‫تحليل المضمون بوصفه وسيلة اتصالية‬

‫‪ GMT 14:00:00 2006‬الثلئاء ‪ 10‬أكتوبر‬
‫إسماعيل نوري الربيعي‬

‫‪-------------------------------------------------------------------------------‬‬‫البحث عن المعنى الذي يحمله النص‪ ،‬أو القصد التبليغي المضمر داخل الموضوع‪ ،‬أو الرسالة الكامنة‬
‫في النص‪ ،‬والمراد تبليغها إلى طرف بعينه‪ .‬تلك هي أبرز المعطيات التي يتوقف عندها موضوع‬
‫"تحليل المضمون"‪ ،‬واليات الشتغال ل تتوقف عند نوع بذاته‪ ،‬أو تكرس تطلعاتها نحو غاية بعينها‪،‬‬
‫بقدر ما تتوجه نحو التطبيق المباشر و العملي في مختلف وسائل التصال بحثًا عن تحليل المحتوى‬
‫والوقوف على المعاني‪ ،‬من خلل طرق ووسائل استخدام الشفرات والرموز وصوًل إلى مضمون‬
‫الرسالة‪ ،‬التي تتمظهر في أكثر من شكل وصورة وبنية‪.‬‬
‫مجال التراكم‬
‫كان لتراكم المادة العلمية خلل أوائل القرن العشرين‪ ،‬وتوسع مجالت التصالت‪ ،‬أثرها البالغ في‬
‫التطلع نحو ظهور هذه التقنية المنهجية‪ .‬إذ لم يعد مجديًا أمام هذا الزحف الهائل من المادة الصحفية‬
‫المقروءة والمسموعة‪ ،‬أن تكون طريقة الوقوف على معطياتها‪ ،‬من خلل الحصافة والذكاء‪ .‬فالمر‬
‫لم يكن محاولة لمواجهة حالة طارئة‪ ،‬أو ترفًا منهجيًا يحاول البعض من أصحاب الكفاءات إثبات‬
‫قدراتهم وألمعيتهم فيه‪ ،‬بقدر ما كان محاولة للتواصل مع "حقل" أثبت أهمية وفاعلية في توجيه‬
‫الحشود والتأثير على الجماهير‪ .‬وهكذا كانت الصحافة الميدان البكر‪ ،‬الذي شهد نشوء طلئع هذا‬
‫المنهج‪ ،‬حيث التركيز على تحليل اتجاهات الصحف من خلل دراسة المادة الخبرية التي تحتويها‪،‬‬
‫وطريقة إيصال المادة إلى القارئ‪ ،‬ومدى محاولت التأثير عليه‪ .‬حيث يرتكز إليه المنهج على طريقة‬
‫المقارنة بين التجاهات التي تحملها"‪ "1‬الصحافة ومدى علقتها بالحقائق الموضوعية المتعلقة‬
‫بالقضية المدروسة‪.‬‬
‫النجاح اللمع الذي تحقق للية منهج تحليل المضمون‪ ،‬في مجال الصحافة هيأ لها التسلل في ميادين‬
‫العلوم النسانية المختلفة‪ ،‬حيث بدأت آليات التطبيق في مجال علم الجتماع وتحليل النصوص الدبية‬
‫وعلم السياسة‪ .‬ولم يتوقف التطبيق عند هذه العلوم‪ ،‬بل تخطاها ليشمل العم والغلب من العلوم‬
‫النسانية‪ ،‬حتى غدا منهجًا ذا حضور فاعل‪ ،‬يتم من خلله الوقوف على معطيات ثابتة ووضعية‬
‫للتحليل والتفسير وتحديد الدللت التي يزخر بها النص الذي يؤدي وظيفة التصال وفق الخصائص‬
‫المميزة له‪ ،‬انطلقا من أساس موضوعي ودقيق يتميز بالعلمية‪ ،‬حيث التوزيع وفقًا لوحدات لها‬
‫خصائص ذات فرادة ومعنى خاص بها‪.‬‬
‫من هنا يمكن الوقوف على العديد من الفكار التي يقدمها النص‪ ،‬استنادا الى آلية فرز الوحدات‪،‬‬
‫والتي تقدم تصنيفًا واضح المعالم للمعاني في مجموعات محددة‪ .‬وبهذا تتيسر عملية المقارنة بين‬
‫المجموعات أو الوحدات التي يحملها النص‪ ،‬حيث يقيض للباحث إمكانية الوصول الى النتائج‪ ،‬عبر‬
‫سلسلة من المقارنات المنهجية الواضحة‪ ،‬القائمة عل التوزيعات المتكافئة‪ .‬وليس الستناد الى‬
‫الحدس والتخمين أو الذائقة النقدية‪ ،‬هذا مع العتراف بأهمية هذه العوامل كأسس ثابتة لبد للباحث‬
‫أن يتوافر عليها‪ .‬ولكن تبقى مسألة المنهج ذات حضور وفعالية في كشف الغموض التي تعتري‬
‫العديد من الجوانب التي يقوم عليها النص‪ .‬وهكذا يأتي الستنتاج في تحليل المضمون مستندًا الى‬
‫خطوات معلمة واضحة للبس فيها‪ ،‬غايته الوضوح والتفسير القائم على تحليل المعطيات من خلل‬
‫القراءة الفاعلة"‪ ،"2‬التي ل تتوقف عند الظاهر في النص‪ ،‬بل تعتمد للغور عميقًا في باطنه وصوًل‬
‫الى المعنى‪ .‬بعبارة أخرى يمكن القول بان "تحليل المضمون" يعد نوعًا من القراءة الخرى‪ ،‬المختلفة‬
‫عن القراءة التقليدية‪ ،‬غايتها المعاني المضمرة والفكار المسكوت عنها التي يحملها النص‪ .‬وعدتها‬
‫العمل على تأويل الخطاب وتحليل أنساقه ومعانيه‪ ،‬عبر جميع الموجهات الممكنة من ذاتية أو‬
‫موضوعية ‪،‬فالمر ل يتوقف عند حدود التطلعات الذاتية‪ ،‬وجعل النص أو الخطاب خاضعًا لها‪ ،‬أي‬

‫العمل على اعتباره "حمال أوجه"‪ ،‬ليتم عبر هذا العمل‪ ،‬تحميل النص مال طاقة له به‪ ،‬أو تركيب‬
‫معطيات ومسلمات وبديهيات لعلقة لها بالغاية الرئيسية التي أعد من أجلها الخطاب‪.‬‬
‫إن توجهًا كهذا سيعمل على هدم محتوى الخطاب‪ ،‬وتمزيق أواصر المعنى فيه "ظاهرًا وباطنًا" بل أن‬
‫المر بأجمعه لن يتجاوز‪ ،‬لعبة الخضاع والتمويه والخداع الرخيص‪ .‬فالنتقاء والبتسار وبتر النص‪،‬‬
‫كمحاولة للباسه معنى أخر‪ ،‬لم تكن بالتقنية الجديدة‪ ،‬بقدر ماهي ممارسة شديدة القدم‪ ،‬عمد إلى‬
‫ممارستها الولون بكثافة من أجل التنكيل بخصومهم والنيل منهم‪ ،‬وتوكيد خروجهم و مروقهم‬
‫وتكذيبهم وتكفيرهم‪ .‬بل أن هذه الممارسة تتصاعد حمى ممارستها خلل المواجهات والحروب‬
‫الناشبة بين الطراف"‪ ،"3‬حيث يعمد كل طرف إلى انتقاء نصوص بعينها من الطرف المقابل‪،‬‬
‫وتحميل معاني أخرى ومعطيات مختلفة‪.‬‬
‫وإذا ما صدقت الحال على "سوء النية"‪ ،‬فان المنهج الموضوعي في "تحليل المضمون" ل يخلو هو‬
‫الخر‪ ،‬من مزالق ومطبات "حسن النية"‪ ،‬فعلى اعتبار سعة عملية التأويل وتشعبها‪ ،‬قد يقع الباحث‬
‫في مزالق قلة الوعي بالمادة الخاضعة للتحليل‪ ،‬لعتبارات نقص المعلومات أو الخبرة‪ ،‬أو ربما إساءة‬
‫تفسير الشفرات والعلمات‪ ،‬أو الخضوع لمؤثرات نفسية داخلية كامنة في الشعور‪ ،‬أو حالة التقاطع‬
‫في النسق الثقافي وعدم اللمام بطبيعة الخطاب الذي يحمله الخر‪ ،‬حيث الختلف في أنماط التفكير‬
‫وموجهاته‪.‬‬
‫الحتكامات الذاتية والموضوعية‬
‫اجتهد المشتغلون في مجال "تحليل المضمون" على تنقية هذا الحقل من الختللت الداخلية‪،‬‬
‫والمضامين الذاتية التي يحملها الباحث‪ ،‬متوخين الدقة والصرامة العلمية واللتزام الموضوعي‪ ،‬حيث‬
‫الحرص على تثبيت المعالجات والخطوات المنهجية‪ ،‬طبقًا لمعطيات الفرض واختيار العينة ووحدة‬
‫القياس والحصاء‪ .‬وعلى هذا الساس كانت البدايات لبروز المحددات والوسائل التي يتم من خللها‬
‫معالجة الظواهر المراد دراستها‪ ،‬بتطلع شامل وكلي غايته الحاطة بالتفصيلت والجزاء المتعلقة‬
‫بالموضوع‪ .‬ومن أجل الوصول الى الغاية العلمية‪ ،‬حيث الوصول الى النتائج‪ ،‬فان الجانب الموضوعي‬
‫يتبدى حاضرًا في التوجه نحو البحث الخالي من الغراض الشخصية والثوابت والغايات والهداف‬
‫المسبقة‪ ،‬بل أن التطلع المنهجي المحدد بخطوات بحثية ثابتة ودقيقة صارمة‪ ،‬يعد المفتاح الهم‬
‫للوصول الى النتائج المتوخاة‪.‬‬
‫يتيح "تحليل المضمون" للباحث الوقوف على العديد من المعطيات الدراكية‪ ،‬وفقًا للمرونة الكامنة‬
‫فيه‪ ،‬كأداة منهجية خاضعة للستدلل المنطقي ببعديه من العام الى الخاص حيث "الستنباط"‪ ،‬أو من‬
‫الخاص الى العام "الستقراء"‪ .‬فيما يحدد الموضوع ذاته‪ ،‬طبيعة الداة المنهجية المستخدمة في‬
‫معالجة الخطاب‪ .‬وهكذا تكون أدوات التحليل الساس الذي يتوقف عنده الباحث لجلء مكنون الخطاب‬
‫وحل رموزه وشفراته‪ ،‬وإذا ما كانت الصول " العلمية – التصالية""‪ "4‬قد فرضت حضورها‬
‫على "تحليل المضمون" باعتبار بواكير الستخدام‪ ،‬فان التطبيقات اللحقة في حقول ميادين العلوم‬
‫النسانية‪ ،‬كان قد أفصح عن تحديد نوعه في مجال التطبيق‪ ،‬حيث التأكيد على كونه أداة عقلية‬
‫غايتها الفهم والفصاح بلوغًا الى الحقيقة‪.‬‬
‫ل تتوقف عناية "تحليل المضمون" بالكشف عن النص المكتوب‪ ،‬بل تتخطاها نحو اللغة الشفاهية‬
‫والصورة والحلم والموسيقى والمواقف والصوات ‪ ،‬الشارات واليماءات والحركات‪ .‬وعلى هذا‬
‫يكون السعي نحو التحليل بلوغًا الى المعنى‪ ،‬استنادًا الى إحصاء مفردات بعينها داخل النص والعناية‬
‫بتصنيف علوم البلغة والعلوم المتفرعة عنه حيث علم المعاني الذي يعنى بتكوين الجملة وأنواعها‪،‬‬
‫والسلوب المستخدم إيجازًا أم مساواة أم إطناب‪ ،‬وعلم البيان حيث التشبيه والمجاز والكناية‪ ،‬وعلم‬
‫البديع حيث المحسنات اللفظية والمعنوية"‪ ."5‬ويلعب السلوب الحصائي دورًا بالغ الهمية في‬
‫تحديد المضامين المستهدفة‪ ،‬حيث يتم الوقوف على صياغات وكلمات يستخدمها كل طرف إزاء الخر‬
‫وصوًل الى تحديد موقفه وميوله واتجاهاته‪.‬‬
‫حساب الكم والنوع‬
‫إن عملية الفرز الحصائي والكمي للكلمات والجمل والصياغات والحركات واليماءات‪ ،‬لتعني بحد‬
‫ذاتها غاية قصوى يستهدفها "تحليل المضمون"‪ .‬فالمر ل يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬بقدر ما تتطلع‬
‫العملية برمتها نحو الوصول إلى غاية محددة حيث المعنى المراد توضيحه‪ .‬والمسألة ل تتعلق‬

‫بإحصاءات وتحديد كميات‪ ،‬بقدر ما تمثل أداة للوصول الى المضمون والبحث في الدللت التي تحشد‬
‫بها الخطاب‪ .‬ولبد من الشارة هنا الى أهمية حالة التكامل التي يجب أن يعيها الباحث ويعمل على‬
‫الربط بين السلوب الكمي والنوعي المستند الى النطباعات‪ ،‬حيث تتوافق الخطوات المنهجية خلل‬
‫سير البحث وفقًا لطبيعة الموضوع المبحوث‪ .‬وعلى الرغم من السبقية التي يحتلها التحليل النوعي‬
‫في تحديد المضامين والتجاهات والملحظات والسياقات‪ ،‬فان التكاء على التحليل الكمي يساهم في‬
‫بلورة "‪ "6‬اتجاهات البحث وفق الدقة المطلوبة‪.‬‬
‫العناية التي تطلع نحوها "تحليل المضمون" بالجوانب الشكلية‪ ،‬والحرص على تحديد القسمات‬
‫الفارقة في الخطاب‪ ،‬جعل بعض المهتمين يؤكدون على أهمية التوقف عند ظاهر النص‪ .‬والكتفاء‬
‫بحساب التكرار للكلمات والصياغات والجمل‪ .‬لكن التوسع الذي شهده هذا المجال البحثي‪ ،‬جعل الكثير‬
‫ل عند هذه الظاهرة‪ ،‬ولم يطل بهم المر‪ .‬حيث كشفت آليات العمل على‬
‫من الباحثين يتوقفون طوي ً‬
‫أهمية الخوض في التحليل الباطني والبحث عن المسكوت عنه بين ثنايا النص‪ .‬لسيما وأن مجالت‬
‫البحث لم تتوقف عند مواضيع بعينها‪ ،‬بقدر ما توجهت للتوسع في دراسة ميادين وحقول معرفية‬
‫جديدة‪ ،‬ألزمت الباحث وفرضت علبه‪ ،‬شروط الولوج في مجال الـتأويل"‪ "7‬والتفسير والبحث عن‬
‫الدللت والمعاني‪.‬‬
‫إن حالة الرفد من العلوم النسانية الخرى‪ ،‬كانت له الضافة البالغة والمهمة في دعم هذه الداة‬
‫التحليلية بلوغًا للوصول إلى المضمون‪ .‬فإذا كان الهتمام ينصب أوًل نحو تفصص وتمعن المادة‬
‫المكتوبة أو الشفاهية أو حتى الرموز واللوان والصوات والموسيقى‪ ،‬فان العناية الهم كانت قد‬
‫تبدت في الهمية التي بات يوليها الباحثون في هذا المجال‪ ،‬نحو دراسة ردود الفعال الصادرة عن‬
‫أصحاب الرسالة‪ ،‬أو الخطاب‪ .‬وكان النهل الهم قد تبدى من الفروض المنهجية التي قدمها علم‬
‫النفس وعلم الحضارات المقارن‪ .‬فمن أجل الوقوف على تحليل علمي دقيق لصاحب الخطاب‪ ،‬لبد أن‬
‫تتوافر في الباحث معرفة بالثقافة التي ينتمي إليها صاحب الخطاب‪ ،‬حيث القيم والعادات والتقاليد‬
‫والعراف السائدة‪ ،‬ليتم من خللها المقارنة والرصد المباشر للفعال الصادرة عن المبحوث‪ ،‬ومدى‬
‫درجة الثبات والنفعال فيها‪ .‬هذا مع أهمية الخذ بالعتبار‪ ،‬اختلف السياقات الثقافية وطبيعة الخطاب‬
‫السائد لكل حضارة‪ ،‬مما يصدق"‪ "8‬للتمييز في مجال حضاري محدد‪ ،‬ليمكن أن يتوافق مع النمط‬
‫السائد في حضارة أخرى‪ .‬من هنا تتبدى أهمية تحديد مكامن الخطاب ومصدره الصلي‪.‬‬
‫أسئلة التصال الستة‬
‫تقوم علقة التصال على الدافع الكامن في "المرسل" والذي ينطوي على علقة الذات بالموضوع في‬
‫توجيه رسالته الى "المرسل إليه"‪ ،‬فالرغبة تمثل الحافز الصلي في "الذات"‪ ،‬فيما يمثل الموضوع‬
‫"مرغوبًا فيه"‪ .‬وهكذا تتبدى إنجاز الرغبة "اتصال أو انفصال"‪ ،‬وفق قيمة الموضوع الذي تحدده‬
‫الذات الكامنة في كل "المرسل والمرسل إليه"‪ .‬فالول تتمثل فيه الرغبة‪ ،‬أما الثاني فيتمثل فيه‬
‫النجاز حيث التواصل‪.‬‬
‫ول يتجرد الموضوع من عوامل معرضة بغية الحصول على النجاز‪ ،‬فيما يدعم العامل المساعد‬
‫محور الذات في الخطاب‪ ،‬وعبر هذه العلقة الصراعية قدم "غرايماس" نظرية العامل في دراسة بنية‬
‫الخطاب‪ .‬ويبقى التمثل شاخصًا بين هذه العوامل عبر محور الرغبة"‪ "9‬الذي يربط بين "الذات‬
‫والموضوع"‪ ،‬ومحول الصراع القائم بين "المعيق والمساعد"‪ ،‬ومحور البلغ بين "المراسل‬
‫ل الهمية القصوى باعتبار كون الغائية فيه‪ ،‬باعتبار أن‬
‫والمرسل إليه"‪ .‬ويبقى محور الرغبة محت ً‬
‫"المرسل" تتمثل فيه إمكانات بث الرسالة وفق صياغاته وتحديد الموضوع‪ .‬فالذات هي الفاعل الهم‬
‫في توزيع العلقات داخل النص وتوليده‪ ،‬بدءًا من النفي إلى الثبات أو من الثبات إلى النفي"‪."10‬‬
‫ومن أجل تحليل الرسالة التصالية‪ ،‬يتم تحديد أسئلة ست من أجل الحاطة بمضامين النص ومحمول‬
‫ته الدللية والمعنوية وهي؛ "من‪ ،‬ماذا‪ ،‬كيف‪ ،‬لمن‪ ،‬الهدف‪ ،‬النتيجة؟"‪ .‬وتكشف هذه السئلة عن‬
‫معطيات مباشرة تتعلق بإنتاج الخطاب وفق خطوات منهجية‪ ،‬تبدأ من مصدرها وصوًل إلى المتحقق‬
‫من العملية بأكملها‪ .‬فالسؤال "من" يتعلق بطبيعة المنتج هل هو فرد أم جماعة‪ ،‬وماهي الظروف‬
‫المحيطة بهذا المنتج وأصوله ورغباته‪ ،‬انطلقا من التحديد الزماني والمكاني وعلقاته بالخر‪ .‬أما‬
‫السؤال "ماذا" فانه يتعلق بدراسة المضامين المرتبطة بالفكار والتجاهات السائدة من خلل الوقوف‬
‫على معطيات الثبات والنفي في مكنون الخطاب‪ .‬والسؤال "لمن" يحدد نوع المرسل إليه‪ ،‬ليتم من‬
‫خلله تحديد التجاهات والقيم السائدة لدى مستلم الرسالة‪ ،‬وما هي الشكالت الرئيسة التي تشغله‬

‫وتعن عليه‪ .‬فالشريحة المستهدفة يمكن أن توضح للباحث جملة من القضايا الرئيسة التي تهمها‪،‬‬
‫وتمثل لديها نقاط التقاء أو افتراق‪ .‬والسؤال "كيف" يهتم بنوع الرسالة كلمة – صورة – صوت‪،‬‬
‫والجرعات الخطابية التي يمكن أن تقدم الى الجمهور‪ ،‬كأن تكون عن طريق تكثيف التصال‪ ،‬أو‬
‫تقديمه وفق "‪ "11‬تدرج زمني معلوم ومحسوب‪ ،‬هذا بالضافة تحديد المؤثرات الشد وقعًا في‬
‫الجمهور‪ ،‬عبر تحديد مكنون الخطاب وفق الحالة السائدة‪ .‬فقد يكون التركيز على الجانب الرياضي‬
‫وتعزيز روح الشباب‪ ،‬إذا ما حقق الفريق الوطني لكرة القدم على سبيل المثال فوزًا في بطولة‬
‫رسمية‪ .‬ومن خلل هذا التركيز‪ ،‬يمكن توجيه العديد من التجاهات وتعزيزها داخل المنظومة‬
‫الجتماعية عن الضخ الخطابي"‪ "12‬وتركيز الفكار في هذا التجاه‪.‬‬
‫سؤال "الهدف" يتضمن العديد من الشكالت‪ ،‬لسيما في مجال وضع التصورات المسبقة‪ .‬ولعل‬
‫الهمية القصوى تنطوي في هذا السؤال‪ ،‬باعتبار أن "المستقبل" يقدم هذا السؤال بداهة وبطريقة‬
‫بالغة الذاتية‪ .‬وعليه فان تحديد "الهدف" من الخطاب ليتم بشكل مباشر‪ ،‬بقدر ما يتعلق بالظروف‬
‫المحيطة والشواهد المساندة والمساعدة‪ .‬ولعل الشاهد الهم يكمن في الخطاب السياسي فكثيرًا ما يقع‬
‫باحث "تحليل المضمون" في مطب"‪ "13‬توزيع العداء‪ ،‬أو طبيعة الصراع التقليدي بين القوى‪.‬‬
‫سؤال "النتيجة" يرتبط بأفق التوقع‪ .‬حيث تأثير الخطاب في الجمهور‪ ،‬ويصدق هذا السؤال في مجال‬
‫النتاج وتحديد أسس مكوناته‪ .‬فالمر مرهون بمدى التقبل والشباع الذي يقدمه لحاجات الجماهير‬
‫وفي مختلف مجالت الحياة وتفاعلتها‪ .‬وإذا ما كانت أدوات "تحليل المضمون" قد توقفت طوي ً‬
‫ل‬
‫"خصوصًا في بواكيرها" عند مسألة الفصل والعزل للسئلة‪ ،‬فان التطورات والتداخل مع العلوم‬
‫النسانية الخرى‪ ،‬جعل منها تتجه صوب التحليل الشامل والواسع‪ ،‬حيث تداخل السئلة وتكاثفها‬
‫وصوًل نحو بلوغ المحتوى والمكنون الذي يحتله الخطاب بصورته الكاملة والتامة والشاملة‪ .‬فهو‬
‫ليس بالعملية الحادية الجانب‪ ،‬قدر استناده إلى حالة التفاعل بين "المرسل" و "المرسل إليه" "‬
‫‪"14‬وفق محاور وحوافز ووظائف وتوزيعات وعوامل وعلقات‪.‬‬
‫تحديد التجاهات‬
‫لعل الغاية الرئيسة التي يرتكز جهد "تحليل المضمون" كأداة منهجية‪ ،‬تتعلق بالكشف عن التجاهات‬
‫التي تطبع الظاهرة قيد الدراسة‪ .‬وهذا كله يتم عن طريق التطلع نحو تحليل المواد المتعلقة بالظاهرة‬
‫من ؛كتب ووثائق ودراسات أو أية مادة أخرى يمكن حشدها في سبيل الوصول إلى الغاية‬
‫الموضوعية‪ ،‬التي يرومها الباحث ويسعى للكشف عنها‪ .‬وهكذا يتم التفاعل ما بين اتجاهين منهجيين‬
‫يتمثلن في التحليل النوعي المستند إلى الموضوعية‪ ،‬والتحليل الكمي – الحصائي المعني بتحديد‬
‫العناصر التي يحويها الخطاب‪.‬‬
‫ومن أجل الوصول إلى محددات علمية دقيقة‪ ،‬يكون للموضوعية طابع التعميم والصدق في التحليل‬
‫وإمكانية المطابقة مع دراسة وتشريح ظواهر أخرى تدخل في ذات المجال‪ .‬مع الخذ بالعتبار أن‬
‫المحتوى الموضوعي ل يتوقف عند جهود باحث بعينه‪ ،‬بقدر ما يجب أن تكون النتائج التي تم‬
‫التوصل إليها‪ ،‬مرتبطة بتوحيد النتائج لدى جميع الباحثين الذين تم لهم العمل على ذات الظاهرة‪ .‬من‬
‫هنا تتمثل المعطيات الموضوعية في التحليل‪ ،‬بدءًا من دقة النتائج والحياد الذي ينبغي أن يؤكد عليه‬
‫الباحث‪"15" ،‬بعيدًا عن الميول والهواء والرغبات والتحديدات والمواقف المسبقة‪.‬‬
‫العناية بالتحليل الكمي – الحصائي‪ ،‬جعل من بعض الباحثين في هذا المجال يؤكدون‪ ،‬على أهمية‬
‫التشديد والتركيز‪ ،‬في أن عناية "تحليل المضمون" يجب أن تسعى نحو تحليل المضمون الصريح‬
‫والمباشر الذي يفصح عنه النص‪ ،‬وليس الغور في تفصيلت المحتوى الباطن"‪ ."16‬لكن مقولة‬
‫كهذه سرعان ما تتماثل فيها معطيات التناقض‪ ،‬حين يتم التعامل بالتحليل الموضوعي‪ ،‬الذي يفرض‬
‫حضوره وأهميته‪ ،‬باعتبار التوافق بيت الجانبين؛ "الموضوعي – الحصائي"‪.‬‬
‫تحتل القراءة مكانة بالغة الهمية وتوجيه الباحث نحو تحديد معالم الظاهرة المراد دراستها‪ .‬فالعملية‬
‫تقوم على اختبار الفروض التي تعن عليه‪ ،‬ويسعى من خلل هذه العملية نحو توكيدها أو رفضها من‬
‫خلل المنطق الذي تؤيده القرائن والبراهين‪ .‬من هنا يكون السعي نحو المام والشمول بجوانب‬
‫الظاهرة‪ ،‬سعيًا الى تحديد الفئات ومحاولة تغطية جميع الجوانب المتعلقة بالظاهرة من خلل التركيز‬
‫على التجانس في انتقاء واختيار العينات‪ .‬مع أهمية المواءمة والتوفيق بين المادة المبحوثة‬
‫والهداف التي وضعها الباحث‪ .‬ول يتوقف المر على فعل القراءة فقط‪ ،‬بل يشتمل على جوانب أخرى‬
‫تتمثل في الملحظات التي يستنبطها الباحث من خلل متابعته واتصالته‪ ،‬والوقوف"‪ "17‬على‬

‫التخمينات الذاتية‪ ،‬وصوًل الى وضع الصياغات الولية للولوج في متن الدراسة‪.‬‬
‫الهوامش‪:‬‬
‫‪ .1‬د‪.‬محمود قاسم‪ ،‬المنطق الحديث ومناهج البحث‪ ،‬دار المعارف‪ ،‬القاهرة ‪ ،1967‬ص ‪.148‬‬
‫‪ .2‬د‪.‬سمير محمد حسين‪ ،‬تحليل المضمون‪ ،‬عالم الكتب‪ ،‬القاهرة ‪ ،1983‬ص ‪.21‬‬
‫‪ .3‬د‪.‬احمد اوزي‪ ،‬تحليل المضمون ومنهجية البحث‪ ،‬الشركة المغربية للطباعة‪ ،‬الرباط ‪ ،1993‬ص‬
‫‪.13‬‬
‫‪ .4‬السيد يسين‪ ،‬تحليل مضمون الفكر القومي العربي‪ ،‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ ،‬بيروت‬
‫‪ ،1980‬ص ‪.19‬‬
‫‪ .5‬هادي نعمان الهيتي‪ ،‬صحافة الطفال في العراق‪ ،‬دار الرشيد‪ ،‬بغداد ‪ ،1979‬ص ‪.12‬‬
‫‪ .6‬نادية سالم‪ ،‬إشكاليات استخدام تحليل المضمون في العلوم الجتماعية‪ ،‬مجلة العلوم الجتماعية‪،‬‬
‫الكويت ‪ ،1983‬ص ‪.44‬‬
‫‪ .7‬د‪.‬احمد اوزي‪ ،‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.17‬‬
‫‪ .8‬سعد الدين إبراهيم‪ ،‬اتجاهات الرأي العام الغربي نحو مسألة الوحدة‪ ،‬مركز دراسات الوحدة‬
‫العربية‪ ،‬بيروت ‪ ،1980‬ص ‪.21‬‬
‫‪ .9‬د‪.‬حميد لحمداني‪ ،‬بنية النص السردي‪ ،‬المركز الثقافي الغربي‪ ،‬بيروت ‪ ،1993‬ص ‪.36‬‬
‫‪ .10‬د‪ .‬إسماعيل نوري الربيعي‪ ،‬غريماس والنموذج العاملي‪ ،‬مجلة كتابات معاصرة‪ ،‬بيروت‬
‫‪ ،1999‬ص ‪.154‬‬
‫‪ .11‬د‪.‬احمد اوزي‪ ،‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.37‬‬
‫‪ .12‬مجموعة من الكتاب‪ ،‬مدخل الى مناهج النقد الدبي‪ ،‬سلسلة عالم المعرفة‪ ،‬الكويت ‪ ،1997‬ص‬
‫‪.17‬‬
‫‪ .13‬رولن بارت‪ ،‬درس السيمولوجيا‪ ،‬ترجمة ع‪.‬بنعبد العالي‪ ،‬دار توبقال‪ ،‬الدار البيضاء ‪،1993‬‬
‫ص ‪.21‬‬
‫‪ .14‬سعيد بنكراد‪ ،‬مدخل الى السينمائيات السردية‪ ،‬تانسيفت‪ ،‬مراكش ‪ ،1994‬ص ‪.32‬‬
‫‪ .15‬محمد نظيف‪ ،‬ماهي السيميولوجيا‪ ،‬افريقيا الشرق‪ ،‬الدار البيضاء ‪ ،1994‬ص ‪.64‬‬
‫‪ .16‬السيد يسين‪ ،‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪ .17‬د‪.‬احمد اوزي‪ ،‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.38‬‬
‫‪imseer@hotmail.com‬‬
‫للستاذ ‪ /‬أحمد يوسف )أستاذ جامعي من الجزائر مقيم بفرنسا(‬
‫لسانيات الجملة‪:‬‬
‫إذا كانت دللة الخطاب تتضمن في المعجم اللتيني الحوار وكذا معاني الخطابة فإن اللسانيات المعاصرة حددت جغرافية الخطاب عند حدود الجملة ‪ ،‬حيث حظيت‬
‫بالهتمام والدرس بوصفها وحدة تتوافر على شرط النظام ‪ .‬وهي غير قابلة للتجزئة ‪ ،‬واذا أمعنا النظر في ماهية الخطاب على أنه ملفوظ يشكل وحدة جوهرية‬
‫خاضعة للتأمل ‪ .‬ففي حقيقة المر فإن الخطاب ما هو إل تسلسل من الجمل المتتابعة التي تصوغ ماهيته في النهاية ‪.‬‬
‫وهنا يظهر مأزق اللسانيات أو محدوديتها على الصح ‪ .‬في معالجة إشكالية الخطاب لنها تحصره في نطاق الجملة التي نظر اليها اندريه مارتيني ‪Andre‬‬
‫‪ Martinet‬أنها أصغر مقطع ممثل بصورة كلية وتامة للخطاب ‪ .‬غير أن هذا ل يفضي الى عجز الدراسات اللسانية في عدم قدرتها على معالجة قضايا أكبر من‬
‫الجملة ‪ ،‬وبالتالي عدم عجزها عن تحليل الخطاب ‪ .‬فهناك تباين في تحديد بنية الظاهرة اللغوية ‪ .‬فعلماء اللغة يحددون الكلمة بأنها "وحدة في جملة تحدد معالم كل‬
‫منها بإمكانية الوقوف عندها" والجمله هي‪" .‬تتابع من الكلمات والمرقمات التنغيمية)‪ (1‬وهكذا تتداخل الكلمة والجملة في مفهوم متلحم ‪ ،‬وعليه فإن الجملة تتشكل‬
‫من "مجموع الوحدات التي يصح أن يقف بينها )الكلمات ( بالضافة الى درجة الصوت والتنغيم والمفصل ‪ ،‬ونحو ذلك مما يدخل في ايضاح المعنى ")‪.(2‬‬
‫إن هذا المعطى التصوري للجملة ل يقلل من قيمة اقترابها من مفهوم الخطاب ‪ ،‬فإذا كانت عناصر مثل الكلمة والصوت والنغم تشكل إطار الجملة ‪ ،‬وتعمل عل بناء‬
‫المعنى‪ ،‬فهذا ل يعوق دراسة الخطاب من وجهة نظر لسانية ‪.‬‬
‫إسهامات اللغويين العرب‬
‫إن المفهوم السابق للجملة يقترب كثيرا من أطروحات علماء اللغة العربية عندما يعرفون ما‪ .‬الكلم على أنه كل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه ‪ .‬وهو الذي يسميه‬
‫النحويون الجمل ‪" ،‬نحو‪ :‬زيد أخوك ‪ ،‬وقام محمد‪ ،‬وضرب سعيد‪ ،‬وفي الدار أبوك ‪ ،‬وصه ومه ورويدا‪ ...‬فكل لفظ استقل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلم ")‬
‫‪ .(3‬ويشير ابن هشام الى تحديد ماهية الجملة بمنطق اللساني المعاصر‪ ،‬لن الخطاب اللساني وضع أسسا اللساني المعا هو‪ ،‬لن الخطاب اللساني وضع أسسا‬
‫ابستمولوجية لمنطلقاته المنهجية عندما أوضح الفروق القائمة بين اللغة والكلم ‪ ،‬كما هو الشأن لدى دي سوسير في كتابه دروس في اللسانيات العامة إن "الكلم‬
‫هو القول المفيد بالقصد ‪ ،‬والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه ")‪ ،(4‬وهو التصور ذاته الذي نلفيه عند هاريس ‪.‬‬
‫إن اللغويين العرب أولوا أهمية كبرى للكلم وربطوه بماهية الجملة وقسموا عناصرها الى اسمية وفعلية من حيث موقع المسند والمسند اليه وما أنجز عنها من‬
‫علقات حددها تمام حسان في العلقات السياقية )القرائن المعنوية وحصرها في السناد( والتخصيص والنسبة والتبعية والمخالفة)‪.(5‬‬

‫إذا كانت الجملة هي الكلم عند ابن جني‪ ،‬فهي تقابل القول عند سيبويه ‪ ،‬أما جار ال الزمخشري فعرف الكلم بأنه "المركب من كلمتين أسندت احداهما الى‬
‫الخرى‪ ...‬وذلك ل يتأتى إل في اسمين كقولك زيد أخوك ‪ ،‬وبشر صاحبك أو في فعل واسم نحو قولك ضرب زيد وانطلق بكر ويسمى جملة ")‪ ،(6‬إن تصور اللغويين‬
‫العرب للجملة وصلتها بالكلم ل يخلو من غموض وتناقض في بعض الحايين ‪.‬‬
‫هناك تصور آخر للعلقة بين الجملة والكلم نتيجة للفروق التي تكمن بينهما فيقول الرضي "والفرق بين الكلم والجملة أن الجملة ما تضمن السناد الصلي سواء‬
‫كانت مقصودة لذاتها أول كالجملة التي هي خبر المبتدأ وسائر ما ذكر من الجمل ‪ ..‬والكلم ما تضمن السناد الصلي وكان مقصودا لذاته فكل كلم جملة ول ينعكس‬
‫")‪.(7‬‬
‫بين لسانيات الجملة ولسانيات الكلم‬
‫هناك إذن _طرخان يتمثلن في لسانيات الجملة ولسانيات الكلم ‪ ،‬فأين نضع مفهوم الخطاب ضمن هذين الطرحين ‪ .‬فإذا قررنا بأن الخطاب مجموعة جمل تتوافر‬
‫على شرط النظام ‪ ،‬حتى يتسنى درسه وملحظته فإننا نكون قد صدمنا المنطق الصارم للسانيات التي تحدد موضوعها في الجملة ول تتجاوزه ‪ .‬فإن الخطاب كما‬
‫يرى رولن بارت "يمتلك وحداته وقواعده و" نحوه "‪:‬‬
‫فما بعد الجملة ‪ ،‬ورغم أن الخطاب مكون فقط من جمل ‪ ،‬فمن الطبيعي أن يكون الخطاب )هذا الما بعد( موضوعا للسانيات ثانية ‪ .‬وقد كان للسانيات الخطاب هذه ‪،‬‬
‫ولفترة جد طويلة ‪ ،‬اسم مجيد )ال وهو (‬
‫البلغة ‪ .‬لكن وكنتيجة للعبة تاريخية ‪ ،‬وبانتقال البلغة الى صف الداب الجميلة ‪ ،‬وانفصال هذه الخيرة عن دراسة اللغة فقد أصبح من اللزم حديثا العودة الى‬
‫إثارة المشكل من جديد")‪.(8‬‬
‫إن اثارة بارت لها‪.‬ا المشكل كان منطلقه القتراب من فكرة البنية السر دية ولفتها وبالتحديد دراسة ما بعد الجملة ويبدو ظاهريا نقد بارت لجمود اللسانيات عند‬
‫حدود ضيقة محصورة في الجملة لكنه يرى بأنه ل مندوحة من مقاربة البنية السر دية من منطلق لساني الى درجة إقراره بمعقولية "التسليم )بوجود( علقة تماثلية‬
‫بين الجملة والخطاب ‪ ،‬و)ذلك ( اعتبارا الى أن نفس التنظيم الشكلي ‪ ،‬هو ما ينظم ظاهريا كل النساق السيميائية مهما اختلفت موادها وأبعادها‪ :‬هكذا سيصبح‬
‫الخطاب "جملة كبيرة " )ول تكون وحداتها بالضرورة جمل( تماما مثلما ستكون الجملة في استعانتها ببعض المواصفات "خطابا صغيرا")‪ (...‬فمن المشروع إذن‬
‫التسليم بعلقة ثانوية بين الجملة والخطاب ومنسمي هذه العلقة اعتبارا لطابعها الشكلي المحض ‪ ،‬علقة تماثلية ")‪ (9‬وانطلقا من هذه الفرضية التي وضعها بارت‬
‫خلص الى أن السرد من وجهة التحليل البنيوي يعد "طرفا في الجملة دون أن يكون في المستطاع أبدا اختزاله الى "مجرد" مجموعة من الجمل ‪ .‬فالسرد جملة‬
‫كبيرة ‪ .‬وهو يكون بطريقة ما مثل كل جملة تقريرية ‪ Conaontative‬مشروع سرد صغير")‪(10‬‬
‫ل تزال حقول تحليل الخطاب تتراوح بين الذين يتشبثون بمنطق صرامة اللسانيات وتضييق مجالتها المعرفية وبين من يدعون الى نهج المرونة في القتراب من‬
‫فضاءات الخطاب وتوسيع مجالت اللسانيات لتشمل رحابة المعرفة وتشعباتها ولسيما أن فلسفة العصر الحديث هي اللغة بوصفها قناة لكل معرفة متوخاة ‪.‬‬
‫المرجعية اللسانية في تحليل الخطاب‬
‫بظهور اللسانيات التاريخية في القرن التاسع عشر كانت القواعد العامة تبحث عن ايجاد تفسير للستعمالت الخاصة للغة وفق قواعد عامة تتأسس حول المنطق ‪.‬‬
‫وقد كان اللغويون العرب القداس سباقين الى رسم هذه الستراتيجية للغة العربية ‪ .‬فتأسس على أيديهم علم أصول النحو مستثمرين المنطق اليوناني وعلم أصول‬
‫الفقه ‪ .‬غير أن ميلد اللسانيات التاريخية في أوروبا حدد تصورات جديدة لم تكن متبلورة في السابق ‪ ،‬مثل التغيرات التي تشهدها اللغة فهي ليست رهن الرادة‬
‫الواعية للبشر وانما ضرورة داخلية ‪ .‬كما أنها طبيعية وتخضع للتنظيم الداخلي للغات ‪.‬‬
‫ومن أبرز معالم اللسانيات التاريخية ظهور مؤلف اللماني في ‪.‬بوب ‪" F-Bopp‬نظام التصريف للغة السنسكريتية مقارنة مع اللغات الغريقية واللتينية‬
‫والفارسية والجرمانية " عام ‪ .1816‬فقد كان إعلنا عن ميلد النحو المقارن ‪ ،‬رفقة الخوة شليجل وجريم وشليغر‪ .‬فسمح بايجاد القرابة بين اللغة السنسكريتية‬
‫المقدسة للهند القديمة وأغلب اللغات الوروبية القديمة والحديثة ‪ .‬وأخذت الدراسات اللسانية هذا المنحى حتى مع "النحويين الجدد" في النصف الثاني من القرن‬
‫التاسع عشر‪ ،‬الذين تطلعوا الى تجديد النحو المقارن ‪ .‬بحيث دعوا الى تفسير التغيرات الحاصلة داخل اللغة وعدم الوقوف عند وصفها‪ ،‬ورأوا أن السباب الوحيدة‬
‫القابلة للمراجعة هي البحث عن نشاط الفاعلين المتكلمين ‪ ،‬وفضلوا تحديد مسافة لدراسة التغيرات اللغوية ‪ .‬وكما هو واضح فإن طبيعة اللسانيات التاريخية‬
‫وموضوعاتها لم تسمح بمعالجة موضوع الخطاب معالجة ذات صلة بجوهر اللفة ‪ .‬فالتحليل التعاقبي الذي طبع المنهج التاريخي في الدراسات اللغوية فرض على‬
‫الباحث السويسري فرديناند دي سوسير ‪ F desoussure.‬أن يؤسس معالم اللسانيات البنيوية ‪ ،‬ويرسم خطابا ابستمولوجيا يتعامل مع نظام اللغة بمنطق علمي‬
‫جديد ل يخفي أصوله الفلسفية والعلمية )علم القتصاد‪ /‬علم الجتماع ‪ ..‬الخ (‪ .‬وأبرز المقولت اللسانية التي انتهى اليها هي‪:‬‬
‫‪ -1‬مقولة التزامن والتعاقب ‪SYMCHAROMIECET DIACHRONIE‬‬
‫‪ -2‬اللغة والكلم ‪LANGUE ETPAROLE‬‬
‫‪ -3‬النسقي والستبدالي ‪SYNTAGMATIQUE ET PARADIGMATIQUE‬‬
‫‪ -4‬اعتباطية العلمة )الدال والمدلول (‪.‬‬
‫إن التحليل البنيوي للغة ترك مجال واسعا وفضاء خصبا لدراسة الخطاب من مستويات عديدة ‪ - :‬المستوى الصوتي‬
‫ المستوى التركيبي‪.‬‬‫ المستوى الصرفي‬‫ المستوى الدللي‬‫ المستوى المعجمي‬‫‪ -‬حتى المستوى البلغي‬

‫وذلك انطلقا من اطروحات ابستمولوجية لعلم اللغة ‪ .‬والتعيين بينها وبين الكلم الذي يتسم بالتصرف الفردي للمؤسسة الجتماعية للغة ‪ ،‬فهو نشاط يتسم بالتحول‬
‫والتغير ويتيح فرصا لتحليله من توجهات علمية عديدة ‪ :‬نفسية ‪ ،‬اجتماعية ‪ ،‬انثروبولوجية ‪ ..‬الخ ‪.‬‬
‫وضعية تحليل الخطاب‬
‫إن مصطلح الخطاب يرادف الكلم لدى سوسير‪ ،‬إن مصطلح الخطاب يرادف الكلم لدى سو سير‪ ،‬وبالتالي يعارض اللغة ومن سمات الكلم التعدد والتلون والتنوع ‪،‬‬
‫لهذا فإن اللسانيات لم تر فيه حدة الموضوع التي يمكن للعلم أن يقبل عليها بالدرس والملحظة ‪.‬‬
‫لقد فرق فرديناند دي سوسير بين اللغة والكلم ‪" :‬إن اللغة والكلم عندنا ليسا بشي ء واحد‪ ،‬فإنما هي منه بمثابة قسم معين وان كان أساسيا ‪ ،‬والحق يقال ‪ ،‬فهي‬
‫في الن نفسه نتاج اجتماعي لملكة الكلم ومجموعة من المواضعات يتبناها الكيان الجتماعي ليمكن الفراد من ممارسة هذه الملكة ‪ .‬واذا أخذنا الكلم جملة بدا لنا‬
‫متعدد الشكال متباين المقومات موزعا في الن نفسه ‪ ،‬الى ما هو فردي‪ ،‬والى ما هو اجتماعي‪ ...‬أما اللغة فهي على عكس ذلك ‪ ،‬كل بذاته ومبدأ من مبادي‪،‬‬
‫التبويب " )‪(11‬‬
‫ويمكن استنتاج خصائص الخطاب بالمفهوم السوسيري بأنها تتوافر على العنصر الفيزيائي )الموجات الصوتية ( والعنصر الفيزيولوجي )التصويت والسماع (‬
‫والعنصر النفسي )الصور اللفظية والمتصورات ( وتنحصر طبيعة دراسته في قسمين ‪:‬‬
‫أول ‪ 0‬قسم جوهري يرتكز موضوعه على اللغة ذات الطابع الجماعي المستقل عن الفرد ‪ .‬وهو أقرب الى الدراسات النفسية التي تحلل الخطاب تحليل نفسيا بحتا‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬قسم ثانوي ينحصر موضوعه في الجانب الفردي من الكلم )اللفظ بما في ذلك عملية التصويت ( ويتعلق بالجانب النفسي الفيزيائي‪ .‬ولكن مهما يكن من‬
‫فروق بين اللغة والكلم فإنهما متلزمان ومتواصلن وعلى الرغم مما يبدو للوهلة الولى من أن دي سوسير قد أهمل لسانيات الكلم وأبعدها من صفتها العلمية‬
‫لفتقارها لعنصر النسجام والوحدة ‪ ،‬ويرى بعض الباحثين بأن "سوسير لم ينف الكلم ‪ ،‬ولم يبعده من الدراسة اللسانية ‪ ،‬كما قد توهم البعض ‪ ،‬وال لما كان مقبول‬
‫حديثه عن لسانيات الكلم ‪ ،‬والمراد بذلك أن الكلم ‪ -‬أي الذات المتكلمة ‪ -‬ل يغيب في الدراسة اللسانية إل مؤقتا وفقا لمتطلبات منهجية مادام يستحضر ويخصص له‬
‫حيزا في الدراسة اللسانية ‪ .‬صحيح أنه ليس من صميم الدراسة اللسانية الصارمة لن دراسته ل تقوم إل بتدخل عدة علوم ‪ ،‬أي عدة مناهج تختلف من حيث‬
‫الطبيعة والجوهر مع المنهج اللساني المقترح ‪ .‬لهذا السبب أكد سوسير على ضرورة التمييز بين هذين النوعين من الدراسه ")‪.(12‬‬
‫إن الوقائع الكلمية في واقع المر لم تحظ بالهتمام العلمي الكبير من قبل سوسير كما هو الحال بالنسبة للغة ‪ ،‬لهذا فإننا ل نحصل على متصورات منهجية وأسس‬
‫ابستمولوجية لعلم الخطاب في دروس سوسير ‪ .،‬وقد أثر ذلك سلبا في الدرس اللساني حيث مال الى التضييق والحصر‪ .‬وقد دعا بعض علماء اللغة المعا هوين الى‬
‫تخليص اللسانيات من الجمود والضيق ‪ ،‬والنتقال بها الى مجال الحركة والسعة ‪ .‬وقد دافع نوام تشومسكي عن هذا التجاه حين حدد واحدة "من الشكاليات‬
‫الستراتيجية الرئيسية عندما يتساءل عن المدى الذي يحرز هذا التضييق المتعمد كمصدر للتبصر العلمي العميق ‪ ،‬وهل ينتفىر بانتفاشه ثم عن المدى الذي يقلل به‬
‫هذا التضييق إمكانيات الكتشافات الهامة")‪.(13‬‬
‫لكي تحقق اللسانيات استكشافات جديدة في مجال علم "تحليل الخطاب" ينبغي أن تفك عزلتها بالتفاعل مع حقول العلوم النسانية ‪ .‬ول تبقى حبيسة زاوية ضيقة‬
‫ومحدودة ‪ ،‬وهذا الطموح يسمح بإبراز قضايا كثيرة تتعلق بالشكالية اللسانية وموقع تحليل الخطاب ‪ ،‬وسيفني ال إثارة أسئلة جوهرية ذات صلة بنظرية النص‬
‫ونظرية القراءة ‪ ،‬والشروط التي تحيط بفضاء الخطاب منها ما هو معرفي ومنها ما يتصل بالسوسيو تاريخي عندما أشار دي سوسير الى السيميولوجية ‪ ،‬ذلك العلم‬
‫الذي لم يكن سوى تصور أتاح إمكانات دمج اللسانيات في منظومة العلوم النسانية واحتكاكها بالعلوم الخرى‪ .‬وهكذا فإن اللغة بالمفهوم السيميولوجي أضحت‬
‫مجموعة من العلمات وأن الظاهرة اللغوية هي ظاهرة سيميائية ستكون مادة خصبة للمنهج السيميائي في تحليله للخطاب مع تجاوز الثنائية السوسيرية )اللغة‬
‫الكلم ( مع التركيز على اهتمام السيميائي بالجتماعي ‪ ،‬وحينئذ سيصير الكلم بوصفه انجازا فرديا غير زي أهمية في مجال البحوث السيميائية ‪ ..‬وقبل هذا فإن‬
‫التحليل البنيوي استفاد من المنهجية اللسانية فصار تحليل بنية النصوص في ذاتها ولذاتها‪ ،‬وذلك بفضل المقولة التزامنية في دراسة اللغة ‪.‬‬
‫يثني لويس يامسليف ‪ L. Hjelmslev‬على جهود دي سوسير ويعده المؤسس الول للسانيات البنيوية ‪ ،‬على الرغم مما يبدو من اخلصه العلمي لدى سو سير‪،‬‬
‫إل أن توجهاته العلمية واهتمامه بالمنطق الرياض ومعر فته الواسعة باللغات القديمة والحديثة ‪ ،‬مكنته من صياغة لسانيات موسومة بالروح الرياضية فكانت‬
‫منظوميته ‪ Glossématique‬إضافة نوعية للدراسات اللسانية المعاصرة ‪ .‬فاللغة ل يمكن ‪ -‬في نظره ‪ .‬فصلها عن النسان ‪ ،‬فهي الداة التي بفضلها يمكن‬
‫صياغة مشاعره وانفعالته وجهوده وارادته وحالته ‪ ،‬فبها يمكن أن يؤثر ويتأثر)‪ .(14‬وتتركز اهتمامات اللسنية حول مسالة البنيه )‪ ،(15‬لهذا يتجاوز المستوى‬
‫الفونولوجي ليهتم بمشكلت التعبير ووحدات المحتوى‪ .‬فاللغة هي قبل كل شي ء شكل وهي في أن واحد تعبير ومحتوى ‪ .‬وقد استطاع يا سليف تأسيس حلقة‬
‫كوبنهاجن وتشكيل فرق للعسل ‪ ،‬وتكوين نظرية ‪ prolegomenes‬لمدة عشر سنوات من البحث العلمي المبني على النظرة التجريبية القائمة على الملحظة‬
‫والختيار‪ .‬فالدرس اللساني يتسم في رأيه بالنسجام والشمول والبساطة ولهذا يرى أن النظرية اللغوية انظرية استنباطية تشتمل على مبدأ الكلية ‪ Totalite‬فهي‬
‫قابلة للتطبيق على جميع اللغات النسانية ‪.‬‬
‫إن يامسليف يحدثنا عن مبدأ التحليل وصيفه ونلفي حديثا عن النص في كتاباته ول نجد تصورا علميا واضح المعالم عن الخطاب ‪ ،‬باستثناء حديثه عن محتوياته‬
‫السيميائية وعن اللغة اليحائية ‪.‬‬
‫حتى اللسانيات الوظيفية التي تراهن على مفهوم التواصل بوصفه أهم الوظائف الساسية للغة وارتباط التطور اللغوي بمبدأ القتصاد‪ .‬لم تعالج موضوع الخطاب ‪.‬‬
‫وهكذا بدا وكأنه ليس من صميم الشكالية اللسانية ‪ .‬وان كانت المدارس اللسانية تعالج قضايا جوهرية ذات صلة بتحليل الخطاب ‪ .‬فنجد اندريه مارتيني يتحدث عن‬
‫التحليل التركيبي للمدونة أو المتن على أنه مجموعة علقات الترابط ‪ ،‬في الفصل الرابع من كتاب "عناصر اللسانيات العامه " الذي خصصه للوحدات الدالة نجد‬
‫تحليل للملفوظات ولكن انطلقا من مفهوم التواصل للغة ‪ ،‬فهناك مقاربات لتحليل مستويات الخطاب ‪ ،‬دون الحديث عن ماهيته ويمكن أن نخلص الى نتيجة أن‬
‫موضوع الخطاب وجد فراغا كبيرا في أطروحات بعض المدارس اللسانية الحديثة ‪ .‬على الرغم من أنه أصبح حقيقة فرضت استعمالها في حقل علم المصطلحات‬
‫وأصبحت متداولة في أدبيات العلوم النسانية ‪ ،‬حتى لزمت بعضا منها‪ .‬فنجد‬
‫حديثا شائعا لدى العامة عن الخطاب السياسي ‪ .‬وتحولته وخصائصه ‪ ،‬وأصبح بديل لمفهوم الخطبة والخطابة في التراث الغريقي والتراث العربي السلمي‪.‬‬
‫إن إميل بنفيست على ‪ . E . Benveniste‬يعالج مشكل الخطاب معالجة لسانية فالجملة بالنسبة اليه وحدة لسانية ل تؤلف صنفا شكليا من الوحدات المتعارضة‬
‫بينها‪ ،‬مثل تعارض القونيمات الفونيمات أو الفونيمات مع المورفيمات ‪،‬أو المفردات مع المفردات ‪.‬‬
‫هناك طرح منهجي مهم جدا يشير اليه جان ديبوا ‪ Jean dubois‬عندما يقول "مع الجملة نترك إطار اللغة بوصفها أداة للتواصل ‪ .‬في هذا المجال تتوقف الجملة‬
‫أن تكون موضوعا‪ ...‬وتصير وحدة فالجملة هي وحدة الخطاب ")‪.(17‬‬
‫يركز إميل بنفيسة على قيمة عملية التلفظ التي لم تنل اهتمام اللغويين القدامى‪ ،‬فقد كان ينظر اليها بوصفها موضوعا ل يندرج في نقاط الدراسة اللسانية ‪ .‬ولكنها‬

‫أضحت مادة جديرة بالهتمام نظرا لنها تنقل اللغة من سكونيتها الى حركية الستعمال الفردي )الكلم والخطاب (‪ ،‬إن الجهاز الشكلني للتلفظ عنصر من عناصر‬
‫اللغة التي تشكل ماهية الخطاب ‪ .‬فتحديد العلقة بين الباث والمتلقي‪ ،‬تسمح للفاعل المتلفظ أن يجد منزلة في الخطاب ‪ ،‬وقد يجد أيضا الفلسفة ضألتهم في البحث‬
‫عن الذاتية التي تتجل في حرية كلم الفاعل المتلفظ الفردية ‪ .‬إن بنفيسة يراهن على مركز الفاعل المتلفظ في الخطاب ‪ ،‬وهذا ل يعني تطابق الذاتية المغلقة مع‬
‫الجهاز الشكلني لعملية التلفظ ‪ ،‬فهو بذلك يكون قد أسهم في إدخال عالم الخطاب الى اللسانيات ‪ ،‬ويعد من الموضوعات الجديدة في حقل دراسات اللسانيات‬
‫المعاصرة ‪ ،‬التي ما فتشت تعرف استكشافات علمية ‪ ،‬وصعوبات منهجية ‪ ،‬وهكذا تم توسيع نطاق موضوع اللسانيات ولسيما عملية التلفظ وصلتها بالخطاب الذي‬
‫حفز الدراسات على البحث عن مناهج التحليل ‪ .‬إن ربط تصور الملفوظ بالخطاب كان يقتضي وضع قواعد للتسلسل وللمسار الذي يتوافر على قابلية التعبير بالكلم ‪،‬‬
‫غير أنه ينبغي الشارة الى أن الملفوظ وحده ل يحدد الخطاب إل إذا أضيفت اليه وضعية التصال ‪.‬‬
‫‪dis cours = situation de comminucation + enoncé‬‬
‫التحليل التوزيعي‬
‫إن النظرية التوزيعية في اللسانيات الحديثة ‪ ،‬أسهمت بفضل جهود بلومفيلد ‪ ( (Ploomfield‬وهاويس ‪( (Z. S. Harris‬في دراسة قواعد الجمل ‪ ،‬وتحليلها‬
‫بوصفها وحدات ممكنة في لغة معينة بمعنى يجب أن تتوافر فيها القابلية للتحقيق بهذا التصور لقواعد الجمل يظل تحليل الخطاب يبحث عن معرفة المقاييس‬
‫وبنائها‪ ،‬وكذلك اعتبار مجموعة من السلسلت الوصفية على أنها متتاليات لجمل ملفوظة ‪ ( Phrases - enonces).‬فهي تشكل في نظر هاريس مؤسسة‬
‫لشبكات من التكافؤ بين جمل وجمل متتالية ‪ .‬ويحيلنا ريمون طحان ودينين بيطار طحان الى التجريد الذي لزم غراما طيق الجمل وما تفرع منها من مفاهيم استقتها‬
‫من اللسانيات وعلم الدللة فمنها‪:‬‬
‫ مفهوم الصولية ‪ :‬هي الجملة التي تتمتع بالصحة الدللية والمنطق اللغوي‪ ،‬فهي تخلو من التنافر الصوتي‪ ،‬وتخضع بنيتها التركيبية لقواعد‬‫اللغة ‪.‬‬
‫ مفهوم دللة الجملة ‪ :‬هناك إشكال معرفي تجده اللسانيات في تحديد ماهية الجملة ‪ .‬فإذا كانت "تتألف من عناصر تعود الى ثبت مغلق ‪ ،‬ومن أصوات محدودة‬‫العدد ترتبط بالمعنى )‪ (...‬ولكن ‪ ...‬هناك بنى وجمل تختلف في معناها وتتحقق بأشكال متشابهة ‪ ،‬وهناك أيضا بنى وجمل‬
‫تتشابه في معناها وتتحقق بأشكال مختلفه ")‪. (18‬‬
‫إن تحليل الخطاب دفع هاريس الى تعريف مجموعة التكافؤ والتقارب ‪ .‬بين ملفوظين حتى يبرز طريقته المنهجية التي ركزت على النص الشهاري‪ ،‬ويشير ديبوا‬
‫الى المفهوم الجديد عن طريق نص تم بناؤه ‪ .‬فالخطاب السياسي لحرب الجزائر مثل قد درس على أساس أنه الخطاب الذي دفع الى تمثيل العلقة الموجودة بين‬
‫موضوعات الجزائر وفرنسا )‪.(19‬‬
‫لقد ارتبط التحليل التوزيعي بالنزعة السلوكية ‪( (Behavieorisme‬التي راجت في الوليات المتحدة المريكية بداية منذ سنة ‪ ،1920‬فكان من أهدافها تحقيق‬
‫الموضوعية في دراستها‪ ،‬وقد حمل لواءها ليونار بلومفيلد ‪ ،‬وتجلت مبادي‪ ،‬المدرسة التوزيعية في محا ولتها لتحليل الخطاب ودراسة توزيع الوحدات اللسانية عن‬
‫طريق المدونة ‪( (Corpus‬والوحدات كما أسلفنا القول _ غير أن الذي يميز هاريس اختياره لطرائق التعامل مع النصوص اللغوية ‪ .‬فالنص الشهاري يمتاز‬
‫بتكرار الشكال التي بالوصول الى بنيته ‪ .‬وكذلك تأكيده على العلقات القائمة بين الجمل وتفضي الى سلسلة من الجمل المتكافئة ‪ ،‬وعليه فإن مبدأ التحويل الذي‬
‫أقره هاريس يتضح في تحليل العلقات التي تؤلف بين الجمل ‪ ،‬وهذا التصور أضفى الصفة الجرائية لعملية تحليل الخطاب ‪ ،‬بل يعد لبنة من لبنات "علم‬
‫الخطاب "‪.‬‬
‫تعد إضافات المدرسة التوليدية التحويلية امتدادا لجهود بلومفيلد وهاريس ويمكن وضع مفهوم الخطاب في مقابل ثنائية نو شمسكي ‪( (N. Chomsky‬الكفاية‬
‫والداء اللغوي‪ .‬إن ما يمكن استخلصه من نظرية نو شمسكي تخطيها للدراسة السطحية التي تنتهجها اللسانيات البنيوية ول تتعداها للبحث عن المستوى العميق‬
‫للكلم ول تأخذ مبدأ التأويل في حسبانها‪ .‬إن الدرس التوليدي التحويلي يعالج عملية التكلم ومكانيزماتها التي تظهر في الستعمال المبدع للغة ‪.‬‬
‫التحليل السوسيولوجي للخطاب‬
‫يربط باختين ‪ M.Bakhtine‬نظرية اليللفظ بمستويات التركيب ‪ ،‬لن كل تحليل للخطاب في تصوره تحليل لمتن اللتلفظ الحي‪ .‬وهو سمة من السمات المحسوسة‬
‫لفعال الكلم كما أنه يلحظ قصور اللسانيات في احتواء موضوع التلفظ ‪ ،‬ويبدو هذا لعجز اللساني واضحا في الهتمام بالجملة وعدم القتراب من الخطاب ‪.‬إن‬
‫اللساني يشعر بارتياح أكثر وسط الجملة ‪ ،‬وكلما اقترب من تخوم الخطاب من )التلفظ ( العام ‪ ،‬فهو ليس مسلحا لتناول الكل ‪ ،‬ليس من بين مقولت اللسانيات مقولة‬
‫تصلح لتحديد الكل ‪ .‬والواقع أن المقولت اللسانية ل يمكن تطبيقها في حالتها هذه إل داخل )التلفظ ("‬
‫)‪.(20‬‬
‫إن الخطاب في مفهوم باختين يعيد مسألة خطاب الخر ويتجسد في الخطابات اللسانية )خطاب مباشر‪ ،‬خطاب غير مباشر ‪ ،‬خطاب غير مباشر حر( ‪ ،‬لهذا يراهن‬
‫على المنهج الجتماعي في اللسانيات ‪ ،‬وضرورة تفسير واقعة خطاب الغير تفسيرا سوسيولسانيا ويعرف الخطاب المروي بأنه "خطاب في الخطاب ‪ ،‬وكفظ في‬
‫التلفظ ‪ .. ،‬لكنه في الوقت ذاته خطاب عن الخطاب وتلفظ عن التلفظ ")‪ .(21‬كما أنه يتمتع باستقلله البنيوي والدللي ‪.‬‬
‫علقة الخطاب بالحوارية‬
‫إن مصطلح الحوارية الذي استثمرته _ فيما بعد ‪ -‬جوليا كريستيفا وشاع في أدبيات الخطاب النقدي الجديد وعرف بالقناص ‪ Inter****uelle‬يشير الى اقتحام‬
‫اللسانيات للمجالت التي كانت تعتقد أنها ليست موضوعا لبحثها‪"،‬فالوحدة القاعدية الحقيقية للسان ‪ -‬الكلم ليست هي التلفظ ‪ -‬الحوار الداخلي الوحيد والمعزول ‪،‬‬
‫كما هو معروف ‪ ،‬ولكنها تفاعل تلفظين على القل أي الحوار")‪ .(22‬ويثير باختين أسئلة جوهرية في مسألة علقة الخطاب بالحوارية ‪.‬‬
‫"كيف ندرك ‪ ،‬في الواقع خطاب الغير؟ كيف تحس الذات المتلقية ‪ ،‬في وعيها بتلفظ الغير‪ ،‬هذا الوعي الذي يعبر بواسطة الخطاب الداخلي ؟ كيف يستوعب الوعي‬
‫الخطاب بفعالية ‪ ،‬وما هو التأثير الذي يمارسه الخطاب على توجيه الكلم الذي يكفظ به المتلقي من بعد ؟ ")‪ (23‬لقد طورت هذه المفاهيم تحليل الخطاب الروائي‬
‫ووثقت الصلة بين ´ اللسانيات والتحليل السوسيولوجي‪ .‬ونجد تحديدا لنماط الحوارية في الرواية لدى باختين وتتصل في التهجين والعلقة المتداخلة ذات الطابع‬
‫الحواري بين اللفات والحوارات الخالصة ‪.‬‬
‫إن مفهوم الحوارية معرفه تدورون ‪ T.Todorov‬بقوله "كل علقة بن ملفوظين تعثبر ثناصا‪ ..‬فكل نثاجين شفويين ‪ ،‬أو كل ملفوظين محاور أحدهما الخر‪،‬‬

‫يدخلن في نوع خاص من العلقات الدلليه نسميها علقات حوارية")‪.(24‬‬
‫وانطلقا من هذا التصور وجه باختين نقدا للسلوبية ‪ ،‬وقدم قراءة لتاريخ الساليب من منطلق سوسيولوجي‪.‬‬
‫‪ - 1‬الوثوقية السلطوية )العصور الوسطى( وتتميز بالسلوب الفخم السطري وغير مسند الى شخص في بث خطاب الغير‪.‬‬
‫‪ -2‬الوثوقية العقلنية )القرنان ‪ 17‬و ‪ (18‬وتتميز بالسلوب السطري الدق والرق والوضح ‪.‬‬
‫‪ -3‬النزعة الفردية الواقعية والنقدية )نهاية القرن ‪18‬والقرن ‪ (19‬وتتميز بأسلوب مجازي منسق والميل الى تسريب الخطاب المروي من خلل أجوبة وتعليقات‬
‫المؤلف ‪.‬‬
‫‪ - 4‬النزعة الفردية النسبوية )المرحلة المعاصرة (وتتميز بإذابتها للسياق السردي‪.‬‬
‫وخصص في كتابه "الماركسية وفلسفة اللغة " الفصلين الخيرين للخطاب غير المباشر والخطاب المباشر ومتغيراتهما ‪ ،‬والخطاب غير المباشر الحر في الفرنسية‬
‫واللمانية والروسية وهي دراسة مقارنة ‪ .‬لقد كان ميخائيل باختين نموذجا لما ينبغي أن يسلكه اللساني لكي يتخلص من الجمود والعزلة ‪ .‬ولقد وجدت السيميائيات‬
‫المعاصرة في مفاهيمه حول تحليل الخطاب والحوارية ما جعلها تحقق تقدما نوعيا في تحديد مسار البنية الجديدة لعلم مازالت تتنازعه عدة حقول معرفية ‪.‬‬
‫بعد ان تستعرض جوليا كريستيفا مفاهيم الخطاب لدى اللسانيين التي سبقت الشارة اليها تخلص الى أن الخطاب "يدل على كل كفظ يحتوي داخل بنياته الباث‬
‫والمتلقي مع رغبة الول في التأثير على الخر")‪ .(25‬وتقدم في مؤلفها )النص المغلق ( أيضا تعريفا للنص على أنه جهاز فوق لساني يعيد توزيع نظام اللغة ‪ ،‬كما‬
‫أنه يتحدد عن طريق تبادل النصوص أي القناص ‪ ،‬داخل فضاء النص هناك عدة ملفوظات مأخوذة من نصوص أخرى تكون متقاطعة ومحايدة ‪ .‬إن مفهوم الخطاب‬
‫وعلقته بالنص والقناص يعد امتدادا لمفاهيم باختين ‪.‬‬
‫التحليل السيميائي للخطاب‬
‫إن التحليل السيميائي هو ذاته تحليل للخطاب ‪ ،‬وهو يميز بين "السيميوتيقا النصية " وبين اللسانيات البنيوية "الجملية ‪ .0‬ذلك أن هذه الخيرة حين تهتم بالجملة‬
‫تركيبا وانتاجا _ وهو ما يسمى بالقدرة الجملية _ فإن السيميوتيقا تهتم ببناء نظام لنتاج القوال والنصوص ‪ .‬وهو ما يسمى بالقدرة الخطابية ‪ .‬ولذلك ‪ ،‬فمن‬
‫المناسب الن وضع القواعد والقوانين التي تتحكم في بناء هذه القوال وتلك النصوص ")‪.(26‬‬
‫إن التحليل السيميائي للخطاب ينطلق مما انتهت اليه جهود اللسانيين حول النظرية العامة للغة ‪ ،‬وبمسائل التصورات التي أحيطت بالخطاب ويقتضي أن يكون‬
‫متجانسا مع الثنائيات الساسية ‪) :‬اللغة ‪ /‬الكلم ( _ )النسق ‪/‬العملية () ‪) _ (process‬الكفاية ‪/‬الداء الكلمي(‪ ،‬كما أنه ل يغفل العلقة التي تربطه بمقوله التلفظ‬
‫‪ .‬فالمعجم السيميائي لجريماس وكور تيس وهو يناقش مصطلح الكفاية من وجهة نظر تشومسكي ينظر اليها على أنها مجموعة من الشروط الضرورية في عملية‬
‫التلفظ ‪ ،‬كما أنه يتوافر على صورتين مستقلتين لهذه الكفاية ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬كفاية السرد السيميائي‬
‫ثانيا ‪ :‬الكفاية القابلة للوصف أو التعبير بالكلم ‪.‬‬
‫بالنسبة لكفاية السرد السيميائي حسب منظور يامسليف وتشو مسكي يمكن تصورها على أنها تمفصلت تصنيفية وتركيبية ‪ -‬في الن ذاته ‪ -‬وليس بوصفها استبدال‬
‫بسيطا على منوال دي سوسير للغة فالتحليل السيميائي ينظر لهذه الشكال السر دية نظرة كونية مستقلة عن كل مجموعة لسانية وغير لسانية لنها مرتبطة‬
‫بالعبقرية النسانية ‪ .‬وهنا ينبغي الشارة الى فضل مدرسة الشكلنيين الروس وعلى وجه الخصوص مؤلف "مورفولوجية الحكاية الخرافية" وتأثيره في المدرسة‬
‫الفرنسية ذات التوجه البنيوي )كلود بريمون ‪ :‬منطق الحكاية ‪ ،‬جريماس ‪ :‬البنيوية الدللية ‪ ،‬وكلود ليفي ستروس ‪ :‬البنيوية النثروبولوجية (‪ .‬ول يستطيع أن ينكر‬
‫أي باحث بأن عبقرية بروب وبحوثه العلمية كانت تمهيدا لظهور التركيب السردي وقواعده ‪.‬‬
‫أما فيما يخص الكفاية القابلة للوصف ‪ ،‬فبدل من أن تقام على ساقلة النهر‪ ،‬فإنها تتأسس وفق عملية التلفظ مسجلين صياغة الشكال الملفوظة القابلة للتعبير عنها‬
‫بالكلم ‪ ،‬ويرى مؤلفا المعجم السيميائي بأن الحديث عن الطبيعة المزدوجة للكفاية تعد ضرورة لنجاز تصور جديد ومضبوط للخطاب ‪.‬‬
‫وفي كل الحوال فإن الخطاب يطرح مسألة علقته بالتلفظ وبالتواصل ‪ .‬ولكن المجال السيميائي يهتم بأطره المرجعية مثل اليحاء الجتماعي ونسبته للسياق الثقافي‬
‫المعطى المستقل داخل تحليله التركيبي أو الدللي ‪ .‬إن نمطية الخطابات القابلة للتشكل داخل هذا المنظور ستكون إيمائية خالصة ‪ ،‬ومهما كانت التعريفات اليمائية‬
‫للخطاب مجردة فإن مشكلة معرفة ماهية الخطاب تبقى مطروحة ‪ ،‬وحتى عندما يحدد الخطاب الدبي بأدبيته)‪ ( Litterarite‬كما نادى بها الشكلنيون الروس ‪.‬‬
‫فالدب في تصورهم ‪" :‬نظام من العلمات ‪ Signes‬دليل مماثل للنظم الدللية الخرى‪ ،‬شأن اللغة الطبيعية والفنون والميثولوجيا‪ ..‬الخ ‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬وهذا ما‬
‫يميزه عن بقية الفنون ‪ ،‬فإنه يبني بمساعدة بنية أي لغة ‪ ،‬إنه ‪ ،‬إذن ‪ ،‬نظام دللي في الدرجة الشانية ‪ ،‬وبعبارة أخرى إنه نظام تعبيري خلق ‪ Comrotatif‬وفي‬
‫نفس الوقت ‪ ،‬فإن اللفة تستخدم كمادة لتكوين وحدات النظام الدبي‪ ،‬والتي تنتمي إذن ‪ ،‬حسب الصطلح اليامسليفى)‪ (Hjelmslsvime‬الى صعيد التعبير‪ ،‬ل‬
‫تفقد اللتها الخاصه ‪ ،‬مضمونها ")‪.(28‬‬
‫إن الشكلنية الروسية حددت المعطيات الخاصة التي يمكن أن نسمي بها خطابا ما أنه أدبي‪ .‬إن رومان جاكبسون هو الذي أعطى لهذه الفكرة صيغتها النهائية حين‬
‫قال "إن موضوع العلم الدبي ليس هو الدب ‪ ،‬وانما "الدبية " ‪Litterarit‬أي ما يجعل من عمل ما عمل أدبيا")‪.(29‬‬
‫لقد عرفت سيميائيات التواصل تقدما فعليا في مجال تحليل الرسالة ‪ ،‬وذلك بتحديد وظائفها الست ‪ .‬على الرغم من الهمال الواضح لموضوع "الدللة " ‪ ،‬الذي وجد‬
‫حرصا كبيرا لدى رولن بارت في إبرازها ضمن توجهات سيميائيات الدللة ‪ ،‬إن وصف اللغة بأنها نظام للتواصل يتضمن قدرا كبيرا من النسجام سمح للدراسة‬
‫اللسانية بالهتمام بالنموذج الذي رسمه جاكبسون ‪" :‬الباث _الرسالة _المتلقي _ سنن الرسالة ‪ -‬مرجعيتها(‪ .‬ذلك لنه مكنها من تجاوز التطبيق اللساني المحصور‬
‫عل جملة محدودة من الخصائص التي تشتمل على الظاهرة اللغوية الى القراءة اللسانية للنصوص ومظاهر التعبير الخرى‪ .‬واذا كان جاكبسون حصر الخطاب بين‬
‫مرسل ومرسل اليه إل أن لوتمان أشار الى نموذج آخر من التلقي ل يكون بين الباث والمتلقي‪ ،‬وانما هناك خطاب يتجل فيه الحوار الداخلي مثلما هو الشأن بالنسبة‬
‫الى السيرة الذاتية فيكون بين الباث وذاته ‪ ..‬وهذا ما نلحظه في خطاب طه حسين في مذكراته "اليام "‪.‬‬
‫إن علم الدللة وهو يصنف أنواعها الى طبيعية وعقلية ووضعية لم تفته الشارة الى مجالت التصال سواء أكانت صوتية أم سيميائية ‪ ،‬ويكون إسهام العرب جليا‬
‫في هذا الميدان ولسيما في احتكاكهم بالفلسفة اليونانية منها المشائية والميغارية ‪ -‬الرواتية ‪ .‬ويذهب عادل فاخوري الى الدرس المقارن بين علم الدللة عند العرب‬
‫والسيميائيات الحديثة ‪ .‬ويعطي مثل مقارنا بين تقسيمات علم الدللة وتصنيف بيرس المريكي للعلمة)‪.(30‬‬

‫يمتد طموح الدرس السيميائي بوصفه علما يقارب النساق الهلمية الى تخليص حقول المعرفة النسانية من القيود الميتافيزيقية التي تكبلها‪ ،‬وتعوق أبحاثها من‬
‫الوصول الى نتائج تجعل منها علوما ذات سلطان لها مكانتها المرموقة في وسط المعرفة النسانية المعا هوة ‪ .‬وتمكنها من القراءة العلمية الدقيقة لكثير من‬
‫الشكاليات المطروحة ‪ ،‬والظواهر النسانية التي لم تتعد إطار التأمل العابر‪ ،‬والتفسير الفقي الساذج ‪ .‬ولكي يكتسب الدرس السيميائي مشروعية العلم القادر على‬
‫فحص البنى العميقة للمادة التي يتناولها‪ ،‬ويقترب من عمقها والقوانين التي تركبها‪ ،‬كان لزاما عليه كأي علم أن يحدد منطلقاته المنهجية ومرتكزاته النظرية‬
‫ويؤسس مقولته ويمتحن أدواته الجرائية ويستكشف الحدود التي تفصل بينه وبين العلوم الخرى‪ ،‬أو التي تقربه منها‪.‬‬
‫يبدو أن التواصل البشري أعقد من أي تواصل آخر ‪ ،‬لن استعمال العلمة في هذا المجال ل تتم كما قال فريدينا ند دي سوسير إل داخل الحياة الجتماعية ‪ ،‬لهذا‬
‫يشترط التعاون قصد إيصال الرسالة الى المتلقي ولن يتحقق ذلك أيضا إل بالتواضع المتبادل والتوافق حتى يتسنى لي حوار يقوم بين الباث والمتلقي تقديم أفكار‬
‫في شكل شيفرات متواضع عليها‪ .‬لهذا فإن بعض علماء الدللة انتهوا الى أن "عملية التصال ل تظهر بوضوح في العالم الحيواني‪ ،‬إل عندما يكون هناك تعاون أو‬
‫نشاط اجتماعي‪ ،‬إن أي اتصال مرتبط في أساسه بالتعاون ‪ ...‬وأن كل حوار اجتماعي مرتبط بالتعاون ")‪.(31‬‬
‫إن التحليل السيميائي للنسق الجتماعي يهدف الى استكشاف نظام العلقات داخل المجتمع وعلى الخصوص علقات الفراد وحاجاتهم لهذا نلقى أن النظمة التي‬
‫سادت في المجتمع البشري لها من العلمات والنظمة الرمزية الثقافية ‪ ،‬ما تمكن للسيميائي من تحديد شريحة أو فئة أو طبقة اجتماعية ‪ ،‬ففي التنظيم العشائري‬
‫نرى طقوسا وعادات تتجل في جملة من العلمات والرموز ما تتميز به عن نظام اجتماعي آخر في طر اثق الحفلت والعراس والمأتم والعياد وغير ذلك من‬
‫المظاهر الثقافية ‪.‬‬
‫إذا كنا قد أشرنا سابقا الى طبيعة التواصل باشكاله المتعددة فإن هناك شيفرات لكل شكل من هذه الشكال التواصلية ‪ ،‬فالتواصل الحيواني له علمات خاصة به منها‬
‫ما استكشفه البحث ومنها ما بقي مجهول‪ ،‬وكذلك الشأن بالنسبة للشيفرات الطبيعية التي تحدد علمات الطبيعة أو إشاراتها‪ ،‬فيتمكن من تلقي رسالتها ‪ ،‬سواء عن‬
‫طريق الدراك الحسي أو العقلي ‪.‬‬
‫فإذا كان الطقس باردا فوق العادة في منطقة يمتاز مناخها بالعتدال يدرك النسان أن مصدر قسوة البرد آتية من سقوط الثلج ‪ .‬أو العكس بالنسبة لشتداد الحرارة‬
‫غير العادية والتي تفوق معدلها الفصلي فيدرك بأن مصدرها قد يعود الى وجود حريق ‪ .‬وهذا كله ينتج من وجود علئق قد تكون معقدة بين الشيفرات الطبيعية‬
‫والتكوين البيولوجي‪ ،‬والحساسية الفسيولوجية للنسان ‪ .‬ومهما يكن من أمر تبقى‪ -‬كما أكدنا آنفا ‪ -‬الشيفرات الجتماعية ‪ ،‬أكثر تعقيدا‪ ،‬وتتطلب جهدا عمليا‪ ،‬وذكاء‬
‫فطنا لفهم العلمات الجتماعية ومحاولة تفسيرها‪ ،‬وفهمها فهما عميقا‪ ،‬فالعلمة كما يعرفها أو لمان هي " نتاج اجتماعي واع يتكون من دال ومدلول يمثلن بوجه‬
‫عام شيئا أومفهوما غير العلمة ‪ -‬ذاتها")‪.(32‬‬
‫إن التحليل السيميولوجي يمتد ليشمل جميع النظمة السيميوطيقية سواء تمثلة في العلوم الطبيعية أم الجتماعية أم الثقافية إن هذا العلم كما تنبأ به دي سوسير‬
‫وتصوره تشارلز سندرس بيرس يطمح الى أن يكون علما لجميع أنساق العلمات لغوية كانت أو غير لغوية ‪ ،‬وما زال المشروع السيميائي يبحث عن معالم تحدد‬
‫أطره المرجعية ‪ ،‬وموضوعاته وممارساته الجرائية وعلقاته بالعلوم الخرى لرسم منهجه ‪ ،‬وتوضيح مقولته بدقة ‪ .‬وهو ما حدا بر ولن بارت في كتاباته‬
‫)ميثولوجيات وامبراطورية العلمات عناصر السيميولوجية ( الى إثارة هذه القضايا التي تتعلق بنضج هذا المشروع ‪ ،‬فيقون إن "السيميولوجيا ما تزال بحاجة الى‬
‫تصميم ونعتقد أنه ل يمكن أن يوجد أي كتاب وجيز لمنهج التحليل هذا‪ ،‬وذلك على الكثر بسبب سمته المتسعة )لن السيميولوجيا ستكون علم كل أنساق العلمات (‪.‬‬
‫وان السيميولوجيا لن تعالج مباشرة إل عندما تصمم هذه النساق على نحو تجريبي" ‪ .‬وأمام هذا التراكم السيميائي وما أحدثه من ثورة حقيقية في مناهج العلوم‬
‫بعامة والنسانية بخاصة ‪ ،‬يجد الباحث تنوعا في الطرح وتباينا في التصور‪ ،‬وتعددا في الممارسة التطبيقية ‪ ،‬تلتبس فيها السيميائيات ‪ -‬في بعض الحالت ~‬
‫بالنظرية التأويلية ‪ ،‬ولكن علم العلمات لم يعد حديثا ال بتحديد معالمه وبناء مقولته ‪ ،‬وتبيان أدبياته ‪ ،‬واختبار نظرياته وأدواته الجرائية ‪ .‬وال فإننا نصادف في‬
‫تاريخ التفكير الفلسفي على كثير من تصوراته عند الشعوب القديمة التي أسهمت في بناء الحضارة النسانية كالفراعنة والبابليين وال غريق والعرب والمسلمين‬
‫والرومان ‪ ..‬الخ ‪ ،‬إن ميلد هذا العلم اقترن بثورة التفكير اللساني المعاصر نتيجة ارتباطه الوثيق بالمنجزات والستكشافات التي حققها العلم الحديث ‪.‬‬
‫تحياتي‬
‫المهنــد‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful