‫طوق الحمامة‬

‫ابن حزم‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬وبه نستعين‬
‫قال أبا محمد عفا ال عنه‪ :‬أفضل ما أبتدئ به حمد ال عز وجل بما هو أهله‪،‬‬
‫ثعم الصعلة على محمعد عبده ورسعوله خاصعة‪ ،‬وعلى جميعع أنعبيائه عامعة‪ ،‬وبععد‪.‬‬
‫عصعمنا ال واياك معن الحيرة‪ ،‬ول حملنعا مال طاقعة لنعا بعه‪ ،‬وقيعض لنعا معن جميعل‬
‫عونعه دليل هادياً إلى طاعتعه‪ ،‬ووهبنعا معن توفيقعه أدباً صعارفاً ععن معاصعيه ول‬
‫وكلنا إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا و وهاء بنيتنا وتلدد آرابنا وسوء اختيارنا‬
‫وقلة تمييزنعا وفسعاد أهوائنعا‪ ،‬فإن كتابعك وردنعي معن مدينعة المريعة إلى مسعكني‬
‫بحضرة شاطبعة تذكعر معن حسعن حالك معا يسعرني وحمدت ال ععز وجعل عليعه‬
‫واستدمه لك واستزدته فيك‪ .‬ثم لم ألبث أن اطلع على شخصك وقصدتني بنفسك‪،‬‬
‫على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق وفي‬
‫دون هذا ما سلى المشتاق ونسي الذاكر‪ ،‬إل من تمسك بحبل الوفاء مثلك ورعى‬
‫سالف الذمة و وكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبي وكانت مودته ل تعالى‬

‫ولقد أثبت ال بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون‪ .‬وكانت معانيك في‬
‫كتابععك زائدة على مععا عهدتععه مععن سععائر كتبععك‪ ،‬ثععم كشفععت إلي بإقبالك غرضععك‬
‫وأطلعتنعي على مذهبعك‪ ،‬سعجية تلم تزل علينا معن مشاركتعك لي فعي حلوك ومرك‬
‫وسعرك وجهرك‪ ،‬يحدوك الود الصعحيح الذي أنعا لك على أضعافعه‪ ،‬أبتغعي جزاء‬
‫غيعر مقابلتعه بمثله‪ .‬وفعي ذلك أقول مخاطباً لعبيعد ال بعن عبعد الرحمعن بعن المغيرة‬
‫بن أمير المؤمنين الناصر رحمه ال في كلمة لي طويلة وكان لي صديقا‪:‬‬
‫أودك ودا لـيس فـيه غـضــاضة‬

‫وبعض مـودات الـرجـال سـراب‬

‫وأمحضتك النصح الصريح وفي الحشى لودك نـقـش ظـاهـر وكـتــاب‬
‫فلو كان في روحي هواك اقتلـعـتـه‬

‫ومزق بالـكـفـين عـنـه إهـاب‬

‫ومـا لـي غـير الـود مـنـك إرادة‬

‫ول في سواه لـي إلـيك خـطـاب‬

‫إذا حزته فالرض جمعـاء والـورى‬

‫هبـاء وسـكـان الـبـلد ذبــاب‬

‫وكلفتنععي أعزك ال أن أصععنف لك رسععالة فععي صععفة الحععب ومعانيععه وأسععبابه‬
‫وأعراضعه‪ ،‬ومعا يقعع فيعه وله على سعبيل الحقيقعة ل متزيداً ول مفتنعا‪ ،‬لكعن مورداً‬
‫لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه‪ ،‬حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما‬
‫أذكره‪ ،‬فبدرت إلى مرغوبعععك ولول اليجاب لك لمعععا تكلفتعععه‪ ،‬فهذا معععن الفقعععر‪،‬‬
‫والولى بنععا مععع قصععر أعمارنععا أل نصععرفها إل فيمععا نرجععو بععه رحععب المنقلب‬
‫وحسعن المآب غداً‪ .‬وإن كان القاضعي حمام بعن أحمعد حدثنعي ععن يحيعى بعن مالك‬
‫عععن عائذ بإسععناد يرفعععه إلى أبععي الدرداء أنععه قال‪ :‬أجمعوا النفوس بشيععء مععن‬
‫الباطعل ليكون عونعا لهعا على الحعق‪ .‬ومعن أقوال الصعالحين معن السعلف المرضعي‪.‬‬

‫معن لم يحسعن يتفتعى لم يحسعن يتقوى‪ .‬وفعي بععض الثعر‪ :‬أريحعو النفوس فإنهعا‬
‫تصدأ كما يصدأ الحديد‪.‬‬

‫والذي كلفتني ل بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي وأدركته عنايتي وحدثني به‬
‫الثقات من أهل زمانه‪ ،‬فاغتفر لي الكناية عن السماء فهي إما عورة ل نستجيز‬
‫كشفها وإما نحافظ في ذلك صديقاً ودوداً ورجلً جليلً‪ ،‬وبحسبي أن أسمى من ل‬
‫ضرر فعي تسعميته ول يلحقنعا والمسعمى عيعب فعي ذكره‪ ،‬وإمعا لشتهار ل يغنعي‬
‫عنعه الطعي وترك التعبيين؛ وإمعا لرضعا معن المخعبر عنعه بظهور خعبره وقلة إنكار‬
‫منه لنقله‪.‬‬

‫وسأورد في نفي رسالتي هذه أشعارًا قلتها فيما شاهدته‪ ،‬فل تنكر أنت ومن رآها‬
‫على أنعي سالك فيها مسعلك حاكي الحديعث عن نفسعه‪ ،‬فهذا مذهب المتحلين بقول‬
‫الشعععر‪ ،‬وأكثععر مععن ذلك فإن إخوانععي يجمشونععي القول فيمععا يعرض لهععم على‬
‫طرائقهعم ومذاهبهعم‪ .‬وكفانعي أنعي ذاكعر لك معا عرض لي ممعا يشاكعل معا نحوت‬
‫نحوه وناسبه إلي‪.‬‬

‫والتزمعت فعي كتابعي هذا الوقوف عنعد حدك‪ ،‬والقتصعار على معا رأيعت أوضعح‬
‫عندي بنقل الثقات‪ ،‬ودعني من أخبار العراب والمتقدمين‪ ،‬فسبيلهم غير سبيلنا‪،‬‬
‫وقعد كثرت الخبار عنهعم‪ ،‬ومعا مذهعبي أن أنضعي مطيعة سعواي‪ ،‬ول أتحلى بحلى‬
‫مستعار‪ ،‬وال المستغفر والمستعان ل رب غيره‪.‬‬

‫الباب الول‬
‫تقسيم الرسالة‬
‫وقسمت رسالتي هذه على ثلثين باباً‪ ،‬منها في أصول الحب عشرة فأولها هذا‬
‫الباب‪ ،‬ثعم باب فعي علمات الحعب‪ ،‬ثعم باب فيعه ذكعر معن أحعب فعي النوم‪ ،‬ثعم باب‬
‫فيه ذكر من أحب بالوصف‪ ،‬ثم باب ذكر من أحب من نظرة واحدة ثم باب فيه‬
‫ذكععر مععن ل تصععح محبتععه إل مععع المطاولة‪ ،‬ثععم باب التعريععض بالقول ثععم باب‬
‫الشارة بالعععععععععععي‪ ،‬ثععععععععععم باب المراسععععععععععلة‪ ،‬ثععععععععععم باب السععععععععععفير‪.‬‬
‫ومنها في أعراض الحب وصفاته المحمود والمذمومة أثناء عشر بابا‪ ،‬وإن كان‬
‫الحععب عرضاً والعرض ل يحتمععل العراض‪ ،‬وصععفة والصععفة ل توصععف فهذا‬
‫على مجاز اللغعة فعي إقامعة الصعفة مقام الموصعوف‪ .‬وعلى معنعى قولنعا‪ :‬وجودنعا‬
‫عرضًا أقعل فعي الحقيقعة معن عرض غيره‪ ،‬وأكثعر وأحسعن وأقمعح فعي إدار كنالهعا‬
‫علمنعا أنهعا متباينعة فعي الزيادة والنقصعان معن ذاتهعا المرئيعة والمعلومعة؛ إذ ل تقعع‬
‫فيهعا الكميعة ول التجزي‪ ،‬لنهعا ل تشغعل مكاناً وهعي‪ :‬باب الصعديق المسعاعد‪ ،‬ثعم‬
‫باب الوصعل ثعم باب طعي السعر‪ ،‬ثعم باب الكشعف والذاععة‪ ،‬ثعم باب الطاععة‪ ،‬ثعم‬
‫باب المخافة‪ ،‬ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها‪ ،‬ثم باب‬
‫القنوع‪ ،‬ثععععم باب الوفاء‪،‬ثععععم باب الغدر‪ ،‬ثععععم باب الضنععععى‪ ،‬ثععععم باب الموت‪.‬‬
‫ومنهععا فععي الفات الداخلة على الحععب سععتة أبواب‪ ،‬وهععي باب العاذل‪ ،‬ثععم باب‬
‫الرقيعب‪ ،‬ثعم باب الوشعي‪ ،‬ثعم باب الهجعر‪ ،‬ثعم باب البيعن؛ ثعم باب السعلو‪ .‬معن هذه‬

‫البواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من البواب المتقدمة الذكر‪ ،‬وهما باب‬
‫العاذل‪ :‬وضده باب الصععديق المسععاعد؛ باب الهجععر وضده باب الوصععل ومنهععا‬
‫أربععة أبواب ل ضعد معن معانعي الحعب‪ ،‬وهعي باب الرقيعب‪ ،‬وباب الواشعي‪ ،‬ول‬
‫ضععد لهمععا إل ارتفاعهمععا‪ .‬وحقيقععة الضععد مععا إذا وقععع ارتفععع الول‪ ،‬وإن كان‬
‫المتكلمون قععد اختلفوا فععي ذلك‪ .‬ولول خوفنععا إطالة الكلم فيمععا ليععس مععن جنععس‬
‫الكتاب لتقصيناه‪.‬‬

‫وباب البيعن وضده تصعاقب الديار‪ ،‬وليعس التصعاقب معن معانعي الحعب التعي نتكلم‬
‫فيها‪ .‬وباب السلو وضده الحب بعينه‪ ،‬إذ معنى السلو ارتفاع الحب وعدمه ومنها‬
‫بابان ختمنعا بهمعا الرسعالة‪ ،‬وهمعا‪ :‬باب الكلم فعي قبعح المعصعية‪ ،‬وباب فعي فضعل‬
‫التعفعف‪ .‬ليكون خاتمعة إيرادنعا وآخعر كلمنعا الحعض على طاععة ال ععز وجعل‪،‬‬
‫والمعععر بالمعروف والنهعععي ععععن المنكعععر‪ ،‬فذلك مفترض على كعععل مؤمعععن‪.‬‬
‫لكنعا خالفنعا فعي نسعق بععض هذه البواب هذه الرتبعة المقسعمة فعي درج هذا الباب‬
‫الذي هعو أول أبواب الرسعالة‪ ،‬فجعلناهعا على مباديهعا إلى منتهاهعا واسعتحقاقها فعي‬
‫التقدم والدرجات والوجود‪ ،‬ومععن أول مراتبهععا إلى آخرهععا‪ ،‬وجعلنععا الضععد إلى‬
‫جنعععععععب ضده فاختلف المسعععععععاق فعععععععي أبواب يسعععععععيرة وال المسعععععععتعان‪.‬‬
‫وهيئتها في اليراد أولها هذا الباب الذي نحن فيه صدر الرسالة وتقسيم البواب‬
‫والكلم فععي باب ماهيععة الحععب‪ ،‬ثععم باب علمات الحععب‪ ،‬ثععم باب مععن أحععب‬
‫بالوصععف‪ ،‬ثععم باب مععن أحععب مععن نظرة واحدة‪ ،‬ثععم باب مععن ل يحععب إل مععع‬
‫المطاولة‪ ،‬ثعم باب معن أحعب صعفة لم يحعب بعدهعا غيرهعا ممعا يخالفهعا‪ ،‬ثعم باب‬

‫التعريعض بالقول‪ ،‬ثعم باب الشارة بالعيعن‪ ،‬ثعم باب المراسعلة‪ ،‬ثعم باب السعفير‪ ،‬ثعم‬
‫باب طي السر‪ ،‬ثم باب إذاعته‪ ،‬ثم باب الطاعة‪ ،‬ثم باب المخالفة‪ ،‬ثم باب العاذل‪،‬‬
‫ثعم باب المسعاعد معن الخوان؛ ثعم باب الرقيعب‪ ،‬ثعم باب الوشعي‪ ،‬ثعم باب الوصعل‪،‬‬
‫ثعم باب الهجعر‪ ،‬ثعم باب الوفاء‪ ،‬ثعم باب الغدر‪ ،‬ثعم باب البيعن‪ ،‬ثعم باب القنوع‪ ،‬ثعم‬
‫باب الضنععى‪ ،‬ثععم باب السععلو ثععم باب الموت؛ ثععم باب قبععح المعصععية؛ ثععم باب‬
‫التعفف‪.‬‬

‫الكلم في ماهية الحب‬
‫الحعععب ‪ -‬أعزك ال ‪ -‬أوله هزل وآخره جعععد‪ .‬دقعععت معانيعععه لجللتهعععا ععععن أن‬
‫توصعف‪ ،‬فل تدرك حقيقتهعا إل بالمعاناة‪ .‬وليعس بمنكعر فعي الديانعة ول بمحظور‬
‫في الشريعة‪ ،‬إذ القلوب بيد ال عز وجل وقد أحب من الخلفاء المهدبين والئمة‬
‫الراشديعن كثيعر‪ ،‬منهعم بأندلسعنا عبعد الرحمعن بعن معاويعة الدعجاء‪ ،‬والحكعم بعن‬
‫هشام‪ ،‬وعبععد الرحمععن بععن الحكععم وشغفععه بطروب أم عبععد ال ابنععة أشهععر مععن‬
‫الشمععس‪ ،‬ومحمععد بععن عبععد الرحمععن وأمره مععع غَزلن أم بنيععه عثمان والقاسععم‬
‫والمُطرف معلوم‪ ،‬والحاكم المستنصر وافتتانه بصبح أم هاشم المؤيد بال رضي‬
‫ال عنه وعن جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد من غيرها‪ .‬ومثل هذا كثير‪،‬‬
‫ولول أن حقوقهم على المسلمين واجبة ‪ -‬وإنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه‬
‫الحزم وإحياء الديعن وإنمعا هعو شيعء كانوا ينفردون بعه فعي قصعورهم معع عيالهعم‬
‫فل ينبغعي الخبار بعه عنهعم ‪ -‬لوردت معن أخبارهعم فعي هذا الشأن غيعر قليعل‪.‬‬
‫وأما كبار رجالهم ودعائم دولتهم فأكثر من أن يحصوا‪ ،‬وأحدث ذلك ما شاهدناه‬

‫بالمعس معن كلف المظفعر بعن عبعد الملك بعن أبعي عامعر بواحعد‪ ،‬بنعت رجعل معن‬
‫الجبائين حتى حمله حبها أن يتزوجها‪ ،‬وهي التي خلف عليها بعد فناه العامر بن‬
‫الوزيععر عبععد ال بععن مسععلمة‪ ،‬ثععم تزوجهععا بعععد قتله رجععل مععن رؤسععاء البربر‪.‬‬
‫وممعا يشبعه هذا أن أبعا العيعش بعن ميمون القرشعي الحسعيني أخعبرني أن نزار بعن‬
‫مععد صعاحب مصعر لم يعر ابنعه منصعور بعن نزار‪ ،‬الذي ولى الملك بعده وادععى‬
‫اللهيععة إل بعععد مدة مععن مولده‪ ،‬مسععاعدة لجاريععة كان يحبهععا حبًا شديداً‪ ،‬هذا ولم‬
‫يكععععععععن له ذكععععععععر ول مععععععععن يرث ملكععععععععه ويحيععععععععي ذكره سععععععععواه‪.‬‬
‫ومعن الصعالحين والفقهاء فعي الدهور الماضيعة والزمان القديمعة معن قعد اسعتغنى‬
‫بأشعارهم عن ذكرهم‪ :‬وقد ورد من خبر عبيد ال عتبة بن مسعود وشعره ما فيه‬
‫الكفايعة‪ .‬وهعو أحعد فقهاء المدينعة السعبعة وقعد جاء معن فتيعا ابعن عباس رضعي ال‬
‫عنععه مال يحتاج معععه إلى غيره حيععن يقول‪ :‬هذا قتيععل الهوى ل عقععل ول قود‪.‬‬
‫وقعد اختلف الناس فعي ماهيتعه وقالوا وأطالوا‪ ،‬والذي أذهعب إليعه أنعه اتصعال بيعن‬
‫أجزاء النفوس المقسعومة فعي هذه الخليقعة فعي أصعل عنصعرها الرفيعع‪ ،‬ل على معا‬
‫حكاه محمد بن داود رحمه ال عن بعض أهل الفلسفة‪ .‬الرواح أكر مقسومة لكن‬
‫على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ومجاورتها في هيئة تركيبها وقد‬
‫علمنععا أن سععر التمازج والتبايععن فععي المخلوقات إنمععا هععو التصععال والنفصععال‬
‫والشكعل دأباً يسعتدعى شكله‪ ،‬والمثعل إلى مثله سعاكن‪ ،‬وللمجانسعة عمعل محسعوس‬
‫وتأثيعر مشاهعد‪ ،‬والتنافعر فعي الضداد والموافقعة فعي النداد‪ ،‬والنزاع فيمعا تشابعه‬
‫موجود فيمععا بيننععا فكيععف بالنفععس وعالمهععا العالم الصععافي الخفيععف وجوهرهععا‬
‫الجوهععععر الصعععععاد المعتدل‪ ،‬وسععععنخها المهيععععأ لقبول التفاق والميععععل والتوق‬

‫والنحراف والشهوة النفار‪ .‬كعل ذلك معلوم بالفطرة فعي أحوال تصعرف النسعان‬
‫فيسعكن إليهعا‪ ،‬وال ععز وجعل يقول‪( :‬هعو الذي خلقكعم معن نفعس واحدة وخلق منهعا‬
‫زوجهعا ليسعكن إليهعا)‪ ،‬فجععل علة السعكون أنهعا منعه‪ .‬ولو كان علة الحعب حسعن‬
‫الصعورة الجسعدية لوجعب أل يسعتحسن النقعص معن الصعورة‪ .‬ونحعن نجعد كثيرا‬
‫ممعن يؤثعر الدنعى ويعلم فضعل غيره ول يجعد محيداً لقلبعه عنعه‪ .‬ولو كان للموافقعة‬
‫فعي الخلق لما أحعب المرء معن ل يساعده ول يوافقعه‪ .‬فعلمنعا أنعه شيعء فعي ذات‬
‫النفس وربما كانت المحبة لسبب من السباب‪ ،‬وتلك تفنى بفناء سببها‪ .‬فمن ودك‬
‫لمر ولى مع انقضائه‪.‬‬

‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ودادي لك الباقي على حسب كونه‬

‫تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد‬

‫وليست لـه غـير الرادة عـلة‬

‫ول سبب حاشاه يعلـمـه أحـد‬

‫إذا ما وجدنا الشيء علة نفـسـه‬

‫فذاك وجود ليس يفنى على البد‬

‫وإما وجدناه لـشـيء خـلفـه‬

‫فإعدامه في عدمنا ما لـه وجـد‬

‫وممعا يؤكعد هذا القول أننعا علمنعا أن المحبعة ضروب‪ .‬فأفضلهعا محبعة المتحابيعن‬
‫في ال عزوجل؛ إما لجتهاد في العمل‪ ،‬وإما لتفاق في أصل النحلة والمذهب‪،‬‬
‫وإمعا لفضعل علم يمنحعه النسعان ومحبعة القرابعة‪ ،‬ومحبعة اللفعة والشتراك فعي‬
‫المطالب‪ ،‬ومحبععة التصععاحب والمعرفععة ومحبععة البر يضعععه المرء عنععد أخيععه‪،‬‬
‫ومحبعة الطمعع فعي جاه المحبوب‪ ،‬ومحبعة المتحابيعن لسعر يجتمعان عليعه يلزمهمعا‬
‫سعتره‪ ،‬ومحبعة بلوغ للذة وقضاء الوطعر‪ ،‬ومحبعة العشعق التعي ل علة لهعا إل معا‬

‫ذكرنعا معن اتصعال النفوس‪ ،‬فكعل هذه الجناس منقضيعة معع انقضاء عللهعا وزائدة‬
‫بزيادتهعا وناقصعة بنقصعانها‪ ،‬متأكدة بدنوهعا فاترة ببعدهعا‪ .‬حاشعى محبعة العشعق‬
‫الصعععععحيح الممكعععععن معععععن النفعععععس فهعععععي التعععععي ل فناء لهعععععا إل بالموت‪.‬‬
‫وإنعك لتجعد النسعان السعالي برغمعه‪ .‬وذا السعن المتناهيعة‪ ،‬إذا ذكرتعه تذكعر وارتاح‬
‫وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين‪.‬‬

‫ول يعرض فععي شيععء مععن هذه الجناس المذكورة‪ ،‬مععن شغععل البال والخبععل‬
‫والوسعععواس وتبدل الغرائز المركبعععة واسعععتحالة السعععجايا المطبوععععة والنحول‬
‫والزفيعر وسعائر دلئل الشجعا معا يعرض فعي العشعق‪ ،‬فصعح بذاك أنعه اسعتحسان‬
‫روحانعي وامتزاج نفسعاني‪ .‬فإن قال قائل‪ :‬لو كان هذا كذلك لكانعت المحبعة بينهمعا‬
‫مسعتوية‪ ،‬إذ الجزآن مشتركان فعي التصعال وحظهمعا واحعد فالجواب ععن ذلك أن‬
‫نقول‪ :‬هذه لعمري معارضة صحيحة‪ ،‬ولكن نفس الذي ل يحب من يحبه مكتنفة‬
‫الجهات ببععض العراض السعاترة والحجعب المحيطعة بهعا معن الطبائع الرضيعة‬
‫فلم تحععس بالجزء الذي كان متصعلً بهععا قبععل حلولهععا حيععث هععي‪ ،‬ولو تخلصععت‬
‫لسعتويا فععي التصعال والمحبعة‪ .‬ونفعس المحعب متخلصعة عالمعة بمكان معا كان‬
‫يشركها في المجاورة‪ ،‬طالبة له قاصدة إليه باحثة عنه مشتهية لملقاته‪ ،‬جاذبة له‬
‫لو أمكنهععا كالمغنطيععس والحديععد‪ ،‬فقوة جوهععر المغنطيععس المتصععلة بقوة جوهععر‬
‫الحديعد لم تبلغ معن تحكمهعا ول معن تصعفيتها أن تقصعد إلى الحديعد على أنعه معن‬
‫شكلها وعنصرها‪ ،‬كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه‪،‬‬
‫إذ الحركعة أبداً إنمعا تكون معن القوى‪ ،‬وقوة الحديعد متروكعة الذات غيعر ممنوععة‬

‫بحابععس‪ ،‬تطلب مععا يشبههععا وتنقطععع إليععه وتنهععض نحوه بالطبععع والضرورة‬
‫وبالختيار والتعمد‪ .‬وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب إذ لم يبلغ من قوته‬
‫أيضاً مغالبعة الممسعك له ممعا هعو أقوى منعه‪ .‬ومتعى كثرت أجزاء الحديعد اشتغعل‬
‫بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير من قواها النازحة عنها‪ ،‬فمتى‬
‫عظععم جرم المغناطيععس ووازت قواه جميععع قوى جرم الحديععد عادت إلى طبعهععا‬
‫المعهود‪ .‬وكالنار فعي الحجعر ل تعبرز على قوة الحجعر فعي التصعال والسعتدعاء‬
‫لجزائها حيث كانت إل بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما‪،‬‬
‫وإل فهي كامنة في حجرها ل تبدو ول تظهر‪.‬‬

‫ومعن الدليعل على هذا أيضاً أنعك ل تجعد اثنيعن يتحابان إل وبينهمعا مشاكلة واتفاق‬
‫الصعفات الطبيعيعة ل بعد معن هذا وإن قعل‪ ،‬وكلمعا كثرت الشباه زادت المجانسعة‬
‫وتأكدت المودة فانظععر هذا تراه عياناً‪ ،‬وقول رسععول ال صععلى ال عليععه وسععلم‬
‫يؤكده‪( :‬الرواح جنود مجندة مععا تعارف منهععا ائتلف ومععا تناكععر منهععا اختلف)‪،‬‬
‫وقول مروى عععن أحععد الصععالحين‪ :‬أرواح المؤمنيععن تتعارف‪ .‬ولهذا مععا اغتععم‬
‫أبقراط حيعن وصعف له رجعل من أهعل النقصعان يحبعه‪ ،‬فقيعل له فعي ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬
‫أحبني إل وقد وافقته في بعض أخلقه‪.‬‬

‫وذكععر أفلطون أن بعععض الملوك سععجنه ظلماً‪ ،‬فلم يزل يحتععج عععن نفسععه حتععى‬
‫اظهععر براءتععه‪ ،‬وعلم الملك أنععه له ظالم‪ ،‬فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصععال‬
‫كلمعه إليعه‪ :‬أيهعا الملك‪ ،‬قعد اسعتبان لك أنعه بريعء فمالك وله؟ فقال الملك‪ :‬لعمري‬

‫مالي إليعه سعبيل‪ ،‬غيعر أنعي أجعد لنفسعي اسعتثقالً ل أدري معا هعو‪ .‬فأدى ذلك إلى‬
‫أفلطون‪ .‬قال‪ :‬فاحتجعت أن أفتعش فعي نفسعي وأخلقعي أجعد شيئاً أقابعل بعه نفسعه‬
‫وأخلقهمععا ممععا يشبههععا‪ ،‬فنظرت فععي أخلقععه فإذا هععو محععب للعدل كاره للظلم‪،‬‬
‫فميزت هذا الطبععع فععي‪ ،‬فمععا هععو إل أن حركتععه هذه الموافقععة وقابلت نفسععه بهذا‬
‫الطبع الذي بنفسي فأمر بإطلقي وقال لوزيره‪ :‬قد انحل كل ما أجد في نفسي له‪.‬‬
‫وأمعا العلة التعي توقعع الحعب أبدًا فعي أكثعر المعر على الصعورة الحسعنة‪ ،‬فالظاهعر‬
‫أن النفعس حسعنة وتولع بكعل شيعء حسعن وتميعل إلى التصعاوير المنقنعة‪ ،‬فهعي إذا‬
‫رأت بعضهعا تثبتعت فيعه‪ ،‬فإن ميزت وراءهعا شيئاً معن أشكالهعا اتصعلت وصعحت‬
‫المحبة الحقيقية‪ ،‬وإن لم تميز وراءها شيئاً من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة‪،‬‬
‫وذلك هو الشهوة‪.‬‬

‫وإن للصعور لتوصعيل عجيباً بيعن أجزاء النفوس النائيعة‪ .‬وقرأت فعي السعفر الول‬
‫معن التوراة أن النعبي يعقوب عليعه السعلم أيام رعيعه غنماً لبعن خاله مهراً ل بنتعه‬
‫شارطعه على المشاركعة فعي إنسعالها‪ ،‬فكعل بهيعم ليعقوب وكعل أغعر للبان‪ ،‬فكان‬
‫يعقوب عليه السلم يعمد إلى قضبان الشجر يسلخ نصفاً ويترك نصفاً بحاله‪ ،‬ثم‬
‫يلقعى الجميعع فعي الماء الذي ترده الغنعم‪ ،‬ويتعمعد إرسعال الطروقعة فعي ذلك الوقعت‬
‫فل تلد إل نصفين‪ ،‬نصفاً بهماً ونصفاً غراً‪.‬‬

‫وذكر عن بعض القافة أنه أتى بابن أسود لبيضين‪ ،‬فنظر إلى أعلمه فرآه لهما‬
‫غير شك‪ .‬فرغب أن يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه‪ .‬فأدخل البيت الذي‬

‫كان فيععه مضجعهمععا‪ ،‬فرأى فيمععا يوازي نظععر المرأة صععورة أسععود فععي الحائط‪،‬‬
‫فقال لبيه‪ :‬من قبل هذه الصورة أتيت في إبنك‪.‬‬

‫وكثيراً مععا يصععرف شعراء أهععل الكلم هذا المعنععى فععي أشعارهععم‪ ،‬فيخاطبون‬
‫المرئي فعي الظاهعر خطاب المعقول الباطعن‪ ،‬وهعو المسعتفيض فعي شععر النظام‬
‫إبراهيم بن سيار وغيره من المتكلمين‪ ،‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ما علة النصر في العداء تعرفها‬

‫وعلة الفر منهـم أن يفـرونـا‬

‫إل نزاع نفوس النـاس قـاطـبة‬

‫إليك يا لؤلؤا في الناس مكنونـا‬

‫من كنت قدامه ل ينـتـئى أبـدا‬

‫فهم إلى نورك الصعاد يعشونـا‬

‫ومن تكن خلفه فالنفس تصرفـه‬

‫إليك طوعا فهم دأبـا يكـرونـا‬

‫ومن ذلك أقول‪:‬‬
‫أمن عالم الملك أنت أم أنـسـى‬

‫أبن لي فقد أزرى بتميزي العـي‬

‫أرى هـيئة إنـسـية غـير أنـه‬

‫إذا أعمل التفكير فالجرم علـوي‬

‫تبارك منسوى مذاهب خـلـقـه‬

‫على أنك النور النيق الطبيعـي‬

‫ول شك عندي أنك الروح ساقـه‬

‫إلينا مثال في النفوس اتصـالـي‬

‫عد منا دليلً في حدوثك شـاهـدا‬

‫نقيس عليه غـير أنـك مـرئي‬

‫ولول وقوع العين في الكون لم نقل‬

‫سوى أنك العقل الرفيع الحقيقـي‬

‫وكان بعض أصحابنا يسمى قصيدة لي الدراك المتوهم‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ترى كل ضد بـه قـائمـا‬

‫فكيف تحد اختلف المعاني‬

‫فيأيها الجسم ل ذا جـهـات‬

‫ويا عرضا ثابتا غير فـان‬

‫نقضت علينا وجوه الكـلم‬

‫فما هو مذ لحت بالمستبان‬

‫وهذا بعينه موجود في البغضة‪ ،‬ترى الشخصين يتباغضان ل لمعنى‪ ،‬ول علة‪،‬‬
‫ويسعتثقل بعضهعا بعضاً بل سععبب‪ .‬والحعب أعزك ال داء عياء وفيععه الدواء منععه‬
‫على قدر المعاملة‪ ،‬ومقام مسععتلذ‪ ،‬وعلة مشهاة ل يود سععليمها البرء‪ ،‬ول يتمنععى‬
‫عليلها الفاقة‪ .‬يزين المرء ما كان يأنف منه‪ ،‬ويسهل عليه ما كان يصعب عنده‬
‫حتعى يحيعل الطبائع المركبعة والجبلة المخلوقعة‪ .‬وسعيأتي كعل ذلك ملخصعًا فعي بابعه‬
‫إن شاء ال‪.‬‬

‫خبر‪ :‬ولقد علمت فتى من بعض معار في قد وحل من الحب وتورط في حبائله‪،‬‬
‫وأضربعه الوجعد‪ ،‬وأنضحعه الدنعف‪ ،‬ومعا كانعت نفسعه تطيعب بالدعاء إلى ال ععز‬
‫وجعل فعي كشعف معا بعه ول ينطعق بعه لسعانه‪ ،‬وما كان دعاؤه إل بالوصعل والتمكعن‬
‫ممعن يحعب‪ ،‬على عظيعم بلئه وطويعل همعه‪ ،‬فمعا الظعن بسعقيم ل يريعد فقعد سعقمه‬
‫ولقد جالسته يوماً فرأيت من إكبابه وسعوء حاله وإطراقه معا سعاءني فقلت له فعي‬
‫بععض قولي‪ :‬فرج ال عنعك فلقعد رأيعت أثعر الكراهيعة فعي وجهعه‪ .‬وفعي مثله أقول‬
‫من كلمة طويلة‪:‬‬
‫وأستلذ بلئي فـيك يا أمـلـي‬
‫إن قيل لي تتسلى عن مـودتـه‬

‫ولست عنك مدى اليام أنصرف‬
‫فما جوابي إل الـلم واللـف‬

‫خبر‪ :‬وهذه الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بن قاسم بن‬
‫محمعد القرشعي‪ .‬المعروف بالشلشعي‪ ،‬معن ولد المام هشام بعن عبعد الرحمعن بعن‬

‫معاويععة أنععه لم يحععب أحداً قععط‪ ،‬ول أسععف على إلف بان منععه‪ ،‬ول تجاوز حععد‬
‫الصحبة واللفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق‪.‬‬

‫الباب الثاني‬
‫علمات الحب‬
‫وللحععب علمات يقفوهععا الفطععن‪ ،‬ويهتدي إليهععا الذكععي‪ .‬فأولهععا إدمان النظععر‪،‬‬
‫والعيعن باب النفعس الشارع‪ ،‬وهعي المنقبعة ععن سعرائرها‪ ،‬والمععبرة لضمائرهعا‬
‫والمعربعة ععن بواطنهعا‪ .‬فترى الناظعر ل يطرف‪ ،‬يتنقعل بتنقعل المحبوب وينزوي‬
‫بانزوائه‪ ،‬ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫فليس لعيني عند غيرك مـوقـف‬

‫كأنك ما يحكون من حجر البهـت‬

‫أصرفها حيث انصرفت وكيفـمـا‬

‫تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت‬

‫ومنهعا القبال بالحديعث‪ .‬فمعا يكاد يقبعل على سعوى محبوبعه ولو تعمعد ذلك‪ ،‬وإن‬
‫التكلف ليسعتبين لمعن يرمقعه فيعه‪ ،‬والنصعات لحديثعه إذا حدّث‪ ،‬واسعتغراب كعل معا‬
‫يأتي به ولو أنه عين المحال وخرق العادات‪ ،‬وتصديقه وإن كذب‪ ،‬وموافقته وإن‬
‫ظلم‪ ،‬والشهادة له وإن جار‪ ،‬واتباععععه كيعععف سعععلك وأي وجعععه معععن وجوه القول‬
‫تناول‪.‬‬
‫ومنها السعراع بالسعير نحعو المكان الذي يكون فيعه‪ ،‬والتعمعد للقعود بقربعه والدنعو‬

‫منعه‪ ،‬واطراح الشغال الموجبعة للزوال عنعه‪ ،‬والسعتهانة بكعل خطعب جليعل داع‬
‫إلى مفارقته‪ ،‬والتباطؤ في الشيء عند القيام عنه‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً‬
‫وإذا قمت عنك لم أمـش إل‬

‫مشي عان يقاد في نحو الفناء‬

‫في مجيئي إليك أحتّث كالبد‬

‫ر إذا كان قاطعا للسمـاء‬

‫وقيامي إن قمت كالنجم العا‬

‫لية الثابتات في البـطـاء‬

‫ومنهعا بهعت يقعع وروععة تبدو على المحعب عنعد رؤيعة معن يحعب فجأة وطلوععه‬
‫بغتعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه‪.‬‬
‫ومنهعا اضطراب يبدو على المحعب عنعد رؤيعة معن يشبعه محبوبعه أو عنعد سعماع‬
‫إسمه فجأة وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪.‬‬
‫إذا ما رأت عيناي ل بس حمرة‬

‫تقطع قلبي حسرة وتفـطـرا‬

‫غدا لدماء الناس باللحظ سافكـا‬

‫وضرج منها ثوبه فتعصفـرا‬

‫ومنهعا أن يجود المرء ببذل كعل معا كان يقدر عليعه ممعا كان ممتنعاً بعه قبعل ذلك‪،‬‬
‫كأنعه هعو الموهوب له والمسععي فعي حظعه‪ ،‬كعل ذلك ليبدي محاسعنه ويرغعب فعي‬
‫نفسععه‪ .‬فكععم بخيععل جاد‪ ،‬وقطوب تطلق‪ ،‬وجبان تشجععع‪ ،‬وغليععظ الطبععع تطرب‪،‬‬
‫وجاهل تأدب‪ ،‬وتفل تزين‪ ،‬وفقير تجمل‪ .‬وذي سن تفتى‪ ،‬وناسك تفتك‪ ،‬ومصون‬
‫تبذل‪.‬‬
‫وهذه العلمات تكون قبعععل اسعععتعار نار الحعععب وتأجعععج حريقعععه وتوقعععد شعله‬
‫واسعععتطارة لهبعععه‪ .‬فأمعععا إذا تمكعععن وأخعععذ مأخذه فحينئذ ترى الحديعععث سعععراراً‪،‬‬

‫والعراض ععن كعل معا حضعر إل ععن المحبوب جهاراً‪ .‬ولي أبيات جمععت فيهعا‬
‫كثيراً من هذه العلمات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي‬

‫فيه ويعبق لي عن عنـبـر أرج‬

‫إن قال لم أستمع ممن يجالسـنـي‬

‫إلى سوى لفظة المستطرف الغنج‬

‫ولو يكون أمير المؤمنـين مـعـي‬

‫ما كنت من أجله عنه بمنـعـرج‬

‫فإن أقم عنه مضطـرا فـإنـي ل‬

‫أزال ملتفتا والمشي مشي وجـي‬

‫عيناي فيه وجسمي عنه مرتـحـل‬

‫مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج‬

‫إغص بالماء إن أذكر تـبـاعـده‬

‫كمن تثاءب وسط النقع والوهـج‬

‫وإن تقل ممكن قصد السماء أقـل‬

‫نعم وإني لدري موضع الـدرج‬

‫ومعععن علماتعععه وشواهده الظاهرة لكعععل ذي بصعععر النبسعععاط الكثيعععر الزائد‪،‬‬
‫والتضايععق فععي المكان الواسععع‪ ،‬والمجاذبععة على الشيععء يأخذه أحدهمععا‪ ،‬وكثرة‬
‫الغمز الخفي‪ ،‬والميل بالتكاء‪ ،‬والتعمد لمس اليد عند المحادثة‪ ،‬ولمس ما أمكن‬
‫معععن العضاء الظاهرة‪ .‬وشرب فضلة معععا أبقعععى المحبوب فعععي الناء‪ ،‬وتحري‬
‫المكان الذي يقابله فيععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه‪.‬‬
‫ومنهعا علمات متضادة‪ ،‬وهعي على قدر الدواععي والعوارض الباعثعة والسعباب‬
‫المحركعة والخواطعر المهيجعة‪ ،‬والضداد أنداد‪ ،‬والشياء إذا أفرطعت فعي غايات‬
‫تضادها‪ .‬ووقفت في انتهاء حدود اختلفها تشابهت‪ ،‬قدرة من ال عز وجل تضل‬
‫فيهعا الوهام‪ ،‬فهذا الثلج إذا أدمعن حبسعه فعي اليعد فَععل فِععل النار‪ ،‬ونجعد الفرح إذا‬
‫أفرط قتل‪ ،‬والغم إذا أفرط قتل‪ ،‬والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين‪.‬‬
‫وهذا فعي العالم كثيعر‪ ،‬فنجعد المحعبين إذا تكافيعا فعي المحبعة وتأكدت بينهمعا تأكداً‬
‫شديداً أكثععر بهمععا جدهمععا بغيععر معنععى‪ ،‬وتضادهمععا فععي القول تعمداً‪ ،‬وخروج‬

‫بعضهمعا على بععض فعي كعل يسعير معن المور‪ ،‬وتتبعع كعل منهمعا لفظعة تقعع معن‬
‫صاحبه وتأولها على غير معناها‪ ،‬كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما‬
‫في صاحبه‪ .‬والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء‬
‫ومخارجعة التشاجعر سعرعة الرضعى‪ ،‬فإنعك بينمعا ترى المحعبين قعد بلغعا الغايعة معن‬
‫الختلف الذي ل يقدر يصعلح عنعد السعاكن النفعس السعالم معن الحقاد فعي الزمعن‬
‫الطويععل ول ينجععبر عنععد الحقود أبداً‪ ،‬فل تلبععث أن تراهمععا قععد عادا إلى أجمععل‬
‫الصعحبة‪ ،‬وأهدرت المعاتبعة‪ ،‬وسعقط الخلف وانصعرفا فعي ذلك الحيعن بعينعه إلى‬
‫المضاحكعة والمداعبعة‪ ،‬هكذا فعي الوقعت الواحعد مراراً‪ .‬وإذا رأيعت هذا معن اثنيعن‬
‫فل يخالجك شك ول يدخلنك ريب البتة ول تتمارى في أن بينهما سراً من الحب‬
‫دفينعا‪ ،‬واقطعع فيعه قطعع معن ل يصعرفه عنعه صعارف‪ .‬ودونكهعا تجربعة صعحيحة‬
‫وخععبرة صععادقة‪ .‬هذا ل يكون إل عععن تكلف فععي المودة وائتلف صععحيح‪ ،‬وقععد‬
‫رأيته كثيراً‪.‬‬
‫ومن علماته أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب‪ ،‬ويستلذ الكلم في‬
‫أخباره ويجعلها هجيراه‪ ،‬ول يرتاح لشيء ارتياحه لها ول ينهه عن ذلك تخوف‬
‫أن يفطعن السعامع ويفهعم الحاضعر‪ ،‬وحبعك الشيعء يعمعي ويصعم‪ .‬فلو أمكعن المحعب‬
‫أل يكون حديععث فععي مكان يكون فيععه إل ذكععر مععن يحبععه لمععا تعداه‪ .‬ويعرض‬
‫للصادق المودة أن يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إل وقت‪ ،‬ما تهتاج له‬
‫معن ذكعر معن يحعب صعار الطعام غصعة فعي الحلق وشجعى فعي المرء‪ .‬وهكذا فعي‬
‫الماء وفععي الحديععث فإنععه يفاتحكعه متبهجاً فتعرض له خطرة معن خطرات الفكععر‬

‫فيمعن يحعب فتسعتبين الحوالة فعي منطقعه والتقصعير فعي حديثعه‪ ،‬وآيعة ذلك الوجوم‬
‫والطراق وشدة النفلق‪ ،‬فبينمعا هعو طلق الوجعه خفيعف الحركات صعار منطبقاً‬
‫متثاقلً حائر النفعس جامعد الحركعة يعبرم معن الكلمعة ويضجعر معن السعؤال ومعن‬
‫علماتععه حععب الوحدة والنععس بالنفراد‪ ،‬ونحول الجسععم دون حععد يكون فيععه ول‬
‫وجع مانع من التقلب والحركة والمشي‪ .‬دليل ل يكذب ومخبر ل يخون عن كلمة‬
‫في النفس كامنة‪.‬‬

‫والسعهر معن أعراض المحعبين‪ ،‬وقعد أكثعر الشعراء فعي وصعفه وحكوا أنهعم رعاة‬
‫الكواكعب وواصعفو طول الليعل‪ .‬وفعي ذلك أقول وأذكعر كتمان السعر وأنعه يتوسعم‬
‫بالعلمات‪:‬‬
‫تعلمت السحائب من شؤوني‬

‫فعمت بالحيا السكب الهتون‬

‫وهذا الليل فيك غدا رفيقي‬

‫بذلك أم على سهري معيني‬

‫فإن لم ينقض الظلم فجرا‬

‫أل ما أطبقت نوما جوفوني‬

‫فليس إلى النهار لنا سبـيل‬

‫وسهد زائد في كل حـين‬

‫كأن نجومه والغيم يخـفـي‬

‫سناها عن ملحظة العيون‬

‫ضميري في ودادك يا منايا‬

‫فليس يبين إل بالظـنـون‬

‫وفي مثل ذلك قطعة منها‪:‬‬
‫أرعى النجوم كأننـي كـلـفـت أن‬

‫أرعى جميع ثبوتها والخـنـسـي‬

‫فكأنها والـلـيل نـيران الـجـوى‬

‫قد أضرمت في فكرتي من حندس‬

‫وكأني أمـسـيت حـارس روضة‬

‫خضراء وشح نبتها بالـنـرجـس‬

‫لو عاش بطليمـوس أيقـن أنـنـي أقوى الورى في رصد جرى الكنس‬

‫والشيعء قعد يذكعر لمعا يوجبعه‪ :‬وقعع لي فعي هذه البيات تشعبيه شيئيعن بشيئيعن فعي‬
‫بيت واحد‪ .‬وهو البيت الذي أوله فكأنها والليل وهذا مستغرب في الشعر‪ .‬ولي ما‬
‫هعو أكمعل منعه‪ ،‬وهعو تشعبيه أشياء فعي بيعت واحعد‪ ،‬وتشعبيه أربععة أشياء فعي بيعت‬
‫واحد‪ .‬وكلهما في هذه القطعة أوردها‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫مشوق معنى مـا ينـام مـسـهـد‬

‫بخمر التجني مـا يزال يعـربـد‬

‫ففي ساعة يبدي إلـيك عـجـائبـا‬

‫يمر ويستحلـي ويدنـي ويبـعـد‬

‫كأن النوى والعتب والهجر والرضى‬

‫قران وأنداد ونـحـس وأسـعـد‬

‫رئى لغرامي بعد طـول تـمـنـع‬

‫وأصبحت محسودا وقد كنت أحسد‬

‫نعمنا على نور من الروض زاهـر‬

‫سقته الغوادي فهو يثني ويحـمـد‬

‫كأن الحيا والمزن والروض عاطرا‬

‫دمـوع وأجـفـان وخـد مـورد‬

‫ول ينكعر على منكعر قولي قران فأهعل المعرفعة بالكواكعب يسعمون التقاء كوكعبين‬
‫في درجة قراناً‪.‬‬
‫لي أيضاً معا هعو أتعم معن هذا‪ ،‬وهعو تشعبيه خمسعة أشياء فعي بيعت واحعد فعي هذه‬
‫القطعة‪ ،‬هي‪:‬‬
‫خلوت بهـا والـراح ثـالـثة لـهـا‬

‫وجنح ظلم الليل قد مد ما انـبـلـج‬

‫فتاة عدمت العـيش إل بـقـربـهـا فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج‬
‫كأني وهي والكأس والخمر والدجـى‬

‫ثرى وحيا والدر والتبـر والـسـنـج‬

‫فهذا أمعر ل مزيعد فيعه ول يقدر أحعد على أكثعر منعه‪ ،‬إذ ل يحتمعل العروض ول‬
‫بنية السماء أكثر من ذلك‪.‬‬
‫ويعرض للمحعبين القلق عنعد أحعد أمريعن‪ :‬أحدهمعا عنعد رجائه ملقاة معن يحعب‬
‫فيعرض عند ذلك حائل‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬وإنعي لعلم بععض معن كان محبوبعه يعده الزيارة‪ ،‬فمعا كنعت أراه إل جاثياً‬
‫وذاهباً ل يقربه القرار ول يثبت في مكان واحد‪ ،‬مقبلً مدبراً قد استخفه السرور‬
‫بعد ركانة‪ ،‬وأشاطه بعد رزانة‪ .‬ولي في معنى انتظار الزيارة‪:‬‬
‫أقمت إلى أن جاءني الليل راجيا‬

‫لقاءك يا سؤلي ويا غاية المل‬

‫فأيأسني الظلم عنك ولم أكـن‬

‫ليأس يوما إن بدا الليل يتصل‬

‫وعندي دليل ليس يكذب خبـره‬

‫بأمثاله في مشكل المر يستدل‬

‫لنك لو رمت الزيارة لم يكـن‬

‫ظلم ودام النور فينا ولم يزل‬

‫والثانععي عنععد حادث يحدث بينهمععا مععن عتاب ل تدري حقيقتععه إل بالوصععف‪.‬‬
‫فعنععد ذلك يشتععد القلق حتععى توقععف على الجليلة‪ ،‬فإمععا أن يذهععب تحمله إن رجععا‬
‫العفعععععععو‪ ،‬وإمعععععععا أن يصعععععععير القلق حزنًا وأسعععععععفاً إن تخوف الهجعععععععر‪.‬‬
‫ويعرض للمحعب السعتكانة لجفاء المحبوب عليعه‪ .‬وسعيأتي مفسعراً فعي بابعه إنشاء‬
‫ال تعالى‪.‬‬

‫ومعن أعراضعه الجزع الشديعد والحمرة المقطععة تغلب عنعد معا يرى معن إعراض‬
‫محبوبه عنه ونفاره منه‪ ،‬وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫جميل الصبر مسجون‬

‫ودمع العين مسفوح‬

‫ومعن علماتععه أنععك ترى المحععب يحعب آهععل محبوبععه وقرابتععه وخاصععته حتععى‬
‫يكونوا أحظععععععى لديععععععه مععععععن أهله ونفسععععععه ومععععععن جميععععععع خاصععععععته‪.‬‬

‫والبكاء مععن علمات المحععب ولكععن يتفاضلون فيععه‪ ،‬فمنهععم غزيععر الدمععع هامععل‬
‫الشؤون تجيبعه عينعه وتحضره ععبرته إذا شاء‪ ،‬ومنهعم جمود العيعن عديعم الدمعع‪،‬‬
‫وأنا منهم‪ .‬وكان الصل في ذلك إدماني أكل الكندر لخفقان القلب‪ ،‬وكان عرض‬
‫لي في الصبا‪ ،‬فإني لصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع وأحس‬
‫في قلبي غضة أمر من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلم حق مخارجه‪ ،‬وتكاد‬
‫تشوقنعي النفعس أحياناً ول تجيعب عينعي البتعة إل فعي الندرة بالشيعء اليسعير معن‬
‫الدمععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععع‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬ولقعد أذكرنعي هذا الفصعل يومعا‪ :‬ودععت أنعا وأبعو بكعر محمعد بعن إسعحاق‬
‫صاحبي أبا عامر محمد بن عامر صديقنا رحمه ال في سفرته إلى المشرق التي‬
‫لم نره بعدها‪ ،‬فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد متمثلً بهذا البيت‪:‬‬
‫أل إن عينا لم تجد يوم واسط‬

‫عليك بباقي دمعها لجمـود‬

‫وهعو فعي رثاء يزيعد بعن عمعر بعن هعبيرة رحمعه ال‪ .‬ونحعن وقوف على سعاحل‬
‫البحر بمالقة‪ ،‬وجعلت أنا أكثر التفجع والسف ول تساعدني عيني‪ ،‬فقلت مجيباً‬
‫لبي بكر‪:‬‬
‫وإن أمرأ لم يفن حسن اصطباره‬

‫عليك وقد فارقتـه لـجـلـيد‬

‫إذا كتم المشغوف سر ضلوعـه‬

‫فإن دموع العين تبدي وتفضـح‬

‫إذا ما جفون العين سالت شئونها‬

‫ففي القلب داء للغرام مبـرح‬

‫ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير‬
‫وجههعا‪ ،‬وهذا أصعل العتاب بيعن المحعبين‪ .‬وإنعي لعلم معن كان أحسعن الناس ظناً‬

‫وأوسععهم نفسعاً وأكثرهعم صعبراً وأشدهعم احتمال وأرحبهعم صعدراً‪ ،‬ثعم ل يحتمعل‬
‫ممعن يحعب شيئاً ول يقعع له مععه أيسعر مخالفعة حتعى يبدي معن التعديعد فنوناً ومعن‬
‫سوء الظن وجوها‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫أسيء ظني بكل مـحـتـقـر‬

‫تأتي به والحقير من حـقـر‬

‫كي ل يرى أصل هجرة وقلى‬

‫فالنار في بدء أمرهـا شـرر‬

‫وأصل عظم المور أهونـهـا‬

‫ومن صغير النوى ترى الشجر‬

‫وترى المحععب‪ ،‬إذا لم يثععق بنقاء طويععة محبوبععه له‪ ،‬كثيععر التحفععظ ممععا لم يكععن‬
‫يتحفعظ منعه قبعل ذلك‪ ،‬مثقفاً لكلمعه‪ ،‬مزيناً لحركاتعه ومرامعي طرفعه‪ ،‬ول سعيما إن‬
‫دهى بمتجن وبلى بمعربد‪.‬‬

‫ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه‪ ،‬وحفظه لكل ما يقع منه‪ ،‬وبحثه عن أخباره‬
‫حتعى ل تسعقط عنعه دقيقعة ول جليلة‪ ،‬وتتبععه لحركاتعه‪ .‬ولعمري لقعد ترى البليعد‬
‫يصير في هذه الحالة ذكياً‪ ،‬والغافل فطناً‪.‬‬

‫خععبر‪ :‬ولقععد كنععت يوماً بالمريععة قاعداً فععي دكان إسععماعيل بععن يونععس الطععبيب‬
‫السرائيلي‪ ،‬وكان بصيراً بالفراسة محسناً لها‪ ،‬وكنا في لمة‪ ،‬فقال له مجاهد بن‬
‫الحصين القيسي‪ :‬ما تقول في هذا؟ وأشار إلى رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم‬
‫ويكنععى أبععا البقاء‪ ،‬فنظععر إليععه سععاعة يسععيرة ثععم قال‪ :‬هععو رجععل عاشععق فقال له‪:‬‬
‫صعدقت‪ ،‬فمعن أيعن قلت هذا؟ قال‪ :‬لبهعت مفرط ظاهعر على وجهعه فقعط دون سعائر‬
‫حركاته‪ ،‬فعلمت أنه عاشق وليس بمريب‪.‬‬

‫الباب الثالث‬
‫من أحب في النوم‬
‫ول بعد لكعل حعب معن سعبب يكون له أصعلً‪ ،‬وأنعا مبتدئ بأبععد معا يمكعن أن يكون‬
‫مععن أسععبابه ليجري الكلم على نسععق‪ ،‬أو أن يبتدأ أبداً بالسععهل والهون‪ .‬فمععن‬
‫أسععععععععععبابه شيععععععععععء لول أنععععععععععي شاهدتععععععععععه لم أذكره لغرابتععععععععععه‪.‬‬
‫خععبر‪ :‬وذلك أنععي دخلت يوماً على أبععي السععري عمار بععن زياد صععاحبنا مولى‬
‫المؤيعد فوجدتعه مفكراً مهتمًا فسعألته عمعا بعه‪ ،‬فتمنعع سعاعة ثعم قال‪ :‬لي أعجوبعة معا‬
‫سعُمعت قعط‪ ،‬قلت‪ :‬ومعا ذاك؟ قال‪ :‬رأيعت فعي نومعي الليلة جاريعة فاسعتيقظت وقعد‬
‫ذهب قلبي فيها وهمت بها وإني لفي أصعب حال من حبها‪ ،‬ولقد بقي أياماً كثيرة‬
‫تزيد على الشهر مغموماً مهموماً ل يهنئه شيء وجداً‪ ،‬إلى أن لمته وقلت له‪ :‬من‬
‫الخطعأ العظيعم أن تشغعل نفسعك بغيعر حقيقعة‪ ،‬وتعلق وهمعك بمعدوم ل يوجعد‪ ،‬هعل‬
‫تعلم معن هعي؟ قال‪ :‬ل وال‪ ،‬قلت‪ :‬إنعك لقليعل الرأي مصعاب البصعيرة إذ تحعب معن‬
‫لم تره قط ول خلق ول هو في الدنيا‪ ،‬ولو عشقت صورة من صور الحمام لكنت‬
‫عندي أعذر‪ .‬فمعععععععععععا زلت بعععععععععععه حتعععععععععععى سعععععععععععل ومعععععععععععا كاد‪.‬‬
‫وهذا عندي معن حيعث النفعس وأضغاثهعا‪ ،‬وداخعل فعي باب التمنعي وتخيعل الفكعر‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫يا ليت شعري من كانت وكيف سرت‬

‫أطلعة الشمس كانت أم هي القمـر‬

‫أظنة الـعـقـل أبـداه تـتـدبـره‬

‫أو صورة الروح أبدتها لي الفكـر‬

‫أو صورة مثلت في النفس من أملي‬

‫فقد تخيل في إدراكهـا الـبـصـر‬

‫أو لم يكن كل هـذا فـهـي حـادثة أتى بها سببا في حتـفـي الـقـدر‬

‫الباب الرابع‬
‫من أحب بالوصف‬
‫ومعن غريعب أصعول العشعق أن تقعع المحبعة بالوصعف دون المعاينعة‪ ،‬وهذا أمعر‬
‫يترقعى منعه إلى جميعع الحعب‪ ،‬فتكون المراسعلة والمكاتبعة والهعم والوجعد والسعهر‬
‫على غيعر البصعار‪ ،‬فإن للحكايات ونععت المحاسعن ووصعف الخبار تأثيرًا فعي‬
‫النفععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععس ظاهراً‪.‬‬
‫وأن تسمع نغمتها من وراء جدار‪ ،‬فيكون سبباً للحب واشتغال البال‪ .‬وهذا كله قد‬
‫وقعع لغيعر معا واحعد‪ ،‬ولكنعه عندي بنيان هار على غيعر أس‪ ،‬وذلك أن الذي أفرغ‬
‫ذهنعه فعي هوى معن لم يعر ل بعد له إذ يخلو بفكره أن يمثعل لنفسعه صعورة يتوهمهعا‬
‫وعيناً يقيمها نصب ضميره‪ ،‬ل يتمثل في هاجسه غيرها‪ ،‬قد مال بوهمه نحوها‪،‬‬
‫فإن وقعت المعاينة يوماً ما فحينئذ يتأكد المر أو يبطل بالكلية‪ ،‬وكل الوجهين قد‬
‫عرض وعرف‪ ،‬وأكثععر مععا يقععع هذا فععي ربات القصععور المحجوبات مععن أهععل‬
‫البيوتات معع أقاربهعن معن الرجال‪ ،‬وحعب النسعاء فعي هذا أثبعت معن حعب الرجال‬
‫لضعفهعن وسعرعة إجابعة طبائعهعن إلى هذا الشأن‪ ،‬وتمكنعه منهعن‪ .‬وفعي ذلك أقول‬
‫شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ويا من لمني في حب من لم يره طرفي‬

‫لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف‬
‫فقل هل تعرف الجنة يوما بسوى الوصف‬

‫وأقول شعراً في استحسان النغمة دون وقوع العين على العيان منه‪:‬‬
‫قد حل جيش الغرام سمعي‬

‫وهو على مقلتـي يبـدو‬

‫وأقول أيضًا في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند وقوع الرؤية‪:‬‬
‫وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما‬

‫وصفوا علمت بـأنـه هـذيان‬

‫فالطبل جلد فـارغ وطـنـينـه‬

‫يرتاع منه ويفـرق النـسـان‬

‫وفي ضد هذا أقول‪:‬‬
‫لقد وصفوك لي حتى التقينـا‬
‫فأوصاف الجنان مقصـرات‬

‫فصار الظن حقا في العيان‬
‫على التحقيق عن قدر الجنان‬

‫وإن هذه الحوال لتحدث بيععععععععن الصععععععععدقاء والخوان‪ ،‬وعنععععععععي أحدث‪.‬‬
‫خبر‪ :‬إنه كان بيني وبين رجل من الشراف ود وكيد وخطاب كثير‪ ،‬وما تراءينا‬
‫قعط‪ .‬ثعم منعح ال لي لقاءه‪ ،‬فمعا مرت إل أيام قلئل حتعى وقععت لنعا منافرة عظيمعة‬
‫ووحشة شديدة متصلة إلى الن‪ ،‬فقلت في ذلك قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أبدلت أشخاصنا كرها وفرط قلى‬

‫كما الصحائف قد يبدلن بالنسـخ‬

‫ووقعع لي ضعد هذا معع أبعي عامعر بعن أبعي عامعر رحمعة ال عليعه‪ ،‬فإنعي كنعت له‬
‫على كراهة صحيحة وهو لي كذلك‪ ،‬ولم يرني ول رأيته‪ ،‬وكان أصل ذلك تنقيلً‬

‫يحمل إليه عني وإلي عنه‪ ،‬ويؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه من‬
‫صعحبة السعلطان ووجاهعة الدنيعا‪ ،‬ثعم وفعق ال الجتماع بعه فصعار لي أود الناس‬
‫وصرت له كذلك‪ ،‬إلى أن حال الموت بيننا‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة؛ منها‪:‬‬
‫أخ لي كسبنـيه الـلـقـاء‬

‫وأوجدني فيه علقا شريفـا‬

‫وقد كنت أكره منه الجـوار‬

‫وما كنت أرغبه لي أليفـا‬

‫وكان البغيض فصار الحبيب‬

‫وكان الثقيل فصار الخفيفا‬

‫وقد كنت أدمن عنه الوجيف‬

‫فصرت أديم إليه الوجيفـا‬

‫وأمعا أبعو شاكعر عبعد الرحمعن بعن محمعد القعبري فكان لي صعديقاً مدة على غيعر‬
‫رؤية‪ ،‬ثم التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الن‪.‬‬

‫الباب الخامس‬
‫من أحب من نظرة واحدة‬
‫وكثيراً مععا يكون لصععوق الحععب بالقلب مععن نظرة واحدة‪ .‬وهععو ينقسععم قسععمين‪،‬‬
‫فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا‪ ،‬وهو أن يعشق المرء صورة ل يعلم من هي‬
‫ول يدري لهععععععا اسععععععما ول مسععععععتقراً‪ ،‬وقععععععد عرض هذا لغيععععععر واحععععععد‪.‬‬
‫خبر‪ :‬حدثني صاحبنا أبا بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني‬

‫اسععمه‪ ،‬وأظنععه القاضععي ابععن الحذاء‪ ،‬أن يوسععف بععن هارون الشاعععر المعروف‬
‫بالرمادي كان مجتازاً عنععد باب العطاريعن بقرطبععة‪ ،‬وهذا الموضعع كان مجتمععع‬
‫النسعاء‪ ،‬فرأى جاريعة أخذت بمجامعع قلبعه وتخلل حبهعا جميعع أعضائه‪ ،‬فانصعرف‬
‫عععن طريععق الجامععع وجعععل يتبعهععا وهععي ناهضععة نحععو القنطرة‪ ،‬فجازتهععا إلى‬
‫الموضعع المعروف بالربعض‪ .‬فلمعا صعارت بيعن رياض بنعي مروان رحمهعم ال‬
‫المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفرداً عن الناس‬
‫ل همعة له غيرهعا فانصعرفت إليعه فقالت له‪ :‬مالك تمشعي ورائي؟ فأخبرهعا بعظيعم‬
‫بليته بها‪ .‬فقالت له‪ :‬دع عنك هذا ول تطلب فضيحتي فل مطمع لك في النية ول‬
‫إلى معا ترغبعه سعبيل فقال‪ :‬إنعي أقنعع بالنظعر‪ .‬فقالت‪ :‬ذلك مباح لك‪ .‬فقال لهعا‪ :‬يعا‬
‫سعيدتي‪ :‬أحرة أم مملوكعة؟ قالت‪ :‬مملوكعة‪ .‬فقال لهعا‪ :‬معا اسعمك؟ قالت‪ :‬خلوة‪ .‬قال‪:‬‬
‫ولمعن أنعت؟ فقالت له‪ :‬علمعك وال بمعا فعي السعماء السعابعة أقرب إليعك ممعا سعألت‬
‫عنعه‪ ،‬فدع المحال‪ .‬فقال لهعا‪ :‬يعا سعيدتي‪ ،‬وأيعن أراك بععد هذا؟ قالت‪ :‬حيعث رأيتنعي‬
‫اليوم فعي مثعل تلك السعاعة معن كعل جمععة‪ .‬فقالت له‪ :‬إمعا أن تنهعض أنعت وإمعا أن‬
‫أنهععض أنععا فقال لهععا‪ :‬انهضععي فععي حفععظ ال‪ .‬فنهضععت نحععو القنطرة ولم يمكنععه‬
‫أتباعها لنها كانت تلتفعت نحوه لترى أيسايرها أم ل‪ .‬فلمعا تجاوزت باب القنطرة‬
‫أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة‪.‬‬

‫قال أبععو عمرو‪ ،‬وهععو يوسععف بععن هارون‪ :‬فوال لقععد لزمععت باب العطاريععن‬
‫والربععض مععن ذلك الوقععت إلى الن فمععا وقعععت لهععا على خععبر ول أدري أسععماء‬

‫لحسعتها أم أرض بلعتهعا‪ ،‬وإن فعي قلبعي منهعا لحعر معن الجمعر‪ .‬وهعي خلوة التعي‬
‫يتغزل بها في أشعاره‪.‬‬

‫ثعم وقععع بععد ذلك على خبرهععا بعععد رحيله فععي سععببها إلى سععر قسعطة فععي قصععة‬
‫طويلة‪ .‬ومثل ذلك كثير‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر‬

‫فأرسل الدمع مقتصا من البصر‬

‫فكيف تبصر فعل الدمع منتصفـا‬

‫منها بإغراقها في دمعها الـدرر‬

‫لم ألقها قبل إبصاري فأعرفـهـا‬

‫وآخر العهد منها ساعة النظـر‬

‫والقسم الثاني مخالف للباب الذي يأتي بعد هذا الباب إن شاء ال‪ ،‬وهو أن يعلق‬
‫المرء معن نظرة واحدة جاريعة معروفعة السعم والمكان والمنشعأ‪ ،‬ولكعن التفاضعل‬
‫يقع في هذا في سرعة الفناء وإبطائه‪ ،‬فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلقة‬
‫مععن لمحععة خاطرة فهععو دليععل على قلة البصععر‪ ،‬ومخععبر بسععرعة السععلو‪ ،‬وشاهععد‬
‫الظرافعة والملل‪ .‬وهكذا فعي جميعع الشياء أسعرعها نمواً أسعرعها فناء‪ .‬وأبطؤهعا‬
‫حدوثاً أبطؤها نفاذاً‪.‬‬

‫خبر‪ :‬إني لعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشأة‪ ،‬عالية المنصب‪،‬‬
‫غليظععة الحجاب‪ ،‬وهععو مجتاز‪ ،‬ورأتععه فععي موضععع تطلع منععه كان فععي منزلهععا‪،‬‬
‫فعلقتعه وعلقهعا وتهاديعا المراسعلة زماناً على أرق معن حعد السعيف‪ ،‬ولول أنعي لم‬
‫أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكائد لوردت مما صح عندي أشياء‬

‫تحيعر اللبيعب وتدهعش العاقعل‪،‬أسعبل ال علينعا سعتره وعلى جميعع المسعلمين بمنعه‪،‬‬
‫وكفانا‪.‬‬

‫الباب السادس‬
‫من ل يحب إل مع المطاولة‬
‫ومعن الناس معن ل تصعح محبتعه إل بععد طول المخافتعة وكثيعر المشاهدة وتمادي‬
‫النععس‪ ،‬وهذا الذي يوشععك أن يدوم ويثبععت ول يحيععك فيععه مُر الليالي فمععا دخععل‬
‫عسعيراً لم يخرج يسعيراً‪ ،‬وهذا مذهعبي‪ .‬وقعد جاء فعي الثعر أن ال ععز وجعل قال‬
‫للروح حيععن أمره أن يدخععل جسععد آدم‪ ،‬وهععو فخار‪ ،‬فهاب وجزع‪ :‬ادخععل كرهاً‬
‫حدِثناه عن شيوخنا‪.‬‬
‫واخرج كرهاً‪ُ .‬‬

‫ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء هوى أو توجس من‬
‫استحسانه ميلً إلى بعض الصور استعمل الهجر وترك اللمام‪ ،‬لئل يزيد ما يجد‬
‫فيخرج المر عن يده‪ ،‬ويحال بين العير والنزوان‪ .‬وهذا يدل على لصوق الحب‬
‫بأكباد أهل هذه الصفة‪ ،‬وأنه إذا تمكن منهم لن يرحل أبداً‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪،‬‬
‫منها‪:‬‬
‫سأبعد عن دواعي الحب إنـي‬

‫رأيت الحزم من صفة الرشيد‬

‫رأيت الحب أوله التـصـدي‬

‫بعينك في أزاهير الـخـدود‬

‫فبينا أنت مغتبـط مـخـلـى‬

‫إذا قد صرت في حلق القيود‬

‫كمغتر بضحـضـاح قـريب‬

‫فزل فغاب في غمر المـدود‬

‫وإني لطيل العجب منكل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ول أكاد أصدقه‬
‫ول أجععل حبعه إل ضرباً معن الشهوة‪ ،‬وأمعا أن يكون فعي ظنعي متمكناً معن صعميم‬
‫الفؤاد نافذًا فعي حجاب القلب فمعا أقدر ذلك‪ ،‬ومعا لصعق بأحشائي حعب قعط إل معع‬
‫الزمعن الطويعل وبععد ملزمعة الشخعص لي دهراً وأخذي مععه فعي كعل جعد وهزل‪،‬‬
‫وكذلك أنعا فعي السعلو والتوقعي‪ ،‬فمعا نسعيت وداً لي قعط‪ ،‬وإن حنينعي إلى كعل عهعد‬
‫تقدم لي ليغصعني بالطعام ويشرقنعي بالماء‪ ،‬وقعد اسعتراح معن لم تكعن هذه صعفته‪.‬‬
‫وما مللت شيئاً قط بعد معرفتي به‪ ،‬ول أسرعت إلى النس بشيء قط أول لقائي‬
‫له‪ ،‬وما رغبت في الستبدال الى سبب من أسبابي مذ كنت‪ ،‬ل أقول في اللف‬
‫والخوان وحدهععم‪ ،‬لكععن فععي كععل مععا يسععتعمل النسععان مععن ملبوس ومركوب‬
‫ومطعوم وغير ذلك‪ ،‬وما انتفعت بعيعش ول فارقني الطراق والنفلق مذ ذقت‬
‫طعم فراق الحبة‪ ،‬وإنه لشجي يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني‪ ،‬ولقد نغص‬
‫تذكري ما مضى كل عيش أستأنفه‪ ،‬وإني لقتيل الهموم في عداد الحياء‪ ،‬ودفين‬
‫السعى بيعن أهعل الدنيعا‪ .‬وال المحمود على كعل حال ل إله إل هعو‪ .‬وفعي ذلك أقول‬
‫شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫محبة صدق لم تكن بنت ساعة‬

‫ول وريث حين ارتياد زنادها‬

‫ولكن على مهل سرت وتولدت‬

‫بطول امتزاج فاستقر عمادها‬

‫فلم يدن منها عزمها وانتقاضها‬

‫ولم ينأ عنها مكثها وازديادهـا‬

‫يؤكد ذا أنا نرى كـل نـشـأة‬

‫تتم سريعا عن قريب معادهـا‬

‫ولكنني أرض عزاز صلـيبة‬

‫منيع إلى كل الغروس انقيادها‬

‫فما نفدت منها لديها عروقهـا‬

‫فليست تبالي أن تجود عهادها‬

‫ول يظعن ظان ول يتوهعم متوهعم أن كعل هذا مخالف لقولي المسعطر فعي صعدر‬
‫الرسالة‪ ،‬أن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي‪ ،‬بل هو مؤكد له‪.‬‬
‫فقععد علمنععا أن النفععس فععي هذا العالم الدنععى قععد غمرتهععا الحجععب‪ ،‬ولحقتهععا‬
‫الغراض‪ ،‬وأحاطعت بهعا الطبائع الرضيعة الكونيعة‪ ،‬فسعترت كثيراً معن صعفاتها‬
‫وإن كانععت لم تحله‪ ،‬لكععن حالت دونععه فل يرجععى التصععال على الحقيقععة إل بعععد‬
‫التهيؤ من النفس والستعداد له‪ ،‬وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها‪،‬‬
‫ومقابلة الطبائع التععي خفيععت ممععا يشابههععا مععن طبائع المحبوب‪ ،‬فحينئذ يتصععل‬
‫اتصععععععععععععععععععععععععععععالً صععععععععععععععععععععععععععععحيحاً بل مانععععععععععععععععععععععععععععع‪.‬‬
‫وأمعا معا يقعع معن أول وهلة ببععض أعراض السعتحسان الجسعدي‪ ،‬واسعتطراف‬
‫البصر الذي ل يجاوز اللوان‪ ،‬فهذا سرّ الشهوة ومعناها على الحقيقة فإذا غلبت‬
‫الشهوة وتجاوزت هذا الحد ووافق الفصل اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع‬
‫النفعس يسعمى عشقاً‪ .‬ومعن هنعا دخعل الخلط على معن يزععم أن يحب اثنين ويعشعق‬
‫شخصععين متغايريععن‪ ،‬فإنمععا هذا مععن جهععة الشهوة التععي ذكرنععا آنفاً‪ ،‬وهععي على‬
‫المجاز تسعمى محبعة ل على التحقيعق‪ ،‬وأمعا نفعس المحعب فمعا فعي الميعل بعه فضعل‬
‫بصرفه من أسباب دينه ودنياه فكيف بالشتغال بحب ثان‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫كذب الـمـدعـي هـوى اثـنـين‬
‫حـتــمـــا‬
‫ليس فـي الـقـلـب مـوضـع‬
‫لـحـبـيبـــي‬

‫مثـل مـا فـي الصـول أكـذب‬
‫مــانـــي‬
‫ن ول أحـدث المـــور‬
‫بـــثـــانـــي‬

‫فكـمـا الـعـقـــل واحـــد‬
‫لـــيس يدري‬
‫فكـذا الـقـلـب واحـــد لـــيس‬
‫يهـــوى‬

‫خالـقــا غـــير واحـــد‬
‫رحـــمـــان‬
‫غير فــرد مـــبـــاعـــد أو‬
‫مـــدان‬

‫هو في شرعة المودة ذو شك بعيد من صحه‬
‫اليمان‬
‫وكذا الدين واحد مستقيم‬

‫وكـفــور مـــن عـــنـــده‬
‫دينـــان‬

‫وإنعي لعرف فتعى مععن أهععل الجعد والحسعب والدب كان يبتاع الجاريعة وهعي‬
‫سعالمة الصعدر معن حبعه‪ ،‬وأكثعر معن ذلك كارهعة له لقلة حلوة شمائل كانعت فيعه‪،‬‬
‫وقطوب دائم كان ل يفارقعه ول سعيما معع النسعاء‪ ،‬فكان ل يلبعث إل يسعيراً ريثمعا‬
‫يصعل إليهعا بالجماع ويعود ذلك الكره حبا مفرطاً وكلفاً زائداً واسعتهتاراً مكشوفاً‪،‬‬
‫ويتحول الضجعر لصعحبته ضجراً لفراقعه‪ .‬صعحبه هذا المعر فعي عدة منهعن‪ .‬فقال‬
‫بعععض إخوانععي‪ :‬فسععألته عععن ذلك فتبسععم نحوي وقال‪ :‬إذاً وال أخععبرك أنععا أبطععأ‬
‫الناس إنزالً‪ ،‬تقضي المرأة شهوتها وربما ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعد‪،‬‬
‫وما فترت بعدها قط‪ ،‬وإني لبقى بمنتي بعد انقضائها الحين الصالح‪ .‬وما لقى‬
‫صعدري صعدر امرأة قعط عنعد الخلوة إل عنعد تعمدي المعانقعة‪ ،‬وبحسعب ارتفاع‬
‫صدري نزول مؤخري‪.‬‬

‫فمثععل هذا وشبهععه إذا وافععق أخلق النفععس ولد المحبععة‪ ،‬إذا العضاء الحسععاسة‬
‫مسالك النفوس ومؤديات نحوها‪.‬‬

‫الباب السابع‬
‫من أحب صفة‬
‫لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها‬
‫واعلم أعزك ال أن للحب حكماً على النفوس ماضياً‪ ،‬وسلطاناً قاضياً‪ ،‬وأمراً ل‬
‫يخالف‪ ،‬وحداً ل يعصععى‪ ،‬وملكاً ل يتعدى‪ ،‬وطاعععة ل تصععرف‪ ،‬ونفاذاً ل يرد؛‬
‫وأنه ينقض المرر‪ ،‬ويحل المبرم‪ ،‬ويحلل الجامد‪ ،‬ويخل الثابت‪ ،‬ويحل الشغاف‪،‬‬
‫ويحل الممنوع‪ ،‬ولقد شاهدت كثيراً من الناس ل يتهمون في تمييزهم‪ ،‬ول يخاف‬
‫عليهم سقوط في معرفتهم‪ ،‬ول اختلل بحسن اختيارهم‪ ،‬ول تقصير في حدسهم‪،‬‬
‫قععد وصعفوا أحباباً لهعم فعي بعععض صعفاتهم بمعا ليعس بمسععتحسن عنعد الناس ول‬
‫يرضى في الجمال‪ ،‬فصارت هجيراهم‪،‬وعرضة لهوائهم‪ ،‬ومنتهى استحسانهم‬
‫ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين أو هجر أو بعض عوارض الحب‪ ،‬وما فارقهم‬
‫اسععتحسان تلك الصععفات ول بان عنهععم تفضيلهععا‪ ،‬على مععا هععو أفضععل منهععا فععي‬
‫الخليقععة‪ ،‬ول مالوا إلى سععواها؛ بععل صععارت تلك الصععفات المسععتحبة عنععد الناس‬
‫مهجورة عندهعم وسعاقطة لديهعم إلى أن فارقوا الدنيعا وانقضعت أعمارهعم‪ ،‬حنينعا‬
‫منهم إلى من فقدوه‪ ،‬وألفة لمن صحبوه‪ .‬وما أقول إن ذلك كان تصنعاً لكن طبعاً‬
‫حقيقياً واختياراً ل دخل فيه‪ ،‬ول يرون سواه‪ ،‬ول يقولون في طي عقدهم بغيره‪.‬‬
‫وإني لعرف من كان في جيد حبيبه بعض الوقص فما استحسن أغيد ول غيداء‬
‫بععد ذلك‪ .‬وأعرف معن كان أول علقتعه بجارة مائلة إلى القصعر فمعا أحعب طويلة‬

‫بععد هذا‪ .‬وأعرف أيضاً معن هوى جاريعة فعي فمهعا فوه لطيعف فلقعد كان يتقذر كعل‬
‫فم صغير ويذمه ويكرهه الكراهية الصحيحة‪ .‬وما أصف عن منقوصي الحظوظ‬
‫فعي العلم والدب لكعن ععن أوفعر الناس قسعطاً فعي الدراك‪ ،‬وأحقهعم باسعم الفهعم‬
‫والدرايعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععة‪.‬‬
‫وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من‬
‫ذلك الوقعت سعوداء الشععر‪ ،‬ولو أنعه على الشمعس أو على صعورة الحسعن نفسعه‬
‫وإني لجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت‪ ،‬ل تؤاتيني نفسي على سواه ول‬
‫تحعب غيره البتعة‪ ،‬وهذا العارض بعينعه عرض لبعي رضعي ال عنعه وعلى ذلك‬
‫جرى إلى أن وافاه أجله‪.‬‬

‫وأمعا جماععة خلفاء بنعي مروان ‪ -‬رحمهعم ال ‪ -‬ول سعيم ولد الناصعر منهعم‪ ،‬فكلهعم‬
‫مجبولون على تفضيععل الشقرة‪ ،‬ل يختلف فععي ذلك منهععم مختلف‪ .‬وقععد رأيناهععم‬
‫ورأينعا معن رآهعم معن لدن دولة الناصعر إلى الن فمعا منهعم إل أشقعر نزاعاً إلى‬
‫أمهاتهعم‪ ،‬حتعى قعد صعار ذلك فيهعم خلقعة‪ ،‬حاشعى سعليمان الظافعر رحمعه ال‪ ،‬فإنعي‬
‫رأيته أسود اللمة واللحية‪.‬‬

‫وأمعا الناصعر والحكعم والمسعتنصر رضعي ال عنهمعا فحدثنعي الوزيعر أبعي رحمعه‬
‫ال وغيره أنهما كانا أشقرين أشهلين‪ ،‬وكذلك هشام المؤيد ومحمد المهدي وعبد‬
‫الرحمعن المرتضعى رحمهعم ال‪ ،‬فإنعي قعد رأيتهعم مراراً ودخلت عليهعم فرأيتهعم‬
‫شقراً شهلً‪ ،‬وهكذا أولدهعم وأخوتهعم وجميعع أقاربهعم‪ ،‬فل أدري أذلك اسعتحسان‬

‫مركعب فعي جميعهعم أم لروايعة كانعت عنعد أسعلفهم فعي ذلك فجروا عليهعا‪ .‬وهذا‬
‫ظاهععر فععي شعععر عبععد الملك بععن مروان بععن عبععد الرحمععن بععن مروان بععن أميععر‬
‫المؤمنين الناصر وهو المعروف بالطليق‪ ،‬وكان أشعر أهل الندلس في زمانهم‬
‫وأكثر تغزله فبالشقر‪ ،‬وقد رايته وجالسته‪.‬‬
‫وليعس العجعب فيمعن أحعب قعبيحاً ثعم لم يصعحبه ذلك فعي سعواه فقعد وقعع معن ذلك‪،‬‬
‫ول فيمعن طلع معذ كان على تفضيعل الدنعى‪ ،‬ولكعن فيمعن كان ينظعر بعيعن الحقيقعة‬
‫ثم غلب عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجماعة فأحاله عما عهدته نفسه‬
‫حوالة صارت له طبعاً‪ :‬وذهب طبعه الول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولً‪.‬‬
‫فإذا رجعع إلى نفسعه وجدهعا تأبعى إلى الدنعى فأعجعب لهذا التغلب الشديعد والتسعلط‬
‫العظيععم‪ ،‬وهععو أصععدق المحبععة حقاً‪ ،‬ل مععن يتحلى بشيععم قوم ليععس منععه‪ ،‬ويدعععي‬
‫غريزة ل تقبله فيزععم أنعه يتخيعر معن يحعب‪ ،‬أمعا لو شغعل الحعب بصعيرته‪ ،‬وأطاح‬
‫فكرتععه‪ ،‬وأجحععف بتمييزه‪ ،‬لحال بينععه وبيععن التخيععل والرتياد‪ .‬وفععي ذلك أقول‬
‫شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫منهم فتى كان في محبوبه وقص‬

‫كأنما الغيد في عينـيه جـنـان‬

‫وكان منبسطا في فضل خبرتـه‬

‫بحجة حقها في القول تـبـيان‬

‫إن المها وبها المثـال سـائرة‬

‫ل ينكر الحسن فيه الدهر إنسان‬

‫وقص فليس بها عنقـاء واحـدة‬

‫وهل تزان بطول الجيد بعـران‬

‫وآخر كان في محبـوبـه قـوة‬

‫يقول حسي في الفواه غزلن‬

‫وثالث كان في محبوبه قـصـر‬

‫يقول إن ذوات الطول غـيلن‬

‫وأقول أيضاً‪:‬‬

‫يعيبونها عندي بشقـرة شـعـرهـا‬

‫فقلت لهم هذا الذي زانها عـنـدي‬

‫يعيبون لون النور والـتـبـر ضـلة‬

‫لرأى جهول في الغواية مـمـتـد‬

‫وهل عاب لون النرجس الغض عائب‬

‫ولون النجوم الزاهرات على البعـد‬

‫وأبعد خلق ال مـن كـل حـكـمة‬

‫مفضل جرم فاحم اللـون مـسـود‬

‫به وصفت ألـوان أهـل جـهـنـم‬

‫ولبسة باك مثكل الهـل مـحـتـد‬

‫ومذ لحت الرايات سواد تـيقـنـت نفوس الورى أن لسبيل إلى الرشـد‬

‫الباب الثامن‬
‫التعريض بالقول (‪)36‬‬
‫ول بععد لكععل مطلوب مععن مدخععل إليععه‪ ،‬وسععبب يتوصععل بععه نحوه فلم ينفرد‬
‫بالختراع دون واسعععطة إل العليعععم الول جعععل ثناؤه‪ .‬فأول معععا يسعععتعمل طلب‬
‫أوصعل وأهعل المحبعة فعي كشعف معا يجدونعه إلى أحبتهعم التعريعض بالقول‪ ،‬إمعا‬
‫بإنشاد شعععر‪ ،‬أوبإرسععأ ومثععل‪ ،‬أو تعميععة بيععت‪ ،‬أو طرح لغععز‪ ،‬أو تسععليط كلم‬
‫وللناس يختلفون فعي ذلك على قدر إدراكهعم‪ ،‬وعلى حسعب مايرونعه معن أحبتهعم‬
‫معن نفار أو أنعس أو فطنعة أو بلدة‪ .‬وإنعي لعرف معن ابتدأ كشعف محبتعه إلى معن‬
‫كان يحععب بأبيات قلتهععا‪ .‬فهذا وشبهععه يبتدئ بععه الطالب للمودة‪ ،‬فإن رأى أنسععا‬
‫وتسهيلً زاد‪ ،‬وإن يعاين شيئاً من هذه المور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا‪،‬‬
‫أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا‪ ،‬فانتظاره الجواب‪ ،‬إما بلفظ أو بهيئة الوجه‬
‫والحركات‪ ،‬لموقعععف بيعععن أرجاء واليأس هائل‪ ،‬وإن كان حينًا قصعععيراً‪ ،‬ولكنعععه‬
‫إشراف على بلوغ المل أو انقطاعه‪.‬‬

‫ومن التعريض بالقول‪ :‬جنس ثان‪ ،‬ول يكون إل بعد التفاق ومعرفة المحبة من‬
‫المحبوب‪ ،‬فحينئذ يقعععع التشكعععي وعقعععد المواعيعععد والتغريعععر وأحكعععم المودات‬
‫بالتعريض‪ ،‬وبكلم يظهر لسامعه منه معنى غير ما يذهبان إليه‪ ،‬فيجيب السامع‬
‫عنه بجواب غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلم‪ ،‬على حسب ما يتأدى إلى سمعه‬
‫ويسعبق إلى وهمعه‪ ،‬وقعد فهعم كعل واحعد منهمعا ععن صعاحبه وأجابعه بمعا ل يفهمعه‬
‫غيرهمعا إل معن أيعد بحعس نافعذ‪ ،‬وأعيعن بذكاء‪ ،‬وأمعد بتجربعة‪ ،‬ول سعيما إن أحعس‬
‫معن معانيهمعا بشيعء وقلمعا يغيعب ععن المتوسعم المجيعد‪ ،‬فهنالك ل خفاء عليعه فيمعا‬
‫يريدان‪.‬‬
‫وأنا أعرف فتى وجارية كانا يتحابان‪ ،‬فأرادها في بعض وصلها على بعض مال‬
‫يجمل‪ .‬فقالت‪ :‬وال لشكونك في المل علنية ولفضحنك فضيحة مستورة‪ .‬فلما‬
‫كان بععد أيام حضرت الجاريعة مجلس بععض أكابر الملوك وأركان الدولة وأجعل‬
‫رجال الخلفعة‪ ،‬وفيعه ممعن يتوقعى أمره معن النسعاء والخدم عدد كثيعر‪ ،‬وفعي جملة‬
‫الحاضرين ذلك الفتى‪ ،‬لنه كان بسبب من الرئيس‪ ،‬وفي المجلس مغنيات غيرها‬
‫فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫غزال قد حكى بدر التـمـام‬

‫كشمس قد تجلت من غمـام‬

‫سبى قلبي بألحـاظ مـراض‬

‫وقد الغصن في حسن القـوام‬

‫خضعت خضوع صب مستكين‬

‫له وذللت ذلة مـسـتـهـام‬

‫فصلني يا فديتك فـي حـلل‬

‫فما أهوى وصالً في حـرام‬

‫وعلمت أنا هذا المر فقلت‪:‬‬

‫أتت من ظالم حكم وخصـم‬

‫عتاب واقع وشكـاة ظـلـم‬
‫تشكت ما بها لم يدر خـلـق‬

‫سوى المشكو ما كانت تسمى‬

‫الباب التاسع‬
‫الشارة بالعين‬
‫ثعم يتلو التعريعض بالقبول‪ ،‬إذا وقعع القبول والموافقعة‪ ،‬الشارة بلحعظ العيعن وإنعه‬
‫ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود‪ ،‬ويبلغ المبلغ العجيب‪ ،‬ويقطع به ويتواصل‪،‬‬
‫ويوععد ويهدد‪ ،‬وينتهعر ويبسعط ويؤمعر وينهعي‪ ،‬وتضرب بعه الوعود‪ ،‬وينبعه على‬
‫الرقيعععععععب‪ ،‬ويضحعععععععك ويحزن‪ ،‬ويسعععععععأل ويجاب‪ ،‬ويمنعععععععع ويعطعععععععي‪.‬‬
‫ولكعل واحعد مععن هذه المعانعي ضرب معن هيئة اللحععظ ل يوقععف على تحديده إل‬
‫بالرؤية‪ ،‬ول يمكن تصويره ول وصفه إل بالقل منه‪ .‬وأنا واصف ما تيسر من‬
‫هذه المعانعي‪ :‬فالشارة بمؤخعر العيعن الواحدة نهعى ععن المعر‪ ،‬وتفتيرهعا إعلم‬
‫بالقبول وإدامعة نظرهعا دليعل على التوجعع والسعف‪ ،‬وكسعر نظرهعا آيعة الفرح‪.‬‬
‫والشارة إلى إطباقهعا دليعل على التهديعد‪ ،‬وقلب الحدقعة إلى جهعة معا ثعم صعرفها‬
‫بسرعة تنبيه على مشار إليه‪.‬‬

‫والشارة الخفية بمؤخر العينين كلتاهما سؤال‪ ،‬وقلب الحدقة من وسط العين إلى‬
‫الموق بسرعة شاهد المنع‪ ،‬وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام‪ .‬وسائر‬
‫ذلك ل يدرك إل بالمشاهدة‪.‬‬

‫وأعلم أن العين تنوب عن الرسل‪ ،‬ويدرك بها المراد والحواس الربع أبواب إلى‬
‫القلب ومنافذ نحو النفس‪ ،‬والعين أبلغها وأصحها دللة وأوعاها عملً وهي رائد‬
‫النفععس الصععادق ودليلهععا الهادي ومرآتهععا المجلوة التععي بهععا تقععف على الحقائق‬
‫وتميز الصفات وتفهم المحسوسات‪ .‬وقد قيل ليس المخبر كالمعاين وقد ذكر ذلك‬
‫افليمون صاحب الفراسة وجعلها معتمدة في الحكم وبحسبك من قوة إدراك العين‬
‫أنهعا إذا لقعى شعاعهعا شعاعاً مجلواً صعافياً‪ ،‬إمعا حديداً مفصعولً أو زجاجاً أو ماء‬
‫أو بععععض الحجارة الصعععافية أو سعععائر الشياء المجلوة البراقعععة ذوات الرفيعععف‬
‫والبصيص واللمعان‪ ،‬يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كدر‪ ،‬انعكس‬
‫شعاعهعا فأدرك الناظعر نفسعه ومعا زاهعا عياناً‪ .‬وهعو الذي ترى فعي المرآة‪ ،‬فأنعت‬
‫حينئذ كالناظععر إليععك بعيععن غيرك‪ .‬ودليععل عيانععي على هذا أنععك تأخععذ مرآتيععن‬
‫كعبيرتين فتمسعك إحداهمعا بيمينعك خلف رأسعك والثانيعة بيسعارك قبالة وجهعك ثعم‬
‫تزويهعععا قليلً حتعععى يلتقيان بالمقابلة‪ ،‬فإنعععك ترى قفاك وكعععل معععا وراءك‪ .‬وذلك‬
‫لنعكاس ضوء العيعن إلى ضوء المرآة التعي خلفعك‪ ،‬إذ لم تجعد منفذًا فعي التعي بيعن‬
‫يديعك‪ ،‬ولمعا لم يجعد وراء هذه الثانيعة منفذاً انصعرف إلى معا قابله معن الجسعم‪ .‬وإن‬
‫صالح غلم أبي إسحاق النظام خالف في الدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه‬
‫أحعد ولو لم يكعن معن فضعل العيعن إل أن جوهرهعا أرفعع الجواهعر وأعلهعا مكاناً‪،‬‬
‫لنهعا نوريعة لتدرك اللوان بسعواها‪ ،‬ول شيعء أبععد مرمعى ول أنأى غايعة منهعا‪،‬‬
‫لنهعا تدرك بهعا أجرام الكواكعب التعي فعي الفلك البعيدة‪ ،‬وترى بهعا السعماء على‬
‫شدة ارتفاعها وبعدها‪ ،‬وليس ذلك إل لتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة‪ ،‬فهي‬

‫تدركها وتصعل إليهعا بالنظعر‪ ،‬ل على قطعع الماكعن والحلول فعي المواضعع وتنقعل‬
‫الحركات‪ ،‬وليعععس هذا لشيععء مععن الحواس مثعععل الذوق واللمععس ل يدركان إل‬
‫بالمجاورة‪ ،‬والسعمع والشعم ل يدركان إل معن قريعب‪ .‬ودليعل على معا ذكرناه معن‬
‫النظعر أنعك ترى المصعوت قبعل سعماع الصعوت‪ ،‬وإن تعمدت إدراكهمعا معاً‪ .‬وإن‬
‫كان إدراكهما واحداً لما تقدمت العين السمع‪.‬‬

‫الباب العاشر‬
‫المراسلة‬
‫ثعم يتلو ذلك إذا امتزجعا المراسعلة بالكتعب‪ .‬وللكتعب آيات‪ .‬ولقعد رأيعت أهعل هذا‬
‫الشأن يبادرون لقطع الكتب وبحلها في الماء وبمحو أثرها‪ ،‬فرب فضيحة كانت‬
‫بسبب كتاب‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫عزيز على اليوم قطع كتابكم‬
‫فآثرت أن يبقى ودادٌ وينمحي‬
‫فكم من كتاب فيه ميتة ربه‬

‫ولكنه لم يلف للود قاطـع‬
‫مداد فإن الفرع للصل تابع‬
‫ولم يدره إذ نمقته الصابع‬

‫وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الشكال‪ ،‬وجنسه أملح الجناس‪ .‬ولعمري‬
‫إن الكتاب للسعان فعي بععض الحاييعن‪ ،‬إمعا لحصعرٍ فعي النسعان وإمعا لحياء وإمعا‬
‫لهيبعة‪ .‬نععم‪ ،‬حتعى إن لوصعول الكتاب إلى المحبوب وعلم المحعب أنعه قعد وقعع بيده‬
‫ورآه للذة يجدهعا المحعب عجيبعة تقوم مقام الرؤيعة‪ ،‬وإن لرد الجواب والنظعر إليعه‬
‫سععروراً يعدل اللقاء‪ ،‬ولهذا مععا ترى العاشععق يضععع الكتاب على عينيععه وقلبععه‬

‫ويعانقه‪ .‬ولعهدي ببعض أهل المحبة‪ ،‬ممن كان يدري ما يقول ويحسن الوصف‬
‫ويععبر عمعا فعي ضميره بلسعانه عبارة جيدة ويجيعد النظعر ويدقعق فعي الحقائق‪ ،‬ل‬
‫يدع المراسلة وهو ممكن الوصل قريب الدار آتى المزار‪ ،‬ويحكي أنها من وجوه‬
‫اللذة‪ .‬ولقد أخبرت عن بغض السقاط الوضعاء أنه كان يضع كتاب محبوبه على‬
‫إحليله‪ .‬وإن هذا النوع مععععن الغتلم قبيععععح وضرب مععععن الشبععععق فاحععععش‪.‬‬
‫وأمعا سعقي الحعبر بالدمعع فأعرف معن كان يفععل ذلك ويقارضعه محبوبعه‪ ،‬يسعقي‬
‫الحبر بالريق‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫جواب أتاني عن كتاب بعثـتـه‬

‫فسكن مهتاجا وهيج سـاكـنـا‬

‫سقيت بدمع العين لما كتـبـتـه‬

‫فعال محب ليس في الود خائنـا‬

‫فما زال ماء العين يمحو سطوره‬

‫فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا‬
‫وأضحى بدمعي آخر الحظ بائنا‬

‫غدا بدموعي أول الحظ بـينـنـا‬

‫خعبر‪ :‬ولقعد رأيعت كتاب المحعب إلى محبوبعه‪ ،‬وقعد قطعع فعي يده بسعكين له فسعال‬
‫الدم واسععتمد منععه وكتععب بععه الكتاب أجمععع‪ .‬ولقععد رأيععت الكتاب بعععد جفوفععه فمععا‬
‫شككت أنه لصبغ اللك‪.‬‬

‫الباب الحادي عشر‬

‫السفير‬
‫ويقععع فععي الحععب بعععد هذا‪ ،‬بعععد حلول الثقععة وتمام السععتئناس‪ ،‬إدخال السععفير‪.‬‬
‫ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه‪ ،‬فهو دليل عقل المرء‪ ،‬وبيده حياته‬

‫وموته‪ ،‬وستره وفضيحته بعد ال تعالى‪ .‬فينبغي أن يكون الرسول ذا هيئة‪ ،‬حاذقاً‬
‫يكتفعي بالشارة‪ ،‬وبقرطعس ععن الغائب‪ ،‬ويحسعن معن ذات نفسعه ويضعع معن عقله‬
‫معا أغفله باعثعه‪ ،‬ويؤدي إلى الذي أرسعله كععل معا يشاهععد على وجهعه كأنمعا كان‬
‫للسععرار حافظاً‪ ،‬وللعهععد وفياً‪ ،‬قنوعاً ناصععحاً‪ .‬ومععن تعدى هذه الصععفات كان‬
‫ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫رسولك سيف في يمينك فاستجـد‬
‫فمن يك ذا سيف كهام فـضـره‬

‫حساما ول تضرب به قبل صقله‬
‫يعود على المعنى منه بجهـلـه‬

‫وأكثعر معا يسعتعمل المحبون فعي إرسعالهم إلى معن يحبونعه‪ ،‬إمعا خاملً ل يؤبعه له‬
‫ول يهتدي للتحفعععععظ منعععععه‪ ،‬لصعععععباه أو لهيئة رثعععععة أو بدادة فعععععي طلعتعععععه‪.‬‬
‫وإمععععا جليلً ل تلحقععععه الظنععععن لنسععععك يظهره أو لسععععن عاليععععة قععععد بلغهععععا‪.‬‬
‫وما أكثر هذا في النساء ول سيما ذوات العكاكيز والتسابيح والثوبين الحمرين‬
‫وإنعي لذكعر بقرطبعة التحذيعر للنسعاء المحدثات معن هذه الصعفات حيثمعا رأيتهعا‪.‬‬
‫أو ذرات صععناعة يقرب بهععا مععن الشخاص‪ .‬فمععن النسععاء كالطبيبععة والحجامععة‬
‫والسعراقة والدللة والماشطعة والنائحعة والمغنيعة والكاهنعة والمعلمعة والمسعتخفة‬
‫والصعععععععععععناع فعععععععععععي المغزل والنسعععععععععععيج‪ ،‬ومعععععععععععا أشبعععععععععععه ذلك‪.‬‬
‫أو ذا قرابعة معن المرسعل إليعه ل يشعح بهعا عليعه‪ .‬فكعم منيعع سعهل بهذه الوصعاف‪،‬‬
‫وعسعير يسعر‪ ،‬وبعيعد قرب‪ .‬وجموح أنعس‪ ،‬وكعم داهيعة دهعت الحجعب المصعونة‪،‬‬
‫والسععتار الكثيععف‪ ،‬والمقاصععير المحروسععة‪ ،‬والسععدد المضبوطععة‪ ،‬لرباب هذه‬
‫النعوت‪ .‬ولول أن أنبعه عليهعا لذكرتهعا‪ ،‬ولكعن لقطعع النظعر فيهعا وقلة الثقعة بكعل‬

‫واحعد‪ .‬والسععيد معن وععظ بغيره‪ .‬وبالضعد تتميعز الشياء‪ .‬أسعبل ال علينعا وعلى‬
‫جميععععععع المسععععععلمين سععععععتره‪ ،‬ول أزال عععععععن الجميععععععع ظععععععل العافيععععععة‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬وإنعي لعرف معن كانعت الرسعول بينهمعا حمامعة مؤدبعة‪ ،‬ويعقعد الكتاب فعي‬
‫جناحها‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لديها وجاءت نحوه بالبشائر‬

‫تخيرها نوح فما خاب ظنـه‬

‫رسائل تهدي في قوادم طائر‬

‫سأودعها كتبي إليك فهاكهـا‬

‫الباب الثاني عشر‬
‫طي السر‬
‫ومعن بععض صعفات الحعب الكتمان باللسعان‪ ،‬وجحود المحعب إن سعئل‪ ،‬والتصعنع‬
‫بإظهار الصععبر‪ ،‬وأن يرى أنععه عععز هاة خلى‪ .‬ويأبععى السععر الدقيععق‪ ،‬ونار الكلف‬
‫المتأججعة فعي الضلوع‪ ،‬إل ظهورًا فعي الحركات والعيعن‪ ،‬ودبيباً كدبيعب النار فعي‬
‫الفحعم والماء فعي يعبيس المدر‪ .‬وقعد يمكعن التمويعه فعي أول المعر على غيعر ذي‬
‫الحععس اللطيععف‪ ،‬وأمععا بعععد اسععتحكامه فمحال‪ ،‬وربمععا يكون السععبب فععي الكتمان‬
‫تصععاون المحععب عععن أن يسععم نفسععه بهذه السععمة عنععد الناس‪ ،‬لنهععا بزعمععه مععن‬
‫صفات أهل البطالة‪ ،‬فيفر منها ويتفادى‪ ،‬وما هذا وجه التصحيح‪ ،‬فبحسب المرء‬
‫المسلم أن يعف عن محارم ال عز وجل التي يأتيها باختياره ويحاسب عليها يوم‬
‫القيامة‪ .‬وأما استحسان الحسن وتمكن الحب فطبع ل يؤمر به ول ينهى عنه‪ ،‬إذ‬
‫القلوب بيععد مقلبهععا‪ ،‬ول يلزمععه غيععر المعرفععة والنظععر فععي فرق مععا بيععن الخطععأ‬

‫والصعواب وأن يعتقعد الصعحيح باليقيعن‪ .‬وأمعا المحبعة فخلقعة‪ ،‬وإنمعا يملك النسعان‬
‫حركات جوارحه المكتسبة‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى‬

‫وسيان عندي فيك ل ح وساكت‬

‫يقولون جانبت التصاون جـمـلة‬

‫وأنت عليهم بالشريعة قـانـت‬

‫فقلت لهم هذا الرياء بـعـينـه‬

‫صراحا وزي للمرائين ماقـت‬

‫متى جاء تحريم الهوى عن محمد‬

‫وهل منعه في محكم الذكر ثابت‬

‫إذا لم أواقع محرما أتـقـى بـه‬

‫محبي يوم البعث والوجه باهت‬

‫فلست أبالي في الهوى قول لئم‬

‫سواء لعمري جاهر أو مخافت‬

‫وهل يلزم النسان إل اخـتـياره‬

‫وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامـت‬

‫خبر‪ :‬وإني لعرف بعض من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين جوانحه‪،‬‬
‫فرام جحده إلى أن غلظ المر‪ ،‬وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ومن‬
‫لم يتعرض‪ .‬وكان معععن عرض له بشيعععء نجهعععه وقبحعععه‪ .‬إلى أن كان معععن أراد‬
‫الحظوة لديه من إخوانه يوهمه تصديقه في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك‪،‬‬
‫فسععر بهذا‪ .‬ولعهدي بععه يوماً قاعداً ومعععه بعععض مععن كان يعرض له بمععا فععي‬
‫ضميره‪ ،‬وهععو ينتفععي غايععة النتفاء‪ ،‬إذ اجتاز بهمععا الشخععص الذي كان يتهععم‬
‫بعلقتعه‪ ،‬فمعا هعو إل أن وقععت عينعه على محبوبعه حتعى اضطرب وفارق هيئتعه‬
‫الولى واصععفر لونععه وتفاوتععت معانععي كلمععه بعععد حسععن تثقيععف‪ ،‬فقطععع كلمععه‬
‫المتكلم مععه‪ .‬فلقعد اسعتدعى معا كان فيعه معن ذكره‪ .‬فقيعل له‪ :‬معا عدا عمعا بدا‪ .‬فقال‪:‬‬
‫هو ما تظنون‪ ،‬عذر من عذر‪ ،‬وعذل من عذل‪ .‬ففي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ما عاش إل لن الموت يرحمه‬

‫مما يرى من تباريح الضنى فيه‬

‫وأنا أقول‪:‬‬
‫دموع الصب تنسفك‬

‫وسائر الصب ينتهك‬

‫كأن القلب إذ يبـدو‬

‫قطاة ضمها شرك‬

‫فيا أصحابنا قولـوا‬

‫فإن الرأي مشترك‬

‫إلى كم ذا أكاتـمـه‬

‫وما لي عنه مترك‬

‫وهذا إنمعا يعرض عنعد مقاومعة طبعع الكتمان‪ ،‬والتصعاون لطبعع المحعب وغلبتعه‪،‬‬
‫فيكون صععاحبه متحيراً بيععن ناريععن محرقتيععن‪ .‬وربمععا كان سععبب الكتمان إبقاء‬
‫المحب على محبوبه‪ ،‬وإن هذا لمن دلئل الوفاء وكرم الطبع‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫درى الناس أني فتى عاشـق‬

‫كئيب معنى ولكـن بـمـن‬

‫إذا عاينوا حالتـي أيقـنـوا‬

‫وإن فتشوا رجعوا في الظنن‬

‫كخط يرى رسمه ظـاهـرا‬

‫وإن طلبوا شرحه لـم يبـن‬

‫كصوت حمام عـلـى أيكة‬

‫يرجع بالصوت في كل فن‬

‫تلذ بفحـواه أسـمـاعـنـا‬

‫ومعناه مستعجـم لـم يبـن‬

‫يقولون بلـلـه سـم الـذي‬

‫نفى حبه عنك طيب الوسن‬

‫وهيهات دون الذي حاولـوا‬

‫ذهاب العقول وخوض الفتن‬

‫فهم أبدا في اختلج الشكوك‬

‫بظن كقطع وقطع كـظـن‬

‫وفي كتمان السر أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫للسر عندي مكـان لـو يحـل بـه‬

‫حى إذا ل اهتدى ريب المنون لـه‬

‫أميته وحـياة الـسـر مـيتـتـه‬

‫كما سرور المعنى في الهوى الوله‬

‫وربمعا كان سعبب الكتمان توقعي المحعب على نفسعه معن إظهار سعره‪ ،‬لجللة قدر‬
‫المحبوب‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬ولقعد قال بععض الشعراء بقرطبعة شعراً تغزل فيعه بصعبح أم المؤيعد رحمعه‬
‫ال‪ .‬فغنعت بعه جاريعة أدخلت على المنصعور محمعد بعن أبعي عامعر ليبتاعهعا‪ ،‬فأمعر‬
‫بقتلهععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععا‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وعلى مثعل هذا قتعل أحمعد بعن مغيعث‪ .‬واسعتئصال آل مغيعث والتسعجيل عليهعم أل‬
‫يستخدم بواحد منهم أبداً حتى كان سبباً لهلكهم وانقراض بيتهم فلم يبق منهم إل‬
‫الشريعععد الضال‪ .‬وكان سعععبب ذلك تغزله بإحدى بنات الخلفاء ومثعععل هذا كثيعععر‪.‬‬
‫ويحكعى ععن الحسعن بعن هانعئ أنعه كان مغرماً بحعب محمعد بعن خارون المعروف‬
‫بابن زبيدة‪ .‬وأحس منه ببعض ذلك فانتهره‪ ،‬على إدامة النظر إليه‪ .‬فذكر عنه أنه‬
‫قال إنعه كان ل يقدر أن يديعم النظعر إليعه إل معع غلبعة السعكر على محمعد‪ .‬وربمعا‬
‫كان سعبب الكتمان أل ينفعر المحبوب أو ينفعر بعه‪ .‬فإنعي أدري معن كان محبوبعة له‬
‫سعكناً وجليسعاً‪ ،‬لوباح بأقععل سععبب معن أنععه يهواه لكان منعه مناط الثريعا قععد تعلت‬
‫نجومهعا‪ .‬وهذا ضرب معن السعياسة‪ ،‬ولقعد كان يبلغ معن انبسعاط هذا المذكور معع‬
‫محبوبعه إلى فوق الغابعة وأبععد النهايعة‪ ،‬فمعا هعو إل أن باح إليعه بمعا يجعد فصعار ل‬
‫يصل إلى التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد‪ ،‬وذهب ذلك‬
‫النبساط ووقع التصنع والتجني‪ ،‬فكان أخاً فصار عبداً‪ ،‬ونظيراً فعاد أسيراً‪ ،‬ولو‬
‫زاد في بوحه شيئاً إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إل في الطيف‪ ،‬ول‬
‫نقطع القليل والكثير‪ ،‬ولعاد عليه بالضرر‪.‬‬

‫وربمععا كان مععن أسععباب الكتمان الحياء الغالب على النسععان‪ ،‬وربمععا كان مععن‬

‫أسعباب الكتمان أن يرى المحعب معن محبوبعه انحرافاً وصعداً ويكون ذا نفعس أبيعة‪،‬‬
‫فيستتر بما يجد لئل يشمت به عدو‪ ،‬أو يريهم ومن يحب هوان ذلك عليه‪.‬‬

‫الباب الثالث عشر‬
‫الذاعة‬
‫وقد تعرض في الحب الذاعة‪ ،‬وهو منكر ما يحدث من أعراضه‪ ،‬ولها أسباب‪،‬‬
‫منهعا‪ :‬أن يريعد صعاحب هذا الفععل أن يتزيعا بزي المحعبين ويدخعل فعي عدادهعم‪،‬‬
‫وهذه خلفععععة ل ترضععععى‪ ،‬وتخليععععج بغيععععض‪ ،‬ودعوى فععععي الحععععب زائفععععة‪.‬‬
‫وربمعا كان معن أسعباب الكشعف غلبعة الحعب وتسعور الجهعر على الحياء‪ .‬فل يملك‬
‫النسان حينئذ لنفسه صرفاً ول عدلً‪ .‬وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه‬
‫على العقل‪ ،‬حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح‪ ،‬والقبيح في هيئة الحسن‪ .‬وهنالك‬
‫يرى الخيعر شراً‪ ،‬والشعر خيراً‪ .‬وكعم مصعون السعتر مسعبل القناع مسعدول الغطاء‬
‫قعد كشعف الحعب سعتره‪ ،‬وأباح حريمعه‪ ،‬وأهمعل حماه فصعار بععد الصعيانة علماً‪،‬‬
‫وبعد السكون مثلً‪ .‬وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لعتراه‬
‫النافعض ععن ذكره‪ ،‬ولطالت اسعتعاذته منعه‪ .‬فسعهل معا كان وعراً‪ ،‬وهان معا كان‬
‫عزيزاً‪ ،‬ولن ما كان شديداً‪.‬‬

‫ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهى بمحبة جارية مقصورة‬
‫هام بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه‪ ،‬وظهرت آيات هواء لكل ذي بصر‪،‬‬

‫إلى أن كانعععععت هعععععي تعذله على ماظهعععععر منعععععه ممعععععا يقوده إليعععععه هواه‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬وحدثنعي موسعى بعن عاصعم بعن عمرو قال‪ :‬كنعت بيعن يدي أبعي الفتعح والدي‬
‫رحمعه ال وقعد أمرنعي بكتاب أكتبعه إذ لمحعت عينعي جاريعة كنعت أكلف بهعا‪ ،‬فلم‬
‫أملك نفسععي ورميععت الكتاب عععن يدي وبادرت نحوهععا‪ .‬وبهععت أبععي وظععن أنععه‬
‫عرض لي عارض‪ .‬ثعم راجعنعي عقلي فمسعحت وجهعي ثعم عدت واعتذرت بأنعه‬
‫غلبني الرعاف‪.‬‬

‫وأعلم أن هذا داعية نفار المحبوب‪ ،‬وفساد في التدبير‪ ،‬وضعف في السياسة وما‬
‫شيء من الشياء إل وللمأخذ فيه سنة وطريقة‪ ،‬متى تعداها الطالب‪ ،‬أو خرق في‬
‫سلوكها انعكس عمله عليه‪ ،‬وكان كده عناء‪ .‬وتعبه هباء‪ ،‬وبحثه وباء‪ .‬وكلما زاد‬
‫عن وجعه السعيرة انحرافًا وفعي تجنبها إغراقاً وفعي غيعر الطريعق إيغال ازداد ععن‬
‫بلوغ مراده بعداً‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ول تسع في المر الجسيم تهازءا‬

‫ول تسع جهرا في اليسير تريده‬

‫وقابل أفانين الزمان مـتـى يرد‬

‫عليك فإن الـدهـر جـم وروده‬

‫فأشكالها من حسن سعيك يكفك ال‬

‫يسير بغير والـشـريد شـريده‬

‫ألم تبصر المصبـاح أول وقـده‬

‫وإشعاله بالنفخ يلطـفـا وقـوده‬

‫وإن يتصرم لفـحـه ولـهـيبـه‬

‫فنفخك يذكـيه وتـبـدو مـدوده‬

‫خبر‪:‬‬
‫وإني لعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن‬
‫فتعح‪ ،‬كنعت أعهده كثيعر التصعاون‪ ،‬معن بغاة العلم وطلب الدب يبعز أصعحابه فعي‬
‫النقباض‪ ،‬ويفوتهععم فععي الدعععة‪ ،‬ل ينظععر إل فععي حلقععة فضععل‪ ،‬ول يرى إل فععي‬

‫محفععل مرضععى‪ ،‬محمود المذاهععب‪ ،‬جميععل الطريقععة‪ ،‬بائناً بنفسععه‪ ،‬زاهياً بهععا ثععم‬
‫أبعدت القدار داري معن داره‪ ،‬فأول خعبر طرأ علي بععد نزولي شاطبعة أنعه خلع‬
‫عذاره في حب فتى من أبناء الفتانين يسمى إبراهيم بن أحمد أعرفه‪ ،‬ل تستأهل‬
‫صعفاته محبعة معن بيتعه خير وتقدم؛ وأموال عريضعة ووفعر تالد‪ ،‬وصعح عندي أنعه‬
‫كشف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر محياه وشمر عن ذراعيه وصمد‬
‫صعمد الشهوة‪ ،‬فصعار حديثًا للسعمار ومدافعاً بيعن نقلة الخبار‪ ،‬وتهودى ذكره فعي‬
‫القطار‪ ،‬وجرت نقلته في الرض راحلة بالتعجب‪ ،‬ولم يحصل من ذلك إل على‬
‫كشعف الغطاء‪ ،‬وإذاععة السعر‪ ،‬وشنععة الحديعث‪ .‬وفتعح الحدوثعة وشرود محبوبعه‬
‫عنععه جملة‪ .‬والتحظيععر عليععه مععن رؤيتععه ألبتععة‪ ،‬وكان غنياً عععن ذلك وبمندوحععه‬
‫ومعزل رحب عنه‪ .‬ولو طوى مكنون سره‪ ،‬وأخفى بليات ضميره لستدام لباس‬
‫العافية‪ :‬ولم ينهج برد الصيانة؛ ولكان له في لقاء من بلى به ومحادثته ومجالسته‬
‫أمل من المال؛ وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع به‪ ،‬والحجة عليه قائمة؛ إل‬
‫أن يكون مختلطًا فعي تمييزه؛ أو مصعاباً فعي عقله بحليعل معا فدحعه‪ .‬فربمعا آل ذلك‬
‫لعذر صحيح‪ ،‬وأما إن كانت بقية من عقل أو ثبتت مسكه فهو ظالم في تعرضه‬
‫معا يعلم أن محبوبعه يكرهعه ويتأذى بعه‪ .‬هذا غيعر صعفة أهعل الحعب؛ وسعيأتي هذا‬
‫مفسععععععععععععععععععععراً فععععععععععععععععععععي باب الطاعععععععععععععععععععععة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ومن أسباب الكشف وجه ثالث وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط؛‬
‫وذلك أن يرى المحععب مععن محبوبععه غدراً أو مللً أو كراهععة؛ فل يجععد طريععق‬
‫النتصععاف منععه إل بمععا ضرره عليععه أعود منععه على المقصععود مععن الكشععف‬
‫والشتهار‪ .‬وهذا أشعععد العار وأقبعععح الشنار وأقوى بشواهعععد عدم العقعععل ووجود‬

‫السعخف‪ .‬وربمعا كان الكشعف معن حديعث ينتشعر وأقاويعل تفشعو‪ ،‬توافعق قلة مبالة‬
‫من المحب بذلك‪ ،‬ورضى بظهور سره‪ ،‬إما لعجاب وإما لستظهار على بعض‬
‫ما يؤمله‪ .‬وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد‪ ،‬وقرأت في بعض‬
‫أخبار العراب أن نسعاءهم ل يقنععن ول يصعدقن عشعق عاشعق لهعن حتعى يشتهعر‬
‫ويكشعف حبعه ويجاهعر ويعلن وينوه بذكرهعن‪ ،‬ول أدري معا معنعى هذا‪ ،‬على أنعه‬
‫يذكعر عنهعن العفاف‪ ،‬وأي عفاف معع امرأة أقصعى مناهعا وسعرورها الشهرة فعي‬
‫هذا المعنى‪.‬‬

‫الباب الرابع عشر‬
‫الطاعة‬
‫ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه‪ ،‬وصرفه طباعه قسرًا إلى‬
‫طباع ن يحبعه وربمعا يكون المرء شرس الخلق‪ ،‬صععب الشكيمعة‪ ،‬جموح القيادة‪،‬‬
‫ماضعي العزيمعة‪ ،‬حمعى النعف‪ ،‬أبعى الخسعف‪ ،‬فمعا هعو إل أن يتنسعم نسعيم الحعب‪،‬‬
‫وبتورط عمره‪ ،‬ويعوم فععععي بحره‪ ،‬فتعود الشراسععععة لياناً‪ ،‬والصعععععوبة سععععهلة‬
‫والمضاء كللة؛ والحمية استسلماً‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬

‫فهل للوصال إلـينـا مـعـاد‬

‫وهل لتصاريف ذا الدهر حد‬

‫فقد أصبح السيف عبد القضيب‬

‫وأضحى الغزال السير أسد‬

‫وأقول شعراً؛ منه‪:‬‬
‫وإني وإن تعتب لهون هالك‬

‫كذائب نقر زل من يد جهبذ‬

‫على أن قتلى في هواك لذاذة‬

‫فيا عجبا من هالك متـلـذذ‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ولو أبصرت أنوار وجهك فارس‬

‫لعناهم عن هرمزان وموبـذ‬

‫وربمعععا كان المحبوب كارهاً لظهار الشكوى متعععبرماً بسعععماع الوجعععد؛ فترى‬
‫المحعب حينئذ يكتعم حزنعه ويكظعم أسعفه وينطوي على علتعه‪ .‬وإن الحعبيب متجعن‪،‬‬
‫فعندها يقع العتذار عند كل ذنب والقرار بالجريمة‪ ،‬والمرء منها برئ‪ ،‬تسليما‬
‫لقوله وتركاً لمخالفتعه‪ .‬وإنعي لعرف معن دهعى بمثعل هذا فمعا كان ينفعك معن توجعه‬
‫الذنوب نحوه ول ذنععععب له‪ ،‬وإيقاع العتاب عليععععه والسععععخط وهونقععععي الجلد‪.‬‬
‫وأقول شعراً إلى بعض إخواني‪ ،‬ويقرب مما نحن فيه وإن لم يكن منه‪:‬‬
‫وقد كنت تلقاني بوجـه لـقـربـه‬

‫تدان وللهجران عن قربه سـخـط‬

‫وما تكره العتب اليسير سـجـيتـي‬

‫على أنه قد عيب في الشعر الوخط‬

‫فقد يتعب النسان في الفكر نفـسـه وقد يحسن الخيلن في الوجه والنقط‬
‫تزين إذا قلت ويفـحـش أمـرهـا‬

‫إذا أفرطت يوما وهل يحمد الفـرط‬

‫ومنه‪:‬‬
‫أعنه فقد أضحى لفرط همومـه‬

‫يبكي إذ القرطاس والحبر والخط‬

‫ول يقولن قائل إن صعبر المحعب على دلة المحبوب دناءة فعي النفعس فقعد أخطعأ‪،‬‬
‫وقد علمنا أن المحبوب ليس له كفواً ول نظيراً فيقارض بأذاه‪ ،‬وليس سبه وجفاه‬
‫ممععا يعيععر بععه النسععان ويبقععى ذكره على الحقاب‪ ،‬ول يقععع ذلك فععي مجالس‬
‫الخلفاء‪ ،‬ول فععي مقاعععد الرؤسععاء‪ ،‬فيكون الصععبر جاراً للمذلة‪ ،‬وضراعععة قائدة‬
‫للستهانة‪ ،‬فقد ترى النسان ل يكلف بأمته التي يملك رقها‪ ،‬ول يحول حائل بينه‬
‫وبين التعدي عليها فكيف النتصار منها‪ .‬وسبل المتعاض من السبب غير هذه‪،‬‬
‫إنما ذلك بين علية الرجال الذين تحصل أنفاسهم وتتبع معاني كلمهم فتوجه لها‬
‫الوجوه البعيدة‪ ،‬لنهم ل يوقعونها سدى ول يلقونها هملً‪ ،‬وأما المحبوب فصعدة‬
‫ثابتة‪ ،‬وقضيب منآد‪ ،‬يجفو ويرضى متى شاء ل لمعنى‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ليس التذلل في الهوى يستنكـر‬

‫فالحب فيه يخضع المستكبـر‬

‫ل تعجبوا من ذلتي في حـالة‬

‫قد ذل فيها قلبي المستبصـر‬

‫ليس الحبيب مماثلً ومكـافـيا‬

‫فيكون صبرك ذلة إذ تصبـر‬

‫تفاحة وقعت فآلم وقـعـهـا‬

‫هل قطعها منك انتصارا يذكر‬

‫خععبر‪ :‬وحدثنععي أبععو دلف الوراق عععن ملسععمة بععن أحمععد الفيلسععوف المعروف‬
‫بالمرجيطى أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش بقرطبة الموازي لدار‬
‫الوزير ابن عمرو أحمد بن محمد جدير رحمه ال‪ :‬في هذا المسجد كان مقدم بن‬
‫الصععفر مريضاً أيام حداثتععه لعشععق بعجيععب فتععى الوزيععر أبععي عمرو المذكور‪.‬‬
‫وكان يترك الصلة في مسجد مسرور وبها كان سكناه‪ ،‬ويقصد في الليل والنهار‬
‫إلى هذا المسجد بسبب عجيب‪ ،‬حتى أخذه الحرس غير ما مرة في الليل في حين‬
‫انصعرافه ععن صعلة العشاء الخرة‪ ،‬وكان يقععد وينظعر منعه إلى أن كان الفتعى‬

‫يغضععب ويضجععر ويقوم إليععه فيوجعععه ضرباً ويلطععم خديععه وعينيععه‪ ،‬فيسععر بذلك‬
‫ويقول‪ :‬هذا وال أقصعى أمنيتعي والن قرت عينعي‪ ،‬وكان على هذا زماناً يماشيعه‪.‬‬
‫قال أبو دلف‪ :‬ولقد حدثنا مسلم بهذا الحديث غير مرة بحضرة عجيب عندما كان‬
‫يرى معن وجاهعة مقدم بعن الصعفر وعرض جاهعه وعافيتعه‪ ،‬فكانعت حال مقدم بعن‬
‫الصععفرهذا قععد جلت جداً واختععص بالمظفععر بععن أبععي عامععر اختصععاصًا شديداً‬
‫واتصعل بوالدتعه وأهله وجرى على يديعه معن بنيان المسعاجد والسعقايات وتسعهيل‬
‫وجوه الخير غير قليل‪ ،‬مع تصرفه في كل ما يتصرف فيه أصحاب السلطان من‬
‫العناية بالناس وغير ذلك‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬وأشنعع معن هذا أنعه كانعت لسععيد بعن منذر بعن سععيد صعاحب الصعلة فعي‬
‫جامععع قرطبععة أيام الحكععم المسععتنصر بال رحمععه ال جاريععة يحبهععا حبًا شديداً‪،‬‬
‫فعرض عليها ِأن يعتقها ويتزوجها‪ .‬فقالت له ساخرة به‪ ،‬وكان عظيم اللحية‪ :‬إن‬
‫لحيتك أستبشع عظمها فإن حذفت منها كان ما ترغبه‪ .‬فأعمل الجملين فيها حتى‬
‫لطفعت‪ ،‬ثعم دععا بجماععة شهود وأشهدهعم على عتقهعا‪ ،‬ثعم خطبهعا إلى نفسعه فلم‬
‫ترض بععه‪ .‬وكان فععي جملة مععن حضععر أخوه حكععم بععن منذر فقال لمععن حضععر‪:‬‬
‫اعرض عليهعا أنعي أخطبهعا أنعا‪ ،‬ففععل فأجابعت إليعه‪ .‬فتزوجهعا فعي ذلك المجلس‬
‫بعينه ورضي بهذا العار الفادح على رورعه ونسكه واجتهاده‪.‬‬

‫فأنعا أدكعت سععيداً هذا وقعد قتله البربر يوم دخولهعم قرطبعة عنوة وانتهابهعم إياهعا‬
‫وحكعم المذكور أخوه هعو رأس المعتزلة بالندلس وكعبيرهم وأسعتاذهم ومتكلمهعم‬

‫وناسععكهم‪ ،‬وهععو مععع ذلك شاعععر طيععب وفقيععه‪ .‬وكان أخوه عبععد الملك ابععن منذر‬
‫متهماً بهذا المذهعب أيضاً‪ .‬ولي خطبعة الرد أيام الحكعم رضعي ال عنعه وهعو الذي‬
‫صلبه المنصور بن أبي عامر إذ اتهمه هو وجماعة من الفقهاء والقضاة بقرطبة‬
‫أنهعم يبايعون سعراً لعبعد الرحمعن بعن عبيعد ال ابعن أميعر المؤمنيعن الناصعر رضعي‬
‫ال عنهعم‪ ،‬فقتعل عبعد الرحمعن وصعلب عبعد الملك بعن منذر وبدد شمعل جميعع معن‬
‫اتهعم‪ .‬وكان أبوهعم قاضعي القضاة منذر بعن سععيد متهماً بمذهعب العتزال أيضاً‪.‬‬
‫وكان أخطعب الناس وأعلمهعم بكعل فعن وأورعهعم وأكثرهعم هزلً ودعابعة‪ .‬وحكعم‬
‫المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة قد كف بصره وأسن جداً‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫ومعن عجيعب طاععة المحعب لمحبوبعه أنعي أعرف معن كان سعهر الليالي الكثيرة‬
‫ولقعى الجهعد الجاهعد فقطععت قلبعه ضروب الوجعد ثعم ظفعر بمعن يحعب وليعس بعه‬
‫امتناع ول عنده دفعع‪ ،‬فحيعن رأى منعه بععض الكراهعة لمعا نواه تركعه وانصعرف‬
‫عنعه‪ ،‬ل تعففاً ول تخوفاً لكعن توقفاً عنعد موافقعة رضاه‪ ،‬ولم يجعد معن نفسعه معيناً‬
‫على إتيان معا لم يعر له إليعه نشاطاً وهعو يجعد معا يجعد‪ .‬وإنعي لعرف منفقعل هذا‬
‫الفعل ثم تندم لعذر ظهر من المحبوب‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫غافص الفرصة واعلم أنـهـا‬

‫كمضي البرق تمضي الفرص‬

‫كم أمور أمكنت أمـهـلـهـا‬

‫هي عندي إذ تولت غصـص‬

‫بادر الكنـز الـذي ألـفـيتـه‬

‫وانتهز صبرا كبارز يقنـص‬

‫ولقععد عرض مثععل هذا بعينععه لبععي المظفععر عبععد الرحمععن بععن محمود صععديقنا‬
‫وأنشدتععععه أبياتاً لي فطار بهععععا كععععل مطار‪ ،‬وأخذهععععا منععععي فكانععععت هجيراه‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬ولقعد سعألني يوماً أبعو عبعد ال محمعد بعن كليعب معن أهعل القيروان أيام كونعي‬
‫بالمدينعة‪ ،‬وكان طويعل اللسعان جداً مثقفًا للسعؤال فعي كعل فعن‪ ،‬فقال لي وقعد جرى‬
‫بععض ذكعر الحعب ومعانيعه‪ :‬إذا كره معن أحعب لقائي وتجنعب قربعي فمعا أصعنع؟‬
‫قلت‪ :‬أرى أن تسععى فعي إدخال الروح على نفسعك بلقائه وإن كره‪ .‬فقال‪ :‬لكنعي ل‬
‫أرى ذلك بععل أوثععر هواه على هواي ومراده على مرادي‪ ،‬واصععبر ولو كان فععي‬
‫ذلك الحتف‪ .‬فقلت له‪ :‬إني إنما أحببته لنفسي ول لتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي‬
‫وأقود أصعلي وأقفعو طريقتعي فعي الرغيبعة فعي سعرورها‪ .‬فقال لي‪ :‬هذا ظلم معن‬
‫القياس‪ ،‬أشعد معن الموت معا تمنعى له الموت‪ .‬وأععز معن النفعس معا بذلت له النفعس‪.‬‬
‫فقلت له‪ :‬إن بذلت نفسك لم يكن اختياراً بل كان اضطراراً‪ ،‬ولو أمكنك أل تبذلها‬
‫لمعا بذلتهعا‪ ،‬وتركعك لقاءه اختياراً منعك أنعت فيعه ملوم لضرارك بنفسعك وإدخالك‬
‫الحتف عليها‪ .‬فقال لي‪ :‬أنت رجل جدلي ول جدل في الحب يلتفت إليه‪ .‬فقلت له‪:‬‬
‫إذاً كان صاحبه مؤوفاً فقال‪ :‬وأي آفة أعظم من الحب‪.‬‬

‫الباب الخامس عشر‬
‫المخالفة‬
‫وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبوبه‪ ،‬وتعمد مسرته‬
‫منعه على كعل الوجوه سعخطاً ورضعى‪ .‬ومعن سعاعده على الوقعت هذا وثبعت جنانعه‬
‫وأتيحعت له القدار اسعتوفى لذتعه جميعهعا وذهعب غمعه وانقطعع همعه ورأى أمله‬
‫وبلغ مرغوبه‪ .‬وقد رأيت من هذه صفته‪ ،‬وفي ذلك أقول أبياتاً‪ ،‬منها‪:‬‬

‫إذا بلغت نفسـي الـمـنـى‬

‫من رشأ مازال لي ممرضا‬

‫فما أبالي الكره من طـاعة‬

‫ول أبالي سخطا من رضـا‬

‫إذا وجدت المـاء ل بـد أن‬

‫أطفي به مشعل جمر الغضا‬

‫الباب السادس عشر‬
‫العاذل‬
‫وللحب آفات‪ ،‬فأولها العاذل‪ ،‬والعذال أقسام‪ ،‬فأصلهم صديق قد أسقطت مؤونة‬
‫التحفعظ بينعك وبينعه فعذله أفضعل معن كثيعر المسعاعدات؟ وهعي معن الحعظ والنهعي‪،‬‬
‫وفعي ذلك زاجعر للنفعس عجيعب‪ ،‬وتقويعة لطيفعة لهعا عرض‪ ،‬وعمعل ودواء تشتعد‬
‫عليعه الشهوة‪ ،‬ول سعيما إن كان رفيقًا فعي قوله حسعن التوصعل إلى معا يورد معن‬
‫المعانعي بلفظعه‪ ،‬عالماً بالوقات التعي يؤكعد فيهعا النهعي‪ ،‬وبالحيان التعي يزيعد فيهعا‬
‫المعر‪ .‬والسعاعات التعي يكون فيهعا واقفاً بيعن هذيعن‪ ،‬على قدر ما يرى معن تسعهيل‬
‫العاشق وتوعره‪ ،‬وقبوله وعصيانه‪.‬‬

‫ثعم عاذل زاجعر ل يفيعق أبداً معن الملمعة‪ ،‬وذلك خطعب شديعد وعبعء ثقيعل‪ .‬ووقعع‬
‫لي مثعل هذا‪ ،‬وإن لم يكعن معن جنعس الكتاب ولكنعه يشبهعه‪ ،‬وذلك أن أبعا السعرى‬
‫عمار بعن زياد صعديقنا أكثعر معن عذلى على نحعو نحوتعه وأعان على بععض معن‬
‫لمني في ذلك الوجه أيضاً‪ ،‬وكنت أظن أنه سيكون معي مخطئاً كنت أو مصيباً‪.‬‬
‫لو كيد صداقتي وصحيح أخوتي به‪.‬‬

‫ولقعد رأيعت معن اشتعد وجوده وعظعم كلفعه حتعى كان العذل أحعب شيعء إليعه‪ ،‬ابرى‬
‫العاذل عصعيانه ويسعتلذ مخالفتعه‪ ،‬ويحصعل مقاومتعه للئمعة وغلبتعه إياه‪ .‬كالملك‬
‫الهازم لعدوه والمجادل الماهر الغالب لخصمه‪ ،‬ويسر بما يقع منه في ذلك وربما‬
‫كان هذا المسععتجلب لعذل العاذل بأشياء يوردهععا توجععب ابتداء العذل وفععي ذلك‬
‫أقول أبياتاً‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أحب شيء إلي اللـوم والـعـذل‬

‫كي أسمع اسم الذي ذكراه لي أمل‬

‫كأنني شارب بالـعـذل صـافـية‬

‫وباسم مولي بعدي الشرب أنتقـل‬

‫الباب السابع عشر‬
‫المساعد من الخوان‬
‫ومن السباب المتمناة في الحب أن يهب ال عز وجل للنسان صديقاً مخلصاً‪،‬‬
‫لطيعف القول‪ ،‬بسعيط الطول‪ .‬حسعن المآخعذ دقيعق المنفعذ‪ .‬متمكعن البيان‪ ،‬مرهعف‬
‫اللسعان‪ ،‬جليعل الحلم‪ ،‬واسعع العلم‪ ،‬قليعل المخالفعة‪ ،‬عظيعم المسعاعفة شديعد الحتمال‬
‫صعابراً على الدلل‪ ،‬جعم الموافقعة‪ ،‬جميعل المخالفعة‪ ،‬مسعتوى المطابقعة‪ ،‬محمود‬
‫الخلئق‪ ،‬مكفوف البوائق‪ ،‬محتوم المسعععاعدة‪ ،‬كارهاً للمباعدة‪ ،‬نبيعععل المدخعععل‪،‬‬

‫مصععروف الغوائل‪ ،‬غامععض المعانععي عارفاً ل لمانععي‪ ،‬طيععب الخلق‪ ،‬سععري‬
‫العراق‪ ،‬مكتوم السر‪ ،‬كثير البر‪ ،‬صحيح المانة‪ ،‬مأمون الخيانة‪ ،‬كريم النفس‪،‬‬
‫نافععذ الحععس‪ ،‬صععحيح الحدس‪ ،‬مضمون العون‪ ،‬كامععل الصععون‪ ،‬مشهورالوفاء‪،‬‬
‫ظاهععر الغناء‪ ،‬ثابععت القريحععة‪ ،‬مبذول النصععيحة‪ ،‬مسععتيقن الوداد‪ ،‬سععهل النقياد‪،‬‬
‫حسعن العتقاد‪ ،‬صعادق اللهجعة‪ ،‬خفيعف المهجعة‪ ،‬عفيعف الطباع‪ ،‬رحعب الذراع‪،‬‬
‫واسعع الصعدر‪ ،‬متخلقاً بالصعبر‪ ،‬يألف المحاض‪ ،‬ول يعرف العراض‪ ،‬يسعتريح‬
‫إليعه بلبله‪ ،‬ويشاركعه فعي خلوة فقره‪ ،‬ويفاوضعه فعي مكتوماتعه‪ ،‬وإن فيعه للحعب‬
‫لعظععم الراحات‪ ،‬وأيععن هذا‪ ،‬فإن ظفرت بععه يداك فشدهمععا عليععه شععد الضنيععن‪،‬‬
‫وأمسك بهما إمساك البخيل‪ ،‬وصنه بطارفك وتالدك‪ ،‬فمعه يكمل النس‪ ،‬وتنجلي‬
‫الحزان‪ ،‬ويقصعر الزمان‪ ،‬وتطيعب الحوال ولن يفقعد النسعان معن صعاحب هذه‬
‫الصعععفة عوناً جميلً‪ ،‬ورأياً حسعععناً‪ ،‬ولذلك اتخعععذ الملوك الوزراء والدخلء كعععي‬
‫يخففوا عنهععم بعععض مععا حملوه معن شديععد المور وطوقوه معن باهععض الحمال‪.‬‬
‫ولكعي يسعتغنوا بآرائهعم ويسعتمدوا بكفايتهعم‪ .‬وإل فليعس فعي قوة الطبيععة أن تقاوم‬
‫كععععل مععععا يرد عليهععععا دون اسععععتعانة بمععععا يشاكلهععععا وهععععو مععععن جنسععععها‪.‬‬
‫ولقد كان بعض المحبين‪ ،‬لعدمه هذه الصفة من الخوان وقلة ثقته منهم لما جربه‬
‫من الناس وأنعه لم يعدم معن باح إليعه بشيعء من سعره أحعد وجهين إمعا إزراء على‬
‫رأيعه وإمعا إذاععة لسعره‪ ،‬أقام الوحدة مقام النعس‪ .‬وكان ينفرد فعي المكان النازح‬
‫عععن النيععس‪ ،‬ويناجععي الهوى‪ ،‬ويكلم الرض‪ ،‬ويجععد فععي ذلك راحععة كمععا يجععد‬
‫المريععض فععي التأوه والمحزون فععي الزفيععر؛ فإن الهموم إذا ترادفععت فععي القلب‬
‫ضاق بها‪ ،‬فإن لم ينض منها شيء باللسان‪ ،‬ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث أن‬

‫يهلك غمعا ويموت أسعفاً‪ .‬ومعا رأيعت السععاد أكثعر منعه فعي النسعاء‪ .‬فعندهعن معن‬
‫المحافظة على هذا الشأن والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه‬
‫معا ليعس عنعد الرجال‪ ،‬ومعا رأيعت امرأة كشفعت سعر متحابيعن إل وهعي عنعد النسعاء‬
‫ممقوتة مستثقلة مرمية عن قوس واحدة‪ .‬وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشأن‬
‫مال يوجععد عنععد الفتيات‪ ،‬لن الفتيات منهععن ربمععا كشفععن مععا علمععن على سععبيل‬
‫التغايععر‪ ،‬وهذا ل يكون إل فععي الندرة‪ .‬وأمععا العجائز فقععد يئسععن مععن أنفسععهن‬
‫فانصرف الشفاق محضاً إلى غيرهن‪.‬‬

‫خععبر‪ :‬وإنععي لعمععل امرأة موسععرة ذات جوار وخدم فشاع على إحدى جواريهععا‬
‫أنهعا تعشعق فتعى معن أهلهعا ويعشقهعا وأن بينهمعا معانعي مكروهعة‪ ،‬وقيعل لهعا‪ :‬إن‬
‫جاريتعك فلنعة تعرف ذلك وعندهعا جليعة أمرهعا‪ .‬فأخذتهعا وكانعت غليظعة المقوبعة‬
‫فأذاقتهععا مععن أنواع الضرب واليذاء مال يصععبر على مثله جلداء الرجال‪ ،‬رجاء‬
‫أن تبوح لهععععععععا بشيععععععععء ممععععععععا ذكععععععععر لهعععععععا‪ ،‬فلم تفعععععععععل البتععععععععة‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وإنعي لعلم امرأة جليلة حافظعة لكتاب ال ععز وجعل ناسعكة مقبلة على الخيعر‪،‬‬
‫وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها‪ ،‬وكان في غير ملكها‪ ،‬فعرفته‬
‫المععر فرام النكار فلم يتهيععأ له ذلك‪ ،‬فقالت له‪ :‬مالك؟ ومععن ذا عصععم؟ فل تبال‬
‫بهذا فوال ل أطلعععت على سععر كمععا أحداً أبداً‪ ،‬ولو أمكنتنععي أن أبتاعهععا لك مععن‬
‫مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ول يشعر بذلك أحد؛‬
‫وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال‪ ،‬وأحب أعمالها‬

‫إليهععا وأرجاهععا للقبول عندهععا سعععيها فععي تزويععج يتيمععة‪ ،‬وإعارة ثيابهععا وحليهععا‬
‫لعروس مقلة‪ .‬ومعا أعلم علة تمكعن هذا الطبعع معن النسعاء إل أنهعن متفرغات البال‬
‫مععن كععل شيععء إل مععن الجماع ودواعيععه‪ ،‬والغزل وأسععبابه‪ ،‬والتآلف ووجوهععه‬
‫لشغعل لهعن غيره ول خلقعن لسعواه‪ .‬والرجال مقتسعمون فعي كسعب المال وصعحبة‬
‫السععععلطان وطلب العلم وحياطععععة العيال ومكابدة السععععفار والصععععيد وضروب‬
‫الصعناعات ومباشرة الحروب وملقاة الفتعن وتحمعل المخاوف وعمارة الرض‪،‬‬
‫وهذا كله متحيععف للفراغ‪ ،‬صععارف عععن طريععق البطععل وقرأت فععي سععير ملوك‬
‫السععودان أن الملك منهععم يوكععل ثقععة له بنسععائه يلقععى عليهععن ضريبععة مععن غزل‬
‫الصوف يشتغلن بها أبد الدهر؛ لنهم يقولون‪ :‬إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما‬
‫تشوق إلى الرجال‪ ،‬وتحن إلى النكاح ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن‬
‫مال يكاد يعلمععه غيري؛ لنععي ربيععت فععي حجورهععن‪ ،‬ونشأت بيععن أيديهععن‪ ،‬ولم‬
‫أعرف غيرهعن‪ .‬ول جالسعت الرجال إل وأنعا فعي حعد الشباب وحيعن تفيعل وجهعي‪.‬‬
‫وهعن علمننعي القرآن ورويننعي كثيراً معن الشعار وردبننعي فعي الخعط‪ ،‬ولم يكعن‬
‫وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جداً إل تعرف أسبابهن‪،‬‬
‫والبحث عن أخبارهن‪ ،‬وتحصيل ذلك‪ .‬وأنا ل أنسى شيئاً مما آرى منهن‪ ،‬وأصل‬
‫ذلك غيرة شديدة طبععت عليهعا‪ ،‬وسعوء ظعن فعي جهتهعن فطرت بعه‪ ،‬فأشرفعت معن‬
‫أسبابهن على غير قليل‪ .‬وسيأتي ذلك مفسرًا في أبوابه إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫الباب الثامن عسر‬
‫الرقيب‬

‫ومععن آفات الحععب الرقيععب‪ ،‬وإنععه لحمععى باطنععة‪ ،‬وبرسععام ملح‪ ،‬وفكععر مكععب‪.‬‬
‫والرقباء أقسام‪ ،‬فأولهم مثقل بالجلوس غير متعمد في مكان اجتمع فيه المرء مع‬
‫محبوبععه‪ ،‬وعزمععا على إظهار شيععء مععن سععرهما والبوح بوجدهمععا والنفراد‬
‫بالحديث‪ .‬ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة مال يعرض له مما هو أشد‬
‫منهععا‪ ،‬وهذا وإن كان يزول سععريعًا فهععو عائق حال دون المراد وقطععع متوفععر‬
‫الرجاء‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد شاهدت يوماً محبين تفي مكان قد ظنا أنهما انفردا فيه وتأهبا للشكوى‬
‫فاستحليا ما هما فيه من الخلوة‪ ،‬ولم يكن الموضع حمي‪ ،‬فلم يلبثا أن طلع عليهما‬
‫من كانا يستثقلنه‪ ،‬فرأى فعدل إلي وأطال الجلوس معي‪ ،‬فلو رأيت الفتى المحب‬
‫وقعد تمازج السعف البادي على وجهعه معع الغضعب لرأيعت عجباً‪ .‬وفعي ذلك أقول‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يطيل جلوسا وهو أثقل جالـس‬
‫شمام ورضوى واللكام ويذبـل‬

‫ويبدي حديثا لست أرضى فنونه‬
‫ولبنان والصمان والحرب دونه‬

‫ثم رقيب قد أحس من أمرهما بطرف‪ ،‬وتوجس من مذهبهما شيئاً‪ ،‬فهو يريد أن‬
‫يسعتبين حقيقعة ذلك‪ ،‬فيدمعن الجلوس‪ ،‬ويطيعل القعود‪ ،‬ويتخفعى بالحركات‪ ،‬ويرمعق‬
‫الوجوه‪ ،‬ويحصععل النفاس‪ .‬وهذا أعدى مععن الحرب‪ ،‬وإنععي لعرف مععن هععم أن‬
‫يباطش رقيباً هذه صفته‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫مواصل ل يغب قصـدا‬
‫صار وصرنا لفرط مالً‬

‫أعظم بهذا الوصال غما‬
‫يزول كالسم والمسمى‬

‫ثم رقيب على المحبوب‪ ،‬فذلك ل حيلة فيه إل بترضية‪ .‬وإذا أرضى فذلك غاية‬
‫اللذة‪ ،‬وهذا الرقيعععععععب هعععععععو الذي ذكرتعععععععه الشعراء فعععععععي أشعارهعععععععا‪.‬‬
‫ولقعد شاهدت معن تلطعف فعي اسعترضاء رقيعب حتعى صعار الرقيعب عليعه رقيبًا له‪،‬‬
‫ومتغافلً في وقت التغافل‪ ،‬ودافعاً عنه وساعيًا له‪ .‬ففي ذلك أقول‪:‬‬
‫ورب رقيب ارقبوه فلـم يزل‬
‫فما زالت اللطاف تحكم أمره‬
‫وكان حساما سل حتى يهدنـي‬

‫على سيدي عمدا ليبعدني عنه‬
‫إلى أن غدا خوفي له آمنا منه‬
‫فعاد محبا مالنعمتـه كـنـه‬

‫وأقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫صار حياة وكان سهم ردي‬

‫وكان سما فصار درياقـا‬

‫وإني لعرف من رقب على بعض من كان يشفق عليه رقيباً وثق به عند نفسه‪ ،‬فكان‬
‫أعظم الفة عليه وأصل البلء فيه‪.‬‬
‫وأمععا إذا لم يكععن فععي الرقيععب حيلة ول وجععد إلى ترضيععه سععبيل فل طمععع إل‬
‫بالشارة بالعيعن همسعاً وبالحاجعب أحياناً والتعريعض اللطيعف بالقول‪ ،‬وفعي ذلك‬
‫متعة وبلغ إلى حين يقنع به المشتاق‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً أوله‪:‬‬
‫على سيدي مني رقيب محافظ‬

‫وفي لمن واله ليس بناكـث‬

‫ومنه‪:‬‬
‫ويقطع أسباب اللبانة في الهولي‬
‫كأن له في قلـبـه ريبة تـرى‬

‫ومنه‪:‬‬

‫ويفعل فيها فعل بعض الحوارث‬
‫وفي كل عين مخبر بالحـادث‬

‫على كل من حولي رقيان رتـبـا‬

‫وقد خصني ذو العرش منهم بثالث‬

‫وأشنعع معا يكون الرقيعب إذا كان ممعن امتحعن بالعشعق قديماً ودهعى بعه وطالت‬
‫مدتعه فيعه ثعم عرى عنعه بععد إحكامعه لمعانيعه‪ ،‬فكان راغباً فعي صعيانة معن رقعب‬
‫عليعه‪ ،‬فتبارك ال أي رقبعة تأبعي منعه‪ ،‬وأي بلء مصعبوب يحعل على أهعل الهوى‬
‫من جهته‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫رقيب طالما عرف الغـرامـا‬

‫وقاسى الوجد وامتنع المنامـا‬

‫ولقى في الهوى ألما ألـيمـا‬

‫وكاد الحب يورده الحمـامـا‬

‫وأتقن حلية الصب المعـنـى‬

‫ولم يضع الشارة والكـلمـا‬
‫وصار يرى الهوى عارا وذاما‬

‫وأعقبه التسلـي بـعـد هـذا‬
‫وصير دون من أهوى رقيبـا‬

‫ليبعد عنه صبا مستـهـامـا‬

‫فإي بلية صـبـت عـلـينـا‬

‫وأي مصيبة حلت لـمـامـا‬

‫ومن طريف معاني الرقباء أني أعرف محبين مذهبهما واحد في حب محبوب‬
‫واحد بعينه‪ ،‬فلعهدي بهما كل واحد منهما رقيب على صاحبه‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫صبان هيمانان فـي واحـد‬

‫كلهما عن خدنه منحرف‬

‫كالكلب في الرى ل يعتلف‬

‫وليخلى الغير أن يعتلـف‬

‫الباب التاسع عشر‬
‫الوشي‬

‫ومعن آفات الحعب الوشععي‪ ،‬وهععو على ضربيعن أحدهمععا واش يريععد القطعع بيعن‬
‫المتحابين فقط‪ ،‬وإن هذا لفترهما سوءة‪ ،‬على أنه السم الذعاف والصاب الممقر‬
‫والحتعف القاصعد والبلء الوارد‪ .‬وربمعا لم ينجعع ترقيشعه‪ .‬وأكثعر معا يكون الوشعي‬
‫فإلى المحبوب‪ ،‬وأما الحب فهيهات‪ ،‬حال الجريض دون القريض‪ .‬ومنع الحرب‬
‫معن الطرب‪ ،‬شغله بمعا هعو مانعع له معن اسعتماع الواشعي‪ .‬وقعد علم الوشاة ذلك‪،‬‬
‫وإنمعا يقصعون إلى الخلي البال‪ ،‬الصعائل بحوزة الملك‪ ،‬المتعتعب عنعد أقعل سعبب‪.‬‬
‫وإن للوشاة ضروباً معن التنقيعل‪ ،‬فمنهعا أن يذكعر للمحبوب عمعن يحعب أنعه غيعر‬
‫كاتععم للسععر‪ ،‬وهذا مكان صعععب المعاناة‪ ،‬بطيععء البرء إل أن يوافععق معارضاً‬
‫للمحععب فععي محبتععه وهذا أمععر بوجععب النفار‪ ،‬فل فرج للمحبوب إل بأن تسععاعده‬
‫القدار بالطلع على بععض أسعرار معن يحعب‪ ،‬يععد أن يكون المحبوب ذا عقعل‪،‬‬
‫وله حظ من تمييز‪ ،‬ثم يدعه والمطاولة‪ .‬فإذا تكدب عنده نقل الواشي مع ما أظهر‬
‫مععن الجفاء والتحفععظ ولم يسععمع لسععره إذاعععة علم أنععه إنمععا زور له الباطععل‪،‬‬
‫واضمحل ما قام في نفسه ولقد شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من‬
‫كان يحبععن‪ ،‬وكان المحبوب شديععد المراقبععة عظيععم الكتمان‪ ،‬وكثععر الوشاة بينهمععا‬
‫حتععى ظهرت أعلم ذلك فععي وجهععه وحدث فععي حععب لم يكععن‪ ،‬وركبتععه رحمععة‪،‬‬
‫وأظلته فكرة‪ .‬ودهمته حيرة‪ ،‬إلى إن ضاق صدره وباح بما نقل إليه‪ .‬فلو شاهدت‬
‫مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى سلطان مطاع‪ ،‬وبناء مشدود الواخي‪،‬‬
‫وسنان نافذ‪ ،‬وكان اعتذاره بين الستسلم والعتراف‪ ،‬والنكار والتوبة والرمي‬
‫بالمقاليد‪ ،‬فبعد لي ما صلح المر بينهما‪.‬‬

‫وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليست بصحيحة‪ ،‬وأن مذهبه‬
‫في ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره‪ .‬وهذا فصل وإن كان شديداً في النقل فهو أيسر‬
‫معاناة ممعا قبله‪ ،‬فحالة المحعب غيعر حالة المتلذذ‪ ،‬وشواهعد الوجعد متفرقعة بينهمعا‪.‬‬
‫وقد وقع من هذا نبذ كافية في باب الطاعة‪ .‬وربما نقل الواشي أن هوى العاشق‬
‫مشترك وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي في العضاء‪ ،‬وإذا وافق الناقل لهذه‬
‫ل إلى‬
‫المقالة أن يكون المحععب فتععى حسععن الوجععه حلو الحركات مرغوبًا فيععه مائ ً‬
‫اللذات دنياوي الطبعععع‪ ،‬والمحبوب امرأة جليلة القدر سعععرية المنصعععب‪ ،‬فأقرب‬
‫الشياء سعيها في إهلكه وتصديها لحتفه‪ .‬فكم صريع على هذا السبب‪ ،‬وكم من‬
‫سقى السم فقطع أمعاءه لهذا الوجه‪ .‬وهذه كانت ميتة مروان بن أحمد بن حدير‪،‬‬
‫والد أحمد المتنسك‪ ،‬وموسى وعبد الرحمن‪ ،‬المعروفين بابني لبنى‪ ،‬من قبل قطر‬
‫الندى جاريته‪ .‬وفي ذلك أقول محذراً لبعض أخواتي قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وهل يأمن النسوان غير مغـفـل‬

‫جهول لسباب الردي متـأرض‬

‫وكم وارد حوضا من الموت أسود‬

‫ترشفه من طيب الطعم أبـيض‬

‫والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بالمحبوب ويستأثر به وهذا أشد‬
‫شيعععععععععععء وأقطععععععععععععه وأجزم لجتهاد الواشعععععععععععي واسعععععععععععتفادة جهده‪.‬‬
‫ومن الوشاة جنس ثالث‪ ،‬وهو واش يسعى بهما جميعاً ويكشف سرهما‪ ،‬وهذا ل‬
‫يلتفت إليه إذا كان المحب مساعداً‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫عجبت لواش ظل يكشف أمرنا‬

‫ومابسوي أخبارنا يتـنـفـس‬

‫وماذا عليه من عنائي ولوعتي‬

‫أنا آكل الرمان والولد تضرس‬

‫ول بد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه‪ ،‬وإن كان خارجاً منه‪ ،‬وهو شيء في بيان‬
‫التنقيل والنمائم‪ .‬فالكلم يدعو بعضه بعضاً كما شرطنا في أول الرسالة‪ ،‬وما في‬
‫جميععع الناس شععر مععن الوشاة‪ ،‬وهععم النمامون‪ ،‬وإن النميمععة لطبععع يدل على نتععن‬
‫الصعل ورداءة الفرع وفسعاد الطبعع وخبعث النشأة‪ ،‬ول بعد لصعاحبه معن الكذب‬
‫والنميمعة فرع معن فروع الكذب ونوع معن أنواععه‪ ،‬وكعل نمام كذاب‪ ،‬ومعا أحببعت‬
‫كذاباً قعط‪ ،‬وإني لسعامح فعي إخاء كعل ذي عيب وإن كان عظيماً‪ ،‬وأكعل أمره إلى‬
‫خالقعه ععز وجعل‪ ،‬وآخعذ معا ظهعر معن أخلقعه‪ ،‬حاشعى من أعلمعه يكذب فهعو عندي‬
‫ماح لكعل محاسعنه‪ ،‬ومععف على جميعع خصعاله‪ ،‬ومذهعب كعل معا فيعه‪ ،‬فمعا أرجعو‬
‫عنده خيراً أصلً‪ ،‬وذلك لن كل ذنب فهو يتوب عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن‬
‫الستتار به والتوبة منه‪ ،‬حاشى الكذب فل سبيل إلى الرجعة عنه ول إلى كتمانه‬
‫حيعث كان‪ .‬ومعا رأيعت قعط ول أخعبرني معز رأى كذاباً ترك الكذب ولم يععد إليعه‪،‬‬
‫ول بدأت قعط بقطيععة ذيعب معرفعة إل أن أطلع أله على الكذب‪ ،‬فحينئذ أكون أنعا‬
‫القاصعد إلى مجانبتعه والمتعرض لمتاركتعه‪ ،‬وهعي سعمة معا رأيتهعا قعط فعي أحعد إل‬
‫وهو مزنون في نفسه إليه بشق‪ ،‬مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته‪ .‬نعوذ بال من‬
‫الخذلن‪.‬‬
‫و قال بععض الحكماء‪ :‬آخ معن شئت واجتنعب ثلثعة‪ :‬الحمعق فإنعه يريعد أن ينفععك‬
‫فيضرك والملول فشأنعععه أوثعععق معععا تكون بعععه لطول الصعععحب وتأكدهعععا يخذلك‬
‫والكذاب فإنعه يجنعي عليعك آمعن معا كنعت فيعه معن حيعث ل تشععر‪ .‬وحديعث ععن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬حسن العهد من اليمان‪ .‬وعنه عليه السلم‪ :‬ل‬
‫يؤمن الرجل باليمان كله حتى يدع الكذب في المزاح حدثنا بهذا أبو عمر أحمد‬

‫بن محمعد ععن محمعد بعن علي بن رفاععة ععن علي بعن عبعد العزيعز ععن أبعي عبيعد‬
‫القاسم بن سلم عن شيوخه‪ ،‬والخر منهما مسند إلى عمر بن الخطاب وابنه عبد‬
‫ال رضععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععي ال عنهمععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععا‪.‬‬
‫وال ععز وجعل يقول‪( :‬يعا أيهعا الذيعن آمنوا لم تقولون معا ل تفعلون‪ .‬كعبر مقتاً عنعد‬
‫ال أن تقولوا معا ل تفعلون) وععن رسعول ال صعلى ال عليعه وسعلم أنعه سعئل هعل‬
‫يكون المؤمعن بخيلً؟ فقال‪ :‬نععم‪ .‬قيعل‪ :‬فهعل يكون المؤمعن جباناً؟ فقال‪ :‬نععم‪ .‬قيعل‪:‬‬
‫فهعععععععععععععععععععععععععععععععععععل يكون المؤمعععععععععععععععععععععععععععععععععععن كذاباً؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد عن أحمد بن سعيد عن عبيد ال بن يحيى عن أبيه‬
‫عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم‪.‬‬

‫وبهذا السعناد‪ ،‬أن رسعول ال صعلى ال عليعه وسعلم قال‪ :‬ل خيعر فعي الكذب فعي‬
‫حديث سئل فيه‪.‬‬

‫وبهذا السعناد ععن مالك أنعه بلغعه ععن ابعن مسععود أنعه كان يقول‪ .‬ل يزال العبعد‬
‫يكذب وينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب فيكتب عن ال من الكذابين‪.‬‬
‫وبهذا السناد عن ابن مسعود رضي ال عنه أنه قال‪ :‬عليكم بالصدق فإنه يهدي‬
‫إلى البر ويهذي إلى الجنة‪ .‬وإياكم والكذب فإنه يهذي إلى الفجور والفجور يهذي‬
‫إلى النار‪.‬‬

‫وروى أنه أتاه صلى ال عليه وسلم رجل فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إني أستتر بثلث‬

‫الخمر والزنا والكذب‪ .‬فمرني أيهما أترك‪ .‬قال‪ :‬اترك الكذب فذهب منه‪ .‬ثم أراد‬
‫الزنا ففكر فقال‪ :‬آتي رسول ال صلى ال عليه وسلم فيسألني‪ :‬أزنيت؟ فإن قلت‪.‬‬
‫نععم‪ ،‬حدنعي‪ ،‬وإن قلت‪ :‬ل‪ .‬نقضعت العهعد‪ ،‬فتركعه‪ .‬ثعم كذلك فعي الخمعر‪ .‬فعاد إلى‬
‫رسععول ال صععلى ال عليععه وسععلم فقال‪ :‬يععا رسععول ال‪ ،‬إنععي تركععت الجميععع‪.‬‬
‫فالكذب أصعل كعل فاحشعة‪ ،‬وجامعع كعل سعوء‪ ،‬وجالب لمقعت ال ععز وجعل‪ .‬وععن‬
‫أبعي بكعر الصعديق رضعي ال عنعه أنعه قال كعل الخلل يطبعع عليهعا المؤمعن إل‬
‫الخيانة والكذب‪ .‬وعن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ :‬ثلث من كن فيه‬
‫كان منافقاً‪ :‬معععععععن إذا وععععععععد أخلف‪ ،‬وإذا تحدث كذب‪ ،‬وإذا أؤتمعععععععن خان‪.‬‬
‫وهعل الكفعر إل كذب على ال ععز وجعل‪ ،‬وال الحعق وهعو يحعب الحعق وبالحعق‬
‫قامعت السعموات والرض‪ .‬ومعا رأيعت أخزى معن كذاب‪ ،‬ومعا هلكعت الدول ول‬
‫هلكعت الممالك ول سعفكت الدماء ظلماً ول هتكعت السعتار بغيعر النمائم والكذب‪،‬‬
‫ول أكدت البغضاء والحععن المرديععة إل بنمائم ل يحظععى صععاحبها إل بالمقععت‬
‫والخزي والذل‪ ،‬وأن ينظر منه الذي ينقل إليه فضلً عن غيره بالعين التي ينظر‬
‫بها من الكلب‪ .‬وال عز وجل يقول‪( :‬ويل لكل همزة لمزة)‪ .‬ويقول جل من قائل‪:‬‬
‫(يعا أيهعا الذيعن آمنوا إذ جاءكعم فاسعق بنبعإ فتعبينوا)‪ .‬فسعمى النقعل باسعم الفسعوق‪.‬‬
‫ويقول‪( :‬ول تطع كل حلف مهين هماز مشاء بنميم‪ .‬مناع للخير معتد أثيم‪ .‬عتل‬
‫بعععد ذلك زنيععم)‪ .‬والرسععول عليععه السععلم يقول‪( :‬ل يدخععل الجنععة قتات)‪ .‬ويقول‪:‬‬
‫(وإياكم وقاتل الثلثة)‪ .‬يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه والحنف يقول‪:‬‬
‫الثقعة ل يبلغ‪ ،‬وحعق لذي الوجهيعن أل يكون عنعد ال وجيهاً‪ .‬وهعو معا يجعله معن‬
‫أخس الطبائع وأرذلها‪.‬‬

‫ولي إلى أبعي إسعحاق إبراهيعم بعن عيسعى الثقفعي الشاععر رحمعه ال‪ ،‬وقعد نقعل إليعه‬
‫رجعل معن إخوانعي عنعي كذباً على جهعة الهزل‪ ،‬وكان هذا الشاععر كثيعر الوهعم‬
‫فأغضبعه وصعدقه‪ ،‬وكلهمعا كان لي صعديقاً‪ ،‬ومعا كان الناقعل إليعه معن أهعل هذه‬
‫الصعفة ولكنعه كان كثيعر المزاح جعم الدعابعة‪ .‬فكتبعت إلى أبعي إسعحاق‪ ،‬وكان يقول‬
‫بالخبر‪ ،‬شعراً منه‪:‬‬
‫ول تتبدل قـالة قـد سـمـعـتـهـا تقال ول تدري الصحيح بمـا تـدري‬
‫كمن قد أراق المـاء لـلل إن بـدا‬

‫فلقى الردى في الفيح المهمة القفر‬

‫وكتبت إلى الذي نقل عني‪ ،‬شعراً منه‪:‬‬
‫ول تزعما في الجد مزحا كمولـج‬

‫فساد علج النفس طي صلحهـا‬

‫ومن كان نقل الزور أمضى سلحه‬

‫كمثل الحبارى تتقي بسـلحـهـا‬

‫وكان لي صديق مرة؛ وكثر التدخيل بيني وبينه حتى كدح ذلك فيه واستبان في‬
‫وجهه وفي لحظه‪ ،‬وطبعت على التأني والتربص والمسالمة ما أمكنت‪ ،‬ووجدت‬
‫بالنخفاض سبيلً إلى معاودة‪ ،‬المودة‪ ،‬فكتبت إليه شعراً منه‪:‬‬
‫ولي في الذي أبدى مرام لوانـهـا‬

‫بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز‬

‫وأقول مخاطباً لعبيعد ال بعن يحيعى الجزيري الذي يحفعظ لعمعه الرسعائل والبليغعة‬
‫وكان طبعع الكذب قعد اسعتولى عليعه واسعتحذ على عقله وألفعه وألفعة النفعس المعل‬
‫ويؤكععد نقله وكذبععه باليمان المؤكدة المغلطععة‪ ،‬مجاهراً بهععا أكذب مععن السععراب‬

‫مسعتهتراً بالكذب مشغوفاً بعه‪ ،‬ل يزال يحدث معن قعد صعح عنده أنعه ل يصعدقه فل‬
‫يزجره ذلك عن أن يحدث بالكذب‪:‬‬
‫بدا كل ما كتمته بين مخـبـر‬
‫وكم حالة صارت بياننا بحالة‬

‫وحال أرتني قبح عقدك بينـا‬
‫كما تثبت الحكام بالحبل الزنا‬

‫وفيه أقول قطعة منها‪:‬‬
‫أنم من المرآة في كـل مـا درى‬

‫وأقطع بين الناس من قصب الهند‬

‫أظن المنايا والزمان تـعـلـمـا‬

‫تحليله بالقطـع بـين ذوي الـود‬

‫وفيه أيضاً أقول من قصيدة طويلة‪:‬‬
‫وأكذب من حسن الظنون حديثـه‬
‫أوامر رب العرش أضيع عنـده‬
‫تجمع فيه كل خزي وفـضـحة‬

‫وأثقل من عذل على غير قابل‬
‫وأبغض من بين وهجر ورقبة‬

‫وأقبح من دين وفـقـر مـلزم‬
‫وأهون من شكوى إلى غير راحم‬
‫فلم يبق شتما في المقال أشـاتـم‬

‫وأبرد بردا من مدينة سـالـم‬
‫جمعن على حران حيران هائم‬

‫وليعس معن نبعه غافلً‪ ،‬أو نصعح صعديقاً‪ ،‬أو حفعظ مسعلماً‪ ،‬أو حكعى ععن فاسعق‬
‫وأحدث ععععن عدو معععا لم يكعععن يكذب ول يكذب‪ ،‬ول تعمعععد الضغائن‪ ،‬متنقلً‪.‬‬
‫وهل هلك الضعفاء وسقط من ل عقل له إل في قلة المعرفة بالناصح من النمام‪،‬‬
‫وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان فعي الباطن‪ ،‬أحدهما داء والخرى‬
‫دواء والثاقعب القريحعة ل يخفعى عليعه أمرهمعا‪ ،‬لكعن الناقعل معن كان تنقيله غيعر‬

‫مرضعى فعي الديانعة‪ ،‬ونوى بعه التشتيعت بيعن الولياء‪ ،‬والتضريعب بيعن الخوان‪،‬‬
‫والتحريش والتوبيش والترقيش‪ .‬فمن خاف إن سلك طريق النصيحة أن يقع في‬
‫طريععق النميمععة‪ ،‬ولم يثععق لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيمععا يرده مععن أموره دنياه‬
‫ومعاملة أهل زمانه‪ ،‬فليجعل دينه دليلً له وسراجاً يستضيء به‪ ،‬فحيثما سلك به‬
‫سلك وحيثما أوقفه وقعف‪ .‬فشارع الشريعة وباعث الرسول عليه السلم ومرتب‬
‫الوامر والنواهي أعلم بطريق الحق وأدري بعواقب السلمة ومغبات النجاة من‬
‫كل ناظر لنفسه بزعمه؛ وباحث بقياسه في ظنه‪.‬‬

‫الباب العشرون‬
‫الوصل‬
‫ومعن وجوه العشعق الوصعل‪ ،‬وهعو حعظ رفيعع‪ ،‬ومرتبعة سعرية‪ ،‬ودرجعة عاليعة‪،‬‬
‫وسععد طالع‪ .‬بعل هعو الحياة المجدة‪ ،‬والعيعش السعني‪ ،‬والسعرور الدائم ورحمعة معن‬
‫ال عظيمعة‪ .‬ولول أن الدنيعا دار ممعر ومحنعة وكدر‪ ،‬والجنعة دار جزاء وأمان معن‬
‫المكاره‪ ،‬لقلنعا إن وصعل المحبوب هعو الصعفاء الذي ل كدر فيعه‪ ،‬والفرح الذي ل‬
‫شائبععة ول حزن معععه‪ ،‬وكمال المانععي؛ ومنتهععى الراجععي‪ .‬ولقععد جربععت اللذات‬
‫على تصرفها‪ ،‬وأدركت الحظوظ على اختلفها‪ ،‬فما للدنو من السلطان ول للمال‬
‫المسععتفاد‪ ،‬ول الوجود بعععد العدم‪ ،‬ول الوبععة بعععد طول الغيبععة ول المععن بعععد‬
‫الخوف‪ ،‬ول التروح على المال‪ ،‬معن الموقعع فعي النفعس معا للوصعل؛ ل سعيما بععد‬
‫طول المتناع‪ ،‬وحلول الهجعر حتعى يتأجعج عليعه الجوى‪ ،‬ويتوقعد لهيعب الشوق‪،‬‬

‫وتنصعرم نار الرجاء‪ .‬ومعا أصعناف النبات بععد غعب القطعر‪ ،‬ول إشراق الزاهيعر‬
‫بعععد إقلع السععحاب السععاريات فععي الزمان السععجسج ول خريععر المياه المتخللة‬
‫لفانين النوار‪ ،‬ول تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر‪ ،‬بأحسن‬
‫مععن وصععل حععبيب قععد رضيععت أخلقععه‪ ،‬وحمدت غرائزه‪ ،‬وتقابلت فععي الحسععن‬
‫أوصعافه‪ .‬وأنعه لمعجعز ألسعنة البلغاء‪ ،‬ومقصعر فيعه بيان الفصعحاء‪ ،‬وعنده تطيعش‬
‫اللباب‪ ،‬وتعزب الفهام‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫وسائل لي عما لي من الـعـمـر‬

‫وقد رأى الشيب في الفودين والعذر‬

‫أجبته ساعة ل شـيء أحـسـبـه‬

‫عمرا سواها بحكم العقل والنظـر‬

‫فقال لي كيف ذا بينه لي فـلـقـد‬

‫أخبرتني أشنع النباء والـخـبـر‬

‫فقلت إن التي قلبي بـهـا عـلـق‬

‫قبلتها قبـلة يوم عـلـى خـطـر‬

‫فما أعد ولو طالت سـنـي سـوى‬

‫تلك السويعة بالتحقيق من عمـري‬

‫ومعن لذيعذ معانعي الوصعل المواعيعد‪ ،‬وإن للوععد المنتظعر مكاناً لطيفاً معن شغاف‬
‫القلب‪ ،‬وهععو ينقسععم قسععمين‪ ،‬أحدهمعا الوعععد بزيارة المحععب لمحبوبععه وفيعه أقول‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أسامر البدر لما أبـطـأت وأرى‬

‫في نوره من سنا إشراقها عرضا‬

‫فبت مشترطا والود مختـلـطـا‬

‫والوصل منبسطا والهجر منقبضا‬

‫والثاني انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه‪ ،‬وإن لمبادئ الوصل وأوائل‬
‫السعععاف لتولجاً على الفؤاد ليععس لشيععء مععن الشياء‪ .‬وإنععي لعرف مععن كان‬
‫ممتحنعا بهوى فعي بععض المنازل المصعاقبة فكان يصعل متعى شاء بل مانعع ول‬
‫سععبيل إلى غيععر النظععر والمحادثععة زماناً طويلً‪ ،‬ليل متععى أحععب ونهاراً‪ ،‬إلى أن‬

‫ساعدته القدار بإجابة‪ ،‬ومكنته بإسعاد بعد يأسه‪ ،‬لطول المدة ولعهدي به قد كاد‬
‫أن يختلط عقله فرحاً‪ ،‬وما كاد يتلحق كلمه سروراً‪ ،‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫برغبة لو إلى ربي دعـوت بـهـا‬

‫لكان ذنبي عند الـلـه مـغـفـورا‬

‫ولو دعوت بها أسد الـفـل لـغـدا إضرارها عن جميع الناس مقصورا‬
‫فجاد باللثم لي من بعد مـنـعـتـه‬

‫فاهتاج من لوعتي ما كان مغمـورا‬

‫كشارب الماء كي يطفي الغليل بـه‬

‫فغص فانصاع في الجداث مقبورا‬

‫وقلت‪:‬‬
‫جرى الحب مني مجرى النفس‬

‫وأعطيت عيني عنان الفـرس‬

‫ولي سـيد لـم يزل نـافـرا‬

‫وربما جاد لي في الخـلـس‬

‫فقبـلـتـه طـالـبـا راحة‬

‫فزاد أليل بقلـبـي الـيبـس‬

‫وكان فؤادي كتبـت هـشـيم‬

‫يبيس رمى فيه رام قبـسـي‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ويا جوهر الصين سحقا فقد‬

‫عنيت بياقـوتة النـداس‬

‫خعبر‪ :‬وإنعي لعرف جاريعة اشتعد وجدهعا بفتعى معن أبناء الرؤسعاء‪ ،‬وهعو ل علم‬
‫عنده‪ ،‬وكثععر غمهععا وطال أسععفها إلى أن ضنيععت بحبععه‪ ،‬وهععو بغرارة الصععبي ل‬
‫يشععر‪ .‬ويمنعهعا معن إبداء أمرهعا إليعه الحياء منعه لنهعا كانعت بكراً بخاتمهعا‪ ،‬معع‬
‫الجلل له عن الهجوم عليه بما ل تدري لعله ل يوافقه‪ .‬فلما تمادى المر وكانا‬
‫إلفين في النشأة‪ ،‬شكت ذلك إلى امرأة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها‪،‬‬
‫فقالت لهعا‪ :‬عرضعي له بالشععر‪ .‬ففعلت المرة بععد المرة وهعو ل يأبعه فعي كعل هذا‪،‬‬
‫ولقععد كان لقنًا ذكياً لم يظععن ذلك فيميععل إلى تنتيععش الكلم بوهمععه‪ ،‬إلى أن عيععل‬
‫صعبرها وضاق صعدرها ولم تمسعك نفسعها فعي قعدة كانعت لهعا مععه فعي بععض‬

‫الليالي منفردين‪ ،‬ولقد كان يعلم ال عفيفاً متصاوناً بعيداً عن المعاصي‪ ،‬فلما حان‬
‫قيامهعا عنعه بدرت إليعه فقبلتعه فعي فمعه ثعم ولت فعي ذلك الحيعن ولم تكلمعه بكلمعة‪،‬‬
‫وهي تتهادى في مشيها‪ ،‬كما أقول في أبيات لي‪:‬‬
‫كأنها حين تخطو فـي تـأودهـا‬

‫قضيب نرجسة في الروض مياس‬

‫كأنما خلدها في قلب عاشـقـهـا‬

‫ففيه من وقعها خطر ووسـواس‬

‫كأنما مشيها مشي الـحـمـامة ل‬

‫كد يعـاب ول بـطء بـه بـاس‬

‫فبهعت وسعقط فعي يده وفعت فعي عضده ووجعد فعي كبده وعلتعه وجمعة‪ ،‬فمعا هعو إل‬
‫أن غابعت عنعه ووقعع فعي شرك الردى واشتعلت فعي قلبعه النار وتصععدت أنفاسعه‬
‫وترادفعت أرجاله وكثعر قلقعه وطال أرقعه‪ ،‬فمعا غمعض تلك الليله عيناً‪ ،‬وكان هذا‬
‫بدء الحععب بينهمععا دهراً‪ ،‬إلى أن جذت جملتهععا يععد النوى‪ .‬وإن هذا لمععن مصععائد‬
‫إبليععس ودواعععي الهوى التععي ل يقععف لهععا أحععد أل مععن عصععمه ال عععز وجععل‪.‬‬
‫ومن الناس من يقول‪ :‬إن دوام الوصل يودي بالحب‪ ،‬وهذا هجين من القول‪ ،‬إنما‬
‫ذلك لهععععععععععل الملل‪ ،‬بععععععععععل كلمععععععععععا زاد وصععععععععععلً زاد اتصععععععععععالً‪.‬‬
‫وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ول زادني إل ظلماً‪ .‬وهذا حكم‬
‫معن تداوى برأيعه وإن ربعه عنعه سعريعاً‪ .‬ولقعد بلغعت معن التمكعن بمعن أحعب أبععد‬
‫الغايات التي ل يجد النسان وراءها مرمى‪ ،‬فما وجدتني إل مستزيداً‪ ،‬ولقد طال‬
‫بي ذلك فما أحسست بسآمة ول رهقتني فترة‪ ،‬ولقد ضمني مجلس مع بعض من‬
‫كنعت أحعب فلم أجعل خاطري فعي فعن معن فنون الوصعل إل وجدتعه مقصعراً ععن‬
‫مرادي وغيععر شاف وجدي ول قاض أقععل لبانععة مععن لباناتععي‪ ،‬ووجدتنععي كلمععا‬

‫ازددت دنواً ازددت ولوعاً‪ ،‬وقدحعت زناد الشوق نار الوجعد بيعن ضلوععي‪ ،‬فقلت‬
‫في ذلك المجلس‪:‬‬
‫وددت بأن القلـب شـق بـمـدية‬

‫وادخلت فيه ثم أطبق في صدري‬

‫فأصبحت فيه ل تحـلـين غـيره‬

‫إلى مقتضى يوم القيامة والحشـر‬

‫تعيشين فيه ما حييت فـإن أمـت‬

‫سكنت شغاف القلب في ظلم القبر‬

‫ومععا فععي الدنيععا حالة تعدل محععبين إذا عدمععا الرقباء‪ ،‬وأمنععا الوشاة‪ ،‬وسععلما مععن‬
‫البيعن‪ ،‬ورغبعا ععن الهجعر‪ ،‬وبعدا ععن الملل‪ ،‬وفقدا العذال‪ ،‬وتوافقعا فعي الخلق‪،‬‬
‫وتكافيعا فعي المحبعة‪ ،‬وأتاح ال لهمعا رزقاً دارا‪ ،‬وعيشاً قاراً‪ ،‬وزماناً هادياً‪ ،‬وكان‬
‫اجتماعهمععا على مععا يرضععي الرب مععن الحال‪ ،‬وطالت صععحبتهما واتصععلت إلى‬
‫وقعت حلول الحمام الذي ل مرد له ول بعد منعه‪ ،‬هذا عطاء لم يحصعل عليعه أحعد‪،‬‬
‫وحاجة لم تقض لكل طالب‪ ،‬ولو ل أن مع هذه الحال الشفاق من بغتات المقادير‬
‫المحكمعة فعي غيعب ال ععز وجعل‪ ،‬معن حلول فراق لم يكتسعب؛ واخترام منيعة فعي‬
‫حال الشباب أو معا أشبعه ذلك‪ ،‬لقلت إنهعا حال بعيدة معن كعل آفعة‪ ،‬وسعليمة معن كعل‬
‫داخلة‪ .‬ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله إل أنه كان دهى فيمن كان يحبه بشراسة‬
‫الخلق‪ ،‬ودالة على المحبة‪ ،‬فكانا ل يتهنيان العيش ول تطلع الشمس في يوم إل‬
‫وكان بينهمعا خلف فيعه‪ ،‬وكلهمعا كان مطبوعاً بهذا الخلق‪ .‬لثقعة لك واحعد منهمعا‬
‫بمحبععة صععاحبه‪ ،‬إلى أن دنععت النوى بينهمععا فتفرقععا بالموت المرتععب لهاذ العالم‪،‬‬
‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫كيف أذم الـــنـــوى‬
‫وأظـــلـــمـــهـــا‬
‫قد كان يكفي هوى أضيق به فكيف إذ حل‬

‫وكـــل أخـــلق مـــن‬
‫أحـــب نــــوى‬

‫بي نوى وهوى‬

‫وروى ععن زياد بعن أبعي سعفيان رحمعه ال أنعه قال لجلسعاته‪ :‬معن أنععم الناس‬
‫عيشعة؟ قالوا‪ :‬أميعر المؤمنيعن‪ .‬فقال‪ :‬وأيعن معا يلقعى معن قريعش؟ قيعل‪ :‬فأنعت‪ .‬قال‪:‬‬
‫أيعن معا ألقعى معن الخوارج والثغور؟ قيعل فمعن أيهعا الميعر‪ .‬قال‪ :‬رجعل مسعلم له‬
‫زوجعة مسعلمة لهمعا كفاف معن العيعش قعد رضيعت بعه ورضعى بهعا ل يعرفنعا ول‬
‫نعرفعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه‪.‬‬
‫وهعل فيمعا وافعق إعجاب المخلوقيعن‪ ،‬وجل القلوب‪ ،‬واسعتمال الحواس‪ .‬واسعتهوى‬
‫النفوس‪ ،‬واسععتولى على الهواء‪ ،‬واقتطععع اللباب‪ ،‬واختلس العقول‪ ،‬مسععتحسن‬
‫يعدل إشفاق محعب على محبوب ولقعد شاهدت معن هذا المعنعى كثيراً‪ ،‬وإنعه لمعن‬
‫المناظعر العجيبعة الباعثعة على الرقعة الرائقعة المعنعى ل سعيما إن كان هوى يتكتعم‬
‫بعه‪ .‬فلو رأيعت المحبوب حيعن يعرض بالسعؤال ععن سعبب تغضبعه بحبعه‪ ،‬وخجلتعه‬
‫فععي الخروج ممععا وقععع فيععه بالعتذار‪ ،‬وتوجيهععه إلى غيععر وجهععه‪ ،‬وتحليله فععي‬
‫اسعتنباط معنعى يقيمعه عنعد جلسعائه‪ ،‬لرأيعت عجباً ولذة مخيفعة ل تقاومهعا لذة‪ ،‬و‬
‫رأيت أجلب للقلوب ول أغوص على حياتها ول أنفذ للمقاتل من هذا الغفل‪ ،‬وإن‬
‫للمحبين في الوصعل من العتذار ما أعجز أهل الذهان الذكية والفكار القوية‪.‬‬
‫ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت‪:‬‬
‫إذا مزجت الحق بالبـاطـل‬

‫جوزت ما شئت على الغافل‬

‫وفيهما فرق صـحـيح لـه‬

‫علمة تبدو إلى العـاقـل‬

‫كالتبر إن تمزج بـه فـضة‬

‫جازت على كل فتى جاهل‬

‫وأن تصادف صائغا ماهـرا‬

‫ميز بين المحض والحـائل‬

‫وإني لعلم فتى وجارية كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه‪ ،‬فكانا يضطجعان‬
‫إذا حضرهمعا أحعد وبينهمعا المسعند العظيعم معن المسعاند الموضوععة عنعد ظهور‬
‫الرؤسععاء على الفرش ويلتقععي رأسععاهما وراء المسععند ويقبععل كععل واحععد منهمععا‬
‫صاحبه ول يريان‪ ،‬وكأنهما إنما يتمدادن من الكلل‪ .‬ولقد كان بلغ من تكافئهما في‬
‫المودة آمراً عظيماً‪ ،‬إلى أن كان الفتععى المحععب ربمععا اسععتطال عليهععا‪ .‬وفععي ذلك‬
‫أقول‪:‬‬
‫ومن أعاجيب الزمان التـي‬

‫طمت على السامع والقائل‬

‫رغبة مركوب إلى راكـب‬

‫وذلة المسـؤل لـلـسـائل‬

‫وطول مأسور إلـى آسـر‬

‫وصولة المقتول للقـاتـل‬

‫ما إن سمعنا في الورى قبلها‬

‫خضوع ممول إلـى آمـل‬

‫هل هاهنا وجه تراه سـوى‬

‫تواضع المفعول للفـاعـل‬

‫ولقعد حدثتنعي امرأة أثعق بهعا أنعه شاهدت فتعى وجاريعة كان يجعد كعل واحعد منهمعا‬
‫بصاحبه فضل وجد‪ ،‬قد اجتمعا في مكان على طرب‪ ،‬وفي يد الفتى سكين يقطع‬
‫بهععا بعععض الفواكععه‪ ،‬فجراهععا جراً زائداً فقطععع إبهامععه قطعاً لطيفاً ظهععر فيععه دم‪،‬‬
‫وكان على الجاريععة غللة قصععب خزائنيععة لهععا قيمععة‪ ،‬فصععرفت يدهعا وخرقيتهععا‬
‫وأخرجعت منهعا فضلة شعد بهعا إبهامعه‪ .‬وأمعا هذا الفععل للمحعب فقليعل فيمعا يجعب‬
‫عليعه‪ ،‬وفرض لزم وشريععة مؤداة‪ ،‬وكيعف ل وقعد بذل نفسعه ووهعب روحعه فمعا‬
‫يمنع بعدها‪.‬‬

‫خبر‪ :‬وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن برطال‪ ،‬وعمها‬
‫كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى‪ ،‬وأخوه الوزير القائد الذي كان قتله‬
‫غالب وقائدين له في الوقعة المشهورة بالثغور‪ ،‬وهما مروان بن أحمد بن شهيد‬
‫ويوسف ابن سعيد العكي‪ ،‬وكانت متزوجة بيحيى بن محمد ابن الوزير يحيى بن‬
‫إسحاق‪ ،‬فعاجلته المنية وهو في أغض عيشه وأنضر سرورهما‪ ،‬فبلغ من أسفها‬
‫عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة ما ت وجعلته آخر العهد به وبوصله‪ ،‬ثم لم‬
‫يفارقها السف بعده حين موتها‪.‬‬

‫وإن للوصععل المختلس الذي يخاتععل بععه الرقباء ويتحفععظ بععه مععن الحضععر‪ ،‬مثععل‬
‫الضحععك المسععتور‪ ،‬والنحنحععة‪ ،‬وجولن اليدي‪ ،‬والضغععط بالجناب‪ ،‬والقرص‬
‫باليد والرجل‪ ،‬لموقعاً من النفس شهياً‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫إن للوصل الخفي محـلً‬
‫لذة أمرهـا بـارتـقـاب‬

‫ليس للوصل المكين الجلي‬
‫كمسير في خلل النقـي‬

‫خبر‪:‬‬
‫ولقعد حدثنعي ثقعة معن إخوانعي جليعل معن أهعل البيوتات أنعه كان علق فعي صعباه‬
‫جاريععة كانععت فععي بعععض دور آله‪ ،‬وكان ممنوعاً منهععا فهام عقله بهععا‪ .‬قال لي‪:‬‬
‫فتنزهنععا يوماً إلى بعععض ضياعناً بالسععهلة غربععي قرطبععة مععع بعععض أعمامععي‪،‬‬
‫فتمشينعا فعي البسعاتين وأبعدنعا ععن المنازل وانبسعطنا على النهار‪ .‬إلى أن غيمعت‬
‫السعماء وأقبعل الغيعث‪ ،‬فلم يكعن بالحضرة معن الغطاء معا يكفعي الجميعع‪ .‬قال‪ :‬فأمعر‬

‫عمعي ببععض الغطيعة فأليقعى علي وأمرهعا بالكتنان مععي‪ ،‬فظعن بمعا شئت معن‬
‫التمكععن على أعيععن المل وهععم ل يشعرون‪ ،‬ويالك مععن جمععع كخلء‪ ،‬واحتفال‬
‫كانفراد‪ .‬قال لي‪ :‬فوال ل نسععيت ذلك اليوم أبداً‪ .‬ولعهدي بععه وهععو يحدثنععي بهذا‬
‫الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهعو يهتز فرحاً على بععد العهعد وامتداد الزمان‪.‬‬
‫ففي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫يضحك الروض والسحائب تبكي‬

‫كحبيب رآه صـب مـعـنـى‬

‫خبر‪ :‬ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل‬
‫المصعاقبة له هوى‪ ،‬وكان فعي المنزليعن موضعع مطلع معن أحدهمعا على الخعر‪،‬‬
‫فكانت تقف له في ذلك الموضع‪ ،‬وكان فيه بعض البعد‪ ،‬فتسلم عليه ويدها ملفوفة‬
‫فعي قميصعها‪ .‬فخاطبهعا مسعتخبراً لهعا عن ذلك‪ .‬فأجابتعه‪ :‬إنعه ربمعا أحعس معن أمرنعا‬
‫شيعء فوقعف لك غيري فسعلم عليعك فرددت عليعه‪ ،‬فصعح الظعن‪ ،‬فهذه علمعة بينعي‬
‫وبينععك فإذا رأيععت يداً مكشوفععة تشيععر نحوك بالسععلم فليسععت يدي فل تجاوب‪.‬‬
‫وربما استحلى الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التخلج في الوصال‪ ،‬فل يلتفت‬
‫إلي لئم ول يسعتتم معن حافعظ ول يبالي بناقعل‪ ،‬بعل العذل حينئذ يغري‪ .‬وفعي صعفة‬
‫الوصل أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫كم درت حول الحب حتى لقد‬

‫حصلت فيه كحصول الفراش‬

‫ومنه‪:‬‬
‫تعشو إلى الوصل دواعي الهوى‬

‫كماسرى نحو سنا النار عـاش‬

‫ومنه‪:‬‬
‫كمثل تعليل الظلماء العطاش‬

‫عللني بالوصل مـن سـيدي‬

‫ومنه‪:‬‬
‫فالحسن فيه مستزيد وباش‬

‫ل توقف العين على غاية‬

‫وأقول من قصيدة لي‪:‬‬
‫هل لقيل الحـب مـن وادي‬

‫أم هل لعاني الحب من فادي‬

‫أم هل لدهري عودة نحوهـا‬

‫كمثل يوم مر فـي الـوادي‬

‫ظللت فيه سابـحـا صـاديا‬

‫يا عجبا للسابح الصـعـادي‬

‫ضنيت يا مولي وجدا فمـا‬

‫تبصرني ألحـاظ عـوادي‬

‫كيف اهتدي الوجد إلى غائب‬

‫عن أعين الحاضر والبـادي‬

‫مل مداواتي طبيبـي فـقـد‬

‫يرحمني للسقـم حـسـادي‬

‫الباب الحادي والعشرون‬
‫الهجر‬
‫ومعن آفات الحعب أيضاً الهجعر‪ ،‬وهعو على ضروب‪ :‬فأولهعا هجعر يوجبعه تحفعظ‬
‫معن رقيعب حاضعر؛ وإنعه لحلى معن كعل وصعل‪ ،‬ولول أن ظاهعر اللفعظ وحكعم‬
‫التسعمية يوجب إدخاله فعي هذا الباب لرجععت بعه عنعه ولجللتعه ععن تسعطيره فيعه‪.‬‬
‫فحينئذ ترى الحععععبيب منحرفاً عععععن محبععععه مقبلً بالحديععععث على غيره معرضاً‬

‫بمعرض لئل تلحعق ظنتعه أو تسعبق اسعترابته‪ .‬وترى المحعب أيضاً كذلك‪ .‬ولكعن‬
‫طبععه له جاذب‪ ،‬ونفسعه له صعارفة بالرغعم‪ ،‬فتراه حينئذ منحرفاً كمقبعل‪ ،‬وسعاكناً‬
‫كناطق‪ ،‬وناظراً إلى جهة نفسه في غيرها‪ .‬والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن‬
‫باطعن حديثهمعا علم أن الخافعي غيعر البادي‪ ،‬ومعا جهعر بعه غيعر نفعس الخعبر‪ ،‬وأنعه‬
‫لمن المشاهد الجالبة للفتن والمناظر المحركة للسواكن الباعثة للخواطر المهيجة‬
‫للضمائر الجاذبة للفتوة‪ .‬ولي أبيات في شيء من هذا أوردتها‪ .‬وإن كان فيها غير‬
‫هذا المعنى على ما شرطنا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يلوم أبو العباس جهلً بطبـعـه‬

‫كما عير الحوت النعامة بالصدى‬

‫ومنها‪:‬‬
‫وكم صاحب أكرمته غير طائع‬
‫وما كان ذاك البر إل لـغـيره‬

‫ول مكره إل لمر تـعـمـدا‬
‫كما نصبوا للطير بالحب مصيدا‬

‫وأقول من قصيدة محتوية على ضروب من الحكم وفنون الداب الطبيعية‪:‬‬
‫وسراء أحشائي لمـن أنـا مـؤثـر‬

‫وسراء أبنائي لـمـن أتـحـبـب‬

‫فقد يشرب الصاب الكـريه لـعـلة‬

‫ويترك صفو الشهد وهو محـبـب‬

‫وأعدل في إجهاد نفسي فـي الـذي‬

‫أريد وإني فيه أشـقـى وأتـعـب‬

‫يهل اللؤلؤ المكنـون والـدر كـلـه رأيت بغير الغوص في البحر يطلب‬
‫وأصرف نفسي عن وجوه طباعهـا‬

‫إذا في سواها صح ما أنـا أرغـب‬

‫كما نسخ ال الـشـرائع قـبـلـنـا‬

‫بما هو أدنى للـصـلح وأقـرب‬

‫وألقى سجايا كل خلق بـمـثـلـهـا‬

‫ونعت سجاياي الصحيح المـهـذب‬

‫كما صار لون الـمـاء لـون إنـائه وفي الصل لون الماء أبيض معجب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫أقمت ذوي ودي مقام طبائعـي‬

‫حياتي بها والموت منهن يرهب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫وما أنا ممـن تـطـبـيه بـشـاشة‬

‫ول يقتضي ما في ضميري التجنب‬

‫أزيد نفارا عـنـد ذلـك بـاطـنـا‬

‫وفي ظاهري أهل وسهل ومرحب‬

‫فإني رأيت الحرب يعلو إشتعالـهـا‬

‫ومبدؤها في أول المر مـلـعـب‬

‫وللحية الرقشاء وشـي ولـونـهـا‬

‫عجيب وتحت الوشي سم مـركـب‬

‫وإن فرند السيف أعجب مـنـظـرا‬

‫وفيه إذا هز الحـمـام الـمـذرب‬

‫وأجعل ذل النفس عـزة أهـلـهـا‬

‫إذا هي نالت ما بها فيه مـذهـب‬

‫فقد يضع النسان في الترب وجهـه‬

‫ليأتي غدا وهو المصون المقـرب‬

‫فذل يسوق العز أجود لـلـفـتـى‬

‫من العز يتلوه من الذل مـركـب‬

‫وكم مأكل أربـت عـواقـب غـيه‬

‫ورب طوى بالخصب آت ومعقـب‬

‫وما ذاق عز النفس مـن ل يذلـهـا ول التذ طعم الروح من ليس ينصب‬
‫ورودك نهل الماء من بعد ظـمـأة‬

‫ألذ من العل الـمـكـين وأعـذب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫وفي كل مخلوق تـراه تـفـاضـل‬

‫فرد طيبا إن لـم يتـح لـك أطـيب‬

‫ول ترضى ورد الريق إل ضـرورة إذا لم يكن في الرض حاشاه مشرب‬
‫ول تقربن ملـح الـمـياه فـإنـهـا شجى والصدى بالحر أولى وأوجـب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫فخذ من جراها ما تيسر واقتنع‬
‫فما لك شرط عندهـا ل ول يد‬

‫ل بمن هو يغلب‬
‫ول تك مشغو ً‬
‫ول هي إن حصلت أم ول أب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ول تيأسن مـمـا ينـال بـحـيلة‬
‫ول تأمن الظلم فالفجر طـالـع‬

‫وإن بعدت فالمر ينأى ويصعـب‬
‫ول تلتبس بالضوء فالشمس تغرب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ألح فإن الماء يكدح في الصفا‬
‫وكثر ول تفشل وقلل كثير مـا‬
‫فلو يتغذى المرء بالسم قـاتـه‬

‫إذا طال ما يأتي عليه ويذهب‬
‫فعلت فماء المزن جم وينضب‬
‫وقام له منه غذاء مـجـرب‬

‫ثعم هجعر يوجبعه التذلل‪ ،‬وهعو ألذ معن كثيعر الوصعال‪ ،‬ولذلك ل يكون إل ععن ثقعة‬
‫كعل واحعد معن المتحابيعن بصعاحبه‪ ،‬واسعتحكام البصعيرة فعي صعحة عقده فحينئذ‬
‫يظهعععر المحبوب هجراناً ليرى صعععبر محبعععه‪ ،‬وذلك لئل يصعععفو الدهعععر البتعععة‪،‬‬
‫وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك ل لما حل‪ ،‬لكن مخافة أن يترقى‬
‫المر إلى معا هعو أجعل‪ ،‬يكون ذلك الهجعر سعبباً إلى غيره‪ ،‬أو خوفاً من آفعة حادث‬
‫ملل‪ .‬ولقعد عرض لي فعي الصعبا هجعر معع بععض من كنعت آلف‪ ،‬على هذه الصعفة‬
‫وهعو ل يلبعث أن يضمحعل ثعم يعود‪ .‬فلمعا كثعر ذلك قلت على سعبيل المزاح شعراً‬
‫بديهياً ختمت كل بيت منه بقسم من أو قصيدة طرفة بن العبد المعلقة‪ ،‬وهي التي‬
‫قرأناهعا مشروحعة على أبعي سععيد الفتعى الجعفري ععن أبعي بكعر المقرئ ععن أبعي‬
‫جعفر النحاس‪ ،‬رحمهم ال‪ ،‬في المسجد الجامع بقرطبة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫تذكرت ودا للـحـبـيب كـأنـه‬

‫لخولة أطلل ببـرقة ثـمـهـد‬

‫وعهدي بعهد كان لي منه ثـابـت‬

‫يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد‬

‫وقفت به ل موقنـا بـرجـوعـه‬

‫ول آيسا أبكي وأبكي إلى الـغـد‬

‫إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا‬

‫يقولون ل تهلك أسى وتـجـلـد‬

‫كأن فنون السخط ممـن أحـبـه‬

‫خليا سفين بالعواصـف مـن دد‬

‫كأن انقلب الهجر والوصل مركب‬

‫يجور به الملح طورا ويهتـدي‬

‫فوقت رضي يتلوه وقت تسـخـط‬

‫كما قسم الترب المفـايل بـالـيد‬

‫ويبسم نحوي وهو غضبان معرض‬

‫مظاهر سمطى لؤلؤ وزبـرجـد‬

‫ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب‪ ،‬وهذا فيه بعض الشدة‪ ،‬لكن فرحة‬
‫الرجععة وسعرور الرضعى يعدل معا مضعى‪ ،‬فإن لرضعى المحبوب بععد سعخطه لذة‬
‫في القلب ل تعدلها لذة‪ .‬وموقفاً من الروح ل يفوقه شيء من أسباب الدنيا‪ .‬وهل‬
‫شاهعد مشاهعد أو رأت عيعن أرقام فعي فكعر ألذ وأشهعى معن مقام قعد قام عنعه كعل‬
‫رقيععب‪ ،‬وبعععد عنععه كععل بغيععض‪ ،‬وغاب عنععه كععل واش‪ ،‬واجتمععع فيععه محبان قععد‬
‫تصعارما لذنعب وقعع معن المحعب منهمعا وطال ذلك قليلً‪ ،‬وبدأ بععض الهجعر ولم‬
‫يكعن ثعم مانعع معن الطالة للحديعث‪ ،‬فابتدأ المحعب فعي العتذار والخضوع والتذلل‬
‫والدلة بحجتععه مععن الدلل والذلل والتذمععم بمععا سععلف‪ ،‬فطوراً يدلي بععبراءته‪،‬‬
‫وطوراً يرد بالعفو ويستدعى المغفرة ويقر بالذنب ول ذنب له‪ ،‬ولحبوب في كل‬
‫ذلك ناظعر إلى الرض يسعارقه اللحععظ الخفععي وربمعا أدامععه فيعه ثعم يبسعم مخفياً‬
‫لتبسمه‪ ،‬وذلك علمة الرضى‪ .‬ثم ينجلي مجلسهما عن قبول العذر‪ ،‬ويقبل القول‪،‬‬
‫وامتحعت ذنوب النقعل‪ ،‬وذهبعت آثار السعخط‪ ،‬ووقعع الجواب بنععم وذنبعك مغفور‪،‬‬
‫ولو كان فكيععف ول ذنععب‪ ،‬وختمععا أمرهمععا بالوصععل الممكععن وسععقوط العتاب‬
‫والسعاد وتفرقا على هذا‪.‬‬

‫هذا مكان تتقاصععر دونععه الصععفات وتتلكععن بتحديده اللسععنة؛ ولقععد وطئت بسععاط‬

‫الخلفاء وشاهدت محاضععر الملوك فمععا رأيععت هيبععة تعدل هيبععة محععب لمحبوبععه‪،‬‬
‫ورأيعت تمكعن المتغلبيعن على الرؤسعاء وتحكعم الوزراء‪ .‬وانبسعاط مدبري الدول‪،‬‬
‫فمععا رأيععت أشععد تبجحاً ول أعظععم سععروراً بمعا هععو فيععه معن محععب أيقععن أن قلب‬
‫محبوبععععععععععه عنده ووثععععععععععق بميله إليععععععععععه وصععععععععععحة مودتععععععععععه له‪.‬‬
‫وحضرت مقام المعتذيعن بيعن أيدي السعلطين‪ ،‬ومواقعف المتهميعن بعظيعم الذنوب‬
‫مع المتمردين الطاغين‪ ،‬فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب‬
‫غضبان قعد غمره السعخط وغلب عليعه الجفاء‪ .‬ولقعد امتحنعت المريعن وكنعت فعي‬
‫الحالة الولى أشعد معن الحديعد وأنفعذ معن السعيف‪ ،‬ل أجيعب إلى الدنيعة ول أسعاعد‬
‫على الخضوع‪ ،‬وفعي الثانيعة أذل معن الرداء‪ ،‬وأليعن معن القطعن‪ ،‬أبادر إلى أقصعى‬
‫غايات التذلل‪ ،‬وأغتنعم فرصعة الخضوع لو نجعع‪ ،‬وأتحلل بلسعاني‪ ،‬وأغوص على‬
‫دقائق المعانعي بعبياني‪ ،‬وأفنعن القول فنوناً‪ ،‬وأتصعدى لكعل معا يوجعب الترضعي‪.‬‬
‫والتجني بعض عوارض الهجران‪ ،‬وهو يقع في أول الحب وآخره‪ ،‬فهو في أوله‬
‫علمععععة لصععععحة المحبععععة‪ ،‬وفععععي آخره علمععععة لفتورهععععا وباب للسععععلو‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬واذكعر فعي مثعل هذا أنعي كنعت مجتازًا فعي بععض اليام بقرطبعة فعي مقعبرة‬
‫باب عامر في أمة من الطلب وأصحاب الحديث‪ ،‬ونحن نريد مجلس الشيخ أبي‬
‫القاسعم عبعد الرحعم بعن أبعي يزيعد المصعري بالرصعافة أسعتاذي رضعي ال عنعه‪،‬‬
‫ومعنا أبو بكر عبد الرحمن بن سليمان البلوي من أهل سبتة‪ ،‬وكان شاعراً مفلقاً‬
‫وهو ينشد لنفسه في صفة متجن معهود أبياتاً له‪ ،‬منها‪:‬‬
‫سريع إلى ظهر الطريق وإنه‬
‫يطول علينـا أن نـرفـع وده‬

‫إلى نقض أسباب المودة يسرع‬
‫إذا كان في ترقيعه يتقـطـع‬

‫فوافعق إنشاد البيعت الول معن هذيعن البيتيعن خطور أبعي الحسعين بعن علي الفاس‬
‫رحمعه ال تعالى وهعو يؤم أيضاً مجلس ابعن أبعي يزيعد‪ ،‬فسعمعه فتبسعم رحمعه ال‬
‫نحونا وطوانا ماشياً وهو يقول‪ :‬بل إلى عقد المودة إن شاء ال‪ ،‬هذا على جد أبي‬
‫الحسين رحمه ال وفضله وتقربه وبراءته ونسكه وزهده وعلمه فقلت في ذلك‪:‬‬
‫دع عنك نقض مودتي متعمدا‬

‫واعقد حبال وصالنا يا ظالم‬

‫ولترجعن أردته أو لم تـرد‬

‫كرها لما قال الفقيه العالـم‬

‫ويقعع فيعه الهجعر والعتاب‪ .‬ولعمري إن فيعه إذا كان قليلً للذة‪ ،‬وأمعا إذا تفاقعم فهعو‬
‫فأل غير محمود‪ ،‬وأمارة وبيئة المصدر‪ ،‬وعلمة سوء‪ ،‬وهي بجملة المر مطية‬
‫الهجران‪ ،‬ورائد الصعريمة‪ ،‬ونتيجعة التجنعي‪ ،‬وعنوان الثقعل‪ ،‬ورسعول النفصعال‪،‬‬
‫وداعية القلى‪ ،‬ومقدمة الصد‪ ،‬وإنما يستحسن إذا لطف وكان أصله الشفاق‪ .‬وفي‬
‫ذلك أقول‪:‬‬
‫لعلك بعد عتبك أن تجـودا‬

‫بما منه عتبت وأن تـزيدا‬

‫فكم يوم رأينا فيه صحـوا‬

‫وأسمعنا بآخره الرعـودا‬

‫وعاد الصحو بعد كما علمنا‬

‫وأنت كذاك نرجو أن تعودا‬

‫وكان سععبب قولي هذه البيات عتاب وقععع فععي يوم هذه صععفته مععن أيام الربيععع‬
‫فقلتها في ذلك الوقت‪ ،‬وكان لي في بعض الزمن صديقان وكانا أخوين فغابا في‬
‫سعفر ثعم قدمعا‪ ،‬وقعد أصعابني رمعد فتأخرا ععن عيادتعي‪ ،‬فكتبعت إليهمعا‪ ،‬والمخاطبعة‬
‫للكبر منهما‪ ،‬شعراً منه‪:‬‬

‫وكنت أعدد أيضا عـلـى‬
‫ولكن إذا الدجن عطى ذكا‬

‫أخيك بمؤلمة السـامـع‬
‫ء فما الظن بالقمر الطالع‬

‫ثعم هجعر يوجبعه الوشاة‪ ،‬وقعد تقدم القول فيهعم وفيمعا يتولد معن دبيعب عقاربهعم‪،‬‬
‫وربما كان سبباً للمقاطعة البتة‪.‬‬

‫ثم هجر الملل‪ ،‬والملل من الخلق المطبوعة في النسان‪ ،‬وأحرى لمن دهى به‬
‫أل يصعفو له صعديق‪ ،‬ول يصعح له إخاء‪ ،‬ول يثبعت على عهعد‪ ،‬ول يصعبر على‬
‫إلف‪ ،‬ول تطول مسععاعدته لمحععب‪ ،‬ول يعتقععد منععه ود ول بغععض‪ .‬وأولى المور‬
‫بالناس أل يغروه منهععم وأن يفروا عععن صععحبته ولقائه‪ .‬فلن يظفروا منععه بطائل‪،‬‬
‫ولذلك أبعدنا هذه الصفة عن المحبين وجعلناها في المحبوبين‪ ،‬فهم بالجملة أهل‬
‫التجني والتظني‪ .‬والتعرض للمقاطعة‪ .‬وأما من تزيا باسم الحب وهو ملول فليس‬
‫منهم‪ ،‬وحقه أل يتجرع مذاقه‪ ،‬وينفي عن أهل هذه الصفة ول يدخل في جملتهم‪.‬‬
‫وما رأيت قعط هذه الصفة أشعد تغلباً منها على أبي عامر محمعد بن عامر رحمه‬
‫ال‪ ،‬فلو وصعف لي واصعف بععض معا علمتعه منعه لمعا صعدقته وأهعل هذا الطبعع‬
‫أسعععرع الخلق محبعععة‪ ،‬وأقلهعععم صعععبراً على المحبوب وعلى المكروه والصعععد‪،‬‬
‫وانقلبهعم على الود على قدر تسعرعهم إليعه‪ .‬فلتثعق بملول ول تشغعل بعه نفسعك‪،‬‬
‫ول تعنهععا بالرجاء فععي وفائه‪ .‬فإن دفعععت إلى محبتععه ضرورة فعده ابععن سععاعته‪،‬‬
‫واسعتأنفه كعل حيعن معن أحيانعه بحسعب معا تراه معن تلونعه‪ ،‬وقابله بمعا يشاكله‪ .‬ولقعد‬
‫كان أبععو عامععر المحدث عنععه يرى الجاريععة فل يصععبر عنهععا‪ ،‬ويحيععق بععه مععن‬

‫الغتنام والهععم مععا يكاد أن يأتععي عليععه حتععى يملكهععا‪ ،‬ولو حال دونععه ذلك شوك‬
‫القتاد‪ ،‬فإذا أيقعن بتصعيرها إليعه عادت المحبعة نفاراً‪ ،‬وذلك النعس شروداً‪ ،‬والقلق‬
‫إليها قلقاً منها‪ ،‬ونزاعه نحوها نزاعاً عنها‪ ،‬فيبيعها بأوكس الثمان هذا كان دأبه‬
‫حتعى أتلف فيمعا ذكرنعا معن عشرات ألوف الدنانيعر عدداً عظيماً‪ ،‬وكان رحمعه ال‬
‫مععع هذا مععن أهععل الدب والحذق الذكاء والنبععل والحلوة والتوقععد‪ ،‬مععع الشرف‬
‫العظيععم والمنصععب الفخععم والجاه العريععض‪ .‬وأمععا حسععن وجهععه وكمال صععورته‬
‫فشيعء تقعف الحدود عنعه وتكعل الوهام عن وصعف أقله ول يتعاطى أحعد وصعفه‪.‬‬
‫ولقععد كانععت الشوارع تخلو مععن السععيارة ويتعمدون الخطور على باب داره فععي‬
‫الشارع الخذ من النهر الصغير على باب دارنا في الجانب الشرقي بقرطبة إلى‬
‫الدرب المتصعل بقصعر الزاهرة‪ ،‬وفعي هذا الدرب كانعت داره رحمعه ال ملصعقة‬
‫لنا‪ ،‬ل لشيء إل للنظر منه‪ .‬ولقد مات من محبته جوار كن علقن أو هامهن به‪،‬‬
‫ورثيعععن له فخانهعععن ممعععا أملنعععه منعععه‪ ،‬فصعععرن رهائن البلى وقتلتهعععن الوحدة‪.‬‬
‫وأنا أعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء‪ ،‬عهدي بها ل تتستر بمحبته حيثما‬
‫جلسعت‪ ،‬ول تجعف دموعهعا‪ ،‬وكانعت قعد تصعيرت معن داره إلى البركات الخيال‬
‫صاحب الفتيان‪ .‬ولقد كان رحمه ال يخبرني عن نفسه أنه يمل اسمه فضلً عن‬
‫غير ذلك‪.‬‬

‫وأما إهوانه فإنه تبدل بهم في عمره على قصره مراراً‪ ،‬وكان ل يثبت على زي‬
‫واحععد كأبععي براقععش‪ ،‬حيناً يكون فععي ملبععس الملوك وحينًا فععي ملبععس الفتاك‪.‬‬
‫فيجعب على معن امتحعن بمخالطعة معن هذه صعفته على أي وجعه كان أل يسعتفرغ‬

‫عامعة جهده فعي محبتعه‪ ،‬وأن يقيعم اليأس معن دوامعه خصعما لنفسعه؛ فإذا لحعت له‬
‫مخايل الملل قاطعة أياماً حتى ينشط باله‪ ،‬ويبعد به عنه‪ ،‬ثم يعاوده‪ ،‬فربما دامت‬
‫المودة مع هذا‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ل ترجون ملولً‬
‫ود الملول فدعه‬

‫ليس الملول بعده‬
‫عارية مستـرده‬

‫ومعن الهجعر ضرب يكون متوليعه المحعب‪ ،‬وذلك عندمعا يرى معن جفاء محبوبعه‬
‫والميل عنه إلى غيره‪ ،‬أو لثقيل يلزمه‪ ،‬فيرى الموت ويتجرع غصص السى‪،‬‬
‫والععض على نقيعف الحنظعل أهون من رؤيعة مايكره‪ ،‬فينقطع وكبده تتقطعع‪ ،‬وفعي‬
‫ذلك أقول‪:‬‬
‫هجرت من أهواه ل عن قلى‬

‫يا عجبا للعاشق الـهـاجـر‬

‫لكن عيني لم تطـق نـظـرة‬

‫إلى محبا الـرشـأ الـغـادر‬

‫فالموت أحلى مطمعا من هوى‬

‫يباح لـلـوارد والـصـادر‬

‫وفي الفؤاد الـنـار مـذكـية‬

‫فاعجب لصب جزع صابـر‬

‫وقد أبـاح الـلـه فـي دينـه‬

‫تقية الـمـأسـور لـلسـر‬

‫وقد أحل الكفر خوف الـردى‬

‫حتى ترى المؤمن كالكـافـر‬

‫خبر‪:‬‬
‫ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف من هام قلبه بمتناه عنه نافر منه‪،‬‬
‫فقاسى الوجد زمناً طويلً‪ ،‬ثم سنحت له اليام بسانحة عجيبة من الوصل أشرف‬
‫بهعا على بلوغ أمله‪ ،‬فحيعن لم يكعن بينعه وبيعن غايعة رجائه إل كهؤلء عاد الهجعر‬
‫والبعد إلى أكثر ما كان قبل‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫كانت إلى دهري لي حـاجة‬

‫مقرونة في البعد بالمشتـرى‬

‫فساقها باللطـف حـتـى إذا‬
‫أبعدها عني فـعـادت كـأن‬

‫كانت من القرب على محجر‬
‫لم تبد للعين ولم تـظـهـر‬

‫وقلت‪:‬‬
‫دنا أمـلـي حـتـى مـددت لخـذه‬

‫يدا فانثني نحو الـمـجـرة راحـلً‬

‫فأصبحت ل أرجو وقد كنت موقـنـا وأضحى مع الشعري وقد كان حاصلً‬
‫وقد كنت محسودا فأصبحت حـاسـدا‬

‫ل فأصبـحـت آمـلً‬
‫وقد كنت مأمو ً‬

‫كذا الدهر في كراتـه وانـتـقـالـه‬

‫فل يأمنن الدهر من كـان عـاقـلً‬

‫ثعم هجعر القلى‪ ،‬وهنعا ضلت السعاطير ونفدت الحيعل وعظعم البلء؛ وهعو الذي‬
‫خلى العقول ذواهل‪ ،‬فمن دهى بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه‪ ،‬وليتعمد ما‬
‫يعرف أنعه يسعتحسنه‪ .‬ويجعب أن يجتنعب معا يدري أنعه يكرهعه‪ ،‬فربمعا عطفعه ذلك‬
‫عليعه إن كان المحبوب ممعن يدري قدر الموافقعة والرغبعة فيعه‪ ،‬وأمعا معن لم يعلم‬
‫قدر هذا فل طمععع فععي اسععتصرافه‪ ،‬بععل حسععناتك عنده ذنوب‪ .‬فإن لم يقدر المرء‬
‫على اسععتصرافه فليتعمععد السععلوان وليحاسععب نفسععه بمععا هععو فيععه مععن البلء‬
‫والحرمان‪ ،‬ويسععى فعي نيعل رغبتعه على أي وجعه أمكنعه‪ .‬ولقعد رأيعت معن هذه‬
‫صفته‪ ،‬وفي ذلك أقول قطعة أولها‪:‬‬
‫دهيت بمن لو أدفع الموت دونه‬

‫لقال إذا يا ليتني في المقابـر‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ول ذنب لي إذ صرت أحدو ركائبي‬

‫إلى الورد والدنيا تسيء مصادري‬

‫وماذا على الشمس المنيرة بالضحى‬

‫إذا قصرت عنها ضعاف البصائر‬

‫وأقول‪:‬‬
‫ما أقبح الهجر بعد وصل‬
‫كالو فر تحويه بعد فقـر‬

‫وأحسن الوصل بعد هجر‬
‫والفقر يأتيك بعـد وفـر‬

‫وأقول‪:‬‬
‫معهود أخلقك قـسـمـان‬

‫والدهر فيك اليوم صنفـان‬

‫فإنك النعمان فيما مـضـى‬

‫وكان للنعـمـان يومـان‬

‫يوم نعيم فيه سعـد الـورى‬

‫ويوم بـأسـاه وعــدوان‬

‫فيوم نعماك لـغـيري ويو‬

‫مى منك ذو بؤس وهجران‬

‫أليس حبي لك مـسـاهـلً‬

‫لن تجـازيه بـإحـسـان‬

‫وأقول قطعة منها‪:‬‬
‫يا من جميع الحسن منتظم‬
‫ما بال حتفي منك يطرقني‬

‫فيه كنظم الدر في العقـد‬
‫قصدا ووجهك طالع السعد‬

‫وأقول قصيدة أولها‪:‬‬
‫أساعة توديعك أم ساعة الـحـشـر‬
‫وهجرك تعذيب الموحد ينقـضـي‬

‫وليلة بيني منك أم ليلة الـقـشـر‬
‫ويرجو التلقي أم عذاب ذوي الكفر‬

‫ومنها‪:‬‬
‫سقى ال أياما مـضـت ولـيالـيا‬
‫فأوراقه اليام حـسـنـا وبـهـجة‬

‫تحاكي لنا النيلوفر الغض في النشر‬
‫وأوسطه الليل المقصر للـعـمـر‬

‫لهونا بها فـي غـمـرة وتـآلـف‬

‫تمر فل ندري وتأتي فـل نـدري‬

‫فأعقبـنـا مـنـه زمـان كـأنـه‬

‫ول شك حسن العقد أعقب بالغـدر‬

‫ومنها‪:‬‬
‫فل تيأسي يا نفس عل زماننا‬

‫يعود بوجه مقبل غير مدبـر‬

‫كما صرف الرحمن ملك أمية‬

‫إليهم ولوذي بالتجمل والصبر‬

‫وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر هشام بن محمد أخا أمير المؤمنين عبد الرحمن‬
‫المرتضى رحمه ال‪.‬‬

‫فأقول‪:‬‬
‫أليس يحيط الروح فينـا بـكـل مـا دنا وتناءى وهو في حجب الصـدر‬
‫كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه‬

‫محيط بما فيه وإن شئت فاستـقـر‬

‫ومنها‪:‬‬
‫إتاوتها تـهـدي إلـيه ومـنـه‬

‫تقبلها منهم يقاوم بـالـشـكـر‬

‫كذا كل نهر في البلد وأن طمت‬

‫غزارته ينصب في لجج البحر‬

‫الباب الثاني والعشرون‬
‫الوفاء‬
‫ومن حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الخلق في الحب وغيره الوفاء‪ ،‬وإنه‬
‫لمععن أقوى الدلئل وأوضععح البراهيععن على طيععب الصعععل وشرف العنصععر‪،‬‬
‫يتفاضل بالتفاضل اللزم للمخلوقات‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة منها‪:‬‬
‫أفعال كل أمرئ تنبى بعنـصـره‬

‫والعين تغنيك عن أن تطلب الثرا‬

‫ومنها‪:‬‬
‫وهل ترى قط دفلى أنبتت عـنـبـا‬

‫أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا‬

‫وأول مراتب الوفاء أن يفي النسان لمن يفي له‪ ،‬وهذا فرض لزم وحق واجب‬
‫على المحععب والمحبوب‪ ،‬ل يحول عنععه إل خععبيث المحتععد ل خلق له ول خيععر‬
‫عنده‪ .‬ولول أن رسععالتنا هذه لم نقصععد بهععا الكلم فععي أخلق النسععان وصععفاته‬
‫المطبوععة والتطبعع ومعا يزيعد من المطبوع بالتطبعع ومعا يضمحعل معن التطبع بععد‬
‫الطبعع‪ ،‬لزدت فعي هذا المكان معا يجعب أن يوضعع فعي مثله‪ ،‬ولكنعا إنمعا قصعدنا‬
‫التكلم فيمعا رغبتعه معن أمعر الحعب فقعط‪ .‬وهذا أمعر كان يطول جداً إذ الكلم فيعه‬
‫يتفتن كثيراً‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬ومعن أرفعع معا شاهدتعه معن الوفاء فعي هذا المعنعى وأهوله شأنًا قصعة رأيتهعا‬

‫عياناً‪ ،‬وهو أني أعرف من رضي بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه؛ ومن كان‬
‫الموت عنده أحلى معن هجعر سعاعة فعي جنعب طيعه لسعر أودععه‪ ،‬وألزوم محبوبعه‬
‫يميناً غليظعة أل يكلمعه أبداً ول يكون بينهمعا خعبر أو يفضعح إليعه ذلك السعر‪ .‬على‬
‫أن صعاحب ذلك السعر كان غائبًا فأبعى معن ذلك وتمادى وهعو على كتمانعه والثانعي‬
‫على هجرانععععععععععععععععععععه إلى أن فرقععععععععععععععععععععت بينهمععععععععععععععععععععا اليام‪.‬‬
‫ثععم مرتبععة ثانيععة وهععو الوفاء لمععن غدر‪ ،‬وهععي للمحععب دون المحبوب‪ ،‬وليععس‬
‫للمحبوب هاهنعا طريعق ول يلزمعه ذلك‪ ،‬وهعي خطعة ل يطيقهعا إل جلد قوي واسعع‬
‫الصعدر حعر النفعس عظيعم الحلم جليعل الصعبر حصعيف العقعل ماجعد الخلق سعالم‬
‫النيعة‪ .‬ومعن قابعل الغدر بمثله فليعس بمسعتأهل للملمعة‪ ،‬ولكعن الحال التعي قدمنعا‬
‫تفوفهععا جدا وتفوتهععا بعداً‪ .‬وغايععة الوفاء فععي هذه الحال ترك مكافأة الذى بمثله‪،‬‬
‫والكعف ععن سعيء المعارضعة بالفععل والقول‪ ،‬والتأنعي فعي جعر حبعل الصعحبة معا‬
‫أمكن‪ ،‬ورجيت اللفة‪ ،‬وطمع فعي الرجعة‪ ،‬ولحت للعودة أدنعى مخيلة‪ ،‬وشيمعت‬
‫منهعا أقعل بارقعة‪ ،‬أو توجعس منهعا أيسعر علمعة‪ .‬فإذا وقعع اليأس واسعتحكم الغيعظ‬
‫حينئذ والسعلمة معن غرك والمعن معن ضرك والنجاة معن أذاك‪ ،‬وأن يكون ذكعر‬
‫معا سعلف مانعاً معن شفاء الغيعظ فيمعا وقعع‪ ،‬فرععى الذمعة حعق وكيعد على أهعل‬
‫العقول‪ ،‬والحنيعن إلى معا مضعى وأل ينسعى معا قعد فرغ منعه وفنيعت مدتعه أثبعت‬
‫الدلئل على صحة الوفاء وهذه الصفة حسنة جداً وواجب استعمالها في كل وجه‬
‫معععععععععن وجوه معاملت الناس فيمعععععععععا بينهعععععععععم على أي حال كانعععععععععت‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬ولعهدي برجعل معن صعفوة إخوانعي قعد تعلق بجاريعة فتأكعد الود بينهمعا‪ ،‬ثعم‬
‫غدرت بعهده ونقضعععععععت وده وشاع خبرهمعععععععا‪ ،‬فوجعععععععد لذلك وجدًا شديداً‪.‬‬

‫خبر‪ :‬وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة ل يكفر بمثلها‪ ،‬وكان علم‬
‫كل واحد منا سر صاحبه‪ ،‬وسقطت المؤونة‪ ،‬فلما تغير علي أفشعى كل ما اطلع‬
‫لي عليه مما كنت اطلعت منه على أضعافه‪ ،‬ثم اتصل به أن قوله في قد بلغني‪،‬‬
‫فجزع لذلك وخشعي أن أقارضعه على قبيعح فعلتعه‪ .‬وبلغنعي ذلك فكتبعت إليعه شعراً‬
‫أؤنسه فيه وأعمله أني ل أقارضه‪.‬‬

‫خعبر‪ :‬وممعا يدخعل فعي هذا الدرج‪ ،‬وإن كان ليعس منعه ول هذا الفصعل المتقدم معن‬
‫جنس الرسالة والباب ولكنه شبيه له على ما قد ذكرنا وشرطنا‪ ،‬وذلك أن محمعد‬
‫بعن وليعد بعن مكسعير الكاتعب كان متصعلً بعي ومنقطعاً إلى أيام وزارة أبعي رحمعة‬
‫ال عليعه‪ ،‬فلمعا وقعع بقرطبعة معا وقعع وتغيرت أحوال خرج إلى بععض النواحعي‬
‫فاتصعل بصعاحبها فعرض جاهعه وحدثعت له وجاهعة وحال حسعنة‪ .‬فحللت أنعا تلك‬
‫الناحيعة فعي بععض رحلتعي فلم يوفنعي حقعي بعل ثقعل عليعه مكانعي وأسعاء معاملتعي‬
‫وصحبتي‪ ،‬وكلفته في خلل ذلك حاجة لم يقم فيها ول قعد واشتغل عنها لما ليس‬
‫فعي مثله شغعل‪ .‬فكتبعت إليعه شعراً أعاتبعه فيعه‪ ،‬فجاوبنعي مسعتعتباً على ذلك‪ .‬فمعا‬
‫كلفته حاجة بعدها‪ .‬ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه‬
‫أبياتاً قلتها‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وليس يحمد كتمان لمكـتـتـم‬

‫لكن كتمك ما أفشاه مغـشـيه‬

‫كالجود بالوفر أسنى ما يكون إذا‬

‫قل الوجود له أوضن معطـيه‬

‫ثععم مرتبععة ثالثععة وهععي الوفاء مععع اليأس البات‪ ،‬وبعععد حلول المنايععا وفجاءات‬
‫المنون‪ .‬وإن الوفاء في هذه الحالة لجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء‪.‬‬

‫وخبر‪:‬‬
‫ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن أحمد بن وهب المعروف‬
‫بابعن الركيزة معن ولد بدر الداخعل معع المام عبعد الرحمعن بعن معاويعة رضعي ال‬
‫عنه جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في تركته‪ ،‬فأبت أن‬
‫ترضععى‪ ،‬بالرجال بعده ومعا جامعهععا رجععل إلى أن لقيعت ال عععز وجععل‪ .‬وكانعت‬
‫تحسن الغناء فأنكرت علمها به ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات‬
‫للنسل واللذة والحال الحسنة‪ ،‬وفاء منها لمن قد دثرووارته الرض والتأمت عليه‬
‫الصفائح ولقد رامها سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع جواريه ويخرجها‬
‫مما هي فيه فأبت‪ ،‬فضربها غير مرة وأوقع بها الدب‪ ،‬فصبرت على ذلك كله‪.‬‬
‫فأقامععععععععععت على امتناعهععععععععععا‪ .‬وإن هذا مععععععععععن الوفاء غريععععععععععب جداً‪.‬‬
‫وأعلم أن الوفاء على المحععب أوجلب منععه على المحبوب وشرطععه له الزم‪ ،‬لن‬
‫المحععب هععو البادي باللصععوق والتعرض لعقععد الذمععة والقاصععد لتأكيععد المودة‬
‫والمسععتدعى صععحة العشرة‪ ،‬ول أول فععي عدد طلب الصععفياء‪ ،‬والسععابق فععي‬
‫ابتغاء اللذة باكتسععاب الخلة‪ ،‬والمقيععد نفسععه بزمام المحبععة قععد عقلهععا بأوثععق عقال‬
‫وخطمهععا بأشععد خطام‪ ،‬فمععن قسععره على هذا كله إن لم يرد إتمامععه؟ ومععن أجععبره‬
‫على اسعتجلب المقعة وإن لم ينعو ختمها بالوفاء لمعن أراده عليهعا؟ والمحبوب إنمعا‬
‫هععو مجلوب إليععه ومقصععود نحوه ومخيععر فععي القبول أو الترك فإن قبععل فغايععة‬
‫الرجاء‪ ،‬وإن أبععى فغيععر مسععتحق للذم‪ .‬وليععس التعرض للوصععل واللحاح فيععه‬
‫والتأني لكل ما يستجلب به من الموافقة وتصفية الحضرة والمغيب من الوفاء في‬
‫شيعء فحعظ نفسعه أراد الطالب‪ ،‬وفعي سعروره سععى وله احتطعب‪ .‬والحعب يدعوه‬

‫ويحدوه على ذلك شاء أو أبعى‪ ،‬وإنمعا يحمعد الوفاء ممعن يقدر على تركعه‪ .‬وللوفاء‬
‫شروط على المحععبين لزمععة‪ .‬فأولهععا أن يحفععظ عهععد محبوبععه ويرعععى غيبتععه‪،‬‬
‫وتسععتوي علنيتععه وسععريرته‪ ،‬ويطوي شره وينشععر خيره‪ ،‬ويغطععي على عيوبععه‬
‫ويحسعن أفعاله‪ ،‬ويتغافعل عمعا يقعع منعه على سعبيل الهفوة ويرضعى بمعا حمله ول‬
‫يكثر عليه بما ينفر منه‪ ،‬وأل يكون طلعة ثؤوباً ول ملة طروقاً‪ .‬وعلى المحبوب‬
‫إن سععاواه فععي المحبععة مثععل ذلك‪ ،‬وإن كان دونععه فيهععا فليععس للمحععب أن يكلفععه‬
‫الصعود إلى مرتبته ول له الستشاطة عليه بأن يسومه الستواء معه في درجته‪.‬‬
‫وبحسعبه منععه حينئذ كتمان خعبره وأل يقابله بمعا يكره ول يخيفععه بعه‪ ،‬وإن كانعت‬
‫الثالثعة وهعي السعلمة ممعا يلقعى بالجملة فليقنعع بمعا وجعد‪ ،‬وليأخعذ معن المعر معا‬
‫اسعتدف ول يطلب شرطاً ول يقترح حقاً‪ .‬وإنمعا له معا سعنح بحده أو معا حان بكده‪،‬‬
‫وأعلم أنعه ل يسعتبين قبعح الفععل لهله‪ ،‬ولذلك يتضاععف قبحعه عنعد معن ليعس معن‬
‫ذويععه ول أقول قولي هذا ممتدحاً ولكععن آخذاً بأدب ال عععز وجععل‪( :‬وأمععا بنعمععة‬
‫ربك فحدث)‪.‬‬

‫لقعد منحنعي ال ععز وجعل معن الوفاء لكعل معن يمعت إلى بلقيعه واحدة‪ ،‬ووهبنعي معن‬
‫المحافظعة لمعن يتذمعم منعي ولو بمحادثتعه سعاعة حظاً؟ أنعا له شاكعر وحامعد ومنعه‬
‫مسعتمد ومسعتزيد‪ ،‬ومعا شيعء أثقعل علي معن الغدر‪ ،‬ولعمري معا سعمعت نفسعي قعط‬
‫فعي الفكرة فعي إضرار معن بينعي وبينعه أقعل ذمام‪ ،‬وإن عظمعت جريرتعه وكثرت‬
‫إلى ذنوبه‪ ،‬ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إل بالحسني‪،‬‬

‫والحمد ل على ذلك كثيراً‪ ،‬وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما مضنا‬
‫من النكبات‪ ،‬ودهمنا من المحل والترحال والتحول في القاق‪ .‬أولها‪:‬‬
‫ولي فولى جميل الصبر يتبعـه‬

‫وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه‬

‫جسم ملول وقلـب آلـف فـإذا‬

‫حل الفراق عليه فهو موجعـه‬

‫لم تستقـر بـه دار ول وطـن‬

‫ول تدفأ منه قط مضـجـعـه‬

‫كأنما صيغ من رهو السحاب فما‬

‫تزال ريح إلى الفاق تدفـعـه‬

‫كأنما هو توحـيد تـضـيق بـه‬

‫نفس الكفور فتأبى حين تودعـه‬

‫أو كوكب قاطع في الفق منتقل‬

‫فالسير يغربه حينا ويطـلـعـه‬

‫أظنه لو جزتـه أو تـسـاعـده‬

‫ألقت عليه انهمال الدمع يتبعـه‬

‫وبالوفاء أيضاً أفتخعر فعي قصعيدة لي طويلة أوردتهعا‪ .‬وإن كان أكثرهعا ليعس معن‬
‫جنععس الكتاب‪ ،‬فكان سععبب قولي لهععا أن قوماً مععن مخالفععي شرقوا بععي فأسععاءوا‬
‫العتب في وجهي وقذفوني بأني أعضد الباطل بحجتي‪ ،‬عجزاً منهم عن مقاومة‬
‫معا أوردتعه معن نصعر الحعق وأهله‪ .‬وحسعداً لي‪ .‬فقلت‪ ،‬وخاطبعت بقصعيدتي بععض‬
‫إخواني وكان ذا فهم‪ ،‬منها‪:‬‬

‫وخذني عصا موسى وهات جميعهم‬

‫ولو أنهم حيات ضال نضـانـض‬

‫ومنها‪:‬‬
‫يريغون في عيني عجائب جمة‬

‫وقد بتمني الليث والليث رابض‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ويرجون مال يبلغون كمثـل مـا‬

‫يرجى محال في المام الروافض‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ولو جلدي في كل قلـب ومـهـجة‬

‫لما أثرت فيها العيون الـمـرائض‬

‫أبت عن دنيء الوصف ضربة لزب‬

‫كما أبت الفعل الحروف الخوافض‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ورأيي له في كل ما غاب مسلـك‬

‫كما تسلك الجسم العروق النوابض‬
‫ويستر عنهم للقبول المـرابـض‬

‫يبين مدب النمل في غير مشكـل‬

‫الباب الثالث والعشرون‬
‫الغدر‬
‫وكمععا أن الوفاء مععن سععرى النعوت ونبيععل الصععفات‪ ،‬فكذلك الغدر مععن ذميمهععا‬
‫ومكروهعا‪ ،‬وإنمعا يسعمى غدراً معن البادي‪ .‬وأمعا المقارض بالغدر على مثله‪ ،‬وإن‬
‫استوى معه في حقيقة الفعل فليس بغدر ول هو معيبًا بذلك‪ ،‬وال عز وجل يقول‪:‬‬
‫(وجزاء سعيئة سعيئة مثلهعا)‪ .‬وقعد علمنعا أن الثانيعة ليسعت بسعيئة ولكعن لمعا جانسعت‬
‫الولى فعي الشبعه أوقعع عليهعا مثعل اسعمها‪ ،‬وسعيأتي هذا مفسعرًا فعي باب السعلو إن‬
‫شاء ال‪ .‬ولكثرة وجود الغدر فعععي المحبوب اسعععتغرب الوفاء منعععه فصعععار قليله‬
‫الواقع منهم يقاوم الكثير الموجود في سواهم‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬

‫وعظم وفاء من يهوى يقل‬

‫قليل وفاء من يهوى يجـل‬

‫يجيء به الشجاع المستقل‬

‫فنادرة الجبان أجل مـمـا‬

‫ومععن قبيععح الغدر أن يكون للمحععب سععفير إلى محبوبععه يسععتريح إليععه بأسععراره‬
‫فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه‪ .‬وفيه أقول‪:‬‬
‫أقمت سفيرا قاصدا في مطالبـي‬

‫وثقت به جهل فضرب بـينـنـا‬

‫وحل عـرى ودي وأثـبـت وده‬

‫وأبعد عني كل ما كان ممكـنـا‬

‫فصرت شهيدا بعد ما كنت مشهدا‬

‫وأصبحت ضيفا بعد ما كان ضيفنا‬

‫خبر‪ :‬ولقد حدثنعي القاضعي يونعس بن عبعد ال قال‪ :‬أذكعر في الصبى جارية فعي‬
‫بععض السعدد يهواهعا فتعى معن أهعل الدب معن أبناء الملوك وتهواه ويتراسعلن‪،‬‬
‫وكان السععفير بينهمععا والرسععول بكتبهمععا فتععى مععن أترابععه كان يصععل إليهععا‪ ،‬فلمععا‬
‫عرضععت الجاريععة للبيععع أراد الذي كان يحبهععا ابتياعهععا‪ ،‬فبدر الذي كان رسععولً‬
‫فاشتراهععا‪ .‬فدخععل عليهععا يومًا فوجدهععا قععد فتحععت درجاً لهععا تطلب فيععه بعععض‬
‫حوائجهعا‪ ،‬فأتعى إليهعا وجععل يفتعش الدرج‪ ،‬فخرج إليعه كتاب معن ذلك الفتعى الذي‬
‫كان يهواها مضمخاً بالغالية مصوناً مكرماً‪ ،‬فغضب وقال‪ :‬من أين هذا يا فلسقة؟‬
‫قالت‪ :‬أنعت سعقته إلي‪ .‬فقال‪ :‬لعله محدث بععد ذاك الحيعن‪ .‬فقالت‪ :‬معا هعو إل معن‬
‫قديم تلك التي تعرف‪ .‬قال فكأنما ألقمته حجراً‪ ،‬فسقط في يديه وسكت‪.‬‬

‫الباب الرابع والعشرون‬
‫البين‬

‫وقعد علمنا أنعه ل بد لكعل مجتمع من افتراق‪ ،‬ولكعل دان من تناء‪ ،‬وتلك عادة ال‬
‫فعي العباد والبلد حتعى يرث ال الرض ومعن عليهعا وهعو خيعر الوارثيعن‪ .‬ومعا‬
‫شيء من دواهي الدنيا يعدل الفتراق‪ ،‬ولو سألت الرواح به فضلً عن الدموع‬
‫كان قليلً‪ .‬وسعمع بععض الحماء قائلً يقول‪ :‬الفراق أخعو الموت‪ ،‬فقال‪ :‬بعل الموت‬
‫أخو الفراق‪.‬‬

‫والبيعن ينقسعم أقسعاماً‪ :‬فأولهعا مدة يوقعن بانصعرامها وبالعودة ععن قريعب‪ ،‬وإنعه‬
‫لشجي في القلب‪ ،‬وغصة في الحلق ل تبرأ إل بالرجعة‪ ،‬وأنا أعلم من كان يغيب‬
‫من يحب عن بصره يومًا واحداً فيعتريه من الهلع والجزع وشغل البال وترادف‬
‫الكرب ما يكاد يأتي عليه‪.‬‬

‫ثعم بيعن منعع معن اللقاء‪ ،‬وتحظيعر على المحبوب معن أن يراه محبعه‪ ،‬فهذا ولو كان‬
‫مععن تحبععه ومعععك فععي دار واحدة فهععو بيععن‪ :‬لنععه بائن عنععك‪ .‬وإن هذا ليولد مععن‬
‫الحزن والسف غير قليل‪ ،‬ولقد جربناه فكان مراً‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أرى دارها في كل حين وساعة‬

‫ولكن من في الدار عني مغيب‬

‫وهل نافعي قرب الديار وأهلهـا‬

‫على وصلهم مني رقيب مراقب‬

‫فيالك جار الجنب أسمع حـسـه‬

‫وأعلم أن الصين أدنى وأقـرب‬

‫كصاد يرى ماء الطوى بعـينـه‬

‫وليس إليه من سبـيل يسـبـب‬

‫كذلك من في الحد عنك مغـيب‬

‫وما دونه إل الصفيح المنصـب‬

‫وأقول من قصيدة مطولة‪:‬‬

‫متة تشتفي نفس أضر بها الوجـد‬
‫وعهدي بهند وهي جارة بيتـنـا‬
‫بلى إن في قرب الديار لـراحة‬

‫وتصقب دار قد طوى أهلها البعد‬
‫وأقرب من هند لطالبها الهـنـد‬
‫كما يمسك الظمآن أن يدنو الورد‬

‫ثم بين يتعمده المحب بعداً عن قول الوشاة‪ ،‬وخوفاً أن يكون بقاؤه سبباً إلى منع‬
‫اللقاء‪ ،‬وذريعععععععععععة إلى أن يفشععععععععععو الكلم فيقععععععععععع الحجاب الغليععععععععععظ‪.‬‬
‫ثعم بيعن يولده المحعب لبععض معا يدعوه إلى ذلك معن آفات الزمان‪ ،‬وعذره مقبول‬
‫أو مطرح على قدر الجافعععععععععععععععععععععععععععععز له إلى الرحيعععععععععععععععععععععععععععععل‪.‬‬
‫خعبر‪ :‬ولعهدي بصععديق لي داره المريععة‪ ،‬فعنعت له حوائج إلى شاطبععة فقصععدها‪،‬‬
‫وكان نازلً بها في منزلي مدة إقامته بها‪ ،‬وكان له بالمرية علقة هي أكبر همه‬
‫وأدهعى غمعه‪ ،‬كان يؤمعل بتهعا وفراغ أسعبابه وأن يوشعك الرجععة ويسعرع الوبعة‪،‬‬
‫فلم يكن إل حين لطيف بعد احتلله عندي حتى جيش الموفق أبو الحسن مجاهد‬
‫صععاحب الجزائر الجيوش وقرب العسععاكر ونابععذ خيران صععاحب المريععة وعزم‬
‫على استئصاله‪ ،‬فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب‪ ،‬وتحوميت السبل واحترس‬
‫البحعر بالسعاطيل‪ ،‬فتضاععف كربعه إذ لم يجعد إلى النصعراف سعبيلً البتعة‪ ،‬وكاد‬
‫يطفععأ أسععفاً‪ ،‬وصععار ل يأنععس بغيععر الوحدة‪ ،‬ول يلجععأ إل إلى الزفيععر والوجوم‪.‬‬
‫ولعمري لقععد كان ممععن لم أقدر قععط فيععه أن قلبععه يذعععن للود‪ ،‬ول شراسععة طبعععه‬
‫وتجيب إلى الهوى‪.‬‬

‫وأذكعر أنعي دخلت قرطبعة بععد رحيلي عنهعا ثعم خرجعت منصعرفاً عنهعا فضمنعي‬
‫الطريق مع رجل من الكتاب قد رحل لمر مهم وتخلف سكن له‪ ،‬فكان يرتمض‬

‫لذلك‪ .‬وإني لعلم من علق بهوى له وكان في حال شظف وكانت له في الرض‬
‫مذاهععب واسعععة ومناديععح رحبععة ووجوه متصععرف كثيرة‪ ،‬فهان عليععه ذلك وآثععر‬
‫القامة مع من يجب‪ ،‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫والسيف غفل أو يبين قرابه‬

‫لك في البلد منادح معلومة‬

‫ثم بين رحيل وتباعد ديار‪ ،‬ول يكون من الوبة فيه على يقين خبر‪ ،‬ول يحدث‬
‫تلق‪ .‬وهععو الخطععب الموجععع‪ ،‬والهععم المفظععع‪ ،‬والحادث الشنععع‪ ،‬والداء الدوي‪.‬‬
‫وأكثعععر معععا يكون الهلع فيعععه إذا كان النائي و المحبوب‪ ،‬وهعععو الذي قالت فيعععه‬
‫الشعراء كثيراً‪ .‬وفي ذلك أقول قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وذي علة أعيا الطبيب علجهـا‬

‫ستوردني ل شك منهل مصرعي‬

‫رضيت بأن أضحى قتـيل وداده‬

‫كجارع سم في رحيق مشعشـع‬

‫فما لليالي مـا أقـل حـياءهـا‬

‫وأولعها بالنفس من كل مـولـع‬

‫كأن زماني عبشمي يخـالـنـي‬

‫أعنت على عثمان أهل التشـيع‬

‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫أطنك تمثال الجنان أباحه‬

‫لمجتهد النساك من أوليائه‬

‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫ل من الهوى‬
‫لبرد باللقيا غلي ً‬

‫توقع نيران الغضي هيمانه‬

‫وأقول شعراً منه‪:‬‬
‫خفيت عن البصار والوجد ظاهر‬
‫غدا الفلك الدوار حـلـقة خـاتـم‬

‫فاعجب بأعراض تبين ول شخص‬
‫محيط بما فيه وأنـت لـه فـض‬

‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫كما غنيت شمس السماء عن الحلى‬

‫غنيت عن التشبيه حسنا وبـهـجة‬
‫عجبت لنفسي بعده كيف لم تمـت‬

‫وهجرانه دفني وفقدانـه نـعـيي‬

‫وللجسد الغض المنعـم كـيف لـم‬

‫تذبـه يد خـشـــنـــاء‪.....‬‬

‫وإن للوبععة مععن البيععن الذي تشفععق منععه النفععس لطول مسععافته وتكاد تيأس مععن‬
‫العودة فيه‪ ،‬لروعة تبلغ مال حد وراءه وربما قتلت‪ .‬في ذلك أقول‪:‬‬
‫للتلقي بعد الـفـراق سـرور‬

‫كسرور المفيق حانت وفـاتـه‬

‫فرحة تبهج النفـوس وتـحـي‬

‫من دنا منه بالفراق مـمـاتـه‬

‫ربما قد تكـون داهـية الـمـو‬

‫ت وتودي بأهله هـجـمـاتـه‬

‫كم رأينا من عب في الماء عطشا‬

‫ن فزار الحمام وهـو حـياتـه‬

‫وإنععي لعلم مععن نأت دار محبوبععه زمناً ثععم تيسععرت له أوبععة فلم يكععن إل بقدر‬
‫التسليم واستيفائه‪ ،‬حتى دعته نوى ثانية فكاد أن يهلك‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أطلت زمان البعد حتى إذا انقضـى‬

‫زمان النوى بالقرب عدت إلى البعد‬

‫فلم يك إل كرة الطرف قـربـكـم‬

‫وعاودكم بعدي وعاودنـي وجـدي‬

‫كذا حائر في الليل ضاقت وجوهـه‬

‫رأى البرق في داج من الليل مسود‬

‫فأخلـفـه مـنـه رجـاء دوامـه‬

‫وبعض الراجي ل تفيدو ول تجدي‬

‫وفي الوبة بعد الفراق أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لقد قرت العينان بالقرب مـنـكـم‬

‫كما سخنت أيام يطويكم الـبـعـد‬

‫فلله فيما قد مضى الصبر والرضى‬

‫ول فيما قد قضى الشكر والحمـد‬

‫خعبر‪ :‬ولقعد نععى إلى بععض معن كنعت أحعب معن بلدة نازحعة‪ ،‬فقمعت فاراً بنفسعي‬
‫نحو المقابر وجعلت أمشي بينها وأقول‪:‬‬
‫وددت بأن ظهر الرض بطن‬

‫وأن البطن منها صار ظهرا‬

‫وأني مت قبل ورود خطـب‬

‫أتى فأثار في الكباد جمـرا‬

‫وأن دمى لمن قد بان غسـل‬

‫وأن ضلوع صدري كن قبرا‬

‫ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك الخبر فقلت‪:‬‬
‫بشرى أتت واليأس مستحـكـم‬

‫والقلب في سبع طباق شـداد‬

‫كست فؤادي خضرة بعـدمـا‬

‫كان فؤادي لبسا لـلـحـداد‬

‫جلى سواد الغم عنـي كـمـا‬

‫يجلي بلون الشمس لون السواد‬

‫هذا وما آمل توصـلً سـوى‬

‫صدق وفاء بـقـديم الـوداد‬

‫فالمرن قد تطلب ل لـلـحـيا‬

‫لكن لظل بارد ذي امـتـداد‬

‫ويقععع فععي هذيععن الصععنفين مععن البيععن الوداع‪ ،‬أعنععي رحيععل المحععب أو رحيععل‬
‫الحبوب‪ .‬وإنعه لمعن المناظعر الهائلة والمواقعف الصععبة التعي تفتضعح فيهعا عزيمعة‬
‫كععل ماضععي العزائم‪ ،‬وتذهععب قوة كععل ذي بصععيرة‪ ،‬وتسععكب كععل عيععن جمود‪،‬‬
‫ويظهر مكنون الجوى‪ .‬وهو فصل من فصول البين يجب التكلم فيه‪ ،‬كالعتاب في‬
‫باب الهجر‪ .‬ولعمري لو أن ظريفاً يموت في ساعة الوداع لكان معذوراً إذا تفكر‬
‫فيمععا يحععل بععه بعععد سععاعة مععن انقطاع المال‪ ،‬وحلول الوجال‪ ،‬وتبدل السععرور‬
‫بالحزن‪ .‬وإنهععا سععاعة ترق القلوب القاسععية‪ ،‬وتليععن الفئدة الغلظ‪ .‬وإن حركععة‬
‫الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجاب القلب‪ ،‬وموصلة إليه من‬
‫الجزع بمقدار مععععععععا تفعععععععععل حركععععععععة الوجععععععععه فععععععععي ضععععععععد هذا‪.‬‬

‫والشارة بالعيعن والتبسععم ومواطعن الموافقعة والوداع ينقسععم قسععمين‪ ،‬أحدهمعا ل‬
‫يتمكعن فيعه إل بالنظعر والشارة‪ ،‬والثانعي يتمكعن فيعه بالعناق والملزمعة‪ ،‬وربمعا‬
‫لعله كان ل يمكعن قبعل ذلك البتعة معع تجاور المحال وإمكان التلقعي‪ ،‬ولهذا تمنعى‬
‫بععععض الشعراء البيعععن ومدحوا يوم النوى‪ ،‬ومعععا ذاك بحسعععن ول بصعععواب ول‬
‫بالصعيل معن الرأي‪ ،‬فمعا يفعي سعرور سعاعة بحزن سعاعات‪ ،‬فكيعف إذا كان البيعن‬
‫أياماً وشهوراً وربمععا أعواماً‪ ،‬وهذا سععوء مععن النظععر ومعوج مععن القياس‪ ،‬وإنمععا‬
‫أثنيعععت على النوى فعععي شعري تمنياً لرجوع يومهعععا‪ ،‬فيكون فعععي كعععل يوم لقاء‬
‫ووداع‪ .‬على أن تحمل مضض هذا السم الكريه‪ ،‬وذلك عند ما يمضي من اليام‬
‫التعي ل التقاء فيهعا‪ ،‬يرغعب المحعب ععن يوم الفراق لو أمكنعه فعي كعل يوم‪ .‬وفعي‬
‫الصنف الول من الوداع أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫تنوب عن بهجة النوار بهجته‬

‫كما تنوب عن النيران أنفاسي‬

‫وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫وجه تخر لـه النـوار سـاجـدة‬

‫والوجه تم فلم ينقـص ولـم يزد‬

‫دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة‬

‫وبارد ناعم والشمس فـي السـد‬

‫ومنه‪:‬‬
‫يوم الفراق لعمـري لـسـت أكـرهـه أصلن وإن شت شمل الروح عن جسدي‬
‫ففيه عانقـت مـن أهـوى بـل جـزع وكان من قبـلـه إن سـبـل لـم يجـد‬
‫أليس من عجب دمعـي وعـبـرتـهـا يوم الوصال لـيوم الـبـين ذو حـسـد‬

‫وهل هجس في الفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجعمن هجر عتاب وقع بين‬
‫محععبين‪ ،‬ثععم فجأتهععا النوى قبععل حلول الصععلح وانحلل عقدة الهجران‪ ،‬فقامععا إلى‬
‫الوداع وقععد نسععي العتاب‪ ،‬وجاء مععا طععم عععن القوى وأطار الكرى وفيععه أقول‬
‫شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫وقد سقط العتب المقدم وامـحـى‬

‫وجاءت جيوش البين تجري وتسرع‬

‫وقد ذعر البين الصـدود فـراعـه‬

‫فولى فما يدري له اليوم موضـع‬

‫كذئب خل بالصيد حتـى أضـلـه‬

‫هزبر له من جانب الغيل مطلـع‬

‫لئن سرني في طرده الهجر أننـي‬

‫لبعاده عني الحبـيب لـمـوجـع‬

‫ول بد عند الموت من بعض راحة‬

‫وفي غيها الموت الوحى المصرع‬

‫وأعرف مععن أتععى ليودع محبوبععه يوم الفراق فوجده قععد فات‪ ،‬فوقععف على آثاره‬
‫سعاعة وتردد فعي الموضعع الذي كان فيعه ثعم انصعرف كثيباً متغيعر اللون كاسعف‬
‫البال‪ ،‬فما كان بعد أيام قلئل حتى اعتل ومات رحمه ال‪.‬‬
‫وإن للبيعن فعي إظهار السعرائر المطويعة عملً عجباً‪ ،‬ولقعد رأيعت معن كان حبعه‬
‫مكتومععا وبمععا يجععد فيععه مسععتتراً حتععى وقععع حادث الفراق فباح المكنون وظهععر‬
‫الخفي‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫بذلت من الود ما كان قـبـل‬
‫وما لي به حاجة عـنـد ذاك‬
‫وما ينفع الطب عند الحمـام‬

‫منعت وأعطيتنيه جـزافـا‬
‫ولو وجدت قبل بلغت الشفافا‬
‫وينفع قبل الردى من تلفـا‬

‫وأقول‪:‬‬
‫الن إذ حل الفراق جدت لي‬

‫بخفى حب كنت تبدي بخله‬

‫فزدتني في حسرتي أضعافها‬

‫ويحي فهل كان هذا قبلـه‬

‫ولقععد أذكرنععي هذا أنععي حظيععت فععي بعععض الزمان بمودة رجععل مععن وزراء‬
‫السعلطان أيام جاهعه فأظهعر بععض المتسعاك‪ ،‬فتركتعه حتعى ذهبعت أيامعه وانقضت‬
‫دولته‪ ،‬فأبدى لي من المودة والخوة غير قليل‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫بذلت لي العراض والدهر مقبل‬
‫وتبسطني إذ ليس ينفع بسطـكـم‬

‫وتبذل لي القبال والدهر معرض‬
‫فهل أبحت البسط إذ كنت تقبض‬

‫ثم بين الموت وهو الفوت‪ ،‬وهوى الذي ل يرجى له إياب‪ ،‬وهو المصيبة الحالة‬
‫وهو قاصمة الظهر‪ ،‬وداهية الدهر‪ ،‬وهو الويل‪ ،‬وهو المغطى على ظلمة الليل‪،‬‬
‫وهو قاطع كل رجاء‪ ،‬وماحي كل طمع والمؤيس من اللقاء‪ .‬وهنا حادث اللسن؛‬
‫وانجذام حبعل العلج‪ ،‬فل حيلة إل الصعبر طوعاً أو كرهاً‪ .‬وهعو أجعل معا يبتلي بعه‬
‫المحببون‪ ،‬فمعا لمعن دععى بعه إل النوح والبكاء إلى أن يتلف أو يمعل‪ ،‬فهعي القرحعة‬
‫التعي ل تنكعي‪ ،‬والوجعع الذي ل يفنعى‪ ،‬وهعو الغعم الذي يتجدد على قدر بلء معن‬
‫اعتمدته‪ ،‬وفيه أقول‪:‬‬
‫كل بـين واقــع‬
‫ل تعجل قـنـطـا‬
‫والذي قد مات فال‬

‫فموجي لم يفـت‬
‫لم يفت من لم يمت‬
‫يأس عنه قد ثبـت‬

‫وقععد رأينععا مععن عرض له هذا كثيراً‪ .‬وعنععي أخععبرك أنععي أحععد مععن دهععى بهذه‬
‫الفادحعة وتعدلت له هذه المصعيبة‪ ،‬وذلك أنعي كنعت أشعد الناس كلفاً وأعظمهعم حباً‬

‫بجارية لي‪ ،‬كانت فيما خل اسمها نعم‪ .‬وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقاً‬
‫وخلقًا وموافقة لي‪ ،‬وكنت أبا عذرها‪ ،‬وكنا قد تكافأنا المودة‪ ،‬ففجعتني بها لقدار‬
‫واحترمتهععا الليالي ومععر النهععر وصععارت ثالثععة التراب والحجار‪ .‬وسععيء حيععن‬
‫وفاتهعا دون العشريعن سعنة‪ ،‬وكانعت هعي دونعي فعي السعن‪ ،‬فلقعد أقمعت بعدهعا سعبعة‬
‫أشهععر ل أتجرد ععن ثيابععي ول تفتععر لي دمعععة على جمود عينععي وقلة إسعععادها‪.‬‬
‫وعلى ذلك فوال ما سلوت حتى الن‪ .‬ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد‬
‫وطارف وببعععض أعضاء جسععمي العزيزة علي مسععارعاً طائعاً ومععا طاب لي‬
‫عيش بعدها ول نسيت ذكرها ول أنست بسواها‪ .‬ولقد عفى حي لها على كل ما‬
‫قبله‪ ،‬وحرم ما كان بعده‪ .‬ومما قلت فيها‪.‬‬
‫مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت‬

‫وسائر ربات الحجال نـجـوم‬

‫إطار هواها القلب عن مستقره‬

‫فبعد وقوع ظل وهـو يحـوم‬

‫ومن مرائي فيها قصيدة منها‪:‬‬
‫كأني لم آنسى بألفاظك التـي‬
‫ولم ِأتحكم في الماني كأننـي‬

‫على عقد اللباب هن نوافث‬
‫لفراط ما حكمت فيهن عابث‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ويبدين إعراضـا وهـن أوالـف‬

‫ويقسمن في هجري وهن حوانث‬

‫وأقول أيضًا فعي قصعيدة أخاطعب فيهعا ابعن عمعي أبعو المغيرة عبعد الوهاب أحمعد‬
‫ابن عبد الرحمن بن حزم بن غالب وأقرضه‪ ،‬فأقول‪:‬‬

‫قفا فاسأل الطلل أين قطينها‬
‫على دارسات مقفرات عواطل‬

‫أمرت عليها بالبلى الملـوان‬
‫كأن المغاني في الخفاء معاني‬

‫واختلف الناس فعي أي المريعن أشعد‪ :‬البيعن أم الهجعر؟ وكلهمعا مرتقعى صععب‬
‫ومرت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء‪ .‬وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه‪،‬‬
‫فأمعا ذو النفعس البيعة‪ ،‬اللوف الحنانعة‪ ،‬الثابتعة على العهعد‪ ،‬فل شيعء يعدل عنده‬
‫مصعيبة البيعن‪ ،‬لنعه أتعى قصعداً‪ ،‬وتعمدتعه النوائب عمداً‪ ،‬فل يجعد شيئاً يسعلى نفسعه‬
‫ول يصعرف فكرتعه فعي معنعى معن المعانعي إل وجعد باعثاً على صعبابته؛ ومحركاً‬
‫لشجانه‪ ،‬وعليه ل له‪ ،‬وحجة لوجوده‪ .‬وخاضا على البكاء على إلفه‪ .‬وأما الهجر‬
‫فهو داعية السلو‪ ،‬ورائد القلع‪.‬‬

‫وأمععا ذو النفععس التواقععة الكثيرة النزوع والتطلع‪ ،‬القلوق العزوف‪ ،‬فالهجععر داؤه‬
‫وجالب حتفه‪ .‬والبين له مسلة ومنساة‪.‬‬

‫وأمععا أنععا فالموت عندي أسععهل مععن الفراق‪ ،‬ومععا الهجععر إل جالب للكمععد فقععط‪.‬‬
‫ويوشك إن دام أن يحدث إضراراً‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬

‫وقالوا ارتحل فلعل السـلـو‬

‫يكون وترغب أن ترغـبـه‬

‫فقلت الردي لي قبل السلـو‬

‫ومن يشرب السم عن تجربه‬

‫وأقول‪:‬‬

‫وأودت بها نـواه‬

‫سبي مهجي هواه‬

‫وروحي غدا قراه‬

‫كأن الغرام ضيف‬

‫ولقعد رأيعت معن يسعتعمل هجعر محبوبعه ويتعمده خوفاً معن مرارة يوم البيعن ومعا‬
‫يحدث بعه معن لوععة السعف عنعد التفرق‪ ،‬وهذا وإن لم يكعن عندي معن المذاهعب‬
‫المرضيعة‪ ،‬فهعو حجعة قاطععة‪ .‬على أن البيعن أصععب معن الهجعر‪ ،‬وكيعف ل وفعي‬
‫الناس معن يلوذ بالهجعر خوفاً معن البيعن‪ ،‬ولم أجعد أحداً فعي الدنيعا يلوذ بالبيعن خوفاً‬
‫من الهجر‪ ،‬إنما يأخذ الناس أبداً السهل ويتكلفون الهون‪ .‬وإنما قلنا إنه ليس من‬
‫المذاهب المحمودة لن أصحابه قد استعجلوا البلء قبل نزوله‪ ،‬وتجرعوا غصة‬
‫الصبر قبل وقتها ولعل ما تخوفوه ل يكون وليس من يتعجل المكروه‪ ،‬وهو على‬
‫غير يقين مما يتعجل‪ ،‬بحكيم‪ ،‬وفيه أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ليس الصب للصبابة بينـا‬
‫كغي العيش عيش فقـير‬

‫لسي من جانب الحبة منا‬
‫خوف نقرو نقره قدا مـا‬

‫وأذكعر لبعن عمعي أبعي المغيرة هذا المعنعى‪ ،‬معن أن البيعن أصععب معن الصعد‪،‬‬
‫أبياتاً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاماً أو نحوها‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫أجزعت أن أزف الرحـيل‬

‫وولهت أن نص الـذمـيل‬

‫كل مـصـابـك فــادح‬

‫وأجل فراقـهـم جـلـيل‬

‫كذب اللى زعموا بأن الصد‬

‫مرتـعـــه وبـــيل‬

‫لم يعرفوا كنـه الـغـلـي‬

‫ل وقد تحملت الحـمـول‬

‫أمـا الـفـراق فـإنــه‬

‫للمـوت إن أهـوى دلـيل‬

‫ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة‪ ،‬أولها‪:‬‬
‫ل مثل يومك ضحوة التـنـعـيم‬

‫في منظر حسن وفي تـنـغـيم‬

‫قد كان ذاك اليوم ندرة عـاقـر‬

‫وصواب خاطئة وولـد عـقـيم‬

‫أيام برق الوصل ليس بـخـلـب‬

‫عندي ول روض الهوى بهشـيم‬

‫من كل غانية تـقـول ثـديهـا‬

‫سيرى أمامك والزار أقـيمـى‬

‫كل يجاذبها فحـمـرة خـدهـا‬

‫خجل من التأخـير والـتـقـديم‬

‫ما بي سوى تلك العيون وليس في‬

‫برئي سواها في الورى بزعـيم‬

‫مثل الفاعي ليس في شيء سوى‬

‫أجسادهـا إبـاء لـدغ سـلـيم‬

‫والبيعن أبكعى الشعراء على المعاهعد فأدروا على الرسعوم الدموع‪ ،‬وسعقوا الديار‬
‫ماء الشوق‪ ،‬وتذكعر معا قعد سعلف لهعم فيهعا فأعولوا وانتخبوا‪ ،‬وأحيعت الثار دفيعن‬
‫شوقهم فناحوا وبكوا‪.‬‬

‫ولقعد أخعبرني بععض الوراد معن قرطبعة وقعد اسعتخبرته عنهعا‪ ،‬أنعه رأى دورنعا‬
‫ببلط مغيعث‪ ،‬فعي الجانعب الغربعي منهعا وقعد امحعت رسعومها‪ ،‬وطمسعت أعلمهعا‪،‬‬
‫وخفيت معاهدها‪ ،‬وغيرها البلى وصارت صحاري مجدبة بعد العمران‪ ،‬وقيافي‬
‫موحشعة بععد النعس‪ ،‬وخرائب منقطععة بععد الحسعن‪ ،‬وشعاباً مفزععة بععد المعن‬
‫ومأوى للذئاب‪ ،‬ومعازف للغيلن‪ ،‬وملععععب للجان‪ ،‬ومكامعععن للوحوش‪ ،‬بععععد‬
‫رجال كالليوث‪ ،‬وخرائد كالدمى تفيض لديهم النعم الفاشية‪ .‬تبدد شملهم فصاروا‬
‫فععي البلد أيادي سععبا‪ ،‬فكأن تلك المحارب المنمقععة‪ .‬والمقاصععير المزينععة‪ ،‬التععي‬
‫كانت تشرق إشراق الشمس‪ ،‬ويجلو الهموم حسن منظرها‪ ،‬حين شملها الخراب‪،‬‬
‫وعمهععا الهدم‪ ،‬كأفواه السععباع فاغرة‪ ،‬تؤذن بفناء الدنيععا‪ ،‬وتريععك عواقععب أهلهععا‪،‬‬
‫وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائماً فيها‪ .‬وتزهد في طلبها بعد أن طالما‬

‫زهدت فعي تركهعا‪ ،‬وتذكرت أيامعي بهعا ولذاتعي فيهعا وشهور صعباي لديهعا‪ ،‬معع‬
‫كواععب إلى مثلهعن صعبا الحليعم‪ ،‬ومثلت لنفسعي كونهعن تحعت الثرى وفعي الثار‬
‫النائية والنواحي البعيدة وقد فرقتهن يد الجلء‪ ،‬ومزقتهن أكف النوى‪ ،‬وخيل إلى‬
‫بصرى بقاء تلك النصبة بعد ما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة‬
‫التعي نشأت فيمعا لديهعا‪ ،‬وخلء تلك الفنيعة بععد تضايقهعا بأهلهعا‪ ،‬وأوهمعت سعمعي‬
‫صعوت الصعدى والهام عليهعا‪ ،‬بععد حركعة تلك الجماعات التعي ربيعت بينهعم فيهعا‪،‬‬
‫وكان ليلهععا تبعاً لنهارهععا فععي انتشار سععاكنها والتقاء عمارهععا‪ ،‬فعاد نهارهععا تبعاً‬
‫لليلهعا فعي الهدوء والسعتيحاش‪ ،‬فأبكعى عينعي‪ ،‬وأوجعع قلبعي‪ ،‬وقرع صعفاة كبدي‪،‬‬
‫وزاد في بلء لبي‪ ،‬فقلت شعراً منه‪:‬‬
‫وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا‬

‫لئن كان أظلمانا فقد طالما سقى‬

‫والبين يولد الحنين والهتياج والتذكر‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى‬

‫يبين بينهم عني فـقـد وقـفـا‬

‫أقول والليل قد أرخى أجـلـتـه‬

‫وقد تألى بأل ينقضـي فـوفـى‬

‫وللنجم قد حار في أفق السماء فما‬

‫يمضي ول هو للتغوير منصرفا‬

‫تخاله مخطئا أو خـائفـا وجـلً‬

‫أو راقبا موعدا أو عاشقا دنـفـا‬

‫الباب الخامس والعشرون‬
‫القنوع‬

‫ول بععد للمحععب‪ ،‬إذا حرم الوصععل‪ ،‬مععن القنوع بمععا يجععد! وإن فععي ذلك لمتعللً‬
‫للنفعس‪ ،‬وشغلً للرجعا‪ ،‬وتجديداً للمنعى‪ ،‬وبععض الراحعة‪ .‬وهعو مراتعب على قدر‬
‫الصابة والتمكن‪.‬‬

‫فأولهعا الزيارة‪ ،‬وإنهعا لمعل معن المال‪ ،‬ومعن سعرى معا يسعنح فعي الدهعر معع معا‬
‫تبدى من الخفر والحياء‪ ،‬لما يعلمه كل واحد منها مما نفس صاحبه‪ .‬وهي على‬
‫وجهين‪ :‬أحدهما أن يزور المحب محبوبه‪ ،‬وهذا الوجه واسع‪ .‬والوجه الثاني أن‬
‫يزور المحبوب محبه‪ .‬ولكن ل سبيل إلى غير النظر والحديث الظاهر‪ .‬وفي ذلك‬
‫أقول‪:‬‬
‫فإن تنأ عني بـالـوصـال فـإنـنـي‬
‫فحسبي أن ألقـاك فـي الـيوم مـرة‬
‫كذا همه الـوالـي تـكـون رفـيعة‬

‫سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل‬
‫وما كنت أرضى ضعف ذامنك لي قبل‬
‫ويرضى خلص النفس إن وقع العزل‬

‫وأمعا رجعع السعلم والمخاطبعة فأمعل معن المال‪ ،‬وإن كنعت أنعا أقول فعي قصعيدة‬
‫لي‪:‬‬
‫فها أنا ذا أخفي وأقنع راضـيا‬

‫برجع سلم إن تيسر في الحين‬

‫فإنما هذا لمن ينتقل من مرتبة إلى ما هو أدنى منها‪ .‬وإنما يتفاضل المخلوقات‬
‫فعي جميعع الوصعاف على قدر إضافتهعا إلى معا هعو فوقهعا أو دونهعا‪ .‬وإنعي لعلم‬
‫من كان يقول لمحبوبه‪ :‬عدني واكذب‪ ،‬قنوعاً بأن يسلى نفسه في وعده وإن كان‬
‫غير صادق‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬

‫إن كان وصلك ليس فيه مطمع‬

‫والقرت ممنوع فعدني واكذب‬

‫فعسى التعلل بالتقائك ممسـك‬

‫لحياة قلب بالصدود مـعـذب‬

‫فلقد يسلى المجـدبـين إذا رأوا‬

‫في الفق يلع ضوء برق خلب‬

‫ومعا يدخعل فعي هذا الباب شيعء رأيتعه ورآه غيري مععي‪ ،‬أن رجلً معن إخوانعي‬
‫جرحعه معن كان يحبعه بمديعة‪ ،‬فلقعد رأيتعه وهعو يقبعل مكان الجرح ويندبعه مرة بععد‬
‫مرة‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫يقولون شجك من همت فيه‬

‫فقلت لعمري ما شـجـى‬

‫ولكن أحس دمى قـربـه‬

‫فطار إلـيه ولـم ينـثـن‬

‫قافيا تلى ظلما محـسـنـا‬

‫فديتك من ظالم محـسـن‬

‫ومن القنوع أن يسر النسان ويرضى ببعض آلت محبوبه‪ ،‬وإن له من النفس‬
‫لموقعاً حسعناً وإن لم يكعن فيعه إل معا نعص ال تعالى علينعا‪ ،‬ومعن ارتداد يعقوب‬
‫بصيراً حين شم قميص يوسف عليهما السلم‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫لما منعت القرب من سيدي‬

‫ولج في هجري ولم ينصف‬

‫صرت بإبصاري أثـوابـه‬

‫أو بعض ما قد مسه أكتفي‬

‫كذاك يعقوب نبي الـهـدى‬

‫إذ شفه الحزن على يوسف‬

‫شم قميصا جاء من عـنـده‬

‫وكان مكفوفا فمنه شفـي‬

‫ومععا رأيععت قععط متعاشقيععن إل وهمععا يتهاديان خصععل الشعععر مبخرة بالعنععبر‬
‫مرشوشععة بماء الورد‪ ،‬وقععد جمعععت فععي أصععلها بالمصععطكي وبالشمععع البيععض‬
‫المصفى ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك لتكون تذكرة عند البين‪.‬‬

‫وأمعا تهادي المسعاويك بععد مضغهعا والمصعطكي إثعر اسعتعمالها فكثيعر بيعن كعل‬
‫متحابين قد حظر عليهما اللقاء‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة منها‪:‬‬
‫أرى ريقها ماء الـحـياة تـيقـنـا على أنها لم تبق لي في الهوى حشى‬

‫خبر‪ :‬وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل‬
‫الحاجب بجزيرة صقلبة‪ ،‬وذكر أنه كان غاية في الجمال‪ ،‬فشاهده يوماً في بعض‬
‫المتنزهات ماشيا وامرأة خلفه تمشي إليه‪ ،‬فلما أبعد أتت إلى المكان الذي قد أثر‬
‫فيه مشيه فجعلت تقبله وتلثم الرض التي فيها أثر رجله‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪،‬‬
‫أولها‪:‬‬
‫يلومونني في موطى خفه خـطـا‬

‫ولو علموا عاد الذي لم يحـسـد‬

‫فيأهل أرض لتجود سحـابـهـا‬

‫خذوا بوصاتي تستقلوا وتحمـدوا‬

‫خذوا من تراب فيه موضع وطئه‬

‫وأضمن أن المحل عنكم يبـعـد‬

‫فكل تراب واقـع فـيه رجـلـه‬

‫فذاك صعيد طيب ليس يجـحـد‬

‫كذلك فعل السامـري وقـد بـدا‬

‫لعينيه من جبريل إثر مـمـجـد‬

‫فصير جوف العجل من ذلك الثرى‬

‫فقام له مـنـه خـوار مـمـدد‬

‫وأقول‪:‬‬
‫لقد بوركت أرض بها أنت قاطن‬

‫وبورك من فيها وحل بها السعد‬

‫فأحجارها در وسعداتـهـا ورد‬

‫وأموالها شهد وتربـتـهـا نـد‬

‫ومعن القنوع الرضعا مزار الطيعف‪ ،‬وتسعليم الخيال‪ .‬وهذا إنمعا يحدث ععن ذكعر ل‬
‫يفارق‪ ،‬وعهععد ل يحول‪ ،‬وفكععر ل ينقضععي‪ .‬فإذا نامععت العيون وهدأت الحركات‬
‫سرى الطيف‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬

‫زار الخيال فتى طالت صبابـتـه‬

‫على احتفاظ من الحراس والحفظة‬

‫فبت في ليلتي جذلن مبتـهـجـا‬

‫ولذة الطيف تنسى لـذة الـيقـظة‬

‫وأقول‪:‬‬
‫أتى طيف نعم مضجعي بعد هـدأة‬

‫ولليل سلطـان وظـل مـمـدد‬

‫وعهدي بها تحت التراب مـقـيمة‬

‫وجاءت كما قد كنت من قبل أعهد‬

‫فعدنا كما كنـا وعـاد زمـانـنـا‬

‫كما قد عهدنا قبل والعود أحـمـد‬

‫وللشعراء فعي علة مزار الطيعف أقاويعل بديععة بعيدة المرمعى‪ ،‬مخترععة‪ ،‬سعبق‬
‫إلى معنعى معن المعانعي‪ ،‬فأبعو إسعحاق بعن سعيار النظام رأس المعتزلة جععل علتعه‬
‫مزار الطيعف خوف الرواح معن الرقيعب المرقعب‪ ،‬على بهاء البدان‪ .‬وأبعو تمام‬
‫حعبيب بعن أوس الطائي جععل علتعه أن نكاح الطيعف ل يفسعد الحعب ونكاح الحقيقعة‬
‫يفسعععده‪ .‬والبحتري جععععل علة إقباله اسعععتضاءته بنار وجده‪ ،‬وعلة زواله خوف‬
‫الغرق فعي دموععه‪ .‬وأنعا أقول معن غيعر أن أمثعل شعري بأشعارهعم‪ ،‬فلهعم فضعل‬
‫التقدم والسعابقة إنمعا نحعن لقطون وهعم الحاصعدون‪ ،‬ولكعن اقتداء بهعم وجريعا فعي‬
‫ميدانهعم وتتبعاً لطريقتهعم التعي نهجوا وأوضحوا‪ ،‬أبياتاً بينعت فيهعا مزار الطيعف‬
‫مقطعة‪:‬‬
‫أغار عليك من إدراك طـرفـي‬

‫وأشفق أن يذيبك لمس كـفـي‬

‫فأمتنع الـلـقـاء حـذار هـذا‬

‫وأعتمد التلقي حـين أغـفـي‬

‫فروحي إن أنم بك ذو انـفـراد‬

‫من العضاء مستتر ومخـفـي‬

‫ووصل الروح ألطف فيك وقعـا‬

‫من الجسم المواصل ألف ضعف‬

‫وحال المزور فعي المنام ينقسعم أقسعاماً أربععة‪ :‬أحدهمعا محعب مهجور قعد تطاول‬
‫غمعه‪ ،‬ثعم رأى فعي هجعتعه أن حعبيبه وصعله فسعر بذلك وابتهعج‪ ،‬ثعم اسعتيقظ فأسعف‬
‫وتلهف حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أنت في مشرق النهار بخيل‬

‫وإذا الليل جن كنت كريما‬

‫تجعل الشمس منك لي عوضا هي‬

‫هات ماذا الفعال منك قـويمـا‬

‫زارني طيفك البـعـيد فـيأتـي‬

‫واصلً لـي وعـائدا ونـديمـا‬

‫غير أني منعتني من تمام العـي‬

‫ش لكن أبحت لي التشـمـيمـا‬

‫فكأني من أهل العراف ل الفر‬

‫دوس داري ول أخاف الجحيمـا‬

‫والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع‪ ،‬قد رأى في وسنه أن حبيبه يهجره‬
‫فاهتععم لذلك همًا شديداً‪ ،‬ثععم هععب مععن نومععه فعلم أن ذلك باطععل وبعععض وسععاوس‬
‫الشفاق‪ :‬والثالث محب داني الديار يرى أن النتائي قد فدحه‪ ،‬فيكترث ويوجل ثم‬
‫ينتبه فيذهب مابه ويعود فرحاً‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫رأيتك في نومي كأنك راحـل‬

‫وقمنا إلى التوديع والدمع هامل‬

‫وزال للكرى عني وأنت معانقي‬

‫وغمي إذا عاينـت ذلـك زائل‬

‫فجددت تعنيقا وضما كأنـنـي‬

‫عليك من البين المفرق واجـل‬

‫والرابععع محععب نائي المزار‪ ،‬يرى أن المزار قععد دنععا‪ ،‬والمنازل قععد تصععاقبت‬
‫فيرتاح ويأنعس إلى فقعد السعى‪ ،‬ثعم يقوم معن سعنته فيرى أن ذلك غيعر صعحيح‪،‬‬
‫فيعود إلى أشد ما كان فيه من الغم‪ ،‬وقد جعلت في بعض قولي علة النوم والطمع‬
‫في طيف الخيال‪ ،‬فقلت‪:‬‬

‫طاف الخيال على مستهتر كلف‬

‫لول ارتقاب مزار الطيف لم ينم‬

‫ل تعجبوا إذ سرى والليل معتكر‬

‫فنوره مذهب في الرض للظلم‬

‫ومعن القنوع أن يقنعع المحعب بالنظعر إلى الجدران ورؤيعة الحيطان التعي تحتوي‬
‫على من يحب‪ ،‬وقد رأينا من هذه صفته‪ .‬ولقد حدثني ِأبو الوليد أحمد بن محمد‬
‫ابن إسحاق الخازن رحمه ال عن رجل جليل‪ ،‬أنه حدث عن نفسه بمثل هذا ومن‬
‫القنوع أن يرتاح المحعب‪ ،‬إلى أن يرى معن رأى محبوبعه ويأنعس بعه ومعن أتعى معن‬
‫بلده‪ ،‬وهذا كثير‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫توحش من سكانه فكأنهم‬

‫مساكن عاد أعقبته ثمود‬

‫وما يدخل في هذا الباب أبيات لي‪ ،‬موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني‬
‫معن أهعل الدب والشرف إلى بسعتان لرجعل معن أصعحابنا‪ ،‬فجلنعا سعاعة ثعم أفضعى‬
‫بنعا القعود إلى مكان دونعه يتمنعى‪ ،‬فتمددنعا فعي رياض أريضعة‪ ،‬وأرض عريضعة‬
‫لبصعر فيهعا منفسعح‪ ،‬وللنفعس لديهعا مسعرح‪ ،‬بيعن جداول تطرد كأباريعق اللجيعن‬
‫وأطيار تغرد بألحان تزري بمعا أبدععه معبعد‪ ،‬والغريعض‪ ،‬وثمار مهدلة قعد ذللت‬
‫لليدي ودنعت للمتناول‪ ،‬وظلل مظلة تلحظنعا الشمعس معن بينهعا فنتصعور بيعن‬
‫أيدينعا كرقاع الشطرنعج والثياب المدبجعة‪ ،‬وماء عذب يوجدك حقيقعة طععم الحياة‬
‫وأنهار متدفقععة تنسععاب كبطون الحيات لهععا خريععر يقوم ويهدأ‪ ،‬ونواويععر مونقععة‬
‫مختلفععة اللوان تصععفقها الرياح الطيبععة النسععيم‪ ،‬وهواء سععجسج‪ ،‬وأخلق جلس‬
‫تفوق كل هذا‪ ،‬في يوم ربيع ذي شمس ظليلة‪ ،‬تارة يغطيها العيم الرقيق والمزن‬
‫اللطيعف‪ ،‬وتارة تتجلى‪ ،‬فهعي كالعذراء الخفرة والخريدة الخجلة تتراءى لعاشقهعا‬

‫معن بيعن السعتار ثعم تغيعب فيهعا‪ ،‬حذر عيعن مراقبعة‪ .‬وكان بعضنعا مطرقاً كأنعه‬
‫يحادث أخرى‪ ،‬وذلك لسععر كان له فعرض لي بذلك‪ ،‬وتداعبنععا حينععا فكلفععت أن‬
‫أقول إلى لسععانه شيئًا فععي ذلك‪ ،‬فقلت بديهععة‪ ،‬ومععا كتبوهععا إل مععن تذكرهععا بعععد‬
‫انصرافنا‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫ولما تروحنا بـأكـنـاف روضة‬

‫مهدلة الفنان في تربها النـدي‬

‫وقد ضحكت أنوارها وتضوعت‬

‫أساورها في ظل فيء مـمـدد‬

‫وأبدت لنا الطيار حسن صريفها‬

‫فمن بين شاك شجوه ومـغـرد‬

‫وللماء فيما بيننـا مـتـصـرف‬

‫وللعين مرتاد هـنـاك ولـلـيد‬

‫وما شئت من أخلق أروع ماجد‬

‫كريم السجايا للفخـار مـشـيد‬

‫تنغض عندي كل ما قد وصفتـه‬

‫ولم يهنني إذ غاب عني سـيدي‬

‫فيا ليتني في السجن وهو معانقي‬

‫وأنتم معا في قصر دار المجدد‬

‫فمن رام منا أن يبـدل حـالـه‬

‫بحال أخيه أو بملـك مـخـلـد‬

‫فل عاش إل في شقاء ونـكـبة‬

‫ول زال في بؤسي وخزي مردد‬

‫فقال هو ومن حضر‪ :‬آمين آمين‪ .‬وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في حقائق‬
‫القناعة هي الموجودة في أهل المودة‪ ،‬بل تزيد ول إعياء‪.‬‬
‫وللشعراء فععن مععن القنوع أرادوا فيععه إظهار غرضهععم وإبانععة اقتدارهععم على‬
‫المعانعي الغامضعة والمرمعى البعيدة‪ ،‬وكعل قال على قدر قوة طبععه‪ ،‬إل أنعه تحكعم‬
‫باللسان وتشدق في الكلم واستطال بالبيان‪ ،‬وهو غير صحيح في الصل‪ :‬فمنهم‬
‫مععن قنععع بأن السععماء تظله هععو ومحبوبععه والرض تقلهمععا‪ .‬ومنهععم مععن قنععع‬
‫باسععتوائهما فععي إحاطععة الليععل والنهار بهمععا‪ ،‬وأشباه هذا‪ :‬وكععل مبادر إلى احتواء‬
‫الغايعة فعي السعتقصاء‪ ،‬وإحراز قصعب السعبق فعي التدقيعق‪ .‬ولي فعي هذا المعنعى‬

‫قول ل يمكن لمتعقب أن يجد بعده متناولً‪ ،‬ول وراءه مكاناً‪ ،‬مع تبيني علة قرب‬
‫المسافة البعيدة‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وقالوا بعيد قلت حسبي بـأنـه‬
‫تمر على الشمس مثل مرورها‬
‫فمن ليس بيني في المسير وبينه‬
‫وعلم إله الخلق يجمعنا مـعـا‬

‫معي في زمان ل يطيق محيدا‬
‫به كل يوم يستـنـير جـديدا‬
‫سوى قطع يوم هل يكون بعيدا‬
‫كفى ذا التداني ما أريد مزيدا‬

‫فعبينت كمعا ترى أنعي قانعع بالجتماع معع معن أحعب فعي علم ال‪ ،‬الذي السعموات‬
‫والفلك والعوالم كلها وجميع الموجودات ل تنفصل منه ول تتجزأ فيه ول يشذ‬
‫عنه منها شيء‪ ،‬ثم اقتصرت من علم ال تعالى على أنه في زمان‪ ،‬وهذا أعم مما‬
‫قاله غيري فععي إحاطععة الليععل والنهار‪ ،‬وإن كان الظاهععر واحداً فععي البادي إلي‬
‫السععامع؛ لن كععل المخلوقات واقعععة تحععت الزمان‪ ،‬وإنمععا الزمان اسععم موضوع‬
‫لمرور السعاعات وقطعع الفلك وحركاتعه وأجرامعه‪ ،‬والليعل والنهار متولدان ععن‬
‫طلوع الشمععس وغروبهععا‪ ،‬وهمععا متناهيان فععي بعععض العالم العلى‪ ،‬وليععس هذا‬
‫الزمان‪ ،‬فإنهمععا بعععض الزمان‪ ،‬وإن كان لبعععض الفلسععفة قول إن الظععل متماد‪،‬‬
‫فهذا يخطئه العيان‪ ،‬وعلل الرد عليعه بينعة ليعس هذا موضعهعا‪ ،‬ثعم بينعت أنعه وإن‬
‫كان في أقصى المعمور من المشرق وأنا في أقصى المعمور من المغرب‪ ،‬وهذا‬
‫طول السعكنى‪ ،‬فليعس بينعي وبينعه إل مسعافة يوم؛ إذ الشمعس تبدو فعي أول النهار‬
‫فعععععععي أول المشارق وتغرب فعععععععي آخعععععععر النهار فعععععععي آخعععععععر المغارب‪.‬‬
‫ومععن القنوع فصععل أورده وأسععتعيذ بال منععه ومععن أهله‪ ،‬واحمده على مععا عرف‬
‫نفوسعنا معن منافرتعه‪ ،‬وهعو أن يضعل العقعل جملة‪ ،‬ويفسعد القريحعة‪ ،‬ويتلف التمييعز‬

‫ويهون الصعب‪ ،‬ويذهب الغيرة‪ ،‬ويعدم النفة‪ ،‬فيرضى النسان بالمشاركة فيمن‬
‫يحب‪ .‬وقعد عرض هذا لقوم أعاذنا ال من البلء‪ .‬وهذا ل يصح إل معع كلبيعة في‬
‫الطبع‪ ،‬وسقوط من العقل الذي هو عيار على ما تحته‪ ،‬وضعف حس‪ .‬ويؤيد هذا‬
‫كله حعب شديعد مععم‪ .‬فإذا اجتمععت هذه الشياء وتلحقعت بمزاج الطبائع ودخول‬
‫بعضهعا فعي بععض نتعج بينهمعا هذا الطبعع الخسعيس‪ ،‬وتولدت هذه الصعفة الرذلة‪،‬‬
‫وقام منها هذا الفعل المقذور القبيح‪ ،‬وأما رجل معه أقل همة وأيسر مروءة فهذا‬
‫منعه أبععد معن الثريعا ولو مات وجداً وتقطعع حبًا وفعي ذلك أقول زارياً على بععض‬
‫المسامحين في هذا الفصل‪:‬‬
‫رأيتك رحب الصدر ترضى بمـا أتـى‬

‫وأفضل شيء أن تلين وتـسـمـحـا‬

‫فحظك من بعض السواني مـفـضـل على أن يحوز الملك من أصلها الرحى‬
‫وعضو بعير فيه في الوزن ضعف مـا‬

‫تقدره في الجدي فاعص الذي لـحـا‬

‫ولعب الذي تهوى بسيفين مـعـجـب‬

‫فكن ناحيا في نحوه كـيفـمـا نـحـا‬

‫الباب السادس والعشرون‬
‫الضنى‬
‫ول بعد لكعل محعب صعادق المودة ممنوع الوصعل‪ ،‬إمعا بعبين وإمعا بهجعر وإمعا‬
‫بكتمان واقععع لمعنععى‪ ،‬مععن أن يؤول إلى حععد السععقام والضنععى والنحول‪ ،‬وربمععا‬
‫أضجععه ذلك‪ .‬وهذا المعر كثيعر جداً موجود أبداً‪ ،‬والعراض الواقععة معن المحبعة‬

‫غير العلل الواقعة من هجمات العلل‪ ،‬ويميزها الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫يقول لي الطبيب بغير علم‬

‫تداو فأنت يا هذا علـيل‬

‫ودائي ليس يدريه سوائي‬

‫ورب قادر ملك جلـيل‬

‫أأكتمه ويكشفه شـهـيق‬

‫يلزمني وإطراق طويل‬

‫ووجه شاهدات الحزن فيه‬
‫وأثبت ما يكون المر يوما‬

‫وجسم كالخيال ضن نحيل‬
‫بل شك إذا صح الدلـيل‬

‫فقلت له أبن عني قلـيلً‬

‫فل وال تعرف ما تقول‬

‫ل زادجـدا‬
‫فقال أرى نحو ً‬

‫وعلتك التي تشكو ذبـول‬

‫فقلت له الذبول تعل مـنـه ال‬

‫جوارح وهي حمى تستحـيل‬

‫وما أشكو لعمر اللـه حـمـى‬

‫وإن الحر في جسمي قـلـيل‬

‫فقال أرى التفاتا وارتـقـابـا‬

‫وأفكارا وصـمـتـا ل يزول‬

‫وأحسب أنها السوء فانـظـر‬

‫لنفسك إنها عـرض ثـقـيل‬

‫فقلت له كلمـك ذا مـحـال‬

‫فما للدمع من عينـي يسـيل‬

‫فأطرق بـاهـتـا مـمـا رآه‬

‫أل في مثل ذا بهت النـبـيل‬

‫فقلت لـه دوائي مـنـه دائي‬

‫أل في مثل ذا ضلت عقـول‬

‫وشاهد ما أقول يرى عـيانـا‬
‫وترياق الفاعي لـيس شـيء‬

‫فروع النبت إن عكست أصول‬
‫سواه ببره ما لدغت كـفـيل‬

‫وحدثنعي أبعو بكعر محمعد بعن بقعي الحجري‪ ،‬وكان حكيعم الطبعع عاقلً فهيماً‪ ،‬ععن‬
‫رجعل معن شيوخنعا ل يمكعن ذكره‪ ،‬أنعه كان ببغداد فعي خان معن خاناتهعا فرأى ابنعة‬
‫لوكيلة الخان فأحبهعا وتزوجهعا‪ ،‬فلمعا خل بهعا نظرت إليعه وكانعت بكراً‪ ،‬وهعو قعد‬
‫تكشعف لبععض حاجتعه‪ ،‬فراعهعا كعبر أيره‪ ،‬ففرت إلى أمهعا وتفادت منعه‪ .‬فرام بهعا‬
‫كعل معن حواليهعا أن ترد إليعه‪ ،‬فأبعت وكادت أن تموت‪ ،‬ففارقهعا ثعم ندم‪ ،‬ورام أن‬

‫يراجعهعا فلم يمكنعه‪ ،‬واستعان بالبهري وغيره‪ .‬فلم يقدر أحد منهم على حيلة في‬
‫أمره‪ ،‬فاختلط عقله وأقام فعي المارسعتان يعانعي مدة طويلة حتعى نقعه وسعل ومعا‬
‫كاد‪ ،‬ولقعععععععععععععععد كان إذا ذكرهعععععععععععععععا يتنفعععععععععععععععس الصععععععععععععععععداء‪.‬‬
‫قععد تقدم فععي أشعاري المذكورة فععي هذه الرسععالة‪ :‬مععن صععفة النحول مفرقاً مععا‬
‫اسععتغنيت بععه عععن أن أذكععر هنععا مععن سععواها شيئاً خوف الطالة‪ .‬وال المعيععن‬
‫والمسععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععتعان‪.‬‬
‫وربمععا ترقععت إلى أن يغلب المرء على عقله ويحال بينععه وبيععن ذهنععه فيوسععوس‪.‬‬
‫خععبر‪ :‬وإنععي لعرف جاريععة مععن ذوات المناصععب والجمال والشرف مععن بنات‬
‫القواد‪ ،‬وقد بلغ بها حب فتى من إخواني جداً من أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار‬
‫السععود‪ ،‬وكادت تختلط‪ .‬واشتهععر المععر وشاع جداً حتععى علمععه الباعععد‪ ،‬إلى أن‬
‫تدوركععت بالعلج‪ ،‬وهذا إنمععا يتولد عععن إدمان الفكععر‪ ،‬فإذا غلبععت الفكرة وتمكععن‬
‫الخلط وترك التداوي خرج المععر عععن حععد الحععب إلى حععد الوله والجنون‪ ،‬وإذا‬
‫أغفعل التداوي فعي الول إلى المعاناة قوى جداً ولم يوجعد له دواء سعوى الوصعال‪.‬‬
‫ومن بعض ما كتبت إليه قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫قد سلبت الفؤاد منها اختلسـا‬

‫أي خلق يعـيش دون فـؤاد‬

‫فأغثها بالوصل تحي شريفـا‬

‫وتفز بالثواب يوم الـمـعـاد‬

‫وأراها تعتـاض أن دام هـذا‬

‫من خلخيلها حلـي القـياد‬

‫أنت حقا متيم الشمس حـتـى‬

‫عشقها بين ذا الورى لك بادي‬

‫خعبر‪ :‬وحدثنعي جعفعر مولى أحمعد بعن محمعد بعن جديعر‪ ،‬المعروف بالبلبينعي‪ :‬أن‬
‫سعبب اختلط مروان بعن يحيعى بعن أحمعد بعن جديعر وذهاب عقله اعتلقعه بجاريعة‬
‫لخيععه‪ ،‬فمنعهععا وباعهععا لغيره‪ ،‬ومععا كان فععي إخوتععه مثله ول أتععم أدباً منععه‪.‬‬

‫وأخعبرني أبعو العافيعة مولى محمعد بعن عباس بن أبعي عبدة‪ ،‬أن سعبب جنون يحيعى‬
‫بعن أحمعد بعن عباس بعن أبعي عبدة بيعع جاريعة له كان يجعد بهعا وجداً شديداً‪ ،‬كانعت‬
‫أمعععععععه أباعتهعععععععا وذهبعععععععت إلى إنكاحعععععععه معععععععن بععععععععض العامريات‪.‬‬
‫فهذان رجلن جليلن مشهوران فقدا عقولهمعععا واختلطعععا وصعععارا فعععي القيود‬
‫والغلل‪ ،‬فأمععععا مروان فأصععععابته ضربععععة مخطئة يوم دخول البربر قرطبععععة‬
‫وانتهائهعم إليهعا‪ ،‬فتوفعى رحمعه ال‪ .‬وأمعا يحيعى بعن محمعد فهعو حعي على حالتعه‬
‫المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه‪ ،‬وقد رأيته أنا مراراً وجالسته في القصر‬
‫قبععل أن يمتحععن بهذه المحنععة‪ .‬وكان أسععتاذي وأسععتاذه الفقيععه أبععو الخيار اللغوي‪.‬‬
‫وكان يحيعععععععععععععععععععى لعمري حلواً معععععععععععععععععععن الفتيان نعععععععععععععععععععبيلً‪.‬‬
‫وأمعا معن دون هذه الطبقعة فقعد رأينعا منهعم كثيراً‪ ،‬ولكعن لم نسعمهم لخفائهعم وهذه‬
‫درجععة إذا بلغ المشغوف إليهععا فقععد أنيععت الرجاء وانصععرم الطمععع‪ ،‬فل دواء له‬
‫بالوصعل ول بغيره‪ ،‬إذ قعد اسعتحكم الفسعاد فعي الدماغ‪ ،‬وتلفعت المعرفعة وتغلبعت‬
‫الفة‪ .‬أعاذنا ال من البلء بطوله‪ ،‬وكفانا النقم منه‪.‬‬

‫الباب السابع والعشرون‬
‫السلو‬

‫وقعد علمنعا أن كعل ماله أول فل بعد معن آخعر‪ ،‬حاشعى نعيعم ال ععز وجعل‪ ،‬الجنعة‬
‫لوليائه وعذابه بالنار لعدائه‪ .‬وأما أعراض الدنيا فنافذة فانية وزائلة مضمحلة‪،‬‬
‫وعاقبعة كعل حعب إلى أحعد أمريعن‪ :‬إمعا احترام منيعة‪ ،‬وإمعا سعلو حادث‪ .‬وقعد نجعد‬
‫النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد‪ ،‬فكما نجد نفساً ترفض‬
‫الراحات والملذ للعمععل فععي طاعععة ال تعالى والرياء فععي الدنيععا‪ ،‬حتععى تشتهععر‬
‫بالزهعد‪ ،‬فكذلك نجعد النفعس تغلب عليهعا بععض القوى المصعرفة معهعا فعي الجسعد‪،‬‬
‫فكمعا نجعد نفسعاً ترفعض الراحات والملذ للعمعل فعي طاععة ال تعالى وللرياء فعي‬
‫الدنيا‪ ،‬حتى تشتهر بالزهذ‪ ،‬فكذلك نجد نفساً تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها‬
‫للنفعة المسعتحكمة المنافرة للغدر‪ ،‬أو اسعتمرار سعوء المكافأة فعي الضميعر‪ ،‬وهذا‬
‫أصعح السعلو‪ ،‬ومعا كان معن غيعر هذيعن الشيئيعن فليعس إل مذموماً‪ .‬والسعلو المتولد‬
‫من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها‪ ،‬فيفتر‬
‫نزاعها ول تقوى رغبتها‪ .‬ولي في ذم السلو قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها‬

‫وإن نطقت قلت السلم رطاب‬

‫كأن الهوى ضيف ألم بمهجتي‬

‫فلحمى طعام والنجيع شـراب‬

‫ومنها‪:‬‬
‫صبور على الزم الذي العز خلفه‬

‫ولو امطرنه بالحريق سـحـاب‬

‫جزوعا من الراحات إن أنتجت له‬

‫خمول وفي بعض النعيم عـذاب‬

‫والسلو في التجربة الجميلة ينقسم قسمين‪ :‬سلو طبيعي‪ ،‬وهو المسمى بالنسيان‬
‫يخلو بععه القلب ويفرغ بععه البال‪ ،‬ويكون النسععان كأنععه لم يحععب قععط‪ :‬وهذا القسععم‬

‫ربمععا لحععق صععاحبه الذم لنععه حادث عععن أخلق ومذمومععة‪ ،‬وعععن أسععباب غيععر‬
‫موجبععة اسععتحقاق النسععيان‪ .‬وسععتأتي مبينععة إن شاء ال تعالى‪ ،‬وربمععا لم تلحقععه‬
‫اللئمعة لعذر صعحيح والثانعي سعلو تطبععي‪ ،‬قهعر النفعس‪ ،‬وهعو المسعمى بالتصعبر‪،‬‬
‫فترى المرء يظهععر التجلد وفععي قلبععه أشععد لدغاً مععن وخععز الشفععي‪ ،‬ولكنععه يرى‬
‫بعض الشر أهون من بعض‪ ،‬أو يحاسب نفسه بحجة ل تصرف ول تكسر وهذا‬
‫قسعم ل يذم آتيعه‪ ،‬ول يلم فاعله لنعه ل يحدث إل ععن عظيمعة‪ ،‬ول يقعع إل ععن‬
‫فادحة‪ ،‬إما لسبب ل يصبر على مثله الحرار‪ ،‬وإما لخطب ل مرد له تجري به‬
‫القدار وكفاك معن الموصعوف بعه أنعه ليعس بناس لكنعه ذاكعر‪ ،‬وذو حنيعن واقعف‬
‫على العهعد‪ ،‬ومتجزع مرارات الصعبر‪ ،‬والفرق العامعي بيعن المتصعبر والناسعي‪،‬‬
‫أنعك ترى المتصعبر وإن أبدي غايعة الجلد وأظهعر سعب محبوبعه والتحمعل عليعه‪،‬‬
‫يحتمل ذلك من غيره‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫دعوني وسبي للحبيب فـإنـنـي‬
‫ولكن سبى للحبيب كـقـولـهـم‬

‫وإن كنت أبدي الهجر لست معاديا‬
‫أجاد فلـقـاه اللـه الـدواهـيا‬

‫والناس ضعد هذا‪ ،‬وكعل هذا فعلى قدر طبيععة النسعان وإجابتهعا وامتناعهعا وقوة‬
‫تمكن الحب من القلب أو ضعفه‪ ،‬وفي ذلك أقول‪ ،‬وسميت السالي فيه المتصبر‪،‬‬
‫قطعة منها‪:‬‬
‫ناسي الحبة غير من يسلـوهـم‬

‫حكم المقصر غير حكم المقصر‬

‫ما قاصر للنفس غير مجيبـهـا‬

‫ما الصابر المطبوع كالمتصبـر‬

‫والسعباب الموجبعة للسعلو المنقسعم هذيعن القسعمين كثيرة‪ ،‬وعلى حسعبها وبمقدار‬
‫الواقع منها يعذر للسالي ويذم‪.‬‬

‫فمنها الملل‪ ،‬وقد قدمنا الكلم عليه‪ ،‬وإن من كان سلوه عن ملل فليس حبه حقيقة‪،‬‬
‫والمتسعم بعه صعاحب دعوى زائفعة‪ ،‬وإنمعا هعو طالب لذة ومبادر شهوة‪ ،‬والسعالي‬
‫معن هذا الوجعه ناس مذموم ‪ 0‬ومنهعا السعتبدال‪ ،‬وهعو وإن كان يشبعه الملل ففيعه‬
‫معنععععى زائد‪ ،‬وهععععو بذلك المعنععععى أقبععععح مععععن الول وصععععاحبه أحععععق بالذم‪.‬‬
‫ومنهععا حياء مركععب يكون فععي المحععب يحول بينععه وبيععن التعريععض بمععا يجععد‪،‬‬
‫فيتطاول المعر‪ ،‬وتتراخعى المدة‪ ،‬ويبلى جديعد المودة‪ ،‬ويحدث السعلو‪ .‬وهذا وجعه‬
‫إن كان السعالي عنعه ناسعيًا فليعس بمنصعف‪ ،‬إذ منعه جاء سعبب الحرمان‪ ،‬وإن كان‬
‫متصبرًا فليس بملوم‪ ،‬إذ آثر الحياء على لذة نفسه‪ .‬وقد ورد عن رسول ال صلى‬
‫ال عليعه وسعلم أنعه قال‪( :‬الحياء معن اليمان والبذاء من النفاق)‪ .‬وحدثنا أحمعد بعن‬
‫محمد عن أحمد بن مطرف عن عبعد ال بن يحيعى عن أبيه عن مالك عن سعلمة‬
‫بن صفوان الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسول ال صلى ال‬
‫عليعععععععه وسعععععععلم أنعععععععه قال‪ :‬لكعععععععل ديعععععععن خلق وخلق السعععععععلم الحياء‪.‬‬
‫فهذه السعباب الثلثعة أصعلها معن المحعب وابتداؤهعا معن قبله‪ ،‬والذم لصعق بعه فعي‬
‫نسيانه لمن يحب‪.‬‬
‫ثعم منهعا أسعباب أربععة هعن معن قبعل المحبوب وأصعلها عنده‪ ،‬فمنهعا‪ :‬الهجعر‪ ،‬وقعد‬
‫مر تفسير وجوهه‪ .‬ول بد لنا أن نورد منه شيئاً في هذا الباب يوافقه‪ ،‬والهجر إذا‬
‫تطاول وكثر العتاب واتصلت المفارقة يكون باباً إلى السلو وليس من وصلك ثم‬

‫قطععك لغيرك معن باب الهجعر فعي شيعء‪ ،‬لنعه الغدر الصعحيح‪ ،‬ول معن مال إلى‬
‫غيرك دون أن يتقدم لك معععه صععلة مععن الهجععر أيضاً فععي شيععء‪ ،‬إنمععا ذاك هععو‬
‫النفار‪ .‬وسعيقع الكلم فعي هذيعن الفصعلين بععد هذا إن شاء ال تعالى‪ .‬لكعن الهجعر‬
‫ممعن وصعلك ثعم قطععك لتنقيعل واش‪ ،‬ولذنعب واقعع‪ ،‬أو لشيعء قام فعي النفعس‪ ،‬ولم‬
‫يمعل إلى سعواك ول أقام أحداً غيرك مقامعك‪ .‬والناس فعي هذا الفصعل معن المحعبين‬
‫ملوم دون سعائر السعباب الواقععة معن المحبوب؛ لنعه ل تقعع حالة تقيعم العذر فعي‬
‫نسعيانه‪ ،‬وإنمعا هعو راغعب ععن وصعلك‪ ،‬وهعو شيعء ل يلزمعه‪ .‬وقعد تقدم معن أذمعة‬
‫الوصال وحق أيامه‪ ،‬ما يلزم التذكر ويوجب عهد اللفة‪ ،‬ولكن السالي على جهة‬
‫التصعبر والتجلد هعا هنعا معذور‪ ،‬إذا رأى الهجعر متمادياً ولم يعر للوصعال علمعة‬
‫ول للمواجهة دللة‪ .‬وقد استجاز كثير من الناس أن يسموا هذا المعنى غدراً‪ ،‬إذ‬
‫ظاهرهمعا واحعد‪ ،‬ولكعن علتيهمعا مختلفتان‪ .‬فلذلك فرقنعا بينهمعا فعي الحقيقعة‪ .‬وأقول‬
‫في ذلك شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫فكونوا كمن لم أدر قط فإنني‬

‫كآخر لم تدروا ولم تصلـوه‬

‫أنا كالصدى ما قال كل أجببه‬

‫فما شئنموه اليوم فاعتمـدوه‬

‫وأقول أيضًا قطععة‪ ،‬ثلثة أبيات قلتها وأنا نائم‪ ،‬واسعتيفظت فأضفت إليها البيت‬
‫الرابع‪:‬‬
‫أل للـه دهـر كـنـت فـيه‬

‫أعز على من روحي وأهلي‬

‫فما برحت يد الهجران حتـى‬

‫طواك بنانها كي الـسـجـل‬

‫سقاني الصبر هجركم كما قـد‬

‫سقاني الحب وصلكم بسجـل‬

‫وجدت الوصل أصل الوجد حقا‬

‫وطول الهجر أصلً للتسلـي‬

‫وأقول أيضًا قطعة‪:‬‬
‫لو قيل لي من قبـل ذا‬

‫أن سوف تسلو من تود‬

‫فخلفت ألف فـسـامة‬

‫ل كان ذا أبـد البـد‬

‫وإذا طويل الهجر مـا‬

‫معه من السلوان بـد‬

‫للـه هـجـرك إنـه‬

‫ساع لبرئي مجتـهـد‬

‫فالن أعجب للـسـل‬

‫و وكنت أعجب للجلد‬

‫وأرى هواك كجمـرة‬

‫نحت الرماد لها مـدد‬

‫وأقول‪:‬‬
‫كانت جهنم في الحشى من حبكم‬

‫فلقد أراها نـار إبـراهـيمـا‬

‫ثم السباب الثلثة الباقية التي هي من قبل المحبوب‪ ،‬فالمتصبر من الناس فيها‬
‫غيععععععر مذموم‪ .‬لمععععععا سععععععتورده إن شاء ال فععععععي كععععععل فصععععععل منهععععععا‪.‬‬
‫فمنهعععععععععععععا نفار يكون فععععععععععععععي المحبوب وانزواه قاطعععععععععععععع للطماع‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وإنعي لختعر عنعي أنعي ألفعت فعي أيام صعباي ألفعة المحبعة جاريعة نشأت فعي دارنعا‬
‫وكانعت فعي ذلك الوقعت بنعت سعتة عشعر عاماً؛ وكانعت غايعة فعي حسعن وجههعا‬
‫وعقلهعا وعفافهعا وطهارتهعا وخفرهعا ودماثهعا‪ ،‬عديمعة الهزل؛ منيععة البذل بديععة‬
‫البشر‪ ،‬مسبلة الستر؛ فقيدة الذام‪ ،‬قليلة الكلم؛ مغضوضة البصر‪ ،‬شديدة الحذر؛‬
‫نقيععة مععن العيوب‪ ،‬دائمععة القطوب؛ حلوة العراض‪ ،‬مطبوعععة النقباض مليحععة‬
‫الصعدود‪ ،‬رزينعة العقود؛ كثيرة الوقار‪ ،‬مسعتلذة النفار‪ ،‬ل توجعه الراجعي نحوهعا‪،‬‬
‫ول تقعف المطامعع عليهعا‪ ،‬ول معرس للمعل لديهعا‪ ،‬فوجههعا جالب كعل القلوب‪،‬‬

‫وحالهعا طارد معن أمهعا‪ .‬تزدان فعي المنعع والبخعل‪ ،‬مال يزدان غيرهعا بالسعماحة‬
‫والبذل‪ ،‬موقوفعة على الجعد فعي أمرهعا غيعر راغبعة فعي اللهعو‪ ،‬على أنهعا كانعت‬
‫تحسععن العود إحسععاناً جيدًا فجنحععت إليهععا وأحببتهععا حباً مفرطًا شديداً‪ ،‬فسعععيت‬
‫عاميعن أو نحوهمعا أن تجيبنعي بكلمعة وأسعمع معن فيهعا لفظعة‪ ،‬غيعر معا يقعع فعي‬
‫الحديث الظاهر إلى كل سامع‪ ،‬بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة‪،‬‬
‫فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما تصطنع له في دور الرؤساء‪ ،‬تجمعت‬
‫فيعه دخلتنعا ودخلة أخعي رحمعه ال معن النسعاء ونسعاء فتياننعا ومعن لث بنعا معن‬
‫خدمنعا‪ ،‬ممعن يخعف موضععه ويلطعف محله‪ ،‬فلبئن صعدراً معن النهار ثعم تنقلن إلى‬
‫قصعة كانعت فعي دارنعا مشرفعة على بسعتان الدار ويطلع منهعا على جميعع قرطبعة‬
‫وفحوصها‪ ،‬مفتحة البواب‪ .‬فصرن ينظرن من خلل الشراجيب وأنا بينهن فإني‬
‫لذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنساً بقربها متعرضًا للدنو منها‪،‬‬
‫فمععا هععو إل أن ترانععي فععي جوارهععا فتترك ذلك الباب وتقصععد غيره فععي لطععف‬
‫الحركة‪ .‬فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه‪ ،‬فتعود إلى مثل ذلك الفعل‬
‫معن الزوال إلى غيره‪ .‬وكانعت قعد علمعت كلفعي بهعا ولم يشععر سعائر النسعوان بمعا‬
‫نحععن فيععه‪ ،‬لنهععن كععن عدداً كثيراً‪ .‬وإذ كلهععن يتنقلن مععن باب إلى باب لسععبب‬
‫الطلع من بعض البواب على جهات ل يطلع من غيرها عليها وأعلم أن قيافة‬
‫النسعاء فيمعن يميعل إليهعن أنفعذ معن قيافعة مدلج فعي الثار‪ .‬ثعم نزلن إلى البسعتان‬
‫فرغعب عجائزنعا وكرائمنعا إلى سعيدتها فعي سعماع غنائهعا‪ ،‬فأمرتهعا‪ ،‬فأخذت العود‬
‫وسعوته بخفعر وخجعل ل عهعد لي بمثله‪ ،‬وإن الشيعء يتضاععف حسعنه فعي عيعن‬
‫مستحسنه ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الحنف حيث يقول‪:‬‬

‫إني طربت إلى شمس إذا غربت‬

‫كانت مغاربها جوف المقاصير‬

‫شمس ممثلة في خلـق جـارية‬

‫كأن أعطافها طي الطـوامـير‬

‫لست من النس إل في مناسـبة‬

‫ول من الجن إل في التصـاوير‬

‫فالوجه جوهرة والجسم عبهـرة‬

‫والريح عنبرة والكل من نـور‬

‫كأنها حين تخطو في مجاسدهـا‬

‫تخطوعلى البيض أوحد للقوارير‬

‫فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي‪ ،‬وما نسيت ذلك اليوم ول أنساه إلى‬
‫يوم مفارقتعي الدنيعا‪ .‬وهذا أكثعر معا وصعلت إليعه معن التمكعن معن رؤيتهعا وسعماع‬
‫كلمها‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ل تلمها على النفار ومنع ال‬

‫وصل ما هذا لها بنـكـير‬

‫هل يكون الهلل غير بعـيد‬

‫أو يكون الغزال غير نفور‬

‫وأقول‪:‬‬
‫منعت جمال وجهك مقلتـيا‬

‫ولفظك قد ضننت به عليا‬

‫أراك نذرت للرحمن صوما‬

‫فلست تكلمين الـيوم حـيا‬

‫وقد غنيت للعباس شعـرا‬

‫هنيئا ذا لعبـاس هـنـيا‬

‫فلو يلقاك عباس لضحـى‬

‫لفوز قانيا وبكـم شـجـيا‬

‫ثعم انتقعل أبعي رحمعه ال معن دورنعا المحدثعة بالجانعب الشرقعي معن قرطبعة فعي‬
‫ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلط مغيث في‬
‫اليوم الثالث معن قيام أميعر المؤمنيعن محمعد المهدي بالخلفعة‪ .‬وانتقلت أنعا بانتقاله‪،‬‬
‫وذلك فععي جمادى الخرة سععنة تسععع وتسعععين وثلثمائة‪ ،‬ولم تنتقععل هععي بانتقالنععا‬
‫لمور أوجبععت ذلك‪ .‬ثععم شغلنععا بعععد قيام أميععر المؤمنيععن هشام المؤيععد بالنكبات‬

‫وباعتداء أرباب دولتعه‪ ،‬وامتحنا بالعتقال والترقيعب والغرام الفادح والسعتتار‪،‬‬
‫وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس‪ ،‬وخصتنا‪ ،‬إلى أن توفي أبي الوزير‬
‫رحمعه ال ونحعن فعي هذه الحوال بععد العصعر يوم السعبت لليلتيعن بقينعا معن ذي‬
‫القعدة عام اثنتيععن وأربعمائة‪ .‬واتصععلت بنععا تلك الحال بعده إلى أن كانععت عندنععا‬
‫جنازة لبععض أهلنعا فرأيتهعا‪ .‬وقعد ارتفععت الواعيعة‪ ،‬قائمعة فعي المأتعم وسعط النسعاء‬
‫فععي جملة البواكععي والنوادب فلقععد أثارت وجداً دفيناً وحركععت سععاكناً‪ ،‬وذكرتنععي‬
‫عهداً قديماً وحباً تليداً ودهراً ماضياً وزمناً عافياً وشهوراً خوالي وأخباراً بوالي‬
‫ودهوراً فوانععي وأيامًا قععد ذهبععت وآثارًا قععد دثرت‪ ،‬وجددت أحزانععي وهيجععت‬
‫بلبلي‪ ،‬على أنعي كنعت فعي ذلك الهنار مرزاً مصعاباً معن وجوه‪ ،‬ومعا كنعت نسعيت‬
‫لكععن زاد الشجععى وتوقدت اللوعععة وتأكععد الحزن وتضاعععف الشععف‪ ،‬واسععتجلب‬
‫الوجد ما كان منه كامناً فلباه مجيباً‪ .‬فقلت قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يبكي لميت مات وهو مـكـرم‬

‫وللحي أولى بالدموع الذوارف‬

‫فيا عجبا من آسف ل مرئ ثوى‬

‫وما هو للمقتول ظالما بآلـف‬

‫ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند البربر‪ ،‬فخرجت‬
‫عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة وغابت عن بصرى بعد تلك الرؤية‬
‫الواحدة ستة أعوام وأكثر‪ ،‬ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة فنزلت‬
‫على بععض نسعائنا فرأيتهعا هنالك‪ ،‬ومعا كدت أن أميزهعا حتعى قيعل لي هذه فلنعة‬
‫وقعد تغيعر أكثعر محاسعنها‪ ،‬وذهبعت نضارتهعا‪ ،‬وفنيعت تلك البهجعة‪ ،‬وغاض ذلك‬
‫الماء الذي كان يرى كالسععيف الصععقيل والمرآة الهنديععة‪ ،‬وذبععل ذلك النوار الذي‬

‫كان البصر يقصد نحوه متنوراً‪ ،‬ويرتاد فيه متخيراً‪ ،‬وينصرف عنه متحيراً‪ .‬فلم‬
‫يبق إل البعض المنبئ عن الكل‪ ،‬والخبر المخبر عن الجميع‪ ،‬وذلك لقلة اهتبالها‬
‫بنفسعها‪ ،‬وعدمهعا الصعيانة التعي كانعت غذيعت بهعا أيام دولتنعا وامتداد ظلنعا ولتبذلهعا‬
‫في الخروج فيما ل بد لها منه مما كانت تصان وترفع عنه قبل ذلك وإنما النساء‬
‫رياحين متى لم تتعاهد نقصت‪ ،‬وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت‪ ،‬ولذلك قال من‬
‫قال‪ :‬إن حسعن الرجال أصعدق صعدقاً وأثبعت أصعلً وأعتعق جودة لصعبره على معا‬
‫لو لقعى بعضعه وجوه النسعاء لتغيرت أشعد التغيعر‪ ،‬مثعل الهجيعر والسعموم والرياح‬
‫واختلف الهواء وعدم الكعن‪ ،‬وإنعي لو نلت منهعا أقععل وصعل وأنسعت لي بععض‬
‫النعس لخولطعت طرباً أو لمعت فرحاً‪ ،‬ولكعن هذا النفار الذي صعبرني وأسعلني‪.‬‬
‫وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كل الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم‬
‫يقعع تثبعت يوجعب الوفاء‪ ،‬ول عهعد يقتضعي المحافظعة‪ ،‬ول سعلف ذمام‪ ،‬ول فرط‬
‫تصادف يلم على تضييعه ونسيانه‪.‬‬

‫ومنهعا جفاء يكون معن المحبوب‪ ،‬فإذا أفرط فيعه وأسعرف وصعادف معن المحعب‬
‫نفسعاً لهعا بععض النفعة والعزة تسعلى‪ ،‬وإذا كان الجفاء يسعيراً منقطعاً أو دائماً أو‬
‫كعبيراً منقطعاً أحتمعل وأغضعى عليعه‪ ،‬حتعى إذا كثعر ودام فل بقاء عليعه‪ .‬ول يلم‬
‫الناس لمن يحب في مثل هذا‪.‬‬

‫ومنها الغدر‪ ،‬وهو الذي ل يحتمله أحد‪ ،‬ول يغضى عليه كريم‪ ،‬وه المسلة حقاً‪.‬‬
‫ول يلم السالي عنه على أي وجه كان ناسياً أو متصبراً‪ ،‬بل اللئمة لحقة لمن‬

‫صعبر عليعه‪ .‬ول أن القلوب بيعد مقلبهعا ل إله إل هعو ول يكلف المرء صعرف قلبعه‬
‫ول إحاطععة اسععتحسانه‪ ،‬ول ذاك لقلت إن المتصععبر فععي سععلوه مععع الغدر يكاد أن‬
‫يستحق الملمة والتعنيف‪ .‬ول أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذوي الحفيظة‬
‫والسعرى السعجايا معن الغدر‪ ،‬فمعا يصعبر عليعه إل دنيعء المروءة خسعيس الهمعة‬
‫ساقط النفة‪ ،‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫هواك فلست أقربه غـرور‬

‫وأنت لكل من يأتي سرير‬

‫وما إن تصبرين على حبيب‬

‫فحولك منهم عدد كـثـير‬

‫فلو كنت المير لما تعاطى‬
‫رأيتك كالماني ما على من‬
‫ول عنها لمن يأتي دفاع‬

‫لقاءك خوف جمعهم المير‬
‫يلم بها ولو كثروا غـرور‬
‫ولو حشد النام لهم نفير‬

‫ثم سبب ثامن‪ ،‬وهو ل من المحب ول من المحبوب‪ ،‬ولكنه من ال تعالى‪ ،‬وهو‬
‫اليأس‪ .‬وفروععه ثلثعة‪ :‬إمعا موت‪ ،‬وإمعا بيعن ل يرجعى مععه أوبعة‪ ،‬وإمعا عارض‬
‫يدخععل على المتحابيععن بعلة المحععب التععي مععن أجلهععا وثععق المحبوب فيغيرهععا‪.‬‬
‫وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر‪ ،‬وعلى المحب الناسي في هذا الوجه‬
‫المنقسم إلى هذه القسام الثلثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر‬
‫ل فعي النفوس عجيباً‪ .‬وثلجاً لحعر الكباد كعبيراً‪ .‬وكعل‬
‫غيعر قليعل‪ ،‬وإن لليأس لعم ً‬
‫هذه الوجوه المذكورة أولً وآخراً فالتأنععي فيهععا واجععب‪ ،‬والتربععص على ِأهلهععا‬
‫حسععن‪ ،‬فيمععا يمكععن فيععه التأنععي ويصععح لديععه التربععص‪ ،‬فإذا انقطعععت الطماع‬
‫وانحسمت المال فحينئذ يقوم العذر‪.‬‬

‫وللشعراء فععن مععن الشعععر يذمون فيععه الباكععي على الدمععن‪ ،‬تويثنون على المثابر‬
‫على اللذات‪ .‬وهذا يدخل في باب السلو‪ .‬ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب‬
‫وافتخر به‪ ،‬وهو كثيراً ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره‪ ،‬تحكماً بلسانه‬
‫واقتداراً على القول‪ ،‬وفي مثل هذا أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫خل هذا وبادر الدهر وأرحـل‬

‫في رياض الربى مطي القفار‬

‫واحدها بالبديع من نغمـات ال‬

‫مود كيما تحث بالـمـزمـار‬

‫إن خيرا من الوقوف علىالـدا‬

‫ر وقوف البنـان بـالوتـار‬

‫وبدأ النرجس البديع كـصـب‬

‫حائر الطرف مائلً كالمـدار‬

‫لونه لون عاشق مـسـتـهـام‬

‫وهو ل شك هائم بالـبـهـار‬

‫ومعاذ ال أن يكون نسعععيان مادرس لنعععا طبعاً‪ ،‬ومعصعععبة ال بشرب الراح لنعععا‬
‫خلقاً‪ ،‬وكسعاد الهمعة لنعا صعفة‪ ،‬ولكعن حسعبنا قول ال تعالى‪ ،‬ومعن أصعدق معن ال‬
‫قيلً في الشعراء‪( :‬ألم تر أنهم في كل واد يهيمون‪ .‬وأنهم يقولون ما ل يفعلون)‪.‬‬
‫فهذه شهادة ال العزيعز الجبار لهعم‪ ،‬ولكعن شذوذ القائل للشععر ععن مرتبعة الشععر‬
‫خطععأ‪ .‬وكان سععبب هذه البيات أن حفنععي العامريععة‪ ،‬إحدى كرائم المظفععر عبععد‬
‫الملك ابن أبي عامر‪ ،‬كلفتني صنعتها فأحببتها‪ ،‬وكنت أجلها‪ ،‬ولها فيها صنعة في‬
‫طريقة النشيد والبسيطرائقة جدا‪ .‬ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الدب فقال‬
‫سععععععروراً بهععععععا‪ :‬يجععععععب أن توضععععععع هذه فععععععي جملة عجائب الدنيععععععا‪.‬‬
‫فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية‪ :‬منها ثلثة هي من المحب‪ ،‬اثنان منها‬
‫يذم السالي فيهما على كل وجه‪ ،‬وهما الملل والستبدال‪ ،‬وواحد منها يذم السالي‬

‫فيعه ول يذم المتصعبر‪ ،‬وهعو الحياء كمعا قدمنعا‪ .‬وأربععة معن المحبوب‪ ،‬منهعا واحعد‬
‫يذم الناي فيععه ول يذم المتصععبر‪ ،‬وهععو الهجععر الدائم‪ .‬وثلثععة ل يذم السععالي فيهععا‬
‫على أي وجعه كان ناسعياً أو متصعبراً‪ ،‬وهعي النفار والجفاء والغدر‪ .‬ووجعه ثامعن‬
‫وهعو معن قبعل ال ععز وجعل‪ ،‬وهعو اليأس إمعا بموت أو بيعن أو آفعة تزمعن‪ .‬فعي هذه‬
‫معذور‪.‬‬
‫وعنعي أخعبرك أنعي جبلت على طعبيعتين ل يهنئنعي معهمعا عيعش أبداً‪ ،‬وإنعي لبرم‬
‫بحياتي باجتماعهما وأود التثبت من نفسي أحيانًا لفقدها أنا بسببه من النكد من‬
‫أجلهمعا‪ ،‬وهمعا‪ :‬وفاء ل يشوبعه تلون قعد اسعتوت فيعه الحضرة والعيعب‪ ،‬والباطعن‬
‫والظاهعر‪ ،‬تولده اللفعة التعي لم تعزف بهعا نفسعي عمعا دربتعه‪ ،‬ول تتطلع إلى عدم‬
‫معن صعحبته‪ ،‬وعزة نفعس لتقعر على الضيعم‪ ،‬مهتمعة لقعل معا يرد عليهعا معن تغيعر‬
‫المعارف مؤثرة للموت عليعه‪ .‬فكعل واحدة معن هاتيعن السعجيتين تدععو إلى نفسعها‬
‫وإنعي لجفعى فأحتمعل‪ ،‬وأسعتعمل الناة الطويلة‪ ،‬والتلوم الذي ل يكاد يطيقعه أحعد‪،‬‬
‫فإذا أفرط المععر وحميععت نفسععي تصععبرت‪ ،‬وفععي القلب مععا فيععه وفععي ذلك أقول‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لي حلتان أذاقاني السى جرعا‬
‫كلتاهما تطبينى نحو جبلـتـهـا‬

‫ونغصا عيشي واستهلكا جلدي‬
‫كالصيد ينشب بين الذئب والسد‬

‫وفاء صدق فما فارقت ذا مـقة‬

‫فزال حزني عليه آخر البـد‬

‫وعزة ل يحل الضيم ساحتـهـا‬

‫صرامة فيه بالموال والولـد‬

‫وممعا يشبعه معا نحعن فيعه‪ ،‬وإن كان أيعس منعه‪ ،‬أن رجلً معن إخوانعي كنعت أحللتعه‬
‫معن نفسعي محلهعا‪ ،‬وأسعقطت المؤونعة بينعي وبينعه‪ ،‬وأعددتعه ذخراً وكنزاً‪ ،‬وكان‬

‫كثيعر السعمع معن كعل قائل‪ ،‬فدب ذو النميمعة بينعي وبينعه‪ ،‬فحاكوا له وأنجعح سععيهم‬
‫عنده‪ ،‬فانقبععض عمععا كنععت أعهده‪ .‬فتربصععت عليععه مدة فععي مثلهععا أوب الغائب‪،‬‬
‫ورضي العاتب‪ ،‬فلم يزدد إل انقباضاً فتركته وحاله‪.‬‬

‫الباب الثامن والعشرون‬
‫الموت‬
‫وربما تزايد المر ورق الطبع وعظم الشفاق فكان سبباً للموت ومفارقة الدنيا‪،‬‬
‫وقد جاء في الثار‪ :‬من عشق فعف فمات فهو شهيد‪ .‬وفي ذلك قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فإن أهلك هوى أهلك شهـيدا‬
‫روى هذا لنـا قـوم ثـقـات‬

‫وإن تمنن بقيت قرير عـين‬
‫ثووا بالصدق عن جرح ومين‬

‫ولقعد حدثنعي أبعو السعرى عمار بعن زياد صعاحبنا عمعن يثعق بعه‪ ،‬أن الكاتعب ابعن‬
‫قزمان امتحن بمحبة أسعلم بن عبعد العزيعز‪ ،‬أخى الحاجب هاشم بن عبعد العزيز‪.‬‬

‫وكان أسلم غاية في الجمال‪ ،‬حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية‪ .‬وكان‬
‫أسعلم كثيعر اللمام بعه والزيارة له ول علم له بأنعه أصعل دائه‪ ،‬إلى أن توفعي أسعفاً‬
‫ودنفاً‪.‬‬
‫قال المخععبر‪ :‬فأخععبرت أسععلم بعععد وفاتععه بسععبب علتععه وموتععه فتأسععف وقال‪ :‬هل‬
‫أعلمتنعي؟ فقلت‪ :‬ولم؟ قال‪ :‬كنعت وال أزيعد فعي صعلته ومعا أكاد أفارقعه‪ ،‬فمعا علي‬
‫في ذلك ضرر‪ .‬وكان أسلم هذا من أهل الدب البارع والتفين‪ ،‬مع حظ من الفقه‬
‫وافعر‪ ،‬وذا بصعارة فعي الشععر‪ ،‬وله شععر جيعد‪ ،‬وله معرفعة بالغانعي وتصعرفها‪،‬‬
‫وهعو صعاحب تأليعف فعي طرائق غناء زرياب وأخباره‪ ،‬وهعو ديوان عجيعب جدا‪.‬‬
‫وكان أحسعن الناس خلقاً وخلقعا‪ ،‬وهعو والد أبعي الجععد الذي كان سعاكناً بالجانعب‬
‫الغربي من قرطبة‪.‬‬

‫وأنا أعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن‬
‫يوجب السخط‪ ،‬فباعها‪ .‬فجزعت لذلك جزعًا شديداً وما فارقها النحول والسف‪،‬‬
‫ول بان ععن عينهعا الدمعع إلى أن سعلت‪ ،‬وكان ذلك سعبب موتهعا‪ .‬ولم تععش بععد‬
‫خروجهعا عنعه إل أشهراً ليسعت بالكثيرة‪ .‬ولقعد أخعبرتني عنهعا امرأة أثعق بهعا أنهعا‬
‫لقيتهعا وهعي قعد صعارت كالخيعل نحولً ورقعة فقالت لهعا‪ :‬أحسعب هذا الذي بعك معن‬
‫محبتعك لفلن؟ فتنفسعت الصععداء وقالت‪ :‬وال لنسعيته أبداً‪ ،‬وإن كان جفانعي بل‬
‫سععععععععععععبب‪ .‬ومععععععععععععا عاشععععععععععععت بعععععععععععععد هذا القول إل يسععععععععععععيراً‪.‬‬
‫وأنععا أخععبرك عععن أبععي بكععر أخععي رحمععه ال‪ ،‬وكان متزوجاً بعاتكععة بنععت قنععد‪،‬‬
‫صعاحب الثغعر العلى أيام المنصعور أبعي عامعر محمعد بعن عامعر‪ ،‬وكانعت التعي ل‬

‫مرمعى وراءهعا فعي جمالهعا وكريعم خللهعا‪ ،‬ول تأتعي الدنيعا بمثلهعا فعي فضائلهعا‪.‬‬
‫وكانعا فعي حعد الصعبا وتمكعن سعلطانه تغضعب كعل واحعد منهمعا الكلمعة التعي ل قدر‬
‫لهعا‪ ،‬فكانعا لم يزال فعي تغاضعب وتعاتعب مدة ثمانيعة أعوام‪ ،‬وكانعت قعد شفهعا حبعه‬
‫واضناها الوجد فيه وانحلها شدة كلفها به حتى صارت كالخيال المتوسم دنفاً‪ ،‬ل‬
‫يلهيهعا معن الدنيعا شيعء‪ ،‬ول تسعر معن أموالهعا على عرضهعا وتكاثرهعا بقليعل ول‬
‫كثيععر إذا فاتهععا اتفاقععه معهععا وسععلمته لهععا‪ .‬إلى أن توفععي أخععي رحمععه ال فععي‬
‫الطاعون الواقععع بقرطبععة فععي شهععر ذي القعدة سععنة إحدى وأربعمائة‪ ،‬وهععو ابععن‬
‫اثنتيععن وعشريععن سععنة‪ ،‬فمععا انفكععت منععذ بان عنهععا مععن السععقم الدخيععل والمرض‬
‫والذبول إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الرض عاماً‪.‬‬
‫ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده‪ :‬ما يقوى صبري‬
‫ويمسك رمقي في الدنيا ساعة واحدة بعد وفاته إل سروري وتيقني أنه ل يضمه‬
‫وامرأة مضجععع أبداً‪ ،‬فقععد أمنعت هذا الذي معا كنعت أتخوف غيره‪ ،‬وأعظععم آمالي‬
‫اليوم اللحاق به‪.‬‬

‫ولم يكن له قبلها ول معها امرأة غيرها‪ ،‬وهي كذلك لم يكن لها غيره‪ ،‬فكان كما‬
‫قدرت‪ .‬غفر ال لها ورضي عنها‪.‬‬

‫وأمعا خعبر صعاحبنا أبعي عبعد ال محمعد بعن يحيعى بعن محمعد بعن الحسعين التميمعي‪،‬‬
‫المعروف بابعن الطنعبي‪ .‬فإنعه كان رحمعه ال كأنعه قعد خلق الحسعن على مثاله أو‬
‫خلق معن نفعس كعل معن رآه‪ ،‬لم أشعد له مثلً حسعناً وجمال وخلقاً وعفعة وتصعاوناً‬

‫وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسعععععؤدداً وطهارة وكرماً ودماثعععععة وحلوة ولباقعععععة‬
‫وإغضامعو عقل ومروءة وديناً وداريعة وحفظاً للقرآن والحديعث والنحعو واللغعة‪،‬‬
‫وشاعراً مفلقاً حسععن الخععط‪ ،‬وبليغاً مفنناً‪ ،‬مععع حععظ صععالح مععن الكلم والجدال‪،‬‬
‫وكان معن غلمان أبعي القاسعم عبعد الرحمعن بعن أبعي يزيعد الزدي أسعتاذي فعي هذا‬
‫الشأن‪ ،‬وكان بينعه وبيعن أبيعه اثنعا عشعر عامًا فعي السعن‪ ،‬وكنعت أنعا وهعو متقاربيعن‬
‫فعي السعنان‪ .‬وكنعا أليفيعن ل نفترق‪ ،‬وخذنيعن ل يجري الماء بيننعا إل صعفاء‪ ،‬إلى‬
‫أن ألقعت الفتنعة جرانهعا وأرخعت ععز إليهعا ووقعع انتهاب جنعد البربر منازلنعا فعي‬
‫الجانعب الغربعي بقرطبعة ونزولهعم فيهعا‪ ،‬وكان مسعكن أبعي عبعد ال فعي الجانعب‬
‫الشرقعي ببلط مغيعث‪ ،‬وتقلبعت بعي المور إلى الخروج ععن قرطبعة وسعكن مدينعة‬
‫المريعة‪ ،‬فكنعا نتهادى النظعم والنثعر كثيراً وآخعر معا خاطبنعي بعه رسعالة فعي درجهعا‬
‫هذه البيات‪:‬‬
‫ليت شعري عن حبل ودك هل يم‬

‫سي جديدا لـدي غـير رثـيث‬

‫وأرانـي أرى مـحـياك يومـا‬

‫وأناجيك فـي بـلط مـغـيث‬

‫فلو أن الديار ينهضهـا الـشـو‬

‫ق أناك البلط كالمسـتـغـيث‬

‫ولو أن القلوب تسطـيع سـيرا‬

‫سار قلبي إليك سير الحـثـيث‬

‫كن كما شئت لي فإني مـحـب‬

‫ليس لي غير ذكركم من حديث‬

‫لك عندي وإن تناسـيت عـهـد‬

‫في صميم الفؤاد غير نـكـيث‬

‫فكنععا على ذلك إلى أن انقطعععت دولة بنععي مروان وقتععل سععليمان الظافععر أميععر‬
‫المؤمنيعععن وظهرت دولة الطالبيعععة وبويعععع علي بعععن حمود الحسعععني‪ ،‬المسعععمى‬
‫بالناصعر بالخلفعة‪ ،‬وتغلب على قرطبعة وتملكهعا واسعتمر فعي قتاله إياهعا بجيوش‬

‫المتغلبيععن والثوار فععي أقطار الندلس‪ .‬وفععي إثععر ذلك نكبنععي خيران صععاحب‬
‫المريعة‪ ،‬إذ نقعل إليعه معن لم يتعق ال ععز وجعل معن الباغيعن ‪ -‬وقعد انتقعم ال منهعم ‪-‬‬
‫عنعي وعن محمد بن إسعحاق صاحبي أنا نسععى فعي القيام بدعوة الدولة المويعة‪،‬‬
‫فاعتقلنعا عنعد نفسعه أشهراً ثعم أحرجنعا على جهعة التغريعب‪ ،‬فصعرنا إلى حصعن‬
‫القصعر‪ .‬ولقينعا صعاحبه أبعو القاسعم عبعد ال بعن هذيعل التجيعبي‪ ،‬المعروف بابعن‬
‫المقفعل‪ ،‬فأقمنعا عنده شهورًا فعي خيعر دار إقامعة‪ ،‬وبيعن خيعر أهعل وجيران‪ ،‬وعنعد‬
‫أجعل الناس همعة وأكملهعم معروفاً وأتمهعم سعيادة‪ .‬ثعم ركبنعا البحعر قاصعدين بلنسعية‬
‫عنعد ظهور أميعر المؤمنيعن المرتضعى عبعد الرحمعن ابعن محمعد‪ ،‬وسعاكناه بهعا‪.‬‬
‫فوجدت ببلنسعية أبعا شاكعر عبعد الرحمعن بعن محمعد بعن موهعب العنعبري صعديقنا‪،‬‬
‫فنععى إلى أبعا عبعد ال بعن الطنعبي وأخعبرني بموتعه رحمعه ال ثعم أخعبرني بععد ذلك‬
‫بمدينة القاضي أبو الوليد يونس بن محمد المردي وأبو عمر وأحمد ابن محرز‪،‬‬
‫أن أبعا بكعر المصععب بعن عبعد ال الزدي‪ ،‬المعروف بابعن الفرضعى‪ ،‬حدثهمعا‪،‬‬
‫وكان والد المصععععب هذا قاضعععي بلنسعععية أيام أميعععر المؤمنيعععن المهدي؛ وكان‬
‫المصعععب لنععا صععديقاً وأخاً وأليفاً أيام طلبنععا الحديععث على والده وسععائر شيوخ‬
‫المحدثين بقرطبة قال‪ :‬قال لنا المصعب‪ :‬سألت أبا عبد اله بن الطنبي عن سبب‬
‫علتعه‪ ،‬وهعو قعد نحعل وخفيعت محاسعن وجهعه بالضنعى فلم يبعق إل عيعن جوهرهعا‬
‫المخعبر ععن صعفاتها السعالفة‪ ،‬وصعار يكاد أن يطيره النفعس‪ ،‬وقرب معن النحناء‪،‬‬
‫والشجا باد على وجهه‪ ،‬ونحن منفردان‪ .‬فقال لي‪ .‬نعم‪ :‬أخبرك أني كنت في باب‬
‫داري بقديععد الشماس فععي حيععن دخول علي بععن حمود قرطبععة؛ والجيوش واردة‬
‫عليهعا معن الجهات تتسعارب فرأيعت فعي جملتهعم فتعى لم أقدر أن للحسعن صعورة‬

‫قائمة حتى رأيته‪ ،‬فغلب على عقلي وهام به لبي‪ ،‬فسألت عنه فقيل لي‪ :‬هذا فلن‬
‫بن فلن‪ ،‬من سكان جهة كذا‪ ،‬ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ‪ .‬فيئست من‬
‫رؤيتععه بعععد ذلك‪ .‬ولعمري يععا أبععا بكععر ل فارقنععي حبععه أو يوردنععي رمسععى‪.‬‬
‫فكان كذلك‪ ،‬وأنعا أعرف ذلك الفتعى وأدريعه‪ ،‬وقعد رأيتعه لكنعي أضربعت ععن اسعمه‬
‫لنعععه قعععد مات والتقعععى كلهمعععا عنعععد ال ععععز وجعععل‪ .‬عفعععا ال ععععن الجميعععع‪.‬‬
‫هذا على أن أبعععا عبعععد ال‪ ،‬أكرم ال نزله‪ ،‬ممعععن لم يكعععن له وله قعععط‪ ،‬ول فارق‬
‫الطريقة المثلى؛ ول وطئ حراماً قط؛ ول قارف منكراً؛ ول أتى منهياً عنه يحل‬
‫بدينه ومروءته؛ ول قارض من جفا عليه؛ وما كان في طبقتنا مثله‪ .‬ثم دخلت أنا‬
‫قرطبعة فعي خلفعة القاسعم بعن حمود المأمون فلم أقدم شيئاً على قصعد أبعي عمرو‬
‫القاسعم بعن يحيعى التميمعي أخعي عبعد ال رحمعه ال‪ .‬فسعألته ععن حاله وعزيتعه ععن‬
‫أخيعه ومعا كان أولى بالتعزيعة عنعه منعي‪ .‬ثعم سعألته ععن أشعاره ورسعائله إذ كان‬
‫الذي عندي منعه قعد ذهعب بالنهعب فعي السعبب الذي ذكرتعه فعي صعدر هذه الحكايعة‬
‫فأخبرني عنه أن لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم يشك في الموت دعا‬
‫بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها‪ ،‬فقطعها كلها ثم أمر بدفنها‪ .‬قال‬
‫أبو عمرو‪ :‬فقلب له‪ :‬يا أخي دعها تبقعي‪ .‬فقال‪ :‬إني أقطعهعا وأنا أدري أنعي أقطع‬
‫فيهعا أدباً كثيراً‪ ،‬ولكعن لو كان أبعو محمعد بعينعي حاضراً لدفعتهعا إليعه تكون عنده‬
‫تذكرة لمودتعي‪ ،‬ولكنعي ل أعلم أي البلد أضمرتعه ول أحعي هعو أم ميعت‪ .‬وكانعت‬
‫نكبتععي اتصععلت بععه ولم يعلم مسععتقري ول إلى مععا آل إليععه أمري فمععن مرائي له‬
‫قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬

‫لئي سترتك بطول اللحـود‬

‫فوجدي بعدك ل سـتـتـر‬

‫قصدت ديارك قصد المشوق‬

‫وللدهر فينا كـرور ومـر‬

‫فألفيتها منك قفـرا خـلء‬

‫فأسكبت عيني عليك العبر‬

‫وحدثنعي أبعو القاسعم الهمذانعي رحمعه ال قال‪ :‬كان معنعا ببغداد أخ لعبعد ال ابعن‬
‫يحيعى بعن أحمعد بعن دحون العقبعة‪ ،‬الذي عليعه مدار الفتيعا بقرطبعة‪ ،‬وكان أعلم معن‬
‫أخيععه وأجععل مقدراً‪ ،‬مععا كان فععي أصععحابنا ببغداد مثله‪ ،‬وأنععه اجتاز يوماً بدرب‬
‫قطنة؛ في زقاق ل ينفذ‪ .‬فدخل فيه فرأى في أقصاه جارية واقفة مكشوفة الوجه‪،‬‬
‫فقالت له‪ :‬يعا هذا‪ ،‬إن الدرب ل ينفعذ‪ ،‬قال‪ :‬فنظعر إليهعا فهام بهعا‪ .‬قال‪ :‬وانصعرف‬
‫إلينا فتزايد عليه أمرها‪ ،‬وخشى الفتنة فخرج إلى البصرة فمات بها عشقاً رحمه‬
‫ال‪ ،‬وكان فيما ذكر من الصالحين‪.‬‬

‫حكايعة‪ :‬لم أزل أسعمعها ععن بعبعض ملوك البرابر‪ ،‬أن رجل أندلسعياً باع جاريعة‪،‬‬
‫كان يجعد بهعا وجدا شديدا‪ ،‬لفاقعة أصعابته‪ ،‬معن رجعل معن أهعل ذلك البلد‪ ،‬ولم يظعن‬
‫بائعهععا أن نفسععه تتبعهععا ذلك التتبععع‪ .‬فلمععا حصععلت عنععد المشتري كادت نفععس‬
‫الندلسعي تخرج‪ .‬فأتعى إلى الذي ابتاعهعا منعه وحكمعه فعي ماله أجمعع وفعي نفسعه‪،‬‬
‫فأبعى عليعه‪ ،‬فتحمعل عليعه بأهعل البلد فلم يسععف منهعم أحعد‪ .‬فكاد عقله أن يذهعب‬
‫ورأى أن يتصععدى إلى الملك فتعرض له وصععاح‪ ،‬فسععمعه فأمععر بإدخاله‪ ،‬والملك‬
‫قاععد فعي عليعة له مشرفعة عاليعة فوصعل إليعه‪ .‬فمعا مثعل بيعن يديعه أخعبره بقصعته‬
‫واسعترحمه وتضرع إليعه‪ ،‬فرق له الملك فأمعر بإحضار الرجعل المبتاع فحضعر‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬هذا رجعل غريعب وهعو كمعا تراه وأنعا شفيععه إليعك‪ .‬فأبعى المتاع وقال‪ :‬أنعا‬

‫أشد حباً لها منه وأخشى أن صرفتها إليه أن أستغيث بك غداً أو أنا في أسوأ من‬
‫حالته‪ .‬فعرض له الملك ومن حواليه من أموالهم‪ ،‬فأبى ولج واعتذر بمحبته لها‪،‬‬
‫فلمعا طال المجلس ولم يروا منعه البتعة جنوحاً إلى السععاف قال للندلسعي‪ :‬يعا هذا‬
‫مالك بيدي أكثر مما ترى‪ ،‬وقد جهدت لك بأبلغ سعي‪ ،‬وهو تراه يعتذر بأنه فيها‬
‫أحب منك وأنه يخشى على نفسه شراً مما أنت فيه‪ ،‬فاصبر لما قضى ال عليك‪.‬‬
‫فقال له الندلسي‪ :‬فمالي بيدك حيلة؟ قال له‪ :‬وهل ها هنا غير الرغبة والبذل‪ ،‬ما‬
‫ِأستطيع لك أكثر‪ .‬فلما يئسي الندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى‬
‫العليعة إلى الرض‪ .‬فارتاع الملك وصعرخ‪ ،‬فابتدر الغلمان معن أسعفل‪ ،‬فقضعى أنعه‬
‫لم يتأذ فععي ذلك الوقوع كععبير أذى‪ ،‬فصعععد بععه إلى الملك‪ ،‬فقال‪ :‬ماذا أردت بهذا؟‬
‫فقال‪ :‬أيها الملك‪ ،‬ل سبيل لي إلى الحياة بعدها ثم هم أن يرمي نفسه ثانية‪ ،‬فمنع‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬ال أكععبر‪ ،‬قععد ظهععر وجععه الحكععم فععي هذه المسععألة‪ ،‬ثععم التفععت إلى‬
‫المشتري فقال‪ :‬يعا هذا‪ ،‬إنعك ذكرت أنعك أود لهعا منعه وتخاف أن تصعير فعي مثعل‬
‫حاله‪ ،‬فقال‪ :‬نعععم‪ .‬قال‪ :‬فإن صععاحبك هذا أبدى عنوان محبتععه وقذف بنفسععه يريععد‬
‫الموت لول أن ال ععز وجعل وقاه‪ ،‬فأنعت قعم فصعحح حبعك وترام معن أعلى هذه‬
‫القصعبة كمعا فععل صعاحبك‪ ،‬فإن معت فبأجلك وإن عشعت كنعت أولى بالجاريعة‪ ،‬إذ‬
‫هععي فععي يدك ويمضععي صععاحبك عنععك‪ ،‬وإن أبيععت نزعععت الجاريععة منععك رغماً‬
‫ودفعتها إليه‪ ،‬فتمنع ثم قال‪ ،‬أترامى‪ .‬فلما قرب من الباب ونظر إلى الهوى تحته‬
‫رجعع القهقري‪ ،‬فقال له الملك‪ :‬هعو وال معا قلت‪ ،‬فهعم ثعم نكعل‪ ،‬فلمعا لم يقدم قال له‬
‫الملك‪ :‬ل تتلععب بنعا‪ ،‬يعا غلمان‪ ،‬خذوا بيديعه وأرموا بعه إلى الرض فلمعا رأى‬
‫العزيمععة قال‪ :‬أيهععا الملك‪ ،‬قععد طابععت نفسععي بالجاريععة‪ .‬فقال له‪ :‬جزاك ال خيراً‪.‬‬

‫فاشتراها منه ودفعها إلى بائعها‪ ،‬وانصرفا‪.‬‬

‫الباب التاسع والعشرون‬
‫قبح المعصية‬
‫قال المصععنف رحمععه ال تعالى‪ :‬وكثيععر مععن الناس يطيعون أنفسععهم ويعصععون‬
‫عقولهم ويتبعون أهواءهم‪ ،‬ويرفضون أديانهم‪ ،‬ويتجنبوا ما حض ال تعالى عليه‬
‫ورتبعه في اللباب السليمة من العفعة وترك المعاصعي ومقارعة الهوى ويخالفون‬
‫ال ربهم‪ ،‬ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطية فيواقعون المعصية في‬
‫حبهم‪ .‬وقد علمنا أن ال عز وجل ركب في النسان طبيعتين متضادتين‪ :‬إحداهما‬
‫ل تشير إل بخير ول تحض إل على حسن ول يتصور فيها إل كل أمر مرضي‪،‬‬
‫وهي العقل‪ ،‬وقائده العدل‪.‬‬

‫والثانيعععة‪ :‬ضعععد لهعععا ل تشيعععر إل إلى الشهوات‪ ،‬ول تقود إل إلى الردى‪ ،‬وهعععي‬

‫النفععس‪ ،‬وقائدهععا الشهوة‪ .‬وال تعالى يقول‪( :‬إن النفععس لمارة بالسععوء)‪ .‬وكنععى‬
‫بالقلب عن العقل فقال‪( :‬إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو‬
‫شهيععد)‪ .‬وقال تعالى‪( :‬وحبععب ألكععم اليمان وزينععه فععي قلوبكععم)‪ .‬وخاطععب أولي‬
‫اللباب‪.‬‬
‫فهاتان الطعبيعتان قطبان فعي النسعان‪ ،‬وهمعا قوتان معن قوى الجسعد الفعال بهمعا‪،‬‬
‫ومطرحان معن مطارح شعاعات هذيعن الجوهريعن العجيعبين الرفيعيعن العلوييعن‬
‫ففي كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد‪ ،‬تقدست‬
‫أسععماؤه حيععن خلقععه وهيأه‪ .‬فهمععا يتقابلن أبداً ويتنازعان دأباً‪ ،‬فإذا غلب العقععل‬
‫النفعس ارتدع النسعان وقمعع عوارضعه المدخولة واسعتضاء بنور ال واتبعع العدل‬
‫وإذا غلبعت النفعس العقعل عميعت البصعيرة‪ ،‬ولم يصعح الفرق بيعن الحسعن والقبيعح‪،‬‬
‫وعظعععم اللتباس وتردى فعععي هوة الردى ومهواة الهلكعععة‪ ،‬وبهذا حسعععن المعععر‬
‫والنهععي‪ ،‬ووجععب الكتمال‪ ،‬وصععح الثواب والعقاب‪ ،‬واسععتحق الجزاء‪ .‬والروح‬
‫وأصععل بيععن هاتيععن الطععبيعتين‪ ،‬وموصععل مععا بينهمععا‪ ،‬وحامععل اللتقاء بهمععا وإن‬
‫الوقوف عنععد حععد الطاعععة لمعدوم إل بطول الرياضععة وصععحة المعرفععة ونفاذ‬
‫التمييععز‪ ،‬ومععع ذلك اجتناب التعرض للفتععن ومداخله الناس جملة والجلوس فععي‬
‫البيوت‪ ،‬وبالحري أن تقعع السعلمة المضمونعة أن يكون الرجعل حصعوراً ل أرب‬
‫له في النساء ول جارحة له تعبنه عليهن قديماً‪ .‬وورد‪ :‬من وقى شر لقلقه وقبقبه‬
‫وذبذبععه فقععد وقععى شععر الدنيععا بحذافيراهععا‪ .‬واللقلق‪ :‬اللسععان‪ .‬والقبقععب‪ :‬البطععن‪.‬‬
‫والذبذب‪ :‬الفرج ولقععد أخععبرني أبععو حفععص الكاتععب هععو مععن ولد روح بععن زنباع‬
‫الجذامعي‪ ،‬أنعه سعمع بععض المتسعمين باسعم الفقعه معن أهعل الروايعة المشاهيعر‪ ،‬وقعد‬

‫سعععععععععععئل ععععععععععععن هذا الحديعععععععععععث فقال‪ :‬القبقعععععععععععب‪ .‬البطيعععععععععععخ‪.‬‬
‫وحدثنعا أحمعد بعن محمعد بعن أحمعد‪ ،‬ثنعا وهعب بعن مسعرة ومحمعد بعن أبعي دليعم ععن‬
‫محمعد بعن وضاح ععن يحيعى بعن يحيعى ععن مالك بعن أنعس ععن زيعد بعن أسعلم ععن‬
‫عطاء ابن يسار‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال في حديث طويل‪( :‬من‬
‫وقاه ال شعر اثنتيعن دخعل الجنعة)‪ .‬فسعئل ععن ذلك فقال‪( :‬معا بيعن لحييعه ومعا بيعن‬
‫رجليعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه)‪.‬‬
‫وإنعي لسعمع كثيراً ممعن يقول‪ :‬الوفاء فعي قمعع الشهوات فعي الرجال دون النسعاء‬
‫فأطيعل العجعب معن ذلك‪ ،‬وإن لي قولً ل أحول عنعه‪ :‬الرجال والنسعاء فعي الجنوح‬
‫إلى هذيعن الشيئيعن سعواه‪ ،‬ومعا رجعل عرضعت له امرأة جميلة بالحعب وطال ذلك‬
‫ولم يكعن ثعم معن مانعع إل وقعع فعي شرك الشيطان واسعتهوته المعاصعي واسعتفزه‬
‫الحرص وتغوله الطمععع‪ ،‬ومععا امرأة دعاهععا رجععل بمثععل هذه الحالة إل وأمكنتععه‪،‬‬
‫حتماً مقضياً وحكماً نافذا ل محيعععععععععععععععععععد عنعععععععععععععععععععه البتعععععععععععععععععععة‪.‬‬
‫ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل النماء في الفقه والكلم المعرفة وذو‬
‫صلبة في دينه‪ ،‬أنه أحب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع‪ ،‬قال‪ :‬فعرضت لها‬
‫فنفرت‪ ،‬ثععم عرضععت فأبععت‪ .‬فلم يزل المععر يطول وحبهععا يزيععد‪ ،‬وهععي ل تطيععع‬
‫البتة‪ ،‬إلى أن حملني فرط حبي لها مع عمي الصبي على أن نذرت أني متى نلت‬
‫منهعا مرادي أن أتوب إلى ال توبعة صعادقة‪ .‬قال‪ :‬فمعا مرت اليام والليالي حتعى‬
‫أذعنعععت بععععد شماس ونفار‪ .‬فقلت له‪ :‬أنعععا فلن‪ ،‬وفيعععت بعهدك؟ فقال‪ :‬أي وال‪،‬‬
‫فضحكععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععت‪.‬‬
‫وذكرت بهذه الفعلة مععا لم يزل يداول فععي أسععماعنا مععن أن فععي بلد البربر التععي‬

‫تجاور أندلسعنا يتعهعد الفاسعق على أنععه إذا قضععى وطره ممعن أراد أن يتوب إلى‬
‫ال‪ ،‬فل يمنعع معن ذلك‪ .‬وينكرون على معن تعرض له بكلمععة ويقولون له‪ :‬أتحرم‬
‫رجلً مسلماً التوبة‪.‬‬

‫قال‪ :‬ولعهدي بهعا تبكعي وتقول‪ :‬وال لقعد بلغتنعي بملغاً معا خطعر قعط لي ببال‪ ،‬ول‬
‫قدرت أن أجيب إليه أحداً‪.‬‬

‫ولسعت أبععد أن يكون الصعلح فعي الرجال والنسعاء موجوداً‪ .‬وأعوذ بال أن أظعن‬
‫غير هذا‪ ،‬وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة‪ ،‬أعني الصلح‪ ،‬غلطاً‬
‫بعيداً والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت‬
‫انضبطعت‪ ،‬وإذا قطععت عنهعا الذرائع أمسعكت‪ .‬والفاسعدة هعي التعي إذا ضبطعت لم‬
‫تنضبععط‪ ،‬وإذا حيععل بينهععا وبيععن السععباب التععي تسععهل الفواحععش تحيلت فععي أن‬
‫تتوصععل إليهععا بضروب مععن الحيععل‪ .‬والصععالح مععن الرجال مععن ل يداخععل أهععل‬
‫الفسعوق ول يتعرض إلى المناظعر الجالبعة للهواء‪ ،‬ول يرفعع طرفعه إلى الصعور‬
‫البديععععة الصعععنعة‪ ،‬ويتصعععدى للمشاهعععد المؤذيعععة‪ ،‬ويحعععب الخلوات المهلكات‬
‫والصعالحان معن الرحال والنسعاء كالنار الكامنعة فعي الرماد ل تحرق معن جاورهعا‬
‫إل بأن تحرك والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء‪.‬‬
‫وأمععا امرأة مهملة ورجععل متعرض فقععد هلكععا وتلفععا‪ .‬ولهذا حرم على المسععلم‬
‫اللتذاذ بسعماع نغمعة امرأة أجنبيعة‪ .‬وقعد جعلت النظرة الولى لك والخرى عليعك‬
‫وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى‬

‫حجم عظامها فقد أفطر)‪ .‬وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئاً‬
‫مقنعاً‪ .‬وفععي إيقاع هذه الكلمععة‪ ،‬أعنععي الهوى‪ .‬اسععماً على معان‪ ،‬واشتقاقهععا عنععد‬
‫العرب‪ ،‬وذلك دليععل على ميععل النفوس وهويهععا إلى هذه المقامات‪ .‬وإن المتمسععك‬
‫عنها مقارع لنفسه محارب لها‪.‬‬

‫وشيعء أصعفه لك تراه عياناً‪ ،‬وهعو أنعي معا رأيعت قعط امرأة فعي مكان تحعس أن‬
‫رجلً يراها أو يسمع حسها إل وأحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل‪ ،‬وأنت‬
‫بكلم زائد كانعت عنعه فعي غنيعة‪ ،‬مخالفيعن لكلمهعا وحركتهعا قبعل ذلك‪ .‬ورأيعت‬
‫التهمعم لمخارج لفظهعا وهيئة تقلبهعا لئحاً فيهعا ظاهراً عليهعا ل خفاء بعه‪ .‬والرجال‬
‫كذلك إذا أحسعوا بالنسعاء‪ .‬وأمعا إظهار الزينعة وترتيعب المشعي وإيقاع المزح عنعد‬
‫خطور المرأة بالرجععل واجتياز الرجععل بالمرأة فهذا أشهععر مععن الشمععس فععي كععل‬
‫مكان‪ .‬وال عععز وجععل يقول‪( :‬وقععل للمؤمنيععن يغضوا مععن أبصععارهم ويحفظوا‬
‫فروجهععم)‪ ،‬وقال تقدسععت أسععماؤه‪( :‬ول يضربععن بأرجلهععن ليعلم مععا يخفيععن مععن‬
‫زينتهن)‪ .‬فلول علم ال عز وجل برقة إغماضهن في السعي ليصال حبهن إلى‬
‫القلوب‪ ،‬ولطععف كيدهععن فععي التحيععل لسععتجلب الهوى‪ ،‬لمععا كشععف ال عععن هذا‬
‫المعنعى البعيعد الغامعض الذي ليعس وراءه مرمعى‪ ،‬وهذا حعد التعرض فكيعف بمعا‬
‫دونعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه‪.‬‬
‫ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم‪ ،‬وأصل ذلك‬
‫أني لم أحسن قط بأحد ظنا في هذا الشأن‪ ،‬مع غيرة شديدة ركبت في‪ .‬وحدثنا أبو‬
‫عمر وأحمد بن أحمد‪ ،‬ثنا أحمد‪ ،‬ثنا محمد بن علي بن رفاعة‪ ،‬حدثنا علي بن عبد‬

‫العزيعز‪ ،‬حدثنعا أبعو عبيعد القاسعم بعن سعلم ععن شيوخعه‪ :‬أن رسعول ال صعلى ال‬
‫عليععه وسععلم قال‪( :‬الغيرة مععن اليمان)‪ .‬فلم أزل باحثاً عععن أخبارهععن كاشفاً عععن‬
‫أسعرارهن‪ ،‬وكعن قعد أنسعن منعي بكتمان‪ ،‬فكعن يطلعننعي على غوامعض أمورهعن‪.‬‬
‫ولول أن أكون منبهاً على عورات يستعاذ بال منها لوردت من تنبهن في السر‬
‫ومكرهن فيه عجائب تذهل اللباب‪ ،‬وإني لعرف هذا وأتقنه‪ ،‬ومع هذا يعلم ال‬
‫وكفعى بعه علماً أنعي بريعء السعاحة‪ ،‬سعليم الديعم‪ ،‬صعحيح البشرة‪ ،‬نقعي الحجزة‪،‬‬
‫وإنععي أقسععم بال أجععل القسععام أنععي مععا حللت مئزري على فرج حرام قععط‪ ،‬ول‬
‫يحاسععبني ربععي بكععبيرة الزنععا مععذ علقععت إلى يومععي هذا‪ .‬وال المحمود على ذلك‬
‫والمشكور فيمعععععععععععا مضعععععععععععى والمسعععععععععععتعصم فيمعععععععععععا بقعععععععععععي‪.‬‬
‫حدثنععا القاضععي أبععو عبععد الرحمععن بععن عبععد ال بععن عبععد الرحمععن بععن حجاف‬
‫المعافري‪ ،‬وإنععه لفضععل قاض رأيتععه‪ ،‬عععن محمععد بععن إبراهيععم الطليطلي عععن‬
‫القاضي بمصر بكر بن العلء في قول ال عز وجل‪( :‬وأما بنعمة ربك فحدث)‪.‬‬
‫أن لبعض المتقدمين فيه قول‪ ،‬وهو أن المسلم يكون مخبراً عن نفسه بما أنعم ال‬
‫تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم‪ ،‬ول سيما في المفترض‬
‫على المسلمين اجتنابه وأتباعه‪ .‬وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار‬
‫الصععبا وشرة الحداثععة وتمكععن غرارة الفتوة مقصععوراً محظراً على بيععن رقباء‬
‫ورقائب‪ ،‬فلمعا ملكعت نفسعي عقلت صعحبت أبعا علي الحسعين بعن علي الفاس فعي‬
‫مجلس أبي القاسعم عبد الرحمن بن أبي يزيد الزدي شيخنا وأستاذي رضي ال‬
‫عنعه‪ ،‬وكان أبعو علي المذكور عاقلً عاملً عالماً ممعن تقدم فعي الصعلح والنسعك‬
‫الصعحيح فعي الزهعد فعي الدنيعا والجتهاد للخرة‪ ،‬وأحسعبه كان حصعوراً لنعه لم‬

‫تكن له امرأة قط‪ ،‬وما رأيت مثله جملة علماً وعملً وديناً وورعاً‪ ،‬فنفعني ال به‬
‫كثيراً وعلمععت موقععع السععاءة وقبععح المعاصععي‪ :‬ومات أبععو علي رحمععه ال فععي‬
‫الطريق الحج‪.‬‬

‫ولقععد ضمنععى المععبيت ليلة فععي بعععض الزمان عنععد امرأة مععن بعععض معارفععي‬
‫مشهورة بالصلح والخير والحزم‪ ،‬ومعها جارية من بعض قراباتها من اللتي‬
‫قعد ضمنهعا مععي النشأة فعي الصعبا‪ ،‬ثعم غبعت عنهعا أعواماً كثيرة‪ .‬وكنعت تركتهعا‬
‫حيععن أعصععرت ووجدتهععا قععد جرى على وجههععا ماء الشباب ففاض وأنسععاب‪،‬‬
‫وتفجرت عليهععا ينابيععع الملحععة فترددت وتحيرت‪ ،‬وطلعععت فععي سععماء وجههععا‬
‫نجوم الحسععن فأشرقععت وتوقدت‪ ،‬وانبعععث فععي خديهععا أزاهيععر الجمال فتمععت‬
‫وأعتمت‪ ،‬فأتت كما أقول‪:‬‬
‫خريدة صاغها الرحمن مـن نـور‬

‫جلت ملحتها عن كـل تـقـدير‬

‫لو جاءني عملي في حسن صورتها‬

‫يوم الحساب ويم النفخ في الصور‬

‫لكنت أحظى عباد ال كلهـم‬

‫بالجنتين وقرب الخرد الحور‬

‫وكانعت معن أهعل بيعت صعباحة‪ ،‬وقعد ظهرت على صعورة تعجعز الوصعاف‪ ،‬وقعد‬
‫طبق وصف شبابها قرطبة‪ ،‬فبت عندها ثلث ليال متوالية ولم تحجب عني على‬
‫جاري العادة فعي التربيعة‪ .‬فلعمري لقعد كاد قلبعي أن يصعبو ويثوب إليعه مرفوض‬
‫الهوى‪ ،‬ويعاوده منسعى الغزل‪ .‬ولقعد امتنععت بععد ذلك معن دخول تلك الدار خوفاً‬

‫على لبعي أن يزدهيعه السعتحسان‪ .‬ولقعد كانعت هعي وجميعع أهلهعا ممعن ل تتعدى‬
‫الطماع إليهن‪ ،‬ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ل تتبع النفس الهوى‬

‫ودع التعرض للمحن‬

‫إبليس حي لم يمـت‬

‫والعين باب للفـتـن‬

‫وأقول‪:‬‬
‫وقـائل لـي هـذا‬

‫ظن يزيدك غــيا‬

‫فقلت دع عنك لومي‬

‫أليس إبلـيس حـيا‬

‫وما أورد ال تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن إيشى رسل ال‬
‫عليهم السلم إل ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى عصمته‪ ،‬وأن بنيتنا مدخولة ضعيفة‪،‬‬
‫فإذا كانعا صعلى ال عليهمعا وهمعا نعبيان رسعولن أبناء أنعبياء رسعل ومعن أهعل بيعت‬
‫نبوة ورسععالة متكرريععن فععي الحفععظ مغموسععين فععي الوليععة‪ ،‬محفوفيععن بالكلءة‪،‬‬
‫مؤيديعن بالعصعمة‪ ،‬ل يجععل للشيطان عليهمعا سعبيل ول فتعح لوسعواسه نحوهمعا‬
‫طريعق وبلغعا حيعث نعص ال ععز وجعل علينعا فعي قرءانعه المنزل بالجبلة الموكلة‬
‫والطبعع البشري والخلقعة الصعلية‪ ،‬ل بتعمعد الخطيئة ول القصعد إليهعا‪ ،‬إذ النعبيون‬
‫مبرؤون من كل ما خالف طاعة ال عز وجلن لكنه استحسان طبيعي في النفس‬
‫للصور‪ ،‬فمن ذا الذي يصف نفسه مملكها ويتعاطى ضبطها إل بحول ال وقوته‪.‬‬
‫وأول دم سععفك فععي الرض فدم أحععد ابنععي آدم على سععبب المنافسععة فععي النسععاء‪.‬‬
‫ورسعول ال صعلى ال عليععه وسعلم يقول‪( :‬باعدوا بيعن أنفاس الرجال والنسعاء)‪.‬‬

‫وهذه امرأة من العرب تقول وقد حبلت من ذي قرابة لها حين سئلت‪ :‬ما ببطنك‬
‫يا هند؟ فقالت‪ :‬قرب الوساد وطول السواد‪ .‬وفي ذلك أقول شعراً‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ل تلم من عرض النفس لمـا‬

‫ليس يرضى غيره عند المحن‬

‫ل تقرب عرفجا من لـهـب‬

‫ومتى قربته قـامـت دحـن‬

‫تصـرف ثـقة فـي أحــد‬

‫فسد الناس جميعا والـزمـن‬

‫خلق النسوان للفحـل كـمـا‬

‫خلق الفحل بل شك لـهـن‬

‫كل شكل يتشهـى شـكـلـه‬

‫ل تكن عن أحد تنفى الظنـن‬

‫صفة الصالح من إن صنـتـه‬
‫وسواه مـن إذا ثـقـفـتـه‬

‫عن قبيح أظهر الطوع الحسن‬
‫أعمل الحيلة في خلع الرسن‬

‫وإني لعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له‪ ،‬فاجتاز بعض إخوانه فوجده‬
‫قاعداً معع معن كان يحعب‪ ،‬فاسعتجلبه إلى منزله‪ ،‬فأجابعه إلى منزله بامتثال المسعير‬
‫بعده‪ .‬فمضعى داعيعه إلى منزله وانتظره حتعى طال عليعه التربعص فلم يأتعه‪ .‬فلمعا‬
‫كان بعععد ذلك اجتمععع بععه داعيععه فعدد عليععه وأطال لومععه على إخلفععه موعده‪،‬‬
‫فاعتذر وورى‪ .‬فقلت أنعا للذي دعاه‪ :‬أنعا أكشعف عذره صعحيحاً معن كتاب ال ععز‬
‫وجعل إذ يقول‪( :‬معا أخلفنعا موعدك بملكنعا ولكنعا حملنعا أوزاراً معن زينعة القوم)‪.‬‬
‫فضحك من حضر‪ .‬وكلفت أن أقول في ذلك شيئاً فقلت‪:‬‬
‫وجرحك لي جرح جبار فل تلـم‬

‫ولكن جرح الحب غير جـبـار‬

‫وقد صارت الخيلن وسط بياضـه‬

‫كنيلوفر حفـتـه روض بـهـار‬

‫وكم قال لي من مت وجدا بحبـه‬

‫مقالة محلول الـمـقـالة زاري‬

‫وقد كثرت مني إليه مـطـالـب‬

‫ألـح عـلـيه تـــارة وأداري‬

‫أما في التـوائي مـا يبـرد غـلة‬

‫ويذهب شوقا في ضلوعك ساري‬

‫فقلت له لو كان ذلك لـم تـكـن‬

‫عداوة جار فـي النـام لـجـار‬

‫وقد تتراءى العسكر أن لدي الوغي‬

‫وبينهما للـمـوت سـيل بـوار‬

‫ولي كلمتان قلتهما معرضاً بل مصرحاً برجل من أصحابنا كنا نعرفه كلنا من‬
‫أهععل الطلب والعنايععة والورع وقيام الليععل واقتفاء آثار النسععاك وسععلوك مذاهععب‬
‫المتصعوفين القدماء باحثًا مجتهداً‪ ،‬وقعد كنعا نتجنعب المزاح بحضرتعه‪ ،‬فلم يمعض‬
‫الزمعن حتعى مكعن الشيطان معن نفسعه‪ ،‬وفتعك بععد لباس النسعاك‪ ،‬وملك إبليعس معن‬
‫خطامععه فسععول له الغرور‪ ،‬وزيععن له الويععل والثبور‪ ،‬وأجره رسععنه بعععد إباء‪.‬‬
‫وأعطاه ناصيته بعد شماس‪ ،‬فخب في طاعته وأوضع‪ ،‬واشتهر بعد ما ذكرته في‬
‫بععض المعاصعي القبيحعة الوضرة‪ ،‬ولقعد أطلت ملمعه وتشددت فعي عذله إذ أعلن‬
‫بالمعصية بعد استتار‪ ،‬إلى أن أفسد ذلك ضميره علي‪ ،‬وخبثت نيته لي‪ ،‬وتربص‬
‫بي دوائر السوء‪ ،‬وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلم استجراراً إليه‪ ،‬فيأنس به‬
‫ويظهعر له عداوتعي‪ ،‬إلى أن أظهعر ال سعريرته‪ ،‬فعلمهعا البادي والحاضعر‪ ،‬وسعقط‬
‫معن عيون الناس كلهعم بععد أن كان مقصعداً للعلماء ومنتاباً للفضلء‪ ،‬ورذل عنعد‬
‫إخوانعه جملة‪ .‬أعاذنعا ال معن البلء‪ ،‬وسعترنا فعي كفايتعه‪ ،‬ول سعلبنا معا بنعا معن‬
‫نعمتعه‪ .‬فيعا سعوءتاه لمعن بدأ باسعتقامة ولم يعلم أن الخذلن يحعل بعه وأن العصعمة‬
‫سععتفارقه‪ ،‬ل إله إل ال‪ ،‬مععا أشنععع هذا وأفظعععه‪ .‬لقععد دهمتععه إحدى بنات الحرس‪،‬‬
‫وألقعت عصعاها بعه أم طبعق‪ .‬معن كان ل أولً ثعم صعار للشيطان آخراً‪ ،‬ومعن إحدى‬
‫الكلمتين‪:‬‬
‫أما الغلم فقد حانت فضـيحـتـه‬

‫وأنه كان مستورا فقـد هـتـكـا‬

‫مازال يضحك من أهل الهوى عجبا‬

‫فالن كل جهول منه قد ضحـكـا‬

‫إليك ل تلح صبا هائمـا كـلـفـا‬

‫يرى التهتك في دين الهوى نسكـا‬

‫ذو مخبر وكـتـاب ل يفـارقـه‬

‫نحو المحدث يسعى حيث ما سلكا‬

‫فاعتلص من سمر أقلم بنان فتـي‬

‫كأنه من لجين صبغ أو سـبـكـا‬

‫يا لئمي سفها في ذاك قـل فـلـم‬

‫تشهد جبينين يوم الملتقى اشتبـكـا‬

‫دعني ووردي في البار أطلـبـه‬

‫إليك عني كذا ل أبتغي البـركـا‬

‫إذا تعففت عف الحب عـنـك وإن‬

‫تركت يوما فإن الحب قد تـركـا‬

‫ول تحل من الهجران منـعـقـدا‬

‫إل إذا ما حللت الزر والتكـكـا‬

‫ول تصحح للسلطـان مـمـلـكة‬

‫أو تدخل البرد عن إنفاذه السككـا‬

‫ول بغير كثير المسح يذهـب مـا‬

‫يعلو الحديد من الصداء إن سبكـا‬

‫وكان هذا المذكور من أصحابنا قد أحكم القراءات إحكاماً جيداً‪ ،‬واختصر كتاب‬
‫النباري فعي الوقعف والبتداء اختصعاراً حسعناً أعجعب بعه معن رآه معن المقرئيعن‪،‬‬
‫وكان دائباً على طلب الحديععث وتقييده‪ ،‬والمتولي لقراءة مععا يسععمعه على الشيوخ‬
‫المحدثين‪ ،‬مثابراً على النسخ مجتهداً به‪ .‬فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان‬
‫رفععض مععا كان معتنياً وباع أكثععر كتبععه واسععتحال اسععتحالة كليععة‪ ،‬نعوذ بال مععن‬
‫الخذلن‪ ،‬وقلت فيعه كلمعة وهعي التاليعة للكلمعة التعي ذكرت منهعا فعي أول خعبره ثعم‬
‫تركتهععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععا‪.‬‬
‫وقععد ذكععر أبععو الحسععين أحمععد بععن يحيععى بععن إسععحاق الرويدي فععي كتاب اللفععظ‬
‫والصلح‪ :‬أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة‪ ،‬من علو طبقته في الكلم‬
‫وتمكنعه وتحكمعه فعي المعرفعة‪ ،‬تسعبب إلى معا حرم ال عليعه معن فتعى نصعراني‬
‫عشقعه بأن وضعع له كتابًا فعي تفضيعل التثليعث على التوحيعد‪ .‬فيعا غوثاه عياذك يعا‬
‫رب مععععن تولج الشيطان ووقوع الخذلن‪ .‬وقععععد يعظععععم البلء‪ ،‬وتكلب الشهوة‪،‬‬

‫ويهون القبيعح وبرق الديعن حتعى يرضعى النسعان فعي جنعب وصعوله إلى مراده‬
‫بالقبائح والفضائح‪ ،‬كمثععل مععا دهععم عبيععد ال بععن يحيععى الزدي المعروف بابععن‬
‫الحزيري‪ ،‬فإنعه رضعي بإهمال داره وإباحعة حريمعه والتعريعض بأهله طمعًا فعي‬
‫الحصعول على بغيتعه معن فتعى كان علقعه‪ .‬نعوذ بال معن الضلل ونسعأله الحياطعة‬
‫وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا‪ ،‬حتى لقد صار المسكين حديثاً تعمر به المحافل‪،‬‬
‫وتصاغ فيه الشعار‪ ،‬وهو الذي تسميه العرب الديوث‪ .‬وهو مشتق من التدييث‪،‬‬
‫وهعو التسعهيل‪ .‬ومعا بععد تسعهيل معن تسعمح نفسعه بهذا الشأن تسعهيل‪ ،‬ومنعه بعيعر‬
‫مديععث‪ .‬أي مذلل‪ .‬ولعمري إن الغيرة لتوجععد فععي الحيوان بالخلقععة‪ ،‬فكيععف وقععد‬
‫أكدتهععا عندنععا الشريعععة‪ ،‬ومععا بعععد هذا مصععاب‪ .‬ولقععد كنععت أعرف هذا المذكور‬
‫مسعتوراً إلى أن اسعتهواه الشيطان ونعوذ بال معن الخذلن‪ .‬وفيعه يقول عيسعى بعن‬
‫محمد بن محمل الحولني‪:‬‬
‫يا جاعلً إخراج حر نسائه‬
‫إني أرى شركا يمزق ثم ل‬

‫شركا لصيد جآذر الغزلن‬
‫تحظى بغير مذلة الحرمان‬

‫وأقول أنا أيضاً‪:‬‬
‫أباح أبو مروان حـر نـسـائه‬

‫ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد‬

‫فعاتبته الديوث في قبح فعـلـه‬

‫فأنشدني مستبـصـر جـلـد‬

‫لقد كنت أدركت المني غير أنني‬

‫يعيرني قومي بإداركها وحدي‬

‫وأقول أيضاً‪:‬‬
‫رأيت الحزيرى فيما يعانـي‬

‫قليل الرشاد كثير السـفـاه‬

‫يبيع ويبتاع عرضا بعـرض‬

‫أمور وجدك ذات اشتـبـاه‬

‫ويأخذ ميما بإعطـاء هـاء‬

‫أل هكذا فليكن ذو النواهي‬

‫وبيدل أرضا تغذي النبـات‬
‫لقد خاب في تجره ذو ابتياع‬

‫بأرض تحف بشوك العضاه‬
‫مهب الرياح بمجرى المياه‬

‫ولقعد سعمعته فعي المسعجد الجامعع يسعتعيذ بال معن العصعمة كمعا يسعتعاذ بعه معن‬
‫الخذلن‪.‬‬
‫وممعا يشبعه هذا أنعي أذكعر أنعي كنعت فعي مجلس فيعه إخوان لنعا عنعد بععض مياسعير‬
‫أهعل بلدنان فرأيعت بيعن بععض معن حضعر وبيعن معن كان بالحضرة أيضاً معن أهعل‬
‫صععاحب المجلس أمراً أنكرتععه وغمزًا اسععتبشعته‪ ،‬وخلوات الحيععن بعععد الحيععن‪،‬‬
‫وصععاحب المجلس كالغائب أو النائم‪ ،‬فنبهتععه بالتعريععض فلم ينتبععه‪ ،‬وكحرمتععه‬
‫بالتصريح فلم يتحرك‪ ،‬فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يفطن‪ .‬وهما هذان‪:‬‬
‫إن إخوانه المقيمين بـالم‬

‫س أتوا للزناء ل للغنـاء‬

‫قطعوا أمرهم وأنت حمار‬

‫موقر من بلدة وغبـاء‬

‫وأكثرت معن إنشادهعن حتعى قال لي صعاحب المجلس‪ :‬قعد أمللتنعا معن سعماعهما‬
‫فتفضعل بتركهمعا أو إنشاد غيرهمعا‪ .‬فأمسعكت وأنعا ل أدري أغافعل هعو أم متغافعل‪.‬‬
‫وما أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها‪ .‬فقلت فيه قطعة منها‪:‬‬
‫أنت ل شك أحسن الناس ظنا‬

‫ويقينـا ونـية وضـمـيرا‬

‫فانتبه أن بعض من كان بالم‬

‫س جليسا لنا يعاني كبـيرا‬

‫ليس كل الركوع فاعلم صلة‬

‫ل ول كل ذي لحاظ بصيرا‬

‫وحدثنعي ثعلب بعن موسعى الكلذانعي قال‪ :‬حدثنعي سعليمان بعن أحمعد الشاععر قال‪:‬‬
‫حدثتنععي امرأة اسععمها هنععد كنععت رأيتهععا فععي المشرق‪ ،‬وكانععت قععد حجععت خمععس‬
‫حجات‪ ،‬وهعي معن المتعبدات المجتهدات‪ ،‬قال سعليمان‪ :‬فقالت لي‪ :‬يعا بعن أخعي‪ ،‬ل‬
‫تحسعن الظعن بامرأة قعط فإنعي أخعبرك ععن نفسعي بمعا يعلمعه ال ععز وجعل‪ :‬ركبعت‬
‫البحر منصرفة من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة نسوة‪ ،‬كلهن قد حججن‪،‬‬
‫وصعرنا فعي مركعب فعي بحعر القلزم‪ ،‬وفعي بععض ملحعي السعفينة رجعل مضمعر‬
‫الخلق مديعد القامعة واسعع الكناف حسعن التركيعب‪ ،‬فرأيتعه أول ليلة قعد أتعى إلى‬
‫إحدى صواحبي فوضع إحليله في يدها وكان ضخمًا جداً‪ .‬فأمكنته في الوقت من‬
‫نفسعها‪ .‬ثعم معر عليهعن كلهعن فعي ليالي متواليات‪ ،‬فلم يبعق له غيرهعا‪ ،‬تعنعي نفسعها‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فقلت فعي نفسعي‪ :‬لنتقمعن منعك‪ .‬فأخذت موسعى وأمسعكتها بيدي‪ .‬فأتعى فعي‬
‫الليعل على جاري عادتعه‪ .‬فلمعا فععل كفعله فعي سعائل الليالي سعقطت الموسعى عليعه‬
‫فارتاع وقام لينهعض‪ .‬قالت‪ :‬فأشفقعت عليعه وقلت له‪ :‬وقعد أمسعكته‪ :‬ل زلت أو آخعذ‬
‫نصععععععععععيبي منععععععععععك‪ .‬قالت العجوز‪ :‬فقضععععععععععى وطره وأسععععععععععتغفر ال‪.‬‬
‫وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكناية لعجبا‪ .‬ومن بعض ذلك قولي حيث‬
‫أقول‪:‬‬
‫أتاني وماء المزن في الجو يسفك‬

‫كمحض لجين إذ يمد ويسـبـك‬

‫هلل الدياجي انحط من جو أفقه‬

‫فقل في محب نال ما ليس يدرك‬

‫وكان الذي إن كنت لي عنه سائلً‬

‫فمالي جواب غير أني أضحـك‬

‫لفرط سروري خلتني عنه نائمـا‬

‫فيا عجبا من موقنه يتـشـكـك‬

‫وأقول أيضًا قطعة منها‪:‬‬

‫أتيتني وهلل الـجـو مـطـلـع‬

‫قبيل قرع التساري للـنـواقـيس‬

‫كحاجب الشيخ عم الشيب أكـثـره‬

‫وإخمص الرجل في لطف وتقويس‬

‫ولح في الفق قوس ال مكتسـيا‬

‫من كل لون كأذناب الـطـواويس‬

‫وإن فيمعا يبدو إلينعا معن تعادي المتواصعلين فعي غيعر ذات ال تعالى بععد اللفعة‪،‬‬
‫وتدابرهم بعد الوصال‪ ،‬وتقاطعهم بعد المودة‪ ،‬وتباغضهم بعد المحبة‪ ،‬واستحكام‬
‫الضغائن وتأكععد السععخائم فععي صععدورهم‪ ،‬لكاشفاً ناهياً لو صععادف عقولً سععليمة‬
‫وآراء نافذة وعزائم صعحيحة‪ .‬فكيعف بمعا أععد اله لمعن عصعاه معن النكال الشديعد‬
‫يوم الحسعاب وفعي دار الجزاء‪ ،‬ومعن الكشعف على رؤوس الخلئق‪( :‬يوم تذهعل‬
‫كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما‬
‫هععم بسععكارى ولكععن عذاب ال شديععد)‪ .‬جعلنععا ال ممععن يفوز برضاه ويسععتحق‬
‫رحمتعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععه‪.‬‬
‫ولقعد رأيعت امرأة كانعت مودتهعا فعي غيعر ذات ال ععز وجعل‪ .‬فعهدتهعا أصعفى معن‬
‫الماء وألطعف معن الهواء وأثبعت معن الجبال وأقوى معن الحديعد وأشعد امتزاجاً معن‬
‫اللون فععي الملون‪ ،‬وأنفذا اسععتحكاماً مععن العراض فععي الجسععام‪ ،‬وأضوأ مععن‬
‫الشمعس‪ ،‬وأصعح معن العيان‪ ،‬وأثقعب معن ألنجعم‪ ،‬وأصعدق معن كدر القطعا وأعجعب‬
‫من الدهر‪ ،‬وأحسن من البر‪ ،‬وأجمل من وجه أبي عامر‪ ،‬وألذ من العافية وأحلى‬
‫من المنى‪ ،‬وأدنى من النفس‪ ،‬وأقرب من النسب‪ ،‬وأرسخ من النقش في الحجر‬
‫ثعم لم ألبعث أن رأيعت تلك المودة قعد اسعتحالت عداوة أفظعع معن الموت‪ ،‬وأنفعذ معن‬
‫السهم‪ ،‬وأمر من السقم‪ ،‬وأوحش من زوال النعم‪ ،‬وأقبح من حلول النقم وامضى‬
‫معن عقعم الرياح‪ ،‬وأضعر معن الحمعق‪ ،‬وأدمعر معن غلبعة العدو‪ ،‬وأشعد معن السعر‪،‬‬

‫وأقسعى معن الصعخر‪ ،‬وأبغعض معن كشعف السعتار‪ ،‬وأنأى معن الجوزاء‪ ،‬وأصععب‬
‫معن معاناة السعماء‪ ،‬وأكعبر معن رؤيعة المصعاب‪ ،‬وأشنعع معن خرق العادات وأقطعع‬
‫من فجأة البلء‪ ،‬وأبشع من السم الزعاف؛ وما ل يتولد مثله عن الذحول والترات‬
‫وقتععل الباء وسععبي المهات‪ .‬وتلك عادة ال فععي أهععل الفسععق القاصععدين سععواه‪،‬‬
‫الميين غيره؛ وذلك قوله عز وجل‪( :‬يا ليتني لم أتخذ فلناً خليلً لقد أضلني عن‬
‫الذكعر بععد إذ جاءنعي)‪ .‬فيجعب على اللبيعب السعتجارة بال ممعا يورط فيعه الهوى‪.‬‬
‫فهذا خلف مولى يوسف بن قمقام القائد المشهور‪ ،‬كان أحد القائمين مع هشام بن‬
‫سعليمان بعن الناصعر‪ ،‬فلمعا أسعر هشام وقتعل وهرب الذيعن وازروه فعر خلف فعي‬
‫جملتهعم ونجعا‪ .‬فلمعا أتعى القسعطلت لم يطعق الصعبر ععن جاريعة كانعت له بقرطبعة‬
‫فكعر راجعاً‪ .‬فظفعر بعه أميعر المؤمنيعن المهدي‪ ،‬فأمعر بصعلبه‪ .‬فلعهدي بعه مصعلوباً‬
‫فعععععععي المرج على النهعععععععر العظعععععععم وكأنعععععععه القنفعععععععذ معععععععن النبعععععععل‪.‬‬
‫ولقد أخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث رحمه ال أن سبب‬
‫هروبعه إلى محلة البرابر أيام تحولهعم معع سعليمان الظافعر إنمعا كعن لجاريعة يكلف‬
‫بهععا تصععيرت عنععد بعععض مععن كان فععي تلك الناحيععة؛ ولقععد كاد أن يتلف فععي تلك‬
‫السععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععفرة‪.‬‬
‫وهذان الفصعلن وإن لم يكونعا معن جنعس الباب فإنهمعا شاهدان على معا يقود إليعه‬
‫الهوى مععن الهلك الحاضععر الظاهععر‪ ،‬الذي يسععتوي فععي فهمععه العالم والجاهععل؛‬
‫فكيف من العصمة التي ل يفهمها من ضعفت بصيرته‪ .‬ول يقولن امرؤ‪ :‬خلوت‬
‫فهعو وإن انفرد فبمرأى ومسعمع معن علم الغيوب (الذي يعلم خائنعة العيعن ومعا‬
‫تخفععي الصععدور)‪( ،‬ويعلم السععر وأخفععى)‪( ،‬ومععا يكون مععن نجوى ثلثععة إل هععو‬

‫رابعهم ول خمسة إل هو سادسهم ول أدنى من ذلك ول أكثر إل هو معهم أينما‬
‫كانوا وهعو عليعم بذات الصعدور)‪ .‬وهعو عالم الغيعب والشهادة‪( ،‬ويسعتخفون معن‬
‫الناس ول يسعتخفون معن ال وهعو معهعم)‪ ،‬وقال‪( :‬ولقعد خلقنعا النسعان ونعلم معا‬
‫توسوس به نفسه ونحن أقرب أليه من حبل الوريد‪ .‬إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين‬
‫وعن الشمال قعيد‪ .‬ما يلفظ من قول إل لديه رقيب عتيد)‪.‬‬

‫وليعم المستخف بالمعاصي‪ .‬المتكل على التسويف‪ .‬المعرض عن طاعة ربه أن‬
‫إبليعس كان فعي الجنعة معع الملئكعة المقربيعن فلمعصعية واحدة وقععت منعه اسعتحق‬
‫لعنعة البعد وعذاب الخلد وصعير شيطاناً رجيماً وأبععد ععن رفيعع المكان وهذا آدم‬
‫صلى ال عليعه وسلم بذنب واحعد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها‪ .‬ولول‬
‫أنعه تلقعى معن ربعه كلمات وتاب عليعه لكان معن الهالكيعن‪ .‬أفترى هذا المغتعر بال‬
‫ربعه وبإملئه ليزداد إثماً يظعن أنعه أكرم على خالقعه معن أبيعه آدم الذي خلقعه بيده‬
‫ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملئكته الذين هم أفضل خلقه عنده؟ أو عقابه أعز‬
‫عليععه مععن عقوبتععه إياه؟ كل‪ ،‬ولكععن اسععتعذاب التمنععي واسععتيطاء مركععب العجععز‬
‫وسعععخف الرأي قائدة أصعععحابها إلى الوبال والخزي‪ ،‬ولو لم يكعععن عنعععد ركوب‬
‫المعصععية زاجععر مععن نهععى ال تعالى ول حام مععن غليععظ عقابععه لكان فععي قبيععح‬
‫الحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله أعظم مانع وأشد رادع‬
‫لمعن نظعر بعيعن الحقيقعة واتبعع سعبيل الرشعد‪ ،‬فكيعف وال ععز وجعل يقول‪( :‬ول‬
‫يقتلون النفعععس التعععي حرم ال إل بالحعععق ول يزنون ومعععن يفععععل ذلك يلق أثاماً‬
‫يضاعععععععععععععععععف له العذاب يوم القيامععععععععععععععععة ويخلد فيهععععععععععععععععا مهاناً)‪.‬‬

‫حدثنععا الهمدانععي فععي مسععجد القمرى بالجانععب الغربععي مععن قرطبععة سععنة إحدى‬
‫وأربعمائة‪ .‬حدثنعا ابعن سعبويه وأبعو إسعحاق البلخعي بخراسعان سعنة خمعس وسعبعين‬
‫وثلثمائة‪ .‬قال‪ :‬ثنا محمد بن يوسف‪ :‬ثنا محمد بن إسماعيل‪ :‬ثنا قتيبة بن سعيد‪:‬‬
‫ثنعا جريعر ععن العمعش ععن أبعي وائل ععن عمرو بعن شرحبيعل قال‪ :‬قال عبعد ال‬
‫وهعو ابعن مسععود‪ :‬قال رجعل‪ :‬يعا رسعول ال‪ ،‬أي الذيعب أكعبر عنعد ال؟ قال‪( :‬أن‬
‫تدعو ل ندا وهو خلقك)‪ .‬قال‪ :‬ثم أي؟ قال‪( :‬أن تقتل ولدك أن يطعم معك)‪ .‬قال‪:‬‬
‫ثم أي؟ قال‪( :‬أن تزاني حليلة جارك)‪ .‬فأنزل ال تصديقها‪( :‬والذين ل يدعون مع‬
‫ال إلهاً آخععر ول يقتلون النفععس التععي حرم ال إل بالحععق ول يزنون)‪ .‬وقال عععز‬
‫وجل‪( :‬الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ول تأخذكم بهما رأفة‬
‫في دين ال إن كنتم تؤمنون بال)‪.‬‬

‫حدثنعا الهمدانعي ععن أبعي إسعحاق البلخعي وابعن سعبويه ععن محمعد بعن يوسعف ععن‬
‫محمد بن إسماعيل عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن‬
‫عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن‬
‫عبععد الرحمععن بععن عوف الزهري أن رسععول ال صععلى ال عليععه وسععلم قال‪( :‬ل‬
‫يزنعي الزانعي حيعن يزنعي وهعو مؤمعن)‪ .‬وبالسعند المذكور إلى محمعد بعن إسعماعيل‬
‫عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن‬
‫المسيب عن أبي هريرة قال أنى رجل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫فعي المسعجد فقال يعا رسعول ال‪ ،‬إنعي زنيعت‪ .‬فأعرض عنعه‪ .‬ثعم رد عليعه أربعع‬
‫مرات‪ .‬فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى ال عليه وسلم فقال‪:‬‬

‫أبك جنون؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال فهل أحصنت قال‪ :‬نعم‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫اذهبو به فارجموه‪.‬‬

‫قال ابععن شهاب‪ :‬فأخععبرني مععن سععمع جابر بععن عبععد ال قال‪ :‬كنععت فيمععن رجمععه‬
‫فرجمناه بالمصعععععلى‪ ،‬فلمعععععا أذلقتعععععه الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه‪.‬‬
‫حدثنعا أبعو سععيد مولى الحاجعب جعفعر فعي المسعجد الجامعع بقرطبعة ععن أبعي بكعر‬
‫المقرئ ععن أبعي جعفعر النحاس ععن سععيد بعن بشعر ععن عمرو بعن رافعع ععن‬
‫منصور عن الحسن عن حطان بن عبد ال الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن‬
‫رسعول ال صعلى ال عليعه وسعلم قال‪( :‬خذوا عنعي خذوا عنعي‪ ،‬قعد جععل ال لهعن‬
‫سعبيلً‪ :‬البكعر بالبكعر جلد‪ ،‬وتغريعب سعنة‪ ،‬والثيعب بالثيعب جلد مائة والرجعم‪ .‬فيعا‬
‫لشنععة ذنعب أنزل ال وحيعه معبيناً بالتشهيعر بصعاحبه‪ ،‬والعنعف بفاعله‪ ،‬والتشديعد‬
‫لمقترفععه‪ ،‬وتشدد فععي أل يرجععم إل بحضرة أوليائه عقوبععة رجمععه‪ ،‬وقععد أجمععع‬
‫المسععلمون إجماعاً ل ينقضععه إل ملحععد أن الزانععي المحصععن عليععه الرجععم حتععى‬
‫يموت)‪.‬‬
‫فيعا لهعا قتلة معا أهولهعا‪ ،‬وعقوبعة معا أفظعهعا‪ ،‬وأشعد عذابهعا وأبعدهعا معن الراحعة‬
‫وسرعة الموت‪.‬‬
‫وطوائف مععن أهععل العلم منهععم الحسععن بععن أبععي الحسععن وابععن راهويععه وداود‬
‫وأصعحابه يرون عليعه معع الرجعم جلد مائة‪ ،‬ويحتجون عليعه بنعص القرآن وثبات‬
‫السنة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم وبفعل علي رضي ال عنه بأنه رجم‬
‫امرأة محصعنة فعي الزنعا بععد أن جلدهعا مائة‪ .‬وقال‪ :‬جلدتهعا بكتاب ال ورجمتهعا‬

‫بسععنة رسععول ال‪ .‬والقول بذلك لزم لصععحاب الشافعععي‪ ،‬لن زيادة العدل فععي‬
‫الحديعث مقبولة‪ ،‬وقعد صعح فعي إجماع المعة المنقول بالكافعة الذي يصعحبه العمعل‬
‫عنعد كعل فرقعة وفعي أهعل كعل نحلة معن نحعل أهعل القبلة‪ ،‬حاشعى طائفعة يسعيرة معن‬
‫الخوارج ل يعتعد بهعم‪ ،‬أنعه ل يحعل دم امرئ مسعلم إل بكفعر بععد إيمان‪ ،‬أو نفعس‬
‫بنفس‪ ،‬أو بمحاربة ال ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الرض فساداً مقبلً‬
‫عيعر مدبر‪ ،‬وبالزنعا بععد الحصعان‪ .‬فإن حعد معا جععل ال معع الكفعر بال ععز وجعل‬
‫ومحاربتعه وقطعع حجتعه فعي الرض ومنابذتعه دينعه لجرم كعبير ومعصعية شنعاء‪،‬‬
‫وال تعالى يقول‪( :‬إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)‪( .‬والذين‬
‫يجتنبون كبائر الثعم والفواحعش إل اللمعم إن ربعك واسعع المغفرة)‪ .‬وإن كان أهعل‬
‫العلم اختلفوا فعي تسعميتها فكلهعم مجمعع مهمعا اختلفوا فيعه منهعا أن الزنعا يقدم فيهعا‪،‬‬
‫ل اختلف بينهعم فعي ذلك ولم يوععد ال ععز وجعل فعي كتابعه بالنار بععد الشرك إل‬
‫فععي سععبع ذنوب‪ ،‬وهععي الكبائر‪ :‬الزنععا أحدهععا‪ ،‬وقذف المحصععنات أيضاً منهععا‪،‬‬
‫منصوصاً ذلك كله في كتاب ال عز وجل‪.‬‬

‫وقعد ذكرنعا أنعه ل يجعب القتعل على أحعد معن ولد آدم إل فعي الذنوب الربععة التعي‬
‫تقدم ذكرهعا‪ .‬فأمعا الكفعر منهعا فإن عاد صعاحبه إلى السعلم أو بالذمعة إن لم يكعن‬
‫مرتداً قبل منه‪ ،‬ودرئ عنه الموت‪ .‬وأما القتل فإن قبل الولي الدية في قول بعض‬
‫الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص‪ .‬وأما الفساد في‬
‫الرض فإن تاب صعاحبه قبعل أن يقدر عليعه هدر عنعه القتعل‪ ،‬ول سعبيل فعي قول‬
‫أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن‪ ،‬ول وجه لرفع الموت عنه البتة‪.‬‬

‫وممعا يدل على شنععة الزنعا معا حدثنعا القاضعي أبعو عبعد الرحمعن‪ :‬ثنعا القاضعي أبعو‬
‫عيسى عن عبد ال بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث عن الزهري عن‬
‫القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير‪ :‬أن عمر بن الخطاب رضي ال‬
‫عنه أصاب في زمانه ناساً من هذيل‪ ،‬فخرجت جارية منهم فأتبعها رجل يريدها‬
‫ععن نفسعها فرمتعه بحجعر فقضعت كبده‪ ،‬فقال عمعر‪ :‬هذا قتيعل ال‪ ،‬وال ل يودي‬
‫أبداً‪.‬‬
‫وما جعل ال عز وجل فيه أربعة شهود وفي كل حكم شاهدين إل حياطة منه أل‬
‫تشيعع الفاحشعة فعي عباده‪ ،‬لعظمهعا وشنعتهعا وقبحهعا‪ ،‬وكيعف ل تكون شنيععة ومعن‬
‫قذف بهعا أخاه المسعلم أو أختعه المسعلمة دون صعحة علم أو تيقعن معرفعة فقعد أتعى‬
‫كبرة من الكبائر استحق عليها النار غداً‪ ،‬ووجب عليه بنص التنزيل أن تضرب‬
‫بشرته ثمانين سوطاً‪.‬‬

‫ومالك رضعي ال عنعه يرى أل يؤخعذ فعي شيعء معن الشياء حعد بالتعريعض دون‬
‫التصريح إل في قذف‪.‬‬

‫وبالسعند المذكور ععن الليعث بعن سععيد ععن يحيعى بعن سععيد ععن محمعد بعن عبعد‬
‫الرحمن ععن أمعه عمرة بنعت عبعد الرحمعن عن عمعر بعن الخطاب رضعي ال عنعه‬
‫أنععععه أمععععر أن يجلد الرجععععل قال لخععععر‪ :‬مععععا أبععععي بزان ول أمععععي بزانيععععة‪.‬‬
‫فعي حديعث طويعل وبإجماع معن المعة كلهعا دون خلف معن أحعد نعلمعه أنعه إذا قال‬
‫رجعل لخعر‪ :‬يعا كافعر‪ ،‬أو يعا قاتعل النفعس التعي حرم ال‪ ،‬لمعا وجعب عليعه حعد؛‬

‫احتياطاً معععن ال ععععز وجعععل إل يثبعععت هذه العظيمعععة فعععي مسعععلم ول مسعععلمة‪.‬‬
‫ومععن قول مالك رحمععه ال أيضاً أنععه ل حععد فععي السععلم إل والقتععل يغنععي عنععه‬
‫وبنسعخه إل حعد القذف‪ ،‬فإنعه إن وجعب على معن قعد وجعب عليعه القتعل حعد ثعم قتعل‪.‬‬
‫قال ال تعالى‪( :‬والذيعن يرمون المحصعنات ثعم لم يأتوا بأربععة شهداء فاجلدوهعم‬
‫ثمانين جلدة ول تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون‪ .‬إل الذين تابوا)‪ .‬وقال‬
‫تعالى‪( :‬إن الذين يرمون المحصنات الغافلت المؤمنات لعنوا في الدنيا والخرة‬
‫ولهم عذاب عظيم)‪ .‬وروي عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ :‬الغضب‬
‫واللعنة المذكوران في اللعان إنهما موجبتان‪.‬‬
‫حدثنعا الهمدانعي ععن أبعي إسعحاق ععن محمعد بعن يوسعف ععن محمعد بعن إسعماعيل‬
‫ععن عبعد العزيعز بعن عبعد ال‪ ،‬قال‪ :‬ثنعا سعليمان ععن ثور بعن يزيعد ععن أبعي الغيعث‬
‫عععن أبععي هريرة عععن النععبي صععلى ال عليععه وسععلم أنععه قال‪( :‬اجتنبوا السععبع‬
‫الموبقات)‪ .‬قالوا‪ :‬ومععا هععن يععا رسععول ال؟ قال‪( :‬الشرك بال‪ ،‬والسععحر‪ ،‬وقتععل‬
‫النفععس التععي حرم ال إل بالحععق‪ ،‬وأكععل الربععا‪ ،‬وأكععل مال اليتيععم‪ ،‬والتولي يوم‬
‫الزحععععععععععععععععععععععععف‪ ،‬وقذف المحصععععععععععععععععععععععععنات الغافلت المؤمنات)‪.‬‬
‫وإن في الزنا من إباحة الحريم‪ ،‬وإفساد النسل‪ ،‬والتفريق بين الزواج الذي عظم‬
‫ال أمره‪ ،‬مال يهون على ذي عقل أومن له أقل خلق‪ ،‬ولو ل مكان هذا العنصر‬
‫مععن النسععان وأنععه غيععر مأمون الغلبععة لمععا خفععف ال عععن البكريععن وشدد على‬
‫المحصنين‪ .‬وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند ال عز وجل‬
‫حكمعا باقياً لم ينسعخ ول أزيعل‪ ،‬فيترك الناظعر لعباده الذي لم يشغله عظيعم معا فعي‬
‫خلقه ول يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها‪ ،‬فهو كما قال‬

‫ععز وجعل‪( :‬الحعي القيوم ل تأخذه سعنة ول نوم)‪ .‬وقال‪( :‬يعلم معا يلج فعي الرض‬
‫ومععا يخرج منععا ومععا ينزل مععن السععماء ومععا يعرج فيهععا)‪ .‬وقال‪( :‬عالم الغيععب ل‬
‫يعزب عنعععععععععععه مثقال ذرة فعععععععععععي الرض ول فعععععععععععي السعععععععععععماء)‪.‬‬
‫وإن أعظم ما يأتي به العبد هتك ستر ال عز وجل في عباده‪ .‬وقد جاء في حكم‬
‫أبعي بكعر الصعديق رضعي ال عنعه فعي ضربعه الرجعل الذي ضعم صعبيا حتعى أمنعى‬
‫ضرباً كان سبباً للمنية‪ .‬ومن إعجاب مالك رحمه ال باجتهاد المير الذي ضرب‬
‫صبياً مكن رجلً من تقبيله حتى أمنى الرجل‪ ،‬ضربه إلى أن مات‪ ،‬ما ينسى شدة‬
‫دواععي هذا الشأن وأسعبابه‪ .‬والتزيعد فعي الجتهاد‪ ،‬وإن كنعا ل نراه فهعو قول كثيعر‬
‫معن العلماء يتبععه على ذلك عالم معن الناس‪ .‬وأمعا الذي نذهعب أليعه فالذي حدثناه‬
‫الهمداني عن البلخي عن البخاري عن الفربري عن البخاري قال‪ :‬ثنا يحيى بن‬
‫سعليمان‪ ،‬ثنعا ابعن وهعب قال‪ :‬أخعبرني عمرو أن بكيراً حدثعه ععن سعليمان بعن يسعار‬
‫عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة النصاري قال‪ :‬سمعت رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬ل يجلد فوق عشرة أسواط إل في حد من حدود‬
‫ال عز وجل)‪.‬‬

‫وبععععه يقول أبععععو جعفععععر محمععععد بععععن علي النسععععائي الشافعععععي رحمععععه ال‪.‬‬
‫وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال ال تعالى‪( :‬أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من‬
‫أحعد معن العالميعن)‪ .‬وقعد قذف ال فاعليعه بحجارة معن طيعن مسعومة‪ .‬ومالك رحمعه‬
‫ال يرى على الفاععل والمفعول بعه الرجعم أحصعنا أو لم يحصعنا‪ .‬واحتعج بعبعض‬
‫المالكييعن فعي ذلك بأن ال ععز وجعل يقول فعي رجمعه فاعليعه بالحجارة‪ :‬ومعا هعي‬

‫من الظالمين ببعيد‪ .‬فوجب بهذا أنه من ظلم الن بمثل فعلهم قربت منه والخلف‬
‫في هذه المسألة ليس هذا موضعه‪ .‬وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن السري أن أبا‬
‫بكعر رضعي ال عنعه أحرق فيعه بالنار‪ .‬وذكعر أبعو ععبيدة معمعر بعن المثنعى اسعم‬
‫المحرق فقال‪ :‬هعو شجاع بعن ورقاء السعدي أحرقعه بالنار أبعو بكعر الصعديق لنعه‬
‫يؤتي في دبره كما تؤتى المرأة‪.‬‬

‫وأن عن المعاصي لمذاهب للعقل واسعة‪ ،‬فما حرم ال شيئاً إل وقد عوض عباده‬
‫معععععن الحلل معععععا هعععععو أحسعععععن معععععن المحرم وأفضعععععل‪ ،‬ل إله إل هعععععو‪.‬‬
‫وأقول في النهي عن إتباع الهوى على سبيل الوعظ‪:‬‬

‫أقول لنفسي ما مـبـين كـحـالـك‬

‫وما الناس إل هالك وابـن هـالـك‬

‫صن النفس عما عابها وارفض الهوى‬

‫فإن الهوى مفتاح باب المـهـالـك‬

‫رأيت الهوى سهل المبادي لـذيذهـا‬

‫وعقباه مر الطعم ضنك المسـالـك‬

‫فما لذة النسان والمـوت بـعـدهـا ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لمك‬
‫فل تتـبـع دارا قـلـيلً لـبـائهـا‬

‫فقد أنذرتنا بالفـنـاء الـمـواشـك‬

‫وما تركها إل إذا هـي أمـكـنـت‬

‫وكم تارك إضمـاره غـير تـارك‬

‫فما تارك المال عـجـبـا جـؤاذرا‬

‫كتار كهاذات الضروع الحـواشـك‬

‫وما قابل المر الذي كـان راغـبـا‬

‫بشهوة مشتـاق وعـقـل مـبـارك‬

‫لجدى عباد ال بـالـفـوز عـنـده‬

‫لدى جنة الفـردوس فـوق الرائك‬

‫ومن عرف المر بالذي هو طـالـب‬

‫رأى سببا ما في يدي كـل مـالـك‬

‫ومن عرف الرحمن لم يعص أمـره‬

‫ولو أنه يعطه جميع الـمـمـالـك‬

‫سبيل التقي والنسك خير المسـالـك‬

‫وسالكها مستبصـر خـير سـالـك‬

‫فما فقد التنغيص من عـاج دونـهـا‬

‫ول طاب عيش لمري غير سالـك‬

‫وطوبى لقوام يؤمـون نـحـوهـا‬

‫بخـفة أرواح ولــين عـــرائك‬

‫لقد فقدوا غل النفـوس وفـضـلـوا بعز سلطـين وأمـن صـعـالـك‬
‫فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما اشتهوا‬

‫وفازوا بدار الخلد رحب المـبـارك‬

‫عصوا طاعة الجساد في كـل لـذة‬

‫بنور محل ظلمة الـغـي هـاتـك‬

‫فلول اعتداد الجسم أيقـنـت أنـهـم يعيشون عيشا مثل عيش الـمـلئك‬
‫فيا رب قدمهم وزد في صلحـهـم‬

‫وصل عليهم حيث حـلـوا وبـارك‬

‫ويا نفس حدي ل تملـي وشـمـري لنيل سرور الدهر فيمـا هـنـالـك‬
‫وأنت متى دمرت سعيك في الهـوى‬

‫علمت بأن الـحـق لـيس كـذلـك‬

‫فقد بين اللـه الـشـريعة لـلـورى‬

‫بأبين من زهر النجوم الـشـوابـك‬

‫فيا نفس جدي ف في خلصك وانفذي نفاذ السيوف المرهفات الـبـواتـك‬
‫فلو أعمل الناس التفكـر فـي الـذي‬

‫له خلقوا ما كان حي بـضـاحـك‬

‫الباب الثلثون‬
‫فضل التعفف‬
‫ومععن أفضععل مععا يأتيععه النسععان فععي حبععه التعفععف‪ ،‬وترك ركوب المعصععية‬
‫والفاحشة‪ ،‬وأل يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة‪ ،‬وأل يعصي‬
‫موله المتفضعل عليعه الذي جععل له مكاناً وأهل لمره ونهيعه‪ :‬وأرسعل إليعه رسعله‬
‫وجعل كلمه ثابتًا لديه‪ ،‬عناية منه بنا وإحساناً إلينا‪ .‬وإن من هام قلبه وشغل باله‬
‫واشتعد شوقعه وعظعم وجده ثعم ظفعر فرام هواه أن يغلب عقله وشهوتعه‪ ،‬وأن يقهعر‬

‫دينععه‪ ،‬ثععم أقام العدل لنفسععه حصععناً‪ ،‬وعلم أنهععا النفععس المارة بالسععوء‪ ،‬وذكرهععا‬
‫بعقاب ال تعالى وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه‪ ،‬وحذرها من يوم المعاذ‬
‫والوقوف بيعن يدي الملك العزيعز الشديعد العقاب الرحمعن الرحيعم الذي ل يحتاج‬
‫إلى بينعة‪ ،‬ونظعر بعيعن ضميره إلى انفراده ععن كعل مدافعع بحضرة علم الغيوب‬
‫(يوم ل ينفع مال ول بنون إل من أتى ال بقلب سليم)‪( .‬يوم تبدل الرض غير‬
‫الرض والسعموات)‪( .‬يوم تجعد كعل نفعس معا عملت معن خيعر محضراً ومعا عملت‬
‫معن سعوء تود لو أن بينهعا وبينعه أمداً بعيداً)‪ .‬يوم (وعنعت الوجوه للحعي القيوم وقعد‬
‫خال معن حمعل ظلماً)‪ .‬يوم (ووجدوا معا عملوا حاضراً ول يظلم ربعك أحداً)‪ .‬يوم‬
‫الطامة الكبرى‪( ،‬يوم يتذكر النسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من‬
‫طغعى وآثعر الحياة الدنيعا فإن الجحيعم هعي المأوى‪ .‬وأمعا معن خاف مقام ربعه ونهعى‬
‫النفعس ععن الهوى فإن الجنعة هعي المأوى)‪ .‬واليوم الذي قال ال تعالى فيعه‪( :‬وكعل‬
‫إنسعععان ألزمناه طائره فعععي عنقعععه ونخرج له يوم القيامعععة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ‬
‫كتابعك كفعى بنفسعك اليوم عليعك حسعيباً)‪ .‬عندهعا يقول العاصعي‪ :‬يعا ويلتعي! معا لهذا‬
‫الكتاب ل يغادر صغيرة ول كبيرة إل أحصاها‪ .‬فكيف بمن طوى قلبه على أحر‬
‫من جمر الغضى‪ .‬وطوى كشحه على أحد من السيف‪ ،‬وتجرع غصصاً أمر من‬
‫الحنظعل‪ ،‬وصعرف نفسعه كرهاً عمعا طمععت فيعه وتيقنعت ببلوغعه وتهيأت له ولم‬
‫يحعل دونهعا حائل‪ ،‬لحرى أن يسعر غداً يوم البععث ويكون معن المقربيعن فعي دار‬
‫الجزاء وعالم الخلود‪ ،‬وأن يأمعن روعات القيامعة وهول المطلع‪ ،‬وأن يعوضعه ال‬
‫مععععععععععععععععععن هذه القرحععععععععععععععععععة المععععععععععععععععععن يوم الحشععععععععععععععععععر‪.‬‬
‫حدثنعي أبعو موسعى هارون بعن موسعى الطعبيب قال‪ :‬رأيعت شاباً حسعن الوجعه معن‬

‫أهعل قرطبعة قعد تعبعد ورفعض الدنيعا‪ ،‬وكان له أخ فعي ال قعد سعقطت بينهمعا مؤونعة‬
‫التحفععظ‪ ،‬فزاره ذات ليلة وعزم على المععبيت عنده‪ ،‬فعرضععت لصععاحب المنزل‬
‫حاجة إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله‪ .‬فنهض لها على أن ينصرف مسرعاً‪.‬‬
‫ونزل الشاب في داره مع امرأته‪ ،‬وكنت غاية الحسن وترباً للضيف في الصبى‬
‫فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشعى العسعس ولم يمكنه النصعراف إلى منزله‪،‬‬
‫فلمعا علمعت المرأة بفوات الوقعت وأن زوجهعا ل يمكنعه المجيعء تلك الليلة تاقعت‬
‫نفسعها إلى ذلك الفتعى فعبرزت إليعه ودعتعه إلى نفسعها‪ ،‬ول ثالث لهمعا إل ال ععز‬
‫وجعل‪ ،‬فهعم بهعا ثعم ثاب إليعه عقله وفكعر فعي ال ععز وجعل فوضعع إصعبعه على‬
‫السراج فتفقع ثم قال‪ :‬يا نفس‪ ،‬ذوقي هذا وأين هذا من نار جهنم‪ .‬فهال المرأة ما‬
‫رأت‪ ،‬ثععم عاودتعه فعاودتعه الشهوة المركبععة فعي النسععان فعاد إلى الفعلة الولى‪.‬‬
‫فانبلج الصعععععععععععععععباح وسعععععععععععععععبابته قعععععععععععععععد اصعععععععععععععععطمتها النار‪.‬‬
‫أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إل لفرط شهوة قد كلبت عليه؟ أو ترى أن ال‬
‫تعالى يضيععععععععععععععع له المقام؟ كل إنععععععععععععععه لكرم مععععععععععععععن ذلك وأعلم‪.‬‬
‫ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها من الحسن وعلقته وشاع القول‬
‫عليهمعا‪ ،‬فاجتمععا يومعا خالييعن فقال‪ :‬هلمعي نحقعق معا يقال فينعا‪ .‬فقالت‪ :‬ل وال ل‬
‫كان هذا أبداً‪ .‬وأنعععععا أقرأ قول ال‪( :‬الخلء يومئذ بعضهعععععم لبععععععض عدو إل‬
‫المتقيععععععععن)‪ .‬قالت‪ :‬فمععععععععا مضععععععععى قليععععععععل حتععععععععى اجتمعععععععععا حلل‪.‬‬
‫ولقعد حدثنعي ثقعة معن إخوانعي أنعه خل يوماً بجاريعة كانعت له مفاركعة فعي الصعبى‪،‬‬
‫فتعرضعت لبععض تلك المعانعي‪ ،‬فقال لهعا‪ :‬كل‪ .‬إن معن شكعر نعمعة ال فيمعا منحعى‬
‫مععن وصععالك الذي كان أقصعععى آمالي أن أجتنععب هواي لمره ولعمري إن هذا‬

‫لغريعب فيمعا خل معن الزمان‪ ،‬فكيعف فعي مثعل هذا الزمان الذي قعد ذهعب خيره‬
‫وأتى شره‪.‬‬

‫ومعا أقدر فعي هذه الخبار ‪ -‬وهعي صعحيحة ‪ -‬إل أحعد وجهيعن ل شعك فيهمعا‪ :‬إمعا‬
‫طبعع قعد مال إلى غيعر هذا الشأن واسعتحكمت معرفتعه بفضعل سعواه عليعه فهعو ل‬
‫يجيب دواعي الغزل في كلمة ول كلمتين ول في يوم ول يومين‪ ،‬ولو طال على‬
‫هؤلء الممتحنيعن معا امتحنوا بعه لجادت طباعهعم وأجابوا هاتعف الفتنعة‪ ،‬ولكعن ال‬
‫عصععمهم بانقطاع السععبب المحرك نظراً لهععم وعلماً بمععا فععي ضمائرهععم مععن‬
‫السععععععتعاذة بععععععه مععععععن القبائح‪ ،‬واسععععععتدعاء الرشععععععد‪ .‬ل إله إل هععععععو‪.‬‬
‫وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت‪ ،‬وخاطر تجرد أن قمعت به طوالع الشهوة‬
‫في ذلك الحين‪ ،‬لخير أراد ال عز وجل لصاحبه‪ .‬جعلنا ال ممن يخافه ويرجوه‪.‬‬
‫آميعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععن‪.‬‬
‫وحدثني أبو عبد ال محمد بن عمر وبن مضائ عن رجال من بني مروان ثقات‬
‫يسعندون الحديعث إلى أبعي العباس الوليعد بعن غانعم أه ذكعر أن المام عبعد الرحمعن‬
‫ابعن الحكعم غاب فعي بععض غزواتعه شهوراً وثقعف القصعر بابنعه محمعد الذي ولى‬
‫الخلفعة بعده ورتبعه فعي السعطح وجععل معبيته ليلً وقعوده نهاراً فيعه‪ ،‬ولم يأذن له‬
‫فعي الخروج البتعة‪ .‬ورتعب مععه فعي كعل ليلة وزيراً معن الوزراء وفتعى معن أكابر‬
‫الفتيان يعبيتان مععه فعي السعطح‪ .‬قال أبعو العباس‪ :‬فأقام على ذلك مدة طويلة وبععد‬
‫عهده بأهله وهو في سن العشرين أو نحوها‪ ،‬إلى أن وافق مبيتي في ليلتي نوبة‬
‫فتعى معن أكابر الفتيان‪ ،‬وكان صعغيراً فعي سعنه وغايعة فعي حسعن وجهعه‪ .‬قال أبعو‬

‫العباس‪ :‬فقلت فعي نفسعي‪ :‬إنعي أخشعى الليلة على محمعد بعن عبعد الرحمعن الهلك‬
‫بمواقععه المعصعية وتزيعن إبليعس وأتباععه له قال‪ :‬ثعم أخذت مضجععي فعي السعطح‬
‫الخارج ومحمعد فعي السعطح الداخعل المطعل على حرم أميعر المؤمنيعن‪ ،‬والفتعى فعي‬
‫الطرف الثاني القريب من المطلع فظلت أرقبه ول أغفل وهو يظن أني قد نمت‬
‫ول يشعر باطلعي عليه‪ .‬قال‪ :‬فلما مضى هزيع من الليل رأيته قد قام واستوى‬
‫قاعداً ساعة لطيفة ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه‪ .‬ثم قام بعد حين ولبس‬
‫قميصه واستوفز ثم نزعه عن نفسه وعاد إلى منامه‪ .‬ثم قام الثالثة ولبس قميصه‬
‫ودلى رجليه من السرير وبقي كذلك ساعة ثم نادى الفتى باسمه فأجابه‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫انزل ععن السعطح وابعق فعي الفصعيل الذي تحتعه‪ .‬فقام الفتعى مؤتمراً له‪ .‬فلمعا نزل‬
‫قام محمعد وأغلق الباب معن داخله وعاد إلى سعريره‪ .‬قال أبعو العباس‪ :‬فعلمعت معن‬
‫ذلك الوقت ن ال فيه مراد خير‪.‬‬
‫حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن عبيد ال بن يحيى‬
‫عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن النصاري عن حفص بن عاصم‬
‫ععن أبعي هريرة ععن رسعول ال صعلى ال عليعه وسعلم أنعه قال‪( :‬سعبعة يظلهعم ال‬
‫فععي ظله يوم ل ظععل إل ظله‪ :‬إمام عادل؛ وشاب نشععأ فععي عبادة ال عععز وجععل؛‬
‫ورجعل قلبعه معلق بالمسعجد إذا خرج منعه حتعى يعود إليعه؛ ورجلن تحابعا فعي ال‬
‫اجتمعا على ذلك وتفرقا‪ ،‬ورجل ذكر اله خالياً ففاضت عيناه‪ ،‬ورجل دعته امرأة‬
‫ذات حسب وجمال فقال إني أخاف ال‪ ،‬ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى ل تعلم‬
‫شماله ما تنفق يمينه)‪.‬‬

‫وإنعي أذكعر أنعي دعيعت إلى مجلس فيعه بععض معن تسعتحسن البصعار صعورته‬
‫وتألف القلوب أخلقه‪ ،‬للحديث والمجالسة دون منكر ول مكروه‪ ،‬فسارعت إليه‬
‫وكان هذا سعحراً‪ .‬فبععد أن صعليت الصعبح وأخذت زيعي طرقنعي فكعر فسعنحت لي‬
‫أبيات‪ ،‬ومعععي رجععل مععن إخوانععي فقال لي‪ :‬مععا هذا الطراق؟ فلم أجبععه حتععى‬
‫أكملتهعا‪ ،‬ثعم كتبتهعا ودفعتهعا إليعه وأمسعكت ععن المسعير حيعث كنعت نويعت‪ .‬ومعن‬
‫البيات‪:‬‬
‫أراقك حسن غيبـه لـك تـأريق‬

‫وتبريد توصل سره فيك تحريق‬

‫وقرب مزار يقتضي لك فـرقة‬

‫وشكا ولول القرب لم يك تفريق‬

‫ولذة طعم معقب لك علـقـمـا‬

‫وصابا وفسح في تضاعيفه ضيق‬

‫ولو لم يكععععن جزاء ول عقاب ول ثواب لوجععععب علينععععا إفناء العمار وإتعاب‬
‫البدان وإجهاد الطاقععة واسععتناد الوسععع واسععتفراغ القوة فععي شكععر الخالق الذي‬
‫ابتدأنا بالنعم قبل استئقالها‪ ،‬وأمتن علينا بالعقل الذي به عرفناه‪ ،‬ووهبنا الحواس‬
‫والعلم والمعرفععة ودقائق الصععناعات‪ ،‬وصععرف لنععا السععموات جاريععة بمنافعهععا‪،‬‬
‫ودبرنعا التدبيعر الذي لو ملكنعا خلقنعا لم نهتعد إليعه‪ ،‬ول نظرنعا لنفسعنا نظره لنعا‪،‬‬
‫وفضلنعا على أكثعر المخلوقات‪ ،‬وجعلنعا مسعتودع كلمعه ومسعتقر دينعه‪ ،‬وخلق لنعا‬
‫الجنععة دون أن نسععتحقها‪ ،‬ثععم لم يرضععى لعباده أن يدخلوهععا إل بأعمالهععم لتكون‬
‫واجبة لهم‪ :‬قال ال تعالى‪( :‬جزاء بما كانوا يعملون)‪ .‬رشدنا إلى سبيلها وكصرنا‬
‫وجعه ظلهعا‪ ،‬وجععل غايعة إحسعانه إلينعا وامتنانعه علينعا حقاً معن حقوقنعا قبله‪ ،‬وديناً‬

‫لزماً له‪ ،‬وشكرنعا على معا أعطانعا معن الطاععة التعي رزقنعا قواهعا‪ ،‬وأثابنعا بفضله‬
‫على تفضله‪.‬‬

‫وهذا كرم ل تهتدي إليععه العقول‪ ،‬ول يمكععن أن تكيفععه اللباب‪ .‬ومععن عرف ربععه‬
‫ومقدار رضاه وسعخطه هانعت عنده اللذات الذاهيعة والحطام الفانعي‪ ،‬فكيعف وقعد‬
‫أتعى من وعيده معا تقشععر اسعماعه الجسعاد‪ ،‬وتذوب له النفوس‪ ،‬وأورد علينعا معن‬
‫عذابه ما لم ينته إليه أمل فأين المذهب عن طاعة هذا الملك الكريم‪ ،‬وما الرغبة‬
‫فعي لذة ذاهيعة ل تذهعب الندامعة عنهعا‪ ،‬ول تفنعى التباععة منهعا‪ ،‬ول يزول الخزي‬
‫ععن راكبهعا‪ ،‬وإلى كعم هذا التمادي وقعد أسعمعنا المتادى‪ ،‬وكأن قعد حدا بنعا الحادي‬
‫إلى دار القرار‪ ،‬فإمععا إلى جنععة وإمععا إلى نار‪ ،‬أل إن التثبععط فععي هذا المكان لهععو‬
‫الضلل المبين‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أقصر عن لهوه وعن طربـه‬

‫وعف في حبه وفي عربـه‬

‫فليس شرب المدام هـمـتـه‬

‫ول اقتناص الظباء من أربـه‬

‫قد آن للقلـب أن يفـيق وأن‬

‫يزيل ما قد عله من حجبـه‬

‫ألهاه عما عهدت يعـجـبـه‬

‫خيفة يوم تبلى السـرائر بـه‬

‫يا نفس جدي وشمري ودعـي‬

‫عنك ابتاع الهوى على لغبـه‬

‫وسارعي في النجاة واجتهدي‬

‫ساعية في الخلص من كربه‬

‫علي أحظى بالفوز فـيه وأن‬

‫أنجو من ضيقه ومن لهـبـه‬

‫يأبها اللعب المجـد بـه ال‬

‫دهر أما تتقي شبا نـكـبـه‬

‫كفاك من كل ما وعظت بـه‬

‫ما قد أراك الزمان من عجبه‬

‫دع عنك دارا نفنى غضارتهـا‬

‫ومكسبا ل عبا بمكتـسـبـه‬

‫لم يضطرب في محلها أحـد‬

‫إل نبا حدها بمضـطـربـه‬

‫من عرف ال حق مـعـرفة‬

‫لوى وحل الفؤاد في رهبـه‬

‫ما منقضى الملك مثل خالـده‬

‫ول صحيح التقى كمؤتشبـه‬

‫ول تقي الورى كفاسـقـهـم‬

‫وليس صدق الكلم من كذبه‬

‫فلو أمنا من العـقـاب ولـم‬

‫نخشى من ال متقى غضبـه‬

‫ولم نخف ناره التي خلـقـت‬

‫لكل جاني الكلم محتقـبـه‬

‫لكان فرضا لـزوم طـاعـتـه‬

‫ورد وفد الهوى على عقـبـه‬

‫وصحة الزهد في البـقـاء وأن‬

‫يلحق تفنيدنـا بـمـرتـقـبـه‬

‫فقد رأينا فعـل الـزمـان بـأه‬

‫له كفعل الشواظ في حطـبـه‬

‫كم متعب في الله مهـجـتـه‬

‫راحته في الكريه من تعـبـه‬

‫وطالب باجتـهـاده زهـر ال‬

‫دنيا عداه المنون عن طـلـبـه‬

‫ومدرك ما ابتـغـاه ذي جـدل‬

‫حل به ما يخاف من سـبـبـه‬

‫وباحث جـاهـد لـبـغـيتـه‬

‫فإنما بحثه عـلـى عـطـبـه‬

‫بينا ترى المرء ساميا مـلـكـا‬

‫صار إلى السفل من ذرى رتبه‬

‫كالزرع للرجل فوقـه عـمـل‬

‫أن ينم حسن النمو في قصبـه‬

‫كم قاطع نفسه أسـى وشـجـا‬

‫في إثر جد يجد فـي هـربـه‬

‫أليس في ذاك زاجـر عـجـب‬

‫يزيد ذا اللب في حلـى أدبـه‬

‫فكيف والنار لـلـمـسـيء إذا‬

‫عاج عن المستقيم من عقـبـه‬

‫ويوم عرض الحساب يفضحه ال‬

‫له ويبدي الخفـى مـن ريبـه‬

‫من قد حباه اللـه رحـمـتـه‬

‫موصولة بالمزيد من نـشـبـه‬

‫فصار من جهله يصـرفـهـا‬

‫فيما نهى ال عنه في كتـبـه‬

‫أليس هذا أحرى العـبـاد غـدا‬

‫بالوقع في ويله وفي حـربـه‬

‫شكرا لرب لـطـيف قـدرتـه‬

‫فينا كحبل الوريد في كـثـبـه‬

‫رازق أهل الزمان أجمعـهـم‬

‫من كان من عجمه ومن عربه‬

‫والحمد ل فـي تـفـضـلـه‬

‫وقمعه للزمـان فـي نـوبـه‬

‫أخدمنا الرض والسمـاء ومـن‬

‫في الجو من مائه ومن شهبـه‬

‫فاسمع ودع من عصاه نـاحـية‬

‫ل يحمل الحمل غير محتطبـه‬

‫وأقول أيضاً‪:‬‬
‫أعارتك دنيا مـسـتـرد مـعـارهـا‬

‫غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها‬

‫وهل يتمنى المحـكـم الـرأي عـيشة‬

‫وقد حان من دهم المنـايا مـزارهـا‬

‫وكيف تلذ الـعـين هـجـعة سـاعة‬

‫وقد طال فيما عاينته اعـتـبـارهـا‬

‫وكيف تقر النفـس فـي دار ثـقـلة‬

‫قد استيقنت أن ليس فيهـا قـرارهـا‬

‫وأتى له في الرض خاطـر فـكـرة‬

‫ولم تدر بعد الموت أين مـحـارهـا‬

‫أليس لها في السعي للفـوز شـاغـل‬

‫أما في توفيها العـذاب ازدجـارهـا‬

‫فخابت نفوس قـادهـا لـهـو سـاعة‬

‫إلى حر نار ليس يطـفـي أوارهـا‬

‫لهـا سـائق حـاد حـثـيث مـبـادر‬

‫إلى غير ما أضحى إلـيه مـدارهـا‬

‫تراد لمر وهـي تـطـلـب غـيره‬

‫وتقصد وجها في سـواه سـفـارهـا‬

‫أمسـرعة فـيمـا يسـوء قـيامـهـا‬

‫وقد أيقنت أ‪ ،‬العـذاب قـصـارهـا‬

‫تعطل مفروضا وتعـنـي بـفـضـلة‬

‫لقد شفها طغيانـهـا واغـتـرارهـا‬

‫إلى ما لها منه البـلء سـكـونـهـا‬

‫وعما لها منه النـجـاح نـفـارهـا‬

‫وتعرض عن رب دعاها لـرشـدهـا‬

‫وتتبع دنيا جـد عـنـهـا مـرارهـا‬

‫فيأيها الـمـغـرور بـادر بـرجـعة‬

‫فلله دار لـيس تـخـمـد نـارهـا‬

‫ول تـتـخـير فـانـيا دون خـالـد‬

‫دليل على محض العقول اختـيارهـا‬

‫أتعلم أن الـحـق فـيمـا تـركـتـه‬

‫وتسلك سبلً ليس يخفـى عـوارهـا‬

‫وتترك بيضـاء الـمـنـاهـج ضـلة‬

‫لبهماء يؤذي الرجل فيها عـثـارهـا‬

‫تسر بـلـهـو مـعـقـب بـنـدامة‬

‫إذا ما انقضى ل ينقص مستثـارهـا‬

‫وتفنى الليالي والمـسـرات كـلـهـا‬

‫وتبقى تباعات الـذنـوب وعـارهـا‬

‫فهل أنت يا مغبون مستـيقـظ فـقـد‬

‫تبين من سر الخطوب استـتـارهـا‬

‫فعجل إلى رضوان ربك واجـتـنـب‬

‫نواهيه إذ قد تـجـلـي مـنـارهـا‬

‫يجد مرور الدهر عـنـك بـلعـب‬

‫وتغرى بدنيا سـاء فـيك سـرارهـا‬

‫فكم أمة قد غرها الدهـر قـبـلـنـا‬

‫وهاتيك منهـا مـقـفـرات ديارهـا‬

‫تذكر على ما قد مضى واعتـبـر بـه‬

‫فإن المذكي للعقـول اعـتـبـارهـا‬

‫تحامى ذرها كـل بـاغ وطـالـب‬

‫وكان ضمانا في العادي انتصارها‬

‫توافت ببطن الرض وانشت شملهـا‬

‫وعاد إلى ذي ملكه اسـتـعـارهـا‬

‫وكم راقد في غفـلة عـن مـنـية‬

‫مشمرة في القصد وهو سعـارهـا‬

‫ومظلمة قد نـالـهـا مـتـسـلـط‬

‫مدلي بأيد عند ذي العرش ثـارهـا‬

‫أراك إذا حاولـت دنـياك سـاعـيا‬

‫على أنـهـا بـاد إلـيك أزوارهـا‬

‫وفي طاعة الرحمن يقعدك الـونـى‬

‫وتبدي أناة ل يصـح اعـتـذارهـا‬

‫تحاذر إخوانا ستفنى وتـنـقـضـي‬

‫وتنسى التي فرض عليك حذارهـا‬

‫كأني أرى منك التـبـرم ظـاهـرا‬

‫مبينا إذا القدار حل اضطـرارهـا‬

‫هناك يقول المرء من لي بأعـصـر‬

‫مضت كان ملكا في يدي خـيارهـا‬

‫تنـبـه لـيوم قـد أظـلــك ورده‬

‫عصيب يوافي النفس فيها احتضارها‬

‫تبرأ فيه مـنـك كـل مـخـالـط‬

‫وإن من المال فـيه انـهـيارهـا‬

‫فأودعت في ظلماء ضنك مقـرهـا‬

‫يلوح عليها للعـيون إغـبـرارهـا‬

‫تنادي فل تدري المنـادي مـفـردا‬

‫وقد حط عن وجه الحياة خمـارهـا‬

‫تنـادي إلـى يوم شـديد مـفــزع‬

‫وساعة حشر ليس يخفى اشتهارهـا‬

‫إذا حشرت فيه الوحوش وجمـعـت‬

‫صحائفنا وإنثال فينا انـتـثـارهـا‬

‫وزينت الجـنـات فـيه وأزلـفـت‬

‫وأذكى من نار الجحيم استعـارهـا‬

‫وكورت الشمس المنيرة بالضـحـى‬

‫وأسرع من زهر النجوم إنكدارهـا‬

‫لقد جل أمر كان منه انتـظـامـهـا‬

‫وقد حل أمر كان منه انتـثـارهـا‬

‫وسيرت الجبـال والرض بـدلـت‬

‫وقد عطلت من مالكيها عشـارهـا‬

‫فإما لدار ليس يفنـى نـعـيمـهـا‬

‫وإمـا لـدار ل يفـك إسـارهــا‬

‫بحضرة جبـار رفـيق مـعـاقـب‬

‫فتحصى المعاصي كبرها وصغارها‬

‫ويندم يوم البعث جاني صـغـارهـا‬

‫وتهلك أهليها هـنـاك كـبـارهـا‬

‫ستغبط أجساد وتحـيا نـفـوسـهـا‬

‫إذا ما ستوى إسرارها وجهـارهـا‬

‫إذا حفهم عفـو اللـه وفـضـلـه‬

‫وأسكنهم دارا حـللً عـقـارهـا‬

‫سيلحقهم أهل الفسوق إذا اسـتـوى‬

‫بجلبة سبق طرفهـا وحـمـارهـا‬

‫يفر بنو الدنـيا بـدنـياهـم الـتـي‬

‫يظن على أهل الحظوظ اقتصارهـا‬

‫هي الم خير البر فيها عقـوقـهـا‬

‫وليس بغير البذل يحمى ذمـارهـا‬

‫فما نال منها الحظ إل مـهـينـهـا‬

‫وما الهلك إل قربها واعتـمـارهـا‬

‫تهافت فيها طامع بـعـد طـامـع‬

‫وقد بان للب الذكي اخـتـبـارهـا‬

‫تطامن لغمر الحادثـات ول تـكـن‬

‫لها ذا اعتمار يجتنبك غـمـارهـا‬

‫وإياك أن تغتر منهـا بـمـا تـرى‬

‫فقد صح في العقل الجلي عيارهـا‬

‫رأيت ملوك الرض يبـغـون هـدة‬

‫ولذة نفس يستطـاب اجـتـرارهـا‬

‫وخلوا طريق القصد في مبتغاتـهـم‬

‫لمتبعه الصفار جـم صـغـارهـا‬

‫وإن التي يبـغـون نـهـج بـقـية‬

‫مكين لطلب الخلص اختصارهـا‬

‫هل العز إل همة صح صـونـهـا‬

‫إذا صان همات الرجال انكسارهـا‬

‫وهـل رايح إل امـرؤ مـتـوكـل‬

‫قنوع غني النفـس بـاد وقـارهـا‬

‫ويلقى ولة الملك خوفـا وفـكـرة‬

‫تضيق بها ذرعا ويفنى اصطبارهـا‬

‫عيانا ترى هـذا ولـكـن سـكـرة‬

‫أحاطت بنا ما إن يفيق خـمـارهـا‬

‫قد برهن الباني على الرض سقفهـا‬

‫وفي علمه معمورها وقـفـارهـا‬

‫ومن يمسك الجرام والرض أمـره‬

‫بل عمد يبنـي عـلـيه قـرارهـا‬

‫ومن قدر التدبير فيهـا بـحـكـمة‬

‫فصح لديها لـيلـهـا ونـهـارهـا‬

‫ومن فتق المواه في صفح وجههـا‬

‫فمنها يغذي حبـهـا وثـمـارهـا‬

‫ومن صير اللوان في نور نبـتـهـا‬

‫فأشرق فيها وردهـا وبـهـارهـا‬

‫فمنهن مخضر يروق بـصـيصـه‬
‫ومن حفر النهار دون تـكـلـف‬

‫ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها‬
‫فصار من الصم الصلب انفجارها‬

‫ومن رتب الشمس المنير أبيضاضها‬

‫غدوا ويبدو بالعشي اصفـرارهـا‬

‫ومن خلق الفلك فامند جـريهـا‬

‫وأحكمها حتى استقـام مـدارهـا‬

‫ومن إن ألمت بالـعـقـول رزية‬

‫فلس إلى حي سواه افتـقـارهـا‬

‫تجد كل هذا راجع نحـو خـالـق‬

‫له ملكها منقـادة وائتـمـارهـا‬

‫أبـان لـنـا اليات فـي أنـبـيائه‬

‫فأمكن بعد العجز فيها اقـتـداهـا‬

‫فأنطق أفواها بألـفـاظ حـكـمة‬

‫وما حلها إثغارهـا وأتـغـارهـا‬

‫وأبرز من صم الحـجـارة نـاقة‬

‫وأسمعهم في الحين منها حوارهـا‬

‫ليوقن أقوام وتـكـفـر عـصـبة‬

‫أتاها بأسباب الهـلك قـدارهـا‬

‫بوشق لموسى البحر دون تكـلـف‬

‫وبان من المواج فيه انحسارهـا‬

‫وسلم من نار الونـوق خـلـيلـه‬

‫فلم يؤذه إحراقها واعـتـرارهـا‬

‫ونجى من الطوفان نوحا وقد هدت‬

‫به أمة أبدى الفسـوق شـرارهـا‬

‫ومـكـن داودا بـأيد وابـنـــه‬

‫فتعسيرها ملقـى لـه وبـدارهـا‬

‫وذلـل جـبـار الـبـلد لمـره‬

‫وعلم من طير السماء حـوارهـا‬

‫وفضل بـالـقـرآن أمة أحـمـد‬

‫ومكن في أقصى البلد مغارهـا‬

‫وشق له بدر السـمـاء وخـصـه‬

‫بآيات حق ل يخـل مـعـارهـا‬

‫وأنقذنا من كفـر أربـابـنـا بـه‬

‫وكان على قطب الهلك منارهـا‬

‫فما بالنا ل نترك الـجـل ويحـنـا‬

‫لنسلم من نار ترامـى شـرارهـا‬

‫هنعا أعزك ال انتهعى معا تذكرتعه إيجاباً لك‪ ،‬وتقمنًا لمسعرتك‪ ،‬ووقوفاً عنعد أمرك‪.‬‬
‫ولم أمتنععع أن أورد لك فععي هذه الرسععالة أشياء يذكرهععا الشعراء ويكثرون القول‬
‫فيهععا‪ ،‬موفيات على وجوههععا‪ ،‬ومفردات فععي أبوابهععا‪ ،‬ومنعمات التفسععير‪ ،‬مثععل‬
‫الفراط فععي صععفة النحول وتشععبيه الدموع بالمطار وأنهععا تروي السععفار وعدم‬
‫النوم البتعة‪ ،‬وانقطاع الغذاء جملة‪ ،‬إل أنهعا أشياء ل حقيقعة لهعا‪ ،‬وكذب ل وجعه له‬
‫ولكل شيء حد‪ ،‬وقد جعل ال لكل شيء قدراً‪ .‬والنحول قد يعظم ولو صار حيث‬
‫يصععفونه لكان تفععي قوام الذرة أو دونهععا‪ ،‬ولخرج ععن حععد المعقول‪ .‬والسععهر قععد‬
‫يتصل ليالي‪ ،‬ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلك‪ .‬وإنما قلنا أن الصبر عن النوم‬
‫أقععل مععن الصععبر عععن الطعام؛ لن النوم غذاء الروح والطعام غذاء الجسععد‪ ،‬وإن‬
‫كانععا يشتركان فععي كليهمععا ولكنععا حكينععا على الغلب‪ .‬وأمععا الماء فقععد رأيععت أن‬
‫ميسوراً البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي‬
‫بما في غذائه من رطوبة‪.‬‬

‫وحدثنعي القاضعي أبعو عبعد الرحمعن بعن جحاف أنعه كان يعرف معن كان ل يشرب‬

‫الماء شهراً‪.‬‬
‫وإنمعا اقتصعرت فعي رسعالتي على الحقائق المعلومعة التعي ل يمكعن وجود سعواها‬
‫أصعل‪ ،‬وعلى أنعي قعد أوردت معن هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفعى بهعا‬
‫لئل أخرج عن طريقة أهل الشعر ومذهبهم‪ ،‬وسيرى كثير من إخوننا أخباراً لهم‬
‫في هذه الرسالة مكنياً فيها من أسمائهم على ما شرطنا في ابتدائها‪ .‬وأنا أستغفر‬
‫ال تعالى مما يكتب الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه‪ ،‬استغفار من يعلم‬
‫أن كلمعه معن عمله‪ .‬ولكنعه إن لم يكعن معن اللغعو الذي ل يؤاخعذ بعه المرء فهعو إن‬
‫شاء ال معن اللمعم المعفعو‪ ،‬وإل فليعس معن السعيئات والفواحعش التعي يتوقعع عليهعا‬
‫العذاب‪ .‬وعلى كعععععل حال فليعععععس معععععن الكبائر التعععععي ورد النعععععص فيهعععععا‪.‬‬
‫وأنعا أعلم أنعه سعينكر على بععض المتعصعبين على تأليفعي لمثعل هذا ويقول‪ :‬إنعه‬
‫خالف طريقته‪ ،‬وتجافى عن وجهته‪ ،‬وما أحل لحد أن يظن في غير ما قصدته‪،‬‬
‫قال ال ععز وجعل‪( :‬يعا أيهعا الذيعن آمنوا اجتنبوا كثيراً معن الظعن إن بععض الظعن‬
‫إثععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععم)‪.‬‬
‫وحدثنعي أحمعد بعن محمعد بعن الجسعوري‪ ،‬ثنعا ابعن أبعي دليعم‪ ،‬ثنعا ابعن وضاح ععن‬
‫يحيعى ابعن مالك بعن أبعي أنعس ععن أبعي الزبيعر المكعي ععن أبعي شريعح الكععبي ععن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬إياكم والظن فإنه أكذب الكذب)‪.‬‬
‫وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن العرج عن أبي هريرة عن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬من كان يؤمن بال واليوم الخر فليقل‬
‫خيراً أو ليصمت)‪.‬‬

‫وحدثني صعاحبي أبعو بكعر محمعد بن إسحاق‪ ،‬ثنا عبد اله بن يوسف الزدي‪ ،‬ثنا‬
‫يحيى بن عائذ‪ ،‬ثنا أبو عدي عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحاق بن الفرج‬
‫المام بمصعر‪ ،‬ثنعا أبعو علي الحسعن بعن قاسعم بعن دحيعم المصعري‪ ،‬ثنعا محمعد بعن‬
‫زكريا الغلبي‪ ،‬ثنا أبو العباس‪ ،‬ثنا أبو بكر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه‬
‫قال‪ :‬وضع عمر بن الخطاب رضي ال عنه للناس ثماني عشر كلمة من الحكمة‬
‫منهعععا‪ :‬ضعععع أمعععر أخيعععك على أحسعععنه حتعععى يأتيعععك على معععا يغلبعععك عليعععه‪.‬‬
‫ول تظن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملً‪:‬‬
‫فهذا أعزك ال أدب ال وأدب رسعوله صعلى ال عليعه وسعلم وأدب أميعر المؤمنيعن‬
‫وبالجملة فإنععي ل أقول بالمراياة ول أنسععك نسععكاً أعجمياً‪ .‬ومععن أدى الفرائض‬
‫المأمور بهعا‪ ،‬واجتنعب المحارم المنهعى عنهعا‪ ،‬ولم ينسعى الفضعل فيمعا بينعه وبيعن‬
‫الناس فقععد وقععع عليععه اسععم الحسععان‪ ،‬ودعنععي ممععا سععوى ذلك وحسععبي ال‪.‬‬
‫والكلم في مثل هذا إنما هو مع خلء الذرع وفراغ القلب‪ ،‬وإن حفظ شيء وبقاء‬
‫رسعم وتذكعر فائت لمثعل خاطري لعجعب على معا مضعى ودهمنعي‪ .‬فأنعت تعلم أن‬
‫ذهنعي متقلب وبالي مهصعر بمعا نحعن فيعه معن نبعو الديار‪ .‬والخلء ععن الوطان‬
‫وتغير الزمان‪ ،‬ونكبات السلطان‪ ،‬وتغير الخوان‪ ،‬وفساد الحوال‪ ،‬وتبدل اليام‪،‬‬
‫وذهاب الوفر‪ ،‬والخروج عن الطارف والتالد‪ ،‬واقتطاع مكاسب الباء والجداد‪،‬‬
‫والغربة في البلد‪ ،‬وذهاب المال والجاه‪ ،‬والفكر في صيانة الهل والولد واليأس‬
‫ععن الرجوع إلى موضعع الهعل‪ ،‬ومدافععة الدهعر‪ ،‬وانتظار القدار ل جعلنعا ال‬
‫معن الشاكيعن إل إليعه‪ ،‬وأعادنعا إلى أفضعل معا عودنعا‪ .‬وإن الذي أبقعى لكثعر ممعا‬

‫أخععذ‪ ،‬والذي ترك أعظععم مععن الذي تحيععف‪ .‬ومواهبععه المحيطععة بنععا ونعمععه التععي‬
‫غمرتنا ل تحد‪ .‬ول يؤدي شكرها‪ ،‬والكل منحه وعطاياه‪ ،‬ول حكم لنا في أنفسنا‬
‫ونحن منه‪ ،‬وإليه منقلبنا‪ ،‬وكل عارية فراجعة إلى معيرها‪ .‬وله الحمد أول وآخراً‬
‫وعوداً وبدءا وأنا أقول‪:‬‬
‫جعلت اليأس لي حصنا ودرعا‬

‫فلم أليس ثياب المستـضـام‬

‫وأكثر من جميع الناس عندي‬

‫يسير صـائنـي دون النـام‬

‫إذا ما صح لي ديني وعرضي‬

‫فلست لما تولى ذا اهتـمـام‬

‫تولى المس والغد لست أدري‬

‫أأدركه ففيما ذا اغـتـمـام‬

‫جعلنا ال وإياك من الصابرين الشكرين الحامدين الذاكرين‪ .‬آمين آمين والحمد‬
‫ل رب العالمين وصلى ال على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful