‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫غزة ورابعة‬
‫عناصر القوة والضعف‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫أغسطس ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫أغسطس ‪1014‬‬

‫غزة ورابعة‪ ..‬عناصر القوة والضعف‬

‫هل يمكن أن تنتصر المقاومة على االحتالل اإلسرائيلي؟ وهل يمكن أن ينتصر الحراك الثوري‬
‫على الحكم العسكري؟ هل تملك المقاومة الشعبية واإلرادة الشعبية األدوات الالزمة ومصادر القوة‬
‫الضرورية لتحقيق انتصار على قوة مسلحة أو سلطة مسلحة؟‬
‫المقارنة بين المقاومة واالحتالل‪ ،‬تكشف الفارق الهائل في القوة العسكرية وقوة النيران لصالح‬
‫االحتالل‪ ،‬والمقارنة بين الحراك الثوري والحكم العسكري‪ ،‬تكشف امتالك الحكم العسكري آللة قمع هائلة‪،‬‬
‫في حين أن الحراك الثوري ال يملك إال االحتجاج السلمي‪.‬‬
‫إذن توضح المقارنة بين المقاومة والثورة الشعبية من جهة‪ ،‬واالستبداد واالحتالل من جهة أخرى‪،‬‬
‫أن هناك فارقا مهما في القوة المسلحة والعسكرية‪ ،‬فالمقاومة الشعبية بكل أشكالها‪ ،‬هي نضال شعبي يستند‬
‫لإلرادة الشعبية‪ ،‬في مواجهة قوة حاكمة أو قوة احتالل تستند أساسا إلى القوة العسكرية‪.‬‬
‫معنى هذا‪ ،‬أن كل حركات التحرر تعتمد على اإلرادة الشعبية والحاضن االجتماعي في مواجهة‬
‫قوة عسكرية نظامية‪ ،‬تعتمد على قدراتها القمعية والعسكرية‪ ،‬وقوة نيرانها‪ .‬وإذا افترضنا أن اإلرادة الشعبية‬
‫ال تستطيع الوقوف أمام القوة العسكرية‪ ،‬ما انتصرت أي حركة تحرر في التاريخ‪.‬‬
‫هناك العديد من العوامل التي تحدد قدرة حركة التحرر على االنتصار‪ ،‬منها ما تملكه من عناصر‬
‫قوة‪ ،‬ومنها أيضا الظروف المحيطة بها والوضع اإلقليمي والدولي‪ ،‬ومنها أيضا ما يملكه االستبداد أو‬
‫االحتالل من مصادر قوة ونقاط ضعف‪.‬‬
‫وأتصور أن كل نتائج معارك التحرر ال تعتمد فقط على قوة حركة التحرر‪ ،‬بل تعتمد أيضا على‬
‫نقاط ضعف الطرف اآلخر‪ ،‬المستبد أو المحتل‪ ،‬ومن خالل تحقيق حركات التحرر النتصارات مرحلية‬
‫وجزئية ومعنوية متتالية‪ ،‬تراكم النصر‪ ،‬الذي ال يكتمل إال بسبب ضعف وتراجع الطرف اآلخر‪.‬‬
‫وما يجمع غزة ورابعة‪ ،‬أنها كلها حركات تحرر‪ ،‬ولها وجهة واحدة ومسارات عدة‪ ،‬ولكن كل‬
‫مساراتها تجتمع في نهاية واحدة‪ ،‬فمن غزة ومن رابعة‪ ،‬تنطلق حركات تحرر‪ ،‬تهدف إلى تحرير األمة‪،‬‬
‫سواء من االستبداد العسكري أو من االحتالل اإلسرائيلي‪.‬‬
‫وفي كل المراحل‪ ،‬تحالف الحكم المستبد والعسكري مع االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬لدرجة جعلت‬
‫مصيرهما مشتركا‪ ،‬كما أن حركة التحرر الفلسطيني وحركة تحرر الربيع العربي‪ ،‬لهما مصير واحد أيضا‪،‬‬
‫مما يجعل مسار التحرر مشتركا‪ ،‬ويجعل مصير االستبداد واالحتالل واحدا‪.‬‬
‫موارد القوة‬
‫يعتمد الحكم العسكري على أدوات القمع‪ ،‬كما يعتمد أساسا على أجهزة الدولة‪ ،‬والتي حولها إلى‬
‫أدوات قمع‪ ،‬قبل أي شيء آخر‪ ،‬خاصة بعد االنقالب العسكري‪ ،‬لذا فالحكم العسكري في مصر‪ ،‬يملك أدوات‬
‫قمع كبيرة‪ ،‬ولديه القدرة على تجديد أدوات القمع وتمويلها‪.‬‬
‫ويعتمد االحتالل اإلسرائيلي على ترسانة من األسلحة‪ ،‬وعلى جيش نظامي قوي‪ ،‬ومن أكبر الجيوش‬
‫في العالم‪ ،‬كما أن االحتالل اإلسرائيلي يسخر كل إمكانياته من أجل تحديث وتطوير جيشه‪ ،‬وهو يملك القدرة‬
‫على تمويل تسليح الجيش ورفع قدراته القتالية‪.‬‬
‫يعتمد الحراك الثوري على اإلرادة الشعبية‪ ،‬وعلى قدرة المنتمين للحراك على االستمرار والصمود‪،‬‬
‫فالحراك الشعبي يعتمد على مورد بشري بحت‪ ،‬ويستمد قوته من الحاضن االجتماعي له‪ ،‬كما يستمد قدرته‬
‫على االستمرار من توسع قاعدته الشعبية‪ ،‬وتوفر موارد بشرية له‪ ،‬ال تنضب‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫أغسطس ‪1014‬‬

‫غزة ورابعة‪ ..‬عناصر القوة والضعف‬

‫وتعتمد المقاومة على اإلرادة الشعبية والحاضنة االجتماعية‪ ،‬قبل سالحها‪ ،‬ألن سالح المقاومة ال‬
‫يملك قوة نيران مثل سالح االحتالل‪ ،‬لذا فاإلرادة الشعبية التي تقف وراء المقاومة‪ ،‬هي التي تكسبها قوتها‪،‬‬
‫وتجعلها مستمرة ومتواصلة عبر األجيال‪.‬‬
‫اختالف موارد ومصادر القوة بين االستبداد واالحتالل من جانب‪ ،‬والحراك الثوري والمقاومة من‬
‫الجانب اآلخر‪ ،‬يفترض معه أن يؤدي إلى اختالف النتائج التي يريد كل طرف أن يحققها‪ ،‬وهي النتائج التي‬
‫تتناسب مع أدواته وموارده المتاحة‪.‬‬
‫فالحكم العسكري بعد االنقالب‪ ،‬يريد أن يفرض إرادته على المجتمع‪ ،‬ويوقف أي احتجاج ضده‪،‬‬
‫من أي نوع كان‪ ،‬ومن أي طرف كان‪ ،‬كما يريد أن يؤمن سيطرة كاملة على مجمل أوضاع البالد‪ ،‬وعلى‬
‫الدولة والمجتمع واالقتصاد‪ ،‬وهو يملك من أدوات القوة والقمع‪ ،‬ما يتيح له تحقيق ذلك‪.‬‬
‫واالحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬يريد فرض سيطرته الكاملة على فلسطين المحتلة‪ ،‬وعلى كل األراضي‬
‫التي يقيم عليها دولة االحتالل‪ ،‬وكل أراضي تترك لحكم فلسطيني من أي نوع‪ ،‬كما يريد وقف وإنهاء‬
‫المقاومة تماما‪ ،‬وإجبار الفلسطينيين على القبول باالحتالل‪ ،‬وهو يملك السالح الالزم لذلك‪.‬‬
‫والحراك الثوري‪ ،‬يستهدف منع استقرار الحكم العسكري‪ ،‬ومنع تحوله إلى أمر واقع‪ ،‬ومنع تحوله‬
‫إلى نظام سياسي مستقر استقرارا هادئا ال ينازعه أحد في شرعيته‪ ،‬ووضع الحكم العسكري في مربع‬
‫البحث عن الشرعية‪ ،‬ونزع أي شرعية يحاول الحصول عليها‪ ،‬حتى يسقط في النهاية‪.‬‬
‫والمقاومة الفلسطينية‪ ،‬تريد بناء قاعدة صلبة ومستمرة للمقاومة‪ ،‬وعدم تمكين االحتالل من فرض‬
‫إرادته على الشعب الفلسطيني‪ ،‬وتقوية قدرة المقاومة على تحقيق توازن الردع‪ ،‬أو توازن الرعب‪ ،‬حتى ال‬
‫يتمكن االحتالل من إجهاض المقاومة‪ ،‬وحتى يصبح استمرار االحتالل أمرا مستحيال‪.‬‬
‫وألن الحكم العسكري واالحتالل اإلسرائيلي يملكان مصادر قوة عسكرية هائلة‪ ،‬لذا فكالهما يبحث‬
‫عن نصر حاسم وسريع‪ ،‬وكالهما يتوقع أن يحقق النصر في مدى زمني معقول أو محدد‪ ،‬مع اختالف زمن‬
‫معارك االحتالل التي تستمر لعقود طويلة‪ ،‬عن زمن معارك االستبداد مع الحراك الثوري‪.‬‬
‫والمقاومة الشعبية والحراك الثوري‪ ،‬كالهما يعمل من أجل منع الطرف اآلخر من تحقيق أهدافه‪،‬‬
‫وكالهما يعمل على استمرار حركة التحرر‪ ،‬وحمايتها حتى ال يتم إجهاضها‪ ،‬وحتى تكون قادرة على‬
‫االستمرار بأكثر من قدرة االحتالل واالستبداد على االستمرار‪ ،‬فتكون الغلبة في النهاية لإلرادة الشعبية‪.‬‬
‫ولهذا فإن قوة الحكم العسكري واالحتالل العسكري‪ ،‬تتمثل في قدرته على فرض إرادته على‬
‫اإلرادة الشعبية المقاومة لهما‪ ،‬من خالل استخدام السالح‪ ،‬وفي مدى زمني معقول‪ ،‬حتى يحقق كالهما‬
‫النصر المناسب لقدراتهما العسكرية‪.‬‬
‫وقوة حركات التحرر الشعبية‪ ،‬هي في إفشال أدوات القمع واالحتالل العسكري‪ ،‬ومنعها من تحقيق‬
‫أهدافها‪ ،‬حتى تصبح غير فاعلة‪ ،‬وغير قادرة على تحقيق أي أهداف حقيقة على األرض‪ ،‬مما يجعل أدوات‬
‫القمع واالحتالل غير فاعلة في التأثير على مجريات األمور‪ ،‬وتصبح حركة التحرر أكثر فاعلية‪.‬‬
‫الحاضن الشعبي‬
‫تعتمد المقاومة في وجه االحتالل على الحاضن االجتماعي الذي تنمو فيه‪ ،‬والذي يمثل اإلطار‬
‫الحامي لها‪ ،‬والمساند لها‪ ،‬والقادر على دفع ثمن المقاومة‪ ،‬وقادر أيضا على تقوية إرادة المقاومة ومساندتها‪.‬‬
‫والمقاومة تستمد رجالها من هذا الحاضن االجتماعي‪ ،‬مما يوفر لها المورد البشري المستمر‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫أغسطس ‪1014‬‬

‫غزة ورابعة‪ ..‬عناصر القوة والضعف‬

‫ويعتمد الحراك الثوري على اإلرادة الشعبية الثائرة‪ ،‬وعلى الثوار الذين يقودون معركة الثورة‬
‫يوميا في وجه الحكم العسكري‪ ،‬لهذا فإن الحاضن االجتماعي للحراك الثوري له دور مهم‪ ،‬فهو الذي يحمي‬
‫إرادة الثورة‪ ،‬ويحمي قدرة الثوار على االستمرار‪ ،‬ويقوي عزيمة وإرادة الحراك الثوري‪.‬‬
‫وألن الحاضن االجتماعي يلعب دورا محوريا في كل حركات التحرر‪ ،‬سواء في وجه االحتالل أو‬
‫االستبداد‪ ،‬لذا نجد الحكم العسكري واالحتالل اإلسرائيلي يستهدفان المدنيين بشكل واضح ومتعمد‪ ،‬ألن‬
‫الحكم العسكري يستهدف الحاضن االجتماعي للثورة‪ ،‬واالحتالل يستهدف الحاضن االجتماعي للمقاومة‪.‬‬
‫وفي كل مجتمع هناك من ال يريد دفع ثمن التحرر‪ ،‬ففي مصر قطاع من المجتمع يؤيد الحكم‬
‫العسكري‪ ،‬وال يؤيد الثورة‪ ،‬وال يريد دفع ثمن الثورة‪ ،‬وهذا القطاع يواجه الحاضن االجتماعي للثورة‪،‬‬
‫ويؤثر عليه سلبا‪ ،‬مما يجعل الحكم العسكري يحاول تغذية الموقف الرافض للثورة‪ ،‬لدى مؤيديه‪.‬‬
‫وفي فلسطين هناك أيضا من تعب من المقاومة‪ ،‬ويميل لالستسالم لالحتالل‪ ،‬ويفضل الحياة الهادئة‬
‫على المقاومة‪ ،‬وهذا القطاع من المجتمع يؤثر سلبا على الحاضن االجتماعي للمقاومة‪ ،‬ويعمل االحتالل‬
‫اإلسرائيلي على تقوية هذا القطاع حتى يحاصر المقاومة‪.‬‬
‫لذا فإن قدرة حركات التحرر على الحفاظ على الحاضن االجتماعي لها‪ ،‬وتقويته وتوسيعه‪ ،‬تعد أحد‬
‫أسباب القوة المهمة لتحقيق النصر في معركة التحرر‪ ،‬فإذا تمكنت المقاومة والحراك الثوري من الحفاظ‬
‫على حاضن اجتماعي متماسك‪ ،‬وله إرادة قوية‪ ،‬وقابل للتمدد والتوسع‪ ،‬تمكنا من توفير أحد مقومات النصر‪.‬‬
‫والمقاومة في فلسطين تواجه تحديا مهما‪ ،‬يتعلق بقدرتها على إدارة معركتها مع االحتالل بحكمة‪،‬‬
‫حتى تتمكن من االستمرار في المعركة‪ ،‬وتطوير سالحها‪ ،‬ومفاجأة العدو في كل مرة من مرات حربه‬
‫المتكررة على غزة‪ ،‬وحتى تتمكن بقدراتها المتطورة من توسيع حاضنها االجتماعي‪ ،‬ورفع الروح المعنوي‬
‫للمجتمع‪.‬‬
‫والحراك الثوري يواجه بمشكلة أكبر‪ ،‬حيث أنه يحتاج لتطوير أدواته في الحراك الثوري‪ ،‬ويحتاج‬
‫لتحقيق انتصارات مرحلية‪ ،‬حتى يحافظ على الروح الثورية‪ ،‬وحتى يقوي الرغبة في الثورة‪ ،‬واألمل في‬
‫الثورة‪ ،‬وحتى ال يصيب الحراك الثوري أي نوع من اليأس أو اإلحباط‪.‬‬
‫ورغم أن الحراك الثوري يملك العديد من الفرص لتطوير أسلوب تحركه الثوري‪ ،‬إال أنه يواجه‬
‫بتحدي الموقف الشعبي من الحراك الثوري‪ ،‬فقدرة الحراك على التأثير على مجرى الحياة اليومية‪ ،‬تكسبه‬
‫فرص لتحقيق انتصارات‪ ،‬ولكنها قد تتسبب في مواقف شعبية سلبية من الحراك الثوري‪.‬‬
‫لذا فالمعيار المهم للمقاومة‪ ،‬هو قدرتها على إثبات حضورها وفاعليتها‪ ،‬وقدرتها على تحقيق‬
‫عمليات نوعية وتطوير سالحها ومفاجأة العدو‪ ،‬وهو ما يساعد المقاومة على تقوية الحاضن الشعبي لها‪،‬‬
‫وتقوية إرادة المجتمع واألمل في المقاومة‪.‬‬
‫ومعيار نجاح الحراك الثوري‪ ،‬هو في قدرته على تحقيق حضور فاعل ومؤثر‪ ،‬وفي نفس الوقت‬
‫تحقيق حضور متواصل ومستمر‪ ،‬حتى يكون الحضور المستمر هو القاعدة التي تسقط أي شرعية عن‬
‫الحكم العسكري‪ ،‬ثم يكون الحضور الفاعل والمؤثر‪ ،‬هو األداة التي تنفي قدرة الحكم العسكري على فرض‬
‫سيطرته على زمام األمور‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫أغسطس ‪1014‬‬

‫غزة ورابعة‪ ..‬عناصر القوة والضعف‬

‫والحراك الثوري يحتاج للتمييز بين القاعدة الشعبية التي تساند الثورة‪ ،‬والتي يجب حمايتها وتقويتها‬
‫وتوسيعها‪ ،‬وبين القاعدة الشعبية المؤيدة للحكم العسكري‪ ،‬والتي ال يجب أن يكون لمواقفها أثر على الحراك‬
‫الثوري‪ ،‬وال يجب أن يكون موقفها السلبي قيد على الحراك الثوري‪.‬‬
‫ومشكلة الحراك الثوري في القطاع الذي ال يؤيد الثورة وال يؤيد الحكم العسكري‪ ،‬حيث يظن‬
‫الحراك الثوري أنه قادر على التمدد في هذه المنطقة‪ ،‬لهذا يحاول تجنب تطوير أدواته بشكل يؤثر سلبا على‬
‫حياة الناس‪ ،‬وهو ما يحتاج لحكمة‪ ،‬توفر للحراك الثوري فرص تطوير تأثيره في الشارع‪ ،‬مع الحفاظ على‬
‫قدرته على جذب قطاعات أوسع للحراك الثوري‪ ،‬حتى يحقق التمدد الكافي للحاضن االجتماعي للثورة‪.‬‬
‫فاتورة المعركة‬
‫يتحدد مسار المعركة بين االستبداد واالحتالل من جانب‪ ،‬والمقاومة والحراك الثوري من جانب‬
‫آخر‪ ،‬في قدرة كل طرف على دفع فاتورة المعركة‪ ،‬وقدرته بالتالي على االستمرار في المعركة‪ ،‬حتى‬
‫يتمكن من تحقيق نصر نهائي‪ .‬إذن التحدي األول هو القدرة على االستمرار‪ ،‬ثم يأتي تحدي تحقيق النصر‪.‬‬
‫فقدرة الحراك الثوري والمقاومة على تحقيق القدرة على الصمود واالستمرار والثبات‪ ،‬تعد أهم‬
‫معركة لكل حركة تحرر‪ ،‬فإذا تمكنت أي حركة تحرر من الوصول إلى نقطة الصمود‪ ،‬التي تمكنها من‬
‫االستمرار أيا كان زمن المعركة‪ ،‬تكون قد حققت النصر األول المهم‪.‬‬
‫وأتصور أن غزة المقاومة‪ ،‬حققت النصر األول المهم بعد حروب إسرائيلية ثالثة على القطاع‪ ،‬إال‬
‫إذا حاول االحتالل تدمير القطاع‪ ،‬مما يعني أن استمرار هذا الصمود‪ ،‬يدل على أن المقاومة حققت النصر‬
‫األول المهم‪ ،‬وهي أنها أصبحت قادرة على دفع فاتورة االستمرار في المقاومة‪.‬‬
‫ومادام هناك حاضن اجتماعي للثورة‪ ،‬قوي ومتماسك وله إرادة قوية‪ ،‬وقادر على دفع فاتورة‬
‫الخسائر اإلنسانية‪ ،‬إذن يكون الحراك الثوري قد حقق النصر األول‪ ،‬في معركة الصمود‪ ،‬وهو ما تحقق‬
‫وأصبح شعار رابعة يرمز له‪ ،‬فرابعة الصمود‪ ،‬حققت النصر األول‪ ،‬بقدرة الحراك على دفع فاتورة النضال‪.‬‬
‫وحتى ينتصر االحتالل أو الحكم العسكري يكون عليه دفع فاتورة االستمرار في مواجهة مفتوحة‬
‫ليس لها نهاية محددة‪ ،‬مع قوى التحرر التي تواجهه‪ .‬وهو ما يعني أن القوة العسكرية الهائلة التي يملكها‬
‫االحتالل والحكم العسكري‪ ،‬لن تكون سببا كافيا لتحقيق النصر‪.‬‬
‫والمالحظ أن االحتالل والحكم العسكري‪ ،‬يحتاجان إلى موارد مالية كبيرة لتأسيس قوة عسكرية‬
‫وقوة قمع‪ ،‬في حين أن المقاومة تعتمد على موارد مالية محدودة‪ ،‬والحراك الثوري يعتمد على موارد بشرية‪،‬‬
‫مما يعني أن كلفة الحرب مختلفة بين طرفي الصراع‪.‬‬
‫وفي حرب االحتالل اإلسرائيلي على قطاع غزة‪ ،‬دفعت غزة فاتورة إنسانية عالية من الخسائر‬
‫البشرية‪ ،‬وأيضا الخسائر المادية في المباني‪ ،‬ولكن فاتورة االحتالل اإلسرائيلي كانت أكبر بكثير‪ ،‬ومثلت‬
‫له استنزافا اقتصاديا مؤثرا‪.‬‬
‫والحكم العسكري بعد االنقالب في مصر‪ ،‬يستنزف موارد الدولة في أدوات القمع‪ ،‬وفي شراء والء‬
‫مؤسسات القمع‪ ،‬وفي تعويض حالة التردي االقتصادي‪ ،‬بدرجة تحتاج لموارد مالية كبيرة‪ ،‬ولم يعد الدعم‬
‫الخليجي كافيا لها‪ ،‬وهو ما يعني أن فاتورة الحكم العسكري باهظة‪ ،‬رغم أن الحراك الثوري الذي قبل دفع‬
‫الفاتورة اإلنسانية‪ ،‬ال يحتاج لموارد مالية‪ ،‬قدر حاجته لمورده البشري‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫أغسطس ‪1014‬‬

‫غزة ورابعة‪ ..‬عناصر القوة والضعف‬

‫والحكم العسكري يريد تحقيق األمن واالستقرار‪ ،‬حتى يتمكن من فرض سيطرته النهائية على‬
‫الدولة والسلطة‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن االحتالل اإلسرائيلي يحتاج لتحقيق األمن واالستقرار‪ ،‬حتى يؤمن‬
‫مجتمع المستوطنين‪ ،‬والذي يبني به دولة االحتالل‪.‬‬
‫وفقدان األمن واالستقرار‪ ،‬يضعف تأييد الحكم العسكري كما أنه يستنزفه‪ ،‬وأيضا فإن فقدان األمن‬
‫واالستقرار‪ ،‬يضعف موقف قيادة االحتالل‪ ،‬ويهز الثقة في مشروع االحتالل االستيطاني‪ ،‬مما يفقده قدرته‬
‫على جذب المزيد من المستوطنين‪ ،‬فتتآكل القوة البشرية لالحتالل االستيطاني‪.‬‬
‫وعندما يدخل االحتالل اإلسرائيلي في حرب ضد غزة‪ ،‬فإنه يدرك أن عليه أن ينهي الحرب في‬
‫وقت محدود‪ ،‬ألن التكلفة االقتصادية للحرب مرتفعة‪ ،‬والتأثير السلبي للحرب على مختلف أوجه األنشطة‬
‫يؤثر سلبا على االقتصاد‪ ،‬وإذا تدهور اقتصاد االحتالل‪ ،‬سوف يصبح مشروعه غير جاذب‪.‬‬
‫والحكم العسكري‪ ،‬بل ومشروع االنقالب العسكري نفسه‪ ،‬بني أساسا على فرضية خاطئة‪ ،‬وهي‬
‫أن االنقالب سوف ينجح في فرض حكم عسكري شامل خالل شهور على األكثر‪ ،‬ويوقف أي احتجاج أو‬
‫حراك ضده‪ ،‬مما يجعل فاتورة االنقالب العسكري االقتصادية معقولة‪ ،‬ويمكن توفيرها من الدعم الخليجي‪.‬‬
‫وألن حسابات الحكم العسكري خاطئة‪ ،‬فإن الحراك الثوري المستمر‪ ،‬أفشل محاولة فرض الحكم‬
‫العسكري‪ ،‬فأصبحت تكلفة ترسيخ الحكم العسكري باهظة‪ ،‬بل أصبحت فاتورة بال نهاية‪ ،‬مما جعل الحكم‬
‫العسكري يفتقد الموارد الالزمة‪ ،‬لدفع تكلفة االستمرار في محاولة فرض الحكم العسكري‪ ،‬والتي يمكن أن‬
‫تستمر بال نتيجة‪ ،‬مادام الحراك الثوري أصبح بال نهاية‪ ،‬وله قدرة على االستمرار‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫عامل القوة األساسي للحراك الثوري والمقاومة‪ ،‬هو اإلرادة الشعبية والحاضن االجتماعي‪ ،‬مما‬
‫يعني أن تقلص الحاضن االجتماعي ألي منهما‪ ،‬يمثل مرحلة تراجع‪ ،‬وأن توسع الحاضن االجتماعي يعد‬
‫من عوامل القوة‪ ،‬وأن قدرة الحاضن االجتماعي على الصمود‪ ،‬تعد رأس مال حركات التحرر‪.‬‬
‫إذا تمكنت حركة التحرر من تحقيق الصمود‪ ،‬وتأمين قدرتها على الصمود واالستمرار‪ ،‬وقدرتها‬
‫بالتالي على امتصاص ضربات آلة القمع العسكري‪ ،‬تكون حركة التحرر قد حققت النصر في المعركة‬
‫األولى‪ ،‬ووصلت لمرحلة رسوخ حركة التحرر‪ ،‬وقدرتها على االستمرار بدون سقف زمني‪.‬‬
‫تحقق المقاومة بعملياتها النوعية مكاسب مرحلية‪ ،‬تجعلها في طور التطور المستمر‪ ،‬وهو ما يحتاجه‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬في ضوء قدرته عل الحفاظ على الحاضن االجتماعي‪ ،‬وقدرته أيضا على توسيع هذا‬
‫الحاضن‪ ،‬بحيث تصبح قاعدة الحراك الثوري في تمدد مستمر‪.‬‬
‫تصل معركة التحرر إلى مرحلة االستنزاف‪ ،‬بعد أن تكون حركة التحرر قد حققت نصرها األول‪،‬‬
‫وهو القدرة المستمرة على الصمود‪ ،‬وتصبح المعركة بين حركة التحرر من جانب‪ ،‬واالستبداد واالحتالل‬
‫من الجانب اآلخر‪ ،‬هي معركة دفع الفاتورة‪.‬‬
‫بقدر ما تتمكن حركة التحرر من دفع فاتورة الخسائر اإلنسانية‪ ،‬بقدر ما يصبح الحكم العسكري‬
‫واالحتالل في مرحلة االستنزاف االقتصادي‪ ،‬واستنزاف األمن واالستقرار‪ ،‬وهو ما يراكم انتصارات‬
‫لحركة التحرر‪ ،‬ويراكم في الناحية األخرى من الخسائر المادية لالستبداد واالحتالل‪.‬‬

‫‪6‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful