‫محاكمة دعاة العدل والشورى (الدستور السلمي) في السعودية‬

‫ملحقات الدفاع(‪)5- 1‬‬

‫أثافي الجور الثلث‬
‫أ‪-‬ولي المر أدرى من المة بمصلحتها‬

‫ب‪-‬قاضي المحكمة ماهو إل وكيل و(ولي المر)هو القاضي الصيل‬
‫ج‪-‬قواعد القضاء تترك لجتهاد القضاة‬

‫(أومعايير استقلل القضاء الدولية‬
‫في بوتقة الشريعة السلمية)‬
‫(ضمانات نزاهة القضاء وعدالتته إسلميا وعالميا)‬

‫نواة هذا البحث ألقيت ف (مؤتر العدالة الثان) النعقد ف القاهرة خلل ‪24-22‬فباير ‪2003‬م‪ ،/‬بصفتها‬

‫مقدمة للبحث الرئيسي(استقلل القضاء السعودي‪ :‬عوائقه وسبل تعزيزه)‪ ،‬وأعيدت الكتابة بعد الؤتر على هذه الصورة‪،‬‬
‫متحرية التعميق والتأصيل والشمول‪ ،‬مستفيدة من أباث الؤتر نفسه أو غيها‪.‬‬

‫‪ /‬أبو بلل عبد الله الحامد‬

‫‪1‬‬

‫(النسخة المعدة للطبعة الثانية)‬

‫‪1427/06/04‬‬

‫[‪]1‬‬

‫شــــكــــر‬
‫أشكر العلماء والباحثين من القضاة والفقهاء والمحامين‪ ،‬الذين تكرموا بقراءة‬
‫مسودة البحث‪ ،‬وزودوني بملحظاتهم‪ ،‬فاستفدت من ثمرة قراءتهم‪-،‬في الطبعة الولى‪:-‬‬
‫وأخص بالذكر منهم‪:‬‬
‫‪-1‬المحامي‪ /‬سليمان بن صالح الرشودي‪ :‬القاضي السابق وأحد مؤسسي أول لجنة‬
‫أهلية لحقوق النسان(في السعودية) سنة ‪1413‬هـ‪1994/‬م‬
‫‪-2‬المحامي‪/‬عبد ال بن محمد الناصري‪/‬الناشط الحقوقي‪/‬والمتخصص بالفقه‬
‫والقضاء السلمي‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -3‬المحامي‪:‬فيصل بن محمد اللزام‪ /‬مستشار قانوني‬
‫‪-4‬المحامي‪:‬إبراهيم المبارك‪ /‬متخصص بالفقه والقضاء السلمي‬
‫وأخص بالذكر منهم‪-‬في الطبعة الثانية‪:-‬‬
‫‪-6‬القاضي‪:‬‬
‫‪-7‬المحامي‪:‬‬
‫‪-8‬المحامي‪:‬‬

‫[‪]2‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم نبدأ وبه نستعين‬
‫وصلى ال وسلم على النبي البشيرالنذير القائل‪:‬‬
‫"القضاة ثلثة‪ :‬اثنان في النار وواحد في الجنة‪ ،‬رجل علم‬
‫الحق فقضى به فهو في الجنة‪ ،‬ورجل قضى للناس على جهل‬
‫فهو في النار‪ ،‬ورجل عرف الحق فجار فهو في النار"‪.‬‬
‫بهذا الحديث أكد النبي صلى ال عليه وسلم على الصفتين‬
‫الساسيتين في القاضي‪ :‬الثقافة القضائية والضمير‪ ,‬وأكد على‬
‫‪3‬‬

‫أن من قضى بثقافة قضائية من دون ضمير فهو في النار‪،‬‬
‫ومن قضى بضمير من دون ثقافة قضائية فهو أيضا في النار‪.‬‬

‫[‪]3‬‬
‫المقالة الولى‪ :‬فاتحة‬

‫ما سبب قوة الروم والفرنج‬
‫وضعف العرب والمسلمين؟‬
‫أ‪ -‬تقوم الساعة والروم أكثر الناس‪:‬‬
‫أخرج مسلم في صحيحه أن المستورد القرشي رضي ال عنه‪،‬قال في مجلس عمرو بن‬
‫العاص سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪":‬تقوم الساعة؛ والروم أكثر الناس"‪.‬‬
‫فقال عمرو بن العاص‪:‬أبصر ما تقول فقال المسور‪:‬أقول ما سمعت من رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال عمرو بن العاص‪:‬‬
‫"لن قلت ذلك إن فيهم لخصال أربعا‪:‬إنهم لحلم الناس عند فتنة‪.‬وأسرعهم إفاقة بعد‬
‫مصيبة‪.‬وأوشكهم كرة بعد فرة‪.‬وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف‪.‬وخامسة حسنة وجميلة‪:‬وأمنعهم من ظلم‬
‫الملوك"(جامع الصول لبن الثير‪.)9/225:‬‬
‫ولم تحصل للروم مثل هذا القوة ‪ ،‬إل لنهم عرفوا ما شروط إقامة الخلفة النسانية وشروط‬
‫عمارة الرض‪ ،‬عندما أدركوا كيف كيف يتكتلون جماعات أهلية‪ ،‬تبلور مصالح المة‪ ،‬وتحمي القضاء‪،‬‬
‫وتراقب أداء الحكومة وتحاسبها‪ .‬وهذا هو سبب قوة الدول الوربية‪.‬‬

‫[‪]4‬‬
‫ب‪ -‬هل يدرك أمراء الستبداد وفقهاء التهاون‪ ،‬فحوى الحديث‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫هذا الحديث المرفوع وتفسيره الموقوف لتؤمن به الدولة العربية‪ ،‬ولو آمنت به لقامت الحكم‬
‫الدستوري‪ ،‬فأنشأت السلطة النيابية وعززت استقلل القضاء‪ ،‬فصار سلطة مستقلة‪ ،‬وفصلت بين‬
‫السلطات الثلث‪ ،‬ودعمت المجتمع الهلي المدني‪،‬لكي يجد القضاء على استقلله دعما شعبيا‪ ،‬فيمنع‬
‫الناس من ظلم الملوك‪.‬‬
‫هذا هو الشق الثاني من العقيدة السلمية‪ ،‬السمو المدني الذي همشه الفقهاء وعلماء العقيدة‪،‬‬
‫ولو أعطوه واحدا في المئة من جهودهم في نفسير أحاديث وآيات الصفات‪ ،‬أو بيان أحكام الطهارة من‬
‫النجاسة‪ ،‬لما أصبحنا اليوم غثاءا كغثاء السيل‪:‬‬
‫فقل لمن يدعي في الدين معرفة‬

‫حفظت شيئا وغابت عنك أشياء‬

‫لم لم يقّدر فقهنا الشائع شطر السلم المدني حق قدره‪،‬ولم يلحظوا أن تضييع القيم المدنية‬
‫كالمانة والحكم‪ ،‬يفضي إلى ضياع الصلة‪،‬كما أشار الحديث الصحيح"أول ما تفقدون من دينكم الحكم‪،‬‬
‫وآخر ما تفقدون منه الصلة"‬

‫المقالة الثانية‪:‬‬

‫[‪]5‬‬

‫تعريف استقلل القضاء‬
‫أ‪-‬المفهوم والمصطلح‪:‬‬
‫يقصد باستقلل القضاء أن يكون محققا كل ما يضمن حقوق الناس‪ ،‬من قواعد‬
‫المباديء العادلة‪ ،‬في حقوق النسان والمتهم‪ ،‬وما يلزم لتحقيق العدالة من إجراءات وآليات‬
‫وهياكل‪.‬‬
‫المقصود بالستقلل‪ ،‬أن تكون هناك ضمانات لعدالة القوانين والقواعد القضائية‪،‬‬
‫وضمانات لنزاهة التطبيق‪.‬‬
‫أما وضع هذه ضمانات العدالة والنزاهة تحت مصطلح (الستقلل)‪ ،‬ففيه إشارة إلى أن‬
‫أبرز مظاهر العدوان على عدالة القضاء وأخطرها‪ ،‬هو تدخلت السلطين المستبدين‬
‫وأهواؤهم‪.‬‬
‫وعندما ينادى بالقضاء المستقل؛ فإن المعنى اليجابي الساسي هو استقلله عن‬
‫الحكومة‪ ،‬فلكي يكون القضاء عادل‪ ،‬لبد أن يكون مستقل الشخصية‪ ،‬فل تستبد الحكومة‪ ،‬في‬
‫‪5‬‬

‫تعيين قضاته‪ ،‬فتعين من داهنها ‪ ،‬وترقّي من باع ضميره وحكم لها عند الخلف‪ ،‬وتعزل من‬
‫عرفه الناس بالنصاف و بقوة الشخصية‪.‬‬
‫وأن يستقل القضاء في ميزانيته المالية وكوادره الدارية‪ ،‬فيقدر ماليته بنفسه‪ ،‬ول‬
‫تكون نفقاته شحيحة‪ ،‬تقلل من فعاليته‪ ،‬وأن تعاقب أي جهة من السلطة التنفيذية‪ ،‬تحاول‬
‫مجرد محاولة أن تؤثر على قراراته‪ ،‬وأن تكون للقضاة حريتهم في التجمع والنشر‪ ،‬والتعبير‬
‫عن موقف القضاء تجاه أي قضية‪ ،‬وأن يكون من حق القاضي رفض ونقض أي قانون أو‬
‫أمر يخالف العدالة‪ ،‬مهما كانت منزلة مصدره‪.‬‬
‫وأن ل سجن سجين إل بحكم قضائي‪ ،‬وأن يشرف على السجون فيخرج من السجن‬
‫كل متهم ل حكم عليه‪ ،‬و أن يضمن القضاء مواصفات للسجون تليق بالكرامة النسانية‪ ،‬وأن‬
‫تنفذ أحكامه في وقت قياسي‪ ،‬وأن يكون قادرا على أن يلزم السلطة التنفيذية‪ ،‬بتنفيذ كل حكم‬
‫يصدره‪ ،‬وأن يضمن التنفيذ السريع‪ ،‬كأن يقوم هو نفسه بالتنفيذ‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى ركز على جعل استقلل القضاء عنوان العدالة‪ ،‬لن أي قضاء ل يستقل‬
‫عن الدولة‪ ،‬ل يضمن أن يكون عادلً‪ .‬وهذه المعايير ضمنتها الدول الحديثة هذا المصطلح‪،‬‬
‫حتى صار مصطلحا عالميا عابرا القارات‪،‬كالديمقراطية وحقوق النسان وحقوق المتهم‪.‬‬
‫إذن يقصد باستقلل القضاء "أن ل يخضع القضاة في ممارساتهم لعملهم‪ ،‬لسلطان أي‬
‫جهة أخرى وأن يكون عملهم خالصا لقرار الحق والعدل‪ ،.....،‬ويقتضي ذلك الحيلولة دون‬
‫تدخل أي جهة مهما كانت طبيعتها ووظيفتها‪ ،‬لتوجهه وجهة أخرى‪ ،‬أو لتعرقل مسيرته‪ ،‬أو‬
‫لتعرض عن أحكامه‪ ،‬كما يقتضي أن يحاط القضاة بسياج من الضمانات‪ ،‬يقيهم كل تجاوز أو‬
‫اعتداء من شأنه أن يخدش مبدأ العدالة‪ ،‬التي لتنمو إل في حوض الستقلل (معالم استقلل‬
‫القضاء في الشريعة‪:‬عمار التهامي ‪.‬مجلة البحوث الفقهية ربيع الول ‪1417‬هـ ص‪.):227:‬‬
‫وإذن فإن الدعوة إلى استقلل القضاء ‪ ،‬ل تعني أن يكون القضاة أسيادا على المة ‪،‬‬
‫بل خدما لها ‪ ،‬كما عبرت إحدى المحاكم الكندية " القضاة خادمون للشعب ‪ ،‬وليسوا أسيادا‬
‫عليه " ‪ .‬وهذا يعني أن استقلل القضاء ‪ ،‬ل يعنى أن تكون أيديهم مطلقة ‪ ،‬بل هو استقلل‬

‫‪6‬‬

‫تصحبه المسئولية ‪ ،‬ويصحبه مبدأ المحاسبة (استقلل القضاء في العالم العربي‪.‬ناثان‬
‫ج‪.‬براون وعادل عمر شريف‪. ) 15 :‬‬
‫ويتضح من ذالك أن مفهوم استقلل القضاء مفهوم محوري‪ ،‬تدور حوله قيم وهياكل‬
‫في مداره‪ ،‬وأنه ليعنى ما يفهم أول وهلة‪:‬أن يكون القاضي حر التصرف من دون ضوابط‬
‫والحكم على أي بلد بمدى استقلل قضائه يعتمد على درجتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬إعلن نظريات الحقوق والجراءات العملية لتنفيذها‪ ،‬نصوصا في الدستور‪ ،‬أو‬
‫في نظام القضاء‪.‬‬
‫الدرجة الثانية‪ :‬مدى تطبيقها‪.‬‬
‫بعبارة أخرى يقصد باستقلل القضاء مجموعة من المبادئ والنظريات‪ ،‬والجراءات‬
‫والهياكل التي تعزز مستوى العدالة‪ ،‬تتوزع في حقلين‬
‫الول‪( :‬المضمون)‪ :‬وهو حفظ الحقوق الفردية والجماعية‪،‬كحقوق المواطنين‬
‫السياسية‪ ،‬وقوامه عدالة القواعد القضائية‪ ،‬ووضوحها وتحديدها وتوحيدها وشمولها‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الهياكل والجراءات والتفريعات‪ ،‬التي تضمن تنفيذ المضمون‪.‬‬
‫[‪]6‬‬
‫ب‪-‬للعدالة معايير قياسبة في القواعد‪ ،‬وإجراءات يقاس‬
‫بها التطبيق‬
‫الدولة العربية المعاصرة تعلن في أنظمتها‪ ،‬استقلل القضاء‪ ،‬ولكن هل يكون استقلل‬
‫القضاء مجرد إعلن في ديباجة مرسوم أو قرار؟‪ ،‬وهل يمكن أن ينهض مفهوم استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬دون ضمانات إجرائية‪ ،‬تجسد استقلل القضاء‪ ،‬تسد أبواب التدخلت؟‪.‬‬
‫إن من السهل على الناس ‪ ،‬النشغال بالتعريفات والعبارات الرنانة‪ ،‬مثل قضاء‬
‫مستقل ‪ ،‬قضاء القانون ‪ ،‬وتطبيق الشريعة (انظر‪ :‬إطار برنامج استقلل القضاء‪:‬أريك‬
‫جانسون جانسون‪ )200:‬ولكن ليس العلن المبادئ جدوى ما لم ينتصب جهاز هيكلي‬

‫‪7‬‬

‫قضاء منظم ‪ ،‬بطريقة تضمن هذه الحقوق ‪ ،‬وإيصالها إلى أصحابها بقطع النظر عن أي‬
‫اعتبار وأي ضغوط ‪( .‬غازي الغرايري ‪ ،‬استقلل القضاء في تونس‪. )10:‬‬
‫والحكم على أي بلد بمدى استقلل قضائه يعتمد على درجتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬إعلن نظريات الحقوق والجراءات العملية لتنفيذها‪ ،‬نصوصا في الدستور‪ ،‬أو‬
‫في نظام القضاء‪.‬‬
‫الدرجة الثانية‪ :‬مدى تطبيقه‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك لبد من أسلوب قياسي ‪ ،‬يحدد معاني هذه المصطلحات ( انظر ‪:‬‬
‫جانسون ‪ )200 :‬مبني على علقة القضاء بالقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ ‪ ،‬لبد من‬
‫منهج عملي يعتمد على أبحاث علم الجتماع ‪ ،‬لستقاء أدلة وأقيسة‪ ،‬عبر دراسات مسحية‬
‫تجريبية تشمل‪. :‬‬
‫فحص سجلت الدعاوي من أجل فهم دوافع الخصوم ‪.‬‬
‫جودة التسبيب القضائي ‪.‬‬
‫معدلت التبرنة ‪.‬‬
‫تنفيذ الحكام ‪.‬‬
‫تحليل الميزانية ‪.‬‬
‫دراسات مسحية ‪.‬‬
‫استفتاء الرأي العام ( انظر جانسون ‪. )201 :‬‬
‫ول مجرد تطبيق أنماط قضائية تصلح لمجتمع قديم بسيط‪ ،‬على مجتمع حديث تعقدت‬
‫فيه المور‪ ،‬لبد فيه أن "تحدث للناس‪ -‬كما قال عمر بن عبد العزيز‪ -‬أقضية‪ ،‬بمقدار ما‬
‫أحدثوا من الفجور"‪ .‬ليس الفجور فحسب‪ ،‬بل كثرة المشكلت والتعقيدات‪ ،‬التي اتسمت بها‬
‫المجتمعات الحديثة والقتصاد‪.‬‬
‫ل في مصلحة العدالة أم ل‪ ،‬بل هي‬
‫إن المسألة ليست هل كان تدخل وزير العدل مث ً‬
‫أنه يجب سد جميع المنافذ التي تسمح باحتمالت تدخل وزير العدل‪ ،‬حتى ولو كان تدخله أو‬
‫تدخل السلطة التنفيذية أصوب ‪ ،‬لنها أن أصابت مرة لم تصب المرة الخرى ‪ ،‬لن صوابها‬
‫‪8‬‬

‫ذاتي ‪ ،‬وليس منهجيا ‪ .‬وإذا كان القضاة يحتاجون إلى تدخل السلطة التنفيذية(ورعايتها) من‬
‫أجل تحقيق العدالة‪ ، ،‬فإن ذلك خلل في القضاء ينبغي تحديده وعلجه‪:‬‬
‫هل الخلل في عدالة نظريات الحقوق؟ ‪.‬‬
‫هل هو بسبب أن الموارد المالية في المحاكم ضعيفة؟‪.‬‬
‫هل سلب القضاء شخصيته المعنوية ‪ ،‬بحيث ل يستطيع أن يحقق العدالة‪.‬‬
‫هل إجراءات المحاكم وهياكلها سليمة ‪.‬‬
‫وإذن ينبغي إصلح القضاء من الداخل ل من الخارج‬
‫[‪]7‬‬
‫ج‪-‬التعريف بالعناصر‪:‬‬
‫المعايير العشرون لستقلل القضاء‪:‬‬
‫لقد أصبح لستقلل في العصر الحديث معايير دولية‪ ،‬يقاس بها القضاء في كل دولة‪،‬‬
‫وبحسب تطبيق هذه المعايير‪ ،‬يحكم على القضاء في بلد ما بنجاحه الكبير أو القليل في تعزيز‬
‫استقلل القضاء‪ ،‬وبحسب إخلله بهذه المعايير‪ ،‬يحكم بفشل السلطة التنفيذية أو إخفاقها عن‬
‫تحقيق الستقلل‪.‬‬
‫وهذه المعايير منها ما يتصل بنظرية (الحقوق) أي العدالة ومنها ما يتصل بإجراءات‬
‫إحقاق الحقوق (أي النزاهة)‪ ،‬ومنها ما يتصل بالهياكل المقامة‪ ،‬وحيث إنه من الصعب إعطاء‬
‫تعريف محدد لستقلل القضاء لختلف الثقافات وأنظمة الحكم‪ ،‬صار من المناسب إعداد‬
‫معايير عالمية تناسب جميع النظم السياسية والقضائية في العالم (شريف وبراون ‪.)3 :‬‬
‫وقد صادقت المم المتحدة؛ على عدد من الوثائق‪ ،‬في حقوق النسان‪ ،‬وحقوق المتهم‪،‬‬
‫وحقوق اللجئين‪ ،‬ومنع الجريمة ومعاملة المجرمين‪ ،‬وعلى المبادئ الساسية لستقلل‬
‫القضاء ) سنة ‪1985‬م(هاشم مناع‪ :‬المعان في حقوق النسان‪ :‬ملحق المجلد الثاني)‪ ،‬وهذه‬
‫المبادئ في الجملة‪-‬لبالجملة‪ ،-‬من ما أقره السلم قبل أربعة عشر قرنا من تنادي المم‬
‫إليه‪ ،‬ويمكن بلورة العناصر الساسية فيها‪ ،‬في نيف وعشرين نقطة تجسد استقلل القضاء‪،‬‬

‫‪9‬‬

‫سنعرضها نقطة نقطة‪ ،‬ثم نبين أن أغلبها من مقاصد الشريعة في القضاء أو من وسائل‬
‫المقاصد‪ ،‬التي لتتم المقاصد من دونها‪.‬‬

‫[‪]8‬‬
‫المقالة الثالثة‬

‫القضاء في العالم العربي‪:‬‬
‫أ‪-‬ل ضمانة لعدالة القضاء ول نزاهته دون استقلله عن‬
‫الحكومة‪:‬‬
‫لم تترسخ أعراف استقلل القضاء ‪ ،‬في العالم العربي ‪ ،‬ولم تتحدد معاييره ‪ ،‬ل في‬
‫الثقافة القضائية ‪ ،‬ول في الثقافة الجتماعية‪.‬‬
‫و تظن كثير من الحكومات المستبدة‪ ،‬ولسيما في العالم العربي ‪ ،‬أن استقلل القضاء‬
‫يعرض النظام السياسي إلى مخاطر أمنية‪ ،‬وهو شعور مرتفع المؤشر في العالم العربي ‪،‬‬
‫ولذلك فإن العتبارات البوليسية ؛ كثيرا ما تعيق الحكومات العربية‪ ،‬عن اللتزام‪ ،‬تعزيز‬
‫باستقلل القضاء‪.‬‬
‫ولكن تجربة الدول الوروبية ‪ ،‬دلت على العكس ‪ ،‬أي أن استقلل القضاء يسهم‬
‫مساهمة فعالة في تحقيق الستقرار السياسي ‪ ،‬على المدى القصير والبعيد (استقلل القضاء‬
‫في العالم العربي‪ :‬عادل عمر شريف وناثان ج‪.‬براون ‪ : 2 :‬بحوث مؤتمر العدالة الثاني‪.‬‬
‫القاهرة) ‪.‬‬
‫العدل والشورى أساس الحكم‪ ،‬وهذا الساس يقوم على عمودين اثنين‪:‬أولهما‪:‬وجود‬
‫مجلس نواب منتخب‪ ،‬وثانيها والقضاء المستقل‪ .‬هما أساسا العدل والشورى‪ ،‬وإن الدولة‬
‫العربية أحوج من غيرها إلى تعزيز الساسين معا‪،‬استقلل القضاء‪،‬والسلطة النيابية‪ ،‬لن‬
‫الدول التي لم تمارس الحكم الشوري كما قال عبد الرزاق السنهوري "في أمس الحاجة إلى‬
‫رقابة القضاء‪ ،‬لن السلطة التنفيذية فيها أقوى السلطات ‪ ..‬والدواء الناجح ‪ ..‬إصلح السلطة‬
‫القضائية وتعزيز دورها ‪ ،‬فهي أقرب السلطات إلى الصلح ‪ ،‬أعضاؤها بطبيعتهم أشربوا‬
‫‪10‬‬

‫حب العدل ‪ ،‬واحترام القانون ‪ ..‬ولن ُيقّدر لمبدأ المشروعية قيام أو استمرار ‪ ،‬إذا لم يوجد‬
‫بجانبه قضاء قوي حر نزيه مستقل يدفع عنه العتداء ‪ ،‬ويمنع عنه الطغيان " ( انظر حمودة‬
‫الهيتار ‪ :‬استقلل القضاء في اليمن ‪. )1 :‬‬
‫إن أكثر البلدان العربية تعلن مبادئ الحقوق‪ ،‬ولكن أكثرها يحتاج إلى أن ينتقل من‬
‫مرحلة العلن إلى مرحلة بناء المؤسسات ( انظر الشريف وبراون ‪ . )17 :‬بأن تبدي‬
‫السلطة التنفيذية التزاما بمعاملة القضاء ‪ ،‬بصفته سلطة مساوية شريكة‪ .‬بل أيضا إنه بعيد‬
‫عن الستيعاب النظري (استقلل القضاء في تونس غازي الغرايري ‪)1 :‬‬
‫كثير من البلدان العربية ‪ ،‬ل تنطبق عليه المعايير الدولية ول السلمية لستقلل‬
‫القضاء‪ ،‬والفجوة واسعة بين القانون المعلن في النصوص‪ ،‬والواقع المطبق على الناس‪،‬‬
‫حتى في حالة إصدار أنظمة لستقلل القضاء‪ ،‬لن النظمة لن تكون فعالة إل بشرطين‪:‬‬
‫الشرط الول توعية موظفي السلطة التنفيذية بما للناس من حقوق‪ ،‬لكي لتغتالها‪.‬‬
‫الشرط الثاني‪ :‬توعية الجمهور بحقوقه‪ ،‬لكي يطالب بها‪ ،‬و لكي ليتنازل عنها أيضا‪.‬‬
‫وأيضا لن يكون للنظم النظرية أثر يذكر مالم ترفق بتوعية العاملين في الجهاز‬
‫بإجراءات الستقلل ‪ ،‬وما لم يع الجمهور الجراءات الدستورية المقررة ‪ ،‬لنيل حقوقه‪ .‬إذن‬
‫عندما يدعو الناس إلى استقلل القضاء‪ ،‬فإن هنا يعني حماية المواطنين العزل أمام التنين‬
‫العربي‪ ،‬الذي يتخذ من القضاء له سلحا‪.‬‬
‫[‪]9‬‬
‫ب‪-‬تعقد طبيعة الدولة الحديثة وتعدد وظائفها‬
‫ول بد من مراعاة حماية المواطنين من تغول الدولة‪ ،‬الذي ورثته الدولة العربية‬
‫الحديثةعن القديمة‪ ،‬وزاده ضراوة وقساوة؛ طابع الحكم الشمولي في الدولة العربية الحديثة‪.‬‬
‫وتعقد طبيعة الحياة‪ ،‬وكثرة المستجدات‪ ،‬وجدت على الناس عادات وتغيرات كبرى‪.‬‬
‫وقد تغيرت طبيعة الدولة المعاصرة‪ ،‬وتعددت وظائفها‪:‬‬
‫أ‪-‬فلم تقتصر مهمة الدولة الحديثة‪ ،‬كما كانت في العصور القديمة‪ ،‬حفظ المن الداخلي‬
‫والخارجي‪ ،‬وإيجاد القضاء فحسب‪ .‬بل ظهرت للدولة الحديثة وظائف وطبائع تتجاوز دور‬
‫‪11‬‬

‫الدولة السائسة والحارسة‪ ،‬إلى الدولة الخادمة‪ ،‬المسئولة عن التعليم والصحة وسائر‬
‫الخدمات‪ ،‬والدولة المسئولة عن الزراعة والصناعة والتجارة‪ ،‬والدولة المسئولة عن‬
‫التوظيف والعاطلين والرعاية الجتماعية‪ ،‬والدولة المنشغلة بالقتصاد وهمومه‪.‬‬
‫وصار من واجب الدولة؛أن تحقق لمواطنيها حياة أفضل‪ ،‬ورعاية اشمل‪ ،‬في جميع‬
‫النواحي‪،‬وصارت الدولة ذات علقات خارجية‪ ،‬وكثرت التصالت والمواصلت‪ ،‬وتضخم‬
‫السكان وكثرت المدائن‪ .‬من أجل ذلك ظهرت مساوئ الحكم الشامل‪.‬‬
‫ب‪-‬وكثرت تدخلت الدولة في شئون الناس‪ ،‬فكل شيء بإذنها برخصة وفسح‪ ،‬من‬
‫شهادة الولدة‪ ،‬حتى شهادة الوفاة‪.‬‬
‫ج‪-‬وكثرت القضايا القتصادية والسياسية والمصرفية والتجارية‪ ،‬والعلمية والطبية‪،‬‬
‫وتشعبت وتركبت وتعقدت‪ ،‬وصارت المتغيرات أكبر وأعنف وأسرع‪.‬‬
‫د‪ -‬وصارت للدولة الحديثة أجهزة أمن تقنية رهيبة‪ ،‬وتقنيات متطورة في التجسس‪،‬‬
‫وصارت ذات أنياب شداد حداد‪ ،‬فأصبح شبح الخوف منها‪ ،‬ماثل عند كل خطوة ومهاتفة‪،‬‬
‫ومجلس وبيت‪ ،‬وليستطيع المجتمع العزل أن يبدي أبسط مقاومة‪ ،‬تجاه أفدح ظلم‪.‬‬
‫في ظل هذه التغيرات؛ هل التراث الفقهي العباسي قادر على المداد بالحلول المثلى‬
‫للحفاظ على حقوق المواطنين؟‪.‬‬
‫إن ذلك غير ممكن لن نقطة ضعف الحضارة السلمية العباسية‪-‬كماهو معلوم‪-‬هي‬
‫ضعف الفكر القضائي و السياسي (الدستوري)‪ ،‬وتلك كانت السبب الكبر في سقوطها‪ ،‬كما‬
‫كانت السبب الكبر في ما عانته المة‪ ،‬منذ عهد الراشدين‪.‬‬
‫ول يصح زعم زاعم بإمكان بتطبيق قضاء عادل ول نزيه في دولة حديثة ‪،‬إل في ظل‬
‫المفهوم الشوري للحكم‪ ،‬الذي يقوم على سلطة المة‪ ،‬في تحري مصالحها الشرعية‪ .‬ول‬
‫يمكن تطبيق النظام الشوري؛ في الدولة الحديثة؛ إل في إطار ضمانات وإجراءات وآليات‪،‬‬
‫تختصرها كلمة(النظام الدستوري)‪ .،‬وعلى توزيع عبء إدارة الدولة على ثلثة أعمدة‪ ،‬وعلى‬
‫الفصل (المرن) بين هذه السلطات الثلث‪ ،‬وعلى حرية الرأي والتعبير و الجتماع والمجتمع‬

‫‪12‬‬

‫السامية‪ ،‬وعلى تحديد مواد القضاء وتوحيدها وتدوينها‪ ،‬وإشاعتها بين الناس‪ ،‬وعلى قيام‬
‫القضاء بالشراف على دور التوقيف و السجون‪.‬‬
‫واستقلل القضاء ليس بتقرير قواعده نظريا النظرية‪ ،‬بل لبد من ضمانات إجرائية‬
‫لتنفيذ مبدأ الستقلل‪ .‬وليس هذا فحسب بل ضمانات أخرى هيكلية‪ ،‬لتطبيقه عمليا‪ ،‬كي ل‬
‫يكون حبرا على ورق‪.‬‬
‫من دون ذلك لن يصلح حال القضاء‪ ،‬وستظل السلطة القضائية مستقلة شكل‪ ،‬لكنها في‬
‫واقع المر مكبلة بالقيود الظاهرة و الباطنة‪ .‬وهذا ل يكون إل بتوافر ضمانات لتنفيذ مبدأ‬
‫الفصل بين السلطات الثلث‪ ،‬قبل ضمانات مبدأ استقلل السلطة القضائية‪ ،‬بذلك يكون‬
‫الستقلل التطبيق فعليا حقيقيا ول نظريا‪.‬‬
‫وعلى كل حال فإن استقلل القضاء‪ ،‬ليس امتيازا للقضاة‪ ،‬إنما معناه العمق أنه حق‬
‫من حقوق النسان(شحاته‪ ،)7:‬عامة والمتهم خاصة‪ .‬أي أن القضاء عندما يكون مستقل؛‬
‫فإنه أعظم حام لحقوق النسان العزل‪ ،‬أمام قوة الدولة المدججة بالسلح‪.‬‬
‫[‪]10‬‬
‫ج‪-‬للعدالة معايير وضمانات لصحة التطبيقات ولكل منها‬
‫قياس‪:‬‬
‫القضاء ل يكون سلطة مستقلة‪ ،‬محترمة مهابة؛ إل إذا كان الضعاف بأخذون حقوقهم‬
‫كاملة‪ ،‬أمام القضاء وهم غبر متعتعين‪ ،‬من أي قوي سواء أكان شخصا حقيقيا أم‬
‫اعتباريا‪،‬كما بين الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويكون القضاء هيئة تابعة غير عادلة‪ ،‬إذا كان الضعيف يأخذ حقه وهو متعتع‪ ،‬أي أن‬
‫بطء الفصل في النزاعات‪ ،‬فضل عن بطء تنفيذ الحكام يعتبران نوعا من أنواع الظلم‪ .‬فليس‬
‫الظلم محصورا بكون الضعفاء ل يستطيعون أخذ حقوقهم من القوياء‪.‬‬
‫فالقضاء له من الحترام والمهابة‪ ،‬بقدر مواقفه أمام الضعفاء‪ ،‬وبهذا المفهوم يكون‬
‫استقلل القضاء‪ ،‬علمة على تمتع النسان بحقوقه‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫وبذالك يبدو الترابط بين نظرية حقوق النسان ونظرية استقلل القضاء‪ ،‬بصفتهما‬
‫جزأين في تركيب بنيوي‪ ،‬فالقضاء هو ضامن حقوق النسان‪ ،‬وإذا لم تكن حقوق النسان‬
‫مدونة معلومة‪ ،‬ولم يكن الساس القانوني لكل مسألة قضائية محددا معلوما‪ ،‬فحدث عن‬
‫الجور والظلم ول حرج‪.‬‬
‫الدولة العربية المعاصرة تعلن في أنظمتها‪ ،‬استقلل القضاء‪ ،‬ولكن هل يكون استقلل‬
‫القضاء مجرد إعلن في ديباجة مرسوم أو قرار؟‪ ،‬وهل يمكن أن ينهض مفهوم استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬دون ضمانات إجرائية‪ ،‬تجسد استقلل القضاء‪ ،‬تسد أبواب تدخلت الحكومة؟‪.‬‬
‫[‪]11‬‬
‫المقالة الرابعة‬

‫هل يصح وصف أي نظام حكم بأنه‬
‫إسلمي‬
‫إذا كان غير شوري‬
‫أ‪-‬أهم إخفاق في التراث العباسي كان في نظرية‬
‫الحقوق‪:‬‬
‫هناك فرق كبير بين أن نقول عن فرد إنه مسلم‪ ،‬وبين أن نقول عن نظام حكم إنه‬
‫إسلمي‪ .‬فالشخص المسلم هو من قام بشعائر السلم‪ ،‬ول سيما أركان السلم الخمسة‬
‫وأركان اليمان الستة‪.‬‬
‫أما نظام الحكم السلمي‪،‬فهو الذي يطبق أركان الحكم السلمي العشرة أيضا‪،‬وأهمها‬
‫العدل والشورى والدعوة إلى الخير والمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والتعاون على البر‬
‫والتقوى وجهاد الطغيان الداخلي سلما وجهاد العدوان الخارجي حربا‪.‬‬
‫عندما ونقول عن أركان إسلم الحكم عشرة من باب التقريب ل الحصر‪ ،‬لن تحديد‬
‫العدد ليس بمقصود‪-‬كما أن الرسول صلى ال عليه وسلم عندما قال أركان السلم خمسة‪-‬‬
‫‪14‬‬

‫إنما قصد التقريب ل الحصر‪ .‬وعند تفصيل الركان؛ ل تستحق دولة أن توصف بالسلم إل‬
‫بما ليقل عن عشرة شروط من أهمها‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن المة المسلمة هي المخولة بتطبيق الشريعة‪ ،‬لالمراء والفقهاء(كما نص‬
‫ابن تيمية)‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن المة أدرى مصالحها‪ ،‬وهي ولية أمر نفسها‪ ،‬وتتعرف على مصالحها من‬
‫خلل من تقدمهم –هي‪ -‬من عرفائها‪ ،‬وأهل الرأي والخبرة فيها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن للمة القوامة على حكامها‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬ليس الحاكم إل وكيل‪ ،‬تعينه وتعزله بإرادتها‪.‬‬
‫الخامس‪:‬القاضي في محكمته‪-‬ليس وكيل عن الحاكم‪ -‬بل وكيل عن المة‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أن يلتزم كل من الحاكم والقاضي بالعدل‪ ،‬وتراقب المة تصرفاتهما‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أن ليصدر الحاكم في أي أمر من شئون المة‪ ،‬ول سيما الشئون الكبرى‪ ،‬إل‬
‫عن مشورة المة‪.‬‬
‫وهذه المور هي مضمون مصطلح‪ :‬البيعة على كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬ومن أجل ذلك نص الفقهاء كابن عطية؛على أن شرطي البيعة هما‪:‬العدل‬
‫والشورى‪.‬لمزيد من التدليل والتفصيا انظر للكاتب‪ :‬العدل والحرية‪ :‬جناحان حلق بهما‬
‫السلم‪ :‬مبحث أصول العقيد‪ :‬الفرق بين منظومة أركان إسلم الفراد الخمسة‪ ،‬ومنظومة‬
‫أركان إسلم الدولة والمجتمع‪-‬أيضا‪ -‬الخمسة)‪.‬‬
‫وكل هذه الركان تقوم على محور الشورى‪ ،‬فحبث تكون الشورى قطبا تدور حولها‬
‫الركان الخرى‪ ،‬وبقدر ما يصيب محور الشورى من عطل‪ ،‬تعاني الدوارات في مداره من‬
‫شتى العلل‪.‬‬
‫ولذلك عبر في اليات والحاديث عن اختلل شروط إسلمية القضاء والحكم بالكفر‪،‬‬
‫على أن كفر اللحاد غير مقصود في اليات والحاديث‪ ،‬في مثل قول ال تعالى"ومن لم يحكم‬
‫بما أنزل ال فؤلئك هم الكافرون"‪،‬وقوله صلى ال عليه وسلم"ل ترجعوا بعدي كفار يضرب‬
‫بعضكم رقاب بعض"‪ .‬ومن ذلك وصف الرشوة بالكفر‘ في ما رواه التابعي مسروق عن ابن‬
‫‪15‬‬

‫مسعود –موقوفا‪"-‬من رد عن مسلم مظلمة فأهدى له عليها ‪ ،‬قليلً أو كثيرا ‪ ،‬فهو السحت ‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا أبا عبد الرحمن‪ ،‬ما كنا نرى السحت إل الرشوة في الحكم‪ ،‬قال‪ :‬ذلك كفر"‪.‬وقول‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم"سباب المسلم فسوق‪ ،‬وقتاله كفر"‬
‫وإنما المقصود‪-‬في مثل هذه النصوص‪ -‬تشبيه الحرب الهلية والظلم والستبداد‪ ،‬بكفر‬
‫اللحاد‪ ،‬تنبيها على فداحتها وشناعتها‪ ،‬ووجوب قيام الناس جميعا‪ ،‬خفافا وثقال بالجهاد‬
‫السلمي لمحاربتها‪ .‬ولعل عبارة نظام حكم كسروي أو قيصري‪ ،‬أقرب للتعبير عن شناعة‬
‫المعاصي السياسية‪ ،‬من دون إيحاء بكفر اللحاد‪ .‬ولعل من مراعاة أفهام الناس أن لنركز‬
‫على هذا الوصف‪ ،‬لن كثيرا من الناس يفهمون منه كفر اللحاد‪ ،‬المخرج من الملة‪،‬‬
‫ويضعونه في مفهوم الجاهلية‪ ،‬وهذا يجر الغافلين والجاهلين بالمعاني الثانوية للجاهلية‬
‫والكفر في القرآن والسنة‪ ،‬الذين يتصورونهما كل ما وردا بمعنى الشرك الكبر‪،‬وكفر‬
‫اللحاد‪،‬موغلين في تكفير المسلمين واستحلل دماء البرياء‪.‬‬
‫من أجل ذلك عندما نتحدث عن مفهوم الحكم في السلم‪ ،‬ينبغي أن نفرز بين صريح‬
‫التنزيل والتطبيق الراشدي وبين اختلل التأويل والتطبيق‪ ،‬ففي عصور الحكم الجبري‬
‫والعضوض‪ ،‬انحرف الناس عن هدي الشريعة‪ ،‬ولكن من ماحافظ على بعض حقوق الناس في‬
‫ظلل الحكم الجبري والعضوض؛ أن التشريع لم يكن للسلطة التنفيذية‪ ،‬بل كان للقرآن‬
‫والسنة‪ ،‬فقد ظل الناس في نزاعاتهم العائلية والجتماعية والتجارية‪ ،‬يحتكمون إلى الشرعة‬
‫المطهرة‪.‬‬
‫ومع أن السلطين وإن كانت لهم مخالفات صريحة‪ ،‬في مجال القضاء ول سيما‬
‫السياسي‪ ،‬لم يستطيعوا أن يشرعوا‪،‬في القانون المكتوب‪ ،‬إل شيئا قليل‪ ،‬ظل أيضا مثار‬
‫خلف‪ ،‬كسلطة الحاكم المطلقة‪ ،‬وكون إحياء الرض الموات ل يكون إل بإذنه‪ ،‬فلم تصبح‬
‫بدعا راسخة‪ ،‬على شكل قواعد قضائية(أسس قانونية)منسوبة إلى الشريعة‪ ،‬بل نظر إليها‬
‫على أنها ممارسات جور‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫مع كل ما حصل ‪ " ،‬لم يبلغ بهم [أي الحكام الجائرون] إلى ابتداع قواعد فضائية‬
‫مخالفة للشريعة" ( كامل ‪.)22 :‬أي اعتبارها من ما أمرت به الشريعة‪ ،‬ولكن جهود الفقهاء‬
‫والعلماء لم تستطع مقاومة سيل الظلم الجارف‪ ،‬بل إنها لم تستطع الخلص من مناخه‪.‬‬
‫ولكن أهم إخفاق الفكر السلمي القديم في صياغته العباسية‪ ،‬هو مجال الفقه‬
‫السياسي والقانون الدستوري‪ ،‬فقد قرأ عديد من الكتاب من فقهاء ومفسرين ومؤرخين‬
‫وأدباء؛ القرآن الكريم والحديث الشريف‪ ،‬وتاريخ الراشدين‪ ،‬دون خلفية معرفية في علوم‬
‫الجتماع‪ ،‬ولسيما علم الجتماع السياسي‪.‬‬
‫وتأثروا بمناخ الستبداد الكسروي العباسي‪ ،‬الذي هو شر من تنين هوبز‪ ،‬فأنشأوا فكرا‬
‫سياسيا‪ ،‬يزاوج بين (الصحراوية) العربية‪ ،‬و (الكسروية) الفارسية‪ ،‬ولم يكن هذا خاصا‬
‫بالمسالمين‪ ،‬ول بعلماء السلطين‪ ،‬بل شمل أيضا المعارضين‪ ،‬وهذا يدل على أنه خلل بنيوي‬
‫منهجي‪ ،‬فقد رسخ الفقه السياسي القديم نظرية الستبداد الفردي كما ذكر زيد بن الوزير في‬
‫كتاب"الفردية"‪ ،‬فلم ينج من براثنها؛ حتى محمد عبده والفغاني؛ اللذين أشادا بالمستبد العادل‪.‬‬
‫واختصرالجميع الصلح بصلح الحاكم والعالم وهمشوا دورالشعب وقدموا أساليب‬
‫توافقية للمشكلت‪ ،‬فأعطوا الحكام سلطة مطلقة‪ ،‬واعتبروا الشورى غير ملزمة‪ ،‬وقد أشاعوا‬
‫أقوال تمجد الحكام‪ ،‬كأقوال الفضيل بن عياض‪ ،‬أو البربهاري ونحوهما‪،‬وثبتوا هذا النحراف‬
‫في كتب العقيدة‪ ،‬فاصبح تصحيحه صعبا‪ ،‬يعرض من قاربه إلى تهم الجهل والبدع‪.‬‬
‫[‪]12‬‬
‫ب‪-‬الغفلة عن أن الطار الدستوري إنماهو ضمانات‬
‫وهياكل للمفهوم الشوري للحكم‬
‫ولما نادى المنادون بالدستور في عهد استعمار بريطانيا مصر؛ كان مفهوم الدستور‬
‫تطبيق العلمانية‪ ،‬بذلك نفهم كلمة حسن البنا في زمن المناداة بالدستور‪ ،‬عندما أجاب‪ :‬القرآن‬
‫دستورنا‪ ،‬وهي كلمات حق خشي فيها الدعاة آنذاك الزمن‪ ،‬أن الستعمار البريطاني يريد أن‬
‫يفرض على المسلمين دستورا يعتبر العلمانية عقيدة كما فعل أتاتورك في تركيا‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫ولكن الكلمة ليست صحيحة إذا أطلق اللفظ عن مناسبة المقام‪ ،‬لن الدستور ليبيح‬
‫شيئا ول يحرمه‪ ،‬إنما الناس من خلله يطبقون شريعتهم‪ ،‬الوربيين كانوا يفعلون هذه‬
‫المعاصي قبل الدستور‪ ،‬وأنهم يفعلونها لنها هي العراف المستقرة في نظامهم الجتماعي‪،‬‬
‫فكانت لحملة هؤلء على الدستور‪،‬سبب خاص‪ ،‬وغفل من بعدهم عن المقام‪.‬‬
‫ولكنه لم يكن يريد أن القرآن دستور(بالمعنى الحقيقي للدستور) فالدستور أساس نظام‬
‫الحكومة‪ ،‬أيا كانت‪ ،‬وعندما تصاغ كلمته بعيدا عن مناسبتها تكون‪ :‬القرآن والسنة وتطبيقهما‬
‫النبوي والراشدي (أساس) دستورنا‪.‬‬
‫إن القواعد القطعية في كل تواريخ المم؛ هي أن العدل أساس الحكم‪ ،‬وأنه ل أمن‬
‫مندون عدل‪ ،‬وأنه ليمكن ضمان أي عدل من دون رسوخ النظام الشوري في المجتمع‪ ،‬الذي‬
‫يؤكد سلطة المجتمع وسيادته على الحكومة‪،‬‬
‫من أجل ذلك فإنه ينبغي قبل أن ننادي بتطبيق الشريعة‪ ،‬أو نقول السلم هو الحل‪ ،‬أن‬
‫ندرك أن أمثال هذه النظريات ليست من السلم أول‪ ،‬ولن تكون الحل‪ ،‬بل ستكون المعضل‪،‬‬
‫إذ ليمكن بناء نظرية الستقلل على هذا التراث‪ ،‬الذي أخل بمفهوم التعاقد‬
‫الجتماعي(البيعة)‪ ،‬بين المجتمع والدولة‪.‬‬
‫إذ ل يمكن تحقيق عدالة قضائية؛ إل في ظلل نظرية للحقوق عادلة تقرر ما للناس‬
‫أفرادا وجماعات ومجتمعات‪ ،‬من حقوق ثقافية واقتصادية وسياسية ومدنية‪ ،‬قررها السلم‬
‫وطبقها المسلمون في العهد النبوي والراشدي قبل ألف عام من قيام الثورة الفرنسية‪.‬‬
‫و ل يمكن تحقيق عدالة قضائية؛ إل في ظلل نظرية تقرر أن دور الحاكم إنماهو اتخاذ‬
‫الجراءات المناسبة لحفظ هذه الحقوق التي قررتها الشريعة‪ ،‬على أن ليحتكر وسائل تطبيق‬
‫الشريعة‪ ،‬في أمور الناس العادية بوصفه وصيا‪ ،‬وإنما بوصفه وكيل ونائبا عن الناس‪ ،‬وأن‬
‫يكون تحديد مصالح الناس‪-‬في مالم يتقرر في الشريعة‪-‬إنما يكون بمشورتهم‪ ،‬فهم عبر‬
‫ممثليهم أدرى بما يصلح أحوالهم‪.‬‬
‫ول يمكن حفظ حقوق الناس هذا فضل عن تحقق كون ولي المر وكيل إذا صار من‬
‫حقه إصدار اجتهاد في مسائل خلفية‪ ،‬وتشريع أنظمة‪ ،‬يلزم الناس بها‪ ،‬لن تقرير مصالح‬
‫‪18‬‬

‫للناس؛ إنما يجب أن يكون في السلم من سلطة تمثل إرادة الناس‪،‬أي مجلس النواب( أهل‬
‫الرأي والحل والعقد)‪ ،‬وهم الهيكل الذي تنطبق عليه مواصفات (أولي المر)‪-‬حسب تفسير‬
‫عدد من التابعين‪-‬الذين اعتبروا مناط إرادة المة ومرآة إجماعها‪ ،‬وأهل الرأي فيها؛ هم‬
‫القادرون على استنباط الصواب‪ ،‬فأولئك هم المفوضون بتقرير أمورها‪ ،‬على القرآن‬
‫والسنة(كما في آيتي سورة النساء)‪ ،‬ول يسمح موضوع المقال‪ ،‬بالستطراد في هذا المجال ‪.‬‬
‫فكيف يكون ولي المر وحده فحسب أدرى بمصلحة المة من فقهائها وخبرائها‬
‫وتكنوقراطها؟‪ .‬إنه إذا اعتبر وحده أدرى بالمصلحة‪ ،‬فذالك يحتوى على مخالفة صريحة‬
‫لقطعيات الشريعة‪ ،‬التي خاطبت المة مباشرة‪ ،‬واشترطت في الحاكم أن يكون شوريا وقررت‬
‫أن الدرى هم أهل الرأي والخبرة‪ ،‬كل حسب اختصاصه‪.‬‬
‫[‪]13‬‬
‫ج‪ -‬تضخيم حقوق الئمة وتقزيم حقوق المة‪:‬‬
‫يجب أن نعترف ليس لدينا إدراك عميق لعلقة العدل بالشورى‪ ،‬منذ بداية تدوين‬
‫الحديث‪ ،‬أجل ذلك شاعت الحاديث الضعيفة والموضوعة التي تقدس الحاكم كحديث "السلطان‬
‫ظل ال في أرضه‪ ،‬من أكرمه أكرمه ال‪ ،‬ومن أهانه أهانه ال" وحديث‪":‬لتسبوا السلطان فإنه‬
‫فيء ال في أرضه"‪ .‬وحديث"من أراد أن ينصح لذي سلطان؛ فل يبده علنية‪ ،‬ولكن ليأخذ‬
‫بيده‪،‬فيخلوا به‪ ،‬فإن قبل فذاك‪ ،‬وإن ل كان قد أدى الذي عليه"‪.‬‬
‫ثم جاءوا وأسقطوا مناسبات الحاديث الصحيحة‪ ،‬وتحت قاعدة العبرة بعموم اللفظ‬
‫لبخصوص السبب‪ ،‬عمموا الحاديث الصحيحةالمقيدة والمخصصة‪ ،‬فأوقعوا الناس في‬
‫إشكالت التأويل‪ ،‬كقوله صلى ال عليه وسلم‪"":‬أعطوهم –أي الحكام‪ -‬مالهم وسلوا ال الذي‬
‫لكم""‪ ،‬وحديث ""أطع المير ولو ضرب ظهرك وسلب مالك"‪ ،‬فهذان الحديثان خاصان بما إذا‬
‫أصدر القاضي العادل حكما في حق خاص‪ ،‬وأراد المير تنفيذ قضاء القاضي‪ ،‬وتعميم‬
‫ظاهرهما غير صحيح قطعا‪ ،‬لنه يخالف قطعيات الشريعة التي أمرت بإقامة العدالة‪ ،‬كقوله‬
‫تعالى" والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون"‪ ،‬وقوله تعالى"إن ال يأمر بالعدل والحسان"‪،‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم"إنما الطاعة بالمعروف"‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫من أجل ذلك انتهكت مبادئ العدل والمساواة والكرامة والتعددية والحرية‪،‬عبر أروقة‬
‫المحاكم‪ ،‬بإشاعة بعض التنظيرات وفي غالب التطبيقات وأكبر من ذلك ما رآه بعض الفقهاء‬
‫من أنه ليجوز إحياء الرض الموات‪ ،‬إل بإذن المام‪ ،‬مخالفين بذلك صريح الحديث"من أحيا‬
‫أرضا ميتة فهي له"‪ ،‬والحديث صريح العموم وقد استغل أئمة الجور مثل هذه الراء في‬
‫السيطرة على القتصاد‪ ،‬فوزعوا أراضي المة على المحاسيب والقارب والفاسدين‬
‫والمداهنين‪.‬‬
‫[‪]14‬‬
‫المقالة الخامسة‬

‫تصفية أنماط القضاء الثراثي‬
‫والحداثي في مصفاة صريح الشريعة‬
‫وصحيح علوم النسان والطبيعة‬
‫أ‪-‬العقبة الكئود‪:‬‬
‫تصطدم محاولت بناء الدولة العربية السلمية الحديثة‪ ،‬ولسيما النظام‬
‫القضائي؛ بجذور الفكر القضائي‪ ،‬المصوغ في العصور العباسية‪ ،‬الذي استقر في متون‬
‫التراث وما بعدها‪ ،‬لن مبدأ استقلل القضاء المرتبط حتما بمسئوليته؛ ل يمكن أن يتبلور‬
‫بصورة فعالة‪ ،‬ما لم يكن مؤسسيا‪.‬‬
‫وتلك العقبة التي لن يقتحمها أي إصلح قضائي يستند إلى مرجعية إسلمية‪ ،‬ما لم‬
‫يفرز صفاء المرجعية السلمية الصيلة‪ ،‬التي هي نصوص القرآن والسنة الصريحة الدللة‬
‫والتطبيقات النبوية‪ ،‬التي جسدت استقلل القضاء ومسئوليته وعدالته وحياده ونزاهته‬
‫وشفافيته‪ ،‬عن ما شابها من بعض الراء و الليات والنماط التي تكرست في ظلل الحكم‬
‫الجبري الجائر و كأنها من مقاصد الشريعة أو من وسائلها المعتبرة وتنوقلت عبر الجيال‪،‬‬
‫وهي التي ل تتسق مع حقل الحكم الشوري الراشدي‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫وتصفيتها أيضا من التطبيقات في الهياكل والجراءات‪ ،‬التي تختلف حسب‬
‫الحتياجات‪،‬من ما احتوته المدونات التراثية الفقهية‪ ،‬التي حرصت على تجسيد مبدأ‬
‫الستقلل‪ ،‬كان المسلمون حريين بإسلم النموذج الراشدي‪ ،‬بإقامة أعراف استقلل القضاء‪.‬‬
‫ولكن الثقافة الصحراوية والكسروية لم تساعد على بلورة هذا المبدأ وتفعيله‪ ،‬فكرا وهياكل‬
‫وإجراءات‪ .‬ولم تستطع‪-‬أيضا‪ -‬أن تبلور في أساس القضاء المطبق نظرية حقوق الفراد‬
‫والجماعات والمة‪ ،‬بصورة وافية التساق في تجسيد مبدأ العدل السلمي‪.‬‬
‫ول بد من تجديد بناء ثقافة حقوق النسان و المتهم أولً‪ ،‬و تجديد بناء ضمانات‬
‫عدالة القضاء و نزاهته ثانيا‪ ،‬لكي يكتشف المسلمون المغرمون بمعايير العدالة الغربية؛ أن‬
‫السلم أرسى أغلب المعايير التي اتخذتها الهيئات الدولية‪ ،‬في مجال حقوق الفراد‬
‫والجماعة‪ ،‬قبل أربعة عشر قرنا ‪ ،‬وإن أخل بها التراث الموي والعباسي‪.‬‬
‫وعلى أقل تقدير يمكن أن يقال‪ :‬إن طبيعة الدولة الحديثة ووظائفها تعقدت وتكاثرت‪ ،‬و‬
‫أن الحكام تتغير‪ ،‬لتناسب الحوال المستجدة؛ لسيما و الحكام المشار إليها؛ إنما هي في‬
‫الجراءات و الهياكل و الضمانات‪ ،‬وليست في جوهر نظرية الحقوق‪.‬‬
‫ولكي يصبح القضاء في أي بلد عربي أو إسلمي‪ ،‬إسلميا مستقل‪ ،‬ينبغي إعادة‬
‫التأسيس في فقه المقاصد على الكتاب والسنة نصا ‪ ،‬والحقل النبوي والراشدي تطبيقا‪ ،‬ثم‬
‫إعادة بناء النظريات والفروع والليات والهياكل‪ ،‬مع الستفادة من تجارب المم الخرى التي‬
‫أقامت ميزان العدالة‪ ،‬وتمرست بفهوم الدولة الحديثة الشورية في فقه الوسائل‪.:‬‬
‫وأصل فقه المقاصد هو المدونات الفقهية الحقوقية والقضائية‪ ،‬على أن يتم الفرز‬
‫الكافي بين مستويات الفقه السلمي الربعة‪:‬‬
‫أ‪-‬قطعيات الشريعة التي جاءت في صريح الكتاب والسنة)‪،‬التي يجب لها التسليم‪ ،‬من‬
‫دون تعليل ول تفسير‪ ،‬استجابة لقوله تعالى"وما كان لمؤمن ول مؤمنة؛ إذا قضى ال‬
‫ورسوله أمرا؛ أن يكون لهم الخيرة في أمرهم‪."....‬‬
‫ب‪-‬الجتهادات الفقهية الصحيحة التفريع المتسقة البناء على كليات الشريعة‬
‫ومقاصدها‪ ،‬الصالحة لكل زمان ومكان‪ ،‬من مادليله صريح ليحتمل التأويل‪ ،‬وليس فيه خلف‬
‫‪21‬‬

‫معتبر‪ ،‬ول سيما في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬من ما هو من ثوابت الشريعة‪ ،‬ويعد معيارا‬
‫توزن به الشياء‪،‬كقول أبي بكر"القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق‪ ،‬والضعيف‬
‫فيكم عندي قوي حتى آخذله الحق" وكضمان علي بن أبي طاب التعددية المذهبية والمعارضة‬
‫السلمية للخوارج‪.‬‬
‫ج‪-‬الجتهادات الفقهية في مفهوم (العدالة) التي يظن أنها قواعد معيارية‪ ،‬وهي أخطاء‬
‫ل تتسق مع كليات الشريعة‪ ،‬أو لتتسق مع مقاصدها‪ ،‬كنظريات قمع المخالفين في الرأي‬
‫وتفسيقهم‪ ،‬وتسمية من ل يخالف نصا قطعي الدللة والورود مبتدعا أو من أهل البدع‪ ،‬وقتل‬
‫الزنديق‪ ،‬وتعذيب المتهم‪ ،‬واشتراط إحياء الرض الموات؛ بإذن الدولة‪ ،‬ول سيما الجائرة‪.‬‬
‫د‪-‬الجتهادات الفقهية‪ ،‬في مفهوم النزاهة والكفاية (فكرا وإجراءات وهياكل) التي‬
‫تتناسب مع بعض المكنة والزمنة‪ ،‬ول تصلح لكل زمان ومكان‪ ،‬ككون القضاء في المسجد‪،‬‬
‫وكونه من دون أجرة‪ ،‬وكنظرية التفويض‪ ،‬وديوان المظالم‪ ،‬ونظام الحسبة‪.‬‬
‫وفي فقه الوسائل لبد من الخذ بما صح بناؤه وصلح تركيبه على الوقائع المعاصرة‪،‬‬
‫من الفقه الجتهادي‪ .‬من ما صح وصلح من المخزون المتراكم عبر الجيال من الفقه‬
‫السلمي‪ ،‬الذي استفاد منه الغرب في حداثته القانونية‪ ،‬بأخذ ما صح بناؤه وقياسه‪،‬كشروط‬
‫ضوابط كفاية القاضي‪،‬والتركيز على ورع القضاة‪ ،‬وغيرها كثير جدا وهو الغالب‪ .‬إن الفقه‬
‫طوال تلك العصور‪ ،‬صار مخزونا كبيرا لنواع من الجتهادات القضائية‪ ،‬يمكن أن يستفاد‬
‫منها اليوم بعد تنظيمها وترتيبها‪.‬‬
‫ولكن ينبغي نبذ مال ينسجم مع نصوص الشريعة وروحها‪ ،‬من المعايير والقواعد‬
‫القضائية التي وجدت أزمنة النحدار والنحسار ‪،‬كنظرية جواز تعذيب المتهم‪ ،‬وقبول إقرار‬
‫التعذيب‪ ،‬وما ل يناسب عصرنا الحاضر من من الجراءات والهياكل‪،‬كصيغة ديوان (المظالم)‬
‫في الدولة العباسية‪.‬‬
‫وفي فقه الوسائل لبد من أخذ ما ينسجم مع الشريعة‪ ،‬من النظريات والقواعد القضائية‬
‫والجراءات والهياكل‪ ،‬التي أصبحت من المعايير الدولية ‪ ،‬وهي في الغالب من وسائل تحقيق‬
‫المقصود الشرعي‪ ،‬كإجراءات استقلل القضاء وتوزيع سلطة الدولة على ثلثة محاور‬
‫‪22‬‬

‫والفصل بين السلطات الثلث‪ ،‬وتحديد الساس القانوني(القاعدة القضائية) ونظريات الحقوق‬
‫التي تنسجم مع نظريات الشريعة السلمية‪ .‬ونبذ الثقافة القانونية الجنبية التي ل تنسجم مع‬
‫السلم‪ ،‬سواء في نظريات الحقوق‪ ،‬أو هياكلها وإجراءاتها‪ ،‬وهو القليل‪ ،‬كتساهلها في‬
‫المور الخلقية كالزنا والشذوذ الجنسي والقمار‪ ،‬وإباحة شرب الخمر ونظام المحلفين‪.‬‬
‫[‪]15‬‬
‫ب‪-‬تفكيك جذور الستبداد الكامنة في التراث العباسي‪:‬‬
‫ونحن اليوم بحاجة إلى الستفادة من التراث والتأسيس على مافيه من أفكار و قواعد‬
‫صلبة‪ ،‬بفرز هذه الفكار والقواعد الصلية‪ ،‬المبنية على الكتاب والسنة‪ ،‬عن القواعد والفكار‬
‫الدخيلة‪ ،‬التي لحقت بالفكر القضائي‪ ،‬خلل رحلة مروره الطويلة‪ ،‬بالزمنة والمكنة‪.‬‬
‫لكي يتسنى لنا أن نقدم السلم القضائي‪ ،‬سابقا ما في الشرائع الدولية المعاصرة‪ ،‬من‬
‫عدالة مبادئ‪ ،‬طمست عبر الزمن‪ ،‬بسبب توقف عدالة الجراءات أو ضعفها‪ ،‬أو فكان ذلك‬
‫سببا لدخول القوانين غير السلمية إلى الدول السلمية‪ ،‬ولكي ل نضع السلم خصيما‬
‫للقوانين العالمية العادلة مثل (قانون بلنتير لفصل السلطات) ول للمعاهدات التي أجمعت‬
‫عليها الشرائع الدولية‪ ،‬كالمحكمة الجنائية الدولية‪ ،‬و(معاهدة روما)وميثاق القضاء العالمي‪،‬‬
‫وميثاق حقوق النسان‪.‬‬
‫ولكي يتبين خطأ الذين يرفضون المعايير الدولية لستقلل القضاء ولحقوق النسان‬
‫عامة‪ ،‬والمتهم والموقوف والسجين خاصة‪ ،‬تحت شعار الخصوصية‪ ،‬وأنهم يقدمون وجهات‬
‫نظر‪ ،‬أقل ما نقول فيها أنها غير مسلم لها‪ ،‬وأنها حسب عبارة ابن حجر في غير هذا السياق‬
‫من باب (تشريع ما ليس بشرع)‪.‬‬
‫ولن تستطيع أي محاولة إسلمية لتأسيس مفهوم الدولة الحديثة أن تنجح‪ ،‬ما لم تحقق‬
‫استقلل القضاء‪ ،‬ولن يتحقق استقلل القضاء ما لم تتجاوز الدولة الخلل الدستوري‪ ،‬تفكك‬
‫الجذور الفكرية التي تأسس عليها الستبداد‪ ،‬وهي كامنة في جذور الفكر الفقهي والقضائي‪،‬‬
‫الذي صيغ في ظروف الختلل قبل ألف عام‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫[‪]16‬‬

‫‪-6‬‬
‫أ‪-‬وهم شائع‪ :‬الستقلل يقلل المسئولية؟‪:‬‬
‫مصطلح استقلل القضاء يتعرض لسوء الفهم‪ ،‬لنه يحتوي على بعض الغموض‪ ،‬إذ‬
‫يتوهم كثيرون من الذين لم يحيطوا علما بمفهومه؛ أن الستقلل يقلل من مسئولية القضاء ‪،‬‬
‫ويجعله طليقا من دون ضوابط العدالة‪ ،‬عندما يكون القاضي حرا من أي سلطة مساءلة‪ .‬وهذا‬
‫فهم خاطئ‪ ،‬فالقاعدة الذهبية هي أنه كلما كان القضاء أكثر استقللً‪ ،‬صار أكثر مسئولية‪.‬‬
‫نعم إذا كان استقلل القضاء من دون ضوابط أو بضوابط هشة؛ يمكن أن يكون على‬
‫حساب المسئولية‪( ،‬كما في إيطاليا)‪ ،‬ولسيما إذا أدى إلى الخلل بضمانات الكفاية المهنية‪،‬‬
‫أو التساهل في التأديب ( انظر‪:‬إدوين ريكوش‪:‬استقلل القضاء في أوربا دليل ‪ ،)63 :‬أو كان‬
‫القضاء يحكم من دون قواعد محددة موحدة مدونة معلومة للجمهور‪(،‬كما في القضاء‬
‫السعودي) أو كان يحكم بنظرية للحقوق؛ تهمش ما للمجتمع أفرادا وجماعات؛ من حقوق‬
‫مدنية وثقافية واجتماعية وسياسية(كما في القضاء في الدول العربية المستبدة)‪.‬‬
‫ليست العلقة بين مفهوم الستقلل والمسئولية ضدية‪ ،‬بل ول جدلية‪ ،‬ولكن العلقة‬
‫تكاملية بل تراتبية أحيانا‪ ،‬وسيظل الجدل قائما بين (الستقلل ) و ( المسئولية )‪ ،‬من‬
‫المفترض أن يكون القضاء مستقلً عن السلطة النيابية‪ ،‬وفي نفس الوقت أيضا مسئولً‬
‫أمامها وأمام الجمهور عن أحكامه أيضا‪.‬‬
‫الستقلل يعني تحرير القضاء من أي سيطرة سابقة على أحكامه‪ ،‬أما المسئولية فهي‬
‫أن توجد آليات تستطيع الهيئة القضائية من خللها أن تظهر جهة مستقلة ‪ ،‬بأن تفسر أفعالها‬
‫بعد اتخاذها‪ ،‬وبأن تكون أفعالها واضحة علنية‪ ،‬لن زيادة الشفافية هي مفتاح الستقلل‬
‫والمسئولية معا (مجموعة من القانونيين‪:‬الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي‬
‫تعزز استقلل القضاء‪ :‬دليل استقلل القضاء ‪.)50 :‬‬
‫‪24‬‬

‫[‪]17‬‬
‫ب‪-‬متى يكون الستقلل مظنة التفريط ومتى يضمن‬
‫العدل‪:‬‬
‫يكون الستقلل خطيرا في حالت عديدة‪،‬عندما يتجرد مفهوم الستقلل من الشفافية‪،‬‬
‫أو المساءلة والتأديب‪ ،‬وعندما تكون القاعدة القضائية(الساس القانوني) التي يطبق القضاة‬
‫الوقائع عليها غير محددة‪ ،‬و عندما يضعف تأهيل القضاة للبت في القضايا التجارية‬
‫والقتصادية و السياسية والمالية والدولية المعقدة أو المهمة‪ .‬إذ يؤدي استقللهم إلى ضعف‬
‫إحساسهم بالمسئولية واستبدادهم ‪ ،‬فيصبحون في دور أسياد المجتمع‪ ،‬ويغفلون أن دور‬
‫القضاء في كل مكان هو خدمة العدالة‪ ،‬أي خدمة الجمهور ‪.‬‬
‫إن استقلل القضاء مفهوم منضبط بمعايير محددة‪ ،‬وكل أمثال هذه السلبيات؛ مخلة‬
‫بمفهوم استقلل القضاء نفسه‪ ،‬من أجل ذلك فإن أي ضعف في استقلل القضاء؛ يعرض‬
‫القضاء للتفكير بأسلوب السلطة التنفيذية ‪ ،‬بحيث يصدر أحكاما يتحرى فيها أن ل تكون‬
‫موضع مؤاخذة من السلطة ‪ ،‬أو موضع عدم تنفيذ (جنيفر روندر‪:‬استقلل القضاء في أفريقيا‪:‬‬
‫دليل ‪ . )55‬إن المسئولية تجاه المؤسسة القضائية‪ ،‬قد تكون وسيلة للتدخل في الستقلل‬
‫الفردي‪ ،‬ولذلك يجب تحديد المسئولية‪ ،‬وأن تعرف مسئولية المؤسسة تجاه الجمهور‬
‫(انظر‪:‬لين هامر جرن‪:‬الستقلل والمسئولية‪:‬الدليل ‪.)167 :‬‬
‫ويمكن التفرقة بين المسئولية والستقلل‪ ،‬من خلل التوقيت‪ .‬فالستقلل يعني قدرة‬
‫القاضي على الستقلل‪ ،‬وعدم خضوعه للضغوط الخارجية قبل إصدار الحكم ‪ ،‬وتجرده للقيام‬
‫بالواجب القضائي‪ .‬أما المسئولية فهي مسألة لحقة ‪.‬‬
‫ومن عوامل النسجام بين عنصري الستقلل والمسئولية ‪ ،‬أن يفسر القضاء ويبرر كل‬
‫أعماله إدارية ووظيفية‪ ،‬ويبرز النتائج التي توصل إليها ‪" ،‬من أجل ثبات انطباق الوقائع على‬
‫الساس القانوني المطبق وذلك يعني التفاق قبل التطبيق على المعايير‪ ،‬وذلك يشير إلى‬
‫أهمية تحديد القواعد القضائية المطبقة" (لين هامر جرن‪:‬الستقلل والمسئولية دليل ‪.)162 :‬‬

‫‪25‬‬

‫وهكذا فإن المسئولية‪ ،‬تضع حدودا نظرية لحرية القضاء‪ ،‬ولكن هذه الحدود‪ ،‬ل تهدد‬
‫الستقلل‪ ،‬لن الستقلل غير الكافي يأخذ الهيئة القضائية‪ ،‬بعيدا عن القرارات المنطبقة على‬
‫القانون‪ ،‬والمسئولية تقتضي أن تقوم الهيئة القضائية‪ ،‬بتبرير أفعالها ببيان أنها تنطبق على‬
‫القواعد القضائية‪.‬‬
‫[‪]18‬‬
‫ج‪-‬المسئولية والستقلل‪ ،‬يتعاونان على ضمان العدالة‪:‬‬
‫وبهذا التنسيق فإن المسئولية تقوى من الستقلل‪ ،‬والستقلل يقوى من المسئولية‪،‬‬
‫مهما كان التوتر الظاهري بينهما‪.‬‬
‫لن الحاجة إلى تسبيب الحكام؛ تحمل القضاء على التحرر من أن يقول " أجبرني‬
‫الرئيس على فعل ذلك " لنه مطالب بتبرير منطقي لحكامه‪.‬‬
‫لكن الستقلل ل يكفي إذا استشرى الفساد وصار هو المشكلة‪ ،‬إذ يجب التعامل مع‬
‫ثلثة أبعاد‪ :‬المسئولية والستقلل وفعالية القواعد القضائية‪( .‬لين هارمر‪ .‬الستقلل‬
‫والمسئولية‪:‬دليل ‪.)163 :‬‬
‫إن المسئولية ينظر إليها على أنها وسيلة لمواجهة الفساد داخل القضاء ‪ ،‬غير أن‬
‫العلقة أكثر تعقيدا ‪ ،‬إذا كان الفساد هو السبب الوحيد ‪.‬‬
‫من مصادر الخلط‪ ،‬استخدام مصطلح الشفافية‪ ،‬وسيلة مهذبة للشارة إلى الموضوعات‬
‫المتعلقة بالفساد‪ ،‬لن الشفافية تعد جزءا كبيرا من المسئولية‪ ،‬لكنها عنصر واحد من عناصر‬
‫مواجهة الفساد (لين هامر جرن‪:‬الستقلل والمسئولية دليل‪.)163:‬‬
‫وعلى كل حال فإن السلطة القضائية مسئولة عن أفعالها‪ ،‬كأي سلطة أخرى تنفيذية أو‬
‫نيابية (جنيفر وندر‪:‬استقلل القضاء في أفريقيا دليل‪ )64 :‬فل سلطة من دون مسئولية‪ ،‬ول‬
‫مسئولية من دون سلطة مستقلة‪ ،‬فالمزيد من الستقلل يتطلب المزيد من المسئولية‪،‬‬
‫فالمسئولية تدعم الستقلل (لين هامر جرن‪:‬الستقلل والمسئولية دليل ‪ .)169 :‬إذن هناك‬
‫علقة حتمية بين المسئولية واستقلل القضاء (خالد القباني ‪ :‬استقلل القضاء في لبنان ‪:‬‬
‫‪.)1‬‬
‫‪26‬‬

‫وفي المجتمعات الشورية يتوقع الجمهور أن يقوم المسئولون بتفسير منطقي لفعالهم ‪،‬‬
‫فلم تعد الجمهور تصدق كلمهم بناء على الثقة الشخصية ‪ ،‬ولم يعد يقبل التصرفات‬
‫الستبدادية من أي سلطة نيابية أو قضائية أو تنفيذية (لين هامر جرن‪:‬الستقلل والمسئولية‬
‫دليل‪.)164:‬‬
‫[‪]19‬‬

‫‪=7‬استقلل القضاة حرف واحد‬
‫من أبجديةاستقلل القضاء ‪:‬‬
‫أ‪-‬علقة الحكم النيابي باستقلل القضاء‪:‬‬
‫أصبح استقلل القضاء‪ ،‬عنوانا يدل على الحكم الشوري النيابي ‪ .‬أي أن أي دولة‬
‫مستبدة ‪ ،‬ل يمكن أن ينمو في مجتمعها قضاء مستقل‪.‬‬
‫وهذا يشير إلى أن استقلل القضاء ؛ ل يتوقع أن تكون الدولة هي البادئة به إل نادرا‪،‬‬
‫عندما يظهر على هرم القيادة أناس غير عاديين‪ ،‬يمتازون بوعي إصلحي استراتيجي ‪ ،‬إذ‬
‫ليكفي فيهم الحس الصلحي والرغبة الطيبة‪ ،‬ولذلك فإن استقلل القضاء في الغالب قمة‬
‫جبل عال‪ ،‬واصلت الشعوب الترقي إليه خطوة خطوة‪ ،‬بصفته إحدى عمودي العدالة‪:‬السلطة‬
‫النيابية والقضاء‪ .‬ومتى افتقد القضاء المستقل ‪ ،‬سيطر الظلم والستبداد‪ ،‬وغدت حقوق‬
‫المواطنين وحرياتهم في مهب الريح ‪.‬‬
‫من أجل ذلك يبدأ دعاة الصلح السياسي الواعون باستقلل القضاء‪ ،‬إذ استقلل‬
‫القضاء خطوة أولية في سبيل الصلح السياسي‪ ،‬حتى يتمكن القضاء من حماية حقوق‬
‫النسان‪ ،‬في كل مكان يسيطر فيه الطغيان والبطش والرهاب‪ ،‬و من أجل ذلك أصبح مفهوم‬
‫الستقلل في كثير من النظمة الشورية الحديثة حقيقة قائمة؛ تنص عليها الدساتير‪،‬‬
‫إذ القضاء المستقل عنوان النزاهة والعدالة والحياد والنصاف (فاروق الكيلني‪ :‬تدخل‬
‫السلطتين التنفيذية والتشريعية في استقلل القضاء ‪.)21 :‬‬

‫‪27‬‬

‫إذا لم يستقل القضاء فلن يكون محايدا‪ ،‬بل سيصبح حتما رمزا للقهر والستبداد‪،‬‬
‫ويصبح دوره حماية ملك الراضي وبارونات المال الفاسدين ‪ ،‬ويصبح أداة من أدوات‬
‫إرهاب الدولة‪ ،‬فيصبح للدولة إضافة إلى الرهاب البوليسي والعلمي؛ إرهاب قضائي أيضا‬
‫‪.‬‬
‫هذا هو دور القضاء في كثير من دول العالم المستبدة (استقلل القضاء في تونس‬
‫غازي الغرايري غازي ‪ .)1 :‬ورغم النص على استقلل القضاء في الدساتير؛ في كثير من‬
‫الدول العربية والسلمية؛ فإنه ل يلقى الحترام اللزم من السلطة التفيذية ول من النيابية (‬
‫انظر‪ :‬استقلل القضاء في الردن‪ :‬تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في استقلل القضاء‪.‬‬
‫فاروق الكيلني‪. )2 :‬‬
‫من أجل ذلك صار المطالبة باستقلل القضاء ‪ ،‬مدرجا في جدول الصلح الوطني في‬
‫العالم كله‪ ،‬كالمطالبة بإنشاء السلطة النيابية إنهما التوأم الذي لتصلح أمة بدونه‪ :‬السلطة‬
‫النيابية واستقلل القضاء‪ ،‬إنهما الوليد التوأم الذي يحبل به المجتمع الهلي المدني ‪ .‬من أجل‬
‫ذلك أصبحت المناداة به؛ أهم وأخطر المواضيع المطروحة في ساحة النقاش القانوني‪ ،‬ومن‬
‫أجل ذلك تصبح ثقافة المجتمع الهلي المدني؛ أهم أسلحة الصلح وأساسها الفولذي‪.‬‬
‫[‪]20‬‬
‫ب‪ -‬الستقلل الشخصي ل يكاد يجدي إل في حضن‬
‫استقلل مؤسسي‬
‫ومن أجل تحقيق العدالة؛ انتبه كثير من دعاة الصلح السياسي إلى ضماناتها‪ ،‬فأدركوا‬
‫أن أهم ضماناتها هو التركيز على استقلل (نظام) القضاء‪ ،‬ل على صلح (الشخاص)‬
‫وورعهم‪ ..‬إذ ل ينحصر استقلل القضاء بكون القاضي ورعا عادل نزيها في شخصه‪.‬‬
‫من المناسب هنا التمييز بين مصطلحين‪ :‬استقلل النظام القضائي‪ ،‬واستقلل القاضي‪،‬‬
‫فاستقلل القاضي عنصر من عناصر استقلل القضاء‪،‬ومسألة خاصة‪ ،‬واستقلل النظام مسألة‬
‫عامة"ولبد أن يتوافر هذان[أي استقلل القضاة واستقلل القضاء]؛ في كل قضاء إسلمي‬

‫‪28‬‬

‫ناحج "(عبد العزيز بن حسن آل الشيخ‪:‬لمحات من تاريخ القضاء‪ .)141:‬وإن ل صار ادعاء‬
‫تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل ال من دون برهان‪.‬‬
‫ينبغي أن يضمن استقلل القضاء‪ ،‬استقلل القاضي‪ ،‬كما نص المجلس الدستوري‬
‫اللبناني في قرار رقم ‪ 5‬وتاريخ ‪27/6/2000‬م " إن استقلل القضاء ل يستقيم إذا لم يتأمن‬
‫استقلل القاضي ‪ ،‬بتوفير الضمانات اللزمة التي تحقق هذا الستقلل ‪ ،‬ومن ضمنها حق‬
‫الدفاع الذي يتمتع بالقيمة الدستورية ‪ ،‬وعدم إقفال باب المراجعة أمامه ‪ ،‬عندما يتعرض‬
‫لتدابير تأديبية " (استقلل القضاء في لبنان‪:‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني‬
‫القباني ‪. ) 21 :‬‬
‫حق المراجعة وحق الدفاع من الحقوق الدستورية ‪ .‬فالقاضي هو روح القانون ‪،‬‬
‫القانون إنما هو نص ميت ‪ ،‬ولكن القاضي المستقل هو الذي يبعث في النص الحياة ‪ .‬ولكن‬
‫لن ينجح استقلل القضاء؛ إل بأن يكون استقلله مؤسسيا ‪ ،‬أي أن ل يكون استقللً شخصيا‬
‫فحسب‪ ،‬مبعثه ورع القاضي الشخصي‪ ،‬فهذا الستقلل على أهميته ليكفي‪ ،‬من دون استقلل‬
‫مؤسسي‪ .‬فالقضاء المستقل مؤسسيا‪-‬وحده‪ -‬يستطيع أن يردع المجرمين والمعتدين‪ ،‬بل‬
‫يستطيع أن يردع أي قاض يحاول الفساد‪.‬‬
‫[‪]21‬‬
‫ج‪-‬بمدى استقلل القضاء تقاس عدالة النظم السياسية‬
‫والجتماعية والقتصادية‪:‬‬
‫استقلل القضاء ‪ :‬هو أهم المقاييس اليوم ‪ ،‬لمدى تحرر النظم السياسية والقضائية من‬
‫( الهوى ) ( انظر استقلل القضاء في تونس غازي الغرايري‪ :‬غازي العرايري ‪ ) 1 :‬هو‬
‫قلب القضاء السليم‪ ،‬وهو الساس لكل مجتمع شوري‪ ،‬يعتمد على سيادة القانون العادل‪.‬‬
‫عندما سئل (رينيه كاسان) عن السمة الرئيسية للنظم الشورية في بلد ما أجاب‪" :‬إنها‬
‫استقلل القضاء"‪.‬‬
‫يشير استقلل القضاء إلى قدرة القضاة على إصدار الحكام في النزاعات والجنايات‬
‫بنزاهة ‪ ،‬بغض النظر عن ما يفضلونه (أي أهوائهم)‪ ،‬سواء كان الهوى حقيقيا أم محتملً‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫استقلل القضاء يضمن حماية الفراد والجماعات ‪ ،‬من تعسف الدولة ‪ ،‬وأهم ما يثبت‬
‫الستقلل هو وقوف القضاة في سبيل حماية حقوق الفراد والجماعات ‪ ،‬في وجه المعارضة‬
‫القوية (حكومية أو أهلية) (ميراجو راري‪:‬استقلل القضاء في الوليات المتحدة المريكية‪:‬‬
‫دليل تعزيز القضاء ‪.)143:‬‬
‫إن القضاء المستقل القادر على مواكبة التغير ‪ ،‬يمثل دار أمان ‪ ،‬إنه يدعم الثقة بالدولة‬
‫ومؤسساتها‪ ،‬وخصوصا على مستوى القتصاد والستثمار ‪ ،‬ويمثل قاعدة صلبة لستقرار‬
‫النظام السياسي والنظام الجتماعي والقتصادي ‪ ،‬فالمن القضائي صمام المان الساسي‬
‫لي دولة ( القباني ‪.) 2 :‬‬
‫إن الحضارات التي عرفها النسان في هذا الكون‪ ،‬ما علت مبانيها الشامخة إل على‬
‫أساس العدل‪ ،‬و ما بادت إل لما انهار الساس‪ :‬العدالة‪ ،‬التي أثبتت دوما قدسيتها ( جادي‬
‫عبدالكريم ‪ ،‬استقلل القضاء في الجزائر ‪.) 1 :‬‬
‫العدل اعتبرته المم أساس الملك ‪ ،‬وأساس الستقرار ‪ ،‬وأساس التنمية وأساس‬
‫الحضارة ( أحمد السراج ‪ .‬استقلل القضاء في المملكة المغربية ‪ .) 2 :‬وهذا هو سبب قوة‬
‫الدول الوربية‪ ،‬الذي لمح إليه الحديث الشريف"ل تقوم الساعة؛ إل والروم أكثر أهل‬
‫الرض"‪ ،‬حسب تفسير الصحابي عمرو بن العاص‪ ،‬عندما قال ‪ :‬أما إنهم أسرع الناس إفاقة‬
‫بعد كبوة ‪ .‬وأحنى الناس على الضعيف والمسكين وأمنع الناس من ظلم الملوك ‪ ،‬ولم يحصل‬
‫للروم مثل هذا الستقرار رغم أنهم غير مسلمين ‪ ،‬إل لنهم عرفوا ما شروط إقامة الخلفة‬
‫النسانية وشروط عمارة الرض‪.‬‬
‫العدل هو الميزان الذي وضعه ال للخلق‪ ،‬ونصبه لسيادة الحق‪ ،‬فهو أساس عمران‬
‫البلد‪ ،‬ولذلك قيل‪:‬العدل أساس الملك‪ ،‬فهو سرحياة المم وعزتها‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫العدل روح به تحيا البلد كما‬
‫هلكها دائما بالظلم مقرون‬
‫والقضاء هيكل‪ ،‬ل يعمر إل إذا سكنته روح العدالة‪ ،‬التي اعتبرتها المم أساس الملك‪،‬‬
‫وأساس الستقرار ‪ ،‬وأساس التنمية وأساس الحضارة‬
‫‪30‬‬

‫وسيادة القضاء على الفراد والجماعات والدولة هو الشطر الثاني من أساسي‬
‫العدل(الشطر الول‪ :‬السلطة النيابية)‪ ،‬أي (كما قرر الدستور المصري) تخضع الدولة للقانون‪،‬‬
‫ول يمكن أن تخضع الدولة للقانون‪ ،‬إل بـ " استقلل القضاء وحصانته‪ ،‬لحماية الحقوق‬
‫والحريات " ( محمد كامل عبيد ‪ :‬حق المواطن العربي في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي ‪. )2 :‬‬
‫فهو يحمي الحريات ويصون الممتلكات‪ ،‬ويقي من التعدي على حقوق الفراد‬
‫والجماعات‪ ،‬وهو ملجأ كل مظلوم‪ ،‬وملذ كل طالب حق‪( ،‬أحمد السراج‪:‬استقلل القضاء في‬
‫المملكة المغربية‪.) 2 :‬‬
‫[‪]22‬‬

‫‪=8‬أهمية استقلل القضاء‬
‫أ‪-‬استقلل القضاء هو الساس الثاني من أسس قوة‬
‫الدولة ول سيما السياسية‪:‬‬
‫لقد أصبح مبدأ استقلل القضاء ‪ ،‬من المبادئ المستقرة في الضمير النساني ‪ ،‬بحيث‬
‫ل يخلو من النص عليه ميثاق دولي ‪.‬‬
‫إنه ليمكن تحقيق العزة القومية؛ فضلً عن الستقرار السياسي ‪ ،‬من دون إقامة ميزان‬
‫العدالة ‪ ،‬فالعدل أساس الحكم ‪ ،‬والعدل ليتم إل بشرطين‪ :‬الول الشورى الملزمة‪ ،‬التي تنبثق‬
‫منها سلطة نيابية(أولو المر(الرأي)‪ /‬أهل الحل والعقد في السلم) الثاني‪:‬القضاء المستقل‪ ،‬و‬
‫هذان هما أساس العدل ‪ .‬ولذلك فإن القضاء المستقل ضمان حقيقي لستقرار الحكم‪ ،‬وتثبيت‬
‫أركانه ‪ ،‬فبفعاليته يقاس مدى الستقرار السياسي ‪.‬‬
‫[‪]23‬‬
‫ب‪-‬والستقرار القتصادي‪:‬‬
‫ولستقلل القضاء أثر في بناء القتصاد القوي السليم ‪ ،‬فسيادة القانون أساس‬
‫ضروري ‪ ،‬لتفادي ضعف الفعالية في الداء ‪ ،‬وتجنب الظلم والحكم التعسفي ‪ ،‬ولذلك أبدت‬
‫مؤسسات التنمية الدولية (كالبنك الدولي ) اهتماما بتعزيز القضاء (استقلل القضاء في العالم‬

‫‪31‬‬

‫العربي‪ .‬ناثان ج‪ .‬براون وعادل عمر شريف‪ ، ) 2 :‬فتواجده وسيلة فعالة عملية‪ ،‬لمحاربة‬
‫الفقر والتفقير‪ ،‬عبر تعزيز العدالة القتصادية والجتماعية ‪.‬‬
‫إن المفهوم الحقيقي للتنمية هو أن أساسها تنمية النسان‪ ،‬مهما كانت جوانبها‬
‫القتصادية والجتماعية والسياسية والثقافية‪ ،‬ومؤداها تحسين قدرات الناس وخياراتهم‬
‫وآفاقهم ‪ ،‬كي يمارسوا حقوقهم الساسية‪ ،‬ول يمكن إذن وجود تنمية صحيحة من دون‬
‫قضاء مستقل ‪ ،‬يحافظ على حقوق الناس ‪ ،‬ويرفع عنهم المظالم ‪ ،‬ويضمن حرياتهم ‪.‬‬
‫و من دون استقلل القضاء؛ يصعب استمرار الصلح القتصادي والسياسي‪ ،‬إذ ل‬
‫يمكن تجنب الساءة إلى حقوق النسان‪ ،‬ولسيما حقوق الفقراء والقليات والمهمشين‬
‫والمحرومين والضعاف ‪ .‬ول يمكن مكافحة التطرف والعنف أيضا ‪( .‬استقلل القضاء من‬
‫منظور عالمي‪.‬كيث هندرسون هندرسون ‪. )8:‬‬
‫ول يمكن حماية حقوق الملكية وتسوية النزاعات‪ ،‬ولسيما إذا كانت الدولة طرفا فيها ‪.‬‬
‫[‪]24‬‬
‫ج‪-‬ل ضمان لشروط إسلم الدولة؛ كالعدل والكرامة‬
‫والتعددية والمساواة دون قضاء مستقل‪:‬‬
‫تعتمـد حما ية حقوق النسـان فـي جزء منهـا ‪ ،‬على وجود سلطة قضائ ية قو ية عادلة‬
‫مستقلة ‪ .‬ولذلك من الطبيعي اعتبار استقلل القضاء حقا من حقوق النسان ‪ ،‬فالقضاة ينبغي‬
‫أن يتمتعوا باستقللهم ‪ ،‬ليس من أجل أنفسهم ‪ ،‬وإنما من أجل المجتمع الذي يخدمونه أو ًل ‪.‬‬
‫وثانيا ‪ :‬القضاة أيضا جزء من آلية تضع العاملين في الدولة موضع المسئولية‬
‫والمحاسبة‪ ،‬وهذا يجعل وظيفتهم التمسك بالنضباط العام ‪ ،‬وتصحيح تصرفات السلطات ‪.‬‬
‫ومن المستحيل تحقيق هاتين المهمتين دون استقلل حقيقي للقضاء ( عادل عمر‬
‫الشريف وناثان ‪ .‬ج ‪ :‬براون استقلل القضاء في العالم العربي ‪. ) 2 :‬‬
‫فهو يحمي المواطنين من أن تعصف أهواء السلطة التنفيذية بحقوقهم وحرياتهم‬
‫السامية‪ ،‬وليس هناك أقدر من القضاء المستقل؛ على تبصير الحكام بأخطائهم ‪ ،‬وردهم إلى‬
‫جادة المشروعية ‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫وفي أوقات الكفاح تكون أخطاؤهم فادحة ‪ ،‬وفي أوقات الهزيمة تكون مرة ‪ ،‬وإذا كانت‬
‫الهزيمة عارا ‪ ،‬فإن الغفلة عن تبصير الحكام بأخطائهم أشد خزيا ‪.‬‬
‫وليس هناك حارس لحقوق المواطنين وحرياتهم‪ ،‬ضد طغيان السلطة التنفيذية ومراكز‬
‫القوى أقوى من القضاء‪.‬‬
‫وليس هناك ما هو أقوى من سلح القضاء‪ ،‬في الحد من ثقافة الفساد و السمسرة‬
‫والرشوة ‪ .‬والعبث بالمال العام ومصالح المة‪.‬‬
‫وأخيرا فليس هناك ما هو أقوى من سلطة القضاء في حراسة الدستور ومبادئه‪ ،‬التي‬
‫يطؤها الحكام المستبدون بأخفافهم كل يوم ‪ .‬ولذلك صار استقلل القضاء مقياسا عالميا ‪،‬‬
‫يقاس به مدى ثقة الشعوب بحكامها ‪ ،‬ومدى الحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم ‪ ،‬بل من‬
‫أجل ذلك صار تعزيز استقلل القضاء علمة على تعزيز مبادئ حقوق النسان ‪ ،‬لن القضاء‬
‫الحر المستقل؛ هو الملذ الخير لحفظ حقوق النسان ‪ ،‬وإنصاف من انتهكت حقوقه ‪ ،‬برفع‬
‫الغبن ‪ ،‬ومحاسبة المسئولين عن خرق العدالة ‪ ،‬وتعويض الضحايا ‪ ،‬ومعالجة الخلل‪.‬‬
‫من دون استقلل القضاء؛ ل يمكن أن يكون المجتمع شوريا ‪ ،‬ول يمكن حماية حريات‬
‫الناس شخصية وسياسية ومدنية وثقافية‪ ،‬كحرية الكلم والجتماع‪.‬‬
‫[‪]25‬‬
‫د‪-‬وللستقلل مسطرة يقاس بها‬
‫إن من السهل على الناس ‪ ،‬النشغال بالتعريفات والعبارات الرنانة‪ ،‬مثل قضاء‬
‫مستقل ‪ ،‬سيادة القانون ‪ ،‬دولة المؤسسات وتطبيق الشريعة (انظر‪ :‬إطار برنامج استقلل‬
‫القضاء‪:‬أريك جانسون جانسون‪ )200:‬ولكن ليس للعلن المبادئ جدوى؛ ما لم ينتصب‬
‫جهاز هيكلي قضاء منظم ‪ ،‬بطريقة تضمن هذه الحقوق ‪ ،‬وتضمن إيصالها إلى أصحابها‪،‬‬
‫بقطع النظر عن أي اعتبار وأي ضغوط‪( .‬غازي الغرايري ‪ ،‬استقلل القضاء في تونس‪.)10:‬‬
‫ومن أجل ذلك لبد من أسلوب قياسي‪ ،‬يحدد معاني هذه المصطلحات (انظر‪:‬جانسون ‪:‬‬
‫‪ )200‬مبني على علقة القضاء بالقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ ‪ ،‬لبد من مسطرة‬

‫‪33‬‬

‫تعتمد على أبحاث علم الجتماع ‪ ،‬لستقاء أدلة وأقيسة‪ ،‬عبر دراسات مسحية تجريبية تشمل‪:‬‬
‫‪.‬‬
‫‪-1‬فحص سجلت الدعاوي من أجل فهم دوافع الخصوم ‪.‬‬
‫‪-2‬جودة التسبيب القضائي ‪.‬‬
‫‪-3‬معدلت التبرنة ‪.‬‬
‫‪-4‬تنفيذ الحكام ‪.‬‬
‫‪-5‬تحليل الميزانية ‪.‬‬
‫‪-6‬دراسات مسحية ‪.‬‬
‫‪-7‬استفتاء الرأي العام ( انظر جانسون ‪. )201 :‬‬
‫ول يكون ذلك بمجرد تطبيق أنماط قضائية تصلح لمجتمع قديم بسيط‪ ،‬على مجتمع‬
‫حديث تعقدت فيه المور‪ ،‬إذ لبد أن "تحدث للناس‪ -‬كما قال عمر بن عبد العزيز‪ -‬أقضية‪،‬‬
‫بمقدار ما أحدثوا من الفجور"‪ .‬ليس الفجور فحسب‪ ،‬بل كثرة المشكلت والتعقيدات‪ ،‬التي‬
‫اتسمت بها المجتمعات الحديثة والقتصاد‪.‬‬
‫عندما يتدخل وزير العدل مثلً‪ ،‬ما المشكلة؟ ليست المشكلة هل كان تدخله في‬
‫مصلحة العدالة أم ل ‪ ،‬بل المشكلة أنه تدخل‪ .‬يجب أن ل يتدخل أصل؛ يجب سد جميع‬
‫المنافذ التي تسمح باحتمالت التدخل ‪ ،‬حتى ولو كان تدخل السلطة التنفيذية أصوب‪ ،‬يجب أن‬
‫ل تحتاج القانون إلى تدخله‪،‬لنها أن أصابت مرة لم تصب المرة الخرى ‪ ،‬لن صوابها‬
‫ذاتي ‪ ،‬وليس منهجيا ‪ .‬وإذا كان القضاة ل يحققون العدالة‪ ،‬ويحتاجون إلى تدخل السلطة‬
‫التنفيذية ‪ ،‬فإن ذلك خلل في القضاء ينبغي تحديده وعلجه‪:‬‬
‫‪-1‬هل هو في عدالة نظريات الحقوق‪ ،‬أي أن القضاء نزيه ولكنه يطبق قواعد‬
‫غير عادلة‪.‬‬
‫‪-2‬هل الموارد المالية في المحاكم ضعيفة؟‪.‬‬
‫‪-3‬هل سلبت شخصية القضاء المعنوية ‪ ،‬بحيث ل يستطيع تحقيق العدالة‪.‬‬
‫‪-4‬هل إجراءات المحاكم وهياكلها سليمة ‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫[‪]26‬‬

‫‪=9‬معايير استقلل القضاء‬
‫الدولية‬
‫في بوتقة الشريعة السلمية‬
‫المعيار الول‪ :‬إقرار حقوق‬
‫النسان‪:‬‬
‫أ‪-‬حقوق النسان في المواثيق الدولية‪:‬‬
‫إن البشر الذين ارتدوا بعد سلمة الفطرات‪ ،‬وقبس النبوات؛لم يستطيعوا الترقي من‬
‫عالم الغاب والصحراء والبداوة إلى عالم المدينة والمدنية‪ ،‬ومن عالم الوحوش والبهائم إلى‬
‫عالم النسانية العاقلة ‪ ،‬إل عندما عرفوا أن للنسان حقوقا ‪ ،‬وأوجدوا أعرافا قضائية‬
‫محترمة تصون الضعاف من بطش القوياء ‪ ،‬أفرادا و جماعات و دول‪.‬‬
‫وكان الوعي بحقوق النسان في الزمنة القديمة هشا‪ ،‬في فترات متقطعة‪ ،‬ولم يكن له‬
‫من القوة والعموم والرسوخ‪ ،‬ما وقع في العصر الحديث‪ ،‬حيث نصت المواثيق الدولية ‪ ،‬على‬
‫أن تلتزم الدول بحقوق النسان كافة‪ ،‬مهنية ومدنية واقتصادية وثقافية وسياسية‪ ،‬وقد‬
‫صادقت عليها الجمعية العامة للمم المتحدة (‪ . )1966‬وقد نصت على ضماناتها في مواثيق‬
‫دولية أخر‪ ،‬كالمبادئ الساسية لستقلل القضاء ‪ ،‬التي صادقت عليها الجهة العامة للمم‬
‫المتحدة (‪1985‬م) (انظر الوثيقة في كتاب المعان ‪ /‬الجزء الثاني ‪ ،‬حقوق النسان هيثم مناع‬
‫) ‪.‬وحق الشعوب في تقرير المصير ‪ ،‬ومن أهم هذه المبادئ‪:‬‬
‫‪-1‬يجب احترام الحياة الخاصة للنسان‪ ،‬ول يجوز التدخل التعسفي بخصوصياته‪ ،‬أو‬
‫عائلته أو مراسلته أو شرفه وسمعته‪ ،‬وبيت النسان مصون‪ ،‬وعوراته مستورة‪ ،‬ول يجوز‬
‫التفتيش‪ ،‬إل في حالت موضحة في القانون‪ ،‬بشرف عليها القضاء ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫‪-2‬لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير‪ ،‬ولكل فرد الحق في حرية التعبير حرية‬
‫البحث عن المعلومات والفكار‪ ،‬ونقلها مشافهة وكتابة وطباعة‪ ،‬في قالب فني أو غيره‪ ،‬ل‬
‫يحد من هذه الحريات إل ما حدده النظام من الجراءات التي تستوجبها السلمة العامة أو‬
‫النظام العام أو الصحة العامة‪ ،‬أو الخلق العامة‪ ،‬أو حقوق الخرين وحرياتهم الساسية ‪.‬‬
‫‪-3‬وضع برامج تعلم الناس بحقوقهم وواجباتهم‪.‬‬
‫‪-4‬لكل فرد مقيم ضمن دولة أن يختار مكان أقامته ‪ ،‬وله حرية النتقال والتجول‪.‬‬
‫‪-5‬ل يجوز حرمان أحد بشكل تعسفي من حق الدخول إلى بلده ‪.‬‬
‫‪-6‬جميع الناس متساوون أمام القضاء والقانون ‪ ،‬ول يجوز التمييز بسبب الجنس أو‬
‫الصل أو المنشأ أو المذهب أو المنزلة الجتماعية أو الوظيفية‪.‬‬
‫‪-7‬لكل الباء حرية في تعليم أبنائهم وفق معتقداتهم الخاصة‪.‬‬
‫‪-8‬منع كل دعاية من أجل الحرب أو الكراهية الدينية القومية أو العنصرية‪ ،‬أو التمييز‬
‫أو العنف ‪.‬‬
‫‪-9‬حق الجميع في المشاركة في الحياة العامة‪ ،‬وفي الجتماع و التجمع السلمي‪،‬‬
‫وتشكيل النقابات والنضمام إليها‪ ،‬والتعبير عن رأيهم السياسي‪ ،‬عبر الكلمة والتجمع‬
‫السلمي‪ ،‬إضرابا واعتصاما وتظاهرا‪.‬‬
‫‪-10‬ضمان حقوق القليات دينية أو عنصرية أو لغوية‪ ،‬ول يجوز منعها من الشتراك‬
‫مع الخرين في التمتع بثقافتها أو ديانتها أو لغتها‪.‬‬
‫‪-11‬لكل مواطن ذكرا أو أنثى التمنع في المساواة بكافة الحقوق‪ ،‬التي يكتسبها‪-‬ذاتيا‪-‬‬
‫بكونه مواطنا‪ ،‬حقوقا ثقافية واجتماعية واقتصادية ومدنية وسياسية‪.‬‬
‫‪-12‬حق النسان في توفير عمل‪ ،‬وإن لم يتوافر كفالة العاطل حتى يتوافر له عمل‬
‫مناسب‪.‬‬
‫‪-13‬حق النسان في توفير سكن مناسب‪.‬‬
‫‪-14‬حقه في الرعاية الصحية‪.‬‬
‫‪ -15‬إخضاع الذين يخلون بحقوق النسان للمحاسبة‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫‪ -16‬حق العاجزين عن العمل‪ ،‬في دخل مناسب يفي باحتياجهم‪ ،‬في حالت الشيخوخة‬
‫والمرض والترمل واليتم‪.‬‬
‫‪ -17‬حق الناس في إنشاء مؤسسات تعليمية وصحية‪،‬كالمدارس والجامعات‬
‫والمستشفيات‪ ،‬بإشراف الدولة‪.‬‬
‫‪ -18‬حق الناس في إنشاء هيئات ثقافية وإعلمية‪ ،‬كالصحف والقنوات العلمية‪،‬‬
‫بصفتها سلطة أهلية‪ ،‬يمارسها المجتمع الهلي‪ ،‬بحرية واستقلل‪ ،‬من أجل خدمة المة‪ .‬ول‬
‫يجوز إنذار هذه الهيئات إل بأمر قضائي‪ ،‬فضل عن تخويفها إداريا‪.‬‬
‫‪ -19‬حظر أي نوع من أنواع الرقابة‪ ،‬على المواطنين أفرادا أو جماعات‪ .‬أو على‬
‫مقتنياتهم ومراسلتهم واجتماعاتهم إل بناء على أوامر قضائية‪.‬‬
‫‪ -20‬يجب أن يكون التعيين في الوظائف العامة‪ ،‬على أساس الكفاية‪.‬‬
‫‪ -21‬تلتزم الدولة بالخدمات التعليمية الساسية (ومزيد من التفصيل والتأصيل؛ في‬
‫كتابي حقوق النسان في السلم بين الحكم الشوري والجبري)‪.‬‬
‫[‪]27‬‬
‫ب‪-‬أهم إخفاق في التراث العباسي كان في نظرية‬
‫الحقوق‪:‬‬
‫عندما يتحدث عديد من علماء الشريعة وفقنا ال وإياهم‪ ،‬عن تطبيق الشريعة؛ يغفلون‬
‫تطبيق الشريعة سياسيا و إداريا‪ ،‬فيتبادر إلى أذهانهم أن تطبيق الشريعة‪ ،‬مركز على عقوبات‬
‫الفراد الزاجرة عن المنكرات‪ ،‬وتتبادر إلى أذهانهم الجنايات الفردية وعقوباتها‪ ،‬بإقامة‬
‫الحدود على أفراد المجتمع عبر القضاء‪ .‬ول يكادون يطبقونها على السلطان‪ ،‬ومراكز القوى‬
‫في الدولة‪ ،‬ويهملون أو يشتركون في مصادرة الدولة‪ ،‬حقوق المواطنين‪ ،‬ولسيما العدل‬
‫والحرية ول سيما الساسية ‪ ،‬التي هي أم الحقوق‪ ،‬فيقطعون أوصال المفهوم الكلي الشامل‬
‫المؤسسي‪،‬ويقدمون ذلك باسم تطبيق الشريعة‪.‬‬
‫سرى الداء في عيون القضاء السلمي على مر العصور ‪ ،‬فاحول وعشي‪ ،‬ثم‬
‫فأصبح أعور‪ ،‬وصار تطبيق الشريعة يسمح بالمتناقضات‪ ،‬أي أن تعالج النتائج وتترك‬
‫‪37‬‬

‫البواعث‪ ،‬فيقام الحد على أهل الفواحش‪ ،‬ويتغاضى عن فاتحي أبوابها‪ ،‬ويقام الحد على من‬
‫يسرق الطعام‪ ،‬ويتغاضى عن أسباب انتشار الفقر‪ ،‬كالحتكار وتبديد أموال المة وسوء‬
‫الدارة‪،‬التي هو من أسباب غلء المعيشة‪ ،‬وانتشار البطالة والفقر‪.‬‬
‫ويحدق القاضي عينيه باحثا عن من يسرق بعض النقود من الخزينة في ستر الظلم‪،‬‬
‫ويتغاضى عن من يسرقون مال المة العام في وضح النهار‪ ،‬ويقام الحد على من يشرب‬
‫الخمر والمخدرات‪ ،‬ويتغاضى عن دوافع الهروب إلى المسكرات‪ ،‬كالتوتر والقلق والكبت‬
‫السياسي والثقافي والجتماعي‪.‬‬
‫ويقام حد الحرابة على من يقتل الفرد‪ ،‬ويترك (المراء) الذين يقتلون اللوف‪ ،‬قتل‬
‫معنويا هادئا‪،‬عبر مضاعفات مرض الخضوع‪ ،‬أو في حروب الهواء‪ ،‬ويقام الحد على قاتلى‬
‫الجساد‪ ،‬ويترك قتلة الفضيلة والحرية السامية‪ ،‬الذين يحولون الحرار إلى عبيد‪ ،‬من الذين‬
‫طغوا في البلد‪ ،‬فأكثروا فيها الفساد‪.‬‬
‫لماذا كل هذه المفارقات؟ لن في مسألة الستبداد عند هؤلء الفقهاء ثلثة أقوال‪:‬‬
‫جوازه وحرمته‪ ،‬واستحبابه (نظرية المستبد العادل)‪ ،‬وما دام السلطان ظل ال في أرضه كما‬
‫زعم الكذابون‪ ،‬فالخذ بالستحباب أولى‪ ،‬ونتيجة هذا الصراط المعوج هي قول الشاعر‪:‬‬
‫قتل امرئ في غابة‬
‫وقتل شعب آمن‬

‫جريمة ل تغتفر‬
‫مسألة فيها نظر‬

‫وبذلك أصبح تطبيق الشريعة‪ ،‬مقصورا على الجنايات الفردية وعقوباتها‪ ،‬وهذا مخالف‬
‫لماعرف في سنن ال المكتوبة من صريح التنزيل‪ ،‬وسننه المشاهدة في المجتمعات‪ ،‬من‬
‫أسس سلمة المجتمعات‪ ،‬ومن تصور أن حقائق الشريعة؛ تخالف ما فطر ال عليه البشر من‬
‫طبيعة‪ ،‬فقد جهل إحدى الحقيقتين‪.‬‬
‫[‪]28‬‬
‫ج‪-‬تشريع القمع الديني والسياسي‪:‬‬

‫‪38‬‬

‫إن في تراثنا القضائي العباسي الصحراوي آراء وأفكار‪ ،‬مخالفة أحكام الشريعة‪ ،‬وهي‬
‫عدوان صارخ على حقوق النسان‪ ،‬التي كفلتها الشريعة‪ .‬من أهمها تقنين القمع الجتماعي‬
‫والسياسي‪،‬عبر قانون ديني‪.‬‬
‫و آراء وأفكار‪ ،‬تخالف أحكام الشريعة فتنتهك العدالة الجتماعية؛ حينما تجعل امتلك‬
‫الرض للسكنى أو الزراعة؛ بيد ولي أمر جائر‪ ،‬ذي سلطة مطلقة‪،‬فتمنع إحياء الرض الموات‬
‫إل بإذنه‪.‬‬
‫و آراء وأفكار‪ ،‬تخالف أحكام الشريعة‪ ،‬كتقرير قاعدة قمع أهل البدع‪ ،‬وقتل دعاتهم‪ ،‬بل‬
‫واعتبار معارضي السلطان خوارج مبتدعين يجب قمعهم وقتلهم‪ ،‬مخالفة سنن الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬ولسيما علي بن أبي طالب مع الخوارج‪..‬‬
‫وكتقرير جواز قتل الزنديق وقمعه‪ ،‬من دون ملحظة أن المقصود بالقتل‪ ،‬إنماهم دعاة‬
‫الكفر والفجور‪،‬أهل الشوكة‪ ،‬الذين يفارقون الجماعة‪ ،‬وأن قتل الزنديق مخالف الثابت من‬
‫تطبيق المصطفى عليه السلم على المنافقين‪.‬‬
‫وفوق هذا وذاك ذاك أجازت قتل الزنديق التائب أيضا‪ ،‬وكأنهم لم يقرأوا صريح التنزيل‬
‫قول ال تبارك وتعالى"ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم! لتقنطوا إن ال يغفر الذنوب‬
‫جميعا‪ ،‬إنه هو الغفور الرحيم"‪.‬‬
‫وهي و آراء وأفكار‪ ،‬تخالف أحكام الشريعة فتخل بنظرية حرية التعبير والتجمع‬
‫والنشر‪ ،‬فتعتبر نقد السلطة التنفيذية فتنة لتحمد عقباها‪ ،‬وترى أن نقد المام ومعارضته‬
‫الرأي خروجا‪ ،‬وتقول‪:‬الخروج على المام بالكلم‪ ،‬كالخروج عليه بالحسام‪ ،‬إنه العدام إذن‪.‬‬
‫أما التجمع والعتصام والمظاهرات والضراب‪ ،‬فحدث عن قوانين الحجاج ودراكون ول‬
‫حرج‪.‬‬
‫وإذا أمعنا النظر في مثل هذه الفكار‪ ،‬وجدنا أنها تشرع الظلم وانتهاك الحقوق التي‬
‫قررها السلم‪ ،‬وبذلك قد تصبح لفتة تطبيق الشريعة؛نوعا من أنواع الرهاب والقمع‬
‫القضائي‪ ،‬ويصبح القضاء سلحا من أسلحة الرهاب الرسمي‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫ضاقت النظرات المشوشة‪ ،‬التي كرسها المقلدون وفقهاء السلطين ولم ينج من‬
‫تأثيراتها بعض المحققين كابن القيم‪ ،‬لنها صارت شبه مسلمات توارثها التيار السائد‪ ،‬أكثر‬
‫الفقهاء وعلماء العقيدة العباسيون(ولنركز على المويين‪ ،‬لن الفقهاء المويين لم يرسخوا‬
‫تلك المنظومة‪ ،‬إنما فعل ذلك العباسيون) بالحرية التي وسعها ال على عباده‪ ،‬ول سيما حرية‬
‫الرأي والتعبير‪ ،‬فما اعتبره الخليفة الراشدي‪-‬كعلي بن أبي طالب‪ -‬حقا سياسيا‬
‫للجماعات(كالخوارج)؛ عدوه فتنة‪ ،‬فقال أحد ساجعي السلطان‪":‬الخروج على المام بالكلم‪،‬‬
‫كالخروج عليه بالحسام"‪ ،‬وعدوا بعض الفرق من أهل القبلة كفارا‪ ،‬فكثر الغلو في التكفير‬
‫والتبديع‪ ،‬وياليتهم أجروا عليهم أحكام الكفار أهل الذمة‪.‬‬
‫و كان لبد أن يترجم الفقه الجتماعي‪ ،‬إلى قانون قضائي يجرم حرية الكلمة والتعبير‪،‬‬
‫والتجمع والتعددية الثقافية والجتماعية‪ ،‬فصار القضاة وهم ل يشعرون‪،‬أسلحة قمع لحقوق‬
‫النسان‪ ،‬قمعا سياسيا واجتماعيا وفكريا وتمييزا طائفيا‪ ،‬تحت لفتة تطبيق الشريعة‪.‬‬
‫[‪]29‬‬
‫د‪ -‬هضم حقوق المرأة‪:‬‬
‫شاعت آراء قمع وتمييز ضد المرأة كثيرة‪ ،‬تنال من حقوق المرأة التي كفلتها‬
‫الشريعة‪ ،‬وقد أغرم عديد من القضاة بالقوال الضعيفة‪ ،‬التي تجاري الثقافة السائدة التي‬
‫تظلم الفئات الضعيفة‪ ،‬وأظهر نموذج لذلك عضل المرأة عن الزواج من الكفي المناسبن ثم‬
‫الضرار بها عند الزواج‪ ،‬بمنعها من مالم تشترنفسها من الزوج‪.‬‬
‫حين تلزم المرأة‪-‬بكرا أو ثيبا ذات أولد‪ -‬بأن تفتدي نفسها باكثر من المهر‪ ،‬من‬
‫ظالم حولها من بكر إلى ثيب ذات أولد‪ ،‬وهم يأخذون ما أثر عن عثمان رضي ال عنه‪،‬‬
‫تاركين حديث الحديقة الذي نص في بعض رواياته على رفض الزيادة‪ ،‬عندما قال الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم"أما الزيادة فل"(انظر نيل الوطار‪ :‬الشوكاني‪ ،)6/265:‬ول يسلم لهم‬
‫القياس في البيئات‪ ،‬التي إذا طلقت فيها البكر بعد أن صارت ثيبا‪ ،‬فكأنماازداد عمرها عشر‬
‫سنين‪ ،‬فهو قياس مع الفارق‪ ،‬وكل قياس مع الفارق فهو باطل‪ ،‬ول يتسع المقام ول يتسع‬

‫‪40‬‬

‫المقام هنا لبسط مافصلته في كتاب (حقوق النسان في السلم)‪ ،‬من إخلل العلماء‬
‫والحكام بحقوق النسان‪.‬‬
‫[‪]30‬‬

‫‪=10‬المعيار الثاني‪:‬حماية حقوق‬
‫المتهم من انتهاك البوليس‪:‬‬
‫أ‪-‬حقوق المتهم في المواثيق الدولية‪:‬‬
‫نصت المواثيق الدولية العالمية التي أقرتها المم المتحدة ‪ ،‬وإعلنات حقوق النسان‬
‫على أنه يحق لكل فرد أن يحظى بمحاكمة عادلة‪ ،‬ضد أي اتهام جنائي ‪ ،‬فضلً عن الفصل في‬
‫المنازعات ‪ .‬وحددت إجراءات المحاكمة العادلة بأن تكون عادلة (في نظرية الحقوق)‪،‬فتقرر‬
‫الحقوق‪ ،‬التي ألهمها ال البشر‪ ،‬بحكم العقول والطبائع‪ ،‬وجاءت بتأكيدها الشرائع أولً‪ ،‬ثم‬
‫لبد أن تكون (نزيهة) في وسائلها‪،‬بأن تكون ثمة ضوابط تضمن إعطاء كل ذي حق حقه‬
‫ثانيا‪ :‬بما يلي‪:‬‬
‫‪-1‬أن تكون المحكمة مستقلة مختصة‪ ،‬أي قضاء طبيعيا (ل عسكريا أو بوليسيا‬
‫استثنائيا) وأن تكون علنية‪ ،‬إل في حالت استثنائية محددة‪ ،‬عندما تكون العلنية تضر‬
‫بالعدالة‪ ،‬وفي كل حال ينبغي أن يكون النطق بالحكم علنية‪.‬‬
‫‪-2‬منع اليقاف التعسفي‪ ،‬ووجوب إبلغ من يقبض عليه بأسباب ذلك‪ ،‬وإبلغه فورا‬
‫بالتهمة الموجهة إليه‪ .‬ولنزاهة ذلك تجب الرقابة القضائية على (اليقاف) على التهمة‪،‬‬
‫وينبغي أن يعامل الشخاص المحرومون من حريتهم‪ ،‬معاملة إنسانية كريمة‪ ،‬وضمان حظر‬
‫سوء المعاملة واللتزام بحسنها أثناء التوقيف‪.‬‬
‫‪-3‬والحبس مهما كانت تسمياته؛ إيقافا أو حجزا على التهمة؛ إنما هو عقوبة‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يستمر الحبس على التهمة أكثر من ثلثة أشهر‪ ،‬إل بحكم محكمة علنية‪ ،‬ومن حق‬
‫المتهم المقبوض عليه أن يفرج عنه فورا‪ ،‬إذا لم يحاكم خلل الثلثة الشهر‪ ،‬إذ يجب تقديم‬
‫المقبوض عليه بتهمة جزائية فورا أمام القاضي‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫‪-4‬للسجن مواصفات دولية‪ ،‬ل يجوز الخلل بها تضمن أن يكون مجرد (تعويق) عن‬
‫التجوال في السواق‪ ،‬ل سجن تضييق وتعذيب‪ ،‬لن سجن (التضيق) تعذيب يهرى الجسوم‬
‫والعقول والنفوس‪ ،‬وهو محرم إسلميا ودوليا‪.‬ويجب أن يضمن القضاء هذه الحقوق‪ ،‬من‬
‫خلل إشرافه على السجون‪.‬‬
‫‪-5‬للتحقيق والستجواب والتهام معايير شرعية‪ ،‬أكدتها المعايير الدولية‪ ،‬يجب أن‬
‫يضمنها القضاء‪.‬‬
‫‪-6‬حق الستئناف ‪.‬‬
‫‪-7‬حق المتهم في الحصول على وقت وتسهيلت كافية لعداد دفاعه‪ ،‬والتصال بمن‬
‫يختاره من المحامين‪ ،‬والحصول على مشورتهم‪ ،‬لحماية حقوقه وللدفاع عنه‪.‬‬
‫‪ -8‬لكل شخص ولسيما من يتعرض لي شكل من إشكال الحجز أو السجن‪ ،‬أن يحاكم‬
‫حضوريا‪ ،‬أو بمساعدة قانونية يختارها هو‪ .‬ويجب أن يتوافر للمحتجز محامون ‪ ،‬خلل مال‬
‫يزيد عن ‪ 48‬ساعة من احتجازه‪.‬‬
‫‪-9‬حق المحتجز في ضمان سرية مداولته مع المحامي‪ ،‬من دون مراقبة‪.‬‬
‫‪-10‬كل موقوف ل يستطيع أن ينهض بأجرة المحامي‪ ،‬يجب أن تتولى الدولة أجرة‬
‫المحامي‪.‬‬
‫‪-11‬العتراف سيد الدلة‪،‬ولكن بشرط أن ل يلزم المتهم بالشهادة ضد نفسه أو‬
‫العتراف بأنه مذنب‪ ،‬وبطلن اعترافات المكره والمجبر‪.‬‬
‫‪-12‬تجريم التعذيب ماديا ومعنويا وتجريم التهديد به‪ ،‬وتجريم إغراء المتهم وعدم‬
‫قبول أي اعترافات ناتجة عن التعذيب‪.‬‬
‫‪ -13‬ل يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي‪.‬‬
‫‪-14‬المتهم بريء حتى تثبت عليه التهمة‪ ،‬وليس عليه أن يثبت براءته‪ ،‬والشبهة‬
‫تسقط العقوبة‪ ،‬ويجب الفراج عند عدم كفاية الدلة‪ ،‬إعمال لمبدأ العدل‪ :‬براءة المتهم هي‬
‫الصل‪.‬‬
‫‪-15‬ليجوز العزل النفرادي‪ ،‬أكثر من شهر‪.‬‬
‫‪42‬‬

‫‪ -16‬عند القبض على المتهم؛ يجب أن تسلم الجهة البوليسية القابضة‪ ،‬أحد أقارب‬
‫المتهم كتابيا‪ ،‬مايثبت أنها قبضت على المتهم‪ ،‬منعا لحالت الختفاء القسري‪ ،‬وغياب‬
‫المسئولية‪.‬‬
‫‪-17‬الفراج سواء أكان بحكم محكمة أم من دونه‪ ،‬يسقط العقوبة‪ ،‬ل يجوز محاكمة‬
‫أحد أو معاقبته مرة ثانية ‪ ،‬عن جريمة سبق أن نال حكما نهائيا عنها‪ ،‬أو أفرج عنه‪.‬‬
‫‪-18‬إخضاع الذين يخلون بحقوق المتهم للمحاسبة‪.‬‬
‫[‪]31‬‬
‫ب‪ -‬أهم إخلل فقهي قضائي بحقوق المتهم‪:‬‬
‫تجويز التعذيب‪::‬‬
‫عندما نتحدث عن حقوق المتهم في السلم‪ ،‬ينبغي أن نفرقّ بين صريح التنزيل‬
‫والتطبيق النبوي والراشدي القويم؛ وبين اختلل نظرية الحقوق‪ ،‬في عصور الحكم الجبري‬
‫العضوض‪ ،‬الذي انحرف فيه الناس عن هدي الشريعة‪ ،‬ينبغي تنقية التراث القضائي من هذه‬
‫النحرافات‪ ،‬التي فجرت إلى التفريط بحقوق المتهم خاصة والنسان عامة‪ ،‬عندما امتطى‬
‫بعض الفقهاء مطية (المصالح المرسلة) الذلول‪ ،‬وهي قاعدة رجراجة‪ ،‬توسع فيها بعض‬
‫المالكية‪ ،‬وأسيء تطبقها كثيرا‪ ،‬فأدت إلى ما وصفه ابن حجر في غير هذا السياق بـ"تشريع‬
‫ما ليس بشرع"‪ ،‬بررت بعض النظريات المجانبة العدالة‪.‬‬
‫إنه منتهى الغرابة‪ ،‬أن نجد عديدا من فقهاء العصر العباسي؛ يخلون بما طبق النبي‬
‫والخلفاء الراشدون‪ ،‬من حقوق للمتهم كثيرة‪.‬‬
‫وقد تأسست نظرية تعذيب المتهم في الفقه العباسي‪ ،‬وقال بها عديد من الفقهاء‪ ،‬على‬
‫مالهم من فضل وإخلص ‪ ،‬لنها من الخطاء التي عمت بها البلوى‪ ،‬فأباح بعضهم ولسيما‬
‫المتأخرون؛ تعذيب المتهمين‪ ،‬وانتهاك حقوق المتهم بتشريع التعذيب‪ ،‬فقد أجازه التيار‬
‫الفقهي والقضائي السائد‪ ،‬كمالك والماوردي وابن القيم(انظر الطرق الحكمية‪ )143:‬وابن‬
‫تيمية(الفتاوى‪.)65/406:‬‬

‫‪43‬‬

‫ما السبب؟ بدون التعذيب‪-‬حسب تعبير ابن القيم عن فكرتهم‪"-‬تضيع الحقوق‪ ،‬ويتجرأ‬
‫أهل الفجور على الفساد‪ ،‬وتصبح الشريعة قاصرة ل تقوم بمصالح العباد"(الطرق الحكمية‪:‬‬
‫‪.)78‬‬
‫من أجل ذلك ل غرابة أن نجد بعض الفقهاء والقضاة المعاصرين يعيدون إنتاج نظرية‬
‫التعذيب‪ ،‬إذ نجد لبعض القضاة السعوديين دفاعا عنها‪ ،‬وتشكيكا في نظرية براءة المتهم حتى‬
‫تثبت إدانته‪ .‬يقول القاضي بمحكمة التمييز بمكة عبدال بن منيع‪" :‬فلو قلنا ببراءة المتهم‬
‫حتى تثبت إدانته؛‪...‬لكان حبس المتهم ومسه بالعذاب عند التحقيق معه؛ ضربا من الظلم‬
‫والطغيان" (انظر‪ :‬نظرية براءة المتهم حتى تثبت إدانته‪.‬بحث‪ .‬ضمن كتاب المتهم وحقوقه في‬
‫الشريعة السلمية‪1/274:‬وانظر أيضا‪ :‬مدى صلحية القرائن في إدانة المتهم‪ :‬للقاضي في‬
‫محكمة التمييز بمكة عبد ال البسام أيضا في نفس الكتاب‪ 341 /1:‬وما بعدها)‪.‬‬
‫ولو أن القضاة الذين أجازوا التعذيب؛ وضعوا له ضوابط محددة‪ ،‬وإجراءات‬
‫موحدة‪،‬وأشرفوا على تقديره وتنفيذه‪ ،‬لقلنا‪ ،‬إنهم اجتهدوا فأخطأوا‪.‬‬
‫ولكنهم خاطئون –ل مخطئون فحسب‪ -‬عندما تركوا التقدير والتنفيذ للجهزة‬
‫البوليسية‪ ،‬وهي في الغالب أجهزة قمعية‪ ،‬ل تعرف حدود ما أنزل من عدل ورحمة‪ ،‬ول يمكن‬
‫التأكد من عدالتها ومعرفتها الحكم الشرعي‪ ،‬وفيها أناس تعودوا على القسوة والغلظة‪ ،‬ول‬
‫يتوقع منهم التقيد بالحد المتعارف عليه حقوقيا‪ ،‬ول يؤمن أن يمارسوا البشاعة والشناعة‪.‬‬
‫وليت هؤلء القضاة أشرفوا على السجون كما كان القضاة العباسيون يفعلون‪ ،‬كما‬
‫ذكر ابن فرحون في التبصرة‪ ،‬ولكنهم أخطأوا مرة ثالثة أخرى‪ ،‬فمن دون إشراف حقيقي على‬
‫السجون؛ يصبح المتهم كالميت بين يدي الغاسل‪.‬‬
‫[‪]32‬‬
‫ج‪-‬قبول اعترافات التعذيب ‪:‬‬
‫وهم أيضا قرروا قبول اعتراف مسلوب الرادة أو الختيار‪ ،‬على أن التعذيب يفقد‬
‫النسان عقله ووعيه‪ ،‬الذي هو شرط التكليف‪ ،‬وهذا يسمح بتلفيق أي تهمة على أي متهم‬
‫‪44‬‬

‫في سراديب السجون‪ ،‬وقد قال شريح القاضي‪" :‬القيد كره والسجن كره" وقرر ذلك الفقهاء‬
‫فالعتداد باعتراف الكراه باطل شرعا‪.‬‬
‫وفي ظلل هذه الثقافة وفوق هذا وذاك؛ ل يستطيع القاضي حماية السجناء إذا قالوا‪:‬‬
‫إن اعترافاتنا تحت التعذيب‪ ،‬بل أكثر إجراء يستطيعه هو أن ل يصادق على اعترافاتهم‪،‬‬
‫وعندما يعاد المتهمون إلى السجون‪ ،‬يهددون بأنهم إن أنكروا سيعاد التحقيق معهم‪،‬‬
‫وسيعذبون حتى يعترفوا‪ ،‬ول يدرك أغلب القضاة أن هذه المور مخلة بالعتراف‪ ،‬ول‬
‫يستطيع من أدرك إل إن يصادق عليها‪.‬‬
‫وقد يدافع بعض الناس عن هؤلء القضاة زاعما أن الظلم إنما هو من رجال البوليس‬
‫ل رجال القضاء‪ .‬ترى إذن كيف ل يتجمعوا ويعلنوا موقفهم‪ .‬وهم بين أمرين إما من نمط‬
‫الساكت عن الحق‪ ،‬وهو (شيطان أخرس)‪ ،‬وإما من أهل الغفلة الذين ل يدركون أن التهديد‬
‫بالتعذيب( فضل عن التعذيب)‪ ،‬يخل بالعتراف وأن الحبس النفرادي أكثر من شهر‪ ،‬في‬
‫ظروف ل تضمن فيها المعاملة النسانية‪ ،‬أقسى من بعض ألوان التعذيب ول ينبؤك مثل‬
‫خبير‪.‬‬
‫إنها ثلث دواه‪:‬‬
‫تشريع التعذيب‪.‬‬‫وتركه من دون إشراف قضائي‪.‬‬‫وقبول العترافات الصادرة تحت التعذيب‪.‬‬‫في ظلل هذه الثقافة القضائية؛ يمكن انتهاك حقوق المتهم‪ ،‬كتعذيب المتهم تحت شعار‬
‫فساد المجتمع وكثرة المجرمين‪ ،‬وكونهم لن يعترفوا طوعا‪ .‬ويصادق على اعترافات ناتجة‬
‫عن سلب الرادة أو الختيار‪ ،‬في سلوك ظاهره تطبيق الشريعة‪ ،‬وباطنه توجيه طعنة نجلء‪،‬‬
‫في قلب شريعة العدالة‪.‬‬
‫إن النصوص الصريحة والتطبيقات النبوية؛ قررت أن هدف العدالة ليس الوصول إلى‬
‫الحقيقة فحسب‪-‬كما يبدو لبعض الناس‪ ،-‬بل يجب أن يكون الوصول إليها عبر الوسائل‬
‫المشروعة‪ ،‬فلو اتهم عشرة أشخاص بسرقة مال‪ ،‬ثم عذبوا جميعا‪ ،‬فاعترف أحدهم‪ ،‬فإن‬
‫‪45‬‬

‫الحقيقة ظهرت‪ ،‬فكيف يباح تعذيب المتهمين التسعة‪ ،‬من أجل الوصول إلي واحد إذن‪،‬‬
‫مادامت القرائن قوية‪ ،‬يقول الغافلون عن تأمل النتائج‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ونقول لهم إذن‪ :‬وتعذيب التسعة على حساب من؟‪ .‬نعم الحقيقة أمر مشروع‪ ،‬ولكن‬
‫القاعدة الفقهية‪-‬كما نص علماء الصول‪ -‬تقول‪:‬يجب أن يكون وسيلة المقصد المشروع‬
‫مشروعة(انظر القواعد الفقهية‪:‬د‪/‬يعقوب الباحسين)‪.‬‬
‫إن السلم أعطى في تطبيقاته النبوية والراشدية للمتهم حقوقا‪ ،‬لم يبلغ شأوها‬
‫القوانين الوربية الحديثة‪،‬ول يتسع المقام هنا لبسط ما فصلته في كتاب (حقوق المتهم في‬
‫السلم)‪ ،‬من إخلل العلماء والحكام بحقوق المتهم في السلم‪.‬‬
‫[‪]33‬‬
‫د‪-‬ترك التحقيق لجهزة البوليس من دون رقابة قضائية‪:‬‬
‫ول يجوز في الشريعة أن تنفرد الجهات المنية بالتحقيق مع المتهمين في القضايا‬
‫إدارية فضل عن الجنائية عن التي تعتبرها السلطة التنفيذية( سيادية)‪ ،‬وأغلبها من ما أباحه‬
‫الشرع المطهر‪ ،‬بل أوجبه من حرية الرأي والختلف‪.‬فالتحقيق جزء من القضاء الطبيعي‪،‬‬
‫وأي تحقيق يقوم به شخص غير مؤهل قضائيا‪ ،‬في شخصه أو في ارتباطه بجهازالقضاء‬
‫العام‪ ،‬يعتبر جورا‪.‬‬
‫ول بد للقضاء الشرعي من أن يتأكد من سلمة الجراءات التي تتخذها السلطة‬
‫التنفيذية على المتهمين‪ ،‬في القبض والعتقال‪ ،‬ويتأكد من ظروف حياة السجناء في‬
‫السجون‪ ،‬ويتأكد من سلمة العتراف من الكراه الذي يسلب الرادة أو الختيار أو هما معا‪،‬‬
‫وأن تكون له سلطة تخوله مناقشة ما يمكن أن يخل بالعتراف الشرعي‪ ،‬وأن يكون له سلطة‬
‫في بحث دعاوى تظلم المتهمين بدون من هذه السلطة من دون إذنها‪ ،‬ولبد له من أن تكون‬
‫له آلية يتابع بها السلطة التنفيذية‪ ،‬في تنفيذ أحكامه‪ ،‬ولبد له أن يحدد مدة العتقال من دون‬
‫محاكمة‪.‬‬
‫[‪]34‬‬
‫هـ‪-‬العقوبة على الشبهة‪:‬‬
‫‪46‬‬

‫في ظلل هذه الثقافة الجبرية الجائرة‪ ،‬ل يصبح المتهم‪-‬المحبوس‪ -‬بريئا حتى تثبت‬
‫عليه جريمة‪ ،‬ول يكتفى بسجنه قبل إحالته إلى القضاء‪(،‬وهي مدة قد تصل إلى ستة أشهر)‬
‫ويعتبر ذلك عقوبة على الشبهة‪ ،‬بل يعاقب المتهم بالشبهة‪ ،‬يقول القاضي بمحكمة التمييز‬
‫بمكة عبدال بن منيع‪" :‬فلو قلنا ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته؛ لتعين علينا طرح قرائن‬
‫التهام‪...،‬ولضطررنا إلى تعطيل الكثير من روافد الثبات‪ ،‬من قرائن وأحوال وملبسات‪،‬‬
‫ولكان حبس المتهم ومسه بالعذاب عند التحقيق معه؛ ضربا من الظلم والطغيان"(انظر‪ :‬نظرية‬
‫براءة المتهم حتى تثبت إدانته‪.‬بحث‪ .‬ضمن كتاب المتهم وحقوقه في الشريعة السلمية‪:‬‬
‫‪1/274‬وانظر أيضا‪ :‬مدى صلحية القرائن في إدانة المتهم‪ :‬للقاضي في محكمة التمييز بمكة‬
‫عبد ال البسام أيضا في نفس الكتاب‪ 341 /1:‬وما بعدها)‪ .‬من أجل ذلك ل يكاد ينجو من‬
‫براثن الظلم‪ ،‬فهو إن لم تثبت عليه التهمة‪ ،‬عوقب على مجرد التهمة‪.‬‬
‫[‪]35‬‬

‫‪=11‬المعيار الثالث‪ :‬ل ضمان لعدل‬
‫القضاء‬
‫إل في نظام حكم شورى‬
‫أ‪ -‬السلم والستبداد ل يلتقيان‪:‬‬
‫بالعدل قامت السماوات والرض‪ ،‬كما قال تعالى"شهد ال انه اله إل هو والملئكة وألوا‬
‫العلم قائما بالقسط"وقد أوجب ال على نفسه العدل قبل أن يفرضه على عباده‪،‬كما في الحديث‬
‫القسي" باعبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ ،‬وجعلته بينكم محرما"وهذا المر صريح في‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬كما في قوله تعالى " يا داوود إنا جعلناك خليفة في الرض فاحكم بين الناس‬
‫بالحق ول تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ال‪ ،‬إن الذي يضلون عن سبيل ال؛لهم عذاب‬
‫شديد‪ ،‬بما نسوا يوم الحساب"(سورة ص‪ )26:‬والذين يضلون عن سبيل ال هم الظلمة الذي‬
‫ليعدلون‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫فالشريعة فرضت العدل ونصت على أن ال أنزل الكتب وارسل الرسل لقامة ميزان‬
‫العدالة‪ ،‬كما في قوله تعالى"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات‪ ،‬وأنزلنا معهم الكتاب والميزان‪ ،‬ليقوم‬
‫الناس بالقسط‪ ،‬وانزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس‪ ،‬وليعلم ال من ينصره بالغيب‪،‬‬
‫إن ال لقوي عزيز"(الحديد‪.)25:‬‬
‫فالشريعة جعلت إقامة العدل فريضة كبرى‪ ،‬وأصبح تحقيق هذه الفريضة ليتمكن منه‬
‫إل بالشورى‪ ،‬ومن أجل ذلك نص الفقهاء على مضمون عبارة البيعة على الكتاب والسنة‪:‬‬
‫إلتزام العدل وشورى أهل الرأي والخبرة والعقل من عرفاء المة‪.‬‬
‫ل يمكن ضمان العدل في أي حكم استبدادي‪ ،‬ليمكن فشو الظلم في أي نظام شوري‪،‬‬
‫تلك خلصة تاريخ المم والحضارات‪.‬‬
‫[‪]36‬‬
‫ب‪-‬لمن الحكم لولي المر أم للمة‪:‬‬
‫السلطة للمة في تحقيق مقاصد الشريعة‪ ،‬كما نص ابن تيمية"المة هي الحافظة‬
‫للشرع"‪(.‬انظر لمزيد من التفصيل‪ :‬البرهان بقوامة المة على السلطان)‪.‬‬
‫فمن سبلور رأي المة ويجسد إجماعها؟‪ ،‬إنهم أهل السلطة النيابية المنتخبون‪-‬‬
‫بالمصطلح السياسي اليوم‪ ،-‬وهم (أولو المر) الذين أوجب ال طاعتهم‪ ،‬بعد كتابه والسنة‬
‫النبوية في آيتي الطاعة والرد في سورة النساء‪ ،-‬لنهم أول أهل العلم والرأي والعقل‬
‫والخبرة‪،‬كما وصفتهم تفسيرات بعض التابعين (كعكرمة ومجاهد)‪ .‬ولنهم ثانيا هم‬
‫المتبوعون(كما وصفهم القرطبي وابن تيمية وابن القيم)‪ .‬وهم ثالثا الذين جعلهم ال مرجعية‬
‫المة‪(،‬كما في تفسير الفخر الرازي والنيسابوري‪ ،‬وصاحب المنار وشيخه)‪.‬‬
‫وهم إذن الذين تنطبق صفات أهل الحل والعقد‪ ،‬وأهل الحل والعقد‪ ،‬هم بهيكل الحكم‬
‫الدستوري السلطة النيابية‪ ،‬التي تمثل مرجعية المة‪ ،‬ول يتسع المجل لبسط الدلئل الشرعية‪،‬‬
‫على أن النتخاب من وسائل تحقيق المقاصد الشرعية‪ ،‬التي ل يتسع المجال الن لبسط‬
‫ماذكره الكاتب في كتاب(الستبداد هو المشكل والشورى هي الحل)‪ ،‬فطوال تاريخ السلم لم‬
‫يكن الخوف على السلم من الشعوب‪ ،‬لن الشعوب بالدعاة ترجع إلى ال وتتذكر‪ ،‬وإنما‬
‫‪48‬‬

‫الخوف من السلطة المطلقة‪،‬التي تسكرها خمر السلطة‪ ،‬وقد أثبت تاريخنا السلمي أنها‬
‫مفسدة مطلقة‪.‬‬
‫في تاريخنا بعد صدر السلم؛ لم يكن لدى الناس إدراك كاف‪ ،‬بأن اجتماع السلطة‬
‫النيابية(الحل والعقد) والقضائية والتنفيذية في قبضة واحدة؛ يعني انعدام حرية الفراد‬
‫والجماعات‪ ،‬وسيطرة الستبداد الذي هو مطية كل فساد‪،‬وضياع حقوق العباد‪ ،‬مهما كان‬
‫لولي المر من الصلح والسداد (انظر السلطة القضائية في السلم‪:‬شوكت عليان‪ ،)87:‬لن‬
‫المة هي المكلفة بتطبيق الشريعة‪ ،‬وهكذا جاء الخطاب القرآني‪ ،‬فالخطاب لم يقل‪ :‬ياأيها‬
‫الحكام طبقوا الشريعة على النام‪ ،‬ولم يقل‪ :‬ياأيها الفقهاء والعلماء بل قال‪ :‬يأيها الذين‬
‫آمنوا‪.‬‬
‫[‪]37‬‬
‫ج‪-‬طاعة المة الحاكم واجبة إذا أطاع (أولي المر‪:‬الرأي)‬
‫عرفاء المة‬
‫ولكن التراث الفقهي العباسي الصحراوي؛ رسخت فيه معضلة سياسية كبرى‪ :‬أن‬
‫مفهوم سلطة المة الذي تبلور في القرآن الكريم‪ ،‬جرى تجييره للحاكم والفقهاء‪ ،‬ودعم‬
‫التجيير بمصطلح (ولي المر أدرى بالمصلحة)‪ ،‬فأمسك ولي المر بقبضته أعنة السلطات‬
‫كافة‪ ،‬وصار أيضا هو القاضي الصيل‪.‬‬
‫جمع ولي المر بين السلطات‪ ،‬واعتبر أعرف بتحري مصالح المة من غيره‪ ،‬وصاغوا‬
‫هذا المبدأ في عبارة جاهزة‪" :‬ولي المر أدرى بالمصلحة"‪ ،‬إذا لم يخالف نصوص الشريعة‪،‬‬
‫بيد أن القاعدة السلمية هي "صحة تصرف الحاكم مرتبطة بقيامه بأعباء الوكالة عن المة‬
‫ل عليها‪.‬‬
‫بناء على القاعدة العباسية صار من صلحيات أولياء المور؛ أن يصدروا من القوانين‬
‫والوامر ما يرونه مناسبا‪،‬من دون ضابط موضوعي يحدد مصلحة المة‪ ،‬وضابط فقهي يحدد‬
‫الحكم الشرعي المعتبر‪ ،‬ومن واجب القضاة وغيرهم أن ينفذوا هذه النظمة‪ ،‬مادامت تستند‬
‫إلى رأي فقهي‪ ،‬دون مناقشة ضعف الرأي وجودته‪ ،‬ومناسبته لما يجد من النوازل‪ ،‬ومادام‬
‫‪49‬‬

‫ولي المر أدرى بالمصلحة‪ ،‬فل حاجة إذن إلى مجلس نيابي‪ ،‬لن المجلس النيابي لن يكون‬
‫أدرى من ولي المر بمصالح المة‪.‬‬
‫إن هذه النظرية من إفراز التفكير ااستبدادي‪ ،‬الذي تجسد في اختلل منظومة الحقوق‪،‬‬
‫بتضخيم حقوق (المير) وتقزيم حقوق المواطنين‪ ،‬وذلك ينطوي على إخلل صريح‪ ،‬بمفهوم‬
‫الحكم الشوري‪ ،‬لنه يخل بشروط مبدأ البيعة(التعاقد الجتماعي) الذي يحدد علقات المجتمع‬
‫أفرادا وجماعات بالدولة‪ ،‬وأي تطبيق للشريعة ل ينبثق من المفهوم الشوري للحكم؛ إنما هو‬
‫حكم بغير ما أنزل ال‪ .‬لنه ل يمكن تطبيق الشريعة إل في إطار مفهوم الحكم الشوري‪.‬‬
‫لعل من المور المهمة أن يقال‪ :‬إنه ل يمكن استقلل القضاء‪ ،‬من دون دستور ينشأ‬
‫عبر استفتاء شعبي‪ ،‬ويكون فيه مجلس لهل الرأي والحل والعقد منتخبا من جميع الناس‬
‫رجال و نساءا‪ ،‬لضمان إصدار أنظمة ل تخالف روح الشريعة في العدل وتحري المصالح‬
‫العامة‪ ،‬وثوابتها القطعية‪ ،‬ولتنظر في مدي مشروعية ما تتبناه السلطة التنفيذية من قوانين‬
‫وأنظمة‪ ،‬من حيث أصل المشروعية أول‪ ،‬ومن حيث استجابة النظمة لمصالح الناس ثانيا‪.‬‬
‫وقد برهن تاريخنا السلمي على أن سر الفساد؛ هو هيمنة ولي المر على أزمة‬
‫السلطات‪ ،‬فحين هيمن تخلخلت مقطورة القيادة‪ :‬شورى المجتمع الهلي المدني‪ ،‬اختلت نظرية‬
‫الحقوق اجتماعية وسياسية وثقافية ومدنية واقتصادية‪ ،‬فجسد القضاء هذا الختلل‪.‬‬
‫إذن ل ينبغي للناس اليوم أن يبرروا الجمع بين السلطات إسلميا‪ ،‬فالسلمية هي اتخاذ‬
‫الجراءات والليات والهياكل التي تحول دون تمركز الدارة السياسية في كف واحدة‪ .‬حقق‬
‫الستقلل‪ ،‬فما أدى إلى الهدف ‪-‬وهو العدل والشورى‪ -‬من الوسائل والليات والجراءات‬
‫والهياكل المباحة فهو من الشريعة‪ ،‬كما قال ابن القيم وابن عقيل‪ ،‬في غير هذا السياق‪.‬‬
‫[‪]38‬‬
‫د‪ -‬من دون مجلس نواب منتخب؛ يصبح القضاء سهما في‬
‫قوس المستبد‬
‫إن سبب ما تعانيه أي أمة من تخلف‪ ،‬يرجع أساسه الول إلى تعدي السلطة التنفيذية‬
‫على السلطتين القضائية والنيابية‪ ،‬ول تتقدم أي أمة حتى يشعر الحاكم ووالمجتمع معا‪ ،‬بأن‬
‫‪50‬‬

‫العدالة ليست عطاء ول هبة من الحكام‪ .‬بل هي حق تعاقدي‪ .‬ومن أجل ذلك جاء مصطلح‬
‫استقلل القضاء عن السلطتين لتنفيذية والنيابية‪ ،‬لكي ل تنفرد السلطة التنفيذية‪ ،‬فتفرط‬
‫بحقوق الناس أو تنتهكها لن السلطة المطلقة‪ ،‬مفسدة مطلقة كما قال منتسيكو‪.‬‬
‫وهذا يفضى بالقضاء إلى أن يصبح تلقائيا من وسائل إرهاب الدولة‪ ،‬ثم إحكام سيطرتها‬
‫على المجتمع‪ ،‬كما في أوربا الشيوعية والشتراكية‪ ،‬وستكون قيمة الولء ل الكفاية هي‬
‫أساس تولية القضاة (استقلل القضاء في أفريقيا جنيفر وندر جيفر وندر دليل‪.)55 :‬‬
‫استقلل القضاء‪-‬تفريع وإجراء لمفهوم الحكم الشورى‪ :‬الذي يتم فيه الفصل بين‬
‫السلطات الثلث وقيام سلطة نيابية‪ ،‬هذه المور بعبارة وجيزة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق‬
‫العدل‪ ،‬والبعد عن الهوى‪ ،‬في الدولة الحديثة‪ ،‬فمبدأ الستقلل من‪ .‬والعدل له وسائل جربتها‬
‫المم القديمة والحديثة‪ ،‬فلم تجد أنجع من إذن مفهوم الحكم الدستوري‪ :‬الفصل بين السلطات‬
‫الثلث وقيام سلطة نيابية‪ ،‬فهو الحكم بالحق‪ ،‬وهو نقيض اتباع الهوى هذا هو المبدأ‪.‬‬
‫إن مفهوم استقلل القضاء يحتاج إلى إيمان عميق به‪ ،‬في مقدار اليمان بالروح‬
‫الشورية‪ ،‬أي أنه ل يتم كما قال جمس ماو إل إذا وافقت الحكومة على أن تستقي من أغلبية‬
‫الشعب؛ كل قوتها بشكل مباشر أو غير مباشر ‪ ( ،‬انظر ميراجو راري وراسل ديلر ‪ :‬استقلل‬
‫القضاء في أمريكا دليل ‪.)143 :‬‬
‫هناك علمتان للحكومة العادلة‪:‬القضاء المستقل‪ ،‬ومجلس النواب‪ .‬بيد أه ليصان‬
‫استقلل القضاء مالم يكن ثمة مجلس نواب قوي‪.‬‬
‫[‪]39‬‬

‫‪=12‬المعيار الرابــــــع‪ :‬لضمان لي‬
‫نظام حكـــــم شوري بغيـــــر هيكـــــل‬
‫دستوري يوزع السلطة ‪:‬‬
‫أ‪-‬مبدأ الستقلل هدي إسلمي‪ ،‬ولكن لم ترسخ وسائله‬
‫وضماناته‪:‬‬
‫‪51‬‬

‫استقلل القضاء واجب‪ ،‬لن العدل واجب ول يتم العدل إل باستقلل القضاء عن‬
‫الحكومة‪ .‬والقاعدة الصولية القطعية تقول بوضوح وصراحة‪ :‬ماليتم الواجب إلبه فهو‬
‫واجب‪.‬‬
‫مبدأ العدل مثل مبدأ العلم‪ ،‬في قوله تعالى‪:‬اقرأ باسم ربك الذي خلق‪ ،‬أوقول الرسول‪:‬‬
‫طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة‪ .‬ولكن كيف يكون التعلم؟‪ .‬عندما يكون عدد الطلب‬
‫قليلً‪ ،‬والوسائل المتاحة محدودة؛يجلس المعلم في المسجد‪ ،‬وبين يديه الطلب‪ ،‬وقد ليكون‬
‫ثمة كتاب مدون‪ ،‬وقد يكون المعلم هو أيضا هو كاتب الرسائل في البلد‪ ،‬وقد يكون أيضا هو‬
‫المرجع عند النزاع‪ ،‬وقد يكون أيضا إمام المسجد أيضا‪.‬‬
‫ثم يتطور المر فيكون اللوح والقلم‪ ،‬ثم يتطور المر فيكون الكتاب‪ ،‬وتقسم العلوم إلى‬
‫حصص‪ ،‬ثم يتطور التعليم فتكون مراحل الدراسة‪ ،‬ابتدائية ومتوسطة وجامعية‪ ،‬ومعاهد فنية‬
‫وتعليما عاما‪.‬‬
‫وهكذا هو شأن إقامة الحكم العادل‪ ،‬لبد له من شورى شعبية‪ ،‬والشورى الشعبية‪ ،‬ل‬
‫يمكن تحقيقها إذ ل يمكن مشاورة الناس كلهم‪ ،‬إذن يصبح مبدأ (التمثيل) الذي ينوب فيه‬
‫الفراد المحددون عن الجماعات المتكاثرة العدد‪ ،‬والفراد المتناثرة المكان مبدأ ضروريا‪.‬‬
‫وكذلك هو القضاء‪ ،‬فعديد من قواعد القضاء‪ ،‬من ما أجمل في القرآن والسنة‪ ،‬وطبق‬
‫القضاة القدامى المبادئ في إطار الوسائل المتاحة‪،‬وتبلورت بعد في ما استدعاه الحتياج من‬
‫تفصيلت طبقت في العهد النبوي والراشدي‪.‬‬
‫كان الخليفة هو القاضي‪ ،‬كما كان هو إمام الجامع‪ ،‬وكان يقضي في المسجد‪ ،‬ولكن‬
‫عندما تزدحم المدائن بالناس‪ ،‬وينشغل الخليفة بأمور الدولة‪ ،‬وتكثر الخلفات بين الفقهاء‪،‬‬
‫لبد أن يتعدد القضاة‪ ،‬وأن تتعدد المحاكم‪ ،‬وأن تبني للقضاء أماكن‪ ،‬فل ينحصر القضاء في‬
‫المسجد‪ ،‬وأن يعتمد القضاة على قوعد قضائية (أسس قانونية) موحدة محددة مدونة‪.‬‬
‫فمبدأ تقسيم سلطة الدولة إنما –وسيلة‪-‬هو مفهوم يقتضيها مبدأ العدل‪ ،‬ولكنه لم‬
‫يتبلور هيكليا‪-‬في تاريخنا القديم‪ -‬بنظرية الفصل بين السلطات‪ ،‬فالجراء الهيكلي لم تستدعه‬
‫الحاجة‪،‬أو غيبته النزعة الصحراوية الكسروية‪ ،‬ولكنه منسجم مع مبدأ العدل‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫وفي عصر الراشدين كان مبدأ استقلل القضاء موجودا وحاضرا‪ ،‬فقد مورس مقتضاه‪،‬‬
‫حيث كان القاضي مستقلً عن الدولة‪ ،‬ولذلك استطاع القضاة أن يحكموا على الخليفة‪،‬‬
‫واستطاعوا أن يرفضوا أوامره التي ل تتماشى مع اجتهاداتهم‪ ،‬واحترم الخليفة الراشدي‬
‫(كعمر بن الخطاب) أقضية القضاة‪ ،‬ورفض نقض ما حكموا به مع أن حكمهم يخالف‬
‫اجتهاده‪ ،‬كما وقع من عمر بن الخطاب‪ .‬ورفض خازن المال عبد ال بن مسعود‪ ،‬أن تكون‬
‫لولة القاليم سلطة على بيت المال‪ ،‬ورد أوامر خليفة راشدي كعثمان‪ ،‬لنها تخالف وجهة‬
‫نظره في اختصاصه‪ ،‬واستقال من وظيفته‪.‬‬
‫ولعل هذا يكفي في الدللة على أن مبدأ تقسيم السلطة عامة واستقلل القضاء خاصة‬
‫مفهوم وهدي إسلمي‪ ،‬فما معنى حق القاضي أن يرفض بل أن ينقض كل قرار أو أمر أو‬
‫قانون يرى في اجتهاده أنه يخالف الشريعة‪ ،‬مع أن مصدره خليفة راشدي؟‪ ،‬ما معنى هذا‬
‫والخليفة الراشدي قد جمع أعلى المواصفات في ركني القضاء‪ :‬الكفاية المسلكية‪ :‬العدالة‬
‫والكفاية المهنية‪ :‬الفقه والقدرة الفائقة على الجتهاد؟ إن معناه‪ :‬رفض ونقض كل ما يخالف‬
‫دستور المة‪ ،‬وهذا يدل على وجوب استقلل القضاء الشرعي عن السلطة التنفيذية‪ ،‬استقلله‬
‫عن (الخليفة) أيا إذا كان منتخبا‪ ،‬فمابالك به إذا كان السلطان متغلبا‪ .‬ولكن هذا المبدأ لم‬
‫يترسخ هيكليا‪ ،‬لكي يصبح عرفا قضائيا‪ ،‬في الزمنة التالية‪ ،‬لقصر عهد الخلفة الراشدة‪،‬‬
‫وانقلب المويين السريع على الحكم الشوري‪.‬‬
‫ثم إن الدولة السلمية عندما تعاظمت وكبرت‪ ،‬لم يتفاعل مبدأ تقسيم السلطات عامة‪،‬‬
‫ول استقلل القضاء خاصة‪ ،‬بسبب الستبداد السياسي‪ ،‬فحدد إطار القضاء بالمور الخاصة‬
‫بين الناس‪ ،‬ولم يستطع القضاة أن يحاسبوا الحاكم على ما يستأثر به من مناصب‪ ،‬أو يسرقه‬
‫من أموال المة‪ ،‬أو يفرط فيه من حقوق‪ ،‬أو يرتكبه من مظالم‪ ،‬أو يمارسه من جبر وقمع مع‬
‫أن ذلك من ما نصت عليه أسس دستور المة‪ :‬الكتاب والسنة‪ ،‬لم يقدروا على حمله على‬
‫تطبيق الدستور‪ ،‬ول محاسبته على مخالفته الدستور‪ ،‬في القرارات والوامر التي يصدر‪ ،‬ولم‬
‫يستطيعوا أن يحكموا في القضايا السياسية والبوليسية والعسكرية‪ ،‬فصار تطبيق القضاء‬
‫تطبيقا منقوصا‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫[‪]40‬‬
‫ب‪-‬ل ضمانة للعدالة إل باستقلل القضاء‪:‬‬
‫من أجل ذلك فإن الخذ بالوسائل الحديثة التي ابتكرتها دول متقدمة‪ ،‬ووفرت قدرا‬
‫كبيرا من العدالة‪ ،‬إنما هو من ما دلت عليه الشريعة‪ ،‬وليس من المصالح المطلقة من اللغاء‬
‫والعتبار‪ ،‬التي لم يدلل عليها الشرع بنفي ول إثبات‪ ،‬بل هو من المصالح التي دل على‬
‫أصلها الشرع‪.‬‬
‫دل الشرع على أن السلطة للمة ل للحاكم‪ ،‬وعلى وجوب التزام الحاكم بطاعة أهل‬
‫الحل والعقد‪ ،‬وعلى عدالة القضاء‪ ،‬وهذه مباديء ل يمكن تطبيقها‪-‬في الدولة الكبيرة‪-‬إل‬
‫بتوزيع السلطة‪ ،‬إذن الشرع نص على المبادئ‪ ،‬فدل‪-‬بذلك‪-‬على مشروعية وسائلها كتوزيع‬
‫السلطة‪ ،‬لن التوزيع هو وسيلة تحقيق هذه المبادئ‪.‬‬
‫لقد دل –بذلك‪-‬على استقلل القضاء‪ ،‬لنه ل يضمن تجنب الهوى إل بهذه الوسائل‪-،‬ل‬
‫سيما عندما يكون السلطان متغلبا غير مجتهد‪ -‬وال بين أن الهوى هو سبب الفساد‪ ،‬وذم‬
‫ال الهوى في كتابة مرارا‪ ،‬والهوى ضد النصاف والعدل‪ ،‬والسداد‪ ،‬واستقلل القضاء هو‬
‫سلمته من الهوى‪ ،‬وكل الوسائل التي تؤدي إلى سد الثغرات‪ ،‬التي يدخل منها الهوى‪،‬‬
‫وتضمن الحكم بالقواعد الشرعية مشروعة‪ .‬تماما كمسائل التعليم وهياكله فهناك هياكل‬
‫للتعليم‪ ،‬كالمدارس والفصول والكتب والمدرسين والدارة المدرسية‪ ،‬وهناك هياكل للقضاء‪،‬‬
‫هذه الهياكل من الجراءات والنظريات‪ ،‬التي ل يمكن تنفيذ مبدأ العدالة ومبدأ التعليم من‬
‫دونها‪.‬‬
‫الوسائل لها حكم الغايات وجوبا وإباحة‪،‬فإذا كان المقصود واجبا‪ ،‬فوسائله واجبة‪ ،‬كما‬
‫قرر الصوليون‪ ،‬مالم تكن الوسائل محرمة‪( ،‬كما قرر الصوليون)مثل تحريم تعذيب‬
‫المتهم‪،‬الذي يعتبر وسيلة مرفوضة‪ ،‬وإن أدى إلى مقصود شرعي واجب‪ ،‬وهو معرفة‬
‫المجرم‪.‬‬
‫ومن الوسائل التي ليضمن الحكم الشوري بغيرها (النظام الدستوري)‪ ،‬الذي يقوم‬
‫على توزيع السلطة‪ ،‬والفصل بين السلطات‪ ،‬واستقلل القضاء‪ ،‬هذه وسائل واجبة‪ ،‬لن العدل‬
‫‪54‬‬

‫ل يتحقق في الدولة الحديثة إل بها‪ ،‬لسيما ومؤهلت القضاء والنتخاب لم تتوافر في حاكم‬
‫طوال التاريخ إل نادرا‪ ،‬أي ما نسبته أكثر من ‪ %99‬من الحكام‪ ،‬والنادر ل تنشا من أجله‬
‫أحكام‪.‬‬
‫وقد أدركت الدول الحديثة حتى في أدغال أفريقية‪ ،‬ملكية وجمهورية‪ ،‬أن ل استقلل‬
‫للقضاء إل بالفصل بين السلطات‪ ،‬لذلك نص الملك محمد الخامس في خطاب العرش‪ ،‬على‬
‫استقلل السلطة القضائية‪ ،‬بعد يومين من عودته من المنفى سنة ‪1955‬م‪ ،‬قبل وضع‬
‫الدستور (استقلل القضاء في المغرب أحمد السراج السراج‪.)5:‬‬
‫هذا يعني كما نص الدستور اللبناني (قانون المحاكمات المدنية رقم ‪ 90‬الصادر في‬
‫‪16/9/1983‬م أن "القضاء سلطة مستقلة تجاه السلطات الخرى‪ ،‬في تحقيق الدعاوى والحكم‬
‫فيها‪ ،‬ول يحد منها أي قيد ل ينص عليه الدستور (استقلل القضاء في لبنان‪:‬تنظيم واستقلل‬
‫السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني القباني‪.)18:‬‬
‫استقرت المعايير الدولية؛ على أن القضاء يعتبر سلطة تابعة‪ ،‬ما لم يكن هناك فصل‬
‫د ستوري وا ضح ب ين ال سلطات الثلث‪( ،‬جي فر وندر‪ :‬ب حث ا ستقلل القضاء في أفريق يا‪ :‬في‬
‫كتاب دليل تعزيز استقلل القضاء‪.)64 :‬‬
‫والدليـل على ذلك لوحـظ فـي بعـض دول أوربـا الشتراكيـة‪ ،‬إذ إن القضاة يصـدرون‬
‫الحكام في الدعاوى‪ ،‬بناء على تعليمات يتلقون ها من م سئولي الحكو مة عبر الها تف‪ ،‬و قد‬
‫شاعت هذه الظاهرة حتى أطلق عليها مصطلح "عدالة الهاتف" (إدوين ريكوش‪.‬بحث‪.‬استقلل‬
‫القضاء فـي أوربـا‪.‬كتاب دليـل ‪ )65 :‬وكلمـا زادت سـيطرة السـلطة التنفيذيـة على القضاء أو‬
‫القوى المتنفذة كالتجار والعيان على السـلطة ازداد فقدانـه اسـتقلله ‪ ،‬ولذلك لم تفلح جهود‬
‫بعض دول أمريكا اللتينية في مكافحة الجريمة والمخدرات (انظر مارجريت بوبكن استقلل‬
‫القضاء في أمريكا اللتينية دليل ‪.)109 :‬‬
‫ل يمكن في أي حكم مستبد أن يستقل القضاء؛ النموذج العباسي للحكم هو بلغة حديثة‬
‫هو النموذج الفاشي ‪ ،‬الذي تصبح فيه سيطرة السلطة التنفيذية هي القاعدة ‪ ،‬ويمسي القضاء‬

‫‪55‬‬

‫هيئة تابعة‪( ،‬نظر مارجريت بوبكن دليل ‪ . )109 :‬أو هو بلغة باستعارة قديمة عربية تراثية‬
‫النموذج الكسروي‪.‬‬
‫في الدول التي لم يتمتع باستقلل مؤسسي عن السلطة التنفيذية حقيقي تشيع لوحظ‬
‫أن القضاء فيها ل يمكن حماية المواطنين من التعسف‪ ،‬مضايقة وأذى وسجنا وتعذيبا‬
‫واغتيال (انظر مارجريت بوبكن دليل ‪. )110 :‬‬
‫في مثل هذه النماذج يخفق القضاء في مجالين ‪:‬‬
‫الول حماية الفراد من تعسف الدولة‪.‬‬
‫الثاني إخضاع الجناة للعدالة‪.‬‬
‫فيصبح تعرض البرياء للتعسف وإفلت المجرمين من العقوبة أحد أهم آليات خلق‬
‫الرهاب والحفاظ عليه (مارجريت بوبكن دليل ‪ )110 :‬وفي ظلل النظمة الفاشية والرأسية‬
‫للهيئات القضائية‪( ،‬كما في أمريكا اللتينية) ‪ ،‬يمكن أن يظهر عدد من القضاة يحافظون على‬
‫استقللهم‪ ،‬يحاولون أن يقفوا ضد تعسف الدولة رغم ضراوتها‪ ،‬ولكن هؤلء عدد قليل‪ ،‬ويتم‬
‫التخلص منهم بأساليب خفية‪ ،‬عبر النقل أو الترقية أو التهميش (مارجريت بوبكن دليل ‪:‬‬
‫‪.)110‬‬
‫[‪]41‬‬
‫ج‪-‬الفرق بين عبارتي‪ :‬القضاة مستقلون والقضاء سلطة‬
‫مستقلة‪:‬‬
‫هناك فرق بين أن يقال القضاة مستقلون ل سلطان لحد عليهم‪( ،‬كمافي كثير من‬
‫أنظمة الحكم العربية) وأن يقال‪:‬القضاء سلطة مستقلة (كما في النظم الوربية) فعبارة‪:‬‬
‫القضاء سلطة مستقلة‪ ،‬أقوى من عبارة‪:‬القضاة مستقلون‪ ،‬لن التعبير بأن القضاء سلطة‬
‫مستقلة يؤكد أن القضاء ليس إدارة أو جهازا تابعا (استقلل القضاء في اليمن حمود الهيتار‪:‬‬
‫‪ .)5‬ولن القول بأن القضاة مستقلون ‪ ،‬يتجه إلى القاضي بصفته شخصا مفردا‪ ،‬بينما النص‬
‫على أن القضاء سلطة ينص على نظام القضاء‪ " ،‬فالختلف هنا ليس مجرد اختلف في‬
‫الصياغة‪ ،‬بل هو تباين جوهري" (انظر استقلل القضاء في تونس غازي الغرايري‪.)5 :‬‬
‫‪56‬‬

‫فالسياق الول غير صريح باستقلل النظام وإنما هو مستنتج ‪ ،‬وفي الثاني النص صريح‬
‫مباشر‪.‬‬
‫[‪]42‬‬
‫د‪-‬استقلل القضاء مبدأ دستوري‪:‬‬
‫لكي يكون للقضاء استقلل حقيقي‪ ،‬لبد من تجسيد مبدأ سيادة الشعب على الحكومة‪،‬‬
‫من خلل فروع ووسائل‪ ،‬تضمن تنفيذ هذا المبدأ‪ ،‬وهذا يستدعي أن تتضمن مواد الدستور‪،‬‬
‫توصيفا لوظائف السلطة القضائية ومسئولياتها‪ ،‬إذ ل يمكن استقلل القضاء إل في نسق بنية‬
‫دستورية‪ ،‬لذا فالخلل في دولنا العربية بنيوي‪ ،‬لن مبدأ استقلل القضاء مبدأً دستوري‪ ،‬ل‬
‫يمكن تأسيسه إل على قاعدة‪ :‬سيادة الشعب على الحكومة‬
‫بهذا التصور تمتنع السلطات الخرى من مراقبة قرارات القضاء‪ ،‬أو توجيه المر إليه‬
‫أو الحلول محله في فصل النزاعات التي تدخل في اختصاصه‪ ،‬وهذا ما لحظه المجلس‬
‫الدستوري الفرنسي ( القباني‪.)20 :‬‬
‫وبذلك أصبح استقلل القضاء‪ ،‬معيارا من معايير دولة القانون والمؤسسات‪،‬‬
‫ولذلك تنص قوانين القضاء المستقل على حماية القاضي من التدخلت و الوساطات‪ ،‬على‬
‫أن من أغرى أو استعطف قاضيا‪ ،‬كتابة كان أو مشافهة‪ ،‬لمصلحة أحد المتداعيين أو ضده‬
‫فضل عن من خوفه عوقب بالغرامة‪ ،‬كما في قانون العقوبات اللبناني ( المادة ‪)419 :‬‬
‫( القباني ‪.)22 :‬‬
‫إن سبب ما تعانيه أي أمة من تخلف‪ ،‬يرجع أساسه الول إلى تعدي السلطة التنفيذية‬
‫على السلطتين القضائية والنيابية‪ ،‬ول تتقدم أي أمة حتى يشعر الحاكم والمجتمع معا‪ ،‬بأن‬
‫العدالة ليست عطاء ول هبة من الحكام‪ .‬بل هي حق تعاقدي‪ .‬ومن أجل ذلك جاء مصطلح‬
‫استقلل القضاء عن السلطتين لتنفيذية والنيابية‪- ،‬عنوانا للعدل والنزاهة‪ ،-‬لن أخطر ما‬
‫يحيق بعدل القضاء‪ ،‬هو أن تسيطرالسلطة التنفيذية على القضاء‪ ،‬فتفرط بحقوق الناس أو‬
‫تنتهكها‪ ،‬لن السلطة المطلقة‪ ،‬مفسدة مطلقة كما قال منتسيكو‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫[‪]43‬‬

‫‪=13‬المعيار الخامس‪ :‬ل ضمان‬
‫لحكم دستوري من قيام التجمعات‬
‫المدنية الهلية بتجسيد سلطة المة‪:‬‬
‫أ‪ -‬مبدأ سلطة المة‪:‬‬
‫ل يمكن أن ينشأ قضاء مستقل‪ ،‬من دون تقرير مبدأ سلطة المة‪ ،‬في تحديد مصالحها‪،‬‬
‫وتبلور رأي المة‪ ،‬عبر تجمعات المجتمع المدني بصورة مباشرة‪.‬‬
‫ولكن هذا ل يكفي‪ ،‬فل بد من أن تتبلور سلطة المة في جهاز الدولة نفسه‪ .‬وإنما يتم‬
‫ذلك من خلل ظهور أعيان في المجتمع‪ ،‬يثق بهم الناس فيقدمونهم ليصبحون هم أهل الحل‬
‫والعقد‪ ،‬وهؤلء العيان معروفون في المجتمعات الصغيرة والبسيطة‪ ،‬التي لم تغتل الدولة‬
‫فيها حق الناس‪ ،‬في أن يكونوا هم أصحاب القرار‪ ،‬الذي ينفذه الحاكم‪ ،‬وقد درجت الشعوب‬
‫المتقدمة‪ ،‬ذات النظم السياسية الشورية‪ ،‬على بلورة مفهوم العيان أهل الحل والعقد‪ ،‬في‬
‫صورة (مجلس نواب الشعب)‪ ،‬وهذا السلوب أهم إجراء لمبدأ سلطة المة‪ ،‬في تحرى‬
‫مصالحها‪ ،‬في إطار الشريعة‪ .‬وهو من أهم ضمانات عدالة القضاء ونزاهته‪،‬‬
‫لكن هذا المبدأ لم يتكرس في ثقافتنا السلمية‪ ،‬رغم أن القرآن الكريم‪ ،‬قرر هذا‬
‫المبدأ‪ ،‬من خلل خطابه في أكثر من مناسبة‪ :‬يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬وبناء على هذه النصوص‬
‫قرر عدد غير كثير من الفقهاء سلطة المة‪ ،‬كالمام ابن تيميه‪ ،‬الذي يقول "المة هي الحافظة‬
‫للشرع" أي ليس الفقهاء ول الحكام‪.‬‬
‫والقول بسلطة المة‪ ،‬يعني أنها هي المخولة بتقرير مصالحها‪ ،‬ل الحاكم‪ ،‬وهي الدرى‬
‫بالمصلحة ل الحاكم‪ .‬فكيف تمارس المة سلطتها؟ تمارسها عبر أسلوبين السلوب المباشر‪،‬‬
‫وهو التجمع الهلي عامة‪ ،‬والمدني خاصة‪ ،‬على شكل جماعات وجمعيات وروابط‪.‬‬
‫[‪]44‬‬
‫ب‪ -‬ضعف المجتمع الهلي في الدولة السلمية وأثره في‬
‫إضعاف استقلل القضاء‬
‫‪58‬‬

‫ثقافتنا الدينية التراثية العباسية‪ ،‬ولم ترسخ أعراف المجتمع الهلي المدني‪ ،‬فضل عن‬
‫هياكله‪ .‬فلم تتعد أشكال المجتمع الهلي المدني البسيط‪:‬‬
‫لم تثمن ثقافتنا السلمية العباسية قدر الجمهور‪ ،‬وحقرته واعتبرته من الرعاع‪،‬‬
‫وحفلت كتب الفقه بذلك‪ ،‬وشاعت نظرية اختزال المجتمع بالمراء والقضاة‪ ،‬ففقد القضاة‬
‫والفقهاء أكبر عون لهم على الخير‪.‬‬
‫بيد أن مابقي من أشكال المجتمع الهلي البسيطة؛ مارس درا طيبا في دعم القضاة‬
‫العادلين‪ ،‬وفي أخبار القضاة عبر العصور‪ ،‬مواقف مشرفة لتعد ول تحصى‪ ،‬مثل ما وقع‬
‫للقاضي العز بن عبد السلم‪ ،‬الذي عزله سلطان مصر‪ ،‬فحمل القاضي متاعه واتجه إلى‬
‫الشام‪ ،‬فتبعه خلق كثير‪ ،‬فاضطر السلطان إلى استرضاء القاضي‪ ،‬ولم تكن قصة القاضي عز‬
‫الدين معزولة عن السياق العام‪ ،‬ولكنها لم تكن القاعدة في كثير من البلدان والزمان‪.‬‬
‫ولكن دور المجتمع الهلي تضاءل شيئا فشيئا‪ ،‬واستبد السلطان بأمور الناس فشاعت‬
‫عبارة‪ :‬ولي المر أدرى بالمصلحة‪ ،‬وانتشرت الحاديث التي رواها محدثون متساهلون‬
‫كالطبراني‪ ،‬في مسند الشاميين‪ ،‬التي تؤصل انحراف مفهوم السلطان‪ ،‬عندما خلعت عليه‬
‫لقب(ولي المر) واعتبرته أدرى من المة بصالحها‪.‬‬
‫فانحرف مفهوم الحاكم من طبيعته ووظيفته الشرعية؛ أي أنه وكيل عنها ونائب عينته‬
‫لكي ينفذ إرادتها‪ ،‬بعقد سياسي له شروطه‪ ،‬التي تدل عليها عبارة‪ :‬البيعة على الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬إلى وصي عليها عينه ال‪ ،‬وليس لحد غير (ال) الذي وله أن يحاسبه على ما‬
‫جناه‪ ،‬فليس علينا إل الدعاء له بالصلح أو عليه بالهلك‪ ،‬وشاع الدعاء للسلطان والدعاء‬
‫عليه‪ ،‬أسلوبا نكوصيا لمحاربة الجور‪ ،‬سمي سهام السحار‪.‬‬
‫وأخذت الحكومات العربية الصحراوية؛ تقرض المجتمع الهلي المدني شيئا فشيئا‪،‬‬
‫فالمسجد كان مؤسسة مدنية‪ ،‬فتحولت المساجد إلى توابع للسلطان‪ ،‬يعين خطباءها وأئمتها‬
‫ووعاظها وقصاصها‪ ،‬ويمنحهم الرزاق‪ ،‬ويستخدم سلح الرزاق وسائل فعالة‪ ،‬تولية وترقية‬
‫ونقل‪ ،‬وتأديبا وتوقيفا وعزل‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫وتحولت المساجد من خيام للتجمع الهلي المدني‪ ،‬إلى أطراف سلطانية رسمية‪ ،‬تنتج‬
‫خطابا تربويا إعلميا‪ ،‬يحث على طاعة السلطان‪ ،‬والصبر على جوره‪ ،‬ويؤجل المحاسبة إلى‬
‫الدار الخرة‪ ،‬ويركز على شق السلم الروحي‪ ،‬في الذكر والدعاء والصوم والصلة والحج‪،‬‬
‫و يهمل شقه المدني‪ ،‬فأصبحت المساجد‪ ،‬جزءا من السلطة الحكومية‪ ،‬فاشترطوا إذن‬
‫السلطان‪ ،‬حتى في الستغاثة ودعاء القنوت‪ ،‬وتحديد مسجد لصلة الجمعة‪ ،‬وأكثروا من ربط‬
‫أمور كثيرة بأمره‪ ،‬فساعدوا حكم الجبر والجور العضوض‪-‬وهم ل يشعرون‪-‬على اغتيال‬
‫المجتمع الهلي مدنيا وغير مدني‪.‬‬
‫وغاب عنهم مفهوم سلطة المة المتقرر في الذكر الحكيم‪ ،‬فانطوت أهم قنوات المجتمع‬
‫الهلي المدني‪ ،‬وهي قنوات التي ل يضمن استقلل القضاء من دونها‬
‫[‪]45‬‬
‫ج‪ -‬التجمعات الهلية ول سيما المدنية تجسد سلطة المة‬
‫في دعم القضاء‪:‬‬
‫‪-1‬الدعم الشعبي من ضمانات العدالة‪:‬‬
‫إن استقلل القضاء ل يأتي بقرار فوقي من السلطة‪ ،‬لن السلطة التي تعطي الحقوق‬
‫يمكن أن تسلبها مادمت تعتبرها هبات وعطايا‪ ،‬والقضاء ليس نصوصا وقواعد عادلة في‬
‫إضبارات فحسب‪ ، ،‬وليس قضاة أكفياء في ثقافتهم‪ ،‬نزهاء في تصرفهم العام والخاص‬
‫فحسب‪ ،‬لن يتوافر نظام عادل ول قاض نزيه‪ ،‬من دون سور شعبي‪.‬‬
‫إنه ل يمكن أن يتحقق للقضاء استقلل‪ ،‬من دون دعم شعبي‪ ،‬فقوة القضاء ليست‬
‫بنصوصه أو من داخله فحسب‪ ،‬بل ول من القضاة أيضا‪ ،‬فهي إذن من خارجه أولً‪ ،‬لن‬
‫القضاة الذين ل يجدون جمهورا يحميهم عندما يتعرضون لضغوط السلطة التنفيذية‪ ،‬لن‬
‫يستطيعوا أن يستقلوا‪ ،‬كما قال ال تعالى ((ولول رهطك لرجمناك))‪ ،‬والقضاة الذين ((ل‬
‫يجدون على الخير أعوانا))؛ ل يتوقع أن يقاوموا الضغوط الخارجية‪ ،‬ولسيما ضغوط السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬و ل يستطيعون أن يكونوا مستقلين‪ ،‬مادام يسهل عزلهم ونقلهم‪ ،‬ولو استقل‬
‫بعضهم لكان مصيره مصير قاضي قم‪:‬‬
‫‪60‬‬

‫أيها القاضي بقم ××× قد عزلناك فقم‬
‫لول المجتمع الهلي ما استطاع القاضي العز بن عبد السلم أن يحكم بالعدل في وسط‬
‫جور حكام المماليك في مصر‪ ،‬لن المماليك ضاقوا بعدله ذرعا‪ ،‬فعزلوه لن عزل القاضي‬
‫سهل في ظلل النظم المستبدة‪ ،‬فحمل القاضي متاعه وأزمع المسير إلى الشام‪ ،‬فقام المجتمع‬
‫الهلي بمسيرة كبرى خلفه‪ ،‬وقال نهاجر كما هاجر القاضي‪،‬من أجل ذلك تراجع السلطان عن‬
‫عزله‪.‬‬
‫ويؤكد دور المجتمع الهلي المدني استقلل القضاء أيضا القاضي المريكي في المحكمة‬
‫العليا (وليام رينكوريت) إذ يذكر أن العدالة بالغة الهمية‪ ،‬بحيث ينبغي أن ل يكون الحفاظ‬
‫عليها خاصا بالقضاة والمحامين‪ ،‬بل على الشعب أن يسهم فيها أيضا (ستيفن جولب‪:‬‬
‫مساهمات المجتمع المدني في استقلل القضاء ستيفن جولب‪.)178 :‬‬
‫وكلما كان المجتمع الهلي المدني قويا؛ تعزز استقلل القضاء‪ ،‬وكلما ضعف المجتمع‬
‫الهلي المدني ضعف استقلله‪ ،‬وكلما ضعف القضاء أسهم في وأد المجتمع الهلي المدني‪،‬‬
‫بتجريم دعاة الصلح فهناك علقة تجاذبيه‪ ،‬ففي مصر استطاع القضاء أن يصدر أحكاما‬
‫سياسية رغم أنف السلطة التنفيذية‪ ،‬فكل الحزاب المصرية صدرت بأحكام قضائية‪ ،‬وكل‬
‫الصحف المصرية صدرت أيضا بأحكام قضائية‪.‬‬
‫بل أن المجتمع الهلي ولو كان غير مدني‪ ،‬له أثر في الحد من تسلط الدارة‬
‫السياسية‪ ،‬فللقبلية في اليمن دور في الحد من تسلط الحكومة‪ ،‬وللطائفية في لبنان أيضا دور‬
‫مشابه‪.‬‬
‫[‪]46‬‬
‫د‪ -‬كيف يستطيع القضاء أن يظفر بدعم الجمهور؟‪:‬‬
‫ليس القضاء خدمات عامة للجمهور فحسب‪ ،‬ولكنه أيضا قوة سياسية‪،‬أو قوة عامة‪،‬‬
‫مطلوب منه أن يوازن بين هاتين الوظيفتين المزدوجتين ‪ ،‬وهذا يفرض عليه شروط‬
‫المسؤولية القضائية (لين هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية‪:‬دليل‪.)169:‬‬

‫‪61‬‬

‫ومن أجل ذلك فإنه لبد من حوار مستمر بين سلطة القضاء والمجتمع الذي تخدمه‪،‬‬
‫وعندما يكشف الحوار عن خلفات أساسية‪ ،‬ينبغي التفاوض‪ ،‬لتمتين العلقة (لين هارمر‪.‬‬
‫الستقلل والمسئولية‪:‬دليل‪.)167:‬‬
‫فل يكفي أن يطمئن القاضي إلى عدله‪ ،‬مقويا العلقة مع رؤسائه‪ ،‬بل ل بد من أن‬
‫يعرف صدى أحكامه في الجمهور‪ ،‬لن الجمهور هو سند العدالة المهاب‪.‬‬
‫[‪]47‬‬
‫هـ‪-‬دور المجتمع الهلي في كشف الفساد‪:‬‬
‫وهذا وذاك يؤكد دور المجتمع الهلي عامة والمدني خاصة في الصلح‪ ،‬وقد يكون‬
‫أثره غير مباشر‪ ،‬ولكنه فعال من خلل أشكال عديدة‪:‬‬
‫‪ -1‬مراقبة أداء القضاء‪ :‬وفكرة مراقبة أداء القضاة‪ ،‬قد تجابه باعتراضات (كما تم فى‬
‫الهند) غير أنها تعزز استقلل القضاء‪ ،‬عندما تدعمها القيادات (ستيفن ‪ .)185‬فهي تجسد‬
‫ضغطا مشروعا لتحقيق الشفافية والنزاهة‪ ،‬إذ ل يوجد علنا من يعارض تدابير الصلح‪،‬‬
‫ولكن التجاهل والتنفيذ البطيء يجعلها معطلة أو شبه معطلة‪ ،‬ومن أجل ذلك يتأكد دور‬
‫المجتمع الهلي المدني‪ ،‬بما فيه من باحثين ومحاميين‪ ،‬وصحفيين وأكاديميين ( ستيفن‬
‫جولب‪.)179 :‬‬
‫‪ -2‬كشف الفساد ‪ :‬ففي الفليبين أصبحت الخلقيات القضائية (ستيفن‪ )178:‬والفساد؛‬
‫أهم المجالت التي يعمل فيها مركز الفليبين للتحقيقات الصحفية (ستيفن‪.)183:‬‬
‫‪ -3‬قوة المجتمع المدني تمثل قوة مضادة للقوى التي تهدد استقلل القضاء‪،‬كتكتلت‬
‫المجتمع الهلي (غير المدني) عائليا وإقليميا وطائفيا وعنصريا‪ ،‬التي تشيع فيها المحاباة‬
‫والنفوذ الشخصي‪ ،‬وهذا المجتمع المدني يكشف العنصرية إقليمية وطائفية وعائلية‪ ،‬كما في‬
‫الفلبين عندما أعد مركز التحقيقات الصحفية في الفليبين مقالت عن المناصب المشكوك فيها‬
‫التي حصل عليها أقارب كبير القضاة (ستيفن‪.)184 :‬‬
‫‪ -4‬القيام بمبادرات الصلح‪ ،‬فالجهزة الخاملة التي يرين عليها التقليد والفساد‪ ،‬عادة‬
‫ل تكون قادرة على إصلح نفسها بنفسها‪ ،‬وتحتاج إلى مبادرات من خارج أسوارها‪.‬‬
‫‪62‬‬

‫‪ -5‬تدريب العاملين في قطاع هيئات العدالة كالقضاء والشرطة (ستيفن‪)188:‬‬
‫‪ -6‬وقف التمييز غير المشروع الذي يمارس ضد الفئات المستضعفة‪ ،‬كالمرأة‬
‫والطبقات الدنى في السلم الجتماعي‪ ،‬كما فعل مركز العدالة الجتماعية في الهند (ستيفن‬
‫جولب‪.)181:‬‬
‫[‪]48‬‬
‫و‪-‬جمعيات المحامين‪.‬‬
‫وجمعيات المحامين من أهم تكتلت المجتمع الهلي المدني‪ ،‬الفعالة في دعم العدالة‪.‬‬
‫للمحامين الفاسدين دور في النيل من استقلل القضاء أحيانا‪ ،‬عندما ينبرون مدافعين‬
‫عن الوضع الفاسد‪ ،‬وحين يقدمون الرشاوى‪ ،‬ويعرضون أشكا ًل من العلقات غير اللئقة‪،‬‬
‫ويقيمون علقات صداقة مع مسئولين تنفيذيين‪ ،‬ويضغطون على القضاة المستقلين‪ ،‬ويتهمون‬
‫القاضي المحايد بالتحيز‪ ،‬عندما يخسرون قضاياهم أمامه (الجراءات المؤسسية والنظمة‬
‫المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل ‪.)36 :‬‬
‫لكن دورهم الطبيعي هو دعم استقلل القضاء‪ ،‬كما لكن المحامين المصلحين اليقظين‬
‫يسهمون في تعزيز استقلل القضاء‪ ،‬فبإمكانهم‪ ،‬أن يقيموا دعاوى أمام المحاكم العادية‪،‬‬
‫للطعن في المحاكم العسكرية والستثنائية‪ ،‬لثبات عدم دستوريتها (استقلل القضاء في‬
‫أفريقيا جنيفر وندر‪ :‬دليل‪ .)56:‬بل من الممكن أن يصبح المحامون قادة حركات إصلح‬
‫سياسي وحقوقي‪.‬‬
‫ومشاركة نقابة المحامين في تعيين القضاة؛ تحد من قيام تحالف بين السلطة التنفيذية‬
‫والنيابية والقضائية‪ ،‬وترفع من مستوى اختيار المرشحين‪ ،‬وتحد من شعور القضاة بالجميل‬
‫نحو الدولة (استقلل القضاء في أفريقيا جنيفر وندر‪ :‬دليل‪.)57:‬‬
‫إذا استطاع المحامون من خلل نقاباتهم أن يعملوا بحرية‪ ،‬بعيدا عن الرهاب القضائي‪،‬‬
‫صار لهم دور فعال في إصلح القضاء (لين هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية‪ :‬الدليل‪.)169:‬‬
‫[‪]49‬‬
‫د‪-‬العلم ‪:‬‬

‫‪63‬‬

‫و دور العلميين مزدوج كدور المحامين‪ ،‬فهو إما أن يرفع من مستوى استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬بالكشف عن الفساد‪ ،‬وإما أن يسهم في تقليل ثقة الجمهور بالقضاء العادل (استقلل‬
‫القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬دليل‪)81:‬‬
‫و تؤدى جهود العلميين المصلحين إلى تعزيز إصلح القضاء؛ إذا كانوا على قدر‬
‫كاف من الثقافة والعلم‪ ،‬وكانت لهم معرفة قانونية في ما يخوضون فيه‪ ،‬ولسيما إذا تعاون‬
‫القضاة معهم‪ ،‬بتقديم معلومة قضائية موضوعية (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬‬
‫دليل‪.)80:‬‬
‫وتثقيف الجمهور بالمور القضائية‪،‬مهم لتعزيز دعمه القضاء والتعويض عن نقص‬
‫الشفافية الرسمي‪ ،‬وتساعد التحقيقات الصحفية في قمع الفساد وكشفه‪ .‬من أجل ذلك جاء في‬
‫إحدى توصيات البنك الدولي‪" :‬إن المجتمع المدني والعلم؛ هما أكثر العوامل أهمية‪ ،‬في‬
‫القضاء على الفساد في المؤسسات العامة‪ ،‬حيث إنه ل يمكن السيطرة على الفساد‪ ،‬عندما ل‬
‫يتهاون تجاهه المواطنون "(ستيفن جولب بحث مساهمات المجتمع المدني في استقلل‬
‫القضاء‪ .‬دليل تعزيز القضاء ‪.)178:‬‬
‫[‪]48‬‬
‫هـ‪-‬جماعات حقوق النسان‪:‬‬
‫ومن المهم أن يتواجد ناشطو حقوق النسان في قاعات المحاكم‪،‬لن لهم أثرا يخفف‬
‫الضغوط الخارجية على القضاة‪ ،‬و لسيما في القضايا السياسية‪ .‬ويعد مشروع مراقبة‬
‫المحكمة الذي نفذته مؤسسة هلسنكي لحقوق النسان نموذجا جيدا (استقلل القضاء في‬
‫أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪.)80:‬‬
‫[‪]49‬‬

‫‪=14‬المعيار السادس‪ ::‬رقابة القضاء‬
‫على السلطة التنفيذية والنيابية‪:‬‬
‫إنشاء (محكمة عدل عليا) دستورية‬
‫‪64‬‬

‫أ‪-‬مفهوم الرقابة‪:‬‬
‫القضاء أهم سلطة تسهر على إحقاق الحق‪ ،‬وضمان الحريات والحقوق‪ ،‬وعلى تحقيق‬
‫المساواة أمام القانون‪ ،‬وتساوي القانون أمام الناس أيضا والحفاظ على التوازن الجتماعي‪.‬‬
‫إنه ل سلطة للقضاء إذا لم يكن له رقابة‪ ،‬على تصرفات السلطة التنفيذية والنيابية معا‪،‬‬
‫فقد تنشأ خصومة يسبب قانون أصدرته السلطة النيابية أو قرار أو أمر صدر من السلطة‬
‫التنفيذية ومصدر حسم النزاع هو القضاء‪ ،‬الذي يقرر إن كان هذا القانون أو القرار أو المر‬
‫مخالف الدستور أو موافق (استقلل القضاء في اليمن حمود الهيتار‪" )2 :‬وكيف يكون‬
‫القاضي مستقلً‪ ،‬إذا كان يرجو رحمة السلطة النيابية‪ ،‬ويخشى عقاب السلطة التنفيذية"‬
‫(حمودة‪.)2 :‬‬
‫ول يمكن أن توصف دولة بأنها دولة قانون عادل‪ ،‬إل إذا كان القضاء فيها سلطة‪ ،‬ول‬
‫يكون سلطة إل إذا استطاع أن يراقب تصرفات السلطة التنفيذية والنيابية معا‪ .‬وهذا يجعل‬
‫القضاء ملذا لحماية الحريات الفردية والجماعية‪ ،‬وممارسة الرقابة على مشروعية تصرفات‬
‫الدارة (استقلل القضاء في الجزائر جادي عبد الكريم‪.)3 :‬‬
‫ولقد حظي هذا المبدأ باهتمام بالغ من المجتمع الدولي المعاصر‪ ،‬ولذلك أوصى‬
‫المؤتمر الثاني والعشرون لهيئات المحامين العرب (بالمغرب) (‪1997‬م) بأن ينص على أن‬
‫للسلطة القضائية الولية على جميع القضايا ذات الطابع القضائي‪،‬أي الفصل في المنازعات‬
‫وفي الجنايات‪ ،‬وليس للسلطتين التنفيذية والنيابية‪ ،‬أية رقابة على الوظائف القضائية‬
‫(استقلل القضاء في المغرب أحمد السراج السراج‪.)3:‬‬
‫ومن الوظائف الرقابية‪:‬‬
‫‪ -1‬الرقابة على دستورية القوانين واللوائح والقرارات التي تصدر من السلطة‬
‫التنفيذية أو النيابية‪ ،‬وهذا الدور يقتضيه كون القضاء سلطة مستقلة وليس وظيفة تابعة‬
‫(انظر استقلل القضاء في البحرين‪ .‬زينات المنصوري زينات‪.)14 :‬‬

‫‪65‬‬

‫‪ -2‬الشراف على العمليات النتخابية‪ ،‬وعلى سير النتخابات إلى حين العلن عنها‪،‬‬
‫وصحتها‪ ،‬ويفصل في الطعون المتعلقة بها (جادي عبد الكريم‪.)4 :‬‬
‫‪ -3‬حق القاضي في رفض أي أمر إداري‪ ،‬أو قاعدة أو قانون إذا كان مخالفا أحكام‬
‫الدستور السلمي‪ ،‬وثبت في النزاع المحكمة الدستورية‪.‬‬
‫[‪]50‬‬
‫ب‪-‬من يحسم النزاع السلطان أم محكمة العدل العليا؟‪:‬‬
‫عندما يثور نزاع في تحديد مصالح المة‪ ،‬فمن الحكم؟‬
‫صيغت قاعدة عباسية شائعة‪ ،‬ليس لها من الشريعة مستند أيضا‪ :‬تقول‪ :‬إن اجتهاد‬
‫المير أو الخليفة يحسم التنازع‪ ،‬في كل أمر خلفي بين الفقهاء فضل عن غيرهم‪ .‬فاجتهاد‬
‫إمام الدولة حكم نهائي‪.‬‬
‫وكلم الفقهاء الذين يقولون إن رأي إمام الدولة رأيه يحسم النزاع غير صحيح‪ ،‬حتى‬
‫لو توفرت في الحاكم شروط الكفاية‪ ،‬المطلوبة للقضاء‪ ،‬وكان منتخبا لمتغلبا‪.‬‬
‫من أجل ذلك نبه بعض الفقهاء الحرار الوعاة؛ إلى خلل هذه النظرية‪ .‬فقرروا أنه ل‬
‫يجوز للسلطان في الشرع أن يلزم الناس باجتهاده‪ ،‬كما ذكر كالمام ابن تيمية والقرافي‪،‬‬
‫(انظر فتاوى ابن تيمية‪ ،240-3/238:‬والحكام للقرافي‪.)114-110:‬‬
‫كان لدى أحرار الفقهاء وعي بأن رأي السلطان‪ ،‬ل يلزم في مسائل الخلف‪ ،‬ولكنهم‬
‫لم يفصلوا هذا المبدأ‪ ،‬ولم يضعوا له وسائل ضامنة‪ ،‬فلم يقولوا بأنه يلزم الرجوع إلى من‬
‫يمثلون رأيا مستقل في المة‪ ،‬حسب ما استنبطه الفخر الرازي والنيسابوري في تفسيرهما‪،‬‬
‫وتابعهما عليه محمد عبده ومحمد رشيد رضا من قوله تعالى‪" :‬فإن تنازعتم في شيء فردوه‬
‫إلى ال والرسول" (النساء‪.)59:‬‬
‫ولو فصلوه لقالوا‪:‬إن الجهة المخولة بالفصل بين السلطان وأحد المواطنين أو بين‬
‫السلطان والمجتمع عندما يختلفان‪،‬؛ هي مجلس أهلي من الفقهاء المستقلين‪ ،‬يجسدون‬
‫مفهوم أهل الحل والعقد في أمور القضاء‪ .‬هذا الجراء وسيلة من وسائل تطبيق الشريعة‪،‬‬
‫يضمن أن تكون القوانين التي يعمل بها القضاء ودوائر الدولة الخرى عادلة نزيهة‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫هذا المبدأ وسيلته اليوم تسمى محكمة العدل الدستورية العليا‪ ،‬التي من وظائفها أيضا‬
‫مراقبة تصرفات السلطتين التنفيذية والنيابية كافة ‪ ،‬كان الخلل في النظمة الجرائية‪،‬‬
‫العباسية ولم يكن في مبادئ السلم إذن‪.‬‬
‫وثمة خلل آخر في مقولة‪:‬حكم الحاكم نهائي يحسم التنازع والخلف‪ .‬لن الحاكم الذي‬
‫يمكن أن تنطبق عليه هذه القاعدة هو القاضي(الذي له مواصفات كفاية محددة في الشريعة)ل‬
‫السلطان‪ ،‬والنزاع الذي ينتهي وينحسم بحكم القاضي‪ ،‬هو خلف الخصومة في حق خاص‪،‬‬
‫بين شخصين مدع ومدعى عليه‪،‬كل منهما يدافع عن مصلحته الخاصة‪ ،‬بين يدي قاض‪.‬‬
‫وليس نزاعا في حق عام بين طرفين أحدهما السلطة التنفيذية‪،‬والخر مجموعة من‬
‫المختصين والخبراء أو هيئة لها‪ ،‬ولكل الطرفين وجهة نظر في تحديد المصلحة العامة‪،‬‬
‫فكيف إذن يكون للسلطة التنفيذية حق الفصل في النزاع‪ ،‬وتلزم الناس باجتهادها‪ ،‬وتجعله‬
‫قانونا ملزما‪ ،‬والنزاع قائم بينها وبين جهة تمثل المجتمع الهلي المدني أو سلطة أخرى‬
‫كالقضاء‪.‬‬
‫ما قاله الفقهاء الوعاة الحرار كابن تيمية هو"ل يجوز للمام أن يلزم الناس برأيه"‪.‬‬
‫هو الصواب البديهي‪ ،‬ولكن السؤال المقلق‪ :‬كيف نجد في القضاء والفقهاء من يرفض هذه‬
‫البديهيات؟‪ .‬وإذا كان القضاة يرون أن وجهة نظر السلطان هي الفيصل الذي يحسم الخلف‪،‬‬
‫في كل مسألة فيها قولن أو عدة أقوال؛فلن يكون للقضاة سلطة دستورية على النظمة‪،‬‬
‫بالمتناع عن تطبيق النظمة‪ ،‬التي تخالف مبدأ العدل‪ ،‬فضل عن أن يكون لهم سلطة في‬
‫إلغائها‪ ،‬ولن يكون القاضي راغبا في ذلك‪ ،‬إذا كان يعتقد أن الشريعة سلبته هذا الختصاص‬
‫ومنحته السلطان ‪.‬‬
‫ومن المعروف أن أغلب المور التي تقوم عليها حياة الناس المدنية(بخلف الروحية)؛‬
‫من منطقة المتغيرات‪( ،‬ماعدا ما حددته الشريعة من الحدود المفصلة) التي وضع السلم‬
‫مبادئها‪ ،‬وترك تفصيلتها‪ ،‬ولكن نصوص هذه محدودة محصورة‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫وبذلك ندرك مدى سعة حجم المنطقة‪ ،‬التي أباحت فيها بعض القوال الفقهية‬
‫المتهاونة للسلطان‪ ،‬أن يلزم المجتمع فيها باجتهاده‪ .‬وبذلك بررت أيضا قيام السلطة‬
‫التنفيذية؛ بدور المحكمة الدستورية العليا‪ ،‬كما بررت قيامها بدور السلطة النيابية‪.‬‬
‫كيف يكون رأي السلطان هو الفيصل؛ إذا كان النزاع في أمور المال والدارة والتربية‪،‬‬
‫وإذا كان السلطان سيختار من الراء ما يخالف مقاصد الشريعة‪ ،‬في حفظ الملة والمة‬
‫والدولة‪ ،‬كما في مسألة إحياء الرض الموات‪ ،‬فيؤثر مذهب المالكية الذي يقول أن للسلطان‬
‫أن يمنع الحياء إل بأذنه‪ ،‬ويرفض رأي الحنابلة‪ ،‬الذين يعتمدون الحديث الصحيح‪ :‬من أحيا‬
‫أرضا ميتة فهي له‪ .‬ثم يصدر هذا السلطان نظاما لتوزيع أراضي المسلمين‪ ،‬من دون‬
‫ضوابطها الشرعية كافية‪ ،‬وعند التطبيق يوزع لبابها على قرابته ومحاسيبهم‪.‬‬
‫[‪]51‬‬
‫ج‪ -‬وظائف المحكمة العليافي الدول الشورية‪:‬‬
‫من أجل ذلك اكتشفت الدولة العادلة‪ ,‬أن توزيع سلطات الدولة ‪ ,‬من وسائل التحقيق‬
‫العدالة في النظمة (القوانين) فأنشأت ما يسمى محكمة العدل العليا (الدستورية) وهي من‬
‫وسائل توزيع السلطة ومنع الستبداد‪ ،‬لنها توفر جوا للمراجعة القضائية‪ ،‬وتزيد من سلطة‬
‫القضاء نفسه‪ ،‬في تقييم تصرفات السلطة التنفيذية والنيابية وتقويمها‪ ،‬مستلهمة في ذلك‬
‫مبادئ الدستور وحقوق النسان ‪.‬‬
‫وأهم وظائف محكمة العدل العليا (الدستورية) خمس‪:‬‬
‫الولى‪:‬دستورية القوانين‪ :‬لنها هي الفيصل في الدعاوى و الدفوع المتعلقة بعدم‬
‫دستورية القوانين واللوائح والنظمة والوامر والقرارات‪ ،‬وينبغي أن يكون من حق‬
‫المحكمة الدستورية؛ أن تبادر إلى إلغاء أي قانون يتعارض مع الدستور‪ ،‬من دون أن‬
‫تنتظر مبادرات الفراد من غيرها‪ ،‬بل تبادر بنفسها (استقلل القضاء في أوربا إدوين‬
‫ريكوشدليل‪ ،)77 :‬إن هذا الجراء يجعل قرارات السلطة التنفيذية خاضعة للمراجعة‪،‬‬
‫ويشطب المبدأ السائد‪ :‬على القضاة أن ينفذوا النظمة ل أن ينتقدوها" (استقلل القضاء‬
‫في أوربا إدوين ريكوش‪:‬دليل ‪.. )79 :‬‬
‫‪68‬‬

‫الثانية‪:‬الفصل في تنازع الختصاصات بين جهات القضاء نفسه‪ ،‬وما بينه وبين‬
‫الجهات الخرى في الدولة‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬البت في الطعون المتعلقة بالنتخابات الرئاسية النيابية ‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬الفصل في الحكام النهائية‪ ،‬في القضايا المدنية والتجارية والجنائية‪،‬‬
‫والحوال الشخصية والمنازعات الدارية والدعاوى التأديبية ‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬محاكمة المسئولين الكبار كرئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم كما‬
‫نص الدستور اليمني ( المادة ‪( )153‬استقلل القضاء في اليمن حمود الهيتار‪. )4 :‬‬
‫[‪]52‬‬
‫د‪-‬المحكمة الدستورية هي ضمانة تطبيق العدل في‬
‫القوانين والقرارات‬
‫من أجل ذلك فإنه ليس من الفقه؛ محاربة هياكل الحكم الدستوري عامة‪ ،‬كالفصل‬
‫المرن بين السلطات وتوكيل محام‪ ،‬وفصل قضاء التحقيق والدعاء العام عن قضاء الحكم‪،‬‬
‫وإنشاء محكمة (دستورية) عدل شرعية عليا‪.‬‬
‫ومحاربة هذه الهياكل والجراءات تحت شعار الدفاع عن الشريعة‪ ،‬إنما هي غفلة عن‬
‫الشريعة والعدالة معا‪ ،‬امتطاها الغافلون عن تمييز مبادئ العدل السلمي‪ ،‬والجراءات‬
‫والهياكل التي ناسبت العصور القديمة‪ ،‬فأساءوا إلى الدين‪ ،‬عندما أسهموا في الحفاظ على‬
‫هياكل وإجراءات نشر الظلم والجحاف باسم تطبيق الشريعة‪ ،‬فقدموا السلم غطاء ظهيرا‬
‫للدكتاتورية والستبداد وأكل أموال الشعوب‪ ،‬فتركوا فراغا في ميدان القضاء‪ ،‬وكان تخلفنا‬
‫القضائي فرصة لدخول العلمنة والفرنجة والمبريالية ‪ ،‬التي من اتخذت العدالة والحرية‬
‫جناحين حلقت بهما بين الناس‪ ،‬فنشرت العدل والقسطاس‪ ،‬وجعلت ذلك مركبة لفساد أخلق‬
‫المة وطمس هويتها ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫[‪]53‬‬

‫‪=15‬المعيار السابع‪ :‬عدم انفراد‬
‫السلطة التنفيذية بالتعيين والتشكيل‪:‬‬
‫أ‪ -‬القضاء السلمي بين المعيارية والتطبيقات المرحلية‬
‫كان القضاء السلمي طوال العصور‪ ،‬مليئا بالنماذج العادلة المستقلة‪ ،‬بسبب التدين‬
‫والزهد والورع‪ ،‬وكان كثير من القضاء يزاولون القضاء احتسابا‪ ،‬فلم يكن يشغل بالهم‬
‫منصب ول شهرة ول مال‪ ،‬من أجل ذلك كان الحاكم الجائر والعضوض‪ ،‬يهاب مواجهة‬
‫القضاة العادلين‪ ،‬والصطدام بهم من جانب‪ ،‬كما أنه من جانب آخر يوليهم‪ ،‬من أجل‬
‫التقليل من جوره‪ ،‬ومن أجل إكساب حكمه المشروعية‪ ،‬ومن أجل تهدئة الرأي العام‪ ،‬وإن‬
‫كان يشعر بثقل وطأتهم على استبداده أو طغيانه‪.‬‬
‫ولكن كل ما استطاعه القضاة عندما يستقلون‪ ،‬هو أن يحكموا على الخليفة في المور‬
‫الخاصة المالية‪ ،‬كما فعل أبو يوسف عندما حكم على المهدي‪ ،‬و كما فعل يحي بن أكثم عندما‬
‫حكم على المأمون‪ ،‬و كما فعل العز بن عبد السلم عندما حكم على أمراء المماليك‪ .‬أما‬
‫القضايا السياسية فقد كفهم السلطان الكسروي‪.‬‬
‫وقد كانت وقائع جميلة في الشئون الثانوية والمالية والخاصة‪ .‬استقل فيها القضاة‪ ،‬عن‬
‫التأثر برغبات الولة‪ ،‬ولكنها وقائع فردية نادرة‪ ،‬ولم تكن ظاهرة منهجية شاملة‪ ،‬لم تكن‬
‫ظاهرة لنها لم تكن عادة جميع القضاة مع جميع الولة‪ ،‬ولم تكن منهجية لنها لم تكن نتيجة‬
‫استقلل مؤسسة القضاء عن سلطة الخليفة‪ ،‬من أجل ذلك كان القضاة في الغالب يدفعون‬
‫ثمنها من راحتهم أو من أرزاقهم‪ ،‬لن القاضي المستقل ل يعيش في ظلل هيئة قضاء غير‬
‫مستقلة عن الدولة‪.‬‬
‫لقد عرف كثير من رجال القضاء بالتدين والتقوى‪ ،‬فأضفوا عليه قوة وقللوا من‬
‫سلبيات تبعيته‪ .‬كان جانب التقوى هو الحاجز‪ ،‬لكن جانب التقوى غير معياري ول ثابت‪ ،‬مع‬
‫تعقد المشكلت وكثرتها‪ ،‬لكي يدعم استقلل القضاة باستقلل القضاء‪.‬‬
‫‪70‬‬

‫إن صلح القضاء في العصور المواضي وما يذكر من نوادر استقلل القضاة‪ ،‬أمام‬
‫الكبراء والوجهاء‪ ،‬كان نتاج صلح أشخاص القضاة ل صلح نظام القضاء‪ ،‬صلحا شخصيا‬
‫فرديا لصلح مؤسسات‪ ،‬لن نظام القضاء الشرعي‪ ،‬ل يمكن أن يكون عادل؛ إل إذا طبق في‬
‫إطار ضمانات توفير العدالة الجتماعية‪ ،‬والعدالة الجتماعية والسياسية ل يمكن ضمانها؛ من‬
‫دون توزيع مهام إدارة الدولة‪ ،‬ومن دونها تكون العدالة والنزاهة‪ ،‬من دون ضمانات صارمة‪،‬‬
‫وتبقي مسألة ضمير‪،‬ولكن معيارموضوعي عادل‪ ،‬خير من ألف ضمير قاض نزيه ‪.‬‬
‫كان الخليفة الراشدي هو الذي يعين القضاة والولة‪ ،‬وقد جرت من بعده حكومات الجبر‬
‫و الجور على ذلك‪ ،‬وسلم الفقهاء بقياسها على الخليفة الراشد‪ ،‬ولم يلحظوا الفوارق مابين‬
‫الخليفة الراشدي ومن بعده من الخلفاء‪ ،‬وأهمها أن الراشدي في صفاته الشخصية والعلمية‬
‫نموذجي‪ ،‬وأنه مستوف مؤهلت القضاء وزيادة‪ ،‬وأنه مفوض شعبيا‪ ،‬لنه منتخب‪ ،‬وأنه في‬
‫بداية نشوء الدولة‪ ،‬في مجتمع بسيط‪ ،‬وأنه في مجتمع لم تتكاثر فيه قضايا الناس‪ ،‬ولم يكثر‬
‫التنازع وتفش الخيانة‪ ،‬ولم تكثر مشاغل الخليفة‪ ،‬ولم تتوسع الدولة‪ .‬فقياس الحكومة‬
‫السلمية الحديثة على الحكومة الراشدية‪ ،‬إنما هو قياس مع الفارق‪ ،‬وكل قياس مع الفارق‬
‫فهو باطل‪ ،‬أما قياس حكام بني أمية وبني العباس‪ ،‬على الحكومة الراشدية‪ ،‬فل يأتي فيه‬
‫قياس ول نقاش‪:‬‬
‫أيها المنكح الثريا سهيل × عمرك ال كيف يلتقيان‬
‫هي شامية إذا ما استقلت × وسهيل إذا استقل يمان‬
‫[‪]54‬‬
‫ب‪ -‬انفراد السلطة القضائية بتعيين قضاة المحاكم‪.‬‬
‫إن السلطة التنفيذية هي مصدر التدخل الرئيسي في عمل القضاة‪ ،‬ففي كثير من‬
‫الحيان يكون التعيين مسيسا‪ ،‬وعندما تعين السلطة التنفيذية القضاة‪ ،‬فمعنى ذلك أن القضاء‬
‫ليس بمنجاة من سيطرتها‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫ول يتعزز استقلل القضاء ما لم تنقل سلطة تعيين قضاة المحاكم‪ ،‬من السلطة التنفيذية‬
‫إلى المجالس القضائية(انظر‪:‬استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن دليل ‪:‬‬
‫‪.)115‬‬
‫ول بد من الشفافية في التعيين والتشكيل‪ ،‬كما قيل " إن شفافية الجراءات التي تتبع‬
‫في تشكيل أي مجلس أوهيئة؛ هي أهم من التشكيل المجلس نفسه (الجراءات المؤسسية‬
‫والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل ‪.) 26 :‬‬
‫وسبيل ضمان ذلك أن تعتمد على معايير موضوعية‪ ،‬كالقدمية والكفاءة ‪ ،‬والقدرة على‬
‫اتخاذ القرار السليم‪ ،‬والسلوك المهني داخل قاعة المحكمة (الجراءات المؤسسية والنظمة‬
‫المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪.)29 :‬‬
‫و الشفافية من وسائل ضمان النزاهة في تعيين القضاة ‪ ،‬بأن يكون التعيين عبر‬
‫المسابقة‪ ،‬وفي إيطاليا وأوروبا كلها يتم تعيين القضاة ‪ ،‬على أساس مسابقات تنافسية‪،‬‬
‫مفتوحة لجميع خريجي القانون‪ ،‬ذوي الوضع الخلقي الجيد (استقلل القضاء في إيطاليا‪:‬‬
‫جويب دي فيديريكو دليل‪.)95 :‬‬
‫وبعض الدول تلتزم بالتدرج القضائي ‪ ،‬وتعتبره إجباريا ( كما في بولندا) (استقلل‬
‫القضاء في أوربا إدوين ريكوشا‪:‬دليل‪. )67:‬‬
‫ولكن الجراءات البيروقراطية تخلق فرصا لتدخل السلطة التنفيذية (استقلل القضاء‬
‫في أوربا إدوين ريكوشدليل ‪ .)67 :‬إن سرية إجراءات الختيار والتعيين وغموضها‪ ،‬من‬
‫على كل حال‪ -‬عوائق استقلل القضاة‪.‬‬‫وقد لوحظ في عديد من الدول أن السلطة التنفيذية‪ ،‬من خلل سيطرتها على ترقي‬
‫القضاة‪ ،‬تخل باستقلل القضاء‪( ،‬كما في أوكرانيا) (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪.‬‬
‫دليل‪.)67 :‬‬
‫وفي عديد من الدول (كإيطاليا) ينص الدستور على أن القرارات الخاصة بقضاة‬
‫المحاكم وقضاة الدعاء‪ ،‬من اختصاص مجلس القضاء‪ ،‬منذ التعيين حتى التقاعد‪ ،‬ترقية وتقل‬

‫‪72‬‬

‫وتأديبا وعزل (استقلل القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو استقلل القضاء في‬
‫إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكو دليل‪.)94 :‬‬
‫على أن حرية الهيئة القضائية في اختيار أعضائها‪ ،‬ليست من دون عيوب‪ ،‬ولذلك‬
‫يصبح إشراك أكثر من جهة أضمن للستقلل‪ ،‬كأساتذة القانون في الجامعات ونقابة‬
‫المحامين‪ ،‬ومجالس الدولة الخرى‪ ،‬وهذا ل يعني انتفاء مصالح تلك الشرائح‪ ،‬ول يغني عن‬
‫التأكيد على القدرات‪ ،‬ول الشفافية والنفتاح‪ ،‬وضرورة إطلع الجمهور ومشاركته (لين‬
‫هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية دليل‪.)165 :‬‬
‫وإذا كان تعيين قضاة محاكم الدرجات العليا ‪ ،‬يهدد استقللهم بسيطرة السلطة النيابية‬
‫أو التنفيذية؛ فإن قضاة محاكم الدرجات الدنيا أكثر تهديدا‪ ،‬لسيما إذا كان ترقيهم يعتمد على‬
‫رؤسائهم‪ ،‬بحيث يحتمل أن يدين القضاة بالولء لمن اختاروهم‪ .‬فالمشاكل التي يعاني منها‬
‫استقلل القضاء ترتبط أحيانا بسيطرة قضاة محاكم الدرجات العليا على الدنيا‪ ،‬والقضاة‬
‫كغيرهم من البشر؛ قد يشعرون بضرورة اللتزام بعلقة طيبة‪ ،‬مع الجهة التي تعينهم أو تملك‬
‫إقالتهم‪ ،‬ول يمكن تحقيق استقلل حقيقي‪ ،‬مع قضاة يخافون رئيسهم‪ ،‬ويتعلق نظرهم برغباته‬
‫(استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪.)118 :‬‬
‫من أجل ذلك انتقلت معظم الدول‪ ،‬إلى إجراءات تعيين تتسم بالشفافية ‪ ،‬تشارك فيها‬
‫قطاعات عديدة (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن دليل‪.)115 :‬‬
‫وهذا يجعل من الشفافية أسلوبا ضروريا لتعزيز استقلل القضاء‪ .‬بإعلن أسماء‬
‫المرشحين‪ ،‬حتى يمكن التقدم بأي اعتراضات على ترشحيهم أو تعليقات‪ ،‬وفي عديد من دول‬
‫أمريكا اللتينية يقوم مجلس القضاء بترشيح قضاة محاكم الدرجة الولى‪ ،‬وتقوم بتعيينهم‬
‫المحكمة العليا‪( ،‬استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن دليل ‪.)115 :‬‬
‫[‪]55‬‬
‫ج‪ -‬اشتراك السلطات الثلث في تعيين قضاة المحاكم‬
‫العليا‪:‬‬

‫‪73‬‬

‫عندما يقوم رئيس الدولة بترشيح قضاة المحكمة العليا وتعيينهم‪ ،‬فذلك يعنى أن‬
‫التعيين مسيّس (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن دليل ‪.)117 :‬‬
‫وكل تعيين مسّيس‪ ،‬يفتقد الشفافية ويخضع للتحكم‪ .‬من أجل ذلك تتأكد أهمية‬
‫الشفافية‪ ،‬ولذلك قيل‪" :‬إن شفافية الجراءات التي تتبع في أي تشكيل أي مجلس أو هيئة؛ هي‬
‫أهم من التشكيل المجلس نفسه" (دليل الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪.)26 :‬‬
‫والقضاء الداري نموذج‪ ،‬فإذا كانت السلطة التنفيذية هي مرجعيته‪،‬ل يمكن أن يكون‬
‫محايدا في النزاعات؛ التي تكون الدولة خصما فيها‪ ،‬لن السلطة التنفيذية ل يفترض فيها أن‬
‫تكون خصما شريفا‪ ،‬ول يضمن أن ل تستخدم نفوذها في عدم تنفيذ الحكام‪ ،‬في مثل أحكام‬
‫التجنيس أو قرارات المنع من السفر‪ ،‬أو طلبات التعويض (انظر استقلل القضاء في‬
‫البحرين‪ .‬زينات المنصوري زينات‪.)16:‬‬
‫ويجب أن يكون لتوصيات هيئات الترشيح وزن كبير‪ ،‬وأن تكون سلطة التعيين مقيدة‬
‫بالختبار من المرشحين (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل‬
‫القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪ .)26 :‬وينبغي أن يتأكد القاضي والناس أيضا أنه إنما‬
‫يعين بناء على كفايته‪ ،‬ل على علقاته (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)28 :‬‬
‫وتطبقا لهذا المبدأ درجت عديد من الدولة الشورية؛ على اشتراك السلطات الثلث في‬
‫تعين كبار القضاة‪ ،‬فتقوم محكمة العدل العليا أو مجلس القضاة أو السلطة التنفيذية بترشيح‬
‫قضاة المحكمة العليا‪ ،‬ثم تقوم السلطة النيابية بتعيينهم‪ ،‬وتقوم السلطة النيابية أيضا بالموافقة‬
‫على أعضاء المجلس العلى للقضاء المحكمة العليا‪( ،‬استقلل القضاء في الوليات المتحدة‬
‫المريكية‪ :‬ميراجو راري وراسل ويلر‪:‬دليل ‪.)141 :‬‬
‫في بعض البلدان كالوليات المتحدة تشترك جهات في تعيين قضاة المحاكم العليا‪ .‬إذ‬
‫يرشحهم الرئيس أول‪ ،‬ويوصى مجلس الشيوخ ويوافق ثانيا‪ ،‬وتصادق عليهم السلطة النيابية‬
‫بالغلبية ثالثا ‪ ،‬قضاة المحاكم العليا‪ ،‬والقضاة الفدراليون يعتبرون أكثر القضاة استقلل في‬
‫‪74‬‬

‫العالم (استقلل القضاء في الوليات المتحدة المريكية‪ :‬ميراجو راري وراسل ويلر‪:‬دليل ‪:‬‬
‫‪)149‬‬
‫ولكن يلحظ المنتقدون أن الرئيس يضع قائمة بالمرشحين كلها من أعضاء حزبه‬
‫السياسي‪ ،‬فهم مظنة مراعاة صالح الحزب على المنصة‪ .‬إذن من المؤكد أن ثمة علقة بين‬
‫عضويتهم الحزبية وميولهم القضائية‪( ،‬استقلل القضاء في الوليات المتحدة‬
‫المريكية‪:‬ميراجو راري وراسل ويلر‪:‬دليل ‪. )149 :‬‬
‫وهناك وسيلة أخرى من ضمانات النزاهة؛ هي أن يشارك المحامون أيضا في الختيار‪،‬‬
‫وبهذا يكون القرار جماعيا‪ ،‬وأقرب إلى النصاف‪ ،‬وبذلك يضمن قيام القاضي بإصدار الحكام‪،‬‬
‫بناء على مواد القانون‪ ،‬وينسد احتمال أن يسعى إلى مرضاة من عينوه (استقلل القضاء في‬
‫أفريقيا جنيفر وندر دليل‪.)56 :‬‬
‫ولـ(المجر) تجربة نموذجية‪ ،‬إذ فيها يتم انتخاب رئيس المحكمة العليا‪ ،‬بثلثي أصوات‬
‫البرلمان‪ ،‬بناء على ترشيح رئيس الدولة (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش دليل ‪:‬‬
‫‪.) 67‬‬
‫وقد تتعدد وسائل المشاركة وأنماطها‪ ،‬وعلى كل حال فإن تضمن عدم انفراد السلطة‬
‫التنفيذية بالتعيين‪ ،‬وتسهم في تقليل فرص تدخل السلطة التنفيذية في القضاء‪ ،‬لن تدخلتها‪-‬‬
‫في النهاية‪ -‬تجعل مجلس القضاء تابعا السلطة التنفيذية (انظر زينات المنصوري‪ 4 :‬و ‪.)6‬‬
‫لن انفرادها بالتعيين يعطيها سلطة مركزية على السلطة القضائية‪ ،‬وتظهر في التعيين‬
‫والترقية‪ ،‬والنظام المركزي يقع تحت خطورة الستبداد (زينات ‪.)8 :‬‬
‫ومن أجل ذلك اتجهت عديد من الحكومات الشورية إلى إشراك أكثر من جهة في‬
‫التعيين‪ ،‬وقد كانت المجر من أنجح النماذج‪ ،‬حيث إن المتقدمين لمناصب قضائية‪ ،‬يعينهم‬
‫رؤساء المحاكم القليمية‪ ،‬ويقوم رئيس الدولة بترشيح رئيس المحكمة العليا‪ ،‬ويتم انتخابه‪،‬‬
‫بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل استقلل القضاء ونزاهته‪.)23 :‬‬
‫بعبارة أخرى تقسم عملية تعيين رؤساء القضاء بين السلطات الثلث‪:‬‬
‫‪75‬‬

‫سلطة ترشح‪(،‬التعين الولي)‪.‬‬‫ و سلطة توافق على الترشيح (التزكية)‪.‬‬‫وسلطة تصادق (التعيين النهائي)‪ .‬فتشارك سلطات الدولة الثلث في تعيين أعضاء‬
‫المجالس القضائية ‪ ،‬على أن يكون للسلطة القضائية نصيب السد في التعيين على جميع‬
‫المناصب القضائية الهامة‪ ،‬ويجب أن يكون دور السلطة التنفيذية ثانويا (استقلل القضاء في‬
‫فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪ :‬دليل ‪. )89 :‬‬
‫وفي ذلك تحقيق للتعددية السياسية‪ ،‬وحد من المؤثرات السلبية الخارجية‪.‬‬
‫[‪]56‬‬
‫د‪-‬طبيعة التشكيل(المجلس العلى للقضاء نموذجا)‪:‬‬
‫أول‪ :‬ينبغي أن تتوازع السلطات الثلث التشكيل‪ ،‬وذلك من أجل ضمان فاعلية كوابح‬‫المؤثرات الخارجية على القضاة‪ ،‬وللحد من سيطرة المحكمة العليا‪ ،‬على باقي أعضاء الهيئة‬
‫القضائية (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة‬
‫من القانونيين‪:‬دليل‪.)24 :‬‬
‫فما طبيعة التشكيل؟‬
‫من أجل ضمان النزاهة أيضا‪ ،‬يتم تشكيل المجلس العلى للقضاء كما يلي‪:‬‬
‫‪-1‬أعضاء معينون بحكم المنصب‪ ،‬كرئيس محكمة التمييز ورئيس هيئة التفتيش‬
‫القضائي‪.‬‬
‫‪-2‬أعضاء معينون بحكم تمثيلهم‪ ،‬ممثلين عن مجلس النواب‪.‬‬
‫‪-3‬أعضاء من داخل الهيئة القضائية‪ ،‬أعضاء قضاة محاكم ما بين ‪ 20‬و ‪ ،7‬ينتخبهم‬
‫زملؤهم في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال‪.‬وفي فرنسا هم خمسة من القضاة الواقفين‬
‫(قضاة الدعاء)‪ ،‬وخمسة من القضاة الجالسين (قضاة المحاكم) (استقلل القضاء في‬
‫فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪:‬دليل‪ . )84 :‬وفي (إيطاليا) ينص الدستور على أن يكون ثلثا أعضاء‬
‫المجلس العلى من قضاة المحاكم والدعاء‪ ،‬وينتخب مجلس النواب الثلث الخر من أساتذة‬
‫القانون (في الجامعات) والمحامين ذوي الكفاية المهنية‪ ،‬التي ل تقل عن ‪ 15‬سنة‪ .‬وفي‬
‫‪76‬‬

‫(إيطاليا) أيضا ينتخب قضاة المراكز الدنى‪ ،‬قضاة المراكز العلى ((استقلل القضاء في‬
‫إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكودليل ‪94 :‬و ‪.)95‬‬
‫‪( -4‬ما بين ‪ 7‬و ‪10‬عشرة)‪ ،‬أعضاء من خارج الهيئة القضائية أستاذة قانون‬
‫جامعيون‪ ،‬أو محامون ينتخبهم مجلس النواب (كما في ايطاليا وأسبانيا والبرتغال) باعتبارهم‬
‫ممثلين عن قطاعات المجتمع الهلي‪ ،‬وجرت العادة(كما في لبنان وإيطاليا) على أن يكونوا‬
‫منّ من أمضى مابين خمس عشرة سنة وعشرين سنة‪ ،‬في المحاماة أو تدريس القانون في‬
‫الجامعة‪.‬‬
‫ثانيا‪ -‬ومع هذا ل يضمن استقلل أعضاء المجالس‪ ،‬كأعضاء محكمة العدل العليا عن‬
‫الجهة التي عينتهم‪ ،‬إذا جددت لهم فترة ثانية‪ ،‬ول يضمن عدم استبدادهم (في ما لو عينوا‬
‫طوال الحياة) إل بأمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬تحديد مدة وليتهم مابين أربع سنوات إلى عشر‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬كونها غير قابلة للختصار ول للتجديد( انظرالقباني ‪ ، )16 :‬لكي يضمن عدم‬
‫تأثرهم بمن يملكون قرار التجديد لهم‪(،‬انظراستقلل القضاء في إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكو‬
‫دليل‪.)94 :‬‬
‫[‪]57‬‬

‫‪=16‬المعيار الثامن‪ :‬حصانة القضاة‬
‫من التعسف في العزل ‪:‬‬
‫أ‪ -‬أهم أسباب فساد القضاة بعد العصر الراشدي‪:‬‬
‫اعتبار السلطان قاضيا أصيل‪ ،‬وقاضي المحكمة عنه وكيل‪:‬‬
‫إنها نظرية القاضي وكيل‪ ،‬إنها أحد أثافي فساد القضاء الثلثة‪ ،‬قولهم ‪:‬إن قضاة‬
‫المحاكم إنما هم وكلء عن السلطان الذي هو القاضي الصيل؛ فهل هي من الهدي السلمي‬
‫الصيل أم من فساد التأويل؟‬
‫ينبغي عندما نقرأ تراث القضاء العباسي؛ التنبه لمرين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن ل نخلط بين السلم في العهد الراشدي وبين السلم في عهود الجبر‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫ثانيهما‪ :‬أن ل نخلط بين المبادئ السلمية وظروف التطبيق والتطبيقات المرحلية‪،‬‬
‫فهي اجتهادات قد تكون صالحة لحين من الزمان‪ ،‬أو المكان‪.‬‬
‫وأهم عيوب الجتهاد القضائي في صياغته العباسية‪ ،‬أنه اعتبر (المام)؛ هو القاضي‬
‫الصيل‪ ،‬فكل قاض يعينه السلطان‪-‬إذن‪ -‬إنما هو وكيل‪ ،‬كما قال الشيخ عبد العزيز بن عبد‬
‫ال بن حسن "القضاء في السلم ولية من الوليات‪...‬و‪ ...‬هي مسئولية واختصاص ولي‬
‫أمر المسلمين ‪-‬أساسا‪ -‬يفوضها إلى من يراه أهل لذلك‪ ،‬فينيبه عنه وكالة‪ ... ،‬لتوسع رقعة‬
‫الدولة‪ ،‬وكثرة واجباته‪ ،‬من ما يدفعه إلى طريقة التفويض والتوكيل‪ ،‬بمعنى قيام ولي المر‬
‫بتفويض بعض صلحياته في هذه الولية أو تلك‪،‬إلى من يراه أهل لذلك" (لمحات حول‬
‫القضاء‪" .)25-24:‬فالقضاء إذن ولية يمارسها القضاة‪ ،‬وكالة عن ‪-‬المام الكبر‪ ،-‬فهم‬
‫بهذا التصور وكلؤه ونوابه وممثلوه ‪ ،‬في ممارسة القضاء‪ ،‬و يترتب على هذه النظرية‬
‫جملة آثار‪ ،‬وأحكام مهمة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪" -1‬جواز إعفاء القاضي أو عزله‪ ،‬من قبل ولي المر متى شاء‪( .‬لمحات‪.)25:‬‬
‫‪ -2‬وكذلك جواز اعتزال القاضي عمله‪ ،‬وعزل نفسه من هذه الولية‪ ،‬متى شاء‪ ،‬لن‬
‫من أحكام الوكالة جواز فسخها من قبل أحد طرفيها‪ :‬الوكيل والموكل‪.‬‬
‫[ولكن] لتعلق مصالح الناس بالقضاء‪ ،‬وعدم اقتصار العلقة بين الوكيل والموكل؛ فقد‬
‫كره الفقهاء[أي لم يحرموا]‪ ..‬إقدام ولي المر على عزل القاضي دون مبرر أو موجب‬
‫شرعي‪ ،‬كما كرهوا استعفاء القاضي أو اعتزاله دون المبرر الشرعي‪ ،‬فقالوا بجواز ذلك‬
‫شرعا مع كراهته" (لمحات‪.)25:‬‬
‫ل يمكن ضمان عدالة القضاء ونزاهته؛ بناء على هذه النظرية‪ ،‬مادام القضاة مجرد‬
‫وكلء عن ولي المر‪ ،‬يجوز لولي المر عزلهم كما جازت له توليتهم‪ .‬وما دام عزلهم من‬
‫دون مبرر؛ إنما هو مجرد أمر مكروه‪ ،‬وليس من كبائر الذنوب‪ ،‬لنه إخلل بضوابط عدالة‬
‫القضاء‪ ،‬وهو في النهاية إخلل عظيم بالدستور‪ .‬في ظل هذه النظرية؛ ل يمكن أن يكون‬
‫للقضاة أمن ول حماية حصانة‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫ومفهوم الوكالة ينسى أن استقلل القضاء‪ ،‬ليس امتيازا للقضاة‪ ،‬وأن معناه العمق‬
‫أنه حق من حقوق النسان(شحاته‪ ،)7:‬أي أن القضاء عندما يكون مستقل؛ فإنه أعظم حام‬
‫لحقوق النسان العزل‪ ،‬أمام قوة الدولة المدججة بالسلح‪.‬‬
‫وما الذي يضمن العدالة‪ ،‬إذا فرط بها السلطان‪ ،‬وجعل القضاء في خدمة القمع والظلم؟‪.‬‬
‫وحتى لو كان السلطان متميزا في مؤهلت القضاء‪ ،‬فليس القضاة له بوكلء‪ ،‬إنما هم‬
‫وكلء المة في إقامة القسطاس‪ ،‬كما قرر الفقهاء في أحكام الوكالة‪ ،‬فالقضاة مفوضون من‬
‫قبل المة ‪ ،‬ولو كان القضاة وكلء عن السلطان‪ ،‬ل نعزلوا بموته‪ ،‬كما ينعزل أي وكيل عند‬
‫وفاة موكله‪.‬‬
‫وإنما يعينهم المام –ل بصفة ذلك مبدأ‪ -‬بل بصفة ذلك وسيلة (إجراءا) ضروريا‪ ،‬لن‬
‫المة ل تمارس سلطتها مباشرة‪ ،‬إنما تمارسها بالواسطة‪ ،‬ومن أجل ذلك فإن فكرة توزيع‬
‫السلطات أحرى بالعدالة‪ ،‬وإنما يعين القضاة بضوابط تضمن العدالة‪ ،‬ول يجوز للسلطان‬
‫عزلهم إل بإجراءات تكفل عدم انتهاك مالهم من حصانة‪.‬‬
‫وصيانة حقوق القضاة ليست حقا من حقوقهم الوظيفية والطبيعية فحسب‪ ،‬بل حق من‬
‫حقوق المواطنين‪ ،‬لن القاضي هو حارس حقوق النسان‪ ،‬وإذا لم يتمتع هو نفسه بحقوقه‬
‫في الحصانة‪ ،‬فلن يستطيع أن يدافع عن حقوق الناس‪.‬‬
‫[‪]58‬‬
‫ب‪ -‬نموذج هذه النظرية حكاية قاضي قم‪:‬‬
‫ماذا يحدث في ظلل ثقافة تحدد مركز القاضي بأنه وكيل‪ ،‬عن السلطان الذي‬
‫هو‪/‬القاضي الصيل‪ ،‬وفي ظلل عدم حصانة القاضي من التعسف في العزل والنقل والحرمان‪،‬‬
‫وكون السلطان بصلحيات مطلقة؟‪.‬‬
‫أول ضحايا هذه الثقافة هم القضاة‪ ،‬أول من تضيع حقوقه هم القضاة‬
‫كيف يمكن أن تتوافر للقضاة مثل حصانة‪ ،‬حين تصبح حصانتهم مثل حصانة قاضي‬
‫مدينة قم‪ ،‬ذلك القاضي العباسي‪ ،‬الذي عزله السلطان لسبب ‪-‬كما يقولون‪ -‬بلغي‪ ،‬إذ يقال‬
‫إن السلطان أراد أن يرحب بقاضي مدينة (قم) اليرانية شعرا‪ ،‬في أحد المجالس فقال‪:‬‬
‫‪79‬‬

‫أيها القاضي بـ(قم)‬
‫وحار المير فلم يجد قافية للبيت تناسب كلمة( قم) فقال‪:‬‬
‫قد عزلناك فقم‬
‫فقام القاضي وهو يجر رداءه مناديا‪ :‬وال ما عزلني إل السجع‪.‬‬
‫فإذا ضاعت حقوق القضاة فإن حقوق الناس أضيع‪ ،‬وذلك يفتح المجال لخلل كبير‬
‫بالحقوق الساسية للمواطنين‪ ،‬ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية‪.‬‬
‫لن القضاة ليس لهم حصانة ضد العزل التعسفي‪ ،‬مادام للخليفة حق توليهم القضاة‬
‫وعزلهم ونقلهم‪.‬‬
‫وقد يقال إن الخلفاء الراشدين كأبي بكر وعمر وعلي عينوا وعزلوا ونقلوا وهذا‬
‫صحيح‪ ،‬ولكن فعله الراشدون كان هدفهم استقلل القضاء وتعزيز نزاهته‪،‬فما قاموا به –‬
‫وسيلة‪ -‬لضمان العدل‪ ،‬وعندما فعله غيرهم كان هدفهم الغالب الخلل بالمبدأ نفسه وتبعية‬
‫القضاء‪ ،‬وتسخيره للهواء والتقليل من حياده‪.‬‬
‫نعم ربما تدخل أبو بكر وعمر‪ ،‬ولكن حصانة القاضي لم تمسس‪ ،‬واستقلله لم يخدش‪.‬‬
‫الستقلل هدف مقدس‪ .‬ولكن عمر بن الخطاب حقق الهدف بأسلوب شخصي‪،‬فمن كان في‬
‫مؤهلت أبي بكر وعمر‪ ،‬فليقس نفسه على وسائلهما‪ ،‬ولكن السلوب الشخصي ليس هو‬
‫القاعدة‪ ،‬لنه مرتبط بمدى مؤهلت الشخص في العدالة والكفاية‪ ,‬وتحقيق الهدف بأسلوب‬
‫مؤسسي إذن هو القاعدة‪.‬‬
‫[‪]59‬‬
‫ج‪ -‬ولية القضاة حتى سن التقاعد أم طيلة الحياة؟‬
‫عندما تكون إقالة القاضي مسألة سهلة‪ ،‬تضعف ضمانات العدالة والنزاهة‪ .‬إذ يكون‬
‫أكثر عرضة للخضوع للضغوط (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل‬
‫القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪ .)28 :‬إن تأمين الولية القضائية مهم في استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬بأن ل يقال القاضي أثناء مدة توليه‪ ،‬إل لخرق مهم مهني أو مسلكي أخلقي يثبت‬
‫بالدليل القاطع‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫والقاضي عند اقتراب انقضاء مدة وليته؛ أكثر عرضة للخضوع للمؤثرات والضغوط‬
‫من جانب من بأيديهم مستقبل وظيفته‪ .‬بل إن القضاة الذين يتطلعون لوظيفة أرقى‪ ،‬قد‬
‫يطوعون أداءهم وأحكامهم تبعا لهذه الظروف‪ ،‬حتى في غياب أي ضغط خارجي (الجراءات‬
‫المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪:‬‬
‫‪.)31‬‬
‫من أجل ذلك‪ ،‬صار من ضمانات النزاهة؛ أن تكون ولية القضاء مدى الحياة‪ ،‬وقد‬
‫أصبح هذا الجراء هو السمة الساسية في دول أوروبا الوسطى والشرقية‪( ،‬الجراءات‬
‫المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪:‬‬
‫‪ )31‬وفي أمريكيا أيضا يتمتع القضاة بالولية مدى الحياة (استقلل القضاء في الوليات‬
‫المتحدة المريكية‪:‬ميراجو راري وراسل ويلر‪:‬دليل ‪. )144 :‬‬
‫ولكن إذا لم يحدد سن التقاعد‪ ،‬وصار القاضي يعمل طول الحياة‪ ،‬هناك محذوران‪:‬‬
‫ الول‪ :‬هو أن يضعف أداء القاضي‪ ،‬فتسهل السيطرة على آرائه‪ ،‬عندما يهدم‪ ،‬ومن‬‫الحرج أن يقال‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن الولية مدى الحياة تسمح بالتقليل من شعور القاضي بالمسئولية‪ ،‬وتسمح‬‫بحماية القضاة الذين يخلون بالداء‪.‬‬
‫من أجل هذا وذاك صار الفضل تحديد سن معينة للتقاعد‪ ،‬عند الستين أو السبعين‬
‫(الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين‪ :‬دليل‪ .)31:‬كما في إيطاليا والمغرب‪ ،‬فسن التقاعد الجباري في (إيطاليا) ‪ 72‬سنة‬
‫(استقلل القضاء في إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكو دليل‪ .)96:‬وفي المغرب ستون سنة‪ ،‬كغيرهم‬
‫من ذوي الوظائف العمومية‪.‬‬
‫ولكن التمديد ل يخلو من مشكلت‪ ،‬لن القاضي عند اقتراب انقضاء مدة وليته؛ أكثر‬
‫عرضة للخضوع للمؤثرات والضغوط‪ ،‬من جانب من بأيديهم مستقبل وظيفته‪ ،‬وعندما يهرم‬
‫القاضي‪ ،‬يضعف أداؤه‪ ،‬فتسهل السيطرة على آرائه‪ ،‬وتعيين القاضي حتى سن التقاعد وكون‬

‫‪81‬‬

‫المدة غير قابلة للتمديد‪ ،‬ل يحوجه إلى كسب أي تأييد من أي قوة سياسية أو غيرها (انظر‪:‬‬
‫استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪ :‬دليل‪.)84 :‬‬
‫ولذلك يقترح القاضي السراج تثبيت سن التقاعد بست وستين سنة غير قابلة للتمديد (‬
‫السراج ‪ ،)24‬وسواء أكان السن ‪ 60‬أو ‪ 66‬أو ‪70‬سنة‪ ،‬فإن التحديد ومنع التمديد أضمن‬
‫للنزاهة‪.‬‬
‫[‪]60‬‬

‫‪=17‬المعيار التاسع ‪ :‬حصانة‬
‫القضاة من التعسف ‪ :‬تفتيشا وتأديبا‬
‫و ترقية ونقل ‪:‬‬
‫أ‪-‬التمديد والنقل والترقية‪:‬‬
‫قد يكون السبب الخفي وراء النقل الذي يرتدي رداء المصلحة العامة أو الترقية التي‬
‫ظاهرها التكريم ‪ ،‬إبعاد القضاة الذين يصدرون أحكاما معاكسة آراء رؤسائهم‬
‫(انظر‪:‬الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين‪:‬دليل‪. )29:‬‬
‫وقد يستخدم عقابا للقضاة المستقلين أكثر من ما يريد رؤساؤهم وزملؤهم‬
‫(الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين‪:‬دليل‪.)41:‬‬
‫ولذلك يعد النقل والترقي دون موافقة القاضي؛ إجراءا تأديبيا‪ ،‬يهدف إلى المحافظة‬
‫على السيطرة الهيكلية (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكندليل‪ .)124:‬من‬
‫أجل ذلك صار من معايير استقلل القضاء؛ عدم نقل القاضي مدى العمل‪ ،‬إل برغبته القاضي‪،‬‬
‫بل إن الهدف المبطن من الترقية أحيانا‪ ،‬هو النيل من حصانة القاضي‪ ،‬ولذلك اعتبرت‬
‫موافقة القاضي على الترقي‪ ،‬هي إحدى التوصيات المعتبرة في استقلل القضاء (استقلل‬
‫القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪:‬دليل‪.)90:‬‬
‫‪82‬‬

‫ولذلك صار من علمات استقلل القضاء؛ حماية القاضي بالنص على أنه ل يجوز نقل‬
‫أي قاض أو حتى ترقيته دون موافقته‪ ،‬لن نقل الترقي من دون رغبته تشوبه شائبة إبعاده‪،‬‬
‫أو كونه ردود أفعال سياسية على أحكامه (استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان دليل ‪:‬‬
‫‪.)87‬‬
‫[‪]61‬‬
‫ب‪-‬المناصب العليا مرة واحدة ول تجدد؟‪:‬‬
‫والمدد القابلة للتجديد مجال للخلل بالستقلل‪ ،‬لن ولء القاضي يحتمل أن يكون لمن‬
‫يملكون التجديد له؛ سيكون أكثر من ولئه لمن عينوه (الجراءات المؤسسية والنظمة‬
‫المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل ‪.)51 :‬‬
‫يلحظ عديد من الخبراء أن قيام قضاة الدرجة الثانية؛ بانتخاب قضاة الدرجة الولى‪،‬‬
‫يحمي القضاء من تدخل السلطة‪ ،‬ولكنه قد يبقي جماعة ذات اتجاه متحفظ‪ ،‬ول يسمح‬
‫بالتجديد‪ ،‬لن قضاة المحاكم العليا‪ ،‬يميلون إلى اختيار القضاة الذين يشاركونهم الرأي (دليل‬
‫استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن‪ ،)115:‬ومن هنا مالت بعض الدول‬
‫إلى تحديد مدة أعضاء المجلس العلى‪ ،‬بأربع سنوات‪ ،‬ل تجدد مرة أخرى‪.‬‬
‫[‪]62‬‬
‫ج‪-‬موضوعية التأديب والقالة‪:‬‬
‫إن الفساد ظاهرة اجتماعية‪ ،‬فصلح القضاة وفسادهم‪ ،‬ليس منعز ًل عن صلح‬
‫المجتمع‪ ،‬وإن كان القضاة أحرى بالصلح‪ ،‬ولكن الفساد إذا عم لم يستثن القضاة‪ ،‬من أجل‬
‫ذلك يلحظ في بلدان اشتراكية عديدة (كسلوفاكيا)‪ ،‬أن الفساد أكثر انتشارا بين الطباء‬
‫والقضاة‪ ،‬و أن قضاة التحقيق والنيابة أكثر فسادا من قضاة المحاكم العامة (كما في بلغاريا)‬
‫(استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوشدليل‪.)72:‬‬
‫والفساد يخلق قنوات متعددة من التدخلت والمؤثرات‪.‬‬
‫هناك علقة بين احترام الذات والستقلل والنزاهة في اتخاذ القرار‪ ،‬وإن كانت غير‬
‫واضحة (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫‪83‬‬

‫القانونيين‪ :‬دليل‪ )41 :‬والقضاة الذين ل يشعرون بالكرامة مهنيا ‪ ،‬أقل قدرة على مقاومة‬
‫الفساد‪ ،‬ومقاومة الضغوط الخارجية‪.‬‬
‫من أجل ذلك صار من ضمانات عدالة القضاء ونزاهته؛ محاسبة القضاة المخلين‬
‫بواجباتهم‪ .‬فالتأديب جيد في معاقبة القضاة الذين ليسوا على دراية كافية بتفاصيل السلوك‬
‫المخل بالخلق القضائي (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل‬
‫القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)41:‬‬
‫وتطبيق إجراءات التأديب بشكل صحيح؛ ينقي المؤسسة القضائية من المتهاونين‪ ،‬وهذا‬
‫أمر بديهي‪.‬‬
‫وأيضا وهذا أمر مهم‪ ،‬يحمى كرامة القضاة المتهمين جزافا‪ ،‬من قبل الذين يخسرون‬
‫قضاياهم‪ ،‬ولسيما المحامون و النافذون‪.‬‬
‫ولكن هناك من هذا الخير شر ينبغي الحتراز منه‪ ،‬وهو أن الليات التأديبية‪ ،‬التي‬
‫تتخذ لقمع الفساد‪ ،‬من الممكن أن يساء استغللها‪ ،‬لغراض سياسية (استقلل القضاء في‬
‫أوربا إدوين ريكوشدليل‪ )72:‬أو لنشر الفساد نفسه‪.‬‬
‫و‪-‬عند تقييم أداء القضاة‪-‬هنا بضع مسائل‪:‬‬
‫ أولها‪:‬إن القضاة من أكثر الناس عرضة لذم الناس‪ ،‬من محامين وخصوم‪ .‬ومن‬‫الضروري حماية القضاة‪ ،‬من الهجوم التافه والظالم‪ ،‬و من التشهير بهم من جانب خصوم‬
‫غير راضين‪ ،‬يسعون إلى استغلل نظام التأديب‪ ،‬بديلً عن إجراءات الستئناف أو وسيلة‬
‫للنتقام (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪ :‬دليل‪126:‬‬
‫ ثانيتها‪:‬لن القضاة عرضة للتهام لسباب سياسية‪ ،‬وقد يكون السبب في التأديب؛‬‫معاقبة القضاة الذين يصدرون أحكاما معاكسة لراء رؤسائهم (الجراءات المؤسسية‬
‫والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪ )29:‬أو لمعاقبة‬
‫القضاة المستقلين‪ ،‬كما سبق ذكره بأن النقل والترقي دون موافقة القاضي أيضا يعتبر إجراءا‬
‫تأديبيا‪ ،‬يهدف إلى المحافظة على السيطرة الهيكلية (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار‬
‫جريت بوبكندليل‪ .)124:‬وقد يستخدم عقابا للقضاة المستقلين أكثر من ما يريد رؤساؤهم‬
‫‪84‬‬

‫وزملؤهم (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة‬
‫من القانونيين‪:‬دليل‪.)41:‬‬
‫ ثالثتها‪:‬من مخاطر التقييم أن يكون مكافأة للذين يتوافقون مع الثقافة السائدة ‪،‬‬‫وعقابا للذين ل يتوافقون معها ويظهرون مستقلين (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار‬
‫جريت بوبكندليل‪.)126:‬إن استقلل قضاة محاكم الدرجة الولى مهدد في ظل سيطرة قضاة‬
‫محاكم الدرجات العلى ‪ ،‬حيث إن النظام قد يكافئ الذين يطبقون الحكام التي ترضى عنها‬
‫محكمة الستئناف ‪ ،‬ويطبقون المعايير التي ستطبقها المحكمة سواء كانوا يعتبرونها هي‬
‫التفسير الصحيح في دعوى معينة أم ل‪.‬‬
‫على أن حق الستئناف حماية للطراف‪ ،‬وليس وسيلة للسيطرة الهرمية الهيكلية داخل‬
‫الهيئة القضائية (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكندليل‪ )133:‬في ظل‬
‫ضوابط محددة ‪ ،‬يمكن تحقيق التوازن بين حق القضاة في الشعور بالمان والترقي‬
‫الوظيفي ‪ ،‬وترسيخ الولية القضائية‪ ،‬فى المسائل المتعلقة بالسيطرة الدستورية(استقلل‬
‫القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪:‬دليل‪.)136:‬‬
‫[‪]63‬‬
‫د‪-‬ضمانات الحصانة ضد التفتيش والتأديب المتعسف‪:‬‬
‫ولذلك يوصي الخبراء بوضع ضمانات لعدالة التفتيش والتأديب منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ينبغي أن تكون الجهات المشرفة عليه ذات صفات موضوعية‪ ،‬بأن تفحص التهام‪،‬‬
‫سلطات أعلى من الجهة المدعية‪ ،‬وأن تكون هناك أدلة كافية على جريمة خطيرة ومتعمدة‪،‬‬
‫وأن تكون إقالة القاضي من سلطة نيابية أو من رئيس منتخب (استقلل القضاء في أوربا‬
‫إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪.)71:‬‬
‫‪ -2‬الدول التي يكون وزير العدل فيها مسئو ًل عن توقيف القضاة ‪ ،‬لم تنج من تسييس‬
‫التأديب‪ ،‬ولذلك يقترح السراج (أحد القضاة السابقين في المغرب) حصر توقيف القضاة‬

‫‪85‬‬

‫بالمجلس العلى للقضاء (السراج ‪ ،)23‬وكذلك النتداب أيضا‪ ،‬وأن ل تكون لوزارة العدل‬
‫سلطة فيه‪ ،‬إذ إن تدخل وزارة العدل في إجراءات التأديب ينال من استقلل القضاء‪.‬‬
‫‪ -3‬وجود معايير (مبادئ) محددة للتأديب والقالة‪.‬‬
‫‪ -4‬وجود (وسائل) ضمانات إجرائية (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬دليل‪:‬‬
‫‪.)78‬‬
‫‪ -5‬ينبغي أن يكون بعض أعضاء لجنة التأديب من قضاة المحكمة العليا‪ ،‬وبعضهم من‬
‫مجلس القضاة‪ ،‬وبعضهم من المجلس النيابي‪ ،‬وبعضهم من المحامين (استقلل القضاء في‬
‫أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكندليل‪.)125:‬‬
‫‪ -6‬يبد أنه من ما يقلل من اللجوء إلى إجراءات التأديب‪ ،‬أن يكون هناك تقييم دوري‬
‫فعال لكل القضاة‪.‬‬
‫‪ -7‬أن تكون جهات التقييم والتفتيش غير جهات التأديب‪ ،‬كأن يكون التقييم من مجلس‬
‫القضاء العلى‪ ،‬على أن يوصي المحكمة العليا‪ ،‬بوقف أو إقالة القضاة الذين يثبت أن أداءهم‬
‫غير مرضى‪ ،‬فيكون للمحكمة العليا سلطة إجراءات التأديب ‪ ،‬ويكون لمجلس القضاء العلى‬
‫سلطة التقييم‪( ،‬استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكندليل‪.)125:‬‬
‫من أجل أن يكون التأديب موضوعيا‪ ،‬ينبغي أن ل تستبد به جهة واحدة ‪ ،‬فإذا كان ذلك‬
‫للسلطة النيابية أو التنفيذية تداخلت العوامل السياسية والهواء‪ ،‬و إذا استبدت الهيئة‬
‫القضائية؛ أمكن معاقبة المستقلين الذين ل يرضى عنهم رؤساؤهم‪ ،‬ولبد من ضمانات في‬
‫التأديب والحماية معا( انظر استقلل القضاء في الوليات المتحدة المريكية‪:‬ميراجو راري‬
‫وراسل ويلر‪ :‬دليل ‪.)147:‬‬
‫في (سلوفاكيا) نقلت إجراءات عزل القاضي من البرلمان إلى الرئيس‪ ،‬بصفته مسئولً‬
‫منتخبا أقل تحزبا (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش دليل‪ )71 :‬وفي الدول التي ل‬
‫يكون فيها انتخاب؛ من الطبيعي أن تكون القالة ورفع الحصانة‪ ،‬من مجلس منتخب‪ ،‬أو من‬
‫هيئة معينة من مجلس النواب‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪ -8‬ازدياد شفافية الجراءات يوفر حماية للقضاة‪ ،‬الذين قد تطحنهم عربة الجماع‬
‫المؤسسي (لين هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية دليل‪.)167:‬‬
‫‪ -9‬ومن الضروري لحماية القضاء أن يحصر النظام الحالت التي يجوز فيها عزل‬
‫القاضي‪ ،‬وأن يحدد إجراءات ملزمة لها‪ ،‬وأن ل تعطى أي جهة سلطة القياس عليها‪ ،‬وأن‬
‫يكفل له حق التظلم والطعن (زينات‪.)10:‬‬
‫إن عدم قابلية القضاة للعزل مبدأ دستوري وقانوني‪ ،‬والعزل استثناء‪ ،‬والستثناء ينبغي‬
‫أن يكون محددا مقيدا‪ ،‬في حالت جوازه‪ ،‬وحالت إجراءاته معا (زينات‪.)10:‬‬
‫[‪]64‬‬

‫‪=18‬المعيار العاشر‪ :‬شمول القضاء‬
‫الشرعي جميع أنواع القضايا و إلغاء‬
‫المحاكم الستثنائية بوليسية وعسكرية‬
‫وإدارية واقتصادية‪:‬‬
‫أ‪-‬الشمول هو مقتضى كون القضاء سلطة مستقلة ‪:‬‬
‫اللتزام بالقضاء الطبيعي‪ ،‬معيار من معايير القضاء العادل‪.‬‬
‫فمن من شروط المحاكمة العادلة أمران‪:‬‬
‫‪-1‬أن تكون المحكمة ذات ولية دائمة‪.‬‬
‫‪-2‬وأن يكون القضاة مهنيين‪ ،‬تتوافر فيهم ضمانات القضاء العادل‪ ،‬كالكفاية‬
‫والتخصص‪ ،‬والتفرغ للقضاء والنقطاع له والحصانة‪ ،‬وعدم القابلية للعزل ( كامل‪.)12 :‬‬
‫بذلك يضمن حياد القاضي‪ ،‬وتندفع عنه ضغوط الحكومة‪ ،‬في القضايا عامة‪ ،‬والقضايا ذات‬
‫النزاع بين الحكومة والفراد‪ ،‬ويتوقع تجرده في عمله من أي مصلحة‪ ،‬إل المصلحة‬
‫الموضوعية (انظر كامل‪.)12 :‬‬

‫‪87‬‬

‫وبهذا المعيار يتجلى مبدأ اعتبار القضاء سلطة مستقلة‪ ،‬على قدم المساواة مع‬
‫السلطتين التنفيذية والنيابية‪ ،‬وذلك أمر يقيني محتوم‪ ،‬يستند إلى المفهوم الدستوري للحكم‪،‬‬
‫وليس قضية قابلة للجدال والجتهاد‪( ،‬انظر استقلل القضاء في مصر‪ :‬حق المواطن العربي‬
‫في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي‪ .‬محمد كامل عبيد‪.)7 :‬‬
‫ومقتضى ذلك أنه ل يجوز للسلطة التنفيذية ول النيابية‪ ،‬أن تعدل قواعد الختصاص‪،‬‬
‫إل في إطار استقلل القضاء‪ ،‬إن أي محكمة خارج نطاق السلطة القضائية؛ – تعتبر غير‬
‫شرعية‪ ،‬لنه ل يمكن الطمئنان إلى حيادها‪ ،‬ولو طبقت القواعد القضائية التي يطبقها‬
‫القضاء المستقل (كامـل‪.)7 :‬‬
‫[‪]65‬‬
‫ب‪-‬مساوئ المحاكم الستثنائية ‪:‬‬
‫فالمحاكم الستثنائية تخل بمبدأ المساواة أمام القانون ول عبرة بالمبررات‪ ،‬التي تزعم‬
‫أنها ضرورية من أجل تنظيم العدالة (انظر‪:‬كامل‪ )10:‬ولها مساوئ فظيعة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬اللتجاء إلى المحاكم الستثنائية‪ ،‬من سمات النظم الدكتاتورية‪ ،‬مهما أظهرت‬
‫الدولة أنها لحسن سير العدالة‪ .‬حين تحل الشرعية الثورية‪ ،‬محل الشرعية القانونية‬
‫الدستورية‪ ،‬ويصبح مجلس الثورة مثابة جهاز رقابة ووصاية على مجلس النواب‪ ،‬عندها‬
‫يصبح القضاء بصرف النظر عن نصوصه‪ ،‬خاضعا من حيث تطبيقه لمجلس قيادة الثورة‪,‬‬
‫فهي المرجع والموجه‪ ،‬وتكون قرارات قيادة الثورة غير خاضعة لي رقابة قضائية‪ ،‬بل‬
‫تصدر أحكاما قضائية تخالف الدستور (استقلل القضاء في العراق‪ :‬النظام القضائي في‬
‫العراق‪ .‬عبد الحسين شعبان‪ /‬شعبان‪ .)4-3 :‬وهذه الشرعية الثورية هي ما أودى بالقضاء‬
‫العراقي في عهد صدام حسين‪ ،‬بعد أن كان في عهد الملكية يعد من أفضل القضية نزاهة‬
‫وكفاءةً‪ ،‬بعد القضاء المصري (شعبان‪.)12:‬‬

‫‪88‬‬

‫‪ -2‬إنما تؤثر الدولة المستبدة القضاء الستثنائي‪ ،‬بحثا عن قضاء مستكين‪( ،‬غازي‬
‫الغرايري) سواءا كانت الستكانة في السس القانونية‪ ،‬التي تصنعها وفق هواها‪ ،‬أم في‬
‫الشخاص الذين تختارهم وفق هواها‪ ،‬أم في الوقائع التي تكيفها حسب أغراضها‪.‬‬
‫‪-3‬وهو نموذج للزدواجية في القانون‪ ،‬حيث يصبح في الدولة قانونان تطبق الدولة‬
‫منهما ما يدعم استبدادها أو ظلمها‪.‬‬
‫ومن أوضح نماذج القضاء الستثنائي القضاء العشائري في العراق‪ ،‬ومع أن العراق‬
‫أصدر القانون الساسي (الدستور) مبكرا عام ‪1925‬م‪ .‬ونص على مبدأ استقلل القضاء‬
‫(وشموله ووحدته)‪ ،‬فقد صدر قانون دعاوى العشائر‪ ،‬الذي تم تفعيله‪ ،‬لغراض سياسية‪،‬‬
‫إبان الحرب العراقية اليرانية منذ عام ‪1980‬م‪ ،‬فصار لرؤساء العشائر سلطة قانونية من‬
‫أجل كسب رضاهم‪ ،‬وضرب المجتمع الهلي المدني‪ ،‬بالمجتمع الهلي البدوي‪ ،‬وصار لقانون‬
‫العشائر صفة قضائية‪ ،‬وأعدم بموجبه عديد من المسئولين العراقيين‪ ،‬وبد ًل من أن تخضع‬
‫العشيرة لمنطق الدولة ومنطق القانون الدستوري‪ ،‬خضعت الدولة لمنطق العشيرة‬
‫(عبدالحسين شعبان ‪ :‬القضاء في العراق‪ .)3:‬فحلت الشرعية العشائرية البدوية محل‬
‫الشرعية القانونية الدستورية الطبيعية المدنية‪.‬‬
‫‪ -4‬والستثناء مهما تلطفوا في تسميته هو الظلم بعينه‪ .‬لنه خروج على القواعد‬
‫العامة الموضوعية‪ ،‬لن الهيئات الستثنائية‪ ،‬كما وصفها الكواكبي من طبائع الستبداد‬
‫والستثناء ل يعرف حدا ول قاعدة‪.‬‬
‫‪ -5‬مهما كانت المبررات كنشوب حرب أو تفاقم أزمة‪ ،‬أو قيام طوارئ‪ ،‬فكل هذه‬
‫المبررات‪ ،‬ل يمكن أن تنفي أن القضاء الستثنائي من عوامل ذهاب هيبة القضاء‪ ،‬وقدسيته‪،‬‬
‫واهتزاز الثقة به‪.‬‬
‫‪ -6‬تتسم المحاكم الستثنائية بالستعجال والختصار‪ ،‬وتسرع إصدار قراراتها‪ ,‬وهي‬
‫غير محددة‪ ،‬ول متوافقة مع قواعد القضاء‪ ،‬وتخل بحق الدفاع‪ ،‬وتجهض ضمانات‬
‫المتقاضين‪ ،‬وسلطات القضاة فيها تتيح لهم الخروج على قواعد الجراءات‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫‪ -7‬ومن سمات المحاكم الستثنائية و لسيما العسكرية‪ ،‬سهولة أحكام القاسية‪،‬‬
‫العدام والشغال الشاقة المؤبدة‪.‬‬
‫‪ -8‬ومن علمات الظلم في المحاكم الستثنائية‪ ،‬أن ينص على عدم جواز الطعن في‬
‫أحكامها‪ ،‬لن هذا النص غير دستوري (استقلل القضاء في مصر‪ :‬حق المواطن العربي في‬
‫اللجوء إلى قاضيه الطبيعي‪.‬محمد كامل عبيد‪ . )25 :‬و هي أعظم ظلم من سمات حكم‬
‫الستبداد‪ ،‬كون أحكامها ل تقبل الطعن أمام أي مرجع آخر عدا أحكام العدام التي تستوجب‬
‫مصادقة رئيس الدولة (استقلل القضاء في العراق‪:‬النظام القضائي في العراق‪.‬عبد الحسين‬
‫شعبان‪ /‬شعبان ‪.)15‬‬
‫‪-9‬ومن سمات المحاكم الستثنائية كون التنفيذ فوريا‪.‬‬
‫‪ -10‬على أن من عيوبها أيضا أنها تخل بمبدأ علنية المحكمة‪ ،‬وهو أهم إجراء يتيح‬
‫للجمهور مراقبة العدالة‪ ،‬فتنظر الدعاوى سرا في غرف مغلقة‪ ،‬وهذا ينافي مبدأ علنية‬
‫الخصومة‪ ،‬ووجوب حضور الجمهور‪ ،‬وهو مبدأ إسلمي أكده الفقه القضائي في السلم‬
‫(انظر تبصرة الحكام لبن فرحون)‪ ,‬وهو مبدأ أقرته أيضا الدساتير (استقلل القضاء في‬
‫الردن‪ :‬تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في استقلل القضاء‪ .‬فاروق الكيلني‪.)19:‬‬
‫[‪]66‬‬
‫ج‪-‬القضاء الستثنائي ومعايير استقلل القضاء‪:‬‬
‫ومبدأ القاضي الطبيعي يكمل مبدأ الستقلل ومبدأ حياده والمبادئ الثلثة‪ :‬الستقلل‬
‫والحياد والقاضي الطبيعي يكمل بعضها بعضا‪ ،‬فانتزاع الدعوى من يد القاضي الطبيعي‪،‬‬
‫وجعلها من اختصاص قاض آخر‪ ،‬يعتبر تدخل‪ ،‬يعتبر تدخل‪ ،‬لن القاضي الطبيعي‪ ،‬هو‬
‫القاضي الصيل صاحب الولية في الدعوى (كامل‪ )6 :‬وكل جهة تنشئها السلطة التنفيذية‬
‫للفصل في الدعاوى‪ ،‬ل يمكن اعتبارها من المحاكم‪ ،‬ول تعد قضاءا طبيعيا (كامل ‪)6 :‬‬
‫وقد حمل القانونيون والقضاة ودعاة حقوق النسان ‪ ،‬على ظاهرة انتشار القضاء‬
‫الستثنائي‪ ،‬فوصفه هيثم مناع المتحدث باسم لجنة حقوق النسان العربي في أوروبا‪ ،‬بأنه‬
‫خليا سرطانية في جسم القضاة" (القضاء في سورية ‪. )1:‬‬
‫‪90‬‬

‫والدخول في "المحاكم الستثنائية عدوان صارخ على استقلل القاضي وحريته‬
‫وحياده واستقلله‪.‬‬
‫ولذلك ينادي بعض الفقهاء بضرورة تأديب أي قاض طبيعي يدخل في تشكيل هيئة‬
‫استثنائية‪ ،‬لن تصرفه المشين إهدار للدستور‪ ،‬وإخلل بالمساواة‪ ،‬وإهدار لكرامة القضاء‬
‫والقضاة‪ ،‬قبل أن يكون إهدارا لحقوق المتنازعين والمهتمين‪ ،‬لن القاضي يقوم بانتهاك‬
‫صريح‪.‬ويقوم بهذه الجريمة عن عمد وإصرار‪.‬‬
‫وفي هذا تأكيد على اعتبار القضاء سلطة مستقلة بالولية القضائية كاملة‪ ،‬وانفرادها‬
‫بالفصل في المنازعات والخصومات ‪ ،‬وإنشاء محاكم الستثنائية اعتداء على السلطة‬
‫القضائية كامل‪ ) 4 :‬وانتقاص من وليتها العامة‪ ،‬وإخلل بمبدأ المساواة ‪ ،‬لما في الخاص‬
‫من اختلف المساطر والجراءات (السراج‪.)12 :‬‬
‫ولن القضاء الستثنائي مخل باستقلل القضاء نصت كثير من دساتير الدول المتقدمة‪،‬‬
‫على أنه ل يجوز للمجلس النيابي‪ ،‬فضلً عن السلطة التنفيذية‪ ،‬إنشاء محاكم عسكرية‪ ،‬على‬
‫أن الدول التي أقرته حصرت المحاكم العسكرية بوقت الحرب‪ ،‬وحصرتها بمحاكمة‬
‫العسكريين‪ ،‬فل يحال إليها مدني‪ ،‬وجعلت تبعيتها لوزير العدل كما في ألمانيا والكويت‬
‫(استقلل القضاء في مصر‪ :‬حق المواطن العربي في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي‪.‬محمد كامل‬
‫عبيد‪.)3:‬‬
‫من أجل ذلك أصدر المؤتمر العالمي لستقلل العدالة‪ ،‬المنعقد في كندا سنة ‪1983‬م‪،‬‬
‫العلن العالمي لستقلل العدالة‪ ،‬ونصت المادة الثانية على حظر إنشاء المحاكم الستثنائية‬
‫(كامل‪.)4 :‬‬
‫ولذلك ينبغي النص في الدستور؛ على حظر المحاكم الستثنائية والخاصة ‪ ،‬حتى تتحقق‬
‫الولية الكاملة للقضاء العادي (كامل ‪. )25 :‬‬
‫كما نص الدستور اليمني الصادر ‪1994‬م (المادة ‪ )149‬على أن "تتولى المحاكم الفصل‬
‫في جميع المنازعات والجرائم" ونص في المادة (‪ )150‬على أنه "ليجوز إنشاء محاكم‬

‫‪91‬‬

‫استثنائية بأي حال من الحوال" (استقلل القضاء في اليمن حمود الهيتار‪.)3 :‬كما فعل‬
‫الدستور السويسري أيضا (شعبان ‪.)6 :‬‬
‫إن إنشاء المحاكم الستثنائية ؛ إنما هو هروب من القضائي الطبيعي‪ ،‬وهذا انتهاك‬
‫لمبدأ العدالة‪ ،‬وهو بدعة تخالف أحكام الشريعة كما يقول الدكتور محمد كامل عبيد ‪.)21‬‬
‫[‪]67‬‬
‫د‪-‬الفرق بين القضاء الستثنائي والخاص‪:‬‬
‫وهناك فرق بين القضاء الستثنائي والقضاء الخاص‪ ،‬فالمحاكم الستثنائية هي التي ل‬
‫تخضع لقانون القضاء العام‪ ،‬أو ل تخضع لشراف القضاء‪ ،‬أو ل تتوافر في قضاتها شروط‬
‫تعيين القضاة‪ ،‬كمحاكم أمن الدولة‪-،‬في عديد من الدول العربية‪ -‬ومحاكم أمن الثورة‪،‬‬
‫والمحاكم العسكرية‪ ،‬والمحاكم البوليسية‪ .‬واللجان التجارية والمصرفية والمالية الخ‪.‬‬
‫أما القضاء الخاص‪ ،‬فيمكن أن توجد فيه محاكم خاصة‪ ،‬عسكرية ونحوها‪،‬بشروط‬
‫ثلثة‪:‬‬
‫أن يكون تأهيلهم المهني والعدلي كقضاة المحاكم العامة‪.‬‬‫ أن يكون القضاة في المحاكم (العسكرية مثلً) من ملك القضاة العادي‪.‬‬‫ أن ينحصر الشراف عليه وتعيينهم وعزلهم؛ بمجلس القضاء العلى (انظر استقلل‬‫القضاء في لبنان‪:‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني قباني‪ ،)12 :‬شأنهم في ذلك‬
‫شأن محكمة المطبوعات أو المحاكم العقارية أو المستعجلة‪.‬‬
‫[‪]68‬‬

‫‪=19‬المعيار الحادي عشر‪ :‬استقلل‬
‫القضاء في الفصل في القضايا‬
‫وانعدام التدخلت‪:‬‬
‫‪92‬‬

‫أ‪-‬سبب ازورار الفقهاء الحرار عن القضاء‪:‬‬
‫الحياد والنزاهة هي مقتضى مفهوم المساواة‪ ،‬في كل قانون قضاء عادل‪ ،‬فجميع الناس‬
‫أمام شريعة ال سواء‪ ،‬فل فاضل أمام منصة القضاء ول مفضول‪ ،‬ول محاباة قوي على‬
‫ضعيف‪ ،‬ول لغني على فقير ول لشريف النسب على مغمور‪ ،‬ول لحاكم على مرءوس‪ .‬هذه‬
‫الحقيقة أعلنها السلم قبل قرون من ظهور مصطلح (القاضي الطبيعي) الذي عرف في‬
‫أوربة منذ عام ‪1215‬م‪ ،‬فقال الرسول صلى ال عليه وسلم "إنما أهلك من قبلكم أنهم إذا‬
‫سرق فيهم الشريف تركوه‪ ،‬وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد‪ ،‬و وال لو أن فاطمة بنت‬
‫محمد سرقت لقطعت يدها" (رواه مسلم)‪ ،‬كما قال أبو بكر أيضا "أل إن أقواكم عندي الضعيف‬
‫حتى آخذ له الحق‪ ،‬وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق (تاريخ بن الثير ‪)2/151 :‬‬
‫نقل عن كامل‪.)15 :‬‬
‫وقد تحاكم عدد من الخلفاء الراشدين إلى قضاتهم فحكم عليهم قضاتهم‪ ،‬فقد حكم شريح‬
‫القاضي على عمر بن الخطاب‪ ،‬فلم يغضب منه عمر‪ ،‬بل وله قضاء الكوفة قائلً "وهل‬
‫القضاء إل هذا‪ ،‬سر يا شريح إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها" وخاصم علي يهوديا إلى شريح‪،‬‬
‫فحكم شريح على علي‪ .‬وحكم القاضي أبو يوسف على الخليفة المهدي‪ ،‬ورد القاضي ابن‬
‫عين الدولة شهادة السلطان الكامل أيوب عندما شهد في خصومة‪ ،‬لن السلطان يقيم مجالس‬
‫المجون (انظر كامل‪.)20 :‬‬
‫وظهرت في تاريخنا السلمي ظاهرة فرار الفقهاء من القضاء لما تغولت الدولة‪،‬‬
‫وانتهكت القضاء‪ ،‬تدخلت في شئونه‪ .‬ولكن مع كل ما حصل‪" ،‬لم يبلغ بهم (أي المراء) إلى‬
‫ابتداع محاكم قضائية استثنائية‪ ،‬مخالفة للشريعة (كامل‪.)22 :‬‬
‫ولذلك اعتذر كثير من الفقهاء عن ولية القضاء في العهدين الموي والعباسي‪ ،‬كأبي‬
‫حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن‪،‬وسفيان الثوري‪ .‬وقد يكون ذلك منهم ورعا شخصيا خوفا‬
‫من عدم قدرتهم الشخصية على العدل‪ ،‬ولكن هذا مستبعد‪ ،‬لن عديدا من الشخصيات التي‬
‫رفضت كانت ذات كفاية قضائية‪ ،‬ولن قمة الورع الشخصي خدمة الملة والمة‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫لسيما وقد قرر الفقهاء كالغزالي أن القضاء أفضل من الجهاد(فارس‪ )19:‬وقرروا أن‬
‫الكفء يجب إلزامه إن رفض (فارس‪.)19:‬‬
‫ولكن سبب فرارهم أنهم يرون السلطة التنفيذية –إن لم تتدخل في مابين يدي‬
‫القضاء‪-‬تستثني القضايا من القضاء‪ ،‬فهي ل تحيل إلى القضاء المسائل السياسية والعسكرية‬
‫والمالية‪ ،‬التي فيها نزاع بين الحكومة وأشخاص أو هيئات‪ ،‬داخل الدارة الحكومية أو‬
‫خارجها‪ ،‬فضل عن قضايا المعارضة السياسية‪.‬‬
‫وأوضح مثل لذلك قضية (الزندقة) وهي أوضح دليل على التحكم والهوى‪ ،‬فعندما نشط‬
‫المهدي وابنه الرشيد‪ ،‬للقضاء‪ ،‬على تيارات الزندقة‪ ،‬لم ينتدب القضاة لمحاكمة المتهمين‬
‫محاكمات علنية مستقلة عادلة‪ ،‬بل قام بمحاكمتهم بنفسه‪ ،‬أو عبر وكيله "صاحب الزنادقة"‪.‬‬
‫ولكن في ماعدا أقوال متفرقة للفقهاء كابن تيمية‪ ،‬ل نجد للفقهاء فكرا على قدر من‬
‫الصلبة والوضوح والكثرة والشيوع‪ ،‬يرفض هذه المزاولت المخلة بعدالة الشريعة‪ .‬إن مثل‬
‫وظيفة (صاحب الزنادقة)‪ ،‬فضل عن ما عداها تعتبر من القضاء الستثنائي‪.‬‬
‫وإنشاء المحاكم الستثنائية؛ إنما هو هروب من القضائي الطبيعي‪ ،‬وهذا انتهاك لمبدأ‬
‫العدالة‪ ،‬وهو بدعة تخالف أحكام الشريعة (كما يقول الدكتور محمد كامل عبيد ‪.)21‬‬
‫[‪]69‬‬
‫ب‪ -‬إذا كان القاضي للسلطان وكيل‪ ،‬أشرعت أبواب‬
‫التدخلت‪:‬‬
‫من أهم ضمانات عدالة القضاء ونزاهته كف يد السلطة التنفيذية عن التدخل في شئون‬
‫القضاء‪ .‬وأن يحاسب أي مسئول من السلطة التنفيذية‪ ،‬يثبت أنه حاول التأثير على القضاة‪،‬‬
‫ول يكفي أن يتقرر ذلك نظاما‪ ،‬بل لبد من التطبيق الفعال له كما أوصى مؤتمر العدالة العربي‬
‫الول‪.‬‬
‫لكن هذا المبدأ ل يمكن بناؤه على النظرية الفقهية الكسروية السائدة؛ التي تقول‪:‬‬
‫إن (السلطان)؛ هو القاضي الصيل‪ ،‬وإنما قاضي المحكمة الذي يعينه السلطان وكيل‪،‬‬
‫والقول بان "القضاء ولية يمارسها القضاة‪ ،‬وكالة عن [السلطان]‪ ،‬وأنهم وكلؤه ونوابه‬
‫‪94‬‬

‫وممثلوه‪ ،‬في ممارسة القضاء‪ ،‬يترتب عليه جملة آثار مهمة‪ ،‬منها (انظر لمحات‪":)25:‬جواز‬
‫ممارسة [السلطان] القضاء متى أراد؛ مع وجود القضاة المفوضين بذلك وغيابهم‪ ،‬دون لجوء‬
‫إلى عزلهم‪ ،‬لن [السلطان] بذلك التفويض لم يتنازل عن حقه وواجبه للقضاة‪ ،‬وإنما وكلهم‬
‫وأنابهم عنه‪ ،‬والمعلوم والثابت شرعا أن للموكل في عقود الوكالة أن يمارس جميع ما فوض‬
‫وكلءه به متى شاء‪ ،‬مع استمرار عقد الوكالة‪ ،‬وسريان أحكامها" (لمحات ‪.)25:‬‬
‫هذه القاعدة ليست من هدي الشريعة‪ ،‬ول من هدي الطبيعة‪ ،‬إنما هي من النوابت‬
‫السفنجية الرخوة‪ ،‬التي تنبت في كهوف القمع السياسي‪ ،‬وهي تحريف ما أنزل ال به من‬
‫سلطان‪ .‬ولم يقل بها فقيه يعتد به‪ .‬فقد كان القضاة خلل التاريخ السلمي نموذجا للنزاهة‬
‫والعدل‪ ،‬والحكام لم يستطيعوا التدخل السافر في شئون القضاء‪ ،‬إنما كانوا ل يحيلون بعض‬
‫القضايا السياسية والمالية والدارية إلى القضاء‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي وضع إجراءات كافية ولسيما في القضاء الداري‪ ،‬الذي من‬
‫وظائفه حسم النزاعات بين الحكومة والفراد‪ ،‬تكفل حياده واستقلله‪ .‬وضابط ذلك أن ل تكون‬
‫الحكومة (مرجعية) للقضاء الداري‪ .‬لن كل قضاء تكون السلطة التنفيذية هي مرجعيته‪،‬ل‬
‫يمكن أن يكون محايدا؛ في النزاعات التي الدولة خصيم مكين فيها‪ ،‬لن السلطة التنفيذية ل‬
‫يتوقع أن تكون خصما شريفا‪ ،‬ول يضمن أن ل تستخدم نفوذها في التأثير على قرارات‬
‫القضاء الداري أو ل يضمن تنفيذها أوامره‪ ،‬في مثل أحكام التجنيس والمنع من السفر‪ ،‬أو‬
‫طلبات التعويض (استقلل القضاء في البحرين‪ .‬زينات المنصوري‪.)16:‬‬
‫[‪]70‬‬

‫‪ =20‬المعيار الثاني عشر‪ :‬هيئة‬
‫التحقيق والدعاء العام تتبع القضاء‬
‫أو يشرف عليها‪:‬‬
‫أ‪ -‬التحقيق عمل من أعمال القضاء‪:‬‬
‫قرر الفقهاء أن التحقيق نوع من أنواع القضاء‪ ،‬ومعنى ذلك أمران‪:‬‬
‫‪95‬‬

‫الول‪:‬أن تكون للمحقق الصفات المهنية والمسلكية‪ ،‬المشترطة في القاضي (الكفاية‬‫والعدالة)‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يكون محصنا من التعسف في العزل والنقل والترقية‪ ،‬أي أنه مرجعيته هي‬‫المؤسسة العامة للقضاء‪.‬‬
‫ولكن لم تكن العادة مطردة في التحقيق‪ ،‬في نظام القضاء الموي والعباسي‪ ،‬ففي‬
‫قضايا الفراد كان القضاة يتولون ذلك‪ ،‬وفي القضايا الكبيرة والسياسية والدارية؛ كان الولة‬
‫الخلفاء يتولون ذلك‪.‬‬
‫وكان الولة يمارسون التعذيب البشع‪ ،‬ل بحثا عن الحقيقة فحسب‪ ،‬بل نكال‪ ،‬وفي‬
‫ماعدا أقوال متفرقة للفقهاء كالغزالي‪ ،‬ل نجد للفقهاء فكرا على قدر من الصلبة والوضوح‬
‫والكثرة والشيوع‪ ،‬يرفض هذه الممارسات المخلة بعدالة الشريعة‪.‬‬
‫[‪]71‬‬
‫ب‪-‬استقلل قضاة التحقيق عن الحكومة في الدول‬
‫الدستورية‪:‬‬
‫ولن التحقيق قضاء‪ ،‬فقد راعت الدول الدستورية أن يكون قضاة التحقيق والدعاء‬
‫مستقلين‪ ،‬ولضمان الستقلل ينبغي أن تكون النيابة العامة أو هيئة التحقيق والدعاء العام)‪،‬‬
‫جزءا من الهيئة القضائية؟‪ ،‬لن المحققين قضاة‪ ،‬ولذلك يسمون في فرنسا بـ(القضاة‬
‫الواقفين) وقضاة المحاكم بـ(القضاة الجالسين) (استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪:‬‬
‫دليل‪.)83 :‬‬
‫وحيث إن القضاة الواقفين جزء من هيئة القضاء‪ ،‬في فرنسا؛ صار من الممكن انتقال‬
‫القضاة الواقفين إلى مناصب القضاة الجالسين‪ ،‬و انتقال الجالسين إلى مناصب الواقفين‬
‫(استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪ :‬دليل‪.)89:‬‬
‫وفي إيطاليا يتمتع أعضاء الدعاء بضمانات الستقلل‪ ،‬التي يتمتع بها قضاة المحاكم‬
‫(استقلل القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو دليل‪.)93 :‬‬
‫وقد اهتمت بعض الدول العربية بهذه الضمانات‪ .‬ففي الجزائر يكون القضاة الواقفون‪،‬‬
‫بأهلية القضاة الجالسين (استقلل القضاء في الجزائر جادي عبد الكريم جادى ‪.)4‬‬
‫‪96‬‬

‫ونص نظام القضاء اليمني (في مادته ‪ )149‬على أن النيابة العامة هيئة من هيئات‬
‫القضاء‪ ،‬وعلى أنه ل يجوز لي جهة وبأية صورة التدخل في القضايا‪ ،‬أو في شأن من‬
‫شئون العدالة‪ ،‬وأن هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون‪ ،‬ول تسقط الدعوة فيها بالتقادم‪.‬‬
‫ونص قانون السلطة القضائية البحريني (المادة ‪ )2‬الصادر سنة ‪2002‬م على أن "يتم‬
‫تشكيل النيابة العامة‪ ،‬بصفتها إحدى أدوات وأجهزة السلطة القضائية" (زينات المنصوري‪.‬‬
‫استقلل القضاء في البحرين)‪.‬‬
‫[‪]72‬‬

‫‪=21‬المعيار الثالث عشر‪ :‬السجون‬
‫تلحق بوزارة العدل أو يشرف عليها‬
‫القضاء‪:‬‬
‫أ‪-‬إشراف القضاة على السجون‪:‬‬
‫من محاسن نظام القضاء السلمي‪-،‬في عهود الستبداد‪ -‬رغم تقصير آلياته‬
‫وضماناته ‪ ،‬أن القضاة كانوا يشرفون على السجون‪ ،‬ولذلك جرت العادة عند تعيين قاض‬
‫مكان آخر‪ ،‬أن يقوم القاضي بالنظر في أحوال السجناء‪ ،‬فيبعث إلى السجن من يحصيهم‪،‬‬
‫ويسال السجين عن سبب سجنه‪ ،‬ويتصفح أحوالهم‪ ،‬ويطلق سراح من سجن ظلما‪ ،‬و لسيما‬
‫السجين بسبب مال‪ ،‬إذا لم يثبت أنه موسر (انظر تبصرة الحكام لبن فرحون)‪.‬‬
‫وهذا أمر ضروري‪ ،‬لن السجن نوعان‪:‬‬
‫الولى(اليقاف) على ذمة التحقيق‪ ،‬أي سجن (المتهم)‪ ،‬بأن يسجن إيقافا وحجزا في‬
‫مرحلة التهام‪ ،‬من أجل التحقيق معه‪ ،‬في إحدي حالت ثلث‪:‬‬
‫إذا كانت الجريمة كبيرة‬‫ وإذا كان يخشى هروبه‬‫ وإذا كان متلبسا بجريمة‬‫وقرار التوقيف إنما ينحصر إصداره‪-‬إذن‪-‬بقضاة الدعاء‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫الثانية‪ :‬سجن العقوبة‪ :‬بأن يسجن المرء تنفيذا لعقوبة أصدرها القضاء‪ ،‬وهذا قرار‬
‫يصدره‪-‬أيضا‪-‬قضاة‪ ،‬ولكنهم قضاة المحكمة‪ ،‬فالسجين‪-‬إذن‪ -‬بين يدي القضاء‪ ،‬إما في‬
‫مرحلة (استجلء أمر أو في مرحلة تنفيذ العقوبة)‪ ،‬وكل المرحلتين يقوم بها القضاة‪.‬‬
‫[‪]73‬‬
‫ب‪-‬ضمانات إشراف القضاء على السجون‪:‬‬
‫ولذلك يرى عديد من القضاة والمحامين وأساتذة القانون "إلحاق إدارة السجون" بوزارة‬
‫العدل‪ ،‬لن ذلك إجراء جواهري‪ ،‬يكرس سلطة قضائية فعلية مستقلة للقاضي‪ ،‬ويكرس‬
‫ضمانات للمتهمين والمعاقبين‪ ،‬عند التطبيق‪.‬‬
‫وبذلك أيضا وهو أمر مهم‪ -‬يكون عند القضاة إدراك عملي لبعاد أحكامهم‪ ،‬كي ل‬
‫يكون القاضي مجرد حلقة في سلسلة تديرها هيئات ل تعطي أحكامه البعاد المناسبة لها‪.‬‬
‫فتحول السجون إلى مفارخ للجريمة والتمرد‪ ،‬والحقد والتوتر‪( .‬انظر استقلل القضاء في‬
‫تونس غازي الغرايري‪ .)13 :‬ولكي يدرك القضاة عندما يحكمون بالسجن ما طبيعة السجن‪،‬‬
‫وإجراءاته ومدى التناسب بين الجريمة والعقوبة‪.‬‬
‫ولذلك وجدت في بعض النظم القضائية؛ وظيفة (قاضي العقوبات)‪ ،‬ومدار اختصاصها‬
‫السجين الذي صدرت عليه أحكام عقابية‪ ،‬كما في القضاء التونسي الصادر (سنة ‪2000‬م)‬
‫(غازي الغرايري ‪.)13 :‬‬

‫[‪]74‬‬

‫‪=22‬المعيار الرابع عشر‪:‬أن ينفذ‬
‫القضاء أحكامه بنفسه (بتعيين قاض‬
‫تنفيذي في كل محكمة)‪:‬‬

‫أ‪-‬الفرق بين الفتوى والقضاء‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫عرف الفقهاء القضاء من خلل تفريقهم بين الفتوى والقضاء‪ ،‬أن القضاء يتفق مع‬
‫الفتوى‪ ،‬في أن كل منهما يقوم ببيان الحكم الشرعي‪ .‬ولكن القضاء يزيد على الفتوى بأنه‬
‫ملزم‪ ،‬فللقضاء إذن ركنان‪:‬‬
‫الول بيان الحكم الشرعي‬‫‪-‬الثاني‪ :‬اللزام به‪ ،‬فتعريفات القضاء جميعا مؤداها أن القضاء هو إلزام‬‫وتنفيذ (انظر‪:‬الفروق للقرافي و تبصرة الحكام لبن عابدين)‪.‬‬
‫إذ إن من أهم مظاهر امتلك القضاة سلطة فعلية‪ ،‬أن ل تكون مهمتهم النطق بالحكام‬
‫فحسب‪ ،‬إن القضاء قد يصدر أحكاما ضد السلطة التنفيذية‪ ،‬أو أحكاما على درجة كبيرة من‬
‫الهمية‪ ،‬كحجز الممتلكات‪ ،‬ومصادرة الصول والرهن العقاري‪ ،‬والسجن والخراج من‬
‫السجن‪ ،‬والذن بالسفر والمنع من السفر‪ ،‬وكذلك الحكم بعدم دستورية قانون‪ ،‬أو مطالبة‬
‫الدولة عامة‪ ،‬أو الحكومة خاصة بتعويضات مالية‪.‬‬
‫وتمرد السلطة التنفيذية‪ ،‬في الذعان لحكام القضاة الصادرة ضدها في مثل هذه‬
‫القضايا‪ ،‬مؤشر على ضعف ضمانات نزاهة القضاء فضل عن عدالته (انظر الجراءات‬
‫المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪:‬‬
‫‪.)49‬‬
‫وفشل المحاكم في فرض اللتزام بأحكامها‪ ،‬يحبط أيضا عزائم القضاة عن اتخاذ‬
‫القرارات الصعبة تحت مبرر‪ :‬ما فائدة اكتساب العداء‪ ،‬إذا لم يمكن تنفيذ الحكام؟‬
‫(الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين‪ :‬دليل‪.)49 :‬‬
‫من أجل ذلك ل يمكن القول باستقلل أي قضاء‪ ،‬إذا كانت أحكامه ل تنفذ (استقلل‬
‫القضاء في الجزائر‪ .‬جادي عبد الكريم‪ .)7 :‬وإذا كان الشعور بالحرمان والظلم والضطهاد‬
‫يتولد من عدم العتراف بالحق‪ ،‬فإن الحق الذي يعترف به نظريا ول ينفذ‪ ،‬يولد التمرد‬
‫الجتماعي والسياسي‪ ،‬و يجسد عجز سلطة القضاء الفدح (جادى‪.)7:‬‬

‫‪99‬‬

‫إن عدم تنفيذ الحكام أو سوء تنفيذها ؛ ظاهرة معروفة في كل النظمة القضائية‬
‫الفاسدة‪ ،‬وليس هناك ما هو أسوأ من كون أحكام القضاء حبرا على ورق(استقلل القضاء في‬
‫تونس غازي الغرايريغازي الغرايري ‪. )12 :‬‬
‫[‪]75‬‬
‫ب‪ -‬كيف يضمن القضاء تنفيذ أحكامه‪:‬‬
‫ولضمان تنفيذ أحكام القضاة أسلوبان‪:‬‬
‫السلوب الدنى‪ :‬أن يترك القضاء التنفيذ للسلطة التنفيذية‪ ،‬ولكن يتابع مراحل تنفيذها‬‫أحكامه‪ ،‬من خلل إنشاء مكتب للمتابعة في كل محكمة‪ ،‬يرأسه (قاض متابع)‪.‬‬
‫السلوب العلى‪ :‬أن تقوم المحكمة بتنفيذ الحكم مباشرة‪ ،‬بإنشاء مكتب يرأسه قاض‬‫تنفيذي في كل محكمة‪ ،‬ويدير القاضي مجموعة من الكتبة والجنود‪ ،‬لضمان التنفيذ‪ ،‬وقد‬
‫درجت على ذلك دول دستورية عديدة‪.‬‬
‫وفي بعض البلدان العربية‪ ،‬يتم تنفيذ أحكام القضاء‪ ،‬على يدي القضاة‪ ،‬كما في‬
‫المغرب (استقلل القضاء في المغرب أحمد السراج‪ /‬السراج‪ ,)8 :‬وفي لبنان (الذي تأسي‬
‫بالقضاء الفرنسي) فقد نصت المادة ‪ 827‬من قانون أصول المحاكمات المدنية‪ ،‬على أن تنشأ‬
‫دائرة للتنفيذ‪ ،‬يرأسها القاضي المنفرد‪ ،‬في المنطقة التابعة لها‪ ،‬وتتولى دائرة التنفيذ الشراف‬
‫على تنفيذ القرارات والحكام والوامر الصادرة من المحاكم على اختلف أنواعها‪ ،‬وتتألف‬
‫دائرة التنفيذ من رئيس هو قاض منفرد‪ ،‬يعاونه مأمور أو أكثر‪ ،‬من المساعدين القضائيين‬
‫(استقلل القضاء في لبنان‪ :‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني‪.)3 :‬‬
‫[‪]76‬‬

‫‪=23‬المعيار الخامس عشر‪:‬‬
‫تحديدقواعد القضاء بين الناس‬
‫(الساس القانوني)‪:‬‬
‫أ‪ -‬علقة مفهوم المساواة بتحديد قواعد القضاء‪:‬‬
‫‪100‬‬

‫إن معرفة الساس القانوني للحكم في أي قضية؛ مسالة ل غنى عنها في أي قضاء‬
‫عادل‪ ،‬لن ذلك من عوامل نجاح القضاء‪ ،‬في تحقيق العدالة والنزاهة والشفافية والمساواة‬
‫معا‪.‬‬
‫ففي مبدأ العدل من الممكن أن يعتبر عمل ما‪ ،‬أخلقيا في قانون‪ ،‬وغير أخلقي في‬
‫قانون آخر‪ ،‬فشرب الخمر عمل غير أخلقي في القانون السلمي‪ ،‬ولكنه أخلقي في القوانين‬
‫غير السلمية‪.‬‬
‫وفي مبدأ المساواة؛ ينبغي أن تكون العقوبة محددة‪ ،‬والحكام على تلك الجريمة‬
‫متشابهة‪ ،‬فشرب الخمر جريمة في الدستور السلمي‪ ،‬ولكن ليس من العدل و ل المنطق‬
‫القضائي إصدار أحكام متباينة في القضايا المتشابهة‪ ،‬وذلك مخل بالمساواة‪ ،‬ومخل أيضا‬
‫بالشفافية‪ ،‬ويعطى انطباعا باختلل النزاهة‪ .‬إن تعددية القوانين واضطرابها‪ ،‬يعقد الجهود‬
‫التي تبذل في سبيل استقلل القضاء‪( .‬استقلل القضاء في أفريقيا جنيفر وندر‪ :‬دليل ‪.)54:‬‬
‫وإذا كان من الضروري أن يتساوى الناس أمام القضاء‪ ،‬ل فرق بين فاضل ومفضول‪،‬‬
‫فإنه من الضروري أن تتساوى القواعد القضائية أمام الناس‪ ،‬ل فرق بين قاض بارع وآخر‬
‫غير بارع‪ ،‬إذا تجانست القضايا‪ ،‬بأن تكون هناك مسطرة واحدة تقاس بها المور‪ ،‬فل يمتر‬
‫أحد القضايا بباعه وآخر بذراعه‪.‬‬
‫تساوى الناس أمام القضاء‪ ،‬وتساوى القواعد القضائية أمام الناس‪ ،‬كل الوجهين‬
‫ضروري لتحقيق المساواة‪.‬‬
‫إن المساواة أمام القانون؛ شرط إسلمي وإنساني لتحقيق العدالة‪ ،‬والمساواة ولها‬
‫وجهان‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن يتساوى القوي والضعيف أمام القضاء‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬أن تتساوى القواعد القضائية أمام الناس‪ ،‬بأن تكون المسطرة التي تقاس بها‬
‫الشياء واحدة‪ ،‬وكل المرين ضروري لتحقيق المساواة فضل عن النزاهة‪.‬‬
‫ول يمكن استقلل القضاء‪ ،‬إذا لم يوجد أساس قانوني محدد أمام القاضي‪ ،‬لكي يتركز‬
‫دوره على التطبيق المحايد الصحيح هناك أمران في القضاء‪:‬‬
‫‪101‬‬

‫ القاعدة القضائية أولً‪:‬‬‫ وتطبيق الوقائع على القاعدة ثانيا‪.‬‬‫ول يمكن ضمان هذا المبدأ إل إذا انحصر دور القاضي في تطبيق القاعدة‪ ،‬ما لم يجد‬
‫القاضي أن القاعدة تخالف الدستور‪ ،‬فيكون دوره المتناع عن تطبيقها والمطالبة بإلغائها‬
‫(لين هارمر‪ :‬الستقلل والمسئولية‪ :‬بحث‪ :‬دليل تعزيز استقلل القضاء‪.)164 :‬‬
‫[‪]77‬‬

‫ب‪-‬معايير تحديد قواعد القضاء‪:‬‬
‫إذن من ضمانات استقلل القضاء‪ ،‬قوة العلقة بين الساس القضائي المطبق والوقائع‬
‫المنطبقة‪ ،‬ول يكون إل بشروط أربعة‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تكون القاعدة واضحة‪ ،‬أي محددة موحدة مدونة معلومة للناس‪.‬‬
‫‪ -2‬أن تكون الوقائع منطبقة‪.‬‬
‫ومن ثم ينبغي أن يكون دور القاضي تطبيق القواعد على الوقائع ثم الحكم‪ ،‬لن دوره‬
‫هو تطبيق القاعدة القضائية ل إنشاؤها‪ ،‬ودور هيئة الستئناف هو التأكد من انطباق القواعد‬
‫على الوقائع‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون الحكم معللً مفسرا ومسببا (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬‬
‫مارجريت بوبكن‪ :‬انظر ‪ ،)128 ،113‬أي تسبيب الحكام وكتابتها‪ ،‬وأن تكون الكتابة مفصلة‪.‬‬
‫‪-4‬أن يطلع الجمهور على الحكم‪.‬‬
‫وتحديد القاعدة القضائية‪ ،‬يدعم ثقة الجمهور بحياد القضاة‪ ،‬فل يكفي أن يكون القضاة‬
‫محايدين عادلين نزهاء من وجهة نظرهم‪ ،‬بل ينبغي أن يشهد الجمهور أنهم محايدون‬
‫عادلون نزهاء‪ ،‬ول يكون ذلك إذا كانت القواعد مبهمة‪ ،‬ولذلك فإن من ما يخل بالشفافية عدم‬
‫تحديد القاعدة القضائية‪.‬‬
‫[‪]78‬‬
‫ج‪-‬تحديد الساس القانوني معيار للعدالة فكيف أهمله‬
‫القضاء العباسي‪:‬‬

‫‪102‬‬

‫ل يمكن التأكد من نزاهة القضاء‪،‬التي هي من سبل تعزيز إجراءات استقلل القضاء‪،‬‬
‫الذي لبد منه لتطبيق مبدأ العدالة‪ ،‬إل بوضوح الساس (القاعدة) القضائي‪ ،‬وللوضوح أربعة‬
‫شروط‪ :‬أن تكون القاعدة محددة موحدة مدونة منشورة للجمهور‬
‫فإذا لم تتوافر الشروط الربعة لم تنضبط المسطرة القضائية‪ ،‬ولذلك اعتبر تحديد‬
‫الساس القانوني‪ ،‬الذي يطبق على الوقائع من المعايير الدولية‪ ،‬التي تقاس بها عدالة‬
‫القضاء ونزاهته واستقلله (انظر‪ :‬جنيفر وندر‪ :‬بحث‪ :‬استقلل القضاء في أفريقيا‪ :‬دليل‬
‫تعزيز استقلل القضاء‪.)54 :‬‬
‫[‪]79‬‬

‫د‪ -‬عشر فوائد لتحديد قواعد القضاء‪:‬‬
‫الولى‪ :‬الصل في وظيفة القاضي أن ينحصر دوره في تطبيق القانون (الساس‬‫القضائي)‪ ،‬ل أن ينشئه‪ ،‬ومن أجل ذلك يجب لتحقيق العدالة أن يكون أمام القاضي نص محدد‬
‫معتمد‪ ،‬لكي ينحصر دوره على التطبيق المحايد للقاعدة‪ ،‬وعندما ل تحدد القاعدة‪ ،‬تكون‬
‫وظيفة القاضي مزدوجة في كثير من الحوال‪ :‬فهو يجتهد مرة أولى مرجحا بين اختلفات‬
‫الراء‪ ،‬من أجل التوصل إلى القاعدة القضائية‪ ،‬ثم يجتهد كرة أخرى‪ ،‬محاول تطبيق القاعدة‬
‫التي اختارها على الوقائع‪ ،‬وقد يخطئ في القاعدة فيخطئ تلقائيا في الحكم‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬الصل في القضاء أن يصدر أحكاما متشابهة‪ ،‬في القضايا المتجانسة‬‫والمتشابهة‪ ،‬ل أن يحكم القضاة في القضايا المتطابقة والمتماثلة بأحكام غير متجانسة‪،‬‬
‫وأحيانا متناقضة‪ ،‬وفي محكمة واحدة‪ ،‬وأحيانا من قاض واحد‪ ،‬ول ريب أن الحكام المتباينة‬
‫في القضايا المتشابهة‪ ،‬تعطي انطباعا بالخلل بنزاهة القضاء وعدالته‪.‬‬
‫إن مبدأ الشفافية في القضاء‪ ،‬يقتضي أن يصدر القاضي حكما مقنعا‪ ،‬ول يقنع إل إذا‬
‫التزم بتسبيب الحكم وتعليله‪ ،‬وبذلك يسلك القاضي طريقا معبدا‪ ،‬ليتطلب منه أكثر من‬
‫التطبيق المحايد‪ ،‬وعدم تحديد القاعدة وتوحيدها وتدوينها؛ يفقد القاضي القدرة على إصدار‬
‫حكم مبرر مسبب‪ ،‬إذ إنه يمكن أن يتواجد في محكمة واحدة حكمان غير متجانسين‪ ،‬بتسبيبات‬
‫متفاوته‪ ،‬وهذا يجعل مسالة التسبيب تفتقد المنطقية وذلك مخل بالشفافية‪.‬‬
‫‪103‬‬

‫لبد من أن يفسر القاضي سبب اختلفه في أي حكم‪ ،‬عن أحكام أصدرها آخرون‪ ،‬في‬
‫قضايا مشابهة (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬دليل‪.)78:‬‬
‫الثالثة‪ :‬إن تحديد القواعد القضائية يقدم أكبر إسهام في تقليل القضايا التي تصل إلى‬‫المحاكم‪ ،‬إذ إن عدم دراية المتنازعين بالقواعد يجعل كل منهما ل يعرف مركزه القانوني‪،‬‬
‫أمام مفاجآت غير محسوبة‪ ،‬وتحديد القواعد القضائية‪ ،‬يوفر على المتقاضين والقضاة؛ شيئا‬
‫كثيرا من عناء الخصومات‪ ،‬لنه يساعد على تسوية كثير من القضايا‪ ،‬بعيدا عن المحاكم‪.‬‬
‫وتحديد الساس القانوني‪ ،‬يقدم أكبر مساهمة في تقليل القضايا‪ ،‬التي تعرض على المحاكم‪ ،‬إذ‬
‫إن الطراف المتنازعة؛ ستكون على دراية بالحكام المتوقعة‪.‬‬
‫أما إذا كانت القاعدة القضائية غامضة أو غير متوقعة‪ ،‬فإن القضاء يصبح ميدانا ذا‬
‫ألغام‪ ،‬يدخله المدعي والمدعى عليه من دون خارطة‪ ،‬فربما انفجر بهما أو بأحدهما لغم‪ ،‬لم‬
‫يتوقع موقعه‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬ترك تحدد قواعد القضاء يسيء إلى الستقرار القتصادي‪ ،‬من أجل ذلك‬‫لجأت بعض الشركات الجنبية (في المملكة العربية السعودية)‪ ،‬إلى ما سمته بـ"التأمين ضد‬
‫أحكام الشريعة السلمية"‪ ،‬وتقصد التأمين ضد (القضاء السعودي) لنها تدخل ميدانا ذا ألغام‪،‬‬
‫وليس معها خارطة تهتدي بها‪ ،‬فربما انفجر بها لغم وهي ل تحتسب‪ ،‬لنها ل تستطيع أن‬
‫تتنبأ بالقاعدة التي يجتهد القاضي في تقنينها قبل تطبيقها‪ .‬إن ازدواجية أحكام القضاء‪ ،‬لها‬
‫علقة بتعدد القواعد القضائية‪ ،‬وهي تسيء إلى الستقرار القتصادي والجتماعي‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬ترك تحديد الساس القانوني؛ يفتح الباب لتدخلت السلطة التنفيذية‪،‬‬‫ولسيما في القضايا السياسية‪ ،‬سواء أكان مبعثها الجتهاد إطلق العنان للقاضي في‬
‫السعودية‪ ،‬أو كان مبعثها هوى الدولة في إقامة محاكم استثنائية‪ ،‬أم حفاظها على أعراف‬
‫بدوية عشائرية (كما في العراق)‪.‬‬
‫ل من‬
‫وتحديد القاعدة القضائية يحد أيضا من حشرات الفساد الرشوة‪ ،‬إذ إن ك ً‬
‫أطراف الدعوى والقاضي‪ ،‬يعرفون أن أي أحكام غير عادية ستلحظ (لين هارمر‪.‬‬
‫الستقلل والمسئولية‪:‬دليل‪ .)166 :‬وغموض القاعدة القضائية‪ ،‬يوفر مدخل تتسرب منه‬
‫حشرات الفساد والمحسوبية والرشوة‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫إذ من ما يعرض القاضي للهوى؛ أن يكون أمامه عدد من القواعد القضائية‪ ،‬يختار‬
‫إحداها بناء على رأيه‪.‬‬
‫وهو يتيح الفرصة للتدخلت والضغوط الخارجية و لسيما السلطة التنفيذية والقوى‬
‫الهلية و أولويات المصالح‪ ،‬كالتجار والمحامين‪ ،‬ومن الممكن أن تؤدي إلى خضوعه أو‬
‫تساهله في القضية‪.‬‬
‫و لسيما إذا كانت هذه الجهات تعرف أن بإمكانه اختيار قاعدة يحكم بها من عدة‬
‫قواعد‪ ،‬وأنه ليس مضطرا إلى تسبيب منطقي أمام الخرين‪ ،‬منبثق من قاعدة قضائية محددة‬
‫موحدة مدونة منضبطة‪ ،‬والنسان مهما تحرى الموضوعية‪ ،‬معرض للمؤثرات الذاتية‪ ،‬فقد‬
‫يميل القاضي لختيار رأي ضعيف‪ ،‬من القوال الكثيرة من أجل الذعان الواعي أو غير‬
‫الواعي للضغوط‪ ،‬عندما تكون تقاس العدالة بالذراع؛ يمكن تعدد أطوال الذرع‪ ،‬ويصبح كل‬
‫الذارعين على صواب‪ ،‬ولكن عندما تقاس بمسطرة‪ ،‬محددة العلئم يصبح الصواب واحدا‪.‬‬
‫إن السمة الساسية لعديد من الهيئات القضائية غير المستقلة‪ ،‬التي تعمل في ظل‬
‫أنظمة مستبدة‪ ،‬أنها تستطيع أن تصدر أحكاما ظاهرها العدالة‪ ،‬لنها مقنعة في التعليل‬
‫والتدليل‪ ،‬ولكن من دون نزاهة‪ ،‬لنها من دون شفافية‪ ،‬لنها من دون تحديد الساس‬
‫القانوني(انظر‪:‬الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪.)48:‬‬
‫السادسة‪ :‬إن وضوح القواعد القضائية أيضا يزيد في ثقة الجمهور بالقضاء‪ ،‬عندما‬‫يجدون وضوحا في القواعد‪ ،‬وإجراءات طبيعية في تطبيقها على الوقائع‬
‫ماذا يقع عندما تصدر أحكام متعارضة في قضايا ووقائع متجانسة أو متطابقة؛ تفتح‬
‫تساؤلت الجمهور‪ :‬لماذا تتشابه القضايا وتختلف الحكام؟ فتضعف ثقة الجمهور في عدالة‬
‫القضاء‪ ،‬لنهم ينتظرون من القضاء وضوحا في أساس الحكم‪ ،‬وإجراءات طبيعية في تطبيق‬
‫القواعد على الوقائع‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وليس المقصود من الشفافية‪ ،‬أنه يجب أن يخضع القضاة لرغبات الجمهور‪ ،‬ولكن‬
‫المقصود أن يشعر الناس أنهم أمام أحكام معلومة معقولة غير متناقضة‪ ،‬لن هذا هو أساس‬
‫احترام المحاكم وهيبتها‪ ،‬فعدم تحديد القاعدة مضر بشفافية القضاء‪.‬‬
‫إن دعم الجمهور للقضاء أمر ضروري‪ ،‬ول يكفي أن يكون القاضي عادل من وجهة‬
‫نظره‪ ،‬بل ينبغي أن تكون المسطرة التي يطبقها على الوقائع واحدة‪ ،‬لكي يقتنع الجمهور‬
‫بنزاهته‪ ،‬إذا فتقد الناس الثقة في القاضي‪ ،‬أسهم القاضي في بناء سور عزلته عن الناس‬
‫وهو ل يشعر‪ ،‬لن القضاة إذا افتقدوا ثقة الجمهور افتقدوا دعم المجتمع المدني وتجمعاته‬
‫الهلية‪ ،‬في مواجهة تدخلت السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫وعدم تحديد القاعدة مضر بنزاهة القضاء‪ ،‬فهو يجعل الخصوم الخاسرين قادرين‬
‫على التشكيك بحياد القاضي‪ ،‬ويسمح باتهامه إن صدقا وإن كذبا‪ ،‬بأن اجتهاده اتبع هواه‪،‬‬
‫وقد حفل تاريخ القضاء في العصر العباسي؛ بقصص وحكايات‪ ،‬حول تأثر اجتهاد القاضي‬
‫بهواه عند اجتهاده‪.‬‬
‫السابعة‪ :‬إن تحديد قواعد القضاء؛يساعد على السلسة في بت القضايا‪ ،‬من دون‬
‫تأخير‪ ،‬لن عدم تحديد القواعد القضائية وتدوينها وتوحيدها ؛ يربك محاكم النقض و‬
‫الستئناف‪ ،‬التي ينحصر عملها عادة في التأكد من انطباق الوقائع على القواعد‪ ،‬فتصبح‬
‫بين أمرين إما تصحيح اجتهاد القاضي وإما رفضه‪ ،‬وهذا وذاك يحتاجان إلى تسبيب‪،‬‬
‫ويخرج عن وظيفة محاكم الستئناف‪ ،‬ويؤدي إلى مشكلت ل ضرورة لها‪.‬‬
‫وإذا انحصر دور القاضي في تطبيق أساس الحكم ل اختياره؛ ارتاحت المحاكم‬
‫العليا كمحكمة الستئناف من أن يكون دورها مزدوجا مضاعفا‪ ،‬بين تصحيح اجتهاد‬
‫القاضي في اختيار القاعدة‪ ،‬وتصحيح اجتهاده في تطبيق الواقعة‪.‬‬
‫و إذا انحصر دور القاضي في تطبيق الوقائع على القاعدة؛ ارتاح من أن يضع نصب‬
‫عينه كيف يقنع هيئة الستئناف بحكمه‪ ،‬وارتاحت هيئة الستئناف من أن يكون دورها‬
‫مزدوجا بين تصحيح اجتهاد القاضي في اختيار القاعدة‪ ،‬ثم تصحيح اجتهاده في تطبيق‬
‫الواقعة‪ .‬لن القاضي قد يتنازل عن اجتهاده‪ ،‬مادام يعرف أن محكمة الستئناف لها رأي آخر‪،‬‬
‫‪106‬‬

‫وأنها لن تمرر رأيه‪ ،‬أو أن قبولها رأيه يحتاج إلى مناضلة ومراجعة‪ ،‬وقد يغري القاضي‬
‫الخصوم بالصلح‪ ،‬من أجل أن يتجنب الصطدام مع هيئة الستئناف‪ ،‬و لسيما إذا كان‬
‫الخصوم يريدون الحكم في وقت قياسي‪.‬‬
‫وعدم تحديد القواعد يسهم في بطء المحاكمات‪ ،‬لن القاضي ينفق وقتا في تقليب‬
‫المراجع‪ ،‬من أجل اختيار القاعدة‪ ،‬التي يريد تطبيقها‪ ،‬ويسأل زملءه الخرين‪ ،‬ويبحث عن‬
‫السوابق القضائية‪ .‬ول جرم أن من علمات استقلل القضاء أن يصدر الحكام في وقت‬
‫قياسي‪.‬‬
‫ومن المعروف عند خبراء القضاء أن تأخر البت في القضايا‪ ،‬يفوت على المتقاضين‬
‫نيل حقوقهم في وقتها‪ ،‬وقد يصرفهم تأخر البت عن المقاضاة أصل‪ ،‬فتضيع حقوقهم‪ ،‬وذلك‬
‫هو الظلم الخفي‪ ،‬ولذلك ذكر الرسول صلى ال عليه وسلم؛ أن من علمات العدل‪ ،‬أن يصل‬
‫صاحب الحق إلى حقه غير متعتع‪.‬‬
‫الثامنة‪ :‬إن حرية القاضي في اختيار القاعدة القضائية؛ تعرضه للنزعة الفردية‬
‫والستبداد بالرأي‪ ،‬وهم مظنة فقدان الشفافية‪ ،‬وهي أمر له علقة بثقافة الستبداد‪ ،‬إن لم‬
‫تكن لونا من ألوانه‪ .‬والقضاة هم في الواقع يقومون بخدمة المة‪ ،‬وليسوا أسيادا عليها‪.‬‬
‫وهذه الصفة تضعف جانب المسطرة الموضوعية‪،‬بحيث يقال‪ :‬كل له رأيه وكل له اجتهاد‪،‬‬
‫وهذا مزلق يجعل قضايا الناس في سجال غير منضبط‪.‬‬
‫التاسعة‪ :‬وحرية القاضي في حالت نقص الخبرة أو نقص العلم بالشريعة (عدم‬
‫توافر القدرة على الجتهاد) تؤدي إلى الخطأ في اختيار القاعدة‪ ،‬فيخطئ القاضي خطأ‬
‫مركبا‪ ،‬يخطئ في اختيار القاعدة ثم يخطئ في تطبيق الوقائع الواقعة على القاعدة‪،‬‬
‫فيخطئ في الحكم‪.‬إن من المعلوم أن القضاة غير المتمكنين من استخراج القاعدة القضائية‬
‫العدل؛ أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية‪ ،‬وأكثر تبعية لغيرهم في تطبيق الوقائع‬
‫على القواعد‪ ،‬وذلك مخل باستقلل القضاء‪.‬‬
‫[‪]80‬‬

‫‪107‬‬

‫‪=24‬المساطر تضبط انفلت اجتهاد‬
‫الضمائر‬
‫وهذا هو روح الشريعة‪:‬‬
‫أ‪-‬أيهما أضمن للعدالة رأي الفقيه مالك أم الديب ابن‬
‫المقفع‪:‬‬
‫ولكن تراثنا القضائي السائد‪ ،‬بعد العهد الراشد؛ أطلق عنان القضاة في الجتهاد‪،‬‬
‫فأعطاهم حرية واسعة في اختيار القواعد القضائية‪ ،‬التي يطبقون عليها الوقائع‪ ،‬فصار‬
‫القاضي يحدد الساس القانوني (القاعدة القضائية) أول‪ ،‬ثم يطبق الواقعة ثانيا‪.‬‬
‫ثار النقاش في تحديد الساس القضائي‪ ،‬الذي ينبغي أن تطبق عليه الوقائع‪ ،‬في‬
‫مطلع العصر العباسي‪ ،‬فنادى ابن المقفع بأن يحدد الساس القضائي الذي يحكم به القاضي‪،‬‬
‫ويوحد ويدون‪ ،‬وهي فكرة وجيهة صحيحة‪ ،‬لن ترك ذلك يعني فوضى القضاء‪ .‬وابن المقفع‬
‫لم يقل بشيء جديد‪ ،‬فمنذ زمن حمواربي عرف العراقيون القانون القضائي المحدد الموحد‬
‫المدون‪ .‬ولكن الفقهاء رفضوا توحيد قوانين القضاء وتدوينها وتوحيدها‪ ،‬كما في موقف‬
‫المام مالك بن أنس رحمنا ال وإياه‪،‬‬
‫والذين رفضوا رأي ابن المقفع؛ ليس لديهم دليل يسلم من القدح‪.‬‬
‫ولذلك فإن الفقهاء في الندلس –وهم مالكيون‪ -‬ألزموا القضاة برأي قاضي القضاة‪،‬‬
‫لكي ل ينفلت زمام الجتهاد‪ ،‬ولكي ل يدخل السلطان ومعه الكبراء والمقربون‪،‬على ضعاف‬
‫الضمائر من القضاة‪ ،‬من باب حرية الجتهاد‪ ،‬للظفر بما يريدون‪.‬‬
‫ويمكن تعليل موقفهم بأحد احتمالين أوبهما معا‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن الحكم العباسي والموي كان قمعيا ظالما‪ ،‬ولعل الفقهاء خشوا أن يكون‬
‫تحديد القواعد القضائية‪ ،‬مدخل لترسيخ ثقافة الفساد‪ ،‬عبر إنشاء قواعد قضائية ظالمة‪،‬‬
‫تستمد مشروعيتها من تحريف النصوص الدينية‪.‬‬
‫وكان الفقهاء الذين رفضوا تقييد القضاة بين محذورين‪ :‬اجتهاد القضاة‪ ،‬وتدخل‬
‫الولة‪ ،‬فوجدوا أن إطلق الحرية للقاضي في الجتهاد‪ ،‬أخف ضررا من تحديد مواد قضائية‪،‬‬
‫‪108‬‬

‫يستطيع الولة أن يشرعوا من خللها البدع السلطانية‪ ،‬ول سيما في نزاعات العقار الثابت‬
‫والمنقول والجنايات‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬بيد أن السبب الذي استقر على التذرع به الفقهاء‪ ،‬في إطلق حرية القاضي‪،‬‬
‫هو القياس على ما فعل الخلفاء الراشدون وقضاتهم‪ ،‬فرأوا أن من هدي السنة النبوية‬
‫والراشدية؛ أن ل يقيد القاضي بلئحة تحدد القواعد‪ ،‬وأنكروا أيضا أن يحكم القاضي وفق‬
‫مذهب معين‪ ،‬بل أطلقوا له العنان‪ ،‬ورأوا أن السلطان إذا عين القضاة وشرط عليهم أن‬
‫يقضوا على مذهب كذا وكذا؛ فإن شرط السلطان باطل‪ ،‬وتوليته القضاة صحيحة‪ ،‬كما ذكر‬
‫الماوردي وأبو يعلى في كتابي الحكام) (وانظر‪ :‬ابن قدامه في المغني‪ )14/91 :‬وابن تيمية‬
‫في مجموع الفتاوى‪.)31/73:‬‬
‫[‪]81‬‬
‫ب‪ -‬توأم انتهاك العدالة‪:‬‬
‫تقرير الولة المصالح و تحديد القضاة القواعد‪:‬‬
‫والصل في وظيفة القاضي أن ينحصر دوره في تطبق القانون(الساس القضائي)‪ ،‬ل‬
‫أن ينشئه‪ ،‬مالم يكن الساس مخالفا الشريعة‪،‬التي هي أساس دستور المة المسلمة‪ ،‬ومن‬
‫أجل ذلك يجب لتحقيق العدالة أن يكون أمامه نص معتمد‪ ،‬لكي يتركز دوره في التطبيق‬
‫المحايد للوقائع على القواعد‪.‬‬
‫ولعل من المفيد أن نتذكر أن فكرة حرية القاضي في اختيار القاعدة التي يحكم بها؛‬
‫إنما هي خلل دستوري قبل أن يكون قضائيا‪ ،‬إنهما التوأم الذي أخل بالعدالة‪ ،‬وأضعف من‬
‫صرامة القضاء‪ :‬إعطاء الخليفة أزمة السلطات الثلث‪.‬‬
‫نظرية الجمع بين السلطات‪ ،‬كنظرية إطلق العنان للقاضي في الجتهاد‪ ،‬قاد الفقهاء‬
‫إلى النظريتين‪ ،‬سيطرة المنهج النصوصي الحرفي في فقه الكتاب والسنة‪ ،‬وقد أشاعه عند‬
‫الفقهاء حرصهم على تحري السنة‪ ،‬وتحاشيهم تدخلت السلطان‪،‬ولكن هذا التحري كان‬
‫متزمتا‪ ،‬بسبب ما ارتبط به من خلفية صحراوية‪،‬لم تحط بما في المدن من تعقيدات‪ ،‬في ظلل‬
‫حكومات استبدادية‪.‬‬
‫‪109‬‬

‫وهي آراء قد تحاط بالتسليم‪ ،‬وإنما هي اجتهادات بشرية‪ ,‬رأت من الشريعة‪ ,‬بقدر ما‬
‫في ضباب الستبداد السياسي من فرج‪ ،‬وبقدر ما في الصحراء‪ ،‬من بساطة وريفية‪ ،‬وقد أدى‬
‫هذا وذاك إلى تشويش المنظار المعرفي‪ ،‬فضعف فيه مستوى دقة الرؤية‪ ،‬فأدى الخلل في‬
‫الخلفية المعرفية‪ ,‬إلى الخطأ في إنشاء أحكام شرعية‪ ،‬فجاءت أخطاء في فقه الشريعة‪,‬‬
‫محمولة على أخطاء معرفية في فهم الطبيعة البشرية‪.‬‬
‫[‪]82‬‬
‫ج‪-‬القياس على الخلفاء الرشدين باطل‪:‬‬
‫وإعطاء القاضي حرية تحديد القاعدة القضائية‪ ،‬وانفراد السلطان بالسلطات الثلث‪،‬‬
‫كلتاهما قياس على أوضاع نشوء الدولة في الفترة الراشدية‪ ،‬وهما قياس مع الفارق‪ ،‬وكل‬
‫قياس مع الفارق فهو باطل‪ ،‬ومن الخطأ‪-‬في معيار أصول الفقه‪ -‬القياس على ما فعل الخلفاء‬
‫الراشديون‪ ،‬لبضعة أسباب‪:‬‬
‫‪-1‬الصل في أي قضاء عادل هو التحديد‪:‬بأن يكون الساس القانوني (القاعدة‬
‫القضائية) واضحا يتميز بالتحديد والتوحيد والتدوين والعلن‪ ،‬والصل ليحتاج إلى دليل ول‬
‫تعليل‪ ،‬وعدم التحديد هو الستثناء الذي يحتاج إلى دليل‪،‬‬
‫وما مافعله الصدر الول ليس حجة شرعية‪ ،‬لنه ليس تقريرا لمبدأ من‬
‫المبادئ‪،‬فالصل في أي أساس قانوني (القاعدة القضائية)أن يكون محددا موحدا مدونا‬
‫منشورا بين الناس‪ ،‬ل يختلف القضاة حول تطبيقه‪ ،‬وينحصر دورهم في التطبيق‪ ،‬والجتهاد‬
‫في تحري الساس القانوني عارض طارئ‪ ،‬بسبب بداية السلم‪ ،‬وليس هو الصل‪ ،‬فلما‬
‫استقر النظام القضائي وعرفت السس القانونية‪ ،‬فالرجوع إلى قاعدة التحديد ينبغي أن يكون‬
‫هو القاعدة‪.‬‬
‫‪-2‬وهذا الذي تم في الصدر الول‪ ،‬إنما تم لعتبارات استثنائية‪ ،‬خاصة بمرحلة التكوين‬
‫والنشأة‪ ،‬لن الدولة في مرحلة نشوء في مجتمع صحراوي بسيط‪ ،‬لم تكثر فيه القضايا‪ ،‬ولم‬
‫يتكاثر الناس ول المدائن‪ ،‬ولم تتوسع رقعة الدولة‪ ،‬وهذه مرحلة نشوء النظمة‪ ،‬في أمة‬
‫تنتقل من طور المية إلى الكتابية‪ ،‬ومن طور مجتمع القرية إلى مجتمع المدينة‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫‪-3‬والصدر الول كان في بداية مرحلة تأسيس نظام قضائي‪ ،‬لم تكن لهياكله أنماط‬
‫راسخة في العراف‪،‬ولم تكن كل السس القانونية(القواعد القضائية) محددة موحدة مدونة‬
‫معلومة للجميع‪ ،‬فكان قضاة الصدر الول‪ ،‬يرجعون إلى القرآن ثم السنة‪ ،‬ثم إلى قضاء من‬
‫سبقهم من القضاة العادلين‪ ،‬ثم يجتهدون‪ ،‬ولم تكن القواعد المعلومة قد استقرت‪ ،‬ولم تكن‬
‫الجتهادات أو السوابق القضائية قد انتشرت‪ ،‬ولم يكن الفقه القضائي مرتبا منضدا في‬
‫مدونات ولوائح‪.‬‬
‫‪-4‬كانت القضايا محدودة‪ ،‬في مجتمع بسيط قليل السكان‪ ،‬وتتمتع الغلبية فيه بروح‬
‫النصاف‪ ،‬وعدم التعدي والظلم‪ ،‬ولم تتعقد فيه المشكلت وتتكاثر‪ ،‬بتكاثر الناس‪ ،‬وكثرة بغي‬
‫بعضهم على بعض‪ ،‬وفشو الكذب وضعف المانة‪.‬‬
‫‪-5‬ولو افترضنا أن الصل في القضاء أن يجتهد كل قاض في استخراج الساس‬
‫القضائي‪ ،‬لكانت الفروق بين قاضي صدر السلم وقضاة العصور التالية؛ تستدعي تحديد‬
‫الساس القضائي‪ ،‬في مسائل النزاع والجنايات معا‪ ،‬والقضاة بعد العصر الراشد‪ ،‬كالحكام بعد‬
‫العصر الراشد؛ كلهم نتاج حقل اجتماعي غير راشد‪ ،‬فكيف يمنحون صلحيات قاض راشدي‬
‫متميز‪ ،‬وهم غير متميزين‪..‬‬
‫إن التركيز على اجتهاد القاضي يقوم على نظرة مثالية‪ ،‬وكأن القاضي شخص ل يتأثر‬
‫بالمناخ الجتماعي؛ إنها نظرة غير واقعية‪ ،‬فالقاضي يتأثر استقلله ونزاهته‪ ،‬بمدى صلح‬
‫البيئة وفسادها‪ ،‬وليس نبتة معزولة في بيت محمي من بيوت الزراعة‪ .‬و ل داعي إذن لوضع‬
‫شروط وقواعد ل تناسب عامة القضاة‪ ،‬والنادر‪-‬كما يقول أهل الصول‪-‬ل حكم له‪ .‬من أجل‬
‫ذلك ل يصح القياس عل الخلفاء الراشدين في ترك التحديد‪.‬‬
‫‪-6‬ثم إنه ليس من المتوقع أن يملك كل القضاة صفات الجتهاد‪ ،‬إذ إن من المعلوم أن‬
‫القضاة غير المتمكنين من استخراج القاعدة القضائية العدل؛ أكثر عرضة للتأثر بالضغوط‬
‫الخارجية‪ ،‬وأكثر تبعية لغيرهم في تطبيق الوقائع على القواعد‪ ،‬وذلك مخل بعدالة القضاء‬
‫ونزاهته‪.‬‬
‫[‪]83‬‬
‫‪111‬‬

‫د‪-‬تراكم الموبقات السبع في نمط القضاء العباسي‪:‬‬
‫هل من العدل أن تكون الموبقات السبع للحق‪ ،‬في قضاء يدعي الحكم بما أنزل ال‬
‫من عدل‪:‬‬
‫ الولى‪:‬السلطان هو القاضي الصيل‪ ،‬وإنما القاضي وكيل‪.‬‬‫الثانية‪:‬الصل أن يكون القضاة على نمط قاض راشدي‪،‬‬‫الثالثة‪ :‬ثم يجتهدون من دون معالم ويعطون حرية الجتهاد في قواعد القضاء‬‫الرابعة‪:‬يعطون قاعدة التعزير الفضفاضة التي تتراوح بين ضربة بالسيف أو‬‫ضربة بالسوط‪ ،‬وأغلبهم ل يملكون مواصفات القاضي الراشدي‪.‬‬
‫– الخامسة‪:‬ثم يجتهدون وثقافتهم في حقوق النسان وحقوق المتهم‪ .‬أغلبها‬
‫صحراوي كسروي‪.‬‬
‫السادسة‪ :‬ويجيزون تعذيب المتهم‪ ،‬ويأخذون بالعترافات المنتزعة تحت التعذيب‪.‬‬‫السابع‪ :‬ويحاكمون المتهمين في محاكم سرية‪.‬‬‫إن القوانين والنظمة أصل لم توضع؛ إل لتقليل العتماد على الضمير‪ ،‬معيارا‬
‫للحكم على الشياء‪.‬‬
‫هذه مفاسد حقيقة أكبر من منافع الجتهاد‪ ،‬ولمعيار عادل‪ ،‬خير من ألف ضمير قاض‬
‫نزيه‪ ،‬وأي نظام تكون مفاسده أكثر من منافعه؛ يعتبر غير عملي أي غير صالح‪ .‬لن الحكام‬
‫في الشريعة على الغلب الشائع‪ ،‬ل على القليل النادر‪ ،‬فهي ل توضع للخصوص بل للعموم‪،‬‬
‫والمصالح والمفاسد مبناها على الغلبية‪ ،‬كما بين الشاطبي في الموافقات وهذا واضح حتى‬
‫في تشريع الرخص‪ ،‬فمن السنة للمسافر أن يجمع ويقصر‪ ،‬وأن يمسح على الخفين ثلثة أيام‬
‫وأن يفطر‪ .‬مراعاة للعموم بيد أن عددا من الناس ل يجدون مشقة في الصوم‪ ،‬فضل عن‬
‫إتمام الصلة وأدائها في وقتها‪ .‬لكن قاعدة رخصة المسافر شرعت لمراعاة عموم الناس‪.‬‬
‫والخليفة الراشدي يختلف عن من بعده من خلفاء القمع والظلم‪ ،‬الذين جورهم أكثر من‬
‫عدلهم‪ ،‬فهو أول في قمة العدالة والمانة والستقامة‪ ،‬وهو ثانيا حاكم منتخب وهو ثالثا فقيه‬

‫‪112‬‬

‫مجتهد وهو رابعا شوري ملتزم بالشورى‪ ،‬وهو خامسا في مجتمع راشد‪ ،‬يحوطه المجتمع‬
‫الهلي المدني‪-‬على بساطته‪ -‬بالمراقبة والمحاسبة‪.‬‬
‫وقاضي الصدر الول كان يملك عدة الجتهاد فعل‪ ،‬ولم يكن كالقضاة في العصور‬
‫التالية‪ ،‬الذين يفترض أنهم مجتهدون‪ ،‬ولكن الشواهد لم تثبت ذلك إن لم تثبت العكس‪.‬‬
‫[‪]84‬‬

‫‪=25‬قاعدة قضائية تضبط العدالة‬
‫خير من ألف ضمير قاض نزيه‪:‬‬
‫أ‪-‬تحديد قواعد القضاء هو الصواب‪:‬‬
‫يقولون إن لترك التحديد فوائد‪ ،‬ولكنها مرجوحة أو نادرة مظنونة أو متوهمة‪،‬‬
‫منها سد مسارب تدخل الولة‪ ،‬ومنها ربط القضاة بالمصادر الصلية للتشريع‪ ،‬ومنها تحريك‬
‫معلوماتهم لكي لتركد‪ ،‬ومنها حضهم على الجتهاد‪ ،‬ولكن عند الموازنة بين التحديد وترك‬
‫التحديد ترجح مفاسد ترك التحديد على مصالحه‪ ،‬لسيما وأغلب فاسده قطعية‪ ،‬وأغلب‬
‫مصالحه ظنية‪.‬‬
‫احتجاج الفقهاء والقضاة الذين رفضوا تحديد قواعد القضاء بالسنة‪ ،‬فأمرغير مسلم‬
‫به‪ ،‬ولكن احتجاجهم بقاعدة سد الذرائع احتجاج معتبر‪-‬في ظل ظروفهم‪ ،-‬ومن ثم يمكن‬
‫اعتبار ما فعله الفقهاء الوائل مبررا‪ ،‬سدوا به ذريعة الفساد‪ ،‬فقد نجحوا من خلل رفض‬
‫التحديد‪ ،‬في لجم البدع التي تشرع الظلم‪ ،‬وكان هذا موقفا حميدا لهم‪،‬كي ل يكون التشريع بيد‬
‫الحاكم‪ .‬وهذا الموقف امتداد لموقفهم العام‪ :‬الحذر من الختلط بالسلطة‪ ،‬وكان هذا أمرا مفيدا‬
‫إذ صان نزاهتهم وحفظ مصداقيتهم‪ ،‬في جمع الحديث والتفسير والمغازي‪ ،‬وتقعيد الفقه‪،‬‬
‫وحفظ أصول الملة‪.‬‬
‫ولكن الفقهاء والقضاة الذين جاءوا بعد أن استقر التدوين‪ ،‬وانتهى جمع الحديث‬
‫وتدوين الفقه؛ قد أخطاوا في الستمرار على منع التحديد‪ ،‬فقد نتج عن ذلك ماهو أسوأ‬
‫وأفظع‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫لن تدخل السلطة التنفيذية في القضاء له أساليب عديدة‪ ،‬منها تشريع أسس قضائية‬
‫ينفذها القضاة وهم ل يشعرون‪،‬كاشتراط إذن السلطان بإحياء الرض الموات‪ .‬ومنها‬
‫التأثيرات غير المباشرة‪ ،‬كتعذيب السلطة التنفيذية المتهم حتى يعترف‪ ،‬ثم سوقه إلى القاضي‬
‫ليحكم عليه‪ .‬ومنها أن السلطين أخرجوا التهم السياسية والمالية والدارية من القضاء جملة‬
‫وتفصيل‪ ،‬وشكلوا لها محاكم استثنائية‪ ،‬كما فعل المهدي في حركة الزندقة‪ ،‬كما أنهم تدخلوا‬
‫عبر العزل والنقل والترقية في أمور القضاء‪ .‬فكان الفقهاء المتأخرون في استمرارهم على‬
‫هذه الطريقة‪ ،‬يفرون من مشكل إلى معضل‪.‬‬
‫ولو تدخل السلطان في إنشاء قواعد قضائية جائرة‪ ،‬لكانت القواعد واضحة أمام‬
‫الجمهور‪ ،‬ولكان من المحتمل أن يقاومها الجمهور‪ ،‬لنها من ما يخل بإسلمية الدولة‪،‬‬
‫ويعرضها لتهم التكفير أوالتبديع على أقل احتمال‪.‬‬
‫ومن ثم فقد أسهم ترك تحديد القواعد القضائية؛ في ضعف ضمانات استقلل القضاء‪،‬‬
‫لن الستقلل ليقل منزلة عن الجتهاد‪ ،‬بل هو أصعب من الجتهاد‪ ،‬وفي ظل عدم حصانة‬
‫القضاة من التعسف في العزل والنقل‪ ،‬ليمكن سد منافذ الهوى‪ ،‬فقد يلجا القاضي لختيار رأي‬
‫ضعيف‪ ،‬من القوال الكثيرة من أجل الذعان للضغوط‪ ،‬أو يجره الهوى إلى السقوط‪ ،‬سواء‬
‫أكان السقوط بوعي وقصد‪ ،‬أو بغفلة وسهو‪ .‬ويبرر ذلك بأنه اختار رأي بعض العلماء‪،‬‬
‫ويحشد لرأيه من الدلة ما يقنع نظريا‪.‬‬
‫ولذلك نماذج ففي قضية تملك الراضي للسكن والزراعة‪ ،‬لبد له من تنظيم الدولة‪،‬‬
‫وهذا مارعاه المالكية‪ ،‬عندما اشترطوا أن يكون إحياء الرض الموات بإذن المام‪ ،‬وانتبه‬
‫الحنابلة إلى أن المام إذا كان مستبدا جائرا‪ ،‬احتجن أراضي المة‪ ،‬وتصرف فيها‪ ،‬تصرفات‬
‫ظاهرها التنظيم والعدالة‪ ،‬وحقيقتها الظلم والستئثار‪.‬‬
‫من أجل ذلك فإن من سد ذرائع الجور؛ أن يحدد أساس القانون‪ ،‬الذي يطبقه القاضي‪،‬‬
‫فاجتهادات القضاة ليست بمعزل ضمائرهم‪ ،‬وضمائرهم ليست مقطوعة الصلة بأهوائهم‪ ،‬ولبد‬
‫من أن تطل الذاتية‪ ،‬مهما تحروا الموضوعية‪.،‬‬
‫[‪]85‬‬
‫‪114‬‬

‫ب‪ -‬لكي ل يمتد مطاط التعزير‬
‫من ضربة بالسوط إلى ضربة بالسيف‪:‬‬
‫فالعدل إذن ليس في ضمير القاضي‪ ،‬بل هو في نص القانون‪ ،‬والدليل على ذلك قوله‬
‫تعالى"وأن احكم بينهم بما أنزل ال إليك ولتتبع أهواءهم‪ ،‬واحذرهم أن يفتنوك عن بعض‬
‫ما أنزل ال إليك"‪ ،‬ففي قوله"بماأنزل ال إليك" دليل على أن الحكم في نص القانون‪ ،‬الذي‬
‫أنزله ال‪ ،‬وأنه ليس فيه قولن‪ ،‬يختار القاضي منهما ما يراه‪.‬‬
‫وفي قوله"واحذرهم أن يفتنوك" وفي قوله"ول تتبع أهواءهم" دليل على خطورة‬
‫اجتهاد القاضي في أساس القانون‪ ،‬هذا نص صحيح‪ ،‬قد ليكون صريح الدللة‬
‫(المنطوقة)عند بعض الفقهاء‪ ،‬ولكن عبر دليل استقراء المعنوي‪ ،‬وعبر مقاصدالشريعة‬
‫الكلية ‪ ،‬نجده صريحا في تحديد قواعد القضاء‪ ،‬ويشهد له واقع التطبيق بصراحته‪.‬‬
‫ومن نماذج الجتهاد‪ ،‬الذي هو مظنة الهوى‪،‬قاعدة إحياء الرض الموات‪ ،‬الواردة‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم"من أحيا أرضا ميتتة فهي له"‪ ،‬فقد يجتهد قاض فيأخذ برأي‬
‫المالكية‪( ،‬وهو حنبلي)‪،‬غافل عن مقاصد الشريعة‪ ،‬وهو إذن قد جعل ضميره هو الحكم‪،‬‬
‫والضمير لمعيارية له‪ ،‬وليس مقياس الشياء‪ ،‬لن ضميره يتأثر قطعا بهواه‪.‬‬
‫كما ترك الفقهاء للقاضي تحديد أساس القانون أول‪ ،‬تركوا له تحديد وسعة عقوبة‬
‫التعزير ثانيا أي (العقوبات غير المقدرة في نصوص الشريعة)‪ ،‬التي تتسع للجنح الصغيرة‬
‫والجرائم الخطيرة معا‪ ،‬فتتراوح العقوبة فبها بين ضربة سوط وضربة سيف‪ ،‬على أن بلوغ‬
‫التعزير مرتبة الحدود أو العدام؛ مخالف قول الرسول صلى ال عليه وسلم "من بلغ حدا من‬
‫غير حد فقد ظلم وبغى"‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم في ما أخرجه البخاري "ل يحل فوق‬
‫عشر جلدات‪ ،‬إل في حد من حدود ال"‪ ،‬والقول بنسخ الحديث غير مسلم به‪ ،‬لكن بعض‬
‫الفقهاء أجاز أن يتعدى التعزير الحدود‪ ،‬وعلى ذلك جرت القضية في يعض الدول والمذاهب‪.‬‬
‫[‪]86‬‬
‫ج‪-‬التفريط بالحقوق عامة والسياسية خاصة‪:‬‬
‫أكبر انتهاك للحقوق السياسية للمواطنين‪ ،‬يكمن في ترك تحديد قواعد القضاء‪ ،‬ذلك‬
‫أن معيار العدالة في كل دولة‪ ،‬وهو قدرة القضاء على أن ينصف الفراد الذين تجور‬
‫‪115‬‬

‫عليهم الدولة‪ ،‬وفي نمط القضاء العباسي؛ يصبح القضاء وهو في الصل حامي الشعب‪،‬‬
‫أحد فكي كماشة انتهاك الحقوق‪ :‬البوليس والقضاء‪.‬‬
‫فتنفتح أبواب النتهاكات الفظيعة في مجال حقوق النسان‪ ،‬في ظلل نظرية(عدم تحديد‬
‫القاعدة القضائية وتوحيدها وتدوينها‪ ،‬وكون القاضي في منزلة الوكيل عن عامة والمتهم‬
‫خاصة القاضي الصيل)‪،‬‬
‫إذا أضيف إليها قاعدة التعزير الفضفاضة؛ فتحت أبواب الظلم على مصراعيها‪ ،‬و‬
‫لسيما في القضاء السياسي‪.‬‬
‫ولن تحتاج في ظللهما السلطة التنفيذية إلى محاكم استثنائية‪ ،‬عسكرية ول بوليسية‪،‬‬
‫للسباب التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬ففي ظلل السماح للقاضي بإنشاء(الساس القانوني) القاعدة القضائية‪ ،‬يحتمل أن‬
‫يعتمد رأيا جائرا أو مقصرا في مفهوم العدالة‪ ،‬فيعتبر حقوق الناس التي أقرتها الشريعة من‬
‫الفتن والبدع والخلل بالمن‪ ،‬والخروج على المام‪ ،‬مادام الخلل بالمن وإثارة الفتنة‪ ،‬من‬
‫دون مسطرة ذات علمات موضوعية بارزة محددة‪.‬‬
‫‪-2‬قد يكون القاضي متأثرا بثقافة القمع والقسوة‪ ،‬التي شاعت في عصورنا القديمة‪،‬‬
‫وكان عنوانها‪:‬العصا لمن عصى‪،‬حتى حكم الفقهاء بها أيضا على أنفسهم‪ ،‬عندما قرروا أنه‬
‫يجوز للسلطة أن تجبر الفقيه على القضاء إذا لزمت الحاجة إليه‪ ،‬كما روي عن مالك بن‬
‫أنس أنه يجوز للسلطة أن تجبر الكفيّ العدل على القضاء‪ ،‬إذا تعينت الحاجة إليه‪ ،‬فإن امتنع‬
‫يضرب أو يسجن (فارس‪:‬استقلل القضاء ‪.)27:‬‬
‫‪ -3‬وقد يتأثر بضغوط السلطة التنفيذية‪ ،‬التي قد تجند من فقهائها من يقول‪:‬معارضة‬
‫المام بالكلم‪ ،‬كالمعارضة بالحسام‪ ،‬فيصدر القضاة عقوبات على الخروج بالكلم‪ ،‬تقارب‬
‫عقوبات الخروج بالحسام‪ ،‬بل على المر بالمعروف والنهي عن المنكر السياسي‪ ،‬وعلى ما‬
‫أقره السلم من حرية الرأي والتعبير والجتماع والتجمع‪ ،‬فيعاقب الناس على أمور يدور‬
‫حكمها في الشريعة‪ ،‬بين الوجوب والستحباب والباحة‪ ،‬وعند ما نقول للحرية‪ :‬وداعا‪ ،‬علينا‬
‫أن نقول لها‪ :‬وعلى العدل بلغي السلم‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫‪-4‬أنه يسمح للسلطة التنفيذية بالعتراض على حكم القضاة‪ ،‬بأن تطلب منهم زيادة‬
‫العقوبة‪ ،‬حتى ينفذ ما تراه‪ ،‬مادام أي قاض‪ ،‬إنما هو وكيل عن (السلطان) الذي هو القاضي‬
‫الصيل‪.‬‬
‫‪ -5‬وما دام مبدأ التعزير كالمطاط‪ ،‬يسمح بأن تتراوح العقوبة بين ضربة بالسوط‬
‫وضربة بالسيف‪.‬‬
‫‪- -6‬مادام من حق القاضي أن يختار أي رأي فقهي‪ ،‬مهما كان هذا الرأي مرجوحا‪.‬‬
‫عند ذلك يتاح للسلطان قمع الناصحين‪ ،‬وتصفية المعارضين سرا وعلنية‪ ،‬واستخدام‬
‫توقيعات القضاة‪،‬شعارا مفرغا من العدالة‪.‬‬
‫وفي ظل هذه الثقافة؛ ل يمكن بناء ضمانات لحقوق النسان التي ضمنها السلم‬
‫للعباد‪ ،‬مدنية واجتماعية وثقافية وسياسية‪ ،‬هذا يجعل القضاء سلحا يهدمها‪ ،‬و لسيما‬
‫الحقوق السياسية‪ ،‬كحقهم في التفكير والتعبير والنشر‪ ،‬ويسمح بأن يصبح سوطا مسلّطا‪،‬‬
‫فوق رؤوس دعاة الصلح السلمي‪.‬‬
‫وإذا طبقت هذه القواعد على دعاة حقوق النسان ودعاة المجتمع المدني‪ ،‬ونحوهم من‬
‫المرين بالمعروف السياسي‪ ،‬المحتسبين ضد (المظالم السلطانية) في تهم الجرائم السياسية‪،‬‬
‫تبين ما في عبارة (قضاء شرعي‪/‬عباسي) من معنى يمكن الكناية عنه بقول المتنبي‪:‬‬
‫يا أعدل الناس إل في معاملتي‬

‫××× فيك الخصام وأنت الخصم والحكم‬

‫فالقضاء ضامن حقوق النسان‪ ،‬وملذ كل مضطهد ومظلوم‪ ،‬فإذا كان من دون مواد‬
‫محددة موحدة مدونة‪ ،‬سمح بأن يصبح القضاة ‪-‬وهم يشعرون أو ل يشعرون‪ -‬أسلحة قمع‬
‫قضائي‪ ،‬لحقوق النسان في السلم المقررة في الشريعة السلمية والمعايير الدولية‪ ،‬فيصير‬
‫العائذ بظلل القضاء؛ من رمضاء ظلم القوياء‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫والمستجير بعمرو عند كربته ××× كالمستجير من الرمضاء بالنار‬
‫[‪]87‬‬

‫‪117‬‬

‫‪ =26‬المعيار السادس عشر‪:‬‬
‫علنية المحاكمة عامة والسياسية‬
‫خاصة‪:‬‬
‫أ‪-‬النبي صلى الله عليه وسلم رسخ معيار العلنية‪:‬‬
‫إن علنية المحاكمة من أهم وسائل ضمان عدالة القضاء ونزاهته‪ ،‬إن لم تكن أهمها‪،‬‬
‫إنها تأمين مهم لستقلل القضاء‪ ،‬ووسيلة فعالة لتقوية روح المسئولية‪ ،‬وتحول دون توفر‬
‫فرص تدخل الحكومة‪ ،‬ودون سيطرة العلى على الدنى‪ ،‬وتدعم ثقة الجمهور‪.‬‬
‫لقد سبق السلم النظم الدستورية الحديثة؛ إلى تقرير هذا المبدأ‪ ،‬فقد كان النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬يقضي بين الناس في المسجد‪ .‬وقد علل الفقهاء قضاء النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم والخلفاء الراشدين في المسجد‪ ،‬بأن المسجد "أقرب على الناس في شهودهم" وحرصا‬
‫على شهادة الناس وحضورهم‪ ،‬فثمة إدراك لهمية حضور الجمهور‪ .‬من أجل ذلك قال مالك‬
‫والحنفية والحنابلة‪ :‬إن المسجد أنسب مكان يقضي فيه القاضي‪.‬‬
‫وتأكيا لهمية علنية المحاكمة‪ ،‬ورفضا لكل مسارب القضاء السري؛أحرق عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬دار أمير الكوفة أبي موسى الشعري ‪ ،‬لما جعلها أبوموسى مكانا للقضاء‪ ،‬من أجل‬
‫ذلك اشترطوا الفقهاء في مكان القضاء‪:‬‬
‫أن يكون في مجمع الناس‪.‬‬‫وأن يسهل على الناس الحضور والشهود‪.‬‬‫واشترطوا في أي مكان يقضى فيه كالدار والمكتب شرطين‪:‬‬
‫أن تفتح البواب‪.‬‬‫ وأن ل يكون عند البواب حجاب (انظر تبصرة الحكام لبن فرحون)‪.‬‬‫وحضور الجمهور جلسات القضاء‪ ،‬له علقة بتسهيل الرقابة الشعبية على القضاة‬
‫والمراء‪ ،‬وقد يغفل بعض الناس عن أن نزاهة القضاء وعدالته‪ ،‬ل يمكن أن تضمن من دون‬
‫رقابة الشعب‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫ورقابة الشعب على القضاء والقضاة مبدأ دستوري‪ ،‬لم يغفله السلم‪.‬لن المة في‬
‫السلم‪ ،‬هي المكلفة بحفظ الشرع‪ ،‬ل القضاة والفقهاء والمراء‪ ،‬كما قال ابن تيمية "المة‬
‫هي الحافظة الشرع"‪.‬‬
‫وتفريعا على هذا المبدأ جاء قوله صلى ال عليه وسلم "الناس شهود ال في أرضه"‪،‬‬
‫ولكي يشهدوا ينبغي أن يحضروا‪.‬‬
‫من أجل ذلك كانت العلنية إحدى سمات القضاء السلمي عبر العصور‪ ،‬فقد كان‬
‫القضاء يتم في المساجد‪ ،‬ولم يعرف القضاء السلمي طوال العصور الغرف المغلقة ول‬
‫المحاكمات السرية‪.‬‬
‫[‪]88‬‬
‫ب‪-‬العلنية أهم وسائل استقلل القضاء‬
‫وهذا المبدأ يمكن إجراؤه في الدولة السلمية الدستورية‪ ،‬باشتراط فتح أبواب‬
‫المحاكمات‪ ،‬لحضور أربعة أصناف من الناس‪:‬‬
‫المحامين‪.‬‬‫ ودعاة حقوق النسان‪.‬‬‫ والعلميين‪.‬‬‫ والمهتمين بالشأن العام‪.‬‬‫ وبإعلن المحاكمات بوسائل العلم‪.‬‬‫من دون هذا الوسيلة لن تكون أي محاكمات عادلة‪ ،‬وأي محاكمة سرية ولسيما إذا كانت‬
‫سياسية‪ ،‬فإنما هي باطلة‪ ،‬لن العلنية تسلط الضوء على ما يحتمل حدوثه في الكواليس‪، ،‬‬
‫ف\ذا أقام القضاء محاكمة سرية‪ ،‬فقد صار دوره التدليس‪ ،‬على ما يحتمل أن يمارسه‬
‫السجانون في زنازين البوليس‪ ،‬وإذا أقام محاكمة علنية كشف ما في الزوايا من خفايا‬
‫ل تكاد تتحقق النزاهة إل في محاكمة علنية‪ ،‬ذات إجراءات محددة‪ ،‬ونصت المواثيق‬
‫الدولية على علنية المحاكم ‪ ،‬وعلى السماح للعامة بالطلع على القواعد القضائية وقرارات‬

‫‪119‬‬

‫المحاكم التي هي نتيجة تطبيق الوقائع على القواعد ومعلوماتها‪ ،‬من ما يدل على فاعلية‬
‫القضاء ويعزز احترامه‪.‬‬
‫فجلسات القضاء ل يجوز أن تكون سرية‪ ،‬ومفهوم العلنية يقتضي حضور المواطنين‪،‬‬
‫جلسات المحاكم‪ ،‬ومتابعة ما يدور في الجلسة‪ ،‬بل ومراقبته‪،‬ول يجوز للقاضي منع أي‬
‫شخص من الحضور‪ ،‬إل في حالت محددة محصورة‪ ،‬كبعض القضايا الزوجية‪ ،‬أو لمتلء‬
‫القاعة‪ ،‬أو خوفا من حدوث انتقام‪ ،‬يقوم به أهل المدعي ضد المدعى عليه في القاعة‪،‬أي‬
‫ينبغي أن تكون العلنية هي القاعدة‪ ،‬وأن تكون السرية هي الشذوذ المبرر المحدد المحصور‪.‬‬
‫والمداولت بين القضاة سرية ‪.‬أما جلسة النطق بالحكام فيجب أن تكون علنية على كل‬
‫حال‪ ،‬ولكن عند النشر يمكن حذف أسماء المتنازعين والمحكوم عليهم والقضاة‪.‬‬
‫إن مبدأ العلنية أهم معيار يقاس به استقلل القضاء‪ ،‬من خلل الرقابة الشعبية ‪.‬‬
‫وأسلوب العلنية فعال في تعزيز استقلل القضاء‪ ،‬عندما يتيح القاضي للطرفين فرص‬
‫الدعاء والرد‪ ،‬ثم يصدر أحكامه‪-‬أيضا‪ -‬في جلسات علنية‪ ،‬بناء على أدلة تقدم بصورة‬
‫قانونية‪ ،‬أثناء إجراءات الدعوى‪ ،‬ويسعى إلى تبرير وتسبيب مقنع للساس القانوني‪ ،‬الذي‬
‫أصدر الحكم بناء عليه (دليل‪.)134:‬‬
‫فالعلنية تحد من الضغوط‪ ،‬وتحفز القاضي إلى إقناع من يقرأ الحكم‪.،‬وهي أيضا تعري‬
‫القضاة الفاسدين‪ ،‬المذعنين لوامر وزارة الداخلية‪ ،‬وتحمى العادلين من ضغوط الحكومة‪،‬‬
‫وتكشف للناس مدى حياد الحكومة‪،‬وذلك يحد من ضغوط الحكومة على القضاء أيضا‪ .‬وهذه‬
‫الجراءات من ما يعزز العدل‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫الستر دون الفاحشات ول‬

‫يلقاك دون الخير من ستر‬
‫[‪]89‬‬

‫‪=27‬المعيار السابع عشر‪:‬‬
‫الشفافية‪:‬‬
‫‪120‬‬

‫أ‪-‬مفهوم الشفافية في الفكر القضائي الحديث‪:‬‬
‫من خلل تقرير السلم مبدأ علنية الجلسات‪ ،‬يتبين حرص السلم على مبدأ الشفافية‪،‬‬
‫لن العلنية جزء من الشفافية‪ ،‬وكل وسيلة تحقق العدل‪ ،‬ول تعارض نصوص الشرع‪ ،‬فهي‬
‫من الشريعة‪ ،‬وإن لم ينزل بها الكتاب‪ ،‬ول فعلها النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما قرر الفقهاء‬
‫كابن عقيل وابن القيم في غير هذا السياق‪.‬‬
‫ومن أجل تحقيق الشفافية؛ قرر الفقهاء أنه ل يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه‪،‬‬‫إن عنصر الشفافية شديد الرتباط بالستقلل والمسئولية‪ ،‬ومن آليات ذلك أن يتسم كل‬
‫ما يدور في المؤسسة القضائية بالشفافية‪ ،‬كأنظمة اختيار القضاء‪ ،‬وجميع العمليات‬
‫والجراءات‪ ،‬وأن تخضع لقواعد موضوعة‪ ،‬وأن تكون الميزانية واستقلل الموارد‪ ،‬والرواتب‬
‫وإعلن الصول ومعايير السلوك والتقييم متاحة رسميا لطلع الجمهور‪ ،‬وأن يمكن الطلع‬
‫على سجلت الجراءات‪ ،‬وأن تنشر الحكام‪ ،‬وأن توضع أنظمة مناسبة لتسجيل الشكاوى‬
‫المقدمة ضد الجراءات المؤسسية أو الفراد المحددين (لين هارمر‪ .‬الستقلل‬
‫والمسئولية‪:‬دليل‪ )165:‬ولذلك لبد من أن يطلع العامة على التشريع والمعلومات والقرارات‬
‫(مجموعة بنود استقلل القضاء‪.‬كيث هندرسون‪.)12:‬‬
‫إن تقديم معلومات مبهمة أو ناقصة أو غير صحيحة يفضي إلى التضليل‪ ،‬وإلى إضعاف‬
‫الثقة بالقضاء‪ ،‬ولذلك فإن النزاهة والحياد والمساءلة وثقة العامة مسائل أساسية‪ ،‬في معيار‬
‫الشفافية‪.‬‬
‫إن الطبيعة المغلقة لي تنظيم‪ ،‬فرصة للخلل بالدارة الجيدة‪ .‬وما لم يتوغل مبدأ‬
‫الشفافية في مختلف مجالت القضاء‪ ،‬فلن يحصل المصلحون داخل السلطة القضائية وخارجها‬
‫ول الشعب؛ على المعلومات اللزمة لتقييم الصلحات ومتابعتها‪ ،‬وإن ثقافة السرية‬
‫والنغلق تحول دون تنفيذ أي مبادرة أي إصلح‪ .‬لن المصلحين لن يحصلوا على المعلومات‬
‫والدلة التي يحتاجون إليها لتعزيز العدالة‪ ،‬ولن تتعزز الثقة في السلطة القضائية‪ ،‬من دون‬
‫وضوح المعلومات (لين هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية‪ :‬كينيث هند رسون ‪.)8:‬‬
‫[‪]90‬‬
‫‪121‬‬

‫ب‪ -‬ومن ملمح الشفافية‬
‫‪ -1‬إعلن القضاة دخلهم‪ :‬إعلن القضاة ممتلكاتهم والمزايا المالية التي يحصلون‬
‫عليها‪ ،‬ويعتقد أن هذه الوسيلة فعالة في إحباط الفساد‪ ،‬وسوء استغلل الموال العامة‪ .‬على‬
‫الرغم من اعتراض القضاة على انتهاك خصوصيتهم‪ ،‬وكشف أحوالهم المالية (الجراءات‬
‫المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪:‬‬
‫‪ ،)46‬فإن هذا السلوب وجيه لنه يسد ذرائع الفساد‪.‬‬
‫وإعلن القضاة عن دخلهم وممتلكاتهم والمزايا المالية التي يحصلون عليها فعال في‬
‫إحباط الفساد‪ ،‬وسوء استغلل الموال العامة‪ .‬على الرغم من اعتراض القضاة على انتهاك‬
‫خصوصيتهم‪ ،‬وكشف أحوالهم المالية فإن هذا السلوب من باب سد ذرائع الفساد‪ ،‬ولذلك قال‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪" :‬رحم ال امرءا كف الغيبة عن نفسه‪.‬‬
‫‪-2‬تأكد العامة من حياد القضاة‪:‬إذ ل يكفى أن يكون القضاة محايدين ونزهاء‬
‫وعادلين‪ ،‬ومن وجهة نظرهم‪ ،‬أو من وجهة نظر السلطة القضائية‪ ،‬بل ينبغي أن يعتبرهم‬
‫العامة محايدين‪ ،‬ولن تعتبرهم العامة محايدين‪ ،‬إل عندما تراهم يمارسون حقوقهم في حربة‬
‫التعبير والتفكير والجتماع‪ ،‬وتراهم يطبقون الوقائع‪ ،‬على أسس قضائية محددة‪ ،‬تحفظ كرامة‬
‫مناصبهم‪ ،‬فالناس شهود ال في أرضه‪ ،‬كما قال الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ -3‬علقة الشفافية بالمساءلة‪ :‬عنصر الشفافية يدعم مبدأ المساءلة في الختيار‬
‫والتعيين والترقي والجزاءات‪ ،‬بالضافة إلى القضايا المتعلقة بمدة البقاء في المنصب‬
‫والخلقيات‪ ،‬ونشر القرارات‪ ،‬وإطلع العامة على المعلومات‪.‬‬
‫‪ -4‬إعلن القضاء بطلن قرار أو قانون‪ :‬إن من ما يعزز سمعة القضاء واحترام‬
‫الجمهور له‪ ،‬قدرة القضاة على إعلن عدم دستورية بعض القوانين وأعمال السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬ورفضهم الوامر أو القوانين المخلة بالعدالة (الجراءات المؤسسية والنظمة‬
‫المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)47 :‬‬
‫‪ -5‬التفسير المقنع لكل تصرف قضائي‪ :‬إن المسئولية تتصل بالشفافية‪ ،‬فالمسئولية‬
‫يتركز مفهومها على طلب تفسير إجراءات تمت بالفعل‪ ،‬ويجب أن يكون لهذا الطلب وحده‬
‫‪122‬‬

‫القدرة على التأثير في السلوك القضائي‪ .‬المسئولية القضائية مثل مسئولية أي مؤسسه‬
‫عامة‪ ،‬وهى جزء من الحوار بين المؤسسة والمجتمع الذي تخدمه‪ ،‬وعندما تكون هناك‬
‫خلفات أساسية‪ ،‬تبدأ الجهود التفاوضية لتصحيح العلقة‪.‬‬
‫‪ -6‬توزيع القضايا على القضاة‪:‬ينبغي أن تكون إحالة القضايا على القضاة ذات طابع‬
‫قضائي محض‪ ،‬طابع موضوعي‪ ،‬ل صلة له بنوع الحكم المتوقع من قاض دون آخر‪ ،‬وأن ل‬
‫يكون للحالة طابع سياسي في القضايا السياسية (استقلل القضاء في العالم العربي‪ .‬ناثان‬
‫ج‪ .‬براون وعادل عمر شريف انظر الشريف‪ ،‬وبراون‪.)11 :‬‬
‫وقد لوحظ في التطبيق السائد في أوربا الشرقية‪ ،‬مخاطر غيبة الشفافية حين يستطيع‬
‫رئيس المحكمة؛ توزيع القضايا على القضاة‪ ،‬من دون معيار الشفافية فيؤثر ذلك على النزاهة‬
‫و يوفر سبل الفساد‪ ،‬ويعزز سيطرة المنصب العلى على الدنى‪ ،‬ويتيح فرص تدخّل السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬فتستطيع أن تؤثر على الحكام في القضايا السياسية‪ ،‬عن طريق التفاهم مع رئيس‬
‫المحكمة لحالة بعض القضايا إلى قضاة يوافقون هواها‪ .‬وأخطر ما يكون ذلك في القضايا‬
‫التي فيها نزاع بين الدولة والفراد و لسيما قضايا الموقوفين‪.‬‬
‫[‪]91‬‬

‫‪=28‬المعيار الثامن عشر‪ :‬سرعة‬
‫البت في القضايا ‪:‬‬
‫أ‪ -‬الشريعة قررت‪ :‬العدل المتأخر ظلم غير صريح‪:‬‬
‫إن تأخير البت في أي قضية؛ يفيد أحد الطراف على حساب الخر‪ ،‬لذلك فإنه يحتوي‬
‫على فرصة التخلي عن النزاهة والمسئولية‪ ،‬وإذا كان إجراء المحاكمة بطيئا وغير كفؤ‪ ،‬فإن‬
‫ذلك يضعف الستقلل‪.‬‬
‫ل ينبغي أن نكتفي بالمثل السائر‪ :‬الحق يرجع إلى أصحابه ولو بعد حين‪ ،‬أو‪ :‬ما ضاع‬
‫حق وراءه مطالب‪ ،‬أو‪ :‬للباطل جولة أو أن للحق الغلبة في نهاية المطاف‪ ،‬ونحن ل ندري‬
‫متى تكون نهاية المطاف‪ .‬بل ينبغي أن نقول من دون كناية‪ :‬العدالة المتأخرة نوع من أنواع‬
‫الظلم‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫لن من شروط القضاء العادل؛ أن ينال صاحب الحق حقه وهو غير متعتع كما في‬
‫الحديث الشريف "إن ال ل تقدس أمة ل ينال فيها الضعيف حقه إل وهومتعتع"‪ ،‬وتطبيق هذا‬
‫المبدأ يقتضي سرعة قياسية في فصل القضايا‪ ،‬ومحاسبة المقصرين‪ ،‬ونصوص الفقهاء في‬
‫ذلك كثيرة‪.‬‬
‫ومن إجراءات تطبيق هذا المبدأ‪ ،‬أن الفقه القضائي نص على وجوب تقديم النظر في‬
‫دعاوى المرفوعة من النساء‪ ،‬على القضايا المرفوعة من الرجال (فارس‪ ،)62:‬ونص على‬
‫تقديم النظر في القضايا التي يقدمها الطارئ المسافر على دعاوي الساكن في البلد‪ ،‬كما قال‬
‫عمر بن الخطاب"قدم الغريب‪ ،‬فإنك إذا لم ترفع له رأسا؛ ذهب حقه وضاع"(فارس‪.)62:‬‬
‫وحظروا تأخير الشهود من دون عذر‪.‬‬
‫[‪]92‬‬
‫ب‪( -‬السرعة القياسية في إصرار الحكم) ‪:‬‬
‫من أجل ذلك يتفق الخبراء على استحالة فصل عدالة القضاء ونزاهته‪ ،‬عن السرعة‬
‫القياسية في فصل الدعاوى‪ ،‬فالهيئة التي تصدر أحكاما عادلة‪ ،‬ولكنها تتأخر عن الوقت‬
‫المناسب في فصل الدعوى‪ ،‬ل تكتسب مصداقية ومن ثم وجب ربط مفهوم تحقيق العدالة بعدم‬
‫تأخير البت في الدعوى (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل‬
‫القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪.)48:‬‬
‫إن إعلن مبادئ العدالة ل يكفى‪ ،‬لن تنفيذ المبادئ يحتاج إلى أساليب إجرائية فعالة‬
‫وهذه أمور لها علقة بالمالية والعمالة والموظفين والعلقات مع السلطة التنفيذية‪ ،‬والعلقة‬
‫العامة مع الجمهور والتخطيط الستراتيجي (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي‬
‫تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل ‪.)48:‬‬
‫من أجل ذلك صار من معايير استقلل القضاء‪ ،‬أن تنهى الجراءات القضائية في وقت‬
‫قياسي‪ ،‬إن الدعاوى التي تستمر سنين عديدة‪ ،‬قد تكون لها أسباب إدارية‪ ،‬كقلة القضاة‪ ،‬أو‬
‫قلة الخدمات الدارية‪ ،‬في الموظفين‪ ،‬أو الروتين والبيروقراطية‪ ،‬أو شح النفقات أو عدم‬
‫وجود معايير للعدالة‪ ،‬أو عدم الدقة في الختصاص‪ ،‬وكلها مؤشر من مؤشرات ضعف‬
‫استقلل القضاء (انظر استقلل القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيدير يكو‪ :‬دليل‪.)102 :‬‬
‫[‪]93‬‬
‫‪124‬‬

‫ج‪-‬إجراءات تسريع البت في المحاكمات‪:‬‬
‫تبين من البحاث التطبيقية التي أجريت‪ ،‬في بعض البلدان كالوليات المتحدة المريكية‬
‫وأستراليا‪ ،‬وبريطانيا وسنغافورة؛ أنه يمكن تسريع البت في الدعاوى‪ ،‬إذا اتخذت إجراءات‬
‫على درجة عالية من الكفاءة‪ ،‬لدارة عملية التقاضي بفعالية‪.‬‬
‫ولضمان سرعة البت في القضايا؛ اعتبر من ضمانات عدالة القضاء ما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬قياس النجاز‪ :‬إذ تحتاج المحاكم إلى قياس إحصاء يحدد أربعة عناصر‪:‬‬
‫‪-1‬المدة التي استغرقتها الدعوى حتى الفصل فيها ‪.‬‬
‫‪-2‬مقارنة عدد الدعاوى المقامة ‪ ،‬بالدعاوى التي فصل فيها ‪.‬‬
‫‪-3‬تحاشي تراكم الدعاوى ‪.‬‬
‫‪-4‬انتظام الجلسات (دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪:‬‬
‫دليل‪ .)175 :‬بأن يضع كل قاض جدولً لتقديم المستندات والجلسات‪ ،‬ول يسمح بالتأخير إل‬
‫لسباب معقولة‪.‬‬
‫وينبغي أن يكون هناك إحصاء نصف سنوي بين عدد الدعاوى المقامة‪ ،‬وعدد القضايا‬
‫التي فصل فيها‪ ،‬وكيفية الفصل‪ .‬ومقارنة هذه البيانات بمعايير موضوعية‪ ،‬إذ ل ينبغي أن‬
‫يمضي أكثر من ستة أشهر‪ ،‬بين إقامة دعوى مدنية كبيرة والفصل فيها (استقلل القضاء في‬
‫الوليات المتحدة المريكية‪ :‬ميراجو راري وراسل ويلر‪ :‬دليل‪.)155 :‬‬
‫ثانيا‪ :‬المتابعة‪ :‬وينبغي أن تكون هناك متابعة كل ستة أشهر‪ ،‬لسؤال القضاة عن‬
‫القضايا التي لم يفصلوا فيها‪ ،‬لتبرير عدم الفصل‪ ،‬وذلك يشجع القضاة على الفصل في‬
‫الدعاوى بسرعة مناسبة‪ ،‬كما في التجربة المريكية‪ ،‬عندما قام الكونجرس عام ‪1990‬م؛‬
‫بتوجيه المكتب الداري للمحاكم المريكية بمتابعة إنجاز القضايا (استقلل القضاء في‬
‫الوليات المتحدة المريكية‪ :‬ميراجو راري وراسل ويلر‪ :‬دليل‪.)156 :‬‬
‫ثالثا‪ :‬زرع الحساس بالمسئولية‪ :‬وحتى يقوم القضاة بهذه الجراءات؛ ينبغي وضع‬
‫برامج‪ ،‬لزرع الحساس بالمسئولية‪ ،‬تجاه الوقت الذي تستغرقه إجراءات الدعاوي‪ ،‬وقد يجابه‬
‫هذا التجاه بمعارضة قوية من المحامين أو المتقاضين‪ ،‬وأحيانا من القضاة أنفسهم‬
‫(دورإدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪ :‬دليل‪.)174 :‬‬
‫‪125‬‬

‫[‪]94‬‬

‫‪=29‬المعيار التاسع عشر‪ :‬تجنب‬
‫المركزية‪:‬‬
‫أ‪-‬المفهوم والدوار الربعة‪:‬‬
‫في بعض أنظمة القضاء؛ يكون دور القاضي محوريا مركزيا‪ ،‬و لسيما في المحاكمة‬
‫الجنائية‪ ،‬فهو يقوم أول بالتحقيق المبدئي‪ ،‬ويقوم ثانيا بتحديد الجريمة ويقوم ثالثا باتخاذ‬
‫قرار المحاكمة أو تركها‪ ،‬ويقوم رابعا بإصدار الحكم‪.‬‬
‫ومن الخطورة أن ينفرد القاضي بكل هذه الدوار‪ ،‬المسئول عن أجراء التحقيقات‬
‫المبدئية‪ ،‬وعن اتخاذ قرار الحالة إلى الدعاء‪ ،‬وتوجيه التهام‪ ،‬وعن تحديد التهام‪ ،‬وعن‬
‫تحديد العقوبة (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن‪ :‬دليل‪.)133 :‬‬
‫ووضع الدوار الربعة في يد قاضى واحد‪ ،‬ل يضمن العدالة‪ ،‬لسببين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه يتيح للقضاة النفراد‪ ،‬وذلك مدخل يمكن تتسلل منه حشرات الفساد‪ ،‬لسيما‬
‫إذ كان مستوى الشفافية منخفضا‪.‬‬
‫الثاني‪:‬ل يوفر حماية للقضاة الشرفاء من الترهيب (الجراءات المؤسسية والنظمة‬
‫المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪.)44:‬‬
‫لم يكن في تراثنا القضائي؛ أعراف تدل على إدراك خطورة جمع مراحل الدعوى عند‬
‫قاض واحد‪ .‬ومع خطورة وضع الدوار الربعة في يدي قاض واحد‪،‬تزداد فرص انتهاك‬
‫العدالة‪ ،‬عندما يضاف إلى ذلك انخفاض مستوى الشفافية‪ ،‬وإبهام الساس القانوني (القاعدة‬
‫القضائية)‪ ،‬عندما يكون غير واضح أو غير محدد‪ ،‬ويكون القاضي هو الذي يجتهد في‬
‫تحديده‪.‬‬
‫ونظرية الفصل بين الدوار الربعة؛ لم تجر بها سوابق القضاء التاريخية في تاريخ‬
‫السلم‪ ،‬ولكنها وسيلة حسنة‪ ،‬وقد ثبت أنها أكثر تحقيقا للعدالة‪ ،‬ولسيما في القضايا الكبرى‬
‫والمعقدة‪ ،‬والفصل بين الدوار‪ ،‬وهي ل تصادم نصا صريحا صحيحا‪ ،‬بل تخدم مقاصد‬
‫الشريعة الكلية في تحري العدل‪ ،‬في ظل كثرة القضايا وتعقدها وانخفاض مستوى الشفافية‪.‬‬
‫‪126‬‬

‫[‪]95‬‬
‫ب‪-‬مركزية رئيس المحكمة في إحالة القضايا‪:‬‬
‫ومن المور التي تخل بضمانات عدالة القضاء؛ مركزية رئيس المحكمة في إحالة‬
‫القضايا‪ ،‬بالقضاء المركزي‪-‬كما لوحظ في بعض الدول‪ -‬يمكن الفراد المستغلين من أن‬
‫يتدخلوا من خلل علقاتهم مع رئيس المحكمة‪ .‬ويولد شكاوى لدى الجمهور في طريقة‬
‫التوزيع (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪ .)73:‬وهي صورة من أضرار‬
‫المركزية‪.‬‬
‫[‪]96‬‬

‫‪=30‬المعيار العشرون‪ :‬استقلل‬
‫القضاء بشؤونه الدارية والمالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬في القضاء السلمي القديم بين المعيارية‬
‫والتطبيقات المرحلية‪:‬‬
‫كيف تكون السلطة القضائية مستقلة عن هيمنة السلطة التنفيذية‪ ،‬عندما تقوم الحكومة‬
‫بتحديد مصروفات القضاء؟‪ ،‬أل يمكن أن يكون قيام السلطة التنفيذية بالنفقة على القضاء‪،‬‬
‫مدخل من مداخل التأثير عليه؟‪ .‬من جانب آخر إذا انشغل بها القضاة بأمور القضاء المالية‬
‫والدارية وشئون الموظفين‪ ،‬قل إبداعهم القضائي؟‪ .‬مالحل؟ من هنا جاء دور وزارة العدل‬
‫الخدماتي في الدولة الحديثة‪.‬‬
‫لم يكن هذا السؤال مطروحا في العهود السلمية الغابرة‪ ،‬فقد كان القضاء بسيطا‬
‫وكانت مشاكل الناس محدودة‪ ،‬ومصروفات القضاء غير مكلفة‪ .‬من أجل ذلك ليس في تراثنا‬
‫ما يجيب على هذه السئلة‪ .‬ثم إن التراث الذي جعل تعيبين القضاة بيد السلطان؛ ليس متوقعا‬
‫منه أن ينتبه إلى مثل ذلك‪ .‬لكن هذه السئلة عانت منها الدول المتقدمة وابتكرت وسائل‪،‬‬
‫أسهمت في تعزيز العدالة‪ ،‬وكل ما أٍسهم‪-‬من الوسائل‪ -‬في ترسيخ العدل؛ ولم يخالف قاعة‬
‫‪127‬‬

‫شرعية أخرى‪ ،‬ولم يكن بنفسه محذور‪ ،‬فهو من تطبيق الشريعة‪ ،‬كماقرر ابن عقيل الحنبلي‬
‫وابن القيم وغيرهما في نحو هذا السياق‪.‬‬
‫وأدركت الدول الدستورية؛ أن من المهم توفير نفقات كافية لمرفق القضاء‪ ،‬لن ذلك‬
‫يقويه‪ ،‬ومن المهم على كل حال توزيع الحتياجات المالية بشكل عادل‪ ،‬فل تغدق على‬
‫المحاكم العليا الموارد‪ ،‬فتكون في مباني فخمة‪ ،‬بينما المحاكم البتدائية (الولى) في مباني‬
‫مستأجرة‪ ،‬ليس لديها ما يكفى من المستلزمات المكتبية‪ ،‬لن ذلك يدل على إدارة سيئة‬
‫للموارد (لين هارمر‪ .‬الستقلل والمسئولية‪ :‬جانسون‪.)194 :‬‬
‫القضاء الذي ل يملك موارد كافية يتعوق استقلله‪ ،‬لن ذلك يؤدي إلى ظروف عمل‬
‫غير ملئمة‪ ،‬فضعف الموارد يؤثر على عدد القضاة والموظفين والخدمات‪.‬‬
‫والموارد تحتاج إلى إدارة وموظفين وكتبة‪ ،‬فكيف يستطيع القضاء أن يتفرغ لمهامه‬
‫القضائية‪ ،‬إذا انشغل بها؟ أل يترك لوزارة العدل القيام بتجهيز كل ما يلزم القضاء من‬
‫احتياج؟‪.‬‬
‫[‪]97‬‬
‫ب‪ -‬نظام للستقلل تام و غير التام‪:‬‬
‫ثمة نموذجان أساسيان من أجل تحقيق الستقلل المؤسسي للسلطة القضائية عن‬
‫التنفيذية والنيابية (وليام ديفيس‪ :‬دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬دليل‪)170 :‬‬
‫فهناك استقلل تام واستقلل غير تام‬
‫ فالول استقلل تام وهو نموذج قضائي يهيمن على كل شئونه الدارية والمالية‪ .‬كما‬‫في نموذج الوليات المتحدة المريكية‪،‬وهو قضاء مستقل تماما عن الحكومة إداريا وماليا‪،‬‬
‫فهو يقوم بإدارة نفسه بنفسه أول‪ ،‬ويتحكم في تحديد ميزانيته المالية وشؤونه الدارية ثانيا‪.‬‬
‫ والثاني‪ :‬استقلل غير تام وهو نموذج قضائي يترك هذه المور لوزارة العدل قضاء‬‫يتمتع باستقلله في اتخاذ القرارات‪ ،‬وإصدار الحكام‪ .‬لكنه إداريا وماليا يعتمد على وزارة‬
‫العدل وهو نموذج شائع في دول أوربا وبريطانيا‪.‬‬
‫‪128‬‬

‫وقد وجدت الدول غير الشورية‪،‬في البلدان النامية‪ ،‬أن هذا النظام أقرب إلى حداثة‬
‫تمرسها بالحكم‪ ،‬وفي هذا النموذج يكون لوزير العدل صلحيات قضائية كالترقية والتأديب و‬
‫التوقيف والتقييم (السراج‪ .)7:‬فصارت السلطة التنفيذية؛ تطل برأسها‪ ،‬كما في المغرب‬
‫العربي (استقلل القضاء في المغرب أحمد السراج السراج ‪.)6 :‬‬
‫و هذا يخل بمبدأ الستقلل‪ ،‬لنه يجعل السلطة التنفيذية‪ ،‬تمارس مهام السلطة القضائية‬
‫(السراج ‪ ،)8:‬ول يكفل التزام كل سلطة من السلطات الدستورية الثلث حدود اختصاصها‬
‫المقرر في الدستور‪ ،‬واحترام توزيع الختصاصات من قبل الدستور‪ ،‬وعدم طغيان سلطة على‬
‫صلحيات سلطة أخرى (استقلل القضاء في لبنان‪ :‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد‬
‫القباني‪.)18 :‬‬
‫*‪ -‬في أوربا القارية يكون وزير العدل مسئولً رسميا أمام مجلس النواب عن عمل‬
‫النظام القضائي‪ ،‬ويكل الدستور لوزير العدل (كما في إيطاليا)‪ ،‬المهمات التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬تنظيم الخدمات وضمان عملها‪.‬‬
‫‪ -2‬تحريك إجراءات (التأديب)ضد القضاة‪.‬‬
‫‪ -3‬إعداد ميزانية القضاء‪.‬‬
‫‪ -4‬نظام السجون وإدارتها ‪.‬‬
‫‪ -5‬تعيين معظم العاملين الداريين غير القضاة في المحاكم وفى هيئة الدعاء (استقلل‬
‫القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو‪ :‬دليل ‪.)103:‬‬
‫وتعتبر وزارة العدل في أوربا الغربية جزءا من آليات المراقبة والتوازن‪ ،‬لضمان‬
‫الكفاءة والمسئولية والحماية‪ ،‬ضد أخطار تكتلت الجماعات القضائية‪ ،‬التي يتم تعيينها‬
‫بالساليب البيروقراطية؛ وإنما جعلت لوزارة العدل هذه المهمات لكي ل تؤدي التكتلت إلى‬
‫تقليص ضمان توافر المؤهلت المهنية‪.‬‬
‫لكن دور وزارة العدل‪ ،‬قد يخل بالعدالة؛ إذ أحيانا تظهر بعض الشكاوى (كما في‬
‫فرنسا) من أن الدور الذي تقوم به وزارة العدل‪ ،‬يعرض استقلل القضاء للخطر (استقلل‬
‫القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو‪ :‬دليل‪.)105 :‬‬
‫‪129‬‬

‫فقيام وزارة العدل بذلك مدخل من مداخل تحكم السلطة التنفيذية في ميزانية القضاء‪،‬‬
‫يؤثر على مدى وفائه باحتياجه‪( ،‬الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل ‪ .)24:‬وعندما تتحكم وزارة العدل في ميزانية‬
‫المحاكم‪ ،‬تزداد فرص السيطرة الدارة على الهيئة القضائية‪.‬‬
‫لذلك لجأت بعض الدول (كالمجر) إلى أساليب تحد من ذلك‪ ،‬حين يقوم رئيس المجلس‬
‫العلى للقضاء؛ برفع الميزانية المالية مباشرة إلى السلطة التنفيذية‪ ،‬ثم يصادق عليها مجلس‬
‫النواب‪ ،‬وعند التعديل يجب أن تشير الحكومة إلى القتراح الصلي‪ ،‬وتبرر أي تغيير يجرى‬
‫(استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل ‪.)75:‬‬
‫وفي بعض الدول كـ(بولندا) تسيطر وزارة العدل‪ ،‬على ميزانية المحاكم العادية‪ ،‬ماعدا‬
‫المحاكم الثلث‪ :‬المحكمة العليا والمحكمة الدارية العليا‪ ،‬والمحكمة الدستورية‪ ،‬فتقدم المحاكم‬
‫ميزانيتها إلى وزير المالية أول‪ ،‬ثم إلى مجلس النواب ثانيا‪ .‬متخطية وزارة العدل (استقلل‬
‫القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬دليل ‪.)75:‬‬
‫إن عدم استقلل القضاء إداريا‪ ،‬يسهم في اعتبار القضاء مجرد امتداد للسلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬كما في كينيا (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل‬
‫القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪ ،)34 :‬وهي ظاهرة في غالب البلد العربية‪.‬‬
‫[‪]98‬‬
‫ج‪ -‬تزايد التجاه إلى الستقلل التام‪:‬‬
‫وفيه يقوم القضاء بإدارة نفسه بنفسه أول‪ ،‬ويتحكم في تحديد ميزانيته المالية وشؤونه‬
‫الدارية ثانيا‪ ،‬فتستقل السلطة القضائية بإدارة شئونها المالية والدارية‪ .‬وهو النموذج‬
‫المفضل في عديد من الدول المتقدمة كالوليات المتحدة ودول أوربا الغربية‪.‬‬
‫والتجاه المتزايد الن؛ هو لنقل مسئوليات الدارة والمالية أو أغلبها‪ ،‬بعيدا عن وزارة‬
‫العدل (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين‪:‬دليل ‪.)33:‬‬

‫‪130‬‬

‫وهناك اعتقاد في العديد من الدول‪ ،‬بأن الدور الذي تقوم به وزارة العدل‪ ،‬تهديد حقيقي‬
‫أو محتمل لستقلل القضاء‪.‬‬
‫وهناك اعتقاد بين القضاة أن جميع المناصب التنفيذية داخل الوزارة‪ ،‬يجب أن تظل في‬
‫أيديهم ‪ ،‬لكي يضمنوا أن وزارة العدل ؛ لن تتخذ إجراءات تضر باستقلل القضاء (استقلل‬
‫القضاء في إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكو‪:‬دليل‪.)103 :‬‬
‫لن النظام الذي يجعل لوزير العدل تحريك إجراءات التأديب‪ ،‬يخشى منه أن يعاقب‬
‫القضاة على مضمون أحكامهم القضائية‪ ،‬ككونهم أكثر استقل ًل عن رؤسائهم (استقلل‬
‫القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو دليل ‪.)106 :‬‬
‫لن تفرد القضاء بمسئوليات إدارة نفسه؛ يعزز من استقلل القضاة‪ ،‬فدول (الكمنولث)‬
‫كانت تحمل رئيس المحكمة؛ كل المسئوليات الدارية والمالية‪ ،‬وقد ساعدها على الستقلل‪.‬‬
‫كما أن عدم استقلل القضاء إداريا‪ ،‬أسهم في اعتبار القضاء امتدادا للسلطة التنفيذية‪،‬‬
‫كما في (كينيا) (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)34:‬‬
‫والتجاه الن نحو زيادة استقلل القضاء ماليا وإداريا‪ ،‬من أجل أن يدير شئونه‬
‫{المالية والدارية} بنفسه‪ ،‬ويدعم هذا التجاه إلى حد كبير‪ ،‬زيادة الطلب من أجل تحسين‬
‫الجراءات في أنظمة العدالة‪.‬‬
‫من أجل ذلك واتجهت إلى الستقلل التام دول أوربية عديدة كإيطاليا وأسبانيا وعدد من‬
‫دول أمريكية اللتينية‪ ،‬وتطالب به جمعية القضاة الفرنسيين‪ .‬ويؤكد القادة القضائيون في‬
‫عديد من دول الكمنولث البريطانية وكندا أنه السلوب الفضل (دورإدارة المحاكم في تعزيز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪ :‬دليل ‪.)171-170:‬‬
‫التجاه السائد المتزايد الن‪ ،‬هو نقل مسؤوليات الدارة والمالية أو أغلبها‪ ،‬بعيدا عن‬
‫وزارة العدل (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)33 :‬‬
‫[‪]99‬‬
‫‪131‬‬

‫د‪-‬شروط نجاح الستقلل التام‪:‬‬
‫ل جرم أن القضاء المستقل ماليا وإداريا‪ ،‬هو النموذج الفضل‪،‬‬
‫لكن استقلل القضاء بالمور المالية والدارية؛ يحتاج إلى إدارة فعالة وأنظمة فعالة‪،‬‬
‫وتطبيقات عملية‪ ،‬وقيادة سليمة وقدرة في السلطة القضائية على تفسير وتبرير احتياجاتها‪،‬‬
‫للجهات الحكومية الخرى‪ ،‬وللجمهور الذي يطالبها بالمردود‪ .‬ومن العادة أن ل يكون للقضاة‬
‫خلفية إدارية‪.‬‬
‫وإذا عجز القضاء عن إدارة المور الدارية والمالية‪ ،‬انفتحت أبواب التدخل عليه كما‬
‫حصل في إقليم الباسك في كندا‪ ،‬الذي ضعفت فيه مهارة المحاكم الدارية (دور إدارة المحاكم‬
‫في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس دليل‪ ،)177 :‬فنقلت إدارة الموال فيه إلى السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬ولذلك فإن استقلل السلطة القضائية؛ يرتبط بمدى مهارتها في إدارة نفسها (انظر‪:‬‬
‫دورإدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪ :‬دليل ‪.)77‬‬
‫ولكنه ل ينجح إل في ظروف عمل ممتازة‪ ،‬يمكن شرحها في ما يلي‪:‬‬
‫‪-1‬إن ضم الشئون المالية والدارية‪ ،‬ل يعنى بأي حال من الحوال أن ينفق القضاة‬
‫الجزء الهم من وقتهم في المور الدارية‪ ،‬إذ يعتبر الوقت الذي ينفقونه في التعامل مع‬
‫المسائل الدارية وقتا مهمشا أيضا‪ .‬وليس من المناسب أن ينفق القاضي ‪ %50‬من وقته في‬
‫الشئون الدارية‪ ،‬كما هو الحال في بعض الدول النامية كالرجنتين وباكستان‪.‬‬
‫و من أجل ذلك لبد من منصب المدير الداري لكل محكمة‪ ،‬لمساعدة المحكمة في تنفيذ‬
‫مسؤولياتها‪ ،‬وهذا من المناصب المكملة والضرورية للوظائف القضائية‪ ،‬حيث لكي يخصص‬
‫المدير المحترف كل وقته من أجل المهام التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬تنفيذ سياسات وإجراءات المحكمة‪.‬‬
‫ب‪ -‬الرد على طلبات الجمهور الدارية‪.‬‬
‫ج‪ -‬وضع الميزانيات‪.‬‬
‫د‪ -‬إدارة السجلت والمشتريات‪.‬‬
‫هـ‪ -‬تنظيم المساحة‪.‬‬
‫‪132‬‬

‫و‪ -‬تطبيق التقنية الحديثة (دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام‬
‫ديفيس‪:‬دليل‪.)176:‬‬
‫‪-2‬التدريب الداري‪ :‬فالستقلل التام يتطلب تدريبا للقضاة على فهم طبيعة العمال‬
‫الدارية والمالية‪ ،‬كي ل ينشغلوا بالمور الدارية عن واجبهم القضائي‪ ،‬والقضاة في هذه‬
‫الحالة كرؤساء الجامعات وعمداء كلياتها ورؤساء أقسامها؛ ينبغي أن تكون لهم مهارة‬
‫إدارية ‪ ،‬من دون أن يكون ذلك على حساب وظيفتهم الكاديمية‪ ،‬وما فيها من تدريس‬
‫ومحاضرات وكتابة أبحاث‪.‬‬
‫‪-3‬يتطلب استقلل القضاء أيضا بشئونه الدارية؛ تحسينات تدعم مبدأ الشفافية‬
‫والقياسية‪ ،‬وتسد منافذ الفساد والهمال‪ .‬ومن المهم أن تحتفظ كل محكمة بالسجلت‪ ،‬بشكل‬
‫يعتمد عليه ويسهل التعامل معه‪ ،‬وتتطلب إدارة السجلت تعميما متكاملً‪ ،‬لجراءات استلم‬
‫المستندات وتخزينها‪ ،‬والتخلص من مال يلزم منها‪ .‬إن سلمة التعامل مع السجلت تجعل‬
‫المتقاضين والجمهور‪ ،‬يعتمدون على القضاء ويثقون به‪ .‬وسلمة ملفات الدعوى تعتبر ذات‬
‫أهمية قصوى‪ ،‬حيث يبقى فيه كل تاريخ الدعوى‪ ،‬وسجل الدلة‪.‬‬
‫وقد استدعت الظروف المنية في بعض الدول‪ ،‬إلى خياطة ملفات الدعاوى‪ ،‬حتى‬
‫تحميها من العبث‪ ،‬سواء كان العبث تخلصا من مستندات أصلية‪ ،‬أو تزويرا في المستندات‬
‫(دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪ :‬دليل‪.)174:‬‬
‫استقلل القضاء إداريا وماليا‪ ،‬أكثر تحقيقا للعدل‪،‬ولذلك اتجهت إليه الدول العربية‬
‫الكثر تطبيقا لمبادئ استقلل القضاء كاليمن‪ ،‬ويعد نظام القضاء اليمني وهو من أكثر أنظمة‬
‫القضاء العربية استقل ًل ‪ ،‬وقد نص (المادة ‪ )149‬على أن القضاء سلطة مستقلة قضائيا‬
‫وماليا وإداريا (استقلل القضاء في اليمن حمود الهيتار‪ :‬حمودة ‪.)3:‬‬
‫‪-4‬ل ينجح إل في ظروف عمل ممتازة‪ ،‬لنه يحتاج الى إدارة فعالة وأنظمة فعالة‪،‬‬
‫وتطبيقات عملية‪ ،‬وقيادة سليمة وقدرة فى السلطة القضائية على تفسير وتبرير احتياجاتها‪،‬‬
‫للجهات الحكومية الخرى‪ ،‬وللجمهور الذي يطالبها بالمردود‪ ،‬وإذا عجز القضاء عن إدارة‬
‫المور الدارية والمالية‪ ،‬انفتحت أبواب التدخل فهو يتطلب تدريبا للقضاة على فهم طبيعة‬
‫‪133‬‬

‫العمال الدارية والمالية‪ ،‬كي ل يفضي إلى أن ينشغلوا بالمور الدارية عن واجبهم‬
‫القضائي(دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪ :‬دليل ‪.)77‬‬
‫[‪]100‬‬

‫‪=31‬المعيار الحادي والعشرون‪:‬‬
‫وسائل تضمن كفاية القضاة (مهنياً‬
‫ومسلكياً)‪:‬‬
‫أ‪-‬القاضي جزء من المجتمع(صلة سلوك القضاة بالقيم‬
‫السائدة)‪:‬‬
‫إن النظام السلمي أكثر النظمة القضائية؛ تركيزا على مسلك القاضي‪ ،‬وسلمة سلوكه‬
‫من أدنى شيء يخل بالمروءة‪ ،‬فضل عن العدالة والنزاهة‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك فإن الفقهاء ومنهم القضاة‪ ،‬كانوا أكثر الشرائح الجتماعية؛ ورعا‬
‫وتقوى وصلحا‪ ،‬طوال تاريخ السلم‪.‬‬
‫لكن القضاة‪-‬على كل حال‪ -‬في أي مجتمع جزء منه وإفراز له‪ ،‬ومع أن لهم أفكارهم‬
‫ونظرتهم الخاصة للمور والبعد المسلكي والمهني‪ ،‬فهم أكثر فئات المجتمع استقامة‪،‬‬
‫وأكثرهم ضميرا حيا‪ ،‬وأكثرهم إنصافا واعتدال‪ ،‬وهذه الصفات هي التي تؤهلهم للقضاء‪ ،‬ومن‬
‫الطبيعي أن يتأثروا بما يدور حولهم من تغيرات في الحياة وفي القيم‪ ( ،‬زينات‪.)10 :‬‬
‫ولذلك ل يتوقع استقلل القضاء التام‪ ،‬إل إذا كان ضمن صلح بنيوي في المجتمع‪ ،‬إذا‬
‫ل يستطيع القاضي أن ينفصل عن الرأي العام في المجتمع (زينات‪ ،)10:‬كما يصعب أن‬
‫يصبح القضاة نموذجا مثاليا‪ ،‬في وسط تنخر فيه ثقافة اللمبالة والمحسوبية والفساد‪.‬‬
‫وكثير من الناس ل يقبل إل أن يكون القضاة والطباء والمدرسون وطلب العلم‬
‫الشرعي ونحوهم إل نموذجا مثاليا‪ ،‬ويحاسبونهمحسابا شديدا على الخطرات والنظرات‪ ،‬دون‬
‫أن يدركوا أثر الحقل الجتماعي‪ ،‬في نمو بعض العشاب الضارة‪،‬لن الصلح والفساد‪ ،‬وإن‬
‫كانت له جوانب ذاتية محدودة‪ ،‬مسألة بنيوية غير محدودة‪ ،‬وإذا كان الحكام يصلحون بصلح‬
‫‪134‬‬

‫الشعوب‪ ،‬كما جاء في الثر (عن الرسول صلى ال عله وسلم)‪" :‬كما تكونون يولى عليكم"‬
‫فما بالك بالقضاة‪.‬‬
‫وقد أكد النبي صلى ال عليه وسلم الصفتين الساسيتين في القاضي‪:‬‬
‫الثقافة القضائية‪.‬‬‫ والضمير‪ ,‬فأكد على أن من قضى بثقافة قضائية من دون ضمير فهو في النار‪ ،‬و على أن‬‫من قضى بضمير من دون ثقافة قضائية فهو أيضا في النار‪ :‬كما في الحديث الشريف "القضاة‬
‫ثلثة‪ :‬اثنان في النار وواحد في الجنة‪ ،‬رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة‪ ،‬ورجل قضى‬
‫للناس على جهل فهو في النار‪ ،‬ورجل عرف الحق فجار فهو في النار"‪.‬‬
‫إن التركيز على الصفات المهنية يشير إلى أنه ينبغي أن يكون اختيار القضاة‬
‫موضوعيا‪ ،‬ل يتأثر الختيار بالتجاه السياسي أو الفكري‪ ،‬أو المذهبي أو العرقي‪ ،‬أو القليمي‬
‫أو الطبقي‪.‬‬
‫من الخلل بالصفات المهنية‪ ،‬أن يركز على معايير غير مهنية ول موضوعية‪،‬‬
‫كالناحية العشائرية‪ ،‬بأن يكثر اختيار القضاة من عشائر معينة‪ ،‬كما لوحظ في الردن أن‬
‫رئيس المجلس القضائي في إحدى الفترات‪ ،‬عين عشرين قاضيا من عشيرته‪ ،‬إضافة إلى‬
‫عشرة آخرين‪ ،‬فأصبح العدد ثلثين قاضيا من عشيرة واحدة‪( ،‬الكيلني‪:‬استقلل القضاء في‬
‫الردن‪ )8 :‬وهو تصرف يدل على اعتماد معايير غير مهنية‪.‬‬
‫ومن الخلل بالصفات المهنية‪ ،‬أن يركز على معيار القليمية‪ :‬كأن يراعى اختيار‬
‫القضاة من إقليم معين‪ ،‬وتبدو هذه الظاهرة في القضاء السعودي‪ ،‬حيث يفضل كونهم من‬
‫العناصر النجدية‪ ،‬والنجديون أكثر القضاة في السلك القضائي عامة‪ ،‬وفي المراكز القيادية‬
‫خاصة(عبدال الحامد‪:‬استقلل القضاء في السعودية)‪.‬‬
‫ومن الخلل بالصفات المهنية‪ ،‬أن يركز على معيار المحسوبية‪:‬‬

‫‪135‬‬

‫ومن الخلل بالصفات المهنية‪ ،‬أن يركز على معيار الحزبية كما لوحظ في العراق وفي‬
‫سورية‪ ،‬أن أغلبية القضاة إنما هم من البعثيين‪ ،‬بل ولم يعين قاض إل وهو بعثي منذ سنة‬
‫‪ – 1980‬حتى ‪2000‬م (هاشم مناع‪:‬استقلل القضاء في سورية‪.)3 :‬‬
‫ومن الخلل بالصفات المهنية‪ ،‬أن يركز على معيار المذهبية‪ :‬وهذه الصفة واضحة في‬
‫القضاء السعودي حيث يفضل كون القضاة من أتباع المذهب الحنبلي(عبدال الحامد‪:‬استقلل‬
‫القضاء في السعودية)‪.‬‬
‫وهذه هي حال القضاء العربي في أغلب البلد‪ .‬و لذلك فإن السلطة التنفيذية‪ ،‬التي تعين‬
‫القضاة‪ ،‬لن يكون القضاة بمعزل ممن اتجاهها‪.‬‬
‫[‪]101‬‬
‫ب‪-‬العلقة بين العدالة و الثقافة القانونية الوافية‪:‬‬
‫لكي يتمكن القضاة من تطبيق قانون عادل؛ ينبغي أن يكونوا على دراية تامة بأساس‬
‫القانون(قواعد القضاء) التي يطبقون‪ ،‬لنه ل يمكن أن يكون القضاء المستقل عادلً‪ ،‬إل‬
‫بثقافة قانونية حقوقية‪( ،‬شعبان‪:‬استقلل القضاء في العراق ‪ )5:‬لن القضاة غير المتمكنين‬
‫من فقه القانون‪ ،‬أكثر عرضة للخضوع للضغوط الخارجية‪ .‬ولكي يتصرفوا باستقللية‪ ،‬ينبغي‬
‫أن ل تكون روح التبعية مسيطرة على ثقافتهم‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك يؤكد خبراء القضاء؛ على ارتباط مفهوم استقلل القضاء بالثقافة‬
‫القضائية‪ ،‬فالقضاة الذين ل يدركون مفهوم الستقلل ومعاييره‪ ،‬والذين لم يحصلوا على‬
‫تدريب ومهارات كافية؛ أكثر عرضة للخضوع للمؤثرات الخارجية‪.‬‬
‫وقد أكد المشاركون أثر برامج التدريب الجيدة؛ على الخلقيات القضائية ‪،‬من خلل‬
‫تجربة (جواتيمالً) (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪ )37 :‬فالقاضي الذي ينوى أن يتصرف بعدالة‪ ،‬قد ل يجد‬
‫السلوب المناسب‪ ،‬لتحقيق العدالة‪ ،‬عندما ل يمتلك الثقافة القانونية الكافية‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫فالثقافـة القانونيـة تسـاعد القضاء على تحديـد الخيارات الصـحيحة فـي المواقـف غيـر‬
‫الواض حة (الجراءات المؤ سسية والنظ مة المؤ سسية ال تي تعزز ا ستقلل القضاء‪ :‬مجمو عة‬
‫من القانونيين‪ :‬دليل‪.)38 :‬‬
‫ومن ضمن الثقافة القانونية‪:‬‬
‫‪ -1‬مفهوم الدولة الدسـتورية‪ ،‬التـي تقوم على أن سـلطة الشعـب فـي تحرى مصـالحه‪،‬‬
‫وأن الحاكم وكيل للمة ل عليها‪.‬‬
‫‪ -2‬و مبادئ حقوق النسان والقانون الدولي‪ ،‬التي أعلن السلم قبل أربعة عشر قرنا‬
‫من تنادى الدول الحديثة إليها‪ ،‬و لسيما مبدأ المساواة‪.‬‬
‫‪-3‬ومن ذلك أن دور السلطة التنفيذية ينحصر في إلغاء العقوبة أو تخفيفها‪ ،‬في قضايا‬
‫الحقوق العامـة‪ ،‬ل زيادتهـا‪ ،‬كمـا يحصـل فـي القضاء غيـر المسـتقل‪ ،‬الذي يع تبر الحاكـم هـو‬
‫القا ضي ال صيل‪ ،‬ويع تبر القضاة وكلء عن الحا كم قد يتلقون توجي ها من ال سلطة التنفيذ ية‬
‫بزيادة العقوبة‪ ،‬أو بتحديدها سلفا(عبدال الحامد‪:‬استقلل القضاء في السعودية)‪.‬‬
‫ول يمكن أن يتحقق للقضاء استقلل‪ ،‬ما لم يكن القضاة على دراية تامة بالمواثيق‬
‫الدولية وحقوق النسان‪ ،‬ومعاييرها الدولية وعلى دراية بكيفية تطبيقها في أحكامهم‪ ،‬إن‬
‫تضمين هذه المعايير في معاهد تعليم القضاة‪ ،‬يسهم في تعزيز ضمانات الجراءات القضائية‪،‬‬
‫ويضمن وجود قضاة يتمتعون بالستقلل والنزاهة (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار‬
‫جريت بوبكن‪ :‬دليل‪.)130 :‬‬
‫إن القضاة قد يحافظون على وسائل غير فعالة‪ ،‬وهذه العادات تعيق تفتح الذهان‪ ،‬عن‬
‫ضرورة التجديد في الوسائل‪ :‬الليات والجراءات‪ ،‬الذي هو طبيعة الحياة‪ ،‬وذلك من معوقات‬
‫استقلل القضاء(استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل ‪.)75‬‬
‫[‪]102‬‬
‫ج‪ -‬التعليم الجامعي والتدريب معلومات ومهارات‪:‬‬
‫وقد لحظ مقرر المم المتحدة عن استقلل القضاء‪( ،‬في تقريره عن جواتيمال) أن‬
‫إصلح التعليم القانوني على مستوى الجامعة هو الوسيلة الجود والضمن لرفع مستوى‬
‫‪137‬‬

‫القضاة‪ ،‬وتحقيق الستقلل والنزاهة (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن‪:‬‬
‫دليل‪.)130 :‬‬
‫وهناك إجماع بين الخبراء‪ ،‬على أن التدريب غير الكافي في الجامعة‪ ،‬هو إحدى‬
‫العقبات التي تحد من ضمانات عدالة القضاء ونزاهته‪ ،‬ول يمكن أن يعوض التدريب أثناء‬
‫العمل‪ ،‬عن التعليم السيء أثناء الجامعة (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي‬
‫تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)39 :‬‬
‫وفي مسالة المهارات يلحظ أن التدريب المهني الضعيف في كليات الحقوق؛ هو أكبر‬
‫العقبات على طريق استقلل القضاء (استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪:‬‬
‫دليل ‪.)130:‬‬
‫لن السلوب النظري والتلقيني‪ ،‬في التعليم الجامعي ل يمكن أن ينميا المنطق القضائي‪،‬‬
‫و ل التفكير النقدي‪ .‬إن أهم مراحل تكوين القضاة والمحامين هي الجامعة‪ ،‬ومن المهم أن‬
‫تقوم كليات الحقوق‪ ،‬بتدريس أخلقيات الوظائف القانونية‪ ،‬كالقضاء والمحاماة‪ ،‬من خلل‬
‫التركيز على المهارات التطبيقية والعملية‪ ،‬والقدرة على التسبيب‪ ،‬و بذلك يمكن أن يتخرج‬
‫القضاة والمحامون الكفأ (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪)79 :‬‬
‫إن الوسيلة الكثر فعالية في إصلح القضاء‪ ،‬ليست داخل أروقة المحاكم ‪ ،‬بل داخل‬
‫أروقة الجامعة أول‪ .‬وسبيل ذلك هو نبث أسلوب التعليم الذي يقوم على التقليد والتلقين‪ ،‬تلك‬
‫الفة التي تستوطن عادة نظام التعليم العربي عامة و القانوني خاصة‪.‬‬
‫إن إصلح التعليم القانوني على مستوى الجامعة‪ ،‬أقوى ضامن لستقلل القضاء على‬
‫المدى البعيد‪ ،‬وكل فرص التدريب ل توازى اكتساب أساس سليم من التعليم‪ ،‬أثناء دراسة‬
‫القانون في الجامعة‪ ،‬ولسيما في مجال المنطق القانوني والتفكير النقدي والبعاد الخلقية‬
‫والمهنية (انظر استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪)81:‬‬
‫إن من ما يعزز استقلل القضاء‪ ،‬أن يبلغ القضاة مستوى عاليا من الكفاية المهنية‪ ،‬من‬
‫أجل ذلك ينبغي أن ل يكون القضاة أقل من المعلمين‪ ،‬فالمعلمون لهم معاهد إعداد وتدريب‬

‫‪138‬‬

‫خاصة‪ ،‬تدرس فيها طرق التعليم ونظرياته‪ ،‬وعلوم النفس والجتماع والمناهج‪ ،‬وكذلك‬
‫القضاة‪.‬‬
‫فالقول بأن خريج كلية الحقوق أو الشريعة أو القانون صالح للقضاء قول على‬
‫عواهنه‪ ،‬لبرهان عليه—عندما يطبق على الواقع‪ -‬فلبد من إيجاد معاهد مختصة بإعداد‬
‫وتأهيل القضاة وأعضاء النيابة (انظر حمودة‪ )7 :‬لن استقلل القضاء ل يقف عند حدود‬
‫النصوص الدستورية بل لبد أن يتناول تكوين شخصية القاضي‪ ،‬بإعداده وتأهيله علميا‬
‫وخلقيا ومهنيا‪( ،‬القباني‪.)1 :‬‬
‫[‪]103‬‬
‫د‪-‬التدريب المستمر‪:‬‬
‫ول يغني كل ذلك عن التدريب للتأهيل المستمر (التدريب أثناء الخدمة) ليكون أوسع‬
‫أفقا‪ ،‬وأكثر انفتاحا على متغيرات العصر‪ ،‬و اقتدارا على مواكبة تطوراته وتحدياته‪ ،‬والقاضي‬
‫معني أكثر من غيره؛ بالتحولت القتصادية والجتماعية‪ ،‬التي تجتاح عالم اليوم ‪ ،‬وما‬
‫تطرحه التحولت من موضوعات ومنازعات مستجدة معقدة‪ ،‬يتطلب حلها مؤهلت خاصة‪،‬‬
‫وربما تحتاج إلى تخصص نوعي في مجالت متعددة (القباني‪.)3 :‬‬
‫و إن الصفات المهنية تنضج بالتدريب‪ ،‬وضعف التدريب له نتائج خطيرة‪ ،‬إذ يدفع‬
‫القاضي إلى العتماد على المشرفين عليه‪ ،‬حيث يتحاشى رفض أحكامهم‪ .‬والتدريب غير‬
‫الكافي‪ ،‬ينتج شعورا بعدم المان‪ ،‬فيؤدي إلى الخوف من رقابة الجمهور‪ ،‬من خلل العلم‪،‬‬
‫فيحد من البداع (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)28 :‬‬
‫أن القضاة الذين يحصلون على تدريب ضعيف‪ ،‬أكثر عرضة للوقوع في الفساد‬
‫المجتمعي السائد‪ ،‬وأكثر عرضة لرضاء السلطة‪ ،‬و لسيما التنفيذية في مجتمعات تعتبر فيها‬
‫معارضة السلطة قضية ل تحمد عقباها (انظر ستيفن جولب‪ :‬مساهمات المجتمع المدني في‬
‫استقلل القضاء ستيفن‪.)183 :‬‬

‫‪139‬‬

‫وقد يبدو لبعض الناس أن تدريب القضاة أو تأهيلهم في دورات أو حلقات‪ ،‬ينطوي على‬
‫تقليل من قدرهم‪ ،‬وهذا توهم لن التدريب ليس مجرد نزهة فكرية‪ ،‬بل هو تجديد للفعالية‬
‫والخبرات‪ ،‬وقديما أدرك فقهاؤنا أهمية التدريب فقد قال المام‪ :‬أبو حنيفة‪" :‬ل يترك القاضي‬
‫على قضائه إل سنة واحدة‪ ،‬لنه متى استقل بذلك نسى العلم‪ ،‬فينبغي أن ل يستمر‪ ،‬فيقول‬
‫السلطان للقاضي‪ :‬ما عزلتك لفساد فيك‪ ،‬ولكنى أخشى أن تنسى العلم‪ ،‬فادرس ثم عد إلينا‪،‬‬
‫لنقلدك ثانيا"(القباني‪.)3 :‬‬
‫[‪]104‬‬
‫هـ‪-‬أهمية توافر النزاهة والموضوعية‪:‬‬
‫وهناك صفات مهنية فوق المنصة‪ ،‬وصفات شخصية مسلكية خارج المنصة ومن‬
‫الصفات المهنية أن يكون القاضي محترفا‪ ،‬وهذا يتطلب خبرة وعلما وتدريبا‪.‬‬
‫فالصفات المهنية الممتازة‪ ،‬هي من معايير الداء الممتاز‪ ،‬وهي شرط لممارسة‬
‫القضاء‪ ،‬وهي فوق ذلك أفضل حماية شخصية ضد التدخلت الخارجية‪ ،‬التي تشين السلوك‬
‫المهني (استقلل القضاء في إيطاليا‪ :‬جويب دي فيديريكو‪ :‬دليل‪.)98 :‬‬
‫إن مناقشة الصفات المهنية ومناقشة المعايير المهنية؛ ينبغي أن تكون بصراحة‬
‫وعلنية أن تتسم بالشفافية‪ ،‬لكي تكون موضوعية‪ ،‬تعتمد على القدرات وحدها‪ ،‬من الصعب‬
‫تحديد صفات القاضي النزيه العادل‪.‬‬
‫إن معظم القياسات‪ ،‬تبين مستوى الذكاء‪ ،‬والمعرفة بالقانون‪ ،‬ولكن ثمة صفات مهنية‬
‫ومسلكية أهم منها يصعب قياسها‪ ،‬مثل النزاهة المهنية والرغبة في العمل الشاق‪ ،‬والستقامة‬
‫والتفاني واتخاذ القرار بناء على المداولت (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي‬
‫تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪ 27 :‬و استقلل القضاء في أمريكا‬
‫اللتينية‪ :‬مار جريت بوبكن ‪ )122‬ولذلك قيل‪ :‬العدل قضاة ل شرائع والحكم رجال ل نصوص‬
‫(القباني‪.)32 :‬‬
‫[‪]105‬‬
‫‪140‬‬

‫‪=32‬المعيار الثاني والعشرون‪:‬‬
‫تكامل هياكل القضاء‪:‬‬
‫أ‪-‬هياكل القضاء السلمي القديم‪:‬‬
‫كان الهيكل القضائي في العصور السلمية القديمة يتكون من‪:‬‬
‫‪-1‬القضاء العام‪:‬‬
‫‪-2‬قضاء الحسبة‪:‬‬
‫ويختص بقضايا النظام العام والداب والجنايات المستعجلة‪.‬‬
‫‪ -3‬قضاء المظالم‪:‬‬
‫وهو يختص بالقضايا الكبيرة‪ ،‬والنزاعات التي تحتاج إلى مزيد قوة في التنفيذ‪ ،‬فهو‬
‫قضاء مالي وإداري يبت في دعاوى الفراد والجماعات ضد الدولة‪ ،‬و يقوم بتنفيذ الحكام‬
‫التي يعجز عنها القاضي وصاحب الحسبة‪.‬‬
‫وهذه الهياكل إنما هي اجتهادات رأى السالفون أنها تسد احتياجاتهم‪ ،‬في ظل نظام‬
‫سياسي مستبد جوره أكثر من عدله‪.‬‬
‫إذن ل ينبغي للناس اليوم أن يبرروا الهياكل القضائية المتوارثة في العصور السوالف‪،‬‬
‫فالسلمية هي اتخاذ الجراءات والليات والهياكل التي تضمن مبادئ عدالة القضاء‬
‫ونزاهته‪ ،‬التي أقرها السلم‪ ،‬فما أدى إلى المقصد الشرعي‪ ،‬من الوسائل والليات‬
‫والجراءات والهياكل المباحة فإنما هو من الشريعة‪ ،‬ولو لم ينطق به الكتاب‪ ،‬ولم يعمله‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما قال ابن القيم وابن عقيل‪ ،‬في غير هذا السياق‪.‬‬
‫من أجل ذلك فإن الخذ بالوسائل الحديثة التي جربتها دول متقدمة‪ ،‬فضمنت بها العدالة‬
‫والنزاهة‪ ،‬إنما هو من ما دلت عليه الشريعة‪ ،‬هو من المصالح التي دل الشرع على أصلها‪،‬‬
‫وإن لم يدلل على آلياتها و وسائلها الشرع بنفي ول إثبات من جانب‪.‬‬
‫فالشرع دل على عدالة القضاء ونزاهته‪ ،‬وبين أن الهوى هو سبب الفساد‪ ،‬وذم ال‬
‫الهوى في كتابه مرارا‪ ،‬والهوى ضد النصاف والعدل والسداد‪ ،‬واستقلل القضاء هو سلمته‬
‫‪141‬‬

‫من الهوى‪ ،‬وكل الوسائل التي تؤدي إلى سد الثغرات‪ ،‬التي يدخل منها الهوى‪ ،‬وتضمن الحكم‬
‫بالقواعد الشرعية مشروعة‪.‬‬
‫تماما كمسائل التعليم وهياكله‪ ،‬فهناك هياكل للتعليم‪ ،‬كالمدارس والفصول والكتب‬
‫والمدرسين والدارة المدرسية‪ ،‬وهناك هياكل للقضاء‪ ،‬هذه الهياكل من الجراءات‪ ،‬التي ل‬
‫يمكن تنفيذ مبدأ العدالة ومبدأ التعليم من دونها‪.‬‬
‫من أجل ذلك فإنه ليس من الفقه في الشريعة؛ محاربة الهياكل التي تضمن نزاهة‬
‫القضاء واستقلله‪ ،‬كتوزيع سلطة الدولة أثلثا وتوكيل محام‪ ،‬وفصل قضاء التحقيق والدعاء‬
‫العام عن قضاء الحكم‪ ،‬وإنشاء محكمة عدل دستورية عليا‪،‬ووضع محاكم متخصصة بالقضايا‬
‫المتكاثرة‪.‬‬
‫إن محاربة هذه الهياكل والجراءات تحت شعار الدفاع عن الشريعة‪ ،‬إنما هو ركود‬
‫في الفقه وجمود‪ ،‬وركون إلى التقليد والمألوف‪ ،‬يصد الذهن عن الوقائع والنوازل المستجدة‪،‬‬
‫فيعجز عن الجتهاد والتجديد‪ ،‬ويغلف عجزه بغلف الشريعة‪ ،‬وليس ذلك من الشريعة‪ ،‬إنما‬
‫هو غفلة عن هدي الشريعة‪ ،‬امتطاها الغافلون عن تمييز مبادئ العدل السلمي‪،‬وهي مقاصد‬
‫شرعية ثابته‪ ،‬ووسائل تحقيقها وهي واجراءات وهياكل متغيرة‪ ،‬وقد تناسب الدولة الحديثة‬
‫اليوم‪ ،‬وسائل لم تناسب العصور القديمة‪.‬‬
‫فأساءوا إلى الدين‪ ،‬عندما أسهموا في الحفاظ على هياكل وإجراءات‪ ،‬ل تستطيع أن‬
‫تسد احتياج الناس‪ ،‬فاتسم القضاء بالبطء في إصدار الحكام‪ ،‬والعجز عن الحلول العملية‪،‬‬
‫والمماطلة في تنفيذ أحكامها‪.‬‬
‫فأسهم ذلك في نشر الظلم و الجحاف باسم تطبيق الشريعة‪ ،‬فقدموا السلم ظهيرا‬
‫للدكتاتورية والستبداد وأكل أموال الشعوب‪ ،‬فتركوا فراغا في ميدان القضاء‪ ،‬وكان فرصة‬
‫لدخول العلمنة‪ ،‬التي نشرت العدل والقسطاس‪ ،‬و اتخذت العدالة والحرية مركبة لنشر‬
‫المبريالية‪ ،‬والفرنجة والعلمانية‪ ،‬فزادت هيمنتها على الشعوب‪.‬‬
‫[‪]106‬‬
‫ب‪-‬الهياكل في النظمة الدستورية‪:‬‬
‫‪142‬‬

‫اتجهت الدول الدستورية‪ ،‬إلى ضمانات إجرائية‪ ،‬لنزاهة القضاء وعدالته‪ ،‬بإنشاء‬
‫هياكل قضائية ذات وظائف قضائية محددة‪ ،‬تسد ذرائع المحسوبية والفساد والتدخلت‬
‫وتسرع البث في القضايا‪.‬‬
‫أولً‪ :‬أهم هياكل القضاء المتكامل في الدولة الحديثة‪:‬‬
‫‪-1‬هياكل القضاء العام‪:‬‬
‫‪-2‬محكمة العدل (الدستورية) العليا‪ :‬وقد سبق تفصيلها‬
‫‪-3‬المجلس العلى للقضاء واختصاصه مايلي‪:‬‬
‫‪-1‬تعيين قضاة المحاكم‬
‫‪-2‬وضع مشروع المناقلت واللحاقات والنتدابات القضائية (استقلل القضاء في‬
‫لبنان‪ :‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني‪.)9 :‬‬
‫وقد سبق تفصيله‬
‫‪-4‬القضاء الداري‪ :‬وقد سبق تفصيله‬
‫‪-5‬القضاء المالي (ديوان المحاسبة)‪ :‬يبحث في مراقبة استعمال الموال‪ ،‬ومدى انطباق‬
‫الستعمال على القوانين والنظمة الرسمية الجراء‪ ،‬وصحة وقانونية معاملتها وحساباتها‪،‬‬
‫ومحاكمة المسئولين عن مخالفة القوانين والنظمة المتعلقة بها (قباني‪.)15 :‬‬
‫‪-6‬هيئة التحقيق والدعاء العام‪ :‬ومن علمات ارتباطها بالقضاء؛ أن يمكن نقل‬
‫القاضي من قضاء الدعاء إلى قضاء المحاكم ‪ ،‬كما أن من اختصاص المحاكم العادية أن‬
‫تنظر في جميع الدعاوى الجزائية ولكن قضاة الحكم (الجالسون)‪ .‬منفصلون عن قضاة‬
‫التحقيق (الواقفون)‪ .‬وقد سبق شرحها‪.‬‬
‫‪ -7‬قضاء التنفيذ‪ :‬لتنفيذ أحكام المحاكم وقراراتها وأوامرها أو متابعة تنفيذها‪.‬‬
‫‪-8‬هيئة السجون‬
‫‪-9‬التفتيش القضائي‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫‪ -10‬المجلس التأديبي‪ :‬ويبحث المجلس التأديبي طلبات التأديب‪ ،‬بناء على إحالة من‬
‫هيئة التفتيش القضائي (قباني‪.) 10 :‬‬
‫ثانيا‪ :‬تقسيم هياكل القضاء العام هرميا‪:‬‬
‫توزيع السلطة القضائية حسب تنوع القضايا والمتقاضين ‪ ،‬والمحاكم الخاصة بالمور‬
‫العائلية‪ ،‬ومن هياكل ذالك(في النموذج اللبناني)‪:‬‬
‫‪-1‬محاكم الدرجة الولي‪.‬‬
‫‪-2‬محاكم الستئناف‪ .‬تنظر في طلبات استئناف الحكام الصادرة من محاكم الدرجة‬
‫الولى‪.‬‬
‫‪-3‬محاكم التمييز (النقض)‪ .‬ويوجد في كل محافظة محكمة استئناف‪ .‬ومحكمة التمييز‬
‫على رأس المحاكم‪ ،‬فهي محكمة عليا‪ ،‬ولديها نيابة عامة (ادعاء عام) يرأسها نائب عام‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬تقسيم هياكل القضاء موضوعيا‪:‬‬
‫‪-1‬قضاء مدني عادى في القضايا المدنية والتجارية‪.‬‬
‫‪-2‬القضاء المستعجل وهو يبت في التدابير المستعجلة‪ ،‬في المواد المدنية والتجارية‪،‬‬
‫دون التعرض لصل الحق‪ ،‬مع الحتفاظ بصلحية رئيس دائرة التنفيذ‪.‬‬
‫‪-3‬قضاء عقاري‪ ،‬ومهمته الشراف على التحديد والتحرير في المحافظة التي عين‬
‫ضمن نظامها‪ ،‬وتصحيح الخطأ في السجل العقاري‪.‬‬
‫‪-4‬قضاء عمالي العمل ويتناول الخلفات الحاصلة بين أرباب العمل‪ ،‬والصرف من‬
‫الخدمة والحد الدنى من الجور (القباني‪.)6 :‬‬
‫‪ -5‬القضاء الجنائي‪ :‬يختص برؤية الدعاوي الجزائية بصورة رئيسية وملحقة‬
‫الجرائم‪ ،‬وإنزال العقاب بالمجرمين‪ ،‬بعد التثبت من إدانتهم‪.‬‬
‫‪-6‬محكمة مطبوعات تنظر في الدرجة الولى في جرائم المطبوعات‪ ،‬وتراجع أحكامها‬
‫محكمة التمييز (القباني‪.)8 :‬‬

‫‪144‬‬

‫[‪]107‬‬

‫‪=33‬المعيار الثالث والعشرون‪:‬‬
‫الجر الوافي يصون نزاهة القاضي و‬
‫كرامته‪:‬‬
‫أ‪ -‬زيادة أجره عن نظرائه في الوظائف غير القضائية‪:‬‬
‫نص الفقهاء على أن يتفرغ القاضي للقضاء‪ ،‬و أن ل ينشغل بأي عمل آخر‪ ،‬كما روي‬
‫عن شريح‪" :‬شرط علي عمر حين وسدني القضاء أن ل أبيع ول أبتاع" (فارس‪ .)50:‬ونص‬
‫الفقهاء على أن من ضمانات نزاهة القضاء‪ ،‬أن ل يباشر القاضي البيع والشراء لنفسه‪ ،‬وأن‬
‫ل يكثر غشيان السواق‪ ،‬حفظا لكرامة القضاء‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك صار من الطبيعي أن يضمن له أجر كاف‪ ،‬كما قال النووي "رزق‬
‫القاضي بقدر كفايته وكفاية عياله على ما يليق بحالهم من النفقة والكسوة وغيرهما"‪ ،‬بل إن‬
‫توجيهات عمر بن الخطاب‪ ،‬نصت على أن يكون وافيا‪ -‬ل كافيا فحسب‪ -‬فقد كتب عمر بن‬
‫الخطاب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام "انظرا رجال من صالحي من‬
‫قبلكم فاستعملوهم على القضاء‪ ،‬وارزقوهم وأوسعوا عليهم"‪.‬‬
‫في العصر الراشدي اشترط الخليفة على القضاة أن يتفرغوا لمنصب القضاء وأن ل‬
‫يتبايعوا في السواق‪ ،‬وقرر للقاضي أجرا عاليا‪ ،‬يكفيه ويكفي عياله‪ ،‬ويليق بمقامه‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي أن ل يعتد بأقوال الفقهاء (كبعض الشافعية) التي تحرم أخذ الجرة‬
‫على القاضي إذا كان ميسورا‪( ،‬انظر مغني المحتاج‪ :‬كتاب القضاء)‪.‬‬
‫وعلى كل حال فإن القضاة بشر غير معصوم‪ ،‬ووضعهم في ظروف معيشية واقتصادية‬
‫حسنة‪ ،‬يسهم في اطمئنانهم بضمان عيشهم وعيش أولدهم‪ ،‬فإذا كان القاضي ل يجوز له كما‬
‫في الحديث الشريف‪ ،‬أن يقضى وهو جوعان أو غضبان أو حاقن‪ ،‬لن ذلك يخل باعتدال‬
‫مزاجه وحياده‪ ،‬فكذلك أيضا إذا قضى وهو مثقل بالديون والفقر‪ .‬لن وضع القضاة في‬
‫ظروف معيشية واقتصادية صعبة قد يؤثر على نزاهتهم (زينات المنصوري‪.)13 :‬‬
‫‪145‬‬

‫وقد تقرر في معايير القضاء الدستورية‪ ،‬أن يكون أجر القاضي وافيا‪ ،‬إذ الجر الجيد‬
‫عنصر هام في استقلل القضاء‪ ،‬ومن الصعب الحد من الفساد بين القضاة‪ ،‬إذ كانوا غير‬
‫قادرين على تلبية احتياجهم وأسرهم الضروري بل والكمالي‪ ،‬فزيادة أجور القضاة وسيلة‬
‫فعالة‪ ،‬لتحسين استقلل القضاة (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز‬
‫استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪ .)41:‬إن كفاية دخل القضاة‪ ،‬أحد العوامل‬
‫المهمة في تقوية استقلل القضاء (استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪ :‬دليل‪.)78:‬‬
‫من أجل ذلك جرت العادة في غالب الدول ولسيما الغربية‪ ،‬أن يتقاضى القاضي أجرا‬
‫أكثر من أنداده في مستوى التعليم‪ ،‬و أكثر من نظرائه في ظروف العمل ومناطقه (انظر‬
‫استقلل القضاء في الوليات المتحدة المريكية‪ :‬ميراجو راري وراسل ويلر‪ :‬دليل ‪.)145:‬‬
‫[‪]108‬‬
‫ب‪-‬تساويهم في المكافآت‪:‬‬
‫وينبغي أن يتساوى القضاة المتماثلون في الرتب‪ ،‬في سلم الجور والمزايا والمكافآت‪،‬‬
‫فل يجوز تفضيل النداد على بعض‪ ،‬بمميزات مالية نقدية‪ ،‬كالمخصصات والكراميات‪ ،‬أو‬
‫منقولة كالسيارات والهواتف‪ ،‬أو غير منقولة‪ ،‬كالراضي السكنية والزراعية‪ .‬لن تفضيل‬
‫بعضهم بالمزايا الخاصة على بعض‪ ،‬مدخل من مداخل سيطرة الحكومة على القضاء‪ .‬كما‬
‫حدث في البلدان الشيوعية‪ ،‬كرومانيا وروسيا وأوكرانيا (استقلل القضاء في أوربا إدوين‬
‫ريكوش‪ :‬دليل‪ ،)75 :‬وفي بعض البلدان العربية كالسعودية (انظر للكاتب‪ :‬استقلل القضاء‬
‫السعودي عوائقه وطرق تعزيزه)‪.‬‬
‫[‪]109‬‬
‫ج‪-‬إعلن القضاة عن دخلهم‪:‬‬
‫وجرت العادة في الدول الحديثة؛ أن يكشف القضاء عن مواردهم ‪ ،‬تحاشيا لحتمال‬
‫وجود تضارب بين مصالحهم الشخصية والمصالح العامة‪ .‬ويعد العلن عن الدخل شرطا‬
‫ضروريا لسد ذرائع الفساد‪ ،‬وإن لم يرض عنه القضاة (استقلل القضاء في أمريكا‬
‫اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪ :‬دليل‪.)128 :‬‬
‫‪146‬‬

‫نعم أكثر فئات المجتمع استقامة‪ ،‬وأكثرهم ضميرا حيا‪ ،‬وأكثرهم إنصافا واعتدال‪،‬‬
‫وهذه الصفات هي التي تؤهلهم للقضاء‪ ،‬ولكنهم أيضا جزء من المجتمع‪ ،‬وإفراز له‪ ،‬ومن‬
‫الطبيعي أن يتأثروا بما يدور حولهم من تغيرات في الحياة وفي القيم‪( ،‬زينات‪.)10 :‬كما‬
‫أشرنا سابقا في البعد المسلكي والمهني‪ ،‬ومن الضروري أن يكونوا أيسر من غيرهم‪ ،‬ليسهم‬
‫الجر الوافي في ضمان النزاهة‪ ،‬وسد أبواب الهوى والمصالح الخاصة‪.‬‬
‫[‪]110‬‬

‫‪ =34‬المعيار الرابع‬
‫والعشرون‪:‬توافر جمعيات للقضاة ‪:‬‬
‫أ‪-‬القاضي الذي ل يأخذ حقوقه عاجز عن تخليص حقوق‬
‫الضعاف من براثين القوياء‪:‬‬
‫فاقد الشيء ل يعطيه‪ ،‬ل يستطيع القضاة أن يدافعوا عن حقوق المجتمع سياسية‬
‫واقتصادية وثقافية ومدنية إذا لم ينالوا حقوقهم كاملة‪.‬‬
‫إذا انتهكت الحكومة حقوق القاضي في التفكير والتعبير والجتماع والتجمع وإصدار‬
‫المجلت والبحاث‪ .‬فكيف يتوقع أن يستطيع قاض انتهكت حقوقه؛ انتزاع حقوق المظلومين‬
‫من الظالمين‪ ،‬من أجل ذلك فإن المطالبة المباشرة بحقوق القضاة‪ ،‬ينبغي أن يتبناها دعاة‬
‫إصلح القضاء‪ ،‬قبل مطالبة القضاة بتعزيز استقلل القضاء‪ ،‬لن المطالبة‪-‬المباشرة‪ -‬بحقوق‬
‫القضاة‪،‬هي مطالبة ‪-‬غير مباشرة‪-.‬بحقوق الناس‬
‫من أجل ذلك تتبين أهمية حصانة القاضي من التعسف تولية وترقية ونقل وعزل‬
‫وأهمية الجر الوافي‪ ،‬وأهمية كونه قاضيا أصيل‪ ،‬لتملى عليه وزارات الداخلبة الحكام‬
‫القاسية‪ ،‬ضد من تتوهمهم خصوما لها‪ ،‬من خلل قاعدتي الخلل بالعدل عامة‪ ،‬والسياسي‬
‫خاصة‪ :‬ولي المر أدرى بالمصلحة‪ ،‬وهو القاضي الصيل‪ ،‬ونحو ذلك من ما سبق تفصيله‪.‬‬
‫وأهم آلية لحفظ حقوق القضاة‪ ،‬بل هي العلمة البارزة على تمتع القضاة بهذه‬
‫الحقوق‪ ،‬أن يستطيعوا أن ينشئوا جمعيات قضائية أهلية‪،‬ولجمعيات القضاة وظائف عديدة‪:‬‬
‫‪ -1‬الدفاع عن المصالح الخاصة بأشخاص القضاة‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫‪ -2‬تعزيز الشعور بأهمية المهنة والزمالة واحترام الذات‪ .‬و وضع المواثيق الخلقية‬
‫والدفاع عنها‪.‬‬
‫‪ -3‬النهوض بالقضاء من خلل تدعيم جهود التدريب‪ .‬وتنمية القيادة القضائية والدفاع‬
‫عن الصلح (الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪:‬‬
‫مجموعة من القانونيين‪ :‬دليل‪.)42 :‬‬
‫‪ -4‬مشاركة القضاة في الدفاع عن الحقوق العامة للمواطنين‪.‬‬
‫على الرغم من أن مفهوم المجتمع المدني الهلي كان حاضرا في بدايات صدر‬
‫السلم‪ ،‬وكان المسجد أهم معالمه على مر الجيال‪،‬و على الرغم من أن مفهوم النقابات كان‬
‫حاضرا في المجتمع العباسي‪ ،‬وأن تجمعات الفقهاء والقضاة ونحوها كانت موجودة‪ ،‬لكنها لم‬
‫تكن فعالة‪ ،‬لنها لم يكن أكثر من تجمع آني غير مؤسسي‪ ،‬بل لعل الفئات المنحرفة‬
‫كالعيارين؛ فعّلت هذا المفهوم للفساد؛ أكثر من ما فعلته قوى الصلح والسداد‪ ،‬ولذلك لم يكن‬
‫للقضاة تجمع فعال‪ ،‬يسهم في دعم القضاء‪.‬‬
‫[‪]111‬‬
‫ب‪-‬القاضي والسياسة بين المشاركة والتحزب ‪:‬‬
‫وينبغي هنا التفريق بين الموقف السياسي والنتماء لحزب سياسي‪ ،‬والمعروف في‬
‫الدول التي استقرت فيها معايير استقلل القضاء؛ أن النشاط السياسي مسموح به إذا كان‬
‫تعبيرا عن موقف‪ ،‬ولم يصل إلى درجة النتماء إلى حزب سياسي‪.‬‬
‫من ما يخل باستقلل القضاء‪ ،‬أن ينتمي القضاة لي حزب سياسي‪ ،‬من أجل ذلك يحظر‬
‫على القضاة النتماء إلى حزب سياسي‪ ،‬ويعتبر القاضي مستقيلً بقوة القانون بمجرد‬
‫انخراطه الحزبي‪ ،‬كما في الجزائر (استقلل القضاء في الجزائر جادي عبد الكريم‪.)13 :‬‬
‫وقد اعتبرت بعض الدول (كفرنسا) أن الضراب من ما يخل بجللة القضاء‪ ،‬فلم توافق‬
‫على أن يكون للقضاة حق الضراب (استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪ :‬دليل‪.)87 :‬‬

‫‪148‬‬

‫ويحظر في دول عربية (كالجزائر) على القاضي كل موقف يكتسي صبغة سياسية‪،‬‬
‫باعتباره نشاطا ل يتناسب مع استقلل القضاء وجللته (استقلل القضاء في الجزائر جادي‬
‫عبد الكريم‪.)13 :‬‬
‫وتعبير القاضي عن موقف سياسي؛ ل يخلو من سلبيات في البلدان التي لم يرسخ فيها‬
‫استقلل القضاء‪ ،‬إذ إن مواقف القضاة في الغالب ستكون تأييدا للحكومة‪ ،‬في ما تتخذه من‬
‫إجراءات ضد الشعب أو المعارضة‪ ،‬وهذا يجعل من إعلن مواقفهم‪ ،‬داعيا إلى إحالة قضايا‬
‫سياسية إليهم‪ ،‬وذلك ينطوي على إخلل كبير بالعدالة‪.‬‬
‫ومن أجل سد ذرائع الخلل بالعدالة؛ صارت بعض الدول (كالمغرب) تحظر على‬
‫القضاة؛ أن يكتبوا إل بإذن وزير العدل‪ ،‬وفى بعض الدول‪ ،‬ل يسمح للقاضي أن يشير إلى‬
‫صفته عندما يكتب في صحيفة إل بأذن من وزير العدل (السراج‪.)20:‬‬
‫[‪]112‬‬
‫د‪-‬دور جمعيات القضاة في تعزيز الستقلل‪:‬‬
‫لكن دور جمعيات القضاة متفق عليه‪ ،‬على الرغم من أنها‪-‬في بعض الدول‪ -‬جاءت‬
‫تكتل للحصول على امتيازات أفضل‪ ،‬فلم تكن غايتها الصلح المؤسسي إل نادرا‪ ،‬لكنها كانت‬
‫عنصرا أساسيا في الصلح في بلدان أخرى‪ ،‬من خلل طبيعة اهتماماتها السابقة (الجراءات‬
‫المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من القانونيين‪:‬دليل‪:‬‬
‫‪.)42‬‬
‫فقد كانت جمعيات القضاة في فرنسا؛ إحدى القوة البارزة خلف الصلح القضائي عامة‬
‫واستقلل القضاء خاصة (استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪:‬دليل‪.)90.87:‬‬
‫فإذا لم توجد جمعيات للقضاة‪ ،‬تصبح المطالبة بها شرطا من شروط إصلح القضاء‪،‬‬
‫فإنشاء جمعيات قضائية تطوعية‪ ،‬تمثل مصالح القضاة من الساليب التي يمكن أن يتبعها‬
‫المجتمع الهلي المدني‪ ،‬وتدعم استقلل القضاء‪( ،‬استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪:‬‬
‫دليل‪.)79 :‬‬
‫[‪]113‬‬
‫‪149‬‬

‫المراجع‬
‫‪-1‬الجراءات المؤسسية والنظمة المؤسسية التي تعزز استقلل القضاء‪ :‬مجموعة من‬
‫القانونيين) ‪(:‬دليل تعزيز استقلل القضاء) ‪.‬ترجمة ونشر‪ :‬المؤسسة الدولية لنظمة‬
‫النتخابات‪.‬بإسهام من برنامج المم المتحدة للنماء‪ .‬يناير ‪2003‬م‪.‬‬
‫‪-2‬الستقلل والمسئولية‪ :‬لين هامر جرن‪( :‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‬
‫‪-3‬استقلل القضاء في الردن‪ :‬تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في استقلل‬
‫القضاء‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪ /‬المنعقد في القاهرة ‪21‬فبراير‪24-‬سنة ‪/2003‬فاروق‬
‫الكيلني‪.‬‬
‫‪ -3‬استقلل القضاء في السلم‪ ....‬شحاته‪.‬‬
‫‪-4‬استقلل القضاء في أفريقيا جنيفر وندر‪( :‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪-5‬استقلل القضاء في أمريكا اللتينية‪:‬مار جريت بوبكن‪( :‬دليل تعزيز استقلل‬
‫القضاء)‪.‬‬
‫‪-6‬استقلل القضاء في أوربا إدوين ريكوش‪( :‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪-7‬استقلل القضاء في إيطاليا‪:‬جويب دي فيديريكو‪(93:‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪-8‬استقلل القضاء في البحرين‪ .‬زينات المنصوري (أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-9‬استقلل القضاء في تونس غازي الغرايري‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪--10‬استقلل القضاء في الجزائر‪ .‬جادي عبدالكريم(أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-11‬استقلل القضاء السعودي‪ .‬عوائقه وسبل تعزيزه‪ .‬د‪ /‬أبو بلل عبد ال الحامد‪.‬‬
‫(أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-12‬استقلل القضاء في سورية‪ .‬هاشم مناع‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-13‬استقلل القضاء في العالم العربي‪.‬ناثان ج‪.‬براون وعادل عمر شريف(أبحاث‬
‫مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫‪-14‬استقلل القضاء في العراق‪:‬النظام القضائي في العراق‪.‬عبد الحسين شعبان(أبحاث‬
‫مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-15‬استقلل القضاء في فرنسا‪:‬لويس أوكوان‪(82:‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪-16‬استقلل القضاء في لبنان‪:‬تنظيم واستقلل السلطة القضائية‪ .‬خالد القباني‪( .‬أبحاث‬
‫مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪ -17‬استقلل القضاء في مصر‪ :‬حق المواطن العربي في اللجوء إلى قاضيه‬
‫الطبيعي‪.‬محمد كامل عبيد(أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪ -18‬استقلل القضاء في المغرب أحمد السراج‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة‪.‬‬
‫‪-19‬استقلل القضاء في الوليات المتحدة المريكية‪:‬ميراجو راري وراسل ويلر‪( :‬دليل‬
‫تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪-20‬استقلل القضاء في اليمن حمودة الهيتار ‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-21‬استقلل القضاء من منظور عالمي‪.‬كيث هندرسون(أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪-22‬إطار برنامج استقلل القضاء‪:‬أريك جانسون‪( :‬دليل تعزيز استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪ -23‬المعان في حقوق النسان‪ .‬هيثم مناع‪.‬‬
‫‪ -24‬تبصرة الحكام‪ .‬ابن فرحون‪.‬‬
‫‪ -25‬تفسير ابن سعدي‪...‬‬
‫‪ -26‬تفسير الفخر الرازي‪.‬‬
‫‪ -27‬تفسير القرطبي‬
‫‪ -28‬تفسير المنار‪.‬‬
‫‪ -29‬تفسير النيسابوري‪.‬‬
‫‪ -30‬جامع الصول‪ .‬ابن الثير‬
‫‪ - -31‬حقوق النسان في السلم يين العهد الشوري وعهود الستبداد‪ .‬أبو بلل‬
‫الحامد‪( .‬لندن‪1415:‬هـ)‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫‪ -32‬حقوق المتهم في السلم بين ظلل الحكم الشوري وعهود الجبر‪ .‬أبو بلل‬
‫الحامد‬
‫‪ -33‬الدستور السلمي منقذ من الستبداد والمبريالية معا‪ .‬أبو بلل عبد ال الحامد‪.‬‬
‫‪ -34‬دور إدارة المحاكم في تعزيز استقلل القضاء‪ :‬وليام ديفيس‪( :‬دليل تعزيز استقلل‬
‫القضاء)‬
‫‪ -35‬الطرق الحكمية‪ .‬ابن القيم‪.‬‬
‫‪ -36‬الفروق‪.‬القرافي‬
‫‪ -37‬لمحات من تاريخ استقلل القضاء‪ .‬عبد العزيز آل الشيخ‪.‬‬
‫‪ -38‬مجموعة بنود استقلل القضاء‪.‬كيث هندرسون‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪ -39‬المحكمة الجنائية الدولية نصيرا للمدافعين عن حقوق النسان‪.‬إيفيلين سير‬
‫مارين‪( .‬أبحاث مؤتمر العدالة الثاني)‪.‬‬
‫‪ -40‬مساهمات المجتمع المدني في استقلل القضاء‪:‬استيفن جولب‪( :‬دليل تعزيز‬
‫استقلل القضاء)‪.‬‬
‫‪ -41‬معالم استقلل القضاء في الشريعة‪ .‬عمار التهامي‪( .‬مجلة البحوث الفقهية‪ .‬ربيع‬
‫الول ‪1417‬هـ)‪.‬‬
‫‪ -42‬مدى صلحية القرائن في إدانة المتهم‪ .‬بحث‪ .‬عبد ال البسام‪.‬‬
‫‪ - 43‬المشكل والحل‪ :‬الستبداد والشورى‪ .‬أبو بلل الحامد‪( .‬دار العلوم العربية‪.‬‬
‫بيروت ‪1425‬هـ (‪2004‬م)‪.‬‬
‫‪ -44‬نظرية براءة المتهم‪ .‬عبد ال بن منيع‪ .‬بحث‪.‬‬

‫الفهرس‪:‬‬
‫رقم المقالة‪ ...................................................../‬رقم الفقرة‪:‬‬
‫‪=1‬شــــكــــر‪]1[........................................................‬‬
‫‪=2‬فاتحة ما سبب قوة الروم والفرنج وضعف العرب والمسلمين؟‪]3[.............‬‬
‫‪152‬‬

‫‪=3‬تعريف استقلل القضاء‪]5[....................................................:‬‬
‫‪=4‬القضاء في العالم العربي‪]8[ .................................................:‬‬
‫‪ =5‬هل يصح وصف أي نظام حكم بأنه إسلمي إذا كان غير شوري‪]11[...............‬‬
‫‪=6‬تصفية أنماط القضاء الثراثي والحداثي في مصفاة صريح الشريعة وصحيح علوم‬
‫النسان والطبيعة‪]14[.......................................................‬‬
‫‪=7‬العلقة بين استقلل القضاء ومسئوليته‪]16[...................................‬‬
‫‪=8/‬استقلل القضاة حرف واحد من أبجديةاستقلل القضاء‪]19[...................‬‬
‫‪ :=9/‬أهمية استقلل القضاء‪]22[.................................................‬‬
‫‪:=10/‬معايير استقلل القضاء الدولية في بوتقة الشريعة السلمية المعيار الول‪ :‬إقرار‬
‫حقوق النسان‪]30[.........................................................:‬‬
‫‪=11/‬المعيار الثاني‪:‬حماية حقوق المتهم من انتهاك البوليس‪]26[................:‬‬
‫‪=12/‬المعيار الثالث‪ :‬ل ضمان لعدل القضاء إل في نظام حكم شورى‪]35[.........‬‬
‫‪ :=13/‬المعيار الرابع‪ :‬لضمان لي نظام حكم شوري بغير هيكل دستوري يوزع‬
‫السلطة‪]39[..................................................................‬‬
‫‪=14/‬المعيار الخامس‪ :‬ل ضمان لحكم دستوري من قيام التجمعات المدنية الهلية بتجسيد‬
‫سلطة المة‪]43[..........................................................‬‬
‫‪=15/‬المعيار السادس‪ :‬رقابة القضاء على السلطة التنفيذية والنيابية‪ :‬إنشاء (محكمة عدل‬
‫عليا) دستورية‪]49[...............................................................‬‬
‫‪=16/‬المعيار السابع‪ :‬عدم انفراد السلطة التنفيذية بالتعيين والتشكيل‪]53[........:‬‬
‫‪=17/‬المعيار الثامن‪ :‬حصانة القضاة من التعسف في العزل ‪]57[.................:‬‬
‫‪=18/‬المعيار التاسع ‪ :‬حصانة القضاة من التعسف ‪ :‬تفتيشا وتأديبا و ترقية ونقل ‪[....‬‬
‫‪]60‬‬
‫‪=19/‬المعيار العاشر‪ :‬شمول القضاء الشرعي جميع أنواع القضايا و إلغاء المحاكم‬
‫الستثنائية بوليسية وعسكرية وإدارية واقتصادية‪]64[...................:‬‬
‫‪153‬‬

‫‪ :=20/‬المعيار الحادي عشر‪ :‬استقلل القضاء في الفصل في القضايا وانعدام التدخلت‪[.‬‬
‫‪]68‬‬
‫‪=21/‬المعيار الثاني عشر‪ :‬هيئة التحقيق والدعاء العام تتبع القضاء أو يشرف‬
‫عليها‪]70[........................................................................:‬‬
‫‪=22/‬المعيار الثالث عشر‪ :‬السجون تلحق بوزارة العدل أو يشرف عليها القضاء‪]72[.. :‬‬
‫‪=23/‬المعيار الرابع عشر‪:‬أن ينفذ القضاء أحكامه بنفسه (بتعيين قاض تنفيذي في كل‬
‫محكمة)‪]74[...........................................................................‬‬
‫‪=24/‬المعيار الخامس عشر‪ :‬تحديدقواعد القضاء بين الناس (الساس القانوني)‪[...... :‬‬
‫‪]76‬‬
‫‪=25/‬المساطر تضبط انفلت اجتهاد الضمائر وهذا هو روح الشريعة‪]80[.......:‬‬
‫‪=26/‬قاعدة قضائية تضبط العدالة خير من ألف ضمير قاض نزيه‪]84[..........:‬‬
‫‪=27/‬المعيار السادس عشر‪:‬علنية المحاكمة عامة والسياسية خاصة‪]87[.......:‬‬
‫‪ =28/‬المعيار السابع عشر‪ :‬الشفافية‪]89[.......................................:‬‬
‫‪=29/‬المعيار الثامن عشر‪ :‬سرعة البت في القضايا‪]91[..........................:‬‬
‫‪=30/‬المعيار التاسع عشر‪ :‬تجنب المركزية‪]94[..................................:‬‬
‫‪=31/‬المعيار العشرون‪ :‬استقلل القضاء بشؤونه الدارية والمالية‪]96[...........:‬‬
‫‪=32/‬المعيار الحادي والعشرون‪ :‬وسائل تضمن كفاية القضاة (مهنيا ومسلكيا‪[........‬‬
‫‪]100‬‬
‫‪=33/‬المعيار الثاني والعشرون‪ :‬تكامل هياكل القضاء‪]105[......................:‬‬
‫‪=34/‬المعيار الثالث والعشرون‪ :‬الجر الوافي يصون نزاهة القاضي وكرامته‪]107[...:‬‬
‫‪=35/‬المعيار الرابع والعشرون‪:‬توافر جمعيات للقضاة‪]110[....................:‬‬
‫‪=36/‬المراجع‪]113[..............................................................‬‬

‫‪154‬‬

155

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful