القربان= العدو= المدجّن= الغذاء= الله وانتهاء بالتجريد البعيد نحو المواقع‬
‫الولى للفكر " الفلسفي " في الرمزية والتخييل بما يتجاوز البعد الدللي المباشر‬
‫إلى ما هو رمزي أو مرجعي ليس بمنظومة الفرد‪ ،‬بل بمنظومة الجماعة وهذا ما‬
‫‪- 36 -‬‬

‫يشي بقدرة ذلك النسان عل ى التعام ل مع عناصر القو ة المحيطة به‪ ،‬والتي‬
‫يعتبره ا مبثوث ة أ و مزروع ة ف ي عناص ر أخر ى أبع د م ا تكو ن ع ن العامل‬
‫القتصادي الذي يربط به غذاء النسان الذي اعتمد على النباتات المدجّنة بشكل‬
‫كثي ف وعل ى م ا يصطاد ه من حيوانات ‪ .‬فتتباد ل في ذلك نواز ع الخو ف مع‬
‫الطموح لمتلك القوة والنطلق عبر أبعاد نفسية وروحية متداخلة إلى السيطرة‬
‫على الرمز‪ ،‬بحيث تتحدد العلقة بدايةً بواقع فكري روحي أكثر من ارتباطها‬
‫بالعامل القتصادي‪ -‬الذي سيطر في النماط اللحقة‪ -‬تمثلت لحقا في بنية‬
‫معتقدية اختلطت فيها حاجات البداع والتمثل الفني مع الممارسة الطقوسية "‬
‫الدينية " والضاحي مع الحاجة القتصادية‪.‬وهنا تتجسد حالة الخلق والبداع في‬
‫إنساننا ‪ -‬أسلفنا ‪ -‬الذي ن عاشو ا قلقه م المبد ع مقدماتٍ هامةً لمثيولوجي ا سبّاقة‬
‫لحقة‪.‬‬
‫فمنذ بدايات العصر الثيولويتي في تل المريبط على الفرات الوسط في‬
‫سورية‪ ،‬وفي المواقع الخرى الممثلة للمرحلة النطوفية " لدينا الدلئل الواضحة‬
‫على تقديس الثور البري‪ ،‬وذلك في وسط قروي مستقر يتيهأ للعتماد على‬
‫الزراعة في اقتصاده‪ .‬ففي بعض البيوت التي تتميز ببنية معمارية خاصة " تشير‬
‫إلى إفرادها كمقامات مقدسة" أقيمت مصاطب طينية عرض في وسطها وبشكل‬
‫مقصود عدد من جماجم الثيران البرية بهيئتها الطبيعية ودون إضافات تزيينية‬
‫فنية‪ ،‬وتشكل هذه الجماجم مع ألواح كتف معزوزة بشكل أفقي‪ ،‬تكوينا متماسكا‬
‫معروضا للناظرين دفعة واحدة‪ .‬وفي إحدى الحالت كان رأس الثور مفككا إلى‬
‫قطع معروضة في صفوف‪ ،‬إضافة إلى القرنين الكبيرين‪ ،‬اللذين تم عرضهما‬
‫على التوازي‪ .‬إن هذه الترتيبات المقصودة التي لتنبى عن قيمة استعمالية معينة‬
‫والستخدا م الرمز ي لعناص ر م ن الهيك ل العظم ي الحيواني ‪ ،‬تعك س ولشك‬
‫مدلولت أيديولوجية معينة (‪ )22‬متعددة الدوافع خصوصا إذا عرفت بأن ذلك لم‬
‫يكن حصرا على الثور في منطقة تواج د فيها‪ ،‬بل في مناطق أخرى كانت‬
‫الفصيل ة البقري ة نادر ة فيها ‪ ،‬وف ي مناط ق تدخ ل فيه ا الب ل والغزال ‪ ،‬ل م يكن‬
‫مصدرا غذائيا لندرته‪ .‬لكننا وإن وقفنا مع جاك كوفان في تقديمه للعامل النفسي‬
‫في تحديد الرضية الميثولوجية لذلك الموقف اليدلوجي الديني باتجاه خلق نوع‬
‫من التحدي في علقة التجاذب والجدل بين القوة والخوف‪ ،‬إلّ أننا لنستطيع رد‬
‫المكونات الولية لذلك المعتقد إلى ما هو خارج الوضاع المادية والعلقات‬
‫ل لكا ن م ن أه م المكتشفا ت وجو د رموز‬
‫القتصادي ة والطبقي ة المحيطة ‪ .‬وإ ّ‬
‫لتمثل ت غرائبي ة خار ج القدر ة التكويني ة للتحلي ل والتركي ب ف ي الواق ع القائم‬
‫‪- 37 -‬‬

‫المحيط‪.‬‬
‫فلقد مثله النسان بوضعية خاصة من القوة دفعته إلى تمثله من قبل إله‬
‫الرعد والحرب في العصور التاريخية لما يملك من قدرة تدميرية جبارة تشع‬
‫منه(‪.)23‬‬
‫فإذا كان الفن هو الحامل البداعي للمنظومة المعرفية بما فيها من محتو ً‬
‫ى‬
‫مثيولوجي‪ ،‬وإذا أخذ في بعض نماذجه محاولً للمقاربة بين السماء والرض‪،‬‬
‫بدفع هذه الخيرة إلى العلى‪ ،‬بما يخص المراحل التالية من التاريخ الكتابي‬
‫واللكتابي‪ ،‬فهذا يعني أنه في تلك المرحلة المدروسة كان شكلً من المقاربة بين‬
‫الجسد النساني وذلك المجهول الذي يحمل من القوة الجبارة ما يجعله مستعصيا‬
‫على اللفة‪ .‬تلك القوة التي تفقد كل رموزها بعد موت ذلك الحيوان‪ ،‬ليتحول إلى‬
‫ماد ة للغذاء ‪ ،‬وعظا م جماجم ‪ ،‬وقرو ن تشك ل نموذ ج القه ر والخو ف ف ي لبّ‬
‫مثيولوجية أبعد من التحديد المبسط للطوطمية‪ .‬من هنا كانت العبقرية في أسبقيتها‬
‫المشرقي ة خلّق ة أيضا ‪ ،‬أبع د م ن حدو د التبسي ط الت ي يحاو ل البع ض ربطها‬
‫بالتاري خ الكتاب ي المنسوب " وبالوثائق " أيضا إل ى أسلفن ا العظام ‪ .‬وبهذ ا فقط‬
‫نستطيع تفسير السبق الحضاري للتقديس المزدوج للثور والمرأة باعتبارها الربة‬
‫الكبر ى القادر ة عل ى الخصا ب والخل ق بنمطي ة مجهول ة لكنه ا ف ي مقاربة‬
‫المحسوس من اليد والعين‪.‬‬
‫إن التكوين السللي المدرك في حالة تشكيل بنية النواة النتاجية الولية‬
‫ومعنى الحياة المشتركة وما عناه ذلك من تجسيد مباشر بجماجم السلف كمواد‬
‫للعبادة مرتبط بشكل مباشر بترميز الربة الكبرى‪ .‬وبناءً على ذلك استخدم الناس‬
‫في بلد الشام من آواخر اللف الثامن وحتى أواخر اللف السابع قبل الميلد‬
‫جزءا من الهيكل العظمي‪ ،‬وهو الجمجمة ليجعلوا منها تشخيصا حقيقيا للموات‬
‫في مساكن الحياء‪.‬‬
‫فالجماجم كانت حضورا قدسيا" رمزيا" يعني القدرة على التواصل والتأصل‬
‫والصالة‪ ،‬فرسّخت مفهوم واقع النتاج الزراعي " وانتقال الملكية من شخص‬
‫لخر بالوراثة" (‪ ) 24‬وطرحت مفهوم الستمرارية الروحية للسلف عبر تجسيده‬
‫بأحد رموزه " الجمجمة" ومامحاولت محاكاة الواقعية فيها من خلل استخدام‬
‫القواقع والصدف لتحديد معالم العيون أو استخدام الخطوط البنية اللون للتعبير‬
‫عن الشعر‪ ،‬إلّ إحياءً لمعالم وجه الميت طموحا تشخيصيا للهة قائمة في روح‬
‫‪- 38 -‬‬

‫ذل ك السل ف حي ث اعتبر ت متمركز ة ف ي رأس ه وم ا يحتاج ه الحيا ء بذ ل ما‬
‫يستطيعون من محاولت لبقاء تلك الروح بأحد رموزها موجودة في الن القائم‪.‬‬
‫فهو غير قادر على التعبير عن اكتشافه بأنه الخلف لذلك السلف إلّ عبر طقس‬
‫ميثولوجي خاص ترسمه أيديولوجيا النساب في تناسق ابداعي رفيع أبعد وإلى‬
‫البد مرحلة الطوطمية من مسرح ميثولوجيا الشرق العربي " فالقطيع كان ملكا‬
‫لمجتمع القرية ومن الممكن انتقال ملكيته في الفترة التي عمت فيها الزراعة بكل‬
‫نتائجها والتي تجلت في امتلك الرض وفي خلق قيمة لمساحات الراضي من‬
‫خلل استغللها زراعيا وفي انتقال الملكية من شخص لخر بالوراثة‪ ،‬نجد في‬
‫الحضارة غير المادية لتلك الفترة آثارا ملموسة ليديولوجية النسان‪ .‬فكل شيء‬
‫مرّ وكأن البشرية وصلت إلى موقف أكثر فاعلية إزاء الطبيعة بحيث أعطت‬
‫قيمة لنوعها‪ .‬وذلك بأن جعلت عبادة أمواتها جزءا من الحياة اليومية‪ .‬يُضاف إلى‬
‫ذلك ما سبق أن أثبتناه على صعيد محسوس وهو رسم معالم لحظات خيالية أو‬
‫ترسي خ الوع ي الساط ع للصن ف الشخص ي الذ ي رأينا ه يتسل ق فك ر وحضارة‬
‫المزارعين الوائل في التاريخ ‪ ..‬إنه شغل الرجل"(‪.)25‬‬
‫إن تقديس المومة وعبادة الثور من البوادر الفكرية الولى الهامة للمجتمع‬
‫الزراعي ‪ ،‬ولذل ك فق د قُدّ ر لهذ ه العباد ة أ ن تلز م بلدا ن الشر ق القديم ة آلف‬
‫السنين‪ .‬ولتقل أهمية الثور المقدس عن أهمية تلك التماثيل النثوية الصغيرة‬
‫والمصنوعة من الطين المشوي" (‪ ) 26‬ولكن عبادة السلف ودخول ايديولوجية‬
‫السللة الميثولوجية أزاح الشقّ الول عن مسرح البنية الثقافية‪ ،‬فمن الجدير‬
‫بالذكر أن هذا الطقس كان معروفا أيضا في وادي النيل وفي نفس المرحلة‬
‫الزمنية الموازية في مريمدي " مصر" حيث ثبت ذلك وفسرت عملية دفن الموتى‬
‫ف ي البيو ت عل ى أ ن السكا ن القدما ء كانو ا يعتقدو ن أ ن أروا ح موتاه م كانت‬
‫تشاركهم موائد الطعام(‪ .)27‬وكما أسلفنا سابقا‪ ،‬لم يكن ذلك معزولً عن جملة‬
‫التغيرات المناخية والبيئية التي شملت المنطقة العربية عموما‪ -‬في بلد الشام‬
‫كما شرحناه أعله‪ ،‬وفي بلد الرافدين وشبه الجزيرة العربية ووادي ودلتا النيل‪،‬‬
‫والصحراء العربية الكبرى" الليبية"‪ .‬فبعد أن أخذت المطار تقل تدريجيا‪ ،‬وأخذ‬
‫الجفاف بالزدياد وشهدت هذه الفترة مولد نهر النيل بشكله الحالي‪ ...‬منذ اللف‬
‫العاشر قبل الميلد توازن البنى الحضارية الثقافية الجولنية للجماعات البشرية‬
‫ل أنها كانت متوافقة في ارتقائها للسلم الحضاري‪ .‬فالدكتور‬
‫في المشرق العربي إ ّ‬
‫عبد العزيز عثمان يقترح انتقال الحضارة النطوفية التي نتحدث عنها من وادي‬
‫الني ل باتجا ه بل د الشام‪ " ،‬فاستمر ت صناع ة الحجا ر الصغير ة الدقيق ة ذات‬
‫‪- 39 -‬‬

‫الشكال الهندسية المختلفة التي كانت منتشرة في الفترة الخيرة من الحضارة‬
‫السبيلية وانتقلت من حلوان إلى فلسطين وتمثلت في الحضارة النطوفية" ( ‪)28‬‬
‫لكنه يعود ويقول‪ ":‬لقد كانت سورية في العصر الحجري النحاسي كما كانت في‬
‫العصر الحجري الحديث المركز الحضاري الرئيس في الشرق الدنى بأسره‪،‬‬
‫ويرجح بعض العلماء أن معرفة النحاس قد انتشرت من سورية إلى جميع جهات‬
‫الشرق الدنى كمصر وبلد الرافدين‪ ،‬كما أنهم يرجحون أن استعمال الخزف‬
‫وتدجين القم ح والشعي ر وبع ض الشجا ر كالتي ن والزيتون والكرم ة وتدجين‬
‫بعض الحيوانات الهلية التي عثر على دمى لها مصنوعة من الطين كالثور‬
‫والغن م والماع ز والخنزي ر وبع ض الطيو ر كالحمام‪ ،‬انتشر ت من سوري ة إلى‬
‫المناطق المجاورة‪.‬‬
‫وكان ت مراكز حضارة هذا العصر تقع غالبا في أودية النهار وبعض‬
‫السهو ل اللحقية ‪ ،‬وتعتم د زراعته ا عل ى الري ‪ ،‬وتشم ل إل ى جان ب الحبوب‬
‫والشجار المذكورة سابقا بعض أنواع الخضار كالبصل والثوم والخس والحمص‬
‫والفول وغيرها" (‪ )29‬ويعود باحثٌ آخر للجابة على السؤال بمنحى آخر فيعتبر‬
‫أن المصدر المبدع للخزف الملون كان في بلد ما بين النهرين ومنه انتشر إلى‬
‫المواقع الخرى من الشرق العربي فيكتب فانديفر ب‪.‬ب‪ ":‬ومنذ عام ‪ 5500‬قبل‬
‫الميلد اكتشف الخزافون في شمال ما بين النهرين أنّه يمكن التحكم بلون‬
‫الصلصال المحروق‪ ،‬وذلك بضبط حرارة الفرن‪.)30( "..‬‬
‫لكن ما يتّفق عليه الجميع هو الوحدة الحضارية المتكاملة للمنطقة العربية‪،‬‬
‫بغ ض النظ ر ع ن الحركي ة الجولني ة والت ي تدخ ل هن ا ف ي عد د كبي ر من‬
‫الحتمالت‪ ،‬والتي لتهم دراستنا بشيء‪ ،‬لكن مايهمنا هو ذلك التأسيس الواحد‬
‫لبنية ثقافية واحدة على مساحة الوطن العربي‪ ،‬اكتفت في أحد جوانبها بالصقل‬
‫الميثولوج ي المتصاع د المتواصل ‪ ،‬والذي ل م يُعانِ من أيّ انقطاع‪ ،‬انتق ل من‬
‫النماذج الولى التي تحدثنا عنها‪ ،‬حيث كان الفرد جزءا من جماعة يتفاعل مع‬
‫ل ق ولي س الساذج ‪ ،‬بمعناها‬
‫عناصره ا بإبدا ع الطفول ة البشري ة بمعناه ا الخ ّ‬
‫الترابطي التعاوني وليس الناني العدواني‪ ،‬ذلك حين بدأ يميز الفروق المحسوسة‬
‫بين الحلم والواقع‪ ،‬حيث بدأ يميز بين الحدث الواقعي والحدث الحلمي وما يعنيه‬
‫ذلك من صفات خاصة تُداخلُ بين التخييل التركيبي والتحليل التخيلي‪ .‬فاندفع‬
‫يبح ث ع ن قيم ة النسا ن كحال ة مركزي ة ترسخ ت لحقا ف ي البن ى الفلسفية‬
‫البسيطة بقيمها‪ ،‬وليس الساذجة‪ .‬فاتكأ على علقة الخصوبة بين المرأة القادرة‬
‫‪- 40 -‬‬

‫على النجاب والطبيعة القادرة على الخلق والتوالد‪ ،‬فقد عُثر في تل مريبط على‬
‫رأس بشري منحوت من الحجر‪ ،‬ودمية امرأة من الطين هي الولى من نوعها‬
‫في العالم‪ ،‬حيث يظهر تقديس المرأة في هذا الوقت المبكر من التاريخ النساني‪،‬‬
‫كما تشير إلى نمط تفكير انسان ذلك العصر الذي ربط بين المرأة والطبيعة من‬
‫حيث الخصوبة واستمرارية الوجود‪ ،‬فكان أول من عرف فن الرمز والتجريد‪.‬‬
‫كما أثبتت حملة التنقيب والنقاذ الدولية لثار بحيرة السد التي شملت مواقع‬
‫حضارية على ضفتي الفرات في الجزيرة الشامية‪ ،‬وذلك في موقعي تل حبوبة‬
‫وجبل عرودة أنّ النسان في هذه المنطقة عرف الكتابة أيضا بشكلها البدائي‬
‫المبسط والذي تطور فيما بعد ليصبح الخط المسماري(‪.)31‬‬
‫وقد استدل روبرتسن سميث من لفظة" البطن"و" الفخذ" وأمثالهما على مرور‬
‫العر ب ف ي دو ر المومة ‪ ،‬وعل ى أ ن القبائ ل كان ت ق د أخذ ت أنسابه ا القديمة‬
‫وأسماءها من المومة ومن الطوطمية‪ .‬ورأى أن كلمة البطن في الصل كانت‬
‫تعني معنىً آخر غير الذي يذهب إليه علماء النسان‪ ،‬ودليله على ذلك استعمال "‬
‫رحم " (‪ ) 32‬وكا ن يقص د بالجغرافي ة التاريخي ة للجزير ة العربية ‪ ،‬أ ي المتداد‬
‫الجغراف ي الطبيع ي للهل ل الخصيب ‪ .‬وه و م ا يؤك د التواز ي لي س ف ي البنية‬
‫التطورية التاريخية فقط بل وفي رموزها المثيولوجية بما يتوافق مع المرحلة‬
‫التاريخية" الزمنية المدروسة"‪.‬‬
‫فالقراء ة النقدي ة الشريف ة تدر ك وبشك ل حياد ي طبيع ة التداخ ل ف ي البنية‬
‫الديموغرافية‪ ،‬منذ المراحل المغرقة في القدم من التاريخ " الباليوليتي" فتبين من‬
‫فح ص الدوا ت الحجري ة المنسوب ة إل ى المراح ل الباكر ة م ن الباليوليث ‪ ،‬في‬
‫الجزيرة العربية أنها استوردت من فلسطين أو بلد الشام لنها تشبه الدوات‬
‫الحجرية التي عُثر عليها هناك(‪ .)33‬وتؤكد هذه الثار أن الجزيرة العربية كانت‬
‫مأهولة بالناس منذ المراحل الباليوليثية الباكرة‪ .‬حتى الدوات الصوانية التي‬
‫اكتشف ت في الربع الخالي وحضرموت‪ ..‬هي من النوع الذي عُثر عليه في‬
‫جنوب فلسطين(‪.)34‬‬
‫ونلحظ نفس المواصفات والعلمات المؤكدة للوحدة التاريخية والجغرافية‪،‬‬
‫إذا اتجهنا شرقا وشمالً نحو البحرين " الديلم" فقد عثر في البحرين أيضا على‬
‫عدد من رؤوس حراب وسكاكين صنعت من الصخور الصوانية‪ّ ،‬قدّر بعض‬
‫الباحثين عمرها بما يترواح بين عشرة آلف واثني عشر ألف سنة‪ ،‬وهي ترجع‬
‫إلى أواخر أيام الرعي وابتداء الستيطان والستقرار والشتغال بالزراعة‪ .‬وبين‬
‫‪- 41 -‬‬

‫ماعُثرَ عليه من هذه الدوات أحجار سنّت وشذبت لكي تكون بمثابة آلت لحصد‬
‫المزروعات ولقطع الحشائش واجتثاثها من الرض(‪ ) 35‬ومن المثير للنتباه أن‬
‫هذه الدوات هي تالية للتدجين النباتي‪ ،‬وليمكن أن تكون سابقة له‪.‬‬
‫ويمكننا أن نضيف لما أثبتناه في بداية هذا الفصل التداخل‬
‫الجغرافي(الترابط) والذي يفرض بالضرورة تواصلً بشريا موازايا‪ ،‬بين الساحل‬
‫الشرقي الفريقي المقابل لليمن ولحضرموت‪ .‬وذلك بتأكيدنا حول قصة الجانب‬
‫الشرقي‪ -‬أصل الجنس البشري على دور وادي الخسيف في ظهور النسان‬
‫العاقل الول " بدراسة كوبنز"‪ ،‬وما يعنيه ذلك الترابط الجغرافي السابق قبل‬
‫تشكل الممر المائي عبر مضيق باب المندب وما يعنيه ذلك التواصل اللحق في‬
‫اللو ف الول ى م ن الباليولي ث الدنى ‪ ،‬وه ل يمكنن ا أ ن ننف ي أ ن هناك أصلً‬
‫استمرارا جغرافيا للساحل المذكور مع الجانب السيوي‪ ".‬فمن الدلة التي تثبت‬
‫أن اتصال حضر موت بالسواحل الفريقية المقابلة كان قويا ووثيقا في العصور‬
‫الباليوليثية ‪ ،‬ه و عثو ر المنقبي ن عل ى فؤو س وعل ى أدوا ت أخر ى ه ي من‬
‫صناعات افريقية‪ ،‬دليل على شدة العلقات ومنبع توثقها بين افريقيا والسواحل‬
‫العربية الجنوبية " (‪ )36‬وهو ما يشير إلى التأسيس النتروبولوجي اللحق لوادي‬
‫النيل‪ ،‬وما يعنيه ذلك التأسيس من رموز ميثولوجية وطقسية واحدة‪ "،‬فعثر على‬
‫كهو ف من العصو ر الباليوليثية ‪ ،‬وق د صور ت على جدرانه ا صو ر حيوانات‬
‫وصور الشمس والهلل‪ ،‬وذلك على طريق التجارة القديمة في العربية الجنوبية‪،‬‬
‫بين وادي" يبعث " ووادي " عرقه" وهي تشبه في أهميتها من ناحية الدراسة‬
‫الثرية الصور المتقدمة التي عُثر عليها في " كلوة" في الردن‪.‬‬
‫وجميعن ا يدر ك دو ر الشم س ف ي المظاهرا ت التالي ة لمثيلوجي ة المنطقة‬
‫العربية من جزيرة الديلم شرقا وحتى السواحل العربية الفريقية الشمالية وبنفس‬
‫الدور والهمية ينخرط الله القمر‪ .‬وقد شكل بنيةً مثيولوجية متتالية متصاعدة‬
‫سنعرج على بعض جوانبها بالتفصيل لحقا‪.‬‬
‫ومن هذا نستنتج أن منطقة الشرق العربي تميزت بسبقٍ مهم على كل‬
‫مستويا ت التسلس ل الزمن ي الباليوليث ي بسويّات ه الثل ث وصولً إل ى العصر‬
‫النيوليتي والذي كتبت عنه مجلة" العلم والحياة" العدد الراب ع ‪ ،)37( 1991‬بأن‬
‫الشر ق العربي ‪ ،‬ه و مه د الثور ة النيوليتية ‪ ،‬وبدراس ة تجم ع آرا ء العدي د من‬
‫الباحثين الثاريين لمراحل ما قبل التاريخ كتبت تقول بأن العصر النيوليتي في‬
‫الشرق العربي مذهل حقا‪ ،‬بل يستحق صفة" الثورة " عن جدارة واستحقاق‪.‬‬
‫‪- 42 -‬‬

‫ولكن هل كانت ثورة بيئوية‪ ،‬أم مادية‪ ،‬أم ثقافية؟ وقبل أن ننتقل للجابة التي‬
‫أوردها المصدر المذكور‪ ،‬لبد أن نشير إلى أن السياق العام المتعدد المستويات‬
‫الذ ي تحدثن ا عنه ‪ ،‬بم ا يخ ص التطو ر النتربولوج ي المعرف ي ف ي توصفاته‬
‫الميثولوجي ة الولى ‪ ،‬يؤك د أ ن الثور ة الثقافي ة والت ي كان ت المظه ر الناسي‬
‫المعرفي للتطور البيئي‪ -‬المادي‪ ،‬ما كانت لتحدث كقفزة في الفراغ بدون التطور‬
‫المادي البيئي " والبنى التحتية ذا ت الصيرورة المادية‪ -‬البيئية‪ .‬ويؤكد البحث‬
‫المذكور أعله بأن الشرق العربي‪ ،‬هو مهد" الثورة " النيوليتية‪ ،‬وكلمة المهد‬
‫المستخدم ة بالدراسة ‪ ،‬توح ي بالوحد ة الجغرافي ة للسيرورة ‪ ،‬ف ي حي ن شهدت‬
‫مناطق أخرى عديدة من العالم تحولً من النمط نفسه وبالمقابل‪ ،‬الشرق العربي‬
‫هو أبكر مناطق العالم نضوجا‪ :‬لقد انطلقت سيرورة تحوّل الصيادين ‪ -‬القطافين‬
‫إل ى مزارعين‪ -‬مرب ي حيوانات ‪ ،‬واكتمل ت هن ا في وق ت مبك ر ل م تجار ه في‬
‫بكوريته أية منطقة أخرى(‪.)38‬‬
‫لقد استمرت الحركة النيوليتية الطويلة أكثر من أربعة آلف عام‪ ،‬وخلل‬
‫هذه المدة غيرت الجماعات البشرية وعدلت‪ ،‬بالتدريج‪ ،‬في سلوكياتها‪ ،‬فاستبدلت‬
‫الحركي ة الضروري ة لقتفا ء أث ر الطرائ د والنباتا ت البرية ‪ ،‬لد ى الجماعة‪،‬‬
‫بالستقرار المتدرج في الوقت نفسه والمواقع ذاتها‪ .‬وانتصبت مكان التخييمات"‬
‫الفصلية والمآوي الخفيفة والعابرة‪ ،‬أولى القرى التي ضمت أكواخا ذات هياكل‬
‫‪Les NOTOUFINES‬‬
‫أقوى‪ ،‬تُسكن على مدار العام‪ ،‬وقد تمثلت هذه المرحلة ب‬
‫الذين استقروا في بلد المشرق العربي منذ اللف العاشر قبل الميلد‪ ،‬وشكلوا‬
‫بذلك‪ ،‬الجماعات الحضرية الولى في التاريخ والتي انبثقت فيها المعالجات التي‬
‫قادت مع بداية اللف الثامن قبل الميلد إلى أولى التجارب الزراعية النوعية بعد‬
‫أن " استغلت" لفترات طويلة في عملية تدجين تمهيدية وظهرت بشكل نوعي‬
‫الزروع الولى " القمح والشعير والشيلم" وأولى القطانيات " الجلبان والفول"‬
‫بشكلها الداجن النوعي‪ .‬وهذا عنى من الناحية الذهنية التعامل بطرائق عقلية‬
‫خاصة ‪ ،‬قادر ة عل ى التحلي ل والتركي ب والتجري ب والتجري د بحدود ه وعلماته‬
‫البيّنة‪ ،‬رغم نمذجتها الولية والتي أفضت بالتالي إلى التجديد الجوهري بهيمنته‬
‫التدريجية على الطبيعة المحيطة‪.‬‬
‫فالتحكم بموقع الحقل‪ ،‬وبجودة المحصول وكميته أدى إلى رؤية خاصة لقوة‬
‫العمل ومدته‪ ،‬وارتباط ذلك ببنية النسان القادر على التعامل مع محيط أكثر‬
‫تعقيدا أد ى بالضرور ة إل ى تطو ر أناس ي معرف ي انتق ل بمقدرا ت النسا ن في‬
‫‪- 43 -‬‬

‫المشر ق العرب ي إل ى حال ة تجري د الظاهر ة لضرور ة معالجتها ‪ .‬فالستقرار‬
‫الموقعي المرتبط بما سبق أدى إلى التآلف التدريجي مع بعض النواع القطيعية‬
‫التي كانت محط صيد متميز " الماعز‪ ،‬والخراف والبقريات" بحيث تم الحفاظ‬
‫عليها قريبة من مواقع العيش قبل النتقال إلى تدجينها والتحكم بتكاثرها‪ .‬وهكذا‬
‫حدد ت الل ف الثلث ة (‪7000-10,000‬ق‪.‬م) المميز ة للثور ة النيوليتي ة ف ي منطقة‬
‫الشرق العربي‪ ،‬معالم هامة لظاهرة ضخمة وحيوية ونوعية‪ .‬فعلى المستوى‬
‫التقني طورت صناعة حجرية أساسية قوامها أدوات صغيرة ودقيقة البعاد جدا‪،‬‬
‫واستبدلت هذه الخيرة بأدوات جديدة‪ ،‬يوحي شكلها مباشرة بمجال وظيفتها‪،‬‬
‫كرؤوس السهام‪ ،‬وأنصا ل المناجل‪ ،‬مع أسنان وبدونها‪ ،‬وظهر ت تقنية صقل‬
‫الحجارة التي أتاحت لقاء عمل مسبق وأطول مدة مرة أخرى استغلل مواد أكثر‬
‫صلبة‪ ،‬وبالتالي أكثر استمرارية وخدمة من الصوان المشذب التقليدي‪:‬‬
‫الفؤوس‪ ،‬والبليطات المعقوفة المقاطع‪ ،‬والمجارف المصقولة تكاثرت نحو‬
‫‪ 7500‬ق‪.‬م‪ .‬وكانت هذه التقنية نقطة انطلق لشياء جديدة كالوعية أو الطباق‬
‫الحجرية وأدوات الزينة والساور‪ .‬وظهرت في نفس الفترة مواد مبتكرة نتيجة‬
‫التكليس كالجير والجص‪ ،‬من ثم إعادة تمييه الحجر الكلسي أو الجبس‪ ،‬وبعد‬
‫ظهورها في بداية اللف الثامن راج استعمالها في البناء " لياسة الجدران‪ ،‬وفصل‬
‫الراضي‪ " .‬وف ي صناع ة الني ة (‪ . )39‬وم ع بداي ة الل ف الساد س قب ل الميلد‬
‫استبدلت هذه المواد بابتكار آخر أي السيراميك " الفخار"‪ /‬تربة مقولبة قبل الشيّ‪.‬‬
‫وروفق ذلك بابتكار فن العمارة ابتداءً من الكوخ الصخري‪ ،‬فالبيت ذي الجدار‬
‫الدائري‪ ،‬فالبيت ذي الجدار المضلع القابل للتوسع كما تحدثنا أعله‪.‬‬
‫" فإذا تمسكنا بالدلة الناتجة عن تحليل العمارة فإن فرضيات جديدة ستنضم‬
‫إلى الضرورات التي تفرضها البيئة‪ ،‬وفي الحقيقة سنميل إلى تثبيت العتقاد‬
‫المسب ق بوجو د درج ة م ن درجا ت التنظي م الجتماعي ‪ ،‬أتاح ت للجماعات‬
‫البشرية‪ ،‬كما في اللف الثامن‪ ،‬أن تتكاثر وينمو عددها محليا فالنتظام المتراص‬
‫للمساكن على طول " الشوارع"‪ /‬في أبو هريرة وفي الرماد ‪ /‬دليل على وجود‬
‫نمط جديد من ترابط النسيج القروي‪ .‬كذلك فإن الدليل الضعيف حتى الن على‬
‫وجود مجاري وقنوات للمياه في بقرص يمكن أن يطرح أمامنا مسألة التوزيع‬
‫البلدي للمياه‪ ،‬وهو وجه من أوجه التنظيم البلدي الذي أراد الستاذ تشايلد أن‬
‫يرى فيه نقطة النطلق نحو التمدن"(‪.)40‬‬
‫كانت تلك الرضية القتصادية‪ ،‬نموذجا خاصا للرؤية التجريدية‪ ،‬في فصل‬
‫‪- 44 -‬‬

‫المنظوم ة العقلي ة المتعافي ة ف ي تعامله ا م ع حال ت أكث ر تعقيدا ‪ ،‬بحي ث ينتقل‬
‫التدجين من كونه فعلً تلقائيا تقوم به الجماعة بإدارة ما تنبته الطبيعة إلى فعلٍ‬
‫قادر على ممارسة الفعل نفسه في منطقة لتنبت تلك النباتات البرية‪ ،‬بحيث تنقل‬
‫الحبوب من منطقة لتزرع في أخرى لم تكن مهيأة مسبقا للنمو التلقائي" فموقع‬
‫راس شمرة " أوغاريت " يقدم لنا الشواهد الولى على الستقرار الزراعي في‬
‫منطقة لتنبت الحبوب البرية فيها " (‪ ) 41‬منذ اللف الثامن‪ ،‬وهذا يعني وجود‬
‫التصوّر‪ /‬النموذج لستنبات المحاصيل ورعايتها خارج مواقع تواجدها التلقائي‪،‬‬
‫مما حدا بالجماعات البشرية في المشرق العربي إلى الطموح لختيار مواقع‬
‫معيشة أكثر تلؤما مع الظروف البيئية ليس الطبيعية فقط بل والنسانية في‬
‫معانيه ا الرقى " فق د رأين ا أ ن هجر ة الموط ن كم ا ف ي حو ض الفرات ‪ ،‬في‬
‫المريبط‪ ،‬لم تكن تعني هجر المنطقة نفسها‪ ،‬ففي الوقت الذي هجرت فيه المريبط‬
‫نشأت في نهاية اللف السابع ثلث قرى جديدة إلى الجنوب من الخط المطري‬
‫الحالي البالغ ‪ 200‬مم‪ ،‬وهي ابو هريرة وبقرص على الفرات والكوم في حوض‬
‫تدمر" (‪ ،)42‬وذلك لم يميز فقط منطقة المشرق العربي‪ ،‬بل امتد ليصل إلى‬
‫المغرب العربي‪ ،‬وذلك بالتوازي والتوافق الحاصل في البنية التقنية والسوية‬
‫الحضارية لكلٍ من الحضارة النطوفية " والتي تحدثنا عن علقتها بما يوازيها‬
‫في وادي النيل" والحضارة القفصية‪ ،‬وبما عناه ذلك من بنية مثيولوجية كانت‬
‫تشكل جوهر التوصفات اللحقة في تطور البنى والمظاهر الطقوسية برموزها‬
‫المتعددة‪ .‬فالطيب تيزيني يؤكد على ذلك في كتابه الفكر العربي في بواكيره‬
‫وآفاقه الولى حيث يقول ‪ ":‬فلقد اكتشف العلماء الثاريون معبدا لعله القدم من‬
‫نوعه‪ ،‬وذلك في حضارة أريحا في فلسطين‪ .‬أما تاريخه فيعود إلى ماقبل اللف‬
‫السابع قبل الميلد‪ .‬في هذا المعبد وجدت أنصاب وتماثيل لعدد من الحيوانات‬
‫الهلية " أغنام وماعز وأبقار وخنازير" إضافة إلى شكل لعضو الرجل الجنسي‪.‬‬
‫وقد جعل هذا الكتشاف وليم أولبرايت يصل إلى العتقاد بأن أقوام العصر‬
‫النطوفي الذين عاشوا في تلك الفترة التاريخية البعيدة‪ ،‬في كنعان كانوا من عبدة‬
‫العضو الجنسي‪ .‬والمر هذا نفسه نتبين تعبيرات أخرى له في الحضارة القفصية‬
‫في تونس"(‪.)43‬‬
‫وبالعودة إلى بلد الرافدين فلقد " وجدوا بقايا حضارة مختلفة تماما عن‬
‫حضارة أور على عمق ستة عشر قدما من مستوى سطح أور التي عاشت‬
‫حوالي ‪ 2700‬ق‪.‬م لقد وجدوا مدينة ذات منازل من الجر حسنة البناء عمرها ستة‬
‫‪- 45 -‬‬

‫ألف سنة‪ .‬وعرف وولي أنه اكتشف أقدم حضارة على الرض" (‪ .)44‬وبحديثه‬
‫عن البنية المثيولوجية لتلك الجماعة البشرية يقول ليونارد وولي‪ " :‬وكانوا يلقون‬
‫المي ت ف ي قبر ه عل ى أح د جانبي ه ويجمعو ن ركبتي ه إل ى صدره ‪ ،‬بدعو ى أن‬
‫النسان يأتي إلى الدنيا بهذا الشكل وعليه أن يغادرها على هذا النحو أيضا‪:‬‬
‫وكانوا يعتقدون أن الموت عبارة عن انتقال إلى عالم آخر‪ ،‬ولذلك تراهم يضعون‬
‫إلى جانب الميت أواني الطعمة ووسائل الزينة وغيرها من الدوات البسيطة‬
‫التي يحتاج إليها الفرد في حياته العتيادية‪ ،‬وذلك مما يدلنا على اعتقادهم بعودة‬
‫الروح إلى الجسم‪ ،‬وحينئذ يحتاج الميت إلى ماوضع بجانبه"(‪ ) 45‬لكن هل كان‬
‫ذلك نتيجةً لعدم قدرة النسان على الفصل بين الحلم والواقع‪ ،‬بحيث كانت تتردد‬
‫في أحلمه وجوه أسلفه وأترابه المتوفين بشكلها الحي بحيث ليستطيع تمييز‬
‫ذلك عن واقعة الموت؟ أم كان نتيجة لبنية مثيولوجية كاملة تتوضع باليمان‬
‫اللهوتي ببعث الميت حيا في زمنٍ لحق؟ أم كان متوضعا في بداية ادراك‬
‫النسا ن لمعن ى المو ت وم ا يترك ه ف ي النفو س م ن خو ف يستدع ي اليمان‬
‫بالنبعاث كمخرج حتمي من هذا المصير؟ سنأتي على ذلك لحقا مع الستمرار‬
‫بالقراء ة النتروبولوجي ة المعرفي ة لتطو ر الميثولوجي ا العربي ة ف ي صعودها‬
‫اللحق‪.‬‬
‫‪ρ‬‬

‫‪- 46 -‬‬

‫‪åæÇãÔ ÇáÝÕá ÇáËÇäí‬‬
‫(‪ ) 1‬يان ايلينيك ‪-‬الفن عند النسان البدائي‪ -‬ترجمة د‪ .‬جمال الدين الخضور دار‬
‫الحصاد دمشق ص ‪279‬‬
‫(‪ )2‬كوبنز‪ .‬ي مجلة العلوم المجلد ‪ - 11‬العدد ‪ 2‬شباط ‪ 1995‬ص ‪.12‬‬
‫(‪ ) 3‬هيوتن د‪ .‬أ‪ ،‬وودوك ج‪ .‬م‪ -‬تغير مناخ الكرة الرضية ‪ -‬مجلة العلوم المجلد ‪6‬‬
‫العدد ‪ 22‬تشرين الثاني ‪ 1989‬ص ‪11‬‬
‫(‪ )4‬فراس السواح ‪ -‬دين النسان ص ‪ ،124‬دار علء الدين دمشق ط ‪1994- 1‬‬
‫(‪ )5‬فاندرميرش وبار‪ -‬يوسف‪ .‬النسان الحديث في الشرق ‪ -‬مجلة العلوم المجلد‬
‫‪ -11‬العدد ‪ " -1-‬يناير" كانون الثاني ‪ 1995 -‬ص ‪30‬‬
‫(‪ )6‬المصدر نفسه ص ‪31‬‬
‫(‪ )7‬المصدر نفسه ص ‪32‬‬
‫(‪ )8‬المصدر نفسه ص ‪31‬‬
‫(‪ )9‬فراس السواح ‪ -‬دين النسان ص ‪124‬‬
‫(‪)10‬ـ ـفاندرميرشـ ـوبارـ ـ‪-‬يوسفـ ـ‪-‬النسانـ ـالحديثـ ـفيـ ـبلدـ ـالشرقـ ـ‪-‬مجلدـ ‪1-11‬‬
‫كانون الثاني ‪1995‬‬
‫(‪ )11‬المصدر نفسه‬
‫(‪ )12‬فراس السواح ‪ -‬دين النسان ص ‪129‬‬
‫(‪ )13‬يان ايلينيك ‪ -‬نفس المعطيات السابقة ص ‪.306‬‬
‫( ‪ )14‬المصدر نفسه‪.‬ص ‪307‬‬
‫(‪ ) 15‬مور أ‪.‬م‪.‬ت ‪ -‬قرية زراعية سورية مع نهر الفرات سبقت العصر الحجري‬
‫الحديث‪-‬ـ ـمجلةـ ـالعلومـ ـالمجلدـ ‪-6‬ـ ـالعدد‪ 10-‬ـتشرينـ ـالول‪-‬ـ ‪-.1989‬نشرت‬
‫الدراسة في ‪)Scintific American August (1979‬‬
‫(‪ ) 16‬جاك كوفان ‪ -‬الوحدة الحضارية في بلد الشام بين اللفين التاسع والسابع‬
‫قبل المبلد‪ ،‬ت‪ ،‬قاسم طوير ط ‪ 1984‬ص ‪8‬‬
‫(‪ )17‬المصدر نفسه ص ‪21‬‬
‫(‪ )18‬يان ايلينيك ص ‪ 241‬وص ‪247 -246‬‬
‫(‪ )19‬جاك كوفان ص ‪115‬‬
‫(‪ )20‬المصدر نفسه ص ‪08‬‬
‫(‪ )21‬المصدر نفسه‬
‫(‪ )22‬المصدر نفسه ‪- 149 -141‬وفراس السواح دين النسان ص ‪.164 -163‬‬
‫(‪ )23‬جاك كوفان هامش ص ‪149‬‬
‫(‪ )24‬جاك كوفان ص ‪170‬‬
‫(‪ )25‬جاك كوفان ص ‪170‬‬
‫(‪ )26‬أنطون موتكارت‪ ،‬تاريخ الشرق القديم‪ ،‬بدون دار النشر‪ ،‬ج ‪ ،1‬تعريب توفيق‬
‫سليمان وعلي أبو عساف وقاسم طوير ‪ -‬ص ‪24-23‬‬
‫(‪ )27‬أنطون موتكارت ص ‪19‬‬
‫(‪ )28‬د‪ .‬عبد العزيز عثمان تاريخ الشرق القديم ص ‪ ،395‬ج ‪1‬‬
‫( ‪ )30‬فاند يفرب‪.‬ب‪ -‬طليات الخزف القديمة ‪-‬مجلة العلوم‪ ،‬المجلد ‪ -9‬العددان "‬
‫‪ "29‬يناير‪ -‬فبراير‪.1993 -‬‬
‫(‪ )31‬محمد وحيد خياطة ‪-‬مجلة الفكر العربي ص ‪ 41‬العدد ‪52‬‬
‫(‪ )32‬جواد علي‪ .‬المفصل في تاريخ العرب قبل السلم‪ ،‬دار العلم للمليين‪ ،‬ط ‪2‬‬
‫‪- 47 -‬‬

‫‪ ،1978‬ج ‪ 1‬ص ‪523‬‬
‫(‪ )33‬جواد علي المصدر السابق‪ ،‬ج ‪- 1‬ص ‪ 530‬عن ‪George Journal Vol‬‬

‫(‪ )34‬المصدر السابق ص ‪.537‬‬
‫(‪ )35‬د‪ .‬جواد علي المصدر السابق‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪534‬‬
‫(‪ )36‬د‪ .‬جواد علي‪ ،‬المصدر السابق ص ‪531‬‬
‫(‪ ) 37‬ترجمةـ محمدـ دنيا‪-‬ـ ‪ -‬عندماـ انطلقـ العالمـ منـ الشرقـ " الوسط"‪،‬ـ مجلة‬
‫المعرفةـ ـدمشقـ ـ‪-‬ـ ـالعددـ ‪ 368‬ـأيار‪-‬ـ ـمايوـ ‪ 1994‬ـنقل ًـ عنـ ـمجلةـ ـ"ـ ـالعلم‬
‫والحياة" العدد الرابع لعام ‪1991‬‬
‫(‪ )38‬المصدر السابق ص ‪202‬‬
‫(‪ )39‬المصدر السابق ص ‪204‬‬
‫(‪ )40‬جاك كوفان ص ‪108‬‬
‫(‪ )41‬جاك كوفان ص ‪107‬‬
‫(‪ )42‬جاك كوفان ص ‪107‬‬
‫(‪ ) 43‬الطيب تيزيني‪ ،‬الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الولى‪ ،‬دار دمشق‪ ،‬ط ‪1‬‬
‫‪ 1982‬ص ‪409‬‬
‫(‪ )44‬المصدر السابق ص ‪91‬‬
‫(‪ ) 45‬السر ليونارد وولي وادي الرافدين مهد الحضارة ‪ -‬تعريب أحمد عبد الباقي‬
‫مكتبة المثنى ببغداد ط ‪ 1948 1‬ص ‪.18‬‬
‫‪ρϖρ‬‬

‫‪- 48 -‬‬

‫‪:ÇáÝÕá‬‬

‫‪ÇáËÇáË‬‬

‫‪-ÇáÍÑÇß ÇáÌÛÑÇÝí ÇáÃäÇÓí ÇáÚÑæÈí‬‬
‫‪ãÚ ÝÌÑ ÇáÊÇÑíÎ‬‬

‫نستنتنج مما سبق أن إنسان المشرق العربي بدأ مع نهاية اللف السادس قبل‬
‫الميلد بالنتقال من‪:‬‬
‫‪ -1‬وحدة الواقع والحلم‪.‬‬
‫‪ -2‬وحدة الرض والسماء‪.‬‬
‫‪ -3‬وحدة القائم حاليا ً مع الخلف والسلف‪.‬‬
‫إلى‪:‬‬
‫‪ -1‬التمييز بين الواقع والحلم‪.‬‬
‫‪ -2‬فصل الرض عن السماء‪.‬‬
‫‪-3‬ـ ـالتمييزـ ـبينـ ـماـ ـهوـ ـقائمـ ـفيـ ـ"ـ ـالموضوع"ـ ـعنـ ـالخلف‬
‫والسلف‪.‬‬
‫لكن وبعد أن أثبتنا التوازي والتطابق في التطور‪ ،‬وحتى تلك الفترة‪ ،‬على‬
‫كام ل مساح ة الوطن العرب ي والتي ضبطناه ا جغرافيا وحددناها ضمن دائرة‬
‫البح ث بالشرق العربي " الدنى" ‪ /‬بلد الشام وبلد الرافدين وشبه الجزيرة‬
‫العربية‪ /‬وبشمال افريقيا مضافا إليه السودان كامتداد جغرافي وطبيعي‬
‫وديمغراف ي لواد ي الني ل والساح ل الشرق ي للبح ر الحم ر وامتداد ه التال ي في‬
‫الساح ل الصومال ي مرورابالقر ن الفريقي ‪ ،‬لب ّد م ن المرو ر عل ى الحركية‬
‫الديمغرافي ة باحتمالته ا المفترض ة وبالسيا ق التاريخ ي المفسر ‪ .‬برغ م وجود‬
‫احتمالت نظرية أخرى لطبيعة واتجاهات حركات جولت الكتل البشرية في‬
‫المنطقة العربية المحددة أعله‪ .‬فلقد " أكد عدد من مشاهير علماء الثار أن‬
‫الهجرات من جزيرة العرب لم تقتصر على سورية وفلسطين ولبنان ‪ /‬بلد‬
‫الشام‪ /‬والعراق‪ ،‬بل تعدتها إلى مصر أيضا حيث يعتقد بأن جماعات نزحت من‬
‫جزيرة العرب إلى وادي النيل واستقرت فيه في حدود اللف الرابع قبل الميلد‪،‬‬
‫‪- 49 -‬‬

‫فجاء ت هذه الجماعا ت إل ى مص ر من بزرخ السوي س أو من طريق جنوب‬
‫الجزيرة عبر مضيق باب المندب"(‪.)1‬‬
‫وهن ا لب د م ن التذكي ر بحقيقةٍ ثانية ‪ /‬بالضاف ة إل ى الحقيق ة الول ى التي‬
‫أوردناها في الفصل السابق‪ /‬مفادها أن المتداد العربي في القارة الفريقية هو‬
‫أوسع في جغرافيته الطبيعية والديموغرافية مما هو عليه في آسيا ‪ ".‬فيذهب‬
‫البعض إلى أن الهيكل المنضدي المصدوع الذي يمثل سواحل اليمن والحجاز‪-‬‬
‫يظه ر بشك ل متشاب ه ف ي سواح ل أفريقي ا فيم ا ورا ء البح ر الحمر ‪ ،‬مم ا حدا‬
‫بالجغرافيين إلى اعتبار شبه الجزيرة العربية جزءا من القارة الفريقية يفصله‬
‫عنها شبه انحراف "(‪ ) 2‬كما يذهب البعض الخر‪ ،‬إلى أن البحر الحمر في‬
‫عهو د جيولوجي ة غابر ة كا ن عبار ة ع ن بحير ة مغلق ة تتوض ع بي ن القارتين‬
‫الفريقية والسيوية‪ .‬أما الدراسات الحديثة لدى بعض المفكرين الفريقيين في‬
‫غرب أفريقيا فترى أن القبائل العربية عبرت مضيق باب المندب من اليمن إلى‬
‫شرق أفريقيا وعبرت القارة على طول خطوط العرض حتى استقرت في بلد‬
‫اليوربا‪ ،‬غربي نيجيريا‪ ،‬وفي السودان الغربي‪ ،‬وأوغلت جنوبا عن طريق بحر‬
‫العرب والمحيط الهندي إلى زنجبار وشواطئ كينيا وتانجانيقا ومن هناك توغلت‬
‫على خطوط العرض حتى عرفت جبال القمر وهضبة البحيرات وأكثر من هذا‬
‫وصلت إلى تقسيم المياه بين نهري النيل والكونغو(‪.)3‬‬
‫إن الخذ بهذه المقولة يبدو سليما من الناحية العلمية خصوصا إذا أدركنا‬
‫طبيعة الحركية الديمغرافية مع الظروف والشروط البيئية والطبيعية‪ .‬وقيام‬
‫الحضارات الولى في المناطق الزراعية المستقرة نسبيا مع بقاء حركة الجولن‬
‫في مناطق الرعي والصحراء مفتوحة على احتمالت عديدة ومتشعبة‪ .‬بحيث لم‬
‫تكن الجزيرة العربية أشبه بكأس ماء على حد وصف المستشرق غوستاف لوبن‬
‫كلما زدنا امتلء الكأس فاض الماء عن الكأس وسال عن أطرافه إلى مالنهاية‪.‬‬
‫ففي العصور الماقبل تاريخية تذهب الدراسات إلى أن " هجرات "‪ -‬لسباب‬
‫مختلف ة ‪ -‬تم ت بي ن مناط ق الوط ن العرب ي وحت ى فج ر التاريخ ‪ ،‬ول م تكن‬
‫الحضارات التي نشأت إلّ نتيجة امتزاج جديد بين العناصر العروبية ذات النشأة‬
‫الواحد ة بع د أ ن تفرق ت وعاد ت لتلتئم‪.‬فحضار ة واد ي الني ل العظيم ة نمت‬
‫وتطورت بتدفق الهجرات من جانبي الوادي‪ ،‬من الصحراء الليبية غربا‪ ،‬ومن‬
‫صحراء الجزيرة اللتين كانتا غزيرتي المياه مناسبتين للحياة من جهة‪ ،‬وتجفيف‬
‫المساحات الشاسعة من مجرى النيل الذي كان مجرد مستنقعات‪ ،‬بحيث صار من‬
‫‪- 50 -‬‬

‫الممكن العيش فيه من جهة أخرى‪ .‬وتكونت " مملكتان " في الشمال والجنوب من‬
‫الوادي حتى تم توحيدهما أواخر اللف الرابع ق‪.‬م‪ .‬وتكوين التاريخ المكتوب‬
‫لحضارة مصر القديمة (‪ .)4‬واستمرت الهجرات من الصحراء الليبية حتى بعد‬
‫ذلك‪ .‬في نفس الوقت الذي دفعت فيه الجزيرة هي الخرى بموجات اتجهت هنا‬
‫وهناك‪ .‬فإلى مصر عن طريق عبور البحر الحمر وصلت مجموعات كونت‬
‫دولة الصعيد‪" .‬وما يؤكد ذلك أن البلد المعروفة اليوم باسم " اثيوبيا" لم تُعرف‬
‫عند العرب‪ -‬قبل السلم وبعده‪ -‬بغير اسم الحبشة ومن التمسية العربية أخذ‬
‫الوربيون تسميتهم للبلد ‪ Abyssinia‬والتسمية " الحبشة" نسبة إلى قبيلة " حبشت"‬
‫ل‬
‫التي قدمت من اليمن ‪ /‬مهرة بحضرموت‪ /‬أو تهامة اليمن‪ .‬ويمكن القول إجما ً‬
‫إن الجنس الغالب في الحبشة شبيه عرقيا بسكان جنوب الجزيرة العربية‪ .‬بل إن‬
‫تاريخ الحبشة يبدأ في الجزيرة العربية‪ .‬وكانت الحبشة‪ -‬عبر تاريخها الطويل‪-‬‬
‫جسرا بين قارتي آسيا وافريقيا‪ .‬وكثير من سكانها قدموا من الجزيرة العربية منذ‬
‫زمن بعيد عبر مضيق باب المندب الذي ليتجاوز عرضه‪ -‬حاليا‪ -‬عشرين ميلً"‬
‫(‪ ) 5‬والمتفحّص لتسمية الماكن والنهار والتضاريس منذ فجر التاريخ وحتى‬
‫الن ‪ ،‬يدركُ أ ن الحبش ة كان ت العتب ة الت ي وطأته ا أقدا م العر ب ف ي انتقالهم‬
‫اللمتقطع باتجاه القسم العربي من افريقيا‪ ،‬فيكتشف أن أسماء تلك الماكن في‬
‫الجانب الفريقي من أصل يمني مثل‪ :‬سبأ‪ ،‬سَحرت‪ ،‬هَوزن‪ ،‬سراة‪ ،‬مأرب(‪...)6‬‬
‫وهي بالتأكيد أسماء نقلها المهاجرون من وطنهم الصلي إلى حيث‬
‫استقروا‪(.‬بالنسب ة للتطاب ق ف ي الث ر اللغو ي والميثولوج ي والدين ي فسير د في‬
‫فصوله الموافقة) "ففي عام ‪ 1681‬أعرب هيبوب لودولف عن وجهة نظره بأن‬
‫حضارات الحبشة يمكن ارجاعها إلى مهاجرين قدموا من اليمن‪ ،‬استنادا إلى‬
‫التشابه بين لغة البلدين ووجود عناصر مشتركة في دياناتهما وعاداتهما القديمة‪،‬‬
‫والتشابه في الملمح والهيئة‪ ..‬وأشار لودولف على وجه الخصوص إلى أقوال‬
‫الجغرافيين القدامى‪ .‬فقد أورد أحدهم ‪ -‬ستيفانوس البيزنطي‪ -‬فقرة من" العربية‬
‫‪ Arabic‬من تأليف أورانيوس عرّف فيها الحباش بأنهم من أصل عربي قدموا من‬
‫اقليم يقع وراء سبأ وحضرموت‪ .‬وأعرب لودولف عن اعتقاده بأن اسمهم لبد‬
‫وأن يُخفي اسم الجداد العرب للحباش‪ .‬إلّ أنه لم يتمكن من تحديد الموضع‬
‫الذي قدموا منه من اليمن‪ ،‬ويبدو أنه حسبهم قدموا من تهامة على ساحل اليمن‪.‬‬
‫كما أنه لم يتوصل إلى تحديد هجرتهم من اليمن واكتفى بالقول إنها هجرة قديمة‬
‫منذ ماقبل ميلد المسيح‪ .‬والصول العربية للثقافة الحبشية أخذت طابع الحقيقة‬
‫المسلّم بها بعد أن قام النمساوي د‪ .‬ه ‪ .‬ملر سن ة ‪ 1893‬بنشر قطع من سبعة‬
‫‪- 51 -‬‬

‫نقوش كتبت بحروف جنوب الجزيرة العربية " المسند" عُثر عليها في بلدة يحا‬
‫‪ Yaha‬على بعد خمسين كيلو مترا شرقي أكسوم على الطريق المؤدية إلى ميناء‬
‫أووليس " عدولي" القديم (‪ .)7‬وعندما درس جليسر القضية سنة ‪ 1895‬رأى أن‬
‫التسمية " حبشة‪ -‬حبشت" منذ زمن عريق في القدم كانت تسمية عامة لكافة‬
‫مزارعي وجامعي اللبّان‪ ،‬لفي جنوب الجزيرة العربية فحسب بل أيضا في‬
‫الصومال والحبشة واعتبرهم استمرارا ثقافيا واحدا‪ ،‬وبرر رأيه بورود الكلمة"‬
‫ألف مضة" حبستي في النصوص الهيروغليفية القديمة وبالرجوع إلى المعنى‬
‫الصلى للفعل العربي " حبش" وهو" جمع(‪ ) 8‬ول أعتقد من ناحيتي بأن من‬
‫الضرورة بمكان تذكير القارئ بأن جنوب الجزيرة العربية كان المصدر والمنتج‬
‫الوحيد للبخور واللبان في كل نواحي العالم المعروف منذ ما قبل التاريخ وحتى‬
‫المراحل التالية من الحضارات الجليلة‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1962‬نشر الباحث الفرنسي دروز ‪ Drewes‬دراسة تحليلة للنصوص‬
‫الحبشية في كتاب صدر في ليدن بعنوان" نقوش من الحبشة القديمة" ومن أهم‬
‫النقاط التي أثارها تلك المتعلقة بهوية الشعب الذي أدخل ثقافة جنوب الجزيرة‬
‫ل بأن حبشت كانت في الصل قبيلة من‬
‫العربية إلى الحبشة‪ ،‬وبالتالي أصبح مقبو ً‬
‫جنوب الجزيرة العربية عبرت في وقت مبكر‪ -‬قبل القرن الخامس قبل الميلد‬
‫بزمن طويل‪ -‬البحر الحمر واستقرت بادئ المر على ساحل أرتيريا " سهل‬
‫سمهر" وتسربت تدريجيا إلى أقاليم المرتفعات في الداخل الحبشي حول يحا‬
‫وأكسوم(‪.)9‬‬
‫"أما المستشرق اليطالي كونتي روسيني فيرى أن شعب الحبشة قدم إلى‬
‫افريقيا من ساحل اليمن أو عسير‪ /‬مما يسهل لقربه عملية العبور إلى ساحل‬
‫ارتيريا‪ .‬وهو يرى أن أحد المواطن الرئيسية لحبشت كان بمقاطعة سحرمّان‬
‫القديمة"وفي هذا المنطقة يوجد جبلن يحمل أحدهما اسم" حبش " ويحمل الجبل‬
‫الخ ر اسم " جيش " وعل ى وج ه التحدي د عل ى مقرب ة م ن لحيّ ة حوال ي سبعين‬
‫كيلومترا شما ل غرب ي الحديدة ‪ ،‬مابين واد ي بي ش وواد ي سردود ‪ .‬كم ا يرى‬
‫روسيني أن مقاطعتي سحرت وهوزين في اقليم تيجري شمال الحبشة تقابلن‬
‫سحرتان وهوزن في اليمن ‪.‬‬
‫ويفتر ض روسين ي أ ن بع ض هؤل ء الحبش ت كا ن ق د هاج ر قب ل القرن‬
‫السادس قبل الميلد إلى الحبشة حيث قامت على يديه أولً حضارة مركزها يحا‪،‬‬
‫ثم حضارة أكسوم‪ ،‬ولكن بعضهم بقي في موطنه الصلي وظل يحتفظ بعلقات‬
‫‪- 52 -‬‬

‫تجارية وسياسية مع النازحين(‪.)10‬‬
‫[ وهكذا أدخل المهاجرون عبر موجاتهم المتتالية منذ ما قبل التاريخ وحتى‬
‫بداية اللف الول قبل الميلد إلى الساحل الفريقي من البحر الحمر‪ ،‬لغتهم‪،‬‬
‫وفن البناء بالحجر‪ ،‬والقراءة والكتابة وكانوا أول من أدخل الزراعة‪ ،‬ومن هناك‬
‫توغلوا إلى عمق القارة الفريقية وجهاتها المتعددة‪.‬‬
‫أما المهاجرون من اليمن فلم يكونوا بدوا رحلً‪ ،‬بل كانوا قوما مزارعين‬
‫مستقرين وأدخلوا إلى البلد استعمال المعادن وأسلحة لم يسمع بمثلها قبل قدومهم‬
‫وحيواناتٍ مدجّنة كالجمل والحصان والغنام ومحاصيل وأساليب زراعية جديدة‬
‫ونظما راقية في الري والفلحة وحلّت من الناحية الناسية المعرفية نظم المجتمع‬
‫البوي والتنظيم القليمي والملكية الجماعية بدلً من منظومة المجتمع المومي‪.‬‬
‫يضاف إلى ذلك نظام الزراعة بالمصاطب على سفوح الجبال والسدود‪.‬‬
‫ومما لشك فيه أن العرب باصطحابهم المحراث‪ -‬الذي لم يكن معروفا في‬
‫افريقيا السوداء كان هبة قيمة من هؤلء الوافدين العرب كما اكتشفت البعثة‬
‫اللمانية سن ة ‪ 1905‬في حفرياتها قرب أكسوم مجموعة كبيرة من الثار هي‬
‫عبارة عن عدد من العمدة والمسلّت ليس منها سوى واحدة قائمة والباقي على‬
‫الرض ويبلغ طول المسلة القائمة ‪27‬م‪ .‬ويبدو أن هذه المسلت كانت لغراض‬
‫دينية حينما كان السكان يعبدون الشمس وكان القرص في أعلى المسلّة‪ -‬يمثل‬
‫قرصها‪ -‬وهو يرسل أشعة إلى جميع الجهات‪ .‬كما عثر عا م ‪ 1954-1953‬في‬
‫أزبي ديرا في أقصى شرق هضبة تتجري على تمثال حجري لملك يرتدي رداءً‬
‫ثمينا مزينا‪ ،‬وهو جالس على كرسي‪ ،‬وعن د قد م التمثا ل كتاب ة بالسبئية‪ .‬كما‬
‫اكتشف في مدينة أفا "‪/"Ava‬تحا‪ /‬حاليا" معبد للله شمس‪ .‬ويبدو أن تحاكانت‬
‫المدين ة الرئيسي ة ف ي المملك ة الت ي سبق ت مملك ة اكسوم ‪ .‬واكتشف ت فيه ا في‬
‫السنوات الخيرة أوانٍ فخارية جيدة الصنع وقناديل ومصنوعات من البرونز‬
‫وحراب وفؤوس ومناجل وبعض الختام‪ ،‬وأقدم المباني التي عثر على بقايا‬
‫مهمة منها في هضبة الحبشة شديد الشبه ليس فقط مع أطلل المباني في جنوب‬
‫الجزيرة العربية بل مع مباني العصر في تلك المنطقة ولغرابة في ذلك إذ أنها‬
‫معاب د أقامه ا القاطنو ن العر ب من جنو ب الجزير ة العربي ة للله ة الت ي كانوا‬
‫يعبدونها‪ .‬وأقدم هذه المعابد معروف في يحا جنوب شرق عدوة‪ .‬وهو مبني من‬
‫كتل صخرية كبيرة يشبه مباني مأرب أما المعبد الخر المهم وهو أقدم من‬
‫سابقه بكثير فيعرف باسم ميلزو ويتبين طابعه الديني من هدايا النذور ومعظمها‬
‫‪- 53 -‬‬

‫تماثيل صغيرة لماشية‪ .‬بينما تدل اللوحات الحجرية المنقوشة على أن المعبد كان‬
‫مكرسا للله القمر] (‪ ) 12‬ومن المعروف دور موقع الله قمر " سين" كأقدم إله‬
‫في المنظومة الثيولوجية العربية ليس فقط في جنوب الجزيرة العربية‪،‬كما سنرى‬
‫لحقا‪ ،‬بل في عموم أصقاع الوطن العربي‪ .‬ومنطقة ميلزو المذكورة غنية‬
‫بالتماثيل التي تعود إلى فترة جنوب الجزيرة العربية‪ .‬فثمة تمثال صغير لرجلٍ‬
‫يرتدي عباءة فضفاضة وعلى الجانب اليمن من القاعدة يرد اسم علم مذكور‬
‫مكتوب بالسبئية‪ .‬وهناك تمثال صغير لمرأة جالسة وعلى القاعدة نقش اسم من‬
‫جنوب الجزيرة العربية " كنعان" ولهذا السم أهمية خاصة تاريخية‬
‫وأنتروبولوجية معرفية من حيث الحركة الديموجغرافية لهذا السم باتجاه الخليج‬
‫العربي ‪ ،‬م ن ث م لحقا باتجا ه بل د الشام ‪ ،‬ومن هناك باتجا ه الساح ل الشمالي‬
‫لفريقيا‪.‬‬
‫" كما عثر على كثير من مذابح حرق البخور‪ ،‬ومعظمها ينتمي إلى النماط‬
‫المعروفة في جنوب الجزيرة العربية‪ .‬وتشير العلمات على هذه المذابح إلى آلهة‬
‫جنوب الجزيرة‪ :‬هلل فوقه قرص" (‪.)13‬‬
‫وهكذا نستنتج وبما ليدع مجالً للشك بعد كل تلك الذخيرة من الوثائق أن‬
‫الوحدة الناسية بشكليها التاريخي والجغرافي " وسنأتي لحقا على شكلها اللغوي‬
‫والثيولوج ي والديني " بين شب ه الجزيرة العربي ة والساح ل الفريق ي من البحر‬
‫الحمر تشكل البرهان الكيد على أن أحد المنافذ الساسية للهجرات التالية باتجاه‬
‫وادي النيل كان من ناحية باب المندب‪ ،‬وهو مايتمم ما أتينا عليه سابقا من‬
‫الدور المؤسس لوادي الخسيف وامتداده في جنوب الجزيرة العربية قبل تشكل‬
‫الممر المائي في باب المندب وبعده‪ ،‬في التطور الناسي التالي للثنية المعرفية "‬
‫ولي س العرقي ة العربي ة كمطلقٍ أكي د ف ي انبعا ث الحداثا ت التالي ة عب ر مراحل‬
‫الباليوليث والنيوليت وحتى الحضارات الجليلة‪.‬‬
‫وبالنطلق شمالً نحو السودان‪ /‬الجزء الجنوبي من وادي النيل‪ /‬نلحظ‬
‫وبنف س المعطيا ت السابق ة الت ي تحدثن ا م ن خلله ا حو ل الوحد ة الناسية‬
‫الجغرافية‪ -‬التاريخية للساحل الفريقي المقابل للساحل السيوي من ضفتي البحر‬
‫الحمر‪ ،‬نلحظ بأن سكان السودان يمثلون خليطا أيضا يغلب عليه أؤلئك الذين‬
‫وفدوا من جنوب الجزيرة العربية‪ ،‬من جانب‪ ،‬ومن الجانب الخر أولئك الذين‬
‫وفدوا عليه من الصحراء العربية الكبرى‪ ،‬بعد جملة التغيرات البيئية والجغرافية‪،‬‬
‫حيث جفت الصحراوات العربية والليبية‪ ،‬وتجف كذلك تلك المستنقعات الشاسعة‬
‫‪- 54 -‬‬

‫من مياه النيل ويتمدد‪ -‬بشكل أفضل ‪ -‬مجراه ويصبح من الممكن زراعة أرضه‬
‫واستغل ل ميا ه النه ر ف ي الستنبات ‪ ،‬ويتدف ق عل ى الواد ي سكا ن الصحراوين‬
‫المهاجرين طلبا لمكان أنسب للحياة والستقرار‪ .‬فالتشكيل السكاني" الديموغرافي"‬
‫الول لما عرف بعد ذلك باسم " المصريين" في اساسه مرتكز على مهاجرين من‬
‫شرق الوادي وغربه‪ .‬وكان من الطبيعي أن يحمل القادمون إلى الوادي ثقافتهم‬
‫ودياناته م وأ ن تكو ن هذ ه الثقافة ‪ ،‬بم ا فيه ا الدين ‪ ،‬السا س الذ ي بني ت عليه‬
‫الحضارة المصرية(‪.)14‬‬
‫ولقد كان من المستحيل ذلك‪ ،‬قبل انتهاء المراحل المتأخرة من العصر‬
‫الجليدي الخير‪ ،‬حيث لم يكن مجرى النهر قد أصبح قابلً للحياة المستقرة‪ ،‬كما‬
‫أن الصحراوين العربية والليبية كانتا قابلتين للحياة‪.‬‬
‫إذن تداخلت معنا ثلثة شروط مترابطة فيما بينها‪:‬‬
‫‪-1‬ـ ـالجفافـ ـالعظيمـ ـالذيـ ـح َّـ‬
‫ل ـبالصحراءـ ـفيـ ـشبهـ ـالجزيرة‬
‫ً‬
‫قائما‬
‫العربية‪ ،‬والصحراء العربية الليبية الكبرى وهذا ما كان‬
‫في السنين القريبة من العصر الميزوليتي كما بينا ذلك في‬
‫الفصل الول من هذا الكتاب‪ ،‬حيث تؤكد كل المكتشفات "‬
‫كماـ ـأسلفنا"ـ ـعلىـ ـأنهاـ ـكانتـ ـمناطقـ ـقريبةـ ـمنـ ـالبيئة‬
‫المدارية‪.‬‬
‫‪ -2‬جفاف المستنقعات التي كانت تغطي كل وادي النيل‪ ،‬والتي‬
‫كان يستحيل بوجودها‪ ،‬التوضع الستنباتي المستقر‪.‬‬
‫‪ -3‬حركية الهجرات التالية للعامل الول مما دفع تلك الكتل من‬
‫الشعبـ ـللنطلقـ ـبحثا ًــ عنـ ـمواقعـ ـللحياةـ ـأفضلـ ـقابلة‬
‫للستقرار ولستنبات تلكـ المكتسبات ـالثقافية والتقنية في‬
‫مواقع أفضل‪.‬‬
‫وإذا كان ما أكدناه وأثبتاه في بداية هذا الفصل يشكل الخزان البشري في‬
‫جناحه الشرقي لوادي النيل فهذا ليمنع أيضا من انبثاق الخزان الغربي باتجاه‬
‫الشرق والشمال نحو الساحل المتوسطي‪.‬الول وشكله تراكم الهجرات المغرقة‬
‫في القدم‪ ،‬أو التواجد المتوازي المتطابق التاريخي الناسي بين جنوب الجزيرة‬
‫العربي ة والمنطق ة الممتد ة م ن القر ن الفريق ي وحت ى أبع د نقط ة م ن الساحل‬
‫الريتيري على البحر الحمر مع تمركز هام في هضبة الحبشة ودفعته تلك‬
‫التغيرات المناخية التالية إلى التجاه نحو وادي النيل‪ ".‬وهذه الوضعية تكتسب‬
‫صيغة أكثر وضوحا وتدعيما‪ ،‬حينما نتبين التكوين اللغوي الرئيسي الذي هيمن‬
‫في السودان القديم( والوسيط والحديث بمزيد من الوضوح) فهذا التكوين كان‬
‫‪- 55 -‬‬

‫أصلً وفرعا من جذور ( من شبه الجزيرة العربية) لغوية‪ ،‬تبلورت هناك أكثر‬
‫فأكثر باتجاه اللهجة أو اللغة " العربية"‪ .‬ويمكننا أن نورد مثالً على ذلك بعض‬
‫المفردات التي نواجهها في السودان‪ /‬المشابهة لما لمسناه في الساحل الريتيري‬
‫والهضبة الحبشية‪ /‬تلك هي‪ /:‬ابريم‪ ..‬أم بقول درمان‪ -‬أبو هرار‪ -‬أم شنقة‪ -‬أبو‬
‫خراز‪ -‬أبو دليق‪ -‬بلل ‪-‬بربر ‪-‬باري‪ -‬تنزه‪ -‬الثيب‪ -‬جبل تعلى‪ -‬جنس‪ -‬جبل‬
‫شنقول‪ -‬جبل الداير‪ -‬حلفا‪ -‬حنك‪ -‬صلة تركبان‪ -‬خندق‪ -‬دبور‪ -‬ور‪ -‬ونقلة‪-‬‬
‫وبة ‪-‬ديكة‪ -‬دارة ‪ -‬سواكن‪ -‬سبوع‪ -‬سمنة‪ -‬سكوت ‪ -‬سبت‪ -‬شكا‪ -‬صلب‪-‬‬
‫صنم‪ -‬عمده‪ -‬فرص‪ -‬كلكل‪ -‬كلبشة‪ -‬كوبان‪ -‬كاكا‪ -‬كتم‪ -‬واو"‬
‫تلك المعطيات‪ ،‬وأخرى عديدة تاريخية واقتصادية وثقافية‪ ،‬تسمح لنا بأن‬
‫نوسع دائرة بحثنا‪ ،‬بحيث تبرز السودان‪ -‬أي معظم الشطر الجنوبي من وادي‬
‫النيل‪ -‬بصفتها أحد مظاهر المجتمعات الشرقية العربية القديمة‪ .‬بل إن وادي‬
‫النيل هنا‪ ،‬يمثل في شطريه‪ ،‬مستوى اقتصاديا ولغويا وثقافيا متكاملً بصورة‬
‫أساسية ‪ ،‬وذل ك ضم ن الوحد ة التاريخي ة الثنوغرافي ة والثنولوجي ة للشعوب‬
‫العربية(‪.)15‬‬
‫" وإذا كان من المسلم به أن أسماء الماكن واسماء الشخاص إذا وجدت‬
‫متفقة بين اقليمين في القديم فإنه برهان على وحدة هذين القليمين‪ ،‬فإن دراسة‬
‫أسماء الماكن والمواقع واسماء الشخاص بين أقطار الوطن العربي تبين بشكل‬
‫ليقبل النقض هذه الوحدة‪ .‬بل إن دراسة عن أسماء القبائل الليبية القديمة التي‬
‫يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلد أثبتت بالقطع صلتها بقبائل‬
‫عربية موازية لها‪ ،‬كما بنيت عن التسمية العربية لهذه القبائل بلغةٍ نفهمها اليوم‪..‬‬
‫ونظر ة واحد ة إل ى خارط ة الشما ل الفريق ي مثلً ترين ا كي ف أ ن قبيل ة ما‪-‬‬
‫كالمشوش‪ -‬نجدها في عصر في ما يسمى تونس اليوم‪ ،‬ثم نلقاها في الصحراء‬
‫الشرقية من ليبيا بعد مدة من الزمان‪ .‬وهذا ما هو حادث حتى يومنا الذي نحياه‪،‬‬
‫إذ نجد قبيلة ‪ -‬كالفرجان مثلً ‪ -‬في وسط الجماهيرية وهي ذاتها في موريتانية‬
‫ونعث ر على العبيدا ت في شر ق الجماهيري ة وهي كذلك ف ي الردن‪ ،‬والعنزة‬
‫موجودة في ليبيا والكويت أو شمال الجزيرة (‪ )16‬وحتى في كل بلد الشام‪.‬‬
‫وإذا كان باحث ما يتحدث عن طريق واحد للوصول إلى وادي النيل‪ ،‬كما‬
‫يفعل كمال حسين مثلً" بأن المصريين والسودانيين من أصل واحد‪ ،‬وأنهم جاءوا‬
‫إلى وادي النيل من بلد العرب ( الجزيرة العربية) عن طريق الصومال على ما‬
‫تدل عليه البحوث والستقراءات (‪ )17‬أو كما يضيف باحث آخر بوجود الهجرة‬
‫‪- 56 -‬‬

‫الليبية العظيمة (‪ ) 18‬إلى وادي النيل من الناحية الغربية بالضافة إلى الطريق‬
‫الولى‪ ،‬فإن فريقا رابعا‪ ،‬وهو محق أيضا في أبحاثه واستناداته على وجود‬
‫ل أن هناك باحثين‬
‫طريق رابع للحركية الجولنية الديموغرافية عبر سيناء‪ ،‬إ ّ‬
‫آخرين يؤكدون وجود حركة جولنية انطلقت في أزمنة ما قبل التاريخ ومطلع‬
‫اللف الرابع من وادي النيل باتجاه الشرق‪ ،‬كما يفعل الباحث القدير الدكتور سيد‬
‫القمني في معظم أبحاثه‪ .‬إلّ أن الجميع متفق على وجود حركية دائمة لم تتوقف‬
‫بين الجماعات البشرية للشعب العربي وعبر مواقع تواجده كلها‪.‬‬
‫وإذا كان من المسلم به أن الجزيرة العربية كانت" خزانا بشريا" كما هو‬
‫الستعمال الشائع يدفع بموجات الهجرة إلى مختلف الجهات في حقب متطاولة‬
‫من التاريخ‪ ،‬فإن هذه الجزيرة ذاتها كانت " تستقبل" المهاجرين إليها من الشمال‬
‫ومن الجنوب‪ ،‬بل ومن الغرب أيضا‪ .‬فالهجرات بين مناطق ما نعرفه اليوم‬
‫بالوطن العربي كان ت متبادلة باستمرار ولم تكن تنبع من منبع واحد‪ ،‬وذلك‬
‫بحسب الظروف والعوامل البيئية والقتصادية والسياسية والجتماعية المختلفة‪.‬‬
‫وهذا يعني من الناحية الناسية التاريخية أن قاطني هذا الموقع الجغرافي هم‬
‫مجموع ة بشري ة واحد ة نشأ ت حتما ف ي مكانٍ ما ‪ ،‬جماع ة صغير ة ث م نمت‬
‫وتفرعت وكثرت‪ .‬أو أنها مجموعات متناثرة كونتها نفس الشروط والظروف‬
‫وتطابق المعطيات البيئية والشراطات الناسية بحيث تطورت بشكل متطابق‬
‫ومتوازٍ من أقصى الوطن العربي شرقا إلى أقصاه غربا وعلى مسار عشرات‬
‫اللوف من السنين بحيث أنتج وحدة أناسية وثقافية ولغوية ومعرفية واحدة‪ /‬كما‬
‫أثبتنا ذلك في الفصل الول‪ ".../‬ومهما كان المر في المكان الذي نشأت فيه هذه‬
‫الجماعة‪ ،‬ما بين الجزيرة العربية‪ ،‬وأرض الرافدين‪ ،‬والشمال الفريقي‪ ،‬وشرق‬
‫أفريقيا أو وادي النيل" (‪ ) 19‬أو أنها تطورت بشكل متطابق ومتوازٍ لتجد نفسها‬
‫ل أنه‬
‫وفي المراحل المتأخرة من زمن ما قبل التاريخ تشكل وحدة أناسية واحدة" إ ّ‬
‫من الثابت‪ -‬بشكل قاطع‪ -‬أن ثمة تشابها في المخلفات الثرية الولى ما بين‬
‫أماكن ومواطن تبدو متباعدة مما يدل على امتزاج حضاري بدرجات متفاوتة‬
‫تؤيده الكشوفات الثرية يومابعد يوم‪ ،‬فحضارة وادي النيل في تكويناتها الولى‬
‫تؤك د ارتباطا وثيقا بينه ا وبي ن حضار ة الصحرا ء الليبي ة م ن جه ة وحضارة‬
‫الجزيرة من جهة أخرى‪ .‬والثار الفخارية للنسان الحجري القديم في فلسطين "‬
‫بلد الشام" تبرز تشابها واضحا مع نفس ذلك العصر في الجبل الخضر‪ ،‬وهذا‬
‫يدل على نوع وثيق من التواصل الحضاري(‪.)20‬‬
‫‪- 57 -‬‬

‫أما ما يخص المغرب العربي فلنا في ذلك وقفة كشبيهتها التي وقفناها مع‬
‫الساحل الفريقي من البحر الحمر وحتى القرن الفريقي ‪ /‬بداية هذا الفصل‪ /‬إذ‬
‫لبد من التمييز بين ثلث معطيات هامة تشكل التسلسل التاريخي للهجرات‬
‫العربية إلى الشمال الفريقي من المغرب العربي‪ ،‬وهي‪ :‬الهجرات الولى في‬
‫مراحل ما قبل التاريخ وبداية اللف الثالث والتي شكلت الهجرات المازيغية‬
‫محورها الهام‪ .‬وهجرات الفينيقيين في نهاية اللف الثاني ومطلع اللف الول‬
‫قبل الميلد‪ ،‬من ثم المراحل الهامة من انتشار الرسالة السلمية‪.‬‬
‫فلقد أكدنا في الفصل الول التطور المتطابق والموازي في البنية الناسية‬
‫المعرفية لحضارة المغرب العربي الماقبل تاريخية مع مثيلتها في وادي النيل‬
‫وبلد الشام والجزيرة‪.‬ونكون بذلك وضمن المنهج الذي نتبعه قد حددنا واحدا من‬
‫الجذور الناسية التاريخية البعيدة لمنطقة عربية هامة راهنة‪ .‬وإذا كنا سنخصص‬
‫ل أننا لبد أن نعرّج‬
‫ل خاصا بالتاريخية الناسية اللغوية للوطن العربي إ ّ‬
‫لحقا حق ً‬
‫في مقدمة طرحنا للموضوع باعتبار " البربر" كانوا يتكلمون لهجات ليبية يمتد‬
‫أصلها البعيد إلى أصل اللهجات " اللغة" العربية في الشرق ‪ ".‬وهذا يشير إلى أننا‬
‫غدونا في موضع تقصي الصول البعيدة " للبربر" وإذا كان المر كذلك‪ ،‬فلبد‬
‫من أن نأتي على الواقعة التاريخية التالية والتي أجمع المؤرخون على صحتها‪.‬‬
‫تلك هي أن كلمة " بربري" لتنطوي على أي مدلول عنصري أو لغوي أو‬
‫ثقافي‪ .‬إذ لم يطلق البربر على أنفسهم هذا السم‪ ،‬بل أخذوه من دون أن يروموا‬
‫استعماله عن الرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم وينعتونهم‬
‫بالهمج ‪ Barbri‬ومنه استعمل العرب كلمة برابر وبرابرة‪ "-‬مفرده بربري"‪.)21("/‬‬
‫ويذكر عبد الرحمن بن محمد الجيلني في تاريخ الجزائر العام‪ -‬الجزء‬
‫الول بيروت ‪ 1965‬ص ‪ 48‬ما يلي حول لفظ بربري‪ :‬إنما هو وضعي يراد به‬
‫عند اليونان " صوت اللثغ" وهو كل إنسان أجنبي عنهم ليتكلم بلغتهم‪ ،‬ومن ثمة‬
‫أطلقه اليونان أنفسهم على سكان هذا الوطن وعلى غيرهم ممن هو ليس يونانيا‬
‫كأمة الطاليان فإنها كانت تسمى عندهم " برباريا" ويتابع بأن اللغة البربرية هي‬
‫كغيرها من سائر لغات البشر ذات لهجات وصيغ مختلفة كما هو مشاهد من‬
‫أهلها إلى الن بين سكان القطر الجزائري والمراكشي‪ ،‬فهناك لهج ة خاصة‬
‫بزواة‪ -‬بلد القبائل‪ -‬تختلف في بعض مصادرها عن لغة الشاوية وبني مصار "‬
‫مزاب " وبن ي صال ح بجب ل البليد ة والشلو ح والتوارك‪ . ....‬ال خ وليزا ل اسم‬
‫( تماشغت )أو ( تمازغت) يطلق على جميعها بمعنى اللغة المازيقية‪ .‬وكلها‬
‫‪- 58 -‬‬

‫ترجع إلى جذر واحد يمت بصلة إلى اللغت العربية" الجزيرية" وعثر الباحثون‬
‫من علماء الثار على نقوش مكتوبة بالخط الحميري على صخور من دوباعه‬
‫وثمو د ومشه د وواد ي ثق ب ه ي قريب ة الشب ه جدا م ن نقو ش الخ ط البربري‬
‫الموجود بناحية الهغار من القطر الجزائري‪ .‬وفي موقع آخر يكت ب المؤلف‬
‫تسمية نهر النيل مايلي‪ ":‬كما تشهد لنا بذلك أيضا كلمة " نيل" نفسها فهي تسمية‬
‫بربرية اسوبية لمحالة سمي بها مجرى نهر مصر المشهور‪ ".‬ويذكر المؤلف في‬
‫موقع آخر بحادثة شهيرة بأنهم " المازيغ" كما جاء في تصريحهم أمام الخليفة‬
‫عمر بن الخطاب حينما ذهب إليه الوفد بعد فتح مصر فانتسبوا إلى مازيغ‪،‬‬
‫وأنهم أصحاب البلد الواقعة بين خليج " البحر الحمر" والبحر المحيط ولم‬
‫يقولوا له أنهم بربر"(‪.)22‬‬
‫"ولعل اللغة الليبية تعتبر من أهم مجالت المقارنة‪ .‬فهي أم اللغة" البربرية"‬
‫ل لما‬
‫المازيغية ( تسمى الجبالية) والحكم في هذه الحالة ليمكن أن يكون إ ّ‬
‫يسمى" النقوش اللليبية " أو اللوبي ة ‪ Lybigue‬القديمة‪ .‬ودراسة هذه النقوش مفيدة‬
‫جدا‪ ،‬فهي لم تتعرّب حسب منطقة بعض القوم !! وبالتالي فهي صافية خالصة‪.‬‬
‫ي منها توضح عروبية لغتها تماما‪.‬‬
‫نظرة واحدة إلى أ ّ‬
‫وحجر" مسنسن" الذي يتكون من ضربين من الكتابة واللغة " البونيتية"‬
‫ل حجرا يحوي في لغتيه مفردات عربية " أو عروبية" ليرقى‬
‫والليبية" ليس إ ّ‬
‫إليها الشك‪ .‬وهكذا بقية النقوش التي كشفت في مايعرف اليوم باسم ‪ :‬ليبيا‪،‬‬
‫تونس ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬والمغر ب وم ا سو ف يكتش ف م ن نقو ش يج ب الهتما م به‬
‫اهتماما جديا وعرضها على محك الدراسة والمقارنة لثبات عروبتها‪ ،‬وبالتالي‬
‫دحض أي فكرة تشكيكية في عروبة الشمال الفريقي كله منذ عصور التاريخ‬
‫الولى وما قبلها‪ ،‬بما يعني ذلك وحدته الثنية والثقافية واللغوية مع بقية أهل‬
‫الوطن العربي القديم‪ ،‬وأنه لم يتعرب" فقط بعد السلم كما هي المقولة الخاطئة‬
‫الشائعة ‪ .‬فتحلي ل السما ء الليبي ة القديم ة لقاد ة ورد ت أسماؤه م ف ي النقوش‬
‫المصرية من عصر " نارلر" وحتى عصر " مرنبتاح" و" رمسيس الثالث" يؤكد‬
‫حيث تترجم هذه السماء بأن معانيها عربية خالصة العروبة‪ .‬وهذا ما دفع استاذا‬
‫جليلً مثل العالم اللماني " برغش" منذ أكثر من مائة عام إلى القول بأن أصول‬
‫السرة الثانية والعشرين اللليبية " أسرة شيشنق" التي حكمت مصر أوائل اللف‬
‫قبل الميلد إلى ما يقرب من مائتي عام‪ -‬هذه الصول كانت" آشورية " لن‬
‫أسماء فراعينها تدل على ذلك‪ .‬هذا أمر قد يبدو مدهشا لكن التفسير المنطقي‬
‫‪- 59 -‬‬

‫الوحيد المقبول ليس بالضرورة القول بأن فراعين السرة الثانية والعشرين جاؤوا‬
‫مباشرةً من الرافدين‪ ،‬وإنما القول بوحدة أصل الليبيين والشوريين وتمتعهم بنفس‬
‫العناصر البنائية للتكوين الناسي المعرفي(‪.)23‬‬
‫أما كيف بلغ العروبيون شمال أفريقيا‪ ،‬فهذا تم‪ ،‬على سبيل الترجيح‪ ،‬عن‬
‫طريق أحد أمرين‪ ،‬أو عن طريقهما معا‪ :‬الهجرات البشرية العربية باتجاه الهلل‬
‫الخصيب ووادي النيل وشمال افريقيا‪ ،‬والتأثر والتأثير الناسي المعرفي بعوامله‬
‫المتعددة " اللغوية والتقنية والثقافية والدينية وغيرها" بشكل مباشر وغير مباشر‪.‬‬
‫فبالنسبة إلى هذا المر الخير‪ ،‬ليستبعد أن تكون اللغة الجبالية " البربرية"( أخت‬
‫لغة قدماء المصريين والليبيين وخصوصا إذا ما اعتمدنا مقالة من يقول إن قدماء‬
‫المصريين هم من سللة سكان الجزائر ومراكش )(‪.)24‬‬
‫ويبدو من الضرورة إعادة التذكير بوجهة نظر من قالوا بأن افريقيا هي‬
‫موطن العروبيين الصلي ضمن القراءة النتربولوجية لتطور النسان‪ .‬وقد قال‬
‫بذلك المستشرق نولوكد ومن بعده بارتون‪ .‬وقد قال نولوكد برأيه ذلك انطلقا من‬
‫التشابه الكبير بين لهجتي اللغة الواحدة غرب وشرق البحر الحمر من التراب‬
‫العربي‪ ".‬وبالتالي فإن الحديث عن شمال افريقي عربي ليبدأ مع دخول الفينيقيين‬
‫مع نهاية اللف الثاني وبداية اللف الول قبل الميلد وإنما يعود إلى أزمنة أقدم‬
‫بكثير‪ ،‬وليختلف في عراقة قدمه الزمنية من الناحية الناسية عن بقية أهله في‬
‫المواقع الخر ى من أرض العرب‪ " ،‬وهذ ا يجعلنا ننظر إل ى ذلك الجزء من‬
‫الشعب العروبي الذي أطلق عليه لفظ " بربري" على أنه ينتمي إلى عائلة الشعب‬
‫العربي‪.‬‬
‫أما المرحلة التالية فهي التي تخص الهجرات الفينيقية والتي تمتد حركيتهم‬
‫من الناحية الزمنية إلى مراحل ما قبل التاريخ‪ ،‬حيث كان موطنهم الصلي في‬
‫جنوب الجزيرة العربية وفي منطقة اليمن تحديدا‪ ،‬ولنفس السباب التي دفعت‬
‫بالهجرات العروبية إلى مواقع أخرى‪ ،‬هاجر الفينيقيون إلى منطقة الخليج العربي‬
‫واستوطنوا في ‪ /‬وقرب جزيرة الديلم" البحرين حاليا " ويعتقد العالم راكوزين أن‬
‫الفينيقيين‪.‬الذين سكنوا الساحل الشامي كانوا قد قدموا من البحرين وقد تفرقوا إلى‬
‫قبائل وتوزعوا في أقسام عديدة من سوريا وأطلق على أحد فروعهم اسم بنط أو‬
‫بونا ‪ PUNE PUNT‬ودعاهم الغريق بالفينيقيين والبونيون" الفينيقييون" كانوا شعبا‬
‫تجاريا وقد هاجروا إلى الماكن التي تزدهر فيها التجارة‪ .‬كما سكنوا شمال‬
‫افريقيا ومنهم القرطاجيون‪ .‬على أن أهم فرع لهم سكن في بلد اليمن وحول‬
‫‪- 60 -‬‬

‫مضيق با ب المند ب ثم انتق ل إل ى السواحل الفريقي ة الشرقي ة واستوطن بلد‬
‫الصومال وسيطر على البحر الهندي والبحر الحمر‪ ،‬ويعتقد المؤرخون بأن‬
‫البونيين قبيلة من الكنعانيين استوطنت بلد سوريا منذ أقدم الزمان وما زالوا‪.‬‬
‫فتذكر أن الملك سهورع من السللة الخامسة كان يرسل السفن في البحر الحمر‬
‫إلى بلد البنط وهي بلد اليمن وسواحل الصومال وكانت هذه البلد تُعرف ببلد‬
‫البخور والطيب‪ .‬ولم تقتصر أهمية بلد النبط على تصدير البخور بل كانت في‬
‫تصدير الشجار كذلك تغرسها أمام المعابد‪ ،‬كمعبد دير البحري‪ .‬وقد صورت‬
‫على جدرانه طريقة نقل هذه الشجار من بلد الصومال عبر البحر الحمر‪،‬‬
‫وظهر أمير بلد الصومال وأميرته وهما يحييان بعثة الملكة حنشيسوت البحرية‬
‫التي أرسلتها لستقدام الشجار والبخور‪ ،‬وقد صور المير والميرة بهيأتهما‬
‫الحقيقية حيث يظهر عليهما تأثير الجنس السود بوضوح‪ ،‬وهناك صلة وثيقة بين‬
‫سكان النبط وبين سكان بلد وادي النيل القدماء (‪.)25‬‬
‫وير ى المؤر خ هيرودوت أن موط ن الفينيقيين الصلي ه و االبحر‬
‫الريتيري(‪ .)26‬أما مايؤكد هجرتهم باتجاه الخليج العربي فهو وجود نفس أسماء‬
‫المواقع التي أطلقها الفينيقيون حيثما حلّوا فاسترابون يشير إلى أن سكان الخليج‬
‫العربي أكدو ا أنه م يسمون عندهم‪ ،‬باس م صيدا‪ ،‬صور‪ ،‬وأرواد‪ ،‬وأراد‪ ،‬وأن‬
‫المعاب د عنده م تشب ه معاب د الفينيقيين (‪ ) 27‬والمؤرخ جوستان يص ف الشعب‬
‫الفينيقي بأنه مكوّن من الفينيقيين الذين نزحوا من بلدهم الصلية حين أفزعتهم‬
‫الزلزل‪.‬‬
‫وقد نزلوا أولً على ضفاف الخليج العربي ثم على شواطئ البحر البيض‬
‫المتوسط ‪ .‬وهن ا بنو ا مدين ة سموه ا صيد ا بسب ب وفر ة الصي د م ن السمك‪،‬‬
‫والفينيقيون يسمون السمك صيدا (‪.)28‬‬
‫وقد أشارت رسائل تل العمارنة إلى سكان الساحل الفينيقي باسم كناهي أو‬
‫كناهوَن " كنعان"(‪ )Kinahn‬وكلمة كنعان تعني في اللغة العربية القديمة" انخفض "‬
‫وهي مشتقة من فعل " كنع" ويقصد بها الرض المنخفضة هنا حيث انخفاض‬
‫الساحل الفينيقي بالنسبة لجبال الساحل الشامي التي هي امتداد طبيعي لجبال‬
‫طوروس‪ .‬وبالتالي فالتسمية هنا هي عبارة عن مصطلح جغرافي‪.‬‬
‫لذل ك فإ ن التسمي ة كنعا ن أطلق ت عل ى الفينيقيي ن العر ب ف ي مرحل ة من‬
‫مراحل توضعهم الجغرافي تاريخيا على الساحل الشامي‪ .‬ويقول بونفانت‪ ":‬لقد‬
‫‪- 61 -‬‬

‫اشتق اسم فينيقي من اليونانية ‪ ، Phoinix‬أي أحمر أرجواني‪ ،‬ليشير إلى صناعة‬
‫الرجوان التي اشتهر بها الفينيقيون وبعد أن أطلق اليونان هذا السم على‬
‫الكنعانيين الذين تاجروا معهم فإن كلمة فينيقي أصبحت حوالي ‪ 1200‬ق‪.‬م مرادفة‬
‫لكنعاني (‪ ،)29‬كما أشار بعض المؤرخين والنسّابين والخباريين العرب إلى أن‬
‫بعض العرب العماليق وصلوا إلى بلد الشام‪ ،‬وكان منهم الجبابرة الذين دعوا‬
‫بالكنعانيين(‪ .)30‬ومن الملفت للنتباه أن فينيكس تعني أيضا طائر العنقاء‪ ،‬الطائر‬
‫السطور ي الذ ي يخر ج م ن قل ب الرماد ‪ ،‬ونظرا لهمي ة البخو ر واللبا ن في‬
‫المراحل الزمنية المغرقة في القدم قبل التاريخ وحتى مراحل الحضارات العربية‬
‫الجليلة‪ ،‬كان لبد من تكوين بنية مخيالية اسطورية قادرة علىحماية هذا المصدر‬
‫الحياتي‪ ،‬فيورد بعض المؤرخين القدماء‪ /‬هيرودوت مثلً في ج ‪ / 3‬أن طائر‬
‫الفينيق كان يظهر عندما تمتد أي يد آثمة بهدف العبث أوسرقة البخور أو اللبان‬
‫من موقع زراعته أو جمعه في جنوب الجزيرة العربية‪.‬‬
‫ن "‬
‫وبفضل النتائج التي قدمتها بحوث سفينة البحاث الميثيور اللمانية فإ ّ‬
‫أرضا يابسة في قاع الخليج العربي تشكل امتدادا طبيعيا للبر العراقي تماما مثلما‬
‫يشكل الخير المتداد الرضي للحوضة الولى السورية‪.‬ومن المرجح جدا أن‬
‫ضفاف مجرى النهر الصلي في قاع الخليج كانت موطنا لجماعات من صيادي‬
‫الباليوليثي‪ ،‬وأن تكون الراضي الرسوبية الخصبة المجاورة لها قد سكنت من‬
‫قبل مزارعين‪ -‬صيادين يشابهون في عيشهم وفي تطورهم نمط تطور جيرانهم‬
‫النطوفيين " نسبة إلى وادي النطوف قرب أريحا‪ /‬مدينة القمر‪ /‬وتحدثنا باسهاب‬
‫ع ن هذ ه الحضارا ت ف ي الفص ل السابق " سكا ن قر ى المريب ط وأب ي هريرة‬
‫وبقراص في حوض الفرات العلى‪ .‬وقد يكتشف علم الثار الغارقة تحت المياه‬
‫فصلً جديدا وهاما من تاريخ منطقة متممة لما بين النهرين‪ .‬إذ من المحتمل أن‬
‫تكون مراكز الستيطان الباكرة في الراضي المنخفض ة الت ي لنعر ف حاليا‬
‫اسمها والتي اقترح لتسميتها اصطلح منطقة ما قبل الخليج كانت جزءا من ثقافة‬
‫كبيرة معاصرة انتشرت مراكزها في الجنوب الرافدي وجواره قبل الخليج ‪Pre-‬‬
‫‪ Gulf Rejion‬قد شكلت المرحلة التحضيرية التي ستمهد لنشوء حضارات مدن‬
‫الجنوب الرافدي المزدهرة اعتبارا من اللف الرابع قبل الميلد‪ .‬وهنالك احتمال‬
‫آخر ليقل رجحانا في أن منطقة ما قبل الخليج كانت جزءا من ثقافة كبيرة‬
‫معاصرة انتشرت مراكزها في الجنوب الرافدي وجواره قبل أن تجبر مياه البحر‬
‫الصاعدة أهلها على الرحيل تدريجيا إلى مواطن جديدة هذا الحتمال يؤكده عثور‬
‫الثاريين على فخاريات العبيد في ‪ / 32/‬موقعا أثريا على شواطئ شبه الجزيرة‬
‫‪- 62 -‬‬

‫العربية الشرقية مقابل جزيرة البحرين‪ ،‬كما وعلى مبعدة ‪65/‬كم‪ /‬إلى الداخل (‪)31‬‬
‫" بحيث نستطيع أن نتخيل الن ما كان عليه واقع بيئة منطقة ما قبل الخليج‬
‫العربي قبل بداية العصر الدفيء الحديث‪ ،‬باعتبارها كانت تشكل منطقة متكاملة‬
‫متجانسة مع بنية الجزيرة العربية الجغرافية وحتى اليمن والساحل الشرقي للبحر‬
‫الحمر‪ .‬بحيث شكلت حركة الجولن لجداد العرب القدماء في بقاع المنطقة‬
‫نمطا واحدا للحياة ‪ ،‬مم ا يستدع ي بالضرور ة رب ط التطو ر المواز ي لتواجد‬
‫الفينيقيين "البونتيين" ومنذ المراحل الماقبل تاريخية في تلك المنطقة‪ .‬بحيث تبدو‬
‫عملية النتقال والتجوال في هذه الحالة مقنعة تماما‪ ،‬نظرا للمساحة الواسعة التي‬
‫تمتد على أكبر رقعة من مساحة الوطن العربي الحالي‪ ،‬تواجدت آثارهم فيها‪.‬‬
‫فمع من نقف نحن على سبيل المثال؟ مع مدرسة فرانكفورت التي أكدّت تواجدهم‬
‫ف ي منطق ة الماقب ل خليج ‪ ،‬أ م غيره ا م ن الباحثي ن الذي ن يطلقو ن عل ى مناطق‬
‫ارتيريا والصومال بلد الفينيقيين " البونت"؟ أم هيرودوت الذي يربطهم بجنوب‬
‫الجزيرة في اليمن؟ أم بعض الباحثين المعاصرين الذي يؤسسهم تماما في بلد‬
‫الشام ووادي النيل منذ مراحل ما قبل التاريخ؟‬
‫يبدو أن الجمي ع متفقٌ عل ى أ ن هذ ه الجماعا ت البشري ة قطن ت وتوالدت‬
‫وانتشرت واستنبتت واخترعت وابتكرت وتطورت بشكل متوازٍ ومتطابق من‬
‫عص ر لقط الثمار ورج ل الصي د إل ى مرحل ة التدجين الحيوان ي والنبات ي في‬
‫مرحلة كان فيها شط العرب كنهر يمتد حتى مضيق هرمز حيث كان مصب‬
‫نهري دجلة والفرات( كل الدراسات تشير إلى ملمح التدجين الموازية والمطابقة‬
‫للمرحل ة النطوفي ة والصفاقصي ة والسبيلي ة والعُماني ة وهذ ا ماتؤكد ه المكتشفات‬
‫والمستحاثات المأخوذة من قاع الخليج وعلى ضفتي النهر الذي كان)‪ ".‬وفي‬
‫الوقت الذي كانت منطقة الخليج العربي تحت المياه تتألف من مناطق خصبة‬
‫ويجري في قرارها دجلة والفرات‪ ،‬ووادي الرمّة‪ ،‬بعد أن يتحد بوادي الدواسر‪،‬‬
‫ومجموع ة غيره ا م ن النها ر والجداو ل الخرى ‪ ،‬كان ت منطق ة شب ه جزيرة‬
‫العرب منطقة أمطار موزعة على جميع فصول السنة وبالتالي فقد كانت الوديان‬
‫أنهارا غزيرة دائمة الجريان‪ .‬ومن المعروف أن منطقة كنعان‪ ،‬وجميع المنطقة‬
‫الممتدة من عدن في أقصى جنوب اليمن إلى حدود بلد الشام على سواحل البحر‬
‫الحمر الشمالية إنما كانت من أخصب بقاع الرض"(‪.)32‬‬
‫ومع تقدم مرحلة العصر الدفيء‪ ،‬وذوبان كتل الجليد السطورية الضخمة‬
‫التي تجثم على المنطقة الممتدة من أواسط أوروبا إلى القطب المتجمد الشمالي‪،‬‬
‫‪- 63 -‬‬

‫أخذت مياه البحر في التقدم والرتفاع تدريجيا‪ ،‬كما بدأت كميات المطار التي‬
‫تتساقط على المنطقة بالتراجع‪ ،‬وأخذ الجفاف يتقدم تدريجيا ليقلل من تجمعات‬
‫المياه الحلوة ومن غزارة النهار ذات الينابيع المحلية‪ ،‬كما زادت في الوقت‬
‫نفسه‪ ،‬غزارة كل من دجلة والفرات اللذين تنحدر مياههما من هضبة أرمينا في‬
‫أقصى الشمال‪ .‬ومع اقتراب عصر الجليد من نهايته كان وادي الرمة يشكل‬
‫شريان التصال المباشر ما بين منطقة الخليج التي أخذت عملية انفجارها بمياه‬
‫البحر لتصير إلى ما هي عليه اليوم وبين المنطقة الزراعية الخصيبة في غربي‬
‫شب ه الجزير ة العربي ة عل ى سواح ل البح ر الحم ر الشرقية(‪ ) 33‬مم ا أد ى إلى‬
‫الهجرات العروبية المعروفة منذ بداية اللف الرابع قبل الميلد بحيث تبدو كل‬
‫الهجرات مرتبطة ارتباطا وثيقا بحركية الفينيقيين " الكنعانيين"‪ /‬البونيتيه‪ /‬إن لم‬
‫تتطابق معها‪ .‬ومن المعروف أن نفس الشتراطات تتطابق على وادي النيل الذي‬
‫تحدثنا عن التغيرات التي حصلت عليه سابقا‪ .‬ويمكننا بسهولة أن نربطها مع‬
‫الهجرا ت الت ي حصل ت إل ى الشما ل الفريق ي ف ي الل ف الراب ع قب ل الميلد‪.‬‬
‫فالنجاح العظيم الذي حققه الفينيقيون في تلك المناطق خلل نشاطهم في الشمال‬
‫الفريق ي يشي ر إل ى وجو د طبق ة أقد م م ن المستوطني ن العروبيي ن ف ي شمال‬
‫افريقيا‪..‬وهناك ذكريات غامضة لمرويات تجعل العروبيين القدماء موجودين في‬
‫مناطق غرب البحر المتوسط‪ ،‬واحتفظت بها الكتابات الكلسيكية والعربية‪ .‬إن‬
‫هذا القول ينسجم مع قواعد العلم والمنطق‪ ،‬لنه يدحض فكرة إمكان قيام شعب‬
‫أو ظاهرة على فراغ‪ .‬فلول وجود الساس العربي منذ أقدم الزمنة في تلك‬
‫الصقاع‪ -‬وهذا ما أكدته الكتابات العربية القديمة جميعا‪ -‬لما تمكن الفينيقيون من‬
‫أن يوطدوا أقدامهم ويرسخوا وجودهم فيها‪ ،‬كما أنه كان من المستحيل أن تثبت‬
‫ل كما ثبتت " عروبة" اسبانيا إبان الدولة العربية الموية ثم‬
‫عروبة تلك المنطقة إ ّ‬
‫ل جزءا من العرب الذين‬
‫العباسية فيما بعد (‪ .)34‬وهكذا فإن الفينيقيين ليسوا إ ّ‬
‫سكنوا الساحل الشامي وإن وجودهم في الشمال الفريقي تحديدا يعود إلى زمن‬
‫موغل في القدم منذ حوالي اللف الخامس قبل الميلد ويلي مباشرة الوجود‬
‫العربي في حوض النيل أو تزامن معه كما دلت كل المكتشفات الثرية(‪.)35‬‬
‫نستخلص من ذلك أن بعض الباحثين يطلق على الساحل الشرقي للبحر‬
‫الحمر بلد كنعان‪ ،‬كما يطلق بعضهم على الساحل الشامي‪ .‬مهما كان المر‬
‫فم ن الواض ح تماما أ ن التسمي ة باعتباره ا ذا ت بع د جغراف ي (تضاريسي)‬
‫كاحتمال أول فهذا يعني أن الفينيقيين هم من أهل هذه البلد‪ ،‬حتى ولو كان‬
‫الحتمال الثاني هو الرجح بحيث ارتبطت التسمية بأسماء أخرى‪.‬‬
‫‪- 64 -‬‬

‫أما النتيجة الثانية والتي يجمع عليها كل الباحثين هو تواجدهم في المنطقة‬
‫الت ي أسميناه ا الماقبل الخليج العرب ي بدايةً‪ ،‬ثم الساح ل الشرق ي لشب ه جزيرة‬
‫شكّلت لحقا‪،‬‬
‫العرب بعد تشكل الخليج بوضعه الحالي وفي جزيرة البحرين التي ُ‬
‫وهذ ا ليعن ي بالضرور ة أنه م رحلو ا إل ى هذ ه المناط ق م ن جنو ب الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬بل يعني أنهم تواجدوا كاحتمالٍ ثانٍ في المنطقتين معا‪ ،‬وهذا ماتفسره لنا‬
‫الناسة التاريخية التي تعنى بالتطور المتوازن والمتوافق والذي يعني أن شبه‬
‫الجزيرة العربية كان يشكل واحةً واحدةً مترابطة حتى بدايات اللف الرابع قبل‬
‫الميلد‪.‬‬
‫تُربط كل تلك البحاث مع إمكانية النتقال أو التواجد إلى‪ /‬وفي الشمال‬
‫الفريقي مع بداية اللف الرابع‪ ،‬وهذا ما يفسره من خلل التسميات العديدة التي‬
‫اتسمت فيها تلك المناطق قبل التواجد الفينيقي المتأخر مع نهاية اللف الثاني‬
‫ل وموقعها في الميثولوجيا الفينيقية‪.‬‬
‫وبداية اللف الول قبل الميلد‪ /‬ليبيا مث ً‬
‫وجود نفس المواقع بتسمياتها على الشاطئ الشرقي لجزيرة العرب وعلى‬
‫الشاطئ الشامي وعلى الساحل الشمال افريقي يؤكد بأنهم يدركون بأن النسان‬
‫هو الذي يصنع المكان‪ ،‬ولتواجد للمكان بدون النسان‪ ،‬وأن هذا النسان يتحرك‬
‫ل من خلل علقات سلمية ومودة‪ ،‬في‬
‫في مكان هو أهله‪ ،‬بحيث لم يتم الجولن إ ّ‬
‫حين كانوا مقاتلين أشداء كما حدث مع الغزوات الغربية‪ .‬ووجه القرطاجيون كل‬
‫عنايتهم إلى السطول الحربي منذ بداية القرن الخامس ق‪.‬م(‪ ) 480‬عندما أدركوا‬
‫بالتأمر الغريقي الغربي عليهم‪ ،‬فاصطدموا لول مرة في معركة هيمرا في‬
‫صقلية بذلك التحالف الذي كان يقوده الطاغية جيلون حاكم مدينة سيراكوزا(‬
‫‪.)36‬في حين لم يحدث أي شيء من ذلك القبيل لفي بلد النيل ول مع سكان‬
‫المناطق الداخلية أو الساحلية في الشمال الفريقي فكان اعتمادهم على علقاتهم‬
‫الودية ‪ /‬الطيبة ‪ /‬م ع سكا ن الداخ ل جعله م يحصلو ن عل ى منتوجا ت المناطق‬
‫الداخلية بدون عناء عن طريق هؤلء السكان (‪ )37‬بحيث كانت العلقات كما هي‬
‫في الدولة الواحدة بين سكان الساحل وسكان الداخل‪ ".‬بينما على العكس من ذلك‬
‫تماما كانت سياسة الرومان تعتمد على السيطرة وتهدف إلى تحويل المغرب‬
‫العربي إلى مستعمرة تخدم القتصاد الروماني وحده وتشبع رغبة العسكرية‬
‫الرومانية‪ .‬ولذلك نجد أن الرومان كانوا قد نفذوا إلى المناطق الداخلية وبنوا مدنا‬
‫وقلعا عسكرية" (‪.)38‬‬
‫إذن‪ ،‬حت ى ولو افترضن ا أن الفينيقيين هاجرو ا بشك ل موج ة بشري ة إلى‬
‫‪- 65 -‬‬

‫السواحل العربية الفريقية فهم لم يجدوا صعوبة تذكر لفي التعامل ول في‬
‫مراحل بناء المدن والموانئ‪ ،‬ولبعلقاتهم مع أبناء الداخل‪ ،‬لمن الناحية اللغوية‬
‫ول م ن النواح ي الثقافي ة والعلئقي ة الخرى ‪ .‬فحت ى ل و افترضن ا أ ن السكان‬
‫السابقين في بلد المغرب العربي لحضور الفينيقيين لم يكونوا بنفس البناء‬
‫الناسي الثنولوجي‪ ،‬أي لم يكونوا ينتمون لنفس الشعب‪ ،‬فلبد أن نصل إلى‬
‫نتيجة مفادها أنهم كانوا يحملون نفس المواصفات التواصلية والناسية‪ ،‬بحيث لم‬
‫يحدث ما يشير حتى ول إلى أي خلف بين الطرفين‪ .‬وبالتالي ليمكن النظر إلى‬
‫توضع الفينيقيين في الشمال العربي الفريقي مع " الهجرات" العربية الولى‪،‬‬
‫والتي أكدنا أنها ذات نفس الصل الثنولوجي المعرفي والبناء الناسي إلّ تماما‬
‫كما ننظر لعلقات الكاديين والبابليين والشوريين باعتبارهم يشكلون بناء أناسيا‬
‫معرفيا لشعب واحد بتمظهرات فرعية جزئية يفرضها السياق التاريخي العام‬
‫للتطور‪.‬بحيث يبدو عنصر التصال الجغرافي التاريخي قائما في عمق الزمن‬
‫المعرفي‪ .‬وعلى سبيل المثال ل الحصر يمكننا أن نأخذ صور كمدينة بُنيت ( ول‬
‫خلف على أن الفينيقيين هم بناتها) في بداية اللف الثالث قبل الميلد على‬
‫الساحل الشرقي لبحر أمور أو" البحر المتوسط" في حين بنوا قرطاجة " القرية‬
‫الحديثة= أوغاريت الجديدة نسبة إلى أوغاريت الساحل الشرقي" في بداية اللف‬
‫الول قبل الميلد " تم انجاز بنائها عام ‪840‬ق‪.‬م"‪.‬‬
‫" فالمؤرخ هيرودوت يروي بأنه أثناء زيارته لمدينة صور سنة ‪ 450‬ق‪.‬م‬
‫أكد له كهنتها بناءها حوال ي ‪ 2300‬سنة قبل زيارته لها‪ .‬وعلى ذلك يكون بناء‬
‫مدينة صور قد تم في حوالي ‪ 2750‬ق‪.‬م (‪.)39‬‬
‫ولم تكن علقات المظاهر الحضارية بأسمائها المختلفة ذات البناء الناسي‬
‫ل بالمفهو م التطوري‬
‫المعرف ي الواح د م ع الساح ل الشام ي علقا ت عدائي ة إ ّ‬
‫المعهود في داخل أية دولة واحدة‪ ،‬وما علقة مدينة صور مع المظاهر السياسية‬
‫للحضار ة العربي ة الجليل ة " البابليين ‪ ،‬والمصريين ‪ ،‬والشوريي ن وغيرهم‪"..‬‬
‫ن لعلقات المدينة القوية في الدولة الواسعة‪.‬‬
‫ج بيّ ٌ‬
‫إلّنموذ ٌ‬
‫أم ا المرحل ة الثالث ة والهام ة والت ي لتحتا ج للوقو ف عنده ا فه ي انتشار‬
‫ي عظيم من مظاهر العروبة‪.‬‬
‫الرسالة السلمية كمظهر معرف ّ‬
‫وبذلك يبدو التواجد العروبي في المغرب العربي هو الواسم الوحيد والوحد‬
‫للهوية الوطنية ليس فقط بعد انتشار الرسالة السلمية‪ ،‬أو من خلل ما سبقها‬
‫‪- 66 -‬‬

‫بحوال ي ألف ي عا م م ن خل ل الجول ن العروب ي الفينيق ي والصر ح العظيم‬
‫الحضاري الذي انتشر على كل سواحل البحر المتوسط من الشرق إلى المحيط‬
‫الطلسي‪ ،‬بل ومن خلل الهجرات العروبية الولى التي امتدت على مساحة‬
‫الزمن الواسمة منذ انتهاء العصر الباليوليثي‪ /‬انتهاء العصر الجليدي الخير‪/‬‬
‫وابتدا ء الميزوليت ‪ ،‬وصولً إل ى الهجرا ت الثانية ‪ .‬والمتعم ق ف ي هذ ا التاريخ‬
‫يدرك‪ ،‬أن المغرب العربي لم يكن ول في يوم من اليام‪ ،‬بعيدا عن هويته‬
‫الديمغرافي ة العروبية ‪ ،‬وأعتق د م ن ناحيت ي أ ن لحاج ة للتذكي ر بالكثي ر من‬
‫المعلومات التي يعرفها الجميع وليستطيع أن يتغاضى عنها حتى المستشرقون‬
‫الذين يؤسسون نظراتهم على اشتراطات ايديولوجية تزييفية‪.‬‬
‫فالفينيقيون بتواجدهم المتواصل‪ ،‬وتواصل حضاراتهم‪ ،‬كانوا يبنون‪،‬‬
‫ويدخلو ن النشا ط أينم ا تواجدو ا لي س فق ط عل ى الشواط ئ العربي ة ب ل وعلى‬
‫الشوطئ الشمالية للبحر المتوسط‪ ،‬فهم الذين بنوا الموانئ التجارية والمراكز‬
‫السكنية التي تميزت بحيويتها‪ ،‬واتصلت فيما بينها بشبكة اتصالت بحرية ملحية‬
‫راقي ة امتد ت م ن سواح ل الشا م الشرقي ة وكيليكي ا والدلت ا المصري ة والشمال‬
‫الفريقي باتجاه اليونان وصقلية وقبرص وسردينيا‪ -‬وأسسوا قادش في اسبانيا"‬
‫نسبة إلى قادش بلد الشام" أما قرطاجة ( كرت حديث= القرية الحديثة) فكانت‬
‫نموذجا لصور وأوغاريت وتؤكد الساطير الغريقية أن " ليبيا" وهذا السم‬
‫الذي أطلق على كل الشمال الفريقي العربي هي تسمية فينيقية‪ ،‬وهي زوجة‬
‫برزيدون وأم جينوز‪.‬‬
‫نستنتج من ذلك‪ ،‬أن التاريخ الناسي للفينيقيين العرب يمتد بعيدا إلى ما قبل‬
‫التاريخ على رقعة الوطن العربي كلها من الساحل الشرقي للبحر الحمر " كنعان‬
‫‪ " 1‬إلى منطقة اليمن وجنوب الجزيرة إلى الساحل " كنعا ن ‪ " 2‬إلى دلتا النيل‬
‫والشمال الفريقي كاملً حتى بحر الظلمات‪ .‬وهذا يعني أن الناسة التاريخية‬
‫والجغرافية الناسية للعرب الفينيقيين تشكل وحدة متواصلة متكاملة أما ما قدّمه‬
‫هؤل ء العر ب للبشري ة حت ى تاريخ ه ابتداءً م ن ف ن الملح ة وتنظي م المدن‬
‫والموانئ‪ ،‬والتعدين‪ ،‬وغيرها وصولً إلى أول أبجدية قدموها للبشرية‪ ،‬وهي‬
‫مازالت حت الن الكتشاف الهم في التاريخ الناسي كله‪.‬‬
‫أما في منطقة الشرق العربي فلقد اشترك الكديون والسومريون في بناء‬
‫حضارة بلد النهرين‪ ،‬من ثمّ انصهرت البُنى الناسية الحضارية مع نهاية اللف‬
‫الثالث قبل الميلد وبداية اللف الثاني ليظهر على مسرح الحداث التكوين الناتج‬
‫‪- 67 -‬‬

‫التالي لما يمكن أن نسميه البناء الكنعاني‪ -‬الموري فظهرت معالمهم المكملّة‬
‫للبنية السابقة لهم‪ :‬بابل في أواسط العراق‪ ،‬وآشور في شماله‪ ،‬وماري أواسط‬
‫الفرات ‪ ،‬وكركي ش عل ى حو ض الفرا ت العل ى ويمحا ض ف ي منطق ة حلب‪،‬‬
‫وقطنة ‪ /‬المشرفة ‪ /‬قر ب حم ص وجبل عل ى الساحل ‪ ،‬ودا ن عل ى مناب ع نهر‬
‫الردن‪ ،‬وحاصور في سهل الحولة‪ ،‬ومجدو في شمال فلسطين‪ ..‬وكلمة آمور‬
‫الكادية‪ -‬السومرية تعني الغرب ( لذلك سمي البحر المتوسط بحر أمورو)‪ ،‬وقد‬
‫وص ف السومريون والكاديون تلك الحركة الديموغرافية القادمة من البادية‬
‫الشامية إلى بابل وسومر بالموريين أو أهل الغرب‪.‬‬
‫" هذا فيما يتعلق بآمورو‪ ،‬أما فيما يتعلق بكنعان فإنّه أول ماذكر كاسم‬
‫جغرافي في النص ت‪.‬م ‪ 2367 /75 /‬المكتشف في تل مرديخ‪ /‬عبلة ‪ /‬ايبل‪،‬‬
‫ويعود تاريخه إلى منتصف اللف الثالث قبل الميلد ويبدو أن منطقة كنعان التي‬
‫ذكرت في هذا النص كانت مجاورة لمملكة إيبل‪ ..‬ومن المرجح أنها كانت تشمل‬
‫المنطقة الجنوبية الغربية من بلد الشام طبقا لما ورد في رسائل العمارنة‪ ،‬حيث‬
‫وصفت السواحل الشامية الواقعة إلى الجنوب من حوض نهر الكبير الجنوبي‬
‫ببلد كنعان‪ ،‬ومملكة حاصور في سهل الحولة على أنها من بلد كنعان وإلى‬
‫هذه المناطق انتسب الفينيقيون أيضا‪.‬ومهما يكن المر فإنه من الواضح أن معظم‬
‫مناطق بلد الشام كانت موضعا للكنعانيين فسميت بأسمهم‪ .‬هذا من جهة‪ -‬ومن‬
‫جهة أخرى فإن الوثائق التي وصلتنا من ماري وبابل وأوغاريت والعمارنة قد‬
‫كتبت بلغة واحدة هي الكنعانية‪ .‬لكل هذا اعتقد كثير من العلماء أن القبائل التي‬
‫انتشرت في بلد الشام خلل القرنين الخيرين من اللف الثالث قبل الميلد‬
‫وانتقلت شرقا إلى بلد النهرين‪ -‬كانت كنعانية" (‪.)40‬‬
‫"وقبي ل نهاي ة الل ف الثال ث وعن د مطل ع الثان ي ق‪ .‬م كا ن ق د جل س على‬
‫عروش بابل ملوك كنعانيون ‪ /‬آموريون كما هو الحال في إسين‪ ،‬لورسا‪ ،‬بابل‬
‫وأشنونة‪ ،‬ففي لرسا نابى نوم ‪ 2005-2025‬ق‪.‬م‪ ،‬الذي أسس ملكا دام حتى عصر‬
‫الملك ريم شين ‪ 1763-1822‬أما في إسين فقد أسس الماري إشبي إ" را ‪1985-2017‬‬
‫ق‪.‬م ملكا دام حتى عصر سين مجير ‪ ، 1817-1827‬وفي اشنونة حكمت سللة‬
‫ضعيفة‪ .‬وجلس على عرش بابل سومو آبو م ‪ 1881-1894‬الذي جاء بعده ملوك‬
‫أقوياء كان أشهرهم حمورابي ‪ 1750-1791‬الذي وحد البلد وبعث أمجاد المملكة‬
‫الكادية" (‪ ) 41‬فسلك نفس طريق سرغون الكادي ( مؤسس أو ل امبراطورية‬
‫في التاريخ بالمعنى السياسي) فوحّد بلد الشام وبلد الرافدين في امبرطورية‬
‫‪- 68 -‬‬

‫منبعثة جديدة مركزها بابل‪.‬‬
‫أم ا ممالكه م الخر ى آشور ‪ ،‬كركميش ‪ ،‬يمحاض ‪ ،‬ماري ‪ ،‬ايبل ‪ ،‬قطنة‪..‬‬
‫فجميعها ذات أهمية خاصة‪ ،‬لكن ما يستحق الوقوف عنده‪ ،‬ولو لبعض الوقت‬
‫فهي آشور وماري وايبل‪ .‬لما لذلك من أهمية خاصة تؤكد الوحدة الناسية‬
‫التاريخية ليس في شرق التراب العربي‪ ،‬بل وفي غربه أيضا‪ .‬فبعد أن تحدثنا‬
‫عن دور ذلك الشعب في القسم الغربي من وطن العرب‪ ،‬لبد من العودة إلى‬
‫بعض ملمح التاريخ الناسي في المشرق العربي‪ ،‬لما لذلك من أهمية خاصة‬
‫تغلق نوافذ النعزالية في الهويات الوهمية‪ .‬تماما كما فعلت مع بلد المغرب‬
‫واريتيريا والسودان والصومال ووادي النيل‪ ،‬سنرى ماذا يقول التاريخ الناسي‬
‫عن آشور وماري وايبل‪ ،‬لنعود لحقا بعكس الزمن الفيزيائي إلى دراسة التكوين‬
‫الناسي التاريخي للسومريين بزواياه التي تدحص فكر الستشراق المزيف‪.‬‬
‫بدأت آشور مملكة ضعيفة عند بداية اللف الثاني ق‪.‬م ولما تولى السلطة‬
‫الملك القوي شمشي حدد ( شمشي هدد) ‪ 1782-1815‬معاصر حمورابي البابلي‪،‬‬
‫وحّد المناطق الواقعة شرقي دجلة وغربه مع ماري‪ ،‬حتى وفاته‪ ،‬حيث ضمّ‬
‫حمورابي آشور لدولته بعد ذلك‪ .‬أما المركز مدينة آشور ( قلعة شركت_ حاليا)‪،‬‬
‫فقد سميت بهذا السم على شرف الله آشور‪ .‬وقد كان سكانها من العروبيين‬
‫القادمين من شبه الجزيرة العربية وبلد الشام‪ ،‬وراحوا هنا يعبدون الله آشور‬
‫وباسمه سموا بالشوريين ( أتوراية) (‪ .)42‬بعد ذلك انتقل المركز إلى كلخو في‬
‫عصر ناصر بعل ثم نينوى‪ ،‬حتى امتد تأثيرهم السياسي عام ‪ 671‬ق‪.‬م إلى بلد‬
‫وادي النيل‪ .‬أما بالنظر لمنهجنا في قراءة التاريخ‪ ،‬وأقصد بذلك التكوين الناسي‬
‫التاريخي‪ ،‬فل يمكننا أن نجد حدودا للفصل بين كل تكوينات التاريخ العربي‬
‫ص تلك‬
‫القديم‪ ،‬المعرفية منها والمثيولوجية واللغوية والحضارية‪ ،‬ليس فقط بما يخ ّ‬
‫الممالك أو المناطق أو التكوينات السياسية المتلصقة أو المتقاربة‪ ،‬بل أيضا تلك‬
‫المتباعدة منها‪ ،‬من قادش غربا على بحر الظلمات وحتى قادش أواسط الشام‪،‬‬
‫ومن قرطاج جنة العظيمة إلى بابل الجليلة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬ليمكننا أن نضع حدودا‬
‫ل‬
‫للفصل بين مكونات البنائية الناسية المعرفية للشوريين والبابليين‪ ،‬بل أن ك ً‬
‫منهما يشكل وجها مطابقا أناسيا للوجه الخر‪ ،‬مع التنوع في خصوصية الزمن‬
‫التاريخي الذي يتحدث عن مظهر هام من أهم مظاهر العروبة بتكوينها الثقافي‪-‬‬
‫الحضاري معبرا عن نفسه بحضارة جليلة تعيش نتاجها كل البشرية حتى اليوم‪،‬‬
‫ولنتذكر ما كتب ن‪ .‬نيولسكي" لقد دخلت عناصر الثقافة الشورية ‪ -‬البابلية في‬
‫‪- 69 -‬‬

‫لحمنا ودمنا وتغيرت وتفاعلت لدرجة غير معقولة بحيث لم يراودنا الشك في‬
‫منشئها زمنا طويلً‪ .‬إلّ أنها عديدة وتذكرنا بنفسها يوميا‪ .‬فنحن اعتدنا مثلً على‬
‫اليام السبعة للسبوع لدرجة أنه لنتصور أن نسأل أنفسنا ‪ 60‬دقيقة في الساعة‪،‬‬
‫‪ 60‬ثانية في الدقيقة‪.‬‬
‫إن هذه التقسيمات الساسية الداخلة في لحمنا ودمنا ليست بمجملها منجزات‬
‫أصلية لحضارتنا بل إنها تأخذ منابعها من قديم الزل من بلد بابل العريقة‪ .‬إن‬
‫النسان الفرنسي والنكليزي واللماني‪ ..‬يلفظ تسمياته ليام السبوع بشكل آلي‬
‫دون أن نظن أبدا أن هذه التسميات هي ترجمة مبسطة لتسميات بابلية قديمة‪.‬‬
‫يتعلم مئات اللف من الطلب والطالبات في المدارس تقسيم الدائرة إل ى ‪360‬‬
‫درجة ويقيسون القواس والزوايا بالدرجات وليرد ببال أحد منهم السؤال لماذا‬
‫لم تقسم الدائرة إلى مئة أو ألف درجة وفق النظام العشري‪ ،‬كما ليفكر أحد من‬
‫علماء الرياضيات بضرورة إجراء مثل هذه الصلحات‪ .‬إذ أن مجمل علم‬
‫الهندسة المبني على هذا التقسيم قد دخل في لحم ودم علماء الرياضيات والتخلي‬
‫عنه صعب مثلما هو صعب التخلي عن تقسيم اليوم إلى ‪ 24‬ساعة والساعة إلى‬
‫‪ 60‬دقيقة‪ .‬إنه يحمل مثل هذه العراقة المشرفة ويرجع في أصوله إلى هاتيك البلد‬
‫في بابل‪.‬‬
‫إن الموطن التاريخي لعلم الفلك هي بابل أيضا وإن الفلكيين البابليين هم‬
‫الذين وضعوا القواعد الساسية لعلم الفلك‪ )43( ".‬وهناك اكتشاف آخر في تاريخ‬
‫الموسيقى حيث تكلم عنه أساتذة جامعة كاليفورينا سن ة ‪1975‬م‪ ،‬إذ أنهم بعثوا‬
‫الحياة في رومانس آشوري مكتوب على لوح الرومانس‪ .‬وكان يعتبر سابقا أن‬
‫الموسيقيين القدامى استنبطوا نوطة واحدة فقط في المرة الواحدة‪ ،‬أما الن فقد تم‬
‫البرهان على أن الموسيقيين الشوريين‪ -‬البابليين استنبطوا نوطتين في كل مرة‪،‬‬
‫واستخدمو ا المدر ج الموسيق ي السباع ي ولي س الخماس ي فقط ‪ ،‬إ ذ أ ن علماء‬
‫الموسيقى كانوا يعتقدون قبل هذا الكتشاف أن المدرج السباعي وضعه الغريق‬
‫سنة ‪ 400‬ق‪.‬م‪.‬‬
‫والختراع الخر لدى البابليين‪ -‬الشوريين والذي مازال يستعمل على‬
‫نطاق واسع حتى يومنا الحاضر هو الساعات الشمسية والمائية والتي شاهدها‬
‫حتى هيرودوت‪ .‬وقد أثبت العالم الثاري البلجيكي ف‪ .‬كيومون أن الغريق‬
‫اقتبسوا الساعة الشمسية من الشرق العربي أثناء إقامة العلقات التجارية بين‬
‫الشر ق العرب ي والمد ن اليونانية(‪ . )44‬واستعم ل البابليو ن الشوريو ن أيضا‬
‫‪- 70 -‬‬

‫الساعات الشمسية النصف دائرية لغراض الرصد الفلكي‪ .‬كما استخدموا في‬
‫تلك الزمنة الغابرة الساعات المائية‪.‬‬
‫إ ن السبو ع السباع ي اليا م ه و م ن إر ث العر ب الشوريين ‪ -‬البابليين‬
‫ويرجع إلى آلهة الفلك السبعة‪ ،‬الذين يمثلون تراتبية خاصة في كل مظهر من‬
‫مظاه ر المثيولوجي ا العربية ‪ :‬شم س ( الشمس) ‪ ،‬سي ن ( القمر) ‪ ،‬مردوخ‬
‫(المشتري)‪ ،‬نيرغال ( المريخ) ‪ -‬عشتار ( الزهرة)‪ ،‬تابر ( عطارد)‪ ،‬فينورتا‬
‫(زحل) وقد حفظت هذه السماء في تسميات اليام باللغات اللمانية والفرنسية‬
‫والنكليزية ولغات أخرى‪.‬‬
‫يضا ف إل ى ذل ك الكثي ر م ن المكتشفا ت الت ي أنتجته ا العبقري ة البابلية‪-‬‬
‫الشورية بالتنظيم‪ ،‬وفن التطريز والبنى القانونية‪...‬‬
‫وعندما نبدأ بدراسة الهندسة لبد لنا أن نتعلم نظرية فيثاغورث وقد اقتبسها‬
‫أثناء زيارته لبابل‪.‬‬
‫أما الرياضيون البابليون‪ -‬الشوريون فقد عرفوها قبل ذلك الوقت بألف‬
‫عام‪ ،‬كما عرفوا استخراج الجذر التربيعي والتكعيبي ووضعوا مبادئ الجبر‪.‬‬
‫ويكتب الكاديمي ستروف‪ ":‬إن مصدر النجوم الذي يمكن رسمه دون استخدام‬
‫التلسكوب وضع في بابل وعبر الحثيين وصل إلى غربي البحر المتوسط‪ .‬لقد‬
‫وصل الفلك في بابل إلى درجة عالية جدا بحيث كان له تأثير واضح على‬
‫المعارف الفلكية في بلد الغريق فيما بعد" (‪.)45‬‬
‫وفي بلد ما بين النهرين تم وضع أول تقويم قمري ما زال يستخدم حتى‬
‫الن‪ ،‬لقد تمكن علماء هذه البلد من إيجاد العلقة بين الشمس وإشارات البراج‬
‫الفلكية في يوم العتدال الربيعي‪ -‬كان بإمكانهم التنبوء بالكسوف والخسوف‪.‬‬
‫لق د جم ع علما ء الشر ق العربي النباتا ت واصطفوه ا وصنفوه ا ووضعوا‬
‫قوائم بالحيوانات المحلية والمستوردة‪ ،‬وكذلك بالمعادن كما أجروا تجارب في‬
‫الزراعة والري‪ .‬لقد حول سكان بلد الرافدين وطنهم إلى مركز ضخ م في‬
‫الزراعة وقد اشتهروا بزراعة العنب وصناعة الخمور منه‪ .‬كما أسست في بابل‬
‫أول حديقة للحيوانات كما كان للنحت تطوره الرفيع الخاص‪.‬‬
‫وإذا عرجنا على مملكة ماري‪ ،‬فإننا سنلحظ أن تاريخها في القرنين التاسع‬
‫والثامن عشر ق‪.‬م هو تاريخ بلد الشام الشمالية" ولول وثائق ماري لما استطعنا‬
‫‪- 71 -‬‬

‫كتابة تاريخ كركميش وإيحار ويمحاض وقطنه خلل هذين القرنين‪ ،‬ناهيك عن‬
‫تاريخ الدولة الشورية في عهد شمشي حدد الول‪ .‬ولغرابة في هذا‪ ،‬فمن‬
‫ماري انطلقت القبائل الكنعانية المورية إلى بلد بابل وسومر وآشور‪ .‬ومثل‬
‫مار ي كان ت عبلة " ايبل " أيضا فق د مر ت بنف س الظرو ف التاريخية ‪ .‬فسكان‬
‫المملكتين من أصل واحد وظروفهم الجتماعية واحدة‪ .‬ففي النصف الول من‬
‫اللف الثالث قبل الميلد استقر شيوخ القبيلتين " ماري" و" عبلة" في المدينتين‬
‫اللتين سميتا بنفس السم وأسسوا دولتين قويتين ساهمتا في صنع حضارة بلد‬
‫الشام‪ ) 46(.‬ولم تكن العلقة وثيقة فقط بين ماري وعبلة" ايبل" فقط‪ ،‬بل بينهما‬
‫ومع أوغاريت وحلب(‪ ،)47‬وبينهم جميعا وبلد وادي النيل‪ ".‬فقد اكتشفت في‬
‫أوغاريت آثار مصرية من عصر المبراطورية الوسطى ‪1610-2052‬ق‪.‬م أهمها‬
‫منحوتات لزوجة الفرعون زيزستروس الثاني ( ‪1879-1897‬ق‪.‬م) وللملك أمنحت‬
‫الثالث ( ‪1792 -1840‬ق‪.‬م) وإن دلت هذه المكتشفات على شئ فإنها تدل على قيام‬
‫علقات صداقة ودية بين حكام أوغاريت وحكام مصر وحاشيتهم‪.‬‬
‫وقد أرسل المصريون هذه المنحوتات إلى أوغاريت للتقرب منها والحصول‬
‫على بركة أربابها‪.‬‬
‫أما في المراحل اللحقة فقد ظهرت مجموعة من الممالك كقادش ( تل النبي‬
‫مندو على الطرف الجنوبي لبحيرة قطينة إلى الغرب من حمص) فقد كانت من‬
‫أعمال الدولة المصرية في عهد تحوتمس الثالث ( ‪ ) 1436 - 1490‬من ثم عادت‬
‫ووقعت تحت السيطرة المصرية في عهد رعمسيس الثاني فبقيت هي وبلد الشام‬
‫الجنوبية تحت النفوذ" المصري يضاف إليها حاصور غرب طبرية ويانوعما في‬
‫حوض الردن وبيل وأكشف إلى الجنوب من عكا وشكما قرب نابلس ومجدو‬
‫والتي تعتبر من أهم وأقدم مدن كنعان‪ ،‬وقد عين رعمسيس الثاني حاكما مصريا‬
‫عليها بعد القرن الثالث عشر قبل الميلد‪ .‬ومملكة غزة وعاصمتها غزة من المدن‬
‫القديمة في بلد الشام‪ .‬جعلها تحوتمس الثالث من أملك الفرعون الخاصة مثل‬
‫يافا‪ .‬كانت مقر مملكة زاهرة‪ ،‬ثم أصبحت مقر الممثلية الفرعونية ببلد كنعان في‬
‫القرن الرابع عشر قبل الميلد‪.‬‬
‫ولقد كان لوادي ودلتا النيل تأثير هام بالمفهوم الثقافي الذي يفضي إلى‬
‫تكوينا ت أناسي ة معرفي ة ضم ن علق ة التأث ر والتأثير ‪ ،‬كم ا نلح ظ م ن خلل‬
‫السياق ‪ ،‬وذل ك عل ى المتدا د العرب ي الكنعان ي ‪ -‬الفينيق ي المور ي الغرب ي "‬
‫وكانت تلك العلئق ذات صفة خاصة مع القسم الجنوبي من فينيقيا وخاصة جبيل‬
‫‪- 72 -‬‬

‫سمّ ى حكامه ا أنفسه م ملوكا مصريي ن وكتبو ا آثاره م ووثائقه م باللغة‬
‫الت ي ّ‬
‫المصرية‪)48( ".‬‬
‫يضاف إلى ذلك أن استخدام اللغة الكادية ورموزها في الحياة اليومية كان‬
‫واحدا من أهم عناصر الثقافة الوغاريتية‪ :‬باللغة الكادية وضع مختلف أنواع‬
‫الوثائ ق والمراسل ت الدولي ة والرسمي ة والخاصة ‪ .‬فير ى د ‪ .‬لري ا أ ن اللغتين‬
‫الكدية والوغاريتية استخدمتا على قدم المساواة في كتابة الرسائل والوثائق‬
‫القتصادية‪ .‬أما في حقلي العبادة والمثيولوجيا فقد استخدمت الوغاريتية وحدها‪،‬‬
‫وفي مجال العلقات الدولية والمجال القانوني والثقافي استخدمت الكادية فقط‪.‬‬
‫ومع ذلك فثمة وثائق في العلقات الدولية والتجارية كتبت بالوغاريتيه‪ .‬لكن‬
‫بالرغم من ذلك لريب في أن اللغة الكادية كانت اللغة الرئيسة للكتابة(‪.)49‬‬
‫أل يعني كلّ ما قلناه سابقا أن هناك وحدة أناسية معرفية مميزة لكل الشكال‬
‫السياسية ومظاهر الممالك التي عُرفت في بلد ما بين النهرين وبلد الشام‪ .‬وبين‬
‫هاتي ن المنطقتي ن وشب ه الجزير ة العربية ‪ ،‬وم ع واد ي ودلت ا النيل ‪ ،‬والساحل‬
‫الفريقي من البحر الحمر‪ ،‬امتدادا حتى الشمال الفريقي‪ ،‬مرورا بليبيا‪.‬‬
‫أما النقطة الخيرة التي تحتاج الوقوف عندها قبل النتقال إلى النواحي‬
‫الخرى من البنية التطورية الناسية المعرفية العربية كاللغة والبناء الميثولوجي‪،‬‬
‫فتتمثل في الوقوف عند نقاط الستفهام في الحضارة السومرية‪ -‬الكادية والتي‬
‫كانت موازية لبل بحيث حققت وثائق ايبل ثورة في معارفنا التاريخية عن‬
‫الشر ق الدن ى ف ي الل ف الثال ث قب ل الميلد ‪ ،‬هذ ه الفتر ة الت ي شهد ت بناء‬
‫الهرامات في مصر أو ما يسمى بعصر الملوك‪ ،‬وشهدت الحضارة السومرية‪-‬‬
‫الكادية العظيمة في الرافدين‪ .‬فإلى جانب أكبر مصدرين للمعلومات التاريخية‬
‫وهم ا مص ر وبل د الرافدين ‪ ،‬أصبح ت سوري ة بفض ل اكتشافاتن ا هذ ا المصدر‬
‫الرئيسي الثالث للتاريخ الحضاري والسياسي في الشرق الدنى" (‪.)50‬‬
‫ومن المهم جدا إعادة التذكير بالتطور المناخي‪ -‬الجغرافي الذي تعرّضت‬
‫له منطقة الخليج العربي منذ نهاية العصر الجليدي الخير وبداية المرحلة الدفيئة‬
‫وحتى بداية اللف الرابع قبل الميلد‪.‬‬
‫فكما قلنا سابقا‪ ،‬كان مجرى نهري دجلة والفرات يمتد حتى مضيق هرمز‪،‬‬
‫حيث كان مصب النهرين يطل مباشرة على بحر العرب‪ ،‬وتشكلت على ضفاف‬
‫هذين النهرين مناطق ملئمة لجولن النسان الباليوليتي ( وهذا ما تثبته بحوث‬
‫‪- 73 -‬‬

‫السفينة اللمانية البحثية الميتيور)‪ ،‬بحيث تشكلت حضارة ما قبل الخليج والتي‬
‫تؤك د كاف ة البحو ث والدراسا ت والمكتشفا ت أنه ا موازي ة ومطابق ة للمرحلة‬
‫النطوفية في بلد الشام والسبيلية في وادي النيل والحضارة الصفاقصية في‬
‫المغرب العربي‪ .‬ومع نهاية العصر الجليدي وبداية العصر الدفيء تقدمت مياه‬
‫البحر لتغطي المساحة الممتدة بين مضيق هرمز وشط العرب مشكلة الخليج‬
‫العربي‪ ،‬والذي كان يمتد مع نهاية اللف السابع قبل الميلد إلى ما يقارب ‪ 145‬كم‬
‫شمالً عما هو عليه الن‪ ،‬بحيث كان الخليج يمتد حتى جنوب أور‪ .‬وكان دجلة‬
‫والفرات يصبان فيه كل على حدة‪ .‬لن مياه الخليج كانت تغطي ما يسمى الن‬
‫شط العرب‪ .‬ومع مرور آلف السنين تراكم الطمي والمواد اللحقية من انسحاب‬
‫نسبي لمياه الخليج‪ ،‬بحيث شكل سهل شط العرب الذي شكله النهر ان بالتقائهما‪.‬‬
‫وقد سادت في المرحلة الممتدة بين ‪ 3500- 4500‬ق‪.‬م ما نسميه حضارة تل العبيد‬
‫وتواف ق النص ف الو ل م ن العص ر الحجر ي النحاسي ‪ ،‬وم ا يواف ق ذل ك من‬
‫حضارة تل حلف‪ .‬وقد سميت بذلك السم نسبة إلى تل العبيد الصغير‪ ،‬في‬
‫جنوبي العراق‪ ،‬وإلى الغرب من مدينة أور الشهيرة حوالي ‪6‬كم‪.‬‬
‫وقد امتد تأثير حضارة تل العبيد من سواحل شبه جزيرة العرب المطلة‬
‫على الخليج إلى بلد النهرين‪ ،‬ليشمل النصف الشمالي من بلد الشام‪ ،‬وخاصة‬
‫سهل العمق‪ ،‬وأقام سكان تل الشيخ صناعة فخارية محلية‪ ،‬لتقل جودة واتقانا‬
‫عن فخار الحلف والعبيد"(‪ )51‬بالضافة إلى التطابق شبه الكامل في تلك العناصر‬
‫التقنية والمثيولوجية‪ ،‬بامتداد يشمل الساحل الشرقي لجزيرة العرب على الخليج‬
‫ومنطقة الرافدين وبلد الشام‪ "،‬ومع تطور المعتقدات الدينية‪ ،‬ظهرت المعابد‪،‬‬
‫بيوت الرباب‪ ،‬فيها يقيم الناس صلواتهم‪ ،‬ويعبدون ربهم‪ ،‬ويتقربون إليه‪ .‬ودليلنا‬
‫على ذلك ما اكتشف من معابد في مدينة أريدو‪ ،‬التي تقع في أقصى الجنوب من‬
‫بلد الرافدين‪ .‬في هذا الموقع نقبت بعثة وطنية عراقية تحت الزقورة‪ ،‬وكشفت‬
‫عن ثماني عشرة طبقة‪ ،‬في كل طبقة معبد صغير بني للرب أنكي‪ ،‬إله الماء‪.‬‬
‫في البدء كان المعبد عبارة عن مصلى مستطيل الشكل في وسطه منضدة لوضع‬
‫النذور والقرابين عليها‪ .‬وبعد وقت ليس بالقصير‪ ،‬أضيف إليه محراب‪ ،‬قبالة‬
‫المدخل‪ .‬ثم رفع فوق الرض المجاورة‪ ،‬بواسطة مصطبة‪ ،‬بُني فوقها المعبد‪.‬‬
‫ومع مرور الزمن كان لبد من توسيع المصلى‪ ،‬الذي أصبحت الحاجة إليه ماسة‬
‫لسبب أو لخر‪ .‬فبنى مصلى أكبر من السابق‪ ،‬شكله بقي مستطيلً‪.‬ووضع أمام‬
‫الضل ع العرضان ي محرا ب يقابل ه أم ا الضل ع الخ ر المنضد ة وأحي ط المصلى‬
‫بمحراب‪ ،‬وأصبح الدخول إليه من باب في أحد جانبيه‪.‬‬
‫‪- 74 -‬‬

‫ومع مقارنة هذا الشكل مع أشكال المعابد في العصر اللحق‪ ،‬يمكننا القول‬
‫إن المخطط العام للمعابد السومرية‪ -‬الكادية قد رسم في هذا العصر‪ ،‬وأن‬
‫وظيفة المعبد الساسية قد حدّدت أيضا" (‪ )52‬ونفس المعبد بنفس المواصفات تم‬
‫اكتشافه في أقصى شمال بلد الرافدين في تبه جوار ومعابد تل أسود أيضا ( ‪)53‬‬
‫كما أن المكتشفات في النسول على الساحل الشامي الفلسطيني أثبتت التطابق‬
‫والتوازي في التطور الناسي الحضاري على كافة المستويات‪ ،‬بحيث تميزت‬
‫هذ ه المرحلة ‪ 3500-5500‬ق‪ .‬م باكتشا ف النحاس ‪ ،‬وحص ر العباد ة ف ي أماكن‬
‫مخصصة هي المعابد‪.‬‬
‫فه ل يمك ن ضم ن هذ ا الواق ع المشخ ص بمعطيا ت اقتصادي ة واجتماعية‬
‫ومثيولوجية محدّدة أن نتساءل عن معنى وجود كيان سياسي بالمعنى المعاصر‬
‫للكلمة‪ ،‬يضم كل بقاع الجغرافية التاريخية العربية التي تحدثنا عنها وما معنى‬
‫هذا الكيان بصيغته التطبيقية في ذلك الزمن‪.‬‬
‫إن تلك الحضارة بتوضعاتها الجغرافية المتعددة هي الناتج الناسي المعرفي‬
‫لتطور أ ّمةٍ واحدة‪ ".‬وإن هذه المناطق الحضارية لم تكن تخصّ أمما‪ ،‬بل أمة ‪/‬‬
‫متشعّبة‪ )54( "/‬تركزت أسسها الحضارية في كل مواقع هذا الوطن الجليل‪ ،‬ومن‬
‫أهمها‪ ،‬والتي تستوجب الوقفة المعرفية‪ ،‬حضارة جنوب بلد الرافدين‪ .‬لقد تميّزت‬
‫المرحلة السابقة للتاريخ بالتراكم القتصادي‪ -‬الزراعي‪ -‬البضاعي مما أدى إلى‬
‫التخصص في العمل والوظائف‪ .‬وتطوير المقدرات التقنية وجوانبها النتاجية‪،‬‬
‫مما أدى إلى تشكل طبقة إدارية خاصة من رجال الدين بحيث تتحول البنية‬
‫المثيولوجية من ثيولوجيا الجماعة الكتلة إلى مؤسسة دينية قادرة على الربط‬
‫والتمييز بين المعبود والمكان‪.‬وهذا لم يكن مجرد طفرة في الزمان أو تأسيسا‬
‫من خارج المكان البشري ‪ ،‬ب ل كا ن نتاجا موضوعيا وطبيعيا لحركي ة الكتلة‬
‫الجتماعية‪ ،‬بحيث أصبح النتاج الحضاري بإحداثياته الناسية واسما للجماعة‬
‫التي تقطن تاريخية هذا المكان‪ .‬وهذا ما يعطي التحديد ُب ْعدَيْهِ الفقي والعمودي‪.‬‬
‫ل‬
‫فل تبدو مسألة الوحدة السياسية الكيانية في ذلك الزمن بتعبيرها المعاصر إ ّ‬
‫شكلً من الفانتازيا‪ ،‬كسؤالنا تماما‪ ،‬عن طبيعة البث التليفزيوني وبرامجه في‬
‫مراح ل م ا قب ل التاري خ فهذ ا النتا ج الموضوع ي والعضو ي ببعدي ه الفقي‬
‫والعمودي كان موسوما بوحدة عناصره التكوينية البنائية مما يعطي كل المكوّنات‬
‫اللزم ة للوحدة الناسي ة المعرفي ة ببعديه ا الجغرافي والتاريخي الواسمين‬
‫لحداثيات ذلك الزمن الجتماعي‪.‬‬
‫‪- 75 -‬‬

‫وهنا يبدو مفهوم الكتلة فعلً بنائيا قائما في لب الحركية الناسية‪ ،‬مرتبطا‬
‫عضويا بم ا قبله ا وبم ا بعدها ‪ ،‬فليمكنن ا عز ل مرحل ة كتلي ة " بمفهو م الزمن‬
‫الجتماعي" عن سابقتها ولحقتها‪ ،‬كما ليمكن أن نُدخل قسرا حركية كتلة من‬
‫خارج السياق العام الموضوعي للتطور الناسي‪ ،‬إلّ إذا كانت موسومة بنفس‬
‫الملمح والعلمات الثقافية‪.‬‬
‫وانطلقا مم ا سب ق علين ا مقارب ة المرحل ة التالي ة م ن الناس ة العروبية‬
‫التاريخية والمسماة المرحلة السومرية‪ -‬الكادية‪ .‬وسومر هي المنطقة الممتدة من‬
‫بابل ( جنوبي بغداد) إلى الخليج العربي‪.‬‬
‫وقد تشكلت سهولها بعد انسحاب مياه الخليج نتيجة تراكم الطمي الذي حمله‬
‫نهر ا دجل ة والفرا ت عب ر آل ف السني ن التالي ة لذلك ‪ .‬بحي ث تبد و الحركية‬
‫الحضارية الباليوليتي ة والميزوليتي ت والنيوليتي ة بحضارا ت تل العبي د والورقاء‬
‫باتجاه الشمال نحو ماري وايبل( عبلة) ‪ -‬تل مرديخ متواصلة متداخلة ببداياتها‬
‫ونموها التالي بالتطور السومري‪ -‬الكادي‪ ،‬ومن ثم البابلي الشوري بحيث‬
‫يصعب من الناحية الناسية التاريخية مفصلة عناصرها إلى مكونات معزولة ‪..‬‬
‫سومر" شومرو" كلمة أكادية كتبت بالخط المسماري " كي‪ -‬إن‪ -‬جي "‬
‫وتعني البلد السيّدة وأنّ هذه المنطقة كانت عامرة بحضارة عريقة قبل فجر‬
‫التاريخ " مما يعني بالضرورة أن الحضارت السومرية هي استمرار معرفي‬
‫كامل متطور لما قبلها‪ ،‬ونتاج عضوي وموضوعي للحضارة العروبية‪ .‬والقارئ‬
‫لهم نص سومري‪:‬‬
‫" في عابر الزمان لم يكن ثمة حية ولعقرب‬
‫لم يكن ثمة ضبع ول أسد‬
‫لم يكن ثمة كلب متوحش ول كان ذئب‬
‫لم يكن هناك خوف ول ارهاب‬
‫ولم يكن للنسان منافس‬
‫في غابر الزمان كانت بلد" شويور"و" همازي"‬
‫وبلد سومر المتعددة اللسن‬
‫البلد العظيمة ذات النواميس اللهية الخاصة بالمارة‬
‫وبلد أوري التي حوت على كل ما هو لئق‬
‫وبلد مارتو كانت آمنة مطمئنة‬
‫وجميع البشر والكون في وحدة وإلفة‬
‫بلسان واحد‬
‫يمجدون الله‬
‫‪- 76 -‬‬

‫‪------‬‬‫في‪ :‬دلمون" لينعق الغراب السود‬
‫وطير" العتيدو" ليصيح وليصرخ‬
‫السد ليفترس‬
‫والذئب ليخطف الحمل‬
‫لم يعرف الكلب المتوحش الذي يلتهم الجدي‬
‫ولم يعرفوا الكوارث التي تدمر الغلة‬
‫لم توجد الرملة‬
‫والطير من العالي ليسقط‬
‫والحمامة لتحني رأسها‬
‫ما من أرمد يقول " عيني مربقة"‬
‫ول مصدوع يقول " في رأسي صداع"‬
‫عجوز " دلموت " لتقول " أنا عجوز"‬
‫العذراء ليست بحاجة إلى أن تغتسل‬
‫وليهدر الماء الرائق في المدينة‬
‫من يعبر نهر " الموت" ليتفوه بالموت‬
‫والكهنة النائحون ليدورون حوله‬
‫المنشد ليعول بالرثاء‬
‫وفي طرق المدينة لينوح ويندب"‬

‫يدرك بأن هناك تمثلً لزمنٍ ماضٍ‪ ،‬يصف مرحلة سابقة قبل حدوث التراكم‬
‫المادي القتصادي الذي أدى إلى تشكل طبقة إدارية وطبقة ملّك " أو حيازة‪-‬‬
‫كما يحقّ للطيب تيزيني أن يسميها " بالضافة إلى تحول البنية الثيولوجية‬
‫المثيولوجية ( الدين) إلى واقع مؤسساتي‪ ،‬تُفرز له شريحة خاصة من الكهنة‬
‫والسدنة وارباب المعابد‪.‬‬
‫والنص السابق‪ ،‬يصف بما ليدع مجالً للشك منطقة الخليج العربي في‬
‫المراح ل المتأخر ة م ن النيولي ث والميزوليث ‪ .‬فالشارا ت المكاني ة واضحة‪،‬‬
‫مركزها دلمون " البحرين حاليا " أما جزيرة الديلم وهي الجنة الموصوفة في‬
‫غابر الزمان‪ ،‬وهذا يعني أن الكتلة الجتماعية التي يخاطبها النص تعرف عبر‬
‫الذاكرة الجمعية والمخيال ما معنى الدلمون‪ ،‬وأين هي‪ ،‬وبالتالي فهي تعيش‬
‫الناتج الحضاري الناسي للتغيرات التي طرأت على الواقع الجغرافي‬
‫والديمغرافي بشكل عام في منطقة تعيش في لب التكوين الثقافي والتاريخي للكتلة‬
‫الجتماعي ة الت ي يخاطبه ا النص ‪ .‬وهذ ا يعن ي أ ن السومريي ن ه م أبنا ء هؤلء‬
‫الجداد الذين بنوا الحضارات السابقة على امتداد جغرافية المشرق العربي‪.‬‬
‫الشارات الخرى لوري ومارتو تعني معرفة دقيقة في المتداد الجغرافي‬
‫‪- 77 -‬‬

‫الشمالي لبلد الرافدين وبالمتداد الحضاري الجغرافي لها في سوريا‪ .‬يضاف‬
‫إلى ذلك أن السومريين لو كانوا غرباء عن المنطقة كما يحلو لبعض المستشرقين‬
‫المتصهينين الدعاء بذلك‪ ،‬فلماذا تركوا كل السياق الجغرافي وامتداده للرافدين‬
‫شمالً وقطنوا في المنطقة الجغرافية الواقعة شمال غرب الخليج العربي وبما‬
‫يرمز له النص بامتداد تاريخي نحو البحرين حاليا‪.‬‬
‫العتراف بالتراكم المادي وبفائض النتاج الذي أدى إلى فرز طبقة الكهنة‬
‫واضح في النص ‪:‬‬
‫" والكهنة النائحون ليدورون حوله" يعني وجود طبقة من الكهنة وهي سمة‬
‫ملزمة للدين المؤسساتي‪ ،‬بما يعنيه ذلك من توضع مادي عريق‪ ،‬كان متوفرا‬
‫في تلك الحضارة‪ ،‬ولو كان متوفرا للسومريين قبل قدومهم لو كانوا غرباء لما‬
‫احتاجوا إلى الهجرة والتنقل والبحث عن موقع للحياة‪.‬‬
‫النص يتحدث بصريح العبارة عن وحدة الحضارة أناسيا في منطقة الشرق‬
‫العربي‪ " :‬وجمي ع الكو ن والبش ر ف ي وحد ة وإلف ة يمجدو ن ال نليل " بلسان‬
‫واحد‪.‬ومن المعروف ولدة الله " سين"‪ /‬الله القمر ‪ /‬من خلل لقاء انليل وننليل‬
‫في جزيرة الديلم‪ /‬الدلمون‪ /‬والبحرين في الثيولوجيا السومرية‪ ،‬وهذا بالتعبير‬
‫ل كنات ج أناس ي تطور ي للكتلة‬
‫الناس ي الثقاف ي الدقي ق ليمك ن أ ن يكو ن إ ّ‬
‫الجتماعية العروبية في مظهرها السومري‪ ،‬بحيث شكل ت الحركية الجولنية‬
‫نمطا ناقلً في المخيال والذاكرة الجمعيين المكونات البنائية الحضارية‪ .‬فلول‬
‫تمتع السومريين بتلك المكونات العروبية لما استطاعوا إحداث تلك النقلة في‬
‫منطقة من الطمي والرسوبيات‪ ".‬وعلى كل حال يبدو من نتائج الدراسات الحالية‬
‫وكأن جنوب بلد ما بين النهرين الذي عُرف فيما بعد ببلد سومر‪ ،‬قد دخل‬
‫ل عن القاليم الشمالية لنهري دجلة والفرات‪ .‬وقد تجلى‬
‫مرحلة التطور متأخرا قلي ً‬
‫ذلك بالدرجة الولى مقابل ماعرف بعد ذلك ببلد آشور في ضواحي مدينة‬
‫الموصل الحالية وفي منطقة الخابور‪ .‬وقد يكون هذا طبيعيا إذا اعتبرنا أن منطقة‬
‫الفيضان المستنقعية عند مصب دجلة والفرات قد امتدت إليهما يد النسان شيئا‬
‫فشيئا وقطنها بعد أن نفذ فيها طريقة ري بدائية وشق إلى جانب ذلك شبكة من‬
‫الطرق اللزمة‪.‬‬
‫إن الذي يدل على الستيطان المتأخر نسبيا‪ -‬للجنوب‪ ،‬هو أنه لم تظهر‬
‫هناك أية مكتشفا ت واضح ة من العصر الحجري أو حتى من فجر العصر‬
‫‪- 78 -‬‬

‫الحجري‪ -‬النحاسي‪ .‬وفي المقابل أصبح المر في هذا المجال عاديا لدينا في‬
‫شمال ما بين النهرين وفي شمال بلد الشام" (‪ .)55‬ومن البسيط جدا تفسير ذلك‬
‫بالعلقة مع حركة مياه الخليج العربي عبر التأكيد على حضارة ما قبل الخليج‬
‫التي تحدثنا عنه يضاف إلى ذلك أن شكل الجمجمة المورفولوجي المكتشف في‬
‫بعض المواقع ليعتبر دليلً‪ ،‬لن النسان عبر تطوره التاريخي مرّ بمجموعة من‬
‫المراحل المورفولوجية‪ .‬كما أن منطقة جنوب الرافدين‪ ،‬والخليج العربي كانت‬
‫مستقرا لمجموعة من الحركيات الجولنية التاريخية‪.‬‬
‫بالضافة لذلك لبد من التأكيد على أن الوضعية المكتشفة لتماثيل مناطق‬
‫سوم ر ه ي مورفولوجي ا محسوب ة عل ى سكا ن الشر ق العربي ‪ .‬أم ا الجماجم‬
‫المستطيلة والطويلة فهذا تابع لما قلناه أعله‪.‬‬
‫يضاف إلى ذلك ما يذكره البعض من ارتداء سكان سومر للثياب الخشنة‪.‬‬
‫بحي ث يمكن أن نتساء ل ه ل ارتداء الثيا ب الخشن ة تاب ع لفولوكلور شعب ي أم‬
‫استجابة بيئية لمناخ معين؟؟ فحتى لو افترضنا أن السومريين قدموا من خارج‬
‫المنطقة‪ ،‬فهل كان ذلك من خلل هبوطهم بالمظلّت بحيث لم يكن لديهم الوقت‬
‫اللزم لستبدال ثيابهم بأخف منها بما يستجيب لمنطقة الجنوب الرافدي الدفيئة؟!!‬
‫أليس ت الثيا ب واللغ ة حال ت اجتماعي ة قابل ة للتطو ر قياسا بالمفهو م الزمني‬
‫الجتماعي؟ أم أننا نطالب أجدادنا منذ ستة آلف عام أن يكتبوا الشعر بطريقة‬
‫ل فهم غرباء عن المنطقة فالعودة إلى البنية الميثولوجية بما‬
‫بدر شاكر السياب‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل عروبيين‬
‫راكمت من عناصر بنائية تمكننا من التأكيد أن السومريين لم يكونوا إ ّ‬
‫أقحاحا لم يتصفوا بعنصر تكويني واحد خارج البناء الناسي العروبي (‪.)56‬‬
‫ولتكفي في هذه الحالة الردود المحدودة المنشورة هنا وهناك إن كان على‬
‫صموئيل كريمر أوديورانت أو غيرهما ممن حاولوا أن يردّوا فجر التاريخ إلى‬
‫خارج المنظومة العروبية فعندما عجزوا عن تزوير أناسة المكان‪ ،‬لنه قائم في‬
‫الثر المكتشف وفي احداثيات الموقع المدروس‪ ،‬ارتدوا لتزوير أناسة الزمان "‬
‫التاريخ"‪ ،‬فيتساءل كثير من المستشرقين" وحتى أنطون موتكارت نفسه" بأن تلك‬
‫الحضارة هل كانت ثمرة النضوج الفكري لشعب المنطقة أم أنها كانت بتأثير‬
‫شعب جديد قدم إلى هناك؟ (‪)57‬‬
‫بالضافة لما قلناه سابقا لبد لنا من العودة لما أسميناه" الحداثيات الناسية‬
‫المعرفية " ببعديه ا العمود ي المرتب ط بالماض ي والحاض ر والمستقبل ‪ ،‬وبالفقي‬
‫‪- 79 -‬‬

‫المرتبط بالبنى المعرفية الناسية التي سارت موازي ًة أو سبّاقة على تلك المقدّمات‬
‫التي أعطتها الحضارة السومرية‪.‬‬
‫ومن المهم التذكير به أولً‪ ،‬أن السومريين لو كانوا قد قدموا إلى المنطقة‬
‫العربية من خارجها‪ ،‬فمن أين جاؤوا؟ ومن أي منطقة أتوا‪ ..‬وهم يحملون معهم‬
‫ما حملوا من تقدم حضاري‪ ،‬لماذا لم يتركوا في المنطقة المزعومة التي تركوها‪،‬‬
‫ما يدل على آثارهم العظيمة؟ إن كانوا من بلد ماوراء القوقاز أو من الهضاب‬
‫الموزعة هنا وهناك خارج المنطقة العربية‪ .‬وأعتقد جازما بأن أي شعب من‬
‫الشعوب المجاورة أو البعيدة عن الوطن العربي لن تبخل علينا لظهار أي قطعة‬
‫حصى أو حجر تؤكد انتماء السومريين لها‪ .‬ول أعتقد كما قلت أعله‪ ،‬بأنهم‬
‫نزلوا بالمظلت من سماء مجهولة‪ ،‬لذلك نحن بانتظار تنقيبات الفضاء عن تلك‬
‫الحضارة ‪ .‬وليهمن ي ف ي هذ ا الطا ر الشار ة فق ط إل ى أدوا ت الستشراق‬
‫اليديولوجي الزائف‪ ،‬بل يهمني أيضا الشارة إلى أولئك الباحثين العرب" الذين‬
‫يمكنن ي أ ن أتهمه م بأنهم ‪ ،‬إ ن كانو ا ع ن غي ر قص د ق د تبنو ا تل ك النظريات‬
‫الستشراقية فهم جهلة بالقراءة التاريخية المشخّصة‪ .‬فكل ذلك اللفيف " بعربه‬
‫وعجمه" متفقٌ على السؤال‪ ،‬ترى من أين جاء السومريون؟ وكأن السياق العام‬
‫الذي تقدمه إحداثيات التحليل الناسي يبتعد بالسؤال إلى خارج المنطقة العربية‪.‬‬
‫إن ذلك السياق يقدم كل المعطيات اللزمة للتأكيد على أن السومريين هم‬
‫النتا ج الطبيع ي والعضو ي والحتم ي للتطو ر الناس ي الساب ق له م ف ي المنطقة‬
‫العربية‪ .‬فحتى لو افترضنا أنهم غرباء هل يمكن عزل ما قدموه عن المنظومة‬
‫الثقافية والحضارية ‪ /‬الناسية المعرفية‪ /‬العربية؟!‬
‫إنّ المتفحص البرئ والحيادي لتطور المنطقة العربية كما أوردناه‪ /‬منذ‬
‫عصو ر الباليولي ت وحت ى العص ر الحجري‪ -‬النحاس ي ث م النحاس ي يدرك بما‬
‫ليدع مجالً للشك بأن النقلة النوعية الحضارية التي تحققت مع نهاية اللف‬
‫الرابع قبل الميلد هي الناتج الناسي الطبيعي لما سبقها ‪.‬‬
‫حتى ولو كان السومريون من خارج المنطقة العربية فهم لم يقدموا ما هو‬
‫غريب عن سياقها التاريخي لمن ناحية البنية التقنية ول من النواحي الثقافية‬
‫والميثولوجية‪.‬‬
‫وهذا التداخل العمودي الذي نتحدث عنه يدفعنا للتأكيد على انعدام القدرة‬
‫على إيجاد حدود الفصل بين المرحلة الماقبل سومرية والمراحل التالية لذلك‬
‫‪- 80 -‬‬

‫لنر ى عيبا ف ي تسمي ة المرحل ة التالي ة كم ا يفع ل كثيرٌ م ن دارس ي التاريخ‬
‫بالسومرية‪ -‬الكادية‪.‬‬
‫إن التراكم المادي الذي تحدثنا عنه والذي أدى إلى وجود فائض سلعي دفع‬
‫باتجاه تمايز شريحة الكهنة‪ .‬وهذا ترافق بالضرورة مع تطور اللغة كسيرورة‬
‫اجتماعية تاريخية مميزة للجهاز الشاري الثاني لدى النسان وما يعنيه هذا من‬
‫أنها مرت بمراحل زمنية طويلة من التطور الشاري الصوتي قبل انتقالها إلى‬
‫مرحلة الكتابة‪ .‬بحيث مرت هذه الخيرة أيضا بمراحل تطور تميزت بالتراكمات‬
‫الكمية وبالنقلت النوعية التي نحن بصدد الحديث عنها باختصار‪ ".‬ونحن نعرف‬
‫أنه حيثما توجد كائنات بشرية تكون لها لغتها‪ ،‬وفي كل الحوال تكون هذه اللغة‬
‫أساسا لغة محكية مسموعة في عالم الصوت‪.‬‬
‫وعلى الرغ م مم ا تحمل ه الشارة الجسدي ة من ثراء‪ ،‬فإن لغا ت الشارة‬
‫المتطورة ليست إلّ بديلً للكلم‪ ،‬تعتمد على نظمه الشفاهية‪ ،‬حتى عند استخدامها‬
‫على يد الصم خلقيا‪ .‬أما معظم اللغات فلم تعرف طريقها إلى الكتابة على‬
‫الطلق‪ .‬وليس هناك من بين ال ‪ 3‬آلف لغة المتكلم بها اليوم سوى ما يقارب‬
‫‪ 78‬لغة فقط لها أدب مكتوب‪ .‬وليس ثمة طريقة إلى الن لحصاء عدد اللغات‬
‫التي اختفت أو تحولت إلى لغات أخرى قبل أن تعرف الكتابة‪ .‬كذلك فإن مئات‬
‫اللغات المستخدمة اليوم لم تكتب أبدا‪ ،‬إذ لم ينجح أحد في التوصل إلى طريقة‬
‫فعالة لكتابتها‪ .‬إن الصل الشفاهي لي لغ ٍة هو أن للغة سمة لصقة بها(‪.)58‬‬
‫ولبد من مرورها بمرحلة بينية قبل تحوّلها إلى لغة كتابية‪ .‬وتتميز هذه‬
‫المرحلة البينية بتجميعية اللغة‪ ،‬باصطفاف الكلمات والتصاقها سوية لتكوين لغة‬
‫مركبة‪ ،‬ذات معنى مركب‪ .‬وتعتمد على المقاطع اللفظية وليس على الحروف‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن تتميز طبقة الكهنة بامتلك هذا النتقال النوعي نظرا لرفعة‬
‫المؤسسة الدينية ( الميثولوجية) ودورها في التمايز التالي في الكتلة الجتماعية‪.‬‬
‫وإذا كانت اللغة السومرية عبارة عن صور أو رموز مجردة تعكس تعبيرا‬
‫ل أن بها كلمات‬
‫معينا كمرحلة بينية للنتقال إلى اللغة المكتوبة البجدية اللحقة إ ّ‬
‫عربية ترجع إلى القوام الولى قبل ظهور السومريين" ( ‪ ")59‬كما كانت هذه‬
‫الكتابة واسطة عملية لدارة اقتصاد المعبد المادي أكثر من أن تكون تعبيرا‬
‫لمفاهيم روحية سامية‪ ،‬إذ أنها كانت عبارة عن واسطة عملية لتنظيم اقتصاد‬
‫المعبد فقط(‪.)60‬‬
‫‪- 81 -‬‬

‫وهذ ا يؤك د نخبويته ا وتخصصه ا ف ي الشريح ة العلي ا م ن المجتم ع ذات‬
‫التخصص الكهنوتي أو ما يرتبط به من إدارة‪ .‬وهذا يؤكد أنها نتاج عروبي‪،‬‬
‫وإلّ لماذا‪ ،‬وكيف دخلت بها كلمات عربية ترجع إلى القوام الولى قبل ظهور‬
‫السومريين‪ ،‬فيما لو كان السومريون قد جاؤوا من خارج المنطقة حتى ولو من‬
‫جنوبه ا ؟ ‍! حي ث يتحد ث بعضه م وكأ ن جنو ب منطق ة سوم ر خار ج المنطقة‬
‫العربية أليس هو منطقة الخليج العربي‪ ،‬والساحل الشرقي للجزيرة العربية؟ أليس‬
‫هو منطقة البحرين‪ /‬الديلم؟ وهل منطقة الجزيرة العربية خالية من الجبال ليقول‬
‫بعضهم‪ ،‬إن وجود" الجبل" في المثيولوجيا السومرية دليل على اغترابهم عن‬
‫المنطقة؟"‪ ..‬وكذلك لهمية " الجبل" في اعتقاداتهم الدينية‪ .‬إلّ أن غالبية الباحثين‬
‫تميل الى العتقاد بأن السومريين وصلوا عن طريق الخليج في الجنوب لن‬
‫تجمعهم كان في الجنوب" (‪ )61‬يضاف إلى ذلك أهمية ذلك التداخل العمودي في‬
‫التكوين الناسي المتوّاشج عضويا وموضوعيا" هو أن غالبية النصوص التي‬
‫تفس ر طريق ة النطق " باللغة " السومري ة ترج ع إل ى الكاديي ن الذي ن خلفوهم‪.‬‬
‫واستخدم ت الكتاب ة المسماري ة لتدوين " اللغات " الكادي ة والبابلي ة والشورية‬
‫والوغاريتية حتى عُممت البجدية الفينيقية " ( ‪ ) 62‬وبنفس التزامن ظهر معها‬
‫"اللغة المصرية القديمة " كلهجة من لهجات اللغة العروبية" ممايدل على أن سكان‬
‫مصر أقوام جاءت من الجزيرة العربية وشمال وشرق أفريقيا " فهي تشترك مع‬
‫تلك اللهجات العروبية في خاصتها الساسية التي تجعل كلماتها تُشتقّ من مصدر‬
‫واحد‪ ،‬غالبا ما يتكون من ثلثة أحرف كما تشتمل على الكثير من الكلمات‬
‫والمفردات المشتركة‪ /‬وسنعود بمزيد من التفصيل إلى هذا الحقل في الفصل‬
‫القادم‪.‬‬
‫أم ا م ا يخ ص التداخ ل الناس ي المعرف ي الفق ي فه و التطاب ق ف ي البنية‬
‫المثيولوجية‪ ،‬ووجود مواقع أخرى موازية زمنيا تتفوق على المستوى الذي ميّز‬
‫النقلة السومرية فذلك التفوق كان حقيقة واقعة منذ قرون عديدة كما حدث في‬
‫ماري وكيش‪ "،‬خاصة وأننا نملك منحوتات من مدينة ماري تحمل كتابة عروبية‬
‫أقدم من عصر سللة أور الولى" (‪ )63‬ويدعم ذلك بأن كريمات الحكام الكاديين‬
‫كنّ قد دخلن معبد إله القمر في أور كعرائس لللهة(‪ )64‬حتى أن سرجون الول‬
‫كانت أمّه عروسا من عرائس اللهة‪ ،‬ومن تلك الكاهنات اللواتي قطعن عهدا‬
‫على أنفسهن بعدم انجاب الولد منذ اللحظة التي بوركن فيها‪ .‬ولكن عندما‬
‫أنجبت رغم ذلك طفلً في مدينة آزوبيرانو وضعته سرّا في صندوق من القصب‬
‫وألق ت ب ه ف ي نه ر الفرات(‪ . )65‬كم ا أ ن المر ء ليش ك ال ن ف ي قيا م علقة‬
‫‪- 82 -‬‬

‫ومبادلت تجارية مع النوبة ( في وادي النيل) = ملوحة آنذاك‪ ،‬بعد أن ثبت‬
‫وجود علقة قوية بين سومر في عصر فجر التاريخ ومصر في عصر تيكاد‬
‫الثان ي ‪ ) 66(.‬وبنف س الوق ت يتعذ ر عل ى المر ء أ ن يفر ق بي ن الديان ة الكادية‬
‫والعتقا د السومر ي بالله ة بع د ذل ك النصها ر القو ي بي ن عناص ر الديانة‬
‫السومرية والعروبية الشرقية (‪ .)67‬بحيث يتأكد بالبراهين الدقيقة أن السومريين‬
‫ه م النتا ج الطبيع ي الموضوع ي للتطو ر الناس ي العروب ي ‪.‬وشكلو ا حلق ة من‬
‫حلزون التطور العروبي التالي‪ ،‬فاسما آخر ملكين في سللة أور الثالثة شو‪-‬‬
‫زن وأبي ‪ -‬زن كانا عروبيين حتى أن من أبرز ما قام به الملك العروبي " شو‪-‬‬
‫ايلي ‪ -‬شو" أو " جميل ‪ -‬ايلي‪-‬شو" الذي حكم مدة عشر سنوات حربه مع‬
‫العيلميين وانتصاره الساحق عليهم مما أدى إلى استرجاع تمثال إله القمر (نناز)‬
‫الذي حمله العيلميون معهم إلى بلدهم قبل انتصارهم على ملك أور " أبي‬
‫سن"‪.‬‬‫" لقد كانت سورية في العصر الحجري النحاسي كما كانت في العصر‬
‫الحديث المركز الحضاري الرئيسي في الشرق الدنى بأسره‪ ،‬ويرجح بعض‬
‫العلماء أن معرفة النحاس قد انتشرت من سورية إلى جميع جهات الشرق الدنى‬
‫كمصر وبلد الرافدين‪ ،‬كما أنهم يرجحون أن استعمال الخزف وتدجين القمح‬
‫والشعير وبعض الشجار كالتين والزيتون والكرمة وتدجين بعض الحيوانات‬
‫عِثرَ على دمى لها مصنوعة من الطين كالثور والغنم والماعز‬
‫الهلية التي ُ‬
‫والخنزير وبعض الطيور كالحمام انتشرت من سورية إلى المناطق المجاورة" (‬
‫‪ ")68‬وقد يصع ب أحيانا بالنسبة لعلماء الثار تحديد مسار حضارةٍ ما وفقا‬
‫ل أن الرأي السائد هو أن نقطة النطلق‬
‫لتعاقبها الزمني مع حضارة أخرى‪ ،‬إ ّ‬
‫كانت في الشمال الرافدي‪ ،‬ثم تحولت نحو الجنوب خلل أدوار العصر الحجري‬
‫النحاسي‪ ،‬أي أن التحول انتقل من الشمال إلى الجنوب إلى المنطقة التي شهدت‬
‫ميل د الحضار ة السومري ة فيما بعد‪.‬ولي س من السه ل تحدي د الدوا ر المتعاقبة‬
‫للعصر الحجري النحاسي ب ‪ 2500 ،‬سنة أي في الفترة الواقعة ما بين ‪ 6000‬و‬
‫‪ 3000‬سنة قبل الميلد وتقع ضمن هذه الفترة مرحلة النتقال إلى عصر فجر‬
‫التاريخ(‪.)69‬فكيف ينحو أنطون موتكارت بعد قوله السابق للتساؤل عن الموقع‬
‫الساسي للسومريين‪ ،‬بحيث يتساءل عنه وكأنه قد حسم موقفه بأنهم غرباء عن‬
‫المنطقة العربية‪ .‬علما أن كل النصوص التي قمنا بإيرادها‪ ،‬لتدع مجالً للشك‬
‫بأن السومريين هم من أبناء القبائل العربية تحديدا‪ ،‬وهم حلقة من حلقات التطور‬
‫الناسي في حركيته المعرفية والحضارية‪.‬ففي عصر فجر السللت عرف أقدم‬
‫‪- 83 -‬‬

‫حاكم من حكام ( لجاش) يدعى" لوجال‪ -‬شاج‪ " -‬وقد ورد اسمه في نصٍ قديم‬
‫مسجل علىرأس دبوس قدّمه للله " نينجرسو" إله مدينة لجاش ملك عربي كان‬
‫يحكم مدينة " كيش" اسمه مسيليم وقد كتب النص المذكور كما يأتي‪:‬‬
‫" مسيليم ملك كيش‪ ،‬الذي بنى معبد نينجرسو‪ ،‬أودع رأس الدبوس هذا من‬
‫أجل نينجرسو‪ ،‬حين كان لوجال ‪ -‬شاج ‪ -‬أنجور حاكما" ايشاج" على لجاش"(‬
‫‪.)70‬‬
‫ويشير نص آخر إلى أن ملك كيش قد قام بالتحكيم بين مدينتي " لجاش" و"‬
‫أوما" عندما اشتد الخلف على الحدود بينهما‪ .‬ويشير النص المذكور إلى وضع‬
‫اتفاقية حددت بموجبها الحدود بين المدينتين‪ ،‬كما يذكر أن تلك التفاقية وضعت‬
‫بناءً على رغبة الله " انليل" وأن كلً من إله " لجاش" وإله" أوما" قد وافقا‬
‫عليها‪ .‬ووضعت لوحة مسيليم على خط الحدود الفاصل بين اراضي المدينتين‬
‫حسب التفاقية المذكورة‪.‬‬
‫ولذلك نرى في بعض المراجع‪ ،‬إن لم يكن في معظمها‪ ،‬أن مجموعة كبيرة‬
‫من المؤرخين تقسم تلك المرحلة إلى ماقبل مسيليم‪ ،‬ومسيليم وما بعد مسيليم‪.‬‬
‫فكيف إذن يمكن أن نقول مع هؤلء المستشرقين ذوي اليديولوجية التزييفية‬
‫بأن السومريين قدموا من خارج المنطقة العربية؟ أليس حريا بنا نحن العرب أن‬
‫نعود لقراءة تاريخنا قراءة أناسيةمعرفية تضع الحداثيات التاريخية في سياقها‬
‫الزمني الصحيح وتضع الحداثيات الجغرافية في مواقعها المترابطة تاريخيا‪،‬‬
‫بحيث نعيد لتاريخنا مساره الصحيح‪.‬‬
‫وحتى إذا عرّجنا قليلً على إطلق التسميات وبحثنا في بعضٍ من تأسيسها‬
‫المعرفي لحظنا بأن الكتلة الجتماعية العروبية في تاريخها السحيق تشكل كتلة‬
‫أناسي ة معرفي ة " تاريخي ة وجغرافية " واحدة ‪ ،‬ذا ت سيرور ة بنائي ة متصاعدة‬
‫متكاملة‪ .‬فيذكر د‪.‬منير يوسف طه‪ :‬بأن سكان شبه جزيرة عمان ليمكن فصلهم‬
‫ع ن سكا ن الساح ل الغرب ي للخلي ج العرب ي مادا م هذ ا الساح ل يشك ل وحدة‬
‫جغرافية تتصل بسواحل البحر البيض عبر الفرات‪ ،‬ويقترح بأن الموريين "‬
‫العموريين" هم كانوا سكان المنطقة الممتدة من عُمان إلى البحرين‪ ،‬اعتمادا على‬
‫بعض اللقى الثرية‪ ،‬وبعض الكتابات التي ذكرت أسماء أمورية " عمورية"‬
‫لفراد من منطقة ديلمون " البحرين"‪.‬‬
‫‪- 84 -‬‬

‫وفي فترة متأخرة‪ ،‬تعود إلى حوالي سن ة ‪ 640‬ق‪.‬م أيام الملك الشوري‬
‫أشور بانيبال يوجد هناك نص من معبد عشتار في نينوى يذكر أن الملك بادي (‬
‫‪ )PADE‬ملك أرض كادي " قادي" (‪ )Qade‬والمقيم في مدينة اسكي‪ ،‬قدم إلى نينوى‬
‫ليقدم الجزية إلى الملك الشوري‪.)72(.‬‬
‫كما نلحظ أن النص ذكر بلدا باسم كادي‪ ،‬وهو اسم لعُمان‪ ،‬استخدم منذ‬
‫عهد الدولة الشورية الثالثة مرورا بزمن الدولة الكلدانية‪ .‬والسم أكدي الصل"‬
‫كا‪ -‬دي‪-‬ي ‪ )De-E- Qa-‬أو ( كاددو‪-‬و ‪ )Qa-Du-U‬وكاد ‪ -‬دو ‪ -‬بالكادية‪ .‬وهي‬
‫كلها تدل على اسم مكان واحد هو عُمان‪ .‬أما اسم أسكي الوارد في النقش‪ ،‬فهو‬
‫ربماإزكي‪ ،‬وهو اسم لمدينة مشهورة تقع في المنطقة الداخلية من عُمان‪ ،‬وتعتبر‬
‫من أقدم المدن العمانية(‪.)73‬‬
‫أما بعلقة العمالقة التاريخية وسكناهم في تلك المنطقة‪ ،‬فعلى ذلك يتفق كل‬
‫الخباريين والمؤرخين والذين أطلق عليه م لحقا اس م الكنعانيّين " الفينيقيين"‬
‫والذين شرحنا باسهاب حركية تاريخهم الناسي في التاريخ والجغرافية العربيين‬
‫بالضافة لما أوردناه في هذا الفصل من حيثيات تأريخية وجغرافية دقيقة ونظرا‬
‫لضرورة إكمال هذا البحث باتجاه القراءة المتأنية والحيادية لصل السومريين‬
‫بالقراءة النسبية يمكن إضافة العناصر التالية‪:‬‬
‫ إن الدراسات النتروبولوجية ‪ Antrpolojy‬التي أجريت على عظام وهياكل‬‫قبور هيلي في رأس العين في المارات‪ ،‬وشمل‪ ،‬وغليله في شمال رأس الخيمة‪،‬‬
‫والتي تعود فتراتها إلى اللفين الثالث والثاني قبل الميلد‪ ،‬تثبت أن السكان كانوا‬
‫يتمتعون بصحة جيدة‪ ،‬وأنهم كانوا يتصفون بالرشاقة والطول والضخامة‪ ،‬إضافة‬
‫إلى أن حياتهم كانت قصيرة حيث دلت الدراسات على أن أعمارهم تقدر بين‬
‫‪ 40-35‬سنة بالضافة إلى أنه توجد على هياكل قبور هيلي بعض الملمح‬
‫الفريقية مما يوحي بأن السكان ربما اختلطوا بجنس افريقي (‪)74‬‬
‫وهنا ليمكن مناقشة الختلط بشكل طفرة أو الختلط العابر‪ .‬فهذه السمات‬
‫ل على العماليق= الكنعانيين= الفينيقيين‪ ،‬تؤكد بأن علم الناسة الثنولوجية‬
‫التي تد ّ‬
‫يوضح لنا أن جولت القبائل العروبية بين اللفين السادس والثالث قبل الميلد لم‬
‫تختزل في القسم السيوي من الوطن العربي فقط‪ ،‬بل شملت كل القسم الفريقي‪،‬‬
‫وخصوصا الساح ل الشرق ي الفريق ي المط ل عل ى البح ر الرتيري " الحمر"‬
‫مرورا بمضي ق با ب المند ب وحت ى الرأ س الفريق ي والساح ل الصومالي‪.‬‬
‫‪- 85 -‬‬

‫فبالضافة لما ذكرناه سابقا حول شهادة هيرودوت بناء مدينة صور من قبل‬
‫الفينيقيين على ساحل البحر الكبير= أمورو " عمورو"= البحر البيض= الساحل‬
‫الفينيقي الشرقي‪ ،‬عام ‪ 2750‬ق‪.‬م يشير الجغرافي اليوناني سترابو "‪64‬ق‪.‬م ‪21 -‬م"‬
‫إلى أنه توج د في منطقة الخليج العربي معابد ومدن شبيهة بتلك التي على‬
‫الساحل الفينيقي‪ ،‬كما أيّده بذلك بليني (‪79-23‬م)‪ .‬أما المؤرخ الروماني جوستين "‬
‫القرن الثاني الميلدي" فيذكر أن الفينيقيين قد هاجروا من بلدهم الصلي بسبب‬
‫زلزال أصاب بلدهم واستقروا أولً بالقرب من بحيرة سورية " البحر الميت"‬
‫ومن هناك انتشروا على سواحل البحر البيض‪ .‬كما استفاد السكندر المقدوني (‬
‫‪ ) 323-336‬ق‪.‬م من خبرة الفينيقيين في الملحة وصلتهم القديمة بمنطقة الخليج‬
‫العربي ( ‪ )75‬بارسالهم إلى مياه الخليج عبر نهر الفرات‪.‬‬
‫كما أن التشابه في بعض أسماء المدن والمواقع في الخليج والساحل الفينيقي‬
‫مثل‪ :‬صور في عمان وصور في شمال فينيقيا على الساحل الشامي‪ ،‬وجبيل على‬
‫الساحل الفينيقي وجبيل على ساحل الخليج في شمال شرق الجزيرة العربية‪..،‬‬
‫وم ا أوردنا ه أعل ه يؤك د أ ن الكنعانيين = الفينيقيي ن ه م نفسه م العمالق ة الذين‬
‫استوطنوا شبه جزيرة عمان‪ ،‬وأجزاء كبيرة من شبه الجزيرة العربية وساحل‬
‫الخليج العربي وأنهم هاجروا إلى بلد الشام واستقروا على ساحل البحر البيض‬
‫قبل وأثناء اللف الرابع قبل الميلد كأحد المحاور من محاور جولنهم في شعاب‬
‫الوطن العربي وسواحله خصوصا كما قلنا أعله‪ .‬بحيث يبدو من القراءة الدقيقة‬
‫أن السومريين جاؤوا فعلً من دلمون ‪ /‬البحرين‪ /‬وفيها تعلموا الكتابة كما يقول‬
‫علي أكبر حبيب بوشهري ‪.)76 -‬‬
‫ومما تجدر الشارة إليه في المحطة الخيرة من تقييمنا للتاريخ الناسي‬
‫المعرف ي الصل ي للكتل ة الجتماعي ة العروبي ة ف ي مراح ل الحضارا ت الجليلة‬
‫نماذج من العلئق المتينة التي تؤكد على وحدة التاريخ والجغرافية الناسيين‬
‫العربيين‪ .‬بحيث لبدّ من الوقوف عند إحدى الحلقات الهامة التي تؤكد على‬
‫الطبيعة الواحدة في التركيب البنيوي الثقافي وبالتالي السياسي‪ ،‬وذلك من خلل‬
‫العلقات التي كانت تربط بلد الشام كإحدى أهم حلقات الوصل بالمتداد العربي‬
‫مع وادي ودلتا النيل‪.‬‬
‫ففي نفس الوقت الذي تحدثنا فيه عن التماثيل في مراحل التاريخ الحضاري‬
‫للنطوفية والسبيلية انتقلنا إلى رسم التكوين الولي المعرفي أناسيا الذي أدى‬
‫بالضرورة إلى تكوين واقع فكري مميز لخصناه في السطور الولى من هذا‬
‫‪- 86 -‬‬

‫الفصل‪ ،‬وفصّلناه باسهاب مع تطور اللغة الشفاهية إلى كتابية في مشرق الوطن‬
‫العربي بما عناه ذلك من ضرورة تمايز طبقة الكهنة كمؤسسة دينية ارتبطت‬
‫بوجود التراكم المادي والفائض القتصادي الذي وشى ببنية جوهر حركيته ما‬
‫يمكن أن نسميه تفرّغ هؤلء الكهنة‪ ،‬وهذا‪ ،‬طرح ضرورة الرتقاء بعلقات‬
‫الكهنة بالمعبود من خلل اللغة وبمكان العبادة من خلل تجسيد أفكار العتقاد‬
‫والعبادة " ميثولوجيا" عبر لغة تنتقل إلى صيغة التجسيد القائم المعزول عن وجود‬
‫النسان بحيث دفعت تلك الحاجة إلى نقل اللغة الشفوية‪ ،‬التي يزول تأثيرها‪،‬‬
‫بانتفاء وجود النسان المتحدث بها‪ ،‬إلى اللغة الكتابية أو المكتوبة والتي يبقى‬
‫تأثيرها قائما رغم انعدام وجود ناطقها‪ .‬وهذا ما شكل أحد العلمات المميزة‬
‫الرابطة بين نقل التجسيد من واقع الصوت إلى واقع النقل الحركي له مكتوبا‪ .‬كل‬
‫ذلك شكل أحد الملمح الساسية للنتقال في "فلسفة" القراءة المعرفية الناسية‬
‫لمعنى وجود النسان وعلقاته بمكوّنات وجود البنائية‪ .‬فاعتبر قراءته للذات‬
‫مرتبطة بالنطق‪ ،‬باللفظ‪ ،‬بالكلمة الملفوظة‪ ،‬ومع انتهاء آخر حركية صوتية كان‬
‫ن ذاته انتهت مع انتهاء تلك الحركة بما يعني بها من وشائج ربط مع كل‬
‫يعتقد بأ ّ‬
‫إحداثيات وجوده المرتبط بالمعبود‪ ،‬فحدا به ذلك إلى النتقال إلى حالة استمرارية‬
‫في قدرة تأثيره‪ ،‬وهذا بالضبط ما تحققه الكلمة المكتوبة‪.‬‬
‫ومن المؤكد أن الكتابة نشأت وتكاملت بصورة تدريجية أيضا في بلد النيل‬
‫كما هي الحال في بلد الرافدين وديلمون ‪ "،‬فقد عثر على صور ورسوم متنوعة‬
‫من عصر ما قبل السرات‪ ،‬دخلت فيما بعد في طريقة الكتابة الهيروغليفية التي‬
‫كان ت تتأل ف من مجموع ة من الصور المبسّطة‪..‬فالخ ط المتعرج يمث ل الماء‪،‬‬
‫العصا المقوّسة عند طرفها والتي يحملها الملك تدل على السلطة والسلطان‪ ،‬رسم‬
‫الشجرة يدل على النبات‪ ،‬والقدم على الرجل أو فعل المشي أو الذهاب‪..‬وقد‬
‫بدأت الكتابة بتصوير الشياء للدللة عليها‪ ،‬ثم تطورت فأصبحت الصور تدل‬
‫عل ى الفعا ل المتعلق ة بتل ك الشياء ‪ ،‬ث م أصبح ت الصو ر تد ل عل ى الفكار‬
‫المرتبط ة به ا (‪ . )77‬وم ن الملف ت للنتبا ه أ ن هذ ا التطو ر ف ي الرتقا ء حدث‬
‫بالتوازي والتطابق مع مثيله في بلد الرافدين مع نهاية اللف الخامس وبدايات‬
‫اللف الرابع قبل الميلد‪ .‬ففي عصر ما قبل السرات بين نهاية اللف ‪- 4500‬‬
‫‪ 3200‬ق‪.‬م تقدم سكان الدلتا تقدما فكريا كبيرا في هذا العصر‪ ،‬فاخترعوا الكتابة‬
‫ورتبوا العمليات الزراعية حسب تقويم أوجدوه من ملحظاتهم المتكررة لظاهرة‬
‫الفيضان السنوي التي تقع بانتظام‪ ،‬فقد كان الفيضان يصل في يوم معين من كل‬
‫سنة إلى منف وهليوبوليس‪ ،‬وقد تأكد السكان من ذلك بملحظة بعض الظواهر‬
‫‪- 87 -‬‬

‫الفلكية‪ ،‬كما دفعتهم ضرورات الحياة الزراعية إلى النتباه لمثل هذه الملحظات‪،‬‬
‫فتمكنوا بذلك من معرفة عدد أيام السنة وقسموّها إلى اثني عشر شهرا‪ ،‬وقسموا‬
‫الشهر إلى ثلثين يوما‪ ،‬وخصّصوا للعياد اليام الخمسة الباقية وفيها ينصرفون‬
‫إلى اللهو والطرب" (‪ )78‬ولم يكن ذلك إلّ نتاجا لتطورات نوعية وتراكمات كمية‬
‫عبرت آلف السنين في علقات مناطق الوطن العربي مع بعضها‪ ،‬فبعد أن‬
‫أخذت المطار تقل تدريجيا‪ ،‬وأخذ الجفاف بالزدياد مع نهاية اللف العاشر قبل‬
‫الميلد‪ ،‬بحي ث شهد ت هذه الفتر ة مول د نه ر النيل بشكل ه الحالي‪ . .‬واستمرت‬
‫صناعة الحجار الصغيرة والدقيقة ذات الشكال الهندسية المختلفة التي كانت‬
‫منتشرة في الفترة الخيرة من الحضارة السبيلية وانتقلت من حلوان إلى فلسطين(‬
‫‪ ) 79‬ومنها إلى باقي بلد الشام فيما يسمى الحضارة النطوفية التي كانت سائدة‬
‫في بل الشام بين اللفين التاسع والثامن قبل الميلد‪.‬‬
‫إ ن تطو ر الرؤي ة الفلسفي ة بمعانيه ا الولي ة للوجو د بم ا عنت ه م ن علقة‬
‫الرض بالسماء‪ ،‬بحيث تعبر النفس النسانية عن علقة التأثير فيما بينها‪ ،‬بحيث‬
‫ل أن تدفع بالرض تجاه العلى في علقةٍ ما زال حتى إنساننا‬
‫لتستطيع إ ّ‬
‫المعاصر يبحث عن جوهر تلك المحاولت في الصعود عبر الرتفاع بالرض‬
‫والتعبير بما تستطيع يداه فعله من خلل بناء المعابد الصاعدة أو المقابر التي‬
‫ترتفع" بالمتوفى" ولم يكن حل هذه المعادلة بالغريب عن فكرنا العربي بمقدماته‬
‫الولية والتالية‪ ،‬بل كان عنصرا من عناصر تطوير البنية الناسية الحضارية‬
‫" فهرم سقارة المدرج الفريد من نوعه‪ ،‬والذي يبلغ ارتفاعه ستين مترا‪،‬‬
‫وهو أول هرم عُرف في التاريخ يشبه بصورة عامة بناء الزقورة أي البراج‬
‫التي كانت تبنى في بلد الرافدين " (‪.)80‬‬
‫أما بالقراءة السياسية المباشرة" بما تعنيه في تلك العصور" فيمكن أن نختتم‬
‫قراءتنا في هذا الفصل ببعض ملمح الوحدة بين بلد الشام وبلد النيل‪ ،‬بعد أن‬
‫بينا بمعطيات التاريخ الناسي هذه الوحدة‪:‬‬
‫فلقد وصلت حملة تحوتمس الول(‪ 1495-1525‬ق‪.‬م) إلى منطقة النهارينا‬
‫( تقع بين نهر العاصي ونهر الفر ات وفروعه إذ تمتد حتى الخابور) وخلد‬
‫تحوتمس الول هذه الفتوحات بلوحة تذكارية أقامها على شاطئ الفرات وذكر‬
‫فيها أعماله وفتوحاته موحدا بذلك ‪ /‬وبالشكل السياسي ‪ /‬مصر وسوريا ( ‪ )81‬كما‬
‫أ ن الحمل ة الثامن ة لتحوتم س الثال ث وصل ت إل ى نه ر الفرا ت (‪ ، )82‬كم ا أن‬
‫‪- 88 -‬‬

‫أمنحوتب الثالث (‪ 1365-1397‬ق‪.‬م) تزوج بإمرأة مشهورة تسمى " تي" وهي ابنة‬
‫شيخ وأمير سوري‪ ،‬كما كانت تتواجد في قصره أميرات سوريات وبابليات‬
‫وآشوريات عديدات‪.‬‬
‫كما أن زوجة أمنحوتب الرابع" ابن الملكة السورية " تي" " أخناتون‪ ،‬تاو‬
‫وخيبا هي سورية وقد عرفت باسم نفرتيتي( ‪ .)83‬وأخناتون هذا أول من نادى‬
‫بعبادة الله الواحد‪ -‬الديانة التوحيدية وهذا الله هو أتون الشمس المحرقة‪،،‬‬
‫وأدى به الحماس إلىالله الجديد إلى أن حرم على الناس إقامة التماثيل للله‬
‫أتون‪ ،‬لن هذا الله حسب زعمه موجود في كل مكان‪ ،‬ومن المعروف وحدة‬
‫انتشا ر هذ ه الفكر ة ورفع ة تأثيره ا باتجا ه شب ه الجزير ة العربي ة بالصابئة‬
‫والحناف ‪ ،‬كم ا أ ن تل ك الدعي ة الت ي تمج د إل ه الشم س أتو ن تذك ر بتمجيد‬
‫السوريين له إلى جانب شعب مصر والنوبة(‪ ) 84‬وفي عصر رمسيس الثاني تمّ‬
‫ضم الساحل الفينيقي (‪ 1284‬ق‪.‬م) وفي العام الذي يليه تقدم رمسيس الثاني إلى‬
‫الداخل الشامي فانضم إليه ملك ّقطْنا العموري وبعد ذلك بفترة ليست طويلة حكم‬
‫المير السوري " ارسو" مصر كاملة (‪.)85‬‬
‫أمّا عن وحدة التطور الحضاري الناسي مع بلد الرافدين‪ ،‬فبالضافة إلى‬
‫كل ما ذكرناه أعله‪ ،‬يشير طه باقر إلى أن وحدة العلقات تعود" إلى أواخر‬
‫الطو ر الحجري ‪ -‬المعدن ي أ ي عه د م ا قب ل السللت ‪ ،‬كذل ك ف ي بداي ة عهد‬
‫السللت أي في المراحل الولى من نشوء الحضارة الراقية في كل القطرين" (‬
‫‪ )86‬ومن أهم الدلئل على ذلك ظهور ووجود واكتشاف بعض الدوات والنماذج‬
‫الخاصة بحضارة بلد ما بين النهرين في مصر (‪ )87‬ويشار في هذا السياق إلى‬
‫" أواني الحجر المزينة بالنحت البارز وبعض الطرز القديمة الخاصة بالبنية‬
‫السومري ة الت ي وج د م ا يطابقه ا ف ي المقاب ر الملكي ة المصري ة ف ي المصاطب‬
‫القديمة‪ ،‬وفي تخطيط اللحود الملكية الولى ولسيما لحود ملوك السللة الولى‪،‬‬
‫وكذلك استعمال الختام السطوانية" (‪.)88‬‬
‫حتى أن الدولة الشورية الحديثة أخضعت مصر الفراعنة نفسها لسلطانها (‬
‫‪ .)89‬لذلك أرى من الضروري إعادة التذكير بما قدّمه الباحث إحسان جعفر في‬
‫بحثه" بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية "‪ ،‬حيث يؤكد على الصل‬
‫الناسي الثنولوجي الواحد لعرب الجزيرة العربية ووادي النيل وشمال افريقيا‬
‫والذي يعود تأريخيا إلى اللف العاشر قبل الميلد (‪ ،)90‬ويشير إلى أن أكثر من‬
‫دراسة تاريخية أو آثارية أو لغوية قام بها عدد من المؤرخين والعلماء وتبين أن‬
‫‪- 89 -‬‬

‫الرأي الذي ذهب إلى أن الفراعنة عرب قدماء ما هو إلّ حقيقة واقعة‪ ،‬وقد تبّنى‬
‫هذا الرأي كثير من علماء اللغة والثاريين اللمان‪ ،‬وشاركهم في رأيهم هذا‬
‫الثاري العربي المصري الول أحمد كمال‪ ،‬وشيخ العروبة أحمد زكي والدكتور‬
‫أحمد عيسى وغير هم‪ ،‬وهم يرون أن المصريين القدماء جاؤوا من جزيرة‬
‫العرب‪ ،‬وبهذا الصدد يقول المؤرخ اللغوي أحمد كمال في كتابه " الحضارة‬
‫القديمة"‪ " :‬اختلف ت الرا ء حو ل الجه ة الت ي وف د منه ا قدما ء المصريي ن فقال‬
‫لبسيوس ‪ :‬إنهم دخلوا عن طريق برزخ السويس‪ ،‬لكن قوله هذا نُبذ الن‪ -‬وقال‬
‫غيره‪ :‬إنهم اجتازوا البحر الحمر من الجهة التي تُعرف الن بميناء القصير‪،‬‬
‫فساروا منها إلى وادي الحمامات‪ ،‬ثم إلى مدينة قنا الواقعة في مصر الوسطى‬
‫على مقربة من طيبة‪ .‬ورجح نافيل انتقالهم من جنوب الجزيرة العربية عبر‬
‫البحر من جهة مصوع بما في ذلك من توافق مع الرواية المنقولة عن ديودور‬
‫الصقلي‪ ،‬وقال نافيل ‪ :‬هذه الرواية المؤيدة لمجئ المصريين عبر مصوع كافية‬
‫بمفردها لثبات ماسبق بيانه من أن أصل المصريين القدماء من بلد العرب‬
‫الجنوبية لن في الرواية إشارة إلى أن أولئك الفاتحين بعد أن انتقلوا من مواطنهم‬
‫نزلو ا عل ى شواط ئ البح ر الحم ر ف ي الحبشة ‪ /‬كم ا أوردن ا وبتفصي ل أناسي‬
‫معرفي وتاريخي في بداية هذا الفصل واقاموا فيها زمنا قبل زحفهم على وادي‬
‫النيل (‪.)91‬‬
‫ويضيف أحمد كمال في موضع آخر من كتابه المشار إليه إنه ‪ ":‬لما جاء‬
‫الحوريّون‪ -‬وهو يقصد بهم قدماء المصريين القادمين من بلد العرب‪ -‬تغيرت‬
‫مظاهر الحياة‪ ،‬وتبدلت معالم البلد بما انتشر فيها من الحضارة الجديدة‪ ،‬فكانت‬
‫أعمال ملوكهم باكورة التقدم والنجاح‪ ،‬وفاتحة كثي ٍر من الصلح‪.‬‬
‫ويفسّر لنا أحمد كمال اسم هؤلء الحوريين الوافدين من جزيرة العرب‬
‫فيقول‪ ":‬إن الملوك القدماء حوريون‪ ،‬أي يُنسبون لحوريس‪ ،‬وبطريقة أوضح‬
‫لنهم أتباع " الحر "(‪ )92‬إي البازي لن هذا الطائر الذي امتاز بسرعة الطيران‬
‫والقنص كان لهم بمثابة لواء تستظل به قبيلتهم الصلية‪ ،‬وكان يرمز به لمعبودهم‬
‫حوريس سواءا كان على صورة طائر أو صورة إنسان برأس طائر‪ ،‬والبازي‬
‫باللغة البوربائية (‪ ) 93‬إشارة هيروغليفية يلفظ بها" حُر" وهو لفظ عربي بحت‬
‫معناه البازي أو الباشق‪ ،‬ولشك أن هذا المعنى يؤيّد‪ ،‬من حيث الصل قوله‪ :‬إن‬
‫الفاتحين أي أتباع حوريس كانوا من بلد الجزيرة العربية‪.‬‬
‫‪- 90 -‬‬

‫‪ρ‬‬

‫‪åæÇãÔ ÇáÝÕá ÇáËÇáË‬‬
‫(‪ ) 1‬محمد عزت دروزة‪ :‬تاريخ الجنس العربي الجزء الثاني ‪ +‬ج ‪ 1‬صيدا وبيروت‬
‫‪ 1376‬ـص ‪ 26‬ـويستشهدـ أيضا ًـ بهذاـ النصـ أحمد سوسةـ فيـ كتابهـ " العرب‬
‫واليهود في التاريخ" ج ‪ 1‬دمشق ‪1975‬ص ‪127‬‬
‫والطيبـ ـتيزينيـ ـفيـ ـمشروعهـ ـالمعروفـ ـالجزءـ ـالثانيـ ـالفكر‬
‫العربي في بواكيره وآفاقه الولى ‪ -‬دار دمشق‪ -‬ط ‪ 1982 1‬ص ‪.48‬‬
‫(‪Duberete, Et Weulersee, Manuale De Georaphie: Fa Penisule Arobique,Beyrouth )2‬‬
‫‪1940‬‬

‫استشهد به الباحث محمود المحمود‪ -‬الجذور التاريخية للعلقات العربية‬
‫الفريقية مجلة الوحدة العدد ‪ 97‬تـ ‪.1992‬‬
‫(‪ ) 3‬عودة د‪ .‬عبد الملك‪ ،‬سنوات الحسم في افريقيا (ـ ‪،)1969-1960‬ـ ‪ 1969‬ـمكتبة‬
‫النجلو المصرية القاهرة ص ‪.30-29‬‬
‫(‪ )4‬د‪ .‬علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم مجلة الوحدة‬
‫العدد ‪ 1988-42‬ص ‪.78‬‬
‫(‪ ) 5‬د‪ :‬أمين توفيق الطيي‪ -‬جريدة الحياة عدد" ‪ 14 "- 19770‬أيار ‪ -.1995‬العلقات‬
‫بين الجزيرة العربية والحبشة قبل السلم " ‪ 1‬من ‪."3‬‬
‫(‪ )6‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )7‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )8‬المصدر السابق‬
‫(‪ )9‬المصدر‪.‬السابق‬
‫(‪ )10‬المصدر‪.‬السابق‬
‫(‪ )11‬المصدر‪.‬السابق‬
‫(‪ )12‬المصدر‪.‬السابق‬
‫(‪)13‬ـ ـنذكرـ ـالمصادرـ ـالتيـ ـاعتمدـ ـعليهاـ ـالباحثـ ـأمينـ ـتوفيقـ ـالطييـ ـفيـ ـبحثه‬
‫المذكور أعله كما أوردها في نصه‪:‬‬
‫‪.Seligman, C.G Races Of Africa Oxford 1957 P,87 -1‬‬
‫‪Ullendorff,E, The Ethiopians, Oxford 1961 P,12q -2‬‬
‫‪Seligman P,87 -3‬‬
‫‪.Shohid, I,Pre-Islomic Arabice “In The Combridge History Of Islam Vol. IA (1977),P7-4‬‬
‫‪Irvine ,A. K. “ On The Identity Of Habashat In The South Aralion Inscriptions “,In -5‬‬
‫‪Journal Of Semitic Studies , Manchester 1965, Vol 10P-P 182-4‬‬
‫‪Ullendorf-P , 134-6‬‬
‫‪Shahid P,9 -7‬‬
‫‪Trimingham , J.S , Islam In Ethiopia London 1976 P.33-8‬‬
‫‪Trimingham P 34-9‬‬
‫‪Hurni G. Arab Seaforing Beirut 1963 P.33 -10‬‬
‫‪ -11‬ابن خلدون‪ .‬عبد الرحمن‪ ،‬كتاب العِبَر بيروت ‪ 1979‬ج ‪ 2‬ص ‪8‬‬
‫‪ -12‬الهمذاني الحسن بن أحمد‪ ،‬صفة الجزيرة العربية بيروت ‪ 1983‬ص ‪194‬‬

‫‪ -13‬ياقوت الحموي معجم البلدان‪ ،‬بيروت ‪ 1979‬ج ‪ 4‬ص ‪.250‬‬
‫‪- 91 -‬‬

‫‪ -14‬المقريزي أحمد‪ .‬اللمام بأخبار من بأرض الحبش من ملوك السلم‪ -.‬القاهرة‬
‫‪ 1895‬ص ‪2‬‬
‫‪ -15‬شهاب الدين أحمد بن عبد القادر‪ ،‬كتاب فتوح الحبشة باريس ‪ 1897‬ص ‪319‬‬
‫‪Jones A .H. M And Monroe E.A History Of Ethiopic Oxford 1978 P33-16‬‬
‫‪Perhom ,M. The Government Of Ethiopic london 1948 P20-17‬‬
‫‪ -14‬د‪ .‬علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم ‪-‬مجلة الوحدة‬
‫العدد ‪ 42‬آذار ‪ 1988‬ص ‪.79‬‬
‫(‪ )15‬الطيب تيزيني الفكر العربي في بواكيره وأفاقه الولى ج ‪ 2‬ص ‪.53‬‬
‫(‪ )16‬علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ‪..‬‬
‫ً‬
‫(‪ )17‬الطيب تيزيني نفس الستشهاد المذكور سابقا ص ‪.51‬‬
‫(‪ )18‬علي فهمي خشيم المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )19‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )20‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )21‬الطيب تيزيني المصدر السابق ص ‪.66‬‬
‫(‪ )22‬استشهاد قاده الطيب تيزيني في مرجعه السابق ص ‪.66‬‬
‫(‪ )23‬علي فهمي خشيم المصدر السابق‬
‫(‪ )24‬عبد الرحمن الجيلني ‪-‬تاريخ الجزائر العام‪ -‬مأخوذ من كتاب د‪ .‬طيب تبزيني‬
‫المنوّه به المصدر السابق ص ‪.67‬‬
‫(‪)25‬ـ ـفرانكفورتـ ـهــ ـوفرانكفورتـ ـهــ ‪ 1‬ـوغيرهم‪.‬ماـ ـقبلـ ـالفلسفةـ ـالنسانـ ـفي‬
‫مغامرتهـ ـالفكريةـ ـالولىـ ـترجمةـ ـجبراـ ـابراهيمـ ـجبراـ ـ‪-‬ـ ـالمؤسسةـ ـالعربية‬
‫للدراسات والنشر الطبعة الثالثة ‪ 11982‬ص ‪.57‬‬
‫(‪)26‬ـ ـمحمدـ ـالصغيرـ ـغانمـ ـ"ـ ـالتوسعـ ـالفينيقيـ ـفيـ ـغربـ ـالبحرـ ـالمتوسط"‬
‫المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع‪ -‬السلسلة التاريخية ط ‪2‬‬‫ص ‪18‬‬
‫(‪ )27‬المصدر السابق ص ‪.18‬‬
‫(‪ )28‬المصدر السابق ص ‪.19‬‬
‫(‪- R.B Smith Cathage And The Cathaginious )29‬عن تاريخ سوريا القديم ‪ -‬د‪ .‬أحمد‬
‫داوود ط ‪ 1986 1‬ص ‪.778‬‬
‫(‪)30‬د‪ .‬أحمد داوود ‪ -‬تاريخ سوريا القديم ط ‪ 1986 1‬ص ‪.778‬‬
‫(‪)31‬د‪ .‬أحمد داوود ‪ -‬تاريخ سوريا القديم طـ ‪ 1986 1‬ص ‪ . 294‬المصدر السابق ‪-‬د‪.‬‬
‫هشامـ ـالصفدي"ـ ـتاريخـ ـالشرقـ ـالقديم"ـ ـج ‪ 1‬ـصـ ‪-.91-80‬ـ ـكماـ ـوتردـ ـنفس‬
‫المعطيات السابقة في كتاب جواد علي ‪ -‬المفصل في تاريخ العرب قبل‬
‫السلم في مواقع عديدة‪.‬‬
‫(‪)32‬د‪ .‬أحمد داوود ‪ -‬المصدر السابق ص ‪ 296-295‬ـ‪-‬تشايلد" الشرق القديم" ط ‪1‬‬
‫‪ 1964‬ص ‪.16-15‬‬
‫(‪ )33‬المصدر السابق ص ‪.299‬‬
‫(‪ )30‬د‪ .‬أحمد داوود ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.792‬‬
‫(‪ The Cambridge Anuet History Volume 3,P 7 138 )35‬ـ‪ -‬د‪ .‬أحمد داوود ‪ -‬المصدر‬
‫السابق ص ‪.800‬‬
‫(‪)36‬ـ ـمحمدـ ـالصغيرـ ـغانمـ ـ‪-‬ـ ـالتوسعـ ـالفينيقيـ ـفيـ ـغربيـ ـالبحرـ ـالمتوسطـ ـ‪-‬‬
‫المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ‪ -‬ط ‪ 1982 2‬ص ‪.129‬‬
‫(‪ )37‬المصدر السابق‪ ،‬نفس المعطيات ط ‪103‬‬
‫(‪ )38‬المصدر السابق‪ ،‬نفس المعطيات ص ‪103‬‬
‫(‪ )39‬المصدر السابق‪ ،‬نفس المعطيات ص ‪28‬‬
‫‪- 92 -‬‬

‫(‪ )40‬د‪ .‬علي أبو عساف آثار الممالك القديمة في سورية منشورات وزارة الثقافة‬
‫في ج‪ .‬ع‪ .‬س‪ 1988 .‬ص ‪.321-320‬‬
‫(‪ )41‬د‪ .‬علي أبو عساف ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.322‬‬
‫(‪ )42‬ط‪ .‬ما تغييف وأ‪ .‬سازونوف‪ :‬حضارة ما بين النهرين العريقة ‪ -‬ترجمة د‪ .‬حنّا‬
‫آدم دار المجد ط ‪ 1991 1‬ص ‪.173‬‬
‫(‪ )43‬المصدر السابق ‪ .‬ص ‪206 -205‬‬
‫(‪ )44‬المصدر السابق ص ‪207‬‬
‫(‪ )45‬المصدر السابق ‪ - 210‬المصدر السابق نفس المعطيات ص ‪210‬‬
‫(‪ )46‬د‪ .‬علي أبو عساف ‪ -‬آثار الممالك القديمة في سورية ‪ -‬وزارة الثقافة في ج‪.‬‬
‫ع‪ .‬س دمشق ‪ 1988‬ص ‪324‬‬
‫(‪ ) 47‬د‪ .‬علي أبو عساف ‪ -‬نصوص من أجاريت ‪ -‬نصوص من أجاريت ‪ -‬وزارة‬
‫الثقافة في ج‪ .‬ع‪ .‬س دمشق ‪ 1988‬ص ‪10‬‬
‫ويسردـ ـالدكتورـ ـأبوـ ـعسافـ ـمجموعةـ ـكبيرةـ ـمنـ ـالنصوص‬
‫والوثائق التي تؤكد طبيعة العلقة ( الودية الهلية) بين تلك المراكز في‬
‫حضارة بلد الشام"‪.‬‬
‫(‪ )48‬ثقافة أو غاريت ‪ -‬أ‪.‬ش‪ .‬شيغمان ‪ -‬دار البجدية ط ‪ 1988 1‬ص ‪.119‬‬
‫(‪ )49‬المصدر السابق ‪114‬‬
‫(‪ )50‬د‪ .‬عفيف بهنسي " وثائق ايبل " ص ‪.28‬‬
‫(‪ )51‬د‪ .‬علي أبو عساف ‪ -‬آثار الممالك القديمة في سورية وزارة الثقافة في ج‪.‬‬
‫ع‪ .‬س ‪ 1988‬ص ‪.11‬‬
‫(‪ )52‬المصدر السابق ص ‪117‬‬
‫(‪ )53‬المصدر السابق ص ‪.121‬‬
‫(‪ )54‬المصدر السابق ص ‪128‬‬
‫(‪)55‬ـ ـأنطونـ ـموتكارتـ ـ‪-‬ـ ـتاريخـ ـالشرقـ ـالدنىـ ـالقديمـ ـ‪-‬ـ ـتعريبـ ـتوفيقـ ـسليمان‬
‫وعلي أبو عساف وقاسم طوير ص ‪17‬‬
‫(‪ ) 56‬لدراسة التفصيل في هذا والرد على كريمر وديورانت ‪ -‬يمكن العودة إلى‬
‫كتاب أحمد يوسف داوود تاريخ سوريا القديم من الصفحة ‪ 199‬حتى ‪.228‬‬
‫(‪ )57‬أنطون موتكارت ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.31‬‬
‫(‪ ) 58‬والترج‪ .‬أونج‪ /‬اللغة الكتابية والشفوية‪ -./‬ترجمة د‪ .‬حسن البنا عز الدين ‪-‬‬
‫مراجعة د‪ .‬محمد عصفور عالم المعرفة ‪ -182 -‬شباط ‪ 1994‬ص ‪54‬‬
‫(‪ ) 59‬أحمد عثمان ‪ -‬هجرة قبائل العرب قبل اختراع الكتابة ‪ -‬الحياةـ ‪ 2‬ـحزيران‬
‫‪ 1995‬العدد ‪11789‬‬
‫(‪ )60‬أنطون موتكارت ‪ -‬المصدر السابق نفس المعطيات‪.‬ص ‪32‬‬
‫(‪ )61‬أحمد عثمان المصدر السابق نفس المعطيات‬
‫(‪ )62‬أحمدعثمان ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )63‬أنطون موتكارت ‪ -‬المصدر السابق‪ ،‬نفس المعطيات ص ‪84-83‬‬
‫(‪ )64‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪86‬‬
‫(‪ )65‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪87‬‬
‫(‪ )66‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪92‬‬
‫(‪ )67‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪94‬‬
‫(‪ )68‬عبد العزيز عثمان ج ‪ - 1‬تاريخ الشرق القديم ص ‪395‬‬
‫(‪ ) 69‬أنطون موتكارت ‪ -‬فنون سومر وأكاد ‪ -‬ترجمة محمد وحيد خياطه ‪ -‬مكتب‬
‫الفيحاء دمشق ط ‪ 1988 1‬ص ‪8‬‬
‫‪- 93 -‬‬

‫(‪ )70‬عبد العزيز عثمان ج ‪ - 1‬تاريخ الشرق القديم ص ‪252‬‬
‫(‪ )71‬المصدر السابق ص ‪252‬‬

‫(‪ )72‬د‪ .‬حمد محمد صراي ‪ -‬السكان القدماء لشبه جزيرة ع ُمان ‪ -‬مجلة شؤون‬
‫اجتماعية العدد ‪ 43‬خريف ‪ 1994‬ص ‪54‬‬
‫(‪ )73‬المصدر السابق ص ‪54‬‬
‫(‪ )74‬المصدر السابق ص ‪58-57‬‬
‫(‪ )75‬المصدر السابق ص ‪57‬‬
‫(‪ )76‬د‪ .‬حمد محمد صراي ‪ -‬المصدر السابق والهامش ‪ 37‬من الدراسة ص ‪65‬‬
‫(‪ )77‬عبد العزيز عثمان ‪ -‬تاريخ الشرق القديم ج ‪ 1‬ص ‪69‬‬
‫(‪ )78‬المصدر السابق ص ‪68‬‬
‫(‪ )79‬المصدر السابق ص ‪59‬‬
‫(‪ )80‬المصدر السابق ج ‪1‬ص ‪ - 83‬ص ‪83‬‬
‫(‪ )81‬المرجع السابق ج ‪ 1‬ص ‪123‬‬
‫(‪ )82‬ج ‪ 1‬ص ‪ 127‬المرجع السابق‬
‫( ‪( )83‬ج ‪)1‬المصدر السابق ص ‪135-134‬‬
‫(‪ )84‬عبد العزيز عثمان ج ‪ 1‬ص ‪138‬‬
‫(‪ )85‬ج ‪ 1‬المصدر السابق ص ‪155‬‬
‫(‪ )86‬طه باقر‪ :‬مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ط ‪ 1955 1‬ص ‪54‬‬
‫(‪ ) 87‬د‪ .‬عبد الباسط سيدا من الوعي السطوري إلى بدايات التفكير الفلسفي‬
‫النظري ط ‪ 1995 1‬دار الحصاد دمشق ص ‪89‬‬
‫(‪ )88‬المرجع السابق الذكر نفسه‪ /‬د‪ .‬عبد الباسط سيدا وطه باقر علقات العراق‬
‫القديم وبلدان الشرق الدنى‪ -‬مجلة سومر العراقية ج ‪ ،1‬كانون الثاني ‪1948‬‬
‫المجلد الرابع ص ‪.93-92‬‬
‫(‪ )89‬عبد العزيز عثمان نفس المرجع والمعطيات ص ‪82‬‬
‫(‪ ) 90‬إحسان جعفر" بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية" ‪ -‬مجلة الوحدة‪-‬‬
‫العدد (‪ )20‬أيار ‪ 1986‬ص ‪.138‬‬
‫(‪ ) 91‬أحمد كمال‪ ،‬كتاب الحضارة القديمة‪ -‬طبع مجلة الجامعة المصرية‪ -‬القاهرة‬
‫و‪ .‬ت ‪ 35 /1‬مأخوذة عن احسان جعفر ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )92‬الحر هو الصقر البازي‪ .‬قال ابن سيده‪ :‬الحر طائر صغير أعمر أصقح‪ ،‬قصير‬
‫الذنب‪،‬ـ ـعظيمـ ـالمنكبينـ ـوالرأس‪،‬ـ ـوقيلـ ـ‪:‬ـ ـإنهـ ـيضربـ ـإلىـ ـالخضرةـ ـوهو‬
‫يصيد‪.‬‬
‫ة إلى برابي مصر‪ ،‬وهي اللغة المصرية القديمة‬
‫(‪ )93‬اللغة البربائية نسب ً‬
‫‪ρϖρ‬‬

‫‪- 94 -‬‬

- 95 -

‫‪ÇáÝÕá‬‬

‫‪ÇáÑÇÈÚ‬‬

‫‪ÇáÃäÇÓÉ ÇáÚÑÈíÉ ÇááÛæíÉ ÇáãÞÇÑäÉ‬‬
‫‪æÇáãíÊæáæÌíøÉ‬‬

‫اللغة منظمومة سيرورية تاريخية اجتماعية إشارية تصف النشاط التفاعلي‬
‫بإحداثيات ه المتعدد ة البنائي ة (الذاكر ة الجمعية ‪ ،‬المخيال‪-‬السيكيولوجي ا الجمعية‪).‬‬
‫للجماعة وللفرد هادفة للرتقاء بالتواصل إلى السويّة الرقى المأمولة‪ .‬إن اللغة‬
‫ه ي الجماع ة البشري ة (الكتل ة الجتماعية ) المعين ة ف ي المكا ن المعي ن وعبر‬
‫سيرورة زمنية (بمفهوم الزمن الجتماعي) معينة‪.‬‬
‫سيرورية‪ ،‬لنها ترتبط بالنشاط السيروري للجماعة‪ ،‬وبالتفاعل المتصاعد‬
‫لعناصرها البنائية الداخلية‪ .‬فهي بعلقتها مع الواقع كفعل سيروري تعبر عن‬
‫تصاعديته وتطوره وسماته في الن المناقش ومن خلل علقتها بالتأثّر والتأثير‬
‫مع الفكر‪ ،‬ترتبط بتصاعده وأدواته وساحة فعله‪.‬‬
‫وهنا ل بد من التأكيد على سيروري لن هذه الصفة هي التي تدفعنا إلى‬
‫قراءة تاريخ اللغ ة العربي ة بمقارنة نشيطة وفعال ة عبر أناسيته ا التطوري ة في‬
‫المراح ل المغرق ة ف ي القدم ‪ ،‬وانتقاله ا م ن الشفوي ة إل ى الكتابي ة الصورية‪،‬‬
‫فالرمزية‪ ،‬فالبجدية‪ ،‬وكيف صبّت اللهجات العروبية المشرقية والمغاربية في‬
‫تطوير النماذج الكتابية الولى‪ ،‬وكيف صبّت لحقا في اللغة العربية التي نتحدث‬
‫بها ونكتب بحثنا هذا‪ ،‬بحيث تشكل نموذجا سيروريا متواصلً‪.‬‬
‫وتاريخية‪ ،‬لنها نواتج نمط التصال وتفاعل الكتلة الجتماعية النساني مع‬
‫الوسط البيئي والطبيعي والجتماعي عبر تاريخ تطور الجماعة أو الكتلة واسمةً‬
‫لسلو ب التفكير‪" ،‬وأسلو ب مشترك بين أفرا د الجماع ة اللغوية‪ ،‬لجه ة ترتيب‬
‫المفاهي م والوقائع والحدا ث والتعام ل معها‪ .‬تبعا لقانون الفع ل ورد الفع ل أو‬
‫التحد ي والستجاب ة والذ ي يتفاو ت البش ر أفرادا وجماعا ت ف ي تمثل ه بحسب‬
‫الموقع المكاني وشدّة المؤثرات والقدم التاريخي والثقافي للجماعة المعنية(‪.)1‬‬
‫وإجتماعية ‪ ،‬لنه ا تص ف المكونا ت البنائي ة للناس ة المعرفي ة الجتماعية‪،‬‬
‫وتح ّد د طبيع ة تلق ي وتفاع ل ومعالج ة عناصره ا للمكونا ت المعرفي ة الثقافية‬
‫‪- 96 -‬‬

‫بأشكالها المتعددة‪ .‬بحيث تصبح محدّدة لما يخلق الشعور بالنتماء إلى جماعة أو‬
‫أمّة ما‪" .‬نظرا لما تكون اللغة قد أنشأته في ضمير أعماق الفرد من إحساس‬
‫بوحدة الرابطة العقلية والنفسية والوجدانية والتي تشد أفراد الجماعة إلى بعضهم‬
‫بعض‪ .‬عبر التصال الدائم الفردي والجمعي في وسط ونظام معين من العمل‬
‫والفكار ‪ ،‬والعلقا ت الجتماعي ة والنتاجية ‪ ،‬وعب ر النظا م اللغو ي والدللت‬
‫المعبرة عن هذا التصال"(‪ )2‬ومن خلل علقة اللغة بالفكر وعلقة هذا الخير‬
‫بالواقع‪ ،‬تصبح اللغ ة أحد عناص ر التأسيس اللزم ة والهم في تحدي د الهوية‬
‫"ليصبح القول إنّ المة في تكوينها النفسي والوجداني والعقلني هي نتاج اللغة‬
‫والثقافة المشتركة التي تيسرها اللغة والتي هي عدا عن كونها وعاء العلم والدب‬
‫والفن هي نظام عقلني منطقي يعمل على التدخل الدائم في البنية النفسية للفرد‬
‫لحين دفعه للتواؤم مع الجماعة‪ ،‬وبالتالي على تعميق ارتباطه وتفاعله مع جماعته‬
‫البيئية واللغوية"(‪)3‬‬
‫وإشاري ة لنه ا تمي ز النسا ن بجهازه ا الشار ي الثاني ‪ ،‬وتمي ز الكتلة‬
‫الجتماعية كبنية كلية وكأفراد‪ ،‬بربط تلك الجملة بالفكر‪ ،‬بحيث ل يتم صقل‬
‫أدواته ومناهجه وساحة عمله إلّ من خلل اللغة‪ "،‬فاللغة ليست إلّ واحدة من‬
‫التجليات المتعددة للوظيفة الرمزية والتي تمّ إنتشارها من خلل تفاعل النسان‬
‫مع بيئته الطبيعية‪ ،‬والجتماعية‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فإن هذه الوظيفة ما هي إلّ حصيلة‬
‫للقدرة المعرفية المرتفعة التي تمكن الفكر من أن يصبح فكرا"(‪ )4‬بما يعنيه ذلك‬
‫من ضرورة العتراف بوجود مميزات خاصة للفكر العربي‪ ،‬تجعله مميزا عن‬
‫مناهج التفكير غير العربية فتتعدى المفهوم المحدد للغة بتعبير اللسانيات وما‬
‫تطرحه من وظائف للغة (التصالية‪ ،‬النزوعية‪ ،‬الحالية‪ ،‬الشعرية‪ ،‬الفوقية‪)5 ()...‬‬
‫لتصبح اللغة تكوينا بنائيا مركبا ومعقدا‪ ،‬ويمثل المنظومة الثقافية الشاملة للجماعة‬
‫وم ا تعني ه م ن معان ي معرفي ة وأناسي ة وتاريخي ة جغرافية ‪ ،‬وعادا ت وغيرها‬
‫فتصف الكلّ الحضاريّ الذي يتجاوز مفهوم البنية الثقافية الخاص‪ -‬كإنتاج فكري‬
‫وإبداع أدب ي وفني‪" -‬لتشمل القي م والعادا ت وقواعد السلوك والحاسي س التي‬
‫تصو غ الوجدا ن المشتر ك وتفض ي بالتال ي إل ى الرغب ة ف ي العي ش الدائ م مع‬
‫الجماعة المحددة‪.‬‬
‫هذا التكوين للغة يمنعها من الدخول في البناء الفوقي للمجتمع الذي يشمل‬
‫الفلسف ة والدين والخلق ولكن ه ل يدخله ا في البنا ء التحت ي للمجتم ع بقواعده‬
‫المادية والقتصادية"(‪.)6‬‬
‫‪- 97 -‬‬

‫فهي بتحديدها لمناهج وخصائص وأدوات الفكر‪ ،‬وعلقة هذا الخير بالواقع‬
‫ل تنزاح باتجاه تحديد علقة مع البنى الفوقية أو تنزاح للندماج في التشكيلة‬
‫النمطية القتصادية‪ .‬رغم أنها تشكل نتاج تطور تاريخي لمئات وألف السنين‪،‬‬
‫بل تشكل منظومة حوامل لبنى وأجهزة عديدة منها ما ينتمي للبنى الفوقية‪ ،‬ومنها‬
‫ما ينتمي للتحتية‪ ،‬خصوصا ما يتعلق منها بالتراكم‪ ،‬أي أن البنية الحضارية الن‬
‫قد ل تترك تفاعلتها على مستوى اللغة في الني منها‪ ،‬بل في القادم وهذا ما‬
‫يعنينا في القول إن اللغة سيرورة تاريخية‪.‬‬
‫وهذ ا ه و المفتا ح الها م لشك ف المراح ل التطوري ة الت ي مر ت به ا اللغة‬
‫العربية حتى وصولها لما هي عليه الن ‪ /‬وأقصد حتى وصولها إلى اللغة التي‬
‫نزل بها القرآن الكريم‪ /‬وبالتالي لم تكن‪ ،‬اللهجات العروبية (الكادية‪ ،‬الكنعانية‪،‬‬
‫الرامية‪ ،‬المصرية‪ ،‬المازيغية‪ )..‬مجرد لهجات تكلمت بها الجماعات البشرية‪،‬‬
‫فقط‪ ،‬بل هي مراحل تطورية أيضا مرت بها اللغة العربية الم‪ ،‬عبر سيرورتها‬
‫التاريخية‪ ،‬بحيث تبدو تلك اللهجات التطورية تنويعات سيرورية لمحورٍ واحد‪،‬‬
‫هو اللغة العربية‪ ،‬وما زالت تحتفظ حتى الن بكلمات ومفردات حيّة اكتشفت‬
‫مسجلة على ألواح طينية ونقوش قبل أكثر من خمسة آلف عام‪ .‬وتبلغ هذه‬
‫الكلما ت الحي ة حت ى الن المئا ت ف ي الكدي ة والكنعاني ة والمصري ة والرامية‬
‫"إضافة إل ى أن المعاج م العربي ة القديم ة أصبح ت الن أدا ة مثل ى لفك رموز‬
‫اللهجات العروبية القديمة‪ ،‬وهي وظيفة جليلة لم تخطر ببال مؤلفي وجامعي‬
‫المعاجم العربية‪ .‬المفارقة هي أن عدم معرفة اللغويين العرب القدماء بالعلقات‬
‫بين العربي ة ولهجاته ا المعبرة عن مراح ل تطوري ة (مثا ل الرامي ة والكنعانية‬
‫والكدية) ماتزال شائعة حتى اليوم‪ .‬وما زال هناك من يأخذ حرفيا بقراءات‬
‫علماء الثار الغربيين للخطوط والنقوش العربية القديمة بالمسمارية والكنعانية‬
‫والهيروغليفية والخط المسند‪ ،‬من دون أن يكلف نفسه عناء العودة إلى الصل‬
‫وتصحيح القراءات المغلوطة حتى لو هجرها أصحابها‪ .‬فمثلً يقول لغوي عربي‬
‫قديم إن "القانون رومي معرب معناه الصل والقاعدة‪ .‬وأصل معناه المسطرة‪ ،‬ثم‬
‫سُمي به آلة من آلت الطرب على التشبيه كأنه مسطرات تحرير النغم‪" .‬ويعكس‬
‫هذ ا القو ل عد م معرف ة اللغويي ن العر ب القدما ء بحقيق ة العلقا ت اللغوي ة بين‬
‫لهجات متعددة للغة واحدة‪ /‬هي العربية‪ /‬صحيح أن لفظة (قانون) مشتقة في‬
‫اليونانية من لفظة (‪ ) Kanna‬أي قنا" ومعناها الحرفي قصبة للقياس ومنها جاء‬
‫اشتقاق (‪ ) Kanon‬بمعنى المقياس أو القاعدة‪ ،‬إلّ أن الصل (‪ )Kanna‬مأخوذة عن‬
‫الكدية العربية كما جاء في معجم عالم الشوريات فون سودن‪ ) 7(.‬والكدية‬
‫‪- 98 -‬‬

‫لهجة عربية قديمة كتبت بالخط المسماري وأشهر نصوصها "أخذة كش" المكتوبة‬
‫قبل خمسة آلف عام‪ ،‬ول يزال العربي المعاصر قادرا على فهم العديد من‬
‫كلماته ا وتراكيبه ا بمساعد ة المعاج م التراثي ة بع د نق ل الحر ف المسمار ي إلى‬
‫الحرف العربي‪.‬‬
‫"وهذه قضية ذات جوانب متعددة‪ ،‬منها ما يتعلق بهوية القوام العربية التي‬
‫طُمست ووضعت لها أسماء قبلية أو جغرافية أو مما حفظته اللغات الغربية‬
‫والترجما ت الردئية " (‪ ) 8‬والستشرا ق اليديولوج ي الزائف ‪ ،‬ومنه ا مايتعلق‬
‫بالتطور الحضاري في الوطن العربي الذي لم يجد حتى الن من يجمعه في‬
‫نسقه الطبيعي الواحد‪ .‬وهو ما دفعنا باتجاه تكثيف جهودنا لوضع هذا البحث على‬
‫طاولة الجدية باستخدام أدوات الناسة المعرفية في قراءة التاريخ الجغرافي‪،‬‬
‫والجغرافيا التاريخية‪ ،‬والتطور الناسي العروبي المعرفي‪ ،‬وصولً إلى تاريخنا‬
‫الحقيقي في مساره الواحد وذي النسق الطبيعي الحقيقي الواحد‪.‬‬
‫"وم ن السبا ب الخر ى م ا يتعل ق بمسا ر تاري خ المنطق ة الذ ي تعرض‬
‫للتشظية وللتقطع على يد دراسات قاصرة‪ .‬ولكن ثمة جانبٌ أثارته في ذهننا‬
‫ملحوظة اللغوي العربي المشار إليه آنفا‪ ،‬أل وهو جانب العلقة بين اليونانية‬
‫والعربية‪ .‬وهي علقة ل تبدأ في التاريخ المدرسي عادةً إلّ مع العصر العباسي‪،‬‬
‫مع أنها أبعد من ذلك العصر بعشرات القرون‪ .‬فمن المعروف وفق الكلسيكيات‬
‫اليونانية أن أشهر كتا ب اليونان في المسرح والتاريخ والفلسفة ذكروا بشكل‬
‫متواتر وملفت للنظر أن الكنعانيين والمصريين القدماء وفدوا إلى اليونان وعلموا‬
‫أهلها الحروف البجدية وفنون المعمار والتجارة‪ ،‬ووضعوا التشريعات‪ ،‬وأن‬
‫اليونانيين في المراحل المتأخرة كانوا يرحلون إلى بلد كنعان ومصر ليتعلموا‬
‫الهندسة والطب والرياضيات والدين‪.‬‬
‫وظلت هذه الذكريات قائمة كمسلمات حتى القرن التاسع عشر أي حتى‬
‫ظهور الغرب الستعماري‪ ،‬وبروز نظريات العروق المتفوقة‪ ،‬وبحث الغربيين‬
‫عن أسبا ب تبرر تدن ي العراق الخر ى وتفوق الهندو‪ -‬أوروبي ‪ .‬وفي هذا‬
‫السيا ق ولد ت نظري ة الحضار ة اليوناني ة الهندو ‪ -‬أوروبي ة الت ي ل صل ة لها‬
‫بالشرق المتخلف‪ .‬وبدأ طمس كل ما تدين به اليونان للعرب (كنعانيين كانوا أم‬
‫مصريين أم ليبيين أم غيرهم) والتقليل من شأن شهادة اليونان الكلسيكية نفسها‪.‬‬
‫ولكن هذا النموذج الذي تطلق عليه تسمية (الري) نسبة إلى القائلين بأن العنصر‬
‫"الري" هو صانع الحضارة اليونانية وكل حضارة على وجه الرض!!!‪ ،‬بدأ‬
‫‪- 99 -‬‬

‫يفقد مكانته أمام حقائق علم الثار واللغات والفروع المعرفية الخرى‪ .‬فتهاوت‬
‫النظرية العنصرية وتراجعت حركة الستعمار‪ ،‬ولم يعد أحد يأخذ مأخذا جادا‬
‫خرافات القرن التاسع عشر ونزعاته‪ .‬وبقي علينا كعرب أن نخرج على خرافات‬
‫هذا الغرب الذي أنكر علينا حتى هوية حضارتنا القديمة‪ ،‬وأطلق عليها تسمية‬
‫"الحضارات السامية" التي ل تحمل مغزى من جغرافية أو تاريخ أو لغة‪ ،‬وأنكر‬
‫على لغتنا العربية عراقتها المذهلة‪ ،‬ولم يعترف بعروبة النصوص الكنعانية ول‬
‫الكادية والشورية ول الرامية‪ ...‬ول حتى اليمانية(‪.")9‬‬
‫لذلك كان من المفروض بذ ل الجهو د اللزم ة لعاد ة التاريخ إل ى نسقه‬
‫وحقيقته وإذا كان لزاما علينا نحن العرب إعادة قراءة تاريخنا ولغتنا‪ ...‬بمقاربة‬
‫معرفية تعيد له إحداثياته الطبيعية وموقعه اللزم في بنائنا الناسي‪ ،‬خصوصا أن‬
‫هناك أصواتا في الغرب نفسه بدأت بمعاينة هذا التاريخ بشكل حيادي ولن يكون‬
‫بييرروسي الوحيد في هذا حيث يقول‪" :‬لقد حان الوقت لكي ندرك‪ ،‬أنه إذا كان‬
‫غربنا محبوبا‪ ،‬غنيا جميلً ومنظما كذلك‪ ،‬فإنما يعود فضل ذلك كله إلى تلكم‬
‫المبراطوريا ت العربي ة الكبر ى الت ي خلق ت وأوجد ت مث ل هذ ه السعادة ‪ .‬وما‬
‫أشبهنا بزهرة خشخاش عمر الخيام التي كانت تمتح أرجوانها من دم امبراطو ٍر‬
‫دفين"(‪.)10‬‬
‫فالمر سيكون بسيطا جدا فيما لو أننا تكلمنا بدلً عن الساميين‪ ،‬البطال‬
‫المختلقين من أصل خيالي‪ ..‬لو أننا تكلمنا عن العرب‪ ،‬ذلكم الشعب الحقيقي‬
‫والذي يمتلك وجودا اجتماعيا مستمرا‪ ،‬وجودا ثقافيا ولغويا يعطي حياةً وتوازنا‬
‫لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلف من السنين"(‪.)11‬‬
‫"وفي علقة اليونانية بالعربية نجد لدينا أحدث دراسة صدرت بالنكليزية‬
‫في السنوات الخيرة للباحث مارتن برنال‪ ،‬وهي من ثلثة أجزاء تحمل عنوان‬
‫"أثينا السوداء"(‪ )12‬وأهم ما توصلت إليه هذه الدراسة‪:‬‬
‫*‪-‬أولً‪ :‬إن ما يقارب من ‪ 70‬في المئة من ألفاظ اليونانية عربية الصل‪،‬‬
‫مقسمة بنسب ة ‪50‬في المئة عربية كنعانية و ‪20‬في المئة عربية مصرية وأما ما‬
‫تبقى منها (‪30‬في المئة) فهو هندو‪ -‬أوروبي" وأهم ما في هذا أن اللفاظ العربية‬
‫في اليونانية هي مفرادات الحضارة‪ ،‬أي المفردات السياسية والتجارية والزراعية‬
‫والدينية‪ ،‬إضافة إلى مفردات المفاهيم المجردة الضرورية لنشأة الفلسفة والعلوم‬
‫الرياضية‪ .‬أما المفردات ذات الجذور الهندو‪ -‬أوربية فتتعلق بمجالت أخرى مثل‬
‫‪- 100 -‬‬

‫الضمائر وحروف الوصف‪ ،‬ومعظم السماء والفعال المتعلقة بالحياة العائلية‪.‬‬
‫وهذا في رأي برنال أمرٌ مألوف حين تعطي لغة المسيطرين مفردات ثقافتها‬
‫العلى إلى الهالي الذين يحتفظون بالقواعد اللغوية والمعجمية للغتهم‪ .‬واللفت‬
‫للنظر أن مفردات مثل العربة والسيف والقوس والموكب والدرع والمعركة في‬
‫اليونانية ليست هندو ‪-‬أوروبية‪ ،‬بل عربية الصول‪ .‬ويتتبع برنال جذور العديد‬
‫من اللفاظ في المجالت الدينية والجغرافية والسياسية والفلسفية والحربية إلى‬
‫أصولها العربية‪.‬‬
‫ثانيا‪" :‬إن المكتشفات الثرية الحديثة في الرض اليونانية وفي كريت‪ ،‬وفي‬
‫الدلتا المصرية ومناطق سورية الطبيعية تشير إلى إقامة العرب في اليونان منذ‬
‫عصور موغلة في القدم‪ .‬كما أن الدراسات المقارنة للساطير والمعتقدات تؤكد‬
‫أن شخصيات الساطير والعقائد الدينية اليونانية مجلوبة من أرض كنعان ومصر‬
‫بما في ذلك أثينا الشهيرة‪)13(.‬‬
‫‪)14‬‬

‫فلو لم يتأدب الغريق في ظل الثقافة العربية‪ ،‬لما وجدوا أرسطو بالتأكيد(‬

‫لننا وعندما نؤكد من خلل نظرة شاملة أن الشرق يتعين من خلل ثقافة‬
‫عربية في مساحة عربية‪ ،‬فإننا ل نخترع شيئا‪ ،‬إننا ل نفعل شيئا جديدا سوى‬
‫جمع وإحكام العناصر الجغرافية والثقافية الموطدة الواحد إلى الخر(‪)15‬‬
‫"وبالحري ان اللغة العربية قد أعطت دون انقطاع منذ أصولها النيوليثيكية‬
‫والرافدية‪ ،‬حتى يومنا هذا‪ ،‬وفي جميع أشكالها وصورها‪ ،‬دون استثناء أعطت‬
‫تدينا صاغ منه مجتمعنا جميع التأملت والفلسفات والجماليات والعلوم الخفية أو‬
‫العامة‪ ،‬فلقد كان كاهن بعل يتكلم العربية‪ ،‬وبها يتعبد التقي المؤمن بإيزيس أو‬
‫موسى المصري‪ ،‬وبالعربية يتكلم من ثم عيسى المسيح عندما يتحادث مع قيافا أو‬
‫مع شعب فلسطين ‪-‬ولعلها بديهةً أن نسجل هنا أن محمدا قد بشرّ بالعربية وبها‬
‫نشر رسالته (‪" ،)16‬فاللغة" الرامية تطورت إلى اللغة العربية التي وجدت نفسها‬
‫الوار ث الطبيع ي للماض ي العروب ي المصر ي والكنعان ي والبابلي ‪ ،‬وهذ ا هو‬
‫المعيار الدقيق للثقافة العربية(‪.)17‬‬
‫فإذا كنا عازمين على أل نستعير شيئا من أحلمنا‪ ،‬فيجب علينا عندئذ أن‬
‫نعرّف العروبة كثقافة الشرق الوحيدة(‪ ) 18‬لن "شعوب" منطقة الشرق العربي‬
‫المصرية والكنعانية والسورية والبابلية والناضولية تنتمي للسرة العربية نفسها(‬
‫‪- 101 -‬‬

‫‪.)19‬‬
‫لذلك كان من الضروري اعتماد أدوات القراءة المعرفية المقارنة بمظاهرها‬
‫الناسي ة عل ى كاف ة المكونا ت البنائي ة للتاري خ الناس ي وللبنا ء الميثولوجي‬
‫والمنظومة اللغوية خصوصا ما يعتمد فيها على القراءة الحيادية المقارنة" فإذا‬
‫كانت عشتار وبدءا من اللف الثالثة قبل الميلد محترمة ومقدسة في طيبة وبابل‬
‫وكركميش وأوسوس من قبل أن يعرفها الغريق تحت اسم أفروديت وقبل أن‬
‫يعطيها الرومان صفات فينوس(‪ ")20‬نلحظ دون أن ندخل في التفاصيل إلى أي‬
‫حد كان تاريخا مصر ومابين النهرين متطابقين‪ ،‬وإلى أي درجة تكون طيبة‬
‫وبابل قطبي عال م ملتح م (‪ ) 21‬واحد ‪ .‬والتاريخ الناس ي والمثيولوجي ا المقارنة‬
‫يؤكدان حقيقتين‪ :‬أولهما وحدة الثقافة العربية الممتدة على المساحة الجغرافية‬
‫التاريخية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق وثانيتهما أسبقيتها وتأثيرها على كل‬
‫التطورات الحضارية العالمية التالية‪ .‬وربما كان ذكر بعض المفردات اليونانية‬
‫ذات الجذور العربية الواضحة مفيدا لتقدير المنهج اللغوي المقارن‪ -‬الذي اتبعه‬
‫مارتن برنال في كتابه المذكور أعله‪ .‬من ذلك كلمة "قدس" "‪"Qds‬العربية ومعناها‬
‫المقدس ولها ما يقابلها في اليونانية لفظا ومعنى "‪ ” Kudos‬وتستخدم مع جملة‬
‫كلمات أخرى بالدللة نفسها وهل نذكر بالمفردة السابقة "قنا" أما كلمة "قسّم"‬
‫العربية فهي جذر اليونانية “‪ ” Kosm‬وبالمعنى نفس ه وجذر ما اشتق منها في‬
‫اللغات الوروبية المعاصرة مثل "كوزمورس" و"كوزمتك" ونجد في اليونانية‬
‫اللفظتين العربيتين ‪ :‬سمة وسيماء وبدللتهما العربية نفسها ( ‪ )SEM‬و ( ‪)SEMA‬‬
‫وأيضا ذاك ودال العربيتان فهما في اليونانية ( ‪ )Deil‬بمعنى خضع وللفظة "سامي"‬
‫العربية وجود واضح في اليونانية بأشكال متعددة ولها بالمعنى نفسه أي المرتفع‬
‫والمنيف والعالي‪ ،‬فهناك "من موس"و "ساموثراس"‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫وإذا إلتفتنا إلى البجدية اليونانية القديمة بخاصة‪ ،‬فسنلحظ أنها كانت تكتب‬
‫من اليمين إلى اليسار أولً‪ ،‬وأن عددا كبيرا من حروفها يكاد يكون منقولً نقلً‬
‫حرفيا عن البجدية الكنعانية والخط المسند اليماني وبالقيم الصوتية نفسها إلّ ما‬
‫اقتضاه تحول (العين) إلى (واو) في اليونانية أو(الهاء) إلى (خاء) مثلً(‪.)22‬‬
‫نستنتج من ذلك أن اللغة كفعل سيرورة‪ ،‬منظومة تطورية وأن ما نقرأه من‬
‫لغا ت بُنيّا ت للغ ة العربي ة كالمصري ة والكنعاني ة والكدي ة والرامي ة والمسندية‬
‫وغيرها ليست إلّ لهجات تطورية‪ ،‬أي مراحل تطورية زمنية مرت بها اللغة‬
‫العربية قبل وصولها إلى ما هي عليه الن‪ ،‬والمثلة المطروحة عن تأثير اللغة‬
‫‪- 102 -‬‬

‫العربية باليونانية (وسنأتي على أمثلة لحقة‪ ،‬وعلى التأثير العروبي الميثولوجي‬
‫والديني واللغوي في حينه) ليس إلّ برهانا على أن اللغة العربية لم تكن مجرد‬
‫النص اللغوي القريشي الذي عُمم مع الرسالة المحمدية العظيمة‪ ،‬بل كان ذا‬
‫استنادٍ تاريخي عميق وعريق يمتد إلى ما قبل الحضارات الجليلة‪ ،‬وما أسميته‬
‫الصعود العربي الثاني‪ .‬وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى البحث والتنقيب قبل‬
‫وجود المكتشفات الثرية الحالية‪ ،‬ليس فقط عن الجذور العروبية للهجة المصرية‬
‫أو المازيغية وغيرها‪ -‬بل لبعض اللغات الفريقية أيضا‪ .‬فأحمد كمال مثلً يرى‬
‫أن اللغة المصرية ليست الوحيدة ذات الصل العربي‪ ،‬بل والفريقية أيضا ذات‬
‫أصل عربي(‪ )23‬وهو يرى أن اللهجة المصرية ما هي إلّ لغة قبائل العناء التي‬
‫سكنت مصر وما جاورها من القاليم‪ ،‬وهي أصل اللغة العربية بل مراء" وفي‬
‫مقالة له بعنوان "بحث لغوي" نشرها في مجلة المقتطف يقول‪" :‬ظهر من نقوش‬
‫قديمة محفورة على جدران معبد الدير البحري في طيبة الغربية وإزاء القصر‬
‫من الغرب أن المصريين القدماء أرادوا تخليد ذكر أهلهم‪ ،‬فأثبتوه بالحفر على‬
‫آثارهم قائلين إن أجدادهم يُدعون (العناء) جمع عنو أي أنهم من قبائل شتى‬
‫اجتمعوا في وادي النيل وأقاموا مدنا كثيرة" (‪ )24‬و أرجع أحمد كمال كل كلمات‬
‫"اللغة" المصرية القديمة إلى اللغة العربية‪ ،‬وقال "المصري" والعربي يرجعان إلى‬
‫أصل واحد ولغة واحدة (‪ ) 25‬وقد أشار إلى ذلك جبرضومط في كتابه "اللغة‬
‫العربية" فقال‪" :‬لقد أظهر لنا أحمد كمال التحاد بين اللغة العربية ‪/‬الحديثة‪ /‬واللغة‬
‫المصرية القديمة‪ ،‬وألف قاموسا كبيرا أورد فيه ألوفا من الكلمات الهيروغليفية‬
‫الموافقة للغة العربية المعاصرة‪ ،‬إما موافقة تامة أو موافقة بضرب من التحريف‬
‫أو القلب والبدال المعهود مثله في اللغتين‪ ،‬وقال‪ :‬إن أحمد كمال يرى أن العربية‬
‫أص ل اللغ ة المصري ة القديم ة المدوّن ة بالقل م الهيروغليف ي وم ن لواز م هذ ا أن‬
‫أصحاب المدينة كانوا من العرب(‪)26‬‬
‫والمعرو ف أ ن أحم د كما ل (‪ ) 1923-1849( )27‬أو ل عرب ي تعش ق تاريخ‬
‫مصر الفرعونية وجعل حياته وقفا عليه‪ ،‬ومضى يبحث فيه بهمةٍ منقطعة النظير‬
‫خصوصا أن ه كا ن يجي د معرف ة اللغات ‪ :‬العربي ة والفرنسي ة والهيروغليفية‬
‫والنكليزية واللمانية والتركية‪ ...‬وقد صنف معجما فريدا يقع في ( ‪ ) 22‬مجلدا‬
‫قضى في تأليفه قرابة ربع قرن وما زال محظوظا لدى نجله محرم كمال ( ‪)28‬‬
‫وجملة رأيه فيه‪:‬‬
‫"إن أغلب اللغة التي استخدمها قدماء المصريين عربية الصل لفظا ومعنىً‪،‬‬
‫‪- 103 -‬‬

‫فضلً ع ن أنه ا شبيه ة بالعربي ة المعهود ة ال ن الت ي نتكلمه ا اليوم ‪ ،‬وإ ن لغة‬
‫المصريين القدماء هي ولغة جزيرة العرب تتشاكلن وتتداخلن‪ ،‬ول تختلف‬
‫إحداهما عن الخرى إلّ بالمارات وبعض المترادفات‪ ،‬فهما لهجتان في لغةٍ‬
‫واحدةٍ(‪.)29‬‬
‫اللغ ة العربي ة ه ي إذ ن القاس م الناس ي المعرف ي المشتر ك الذ ي يتشعب‬
‫بخيوطه وخطوطه وحوامله التي تستند عليها الذاكرة الجمعية العروبية باعتبارها‬
‫التكوين المعرفي للتاريخ الجماعي الكتلي المعيش‪ ،‬من حيث قدرة اللغة على‬
‫الحتفاظ بالبني ة المعرفية للكائن (جماع ة أو فردا) ونقلها إلى السوية التالية‪.‬‬
‫ويستند على تلك الحوامل أيضا المخيال الجتماعي‪ ،‬من حيث قدرتها على حمل‬
‫البنية الثقافية بمكوّناتها المتعددة وتداخلها في أرومة المنظومة الثقافية بشبكاتها‬
‫العديدة‪.‬‬
‫أما من حيث ارتباطها بالفكر والواقع فهي تلعب دورا مهما في صياغة‬
‫البنية السيكيولوجية الجمعية‪ ،‬ليس من حيث علقتها المذكورة أعله بالمخيال‬
‫والذاكرة الجمعيين فقط‪ ،‬بل‪ ،‬من خلل دورها الجتماعي والتوحيدي تربويا بما‬
‫يحقق عملية التفاعل النشيط والتصال العقلني بين أفراد الجماعة باتجاه تأطير‬
‫السلوكية الجمعية وتعميق التصال والشعور الوجداني والفكري‪ ،‬بما يعنيه ذلك‬
‫من تداخل عناصر التأصيل التراثية مع الن المعرفي المعيش والطموح البعدي‬
‫بما يحقق أفضل الدوات للتعامل مع الواقع المحيط (بيئيا واجتماعيا) بما يعنيه‬
‫ذلك من قدرة خاصة للغة على التطور واستنباط المفردات بما يحقق المقاربة‬
‫والمعالجة العقلنية للعالم المحيط‪.‬‬
‫لذلك ‪ ،‬ل م يك ن التقاط ع المحور ي ف ي اللهجا ت التطوري ة العروبي ة والتي‬
‫صبت في اللغة العربية المعاصرة‪ ،‬مسألة قوننة واشتراطٍ اجتماعي محدد ببنى‬
‫فوقية‪ ،‬بل كان الناتج الطبيعي لستناد تلك اللهجات على عمود فقري واحد‪ ،‬ل‬
‫بالمعنى اللساني فقط‪ ،‬بل بكل المعاني الناسية المعرفية التي نحاول مناقشتها في‬
‫مشروعنا هذا‪.‬وبالتالي فإن القرابة بين اللهجات العروبية في تطورها‪ ،‬هي أحد‬
‫المعاني الساسية للوحدة الناسية المعرفية (وبالتالي الثقافية) للمة العربية فكلها‬
‫تشترك بالضافة إلى معجم المفردات والمعاني المشترك بنسبة كبيرة بما يلي‪:‬‬
‫أولً ‪ :‬إن أصول كلماتها ثلثية‪.‬‬
‫ثانياً ‪:‬ـ ـطريقةـ ـاشتقاقـ ـصيغـ ـجديدةـ ـللكلمةـ ـالواحدةـ ـتتمـ ـفيها‬
‫بواسطة تغيير الصوت الصائت في أصل الكلمات الدالة‬
‫‪- 104 -‬‬

‫على الفعل‪ ،‬حيث يتألف أصل الكلمات الدالة على الفعل‬
‫فيها من أصوات صامتة‪.‬‬
‫ً‬
‫ثالثا ‪ :‬تشابه الضمائر المتصلة‪.‬‬
‫رابعاً‪ :‬الفعل المتعدي يكون بتشديد عين الفعل‪.‬‬
‫خامساً ‪ :‬وجود الحروف الحلقية كالهمزة والعين وغيرها‪ ،‬وذلك‬
‫حسب مرحلة تطور اللهجة في سياق التطور العام للغة‬
‫العربية‪.‬‬
‫ً‬
‫سادسا ‪ :‬التشابه في تسميات أعضاء البدن (الجسم)‬
‫سابعا ًـ‪ :‬ـالتطابقـ ـفيـ ـتسمياتـ ـالدولةـ ـالحضاريةـ ـوالثقافية‬
‫الميثولوجية وغيرها‪ ،‬حسب سياقها التاريخي‪ .‬ولقد أضاف‬
‫الدكتورـ ـعبدـ ـالعزيزـ ـصالحـ ـجديدا ًـ فيـ ـتأكيدـ ـقرابةـ ـاللغة‬
‫المصرية القديمة واللغة العربية‪ ،‬فكشف الغطاء عن عدد‬
‫كبير من اللفاظ المصرية ل ـتزال حية في صميم اللغة‬
‫العربية الفصحى‪ ،‬وكذلك العلقة الوثيقة من حيث تركيب‬
‫اللغةـ ـكوجودـ ـالعينـ ـبينـ ـحروفهاـ ـوالمصدرـ ـالثلثيـ ـبين‬
‫أفعالهاـ ـوالفعلـ ـالمعتلـ ـالخرـ ـووجودـ ـالفعلـ ـقبلـ ـالفاعل‬
‫وارتباطـ ـالصفةـ ـبالموصوفـ ـواستعمالـ ـتاءـ ـالتأنيثـ ـوياء‬
‫النسبةـ ـواستخدامـ ـكافـ ـالمخاطبـ ـوميمـ ـالمكانـ ـونون‬
‫الجمع(‪.)30‬‬
‫وكان العالم اللغوي والمؤرخ العروبي أحمد زكي الملقب "شيخ العروبة" (‬
‫‪ ) 1934-1866‬قد نشر في المقطم‪ 13-‬اكتوب ر ‪ 1929‬بحثا تحت عنوان "الفراعنة‬
‫عرب عرباء" قال فيه بأن الفراعنة عرب وفدوا من شمال الحجاز ونجد وبادية‬
‫الشام‪ ،‬ومن اليمن‪ ...‬وأيده في ذلك نقول حداد معتمدا على المؤرخ النكليزي‬
‫"روبنسون" الذي يرى أن العرب دخلوا مصر ثلث مرات‪:‬‬
‫الولى‪- :‬قديماً‪ -‬قبل اللف الثالث قبل الميلد‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬هجرات العمالقة‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬بعد الفتح العربي السلمي(‪)31‬‬
‫لذل ك تتأك د السم ة الجتماعي ة الوحدوي ة للغة ‪ ،‬فالعناص ر الربع ة عشر‬
‫المشترك ة بي ن اللهجا ت العروبي ة تكش ف ع ن أن منظوم ة الرتبا ط بي ن اللغة‬
‫والمجتمع كانت مشتركة‪ .‬بمعنى آخر‪ ،‬كان المجتمع ذا بنية أناسية معرفية واحدة‬
‫بتركيبها الداخلي والخارجي وبالتالي كانت اللهجات في سيرورتها التطورية ذات‬
‫قياسات احداثياتيه مشتركة‪ ،‬مما عنى في جوانب عديدة قدرة اللهجات العروبية‬
‫على التطور والتعامل المبدع الفعال مع كل عناصر العالمين الداخلي والخارجي‬
‫للغة ‪ .‬فنم ط النتاج ‪ ،‬وآلياته ‪ ،‬ومظاه ر البن ى المجتمعي ة متطور ة متصاعدة‪،‬‬
‫‪- 105 -‬‬

‫وبالتالي تتطور سوية الخبرات والمعارف ومظاهر العلقات الجتماعية والداب‬
‫ونماذج البداع النساني‪ -‬القومي‪ ،‬تماما كما تتطور المفرادات الدالة على تلك‬
‫الحيثيا ت الواقعية التي تشير في منظوماتها الدللية إلى جملة من المعطيات‬
‫الحضارية والجتماعية والثقافية والنفسية‪ ،‬وكامل البناء الناسي المعرفي ببنيته‬
‫التطورية‪ ،‬والتي تؤدي بمجملها إلى تطور لغوي‪ ،‬فتموت ألفاظ وتحيا أو تُبعث‬
‫أخرى‪ ،‬وتظهر كمفردات لغوية جديدة‪ ...‬دللة واشتقاقا‪ .‬فالسباب الحضارية‬
‫وبسبب التصال الثقافي والعلمي بالخرين‪ ،‬أو بسبب التطور الذاتي للمجتمع‬
‫ماديا وعلميا وفكريا‪ ،‬تفضي إلى استحدا ث مفردات جديدة تتناول المتغيرات‬
‫الحاصلة في أساليب العمل وأدوات النتاج والعلقات النتاجية‪ ،‬مثلما تتناول‬
‫المفاهي م الفكري ة والعلمي ة والتقنية " (‪ ) 32‬أم ا السبا ب النفسي ة فترتب ط بطبيعة‬
‫التغيرا ت الحاصل ة ف ي أنسا ق البن ى الفوقي ة م ن أخلقي ة وجمالي ة وحقوقية‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫أما السباب الداخلية فهي المتعلقة بقوانين التطور الدللي اللغوي‪ ،‬والتي‬
‫يمكن إجمالها في تقسيم منطقي يتحدد في التخصيص‪ ،‬والتعميم‪ ،‬وانتقال الدللة‪.‬‬
‫فالتخصي ص يقص ر المعن ى العا م عل ى بع ض الستعمال ت كالح ج وهو‬
‫القصد‪ ،‬وخصص لمعنى الفريضة الدينية والكفر‪ ،‬ومعناه الستر وخصصّ بانكار‬
‫الدين‪.‬‬
‫أما التعميم فيكون بتوسع المعنى ونقله من الخاص إلى العام كالوِرد وأصله‬
‫اتيان الماء فجرى استعماله لتيان كل شيء‪.‬‬
‫وكذلك المجاورة والمشابهة التي تسبب انتقالً من دللة إلى أخرى وبطرق‬
‫أبرزها الستعارة والمجاز المرسل‪ ،‬والذي يكون عبر مجالين‪ ،‬أولً من الحسي‬
‫إلى الذهني المجرد‪ ،‬وثانيا عبر المحسوسا ت المختلفة عن طريق التعميم أو‬
‫التخصيص والنتقال من مجال إلى آخر‪.‬‬
‫وفي هذا المجال نلحظ أن التطور الدللي من الحسي إلى الذهني‪ ،‬ل يلغي‬
‫الصل الحسي بل قد تتعايش المعاني الحسية والذهنية ويبقى للستعمال فضل‬
‫إشاعة أحدهما على حساب الخر في زمن معين(‪.)33‬‬
‫مؤد ى هذ ا أ ن اللغة وعا ء اجتماعي وحضاري ‪ ،‬يستوعب الحراك‬
‫الجتماع ي بكاف ة مستويات ه ودللت ه وتضمينات ه القومي ة والطبقية ‪ ،‬والفكرية‬
‫‪- 106 -‬‬

‫والعلمية‪ ،‬المتقدمة والمتخلفة وأهدافه السوية والمرضية وفق قانون معياري يمكن‬
‫رصده ‪ .‬وإ ن كا ن يعم ل بآلي ة عفوية ‪ ،‬مرةً كنتيج ة لوجو د المطالي ب المادية‬
‫المباشرة‪ ،‬ومرةً كنتيجة لطلب التوافق بين الفرد وبيئته الطبيعية والجتماعية‬
‫ولكن في إطار الثقافة السائدة‪ ،‬وخاصة في المعاني المجردة المعبرة عن العالم‬
‫الذهن ي للنسا ن ومستو ى تطوره ا الدلل ي ع ن الحال ت الشعورية ‪ ،‬النفسية‬
‫والوجدانية(‪)34‬‬
‫واللغ ة العربي ة ق د أثبت ت التصاقه ا مفردا ت ومعان ي بالبيئ ة الجتماعية‬
‫والحضاري ة العربي ة ذا ت السما ت النساني ة والقيم ة الوجدانية ‪ ،‬المعبر ة عن‬
‫النسجامي ة بين الذا ت والحيا ة ف ي عال م مادي طبيعي مفتوح عل ى الصحراء‬
‫والسماء(‪ ،)35‬عبر أنواع الدللت اللغوية الثلث ‪-‬الحقيقية والمجازية والثقافية‪-‬‬
‫وهي التي تظهر جلية في لغة العلم‪ ،‬ولغة الدب سواء في الشعر أم في النثر‪.‬‬
‫وهو المر الذي كانت به اللغة العربية وفي كل مراحلها تحمل وجها فكريا‬
‫ل بالفصاحة والبلغة والغنائية والتي ل تعني‬
‫ووجها عاطفيا للنسان العربي متمث ً‬
‫التعبير فحسب بل تعني التعبير المحكم الدقيق والشاعري أيضا‪.)36(.‬‬
‫وذلك لم يعن اللغة العربية (بصيغتها المعاصرة) فقط بل يعني لهجاتها‬
‫ومراحل تطورها بما تعنيه من استمرارية للسيرورة التاريخية للغة العربية عبر‬
‫مراحل نموها من الشفوية إلى الكتابية (المسمارية والهيروغليفية ثم اللفبائية)‪/‬‬
‫وبنمطيها الكتابة المقطعية والكلماتية‪.‬‬
‫ورغم أن الجسد الشاقولي والفقي للغة العربية هو واحد متكامل متماسك‪،‬‬
‫ل أننا درجنا على استعمال التقسيمات الحضارية الجغرافية لعاملين‪:‬‬
‫إّ‬
‫الول‪ :‬تناولنا للفكر الستشراقي المؤدلج كحقيقة مطلقة بالوقت الذي كان يسعى‬
‫فيه هذا الفكر لتقسيم انتماءاتنا الجغرافية واللغوية والتاريخية والحضارية‬
‫ح مختلفة بل ومتناقضة أحيانا‪.‬‬
‫إلى جذور ومنا ٍ‬
‫الثاني‪ :‬أن المكتشفات الثرية والدراسات الناسية المعرفية بفروعها المتعددة لهذه‬
‫المكتشفات تمت بمراحل زمنية متباعدة نسبيا‪.‬‬
‫والعاملن مترابطان مع جملة ظروف ذاتية وموضوعية ليست في مقام‬
‫بحثنا الن‪.‬‬
‫وأقصد بالجسد الشاقولي للغة‪ ،‬تطورها في السياق التاريخي‪ ،‬أما بالجسد‬
‫‪- 107 -‬‬

‫الفق ي فأقص د ب ه الرقع ة الجغرافي ة التي انتشر ت فيها اللغ ة المقصود ة وبنت‬
‫عمارته ا الشاقولية ‪ ،‬أ ي السيا ق الجغراف ي (الديموجغرافي ) ونظرا لواق ع اللغة‬
‫العربية وتاريخيتها الجغرافية‪ ،‬وجغرافيتها التاريخية المميزتين فإنّ التسمية هنا‬
‫تتداخل‪ ،‬بحيث نرمز للبعد الشاقولي أحيانا بتسمية ذات جذور جغرافية مكانية أو‬
‫ديموغرافية خالصة خصوصا أن اللهجات المصنفة حسب جذرها الجغرافي أو‬
‫الديموغرافي متداخلة ومتقاطعة لدرجة ل يمكن تمييز لهجة عروبية عن أخرى‪.‬‬
‫كما أن الكثير من المظاهر الحضارية التي أطلقت عليها تسميات جغرافية أو‬
‫ديموغرافي ة تبن ت لهجا ت عروبي ة لحضارا ت عروبي ة أخرى‪ ،‬بحي ث يستحيل‬
‫التمييز بين بنية أناسية معرفية (ضمنا لغوية) لواحدة عن أخرى‪ :‬أما ما يخص‬
‫التراتبية الفقية فيمكن تمييز المجموعات التالية للهجات العروبية‪:‬‬
‫‪-1‬المجموعة الجزيرية‪ :‬وفروعها‪ ،‬العربية الجنوبية والحميرية‪.‬‬
‫‪-2‬المجموعةـ السورية‪ :‬ـوفروعهاـ اليبلويةـ ـوالكنعانيةـ ـوالفينيقية‬
‫والبونية (القرطاجوية)‬
‫‪-3‬المجموعة الثالثة‪ :‬وفروعها الفرعونية القديمة والقبطية‪.‬‬
‫‪-4‬المجموعةـ ـالرابعة‪:‬ـ ـوفروعهاـ ـالعروبيةـ ـالماقبلـ ـسومرية‪،‬‬
‫السومرية‪ ،‬الكادية بفرعيها البابلي والشوري‪.‬‬
‫‪-5‬المجموعةـ ـالرامية‪:‬ـ ـوفروعهاـ ـالسريانيةـ ـوالراميةـ ـالغربية‬
‫(السورية الرافدية)‪.‬‬
‫‪-6‬المجموعة الليبية‪ :‬وفروعها الليبية والقديمة والبربرية‪.‬‬
‫‪-7‬المجموعةـ ـالشمالـ ـإفريقية‪:‬ـ ـوفروعهاـ ـالمازيغيةـ ـوالليبية‬
‫القديمة والكنعانية والبربرية‪.‬‬
‫‪-8‬المجموعة الحبشية‪ :‬وفروعها المهرية والجمزية‪.‬‬
‫‪-9‬المجموعة الكوشية‪ :‬وفروعها الجال والصومالية والبجا‪.‬‬
‫وإذ درسنا حركة الكنعانيين بشكل مفصل في الفصل الول وأثبتنا حراك‬
‫جولته م م ن المنطق ة الجنوبي ة اليماني ة لشب ه الجزير ة العربي ة باتجا ه الساحل‬
‫الشامي فالساحل العربي الفريقي‪ ،‬كنموذج بين لما يمكن أن يكون عليه هذا‬
‫التقسيم‪ ،‬نكشف كم هو اشتراطي هذا التقسيم فهو ل يعني إطلقا أي امتداد‬
‫جغرافي محدد‪ ،‬فقط يكون ذا جذور ديموغرافية لكنعانيين مثلً‪ .‬أو ذا تسمية‬
‫مكانية جغرافية كاليبلوية والشورية أو البابلية‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬يمكن وض ع التصني ف العمود ي (الشاقولي) عب ر التسلس ل التاريخ‬
‫الممكن بما يعنيه ذلك أيضا‪ ،‬من اشتراط محدد‪ .‬فعندما نقول المجموعة الكنعانية‬
‫‪- 108 -‬‬

‫(الفينيقية مثلً) فمن المعروف أن الكنعانيين تواجدوا قبل اللف الرابع قبل الميلد‬
‫في الجنو ب اليماني من شبه الجزيرة العربية وقبل الل ف الثالث في منطقة‬
‫الخليج العربية وفي اللف الثاني والثالث في بلد الشام والساحل السوري‪ ،‬ومع‬
‫نهاية اللف الثاني وبداية اللف الول امتدوا على الساحل الفريقي العربي (بل‬
‫والوروبي كاملً) مما يعني أن القراءة التأريخية لن تعطي نتائج أفضل‪ .‬من هنا‬
‫كانت مقاربتنا للمنظومة الناسية المعرفية من جهة التاريخية الناسية اللغوية‬
‫المعرفية تعني بنية الزمن الناسي المعرفي‪.‬‬
‫وع ن الحركي ة التاريخي ة الجغرافي ة تحدثن ا باسها ب ع ن بدايا ت النسان‬
‫العاقل الحديث في المشرق العربي وقبل ظهوره في مناطق أخرى بما يزيد عن‬
‫‪ 60.000‬عام أعقبه وجود إنساني أكثر تحضرا مع نهاية اللف العاشر حيث‬
‫انتشرت الحضارة النطوفية والسبيلية والصفاقصية على امتداد الوطن العربي‬
‫وصولً إلى العصر الحجري الحديث مع نهاية اللف الخامس قبل الميلد حيث‬
‫تم اكتشاف تل حلف في سورية وتل العبيد في جنوب العراق‪ .‬وفي تل جمدة‬
‫نصر تم الكشف عن ظهور أول كتابة وذلك عام ‪ 1928‬وتعود إلى نهاية اللف‬
‫الرابع قبل الميلد ب ‪ 3200‬سنة وهي أقدم بداية للتاريخ‪ .‬وتداخلت في جنوب‬
‫الرافدين الحضارة السومرية ومركزها أور مع حضارة عروبية قديمة أيضا‬
‫وحلت محلها‪ ،‬ثم تداخلت السومرية مع حضارة عروبية أخرى هي الكادية‬
‫وظهرت إلى شمالها حضارة آشورية أولى مركزها نينوى ثم ظهرت في بلد‬
‫الشا م حضار ة عموري ة مركزه ا مار ي ه ي امتدا د للكادي ة باتجا ه البحر ‪ ،‬ثم‬
‫انكفأت هذه الحضارة لتظهر في بابل الولى‪ ،‬ثم ظهرت حضارات بداية اللف‬
‫الثالث قبل الميلد وحتى الثلث الول من اللف الثاني ظهرت حضارة الوصل‬
‫الهامة بين تشعبات تلك الحضارات أل وهي حضارة إيبل (عبلة) وفي بلد النيل‬
‫ظهرت حضارة موازية لحضارة الرافدين بدأت معها بنفس الزمن التأريخي‬
‫وتطورت ضمن حدود أسرات فرعونية تعاقبت بعد أن وحدت وجهي وادي‬
‫النيل ‪ ،‬يوازيهم ا امتدا د متواز ن ومتزام ن عل ى سواح ل شب ه الجزير ة العربية‬
‫وسواحل الصومال والحبشة‪ ،‬وامتداد السواحل الفريقية على الشاطئ العربي من‬
‫البحر البيض المتوسط وكان أهم ما قدمته سومر للبشرية هو اختراع الكتابة‬
‫المسمارية‪ ،‬وأقدم نصوص سومرية مكتوبة تم العثور عليها يعود إلى حوالي‬
‫‪3000‬ق‪.‬م وإن ساد العتقاد ببدايتها‪ -‬في شكلها المبدئي‪ -‬قبل ذلك بخمسة قرون (‬
‫‪ ) 37‬وتحتوي اللهجة السومرية على (‪ ) 15‬صوتا‪ ،‬وهي تجميعية‪ ،‬حيث تلصق‬
‫الكلمات سويا لتكوين كلمة مركبة ذات معنى مركب‪ .‬وهي تتكون من مقاطع‬
‫‪- 109 -‬‬

‫صوتية وليس من حروف‪ ،‬فيقوم الكاتب بالتعبير عن أفكاره عن طريق اختيار‬
‫شكل العلقات التي يستخدمها‪ ،‬من حيث دللتها الصوتية والتركيبية اللغوية التي‬
‫تصاغ بها‪ .‬وبها كلمات عربية ترجع إلى القوام الولى قبل ظهور الحضارة‬
‫السومرية (‪ .)38‬وهذا يعني أنها تشكل المرحلة النتقالية الولى من الشفوية إلى‬
‫الكتابية‪ .‬لن "أسس الحضارة المادية قد وضعت في عصر ما قبل التاريخ وحتى‬
‫يستطيع النسان النتفاع من هذه البتكارات كان عليه إيجاد الوسيلة المحققة‬
‫لذلك‪ .‬فكانت الكتابة التي بواسطتها تنتقل الفكار بين الناس ومن جيل إلى جيل‪،‬‬
‫وكم ا عبر النسان عن أفكاره بالصورة‪ ،‬عبّر بداية عن الكلمة التي ينطقها‬
‫بالصورة‪ ،‬ثم حول الصورة إلى رمز لكلمة‪ .‬وما لبث أن أخضع الرموز لنظام‬
‫محدد فجردها عن الكلمة وأعطاها صوتا أو لفظا محددا‪ ،‬من إضافته إلى بعضه‬
‫يتركب الكلم أو الكلم الذي بواسطته يلبي حاجاته إلى التدوين والتسجيل"( ‪)39‬‬
‫فمع أن السومريين ومن سبقهم من أقوام عروبية هم الذين اخترعوا هذه اللغة"(‬
‫‪ ) 40‬إلّ أن غالبية النصوص التي تفسرّ طريقة النطق بها ترجع إلى الكاديين‬
‫الذين خلفوهم‪ .‬واستخدمت الكتابة المسمارية بعد ذلك لتدوين اللهجات الكادية‬
‫والبابلية والشورية حتى ابتكار البجدية الفينيقية‪.‬‬
‫وبالتوازي مع المسمارية ظهرت الهيروغليفية في وادي النيل وقد عثرت‬
‫البعثة اللمانية عا م ‪ 1993‬على نماذج منها في إحدى المقابر بمنطقة أبيدوس‬
‫بصعيد مصر تعد أقدم من لوحة نارمر بمئة عام على القل‪ -‬وأعلن الدكتور‬
‫جنتر الذي أشرف على أعمال الحفر أن حدود التاريخ العربي في وادي النيل‬
‫تقدمت لتصبح ‪ 3200‬قبل الميلد‪ ،‬وتقع هذه المقبرة على حافة وادي النيل غربي‬
‫مدين ة البلين ا ف ي محافظ ة سوها ج ف ي صعي د مصر ‪ ،‬وعث ر فيه ا عل ى بعض‬
‫الكتابات الهيروغليفية مكتوبة بالحبر السود على الواني الفخارية‪ .‬ومعنى هذا‬
‫أ ن أقد م النصو ص الهيروغليفي ة الت ي ت م العثو ر عليه ا يسب ق أقد م النصوص‬
‫المسماري ة المكتشف ة حت ى ال ن بمئت ي عا م (‪ ) 41‬وق د أطل ق المصريو ن اسم‬
‫"تُدونتر" أو"مداد نطر" أي الكلم المقدس‪ ،‬مداد‪ :‬كلم‪ ،‬حبر‪ ،‬و"نطر"‪ :‬مقدس‪.‬‬
‫وما ذنبنا نحن العرب‪ ،‬أو ذنب لغتنا إذا كانت لغات المستشرقين ل تحتوي‬
‫على حروف‪ :‬ح‪ ،‬ض‪ ،‬ط‪ ،‬ظ‪ ،‬ذ‪ ،‬ح‪ ،‬ع‪ ،‬الهمزة‪ ...‬ليعود إلينا "نطر" بعد أن‬
‫يتحول في عقولهم "نتر" و"حينما في العلى" والتي كتبت هكذا أصلً" أينما ايلي‬
‫ش "فلن لغات المستشرقين ل تحتوي حرف "ح" يترجمون "حينما" إلى ‪Inama‬‬
‫وتعود إلينا إينما‪ ،‬ويترجمون نطر إلى "نتر" ‪ Ntr‬فتموت ال "ط" لتقف بدلً منها‬
‫‪- 110 -‬‬

‫ال "ت" وبسبب عدم وجود حرف "ع" في لغاتهم يترجمون أعلى إل ى ‪Ili‬وتعود‬
‫إلينا إيلي‪ ،‬وبسبب عدم وجود "ض" يترجمون أرض إلى ‪ Ard‬وتعود إلينا مشوّهة‬
‫"أرد" ولن لغاتهم ل تحتوي على "ح" و"ص" يترجمون حمص إلى "إيميس" ‪Emis‬‬
‫فتعو د إلين ا إيميس ‪ ،‬وحما ة تصبح ‪ Emat‬إيما ت و"دمشق " ديماشكي ‪Dimashki‬‬
‫ونتلقفها غريبة عن لغتنا‪ ،‬لننا نتناول ما يعطوننا إياه كمقدس غير قابل للنقاش‬
‫أول‪ ،‬ولننا لم نهيء الكوادر العلمية التي تعرف لغتنا العربية حق المعرفة عبر‬
‫تطوره ا التاريخ ي والمثل ة عل ى ذل ك كثير ة جدا وسنأت ي عل ى نماذ ج مماثلة‬
‫لحقة‪ ،‬لكني فوجئت ومنذ سنوات عندما قرأت‪" :‬إينوما إيلي شي" وترجمتها‬
‫للعربية تعني "حينما في العلى" وقلت في ذهني‪ ،‬ولماذا يكتبون "وترجمتها إلى‬
‫العربية"‪ ،‬أليست العبارة بحد ذاتها عربية فصحى خالصة يفهمها أي عربي أينما‬
‫كان شريطة إعادة الحروف المشوهة على أيدٍ جاهلة بلغتنا أو قاصدة تشويهها‬
‫إلى وضعها السليم‪!!!!/‬‬
‫وبالعود ة إل ى المصري ة القديم ة وعلقته ا باللغ ة الثنوغرافي ة والتأسيس‬
‫الناسي نلحظ انعكاس المتداد التاريخي الجغرافي على البنية اللغوية‪ ،‬فالتأسيس‬
‫الثنوأناسي المعرفي‪ ،‬بما يعنيه من وجود امتداد َقبْليّ يعطي سماته الخاصة‬
‫للمتداد التاريخي كما نلحظ ذلك في إحدى أساطير الخلق المصرية؛ بحيث‬
‫تقو ل هذه السطورة‪ :‬إن إله الشم س (رع) بكى‪ ،‬فخلق الجن س البشري من‬
‫دموعه المتساقطة‪ ،‬وكان البشر ينقسمون إلى أربعة أقسام‪ :‬المصريين (رمث)‬
‫والليبيين (ت م ح و) و(المو) والزنوج (ن ح س و) وسمى المصريون أنفسهم‬
‫"ر م ث" (البشر الحقيقيون) وهي تسمية تعتمد على التشابه اللفظي بين (ر م ث)‬
‫بمعنى "بشر"و "ر م ي ت" بمعنى دموع(‪.)42‬‬
‫وبسب ب أهمية التحليل اللغوي المقارن الذي انتهجه الدكتور عل ي فهمي‬
‫خشيم رئيس قسم الفلسفة في جامعة الفاتح في طرابلس‪ ،‬لهذه السطورة‪ ،‬وقراءة‬
‫البعاد التاريخية‪ -‬الجغرافية للتكوين الناسي الثنوغرافي للشعب العربي‪ ،‬كان‬
‫ل بد من إيراده ملخصا وقد نشر في مجلة الوحدة ‪-‬السنة الثالثة‪ -‬العدد ‪34-33‬‬
‫حزيران‪ -‬تموز ‪ 1987‬وضمن ملف "اللغة العربية والوحدة" يقول الدكتور خشيم‪:‬‬
‫[ تمضي دون الدخول في التفصيلت الزمنية والسطورية‪ ،‬إلى تحاليل‬
‫الكلمات التي تحتوي قصة الخلق هذه‪:‬‬
‫(‪")1‬رمث"‬

‫‪Rmt‬‬

‫بشر‪" )2( .‬رم ي ت" ‪ :Rmyt‬دمع‪.‬‬
‫‪- 111 -‬‬

‫(‪ " )3‬ت م ح و ‪ :Tmhw‬ليبيون‪")4( .‬أمو ‪ :Amw‬ما شرق مصر‪.‬‬
‫(‪")5‬ن ح س‬

‫و"‪Nhsw‬‬

‫‪:‬زنوج‪.‬‬

‫وقراءة الرمز الهيروغليفي‪ :‬على أنه يعني "ر م ث" خطأ شائع درج عليه‬
‫بعض العلماء والذي يجب أن يقرأ "ر ث" ‪.)Rt(43‬‬
‫وقد قرأ "فولكنر" الرمز (مع وجود المحدّد‪ :‬صورة إنسان) على شك ل‬
‫"ر م ث " ‪ Rmt‬رابطا بينه وبين الرمز الذي يقرأ (ر م ث ) ‪( Rmt‬ناس‪ ،‬بشر)‬
‫وكذلك الرموز التي وردت في (نصوص الهرام) المتأخرة نسبيا‪ .‬وهنا ل بد من‬
‫تدار ك الخط أ الذ ي وقع ‪ .‬فف ي النصو ص المصري ة المتقدم ة عل ى نصوص‬
‫(الهرام) توج د الكلم ة في صور ة (ر ث) بدون وجو د حر ف الميم‪ .‬فالمر‬
‫الموثوق للغاية به أن البشر يدعون "رث " ‪ Rt‬وليس "ر م ث"‪ .‬تلحظ أولً‬
‫أن"رث"‪ Rt‬تأتي بمعنى إنسان (مفرد) واحد كما تأتي بمعنى "أناسي‪ ،‬بشر" (جمع)‬
‫وفي حالة المفرد ترسم صورة رجل محّددا الفراد‪ .‬أما إذا قصد الجمع فترسم‬
‫صور ة رج ل وإمرأ ة دلل ة الجمع ‪ .‬والمثي ر للنتبا ه أن"رث " ل تلحقه ا واو‬
‫الجماعة‪ ،‬إذ ل توجد" رث و"‪ Rtw‬قط في قاموس اللهجة المصرية‪ .‬واو الجماعة‬
‫في المصرية‪ ،‬كالعربية المعاصرة تماما‪ ،‬وترد كثيرا جدا في حالة الجمع‪ ،‬فلماذا‬
‫انتفت في حالة "رث"‪Rt‬؟‬
‫انتفت ‪-‬كما يقول الدكتور الباحث علي فهمي خشيم‪ ،‬لن المقصود معنى‬
‫آخر غير الذي ترجمه العلماء بكلمات "بشر‪ ،‬ناس‪ ،‬الجنس البشري‪ ،‬ونحوها"‬
‫فالمعنى هنا شيء من قبيل‪ :‬الصل‪ ،‬الساس‪ ،‬الوّل‪ -‬في حالة إفراد‪ ،‬وقد يكون‬
‫العرق‪.‬‬
‫والمكافئ لكلمة "رث" في اللهجة المصرية كلمة "رسّ" في العربية الفصحى‬
‫المعاصرة "وقد تعاقبت الثاء المثلثة والسين‪ ،‬كما تتعاقب الن في لهجة عرب‬
‫مص ر المحدثي ن بالضبط ‪ ،‬أ و عر ب بل د الشا م فيبدلو ن الثا ء سينا فيقولون‪:‬‬
‫أساس=أثاث‪ ،‬سلسة=ثلثة‪ ،‬سُمّ=ثُمّ‪ ،‬مسلً=مثلً وغيرها فما معنى الرسّ في‬
‫العربية؟‬
‫فيقول ابن منظور‪" :‬في حديث ابن الكوع‪ :‬إن المشركين راسّونا للصلح‬
‫وابتدأونا به‪ ..‬معناه‪ :‬فاتحونا‪ ،‬من قولهم‪ :‬بلغني رسّ من خبر‪ ،‬أي أوّله‪ .‬وال ّرسّ‪:‬‬
‫س وأرسّ‪ :‬دخل وثبت"‪.‬‬
‫ابتداء الشئ‪ .‬والرسيس‪ :‬الشيء الثابت‪ .‬و"ر ّ‬
‫‪- 112 -‬‬

‫فالرسّ إذن يفيد البداية والمفتتح والولية والثبات أي "الصلية"‪ -‬الولية‬
‫والتجذّر=البداية والثبات) وهو ما قصده المصريون الول من إطلق "رث" على‬
‫أنفسهم‪.‬‬
‫وفي القرآن الكريم" وعادا وثمودا وأصحاب الرسّ وقرونا بين ذلك كثيرا "‬
‫الفرقان ‪)38/‬‬
‫س وثمودٌ"(ق‪)12/‬‬
‫ح وأصحاب ال ّر ّ‬
‫"كذّبت قبلَهم قو ُم نو ٍ‬
‫وقد اختلف علماء التفسير في هذا الرس "ما بين كونها بئرا لطائفة من ثمود‬
‫دفنوا فيها نبيهم وكونها ديارا لثمود‪ ،‬أو قرية باليمامة" ويروى أنهم كذبوا نبيهم‬
‫ورسوه في بئر أي دسوه فيها حتى مات(!)‪.‬‬
‫وهذا تفسير تخريجي لفظي محض ل يثبت‪ .‬والصوب القول بأن "أصحاب‬
‫ال ّرسّ" قوم عاصروا عادا وثمودا وليسوا من عاد وثمود بدليل ذكرهم معهم‬
‫منفصلين وإن اقتربوا بهم‪ ،‬وبدليل قوله تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) أي أزمنة‬
‫وأجيالً وأمما‪.‬‬
‫في اللهجة المصرية يسمى شعب جنوب مصر "رس ي و" ‪=Rsyw‬جنوبيون‬
‫والمفر د ( ر س ي) ‪=Rsy‬جنوب ي و"الجنوب " ( ر س) ‪ Rs‬وق د ترجم ت رس‬
‫ومشتقاتها بأنها تعني الجنوب ‪ -‬أو‪:‬الصعيد‪ ..‬بحسب ما فهمه الغربيون‪ .‬فلم ل‬
‫تكون هي "رسّ" العربية بالمعاني التي تفيدها ومنها أصحاب الرسّ أي الرسيون‬
‫(المصرية) "ر س ي و"‪Rsyw‬؟‬
‫إننا نعرف أن قوم الصعيد (الجنوب) عاصروا قوم عاد وثمود منذ زمان‬
‫وذكرهم منفصلين عن عاد وثمود يعني انفصالً مكانيا‪ ،‬بدليل اقترانهم جميعا في‬
‫اليتين (وقرونا بين ذلك كثيرا ‪-‬أي في أزمنة طويلة سحيقة)‪.‬‬
‫هذا هو التفسير الذي عرضه الدكتور الخشيم‪ ،‬ول يمتنع من أن تكون "ر‬
‫س"هي "رث" بتعاقب السين والثاء إذ من الواضح أن "رث" =المصريين= الخلق‬
‫الول ‪/‬الصلي‪ /‬كانت تطلق على أهل الجنوب في مقابل "ت م ح و ى) ‪Tmhw‬‬
‫سكان الشمال‪ .‬الجنوب إذن "رث" وهو "رسّ"‪ ...‬والمعنى واحد‪ .‬وفي النكليزية‬
‫كلم ة ‪ Race‬التي يعرفها معجم أوكسفورد الشتقاقي بأنها مجموعة أشخاص أو‬
‫حيوانات ترتبط بأصل مشترك‪ ،‬إلى جانب تعريفات قريبة من أهمها الدللة على‬
‫المة المشتركة الرومة ‪/‬العرق‪ ./‬كما أن كلمة ‪ Race‬تعني أيضا‪ :‬جذر‪ ،‬أصل‪.‬‬
‫‪- 113 -‬‬

‫ودخلت النكليزية من الفرنسية وهذه أخذتها عن الكلمة اليطالية ‪ Razza‬وجميعها‬
‫دخلتها من العربية "رس" خاصة أنها لم توجد في السنسكريتية أو غيرها مما‬
‫يسمى اللغات الرية‪.‬‬
‫وبالتأكيد أتت الكلمة من اللتينية التي تطورت في شبه الجزيرة اليطالية‬
‫لكن اللتينية كانت مسبوقة بلغة أخرى هي التروسكية‪ .‬ومنذ مائة عام كتب‬
‫العالم الميريكي برنتون مقالة خطيرة خلص فيها إلى أن التروسكيين ليبيون‬
‫هاجروا من شمال إفريقيا واستقروا في إيطاليا ونمت حضارة لهم هناك وقد عقد‬
‫فصلً ممتعا عن أسماء اللهة التروسكية والليبية القديمة وفصيلً آخر عن‬
‫الصلت اللغوية‪ .‬وفي عام ‪ 1980‬كتب الباحث الستاذ "مايكل غرانت" كتابا عن‬
‫التروسكيين وكانوا عنده ينحدرون من أصل كنعاني(‪.)45‬‬
‫وبعد أن يؤكد الباحث أن التروسكيين ولغتهم‪ ،‬ليس لهم أية علقة مع‬
‫عائل ت اللغا ت الهند و ‪-‬أوروبي ة يخل ص إل ى القول ‪" :‬لق د أعان ت هذ ه العزلة‬
‫اللغوية التروسكيين على الشعور بأنهم متميزين يكونون وحدة أو أمة منفصلة‬
‫وهي مادعوها (رسنا) ‪ Rosna‬أو "روسينا ‪ Rosnea‬وقد تفجرها اليونانيون‪" :‬رسنّا‬
‫‪.Rasenna‬‬
‫لقد قال برنتون بأنهم ليبيون وقال غرانت بأنهم كنعانيون وذلك على أساس‬
‫اللغة المقارنة‪ .‬فات الستاذين الكبيرين أن اللهجة الليبية والكنعانية مشتركتان في‬
‫كونهما لهجتين للغة واحدة هي اللغة العروبية نشأتا من مصدر واحد‪ ،‬وهذا هو‬
‫السبب في أن التروسكية كانت قاسما مشتركا بينهما‪ ،‬فهي لغة عروبية أيضا‪،‬‬
‫سوا ء جا ء أهله ا إل ى إيطالي ا م ن ليبي ا (برنتون ) أ و جاؤوه ا م ن بل د الشام‬
‫(غرانت) (‪.)46‬‬
‫لذلك كانت القائمة التي أوردها برنتون للكلمات التروسكية مقارنة بالليبية‬
‫تنطب ق تماما عل ى العربي ة بالضبط ‪ ،‬كذل ك م ا جا ء ب ه غران ت م ن مفردات‬
‫أتروسكية مقارنة بالكنعانية يتطابق مع العربية أيضا‪.‬‬
‫(ويجدر بنا هنا أن نذكر القارئ الكريم بالحراك الجولني للشعب العربي‪،‬‬
‫الذي فصّلناه في الفصل السابق)‪ ،‬خصوصا أن علماء المصريات يجيرون على‬
‫معنى كلمة "رث ن و"‪ Rtnw‬بأنها عنت في النصوص المصرية القديمة "جزءا‬
‫من بلد الشام" حسب قول"فولكنر" (ص ‪ )150‬ومعجم "بدج" (ص ‪)436‬‬
‫‪- 114 -‬‬

‫ويضيف "بدج" أن في المصرية‪" :‬ر ث ن و ح ر ت" ‪( Rtnw Hrt‬بلد الشام‬
‫العليا) و(رت ن و‪.‬ق ر ت) ‪( Rtnw Qrt‬بلد الشام السفلى) عربيتها‪" :‬ر ث ن و"‬
‫والحرة‪/‬الحرية= العليا‪.‬‬
‫وما دام المصريون فرقوا بين الشام العليا= ح ر ث" والشام السفلى ‪-‬ق ر‬
‫ت" وقبل كل منها كلمة "ر ث ن و" فل بد إذن أن تكون هذه تعني بلد الشام‬
‫كلها‪ ،‬أو على القل ساحل الشام‪ .‬وهي بصيغة الجمع "ر ث ن و" بإضافة واو‬
‫الجماعة في آخرها‪ .‬مفردها "ر ث ن"‪ .‬وهذا يعود بنا إلى ما قرره غرانت من‬
‫أن أص ل التروسكيين هو بلد الشام‪ ،‬وهم كنعانيون في نشأتهم الولى‪ ،‬ثمّ‬
‫استقروا في أرض ايطاليا وأنشاوا حضارة خاصة بهم‪ ،‬كنعانية الرومة‪ .‬ولن‬
‫نذهب في جدل طويل مع ما ذهب إليه "برنتون" من أنهم ليبيون أصلً‪ ،‬إذ ل‬
‫يمتنع أن يكونوا جاؤوا من بلد الشام واستقروا في الشمال الفريقي‪ ،‬ثم هاجروا‬
‫إلى ايطاليا‪ ،‬وطبيعي أن تبقى البنية الناسية بتعابيرها المختلفة‪ ،‬واللغوية خاصة‪،‬‬
‫متفاعلة ومتطورة بين ثابت أصيل ومتطور ديناميكي مبدع‪ .‬وهذا يدفعنا إلى‬
‫قراءة الربط بين "رث" (بشر) و"رم ي ت" (دمع) فكان أن كتبت الولى أحيانا‬
‫(رم ث) وقرئت كذلك‪ ،‬ليحدث الجناس اللفظي بين الكلمتين وهو ما أغرم به‬
‫المصريون القدمون نتيجة الفكرة السطورية في الخلق من دموع (رع) حين‬
‫بكى حزنا على مصير العالم‪ .‬وقد تكون "رث" أيضا تعني بكى هي الخرى في‬
‫الصل وهنا نرجع إلى الجذر في العروبية "رثا"‪:‬‬
‫"رثى فلنٌ فلنا يرثيه رثيا إذا بكاه بعد موته‪ ..‬ورثوت الميت أيضا إذا‬
‫بكيته وعددت محاسنه وكذلك إذا نظمت به شعرا [لسان العرب]‪.‬‬
‫ومنها الرثان‪ :‬المطر غير المتتابع‪ ،‬المتقطع (كالدمع)‪.‬‬
‫وأرض مرثّنة ومرثّمة ومرثونة أصابها رثان ورثام (لحظ العلقة بين‬
‫(رثم) و(رمث) وفي بعض النصوص المصرية وردت "رث" ‪ Rt‬بدلً من "رث"‬
‫‪ Rt‬والمعاني ذاتها وقد قام "بدج" بمقارنة الكلمتين السابقتين مع القبطية "رمى"‬
‫‪( Rome‬ص ‪ ) 423-4‬الجذ ر "رم " ‪ Rm‬ومنه ‪" :‬رم " و"‪ Rmw‬ناس‪ ،‬بشر‪ ،‬الجنس‬
‫البشري و"رم"‪ Rm‬يبكي‪ ،‬ينتحب و"ر م ي" "‪ :Rmy‬يبكي و"رم ث" و"ر م ي ث"‪:‬‬
‫دموع‪.‬‬
‫فماذا نجد في العربية المعاصرة للجذر "ر م"‬
‫الذي تنحدر فيه الدموع‪.‬‬
‫‪- 115 -‬‬

‫‪Rm‬‬

‫(الذي يفيد "الدمع" والبكاء‬

‫في مادة "رمي" يقول ابن منظور‪" :‬الرميّ‪ :‬قطع صغار من السحاب‪ .‬سحابة‬
‫عظيمة القطر شديدة الواقع‪ ..‬الرميّ‪ :‬الشقيّ وهي السحابة العظيمة القطر‪ ..‬وقال‬
‫ي السحاب‪:‬‬
‫مليح الهذلي في الرم ّ‬
‫ي ـآخرـ ـالليل‬
‫وميضـ ـرم ٍـّ‬
‫معوقُ‬

‫حنينـ ـاليمانيـ ـهاجهـ ـبعد‬
‫سلوةٍ‬

‫وقال أبو جندب الهذلي‪:‬‬
‫رجالـــ ـــمثلـــ ـــأرمية‬
‫الحميمـــــــــــــــــــــ‬

‫هنالك لو دعوت أتاك منهم‬

‫"أرمية " جمع ‪" :‬رمي " والحمي م مط ر الصي ف ويكو ن عظي م القط ر شديد‬
‫الوقع‪.‬‬
‫في مجال أسطورة الخلق المصرية يمكن استخلص أن "الرميّ" (السحاب‬
‫العظيم القطر الشديد الوقع) هو ذاته "ر م ي " ‪[ Rmy‬دمع الله (رع)] باعتبار‬
‫المط ر الغزي ر الواق ع م ن السما ء دمو ع الر ب الباك ي تهط ل مدرارا فتتحول‬
‫القطرات إلى بشر (ر م ث) يدبون على الرض دبيبا‪.‬‬
‫وهذا استنتاج أول‪ -‬برأي الباحث الدكتور علي فهمي خشيم‪ -‬أما الستنتاج‬
‫الخر فيكمن في تتبع الجذر الثنائي "ر م" الذي يحدث بإضافات حروف أخرى؟‬
‫سنقرأ في حينها كل المفردات التي لها علقة مباشرة بالعين أو بسقوط الدمع‪:‬‬
‫الرمق ‪ ،‬الدمع ‪ ،‬الرمص ‪ ،‬الرمز ‪ ،‬الرمد ‪ ،‬الرمح ‪ ،‬الرمج ‪ .‬وهذ ا م ا يتواف ق مع‬
‫ارتباط الرمز الهيروغليفي المحدد للجذر"ر م " ‪ Rm‬بمشتقاته الدالة على البكاء‬
‫وذرف الدموع (معجم بدج‪ -‬ص ‪ ) 424‬كما نحصل على دللة سقوط المطر من‬
‫"رمي"‬
‫وأخيرا يذكرنا الباحث الدكتور الخشيم بالجناس أو الطباق الموجود بين‬
‫"رث" (خلق ‪/‬بشر "و "رث" (بكى‪ /‬دمع) مع مقارنة ذلك بالعربية‪:‬رثا=بكى‪.‬‬
‫رس=رث‪ /‬أصل) و"ر م ي ت" (دمع‪ ،‬العربية‪ :‬رمي) كذلك في العربية يبدو أن‬
‫هناك تطابقا في المعنى والدللة بين "رثا" و"رمى"‬
‫أما الشق الخر من أسطورة الخلق المذكورة فهي كلمة "ت م ح و"‬
‫وهي كلمة تطلق على الليبيين سكان الدلتا في القديم‪ ،‬قبل توحيد الدلتا‬

‫‪TMH‬‬

‫‪W‬‬

‫‪- 116 -‬‬

‫والصعيد على يد (مينا) حوالي سنة ‪3200‬ق‪.‬م وهي تسمية تتردد في كتب التاريخ‬
‫كثيرا‪ .‬وهذا السم مكوّن من مقطعين‪:‬‬
‫أرض‪ ،‬بلد (بالعربية‪ ،‬طيّة‪ ،‬طاة‪ ،‬طاءة) ‪ ،‬و " م ح " ‪:Mh‬‬
‫"ت ء"‪:Ta‬‬
‫شمال‪ ،‬جهة الشمال‪ .‬ويضاف إلى ذلك" و"‪ :W‬واو الجمع‪.‬‬
‫وفي المصرية نلحظ الجذر "م ح" يتكرر في الكلمات التالية‪:‬‬
‫"م‬
‫"م‬
‫"م‬
‫"م‬

‫ح‬
‫ح‬
‫ح‬
‫ح‬

‫ت" ‪ : M Ht‬ربة الشمال‬
‫ي ت" ‪ M H Y Yt‬بلد الشمال‪ ،‬الدلتا‪ ،‬شمالي‪.‬‬
‫ت ي و" ‪ : M H Y T‬القبائل الشمالية‬
‫و ت" ‪ :M H W T‬ريح الشمال‪.‬‬

‫كما أن "م ح" يدل على الماء الغزير والفيضان والمطر الدافق‪.‬‬
‫"م ح ي"‬

‫‪MHY‬‬

‫‪ :‬فيضان‪ ،‬غمر‪.‬‬

‫"م ح ي ت"‬

‫‪M HYT‬‬

‫‪ :‬عاصفة لمطرة‪ ،‬فيضان‪ ،‬ماء كثير‪ ،‬غمر‪.‬‬

‫"م ح ي ت"‬

‫‪M HYT‬‬

‫‪ :‬ربة الفيضان‪.‬‬

‫"م ح و ي و"‬

‫‪M HWYW‬‬

‫‪ :‬الفيضان الذي أهلك الجنس البشري‪.‬‬

‫وفي العربية المعاصرة نقرأ‪:‬‬
‫"المحوة‪ :‬المطرة‪ ،‬تمحو الجدب ‪ ،‬عن ابن العرابي‪ .‬وأصبح ت الرض‬
‫محوةً واحدةً إذا تغطى وجهها بالماء حتى كأنها محيت‪ .‬وتركتُ الرض محوةً‬
‫واحدة إذا طبقها المطر‪ .‬وقيل المحوة‪ :‬هي الشمال‪.‬‬
‫قا ل الصمع ي وغيره ‪ :‬المحو ة م ن أسما ء الشمال ‪ ،‬وكلم ة محو ة غير‬
‫معروفة‪.‬‬
‫قال ابن السميت‪:‬‬
‫فدمّرتـ ـبقيةـ ـالّرجاجـ‬

‫ت محوة ُ بالعجاج‬
‫قد بكر ْ‬

‫والمدهش فعلً أن تكون "محوة" معرفة غير مصروفة ول تدخلها ألف‬
‫‪- 117 -‬‬

‫ولم‪ ..‬كأنها اسم علم والشيء نفسه في المصرية والبعث على الدهشة أن تكون‬
‫"محوة" اسم موضع بغير ألف ولم‪ ،‬وأن تكون "المحو" اسم بلد‪.‬‬
‫وقد أشارت مصادر أخرى إلى محوة =الجنوب فقال ابن بري‪ :‬أنكر عل ّ‬
‫ي‬
‫بن حمزة اختصاص المحوة بالشمال لكونها تقشع السحاب وتذهب به‪ .‬قال‪ :‬وهذا‬
‫موجود في الجنوب‪.‬‬
‫قال "تمحو" إذن ليس فقط أهل الشمال‪ :‬بل هم أهل الجنوب أيضا أي ليبيو‬
‫الجنوب‪ .‬ويقدم لنا الدكتور الباح ث الخشيم في بحثه المذكور أعله الحركية‬
‫الجولنية التاريخية الجغرافية فيقول متابعا" ويبدو أن هذه القبائل الليبية كانت في‬
‫الجنوب" غربي الصعيد" ثم انتقلت إلى الدلتا حيث عاشت في الشمال في التاريخ‬
‫القديم فصارت الدلتا مع انتقالهم تسمى "ت ك م ح و" ‪T A- M H W‬‬
‫أما القسم الثاني من بشر تلك السطورة فهم "ع ك م و" =ع م و لن‬
‫الهمزة بين العين والميم مزيدة‪ ،‬وهناك عدد ل يحصى من الكلمات العربية‬
‫الفصح ى المعاصر ة وق د حذف ت م ن مطابقاته ا ف ي اللهج ة المصري ة (القديمة)‬
‫اللف أو الواو أو الياء‪.‬‬
‫العربية الفصحى المعاصرة‬
‫واحة‬
‫بسة (هرة)‬
‫فاق‬
‫فقس‬
‫حيط‬
‫قبس‬
‫خار (الثور)‬
‫ص َّ‬
‫ب‬
‫كبو (حرق البخور)‪ ..‬إلخ‬

‫المصرية القديمة‬
‫وءحت‬
‫بءست=‬
‫ب ء ق=‬
‫بءقس=‬
‫حءت=‬
‫قءبءس=‬
‫خءب=‬
‫س ء ب=‬
‫ك ء ب=‬

‫نستنتج من المثلة السابقة أن (ع ك م) =(ع م) = العمو= (ع م و) ومنها‬
‫"العمالقة" من عاد‪ ،‬والعناقيم‪ ،‬و"عامو" و "ع م" =الشعب بالكنعانية وهي نفسها‬
‫"أناس" بالكدية ‪" -‬أم م" وبالعربية المعاصرة‪:‬‬
‫المّة والمّة = الدين( ومعنى القوة)‬
‫المّة = النعمة‬
‫‪- 118 -‬‬

‫المة = المُلك‬
‫أ ّم القوم= رئيسهم ومنها المام =القائد‪.‬‬
‫لمّة= الجماعة الواحدة‪.‬‬
‫اُ‬
‫وفي المصرية أيضا "أ م و"‬

‫‪AM W‬‬

‫أحد آلهة الفجر (معجم "بدج" ص ‪.)6‬‬

‫والفجر يأتي حتما من المشرق أي من بلد "المو" أو "العمو"‬
‫أما القسم الخير من أسطورة خلق البشر المذكورة فهم "ن ح س و" أهل‬
‫السودان= جنو ب مصر‪ .‬وهذه الكلمة تعني‪ :‬نحس" =السواد= النّحاس ‪/‬بضم‬
‫سلُ عليكما شواظٌ من نارٍ‬
‫النون‪ /‬الدخان الذي ل هب فيه‪" :‬وفي التنزيل "يُر َ‬
‫س فل تنتصران)‪..‬‬
‫ونُحا ٍ‬
‫قال الجعدي‪:‬‬
‫طـ ـلمـ ـيجعلـ ـاللهـ ـفيه‬
‫نحاسا‪.‬‬

‫يضئ ـ ــكضوء ـ ــالسراج‬
‫السليـ‬

‫والنحّاس ‪:‬بفتح النون‪ /‬ضربّ من الصّفَر والنية شديدة الحمرة‪ .‬ابن بزرج‪:‬‬
‫يقولون‪ :‬النّحاس بالضم‪ ،‬الصفّر نفسه‪ ،‬والنّحاس‪ ،‬بالكسر وخانه‪ ،‬وغيره يقول‬
‫للدخان نحاس (اللسان‪ ،‬مادة نحس) وهذا يعني تحديدا عرب السودان الذين يميل‬
‫لونهم للحمرة أكثر منه إلى السواد‪].‬‬
‫هذا نموذج بين لما تعنيه المقارنة الناسية المعرفية لدراسة ظاهرة وحدة‬
‫البنية التاريخية العروبية‪ ،‬ليس فقط من ناحية خارطتها الثقافية الواحدة وآلية‬
‫حملها اللغوية‪ ،‬بل من ناحية الدراسة المقارنة الناسية للهجات العروبية على‬
‫مسارها التاريخي العميق العريق وهو ما يفضي بالنتيجة الموضوعية الحتمية‬
‫إلى حراك الخارطة الثنوغرافية العروبية على كامل مساحة الوطن العربي وبما‬
‫يعنيه ذلك من تداخل عضوي جدليّ بين البناء الشاقولي للغة والبناء الفقي‬
‫لحراكه ا التاريخ ي فيتداخ ل الماقب ل خليج ي م ع الماقب ل سومر ي م ع الكادي‬
‫والمسندي والمصري والمازيغي (البربري) والليبي والكنعاني والعبلوي عبر‬
‫ل إلى اللغة العربية المعاصرة‪.‬‬
‫سلّم تطور تاريخيّ واضح وصريح وصو ً‬
‫وعندما نتكلم على اللهجات العروبية الولية وتطورها اللحق‪ ،‬فنحن ل‬
‫نتحدث من وجهة نظر لغوية فقط‪ ،‬بل نتحدّث عن الواقع التاريخي الذي ارتبطت‬
‫‪- 119 -‬‬

‫به‪ ،‬وعن الملمح والخارطة الثنوغرافية التي شكلت مساحة عمل وحراك الكلتة‬
‫الجتماعية‪.‬‬
‫فالسطور والكلمات القليلة السابقة والتي قدمها الباحث الجليل الدكتور علي‬
‫فهمي الخشيم‪ ،‬تؤكد مجموعة من الحقائق التاريخية التي من الممكن تثبيتها في‬
‫منظومتنا الثقافية المعرفية كبنى راسخة ومن أهمها‪:‬‬
‫إن القراءة الناسية المعرفية ل تعني الحركية الثنوغرافية إلّ بمقدار ما‬‫توضح هذه الخيرة وحدة الجنس بمعناه المعرفي والسيروري التاريخي‪ ،‬وليس‬
‫بمعناه العرقي‪،‬‬
‫وإنّ علقة المكان (الجغرافية) بالكتلة الجتماعية‪ ،‬ليست علقة أحادية‬‫الجانب‪ .‬فالعروبيون لم يُطلقوا أسماءهم على المكنة التي توضعوا فيها فقط‪،‬‬
‫بالمفهو م المطلق ‪ ،‬ب ل أثّرو ا وتأثّروا ‪ ،‬وأثْرو ا مخزونه م الحضار ي بم ا كانوا‬
‫يبدعون على كافة المستويات‪.‬‬
‫إ ن اللهجا ت العروبي ة ف ي مراح ل تطوره ا الفقي ة والشاقولية ‪ ،‬بقيت‬‫متمحورة حول عمود رئيسٍ واحد فما لحظناه مما سبق‪ ،‬يؤكد أن الكنعانية‬
‫والمصرية والليبية وحتى التروسكية لم تفقد محورها الرئيس رغم حركيتها‬
‫الجغرافية المتتابعة والواسعة‪ .‬فالكنعانية التي امتدت من الساحل الغربي لشبه‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬ومن ثم امتدت إلى الجنوب اليماني‪ ،‬فساحل الخليج العربي‪ ،‬ثم‬
‫بل د الشام ‪ ،‬وم ن هنا ك إل ى الشما ل العروب ي الفريق ي وحت ى سواح ل البحر‬
‫المتوسط الشمالية بقيت متمحورة مع الليبية التي امتدت في جنوب وادي النيل ثم‬
‫إلى شماله في الدلتا‪ ،‬ثم إلى الصحراء العربية الكبرى وعاد ت بدورتها بعد‬
‫الهجرة الليبية الكبرى إلى وادي النيل‪ ،‬وانتشرت إلى الضفة المقابلة من البحر‬
‫المتوسط‪ ،‬مما دفع العلماء الغربيين إلى النقسام بين من ر ّد اللغة التروسكية إلى‬
‫الكنعاني ة وإلى قس م آخ ر ردّها إل ى الليبية‪ ،‬وذلك بسب ب جهله م بأن الكنعانية‬
‫والليبية هما لهجتان للغة العروبية الواحدة‪ .‬والثنتان تتقاطعان مع المصرية التي‬
‫ل م تترك واقعه ا النسب ي ف ي جذو ر حراكها ‪ ،‬ل ف ي المراح ل السابق ة م ا قبل‬
‫تاريخية‪ ،‬ول في حراكها في وادي النيل‪ .‬مما أعطاها انطباعا خاصا بتقاطع كل‬
‫صفاته ا وخصائصه ا ومفرداته ا لي س فق ط م ع اللهجا ت العروبي ة الت ي كانت‬
‫متوضعة أفقيا وشاقوليا حينها وقبلها وبعدها‪ ،‬بل ومع اللغة العربية الفصحى‬
‫المعاصرة (وهذا ما سنعود إليه في جداول لحقة)‪.‬‬
‫‪- 120 -‬‬

‫إن القراءة اللغوية المقارنة وحسب المنهج الناسي المعرفي‪ -‬ل تعني‬‫شيئا على الطلق‪ ،‬إن ل م ترتبط بالجوان ب التاريخي ة من ناحية‪ ،‬والتاريخية‬
‫الجغرافية من ناحية أخرى‪ -‬وبالبنية الثقافية الحضارية ببنائها الشمولي وإذا كان‬
‫هذا يشي ر إل ى شي ء واح د فق ط هو أن التكوينا ت البنائي ة للمنظوم ة المعرفية‬
‫العروبية واحدة مهما كانت تنويعاتها التأريخية والتاريخية والجغرافية‪" ،‬فقد ظل‬
‫اللسان الكادي مثلً أهم أداة لنقل الثقافة والمعارف والفنون في منطقة المشرق‬
‫العربي ‪2500‬سنة‪ .‬كما ظلت النجازات الثقافية للكاديين الوائل تتردد أصداؤها‬
‫حوالي ألفي سنة بعد زوالهم‪ .‬وقد تحدرت إلينا وثيقة أصلية من ذلك المجتمع‪،‬‬
‫إنه نص أدبي حميم كتب في عهد سرجون مؤسس المبراطورية الكادية وأعظم‬
‫شخصية في تاريخ المشرق العربي القديم‪ .‬وهذا النص هو "أخذة كش"‪ :‬وهو‬
‫أشبه شيءٍ بآلةٍ لختراق الزمن تطلعنا على اللسان الكادي المحكي في القرن ‪23‬‬
‫ق‪ .‬م نقرأ في هذا النص مثلً‪.‬‬
‫ت‬
‫أ ُ‬
‫ك ـشـ ـُرفّ ـَ ِ‬
‫خذ ْ ـ فا ِـ‬

‫رعيــ ــيطو ُــر ــالضأن"‬
‫و"ك ِ ِ‬
‫أي‪:‬‬
‫ك ذا الرقة‪:‬‬
‫ت فا ِ‬
‫أخذ ُ‬

‫ت‬
‫آ ُ‬
‫خذ ْ =أخذ ُ‬
‫ك ‪-‬فاك‬
‫فا ِ‬
‫ش=ذا‬
‫َ‬
‫ت= الرِقّة‬
‫ُرفَّ ِ‬
‫أما الجملة الثانية=‬
‫كِرعي= كالراعي‬
‫يطوُر= يطور‬
‫َ‬
‫ن= الضأن‬
‫ضأ َ‬
‫َ‬
‫فتصبح جملة كِرعي يطورُ ضأن=كالراعي يطو ُر الضأن(‪)47‬‬
‫وهنا أعود لذكّر بأسطورة اينوما ايليش= حينما عيليش‪ ،‬والتي "ترجمت"‬
‫إلى العربية" حينما في العلى "فنرى‪:‬‬
‫حينما= حينما‬
‫عيلي= عالي =أعلى =أعالي‬
‫ش= ذا‬
‫َ‬
‫‪- 121 -‬‬

‫فتصبح "حينما العلى (العالي) هذا"‪ .‬في المثلة السابقة نلحظ أن أوجه‬
‫الشبه‪ ،‬بل التطابق بين الصل وتأديته بالعربية الفصحى المعاصرة ل تخفى‬
‫والسمة العربية ل تنكر‪.‬‬
‫وفي ملحمة "جلجامش" إذا اقتطفنا بعض الجمل نلحظ‪:‬‬
‫واللهة يبكون معها= ايلني بكو ابيتيشا‬
‫اللهة=ايل=الله=إله‬
‫يبكون =بكو‬
‫وفي اليوم السابع = سيبوواومو‬
‫اليوم =أومو‬
‫السابع= سيبرو=سيبع و (لن اللغة التي ترجم منها النص إلى العربية ل‬
‫تحتوي حرف "ع"‪ .‬وفي ايبل (عبلة) من آلف اللواح المكتشفة‪ ،‬هناك لوحات‬
‫قوائم معجمية لمفردات لغوية شبيهة بالمعاجم الموسوعية المعروفة في عصرنا‬
‫الحديث ‪ ،‬وتتأل ف تلك القوائ م م ن مفردا ت سومري ة م ع م ا يقاب ل معانيه ا من‬
‫المفردات التي يتداولها أهالي (إيبل) في النصف الثاني من اللف الثالث قبل‬
‫الميلد‪ .‬فضلً عن اللفظ الصوتي للمفردات السومرية في بعض الحيان‪.‬‬
‫إلى جان ب هذه الوثائق المعجمية ذا ت الهمية البالغة‪ ،‬هناك العدي د من‬
‫اللوحا ت الت ي تض م نصوصا أدبي ة لساطي ر وملح م البطا ل السومريي ن أو‬
‫لقراءات ذات طابع سحري أو ديني (‪ )48‬وكأن العلقة في ذلك بين البنية العامة‬
‫للمجتمع اليبلوي وملمح الثقافة السومرية علقة عناصر واحدة لبنية واحدة‪،‬‬
‫وبشكل مميز بين اللغة اليبلوية وما تحمله من منظومة أدبية وثقافية تتداخل‬
‫وشائجها أفقيا وشاقوليا مع الكادية أيضا‪ .‬فاللغة اليبلوية أقدم لغة وصلتنا من‬
‫منطقة غرب الفرات‪ ،‬مكتوبّة حتى الن‪ ،‬ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد‬
‫مسطّر ة منها ‪ ،‬وتتماث ل هذ ه اللغ ة م ع اللغ ة الت ي جر ت العاد ة عل ى تسميتها‬
‫بالكنعانية وبالخص مع الوغاريتية التي نملك شواهد منها‪ ،‬ترقى إل ى ‪-1400‬‬
‫‪ 1200‬ق‪.‬م ومع اللغة الفينيقية التي ترقى شواهدها إلى ما بعد ‪1200‬ق‪.‬م فضلً عن‬
‫هذا تماثلها مع اللغة العربية (‪ ) 49‬المعاصرة‪ ،‬فمثلً نجد بين مفردات لغة أهل‬
‫إيبل في اللف الثالث قبل الميلد كلمات ماتزال حية في العربية الحديثة مثل‬
‫(كتب) و(ملك) و(يد)‪.‬‬
‫وبهذا تكون اليبلوية أقدم لهجة عروبية مكتوبة حتى الن‪ .‬وذلك لنّ‬
‫وثائق (إيبل) تشمل جيلين سبقا عصر الملك الكادي سرغون الول‪.‬‬
‫‪- 122 -‬‬

‫و"يكشف لنا هذا التفوق الحضاري المنسوب ليبل حقيقة جديدة‪ ،‬وهي أن‬
‫الكاديين بعد فترة متأخرة قد اقتصروا على نسخ نظام الكتابة المسمارية" (‪)50‬‬
‫هذا من جانب التواجد الجغرافي المحض بقراءته التأريخية أما من جانب التكوين‬
‫اللغوي والقوام الثقافي فإن اللغة اليبلوية قريبة من الكادية وتتماثل معها‪،‬‬
‫بالضافة لتماثلها مع اللهجات العروبية الخرى التي تحدثنا عنها أعله وهي‬
‫بالضافة إلى كل ذلك تتماثل مع أقدم بنية في اللهجات العربية الجنوبية"(‪)51‬‬
‫وبقراءتنا لرأي بيغز ‪ ) Biggs (52‬نتأكد من الوحدة اللسانية واللغوية الثقافية‬
‫والمعرفية والبعاد الحضارية الفقية والعمودية من النتشار الناسي المعرفي‬
‫مع فجر التاريخ حيث يقول‪" :‬إن الكتابة اليبلوية كغيرها من الكتابات المسمارية‬
‫تتأل ف م ن رمو ز لكلما ت وم ن انتشارا ت لصوا ت ليس ت بالضرور ة كلمات‬
‫مقطعية‪ ،‬وفي الكادية فإن رموز الكلما ت تتضمن نظاما مقطعيا ولكن غير‬
‫أبجدي‪ ،‬والمر كذلك في اليبلوية التي استعملت الكتابة المسمارية أيضا‪ ،‬وهذه‬
‫الكتابة مأخوذة عن السومرية ولذلك فإن قراءة النصوص اليبلوية ل بد أن‬
‫تعتمد على القراءة السومرية بمقارنتها بمترادفاتها في اللغات الخرى الشقيقة‬
‫لليبلوية ‪ .‬وألوا ح إيبل تغط ي مرحل ة تأريخي ة زمني ة طويل ة تعو د بمرحلتها‬
‫الولى إلى ما قب ل ‪2600‬ق‪.‬م وألواحها تشابه ألواح (فارا في العراق) في حين‬
‫تعود المرحلة الثانية إلى مرحلة أبعد تتماثل مع ألواح (أبو صلييخ في العراق)‪.‬‬
‫والباح ث الثاري بيتيناتو نفسه (‪ ) 53‬يعتبر أن اللهجة اليبلوية وسيطة‬
‫ومشتركة بين الكادية والكنعانية‪ ،‬بل هي الكنعانية القديمة نفسها‪ ،‬وبأن العلقة‬
‫بين اللهجة القديمة (الكادية‪ -‬اليبلوية‪ -‬الكنعانية)‪ /‬استخدم بيتنياتو نفسه كلمة‬
‫لهج ة ف ي بداي ة قوله ‪ /‬وبي ن اللغ ة العربي ة ظاهر ة وواضح ة ومؤكدة ‪ .‬وتتميز‬
‫العربية ‪-‬حسب قوله‪ -‬بأنها لغة صرفة واللفاظ الدخيلة فيها معروفة بوضوح‬
‫وأورد عددا من المفردات والجمل ومعانيها باللغة النكليزية بعد أن كتب نطقها‬
‫باليبلوية‪.‬‬
‫العربية‬

‫النكليزية‬

‫اليبلوية‬

‫من‪ -‬ك‪ -‬يا (ك للتشبيه)‬

‫‪?Who Is Like Ya‬‬

‫‪Mi-Ka- Yà‬‬

‫من‪ -‬ك إل(إل=إله)‬

‫‪?Who Is Like Il‬‬

‫‪Mi-Ka-IL‬‬

‫إنني إل‬

‫‪Il Has Mercy On Me‬‬

‫‪En-Na-Niil‬‬

‫إنني يا‬

‫‪Ya Has Mercy On Me‬‬

‫‪En-Nq-Niya‬‬

‫‪- 123 -‬‬

‫اسمع إل‬

‫‪Il Has Heard‬‬

‫‪Is-Mà-Il‬‬

‫أنا أملك‬

‫‪I Am Malik‬‬

‫‪A-Na Ma Lik‬‬

‫راعينا حدد‬

‫‪Aded Is Our Shepherd‬‬

‫‪Rà-I-Na-Aded‬‬

‫آدم الملك‬

‫‪Man Of Malik‬‬

‫‪A-Dam-Ma-Lik‬‬

‫دبيحة الملك‬

‫‪Feast Of Malik‬‬

‫‪Du-Bu-Hu -Ma -Lik‬‬

‫عبد رشب‬

‫‪Servant Of Rasap‬‬

‫‪Eb-Du Dra-Sa -Ap‬‬

‫هو أبو‬

‫‪Aman Is The Father‬‬

‫‪Is-A-Bu‬‬

‫يد دامو‬

‫‪The Hand Of Damu‬‬

‫‪I-Ad-Do-Mu‬‬

‫ابن ملك‬

‫‪Malik Has Created‬‬

‫‪Ib-Na-Ma-Lik‬‬

‫وبعد أن نعلم أن هذه اللهجة هي الكنعانية القديمة‪ ،‬وتشبه لهجة أوغاريت‬
‫فماذا نجد‪ ،‬فقط لو كان قارئ هذه اللواح عربيا أو يعرف العربية ويتعامل مع‬
‫قراءة اللواح بحيادية العالم‪ .‬فنلحظ التطابق في المفردات والجم ل ‪=Mi‬مي=‬
‫"مين"=م ن ‪=Ka‬كَ= للتشبيه باللهجة اليبلوية واللغة العربية المعاصرة إنني=‬
‫‪ Ni=Na=En‬سمع=‪ ،Mq=Is‬أنا=‪.A-Nq‬‬
‫ملك= ‪ Like =Ma‬راعينا= ‪( Na= I =Rà‬يلحظ التطابق بالسم والضمائر‬
‫المتصلة أيضا) آدم =‪ )A-Dam‬دبيحة = ‪Hu = Na = B‬ظ = ‪ ..Du‬إلخ‪.‬‬
‫وف ي موق ع آخ ر م ن نف س البح ث الذ ي نشر ه بيتنات و (‪- ) 54‬الباحث‬
‫المتصهين‪ -‬مقارنة بين مجموعة من المفردات اليبلوية حدد معناها بالسومرية‬
‫فكانت متطابقة تماما حتى مع العربية المعاصرة ولنقرأ‪:‬‬
‫البكر=البن البكر‪.‬‬
‫فروم= القوي البطل‬
‫تدبيرو= تدبير‬
‫يدو=يد‬
‫أكلم= أكل‬
‫نقسم= حياة‬
‫أم=أم‬
‫كلماتو=كلمات =مزاح(‪)55‬‬
‫إن هذه المثلة لتؤكد الواصر القوية بين اللغة العربية الحديثة واللهجة‬
‫اليبلوية‪ ،‬والتي أكّد الدكتور عفيف بهنسي من خلل متابعته لكل ما تعلق بها‬
‫‪- 124 -‬‬

‫"بأن مكتشفات ايبل هامة لسورية ولكل العرب‪ ،‬لنها تكشف عن عمق جذور‬
‫المة العربية وحضارتها‪ ،‬وهذه المملكة التي يبلغ عمره ا ‪4500‬سنة هي مملكة‬
‫عربية تمتد بين منطقتين هامتين‪ ،‬هما منطقة الرافدين (أكاد) ومنطقة الساحل‬
‫الكنعاني‪ ،‬وكل تلك الحضارات تنبع من حضارة واحدة هي الحضارة العربية‬
‫القديمة (‪ ) 56‬لن سكان هذه المملكة هم قوم يتكلم بدوات اللغة العربية الحديثة‪.‬‬
‫وقد يكون هؤلء هم العموريون وقد يكونون أجداد الكنعانيين‪ ،‬وذلك أن لهجتهم‬
‫وسط بين لهجة أكاد ولهجة كنعان‪ ،‬وهذا ما يؤكد الوحدة اللغوية بين هذه الممالك‬
‫التي تفسر وحدتها القومية" (‪ ،)57‬وهذا يعني من جانب آخر ضرورة تناول الرّقُم‬
‫المكتشفة في الوطن العربي باللغة العربية‪ ،‬ذلك لن عدم تناولها على هذا النحو‬
‫يحجب الروابط التي تربط العربية المعاصرة باللهجات العروبية السابقة‪ ،‬وهو ما‬
‫يكش ف لي س فق ط "الترجمة " الحي ة الحراكي ة المباشر ة ونقله ا عب ر حلزونها‬
‫التطوري الصاعد‪ ،‬بل ويكشف أيضا ملمح وقدرات تلك اللهجات في سماتها‬
‫التوالدية والشعرية والوظيفية بالضافة إلى توضيح الوحدة الكيدة في البناء‬
‫الناسي الذي أنتج وتفاعل مع هذه اللهجات في سيرورتها العروبية‪ .‬والحق أن‬
‫نفرا من المؤلفين العرب قد شعروا بأهمية معالجة التراث القديم بالعربية كالشيخ‬
‫نسيب وهبة الخازن وأنيس فريحة وسامي سعيد الحمد وكميل البستاني إلّ أنهم‬
‫اقتصروا في منهجهم على استبدال الحرف العربي بالحرف أو الرمز القديم‬
‫العروبي وهو ما يمكن تسميته بالنقل الحرفي واتباعه النص ( ‪ ،)58‬ولذلك ل بدّ‬
‫من أن تكون القراءة حية‪ ،‬متسلحة بمقدرات اللغة العربية المعاصرة وبخصائص‬
‫اللغ ة العروبي ة بلهجاته ا المتعدد ة السابقة ‪ ،‬وإظها ر الرواب ط الت ي تص ل بين‬
‫العناصر المكوّنة للبناء اللغوي بتطوريته وحراكه التاريخي‪ ،‬وهذا ما يكشف‬
‫بالضافة لذلك الجوانب الخرى غير اللغوية المباشرة المرتبطة بالبناء الميثولجي‬
‫والدب ي والثقاف ي والفن ي والحضار ي والتقني ‪" .‬فأسلو ب تأدي ة العل م القديمة‬
‫باللغة العربية‪ -‬مثلً‪ -‬في الوقت الحاضر يفتقر إلى الدقة العلمية‪ ،‬ويشكو من‬
‫عيبين أساسيين‪ .‬الول إن تأدية هذه العلم ل تصدر عن الصل القديم بل‬
‫تُستمد‪ ،‬عن طريق التعريب‪ ،‬من التأدية الوروبية‪ ،‬والثاني‪ ،‬أنها تتجاهل دور‬
‫الكتابة العربية (والعروبية) التي تميز بطبيعتها الصوائت الطويلة عن الصوائت‬
‫القصيرة وهو أمر ل يتيحه الحرف اللتيني (‪ ،)59‬يضاف إلى ذلك وجود أحرف‬
‫كثيرة في العربية ولهجاتها كال (ق) و(غ)و (ع) و(ض)و (ظ) و(ذ) و(ح)‬
‫والهمزة غير موجودة في اللتينية وبنات الهندو ‪-‬أوروبية‪ -‬ولقد عرض فرانز‬
‫ورولي إلى هذه المشكلة عند السؤال عن اللفظ الحقيقي لمدينة إيمار‪ ،‬فهل هي‬
‫‪- 125 -‬‬

‫عمار‪ ،‬أم غمار‪ ،‬أم خمار؟ وكذلك عندما تحدث عن اللفظ الحقيقي ليبل فقال إنه‬
‫عبله (‪ ) 60‬فمن السماء التي وردت في وثائق ايبل مثلً حمص نُقلت إيميس‪،‬‬
‫لفتقار البجديات الوروبية إلى حرف (ح)‪ /‬و"حماه" و"إيماة" وغيرها أمثلة‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫أم ا بالنسب ة لبع ض السما ء العموري ة (المرية ) والت ي تحدر ت إلين ا منذ‬
‫القرن الخامس والعشرين ق‪.‬م فيتضح من قراءتها العربية بأنها عربية صحيحة‬
‫مطلقا "فمن السماء التي وردت من القرن الثامن عشر ق‪.‬م أي عصر السللة‬
‫البابلية الولى إلى أشهر ملوك هذه السللة والذي لقب ‪:‬أبي عمور"= (عمورابي)‬
‫=(حمورابي) (أبي العموريين) إنه "عمّ رافئ"‪ /‬ومعناه (الله) عمّ رافئ صاحب‬
‫الشريعة الشهيرة‪ .‬وتتيح لنا ُرقُمُ ماري المعاصرة قائمة بأسماء أعلم عمورية‬
‫منها "أبو سليم" "عبدُ نّوار" و"عبد َملِك" يريم حداد" "يسمع حدّاد" "حداد باني" إلخ(‬
‫‪.)61‬‬
‫عبْ ُد‬
‫ومملكة (أ ُمرّ) التي لم تدم طويلً في أواسط سورية عرفت ملكين " َ‬
‫عشتار" و"ابن عَزيزُ"‪ .‬ومملكة (أوجاريت) التي كان ملوكها يفاخرون بتحدرهم‬
‫من "أهل مضارب َوزَن" (وهي واحة في شمال الجزيرة العربية تعرف اليوم‬
‫بالعُل) والتي تشبه لغتها لغة العرب حرفا ولفظا‪ .‬مملكة "كومد" (كامد اللوز‬
‫الحالية في البقاع اللبناني‪ ،‬حيث اكتشفت فيها أقدم كتابة أبجدية غير مسمارية‪:‬‬
‫شظيتان من رقيم ينسبهما مكتشفوها إلى القر ن ‪14‬ق‪.‬م بكثير من التأكيد‪ ،‬ومما‬
‫يلف ت النتبا ه ف ي هذ ا الشاه د قرب ه م ن البجدي ة العربي ة القديم ة الت ي عرفها‬
‫الثموديون بشمال جزيرة العرب في اللف الول قبل الميلد( ‪ ) 62‬ومن سبعة‬
‫نصو ص أورده ا الشي خ نسي ب وهي ب الخازن(‪ ) 63‬يمكنن ا قراء ة وفه م النص‬
‫الثمود ي مباشرة ‪ ،‬وبالتال ي الن ص الكمدي ‪ ،‬باللغ ة العربي ة المعاصرة ‪ ،‬ومنها‬
‫اقتطفتُ عشوائيا عدة جمل‪:‬‬

‫العربية المعاصرة‬

‫الثمودي‬

‫وذكرت اللت احشمه وتيم ال‬

‫وذكرت احشيمه وتمله‬

‫يارضى اسمع لملوك الرئيس‬

‫ها رضو سمع لملوك هولت‬

‫هنا ساكن بن يشعن بات (ليلة)‬

‫همسكت بن يشعن بت‬

‫جمأت أصيب بالحمى‬

‫حممت جمأت‬

‫سعدان رسم هذه العلمات للشمس‬

‫سعدن الم سور شمس‬
‫‪- 126 -‬‬

‫قلبك (ُلبّك) سرور وهبة وصدق‬

‫ُلبّك سرر وهب وصدقي‬

‫بك السرور يا شمس المتعالي‬

‫بك هسرهشمس متعلي‬

‫داد مريض (سقيم)‬

‫سقم دد‬

‫وأسماء علم‪ :‬تاحز‪ ،‬غر‪ ،‬سالم‪ ،‬عفيف‪ ،‬حنّا‪ ،‬طايح‪ُ ،‬مرّة‪ ،‬كميلة‪ /‬رفيق‪،‬‬
‫فوح‪ ،‬حنّان‪ ،‬نيران‪ ،‬علي‪ ،‬حمدي‪ ،‬كوكب‪ ،‬سلمان‪ ،‬ذيبان‪ ،‬عصمان قادم‪ ،‬تميم‪،‬‬
‫معن عمرو‪ ،‬النمري‪ ،‬عمان‪ ،‬عكار‪ ،‬صالح‪ ،‬عباس‪ ،‬أوس‪.‬‬
‫وهذا يعني تواجد كتابات لمراحل تأريخية متعاقبة وغير متوازية في نفس‬
‫الموقع الجغرافي فالثمودية تنتمي للمسند المنتشر في الجزيرة العربية في حين‬
‫تحدثنا عن اللهجة الوغاريتية (الكنعانية) وانتشارها لكن المتتبع للمسند المنتشر‬
‫ف ي الجزير ة العربي ة ف ي حي ن تحدثن ا ع ن اللهج ة الوغاريتي ة (الكنعانية)‬
‫وانتشارها‪ .‬لكن المتتبع للمسند كما سنرى لحقا سيكتشف كيف شكلت اللهجات‬
‫العروبية بنى تداخلية شاقولية‪ ،‬متداخلة فيما بينها‪ ،‬بحيث تشكل الواحدة تكوينا من‬
‫الخرى بانتشارها الجغرافي والديموغرافي الفقي وبعلئقها التداخلية مع ما قبلها‬
‫ومع ما بعدها‪ .‬فالحرف المتطابقة بين المسند‪ ،‬والفينيقية هي التالية‪:‬‬
‫الحرف الفينيقية‬

‫حروف المسند‬

‫الشكل‬

‫اللفظ‬

‫الشكل‬

‫اللفظ‬

‫×‬

‫ت‬

‫×‬

‫ت‬

‫سنّ‬

‫ش(شين)‬
‫رأي‬

‫ج‬
‫‪O‬‬

‫ش‬
‫ر‬

‫ر‬

‫قاف‬

‫قاف‬

‫جمال‬

‫ج‬

‫(عين) ع‬

‫‪O‬‬

‫(عين)ع‬

‫فاء فم فو‬

‫ف‬

‫ف‬

‫ميم ماء‬

‫م‬

‫(ميم) م‬

‫ن‬

‫ن‬
‫‪- 127 -‬‬

‫ل‬

‫ل‬

‫لمّاد‬
‫زين‬

‫‪I‬‬

‫ز‬

‫ز‬

‫كاف (كفّ)‬

‫‪ψ‬‬

‫ك‬

‫ك‬

‫صادي‬

‫ص‬

‫ص‬

‫دولت‬

‫د‬

‫د‬

‫هات‬

‫ه‬

‫ه‬

‫أما المتتبع لتسلسل البجدية الفينيقية فيلحظ بأنها تحمل التالي‪:‬‬
‫(أبجد‪ ،‬هوز‪ ،‬حطي‪ ،‬كلمن‪ ،‬سعفص‪ ،‬قرشت) وهذا ما يحفظه أي عربي‬
‫معاصر‪ ،‬أي أنها مكونة من ‪22‬حرفا‪:‬‬
‫ابجده وزحطيكلمنسعفصقرشت‬
‫لفظه‬

‫معناه‬
‫ثور‬

‫الف‬

‫بيت‬

‫بيت‬

‫زاوية عصا‬

‫جمال‬

‫باب‬

‫رولت‬

‫أواه‬

‫هات‬

‫الحرف الفينيقي‬

‫الحرف بالعربية‬
‫أ‬

‫‪K‬‬

‫ب‬
‫‪6‬‬

‫ج‬
‫د‬
‫ه‬

‫وتد‬

‫واو‬

‫‪Y‬‬

‫و‬

‫مطرقة‬

‫زين‬

‫‪I‬‬

‫ز‬

‫حائط‬

‫حيط‬

‫ح‬

‫تاء مفخمة (أي طاء)‬

‫طيط‬

‫⊕‬

‫ط‬

‫يد‬

‫يود‬

‫‪λ‬‬

‫ي‬

‫كف‬

‫كاف‬

‫‪ψ‬‬

‫ك‬

‫‪- 128 -‬‬

‫كلّب‪ ،‬حساس‬

‫لماء‬

‫ل‬

‫ماء‬

‫ميم‬

‫م‬

‫ثعبان‬

‫نهاس‬

‫سمك‬

‫سمك‬

‫عين‬

‫عين‬

‫فم‪ ،‬فو‬

‫فاء‬

‫جندب‬

‫صادي‬

‫قرد‬

‫قاف‬

‫رأس‬

‫ريش‬

‫سنّ‬

‫شين‬

‫وسم‬

‫تاو‬

‫‪η‬‬

‫ن‬
‫س‬

‫‪ο‬‬

‫ع‬
‫ف‬
‫ص‬
‫ق‬

‫‪Q‬‬

‫ر‬
‫ش‬

‫‪W‬‬

‫ت‬

‫والمتتبع الدقيق للفظ الحرف الفينيقي مع معناه يدرك التطابق الدقيق في‬
‫المقصود الحرك ي والدللي لكل حر ف من هذه الحرف‪ ،‬وهو ما يعني أن‬
‫المعنى المعطى والذي يشكل بؤرة الحراك المعرفي بعلقة اللغة بالواقع‪ ،‬هو‬
‫واح د ف ي بنيت ه وسيرورت ه عب ر آل ف السني ن م ن سيرور ة الناس ة المعرفية‬
‫بمرحلتيها العروبية والعربية‪ :‬بيت =بيت ‪ /‬حرف الباء‪ /‬حيط= حائط‪ /‬الطاء‪./‬‬
‫يود=يد ‪/‬الياء‪ /‬كاف= كف‪/‬الكاف‪ /‬إلخ‪.‬‬
‫وبالعودة إلى المسند نلحظ التراتيبية التالية‪:‬‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ث‬
‫ج‬
‫‪- 129 -‬‬

‫ح‬
‫خ‬
‫د‬
‫ذ‬
‫ر‬
‫ز‬
‫س‬
‫ش‬
‫ص‬
‫ض‬
‫ط‬
‫ظ‬
‫ع‬
‫غ‬
‫ف‬
‫ق‬
‫ك‬
‫ل‬
‫م‬
‫ن‬
‫ه‬
‫و‬
‫‪- 130 -‬‬

‫ي‬
‫غير موجود في العربية المعاصرة وهو‬
‫بين السين والزاي‬

‫‪-‬‬

‫البجدية المسندية تسع وعشرون حرفا‪.‬‬
‫ولقد انتشر استعمال المسند‪ ،‬ليس فقط في الجنوب اليماني من الجزيرة‬
‫العربية ‪ ،‬ب ل ف ي منطق ة (قنا ) والجيز ة (ف ي بل د النيل ) وف ي العرا ق (منطقة‬
‫الوركاء) وفي بلد الشام‪ ،‬وفي باقي منطقة الجزيرة العربية (‪ ) 66‬ومن المسند‬
‫اشتق القلم الحبشي القديم وقد عثر على كتابات به في منطقة (يحا) (يها) ‪،Jeha‬‬
‫وهي تمثل أقدم نماذح الكتابات الحبشية‪ ،‬وقلمهت هو القلم السبئي القديم (‪ )67‬كما‬
‫أن للمسند تأثيرا مباشرا أو بالواسطة في عدد من القلم‪ ،‬منها كتابات عثر عليها‬
‫في افريقيا ‪/‬بالضافة إلى الحبشة‪ /‬في اللهجة الكوشية والنوبية ( ‪ ) 68‬بالضافة‬
‫إلى الخط البربري القديم(‪.)69‬‬
‫"فمن بين المساهمات الكثيرة التي قدمها لفريقيا المهاجرون الوافدون من‬
‫اليمن لغة سبأ التي عُرفت في الحبشة باسم جعيز ‪ GEEZ‬نسبة إلى القبيلة اليمنية‬
‫التي كانت تتخاطب بها‪ .‬والجعيز أم اللغات الرئيسية الثلث التي يتخاطب بها‬
‫اليوم في الحبشة وارتيريا‪ ،‬وهي التجرينية‪ ،‬والتجرية والمحرية أما التجرينية‬
‫فهي لغة التخاطب في مقاطعة تجراي ‪-‬مملكة أكسوم القديمة‪ -‬وكذلك يمكن‬
‫اعتبارها الوارث المباشر للجعيز‪ .‬ويسمى الناطقون بالتجرينية لغتهم "حبشة"( ‪)70‬‬
‫‪ Habesha‬أي اللغة الحبشية دون سواها‪.‬‬
‫وأما التجرية ‪ Tigre‬وتعرف في مقاطعة كسل بالسودان باسم "الخاصية" فهي‬
‫لغة التخاطب بين سكان المنخفضات في شرق ارتيريا‪ ،‬وفي سهولها الشمالية‬
‫والغربية‪ ،‬وكذلك بين قبائل بني عامر‪.‬‬
‫واللغة المحرية ‪-‬نسبة إلى مقاطعة أمحرة‪ -‬هي لغة معظم سكان الهضبة‬
‫الوسطى وعُرفت منذ زمان بعيد بلسان النجاشي إذ كانت لغة البلط(‪.)71‬‬
‫والحروف الحبشية مستمدة من الحروف الهجائية بجنوب الجزيرة العربية‬
‫(المسند ) وعددها ‪ 33‬حرفا وف ي مدين ة هَر ر بشر ق الحبش ة لغ ة تعر ف عند‬
‫الناطقين بها باسم "حضري وهي تكتب بالحروف العربية وهي نتاج تداخل مع‬
‫الصومالية والقالة ‪.)GALLA (72‬‬
‫‪- 131 -‬‬

‫إذن‪ ،‬نعود إلى قولنا في الفصل السابق بأن تاريخ الحبشة (‪ ) 73‬وكامل‬
‫الساحل الشرقي الفريقي يبدأ في الجزيرة العربية وهذا ما يبرر انتشار المسند‬
‫في تلك المنطقة "وحروف" المسند ومفرداته وتكوينه اللغوي قريب ومتقاطع مع‬
‫الكدية والحبشية‪ ،‬ويقول فيليب حتي "أن الكدية والحميرية والحبشية تمثل أقدم‬
‫شكل للسان العروبي"‬
‫ويدعم هذا بانتشار البنية الميثولوجية نفسها التي سادت في الجزيرة العربية‬
‫(سنفصل ذلك في حينه) فقد سادت في الموطن "الجديد" في الحبشة مع فجر‬
‫التاريخ‪ ،‬عبادة آلهة جنوب الجزيرة العربية نفسها (عتتر =عشتار= عشتاروت)‬
‫القمر=المقه‪ /‬في سبأ "وود" في معين‪ ،‬عم في قتبان‪ ،‬و"سين" في حضرموت‬
‫والشمس‪ .‬ففي النقوش المكتشفة في منطقة الشرق الفريقي يظهر دائما تقريبا‬
‫السم المقه" إله القمر ويرمز إليه بالهلل والقرص‪ ،‬وتتمثل عبادة الشمس في‬
‫زوج من اللهة‪ :‬ذات هميام وذات بعدان (شمس الصيف‪ ،‬وشمس الشتاء)‪.‬‬
‫والبحث في أصل المسند مازال موضع جدل بين الباحثين في العربيات‬
‫الجنوبية‪ ،‬فمنهم من يرجع أصله إلى الخط الفينيقي (لحظ المقارنة التي أوردناها‬
‫أعله) ومنهم من يرجعه إلى كتابات سيناء حيث عُثر فيها على كتابات قديمة‬
‫جدا يعدّها الباحثون أقدم عهدا من العربية الجنوبية (‪ )74‬فقد وجد شبه كبير بين‬
‫حروف هذه الكتابات وحروف المسند مما دفع هؤلء الباحثين إلى اعتبار المسند‬
‫مشتقا من خطوط سيناء ومنهم من يعتبر المسند مشتقا من الخط الكنعاني بسبب‬
‫التشابه بين حروف الخطين‪.‬‬
‫فماذا تبين لنا رحلة المسند؟‬
‫حول جذوره تتعدد الراء من أنها كنعانية أو فينيقية جنوبية‪،‬أو سيناوية‬
‫وهذا يعني أن الكنعانية ‪/‬الوجاريتية‪ /‬والفينيقية الجنوبية‪ ،‬والكدية‪ ،‬والسيناوية‪...‬‬
‫تتقاطع أيضا فيما بينها إن لم نقل تتماثل‪.‬‬
‫أما الشتقاقات التي تطورت منه فهي لهجات الشرق الفريقي‪ ،‬والبربرية‬
‫القديمة‪ ،‬ولهجات الجزيرة العربية والنوبية وغيرها‪ ،‬وهذا بالنسبة للشاقول الزمني‬
‫يضعنا أمام تأكيدٍ آخر للخارطة التاريخية الناسية العروبية التي أكدناها من‬
‫خلل لهجات أخرى‪.‬‬
‫أما من ناحية الحراك الجغرافي فإن المتتبع لمسار المسند بأصوله المحتملة‬
‫‪- 132 -‬‬

‫واشتقاقاته التالية‪ ،‬يلحظ بأننا شملنا الجزيرة العربية بكاملها وبلد الرافدين ‪/‬‬
‫وبلد الشام‪ ،‬ووادي النيل (من النوبة إلى الجيرز) والساحل الريتري على البحر‬
‫الحمر والهضبة الحبشية والقرن الفريقي واتجهنا إلى الشمال الفريقي العربي‬
‫مع اللهجة البربرية القديمة فنكون قد شملنا كامل المساحة الجغرافية العربية من‬
‫خلل متابعتنا لحراك المسند‪ ،‬وهو ما يتطابق أيضا مع المتداد الجغرافي لحراك‬
‫الكنعانيين ‪/‬الفينيقيين‪ /‬ومع الحراك العروبي الول السابق للتاريخ‪ ...‬ومع كافة‬
‫احداثيات الحراك الخرى‪ ،‬الجولنية‪ ،‬مهما كانت اتجاهاتها الجغرافية‬
‫(التضاريسية) لن هذه الخيرة ل تغير ول تبدل من طبيع ة القوا م الناسي‬
‫المعرفي الذي يشكل وعاء الحتضان والحركيات الحضارية والثقافية وغيرها‪.‬‬
‫واللغة منظومة جمعية‪ -‬كما قلنا أي أنها وليدة الحياة الجتماعية فالنسان‬
‫الذي عاش في الجماعة كان يحتاج للتواصل مع أفرادها نتيجة انخراطهم في‬
‫الحيا ة النتاجي ة (بتعد د معان ي النتاج) ‪ ،‬مم ا دف ع هؤل ء الفرا د إل ى استخدام‬
‫الصوات‪ ،‬والتي انتقلت لحقا لتصبح كلمات انتظمت في أنساق خاصة وشكلت‬
‫اللغ ة ول م تك ن هذ ه الخير ة بنموه ا معزول ة عن التفكي ر ب ل تتراب ط وتتداخل‬
‫وتتفاعل معه‪ ،‬نتيجة لتطور الرؤية الناسية بمعاني التجريد والتشخيص‪ ،‬ليس بما‬
‫يخص الواقع المادي الموضوع الموجود فقط‪ ،‬بل بما يتعلق أيضا بالحوادث‬
‫والتصورات والستحضار‪ .‬وهذا ما عنى في أحد أعمدته الساسية‪ ،‬التأكيد على‬
‫الفعل‪ -‬الثر‪ ،‬أي إطلق المعنى خارج العالم الذاتي الخاص الشخصي للفرد‪،‬‬
‫ودفعه للتأثير في البنية المحيطة في غياب الفرد‪ -‬النا أو مع تطور الجماعة إلى‬
‫أجيالها التالية أو في بناء علئق خاصة مع جماعات أخرى وهو ما أدى إلى‬
‫النتقال من اللغة الشفوية إلى الكتابية‪ ،‬والتي مرت بعدة مراحل من التطور‪.‬‬
‫والجماعات التي تعيش واقعا تاريخيا ‪ -‬موضوعيا‪ -‬متطابقا أو متماثلً تنتج‬
‫طرائ ق للتصا ل وللتواص ل متطابق ة أ و متماثلة ‪ .‬وبالتال ي ل يمك ن أ ن يكون‬
‫التطابق في ذلك‪ ،‬وليد الصدفة‪ .‬خصوصا أن المراحل التأريخية والتاريخية التي‬
‫مرت بها اللغة‪ ،‬هي السياق التراكمي والنوعي (البطيء جدا بالمفهوم الزمني)‬
‫والذي يعني أن التطابق في التصورات واللغة هو تطابق في الخارطة البنائية‬
‫الثنوغرافية والناسية المعرفية بتعدد جوانبها وتطور احداثياتها‪.‬‬
‫فعندما ناقشنا مثلً إطلق تسمية الفينيقيين على الكنعانيين وشرحنا كيف أن‬
‫هيرود ت أشار إلى وجو د الطائر ‪-‬إله (الفينيق) في جنو ب الجزيرة العربية‬
‫والذي كانت مهمته محصورة في حماية شجر البخور واللبان من اليدي الثمة‬
‫‪- 133 -‬‬

‫التي تمتد لقطع هذه النباتات المقدسة في مرحلة من مراحل التاريخ كانت هذه‬
‫المواد أهم سلع تجارية في العالم‪ .‬لن البخور هو غذاء اللهة في العالم القديم"‬
‫وما كان لغذاء الرب هذا أن ينمو سوى في ما عرف عن المصريين في بلد‬
‫"طءنتر= وطأة=أرض=بلد‪ ،‬نتر=نطر‪-‬رب أي في بلد" الرب" لقد كان البخور‬
‫العمود الساسي للطقوس الدينية في المعابد والبيوت على كامل امتداد المشرق‬
‫العربي بما في ذلك بلد النيل‪ .‬ورغم أن شجرة البخور كانت تنمو على الساحل‬
‫الصومالي أيضا إلّ أن رديفها اليمني كان‪ ،‬وما زال‪ ،‬ذا نوعية أفضل‪ ،‬مما جعله‬
‫مؤهلً لن يقدم للهة تلك الشعوب‪ .‬وقد عُرف أن البخور أو اللبان لعب دورا‬
‫أساسيا في حياة العرب الدينية القديمة أيضا (‪.)75‬‬
‫لقد كان ساحل "البخور" في ظفار‪ ،‬أما درب البخور والذهب ‪ /‬وهو ما‬
‫يشير إلى الحراك الترابطي الناسي‪ /‬فقد كان يبدأ من شبوة عاصمة حضرموت‬
‫منطقيا باتجاه تمنه‪ ،‬ثم إلى مأرب مرورا بقرنو لينتهي في مرحلته الولى في‬
‫نجران‪ ،‬ومن تلك النقطة تحديدا كان الطريق يتفرع في عدة اتجاهات‪:‬‬
‫أوله ا يم ر بواد ي الدواس ر والفلج واليمام ة لينته ي ف ي الخلي ج العربي‬
‫العراقي ومن الجدير بالذكر أن ابن المجاور سجل في "تاريخ المستبصر" وجود‬
‫طريق يمتد من نجران وحتى شط العرب يسمى "درب الرضراض"(‪)76‬‬
‫أما التفرع الثاني لدرب البخور والذهب فكان ينطلق من حضرموت تجاه‬
‫نجران ثم إلى يثرب والعل شمالي الحجاز ثم إلى البتراء في بلد الشراة حيث‬
‫كان يتفرع من هناك بثلثة اتجاهات‪ :‬الول كان يقود إلى دمشق وساحل البحر‬
‫البيض المتوسط والثاني يقود إلى بلد الرافدين‪ ،‬والثالث كان يقود إلى مدينة‬
‫غزة ومنها إلى بلد النيل والتي كان يصلها البخور أيضا من الساحل الفريقي‬
‫الشرقي إما البخور المزروع في الصومال أو عبر مضيق باب المندب‪.‬‬
‫عرِف القليم الجنوبي لجزيرة العرب بأهم منتج ديني‪ -‬زراعي‪-‬‬
‫وبالتالي ُ‬
‫تجاري‪ ...‬ولحماية هذا المنتج سجل هيرودوت في مؤلفه (‪ )112-3/107‬معلوماته‬
‫عن الطائر‪ -‬الله "الفينيقيا" والفاعي المجنحة التي تحمي شجرة البخور في‬
‫بلدهم(‪.)77‬‬
‫وتسمى النخلة باليونانية فنيقس "فينيق" وتقال للعنقاء أيضا‪ ،‬وسميت فينيقس‬
‫لنها كما تقول السطورة تتوالد على شجر النخيل‪ .‬وفي مصر القديمة كان‬
‫النسر رمزا لله الشمس‪ ،‬وكانت النخلة مقدسة عند أم اللهه الكبرى‪ .‬وكان‬
‫‪- 134 -‬‬

‫المصريون يعتقدون أن العنقاء تأتيه م محلّقة من جزيرة العر ب لن الشمس‬
‫تشرق عندهم من سينا‪ .‬وكان العرب‪ -‬الصوفيون يكنّون بالعنقاء عن الهيوي( ‪)78‬‬
‫ويذك ر فو ن سود ن ف ي قاموس ه الكد ي اللمان ي لكلم ة النخل ة بالكدي ة هي‪:‬‬
‫ماراتو‪( ،‬يلميتو‪ ،‬ارخانوا‪ ،‬خولميتو‪ ،‬و"نخلة" العربية المعاصرة مأخوذة من‬
‫خولميتو(‪.)79‬‬
‫وم ا يزا ل العراقيو ن يطلقو ن عل ى الحب ل الذ ي يحا ك م ن لي ف النخيل‬
‫ويستعمل في ارتقاء النخلة (تَ ِب ْليَة) وهي في الرامية نفسه ا ‪ Tabhleya‬وبالكدية‬
‫توبالو‪ .‬ولقد عثر على نقش في إحدى منحوتات تل حلف على صورة للتبلية‪.‬‬
‫ومن نخلة ‪=Palm‬العمود= المستقيم اشتق اسم مدينة تدمر باللتينية‬
‫و"تدمر" مشتقة من تمر‪ ،‬ومنه لفظة "ثمر" بالعربية الفصحى‪ ،‬والكلمة العروبية‬
‫المشترك ة للنخل ة هي مادة (تمر) =تامار بالكنعانية وهي مأخوذ ة من مارّاتو‬
‫الكدي ة الدال ة عل ى النخل ة والس م السومر ي للنخل ة ه و غيش ‪ -‬يم ‪ -‬مار=‬
‫‪ GISHIMMAR‬وهو يحتوي على المقطع ‪ MAR‬الذي يعني ُقبّعا على صورة رقم ‪8‬‬
‫ويرد في كلمات ترمز إلى فأس مزدوجة لرأس مزودوجة‪ ،‬أو للمعول وهي‬
‫نفسها لفظة (المر) بالعربية المعاصرة والكدية‪ ،‬ومن ثم فإن المقاطع السومرية‬
‫‪ GISH -IM-MAR‬تعني‪:‬‬
‫‪Palmyra‬‬

‫"الشجرة السماوية المقدسة"(‪ ) 80‬وفي الجزيرة العربية كان العرب يعبدون‬
‫نخلة نجران ويكسونها الملبس ويزينونها بالزينة النسائية وقد عبدت قبيلة حنيفة‬
‫التمر‪ .‬وصنعت منه تمثالً أكلته حين ألمّ بها الجوع‪ .‬ومن المهم جدا الشارة إلى‬
‫أن النخلة أحيانا تقترن باسم بعل "بعل تامار" أي بعل النخلة‪ .‬ومعروفة أيضا‬
‫نخلة مثوى العزى‪ ،‬والعبلء مثوى "ذي الخلصة" فتقديس العرب للنخلة ليس‬
‫بالمر الغريب‪ ،‬فقد كانت شجرتهم المقدسة في مصر وبابل وفينيقيا والجزيرة‪.‬‬
‫ول غرابة فقد كانت الشجرة بالنسبة إليهم صنوا للحياة سواءً نظرنا إلى الشجرة‬
‫من حيث هي كائن واقعي أو من حيث هي رمزٌ حيّ‪ .‬فمن النخلة التمر طعام‬
‫سائغ وذخرٌ أو عدة للسفر والنبيذ نشوة وانفتاحٌ على عالم ل يكدر صفوه الموت‪،‬‬
‫فل غرو إن كانت شجرة عشتروت‪ ،‬عشتار المقدسة(‪ ) 81‬وهي الضرورية جدا‬
‫لتجديد حياة العنقاء (طائر الفينيق)‪ -‬الذي نسبه الغريق إلى بلد العرب(‪.)82‬‬
‫وهناك إجماع على أن صورة العنقاء مستوحاة من النسر‪ ،‬والعنقاء من‬
‫العنق ومنها العناق وبغ ض النظر عن البع د الميثولوج ي الذ ي يتحرك بنفس‬
‫‪- 135 -‬‬

‫المناحي التي تنتقل فيها اللغة إلّ أن الدللة الهامة التي تشير إليها تلك البنية‬
‫السابقة ‪ ،‬تحم ل ف ي بنائه ا وحد ة انتقا ل التأثي ر بي ن اللغ ة والفك ر عل ى مساحة‬
‫جغرافية هامة وعلى مراحل تاريخية متعاقبة من التاريخ الجغرافي العربي‪.‬‬
‫وإن كنا سنخصص للبناء الميثولوجي بمرحلتيه العروبية والعربية جزءا من‬
‫بحثنا إلّ أننا نجد من الضرورة أحيانا التعريج على جوانب هامة لها علقة‬
‫بالبنا ء اللغو ي واستنادات ه الناسي ة وكم ا لحظن ا كا ن هذ ا التعري ج وسيكون‬
‫مختصرا‍ً‪ ،‬ومتعلقا بالجانب التوضيحي اللغوي‪.‬‬
‫فمنذ بدأ النسان يفكر في معنى الحياة والوجود وعلقته بالطبيعة والكون‪،‬‬
‫وبالزمان وبالمكان‪ ،‬اتخذت عنده رموز الخصب والنتاج في الطبيعة هالة من‬
‫القدسية؛ فعبد كل ما يوفر له الغذاء ويحافظ على ديمومة الحياة وقد ارتبطت‬
‫المرأة منذ العصور الحجرية القديمة بعبادة الرض‪ ،‬لنهما كلتيهما‪ ،‬ترمزان‬
‫للخصوبة واستمرار الحياة‪ .‬وطوال مرحلة النتقال من جني القوت إلى مرحلة‬
‫انتاجه‪ ،‬كانت عبادة النثى طاغية على عبادة الذكر‪ ،‬لنها هي التي تلد وتحافظ‬
‫على استمرار الجنس البشري ولن دورها في العملية القتصادية لم يكن دون‬
‫دور الرجل (‪ )83‬ومع تطور البنية الجماعية في النتاج وتطور العملية النتاجية‬
‫الزراعية وضرورة تدخل الرجل (كقوة عضلية) في تلك العملية‪ ،‬انتقلت النثى‬
‫إل ى الموق ع الثاني ‪ ،‬وحلّ الرج ل مكا ن الصدار ة ف ي السلل م الميثولوجية‬
‫والثيولوجية ‪ .‬لك ن المرأ ة بقي ت تحتف ظ بخاصيته ا الساسي ة الت ي قدمته ا سابقا‬
‫(النجاب والخصب والولدة والعطف والرحمة)‪ .‬وكما قلنا في فصلنا الول‪ ،‬بأن‬
‫الجماعات العروبية ما قبل التاريخية كانت سباقة بالتطور التاريخي وعلى مسار‬
‫أنساق التاريخ كلها فقد تميزت لهجاتنا العروبية بخصائص هذا النتقال والسبق‬
‫التاريخي في تحميل بنائها البعاد المعرفية الناسية‪ ،‬التي ما زالت لغتنا العربية‬
‫تحملها في كل دللتها اللفظية والتركيبية والمرجعية والرمزية‪ ...‬ففي الدب‬
‫الوغاريتي (الكنعاني) ترد لفظة (رحمايا) كإسم للهه‪ ،‬ول شك أن الصل هو‬
‫"الرحم" والرحم هو مستودع الجنين عند المرأة‪ ،‬وهو رمز الخصب واستمرار‬
‫الحياة‪ .‬كما تعني (ر ح م) الكنعانية‪ :‬فتاة‪ ،‬كأن يقال ‪-‬رحم‪ -‬بالكنعانية‪ ،‬مثل بقية‬
‫اللهجات العروبية‪ ،‬معنى الرحمة أيضا‪ .‬وتعني كلمة الرحم بالعربية‪ -‬القرابة‬
‫أيضا كأن يقول "ذو رحم" أي "ذو قرابة"‪ .‬ولعل هذا التعبير يحمل جذور المجتمع‬
‫المومي‪ ،‬وهذا ما يذكرنا بكلمة (بطن) العربية بمعنى عشيرة ومن البطن يتفرع‬
‫الفخذ‪ ،‬وكلهما مصطلحان لهما صلة بتشريح جسم المرأة‪.‬‬
‫‪- 136 -‬‬

‫ويقال للمرأة رحوم‪ ،‬ورَحمة‪ ،‬ورحماء ومن هذا الجذر جاء مفهوم الرحمة‬
‫بمعنى رقة القلب والتعطف(‪ ) 85‬والرّحِمُ‪ ،‬والرّحْمُ في المعجم الوسيط‪ :‬موضع‬
‫تكوين الجنين ووعاؤه في البطن‪ ،‬والقرابة وأسبابها ذوو الرحام‪ :‬القارب‪.‬‬
‫الرحمن‪ :‬الكثير الرحمة‪ ،‬وهو وصف مقصور على ال عز وجل ول يجوز‬
‫أن يقال لغيره‪.‬‬
‫ويرى جون الليغرو أن اسم اللهه عشتار مشتق من الكلمة السومرية‬
‫‪ USH- TAAR‬التي تفيد معنى "الرحم" وتقابلها "شاترو" بالكدية‪ .‬ومنها أيضا‬
‫عشتارتو الكدية‪ .‬وهناك رأي يقول بأن عشتار ذات أصل عروبي قبل سومري‬
‫منها عشتر العربية وهي المقابل لها "تذكرنا بالفعل" عثر الذي يفيد معنى السقي‬
‫والرواء(‪.)86‬‬
‫"ولدى الحتكام إلى اللغة نرى أنها تقدم لنا أدلّة تؤكد على العلقة بين‬
‫النثى والرموز الخرى الدالة على الخصاب فكلمة مار ‪ MAR‬السومرية تعني‬
‫"الرحم " و"معول" على ح د سواء (‪ ) 87‬ولنتذكر ما أوردناه أعله عن (المر)‬
‫كمعول للحفر يستخدم بشكل واسع في بلد الشام والرافدين‪( .‬والمعول فأس ذات‬
‫مسنين أيضا‪ .‬ويرى جون الليغرو أن اسم الله البابلي مردوك قد يكون مشتقا‬
‫من المقطعين السومريين ‪ Mar-Dug‬ومعنى ‪ Dug‬اتصال جنسي أو مني‪ ،‬أو عضو‬
‫الذكورة أما ‪ Mar‬فرحم كما أسلفنا " وإنا نتساءل إن كانت هناك صلة بين كلمة‬
‫(مارّاتو) الكدية‪ ،‬وتعني " نخلة" كما ورد معنا أعله وكلم ة ‪ Mar‬السومرية‪،‬‬
‫فالنخلة كانت تعتبر إلهة الولدة في بابل‪ ،‬ومصر والجزيرة العربية وفينيقيا" ( ‪)88‬‬
‫وهل من الصعب أن تكتشف العلقة بين ‪( Mar‬رحم) السومرية‪ ،‬وكلمتي (مرأة)‬
‫و(مرء) العربيتين المعاصرتين؟ وهل هناك حاجة لنذكر القارئ بميلد النبي‬
‫اليسوع وبقصة أمه مريم والنخلة؟‬
‫و"مريم " نفسه ا اس م مشت ق م ن اللهجا ت العروبي ة (مر) = الما ء شديد‬
‫الملوحة= البحر= يم‪.‬‬
‫"والم بالسومري ة ‪ AMA‬وكذل ك ‪ UMU‬وتختصر إل ى ‪=MA‬أم‪ ،‬وبالكدية‬
‫=أمو =‪=Mo-Ri‬الم المنتجة والولود =‪ Rim‬تحمل طفلً و"كانت ماري اسم إلهة‬
‫أطلقه المصريون في نهاية اللف الثاني قبل الميلد على منطقة في الشمال (قيل‬
‫أنها قيص!) (‪.)89‬‬
‫‪- 137 -‬‬

‫و(أي ماري) والتي حكمت مدينة ماري على الفرات حتى ضمها حمورابي‬
‫سنة ‪1800‬ق‪.‬م ‪ .‬ولم ا كان ت العضا ء التناسلي ة تقتر ن بالخصا ب والنتاج‬
‫والنجاب فقد كانت عند القدمين رمزا لعملية الخلق أيضا‪ .‬من هنا اقترانها‬
‫بالسماء الدالة على المعبود في المعتقدات القديمة‪ ،‬مثل لفظة "بعل"‪ .‬فبعل كان‬
‫أشهر آلهة الخصب عند الكنعانيين‪ .‬بعل ‪ /‬هدد‪ :‬يعني السم في كل اللهجات‬
‫العروبية المالك والسيد والزوج‪ ،‬ويرتبط اسمه بأسماء مدن وبلد ومواقع مثل‬
‫بعل حازور‪ ،‬بعل فعور‪ ،‬بعل لبنان‪ ،‬بعل حرام‪ ،‬بعل بك‪ ..‬وغيرها كثير‪ .‬وكانت‬
‫رسائل تل العمارنة تصفه بإله الصاعقة ويقرأ اسمه (أدّو= حدو=هدو‪ /‬كما في‬
‫بلد الرافدين) ويلقب الفرعون نفسه (بعليا أديا) أي (يابعلي ويا أودي) مما يشير‬
‫إل ى أ ن السمي ن (بع ل وأدو ) لمسمّىً واحد ‪ .‬وكا ن الس م المحب ب لدى‬
‫الوغاريتيين‪ ،‬ويقصد به إله الخصب والطقس‪ ،‬وعرف بهذا السم في بلد النيل‬
‫أيضا‪ .‬ويعتقد أن بعل هو من أصل عموري كنعاني حيث يظهر لول مرة في‬
‫عصر السللة البابلية الولى‪ .‬أما هدد (هدّ) فيعتقد محمد وحيد خياطة أنه من‬
‫فعل كسر ودمرّ‪ ،‬والهاد في المنجد هو صوت من البحر فيه دويّ‪ ،‬والهادّة مؤنث‬
‫وتعني الرعد‪ ،‬يقال ما سمعنا العام هادّة‪ ،‬أي رعدا والهدد هو الصوت الغليظ‪،‬‬
‫وهذا ينطبق تماما على صفات الله بعل(‪.)90‬‬
‫أما علي الشوك فيقول "بأن بعل "اسم مشتق من الفعل السومري ‪( Al‬يثقب)‬
‫الذي إذا اقترن بالمقطع ‪ ، Ba‬سيعني "مثقب‪ ،‬قضيب" وبدمجهما يؤلفان كلمة ‪Bal‬‬
‫(يحفر ) بالسومري ة ويذكرن ا المقط ع السومري ‪( Al‬يثقب ) بكلمة ‪ Alla‬الكدية‬
‫(معول) وهو أداة للحفر‪ ،‬وفي الوغاريتية ‪-‬الكنعانية هناك الله عليّان‪ -‬بعل‬
‫ومثله عليان‪ -‬قردم‪ ،‬وقردم تعني "مقبض الفأس‪ ،‬قضيب" وبعل بالحبشية‪ :‬يملك‬
‫الكثير‪ ،‬يغتني‪ ،‬وبعولي‪ :‬غني‪ .‬وبعل=رب= سيد‪ ،‬ومثلها في السريانية"(‪.)91‬‬
‫هناك نحت سومري يرقى إلى اللف الثالث ق‪.‬م يرمز لله المطر غ ّ‬
‫ب‬
‫الجفاف ‪ .‬وكا ن الل ه هدو = حدد = أد و يص ّو ر واقفا عل ى ظه ر ثو ر ممسكا‬
‫بصاعق ة ف ي ك ل يد ‪ ،‬بصفت ه إل ه البر ق والعاصف ة فه و الذ ي يطل ق العنان‬
‫للعواصف‪ ،‬وبمشيئه يرعد الرعد وتنحني الشجار تحت سقوط الرياح الهوج‪،‬‬
‫وهو الذي يتجلبب بالسحب الداكنة ويهدر بصوته الراعب‪ .‬وعندما أصدر بعل‬
‫أوامره بأن تغمر الرض بالطوفان‪ ،‬قام هدّو بتنفيذ هذا المر‪ .‬كما جاء في إحدى‬
‫الملحم الوغاريتية (الكنعانية) "لك أيها المير البعل‪ ،‬ألم أكرر (على سمعك) يا‬
‫ع َدهُ ويرسل ضياءه إلى الرض‬
‫راكب السحب‪ ...‬وكذلك البعل يعطي صوته َر ْ‬
‫‪- 138 -‬‬

‫بروقا"(‪.)92‬‬
‫والريح في العربية هي حركة الهواء‪ ،‬كما هو معروف‪ ،‬وهناك الروح وهي‬
‫حياة النفس‪ ،‬وكلمة "روح" صوتية على أغلب الظن أي أن اللفظة اجترحت من‬
‫صوت الريح(‪ ) 93‬لكنّ جون الليغرو يرى أن كلمتي "روح" و"ريح" جاءتا من‬
‫_ري‪ -‬خا) السومرية‪ ،‬وتعني العاصفة (‪ .)94‬و"ري‪ -‬خا" هي بالتأكيد "ري‪ -‬حا"‬
‫قبل نقلها إلى اللغات اللتينية وإعادة الحاء خاء إلينا‪ ،‬تماما كما لحظ القارئ في‬
‫السطور السابقة مع الله هدّو=حدّو= الذي عاد إلينا في بعض المراجع أدّو‪ .‬ما‬
‫يهمنّا في هذه القراءة إثبات التواصل الناسي المعرفي بشقيه العروبي والعربي‬
‫وعلى مستوييه الشاقولي والفقي‪ ،‬بدون انقطاع إطلقا‪.‬‬
‫ومادمن ا نبح ث ف ي مستو ى الخص ب والما ء والعاصف ة والبح ر والريح‬
‫والروح ومر‪-‬يم‪ ،‬وقلنا بأن مر=الماء شديد الملوحة فإن ي ّم بكل اللهجات العروبية‬
‫تدل على البحر‪ ،‬ومعها اليمامة‪ ،‬ويم‪ ،‬واليمامة منطقة وسط الجزيرة العربية‬
‫الشهيرة‪ ،‬والتي ترمز إلى اليمامة المقدّسة‪ ،‬والتي منها الحمامة التي تقترن بالله‬
‫الحب‪ ،‬فهي طائر الزهرة أيضا‪ .‬ومن الجدير بالذكر أن تماثيل الحمام اكتشفت‬
‫مع تماثيل النساء التي ترمز للخصب في تل حلف وتعود إل ى ‪5300‬ق‪.‬م (‪)95‬‬
‫ومعروفة أيضا أسطورة الحمامة ونوح في التراث العربي‪ ،‬وعندما أرسل نوح‬
‫الغراب أولً لستطلع اليابسة فوقع على جيفة ولم يعد‪ ،‬فأرسل الحمامة رمز‬
‫الطهارة والوفاء فاستجعل ت على نوح الطوق الذي في عنقها فجعل لها ذلك‬
‫جعلً(‪)96‬‬
‫وفي ذلك يقول أميّة بن الصلت (عن المصدر نفسه)‪:‬‬
‫وأُرسلت الحمامة بعد سبع‬
‫ب‬
‫تدل على المهالك لنها ُ‬
‫ب‬
‫وعاينه من الماء العبا ُـ‬

‫الرض‬
‫مس هل ترى في‬
‫تل ّ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫عينا ًـ‬

‫عليهـــ ـــالثأطـــ ـــوالطين‬
‫ب‬
‫الكبا ُـــــــــــــــــــــــــ‬

‫فجاءتـ ــبعدـ ــماـ ــركضت‬
‫ف‬
‫بقط ٍـــــــــــــــــــــــــــ‬

‫وإنــ ــتقتلــ ــفليســ ــلها‬
‫استلبــــــــــــــــــــــــ‬

‫فلما فّرسوا اليات صاغوا‬

‫ومن اليمّ‪ ،‬يمّ (قصد) وتيمّم أي مسح يده‪ ،‬ووجهه بالتراب‪ .‬واليمام‪ :‬القصد‪.‬‬
‫واليمامة‪ :‬القصد‪ .‬ول بد أن يكون القصد هنا اليم‪ .‬أي الماء‪ ،‬لن الغرض من‬
‫‪- 139 -‬‬

‫التيمم هو الستعاضة عن الماء إذ يُفتقد‪ .‬ويقال"امضِ يمامتي "أما أمامي‪ .‬كما أن‬
‫"أمّ" قصد وليبيا باليونانية تعني المطر المتساقط‪ ،‬لن المطر الشتوي الغزير يأتي‬
‫من جهة ليبيا‪ .‬وهي بالطبع تسمية تالية للتسمية العربية الحقيقية "ذات الصل‬
‫الفينيقي‪ -‬والمشتقة من (اللوب) أي العطش وبالتالي فالليبيون هم سكنة البلد‬
‫العطشى أو الجرداء‪ ،‬وبالعربية‪ ،‬لب‪ ،‬يلوب الرجل أو البعير‪ :‬عطش‪ .‬وقيل‬
‫أيضا حام حول الماء وهو ل يصل إليه (‪.)97‬‬
‫"وماء" بالسومرية أو"خبير بالزيت" =‪ AI-ZU-ZU‬وباللهجات العروبية (أسا‪،‬‬
‫يأسو) =آس بمعنى يعالج ومنها جاءت السي‪ ،‬أي الطبيب (‪ )98‬ونرى في هذه‬
‫الحالة تطابقا كاملً بالصل وبالحركية تماما كما هي في كلمة "عنب" بالعربية‬
‫المعاصرة =‪:‬إينبو بالكادية =عينبو (أخذا بالعتبار ابتلع اللغات ذات الصل‬
‫اللتيني لحرف العربية "ع") و"كرمة"= كرامة=‪ Keramu‬بالكادية أيضا‪.‬‬
‫وكلمة "أيل=الوعل الذكر‪ /‬في قاموس تاج العروس للزبيدي‪.‬‬
‫و(إيحال) =بالوغاريتية الكنعانية‪.‬‬
‫(أي الو) بالكادية‪.‬‬
‫ه يال بالحبشية‬
‫ايل بالقبطية وأحيانا‬

‫‪Jul‬‬

‫=أيل بالسريانية(‪.)99‬‬

‫ومنها أيضا‪:‬‬
‫كلمة "شور بالعربية =تور ‪( Tor‬بالرامية) = (شور) ‪ Shor‬بالكدية = (ثر)‬
‫بالوغاريتية ‪/‬الكنعانية‪= /‬سومر "بالحبشية واللهجات العروبية الجنوبية‪ .‬وكلمة‬
‫"أرض" مشتركة في كل اللهجات العروبية‪ ،‬وهي بالحبشية (مدر)= الطين الذي‬
‫ل يخالطه رمل (في العربية المعاصرة)(‪.)100‬‬
‫وكلم ة "سماء " ="ساماي" بالحبشية (وال "سمة " هي القبة‪ /‬وترتبط بالماء‬
‫والمطر ‪ ،‬فكلم ة "شامو" ‪ Shammu‬الكدي ة تعن ي سما ء ومط ر عل ى ح د سواء‪،‬‬
‫والسماء بالعربية المعاصرة كما جاء في كتاب (العين) للفراهيدي‪ ،‬هي المطر‬
‫الجائر‪ ،‬ويقال أصابتهم سماء‪ ،‬أي مطر‪ .‬والسماوة هي ماء البادية(‪.)101‬‬
‫وأما لفظة (نون) المصرية‪ ،‬أو (نو) وهي ترمز إلى المحيط الول‪ ،‬فتذكّرنا‬
‫‪- 140 -‬‬

‫بنون العروبية التي تفيد معنى السمكة ويمكن ذكر مدينة (نينوى) أيضا‪ ،‬والنبي‬
‫(يونس ) الذ ي وع ظ أه ل نينو ى و(أونس ) الكائ ن السطور ي السومر ي الذي‬
‫يرتبط اسم ه بالطوفان وبالسمكة‪ ،‬فهو كما تقول السطورة كائن نصف ه بشر‬
‫ونصفه الخر سمكة‪.)102(.‬‬
‫وهكذا يمكن أن نأتي بمعاجم كاملة عن وحدة التكوين اللغوية المتطور‬
‫حلزونيا من اللهجات العروبية التاريخية إلى اللغة العربية التالية بصفاتها الحالية‬
‫المتطورة‪ ،‬وهذا ل يشمل وحدة البناء المعجمي ‪"-‬المفرداتي" فقط بل‪ ،‬وأيضا‪،‬‬
‫طبيعة التوظيف اللغوي وما يعنيه ذلك من علقة الفرد والجماعة مع عناصر‬
‫التكوين التاريخي‪ ،‬والزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬مع عناصر التكوين الناسي المعرفي ليس‬
‫فقط من خلل العنصرين السابقين‪ ،‬بل ومن خلل تكوين ذاكرة جمعية ومخيال‬
‫اجتماعي وسيكولوجيا جمعية وبنية ميثولوجية ومعتقدية واحدة متطورة صيغت‬
‫بطرائق مبدعة وخلقّة أنتجت بنية أناسية معرفية قدّمت في زمنٍ باكرٍ جدا رؤى‬
‫اكتشافية للمكان وللزمان‪ ،‬وما زالت كغيرها من تكويننا العربي الثقافي تُعاش في‬
‫كل لحظة اجتماعية أو انتاجية تعيشها المم الخرى‪.‬‬
‫فمن يتابع رؤية العروبي للمكان (الفضاء) يكتشف بسهولة كيف استطاع‬
‫ومنذ آلف السنين تحديد طبيعة الفضاء الذي يتعامل معه في سوياته العديدة‪.‬‬
‫فاستطاع أن يميز الفضاء المكاني المحسوس‪ ،‬عن الفضاء المجرد (التخييلي) عن‬
‫الفضا ء المعرفي ‪ .‬وأعط ى لك ل بع د م ن أبعا د تل ك الفضاءا ت حيوي ة انسانية‬
‫خاصة‪ ،‬وبُعدا قوميا مميزا‪.‬‬
‫فال (فوق) وال (تحت) ليست مجرد أبعاد مكانية‪ ،‬بل تعني علقة الخير‬
‫والشر‪ ،‬النور والظلمة‪ ،‬الخصب والعدم‪ .‬وللنهر والبحر‪ ،‬للماء المالح والعذب‬
‫علقات محددة مع منظومات الخلق والتطور‪ ،‬تلك العلقات وإن أخذت في كثير‬
‫من جوانبها علقات الجماعة والفرد بالمقدس وغير المقدس ومن خلل بناء‬
‫مثيولوج ي عروبيّ ‪ ،‬إل أنه ا صبغ ت تل ك الجوان ب بألوا ن منظومتن ا الناسية‬
‫المعرفية‪ ،‬وخصوصا أن في الحراك العروبي الجغرافي والتاريخي‪ ،‬علقات‬
‫قاسية مع الفضاء (المكان) ابتداءً من اسطورة الخلق والطوفان‪ ،‬مرورا بالفيضان‬
‫والتصحرّ‪ ،‬وتقاطع دروب تجارة البخور واللبان‪ ،‬والغزوات الصعبة القاسية التي‬
‫بدأت تفرض نفسها على الفضاء المعيش ابتداءً من سقوط بابل على يد كيرش‬
‫عام ‪539‬ق‪.‬م‪ ...‬وانتهاءً بالحراك المعرفي الهم في التاريخ العروبي مع ظهور‬
‫مبادئ السلم برسالته المحمدية العظيمة‪.‬‬
‫‪- 141 -‬‬

‫فالشرق ل يعني للعربي شيئا إن لم يرتبط بالشروق والنور‪ ،‬والغرب ل‬
‫يعني شيئا إن لم يكن الفضاء الذي يخلع فيه النور ثيابه البيضاء‪.‬‬
‫حاول أن يعامل المكان بما تطرحه منظومته الفكرية‪ ،‬فحاول الرتقاء إلى‬
‫العلى بالمكان والرض لن السماء ل يمكن أن تأتي إليه‪ ،‬فبنى الزقّورات‬
‫والهرام‪ ،‬من ثم المساجد‪ ...‬والكنائس ليس فقط كأماكن للعبادة‪ ،‬بل كرمز ارتقاء‬
‫بنفسه نحو العلى‪ .‬حتى حدود اليمين والشمال نسبة لتوجهّه إلى الشرق‪ ،‬فأصبح‬
‫اليمين ذو الصلة الوثيقة باليمن والبركة والخير‪ ،‬وما يقع على يمين الشمس‪،‬‬
‫ومنها اليمن السعيد‪ ،‬ومنها أقسم اليمين‪ ،‬ومنها تيامن أي ذهب في اتجاه اليمين‪،‬‬
‫وتشامل أي ذهب في اتجاه الشمال‪ ،‬ومنها العسر الذي يستعمل يده اليسرى‪،‬‬
‫ومن ذلك أيضا الطائر الميمون‪ ،‬ومنها أيضا كيف يؤتى النسان يوم القيامة كتابه‬
‫إما بيمينه فينقلب إلى أهله مسرورا أو بشماله وهو الذي يصلى سعيرا‪ .‬حتى أن‬
‫الطائف في الحج قبل السلم كان ينطلق من الحجر السود أي من المشرق ثم‬
‫"يبدأ بآساف فيستلمه ثم يستلم الركن السود ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل‬
‫الكعبة عن يمينه فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن‪ ،‬ثم استلم نائلة فيختم بها‬
‫طوافه"(‪)103‬‬
‫وسنتطرق باسهاب إلى علقة العربي بالمكان (الفضاء) في فصول لحقة‪،‬‬
‫أما ما يخص الزمان فسندرسه مع البنية الميثولوجية‪ ،‬لكن الزمن بوصفه من‬
‫المور المجردة‪ ،‬لم يترك بقياسه الفيزيائي‪ ،‬بل كما تعامل العربي مع المكان‬
‫بحيث تفاعل معه وصبغه بألوانه وبنيته وبمعرفته‪ ،‬أيضا تعامل مع الزمن الكوني‬
‫باعتباره جزءا مكونا لحياة النتاج الجتماعي‪ .‬وبالتالي لم يعد الزمن بمفهومه‬
‫السابق يجري في ذاته ولذاته دون أية علقة مع أي موضوع خارجي في نسق‬
‫تتتابع فيه الخطوات تتابعا رتيبا في مجرىً خطيّ‪ ،‬بل ارتبط الزمن العروبي‬
‫تاريخيا ومنذ مراحل ما قبل التاريخ بنسقين اجتماعيين‪ .‬أولهما بالطقوس الدينية‬
‫والميثولوجية بحيث ينقسم إلى فترات حساسة هامة تُفقد عقد التشابه بين خطواته‪.‬‬
‫وثانيهما ارتباطه باللية الجتماعية النتاجية‪.‬‬
‫وبالتالي ‪ ،‬ل م يع د التقوي م الزمن ي وظيف ة ديني ة متجانسة ‪ ،‬ب ل يصب ح من‬
‫الضروري التمييز بين الزمن النوعي الجتماعي والزمن الكمي‪ .‬وهذا ما حددته‬
‫المنظوم ة الناسي ة المعرفي ة العربي ة ف ي تطوره ا الذ ي تحدثن ا عنه ‪ .‬فل م تعد‬
‫الميثولوجيا العربية في تلك المنظومة تقدم الزمن على أنه شيء دائم ومتجانس‬
‫أو لحظات متعاقبة "فحتى تعاقب الليل والنهار يصبح صراعا مستمرا فيُهزم فيه‬
‫‪- 142 -‬‬

‫الظلم فجر كل يوم وينتصر فيه بعد ذلك المساء‪ .‬والزمن يتدخل في شؤون‬
‫البشر على نحو إداري‪ ،‬مثل الظاهرة الطبيعية (الصواعق‪ ،‬المطر‪ ،‬الزلزل‪،‬‬
‫الفيضان) ومن هنا جاءت فكرة الندماج بالزمن‪ ،‬على غرار الندماج المكاني‪،‬‬
‫وهو ما كان يمارسه ‪/‬العروبيون‪ /‬المصريون والبابليون في طقوسهم الدينية عند‬
‫بداية السنة الجديدة‪ .‬في مصر ينعكس مفهوم الندماج بالزمن في اللعنة التي‬
‫تصب على أعداء فرعون في هذه المناسبة "سيكون مصيرهم الفعى أوفيس في‬
‫صبيحة رأس السنة الجديدة" ذلك أن الفعى أو فيس تمثل الظلم أو الخصم الذي‬
‫تهزمه الشمس كل ليلة في رحلتها إلى العالم السفلي من موضع الغروب إلى‬
‫موضع الشروق‪.‬‬
‫وف ي باب ل كانو ا يحتفلون برأ س السن ة الجديد ة ك ل عا م لعد ة أيا م (‪11‬أو‬
‫‪12‬يوما) في أثناء هذه الحتفالت تتلى قصة الخليقة وتمثل معركة بين اللهة‬
‫ينتصر فيها انليل على تعامت التي تمثل قوى العماء وفي بداية السّنة الجديدة يبدأ‬
‫الملك حكمه لن رأس السنة هو بمثابة بداية الحياة والولدة‪ :‬بداية الزمن (‪.)104‬‬
‫أما الزمن في اللهجة العروبية الكدية فيقال له "أدنّو" ول بد أنه"عدنّو"‬
‫عدّا ن وعِدا ن وتعنيا ن "زمن"أيضا‬
‫وبالسرياني ة عدن ‪ ،‬وف ي العربي ة المعاصر ة ّ‬
‫والعدا ن زما ن الشي ء أ و أفض ل الزما ن أ و أوّل ه ويقا ل "ك ل ذل ك ف ي عدان‬
‫الشباب"(‪ ) 105‬وحتى الن تستخدم المفردة بشكل واسع في ريف بلد الشام‪ :‬ما‬
‫ل عدانه بعد! أي لم يأت زمنه (أو موعده) بعد‪.‬‬
‫حّ‬
‫وربما كان لستخدام علقة الزمن بموعد مياه الري في كلمة "عدان" أهمية‬
‫أناسية معرفية خاصة بارتباط الماء بالخصب والخضرة‪ ،‬بحيث تحوّل السقاية‬
‫(الماء) الرض إلى جنة عدن (عدن‪ ،‬عدان‪ ،‬عدنّو)‪.‬‬
‫أما "وقت" العربية المعاصرة فهي "أقيتو" البابلية ‪ Akitu‬التي تقال لعيد رأس‬
‫السنة وللمعبد الذي تمارس فيه طقوس ذلك العيد وبالسومري ة ‪ A-Ki-Ti‬وتعني‬
‫بالصل استنزال المطر‪.‬‬
‫وأحيانا يُقص د بالليل ة اليو م بأكمله‪ ،‬كم ا هو الحا ل في العربي ة في قولنا‬
‫أمضينا أربع ليال‪ ،‬وكلمة يوم مستعارة من الحرارة حي ث فعلها في العربية‬
‫(ومَهَ) ‪ :‬اشت د حرارة ‪ ،‬ويقا ل للنهار ‪ .‬وبالكدي ة يومو ‪ UMU‬وبالوغاريتية‬
‫(الكنعانية) "ي م")‪.‬‬
‫‪- 143 -‬‬

‫واليوم في بابل يبدأ غروب الشمس‪ :‬وقوامه الليل (لحظ الرتباط بقولنا في‬
‫العربية المعاصرة أمضينا أربع ليال) والنهار‪ .‬والليل في الكدية ‪=Musu‬مساء‪.‬‬
‫والنهار ‪( Umuurru‬مع القلب بين النون والميم تصبح" ا ن ه و ر و" وذلك لنهم‬
‫كانوا يعتقدون أن النهار يولد من الليل وأن الشمس ولدت من القمر(‪ ) 106‬وفي‬
‫القرآن الكريم‪" :‬وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" (سورة يس‪.)37:‬‬
‫وهذا ما يؤكد أن الرؤية المعرفية (عبر الزمن بفضائه المعرفي) هي التي‬
‫دفعت النسان الجتماعي العروبي إلى مزج الزمن بتصوراته الناسية لينتقل في‬
‫بعض مفاصله إلى الزمن النوعي‪ .‬ويبدو ذلك واضحا في تقسيمهم فصول السنة‬
‫والشهر وتسمياتها‪.‬‬
‫فقد كان قوام السنة المصرية ثلثة فصول‪:‬‬
‫وقت الفيضان‪ ،‬وقت البذار‪ ،‬جني المحاصيل‪.‬‬
‫وكل منها يتألف من أربعة أشهر‪ ،‬وكل شهر من ثلثين يوما‪ ،‬مع خمسة‬
‫أيام إضافية في نهاية السنة ليصبح المجموع ‪365‬يوما‪.‬‬
‫وفي التقارير الكنعانية والعروبية القديمة عموما تعامل الفصول الربعة‬
‫اثني عشر ثورا منتظمة في أربعة أقسام‪ ،‬وفي كل قسم ثلثة ثيران‪ ،‬وكانت‬
‫أسماء الفصول عند البابليين‪" :‬حصاد‪ ،‬قيظ‪ ،‬حِر‪ ،‬برد(‪.)107‬‬
‫و"خريف" المعاصرة من الجذر خرَف=قطف= "خارفي" بالكدية= ناضج‪.‬‬
‫لك ن كلم ة " خ فارة " الوغاريتي ة (الكنعانية ) تعن ي شا ة وتقابله ا خروف‬
‫بالعربية المعاصرة وتعني خرافو بالكدية وبالمسندية والعربية الجنوبية عموما‪،‬‬
‫خرف وتعني سنة‪ .‬وهذه كلها تذكرنا بكلمة الخريف‪ .‬بمعنى أن هذه الحيوانات‬
‫إنما كانت تسمى باسم السنة التي تمر على ولدتها‪ ،‬وذلك على غرار الحولي‪:‬‬
‫العجل الذي مضى على ولدته سنة‪ .‬على أن حساب الزمن بدأ مع القمر قبل أن‬
‫يعرف النسان التقويم الشمسي بزمن طويل‪ ،‬لن القمر يغيرّ وجهه باستمرار‪،‬‬
‫ويكرر دورته في عدد من اليام أقل بكثير من دورة الشمس وسميت الفترة بين‬
‫ظهور هللين قمرا (بمعنى شهر) وهي "ارخو" بالكادية تقال للقمر وللهلل‬
‫وللشهر‪ .‬وكلمة شهر بالعربية =سهرا بالسريانية التي تقال للقمر ( ‪ ،)108‬ومنها‬
‫سهَر‪ ،‬سهرة‪ ،‬ساهر‪ ،‬ساهرون‪ .. ،‬إلخ) وهي من الجذر (سهر) بمعنى‬
‫نقول ( َ‬
‫(تدوّر) أم ا كلم ة "القمر " العربي ة فه ي مشتق ة م ن الفع ل (قمر ) بمعن ى ابيضّ‬
‫‪- 144 -‬‬

‫"والقمر في العربية الجنوبية =ورخ‪ .‬ومنها جاءت كلمة تاريخ‪ .‬وهنا ل بدّ أن‬
‫يكون قد لفت انتباه القارئ التطابق بين اللهجة الجنوبية والكدية وعلقة التسمية‬
‫بالتاريخ‪.‬‬
‫وللقمر والشمس تسميات خاصة ودقيقة ترسم التصور الدقيق لحركاتهما‬
‫بالضافة إلى موقعهما المركزي في معظم مظاهر الميثولوجيات العروبية‪ .‬أما‬
‫من الناحية الحضارية فمن المعروف للجميع أن تقسيم الزمن الميقاتي مع اختراع‬
‫الساعات المائية وغيرها‪ ،‬كان من النجازات التي ل تعد ول تحصى والتي‬
‫قدمها العرب على مسار تاريخهم للبشرية‪.‬‬
‫في البدايات كان لكل مدينة في سومر نظامها الشهري‪ ،‬وأسماء الشهور‬
‫تمت معتمدة على أصول زراعية ودينية مثل‪ :‬شهر نزلء المعبد‪ ،‬وهو الشهر‬
‫الول‪ ،‬وشهر (الناعورة) الله التي تمتح الماء بواسطة الثيران وهو نفسه في‬
‫البابلية‪ ،‬والشهر يوضع فيه الجر مع الملط‪ ،‬وشهر البذار‪ ،‬وشهر عشتار‪،‬‬
‫وشهر فتح قنوات الري وشهر الحراثة‪ ...‬إلخ (‪.)109‬‬
‫وفي زمن حمورابي‪ ،‬أي في أيام الموريين‪ ،‬كانت قائمة الشهور على‬
‫الوجه التي‪:‬‬
‫‪ -1‬نيسانو‪-‬يحرك‪ ،‬يقفز‪ ،‬يطير‪ ،‬وبالليبية"الطير‪.‬‬
‫‪-2‬ـ ـأيارو=وهوـ ـمنـ ـآروـ ـوتقابلـ ـ(آر=النور)ـ ـ=ينبتـ ـالزرع‬
‫ويطلعــ ــأوراقا ًــــ وهوــ ــوالحالةــ ــهذهــ ــشهرــ ــالزهار‪،‬‬
‫وبالليبية"الماء"‪.‬‬
‫‪ -3‬سيفانو بالليبية "الصيف"‪.‬‬
‫‪-4‬ـ ـدزوـ ـ(تموز)=ـ ـبالسومريةـ ـ(البنـ ـالمينـ ـلمياهـ ـالمحيط‬
‫الجوفي) وبالليبية= ناصر‪.‬‬
‫‪ -5‬آبو(معاوٍ‪ /‬بسبب حره الشديد‪ /‬والليبية "هانيبعال"‬
‫‪-6‬ـ ـألولوـ ـوهيـ ـمشتقةـ ـمنـ ـالولولةـ ـوالتهليلةـ ـعلىـ ـتموز‬
‫وبالليبية "الفاتح"‬
‫‪ -7‬تشريتو‪ :‬ويعني (الصل‪ ،‬البداية)‬
‫‪ -8‬أرخا‪ -‬سمعنا (الشهر الثامن) وبالليبية =الحرث‪.‬‬
‫‪ -9‬كسليغو‬
‫‪ -10‬ذابيتو (العابس‪ ،‬المظلم)‬
‫‪ -11‬شباطو‪-‬المديّر‪.‬‬
‫‪ -12‬أدّارو (المكتظ بالسحب)‬
‫‪- 145 -‬‬

‫وفي مصر كان التقويم قمريا في المراحل المبكرة من تأريخها (إلى ما قبل‬
‫بناء الهرم) حتى اللف الثالث قبل الميلد حيث أصبح التقويم شمسيا وكانت‬
‫السنة المصرية المؤلفة بادئ المر م ن ‪360‬يوما والشهر م ن ‪30‬يوما ولهذا كان‬
‫اسبوعهم مؤلفا من عشرة أيام‪ .‬ولكنهم كانوا يضيفون خمسة أيام لتستكمل السنة‬
‫عدتها‪ .‬ومع أن المصريين كانوا على علم بربع اليوم الذي يتم الدورة السنوية‬
‫التي عدتها ‪ 365‬يوما وربع اليوم إلّ أنهم لم يدخلوه في حسابهم إلّ بفترات لحقة‬
‫حيث يضاف يوم في السنة الكبيسة (كل ‪4‬سنوات)‪.‬‬
‫وكبس السنين‪ ،‬كما يقول جاك لندسي‪ ،‬يعكس لنا المستوى الذي بلغوه‪ ،‬فهو‬
‫ينطوي على فهم للعلقة بين السنين الشمسية والقمرية في دورة ‪19‬سنة أي أنه‬
‫‪235‬شهرا قمريا =‪19‬سنة شمسية (‪ .)110‬وهذا ما كان يقابله الشهر النسيء في‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬بحيث يضاف هذا الشهر كل فترة زمنية محددة لتعديل الفارق‬
‫بين التقويمين‪.‬‬
‫ومن المهم ذكره أخيرا في هذا السياق‪ ،‬بالضافة لما قدمته الحضارات‬
‫العروبية في وادي الرافدين ومصر من علوم الفلك والرياضيات والهندسة والفن‬
‫المعماريّ والري وتقنيات الزراعة المتطورة وغيرها الكثير "أن الفلكي الكلداني‬
‫(البابلي) بنوريمانو حدد أيام السنة ب ‪ 365‬يوما و ‪ 6‬ساعات و ‪15‬دقيقة و ‪41‬ثانية‬
‫وهذا الرقم يزيد فقط على طورها الحقيقي بستٍ وعشرين دقيقة وخمس وخمسين‬
‫ثانية"(‪.)111‬‬
‫وكان السبوع البابلي سبعة أيام‪ ،‬وقد أطلقوا (كما أسلفنا في فصل سابق)‬
‫على كل يوم اسم كوكب من الكواكب الخمسة المعروفة يومذاك‪ ،‬بالضافة إلى‬
‫الشمس والقمر فكان يوم الحد البابلي هو يوم الشمس (شمسا) ويوم الثنين هو‬
‫يوم القمر (سين)‪ /‬سين أيضا اسم للقمر في اسطورة ديلمون السومرية وفي كامل‬
‫الهرم الميثولوجي لجنوب الجزيرة العربية (‪)112‬والثلثاء يوم الله نزغال الذي‬
‫كان إله الحرب في مرحلة مبكرة‪ ،‬ثم أصبح إله الموتى في العالم السفلي‪ -‬وهو‬
‫يقابل المريخ‪ .‬والربعاء هو يوم نابو إله الحكمة والذكاء وملهم الكتابة‪ ،‬والوسيط‬
‫بين البشر واللهة (ومنه جاءت كلمة نبي) وهو المقابل لعطارد والخميس يوم‬
‫الله مردوخ = المشتري والجمعة يوم عشتار= الزهرة والسبت= ننيب‪.‬‬
‫والشار ة إل ى الدور ة الزمني ة الت ي قوامه ا سبع ة أيا م ف ي قص ة الطوفان‬
‫البابلية تعني أن السبوع السباعي عند البابليين كان معروفا منذ تلك الفترة على‬
‫‪- 146 -‬‬

‫القل(‪.)113‬‬
‫وتجدر الشارة إلى أن العالم الفلكي البابلي العظيم ‪/‬قام بعد العالم البابلي‬
‫المذكور أعله ‪/‬كِدنّو‪ /‬قاس الدورة السنوية بدقة متناهية ل تختلف عن مدتها‬
‫الحقيقية سوى بأربع دقائق و ‪32.65‬ثا‪ ،‬وكان الفرق في حسابه أقل في واقع الحال‬
‫من الفرق في حساب الفلكي المعاصر ‪ Appolzer‬أبلوزر عام ‪.)114(1887‬‬
‫فالمفردة‪ ،‬ليست تسمية اشتراطية‪،‬إنها في الساس دللة معرفية‪ ،‬خصوصا‬
‫في لغتنا العربية وفي لهجاتها العروبية السابقة‪ .‬فهي ل تحدد اشتراطا معينا‬
‫يتناقض مع دللتها‪ ،‬بل بالعكس من ذلك‪ ،‬لحظنا أن معظم المفردات المناقشة‬
‫يد ل عل ى ارتكا ز معرف ي متطور ‪ ،‬حس ب التاري خ للمفردة ‪ ،‬وحس ب التشريح‬
‫الناسي في انتشاره ‪.‬‬
‫والن إذا حاولنا مناقشة النتائج المستخلصة من خلل ما سبق ماديا نجد‪:‬‬
‫أولً‪ :‬إن التطابق أو التماثل أو التشابه في البنية اللغوية لمعظم المفردات اللغوية‬
‫في اللهجا ت العروبية ابتداءً من لهج ة م ا قبل سومر‪ ،‬وسومر الكدية‪،‬‬
‫واليبلوية‪ ،‬والكنعانية (الفينيقية) مرورا باللهجة العربية الجنوبية (المسند)‬
‫والحبشية والمازيغية والمصرية‪ ،‬والبربرية الثانية‪ ،‬وصولً إلى العربية‬
‫الفصحى المعاصرة لهو دليل أكيد على أحد احتمالين‪:‬‬
‫‪-1‬أن يكون هناك أصل جغرافي أثنوغرافي أو(أثنولوجي) مغرق‬
‫في القدم لكل تلك القبائل العروبية في انتشارها الواسع من‬
‫الخليج ـالعربيـ شرقا ًـ وحتى ـالمحيطـ الطلسي ـغربا ً‪ ،‬تتحدّد‬
‫فترة تواجده الناسي في المرحلة الزمنية التاريخية السابقة‬
‫لمراحل الحراك الدفئ الذي أعقب توضع نهر النيل بوضعه‬
‫الحالي‪،‬ـ ـوعودةـ ـمياهـ ـالخليجـ ـالعربيـ ـإلىـ ـماهيـ ـعليهـ ـالن‬
‫واستقرارـ ـمنطقةـ ـشطـ ـالعرب‪،‬ـ ـودلتاـ ـالنيلـ ـمعـ ـالنحسار‬
‫المعروفـ ـفيـ ـالطبيعةـ ـوفيـ ـالبنىـ ـالمعرفيةـ ـ"الفلسفية"‬
‫والمثيولوجيةـ ـلللتقاءـ ـالتداخليـ ـبينـ ـالماءـ ـالمالحـ ـوالعذب‪.‬‬
‫فأينـ ـكانتـ ـتلكـ ـالتجمعاتـ ـالم؟ـ ـهلـ ـتواجدتـ ـفيـ ـمناطق‬
‫معينة من ـالجزيرة العربية ـأم ـفيـ الهلل ـالخصيب كلهـ أم‬
‫على الساحل الشامي؟ أم على الخليج العربي تحديدا ً؟ أم‬
‫فيـ الصحراء ـالعربية ـالكبرى ـ(الليبية)؟ـ ـأم ـفي ـوادي النيل‬
‫والدلتا؟ ـ ــأم ـ ــفي ـ ــوادي ـ ــالخسيف؟ ـ ــبامتداديه ـ ــالفريقي‬
‫واليماني‪"...‬؟‪...‬إلخ‬
‫‪-2‬أن تكون جملة الظروف البيئية والمعيشية والطبيعية‪ ،‬وتطور‬
‫الظروف بالحياة الجتماعية كانت متطابقة لدرجة كبيرة مما‬
‫عنىـ ـبالضرورة‪،‬ـ ـتطورا ًـ موازيا ًـ‪ ،‬ـبالبناءـ ـالناسيـ ـالثنولوجي‬
‫‪- 147 -‬‬

‫والمعرفي‪ ،‬والثقافي والحضاري‪ .‬بحيث دفعت تلك الظروف‬
‫المتطابقة إلى المواقع الولى‪ ،‬طبيعة محددة بمعالم بنائية‪،‬‬
‫كان من السهل التعامل معها بنفس الشتراطات لجماعات‬
‫بشريةــ ــمتفرقةــ ــعنــ ــبعضها‪،‬ــ ــومتباعدةــ ــفيــ ــالصول‬
‫الثنولوجية!!؟؟ـ ـأنـ ـتنتجـ ـأدواتـ ـتواصلـ ـواحدة‪ .‬ـكانتـ ـاللغة‬
‫المعبر الرقى والحاضنة الهم لما يعنيه ذلك التواصل من‬
‫تداخل كافة جوانب رؤية الحياة‪ .‬لكن إذا قلنا بذلك ‪ -‬فكيف‬
‫يكون التقاطع في المفردات ذات التسميات الحرفية لدوات‬
‫محددة‪.‬ـ ـتقنيةـ ـزراعيةـ ـأوـ ـرعويةـ ـفيـ ـبنىـ ـ"مجتمعة"ـ ـيطغى‬
‫فيها أحد النمطين؟ وكيف يمكن أن نفهم استقبال "تقبل"‬
‫سكان الشمال الفريقي للهجة القرطاجية "الفينيقية" وكأنها‬
‫لهجتهم الساسية‪ ،‬بحيث ظهرت اللهجة القرطاجية‪ ،‬كشكل‬
‫أرقىــ ــمنــ ــاللهجتينــ ــالسابقتينــ ــالفينيقيةــ ــالمشرقية‬
‫والمازيغية؟‬
‫ثانيا ‪ :‬ليس التطابق في البناء اللغوي يتعلق باللسانية الدواتية التالية لمحاكاة‬
‫الطبيعة فقط‪ ،‬بل أن ذلك شمل البنية الميثولوجية والدبية أيضا‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬يلحظ المتابع لما أتيناه من تطابق في المفردات أن اللغة المشتركة التي‬
‫كانت تجتمع كل لهجاتها على البنية التقنية والطبيعية والبيئية والحضارية‬
‫منذ عصور ما قبل التاريخ انتقلت مع بداية اللف الثاني قبل الميلد لتصبح‬
‫مشتركة أيضا بلغة التخاطب الدبي‪ ،‬بحيث أصبحت لغة مشتركة كقيمةٍ‬
‫أدبي ة بلغ ت ذروته ا م ع القر ن الخام س عش ر قب ل الميلد ‪ .‬وم ا المثلة‬
‫والنماذج العديدة التي أتينا بها من الحضارة اليبلوية والتي تتقاطع بمحاور‬
‫الخطاب الدبي مع الكدية والكنعانية (الوغاريتية) والسومرية إلّ نموذجا‬
‫صارخا وصريحا لهذه اللغة الدبية المشتركة وإن كنا متفقين على أن اللغة‬
‫الميثولوجية هي واحدة في الساس‪.‬أما المثال الثاني الذي يبدو ناصعا فهو‬
‫اللهجة السيناوية (نسبة إلى سيناء) فمنذ القرن الرابع عشر قبل الميلد‬
‫ظهرت لهجة عروبية مشتركة بين الجماعات البشرية التي تقطن الهلل‬
‫الخصي ب بامتداده ا نح و الجزير ة العربية ‪ ،‬وسكا ن دلت ا وواد ي النيل‬
‫وامتدادهم باتجاه الغرب‪.‬‬
‫وق د استخدم ت ف ي الكتاب ة الدبية ‪ ،‬وظه ر هذ ا بوضو ح م ن رسائ ل تل‬
‫العمارنة الت ي تبادله ا الملوك فيم ا بينه م "ولق د جاء ت العربي ة الفصح ى نتيجة‬
‫لتطور هذه اللغة المكتوبة (‪ )115‬وشكلت كلغة أدبية خليطا متداخلً من اللهجات‬
‫العروبية المذكورة وأصبحت لحقا هي اللغة الدبية للجزيرة العربية كلها (‪.)116‬‬
‫‪- 148 -‬‬

‫ففي العصر البرونزي الول (في اللف الثالث قبل الميلد) كان هناك أربع‬
‫لهجات عروبية في القسم الشمالي من شبه الجزيرة (منطقة الهلل الخصيب)‪.‬‬
‫الكدية القديمة في الشرق حتى نهر دجلة‪.‬‬‫المورية القديمة في الجزيرة السورية‪.‬‬‫لهجة ايبل قرب حلب في سورية‪.‬‬‫لهجة الساحل الشامي (الكنعانية‪ /‬الوغاريتية‪ /‬الفينيقية)‪.‬‬‫لحقا‪ ،‬حلت البابلية والشورية بتطور طبيعي محل الكدية القديمة كما أن‬
‫حكام ما بين النهرين في القرن التاسع عشر قبل الميلد كانت أسماؤهم آمورية" (‬
‫‪ )117‬وتعرضت لهجة الساحل الشامي إلى تغييرات طبيعية‪ ،‬امتدت بنمطها الجديد‬
‫إلى صحراء سيناء‪ ،‬حيث عثر على الصنف نفسه من الفخار الموجود في جنوب‬
‫فلسطين‪ .‬وقد تبنى هؤلء الساحليون نظام جبيل القديم في الكتابة المقطعية‪ ،‬مع‬
‫اختصار عدد من الرموز لكي تتطابق مع عدد الحروف الساكنة" ( ‪ ) 118‬وكانت‬
‫الحصيلة مجموعة كاملة من البجدية‪.‬‬
‫وتشير نصوص ايبل كما لحظنا سابقا إلى وجود نصوص مقطعية من‬
‫مدينة جبيل سبقتها ووازتها أيضا عناصر مشتركة من اللهجة المصرية‪ .‬إل أن‬
‫ظهو ر الحرو ف البجدي ة وتطو ر اللغ ة إل ى م ا أصبح ت قب ل التاريخ ‪ -‬وإن‬
‫خضعت إداريا لسلطة وادي ودلتا النيل إلّ أنها كانت اثنيا تنتمي إلى شمال‬
‫الجزيرة العربية‪ .‬وكان سكان سيناء وشمال الجزيرة يعرفون في المصادر باسم‬
‫"مدين" وكانوا ينتقلون بحرية بين شمال الجزيرة وصحراء النقب وسيناء وشمال‬
‫واد ي النيل‪.‬ويبد و أنه م ‪-‬وإ ن تعلمو ا لغ ة الكتاب ة الهيروغليفي ة المصرية‪-‬‬
‫استخدموا اللغة الكنعانية في الحديث‪ ،‬وجاءت بداية البجدية عندما حاولوا كتابة‬
‫لغة كلمهم عن طريق الكتابة المصرية‪.‬‬
‫فق د عث ر الثار ي البريطان ي فليندز ر بيتر ي عام ‪ 1905‬عل ى بعض‬
‫النصوص‪ -‬أصبحت تعرف باسم (بروتوسينياتيك) عند سرابيط الخادم بالقرب‬
‫من معبد "حات صور" "هاتور" ومناجم الفيروز والنحاس‪ ،‬وتبين أنها أقدم كتابة‬
‫عثر عليها حتى الن‪ ،‬تستخدم الحروف البجدية ول تستخدم الصور والرموز‬
‫القديمة‪ .‬وجد بيتري هذه النصوص منقوشة على بقايا أثرية تم بناؤها في عصر‬
‫تحوتمس الثالث‪ -‬الذي قام بتوسيع بناء معبد جات صور خلل النصف الول‬
‫من القرن الخامس عشر قبل الميلد‪ -‬مما جعل الثري البريطاني يرجع تاريخ‬
‫هذه الكتابات إلى الفترة التاريخية نفسها‪ ،‬أي أنها تسبق رسائل تل العمارنة‬
‫‪- 149 -‬‬

‫المسمارية بنصف قرن من الزمان‪ .‬وأثار هذا الكتشاف اهتمام الباحثين الذين‬
‫حاولوا جهدهم التعرف على أصل هذه الكتابة ودلئلها‪ ،‬وكان آلن نمارونر‬
‫(عالم اللغويات البريطاني) أول من تمكن من تحديد الدللت الصوتية لبعض‬
‫هذه العلقات‪ ،‬بعد عشر سنوات من العثور عليها‪ .‬ووجدها تتفق في تركيبها مع‬
‫البجدية الوغاريتية‪ /‬الكنعانية التي ظهرت بعد ذلك‪.‬‬
‫ولن هذه الكتابة (استخدمت علمات الهيروغليفية كأحرف أبجدية لها دللة‬
‫صوتية محددة‪ ،‬فقد ساعدت المقارنة بين الطريقة التي كتب بها سكان وادي النيل‬
‫السماء والكلمات الكنعانية على فك رموزها‪ .‬تقدم نظم البجدية على أساس أن‬
‫يقوم حرف مكتوب بالدللة على صوت ساكن‪ ،‬أو على حركة وكانت البجدية‬
‫الوغاريتية منذ ظهورها ل تحتوي إلّ على الحروف الساكنة‪ ،‬وإن استخدمت‬
‫اللف والواو والياء للدللة كذلك على حركة محدودة (‪!!)119‬؟؟ (والبجدية‬
‫الوغاريتية (أ) بجد ه [و] ز حط(ي) كلمن‪ ،‬سعفص‪ ،‬قرشت)‬
‫وتمّ بعد ذلك العثور على المزيد من هذه الكتابات في سيناء حتى أصبح‬
‫عد د النصو ص خمس ة وعشري ن نصا تبي ن م ن قراءته ا أنه ا تتعل ق بأعمال‬
‫استخرا ج حج ر الفيرو ز م ن مناج م سرابي ط الخاد م بجنو ب سيناء ‪ ،‬وتقديم‬
‫القرابين‪ -‬التي تسمى هنا "طاعة" إلى مبالت حات صور وتباح سيدة المنطقة‬
‫وزوجها "بتاح سيرفف"‪.‬‬
‫ومن نماذج هذه النصوص‪:‬‬
‫[أتت طفن دك م لبب] ومعناها‪:‬‬
‫أتت (يا) طافان (اسم علم معناه أرنب) تجمع إلى (شهر) أبيب وكان شهر‬
‫أبيب هو نهاية موسم العمل في المنجم بمناسبة حلول فصل الصيف الذي تشتد‬
‫فيه الحرراة‪.‬‬
‫وهناك نص آخر يقول‪:‬‬
‫[سمعا مراب رب عبد م] ومعناه‪:‬‬
‫[اسماعيل _سمعا و‪:‬إيل ‪-‬سامع الله) مرء (امرؤ) رب العاملين]‬
‫‪/‬عبدم =العاملين =عبد =عامل‪ ،‬أم للجمع‪/‬‬
‫‪- 150 -‬‬

‫وكذلك‪:‬‬
‫صنت بطن حط نقب‪ /‬يرجى ملحظة وجود حرف الضاد‪ ،‬ومعناه‪:‬‬
‫[سيد ة الثعبان سي د المنجم ] والعلقة اللغوية واضح ة بين "منجم " و"نقب"‬
‫ولقب مبالت هنا هو "صنت بطن" والذي معناه سيدة الثعبان" أما زوجها تباح‬
‫فلقبه" حط نقب"= سيد المنجم"‬
‫ومن الكلمات التي وجدت متكررة في هذه النصوص‪:‬‬
‫"نقب"=حفرة= منجم‪.‬‬
‫"مبلة" =مبالت‪.‬‬
‫حى‪.‬‬
‫"دبح"=ض ّ‬
‫"أنت"=أتت‪.‬‬
‫"لخن"=لخينا‪.‬‬
‫"رب" =رئيس‪.‬‬
‫"أرخت"= بقرة‪.‬‬
‫ت والميم للجمع‪.‬‬
‫"بتم" =بيوت= بيت = ب ِ‬
‫ويتم الجمع عن طريق إضافة حرف الميم إلى نهاية الكلمة (بتم= بيوت)‬
‫وكانت أسماء العلم كثيرا ما تنتهي بألف مثل "سبئ" و"ربئ" و"حلئ" و"عبدأ"‪.‬‬
‫وهكذا استخدمت هذه النصوص الهيروغليفية المصرية الكتابة الوغاريتية‬
‫(الكنعانية) التي كانت سائدة خلل القرن الخامس عشر ق‪.‬م أما الكتبة الذين‬
‫قاموا بنقش هذه النصوص وتدوينها‪ ،‬فبينما هم عبرّوا عن لغة كنعانية بكتاباتهم‬
‫إل أنهم مثّلوا " أبو الهول" وبعض التماثيل الخرى التي دوّنوا كتاباتهم عليها‪،‬‬
‫وقدّسوا معبودات نيلية مثل حات صور وتباح الذي وردت صورته مع هذه‬
‫النصوص وظُن أن اللغة التي تدل عليها نصوص سيناء هي اللغة ذاتها التي‬
‫كتبت بالكدية المسمارية في رسائل تل العمارنة‪.‬‬
‫وكانت هذه البجدية هي التي ظهرت بصورة متطورة أكثر في الساحل‬
‫الفينيقي كله والتي كانت تعبر عن لغة الكلم التي كانت سائدة في ذلك الزمان‬
‫ف ي جنو ب سوري ة وفينيقي ا وفلسطي ن وسينا ء والجزير ة العربي ة وسرعا ن ما‬
‫تطورت عن طريق تداخل واستيعاب مفردات اللهجات العروبية الخرى لتشمل‬
‫وادي النيل وبلد الرافدين والشمال الفريقي وجنوب الجزيرة العربية كذلك(‬
‫‪.)120‬‬
‫‪- 151 -‬‬

‫وقبل أن ننتقل للجابة على السئلة التي طرحناها منذ عدة صفحات‪ ،‬ل بد‬
‫من التأكي د على أن تأريخ اللغة هو وسيلة مباشرة للتثب ت من منشأ وتاريخ‬
‫الشعوب ‪ ،‬فإذ ا كا ن التقسي م الذ ي ناقشنا ه ف ي مقدم ة هذ ا الكتا ب إل ى ساميين‬
‫وحاميين ودحضناه بالدلة والبراهين‪ ،‬فأجد من الضروري إعادة التذكير بأهم‬
‫عناصر الحوار خصوصا ما يتعلق منها باللغة وذلك بعد أن طرحنا المقولة‬
‫المختلقة من قبل شلوتسر والذي أطلق تسمية "السامية" ثم سمى القوام الذين‬
‫ينطقون بها "ساميين" وتسمية الحامية والقوام الذين ينطقون بها "الحاميين"‪ ...‬إلخ‬
‫واستبدلت تلك التسميات المؤدلجة الصهيونية باللهجات العروبية والتي يمكن أن‬
‫نفرّع منها بالمستوى الشاقولي في المراحل التالية‪:‬‬
‫العروبية البدئية والتي كانت سائدة حتى فجر التاريخ‪.‬‬‫العروبية التاريخية والتي تمتد حتى منصف القرن الخامس‬‫عشرـ ـقبلـ ـالميلدـ ـحتىـ ـاكتشافـ ـالبجديةـ ـالوغاريتيةـ ـوأبجدية‬
‫سيناء‪.‬ـ ـوتميزتـ ـبوجودـ ـالكتاباتـ ـالهيروغليقيةـ ـوالمسمارية‬
‫ونماذجهما الخرى‪.‬‬
‫والفاصل التأريخي الهام بين العروبية البدئية والتاريخية ليس فقط ما يسمى‬
‫بدء التاريخ‪ ،‬بل أيضا النتقال الهام إلى اللغة الكتابية التعبيرية من الشفاهية‪.‬‬
‫ويمكن أن نقسمها إلى مرحلتين جزئيتين‪:‬‬
‫آ‪-‬المسمارية الرمزية‪.‬‬
‫ب_المسمارية التعبيرية‪.‬‬
‫العروبية البجدية‪ :‬وتمتد منذ منتصف اللف الخامس عشر قبل الميلد‬‫حتى القرن الرابع الميلدي‪.‬‬
‫العربية المعاصرة‪ :‬وتمتد حتى اللحظة الراهنة وتقسم إلى‬‫مرحلتين‪:‬‬
‫إن التراكيب الصوتية الفنية في العربية والتي هناك ما يضاهيها الن وما‬
‫يوازيها في الوغاريتية والعربية الجنوبية وغيرها من اللهجات العروبية الخرى‬
‫ليصب تماما في صحة تسميتنا‪ ،‬على عكس ما حاول أن يقوله أحد الباحثين‬
‫العرب من "إن الرأي السائد الذي يذهب إلى اعتبار العربية إما نموذجا بدئيا أو‬
‫صورة حقيقية للغة الولى تعرض للطعن في الونة الخيرة‪ .‬فالتراكيب الصوتية‬
‫الفنية في العربية يضاهيها الن ما يوازيها في الوغاريتية والعربية الجنوبية‪،‬‬
‫كما أن نظام الفعال المتطور جدا فيها صار ينظر إليه كنتيجة لمنهجية القواعد‬
‫‪- 152 -‬‬

‫أكثر منه لعراقته اللغوية" (‪ )121‬فنظام الفعال المتطور جدا لم يكن الناتج الحتمي‬
‫لعراق ة اللغة ‪ ،‬ب ل أ ن عراق ة اللغ ة ه ي الت ي فرض ت نظاما خاصا للفعال‪،‬‬
‫وفرضت بنية قواعدية ونحوية دقيقة ومتطورة‪ .‬لن قول الباحث المذكور يضع‬
‫الرأس للسفل‪ ،‬فل يمكن أن تأتي عراقة اللغة ومتانتها وقوة وبلغة تركيبها من‬
‫خلل مجموعة من النظم والسس القواعدية والنحوية‪.‬‬
‫فالتراكم الكمي الفقي والنوعي العمودي‪ ،‬والغنى المفرداتي والحضاري‬
‫والثقافي والميثولوجي وغيره‪ ،‬هو الذي يفرض مجموعة النظم والقواعد الناظمة‬
‫للسيرورة التالية‪ ،‬من هنا كان تأكيدنا على أن اللغة العربية المعاصرة لم تكن‬
‫وليدة لحظة أو فترة تاريخة قصيرة‪ ،‬بل كانت السيرورة الطبيعية والحتمية‬
‫لمسا ٍر لغوي غني يمتد إلى آلف السنين قبل التاريخ‪.‬‬
‫وهذا ما يتأكد من خلل قول الباحث المذكور في ماتل من سطور في بحثه‬
‫عندم ا يقول‪" :‬فهناك نقا ط التقا ء وتقاط ع بين الكدي ة والحبشية ‪ ،‬ونقا ط التقاء‬
‫وتقاطع بين الكدية والبربرية‪ -‬الليبية‪ ،‬لقد أكد روسلر أن البربرية الليبية تتسم‬
‫بخصائص قربى خاصة تربطها بالكدية‪ ،‬وهو رأي يستند إلى مقابلت ذات‬
‫طبيعة صوتية‪ ،‬وصرفية ومفرداتية (‪ ) 122‬فإذا كانت الكدية تلتقي مع الحبشيّة‪،‬‬
‫ومع البربرية‪ -‬الليبية‪ ،‬أل يعني هذا أيضا أن الحبشيّة تلتقي مع الليبية أيضا‪.‬‬
‫فكيف اعتبر هؤلء "العلماء "أن الكدية والحبشية تنتمي إلى أسرة لغوية‪،‬‬
‫بينما تنتمي الليبية إلى أسرة أخرى‪ ،‬خصوصا أن اللغة البربرية هي لغة القوام‬
‫الصليين لسكان افريقيا الشمالية وكانت البربرية وما تزال‪ ،‬كتابة تدعى بالكتابة‬
‫الليبية‪ ،‬ترجع حروفها إلى أصل فينيقي (‪.)123‬‬
‫فنلحظ كيف أن للبربرية وما تزال كتابة ترجع حروفها إلى أصل فينيقي‬
‫أي كنعاني‪ ،‬وكيف تتقاطع مع الكدية والحبشية (الكوشيتية) لنرى معنى البعد‬
‫اليديولوجي المخيف الذي يقف وراء تقسيم اللهجات العروبية إلى لغات‪ ،‬ومن‬
‫ثم تقسيمها إلى أسر ل يستند ول إلى أي معنى‪ .‬خصوصا أننا درسنا بالتفصيل‬
‫علقة الحبشية بالعربية الجنوبية‪ ،‬ومن ثم علقة البربرية‪ -‬الليبية بالمصرية‪،‬‬
‫وعلقة هذه الخيرة بالكدية وغيرها‪.‬‬
‫"وتشير الدراسات الفقهية اللغوية التي تستند إلى قياس درجات الختلف‬
‫بين اللغات المتفرعة من اللغة الم (العروبية البدئية) بمقارنة عدد من المقررات‬
‫الساسية (كما فعلنا نحن وسنفعل) إلى أن أول مجموعة انفصلت عن اللغة الم‬
‫‪- 153 -‬‬

‫كان ت الكدي ة (ف ي حدود ‪3200‬ق‪.‬م ) وثان ي مجموع ة كان ت العروبي ة الجنوبية‬
‫(النص ف الثان ي م ن الل ف الثال ث ق‪.‬م ) كم ا لوح ظ أ ن للمجموع ة المركزية‬
‫الشمالية (الكنعانية الوغاريتية‪ ،‬المورية‪ ،‬من ثم الفينيقية صلت عريقة مع اللغة‬
‫العربية" (‪ ) 124‬ويجمع اللغويون اليوم على إدراج هاتين المجموعتين (ويقصد‬
‫السامية والحامية بتسمية الستشراق الصهيوني) في مجموعة واحدة تمت إلى‬
‫عائلة لغوية واحدة‪ ،‬انحدرت من أسرة لغوية مشتركة‪ ،‬يفترض أنها وجدت في‬
‫مرحلة يرجع تأريخها إلى ما بين اللف السادس واللف الثامن قبل الميلد‪ .‬وفي‬
‫الموسوعة البريطانية أن موطنها ربما كان في الصحراء الكبرى‪ .‬وقد اقترح‬
‫بعضهم مصطلح ‪( Erytheraear‬أي العائلة اللغوية الريتيرية) مع اعتبار أن العائلة‬
‫وجدت على ساحلي البحر الحمر‪.‬؟‪ .‬إل أن هذا القتراح واجه اعتراضا جديا‪،‬‬
‫لنه افتراض ل يمكن إقامة الدليل عليه‪ .‬أما اقتراح اللغوي جوزيف غرينبرغ في‬
‫عام ‪ - 1952‬بتسميته ا المجموع ة الفرواسيوية ‪ Afer-Asian‬فق د اعتب ر شاملً‬
‫وفضفاضا جدا‪ ،‬إذا أخذنا بعين العتبار محدودية المنطقة التي يقيم فيها الناطقون‬
‫بهذه اللغات (يقصد مساحة الوطن العربي بالنسبة للقارتين) ثم اقترح اللغوي‬
‫السوفيات ي ايغو ر ياكوفو ف مصطلح ‪ ، Afrasian‬ويقص د بذل ك النص ف افريقي‬
‫ونصف آسيوي) على أساس أنه يشمل المناطق التي تنتشر فيها هذه اللغات منذ‬
‫اللف الخامس قبل الميلد على القل"(‪)125‬‬
‫لكن إجماع اللغويين واضح أيضا على أن يبتعدوا عن التسمية الحقيقية لهذه‬
‫العائلة اللغوية فإذا كان الجميع متفقا على‪:‬‬
‫‪-1‬القدم التاريخي لما قبل اللف الخامس قبل الميلد على‬
‫القل‪.‬‬
‫‪-2‬انتشارها في المساحة الجغرافية للوطن العربي الحالي‪.‬‬
‫‪-3‬أنها تكوين لغوي واحد‪.‬‬
‫فلماذا ل يسمونها السرة العروبية كما هي فعلً؟‬
‫لكن تبدو الخلفية اليديو‪ -‬سياسية التي تحرك هؤلء المستشرقين واضحة‬
‫من خلل قراءة الرأيين التاليين "حيث كان البروفسور كلي ‪ Clay‬من بين من‬
‫يعتقدون أن بلد الموريين (سوريا) كانت مهد الساميين وكان يرى أن النظرية‬
‫القائلة بأن العرب هم أصل الساميين غير صحيحة‪ ،‬لنها ل تقدم تفسيرا رسيّا‬
‫(عرقيا ) مقبولً ‪ :‬إ ذ كي ف يمك ن للعر ب ذو ي الرؤو س المستطيل ة أ ن يكونوا‬
‫أسلف اليهود ذوي الرؤوس المدورة‪.‬‬
‫‪- 154 -‬‬

‫وهناك من يرى أن أرمينيا كانت مهد الساميين وذلك بالستناد إلى أخبار‬
‫التوراة حول الطوفان وإلى أمور تشريحية مفادُها أن الرمن والحثيين كانت لهم‬
‫أنو ف معقوف ة تشب ه أنو ف اليهو د ف ي حي ن ل تظه ر مث ل هذ ه الملم ح عند‬
‫العرب"(‪)126‬‬
‫حيث يلحظ القارئ أن اليهود هم المعيار الول والخير للدراسات المناقشة‬
‫فإذا كان كلي ‪ Clay‬يثبت اليهود كأصل عرقي في بلد الشام ويعتبرهم الجذر‪،‬‬
‫ينفي عن العرب وجودهم التاريخي في المنطقة‪ ،‬في حين يقوم الخر( ‪ )127‬بجرّ‬
‫كل الجماعات البشرية العروبية إلى خارج المنطقة حيث كان أجداده فعلً!!!؟؟‬
‫فلذلك أرى أن القارئ استطاع أن يقف على أرضية صلبة الن فيما صنفنا‬
‫فيه التاريخية الناسية المعرفية للغة العروبية بدون أن نتطرق للبنية‬
‫المورفولوجية التي لجأ إليها بعض الباحثين حيث "كان بالغريف ‪ Pala-Garave‬قد‬
‫أثبت أوجه الشبه الرسية (العرقية) بين العرب والحباش والبربر ل سيما شكل‬
‫الفك ونحافة ربلة الساق‪ ،‬فضلً عن صلة القربى اللغوية‪ ،‬وكان مع ه ‪Gerland‬‬
‫غيرلند من أنصار هذا الرأي أيضا لنه يعتقد أن العرب ينتمون إلى الجنس‬
‫الفريقي (شكل الجمجمة((‪.)128‬‬
‫ففي المراحل الخيرة من العصر الحجري القديم انتقل النسان الحديث‬
‫‪ Homo Sapiens‬إلى شمال افريقيا إما من وادي الخسيف الفريقي أو امتداده في‬
‫الجزيرة العربية عبر سيناء مجتازا غرب آسيا وحل في ليبيا بين ‪26000-29000‬‬
‫ق‪.‬م وهي مرحلة اقترنت بصناعة الشفرات الحجرية في أواخر العصر الحجري‬
‫القديم‪ .‬وفي مصر عثر على مخلفاته التي أبلتها المياه الجارية في طمي عزبة‬
‫السبيل "وقد تبين بعد التحليل الدقيق أن هذه المخلفات التي تشتمل على أجزاء من‬
‫الجماجم البشرية‪ ،‬وفكوك وعظام أخرى أقرب إلى النسان المصري في المرحلة‬
‫السابقة لعصر السللت منها إلى أي جنس آخر‪ /‬مع التذكير بأن الدراسات‬
‫المورفولوجية تثبت اشتراك العرب بنفس المواصفات المورفولوجية المذكورة‪.‬‬
‫وفي نهايات المرحلة الخيرة (حتى ‪10.000‬ق‪.‬م) انخفض منسوب نهر النيل في‬
‫مص ر العلي ا إل ى أكث ر م ن مئ ة قد م ع ن مستوا ه الحالي ‪ ،‬وأصبح ت الطبيعة‬
‫الصحراوية في شمال افريقيا في جفافها على نحو ما هي عليه اليوم إن لم تكن‬
‫أشد جفافا‪ ،‬وقد كفت المنطقة عن اجتذاب مهاجرين جدد من أنحاء أخرى من‬
‫افريقيا ومن آسيا الغربية‪ ،‬بل بالعكس من ذلك قد يكون الواقع الجديد هو ما دفع‬
‫سكان الصحراء العربية (التي لم تكن صحراء) إلى الهجرة باتجاه وادي النيل‬
‫‪- 155 -‬‬

‫والواحات والينابيع‪ ،‬ولعلهم قد اندفعوا تحت استمرار الجفاف إلى التجاه شرقا‬
‫عبر سيناء إلى ساحل المتوسط الشرقي وذلك حتى اللف العاشر قبل الميلد‪،‬‬
‫حيث بدأت الحركة الجولنية بالعكس مع استمرار حالة الجفاف في شبه الجزيرة‬
‫العربية" فقد تم الكشف في حلوان" عن رؤوس‪ -‬رماح ذات وجهين من العصر‬
‫الحجر ي الحدي ث سمي ت "رؤو س رما ح حلوان " ويعتق د أ ن مصدره ا وادي‬
‫النطوف في فلسطين وكما أسلفنا في فصل سابق‪ /‬ومع المرحلة الدفيئة عاد النيل‬
‫إلى مجراه ومستواه الحالي لتنتهي مرحلة الحضارة السبيلية الموافقة للنطوفية في‬
‫بلد الشام والصفاقصية في الشمال الفريقي‪.‬‬
‫واستمرت الصلت بين مصر والدلتا ووادي النيل الشمالي مع بلد الشمال‬
‫في حراك جولني دائم" يمكن إقامة الدليل عليه بواسطة علم الثار‪ .‬والظاهر أن‬
‫الحافز نحو تدجين الحيوانات والنباتات كالحنطة والشعير ونحو ممارسة نمط من‬
‫الحياة المستقرة يعتمد على انتاج الطعام إنما جاء إلى مصر من منطقة الهلل‬
‫الخصيب‪ ،‬ومنذ ذلك الوقت بقيت الصلت مستمرة بين مراكز مصر "المدينة"‬
‫ومراكز مشابهة لها أخرى لكنها أكثر تقدما‪ ،‬في فلسطين وسوريا‪ ،‬ويمكن إدراك‬
‫هذه الصلت ليس فقط على الصعيد المادي‪ ،‬بل وفي المعتقدات الدينية وطقوس‬
‫الدفن‪ ،‬ربما أيضا في المواصفات الجسمية والعرقية لسكانها (‪ )130‬ويشير بعض‬
‫المؤرخين إلى أن مصر الجنوبية خضعت‪ ،‬منذ أوائل عهد المملكة الولى إلى‬
‫نفوذ حضاري من الشمال أكثر منه سياسيا‪ .‬وأن هذا النفوذ ذو جذور ترجع إلى‬
‫الهلل الخصيب ‪.‬فقد لحظ اللغويون أن هناك عناصر عروبية شرقية في اللهجة‬
‫المصرية القديمة‪ ،‬واستنتجوا من تطابق المعنى للكلمتين الدالتين على "الشمال"‬
‫واليمن "مع مفهومي" الشرق "والغرب" على التوالي أن هذا العنصر دخل مصر‬
‫من الشمال مع جماعات الحراك الجولني العروبي التي اتجهت إلى أعالي النيل‬
‫ذلك أن الكلمتين المشار إليهما تنتميان إلى طور اللهجة المشرقية العروبية في‬
‫اللغة المصرية فكلمة (ش م أل) المشرقية وتعني اليد اليسرى ل تظهر في الطور‬
‫التال ي من اللهج ة المصري ة أو فروعها الديموطيق ي وم ع هذ ا استعمل ت كلمة‬
‫(شمول) في حالة واحدة فقط في اللهجة القبطية (‪.)131‬‬
‫حيث كانت اللهجات بما تعنيه وضعية اليدين بعدا أناسيا معرفيا مرتبطا‬
‫بتوجيه النسان نحو الشرق إلى حيث تبزغ الشمس بحيث تصبح اليد اليسرى‬
‫باتجاه الشمال واليمنى إلى الجنوب ومع إدراك أهمية نهر النيل أصبح التوجيه‬
‫النساني ببعديه الميثولوجي (المعتقدي) والمعرفي إلى الجهة التي يأتي منها النيل‬
‫‪- 156 -‬‬

‫وحينها إذا توجه النسان (الناظر) إلى الجهة التي يأتي منها النيل العظيم تصبح‬
‫يده اليمنى باتجاه ‪/‬اليمن=الغرب‪ /‬ويده اليسرى باتجاه الشرق‪ ،‬الشمال =الشرق‪.‬‬
‫ومن بين المؤثرات الرافدينية على مصر يشار أيضا إلى ‪ ) 1( :‬بعض‬
‫الواني الصنبورية ذات الطراز الرافديني (‪ ) 2‬الختام السطوانية (‪ ) 3‬الزوارق‬
‫الشراعية ذات الشكال الهللية الرافدينية (‪ )4‬بدلة أحد البطال المنقوشة صورته‬
‫ف ي أث ر مصر ي (‪ ) 5‬سلل ة جديد ة م ن الكلب ‪ ) 6( ،‬استعما ل رأ س العصا‬
‫(الصولجان) كأداة للنقش بالحفر لغراض تذكارية ونذرية (‪ )7‬عدد من الملمح‬
‫الفنية (‪ )1‬طراز العمارة الجري ذي الشرفات المفتوحة (‪ )9‬أنماط من السيراميك‬
‫(‪ )10‬استعمال الرسوم في الكتابة"(‪)132‬‬
‫لكن ذلك ل يمكن أن يكون إلّ بالعلقات التبادلية أي يمكن أن تكون قد‬
‫نقل ت ضمن الحراك الجولني الذي نتحدث عنه من بلد النيل إلى الرافدين‬
‫وبالعكس‪ .‬خصوصا إذا أدركنا التوازي في التطور الحضاري والمؤكد في بلد‬
‫الرافدين منذ بداية اللف السادس قبل الميلد بتواجد عروبي صريح والذي أطلق‬
‫عليهم لندزبيرغر اسم الفراتيين الوائل‪ ،‬والذي أكد مع مجموعة من الباحثين أن‬
‫مفردات اللهجة السومرية تتألف من طبقتين (بدون أن يأخذوا بعين العتبار‬
‫التطو ر التاريخ ي ل ي لغة ‪ ،‬ومعن ى دخو ل مفردا ت جديد ة م ع تطو ر الحياة‬
‫الجتماعية وآلية النتاج الجتماعي) احداهما تمثل لغة الفراتيين الوائل (‪)133‬‬
‫السابقين لوجو د السومريين وقد أي د هذه الفرضي ة البروفسو ر ‪ Gelb‬غل ب مع‬
‫مجموعة من الباحثين (الباحث غل ب ‪ ، Gelb‬أحد المسهمين الساسيين في إعداد‬
‫معج م شيكاغ و للشوريا ت الموسوعي ) وأكدو ا عل ى وجو د بع ض السماء‬
‫الجغرافية غير السومرية وتشتمل على أسماء بعض أقدم المدن فضلً عن اسمي‬
‫دجل ة والفرا ت (ايدحلت ‪ ،‬بورانون ) بالضاف ة إل ى كلما ت تد ل عل ى فعاليات‬
‫وحرف أساسية‪:‬‬
‫الفلحة‪ ،‬البستنة‪ ،‬التخمير‪( ،‬الجعة مثلً) الفخار‪ ،‬وصناعة الجلود (اسكافي)‬
‫والبنا ء بينم ا يُعز ى إل ى السومريي ن أنه م ابتكرو ا مفردا ت للملحة ‪ ،‬والعلف‬
‫(علف) والنحت (نحات) والكتابة والتعليم بالضافة إلى ذلك هناك عدد من‬
‫الكتابات المسمارية ذات قيم صوتية بحتة تعطي انطباعا عن ألفاظ غير سومرية‬
‫ظهرت في الكتابة السومرية!! وهذا يقودنا إلى استنتاج بأن السومريين استعاروا‬
‫نظام كتابتهم من مجموعة لغوية أخرى(‪)134‬‬
‫‪- 157 -‬‬

‫لكن من الواضح مما سبق أن الكتلة الجتماعية العروبية الولى كانت تتمتع‬
‫بوجود لغة عروبية بدئية ولم يكن السومريون إلّ النتاج الطبيعي لهذه المجموعة‬
‫حضاريا ولغويا خصوصا أن اللهجة العروبية الجتماعية المذكورة هي التي‬
‫تطورت لحقا إلى الحضارة العبيدية (نسبة إلى تل العبيدة) القريبة من (أور)‬
‫السومرية جنوب العراق والتي عثر فيها على حضارة سابقة لحضارة السومريين‬
‫دامت بين ‪3500-4500‬ق‪.‬م‪.‬‬
‫ولكن هناك آثار بينة أيضا على أن حضارات العبيد شملت سومر "أور"‬
‫أيضا وكل المناطق المقترنة بالسومريين كما بينت الحفريات أيضا أن الحضارة‬
‫العبيدية والسومرية شملت شمال سوريا أيضا‪ ،‬وبأن حضارة العبيد مع وجود‬
‫صلت وثيقة مع معاصريهم كانت إلى الشمال والجنوب والشرق‪.‬‬
‫وهذا ما يؤكد رأينا القائل بأن الجماعة العروبية البدئية كانت تشغل المنطقة‬
‫ل وببنى حضارية شاملة منذ ما قبل اللف الخامس قبل الميلد‪.‬‬
‫كام ً‬
‫"على أن النصوص السومرية تؤكد لنا‪ :‬أيضا أن هناك شعبا آخر‪ ،‬يتكلم‬
‫اللهجة الكدية‪ ،‬كان موجودا في المنطقة‪ ،‬ولعله أجدادهم من "العبيديين" الذين‬
‫تواجدوا في المنطقة قبل السومريين بزهاء ألف عام‪ .‬وقد عرف الكاديون أول‬
‫المر من أسماء العلم التي ورد ذكرها في الوثائق السومرية‪ ،‬منذ أواسط اللف‬
‫الثالث ق‪.‬م في ألواح من قارة (شروباك القديمة‪ ،‬موطن نوح البابلي أو ثنابشتم)‬
‫وربما منذ مرحلة أقدم‪ ،‬في النصوص القديمة من أور‪ .‬كما أن الكتابات السومرية‬
‫في أبو صلبيخ كانت تحتوي على عدد كبير من السماء الكدية‪.‬وهناك أدلة‬
‫على وجود كلمات أكدية في اللهجة السومرية منذ مرحلة مبكرة جدا (‪)136‬‬
‫يتضح من هذا أن اللهجة الكادية كان لها حضور في وادي الرافدين منذ أيام‬
‫العبيديين (‪3500-4500‬ق‪.‬م) ولعل من شأن هذه الحقيقة إلى جانب ظهور لغة ايبل‬
‫المتقاطعة مع الكادية والمورية كما أسلفنا أن توجه أنظار القراء إلى وحدة‬
‫البنية اللغوية‪.‬‬
‫لكن الكلما ت التي تعتبر سومرية هي بالحقيقة عروبية‪ ،‬وهذا يعني في‬
‫صمي م حوارن ا الناس ي المعرف ي أ ن التكوي ن الحضار ي متداخ ل وواح د في‬
‫احداثياته العمودية والفقية‪ ،‬فكلمة ملّح ‪ Ma-Lah‬التي يحاول المستشرقون ومن‬
‫معهم أن يعتبروها سومرية (بعد أن يبتعدوا بالسومريين عن الجغرافية التاريخية‬
‫العروبية) ترجمت إلى (بحّار) وهي بالعربية الفصحى" ملح" ول أعتقد بأن أي‬
‫‪- 158 -‬‬

‫مهتم سيجد في أي منجد أقل من صفحتين عن شرح هذه الكلمة وعلقتها بالبحر‪،‬‬
‫حتى من يفتش عن جذريها (السومريين) كما يقولون ‪" MA‬قاب" ‪Lah‬يذهب "يسيّر‬
‫سيجد ملّ (الناء المملوء وهي السفينة بالوغاريتية أنا ي= أنايا بالكدية = إناء‬
‫=وعاء‪ ،‬و"اللح" الوادي الضيق "في حين أن كلمة "ملح" نفسها تختصر المعاني‬
‫في علقتها بالبحر ذي الماء المالح ‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫أما عن بعض الكلمات السومرية الخرى التي يقال أن الكدية استعارتها‬
‫‪/‬طبعا بتصنيفهم‪ /‬فهي (برأي الباحث القدير علي الشوك)‪:‬‬
‫فخار= ‪=Phahar‬بحّار‪.‬‬
‫نجّار=‪=Na - Gra‬نجار‬
‫فلّح =‪ =Ikkar-Engar‬بالكدية "أكار" بالعربية‬
‫اسكافي= ‪=ASHGAB‬اسكاف‬
‫البناء=‪SHIDIM‬‬

‫بالسومرية= شيّد بالعربية‪.‬‬

‫وغيرها الكثير من المفردات التي توضح وتبين أن البنية الحضارية للكتلة‬
‫الجتماعية العروبية منذ العصر الدافئ استمرت في تطور متداخل ومتواصل‬
‫بدون دخول عناصر غريبة عليها‪ .‬بحيث يصعب حتى تمييز الحدود الفاصلة بين‬
‫مرحلة وأخرى‪/ ،‬وليس فقط على المستوى اللغوي‪ ،‬بل والتاريخي والحضاري‪..‬‬
‫فإذا قلنا (كما يفع ل الستشراق اليديولوج ي بأن السومريين غرباء عن‬
‫المنطقة فكيف" تسلّل" كل هذا الكم من المفردات إلى الكدية) ومن العبيدية إلى‬
‫السومرية‪ ،‬وبالعكس (فأس =‪ Khazi‬وتقابلها‪ :‬خصين" بالعربية و"ثمن‪ ،‬سعر "=‬
‫‪ Sha,M‬والثوم =‪ Tomkorum‬وتاجر =‪ =Damgara‬تامجار "بالسومرية) وإذا قلنا معهم‬
‫أيضا ب أ ن السومريي ن قدمو ا م ن الشمال‪ . .‬فكي ف استطاعو ا أ ن يتجاوزوا‬
‫الكديين المقيمين إلى الشمال من الموقع الذي ظهرت فيه المظاهر السومرية؟‬
‫وكيف استطاع الكديون إذا توالوا حقا (أي بعد مجئ السومريين) أن يتجاوزوا‬
‫أو يقفزوا من فوقهم ليتجهوا شمالً؟ وتنبغي الشارة أيضا إلى أنه ل وجود لي‬
‫نص سومري ينعت فيه الكاديين بأنهم أعداء أو غزاة أو بدو‪.‬‬
‫نستنتج مما سبق إذن‪ ،‬أن المظهر اللغوي "العبيدي ‪-‬السومري‪-‬الكادي" هو‬
‫مرحل ة تداخلي ة للمرحلتين الولى والثاني ة من التطور العمودي للغة العربية‪،‬‬
‫‪- 159 -‬‬

‫تتداخل العروبية البدئية مع الكتابة التأريخية مثلها مثل الجوانب الخرى التي‬
‫تؤكد النتماء الناسي المعرفي والثنوغرافي بمعانيه الحضارية والثقافية لتلك‬
‫الجماعة البشرية إلى أمّة عريقة ل يمكن لغيرها أن يضاهي بعمق جذوره في‬
‫التاريخ كما تفعل هي‪ ،‬بحيث أن اسقاطا للقراءة اللغوية لتطور اللغة العروبية‬
‫يمكننا أن ندرس البنية التأريخية للتطور العمودي والفقي للمة العروبية في‬
‫مراحلها الولى والعربية في مراحلها التالية‪.‬‬
‫بالضافة إلى ما سبق يستنتج المتلقي أن التطابق الدقيق بين المراحل‬
‫اللحقة لتطور اللغة أفقيا وعموديا من حيث التكوين البنيوي بمواصفات اللغة‬
‫الساسية وبالمعجم المفرداتي ل يمكن أن يكون إلّ ناتجا لحضارة واحدة بقوام‬
‫واحد‪ ،‬تتعدد مظاهرها‪ ،‬وتتنوع ألوانها‪ ،‬حسب الغنى الذي تتمتع به من عراقة‬
‫وتجذير ‪ .‬فاللهجا ت العروبي ة (كم ا سب ق ولخصن ا الموضو ع ف ي بداي ة البحث‬
‫وحتى العربية المعاصرة القواعدية‪:‬‬
‫‪-1‬معظم كلماتها ذات جذر ثلثي وهو أكثر بكثير من الرباعي‪،‬‬
‫ويشغلـ ـالقسمـ ـالعظمـ ـمنـ ـمصادرـ ـالمفرداتـ ـالمعجمية‬
‫اللغويةـ ـوالرباعيـ ـرغمـ ـقلتهـ ـإل ـأنـ ـالخماسيـ ـأندر‪.‬ـ ـفكلمة‬
‫(كتب)ـ ـيتألفـ ـجذرهاـ ـالصوتيـ ـمنـ ـثلثةـ ـحروفـ ـساكنةـ ـهي‬
‫(كتب)‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫‪-2‬طريقة اشتقاق صيغ جديدة للكلمة الواحدة تتم بواسطة تغيير‬
‫الصوت الصائت في أصل الكلمات الدالة على الفعل‪.‬‬
‫‪-3‬التشابهـ ـفيـ ـالضمائرـ ـالمتصلة‪:‬ـ ـفصيغةـ ـالفعلـ ـ(قبر)ـ ـفي‬
‫ت (للمؤنث)‪.‬‬
‫العربية للمفرد الغائب‪ :‬قبر (للمذكر)‪ ،‬قبر ْ‬
‫في الكدية قبِر ‪(QABIR‬للمذكر) قبرت ‪( QABRAT‬للمؤنث)‬
‫وفي الوغاريتية قبر (للمذكر ‪ ،Qb‬قبرت "‪( "Qbrt‬للمؤنث)‬
‫وفي السريانية قِبَْر (للمذكر) ‪ Qabar‬وقِبْرت ‪( Qebrat‬للمؤنث)‬
‫وفي الحبشية قبََر (للمذكر) ‪ Qabara‬وقَبَْرت ‪(Qabarat‬للمؤنث)‬
‫‪-4‬تشابه الضمائر المنفصلة بالمثال‪:‬‬
‫أنا بالعربية‬
‫أنا كو بالكدية‬
‫أن (ك) بالوغاريتية‬
‫أينا بالسريانية‬
‫أنا بالحبشية‬
‫‪-5‬الفعلـ ـالمتعديـ ـيكونـ ـبتشديدـ ـعينـ ـالفعلـ ـ(كماـ ـلحظناـ ـفي‬
‫أمثلة كثيرة)‬
‫‪- 160 -‬‬

‫‪-6‬وجود الحروف الحلقية كالعين والهمزة وغيرها‬
‫‪-7‬التشابه في تسميات أعضاء البدن (بل والتطابق في معظم‬
‫التسميات)‬
‫‪-8‬حروف العطف‪:‬‬
‫بالعربية وَ‪Wa‬‬
‫بالكدية ‪ U‬وبالوغاريتية ‪ W‬وبالحبشية ‪Wa‬‬
‫‪-9‬الفعل يسبق الفاعل‪.‬‬
‫‪-10‬ارتباط الصفة بالموصوف ‪.‬‬
‫‪-11‬استعمال تاء تأنيث‪ ،‬وياء النسبة‪ ،‬واستخدام كاف المخاطب‬
‫وميم المكان ونون الجمع‪.‬‬
‫‪-12‬التسميات الحضارية والتقنية والثقافية والميثولوجية (سين‪،‬‬
‫دجن‪ ،‬عشتار‪ ،‬أيل‪ ،‬بعل‪ ،‬آدم‪ ،‬حوا)‪.‬‬
‫وبهذا الشكل نستطيع أن نجزم بأن اللهجات العروبية نمت وتطورت بتداخل‬
‫وترابط شديدين فيما بينها بحيث يتعذر مثلً‪ ،‬مناقشة أي لهجة منها بدون دراسة‬
‫علقته ا مع شقيقاتها‪ ،‬ول يمكن أن يُضر ب أيّ مث ل لي لهجة‪ ،‬بأنها نمت‬
‫مستقلة ‪ ،‬أ و كان ت بجذو ر خاصة ‪ ،‬أوبعيدة ‪ ،‬تماما كم ا أنن ا ل نستطي ع تحديد‬
‫المنطلق الجذري الجغرافي الولي الذي انطلقت منه الحركية الجولنية فقراءة ما‬
‫سبق من حراك تاريخي أناسي ولغوي يدفعنا إلى وضع عدة احتمالت‪:‬‬
‫منطقة الهلل الخصيب‪.‬‬‫منطقة الخليج العربي (منطقة ما قبل الخليج)‪.‬‬‫الجزيرة العربية‪.‬‬‫الصحراء العربية الكبرى (الليبية)‬‫وادي ودلتا النيل‪.‬‬‫ونحن‪ ،‬ومن خلل متابعتنا لما أسميناه الحراك العروبي‪ ،‬ل يمكننا إلّ أن‬
‫نضع النتيجة التالية في جوهر أي نقاش حول الجذر التاريخي الولي للمنظومة‬
‫العروبية بمعانيها الناسية والثنية واللغوية‪ ...‬إلخ‪:‬‬
‫إن كل منطقة في الوطن العربي لديها الحيثيات الثارية واللغوية والناسية‬
‫والحضارية والثقافية والميثولوجية وغيرها‪ ،‬والتي تدفع الحوار في حال تجريد‬
‫الظواهر‪ ،‬إلى التوثيق على أن ذلك الموقع أو هذا‪ ،‬هو الجذر الولي للحراك‬
‫التاريخي المدروس‪ .‬وهذا يعني في أهم جوانبه أن ذلك الحراك كان متعدد‬
‫‪- 161 -‬‬

‫الجهات‪ ،‬وأن المنظومة العروبية تاريخيا وجغرافيا‪ ،‬عرفت حركة الجماعات‬
‫البشرية بين أقاليمها بدون أي موانع طبيعية أو حضارية أو لغوية‪ ،‬في تلك‬
‫الرقعة التي نعرفها الن بالوطن العربي‪.‬‬
‫وإذا كان ل بد من التراتبية الزمنية في القراءة التاريخية فيمكن تلخيص‬
‫الخط العام لذلك الحراك بالشكل التالي‪:‬‬

‫‪/(ãä ãäØÞÉ ÇáÌäæÈ ÇáÌÒíÑí (ÇáíãÇäí -1‬‬
‫المتداد الجغرافي لوادي الخسيف الفريقي (العربي) ومن قسمه الفريقي‬
‫أيضا‪ ،‬حيث عرف هذا الوادي التواجد الول للنسان العاقل الحديث‪ ،‬وكانت‬
‫جهته في الحالتين باتجاه الشمال باتجاه الصحراء العربية الكبرى (التي لم تكن‬
‫صحراء في حينها)‪ ،‬في القسم الفريقي‪ ،‬وباتجاه منطقة ما قبل الخليج العربي‬
‫(حين كان نهرا دجلة والفرات (بالتقائهما وتشكيل شط العرب) يصبان في مياه‬
‫بحر العرب عند مضيق هرمز وهذا ما يتوافق مع المراحل الخيرة من العصر‬
‫الحجري القديم‪ .‬وبعد أن أثبتنا في الفصل الول أن إنسان "النياندرتال" في منطقة‬
‫الشرق العربي كان سباقا بتواجده على نظيره الوروبي بحوالي ‪60.000-40.000‬‬
‫عام مثل النسان الحديث ‪ Homo Sapiens‬يصبح واضحا إذن أن الحراك المدروس‬
‫كان سباقا في تأريخه‪ .‬وهذا يعني أن النسان الحديث "العروبي " ‪ARABOID‬‬
‫انتشر في اللف الثلثين قبل الميلد في ليبيا‪ ،‬وفي منطقة ما قبل الخليج وامتد‬
‫انتشاره إلى منطقة السبيل في وادي النيل وهذا ما تثبته الحفريات التي اكتشفت‬
‫الشفرات الحجرية المطابقة لذلك الزمان‪ ،‬إن كان عن طريق السفينة البحثية‬
‫اللمانية "المونيتيور" أو عن طريق آثاريات منطقة السبيل‪.‬‬
‫وقد تبين بعد التحليل الدقيق إن هذه المخلّفات التي تشتمل على جماجم‬
‫وبقايا عظمية إنسانية أنها قريبة من النموذج التشريحي المورفولوجي للسللة‬
‫المصرية الولى والجزيرة (المتطابقة معها)‪.‬‬
‫وف ي نهايا ت المرحل ة الجليدي ة الخير ة (بين ‪10.000-6.000‬ق‪.‬م ) (اشتد‬
‫الجفاف في منطقة وادي النيل ومنابعه‪ ،‬ومنطقة الخسيف بامتداديها المذكورين‪،‬‬
‫مما أدى إلى الهجرة الضافية الثانية بنفس التجاه ولكن مع البتعاد أكثر باتجاه‬
‫سواحل البحر البيض المتوسط بقسميه العربيين (السيوي والفريقي)‪.‬‬
‫‪-2‬مع بداية امتداد العصر الدفئ وانتشار مياه البحر إلى شمال هرمز‪ ،‬وإلى‬
‫‪- 162 -‬‬

‫الشما ل مم ا هو علي ه الن بحوالي ‪160-149‬كم شمالً (عن حدود ه الحالية)‬
‫بالضافة إلى تشكل الخليج العربي‪ ،‬وفيضان النيل‪ ،‬اندفع الحراك المدروس‬
‫باتجاه المناطق الشمالية والغربية من الهلل الخصيب‪ ،...‬منطلقة" تلك الجماعات‬
‫البشرية من منطقة ما قبل الخليج‪ ،‬ومن منطقة وادي النيل القبلي "والصحراء‬
‫الليبية" وإلى الشمال الفريقي غربا‪ ،‬وعبر سيناء شرقا‪.‬‬
‫وهذ ا م ا انعك س لحقا بالحضارا ت النطوفي ة والسبيلي ة والصفاقصية‬
‫ومثيلتها في الوطن العربي‪ ،‬وأهمها في شمال الجزيرة السورية‪.‬‬
‫‪-3‬أدى النحسار التالي لمياه الخليج العربي إلى ما هو عليه الواقع الن‪،‬‬
‫وعودة مياه نهر النيل إلى الستقرار إلى حراك جولني اتجه هذه المرة‪:‬‬
‫آ‪ -‬من شمال وغرب الهلل الخصيب إلى جنوب بلد الرافدين‬
‫معـ ـالبقاءـ ـعلىـ ـالمواقعـ ـالوليةـ ـوالتيـ ـاستندتـ ـعليها‬‫الحضارات التالية‪.‬‬
‫ب‪-‬ـ ـمنـ الصحراءـ الليبيةـ ـوالتيـ ـبدأتـ ـتصبحـ ـمعـ ـهذا ـالطور‬
‫صحراء فعل ً إلى وادي ودلتا النيل‪.‬‬
‫جـ‪-‬ـ ـمنـ ـمنطقةـ ـالجنوبـ ـاليمانيـ ـوالساحلـ ـالشرقيـ ـللبحر‬
‫الحمرـ ـإلى ـهضبة ـالحبشة ومنها ـإلى ـمنطقة ـالنوبةـ في‬
‫الوجه القبلي‪ ،‬ومن ثم باتجاه الصحراء الليبية نحو الشمال‬
‫الفريقي العربي‪.‬‬
‫وهذاـ ـماـ ـأدىـ ـإلىـ ـظهورـ ـالحضاراتـ ـالبدئية‬
‫السابقة للحضارات الكتابية التأريخية في جنوب الرافدين‪،‬‬
‫وفي شمال وغرب الهلل الخصيب ودلتا النيل والشمال‬
‫الفريقي‪.‬‬
‫‪ÇáÍÑÇß ÇáÌæáÇäí ÇáÊáÞÇÆí -4‬‬

‫وه و الذ ي كا ن يحد ث بي ن التمركزا ت المديني ة ف ي الحضارا ت الجليلة‬
‫الكتابية التي ظهرت مع بداية التاريخ وكان هذا الحراك تبادلً "حضاريا" ثقافيا"‬
‫وأحيانا يأخذ الشكل العسكري‪ .‬لكن الجماعات البشرية العروبية بقيت تتحرك‬
‫وتنتقل من موقع إلى آخر‪ ،‬ومن أقصى نقطة في الشرق إلى أقصى نقطة في‬
‫الغرب ‪ ،‬وبالعك س وم ن الشما ل إل ى الجنوب ‪ ،‬وبالعكس ‪ ،‬بدو ن أي ة حواجز‬
‫جغرافية أو لغوية أو إثنية وامتد هذا الحراك زمنيا حتى سقوط بابل نتيجة الغزو‬
‫الفارسي‪ ،‬على يد كيرش عام ‪539‬ق‪.‬م‪.‬‬
‫ومن أهم نماذج هذا الحراك وأمثلته‪ ،‬الحراك الكنعاني ‪/‬الفينيقي (على امتداد‬
‫‪- 163 -‬‬

‫سواح ل شب ه الجزير ة العربي ة الغربي ة والجنوبية ‪ ،‬من سواح ل الخلي ج العربي‬
‫فالسواح ل الشامية ‪ ،‬وم ن ث م المتدا د غربا باتجا ه السواح ل الشمالي ة الفريقية‬
‫العربية‪ ،‬بل وحتى سواحل أوروبا وغيرها‪.‬‬
‫(وهذا الحراك عفوي تلقائي‪ ،‬ويتم كحركة جماعات بشرية في وطنها‪ ،‬بدون‬
‫أية حواجز جغرافية أو لغوية أو إثنية)‪.‬‬

‫‪:ÇáÍÑÇß ÇáÌæáÇäí ÇáÞÓÑí -5‬‬
‫ويتم تأريخه مع بداية الغزو الفارسي وسقوط بابل على يد كيرش (قيرش)‬
‫عام ‪539‬ق‪.‬م وما تله من غزوات اغريقية ورومانية وغيرها‪ .‬وهذا ما خلق نمطا‬
‫جديدا من الحراك ليس بمعناه الجغرافي التاريخي (القسري) فقط‪ ،‬بل ومعناه‬
‫الحضاري المتعدد الجوانب‪.‬‬
‫فالقوام التي غزت الوطن العربي واستمرت بغزواتها على مدى ألف عام‬
‫تقريبا‪ ،‬كانت تدرك السبق الحضاري الذي حققه العرب على مدى آلف السنين‬
‫السابقة‪ .‬وبات من الممكن مع التوسع العمودي التالي لمفهوم الدولة العربية من‬
‫تحقيق بنية "سياسية"‪ /‬بإحداثيات ذلك الزمان‪ /‬عربية‪ ،‬تنجز مشروعها التالي‪،‬‬
‫الذي أعطى الفينيقيون مثاله الرائع‪ .‬فكانت تلك الغزوات "دفاعية" من وجهة نظر‬
‫أصحابها الغزاة من جانب‪ ،‬وهجومية لتلقّف تلك الوضعية الحضارية واحتللها‬
‫من جذورها‪.‬‬

‫‪:ÇáÍÑÇß ÇáÚÑÈí ÇáÇÓáÇãí -6‬‬
‫ولقد كان بتعبيراته السياسية والحضارية الرد الحتمي على ما سبقه‪ .‬فإذا لم‬
‫تستطع المسيحية بجذورها العربية تحقيق الرد اللزم بسبب تبنّيها التالي من قبل‬
‫تلك المبراطوريات‪ ،‬وبالتالي التغريب بها‪ ،‬ودفعها إلى خارج مواقعها المعرفية‬
‫الثنوأناسية التي أنتجتها‪ ،‬إل أن الرسالة المحمدية العظيمة استطاعت انجاز ذلك‬
‫المشرو ع بتعبيرات ه الحضاري ة العالية ‪ .‬وتجاوز ت العروب ة م ع هذ ا الحراك‬
‫التوضع التاريخي الجغرافي للنتشار العربي باتجاه الشرق والشمال وتجاوزت‬
‫البحار إلى أوربا‪.‬‬
‫لكن ما يهمنا في هذا الموقع‪ ،‬هو التأكيد على أن البنائية العربية بتأسيسها‬
‫الناسي المتعدد الجوانب وعبر السلم كمظهر معرفي من مظاهر العروبة‪ ،‬وإن‬
‫استطاعت أن تفرض بنيتها السياسية على رقعة واسعة تمتد إلى سور الصين‬
‫‪- 164 -‬‬

‫شرقا وإلى الصحراء السيوية شمالً وإلى جبال اللب غربا‪ ،‬إلّ أنها وتأكيدا لما‬
‫قلناه سابقا لم تستطع أن تفرض اللغة العربية إلّ بما يعنيه ذلك من علقتها‬
‫بالتكوين الناسي المعرفي العربي‪ .‬لتبقى الدولة العربية لحقا بالمعنى القومي في‬
‫حدود التواجد الوليّ للجماعات البشرية العروبية عبر مراحل تاريخيتها العريقة‪،‬‬
‫وهو ما نسميه اليوم"الوطن العربي"‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬لم يكن الحراك الجولني بين مناطق الوطن العربي ذا اتجاه محدّد‪،‬‬
‫ولم يكن ذا مصدر واحد‪ .‬أي أن الجماعات البشرية العروبية‪ ،‬وإن كانت في‬
‫لحظ ة ما ‪ ،‬م ن التاري خ السحي ق جماع ة صغير ة نم ت وتفرّعت ‪ ،‬أ و جماعات‬
‫صغيرة مترابطة جغرافيا وأثنولوجيا‪ ،‬لكن وبغض النظر عن ذلك‪ ،‬من الثابت‬
‫الن كما برهنا نحن وبشكل قاطع أن التطابق في المخلفات الثرية الولية ولو‬
‫بي ن أماك ن ومناط ق تبد و متباعد ة حت ى بمقايي س العص ر الراه ن ليد ل على‬
‫استمرارية الحراك الجولني والتداخل الحضاري‪ .‬فالدارس للميتولوجية العروبية‬
‫المصرية‪ ،‬يكتشف أن معبودات الدين المصري‪ ،‬وبالدليل القاطع (مش‪ :‬آمون‪،‬‬
‫حور‪ ،‬رع‪ ،‬أوزير‪ ،‬ينث" كانت جاءت من خارج وادي النيل‪ .‬فأمون‪ ،‬وأوزير‪،‬‬
‫ونيث وغيرهم كثير كانت أربابا صحراوية قدمت مع المهاجرين من الصحراء‬
‫الليبية‪ .‬والمعبود حور هو (=حورس= طائرالحر= الصقر ‪/‬كما أسلفنا‪ )/‬كان‬
‫معبود القادمين من شبه الجزيرة الذين استوطنوا الصعيد وقدّسوه مع الدلتا بعد‬
‫ذلك‪ .‬كما أن جميع أسماء الرباب المصرية القديمة (خاصة ما كان منها على‬
‫المستوى الوطني الشامل) أسماء عربية الصل‪ ،‬يمكننا حتى الن في عصرنا‬
‫هذا وبلغتنا المتطورة الحديثة جدا أن نفهمها ونردها إلى أصلها العربي بوضوح‬
‫كامل‪ .‬والمثير أن عروبة هذه السماء تنطبق على أرباب الصحراء الليبية أيضا‬
‫مما يثبت وحدة الصل اللغوي البعيد‪ ،‬أو اللغة الم‪ .‬كما أن أهل وادي النيل‬
‫نظروا إلى الجزيرة العربية (وخاصة الحجاز حيث توجد الكعبة الشريفة) دائما‬
‫نظر ة تقدي ر واحترا م وتقديس ‪ ،‬باعتباره ا "أر ض الرباب " (ت ‪ .‬د ‪ .‬ن ‪ .‬ت‪.‬‬
‫ر‪.‬و=طية النظر (ين) =أرض الرباب= أرض اللهة) (‪ ...)137‬ووردت معنا‬
‫مئات المثلة المطابقة خلل بحثنا أما ما يخص التشابه أو التماثل أو التطابق في‬
‫البناء الميثولوجي العروبي بمظاهره المتعددة‪ ،‬فلقد خصصنا لذلك جزءا مستقلً‬
‫سيأتي لحقا‪ ،‬لكن ما يهمنا في هذا الطار بعضٌ مما له علقة مباشرة بالبنية‬
‫اللغوية ‪ .‬فكلم ة "نهر " ف ي العربي ة المعاصر ة ه ي بالوغاريتي ة "ن‪.‬ه ‪.‬ر"‬
‫"وبالرامية" نهرا " وباليمنية القديمة "نهر" وبالكدية " نهرو" والبحر" كما ورد‬
‫معنا‪ ،‬بالوغاريتية "يم" و"يما" بالرامية و"يامو" بالكدية وعلى رأي سايروس‬
‫‪- 165 -‬‬

‫غورون (‪ )138‬فان الكلمة أكثر تجذرا في اللهجة الوغاريتية‪ .‬وهناك أيضا مادة‬
‫(ت‪.‬ه ‪.‬م) تفيد معنى "العمق‪ ،‬البحر‪ ،‬الملح‪ ،‬اللج‪ ،‬البحر المحيط" في اللهجات‬
‫العروبية‪:‬‬
‫"ت‪ .‬ه ‪ ،‬م" بالوغاريتية‪.‬‬
‫"تهموما" بالسريانية‪.‬‬
‫"تهامات" باليبلوية وتعني "المحيط المنخفض"‬
‫"تيامت" بالبابلية وتعني الهولة البحرية التي قتلها الله مردوخ كما جاء في‬
‫أسطورة الخل ق البابلية " حينما ف ي العل ى "كم ا أن"تامتو " البابلي ة تعن ي "بحر"‬
‫وتقابلها في العربية المعاصرة "تهامة " وهي اس م جغرافي يطلق على الجزء‬
‫الغربي من الجزيرة العربية عند ساحل البحر الحمر‪ .‬وهي كلمة لها علقة‬
‫بالماء والبحر(‪ .)139‬على أن الدكتور كمال صليي يقترح لهذه الكلمة جذرا آخرا‬
‫هو "هيم" أو "هام" "بمعنى" عطش "ومنه الهيام" وهو أشد العطش‪ .‬ويعتبر التاء‬
‫في بداية الكلمة هي الضمير المتصل المؤنث للمفرد والغائب‪ ،‬من صيغة (تفعل)‬
‫كم ا ف ي (تدمر)؟؟ ! وتغل ب وتنوخ ‪ .‬وباعتبا ر هذ ه الكلم ة ل م تر د معرّف ة بأداة‬
‫تعريف فهي ليست نكرة‪ ،‬وفي هذه الحالة تعتبر اسما جغرافيا على نحو ما يذهب‬
‫إليه معناها في العربية المعاصرة(‪ )140‬ومهما كان معناها‪ ،‬فهي موجودة في كل‬
‫اللهجات العروبية بمعان أربع‪/‬‬
‫تهامة‪ :‬أرض منخفضة بين ساحل البحر وبين الجبال في الحجاز واليمن‪.‬‬
‫تهامة‪ :‬ذات العلقة بالبحر‪.‬‬
‫تهامة‪ :‬ذات العلقة بالعطش والصحراء‪.‬‬
‫تهامة‪ :‬الرمز الثيولوجي المعروف في "حينما في العلى" والذي يقاطع على‬
‫ما يبدو المعاني السابقة في اتجاهاتها المتعددة‪.‬‬
‫ولهذ ه المفرد ة مغز ى "خاص " ف ي الشار ة إل ى الحرا ك الجولن ي الذي‬
‫نتحد ث عن ه والذ ي يمكنن ا م ن خلل ه توزي ع الرقع ة الفقي ة لنتشا ر اللهجات‬
‫العروبية على النحو التالي بعد أن تفرعت من اللهجة العروبية البدئية الصل‪:‬‬

‫‪- 166 -‬‬

‫‪:ÇááåÌÇÊ ÇáÚÑæÈíÉ ÇáãÔÇÑÞíÉ¡ æÊÖã -1‬‬
‫ماـ ـقبلـ ـخليجيةـ ـوهيـ ـشفويةـ ـغيرـ ـمكتوبة‪،‬ـ ـإل ّــ تلك‬‫المفرداتـ ـالتيـ ـانتقلتـ ـإلىـ ـاللهجاتـ ـالتاليةـ ـمكانها‬
‫جغرافياً‪:‬‬
‫السومرية‪ ،‬والكادية (البابلية والشورية)‪.‬‬‫الكنعانية (الوغاريتية‪ ،‬الفينيقية‪ ،‬والمورية‪ ،‬والمرآبية)‪.‬‬‫الرامية‪ :‬ـ ــ(الرامية‪ ،‬ـ ــالسريانية‪ ،‬ـ ــالنبطية‪ ،‬ـ ــوالتدمرية‪،‬‬‫المندائية‪ ،‬الصابئية‪)..‬‬
‫‪-‬العربية الجنوبية (الحضرمية‪ ،‬المعينية)‪.‬‬

‫‪:ÇááåÌÇÊ ÇáÚÑæÈíÉ ÇáæÓØì -2‬‬
‫العربية الجنوبية (القتبانية‪ ،‬السبئية‪ ،‬الحميرية)‪.‬‬‫السيناوية‪.‬‬‫المصرية(الهيروغليفية‪ ،‬الهيراتيقية‪ ،‬الدوميثقية‪)..‬‬‫‪-‬الحبشية (الجمعرية‪ ،‬المهرية‪ ،‬التيغرية‪ ،‬إلخ) الكوشيتية‪.‬‬

‫‪:ÇááåÌÇÊ ÇáÚÑæÈíÉ ÇáãÛÇÑÈíÉ -3‬‬
‫المازيغية‪ /‬البربرية‪.‬‬‫الليبية (الجبالية)‪.‬‬‫الكوشيتية‪.‬‬‫الفينيقية (القرطاجية)‪ /‬الكنعانية‪.‬‬‫التروسكية‪.‬‬‫وبهذا الشكل يبدو جليا المعنى الملزم للبعد الناسي المعرفي للغة‪ ،‬ابتدا ًء‬
‫من الكتابة التصويرية والتي تعني نقل المشخص القائم في الموضوع والمحيط‬
‫إلى الحركة البداعية‪ ،‬الممثلة بفعل الخلق المنمذج‪ .‬وهنا تأخذ الذاكرة الحدْثيّة‬
‫‪ EPIZOTIC‬دورها الخاص في النتقال من المشخص العياني إلى الموضوعي‪،‬‬
‫إلى المعزول‪ .‬فالتصوير يعني النتقال في التشخيص انطلقا مما هو قائم الن‬
‫ف ي الواق ع المشاه د إل ى الواق ع الموضوعي ‪ ،‬حي ث تتدخ ل الذاكر ة البصرية‬
‫(الطيفية)‪ ،‬لكن تبقى في احداثيات الحدث‪ ،‬المعيّن بأبعاد واقعية‪ .‬من ثم تنتقل‬
‫الحركية المعرفية إلى نقل هذا الموضوع عبر أدوات التعبير (التي هي البدء في‬
‫الحالة المناقشة) إلى بنية أخرى معزولة‪ ،‬لكنها غير متطابقة مع الصل‪.‬‬
‫من ثمّ النتقال الثاني باعتبار اللغة التصويرية الولى‪ ،‬هي التمثيل الثاني‬
‫‪- 167 -‬‬

‫للموضوع‪ ،‬فيُعامل على أنه موضوع جديد مستقل‪( ،‬وهذا كما أسلفنا مرتبط‬
‫بالنتقال من اللغة الشفوية إلى اللغة الكتابية) مما يُخضعه لنفس عمليات النمذجة‬
‫المعرفية التي خضع لها الموضوع الول المشخص عيانيا‪.‬‬
‫وهنا تتدخل الذاكرة الدللية بحدود امتلكها للواقع الموضوعي‪ .‬فيتم النتقال‬
‫إلى المرحلة التالية من الكتابة التصويرية إلى مرحلة التركيز على عناصر‪،‬‬
‫يعتبره ا المبد ع ه ي الكث ر أهمية ‪ ،‬ويتمّ بالتال ي اختزا ل بع ض الصفا ت في‬
‫التصوير الول‪ ،‬ليُصاغ بالتالي نمطٌ "رمزيّ" جديد يحمل السمات الهامة من‬
‫التصوير الول‪ .‬وهذا ما يمكن أن نسميه التجريد الكتابي الوّلي‪ .‬بحيث ركز‬
‫النسان العروبي على مفاصل ما‪ ،‬في الكتابة التصويرية الولى‪ ،‬اعتبرها الهم‪،‬‬
‫فأهمل ما عداها ونقلها إلى النمط الرمزي الجديد من الكتابة‪ .‬ونظرا لرتباط ذلك‬
‫الموضوع المشخص بالحركات الصوتية وما يعنيه ذلك بالمنهج الناسي المعرفي‬
‫من تداخل الذاكرتين الصدوية ‪" ICOIC‬السمعية" والبصرية ‪ ICONIC‬فقد تم إدخال‬
‫التجريد على التعبير الصوتي والصوري‪ ،‬مما أدى في البداية إلى نشوء الرموز‬
‫التركيبية ثم تحولت إلى مقاطع ذات قيم صوتية ترسم بخطوط مستقيمة‪ .‬وبالتالي‬
‫تم استبدال الهم في الشكل الواقعي الموضوعي المشخص بالنموذج الرمزي‬
‫الذي يداخل معه الحركية الصوتية‪ .‬ول يمكن لتلك السلسلة البداعية أن تتم إل‬
‫بفضل عامل التواصل بين أفراد الجماعات البشرية‪ ،‬وما يعنيه ذلك‪ ،‬من نقل‬
‫التواصل المباشر الموضوعي إلى المجرد‪ .‬وهذا ارتبط بدوره بنشوء العلمات‬
‫الولية للفكر الفلسفي‪.‬‬
‫والمتتبع لمراحل تطور أبجديات اللهجات العروبية يدرك تماما‪ ،‬أن هناك‬
‫تطابقا كاملً في النتقال المذكور عبر مراحل التطور من الشكل التصويري‬
‫اللغوي إلى البجدي‪.‬‬
‫فالتتب ع لتطو ر اللهجا ت كالهيروغليفي ة مثلً والت ي بدأ ت أولً بالمرحلة‬
‫التصويرية "حيث الصورة تعبر عن الفكرة‪ .‬فصورة القدم تعطي فكرة المشي‪،‬‬
‫وصورة العصفور تعطي فكرة الطيران‪ ،‬ولتمييز السم عن الفعل جعلوا إشارة‬
‫خاصة تتبع الفعل دائما‪ ،‬ثم انتقلت إلى المقطع الصوتي ثم إلى الشكل الرمزي‪،‬‬
‫بحيث بلغت رمزها وأشكالها وحروفها في إحدى مراحل تطورها السبعمائة"(‬
‫‪ )141‬يدرك تماما أنها عبرت نفس مراحل النمو المعرفي التي مرت به شقيقاتها‬
‫المسمارية والبجدية الفينيقية‪" .‬فالمسمارية بدأت بحوالي ‪ 2000‬علمة ثم تقلّصت‬
‫إل ى ‪ 500‬علمة ثم اختزلت إل ى ‪350-400‬علمة مسمارية (‪ ) 141‬تماهت لحقا‬
‫‪- 168 -‬‬

‫بالكتابة المسمارية الوغاريتية‪ ،‬لتتداخل تلك المحاولت للبجدية وتنتج البجدية‬
‫الفينيقية والتي يرى البعض (أنها تتقاطع بالكثير مع الحرف السيناوية (نسبة إلى‬
‫سيناء) المشتقة عن الهيروغليفية المتطورة‪.‬‬
‫والمعروف أن الحرف السيناوية مشتقة عن الهيراطيقية‪ .‬وقد اعتمد هؤلء‬
‫الدارسو ن برأيه م عل ى التشاب ه الشدي د بي ن الحر ف الفينيقي ة والسنياوية"( ‪)142‬‬
‫وبعضهم الخر يردها إلى المسمارية الكدية(‪.)143‬‬
‫وهذ ا يهمن ا بنتيج ة واحد ة مفاده ا أ ن تل ك اللهجا ت تطور ت مورفولوجيا‬
‫وزمنيا بمراح ل واحد ة ومنح ى أناس ي ومعرف ي وثقاف ي واحد ‪ ،‬ب ل وبجذر‬
‫أثنولوجي واحد‪.‬‬
‫‪ρ‬‬

‫‪- 169 -‬‬

‫‪åæÇãÔ ÇáÝÕá ÇáÑÇÈÚ‬‬
‫(‪ ) 1‬قاسم العتمة ـ ‪ -‬اللغة العربية كأداة توحيد ‪ -‬الوحدة ‪-‬العددـ ‪ - 34-33‬حزيران‬
‫وتموز ‪.1987‬‬
‫(‪)2‬المصدر السابق‬
‫(‪ )3‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )4‬د‪.‬الغالي أحروشاو‪ :‬مجلة دراسات عربية العدد ‪ /8/‬السنة الحادية والعشرون‪-‬‬
‫حزيران ‪ -.1985‬ومعنى القول مأخوذ من عالم اللغة بياجيه‪.‬‬
‫(‪ ) 5‬هنري لوفيفر‪ ،‬اللسان والمجتمع‪ ،‬ترجمة مصطفى صالح‪ -‬وزارة الثقافة في‬
‫ج‪.‬ع‪.‬س ص ‪.135‬‬
‫(‪ )6‬قاسم العتمة اللغة العربية كأداة توحيد‪.‬‬
‫(‪ ) 7‬محمد السعد ‪ -‬في الشائع والموروث‪ ..‬وأصل أم الحضارات ‪ -‬جريدة الحياة‬
‫‪/‬العدد ‪ /11793‬حزيران ‪.1995‬‬
‫(‪ )8‬محمد السعد ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )9‬محمد السعد ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ ) 10‬بييرروسي ‪ -‬مدينةـ ايزيسـ ‪ -‬التاريخ الحقيقي للعرب‪ -‬ترجمة فريد جحا ‪-‬‬
‫وزارة التعليم العالي‪ -‬دمشق ‪ 1980‬ص ‪8‬‬
‫(‪ )11‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪18‬‬
‫(‪ )12‬محمد السعد ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )13‬محمد السعد ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )14‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪31‬‬
‫(‪ )15‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪31‬‬
‫(‪ )16‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪37‬‬
‫(‪ )17‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪49-48-18‬‬
‫(‪ )18‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪34‬‬
‫(‪ )19‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪38‬‬
‫(‪ )20‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪25‬‬
‫(‪ )21‬بييرروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪50‬‬
‫(‪ )22‬محمد السعد ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ ) 23‬احسان جعفر ‪ -‬بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية ‪ -‬مجلة الوحدة‬
‫العدد ‪20‬أيار ‪.1986‬‬
‫(‪ ) 24‬أحمد كمال ‪ -‬مجلة المقتطف‪ ،‬المجلد التاسع والخمسون‪ ،‬الجزء الثالث ‪-‬‬
‫منقول عن دراسة احسان جعفر السابقة الذكر‬
‫(‪ )25‬احسان جعفر ‪ -‬المصدر السابق ‪.‬‬
‫(‪)26‬احسان جعفر ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪)27‬أحمد كمال ‪ :‬أول أمين مصري لمتحف القاهرة وأستاذ للحضارة القديمة في‬
‫الجامعة المصرية القديمة وله من الكتب المطبوعة‪" :‬العقد الثمين في‬
‫تاريخ مصر القديم‪ ".‬الللئ الدرية" اجرومية هيروغليفية ‪ -‬عربية ‪" -‬بغية‬
‫الطالبين" في علوم قدماءـ المصريين‪" -.‬ترويح النفس" في مدينةـ عين‬
‫شمس‪-.‬ـ ـ"ترجمة"ـ ـدليلـ ـمتحفـ ـالقاهرة‪-.‬ـ ـ"صفائحـ ـالقبور"ـ ـفيـ ـالعصر‬
‫اليوناني والروماني‪ -.‬الدر المكنوز في الجنايا والكنوز و"الموائد القديمة"‬
‫‪- 170 -‬‬

‫وغيرها‪.‬‬
‫(‪ )28‬المعلومات السابقة مأخوذة من مقالة إحسان المصدر السابق ‪.‬‬
‫(‪ )29‬احسان جعفر المصدر السابق‪،‬‬
‫(‪ )30‬د‪ .‬عبد العزيز صالح‪ ،‬حضارة مصر وآثارها الفصل الول‪.‬‬
‫(‪ )31‬احسان جعفر ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪)32‬ـ ـقاسمـ ـالعتمةـ ـ‪-‬ـ ـاللغةـ ـالعربيةـ ـكأداةـ ـتوحيد‪-‬ـ ـمجلةـ ـالوحدةـ ـالعدد ـ ‪34-33‬‬
‫حزيران‪ -‬تموز ‪ 1987‬ص ‪10‬‬
‫(‪ ) 33‬قاسم العتمة المصدر السابق ‪ -‬ووردت نفس المعطيات أيضا ًـ في مقدمة‬
‫لدراسةـ ـالتطورـ ـالدلليـ ـفيـ ـالعربيةـ ـالفصحى‪،‬ـ ـمجلةـ ـعالمـ ـالفكرـ ـالعدد‬
‫‪4‬لعام ‪ 1986‬للدكتور أحمد محمد قدور ص ‪ 29‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )34‬قاسم العتمة ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )35‬د‪.‬عبده بدوي ‪-‬دور الشعر وخدمته لعملية التنمية الثقافية عالم الفكر‪ -‬العدد‬
‫‪-1986- 4‬ص ‪.99‬‬
‫(‪ )36‬قاسم العتمة ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )37‬أحمد عثمان ‪ -‬هجرة قبائل العرب قبل اختراع الكتابة ‪ -‬جريدة الحياة العدد‬
‫‪ 11789‬حزيران ‪.1995‬‬
‫(‪ )38‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪)39‬ـ عليـ ـأبوـ عسافـ ‪-‬ـ آثارـ الممالكـ القديمةـ فيـ سورية‪-.‬ـ وزارةـ الثقافةـ في‬
‫ج‪.‬ع‪.‬س ‪1988‬ص ‪.129‬‬
‫(‪ )40‬فك رموز اللغة المسمارية العالم اللماني جبمورج فريدريك عزوتغند وأكمل‬
‫عملـ ـهذاـ ـالباحثـ ـالنكليزيـ ـرولنسونـ ـعامـ ‪،1846‬ـ ـفيـ ـحينـ ـفكـ ـرموز‬
‫الهيروغليفية‪ -‬العالم شامبليون‪.‬‬
‫(‪ )41‬أحمد عثمان‪ -.‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ ) 42‬د‪.‬عليـ فهميـ خشيمـ ـ‪ -‬أقسامـ البشرـ الربعةـ فيـ قصةـ الخلقـ المصريةـ ‪-‬‬
‫مجلة الوحدة العدد ‪ 34-33‬حزيران ‪-‬تموز ‪ 1987‬ص ‪100‬مأخوذة عن‪:‬‬
‫‪Budge,The Egyption Gods ,P.8‬‬
‫‪Budge, The Egyption Heaven And Hell P144‬‬
‫(‪ )43‬انظر‪:‬‬
‫‪Gardiner, Eg P.618 Budge An En Heir Diet P432-6‬‬
‫(‪ )44‬قارن‪:‬‬
‫‪Budge, An Eg. Hier Diet-6‬‬
‫‪Budge, Egyption Language P.10.7-210‬‬
‫(‪M.Grant, The Etrucons. Waidenfeld And Nicolson,London 1980 )45‬‬

‫(‪ )46‬علي فهمي خشيم ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ ) 47‬د‪.‬البر فريد النقاش ‪ -‬الثار وكتابة تاريخ العرب القديم ‪ -‬مجلة الفكر العدد‬
‫‪ 52‬ص ‪12-11‬‬
‫(‪ )48‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق ايبل دمشق ‪.1984‬‬
‫(‪ )49‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪24‬‬
‫(‪ )50‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.25‬‬
‫(‪ )51‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪135‬‬
‫(‪)52‬‬
‫‪P.Biggs: The Epla Tablette. An Interim Perspective Biolical Archaeology Spring 1980‬‬
‫واردا ً في وثائق ايبل للدكتور عفيف بهنسي ص ‪120‬‬

‫‪- 171 -‬‬

‫(‪ )53‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.141‬‬
‫(‪ )54‬المصدر السابق المذكور بالهامش (‪)52‬‬
‫(‪ )55‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق ايبل دمشق ‪1984‬ص ‪.147‬‬
‫(‪ )56‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪152‬‬
‫(‪ )57‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪149‬‬
‫ـ ـ ـ ـ(إنـ ـالمثلةـ ـعلىـ ـتطابقـ ـاللهجاتـ ـاليبلويةـ ـوالكنعانيةـ ـ‪-‬الوغارتية‬
‫كثيرة جدا ً‪ ،‬وهذا يعني وحدتها ضمن منظومة اللغة العروبية التي تطورت‬
‫إلى العربية الحديثة" ويمكن العودة إلى قاسم الشواف "العلقة بين لغة‬
‫رأسـ ـشمراـ واللغةـ العربيةـ "والكتابـ الذيـ ـأصدرهـ ـبالنكليزيةـ عزـ الدين‬
‫الياسمينـ ـ"العلقاتـ ـاللغويةـ ـبينـ ـالوغاريتيةـ ـوالعربيةـ ـ"عنـ ـجارشكتون‬
‫كولدج ‪/.1952‬هامش ص ‪143‬في كتاب د‪.‬بهنسي المذكور أعله‪/‬‬
‫(‪ ) 58‬د‪.‬البر فرينقاش ‪ -‬الثار وكتابة التاريخ العربي القديم ‪ -‬مجلة الفكر العربي‬
‫العدد ‪.52‬‬
‫(‪ )59‬د‪.‬البر فريد نقاش ‪ -‬المصدر السابق ص ‪ 16‬هامش (‪.)4‬‬
‫(‪ )60‬د‪.‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق ايبل دمشق ‪ 1984‬ص ‪.142‬‬
‫(‪ )61‬د‪.‬البر فريدنقاش ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )62‬د‪.‬البر فريد نقاش ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ ) 63‬الشيخ نسيب وهيبة الخازن ‪ -‬من الساميين إلى العرب ‪ -‬دار مكتبة الحياة‬
‫بيروت ص ‪.163-161‬‬
‫(‪ )64‬حروف المسند مأخوذة من "المفصل في تاريخ العرب قبل السلم للدكتور‬
‫جواد علي الجزء الثامن‪1971 -‬الطبعة الثانية ص ‪.220‬‬
‫(‪ )65‬الحرف الفينيقية ومعناها مأخوذة من كتاب من الساميين إلى العرب للشيخ‬
‫نسيب وهيبة الخازن ص ‪.39‬‬
‫(‪ )66‬د‪.‬جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل السلم ‪ -‬ط ‪-1971 2‬الجزء الثامن‬
‫ص ‪202‬وما بعد ‪)67( -.‬د‪.‬جواد علي ‪ -‬ط ‪ - 1971 2‬الجزء الثامن ص ‪ .212‬دار‬
‫العلم للمليين‬
‫(‪ )68‬د‪.‬جواد علي ‪ -‬ط ‪ -1971 2‬الجزء الثامن ص ‪ 213‬دار العلم للمليين‬
‫(‪ )69‬د‪ .‬جواد علي ‪ -‬ط ‪ -1971 2‬الجزء الثامن ص ‪.213‬‬
‫(‪)70‬ـ ـسبقـ ـووضحناـ ـفيـ ـالفصلـ ـالسابقـ ـارتباطـ ـالتسميةـ ـبالتاريخـ ـالجغرافي‬
‫الناسي لجنوب العربية وارتباطها بالجماعات العروبية المهاجرة (الجوالة)‬
‫مع فجر التاريخ‪.‬‬
‫(‪ ) 71‬أمين توفيق الطيي ‪ -‬العلقات بين الجزيرة العربية والحبشة قبل السلم ‪-‬‬
‫جريدة الحياة العدد ‪ /11770/‬تاريخ ‪.14/5/1995/‬‬
‫(‪ )72‬أمين توفيق الطيي ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )73‬أمين توفيق الطيي ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ ) 74‬د‪.‬جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل السلم ‪ -‬المصدر السابق ج ‪8‬‬
‫ص ‪229‬‬
‫(‪ )75‬زياد منى ‪ -‬عودة التاريخ المخطوف ‪ -‬مجلة الناقد‪ -‬العدد ‪/ 54‬أيار‪ -‬مايو ‪.1994‬‬
‫(‪ ) 76‬زياد منى ‪ -‬المصدر السابق‪ -.‬ومن الجدير ذكره أنـ الدراسة المنوه عنها‬
‫أعله صدرت عن دار رياض الريس في بيروت في كتاب مستقل بعنوان‬
‫"التوراة أتت من جزيرة العرب"‪.‬‬
‫(‪ )77‬زياد منى ‪ -‬المصدر السابق ‪.‬‬
‫(‪ )78‬علي الشوك‪ :‬جولة في أقاليم اللغة والسطورة ‪ -‬دار المدى ط ‪ 1994‬ص ‪-43‬‬
‫‪.44‬‬
‫(‪ )79‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.43‬‬
‫‪- 172 -‬‬

‫(‪ )80‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.42‬‬
‫(‪ ) 81‬د‪.‬محمد عجينة ‪ -‬موسوعة أساطير العرب ‪ -‬دار الفارابي ط ‪ 1994 1‬ـالجزء‬
‫الول ص ‪.177-275‬‬
‫(‪ )82‬د‪ .‬محمد عجينة ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.336‬‬
‫(‪ )83‬علي الشوك‪ :‬جولة في أقاليم اللغة والسطورة ‪ -‬دار المدى ط ‪ 1994‬ص ‪.9‬‬
‫(‪ )84‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.11‬‬
‫(‪)85‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪61‬‬
‫(‪ )86‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.13‬‬
‫(‪ )87‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.13‬‬
‫(‪ )88‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.13‬‬
‫(‪ )89‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.13‬‬
‫(‪ ) 90‬قاموس اللهة والساطير ‪ -‬في بلد الرافدين والحضارة السومرية ‪ -‬تأليف‬
‫د‪.‬اذزارو وم هـ بوب ورف‪ .‬رولينغ ‪ -‬ترجمة أحمد وحيد خياطة ‪ -‬توزيع دار‬
‫سومر ‪-‬حلب ص ‪183‬‬
‫(‪ )91‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪15‬‬
‫(‪ )92‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.19‬‬
‫(‪ )93‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.22‬‬
‫(‪ )94‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.22‬‬
‫(‪)95‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.28‬‬
‫(‪ )96‬د‪ .‬محمد عجنية ‪ -‬موسوعة أساطير العرب الفارابي ‪ -1994‬ج ‪-1‬ص ‪302‬‬
‫(‪ )97‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.54‬‬
‫(‪ )98‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.62‬‬
‫(‪ )99‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.95‬‬
‫(‪ )100‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.128‬‬
‫(‪ )101‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.128‬‬
‫(‪ )102‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.132‬‬
‫(‪ ) 103‬الزرقي‪ ،‬أخبار ج ‪ 1‬ـص ‪ -.187-177‬جولة في أساطير العرب (موسوعة) ‪-‬‬
‫محمد عجنية‪ -‬فارابي ط ‪ 1994 1‬ص ‪184‬‬
‫(‪ )104‬علي الشوك ‪ -‬جولة في أقاليم اللغة والسطورة‪ ،‬دار المدى ط ‪ 1994 1‬ص‬
‫‪183-182‬‬
‫(‪ )105‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.185‬‬
‫(‪ )106‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.186‬‬
‫(‪ )107‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.187‬‬
‫(‪ )108‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.191‬‬
‫(‪ )109‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.195‬‬
‫(‪ )110‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.202‬‬
‫(‪ )111‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.204‬‬
‫(‪ ) 112‬سيد محمود القمني ‪ -‬التراث والسطورة ‪-‬دار سين‪ ،‬مصر‪ ،‬ط ‪/ 1993‬عدة‬
‫مواقع‪./‬‬
‫(‪ )113‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.209-208‬‬
‫(‪ )114‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.211‬‬
‫‪- 173 -‬‬

‫(‪ )115‬أحمد عثمان ‪ -‬هل كانت العربية الفصحى هي بالفعل لغة الكلم في قريش‬
‫ جريدة الحياة العدد ‪ 11803/16‬حزيران ‪.1995‬‬‫(‪ )116‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )117‬علي الشوك ‪ -‬الوطن الم للقوام السامية ‪ -‬الكرمل ‪41/1991-40‬‬
‫(‪ )118‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق الذكر ص ‪.64‬‬
‫(‪ )119‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )120‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )121‬علي الشوك ‪ -‬الوطن الم للقوام السامية ‪ -‬الكرمل ‪41/1991-40‬‬
‫(‪ )122‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )123‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )124‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )125‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )126‬علي الشوك ‪ -‬الوطن الم للقوام السامية ‪ -‬الكرمل ‪41/1991-40‬‬
‫(‪ )127‬الرأي لـ يهو شع عزنتز في بحث نشره في "مجلة دراسات الشرق الدنى"‬
‫التي تصدرها جامعة شيكاغو عام ‪ 1962‬تحت عنوان الوطن الم للساميين‪.‬‬
‫وقد ورد بشكل أوسع في الفصل الخاص "الناسة التاريخية المعرفية‬
‫المسروقة من هذا الكتاب‪.‬‬
‫(‪ )128‬علي الشوك ‪ -‬الوطن الم للقوام السامية ‪ -‬الكرمل ‪41/1991-40‬‬
‫(‪ )129‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ‪.‬‬
‫(‪ )130‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )131‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )132‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )133‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )134‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )135‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق ‪.‬‬
‫(‪ )136‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )137‬علي فهمي خشيم ‪ -‬نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم ‪ -‬الوحدة عدد‬
‫‪-24‬آذار ‪.1988‬‬
‫(‪ )138‬علي الشوك ‪ -‬الوطن الم للقوام السامية ‪ -‬الكرمل ‪.41/1991-40‬‬
‫(‪ )139‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )140‬علي الشوك ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )141‬لبيب عبد الساتر ‪ -‬الحضارات ‪ -‬دار المشرق‪ -‬بيروت ‪ 1986‬ص ‪18‬‬
‫(‪ )141‬عبد الحكيم الذنون ‪ -‬بدايات الحضارة ‪-‬دار علء الدين ‪ 1993‬ص ‪.80‬‬
‫(‪ )142‬لبيب عبد الساتر ‪ -‬الحضارات ‪ -‬دار المشرق بيروت ‪ 1986‬ص ‪.88‬‬
‫(‪ )143‬لبيب عبد الساتر ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.90‬‬

‫‪ρϖρ‬‬

‫‪- 174 -‬‬

- 175 -

‫‪ÇáÝÕá‬‬

‫‪ÇáÎÇãÓ‬‬

‫‪ÇáÅäÇÓÉ ÇáÊÇÑíÎíÉ ÇáãÚÑÝíÉ ÇáãÓÑæÞÉ‬‬

‫لم تعد إعادة الحداثيات للتاريخ مسألة عدالة وتوازن حقيقي‪ ،‬بل هي رؤية‬
‫معرفية نقدية تدفعنا لعادة استكشاف الفاق المستقبلية للصيرورة التالية للمة‬
‫العربية‪ ،‬وهذا يعني من أحد جوانبه إعادة التوازن المعرفي لدوات القراءة‪،‬‬
‫وبالتال ي إعاد ة القراء ة الناسي ة المعرفي ة للتاري خ العربي ‪ ،‬بم ا يعني ه ذل ك من‬
‫استثما ر كاف ة الوسائ ل المتاحة ‪ ،‬م ن مناه ج وأدوا ت عل م اللسانيا ت المقارن‪،‬‬
‫والتاريخ المقارن‪ ،‬والجغرافية التاريخية‪ ،‬وغيرها‪ ،‬بهدف وضع المقدّمات الولية‬
‫لعودة التاريخ العربي لحداثياته الحقيقية‪.‬‬
‫وأول ما يعنينا هذا الكلم‪ ،‬يخص بالدرجة الساسية إعادة تقييم التسمية‬
‫المتداولة‪ ،‬الستغرابية الستشراقية‪ /‬والتي لم تعنِ أكثر من تأطير أيديولوجي‬
‫للمشروع الرأسمالي ‪ -‬اليهودي‪ -‬الصهيوني في المنطقة العربية‪ ،‬أل وهي تسمية‬
‫" السامية"‪ ،‬وهل هناك ضرورة لضافة أن تعبير (سامي) لم يرد له ذكر بين‬
‫مفردات اللغة الغريقية‪ ،‬أو اللغة اللتينية؟ وما يقال في هذا المجال طويل‪ ،‬إننا‬
‫لن نجد هذا التعبير قبل نهاية القرن الثامن عشر‪ ،‬ذلك أن العالم(‪ )1‬ل‪ .‬شلوتسر‬
‫هو الذي صاغ هذا النعت(السامي) في مؤلف نشره عام ‪ ، 1781‬وأعطاه العنوان‬
‫التالي (فهرس الدب التوراتي والشرقي)‪ ،‬كأن الدب " التوراتي " ليس شرقيا(‬
‫‪ ،)1‬وليس مأخوذا بكامله عن الداب والمثيولوجيات العروبية السابقة والموازية‬
‫لتدوي ن التورا ة وخصوصا العه د القديم ‪ .‬وهذ ا م ا تش ي به ‪ ،‬القراءا ت غير‬
‫المنحازة‪ ،‬الحيادية‪ ،‬البعيدة عن التأثير اليديولوجي الصهيوني والذي تفصح عنه‪،‬‬
‫وبما ل يدع مجالً للشك‪ ،‬القراءات المعرفية ذات المناهج المفتوحة والتي تعتمد‬
‫على القراءة التاريخية الناسية‪ ،‬وليس التأريخية‪ ،‬وعلى علم الجغرافية التاريخية‬
‫المقارنة‪ " ،‬منها نحن لم نعثر حتى اليوم على أثر‪ ،‬ول على أقل إشارة‪ ،‬تجبرنا‬
‫على التحدث عن عاصمة عبرية‪ ،‬أو عن ملوك عبريين‪ ،‬ولم يسجّل في مكانٍ ما‬
‫اسم داوود أو سليمان‪ ،‬ولم تسجّل في أي مكان الفتوحات الكبرى التي يمجدها‬
‫العهد القديم‪ ،‬إن الديوان الفرعوني صامت في هذا الصدد‪ ،‬وهو الذي يحلو له أن‬
‫يقص أدنى الحداث السياسية أوالعسكرية للمنطقة(‪.)2‬‬
‫‪- 176 -‬‬

‫وأعتقد من ناحيتي بأن التسميات النتربولوجية الثنية التي وزعت شعوب‬
‫الرض بين سام‪ ،‬وحام ويافث‪ ،‬لم تعد تجد لنفسها مكانا في ساحة المنطق‬
‫والعلم‪ ،‬حتى أن المعنى الشتراطي لهذه التسميات فقد بريقه‪ ،‬وتحوّل إلى شعوذة‪،‬‬
‫لن المر سيكون بسيطا جدا فيما لو أننا تكلمنا بدلً عن الساميين البطال‬
‫المخْ َتلَقين من أصل خيالي‪ ..‬لو أننا تكلمنا عن العرب‪ ،‬ذلكم الشعب الحقيقي‪،‬‬
‫والذي يمتلك وجودا اجتماعيا مستمرا‪ ،‬وجودا ثقافيا ولغويا‪ ،‬يعطي حياة وتوازنا‬
‫لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلف من السنين(‪.)3‬‬
‫والمتتبع لنا في الفصول السابقة يدرك‪ ،‬وبشكل قطعي‪ ،‬أن ما سقناه من‬
‫وثائق متداخلة وعديدة ومتشابكة أناسيا ومعرفيا ولغويا وتاريخيا وجغرافيا ‪..‬‬
‫تؤكد أن التقسيم الشلوتسري لم يستند إلّ إلى الوهم اليديولوجي‪ ،‬والذي يدفع إلى‬
‫تقسي م المنطق ة العربي ة أثنيا وأناسيا ‪ ،‬بم ا يسه ل للسايكسبيكوي ة اللحق ة طرق‬
‫سيطرتها‪ ،‬وذلك عندما بدأت الرأسمالية تتوسع خارج حدود مراكزها القومية مع‬
‫نهاية القرن الثامن عشر‪ ،‬والنطلق باتجاه الطراف إلى مواقع أضعف تسهل‬
‫السيطرة عليها‪ ،‬وجعلها تدور ضمن حلقة الطراف المنهكة والمراكز الرأسمالية‬
‫القومية‪ ،‬وم ا يعني ه ذلك من محاول ة الرأسمالي ة أولً‪ ،‬والمبريالي ة ثانيا إدارة‬
‫أزماتها‪ ،‬وليس الخروج منها‪ ،‬عن طريق سحق الطراف‪ ،‬والتي تشكل منطقتنا‬
‫العربية الحلقة الهم فيها‪ ،‬بالنسبة لمراكز التوضع الرأسمالي الوروبي سابقا أو‬
‫المريكي لحقا‪ ،‬مع دور اليديولوجية اليهودية الصهيونية الهام والمعروف في‬
‫عملي ة المركز ة والتطري ف الهامين ‪ ،‬والت ي استند ت إل ى البني ة اليديولوجية‬
‫لنصوص العهد القديم " لذلك يبدو أن اليوم الذي يتوقف فيه العهد القديم عن تغذية‬
‫علمنا التاريخي‪ ،‬سيغدو شرحنا لمور الشرق محرّرا من إمبراطورية الفكار‬
‫المسبقة(‪.)4‬‬
‫وبداية " يبدو أن إيضاحا حول قضية العبرية يبدو ضروريا‪ ،‬لن وهما‬
‫معقدا ومستمرا لشعوذة اشتقاقية لغوية قد استطاع أن يجر كثيرا من الناس ليروا‬
‫العبرانيين وفي " ثقافتهم " الجداد" الساميين" لتاريخ الشرق‪ ،‬ولتاريخنا نحن‬
‫أيضا‪ .‬إن علينا أن نعرف قبل كل شيء أن التاريخ المصنوع للعبرانيين خارج‬
‫النصو ص التوراتي ة ه و الصم ت الكل ي المطبق ‪ ،‬فل العمار ة ول الكتابات‬
‫المنقوشة على الثار‪ ،‬ول القوانين والدساتير تكتشف أثرا قليلً للعبرانيين‪ ،‬فعلى‬
‫آلف النصوص المسمارية أو المصرية التي تؤلف المكتبة المصرية أو مكتبة‬
‫راس شمرا أو نينوى‪ ،‬وحتى في الروايات الرامية‪ ...‬في ذلك كله ل تذكر كلمة‬
‫‪- 177 -‬‬

‫(عبرية) وأشهر ملوك التورات وهما داوود وسليمان لم يصبحا قط موضوع‬
‫وقائع تاريخية‪ ،‬وليس هناك أبدا ذكر للملحمة وللوقائع الحربية المعزوّة لعبور‬
‫العبرانيين "(‪ ")5‬أما اللغة العبرية الحديثة‪ ،‬فهي اختراعٌ أمله اليعازر بن يهوه‬
‫الذ ي نش ر بي ن عامي ‪1922-1910‬معجما طلبت ه الحرك ة الصهيوني ة العالمية‬
‫وخصصته ليجاد نوع من (السبيرانتو) ليهود العالم الموعودين بالهجرة إلى‬
‫فلسطين‪ ،‬إنه إذا أداة سياسية "(‪.)6‬‬
‫والعبرية بحدّ ذاتها هي لغة الكلم الكنعانية( شفة كنعان) مكتوبة بحروف‬
‫آرامية(‪ ،)7‬والرامية فرع من فروع اللهجات العروبية الشمالية الغربية‪ ،‬سميت‬
‫كذلك نسبة إلى الجماعات الرامية التي سكنت أعالي أرض ما بين النهرين‪،‬‬
‫وكان الراميون يمثلون جماعا ت عربية ‪ ،‬جاء ت من منطق ة الخلي ج العربي‪،‬‬
‫وانتشرت شمالً في منطقة الهلل الخصيب وتدريجيا منذ منتصف اللف الثاني‬
‫قبل الميلد‪ -‬مثل " أرام زوبة" و" أرام معكة" و" أرام ريحون "‪ ،‬و" جشور" و"‬
‫حلب " و " حمص " و " بي ت أديني " ث م امت د وجو د الراميي ن جنوبا إل ى تدمر‬
‫ودمشق‪..‬‬
‫وبدأ انتشار اللهج ة الرامية مع التجار الذين تجولو ا في منطقة الهلل‬
‫الخصيب ‪ -‬إ ذ كان الراميو ن متخصصي ن ف ي العما ل التجاري ة ‪ -‬أصبحت‬
‫الرامية لهجة المعاملت التجارية في المنطقة‪ ،‬قبل أن تصبح خاصةً بالمعاملت‬
‫الدبلوماسية‪ ،‬واستخدم ت الرامي ة البجدي ة الفينيقي ة لكتاب ة لغته ا بالحب ر والقلم‬
‫اتباعا للطريقة المصرية(‪.)8‬‬
‫وتتكون البجدية الرامية من ‪ 33‬حرفا ساكنا‪ ،‬تتفق مع الحروف الفينيقية‬
‫وتختلف أداة التعريف فيها عما عليه في العربية المعاصرة فإن اللف الممدودة‬
‫تأت ي ف ي نهاي ة الكلم ة الرامي ة المفردة ‪ ،‬فتصب ح كلم ة " الملك " ف ي العربية‬
‫المعاصرة " ملكا" عند تعريفها في لهجتها الرامية ومثل باقي اللهجات العُروبية‬
‫سابقا والعربية لحقا‪ ،‬تعتمد الرامية في كلماتها على المصدر الثلثي‪ ،‬كما يتم‬
‫تغيير المعنى عن طريق تغيير الحركات( وتتطابق بنفس المواصفات المميزة‬
‫التي أوردناها في الفصول السابقة)‪:‬‬
‫بارك لل شميا‬
‫ففي الرامية‪ :‬دانينل‬
‫وفي العربية المعاصرة‪ :‬دنيال بارك إلّه السماء (‪.)9‬‬
‫وفي الرامية ‪ :‬ملة ملكا‬
‫‪- 178 -‬‬

‫تعني بالعربية المعاصرة‪ :‬كلمة الملك (‪.)10‬‬
‫لذلك ل يمكن الحديث إطلقا عن أيّة لغة عبرية‪ ،‬وبالتالي لم نحاول أن‬
‫نستخدم في المقارنات اللغوية التي اتبعناها في مؤلفنا هذا‪ ،‬ما يفعله الباحثون‬
‫العرب "أو المستشرقون بتناول " العبرية" كلغة مستقلة أو كلهجة‪ ،‬مثلها مثل‬
‫اللهجات الخرى‪ ،‬فالتسمية " عبري" كما لحظنا اشتراطية‪ ،‬ول يوجد لها أي‬
‫تأسي س تاريخ ي معرف ي " والعبرية " ه ي الكنعاني ة نفسه ا مكتوب ة بالبجدية‬
‫الرامية ‪ ،‬المتقاطع ة أوالمتشابه ة أ و المتطابق ة كم ا لحظن ا أيضا م ع البجدية‬
‫الفينيقية‪..,‬‬
‫وانطلقا من قناعتنا بأن اللغة هي الشكل الحركّي للفكر‪ ،‬فعن أي فكر‬
‫ي " يهودي" يمكن الحديث إذن‪ ،‬بعد أن أقتنعنا بالحقيقة التي تنفي وجود لغة‬
‫عبر ّ‬
‫أو لهجة عبرية ذات خصائص متميزة وبعيدة عن اللهجات العربية التاريخية في‬
‫المنطقة العربية؟!!‬
‫أما ما يخص البناء المثيولوجي اليهودي تاريخيا‪ ،‬فلك ّل نصّ ديني محو ٌر‬
‫ميثولوجي( ثيولوجي) وحاملٌ ثقافي‪ .‬يتضمن الول جملة المكوّنات الثيولوجة‪-‬‬
‫العقائدية‪ -‬التي تحدّد إطار الستناد للعقيدة والطقس‪ ،‬أما الحامل الثقافي فيتضمن‬
‫منظوم ة العناص ر المعرفي ة والخلقي ة الناظم ة للبني ة الشعائري ة والسلوكية‬
‫(الفردية والجماعية)‪ ،‬والمنظمة للقيم والمعاهد والمبادئ الواسمة لتعامل (الذات‬
‫الكتلية) مع المحيط والمجتمع‪ ،‬وللمكونات الداخلية فيما بينها‪ ،‬والحامل الثقافي‬
‫مرتبط بالبنية الثقافية العامة المنتجة في سيرورتها التاريخية‪..‬‬
‫أما العلقة بين ثيولوجية الرمز الديني أو السطوري وحامله الثقافي‪ ،‬فهي‬
‫معقدة ومتداخلة‪ ،‬يصبح الحكم على جوانبها المتعددة شكلً من مظاهر الحفر‬
‫المعرف ي الناس ي المتعد د الجوان ب والمناهج ‪ ،‬خصوصا أ ن معظ م العناصر‬
‫الثيولوجي ة ف ي المنظوم ة الناسي ة المعرفي ة تنتم ي للثقاف ي المعرف ي بالمفهوم‬
‫الدللي اللفظي الحّدْثي‪ ،‬في حين نستطيع تمييز ما هو أيديولوجي ثقافي في‬
‫المنظومة الناسية المعرفية المعبّر عنها في الحامل الثقافي‪..‬‬
‫ولكن‪ ،‬وعندما ترتبط البنية المعرفية في السياق التطوري التاريخي لعملية‬
‫النتاج الجتماعي‪ ،‬وحركية التاريخ الجمعي ( الكتلي) بالعناصر الخرى للبنى‬
‫الفوقية ‪ ،‬بم ا يحد د إحداثيا ت توض ع الجماع ة البشري ة ضم ن منظوم ة الكتل‬
‫النسانية بشكل عام‪ ،‬يصبح للحامل الثقافي معنىً أكثر اتساعا‪ ،‬وبالتالي يصبح‬
‫‪- 179 -‬‬

‫للحامل الثقافي بجانبه المعرفي مساحةً أوسع من القطع التاريخي الذي قد تعاني‬
‫ل‬
‫منه بنيةٌ ميثيولوجية أو أسطورية ما‪ ،‬في مقطع زمني محدّد‪ ،‬لم تكن فيه إ ّ‬
‫لحظة عبور في زمن أنيّ فيزيائي ميقاتي‪ ،‬وسياقات عابرة في الن المختلف‬
‫لزم ن اجتماع ي آخر ‪ ،‬ل ن الثقاف ة أصلً منتجٌ تاريخ ي ‪ -‬ول ثقاف ة خارج‬
‫التاريخ‪..‬‬
‫لذلك‪ ،‬ليس سهلً‪ ،‬استقبال البنية المثيولوجية اليهودية بتوضعها الثيولوجي‬
‫و" الثقافي" ضمن نفس النسق والقرائن التي تحدثنا عنها‪ ،‬وبما يمكن أن نطبقه‬
‫لمقاربة البنى المثيولوجية الخرى لخطابا ت دينية متعددة‪ ،‬ابتداءً من الديان‬
‫البدئية والولية‪ ،‬وانتهاءً بمنظومة الديانات التوحيدية بمظاهرها المختلفة بمناح‬
‫واتجاهات معرفية وثقافية واحدة‪ ،‬وذلك لن اليهودية تحديدا ل تحمل بناءً تكوينيا‬
‫خاصا مميزا‪ ،‬ليس فقط لفتقارها الكامل للحامل الثقافي‪ ،‬بل‪ ،‬لنها تفتقد أيضا‬
‫للبنية الثيولوجية الخاصة المستقلة‪ ،‬المميزة لها‪ ،‬وهذا ما يمكن تأكيده من خلل‬
‫أسفار العهد القديم نفسه‪ ،‬والتي تشكل التأسيس الوحيد لليهودية كخطاب " ديني"‬
‫ولليهودية الصهيونية كخطاب أيديولوجي معاصر‪..‬‬
‫وإذا كن ت سأعرّج على البنية المثيولوجية العروبية الواحدة في مؤلفاتنا‬
‫اللحقة ضمن هذا المشروع‪ ،‬وحينها سنعرج معا بالتفصيل على كلّ ثيولوجي أو‬
‫مثيولوجي أو ثقافي أو أدبي في منظوماتنا الناسية المعرفية العربية الواحدة‬
‫بمظاهرها المتعددة والمتعاقبة وأفقيا‪ ،‬وحينها لبد لنا من الحفر حول الجذور‬
‫الولية لما تبنته اليهودية لحقا من بنى أناسية ومثيولوجية بعد أن سرقته من‬
‫ل أنني ل بدّ لي أن أعرج في‬
‫التاريخ الناسي المعرفي العربي (والعروبي)‪ ،‬إ ّ‬
‫مؤلف ي المتواض ع هذا ‪ ،‬عل ى بع ض المفاص ل الهام ة والساسي ة ف ي البني ة "‬
‫اليهودية" مثيولوجيا وثقافيا‪ ،‬لنثبت ومن موقع القارئ الحيادي اللمنحاز أن كل‬
‫مكوناتها مأخوذة من التكوين العروبي أولً والعربي لحقا‪ ،‬تماما كما فعلت مع‬
‫اللهجة الكنعانية التي كتبتها بحروف آرامية وأنتجت تلك التسمية اليديولوجية‬
‫اللحقة " العبرية" وهذا بأحد جوانبه يفسر للقارئ عدم استخدامي في الدراسات‬
‫المقارنة في الفصول السابقة المصطلحات المتداولة في القاعات اليديولوجية‬
‫لتعابير الزركشة التغريبية المعروفة ‪ /‬كالسامية والعبرية وغيرها‪./‬‬
‫وباعتبارنا متفقين على أن ل ثقافة خارج التاريخ‪ ،‬وبأن الثقافة هي نفسها‬
‫نتاج تاريخي‪ ،‬علينا التأكيد على أن التاريخ غير فاعل خارج الكتلة الجتماعية‬
‫الموسومة بزمنها الخاص فعندما نقول ثقافة شعب ما أو أمة‪ ،‬فهذا يعني أننا‬
‫‪- 180 -‬‬

‫نقصر إحداثيات معرفية محدّدة لطوبولوجية أو توضّع ذلك الشعب أو المة على‬
‫خارطة الكون‪ ،‬في لحظة تاريخية معينة وفي واقع ديموجغرافي محدد‪..‬‬
‫فكي ف نقر أ اليهودي ة من خل ل تلك المقدمة؟ ولماذ ا استبعدن ا اليهو د من‬
‫الحراك الناسي التاريخي والجغرافي في منطقة الشرق العربي؟ وهل يتوفر فعلً‬
‫ولو سبب واحد من السباب الموجبة لتكوين خطاب ثقافي خاص ونوعي يشكل‬
‫ل معرفيا متميزا ومميزا لليهود في احداثيات تاريخية بيّنة؟‬
‫حام ً‬
‫وقبل الجابة‪ ،‬لبد من التأكيد على أن المنهج العلمي في المقاربة يقتضي‬
‫ربط الحداث التاريخية وسياقاتها بإحداثياتها الزمنية والجغرافية‪ ،‬وربطهاضمن‬
‫تسلسل منطقي بسيط‪ ،‬يستطيع أيّ متلقٍ استنتاج واستقراء القرائن الموضوعية‬
‫بإحداثياتها المحكمة‪..‬‬
‫يُضا ف إل ى ماسب ق التساؤ ل المشرو ع حو ل الموط ن الساس ي للقبائ ل "‬
‫العبرانية"‪ ،‬بعد أن أصبح ت النظرية السامية‪ -‬الحامية ‪ -‬اليافثية على طاولة‬
‫تشريح المومياوات‪ ،‬وحول المصدر الناسي المعرفي لليهودية‪ ،‬وكيفية امتلكها‬
‫لبنية مثيولوجية سابقة عليها‪ ،‬ولكل مكّون من مكوناتها ومثبتة في مثيولوجيات‬
‫الحضارات التي سبقتها أو التي سبقت تدوين أسفار العهد القديم‪.‬‬
‫فبالنسبة للموطن الصلي " لليهود" تاريخيا‪ ،‬أي للجماعة " العبرانية" يمكن‬
‫أن ندرسه عبر مناحٍ متعددة‪ ،‬ترتبط بالقراءات التاريخية المعرفية‪ ،‬أي من خلل‬
‫وضع التسلسل المعرفي للحداث التاريخية عبر سياقاتها المتعددة‪ ،‬وإحداثياتها‬
‫اللزمة‪ ،‬ومن خلل العتماد على الحداثيات الجغرافية وارتسامها في المنظومة‬
‫الفكرية‪ ،‬وما يعنيه ذلك من تأطير ملمح لخطاب خاص يرسم خطاه بنفسه‪.‬‬
‫فلم تكوّن الشراذم القبلية التي انحدر منها اليهود‪ ،‬والمنحدرة أصلً من‬
‫خارج المنطقة العربية‪ ،‬بنيةً متميزةً بالمفهوم الديموغرافي أو الناسي التطوري‪،‬‬
‫أ و المعرفي ‪ ،‬وبالتالي ‪ ،‬ل م تتحق ق الشرو ط اللزم ة لنتا ج خطا ب مثيولوجي‬
‫خاص‪ ،‬يميز بنيةً أناسية لزمة‪ ،‬أخذا بالعتبار أن المراحل السابقة لتسلل اليهود‬
‫إلى المنطقة العربية كانت تتصف بتطور تقني وحضاري وثقافي مميز للمنطقة‬
‫الممتدة من الخليج العربي شرقا وحتى الصحراء العربية الكبرى غربا والمحيط‬
‫الطلسي في أقصاها‪ ،‬والتي تشمل بتمركز خاص بلد ما بين النهرين وبلد‬
‫الشام ووادي ودلتا النيل وشبه الجزيرة العربية وسواحلها كلها‪ ..‬الخ فمع نهاية‬
‫اللف الرابع قبل الميلد وحتى الزمن المُفترض لهجرة إبراهيم النبي ‪ -‬عام‬
‫‪- 181 -‬‬

‫‪ 1850‬ق‪.‬م ‪ -‬شمخت المنطقة على أعمدة حضارات جليلة‪ :‬السومريون والبابليون‬
‫والشوريون وحضارة عبلة (إيبل) والكنعانيون والفينيقيون وحضارة الفراعنة‬
‫على امتداد مجرى ودلتا النيل‪ ،‬فلذلك لم يشعر ذلك اللفيف من الشراذم عندما‬
‫تسل ل كقطعا ن رعوي ة إل ى المنطق ة العربي ة باغترا ب أناس ي شام ل فقط ‪ ،‬بل‬
‫وباغتراب حضاري وثقافي وتقني أيضا‪ ،‬والمتابع الدقيق لرحلة أسفار العهد‬
‫القديم وتفسيراته المتعددة‪ ،‬وحتى الستشراقية أو الصهيونية منها‪ ،‬يدرك الفارق‬
‫الحضاري المتعدد الوجوه الذي كان يفصل تلك الشراذم الرعوية عن المحيط‬
‫الدائر ي الذ ي تواجد ت فيه والممت د من جزير ة الديل م (البحرين حاليا) باتجاه‬
‫عربستان والرافدين شرقا‪ ،‬ومن ثم التجاه غربا نحو الساحل الشامي فالنتقال‬
‫إلى دلتا ومجرى النيل‪..‬‬
‫* في سفر التكوين (‪ )19-11‬ومات هاران قبل أتارح أبيه في أرض ميلده‬
‫في أور الكلدانيين" وفي نفس السفر في الصحاح(‪ ")32-11‬فخرجوا معا من أور‬
‫ن الميلد والهجرة تما‬
‫الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان " يتضح حسب ذلك بأ ّ‬
‫في ‪ /‬ومن أور الكلدانيين‪ ،‬ومن المعروف بالوثائق التي ل تقبل الجدل لدى أحد‪،‬‬
‫أن الكلدانيين‪ ،‬باشروا ببناء دولتهم عا م ‪ 830‬ق‪.‬م‪ ،‬في حين كانت هجرة النبي‬
‫إبراهيم المزعومة بين عا م ‪ 1850 -1900‬ق‪.‬م‪ ،‬فالفارق الزمني إذن بين تاريخ‬
‫الهجرة البراهيمية وظهور المدينة الكلدانية يتعدى اللف عام ‪ (.‬مع العلم أن‬
‫جميع الباحثين متفقٌ على أن كتابة وتدوين أسفار العهد القديم تمت بين القرن‬
‫السادس‪ -‬الرابع قبل الميلد وحتى القرن الول بعده)‪..‬‬
‫* في سفر التكوين (‪ )21-11‬فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى‬
‫أر ض كنعان‪ ،‬فأتو ا إل ى حاران وأقامو ا هناك‪ ،‬و " حاران " منطق ة تق ع شمال‬
‫الحدود العربية السورية الحالية مع تركيا على ضفاف نهر البليخ‪ ،‬شمال بلدة تل‬
‫أبيض الحدودية السورية‪ ،‬وعلى خط عرض ‪ 37‬أيضا‪ ،‬وافترضنا شرطا صحة‬
‫ما ورد في سفر التكوين‪ ،‬فلماذا التجاه شمالً من أور حيث خط عرض ‪ 31‬إلى‬
‫حاران حيث خط العرض ‪ ،37‬ومن ثمّ العودة والتجاه جنوبا نحو أرض كنعان‬
‫إلى نفس خط العرض الذي انطلق منه ‪ ..31‬في حين كان بإمكان الرحلة التجاه‬
‫غربا مباشرةً واختصار تضاعف المسافة إلى أكثر من خمس مرات؟ فالنص هنا‬
‫صريح جدا‪ ،‬ل يحمل أكثر من تأويل واحد‪ :‬وهو الخروج من أور الكلدانيين إلى‬
‫أرض كنعان‪ ،‬إلّ إذا كان هناك خلط متعمد بين أور الكلدانيين و" أور " أخرى‬
‫تقع إلى الشمال من " حاران" فكان لبد من الرحلة أثناء مرورها جنوبا أن تمر‬
‫‪- 182 -‬‬

‫من " حاران"‪..‬‬
‫* في سفر التكوين ( ‪ )14 ، 2،8،10‬وغرس يهوه جنةً في عدن شرقا‪،‬‬
‫ووضع هناك آدم الذي جبله‪ ..‬وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة‪ ،‬ومن‬
‫هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس‪ ،‬اسم الواحد فيشون‪ ،‬وهو المحيط بجميع‬
‫أر ض الحويلة ‪ ،‬حي ث الذهب ‪ ،‬وذه ب تل ك الر ض جيد ‪ ،‬هنا ك المق ل وحجر‬
‫الجزع‪ ،‬واسم النهر الثاني جيجون‪ ،‬وهو المحيط بجميع أرض كوش اسم النهر‬
‫الثالث حداقل (دجلة)وهو الجاري شرق آشور والنهر الرابع الفرات‪."..‬‬
‫ويعلق ليوتاكسيل في كتابه " التوراة ‪ -‬كتاب مقدس‪ ،‬أم جمع من الساطير؟‬
‫فيقول رأيه باليات السابقة "‪ ،‬بهذه التفاصيل‪ ،‬أراد المؤلف رسم حدود المكان‬
‫الذي تقع فيه الجنة الرضية رسما دقيقا‪ ،‬ولكن حبذا‪ ،‬لو لم يقل شيئا بهذا الصدد‬
‫قط‪ ،‬لنه من الصعب أن تجد من يضع نفسه في موقع أكثر غباءً من هذا‬
‫الموقع‪..‬‬
‫فالباحثون يعترفون كلهم بأن نهر فيشون هو نهر فاز‪ ،‬الذي دُعي فيما بعد‬
‫باسم أراكس‪ ،‬ويقع هذا النهر في أرمينيا وهو ينبع من منطقة هي أكثر مناطق‬
‫القفقاس وعورة‪ ،‬وإذا افترضنا جدلً‪ ،‬أن تلك المنطقة تحتوي على الذهب وحجر‬
‫الجزع فإن أحدا ل يعرف ماهو المقل(‪.)11‬‬
‫وهنا ل تهمنا طبيعة الجنة إن كانت وعرة أو حدائق غناء‪ ،‬بمقدار ما يهمنا‬
‫ل للشك‪ ،‬فكيف‬
‫موقعها الجغرافي‪ ،‬والمحدد في منطقة أرمينيا‪ ،‬وربما ل يدع مجا ً‬
‫يمكن لذلك النص أن يرسم تلك الجغرافية بهذه الدّقة ويسمي تفاصيلها لو لم يكن‬
‫هناك ارتباط موطني أصلي تاريخي‪ ،‬وكيف لكاتب النص أن يترك بلد الرافدين‬
‫والساحل الشامي وبلد النيل وساحل الخليج العربي‪ ،‬والساحل العربي الفريقي‬
‫الشرقي والشمالي‪ ،‬بكل ما تحمله تلك المناطق من جمال وغنى طبيعة خلبة‪..‬‬
‫ويعين جنته في تلك المنطقة الوعرة الخربة الجبلية لو لم يكن هناك رابط موطني‬
‫جذري بها؟؟‬
‫يضا ف إل ى ذل ك أ ن المدق ق بالخارط ة المرفق ة بكتا ب الستا ذ أنطون‬
‫موتكارت " تاريخ الشرق القديم" يلحظ أن بلد أرمينيا الحالية كان اسمها بلد‬
‫أور ‪ -‬أرتو‪ ،‬ومن هنا أتت التسمية اللحقة لتلك المنطقة " أرارات" يضاف أيضا‬
‫أن أرفكشاد‪ ،‬ابن سام‪ ،‬ووالد شالح ‪ -‬كما هو نسبه في التوراة نفسها يتقاطع‬
‫بالسم مع منطقة أرفكشاد المحيطة ببحيرة فان في أرمينيا التي تنبع منها النهار‬
‫‪- 183 -‬‬

‫الربعة الواردة في التوراة‪ ،‬وحيث خصص كاتب الكتاب المقدس جنته هناك‪.‬‬
‫شمال بلد الرافدين وجنوب القوقاز الرميني" ومن جهة أخرى ل يمكن‬
‫أن يكون ثمة خطأ بصدد نهري دجلة والفرات‪ ،‬وبنا ًء على ذلك يتضح أن التوراة‬
‫تحدد موقع الجنة الرضية في مكان ما‪ ،‬يقع بين أرمينيا وبلد الرافدين‪ ،‬ومع أن‬
‫ل أن لك ل منه ا منبع ه المستقل‪،‬‬
‫مناب ع أراك س ودجل ة والفرا ت ليس ت بعيد ة إ ّ‬
‫فأراكس وهو أكبر روافد نهر كورا‪ ،‬ينبع من بينغيل ‪ -‬داغ في (تركيا) ويسير‬
‫حتى بحر قزوين‪ ،‬أما دجلة والفرات فالمر ليقتصر على أن لكل منهما منبعه‬
‫المستقل‪ ،‬بل إنهما يلتقيان معا قبل أن يصبا في الخليج العربي‪ .‬أما فيما يتصل‬
‫بالنهر الذي يدعوه سفر التكوين جيجون فإن خطأ المؤلف " المقدس " والكلم ل‬
‫" ليوتاكسيل" يعبر خياليا‪ ،‬فحس ب السفر المذكور إن هذا النهر يحيط بجميع‬
‫أرض كوش ( حوش) ولكن أرض حوش ( وهو ابن حام ووالد نمرود ) هي‬
‫حسب التوراة اثيوبيا بعينها‪ .‬أي أن نهر جيجون هو النيل‪ ،‬الذي من المعروف‬
‫أنه يجري في افريقيا وفي اتجاه معاكس للتجاه الذي يجري فيه دجلة والفرات‪،‬‬
‫أي من الجنوب إلى الشمال‪ ،‬وإذا أخذنا نقطة انبثاقه في إفريقيا الستوائية من‬
‫منطقة بحيرة فكتوريا‪ ،‬فإن المسافة التي تفصل هذه المنطقة عن المنطقة‪ ،‬التي‬
‫تق ع فيه ا مناب ع النها ر الثلث ة الولى ‪ ،‬ه ي ثلث ة آل ف كيل و متر ‪ ،‬أم ا سفر‬
‫التكوين‪ ،‬فيعلن أن النهار الربعة تروي بستانا واحدا هو‪ ،‬جنة عدن‪..‬‬
‫والحقيقة أن المسافة بين منبعي دجلة والفرات ليست أكثر من مائة كيلو‬
‫متر‪ ،‬ومع ذلك فإنها مسافة كبيرة لري بستان واحد‪ ،‬ولكن ماهو هذا البستان‬
‫المترامي الطرف‪ ،‬الذي يحتوي على جبال ومنحدرات عظيمة تقع في أكثر بقاع‬
‫الرض وعورة(‪ ، )12‬بوصفه ا الموطن الصل ي للرعاة العبرانيين وذلك على‬
‫سبيل الحقيقة والواقع ل على سبيل الكناية أو المجاز‪.‬‬
‫وفي مواقع أخرى يدور الحديث عن أور ‪ -‬أرتو " آرارات لحقا" في‬
‫أسفا ر العه د القديم ‪ ،‬لكأنها ‪ ،‬ب ل باعتباره ا فعلً الموط ن الصل ي للرعا ة "‬
‫العبرانيين"‪ ،‬فبعد أن يتأكد من التوضع الجغرافي أرارات إلى الشمال من جنة‬
‫العهد القديم والتي تحددها من الشرق أرفكشاد‪ ،‬يسمي المنطقة الواقعة بين نهري‬
‫فيشون وميجون‪ ،‬أشكيناز‪ ،‬والتي يرد ذكرها بموقع العط ف مع آرارا ت في‬
‫الكتاب المقدس في سفر إرميا ‪ " : 27-‬انصبوا الراية في الرض وانفخوا في‬
‫البو ق ف ي الم م قدسو ا عليه ا الم م ونادو ا عليه ا ممال ك آرارا ت ومنى‬
‫واشكيناز"‪..‬وفي موقع آخر وفيما هو ساجد في بيت نصروك إلهه قتله وابناه‬
‫‪- 184 -‬‬

‫بالسيف وهربا إلى أرض آرارات ‪ /‬شعيا‪)38-37 ( :‬‬
‫ومن ناحية أخرى"‪ ..‬يلحظ المتتبع لدراسة وبائيات المراض وانتشارها‬
‫ل المرا ض ذا ت الصلة‬
‫خصوصا م ا يتعل ق منها ‪ ،‬بالعوام ل الوراثية ‪ ،‬أ ن ك ّ‬
‫بالوراثة القوقازية تجمع بداخلها اليهود‪ ...‬فغالبا ما نقرأ ‪ " :‬يصيب هذا المرض‬
‫(كذا) شعوب القوقاز واليهود‪."..‬‬
‫وهذا يعني امتلك نفس البنية الوراثية وما يعنيه ذلك من امتلك نفس‬
‫الصل الثني بمعناه الناسي (النتروبولوجي) الحرفي المباشر‪ ،‬وبهذا السلوب‬
‫بالذات يحددون النتماءات العرقية الصلية للفارقة الوروبيين‪ ،‬فمن المعروف‬
‫أنه ونتيجة لنتشار الملريا في قطاع خط الستواء‪ ،‬حدثت بنية وراثية خاصة‬
‫دفاعي ة تميز ت بنق ص مايسمى ‪ G.6-Pd‬وه ي المسؤولةع ن عمليت ي الكسدة‬
‫والرجاع في كريات الدم الحمراء‪ ،‬وهي تظهر فيما نسميه نحن الفوّال ‪Favizm‬‬
‫فكيف بنا ونحن نرى بأن الوبائيات الوراثية المراضية تجمع شعوب القوقاز‬
‫دائما مع اليهود‪ ،‬أل يعني ذلك بأن اليهود أصلً منحدرين أثنولوجيا من شمال‬
‫الهضبة التركية أي من أرمينيا؟ أول تؤكد ذلك أيضا الدراسات المورفولوجية‬
‫والتي تقرأ التقاطع والتطابق والتشابه بين شعوب القوقاز واليهود‪..‬؟‬
‫أل يدعم ذلك ما قرأناه أعله حول التأصيل التاريخي الجغرافي والجغرافي‬
‫التاريخي لليهود‪..‬؟‬
‫أمّا عن السباب التي دفعت هؤلء الرعاة إلى الهجرة إلى منطقة الشرق‬
‫العربي‪ ،‬فهي متعددة في قسْمها المدروس والمحتمل‪ ،‬ومجهولة في قسمها الخر‪،‬‬
‫لكن من المؤكد أنهم لم يحملوا معهم بناءً أناسيا معرفيا وثقافيا خاصا‪ ،‬حتى وإن‬
‫حملوا معهم بعضا من ذلك فقد كان بدائيا متخلفا جدا بالنسبة للبنية الحضارية‬
‫العربي ة المحيط ة به م أثنا ء هجراته م وحركاتهم ‪ ،‬وم ع الحتكاك التال ي والذي‬
‫استمرعشرات السنين سطت تلك الشراذم الرعوية على مقتطفات من أساطير‬
‫المنطقة وعلى مثيولوجيات كاملة‪ ،‬وحتى على اللغة( كما أثبتنا ذلك في بداية هذا‬
‫الفصل) ‪ ،‬وجمعته ا وشكل ت منه ا لحقا ‪ -‬م ع تدوي ن اسفا ر العه د القدي م بنا ًء‬
‫مثيولوجيا‪ ،‬بقي مفتقدا للحاضنة الثقافية‪ ،‬لن العبرانيين لم يستطيعوا الستمرار‬
‫لفترات تاريخية معينة ككتلة اجتماعية في صيرورة تاريخية قادرين على إنتاج‬
‫ماهو خاص بهم ومميّز لهم‪..‬‬
‫من ناتج عملية السطو تلك‪ ،‬كتبت أسفار العهد القديم‪ ،‬في نفس الوقت الذي‬
‫‪- 185 -‬‬

‫بقيت فيه البنى الصلية التي سُرقت منها تلك السفار‪ ،‬وبنصوصها التاريخية‪،‬‬
‫مخزّن ة تح ت أمتا ر م ن الترا ب ف ي أو ر وباب ل وعبل ة " ايبل " وأوغاريت‬
‫وآشور‪ ...‬وعلى امتداد نهر النيل‪ ،‬يتناقلها الناس شفاها كامل ًة أو في بعض مقاطع‬
‫منها‪ ،‬حتى أتت المكتشفات الثرية في القرنين التاسع عشر والعشرين‪ ،‬لتظهر‬
‫بالدلة والبراهين أكبر عملية سطو وسرقة وتلفيق على مدى تاريخ النسانية‬
‫كله‪ ،‬وبالتالي لم يكن بوسع تلك المسروقات في مثيولوجية اليهود من خلق أو‬
‫تكوين حامل ‪ -‬خطاب ثقافي معين ذي ملمح خاصة مميزة‪ ،‬ساعد على ذلك أن‬
‫معظم الممالك والدويلت اليهودية المزعومة قامت في الوهم‪ ،‬والمتخيل‪ ،‬ولم تقم‬
‫على أرض الواقع موضوعيا ‪ -‬وإن فعلت ذلك كانت لفترات زمنية قصيرة غير‬
‫قادرة من خللها على تراكم بنيوي ينتج خطابا ثقافيا خاصا‪ ،‬يضاف إلى ذلك أن‬
‫الصقل اللحق لتلك المسروقات في الثيولوجية اليهودية‪ ،‬واعتناقها من قبل أناس‬
‫آخرين‪ ،‬أبقت الخطاب الثقافي لهؤلء الناس مرتبطا بالبناء الناسي القومي الذي‬
‫ينتسبون له‪ ،‬فالعربي اليهودي لم يتخلّ عن خطابه وانتمائه الثقافي تحت تأثير‬
‫ثيولوجيا هي في الساس مسروقة من بنائه الناسي المعرفي‪ ،‬فلذلك تابع تطوره‬
‫الثقافي ضمن الصفة أو الحاضنة القومية التي ينتسب إليها‪ ،‬واليهود العرب بقوا‬
‫مزروعين في النسيج الجتماعي العربي على مدى التاريخ كمكوّنات في البنية‬
‫الجتماعية العربية (مثال الندلس)‪.‬‬
‫نضيف إلى ذلك أن المرحلة التالية لتكون الثيولوجيا اليهودية لم ترافق‬
‫بالستقرار الجتماعي كأرضية تحتية لتشكيل الثقافي التالي المنتج (بفتح التاء)‬
‫فإذا افترضنا أن الحياة المعاشة بطبيعتها البدوية وعدم الستقرار لم تترك أثرا‬
‫ل أن الستقرار وقيام الكيان السياسي والتدوين أي‬
‫واضحا وبينا كشاهد عليها‪ ،‬إ ّ‬
‫لو بدأنا مع المملكة التي أقامها ( شاوول وداوود وسليمان) رغم عدم ثبوت‬
‫التدوين آنذاك (‪ 100‬ق‪.‬م) لما وجدنا لي من تلك السماء المفخمة قدسيا وسياسيا‬
‫وعسكريا أي ذكرٍ في أي من دول المنطقة بكاملها وبدون استثناء‪ ،‬ذلك رغم ما‬
‫قيل عن عظمة تلك المملكة واتساعها وجبروتها‪ ،‬وعظم شأنها ومنشآتها مع ما‬
‫زعم عن الهيكل والقصور والجيش العرمرم‪ ،‬مهما دققت النظر وأعييت الذهن‪،‬‬
‫فلن تجد أي إشارة ل لمملكة عظيمة ول لمملكة وضيعة‪ ،‬ول حتى في حفائر‬
‫الدول الحالية‪ ،‬ول أثر معماري واحد يتيم كشاهدة وحيدة على تلك المنشآت التي‬
‫صدعت بهاأسفار الكتاب المقدس رؤوسنا‪ ...‬فالمملكة التي تبجّح الكتاب المقدس‬
‫بعظمتها لشيء عنها البتة‪ ،‬ل في أثر على الرض‪ ،‬ول في باطن الرض‪ ،‬ول‬
‫ل اللهم ورق الكتاب المقدس وحده‪.)13(."..‬‬
‫حتى على الورق‪ ،‬إ ّ‬
‫‪- 186 -‬‬

‫إ ن ذل ك يعن ي فقدا ن ( أ و عد م توفر) الشرو ط اللزم ة للتكوي ن الثقافي‬
‫اليهودي خارج الطار الجتماعي العام للبنية الثقافية العروبية الشاملة‪ ،‬ولذلك‬
‫بقي الحامل " الثقافي" غائبا‪ ،‬أو متطابقا مع الخطاب الثيولوجي المسروق من‬
‫آداب ومثيولوجيات المنطقة العربية‪ ،‬حتى بن غوريون نفسه يقول عن الية (‪:15‬‬
‫‪ )18‬من سفر التكوين والتي تقول ‪ / :‬لنسلك أعطي هذه الرض من نهر مصر‬
‫إلى النهر الكبير نهر الفرات‪ ،/‬ل يهم إن كانت هذه القصة تسجيلً حقيقيا لحادثة‬
‫تاريخية أم ل‪ ،‬المهم هو أن هذه الفكرة مغروسة في الوجدان اليهودي‪ ،‬لذلك‪،‬‬
‫يجب أن تبقى سارية المفعول حتى بعد أن يثبت أن الوعد المقطوع هو مجرد‬
‫أسطورة شعبية‪ ،‬ليس لها أي مصدر إلهي ‪..‬؟(‪.)14‬‬
‫أما روجية غارودي فيقول ‪ " :‬إن اليهودي ة تطال ب بفلسطين باس م ذلك‬
‫التصور حيث تمنح اللهة الراضي للقبائل التي تعبدها‪ ،‬وهذه ظاهرة عامة في‬
‫كل الشرق " الوسط" من مصر إلى بلد الرافدين‪:‬‬
‫ـ ـفوقـ ـمسل ّـة ـتحوتمسـ ـالثالث‪،‬ـ ـيُرىـ ـاللهـ ـيمنحـ ـالرض‬‫لفرعون‪.‬‬
‫ في بلد الرافدين‪ ،‬يحدد الله مردوك لكل شعب نصيبه من‬‫الرض‪ ،‬حسب قصيدة الخلق البابلية كما ورد في الية ‪46‬‬
‫ـ ـبينـ ـالقطبينـ ـيشكرـ ـالحثيونـ ـاللهةـ ـأريناـ ـلنهاـ ـ"ـ ـرسمت‬‫حدود البلد" ولم لم يكن العبرانيونـ قد تلقوا هذا الوعد‪،‬‬
‫لكانـ ـذلكـ ـاستثناءً ـ (‪،)15‬ـ ـولماـ ـاستطاعواـ ـإتمامـ ـمنظومة‬
‫السرقة والسطو حتى الوعد نفسه يرد في مواقع متعددة‬
‫من السفار بصيغ ثلث بتحديدها الجغرافي ‪ :‬فمّرة ًـ يحدد‬
‫بينـ ـالنيلـ ـوالفرات‪،‬ـ ـ ـومّرةـ ـبأرضـ ـكنعان‪،‬ـ ـومرة ً ـ أخرى‬
‫بالرضـ ـالتيـ ـترى‪،‬ـ ـومنـ ـالمعروفـ ـأنـ ـحدودـ ـالبصر‬
‫ً‬
‫تماما‬
‫المحسوبة في قطر دائرة الناظر وعلى مساحة أفقية‬
‫ كسطح البحر مثلً‪ -‬محدد بمايعادل ستة أميال فقط‪..‬‬‫ل نمطا مثيولوجيا سائدا في‬
‫إذن لم يكن ذلك الوعد‪ ،‬حتى بتناقضاته العديدة إ ّ‬
‫منطقة الشرق العربي‪ ،‬يرتبط بالبنية الناسية المعرفية عبر منظومتها التكوينية‪،‬‬
‫كان لبدّ للعبرانيين = اليهود " ومن خلل تبنّيهم للمنظومة العروبية بعد سرقتها‬
‫من امتلك وعد ما‪ ،‬كما هو سائد ومعروف‪ ،‬من خلل علقة الله بالرعية‬
‫بتطور إحداثياتها عبر الزمان والمكان العروبيين‪.‬‬
‫وهذا ما يقودنا إلى اكتشاف التطابق بين أساطير الخلق والتكوين والطوفان‬
‫كما وردت في السفار السومرية والبابلية والكنعانية والمصرية والعبلوية‪ ،‬وكما‬
‫‪- 187 -‬‬

‫سرقتها السفار التوراتية التي كتبت بعدها بزمن طويل " إن جميع سفر التكوين‬
‫التوراتي‪ ،‬ذلك السديم البدائي مع روح الله المرفرف على الظلمات الرطبة‪،‬‬
‫وافتراق المياه التي في السفل عن المياه التي في العلى‪ ،‬إن ذلك قد سبق خلق‬
‫العالم مع وجود الحيوانات التي سبقت ظهور النسان‪ ،‬والطوفان والسفينة وبرج‬
‫بابل واختلط اللغات‪ ...‬الخ هذه المور كلها قصص نجدها متماثلة بصورة‬
‫مطلقة مع أقدم النصوص المسمارية‪ ،‬إن السم الذي أعطاه اليهود للله كاسم اللّه‬
‫الذي يتضرع به المسلمون هما اسمان بابليان بجذرهما آل‪ ،‬أو إيل الذي يعني‬
‫بالكلدانية الكائن السمى‪.)16("..‬‬
‫ويضاف إلى ذلك التطابق في سفر التنين السومري والبابلي والتوراتي‪،‬‬
‫وفي الجنة السومرية والبابلية والتوراتية‪ ..‬حتى الوهم المزروع في الذهان بأن‬
‫اليهودية ديانة توحيدية( ويختلف هذا من سفر إلى آخر) يؤكد بأن التوراة سرقت‬
‫ما يشير إلى التوحيد من الديانةالخناتونية (الثونية) حتى أن القارئ البسيط‬
‫يدرك التطابق شبه الكامل في النص وقرائنه بين المزمور ‪ 104‬وصلة أخناتون‪،‬‬
‫وقد أورد تلك المقارنة الباحث العربي فراس سواح‪ ،‬في كتابه " مغامرة العقل‬
‫الولى " وحتى فرويد يذكر في كتابه "موسى والتوحيد" بأن اليهود لم يحضروا‬
‫معهم إلى سورية الجنوبية ثقافةً خاصة بهم ( وهذا ما يُدعم بجملة الكتشافات‬
‫الركيولوجية المعاصرة كما أسلفناه أعله) فقد عاشوا في مصر عيشة العبيد‬
‫الذلء‪ ،‬وفروا منها استجابة لدعوة رجل فولذي هو موسى‪..‬‬
‫وقد تضاربت الراء حول هذه الشخصية الفذة‪ ،‬ولعل أكثر الراء إثارة‬
‫ي الصل‪ ،‬وليس عبرانيا‪ ،‬وأنه قائد عسكري من‬
‫النظرية القائلة انّ موسى مصر ّ‬
‫أتباع ديانة أتون‪ ،‬وهي أول ديانة توحيدية أسسّها الفرعون أخناتون‪ ،‬ولمّا هلك‬
‫أخناتون‪ ،‬ودمّر كهنة الديانات التقليدية كل ما بناه تفرّق أتباعه وأهلّه‪ ،‬إلّ أن‬
‫موسى التابع المخلص لخناتون أخذ على عاتقه متابعة الرسالة‪ ،‬فقام باختيار‬
‫اليهود تلك الفئة الغريبة للتبشير بينهم‪ ،‬ولعل هذا الختيار الذي قام به موسى هو‬
‫الذي أعطى فكرة اختيار الله يهوه لشعبه في التوراة(‪.)17‬‬
‫ومثله أيضا ما حدث حول مكتشفات عبلة(إيبل) التي تؤكد أن البناء الناسي‬
‫المعرفي العروبي كان يتصاعد بحلزونه التطوري نحو التوحيد‪ ،‬ارتقاءً بالفكر‬
‫والتخيل والعمل للرتقاء بالرض عاليا‪ ،‬وبالنسان بشكل خاص عندما اكتشف‬
‫انساننا العروبي‪ ،‬بأنه غير قادر على سحب السماء إليه‪ ،‬فل بدّ أن يرتقي بنفسه‬
‫إلى العلى إذن " فورود أسماء إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل في المكتشفات‬
‫‪- 188 -‬‬

‫العبلوية يؤكد أن الوحدانية قديمة جدا وسابقة لتاريخ إبراهيم الخليل في القرن‬
‫التاسع عشر قبل الميلد‪ ،‬وأن ايل هو الرب الواحد الحد الذي عبد منذ البداية‪،‬‬
‫والدليل على ذلك اسم اسمع ايل( اسماعيل) واسرائيل (عبد ال)‪ ،‬وهذان السمان‬
‫وخلفا لما ورد في التوراة (سفر الخروج) لم يظهرا في القرن ‪ 18‬ق‪.‬م بل هما‬
‫معروفان منذ ما قبل القرن الرابع والعشرين قبل الميلد كما تؤكد ألواح ايبل (‬
‫‪ )18‬فنحن نعلم أن ‪:‬‬
‫ابراهام‪ :‬تعني والد أمم كثيرة‪..‬‬
‫ابرام ‪ :‬تعني الجد الكبير‪..‬‬
‫اسم ايل‪ :‬تعني اسمع ( أيها الله) ايل‬
‫واسرائيل ‪ :‬تعني أسير (عبد) الله ايل‬
‫ميكائيل ‪ :‬تعني من هو مثل الــ (‪)19‬‬
‫وما كان ترداد تلك السماء في التورات إلّ إثباتا أكيدا لعملية السطو التي‬
‫تمت على آداب المنطقة العروبية‪ ،‬والقراءات المعرفية التفكيكية المقارنة تثبت‬
‫ذلك ليس من ناحية السرد التاريخي فقط‪ ،‬بل ومن ناحية المحتوى الناسي أيضا‬
‫ففي " منابع سفر التكوين‪ -‬قصة الخلق‪ -)20(-‬يوضح الدكتور الباح ث سيد‬
‫القميني آلية السرقة التي تمت على ميتولوجيات المنطقة العربية من قبل كتّاب‬
‫(مؤلفي) التوراة كما يُثبت في كتابه "اسرائيل" التوراة‪ ..‬التاريخ التضليل "(‪)21‬‬
‫بأن مما بات معلوما اليوم أن نسبة السفار الخمسة الولى ( التوراة) إلى النبي‬
‫موسى أمر مشكوكٌ فيه تماما‪ ،‬وغير علمي‪ ،‬بل أصبح من العلمية القطع بتأليفه‬
‫على يد عدد من الكتاب الذين اختلفت مشاربهم وأمزجتهم وثقافتهم ومواقعهم‬
‫الجتماعية وتوجهاتهم العقائدية‪ ،‬وهو المر الذي فرض نفسه في النهاية على‬
‫المؤسسا ت الدينية ذاتها‪ ،‬حتى أنك تج د في مقدم ة الطبعة الكاثوليكي ه للكتاب‬
‫المقدس‪ ،‬الصادرة في عام ‪ 1960‬مانصه‪:‬‬
‫" مامن عالم كاثوليكي في عصرنا‪ ،‬يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة‪،‬‬
‫منذ قصة الخليقة أو أنّه اشرف حتى على وضع النص‪ ،‬لن ذلك النص قد كتبه‬
‫عديدون بعده‪ ،‬لذلك يجب القبول أن ازديادا تدريجيا قد حدث‪ ،‬وسببته مناسبات‬
‫العصور التالية‪ ،‬الجتماعية والدينية‪."..‬‬
‫وقد كان السبب في إطلق اصطلح (أسفار موسى الخمسة) على التوراة‪،‬‬
‫هو افتراض ايماني ينسب تأليفها إلى النبي موسى‪ ،‬حتى صار ذلك الفتراض‬
‫عقيدة يهودية ‪ ..‬إل أن التوراة نفسها تقدم لمن يبحثها شواهد تقطع بأن تلك‬
‫‪- 189 -‬‬

‫النسبة إلى موسى باطلة تماما‪ ،‬ومن تلك الشواهد على سبيل المثال (‪:)22‬‬
‫هناك عبارات تتعلق بموسى في التوراة‪ ،‬ويستحيل أن تصدر عنه وذلك‬
‫مثل الية التي تقول‪ ":‬وأما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس‬
‫الذين على وجه الرض ‪ /‬عدد ‪ /3: 12‬فهنا واضح تماما أن الكاتب شخص آخر‬
‫يتحد ث عن موس ى ‪ ، -‬ويذه ب إل ى تأكي د حلم ( الرج ل موسى ) كم ا لوكانت‬
‫محاولة للتنصل من أحداث في سيرة ذلك النبي التوراتية تنفي عنه صفة الحلم‬
‫بالمرة‪ ...‬هذا ناهيك عن الخبر الخاص بوفاة موسى والذي يقول ‪ :‬فمات هناك‬
‫موسى عبد ال في أرض موآب حسب قول ال‪ ،‬ودفنه في الجوار في أرض‬
‫موآب‪ -‬تثنية ‪ " /34:5‬وبالطبع يستحيل أن يكتب موسى عن نفسه أنه قد مات‪ ،‬بل‬
‫ويحدد موضع دفنه‪.)23(.‬‬
‫ إنك تجد في التوراة أسماء لمواضع جغرافية يستحيل أن يكون لدى‬‫موسى علم بها لنها في عمق أرض فلسطين وموسى مات ولم تطأ قدمه أرض‬
‫فلسطين إضافة إلى أن أكثر السماء لم تكن قد سميت زمن موسى(‪.)24‬‬
‫وهناك الكثير من التناقضات السياقية التاريخية والجغرافية‪ ،‬التي يمكن‬
‫ملحظته ا بسهول ة والت ي تدح ض البني ة التاريخي ة " السليمة " الصحيح ة حتى‬
‫للمقومات الثيولوجية المسروقة والتي حاولوا إضفاء صفة الستقللية عليها‪ ،‬عبثا‬
‫وإيهاما وتزويرا‪ ،‬شمل الجغرافية والتاريخ والسماء والماكن واللهة‪ ،‬فبعد أن‬
‫بينا آلية التزوير في ا نتماء " أور" الجغرافي والتاريخي ونقلها من " أور "‬
‫القوقازية إلى " أور " الكلدانية‪ ":‬بحيث تم نقلها جغرافيا لكثر من ألفي كيلومتر‪،‬‬
‫وتاريخيا لكثر من ألف عام‪ ،‬تماما كما زوّروا تاريخ يوسف الذي اقتطع لهله أ‬
‫رض رعمسيس كما أمر فرعون‪ ،‬علما أن الرعامسة ظهروا بعد خمسة قرون‬
‫من تاريخ يوسف(‪.)25‬‬
‫وحتى أسطورة السقوط في الخطيئة الولى ( الصلية) كما وردت في سفر‬
‫التكوين ‪ ،‬مأخوذ ة حرفيا م ن اللوح ة السومري ة ‪ -‬البابلي ة المعروفة ‪ ،‬فالقارئ‬
‫للصحاح الثالث من سفر التكوين‪ ،‬كأنه يفكك رمز تلك اللوحة حركةً حركةً‪،‬‬
‫وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الربّ الله‪ ،‬فقالت المرأة‪:‬‬
‫أحقا قال ال ل تأكل من ك ّل شجر الجنة‪ ،‬فقالت المرأة للحية من ثمرشجر الجنة‬
‫نأكل‪ ،‬وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال ال ل تأكل منه ول تمسّاه لئل‬
‫تموتا‪ ،‬فقالت الحية للمرأة لن تموتا‪ ،‬بل ال عالم أنه يوم تأكلن منه تنفتح أعينكما‬
‫‪- 190 -‬‬

‫وتكونان كال عارفين الخير والشر فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للكل وأن‬
‫الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل‬
‫فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لنفسهما مآزر (‬
‫‪)26‬‬
‫ويؤكد كيوتاكسيل على أن اليهود لم يسرقوا فقط الميثولوجيات والسفار‬
‫والداب واللغة‪ ،‬بل قاموا أيضا بمنظومة سطو فرعية يمكن إيراد بعض المثلة‬
‫منها‪:‬‬
‫ يعود أصل السطورة التوراتية عن تحويل الماء إلى دم كما وردت في‬‫سفر الخروج (‪ " )7،17‬ها أنا أضرب بالعصا التي في يدي على الماء الذي في‬
‫النه ر فيتحو ل دما ‪ ،‬ويمو ت السم ك الذ ي ف ي النهر ‪ ،‬وينت ن النهر ‪ ،‬فيعاف‬
‫المصريون أن يشربو ا ماءً م ن النه ر إل ى السطور ة السومري ة " أنان ا وشو‬
‫كالليتودا" حيث يجري الحديث عن اللهة التي أرادت أن تنتقم من النسان الذي‬
‫أذلها‪ ،‬فحولت مياه البلد كلها إلى دماء(‪.)27‬‬
‫ يشوع بن نون‪ -‬شخصية مثيولوجية يرى بعض دارسي التوراة أنها‬‫تجسيد إله النبات عند الكنعانيين الشماليين‪ ،‬وتجدر الشارة والضافة من‬
‫طرفنا إلى أن يشوع‪ ،‬يشوع‪ ،‬يسع‪ ،‬يسوع يثع‪ ،‬عيسى‪ ،‬سين‪ ،‬هي أسماء عربية‬
‫متعددة وقديمة للله القمر في المنطقة العربية(‪.)28‬‬
‫كروبي م العبريي ن مسروق ة ع ن ثيرا ن آشو ر المجنح ة فترس م المثيولوجيا‬
‫اليهودية في صورة كائن له أربعة وجوه‪ ،‬وأربعة أجنحة تحتها أربع أيد بشرية‪،‬‬
‫وأربع عجلت‪ ،‬ويمثل الكروييم التعقل والطاعة والقوة والسرعة‪ ،‬وقد جاء في‬
‫التورا ة أ ن يهو ه يمتط ي الكيروبي م ( ملوك ‪ 4،4‬مزمور ‪ ) 2 ،2 ،79‬وأن‬
‫الكيروبيمات تحرس الجنة ( تكوين ‪ ) 3/24 :‬وتحمل مركبات يهوه في الغيوم‬
‫(حزقيال ‪ ) 1،10 :‬والسم إما مأخوذ من كلمة كيروب = كاراب الرامية التي‬
‫معناها " يحرث " أو أنها مشتقة من الكلمة الشورية " كاروبي "ومعناها "‬
‫المبارك"‪..‬‬
‫حت ى أ ن هنا ك كاتبا آخر ‪ ،‬يعتب ر متحيزا لليهو د (اينارلسنر ) يؤك د تلك‬
‫المعطيات في كتابه " الماضي الحي" ترجمة شاكر ابراهيم سعيد ‪ -‬اصدار الهيئة‬
‫العامة المصرية للكتاب‪ ،‬القاهرة‪ ، 1981 ،‬يؤكد تلك المعطيات ويضيف إليها في‬
‫ص ‪:142‬‬
‫‪- 191 -‬‬

‫ أن قصة الطوفان مأخوذة بالكامل من الطوفان البابلي‪..‬‬‫ وأن بعل إله الفينقيين ينتقل بعد أن سطا عليه اليهود ليصبح‬‫أشبعل ومربعل ‪..‬‬
‫ويسرق " إيل" الله الكنعاني بعد صراعه مع يعقوب ليتحول‬‫هذا الخير إلى إسرائيل ‪ ..‬أما جيمس هنري برستد في كتابه‬
‫فجر الضمير‪ ،‬ترجمة سليم حسن مكتبة مصر فيقول في ص‬
‫‪:372‬ـ ـ"ـ ـإنـ ـالكنعانيينـ ـالذينـ ـكانواـ ـيسكنونـ ـهذهـ ـالبلدـ ـقبل‬
‫العبرانيين‪ ،‬كانوا ـ قد اجتازوا مرحلة النمو المتحضر لمرحلة‬
‫زمنية تبلغ أكثر من ألف سنة قبل أن يغزو العبرانيون البلد‪،‬‬
‫وقد عرفنا من النقوش التاريخية البابلية القديمة وكذلك من‬
‫الحفائر الثارية شيئا ً كثيرا ً عن المدن الفلسطينية الكنعانية‪..‬‬
‫ويتاب ع برست د سلسل ة السطو عل ى مثيولوجيا ت وأساطي ر وآدا ب المنطقة‬
‫العربية وتبنيها من قبل التوراة فيقول‪:‬‬
‫" نصائح إلى مري كارع في المثيولوجيا المصرية هي نفسها سفر صموئيل‬
‫وسفر المثال‪ ،‬كما أن مفهوم العدالة الفرعوني هو المبثوث في سفر ملخي "‬
‫ويضرب مثالً من السفر المذكور قوله " إليكم يامن تخافون اسمي‪ ،‬تشرق شمس‬
‫العدالة بالشفاء في أجنحتها‪ ،‬ويعقب الباحث بأن العدالة بالمفهوم المصري مثلتها‬
‫اللهة (ماعت) بنت رع الشمس‪ ،‬وأن شمس العدالة وصفتها التوراة بأن لها‬
‫أجنحة‪ ،‬ولم يوجد في أي تصور عبري صورة للههم يهوه تمثله بأجنحة‪.‬‬
‫ثم يؤكد برستد أن اليهود كانوا على علم ‪ -‬ل شك ‪ -‬بأنشودة أخناتون‬
‫العظيمة لله الشمس بعد أن قارنها بسفر المزامير وكذلك كانوا على علم بحكم‬
‫الحكيم المصري (آمن موبي) بعد أن عقد بينها وبين أسفار إرميا والمزامير‬
‫والمثا ل مقابل ة نصي ة كاد ت تكو ن حرفية ‪ ،‬استغرق ت حوال ي خم س وثلثين‬
‫صفحة‪..‬‬
‫" سيصبح المر مبتذلً أن نذكر بالتفصيل آلف التشبيهات ( السرقات )‬
‫القريب ة الواضح ة بي ن الديانا ت الفلسطيني ة والموضوعا ت الساسي ة لليهودية‬
‫المستعارة بوضوح من الموضوعات العربية "(‪ ) 30‬ولمزيد من التفصيل الدقيق‬
‫يمكن العودة إلى " الميتولوجيا الكنعانية والغتصاب التوراتي " ( ‪ )31‬الذي يورد‬
‫بالتفصيل نسيج السطو الذي ارتكب بحق الميتولوجيا العروبية سابقا والعربية‬
‫لحقا‪..‬‬
‫كل ذلك يدفع بالضرورة العلمية الحيادية إلى استثناء كل مايتعلق باليهودية‬
‫‪- 192 -‬‬

‫وبالعبرية من المنظومة الناسية المعرفية العربية بزواياها المتعددة الجغرافية‬
‫التاريخي ة والتاري خ الجغرافي ‪ ،‬واللغ ة ولهجته ا والحرا ك الجولني ‪ ،‬والذاكرة‬
‫الجمعية والمخيال الجتماعي ‪ ..‬الخ وخصوصا أننا أسّسنا علميا لنسف النظرية‬
‫اليديولوجية التزييفية بالتقسيم السامي والحامي واليافثي وغيره‪ ،‬فكان لزاما على‬
‫الدارس الحيادي الل متحيز‪ ،‬أن يعطي كلّ ذي حقّ حقه مظهرا الوحدة الناسية‬
‫المعرفية للوجود العربي في عمق ما قبل التاريخ مرورا بالعصور التاريخية‬
‫ل إلى اللحظة القائمة الن‪..‬‬
‫وصو ً‬
‫وإذا كنا قد وقفنا مع المراح ل الول ى للعصر العربي الثاني فكان ذلك‬
‫ضروريا لدراسة البنية العربية المثيولوجية الواحدة وتأسيسها المعرفي المتعدد‬
‫ل في أجزائنا اللحقة‪..‬‬
‫الجوانب وهذا ما سنقف عنده طوي ً‬
‫‪ρ‬‬

‫‪- 193 -‬‬

‫‪åæÇãÔ ÇáÝÕá ÇáÎÇãÓ‬‬
‫(‪ )1‬بييرروسي ‪ -‬مدينة إيزيس ‪ -‬التاريخ الحقيقي للعرب ترجمة فريد جحا ‪ -‬وزارة‬
‫التعليم العالي في ج‪.‬ع‪ .‬س ط ‪1980 1‬ص ‪.12‬‬
‫(‪ )2‬بيروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪48‬‬
‫(‪ )3‬بيروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪18‬‬
‫(‪ )4‬بيروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪39-38‬‬
‫(‪ )5‬بيروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.19‬‬
‫(‪ )6‬بييروسي ص ‪23‬‬
‫(‪ )7‬أحمد عثمان ‪ -‬النباط العرب يستخدمون الرامية لكتابة لغتهم ‪ -‬جريدة الحياة‬
‫العدد ‪ 30 11817‬حزيران ‪1995‬‬
‫(‪ )8‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )9‬أحمد عثمان ‪ -‬المصدر السابق‬
‫(‪ )10‬لمزيد من التفاصيل الدقيقة والمقارنات بين العربية ولهجتها الرامية يرجى‬
‫العودة إلى كتاب الشيخ نسيب وهيبة الخازن من الساميين إلى العرب‪-..‬‬
‫منشورات دار مكتبة الحياة ‪ -‬بيروت لبنان إصدارـ ‪ ، 1962‬من الصفحةـ ‪77‬‬
‫وحتى الصفحة ‪.147‬‬
‫(‪ )11‬ليوتاكسيل ‪ -‬التوراة ‪ -‬كتاب مقدس أم جمع من الساطير ‪ -‬ترجمة د‪ .‬حسان‬
‫ميخائيل اسحق‪ -.‬بدون دار نشر ط ‪ 1994 1‬ص ‪13‬‬
‫(‪ )12‬ليوتاكسيل ‪ -‬المصدر السابق ص ‪.14-13‬‬
‫(‪ ) 13‬د‪ .‬سيد محمود القمني ‪ -‬السطورة والتراث‪ ،‬دار سينا‪ ،‬ج‪,‬م‪.‬ع في مواقع‬
‫عديدة ط ‪1993‬‬
‫(‪ ) 14‬د‪ .‬عبد الوهاب المسيري ‪ -‬اليديولوجيا الصهيونية ‪ -‬سلسلة عالم المعرفة‪،‬‬
‫الكويت ص ‪118‬‬
‫(‪ )15‬روجيه غارودي ‪ -‬الصوليات المعاصرة ‪ -‬دار ألفين‪ ،‬فرنسا‪ ،‬باريس ص ‪.70‬‬
‫(‪ ) 16‬بييروسي ‪ -‬المصدر السابق صـ ‪ 86‬ـ‪ -‬نقل ًـ عن الحضارت الولى‪ ،‬منشورات‬
‫فلماريون إصدار عام ‪ 1889‬ص ‪.555‬‬
‫(‪ )17‬فراس سواح ‪ -‬مغامرة العقل الولى ‪ -‬ص ‪121‬‬
‫(‪ )18‬د‪ .‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق ايبل ‪ -‬دمشق ‪ 1984‬ص ‪91 -90‬‬
‫(‪ )19‬د‪ .‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق إيبل ‪ -‬دمشق ‪ 1984‬ص ‪147‬‬
‫(‪ )20‬سيد القمني ‪ -‬قصة الخلق ‪ -‬منابع سفر التكوين ‪ -‬دار كنعان ط ‪1994 1‬‬
‫(‪ )21‬اسرائيل ‪ -‬التوراة ‪ -‬التاريخ ‪ -‬التضليل ‪ -‬دار كنعان ط ‪ 1994 1‬ص ‪19‬‬
‫(‪ )33‬سيد القمني ‪ -‬المصدر السابق ص ‪20‬‬
‫(‪ )24‬سيد القمني ‪ -‬المصدر السابق ص ‪20‬‬
‫(‪ )24‬سيد القمني ‪ -‬المصدر السابق ص ‪20‬‬
‫(‪ )25‬عفيف بهنسي ‪ -‬وثائق ايبل ‪ -‬دمشق ‪ 1984‬ص ‪114‬‬
‫(‪ )26‬سفر التكوين ‪ -‬الصحاح الثالث (‪)6-1‬‬
‫(‪ )27‬ليوتاكسيل ‪ -‬التوراة كتاب مقدس ‪ -‬أم جمع من الساطير ‪ -‬ترجمة د‪ .‬حسان‬
‫ميخائيل اسحاق ص ‪534‬‬
‫(‪ )28‬يرجى العودة بهذا الخصوص إلى مؤلف الدكتور سيد القمني ‪ :‬النبي ابراهيم‬
‫والتاريخ المجهول‪.‬‬
‫‪- 194 -‬‬

‫(‪ )29‬ليوتاكسيل ‪ -‬المصدر السابق ص ‪528‬‬
‫(‪ )30‬بييروسي ‪ -‬المصدر السابق ص ‪86‬‬

‫(‪)31‬ـ ـالميثولوجياـ ـالكنعانيةـ ـوالغتصابـ ـالتوراتيـ ـ‪-‬ـ ـحسنـ ـالباش‪،‬ـ ـدارـ ـالجليل‬
‫دمشق‪ ،‬ط ‪1988 1‬‬
‫‪ρϖρ‬‬

‫‪- 195 -‬‬

‫ملحق بالبجديات المقارنة‬
‫وببعض المفردات المقارنة بين عدة لهجات‬
‫عروبية ‪ -‬عربية وبعض مظاهر الوحدة الفكرية‬
‫والناسية‪ ،‬والدبية بين مواقع الحضارات الجليلة‬
‫في الوطن العربي ‪.‬‬

‫‪- 196 -‬‬

- 197 -

‫البجدية الكنعانية ‪ -‬أوغاريت (القرن ‪ 14‬ق‪.‬م)‪ /‬بدايات الحضارة‪ ،‬عبد الحكيم الذنون‬
‫ص ‪.34‬‬

‫البدايات الولى للكتابة السومرية في العراق ‪ /‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪/10‬‬

‫‪- 198 -‬‬

‫من الشمال إلى اليمين ‪:‬‬
‫‪ -1‬الصورة أو المرحلة التصويرية‬
‫‪ -2‬الهيروغليفية الولى‬

‫‪ -3‬الكتابة الهيراتيقية‬
‫‪ -4‬الكتابة الدوميتيقية‬

‫الكتابة الهيروغليفية‬
‫‪/‬كتاب الحضارات‪ ،‬لبيب عبد الساتر‪ ،‬دار المشرق‪ ،‬بيروت‪/1986 ،‬‬

‫‪- 199 -‬‬

‫تطور الكتابة في العراق القديم من طور الكتابة الصورية‬
‫‪(3300 - 2800‬ق‪.‬م) إلى طور الكتابة المسمارية ‪CUNEIFORM (2800‬ق‪.‬م ‪75 -‬م)‬
‫‪ /‬بدايات الحضارة‪ ،‬ص ‪/11‬‬
‫‪PICTOGRAPHY‬‬

‫من أقدم النقوش العربية المعروفة ‪ /‬الحضارات‪ ،‬ص ‪/335‬‬

‫‪- 200 -‬‬

‫مقارنة لبعض البجديات‬
‫المصدر نسيب وهيب الخازن " الساميين إلى العرب" جريدة الحياة ‪" .‬‬
‫العداد والباحثين في متون النص"‪.‬‬

‫‪- 201 -‬‬

‫جدول مقارن بالبجديات‬

‫جدول مقارن مأخوذ عن تاريخ العرب لفيليب حتي‬
‫‪/‬الحضارات ‪ -‬ص ‪/93‬‬

‫‪- 202 -‬‬

‫جدول لغوي مقارن‬
‫‪/‬عن جريدة "الحياة" ‪ -‬العداد والباحث في متون النص‪/‬‬

‫‪- 203 -‬‬

‫نصّ من قانون حمورابي‬

‫كتابات أرامية‬

‫الحضارات‬

‫‪/‬بدايات الحضارة ص ‪/87‬‬

‫المادة السادسة من قانون حمورابي‬
‫‪/‬بدايات الحضارة‬

‫‪- 204 -‬‬

‫ص ‪61‬‬

‫ص ‪49‬‬

‫وفيما يلي سنعرض لصور من التشابه والتشاكل والمداخلة بين‬
‫عدد من اللفاظ المصرية القديمة ومثيلتها في العربية‬
‫‪/‬مجلة الوحدة ‪ -‬عدة أعداد‪ ،‬وأرقامها وأسماء الباحثين في متون‬
‫النص‪/‬‬
‫ أبّ ‪ :‬ترد في المصرية القديمة بمعنى ورق الشجر أو زهره والكلمة‬‫عربية‪ ،‬وفي القرآن الكريم ‪ [،‬وفاكهة وأبّا ] وقال الشاعر‬
‫تر ى به ا ال ب واليقطي ن مختلطا‬
‫عل ى الشريع ة يجر ي تحت ه الغرب‬
‫وقيل الب للحيوان كالفاكهة للنسان‪ ،‬وقد وجدت الكلمة هذه ترد أيضا في‬
‫اللغة الوغاريتية‪ ،‬وهي لغة سامية قريبة جدا من العربية‪ ،‬ومعاني الب في كل‬
‫من المصرية والعربية والوغاريتية واحد‪..‬‬
‫ دجى ‪ :‬اسم الوطواط أو الخفاش أو السحا في المصرية‪ ،‬وهو مأخوذ من‬‫الكلمة العربية الدجى بمعنى الظلم‪ ،‬لن في العربية " داجي" ومؤنثها "‬
‫داجية " من الدجية أي الظلمة‪ ،‬والوطواط هو طير الدجى‪..‬‬
‫ بس ‪ :‬اسم معبود مصري قديم يقابله في العربية بّس‪ ،‬وهو بيت كان لغطفان‬‫أنشأته للعبادة‪ ،‬نقلت قبائل العناء عبادته لمصر (تاج العروس)‪..‬‬
‫ َبعْنا‪ :‬اسم البان " نوع من الشجر"‪ ،‬حرف العين ينوب عن الفتحة في الكلمات‬‫العربية المنقولة عن المصرية‪..‬‬
‫ عرّا‪ :‬السد الذي يقال له في العربية عرهم وعارن ومأواه العرين‪.‬‬‫ أدس ‪ :‬اسم العدس في المصرية‬‫ ينكون‪ :‬اسم الينسون‪ ،‬قلبت فيه الكاف سينا‪،‬‬‫ بكاء‪ :‬اسم لنوع من الشجر‪ ،‬يقال له بالعربية بكاء أيضا‪.‬‬‫س َترْ ‪ :‬الصعتر‪..‬‬
‫ صعتا (أو) َ‬‫‪- 205 -‬‬

‫ زت‪ :‬زيت‪.‬‬‫ طوب ‪ :‬حجر‪ ،‬طوب‪.‬‬‫أردب‪ :‬أردب ( مقياس)‪..‬‬
‫ السب ط ‪ :‬بمعنى ابن البن وابن البنت يوجد في العربية والمصرية ولغات‬‫سامية أخرى‪ ،‬قال أحمد كمال ‪ :‬إن هذه اللفظة وجدت في نصائح " بتاح‬
‫حتب " على جدران مقبرة " أمست " بمعنى ما جاءت به في العربية ‪.‬‬
‫ صهر ‪ :‬بمعنى طبخ واذاب وردت في اللغتين العربية والمصرية القديمة‬‫بمعنى واحد‪..‬‬
‫ البيعة ‪ :‬بمعنى المعبد في العربية‪ ،‬وردت في المصرية في ورق أبوت‬‫‪ 1/10/16‬أو ‪ 1/10/16‬المؤش ر علي ه برقم ‪ 10221‬ف ي متح ف انكلترا‪،‬‬
‫وفسروها بمعنى الجبانة‪ ،‬بيد أن أحمد كمال يرجح أنها بمعنى المعبد كما‬
‫يدل عليه السياق السابق‪.‬‬
‫ زبر ‪ :‬وذبر وسفر وكلها واحدة‪ ،‬لفظها في العربية وفي النصوص المصرية‪،‬‬‫وهذا القلب والبدال في الحروف له أصول متبعة في اللغتين المصرية‬
‫والعربية‪ ،‬والسبب فيه تعدد القبائل ولهجتها‪.‬‬
‫ شمشم ‪ :‬سمسم ‪.‬‬‫ بصل ‪ :‬بصل ‪.‬‬‫ زلم ‪ " :‬حب العزيز " هوزلم أيضا في العربية‪.‬‬‫ عرو ‪ :‬نوع من الشجر " العرعر" ‪.‬‬‫ فوم ‪ :‬فوم‪.‬‬‫ قمح ‪ :‬قمح‪.‬‬‫ لذن ‪ :‬لذن‪.‬‬‫ نبس ‪ :‬نب ق ( السي ن والقا ف أ و الكا ف تتبادل ن ف ي العربي ة والمصرية‬‫‪- 206 -‬‬

‫القديمة)‪..‬‬
‫ أبت ‪ :‬أبط‪.‬‬‫ مسحو ‪ :‬تمساح‪.‬‬‫ يتاح‪ :‬فتاح‪.‬‬‫ مناة ‪ :‬معبود مصري قديم‪ ،‬وهي مناة التي كانت تعبد في الجاهلية كما هو‬‫معروف‪.‬‬
‫ بوبو ‪ :‬بعبع‪.‬‬‫وفيما يلي كلمات أخرى مصرية قديمة ل زالت حية في‬
‫بعض اللهجات العربية الدارجة على الخص في اللهجتين‬
‫المصرية والسورية‪.‬‬
‫‪/‬مجلة الوحدة ‪/‬الرقام‪ ،‬والباحث في متون النص‪/‬‬
‫عربي عامي‬

‫المعنى‬

‫مصري قديم‬

‫اشر ب ( تستعم ل للطفا ل ) موجود ة ف ي عامية‬
‫مصر وبلد الشام‪.‬‬

‫امبو‬

‫امبمو (‪)22‬‬

‫وجع ( تستعمل للطفال) موجودة في عامية مصر‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫واوا‬

‫واوا‬

‫قذارة (تستعمل للطفال) موجودة في عامية مصر‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫كخ‬

‫كخ‬

‫امش (تستعمل للطفال) موجودة في عامية مصر‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫تاتا ‪-‬دادا‬

‫تاتا‬

‫نز ل ( رخ ت المطرة ) موجود ة ف ي عامي ة مصر رخ‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫رخ‬

‫جبنة حالوم موجودة في عامية مصر وبلد الشام‪.‬‬

‫حالوم‬

‫حالوم‬

‫الفول الناضج موجودة في عامية مصر وبلد الشام‪.‬‬

‫المدمس‬

‫مدمس‬

‫فار غ (راح ت بوش ) موجود ة ف ي عامي ة مصر بوش‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫بوش‬

‫سمن وعسل (ل تقل لي كاني وماني) موجودة في كاني ماني‬
‫عامية مصر وبلد الشام‪.‬‬

‫كاني ماني‬

‫‪- 207 -‬‬

‫انبث ق (شأش أ الضوء ) موجود ة ف ي عامي ة مصر‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫شأشأ‬

‫شأشأ‬

‫انشرا ح (ياليل ي ياعين ) موجود ة ف ي عامي ة مصر‬
‫وبلد الشام‪.‬‬

‫يا ليلي‬

‫ليلي‬

‫وق ع ف ي الطي ن موجود ة ف ي عامي ة مص ر وبلد هيليليصا‬
‫الشام‪.‬‬
‫نخيل موجودة في عامية مصر وبلد الشام‪.‬‬
‫حجر أملس موجودة في عامية مصر وبلد الشام‪.‬‬

‫هيليليصا‬

‫بلح‬

‫بلح‬

‫زلط‬

‫زلط (‪)23‬‬

‫قائمة بمفردات عربية مصرية قديمة‬
‫توضيحات‬

‫مصرية‬
‫قديمة‬

‫توضيحات‬

‫عربية‬

‫مصرية‬
‫قديمة‬

‫عربية‬

‫صعتا‪،‬‬
‫ستر‬

‫صعتر‬

‫ورقة الشجر أو زهره‬

‫أب‬

‫أب‬

‫زت‬

‫زيت‬

‫معبود مصري وبيت‬

‫بس‬

‫بس‬

‫طوب‬

‫طوب‪،‬‬
‫حجر‬

‫أنشأته غطفان للعبادة‬

‫مسحو‬

‫تمساح‬

‫نوع من الشجر‬

‫مقياس‬

‫إردب‬

‫إردب‬

‫شجر البان‬

‫الحفيد‬

‫السبط‬

‫السبط‬

‫السد‬

‫بعنا‬

‫بان‬

‫عرّا‬

‫عرهم‪،‬‬
‫عارن‬

‫أذاب وطبخ‬

‫صهر‬

‫صهر‬

‫ابت‬

‫ابط‬

‫اسم معبود‬

‫مناه‬

‫مناه‬

‫أوس‬

‫عدس‬

‫المعبد‬

‫البيعه‬

‫البيعه‬

‫ينكون‬

‫ينسون‬

‫الكتب‬

‫زبر‬

‫سفر‪ ،‬ذبر‬

‫بكاء‬

‫بكاء‬

‫شجر‬

‫عرو‬

‫عرعر‬

‫يناح‬

‫فتاح‬

‫شمشم‬

‫سمسم‬

‫بصل‬

‫بصل‬

‫نوع من الشجر‬

‫‪- 208 -‬‬

‫قمح‬

‫قمح‬

‫فوم‬

‫فوم‬

‫‪- 209 -‬‬

‫المفردات الساسية للغتين العربية والرامية‬
‫آرامية‬

‫عربية جنوبية‬

‫آرامية‬

‫عربية شمالية‬

‫عربية‬
‫جنوبية‬

‫عربية شمالية‬

‫حقل‬

‫حقل‬

‫حقل‬

‫ابا‬

‫اب‬

‫اب‬

‫حما‬

‫حم‬

‫حم‬

‫برا‬

‫ابن‬

‫ابن‬

‫حمشا‬

‫خمس‬

‫خمس‬

‫احا‬

‫اخو‬

‫اخ‬

‫دبشا‬

‫دبس‬

‫دبس‬

‫احد‬

‫احز‬

‫اخذ‬

‫دما‬

‫دم‬

‫دم‬

‫اودنا‬

‫ازن‬

‫اذن‬

‫دابا‬

‫زاب‬

‫ذنب‬

‫تريت‬

‫سنيت‬

‫اثنتان‬

‫دبوبا‬

‫ذبب‬

‫ذباب‬

‫امرعا‪ ،‬ارقا‬

‫ارض‬

‫ارض‬

‫ويستا‬

‫راس‬

‫راس‬

‫أربع‬

‫أربع‬

‫أربع‬

‫رحم‬

‫رحم‬

‫رحم‬

‫شما‬

‫سم‬

‫اسم‬

‫ركب‬

‫ركب‬

‫ركب‬

‫اما‬

‫ام‬

‫ام‬

‫زرعا‬

‫زرع‬

‫زرع‬

‫ناشا‬

‫انش‬

‫انسان‬

‫شبع‬

‫شبعو‬

‫سبع‬

‫برا‬

‫بئر‬

‫بئر‬

‫شنا‬

‫سنو‬

‫ست‬

‫برقا‬

‫فبرق‬

‫برق‬

‫شمانا‬

‫سماي‬

‫سماء‬

‫بعل‬

‫بعل‬

‫بعل‬

‫سعرا‬

‫سعرت‬

‫شعر‬

‫بكرا‬

‫بكر‬

‫بكر‬

‫صرح‬

‫صرخ‬

‫صرخ‬

‫برتا‬

‫بنت‬

‫بنت‬

‫طحن‬

‫طحن‬

‫طحن‬

‫بيتا‬

‫بيت‬

‫بيت‬

‫طعما‬

‫طعم‬

‫طعم‬

‫تشع‬

‫تشع‬

‫تسع‬

‫طيبا‬

‫طيب‬

‫طيب‬

‫ثلث‬

‫شلس‬

‫ثلث‬

‫ظفرا‬

‫ظفر‬

‫ظفر‬

‫ثمانا‬

‫سماني‬

‫ثمان‬

‫طل‬

‫صللوات‬

‫ظل‬

‫تورا‬

‫سور‬

‫ثور‬

‫عسر‬

‫عشرو‬

‫عشر‬

‫توما‬

‫سومات‬

‫ثوم‬

‫‪- 210 -‬‬

‫اعا‬

‫غد‬

‫عض‬

‫جمل‬

‫جمل‬

‫جمل‬

‫عظما‬

‫عضم‬

‫عظم‬

‫حبل‬

‫حبل‬

‫حبل‬

‫لليا‬

‫ليل‬

‫ليل‬

‫عقربا‬

‫عقرب‬

‫عقرب‬

‫مايا‬

‫ماي‬

‫ماء‬

‫عمودا‬

‫عمد‬

‫عمود‬

‫ماء‬

‫ماءات‬

‫مائة‬

‫عنبا‬

‫عنب‬

‫عنب‬

‫امت‬

‫مت‬

‫متى‬

‫عينا‬

‫عين‬

‫عين‬

‫مثل‬

‫مسبل‬

‫مثل‬

‫فتح‬

‫فتح‬

‫فتح‬

‫ملكا‬

‫ملكي‬

‫ملك‬

‫فتل‬

‫فتل‬

‫فتل‬

‫موتا‬

‫موت‬

‫موت‬

‫بوما‬

‫اف‬

‫فك‬

‫نشرا‬

‫نشر‬

‫نسر‬

‫قرب‬

‫قرب‬

‫قرب‬

‫نفشا‬

‫نفس‬

‫نفس‬

‫قمحا‬

‫قمح‬

‫قمح‬

‫نمرا‬

‫نمر‬

‫نمر‬

‫قشتا‬

‫قشت‬

‫قوس‬

‫يد‬

‫ود‬

‫ود‬

‫كبدا‬

‫كبد‬

‫كبد‬

‫يرقا‬

‫ورق‬

‫ورق‬

‫كرسا‬

‫كرش‬

‫كرش‬

‫ايقر‬

‫وقر‬

‫وقر‬

‫كلبا‬

‫كلب‬

‫كلب‬

‫ايلد‬

‫ولد‬

‫ولد‬

‫كوكبا‬

‫كوكب‬

‫كوكب‬

‫ايدا‬

‫اد‬

‫يد‬

‫لبا‬

‫لب‬

‫لب‬

‫يمينا‬

‫يمن‬

‫يمين‬

‫لشن‬

‫لسان‬

‫لسان‬

‫يوما‬

‫يوم‬

‫يوم‬

‫شلهب‬

‫لهب‬

‫لهب‬
‫المصادر ‪ :‬مجلة "الوحدة"‬

‫‪ /‬أرقام العداد والباحثين في متون النص‪/‬‬

‫‪- 211 -‬‬

‫حجر الرشيد وتبدو في محاوره الثلثة الكتابات ‪:‬‬
‫الهيروغليفية ‪ -‬الهيراطيقية ‪ -‬الديموطيقية‬

‫التاثير المصري في الفن الفينيقي نقوش من العاج‬

‫‪- 212 -‬‬

‫من الرسائل المتبادلة بين سومر وإيبل (‪2350-2300‬ق‪.‬م)إيبل‪-‬تل مرديخ ‪.‬‬
‫‪/‬بدايات الحضارة ‪ -‬عبد الحكيم الذنون ص ‪26‬‬

‫كتابات مسمارية آكادية ‪ -‬بابلية‪ /.‬المصدر السابق ص ‪/40‬‬

‫‪- 213 -‬‬

‫خارطة توضح التطابق الطبوغرافي للسماء التاريخية للمناطق الجولنية الناسية على ضفتي البحر‬
‫الحمر ‪ /‬بين اليمن والحبشة‪.‬‬
‫‪/‬جريدة "الحياة" الباحث‪ ،‬وأرقام العداد وتاريخها في متون النص‪/‬‬

‫‪- 214 -‬‬

‫رقم رياضي هندسي‪-‬تل حرمل‪-‬بغداد يبين الشكل رسما موضحا للمسألة الهندسية كما نقشت على‬
‫اللوحة الحجرية ويمكن ملحظته على صورة الشريحة‪.‬‬
‫‪/‬بدايات الحضارة ‪-‬ص ‪82‬‬

‫الهرم من الداخل‬
‫بدايات الحضارة ص ‪22‬‬

‫‪- 215 -‬‬

‫ناووس احيرام ‪ ،‬وعلى غطائه البجدية الولى‬

‫اسماء فينقية‬
‫‪/‬الحضارات ‪ -‬لبيب عبد الساتر‪ ،‬دار المشرق‬

‫‪/1986‬‬

‫بالرغم من بعد الشقة ل تزال بعض السماء التي كان يستعملها الفينقيون‬
‫متداولة في لبنان اليوم‪ ،‬وان يكن قد طرأ عليها بعض التحريف فإن الرومة التي‬
‫اشتقت منها لتزال ظاهرة‪ ،‬ومن المثلة على ذلك اسماء العلم التالية‪:‬‬
‫زينون ‪ -‬ملكي ‪-‬إشموني‪ -‬سلّوم‪ -‬زكّا ‪ -‬مالك‪ ،‬أو أسماء القرى مثل ‪:‬‬
‫بعلشميه ‪ -‬قرطاضه ‪ -‬قبر شمون ‪ -‬بزيزا ‪ -‬بيت مري ‪ -‬وكل المساء التي‬
‫تبدأ بلفظة كفر ‪ :‬كفر جره ‪ -‬كفر رمان ‪ -‬كفر دبيان ‪ -‬كفر فالوس‪ ،‬وكفر‬
‫معناها القرية‪.‬‬
‫وقد يجد القارئ اللبناني سهولة في ترجمة بيت شعر بالفينقية إلى اللهجة‬
‫العامية‪ ،‬واليك هذا البيت مكتوبا بالحرف العربية‪:‬‬
‫سفُح ِلكِرت ( اسم علم ِكرِت)‬
‫وبِحِل ْميْ إيْلْ يَأتين بِشَا َرتِيْ‪ ،‬أب آدم‪ ،‬ويَِلدْ ُ‬
‫غلَم‪ ،‬لعبد إيل‪.‬‬
‫وُ‬
‫وقد اصطلح الملمون بالفينيقية على ترجمة هذا البيت بما يلي ‪:‬‬
‫وبحلمي بشّرني إيل وال ُد آدَمْ‪َ ،‬أنْجِبْ ذريةً‪ِ ،‬ل ِكرِتْ وغُلمَا ِل َع ْب ِد إيل‪:‬‬
‫‪- 216 -‬‬

‫واسهل من ذلك أن نفهم ما يلي ‪:‬‬
‫طلّ( مطر) السماوات سمن الرض‪،‬‬
‫طل شمين شمن ارص أو ُ‬
‫من فينيقيا‪.‬‬
‫‪ϖϖ‬‬

‫‪- 217 -‬‬

‫لوح طيني (رقيم من ايبل‬
‫لوح طيني يختم بقلم خشبي برموز سومرية‪ .‬تسمى الكتابة المسمارية وهي كتابة رمزية وليست‬
‫أبجدية‪ .‬أما اللغة فهي أصل اللغة الرعبية‪.‬‬
‫في هذا الرقيم نلحظ أن السطر عمودية السطر الول يبدأ من اليسار وتقرأ الكتابة من العلى إلى‬
‫السفل‪.‬‬
‫‪/‬كتاب "وثائق ايبل " د‪.‬عفيف بهنسي ص ‪/126‬‬

‫‪- 218 -‬‬

‫الرقم اليبلئية‪ ،‬بأشكال مختلفة وبحالة سليمة ‪ -‬محفوظة في متحف حلب‪.‬‬
‫‪/‬وثائق ايبل ‪ ،‬د‪.‬عفيف بهنسي ص ‪165‬‬

‫‪- 219 -‬‬

‫بقايا جذع تمثال وعليه كتابة ايبلئية ونصها يعرفنا على ملك ايبل اييبت ليم‪.‬‬
‫ محفوظ في المتحف الوطني بدمشق‪-‬‬‫‪/‬وثائق ايبل‪ ،‬د‪.‬عفيف بهنسي ص ‪/166‬‬

‫‪- 220 -‬‬

- 221 -

:‫الفهرس‬
5................................................................................................ÇÁÝÕÁ ÇÁÃÆÁ
5.............................................................................. ÃÞÏÃÉ ÝÍ ÇÁÃÄÊÑÈÆÁÆÌÍÉ
5.....................................................................ÇÁÃÚÑÝÍÉ ÇÁÚÑÈÍÉ ÇÁÊÇÑÍÎÍÉ:
27..............................................................................................ÇÁÝÕÁ ÇÁËÇÄÍ
27................................................................. ÇÁÃÄÇÓÉ ÇÁÃÚÑÝÍÉ ÇÁÚÑÆÈÍÉ
27.........................................................................................ÇÁÃÇÞÈÁ ÊÇÑÍÎÍÉ:
49............................................................................................ÇÁÝÕÁ ÇÁËÇÁË:
49..................................................... ÇÁÍÑÇSS ÇÁÌÛÑÇÝÍ ÇÁÃÄÇÓÍ ÇÁÚÑÆÈÍ49............................................................................................ÃÚ ÝÌÑ ÇÁÊÇÑÍÎ
96............................................................................................ ÇÁÝÕÁ ÇÁÑÇÈÚ
96.................................................... ÇÁÃÄÇÓÉ ÇÁÚÑÈÍÉ ÇÁÁÛÆÍÉ ÇÁÃÞÇÑÄÉ
96...............................................................................................ÆÇÁÃÍÊÆÁÆÌÍØÉ
176............................................................................................ÇÁÝÕÁ ÇÁÎÇÃÓ
176.............................................ÇÁÅÄÇÓÉ ÇÁÊÇÑÍÎÍÉ ÇÁÃÚÑÝÍÉ ÇÁÃÓÑÆÞÉ
ρϖρ

- 222 -

‫صدر للمؤلف‬
‫‪ .1‬الظل الدائري ‪ -‬رواية ‪ -‬دار ميسلون ‪ -‬دمشق ط ‪1986 1‬‬
‫‪ .2‬محاولتـ ـللهروبـ ـمنـ ـالصمتـ ـإلىـ ـالجسدـ ـ‪-‬ـ ـشعرـ ـ‪-‬ـ ـدار‬
‫جعفر ‪ -‬حمص ط ‪1992 1‬‬
‫‪ .3‬آيات الماطة ‪ -‬شعر ‪ -‬دار الحصاد ‪ -‬دمشق ‪ -‬ط ‪1994 - 1‬‬
‫‪ .4‬رقصة العراة ‪ /‬المفجوعة‪ -‬رواية ‪ -‬دار الحصاد ‪ -‬دمشق ط‬
‫‪1994 - 1‬‬
‫‪ .5‬الفن عند النسان البدائي ‪ -‬ترجمة ‪ ،-‬دار الحصاد ‪ -‬دمشق‬
‫ ‪ 1995‬ط ‪1‬‬‫‪ .6‬مأساةـ ـالعقلـ ـالعربيـ ـ‪/‬ـ ـبحثـ ـفيـ ـالبناءـ ـالناسيالمعرفي‬
‫العربي المعاصر ‪ /‬دار الحصاد ‪ ،‬دمشق ط ‪1995 1‬‬
‫‪ .7‬زمن النص‪ ،‬دار الحصاد ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط ‪1995 1‬‬
‫‪ .8‬ذاكرةـ ـالنسانـ ـ‪،‬ـ ـبنىـ ـوعملياتـ ـ‪،‬ـ ـفيـ ـضوءـ ـعلمـ ـالنفس‬
‫المعرفي‪ ،‬وزارة الثقافة‪ ،‬ج‪.‬ع‪.‬س‪ ،‬ط ‪1996 1‬‬
‫‪ .9‬الذاكرة المثقوبة ‪ ،‬قراءة نقدية في المشروع النهضوي العربي‬
‫اتحاد الكتاب العرب ‪ -‬ط ‪ ، 1‬دمشق ‪1996‬‬

‫‪ρ‬‬

‫‪- 223 -‬‬

‫رقم اليداع في مكتبة السد الوطنية ‪:‬‬
‫عودةـ ـالتاريخ ‪ :‬النتربولوجيةـ ـالمعرفيةـ ـالعربية ـ‪:‬ـ ـدراسةـ ـفي‬
‫الناسة المعرفية ‪ /‬جمال الدين الخضور‪ -‬دمشق ‪:‬‬
‫اتحاد الكتاب العرب‪ - 1997 ،‬ج ‪ 224 :1‬ص؛ ‪ 24‬سم‪.‬‬
‫الجزء الول حتى اللف الثاني قبل الميلد ‪.‬‬
‫‪306.40656 -1‬‬

‫‪ -3‬العنوان‬
‫ع‬

‫‪1674‬‬

‫‪/‬‬

‫‪ 930 -2‬خ ض و ع‬
‫‪ -3‬الخضور‬

‫خضو ع‬

‫مكتبة السد‬

‫‪1997 /10‬‬
‫‪ρ‬‬

‫‪- 224 -‬‬

‫هذا الكتاب‬
‫دراسةـ ـقوميةـ ـفكريةـ ـلمواجهةـ ـمايطرحـ ـفيـ ـإطار‬
‫التشكيك بالتاريخ العربي والهوية العربية‪ ،‬والحث على‬
‫استنهاضـ ـعربيـ ـلتعميقـ ـالوعيـ ـالعلميـ ـالتاريخي‬
‫بالتاريخ العربي ولمواجهة المشاريع المناهضة للتقدم‬
‫والستقلل العربي‪.‬‬
‫وقدـ ـرصدـ ـالكاتبـ ـالطوارـ ـالتيـ ـمّرتـ ـبهاـ ـالمة‬
‫العربية ولغتها عبر آلف السنين للوصول إلى حقيقة‬
‫وحدةـ ـهذهـ ـالمةـ ـووحدةـ ـترابهاـ ـفيـ ـكلـ ـمنـ ـآسيا‬
‫وافريقيا‪.‬‬
‫‪ρ‬‬

‫‪- 225 -‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful