‫هذه الف�سول لي�ست بني كاتب وقارئ‪ ،‬ولكني واإياك قراء جلمال‬

‫لوحات احلياة النبوية‪ ،‬نتتبع يف اإيقاعها اليومي حيوية احلياة‪،‬‬
‫و�سخامة ا إالجنازات يف وعاء من ال�سكينة النف�سية‪ ،‬واحلياة‬
‫الهانئة املطمئنة‪ ،‬تزينها أاجمل العواطف‪ ،‬و أا�سدق امل�ساعر‪،‬‬
‫و أاعذب املتع‪.‬‬
‫وحينما تكثف الر ؤوية وت�سع امل�سهد حتت جمهر الب�سرية‪ ،‬فاإنك‬
‫�ستكت�سف مع هذه الزوايا زوايا أاخرى‪ ،‬تنطق بدالالت ت�ستوقفك‬
‫مل ت�ستوقف غريك‪ ،‬وال عجب ف�سرية النبي �سلى اهلل عليه واآله‬
‫و�سلم نهر غمر يغرتف كل منه بح�سب اإنائه‪ ،‬فانظر بقلبك‬
‫وحبك واإميانك اإىل لوحات احلياة النبوية لرتى جماالت مبهرة‬
‫ت�سرق أامامنا فت�ستنطقنا‪ ،‬هَّ ُ‬
‫(اهلل َأا ْع َل ُم َح ْيثُ َي ْج َع ُل ر َِ�سا َل َتهُ)‪،‬‬
‫هَّ ُ‬
‫ا�ض)‪.‬‬
‫(اهلل َي ْ�س َط ِفي ِمنَ ْ َاملال ِئ َك ِة ُر ُ�س اًال َو ِمنَ ال هَّن ِ‬
‫فلنجعل الت أامل يف هذه اللوحات النبوية مذاكر اًة م�سرتكة نتعاطى‬
‫فيها روائع املعاين‪ ،‬وعظيم الدالالت التي تفي�سها على نفو�سنا‪،‬‬
‫فاإن م�ساحة الر ؤوية وا�سعة‪ ،‬وزوايا النظر متعددة‪ ،‬ولئن قر أات‬
‫بع�ض ما ر أايتُه فاإين م�سو ٌق أان أافيد منك ما ر أايتَه‪ ،‬فذاك ر�سول‬
‫اهلل �سلى اهلل عليه واآله و�سلم أاحب اخللق اإىل قلوبنا‪ ،‬و أاجلهم‬
‫يف عيوننا‪ ،‬و أاعظمهم ح ّق اًا علينا‪ ،‬احلديث عنه أاعذب احلديث‪،‬‬
‫واخلرب عنه أاجمل اخلرب‪.‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬

‫‪ALTRIRI@hotmail.com‬‬

‫اإنتاج م ؤو�س�سة اال�سالم اليوم‬
‫اململكة العربية ال�سعودية‬
‫الريا�ض‬
‫�ض‪.‬ب‪28577 .‬‬
‫الرمز ‪11447 :‬‬
‫هاتف‪012081920 :‬‬
‫فاك�ض‪012081902 :‬‬
‫‪www.islamtoday.net‬‬
‫‪info@islamtoday.net‬‬

‫‪13/08/2008 07:13‬‬

‫‪TRERY.indd 3‬‬

‫قصص نبوية‬
‫زوايا جديدة لقصص السرية‬

‫قصص نبوية‬
‫مؤسسة اإلسالم اليوم‬
‫إدارة اإلنتاج والنشر‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬

‫عبد الوهاب بن ناصر الطريري‬

‫المملكة العربية السعودية‬
‫الرياض‬
‫ص‪.‬ب‪28577 .‬‬
‫الرمز‪11447 :‬‬
‫هاتف‪012081920 :‬‬
‫فاكس‪012081902 :‬‬

‫جدة‪:‬‬
‫هاتف‪026751133 :‬‬
‫هاتف‪026751144 :‬‬

‫بريدة‪:‬‬
‫هاتف‪063826466 :‬‬
‫فاكس‪063826053 :‬‬
‫‪info@islamtoday.net‬‬
‫‪www.islamtoday.net‬‬

‫سلسلة إصدارات‬
‫اإلسالم اليوم‬
‫اإلنتاج والنشر‬
‫اإلصدار‬
‫‪26‬‬
‫الطبعة الثانية ‪1429‬هـ‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫إهداء‬
‫إىل أول من فتق لساين بذكر اهلل عز‬
‫وجل‪ ،‬إىل من غرس يف قلبي إجالل اهلل‬
‫وتعظيمه‪ ،‬وحمبة الرسول صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وتوقريه‪ ،‬وسمعت قصص‬
‫النبوة منه أول ما سمعتها‪ ،‬وتعلمت‬
‫معانيها وعربها منه أول ما تعلمتها‪.‬‬
‫وقوم املسرية‪،‬‬
‫إىل من رعى النشأة‪ّ ،‬‬
‫وح َّفز اهلِ َّمة‪ ،‬واخترص عمره يف‬
‫عمري‪ ،‬فعصم اهلل به من السقوط يف‬
‫التخبط يف متاهة‬
‫دركات الفشل‪ ،‬أو‬
‫ُّ‬
‫الضياع‪.‬‬
‫إىل سيدي الوالد أقدِّ م هذا العمل‪،‬‬
‫موفورا‬
‫سائلاً اهلل أن جيعل ثوابه له‬
‫ً‬
‫متتابعا‪ ،‬وأن يبارك يف عمره‪ ،‬وينسأ يف‬
‫ً‬
‫أجله‪ ،‬وجيزيه عني خري ما جزى والدً ا‬
‫عن ولده‪.‬‬

‫إهداء‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬
‫سالم اهلل عليكم ورمحته وبركاته‪:‬‬
‫حتية من عند اهلل مباركة طيبة‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫تارخييا لسرية املصطفى صىل‬
‫فهذه ِقصص من أحسن ال َقصص‪ ،‬ليست َتت َُّب ًعا‬
‫ًّ‬
‫اهلل عليه وآله وسلم تروي أحداثها وحوادثها‪ ،‬ولكنها مشاهد خمتارة من حياته‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬اجتمعت رواياهتا حتى اكتملت يف لوحات نبوية‬
‫باهرة اجلامل‪ ،‬ناطقة بأروع معاين الكامل‪ ،‬شاهدة بأن اهلل خلق نبيه يف أحسن‬
‫تقويم‪ ،‬فكان أمجل الناس َخل ًقا‪ ،‬وأعظمهم ُخل ًقا صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫وأنت ٍ‬
‫صورا باهرة من عظمة ُ‬
‫اخللق‪ ،‬وتكامل الشخصية‪،‬‬
‫راء يف هذه املشاهد‬
‫ً‬
‫وتوازن األدوار‪ ،‬وعفوية احلياة‪ ،‬بساطة يف عظمة‪ ،‬ومثالية يف واقعية‪ ،‬أبعد‬
‫َّ‬
‫}و َما َأ َنا ِم َن‬
‫ما تكون عن التكلف والتعسف الذي تباعد عنه‪،‬‬
‫وحذر منه‪َ :‬‬
‫مْ ُالت ََك ِّل ِفنيَ {‪.‬‬
‫وهذه الفصول ليست بني كاتب وقارئ‪ ،‬ولكني وإياك قراء جلامل لوحات‬
‫احلياة النبوية‪ ،‬نتتبع يف إيقاعها اليومي حيوية احلياة‪ ،‬وضخامة اإلنجازات‬
‫يف وعاء من السكينة النفسية‪ ،‬واحلياة اهلانئة املطمئنة‪ ،‬تزينها أمجل العواطف‪،‬‬
‫وأصدق املشاعر‪ ،‬وأعذب املتع‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ـج َهر البصرية‪ ،‬فإنك ستكتشف‬
‫وحينام تكثف الرؤية‪ ،‬وتضع املشهد حتت ِم ْ‬
‫مع هذه الزوايا زوايا أخرى‪ ،‬تنطق بدالالت تستوقفك مل تستوقف غريك‪ ،‬وال‬
‫عجب‪ ،‬فسرية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هنر َغ ْمر‪ ،‬يغرتف ٌّ‬
‫كل منه بحسب‬
‫إنائه‪ ،‬فانظر بقلبك وح ِّبك وإيامنك إىل لوحات احلياة النبوية؛ لرتى مجاالت‬
‫يجَْع ُل ِر َسا َلت َُه{‪} ،‬اللهَّ ُ َي ْص َط ِفي‬
‫مبهرة ترشق أمامنا فتستنطقنا‪} :‬اللهَّ ُ َأ ْع َل ُم َح ْي ُث َ‬
‫ِم َن مْالَالئِ َك ِة ُر ُسلاً َو ِم َن ال َّن ِ‬
‫اس{‪.‬‬
‫فلنجعل التأمل يف هذه اللوحات النبوية مذاكر ًة مشرتكة نتعاطى فيها روائع‬
‫املعاين‪ ،‬وعظيم الدالالت التي ُتفيضها عىل نفوسنا‪ ،‬فإن مساحة الرؤية واسعة‪،‬‬
‫مشو ٌق أن أفيد منك‬
‫وزوايا النظر متعددة‪ ،‬ولئن قرأت بعض ما رأيته فإين َّ‬
‫ما رأيته‪ ،‬فذاك رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أحب اخللق إىل قلوبنا‪،‬‬
‫وأج ُّلهم يف عيوننا‪ ،‬وأعظمهم ح ًّقا علينا‪ ،‬احلديث عنه أعذب احلديث‪ ،‬واخلرب‬
‫عنه أمجل اخلرب‪.‬‬
‫سائلاً اهلل أن يرزقنا من حمبة نبيه صىل اهلل عليه وآله وسلم ما ننال به كريم برشاه‬
‫يوم قال‪(( :‬املرء مع من أحب)) () ‪.‬‬
‫والسالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته‬
‫عبد الوهاب بن نارص الطريري‬
‫‪altriri@hotmail.com‬‬

‫ أخرجه البخاري (‪ ،)6168‬ومسلم (‪.)2641‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‬

‫قصص نبوية‬
‫زوايا جديدة لقصص السرية‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪1‬‬

‫ليلة الغار‬
‫انطفأت أنوار الرساالت‪،‬‬
‫وتراكمت الظلامت‪ ،‬وأطبقت عىل‬
‫األرض جهاالت الظلم والوثنية‬
‫وأصبحت البرشية عىل حال‬
‫تستوجب َم ْقت اهلل‪ ،‬فقد نظر اهلل‬
‫فم َقتهم عرهبم‬
‫إىل أهل األرض َ‬
‫وعجمهم‪ ،‬إال بقايا من أهل الكتاب‪.‬‬
‫وكان هناك يف حاشية من األرض َبشرَ ٌ‬
‫من البرش‪ ،‬خيرج من البلدة‪ ،‬ترسب به‬
‫وحتفه اجلبال‪ ،‬قاصدً ا جبلاً‬
‫الشعاب‪ُّ ،‬‬

‫‪1‬‬

‫منها اختاره من بينها‪.‬‬
‫وعندما تنظر إىل هذا اجلبل تشعر كأنام‬
‫خلقه اهلل هلذا الرجل‪ ،‬وهلذا احلدث‬
‫فاجلبال من حوله تضطجع باسرتخاء‬
‫إال هو فإن ِق َّمته تتطاول كأنام تنظر إىل‬
‫يشء بعيد‪ .‬الصعود إىل هذه القمة شاق‬
‫والطريق َو ْعر‪ ،‬وهو هناك يف غاره يف‬
‫قمة اجلبل‪ ،‬إذا جلس امتد طرفه يف‬
‫األفق البعيد؛ لريى تِلقاء وجهه بيت اهلل‬
‫الذي بناه أبوه إبراهيم عليه السالم‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪11‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وكأنام هو يف هذا العلو يتعاىل عىل ما يف األرض من أرجاس الوثنية وظلمها‪،‬‬
‫ويرسح برصه من علو يف آفاق الكون الرحيب‪ ،‬ويرشف عىل األثر الباقي من‬
‫رساالت اهلل إىل أهل األرض‪.‬‬
‫لوه الشاهق‪ ،‬ومنظره املهيب‪ ،‬وموقعه املميز هو املكان‬
‫إن هذا املكان يف ُع ِّ‬
‫والتوجه‬
‫لس ْبح الفكر العميق‪ ،‬والتفكر يف خلق السموات واألرض‪،‬‬
‫ُّ‬
‫الالئق َ‬
‫إىل اهلل بعد امتالء النظر والفكر من رؤية عظمة ملكوته }ر َبنَا َما َخ َل ْق َت َه َذا‬
‫َب ِ‬
‫اطلاً ُس ْب َحا َن َك{‪.‬‬
‫ويف ليلة ساجية‪ ،‬والكون يف سكونه‪ ،‬وهو يف َت َف ُّكره و َت َع ُّبده حيضنه غاره يف أعىل‬
‫ذروة يف اجلبل‪ ،‬إذ قطع عليه سكونه وفكره نزول املَ َلك‪ ،‬و َف ِجئَه احلق من ربه‪.‬‬
‫وياهلل لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو يف الغار وكل ما حوله سكينة‬
‫وسكون‪ ،‬ال يسمع فيه َن ْأ َمة وال حيس أحدً ا‪ ،‬فليس هو عىل طريق سالك أو حول‬
‫مكان آهل ثم يقطع عليه سكون الليل ُفجاءة احلق له‪ ،‬و َتن َُّزل املَ َلك عليه عىل غري‬
‫وحى إليه‪ ،‬وال كتا ًبا‬
‫رسل هبا‪ ،‬وال وح ًيا ُي َ‬
‫توقع وال انتظار‪ ،‬فام كان ينتظر رسالة ُي َ‬
‫ح ًة ِّم ْن َر ِّب َك}‪.‬‬
‫َاب إِلاَّ َر مْ َ‬
‫ُي َبشرَّ به { َو َما ُك ْن َت َت ْر ُجو َأ ْن ُي ْل َقى إِ َل ْي َك ا ْل ِكت ُ‬
‫أي فز ٍع يمكن أن يستوىل عىل النفس حينها مهام كانت َثبا ًتا ورباطة َج ْأش‪،‬‬
‫ُّ‬
‫لقد كان جميء املَ َلك ُمفاجأة‪ ،‬ولكن خطابه وطلبه كان مفاجأة أخرى‪(( :‬اقرأ))‪،‬‬
‫}و َما ُك ْن َت َت ْت ُلو ِم ْن َق ْب ِل ِه‬
‫خياطب هبا َم ْن مل يقرأ يو ًما مكتو ًبا ومل يكتب مقرو ًءا َ‬
‫ِم ْن ِكت ٍ‬
‫َاب ِوال خَت ّطه بِ َي ِمينِك{‪.‬‬
‫ولذلك أجاب باجلواب الذي ال يمكن أن جييب بغريه‪(( :‬ما أنا بقارئ))‪ .‬أي ما‬
‫وج َهد به‬
‫فضمه ضماًّ شديدً ا بلغ به غاية ما حيتمله‪َ ،‬‬
‫أنا بالذي يقرأ‪ ،‬فأخذه امللك َّ‬
‫َج ْهدً ا شديدً ا ثم أطلقه‪ ،‬وأعاد عليه األمر مرة أخرى‪(( :‬اقرأ))‪ ،‬فأجاب بذات‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪12‬‬

‫‪1‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فضمه مرة أخرى ضماًّ‬
‫اجلواب‪(( :‬ما أنا بقارئ))‪ .‬وما ُأ ْح ِسن القراءة‪ ،‬فأخذه‬
‫َّ‬
‫شديدً ا حتى بلغ به اجلهد واإلعياء َم ْب َل َغه ثم أطلقه‪ ،‬وأعاد عليه املرة الثالثة‬

‫قائلاً ‪((:‬اقرأ))‪ .‬فأجاب باجلواب ذاته‪ ،‬فقد كان صاد ًقا عندما قاله أول مرة ومل‬
‫فضمه الضمة الثالثة ثم‬
‫يتغري يشء من حاله‪(( :‬ما أنا بقارئ))‪ .‬فأخذه املَ َلك‬
‫َّ‬
‫*خ َلقَ الإْ ِن َْس َ‬
‫اس ِم َر ِّب َك ا َّل ِذي َخ َلقَ َ‬
‫ان ِم ْن َع َل ٍق * ا ْق َر ْأ‬
‫أطلقه وقال‪} :‬ا ْق َر ْأ بِ ْ‬
‫َو َر ُّب َك الأْ َ ْك َر ُم * ا َّل ِذي َع َّل َم بِا ْل َق َل ِم * َع َّل َم الإْ ِن َْس َ‬
‫ان َما لمَْ َي ْع َل ْم{‪.‬‬
‫فاجتمعت اآليات قرآهنا ومعناها يف قلب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫مسارعا إىل بيته‪َ ،‬ف ِز ًعا يرجف فؤاده و َت ْرعد بوادره‪ ،‬حتى‬
‫وسلم‪ ،‬وعاد هبا‬
‫ً‬
‫دخل عىل زوجه خدجية‪ ،‬وهو يقول‪َ (( :‬ز ِّملوين ز ِّملوين))‪ .‬فقد كان بحاجة‬
‫إىل الراحة بعد َ‬
‫َّ‬
‫واطمأن‬
‫اجل ْهد‪ ،‬والسكينة بعد الفزع‪ ،‬فلام اسرتاح بعد إعياء‪،‬‬
‫الر ْوع‪ ،‬حدَّ ث زوجه خدجية وأخربها خربه وما‬
‫بعد خوف‪ ،‬وذهب عنه َّ‬
‫حبة العاقلة الرشيدة التي َيثِق بحبها‬
‫رأى وما سمع ووعى‪ ،‬فهي املرأة ا ُمل َّ‬
‫و ُن ْصحها وصحة عقلها‪ ،‬وبث إليها مشاعر نفسه وهو يقول‪ :‬لقد خشيت‬
‫عىل نفيس‪.‬‬
‫فبادرت خدجية بجواب قاطع ساطع‪ ،‬موثق مؤكد‪ ،‬تقسم عليه وال تستثني‪،‬‬
‫كال واهلل‪ ،‬ال خيزيك اهلل أبدً ا‪.‬‬
‫ولتكاد تسمع الكون كله بمالئكته وأفالكه وعظيم خملوقاته يردد مع خدجية‪،‬‬
‫وحياول أن ُي ِ‬
‫سمع حممدً ا ما أسمعته زوجه‪ :‬كال واهلل ما أنزل إليك‪ ،‬وأرسلك‬
‫وأرسل إليك‪ ،‬واختارك من بني كل هذه البرشية السادرة احلائرة ليخزيك أو‬
‫يحُ ِزنك‪ ،‬ولكن ل ُيكرمك و ُيك ِرم بك‪ ،‬و َي ْرفعك ويرفع بك‪ ،‬و ُيشرَ ِّ فك و ُيشرَ ِّ ف بك‪،‬‬
‫ويرشح صدرك‪ ،‬ويرفع ذكرك‪ ،‬فال َ‬
‫ختش عىل نفسك‪ .‬كال واهلل ال خيزيك اهلل أبدً ا‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪13‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وهنا نرى معاين عظا ًما‪:‬‬
‫استجمع َت بصائر البصرية حول هذا املشهد‪ْ ،‬‬
‫‪ - 1‬كلام‬
‫أدرك َت ضخامة‬
‫ْ‬
‫احلدث‪ ،‬وأيقنت بدون مبالغة أن هذا أعظم حدث كوين وقع عىل األرض‬
‫يتحرك اجتاه التاريخ ألي حدث كام‬
‫منذ نزول آدم وإىل أن تقوم الساعة‪ ،‬ومل‬
‫َّ‬
‫حترك هلذا احلدث‪ .‬ومل َت ْسعد البرشية بيشء سعادهتا هبذا احلدث‪ .‬وال أعلم‬
‫َّ‬
‫حد ًثا أوىل بالذكر والشكر واالحتفاء كهذا احلدث‪ ،‬ولذا ذكرته وحفظته آيات‬
‫ان ا َّل ِذي ُأ ْن ِز َل ِف ِ‬
‫القرآن َ‬
‫}ش ْه ُر َر َم َض َ‬
‫يه ا ْل ُق ْر ُ‬
‫آن{‪ .‬وجدَّ د ذكراه جربائيل وحممد‬
‫عليهام السالم ((فكان رسول اهلل أكرم ما يكون يف رمضان حني يلقاه جربيل‬
‫فيدارسه القرآن))()‪ .‬ففي كل رمضان تتجدد لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وأمته ذكرى اللقاء األول مع الوحي وروح القدس‪.‬‬
‫برشى من الغيب َأ ْل َقت يف فـم الغار‬
‫َو ْحيا َ‬
‫وأ ْفضت إىل الدنيا بأسـرار‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫ـحرا‬
‫ُبشرْ ى النبوة طافت‬
‫كالشذا َس َ‬
‫الربـا مـيالد أنـوار‬
‫وأعلنت يف ُّ‬
‫واألنسام حتمـلها‬
‫الصمت‬
‫وش َّقـت‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حتت الـسكينة من دا ٍر إلـى دار‬
‫تدافع الفجر فـي الـدنيا َي ُز ُّف إىل‬
‫تارخيهـا فجـر أجـيال وأدهـار‬
‫‪ - 2‬عظيم عطاء اهلل وفضله وكرمه ‪-‬وهو األكرم‪ -‬حيث أقبل عىل البرشية‬
‫فأنزل عليها وحيه‪ ،‬وخاطبها بكالمه‪ ،‬واختار منهم ً‬
‫برشا مثلهم ‪-‬أ َب َّرهم‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6‬وصحيح مسلم (‪.)2308‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪14‬‬

‫‪1‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫َـزل كلامت اهلل إىل اخللق‪ .‬وهو فضل من اهلل‬
‫وأزكاهم قل ًبا‪ -‬ليكون فؤاده ُم َتن َّ‬
‫وعطاء َت َط َّول به من غري استحقاق من البرش‪ ،‬بل وال سؤال منهم‪ ،‬ولكن هو‬
‫عز وجل بفضله ورمحته يبتدئ بإنعامه ويوايل إفضاله‪.‬‬
‫َأ َش َع َر قلبك أن ربك العظيم األعظم الذي ُك ُّل الكون الفسيح الرهيب بعض‬
‫خلقه وملكوته ُيقبِل بعظمته وجالله وكربيائه فينظر إىل البرشية‪ ،‬وهي تعيش‬
‫عىل هذه األرض والتي ليست إال هباءة سابحة يف كونه الفسيح؛ فيتكلم يف‬
‫شأهنا ويتكلم إليها و ُينَزِّ ل كلامته تبني للبرشية دينها‪ ،‬وتدهلا طريقها‪ ،‬فيا لعظمة‬
‫عطاء اهلل وفضله‪ ،‬ويا لرشف اإلنسان هبذا العطاء واإلفضال‪.‬‬
‫‪َ - 3‬ت َل َّقى رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُفجاءة اللقاء األول بال َفزَ ع‪،‬‬
‫مرسعا يرجف فؤاده‪ ،‬و َت ْرعد فرائصه‪ ،‬وهذا دليل صدق‬
‫الر ْوع‪ ،‬ورجع‬
‫ً‬
‫وأخذه َّ‬
‫أمرا‬
‫عىل صدق نبوة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأن ما جاءه مل يكن ً‬
‫ح ًة ِّم ْن‬
‫َاب إِلاَّ َر مْ َ‬
‫}و َما ُك ْن َت َت ْر ُجو َأ ْن ُي ْل َقى إِ َل ْي َك ا ْل ِكت ُ‬
‫يتوقعه أو ينتظره أو يرجوه َ‬
‫َّر ِّب َك{‪ .‬يف حني أن هناك من بني إرسائيل ومن حنفاء العرب من كانوا يتوقعون‬
‫ظهور النبوة ويسترشفون هلا‪ .‬ولكن حكمة اهلل ال تهَ ِب هذا الفضل ملن ينتظره‪،‬‬
‫يجَْع ُل ِر َسا َلت َُه{‪.‬‬
‫ولكن ملن يليق بالنبوة‪ ،‬وحيتمل أعباء الرسالة }اللهَّ ُ َأ ْع َل ُم َح ْي ُث َ‬
‫‪ - 4‬كل كلمة يف هذه اآليات مقصودة بذاهتا بحيث ترى احلكمة العظيمة‬
‫أن ينزل القرآن هبذا االستفتاح‪ ،‬ونقف منها وقفات‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البدء باألمر بالقراءة واإلشادة بالقلم والكتاب‪.‬‬
‫ويتنزل ذلك عىل نبي أمي ما قرأ يو ًما كتا ًبا‪ ،‬وال خطه بيمينه‪ .‬ولو كان هذا‬

‫‪1‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪15‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫يتقوله ‪-‬وحاشاه‪ -‬ملا بدأ بإشهار أمر وإعالنه‬
‫األمي خيتار ما يوحى إليه أو َّ‬
‫وهو غري ُم َّت ِصف به؛ لتبقى هذه اآلية داللة عىل نبوة النبي وربانية الوحي‪ ،‬وأن‬
‫حممدً ا صىل اهلل عليه وآله وسلم نبي يوحى إليه ف ُي َب ِّلغ ما ُأن ِزل إليه من ربه‪.‬‬
‫فتعم كل ما خلق اهلل يف الكون‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البدء باسم اهلل الذي خلق‪ُّ ،‬‬
‫}خ َلقَ الإْ ِن َْس َ‬
‫فصل فقال‪َ :‬‬
‫ان ِم ْن َع َل ٍق{‪ .‬ويف هذه اآليات عربة عظيمة‪ ،‬فهي‬
‫ثم َّ‬
‫ُت ِ‬
‫سكب ُّ‬
‫الطمأنينة يف قلب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وتضع كل من سيواجهه‬
‫من أعداء وكائدين َألِدَّ اء يف حجمهم احلقيقي‪ ،‬فكل هؤالء خلق‪ ،‬والذي أرسلك‬
‫هو اخلالق‪ ،‬فام وزن هؤالء؟ وما االحتفال هبم إذا كان املرسل هو خالقهم؟‬
‫ج ‪} -‬ا ْق َر ْأ َو َر ُّب َك الأْ َ ْك َر ُم{‪.‬‬
‫ومل يقل هنا‪ :‬الكريم‪ ،‬بل األكرم من كل كريم‪ ،‬وهنا الكرم غري املتناهي‪ ،‬ومن كرمه‬
‫إنزاله هذا الوحي‪ ،‬ومن كرمه اختيارك ل َت َل ِّقي رسالته من بني كل الناس‪ ،‬ومن‬
‫كرمه حياطتك ورعايتك‪ ،‬فإذا واجهك اجلاحدون املعاندون فإن الذي أرسلك هو‬
‫األكرم؛ واألكرم لن ُي ِ‬
‫سلمك ولن يخُ زيك‪ ،‬فام أروع أن َيتل َّقى ال ُبشرْ ى وح ًيا من اهلل‬
‫اقرأ وربك األكرم‪ ،‬ثم َيتل َّقى تقريرها من زوجه ((كال واهلل ال خيزيك اهلل أبدً ا))‪.‬‬
‫د ‪} -‬ا َّل ِذي َع َّل َم بِا ْل َق َل ِم{‪.‬‬
‫فهذا النبي الذي أشاد وحي اهلل عليه بالعلم والقلم تتابع آالف العلامء‪ ،‬وآالف‬
‫آالف الكتب تكتب وتقرأ يف علمه ورشيعته ووحي اهلل إليه‪ ،‬وهو أمي ما قرأ‬
‫وال كتب‪ ،‬ولكن العلامء يتعلمون ما كتبه غريهم‪َ ،‬أ َّما رسول اهلل فهو ُأ ِّمي َع َّلم‬
‫البرشية ما تكتب()‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6982 ،4954 ،4‬وصحيح مسلم (‪ ،)716/8( ، ،)160‬وتفسير ابن‬
‫كثير (‪ ،)426/8‬وفتح الباري (‪ )22/1‬وفي ظالل القرآن (‪.)3942-3935/6‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪16‬‬

‫‪1‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪2‬‬

‫صفوة‬
‫عاد صىل اهلل عليه وآله وسلم من‬
‫غار حراء بعد أول مقابلة مع روح‬
‫القدس ُم ِ‬
‫تنـزل الوحي‬
‫ؤذنة بدء‬
‫ّ‬
‫الروع وخيش عىل‬
‫اإلهلي‪ ،‬وقد أخذه َّ‬
‫نفسه‪ ،‬وكان من صنع اهلل لـه أن كان‬
‫ُمن َق َلبه إىل تلك املرأة العاقلة الرشيدة‬
‫زوجه خدجية ريض اهلل عنها‪ ،‬فام إن‬
‫قص عليها ال َقصص وبثَّها مشاعره‬
‫ّ‬
‫اإلنسانية ((لقد خشيت عىل نفيس))؛‬
‫حتى بادرته اجلواب بوثوق جازم‬

‫‪2‬‬

‫لس َّنة إهلية هداها إليها‬
‫حازم مسترشف ُ‬
‫نظر عقيل‪ ،‬و ُن ْضج عمري‪ ،‬واستقراء‬
‫تارخيي‪ ،‬ومعرفة َل ِصيقة بزوجها‬
‫الذي عاشت معه مخسة عرش عاما ً‪،‬‬
‫َ‬
‫فخبرَ ت دخيلتَه‪ ،‬وش ّفت هلا عرشته‬
‫عن آفاق نفسه ومعدن أخالقه‪ ،‬ولذا‬
‫رسيعا حاسماً ب َق َسم‬
‫جاء جواهبا هذا‬
‫ً‬
‫معظم ّ‬
‫ّ‬
‫يدل عىل غاية الوثوق واليقني‪:‬‬

‫((كال واهلل ال خيزيك اهلل أبدً ا؛ إنك‬
‫لتصل الرحم‪ ،‬وحتمل َ‬
‫الك ّل‪ ،‬و ُتكسب‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪17‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫املعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعني عىل نوائب احلق))‪.‬‬
‫إن أ ّمنا خدجية ريض اهلل عنها وهي ُّ‬
‫ّ‬
‫تدل عىل هذا الناموس الكوين‪ ،‬وهو أن اهلل‬
‫حيفظ من عباده من يكون هبم ِقوام العباد ون ْفعهم‪ ،‬فال يخُْ ِزهيم وال يحُْ ِزهنم‪ ،‬وأن‬
‫اهلل إنام طبعهم عىل هذه املكارم السمحة؛ لكيام جيعلهم أهل إعزازه وإحسانه‪،‬‬
‫كام أهنا دلت ً‬
‫املحمدي الذي كان مال ِز ًما للنبي صىل اهلل‬
‫أيضا عىل هذا اخللق‬
‫ّ‬
‫عليه وآله وسلم منذ نشأته األوىل‪ ،‬وقبل أن ينـزل عليه وحي ر ّبه‪ ،‬ولذا فإن‬
‫األبرار أمثاله ال يخُ َذلون أبدً ا‪ ،‬وإذا نظرت إىل هذه الشامئل الكريمة التي ذكرهتا‬
‫نفع الناس‪ ،‬وقضاء حوائجهم‪،‬‬
‫خدجية ريض اهلل عنها وجدت أن القاسم بينها ُ‬
‫وسدّ َخ َّلتهم؛ فذو الرحم يوصل‪ ،‬والعاجز يحُ مل‪ ،‬واملعدوم ُيكسب‪ ،‬والضيف‬
‫ُيقرى‪ ،‬والنوائب ُتقىض‪.‬‬
‫إهنا أصول مكارم األخالق التي تصدر عن نفوس كريمة وقلوب رحيمة‪،‬‬
‫وتتلمس حاجاتهِ م‪ ،‬وتقيض ُن َوهبم‪ ،‬و َتغيث َهل َفاهتم‪ ،‬وكل‬
‫تتحمل مهوم الناس‪،‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫هذه كانت صفات ِفطر ّية ملحمد صىل اهلل عليه وآله وسلم قبل أن ُي ّنبأ بام يف‬
‫الصحف األوىل‪ ،‬عرفتها خدجية ريض اهلل عنها عن خربة عميقة‪ ،‬وصلة وثيقة‪،‬‬
‫إهنا صلة الزوج بزوجها‪.‬‬
‫و َث َّمة مشهد نبوي آخر كاشف عن هذه احلقيقة‪ ،‬وهو مشهد موسى عليه‬
‫السالم‪ّ -‬ملـا ورد ماء مدين‪ ،‬فوجدهم يسقون أغنامهم‪ ،‬ومن دوهنم امرأتان‬
‫منظرا أثار استغرابه وتساؤله‪ ،‬ولذا قصد‬
‫تذودان غنمهام عن ورود املاء‪ ،‬وكان‬
‫ً‬
‫إليهام سائلاً ‪َ }:‬ق َ‬
‫الر َعا ُء َو َأ ُبو َنا َش ْي ٌخ َكبِ ٌري{‪،‬‬
‫ال َما َخ ْط ُب ُكماَ َقا َلتَا ال َن ْس ِقي َح َّتى ُي ْص ِد َر ِّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪18‬‬

‫‪2‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ما الذي جيعل نفس موسى تستغرب وتستنكر هذا املنظر؟ إهنا استقامة أخالقية‬
‫ترى حق الضعيف الرعاية والتقديم وليس اإلقصاء والتأخري } َف َس َقى لهَ ُماَ {‪ .‬إهنا‬
‫املبادرة الرسيعة لدواعي املروءة والشهامة والكرامة األخالقية‪ ،‬ولذا عبرّ القرآن‬
‫بالفاء التي تقتيض الرتتيب والتعقيب‪ ،‬مما يوحي برسعة االستجابة لرعاية هذه‬
‫احلال‪ ،‬وإنك لتعجب من رجل غريب يف أرض ال يعرفها‪ ،‬وأناس ال سند له فيهم‬
‫مطارد من عدو‬
‫ثم هو الغب جمهود‪ ،‬قادم من سفر طويل‪ ،‬بال زاد وال استعداد‪َ ،‬‬
‫باطش ال يرحم؛ فهو من أحواله هذه يف ُش ُغل شاغل‪ ،‬ولكنه مع هذا كله استغرب‬
‫ما ُت ِ‬
‫نكره أخالقه‪ ،‬وجتاوب مع دواعي مروءته الفطرية‪ ،‬يف حني أن أهل ح ِّيهام‬
‫هيمهم شأهنام‪.‬‬
‫وجريهتام مل يبالوا هبام‪ ،‬ومل َّ‬
‫إن هذه املشاهد ُّ‬
‫مهمة وهي أن اهلل يصطفي لرساالته العظيمة‬
‫تدل عىل حقيقة َّ‬
‫نفوسا عظيمة‪ ،‬ومن أعظم جوانب عظمتها َ‬
‫احلدَ ب عىل الناس‪ ،‬وتب ّني‬
‫ً‬
‫قضاياهم‪ ،‬والسعي احلثيث يف حوائجهم‪ ،‬وأن رمحتهم بالناس جعلتهم مثابة‬
‫للضعيف واملعدوم؛ فكل ذي نائبة جيد منهم العون‪ ،‬ويتل ّقى العطف والرمحة‪،‬‬
‫ولذا فإن تكليفهم باستنقاذ البرشية من الضالل‪ ،‬وهدايتهم إىل احلق يالقي يف‬
‫نفوسهم شو ًقا إىل نفع الناس والبرِ ِّ هبم واإلحسان إليهم‪ ،‬إهنا قلوب كريمة‬
‫عامرة برمحة اخللق والرأفة هبم‪.‬‬
‫إن هذا املعنى اجل ّ‬
‫ً‬
‫حارضا‬
‫يل الواضح يف حياة أنبياء اهلل ورسله ينبغي أن يكون‬
‫يف نفوس ورثة األنبياء؛ فإنه بقدر خَ َت ُّلقهم بأخالق النبوة يكون أداؤهم ملرياث‬
‫األنبياء؛ فأهل العلم والدعوة ال بد أن يكون هلم عمق اجتامعي جيعلهم َمال ًذا‬
‫للناس يف قضاء حوائجهم‪ ،‬و َتبنِّي قضاياهم‪ ،‬والسعي يف أمورهم‪ ،‬ورمح ُتهم‬
‫ح ٍة ِّم َن اللهَّ ِ لِ ْن َت لهَ ُ ْم{ وبدون ذلك‬
‫بالناس هي من آثار رمحة اهلل بخلقه } َفبِماَ َر مْ َ‬

‫‪2‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪19‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫منقوصا‪.‬‬
‫يكون دورهم يف األمة حمدو ًدا وأثرهم يف الناس‬
‫ً‬
‫لقد كان من سعادة أعامرنا أن عرفنا إمام عرصنا سامحة الشيخ ابن باز ‪-‬رمحه‬
‫اهلل‪ -‬فرأينا َث َّم ذاك التناغم اجلميل بني أخالق النبوة ومرياثها يف صورة رائعة‬
‫من صور االقتداء والتق ّفي لألثر النبوي فكان ‪-‬رمحه اهلل‪ -‬آية يف بذل نفسه‬
‫وجاهه وماله يف نفع الناس والعطف عليهم وقضاء حوائجهم‪ ،‬كام كان كذلك‬
‫يف تعليمهم وإرشادهم ودعوهتم؛ ولذا عظم أثره‪ ،‬وكان له من املكانة يف الناس‬
‫ما مل يكن لغريه‪ ،‬وال أرى أصحاب التأثري يف األمة إال أولئك الذي مجعوا‬
‫إىل علم النبوة هذه املكارم األخالقية النبوية؛ فرحم اهلل هبم اخللق‪ ،‬وجعلهم‬
‫للناس مثابة وأمنًا()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)3‬وصحيح مسلم (‪ ،)160‬وشرح النووي على صحيح مسلم‬
‫(‪ ،)200/2‬وسير أعالم النبالء (‪ ،)109/2‬وفتح الباري (‪.)22/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪20‬‬

‫‪2‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪3‬‬

‫يا عَ ْم‬
‫تف َّتح وعي النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وهو أقرب الناس إليه‪،‬‬
‫فهو األخ الشقيق ألبيه عبد اهلل وهو‬
‫الذي َك َفله بعد وفاة جدِّ ه عبد املطلب‬
‫فح ّلت األبوة حمل العمومة حتى صار‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُيدعى‬
‫يتيم أيب طالب‪.‬‬
‫وكان احلب ُمتبا َدلاً بينهام فكان أبو‬
‫طالب من شدَّ ة َتع ُّل ِقه به إذا سافر‬
‫سافر به معه‪ ،‬حتى إنه عندما سافر‬

‫‪3‬‬

‫لتجارته يف الشام‪ ،‬أخذه معه وهو يف‬
‫سن ال تؤهل‬
‫التاسعة من عمره‪ ،‬وهي ٌّ‬
‫للتجارة وال ألعباء الطريق الشاقة‪،‬‬
‫ولكنه تعلق أيب طالب بابنه ابن أخيه‪،‬‬
‫وتعلق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫وعبرَ النبي صىل اهلل‬
‫بعمه صنو أبيه‪َ ،‬‬
‫عليه وآله وسلم مراحل عمره املبارك‬
‫امليمون وأبو طالب أقرب ذوي قرباه‪،‬‬
‫حتى إذا حتمل أعباء الرسالة وواجه‬
‫تبعات البالغ‪ .‬كان من أيب طالب ما‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪21‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ُعرف واش ُتهر من نرصته ومحايته َّ‬
‫حتمل املنابذة من قريش‬
‫والذ ِّب عنه‪ ،‬ثم ّ‬
‫واحلصار والتضييق من غري أن تلني له قناة أو تضعف عزيمة‪ ،‬وكان حاسماً يف‬
‫احلامية مستبسلاً يف النرصة‪.‬‬
‫كذبتم وب��ي��ت اهلل ن��ب��زى حممد‬
‫وملّ����ا ن��ق��ات��ل دون����ه ونناضل‬
‫ون��س��ل��م��ه ح��ت��ى ن�ص�رع حوله‬
‫ون��ذه��ل ع��ن أبنائنا واحلالئل‬
‫ومرت عرش سنوات من عمر الرسالة‪ ،‬ومخسون سنة من العمر املحمدي‬
‫ّ‬
‫ومخس وثامنون سنة من عمر أيب طالب‪ ،‬وإذا بأيب طالب يرقدُ عىل رسير املوت‬
‫فيحرضه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وعند أيب طالب أخواله من بني‬
‫خمزوم‪ ،‬أبو جهل بن هشام‪ ،‬وعبد اهلل بن أيب أمية‪ ،‬واملسيب بن حزن‪ ،‬ويسارع‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم اللحظات األخرية من حياة أيب طالب يناشده‬
‫الكلمة التي طاملا عرضها عليه وتطلبها منه‪ ،‬يقول له‪ :‬بشفقة الولد للوالد‪:‬‬
‫((يا عم‪ ،‬إنك أعظم الناس عيل ح ًّقا‪ ،‬وأحسنهم عندي يدً ا‪ ،‬فقل كلمة حتل يل‬
‫هبا الشفاعة فيك يوم القيامة‪ ،‬يا عم‪ .‬قل ال إله إال اهلل كلمة أحاج لك هبا عند‬
‫اهلل))‪ .‬ولكن أبا جهل يسارع إىل تطويق أيب طالب بحصار عاطفي يشده إىل‬
‫دين أبيه قائلاً ‪ :‬أترغب عن ملة عبد املطلب؟‬
‫مكر ًرا ذات الطلب‬
‫ويسابق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أنفاس أيب طالب ّ‬
‫من غري أن ينشغل بالرد عىل أيب جهل أو مناقشته مقبلاً عىل عمه‪(( :‬يا عم‪ .‬قل‬
‫ال إله إال اهلل‪ .‬كلمة أشهد لك هبا عند اهلل))‪.‬‬
‫ويعيد أبو جهل ذات النداء والتذكري بدين عبد املطلب‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪22‬‬

‫‪3‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ويكرر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ما بدأ‪ ،‬ويناشد عمه يف هذه اللحظة‬
‫وحيس أبو طالب صدق اللهجة وحرارة‬
‫احلرجة كأشد ما تكون املناشدة‪،‬‬
‫ُّ‬
‫العاطفة يف نداء ابن أخيه‪ .‬ف ُيقبل عليه قائلاً ‪ :‬يا بن أخي لو ال أن تعريين قريش‬
‫يقولون ما محله عىل ذلك إال جزع املوت ألقررت هبا عينك‪.‬‬
‫ثم كان آخر ما تك ّلم به قبل أن تفرط آخر أنفاسه‪ :‬أنا عىل ملة األشياخ‪ .‬أنا عىل‬
‫م ّلة عبد املطلب‪ ،‬وأبى أن يقول‪ :‬ال إله إال اهلل‪ .‬ومات أبو طالب‪.‬‬
‫وغادر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم حزينًا أس ًفا أن عمه الذي أحبه ونرصه‬
‫مل ينعم باهلداية التي ُبعث هبا ودعى إليها‪.‬‬
‫وقال وكأنه الزال خياطب عمه وكأن عمه ال زال يسمعه‪(( :‬ألستغفرن لك ما‬
‫مل أنه عنك))‪.‬‬
‫فأنزل اهلل‪َ } :‬ما َك َ‬
‫ين آ َمنُوا َأ ْن َي ْس َتغْ ِف ُروا لِ ْل ُمشرْ ِ ِكنيَ َو َل ْو َكا ُنوا ُأوليِ‬
‫ان لِل َّنبِ ِّي َوا َّل ِذ َ‬
‫يم{‪.‬‬
‫اب الجْ َ ِح ِ‬
‫ُق ْر َبى ِم ْن َب ْع ِد َما َت َبينَّ َ لهَ ُ ْم َأنهَّ ُ ْم َأ ْص َح ُ‬
‫وأنزل سلوة ومواساة لنبيه صىل اهلل عليه وآله وسلم }إِ َّن َك ال تهَْ ِدي َم ْن َأ ْح َب ْب َت‬
‫َو َل ِك َّن اللهَّ َ يهَْ ِدي َم ْن َي َش ُاء َو ُه َو َأ ْع َل ُم بِ مْ ُ‬
‫ين {‪.‬‬
‫ال ْهت َِد َ‬
‫عمه يعرفها منه‬
‫وبقيت يف نفس النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم حرس ٌة عىل ِّ‬
‫أصحابه‪.‬‬
‫وبعد نحو عرش سنني يدخل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مكة ً‬
‫فاحتا ويأتيه‬
‫أهل مكة يبايعونه عىل اإلسالم‪ ،‬ويأيت أبو بكر بأبيه أيب قحافة؛ ليبايع النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فيمدّ الشيخ إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يدً ا‬
‫معروقة ناحلة‪ ،‬فيستعرب أبو بكر باك ًيا وهو يرى يد أبيه يف يد رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ويعجب الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم لبكاء صاحبه‬

‫‪3‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪23‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فيسأله‪(( :‬ما لك يا أبا بكر؟))‪.‬‬
‫ويقر اهلل عينك‬
‫فيقول‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬ألن تكون يد عمك مكان يده‪ ،‬و ُي ْسلم ُّ‬
‫فرحا بإسالم أيب‬
‫أحب إيل من أن يكون أيب‪ ،‬والذي بعثك باحلق ألنا كنت أشد ً‬
‫طالب مني بإسالم أيب ألتمس بذلك ُق َّرة عينك‪.‬‬
‫ونحن اليوم تعتلج قلوبنا أسى ولوعة‪ ،‬ونتمنى أن أبا طالب شهد ذلك اليوم‪،‬‬
‫ورأى ابن أخيه يدخل مكة ً‬
‫أفواجا‪،‬‬
‫فاحتا‪ ،‬ورأى الناس يدخلون يف دين اهلل‬
‫ً‬
‫}و َل ِك َّن اللهَّ َ يهَْ ِدي َم ْن‬
‫وأن عني النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قرت بإسالمه‪َ ،‬‬
‫َي َش ُاء{‪.‬‬
‫ريا‪ :‬من أوىل الناس ‪-‬بالنظر العقيل املجرد‪ -‬أن‬
‫‪ - 1‬لقد تساءلت يف نفيس كث ً‬
‫يكون أول البرشية إسال ًما وتصدي ًقا بالنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم فكان‬
‫اجلواب املتبادر‪ :‬ذاك أبو طالب‪..‬‬
‫فهو أعلم الناس برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬عرف النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف طفولته وفتوته ويفاعه وشبابه ورجولته وكهولته‪ ،‬وعرف‬
‫خالل ذلك خصاله كلها‪ :‬صدقه وأمانته‪ ،‬وطهره ونقاءه‪ ،‬وعرف أحواله كلها‪:‬‬
‫مدخله وخمرجه ومذهبه ومأتاه‪.‬‬
‫مفاخرا‪:‬‬
‫وقال عنه‬
‫ً‬
‫لقد علموا أن ابننا ال مكذب‬
‫لدينا وال ُيعنى بقول البواطل‬
‫ومع ذلك مل تجُ د فيه دعوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم املتواصلة طيلة عرش‬
‫سنني‪ ،‬ومات والرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم عند رأسه يناشده كلمة‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪24‬‬

‫‪3‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫التوحيد فلم يقلها‪ ،‬ولو قاهلا‪ ،‬ل َق َّرت هبا عينه‪ ،‬وعني رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وعني كل مسلم‪.‬‬
‫إن ذلك كله آية باهرة تدل عىل أن اهلداية منحة إهلية ُينعم اهلل هبا عىل من يشاء‪،‬‬
‫أناس بني يدي رسول اهلل‬
‫واهلل بحكمته أعلم بمواضع هدايته‪ ،‬ولذلك أسلم ٌ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يعرفوه إال يف ذلك املجلس‪.‬‬
‫إن تصور هذا املعنى جيعل املسلم يستشعر عظيم فضل اهلل عليه يوم هداه وقد‬
‫ضل من خلقه كثري‪ ،‬وهذا ما جيعلنا ُّ‬
‫ّ‬
‫نلظ عىل اهلل يف كل ركعة من كل صالة‬
‫((اهدنا الرصاط املستقيم))‪ ،‬وأنه لو كانت اهلداية بالعلم وحده لكان أبو طالب‬
‫}و َل ِك َّن اللهَّ َ‬
‫أوىل الناس هبا؛ ألنه أعلمهم برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪َ ،‬‬
‫يهَْ ِدي َم ْن َي َش ُاء َو ُه َو َأ ْع َل ُم بِ مْ ُ‬
‫ين{‪.‬‬
‫ال ْهت َِد َ‬

‫‪ - 2‬يف هذه النهاية سلوة لكل من بذل جهده يف الدعوة وبادر يف احلرص ومل‬
‫حرصا‬
‫يصل إىل مراده‪ ،‬فقد كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أعظم الناس‬
‫ً‬
‫عمه‪ ،‬وأحكم طريقة‪ ،‬وأحسن موعظة‪ ،‬ومع ذلك مل يستجب له‪،‬‬
‫يف دعوته َّ‬
‫وقد جهد قبل ذلك نوح مع ابنه‪ ،‬وإبراهيم مع أبيه‪ .‬ففي حال هؤالء األنبياء‬
‫مع ذوي قرباهم عزاء لكل داعية جهد يف إيصال احلق إىل من حيب فلم يصب‬
‫احلق يف قلوهبم مواضعه‪.‬‬
‫‪ - 3‬مل يذكر اهلل أبا طالب يف اآلية باسمه‪ ،‬وال بكنيته‪ ،‬وال بوصفه‪ ،‬ولكن‬
‫ذكره بعاطفة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم جتاهه ((من أحببت))‪ ،‬وهذا احلب‬
‫الذي ذكره اهلل عن نبيه جتاه عمه عاطفة فطرية نابعة عن قربى‪ ،‬ومبذولة لذي‬

‫‪3‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪25‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫إحسان ومكرمة وقد ُجبِلت النفوس عىل ُح َّب من أحسن إليها‪ ،‬ولقد كان‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم حيفظ أليب طالب مجيله‪ ،‬ويقدر له إحسانه‪،‬‬
‫وحيبه ح ًبا فطر ًيا‪ ،‬وحيب هدايته حمبة رشعية‪.‬‬
‫إن املحبة الفطرية لذوي القربى وذوي اإلحسان واملروءة ‪-‬وإن كانوا غري‬
‫مسلمني‪ -‬مما ُجبلت عليه الفطر السوية‪ ،‬وسبقت إليه العاطفة النبوية‪.‬‬
‫عاطفيا عىل أيب طالب يف هذه‬
‫حصارا‬
‫‪ - 4‬نرى أن أبا جهل قد استعمل‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫اللحظة احلرجة من حياته‪ ،‬إنه مل يعارض دعوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫حيتج عىل أيب طالب إال أن هذه الوثنية‬
‫بحجة‪ ،‬ومل يؤيد ما يدعو إليه بربهان ومل َّ‬
‫هي دين عبد املطلب‪ ،‬وهذا منطق ٍ‬
‫خال من الربهان واحلجة‪ ،‬ولكنه يطوق‬
‫أبا طالب باحلصار العاطفي الذي يذكره دين أبيه‪ ،‬ويشعره بالعقوق آلبائه‬
‫وأشياخه لو قد ختلىَّ عن دينهم‪ ،‬وهو أسلوب ماكر حيسنه أبو جهل و ُي َو ِّظفه يف‬
‫مواطن كثرية‪.‬‬
‫وأنت واجد أسلوب أيب جهل هذا يف حوارات كثري من أتباعه عندما يجُْروهنا‬
‫بطريقة حروب العصابات‪ ،‬فليس هلا قواعد تنطلق منها‪ ،‬وال أرضية تقف‬
‫عليها‪.‬‬
‫بقي أن تعلم أن هؤالء الثالثة الذين كانوا عند أيب طالب َيؤُ زُّ ونه عىل الكفر قد‬
‫أسلم منهم اثنان‪ ،‬وتبعا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وتركا ملة عبد‬
‫املطلب ومها عبد اهلل بن أيب أمية الذي اس ُتشهد يوم حنني‪ ،‬واملسيب بن حزن‪.‬‬
‫عج ًبا أمام هذه السكينة النفسية والرفق املحمدي يف هذه الساعة‬
‫‪ - 5‬تقف ُم َ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪26‬‬

‫‪3‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫احلرجة من حياة عمه أيب طالب‪ ،‬وهو يعرض عليه اهلداية‪ ،‬ثم يتعرض هلذا‬
‫ومعاكسا‬
‫االستفزاز الشديد من أيب جهل الذي يدخل مشاغ ًبا عليه دعوته‬
‫ً‬
‫َم ِ‬
‫قصده ومع ذلك مل ينشغل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم معه بلجاجة‪ ،‬ومل‬
‫رد عليه بكلمة‪ ،‬وربام كان ذلك مقصدً ا أليب جهل‪ ،‬ليشاغل النبي‬
‫ُين َقل أنه َّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولكن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم صمد‬
‫وألح عىل طلبه بذات الرفق حتى نفذ قضاء اهلل وقدره‪ ،‬ثم استمرت‬
‫إىل هدفه‪َّ ،‬‬
‫سكينة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم برغم األسف واحلزن ا ُمل ِمض‪ ،‬ومل ُي َع ِّقب‬
‫عىل ذلك إال بقوله‪(( :‬ألستغفرن لك ما مل ُأ ْن َه عنك))‪ .‬ومل ُي ِ‬
‫رجع إىل أيب جهل‬
‫قولاً ‪ ،‬ومل جيعله له شغلاً ‪.‬‬
‫إن هذه السكينة املحمدية يف هذا املوقف االستفزازي احلرج درس بليغ يف‬
‫عدم إهدار الوقت واجلهد فيام ال جيدي‪ ،‬وعدم االستدراج يف مشاغالت‬
‫جانبية تقطع عن املقصد األعظم‪.‬‬
‫}وإِ َّن َك َل َعلىَ ُخ ُل ٍق‬
‫كام هي مشهد من مشاهد العظمة األخالقية املحمدية َ‬
‫يم{()‪.‬‬
‫َع ِظ ٍ‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4772 ،3675 ،1360‬وصحيح مسلم (‪ ،)24‬وشرح النووي على‬
‫صحيح مسلم (‪ ،)213/1‬وفتح الباري (‪ ،)506/8( ،)195/7‬واإلصابة (‪ ،)235/7‬والتحرير‬
‫والتنوير (‪.)147/20‬‬

‫‪3‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪27‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪4‬‬

‫اللهم عليك‬
‫مرت عليه‪،‬‬
‫ٌ‬
‫نحو من ثالثني سنة ّ‬
‫وال يزال ذاك املشهد يرتاءى له‪ ،‬كأنام‬
‫هو الساعة ينظر إليه‪.‬‬
‫وها هو جالس يف بيت املال يف‬
‫الكوفة‪ ،‬وكان وايل بيت املال؛‬
‫وحوله التابعون بإحسان‪ ،‬يروي هلم‬
‫خرب ما رأى‪ ،‬ويف روايته عىل حاله‬
‫تلك آية ربانية ومعجزة نبوية‪ ،‬يعود‬
‫عبد اهلل بن مسعود ريض اهلل عنه يف‬
‫حديثه إىل سنوات الدعوة النبوية يف‬

‫‪4‬‬

‫وج ُرأت‬
‫مكة‪ ،‬وقد ُتوفيِّ أبو طالب‪َ ،‬‬
‫قريش عىل ما مل تكن تجَْ رؤ عليه من‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫فحدثهم عن ذلك اليوم من أيام‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫تلك‪ ،‬يوم دخل رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم املسجد احلرام‪ ،‬ثم‬
‫انتصب يصيل يف ظل الكعبة‪ ،‬يقوم‬
‫فيطيل القيام‪ ،‬ويركع فيطيل الركوع‪،‬‬
‫ويسجد فيطيل السجود‪ ،‬وكان‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪29‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫جالسا يف ِ‬
‫احل ْج ِر‪ ،‬وحوله مأل من كفار قريش‪ ،‬يذكرهم عبد اهلل‪،‬‬
‫أبو جهل‬
‫ً‬
‫ويعدُّ هم كأهنم أمام عينيه‪ُ :‬ع ْت َبة بن ربيعة‪َ ،‬‬
‫وش ْي َبة بن ربيعة‪ ،‬والوليد بن ُع ْت َبة‪،‬‬
‫ُ‬
‫وع ْقبة بن أيب ُم َع ْيط‪.‬‬
‫وعماَ رة بن الوليد‪ُ ،‬‬
‫وأ َم َّية بن خلف‪ُ ،‬‬
‫فلام رأى أبو جهل طول سجود رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أقبل عىل‬
‫أصحابه فقال‪ :‬أال ترون إىل هذا املرائي‪ ،‬أيكم يقوم إىل َجزور بني فالن‪ -‬وكانوا‬
‫وسالها‪،‬‬
‫قد نحروا‬
‫جزورا باألمس يف ناحية مكة ‪ -‬فيأخذ من َف ْرثها ودمها َ‬
‫ً‬
‫ثم ُي ْم ِهل حممدً ا حتى يضع وجهه ساجدً ا‪ ،‬فيضعه عىل ظهره؟ فكأهنم هابوه‪،‬‬
‫فقال أشقاهم عقبة بن أيب ُم َع ْي ٍط‪ :‬أنا‪ .‬فانطلق إىل بقايا تلك َ‬
‫اجلزور‪ ،‬فاحتمل‬
‫وسالها‪ ،‬فأتى به‪ ،‬ثم انتظر حتى إذا سجد رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫من َف ْرثها َ‬
‫وآله وسلم ألقاه بني كتفيه‪ ،‬فضجوا يضحكون‪ ،‬حتى جعل بعضهم يميل عىل‬
‫الض ِحك‪ُّ ،‬‬
‫بعض من شدة َّ‬
‫هتكماً وسخرية برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫وثبت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ساجدً ا ما يرفع رأسه‪.‬‬
‫قال عبد اهلل بن مسعود‪ :‬وأنا قائم أنظر‪ ،‬ال أغني شيئًا‪ ،‬ليس عندي عشرية‬
‫لطرح ُته عن ظهر رسول اهلل صىل اهلل‬
‫متنعني‪ ،‬فأنا أخافهم‪ ،‬ولو كان يل َم ْنعة‬
‫ْ‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فانطلق إنسان إىل فاطمة بنت حممد عليها السالم‪ ،‬فأخربها‪،‬‬
‫تسبهم‪،‬‬
‫فأقبلت وهي جويرية تسعى‪ ،‬فطرحته عن ظهره‪ ،‬ثم أقبلت عليهم ُّ‬
‫يردوا عليها شيئًا‪ ،‬ورفع النبي رأسه كام كان‬
‫ودعت عىل من وضع ذلك؛ فلم ُّ‬
‫يرفعه عند متام سجوده‪ ،‬فلام قىض صالته استقبل البيت‪ ،‬وكانت صالته إىل‬
‫بيت املقدس‪ ،‬فرفع صوته يدعو‪ ،‬فحمد اهلل وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪((:‬أما بعد‪:‬‬
‫اللهم عليك بقريش‪ ،‬اللهم عليك بقريش‪ ،‬اللهم عليك بقريش))‪ .‬وكان إذا‬
‫دعا دعا ثالثا‪ ،‬وإذا سأل سأل ثال ًثا‪ ،‬فلام سمعوا صوته ذهب عنهم َ‬
‫الض ِحك‪،‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪30‬‬

‫‪4‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وخافوا دعوته‪ ،‬وكانوا يرون أن الدعوة يف ذلك البلد مستجابة‪.‬‬
‫سمى رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فقال‪(( :‬اللهم عليك بأيب احلكم‬
‫ثم َّ‬
‫وشيبة بن ربيعة‪ ،‬والوليد بن عتبة‪ُ ،‬‬
‫وأ َم َّية‬
‫ابن هشام‪ ،‬وعليك ُبع ْتبة بن ربيعة‪ْ َ ،‬‬
‫وعامرة بن الوليد))‪ .‬حتى عدَّ هم سبعتهم‪ .‬قال‬
‫وع ْقبة بن أيب ُم َع ْي ٍط‪ُ ،‬‬
‫بن خلف‪ُ ،‬‬
‫ابن مسعود‪ :‬ومل أره دعا عليهم إال يومئذ‪.‬‬
‫ومل متض سنوات مخس حتى كان هؤالء يف جيش املرشكني الذي خرج من مكة‬
‫بطرا ورئاء الناس؛ ليستأصلوا الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم والرسالة‪،‬‬
‫ً‬
‫وتنزل نرص اهلل عىل رسوله صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫ودارت معركة بدر‪َّ ،‬‬
‫وحاقت باملرشكني ُّ‬
‫رش هزيمة‪ ،‬فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو‬
‫يف ميدان املعركة‪((:‬من ينظر ما فعل أبو جهل؟))‪ .‬فقال عبد اهلل بن مسعود‪:‬‬
‫أنا يا رسول اهلل‪ .‬فانطلق يبحث عنه يف القتىل‪ ،‬فوجده ُمث َْخنًا يف رمقه األخري‪،‬‬
‫فأخذ بلحيته وقال‪ :‬أأنت أبو جهل؟ احلمد هلل الذي أخزاك يا عدو اهلل‪ .‬قال‬
‫أبو جهل‪ :‬أخربين ملن الظفر اليوم لنا أو علينا؟ قال ابن مسعود‪ :‬هلل ولرسوله‪.‬‬
‫وهكذا شهد ابن مسعود أبا جهل يف بدر ذليلاً‬
‫خارسا‪ ،‬كام شهده يف مكة ُمتكبرِّ ً ا‬
‫ً‬
‫باغ ًيا‪ .‬أما بقية السبعة الذين دعا عليهم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫سمى‬
‫فقد قال عبد اهلل بن مسعود‪ :‬و الذي بعث حممدً ا باحلق‪ ،‬لقد رأيت الذي َّ‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم رصعى يوم بدر‪ ،‬قد َغيرَّ هتم الشمس ‪-‬‬
‫حارا‪ -‬ثم ُس ِحبوا إىل َق ِليب بدر‪ُ ،‬فأ ْلقوا فيها‪ ،‬إال ما كان من أمية بن‬
‫وكان يو ًما ًّ‬
‫خلف‪ ،‬فإنه َّ‬
‫تقطعت أوصاله؛ ألنه كان بدينا‪َ ،‬فدُ ِفن مكانه‪.‬‬
‫وأقام رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف بدر ثالثة أيام‪ ،‬وكان إذا ظهر عىل‬
‫قوم أقام َبع ْر َصتهم ثال ًثا‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪31‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فلام كان اليوم الثالث أمر رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم براحلته‪ ،‬فشدَّ‬
‫عليها‪ ،‬ثم انطلق ماش ًيا‪ ،‬واتَّبعه أصحابه‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما نرى ينطلق إال لبعض‬
‫حاجته‪ .‬حتى وقف عىل شفري ال َق ِليب التي طرحوا فيها‪ ،‬فجعل ينادهيم‬
‫بأسامئهم وأسامء أبائهم‪(( :‬يا أبا جهل بن هشام‪ ،‬يا ُأ َم َّية بن خلف‪ ،‬يا ُع ْتبة بن‬
‫ربيعة‪ ،‬يا َش ْيبة بن ربيعة‪ ،‬يا فالن بن فالن‪ ،‬أ َيسرُ ُّ كم أنكم أطعتم اهلل ورسوله؟ إين‬
‫قد وجدت ما وعدين ريب ح ًّقا‪ ،‬فهل وجدتم ما وعدكم ر ُّبكم ح ًّقا))‪ .‬وعجب‬
‫الصحابة من ذلك‪ ،‬وقالوا‪ :‬يا رسول اهلل كيف يسمعون‪ ،‬وأ َّنى جييبون‪ ،‬وقد‬
‫تركتَهم ثالثة أيام حتى َج َّيفوا‪ ،‬إنام تكلم أجسا ًدا ال أرواح هلا! فقال صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪(( :‬والذي نفيس بيده ما أنتم بأسـمع ملا أقول منهم‪ ،‬غري أهنم‬
‫يردوا ع َّ‬
‫يل شيئًا))‪.‬‬
‫ال يستطيعون أن ُّ‬
‫ً‬
‫ريا ونقمة وحرسة‬
‫لقد أحياهم اهلل حتى أسمعهم قوله؛‬
‫توبيخا وتصغ ً‬
‫وند ًما()‪.‬‬
‫‪ -1‬يستنطقني هذا املشهد بالصالة والسالم عىل ذاك النبي الكريم العظيم‪،‬‬
‫والذي هذا بعض ما أصابه يف سبيل بالغ رساالت اهلل إلينا‪.‬‬
‫أمض من أن يشعر وهو ُمستغ ِرق يف حال مناجاة قدسية بأن َ‬
‫فأي َألمَ ٍ ّ‬
‫اجل َراءة قد‬
‫ُّ‬
‫وصلت هبم إىل إلقاء ال َق َذر عىل ظهره الرشيف وهو يناجي اهلل بجوار بيت اهلل؟‬
‫أي أمل ٍ ّ‬
‫أمض من أن يسمع َض ِحكات املأل من قريش – أعداء رسالته– وهم‬
‫ُّ‬
‫ً‬
‫فيتجرع وهو‬
‫ضحكا وتهَ َ ُّكماً وسخرية به صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫يتاميلون‬
‫َّ‬
‫عىل حاله تلك مرارة شامتة األعداء؟‬
‫ قاله قتادة رحمه اهلل‪ .‬ينظر صحيح البخاري (‪.)3976‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪32‬‬

‫‪4‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أي أمل ٍ ّ‬
‫أمض ألاَّ جيد من ينرصه يف ساعته تلك‪ ،‬إال ُبن ََّيتَه اجلويرية الصغرية؟‬
‫ُّ‬
‫وهو يعلم أن كل فتاة بأبيها ُم ْع َجبة‪ ،‬تريد أن تراه يف أعظم وأمجل حال‪ ،‬تريد‬
‫أن تراه نصريها و َمالذها‪ ،‬فوا بأيب وأمي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫وهو يرى بنيته تراه عىل حاله تلك‪ ،‬ثم تكون هي نصريته التي ترفع عنه األذى‪،‬‬
‫وأي‬
‫أي أمل ٍ يقوم يف قلبه ألملها؟ ُّ‬
‫وتسب من شمت به‪ ،‬وتدعو عىل من آذاه‪ُّ .‬‬
‫ُّ‬
‫أسى كان يف نفسه ألساها؟‬
‫ً‬
‫َ‬
‫نفسا قضت يف مثل تلك احلال كمدً ا وأملًا ما كانت وريب ملومة‪.‬‬
‫أ َما لو أن ً‬
‫ولكن كان ذاك صرب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫بقي أن أتذكر أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل َي ْلقَ هذا األذى مفاجأة غري‬
‫ُمتو َّقعة‪ ،‬ولكنه منذ سلك طريق بالغ الرسالة وهو ُم ِّ‬
‫وطن النفس عىل تحَ َ ُّمل‬
‫راد‪ ،‬وكان يلقى ذلك كله بعزم‬
‫يرده ٌّ‬
‫كل ما يلقاه‪ ،‬ال يصدُّ ه عن رسالته ٌّ‬
‫صاد وال ُّ‬
‫أويل العزم من الرسل‪ ،‬فصلوات اهلل وبركاته عىل سيدي وموالي حممد بن عبد‬
‫ريا‪.‬‬
‫اهلل‪ ،‬وعىل آله وسلم تسليماً كث ً‬
‫‪ -2‬كيف فعل سادة قريش هذا الفعل‪ ،‬مع أنه مل يكن من عادات العرب مثل‬
‫الس ِ‬
‫فاسف‪ ،‬وليس يف قائمة عداواهتم التش ِّفي بمثل هذه الدناءات‪ ،‬وكان‬
‫هذه َّ‬
‫أحدهم يلجم غريمه بالسيف‪ ،‬ثم يقول‪ :‬إنه قتل سيدً ا كريماً ‪.‬‬
‫كيف قادهم أبو جهل إىل ممارسات دنيئة بمثل هذا األسلوب الذي يتخذ‬
‫سالحا‪ ،‬وهو ما كانت سيادة العرب ترتفع عنه؟‬
‫القاذورات‬
‫ً‬
‫سالحا يف حصار بني هاشم يف ِّ‬
‫الش ْع ِ‬
‫ب‬
‫كام قادهم إىل اختاذ التقتري والتجويع‬
‫ً‬
‫وس َعة اجلفان وإجزال العطايا‪.‬‬
‫وهم الذين كانوا يفاخرون بالكرم واإلطعام َ‬

‫‪4‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪33‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫إن سبب ذلك أهنا عداوة باعثها احلسد واحلقد‪ ،‬وهذه أقذر العداوات َ‬
‫وأ َم ُّرها‬
‫وأكثرها بغ ًيا‪ ،‬وهي العداوة التي تغيب فيها القيم ومعايري األخالق‪ ،‬ولو كان‬
‫منطلق العداوة اختالف الرأي أو شفاء الثأر أو نحو ذلك مل تتس َّفل إىل هذا‬
‫الدرك األخالقي‪ ،‬وهذه هي عداوة إبليس‪ ،‬وفرعون‪ ،‬وفرعون هذه األمة‪.‬‬
‫‪ -3‬كان ُع ْتبة بن ربيعة شيخ قريش سيادة وعقال وسداد رأي‪ ،‬وكذا أخوه‬
‫شيبة؛ وكان ُأ َم َّية بن خلف سيد بني جمُ َ ٍح‪ ،‬وكان ُعامرة بن الوليد بن املغرية ابن‬
‫سيد خمزوم‪ ،‬فكيف غابت أحالم هؤالء وعقوهلم ومكارمهم حتى تفاعلوا مع‬
‫هذا الترصف الدينء‪ ،‬وهم الذين هابوا هذا األمر أول ما عرضه عليهم أبو‬
‫جهل؟ إن رس ذلك دهاء أيب جهل وقدرته الفائقة عىل القيادة والتأثري واحتواء‬
‫من هم أكرب منه ِس ًّنا وسيادة‪ ،‬وهي عبقرية شخصية َّ‬
‫سخرها يف هذا االجتاه‬
‫ا ُملد ِّمر‪ ،‬وبراعته يف هذا املوقف ظاهرة‪ ،‬حيث َح َّوهلم من التفكري الفردي إىل‬
‫املوقف اجلامعي الذي يغيب فيه رشد ذوي الرشد‪ ،‬ومن دهائه أنه مل َّ‬
‫يتول هذا‬
‫مجيعا‪ ،‬وكان يعلم‬
‫األمر بنفسه‪ ،‬ولكن عرضه عليهم‪ ،‬وكأنام هو حتدٍّ يواجههم ً‬
‫أنه ال عتبة بن ربيعة وال أخوه وال ابنه وال أمية وال ُعامرة سيقوم بذلك‪ ،‬وأن‬
‫املرشح الوحيد لتلك احلامقة هو عقبة ملا فيه من َه َوج وجراءة َو ِقحة‪ ،‬ولكنه مل‬
‫يواجهه بذلك فربام رفض ورأى يف هذا استخفا ًفا به‪ ،‬وكان ما تو َّقعه أبو جهل؛‬
‫مجيعا‬
‫فبادر عقبة واختار الدور من تلقاء نفسه‪ ،‬فلام ن َّفذ املهمة الدنيئة اشرتكوا ً‬
‫ُ‬
‫والساكت يف مهرجان َ‬
‫الض ِحك الساخر‪ ،‬إهنا كلمة أطلقها أبو‬
‫والفاعل‬
‫اآلمر‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مجيعا إىل أن يكونوا رشكاء يف هذه اجلريمة القذرة‪.‬‬
‫جهل‪ ،‬انتهت هبم ً‬
‫إن مثل أيب جهل أشقياء كثريون جتدهم يقودون عصابات‪ ،‬أو يقودون ثقافات‪،‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪34‬‬

‫‪4‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أو يقودون ُد َولاً ‪ ،‬ثم ال ينتهون إلاَّ إىل بوار ودمار‪ ،‬وأما أتباعهم فهم منساقون‬
‫معهم يف غيبوبة عقلية‪ ،‬ال يفيقون منها إال إذا واجهوا مصريهم الكارثي ذلك‪،‬‬
‫وأكثر هذه اإلفاقات مرارة وخيبة هي اإلفاقة يف دار اآلخرة يوم ال جيد األتباع‬
‫يف أيدهيم حيلة‪ ،‬إال أن يقولوا بحرسة ملتبوعيهم‪ :‬لوال أنتم لكنا مسلمني‪.‬‬
‫ترى لو تل َّف َّت حولك كم سرتى من معصويب األعني والعقول‪ ،‬هيرولون خلف‬
‫أشقياء‪ ،‬يقودوهنم بمهارة إىل قاع ُم ِ‬
‫هلكة؟!‬
‫‪ -4‬كرامة هذا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل ربه يف إجابة دعائه عليهم‪،‬‬
‫وكان أبلغ ذلك أن متادى هبم الشقاء فلم ينزعوا عن الكفر حتى هلكوا‪ ،‬ثم‬
‫رآهم رصعى قد غريهتم الشمس يف املعركة الذي ظ ُّنوا أهنم سينترصون فيها‬
‫عليه‪ ،‬ثم خرق اهلل له الناموس الكوين؛ ل ُي ْس ِم َعهم بعد موهتم بثالث‪ ،‬وبعد أن‬
‫توعدهم اهلل ((فهل وجدتم ما وعدكم َر ُّبكم ح ًّقا))‪.‬‬
‫عاينوا ما َّ‬
‫أما أشقاهم والذي تولىَّ ِكبرْ ه منهم‪ ،‬فكان من شقائه أنه ُأرس ومل ُيقتل؛ لريى‬
‫بعينه هذا النبي الذي َج ُرأ عليه كل تلك اجلراءة‪ ،‬وهو يستتم النرص‪ ،‬ويدفن‬
‫منصورا‪،‬‬
‫ظاهرا‬
‫القتىل‪ ،‬ويسوق األرسى‪ ،‬ويقسم الغنائم‪ ،‬ويعود إىل املدينة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حتى إذا امتألت عينه من ذلك كله‪ ،‬ودنا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫من املدينة‪ ،‬أمر به فضرُ ِ بت عنقه‪ ،‬وكل ذلك شفاء من اهلل لصدر نبيه صىل اهلل‬
‫عليه وسلم من أمل تلك الشامتة‪ ،‬ونكاية بمن آذوه ذلك األذى‪.‬‬
‫ثم كان من صنع اهلل لنبيه صىل اهلل عليه وآله وسلم وإكرامه له أن ساق إليه‬
‫أبناءهم‪ ،‬فرأهتم عينه وقد آمنوا برسالته‪ ،‬واتَّبعوا دينه الذي كان آباؤهم يؤذونه‬
‫وحياربونه من أجله‪ ،‬فهذا ِع ْك ِرمة بن أيب جهل‪ ،‬وصفوان بن أمية‪ ،‬وأبو حذيفة بن‬

‫‪4‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪35‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ُع ْتبة‪ ،‬وهند بنت عتبة‪ ،‬وخالد بن الوليد بن املغرية‪ ،‬وأم كلثوم والوليد أبناء ُعقبة‬
‫بن أيب ُم َع ْي ٍط دخلوا كلهم يف اإلسالم‪ ،‬وثبتوا‪ ،‬وماتوا عليه ريض اهلل عنهم‪.‬‬
‫‪ -5‬يف رواية ابن مسعود ريض اهلل عنه هلذا احلديث آية ربانية ومعجزة نبوية‪،‬‬
‫ً‬
‫حارضا ذلك املشهد يرى هذه اجلراءة باألذى عىل‬
‫فإن ابن مسعود الذي كان‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو عىل حال من العجز ِ‬
‫وق َّلة املنعة‪ ،‬كان‬
‫يحُ َ دِّ ث هبذا احلديث وهو يف بيت املال يف الكوفة وال ًيا عليه من عمر بن اخلطاب‬
‫ريض اهلل عنه خليفة خليفة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقد رأى كيف‬
‫جاء نرص اهلل والفتح‪ ،‬ودخل الناس يف دين اهلل أفواجا‪ ،‬وذهب ُم ْلك كرسى‬
‫وأتم اهلل أمره‪ ،‬وأظهر دين نبيه عىل‬
‫وقيرص‪ ،‬وقسمت كنوزمها يف سبيل اهلل‪ّ ،‬‬
‫الدين كله ولو كره املرشكون‪ ،‬فيا هلل ما أوسع ُّ‬
‫الش َّقة بني يومي ابن مسعود‪ ،‬يوم‬
‫رأى ويوم روى‪.‬‬

‫‪ -6‬فقه ابن مسعود ريض اهلل عنه يوم عاش احلدث ويوم حدَّ ث به‪ ،‬فقد‬
‫علم من حاله أنه ضعيف بمكة‪ ،‬ال عشرية له‪ ،‬فهو ُه َذيل حليف لقريش وليس‬
‫منها‪ ،‬ومت َّنى لو كانت له قوة لريفع األذى عن ظهر رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬وحيث مل تكن له قوة؛ اكتفى بالصرب عىل ما يرى‪ ،‬وهو صرب عىل‬
‫أمل أشد مما لو كان هذا القذر عىل ظهر أبيه‪ ،‬و َل َو َّد ابن مسعود يومها لو ألقى‬
‫املرشكون هذا ال َق َذر يف عينيه ومل ُي ْلقوه عىل ظهر رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬ومع ذلك فلم يندفع يف فعل غري حمسوب العواقب وال مرجتى الثمرة‪،‬‬
‫إذ لو قاوم ً‬
‫قريشا يف ذلك لزادها شرِ َّ ًة و َت َكبرُّ ً ا‪ ،‬ألهنم يأنفون أن يتجرأ عليهم‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪36‬‬

‫‪4‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫حليف ليس منهم؛ ثم أهنم سيبطشون به‪ ،‬وهو الذي ال عشرية وال َم ْن َعة له‬
‫بمكة‪ ،‬فهي مواجهة غري متكافئة‪ ،‬ونتيجة غري رابحة‪ ،‬ولذا وسعه ما يسع من‬
‫كان يف حاله‪ ،‬وهو اإلنكار بالقلب‪.‬‬
‫والدليل عىل سداد فقهه ريض اهلل عنه إقرار النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم له‬
‫عىل ذلك‪ ،‬فإنه صىل اهلل عليه وآله وسلم مل ينكر عليه‪ ،‬ومل يطالبه بأكثر مما فعل‪،‬‬
‫ومل يشعر ابن مسعود عىل طول صحبته لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ومالزمته له بمعتبة منه صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل ذلك‪ ،‬ولذا حدَّ ث ابن‬
‫مسعود عن كل ما رآه يف حال عز اإلسالم وظهوره‪ ،‬وحكى حاله ذلك اليوم‬
‫بغاية الوثوق‪ ،‬ومل يشعر أن يف موقفه ذلك ما ينتقد عليه أو يعاب به‪.‬‬
‫وكأين به ريض اهلل عنه لو قد المه أحد عىل ذلك‪ .‬لقال له‪ :‬قد رآين من هو خري‬
‫منك‪ ،‬فام المني وال َّ‬
‫خطأين‪.‬‬
‫ترى لو فقهت أمة حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم هذا اهلدي النبوي كام فقهه‬
‫ابن مسعود ريض اهلل عنه‪ ،‬كم كانت ستحفظ وتستثمر من طاقاهتا وقدراهتا‬
‫ُ‬
‫خرسا‪.‬‬
‫وإمكاناهتا التي أ ْه ِد َرت يف مواجهات غري متكافئة‪ ،‬ثم كان عاقبة أمرها ً‬
‫‪ -7‬أال يدهشك ويأخذ بمجامع قلبك قول ابن مسعود ريض اهلل عنه وهو‬
‫الذي صحب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم منذ بداية دعوته‪ ،‬ورأى من قريش‬
‫شدة اإليذاء ورضاوة العداوة وصنوف الكيد وغاية اجلهد يف النيل من النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم ودعوته ومن ذلك؛ حصاره يف َّ‬
‫الش ْع ِب يف مكة‪ ،‬وجرجرة‬
‫اجليوش إليه يف املدينة‪ ،‬ومع ذلك يقول‪( :‬ومل أره دعا عليهم إال يومئذ)‪ .‬فرتى يف‬
‫ذلك عظيم حلمه‪ ،‬وطول أناته‪ ،‬ومجيل صربه صلوات اهلل وسالمه وبركاته عليه‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪37‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ -8‬ملاذا ثبت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ساجدً ا ما يرفع رأسه‪،‬‬
‫واألذى عىل ظهره‪ ،‬حتى جاءته فاطمة ريض اهلل عنها فطرحته‪ ،‬وماذا كان‬
‫يقول يف سجوده ذلك؟‬
‫هذا ما ال ندريه‪ ،‬لكنا نعلم أن ثباته ذلك قطع عليهم فرصة االستمتاع باملشهد الذي‬
‫كانوا ينتظرون حصوله‪ ،‬وهو أن يقوم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مضطر ًبا‬
‫فزعا‪ ،‬ثم حياول إلقاء األذى‪ ،‬فيتفرق عىل ثيابه‪ ،‬ويتناثر عىل بدنه‪ ،‬يف مشهد يزيدهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ولكن ثباته ورباطة جأشه َف َّوتت عليهم ذلك كله‪.‬‬
‫ضحكا وسخرية وتهَ َ ُّكماً ‪،‬‬
‫َّ‬
‫كام أننا عىل يقني أن ثباته صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل حاله تلك كانت مناجاة‬
‫بلسان احلال لربه الذي أرسله‪ ،‬وكأن كل حلظة من حلظاهتا لسان صادق خاشع‬
‫والصدْ ع بأمرك والقيام بحقك‪،‬‬
‫يدعو‪ :‬اللهم إن هذا يف سبيل بالغ رسالتك َّ‬
‫اللهم إين دعوهتم وهذا َر ُّدهم‪ ،‬واجتهدت هلم وهذا جهدهم‪ ،‬اللهم يف سبيلك‬
‫ما أالقي‪ ،‬اللهم هل بلغت‪ ،‬اللهم فاشهد‪.‬‬
‫‪ - 9‬أن هذا املوقف برغم أمله ا ُمل ِم ِّ‬
‫ض مل َي ِعش مع النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫نفسيا ثقيلاً ‪ ،‬جيرتُّه و َي ْذكره و ُي ِّ‬
‫ذكر به‪ ،‬ولكنه جتاوزه ُمقبِلاً عىل شأنه‪،‬‬
‫وسلم ِع ْبئًا ًّ‬
‫يظهر لك ذلك من حفاوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بأبناء هؤالء األشقياء‪،‬‬
‫حفيا بعكرمة بن أيب جهل‪ ،‬وبصفوان بن أمية بن خلف‪ ،‬وبأيب حذيفة‬
‫فقد كان ًّ‬
‫بن عتبة بن ربيعة‪ ،‬وبخالد بن الوليد أخي ُعامرة بن الوليد‪ ،‬بل وبأم كلثوم بنت‬
‫ُع ْقبة بن أيب ُم َع ْي ٍط‪ ،‬وليس العجب أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يقل لواحد‬
‫منهم‪ :‬كان من أمر أبيك كذا وكذا‪ .‬فقد كان ُخ ُلقه أكرم وأعظم من ذلك‪،‬‬
‫ولكن العجب العاجب أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم خاف أن يبدر ذلك من‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪38‬‬

‫‪4‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫تسبوا املوتى فتؤذوا األحياء))‬
‫أصحابه فيذكروه هلم فقال‪(( :‬ال ُّ‬

‫()‪.‬‬

‫‪ - 10‬نحن أمام مشهد عظيم فيه قوة نفس فاطمة الزهراء عىل صغر ِسنِّها‪،‬‬
‫حيث أتت وهي جويرية‪ ،‬فرفعت األذى عن ظهر أبيها رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬ثم أقبلت عىل أولئك املأل‪ ،‬وهم رؤوس قريش وسادهتا‪،‬‬
‫فرصخت بس ِّبهم‪ ،‬ودعت عىل من فعل ذلك منهم‪ ،‬واألعجب أهنا برغم‬
‫انفعاهلا مل تستعرب باكية‪ ،‬بل واجهتهم بشجاعة وقوة ورباطة جأش‪ ،‬ثم كان من‬
‫أقر اهلل عينها‬
‫كرامة اهلل هلا أهنا وقد رأت أباها عند البيت عىل ذلك املنظر ا ُملؤلمِ ‪َّ ،‬‬
‫فرأت أباها بعد عرش سنني يطوف بالبيت ومعه أكثر من مائة ألف‪ ،‬وليس‬
‫حول البيت صنم‪ ،‬وال يطوف به مرشك‪ ،‬فهل تذكرت ذاك املشهد وأبوها يمر‬
‫بذلك املكان‪ ،‬هل تساءلت‪ :‬أين هم أولئك املأل؟ أين ضحكهم واستهزاؤهم‬
‫وهتكمهم؟ وماذا كان عاقبة أمرهم؟!‬
‫أتم اهلل عليها كرامته ونعمته‪ ،‬فلم َي ْل َحق أبوها بالرفيق األعىل حتى قال‬
‫ثم َّ‬
‫هلا‪(( :‬أما ترضني أن تكوين سيدة نساء أهل اجلنة))()‪ .‬فصلوات اهلل وسالمه‬
‫وبركاته عليها‪ ،‬وعىل أبيها يف العاملني إنه محيد جميد()‪.‬‬

‫ أخرجه الترمذي (‪ )1982‬من حديث املغيرة رضي اهلل عنه‪ .‬وأخرجه البخاري (‪ )1393‬من‬
‫حديث عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬بلفظ‪(( :‬ال تسبوا األموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما‬
‫قدموا))‪.‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)3624‬ومسلم (‪.)2450‬‬
‫ ينظر‪ :‬مصنف ابن أبي شيبة (‪ ،)332/7‬ومسند ابن أبي شيبة (‪ ،)202/1‬وصحيح البخاري‬
‫(‪ ،)3854 ،3185 ،2934 ،520 ،240‬وصحيح مسلم (‪ ،)1794‬وسنن النسائي (‪،)307‬‬
‫ومسند البزار (‪ ،)1852‬ومسند أبي يعلى (‪ ،)5312‬ومسند أبي عوانة (‪ ،)285/4‬وفتح‬
‫الباري (‪.)106/6( ،)594 ،349/1‬‬

‫‪4‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪39‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪5‬‬

‫عصابة الملك‬
‫ها هي أوائل سني رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يف املدينة النبوية‪،‬‬
‫وها هو صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫عىل َهدْ يه وسنته يف تعاهد أصحابه‬
‫ورعايتهم يتوجه راك ًبا عىل محار ُم ْر ِد ًفا‬
‫ِح َّبه أسامة بن زيد ريض اهلل عنهام إىل‬
‫منازل بني احلارث؛ ليعود صاحبه‬
‫سعد بن عبادة سيد اخلزرج ريض اهلل‬
‫فمر يف طريقه بمجلس‬
‫عنه يف داره‪َّ ،‬‬
‫قد اجتمع فيه أخالط من املسلمني‬

‫‪5‬‬

‫واملرشكني عبدة األوثان واليهود‪،‬‬
‫وفيهم عبداهلل بن ُأيب بن َسلول قبل‬
‫أن يظهر إسالمه وعبد اهلل بن رواحة‬
‫ريض اهلل عنه‪ ،‬فعدَّ ل مسريه إليهم‪،‬‬
‫فلام دنا منهم ثار غبار احلامر‪ ،‬وهو‬
‫أمر معتاد يف أرض املدينة‪ ،‬التي كانت‬
‫ً‬
‫لو ْقع األقدام‬
‫سباخا‪ ،‬يثور غبارها َ‬
‫وحوافر الدواب‪ ،‬فبادر عبد اهلل بن‬
‫ُأيب بن سلول َّ‬
‫وغطى أنفه وقال‪ :‬ال‬
‫تغربوا علينا‪ .‬ثم قال‪ :‬واهلل لقد آذاين‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪41‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ريح محارك‪ .‬وكان ترص ًفا جاف ًيا؛ إذ بدل أن يقوم له‪ ،‬ويتل َّقاه‪ ،‬ويرحب به كام‬
‫هي عادة العرب مسلمهم ومرشكهم يف َت َل ِّقي القادم وإكرامه‪ ،‬قابل ذلك‬
‫بالتكره وا ِ‬
‫إلعراض‪ ،‬ولكن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم جتاوز هذا املوقف‪،‬‬
‫ُّ‬
‫ومل جيعله جمال مراجعة‪ ،‬وإنام بادر بالسالم وإلقاء التحية‪ ،‬ثم نزل وجلس إليهم‬
‫ودعاهم إىل اهلل‪ ،‬وقرأ عليهم القرآن‪ ،‬فام كان من عبد اهلل بن ُأيب الذي سمع‬
‫آيات القرآن ودعوة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فلم يمكنه أن يشكك‬
‫يف وضوح برهاهنا‪ ،‬وال أن جيادل يف صحة حقائقها‪ ،‬ولكنه سلك طريقة أخرى‬
‫يف املشاغبة فقال‪ :‬يا أهيا املرء إنه ال أحسن مما تقول إن كان ح ًّقا‪ ،‬فال تؤذنا به يف‬
‫جملسنا‪ ،‬ارجع إىل منزلك فمن جاءك فاقصص عليه‪.‬‬
‫دس خبيث‪ ،‬وتشكيك يف صدق الصادق املصدوق صىل اهلل‬
‫وكان أسلو ًبا فيه ٌّ‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬ولذا غضب عبد اهلل بن رواحة ريض اهلل عنه هلذه املخاطبة‬
‫السيئة لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وأقبل عىل رسول اهلل قائلاً ‪ :‬بىل‬
‫يا رسول اهلل فاغشنا به يف جمالسنا فإنا نحب ذلك‪ .‬وقال رجل من األنصار‪:‬‬
‫واهلل حلامر رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أطيب ر ًحيا منك‪ .‬وتراجعوا‬
‫استب املسلمون واملرشكون واليهود وتثاوروا‪ ،‬وكان بينهم‬
‫يف الكالم حتى‬
‫َّ‬
‫رضب باجلريد واأليدي والنعال‪ ،‬فجعل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫يخُ َ ِّفضهم‪ ،‬ويسكنهم؛ حتى سكتوا‪ ،‬وهدأت ثائرهتم‪ ،‬ثم ركب رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم محاره‪ ،‬وسار حتى دخل عىل سعد بن عبادة ريض اهلل عنه‬
‫فحدثه بام جرى؛ ألنه من سادات اخلزرج كام كان عبد اهلل بن ُأيب من ساداهتم‬
‫وقال له صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬يا سعد أمل تسمع ما قال أبو ُحباب ‪-‬يعني‬
‫عبد اهلل بن ُأيب‪ -‬قال كذا وكذا))‪ .‬فقال سعد بن عبادة‪ :‬يا رسول اهلل اعف عنه‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪42‬‬

‫‪5‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫واصفح؛ فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اهلل باحلق الذي أنزل عليك‪،‬‬
‫ولقد اصطلح أهل هذه البلدة عىل أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة‪ ،‬ولقد جاءنا‬
‫اهلل بك وإننا لننظم له اخلرز ل ُنت َِّوجه‪ ،‬فلام أبى اهلل ذلك باحلق الذي أعطاك‪،‬‬
‫رشق بذلك‪ ،‬فذلك فعل به ما رأيت‪ .‬فعفا عنه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬وجتاوز هذا املوقف‪ ،‬حتى إذا كانت غزوة بدر‪ ،‬وأظهر اهلل رسوله‪،‬‬
‫وقتل صناديد الرشك الذين كان عبد اهلل بن أيب يظن أنه سيتظاهر هبم ويتقوى‬
‫بعداوهتم‪ ،‬علم أن هذا أمر ال قبل له به فقال ملن معه من املرشكني‪ :‬هذا أمر‬
‫قد توجه‪ ،‬فبايعوا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل اإلسالم‪ ،‬وأظهروا‬
‫الدخول فيه‪ ،‬وإن كانت قلوهبم التزال مرتعة بأحقادها‪ ،‬مرشبة بأمراضها‪.‬‬
‫مر عىل جملس‬
‫‪ - 1‬يشدُّ ك يف هذا املشهد أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫خمتلط فيه املسلمون واملرشكون واليهود ومع ذلك مل ينكر عىل املسلمني‬
‫جلوسهم يف هذا املجلس وال ِخلطتهم ألولئك املرشكني واليهود‪ ،‬بل وبعد أن‬
‫جرى يف املجلس ما جرى‪ ،‬ومىض النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عنهم مل يأمر‬
‫املسلمني بمفارقتهم بل تركهم عىل حاهلم ويف جملسهم؛ ليتضح من ذلك أن‬
‫ِ‬
‫اخللطة واملعايشة هي األصل يف العالقات اإلنسانية‪ ،‬وأن املسلم عىل ثقة من‬
‫دينه ويقني راسخ بام يعتقده‪ ،‬وال يضريه أن جيالس املخالفني أو خيالطهم فهو‬
‫أقدر عىل التأثري عليهم منهم عىل التأثري عليه‪.‬‬
‫وكان االنعزال واالنغالق هو شأن املرشكني؛ لقلة ثقتهم بام هم عليه‪ ،‬وضعف‬
‫حجتهم عند‬
‫املحاجة واجلدال فكان شعارهم االنعزايل }ال َت ْس َم ُعوا لهِ َ َذا‬
‫َّ‬
‫آن َوا ْل َغ ْوا ِف ِ‬
‫ا ْل ُق ْر ِ‬
‫يه{ وشعار عبد اهلل بن ُأيب‪ :‬ارجع إىل رحلك فمن جاءك‬

‫‪5‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪43‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فاقصص عليه‪.‬‬
‫لقد كانوا خيشون تأثري االستامع إذا استمعوا‪ ،‬وتأثري املخالطة إذا خالطوا‪ ،‬ولذا‬
‫طوقوا أنفسهم بأطواق االنغالق واملباعدة يف حني كان الصحابة عىل حداثة‬
‫انفتاحا ولياقة عىل املخالطة والتعايش؛ لينترش دينهم‬
‫عهدهم باإلسالم أكثر‬
‫ً‬
‫من خالل هذه املخالطة‪ ،‬وتتسع مساحة دعوهتم‪ ،‬ولتتحطم أطواق العزلة التي‬
‫كان املرشكون حيتمون هبا‪.‬‬
‫ثم أتى علينا زمان صار بعضنا يقابل االنفتاح العاملي بمزيد من االنغالق‪،‬‬
‫ويتعامل مع دينه ويقينه وكأنه لوح من زجاج قابل للكرس عند أي شبهة‪.‬‬
‫‪َ - 2‬ي ُشدُّ ك هذا السمو األخالقي يف تعامل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫فحني خاطبه ابن ُأيب بقوله‪ :‬يا أهيا املرء‪ .‬ذكره النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫يف غيبته بكنيته فقال‪(( :‬أمل تسمع ما قال أبو ُحباب؟))‪ .‬وحني تثاور املسلمون‬
‫واملرشكون من أجله صىل اهلل عليه وآله وسلم مل ينـزل النبي طر ًفا يف املشاجرة‬
‫ولكن تسامى فوقها‪ ،‬وجعل خي ِّفضهم حتى سكنوا‪ ،‬وهبذا السمو األخالقي‬
‫احتوى هذه اإلثارات التي كان ابن ُأيب واملوتورون معه حياولون إثارهتا‪ ،‬بل إن‬
‫هذه الطريقة السامية يف التعامل جعلت مجيع مكائدهم التي كادوها تنطفئ‪،‬‬
‫وال حتقق ما كانوا يؤ ِّملونه من تداعيات ختريبية‪.‬‬
‫‪ - 3‬كان تشخيص سعد بن عبادة ريض اهلل عنه حلال عبد اهلل بن ُأيب غاية يف‬
‫الدقة والدراية‪ ،‬فالقضية عنده ليست خمالفة يف الرأي أو عدم قناعة باحلجة‪،‬‬
‫ولكنه احلسد لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫أن ما جاء به من حق‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪44‬‬

‫‪5‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫يتشوف إليها‪ ،‬حتى إذا ظفر هبا أو كاد غلب حق النبوة‬
‫قد سلبه زعامة كان‬
‫َّ‬
‫والوحي عىل الزعامة القبلية التي كان يطمح إليها‪ ،‬فرشق بالرسول والرسالة‪،‬‬
‫توجه‪َ ،‬غيرَّ َ طريقته إىل‬
‫وجهد يف مناوءهتا ما استطاع حتى إذا رأى أن األمر قد َّ‬
‫الكيد من داخل الصف؛ ليبدأ املسلمون املواجهة مع نوع آخر من العداوة‪ ،‬مع‬
‫النفاق واملنافقني‪.‬‬
‫إن أشدَّ العداوات التي واجهها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم كانت ُج ْرثومة‬
‫احلسد هي املحرك احلقيقي هلا‪ ،‬وهذا ما يتضح جل ًيا عند ترشيح عداوة أيب‬
‫وح َيي بن َأخطب‪ ،‬كام هو شأن أستاذهم إبليس يوم قال‪ :‬أنا خري منه‪.‬‬
‫جهل ُ‬
‫ومثل هذه العداوات ق َّلام ينـزع أصحاهبا عنها‪ ،‬وإنام حيملون أحقادهم إىل‬
‫قبورهم‪.‬‬
‫والدس اخلفي‪ ،‬فقد تظاهر باإلسالم يف‬
‫‪ - 4‬ولذا استمر مسلسل املكائد‬
‫ِّ‬
‫السنة الثانية‪ ،‬ويف السنة الثالثة قام بحركة كائدة ويف وقت حرج؛ حيث انسحب‬
‫بثلث اجليش بني يدي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قبيل معركة أحد؛‬
‫ل ُي ِ‬
‫عدوهم‪ ،‬ويف السنة الرابعة‬
‫حدث الوهن يف نفوس املسلمني؛ ول َي ْطمع فيهم ُّ‬
‫قال كلمته‪} :‬ال ُت ْن ِف ُقوا َعلىَ َم ْن ِع ْندَ َر ُس ِ‬
‫ول اللهَّ ِ َح َّتى َي ْن َف ُّضوا{‪ ،‬وقال‪َ } :‬لئِ ْن‬
‫َر َج ْعنَا إِلىَ مْالَ ِدين َِة َل ُي ْخ ِر َج َّن الأْ َ َع ُّز ِم ْن َها الأْ َ َذ ّل{‪ ،‬ثم توىل كرب اإلفك بحق ُأ ِّمنا‬
‫عائشة ريض اهلل عنها‪ ،‬ويف السنة اخلامسة تولىَّ واملنافقون معه احلرب النفسية‬
‫داخل الصف يف شدة املواجهة مع األحزاب؛ ليقولوا‪َ } :‬ما َو َعدَ َنا اللهَّ ُ َو َر ُسو ُل ُه‬
‫ورا {‪.‬‬
‫إِلاَّ ُغ ُر ً‬
‫ولكن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم احتوى كل هذه املكائد وأطفأ‬

‫‪5‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪45‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫واستصالحا لقلوب أصحابه‪،‬‬
‫دفعا للمفسدة‪،‬‬
‫ً‬
‫تداعياهتا بحلمه وصفحه؛ ً‬
‫غم ابن َسلول غماًّ وكربه كر ًبا‪ ،‬ويعجل له بعض عقوبته يف‬
‫ويشاء اهلل أن يزيد ُّ‬
‫الدنيا‪ ،‬فيمدُّ يف عمره حتى رأى نرص اهلل والفتح‪ ،‬ورأى الناس يدخلون يف دين‬
‫أفواجا‪ ،‬ورأى وفود العرب تزدحم يف املدينة مبايِعة رسول اهلل صىل اهلل‬
‫اهلل‬
‫ً‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬متبعة دينه‪ ،‬ورأى رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي‬
‫كان حيسده أن ييل أمر املدينة ييل أمر العرب قاطبة‪ ،‬ويراه وإنه ليخافه َم ِل ُك بني‬
‫األصفر‪ ،‬فامت وهو أشدُّ ما يكون غماًّ وكر ًبا‪.‬‬
‫‪ - 5‬واستمر عفو رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عن عبد اهلل بن ُأيب بن‬
‫َسلول بعد موته‪ ،‬فعندما تويف جاء ابنه عبد اهلل إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وقال‪ :‬يا رسول اهلل أعطني قميصك أكفنه فيه‪ .‬فأعطاه قميصه‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫((آذنيِّ أصيل عليه))‪ُ .‬‬
‫فك ِّفن يف القميص النبوي‪ ،‬ثم حرضه النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم قبل أن يدفن‪ ،‬فلام قام ليصيل عليه وثب إليه عمر ريض اهلل عنه‬
‫يب وقد قال يوم كذا كذا وكذا‬
‫وأخذ بثوبه وقال‪ :‬يا رسول اهلل أتصيل عىل ابن ُأ ٍّ‬
‫يب‪ ،‬فالتفت إليه رسول اهلل صىل‬
‫ويوم كذا كذا وكذا؟ يعدد عليه مقاالت ابن ُأ ٍّ‬
‫اهلل عليه وآله وسلم ُم ِ‬
‫بتسماً وقال‪َ (( :‬أ ِّخر عني يا عمر))‪ .‬فأكثر عليه عمر وجعل‬
‫يناشده ويقول‪ :‬تصيل عليه وقد هناك اهلل أن تستغفر هلم‪ ،‬فقال‪} :‬إِ ْن َت ْس َتغْ ِف ْر‬
‫لهَ ُ ْم َس ْب ِعنيَ َم َّر ًة َف َل ْن َيغْ ِف َر اللهَّ ُ لهَ ُ ْم{‪ .‬فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫((إنام خريين اهلل‪ ،‬فقال‪ :‬استغفر هلم أو ال تستغفر هلم إن تستغفر هلم سبعني مرة‬
‫فلن يغفر اهلل هلم‪ .‬وسأزيده عىل السبعني))‪ .‬ثم صىل عليه رسول اهلل صىل اهلل‬
‫بن َجارية ريض اهلل عنه‪ :‬ما‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬وأطال الصالة‪ ،‬حتى قال مجُ َِّم ُع ُ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪46‬‬

‫‪5‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫رأيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أطال عىل جنازة قط ما أطال عىل‬
‫ودليِّ‬
‫جنازة عبد اهلل بن ُأ ٍ‬
‫يب من الوقوف‪ .‬فلام قىض صالته‪ ،‬وحمُ ِ َلت جنازته ُ‬
‫يف حفرته أمر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم برفعه منها فوضعه عىل ركبته‬
‫وكشف عن وجهه ثم بصق من ريقته املباركة يف فمه؛ ليكون آخر ما أخذ من‬
‫الدنيا ريقة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫يب كافية ل ُيقتَل بسببها‪ ،‬ولو‬
‫‪ - 6‬لقد كانت واحدة من أقوال عبد اهلل بن ُأ ٍّ‬
‫مل يكن إال تواطؤه مع أعداء الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم املحاربني‬
‫له كيهود بني النضري الذين أرسل ‪-‬وهم يف حال حرب والرسول حيارص‬
‫يع ِف ُ‬
‫يك ْم َأ َحدً ا‬
‫حصوهنم‪ -‬يقول هلم‪َ } :‬لئِ ْن ُأ ْخ ِر ْج ُت ْم َلن َْخ ُر َج َّن َم َع ُك ْم َوال ُن ِط ُ‬
‫َأ َبدً ا َوإِ ْن ُقوتِ ْل ُت ْم َل َننْصرُ َ َّن ُك ْم{‪.‬‬
‫إن هذا يعترب يف كل األعراف العاملية خيانة عظمى‪ ،‬فكيف إذا أضفت إليها مثل‬
‫قوله‪} :‬ال ُت ْن ِف ُقوا َعلىَ َم ْن ِع ْندَ َر ُس ِ‬
‫ول اللهَّ ِ َح َّتى َي ْن َف ُّضوا{‪ ،‬وقوله‪َ } :‬لئِ ْن َر َج ْعنَا‬
‫إِلىَ مْالَ ِدين َِة َل ُي ْخ ِر َج َّن الأْ َ َع ُّز ِم ْن َها الأْ َ َذ ّل{‪ ،‬ويعني باأل َذ ِّل رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫َّ‬
‫وآله وسلم‪ .‬ومع ذلك َّ‬
‫وكف‬
‫كف رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عنه‪،‬‬
‫عنه من أراد قتله من أصحابه ومنهم عمر بن اخلطاب الذي قال‪ :‬يا رسول اهلل‪،‬‬
‫دعني أرضب عنق هذا املنافق‪ .‬فقال النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬دعه))‬
‫وذلك مراعاة ملصالح عظمى منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن خرب قتله سينترش‪ ،‬ولن ينترش معه السبب احلقيقي‪ ،‬وس ُي َفسرَّ‬
‫تفسريات خاطئة تكون صدو ًدا للناس عن دعوة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ولذا قال‪(( :‬ال يتحدَّ ث الناس أن حممدً ا يقتل أصحابه))‪(( ،‬ال يتحدَّ ث‬

‫‪5‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪47‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الناس أن حممدً ا َقا َتل بأصحابه ثم َق َت َلهم))‪(( ،‬ال يتحدَّ ث الناس أين قد وقعت‬
‫عىل أصحايب أقتلهم َصبرْ ً ا))‪.‬‬
‫يب يمثل‬
‫‪ - 2‬مراعاة مشاعر أصحابه من األنصار الذين كان عبد اهلل بن ُأ ٍّ‬
‫زعامة عشائرية هلم‪ ،‬فالدخول معه يف مواجهة س ُي ِ‬
‫غضب مجاعات منهم‪،‬‬
‫ويسوء آخرين‪ ،‬ويحُ ِدث فتنة‪ ،‬ولذا كان من ثمرة صفح النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم عنه َّ‬
‫أن قومه صاروا هم الذين ينكرون عليه‪ ،‬فقال النبي صىل‬
‫قلت يل‪ :‬اقتله‪.‬‬
‫اهلل عليه وآله وسلم لعمر‪(( :‬كيف ترى؟ أما واهلل لو قتل ُته يوم َ‬
‫ُأل ْر ِعدَ ْت له ٌ‬
‫أنوف لو أمرتهُ ا اليوم بقتله لقتلته))؛ أي أن الذين كانوا يغضبون له‬
‫صاروا يغضبون منه‪ ،‬وينكرون عليه‪.‬‬
‫ويف ذلك تأسيس ملراعاة املصالح ودرء املفاسد‪ ،‬ورعاية االئتالف ودفع الفتنة‬
‫واالختالف()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6254 ،6207 ،5663 ،4566‬وصحيح مسلم (‪ ،)1798‬وشرح‬
‫النووي على صحيح مسلم (‪ ،)157/12‬وفتح الباري (‪.)592/10( ،)231/8‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪48‬‬

‫‪5‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪6‬‬

‫سيد الوادي‬
‫كان سعد بن معاذ سيد بني‬
‫عبد َ‬
‫األ ْش َهل من األوس باملدينة‪،‬‬
‫وكان ُأ َم َّية بن خلف سيد بني جمُ َ ح‬
‫من قريش بمكة‪ ،‬وكانا صديقني‬
‫يتبادالن التزاور؛ فإذا انطلق ُأمية إىل‬
‫الشام فمر باملدينة نزل عىل سعد‪،‬‬
‫وإذا جاء سعد إىل مكة نزل عىل‬
‫ُأمية‪ ،‬فلام هاجر رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم إىل املدينة انطلق‬
‫معتمرا‪ ،‬وكان قد آمن‬
‫سعد بن معاذ‬
‫ً‬

‫‪6‬‬

‫برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫واتبعه وآواه ونرصه‪ ،‬فلام وصل مكة‬
‫نزل عىل صديقه أمية بن خلف‪ ،‬ثم‬
‫قال له‪ :‬يا أبا صفوان‪ ،‬انظر ساعة‬
‫خلوة؛ لعيل أطوف بالبيت‪ .‬فقال‬
‫أمية‪ :‬انتظر حتى إذا انتصف النهار‬
‫وغفل الناس‪ .‬فخرج به أمية قري ًبا‬
‫من نصف النهار‪ ،‬وهي ساعة يأوي‬
‫الناس فيها إىل بيوهتم؛ لشدة احلرارة‬
‫يف مكة‪ ،‬وما ظن أمية أهنام سيلقيان‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪49‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أحدً ا هذه الساعة‪ ،‬وبينا سعد يطوف بالبيت إذا أتاه أبو جهل فقال‪ :‬من هذا‬
‫الذي يطوف بالكعبة آمنًا؟ فقال سعد ‪ -‬وكان شا ًّبا سيدً ا جليلاً ال يستخفي‬
‫بنفسه إذا دعي‪ :-‬أنا سعد بن معاذ‪ .‬فقال أبو جهل‪ :‬أال أراك تطوف بمكة آمنًا‪،‬‬
‫وقد آويتم حممدً ا وأصحابه‪ ،‬وزعمتم أنكم تنرصوهنم وتعينوهنم‪ .‬قال سعد‪:‬‬
‫نعم‪ .‬قال أبو جهل‪ :‬واهلل لوال أنك مع أيب صفوان ما رجعت إىل أهلك ساملًا‪.‬‬
‫فقال له سعد ‪-‬ورفع صوته عليه‪ :-‬أما واهلل إلن منعتني هذا ألمنعنك ما هو‬
‫أشد عليك منه‪ ،‬طريقك عىل املدينة‪ .‬فقال أمية لسعد‪ :‬ال ترفع صوتك عىل أيب‬
‫احلكم؛ فإنه سيد أهل الوادي‪ .‬وجعل سعد وأبو جهل يتالحيان ويرتاجعان‬
‫بينهام بالكالم‪ ،‬فجعل أمية يمسك سعدً ا ويقول‪ :‬ال ترفع صوتك عىل أيب‬
‫احلكم؛ فإنه سيد هذا الوادي‪ .‬فغضب سعد من أمية؛ فقد كان األجدر به أن‬
‫َينْصرُ ضيفه وصديقه‪ ،‬وال يسمح أليب جهل أن خياطبه هبذا اخلطاب‪ ،‬ولذا دفع‬
‫بيده يف صدره وقال‪ :‬دعنا عنك يا أمية‪ ،‬فإين سمعت رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم يقول‪ :‬إهنم قاتلوك‪ .‬فقال أمية‪ :‬إياي‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ .‬قال أمية‪ :‬بمكة؟‬
‫فزعا شديدً ا وقال‪ :‬واهلل ما يكذب حممد إذا حدَّ ث‪.‬‬
‫قال‪ :‬ال أدري‪ .‬ففزع أمية ً‬
‫فلام رجع إىل أهله قال‪ :‬يا أم صفوان أمل تري ما قال يل أخي اليثريب‪ ،‬قالت‪ :‬وما‬
‫قال لك؟ قال‪ :‬زعم أن حممدً ا أخربهم أهنم قاتيل‪ ،‬فقلت له بمكة؟ قال‪ :‬ال‬
‫أدري‪ .‬قالت‪ :‬ما يدعنا حممد‪ ،‬واهلل ما يكذب حممد إذا حدَّ ث‪ .‬فقال أمية‪ :‬واهلل‬
‫ال أخرج من مكة‪.‬‬
‫فلام كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس قائلاً ‪ :‬أدركوا ِعريكم‪ .‬وهو يراها‬
‫فرصة؛ ليحشد ً‬
‫قريشا؛ لقتال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فيستأصل‬
‫الرسول والرسالة‪ ،‬فتذكر أمية ما حدَّ ثه سعد بن معاذ‪ ،‬وعزم عىل عدم اخلروج‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪50‬‬

‫‪6‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫معهم‪ ،‬فأتاه أبو جهل فقال‪ :‬يا أبا صفوان‪ ،‬أنت سيد أهل الوادي‪ ،‬وإذا رآك‬
‫الناس خت َّل ْف َت ختلفوا معك‪ ،‬فرس معنا يو ًما أو يومني‪ .‬فلم يزل به أبو جهل‬
‫حتى قال‪ :‬أما إذ غلبتني فواهلل ألشرتين أجود بعري بمكة‪ .‬وذلك حتى هيرب‬
‫عليه عند أول طارئ‪ ،‬فال يلحقه أحد‪ ،‬ثم قال المرأته‪ :‬يا أم صفوان‪ ،‬جهزيني‪.‬‬
‫فقالت له‪ :‬يا أبا صفوان أو قد نسيت ما قال لك أخوك اليثريب؟! قال‪ :‬ال‪ ،‬ما‬
‫نسيت‪ ،‬ولكني ما أريد أن أسري معهم إال قري ًبا‪ .‬واشرتى ُأ َمية البعري‪ ،‬وخرج‬
‫معهم‪ ،‬وكان ال ينزل منزلاً إال َع َقل بعريه عنده‪ ،‬فلم يزل كذلك حتى وصل‬
‫وتنزل النرص عىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫بدرا‪ ،‬ودارت املعركة‪َّ ،‬‬
‫ً‬
‫وه ِزم املرشكون‪ ،‬و ُقتِل سادهتم وكرباؤهم؛ وكان من أول من‬
‫واملؤمنني‪ُ ،‬‬
‫أصيب أبو جهل الذي أغوى أمية وأغراه‪ ،‬ورأى أمية بعينه اهلزيمة وقد حاقت‬
‫بمن معه‪ ،‬ورأى كرباء املرشكني رصعى يف ميدان املعركة‪ ،‬وبينام املعركة توشك‬
‫أن تضع أوزارها‪ ،‬إذ رآه بالل بن رباح وكان عبدً ا ألمية بمكة‪ ،‬وكان أمية‬
‫يعذبه سوء العذاب ملا أسلم؛ ليفتنه عن دينه‪ ،‬فلام رآه بالل رصخ برهط من‬
‫األنصار‪ :‬أمية بن خلف‪ ،‬ال نجوت إن نجا‪ .‬فأدركوه‪ ،‬فقتلوه‪ ،‬وكان بالل ممن‬
‫شارك يف قتله‪.‬‬
‫وهكذا انتهى أمية إىل موعود رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ فقتله‬
‫األنصار الذين أخرب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أهنم قاتلوه‪ ،‬وكان أشدَّ‬
‫قتلٍ مرارة‪ ،‬فقد ُقتِل بعد أن رأى اهلزيمة قد حاقت بمن معه‪ ،‬و ُقتِل بمرأى من‬
‫بالل الذي كان ُي َسام السوء عىل يديه‪.‬‬
‫}ه َذا َما َو َعدَ َنا اللهَّ ُ َو َر ُسو ُل ُه َو َصدَ َق‬
‫وكأين بسعد بن معاذ وقد رأى ذلك يقول‪َ :‬‬
‫اللهَّ ُ َو َر ُسو ُل ُه َو َما َزا َد ُه ْم إِلاَّ إِيماَ ًنا َو َت ْس ِليماً {‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪51‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫تشبعت به نفوس املرشكني من صدق رسول‬
‫أول ما يستوقفك يف هذا اخلرب ما ّ‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأنه ال يكذب إذا حدّ ث‪ ،‬وقد أعلنها أمية أول‬
‫سامعه اخلرب‪ ،‬وكام قاهلا أمية قالتها زوجته أم صفوان‪ ،‬ثم ظهر أثر ذلك يف حذر‬
‫أمية‪ ،‬وحتذير زوجته له‪.‬‬
‫إن صدق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم إذا َحدَّ ث كان مما استقر يف نفوسهم‪،‬‬
‫وهذا دليل صدق عىل أن كفرهم كان كفر جحود وعناد‪ ،‬وأهنم كام قال اهلل‬
‫الظالمِ ِنيَ بِ َآ َي ِ‬
‫عنهم } َفإِنهَّ ُ ْم لاَ ُي َك ِّذ ُبو َن َك َو َل ِك َّن َّ‬
‫يجَْحدُ َ‬
‫ون{ ويا هلل‪ ،‬كيف‬
‫ات اهللِ َ‬
‫ُيصدِّ ق ُ‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم إذا حدَّ ث أهنم قاتلوه‪ ،‬وال يصدقه‬
‫أمية َّ‬
‫مجيعا‪ .‬وكيف ال يكذب النبي إذا َحدَّ ثهم‪ ،‬ثم‬
‫إذا قال‪ :‬إين رسول اهلل إليكم ً‬
‫}ج َحدُ وا بهِ َ ا‬
‫يكذب عىل اهلل إذا َحدَّ ث عنه! إن هذا التناقض منهم يبني أهنم َ‬
‫است َْي َق َن ْت َها َأن ُْف ُس ُه ْم ُظلْماً َو ُع ُل ًّوا{‪.‬‬
‫َو ْ‬
‫‪ - 2‬نالحظ أن العالقة اإلنسانية بقيت بني املسلمني واملرشكني‪ ،‬ومل ير‬
‫املسلمون يف إسالمهم وإيامهنم وبراءهتم من الرشك ما يستوجب قطع‬
‫العالقات اإلنسانية من الصداقة والزيارة والضيافة‪ ،‬ولذا استمر التزاور بني‬
‫سعد وأمية بعد اإلسالم واهلجرة والنرصة‪ ،‬كام استمرت الرعاية والوكالة عىل‬
‫األهل واملال بني أمية وعبد الرمحن بن عوف ريض اهلل عنه‪ ،‬فكان أمية هو‬
‫الذي ييل أمور عبد الرمحن يف مكة‪ ،‬وعبد الرمحن هو الذي ييل أمور أمية يف‬
‫املدينة‪.‬‬
‫إن املسلمني جزء من املجتمع اإلنساين يتم التعامل بينهم وبني غريهم وفق‬
‫أعىل املثل األخالقية وأنبل العواطف اإلنسانية‪ ،‬ومل يروا أن إسالمهم يعني‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪52‬‬

‫‪6‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫تطويقهم يف عزلة نفسية وقطيعة اجتامعية‪.‬‬
‫‪ - 3‬يف هذا احلديث معجزة نبوية ظاهرة؛ فقد َحدَّ ث النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم األنصار عالنية أهنم قاتلو أمية بن خلف‪ ،‬وكانوا هم باملدينة‪ ،‬وأمية‬
‫بمكة‪ ،‬وما كان يدور َ‬
‫بخ َلد أحد كيف سيكون ذلك وأ َّنى يكون‪ ،‬ولو قد مات‬
‫ربا مل يتحقق‪.‬‬
‫أمية َح ْتف أنفه عىل فراشه لحَ ُ ِفظ أن رسول اهلل أخرب خ ً‬
‫ولكن النبي الذي ما قال إال ح ًّقا وال نطق إال صد ًقا أخرب خربه بيقني من ربه‪،‬‬
‫و َت َل َّقاه أصحابه بيقني من إيامهنم بصدق رسوهلم‪ ،‬ومل ِ‬
‫متض سنة حتى كان أمية‬
‫بطرا ورئاء الناس‪ ،‬ف ُي ْقتَل ُأ َمية بأسياف‬
‫يف بدر مع جيش املرشكني الذين خرجوا ً‬
‫األنصار‪ ،‬ومل ُيغْ ِن عنه َح َذ ُره وال أجود بعري بمكة اشرتاه‪ ،‬وصدق موعود‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وحاق باملرشكني ما كانوا يعملون‪.‬‬
‫‪ - 4‬نرى مهارة أيب جهل يف اإلغواء واستدراج أمية برغم شديد َح َذ ِره‪،‬‬
‫فقد نفخ يف ِم ْن َخ ِره‪ ،‬وأذكى كربياءه وغروره يوم قال‪ :‬يا أبا صفوان أنت سيد‬
‫أهل الوادي‪ ،‬وإذا رآك الناس خت َّلفت ختلفوا معك‪ .‬فأشعره باملكانة والزعامة‪،‬‬
‫وأن الناس كلهم َت َب ٌع له‪.‬‬
‫غرر به واستغواه حني قال‪ :‬فسرِْ مع اجليش يو ًما أو يومني‪ .‬ولقد علم‬
‫ثم َّ‬
‫أبو جهل أن أمية ال يمكن أن يسري مع اجليش يو ًما أو يومني ثم يركب بعريه‬
‫أمامهم ليقول هلم‪ :‬أنا سأرجع إىل مكة‪ ،‬وأنتم استمروا يف طريقكم إىل ميدان‬
‫ربا بالسيوف أهون من هذا املوقف‪ ،‬ولذا فإن أمية ملا سار‬
‫املعركة‪ .‬فإن القتل ه ً‬
‫يو ًما أو يومني مل يستطع الرجوع لينتهي إىل حيث َح ْتفه الذي كان حيذر‪ ،‬وكان‬

‫‪6‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪53‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الذي د َّ‬
‫اله بغرور هو أبو جهل وبمهارة عجيبة‪ ،‬بل عبقرية نادرة‪ ،‬إن هذا يلفتنا‬
‫إىل أن أئمة الضالل ال تنقصهم ِ‬
‫الف ْطنَة‪ ،‬بل لدهيم مواهب ومهارات عالية‪،‬‬
‫بل خارقة يف التواصل والتأثري‪ ،‬ولكنها مواهب ُم َّ‬
‫سخرة يف الفتنة واإلضالل‪،‬‬
‫وعندما حييق سوء العذاب هبم وبمن يسلم قياده هلم فلن ينفعهم أهنم يف‬
‫العذاب مشرتكون‪.‬‬
‫‪ - 5‬أال تالحظ أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قد َأ ِذن لشاب عمره يف‬
‫احلياة ثالثون سنة‪ ،‬وعمره يف اإلسالم ثالث سنني؛ ليسافر من املدينة النبوية‬
‫إىل مكة؛ حيث األوثان والوثنية‪ ،‬وأشد الناس عداوة لرسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬ومل َي ْن َه سعدً ا عن الذهاب خو ًفا عليه أن يتأثر أو ُي ْفتَن ومل يسافر‬
‫مصحو ًبا بمشاعر القلق عىل دينه وإيامنه‪.‬‬
‫ومع ذلك َتصرَ َّ ف سعد هناك ال َّتصرُ ُّ ف الذي لو رآه رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم ل َق َّرت به عينه شجاعة وقوة وثبا ًتا وسدا ًدا‪.‬‬
‫إن هذا يبني لنا البناء النفيس والعقدي القوي الذي كانت تبنى به نفوس‬
‫الصحابة رضوان اهلل عليهم‪ ،‬والذي يتجىل يف الوثوق بشخصياهتم وقناعاهتم‪،‬‬
‫ومل تكن الرعاية والتعاهد تعني التطويق واحلضانة املستديمة()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)3971 ،3950 ،3632 ،2301‬والبداية والنهاية (‪ ،)63-60/5‬فتح‬
‫الباري (‪ ،)272/7( ،)480/4‬وعمدة القاري (‪.)128/12‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪54‬‬

‫‪6‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪7‬‬

‫مه ً‬
‫ال‬
‫اختارت هذه الطائفة من هيود‬
‫يثرب وطنًا‪ ،‬ولقد جتاوزوا يف طريقهم‬
‫إليه أماكن أكثر خص ًبا ومجالاً وغنى‬
‫كوادي القرى‪ ،‬وذلك ألهنم كانوا‬
‫يتتبعون صفة األرض التي هياجر‬
‫إليها النبي الذي سيتبعونه‪ ،‬وكانوا‬
‫يتحدثون عن نبي يبعث يف أرض‬
‫ذات حرار ونخل‪ ،‬ولذا اختاروا هذه‬
‫انتظارا لبعثة هذا‬
‫األرض وسكنوها‬
‫ً‬
‫}و َكا ُنوا ِم ْن َق ْب ُل‬
‫وم َ‬
‫هاجره‪َ ،‬‬
‫النبي ُ‬
‫َي ْس َت ْفتِ ُح َ‬
‫ين َك َف ُروا{ فكانوا‬
‫ون َعلىَ ا َّل ِذ َ‬

‫‪7‬‬

‫يستنرصون به‪ ،‬ويتوعدون مرشكي‬
‫العرب ببعثته‪.‬‬
‫وقد ُبعث هذا النبي ا ُمل َبشرَّ به كام‬
‫انتظروا‪ ،‬وهاجر إىل أرضهم كام‬
‫تو َّقعوا‪ ،‬ولكنه مل ُي َبعث منهم‪ ،‬وإنام‬
‫ُب ِعث من العرب } َف َلماَّ َجا َء ُه ْم َّما‬
‫َع َر ُفوا َك َف ُروا بِ ِه{ حسدً ا وبغ ًيا ألاَّ‬
‫يكون ُب ِعث منهم } َف َل ْعن َُة اللهَّ ِ َعلىَ‬
‫ا ْل َك ِ‬
‫ين{‬
‫اف ِر َ‬
‫جاء رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪55‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وسلم إىل املدينة فتعامل مع اليهود بعظمته األخالقية التي وصفه هبا ربه يوم‬
‫يم{‪.‬‬
‫}وإِ َّن َك َل َعلىَ ُخ ُل ٍق َع ِظ ٍ‬
‫قال‪َ :‬‬
‫أما هم فإن قلوهبم ظ َّلت ُمغ َلقة عىل سواد احلقد واحلسد‪ ،‬ولذلك كانت‬
‫َتصرَ ُّ فاهتم وكلامهتم تعلن ما تضمره قلوهبم‪ ،‬ومن ذلك‪ :‬أن ً‬
‫رهطا منهم‬

‫استأذنوا عىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف بيته فلام َح َّيوه‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫السام عليك يا أبا القاسم‪ .‬ومل يقولوا‪ :‬السالم عليكم ‪-‬والسام هو املوت‪-‬‬
‫وحرفوا الصيغة حتى تبدو الكلمة بريئة يف ظاهرها‪ ،‬وإن كانت لئيمة يف‬
‫َّ‬
‫باطنها‪ ،‬لكن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فهمها‪ ،‬فقال جمي ًبا هلم‪:‬‬
‫((وعليكم))‪ ،‬وفهمتها عائشة ريض اهلل عنها‪ ،‬والتي كانت الزيارة يف بيتها؛‬
‫فغضبت لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقالت هلم‪ :‬بل عليكم السام‬
‫ذمة واخلزي)‪ ،‬ولعنكم اهلل‪ ،‬وغضب عليكم‪ ،‬فأقبل عليها‬
‫والذام (أي املَ َّ‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقال‪(( :‬مهلاً يا عائشة ال تكوين فاحشة‪،‬‬
‫تفحش‪،‬‬
‫وإياك والعنف والفحش‪ ،‬فإن اهلل تبارك وتعاىل ال حيب الفاحش ا ُمل ِّ‬
‫وعليك بالرفق‪ ،‬فإن اهلل ٌ‬
‫رفيق حيب الرفق يف األمر كله))‪ .‬قالت يا رسول اهلل‪:‬‬
‫أومل تسمع ما قالوا‪ ،‬قالوا‪ :‬السام عليكم؟ قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪(( :‬أومل تسمعي ما قلت هلم؟ أليس قد قلت‪ :‬وعليكم‪ .‬فيستجاب يل‬
‫فيهم وال يستجاب هلم يف‪ ،‬يا عائشة مل يدخل الرفق يف يشء إال زانه‪ ،‬ومل ُينزَ ع‬
‫من يشء إال شانه ))‪.‬‬
‫وبقيت لنا وقفات مع احلديث‪:‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪56‬‬

‫‪7‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ -1‬التعامل النبوي مع اليهود‪ ،‬فإن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم تعامل‬
‫معهم بام د َّله عليه خلقه الكريم العظيم‪ ،‬من الرفق والتواصل برغم مسلسل‬

‫تكن صدورهم‪،‬‬
‫مكائدهم املتوايل‪ ،‬وبرغم ما كانت فلتات ألسنتهم تبنيُ مما ُّ‬

‫وسعه‪ ،‬ودفع بالتي هي أحسن ما‬
‫ومع ذلك عاملهم بالتي هي أحسن ما‬
‫ُ‬

‫وسعه‪ ،‬وهل أعظم وأكرم من أن َيفتَح هلم مصارع أبوابه‪ ،‬وأن تطأ أرجلهم‬
‫ُ‬
‫فراش بيته‪ ،‬فيدخلون إليه يف حجراته ا ُمل َط َّهرة التي أذهب اهلل تعاىل عنها الرجس‬

‫ريا‪ ،‬إن هذا يبني جانب الثقة غري املتناهية يف تعامل النبي صىل اهلل‬
‫وطهرها تطه ً‬
‫عليه وآله وسلم معهم‪ ،‬و َب ْذله اجلهد يف االحتواء والتأ ُّلف والدعوة واهلداية ما‬
‫وسعه‪ ،‬ولذلك كانت هذه الزيارات منهم إليه يف بيته‪ ،‬ومنه إليهم يف بيوهتم‬
‫ُ‬
‫والرقي األخالقي يف تعامله صىل‬
‫ويف مدراسهم تبنيُ جانب الوثوق برسالته‬
‫َّ‬

‫اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬

‫‪ - 2‬نالحظ هني النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم لعائشة ريض اهلل عنها عن‬

‫الفحش مع أهنا إنام غضبت له صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأنه سمع االستثارة‬

‫التي أثارهتا كام سمعتها هي‪ ،‬ومع ذلك هناها عن الفحش حتى ال تعتاده؛ ألن‬

‫هذه اخلصلة ال تصلح صفة للمؤمنني؛ فهي مما ال حيبه اهلل‪ ،‬وما ال حيبه اهلل‬
‫يتجاىف املؤمن عنه ويتو َّقاه‪ ،‬وحيرص أن ال يكون من خلقه وسمته‪ ،‬ولذلك‬

‫كان يف موقف النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم تربية لعائشة ريض اهلل عنها‪ ،‬مع‬
‫أن الذي صدر من اليهود كان أقبح‪ ،‬ولكنه كان يتعاهد نقاء عائشة أن يشوبه‬
‫يشء من الفحش‪ ،‬أما هيود فإنه كان ُي ْب ِقي حبال التواصل معهم؛ لعل قلوهبم‬

‫‪7‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪57‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أن تقبل‪ ،‬ولعل استجابتهم أن تأيت‪ ،‬ولتقوم مع ذلك حجة اهلل البالغة عليهم‪.‬‬
‫‪ -3‬نالحظ عنايته صىل اهلل عليه وآله وسلم بالرفق يوم أمر به عائشة ريض اهلل‬
‫عنها َّ‬
‫ورغبها فيه‪ ،‬وأخرب أنه صفة اهلل التي حيبها عز وجل من عباده يف أمورهم‬
‫كلها‪ ،‬وأنه يزين كل يشء يدخله‪ ،‬ويشني كل يشء ينزع منه‪ ،‬والعجيب أن‬
‫يستعمل الرفق ويأمر به حتى مع هيود الذين أخربه ربه أهنم أشد الناس عداوة‪،‬‬
‫وهم الذين بادؤوه بالسوء‪ ،‬وبطريقة تدل عىل االستخفاف با ُمل َ‬
‫خاطب‪ ،‬فلو‬
‫كان أحد يستثنى من الرفق لكانوا هم اليهود ويف هذا املوقف‪ ،‬ومع ذلك أمر‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم باستعامل الرفق معهم‪ ،‬وال عجب فهو الذي‬
‫حرض عيل الرفق يف األمور كلها‪.‬‬
‫َّ‬
‫وبقي أن نتساءل إذا كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم استعمل الرفق وأمر‬
‫به مع أشد الناس عداوة‪ ،‬فام مدى استعاملنا الرفق يف حياتنا‪ ،‬وفيام بيننا‪ ،‬ومع‬
‫إخواننا الذين تربطنا هبم وشيجة الدين ووالية اإلسالم؟ وكيف سيكون حال‬
‫جمتمعنا لو زانه الرفق يف أموره كلها؟‬
‫‪ - 4‬نالحظ أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم قد فهم خطاهبم وما قالوه‪،‬‬
‫ومع ذلك مل يتجاوز ‪ -‬بأيب هو وأمي ‪ -‬يف ر ِّده عليهم بأكثر مما قالوا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫رده عليهم من غري بغي أو زيادة أو جتاوز‪.‬‬
‫((وعليكم))‪ .‬فام قالوه َّ‬
‫لردها بأحسن منها‪ ،‬أما‬
‫حيوه بتحية طيبة َّ‬
‫وهذا غاية العدل يف الرد‪ ،‬فهم لو َّ‬
‫حيوا بتحية سيئة ردها عليهم بمثلها‪ ،‬ومل َي ِزد صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫عندما َّ‬
‫بل مل يرتتب عىل هذا املوقف أي تداعيات أخرى الحقة‪ ،‬وقد كان صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف موقع الزعامة والقيادة والقدرة عىل ذلك لو أراد‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪58‬‬

‫‪7‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 5‬نالحظ األمن العام الذي َبثَّه النبي صىل اله عليه وسلم يف املدينة بحيث‬
‫أصبح ٌّ‬
‫كل يشعر أنه يف خفارة حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فاليهود يدخلون‬
‫عىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف حجراته وهم آمنون‪ ،‬بل إهنم عندما‬
‫عو َّجة مل يقولوا كلمة ال‬
‫حيوا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هذه التحية ا ُمل َ‬
‫فورا‬
‫يستطيع فهمها إال هم‪ ،‬فقد فهمها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ً‬
‫فقال‪(( :‬وعليكم))‪ .‬وفهمتها عائشة ريض اهلل عنها عىل حداثة ِسنِّها‪ ،‬ولكنهم‬
‫كانوا يعيشون يف خفارة األمن النبوي‪ ،‬ويعلمون أن رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم ال يمكن أن يبغي أو يتجاوز يف عقوبتهم أو يتش َّفى باالنتقام منهم‪.‬‬
‫‪ - 6‬من النفوس نفوس مجُ ِدبة ال تفيد معها العظمة األخالقية‪ ،‬وال تطفئ‬
‫أحقادها روعة التعامل ومجال التواصل وحسن العهد‪ ،‬وهذا ما ظهر يف هذه‬
‫الطائفة من هيود برغم حسن تواصل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم معهم‬
‫حتى فتح هلم بيته‪ ،‬وأوطأهم فراشه‪ ،‬إال أن نفوسهم ا ُمل ِ‬
‫ظلمة َأ َبت إال أن خُْت ِرج‬
‫نفثات من حقدها‪ ،‬ولو هبذه التحية ا ُمل َح َّرفة‪ ،‬وهم أهل حتريف الكلم عن‬
‫ولكن نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم كان يتعامل معهم بمبادئه‬
‫مواضعه‪،‬‬
‫ّ‬
‫وبخلقه وبعظمته هو‪ ،‬وليس بمبادئهم وأخالقهم هم صلوات اهلل وسالمه‬
‫وبركاته عليه وعىل آله وأزواجه()‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)23171‬وصحيح البخاري (‪ ،)6257 ،6256 ،6024 ،2935‬وصحيح‬
‫مسلم (‪ ،)2594 - 2592 ،2165‬وسنن أبي داود (‪ ،)2478‬وصحيح ابن حبان (‪،)6441‬‬
‫وشعب اإلميان (‪ ،)8418 ،8413 ،7722‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪،)145/14‬‬
‫(‪ ،)115/16‬وفتح الباري (‪.)280/12( ،)42/11( ،)449/10‬‬

‫‪7‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪59‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪8‬‬

‫غالم‬
‫ذاك موعد عىل فراش املوت حيث‬
‫هيودي يف‬
‫الـمدَ َّنف ف ًتى‬
‫املريض‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫يفاعة س ّنه كان خيدم النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فيضع له وضوءه‪،‬‬
‫ويناوله نعله‪ ،‬ويقيض حوائجه‪ ،‬فإذا‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يفتقده‬
‫ثم يأتيه يزوره يف مرضه‪ ،‬فيدنو منه‬
‫وجيلس عند رأسه‪ ،‬وجيلس أبو الغالم حال األنبياء‪ ،‬وليست حال اجلبارين‬
‫مأسورا إىل‬
‫املتقولني‪ ،‬ولكنه ال يزال‬
‫ً‬
‫ِوجاهه‪ ،‬وإذا النبي الكريم ينظر نظرة وال ّ‬
‫املشفق الرحيم إىل فتى يافع‪ ،‬يودع سلطة األبوة القريبة منه‪ ،‬فجعل يق ّلب‬
‫الدنيا ويستقبل اآلخرة‪ ،‬فيهتف به طرفه‪ ،‬وينظر إىل أبيه‪ .‬ينتظر أن يأذن له‪،‬‬

‫إىل ما هو أحوج إليه يف هذا اللحظة‪،‬‬
‫وهو الدين الذي َيلقى به ربه‪ ،‬دعاه إىل‬
‫اإلسالم وقال له‪(( :‬أسلم‪ ،‬قل‪ :‬أشهد‬
‫أن ال إله إال اهلل‪ ،‬وأين رسول اهلل))‪.‬‬
‫تل ّقى الفتى هذا النداء فإذا هو من حممد‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي خدمه‬
‫َ‬
‫وخبرَ ه وعرف حاله‪ ،‬فعرف أن هذه‬

‫‪8‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪61‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أطع أبا‬
‫وإذا بالنبي يعيد عليه وكأنام يسابق حلظات احلياة القليلة‪ ،‬فقال له أبوه‪ْ :‬‬
‫ِ‬
‫تذرف من شفتي الغالم املجهود‪:‬‬
‫القاسم‪ ،‬قل ما يقول لك حممد‪ ،‬وإذا كلامت احلق‬
‫أشهد أن ال إله إال اهلل وأنك رسول اهلل‪ .‬أتى بالشهادة واستكملها‪ ،‬ولكنه استكمل‬
‫ً‬
‫أيضا البقية القليلة من حياته‪ ،‬ف َل َفظ آخر أنفاسه و ُتوفيّ يف ساعته تلك‪.‬‬
‫ً‬
‫مستبرشا هبداية هذا الغالم‬
‫وإذا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم خيرج من عنده‬

‫وخامتته احلسنة‪ ،‬وهو يقول‪(( :‬احلمد هلل الذي أنقذه يب من النار))‪ ،‬ثم أقبل عىل‬
‫أصحابه يأمرهم قائلاً ‪(( :‬ص ّلوا عىل أخيكم))‪.‬‬
‫إن َث َّمة مواضع تستوقفنا للتأمل يف هذه القصة‪ ،‬فلك أن تعجب من هذه‬
‫اخللطة بني النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم واليهود حتى إن بيته صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم حيتوي فتى من فتياهنم‪ ،‬ييل من أمر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫يتشوقون‬
‫اخلدمة اخلاصة طهوره ونعليه‪ ،‬ونحن عىل يقني أن الصحابة كلهم كانوا ّ‬
‫خلدمة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ويتم ّنون أن يرشف أوالدهم بذلك‪ ،‬ومع‬
‫اليهودي أن ينال هذا الفضل والرشف‪.‬‬
‫متسع هلذا الفتى‬
‫ذلك ُوجد‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫إن ذلك يكشف النفسية اهلادئة يف التعامل مع الكفار ‪-‬مرشكني وهيود‪ -‬فلم‬
‫يمر بمجلس فيه‬
‫يكن َث َّمة توتر وال ُّ‬
‫توجس‪ ،‬فهذا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُّ‬
‫أخالط من املسلمني واملرشكني واليهود فيجلس إليهم‪ ،‬ويتحدث معهم ويدعوهم‬
‫ثم يميض‪ ،‬بل هو صىل اهلل عليه وآله وسلم يزورهم يف بيوهتم‪ ،‬وجييب دعواهتم‪،‬‬
‫ويفتح بيته لزيارهتم‪ ،‬بل و ُيدين فتى منهم حتى ييل هذه اخلصوصية يف اخلدمة‪.‬‬
‫لتعرف هؤالء عىل‬
‫إن هذا كله مظهر قوة ووثوق‪ ،‬فإن هذه املخالطة أقرص الطرق ّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪62‬‬

‫‪8‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫التعرف عليه‪.‬‬
‫الدين وأهله‪ ،‬وهلدم احلواجز التي قد توجد يف نفوسهم عن قبوله أو ّ‬
‫ولذا فإن هذا الغالم الذي تل ّقى دعوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف حاله‬
‫تلك مل يستقب ّلها خايل الذهن من معرفة الرسالة والرسول‪ ،‬فقد كانت ِخلطته‬
‫اللصيقة بالنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم كاشفة له عن دالئل نبوته وصدقه يف‬
‫دعوته‪ ،‬ولذا أتت استجابته يف هذه اللحظة احلرجة من حياته متكئة عىل معرفة‬
‫سابقة ِ‬
‫وخلطة لصيقة‪.‬‬
‫كام نلحظ مراعاة اجلانب اإلنساين يف التعامل مع غري املسلمني‪ ،‬إنه هدي‬
‫َمن بعثه اهلل رمحة للعاملني كل العاملني‪ ،‬فأسريهم املحارب ُيطعم‪ ،‬ومريضهم‬
‫نفسا!))‪ ،‬ولذا فإن زيارة النبي‬
‫مرت ((أليست ً‬
‫ُيعاد‪ّ ،‬‬
‫وميتهم ُيقام جلنازته إذا ّ‬
‫هيودي ليس بسيد وال زعيم‪ ،‬ولكن خادم‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم لغالم‬
‫ّ‬
‫صغري هلي مشهد من مشاهد العظمة اإلنسانية‪ ،‬والكرم األخالقي‪ ،‬والنبل‬
‫املحمدي‪ ،‬والذي تقفاه الصحابة والتابعون هلم بإحسان ففتحوا مغاليق‬
‫ّ‬
‫القلوب‪ ،‬وأضاؤوا جوائحها بنور اهلل وهداه‪.‬‬
‫حميا رسول اهلل‬
‫ثم تتساءل عن ِّ‬
‫رس ذلك الفرح الغامر‪ ،‬والبِشرْ الطافح عىل ّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو حيمد اهلل ويشكره ((احلمد هلل الذي أنقذه يب من‬
‫وحيملهم مسؤولية العناية‬
‫النار))‪ ،‬ثم يعقد آرصة األخوة بينه وبني أصحابه‪ّ ،‬‬
‫بجنازته ((ص ّلوا عىل أخيكم))‪.‬‬
‫نتساءل ماذا أفاد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وأصحابه من فتى صغري‬
‫مجعا‪ ،‬ولن‬
‫أسلم ثم مات من ساعته‪ ،‬فلن يشهد معهم معركة‪ ،‬ولن ُي َك ِّثر هلم ً‬

‫‪8‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪63‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫حيوز هلم مالاً ‪ ،‬ولن خيدم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم كام كان خيدمه‬
‫فبأي يشء يكون الفرح؟!‬
‫من قبل‪ّ ،‬‬
‫إن هداية الناس واستنقاذهم من دركات النار كانت قضية النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم التي عاش هلا‪ ،‬وارتبطت مشاعره هبا‪ ،‬فرحه وحزنه‪ ،‬غضبه ورضاه‪ ،‬ولذا‬
‫يفرح هذا الفرح‪ ،‬وحيمد ربه عىل هذه النعمة أن َبشرَ ً ا قد اهتدى بعد ضالل‪ ،‬ونجا‬
‫بدعوته من النار‪ ،‬وإن كان ذاك فتى أسلم ثم مات بعدُ من ساعته‪ ،‬إن نبيك الذي فرح‬
‫هذا الفرح هو الذي حيزن أشد احلزن حتى يكاد يهَْ ِلك أس ًفا ملّا أعرض عن دعوته من‬
‫أعرض } َف َل َع َّل َك َب ِ‬
‫اخ ٌع َّن ْف َس َك َعلىَ آ َثا ِر ِه ْم إِ ْن لمَْ ُي ْؤ ِمنُوا بهِ َ َذا الحْ َ ِد ِ‬
‫يث َأ َس ًفا{‪.‬‬
‫إن املؤ ّثرين يف دعوهتم هم أولئك الذين ارتبطت دعوهتم بمكان اإلحساس‬
‫يف نفوسهم‪ ،‬وظهر أثر تفاعلهم معها يف مشاعرهم ووجداهنم‪ ،‬وهكذا كان‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫ثم تقف أمام االستنفار الذي كان يعيشه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫لدعوته‪ ،‬بحيث ال َيدَ ُع فرصة للدعوة واهلداية والبالغ إال ظفر هبا‪ ،‬ولو كانت‬
‫صبابة احلياة ملريض ُمدَ َّنف يسابق عليه املوت‪.‬‬
‫سمو التواضع‪ ،‬وحسن العهد‪ ،‬ولني‬
‫أما ما ظهر يف عيادة هذا املريض من‬
‫ِّ‬
‫اجلانب‪ ،‬و ُل ْطف الرت ُّفق‪ ،‬فبعض مشاهد العظمة األخالقية لذاك النبي العظيم‬
‫الكريم } َيا َأيهُّ ا ِ‬
‫الذ ْي َن آ َمنُوا َص ُّلوا َع َل ْي ِه َو َس ِّل ُموا َت ْس ِليماً {() ‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)13330‬وصحيح البخاري (‪ ،)1356‬وسنن أبي داود (‪ ،)3095‬وغوامض‬
‫األسماء املبهمة للخطيب (‪ ،)646/2‬وأسد الغابة (‪ ،)433/6‬وفتح الباري (‪،)172/6‬‬
‫واإلصابة (‪ ،)379/4‬وعمدة القاري (‪.)175/8‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪64‬‬

‫‪8‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪9‬‬

‫ُ‬
‫المشرك النبيل‬
‫ٍ‬
‫بدرس أخالقي‬
‫ُبدئت معركة بدر‬
‫ُ‬
‫وختمت بدرس أخالقي‪ ،‬وكان النبي‬
‫الذي ُبعث متمماً ملكارم األخالق‬
‫يتعاهد تتميمها يف ظرف املعركة‬
‫االستثنائي‪.‬‬
‫أ ّما أول هذه الدروس فكان قبل بداية‬
‫املعركة‪ ،‬ونفوس املسلمني مشحونة‬
‫بمرارة الظلم الذي لقوه من قريش‬
‫ُّ‬
‫وبالتحفز للمواجهة التي‬
‫يف مكة‪،‬‬
‫أجلبت هلا قريش بخيلها وخيالئها‪،‬‬
‫وإذا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬

‫‪9‬‬

‫يعلن احلامية واخلفارة لرجل‪ ،‬هو‬
‫مرشك من املرشكني‪ ،‬وحمارب مع‬
‫جيشهم‪ ،‬وجاء بسالحه من مكة إىل‬
‫بدر لقتال املسلمني‪ ،‬ومع ذلك يقول‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫((من لقي أبا ال َبخْترَ ي بن هشام فال‬
‫يقتله))‪.‬‬
‫إن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ٌ‬
‫سابقة‬
‫يلفت إىل أن هذا الرجل له‬
‫ومتيزٌ عن غريه من املرشكني‬
‫أخالقية ّ‬
‫يف املروءة والنبل‪ ،‬فقد كان يف مكة‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪65‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫من ِّ‬
‫أكف املرشكني لألذى عن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وكان له‬
‫ٌ‬
‫مشهود مشكور يف القيام بن ْقض الصحيفة الظاملة التي ُكتبت ملقاطعة‬
‫موقف‬
‫ٌ‬
‫بني هاشم وحصارهم يف ِّ‬
‫الش ْعب‪ .‬فذكر له النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هذه‬
‫ً‬
‫مرشكا وجاء مقاتلاً ‪.‬‬
‫السابقة‪ ،‬وأعلن له احلامية‪ ،‬فال ُيقتل‪ ،‬وإن كان‬
‫وثاين الدروس األخالقية يف مدرسة بدر‪ ،‬كان بعد هناية املعركة‪ ،‬عندما قطف‬
‫ريا‪ ،‬فيهم أشدُّ أعداء النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫املسلمون من ثامر النرص سبعني أس ً‬
‫وسلم وأكثرهم رضاوة يف أذ ّيته‪ :‬النرض بن احلارث‪ ،‬وعقبة بن أيب ُم َع ْي ٍط‪.‬‬
‫وكانت نفوس املسلمني ال تزال تستذكر األمل ا ُمل ِم ّ‬
‫ض لظلم هؤالء وأذ ّيتهم‬
‫يف مكة‪ ،‬واستضعافهم لضعفاء املسلمني‪ ،‬وجراءهتم عىل النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬ففي القلوب غيظ‪ ،‬ويف النفوس كمد‪ ،‬وكانت صدور املؤمنني‬
‫أحوج ما تكون إىل التشفي بانتقا ٍم ُيذهب غيظ قلوهبم‪ ،‬وإذا النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم ينظر إىل هؤالء األرسى بني يديه ثم يقول‪(( :‬لو كان ِ‬
‫املطعم‬
‫حيا ثم كلمني يف هؤالء النتنى لرتكتهم له))‪ .‬لقد أعلن النبي صىل اهلل‬
‫بن عدي ًّ‬
‫مجيعا كانوا سينالون حريتهم لو أن ِ‬
‫املطعم بن عدي‬
‫عليه وآله وسلم أن هؤالء ً‬
‫قال لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ :‬يا حممد دعهم يل!‪ ،‬إ ًذا لرتكهم له‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بالرغم من كل سوابقهم اإلجرامية‪ ،‬ولكظم‬
‫ٍ‬
‫كل نوازع التش ِّفي واالنتقام منهم‪ُّ ،‬‬
‫لكلمة يقوهلا املطعم فيهم‪،‬‬
‫تقديرا‬
‫كل ذلك‬
‫ً‬
‫أو شفاعة يشفعها هلم‪.‬‬
‫بقي أن نتذكر أن ِ‬
‫ً‬
‫مرشكا‪ ،‬مل يقل يو ًما من الدهر‪:‬‬
‫املطعم بن عدي عاش ومات‬
‫ٍ‬
‫نجدة ومروءة‪ ،‬ومن‬
‫رب اغفر يل خطيئتي يوم الدين))‪ ،‬ولكنه كان صاحب‬
‫(( ّ‬
‫مروءته جواره للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ملا عاد من الطائف‪ ،‬فرضخت‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪66‬‬

‫‪9‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫قريش لذلك‪ ،‬وقالت للمطعم‪(( :‬أنت الرجل الذي ال خُْت َفر ذ ّمتك))‪.‬‬
‫وكان جيمع إىل نبله ذلك حكمة وسداد رأي‪ ،‬فقد مجع ً‬
‫قريشا بعد هجرة النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم ثم قال هلم‪(( :‬إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم فكونوا‬
‫ّ‬
‫أكف الناس عنه))‪.‬‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫مرشكا‪ ،‬ولكنه مرشك نبيل‪ ،‬فقلده النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫املطعم‬
‫لقد كان‬
‫وسلم بكلمته تلك وسا ًما عظيماً يف يوم عظيم‪.‬‬

‫دروسا منها‪:‬‬
‫إن مدرسة بد ٍر األخالقية ُتفيض علينا‬
‫ً‬
‫‪ - 1‬ذكر مكارم ذوي املكرمات‪ ،‬ومعرفة أقدار أهل املروءات‪ ،‬وإن كانوا‬
‫كفارا حماربني‪ ،‬ومل يمنع ارتكاهبم ألعظم اخلطايا الدينية وهو‪ :‬الرشك‪ ،‬من ذكر‬
‫ً‬
‫مناقبهم الدنيوية‪ ،‬من املروءة ومكارم األخالق‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوفاء وحسن العهد من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ألصحاب‬
‫السوابق األخالقية الكريمة‪ ،‬وذكرها والوفاء هلا يف أحرج املواقف‪ ،‬وهو موقف‬
‫املواجهة العسكرية‪ ،‬وحلظات التوتر واالنفعال‪ ،‬واستشاطة الغيظ‪.‬‬
‫متمماً ملكارم‬
‫لقد كان هؤالء األخالقيون يتعاملون باألخالق مع من ُبعث ِّ‬
‫األخالق‪ ،‬ومن كان يقول بحاله ومقاله‪(( :‬حسن العهد من اإليامن))()‪ ،‬ولذا‬
‫عرف الكريم صىل اهلل عليه وآله وسلم هلؤالء الكرام مواقفهم‪ ،‬وذكرها هلم‪،‬‬
‫وكافأهم عليها بالتي هي أحسن‪.‬‬
‫ أخرجه الطبراني في الكبير (‪ ،)23( )14/23‬واحلاكم (‪ ،)62/1‬والبيهقي في الشعب (‪،9122‬‬
‫‪ ،)9123‬وينظر‪ :‬السلسلة الصحيحة (‪.)216‬‬

‫‪9‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪67‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ٍ‬
‫موقف ال ُيظن أن‬
‫‪ - 3‬ذكر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هذا الكالم يف‬
‫ُيذكر فيه؛ ألنه موقف املواجهة العسكرية وفرصة التشفي واالنتقام وشفاء‬
‫الغيظ‪ ،‬ولكن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم استعىل عىل ذلك كله ل ُيبينّ أن‬
‫ً‬
‫سياسيا‪ ،‬إهنا القيادة املرتكزة عىل‬
‫تكتيكا‬
‫موقفه ذلك مبدأ أخالقي وليس‬
‫ًّ‬
‫املبادئ‪.‬‬
‫‪ - 4‬مل يكن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو يتحدث عن هؤالء املرشكني‬
‫النبالء‪ُ ،‬ي ِ‬
‫سم ُع أهلهم أو قرابتهم‪ ،‬ولكنه كان خياطب أصحابه املؤمنني به؛ ليرُبيّ‬
‫ٍ‬
‫وبأسلوب تربوي فريد‪ -‬رشف هذه اخلصال األخالقية‪ ،‬ومكانة‬‫يف نفوسهم‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ويكافئوا‬
‫مرشكا؛ ليكونوا هم أحقّ هبا وأهلها‪،‬‬
‫من صدرت منه‪ ،‬وإن كان‬
‫نبوي هلم بالتـزام معايري اإلنصاف‪ ،‬وإنـزال‬
‫عليها بأحسن منها‪ ،‬كام أنه توجيه ّ‬
‫الناس منازهلم‪.‬‬
‫‪َ - 5‬ف ِق َه الصحابة رضوان اهلل عليهم من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم هذا املعنى فالتـزموا اإلنصاف وإحقاق احلق‪ ،‬وذكر املناقب حتى مع‬
‫من خيالفهم يف الدين والوطن واجلنس‪ ،‬فهذا حسان بن ثابت ريض اهلل عنه‬
‫ُيرثي ِ‬
‫املطعم بن عدي ملّا مات بقصيدة يذكر فيها مآثره و ُيثني فيها عىل أخالقه‪،‬‬
‫إن فيهم خلصالاً‬
‫وهذا عمرو بن العاص ريض اهلل عنه يذكر الروم فيقول‪ :‬أما ّ‬
‫ٍ‬
‫خصال هي معاقد األخالق ومقومات السيادة‪.‬‬
‫مخسا()‪ .‬ثم يذكر مخس‬
‫ً‬
‫ أخرجه مسلم (‪.)2898‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪68‬‬

‫‪9‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 6‬بالرغم من وضوح هذا املعنى ونصاعته يف الرتبية النبوية إال أننا ُنخفق يف‬
‫التـزامه يف أحايني كثرية؛ فعىل كثرة من يتحدث عن الغرب بمبالغة انبهار ّية‪،‬‬
‫جتد من يتحاشى ذكر يشء من فضائلهم األخالقية أو مزاياهم السلوكية‪ ،‬والتي‬
‫هي عنارص القوة احلقيقية يف حضارهتم‪ ،‬بل إننا قد نخترص تقييمنا للناس يف‬
‫ٍ‬
‫خطيئة قارفوها‪ ،‬أو خطأ وقعوا فيه‪ ،‬بل ربام وجدنا من العرس النفيس علينا أن‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫خالف يف وجهة نظر‪،‬‬
‫اختالف اجتهادي أو‬
‫شخص نحن معه يف‬
‫نذكر حماسن‬

‫وإذا كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قد استعمل أعىل معايري اإلنصاف مع‬
‫من يفصل بينه وبينهم الرشك األكرب‪ ،‬فنحن أحوج إىل استعامهلا مع إخواننا‬
‫يفرقنا‪ ،‬و ُيدنينا إليهم أكثر مما يبعدنا‪ ،‬وأ ّ‬
‫ال نجعل‬
‫الذين جيمعنا معهم أكثر مما ّ‬
‫من أخطاء إخواننا زنازين نسجنهم فيها‪ ،‬ثم ال ننظر بعدُ إىل ما يكون فيهم من‬
‫مزايا وفضل()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4024 ،3139‬وتاريخ الطبري (‪ ،)34/2‬ودالئل النبوة للبيهقي‬
‫(‪ ،)140/3‬واالستيعاب (‪ ،)1459/4‬واملنتظم (‪ ،)111/3‬والبداية والنهاية (‪ ،)128/5‬واإلصابة‬
‫(‪ ،)770/5‬وفتح الباري (‪.)324/7( ،)243/6‬‬

‫‪9‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪69‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪10‬‬

‫بين ُأحد واليرموك‬
‫لو أراد اخليال أن ينسج قصة غريبة‬
‫عاجبة ما نسج أغرب منها وأعجب‪،‬‬
‫ولكن الواقع كان أوسع مدى من‬
‫َّ‬
‫اخليال‪ ،‬يبدأ طرفها األول عند سفوح‬
‫جبل أحد سنة ثالث من اهلجرة‪،‬‬
‫حيث جيش املرشكني يتح َّفز للقاء‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫واملسلمني معه‪ ،‬وكان القائد األعىل‬
‫جليش املرشكني أبو سفيان صخر‬
‫ِ‬
‫ستخد ًما أعىل‬
‫بن حرب ُي ِعدُّ جيشه ُم‬

‫‪10‬‬

‫معايري االقتدار السيايس والعسكري‬
‫والنفيس‪ ،‬ولذا اختار معه يف القيادة‬
‫شبا ًبا يمتازون باملهارة القتالية‪ِ ،‬‬
‫وشدَّ ة‬
‫العداوة للرسول صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬وأهنم أبناء زعامء املواجهة‬
‫والعداوة األوىل مع رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فهم معرقون يف‬
‫العداوة َ‬
‫واحلنَق‪ ،‬ترشّ بوه من آبائهم‪،‬‬
‫ومضوا فيه عىل إِ ْثرهم؛ فجعل قيادة‬
‫ميمنة اجليش خلالد بن الوليد بن‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪71‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫املغرية‪ ،‬وجعل قيادة ميرسة اجليش لعكرمة بن أيب جهل بن هشام‪ ،‬وكان‬
‫وثأرا قري ًبا؛ فأبو سفيان ُقتل ابنه‬
‫هؤالء القادة الثالثة حيملون أحقا ًدا عميقة ً‬
‫حنظلة قبل عام يف بدر‪ ،‬وعكرمة ُقتل أبوه أبو جهل ً‬
‫أيضا يف بدر‪ ،‬وخالد ُقتل‬
‫عمه والد عكرمة هناك‪.‬‬
‫َّ‬
‫استغل خالد برباعة‬
‫وابتدأت املعركة وكان النرص يف بدايتها للمسلمني‪،‬‬
‫عسكرية عالية الثغرة التي انكشفت يف جيش املسلمني‪ ،‬ف َتغيرَّ مسار املعركة‪،‬‬
‫ووقع القتل يف جيش املسلمني حتى ُقتل منهم سبعون من خيار أصحاب رسول‬
‫ومثّل بأجسادهم بعد قتلهم‪ ،‬منهم محزة بن عبد‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ُ ،‬‬
‫املطلب عم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وصنو أبيه وأحب الناس إليه‪،‬‬
‫فهشّ مت البيضة‬
‫ووصل املرشكون إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ُ ،‬‬
‫الر َب ِ‬
‫عىل رأسه‪ُ ،‬‬
‫وجرحت شفته السفىل‪ ،‬وغاصت حلقتان‬
‫اعية‪ُ ،‬‬
‫وكرست ِس ُّنه َّ‬
‫من ِح َلق املِغْ َفر يف َو ْجنته‪ُ ،‬‬
‫وش ّج وجهه‪ ،‬فجعل الدم يسيل عىل وجهه الرشيف‬
‫املبارك‪.‬‬
‫وأرسع أبو سفيان بتثبيت هذا النرص ا ُملخت ََطف وإعالن الظفر والتش ِّفي قائلاً ‪:‬‬
‫ُأ ُ‬
‫عل هبل‪ ،‬يوم بيوم بدر واحلرب سجال‪ .‬ثم أرسع االنسحاب من ميدان‬
‫املعركة؛ ليحافظ عىل هذا النرص اخلاطف‪.‬‬
‫وأما رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فجعل يمسح الدم عن وجهه وهو‬
‫اعيته‪ ،‬وأدموا وجهه وهو‬
‫يقول‪(( :‬كيف يفلح قوم ّ‬
‫شجوا نبيهم وكرسوا َر َب ّ‬
‫يدعوهم إىل رهبم‪ ،‬اشتد غضب اهلل عىل قوم َك َلموا وجه رسول اهلل))‪ .‬ثم‬
‫َـزل الوحي‬
‫سكت ساعة ثم قال‪(( :‬اللهم اغفر لقومي فإهنم ال يعلمون))‪ .‬ثم َتن َّ‬
‫وب‬
‫س َل َك ِم َن الأْ َ ْم ِر شيَْ ٌء َأ ْو َي ُت َ‬
‫من اهلل عىل نبيه جييب عن هذا التساؤل } َل ْي َ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪72‬‬

‫‪10‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫َع َل ْي ِه ْم َأ ْو ُي َع ِّذبهَ ُ ْم َفإِنهَّ ُ ْم َظالمِ ُ َ‬
‫ون{‪.‬‬
‫ثم أغفى الزمن إغفاءة مرت فيها عرش سنني جاء فيها نرص اهلل والفتح‪ ،‬ودخل‬
‫أفواجا‪ ،‬ثم حلق صىل اهلل عليه وآله وسلم بالرفيق األعىل‪،‬‬
‫الناس يف دين اهلل‬
‫ً‬
‫لنصل إىل طرف القصة َ‬
‫اآلخر يف ختوم الريموك سنة ثالث عرشة من اهلجرة‪،‬‬
‫حيث زحوف املسلمني تقابل جيوش الروم يف املعركة الفاصلة التي ستحسم‬
‫مصري الروم يف بالد الشام‪.‬‬
‫فإن سألت عن القائد األعىل لكراديس جيوش املسلمني فهو خالد بن الوليد‬
‫بن املغرية‪ ،‬وإن سألت عن قائد فرقة املوت فعكرمة بن أيب جهل بن هشام‪ ،‬وإن‬
‫سألت عن قائد التوجيه املعنوي فأبو سفيان صخر بن حرب‪ .‬يا هلل العجب!!‬
‫إهنم هم القادة الثالثة جليش املرشكني يف أحد‪ ،‬فإن سألت عن خربهم‪ ،‬فأما‬
‫عكرمة بن أيب جهل فقد كان ينادي‪ :‬من يبايعني عىل املوت؟ حتى اجتمع عليه‬
‫نحو من أربعامئة كلهم يطلب املوت يف هذه املعركة الفاصلة‪ ،‬لتنتهي املعركة‬
‫وعكرمة أحد شهدائها‪ ،‬وأما أبو سفيان صخر بن حرب فقد كان حتت راية‬
‫ولده يزيد حيمل أعوامه الثامنني‪ ،‬ويرشف عىل اجليش بعني واحدة فإن عينه‬
‫األخرى قد ُأصيبت مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف الطائف‪ ،‬وهو‬
‫حيرض الناس عىل اجلهاد والثبات وينادي املسلمني‪ :‬اهلل اهلل إنكم أنصار‬
‫يصيح ّ‬
‫اإلسالم ودارة العرب‪ ،‬وهؤالء أنصار الرشك ودارة الروم‪ ،‬اللهم هذا يوم من‬
‫أيامك‪ ،‬اللهم أنزل نرصك‪ ،‬يا نرص اهلل اقرتب‪ .‬ولك أن تتخيل أثر هذه النداءات‬
‫يف نفوس جيش املسلمني وهم يرون شيخ قريش يتحامل عىل أعوامه الثامنني‪،‬‬
‫وينادهيم هذا النداء‪ ،‬ويسترصخهم ويستجيشهم‪ ،‬لتنتهي املعركة بنرص حاسم‬
‫وفتح مبني حيوزه للمسلمني قائد جيشهم خالد بن الوليد بن املغرية‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪73‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وبقي لعربة املوقف وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن هذا املشهد إذا جمُ ع طرفاه بني أحد والريموك تبني كيف كانت النقلة‬
‫مدهشة هلؤالء الرهط الثالثة أبو سفيان وخالد وعكرمة‪ ،‬فمن قيادة املرشكني‬
‫حلرب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬واستهداف الرسول والرسالة‪،‬‬
‫وحماولة القضاء املربم عليها‪ ،‬ثم يف ومضة من عمر الزمن يتحول املشهد إليهم‪،‬‬
‫وهم يقاتلون باستامتة واستبسال عن دين ذاك النبي‪ ،‬ويقودون اجلموع رسلاً‬
‫لرسالته‪ ،‬ومبلغني لدعوته يف معركة مهولة فاصلة‪ ،‬ل ُيقتل فيها عكرمة‪ ،‬و ُتفقأ‬
‫العني الباقية أليب سفيان‪ ،‬و ُيفتح عىل خالد‪.‬‬
‫كل ذلك وقد حلق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بالرفيق األعىل فال جمال َث َّم َة‬
‫لرجائه أو خوفه أو ُمراءاته‪ ،‬ولك َّنه التشبع العميق بدعوته والصدق مع رسالته‪،‬‬
‫والنظر بعني اليقني إىل صدق موعوده‪ ،‬متجاوزين بذلك العداوة املوروثة‬
‫عن آبائهم‪ ،‬والثارات املريرة يف نفوسهم‪ ،‬وهم العرب أطلب األمم للثأر‪،‬‬
‫وأحفظهم للترّ ات‪ ،‬وأصلبهم يف مداومة العداوة‪ .‬ثم حيدث هذا االنقالب‬
‫العظيم ليتحول قادة املعركة ضد رسول اهلل إىل قادة املعركة لدينه بعد وفاته‪.‬‬
‫لقد ُأعيد بناء العقل‪ ،‬وتربية النفس‪ ،‬وتأسيس اإليامن‪ ،‬وحتديد االجتاه‪ ،‬وجتلية‬
‫الرؤية والرسالة واهلدف‪.‬‬
‫نفوس‬
‫وهذا إحدى النجاحات ا ُملب ِهرة يف الدعوة املحمدية؛ حيث ُأحييت‬
‫ٌ‬
‫كانت موا ًتا‪ ،‬فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج هبيج‪.‬‬
‫‪ - 2‬يأخذك هذا األدب النبوي من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪74‬‬

‫‪10‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وهو يف أشد حاالت َأ َل ِ‬
‫ـمه النفيس واجلسدي‪ ،‬يمسح الدم عن وجهه ويقول‪:‬‬
‫شجوا وجه نبيهم؟ إنه صىل اهلل عليه وآله وسلم ال يزيد عىل‬
‫كيف يفلح قوم ّ‬
‫طرح تساؤل‪ ،‬فلم حيسم مصائرهم‪ ،‬ومل َّ‬
‫يتأل عىل اهلل أ ّ‬
‫ال يرمحهم‪ ،‬ومل يستنزل‬
‫قوارع العذاب هبم‪ ،‬ولكنه تساءل‪ :‬هل سيفلح هؤالء بعد أن فعلوا ذلك كله‬
‫من قتل خيار املسلمني‪ ،‬والتمثيل بأجسادهم‪ ،‬ثم الوصول إىل رسول اهلل ليناله‬
‫من اجلراحات ما ناله‪ ،‬وليتناثر دمه عىل وجهه املبارك؟ فكيف يفلح قوم هذا‬
‫عملهم بنبي يدعوهم إىل اهلل؟! َّ‬
‫إن حلظة املصاب وشدة األمل النفيس واجلسدي‬
‫مل تكن لتقف عند حد التساؤل‪ ،‬ولكن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم كان‬
‫أعلم اخللق باهلل وأخشاهم له‪ ،‬ولذا لزم عتبة األدب مع ربه‪ ،‬ومل يزد عىل أن‬
‫تساءل بال حسم وال جزم‪.‬‬
‫شجوا وجه‬
‫‪ - 3‬إن هذا االستبعاد يف التساؤل النبوي‪((:‬كيف يفلح قوم ّ‬
‫نبيهم؟))‪ .‬سيتحول إىل جزم قاطع يف املقاييس البرشية‪ ،‬وسيقول كل من رأى‬
‫شجوا وجه نبيهم‪ ،‬كيف وقد بلغوا يف عداوة الرسول‬
‫املشهد‪ :‬لن يفلح قوم ُّ‬
‫والرسالة أقىص مداها ومنتهى غايتها‪ ،‬وهل أعظم من اجلهد يف القتال وحماولة‬
‫قيص عن نبيه‪ ،‬وأفضل خلقه‪،‬‬
‫االستئصال؟ ومع ذلك ينزل وحي اهلل؛ ل ُي َ‬
‫س َل َك ِم َن الأْ َ ْم ِر شيَْ ٌء{‬
‫وأحبهم إليه مصائر الناس ومآالت حياهتم } َل ْي َ‬
‫وليكون أمر الفالح النهائي والسعادة األبدية مما تفرد اهلل بتدبريه وتقديره } ُق ْل‬
‫إِ َّن الأْ َ ْمر ُك َّل ُه للِهَّ ِ{‪ ،‬ويبقى منتهى القضية إىل علم اهلل وتدبريه َ‬
‫وب َع َل ْي ِه ْم‬
‫}أ ْو َي ُت َ‬
‫َ‬
‫َأ ْو ُي َع ِّذبهَ ُ ْم َفإِنهَّ ُ ْم َظالمِ ُ َ‬
‫ون{ وكأين بفقهاء الصحابة يستشفون من هذه اآلية بشائر‬
‫توبة اهلل عليهم‪ ،‬وطالئع هدايته هلم‪ ،‬حيث بدأ اهلل بذكر التوبة قبل العذاب‪،‬‬

‫‪10‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪75‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ويتساءلون كيف ومتى سيكون ذلك وهذا حاهلم؟ لكن لطف اهلل يف تدبريه‬
‫فوق نظر البرش وتقديرهم }إِ َّن َربيِّ َل ِط ٌ‬
‫يم{‪.‬‬
‫يم الحْ َ ِك ُ‬
‫يف لمِ َا َي َش ُاء إِ َّن ُه ُه َو ا ْل َع ِل ُ‬
‫‪ - 4‬برغم شدة حالة األمل النفيس واجلسدي التي كان رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يعانيها من ُمصابه يف أصحابه‪ ،‬وقتلهم والتمثيل هبم بني يديه‪،‬‬
‫وجراحات جسده ونزيف الدماء عىل وجهه‪ ،‬وكلامت الشامتة والتش ِّفي التي‬
‫يسمعها‪ ،‬مع هذا كله إال أنه استنزل رمحة اهلل واستدفع غضبه ((اللهم اغفر‬
‫لقومي فإهنم ال يعلمون))‪ .‬وإذا تأمل ال َف ِطن هذا الدعاء يف تلك احلال علم‬
‫يم{ فإنه صىل اهلل عليه وآله وسلم مل‬
‫}وإِ َّن َك َل َعلىَ ُخ ُل ٍق َع ِظ ٍ‬
‫معنى قوله تعاىل َ‬
‫َيدْ ُع عليهم فينرص‪ ،‬ومل يقترص عىل العفو عنهم حتى دعا هلم‪ ،‬ومل يقترص عىل‬
‫عذرا‪ ،‬وهذا غاية‬
‫الدعاء هلم حتى جعل هلم جهلهم بحاله كالعذر وإن مل يكن ً‬
‫وصل إليها‪.‬‬
‫الفضل والكرم التي ال َت َش ُارك فيها وال ُي َ‬
‫‪ - 5‬مع أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم باملكانة األعىل عند ربه َّ‬
‫وعز‪،‬‬
‫جل ّ‬
‫همة تجُ اه قومه‪ ،‬ومع ذلك ملا ُقصد هبذه النكاية‬
‫وكان يقوم بأرشف وأفضل ُم َّ‬
‫شجوا وجه نبيهم؟))‪.‬من‬
‫الشديدة ما زاد عىل هذا التساؤل ((كيف يفلح قوم ُّ‬
‫غري حسم ملصائرهم وال ٍّ‬
‫تأل عىل اهلل يف حاهلم‪.‬‬
‫ريا‬
‫وهذا درس نبوي عظيم يف التواضع وعدم النظر عىل الذات حيتاجه كث ً‬
‫من استغرقوا يف النظر إىل أنفسهم ومالحظة أعامهلم‪ ،‬فينظرون إىل أنفسهم‬
‫بعني استحقاق الكرامات‪َّ ،‬‬
‫وأن هلم من املكانة عند اهلل‪ ،‬بحيث ينتقم هلم ممن‬
‫َت َن َّقصهم يف احلال‪ ،‬وأن ُي َ‬
‫ؤخذ من أساء األدب عليهم من غري إمهال‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪76‬‬

‫‪10‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 6‬درس لنا آخر وهو أال نيأس يف دعوتنا من أحد‪ ،‬وال نستبعد َت َغيرُّ حاله‬
‫وصالحها‪ ،‬فمن كان ينظر إىل حال هؤالء الثالثة يف ُأ ُحد ال يمكن أن يتصور ‪-‬‬
‫يصح احتباس الناس‬
‫مهام بلغ تفاؤله‪ -‬ما انتهى إليه حاهلم بعد ذلك‪ ،‬ولذا فال ُّ‬
‫ين َعا َد ْي ُت ْم ِّم ْن ُه ْم‬
‫رهائن يف اللحظة احلارضة َ‬
‫يجَْع َل َب ْين َُك ْم َو َبينْ َ ا َّل ِذ َ‬
‫}ع َسى اللهَّ ُ َأ ْن َ‬
‫يم{‪ .‬وهذا يفتح للنفس آفاق التفاؤل‪ ،‬ويمدُّ ها‬
‫َّم َو َّد ًة َواللهَّ ُ َق ِد ٌير َواللهَّ ُ َغ ُف ٌ‬
‫ور َر ِح ٌ‬
‫بالرفق والسكينة يف الدعوة()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح مسلم (‪ ،)1791‬وتاريخ الطبري (‪ ،)335 ،65/2‬وسير أعالم النبالء (‪،)105/2‬‬
‫والبداية والنهاية (‪ ،)569-545/9‬وتفسير ابن كثير (‪ ،)112/2‬واإلصابة (‪.)412/3‬‬

‫‪10‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪77‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪11‬‬

‫من معونة إلى مؤتة‬
‫قدم أبو براء عامر بن مالك رأس‬
‫بني عامر ‪-‬واملعروف بمالعب‬
‫ِ‬
‫األس َّنة‪ -‬املدين َة عىل رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فعرض عليه‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫اإلسالم‪ ،‬ودعاه إليه‪ ،‬فلم ُي ْس ِلم ومل‬
‫َي ْب ُعد‪ ،‬وقال‪ :‬يا حممد لو بعثت رجالاً‬
‫رجوت‬
‫من أصحابك إىل أهل نجد‬
‫ُ‬
‫أن يستجيبوا لك‪ .‬فقال له رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬إين‬

‫‪11‬‬

‫أخاف عليهم أهل نجد))‪ .‬فقال أبو‬
‫براء‪ :‬أنا جار هلم‪ .‬فأرسل النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم سبعني من ِخرية‬
‫أصحابه يقال هلم ُ‬
‫الق َّراء‪ ،‬وكانوا‬
‫حيتطبون بالنهار ويبيعونه‪ ،‬ويشرتون‬
‫بثمنه الطعام ألهل الصفة‪ ،‬وبالليل‬
‫يتدارسون القرآن ثم يقومون إىل‬
‫فأمر عليهم النبي‬
‫السواري للصالة‪َّ ،‬‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم املنذر بن‬
‫عمرو الساعدي‪ ،‬وكان منهم ُعروة‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪79‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫بن أسامء‪ ،‬وحرام بن ملحان‪ ،‬وعامر بن فهرية ريض اهلل عنهم‪ ،‬وسار هذا‬
‫فمروا يف طريقهم‬
‫الركب الكريم إىل وجهتهم ِق َبل نجد‪ ،‬حيث ديار بني عامر‪ُّ ،‬‬
‫بمكان يقال له‪ :‬بئر َم ُعو َنة‪ ،‬وهي أرض بني عامر وبني ُسليم‪ ،‬وقصدوا إىل‬
‫عامر بن الطفيل وهو ابن أخي عامر بن مالك؛ ليدعوه بدعوة رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فغدر هبم‪ ،‬واسترصخ عليهم قومه بني عامر‪ ،‬فأبوا‬
‫وقالوا‪ :‬ال خُْت َفر ِذ َّمة أيب براء‪ ،‬فاسترصخ عليهم جريانه بني سليم‪ ،‬فأطاعوه‪،‬‬
‫مجيعا‪ ،‬فقد كانوا رسلاً ‪ ،‬ومل يكونوا جيش قتال‪ ،‬وأخرب ُ‬
‫اهلل‬
‫وقاتلوهم‪ ،‬فقتلوهم ً‬
‫نبيه صىل اهلل عليه وآله وسلم بخربهم عىل لسان جربيل عليه السالم يف تلك‬
‫الليلة‪ ،‬وحزن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عليهم حز ًنا شديدً ا حتى‬
‫قال أنس ريض اهلل عنه‪ :‬ما رأيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وجد‬
‫عىل أحد ما وجد عىل أصحاب بئر َم ُعو َنة‪ ،‬وجعل يدعو يف صالة الفجر بعد‬
‫شهرا عىل من قتلهم حتى أنزل اهلل خربهم وح ًيا يوحى عىل نبيه صىل‬
‫الركوع ً‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يبني حاهلم عند رهبم‪(( :‬بلغوا قومنا فقد لقينا ربنا فريض‬
‫عنا ورضينا عنه))‪.‬‬
‫وتأثر الصحابة ملصاهبم يف هذه الكوكبة َ‬
‫اخليرِّ ة‪ ،‬وكان من ذلك أن الزبري بن‬
‫سمى بنيه عروة‪ ،‬واملنذر بعروة بن أسامء‪ ،‬واملنذر بن‬
‫العوام ريض اهلل عنه َّ‬
‫عمرو من شهداء بئر َم ُعو َنة‪.‬‬
‫ومرت بعد ذلك أربع سنني تغريت فيها حال املسلمني السياسية والعسكرية‪،‬‬
‫فقد عقد صىل اهلل عليه وآله وسلم صلح احلديبية‪ ،‬وأمن الناس‪ ،‬وفشا اإلسالم‪،‬‬
‫وكثر املسلمون‪ ،‬وإذا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يرسل يف السنة‬
‫الثامنة بكتاب إىل عظيم ُبرصى مع احلارث بن ُع َمري األزدي‪ ،‬فعرض له أمري‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪80‬‬

‫‪11‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫البلقاء من ِق َبل قيرص فشدَّ وثائقه ثم َقدَّ مه فرضب عنقه‪ ،‬فلام بلغ ذلك رسول‬
‫جهز ً‬
‫جيشا ُقوامه ثالثة آالف مقاتل‪ ،‬وأنفذه إىل‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫الشام‪ ،‬ودارت معركة مهولة بني جيش املسلمني هذا وجيش الروم الذي كان‬
‫عددهم‪،‬‬
‫عداده مائتي ألف مقاتل‪ ،‬وقد قتل من الروم عدد غفري‪ ،‬ال ُيع َلم ُ‬
‫غري أن خالد بن الوليد القائد الرابع جليش املسلمني كان يقول‪ :‬انقطعت يف‬
‫يدي يوم ُم ْؤ َتة تسعة أسياف‪ ،‬وما صرب يف يدي إلاَّ صفيحة يامنية‪ .‬فكم َق َطعت‬
‫هذه األسياف قبل أن تنقطع؟ وكم َقتَل بأسياف غريه من جيش املسلمني؟‬
‫أما املسلمون فلم يتجاوز قتالهم ‪ 12‬رجلاً ‪ ،‬وقد استطاع خالد االنحياز بعد‬
‫فتحا فقال‪(( :‬ثم‬
‫ذلك بجيشه إىل املدينة برباعة عسكرية عالية سامها رسول اهلل ً‬
‫أخذ الراية سيف من سيوف اهلل حتى فتح اهلل عليهم))‪.‬‬
‫وبقي بعد ذلك أن ُي ِمدَّ كل منا برص بصريته؛ ليحشد املشهدين يف صعيد َت َأ ُّميل‬
‫واسعا من‬
‫واحد؛ ليتجىل من ذلك املعنى العظيم املتكامل من رؤية املشهد‬
‫ً‬
‫طرفيه‪.‬‬
‫لقد كان أول ما أعلنه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ملا ُطلب منه إرسال‬
‫جمموعة من أصحابه إىل نجد خوفه عليهم فقال‪(( :‬إين أخاف عليهم أهل‬
‫نجد))‪ .‬ومل يرسلهم حتى استوثق هلم باألمان واخلفارة من سيد بني عامر‪،‬‬
‫وأهنم يف جواره‪.‬‬
‫ريا‪ ،‬فهو بعدد شهداء أحد‪ ،‬وكلهم رسل رسول‬
‫كام نلحظ أن عدد القتىل كان كب ً‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ومل يكونوا ً‬
‫قتاليا‪.‬‬
‫جيشا ًّ‬
‫وأن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم حزن عليهم حز ًنا شديدً ا‪ ،‬فهم خرية‬
‫أصحابه وقراؤهم‪ ،‬وحزن أصحابه معه‪ ،‬وتأملوا هلذا املصاب‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪81‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ومع ذلك فإن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يفعل إال االستنصار باهلل‬
‫ً‬
‫جيشا‪ ،‬ينتقم لرسله‪ ،‬ويؤدب القبائل الباغية هبذا‬
‫وبسط اليد بالدعاء‪ ،‬ومل ُي َسيرِّ‬
‫نحوا من مائتي كيلو‪ ،‬يف‬
‫العدوان الغادر‪ ،‬ومل تكن ديارهم تبعد عن املدينة إال ً‬
‫جيشا قوامه ثالثة آالف؛ لتأديب من قتلوا رسولاً‬
‫حني أرسل بعد أربع سنني ً‬
‫نحوا من ألف كيلو‪.‬‬
‫واحدً ا من رسله مع أن ديارهم تبعد عن املدينة ً‬
‫فلامذا مل يرسل ً‬
‫جيشا يف املرة األوىل رغم مرارة املصاب وكثرة القتىل ولؤم‬
‫الغدر وفحش العدوان‪.‬‬
‫إن اجلواب يظهر للمتبرص وهو أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن‬
‫ليضاعف املصيبة ويوسع مساحة اخلسارة بإرسال جيش واملسلمون يف حالة‬
‫ضعف وقلة‪ ،‬كام أهنم قريبو عهد بمصاهبم يف أحد‪ ،‬فام كان صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم لريمي بجيشه يف صحراء العرب وبني هلوات قبائلها املعادية ودولته ال‬
‫زالت غضة شارعة يف النمو‪.‬‬
‫املتعجلة حينئذ ذات تأثري ُمدَ ِّمر عىل دولة اإلسالم الصاعدة‪،‬‬
‫إن املواجهات‬
‫ِّ‬
‫املتسعرة والعواطف املستثارة قد الذت‬
‫جليا كيف أن املشاعر‬
‫ِّ‬
‫ولذا وضح ًّ‬
‫بالصرب اجلميل وأحكم قيادها للبصرية والنظر املستبرص يف العواقب‪.‬‬
‫وه ْم‬
‫إن الذي قال‪ :‬إين أخاف عليهم أهل نجد هو الذي ُأن ِزل عليه } َفال خَ َتا ُف ُ‬
‫َو َخا ُف ِ‬
‫اخ َش ْو ِن{‪ ،‬وهو الذي‬
‫اس َو ْ‬
‫ون{‪ ،‬وهو الذي ُأن ِزل عليه } َفال خَْت َش ُوا ال َّن َ‬
‫ُأن ِزل عليه َ‬
‫ري ًة بِإِ ْذ ِن اللهَّ ِ{‪ ،‬وهو الذي قال يف‬
‫}ك ْم ِّم ْن ِفئ ٍَة َق ِلي َل ٍة َغ َل َب ْت ِف َئ ًة َكثِ َ‬
‫أشد حمنة }ال تحَْ زَ ْن إِ َّن اللهَّ َ َم َعنَا{‪ ،‬وهو أعلم اخللق باهلل وأتقاهم هلل وأعظمهم‬
‫ثقة به وتوكلاً عليه‪ ،‬ولكنها الرتبية النبوية عىل االستبصار يف تدبري شأن األمة‪،‬‬
‫والر ِو َّية يف َت َق ُّحم املواجهة‪ ،‬فشتان بني خوف احليطة واحلذر‪ ،‬وخوف اجلبن‬
‫َ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪82‬‬

‫‪11‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫واخلور‪.‬‬
‫َّأما يف السنة الثامنة فإنه بكتابة صلح احلديبية أمن املسلمون قبائل العرب‪،‬‬
‫وقضوا عىل مؤامرات اليهود يف خيرب‪ ،‬وفشا اإلسالم‪َ ،‬‬
‫وك ُثر اجلمع‪ ،‬وأصبح‬
‫املسلمون يف حال قوة تؤهلهم للمواجهة‪ ،‬ولذا ملا قتل لرسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم رسول واحد يف أقىص األرض مل يكن صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ‪ -‬وحاشاه ‪ -‬بخيلاً وال جبا ًنا‪ ،‬وإنام أساح إىل الشام ً‬
‫جيشا قوامه ثالثة‬
‫آالف؛ ليخوض َم ْل َحمة قتالية كانت هي التوطئة ملالحم الفتح اإلسالمي‬
‫ألرايض الروم بعد ذلك‪.‬‬
‫إن هذا الدرس النبوي يقول لنا‪ :‬إن اجلهاد ليس انفعاالت عاطفية‪ ،‬وال‬
‫ِ‬
‫مستكملة لرشوطها‪،‬‬
‫مغامرات ارجتالية‪ ،‬ولكنه شعرية مستوفية لظروفها‪،‬‬
‫وحمققة أهدافها () ‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬طبقات ابن سعد (‪ ،)51/2‬وصحيح البخاري (‪ ،)4262-1246‬والبداية والنهاية‬
‫(‪ ،)438-412/6‬وفتح الباري (‪.)512/7‬‬

‫‪11‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪83‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪12‬‬

‫ضيافة أنصارية‬
‫ِ‬
‫ساغ ًبا‪ ،‬عىل وجهه‬
‫جاء ُم ْن َه ًكا‬
‫شحوب اجلوع‪ ،‬و َقترَ ة اإلعياء‪،‬‬
‫فتوجه تلقاء والد املؤمنني ورسول‬
‫َّ‬
‫رب العاملني الذي قال عنه ربه‪}:‬ال َّنبِ ُّي‬
‫َأوْلىَ بِ مْ ُ‬
‫ال ْؤ ِمنِ َ‬
‫ني ِم ْن َأن ُْف ِس ِه ْم { وهو أب‬
‫هلم؛ فلام وصل إليه قال بلسان حاله‬
‫ومقاله‪ :‬يا رسول اهلل أصابني اجلهد‪،‬‬
‫فأرسل رسول اهلل من َف ْوره إىل إحدى‬
‫نسائه يسأهلا هل عندها ما ُي ِ‬
‫طعم هذا‬
‫الضيف املجهود‪ ،‬فقالت‪ :‬والذي‬

‫‪12‬‬

‫بعثك باحلق ما عندي إال ماء‪ .‬فأرسل‬
‫إىل أخرى من نسائه‪ ،‬فقالت مثل ذلك؛‬
‫حتى أرسل إليهن كلهن؛ فكان حاهلن‬
‫وجواهبن واحدً ا‪ :‬والذي بعثك باحلق‬
‫ما عندنا إال املاء‪ .‬فأقبل النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم عىل أصحابه وقال‪:‬‬
‫((من ُي ِض ُ‬
‫يف هذا الليلة رمحه اهلل؟))‪.‬‬
‫فقال أبو طلحة األنصاري ريض‬
‫اهلل عنه‪ :‬أنا يا رسول اهلل‪ .‬ثم انطلق‬
‫إىل بيته فقال المرأته‪ :‬أكرمي ضيف‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪85‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وال تدَّ خري عنه شيئًا‪ .‬قالت‪ :‬واهلل ما‬
‫عندي إال عشاء صبياننا‪ .‬فقال‪ :‬إذا أراد الصبية العشاء فع ِّلليهم حتى يناموا؛‬
‫فقريب له ما عندك؛ فإذا‬
‫ثم أصلحي طعامك وأوقدي رساجك‪ ،‬فإذا جاء ضيفنا ِّ‬
‫فنومت صبياهنا‪ ،‬وأصلحت طعامها‪،‬‬
‫أهوى ليأكل فقومي إىل الرساج فأطفئيه‪َّ .‬‬
‫وأوقدت رساجها‪ ،‬فلام جاء الضيف َقدَّ مت له طعامهم القليل‪ ،‬ثم قامت إىل‬
‫الرساج كأهنا تصلحه فأطفأته‪ ،‬ثم جلسا مع ضيفهام عىل الطعام‪ ،‬وجعل أبو‬
‫تتلمظ؛ حتى رأى الضيف أهنام يأكالن‪ ،‬فأكل بعد جوع‬
‫يتلمظ وزوجه َّ‬
‫طلحة َّ‬
‫طويل فأتى عىل طعامهم ك ِّله من حيث ال يشعر‪ ،‬أما مها فقد باتا طاويني عىل‬
‫اجلوع كام بات صبياهنام‪ ،‬فلام تن َّفس الصبح غدا أبو طلحة ريض اهلل عنه كعادته؛‬
‫ليصيل مع النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم صالة الفجر‪ ،‬فإذا رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم الذي بشرَّ ه برمحة اهلل يوم أخذ ضيفه‪ ،‬يبشرِّ ه ببرشى أخرى‬
‫فيقول‪(( :‬لقد ضحك اهلل الليلة أو عجب من فعالكام بضيفكام))‪.‬‬
‫وكان من آثار هذا العجب اإلهلي وح ًيا أوحاه اهلل عىل نبيه يف قرآن أنزله يتىل إىل‬
‫ون َعلىَ َأن ُْف ِس ِه ْم َو َل ْو َك َ‬
‫}و ُي ْؤثِ ُر َ‬
‫اص ٌة{‪.‬‬
‫ان بهِ ِ ْم َخ َص َ‬
‫يوم القيامة َ‬
‫وبعد‪ ،‬فمع هذه القصة وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬كان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم مثابة للمؤمنني يثوبون إليه‬
‫توجه إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫عند حاجتهم وكرهبم؛ فهذا اجلائع املجهود َّ‬
‫وآله وسلم ومل ُي ِطل العرض‪ ،‬ومل يسهب يف الرشح‪ ،‬وإنام عرض حاجته ((يا‬
‫التام بحاله؛‬
‫رسول اهلل أصابني اجلهد))‪ .‬ل َي ْلقى التجاوب الرسيع واالهتامم َّ‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪86‬‬

‫‪12‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫بحيث مل ينفصل عن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إال وقد ُق ِضيت‬
‫حاجته‪ ،‬وتدبر أمره‪.‬‬
‫إهنا الوالية النبوية القائمة عىل الرعاية والعناية واالهتامم‪ ،‬وليس التسلط‬
‫والتعاظم ُ‬
‫واألبهَّ ة‪ ،‬إهنا الوالية التي أعلنها صىل اهلل عليه وآله وسلم بقوله‪:‬‬
‫ياعا‬
‫((أنا أوىل بكل مؤمن من نفسه‪ ،‬من ترك مالاً فألهله‪ ،‬ومن ترك َدينًا أو َض ً‬
‫فإ َّيل وع َّ‬
‫يل))()‪.‬‬
‫‪ - 2‬ترى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بدأ بنفسه يف قضاء حاجة هذا‬
‫املجهود؛ فأرسل إىل إحدى زوجاته يسأهلا طعا ًما لضيفه‪ ،‬فلام مل جيد عندها‬
‫أرسل إىل أخرى‪ ،‬حتى أرسل إىل بيوته كلهن‪ ،‬ومل يعرض عىل أصحابه إال بعد‬
‫أن استفرغ ما عنده صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫وهكذا كان صىل اهلل عليه وآله وسلم يف أمره كله القدوة بفعله قبل قوله‪،‬‬
‫أتم القيام‪،‬‬
‫وما كان يأمر بخري إال وقد سبق إليه‪ ،‬ومتثله غاية التمثل‪ ،‬وقام به َّ‬
‫التامة من الصحابة رضوان اهلل عليهم يف صور رائعة من‬
‫ولذا حصلت املتابعة َّ‬
‫التفاين يف االقتداء‪ ،‬وما مشهد أيب طلحة ريض اهلل عنه مع ضيفه إال جتاوب‬
‫مع حال القدوة العظمى صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولقد كان ربه أعلم به يوم‬
‫ان َل ُك ْم فيِ َر ُس ِ‬
‫قال‪َ } :‬ل َقدْ َك َ‬
‫ول اللهَّ ِ ُأ ْس َو ٌة َح َسن ٌَة{‪.‬‬
‫ومرب‬
‫إن هذا املعنى ينبغي أن يتجدد َت َذ ُّكره والوعي به يف نفوسنا‪ ،‬وكل عامل وداعية‬
‫ٍّ‬
‫ومعلم أحوج يشء إليه؛ لتقديم الرسالة بالقدوة والبداءة بالنفس يف متثُّل املبادئ‪،‬‬
‫يصم أذين)‪.‬‬
‫ويف احلكمة الغربية‪( :‬ال ختربين عن نفسك‪ ،‬فام تقوله أفعالك ُّ‬
‫ أخرجه مسلم (‪.)867‬‬

‫‪12‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪87‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الوضاءة يف‬
‫‪ - 3‬حال أيب طلحة ريض اهلل عنه مع ضيفه صورة ناصعة َ‬
‫اإليثار بالقليل؛ فلقد آثر أن يبيت هو وزوجه وأطفاله طاوين ليلتهم؛ ل ُي ْط ِعم‬
‫جوعا‪ ،‬ثم أعجب من َت َل ُّطفه بمشاعر ضيفه الذي مل‬
‫ضي ًفا جمهو ًدا طوى ليايل ً‬
‫يكن ليسيغ هذا الطعام لو علم أنه يشبع ليجوع مضيفه‪ ،‬فأطفأ الرساج ثم‬
‫والتلمظ هو وزوجه؛ حتى هينأ الضيف هبذا الطعام‬
‫ورى بمشهد متثييل للمضغ‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫القليل‪ ،‬ويأكله بنفس هانئة‪ .‬إنه مشهد عجيب وهل أعظم من أن عجب منه‬
‫عز َّ‬
‫وتتام بك العجب فتذكر أن‬
‫وجل‪ ،‬وأنزل فيه قرآ ًنا يتىل‪ ،‬فإذا عجبت‬
‫ربنا َّ‬
‫َّ‬
‫هذه أثارة من مدرسة النبوة‪ ،‬وثمرة من ثمرات الرتبية املحمدية‪.‬‬
‫‪ - 4‬املشهد الرائع لألرسة وهي تتفاعل مع املوقف‪ ،‬و ُت َوزَّ ع األدوار‪ ،‬وتتعاضد‬
‫ُ‬
‫فالزوجة ُتغالب عواطف األمومة؛‬
‫أتم صورة وأحسن حال‪،‬‬
‫يف إخراج املوقف عىل ِّ‬
‫لتجود بطعام ِصب َيتها‪ ،‬وتؤثر عىل نفسها بطعامها‪ ،‬وتتقاسم مع زوجها إمتام املشهد‬
‫و َت َب ُادل األدوار يف إيناس الضيف وإزالة َح َرجه من قلة الطعام‪ ،‬فكانت يف شأهنا‬
‫كله َع ْونا لزوجها عىل طاعة اهلل وإكرام ضيف رسول اهلل‪.‬‬
‫وإن هذا االندماج والتناغم األرسي بني الزوجني يف فعل القربات ما كان‬
‫ليتم لو ال أن املرأة كانت مشرتكة يف القناعة وتحَ َ ُّمل معاين الدِّ ين‪ .‬ولذا كان‬
‫جتاوهبا تلقائ ًيا‪ ،‬ومل َي ُشب تفاعلها اإلجيايب أي اعرتاض؛ مع أن نساء األنصار‬
‫ُك َّن ذوات استقاللية يف الشخصية‪ ،‬ونفوذ يف احلياة الزوجية‪.‬‬

‫إن هذا يلفتنا إىل أمهية التكامل يف تربية املجتمع‪ ،‬وإعداد املرأة لتحمل‬
‫مسؤوليتها بقناعة واقتناع وتفاعل إجيايب مع الرجل يف رسالتهام املشرتكة‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪88‬‬

‫‪12‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 5‬يف احلديث معجزة نبوية ظاهرة حيث ابتدأ النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫تم يف ظلمة الليل‬
‫أبا طلحة ريض اهلل عنه بإخباره بعجب اهلل من ضيفهام الذي َّ‬
‫ومل يعلم به ضيفهام الذي يشاركهام‪ ،‬يف آيات من آيات النبوة واملتعاقبة يف حياة‬
‫َاب َو مْ ُال ْؤ ِمن َ‬
‫ُون{‪.‬‬
‫اب ا َّل ِذ َ‬
‫}و َي ْز َدا َد ا َّل ِذ َ‬
‫ين ُأو ُتوا ا ْل ِكت َ‬
‫ين آ َمنُوا إِيماَ ًنا َوال َي ْر َت َ‬
‫الصحابة َ‬
‫‪ - 6‬حال بيوتات النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم من ِ‬
‫الق َّلة وكفاف العيش؛ بحيث‬
‫يطوف عليها الطائف يسأل طعا ًما لضيف رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فال‬
‫جيد فيها إال املاء‪ ،‬وما ذاك إال أن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قد واسى الناس‬
‫بنفسه وماله‪ ،‬ومل جيعل بيوته خزائن للرتف‪ ،‬ومجع فضول املال وال َّت َكثُّر من متاع‬
‫الدنيا‪ ،‬فتتعاقب الشهور وال توقد يف بيوته النار‪ ،‬ويراه أصحابه أكرم الناس وأجود‬
‫رسلة‪ ،‬ويقسم اإلبل باملئني‪ ،‬واملال حثوا يف الثياب‪ ،‬ولكنهم مل‬
‫باخلري من الريح ا ُمل َ‬
‫متاعا‪ ،‬أو آثر نفسه أو ذوي قرباه‪.‬‬
‫يروه يو ًما استأثر عليهم بامل أو خَ َت َّول دوهنم ً‬
‫‪ - 7‬ويف إرسال الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل بيوته كلها يسأل طعا ًما‬
‫لضيفه فال جيد ما يقتاته ذو كبد رطبة مواساة لطيفة هلذا الرجل اجلائع املجهود؛‬
‫فإذا رأى أن هذا حال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬رجع عىل نفسه‬
‫بالرضا والسكينة وعدم اجلزع ملا هو فيه؛ فهذا إمامه وقدوته‪ ،‬وهذه حاله صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم() ‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4889 ،3798‬وصحيح مسلم (‪ ،)2054‬وجامع الترمذي (‪،)3304‬‬
‫وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)11/4‬وفتح الباري (‪ ،)632/8( ،)119/7‬وعمدة القارئ‬
‫(‪.)228/19( ،)264/16‬‬

‫‪12‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪89‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪13‬‬

‫سنة حسنة‬
‫تعاىل النهار ورسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف جملسه املبارك‬
‫مع أصحابه‪ ،‬إذ أقبل عليه قوم من‬
‫األعراب قطعوا مسافة شاسعة‪،‬‬
‫وشقة بعيدة؛ ل َي ِفدوا إىل الرسول الذي‬
‫آمنوا به واتبعوه‪ ،‬نظر إليهم رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم فرآهم حفاة‬
‫األقدام‪ ،‬عراة األجسام‪ ،‬ليس عليهم‬
‫ما ُيلبس من الثياب‪ ،‬إنام هي أكسية‬
‫قد شقوا أوساطها ثم شدُّ وها عليهم‪،‬‬

‫‪13‬‬

‫عباء التحفوها تسرت بعض أجساد‬
‫أو ٌ‬
‫هزىل‪ ،‬قد َّ‬
‫أمضها التعب‪ ،‬وأضناها‬
‫اجلهد‪ ،‬وذوت من القلة واجلوع‪.‬‬
‫نظر نبيك إىل هذه األجساد العارية‬
‫يتلون‬
‫املجهودة‪ ،‬فإذا بوجهه الكريم َّ‬
‫ويتقبض؛ تأ ُّلـماً وشفقة عليهم‪ ،‬ورمحة‬
‫هبم‪ ،‬ملا يرى هبم من الفاقة واجلهد‪ ،‬ثم‬
‫مسارعا إىل بيته فلبث فيه ما شاء‬
‫توجه‬
‫ً‬
‫اهلل أن يلبث ثم خرج فأمر باللاً فأ ّذن‪،‬‬
‫ثم أقام فصىل بالناس الظهر‪ ،‬ثم صعد‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪91‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫منربه وخطب الناس‪ ،‬فحمد اهلل وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪(( :‬أما بعد‪ ،‬فإن اهلل أنزل‬
‫س َو ِ‬
‫اس ات َُّقوا َر َّب ُك ُم ا َّل ِذي َخ َل َق ُك ْم ِّم ْن َن ْف ٍ‬
‫احدَ ٍة َو َخ َلقَ ِم ْن َها‬
‫يف كتابه‪َ } :‬يا َأيهُّ َ ا ال َّن ُ‬
‫ريا َونِ َسا ًء َوات َُّقوا اللهَّ َ ا َّل ِذي َت َسا َء ُل َ‬
‫ون بِ ِه َوالأْ َ ْر َح َام إِ َّن‬
‫َز ْو َج َها َو َب َّث ِم ْن ُهماَ ِر َجالاً َكثِ ً‬
‫اللهَّ َ َك َ‬
‫ين آ َمنُوا ات َُّقوا اللهَّ َ َو ْل َت ْن ُظ ْر َن ْف ٌس َّما َقدَّ َم ْت‬
‫ان َع َل ْي ُك ْم َر ِقي ًبا{‪ ،‬و } َيا َأيهُّ َ ا ا َّل ِذ َ‬
‫لِ َغ ٍد َوات َُّقوا اللهَّ َ إِ َّن اللهَّ َ َخبِ ٌري بِماَ َت ْع َم ُل َ‬
‫ون{‪ ،‬تصدَّ ق رجل من ديناره‪ ،‬من درمهه‪،‬‬

‫َّ‬
‫فحث الناس عىل‬
‫من صاع ُب ِّره‪ ،‬من صاع متره))‪ .‬حتى قال‪(( :‬ولو بشق مترة))‪.‬‬
‫الصدقة‪ ،‬ورغبهم فيها‪ ،‬ثم جلس ينتظر صدقات أصحابه إلخواهنم الوافدين‬
‫عىل جهد وفاقة‪ ،‬فأبطؤوا عنه ومرت حلظات االنتظار متثاقلة بطيئة‪ ،‬ورسول‬
‫اهلل يعيش قلق الرتقب باهتامم الراحم الشفوق‪ ،‬حتى ُرئِي أثر ذلك يف وجهه‬
‫الكريم املبارك‪ ،‬فبينا هو كذلك إذ جاء رجل من األنصار بِصرُ َّ ة من فضة متأل‬
‫ما بني أصابعه‪ ،‬حتى كادت ُّ‬
‫كفه أن تعجز عنها بل قد عجزت‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول‬
‫اهلل‪ ،‬هذه يف سبيل اهلل عز وجل‪ .‬وإذا هبذه البادرة تكرس ثقل االنتظار وقلق‬
‫الرتقب وتستنفر الناس ملا سبق إليه هذا الرجل‪ ،‬فقام أبو بكر فأعطى‪ ،‬ثم قام‬
‫عمر فأعطى‪ ،‬ثم قام املهاجرون فأعطوا‪ ،‬وتتابع الناس حتى كان بني يدي‬
‫رسول اهلل كومني من طعام وثياب‪ ،‬فتهلل وجه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬وجرى فيه ماء الرسور‪ ،‬فإذا َو َجناته تربق‪ ،‬وإذا وجهه ‪-‬وكان أبيض‬
‫ورسورا‬
‫فرحا‬
‫بحمرة‪ -‬ييضء كأنه آنية فضة مطهمة بالذهب‪ً ،‬‬
‫وضيئًا ُمشرَ َّ ًبا ُ‬
‫ً‬
‫بعطاء أصحابه هلؤالء الفقراء الذين أتوا عىل جهد وفاقة‪.‬‬
‫نظر رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل أكوام الطعام والثياب أمامه‪ ،‬ولكن‬
‫املنظر الذي َّ‬
‫ً‬
‫حارضا أمام عينيه ويف قلبه هو منظر ذاك الرجل الذي أتى‬
‫ظل‬
‫بالصرُّ َّ ة يف كفه؛ ليقطع صمت الرت ُّقب واالنتظار‪ ،‬وليستثري يف النفوس توثب‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪92‬‬

‫‪13‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫املسارعة إىل اخلري‪ ،‬كان منظره هو احلارض‪ ،‬وكان موقفه هو املؤهل لإلشادة‬
‫والثناء‪ ،‬فأقبل صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل أصحابه محُ َ ِّي ًيا املبادر واملبادرة‬
‫سن يف اإلسالم س َّنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل هبا بعده‪،‬‬
‫قائلاً ‪(( :‬من َّ‬
‫سن يف اإلسالم س َّنة سيئة كان عليه‬
‫من غري أن ينقص من أجورهم يشء‪ ،‬ومن َّ‬
‫وزرها ووزر من عمل هبا بعده‪ ،‬من غري أن ينقص من أوزارهم يشء))‪.‬‬
‫ٍ‬
‫معان مهمة‪:‬‬
‫نقف أمام هذا املشهد إذ تستوقفنا‬
‫ريا مشهد التفاعل العاطفي من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫‪ - 1‬يشدُّ نا كث ً‬
‫حلاجات الناس‪ ،‬وهذا التأثر النفيس العميق ملعاناهتم‪ ،‬والذي طفح عىل وجهه‬
‫الكريم بحيث رأى الصحابة َت َل ُّون وجهه؛ أملًا ملا رأى هبؤالء القادمني من الفاقة‬
‫واجلهد‪ ،‬ثم َت َل ُّون وجهه؛ كر ًبا ملا رأى إبطاء الصحابة يف الصدقة‪ ،‬ثم ذاك البِشرْ‬
‫رسورا‬
‫الغامر الذي طفح عىل وجهه حتى أرشق حمياه املبارك‪ ،‬وتألأل وجهه‬
‫ً‬
‫وبِشرْ ً ا ال ليشء إال ألن حاجة هؤالء الفقراء قد ُق ِض َيت‪َ ،‬‬
‫وخ َّلتهم قد ُسدَّ ت‪،‬‬
‫َّ‬
‫فرحا حلال هؤالء‪،‬‬
‫إن َت َل ُّون وجه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أملًا ثم استنارته ً‬
‫يبني ُع ْمق اإلحساس الوجداين آلالم الناس ومعاناهتم‪ ،‬وأهنا من قلب النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم بمكان‪ ،‬بحيث ِ‬
‫تض ُّج يف وجدانه‪ ،‬ويرى أثرها عىل‬
‫حمياه‪ ،‬ويقرأها أصحابه عىل قسامت وجهه‪ .‬إن نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫َّ‬
‫يتأثر هذا التأثر ألناس قدموا عليه للتو‪ ،‬هذا أول لقاء له هبم‪ ،‬وأول َت َع ُّرف منه‬
‫عليهم‪ ،‬إهنا الرمحة التي متأل جوانحه فهو الذي وصفه ر ُّبه بأنه باملؤمنني رؤوف‬
‫رحيم‪ ،‬وأنه رمحة للعاملني‪ .‬فهنيئًا لكل مؤمن رحيم رقيق القلب أن يقفو أثر‬

‫‪13‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪93‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫نبيه ويتحلىّ بكريم صفاته‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وقد تأ َّثر هذا التأ ُّث َر قد بادر من فوره‬
‫رهفة‪ ،‬فكان أول يشء صنعه أن بدأ بنفسه‬
‫بالتجاوب العميل مع مشاعره ا ُمل َ‬
‫أولاً ‪ ،‬ولذا سارع إىل بيته فدخله‪ ،‬وال نحسب إال أنه دخله يبحث فيه عام يبادر‬
‫به حاجة هؤالء الفقراء‪ .‬ولكن ماذا سيجد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫تباعا مل توقد فيه نار‪ ،‬ماذا سيجد يف بيت متقارب‬
‫يف بيته الذي متيض فيه شهران ً‬
‫اجلدر‪ ،‬قليل املتاع‪ ،‬قد ُزويت عنه كثري من مباهج الدنيا ومتعها‪ .‬ولذا خرج‬
‫من بيته وليس معه يشء؛ ألنه مل جيد شيئًا‪ ،‬ولكن البداءة كانت بنفسه واملدخل‬
‫األول إىل بيته‪ ،‬وكان السابق إىل كل خري بفعاله قبل مقاله‪ ،‬والبادئ بنفسه قبل‬
‫غريه‪ ،‬والسابق إىل كل خري َأ َمر به‪.‬‬
‫َّ‬
‫فحث عىل الصدقة‪ ،‬هو الذي كان يقسم املال َحث ًْوا يف‬
‫إن النبي الذي خطب‬
‫الثياب‪ ،‬وهو الذي أعطى رجلاً غنماً بني جبلني عطاء من ال خيشى الفقر()‪،‬‬
‫ثالث ٍ‬
‫وهو الذي قال‪(( :‬لو كان يل ُ‬
‫مثل أحد ذه ًبا لرسين أن ال متر ع َّ‬
‫ُ‬
‫ليال‬
‫يل‬
‫ودع الدنيا وهو يقول‪(( :‬نحن‬
‫وعندي منه يشء‪ ،‬إال شيئًا أرصده لدين))()‪ .‬ثم َّ‬
‫ورث‪ ،‬ما تركنا صدقة))()‪ .‬لقد كان صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫معارش األنبياء ال ُن َ‬
‫أفصح الناس‪ ،‬وأنصعهم بيا ًنا‪ ،‬ولكن بيان أفعاله أبني‪ ،‬وبالغة حاله أبلغ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ظهر من صنيع ذلك األنصاري الذي سارع بالصرُّ َّ ة يلقيها إىل رسول‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)3137‬وصحيح مسلم (‪.)2314 ،2312‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)6445‬ومسلم (‪.)991‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)3093‬ومسلم (‪.)1758‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪94‬‬

‫‪13‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أثر املبادرة اإلجيابية وأمهيتها‪ ،‬لقد تسارع الناس‬
‫سن السنة‬
‫بعده‪ ،‬وربام كان عطاء من بعده أكثر من عطاءه‪ ،‬ولكنه كان ساب ًقا يف ِّ‬
‫باد ًرا إىل اخلري‪ً ،‬‬
‫احلسنة‪ُ ،‬م ِ‬
‫فاحتا لطريق املعروف‪ ،‬ولذا ع َّقب النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم بعد أن اجتمع بني يديه ُّ‬
‫كل ما اجتمع هبذه اجلملة التي تنرصف له‬
‫بداية وحتيي مبادرته ِّ‬
‫وتزكيها‪.‬‬
‫‪ - 4‬مل تذكر روايات هذا احلديث اسم هذا الرجل املبادر بغري وصفه أنه‬
‫من األنصار مما يدل أنه مل يكن من ذوي الشهرة فيهم‪ ،‬مع أنه كان يف املجلس‬
‫أبو بكر وعمر والسابقون من املهاجرين ريض اهلل عنهم‪ ،‬وهذا يبينِّ أن ال حيقر‬
‫أحد نفسه عن املبادرة اإلجيابية‪ ،‬فهذا الرجل مل ُي ِع ْقه عن مبادرته وجود أهل‬
‫مسارعا وساب ًقا فكان له‬
‫السابقة واخلريية‪ ،‬ولكنه تو َّثب إىل اخلري‪ ،‬وبادر إليه‬
‫ً‬
‫مثل أجر كل من جاء بعده‪ ،‬وإن كانوا أفضل منه وأوفر عطاء‪.‬‬
‫شح‬
‫‪ - 5‬مل يكن إبطاء الصحابة ًّ‬
‫شحا ‪-‬وحاشاهم‪ -‬فهم الذين وقاهم اهلل َّ‬
‫أنفسهم‪ ،‬وأخرب أهنم يؤثرون عىل أنفسهم ولو كان هبم خصاصة‪ ،‬ولكن لعل‬
‫وترد ًدا يف املقدار‪ ،‬فلام بادر الرجل إىل‬
‫ذلك اإلبطاء كان تراخ ًيا يف الذهاب ُّ‬
‫اإلنفاق بصرُ َّ ة من فضة كانت مبادرته ًّ‬
‫ورفعا ملقدار‬
‫حضا لإلرساع بالعطاء‪،‬‬
‫ً‬
‫املشاركة‪ ،‬ولذا كانت السنة احلسنة له السبق املحرك للبطء‪ ،‬والسخاء املضاعف‬
‫للعطاء‪.‬‬
‫سن يف اإلسالم سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل هبا من‬
‫‪ - 6‬من َّ‬

‫‪13‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪95‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫بعده من غري أن ينقص من أجورهم يشء‪ ،‬إن هذه اجلملة النبوية الكريمة يف‬
‫هذا املساق تبني األثر العظيم والثمرة املباركة ملبادرات اخلري‪ ،‬وإن املتأ ِّمل حلياة‬
‫العظامء واملؤثرين واملصلحني جيدها سلسلة متتابعة من املبادرات اإلجيابية‪،‬‬
‫ولذا أثروا تأثريهم وأبقوا أثرهم‪ ،‬ولقد رأينا يف حياة اإلمام عبد العزيز بن باز‬
‫نموذجا لروح املبادرة‪ ،‬فال تلوح َث َّمة فرصة للخري إال تو َّثب إليها‪ ،‬إن‬
‫رمحه اهلل‬
‫ً‬
‫الرسوخ العلمي مل يكن َم ْيزَ ة الشيخ‪ ،‬ولكنه كان أحد مزاياه‪ ،‬أما َم ِز َّيته فكانت‬
‫املبادرة اإلجيابية بحيث أبقى من بعده مشاريع قائمة وطر ًقا للخري سالكه‪.‬‬
‫يقول ستيفن كويف عن عادات النجاح (العادات السبع لذوي الفعالية العالية)‪:‬‬
‫املبادرة هي أم العادات‪ .‬وكان حر ًّيا أن يقول‪ :‬هي أم العادات وأبوها ()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)18381‬وصحيح مسلم (‪ ،)1017‬وجامع الترمذي (‪ ،)2675‬وسنن‬
‫النسائي (‪ ،)2554‬وإكمال املعلم (‪ ،)171-170/8( ،)541-539/3‬وشرح النووي على‬
‫صحيح مسلم (‪.)105-102/7‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪96‬‬

‫‪13‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪14‬‬
‫ُثمامة‬

‫النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫أرسل‬
‫ُّ‬
‫وسلم رسي ًة من رساياه العسكرية‬
‫التي حتمي اجلبهة الرشقية للمدينة‬
‫النبوية‪َ ،‬‬
‫فظ ِفرت برجل من سادات‬
‫بني حنيفة يقال له‪ :‬ثُماَ مة بن ُأ َثال‪.‬‬
‫فلام جيء به إىل املدينة مل يحُ َبس يف‬
‫زنزانة مغلقة أو ثكنة عسكرية‪ ،‬وإنام‬
‫ُربط إىل سارية من سواري املسجد‪،‬‬
‫لتكون أمام عينيه الواجهة احلياتية‬
‫والعبادية لرسول اهلل صىل اهلل عليه‬

‫‪14‬‬

‫وآله وسلم واملؤمنني‪.‬‬
‫فخرج إليه النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وقال‪(( :‬ما عندك يا ُثاممة؟))‪.‬‬
‫إن هذه الكلمة النبوية أبعد ما تكون‬
‫عن التبكيت أو اإلهانة‪ ،‬أو التهديد‪..‬‬
‫لقد كان متو َّق ًعا أن يسمع ثاممة مبارشة‬
‫ما عند رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬وإذا برسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم يسأله عام عنده؟‬
‫فأجاب ثاممة بمنطق السادة ووثوق‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪97‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫األرشاف قائلاً ‪ :‬عندي خري يا حممد‪ .‬ثم طرح االحتامالت املتو َّقعة فقال‪ :‬إن‬
‫تقتلني‪ ،‬تقتل ذا دم ‪-‬أي‪ :‬ذو دم خطري‪ -‬وإن ُت ِ‬
‫نعم‪ ،‬تنعم عىل شاكر‪ ،‬وإن كنت‬
‫تريد املال‪ ،‬فسل منه ما شئت‪ .‬فرتكه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ومل حيدد له‬
‫حواسه ومداركه يف مراقبة النبي صىل اهلل عليه‬
‫أ ًّيا من هذه اخليارات‪ ،‬لتشتغل‬
‫ُّ‬
‫ُّ‬
‫يستشف مصريه الذي سينتهي إليه‪.‬‬
‫وآله وسلم ومن حوله‪ ،‬لعله‬
‫وكان ُثاممة وهو مربوط إىل ساريته ال ُيعامل بام خيدش كرامته‪ ،‬بل كان طعامه‬
‫يحُ مل إليه من أبيات رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وكأنام كان يواسيه‬

‫يف طعامه ورشابه‪.‬‬
‫ومىض يوم وثاممة مربوط إىل ساريته‪ ،‬يرى تعامل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم بعظمته األخالقية‪ ،‬وكيف يعيش مع املسلمني وهو إمامهم كأحدهم‪،‬‬
‫مجيعا بخلقه وإقبال نفسه‪.‬‬
‫يسعهم ً‬
‫ويرى صفوف املسلمني وهم يصلون خلف رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يف منظر تعبدي عظيم‪ ،‬ما رأت عيناه مثله‪ .‬وسمع ثاممة آيات القرآن‬
‫ير ِّتلها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف صلواته‪ ..‬فكانت كل املشاهد‬
‫أمام عينيه رسائل نافذة إىل قلبه فلام كان من الغد‪ ،‬أتاه رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وقال‪(( :‬ما عندك يا ثاممة؟))‪ .‬قال ثاممة‪ :‬ما قلت لك! إن تنعم ُتنعم‬
‫عىل شاكر‪ .‬ومل يزد ثاممة عىل ذلك‪.‬‬
‫فقد أنست نفسه من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عدم التش ِّفي باالنتقام‪،‬‬
‫وعدم الطمع يف املال‪ ،‬ولذلك اخترص جوابه بام يظ ُّنه من رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فرتكه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ ليعيش يو ًما آخر‬
‫يف مدرسة النبوة؛ لريى أكثر مما رأى‪ ،‬ويسمع أكثر مما سمع‪..‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪98‬‬

‫‪14‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فلام كان اليوم الثالث‪ :‬أتاه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فقال‪(( :‬ما عندك‬
‫يا ُثاممة؟))‪ .‬قال ُثاممة‪ :‬عندي ما قلت لك؟! ومل يزد عىل ذلك شيئًا وإنام اقترص‬
‫ً‬
‫تفويضا إىل مجيل خلقه صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وإذا برسول‬
‫عىل هذا اإلمجال‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يقول‪(( :‬أطلقوا ثاممة))!! وهكذا ُح َّل رباطه‪ ،‬وأطلق‬
‫رساحه بعفو نبوي غري مرشوط‪ ..‬بعد أن قىض ثالثة أيام يف مسجد رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم امتأل فيها سمعه ومرآه بمشاهد النبوة وآيات القرآن‪،‬‬
‫ولذا خرج ثاممة من املسجد بقلب غري القلب الذي دخل به‪.‬‬
‫فانطلق إىل نخل قريب من املسجد فاغتسل فيه ثم دخل املسجد فوقف بني‬
‫يدي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪ :‬أشهد أن ال إله إال اهلل وأشهد‬
‫أن حممدً رسول اهلل‪ ..‬يا حممد واهلل ما كان عىل األرض وجه أبغض إ ّيل من‬
‫وجهك‪ ،‬فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إ ّيل‪ .‬واهلل ما كان دين أبغض إ ّيل‬
‫من دينك‪ ،‬فأصبح دينك أحب الدين إ ّيل‪ ،‬واهلل ما كان من بلد أبغض إ ّيل من‬
‫بلدك‪ ،‬فأصبح بلدك أحب البالد إيل‪ .‬وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة‪..‬‬
‫فامذا ترى؟!‬
‫فبشرَّ ه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم باخلري وأشار إليه أن يميض يف‬
‫عمرته‪ .‬فمىض ثاممة إىل مكة فطاف وسعى وأظهر إسالمه مراغماً ألهل مكة‪.‬‬
‫أسلمت مع حممد رسول اهلل‬
‫فقال له قائل‪ :‬أصبوت؟ قال ثاممة‪ :‬ال‪ ،‬ولكن‬
‫ُ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وال واهلل ال يأتيكم من الياممة حبة ِحنطة حتى يأذن‬
‫فيها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ .‬ثم رجع إىل الياممة فمنع قومه ‪-‬وهو‬
‫سيدهم‪ -‬أن حيملوا إىل مكة شيئًا‪..‬‬
‫فأرضّ ذلك بقريش فكتبوا إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يذكرونه بصلة‬

‫‪14‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪99‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الرحم التي جاء هبا ((إنك تأمر بصلة الرحم))‪ .‬فكتب رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم إىل ثاممة يأمره أن يخُ يل بني قومه وبني احلمل إىل مكة‪.‬‬
‫فعادت حنطة الياممة ومريهتا إىل مكة بأمر رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ٍ‬
‫معان مضيئة منها‪:‬‬
‫و ُترشق من هذه القصة‬
‫‪ - 1‬تتضح قوة شخصية ثاممة َ‬
‫وأ َن َفته‪ ،‬فربغم وقوفه بني يدي النبي صىل‬
‫ٍ‬
‫احتامالت املوت أحدها إن‬
‫ريا ُمو َث ًقا إىل سارية ينتظر‬
‫اهلل عليه وآله وسلم أس ً‬
‫مل يكن أوهلا ‪-‬فيام يظن‪ -‬إال أنه كان رابط اجلأش يف خطابه مع رسول اهلل‬
‫واضحا يف عرض خياراته‪ ،‬قو ًّيا يف طرحها‪ ،‬فلم‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫ً‬
‫تظهر يف عبارته معاين االستجداء فضلاً عن التملق واالستخذاء‪ ..‬وقد حفظ‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ل ُثاممة قوة شخصيته هذه فلم خُتدش بمهانة أو‬
‫إذالل‪.‬‬
‫ذخرا يف اإلسالم كام كان‬
‫ولقد أصبحت هذه القوة التي كانت يف اجلاهلية ً‬
‫ثاممة قو ًّيا قبل إسالمه‪ ،‬استصحب قوته باعتزاز بعد إسالمه‪ ،‬فصدع بإسالمه‬
‫بني ظهراين قريش‪ ،‬وملا سألوه كان قو ًّيا يف املواجهة‪ ،‬وأعلن أنه قد أسلم مع‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ثم كان قو ًّيا يف قراره‪ ،‬ومنع عنهم حنطة‬
‫الياممة؛ حتى يحُ ِو َجهم الستئذان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فكان له‬
‫ما أراد‪.‬‬
‫لقد كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬حيفظ للناس كرامتهم ومكانتهم‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪100‬‬

‫‪14‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ذخرا لإلسالم فيهم‬
‫ومزاياهم الشخصية‪ ،‬ولذا عادت هذه املعاين الشخصية ً‬
‫ملا أسلموا‪.‬‬
‫التشبع والقناعة‪ ،‬مع أن النبي‬
‫‪ - 2‬ملا أسلم ثاممة كان عىل قدر كبري من‬
‫ُّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يدعه إىل اإلسالم دعوة مبارشة وال جعل إسالمه‬
‫ثمن فكاكه‪ ،‬ولكن قناعة ثاممة باإلسالم تكونت من خالل مشاهدته للربنامج‬
‫اليومي للرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم واملسلمني له معه يف أعظم جممع‬
‫هلم وهو املسجد‪ ..‬وسامعه آليات القرآن تتىل يف صلوات الرسول صىل اهلل‬
‫عمليا بصحة الرسالة‪ ،‬وصدق‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فكان فيام رآه وسمعه برها ًنا‬
‫ًّ‬
‫الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم فآمن هذا اإليامن القوي الواثق‪ ،‬ولقد استمر‬
‫ثاممة عىل هذا الوثوق‪ ،‬ولذا كان له املقام املشهود يف الثبات عىل اإلسالم يوم‬
‫ارتد كثري من قومه بني حنيفة مع مسيلمة فكان من الثابتني يف الردة واملجاهدين‬
‫إلعادة الناس إىل الدين‪.‬‬
‫‪ - 3‬أرغم ثاممة ً‬
‫قريشا أن تستشفع بالرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم؛‬
‫ليصل إليها اإلمداد الغذائي من الياممة‪َّ .‬‬
‫وذكرت النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم بام جاء به من صلة الرحم‪ ،‬وقد كان يمكن أن يرد عليهم النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم بأنكم أول من قطع الرحم التي تطلبون وصلها‪ ،‬وكان‬
‫يمكن أن يذكرهم بقطع املرية عن بني هاشم يف الشعب حني حورصوا‪ ،‬كان‬
‫يمكن أن يذكرهم بإخراجه واملسلمني من مكة من غري رعاية للرحم‪ ،‬ولكن‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يفعل شيئًا من ذلك كله وإنام كتب إىل ثاممة‬

‫‪14‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪101‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أن ُيطلق املرية إىل مكة‪.‬‬
‫بمنأى عن شهوة التش ِّفي‬
‫لقد كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يتعامل‬
‫ً‬
‫واالنتقام‪ .‬ويتعامل مع خصومه بمبادئه هو ال بمبادئهم هم‪ .‬ويرعى هد ًفا‬
‫سام ًيا وهو تأليف الناس عىل الدين الذي بعثه اهلل به إليهم‪ .‬ولذا فإن هذا‬
‫مجيعا‪،‬‬
‫املوقف النبوي سيؤثر يف قلوب بعض أهل مكة وإن مل يؤثر فيهم ً‬
‫وس ُيكون رصيدً ا يف نفوسهم هييئهم لتقبل الدين بعد ذلك()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4372 ،462‬وصحيح مسلم (‪ ،)1764‬وشرح النووي على صحيح‬
‫مسلم (‪ ،)87/12‬وفتح الباري (‪ ،)87/8‬واإلصابة (‪.)581/3( ،)410/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪102‬‬

‫‪14‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪15‬‬
‫سلمة‬

‫أويت سلمة بن األكوع ريض اهلل‬
‫عنه بسطة يف اجلسم فكان أ ّيدً ا شديدً ا‬
‫ربام أغار عىل اجليش فهزمه وحده‪،‬‬
‫وكان عدّ اء ال ُيسبق شدًّ ا‪ ،‬فهو متوافر‬
‫القوة‪ ،‬متناسق اجلسم‪ ،‬واسع اخلطو‪.‬‬
‫عاجب يوم احلديبية حينام‬
‫وكان له خرب‬
‫ٌ‬
‫كانت الرسل ختتلف بني رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وأهل مكة‬
‫هتيئ للصلح الذي أزمع النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم أن يعقده معهم‪،‬‬

‫‪15‬‬

‫فلام كانت قائلة النهار ذهب سلمة إىل‬
‫ُّ‬
‫يستظل بظلها‪ ،‬فكسح شوكها‪،‬‬
‫شجرة‬
‫والتقط ما تناثر منها‪ ،‬وهيأ لنفسه مقيلاً‬
‫اضطجع فيه عند أصلها‪ ،‬فجاء أربعة‬
‫من املرشكني من أهل مكة فعلقوا‬
‫سالحهم عىل الشجرة‪ ،‬وجلسوا‬
‫يتحدثون ويقعون يف رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولقد كان أهون‬
‫سب أبيه وأمه‬
‫عىل سلمة أن يسمع َّ‬
‫من أن يسمعهم يقعون يف رسول اهلل‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪103‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فآذاه ذلك غاية األذى‪ ،‬فرتك الشجرة هلم وحتول إىل‬
‫شجرة أخرى؛ ليبعد مسامعه عن وقيعة أولئك املرشكني يف رسول اهلل صىل‬
‫ً‬
‫صارخا ينادي‪ :‬يا للمهاجرين‪..‬‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فبينا هو كذلك إذ سمع‬
‫ابن زنيم‪ .‬فظن سلمة أن املرشكني نقضوا مسعى الصلح‪ ،‬فاخرتط سيفه‬
‫ُقتل ُ‬
‫ثم شدّ عىل أولئك األربعة وهم رقود‪ ،‬فأخذ أسلحتهم فجمعها يف يده‪ ،‬ثم قال‬
‫ٍ‬
‫حممد ال يرفع أحدٌ منكم رأسه إال رضبته بالسيف‪ .‬ثم‬
‫هلم‪ :‬والذي أكرم وجه‬
‫جاء هبم يسوقهم إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ثم جاء عمه عامر‬
‫بتسعني من املرشكني حاولوا مناوشة املسلمني يسوقهم إىل رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فنظر إليهم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ثم قال‪:‬‬
‫((دعوهم يكون هلم بدء الفجور وثناه)) أي‪ :‬يكون هلم أول الغدر وآخره‪ ..‬ثم‬
‫عفا عنهم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ورصفهم‪.‬‬
‫إن يف هذه القصة دالالت مهمة منها‪:‬‬
‫حبا لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم من‬
‫‪ - 1‬ال نعلم أحدً ا أشدَّ ًّ‬
‫حمياه‪ ،‬وتعطرت أسامعهم‬
‫أصحابه الذين آمنوا به‪ ،‬واستنارت أعينهم برؤية َّ‬
‫حبه شغاف‬
‫بسامع حديثه‪ ،‬وصحبوه يف أحوال حياته وتقلبات أموره‪،‬‬
‫َّ‬
‫فاستكن ُّ‬
‫قلوهبم‪ ،‬وخالط حلمهم ودمهم وعصبهم فياهلل لسلمة ريض اهلل عنه وهو يسمع‬
‫مسبة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم من ٍ‬
‫رهط من املرشكني يشاركونه‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫حينئذ من األمل النفيس‪ ،‬وكم تدفقت‬
‫ظل الشجرة التي يقيل حتتها‪ ،‬فكم قاسى‬
‫زخات ُ‬
‫يف دمائه َّ‬
‫احل ْنق والغضب ممّا سمع‪ ،‬ولكنه كظم غيظه‪ ،‬وسيطر عىل‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪104‬‬

‫‪15‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ٍ‬
‫ترصف انفعايل‪ ،‬مع أنه كان يف عنفوان شبابه‪ ،‬ويف‬
‫أي‬
‫عواطفه‪ ،‬ومل يفرط منه ُّ‬
‫العرشين من عمره‪ ،‬لقد ترك هلم َّ‬
‫وتنحى عنهم بعيدً ا؛‬
‫الظل الذي هيأه لنفسه َّ‬
‫بمنأى عن هذا اإليذاء الذي ال يستطيع احتامله‪ ،‬ومل يمنعه أن ُينفذ‬
‫ليكون‬
‫ً‬
‫الشجاع قل ًبا‪ ،‬القوي بد ًنا‪،‬‬
‫غضبه ويشفي غيظ قلبه ضعف وال عجز فقد كان‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ترصف‬
‫بانضباط كامل‪ ،‬بعيدً ا عن أي‬
‫الرسيع َعدْ ًوا‪ ،‬ولكنه تعامل مع مشاعره‬
‫ٍ‬
‫وحتمل األمل النفيس باصطبا ٍر مجيل‬
‫يمكن أن يتداعى إىل‬
‫تطورات غري حمسوبة‪َّ ،‬‬
‫وبصرية نافذة‪ ،‬وحتى عندما سمع الصارخ ينادي بام ُّ‬
‫يدل عىل غد ٍر أو َم ْقتَلة مل‬
‫ُيبادر إىل قتل هؤالء مع أن الفرصة كانت له مواتية‪ ،‬فقد علقوا أسلحتهم فهم‬
‫عزل‪ ،‬ورقدوا بغري هتيئ أو احرتاز‪ ،‬ولكنه اكتفى بسوقهم إىل النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم؛ ليكون الترصف من املرجعية العامة للمسلمني‪.‬‬
‫درسا ً‬
‫بليغا يف‬
‫إن سلمة ريض اهلل عنه ُيقدِّ م لألمة من خالل هذا املوقف ً‬
‫االنضباط وقيادة العواطف‪ ،‬والسيطرة عىل مشاعر االنفعال‪ .‬وعدم االندفاع‬
‫لردة فعلٍ غري حمسوبة أو ترصف غري رشيد‪ ،‬رغم قوة املؤ ِّثر ِ‬
‫وشدَّ ة االستثارة‪.‬‬
‫‪ - 2‬كام يلفتنا التعايل األخالقي الذي تعامل به النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫باملسبة وال َّتن َُّقص‪ ،‬ومع التسعني الذين جيء‬
‫وسلم مع هؤالء الذين وقعوا فيه‬
‫َّ‬
‫هبم إليه وهم حياولون مناوشة املسلمني‪ ،‬ومع ذلك عفى عن اجلميع وتركهم‬
‫عفوا نبو ًّيا كريماً ‪ ،‬حيث مل يصدر منه صىل اهلل‬
‫يبوؤن بأول الغدر وآخره‪ ،‬وكان ً‬
‫ٌ‬
‫توبيخ أو مالومة‪ ،‬وإنام هو اخللق العظيم والصفح‬
‫عليه وآله وسلم هلؤالء‬
‫اجلميل‪.‬‬
‫ٌ‬
‫هدف كبري واضح‪ ،‬وهو أن يتم‬
‫لقد كان أمام النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬

‫‪15‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪105‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الصلح بينه وبني أهل مكة‪ ،‬ولذلك مل يسمح هلذه االستفزازات املتكررة من‬
‫رعاع املرشكني أن تعرقل مساعيه أو حترف وجهته عن هدفه‪ ،‬فكان أقوى‬
‫من هذه االستثارة‪ ،‬فحجمها بحجمها الطبيعي ضمن احلدث الذي يعايشه‪،‬‬
‫واهلدف الذي يصمد إليه‪ ،‬ولذا انتهى األمر إىل ما أراد رسول اهلل صىل اهلل‬
‫فتم الصلح ُ‬
‫وكتبت الصحيفة‪ ،‬وحصل بذلك الفتح املبني‬
‫عليه وآله وسلم َّ‬
‫وعاد صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل املدينة وآيات اهلل تتنـزل عليه }إِ َّنا َفت َْحنَا‬
‫َل َك َف ْت ًحا ُّمبِينًا{‪.‬‬

‫إن عدم وضوح األهداف وفقدان اخلطة للعمل جيعل األمة ُمرتهَ ِنة بر ّدات‬
‫الفعل املتذبذبة‪ .‬وإن االستجابات الفردية غري املدروسة يمكن أن تعرقل‬
‫فرصا ضخمة‪ ،‬وتجُ ِهض أهدا ًفا كبرية‪.‬‬
‫مسرية منطلقة‪ ،‬وتهَ ِدر ً‬
‫}و َمن ُي ْؤ َت‬
‫فصلوات اهلل وسالمه عىل من أنزل اهلل عليه الكتاب وآتاه احلكمة َ‬
‫ريا {() ‪.‬‬
‫الحْ ِ ْك َم َة َف َقدْ ُأوتيِ َ َخيرْ ً ا َكثِ ً‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6148 ،4209 ،2960‬وصحيح مسلم (‪ ،)1807‬وشرح النووي على‬
‫صحيح مسلم (‪ ،)176/12‬واإلصابة (‪ ،)151/3‬وفتح الباري (‪.)543/10( ،)465/7‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪106‬‬

‫‪15‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪16‬‬
‫راية‬

‫املرشف عىل أودية خيرب يرى‬
‫سهوهلا حتضن غابات شاسعة من‬
‫النخيل‪ ،‬بينام تعصم هامات جباهلا‬
‫حصون هيود ا ُمل َش َّيدة التي ال يقاتلون‬
‫إال من ورائها‪ ،‬وكان رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم حيارص أعظم هذه‬
‫سمى حصن‬
‫احلصون وأمنعها‪ ،‬و ُي ّ‬
‫القموص‪ ،‬وقد تطاول احلصار‬
‫فجاوز بضعة عرش يو ًما‪ ،‬وتوالت‬
‫املحاوالت الفتتاحه؛ إذ دفع الرسول‬

‫‪16‬‬

‫صىل اهلل عليه وآله وسلم الراية أليب‬
‫بكر ريض اهلل عنه‪ ،‬فقاتل فرجع‪ ،‬ومل‬
‫فتح وقد جهد‪ ،‬ثم أعطى الراية‬
‫َي ُك ٌ‬
‫عمر بن اخلطاب ريض اهلل عنه‪ ،‬فقاتل‬
‫ثم رجع ومل ُ‬
‫فتح وقد جهد‪ ،‬فقال‬
‫يك ٌ‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫عشية يوم‪(( :‬ألعطنيّ الراية غدً ا رجلاً‬
‫حيب اهلل ورسوله‪ ،‬وحيبه اهلل ورسوله‬
‫بفرار‪ ،‬ال يرجع حتى يفتح‬
‫ليس َّ‬
‫اهلل له))‪ .‬فبات الناس ليلتهم تلك‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪107‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫خيوضون يف هذا الذي س ُيعطى الراية‪ ،‬وقد حاز هذه الصفات وسيكون الفتح‬
‫وتشوفت النفوس إىل هذا الرشف‪ ،‬فام رجل له منـزلة عند‬
‫عىل يديه‪ .‬أهيم هو؟‬
‫ّ‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إال وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل‪،‬‬
‫حتى قال عمر ريض اهلل عنه‪ :‬ما أحببت اإلمارة إال يومئذ‪ .‬غري أن رجلاً مل‬
‫يسترشف ملا استرشفوا له‪ ،‬ومل ُيؤَ ِّمل ما َأ َّملوه‪ ،‬وما كان ذاك لقصور يف فضائله؛‬
‫فهو الذي قد مجع الفضائل من أطرافها‪ .‬وال لقعود يف همِ َّ ته؛ فهو املسارع يف‬
‫اخلريات السابق هلا‪ ،‬ولكن ألن لياقته البدنية مل تكن تؤهله أن حيمل راية أو‬
‫ينفذ لقتال‪ .‬فقد كان أيامه تلك أرمد شديد الرمد قد أظلمت عيناه؛ فال يبرص‬
‫شيئًا‪.‬‬
‫فلام أصبح الناس غدوا عىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وكلهم‬
‫يتطاول لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يرجو أن يكون هو الذي ُيعطى‬
‫الراية‪ ،‬وحيظى بالرشف‪ ،‬فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬أين عيل‬
‫بن أيب طالب؟))‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول اهلل هو يشتكي عينيه‪ .‬وكأنام ذهبت الظنون‬
‫إىل أنه سيختار غريه ممن ال يشكون شكايته‪ ،‬وإذا النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يقول‪(( :‬أرسلوا إليه))‪ .‬فجيء به إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُيقاد‬
‫ال ُيبرص شيئًا‪ .‬فوضع النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم رأسه يف حجره املبارك‪،‬‬
‫يل‪ .‬فقام ع ّ‬
‫الطيب يف يديه ثم مسح هبام عيني ع ّ‬
‫يل بارئًا كأن مل‬
‫ثم تفل من ريقه ّ‬
‫يكن به وجع‪ ،‬فدفع إليه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الراية وقال‪ِ (( :‬‬
‫امش‬
‫وال تلتفت حتى يفتح اهلل عليك))‪.‬‬
‫فخرج ع ّ‬
‫مرسعا هيرول هرولة والناس يتبعون أثره‪،‬‬
‫يل ريض اهلل عنه بالراية‬
‫ً‬
‫فلام سار غري بعيد وقف مكانه‪ ،‬ومل يلتفت وإنام رصخ بأعىل صوته لرسول اهلل‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪108‬‬

‫‪16‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬عىل ماذا أقاتل الناس؟ أقاتلهم‬
‫حتى يكونوا مثلنا؟ فقال له النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بنداء سمعه ع ّ‬
‫يل‬
‫وكل من معه‪(( :‬انفذ عىل ِر ْس ِلك حتى تنـزل بساحتهم‪ ،‬ثم ادعهم إىل اإلسالم‪،‬‬
‫وأخربهم بام جيب عليهم من حق اهلل فيه‪ ،‬فواهلل لئن هيدي اهلل بك رجلاً واحدً ا‬
‫خري لك من أن يكون لك حمُ ُ ر ال َّن َعم))‪.‬‬
‫فانطلق حبيب اهلل ورسوله بالراية حتى ركزها حتت احلصن‪ ،‬ثم دعاهم بدعاية‬
‫اإلسالم وحق اهلل عليهم فلم يكن منهم إال القتال‪ ،‬فقاتلهم وهو األ ِّيد القوي‬
‫يفر إذا القى‪ ،‬ففتح اهلل عليه يف يومه ذلك‪ ،‬وكان الفتح‬
‫الشديد‪ ،‬الذي ال ّ‬
‫وانكشف الغطاء‪.‬‬
‫ثم أال يستوقفك مع هذا اخلرب‪:‬‬
‫‪ - 1‬وضوح اهلدف وجالؤه إىل درجة التألق‪ ،‬وليتضح ذلك يف ذهنك‬
‫تصور مجوع املسلمني وهم يواجهون هيود‪ ،‬ويتهيؤون لقتاهلم‪ ،‬وتسرتجع‬
‫ّ‬
‫ذكرياهتم مرارات الغدر واخليانة وشدة العداوة خالل سبع سنني قضاها‬
‫املسلمون معهم‪ .‬من حترش بني قينقاع‪ ،‬إىل مكائد بني النضري‪ ،‬إىل غدر بني‬
‫قريظة‪ ،‬يف سلسلة مريرة من عداء هيود وتأليبهم‪ ،‬ومع ذلك فلم يكن التشفي‬
‫واالنتقام هو اهلدف احلارض حني املواجهة واالقتتال‪.‬‬
‫وكان املسلمون يرشفون عىل خيرب فتنفسح أمامهم أوديتها عن أكرب خمزن‬
‫غذائي حتضنه غابات نخيلها التي ينتهي دون مداها مدى البرص‪ ،‬وترشف‬
‫عليهم حصوهنا التي ختزن خزائنها القناطري املقنطرة من الذهب والفضة‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪109‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫التي يربع هيود يف مجعها واكتنازها‪ ،‬ومل تكن هذه الثروات حارضة يف هدف‬
‫القتال لدى الصحابة؛ مع ما كانوا يعانون من جهد الفاقة‪ ،‬وعوز الفقر‪ ،‬وشدة‬
‫احلاجة‪.‬‬
‫كان اهلدف أسمى من شهوات االنتقام ومطامع املال‪ ،‬فقد كان هداية الناس‬
‫وتعبيدهم للرب الذي خلقهم‪ ،‬وأداؤهم حلقه عليهم‪ ،‬وكان من صنع اهلل يف‬
‫ذلك املشهد أن يتذاكر ٌّ‬
‫عيل ريض اهلل عنه مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم بعد أن سار قليلاً فيرصخ ٌّ‬
‫عيل بالسؤال‪ ،‬ويستعلن النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم باجلواب؛ لتسمع كل أذن‪ ،‬ويعي كل قلب‪(( :‬ألن هيدي اهلل بك‬
‫رجلاً واحدً ا خري لك من حمُ ُ ر ال َّن َعم))‪ ،‬ومل يكن عند العرب مال أكرم وال أنفس‬
‫وال أعجب من اإلبل احلمر يقتنوهنا ويتكاثرون هبا‪ ،‬وخري منها هداية رجل‬
‫يقبل بقلبه عىل اهلل تعاىل‪..‬‬
‫‪ - 2‬ذكر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم صاحب الراية الذي يفتح اهلل عىل‬
‫يديه‪ ،‬فلم يذكر قرابته القريبة‪ ،‬وقد كان ابن عمه وذا قرباه‪ ،‬ومل يذكر منـزلته‬
‫منه‪ ،‬وكان صهره زوج ابنته‪ ،‬وإنام ذكر مؤهالته النفسية والقيادية‪:‬‬
‫أ‪ -‬إنه حيب اهلل ورسوله –احلب احلقيقي الكامل‪ -‬وإال فكل مسلم يشرتك معه‬
‫يف مطلق املحبة‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وحيقق املتابعة التامة لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولذا أحبه اهلل‬
‫ورسوله } ُق ْل إِ ْن ُك ْن ُت ْم تحُ ِ ُّب َ‬
‫ون اللهَّ َ َفا َّتبِ ُعونيِ يحُْ بِ ْب ُك ُم اللهَّ ُ ‪.{...‬‬
‫ج‪ -‬وهو الشجاع الذي ال َي ِف ّر إذا القى‪ ،‬وهل كانت الشجاعة جتد بيتها إال يف‬
‫قلب ع ّ‬
‫يل ريض اهلل عنه‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪110‬‬

‫‪16‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫عليا وكان‬
‫إن هذه املؤهالت العظيمة والصفات الكريمة هي التي استدعت ًّ‬
‫متشو ًفا‪ ،‬وح َّققت له وسام الفتح‪ ،‬وما كان يظن هو وال‬
‫غائ ًبا‪ ،‬وقدّ مته ومل يكن‬
‫ّ‬
‫غريه أنه صاحبه ذلك اليوم‪.‬‬
‫وبعرض النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هلذا اإلنجاز ((يفتح اهلل عىل يديه)) مقرو ًنا‬
‫بتلك املؤهالت يعلن أن نجاح األمم واملجتمعات مرتبط بتولية املسؤوليات‬
‫واملؤهالت احلقيقية‪ ،‬كام أن الفشل يالزم إناطة املسؤولية‬
‫لذوي الكفاءة واالقتدار‬
‫ِّ‬
‫إيثارا وحماباة‪ ..‬فـ ((إذا ُو ّسد األمر إىل غري أهله فانتظر الساعة))()‪.‬‬
‫لغري َّ‬
‫املؤه ِلني ً‬
‫‪ - 3‬روح التنافس عىل اخلري بني أصحاب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫فلم تكن اإلمارة والقيادة َم ْط َم ًعا هلم‪ ،‬فلام ذكر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫هذه الصفات استرشفوا هلا‪ ،‬وباتوا ليلتهم يدوكون فيها‪ ،‬وغدوا عىل رسول‬
‫مجيعا‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وكلهم يتمنى أن ُيعطاها‪ ،‬ولسان حاهلم ً‬
‫طمعا يف حب اهلل وحب رسوله صىل‬
‫لسان عمر‪(( :‬ما متنيت اإلمارة إال يومئذ)) ً‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ُ :‬‬
‫ون فيِ الخْ َ يرْ َ ِ‬
‫ات َو ُه ْم لهَ َا َسابِ ُق َ‬
‫}أو َلئِ َك ُي َسا ِر ُع َ‬
‫ون{‪.‬‬
‫‪ - 4‬وهنيئًا لسيدنا أمري املؤمنني أيب احلسن ريض اهلل عنه وأرضاه الذي‬
‫وحبه يف املأل األعىل ((حيبه اهلل ورسوله))()‪.‬‬
‫كانت قدماه َتدفان عىل األرض‪ّ ،‬‬

‫ أخرجه البخاري (‪.)59‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4210 ،4209‬وصحيح مسلم (‪،2406 ،2405 ،2404 ،1807‬‬
‫‪ ،)2407‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)178-173/15‬وفتح الباري (‪.)478-476/7‬‬

‫‪16‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪111‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪17‬‬

‫أصحاب السفينة‬
‫نحو من مخس عرشة سنة َم َّرت عىل‬
‫جعفر بن أيب طالب وزوجه أسامء بنت‬
‫ُعميس ريض اهلل عنهام‪ ،‬ومن معهم‬
‫من املهاجرين األول‪ ،‬وهم يف أرض‬
‫الغربة والبعاد‪ ،‬مقيمني يف احلبشة‪،‬‬
‫هجرة يف ذات اهلل ورسوله‪ ،‬حتى‬
‫أرسل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫عمرو بن ُأ َم َّية َّ‬
‫الض ْمري إىل النجايش‬
‫يأمره أن جيهزهم إليه‪ ،‬فركبوا البحر‬
‫عائدين إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه‬

‫‪17‬‬

‫وآله وسلم يف املدينة سنة سبع من‬
‫اهلجرة‪ ،‬ففرح هبم رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم واملسلمون‬
‫فرحا شديدً ا‪ ،‬ونزلوا أهلاً ‪ ،‬و َق ّروا‬
‫ً‬
‫وس ِعدوا بلقاء رسول اهلل صىل‬
‫عينًا‪َ ،‬‬
‫اهلل عليه وآله وسلم وإخواهنم من‬
‫املهاجرين واألنصار‪ ،‬وذهبت أسامء‬
‫بنت ُعميس ذات يوم إىل حفصة أم‬
‫املؤمنني‪ ،‬وكانت ممن هاجر إىل احلبشة‬
‫قديماً ‪ ،‬فبينا هي عندها إذ دخل عمر‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪113‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫عىل ابنته حفصة‪ ،‬فوجد أسامء عندها‪ ،‬قال‪ :‬من هذه؟ قالت‪ :‬هذه أسامء‪ .‬قال‪:‬‬
‫آلبحرية هذه‪ ،‬آحلبشية هذه؟ أي التي جاءت عىل البحر من احلبشة‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫نعم‪ .‬فقال هلا عمر‪ :‬سبقناكم باهلجرة مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‪ ،‬وسلم‬
‫فنحن أحق برسول اهلل منكم‪ .‬فغضبت أسامء وقالت‪ :‬كال واهلل‪ ،‬بل كنتم مع‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُي ِ‬
‫طعم جائعكم‪ ،‬و َي ِع ُظ جاهلكم‪ ،‬وكنا يف‬
‫دار البغضاء البعداء باحلبشة‪ ،‬وكنا ُن ْؤ َذى ونخاف‪ ،‬وما ذاك إال يف ذات اهلل‬
‫ورسوله‪ ،‬واهلل ال أذوق ذوا ًقا‪ ،‬وال أرشب رشا ًبا حتى أذكر ما قلت لرسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وأسأله‪ ،‬واهلل ال أكذب‪ ،‬وال أزيغ‪ ،‬وال أزيد عليه‪.‬‬
‫فلام جاء رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قالت أسامء‪ :‬يا نبي اهلل‪ ،‬إن عمر‬
‫أحق برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم منكم؟‬
‫قال‪ :‬سبقناكم باهلجرة‪ ،‬فنحن ُّ‬
‫فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬فام قلت له؟))‪ .‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬كال‬
‫واهلل‪ ،‬بل كنتم مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُي ِ‬
‫طعم جائعكم‪ ،‬و َي ِع ُظ‬
‫جاهلكم‪ ،‬وكنا يف دار البغضاء البعداء باحلبشة‪ ،‬وكنا ُن ْؤ َذى ونخاف‪ ،‬وما ذاك‬
‫إال يف ذات اهلل ورسوله‪ .‬فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬ليس‬
‫بأحق يب منكم‪ ،‬له وألصحابه هجرة واحدة‪ ،‬ولكم أنتم أصحاب السفينة‬
‫هجرتان)) (أي لكم هجرة إىل احلبشة وهجرة إىل املدينة)‪ ،‬فال َت َسل عن فرح‬
‫أسامء ببرشى رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم هلا وملن معها بأهنم أهل‬
‫اهلجرتني‪ ،‬وأهنم سابقون وليسوا بمسبوقني‪ ،‬وكان من فرح أسامء أن أعلنت‬
‫البرشى وأشاعت اخلرب‪ ،‬حتى علم هبا أصحاب السفينة الذين أتوا معها من‬
‫فوجا إثر فوج‪ ،‬يسألوهنا عام قاله هلا رسول اهلل صىل‬
‫احلبشة‪ ،‬فإذا هبم يأتوهنا ً‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فام هم من الدنيا بيشء أفرح وال أعظم مما َحدَّ َث ْتهم أسامء‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪114‬‬

‫‪17‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫من برشى رسول اهلل هلم‪ ،‬حتى قالت أسامء‪ :‬رأيت أبا موسى وإنه يستعيد هذا‬
‫احلديث مني‪.‬‬
‫نقرأ صفحة من صفحات الصرب اجلميل يف العطاء هلذا الدين من جعفر‬
‫الع ْص َبة املؤمنة‪ ،‬حيث قضوا هذه املدة املديدة يف أرض‬
‫وزوجه أسامء وهذه ُ‬
‫غربة‪ ،‬عند قوم ليسوا عىل دينهم وال لغتهم‪ ،‬ومل يأتوا حتى استدعاهم النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم إليه‪ ،‬فخفوا إليه سرِ ًاعا‪ ،‬ال ليسرتحيوا من طول عناء‪،‬‬
‫ولكن ليستأنفوا مرحلة أخرى من العطاء والبذل‪ ،‬ولذا فإن جعفر الذي قدم‬
‫سنة سبع هو الذي خرج بعد أشهر جماهدً ا يف سبيل اهلل‪ ،‬ل ُي ْقتَل يف معركة ُم ْؤ َتة‪،‬‬
‫ولتعيش زوجه أسامء أمل الث ُّْكل بعد أن عاشت أمل الغربة‪ ،‬إهنا حياة ُأ ِ‬
‫وقفت هلل‪.‬‬
‫يشدُّ ك هذا اجلو النفيس العجيب الذي كان أصحاب رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم يعيشونه‪ ،‬إهنا النفوس املشغولة بالتنافس يف الطاعات واملسارعة يف‬
‫اخلريات‪ ،‬إهنا حالة من السمو النفيس تراها يف قول عمر‪( :‬سبقناكم باهلجرة)‪.‬‬
‫ويف قول عمر‪( :‬ما سا َب ْقت أبا بكر إىل خري إال سبقني)‪ .‬ويف شكوى فقراء‬
‫املهاجرين‪( :‬يا رسول اهلل‪ ،‬ذهب أهل الدثور باألجور‪ُ ،‬ي َص ُّلون كام نصليِّ ‪،‬‬
‫ويصومون كام نصوم‪ ،‬ويتصدقون بفضول أمواهلم)‪ .‬ويف فرح أصحاب‬
‫السفينة الذي ظهر عليهم وعرفته أسامء فيهم فقالت‪( :‬ما من الدنيا يشء هم‬
‫أفرح وال أعظم يف أنفسهم مما قال هلم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم)‪.‬‬
‫يف شواهد من ذلك كثرية‪.‬‬
‫}وفيِ َذلِ َك‬
‫لقد كان ميدان التنافس ومضامر التسابق جالئل األعامل الصاحلة َ‬
‫س ا ُمل َتن ِ‬
‫َاف ُس َ‬
‫َف ْل َي َتنَا َف ِ‬
‫ون{‪.‬‬
‫َي ْب َه ُرك موقف أسامء هذا‪ ،‬فهو دال عىل أهنا كانت تؤدي دورها بوعي كامل‬

‫‪17‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪115‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ملسؤوليتها‪ ،‬لقد كان يمكن أن تجُ يب عمر قائلة‪ :‬لقد ذهبت مع زوجي يوم ذهب‪،‬‬
‫وح ْس ُبها ذلك لو كانت تؤدي دورها جمرد تابعة‪ ،‬ولكنها‬
‫وعدت معه يوم عاد‪َ .‬‬
‫واجهت عمر مواجهة الواثقة‪ ،‬ا ُملت ََش ِّبعة بام عملت‪ ،‬ولشدة يقينها أقسمت أن ترفع‬
‫ما جرى إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقد فعلت‪ ،‬وكل ذلك دليل عىل‬
‫غاية الوثوق بأمهية الدور الذي قامت به مع زوجها جعفر ريض اهلل عنهام‪.‬‬
‫ً‬
‫حقيقيا فاعلاً يف مرشوع الدعوة النبوية‪،‬‬
‫رشيكا‬
‫إن هذا يكشف أن املرأة كانت‬
‫ًّ‬
‫ً‬
‫مباركا فيه‪ ،‬وما‬
‫ُمت ََش ِّبعة بقناعتها‪ ،‬واعية بدورها‪ ،‬ولذا كان عطاؤها عطاء كث ًريا طي ًبا‬
‫كان ذلك لِ َيتِ َّم لو كانت تعيش بعض حاالت التهميش واإلقصاء واالستتباع‪.‬‬
‫إن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وقد سمع مقالة أسامء عن عمر مل يسارع‬
‫باجلواب‪ ،‬وإنام سأهلا قائلاً ((فام ِ‬
‫قلت له كذا وكذا‪،‬‬
‫قالت‪ُ :‬‬
‫قلت له؟))‪ .‬فلام ُ‬
‫وم ِّ‬
‫ؤكدً ا له‪ ،‬وهذا نوع من الرتبية النبوية لبناء الثقة يف‬
‫أجاهبا ُم َق ِّر ًرا ملا قالت ُ‬
‫الذات‪ ،‬وإظهار اعتبار رأي املرأة‪ ،‬ولذا سأهلا‪(( :‬فام قلت له))؟‪.‬‬
‫يتجلىَّ لنا من هذا املشهد نوع العالقة بني الرجال والنساء‪ ،‬فمع املحافظة التا َّمة‬
‫عىل االحتشام‪ ،‬وعدم اخلضوع يف القول‪ ،‬إال أن ذلك مل يكن يعني إقصاء املرأة‬
‫أو حتجيم التعامل معها‪ ،‬ولذا جاء أهل السفينة أرسالاً يسألوهنا عن مقالة رسول‬
‫مجيعا‪ .‬وهذا أبو موسى يستعيد‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وهي تروهيا هلم ً‬
‫اخلرب منها بعد أن سمعه؛ طر ًبا ببرشى رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬إن‬
‫وسرتها ال يعني تغييبها عن مشهد احلياة التفاعلية()‪.‬‬
‫حشمة املرأة َ‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4231 ،4230 ،3876 ،3136‬وصحيح مسلم (‪ ،)2503‬وأسد‬
‫الغابة (‪ ،)16/7‬وفتح الباري (‪.)485 ،190/7( ،)241/6‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪116‬‬

‫‪17‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪18‬‬

‫يــا أسـامة‬
‫خرج جمـاهدً ا يف هذه الغزوة‪،‬‬
‫ُمتو ِّثب الروح‪ ،‬متقد احلمـاس‪،‬‬
‫فقد كان يف بكور شبابه‪ ،‬وعنفوان‬
‫ُف ُت َّوته‪ ،‬مل جياوز السادسة عرشة من‬
‫عمره‪ ،‬فلعله كان أصغر اجليش ِسـ ًّنا‪،‬‬
‫ولعلها أول َغزاة خيرج فيها‪ .‬حتى إذا‬
‫لقوا العدو كانت همِ َّ ته تدفعه أن يلقى‬
‫بأسا‪ ،‬وأنكاهم ً‬
‫فتكا‪،‬‬
‫أشد املرشكني ً‬
‫وأكثرهم مضا ًءا‪.‬‬
‫فكان من املرشكني رجل إذا أقبلوا‬

‫‪18‬‬

‫كان أشدَّ هم‪ ،‬وإذا أدبروا كان‬
‫حاميهم‪ ،‬وال يشاء أن يقصد إىل رجل‬
‫من املسلمني إال قصد إليه فقتله‪،‬‬
‫فبادره هو ورجل من األنصار‪ ،‬حتى‬
‫إذا غشياه بسالحهام‪ ،‬واستمكنا منه‪،‬‬
‫رصخ بكلمة النجاة والفكاك‪:‬‬
‫(( ال إله إال اهلل )) فأشـاح األنصـاري‬
‫سيفه‪ ،‬وأما هـو فرأى أهنا رصخة‬
‫تعوذ من َر َهق السيف‪ ،‬واملستمسك‬
‫ا ُمل ِّ‬
‫هبا سـب ًبا للنجاة‪ ،‬كيف وقتاله من‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪117‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫َشـحطون يف دمـائهم‪ ،‬ولذا أمىض فيه رحمه ولسـان حاله‬
‫املسـلمني الزالـوا َيت َّ‬
‫يقـول‪:‬‬
‫ُي ِّ‬
‫ِ‬
‫شاجر‬
‫وال��رم��ح‬
‫��رين حـم‬
‫ُ‬
‫��ذك ُ‬
‫فهـ َّ‬
‫ال تـال حـم قبـل ال َّت َقـدُّ م‬
‫َّ‬
‫وانفل َحدُّ هم‪ ،‬ثم كانت‬
‫رصيعا‪ ،‬فتضعضع مجع املرشكني‪،‬‬
‫وخـر فارس القـوم‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫اهلزيمة عليهم‪ ،‬وجاء البشري إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُي َبشرِّ ه‬
‫بالنرص‪ ،‬وخيربه أخبار املعركة وما لقوا فيها‪ ،‬وكان مما أخربه نبـأ ذاك القتيـل‪،‬‬
‫تعوذ بـه قبل أن ُيقتَل‪ ،‬فبلغ ذلك من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫وما َّ‬
‫ُ‬
‫أسـامة‪ ،‬أقتلته‬
‫مبلغه‪ ،‬واستدعى أسامة بن زيـد ريض اهلل عنهام ليقول له‪(( :‬يا‬
‫بعدما قال‪ :‬ال إله إال اهلل؟!))‪ .‬قال‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬إنام قاهلا خمافة السالح والقتل‪.‬‬
‫فقال‪(( :‬أال شققت عن قلبه؛ حتى تعـلم أقاهلا مـن أجـل ذلك أم ال؟!))‪.‬‬
‫فأراد أسامة أن يبينِّ لرسـول اهلل استحقاق ذلك الرجل القتـل؛ لكثـرة من‬
‫قتـل من املسـلمني‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسـول اهلل أوجع يف املسلمني‪ ،‬وقتل فال ًنا وفال ًنا‪.‬‬
‫فه ْم أصحابه الذين‬
‫أناسا يعرفهم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ُ ،‬‬
‫وسمى ً‬
‫َّ‬
‫يراهم يف مسجده‪ ،‬ويلقاهم يف طريقه‪ ،‬ثم هم جنوده الذين خرجوا قتالاً حتت‬
‫رايته‪ ،‬إن ذلك ٍ‬
‫كاف يف استثارة عواطف النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هلم بام‬
‫يعظم جرم قاتلهم واستحقاقه للقتل كام قتلهم‪.‬‬
‫وإذا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يتجاوز ذلك كله بالتذكري بمعقد‬
‫العصمة‪ ،‬قائلاً ‪(( :‬فكيف تصنع بال إله إال اهلل إذا جاءت يوم القيامة؟))‪.‬‬
‫ورأى أسامة أن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يقبل تأويله الذي‬
‫تأول‪ ،‬وال عذره الذي به اعتذر‪ ،‬واستبانت له حرمة الدم الذي سفكه‪ ،‬وعظم‬
‫ّ‬
‫الذنب الذي قارفه‪ ،‬فخاطب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم خطاب املعرتف‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪118‬‬

‫‪18‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫املستعتب‪ ،‬قائلاً ‪ :‬يا رسول اهلل استغفر لـي‪.‬‬
‫وانتظر أسـامة أن يقول رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ :‬غفر اهلل لك‪ ،‬ولكن‬
‫رسول اهلل أعاد ما قال‪(( :‬كيف تصنع بال إله إال اهلل إذا جاءت يوم القيامة))‪ .‬فكرر‬
‫عليه أسـامة‪ :‬يـا رسول اهلل اسـتغفر لـي‪ ،‬فجعل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ال يزيد يف جوابه عىل قـوله‪(( :‬كيف تصنع بال إله إال اهلل إذا جاءت يوم‬
‫القيامة))؛ حتى َك ُرب أسامة لذلك َك ْر ًبا شديدً ا‪ ،‬مت َّنى معه أنه مل يكن أسـلم إال هذه‬
‫الساعة؛ حتى هيـدم إسـالمه ما قبـله‪ ،‬ويأمن َجريرة فعلتـه‪.‬‬
‫وقد بقي أثر ذلك التأديب النبوي عمي ًقا يف نفس أسامة‪ ،‬فكان أكف الناس‬
‫عند كل فتنة خيشى أن يكون من قتالها من يشهد أال إله إال اهلل‪ ،‬حتى كان‬
‫سعد بن أيب وقاص ريض اهلل عنه عىل جاللته وسابقته ِ‬
‫وكبرَ ِسنِّه يقول‪ :‬ال‬
‫أقاتل مسلماً حتى يقاتله أسامة؛ لشدة ما يرى من تو ِّقيه واحتياطه فيام يلتبس‬
‫من أمـر الدماء‪ ،‬فصلوات اهلل وسالمه عىل عبده ورسوله حممد الذي َع َّلم‬
‫فأحسن التعليم‪َ ،‬‬
‫وأ َّدب فأحسن التأديب‪.‬‬
‫‪ - 1‬يلفت النظر ِص َغر ُع ْمر أسامة ريض اهلل عنه يف هذه الغزوة‪ ،‬ولك أن‬
‫الس ِّن ِ‬
‫ينتدب نفسه للقتال وفق رؤية واضحة‪،‬‬
‫تعجب أن يكون فتى يف هذه ِّ‬
‫ٍ‬
‫خاف أن ال َن ْفرة إىل ساحة اجلهاد قد سبقها تكوين نفيس‬
‫وهدف محُ دَّ د‪ ،‬وغري‬
‫وإعداد‪ ،‬وهتيئة عقلية وروحية؛ حتى تكونت عنده درجات عليا من اليقني‬
‫واالحتساب‪ ،‬وأصبح الئ ًقا لالنخراط يف سلك اجلندية اإليامنية‪.‬‬
‫نضج عقيل لدى ا ُملتل ِّقي‪ ،‬بحيث ال يبدر يف‬
‫ثم إن هذا العتاب النبوي يدل عىل‬
‫ٍ‬
‫ذهنك أن هذا الكالم النبوي‪ ،‬وهبذا األسلوب ُم َو َّجه ملراهق يف السادسة عرشة‬
‫من عمره‪ ،‬بل لكأين بك وأنت حتفظ هذا احلديث منذ زمن قد فجأك التقدير‬

‫‪18‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪119‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫العمري ألسـامة ريض اهلل عنه‪.‬‬
‫إن ذلك كله أثر من آثار الرتبية النبوية التي تبني النفوس ف ُت ِ‬
‫حكم بناءها‪،‬‬
‫و ُت ِ‬
‫نشئها فتحسن نشـأهتا‪.‬‬
‫‪ - 2‬كام يلفتك قـوة تقرير هذا املعنى وهو حرمة الدم املعصوم‪ ،‬واالنكفاف‬
‫سوغات‪ ،‬ووضوحه يف نفوس الصحابة‪ ،‬وأن النبي‬
‫عنه مهام كانت ا ُملثريات وا ُمل ِّ‬
‫منيعا يمنعهم َت َق ُّحم‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم قد مأل به نفوسهم‪ ،‬فكان‬
‫ً‬
‫حاجزا ً‬
‫هذا الذنب أو االستهانة به‪ ،‬وداللة ذلك من احلديث ظاهرة يف ِّ‬
‫كف األنصاري‬
‫عن الرجل‪ ،‬مع أنه رأى ما رآه أسـامة ِم ْن َق ْت ِله َم ْن َق َت َلهم من خيار املسلمني‪،‬‬
‫ستثارا كام كان أسامة ريض اهلل عنه‪ ،‬ولكنه ما إن سمع اهلتاف بالشهادة‬
‫وكان ُم ً‬
‫حتى أشاح السيف عنه‪َّ ،‬‬
‫وكف عن القتل بعد أن استمكن منه‪.‬‬
‫فشو اخلرب حتى بلغ النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع ال ُبرشى‬
‫كام يظهر ذلك من ِّ‬
‫بالنرص‪ ،‬بل َّ‬
‫إن أسامة ريض اهلل عنه ما إن قتل الرجل حتى وقع يف نفسه من ذلك‬
‫قرر هذا املعنى بجالء ال‬
‫يشء‪ ،‬وهذا ُك ُّله يبني أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قد َّ‬
‫وتشبعت به نفوسهم‪.‬‬
‫غموض فيه‪ ،‬وبيان ال لبس معه حتى استبان ألصحابه َّ‬
‫‪ - 3‬كان أسامة بن زيد ريض اهلل عنهام حفيد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وابن ابنه‪ ،‬فكان ُيدعى أسامة بن زيد بن حممد قبل أن ُينسخ التبني‪ ،‬ثم‬
‫ـرم التبني أبقاه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ممارسة عاطفية‪،‬‬
‫بعد أن ُح ِّ‬
‫وحنا ًنا أبو ًّيا مع أسامة حتى كان ‪-‬بأيب هو وأمي‪ -‬يغسل وجه أسامة وهو‬
‫وع َثر أسامة‬
‫صبي‪ ،‬ويقول‪(( :‬لو كان أسامة جارية حلليته وكسوته وأعطيته))‪َ .‬‬
‫مرة ُ‬
‫يمص الدم عن‬
‫فش َّج وجهه‪ ،‬فجعل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪120‬‬

‫‪18‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وكبرِ أسامة َ‬
‫ويمجه() ‪َ ،‬‬
‫وكبرِ معه ُح ُّب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وجهه‬
‫ُّ‬
‫وسلم حتى ُع ِرف أنه ِح ُّب رسول اهلل وابن ِح ِّبـه‪.‬‬
‫فلام وقع منه هذا اخلطأ عاتبه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هذه املعاتبة التي‬
‫ال نستبني شدهتا إال إذا قر َّناها بحال أسامة عند رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وعظم مكانته عنده‪ ،‬ومع ذلك نراه يعاتب هذا العتاب البليغ‪ ،‬ثم يستعتب‬
‫ويتطلب استغفار رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فال يزيده بأكثر من ذلك‬
‫االستفهام االستنكاري‪(( :‬كيف تصنع بال إله إال اهلل إذا جاءت يوم القيامة؟))‪.‬‬
‫تشوق إليه من استغفار رسول اهلل‬
‫وينقيض ذاك املجلس دون أن يسمع أسامة ما َّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولو كان أحد َ‬
‫يحَْظى باستغفار رسول اهلل عن مثل تلك‬
‫الز َّلة لكان أسامة أوىل الناس بذلك‪ ،‬ولذا َأ َّثر هذا احلزم النبوي يف نفس أسامة‬
‫َّ‬
‫كل هذا األثر؛ حتى مت َّنى أنه مل يكن أسلم إال هذا اليوم؛ حتى هيدم إسالمه ما‬
‫كان قبله‪ ،‬وبقي أثرها يف نفسه بقية عمره‪ ،‬حتى ُع ِرف بذلك‪ُ ،‬‬
‫وش ِهر به‪.‬‬
‫‪ - 4‬إن حتليل موقف أسامة ريض اهلل عنه يفتح أبوا ًبا من املعاذير‪ ،‬وصنو ًفا‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫معركة كان هـو‬
‫أسامة ذاك الرجل يف ميدان‬
‫من التأويالت ملا صنع‪ ،‬فقد َقتَل‬
‫فيها يف صفوف املرشكني مقاتلاً معهم‪ُ ،‬م ِ‬
‫عملاً سالحه يف املسلمني قتلاً‬
‫مجُْهزا‪،‬‬
‫ً‬
‫يتشحطون‬
‫ورأى أسامة خيار أصحاب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قتىل َّ‬
‫يف دمائهم بسيف ذاك الرجل‪ ،‬ورأى كيف كان يبلغ جهده يف حياطة قومه من‬
‫املرشكني‪ ،‬فهو أشدهم إن هجموا‪ ،‬وهو حاميهم إن اهنزموا‪ ،‬وقد َغشيه أسامة‬
‫ودماء قتاله من صحابة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ال تزال رطبة عىل‬
‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)24677 ،23931‬وسنن ابن ماجه (‪ ،)1976‬وصحيح ابن حبان‬
‫(‪.)7056‬‬

‫‪18‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪121‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ثيابه‪ ،‬ومل ينطق الشهادة حتى استمكن منه السالح‪ ،‬وأيس من النجاة فقاهلا حينئذ‪،‬‬
‫عىل حال ال ُّ‬
‫تعو ًذا من القتل‪ ،‬ومل يق ْلها مستيقنًا من قلبه‪.‬‬
‫تدل إال عىل أنه قاهلا ُم َّ‬
‫ومع ذلك كله نرى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قد أغلق أبواب هذه ال َّت َأ ُّوالت‬
‫كلها‪ ،‬وأبان بعتاب شديد أن ما يف القلب ال يحَ ُكم عليه إال ع َّ‬
‫الم الغيوب‪ (( :‬أفال‬
‫شققت عن قلبه حتى تعلم أقاهلا من قلبه أم ال ))‪ .‬وهذا كله يبني أن هذه ال َّت َأ ُّوالت مع‬
‫يكرس حينئذ إال األصل األصيل‪ ،‬وهو حرمة‬
‫قرهبا ومطابقتها للحال قد ألغيت‪ ،‬ومل ِّ‬
‫الدماء املعصومة؛ ألن فتح باب التأول يف هذا األمر غاية يف اخلطورة‪ ،‬فالتأويالت‬
‫والتربيرات ستتداعى حتى تدخل الشبه والتهم واألهواء‪ ،‬وهو ما رأيناه ِعيا ًنا ممن‬
‫فتحوا ُث ْق ًبا يف هذا الباب‪ ،‬كيف اتَّسع هلم حتى صار بوابة تدخل منها استباحة دماء‬
‫يظن أن هذا منتهاه‪،‬‬
‫املسلمني بأدنى الشبه‪ ،‬وما نحسب أن من بدأ األمر بدأه وهو ُّ‬
‫ُّ‬
‫والتحكم‪.‬‬
‫ولكن تداعيات األفكار واألحداث ليست حتت السيطرة‬
‫أما اهلدي النبوي فقد أغلق أبواب التأول يف الدماء‪ ،‬وقطع ُس ُب َلها‪ ،‬وأبقى أمر‬
‫حرمتها َ‬
‫محُْكماً مستبينًا ال يـزيغ عنه إال هـالك‪.‬‬
‫‪ - 5‬إذا كان هذا العتاب النبوي البليغ الشديد ملن قتل رجلاً مل يقل ال إله إال‬
‫اهلل إال يف آخر حلظة من عمره‪ ،‬وحتت بارقة السيف‪ ،‬فكيف بمن قتل َم ْن مل يعرف‬
‫يف كل عمره غري‪ :‬ال إله إال اهلل؟‬
‫اللهم احفظنا يف فسحة من ديننا‪ ،‬فإن املرء ال يزال يف فسحة من دينه مامل يصب‬
‫د ًما حرا ًما()‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6872 ،4269‬وصحيح مسلم (‪ ،)97 ،96‬وشرح النووي على‬
‫صحيح مسلم (‪ ،)99/2‬وفتح الباري (‪ ،)195/12( ،)518/7‬وعمدة القاري (‪.)260/24‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪122‬‬

‫‪18‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪19‬‬

‫هذه وولدها‬
‫جيء إىل النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم بسبي من سبي هوازن‪ ،‬وإذا‬
‫بني يدي السبي امرأة تسعى وقد زاغ‬
‫برصها وحت ّلب ثدياها‪ ،‬تبتغي رضيعها‬
‫الذي فقدته يف السبي‪ ،‬وكان منظر‬
‫ذهوهلا وهلفتها وفزعها الف ًتا إليها‬
‫األبصار‪ ،‬وإذا النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وأصحابه ينظرون إليها‪،‬‬
‫فبينا هي كذلك إذ وجدت رضيعها‬
‫فأخذته فألصقته ببطنها ثم ألقمته‬

‫‪19‬‬

‫ثدهيا ترضعه لبنها وحناهنا‪ ،‬وهي يف‬
‫ٍ‬
‫حال من التأثر العاطفي الشديد أن‬
‫وجدته بعد أن أخذها اهللع؛ خو ًفا‬
‫عليه وذهبت هبا ظنون هلكته كل‬
‫مذهب‪.‬‬
‫منظرا غاية يف التأثر والتأثري‪،‬‬
‫وكان‬
‫ً‬
‫وإذا برسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم جيذب أبصار أصحابه إىل هذا‬
‫املشهد قائلاً ‪(( :‬أترون هذه طارحة‬
‫ولدها يف النار؟))‪ .‬وكان سؤالاً حيمل‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪123‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ريا‪ .‬فإن ما رأوه من حال هذه املرأة يدل عىل أهنا كادت أن تفقد‬
‫استفها ًما مث ً‬
‫عقلها ملا فقدت رضيعها‪ ،‬فكيف تلقيه يف النار! ولذا قال الصحابة‪ :‬ال واهلل يا‬
‫رسول اهلل‪ ،‬وهي تقدر عىل أن ال تطرحه‪ .‬عندها سكب النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم املعنى العظيم بعد هذه االستثارة الذهنية قائلاً ‪(( :‬واهلل هلل أرحم‬
‫بعباده من هذه بولدها))‪.‬‬
‫نتبني من هذه القصة‪:‬‬
‫ٍ‬
‫بحشد من‬
‫‪ - 1‬الطريقة الرتبوية النبوية الرائعة يف التعليم إليصال املعاين‬
‫وقع مؤث ٍر يف النفس‪ ،‬لقد كان‬
‫املؤثرات التي تزيد املعنى جال ًء وجتعلها ذات ٍ‬
‫إيضاح كبرية استخدمها النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫مشهد املرأة وحاهلا وسيلة‬
‫ٍ‬
‫وسلم‪ ،‬ثم زاد عىل ذلك االستثارة الذهنية والوجدانية بسؤاله‪(( :‬أترون هذه‬
‫طارحة ولدها يف النار؟))‪ .‬وهو سؤال يستثري الذهن لرتقب ما بعده‪ ،‬وجيعل‬
‫تشو ٍ‬
‫ف للمعنى الذي سيتبع هذا السؤال‪ ،‬ثم أتبع ذلك برضب‬
‫النفس يف حال ّ‬
‫املثل بحال هذه املرأة؛ ليتضح املعنى ويعظم وقعه عىل القلوب ((هلل أرحم‬
‫بعباده من هذه بولدها)) فصلوات اهلل وسالمه عىل خري معلم للناس اخلري الذي‬
‫مجع يف تعليمه لطف التنبيه‪ ،‬وجالء التوضيح‪ ،‬وحسن التأيت يف إيصال املعاين‬
‫للنفوس وتربية القلوب هبا‪.‬‬
‫أثرا غري عالمة‬
‫‪ - 2‬إن هذا املشهد كان يمكن أن ينتهي من دون أن يرتك ً‬
‫التعجب من فرط عاطفة األمومة يف هذا املوقف‪ ،‬ولكن الرسول صىل اهلل عليه‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪124‬‬

‫‪19‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫درسا ر َّبان ًيا يفيض منه عىل القلوب‬
‫وآله وسلم اقتنص الفرصة؛ ليجعل منه ً‬
‫ٍ‬
‫معاين الرمحة اإلهلية‪ ،‬لقد كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يغتنم ّ‬
‫فرصة‬
‫كل‬
‫يمكن أن ُينفذ فيها علماً ‪ ،‬وخيتار الظرف األنسب إليصال العلم و ُيراعي هتيئ‬
‫املتلقني واسترشافهم ملا سيقول‪ ،‬ولذا كان هذا املشهد الفرصة املواتية التي‬
‫اغتنمها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ ِّ‬
‫ليذكر فيها برمحة أرحم الرامحني‬
‫ً‬
‫مربوطا هبذا املشهد أبلغ من كال ٍم طويلٍ يمكن أن يقال‬
‫وكان وقع قوله الوجيز‬
‫يف هذا املعنى‪.‬‬
‫فهل نحاول تقفي هذه الرباعة النبوية يف اقتناص فرص التأثري وبث املعاين‬
‫الرتبوية بام يناسبها؟‬
‫‪ - 3‬مل يكن هذا الدرس النبوي يف حلقة تعليم أو عىل عتبة منرب‪ ،‬وإنام‬
‫كان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وأصحابه حوله يستقبلون َم ْق ِدم‬
‫هذا السبي‪ ،‬ومع ذلك جعل منه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مقا ًما للتعليم‬
‫وذلك أن تعليم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن خمتزلاً يف خطبة خيطبها‬
‫أو موعظة يلقيها ولكنه كان علماً مبثو ًثا يف احلياة كلها‪ ،‬فجلوسه عىل مائدة‬
‫الطعام فرصة تعليمية‪ ،‬ودخوله للسوق فرصة تعليمية‪ ،‬ومشيه يف الطريق‬
‫وجملسه مع أصحابه جماالت للتعليم والدعوة بمثل هذه الومضات املخترصة‬
‫البليغة املقرونة بمجريات احلياة‪ ،‬ولذا ارتوت نفوس الصحابة وتض َّلعت من‬
‫علم النبوة الذي كان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يبثُّه يف نواحي حياهتم‬
‫وتقلبات أمورهم‪.‬‬
‫ويف ذلك داللة لنا أن نجعل تربيتنا ألبنائنا ومن حولنا مقرونة بأنشطة احلياة‬

‫‪19‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪125‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وأال نقترص يف إيصال املعاين الرتبوية عىل النصائح الطوال‪ ،‬وأنه يسعنا اختـزال‬
‫ٍ‬
‫أحيان كثرية يف جرعات خمترصة ولكنها بليغة ومؤثرة؛ ألهنا‬
‫التوجيه الرتبوي يف‬
‫تأيت يف مناسبتها من دون تكلف وال إمالل‪ ،‬فيحسن وقعها ويعظم أثرها‪.‬‬
‫‪ - 4‬هذا املعنى الذي وضحه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم من خالل‬
‫هذا املشهد‪ ،‬وهو عظيم رمحة اهلل بعباده‪ ،‬يوقظ يف القلوب الرجاء ويبعث يف‬
‫النفوس األمل‪ ،‬فال يعرف الناس رمحة أشد من رمحة األم بولدها‪ ،‬وأشد ما‬
‫تكون رمحة األم بولدها يف حال ضعفه وشدة حاجته إليها وهي حال الرضاعة‬
‫والطفولة املبكرة‪ ،‬وتتضاعف هذه الرمحة حني يكون طفلها عرضة خلط ٍر‬
‫ختشى عليه منه‪ ،‬حينئذ تتضاعف رمحة األمومة أضعا ًفا مضاعفة‪ ،‬وكان هذا‬
‫حال املرأة التي رآها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وأصحابه‪.‬‬
‫ثم بينّ أن رمحة اهلل بعباده أعظم من رمحة األمومة يف هذه احلال‪ .‬إن هذا املعنى‬
‫ً‬
‫صاحلا ذكر عظيم رمحة اهلل‬
‫يمأل قلب املؤمن بالطمأنينة والرىض‪ ،‬فإن عمل‬
‫فرجى قبوله‪ ،‬وإن قارف خطيئة ذكر رمحة ربه ورجى مغفرته‪ ،‬وإن نزلت به‬
‫شدة تذكر عظيم رمحة اهلل فدعاه وهو موقن أنه لن يضيعه‪ ،‬وإن نزل به املوت‬
‫فحسن ظنه باهلل واشتاق‬
‫تذكر أن منقلبه إىل رب هو أرحم به من أمه التي ولدته ُ‬
‫إىل لقائه()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)5999‬وصحيح مسلم (‪ ،)2754‬وفتح الباري (‪.)430/10‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪126‬‬

‫‪19‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪20‬‬
‫أم خالد‬

‫أما اسمها‪ :‬فأمة بنت خالد بن‬
‫سعيد بن العاص‪ .‬ك ّناها أبوها وهي‬
‫طفلة‪ :‬أم خالد‪.‬‬
‫وأما عمرها‪ :‬فأول سنوات وعي‬
‫الطفولة البهيج‪.‬‬
‫ُولِدت يف احلبشة‪ ،‬وتف ّتح وعيها‬
‫عىل أبيها وأمها مهاجرين يف أرض‬
‫الغربة كله‪ ،‬تروهيا وتستعيد ذكراها‬
‫وتتمسك باألثر الباقي منها‬
‫اجلميلة‪،‬‬
‫َّ‬
‫ما استمسك معها‪.‬‬
‫كان من شأن خربها ذلك أن رسول‬

‫‪20‬‬

‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم كان‬
‫يقسم ثيا ًبا عىل أصحابه‪ ،‬فلام فرغ بقي‬
‫صغري مخُ َّط ٌط بأعالم‬
‫بني يديه كساء‬
‫ٌ‬
‫صفراء وخرضاء ومحراء‪ ،‬وكان‬
‫الكساء مجيلاً زاه ًيا علقت به األعني‪،‬‬
‫وإذا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يقول ألصحابه‪(( :‬من ترون‬
‫أن نكسو هذه؟))‪.‬فسكت الصحابة‬
‫ريض اهلل عنهم إكرا ًما لرأي رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وانطلقت‬
‫يف األذهان أسئلة وتساؤالت‪ :‬من‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪127‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫التي سيؤثرها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم هبذا الكساء‪ ،‬ومن التي‬
‫سيختارها له؟!‬
‫وجييء اجلواب عن السؤال من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪(( :‬ائتوين‬
‫بأم خالد))‪ .‬فذهب الداعي إىل أبيها خيربه أن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫بنيته‪ ،‬فجاء هبا أبوها حيملها بني يديه‪ ،‬حتى وضعها بني يدي النبي صىل اهلل‬
‫يدعو ّ‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فيقبل عليها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وينرش اخلميصة‪ ،‬ثم‬
‫ُيلبِ ُسها إ َّياها بيديه الكريمتني‪ ،‬حتى إذا احتوى الكساء جسدها الصغري‪ ،‬والتمعت‬
‫يف عينها فرحة الطفولة باجلديد‪ ،‬جعل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يشاركها‬
‫فرحتها ويتفاعل مع هبجتها‪ ،‬فريفع بيده الرشيفة أعالم الثوب امللونة‪ ،‬ثم يتطامن‬
‫هبمة إىل ّ‬
‫مهها‪ ،‬وبلهجته إىل هلجتها‪ ،‬ويلثغ بلسانه كام تلثغ بلساهنا قائلاً ‪(( :‬يا أم خالد‬
‫ّ‬
‫سنا)) أي‪ :‬هذا مجيل وحسن‪ ،‬بلغة احلبشة التي تعلمتها أم خالد حيث ُولدت‪.‬‬
‫ويكرر هلا الدعاء‪:‬‬
‫ثم ع ّقب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل ذلك يدعو‬
‫ّ‬
‫((أبيل وأخلقي‪ ،‬ثم أبيل وأخلقي‪ ،‬ثم أبيل وأخلقي))‪َ ،‬‬
‫وألِفت الطفلة رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم َ‬
‫تتحسس بيدها الصغرية ما يلفتها‬
‫وأنِست به‪ ،‬فجعلت‬
‫َّ‬
‫يف اجلسد النبوي املبارك‪ ،‬وكان مما لفت انتباهها خاتم النبوة بني كتفيه‪ ،‬فذهبت‬
‫وتتحسسه بأصابعها‪ ،‬فنهرها أبوها عىل لعبها هذا؛ إجاللاً لرسول‬
‫تلعب به‪،‬‬
‫ّ‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وإذا العطف النبوي يغلب العطف األبوي‪ ،‬ف ُي ْقبِل‬
‫عليه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪(( :‬دعها))‪.‬‬
‫فلتعبث الطفلة ما شاءت أن تعبث‪ ،‬ولتلعب ما شاءت أن تلعب‪ ،‬ف َث َّم رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬و َث َّمة الرمحة واللني واألبوة‪.‬‬
‫وتكبرُ أم خالد ريض اهلل عنها‪ ،‬وتكرب يف قلبها معاين هذا املوقف وذكراه‬
‫احلسنة‪ ،‬فتتمسك باألثر الباقي من هذا احلدث‪ ،‬وحتفظه هلا حتى حالت ألوانه‪،‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪128‬‬

‫‪20‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ودكنت أعالمه‪ ،‬فهو حيفظ هلا بركة َك ّفي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫وروعة ذلك اللقاء‪.‬‬
‫إن هذا املوقف ُم ْو ٍح بالدالالت واملعاين املعبرِّ ة‪:‬‬
‫‪ - 1‬كيف اتسع وقت النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ليهتم بشؤون‬
‫أصحابه اخلاصة جدًّ ا حتى ليجعل من همَ ِّ ه إهباج أطفاهلم‪ ،‬وإدخال الرسور‬
‫عىل نفوسهم‪ ،‬ومشاركة األطفال مشاعر الفرح الغامر بأشيائهم الصغرية يف‬
‫عيوننا‪ ،‬الكبرية يف عيوهنم‪.‬‬
‫إنه صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن يعيش ً‬
‫فراغا يف الوقت‪ ،‬وال قلة يف األعباء‪،‬‬
‫واملتحمل ألثقل أمانة؛ ولكن هذه األشياء هلا‬
‫فهو املتصدِّ ي ألعظم مسؤولية‪،‬‬
‫ِّ‬
‫أمهيتها يف مقياس العظمة األخالقية املحمدية‪ ،‬ولذا أفسح هلذه املهمة يف وقته‬
‫وقلبه ومشاعره‪ ،‬فهو املبعوث إلسعاد البرشية يف دنياهم وأخراهم‪ ،‬وهو الذي‬
‫ّ‬
‫دل أمته عىل أن من العمل املربور والصدقة املتقبلة‪(( :‬رسور ُتدْ ِخله عىل قلب‬
‫مسلم))()‪.‬‬

‫‪ - 2‬كان يمكن أن يكتفي صىل اهلل عليه وآله وسلم بإرسال اخلميصة إىل أم‬
‫خالد‪ ،‬ولكنه بارش هذا األمر بنفسه وبكل تفاصيله‪ ،‬ليكون هذا العمل ‪-‬وهو‬
‫إسعاد النفس البرشية وإدخال الرسور إليها‪ -‬سنة نبوية ُتقتفى‪ُ ،‬‬
‫وأسوة حسنة‬
‫ريا‪ ،‬ولذا فإنك واجد هلذه اللفتة‬
‫ملن كان يرجو اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كث ً‬
‫كثرا تشبهها‪ُ ،‬توايل‬
‫اجلميلة يف سرية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أخوات ً‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح الترغيب والترهيب (‪.)2623 ،2622 ،955‬‬

‫‪20‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪129‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫تأكيد هذه السنة‪ ،‬و ُتعيد معاين هذا املشهد‪.‬‬
‫‪ - 3‬الرباعة النبوية يف حتويل الفعل اجلميل إىل باقة من األفعال اجلميلة‬
‫املعربة‪ ،‬بدأها صىل اهلل عليه وآله وسلم َ‬
‫بطرح التساؤل ملن يعطى الكساء‪ .‬مما‬
‫حتول الكساء إىل وسام رشف‪.‬‬
‫يوحي باألمهية واالنتقاء‪ ،‬ولذا ّ‬
‫ثم طلبها صىل اهلل عليه وآله وسلم لتحظى باستالمه منه‪ ،‬ومل يرسله إليها‪.‬‬
‫ثم تولىَّ صىل اهلل عليه وآله وسلم بنفسه إلباسها الكساء‪.‬‬
‫ثم أتبع ذلك بمؤانستها ومالطفتها ومشاركتها فرحتها الطفولية‪.‬‬
‫ثم الدعاء هلا‪ ،‬وتكرار ذلك الدعاء‪.‬‬
‫ثم إدناؤها وتقريبها حتى ُت ِ‬
‫المس جسده‪ ،‬وتلعب بام يلفت اهتاممها منه‪.‬‬
‫ثم تقريره لذلك بقوله ألبيها‪(( :‬دعها))‪.‬‬
‫إنه درس نبوي يبني أن صنائع املعروف كام هي كرم وأرحيية فهي فن وحسن أداء‪.‬‬
‫‪ - 4‬املنهج النبوي الكريم يف التعامل مع الطفولة يف مظاهر‪:‬‬
‫أ ‪ -‬احلفاوة واإليناس واملالطفة واإلسعاد‪.‬‬
‫ب‪ -‬التقرب والتآلف مع الطفولة‪ ،‬بحيث تدنو وتقرب حتى تالعب اليد‬
‫الصغرية اجلسد النبوي الكريم‪.‬‬
‫ج‪ -‬الرفق والبعد عن النهرواجلفاء ((دعها))‪.‬‬
‫إهنا اللفتات النبوية الكريمة التي تراعي أخص مشاعر الطفولة‪ ،‬وتوليها هذه‬
‫العناية واالحتفال‪.‬‬
‫‪ - 5‬األثر البالغ يف هذه املعاملة النبوية الكريمة مع طفولة أم خالد عىل أبوهيا‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪130‬‬

‫‪20‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ليت شعري ما كان يمور يف قلب خالد بن سعيد‪ ،‬وهو حيمل ابنته إىل رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي أرسل يدعوها إليه؟!‬
‫ماذا كان يلمع يف عينيه‪ ،‬وهو يرى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يكسوها‬
‫بيديه؟‬
‫وكيف َط َف َح البِشرْ عىل وجهه‪ ،‬وهو يسمع النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫يدعو هلا ويامزحها؟‬
‫إكرام لكبارهم‪ ،‬والبرِ ُّ هبم ٌّبر بأهليهم وذوي قرابتهم‪.‬‬
‫إن إكرام الصغار‬
‫ٌ‬
‫‪ - 6‬معجزة نبوية عظيمة؛ حيث ظهر أثر دعوة النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫فع ّمرت أم خالد ريض اهلل‬
‫وسلم ((أبيل وأخلقي)) وهي دعوة بطول العمر‪ُ ،‬‬
‫عنها حتى كانت آخر من مات من الصحابيات ريض اهلل عنهن‪.‬‬
‫وتصورت أحداثها َ‬
‫وكثَّفتها يف ذهنك حتى كأنك‬
‫‪ - 7‬إذا رأيت هذه القصة‬
‫ّ‬
‫حتس يف شغاف‬
‫ترى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو يفعل هذا كله‪ ،‬ثم مل ّ‬
‫حمياه‪،‬‬
‫قلبك مثل القشعريرة شو ًقا إىل نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم وهلفة إىل ّ‬
‫فإن يف قلبك خللاً حيتاج منك إىل إعادة تأهيل‪ ،‬ولن يكون أفيد لك من مزيد‬
‫والتعرف عليه من خالل هذه املشاهد‬
‫التقرب إىل نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعراه() ‪.‬‬
‫النيرّ ة املعبرّ ة‪ ،‬فإن صادفت يف القلب حياة فإهنا لتأخذ بمجامعه ُ‬

‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)25811‬وصحيح البخاري (‪ ،)5823 ،3071‬وسنن أبي داود (‪،)4024‬‬
‫وسير أعالم النبالء (‪ ،)470/3‬واإلصابة (‪ ،)506/7‬وفتح الباري (‪.)279/10( ،)184/6‬‬

‫‪20‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪131‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪21‬‬
‫العبوا‬

‫يف يوم عيد مبارك كان رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم يقاسم زوجه‬
‫عائشة هبجة العيد يف بيتها‪ ،‬ويعيش‬
‫معها فرحته‪ ،‬إذ سمع جلبة وهز ًجيا‪،‬‬
‫فإذا هم األحباش قد دخلوا ساحة‬
‫املسجد ومعهم حراهبم و َد َرقهم‬
‫(تروس من جلد) وجعلوا يرقصون‬
‫يف املسجد عىل طريقتهم وهيزجون‬
‫بلغتهم‪ ،‬وكان مشهدهم طري ًفا‬
‫ومب ِه ًجا‪ ،‬فأقبل النبي صىل اهلل عليه‬
‫ُ‬
‫وآله وسلم عىل زوجه عائشة ريض‬

‫‪21‬‬

‫اهلل عنها وناداها‪(( :‬يا محرياء أحتبني أن‬
‫تنظري إليهم؟))‪ .‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬وددت‬
‫أين أراهم‪ ،‬فوقف هلا رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم عىل باب حجرته‪،‬‬
‫وجاءت هي من ورائه فوضعت ذقنها‬
‫عىل كتفه‪ ،‬وألصقت خدها بخده‪،‬‬
‫وألقى عليها رداءه يسرتها به وهي‬
‫تنظر إىل لعب احلبشة‪ ،‬والنبي ينظر‬
‫معها إليهم‪ .‬ويغرهيم بمزيد احلامس‬
‫يف استعراضهم قائلاً ‪ُ (( :‬دو َنكم بني‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪133‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫َأ ْر ِفدَ َة))‪( .‬وهو لقب احلبشة) وازداد محاسهم هبذه املشاركة الشعورية من النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وهم يرقصون بني يديه ومل يسعفهم يف التعبري إال‬
‫لغتهم‪ ،‬فجعلوا يتكلمون بكالمهم الذي ال يفهمه فقال صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪(( :‬ما يقولون؟))‪ .‬قيل‪ :‬يقولون‪ :‬حممد عبد صالح‪ .‬قالت عائشة مل أعلم‬
‫من كالمهم إال قوهلم‪ :‬أبا القاسم طي ًبا أبا القاسم طي ًبا‪.‬‬
‫وبينام هم كذلك‪ ،‬إذ دخل عمر املسجد فرأى مشهدً ا مل يعهده‪ ،‬فسارع بطبيعته‬
‫املبادرة إىل اإلنكار‪ ،‬وأهوى بيده إىل حصباء املسجد يرميهم هبا‪ُ ،‬مس َت ْن ِك ًرا‬
‫فعلهم ذلك يف ساحة مسجد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فقال له‬
‫الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬دعهم يا عمر‪ ،‬فإهنم بنو َأ ْر ِفدَ َة))‪( .‬أي أن‬
‫هذا شأهنم وطريقتهم)‪ .‬ثم أقبل عليهم قائلاً ‪َ (( :‬أ ْمنًا بني َأ ْر ِفدَ َة))‪( .‬أي‪ :‬العبوا‬
‫بأمان) وذلك حتى يهُ دِّ ئ من َر ْو ِعهم بعد أن أفزعهم عمر‪ .‬ثم جعل يستثريهم‬
‫قائلاً ‪(( :‬العبوا بني َأ ْر ِفدَ َة‪ ،‬حتى تعلم اليهود والنصارى أن يف ديننا فسحة‪ ،‬إين‬
‫بعثت بحنيفية سمحة))‪.‬‬
‫واستمر اللعب واألهازيج واالستعراض باملهارات احلربية احلبشية باحلراب‬
‫والدرق ورسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم واقف لعائشة ينتظر فراغها من‬
‫االستمتاع باملشاهدة حتى إذا ظن أهنا اكتفت بام رأت قال هلا‪(( :‬أما شبعت؟!‬
‫أما شبعت؟!))‪ .‬وكانت جارية حديثة السن‪ ،‬عرو ًبا حريصة عىل اللهو‪ ،‬فام‬
‫يكفي رسول اهلل من املشاهدة‪ ،‬ال يكفيها‪ ،‬ولذا قالت‪ :‬يا رسول اهلل ال تعجل‬
‫ع ّ‬
‫يل‪ ،‬فقام صىل اهلل عليه وآله وسلم هلا حتى إذا ظن أهنا اكتفت‪ ،‬قال هلا‪:‬‬
‫((حسبك؟))‪ .‬قالت‪ :‬يا رسول اهلل ال تعجل ع ّ‬
‫يل‪ .‬حتى إذا طابت نفسها من‬
‫النظر إىل اللهو استرشفت إىل حاجة نفسية أخرى ال َت ِق ُّل يف وجداهنا أمهية‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪134‬‬

‫‪21‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫عنها‪ ،‬وهي أن تري منزلتها يف نفس النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ومكانتها‬
‫منه‪.‬‬
‫ولذا استأنته ملا قال هلا‪(( :‬حسبك؟))‪ .‬قائلة‪ :‬ال تعجل ع ّ‬
‫يل‪ ،‬قالت‪ :‬وما يل‬
‫حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه يل ومكاين منه‪ .‬حتى إذا‬
‫استوفت رغباهتا النفسية من اللهو والشعور باملنزلة واملكانة عند النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم وم ّلت من قيامها ذلك‪ .‬قال هلا النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪(( :‬حسبك؟))‪ .‬قالت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪(( :‬فاذهبي))‪.‬‬
‫ومل ّ‬
‫يمل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم من قيامه هلا حتى م ّلت هي‪ ،‬ومل‬
‫ينرصف حتى انرصفت هي‪ ،‬وبقيت ذكرى هذا املشهد ومذاقه يف نفس عائشة‬
‫ريض اهلل عنها فكانت تتحدث عنه وتقول‪ :‬قام رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم من أجيل ومل ينرصف حتى كنت أنا التي انرصفت‪.‬‬
‫و َث َّم َة وقفات مع هذه القصة‪:‬‬
‫‪ - 1‬مجيل الرعاية النبوية ملشاعر زوجه والتلطف يف إسعادها‪ ،‬وإدخال‬
‫ُ‬
‫بالعرض عليها أن‬
‫األنْس إىل نفسها‪ ،‬فهو صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي بادر َ‬
‫تشاهد لعب احلبشة‪ ،‬وناداها لذلك بأسلوب التمليح والتدليل ((يا محرياء))‬
‫وهو وصف مجال يف البيئة العربية‪ ،‬ثم وقوفه هلا هبذه الطريقة احلميمية التي‬
‫ُت ِ‬
‫باملودة والرمحة‪ ،‬خدُّ ها إىل خدِّ ه وذقنها عىل عاتقه‪ ،‬ثم قيامه هلا ومل‬
‫شعر‬
‫َّ‬
‫ينرصف حتى انرصفت هي‪ ،‬إهنا باقة من ملسات احلنان واإلسعاد واإليناس‬
‫واإلغداق ملشاعر الرمحة واحلب‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪135‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬اختيار احلبشة املسجد للعبهم يوم العيد داللة عىل أن املسجد مل يكن‬
‫صومعة عبادة بل ميدان حياة ُتقام فيه الشعائر‪ ،‬و ُتعلن فيه املشاعر‪ ،‬وكام ُتقام‬
‫فيه الصالة‪ ،‬وجتمع الصدقات‪ ،‬و ُتقسم الغنائم‪ ،‬فهو ساحة اجتام ٍع إلعالن‬
‫الفرح‪ ،‬وبذا ارتبطت احلياة باملسجد واستوعب املسجد ُش َعب احلياة‪.‬‬
‫‪ - 3‬اتساع بوابة اإلسالم بحيث تستوعب الثقافات املتنوعة فاحلبشة عبرَّ وا‬
‫عن فرحهم بأسلوهبم اخلاص الذي ال يشبه أسلوب العرب فاللعب باحلراب‬
‫حضارة حبشية وأهازجيهم بلغتهم احلبشية‪.‬‬
‫ومع ذلك استوعبهم جمتمع الرسالة األول من غري أن يفقدوا خصوصيتهم‬
‫وطريقة تعبريهم‪.‬‬
‫‪ - 4‬مع أن هذا املوقف كان حلظة أنس وهلو‪ ،‬إال أن النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وقوليا‪(( :‬حتى‬
‫عمليا‬
‫ومرر من خالله بيا ًنا‬
‫ًّ‬
‫ًّ‬
‫وسلم جعله موقف دعوة وتعليم ّ‬
‫تعلم اليهود والنصارى أن يف ديننا فسحة؛ إين بعثت باحلنيفية السمحة))‪ .‬لقد‬
‫ِّ‬
‫مترشبة ملهمته العظمى‬
‫كانت كل مناحي حياته صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫الدعوة وبالغ الرسالة‪.‬‬
‫‪ - 5‬قال احلافظ ابن حجر‪ :‬يف هذا احلديث من الفوائد‪ :‬مرشوعية التوسعة‬
‫عىل العيال أيام األعياد بأنواع ما حيصل هلم به بسط النفس‪ ،‬وترويح البدن‪،‬‬
‫وأن إظهار الرسور يف األعياد من شعار الدين‪ .‬أ‪.‬هـ‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪136‬‬

‫‪21‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أقر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم احلبشة عىل أسلوهبم يف االحتفال‬
‫‪ّ -6‬‬
‫بالعيد والذي مل يكن مألو ًفا لدى العرب‪ ،‬مما يدل عىل اتساع أنواع التعبري عن‬
‫الفرح بالعيد وتنوع أشكال االحتفاء به بام يتناسب مع اختالف الناس يف‬
‫أوطاهنم وأزماهنم وأعامرهم‪.‬‬
‫‪ - 7‬أكد النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم املساحة الواسعة من السامحة واليرس‬
‫خمترصا يف قائمة حمظورات‪ ،‬أو محُ اصرَ ً ا بخنادق املحرمات‪،‬‬
‫يف رسالته‪ ،‬فليس دينه‬
‫ً‬
‫ولكن ثمة السامحة والفسحة‪ ،‬وهي األصل يف أمور احلياة‪ ،‬والتحريم استثناء‬
‫}خ َلقَ َل ُك ْم َما فيِ الأْ َ ْر ِ‬
‫قليل من ذلك َ‬
‫ض جمَ ِ ًيعا{ وهبذا ُو ِضعت عن البرشية‬
‫اآلصار التي كانت يف األديان السابقة‪ ،‬فلتعلم اليهود والنصارى أن يف دينه‬
‫فسحة‪ ،‬وأنه جاء باحلنيفية السمحة‪ ،‬وأنه الذي يحُ ِ ُّل هلم الطيبات‪ ،‬وحيرم عليهم‬
‫اخلبائث‪ ،‬ويضع عنهم إرصهم واألغالل التي كانت عليهم()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)2906 ،950 ،454‬وصحيح مسلم (‪ ،)892‬وسنن النسائي الكبرى‬
‫(‪ ،)8951 ،1800-1798‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)182/6‬وفتح الباري (‪،)549/1‬‬
‫(‪.)95/6( ،)440/2‬‬

‫‪21‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪137‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪22‬‬
‫يوم عيد‬

‫الع َروب حديثة السن‬
‫هي الفتاة َ‬
‫حتب اللهو‪ ،‬واليوم يوم عيد ُ‬
‫وأنْس‬
‫وهبجة‪ ،‬فأتتها صوحيباهتا معهن‬
‫الدفوف؛ ليعشن فرحة ذلك اليوم‪،‬‬
‫ويتشاركن ُ‬
‫األنْس به‪ ،‬وضرُ بت‬
‫الدفوف يف احلجرة النبوية‪َ ،‬‬
‫وغ َّنت‬
‫اجلواري بأشعار األنصار يف حروهبم‪،‬‬
‫ثم دخل النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم حجرته فام َت َو َّقف ضرَْ ب‬
‫الدفوف وال شدو الغناء‪ ،‬ومل ُت َر ِع‬

‫‪22‬‬

‫الفتيات‪ ،‬ومل ينجف ْلن لدخول رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫َ‬
‫وأ َّما هو صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫فتوجه إىل فراشه‪ ،‬فاضطجع عليه‪،‬‬
‫ّ‬
‫والتحف رداءه‪ ،‬و ّ‬
‫مخر وجهه‪،‬‬
‫وحوله إىل اجلدار‪ ،‬واستمر هلو‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫الفتيات وأنْسهن‪ ،‬واحلجرة النبوية‬
‫ُم َع َّطرة بأنفاس رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف احتفالية هبيجة‬
‫وأنس غامر تعيشه عائشة ريض اهلل‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪139‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ريا‪،‬‬
‫عنها وصوحيباهتا يف بيت النبوة الذي أذهب اهلل عنه الرجس ّ‬
‫وطهره تطه ً‬
‫وبينام اجلواري يف غنائهن ذلك إذ دخل أبوبكر الصديق ريض اهلل عنه بيت‬
‫ابنته عائشة‪ ،‬فاستنكر الطبول والغناء يف بيت النبوة‪ ،‬ونهَ َ َرهن قائلاً ‪ِ :‬م ْز َمارة‬
‫الشيطان يف بيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؟!‬
‫متحولاً إىل‬
‫وإذا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي كان مخُ َ ِّم ًرا وجهه‪،‬‬
‫ّ‬
‫اجلدار يكشف وجهه‪ ،‬ويلتفت إىل أيب بكر قائلاً ‪(( :‬دعهن يا أبا بكر فإنه يوم‬
‫عيد))‪ .‬وكانت أيام عيد األضحى‪ ،‬وكأنام أعطاهن هذا اإلذن النبوي دفعة‬
‫أخرى من احليوية واحلامس‪ ،‬وجلس أبو بكر إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم فلام رأت عائشة غفلة رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وأيب بكر عنها‬
‫غمزت اجلاريتني فخرجتا‪.‬‬
‫ولنا مع هذا اخلرب وقفات‪:‬‬
‫استمرت اجلواري يف غنائهن عند دخول رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫‪ - 1‬لقد‬
‫َّ‬
‫هن‪ ،‬وهنا نتساءل‪ :‬هل كان غناؤهن‬
‫ْسهن ولهَْ َو ّ‬
‫وسلم‪ ،‬ومل يقطع دخوله عليهن ُأن ّ‬
‫مجا‪ ،‬وهن اجلواري‬
‫سيستمر لو دخل عليهن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وا ً‬
‫حديثات السن‪ ،‬وهو صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي ُألقيت عليه املهابة؟‬
‫إن ذلك يكشف لنا وكأنا نرى رأي عني أن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم دخل‬
‫بيته باسماً ‪ ،‬ونظر إىل اجلواري ُمر ِّحبا‪ ،‬وأنه ضحك ملا رآهن يف هذا ُ‬
‫األنْس اجلميل!!‬
‫َ ً‬
‫أليس الذي وصفته عائشة ريض اهلل عنها‪ ،‬وقد ُسئلت ما يصنع يف بيته‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫برشا من البرش‪ ،‬إ ّ‬
‫ً‬
‫كان ً‬
‫بسا ًما!! ولذا كان دخوله صىل اهلل عليه‬
‫ال أنه كان‬
‫ضحوكا ّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪140‬‬

‫‪22‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وآله وسلم بيته مما يزيد األنس‪ ،‬ويضاعف الفرح‪ ،‬وينرش السعادة واإلهباج‪.‬‬
‫فأي رسالة أبلغ من هذه الرسالة إىل األزواج واآلباء الذين إذا دخلوا بيوهتم مل‬
‫ال العبوس‪ ،‬ومل ُيسمع منهم إ ّ‬
‫ُير منهم إ ّ‬
‫ال األمر والزجر؟!‬
‫‪ - 2‬يظهر من اخلرب أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن يستمتع‬
‫بغنائهن والذي كان يناسب اجلواري حديثات السن‪ ،‬وهو صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يف سن الكهولة‪ ،‬ولكنه كان يستمتع بأنس زوجه وصوحيباهتا‪ ،‬ويفرح‬
‫لفرحهن‪ ،‬ولذا ملا اضطجع ّ‬
‫وحوله إىل اجلدار حتى ال ينقمعن وال‬
‫مخر وجهه‪ّ ،‬‬
‫فيتحول إليها‪ ،‬ولذا‬
‫يحُ رجن إذا نظرن إليه‪ ،‬ومل يكن يف بيت النبوة حجرة أخرى‬
‫ّ‬
‫وحتوله إىل اجلدار؛ مراعاة‬
‫انفصل عنهن هبذه الطريقة اللطيفة‪ :‬تغطية وجهه ّ‬
‫حترج وال مهابة‪.‬‬
‫لشعورهن حتى ينطلقن يف غنائهن عىل سجيتهن بال ّ‬
‫فأي شفافية يف اإلحساس ومراعاة للمشاعر النفسية ألطف وأمجل من هذه‬
‫الرعاية النبوية ملشاعر هؤالء الفتيات يف هلوهن ذلك‪.‬‬
‫تفهم الرغبة الفطرية للتعبري عن الفرح وانفعاالت الرسور باللهو‬
‫‪ - 3‬يلفتك ّ‬
‫والغناء‪ ،‬فالفرح نشوة نفسية غامرة ال ُيعبرّ عنها بالتواقر الساكن املتكلف‪ ،‬ولكن‬
‫بالتفاعل احليوي‪ ،‬واحلراك املبهج‪ ،‬واللهو الذي ُيشيع مشاعر الفرح والرسور‪،‬‬
‫ولذا أعطى الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم النفوس نصيبها من ذلك يف‬
‫مناسبات األفراح كالزواج والعيد وقدوم املسافر‪ ،‬ونحو ذلك من فجاءات‬
‫السعادة ومواسم الفرح‪ .‬وعبرّ عن ذلك الصحابة‪ ،‬كل فئة بالطريقة التي حتسنها‪،‬‬
‫وتطلق من خالهلا أحاسيسها ومشاعرها؛ فاجلواري بالدفوف والغناء‪ ،‬واحلبشة‬

‫‪22‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪141‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫باحلراب والدّ َرق واإلنشاد‪ ،‬وغريهم باألنس النفيس هبذا اللهو واحلفاوة به‪.‬‬
‫إن التعبري عن مشاعر الفرح والرسور فطرة برشية‪ ،‬واحلفاوة هبا سنة نبوية‪ّ ،‬‬
‫دل‬
‫عليها هدي النبي الذي ُبعث باحلنيفية السمحة‪.‬‬
‫‪ - 4‬كانت حجرة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُم ِ‬
‫الصقة للمسجد شارعة‬
‫إليه‪ ،‬وكان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو يف حجرته يسمع صوت‬
‫أصحابه يف املسجد إذا حتدثوا‪ ،‬وكان أبو بكر وهو يف املسجد يسمع صوت‬
‫ابنته عائشة يف حجرهتا إذا تكلمت‪َ ،‬‬
‫وض ِحكها إذا َض ِحكت‪ ،‬فام ظنك برضب‬
‫الدفوف وغناء اجلواري يف احلجرة النبوية‪ ،‬كيف سينترش مداه يف مسجد رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؟ فام أمجل هذا اإلعالن عن شعرية الفرح والرسور‬
‫أن تُضرْ َ َب بالدفوف داخل احلجرة الرشيفة ويسمعها َم ْن يف املسجد النبوي‪.‬‬
‫‪ - 5‬يعجبك ِف ْطنة عائشة ريض اهلل عنها وحسن تعاملها مع املوقف‪ ،‬فهي مل‬
‫متنعهن من الغناء وقد قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ‪(( :‬دعهن))‪ .‬ومل‬
‫تستمر فيه وقد جلس أبو بكر إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ ليتحدثا‬
‫فانتظرت حتى غفال عنها ثم غمزت اجلاريتني فخرجتا‪ ،‬وكأهنن قد انتهني من‬
‫شأهنن واستوفني من الغناء نصيبهن‪ ،‬وهذه براعة من عائشة يف إدارة املوقف‬
‫عىل حداثة ِس َّنها()‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬مسند احلميدي (‪ ،)254‬وصحيح البخاري (‪ ،)2906 ،950 ،454‬وصحيح‬
‫مسلم (‪ ،)892‬وسنن النسائي الكبرى (‪ ،)1800-1798‬وصحيح ابن حبان (‪،)5870‬‬
‫وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)182/6‬وفتح الباري (‪.)95/6( ،)440/2( ،)549/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪142‬‬

‫‪22‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪23‬‬
‫أخوكم‬

‫َ‬
‫رسول اهلل صىل اهلل‬
‫أحب عبدُ اهلل‬
‫ّ‬
‫عليه وآله وسلم كأشدّ ما يكون احلب‪،‬‬
‫حتى شهد له بذلك رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم فقال‪(( :‬إنه حيب‬
‫اهلل ورسوله))‪ ،‬وكان حلبه لرسول اهلل‬
‫يتشهى له‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ّ‬
‫كل ُط ْرفة طعام يراها تدخل املدينة؛‬
‫فربام جاء األعرايب بعكة السمن أو‬
‫العسل فيأخذها منه‪ ،‬وهيدهيا للنبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فإذا جاءه‬

‫‪23‬‬

‫صاحبها يتقاضاه الثمن جاء به إىل‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫فقال‪ِ :‬‬
‫أعط هذا الثمن‪ .‬فيقول رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬أمل‬
‫ِ‬
‫هتده إ ّيل؟))‪ .‬فيقول‪ :‬بىل‪ ،‬يا رسول‬
‫اهلل‪ ،‬ولكن ليس عندي ثمنه‪ ،‬فام يزيد‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫أن يضاحكه ويأمر لصاحبه بالثمن‪.‬‬
‫إن هذه املامزحة اللطيفة تعكس‬
‫اإل ْلف النفيس والعرشة اجلميلة بني‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪143‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وصاحبه عبد اهلل‪.‬‬
‫ريا‬
‫بقي أن تعرف أن عبد اهلل هذا كان ُمبتلىً برشب اخلمر‪ُ ،‬مكثِ ًرا منها‪ ،‬وكث ً‬
‫ُ‬
‫السكر؛ فيأمر بجلده‪،‬‬
‫ما أيت به إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم َث ِملاً من ُّ‬
‫فجيء به يو ًما كذلك‪ ،‬فلام جلده وانرصف‪ ،‬قال أحد الصحابة‪ :‬اللهم الع ْنه‪،‬‬
‫ما أكثر ما ُيؤتى به‪ .‬فإذا النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ير ّد هذه املقولة‪(( :‬ال‬
‫تلعنوه‪ ،‬فواهلل ما علمت إنه ليحب اهلل ورسوله‪ ،‬ال تكونوا عون الشيطان عىل‬
‫أخيكم))‪.‬‬
‫دعونا نقف عند ٍ‬
‫املحمدي؛ لنرى العجب العاجب‬
‫معان من هذا اخللق‬
‫ّ‬
‫يف روعة التعامل النبوي مع النفس البرشية‪:‬‬
‫‪ - 1‬ألاَ يشدّ برصك هذا التآلف‪ ،‬بل التامزج بني هذا الصحايب عىل ما وقع فيه‬
‫السمو ُّ‬
‫والطهر ومعلم الناس اخلري‪ ،‬إنه إِلف وحب وممازحة‬
‫من خطأ مع قمة‬
‫ّ‬
‫ثمة يف جمتمع النبوة تشطري للمجتمع‪ ،‬أو عزل‬
‫وموا ّدة‪ ،‬مما يكشف لنا أنه مل يكن ّ‬
‫ملعرة خطأ كان‪ ،‬وإنام االندماج والتامزج بينهم عىل تفاوت مقاماهتم‬
‫لفئة منه؛ َّ‬
‫يف اخلري؛ فمنهم السابق‪ ،‬ومنهم املقتصد‪ ،‬ومنهم من ظلم نفسه‪ ،‬ولكن مل يكن‬
‫أحد يعيش ال َّن ْبذ أو ال َّن ْبز أو اإلقصاء وإنام كان التآلف واالحتواء‪ ،‬وبذلك‬
‫ُّ‬
‫تظل األخطاء التي يقع فيها بعضهم حمدودة األثر والتداعيات؛ ألهنا حماصرَ ة‬
‫هبذا اجلو التآلفي الكريم الذي ال ُيتيح هلا التطور وال التكاثر‪ ،‬وكلام َع َثر أحد‬
‫بخطيئته آنس أيدي إخوانه متسك َ‬
‫بض ْبعيه أن هيوي من هذه العثرة أو ينقطع‬
‫الزلة‪.‬‬
‫عنهم بسبب هذه َّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪144‬‬

‫‪23‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬ما أعجب اإلشارة إىل املساحة اإلجيابية يف نفس عبد اهلل مع أن املقام‬
‫ريا‪ ،‬ولكن النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫مقام عقوبة عىل خطأ‪ ،‬وخطأ تكرر كث ً‬
‫وتأمل‬
‫حبه اهلل ورسوله‪َّ ،‬‬
‫وسلم لفت النظر إىل ناحية إجيابية يف نفسه وهو ّ‬
‫َ‬
‫اخلصلة‪ :‬إهنا ليست َم ْن َقبة خاصة بعبد اهلل‪ ،‬ولكنها اخلصلة التي يرشكه فيها‬
‫بحب اهلل ورسوله‪ ،‬ولكن النبي صىل اهلل عليه‬
‫يصح إيامن إال ّ‬
‫كل مؤمن‪ ،‬فال ُّ‬
‫وآله وسلم أبرز هذه اخلصلة وامتدح الرجل هبا‪ ،‬وهو أسلوب تربوي فريد‪،‬‬
‫يرتتب عليه توسيع مساحة اخلري يف النفوس‪ ،‬وتأكيد انتساهبا إليه وارتفاعها‬
‫تكبلها وال جترتُّها للقاع‪ ،‬ولك أن تتصور‬
‫به‪ ،‬وإن حصلت منها اهلفوات فال ّ‬
‫فأي‬
‫نفس عبد اهلل هذا‪ ،‬وقد بلغته مقولة‪ ،‬النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عنه ُّ‬
‫نشوة ورفعة تستثريها فيه تلك املقولة حتى لكأنام يعرج بنفسه إىل أفق أعىل‬
‫يسمو به فوق هذه اخلطايا واهل َّنات؟! إن هذا ملن أقوى األسباب للتخلص من‬
‫هذه اخلطايا والتأكيد لنفسه أن هذه هفوات عارضة وليست األصل يف حاله‪،‬‬
‫وال احلاكم لنا عليه‪ ،‬فاألصل فيه حب اهلل ورسوله‪.‬‬
‫اإلجيابية عند اخلاطئني وتوسيع رقعة اخلري يف نفوسهم‬
‫إن اإلشادة باجلوانب‬
‫ّ‬
‫أسوارا‬
‫هو األسلوب النبوي الكريم‪ ،‬وإن كنا نغفل عنه أحيا ًنا فنجعل األخطاء‬
‫ً‬
‫مانعة‪ ،‬بل زنازين ضيقة نحبسهم فيها فال نعرفهم‪ ،‬وال نذكرهم إال بذاك اخلطأ‬
‫أو تلك اهلفوة‪ ،‬وننسى أن ذلك ‪-‬وإن مل نشعر‪ -‬معونة للشيطان عليهم‪َّ .‬أما‬
‫سكرا‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم فقد وصف ذاك عىل كثرة ما ُأيت به إليه‬
‫ً‬
‫بأرشف اخلصال وأمجلها ((إنه ما علمت حيب اهلل ورسوله))‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن هذا الذنب خطأ ظاهر؛ بل كبرية من الكبائر‪ ،‬ال جمال فيه الحتامل‬

‫‪23‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪145‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫التأول‪ ،‬إهنا اخلمر التي لعن فيها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عرشة‪،‬‬
‫اخلطأ أو ّ‬
‫ومع ذلك فإن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي أقام عليه حدَّ اخلمر قد‬
‫حفظ ح َّقه أن ُيستطال عليه بأكثر من العقوبة الرشعية‪ ،‬ورأى ذلك من معونة‬
‫مصوبة إىل جهة‬
‫الشيطان‪ ،‬و َل َفت األنظار إىل مساحة اخلريية فيه بدل أن تظل‬
‫ّ‬
‫اخلطأ‪.‬‬
‫نقف أمام هذا املعنى لنرى كيف َن َل ُّج أحيا ًنا يف اخلصومة مع بعض‬
‫ريا ما تكون‬
‫إخواننا حول أخطاء ليست هبذا الوضوح وال الضخامة؛ بل كث ً‬
‫هذه األخطاء يف نظرنا هي حمل اجتهاد‪ ،‬ويسعها اختالف وجهات النظر‪ ،‬ومع‬
‫ذلك نجد أنفسنا ‪-‬ومن غري وعي أحيا ًنا ‪ -‬نجرجر القضية حتى نجعلها ً‬
‫خطأ‬
‫ربر لدَ َدنا يف اخلصومة ِ‬
‫ومرا َءنا يف اجلدل بأهنا‬
‫رشعيا ال حمل لالجتهاد فيه‪ ،‬ثم ن ّ‬
‫ًّ‬
‫من الدين وللدين‪ ،‬بينام اهلدي النبوي حفظ حق من وقع يف كبرية من الكبائر‬
‫وكررها وأكثر منها حتى قيل‪ :‬ما أكثر ما ُيؤتى به‪ ،‬ومع ذلك مل يسمح النبي‬
‫ّ‬
‫جرسا يعرب عليه إىل االستطالة يف‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم أن يكون ذلك‬
‫ً‬
‫عرضه بشتم مل جيعله اهلل عقوبة له‪ .‬وبقي بعد ذلك الصاحب الذي حيب اهلل‬
‫ورسوله ويألفه ويامزحه وهياديه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫معان مجيلة لو استرشفناها من هذا اهلدي النبوي التسعت مساحة اخلري‪،‬‬
‫إهنا‬
‫وحوصرِ كثري من األخطاء‪ ،‬وقويت لحُ مة املجتمع‪ ،‬وعويف من كثري من أمراض‬
‫ُ‬
‫الـمبرَ ِّ رات اخلاطئة()‪.‬‬
‫القطيعة ُ‬
‫الـمبرَ َّ رة بأنواع ُ‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6780‬وأسد الغابة (‪ ،)64/2‬واإلصابة (‪،)275 ،251/4( ،)117/2‬‬
‫(‪ ،)465-463/6‬وفتح الباري (‪ ،)81-75/12‬وعمدة القاري (‪.)271-270/23‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪146‬‬

‫‪23‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪24‬‬

‫التغضب‬
‫عاد صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل‬
‫بيته حتى دنا من حجراته‪ ،‬وما نظن‬
‫إال أنه كان كالاًّ بعد يوم مثل كل أيامه‬
‫يقضيه يف دعوته وبالغ رسالته‪ ،‬وأنه‬
‫عاد جمهود البدن‪ ،‬جمهود النفس بعد‬
‫أن بذل للناس ُخ ُلقه وبِشرْ ه‪ ،‬وفضله‬
‫وبِ َّره‪ ،‬ثم عاد إىل بيته أحوج ما يكون‬
‫إىل مسرتاحه وأنسه؛ لرييح بدنه‬
‫ونفسه‪.‬‬
‫كان صىل اهلل عليه وآله وسلم يسري‬
‫وقد ارتدى برداء نجراين غليظ‬

‫‪24‬‬

‫احلاشية أداره عىل عنقه وألقى فضله‬
‫عىل َم ْن ِكبه‪ ،‬حتى إذا وصل إىل حجرته‬
‫وكاد أن يدخلها‪ ،‬إذا أعرايب من أهل‬
‫البادية يسارع إليه حتى إذا أدركه‬
‫جذب طرف ردائه من خلفه جذبة‬
‫شديدة فاجأت النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وكان من أثر هذه اجلذبة‬
‫الشديدة املفاجئة‪:‬‬
‫‪ - 1‬اختل توازن النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم فتقهقر إىل اخللف حتى‬
‫رجع يف نحر األعرايب‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪147‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬انشق الرداء من أثر شدة اجلذبة األعرابية‪.‬‬
‫‪ - 3‬غاصت حاشية الرداء يف عنق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فجعل أنس‬
‫ريض اهلل عنه ينظر إىل ُعنُق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ‪-‬وكان عنقه أبيض‬
‫وضيئًا كأنه إبريق فضة‪ -‬فإذا حاشية الرداء قد أ َّثرت يف صفحة عنقه صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم من شدة جذبة األعرايب‪.‬‬
‫لقد كان املتو َّقع حينئذ أن يم َت َقع األعرايب لِـماَ جرى‪ ،‬وأن يعتذر عام حدث‪،‬‬
‫وأن َّ‬
‫يتلطف للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم طال ًبا عفوه‪ ،‬ولكن هذا ليس الذي‬
‫جرى‪ ،‬فقد نادى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪ :‬يا حممد‪.‬‬
‫ول َب ْين َُك ْم َكدُ َع ِ‬
‫الر ُس ِ‬
‫اء َب ْع ِض ُك ْم‬
‫إنه نداء بجفاء فاهلل يقول‪} :‬ال تجَْ َع ُلوا ُد َعا َء َّ‬
‫َب ْع ًضا{‪.‬‬
‫ثم طلب فقال‪ :‬أعطني من مال اهلل الذي عندك‪ .‬إنه اجلفاء يف املسألة ً‬
‫أيضا‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فأمتنى منك أن تتوقف حلظة عن القراءة‪ ،‬وتغمض عينيك‪ ،‬وتفكر يف‬
‫ِ‬
‫املستف َّزة هذه؟ جذبة شديدة‬
‫اإلنفعال الذي يمكن أن ُتثريه متوالية املثريات‬
‫أرجعت النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل الوراء‪ ،‬وش َّقت الرداء‪ ،‬وأ َّثرت يف‬
‫صفحة العنق الرشيف‪ ،‬ثم نداء بجفاء‪ ،‬وطلب بإحلاف‪.‬‬
‫وختيل أي حريق من الغضب يكفي واحد منها‬
‫كثّف هذه الصورة يف ذهنك‪َّ ،‬‬
‫إلشعاله يف القلب‪ ،‬فكيف هبا جمتمعة! ّ‬
‫فكر يف ردة الفعل املتوقعة هلذه املثريات‬
‫املتتابعة‪.‬‬
‫أما نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم فقد كانت ِر َّد ُة ِف ْعله عج ًبا عاج ًبا‪َ ،‬س َمت‬
‫وم ُثل املثالية‪ ،‬إىل أفق أعىل‪ ،‬إنه أفق العظمة املحمدية‪.‬‬
‫فوق ضوابط االنضباط‪ُ ،‬‬
‫يتج َّهم‪ ،‬وأحسن ومل يعاقب‪ ،‬يقول أنس‬
‫لقد التفت فلم ُيع ِرض‪ ،‬وضحك ومل َ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪148‬‬

‫‪24‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ريض اهلل عنه وهو شاهد هذا املشهد‪(( :‬فالتفت إليه رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬ثم ضحك ثم أمر له بعطاء))‪.‬‬
‫ننتهي من رواية هذه القصة‪ ،‬ولكننا بحاجة إىل أن نعيدها ونكرر إعادهتا‬
‫ٍ‬
‫بصمت متأ ِّمل وفك ٍر مس َتغْ ِرق‪ ،‬حتى َّ‬
‫تترشهبا كل خاليا الوجدان‪ .‬ونقف مع‬
‫ٍ‬
‫معان منها ثالث‪ ،‬و َندَ ع تداعيات املعاين لنفسك املتأملة وتفكريك العميق‪.‬‬
‫‪ - 1‬إن هذه املثريات بفجاءهتا وجفائها ُت ِ‬
‫شعل نريان الغضب يف النفس‪،‬‬
‫وتثري ِر َّدة فعل غاضبة ومنفعلة‪ ،‬وغال ًبا ما تأيت ِر َّدة الفعل الغاضبة رسيعة‬
‫رسيعا ومفاجئًا‪.‬‬
‫وفجائية كام كان املثري‬
‫ً‬
‫لكن نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن يتعامل مع املثريات بقانون الفيزياء‬
‫َّ‬
‫(لكل فعل ِر َّدة فعل مساوية يف القوة معاكسة يف االجتاه) ولكنه كان يتعامل‬
‫يم{‪.‬‬
‫}وإِ َّن َك َل َعلىَ ُخ ُل ٍق َع ِظ ٍ‬
‫بقانون آخر‪ ،‬إنه قانون العظمة األخالقية َ‬
‫إن أشد ما َي ْب َهرك يف جتاوب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أهنا ِر َّدة الفعل‬
‫الرسيعة التلقائية‪ ،‬ومع ذلك جاءت وكأنام هي ُمعدَّ ة بعناية بالغة‪ :‬إلتفات يدل‬
‫بسم يدل عىل الرتحيب‪ ،‬إكرام و َب ْذل يقيض احلاجة‪ ،‬وما ذاك إال‬
‫عىل االهتامم‪َ ،‬ت ُّ‬
‫للعمق األخالقي يف وجدان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫إن الترَّ َ ِّوي من هذا الدرس النبوي يطفئ نريان الغضب يف القلوب‪ ،‬ويسكب السكينة‬
‫يف النفوس‪ ،‬وجيعل زمام انفعاالتنا بأيدينا بدل أن تكون أفعالنا بيد انفعاالتنا‪.‬‬
‫مرارا‪،‬‬
‫‪ - 2‬إن الذي يقول ملن قال له أوصني‪(( :‬ال تغضب))‪ .‬فيكررها ً‬

‫‪24‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪149‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فيقول‪(( :‬ال تغضب)) ()‪ .‬والذي يقول‪(( :‬إنام الشديد الذي يملك نفسه عند‬
‫الغضب))()‪ .‬هو صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي يستثار هذه االستثارة فال‬
‫يغضب‪ ،‬ويملك نفسه أيام تمَ َ ُّلك عند مثريات الغضب‪.‬‬
‫إنه التناغم الرائع بني الدعوة والقدوة‪ ،‬واألقوال واألفعال؛ ليتحقق من ذلك‬
‫التكامل املبهر يف شخصية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف تمَ َثُّل مكارم‬
‫األخالق التي ُب ِعث بتتميمها‪ ،‬وإن الدعوات ُّ‬
‫تظل باهتة منطفئة األثر ما مل‬
‫تتمثل واضحة متألقة يف شخصية ُدعاهتا‪.‬‬
‫‪ - 3‬أال نتساءل ما الذي دفع هذا األعرايب أن يطلب ما يطلب بكل هذا الوثوق‪،‬‬
‫بل ويتجاوز إىل حدِّ اجلفاء واإلحلاف‪ ،‬أال خياف عقوبة؟ أال خيشى ً‬
‫بطشا؟ إن اجلواب‬
‫بوضوح أنه كان يعيش يف ِخفارة أخالق حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم التي أعطته‬
‫األمان والثقة؛ ليعرب عام يف نفسه‪ ،‬ويطالب بام يظنه ح َّقه‪ .‬وليعيش شخصيته كاملة‬
‫ال ِ‬
‫يحُْجمها اخلوف‪ ،‬وال يشوهها اإلذالل‪ ،‬ولذلك فإن أولئك الذين كانوا يطالبون‬
‫بحقوقهم هم الذين أدوا واجباهتم ومحلوا إىل العاملني رسالة نبيهم‪ ،‬يرخصون هلا‬
‫أغىل ما يملكون مهجهم التي بني جوانحهم بعد أن ملكها رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم بالرتبية العالية التي تبني الشخصية‪ ،‬وتع ِّزز الثقة‪ ،‬و ُت ِ‬
‫شعر كلاً بقيمته‪،‬‬
‫وإنسانيته‪ ،‬وأمهيته‪ ،‬فكان كل واحد منهم شخصية سوية واثقة واضحة معربة‪ .‬أما‬
‫عند ما ُي ْس ِكت اخلوف األلسنة فإن القلوب تصبح مدافن لألحقاد()‪.‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪.)6116‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)6114‬ومسلم (‪.)2609‬‬
‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)12090‬وصحيح البخاري (‪ ،)6088 ،5809 ،3149‬وصحيح مسلم‬
‫(‪ ،)1057‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)147-146/7‬وفتح الباري (‪.)506/10‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪150‬‬

‫‪24‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪25‬‬

‫مهنة أهلك‬
‫هي إطاللة عىل البيت النبوي‪،‬‬
‫ذلك البيت الذي أذهب اهلل عنه‬
‫ريا‪ ،‬إطاللة من‬
‫الر ْجس وطهره تطه ً‬
‫ِّ‬
‫ُك َّوة فتحتها ُأ ُّمنا عائشة ريض اهلل عنها‬
‫حينام توارد عليها السؤال من عدد‬
‫من التابعني‪ :‬ما كان رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يصنع يف بيته‬
‫إذا كان عندك؟ إنه تساؤل عن هذه‬
‫الشخصية العامة كيف تكون يف هذه‬
‫احلالة اخلاصة‪ ،‬كيف يكون رسول اهلل‬

‫‪25‬‬

‫صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي يعيش‬
‫خارج بيته متصدِّ ًيا لقضايا األمة‬
‫متحملاً أعباءها فإذا دخل بيته وأغلق‬
‫ِّ‬
‫بابه وخال بأهله فكيف يكون؟ وماذا‬
‫يصنع؟‬
‫ولقد تل َّقت عائشة ريض اهلل عنها‬
‫السؤال بحفاوة واهتامم‪ ،‬وأرشعت‬
‫نافذة عىل بيت النبوة؛ لنرى منها‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف هذه‬
‫احلالة اخلاصة يف بيته ومع أهله‪ ،‬فإذا‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪151‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫هبا تصف هبذا الوصف الوجيز البليغ قالت‪(( :‬كان رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم إذا خال يف بيته ألني الناس‪ ،‬وأكرم الناس‪ ،‬كان رجلاً من رجالكم‬
‫ضح ً‬
‫بسا ًما‪ ،‬وما كان إال َبشرَ ً ا من البرش‪ ،‬كان يكون يف مهنة‬
‫إال أنه كان َّ‬
‫اكا َّ‬
‫أهله ‪-‬يعني خدمة أهله‪ِ -‬‬
‫خيصف نعله‪ ،‬وخييط ثوبه‪ ،‬وحيلب شاته‪ ،‬وخيدم‬
‫نفسه‪ ،‬ويعمل يف بيته كام يعمل أحدكم يف بيته‪ ،‬فإذا حرضت الصالة خرج إىل‬
‫الصالة‪ ،‬وال رأيته رضب بيده امرأة وال خاد ًما))‪.‬‬
‫إهنا باقة معطرة من الصفات النبوية أحسنت ُأ ُّمنا عائشة ريض اهلل‬
‫عنها رصفها يف هذه اجلمل الوجيزة‪ ،‬وهبذا البيان البليغ‪ .‬وبقي أن نفتح أبصار‬
‫ٍ‬
‫معان عظام‪.‬‬
‫البصائر عىل‬
‫‪(( - 1‬ما كان إال ً‬
‫برشا من البرش)) ال أحسب أن ُأ َّمنا عائشة ريض اهلل عنها‬
‫قرر برشية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأنه ليس َم َل ًكا‪ ،‬بل ً‬
‫برشا‬
‫كانت ُت ِّ‬
‫أخص من ذلك‪ ،‬وهو برشيته يف التعامل‬
‫معنى‬
‫رسولاً ‪ ،‬ولكنها كانت تقرر‬
‫َّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫األسرَ ي بحيث أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم يدخل بيته ليس عىل أنه القائد أو‬
‫الزعيم أو اإلمام‪ ،‬ولكن عىل أنه الزوج‪ ،‬ليعيش حياة السكن الزوجي مع أهله‪.‬‬
‫فتجتمع معاين العظمة املحمدية يف عظمة التعامل الزوجي‪ ،‬وأنه صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم مل يكن يعيش يف بيته َس ْمتَه الذي يلقى به الناس‪ ،‬ولكن يعيش بساطة‬
‫الواد الرحيم‪ ،‬وهو صىل‬
‫احلياة األرسية وعفويتها‪ ،‬فال ترى فيه زوجه إال الزوج َّ‬
‫اهلل عليه وآله وسلم سيد ولد آدم وإمام البرشية‪ ،‬والعظيم ال متتلئ األعني من‬
‫زوجا أولاً ‪.‬‬
‫النظر إليه مهابة وإجاللاً ‪ ،‬ولكنه يعيش يف بيته ومع أهله ً‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪152‬‬

‫‪25‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫كم ننسى هذا املعنى النبوي العظيم حينام نصطحب معنا إىل بيوتنا املعاين‬
‫واأللقاب اخلارجية؛ ليعيش أحدنا يف بيته عىل أنه صاحب السعادة أو‬
‫الفضيلة‪ ..‬مع أن هذه األلقاب خُت َلع عند الباب؛ ليعود من كان كذلك ً‬
‫برشا‬
‫من البرش‪.‬‬
‫‪(( - 2‬كان يكون يف مهنة أهله)) َيثِب إىل ذهني سؤال ثاقب يقول‪ :‬وهل‬
‫كانت ُأ ُّمنا عائشة ريض اهلل عنها تشكو كثرة العمل ومشقته حتى يكون عمل‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف بيتها ومعونتها وخدمتها؟ َأ َما كانت حجرهتا‬
‫متقاربة ُ‬
‫اجلدُ ر‪ ،‬صغرية املساحة‪ ،‬بحيث مل يتجاوز طوهلا عرشة أذرع‪ ،‬وعرضها‬
‫سبعة أذرع ( ‪ 5×3.5‬أمتار تقريبا)‪َ ،‬‬
‫تترصم الشهران‬
‫وأ َّما العمل فيها فقد كانت َّ‬
‫ً‬
‫بتاممها وما ُأ ِ‬
‫وقد فيها نار لطعام ُيصنَع‪ ،‬فهل َث َّمت عمل حيتاج إىل جهد‪ ،‬فضلاً‬
‫عن أن حيتاج إىل معونة‪ ،‬بحيث يكون النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف بيته‬
‫مشغولاً بمهنة أهله؟‬
‫نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم ما كان يصنع‬
‫إن اجلواب عن هذا التساؤل أن َّ‬
‫معنى أعمق وهو املواساة‬
‫ما يصنع لكثرة الشغل وجهد العمل‪ ،‬ولكن هناك‬
‫ً‬
‫واإلشعار باملشاركة التامة يف احلياة الزوجية‪ ،‬وحتقيق أحد معاين السكن إىل‬
‫الزوجة }لِت َْس ُكنُوا إِ َل ْي َها{ ومل يقل‪ :‬لتسكنوا معها‪.‬‬
‫َّ‬
‫بمذكرة‬
‫إن هذه األعامل اليسرية يف املنـزل تصل إىل قلب الزوجة مشفوعة‬
‫تفسريية َت ِض ُّج بمعاين احلب واملودة والرمحة‪ ،‬وتشعر الزوجة بالدنو القريب‬
‫إىل زوجها‪ ،‬واالمتزاج الروحي والعاطفي‪.‬‬
‫إن كون الرجل يف مهنة أهله بأي عمل‪ ،‬وعىل أي صفة رسالة حياة تقول‪ :‬هو بيتنا‬

‫‪25‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪153‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫مجيعا‪ ،‬وإن معاين االلتحام الزوجي تنسجها هذه اللمسات‬
‫مجيعا كام هي حياتنا ً‬
‫ً‬
‫ا ُملعبرِّ ة‪ ،‬فيكرب يف عني زوجته بقدر تواضعه‪ ،‬و َي ُ‬
‫عظم يف نفسها بقدر بساطته‪.‬‬
‫ريا يف مساحته‪،‬‬
‫‪ - 3‬إننا ُن ِط ُّل من هذه النافذة عىل البيت النبوي فنراه صغ ً‬
‫ريا ُمترْ َ ًعا ُ‬
‫ً‬
‫باألنْس‬
‫بسيطا يف متاعه‪ ،‬ولكن اخللق النبوي العظيم جعله وعا ًء كب ً‬
‫والبهجة‪ُّ ،‬‬
‫ترن فيه الضحكات‪ ،‬وترشق البسامت ويتدفق ينبوع غامر من‬
‫ضح ً‬
‫بسا ًما))‪.‬‬
‫السعادة واإلهباج ((كان رجلاً من رجالكم‪ ،‬إال أنه كان َّ‬
‫اكا َّ‬
‫ليس يف بيت النبوة التواقر املتكلف‪ ،‬وال التَّزَ ُّمت املقيت‪ ،‬وال ال َّت َج ُّهم العابس‪،‬‬
‫ولكنه ُحبور الضحك وإيناس ال َّت َب ُّسم‪ ،‬ومتعة احلياة الطيبة التي متأل البيت َحبرْ ة‬
‫ورسورا حتى كأنام يعيش أهله يف زاوية من اجلنة‪.‬‬
‫ً‬
‫الفن الراقي يف التعامل الزوجي‪ ،‬واملبادرة من الزوج إىل‬
‫‪ - 4‬إن هذا َّ‬
‫املشاركة ا ُمل َعبرِّ ة واإليناس ا ُمل ْب ِهج سوف جيعله ُّ‬
‫حيتل املساحة األكرب من قلب‬
‫وأنسا‪ ،‬ولغيابه‬
‫زوجته ووجداهنا‪ ،‬إن هذا التعامل الرفيع جيعل حلضوره فرحة ً‬
‫وحشة وفقدً ا‪ ،‬وسيكون من املرأة بمكان‪.‬‬
‫إن عىل الذين يشتكون برودة احلياة الزوجية وجفافها أن يتعلموا من هذا‬
‫الدرس النبوي أن الدماء تتدفق حارة يف حياهتم بمثل هذه اللمسات الساحرة‪،‬‬
‫حينها لن يبقى يف قلب املرأة ووجداهنا مساحة شاغرة‪ ،‬فقد مأل ذلك ك َّله زوج‪،‬‬
‫ولون يومها بالبسامت‪.‬‬
‫أشعرها باملشاركة احلقيقية يف احلياة‪َّ ،‬‬
‫‪َ - 5‬ي ْب َهرنا هذا التوازن يف احلياة النبوية فقد كان صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪154‬‬

‫‪25‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫مع الناس أكثرهم َت َب ُّسماً ‪ ،‬ويف بيته ً‬
‫بسام‪ ،‬وكان مع الناس كالريح‬
‫أيضا ضحوك َّ‬
‫املرسلة باخلري‪ ،‬ويف بيته يف مهنة أهله‪ ،‬وكان خري الناس للناس‪ ،‬وخريهم ألهله‪.‬‬
‫َ‬
‫إن هذا التوازن ُي ْفتَقد عند ُأناس يبذلون املجامالت الرقيقة بسخاء يف تعاملهم‬
‫العام‪ ،‬ولكنهم خيزنون عبوس وجوههم‪ ،‬و َقترَ ة نفوسهم لزوجاهتم‪ ،‬فال َير َين‬
‫التج ُّهم‪ ،‬وماللة ال َّت َض ُّجر مع أهنن أوىل الناس بالبِشرْ وحسن اخللق‪،‬‬
‫إال قتامة َ‬
‫أما نبينا صىل اهلل عليه وآله وسلم فقد َو ِسع الناس بحسن خلقه وكان أهل بيته‬
‫أسعد الناس هبذا اخللق‪.‬‬
‫‪ - 6‬هذا الدرس النبوي رسالة مفتوحة إىل كل من أساء فهم القوامة‪،‬‬
‫واخترصها يف التعايل األجوف‪ ،‬وبسط مظاهر التسلط بحيث ال ُيرى إال‬
‫ُم َق َّط ًبا‪ ،‬وال ُيسمع إال ِ‬
‫آم ًرا أو ِّ‬
‫حمذ ًرا‪.‬‬

‫‪ - 7‬بقي أن نسرتيض ربنا ُأل ِّمنا عائشة التي كان من حكمة اهلل وصنعه لنا‬
‫نحوا من نصف قرن نافذة‬
‫أن تبقى بعد وفاة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ً‬
‫مفتوحة عىل بيت النبوة‪ ،‬ترى أمة حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم منها هدي‬
‫نبيها وهداه‪ ،‬فريض اهلل عنها وأرضاها وجزاها عن ُأ َّمة حممد صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم خري اجلزاء وأوفاه()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬مسند إسحاق بن راهويه (‪ ،)1550‬ومسند أحمد (‪ ،)23093‬وصحيح البخاري‬
‫(‪ ،)6039 ،676‬وصحيح ابن حبان (‪ ،)5676‬ومكارم األخالق البن أبي الدنيا (‪ ،)397‬والكنى‬
‫للدوالبي (‪ ،)360‬وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (‪ ،)660-659/1‬وغرائب شعبة ألبي احلسني‬
‫بن املظفر (‪ ،)81‬وفتح الباري البن رجب (‪ ،)109-108/6‬وطبقات الشافعية للسبكي‬
‫(‪ ،)294/6‬وفتح الباري البن حجر (‪.)461/10( ،)163/2‬‬

‫‪25‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪155‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪26‬‬

‫يوم الوشاح‬
‫كان الداخل إىل مسجد رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يرى يف‬
‫ناحيته حجرة صغرية‪ ،‬متقاربة اجلدر‪،‬‬
‫شخصا‬
‫متطامنة السقف‪ُ ،‬بنيت لتسع‬
‫ً‬
‫واحدً ا‪ ،‬وال تتسع معه ألحد‪ .‬وكان‬
‫هذا احلفش سكنًا المرأة سوداء ليس‬
‫هلا مأوى غريه‪ ،‬وكانت هذه املرأة‬
‫تكثر الذهاب إىل بيت النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم؛ لتستأنس باحلديث‬
‫مع عائشة ريض اهلل عنها‪ ،‬فإذا فرغت‬
‫من حديثها أنشدت بي ًتا من الشعر‬

‫‪26‬‬

‫تشدو به يف كل جملس من جمالسها‪:‬‬
‫ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا‬
‫أال إنه من بلدة الكفر أنجاين‬
‫فعجبت عائشة ريض اهلل عنها‬
‫من كثرة إنشاد هذا البيت‪ ،‬فام يوم‬
‫الوشاح؟ وما تلك األعجوبة الربانية‬
‫التي أ َّثرت يف نفس السوداء حتى‬
‫ال تنفك من َت ُّ‬
‫ذكرها يف كل جملس‬
‫جتلسه؟! فقالت هلا‪ :‬ما شأنك؟ ال‬
‫تقعدين معي مقعدً ا إال ِ‬
‫قلت هذا؟‬
‫فقصت املرأة قصتها‪ ،‬وحكت خرب‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪157‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫يومها‪ ،‬فإذا عجب عاجب!‬
‫فقد كانت املرأة َأ َمة حلي من أحياء العرب يف مكة‪ ،‬فأعتقوها فبقيت معهم‬
‫بعد عتقها‪ ،‬شأن كثري من املامليك الذين ال يستطيعون بعد العتق حيلة وال‬
‫عروسا جتىل‬
‫هيتدون سبيلاً ‪ ،‬ويف يوم من أيامها عندهم خرجت صبية هلم كانت‬
‫ً‬
‫قد اتشحت بوشاح أمحر من جلد‪ ،‬فدخلت إىل مغتسلها؛ لتغتسل ووضعت‬
‫وشاحها عند املغتسل‪ ،‬فمرت به ُحدَ َّيا ٌة‪ ،‬وهو ُم ْل َق ًى فحسبته حلماً ‪ ،‬فانحطت‬
‫عليه فخطفته‪ ،‬فلام خرجت الصبية مل جتد وشاحها فصاحت بأهلها‪ ،‬فبحثوا‬
‫عنه فلم جيدوه‪ ،‬فاهتموا به أمتهم السوداء هذه‪ ،‬فعذبوها‪ ،‬وطفقوا يفتشوهنا‬
‫أحست فيها‬
‫حتى بلغ من أمرهم أن فتشوا ُق ُبلها! وكانت ساعة كرب وشدة َّ‬
‫باملهانة والظلم‪ ،‬وضاقت هبا احليل‪ ،‬فليست ذات نسب تعتزي بنسبها‪ ،‬وال‬
‫ذات قرابة تستنرص قرابتها‪ ،‬وليس هبا قوة فتدفع عن نفسها‪.‬‬
‫ريا تستنرصه‪ ،‬ومغي ًثا تستغيث به إال ربهَّ ا الذي خلقها‪ ،‬ونسيت آهلة‬
‫فلم جتد نص ً‬
‫قومها وأصنامهم‪ ،‬وتوجهت إىل اهلل تعاىل بأشد ما يكون االضطرار تدعوه أن‬
‫يظهر براءهتا وخيلصها من كرهبا‪ .‬فأجاهبا الذي جييب املضطر إذا دعاه ويكشف‬
‫السوء‪ ،‬جاء الفرج أرسع مما َّأملت‪ ،‬وألطف مما قدرت‪.‬‬
‫فإذا ُ‬
‫احلدَ َّيا ُة التي خطفت الوشاح قد أقبلت به وهم ال يزالون قيا ًما حوهلا‪ ،‬وهي‬
‫يف كرهبا معهم حتى وازت برؤوسهم وهم ينظرون إليها ثم ألقت به بينهم‪،‬‬

‫فأخذوه‪ ،‬فإذا هو وشاح ابنتهم‪ ،‬فنُفس الكرب‪ ،‬وظهرت الرباءة‪ ،‬وقالت هلم‬
‫بمقال صاحب احلق ‪-‬وإن لصاحب احلق مقالاً ‪ :-‬هذا الذي اهتمتموين به‬

‫زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو‪ ،‬ثم هاجرت إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم فأسلمت‪ ،‬وكانت عنده‪ ،‬سكنها يف مسجده‪ ،‬وحديثها وأنسها يف بيته‪،‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪158‬‬

‫‪26‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وهناك وجدت نفسها سكينتها باهلداية‪ ،‬وكرامتها يف أخوة املؤمنني واملؤمنات‬
‫هلا‪ ،‬حتى إن بيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم كان مأواها ومسرتاح‬

‫نفسها‪.‬‬

‫تقم املسجد‪،‬‬
‫ُ‬
‫وأحسب أهنا هي التي نذرت نفسها خلدمة املسجد النبوي فكانت ّ‬
‫وتلتقط منه اخلرق والعيدان والقذى‪ ،‬ثم فقدها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫فسأل عنها‪ ،‬قالوا‪(( :‬ماتت يا رسول اهلل‪ ،‬فقال‪(( :‬أفال كنتم آذنتموين؟))‪ .‬قالوا‪ :‬يا‬

‫رسول اهلل‪ ،‬ماتت من الليل فكرهنا أن نوقظك! فقال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪:‬‬

‫(( ُدلوين عىل قربها))‪ .‬فأتى قربها‪ ،‬فصىل عليها‪ ،‬ثم قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪(( :‬إن هذه القبور مملوءة ظلمة عىل أهلها‪ ،‬وإن اهلل ينورها هلم بصاليت عليهم))‪.‬‬
‫ولنقف مع هذا اخلرب وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن هذه املحنة كانت سب ًبا لتعود هذه املرأة إىل صفاء الفطرة التي فطر‬

‫اهلل الناس عليها‪ ،‬لقد عاشت أمل الكرب‪ ،‬وذاقت مرارة الظلم‪ ،‬وبهُ تت و ُبغي‬
‫تتقوى به أو قريب‬
‫عليها‪ ،‬ومل جتد من يربئها‪ ،‬أو يدفع عنها‪ ،‬فليس هلا ٌ‬
‫قوي ّ‬
‫تتقرب إليه‪ ،‬وعرفت أن آهلة قومها وأصنامهم التي يدعون لن ُتغني عنها من‬
‫دون اهلل شيئًا‪ ،‬فتوجهت إىل اهلل تعاىل تشكو إليه رضها‪ ،‬وتنـزل به حاجتها‪،‬‬

‫فأجاهبا الذي جييب املضطر‪ ،‬ويرفع دعوة املظلوم‪ ،‬ورأت كيف كان الفرج‬
‫برباءة ظاهرة قامت عىل رؤوس قومها وهم ينظرون‪ ،‬ولذا هاجرت إىل حيث‬

‫ال ُيعبد إال اهلل وحده‪ ،‬بعدما علمت أنه ال يكشف الرض إال اهلل وحده‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪159‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬كانت هذه املرأة تعيش نشوة اإلحساس بفضل اهلل عز وجل عليها‬
‫بطيب املنقلب‪ ،‬فإهنا ملا هاجرت إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم تذوقت‬
‫نعيم اهلداية بعد الضالل‪ ،‬وعز الكرامة بعد اإلذالل‪ ،‬ووجدت نفسها بعد أن‬
‫كانت عرضة لل ُّتهم والبغي واالستضعاف تعيش بني املسلمني موفورة الكرامة‪،‬‬
‫مصونة احلقوق‪ ،‬تحُ س بأخوة اإليامن بني املؤمنني‪ ،‬ووالية بعضهم ً‬
‫بعضا‪ ،‬ولعل‬
‫ذروة هذا اإلحساس تتجلىَّ حني جتد نفسها يف أرشف البيوت وأكرمها‪ ،‬يف‬
‫ريا‪ ،‬يف بيت رسول اهلل صىل‬
‫البيت الذي أذهب اهلل عنه الرجس‪ ،‬وطهره تطه ً‬
‫اهلل عليه وآله وسلم تتحدث فيه وتحُ دَّ ث‪ ،‬وتستأنس فيه وتؤانس‪ ،‬فال عجب‬
‫أن تستثري املقارنة بني احلالني شجوهنا‪ ،‬فتنشد معرتفة هلل بعظيم فضله عليها‪:‬‬
‫وي��وم الوشاح من تعاجيب ربنا‬
‫أال إن��ه م��ن بلدة الكفر أنجاين‬
‫لقد أنجاها اهلل من حالة االزدراء هبا واالجرتاء عليها إىل رشف صحبة النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وسكنى مسجده‪ ،‬وجوار بيته‪ِ ،‬‬
‫وخلطة أهله‪.‬‬
‫‪ - 3‬نرى كيف كان بيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم مأوى للمسلمني‬
‫وبخاصة فقراؤهم وضعفاؤهم وذوو العيلة منهم‪ ،‬وكانت حجرته الصغرية‬
‫تنفسح للضعفاء بحيث كانت هذه السوداء تأوي إىل عائشة ريض اهلل عنها يف‬
‫حجرهتا ال ل ُتصيب الرفد واإلطعام‪ ،‬ولكن ل ُتصيب نفسها حاجتها من اإليناس‬
‫واملحادثة‪ ،‬ولتجد يف بيت النبوة ما يزيل عنها وحشة الغربة ويمسح عن نفسها ما‬
‫ّ‬
‫أمضها من أمل‪ ،‬إن عائشة ريض اهلل عنها كانت تتعامل مع هذه املرأة باخللق النبوي‬
‫الكريم الذي يسع الناس كلهم‪ ،‬حتى إن هذه املرأة السوداء الغريبة جتد يف هذا‬
‫البيت املبارك مكاهنا‪ ،‬وتستويف من خلق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم نصيبها‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪160‬‬

‫‪26‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 4‬إن هذه املرأة ملّا هاجرت إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وسكنت‬
‫مسجده مل جتعل نفسها عبئًا عىل املسلمني‪ ،‬وإنام بحثت عن دو ٍر تقوم به وعملٍ‬
‫تشارك فيه‪ ،‬وقد كانت خلفيتها املهنية تؤهلها للدور الذي اختارته وهو خدمة‬
‫املسجد النبوي وتعاهد نظافته‪ ،‬وبذلك صار هلا دور إجيايب يف حياة املسلمني‪،‬‬
‫حيسه ُّ‬
‫كل الذين يغشون مسجد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ليدخلوه‬
‫ُّ‬
‫كام يليق بمكانته ورشفه نظاف ًة وطهار ًة وحسن رعاية واعتناء‪.‬‬
‫‪ - 5‬كانت مساحة اهتامم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بالناس واسعة‬
‫تسعهم كلهم‪ ..‬بحيث إن أغامرهم ومن ال ُيؤبه به منهم جيد مكانه ومكانته يف‬
‫نفس النبي الكريم صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ اهتام ًما ورعاية تعاهدً ا‪ ..‬فها هو‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم يتفقد تلك املرأة السوداء حني فقدها‪ ،‬ويسأل عنها يف‬
‫غيبتها‪ ،‬ويعتب عىل أصحابه أهنم مل ُي ِ‬
‫ؤذنوه بموهتا‪ ،‬ثم يذهب إىل قربها‪ ،‬ف ُيصيل‬
‫ينور ظلمة هذه القبور عىل أهلها‪.‬‬
‫عليها‪ ،‬ويدعو اهلل أن ِّ‬
‫لقد تعاهد النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم امرأة ماتت فال ُيرجى منها يشء‪ ،‬وكانت‬
‫غريبة فال أقارب هلا ُيت َق َّرب إليهم بذكرها‪ ،‬ولكنه خلق النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم الذي وسعها يف حياهتا‪ ،‬ثم تبعها بعد مماهتا‪ ،‬وأوقفه عىل قربها مصل ًيا وداع ًيا‪.‬‬
‫فريض اهلل عن خادمة مسجد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأرضاها‬
‫متمماً ملكارم األخالق فأ ّمتها()‪.‬‬
‫وصلوات اهلل وسالمه وبركاته عىل من ُبعث َّ‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)3835 ،439‬وصحيح ابن خزمية (‪ ،)1332‬وصحيح ابن‬
‫حبان (‪ ،)1655‬ومعجم ابن األعرابي (‪ ،)671‬ومعجم ابن املقرئ (‪ ،)803‬والفرج بعد‬
‫الشدة البن أبي الدنيا (‪ ،)96‬والعظمة ألبي الشيخ (‪ ،)1773/5‬وحلية األولياء (‪،)71/2‬‬
‫واآلداب للبيهقي (‪ ،)765‬وفتح الباري (‪ ،)534/1‬وعمدة القاري (‪.)195/4‬‬

‫‪26‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪161‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪27‬‬

‫الشيخان‬
‫مها شيخا قريش‪ ،‬وذوي السابقة‬
‫األوىل يف اإلسالم‪ ،‬وصاحبا رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم القريبان‬
‫إليه فام يكادان يفارقانه أو يفرتقان عنه‬
‫حتى كان صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ريا ما يقول‪(( :‬ذهبت أنا وأبو بكر‬
‫كث ً‬
‫وعمر‪ ،‬ودخلت أنا وأبو بكر وعمر‪،‬‬
‫وخرجت أنا وأبو بكر وعمر()‪.‬‬
‫ومع هذه الصلة الوثيقة فقد حدث‬
‫بينهام موقف عاجب‪ ،‬كان له أثره‬
‫أخرجه البخاري (‪ ،)3685‬ومسلم (‪.)2389‬‬

‫‪27‬‬

‫املؤثر يف نفس رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فقد حصلت بينهام‬
‫حماورة ومراجعة يف احلديث‪ ،‬وكان أبو‬
‫بكر رجلاً فيه ِحدَّ ة فبدرت منه بادرة‬
‫أرسع فيها القول غضب منها عمر‪،‬‬
‫ثم أسف منها أبو بكر‪ ،‬فانرصف عمر‬
‫ُمغْ َض ًبا‪ ،‬وتبعه أبو بكر ناد ًما يسأله‬
‫أن يغفر له‪ ،‬ولكن َسورة الغضب يف‬
‫نفس عمر كانت شديدة فأبى عليه‪،‬‬
‫ومىض عنه حتى دخل داره‪ ،‬وأغلق‬
‫بابه يف وجه أيب بكر‪ ،‬لقد كان غضب‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪163‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫عمر شديدً ا ولكن أبا بكر كان أشدَّ منه ند ًما‪ ،‬ولذا فإنه ملا عجز عن استعتاب‬
‫فزعا إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فام فجئ‬
‫عمر واسرتضائه ذهب ً‬
‫الصحابة يف جملس رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إال وأبو بكر قد أقبل‬
‫مرسعا ً‬
‫آخذا بأطراف ثوبه حتى بدت ركبتاه‪ .‬فلام رآه النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫ً‬
‫وسلم مقبلاً قال‪(( :‬أما صاحبكم هذا فقد غامر)) أي دخل يف غمرة أمر عظيم‪،‬‬
‫حتى إذا دنا أبو بكر من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم س َّلم عليه ثم جلس‬
‫وقال‪ :‬يا رسول اهلل إنه كان بيني وبني عمر يشء فأرسعت إليه‪ ،‬ثم إين ندمت‬
‫عىل ما كان مني فسألته أن يغفر يل فأبى ع ّ‬
‫يل‪ ،‬فتبعته حتى دخل داره فأقبلت‬
‫إليك يا رسول اهلل‪ .‬فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬يغفر اهلل لك يا‬
‫أبا بكر‪ ،‬يغفر اهلل لك يا أبا بكر‪ ،‬يغفر اهلل لك يا أبا بكر))‪.‬‬
‫أما عمر ريض اهلل عنه فرسعان ما أطفأ غض َبه شديدُ حبه أليب بكر ومعرف ُته‬
‫بقدره وسابقته‪ ،‬وندم أن أبا بكر سأله أن يغفر له فأبى عليه‪ ،‬فخرج من منـزله‬
‫يتطلب أبا بكر؛ ل ُيعتبه ويبادله التصافح والرضا‪ ،‬فأتى منـزله فسأل‪ :‬أثم أبو‬
‫بكر؟ فقال أهله‪ :‬ال‪ ،‬ولعله ذهب إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فأتى‬
‫عمر إىل جملس رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم لعله يلقى أبا بكر هناك‪،‬‬
‫يتمعر ويتلون غض ًبا‬
‫فلام جلس جعل وجه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫من عمر أن اعتذر إليه أبو بكر فلم يقبل منه‪ ،‬حتى عرف من يف املجلس شدة‬
‫غضب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فلام رأى ذلك أبو بكر أشفق‪،‬‬
‫وخشى أن يكون من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل عمر ما يكره‪،‬‬
‫فجثا عىل ركبتيه وأقبل عىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قائلاً ‪ :‬يا رسول‬
‫اهلل‪ ،‬واهلل أنا كنت أظلم‪ ،‬واهلل أنا كنت أظلم‪ .‬فقال رسول اهلل عليه وسلم‪:‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪164‬‬

‫‪27‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫((يا أهيا الناس‪ ،‬إن اهلل ابتعثني إليكم فقلت‪ :‬يا أهيا الناس إين رسول اهلل إليكم‬
‫مجيعا‪ .‬فقلتم‪ :‬كذبت‪ .‬وقال أبو بكر‪ :‬صدقت‪ .‬وواساين بنفسه وماله‪ ،‬فهل‬
‫ً‬
‫أنتم تاركون يل صاحبي‪ ،‬فهل أنتم تاركون يل صاحبي‪ ،‬فهل أنتم تاركون يل‬
‫صاحبي))‪.‬‬
‫فام أوذي أبو بكر بعدها من أحد ِلمَ ا رأى الصحابة من تعظيم النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم له وإظهار ح ِّقه ومكانته ريض اهلل عنهم وأرضاهم‪.‬‬
‫وهنا نلحظ معاين منها‪:‬‬
‫أخالقيا؛‬
‫‪ - 1‬أن جمتمع الصحابة رضوان اهلل عليهم هو املجتمع املثايل‬
‫ًّ‬
‫وذلك للرتبية العالية التي رباهم عليها صاحب اخللق العظيم صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬وللسمو النفيس الذي يرتقون إليه بصحبة رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬ومع ذلك حتصل بينهم هذه النـزعات البرشية‪ ،‬فلو كان‬
‫جمتمع خيلو من ذلك لكان جمتمع الصحابة رضوان اهلل عليهم‪ ،‬ولو كان أحد‬
‫من األمة يستثنى من ذلك لكان أبو بكر وعمر ريض اهلل عنهام‪ ،‬وهذا يلفتنا إىل‬
‫النظرة الواقعية إىل أنفسنا وجمتمعنا‪ ،‬فال نكون قساة عىل أنفسنا مغرقني يف املثالية‬
‫حينام تبدر منا مثل هذه البوادر ((فقد ُخ ِلق اإلنسان خل ًقا ال يتاملك))()‪ .‬ولكن‬
‫العربة بالتحكم بحجمها إذا ُغلبنا عىل التحكم بصدورها‪ ،‬ثم إيقاف تداعياهتا‬
‫واحتواء أثرها‪ ،‬ورسعة املراجعة والرجوع بدلاً من اللجج والتامدي‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح مسلم (‪.)2611‬‬

‫‪27‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪165‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬كام نالحظ رسعة الفيئة بعد هذا االنفعال العابر عند أيب بكر وعمر‪،‬‬
‫وقوة اإلرصار عىل تدارك ما بدر منهام‪ ،‬فأبو بكر بعد أن بدرت منه هذه البادرة‬
‫التي أغضبت عمر عاد يستعتبه ويطلب مغفرته‪ ،‬وعمر ريض اهلل عنه ما إن‬
‫سكن غضبه حتى ذهب هو يبحث عن أيب بكر‪ ،‬ويتتبعه يف بيته وحيث يظن‬
‫أنه يلقاه‪.‬‬
‫كام يلفتك هذه احلساسية املرهفة يف نفس أيب بكر ريض اهلل عنه بحيث يأيت إىل‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُم ِ‬
‫شم ًرا ثيابه‪ ،‬وقد ظهرت عليه عالمات‬
‫رس ًعا ُم ِّ‬
‫الفزع‪ ،‬وما ذاك إال ألن عمر مل يغفر له ما بدر إليه منه‪ ،‬ونحسب أنه إنام جاء إىل‬
‫مستشفعا به‪ ،‬ليصلح ما بينه وبني أخيه عمر‪،‬‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ً‬
‫ولذا أشفق عىل عمر ملا رأى غضب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وخيش‬
‫أن يكون من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل عمر ما يكره‪ ،‬وجعل‬
‫يناشده ((أنا واهلل يا رسول اهلل كنت أظلم)) مما يدل عىل أن نفس أيب بكر عىل‬
‫عمر كانت حينها راضية مرضية‪ ،‬ولذا فإن هذه النفوس الكريمة ال يعمر فيها‬
‫الش ْي َط ِ‬
‫احلقد‪ ،‬وال تنبت فيها ا ِ‬
‫إل َحن‪ ،‬و }إِ َذا َم َّس ُه ْم َطائِ ٌف ِم َن َّ‬
‫ان َت َذ َّك ُروا َفإِ َذا‬
‫ُه ْم ُّمبْصرِ ُ َ‬
‫ون{‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن هذه املواقف وإن أثرت يف وقتها إال أن تأثريها انفعاالت عابرة‪،‬‬
‫وتبقى األخوة الراسخة هي الثابتة والباقية‪ ،‬فأبو بكر ريض اهلل عنه الذي‬
‫غضب من عمر هذا الغضب ثم لقي منه هذا اإلعراض هو الذي ملا حرضته‬
‫الوفاة مل يكن يف قلبه أزكى وأ َب َّر من عمر؛ ليعهد إليه بوالية أمر املسلمني‪،‬‬
‫وأن يكون اخلليفة عليهم من بعده‪ ،‬وأما عمر ريض اهلل عنه فهو الذي بلغ من‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪166‬‬

‫‪27‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وح ِّبه له أن يقول‪(( :‬ألن ُأقدم فترضب عنقي أحب إيل من أن‬
‫تعظيمه أليب بكر ُ‬
‫ريا عىل قوم فيهم أبو بكر))‪.‬‬
‫أكون أم ً‬
‫‪ - 4‬هذا العرفان العظيم من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم أليب بكر‪،‬‬
‫والتذكري بسابقته وبالئه بنفسه وماله‪ ،‬ولذا غضب النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫متعر وجهه‪ ،‬ثم جعل يناشد أمته أن تعرف لصاحبه‬
‫وسلم له هذا الغضب حتى َّ‬
‫حقه‪(( :‬فهل أنتم تاركون يل صاحبي؟))‪.‬‬
‫ويف ذلك وفاء كريم من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أليب بكر‪ ،‬وإظهار‬
‫لحق‪ ،‬وعظيم مكانه يف األمة‪ ،‬وكبري ح ِّقه عليها ريض اهلل‬
‫لسبقه الذي ال ُي َ‬
‫عنه وأرضاه‪ ،‬كام أن َث َّمة إشارة إىل أن ذوي املناقب الكبرية ُي َعا َملون بام يليق‬
‫بفضلهم ومكانتهم‪ ،‬و ُتعرف هلم يف املواقف فضائلهم وأقدارهم()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)4640 ،3661‬ومعجم الطبراني الكبير (‪ ،)13383‬وحلية األولياء‬
‫(‪ ،)304/9‬واملطالب العالية (‪ ،)3865‬وفتح الباري (‪.)25/7‬‬

‫‪27‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪167‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪28‬‬
‫أبو تراب‬

‫خرج رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم إىل ابنته فاطمة يزورها‬
‫عىل عادته يف تعاهدها بالزيارة‪ ،‬وكان‬
‫ذلك يف قائلة النهار‪ ،‬فلام وصل إليها مل‬
‫عليا يف البيت‪ ،‬وهي ساعة يكون‬
‫جيد ًّ‬
‫فيها األزواج يف بيوهتم‪ ،‬فقد كان‬
‫من مألوف عادة العرب القيلولة يف‬
‫البيوت مع األزواج‪ ،‬ولذا سأل النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم ابنته قائلاً ‪:‬‬
‫عمك؟))‪ .‬وكأنام شعر النبي‬
‫((أين ابن ِّ‬

‫‪28‬‬

‫صىل اهلل عليه وآله وسلم بأن شيئًا‬
‫ما حصل بينهام أدى إىل خروجه‪،‬‬
‫ولذا استعطف النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم قلب ابنته عىل زوجها‬
‫بذكر القرابة القريبة بينهام ((أين ابن‬
‫عمك؟))!‬
‫َّ‬
‫قالت فاطمة ريض اهلل عنها‪ :‬كان‬
‫بيني وبينه يشء فغاضبني‪ ،‬فخرج فلم‬
‫َي ِقل عندي‪ .‬قال النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم إلنسان معه‪(( :‬انظر أين‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪169‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫هو؟))‪ .‬فبحث عنه فوجده نائماً يف ِّ‬
‫ظل جدار املسجد‪ ،‬فعاد إىل النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم فقال‪ :‬يا رسول اهلل هو يف املسجد راقد! فذهب إليه رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم فإذا هو مضطجع قد سقط رداؤه عن جنبه‪ ،‬وأصابه‬
‫الرتاب‪ ،‬فجعل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يمسح الرتاب عن جنبه‬
‫بيده الرشيفة‪ ،‬ويقول مداع ًبا‪(( :‬قم أبا الرتاب‪ ،‬قم أبا الرتاب))‪.‬‬
‫ويف القصة وقفات منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬تواصل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع ابنته يف بيت الزوجية‬
‫وتعاهدها بالزيارة‪ ،‬فلم يقف عند ح ِّقه كأب ينبغي أن يكون هو املقصود‬
‫بالزيارة‪ ،‬وإنام كان يبادر بزيارهتا يف بيتها‪ ،‬كام كانت هي تزوره يف بيته صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف مشهد من تعاطي العطف األبوي بني املصطفى صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم وسيدة نساء العاملني ريض اهلل عنها‪.‬‬
‫‪ - 2‬األدب العايل والذوق الرفيع لدى فاطمة ريض اهلل عنها حينام عبرَّ ت‬
‫عام جرى بينها وبني زوجها بتعبري لطيف جممل ((كان بيني وبينه يشء فخرج))‬
‫عرج عىل حتديد املسئولية يف اخلطأ‪ ،‬وإنام‬
‫ومل تسرتسل بذكر التفاصيل‪ ،‬ومل ُت ِّ‬
‫ً‬
‫مشرتكا ((كان بيني وبينه))‪.‬‬
‫أمرا‬
‫جعلتها ً‬
‫وال عجب من هذا األدب فهي ال ُبضعة النبوية الدارجة يف بيت النبوة حيث‬
‫تتىل آيات اهلل واحلكمة‪ ،‬أما عندما جتعل املرأة لساهنا نافذة مفتوحة عىل بيتها‬
‫وسع دائرة مشاكلها‪ ،‬وال تتحكم يف التداعيات التي‬
‫فإهنا تفقد خصوصيتها و ُت ِّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪170‬‬

‫‪28‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫تنتج عن دخول أطراف عديدة يف مشكلة صغرية‪.‬‬
‫‪ - 3‬جتاوب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع اإلمجال برتك االستفصال‪.‬‬
‫فلم يسأل فاطمة‪ :‬ما هو اليشء الذي كان بينكام؟ ومل حيوجها إىل رسد تفاصيل‬
‫ما جرى‪ ،‬وإنام جتاوز ذلك بالبحث عن زوجها الذي خرج مغاض ًبا‪ ،‬وهذا‬
‫أسلوب حكيم يف التعامل مع هذه النوعية من املشاكل الزوجية العابرة‪ ،‬فإن‬
‫دخول الكبار فيها جيعلها تكرب‪ ،‬والتعامل معها بشكل طبيعي ومن دون تصعيد‬
‫يبقيها صغرية عابرة!!‬
‫‪ - 4‬تعامل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع زوج ابنته الذي غاضبها بأبوة‬
‫مجيعا‪ ،‬فهو صىل‬
‫حانية‪ ،‬تشعره أن أبوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم شاملة هلام ً‬
‫اهلل عليه وآله وسلم الذي يأيت إليه حيث هو نائم‪ ،‬ويمسح بيده الرشيفة الرتاب‬
‫عن جنبه‪ ،‬ويالطفه بقوله‪(( :‬قم أبا الرتاب)) وهي مالطفة تؤنس النفس‪ ،‬وتدل‬
‫عىل عدم وجود أي قدر من العتب‪ ،‬وإنام األبوة واحلب من رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم لصهره وابن عمه عيل ريض اهلل عنه‪.‬‬
‫فتأمل كرم ُخلق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم حيث توجه نحو عيل ليرتضاه‪،‬‬
‫ومسح الرتاب عنه ليبسطه‪ ،‬وداعبه بالكنية املأخوذة من حالته‪ ،‬ومل يعاتبه عىل‬
‫مغاضبته البنته مع رفيع منـزلتها عنده‪.‬‬
‫ترصف عيل ريض اهلل عنه حكمة يف التعامل مع بعض اخلالفات‬
‫‪ - 5‬يف ُّ‬
‫ً‬
‫حارضا فيها‪ ،‬فإن خروجه من البيت وقيلولته يف‬
‫الزوجية والتي يكون الغضب‬

‫‪28‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪171‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫املسجد قاطع لتواصل املراجعة يف الكالم واللجج يف اخلصام‪ ،‬وفرصة لتهدأ‬
‫املشاعر‪ ،‬ويسكن الغضب‪ ،‬وتعود النفوس إىل طبيعتها يف املودة والرمحة‪ ،‬ولذا‬
‫فإن هذا التباعد القليل يف مثل هذا الوضع هو من اهلجر اجلميل الذي يعيد‬
‫النفوس إىل سابق صفائها‪ ،‬و ُيبدِّ د ثورة الغضب ويطفئها‪.‬‬
‫‪ - 6‬بقي أثر هذه املالحظة عذ ًبا يف نفس عيل ريض اهلل عنه واستمر رسوره‬
‫غامرا‪ ،‬فكان أحب األسامء إليه أن ُيدعى به هو ((أبو الرتاب)) لدعوة النبي‬
‫هبا ً‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم له به يف ذلك الوقت()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6204 ،3703 ،441‬وصحيح مسلم (‪ ،)2409‬وفتح الباري (‪،)536/1‬‬
‫(‪.)587/10( ،)72/7‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪172‬‬

‫‪28‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪29‬‬

‫حـ ّبه‬
‫إ ّني ُأ ِ‬
‫مل تكن ساعة خيرج فيها أحد‪،‬‬
‫ولكن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫خرج يف هذه الساعة يف َن ْحر الظهرية‪،‬‬
‫وصائفة النهار‪ ،‬واستعار حرارة‬
‫الشمس‪ ،‬سار النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وسار معه أبو هريرة ريض‬
‫اهلل عنه ال يدري إىل أين سيذهب يف‬
‫هذه الساعة‪ ،‬وهابه أن يسأله‪ ،‬فمر‬
‫بسوق بني قينقاع‪ ،‬ثم جاوزه حتى‬
‫وصل إىل بيت ابنته فاطمة عليها‬

‫‪29‬‬

‫رضوان اهلل وسالمه‪ .-‬توقف بفناء‬
‫البيت ومل يدخله‪ ،‬وإنام نادى‪(( :‬أين‬
‫ُل َك ُع؟ أين ُل َك ُع؟ أين ُل َك ُع؟))‪ .‬وهو‬
‫نداء تصغري ومتليح أين الصغري أين‬
‫الصغري‪ -‬يريد حفيده احلسن ريض‬
‫اهلل عنه‪ ،‬وسمعت فاطمة ريض اهلل‬
‫عنها أباها‪ ،‬وسمع احلسن جدَّ ه فبادر‬
‫إليه‪ ،‬ولكن أمه فاطمة أمسكت به‪،‬‬
‫هتيئه ملقابلة أبيها‬
‫واحتبسته حتى ّ‬
‫الذي جاء يف هذه الساعة لزيارته‪،‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪173‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فغسلته وألبسته قالدة من القرنفل يلبسها الصبيان‪ ،‬ثم أطلقته‪ ،‬فجاء الصبي‬
‫ّ‬
‫مرسعا إىل جده‪ ،‬فلام برص به النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم برك له يف‬
‫يشتد‬
‫ً‬
‫األرض‪ ،‬ومد يديه‪ ،‬فتجاوب معه احلسن‪ ،‬وهو يعدو‪ ،‬ومد يديه‪ ،‬وألقى بنفسه‬
‫عىل الصدر الرؤوف الرحيم حتى التـزما عنا ًقا‪ ،‬وجعل النبي صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم يشم ُبن ََّيه ويقبله‪ ،‬ثم قال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬اللهم إين‬
‫ُأ ِحب ُه َف َأ ِحب ُه َ‬
‫وأ ِح َّب ِم ْن يحُ ِ ُّب ُه))‪ .‬ورأى أبو هريرة ريض اهلل عنه ما رأى‪ ،‬وسمع ما‬
‫َّ‬
‫ُّ‬
‫سمع‪ ،‬وجتاوبت عاطفته مع عاطفة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم فقال‪ :‬فام‬
‫أحب إ ّيل من احلسن بن عيل بعدما قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫كان أحد ّ‬
‫وسلم ما قال‪.‬‬
‫وثمة نسامت من عبري هذا املوقف‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن خروج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف هذا الوقت‪ ،‬وهو وقت‬
‫حارة‬
‫ما كان خيرج فيه أحد؛ ألن َن ْحر الظهرية ُي ِك ُّن الناس يف بيوهتم يف بلدة ّ‬
‫كاملدينة النبوية‪ ،‬يبني أنه خرج ألمر هام‪ ،‬وقد كان هذا األمر زيارة حفيده‬
‫احلسن ومعانقته وتقبيله والدعاء له‪.‬‬
‫حيزها الكامل يف حياة النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫إن حقوق األرسة كانت تأخذ ّ‬
‫وسلم‪ ،‬وكان األسو ُة احلسنة صىل اهلل عليه وآله وسلم يويف كل ذي حق حقه‪،‬‬
‫وكان أوىل احلقوق بالوفاء حق بنيه وح َفدَ ته‪ .‬ولذا مل تكن زيارته لبنيه وتعاهده‬
‫هلم مقصاة يف فضول األوقات وبقايا الفراغ‪ ،‬ولكنه يوفيها‪ ،‬ولو أ ّدى ذلك إىل‬
‫ويتعرض للفح اهلجري وحرارة صائفة النهار‪.‬‬
‫أن خيرج يف مثل هذه الساعة‪،‬‬
‫ّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪174‬‬

‫‪29‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 2‬اإلعالن باحلب من خالل الدفق العاطفي الغامر الذي أغدقه النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل ابنه احلسن يف مشهد رائع من مشاهد عظمة‬
‫والشم‪،‬‬
‫املشاعر املحمدية؛ فكان الرتحيب ببسط اليدين‪ ،‬ثم العناق‪ ،‬ثم التقبيل‬
‫ّ‬
‫ثم سكب هذا احلب معلنًا يف مسامعه‪(( :‬اللهم إين ُأ ِح ُّب ُه))‪ ،‬ثم الدعاء أن يرفع له‬
‫احلب يف املأل األعىل‪ ،‬ويوضع له بني اخللق (( َفأ ِحب ُه َ‬
‫وأ ِح َّب َم ْن يحُ ِ ُّب ُه))‪.‬‬
‫َّ‬
‫إن حتقيق اإلرواء العاطفي لألبناء ٌ‬
‫تلبية ملطلب نفيس ُم ِل ٍّح‪ ،‬وعندما يتحقق‬
‫هذا اإلشباع للعواطف خيرج األبناء إىل احلياة بنفوس َسو َّية‪ ،‬تعيش احلب‬
‫وتتعاطاه‪ ،‬وتتعامل مع املجتمع بلياقة نفسية عالية‪.‬‬
‫كام أن مجود اآلباء يف التعبري عن هذه املشاعر‪ ،‬وتقصريهم يف إشباع هذه‬
‫العواطف ُي ِ‬
‫بقي مساحة جمدبة يف نفوس األبناء هي ُعرضة لنمو األوبئة‬
‫النفسية‪.‬‬
‫‪ - 3‬وقف النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل باب فاطمة ريض اهلل عنها‬
‫ومل يدخل‪ ،‬وإنام دعا بحاجته‪ ،‬وهو ابنه احلسن‪ ،‬ولذلك وقعه اجلميل يف نفس‬
‫فاطمة التي ترى من خالل هذا املشهد مكانة ابنها عند أبيها‪.‬‬
‫إن احلفاوة باألبناء حفاوة بآبائهم وأمهاهتم‪ ،‬وطريق خمترصة يف إدخال الرسور‬
‫إىل قلوهبم‪ ،‬ولذهنك أن يذهب كل مذهب بتصور ابتهاج الزهراء بروعة ذاك‬
‫اللقاء بني ابنها وأبيها‪ ،‬ونشوة الفرح هبذا اللطف النبوي يغمر به النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم ابنها احلسن بمسمع منها‪.‬‬
‫فرعا من حبه‬
‫لقد كان حب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وحفاوته بأحفاده ً‬
‫وحفاوته بأوالده‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪175‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 4‬إن جميء الصبي ُم ِ‬
‫مادا ذراعيه إىل جدِّ ه صىل اهلل عليه‬
‫رس ًعا يشتد ًّ‬
‫وآله وسلم يدل عىل خلفية طويلة يف بناء العالقة العاطفية‪ ،‬فقد عهد احلسن‬
‫أنواعا من العطف واملالطفة واحلنان‪ ،‬فكان صىل اهلل عليه وآله‬
‫ريض اهلل عنه‬
‫ً‬
‫أحبه))‪ ،‬وقطع ُخ ْط َبته ملا رآه مع‬
‫وسلم كث ً‬
‫ريا ما ّ‬
‫ويقبله ويقول‪(( :‬إين ّ‬
‫يشمه ّ‬
‫أخيه احلسني‪ ،‬ثم أقبل عليهام ومحلهام بني يديه‪ ،‬وهو يقول‪}(( :‬إ َّنماَ َأ ْم َوا ُل ُك ْم‬
‫أتم ُخط َبته()‪ ،‬وهو صىل اهلل عليه وآله‬
‫َو َأ ْو ُ‬
‫الد ُك ْم ِف ْتن ٌَة{ رأيتهام فلم أصرب))‪ُ .‬ث َّم َّ‬
‫وسلم الذي صىل بالناس فسجد سجو ًدا طويلاً ‪ ،‬فلام قىض صالته سألوه فقال‪:‬‬
‫فكره ُت أن ُأ َع ِّجله‬
‫((إن ابني ارحتلني ‪-‬أي أن احلسن ركب ظهره وهو ساجد‪-‬‬
‫ْ‬
‫حتى يقيض حاجته))()‪ ،‬إن هذا العطاء العاطفي كان ز ً‬
‫مخا متواصلاً ‪ ،‬ومل يكن‬
‫لفتات عابرة‪ ،‬ولذا أنتج هذا التعلق والشوق املتبادل بني احلسن وجدِّ ه رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن النبي الذي كان يعامل أبناء بنته هبذا احلنان الغامر واحلب املستعلن‪،‬‬
‫وينادى أسباطه باألبوة‪ ،‬و يستعيل هبا‪ ،‬فيقول عن احلسن واحلسني‪(( :‬هذان‬
‫ابناي وابنا بنتي))()‪ .‬ويقول عن احلسن‪(( :‬إن ابني هذا سيد))()‪ ،‬يف حني كانت‬
‫أحياء من العرب تزدري البنت‪ ،‬وجتفو بنيها‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫بنونا بنو أبنائِـنا وبنـا ُتنا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫األباعد‬
‫ال��رج��ال‬
‫أب��ن��اء‬
‫بنوهن‬
‫ُ‬
‫ أخرجه أبو داود (‪ ،)1109‬والترمذي (‪ ،)3774‬وابن حبان (‪.)6039‬‬
‫ أخرجه النسائي (‪ ،)1411‬واحلاكم (‪.)4775‬‬
‫ أخرجه الترمذي (‪.)3769‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪.)3629‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪176‬‬

‫‪29‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فكان صىل اهلل عليه وآله وسلم هبديه ذلك يرد الناس إىل الفطرة السوية يف‬
‫التعامل‪ ،‬وإىل العدل يف العواطف واملشاعر‪.‬‬
‫‪ - 6‬كان حب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ألحفاده ودعاؤه ملن أحبهم‬
‫أثره يف حياة الصحابة الذين جتاوبت مشاعرهم مع هذا احلب النبوي؛ فأحبوا‬
‫أحب صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فهذا أبو هريرة ريض اهلل عنه يقول‪ :‬بعدما‬
‫ما َّ‬
‫أحب إ ّيل من‬
‫سمع مقالة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم تلك‪ :‬فام كان أحد َّ‬
‫احلسن بن عيل بعدما قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم()‪ ،‬وما رأى أبو‬
‫هريرة احلسن إال دمعت عينه‪.‬‬
‫وهذا أبو بكر ريض اهلل عنه خيرج من املسجد بعد أن ويل اخلالفة‪ ،‬فريى احلسن‬
‫ريض اهلل عنه يلعب مع الصبيان‪ ،‬ف ُي َقبِل إليه‪ ،‬وحيتمله عىل عاتقه وهو ينشد‪:‬‬
‫شبيها بعيل‬
‫وا بأيب‪َ ،‬ش َب ُه النبي‪ ،‬ليس ً‬
‫رسورا بصنيع أيب بكر ريض اهلل عنه‪.‬‬
‫وعيل يميش إىل جانبه‪ ،‬ويضحك‬
‫ً‬
‫نحب ابني نبيك حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم حسنًا وحسينًا‪،‬‬
‫اللهم إنا‬
‫ّ‬
‫وحب نبيك‪ ،‬وأن تسلك بنا طريقهام وحترشنا‬
‫حبك‬
‫ّ‬
‫بحبهام ّ‬
‫ونسألك أن ترزقنا ّ‬
‫يف زمرهتام()‪.‬‬

‫ أخرجه البخاري (‪.)5884‬‬
‫ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)2122‬وصحيح مسلم (‪ ،)2421‬وسير أعالم النبالء (‪،)245/3‬‬
‫وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)193/15‬وفتح الباري (‪.)341/4‬‬

‫‪29‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪177‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪30‬‬
‫ُأمامة‬

‫بينام الصحابة ينتظرون رسول اهلل عىل حاهلا قد ارحتلت عاتقه الرشيف‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم ل ُيصيل هبم حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها‬
‫ٍ‬
‫برفق يف األرض‪ ،‬ثم ركع وسجد حتى‬
‫صالة الظهر أو العرص وقد دعاه بالل‬
‫إىل الصالة إذ خرج عليهم رسول اهلل إذا فرغ من سجوده أخذها‪ ،‬فاحتملها‬
‫مرة أخرى‪ ،‬ثم قام حتى‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وإذا هو عىل عاتقه ّ‬
‫أتـم صالته والصبية عىل عاتقه إذا‬
‫حيمل عىل عاتقه أمامة ابنة بنته زينب‪،‬‬
‫ّ‬
‫وسو ّيت الصفوف‪ ،‬سجد وضعها‪ ،‬وإذا قام محلها‪.‬‬
‫وأقيمت الصالة‪ُ ،‬‬
‫وقام رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫‪ - 1‬يبني هذا املشهد كيف كان‬
‫وسلم يف مصلاَّ ه ثم كبرّ رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم للصالة والصبية رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬

‫‪30‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪179‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫يعيش حياته ببساطة وعفوية‪ ،‬حيث خيرج من بيته إىل الصالة حيث حيتشد‬
‫ٍ‬
‫مشهد هو أبعد ما‬
‫الناس يف املسجد‪ ،‬وعىل عاتقه طفلة صغرية هي ابنة بنته يف‬
‫يكون عن التواقر ا ُملت ََك َّلف ومراسم اهليبة ا ُمل َ‬
‫صطنَعة‪ ،‬ولكنه الوضوح يف احلياة‬
‫البرشية والتجاوب التلقائي مع املشاعر اإلنسانية‪ ،‬ومع ذلك فإن بساطته صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم مل تنقص من مهابته‪ ،‬فقد ُألقيت عليه املهابة‪ ،‬وكيس بالوقار‬
‫واجلالل‪ ،‬ولكنه كان ً‬
‫بسيطا يف عظمته‪ ،‬عظيماً يف بساطته‪،‬‬
‫واضحا يف َبشرَ َّيته } ُق ْل‬
‫ً‬
‫ُس ْب َح َ‬
‫ان َربيِّ َه ْل ُك ْن ُت إِلاَّ َبشرَ ً ا َر ُسولاً {‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن مشهد الطفلة وهي ترحتل عاتق النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وتعصب‬
‫بيدهيا الصغريتني رأسه متشبثة به صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬يكشف أن هذا املشهد‬
‫امتداد ملشهد قبله كان داخل بيت النبوة‪ ،‬ويوحي بأن النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫ٌ‬
‫وسلم كان يف بيته بحال مناغاة ومالعبة هلذه الطفلة‪ ،‬وعندما أراد أن خيرج للصالة‬
‫كانت يف أوج تع ُّل ِقها به فلم ترتكه خيرج‪ ،‬ومل يرتكها تبكي‪ ،‬وإنام احتملها عىل عاتقه‪،‬‬
‫يضج باملشاعر األبوية الدافقة والرمحة النبوية الغامرة‪.‬‬
‫وخرج هبا يف مشهد إنساين ُّ‬
‫‪ - 3‬خرج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وعىل عاتقه ُبنية أنثى‪ ،‬واألنوثة‬
‫يف هذا املشهد مضاعفة‪ .‬فهي بنت بنته‪ .‬ثم خيرج هبا إىل الصالة أمام صفوف‬
‫عمليا يف احلفاوة بالبنات‪.‬‬
‫درسا‬
‫املصلني‪ ،‬و ُيصيل وهي عىل عاتقه ل ُيقدم ً‬
‫ًّ‬
‫وليقيض عىل بقايا جاهلية يف النفوس والتي كانت متيل مع األبناء كل امليل‬
‫يم‬
‫وتزدري البنات َ‬
‫}وإِ َذا ُبشرِّ َ َأ َحدُ ُه ْم بِالأْ ُ ْن َثى َظ َّل َو ْج ُه ُه ُم ْس َو ًّدا َو ُه َو َك ِظ ٌ‬
‫َيت ََو َارى ِم َن ا ْل َق ْو ِم ِم ْن ُس ِ‬
‫وء َما ُبشرِّ َ بِ ِه َأ ُي ْم ِس ُك ُه َعلىَ ُه ٍ‬
‫ون َأ ْم َيدُ ُّس ُه فيِ الترُّ َ ِ‬
‫اب{‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪180‬‬

‫‪30‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فام أبعد املفارقة بني من يتوارى عن القوم؛ ألنه ُبرش باألنثى‪ ،‬وبني من خيرج إىل‬
‫حشود الناس وعىل عاتقه البنت األنثى‪.‬‬
‫ـر تتسع دائرته؛‬
‫‪ - 4‬إن هذا احلنان والرمحة هبذه‬
‫الصبية الصغرية هو بِ ٌّ‬
‫ّ‬
‫لتشمل ُأ َّمها زينب بنت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم التي ستعيش‬
‫فرحة مضاعفة؛ ملكانة ابنتها من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ويا هلل‬
‫لقلب زينب لو قد ُسئلت أين ابنتها‪ ،‬فأجابت‪ :‬محلها رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وخرج هبا إىل الصالة!!‬
‫إن البرِ َّ بالبنات يتجاوزهن إىل البرِ ِّ بأبنائهن وبناهتن‪ ،‬فتتسع دائرته‪ ،‬وتتابع‬
‫حلقاته‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن الذي محل بنت بنته يف صالته‪ ،‬يضعها إذا سجد‪ ،‬وحيملها إذا قام‪،‬‬
‫خشوعا‬
‫وجعلت قرة عيني يف الصالة))()‪ .‬فهو أعظم اخللق‬
‫ً‬
‫هو الذي قال‪ُ (( :‬‬
‫وتعظيماً لقدر الصالة‪ .‬ومع ذلك مل يكن يف محله لبنته يف صالة مفروضة عىل‬
‫هذه الصفة إخالل بحق الصالة‪ ،‬ولكن إيضاح جلوانب اليرس يف الرشيعة‪ ،‬ولذا‬
‫ع ّلق اإلمام الذهبي عىل هذه القصة بقوله‪ :‬فامذا يفعل الفقيه املتنطع بذلك؟!‬
‫وليس ببعيد أن نقول‪ :‬إن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم كان يؤدي عبادتني يف وقت‬
‫واحد‪ ،‬صالته لربه‪ ،‬وإحسانه لبنته وبنت بنته‪ ،‬وأنه مجعهام يف هذا املقام()‪.‬‬
‫ أخرجه أحمد (‪ ،)3940‬والنسائي (‪ ،)3939‬واحلاكم (‪.)2676‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)5996 ،516‬وصحيح مسلم (‪ ،)543‬وشرح النووي على صحيح‬
‫مسلم (‪ ،)33/5‬وفتح الباري (‪.)429/10( ،)591/1‬‬

‫‪30‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪181‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪31‬‬

‫مدرسة السوق‬
‫قدم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم من بعض عوايل املدينة ‪-‬وهي‬
‫القرى املحيطة هبا‪ -‬فدخل السوق‬
‫بجدْ ي‬
‫والناس عىل جانبيه‪،‬‬
‫فمر َ‬
‫َّ‬
‫َأ َس َّك– وهو الذي يكون معي ًبا بصغر‬
‫أذنيه وانكامشها‪ -‬فتناوله رسول اهلل‬
‫بأذنه‪ ،‬ثم رفعه للناس فقال‪(( :‬أ ّيكم‬
‫حيب أن هذا له بدرهم؟))‪ .‬وكان‬
‫سؤالاً عجي ًبا أن يعرض عليهم النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم رشاء تيس‬

‫‪31‬‬

‫ميت مشوه اخللقة قد فقد قيمته‬
‫التجارية‪ ،‬وهان عىل أهله حتى ألقوه‬
‫يف السوق فلم يعبأ به أحد‪ ،‬فاستلفت‬
‫هذا السؤال انتباههم‪ ،‬وأجابوا قائلني‪:‬‬
‫ما نحب أنه لنا بيشء‪ ،‬وما نصنع به؟‪،‬‬
‫فأعاد عليهم السؤال قائلاً ‪(( :‬أحتبون‬
‫أنه لكم؟)) قالوا‪ :‬ال‪ ،‬فأعاد عليهم‬
‫السؤال ثالثة‪(( :‬أحتبون أنه لكم؟))‬
‫فازداد عجبهم لتكرار هذا السؤال‬
‫حيا‬
‫العاجب‪ ،‬وقالوا‪ :‬ال واهلل‪ ،‬لو كان ًّ‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪183‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫لكان عي ًبا فيه أنه َأ َس ّك‪ ،‬فكيف وهو ميت؟ حينها قابل النبي صىل اهلل عليه‬
‫املتلهفة ملعرفة ما بعد هذا السؤال املتتابع فألقى إليهم‬
‫وآله وسلم هذه النفوس ِّ‬
‫باحلقيقة التي يقررها؛ لتستقر يف أعامق وجداهنم قائلاً ‪(( :‬فو اهلل للدنيا أهون‬
‫عىل اهلل من هذا عليكم!!))‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فمع هذا اخلرب وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬هذا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قادم من بعض عوايل املدينة‬
‫ريا؛ فهو يذهب بعد‬
‫وهي نواحيها املتباعدة‪ ،‬وهو مشهد يتكرر يف األحاديث كث ً‬
‫جزورا تنحر يف‬
‫العرص إىل ناحية بني حارثة يتحدث معهم‪ ،‬ويذهب ليشهد‬
‫ً‬
‫بني سلمة‪ ،‬ويتأخر عن الصالة؛ ألنه ذاهب إىل بني عمرو بن عوف؛ ليصلح‬
‫ً‬
‫مريضا فيهم‪.‬‬
‫بينهم‪ ،‬ويذهب إىل ناحية بني فالن؛ ليعود‬
‫وهذه تكشف لنا هد ًيا نبو ًّيا يف التواصل مع أصحابه بحيث كان يغشى‬
‫نواحيهم ويتعاهدهم يف قراهم ودورهم‪ ،‬ومل يكن يعيش عزلة عن الناس أو‬
‫ً‬
‫ومبارشا‪ ،‬و‬
‫يعمق التأثري يف الناس‪ ،‬وجيعل االقتداء قري ًبا‬
‫تباعدً ا عنهم‪ ،‬وذلك ِّ‬
‫لقد تتابع املؤثرون من محلة الدعوة عىل ذلك‪ ،‬فكان هلم عمق اجتامعي يف الناس‬
‫وخمالطة رشيدة مؤثرة‪ ،‬ومن قدوات العرص الذين كانوا كذلك األستاذ حسن‬
‫البنا‪ ،‬والشيخ عبد احلميد بن باديس‪ ،‬واإلمام عبد العزيز بن باز رمحهم اهلل‪.‬‬
‫‪ - 2‬األسلوب النبوي الرائع يف التعليم؛ إذ نرى هذا احلشد من املؤثرات‬
‫يف هذا املوقف التعليمي؛ فقد استعمل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وسيلة‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪184‬‬

‫‪31‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫اإليضاح وكانت هذا التيس َ‬
‫األ َس ّك امليت‪ ،‬وطرح السؤال؛ الستثارة االنتباه‪،‬‬
‫َ‬
‫ورض َب املثل؛ لتوضيح املعنى‪ ،‬وأدار املعلومة بأسلوب حواري تفاعيل بحيث‬
‫يشرتك اجلميع يف الوصول إىل النتيجة املعرفية‪ ،‬وكل ذلك يف مشهد مل يتجاوز‬
‫ً‬
‫حارضا‪ ،‬فصىل‬
‫حلظات معدودة‪ ،‬لكن أثرها سيكون عمي ًقا‪ ،‬ومشهدها سيبقى‬
‫اهلل وسلم وبارك عىل خري معلم للناس اخلري‪.‬‬
‫‪ - 3‬اختيار النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم هذه القضية‪ ،‬وهي هوان الدنيا‬
‫عىل اهلل لتكون موعظة يف السوق‪ ،‬وهبذا األسلوب الرائع له مغزاه الدقيق‪،‬‬
‫فإن السوق مظنة االنغامس يف الدنيا‪ ،‬والذي قد ينسى النظر إىل اآلخرة‪ ،‬فربام‬
‫املحرمة كالغش‬
‫جرأ اإلنسان وهو يف هذه احلالة عىل أنواع من التعامالت‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫والكذب واأليامن املنفقة للسلع‪ ،‬واللغو واخلصومة ونحو ذلك‪ ،‬وأعظم ما‬
‫يعصم من ذلك ترائي اآلخرة نصب العني‪ ،‬ووضع الدنيا يف حجمها احلقيقي‪،‬‬
‫وموازنة زائل الدنيا بالباقي اخلالد عند اهلل‪ ،‬و َت ُّ‬
‫ذكر ا ُمل ْن َق َلب إليه‪ ،‬والوقوف بني‬
‫يديه‪ ،‬وهوان الدنيا عليه‪ .‬وهو ما لفت النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم إليه يف‬
‫موعظته تلك‪.‬‬
‫‪ - 4‬كان التعليم مبثو ًثا يف حياة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وكانت ميادين‬
‫لر ُس ِ‬
‫ول إِ َذا َد َع ُاك ْم‬
‫احلياة هي قاعات التعليم؛ ألن دينه دين احلياة ْ‬
‫}است َِجي ُبوا للِهَّ ِ َولِ َّ‬
‫لمِ َا يحُْ يِ ُ‬
‫مقصورا عىل عتبات املنرب أو حلقة املسجد‪ ،‬وإنام‬
‫يك ْم‪ {...‬فلم يكن تعليمه‬
‫ً‬

‫اتسعت له عرصات السوق‪ ،‬وفجاج الطرق‪ ،‬وموائد الطعام‪ ،‬وفراش املرض‪،‬‬
‫املتنوع املستمر‬
‫بل وحلظات املوت وآخر أنفاس احلياة‪ ،‬لقد كان تعليمه التعليم ِّ‬

‫‪31‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪185‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الذي حييط بمناحي احلياة كلها‪ ،‬ويستوعب أنشطتها عىل تنوعها‪.‬‬
‫‪ - 5‬هوان الدنيا املشار إليه يف هذا احلديث هو بالنسبة لآلخرة‪ ،‬فام الدنيا‬
‫يف عمر اآلخرة إال حلظة أو ومضة‪ ،‬ولذا فإن أهل الدنيا إذا ُسئلوا يوم القيامة‪:‬‬
‫كم لبثتم يف األرض عدد سنني؟ أجابوا‪ :‬يو ًما‪ .‬ثم يرون أنه كان أقل من ذلك‪،‬‬
‫فيقولون‪ :‬أو بعض يوم‪ ،‬فاسأل العا ِّدين‪ .‬ونعيم الدنيا وشقاؤها ال ُيقاس بنعيم‬
‫اآلخرة وشقائها‪ ،‬فأنعم أهل الدنيا إذا غمس يف النار غمسة قال‪ :‬ما رأيت نعيماً‬
‫مر يب بؤس قط()‪.‬‬
‫قط‪ .‬وأبأس أهل الدنيا إذا غمس يف اجلنة غمسة قال‪ :‬ما َّ‬
‫فكيف ُيقاس العمر القصري العابر يف الدنيا باخللود اآلبد يف اآلخرة‪ ،‬إن هذه‬
‫ً‬
‫انضباطا وانسجا ًما مع املبادئ‬
‫النظرة الشاملة جتعل التعامل مع شؤون احلياة أكثر‬
‫احلقيقية للحياة‪ ،‬وتضع أمور احلياة العابرة كلها يف سياقها وحجمها الطبيعي‪.‬‬
‫إن ذلك ال يعني تعطيل احلياة ولكن ترشيدها‪ ،‬وفتح آفاقها‪ ،‬ولذلك فإن‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي بينّ ألهل السوق هوان الدنيا عىل اهلل مل‬
‫ينكر عليهم قيامهم يف السوق‪ ،‬ورضهبم يف التجارة‪ ،‬وابتغاءهم الرزق‪ ..‬فهذه‬
‫كلها مناشط احلياة ورضورهتا‪ ،‬ولكنها ستكون أكثر نقا ًء وسدا ًدا إذا مارسها‬
‫اإلنسان يف الدنيا ونظره ممدود إىل مصريه األخروي وعمره األبدي()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح مسلم (‪.)2807‬‬
‫ينظر‪ :‬الزهد البن املبارك (‪ ،)508‬ومسند أحمد (‪ ،)14402‬واألدب املفرد للبخاري (‪،)962‬‬
‫وصحيح مسلم (‪ ،)2957‬وسنن أبي داود (‪ ،)186‬والزهد البن أبي عاصم (‪،)133-131‬‬
‫وشعب اإلميان (‪ ،)10467‬وسنن البيهقي (‪ ،)129/1‬وعون املعبود (‪.)222/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪186‬‬

‫‪31‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪32‬‬

‫أال تعجب‬
‫كانت بريرة َأ َمة مملوكة ألناس من‬
‫األنصار؛ فاتفقت معهم عىل أن تشرتي‬
‫نفسها بتسع أواق من فضة تدفعها هلم‬
‫يف كل سنة أوقية‪ ،‬ثم جاءت إىل ُأ ِّمنا‬
‫عائشة ريض اهلل عنها تستعني هبا يف‬
‫سداد هذه األقساط‪ ،‬وكان قد بقي‬
‫عليها مخس أواق‪ ،‬فدفعتها هلم عائشة‬
‫دفعة واحدة وأعتقتها‪.‬‬
‫وحتررت وملكت أمر‬
‫فلام ُعتقت‬
‫َّ‬
‫نفسها أعادت النظر يف عالقتها‬

‫‪32‬‬

‫الزوجية فهي قد أصبحت ُح َّرة‪،‬‬
‫وزوجها مغيث ال زال عبدً ا‪ ،‬وهي‬
‫اآلن متلك بحريتها هذه اإلبقاء عىل‬
‫هذه العالقة أو إهناءها‪ ،‬وقد حسمت‬
‫خيارها وقررت إهناء رباط الزوجية‬
‫معه؛ لضعف عاطفة احلب منها له‪،‬‬
‫حبا‬
‫ولكنه كان شديد التع ُّلق هبا حيبها ًّ‬
‫شديدً ا؛ فلام علم بذلك جعل يتبعها‬
‫َّ‬
‫يرتضاها‪ ،‬ودموعه‬
‫يف سكك املدينة‬
‫تنحدر عىل حليته‪ ،‬وهي تأبى عليه‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪187‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وتقول‪ :‬ال حاجة يل فيك‪ .‬ورآمها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل تلك‬
‫احلال‪ ،‬وكان معه عمه العباس ريض اهلل عنه فقال لعمه‪(( :‬يا عباس‪ ،‬أال تعجب‬
‫من ُح ِّب مغيث لربيرة؛ و ُبغْ ض بريرة ملغيث))‪ .‬ثم إن مغي ًثا استشفع برسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم إليها ليكلمها‪ ،‬ففعل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم وكلمها فيه‪ ،‬وقال هلا‪(( :‬لو راجعته فإنه أبو ولدك))‪ .‬فقالت‪ :‬يا رسول‬
‫اهلل أتأمرين؟ أيشء واجب عيل؟‪ ،‬قال‪(( :‬ال إنام أنا أشفع))‪ .‬فقالت‪ :‬ال حاجة يل‬
‫فيه‪ ،‬لو أعطاين كذا وكذا ما كنت عنده‪.‬‬
‫وتم هلا ما أرادت من فراقه مع شفاعة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم له وشدة‬
‫َّ‬
‫حبه ورغبته فيها‪.‬‬
‫ولك مع املشهد وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬يشدُّ ك َت َف ُّهم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم للرغبات العاطفية‪،‬‬
‫مقررا متعج ًبا من‬
‫ومشاعر القلوب‪ ،‬فلم يكن موقفه الئماً وال‬
‫مستنكرا‪ ،‬ولكن ً‬
‫ً‬
‫فرط حب مغيث وشدة بغض بريرة ريض اهلل عنها‪ ،‬ويتبادل التعاجب مع عمه‬
‫العباس ريض اهلل عنه من هذا التضاد العاطفي‪ ،‬فإن الغالب أن ا ُمل ِح َّب ال يكون‬
‫إال حمبو ًبا‪ ،‬ولكن يف هذه احلالة وجد أشد احلب يف مواجهة أشد البغض‪.‬‬
‫إن هذا ال َت َف ُّهم ألحوال القلوب وسطوة العواطف وهذه النظرة الواقعية‬
‫للمشاعر النفسية جزء من وفاق الرشع مع الفطرة؛ فقد جاء اهلدي النبوي‬
‫بالتوسعة للفرح‪ ،‬والتنفيس للحزن‪ ،‬والفسحة للعواطف واملشاعر‪ ،‬فتعلن‬
‫وتوجه ِّ‬
‫وهتذب وال تكبت وال تصادر‪ ،‬وكان من َأجْلىَ صور االعرتاف بعاطفة‬
‫ِّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪188‬‬

‫‪32‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫احلب شفاعة املصطفى صىل اهلل عليه وآله وسلم للزوج العاشق إىل زوجته‬
‫التي تركته‪.‬‬
‫‪(( - 2‬أال تعجب من حب مغيث لربيرة‪ ،‬وبغض بريرة ملغيث))‪ .‬حديث‬
‫وقصة تدل عىل أن املجتمع النبوي جمتمع حب‪ ،‬ال يستغربون فيه احلب‪ ،‬لكنهم‬
‫يستغربون لقاء احلب بالبغض‪.‬‬
‫‪ - 3‬قال العيني يف عمدة القاري عند رشح هذا احلديث‪ :‬يستفاد منه أنه ال‬
‫وح ِّبه هلا ظهر هذا أو خفي‪ ،‬ال إثم عليه‬
‫حرج عىل مسلم يف هوى امرأة مسلمة ُ‬
‫يف ذلك‪ ،‬وإن أفرط ما مل ِ‬
‫يأت محُ ََّر ًما ومل َيغْ َ‬
‫ش إثماً ‪.‬ا‪.‬هـ‬
‫‪ - 4‬اتساع رعاية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ألمور الناس وتعاهده هلم؛‬
‫بحيث يدخل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف شفاعة يف أمر زواج بني عبد مملوك‪،‬‬
‫وأمة حديثة عهد بحرية‪ ،‬واتضحت هذه الرعاية ألصحابه كلهم‪ ،‬حتى إن‬
‫ً‬
‫مملوكا يرى أن له ح ًّقا يف جاه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم فيطلب منه‬
‫عبدً ا‬
‫هذه الشفاعة‪ ،‬فيجيبه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم إىل مسألته‪ ،‬ويسعى يف‬
‫حاجته‪ ،‬فإذا كانت هذه احلاجات العاطفية اخلاصة َّ‬
‫حمل رعايته واهتاممه صىل‬
‫وأعم؟‬
‫أهم‬
‫ُّ‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فام ظنك بام هو ُّ‬
‫‪ - 5‬استقالل شخصية بريرة ريض اهلل عنها‪ ،‬وقدرهتا عىل اختاذ القرار‬
‫وامتالكها الكامل والعاقل لقرارها ومصريها؛ بحيث أدارت احلوار مع النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وانتهت إىل قرارها بوضوح‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪189‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫لقد كان تساؤهلا أمام شفاعة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أهي أمر رشعي‬
‫واجب الطاعة أم شفاعة ورغبة يف اإلصالح؟ فلام علمت أهنا شفاعة أعلنت‬
‫رأهيا الرافض لبقاء العالقة مع زوج ال حتبه‪ ،‬وإن كان الشافع هو رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫للتو من ِر َّق العبودية عىل امتالك‬
‫إنك تدهش عج ًبا لقدرة امرأة خرجت ِّ‬
‫حقها‪ ،‬وإعالن رأهيا وبني يدي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولكن‬
‫يزول عجبك إذا علمت أهنا نشأت يف البيئة النبوية واملدرسة املحمدية التي‬
‫تبني شخصية سوية متكاملة واثقة ال تقزم وال حتجم‪ ،‬تؤدي واجباهتا‪ ،‬وتعرف‬
‫حقوقها()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)5283-5280‬واالستيعاب (‪ ،)1443/4‬وسير أعالم النبالء (‪،)297/2‬‬
‫وأسد الغابة (‪ ،)43/7( ،)256/5‬واإلصابة (‪ ،)535/7( ،)196/6‬وفتح الباري (‪،)409-408/9‬‬
‫وعمدة القاري (‪.)268/20‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪190‬‬

‫‪32‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪33‬‬

‫ذاك الفتى‬
‫ـمنعه حداثة سنِّه وهو الفتى‬
‫مل َت ْ‬
‫الشاب‪ ،‬وال مهابة رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم وهو الذي ُألق َيت‬
‫عليه املهابة أن يقصد إليه‪ ،‬يسأله اإلذن‬
‫بام يخُ ِّفف معاناته من استعار الشهوة‬
‫َ‬
‫رسول‬
‫وعنفوان الشباب‪ ،‬فها هو يأيت‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وأصحا ُبه‬
‫حوله‪ ،‬فيقوم ِو َجاهه ويقصده بسؤاله‬
‫قائلاً ‪ :‬يارسول اهلل ائذن يل يف الزنا‪.‬‬
‫وكان سؤالاً صاعقة‪ ،‬استلفت إليه‬

‫‪33‬‬

‫من كان حول رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬فصاحوا به‪ :‬مه مه‪،‬‬
‫إذ كيف ُيستأذن بالزنا من ُنزِّ ل عليه‬
‫حتريمه؟ وكيف يأذن بالفاحشة من‬
‫جاء؛ لتطهري البرشية منها؟‬
‫فأقبل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫َ‬
‫قروه))‪.‬‬
‫عليهم وقال هلم‪(( :‬دعوه‪ ،‬أ ُّ‬
‫(أي‪ :‬اتركوه يستفرس‪ ،‬وال ُت ْف ِزعوه)‪،‬‬
‫ثم أقبل عليه فقال‪ُ (( :‬‬
‫ادن))‪ .‬فدنا‬
‫الشاب حتى جلس بني يدي رسول‬
‫ُّ‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪191‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فقال له بأبوة ا ُملع ِّلم‪ ،‬وبصرية الداعية‪ ،‬وبراعة‬
‫ا ُملحا ِور‪(( :‬أحتب أن ي ْفعل أحد ذلك ُبأ ِّمك؟))‪ .‬فقال الشاب‪ :‬ال واهلل يارسول‬
‫اهلل‪ ،‬جعلني اهلل فداءك‪ .‬قال‪(( :‬فكذلك الناس ال حيبونه ُأل َّمهاهتم‪ ،‬أفتحب أن‬
‫يفعل أحد ذلك بابنتك؟))‪ .‬قال‪(( :‬ال واهلل يا رسول اهلل‪ ،‬جعلني اهلل فداءك‪.‬‬
‫قال‪(( :‬وال الناس حيبونه لبناهتم‪ ،‬أفتحب أن يفعل أحد ذلك بأختك؟))‪.‬‬
‫قال‪ :‬ال واهلل يارسول اهلل‪ ،‬جعلني اهلل فداءك‪ .‬قال‪(( :‬فكذلك الناس ال حيبونه‬
‫بعمتك؟)) قال‪ :‬ال واهلل يارسول اهلل‪،‬‬
‫ألخواهتم‪ ،‬أحتب أن يفعل أحد ذلك َّ‬
‫جعلني اهلل فداءك‪ .‬قال‪(( :‬فكذلك الناس ال حيبونه لعماَّ هتم‪ ،‬أحتب أن يفعل أحد‬
‫ذلك بخالتك؟)) قال‪ :‬ال واهلل يارسول اهلل‪ ،‬جعلني اهلل فداءك‪ .‬قال‪(( :‬فكذلك‬
‫الناس ال حيبونه خلاالهتم‪ ،‬فاكره ما كره اهلل‪ ،‬وأحب للناس ما حتب لنفسك‪،‬‬
‫واكره هلم ما تكره لنفسك))‪ .‬وعرف الفتى أن ما حدَّ ث به لنفسه خطيئة تلوث‬
‫طهر قلبي‪ ،‬فوضع النبي صىل اهلل عليه‬
‫القلب‪ :‬فقال‪ :‬يا رسول اهلل‪ُ ،‬‬
‫ادع اهلل أن ُي ِّ‬
‫وحصن‬
‫وطهر قلبه‪،‬‬
‫وآله وسلم يده عىل صدره ثم قال‪((:‬اللهم اغفر ذنبه‪ِّ ،‬‬
‫ِّ‬
‫فرجه))‪ .‬ومىض الشاب ورمق الناس حاله‪ ،‬قالوا‪ :‬فلم يكن ذاك الفتى يلتفت‬
‫إىل يشء من ذلك بعد‪.‬‬
‫‪ - 1‬يلفت نظرك قصد هذا الفتى حديث السن إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫توجس‪ ،‬وال تر ّدد؛ ليفيض إليه بحاجة نفسه عىل خصوصية‬
‫وآله وسلم من غري ّ‬
‫هذا األمر وحساسيته‪ ،‬وما كان هذا ليتم لوال أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫نوعا فريدً ا من العالقة بينه وبني أصحابه‪ ،‬إهنا عالقة تحُ ِّطم الفروق بني‬
‫صنع ً‬
‫األجيال والطبقات واألجناس واملناطق‪ ،‬فيجعلهم كلهم يف حالة انجذاب‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪192‬‬

‫‪33‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فالص َّبية الصغرية تلعب بخاتم النبوة بني كتفيه‪ ،‬واملرأة تقف له فتأخذ‬
‫إليه‪َّ ،‬‬
‫بيده إىل حيث شاءت‪ ،‬واألعرايب يقف بني يديه فيقول‪ :‬إين سائلك فمشدّ د‬
‫عليك‪ ،‬وهذا الشاب مل متنعه مكانة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وال مهابته‪،‬‬
‫الس ِّن بينه وبينه أن يسأله بوضوح عام يعتلج يف نفسه‪ ،‬وهو يف غاية‬
‫وال فارق ِّ‬
‫الطمأنينة واألمان‪.‬‬
‫إن هذه القدرة عىل احتواء املجتمع واجتذاب كل فئاته أحد معامل اخللق النبوي‬
‫العظيم‪ ،‬والذي ال بدَّ أن يتق َّفاه من اختار لنفسه وراثة النبوة‪ ،‬وتحَ َّمل مسؤولية‬
‫الدعوة‪.‬‬
‫‪ - 2‬يلفت نظرك إدارة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم للحوار‪ ،‬واستثارته‬
‫التفكري‪ ،‬وسلوكه أسلوب اإلقناع‪ ،‬وحتميل العقل مسؤولية التبعية والتكليف‪،‬‬
‫لقد كان يمكن للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أن يقول لذلك الشاب‪ :‬ال أجد‬
‫لك رخصة‪ ،‬وما نحسبه لو قيل له ذلك إ ّ‬
‫ال سريىض و ُي َس ِّلم‪ ،‬ولكن النبي صىل‬
‫املحرمة‬
‫اهلل عليه وآله وسلم لفت ذهن الشاب إىل جوانب أخرى يف قضية املتعة َّ‬
‫تصور بشاعة هذا الفعل‬
‫مل يكن قد َو َّجه إليها نظره العقيل‪ ،‬وكان ذلك كاف ًيا يف ّ‬
‫وعظيم رضره؛ لينتهي به األمر إىل قناعة عقلية كام هو متابعة وتسليم‪ ،‬وهذا‬
‫يتحمل مسؤولية اإلقناع بالدعوة‪ ،‬وحمَْ ل الناس عىل مشاركته‬
‫ما جيعل الداعية‬
‫َّ‬
‫القناعة فيام يدعو إليه‪ ،‬ولو كان أحد يسعه االستغناء عن ذلك لكان رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ومع ذلك كان هديه وسنته استنفار العقل‪،‬‬
‫واستثارة التفكري‪ ،‬والوصول بالناس من خالل التفكري السليم إىل القناعات‬
‫الصحيحة‪ ،‬وبذلك َخ َّلص البرشية من أغالهلا الفكرية؛ لتتجه إىل رشدها‪،‬‬

‫‪33‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪193‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ورحم اهلل األستاذ العقاد يوم أطلق (التفكري فريضة إسالمية)‪.‬‬
‫‪ - 3‬يلفت نظرك أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قدَّ م احلجة املقنعة يف وعاء‬
‫عاطفي مجيل‪ ،‬أشعر هذا الشاب بخصوصية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُ‬
‫وبأبوة‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم له‪ ،‬وبأن ما يأمر به هو النصح والشفقة واملحبة‪،‬‬
‫أقروه))‪ .‬ثم‬
‫وذلك يتجىل يف هني الصحابة عن اإلنكار عليه‪ ،‬وقوله هلم‪ ((:‬دعوه‪ُّ ،‬‬
‫تقريبه له قائلاً ‪ُ (( :‬‬
‫ادن))‪.‬حتى جلس بني يديه بحيث كان يف متناول يده‪ ،‬وهذا هو‬
‫املجال العاطفي للجسد‪ ،‬ثم رسعة استجابة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بالدعاء‬
‫وو ْضعه صىل اهلل عليه وآله وسلم يده الرشيفة عىل صدره‪ ،‬ولكأين‬
‫له بأكثر مما سأل‪َ ،‬‬
‫هبذا الشاب‪ ،‬وقد أفىض صىل اهلل عليه وآله وسلم بيده املباركة إىل صدره ليجد‬
‫بردها يف قلبه‪ ،‬وأنه عاش عمره ك َّله َ‬
‫يتذ َّكر بنشوة تلك اللمسة النبوية‪ ،‬جيد أثرها عىل‬
‫صدره ويف وجدانه‪ ،‬كأنام رفع صىل اهلل عليه وآله وسلم يده عنه الساعة‪.‬‬
‫لقد كانت تلك اللمسات العاطفية مفاتيح نبوية يفتح هبا أغاليق القلوب‪،‬‬
‫فهنيئًا لذلك الفتى‪ ،‬وقرة عني له قربه من رسول اهلل‪ ،‬ومسحه عىل صدره‪،‬‬
‫ودعاؤه له‪ ،‬وبورك سؤاله الذي أثمر له ذلك كله‪ ،‬أما نحن فهل نتعلم من‬
‫نوصل رسالتنا‬
‫حب‪،‬وأننا لن ِّ‬
‫حب‪ ،‬واحلياة ٌ‬
‫حب‪ ،‬والتعليم ٌ‬
‫ذلك أن الدعوة ٌ‬
‫باحلب‪.‬‬
‫للناس ما مل َن ِصل إىل قلوهبم‬
‫ِّ‬
‫‪ - 4‬يلفت نظرك مراعاة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف حواره مع الفتى البيئة‬
‫التي هو منها وأثرها يف تكوينه النفيس‪ ،‬فالنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم خياطب‬
‫عربيا من ُأ َّمة ُعرفت بحرارة َ‬
‫الغيرْ َ ة‪،‬حتى إهنم ليدفنون البنت يف طفولتها خشية‬
‫شا ًّبا ًّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪194‬‬

‫‪33‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫العار‪ ،‬وما ُعيرّ أحدهم بأشدَّ من أن ُيغمز منه عرضه‪ ،‬ولذا فإنه صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ملا جعله يتصور ما سأل يف أحد حرماته استثار فيه لظى هذه َ‬
‫احل ِم َّية‪ ،‬وكأنا‬
‫هبذا الشاب وهو بني يدي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يستمع‪ ،‬وإن جبينه‬
‫حر النار حتت جلدة وجهه‪ ،‬وهو يتصور يف ذهنه هذا‬
‫َّ‬
‫ليتفصد عر ًقا‪ ،‬وإنه ليجد مثل َّ‬
‫رسيعا‪ :‬ال واهلل يا رسول اهلل‪ ،‬جعلني اهلل فداك‪.‬‬
‫التساؤل‪ ،‬ولذا جاء جوابه ً‬
‫اجلنسية‬
‫اإلباحية‬
‫وكأنا بك لو سألت هذا السؤال ملن يعيشون يف جمتمعات‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ختصها‪.‬‬
‫حرة‪ ،‬تلك عالقة ُّ‬
‫ألجابك هبدوء تام بعد أن ُيرخي كتفيه‪ :‬هي َّ‬
‫إن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم كان يراعي يف تعليمه ودعوته بيئة ا ُملتع ِّلم‬
‫وخلفيته التكوينية‪ ،‬وبذلك يصل من أقرب الطرق إىل عقله وقلبه‪ .‬ومثل ذلك‬
‫قوله لألعرايب الذي أراد أن ينفي ولده؛ ألنه أسود البرشة‪(( :‬ألك إبل؟))‪ .‬قال‪:‬‬
‫ورق؟))‪.‬‬
‫نعم يا رسول اهلل‪ ،‬قال‪(( :‬ما ألواهنا؟))‪ .‬قال‪ :‬حمُْ ر‪ ،‬قال‪(( :‬هل فيها من َأ َ‬
‫قال‪ :‬إن فيها ُلو ْرقا‪ .‬قال‪ ((:‬فمن أين ذلك؟))‪ .‬قال‪ :‬لعله َنزَ َعه عرق‪ .‬قال‪(( :‬فذلك‬
‫كذلك))()‪ّ .‬‬
‫فحل االلتباس يف ذهنه ونزع عام كان عزم عليه‪.‬‬
‫إن مثل هذه األسئلة ما كانت لتؤثر يف هذه القناعة إ ّ‬
‫ال ألهنا ُو ّجهت إىل أعرايب‬
‫يريب إبله‪ ،‬ويعرف نسلها وجماري أنساهبا‪.‬‬
‫وبذلك نرى براعة نبوية يف مراعاة البيئة وحسن توظيفها يف الدعوة‬
‫واإلقناع()‪.‬‬

‫ أخرجه البخاري (‪ ،)7314‬ومسلم (‪.)1500‬‬
‫ ينظر‪ :‬مسند أحمد (‪ ،)22211‬ومعجم الطبراني الكبير (‪ ،)162/8‬ومسند الشاميني‬
‫(‪ ،)373 ،139/2‬وسنن البيهقي (‪ ،)45/9‬وشعب اإلميان (‪.)56/4‬‬

‫‪33‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪195‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪34‬‬

‫األشعريون‬
‫رفقة طيبة كريمة هاجرت إىل‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫عرف‬
‫فكانوا عنده أهل عبادة ونسك‪ُ ،‬ت َ‬
‫منازهلم بالليل؛ لدوهيم بالقرآن‪ ،‬وأهل‬
‫مروؤة وإيثار‪ ،‬فإذا َّ‬
‫قل طعام عياهلم‬
‫مجعوا ما عندهم يف ثوب واحد ثم‬
‫قسموه بينهم بالسو َّية‪ ،‬مع صرب مجيل‬
‫عىل الفقر وق َّلة ذات اليد‪ ،‬فلام كانت‬
‫غزوة تبوك واستنفر رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم الناس هلا‪ ،‬جاءه‬
‫األشعريون بأشواق اجلهاد والشهادة‬

‫‪34‬‬

‫يطلبون أن حيملهم معه جنو ًدا يف هذه‬
‫املعركة‪ ،‬حيث كانوا لفقرهم ال جيدون‬
‫ما يرحتلونه يف هذا السفر الطويل‪،‬‬
‫ووافق حضورهم إىل النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم وطلبهم هذا الطلب‬
‫وهو غضبان‪ ،‬ولعل ذلك بسبب مزيد‬
‫انشغاله واهتاممه بإعداد هذا اجليش‬
‫جهزه رسول اهلل‬
‫الذي كان أكرب جيش َّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ولذا أجاهبم‬
‫جواب املغضب‪(( :‬واهلل ال أمحلكم عىل‬
‫يشء))‪ .‬فمضوا من عنده‪ ،‬ويف قلوهبم‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪197‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫حزن شديد‪ ،‬خمافة أن يكون رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم قد وجد عليهم‬
‫يف نفسه‪ ،‬فبينا هم كذلك إذا بالل بن رباح ينادهيم ويدعوهم إىل رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فلام عادوا إليه إذا بخمس من اإلبل ِعظام ِسامن ِحسان‬
‫فدفعها إليهم‪ ،‬وقال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬إن رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫هبن‪ُ ،‬ث َّم مل يلبثوا أن أقبل‬
‫وآله وسلم حيملكم عىل هؤالء فاركبوهن))‪ .‬فانطلقوا َّ‬
‫بعضهم عىل بعض وقالوا‪ :‬إن َت َغ َّف ْلنا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عن‬
‫يمينه ومل ُن ّذ ِّكره هبا‪ ،‬واهلل ال يبارك لنا فيها‪ ،‬وال نفلح بعدها أبدً ا‪ ،‬فلنرجع إليه‬
‫ِّ‬
‫فنذكره بيمينه تلك‪ .‬فرجعوا إليه صىل اهلل عليه وآله وسلم فقالوا‪ :‬يا رسول اهلل‬
‫إنك حلفت أال حتملنا‪ ،‬وقد محلتنا‪ ،‬فظننا أنك نسيت يمينك‪ .‬وإذا بالنبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم الذي وافوه قبل قليل ُم َ‬
‫غض ًبا ُيقبِل عليهم ب ُل ْطفه وبِشرْ ه املعهود‬
‫قائلاً ‪(( :‬لست أنا محلتكم‪ ،‬ولكن اهلل محلكم‪ ،‬وإين واهلل إن شاء اهلل ال أحلف عىل‬
‫ريا منها إال أتيت الذي هو خري‪ ،‬وك َّفرت عن يميني))‪.‬‬
‫يمني فأرى غريها خ ً‬
‫فطابت عند ذلك قلوهبم َ‬
‫وأنِست نفوسهم وفاؤوا إىل الطمأنينة والبرشى‪.‬‬
‫وبقي أن نسترشف معاين من هذه القصة امللهمة منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬الغضب النبوي يف هذا املوقف هو جزء من الطبيعة البرشية‪ ،‬ظهر من‬
‫النبي الكريم صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ ليؤكد الالفتة الضخمة يف أداء النبي صىل‬
‫}س ْب َح َ‬
‫ان َربيِّ َه ْل ُك ْن ُت إِلاَّ َبشرَ ً ا َر ُسولاً { فيحدث‬
‫اهلل عليه وآله وسلم لدعوته‪ُ .‬‬
‫منه االنفعال الغضبي؛ ليرشع ألمته ما تفعله حال الغضب‪ ،‬كام ينسى ل ُيرشع‬
‫ألمته ما تفعله حال النسيان‪ ،‬ولتعلم األمة عظيم حكمة اهلل تعاىل يوم جعل‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪198‬‬

‫‪34‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫الرسالة والقدوة للبرش ً‬
‫برشا مثلهم‪ ،‬له غرائزهم ومشاعرهم وانفعاالهتم‪.‬‬
‫‪ - 2‬الغضب النبوي يف هذا املوقف هو احلالة االستثنائية التي ُتربز عظمة‬
‫القاعدة العامة يف حال النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي كان شديدً ا يف‬
‫امتالك نفسه عند الغضب‪ .‬وليتضح من هذا املوقف االستثنائي َّ‬
‫أن َص ْفح‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ِ‬
‫وح ْلمه يف مواقف الغضب مل يكن لكونه ذو‬
‫طبيعة مالئكية ال تقبل هذا االنفعال بحيث يستثار فال يغضب‪ ،‬بل ألنه كان‬
‫يغضب كام يغضب البرش‪ ،‬ولكنه يملك نفسه عند الغضب فيكظم الغيظ‬
‫مسيطرا عىل انفعاالته يف‬
‫ويعفو ويحُ سن‪ .‬وكانت عظمته األخالقية جتعله‬
‫ً‬
‫أحواله ُج ِّلها‪.‬‬
‫‪ - 3‬مل ِ‬
‫يأت األشعريون حالاً تستوجب الغضب‪ ،‬إهنم مل يطلبوا مالاً يتخولونه‪،‬‬
‫متاعا يتأ َّثلونه‪ ،‬أو مغنماً حيوزونه ألنفسهم يتكثَّرون به‪ ،‬إهنم أتوا؛ ليعرضوا عىل‬
‫أو ً‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم دماءهم التي َخزَ نوها يف عروقهم‪ ،‬ومهجهم‬
‫التي َأ َك َّنتها جوانحهم‪ ،‬رخيصة يف سبيل اهلل تعاىل‪ ،‬ويسألونه ما حيملهم إىل حيث‬
‫الـم َهج و ُتباع األنفس عىل اهلل تعاىل‪ ،‬فام بال النبي صىل اهلل‬
‫ُتسفك الدماء و ُت َ‬
‫زهق ُ‬
‫والتحمل لغريهم‬
‫عليه وآله وسلم غضب عىل هؤالء وهو أهل العفو والصفح‬
‫ُّ‬
‫من األعراب الذين كانوا يسألون ويلحفون يف املسألة‪ ،‬و ُيعطون فيستكثرون من‬
‫العطاء‪ ،‬ومع ذلك يستقبل إحلافهم املضجر بخلقه السمح السجيح ((لو كان يل‬
‫عدد هذه ِ‬
‫الع َضاة َن َعماً ل َق َسم ُته بينكم ثم ال جتدوين بخيلاً وال جبا ًنا)))؟‬

‫ أخرجه البخاري (‪.)2821‬‬

‫‪34‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪199‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ترصف النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع من حيبهم وحيبونه‪،‬‬
‫إن ذلك هو ُّ‬
‫فهو حيتملهم وحيتملونه‪ ،‬ويعذرهم و َي ْع ِذرونه‪ ،‬ويعطي آخرين من ماله وخلقه‬
‫أكثر من أولئك‪ ،‬ال ألهنم أحب إليه‪ ،‬ولكن ألهنم أحوج إىل التألف والرفق؛‬
‫حلداثة عهدهم باإلسالم أو قلة ِخلطتهم بالرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫أحب إ َّيل من‬
‫ولذا قال‪(( :‬فواهلل إين ألعطي الرجل وأدع الرجل‪ ،‬والذي َأ َد ُع ُّ‬
‫الذي ُأ ْع ِطي‪ ،‬ولكن ُأ ْع ِطي أقوا ًما؛ ملا أرى يف قلوهبم من اجلزع واهللع‪َ ،‬‬
‫وأ ِك ُل‬
‫أقوا ًما إىل ما جعل اهلل يف قلوهبم من الغنى واخلري‪ ،)())...‬إن هذا العطاء يشمل‬
‫سجيتها‬
‫العطاء من املال ومن اخللق ومن التعامل‪ ،‬ولذا إذا أطلقت نفسك عىل َّ‬
‫فاحرتس عند التعامل مع َم ْن ال َي ِ‬
‫عذرك‪.‬‬
‫‪ - 4‬روعة املوقف األخالقي ا ُملبهر للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي اختذ‬
‫موق ًفا معلنًا مؤكدً ا باليمني أنه ال يعطيهم ((واهلل ال أمحلكم))‪ ،‬ومع ذلك رجع عن‬
‫هذا املوقف بغاية الرسعة والتلقائية والصحة النفسية العالية‪ ،‬ومل جيد غضاضة يف‬
‫ٍ‬
‫موقف أعلنه وأقسم عليه لالنتقال إىل خيا ٍر أفضل‪ ،‬وترك ذلك القرار‬
‫الرجوع عن‬
‫إىل قرار أصلح‪ ،‬كم تنهزم إراداتنا حني نتخذ موق ًفا يف حلظة انفعال ثم ُي َك ِّبلنا هذا‬
‫رجوع أو تراجع‪،‬‬
‫املوقف عن الوثوب إىل مواقف أفضل؛ حتى ال يحُ سب علينا‬
‫ٌ‬
‫ولو كان ذلك موقف ٍ‬
‫معلم مع طالبه‪ ،‬أو رئيس مع مرؤوسيه‪.‬‬
‫أب مع أبنائه‪ ،‬أو ٍ‬
‫دمارا؛ ألن الشيطان نفخ‬
‫وكم رأينا َم ْن َل ّج يف ِغواية أو خطأ‪ ،‬وحتمل خسارة أو ً‬
‫يف ِم ْن َخره‪ ،‬وعظم يف نفسه أن يرجع عن موقفه وإن استبان خطأه‪ ،‬أما معلم‬
‫الناس اخلري فقد أطلقها مدوية ناصعة ((إين واهلل إن شاء اهلل ال أحلف عىل يمني‬
‫ريا منها‪ ،‬إال ك ّفرت عن يميني‪ ،‬وأتيت الذي هو خري))‪.‬‬
‫فأرى غريها خ ً‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)923 ،27‬ومسلم (‪.)150‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪200‬‬

‫‪34‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 5‬أال يشدّ ك حتى ختفق أعامق وجدانك حال تلك النفوس املالئكية‬
‫الشفافة الطهور التي كانت متيش عىل األرض وكأهنا تحُ ِّلق بني قناديل اجلنة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫أي ٍ‬
‫قلوب األشعريني‪ ،‬فلم جتد عىل نبيها صىل‬
‫وصفاء ويقني ُأت ِرعت به‬
‫إيامن‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫اهلل عليه وآله وسلم أدنى َم ِ‬
‫وجدة‪ ،‬وإن غضب ومنع وتألىَّ عىل ذلك وأقسم‪،‬‬
‫وإنام كان الذي ُو ِجد يف نفوسهم عظيم الشفقة عىل الرسول والتعظيم لكالمه‪،‬‬
‫حيث عادوا عىل أنفسهم بالالئمة؛ إذ ظنوا أهنم أغفلوا النبي صىل اهلل عليه‬
‫يتحملون مسؤولية تذكري النبي صىل اهلل‬
‫وآله وسلم عن تلك اليمني‪ ،‬وأهنم‬
‫َّ‬
‫عليه وآله وسلم هبا‪ ،‬فينقلبون إليه معتذرين ِّ‬
‫مذكرين بتلك اليمني‪.‬‬
‫إهنا الصورة الرائعة للصفاء القلبي واإلرشاق النفيس‪ ،‬واإليامن احلق بالرسالة‬
‫والرسول‪.‬‬
‫ذاك رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي اصطفاه اهلل لرسالته‪ ،‬وهؤالء‬
‫هم الذين آمنوا معه واصطفاهم اهلل لصحبته‪} ..‬محُ ََّمدٌ َر ُس ُ‬
‫ين‬
‫ول اللهَّ ِ َوا َّل ِذ َ‬
‫َم َع ُه‪.{...‬‬
‫‪ - 6‬هذا املوقف الذي صدر من الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم ُسبق بمواقف‬
‫الر ْفق َ‬
‫وغ ْرس احلب وملء النفوس بأحاسيس الرعاية‪ ،‬ولذا فعندما يأيت‬
‫كثرية يف ِّ‬
‫هذا املوقف مسبو ًقا بذلك ال يحُ دث صدمة أو هزة‪ ،‬وإنام يأخذ حجماً حمدو ًدا‪ ،‬و ُي َفسرَّ ُ‬
‫تفس ًريا حسنًا‪ ،‬إهنا عملية سحب قليلة من رصيد عاطفي كبري تم إيداعه()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6721 ،6718 ،5518 ،3133‬وصحيح مسلم (‪ ،)1649‬وشرح‬
‫النووي على صحيح مسلم (‪ ،)108/11‬وفتح الباري (‪.)611 ،604/11( ،)646/9( ،)239/6‬‬

‫‪34‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪201‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪35‬‬

‫ذو العقيصتين‬
‫ِم ْن وادي نعامن حيث انفساح‬
‫ُّ‬
‫حتف به اجلبال الشاهقة‪،‬‬
‫األرض‬
‫تتطاول كأنام حتمل عىل أكتافها قبة‬
‫ختب به‬
‫السامء‪ ،‬انطلق ِم ْن هناك‬
‫ُّ‬
‫ِ‬
‫متوج ًها تلقاء يثرب‪ ،‬يقطع‬
‫راحلته‬
‫الطريق فيها يف نحو ثامنية أيام‪ ،‬ومل‬
‫تكن له يف املدينة جتارة يرت َّبحها‪ ،‬وال‬
‫قريب يزوره‪ ،‬ولكن حاجته ُلقيا ذاك‬
‫الذي يقول‪ :‬إنه رسول اهلل؛ يستثبت‬
‫منه خرب النبوة وحقيقة الرسالة‪،‬‬

‫‪35‬‬

‫وليحسم قراره يف الدين الذي سيدين‬
‫هلل به‪.‬‬
‫وصل املدينة النبوية‪ ،‬وأناخ بعريه عىل‬
‫باب املسجد‪ ،‬ثم عقله ودخل‪ ،‬وكان‬
‫أعراب ًيا جلدً ا جعد الشعر‪ ،‬قد ض ّفره‬
‫بضفريتني عقصهام‪ ،‬فأقبل حتى وقف‬
‫عىل الصحابة وهم جلوس ورسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم بني‬
‫أظهرهم‪ ،‬فلم يعرفه من بينهم فلام دنا‬
‫إليهم سأل‪ :‬أيكم ابن عبد املطلب؟‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪203‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وكان رسول اهلل بينهم كأحدهم ليس له شارة مت ِّيزه‪ ،‬وال حال ُتش ِهره‪ ،‬فلم‬
‫جيدوا ما يدلونه به عىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم إال وضاءته وهباءه‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬هو ذاك األبيض املتكئ‪ ،‬فتوجه إليه‪ ،‬ووقف بني يديه‪ ،‬وناداه كام ينادي‬
‫غريه‪ :‬يا ابن عبد املطلب‪ ،‬فقال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬قد أجبتك أنا ابن‬
‫عبد املطلب))‪ .‬قال‪ :‬حممد؟ قال‪(( :‬نعم))‪ .‬ومع ما يف هذا النداء من جفاء إ ّ‬
‫ال أنه‬
‫أتبعه بنداء أشدَّ منه قائلاً ‪ :‬إين سائلك فمشدّ د عليك يف املسألة‪ ،‬فال جتدْ ع ّ‬
‫يل يف‬
‫نفسك‪ .‬فأجابه خري معلم للناس اخلري قائلاً ‪(( :‬ال أجد يف نفيس‪ْ ،‬‬
‫سل عام بدا‬
‫لك))‪ .‬فلم يكن يف دينه وال تعليمه مناطق حمظورة‪ ،‬وال زوايا معتِمة‪ ،‬ولكنه‬
‫الوضوح والنصاعة‪.‬‬
‫فسأل وكانت أسئل ًة تدل عىل صفاء العقل ومنهجية التفكري‪ ،‬فكان أول ما‬
‫سأل أن قال‪ :‬من خلق السامء؟ فأجابه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫((اهلل))‪ .‬قال‪ :‬فمن خلق األرض؟ قال‪(( :‬اهلل))‪ .‬قال‪ :‬فمن نصب هذه اجلبال‬
‫وجعل فيها ما جعل؟ قال‪(( :‬اهلل))‪ .‬قال‪ :‬فإين أسألك بالذي خلق السامء‪،‬‬
‫وخلق األرض‪ ،‬ونصب هذه اجلبال‪ ،‬وجعل فيها ما جعل‪ ،‬إهلك وإله من‬
‫كان قبلك وإله من هو كائن بعدك‪ :‬آهلل أرسلك إىل الناس كلهم؟ فقال النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬اللهم نعم))‪ .‬قال‪ :‬فإين أسألك بالذي أرسلك‪:‬‬
‫آهلل أمرك أن نعبده وحده‪ ،‬وأن نخلع هذه األوثان التي كان آباؤنا يعبدون‬
‫معه؟ قال‪(( :‬اللهم نعم))‪ .‬قال‪ :‬فإين أسألك بالذي أرسلك‪ :‬آهلل أمرك أن‬
‫نصيل هذه الصلوات اخلمس يف يومنا وليلتنا؟ قال‪(( :‬اللهم نعم))‪ .‬قال‪ :‬فإين‬
‫أسألك بالذي أرسلك‪ :‬آهلل أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها‬
‫عىل فقرائنا؟ فقال‪ :‬اللهم نعم‪ ،‬قال‪ :‬فإين أسألك بالذي أرسلك‪ :‬آهلل أمرك أن‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪204‬‬

‫‪35‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫نصوم شهر رمضان يف سنتنا؟ قال‪(( :‬اللهم نعم))‪ .‬قال‪ :‬فإين أسألك بالذي‬
‫أرسلك‪ :‬آهلل أمرك أن نحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ؟ قال‪(( :‬اللهم نعم))‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإين أشهد أ ّ‬
‫ال إله إال اهلل‪ ،‬وأن حممدً ا رسول اهلل‪ ،‬والذي بعثك باحلق ال‬
‫ص منهن‪ ،‬وأنا ضامم بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر‪ ،‬وأما‬
‫أزيد عليهن وال َأن ُْق ُ‬
‫ريا‬
‫هذه الفواحش فو اهلل إن كنا‬
‫َّ‬
‫لنتنـزه عنها يف اجلاهلية ‪-‬أي أننا كنا نتجنب كث ً‬
‫تنز ًها عنها‪.‬‬
‫من الفواحش يف اجلاهلية‪ -‬فنحن يف اإلسالم أكثر ُّ‬
‫ثم انرصف إىل بعريه‪َّ ،‬‬
‫راجعا إىل قومه‪ ،‬فلم يكن له يف املدينة‬
‫فحل ِعقاله‪ ،‬وركبه‬
‫ً‬
‫حاجة بعد ذلك‪.‬‬
‫فلام ولىّ قال النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬فقه الرجل‪ ،‬لئن صدق ذو‬
‫العقيصتني ليدخلن اجلنة))‪ .‬وعجب فقهاء الصحابة من فقه هذا األعرايب حتى‬
‫قال عمر‪ :‬ما رأيت أحدً ا أحسن مسألة‪ ،‬وال أوجز من ضامم‪.‬‬
‫أما هو فلام وصل إىل قومه اجتمعوا إليه‪ ،‬فكان أول ما صنع أن حطم عظمة‬
‫أوثاهنم املوهومة فنادى قائلاً ‪ :‬بئست الالت والعزى‪ .‬فعجب قومه من هذه‬
‫اجلرأة عىل أوثاهنم التي كانوا يعبدون!!‬
‫فخوفوه ما كانوا خيافونه من رضر اآلهلة وغضبها‪ ،‬وقالوا‪َ :‬م ْه يا ضامم ِ‬
‫اتق‬
‫الربص‪ِ ،‬‬
‫اتق اجلذام‪.‬‬
‫ولكن ضام ًما كان قد جتاوز هذه العقيدة وصحح تصوره واعتقاده فقال هلم‪:‬‬
‫ويلكم‪ ،‬إهنام واهلل ما ترضان وما تنفعان‪ ،‬وإن اهلل قد بعث رسولاً ‪ ،‬وأنزل عليه‬
‫كتا ًبا استنقذكم به مما كنتم فيه‪ ،‬وإين أشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال رشيك له‪،‬‬
‫وأن حممدً ا عبده ورسوله‪ ،‬وقد جئتكم من عنده بام آمركم وأهناكم عنه‪.‬‬
‫ومل يزل حياورهم ويقنعهم حتى ما أمسى من ذلك اليوم يف حارضته من رجل‬

‫‪35‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪205‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أو امرأة إال مسلماً ‪ ،‬وسمع الصحابة بصنيعه ذلك فقال ابن عباس ريض اهلل‬
‫عنهام‪ :‬ما سمعنا من وافد قط كان أفضل من ضامم بن ثعلبة‪.‬‬
‫ومع هذه القصة وقفات‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن قضية تصحيح التدين والتوثق مما يعتقده كانت من األمهية بمكان‬
‫ليتثبت عام‬
‫عند ضامم بن ثعلبة‪ ،‬ولذلك سافر هذا السفر‪ ،‬وقطع تلك املسافة؛ ّ‬
‫بلغه عن رسول اهلل من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وليحسم قراره‬
‫يف دينه السابق‪ ،‬وهذا يبني ِجدّ يته يف التدين‪ ،‬واستعداده لتحمل مسؤولية هذا‬
‫الدين إذا تبني له صدق هذا الرسول وصحة هذه الرسالة‪ ،‬وهو ما تبني له بني‬
‫يدي النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪ - 2‬االندماج الكامل الذي كان يعيشه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مع‬
‫أصحابه بحيث كان الداخل عليهم ال يميزه من بينهم (أيكم ابن عبد املطلب؟)‬
‫فلم يكن يف لباسه شهرة‪ ،‬وليس يف حالة متيز‪ ،‬ولذا هناهم أن يقوموا حوله كام‬
‫تقوم األعاجم؛ ِ‬
‫متباعدً ا عن حال أهل َ‬
‫التكبرُّ والتعاظم‪ ،‬وهبذا القرب من أصحابه‬
‫حبه يف سويداء قلوهبم‪.‬‬
‫واالندماج معهم صحح تصوراهتم وسلوكهم‬
‫َّ‬
‫واستكن ُّ‬
‫‪ - 3‬كان قدوم ضامم ريض اهلل عنه عىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بعد‬
‫أفواجا ودانت لرسول اهلل صىل اهلل‬
‫أن ُفتحت مكة ودخل الناس يف دين اهلل‬
‫ً‬
‫عليه وآله وسلم أكثر نواحي اجلزيرة‪ ،‬ومع ذلك خاطب النبي صىل اهلل عليه‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪206‬‬

‫‪35‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وآله وسلم هذه املخاطبة‪ ،‬وناشده هذه املناشدة‪ ،‬وشدّ د عليه يف املسألة ذلك‬
‫التشديد‪ ،‬ومع ذلك استوعب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بعظمة خلقه‬
‫هذه الثقة يف شخصيته واجلرأة يف خطابه؛ لينطلق هذا األعرايب بني يديه عىل‬
‫ِ‬
‫متباعدً ا عماّ تنبو عنه طبيعته من التخاضع والتم ُّلق‪ ،‬فكانت قيم الرجال‬
‫سجيته‬
‫ّ‬
‫حمفوظة بني يديه صىل اهلل عليه وآله وسلم ال ُتنتقص باإلذالل‪ ،‬وال تهُ شّ م‬
‫ً‬
‫اعتزازا ووثو ًقا‪،‬‬
‫بالتحقري وإنام كانوا يقفون بني يديه أعزة‪ ،‬وينقلبون منه أكثر‬
‫ولو كان ً‬
‫ّ‬
‫النفضوا من حوله‪.‬‬
‫فظا غليظ القلب‬
‫ٌ‬
‫الفتة نبوية أمام طالب احلق ومتطلبي اهلداية‪،‬‬
‫‪(( - 4‬سل عماّ بدا لك))‬
‫فليس أمامهم أسئلة حمظورة؛ ألنه ليس يف الدين الذي جاء به رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم ما ُيستحى من ذكره‪ ،‬أو حيرج السؤال عنه‪ ،‬أو يقف العقل‬
‫مأزو ًما أمام فهمه واستيعابه‪ ،‬ولذلك فتح النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم باب‬
‫املسألة عىل مرصاعيه قائلاً ‪(( :‬سل عماّ بدا لك))‪ .‬وطمأنه بقوله‪(( :‬فلن أجد‬
‫عليك يف نفيس))‪ ،‬وهكذا عندما جيمع املسلم العلم بدينه والثقة به فلن يكون‬
‫هناك ما حيرجه أن ُيسأل عنه‪.‬‬
‫‪ - 5‬مل يكن إيامن ضامم ريض اهلل عنه برسالة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ملجرد أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قبل إقسامه عليه بذلك‪ ،‬إذ قد ُيقال‪:‬‬
‫إن من كذب يف ا ّدعاء أمر لن يتورع عن احللف عليه‪ .‬ولكن هذا القسم النبوي‬
‫جاء مؤكدً ا لدالئل متضافرة عىل صدق النبوة تواردت عىل ضامم منها‪ :‬معرفته‬
‫بمضامني دعوة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم فكان هو الذي يعرض عىل‬

‫‪35‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪207‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم رشائع الدين كام ب ّلغتها رسل النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم إليه‪ ،‬ويكتفي من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بتصديق‬
‫ذلك‪ ،‬ففيام دعا إليه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم دليل عىل صدق رسالته‪،‬‬
‫حمياه صىل‬
‫كام أن رؤيته للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم دليل آخر؛ فقد كان َّ‬
‫حميا الصادق كام قال عبد اهلل بن سالم ريض اهلل عنه‪ :‬فلام‬
‫اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫رأيت وجهه واستبنته علمت أن وجهه ليس بوجه َّ‬
‫كذاب‪ ،‬كام أن شهرته صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يف أحياء العرب بصدق احلديث إذا حدث دليل آخر؛‬
‫فلذلك استحلفه وهو يعلم أنه مل يكن ليصدق يف حديثه ويفجر يف يمينه‪ ،‬وما‬
‫كان ليصدق يف حديث الناس ويكذب عىل اهلل‪ ،‬فصدّ قه حينئذ هبذه الدالئل‬
‫كلها‪ ،‬وهو الصادق املصدوق صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫ص)) هبذا و ّدع ضامم ريض اهلل عنه النبي‬
‫‪(( - 6‬واهلل ال أزيد عىل هذا وال َأن ُْق ُ‬
‫الكريم صىل اهلل عليه وآله وسلم بعد أن عرض عليه أركان اإلسالم‪ ،‬فقد‬
‫استعفى من الزيادة والتزم عدم النقصان‪ ،‬ولكنه ملّا جاء قومه وقف فيهم‬
‫خطي ًبا‪ ،‬وانتصب بينهم داع ًيا‪ ،‬وحاورهم جمادِلاً ومع ِّلماً حتى أسلموا هلل تعاىل‬
‫كلهم‪.‬‬
‫إن ضامم مل يفهم أن الدعوة داخلة فيام استعفى منه‪ ،‬ولكنها داخلة فيام التزم‬
‫عدم انتقاصه‪ ،‬ولذا كانت الدعوة أول ما بادر إليه‪ ،‬وهذا من فقهه الذي وصفه‬
‫به النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم حينام قال‪َ (( :‬ف ِق َه الرجل ))()‪.‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)63‬وصحيح مسلم (‪ ،)12‬وشرح صحيح مسلم للنووي‬
‫(‪ ،)169/1‬وفتح الباري (‪.)150/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪208‬‬

‫‪35‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪36‬‬

‫ليـلة نبوية‬
‫هي ليلة من حياة الرسول مرت‬
‫هادئة رخية كام متر كثري من ليايل حياته‬
‫الطيبة املباركة‪ ،‬رصدهتا عني واعية‬
‫َي ِقظة‪ ،‬ثم نقلتها ُ‬
‫لأل َّمة حلظة بلحظة‬
‫منذ غروب الشمس وإىل انفالق‬
‫الصبح؛ حتى لكأنام هي أمامنا َر ْأي‬
‫عني‪ .‬وكان مبتدأها أن العباس بن‬
‫عبد املطلب ريض اهلل عنه أرسل ابنه‬
‫عبد اهلل إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم يف حاجة له‪ ،‬فأتى رسول‬

‫‪36‬‬

‫جالسا يف املسجد‬
‫اهلل عشية‪ ،‬فوجده‬
‫ً‬
‫فلم يستطع أن يك ّلمه؛ ملا رأى من‬
‫انشغاله حتى صىل املغرب‪ ،‬فلام فرغ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم من صالة‬
‫املغرب قام يصيل حتى ُأ ِذن بصالة‬
‫العشاء‪ ،‬فلام فرغ من صالة العشاء‬
‫صلىَّ يف املسجد أربع ركعات‪ ،‬حتى‬
‫مل يبقَ يف املسجد غريه‪ ،‬ثم انرصف‬
‫إىل بيته‪ ،‬فوافاه ابن عباس ريض اهلل‬
‫عم رسول‬
‫عنهام‪ ،‬وأخربه بحاجة أبيه ِّ‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪209‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فقال له رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬يا‬
‫ُبني بِت الليلة عندنا))‪ .‬وكان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم عند زوجه ميمونة‬
‫خالة ابن عباس‪ ،‬فوافق ذلك مرا ًدا ورغبة عند ابن عباس ريض اهلل عنهام‪،‬‬
‫ورغب فيام عرضه عليه رسول اهلل‪ ،‬فليس مبيته إال عند ابن عمه رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وعم الرجل ِص ْن ُو أبيه‪ ،‬وعند خالته ميمونة واخلالة‬
‫أم‪ ،‬ودخل ابن عباس مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم بيته وهو يقول‬
‫يف نفسه‪ :‬ال أنام الليلة حتى أنظر ما يصنع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫يف صالة الليل‪ .‬فعزم عىل السهر ّ‬
‫ليطلع عىل هدي رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم وسنته يف ليله‪ ،‬ومع ذلك قال خلالته ‪-‬زيادة يف االحتياط‪ :-‬إذا قام‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فأيقظيني‪.‬‬
‫وجلس رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يتحدث مع زوجه ميمونة ساعة‬
‫ثـم إال وسادة واحدة نام صىل اهلل عليه‬
‫ثم دخل معها يف فراشها ورقد‪ ،‬وليس َّ‬
‫وآله وسلم وزوجه يف طوهلا ونام الغالم ابن عباس يف عرضها‪ .‬وبقي يرمق‬
‫متى يستيقظ رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم لصالته‪ ،‬وكيف سيصليها‪.‬‬
‫فلام كان نصف الليل استيقظ رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فنظر إىل ابن‬
‫عباس راقدً ا فقال‪(( :‬نام الغليم))‪ .‬ثم جلس يمسح النوم عن وجهه املبارك‪ ،‬ثم‬
‫رفع برصه إىل السامء ينظر بتفكر يف هدوء الليل وسكونه إىل عظمة اهلل يف خلقه‪،‬‬
‫ات َو َ‬
‫ال ِ‬
‫السماَ َو ِ‬
‫ف ال َّل ْيلِ َوال َّن َها ِر آل َي ٍ‬
‫اختِ َ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ات‬
‫ض َو ْ‬
‫وهو يقرأ‪}:‬إِ َّن فيِ َخ ْل ِق َّ‬
‫ون اللهّ َ ِق َيا ًما َو ُق ُعو ًدا َو َعلىَ َ ُج ُنوبهِ ِ ْم َو َي َت َف َّك ُر َ‬
‫ين َي ْذ ُك ُر َ‬
‫لأِّ ُ وْليِ األ ْل َب ِ‬
‫ون‬
‫اب*ا َّل ِذ َ‬
‫ات َو َ‬
‫ض َر َّبنَا َما َخ َل ْق َت َهذا َب ِ‬
‫السماَ َو ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫اب‬
‫اطلاً ُس ْب َحا َن َك َف ِقنَا َع َذ َ‬
‫فيِ َخ ْل ِق َّ‬
‫ال َّنا ِر‪ ،{...‬حتى أتم العرش اآليات اخلواتم من سورة آل عمران‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪210‬‬

‫‪36‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫صب منها يف إناء عنده‬
‫ثم قام إىل ِقربة بالية ُمع َّلقة يف البيت‪ ،‬فأطلق رباطها‪ ،‬ثم َّ‬
‫ً‬
‫سابغا حسنًا ‪ -‬وكانت الليلة ليلة شتاء باردة‪ -‬ثم‬
‫فتوضأ منه وضو ًءا خفي ًفا‬
‫متوشحا به‪ ،‬ثم رشع‬
‫حرضميا فالتحفه‬
‫فاستن به‪ ،‬ثم أخذ ُب ْر ًدا له‬
‫تناول سواكه‬
‫َّ‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫يف صالته‪ ،‬كل ذلك وابن عباس يرمقه ويتبع ببرصه فعله‪ ،‬حتى إذا استفتح‬
‫صالته قام ابن عباس فجعل َّ‬
‫يتمطى كمن استيقظ من النوم لِت َِّوه؛ كراهية أن‬
‫يرى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أنه كان يرقبه‪ ،‬ثم َّ‬
‫توضأ ابن عباس كام‬
‫توضأ رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ثم جاء فوقف عن يساره‪ ،‬فتناوله‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم من يده‪ ،‬فأداره من خلفه فجعله عن‬
‫يمينه‪ ،‬وجعل صىل اهلل عليه وآله وسلم يتعاهد الغالم فيمد إليه يده يضعها‬
‫عىل رأسه مرة‪ ،‬ويمسك بشحمة أذنه فيفتلها مرة‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬فعرفت‬
‫أنه إنام صنع ذلك؛ ليؤنسني بيده يف ظلمة الليل‪ ،‬ورصد ابن عباس صالته‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم يف ليلته تلك‪ ،‬فكان أول ما افتتح به صالته أن صىل‬
‫فتتامت صالته ثالثة عرشة‬
‫ركعتني خفيفتني‪ ،‬ثم صىل إحدى عرشة ركعة‪َّ ،‬‬
‫سبحا طويلاً ‪ ،‬قدره‬
‫ركعة‪ .‬وكانت صالة متبتلة مطمئنة‪ ،‬قىض فيها من الليل ً‬
‫ابن عباس بأنه بقدر ما رقد وهو نحو ثلث الليل‪ ،‬ووعى ابن عباس استفتاح‬
‫النبي صالته بعدما يكرب فكان يقول‪(( :‬اللهم لك احلمد أنت قيام الساموات‬
‫واألرض ومن فيهن‪ ،‬ولك احلمد أنت نور الساموات واألرض وما فيهن‪ ،‬ولك‬
‫احلمد أنت رب الساموات واألرض ومن فيهن‪ ،‬وأنت احلق‪ ،‬وقولك احلق‪،‬‬
‫ووعدك حق‪ ،‬واجلنة حق‪ ،‬والنار حق‪ ،‬والساعة حق‪ ،‬اللهم لك أسلمت‪،‬‬
‫وبك آمنت‪ ،‬وعليك توكلت‪ ،‬وإليك أنبت‪ ،‬وبك خاصمت‪ ،‬وإليك حاكمت‪،‬‬
‫أنت ربنا وإليك املصري‪ ،‬رب اغفر يل ما أرسرت وما أعلنت‪ ،‬وما قدمت وما‬

‫‪36‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪211‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أخرت‪ ،‬أنت إهلي ال إله إال أنت))‪.‬‬
‫نورا‪،‬‬
‫نورا‪ ،‬ويف سمعي ً‬
‫وكان يقول يف دعائه يف سجوده‪(( :‬اللهم اجعل يف قلبي ً‬
‫نورا‪ ،‬ومن‬
‫نورا‪ ،‬وعن شاميل ً‬
‫نورا‪ ،‬وعن يميني ً‬
‫نورا‪ ،‬ويف برصي ً‬
‫ويف لساين ً‬
‫نورا‪َ ،‬‬
‫وأ ْع ِظم‬
‫نورا‪ ،‬ومن خلفي ً‬
‫نورا‪ ،‬ومن بني يدي ً‬
‫نورا‪ ،‬ومن فوقي ً‬
‫حتتي ً‬
‫نورا))‪.‬‬
‫يل ً‬
‫حتى إذا قىض صالته عاد فاضطجع ونام واستغرق يف نومه حتى سمع ابن‬
‫عباس غطيطه‪ ،‬فلام أذن بالل بالفجر قام فصىل ركعتني خفيفتني ثم خرج إىل‬
‫املسجد فصىل بالناس الفجر‪.‬‬
‫وهكذا تتا َّمت ليلة نبوية منورة لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم نقرأ من‬
‫وسورا مرشقات‪.‬‬
‫هدي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فيها آيات مبينات‬
‫ً‬
‫أولاً ‪ :‬هذا احلديث ينبغي أن يذكر يف دالئل النبوة فهو شاهد صدق عىل نبوة‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وصدقه فيام بلغه عن ربه‪ ،‬فإن من يقوم يف‬
‫هجعة الليل ولذة الرقاد يف جوف بيته ليس حوله إال زوجه وغالم صغري قد‬
‫ناما فيام ظهر‪ ،‬ثم يصيل هذه الصالة املتبتلة اخلاشعة ال بد وأنه متشبع بأمره هذا‬
‫ومستيقن منه أعىل درجات اليقني‪ ،‬إهنا حال ال يمكن أن يواتى فيها التصنع‬
‫والتكلف‪ ،‬فاخللوات وأوقات الراحة واالسرتخاء ال بد أن ينـزع اإلنسان‬
‫فيها إىل طبعه وعفويته‪ ،‬ويسلم قياده لدافعه الداخيل ويقينه املستبطن يف قلبه‪،‬‬
‫وكان شأن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف هذه احلال قاطع الداللة عىل‬
‫صدق خربه عند اهلل‪ ،‬وبعده ‪-‬وحاشاه‪ -‬عن التقول واالدعاء‪ ،‬فصلوات اهلل‬
‫وسالمه وبركاته عىل الصادق املصدوق‪.‬‬
‫ثان ًيا‪ :‬نرى يف هذا احلديث التصديق العميل لقوله صىل اهلل عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪212‬‬

‫‪36‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫((وجعلت قرة عيني يف الصالة))()‪ .‬فكم قد صىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يف ليلته تلك؟ لقد صلىَّ ما بني املغرب والعشاء كله‪ ،‬ثم صلىَّ بعد العشاء‬
‫ترسل فيها حتى مل يبق يف املسجد أحد‪ ،‬ثم قام ليلته بثالث عرشة‬
‫أربع ركعات ّ‬
‫نحوا من ثلث الليل‪ ،‬إهنا الصلة النبوية الوثقى بالصالة‪ ،‬بحيث‬
‫ركعة قطع فيها ً‬
‫ال يكاد يفرغ منها حتى يعود إليها بغاية ال َّت َل ُهف والشوق‪.‬‬
‫بقي أن نتذكر أن هذا النبي العظيم يقوم إىل صالته وهو ال يتذكر خطيئة‬
‫أخطأها وليس يف حسابه سيئة أزلفها‪ ،‬يقوم وهو يعلم بصدق موعود ربه له‬
‫}لِ َيغْ ِف َر َل َك اللهَّ ُ َما َت َقدَّ َم ِمن َذنبِ َك َو َما َت َأ َّخ َر َو ُيتِ َّم نِ ْع َمت َُه َع َل ْي َك َويهَْ ِد َي َك صرِ َ ً‬
‫اطا‬
‫ُّم ْست َِقيماً {‪ .‬ولكن يدفعه إىل ذلك معاين أخرى غاية يف العظمة والسمو وهي‬
‫حتقيق العبودية هلل‪ ،‬واستشعار حبه‪ ،‬والتلذذ بمناجاته واالمتنان له بشكره عىل‬
‫عظيم إنعامه‪ ،‬فكانت صالته صالة املتلذذ بالعبادة‪ ،‬املستغرق فيها املسرتيح هبا‬
‫وج ِعلت قرة عيني يف الصالة))‪.‬‬
‫((أرحنا هبا يا بالل))()‪ُ (( ،‬‬
‫ثال ًثا‪ :‬هذه الواقعة كانت يف السنة التاسعة أو بعدها‪ ،‬بعد أن فتح النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم مكة‪ ،‬ودانت له اجلزيرة كلها‪ ،‬وانقادت إليه‪ ،‬ومع ذلك‬
‫ترى البساطة يف احلياة‪ ،‬والكفاف يف العيش‪ ،‬والتخفف من متاع الدنيا يف بيت‬
‫النبوة الذي أذهب اهلل عنه الرجس َ‬
‫ريا‪ ،‬فهذا البيت ليس فيه إال‬
‫وط َّهره تطه ً‬
‫وسد وسادة‪،‬‬
‫قربة بالية‪ ،‬وفراش واحد ولذا مل ُيفرش البن عباس فراش‪ ،‬ومل ُي َ‬
‫وإنام شارك رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وزوجه وسادهتام فنام هو يف‬
‫يمر بك برغم تفصيل كل ما حدث ذكر لطعام‬
‫عرضها وناما مها يف طوهلا‪ ،‬ومل َّ‬
‫ أخرجه أحمد (‪ ،)3940‬والنسائي (‪ ،)3939‬واحلاكم (‪.)2676‬‬
‫ أخرجه أحمد (‪ ،)22009‬وأبو داود (‪ ،)4985‬والطحاوي في مشكل اآلثار (‪ ،)5549‬والطبراني‬
‫في املعجم الكبير (‪.)6215‬‬

‫‪36‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪213‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ُأكل يف تلك الليلة‪.‬‬
‫إن هذا النبي الكريم دعا وجاهد؛ ليصلح للناس دينهم ودنياهم‪ ،‬وفارقهم‬
‫يتخول منها لنفسه ما يرت َّفه به‬
‫وفارقها من غري أن يرزأهم من دنياهم أو‬
‫َّ‬
‫عليهم‪.‬‬
‫} َيا َق ْو ِم ال َأ ْس َأ ُل ُك ْم َع َل ْي ِه َأ ْج ًرا إِ ْن َأ ْج ِر َي إِلاَّ َعلىَ ا َّل ِذي َف َط َرنيِ َأ َفال َت ْع ِق ُل َ‬
‫ون{‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬يشدُّ ك هذا التوازن يف شخصية النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وروعة‬
‫ً‬
‫التكامل يف أدوار حياته‪ ،‬فمقامه خارج البيت حيث وجده ابن عباس أول ما‬
‫وجده ُم ِ‬
‫نشغلاً بأمور الناس؛ ليؤدي حق أمته‪ ،‬ثم بعد أن عاد إىل بيته جلس‬
‫يتحدث مع أهله ساعة؛ ليؤدي حق أهله‪ ،‬ثم نام؛ ليؤدي حق نفسه‪ ،‬ثم قام‬
‫إىل صالته؛ ليؤدي حق ربه‪ ،‬وكانت أدواره حارضة كلها يف ليلته تلك إما ًما‪،‬‬
‫وزوجا؛ وعابدً ا‪ ،‬و َبشرَ ً ا‪ ،‬وقد َّأدى لكل ذي حق حقه فصلوات اهلل عليه‬
‫ً‬
‫وسالمه وبركاته‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬يظهر بِ ُّر النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وحفاوته بابن عمه عبد اهلل‬
‫ً‬
‫بن العباس بن عبد املطلب‪ ،‬وذلك بدعوته للمبيت عنده‪ ،‬ومالطفته باخلطاب‬
‫بالبنوة ((يا ُبني))‪ ،‬ومقاسمته وسادته التي ينام عليها‪ ،‬ومؤانسته يف ظلمة الليل‬
‫وهو يف صالته بمسح رأسه وفتل أذنه‪ ،‬وهذه احتافات نفيسة هلا وقعها وأثرها‪.‬‬
‫وكل هذا؛ رعاية لقرباه ومكانة عمه‪ ،‬ولك أن تتصور األثر النفيس العظيم يف‬
‫قلب العباس بن عبد املطلب عندما عاد إليه ابنه فأخربه بخربه‪ ،‬وما جرى يف‬
‫ليلته‪ ،‬إهنا صورة من بِ ِّر رسول اهلل وإكرامه لعمه العباس يتلقاها من خالل‬
‫احلفاوة بابنه عبد اهلل وهو القائل‪(( :‬إن عم الرجل ِص ْنو أبيه))()‪.‬‬
‫ أخرجه مسلم (‪.)983‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪214‬‬

‫‪36‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫سادسا‪ :‬ال ُّنبوغ ا ُمل ِّ‬
‫بكر لعبد اهلل بن عباس ريض اهلل عنهام فقد كان يف هذه الليلة‬
‫ً‬
‫يف الثانية عرشة من عمره ومع ذلك عزم هذا العزم‪ ،‬واهتم هذا االهتامم‪،‬‬
‫بحيث دافع النوم عن عينيه ليلة كاملة مع أن طبيعة البيئة يف ذلك العرص جتعل‬
‫اإلنسان أحوج يشء إىل النوم يف الليل‪ِ ،‬‬
‫وحذقه ولباقته يف رصد ما جرى تلك‬
‫الليلة‪ .‬وكان من بركة ذلك أن عاشت أمة حممد صىل اهلل عليه وآله وسلم مع‬
‫رؤية كاملة لربنامج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم اللييل كأهنا عنده()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6316 ،992 ،183 ،138 ،117‬وصحيح مسلم (‪ ،)763‬وسنن أبي‬
‫داود (‪ ،)1365 ،1356‬وفتح الباري (‪.)116/11( ،)482/2( ،)288 ،239 ،212/1‬‬

‫‪36‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪215‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪37‬‬

‫فيك جاهلية‬
‫هو رابع أربعة دخلوا اإلسالم‪،‬‬
‫أتى إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫وهو يف مكة يف بكور الدعوة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫سالم عليك يا نبي اهلل‪ .‬ثم أسلم بني‬
‫يديه‪ ،‬فرأى االستبشار يف وجه النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ فلام سأله‪:‬‬
‫((من أنت؟))‪ .‬قال‪ُ :‬ج ْندَ ب‪ ،‬رجل من‬
‫غفار‪ .‬ولذا كان أبو ذر ريض اهلل عنه‬
‫يقول‪ :‬أنا ربع اإلسالم‪ ،‬أسلم قبيل‬
‫ثالثة‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫ولقد كان لسابقته هذه فضلها‪ ،‬فلام‬
‫هاجر إىل النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يف املدينة كان عنده بمكان‪،‬‬
‫فكان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يبتدئ أبا ذر ريض اهلل عنه‬
‫إذا حرض‪ ،‬و َي َت َف َّقده إذا غاب‪ .‬ولكنه‬
‫وهو هبذه املنزلة من رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم حصل له هذا‬
‫أثرا‬
‫املوقف الذي أ َّثر يف نفسه‪ ،‬وكان ً‬
‫ً‬
‫بالغا؛ إذ بقي عىل ذكر منه بقية عمره‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪217‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فقد كان بينه وبني رجل من العبيد كالم‪ ،‬فتسا َّبا‪ ،‬وكانت أم هذا الرجل َأ َمة‬
‫أعجمية سوداء‪ ،‬فعيرَّ ه أبو ذر هبا‪ ،‬وقال له‪ :‬يا ابن السوداء‪ .‬فغضب الرجل من‬
‫ذلك‪ ،‬وذهب إىل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم شاك ًيا أبا ذر‪ ،‬وأخربه بام قال؛‬
‫ليعذره منه‪.‬‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم سأله‪ ،‬فقال‪(( :‬يا أبا ذر‪ ،‬أساببت‬
‫فلام لقي أبو ذر َّ‬
‫فال ًنا؟))‪ .‬قال‪ :‬نعم يا رسول اهلل‪ .‬قال‪(( :‬أعريته بأمه؟))‪ .‬قال‪ :‬نعم يا رسول اهلل‪،‬‬
‫سب الرجال َس ُّبوا أباه وأمه‪ .‬قال‪(( :‬يا أبا ذر‪ ،‬إنك امرؤ فيك جاهلية))‪.‬‬
‫من َّ‬
‫ووقعت هذه الكلمة من أيب ذر َم ْو ِق ًعا شديدً ا‪ ،‬فهو أبعد الناس عهدً ا باجلاهلية‪،‬‬
‫فقد كان رابع أربعة كانوا أول الناس إسال ًما‪ ،‬فكيف َت ْبقى فيه جاهلية بعد‬
‫الس ِّن‪.‬‬
‫ذلك‪ .‬فقال‪ :‬يا رسول اهلل فيِ َّ جاهلية وأنا عىل حني ساعتي هذه من ِكبرَ ِّ‬
‫فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪((:‬نعم عىل حني ساعتك هذه من كرب‬
‫السن‪ ،‬إخوانكم خولكم جعلهم اهلل حتت أيديكم‪ ،‬فمن جعل اهلل أخاه حتت‬
‫يده فل ُي ْط ِعمه مما يأكل‪ ،‬ول ُي ْلبِسه مما يلبس‪ ،‬وال ُي َك ِّلفه من العمل ما يغلبه‪ ،‬فإن‬
‫ك َّلفه فل ُي ْعنِه عليه))‪.‬‬
‫َّ‬
‫وترشبت نفس أيب ذر كالم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وبقي ُن ْصب‬
‫بالر َب َذ ِة‪ ،‬وهي بادية قريبة من‬
‫عينه حتى آخر عمره‪ ،‬فقد نزل يف آخر حياته َّ‬
‫فمر به املعرور بن سويد‪ ،‬فرآه ومعه غالمه‪ ،‬وقد قسم أبو ذر ُح َّلة‬
‫املدينة‪َّ ،‬‬
‫ُ‬
‫[واحل َّلة كساء من‬
‫بينه وبني غالمه‪ ،‬لبس أبو ذر منها ثو ًبا‪ ،‬ولبس غالمه ثو ًبا‪.‬‬
‫قطعتني يكونان من جنس واحد]‪.‬‬
‫فع ِجب املعرور من حال أيب ذر مع غالمه؛ إذ مل يكن من عادة الناس مساواة‬
‫َ‬
‫خدمهم يف امللبس‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا ذر‪ ،‬لو كنت أخذت الذي عىل غالمك‪ ،‬فجعلته‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪218‬‬

‫‪37‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫مع هذا الذي عليك لكانت لك حلة كاملة‪ ،‬وكسوت غالمك ثو ًبا غريه‪.‬‬
‫فقال أبو ذر‪ُ :‬‬
‫سأخْبرِ ك عن ذلك‪ ،‬إنه كان بيني وبني رجل من إخواين كالم عىل‬
‫عهد رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وإين ساببته‪ ،‬وكانت ُأ ُّمه أعجمية‬
‫فعيرَّْ ُته هبا‪ ،...‬ثم ذكر قصته تلك وما قاله له رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬فعرف املعرور سبب صنيع أيب ذر‪ ،‬وزال عجبه‪ ،‬وحفظ القصة ووعاها‬
‫ورواها؛ لتبقى لنا فيها عرب ودروس‪:‬‬
‫ُق ْرب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم من الصحابة كلهم‪ ،‬فإن هذا الرجل‬
‫الذي ُعيرِّ ُبأ ِّمه وجد يف النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم َمال ًذا قري ًبا يشكو إليه‬
‫ويستعذر منه ممن عيرَّ ه؛ وقد اهتم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم َ‬
‫بش َكاته‪،‬‬
‫وعاتب أبا ذر هذه املعاتبة الشديدة‪.‬‬
‫إن عبودية هذا الرجل واختالف لونه مل تكن تعوقه عن الوصول إىل النبي صىل‬
‫وع ْرض َش َكاته عليه؛ إذ كان صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫اهلل عليه وآله وسلم َ‬
‫مجيعا‪.‬‬
‫قري ًبا من الناس كلهم ً‬
‫كانت الرتبية النبوية حتيي يف نفوس الناس االعتزاز بذواهتم‪ ،‬ومعرفة حقوقهم‪،‬‬
‫كام يعرفون واجباهتم‪ ،‬ولذا شعر هذا الرجل بالنِّدِّ ية مع أيب ذر حني جرى بينهام‬
‫الكالم‪ ،‬وهو ما عبرّ عنه أبو ذر بقوله‪ :‬ساببت رجلاً ‪ .‬أي أن املراجعة الكالمية‬
‫كانت متبادلة بني الطرفني‪.‬‬
‫عارا‬
‫ثم ملا شعر أن أبا ذر جتاوز ما يحَ ِ ُّق له‪ ،‬فعيرَّ ه بلون ُأ ِّمه‪ ،‬وليس لون ُأ ِّمه ً‬
‫وال َم ْن َقصة‪ ،‬شكاه إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ليجد من النبي‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم هذا االهتامم والعتاب الشديد أليب ذر؛ برغم سابقته‬
‫ومنزلته‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪219‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أين هذا كله من شعور هذا الرجل يف اجلاهلية حني مل يكن يشعر إال بأنه أحد‬
‫املقتنيات الشخصية لبعض الناس‪ ،‬وقد كانت هذه الكلمة وأشد منها مما اعتاد‬
‫عىل هضمه صباح مساء‪.‬‬
‫إهنا نقلة باإلنسان بدأت ببناء نفسه من الداخل؛ ليستشعر قيمته وحقوقه وقدره‪،‬‬
‫إهنا رفعة اإلنسان بالرسول الذي أرسله ربه رمحة للعاملني‪ ،‬كل العاملني‪.‬‬
‫نرى قوة االستئصال لل َّن ْع َرة العنرصية‪ ،‬والتي ال تزال بقاياها ُمترَ َ ِّسبة يف النفوس‬
‫من آثار اجلاهلية‪ ،‬حيث قال النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أليب ذر‪(( :‬أعريته‬
‫بأمه‪ ،‬إنك امرؤ فيك جاهلية))‪.‬‬
‫عارا‪ ،‬وهي مل خترت لوهنا األسود‪ ،‬كام أن أبا ذر مل خيرت لونه‬
‫فسواد ُأ ِّمه ليس ً‬
‫األبيض‪ ،‬وليس ألحد أن ُيعيرِّ أحدً ا بأمه أو أبيه‪ ،‬فإن أمه وأباه ليسا من كسبه‪،‬‬
‫فإن فعل فإنه يامرس فعلاً‬
‫جاهليا؛ إذ كان من أمر اجلاهلية الفخر باألحساب‬
‫ًّ‬
‫والطعن يف األنساب‪.‬‬
‫إن العار احلقيقي ليس سواد اللون‪ ،‬ولكن التخلق بخلق اجلاهلية‪ ،‬ولذا كان‬
‫وقع هذه الكلمة شديدً ا عىل أيب ذر فقال‪ :‬يا رسول اهلل عىل ساعتي هذه من ِكبرَ‬
‫الس ِّن؟ أي بعد ما َكبرِْ ت يف اإلسالم وقد دخلت فيه أول من دخل‪ ،‬وفارقت‬
‫ِّ‬
‫اجلاهلية أول من فارقها تبقى ّ‬
‫يف اجلاهلية‪.‬‬
‫يف الوقت الذي كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يحُ َ ِّطم َن َعرات اجلاهلية وتفاخرها‬
‫باألنساب واأللوان واألعراق‪ ،‬كان يشيد بناء متينًا من ُ‬
‫األ ُخ َّوة بني املسلمني‪،‬‬
‫ويظهر ذلك يف هذا احلديث حيث قال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬إخوانكم‬
‫خولكم))‪[ .‬أي خدمكم]‪ ،‬وترتيب الكالم أن يقول‪ :‬خدمكم إخوانكم‪ .‬ولك َّنه‬
‫قدّ م اخلرب‪ ،‬ليفيد احلرص والقرص واالهتامم‪ ،‬أي‪ :‬إنام خدمكم إخوانكم‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪220‬‬

‫‪37‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫ثم قال‪(( :‬جعلهم اهلل حتت أيديكم))‪ .‬أي َت َذ َّكروا أن كوهنم حتت أيديكم ويف‬
‫خدمتكم هو من قدر اهلل‪ .‬ولو شاء جلعلكم أنتم حتت أيدهيم‪.‬‬
‫ثم قال‪(( :‬فمن جعل اهلل أخاه حتت يده))‪ .‬فأعاد النظر إىل قدر اهلل واستشعار‬
‫فضله ونعمته يف جعل بعض خلقه يف خدمتكم‪ ،‬وسماَّ ه ً‬
‫أخا‪ ،‬فهو وإن كان‬
‫األخوة‪ ،‬وأن له احلق يف املواساة يف املَ ْط َعم واملَ ْل َبس‪،‬‬
‫خاد ًما مل ينزل عن رتبة‬
‫َّ‬
‫والرفق به يف أداء العمل‪ ،‬وقبل ذلك مراعاة مشاعره النفسية وعدم إيذائها‪،‬‬
‫وأصلت‬
‫أسست معنى األخوة‪ّ ،‬‬
‫فانظر بت ََأ ُّمل إىل العبارة النبوية ا ُملخ َتصرَ ة كيف َّ‬
‫مفهومها‪ ،‬وحفظت حقوقها‪ ،‬إنه كالم َم ْن أويت جوامع الكلم‪ ،‬واخ ُتصرِ له‬
‫اختصارا‪.‬‬
‫الكالم‬
‫ً‬
‫يبهرك ِشدَّ ة َت َأ ُّثر أيب ذر بمقالة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقوة التزامه‬
‫الر َب َذ َة يف آخر حياته‪ ،‬و ُتويف فيها‪ ،‬ومع ذلك كان‬
‫باألمر النبوي‪ ،‬فإنه سكن َّ‬
‫يف أعىل مستويات االمتثال‪ ،‬يظهر ذلك يف قوله‪( :‬كان بيني وبني رجل من‬
‫والتساب‪،‬‬
‫إخواين)‪ .‬فانظر كيف عبرَّ باألخوة وهو حيكي قصة املخاصمة‬
‫ِّ‬
‫وكأنام يستعيد قول نبيه صىل اهلل عليه وآله وسلم‪((:‬إخوانكم خولكم))‪ .‬ثم يف‬
‫تنفيذه للتوجيه النبوي بأكمل صورة؛ إذ التزم باملساواة بينه وبني غالمه‪ ،‬حيث‬
‫ِ‬
‫قسم ُ‬
‫يكتف باملواساة التي يجُ زئ فيها ما هو دون ذلك‪.‬‬
‫احل َّلة بينهام‪ ،‬ومل‬
‫ثم سياقه للقصة بتفاصيلها يدل عىل حياهتا يف نفسه‪ ،‬كأنام حصلت له البارحة‪،‬‬
‫مع أهنا حصلت قبل ربع قرن‪.‬‬
‫إن هذا خلق أصحاب رسول اهلل يف َت َل ِّقي أمره وهديه‪ ،‬ثم امتثاله‪ ،‬فكانت أوامره‬
‫َّ‬
‫حيا يف نفوسهم ما بقيت هلم حياة‪.‬‬
‫تتشكل التزا ًما‬
‫سلوكيا قو ًّيا وعمي ًقا‪ ،‬يبقى ًّ‬
‫ًّ‬
‫عندما ألغى النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بكل حزم وحسم أنواع التاميز‬

‫‪37‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪221‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫العنرصي‪ ،‬ولو يف صورهتا الدنيا‪ ،‬وهو التعيري باللون‪ ،‬مل يكن َث َّم َة رأي عام‬
‫عاملي‪ ،‬وال منظامت حلقوق اإلنسان‪ ،‬وكان الواقع االجتامعي العاملي يعيش‬
‫أنواعا صارخة من التمييز العنرصي‪ ،‬وكان ذلك قبل ألف وأربعامئة سنة‪ .‬بينام‬
‫ً‬
‫مل تلحق احلضارة العاملية هبذه اهلداية النبوية إال بعد أربعة عرش قر ًنا‪ .‬فقد بقيت‬
‫أمريكا حتى النصف الثاين من القرن العرشين تعيش مظاهر التمييز العنرصي‬
‫عاما‪ ،‬ويف عام (‪1955‬م) تم اعتقال السيدة (روزا باركز) يف مدينة‬
‫قانو ًنا ًّ‬
‫مونتغمري‪ ،‬لرفضها القيام عن مقعدها يف احلافلة وتسليمه لراكب أبيض‪،‬‬
‫وح َكمت عليها املحكمة وأدانتها بذلك‪ ،‬واستمر َر ْفع القضايا ضد قوانني‬
‫َ‬
‫الفصل العنرصي حتى عام (‪1968‬م)‪.‬‬
‫َّ‬
‫وس ْبقه البعيد لتصحيح‬
‫إن ُ‬
‫جتاوز اهلدي املحمدي للواقع االجتامعي العاملي َ‬
‫هذا اخلطأ ُمتجاو ً ِزا الواقع الثقايف واالجتامعي العاملي‪ ،‬يدل عىل أن ما جاء به‬
‫هذا الرسول وحي إهلي أنزله ر ُّبه الذي يعلم َم ْن َخ َلق وهو اللطيف اخلبري()‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬مصنف عبد الرزاق (‪ ،)17965‬ومسند أحمد (‪ ،)20461‬وصحيح البخاري (‪،2545 ،30‬‬
‫‪ ،)6050‬وصحيح مسلم (‪ ،)1661‬وسنن أبي داود (‪ ،)5157‬ومسند البزار (‪ ،)3992‬ومسند‬
‫أبي عوانة (‪ ،)6072 -6068‬وسنن البيهقي (‪ ،)7/8‬وفتح الباري (‪ ،)174/5( ،)86/1‬وعمدة‬
‫القاري (‪.)204/1‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪222‬‬

‫‪37‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪38‬‬

‫ابنة أبي بكر‬
‫(( إهنا ابنة أيب بكر)) يقوهلا رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم باسماً‬
‫حبا وإعجا ًبا بعائشة‬
‫ُمتَه ِّلل الوجه ًّ‬
‫ريض اهلل عنها‪ ،‬وهو يرى رسعة‬
‫بدهيتها ورباطة جأشها عىل حداثة‬
‫ِسنِّها وهي تدافع عن نفسها حتى‬

‫أثخنت وتغ َّلبت وأفحمت‪ ،‬بعد أن‬
‫سمع ما قيل عنها‪ ،‬وما قيل هلا‪.‬‬
‫وكان من خرب ذلك أن أزواج رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ُك َّن‬

‫‪38‬‬

‫حزبني‪ ،‬حزب عائشة‪ ،‬وفيه حفصة‬
‫وسودة وصفية ريض اهلل عنهن‬
‫يف اجلانب اجلنويب‪ ،‬وحزب زينب‬
‫وأم سلمة وفيه أم حبيبة وجويرية‬
‫وميمونة ريض اهلل عنهن يف اجلانب‬
‫الشاميل‪ ،‬وكان األنصار حول بيوتات‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫كسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأيب‬
‫أيوب ريض اهلل عنهم يكثرون إلطاف‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪223‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫باهلدايا‪ ،‬وذلك لقرب جوارهم من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وكان‬
‫الناس قد علموا حب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم لعائشة ريض اهلل‬
‫يتحرون هبداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك رسور رسول اهلل‬
‫عنها‪ ،‬فكانوا‬
‫َّ‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فإذا كان عند أحدهم هدية يريد أن هيدهيا َأ َّخرها‬
‫حتى إذا كان رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم يف بيت عائشة أرسل هديته‬
‫إليه عندها‪.‬‬
‫فاجتمع احلزب الشاميل إىل أم سلمة‪ ،‬وكانت أكربهن وأكثرهن حظوة عند‬
‫يتحرون‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وقلن هلا‪ :‬يا أم سلمة إن الناس َّ‬
‫هبداياهم يوم عائشة‪ ،‬وإنا نريد اخلري كام تريد عائشة‪ ،‬فك ِّلمي رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يكلم الناس فيقول‪ :‬من أراد أن هيدي رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم هد َّية فل ُي ِ‬
‫هدها إليه حيث كان من بيوت نسائه‪ .‬فلام واىف اليوم‬
‫الذي يكون فيه رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم عند أم سلمة قالت له‪ :‬يا‬
‫َحرون هبداياهم يوم‬
‫رسول اهلل إن صواحبي اجتمعن إ َّيل فقالوا‪ :‬إن الناس يت َّ‬
‫عائشة‪ ،‬وإنا نحب ما حتب عائشة‪َ ،‬ف ُم ِر الناس هيدوا لك حيثام كنت‪ .‬فأعرض‬
‫عنها رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ومل َي ُر َّد عليها شيئًا‪ ،‬فلام اجتمع إليها‬
‫صواحبها سألنها‪ :‬ما قال هلا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم؟ قالت‪ :‬ما‬
‫قال يل شيئًا! قلن هلا‪ :‬فك ِّلميه‪ .‬فلام دار إليها يف يومها ك َّلمته ً‬
‫أيضا‪ ،‬فلم يقل هلا‬
‫شيئًا‪ ،‬فسألنها‪ ،‬فقالت‪ :‬ما قال يل شيئًا! فقلن هلا‪َ :‬ك ِّلميه حتى يكلمك‪ .‬فلام دار‬
‫إليها كلمته للمرة الثالثة‪ ،‬فقال هلا‪(( :‬يا أم سلمة ال تؤذيني يف عائشة‪ ،‬فإنه واهلل‬
‫ما نزل ع َّ‬
‫يل الوحي وأنا يف حلاف امرأة منكن غريها))‪ .‬فقالت أم سلمة‪ :‬أتوب‬
‫إىل اهلل من أذاك يا رسول اهلل‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪224‬‬

‫‪38‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫وعلم صواحبها أهنا مل تكن لرتاجع رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم بعد‬
‫ذلك‪ ،‬فأرسلن إىل فاطمة بنت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬حتى‬
‫بأحب الناس عنده‪ ،‬فك َّل ْمنَها‬
‫يتوسلن إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫أن تأيت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فتقول‪ :‬إن أزواجك َي ْن ُشدْ َنك‬
‫العدل يف بنت ابن أيب قحافة‪ .‬فمكثت فاطمة أيا ًما ال تفعل ذلك‪ ،‬حتى جاءهتا‬
‫زينب بنت جحش فك َّلمتها‪ ،‬فقالت فاطمة‪ :‬أنا أفعل‪ .‬فجاءت إىل رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فاستأذنت عليه وهو يف بيت عائشة مضطجع معها‬
‫يف حلافها‪ ،‬فأذن هلا‪ ،‬فقالت‪ :‬إن نساءك أرسلنني يسألنك العدل يف بنت ابن أيب‬
‫قحافة‪ .‬فقال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬زينب أرسلتك ؟))‪ .‬فقالت فاطمة‪:‬‬
‫فتبسم رسول‬
‫زينب وغريها‪ .‬فقال‪(( :‬أهي التي وليت ذلك؟))‪ .‬قالت‪ :‬نعم‪َّ .‬‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم ثم قال‪(( :‬أي ُب َّنية‪ ،‬أليس حتبني ما ُأحب؟))‪.‬‬
‫قالت‪ :‬بىل يا رسول اهلل‪ .‬فقال‪(( :‬فأحبي هذه))‪ .‬وأشار لعائشة‪ .‬فقامت فاطمة‬
‫حني سمعت ذلك من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فرجعت إىل‬
‫أزواج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فأخبرَتهْ ن بالذي قالت‪ ،‬وبالذي قال‬
‫هلا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فقلن هلا‪ :‬يا بنت رسول اهلل ما نراك‬
‫أغنيت عنا من يشء‪ ،‬فارجعي إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فقويل‬
‫له‪ :‬إن أزواجك ينشدنك العدل يف بنت ابن أيب قحافة‪ .‬فقالت فاطمة‪ :‬واهلل ال‬
‫أكلمه فيها أبدً ا‪.‬‬
‫فقال النساء لزينب‪ :‬اذهبي أنت لرسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ .‬وذلك‬
‫لقرابتها من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فهي ابنة عمته أميمة بنت‬
‫عبد املطلب‪ ،‬وحلظوهتا‪ ،‬فهي التي كانت تسامي عائشة عنده‪..‬‬

‫‪38‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪225‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فجاءت زينب فاستأذنت عىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو‬
‫مع عائشة يف حلافها‪ ،‬عىل احلال التي دخلت فاطمة عليه وهو هبا‪ .‬فأذن هلا‪،‬‬
‫فدخلت عليه وهي غضبى‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول اهلل إن أزواجك أرسلنني إليك‬
‫يسألنك العدل يف ابنة ابن أيب قحافة‪ .‬ثم وقعت بعائشة فاستطالت عليها‬
‫َت ُس ُّبها‪ ،‬وعائشة ساكتة ترقب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وتقرأ يف‬
‫مالمح وجهه وطرف عينه َو ْق َع كالم زينب‪ ،‬حتى رأت رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم ينظر إليها هل تكلم؟ وعرفت أنه ال يكره أن تنترص‪ ،‬وتدفع‬
‫عن نفسها‪ ،‬فاستقبلت زينب َت ُر ُّد عليها‪ ،‬فلم تلبث أن تغ َّلبت عليها‪ ،‬وأفحمتها‪،‬‬
‫فتبسم رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وجعل‬
‫حتى يبس ريقها يف فمها‪َّ ،‬‬
‫يقول ووجهه يتهلل‪(( :‬إهنا ابنة أيب بكر))‪ .‬ومن مثل أيب بكر يف وفور عقله‪،‬‬
‫وسعة علمه‪ ،‬وثبات حجته‪ ،‬وقوة شخصيته‪ ،‬وهذه هي ابنته‪ ،‬ومن ُيشابه أبه‬
‫فام ظلم‪.‬‬
‫وها هنا وقفات‪:‬‬
‫فح ُّب النبي صىل اهلل عليه‬
‫‪ -1‬نرى املشاعر اجلميلة ظاهرة مستعلنة‪ُ ،‬‬
‫وآله وسلم لعائشة مل يكن خاف ًيا وال مخُ فى‪ ،‬ولكن ظهر واشتهر حتى علم به‬
‫الصحابة رضوان اهلل عليهم‪ ،‬وأصبحت هداياهم تتس َّقط مواقع حبه‪.‬‬
‫لقد كان النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُيظ ِهر هذه العاطفة اجلميلة؛ ألهنا‬
‫مطلب فطري‪ ،‬وكامل إنساين‪ ،‬واستواء يف العواطف واملشاعر‪ ،‬ولذا كان احلب‬
‫يف عرص النبوة يتنفس يف اهلواء الطلق‪ ،‬ثم خلفت خلوف درست فيها معامل‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪226‬‬

‫‪38‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫عارا‪.‬‬
‫معرة‪ ،‬وإشهار حبها ً‬
‫هذا اهلدي النبوي‪ ،‬فصار ذكر اسم الزوجة ّ‬
‫‪ - 2‬أن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو الذي ألقيت عليه املهابة‪،‬‬

‫وكان يف موقع القيادة والقوامة عىل األمة كلها يفسح مساحة واسعة يف بيوته‬

‫حلركة املشاعر وانفعاالت النفوس‪ ،‬ولذا تكلمت أم سلمة وكررت‪ ،‬وناشدت‬
‫زينب وغاضبت وخاصمت‪ ،‬وكل ذلك حراك يف املساحة التي أفسحها رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم هلن‪ ،‬وقد كان يكفي يف منع ذلك ‪-‬لو أرد‪-‬‬

‫نظرة غاضبة أو كلمة زاجرة‪ ،‬ولكنه مل يكن يعامل بالكبت وال بالقهر‪ ،‬وإنام‬

‫بالسامحة واليرس؛ ولذا تظهر املشاعر واالنفعاالت الوقتية يف حينها‪ ،‬وحيتوهيا‬
‫رفق الرسول الذي أحب الرفق وأمر به‪ ،‬وهبذه السامحة تشعر الزوجة بكامهلا‬
‫ترتسب االنفعاالت املكتومة إىل أحقاد ومشاعر سلبية‪.‬‬
‫اإلنساين‪ ،‬وال َّ‬

‫‪ - 3‬الواقعية يف التعامل مع اخلطأ ووضعه يف حجمه الطبيعي‪ ،‬فام بدر من‬

‫زينب من وقيعة وسب لعائشة كان خطأ‪ ،‬وأن جيري أمام رسول اهلل صىل اهلل‬

‫عليه وآله وسلم وهو يف بيت عائشة وحتت حلافها خطأ آخر‪ ،‬وكان هذا كاف ًيا يف‬
‫إشعال حريق من الغضب واالنفعال املضاد لكل من كان يف مثل هذا املوقف‪،‬‬
‫وتفهم دوافعه‪،‬‬
‫ولكنه صىل اهلل عليه وآله وسلم وضع ذلك يف حجمه الطبيعي‪َّ ،‬‬
‫وهي الغرية بني الزوجات‪ ،‬والتي دافعها احلقيقي شدة حبهن له صىل اهلل عليه‬

‫وآله وسلم‪ ،‬واكتفى بإعطاء املجال لعائشة أن تدفع عن نفسها‪ ،‬ومل َّ‬
‫يتدخل بام‬

‫يوسع دائرة اخلطأ‪ ،‬أو يوايل تداعياته‪.‬‬
‫ُي ِّ‬
‫صعد املوقف‪ ،‬أو ِّ‬

‫‪38‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪227‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪ - 4‬لقد كانت مناشدة زوجات النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم التي محلتها‬
‫فاطمة عليها السالم‪ ،‬وكذا مناشدة زينب للنبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫تأم ْلت أن هذا الكالم ُي َو َّجه إىل‬
‫ملا دخلت عليه (( َنن َُشدُ ك اهلل العدل))‪ .‬فهل َّ‬
‫املصطفى الذي جاء بالعدل وقام به‪ ،‬ومن َي ْع ِدل إذا مل َي ْع ِدل رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وهل ع ّلم البرشية العدل إال هو بأيب وأمي‪.‬‬
‫ثم قا ِر ْن هذا املوقف بغضب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ملا بلغه أن‬
‫قسم غنائم حنني‪ :‬إن هذه لقسمة ما ُع ِدل فيها‪.‬‬
‫رجلاً قال عن ِق ْسمته يوم ّ‬
‫فامحر وجهه من الغضب كأنه الصبغ األمحر‪ ،‬وقال‪ (( :‬فمن يعدل إذا مل يعدل‬
‫َّ‬
‫()‬
‫اهلل ورسوله؟)) ‪ .‬وملا قال له رجل‪ :‬يا حممد اعدل‪ .‬قال‪(( :‬ويلك ومن يعدل‬
‫إذا مل أكن أعدل‪ ،‬لقد خبت وخرست إن مل أكن أعدل))()‪.‬‬
‫إن املصطفى صىل اهلل عليه وآله وسلم يف هذا املوقف مع زوجاته مل يغضب‬
‫وتفهم بواعثها واحلامل‬
‫ذاك الغضب‪ ،‬وإنام وضع هذه الكلمة يف حجمها‪،‬‬
‫َّ‬
‫عليها‪ ،‬فلم يكن من أمهات املؤمنني ‪ -‬وحاشاهن ‪ -‬اهتام له يف عدله وعدالته‪،‬‬
‫ولكن محلهن عىل ذلك الغرية التي حيركها التنافس عىل االستئثار به‪ ،‬ولذا مل‬
‫يواجههن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بغضب‪ ،‬بل وال رد عليهن هذه‬
‫الكلمة وال جادل فيها؛ لعلمه بأن معناها غري مقصود‪ ،‬و َت َف ُّهمه لبواعثها‬
‫وخلفيتها النفسية‪.‬‬
‫فام أحوجنا إىل تربية أنفسنا عىل إجراء الكالم عىل سياقته و َت َف ُّهم بواعثه‬
‫ودوافعه‪ ،‬وخاصة يف بيوتنا بني الزوج وزوجه حني تبدر بعض فلتات األلسن‬
‫فتفتح هلا حمارض التحقيق‪ ،‬وجلسات االستجواب‪ ،‬ويكون هلا ما بعدها‪ ،‬مع‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)4335 ،3150‬ومسلم (‪.)1062‬‬
‫ أخرجه البخاري (‪ ،)3138‬ومسلم (‪.)1063‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪228‬‬

‫‪38‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫مرت وما رضَّ ت‪.‬‬
‫أهنا لو أجريت يف سياقها َّ‬
‫‪ - 5‬مل يستجب الرسول صىل اهلل عليه وآله وسلم لطلبهن أن يأمر أصحابه‬
‫أن هيدوا له حيث كان من بيوته؛ ألنه ليس من املروءة وكامل األخالق أن‬
‫يتعرض الرجل إىل الناس بمثل ذلك؛ ملا فيه من التعرض بطلب اهلدية‪ ،‬وهو‬
‫ما يتعاىل عنه مقام النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫أما عائشة ريض اهلل عنها فال ذنب هلا وال عتب عليها أن حيبها رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم وهي أهل لحِ ُ ِّبه‪ ،‬وهل ُّ‬
‫أدل عىل جدارهتا بذلك من أن‬
‫فيتنزل وحيه عىل رسوله اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫ُيزَ ِّكي اهلل هذا احلب‪َّ ،‬‬
‫وهو معها يف حلافها دون سواها؛ ولذا جعلها النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫بمنأى عن العتاب‪ ،‬وقال لِ ُبضعته سيدة نساء العاملني عليها السالم‪ِ (( :‬‬
‫أح ِّبي‬
‫هذه ))‪ .‬وحق عىل كل مسلم حيب نبيه أن حيب من أحبها وأمر بحبها‪.‬‬
‫‪ - 6‬كام أن زوجات النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ُك َّن يتحركن يف مساحة‬
‫يتورعن‬
‫واسعة أفسحها هلن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فإهنن ُّك َّن‬
‫ْ‬
‫أن يتجاوز ذلك إىل ما يؤذي رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فأقرصت أم‬
‫سلمة عند ما قال هلا‪(( :‬ال تؤذيني يف عائشة))‪ .‬وقالت‪ :‬أتوب إىل اهلل من أذاك‬
‫يا رسول اهلل‪.‬‬
‫‪ - 7‬بقي أن نعلم أن أمهاتنا أمهات املؤمنني ريض اهلل عنهن الاليت كان‬
‫جيري هذا بينهن بحكم غلبة الطبيعة البرشية ُك َّن عىل غاية النقاء القلبي‪ ،‬فهذه‬

‫‪38‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪229‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫زينب التي جرت منها هذه املخاصمة لعائشة ريض اهلل عنهام والغرية البالغة‬
‫منها تقول عندما ُسئِلت عنها يف حادثة اإلفك‪ :‬أمحي سمعي وبرصي‪ ،‬ما‬
‫ريا()‪ .‬وهذه عائشة تتحدث عن زينب‪ ،‬فتقول‪ :‬مل أر امرأة‬
‫علمت عليها إال خ ً‬
‫ريا يف الدين من زينب‪ ،‬وأتقى هلل عز وجل وأصدق حدي ًثا‪ ،‬وأوصل‬
‫قط خ ً‬
‫للرحم‪ ،‬وأعظم صدقة‪َ ،‬‬
‫وأ َشدَّ ابتذالاً لنفسها يف العمل الذي تصدق به‪ ،‬ما‬
‫عدا َسورة من ِحدَّ ة ترسع منها الفيئة()‪.‬‬
‫اللهم ِّ‬
‫صل وسلم وبارك عىل نبيك وحبيبك حممد النبي الصادق األمني وعىل‬
‫آله الطيبني الطاهرين‪ ،‬وأزواجه أمهات املؤمنني()‪.‬‬

‫ أخرجه البخاري (‪ ،)2661‬ومسلم (‪.)2770‬‬
‫ أخرجه مسلم (‪.)2442‬‬
‫ ينظر‪ :‬مصنف عبد الرزاق (‪ ،)20925‬وطبقات ابن سعد (‪ ،)171 ،163/8‬ومسند إسحاق بن‬
‫راهويه (‪ ،)871‬ومسند أحمد (‪ ،)24019 ،23436‬وصحيح البخاري (‪،)3775 ،2581 ،2580‬‬
‫واألدب املفرد (‪ ،)559‬وصحيح مسلم (‪ ،)2442 ،2441‬وسنن النسائي (‪ ،)3944‬ومشكل‬
‫اآلثار (‪ ،)5259‬واعتالل القلوب للخرائطي (‪ ،)24‬وفضائل اخللف الراشدين ألبي نعيم‬
‫(‪ ،)152‬وسنن البيهقي (‪ ،)299/7‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)205/15‬وفتح‬
‫الباري (‪ ،)108/7( ،)206/5‬وتغليق التعليق (‪ ،)353/3‬والفتح الرباني (‪.)114/22‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪230‬‬

‫‪38‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪39‬‬

‫شاب وشابة‬
‫أما هو فالفتى الراتِع يف ريعان‬
‫الشباب‪ ،‬ويف غضاضة التاسعة‬
‫عرشة من عمره‪ ،‬كان أمجل الناس‬
‫وجها‪ ،‬أبيض وضيئًا َح َسن َّ‬
‫الش َعر‪،‬‬
‫ً‬
‫مجيل اجلسم‪ ،‬يركب ِر ْدف رسول اهلل‬
‫صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل عجز‬
‫ناقته القصواء من املزدلفة إىل منى‪،‬‬
‫فلام رمى رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
‫وآله وسلم مجرة العقبة أتى املنحر‬
‫عند اجلمرة الصغرى‪ ،‬فقال‪(( :‬هذا‬

‫‪39‬‬

‫املنحر‪ ،‬ومنى كلها منحر‪ ،‬فانحروا يف‬
‫رحالكم))‪ .‬ثم وقف رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم للناس يفتيهم‪،‬‬
‫واجتمعوا إليه يسألونه‪.‬‬
‫أما هي فامرأة من َخث َْعم‪ ،‬شابة حسناء‬
‫وضيئة‪ ،‬جاءت تسأل رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم يف موقفه ذلك‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬يا رسول اهلل إن فريضة اهلل‬
‫عىل عباده يف احلج أدركت أيب ً‬
‫شيخا‬
‫ريا‪ ،‬ال يثبت عىل الراحلة فهل جيزئ‬
‫كب ً‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪231‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أن أحج عنه‪ .‬قال‪(( :‬نعم))‪.‬‬
‫وكان الفضل بن العباس ريض اهلل عنهام خلف رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ينظر إليها وأعجبه حسنها‪ ،‬وجعلت هي تنظر إليه‪ ،‬وأعجبها حسنه‪،‬‬
‫فالتفت رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم فرأى الفضل ينظر إليها فأدار يده‬
‫الرشيفة إليه وأخذ بذقنه‪ ،‬وعدله إىل ِّ‬
‫الشقِّ اآلخر‪ ،‬فإذا جاءت من الشق اآلخر‬
‫أخذ رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم برأس الفضل يلويه من ذلك الشق‪،‬‬
‫فقال العباس بن عبد املطلب‪ :‬يا رسول اهلل لويت عنق ابن عمك! فقال رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬رأيت غال ًما شا ًّبا وجارية شابة‪ ،‬فخشيت أن‬
‫يدخل بينهام الشيطان))‪.‬وقال للفضل‪(( :‬يا ابن أخي‪ ،‬إن هذا يوم َم ْن َم َل َك فيه‬
‫سمعه وبرصه ولسانه ُغ ِف َر له))‪.‬‬
‫ولك مع هذا اخلرب وقفات‪:‬‬
‫التفت إىل‬
‫‪ُ - 1‬ل ْطفه صىل اهلل عليه وآله وسلم يف تصحيح اخلطأ‪ ،‬فإنه ملا‬
‫َ‬
‫الفضل ريض اهلل عنه ورآه ينظر إىل املرأة بارش بيده الرشيفة صرَْ ف وجه الفضل‬
‫إىل اجلهة األخرى‪ ،‬وهذه احلركة التي التقت فيها يد املصطفى مع وجه ابن عمه‬
‫الفضل ‪ -‬كام أهنا تصحيح خطأ ‪ -‬فإن فيها أبوة وعاطفة ومشاعر مجيلة‪ ،‬ولن‬
‫تحُْ ِدث يف نفس الفتى إال َل َّذة اإلحساس بقربه من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم ومكانته منه‪ ،‬وقد كان يمكن أن يرصفه عام هو فيه بأمر أو زجر أو نظر‬
‫َش ْز ٍر‪ ،‬ولكنه صىل اهلل عليه وآله وسلم اختار هذا األسلوب الرفيق اللطيف‪،‬‬
‫وإن اهلل يعطي عىل الرفق ما ال يعطي عىل العنف‪.‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪232‬‬

‫‪39‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫صحح اخلطأ‪ ،‬ومل جيعل لنفسه ًّ‬
‫حظا يف‬
‫‪ - 2‬أنه صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫تقييم اخلطأ فعندما ع َّلل صرَْ ف وجه الفضل علله بخوفه عليه وعىل الفتاة من‬
‫فتنة الشيطان‪ .‬ومل يقل كيف يفعل ذلك وهو معي‪ ،‬وأنا أمامه‪ ،‬وقد اختصصته‬
‫من بني كل الناس أن يكون رديفي‪ ،‬ونحو ذلك مما يالبس نفوس كثريين إذا‬
‫وقعت األخطاء أمام أعينهم رأوا فيها حتديا هلم‪ ،‬أو انتقاصا ملكانتهم فاختلط‬
‫عليهم إنكار املنكر باالنتصار للجاه والنفس واملكانة‪ ،‬ومن ثم تتعقد عملية‬
‫اإلنكار‪ ،‬وتتداخل فيها احلظوظ‪.‬‬
‫للرفق النبوي يف هذا املوقف إال‬
‫‪ - 3‬ال تتضح لك الصورة املرشقة العاجبة ِّ‬
‫إذا ضممتها إىل الصورة الكاملة للمشهد كله‪ ،‬فحال النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم يف اليوم العارش من ذي احلجة وهو يوم احلج األكرب كانت يف حال من‬
‫ٍ‬
‫وقوف يف يوم عرفة‪ ،‬ومس ٍ‬
‫ري‬
‫وج ْهد طويل‪،‬‬
‫اإلجهاد املتواصل بعد سفر بعيد‪َ ،‬‬
‫يف زحام شديد من املزدلفة إىل منى‪ ،‬ومسئولية عن هذه اجلموع العظيمة حوله‬
‫والتي تزيد عىل مائة وعرشين أل ًفا‪ ،‬وكان صىل اهلل عليه وآله وسلم يف حال‬
‫استنفار تعليمي ودعوي تشوبه هلفة الوداع‪ ،‬وهذا كله يستنزف الطاقة النفسية‬
‫وجيعل اإلنسان أقرب يشء إىل التوتر ورسعة االنفعال ومع ذلك كله كان‬
‫نبيك صىل اهلل عليه وآله وسلم عىل هذه احلال من اخللق العظيم والنفس‬
‫الرضية يف تعليمه وتأديبه‪.‬‬
‫‪ - 4‬يعجبك بل يبهرك روعة التعليل الذي رد به النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫عمه العباس عندما قال‪ :‬يا رسول اهلل لويت عنق ابن عمك!‬
‫وسلم عىل ِّ‬

‫‪39‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪233‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فأجاب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم جوا ًبا‪ ،‬فور ًّيا ولكن عندما تتأمله ترى‬
‫كل كلمة منه ُمنتقاة بعناية بالغة حيث قال صىل اهلل عليه وآله وسلم‪(( :‬رأيت‬
‫غال ًما شا ًّبا وجارية شابة ))‪ ،‬ويف رواية‪(( :‬غال ًما َحدَ ًثا وجارية حدثة))‪ .‬ويف‬
‫هذا الوصف داللة عىل َت َف ُّهم رغائب الشباب ونوع اعتذار عنهام بحداثة السن‬
‫وقلة اخلربة‪ ،‬ثم عقب ذلك بذكر اخلوف واخلشية‪ ،‬ولكنه مل يقل‪ :‬فخفت عليها‬
‫منه‪ ،‬أو خفت عليه منها‪ ،‬ولكن شملهام باخلوف عليهام من عدو خارجي هو‬
‫الشيطان فقال‪(( :‬فخفت عليهام الشيطان ))‪ ،‬وهذا يذكرنا باألسلوب اليوسفي‬
‫مجُْملاً ما جرى بينه وبني إخوته ِ‬
‫عندما قال يوسف عليه السالم ِ‬
‫}م ْن َب ْع ِد َأ ْن َّنزَ َغ‬
‫الش ْي َط ُ‬
‫َّ‬
‫ان َب ْينِي َو َبينْ َ إِ ْخ َوتيِ { ومل يقل‪ :‬من بعد أن فعل يب إخويت كذا وكذا‪.‬‬
‫‪ - 5‬نالحظ أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قد بارش اإلنكار عىل ابن عمه‬
‫الفضل هبذا األسلوب اللطيف اجلميل‪ ،‬ولكن مل تذكر روايات احلديث أنه أنكر‬
‫عىل الفتاة أو ك َّلمها بغري اإلجابة عىل سؤاهلا مع أهنا كانت تنظر كام كان الفضل‬
‫ينظر‪ ،‬فهل تساءلت ملاذا مل يفعل النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ذلك ؟‪.‬‬
‫إن اجلواب املتبادر أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بارش التأديب مع ابن عمه‬
‫الفضل؛ ألن قرب الفضل من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم وقرباه له جتعله حيتمل‬
‫ذلك من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بحفاوة ورضا‪ ،‬ولن يشعر وهو الشاب ذو‬
‫القرب والقربى من رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم باحلرج من ذلك‪.‬‬
‫أما الفتاة َ‬
‫اخلث َْعمية فإن مهابة النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم متأل نفسها‪ ،‬ولعل‬
‫هذه أول مرة تلقاه وتتحدث إليه‪ ،‬فلو بارشها بالتأديب أو التوجيه لشعرت‬
‫بحرج بالغ‪ ،‬وربام استعربت باكية لرهافة مشاعر الفتاة وحيائها‪ .‬ولذا اكتفى‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪234‬‬

‫‪39‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم معها باألسلوب غري املبارش والذي تفهمه من‬
‫توجيهه املبارش البن عمه وإرشاكها يف اخلوف عليها يوم قال‪(( :‬رأيت شا ًّبا‬
‫َحدَ ًثا وشابة حدثة فخفت عليهام الشيطان ))‪.‬‬
‫وقد دل سؤاهلا بني يدي النبي عىل أن لدهيا من الفهم والذكاء ما جيعلها تفهم‬
‫هذه اإلشارة متام الفهم‪ ،‬وتتمثَّلها غاية ال َّتمثُّل‪ ،‬فبأيب وأمي رسول اهلل صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬ما أمجل وألطف وأبلغ تعليمه إذا ع َّلم وتأديبه إذا َّأدب!‬
‫‪ - 6‬بقي أن نذكر ما يف إرداف الفضل بن العباس من معنى مجيل وهو ما يظهر‬
‫من قرب النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم من الشباب وإيالئهم احلفاوة واملكانة‬
‫الس ِّن وتقوية التواصل بني األجيال‪.‬‬
‫واالهتامم ويف ذلك اختصار لفوارق ِّ‬
‫عمه العباس بِ ٌّر وإكرام بعمه‬
‫كام أن إردافه البن عمه الفضل وهو أكرب أبناء ِّ‬
‫العباس‪ ،‬وإنك لتشعر أن العباس وهو يقول‪ :‬يا رسول اهلل لويت عنق ابن‬
‫عمك‪ .‬كان يعيش نشوة هذا اإلكرام فهو مل يقل‪ :‬لويت عنق ابني‪ ،‬ولكن قال‪:‬‬
‫ابن عمك‪ .‬وكأنام كان الشيخ يقول لكل من حوله‪ :‬هذا رسول اهلل ابن أخي‪،‬‬
‫وهذا رديفه ابني‪ ،‬وهذا مكاننا منه‪ ،‬وهذا بِ ُّره بنا‪.‬‬
‫لقد كانت هذه إحدى صور إكرام النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم لعمه العباس‬
‫وبِ ِّره به‪ ،‬وهو الذي كان يقول‪ (( :‬إن عم الرجل ِص ْنو أبيه))() ‪.‬‬

‫ ينظر‪ :‬طبقات ابن سعد (‪ ،)54/4‬ومسند أحمد (‪ ،)2884 ،2153‬وصحيح البخاري (‪،1854‬‬
‫‪ ،)6228‬وصحيح مسلم (‪ ،)1334‬وسنن النسائي (‪ ،)5391 ،2642‬واالستيعاب (‪،)1269/3‬‬
‫وأسد الغابة (‪ ،)388/4‬وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)143/8‬واإلصابة (‪،)375/5‬‬
‫وفتح الباري (‪.)10/11( ،)66/4‬‬

‫‪39‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪235‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫‪40‬‬

‫مرحبًا بابنتي‬
‫كانت أشبه الناس بالنبي صىل اهلل‬
‫وهدْ ًيا و َدلاًّ ‪،‬‬
‫عليه وآله وسلم َس ْم ًتا َ‬

‫ال ختطئ بقيامها قيامه‪ ،‬وال بقعودها‬
‫قعوده‪ ،‬وال بت ََك ُّفئِها إذا مشت مشيته‪،‬‬
‫وال بحديثها إذا حتدثت حديثه‪ ،‬وكان‬
‫عام ُله صىل اهلل عليه وآله وسلم معها‬
‫َت ُ‬
‫عىل أرقى مستوى من العاطفة األبوية‬
‫واالحتفاء الكريم‪.‬‬
‫كان صىل اهلل عليه وآله وسلم إذا‬
‫زارته ال ُب ْضعة النبوية قام إليها يتلقاها‬

‫‪40‬‬

‫ورحب هبا قائلاً ‪(( :‬مرح ًبا بابنتي))‪ .‬ثم‬
‫َّ‬
‫وقبلها‪ ،‬وأجلسها يف مكانه‬
‫أخذ بيدها َّ‬
‫جالسا فيه مبالغة يف احلفاوة‬
‫الذي كان‬
‫ً‬
‫واملحبة واإلكرام‪ ،‬وإذا زارها هو قامت‬
‫وقبلته‪،‬‬
‫إليه‪َّ ،‬‬
‫ورحبت به‪ ،‬وأخذت بيده َّ‬
‫وأجلسته مكاهنا يف صورة غاية يف‬
‫األدب واالحرتام املتبادل‪ ،‬وعىل أمجل‬
‫ما تكون حفاوة الولد بالوالد‪.‬‬
‫كان هذا احلب األبوي الدافق من‬
‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪237‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫حبه‪ ،‬وتبادله‬
‫البنته فاطمة ريض اهلل عنها ُي َت َل َّقى بحب االبنة البارة التي َّ‬
‫تتذوق َّ‬
‫إياه حمب ًة واحتفا ًء وبِ ًّرا‪.‬‬
‫فلام مرض صىل اهلل عليه وآله وسلم مرضه الذي ُتوفيِّ فيه‪ ،‬أرسل إليها يدعوها‬
‫إليه‪ ،‬فأقبلت متيش‪ ،‬ال ختطئ مشيتها مشية أبيها صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فلم‬
‫يقم صىل اهلل عليه وآله وسلم كام كان يقوم‪ ،‬ومل يتل َّقها كام كان يتلقى‪َّ ،‬‬
‫فإن العافية‬
‫قد اهنزمت يف بدنه الرشيف‪ ،‬وقد َأ َم َّضه املرض ونهَ ِ َكته ُ‬
‫احل َّمى‪ ،‬وإذا بفاطمة‬
‫ريض اهلل عنها َت ْن َك ُّب عليه ُت َق ِّب ُله‪ ،‬وقد كان هو الذي يبادر لتقبيلها‪ ،‬فأجلسها عن‬
‫يمينه فام كان يستطيع أن يقوم عن مكانه‪ ،‬وقد كان يقوم هلا عنه‪.‬‬
‫جلست فاطمة ريض اهلل عنها إىل رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬وأطاف‬
‫هبام أزواج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬فال تغادر منهن امرأة‪ ،‬فتحدث إليها‬
‫أرس إليها وأصاخت‬
‫النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم ما شاء اهلل أن يتحدث‪ ،‬ثم َّ‬
‫إليه‪ ،‬وأزواجه يرقبن هذه النجوى وينظرن أثرها عىل وجه فاطمة الويضء‬
‫ا ُملن ََّور‪.‬‬
‫وإذا بفاطمة ريض اهلل عنها تتل َّقى النجوى بتأ ُّثر بالغ عرفه أزواج النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم من بكائها الذي مل تستطع أن تغالبه‪ ،‬فقد بكت بكا ًء شديدً ا‪،‬‬
‫بالرس من بينهن‬
‫خيصها أبوها‬
‫وعجب أزواج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أن َّ‬
‫ِّ‬
‫خصك رسول اهلل صىل اهلل‬
‫ثم هي تبكي‪ ،‬وقالت هلا عائشة ريض اهلل عنها‪َّ :‬‬
‫أرس به لعذرهنا‬
‫عليه وآله وسلم‬
‫بالرس من بيننا ثم أنت تبكني؟ ولو علمن ما ّ‬
‫ِّ‬
‫ولبادرهنا البكاء‪.‬‬
‫أرس إليها أخرى وقد رأى بكاءها و َت َأ ُّثرها‪،‬‬
‫ثم إن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم َّ‬
‫حمياها وضحكت بعد تأ ُّثر وبكاء‪.‬‬
‫فام زال يناجيها حتى استنار وجهها و َب ِرق َّ‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪238‬‬

‫‪40‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فعجب أزواج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم؛ لرسعة تغري انفعال فاطمة من‬
‫بكاء إىل ضحك‪ ،‬ومن حزن إىل فرح‪ ،‬حتى قالت عائشة ريض اهلل عنها‪ :‬ما‬
‫أظن فاطمة أعقل النساء فإذا‬
‫فرحا أقرب من حزن‪ ،‬قد كنت ُّ‬
‫رأيت كاليوم ً‬
‫هي من النساء‪-‬يعني يف رسعة َت َغيرُّ انفعاهلا‪ -‬وما علمت عائشة ريض اهلل عنها‬
‫سبب هذا التغري حينئذ‪ ،‬ولو علمته لعذرت‪ ،‬ولعلمت أن هذا دليل آخر عىل‬
‫كامل عقلها وعظيم حبها ألبيها‪.‬‬
‫فلام قام رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم سارعت عائشة إىل فاطمة تسأهلا‬
‫الرس الذي أضحكها وأبكاها‪ ،‬وما قال هلا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
‫عن ِّ‬
‫الرس)‬
‫وسلم‪ ،‬فقالت فاطمة ريض اهلل عنها‪ :‬إين إ ًذا لبذرة (أي مضيعة ال أحفظ َّ‬
‫رس رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ومل يلبث النبي صىل‬
‫ما كنت ألفيش َّ‬
‫ريا حتى ُتويف ولحَ ِق بالرفيق األعىل‪ ،‬فقالت‬
‫اهلل عليه وآله وسلم بعد ذلك إال يس ً‬
‫هلا عائشة‪ :‬عز ْمت عليك بام يل عليك من احلق َلـماَ أخربتِني‪ .‬فاستجابت فاطمة‬
‫الرس قد صار علنًا‪ ،‬واخلرب صار عيا ًنا‪ ،‬ومل يعد َث َّم َة‬
‫ريض اهلل عنها حينئذ ألن َّ‬
‫سارين يف األمر األول‪ ،‬فإنه أخربين‬
‫رس ُيفشى‪ ،‬وقالت‪ :‬أما اآلن فنعم‪ ،‬أما حني َّ‬
‫ٌّ‬
‫أن جربيل كان يعارضه بالقرآن يف كل ٍ‬
‫َّ‬
‫مرة‪ ،‬وإنه قد عارضني به العام‬
‫سنة َّ‬
‫مرتني‪ ،‬وال أرى األجل إال قد اقرتب‪ ،‬وأين مقبوض يف وجعي هذا‪ ،‬فاتقي اهلل‬
‫واصربي‪ ،‬فإين نعم السلف أنا لك‪ .‬فبكيت بكائي الذي ِ‬
‫سارين أنني‬
‫رأيت‪ ،‬ثم َّ‬
‫أول أهل بيته حلو ًقا به‪ ،‬وقال‪(( :‬أال ترضني أن تكوين سيدة نساء أهل اجلنة))‪.‬‬
‫فضحكت لذلك‪ ،‬واستبان حينئذ لعائشة أن بكاء فاطمة وضحكها‪ ،‬وحفظها‬
‫للرس يوم حفظته‪ ،‬وإخبارها يوم أخربت به كل ذلك دالالت أخر عىل فقهها‬
‫ِّ‬
‫ووفور عقلها‪ ،‬وكامل فضلها ورشفها‪ ،‬فصلوات اهلل وسالمه وبركاته عىل‬

‫‪40‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪239‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫سيدة نساء العاملني‪ ،‬ال ُب ْضعة النبوية واجلهة املصطفوية‪.‬‬
‫وها هنا وقفات منرية‪:‬‬
‫‪ - 1‬نرى هذا التدفق العاطفي‪ ،‬واإلعالن باحلب األبوي‪ ،‬ومجال التعبري عنه‬
‫بالزيارات املتبادلة‪ ،‬والقبلة احلانية‪ ،‬والكلمة اجلميلة ا ُمل َعبرِّ ة‪ ،‬والرتحيب احلفي‪،‬‬
‫والتلذذ بذكر األبوة ((مرحبا بابنتي))‪ ،‬إن التعبري عن عاطفة ُ‬
‫األ ُب َّوة هبذه الكثافة‬
‫ً‬
‫والوضوح والتنوع جيعل عالقة ُ‬
‫األ ُب َّوة والبنوة يف غاية القوة والعافية واجلامل‪،‬‬
‫ويدل عىل صحة نفسية عالية واستواء يف املشاعر وارتواء للعواطف‪.‬‬
‫إن يف نفوس اآلباء عاطفة أبوة فطرية‪ ،‬ولكن يقع التقصري أو الفشل يف التعبري‬
‫عنها‪ ،‬وجعل األبناء يتذوقون نشوهتا ويعيشون دفئها‪.‬‬
‫وقد يعتمد بعض اآلباء عىل داللة احلال‪ ،‬وربام أعلن ذلك قائلاً ‪ :‬أوال يرون‬
‫عميل وكدحي‪ ،‬أليس كل ذلك من أجلهم وهلم! ولكن الدرس النبوي األبوي‬
‫يد ُّلنا عىل أن التعبري عن احلب وتلبية احلاجات النفسية ليس أدنى من أداء‬
‫يتم ذلك‪ ،‬فإنه أكرب عون لألبناء‬
‫واجبات األبوة األخرى ومسؤولياهتا‪ ،‬وحني ُّ‬
‫عىل بِ َّر اآلباء‪ ،‬واإلحساس بعظيم حقهم‪.‬‬
‫معنى آخر يصاحب احلب وقوة العاطفة يف أبوة النبي صىل اهلل‬
‫‪ - 2‬هناك‬
‫ً‬
‫عليه وآله وسلم‪ ،‬وهو االحرتام واالحتفاء بابنته فاطمة ريض اهلل عنها‪ ،‬يظهر‬
‫ذلك يف قيامه هلا‪ ،‬وتلقيها‪ ،‬وأخذه بيدها‪ ،‬وإجالسها مكانه‪ ،‬وإظهار هذا كله‬
‫أمام أزواجه كلهن‪.‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪240‬‬

‫‪40‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫إن الذي حيرتم ابنته هذا االحرتام هو الذي عاش يف بيئة تزدري املرأة بحيث‬
‫يراوح مصريها بني الوأد احليس أو املعنوي َ‬
‫}أ ُي ْم ِس ُك ُه َعلىَ ُه ٍ‬
‫ون َأ ْم َيدُ ُّس ُه فيِ‬
‫الترُّ َ ِ‬
‫اب{‪ ،‬ولكن هذا النبي العظيم صىل اهلل عليه وآله وسلم مل يكن يستمدُّ‬
‫رؤيته من منظور اجتامعي‪ ،‬ولكنه يتل َّقى الوحي من اهلل؛ إلقامة البرشية عىل‬
‫الطريقة السو َّية والرصاط املستقيم‪ ،‬فإذا ُأ ُب َّوته درس للبرشية‪ ،‬يعلمها أن‬
‫األوالد بحاجة إىل االحرتام؛ لبناء شخصياهتم‪ ،‬كام هم بحاجة إىل العاطفة؛‬
‫إلشباع مشاعرهم وبناء نفسياهتم لتصنع ثم شخصية سوية متكاملة‪.‬‬
‫‪ - 3‬نالحظ أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أفىض إىل فاطمة ريض اهلل‬
‫برس خاص مل ُي ِ‬
‫عمه عيل وال زوجاته‬
‫فض به إىل أيب بكر وال عمر وال ابن ِّ‬
‫عنها ٍّ‬
‫رس يعنيه ويعنيها بالدرجة األوىل‪.‬‬
‫أمهات املؤمنني‪ ،‬وهو ٌّ‬
‫إن من معاين األبوة احلقيقية إشعار األبناء باألمهية باطالعهم عىل مهوم اآلباء‬
‫وقضاياهم‪ ،‬مما يشعرهم بالقرب واملسئولية‪ ،‬ويبني يف نفوسهم الثقة واملشاركة‪،‬‬
‫كام أن كتامن األب لقضاياه ومهومه عن أبنائه يشعرهم باإلقصاء والتهميش‪.‬‬
‫الرس هو أحد صور العالقة الوثيقة اجلميلة والرائعة‬
‫إن هذا اإلفضاء إىل فاطمة هبذا ِّ‬
‫بني األب رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وابنته فاطمة كرم اهلل وجهها‪.‬‬
‫صغارا‬
‫حبهم معهم‪ ،‬وليسوا لع ًبا ُيلهى هبم‬
‫ً‬
‫‪ - 4‬األبناء يكربون‪ ،‬ويكرب ُّ‬
‫كبارا‪ .‬فهذا التعامل من النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بام فيه من ر َّقة‬
‫ويهُ َملون ً‬
‫وح ٍّب أبوي غامر كان لفاطمة وهي يف اخلامسة والعرشين من‬
‫وعاطفة وحنان ُ‬
‫عمرها زوجة وأم خلمسة أوالد‪ .‬إننا َنغْ َفل أحيا ًنا عن التعبري الواضح بمشاعر‬

‫‪40‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪241‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫احلب األبوي ألبنائنا وبناتنا الكبار‪ ،‬و َيشْ َغلنا عن ذلك َت َر ُّقب مراسم التوقري‬
‫واالحرتام منهم فهل يذكرنا ذلك هذا الدرس النبوي األبوي؟‬
‫‪ - 5‬ظهر أثر اختصاص فاطمة ريض اهلل عنها هبذا اخلرب بتهيئتها للمصاب‬
‫العظيم الذي ستكون أشدَّ الناس فاجعة به‪ ،‬فاملصاب هو يف رسول اهلل صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم‪ ،‬ويف األب العظيم الكريم احلفي املحب‪ ،‬ويا هلل لفاطمة‬
‫حميا رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم وهو ينعي إليها‬
‫وهي تنظر بعينيها إىل َّ‬
‫نفسه‪ ،‬ويخُ ربها أنه ميت يف مرضه ذلك‪ ،‬وتعلم وهي تنظر إىل صفحة وجهه‬
‫املبارك أن هذا آخر العهد به يف الدنيا‪.‬‬
‫لقد اختار النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أن يكون هو الذي خيربها بذلك يف‬
‫حياته وهييئها الحتامل املصاب ومواجهة احلدث‪ ،‬فلام ُتويف صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم كانت فاطمة عىل احلال احلسنة من الثبات والصرب واالحتساب‪ ،‬فقد‬
‫كانت عند رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم واملوت يتغشاه وهي تقول‪:‬‬
‫واكرب أبتاه‪ .‬فيغالب النبي سكراته وكربه ليقول هلا‪(( :‬ليس عىل أبيك كرب‬
‫بعد اليوم))‪ .‬فلام مات قالت‪ :‬يا أبتاه‪ ،‬أجاب ر ًّبا دعاه‪ ،‬يا أبتاه‪ ،‬جنة الفردوس‬
‫مأواه‪ ،‬يا أبتاه إىل جربيل ننعاه‪ .‬وملا دفن ما زادت عىل أن قالت‪ :‬أطابت أنفسكم‬
‫أن حتثوا عىل رسول اهلل الرتاب()‪ .‬ولقد علمت ريض اهلل عنها أهنا ما طابت ولن‬
‫تطيب‪ ،‬لوال أن هذه سنته التي َّ‬
‫دل عليها ُأ َّمته‪ ،‬فصلوات اهلل وسالمه وبركاته‬
‫ريا()‪.‬‬
‫عىل أهل ذلك البيت الذين أذهب اهلل عنهم الرجس‪ ،‬وطهرهم تطه ً‬
‫ أخرجه البخاري (‪.)4462‬‬
‫ ينظر‪ :‬صحيح البخاري (‪ ،)6286 ،3624‬وصحيح مسلم (‪ ،)2450‬وجامع الترمذي (‪،)3872‬‬
‫وشرح النووي على صحيح مسلم (‪ ،)5/16‬وسير أعالم النبالء (‪ ،)118/2‬وفتح الباري‬
‫(‪.)135/8‬‬
‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪242‬‬

‫‪40‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫فهرس المحتويات‬
‫إهداء‪5 ...................................................................‬‬
‫مقدمة‪7 ..................................................................‬‬
‫ليلة الغار‪11...............................................................‬‬
‫صفوة‪17.................................................................‬‬
‫يا عم‪21..................................................................‬‬
‫اللهم عليك‪29............................................................‬‬
‫عصابة امللك ‪41.........................................................‬‬
‫سيد الوادي ‪49..........................................................‬‬
‫مه ً‬
‫ال ‪55.................................................................‬‬
‫غالم ‪61.................................................................‬‬
‫املرشك النبيل ‪65........................................................‬‬
‫بني أحد والريموك ‪71..................................................‬‬
‫من معونة إىل مؤتة ‪79...................................................‬‬
‫ضيافة أنصارية ‪85.......................................................‬‬
‫سنة حسنة ‪91...........................................................‬‬
‫ثاممة ‪97 ..................................................................‬‬
‫سلمة ‪103 ...............................................................‬‬
‫راية ‪107................................................................‬‬

‫فهرس‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪243‬‬

‫زوايا جديدة لقصص السرية‬
‫أصحاب السفينة ‪113.....................................................‬‬
‫يا أسامة ‪117.............................................................‬‬
‫هذه وولدها ‪123........................................................‬‬
‫أم خالد ‪127 .............................................................‬‬
‫العبوا ‪133................................................................‬‬
‫يوم عيد ‪139.............................................................‬‬
‫أخوكم ‪143.............................................................‬‬
‫ال تغضب ‪147..........................................................‬‬
‫مهنة أهلك ‪151.........................................................‬‬
‫يوم الوشاح ‪157........................................................‬‬
‫الشيخان ‪163..........................................................‬‬
‫أبو تراب ‪169..........................................................‬‬
‫إين أحبه ‪173...........................................................‬‬
‫أمامة ‪179.............................................................‬‬
‫مدرسة السوق ‪183.......................................................‬‬
‫أال تعجب ‪187..........................................................‬‬
‫ذاك الفتى ‪191...........................................................‬‬
‫األشعريون ‪197........................................................‬‬
‫ذو العقيصتني ‪203.......................................................‬‬
‫ليلة نبوية ‪209..........................................................‬‬
‫فيك جاهلية ‪217........................................................‬‬
‫ابنة أيب بكر ‪223........................................................‬‬
‫شاب وشابة ‪231........................................................‬‬
‫مرحب ًا بابنتي ‪237.........................................................‬‬

‫قصص‬
‫نبـويـة‬

‫‪244‬‬

‫فهرس‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful