‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬
‫للشيخ محمد الخضرى } رحمه ال {‬
‫كتاب مختصر يبحث في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة من الولدة‬
‫إلى الوفاة وما بينهما من نشأة وبعثة ومحنة وتعذيب وإسراء وطلب نصرة‬
‫وهجرة ومعارك وعهود ومواثيق وغير ذلك من المور التي تتعلق بسيرته‬
‫الشريفة صلى الله عليه وسلم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مقدمة المؤلف‬
‫سُبل الهداية‪ ،‬وأزحت عن بصائرنا غشاوة الغواية‪،‬‬
‫نحمدك يا من أوضحت لنا ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مبشرا ونذيرا‪ ،‬وداعيا إلى الله بإذنه‬
‫من أرسلته شاهدا و ُ‬
‫ونصّلي ونسّلم على َ‬
‫وسراجا ً منيرًا‪ ،‬وعلى الصحاب الذين هجروا الوطان يبتغون من الله الفضل‬
‫والرضوان‪ ،‬والنصار الذين آَووا ونصروا وبذلوا لعزاز الدين ما جمعوا وما‬
‫اّدخروا‪.‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فيقول محمد الخضري ابن المرحوم الشيخ عفيفي الباجوري‪ :‬كنت‬
‫أجد من نفسي منذ النشأة الولى ارتياحا ً لقراءة تواريخ السالفين وقصص‬
‫الغابرين‪ ،‬وأجدها لعقل النسان أحسن مه ّ‬
‫ذب‪ ،‬وأنصح معّلم‪ ،‬وكنت أرى في‬
‫ه من أذى قومه حينما دعاهم‬
‫تاريخ نبّينا ــــ عليه الصلة والسلم ــــ وما لقي َ ُ‬
‫ب لفكار‬
‫مر َ‬
‫إلى الحق‪ ،‬وعظيم صبره حتى هجر أوطانه وبلده‪ ،‬أعظم ُ‬
‫المسلمين‪ ،‬فإنه يدّلهم على ما يجب اتباعه‪ ،‬وما يلزم اجتنابه‪ ،‬ليسودوا كما‬
‫ساد َ سابقوهم‪ ،‬وخصوصا ً ما يتعلق بالحكام‪ ،‬من اجتذاب النفوس النافرة‪،‬‬
‫والتأليف بين القلوب المختلفة‪ ،‬وما يتعلق بقواد الجيوش‪ ،‬من تأليف الرجال‬
‫مة‪ ،‬من‬
‫وإحكام المع ّ‬
‫دات حتى يتم لهم النصر على أعدائهم‪ ،‬وما يتعلق بالعا ّ‬
‫ت أجد من قراءتها ارتياحا ً‬
‫ً‬
‫ن سواهم‪ .‬فكن ُ‬
‫اتحاد قلوبهم وصيرورتهم يدا على َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ك المسلمين لها‪ ،‬فقلما أجد من‬
‫عظيمًا‪ ،‬وكانت نفسي كثيرا ً ما تأسف على تر ِ‬
‫يشتغل بها‪ ،‬ولكني كنت ُأقدم لهم العذر بتطويل الكتب المؤلفة في هذا‬
‫الموضوع‪ .‬فلما قدمت مدينة المنصورة جمعتني النوادي مع محمود بك سالم‪،‬‬
‫القاضي بمحكمة المنصورة المختلطة‪ ،‬فوجدت منه علما ً بدينه تقف دونه‬
‫فحول الرجال‪ ،‬وتتأخر عن مسابقته فيه البطال‪ ،‬فقّلما توضع مسألة دينية إل‬
‫وجدته مبرزا ً فيها‪ ،‬مفصحا ً عن الجواب عنها‪ .‬أما علمه بسيرة الرسول الكرم‬
‫صلى الله عليه وسلم فعنده منها الخبر اليقين‪ ،‬وكنت كثيرا ً ما أسمعه‬
‫مة المسلمين‪،‬‬
‫وف لعمل سيرة خالية من الحشو والتعقيد تنتفع بها عا ّ‬
‫يتش ّ‬
‫فقلت‪ :‬يا لله لقد وافق هذا السيد الكريم ما في نفسي‪،‬‬
‫ولكني كنت أرى في عزيمتي قصورا ً عن تنفيذ رغبته وتتميم أمنيته‪ ،‬فإن‬
‫المقام عظيم‪ ،‬وصعوباته أعظم‪ .‬ولكن لم أَر من المر ب ُد ّا ً تلقاء ما كنت‬
‫أسمعه من كبار رجال المنصورة‪ ،‬فإنهم أكثروا من الماني لعمل هذا الكتاب‪،‬‬
‫العميم النفع‪ ،‬الجزيل الفائدة‪ ،‬فقمت معتمدا ً على الله راجيا ً منه أن يوّفقني‬
‫سرى حتى بلغت المنى‪ ،‬فجاء بحمد الله‪،‬‬
‫سي َْر بال ّ‬
‫لما فيه رضاه‪ ،‬وواصلت ال ّ‬
‫صة‪ .‬وقد كان‬
‫سهل المنال‪ ،‬عذب المورد‪ ،‬تنتفع به العا ّ‬
‫مة‪ ،‬وترجع إليه الخا ّ‬
‫موِردي في تأليفه‪ :‬القرآن الشريف‪ ،‬وصحيح السّنة مما رواه المامان‬
‫البخاري ومسلم‪ ،‬ولم أخرج عنهما إل فيما ل بد ّ من تفيهم العبارات‪ ،‬فكان‬
‫يساعدني »الشفا« للقاضي عياض و»السيرة الحلبية« و»المواهب اللدنية«‬
‫للقسطلني‪ ،‬و»إحياء علوم الدين« للغزالي‪ .‬هذا‪ ،‬وأسأل الله من فيض فضله‬
‫أن يوّفق أئمتنا وأمراءنا للقتداء بسّيدنا ومولنا رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وإحياء معاِلم دينه حتى يؤّيدوا بروح من عند الله‪ .‬وقد آن أن نشرع‬
‫فيما قصدناه مستعينين بحول الله فنقول‪:‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫السيد الكرم الذي شرف الناس بوجوده هو‪) :‬محمد بن عبد الله( من زوجه‬
‫هب الّزهرية القرشية‪) .‬ابن عبد المطلب( من زوجه فاطمة بنت‬
‫آمنة بنت وَ ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عمرو المخزومية القرشية‪ .‬وكان عبد المطلب شيخا معظما في قريش‬
‫درون عن رأيه في مشكلتهم ويقدمونه في مهماتهم‪) .‬ابن هاشم( من‬
‫ص ُ‬
‫يَ ْ‬
‫زوجه سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية‪) .‬ابن عبد مناف( من زوجه عاتكة‬
‫حَليل الخزاعية‪ ،‬وكان‬
‫حّبى بنت ُ‬
‫ي( من زوجه ُ‬
‫بنت ُ‬
‫مّرة السلمية‪) .‬ابن قُ َ‬
‫ص ّ‬
‫ي في الجاهلية حجابة البيت‪ ،‬وسقاية الحاج‪ ،‬وإطعامه المسمى‬
‫إلى قص ّ‬
‫بالرفادة‪ ،‬والندوة وهي الشورى ل يتم أمر إل في بيته‪ ،‬واللواء‪ ،‬ل تعقد راية‬
‫لحرب إل بيده‪ .‬ولما أشرف على الموت جعلها في يد أحد أولده عبد الدار‪،‬‬
‫لكن بنو عبد مناف أجمعوا رأيهم على أل يتركوا بني عمهم عبد الدار‬
‫يستأثرون بهذه المفاخر‪ ،‬وكاد يفضي المر إلى القتال لول أن تدارك المَر‬
‫عقلُء الفريقين‪ ،‬فأعطوا بني عبد المناف السقاية والرفادة فدامتا فيهم إلى‬
‫أن انتهتا للعباس بن عبد المطلب‪ ،‬ثم لبنيه من بعده‪ ،‬أما الحجابة فبقيت بيد‬
‫بني عبد الدار‪ ،‬وأ َقَّرها لهم الشرع فهي فيهم إلى الن‪ .‬وهم بنو شيبة بن‬
‫عثمان بن أبي طلحة بن عبد العُّزى بن عثمان بن عبد الدار‪ ،‬وأما اللواء فدام‬
‫فيهم حتى أبطله السلم‪ ،‬وجعله حقا ً للخليفة على المسلمين يضعه فيمن‬
‫يراه صالحا ً له‪ ،‬وكذلك الندوة‪ .‬وقصي )بن كلب( من زوجه فاطمة بنت سعد‪،‬‬
‫وهي يمانية من أزد َ‬
‫شُنوَءة‪) .‬ابن مرة( من زوجه هند بنت سرير من بني فهر‬
‫ً‬
‫بن مالك‪) .‬ابن كعب( من زوجه وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضا‪) .‬ابن‬
‫لؤي( من زوجه أم كعب ماوِّية بنت كعب من ُقضاعة‪) .‬ابن غالب( من زوجه‬
‫أم لؤي سلمى بنت عمرو الخزاعي‪) .‬ابن فهر( من زوجه أم غالب ليلى بنت‬
‫هذيل‪ .‬وفهر هو قريش ــــ في قول الكثرين ـــــ وكانت قريش‬
‫سعد من ُ‬
‫اثنتي عَ ْ‬
‫شَرة قبيلة‪ :‬بنو عبد مناف‪ ،‬وبنو عبد الدار بن قصي‪ ،‬وبنو أسد بن عبد‬
‫العُّزى بن قصي‪ ،‬وبنو زهرة‬
‫مّرة‪ ،‬وبنو تيم بن مّرة‪ ،‬وبنو عدي بن‬
‫بن كلب‪ ،‬وبنو مخزوم بن يقظة بن ُ‬
‫هصيص بن كعب‪ ،‬وبنو عامر بن لؤي‪ ،‬وبنو تيم‬
‫كعب‪ ،‬وبنو سهم بن عمرو بن ُ‬
‫محارب بن فهر‪ ،‬والمقيمون منهم بمكة‬
‫وبنو‬
‫بن غالب‪ ،‬وبنو الحارث بن فهر‪،‬‬
‫ُ‬
‫يسمون قريش البطاح‪ ،‬والذين بضواحيها قريش الظواهر‪) .‬ابن مالك( من‬
‫زوجه جندلة بنت الحارث من جرهم‪) .‬ابن النضر( من زوجه عاتكة بنت‬
‫مر بن أ ُّد‪) .‬ابن‬
‫عَ ْ‬
‫دوان من قيس عَْيلن‪) .‬ابن كنانة( من زوجه ب َّرة بنت ُ‬
‫مدركة( من زوجه‬
‫خَزيمة( من زوجه َ‬
‫ُ‬
‫عوانة بنت سعد بن قيس عيلن‪) .‬ابن ُ‬
‫دف المضروب بها‬
‫سلمى بنت أسلم من ُقضاعة‪) .‬ابن إلياس( من زوجه ِ‬
‫خن ْ ِ‬
‫د‪.‬‬
‫مضر( من زوجه الرباب بنت حيدة بن مع ّ‬
‫المثل في الشرف والمنعة‪) .‬ابن ُ‬
‫ّ‬
‫مَعانة بنت جوشم‬
‫)ابن نزار( من زوجه َ‬
‫سودة بنت عَك‪) .‬ابن معد( من زوجه ُ‬
‫جرهم‪) .‬ابن عدنان(‪.‬‬
‫من ُ‬
‫هذا هو النسب المتفق على صحته من علماء التاريخ والمحدثين‪ ،‬أما النسب‬
‫فوق ذلك فل يصح فيه طريق‪ ،‬غاية المر أنهم أجمعوا على أن نسب الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم أبي العرب المستعربة‪.‬‬
‫نسب شريف كما ترى‪ :‬آباء طاهرون وأمهات طاهرات‪ ،‬لم يزل عليه السلم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ينتقل من أصلب أولئك إلى أرحام هؤلء حتى اختاره الله هاديا ً مهديا ً من‬
‫م الولى في الشرف‬
‫أوسط العرب نسبًا‪ .‬فهو من صميم قريش التي لها القد ُ‬
‫وعلو المكانة بين العرب‪ ،‬ول تجد في سلسلة آبائه إل كراما ً ليس فيهم‬
‫ُ‬
‫ن شأنًا‪ ،‬ول‬
‫مسترَذل بل كلهم سادة قادة‪ ،‬وكذلك أمهات آبائه من أرفع قبائله ّ‬
‫شك أن شرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة‪ ،‬وكل اجتماع بين‬
‫آبائه وأمهاته كان شرعيا ً بحسب الصول العربية‪ ،‬ولم ينل نسبه شيء من‬
‫سفاح الجاهلية بل طّهره الله من ذلك والحمد لله‪.‬‬
‫زواج عبد الله بآمنة وحملها‬
‫كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه‪ ،‬فزوجه آمنة بنت وهب‬
‫بن عبد مناف بن ُزهرة بن كلب‪ ،‬وسّنه ثماني عشرة سنة‪ ،‬وهي يومئذٍ من‬
‫أفضل نساء قريش نسبا ً وموضعًا‪ ،‬ولما دخل عليها حملت بالرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ولم يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين‪ ،‬ودفن بالمدينة عند‬
‫أخواله بني عدي بن النجار‪ ،‬فإنه كان قد ذهب بتجارة إلى الشام‪ ،‬فأدركته‬
‫مت مدة حمل آمنة وضعت ولدها‪ ،‬فاستبشر‬
‫منيته بالمدينة وهو راجع‪ ،‬ولما ت ّ‬
‫ث في أرجائه روح الداب وتمم مكارم‬
‫العالم بهذا المولود الكريم الذي ب ّ‬
‫الخلق‪ .‬وقد حقق المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان صبيحة يوم‬
‫الثنين تاسع ربيع الول الموافق لليوم العشرين من أبريل سنة )‪ (571‬من‬
‫الميلد‪ ،‬وهو يوافق السنة الولى من حادثة الفيل‪ ،‬وكانت ولدته في دار أبي‬
‫شْعب بني هاشم‪ ،‬وكانت قابلته ال ّ‬
‫فاء أم عبد الرحمان بن عوف‪،‬‬
‫ش ّ‬
‫طالب ب ِ ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ولما ولد أرسلت أمه لجده تب ّ‬
‫ماه محمدا‪ ،‬ولم يكن‬
‫شره‪ ،‬فأقبل مسرورا وس ّ‬
‫هذا السم شائعا ً قب ُ‬
‫دره وذكره‬
‫ل عند العرب‪ ،‬ولكن أراد الله أن يحقق ما ق ّ‬
‫ميه‬
‫في الكتب التي جاءت بها النبياء كالتوراة والنجيل‪ ،‬فألهم ج ّ‬
‫ده أن يس ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه‪،‬‬
‫مة أبيه عبدِ الل ِ‬
‫بذلك إنفاذا ً لمره‪ ،‬وكانت حا ِ‬
‫ضنته أم أيمن بركة الحبشية‪ ،‬أ َ‬
‫وأول من أرضعه ث ُويب ُ َ‬
‫ة عمه أبي لهب‪.‬‬
‫م ُ‬
‫ََْ‬
‫ةأ َ‬
‫َ ْ‬
‫الرضاع‬
‫وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون‬
‫ب للولد‪ ،‬وكانوا يقولون‪ :‬إن المرّبى في المدن يكون كلي َ‬
‫ل الذهن فاتر‬
‫أنج َ‬
‫ً‬
‫العزيمة‪ ،‬فجاءت ِنسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفال يرضعنهم‪ ،‬فكان‬
‫الرضيع المحمود من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية‪ ،‬واسم زوجها أبو‬
‫ب له الرسول صلى الله عليه وسلم حينما‬
‫كبشة‪ ،‬وهو الذي كانت قريش تنس ُ‬
‫ّ‬
‫يريدون الستهزاء به فيقولون‪ :‬هذا ابن أبي كبشة ُيكلم من السماء ود ُّرت‬
‫البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم وكانت تربو‬
‫عن أربع سنوات‪.‬‬
‫حادثة شق الصدر‬
‫وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان‬
‫دثتها قائلة‪ :‬بينما هو‬
‫منه‪ ،‬فأحدث ذلك عند حليمة خوفا ً فردته إلى أمه وح ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وإخوته في ب َْهم لنا خلف بيوتنا إذ أتى أخوه يعدو‪ ،‬فقال لي ولبيه‪ :‬ذاك أخي‬
‫القرشي قد أخذه رجلن عليهما ثياب بيض‪ ،‬فأضجعاه‪ ،‬ف َ‬
‫قا بطنه فهما‬
‫ش ّ‬
‫سوطانه‪ .‬فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعا ً لونه‪ ،‬فالتزمته والتزمه‬
‫يَ ُ‬
‫ي؟ فقال‪ :‬جاءني رجلن عليهما ثياب بيض‪ ،‬فقال‬
‫أبوه‪ ،‬فقلنا له‪ :‬ما لك يا بن ّ‬
‫قا بطني‪،‬‬
‫أحدهما لصاحبه‪ :‬أهو هو؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فأقبل يبتدراني فأضجعاني فش ّ‬
‫فالتمسا فيه شيئًا‪ ،‬فأخذاه وطرحاه ول أدري ما هو‪.‬‬
‫وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب‬
‫ثم إن أمه أخذته منها‪ ،‬وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي‬
‫بن النجار‪ ،‬وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالبواء‬
‫ُ‬
‫ة لم ت ُعَْهد له في‬
‫م أيمن‪ ،‬وكفله جده عبد المطلب‪ ،‬ورقّ له رِقّ ً‬
‫فحضنته أ ّ‬
‫ولده‪ ،‬لما كان يظهر عليه مما يد ّ‬
‫ل على أن له شْأنا ً عظيما ً في المستقبل‪،‬‬
‫وكان يكرمه غاية الكرام‪ ،‬ولكن لم يلبث عبد المطلب أن ُتوفي بعد ثماني‬
‫سنوات من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فكفله شقيق أبيه أبو طالب‬
‫مقل ً من المال فبارك الله له‬
‫فكان له رحيما ً وعليه غيورًا‪ ،‬وكان أبو طالب ُ‬
‫في قليله‪ ،‬وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في مدة كفالة عمه مثا َ‬
‫ل‬
‫القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الطفال عادة‪ ،‬كما روت ذلك‬
‫ُ‬
‫ت الكل جاء الولد يختطفون وهو قانع‬
‫أم أيمن حاضنته‪ ،‬فكان إذا أقبل وق ُ‬
‫بما سييسُره ُ الله له‪.‬‬
‫السفر إلى الشام‬
‫مه وكفيله‬
‫ولما بلغت سّنه عليه الصلة والسلم اثنتي عشرة سنة‪ ،‬أراد ع ّ‬
‫السفر بتجارة إلى الشام‪ ،‬فاستعظم الرسول صلى الله عليه وسلم فراقه‪،‬‬
‫فرقّ له‪ ،‬وأخذه معه‪ ،‬وهذه هي الرحلة الولى‪ ،‬ولم يمكثوا فيها إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وقد‬
‫أشرف على رجال القافلة ــــ وهم بقرب ُبصرى ــــ بحيرا الراهب‪ ،‬فسألهم‬
‫ما رآه في كتبهم المقدسة من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫ع ّ‬
‫ً‬
‫إنه لم يظهر للن‪ .‬وهذه العبارة كثيرا ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود‬
‫ة الل ّهِ عََلى‬
‫ما عََرُفوا ْ ك َ َ‬
‫فُروا ْ ب ِهِ فَل َعْن َ ُ‬
‫جآء ُ‬
‫ما َ‬
‫هم ّ‬
‫ونصارى قبل بعثة الرسول }فَل َ ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن{ )البقرة‪.(89 :‬‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫فجار‬
‫حرب ال ِ‬
‫جاِر‪ ،‬وهي‬
‫ولما بلغت سّنه عليه الصلة والسلم عشرين سنة حضر حرب ال ِ‬
‫ف َ‬
‫ن للنعمان بن‬
‫حرب كانت بين ِ‬
‫كنانة ومعها قريش‪ ،‬وبين قيس‪ .‬وسببها‪ :‬أنه كا َ‬
‫عكاظ لُتباع له‪،‬‬
‫سوق‬
‫إلى‬
‫عام‬
‫كل‬
‫يرسلها‬
‫تجارة‬
‫بالحيرة‬
‫العرب‬
‫ك‬
‫ُ‬
‫المنذر مل ِ‬
‫وكان يرسلها في أمان رجل ذي منعةٍ وشرف في قومه ليجيزها فجلس يوما ً‬
‫وعنده البراض بن قيس الكناني ــــ وكان فاتكا ً خليعا ً خلعه قومه لكثرة شّره‬
‫ن ُيجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها‬
‫ــــ وعروة بن عتبة الر ّ‬
‫حال فقال‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫عكاظ؟ فقال البّراض‪ :‬أنا أجيزها على بني كنانة‪ ،‬فقال النعمان‪ :‬إنما أريد َ‬
‫م ْ‬
‫ب خليع يجيزها لك؟ أنا‬
‫ُيجيُزها على الناس كلهم‪ .‬فقال عروة‪ :‬أبيت اللعن أكل ٌ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قْيصوم من أهل نجد وتهامة‪ .‬فقال الب َّراض‪ :‬أو‬
‫أجيزها على أهل الشيح وال َ‬
‫ُتجيزها على كنانة يا عروة؟ قال‪ :‬وعلى الناس كلهم‪ ،‬فأسّرها في نفسه‪،‬‬
‫وترّبص له حتى إذا خرج بالتجارة‪ ،‬قتله غدرًا‪ ،‬ثم أرسل رسول ً يخبر قومه‬
‫كنانة بالخبر‪ ،‬ويحذرهم قيسا ً قوم عروة‪ .‬وأما قيس فلم تلبث بعد أن بلغها‬
‫مت لتدرك ثأرها‪ ،‬حتى أدركوا قريشا ً وكنانة بنخلة‪ ،‬فاقتتلوا‪ ،‬ولما‬
‫الخبر أن ه ّ‬
‫اشتد ّ البأس وحميت قيس‪ ،‬احتمت قريش بحرمها‪ ،‬وكان فيهم رسول الله‪.‬‬
‫ثم إن قيسا ً قالوا لخصومهم‪ :‬إّنا ل نترك دم عروة‪ ،‬فموعدنا عكاظ العام‬
‫حو ْ ُ‬
‫المقبل‪ ،‬وانصرفوا إلى بلدهم يحرض بعضهم بعضًا‪ ،‬فلما حا َ‬
‫ل جمعت‬
‫ل ال َ‬
‫موعها وكانت معها ثقيف وغيرها‪ ،‬وجمعت قريش جموعها من كنانة‬
‫قيس ُ‬
‫ج ُ‬
‫والحابيش ــــ وهم حلفاء قريش ــــ وكان رئيس بني هاشم الزبيُربن عبد‬
‫المطلب ومعه إخوته أبو طالب وحمزة والعباس وابن أخيه النبي الكريم‪،‬‬
‫وكان على بني أمّية حرببن أمّية‪ ،‬وله القيادة العامة لمكانه في قريش شرفا ً‬
‫وسنًا‪ .‬وهكذا كان على كل بطن من بطون قريش رئيس‪ ،‬ثم تناجزوا الحرب‪،‬‬
‫هو ً‬
‫ح ّ‬
‫حُرمات مكة التي‬
‫ل‪ ،‬ولما است ُ ِ‬
‫فكان يوما ً من أشد ّ أيام العرب َ‬
‫ل فيه ِ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫فجار‪ .‬وكادت الدائرة تدور على قيس‬
‫سمي يوم ال ِ‬
‫كانت مقدسة عند العرب ُ‬
‫عا المتحاربين للصلح على أن‬
‫ن دَ َ‬
‫حتى انهزم بعض قبائلها ولكن أدركهم َ‬
‫م ْ‬
‫من وجد َقتله أكثر أخذ دَية الزائد‪ ،‬فكانت لقيس‬
‫صوا قتلى الفريقين‪ ،‬ف َ‬
‫ُيح ُ‬
‫دادها ولده أبا‬
‫س َ‬
‫زيادة أخذوا ديتها من قريش وتعهد بها حرببن أمية‪ ،‬ورهن ل َ‬
‫سفيان‪ .‬وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيرا ً ما تشبه حروب العرب تبدؤها‬
‫ف الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضللت بانتشار‬
‫صغيرات المور حتى أل ّ َ‬
‫نور السلم بينهم‪.‬‬
‫حلف الفضول‬
‫ِ‬
‫ضول فتم في دار عبد‬
‫جار تداعوا لحلف ال ُ‬
‫وعند رجوع قريش من حرب ال ِ‬
‫ف ُ‬
‫ف َ‬
‫مي أحد رؤساء قريش‪ ،‬وكان المتحالفون‪ :‬بني هاشم وبني‬
‫جد ْ َ‬
‫عان الت ّي ْ ِ‬
‫اللهبن ُ‬
‫المطلب ابني عبد مناف‪ ،‬وبني أسدبن عبد العّزى‪ ،‬وبني زهرةبن كلب‪ ،‬وبني‬
‫مّرة تحالفوا وتعاقدوا أل يجدوا بمكة مظلوما ً من أهلها أو من غيرهم‬
‫ت َْيمبن ُ‬
‫ْ‬
‫مظِلمته‪ ،‬وقد حضر هذا الحلف‬
‫من سائر الناس إل قاموا معه‪ ،‬حتى ترد ّ إليه َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعمامه‪ ،‬وقال بعد أن شّرفه الله‬
‫ب‬
‫جدعان ما أح ّ‬
‫بالرسالة‪» :‬لقد شهدت مع عمومتي حلفا ً في دار عبد اللهبن ُ‬
‫مر الن ّعَم ِ ولو دعيت به في السلم لجبت« وذلك لنه عليه الصلة‬
‫أن لي به ُ‬
‫ح ْ‬
‫ً‬
‫لسلم كثيرا منها‪،‬‬
‫والسلم مبعوث بمكارم الخلق‪ ،‬وهذا منها‪ ،‬وقد أقر دي ُ‬
‫نا ِ‬
‫يرشدك إلى هذا قوله عليه الصلة والسلم‪» :‬بعثت لتمم مكارم الخلق«‬
‫وقد دعا بهذا الحلف كثيرون فأنصفوا‪.‬‬
‫رحلته إلى الشام المرة الثانية‬
‫ولما بلغت سنه عليه الصلة والسلم خمسا ً وعشرين سنة سافر إلى الشام‬
‫المّرة الثانية‪ ،‬وذلك أن خديجة بنت خويلد السدية كانت سيدة تاجرة ذات‬
‫شرف ومال‪ ،‬تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه‪ ،‬فلما سمعت عن‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ماه قومه‬
‫السيد من المانة و ِ‬
‫صدق الحديث ما لم تعرفه في غيره حتى س ّ‬
‫ً‬
‫ما كانت‬
‫المين‪ ،‬استأجرته ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا‪ ،‬وتعطيه أفضل م ّ‬
‫مْيسرة فباعا وابتاعا وربحا ربحا ً عظيما‪ً،‬‬
‫تعطي غيره‪ ،‬فسافر مع غلمها َ‬
‫وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من البركات ما حّببه في قلب ميسرة‬
‫غلم خديجة‪.‬‬
‫زواجه خديجة‬
‫سّرت من المين عليه الصلة‬
‫فلما قَ ِ‬
‫دما مكة ورأت خديجة ربحها العظيم ُ‬
‫ه لنفسها‪ ،‬وكانت سنها نحو الربعين‪ ،‬وهي من‬
‫والسلم وأرسلت إليه ت ْ‬
‫خط ُب ُ ُ‬
‫أوسط قريش حسبا ً وأوسعهم ما ً‬
‫ل‪ ،‬فقام المين عليه الصلة والسلم مع‬
‫مها عمروبن أسد‪ ،‬فخطبها منه بواسطة عمه أبي‬
‫أعمامه حتى دخل على ع ّ‬
‫مها‪ .‬وقد خطب أبو طالب في هذا اليوم فقال‪ :‬الحمد لله‬
‫طالب‪ ،‬فزّوجها ع ّ‬
‫د‪ ،‬وعنصر مضر‪،‬‬
‫ضئ ْ ِ‬
‫الذي جعلنا من ذرية إبراهيم‪ ،‬وزرع إسماعيل و ِ‬
‫ضىِء مع ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واس حرمه‪ ،‬وجعله لنا بيتا ً محجوجا وحرما آمنا‪ ،‬وجعلنا‬
‫وجعلنا حضنة بيته و ُ‬
‫س ّ‬
‫كام الناس‪ ،‬ثم إن ابن أخي هذا محمدبن عبد الله ل ُيوزن به رجل شرفا ً‬
‫ح ّ‬
‫ونبل ً وفض ً‬
‫ل‪ ،‬وإن كان في المال قُ ّ‬
‫ل‪ ،‬فإن المال ظل زائل‪ ،‬وأمر حائل‪،‬‬
‫وعارية مسترّدة‪ ،‬وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل‪ ،‬وقد خطب‬
‫ق كذا‪ .‬وعلى ذلك تم‬
‫ص َ‬
‫إليكم رغبة في كريمتكم خديجة‪ ،‬وقد بذل لها من ال ّ‬
‫دا ِ‬
‫المر‪ .‬وقد كانت متزوجة قبله بأبي هالة‪ ،‬توفي عنها وله منها ولد اسمه هالة‪،‬‬
‫وهو ربيب المصطفى عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫بناء البيت‬
‫ولما بلغت سنه عليه الصلة والسلم خمسا ً وثلثين سنة‪ ،‬جاء سيل جارف‬
‫دع جدران الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل‪ ،‬فأرادت قريش‬
‫فص ّ‬
‫هدمها ليرفعوها ويسقفوها‪ ،‬فإنها كانت رضيمة فوق القامة‪ ،‬فاجتمعت‬
‫قبائلهم لذلك‪ ،‬ولكنهم هابوا هدمها لمكانها في قلوبهم‪ .‬فقال لهم الوليدبن‬
‫المغيرة‪ :‬أتريدون بهدمها الصلح أم الساءة؟ قالوا‪ :‬بل الصلح‪ ،‬قال‪ :‬إن الله‬
‫مصِلحين‪ ،‬وشرع يهدم فتبعوه وهدموا حتى وصلوا إلى أساس‬
‫ل يهلك ال ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫عادة‬
‫على‬
‫كم‬
‫ح‬
‫ال‬
‫من‬
‫كثير‬
‫فيها‬
‫نقش‬
‫ا‬
‫صحاف‬
‫وجدوا‬
‫وهناك‬
‫إسماعيل‪،‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ ْ‬
‫يضعون أساس بناء شهير ليكون تذكرة للمتأخرين بعمل المتقدمين‪ .‬ثم‬
‫ي ول بيعُ ِربا‪ ،‬وجعل‬
‫ابتدؤوا في البناء وأع ّ‬
‫دوا لذلك نفقة ليس فيها َ‬
‫مهُر بغ َ‬
‫الشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم‪ ،‬وكان العباس ورسول‬
‫صص‬
‫الله فيمن يحمل‪ ،‬وكان الذي يلي البناء نجار رومي اسمه باقوم‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة‪ ،‬وقد ضاقت بهم النفقة‬
‫جَر‪ ،‬وبنوا عليه‬
‫الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل‪ ،‬فأخرجوا منها ال ِ‬
‫ح ْ‬
‫جدارا ً قصيرًا‪ ،‬علمة على أنه من الكعبة‪ ،‬ولما تم البناء ثمانية عشر ذراعا ً‬
‫بحيث ِزيد َ فيه عن أصله تسعة أذرع ورفع الباب عن الرض بحيث ل ُيصعد‬
‫إليه إل بدرج أرادوا وضع الحجر السود موضعه‪ ،‬فاختلف أشرافهم فيمن‬
‫ب بينهم نار الحرب‪ ،‬ودام بينهم هذا‬
‫يضعه‪ ،‬وتنافسوا في ذلك حتى كادت تش ّ‬
‫ن رجل في قريش إذ ذاك أبو أميةبن المغيرة‬
‫ل‪ ،‬وكان أس ّ‬
‫الخصام أربع ليا ٍ‬
‫ّ‬
‫م خالدبن الوليد فقال لهم‪ :‬يا قوم ل تختلفوا وحكموا بينكم من‬
‫المخزومي ع ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ترضون بحكمه‪ .‬فقالوا‪ :‬ن َك ِ ُ‬
‫ل المر لّول داخل‪ ،‬فكان هذا الداخل هو المين‬
‫ما يعهدونه فيه من المانة‬
‫المأمون عليه الصلة والسلم‪ ،‬فاطمأن الجميع له ل ِ َ‬
‫وصدق الحديث وقالوا‪ :‬هذا المين رضيناه‪ ،‬هذا محمد؛ لنهم كانوا يتحاكمون‬
‫إليه إذ كان ل ُيداري ول ُيماري‪ .‬فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال‪ :‬لتأخذ‬
‫كل قبيلة بناحية‬
‫من الثوب‪ ،‬ثم وضع فيه الحجر وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه فأخذه‬
‫ووضعه فيه وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرا ً ما يكون أمثالها سببا ً في‬
‫ن الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية‬
‫انتشار حروب هائلة بين العرب‪ ،‬لول أن َ‬
‫م ّ‬
‫يرشدهم إلى الخير‪ ،‬وحكيم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم‬
‫بما ُيرضي جميعهم‪ .‬ول ُيستغرب من قريش تنافسهم هذا‪ ،‬لن البيت ِقبَلة‬
‫جون إليها‪ ،‬فكل عمل فيه عظيم به الفخر والسيادة‪،‬‬
‫العرب وكعبتهم التي يح ّ‬
‫ضع للعبادة بشهادة القرآن الكريم‪ ،‬قال تعالى في سورة آل‬
‫وهو أول بيت وُ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن أ َوّ َ‬
‫ذى ب ِب َك َ‬
‫ن)‪ِ (96‬فيهِ‬
‫دى للَعال ِ‬
‫س لل ِ‬
‫ت وُ ِ‬
‫ل ب َي ْ ٍ‬
‫مَباَركا وَهُ ً‬
‫عمران‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ة ُ‬
‫مي َ‬
‫ضعَ ِللّنا ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منا{ )آل عمران‪ (97 ،96 :‬وكان‬
‫م َ‬
‫من د َ َ‬
‫ن ءا ِ‬
‫م إ ِْبرا ِ‬
‫ه كا َ‬
‫قا ُ‬
‫خل ُ‬
‫م وَ َ‬
‫هي َ‬
‫ت ّ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫ءاَيا ٌ‬
‫ن دخل مكة‬
‫م‬
‫وظلموا‬
‫بغوا‬
‫فلما‬
‫جرهم‬
‫قبيلة‬
‫إسماعيل‬
‫ولد‬
‫بعد‬
‫أمره‬
‫يلي‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫اجتمعت عليهم خزاعة وأجَلوهم عن البيت‪ ،‬ووليته خزاعة حينا ً من الدهر‪ ،‬ثم‬
‫منوا في بلدهم‪ ،‬فكانت قبائل‬
‫أخذته منهم في عهد قصيبن كلب‪ ،‬وبسببه أ ِ‬
‫ن الله‬
‫العرب تهابهم‪ ،‬وإذا احتموا به كان حصنا ً أمينا ً من اعتداء العادين‪ ،‬وامت ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حَرما ً‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫م ي ََروْا ْ أّنا َ‬
‫عليهم بذلك في تنزيله‪ ،‬فقال في سورة العنكبوت‪} :‬أوَل َ ْ‬
‫م{ )العنكبوت‪.(67 :‬‬
‫منا ً وَي ُت َ َ‬
‫خط ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫ءا ِ‬
‫ن َ‬
‫حوْل ِهِ ْ‬
‫ف الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫معيشته عليه الصلة والسلم قبل البعثة‬
‫لم َيرث عليه الصلة والسلم من والده شيئًا‪ ،‬بل ولد يتيما ً عائل ً فاسترضع‬
‫في بني سعد‪ ،‬ولما بلغ مبلغا ً يم ّ‬
‫كنه أن يعمل عمل ً كان يرعى الغنم مع إخوته‬
‫ما رجع إلى مكة كان يرعاها لهلها على‬
‫من الرضاع في البادية‪ ،‬وكذلك ل ّ‬
‫قراريط كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه‪ .‬ووجود النبياء في حال التجرد‬
‫عن الدنيا ومشاغلها أمر ل بد ّ منه‪ ،‬لنهم لو وجدوا أغنياء للهتهم الدنيا‬
‫وشغلوا بها عن السعادة البدية‪ ،‬ولذلك ترى جميع الشرائع اللهية متفقة على‬
‫م شاهد على‬
‫استحسان الزهد فيها والتباعد عنها‪ ،‬وحال النبياء الساِلفين أعظ ُ‬
‫ذلك‪ ،‬فكان عيسى عليه السلم أزهد َ الناس في الدنيا‪ ،‬وكذلك كان موسى‪،‬‬
‫سواء؛ تلك حكمة‬
‫سَعة بل كلهم َ‬
‫وإبراهيم‪ .‬وكانت حالتهم في صغرهم ليست َ‬
‫بالغة أظهرها الله على أنبيائه ليكونوا نموذجا ً لمتبعيهم في المتناع عن‬
‫التكالب على الدنيا والتهافت عليها‪ ،‬وذلك سبب البليا والمحن‪ .‬وكذلك رعاية‬
‫الغنم‪ ،‬فما من نبي إل رعاها كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق في حديث‬
‫ح َ‬
‫كم فإن النسان إذا استرعى الغنم ــــ وهي‬
‫للبخاري‪ .‬وهذه أيضا ً من بالغ ال ِ‬
‫ف تعطفًا‪ ،‬فإذا انتقل من ذلك إلى‬
‫ة واللط ُ‬
‫أضعف البهائم ــــ سكن قلَبه الرأف ُ‬
‫رعاية الخلق كان لما هُ ّ‬
‫ذب أول ً من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي‪ ،‬فيكون‬
‫ب عليه الصلة والسلم كان يتجر‪ ،‬وكان شريكه‬
‫في أعدل الحوال‪ .‬ولما ش ّ‬
‫السائببن أبي السائب‪ .‬وذهب بالتجارة لخديجة ــــ رضي الله عنها ــــ إلى‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫جْعل يأخذه‪ .‬ولما شرفت خديجة بزواجه‪ ،‬وكانت ذات يسار‪ ،‬عمل‬
‫الشام على ُ‬
‫ن عليه به في سورة‬
‫في مالها وكان يأكل من نتيجة عمله‪ .‬وحقق الله ما امت ّ‬
‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫جد ْ َ‬
‫الضحى بقوله ج ّ‬
‫دى)‪(7‬‬
‫ضآل ّ فَهَ َ‬
‫ك َ‬
‫ك ي َِتيما ً َفآَوى)‪ (6‬وَوَ َ‬
‫م يَ ِ‬
‫ل ذكره‪} :‬أل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫ما‬
‫ك َ‬
‫عآئ ِل ً فَأغَْنى)‪ (8‬وَكذ َل ِك أوْ َ‬
‫وَوَ َ‬
‫ت ت َد ِْرى َ‬
‫ما كن َ‬
‫مرَِنا َ‬
‫نأ ْ‬
‫حي َْنآ إ ِلي ْك ُروحا ّ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دى ب ِهِ‬
‫جعَلَناه ُ ُنورا ن ّهْ ِ‬
‫ن وَل ِ‬
‫كن َ‬
‫ما ُ‬
‫ال ْك َِتا ُ‬
‫لي َ‬
‫ب وَل ا ِ‬
‫من ن ّ َ‬
‫عَبادَِنا{ )الشورى‪.(52 :‬‬
‫ن ِ‬
‫شآء ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫سيرته في قومه قبل البعثة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫خلقا‪ ،‬وأصدقهم حديثا‪ ،‬وأعظمهم‬
‫كان عليه الصلة والسلم أحسن قومه ُ‬
‫دهم عن الفحش والخلق التي تدنس الرجال‪ ،‬حتى كان أفض َ‬
‫ل‬
‫أمانة‪ ،‬وأبع َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دقهم‬
‫قومه مروء ً‬
‫مهم مخالطة‪ ،‬وخيرهم جوارا‪ ،‬وأعظمهم حلما‪ ،‬وأص َ‬
‫ة‪ ،‬وأكر َ‬
‫موه المين لما جمع الله فيه من المور الصالحة الحميدة‪ ،‬والفعال‬
‫حديثًا‪ ،‬فس ّ‬
‫فة‪ ،‬والجود‪،‬‬
‫السديدة من الحلم‪ ،‬والصبر‪ ،‬والشكر‪ ،‬والعدل‪ ،‬والتواضع‪ ،‬والع ّ‬
‫والشجاعة‪ ،‬والحياء‪ .‬حتى شهد له بذلك ألد ّ أعدائه النضربن الحارث من بني‬
‫دثًا‪ ،‬أرضاكم فيكم‬
‫ح َ‬
‫عبد الدار حيث يقول‪ :‬قد كان محمد فيكم غلما ً َ‬
‫ة‪ ،‬حتى إذا رأيتم في صدغيه ال ّ‬
‫شيب وجاءكم‬
‫وأصدقكم حديثا ً وأعظمكم أمان ً‬
‫بما جاءكم قلتم‪ :‬ساحر‪ ،‬ل والله ما هو بساحر‪ .‬قال ذلك في معرض التفاق‬
‫على ما يقولونه للعرب الذين يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين على‬
‫ل ملك الروم أبا سفيان قائ ً‬
‫قول مقبول يقولونه‪ .‬ولما سأل هَِرقْ ُ‬
‫ل‪ :‬هل كنتم‬
‫تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال هرقل‪ :‬ما كان ليدعَ‬
‫ب على الله‪ ،‬ورد ذلك في أول صحيح البخاري‪.‬‬
‫الكذب على الناس ويكذ َ‬
‫وقد حفظه الله في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف‬
‫ت إليه الوثان بغضا ً شديدا ً حتى ما كان يحضر لها احتفال ً أو عيدا ً‬
‫بضدها وب ُغّ َ‬
‫ض ْ‬
‫ي‬
‫ت ب ُغّ َ‬
‫ض ْ‬
‫مما يقوم به عُّباُدها‪ .‬وقال عليه الصلة والسلم‪» :‬لما نشأ ُ‬
‫ت إل ّ‬
‫م بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إل‬
‫ي الشعر‪ ،‬ولم أه ّ‬
‫الوثان‪ ،‬وب ُّغض إل ّ‬
‫ت بسوء‬
‫مرتين‪ ،‬كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك‪ .‬ثم ما همم ُ‬
‫بعدهما حتى أكرمني الله برسالته‪ .‬قلت ليلة لغلم كان يرعى معي‪ :‬لو‬
‫مر كما يسمر الشباب‪ ،‬فخرجت لذلك‬
‫أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأ ْ‬
‫س ُ‬
‫ً‬
‫ت أول دارٍ من مكة أسمع عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم‪،‬‬
‫حتى جئ ُ‬
‫س الشمس‬
‫ي فنمت فما أيقظني إل م ّ‬
‫فجلست لذلك‪ ،‬فضرب الله على أذن ّ‬
‫ض شيئًا‪ ،‬ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك«‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم‬
‫ولم أق ِ‬
‫ل يأكل ما ذبح على النصب وحّرم شرب الخمر على نفسه مع شيوعه في‬
‫حّلي الله بها أنبياءه‬
‫قومه شيوعا ً عظيمًا‪ ،‬وذلك كله من الصفات التي ي ُ َ‬
‫قي وحيه‪ ،‬فهم معصومون من الدناس قبل‬
‫ليكونوا على تمام الستعداد لتل ّ‬
‫ما‬
‫وة وبعدها‪ ،‬أما قبل النبوة فليتأهلوا للمر العظيم الذي سُيسند إليهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫النب ّ‬
‫م‬
‫بعدها فليكونوا قدوة لممهم‪ .‬عليهم من الله أفضل الصلوات وأت ّ‬
‫التسليمات‪.‬‬
‫وة‬
‫ما أكرمه الله به قبل النب ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أول منحة من الله ما حصل من البركات على آل حليمة الذين كان مسترضعا ً‬
‫فيهم‪ ،‬فقد كانوا قبل حلوله بناديهم مجدبين فلما صار بينهم صارت غَُنيماتهم‬
‫تؤوب من مرعاها وإن أضراعها لتسيل لبنًا‪ ،‬ويرحم الله البوصيري حيث يقول‬
‫في همزيته‪:‬‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫سعداُء ثم أعقب ذلك ما حصل من شق‬
‫وإذا س ّ‬
‫خر الله أناسالسعيدٍ فإّنهم ُ‬
‫ّ‬
‫صدره وإخراج حظ الشيطان منه‪ ،‬وليس هذا بالعجيب على قدرة الله تعالى‪،‬‬
‫فمن استبعد ذلك كان قليل النظر‪ ،‬ل يعرف من قوة الله شيئًا‪ ،‬لن خرق‬
‫العادات للنبياء ليس بالمر المستحدث ول المستغرب‪.‬‬
‫ومن المكرمات اللهية تسخير الغمامة له في سفره إلى الشام‪ ،‬حتى كانت‬
‫تظله في اليوم الصائف ل يشترك معه أحد في القافلة‪ ،‬كما روى ذلك‬
‫مشاركا ً له في سفره‪ ،‬وهذا ما حّببه إلى‬
‫ميسرة غلم خديجة الذي كان ُ‬
‫ً‬
‫خديجة حتى خطبته لنفسها‪ ،‬وتيقنت أن له في المستقبل شأنا‪ .‬ولذلك لما‬
‫ة أخرى زيادة على ما‬
‫وة كانت أسرع الناس إيمانا ً به‪ ،‬ولم تنتظر آي ً‬
‫جاءته النب ّ‬
‫علمته من مكارم الخلق‪ ،‬وما سمعته من خوارق العادات‪.‬‬
‫ومن منن الله عليه ما كان يسمعه من السلم عليه من الحجار والشجار‪،‬‬
‫فكان إذا خرج لحاجته أبعد َ حتى ل يرى بناء‪ ،‬ويفضي إلى الشعاب وبطون‬
‫الودية فل يمّر بحجر ول شجر إل سمع‪ :‬الصلة والسلم عليك يا رسول الله‪،‬‬
‫دث بذلك عن‬
‫وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فل يرى أحدًا‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫خر الله الجمادات للنبياء قبله‪،‬‬
‫نفسه‪ .‬وليس في ذلك كبير إشكال فقد س ّ‬
‫ولت حّية تسعى ثم‬
‫س َ‬
‫فعصا موسى التقمت ما صنع َ‬
‫حَرة فرعون بعد أن تح ّ‬
‫ً‬
‫رجعت كما كانت‪ ،‬ولما ضرب بها الحجر نبع منه الماء اثنتي عشرة عينا لكل‬
‫خر الله لهم‬
‫سبط من أسباط بني إسرائيل عين‪ .‬وكذلك غيره من النبياء س ّ‬
‫َ‬
‫ما شاء من أنواع الجمادات لتد ّ‬
‫خطارة شأنهم‪.‬‬
‫ل العقلء على عظيم قدرهم و َ‬
‫تبشير التوراة به‬
‫أنزل الله التوراة على موسى محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك‬
‫وه فيها بذكر كثيرٍ من النبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم‪ ،‬فمما‬
‫الزمن‪ ،‬ون ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫جاء فيها تبشيرا برسولنا الكريم خطابا لسّيدنا موسى عليه السلم‪» :‬وسوف‬
‫ُأقيم لهم نبي ّا ً مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلمي في فمه ويكلمهم بكل‬
‫ن لم ي ُط ِعْ كلمه الذي يتكلم به باسمي فأنا الذي أنتقم‬
‫شيء آمره به‪ ،‬و َ‬
‫م ْ‬
‫ي بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمره به أو‬
‫منه‪ ،‬فأما النبي الذي يجترىء عل ّ‬
‫ت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب‬
‫باسم آلهة أخرى فليقتل‪ ،‬وإذا أحبب َ‬
‫ن ما قاله ذلك النبي باسم الرب ولم يحدث فهو كاذب يريد‬
‫فهذه علمتك‪ :‬إ ّ‬
‫تعظيم نفسه ولذلك ل تخشاه«‪ .‬ويقول اليهود إن هذه البشارة ليوشعبن نون‬
‫دة المسيح نبي ّا ً آخر‬
‫خليفة موسى عليه السلم‪ ،‬مع أنهم كانوا ينتظرون في م ّ‬
‫غير المسيح‪ ،‬فإنهم أرسلوا ليوحنا المعمدان )يحيى( يسألونه عن نفسه‬
‫فقالوا له‪ :‬أنت إيليا؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬فقالوا أنت المسيح؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬فقالوا أنت‬
‫النبي؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬فقالوا ما بالك إذا ً ت َُعمد ُ إذا كنت لست إيليا ول المسيح ول‬
‫النبي؟ فهذه تد ّ‬
‫ت حتى‬
‫ل على أن التوراة تبشر بإيليا والمسيح ونبي لم يأ ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫صت‬
‫زمن المسيح‪ ،‬ثم إن التوراة تقول في صفة النبي إنه مثل موسى‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫فر التثنية على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى‪ ،‬وورد‬
‫في آخر س ْ‬
‫في هذه البشارة أن النبي الذي يفتري على الله ُيقتل‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫ه ذلك في‬
‫شب ُ‬
‫ْ‬
‫قو ّ َ‬
‫ل)‪(44‬‬
‫القرآن قوله تعالى في سورة الحاقة‪} :‬وَل َوْ ت َ َ‬
‫ل عَل َي َْنا ب َعْ َ‬
‫ض الَقاِوي ِ‬
‫م َ‬
‫س{‬
‫م لَ َ‬
‫ل َ‬
‫ك ِ‬
‫ه ي َعْ ِ‬
‫قط َعَْنا ِ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫ص ُ‬
‫ن)‪َ (46‬والل ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن)‪ (45‬ث ُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ال ْوَِتي َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫مي ِ‬
‫)المائدة‪ (67 :‬أكان يعجز الله ــــ وهو القادر على كل شيء ــــ أن يعاقب‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م يَ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫من ينسب إليه ما لم يقله وهو الذي قال في سورة الشورى‪} :‬أ ْ‬
‫م عََلى قَل ْب ِ َ‬
‫ذبا ً فَِإن ي َ َ‬
‫ك‬
‫ه يَ ْ‬
‫افْت ََرى عََلى الل ّهِ ك َ ِ‬
‫خت ِ ْ‬
‫شإ ِ الل ّ ُ‬
‫ه ال َْباط ِ َ‬
‫م بِ َ‬
‫دوِر)‪(24‬‬
‫ل وَي ُ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ص ُ‬
‫حقّ ال ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫مات ِهِ إ ِن ّ ُ‬
‫حقّ ب ِك َل ِ َ‬
‫ح الل ّ ُ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫وروى القاضي عياض في الشفا أن عطاءبن يسار سأل عبد اللهبن عمروبن‬
‫العاص عن صفة رسول الله عليه الصلة والسلم فقال‪ :‬أجل والله إنه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هدا ً‬
‫سل َْنا َ‬
‫ك َ‬
‫شا ِ‬
‫ى إ ِّنآ أْر َ‬
‫لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن‪ :‬ياأي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫مب َ ّ‬
‫ذيرًا)‪(45‬‬
‫شرا ً وَن َ ِ‬
‫وَ ُ‬
‫سلم رضي الله عنه وهو الذي كان رئيس اليهود‬
‫وروي مثله عن عبد اللهبن َ‬
‫مه الرياسة حتى يترك الدين القويم‪ ،‬وكذلك كعب الحبار‪ .‬وفي بعض‬
‫فلم ت ُعْ ِ‬
‫ُ‬
‫وال للخنا‪ ،‬أسدده لكل جميل‪،‬‬
‫ص ّ‬
‫خا ٍ‬
‫طرق الحديث‪» :‬ول َ‬
‫ب في السواق ول ق ّ‬
‫وأهب له كل خلق كريم‪ ،‬وأجعل السكينة لباسه‪ ،‬والبّر شعاره‪ ،‬والتقوى‬
‫ضميره‪ ،‬والحكمة مقوله‪ ،‬والصدق والوفاء طبيعته‪ ،‬والعفو والمعروف خلقه‪،‬‬
‫والعدل سيرته‪ ،‬والحق شريعته‪ ،‬والهدى إمامه‪ ،‬والسلم مّلته‪ ،‬وأحمد اسمه‪،‬‬
‫أهدي به بعد الضللة‪ ،‬وأعّلم به بعد الجهالة‪ ،‬وأرفع به بعد الخمالة‪ ،‬وُأسمي به‬
‫بعد النكرة‪ ،‬وُأكّثر به بعد القّلة‪ ،‬وُأغني به بعد العَْيلة‪ ،‬وأجمع به بعد الفرقة‪،‬‬
‫وُأؤّلف به بين قلوب مختلفة‪ ،‬وأهواء متشتتة‪ ،‬وأمم متفرقة‪ ،‬وأجعل أمته خير‬
‫أمة ُأخرجت للناس«‪ .‬وقد أخبر عليه الصلة والسلم عن صفته في التوراة‬
‫فقال ــــ وهو الصادق المين ــــ‪ :‬عبدي أحمد المختار مولده مكة ومهاجره‬
‫مادون الله على كل حال‪.‬‬
‫المدينة ــــ أو قال‪ :‬ط َْيبة ــــ وأمته الح ّ‬
‫تبشير النجيل‬
‫ب ّ‬
‫شر عيسى عليه السلم قومه في النجيل بالفارقليط ومعناه قريب من‬
‫دقه في القرآن قول الله تعالى في سورة الصف‪ :‬وَإ ِذ ْ‬
‫محمد أو أحمد ويص ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫سو ُ‬
‫سراءي َ‬
‫َقا َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫ص ّ‬
‫ل إ ِّنى َر ُ‬
‫م ياب َِنى إ ِ ْ‬
‫عي َ‬
‫دقا ل َ‬
‫ل اللهِ إ ِلي ْكم ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مب َ ّ‬
‫د{ )الصف‪(6 :‬‬
‫من ب َعْ ِ‬
‫ل ي َأِتى ِ‬
‫ي َد َىّ ِ‬
‫م ُ‬
‫هأ ْ‬
‫دى ا ْ‬
‫شرا ً ب َِر ُ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫ن الت ّوَْراةِ وَ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫م َ‬
‫وقد وصف المسيح هذا الفارقليط بأوصاف ل تنطبق إل على نبّينا فقال‪ :‬إنه‬
‫يوبخ العالم على خطيئته‪ ،‬وإنه يعّلمهم جميع الحق لنه ليس ينطق من عنده‬
‫بل يتكلم بكل ما يسمع‪ ،‬وهذا ما ورد في القرآن الكريم في سورة النجم‪:‬‬
‫حى)‪) { (4‬النجم‪ 3 :‬ــــ ‪ (4‬وقد‬
‫ى ُيو َ‬
‫ن هُوَ إ ِل ّ وَ ْ‬
‫وى)‪ (3‬إ ِ ْ‬
‫}وَ َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫ح ٌ‬
‫ما َينط ِقُ عَ ِ‬
‫ورد في إنجيل برنابا ــــ الذي ظهر منذ زمن قريب وأخفته حجب الجهالة ــــ‬
‫ذكُر اسم الرسول عليه الصلة والسلم صراحة‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫حركة الفكار قبل البعثة‬
‫وهذا يسهل لك فهم الحركة العظيمة من الحبار والرهبان قبيل البعثة فكان‬
‫دث عاصمبن‬
‫اليهود يستفتحون على عرب المدينة برسول منتظر‪ .‬فقد ح ّ‬
‫عمربن قتادة عن رجال من قومه‪ ،‬قالوا‪ :‬إنما دعانا للسلم ــــ مع رحمة الله‬
‫ب أوثان‬
‫حبار َيهود‪ ،‬كنا أهل ِ‬
‫شرك وأصحا َ‬
‫تعالى لنا ــــ ما كنا نسمع من أ ْ‬
‫وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت ل تزال بيننا وبينهم شرور‪ ،‬فإذا‬
‫نلنا منهم بعض ما يكرهون‪ ،‬قالوا لنا‪ :‬قد تقارب زمان نبي ُيبعث الن‪ ،‬نقتلكم‬
‫معه قتل عاد وإرم‪ .‬فكثيرا ً ما نسمع ذلك منهم‪ .‬فلما بعث الله رسوله محمدا ً‬
‫جْبنا حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به‪ ،‬فبادرناهم إليه فآمّنا‬
‫أ َ‬
‫وكفروا‪ .‬وإنما قال لهم اليهود نقتلكم معه قتل عاد وإرم لن من صفته عليه‬
‫ي يستأصل المشركين بالقوة‪ ،‬ولم‬
‫الصلة والسلم في كتبهم أن هذا النب ّ‬
‫َ‬
‫ن الحسد والبغي سيتمكنان من أفئدتهم فينبذون الدين القّيم‬
‫يكونوا يظنون أ ّ‬
‫صر‬
‫فيحقّ عليهم العذاب في الدنيا والخرة‪ .‬وكان أمّيةبن أبي الصلت المتن ّ‬
‫دث‬
‫وح‬
‫العربي كثيرا ً ما يقول‪ :‬إني لجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلدنا‪.‬‬
‫ّ‬
‫سلمان الفارسي رضي الله عنه عن نفسه أنه صحب قسيسا ً فكان يقول له‪:‬‬
‫يا سلمان إن الله سوف يبعث رسول ً اسمه أحمد‪ ،‬يخرج من جبال تهامة‪،‬‬
‫علمته أنه يأكل الهدية ول يأكل الصدقة‪ ،‬وهذا الحديث كان من أسباب إسلم‬
‫ن كتابه إل‬
‫سلمان‪ .‬ولما راسل عليه الصلة والسلم ملوك الرض لم ي ُهِ ْ‬
‫كسرى الذي ليس عنده علم من الكتاب‪ ،‬وأما جميع ملوك النصارى‬
‫كالنجاشي ملك الحبشة‪ ،‬والمقوقس ملك مصر‪ ،‬وقيصر ملك الروم‪ ،‬فأكرموا‬
‫وَِفاد َة َ رسله‪ .‬ومنهم من آمن كالنجاشي‪ ،‬ومنهم من رد ّ رد ّا ً لطيفا ً وكاد يسلم‬
‫لول غلبة الملك كقيصر‪ ،‬ومنهم من هادى كالمقوقس‪ ،‬ولم يكن عليه الصلة‬
‫م ما ذاك إل لنهم يعلمون أن‬
‫وة ُيرهِ ُ‬
‫ب بها هؤلء الملوك الله ّ‬
‫والسلم في ق ّ‬
‫المسيح عليه السلم ب ّ‬
‫شر برسول يأتي من بعده‪ ،‬ووافقت صفات رسولنا ما‬
‫عندهم‬
‫سمع من الهواتف وال ُ‬
‫كهان قبيل زمنه فهو‬
‫فأجابوا بالتي هي أحسن‪ ،‬وأما ما ُ‬
‫ما ل يدخل تحت حصر‪ .‬وليس بعد ما ذكرته لك زيادة لمستكثر‪ .‬ومع ذلك كله‬
‫فالعمال التي جاد الله بها على يديه والقوال التي أتانا بها أعظم مقوَ لحجته‬
‫مْله ترشد هداك‬
‫ومؤيدٍ لدعوته‪ .‬وسيأتي عليك بيان ذلك كله بأجلى بيان فتأ ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫الله إلى الصراط السو ّ‬
‫بدء الوحي‬
‫ما بلغ عليه الصلة والسلم سن الكمال وهي أربعون سنة أرسله الله‬
‫ل ّ‬
‫للعالمين بشيرا ً ونذيرا ً لُيخرجهم من ُ‬
‫ظلمات الجهالة إلى نور العلم وكان ذلك‬
‫في أول فبراير سنة ‪ 610‬من الميلد كما أوضحه المرحوم محمود باشا‬
‫َ‬
‫ن ذلك كان في ‪ 17‬رمضان سنة ‪ 13‬قبل‬
‫الفلكي‪ ،‬تبين بعد دقة البحث أ ّ‬
‫الهجرة وذلك يوافق يوليو سنة ‪ .610‬وأول ما بدىء به الوحي الرؤيا‬
‫الصادقة‪ ،‬فكان ل يرى رؤيا إل جاءت مثل َفلق الصبح‪ ،‬وذلك لما جرت به‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫عادة الله في خلقه من التدريج في المور كلها حتى تصل إلى درجة الكمال‪.‬‬
‫مَلك لول مرة‪ ،‬ثم حّبب إليه‬
‫ومن الصعب جدا ً على البشر تلقي الوحي من ال َ‬
‫عليه الصلة والسلم الخلء‪ ،‬ليبتعد عن ظ ُُلمات هذا العالم وينقطع عن الخلق‬
‫حراء فيتعّبد فيه‬
‫إلى الله فإن في العزلة صفاَء السريرة‪ .‬وكان يخلو بغار ِ‬
‫الليالي ذوات العدد‪ ،‬فتارة عشرًا‪ ،‬وتارة أكثر إلى شهر‪ .‬وكانت عبادته على‬
‫دين أبيه إبراهيم عليه السلم ويأخذ لذلك زاده‪ ،‬فإذا فرغ رجع إلى خديجة‬
‫فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء‪ ،‬فبينما هو قائم في بعض‬
‫اليام على الجبل إذ ْ ظهر له شخص‪ ،‬وقال‪ :‬أبشر يا محمد أنا جبريل‪ ،‬وأنت‬
‫رسول الله إلى هذه المة‪ .‬ثم قال له‪ :‬اقرأ‪ ،‬قال‪ :‬ما أنا بقارىء‪ ،‬فإنه عليه‬
‫ي لم يتعلم القراءة قب ً‬
‫ل‪ .‬فأخذه فغطه بالنمط الذي كان‬
‫الصلة والسلم أم ّ‬
‫ينام عليه حتى بلغ منه الجهد‪ ،‬ثم أرسله‪ ،‬فقال‪ :‬اقرأ‪ .‬قال‪ :‬ما أنا بقارىء‪.‬‬
‫طه ثانية ثم أرسله‪ ،‬فقال‪ :‬اقرأ‪ .‬قال‪ :‬ما أنا بقارىء‪ ،‬فأخذه فغ ّ‬
‫فأخذه فغ ّ‬
‫طه‬
‫الثالثة‪ ،‬ثم أرسله‬
‫ْ‬
‫م ْ َ‬
‫ق)‪ (2‬اقَْرأ ْ وََرب ّ َ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫ق)‪َ (1‬‬
‫ذى َ‬
‫ن ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫فقال‪ :‬اقَْرأ ِبا ْ‬
‫خل َ َ‬
‫خل َقَ ا ِ‬
‫ن عَل ٍ‬
‫م ِبال ْ َ َ‬
‫م)‪ (5‬وََقا َ‬
‫ن‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫م)‪ (3‬ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫ال ْك َْر ُ‬
‫لن َ‬
‫م ي َعْل َ ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م)‪ (4‬عَل ّ َ‬
‫ذى عَل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫م اَ ِ‬
‫قل ِ‬
‫َ‬
‫مل ّت َِنا{ )إبراهيم‪(13 :‬‬
‫كَ َ‬
‫م ل َن ُ ْ‬
‫ن ِفى ِ‬
‫ن أْر ِ‬
‫ضَنآ أوْ ل َت َُعود ُ ّ‬
‫خرِ َ‬
‫فُروا ْ ل ُِر ُ‬
‫م ّ‬
‫جن ّك ُ ْ‬
‫سل ِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ق ورقة برسالة الرسول الكرم عليه الصلة والسلم قال‪ :‬وإن‬
‫ولتمام تصدي ِ‬
‫َ‬
‫در ْ‬
‫صْر َ‬
‫ك نصرا ً مؤّزرا ً )معضدًا(‪ .‬ثم لم يلبث ورقة أن توفي‪.‬‬
‫ي ْ‬
‫كني يومك أن ْ ُ‬
‫فترة الوحي‬
‫دة لم يتفق عليها المؤرخون‪ ،‬وأرجح أقوالهم فيها أربعون يوما‪ً،‬‬
‫وَفَت ََر الوحي م ّ‬
‫ليشتد ّ شوق الرسول للوحي‪ ،‬وقد كان‪ ،‬فإن الحال اشتد ّ به عليه الصلة‬
‫ً‬
‫والسلم حتى صار كلما أتى ذروة جبل بدا له أن يرمي نفسه منها‪ ،‬حذرا من‬
‫قطيعة الله له بعد أن أراهُ نعمته الكبرى‪ ،‬وهي اختياره لن يكون واسطة بينه‬
‫دى له المَلك قائ ً‬
‫حقًا‪ ،‬فيطمئن خاطره‬
‫ل‪ :‬أنت رسول الله َ‬
‫وبين خلقه‪ ،‬فيتب ّ‬
‫ما عزم عليه‪ ،‬حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين فعاد إليه‬
‫ويرجع ع ّ‬
‫الوحي‪.‬‬
‫عود الوحي‬
‫مَلك الذي‬
‫فبينما هو يمشي إذ سمع صوتا ً من السماء فرفع إليه بصره‪ ،‬فإذا ال َ‬
‫حراء جالس بين السماء والرض‪ ،‬فُرعب منه لتذ ّ‬
‫كر ما فعله في المرة‬
‫جاءه ب ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مد ّث ُّر)‬
‫الولى فرجع وقال‪ :‬دثروني‪ ،‬دثروني‪ .‬فأنزل الله تعالى عليه‪} :‬يأي َّها ال ُ‬
‫ك فَك َب ّْر)‪ (3‬وَث َِياب َ َ‬
‫م فََأنذِْر)‪ (2‬وََرب ّ َ‬
‫مُنن‬
‫جَز َفاهْ ُ‬
‫ك فَط َهّْر)‪َ (4‬والّر ْ‬
‫جْر)‪ (5‬وَل َ ت َ ْ‬
‫‪ (1‬قُ ْ‬
‫ست َك ْث ُِر)‪ (6‬وَل َِرب ّ َ‬
‫صب ِْر)‪(7‬‬
‫تَ ْ‬
‫ك َفا ْ‬
‫الدعوة سّرا‬
‫جفاة ل دين لهم‪ ،‬إل‬
‫فقام عليه الصلة والسلم بالمر ودعا لعبادة الله أقواما ً ُ‬
‫أن يسجدوا لصنام ل تنفع ول تضر‪ ،‬ول حجة لهم أل أنهم مت ِّبعون لما كان‬
‫يعبد آباؤهم‪ ،‬وليس عندهم من مكارم الخلق إل ما كان مرتبطا ً بالعّزة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وال ََنفة‪ ،‬وهو الذي كثيرا ً ما كان سببا ً في الغارات والحروب وإهراق الدماء‪،‬‬
‫فجاءهم رسول الله بما ل يعرفونه‪ .‬فذوو العقول السليمة بادروا إلى‬
‫مته الرياسة أدبر واستكبر كيل ُتسَلب منه‬
‫التصديق وخلع الوثان‪ ،‬ومن أعْ َ‬
‫س َ‬
‫طع عليه نور السلم خديجة بنت خويلد َزوجه‪،‬‬
‫عظمته‪ .‬وكان أول من َ‬
‫ً‬
‫مقيما عنده ُيطعمه ويسقيه ويقوم بأمره‪،‬‬
‫وعليبن أبي طالب ابن عمه‪ ،‬وكان ُ‬
‫ّ‬
‫قل كثير الولد‪ ،‬فقال‬
‫م ِ‬
‫لن قريشا ً كانوا قد أصابتهم مجاعة‪ ،‬وكان أبو طالب ُ‬
‫مه العباسبن عبد المطلب »إن أخاك أبا طالب كثير‬
‫عليه الصلة والسلم لع ّ‬
‫فف من عياله‪ ،‬تأخذ‬
‫العيال‪ ،‬والناس فيما ترى من الشدة‪ ،‬فانطلق بنا إليه لنخ ّ‬
‫واحدًا‪ ،‬وأنا واحدًا«‪ ،‬فانطلقا وعرضا عليه المر‪ ،‬فأخذ العباس جعفربن أبي‬
‫طالب‪ ،‬وأخذ عليه الصلة والسلم علي ًّا‪ ،‬فكان في كفالته كأحد أولده إلى أن‬
‫وة وقد ناهز الحتلم‪ ،‬فكان تابعا ً للنبي في كل أعماله‪ ،‬ولم يتدنس‬
‫جاءت النب ّ‬
‫بد ََنس الجاهلية من عبادة الوثان‪ ،‬واّتباع الهوى‪ ،‬وأجاب أيضا ً زيدبن حارثةبن‬
‫شرحبيل الكلبي‪ ،‬موله عليه الصلة والسلم‪ ،‬وكان ُيقال له زيدبن محمد‪ ،‬لنه‬
‫لما اشتراه أعتقه وتبّناه‪ ،‬وكان المتبّنى معتبرا ً كابن حقيقي يرث ويورث‪،‬‬
‫ُ‬
‫ن أجابه من غير‬
‫وأجابت أيضا ً أ ّ‬
‫م أيمن حاضنته التي زّوجها لموله زيد‪ .‬وأول َ‬
‫م ْ‬
‫أهل بيته أبو بكربن أبي قحافةبن عامربن عمروبن كعببن سعدبن ت َْيمبن مّرة‬
‫وة‬
‫التيمي القرشي‪ ،‬كان صديقا ً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النب ّ‬
‫يعلم ما اّتصف به من مكارم الخلق ولم ي َْعهد عليه كذبا ً منذ اصطحبا‪ ،‬فأّول‬
‫ما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق‪ ،‬وقال‪ :‬بأبي أنت وأمي‪ ،‬أهل الصدق‬
‫أنت‪ ،‬أشهد أن ل إله‬
‫إل ّ الله وأنك رسول الله‪ .‬وكان رضي الله عنه صدرا ً مع ّ‬
‫ظما ً في قريش على‬
‫ف الناس‪ ،‬سخيًا‪ ،‬يبذل المال‪،‬‬
‫سعة من المال وكرم الخلق‪ ،‬وكان من أع ّ‬
‫محببا ً في قومه‪ ،‬حسن المجالسة‪ ،‬ولذلك كله كان من رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بمنزلة الوزير‪ ،‬فكان يستشيره في أموره كلها‪ ،‬وقال في حقه‪:‬‬
‫»ما دعوت أحدا ً إلى السلم إل كانت له كبوة غير أبي بكر«‪ .‬وكانت الدعوة‬
‫إلى السلم سّرا ً حذرا ً من مفاجأة العرب بأمر شديد كهذا‪ ،‬فيصعب‬
‫ن يثق به‪ .‬ودعا أبو بكر‬
‫استسلمهم‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم ل يدعو إل َ‬
‫م ْ‬
‫ن يثق به من رجال قريش‪ ،‬فأجابه جمع منهم‪ :‬عثمانبن عفانبن‬
‫إلى السلم َ‬
‫م ْ‬
‫أبي العاصبن أميةبن عبد شمسبن عبد مناف الموي القرشي‪ ،‬ولما علم عمه‬
‫م بإسلمه‪ ،‬أوثقه كتافا ً وقال‪ :‬ترغب عن دين آبائك إلى دين مستحدث؟‬
‫ال َ‬
‫حك َ ُ‬
‫ُ‬
‫والله ل أحّلك حتى تدع ما أنت عليه‪ ،‬فقال عثمان‪ :‬والله ل أدعه ول أفارقه‪.‬‬
‫فلما رأى الحكم صلبته في الحق تركه‪ ،‬وكان كهل ً يناهز الثلثين من عمره‪.‬‬
‫وامبن خويلدبن أسدبن عبد العزىبن قصي القرشي‪ ،‬وأمه‬
‫ومنهم‪ :‬الزبيربن الع ّ‬
‫م الزبير يرسل الدخان عليه وهو مقيد‬
‫صفية بنت عبد المطلب‪ ،‬وكان ع ّ‬
‫ً‬
‫واه الله بالثبات‪ ،‬وكان شابا ل يتجاوز سن الحتلم‪.‬‬
‫ليرجع إلى دين آبائه‪ ،‬فق ّ‬
‫ومنهم‪ :‬عبد الرحمانبن عوفبن عبد عوفبن الحارثبن زهرةبن كلب القرشي‬
‫ماه عليه الصلة والسلم‬
‫الهاشمي‪ ،‬وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فس ّ‬
‫عبد الرحمان‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ومنهم‪ :‬سعدبن أبي وقاص مالكبن ُأهيببن عبد منافبن زهرةبن كلب الزهري‬
‫ة بنت أبي سفيانبن أمية بإسلمه قالت له‪ :‬يا‬
‫من َ ُ‬
‫القرشي‪ .‬ولما علمت أمه َ‬
‫ح ْ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫سعد بلغني أنك قد صبأت‪ ،‬فوالله ل يظلني سقف من الحر والبرد‪ ،‬وإ ّ‬
‫ي حرام حتى تكفر بمحمد‪ .‬وبقيت كذلك ثلثة أيام فجاء‬
‫الطعام والشراب عل ّ‬
‫سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه أمر أمه فنزل في ذلك‬
‫سنا ً‬
‫وال ِد َي ْهِ ُ‬
‫سا َ‬
‫ح ْ‬
‫صي َْنا ال ِن ْ َ‬
‫تعليما ً قول الله تعالى في سورة العنكبوت‪ :‬وَوَ ّ‬
‫ن بِ َ‬
‫ُ‬
‫م فَل َ ت ُط ِعْهُ َ َ‬
‫م فَأن َب ِئ ُ ُ‬
‫س لَ َ‬
‫شرِ َ‬
‫دا َ‬
‫ك ل ِت ُ ْ‬
‫كم‬
‫ك ب ِهِ ِ‬
‫جاهَ َ‬
‫وَِإن َ‬
‫جعُك ُ ْ‬
‫مْر ِ‬
‫ى َ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫ك ِبى َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫مآ إ ِل ُ ّ‬
‫ُ‬
‫ما ُ‬
‫ق‬
‫ملو َ‬
‫ن أشرك‪ ،‬فأجازيكم ح ّ‬
‫ن)‪ (8‬ـ ف { من آمن منكم و َ‬
‫م ت َعْ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫بِ َ‬
‫م ْ‬
‫جزائكم‪ .‬وفي ختام هذه الية فائدتان‪ :‬التنبيه على أن الجزاء إلى الله فل‬
‫ض على الثبات في الدين لئل ينال‬
‫تح ّ‬
‫دث نفسك بجفوتهما لشراكهما‪ ،‬والح ّ‬
‫شّر الجزاء في الخرى‪.‬‬
‫ومنهم‪ :‬طلحةبن عبيد اللهبن عثمانبن عمروبن كعببن سعدبن تيمبن مّرة‬
‫التيمي القرشي وقد كان عََرف من الرهبان ذكَر الرسول وصفته‪ ،‬فلما دعاه‬
‫ما‬
‫أبو بكر وسمع من رسول الله ما نفعه الله به‪ ،‬ورأى الدين متينا ً بعيدا ً ع ّ‬
‫العرب من المثالب‪ ،‬بادر إلى السلم‪h.‬‬
‫ماربن ياسر‬
‫وممن سبقوا إلى السلم‪ :‬صهيب الرومي وكان من الموالي‪ ،‬وع ّ‬
‫ت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما‬
‫العنسي وقد قال رضي الله عنه‪ :‬رأي ُ‬
‫معه إل خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وكذلك أسلم أبوه ياسر وأمه سمّية‪.‬‬
‫ركي‬
‫ومن السابقين الولين‪ :‬عبد اللهبن مسعود‪ ،‬كان يرعى الغنم لبعض ُ‬
‫مش ِ‬
‫قريش‪ ،‬فلما رأى اليات الباهرة وما يدعو إليه عليه السلم من مكارم‬
‫الخلق‪ ،‬ترك عبادة الوثان ولزم رسول الله‪ ،‬وكان رضي الله عنه كثير‬
‫الدخول على الرسول ل ُيحجب‪ ،‬ويمشي أمامه‪ ،‬ويستره إذا اغتسل‪ ،‬ويوقظه‬
‫ه نعليه إذا قام‪ ،‬فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه‪.‬‬
‫إذا نام‪ ،‬وُيلبس ُ‬
‫ومن السابقين الّولين‪ :‬أبو ذر الِغفاري وكان من أعراب البادية فصيحا ً حلو‬
‫مب َْعث رسول الله قال لخيه‪ :‬اركب إلى هذا الوادي فاعلم‬
‫الحديث‪ ،‬ولما بلغه َ‬
‫لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء‪ ،‬واسمع من‬
‫قوله‪ ،‬ثم ائتني‪ .‬فانطلق الخ حتى قدم مكة وسمع من قول الرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم ثم رجع إلى أبي ذر فقال‪ :‬رأيته يأمر بمكارم الخلق ويقول‬
‫كلما ً ما هو بالشعر‪ ،‬فقال‪ :‬ما شفيتني مما أردت‪ .‬فتزوّد َ وحمل ِقربة له فيها‬
‫م مكة فأتى المسجد‪ ،‬فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ول‬
‫ماء‪ ،‬حتى قَدِ َ‬
‫ن يخاطب‬
‫ره أن يسأل عنه لما يعرفه من كراهة قريش لكل َ‬
‫م ْ‬
‫يعرفه‪ ،‬وك َ ِ‬
‫ي فعرف أنه غريب فأضافه عنده‪،‬‬
‫رسول الله‪ ،‬حتى إذا أدركه الليل رآه عل ّ‬
‫ولم يسأل أحد منهما صاحبه عن شيء )على قاعدة الضيافة عند العرب ل‬
‫ح احتمل ِقربته وزاده‬
‫ُيسأل الضيف عن سبب قدومه إل بعد ثلث( فلما أصب َ َ‬
‫إلى المسجد وظل ذلك اليوم ول يراه الرسول حتى أمسى‪ ،‬فعاد إلى‬
‫ي فقال‪ :‬أما آن للرجل أن يعرف منزله الذي ُأضيف به‬
‫مضجعه‪ ،‬فمّر به عل ّ‬
‫بالمس؟ فأقامه‪ ،‬فذهب معه ل يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء‪ ،‬حتى إذا‬
‫دثني ما الذي‬
‫ي مثل ذلك‪ ،‬ثم قال له علي‪ :‬أل تح ّ‬
‫كان اليوم الثالث عاد عل ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م َ‬
‫ك؟ قال‪ :‬إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت‪ ،‬ففعل فأخبره‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أقد َ‬
‫ً‬
‫فإنه حق‪ ،‬وهو رسول الله‪ ،‬فإذا أصبحت فاتبعني‪ ،‬فإني إن رأيت شيئا أخافه‬
‫خلي ففعل‪.‬‬
‫ت فاتبعني حتى ندخل مد َ‬
‫عليك قمت كأني أريق الماء‪ ،‬فإن مضي ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫فانطلق يتبع أثره حتى دخل على النبي‪ ،‬ودخل معه‪ ،‬فسمع من قوله‪ ،‬وأسلم‬
‫مكانه‪ ،‬فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‪» :‬ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى‬
‫ن بها بين َ‬
‫ظهرانيهم‪ .‬فخرج‬
‫يأتيك أمري«‪ ،‬قال‪ :‬والذي نفسي بيده لصرخ ّ‬
‫حتى أتى المسجد‪ ،‬فنادى بأعلى صوته‪ :‬أشهد أن ل إله إل الله وأن محمدا ً‬
‫ب عليه‬
‫رسول الله‪ .‬فقام القوم فضربوه حتى أضجعوه‪ ،‬وأتى العباس فأك ّ‬
‫م تعلمون أنه من‬
‫وقال‪ :‬ويلكم أوََلست ُ‬
‫ِغفار‪ ،‬وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليه؟ فأنقذه منهم‪ ،‬ثم عاد من الغد‬
‫ب العباس عليه‪ .‬رواه البخاري‪ .‬وكان رضي‬
‫لمثلها‪ ،‬فضربوه وثاروا إليه‪ ،‬فأك ّ‬
‫الله عنه من أصدق الناس قو ً‬
‫ل‪ ،‬وأزهدهم في الدنيا‪.‬‬
‫ومن السابقين‪ :‬سعيدبن زيد العدوي القرشي‪ ،‬وَزوجه فاطمة بنت الخطاب‬
‫أخت عمر‪ ،‬وُأم الفضل ُلبابة بنت الحارث الهللية‪ ،‬زوج العباسبن عبد‬
‫عبيدةبن الحارثبن عبد المطلببن هاشم‪ ،‬ابن عم رسول الله صلى‬
‫المطلب‪ ،‬و ُ‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وأبو سلمة عبد اللهبن عبد السد المخزومي القرشي ابن‬
‫عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وزوجه أم سلمة‪ ،‬وعثمانبن مظعون‬
‫الجمحي القرشي‪ ،‬وأخواه ُقدامة‪ ،‬وعبد الله‪ ،‬والرقمبن أبي الرقم‬
‫المخزومي القرشي‪.‬‬
‫ومن السابقين الّولين‪ :‬خالدبن سعيدبن العاصبن أميةبن عبد شمس الموي‬
‫م قرشي إجلل ً له‪ ،‬وكان‬
‫م لم يعت ّ‬
‫القرشي‪ ،‬كان أبوه سيد قريش إذا اعت ّ‬
‫خالدبن سعيد قد رأى في منامه أنه سيقع في هاوية‪ ،‬فأدركه رسول الله‬
‫م تدعو يا محمد؟ قال‪» :‬أدعوك إلى عبادة‬
‫وخّلصه منها فجاء إليه وقال‪ :‬إل َ‬
‫الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأن تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر ل يسمع ول‬
‫يبصر ول يضّر ول ينفع‪ ،‬والحسان إلى والديك‪ ،‬وأن ل تقتل ولدك خشية‬
‫الفقر‪ ،‬وأن ل تقرب الفاحشة ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬وأن ل تقتل نفسا ً حّرم‬
‫ده‪،‬‬
‫الله إل بالحق‪ ،‬وأن ل تقرب مال اليتيم إل بالتي هي أحسن حتى يبلغ أش ّ‬
‫وأن توفي الكيل والميزان بالقسط‪ ،‬وأن تعدل في قولك ولو حكمت على‬
‫ذوي قرباك‪ ،‬وأن توفي لمن عاهدت« فأسلم رضي الله عنه‪ ،‬وحينئذٍ غضب‬
‫عليه أبوه وآذاه حتى منعه القوت‪ ،‬فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فكان يلزمه ويعيش معه‪ ،‬ويغيب عن أبيه في ضواحي مكة‪ ،‬وأسلم‬
‫بعده أخوه عمروبن سعيد‪.‬‬
‫وهكذا دخل هؤلء الشراف في دين السلم‪ ،‬ولم يكن مع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم سيف يضرب به أعناقهم حتى يطيعوه صاغرين‪ ،‬وليس معه‬
‫ما يرغب فيه حتى يترك هؤلء العظماء آباءهم‪ ،‬وذوي الثروة منهم‪ ،‬ويتبعوا‬
‫الرسول ليأكلوا من فضل ماله‪ ،‬بل كان الكثير منهم واسع الثروة أكثر منه‬
‫عليه الصلة والسلم كأبي بكر وعثمان وخالدبن سعيد وغيرهم‪ ،‬والذين‬
‫قات مع اّتباع الرسول‪ ،‬بحيث‬
‫اّتبعوه من الموالي اختاروا الذى والجوع والمش ّ‬
‫م ليس ذلك‬
‫لو اتبعوا سادتهم لكانوا في هذه الدنيا أهدأ بال ً وأنعم عيشة‪ ،‬الله ّ‬
‫إل من هداية الله وسطوع أنوار الدين عليهم‪ ،‬حتى أدركوا ما هم عليه من‬
‫الضللة وما عليه رسول الله من الهدى‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الجهر بالتبليغ‬
‫مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلة والسلم ل ُيظهر الدعوة في مجامع‬
‫قريش العمومية‪ ،‬ولم يكن المسلمون يتم ّ‬
‫كنون من إظهار عبادتهم حذرا ً من‬
‫تعصب قريش‪ ،‬فكان ك ّ‬
‫شعاب مكة يصّلي‬
‫ل من أراد العبادة ذهب إلى ِ‬
‫ما دخل في الدين ما يربو على الثلثين‪ ،‬وكان من اللزم اجتماع‬
‫مستخفيًا‪ ،‬ول ّ‬
‫الرسول بهم ليرشدهم ويعّلمهم‪ ،‬اختار لذلك دار الرقمبن أبي الرقم ــــ وهو‬
‫من ذكرنا إسلمهم ــــ ومكث عليه الصلة والسلم يدعو سّرا ً حتى نزل‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ن)‬
‫عليه قوله تعالى في سورة ال ِ‬
‫شرِ ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫ما ت ُؤْ َ‬
‫صد َع ْ ب ِ َ‬
‫مُر وَأعْرِ ْ‬
‫حجر‪َ :‬فا ْ‬
‫كي َ‬
‫ض عَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫س َ‬
‫ب)‪َ (2‬‬
‫ما ك َ‬
‫مَرأت ُ ُ‬
‫ب)‪َ (3‬وا ْ‬
‫صلى َنارا َذا َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫مآ أغَْنى عَن ْ ُ‬
‫‪َ (1) (94‬‬
‫ت لهَ ٍ‬
‫سي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حب ْ ٌ‬
‫ن)‬
‫جيدِ َ‬
‫مال َ َ‬
‫د)‪ (5‬وَأنذِْر عَ ِ‬
‫س ٍ‬
‫ها َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫من ّ‬
‫ل ّ‬
‫ب)‪ِ (4‬فى ِ‬
‫ح ّ‬
‫حط ِ‬
‫شيَرت َك القَْرِبي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صوْك{‬
‫‪َ (214‬وا ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ات ّب َعَك ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن)‪ (215‬فإ ِ ْ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ن ال ُ‬
‫حك ل ِ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ف ْ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫)الشعراء‪ (216 ،215 :‬أي‪ :‬العشيرة والقربون }ف ُ‬
‫م ّ‬
‫رىء ّ‬
‫قل إ ِّنى ب َ ِ‬
‫ن{ )الشعراء‪ (216 :‬فجمعهم عليه الصلة والسلم وقال لهم‪» :‬إن‬
‫مُلو َ‬
‫ت َعْ َ‬
‫ً‬
‫ت‬
‫غرر‬
‫ولو‬
‫كذبتكم‪،‬‬
‫ما‬
‫ا‬
‫جميع‬
‫الناس‬
‫ت‬
‫كذب‬
‫لو‬
‫والله‬
‫أهله‪،‬‬
‫يكذب‬
‫ل‬
‫الرائد‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الناس جميعا ً ما غررتكم‪ ،‬والله الذي ل إله إل هو إني لرسول الله إليكم‬
‫ن كما تستيقظون‪،‬‬
‫ن كما تنامون‪ ،‬ولُتبعث ُ ّ‬
‫خاصة‪ ،‬وإلى الناس كافة‪ ،‬والله لتموت ُ ّ‬
‫ن بالحسان إحسانًا‪ ،‬وبالسوء سوءًا‪ ،‬وإّنها لجّنة‬
‫ن بما تعملون‪ ،‬ولتجزوُ ّ‬
‫ولت ُ َ‬
‫حاسب ّ‬
‫أبدا ً أو لنار أبدًا«‪ .‬فتكلم القوم كلما ً لّينا ً غير عمه أبي لهب الذي كان خصما ً‬
‫لدودا ً فإنه قال‪ :‬خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب‪ ،‬فإن أسلمتموه‬
‫إذا ً ذللتم‪ ،‬وإن منعتموه ُقتلتم‪ ،‬فقال أبو طالب‪ :‬والله لنمنعنه ما بقينا‪ ،‬ثم‬
‫انصرف الجمع‪.‬‬
‫خرت منه قريش‬
‫س ِ‬
‫ولما جهر رسول الله عليه الصلة والسلم بالدعوة َ‬
‫واستهزؤوا به في مجالسهم فكان إذا مّر عليهم يقولون‪ :‬هذا ابن أبي كبشة‬
‫ُيكّلم من السماء‪ ،‬وهذا غلم عبد المطلب ُيكلم من السماء ل يزيدون على‬
‫ه عقولهم وقال لهم‪» :‬والله يا قوم لقد خالفتم‬
‫س ّ‬
‫ذلك‪ ،‬فلما عاب آلهتهم‪ ،‬و َ‬
‫ف َ‬
‫دين أبيكم إبراهيم«‪ ،‬ثارت في رؤوسهم حمية الجاهلية غَي َْرةً على تلك اللهة‬
‫التي كان يعبدها آباؤهم‪ ،‬فذهبوا إلى عمه أبي طالب سيد بني هاشم الذي‬
‫أخذ على نفسه حمايته من أيدي أعدائه‪ ،‬فطلبوا منه أن ُيخلي بينهم وبينه أو‬
‫ما يقول‪ ،‬فرّدهم رد ّا ً جميل ً فانصرفوا عنه‪ ،‬ومضى رسول الله لما‬
‫يك ّ‬
‫فه ع ّ‬
‫يريده ل يصده عن مراده شيء‪ ،‬فتزايد المر‪ ،‬وأضمرت قريش الحقد‬
‫والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وحث بعضهم بعضا ً على ذلك‪.‬‬
‫ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له‪ :‬إن لك سنا ً وشرفا ً ومنزلة مّنا‪،‬‬
‫ه عّنا‪ ،‬وإّنا والله ل نصبر على‬
‫وإّنا قد طلبنا منك أن تنهى ابن أخيك فلم ت َن ْهَ ُ‬
‫هذا من شتم آبائنا‪ ،‬وتسفيه عقولنا‪ ،‬وعيب آلهتنا‪ .‬فإنهم كانوا إذا احتجوا‬
‫مهم لعدم استعمال عقولهم‬
‫بالتقليد في استمرارهم على عدم اّتباع الحق ذ ّ‬
‫َ‬
‫مآ أنَز َ‬
‫خلقت له‪ .‬قال تعالى في سورة البقرة‪} :‬وَإ َِذا ِقي َ‬
‫ل‬
‫فيما ُ‬
‫م ات ّب ُِعوا ْ َ‬
‫ل ل َهُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫في َْنا عَلي ْهِ ءاَبآءَنآ أوَلوْ َ‬
‫شي ًْئا وَل َ‬
‫ه َقالوا ب َ ْ‬
‫ن َ‬
‫مآ أل َ‬
‫م ل َ ي َعْ ِ‬
‫قلو َ‬
‫كا َ‬
‫ن ءاَباؤُهُ ْ‬
‫ل ن َت ّب ِعُ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل َقاُلوا ْ‬
‫مآ َأنَز َ‬
‫ن)‪ (170‬وَإ َِذا ِقي َ‬
‫دو َ‬
‫ي َهْت َ ُ‬
‫ه وَإ َِلى الّر ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ت ََعال َوْا ْ إ َِلى َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫سو ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫جد َْنا عَل َي ْهِ ءاَباءَنآ أ َوَل َوْ َ‬
‫ن َ‬
‫ن)‬
‫دو َ‬
‫شْيئا ً وَل َ ي َهْت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫كا َ‬
‫ما وَ َ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫م ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫ن ءاَباؤُهُ ْ‬
‫سب َُنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ب َي ْن َ ُ‬
‫خل ق َ ل ُ‬
‫جعَ َ‬
‫كم‬
‫ن أن ُ‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫‪ (104‬وَ ِ‬
‫سك ُُنوا إ ِلي َْها وَ َ‬
‫ن ءاَيات ِهِ أ ْ‬
‫م أْزواجا لت َ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن ِفى ذ َل ِ َ‬
‫ن)‪َ (21‬قا َ‬
‫هآ‬
‫قوْم ٍ ي َت َ َ‬
‫تل َ‬
‫مت َْرُفو َ‬
‫م ً‬
‫ك لَيا ٍ‬
‫فكُرو َ‬
‫ة إِ ّ‬
‫موَد ّة ً وََر ْ‬
‫ل ُ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن{ )الزخرف‪ .(23 :‬ولما‬
‫م ْ‬
‫مةٍ وَإ ِّنا عََلى ءاَثارِ ِ‬
‫دو َ‬
‫قت َ ُ‬
‫إ ِّنا وَ َ‬
‫هم ّ‬
‫جد َْنآ ءاَبآءَنا عََلى أ ّ‬
‫دالة على التعصب والعناد‬
‫شّبههم بمن قبلهم من المم في هذه المقالة ال ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قال‪} :‬قُ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫م بِ ِ‬
‫مآ أْر ِ‬
‫دى ِ‬
‫ما وَ َ‬
‫م ب ِأهْ َ‬
‫سلت ُ ْ‬
‫م َقالوا إ ِّنا ب ِ َ‬
‫م عَل َي ْهِ ءاَبآءك ُ ْ‬
‫جدت ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫جئ ْت ُك ُ ْ‬
‫ل أوَل َوْ ِ‬
‫َ‬
‫ن)‪(24‬‬
‫كافُِرو َ‬
‫اليذاء‬
‫ً‬
‫دة‪ ،‬خصوصا إذا ذهب‬
‫ورأى رسول الله من المشركين كثير الذى وعظيم الش ّ‬
‫موا‬
‫إلى الصلة عند البيت‪ ،‬وكان من أعظمهم أًذى لرسول الله جماعة س ّ‬
‫لكثرة أذاهم بالمستهزئين‪.‬‬
‫دهم‪ :‬أبو جهل عمروبن هشامبن المغيرة المخزومي القرشي‪،‬‬
‫فأّولهم وأش ّ‬
‫ً‬
‫ن محمدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم‬
‫قال يومًا‪ :‬يا معشر قريش إ ِ ّ‬
‫ُ‬
‫ن له غدا ً بحجر‬
‫آلهتكم‪ ،‬وتسفيه أحلمكم‪ ،‬وس ّ‬
‫ب آبائكم‪ ،‬إني أعاهد الله َلجلس ّ‬
‫موني عند ذلك أو‬
‫ل أطيق حمله‪ ،‬فإذا سجد في صلته ر َ‬
‫ت به رأسه فأ ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ضخ ُ‬
‫امنعوني‪ ،‬فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم‪ ،‬فلما أصبح أخذ حجرا ً‬
‫كما وصف‪ ،‬ثم جلس لرسول الله ينتظره‪ ،‬وغدا عليه الصلة والسلم كما كان‬
‫عل‪ ،‬فلما سجد‬
‫يغدو إلى صلته‪ ،‬وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فا ِ‬
‫عليه الصلة والسلم احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه‪ ،‬حتى إذا دنا منه‬
‫رجع منهزما ً منتقعا ً لونه من الفزع ورمى حجره من يده‪ .‬فقام إليه رجال من‬
‫ح َ‬
‫قريش فقالوا‪ :‬ما ل َ‬
‫كم؟ قال‪ :‬قمت إليه لفعل ما قلت لكم‪ ،‬فلما‬
‫ك يا أبا ال َ‬
‫دنوت منه عرض لي فحل من البل والله ما رأيت مثله ق ّ‬
‫م بي أن‬
‫ط هَ ّ‬
‫يأكلني‪ ،‬فلما ُذكر ذلك لرسول الله قال‪ :‬ذاك جبريل ولو دنا لخذه‪ .‬وكان أبو‬
‫جهل كثيرا ً ما ينهى الرسول عن صلته في البيت فقال له مرة بعد أن رآه‬
‫يصلي‪ :‬ألم أنهك عن هذا؟ فأغلظ له رسول الله القول وهدده‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا؟ فأنزل الله تهديدا ً له في آخر سورة اقرأ‪:‬‬
‫صي َةٍ َ‬
‫ه)‬
‫س َ‬
‫كاذِب َةٍ َ‬
‫خاط ِئ َ ٍ‬
‫ة)‪َ (15‬نا ِ‬
‫صي َ ِ‬
‫فعا ً ِبالّنا ِ‬
‫م َينت َهِ ل َن َ ْ‬
‫ة)‪ (16‬فَل ْي َد ْع ُ َنادِي َ ُ‬
‫ك َل ّ ل َِئن ل ّ ْ‬
‫ه)‪(19‬‬
‫سن َد ْعُ الّزَبان ِي َ َ‬
‫س ُ‬
‫ه َوا ْ‬
‫‪َ (17‬‬
‫رب َنادِي َ ُ‬
‫ة)‪ (18‬ك َل ّ ل َ ت ُط ِعْ ُ‬
‫جد ْ َواقْت َ ِ‬
‫ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد اللهبن مسعود من رواية البخاري قال‪ :‬كنا‬
‫مع رسول الله في المسجد وهو يصلي‪ ،‬فقال أبو جهل‪ :‬أل رجل يقوم إلى‬
‫فَْرث جزور بني فلن فيلقيه على محمد وهو ساجد؟ فقام عقبةبن أبي‬
‫مَعيطبن أبي عمروبن أميةبن عبد شمس‪ ،‬وجاء بذلك الفرث‪ ،‬فألقاه على‬
‫ُ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد‪ ،‬فلم يقدر أحد من المسلمين الذين‬
‫كانوا بالمسجد على إلقائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم‪ ،‬ولم يزل عليه‬
‫الصلة والسلم ساجدا ً حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته‪ .‬فلما قام‬
‫م عليك بالمل من قريش«‬
‫ن صنع هذا الصنع القبيح فقال‪» :‬الله ّ‬
‫دعا على َ‬
‫م ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مى أقوامًا‪ ،‬قال ابن مسعود‪ :‬فرأيتهم ُقتلوا يوم بدر‪.‬‬
‫وس ّ‬
‫ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل أن هذا ابتاع أجمال ً من رجل يقال له‬
‫الراشي فمطله بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة على‬
‫أخذ ماله‪ ،‬فدّلوه على رسول الله لُينصفه من أبي جهل استهزاء لما يعلمونه‬
‫من أفعال ذلك الشقي بالرسول‪ ،‬فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة‬
‫ن هذا؟ قال‪ :‬محمد‪،‬‬
‫على أبي جهل فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫ح‬
‫فخرج منتقعا ً لونه فقال له الرسول‪ :‬أع ِ‬
‫ط هذا حقه‪ ،‬فقال أبو جهل‪ :‬ل تبر ْ‬
‫حتى تأخذه‪ ،‬فلم يبرح الرجل حتى أخذ د َْينه‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬ويلك يا أبا الحكم‬
‫ي بابي حتى‬
‫ما رأينا مثل ما صنعت قال‪ :‬ويحكم والله ما هو إل أن ضرب عل ّ‬
‫سمعت صوته فملئت منه رعبًا‪ ،‬ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحل ً من‬
‫لبل ما رأيت مثله‪.‬‬
‫ا ِ‬
‫م رسول الله كان أشد ّ‬
‫ومن جماعة المستهزئين‪ :‬أبو لهببن عبد المطلب‪ ،‬ع ّ‬
‫ً‬
‫عليه من الباعد‪ ،‬فكان يرمي القذر على بابه لنه كان جارا له‪ ،‬فكان الرسول‬
‫يطرحه ويقول‪ :‬يا بني عبد مناف أيّ جوار هذا؟ وكانت تشاركه في قبيح‬
‫ُ‬
‫ب رسول الله‪،‬‬
‫م جميل بنت حرببن أمية‪ ،‬فكانت كثيرا ً ما تس ّ‬
‫عمله زوجه أ ّ‬
‫وتتكلم فيه بالنمائم‪ ،‬وخصوصا ً بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب‪.‬‬
‫معيط كان الجار الثاني لرسول الله‪ ،‬وكان‬
‫ومن المستهزئين‪ُ :‬‬
‫عقبةبن أبي ُ‬
‫يعمل معه كأبي لهب‪ ،‬صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول‬
‫الله فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬والله ل آكل طعامك حتى تؤمن بالله«‪،‬‬
‫ُ‬
‫جمحي القرشي‪ ،‬وكان صديقا ً له فقال‪ :‬ما‬
‫فتشّهد فبلغ ذلك أبّيبن خلف ال ُ‬
‫شيء بلغني عنك؟ قال‪ :‬ل شيء‪ ،‬دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل‬
‫طعامي حتى أشهد له‪ ،‬فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم َيطعم فشهدت له‪.‬‬
‫ُ‬
‫ي‪ :‬وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا ً فلم تطأ عنقه‪ ،‬وتبزق في‬
‫قال أب ّ‬
‫وجهه‪ ،‬وتلطم عينه‪ ،‬فلما رأى عقبة رسول الله فعل به ذلك فأنزل الله فيه‬
‫ض ال ّ‬
‫قو ُ‬
‫ع‬
‫م عََلى ي َد َي ْهِ ي َ ُ‬
‫ل يال َي ْت َِنى ات ّ َ‬
‫م َ‬
‫في سورة الفرقان‪ :‬وَي َوْ َ‬
‫ت َ‬
‫خذ ْ ُ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫م ي َعَ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫سِبي ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫خِليل)‪ (28‬ل َ‬
‫خذ ْ فلنا َ‬
‫م أت ّ ِ‬
‫قد ْ أ َ‬
‫ل َ‬
‫الّر ُ‬
‫ل)‪ (27‬ياوَي ْل ََتا لي ْت َِنى ل ْ‬
‫سو ِ‬
‫ضلِنى عَ َ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫جل أن‬
‫خذول)‪ (29‬أت َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َر ُ‬
‫قت ُلو َ‬
‫ن الشي ْطا ُ‬
‫جآءِنى وَكا َ‬
‫الذ ّك ْرِ ب َعْد َ إ ِذ َ‬
‫ن ل ِل ِن ْ َ‬
‫سا ِ‬
‫قو َ‬
‫م{ )غافر‪.(28 :‬‬
‫يَ ُ‬
‫ت ِ‬
‫م ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ه وَقَد ْ َ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫جآءك ُ ْ‬
‫ى الل ّ ُ‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫ومن جماعة المستهزئين‪ :‬العاصبن وائل السهمي القرشي والد عمروبن‬
‫العاص‪ ،‬كان شديد العداوة لرسول الله‪ ،‬وكان يقول‪ :‬غّر محمد أصحابه أن‬
‫يحيوا بعد الموت‪ ،‬والله ما يهلكنا إل الدهر‪ ،‬فقال الله رد ّا ً عليه في دعواه في‬
‫ما ي ُهْل ِك َُنآ إ ِل ّ الد ّهُْر‬
‫ما هِ‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫ى إ ِل ّ َ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫سورة الجاثية‪} :‬وََقاُلوا ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫م ب ِذ َل ِ َ‬
‫فَر ب َِئاَيات َِنا وََقا َ‬
‫ل‬
‫ذى ك َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫م إ ِل ّ ي َظ ُّنو َ‬
‫عل ْم ٍ إ ِ ْ‬
‫ن)‪ (24‬أفََرأي ْ َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ما ل َهُ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن عَْهدا)‪ (78‬كل ّ‬
‫َ‬
‫ب أم ِ ات ّ َ‬
‫خذ َ ِ‬
‫عند َ الّر ْ‬
‫مال ً وَوَلدا)‪ (77‬أطلعَ الغَي ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫ما ِ‬
‫لوت َي َ ّ‬
‫ل وَي َأ ِْتيَنا فَْردا)ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قو ُ‬
‫قو ُ‬
‫ن العَ َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ه ِ‬
‫سن َكت ُ ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫مد ّا)‪ (79‬وَن َرِث ُ ُ‬
‫ب َ‬
‫مد ّ ل ُ‬
‫ل وَن َ ُ‬
‫ب َ‬
‫ذا ِ‬
‫م َ‬
‫‪(80‬‬
‫ومن جماعة المستهزئين‪ :‬السودبن عبد يغوث‪ ،‬الزهري‪ ،‬القرشي‪ ،‬من بني‬
‫زهرة‪ ،‬أخوال رسول الله‪ ،‬كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول‪ :‬قد جاءكم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ملوك الرض‪ ،‬استهزاًء بهم لنهم كانوا متقشفين‪ ،‬ثيابهم رّثة‪ ،‬وعيشهم خشن‪،‬‬
‫ت اليوم من السماء؟‬
‫م َ‬
‫وكان يقول لرسول الله سخرية‪ :‬أما ك ُل ّ ْ‬
‫ن عم خديجة‪ ،‬كان هو وشيعته إذا‬
‫ومنهم‪ :‬السودبن عبد المطلب السدي‪ ،‬اب ُ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫مّر عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم نزل في سورة المط ّ‬
‫ن ال ِ‬
‫ف ِ‬
‫فْين‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫موا ْ َ‬
‫ن)‪(30‬‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫مُزو َ‬
‫كو َ‬
‫ض َ‬
‫مُنوا ْ ي َ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ي َت ََغا َ‬
‫مّروا ْ ب ِهِ ْ‬
‫ن)‪ (29‬وَإ َِذا َ‬
‫ن ءا َ‬
‫جَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن هَؤُ َ‬
‫ن)‬
‫م ان َ‬
‫وَإ َِذا ان َ‬
‫ضآّلو َ‬
‫لء ل َ َ‬
‫م َقاُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫ن)‪ (31‬وَإ َِذا َرأوْهُ ْ‬
‫قل َُبوا ْ إ َِلى أهْل ِهِ ْ‬
‫قل َُبوا ْ فَك ِِهي َ‬
‫‪(32‬‬
‫ومنهم‪ :‬الوليدبن المغيرة‪ ،‬عم أبي جهل‪ ،‬كان من عظماء قريش وفي سعة‬
‫من العيش‪ ،‬سمع القرآن مرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‬
‫لقومه بني مخزوم‪ :‬والله لقد سمعت من محمد آنفا ً كلما ً ما هو من كلم‬
‫مثمر‪،‬‬
‫النس ول من كلم الجن‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن له لحلوة‪ ،‬وإن عليه لطلوة‪ ،‬وإن أعله ل ُ‬
‫مغدق‪ ،‬وإنه يعلو وما ُيعلى‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬صبأ والله الوليد‪،‬‬
‫وإن أسفله ل ُ‬
‫ن قريش كلها‪ ،‬فقال أبو جهل‪ :‬أنا أكفيكموه‪ .‬فتوجه وقعد إليه حزينا ً‬
‫لتصبأ ّ‬
‫ً‬
‫وكّلمه بما أحماه‪ ،‬فقام فأتاهم فقال‪ :‬تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه‬
‫وس؟ وتقولون‪ :‬إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل‬
‫ُيه ّ‬
‫رأيتموه يتعاطى شعرا ً ق ّ‬
‫ط؟ وتزعمون أنه ك ّ‬
‫ذاب‪ ،‬فهل جّربتم عليه شيئا ً من‬
‫م ل‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬فما هو؟ فف ّ‬
‫كر قليل ً ثم قال‪:‬‬
‫الكذب؟ فقالوا في كل ذلك‪ :‬الله ّ‬
‫ج‬
‫ما هو إل ساحر‪ ،‬أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارت ّ‬
‫دثر مخاطبا ً لرسوله‪:‬‬
‫النادي فرحا ً فأنزل الله في شأن الوليد في سورة الم ّ‬
‫ن ُ‬
‫شُهودًا)‪(13‬‬
‫خل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ت وَ ِ‬
‫م ُ‬
‫حيدًا)‪ (11‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫مال ً ّ‬
‫ه َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫جعَل ْ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ذ َْرِنى وَ َ‬
‫دودًا)‪ (12‬وَب َِني َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه كان ل َْيات َِنا عَِنيدا)‪(16‬‬
‫ن أِزي َ‬
‫معُ أ ْ‬
‫د)‪ (15‬كل ّ إ ِن ّ ُ‬
‫م ي َط َ‬
‫مِهيدا)‪ (14‬ث ُ ّ‬
‫ه تَ ْ‬
‫تل ُ‬
‫مّهد ّ‬
‫وَ َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م قُت ِ َ‬
‫قت ِ َ‬
‫ف‬
‫ه فَكَر وَقَد َّر)‪ (18‬فَ ُ‬
‫سأْرهِ ُ‬
‫ل كي ْ َ‬
‫ل كي ْ َ‬
‫َ‬
‫ف قَد َّر)‪ (19‬ث ُ ّ‬
‫صُعودا)‪ (17‬إ ِن ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ست َكب ََر)‪ (23‬فَ َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫م أد ْب ََر َوا ْ‬
‫س وَب َ َ‬
‫سَر)‪ (22‬ث ُ ّ‬
‫م ن َظَر)‪ (21‬ث ُ ّ‬
‫قَد َّر)‪ (20‬ث ُ ّ‬
‫م عَب َ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫هاَذآ إ ِل قَوْ ُ‬
‫ل الب َ َ‬
‫قَر)‪(26‬‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫هاَذآ إ ِل ّ ِ‬
‫حٌر ي ُؤْث َُر)‪ (24‬إ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫صِليهِ َ‬
‫ر)‪َ (25‬‬
‫سأ ْ‬
‫ش ِ‬
‫وأنزل فيه أيضا ً في سورة ن‪ :‬ول تطع كل حلف{ كثير الحلف وكفى بهذا‬
‫ن{ حقير وأراد به الكذاب لنه حقير في نفسه‬
‫زاجرا ً لمن اعتاد الحلف َ‬
‫مهِي ْ ٍ‬
‫م ّ‬
‫مّناٍع‬
‫شاٍء بن َ ِ‬
‫م{ بنقل الحاديث للفساد بين الناس َ‬
‫ماٍز{ عّياب طعان َ‬
‫هَ ّ‬
‫مي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫معْت َدٍ أثي ْم ٍ عُت ُ َ‬
‫ل{ غليظ جاف َبعد َ َ‬
‫ل‬
‫ِلل َ‬
‫ن كا َ‬
‫م{ دخيل أ ْ‬
‫ن َذا َ‬
‫خي ْرِ ُ‬
‫ما ٍ‬
‫ذلك َزن ِي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‪ِ ،‬إذا ت ُْتلى عَلي ْهِ آَياُتنا َقا َ‬
‫م{‬
‫ه على ال ُ‬
‫سن َ ِ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫ل أساط ِي ُْر الّولي ْ َ‬
‫وََبني َ‬
‫خرطو ِ‬
‫كناية عن الذلل والتحقير لن الوجه أكرم عضو والنف أشرف ما فيه‪،‬‬
‫ولذلك اشتقوا منه ك ّ‬
‫ل ما يدل على العظمة‪ ،‬كالنفة وهي‪ :‬الحمية‪ .‬فالوسم‬
‫على أشرف عضو دليل الذلل والهانة‪.‬‬
‫ومن المستهزئين‪ :‬النضربن الحارث العبدري من بني عبد الداربن قصي‪ .‬كان‬
‫ن قبلهم‪،‬‬
‫إذا جلس رسول الله مجلسا ً للناس يح ّ‬
‫دثهم ويذكرهم ما أصاب َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫دث عن‬
‫ن منه حديثا ً ثم يح ّ‬
‫موا يا معشر قريش فإني أ ْ‬
‫ح َ‬
‫قال النضر‪ :‬هل ّ‬
‫س ُ‬
‫ملوك فارس‪ ،‬وكان يعلم أحاديثهم‪ ،‬ويقول‪ :‬ما أحاديث محمد إل أساطير‬
‫من ي َ ْ‬
‫ث‬
‫دي ِ‬
‫ح ِ‬
‫الّولين وفيه نزل في سورة لقمان‪ :‬وَ ِ‬
‫رى ل َهْوَ ال ْ َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫شت َ ِ‬
‫ن الّنا ُ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ها هُُزوا أوْلئ ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫م عَ َ‬
‫ن)‪ (6‬وَإ َِذا‬
‫ل َ‬
‫خذ َ َ‬
‫عل ْم ٍ وَي َت ّ ِ‬
‫ل الل ّهِ ب ِغَي ْرِ ِ‬
‫ل ِي ُ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫عن َ‬
‫ب ّ‬
‫ك لهُ ْ‬
‫مِهي ٌ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن ِفى أذ ُن َي ْهِ وَْقرا فَب َ ّ‬
‫معَْها ك َأ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫شْرهُ‬
‫س َ‬
‫ست َك ِْبرا ك َأن ل ْ‬
‫ت ُت َْلى عَلي ْهِ ءاَيات َُنا وَلى ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫َ‬
‫ب ِعَ َ‬
‫ف‬
‫معَ الل ّهِ الها ءا َ‬
‫سو ْ َ‬
‫ن)‪ (95‬ال ّ ِ‬
‫جعَُلو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫خَر فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫م)‪ { (7‬ال ْ ُ‬
‫ذا ٍ‬
‫ذي َ‬
‫زءي َ‬
‫ست َهْ ِ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫ُ‬
‫ن)‪(96‬‬
‫ملو َ‬
‫ي َعْ َ‬
‫إسلم حمزة‬
‫مه حمزةبن عبد المطلب‪ ،‬فقد أدركته‬
‫وكان بعض إيذائهم هذا سببا ً لسلم ع ّ‬
‫الحمّية عندما عّيرته بعض الجواري بإيذاء أبي جهل لبن أخيه‪ ،‬فتوجه إلى ذلك‬
‫م أنار الله‬
‫الشقي وغاضبه وسّبه‪ ،‬وقال‪ :‬كيف تس ّ‬
‫ب محمدا ً وأنا على دينه؟ ث ُ ّ‬
‫ً‬
‫دهم غيرة على‬
‫بصيرته بنور اليقين حتى صار من أحسن الناس إسلما‪ ،‬وأش ّ‬
‫المسلمين‪ ،‬وأقواهم شكيمة على أعداء الدين حتى سمي أسد َ الله‪.‬‬
‫وكما ُأوذي الرسول عليه الصلة والسلم‪ُ ،‬أوذي أصحابه لّتباعهم له‪ ،‬خصوصا ً‬
‫من ليس له عشيرة تحميه‪ ،‬وترد ّ كيد عدوه عنه‪ ،‬وكل هذا الذى كان حلوا ً في‬
‫م‬
‫أعينهم ما دام فيه رضاء الله‪ ،‬فلم يفتنوا عن دينهم بل ثبتهم الله حتى أت ّ‬
‫أمره على أيديهم‪ ،‬وصاروا ملوك الرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫قال ج ّ‬
‫فوا ْ ِفى‬
‫ضعِ ُ‬
‫ل ذكره‬
‫ن عََلى ال ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫ريد ُ أن ن ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫في سورة القصص‪ :‬وَن ُ ِ‬
‫َ‬
‫ن)‪(5‬‬
‫م ً‬
‫ة وَن َ ْ‬
‫ض وَن َ ْ‬
‫جعَل َهُ ُ‬
‫م أئ ِ ّ‬
‫جعَل َهُ ْ‬
‫وارِِثي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ال ْْر ِ‬
‫ومن الذين ُأوذوا في الله‪ :‬بللبن رباح كان مملوكا ً لمّيةبن خلف الجمحي‬
‫القرشي‪ ،‬فكان يجعل في عنقه حبل ً ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به‪ ،‬وهو‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د‪ .‬لم ي َ ْ‬
‫ه ما هو فيه عن توحيد الله‪ .‬وكان أمية يخرج به في‬
‫ح ٌ‬
‫حد ٌ أ َ‬
‫يقول‪ :‬أ َ‬
‫شغَل ْ ُ‬
‫وقت الظهيرة في الرمضاء ــــ وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه‬
‫ت ــــ ثم يؤمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره‪ ،‬ثم‬
‫قطعة لحم ل ََنض َ‬
‫ج ْ‬
‫يقول له‪ :‬ل تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللت والعّزى‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬أحد أحد‪ .‬مّر به أبو بكر يوما ً فقال‪ :‬يا أمية أما تتقي الله في هذا‬
‫المسكين‪ ،‬حتى متى تعذبه؟ قال‪ :‬أنت أفسدته فأنق ْ‬
‫ذه مما ترى‪ .‬فاشتراه منه‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫م َنارا ت َلظى)‪(14‬‬
‫وأعتقه فأنزل الله فيه وفي أمية في سورة الليل‪ :‬فَأنذ َْرت ُك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫هآ إ ِل ّ ال ْ ْ‬
‫ذى‬
‫جن ّب َُها ال ْت ْ َ‬
‫ش َ‬
‫صَل َ‬
‫قى)‪ (17‬ال ِ‬
‫قى)‪ (15‬ال ّ ِ‬
‫سي ُ َ‬
‫ذى ك َذ ّ َ‬
‫ب وَت َوَّلى)‪ (16‬وَ َ‬
‫ل َ يَ ْ‬
‫َ‬
‫ه ي َت ََز ّ‬
‫ه‬
‫حد ٍ ِ‬
‫جهِ َرب ّ ِ‬
‫عند َه ُ ِ‬
‫جَزى)‪ (19‬إ ِل ّ اب ْت َِغآء وَ ْ‬
‫مةٍ ت ُ ْ‬
‫ما ل ِ َ‬
‫من ن ّعْ َ‬
‫كى)‪ (18‬وَ َ‬
‫مال ُ‬
‫ي ُؤِْتى َ‬
‫َ‬
‫ضى)‪) { (21‬الليل‪ 14 :‬ــــ ‪ (21‬بما يعطيه الله في‬
‫سو ْ َ‬
‫ف ي َْر َ‬
‫ال ْعَْلى)‪ (20‬وَل َ‬
‫الخرى جزاء أعماله‪ .‬وقد نّبه الله ج ّ‬
‫ل ذكره على أن بذل الصديق ماله في‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ديق‬
‫شراء بلل وعتقه لم يكن إل ابتغاء وجه ربه‪ ،‬وكفى بهذا شرفا وفضل للص ّ‬
‫رضي الله عنه وأرضاه‪ ،‬وقد أعتق غير بلل جماعة من الرقاء أسلموا‬
‫فعذبهم مواليهم‪.‬‬
‫ة ُأم بلل‪ ،‬وعامربن فَُهيرة كان يعذب حتى ل يدري ما يقول‪،‬‬
‫م ُ‬
‫ومنهم‪َ :‬‬
‫ما َ‬
‫ح َ‬
‫وأبو فُ َ‬
‫كيهة‪ ،‬كان عبدا ً لصفوانبن أميةبن خلف‪.‬‬
‫ومنهم امرأة تسمى زنيرة ع ّ‬
‫ذبت في الله حتى عميت فلم يزدها ذلك إل‬
‫إيمانًا‪ ،‬وكان أبو جهل يقول‪ :‬أل تعجبون لهؤلء وأتباعهم؟ لو كان ما أتى به‬
‫محمد خيرا ً ما سبقونا إليه أفتسبقنا زنيرة إلى رشد؟ فأنزل الله في سورة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مُنوا ْ ل َوْ َ‬
‫الحقاف‪ :‬وََقا َ‬
‫م‬
‫سب َ ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن َ‬
‫فُروا ْ ل ِل ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫ما َ‬
‫قوَنآ إ ِل َي ْهِ وَإ ِذ ْ ل َ ْ‬
‫خْيرا ً ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫هاَذآ إ ِفْ ٌ‬
‫م)‪(11‬‬
‫سي َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ك قَ ِ‬
‫قولو َ‬
‫ي َهْت َ ُ‬
‫دوا ْ ب ِهِ فَ َ‬
‫دي ٌ‬
‫عذب في الله‪ :‬عماربن ياسر‪ ،‬وأخوه‪ ،‬وأبوه‪ ،‬وأمه‪ ،‬كانوا يعذبون بالنار‬
‫من ُ‬
‫وم ّ‬
‫ً‬
‫فمّر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪» :‬صبرا آل ياسر فموعدكم‬
‫م اغفر لل ياسر وقد فعلت«‪ .‬أما أبو عمار وأمه فماتا تحت‬
‫الجنة‪ ،‬الله ّ‬
‫العذاب رحمهما الله‪ ،‬وأما هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر‪،‬‬
‫فإن أبا جهل كان يجعل له دروعا ً من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إّياها‪،‬‬
‫فقال المسلمون‪ :‬كفر عمار‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬عماٌر ملىء إيمانا ً‬
‫من فرقه إلى قدمه« وأنزل الله في شأنه استثناًء في حكم المرتد‪ ،‬فقال‬
‫فر بالل ّه من بعد إيمان ِه إل ّ م ُ‬
‫ج ّ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ن أك ْرِه َ وَقَل ْ ُ ُ‬
‫ل ذكره في سورة النحل‪َ :‬‬
‫من ك َ َ َ ِ ِ ِ َ ْ ِ َ ِ ِ َ ْ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ح ِبال ْك ُ ْ‬
‫ن وََل ِ‬
‫ض ٌ‬
‫م غَ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن الل ّهِ وَل َهُ ْ‬
‫ب ّ‬
‫صد ًْرا فَعَل َي ْهِ ْ‬
‫كن ّ‬
‫لي َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ُ‬
‫فرِ َ‬
‫م َ‬
‫ما ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ن ِبا ِ‬
‫َ‬
‫م)‪(106‬‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ِ ٌ‬
‫سبي في الجاهلية فاشترته ُأم أنمار‪،‬‬
‫ت‪ُ ،‬‬
‫من أوذي في الله‪ :‬خّباببن الَر ّ‬
‫وم ّ‬
‫ً‬
‫وة‪ ،‬فلما شّرفه الله بها أسلم خباب‪،‬‬
‫وكان حدادا وكان النبي يألفه قبل النب ّ‬
‫ماة فتجعلها على ظهره ليكفر‬
‫المح‬
‫بالحديدة‬
‫فكانت مولته تعذبه بالنار فتأتي‬
‫ّ‬
‫فل يزيده ذلك إل إيمانًا‪ .‬وجاء خباب مرة إلى رسول الله وهو متوسد ب ُْرَدة‬
‫في ظل الكعبة‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله أل تدعو الله لنا؟ فقعد عليه الصلة‬
‫ن قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط‬
‫والسلم محمّرا ً وجهه فقال‪» :‬إنه كان َ‬
‫م ْ‬
‫الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب‪ ،‬ويوضع المنشار على فرق رأس‬
‫ق‪ ،‬ما يصرفه ذلك عن دينه‪ ،‬وليظهرن الله تعالى هذا المر حتى‬
‫أحدهم فيش ّ‬
‫ب على‬
‫يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ل يخاف إل الله‪ ،‬والذئ َ‬
‫غنمه«‪ .‬قال ذلك عليه الصلة والسلم وهو في هذه الحال الشديدة التي ل‬
‫يتصور فيها أعقل العقلء‪ ،‬وأنبل النبلء‪ ،‬قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة‪،‬‬
‫م إل أن ذلك وحي يوحى إليه‪ ،‬ثم أنزل الله تعالى تثبيتا ً للمؤمنين أول‬
‫الله ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م لَ‬
‫س أن ي ُت َْركوا أن ي َ ُ‬
‫ح ِ‬
‫س َ‬
‫سورة العنكبوت‪ :‬الم)‪ (1‬أ َ‬
‫مّنا وَهُ ْ‬
‫قولوا ءا َ‬
‫ب الّنا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ‪) { 3:‬العنكبوت‪ 1 :‬ــــ‬
‫ن)‪ (2‬وَل َ َ‬
‫يُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫قد ْ فَت َّنا ال ّ ِ‬
‫فت َُنو َ‬
‫ن الل ُ‬
‫م فلي َعْل َ‬
‫من قب ْل ِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫‪.(3‬‬
‫من ُأوذي في الله‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬ولما اشتد عليه الذى أجمع أمره على‬
‫وم ّ‬
‫َ‬
‫الهجرة من مكة إلى جهة الحبشة‪ ،‬فخرج حتى أتى بْرك الِغماد فلقيه ابن‬
‫ة( فقا َ‬
‫ل‪ :‬إلى أين يا أبا بكر؟‬
‫الد ّغُّنة )وهو سيد قبيلة عظيمة اسمها ال َ‬
‫قاَر ُ‬
‫فقال‪ :‬أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الرض وأعبد ربي‪ ،‬فقال ابن‬
‫صل الَرحم وتحمل‬
‫مث ُْلك يا أبا بكر ل يخرج‪ ،‬إنك تكسب المعدوم‪ ،‬وت َ ِ‬
‫الدغنة‪ِ :‬‬
‫الك َ ّ‬
‫ل‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وُتعين على نوائب الحق‪ ،‬فأنا لك جار‪ ،‬فارجع واعبد‬
‫ربك ببلدك‪ ،‬فرجع وارتحل ابن الدغنة معه‪ ،‬وطاف في أشراف قريش‪ ،‬فقال‬
‫ج مثله‪ .‬أتخرجون رجل ً يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪،‬‬
‫لهم‪ :‬أبو بكر ل ي ُ ْ‬
‫خَر ُ‬
‫ويحمل الكل‪ ،‬ويقري الضيف‪ ،‬وُيعين على نوائب الحق؟ فلم ُتك ّ‬
‫ذب قريش‬
‫مْر أبا بكر فليعبد ربه في داره‪ ،‬فليص ّ‬
‫ل فيها ما‬
‫بجوار ابن الدغنة‪ ،‬وقالوا له‪ُ :‬‬
‫شاء‪ ،‬وليقرأ ما شاء ول يؤذينا بذلك ول يستعلن‪ ،‬فإ ِّنا نخشى أن يفِتن نساءنا‬
‫وأبناءنا‪ ،‬فقال ذلك ابن الدغنة لبي بكر‪ ،‬فلبث بذلك يعبد ربه في داره ول‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يستعلن بصلته ول يقرأ في غير داره‪ ،‬ثم بدا لبي بكر فابتنى مسجدا ً ِبفناء‬
‫داره‪ ،‬وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن‪ ،‬فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم‬
‫وهم يعجبون منه وينظرون إليه‪ .‬وكان رجل ً ب ّ‬
‫كاًء ل يملك عينيه إذا قرأ القرآن‪،‬‬
‫فأفزع ذلك أشراف قريش‪ ،‬فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا‪ :‬إّنا‬
‫جرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك‪ ،‬فابتنى‬
‫كّنا قد أ َ‬
‫مسجدا ً بفناء داره فأعلن بالصلة والقراءة فيه‪ ،‬وإ ِّنا قد خشينا أن يفتن‬
‫ب أن يقتصر على أن يعبد ربه بفناء داره فعل‪ ،‬وإن‬
‫نساءنا وأبناءنا‪ ،‬فإن أح ّ‬
‫ْ‬
‫فَركَ‬
‫سله أن يرد ّ إليك ذمتك‪ ،‬فإنا قد كرهنا أن ن ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫أبي إل ّ أن يعلن ذلك فَ َ‬
‫ت‬
‫ولسنا مقّرين لبي بكر الستعلن‪ .‬فأتى ابن الدغنة أبا بكر‪ ،‬فقال‪ :‬لقد علم َ‬
‫ي ذمتي‪،‬‬
‫الذي عاقد ُ‬
‫ت لك عليه‪ .‬فإما أن تقتصر على ذلك‪ ،‬وإما أن ت ُْرجع إل ّ‬
‫فإني ل ُأحب أن تسمع العرب‬
‫ت في رجل عقدت له‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬فإني أرد ّ عليك جوارك‬
‫أني أ ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫فْر ُ‬
‫وأرضى بجوار الله‪ .‬رواه البخاري‪ .‬وكان ذلك سببا ً ليصال أذى عظيم إلى أبي‬
‫بكر رضي الله عنه‪.‬‬
‫وبالجملة فلم يخل أحد من المسلمين من أ َذِي ّةٍ لحقته‪ ،‬ولكن كل ذلك ضاع‬
‫دى تلقاء ثباتهم وعظيم إيمانهم‪ ،‬فإنهم لم يسلموا لغرض دنيوي يرجون‬
‫س ً‬
‫حصوله فيسهل إرجاعهم‪ ،‬ولكن وفقهم الله لدراك حقيقة اليمان فرأوا كل‬
‫شيء دونه سه ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ً‬
‫دهم نفعا‪ ،‬بل كلما زادوا المسلمين‬
‫ج ِ‬
‫ولما رأى كفار قريش أن ذلك الذى لم ي ُ ْ‬
‫أًذى ازداد يقينهم‪ ،‬اجتمعوا للشورى فيما بينهم‪ ،‬فقال لهم عتبةبن ربيعة‬
‫العبشمي من بني عبد شمسبن عبد مناف ــــ وكان سيدا ً مطاعا ً في قومه‬
‫ُ‬
‫ض عليه أمورا ً عّله يقبل‬
‫ــــ‪ :‬يا معشر قريش أل أقوم لمحمد فأكّلمه وأعر ُ‬
‫م إليه فكلمه‪ .‬فذهب‬
‫بعضها فنعطيه إياها ويك ّ‬
‫ف عّنا؟ فقالوا‪ :‬يا أبا الوليد فق ْ‬
‫إلى رسول الله وهو يصلي في المسجد‪ ،‬وقال‪ :‬يابن أخي إنك مّنا حيث قد‬
‫ت به‬
‫ت من خيارنا حسبا ً ونسبًا‪ ،‬وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم‪ ،‬فّرقْ َ‬
‫علم َ‬
‫فرت من مضى من‬
‫ت آلهتهم ودينهم‪ ،‬وك ّ‬
‫جماعتهم‪ ،‬وس ّ‬
‫ت أحلمهم‪ ،‬و ِ‬
‫عب َ‬
‫فه َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‪،‬‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬قل يا أبا الوليد أسمع«‪.‬‬
‫ت به من هذا المر مال ً جمعنا لك من‬
‫ت تريد ُ بما جئ َ‬
‫فقال‪ :‬يا ابن أخي إن كن َ‬
‫أموالنا حتى تكون أكثرنا ما ً‬
‫ودناك علينا حتى ل‬
‫ل‪ ،‬وإن كن َ‬
‫ت ُتريد شرفا ً س ّ‬
‫ً‬
‫ملكا ملكنا َ‬
‫ك علينا‪ ،‬وإن كان هذا الذي يأتيك‬
‫ت ُتريد ُ‬
‫نقطعَ أمرا ً دونك‪ ،‬وإن كن َ‬
‫ده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا‬
‫َرّئيا ً من الجن ل تستطيع ر ّ‬
‫حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى‪ ،‬فقال عليه‬
‫ت يا أبا الوليد؟« قال‪ :‬نعم‪» ،‬قال‪ :‬فاسمع مني«‬
‫الصلة والسلم‪» :‬فقد فرغ َ‬
‫صلت‪:‬‬
‫فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أول سورة ف ّ‬
‫زي ٌ‬
‫ب‬
‫ن الّر ِ‬
‫م)‪ (2‬ك َِتا ٌ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫ل ّ‬
‫ما ِ‬
‫م َ‬
‫بسم الله الرحمان الرحيم{ حم)‪َ (1‬تن ِ‬
‫حي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م‬
‫ه قُْرءانا ً عََرب ِي ّا ً ل ّ َ‬
‫شيرا وَن َ ِ‬
‫ن)‪ (3‬ب َ ِ‬
‫مو َ‬
‫ض أك ْث َُرهُ ْ‬
‫قوْم ٍ ي َعْل َ ُ‬
‫ت ءاَيات ُ ُ‬
‫صل َ ْ‬
‫ذيرا فَأعَْر َ‬
‫فُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫عوَنا إ ِلي ْهِ وَِفى ءاذان َِنا وَقٌْر‬
‫ما ت َد ْ ُ‬
‫ن)‪ (4‬وََقالوا قُلوب َُنا ِفى أك ِن ّةٍ ِ‬
‫مُعو َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫م ّ‬
‫س َ‬
‫فَهُ ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫من ب َي ْن َِنا وَب َي ْن ِ َ‬
‫ن)‪ (5‬قُ ْ‬
‫م ْ‬
‫مآ أ َن َا ْ ب َ َ‬
‫حى‬
‫ل إ ِن َّنا َ‬
‫ك ِ‬
‫عا ِ‬
‫وَ ِ‬
‫م ُيو َ‬
‫مُلو َ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫شٌر ّ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ب َفاعْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فُروهُ وَوَي ْ ٌ‬
‫م ْ‬
‫ن)‪(6‬‬
‫م اله وا ِ‬
‫شرِ ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫موا إ ِلي ْهِ َوا ْ‬
‫حد ٌ َفا ْ‬
‫ل لل ُ‬
‫قي ُ‬
‫مآ الهك ُ ْ‬
‫ى أن ّ َ‬
‫كي َ‬
‫إ ِل ّ‬
‫مُلوا ْ‬
‫م َ‬
‫م ِبال ْ ِ‬
‫مُنوا ْ وَعَ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ن)‪ (7‬إ ِ ّ‬
‫كافُِرو َ‬
‫ن ل َ ي ُؤُْتو َ‬
‫ن ءا َ‬
‫خَرةِ هُ ْ‬
‫ن الزكاةَ وَهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‪ (8‬قُ ْ‬
‫ض ِفى‬
‫م ل َت َك ْ ُ‬
‫ذى َ‬
‫ن ِبال ّ ِ‬
‫حا ِ‬
‫فُرو َ‬
‫مأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ل أءن ّك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫جٌر غَي ُْر َ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫خل َقَ ال ْْر َ‬
‫ال ّ‬
‫مُنو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫من فَوْقَِها‬
‫ى ِ‬
‫ل ِفيَها َرَوا ِ‬
‫ب الَعال ِ‬
‫ن)‪ (9‬وَ َ‬
‫دادا ذ َل ِك َر ّ‬
‫ه أن َ‬
‫جعَلو َ‬
‫ن وَت َ ْ‬
‫نل ُ‬
‫ي َوْ َ‬
‫مي َ‬
‫س َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وى‬
‫ما ْ‬
‫وآء لل ّ‬
‫وََباَرك ِفيَها وَقَد َّر ِفيَهآ أْقوات ََها ِفى أْرب َعَةِ أّيام ٍ َ‬
‫ن)‪ (10‬ث ُ ّ‬
‫ست َ َ‬
‫سآئ ِِلي َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫قا َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وعا أوْ كْرها قالَتآ أت َي َْنا‬
‫ن فَ َ‬
‫ى دُ َ‬
‫خا ٌ‬
‫إ َِلى ال ّ‬
‫س َ‬
‫ض ائ ْت َِيا ط ْ‬
‫مآء وَهِ َ‬
‫ل لَها وَل ِل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حى ِفى ك ُ ّ‬
‫ها‬
‫ن)‪ (11‬فَ َ‬
‫مَر َ‬
‫ماوا ٍ‬
‫ن وَأوْ َ‬
‫ق َ‬
‫ل َ‬
‫سب ْعَ َ‬
‫ن َ‬
‫مآء أ ْ‬
‫س َ‬
‫ت ِفى ي َوْ َ‬
‫س َ‬
‫ضاهُ ّ‬
‫طآئ ِِعي َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫ْ‬
‫فظا ً ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫ك تَ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح وَ ِ‬
‫ق ِ‬
‫م)‪ (12‬فَإ ِ ْ‬
‫صاِبي َ‬
‫وََزي ّّنا ال ّ‬
‫مآء الد ّن َْيا ب ِ َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ديُر ال ْعَ ِ‬
‫زيزِ العَِلي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضوا ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ال‬
‫م‬
‫ه‬
‫ت‬
‫جآء‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫(‬
‫‪13‬‬
‫د)‬
‫مو‬
‫ث‬
‫و‬
‫د‬
‫عا‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ع‬
‫صا‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ع‬
‫صا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫أن‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ف‬
‫َ ِ ِ َ ٍ َ ُ َ‬
‫أعَْر ُ‬
‫ِ َ ُْ ُ ّ ُ‬
‫ْ ُ ْ َ ِ ً ّ‬
‫خل ْفه َ‬
‫من بي َ‬
‫شآء َرب َّنا َ‬
‫لنَز َ‬
‫ه َقاُلوا ْ ل َوْ َ‬
‫ة‬
‫مَلئ ِك َ ً‬
‫م وَ ِ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫م أل ّ ت َعْب ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ الل ّ َ‬
‫ن َ ِ ِ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ِ َْ ِ‬
‫مآ أ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن)‪(14‬‬
‫رو‬
‫ف‬
‫كا‬
‫ه‬
‫ب‬
‫م‬
‫ت‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫فَإ ِّنا ب ِ َ ْ ِ ُ ْ ِ ِ‬
‫ِ ُ َ‬
‫ف عن ذلك‪ ،‬فلما رجع عتبة سألوه‬
‫فأمسك عتبة بفيه‪ ،‬وناشده الرحم أن ي َك ُ ّ‬
‫فقال‪ :‬والله لقد سمعت قول ً ما سمعت مثله ق ّ‬
‫ط‪ ،‬والله ما هو بالشعر ول‬
‫بالكهانة ول بالسحر‪ ،‬يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي‪ ،‬خّلوا بين الرجل‬
‫ه‬
‫ن تُ ِ‬
‫ن لكلمه الذي سمعت نبأ‪ ،‬فَإ ِ ْ‬
‫صب ْ ُ‬
‫وبين ما هو فيه فاعتزلوه‪ ،‬فوالله ليكون ّ‬
‫العرب فقد ُ‬
‫كفيتموه بغيركم‪ ،‬وإن يظهر على العرب فعزه عّزكم‪ ،‬فقالوا‪ :‬لقد‬
‫سحرك محمد‪ ،‬فقال‪ :‬هذا رأيي‪.‬‬
‫ثم عرضوا عليه بعد ذلك أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته‬
‫َ‬
‫ل يأ َي َّها ال ْ َ‬
‫ن)‪ (2‬وَل َ‬
‫فأنزل الله تعالى في ذلك‪ :‬قُ ْ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫كافُِرو َ‬
‫ن)‪ (1‬ل َ أعْب ُد ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د)‪(5‬‬
‫م َ‬
‫د)‪َ (3‬ول أ ََنآ َ‬
‫م َ‬
‫مآ أعْب ُ ُ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫مآ أعْب ُ ُ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫ن َ‬
‫م)‪ (4‬وَل َ أنت ُ ْ‬
‫ما عََبدت ّ ْ‬
‫عاب ِد ٌ ّ‬
‫ن َ‬
‫أنت ُ ْ‬
‫كون ِلى أ َ ُ‬
‫ن أ َت ّب ِعُ إ ِل ّ‬
‫ن)‪ (6‬قُ ْ‬
‫قآء ن َ ْ‬
‫من ت ِل ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫ه ِ‬
‫سى إ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫ما ي َ ُ ُ‬
‫ن أب َد ّل َ ُ‬
‫ل َ‬
‫م ِدين ُك ُ ْ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫ى ِدي ِ‬
‫م وَل ِ َ‬
‫َ‬
‫ى{ )يونس‪.(15 :‬‬
‫ما ُيو َ‬
‫َ‬
‫حى إ ِل ّ‬
‫وقد حصل له مع كفار قريش نادرة تكون لمن استهان بالضعيف كمصباح‬
‫يستضيء به‪ ،‬وهو أنه بينما الرسول عليه الصلة والسلم مع ُ‬
‫كبراء قريش‬
‫وأشرافهم يتألفهم ويعرض عليهم القرآن وما جاء به من الدين إذ أقبل عليه‬
‫من أسلموا قديما ً ــــ والنبي‬
‫عبد الله ابن أم مكتوم العمى ــــ وهو م ّ‬
‫مشتغل بالقول‪ ،‬وقد لقي منهم مؤانسة حتى طمع في إسلمهم‪ ،‬فقال له‬
‫عبد الله‪ :‬يا رسول الله عّلمني مما عّلمك الله وأكثر عليه القول‪ ،‬فشقّ ذلك‬
‫على الرسول‪ ،‬وكره قطعه لكلمه‪ ،‬وخاف عليه الصلة والسلم أن يكون‬
‫التفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك الشراف‪ ،‬فأعرض عنه فعاتبه‬
‫َ‬
‫الله على ذلك بقوله أوّ َ‬
‫مى)‪(2‬‬
‫س وَت َوَّلى)‪ (1‬أن َ‬
‫جآءهُ ال ْعْ َ‬
‫ل سورة عبس‪ :‬عَب َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ي َّز ّ‬
‫ما ي ُد ِْري َ‬
‫ست َغَْنى)‪(5‬‬
‫كى)‪ (3‬أوْ ي َذ ّك ُّر فََتن َ‬
‫نا ْ‬
‫ما َ‬
‫ه الذ ّك َْرى)‪ (4‬أ ّ‬
‫فعَ ُ‬
‫ك ل َعَل ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫(‬
‫‪8‬‬
‫عى)‬
‫س‬
‫ي‬
‫ك‬
‫جآء‬
‫من‬
‫ما‬
‫أ‬
‫و‬
‫(‬
‫‪7‬‬
‫كى)‬
‫ز‬
‫ي‬
‫ل‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ما‬
‫و‬
‫(‬
‫‪6‬‬
‫دى)‬
‫ص‬
‫ت‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ت‬
‫أن‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫فَ َ ُ َ َ ّ‬
‫َ ّ َ‬
‫َ ُ َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ه ت َل َّهى)‪(10‬‬
‫يَ ْ‬
‫ت عَن ْ ُ‬
‫شى)‪ (9‬فَأن َ‬
‫ما رأى المشركون أن هذه المطالب التي يعرضونها ل ُتقبل منهم أرادوا أن‬
‫ول ّ‬
‫يدخلوا في باب آخر‪ ،‬وهو تعجيز الرسول بطلب اليات‪ ،‬فاجتمعوا‪ ،‬وقالوا‪ :‬يا‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ة نطلبها منك وهي أن تشقّ لنا القمر فرقتين‪،‬‬
‫محمد إن كنت صادقا ً فأِرنا آي ً‬
‫فأعطاه الله هذه المعجزة‪ ،‬وانشقّ القمر فرقتين فقال رسول الله‪:‬‬
‫»اشهدوا« وهذه القصة رواها عبد اللهبن مسعود وهو من السابقين الّولين‬
‫ُرويت عنه من طرق كثيرة‪ ،‬ورواها عبد اللهبن عباس وغيره‪ ،‬ورواها عنهم‬
‫جمع غزير حتى صار الحديث كالمتواتر وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله‬
‫ة َوان َ‬
‫ة‬
‫شقّ ال ْ َ‬
‫مُر)‪ (1‬وَِإن ي ََروْا ْ ءاي َ ً‬
‫ساعَ ُ‬
‫تعالى في أول سورة القمر‪ :‬اقْت ََرب َ ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن الْرض‬
‫حّتى ت َ ْ‬
‫ضوا ْ وَي َ ُ‬
‫جَر لَنا ِ‬
‫مّر)‪َ (2‬لن ن ّؤْ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫قوُلوا ْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ن لك َ‬
‫س ْ‬
‫ي ُعْرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫حٌر ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فجيرا)‪ (ِ 91‬أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب فت ُ َ‬
‫ي َن ُْبو ً‬
‫جَر الن َْهاَر ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫من ن ّ ِ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫ف ّ‬
‫ن لك َ‬
‫عا أوْ ت َكو َ‬
‫ة ّ‬
‫عن َ ٍ‬
‫ْ‬
‫خللَها ت َ ْ ِ ً‬
‫خي ٍ‬
‫ْ‬
‫ل)‪ (92‬أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ملئ ِكةِ قِبي‬
‫س ً‬
‫س ِ‬
‫ت عَلي َْنا ك ِ َ‬
‫قط ال ّ‬
‫تُ ْ‬
‫ى ِباللهِ َوال َ‬
‫م َ‬
‫ما َزعَ ْ‬
‫مآء ك َ‬
‫س َ‬
‫ْ‬
‫فا أوْ ت َأت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حّتى ت ُن َّز َ‬
‫ْ‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ق‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ن‬
‫لن‬
‫و‬
‫مآء‬
‫س‬
‫ال‬
‫فى‬
‫قى‬
‫ر‬
‫ت‬
‫و‬
‫أ‬
‫ف‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ز‬
‫من‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ ِ َ ُِ ِ ّ‬
‫يَ ُ َ‬
‫ّ َ‬
‫َ‬
‫َْ ٌ ّ ُ ْ ُ ٍ ْ َْ‬
‫ه{ )السراء‪ 90 :‬ــــ ‪ (93‬ولم يجبهم الله إل بقوله‪} :‬قُ ْ‬
‫ل‬
‫عَل َي َْنا ك َِتاًبا ن ّ ْ‬
‫قَرء ُ‬
‫ل ُ‬
‫سو ً‬
‫ن َرّبى هَ ْ‬
‫ت إ َل ّ ب َ َ‬
‫ل{ )السراء‪ (93 :‬لن الله علم ما ت ُك ِّنه‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫شًرا ّر ُ‬
‫ُ‬
‫كن ُ‬
‫جوانحهم من التعصب والعناد‪ ،‬فل يؤمنون مهما جاءهم من البينات كما قال‬
‫شعِرك ُ َ‬
‫ج ّ‬
‫ن{‬
‫ت ل َ ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م أن َّهآ إ َِذا َ‬
‫جآء ْ‬
‫ما ي ُ ْ ُ ْ‬
‫ل ذكره في سورة النعام‪} :‬وَ َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫من قالوا كما في سورة النفال‪ :‬اللهُ ّ‬
‫)النعام‪ (109 :‬وكيف يرجى الخير م ّ‬
‫كان هاَذا هو ال ْحق من عند َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مآء أوِ ائ ْت َِنا‬
‫مط ِْر عَلي َْنا ِ‬
‫ِإن َ َ َ‬
‫ُ َ َ ّ ِ ْ ِ ِ‬
‫ح َ‬
‫ن ال ّ‬
‫س َ‬
‫جاَرة ً ّ‬
‫ك فَأ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ب ِعَ َ‬
‫م{ )النفال‪ (32 :‬ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا‬
‫ذا ٍ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫سنة‬
‫إليه‪ ،‬وهذه ّ‬
‫سنن النبياء إذا رأوا من طلب اليات عنادًا‪ ،‬وأنهم يطلبونها تعجيزا ً ل‬
‫من ُ‬
‫يسألون الله إنفاذ هذه اليات كيل يح ّ‬
‫ل بقومهم الهلك كما حصل لعاد وثمود‬
‫َ‬
‫من َعََنآ أن‬
‫ما َ‬
‫وغيرهم‪ .‬وهذا هو المراد من قوله تعالى في سورة السراء‪} :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن{ )السراء‪.(59 :‬‬
‫ل ِبال َْيا ِ‬
‫ن ّْر ِ‬
‫ب ب َِها ال ْوُّلو َ‬
‫ت إ ِل ّ أن ك َذ ّ َ‬
‫ف أمام هيرودس طلب منه آية‬
‫ما وق َ‬
‫وقد حصل للمسيح عليه السلم أنه ل ّ‬
‫ه إلى طلبه‪ ،‬فلما رأى ذلك سخر منه ورّده إلى عدوه بيلطس بعد أن‬
‫جب ْ ُ‬
‫فلم ي ُ ِ‬
‫كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه‪ ،‬وذلك مذكور في الصحاح الثالث والعشرين‬
‫من إنجيل لوقا‪.‬‬
‫هذا ولما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان‪ ،‬تحولوا‬
‫إلى سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث قالوا‪:‬‬
‫م{ )النبياء‪ (68 :‬كما في سورة النبياء أما هؤلء‬
‫} َ‬
‫صُروا ْ ءال ِهَت َك ُ ْ‬
‫حّرُقوه ُ َوان ُ‬
‫دهم عن اّتباع الرسول عليه‬
‫من أسلم رجاء ص ّ‬
‫فازدادوا بالذى على كل َ‬
‫ً‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ولم يتركوا بابا إل ولجوه‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‬
‫لصحابه‪» :‬تفرقوا في الرض‪ ،‬فإن الله سيجمعكم«‪ ،‬فسألوه عن الوجه‬
‫فأشار إلى الحبشة‪.‬‬
‫هجرة الحبشة الولى‬
‫فعند ذلك تجهَز ناس للخروج من ديارهم وأموالهم فرارا ً بدينهم كما أشار‬
‫دة أصحابها عشرة‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬وهذه هي أول هجرة من مكة‪ ،‬وع ّ‬
‫رجال وخمس نسوة‪ ،‬وهم‪ :‬عثمانبن عفان وزوجه رقّية بنت رسول الله‪ ،‬وأبو‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ُ‬
‫هم‪ ،‬وزوجه أم كلثوم‪،‬‬
‫سْبرةبن أبي ُر ْ‬
‫سلمة وزوجه أم سلمة‪ ،‬وأخوه لمه أبو َ‬
‫وعامربن ربيعة وزوجه ليلى‪ ،‬وأبو حذيفةبن عتبةبن ربيعة وزوجه سهلة بنت‬
‫سهَْيلبن‬
‫سَهيل‪ ،‬وعبد الرحمانبن عوف‪ ،‬وعثمانبن مظعون‪ ،‬ومصعببن عمير‪ ،‬و ُ‬
‫ُ‬
‫جّلهم من قريش‪ ،‬وكان عليهم ــــ فيما روى ابن‬
‫الع‬
‫والزبيربن‬
‫البيضاء‪،‬‬
‫وام‪ ،‬و ُ‬
‫ّ‬
‫هشام ــــ عثمانبن مظعون‪ ،‬فساروا على بركة الله‪ ،‬ولما انتهوا إلى البحر‪،‬‬
‫استأجروا سفينة أوصلتهم إلى مقصدهم‪ ،‬فأقاموا آمنين من أًذى يلحق بهم‬
‫من المشركين‪ ،‬ولم يبق مع النبي عليه الصلة والسلم إل القليل‪.‬‬
‫إسلم عمر‬
‫وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهمام عمربن الخطاب العدوي القرشي بعد‬
‫ما كان عليه من كراهية المسلمين وشدة أذاهم‪ .‬قالت ليلى ــــ إحدى‬
‫المهاجرات لرض الحبشة مع زوجها ــــ‪ :‬كان عمربن الخطاب من أشد‬
‫ت بعيري ُأريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة‬
‫الناس علينا في إسلمنا‪ ،‬فلما ركب ُ‬
‫إذا أنا به‪ ،‬فقال لي‪ :‬إلى أين يا ُأم عبد الله؟ فقلت‪ :‬قد آذيتمونا في ديننا‪،‬‬
‫ب في أرض الله حيث ل نؤذى‪ ،‬فقال‪ :‬صحبكم الله‪ ،‬فلما جاء زوجي عامر‬
‫نذه ُ‬
‫سلم؟ والله ل يسلم حتى‬
‫أخبرته بما رأيت من رِقّةِ عمر‪ ،‬فقال‪ :‬ترجين أن ي ُ ْ‬
‫يسلم حمار الخطاب وذلك لما كان يراه من قسوته وشدته على المسلمين‪،‬‬
‫ولكن حصلت له بركة دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فإنه قال قبيل‬
‫عّز السلم بعمر«‪ .‬وكان إسلمه في دار الرقمبن أبي‬
‫إسلمه‪» :‬اللهم أ ِ‬
‫الرقم التي كان المسلمون يجتمعون فيها وقد حقق الله بإسلمه ما رجاه‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬فقد قال عبد اللهبن مسعود من رواية البخاري‪ :‬ما زلنا‬
‫أعّزة منذ أسلم عمر‪ .‬فإنه طلب من رسول الله أن يعلن صلته في المسجد‬
‫ة شديدة حينما رأوا عمر أسلم‪ ،‬وكانوا قد أرادوا‬
‫ففعل وقد أدرك الكفاَر كآب ٌ‬
‫سْهمي وهو‬
‫قتله حتى اجتمع جمع حول داره ينتظرونه‪ ،‬فجاء العاصبن وائل ال ّ‬
‫حب ََرة‪ ،‬وقميص مكفوف‬
‫حّلة ِ‬
‫من بني سهم حلفاء بني عدي قوم عمر وعليه ُ‬
‫بحرير‪ ،‬فقال لعمر‪ :‬ما بال ُ َ‬
‫ت‪.‬‬
‫ك؟ فقال‪ :‬زعم قومك أنهم سيقتلونني إ ْ‬
‫ن أسلم ُ‬
‫ن عمر‪ ،‬وخرج العاص فوجد الناس قد‬
‫قال‪ :‬ل سبيل إليك فأنا لك جار‪ ،‬فأ ِ‬
‫م َ‬
‫سال بهم الوادي‪ ،‬فقال‪ :‬أين تريدون؟ قالوا‪ :‬نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل سبيل إليه‪ .‬فرجع الناس من حيث أتوا‪.‬‬
‫رجوع مهاجري الحبشة‬
‫وبعد ثلثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث ل تتيسر‬
‫َ‬
‫لهم القامة فيها لنهم قليلو العدد ــــ وفي الكثرة بعض ا ُ‬
‫ضف‬
‫لنس ــــ وأ ِ‬
‫إلى ذلك أنهم أشراف قريش ومعهم نساؤهم‪ ،‬وهؤلء ل يطيب لهم عيش في‬
‫دار غربة بهذه الحالة‪.‬‬
‫وقد ُأولع بعض المؤرخين بحكاية يجعلونها سببا ً في رجوع مهاجري الحبشة‪،‬‬
‫وهي أنه بلغهم إسلم قومهم حينما قرأ عليهم الرسول سورة النجم‪ ،‬وتكلم‬
‫َ‬
‫مَنواةَ‬
‫ت َوال ْعُّزى)‪ (19‬وَ َ‬
‫م الّل َ‬
‫فيها كلما ً حسنا ً عن آلهتهم حيث قال بعد‪ :‬أفََرءي ْت ُ ُ‬
‫خَرى)‪(20‬‬
‫ة ال ْ ْ‬
‫الّثال ِث َ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وهذا مما ل تجوز روايته إل من قليلي الدراك الذين ينقلون كل ما وجدوه غير‬
‫متثبتين من صحته‪ ،‬وها نحن ُأولء نسوق لك أدلة النقل والعقل على بطلن‬
‫ما ذكر‪ ،‬أما الحديث فسنده ومتنه قلقان‪ ،‬فالسند قال فيه القاضي عياض في‬
‫الشفا‪» :‬لم يخّرجه أحد من أهل الصحة ول رواه ثقة بسند سليم«‪ ،‬وأما‬
‫المتن فليس أصحاب رسول الله ول المشركون مجانين حتى يسمعوا مدحا ً‬
‫َ‬
‫مآء‬
‫أثناء ذم ويجوز ذلك عليهم‪ ،‬فبعد ذكر الصنام قال‪ :‬إ ِ ْ‬
‫ى إ ِل ّ أ ْ‬
‫س َ‬
‫ن هِ َ‬
‫سميتمو َ َ‬
‫سل ْ َ‬
‫م َوءاَبآؤُ ُ‬
‫مآ َأنَز َ‬
‫ن{ )النجم‪ .(23 :‬فالكلم‬
‫ه ب َِها ِ‬
‫من ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫كم ّ‬
‫هآ أنت ُ ْ‬
‫َ ّ ُْ ُ‬
‫طا ٍ‬
‫جونه بها‬
‫من َْتظم‪ ،‬ولو كان ذلك قد حصل لّتخذه الكفار عليه حجة يحا ّ‬
‫غير ُ‬
‫وقت الخصام‪ ،‬وهم من نعرفهم من العناد فيما ليس فيه أدنى حجة‪ ،‬فكيف‬
‫بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل القبلة إلى الكعبة‪ ،‬وهذا قالوا فيه ما‬
‫قو ُ‬
‫ل‬
‫سي َ ُ‬
‫ماهم الله سفهاء وأنزل فيهم في سورة البقرة‪َ } :‬‬
‫قالوا حتى س ّ‬
‫م ال ِّتى َ‬
‫كاُنوا ْ عَل َي َْها{ )البقرة‪.(142 :‬‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫فَهآء ِ‬
‫ال ّ‬
‫عن قِب ْل َت ِهِ ُ‬
‫ما وَّلهُ ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ولكن لم ُيسمع عن أي واحد من رجالتهم والمتصدرين للعناد منهم أن قال‪:‬‬
‫ت آلهتنا بعد أن مدحتها؟ وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف‬
‫ما لك َذمم َ‬
‫مهج الرجال‪.‬‬
‫وبذل ُ‬
‫على أن المؤرخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سببا ً لرجوع مهاجري‬
‫الحبشة يقولون أثناء كلمهم‪ :‬إن الهجرة كانت في رجب‪ ،‬والرجوع كان في‬
‫شوال‪ ،‬ونزول سورة النجم كان في رمضان‪ ،‬فالمدة بين نزول السورة‬
‫مل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان ل‬
‫ورجوع المهاجرين شهر واحد‪ ،‬والمتأ ّ‬
‫يكفي في ذاك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والياب منها لنه لم يكن‬
‫إذ ذاك مراكب بخارية تسّهل السير في البحر‪ ،‬ول تلغراف يوصل خبر إسلم‬
‫ة بعد ذلك إن قلنا إن هذه الخرافة من‬
‫قريش لمن بالحبشة‪ ،‬فل غراب َ‬
‫موضوعات أهل الهواء الذين ابتلى الله بهم هذا الدين‪ ،‬ولكن الحمد لله فقد‬
‫مفترٍ كذاب ففي‬
‫ن علينا بحفظ كتابنا المجيد الذي يحكم بيننا وبين كل ُ‬
‫م ّ‬
‫ْ‬
‫وى)‪(3‬‬
‫السورة نفسها‪} :‬وَ َ‬
‫ن الهَ َ‬
‫ما َينط ِقُ عَ ِ‬
‫والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد اللهبن مسعود‪:‬‬
‫ن كان معه إل‬
‫أن النبي عليه الصلة والسلم قرأ والنجم فسجد‪ ،‬وسجد َ‬
‫م ْ‬
‫رجل ً أخذ كفا ً من حصى وضعه على جبهته وقال‪ :‬يكفيني هذا‪ ،‬فرأيته قُت ِ َ‬
‫ل بعد‬
‫كافرًا‪ .‬وليس في هذا الحديث أدنى دللة على أن الذين سجدوا معه هم‬
‫مشركون‪ ،‬بل الذي يفيده قوله‪ :‬فرأيته قُِتل بعد كافرا ً أنه كان مسلما ً ثم‬
‫د‪ ،‬وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحملوا الذى‬
‫رأيته ارت ّ‬
‫فكفروا‪ ،‬منهم‪ :‬عليبن أميةبن خلف‪.‬‬
‫ن‬
‫هذا‪ ،‬ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن من الدخول إليها إل َ‬
‫م ْ‬
‫مجيرًا‪ ،‬فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب‪ ،‬ودخل عثمانبن‬
‫وجد له ُ‬
‫مظعون في جوار الوليدبن المغيرة‪ ،‬وقد رد ّ عليه جواره حينما رأى ما صنعه‬
‫بالمسلمين‪ ،‬فلم ي ََر أن يكون مرتاحا ً وإخوانه معذبون‪.‬‬
‫كتابة الصحيفة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ولما ضاقت الحي ُ‬
‫ل بكفار قريش‪ ،‬عرضوا على بني عبد مناف‪ ،‬الذين منهم‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم‪ ،‬دية مضاعفة‪ ،‬ويسلمونه‪ ،‬فأبوا عليهم ذلك‪ ،‬ثم‬
‫عرضوا على أبي طالب أن ُيعطوه سيدا ً من شبانهم يتبناه‪ ،‬ويسلم إليهم ابن‬
‫أخيه‪ ،‬فقال‪ :‬عجبا ً لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟‬
‫فلما رأوا ذلك أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب وََلديْ عبد‬
‫مناف وإخراجهم من مكة‪ ،‬والتضييق عليهم فل يبيعونهم شيئًا‪ ،‬ول يبتاعون‬
‫منهم حتى يسلموا محمدا ً للقتل‪ ،‬وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف‬
‫شْعب أبي طالب‪ ،‬ودخل‬
‫الكعبة‪ ،‬فانحاز بنو هاشم ــــ بسبب ذلك ــــ في ِ‬
‫معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب فإنه كان‬
‫مع قريش‪ ،‬وانخذ َ‬
‫مْيهم عبد شمس ونوفل ابني عبد مناف‪،‬‬
‫ل عنهم بنو عَ ّ‬
‫فجهد القوم حتى كانوا يأكلون ورق الشجر‪ ،‬وكان أعداؤهم يمنعون التجار من‬
‫مبايعتهم وفي مقدمة المانعين أبو لهب‪.‬‬
‫هجرة الحبشة الثانية‬
‫مهِ ال ّ‬
‫ب أمر جميع المسلمين أن يهاجروا للحبشة‬
‫وبعد دخول الرسول وقو ِ‬
‫شعْ َ‬
‫حتى يساعد بعضهم بعضا ً على الغتراب‪ ،‬فهاجر معظمهم وكانوا نحو ثلثة‬
‫وثمانين رجل ً وثماني عشرة امرأة‪ ،‬وكان من الرجال جعفربن أبي طالب‬
‫مْيس‪ ،‬والمقدادبن السود‪ ،‬وعبد اللهبن مسعود‪ ،‬وعبيد‬
‫وزوجه أسماء بنت عُ َ‬
‫اللهبن جحش‪ ،‬وامرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان‪ ،‬وتوجه لهم الذين أسلموا‬
‫ت قريش ذلك‬
‫من جهة اليمن وهم الشعريون‪ :‬أبو موسى وبنو عمه‪ .‬ولما رأ ْ‬
‫عمارةبن الوليد بهدايا إلى النجاشي‬
‫أرسلت في أثرهم عمروبن العاص و ُ‬
‫سّلم المسلمين‪ ،‬فرجعا َ‬
‫شّر رجعة‪ ،‬ولم ينال من النجاشي إل إهانة لما‬
‫لي ُ َ‬
‫خاطبوه به من إخفار ذمته في قوم لذوا به‪ ،‬أما بنو هاشم فمكثوا في‬
‫الشعب قريبا ً من ثلث سنوات في شدة الجهد والبلء ل يصلهم شيء من‬
‫الطعام إل خفية‪.‬‬
‫نقض الصحيفة‬
‫وقد قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة‪،‬‬
‫وهم‪ :‬هشامبن عمروبن ربيعةبن الحارث العامري‪ ،‬وهو أعظمهم في ذلك‬
‫مط ِْعمبن‬
‫بلًء‪ ،‬وزهيربن أبي أمية المخزومي ابن عمة الرسول عاتكة‪ ،‬وال ُ‬
‫مَعةبن السود السدي‪،‬‬
‫عديّ النوفلي‪ ،‬وأبو الب َ ْ‬
‫خَترّيبن هشام السدي‪ ،‬وز ْ‬
‫ّ‬
‫واتفقوا على ذلك لي ً‬
‫ل‪ ،‬فلما أصبحوا غدا زهير وعليه حلة‪ ،‬فطاف بالبيت ثم‬
‫ْ‬
‫س الثياب وبنو هاشم‬
‫أقبل على الناس‪ ،‬فقال‪ :‬يا أهل مكة أنأكل الطعام ون َلب َ ُ‬
‫والمطلب هَْلكى ل يبيعون ول يبتاعون؟ والله ل أقعد حتى ت ُ َ‬
‫شق هذه الصحيفة‬
‫معة لبي جهل‪ :‬أنت والله‬
‫ت‪ ،‬فقال َز ْ‬
‫الظالمة القاطعة‪ .‬فقال أبو جهل‪ :‬كذب َ‬
‫أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت‪ ،‬فقال أبو البختري‪ :‬صدق زمعة‪ ،‬وقال‬
‫دق على ما قيل‬
‫المطعمبن عدي‪ :‬صدقتما‪ ،‬وكذب من قال غير ذلك‪ .‬وص ّ‬
‫َ‬
‫قها‪ ،‬وكانت الَرضة قد أكلتها‬
‫هشامبن عمرو‪ ،‬فقام إليها المطعمبن عدي فش ّ‬
‫فلم يبقَ فيها إل ما فيه اسم الله‪ ،‬وقد أخبر النبي عليه الصلة والسلم عمه‬
‫أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر‪ ،‬فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه‬
‫الشدة‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وفود نجران‬
‫وقد وفد على الرسول بعد الخروج من ال ّ‬
‫شعب وفد من نصارى نجران بلغهم‬
‫خبُرهُ من مهاجري الحبشة‪ ،‬فسارعوا بالقدوم عليه حتى يروا صفاته مع ما‬
‫ذكر منها في كتبهم‪ ،‬وكانوا عشرين رجل ً أو قريبا ً من ذلك‪ ،‬فقرأ عليهم‬
‫القرآن فآمنوا كلهم‪ ،‬فقال لهم أبو جهل‪ :‬ما رأينا ركبا ً أحمق منكم‪ ،‬أرسلكم‬
‫قومكم تعلمون خبر هذا الرجل فصبأتم فقالوا‪ :‬سلم عليكم ل نجاهلكم‪ ،‬لكم‬
‫ما أنتم عليه ولنا ما اخترناه‪ ،‬فأنزل الله في ذلك قوله في سورة القصص‪:‬‬
‫م َقاُلوا ْ‬
‫من قَب ْل ِهِ ُ‬
‫هم ب ِهِ ي ُؤْ ِ‬
‫ب ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ن)‪ (52‬وَإ َِذا ي ُت َْلى عَل َي ْهِ ْ‬
‫ن ءات َي َْناهُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن)‪ (53‬أوْل َئ ِ َ‬
‫هم‬
‫جَر ُ‬
‫سل ِ ِ‬
‫من ّرب َّنآ إّنا ك ُّنا ِ‬
‫حق ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ك ي ُؤُْتو َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫من قَب ْل ِهِ ُ‬
‫مّنا ب ِهِ إ ِن ّ ُ‬
‫ءا َ‬
‫مي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن)‪ (54‬وَإ َِذا‬
‫م ُينفِ ُ‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫ة وَ ِ‬
‫قو َ‬
‫ن ِبال َ‬
‫صب َُروا وَي َد َْرؤُ َ‬
‫سن َةِ ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ما َرَزقَْناهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ن بِ َ‬
‫ّ‬
‫ما َ‬
‫مّرت َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م عَل َي ْك ُْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م لَ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫مُعوا اللغْوَ أعَْر ُ‬
‫سل ٌ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫مالك ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫مالَنا وَلك ْ‬
‫ه وَقالوا لَنآ أعْ َ‬
‫ضوا عَن ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مط ِْر عَلي َْنا‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫حق ّ ِ‬
‫هاَذا هُوَ ال َ‬
‫م ِإن كا َ‬
‫ن َب ْت َِغى ال َ‬
‫عندِك فأ ْ‬
‫ن)‪ (55‬اللهُ ّ‬
‫م ْ‬
‫جاهِِلي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مآء أوِ ائت َِنا ب ِعَ َ‬
‫م{ )النفال‪.(32 :‬‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫ن ال ّ‬
‫س َ‬
‫جاَرةً ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫م َ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫وفاة خديجة رضي الله عنها‬
‫وبعد خروجه عليه الصلة والسلم من الشعب بقليل وقبل الهجرة بثلث‬
‫سنين توفيت خديجة بنت خويلد زوجه رضي الله عنها‪ ،‬وكان عليه الصلة‬
‫والسلم كثيرا ً ما يذكرها ويترحم عليها‪ ،‬ول غرابة‪ ،‬فهي أول نفس زكية‬
‫دقت رسول الله فيما جاء به عن ربه‪ ،‬وقد جاء منها بأولده كلهم ما عدا‬
‫ص ّ‬
‫إبراهيم‪ .‬فمنها زينب وهي أكبر بناته تزوجها في الجاهلية أبو العاصبن الربيع‪،‬‬
‫وأعقب منها أمامة التي تزوجها عليبن أبي طالب بعد وفاة فاطمة‪ ،‬ومنها‬
‫رقّية وُأم كلثوم تزوجهما عثمان؛ الولى بمكة قبل الهجرة وهاجر بها إلى‬
‫َ‬
‫ن ماتت أختها‪ ،‬ومنها فاطمة وهي أصغر بناته‬
‫الحبشة‪ ،‬والثانية بالمدينة بعد أ ْ‬
‫تزوجها عليبن أبي طالب‪ ،‬وقد جاءت خديجة بأولد توّفوا صغارًا‪ ،‬ولم يعش‬
‫بعد رسول الله من أولده إل ّ فاطمة عاشت بعده قلي ً‬
‫ل‪ .‬ولما توفيت خديجة‬
‫حزن عليها رسول الله حزنا ً شديدا ً لما كانت عليه من الرقة لرسول الله‪،‬‬
‫ومحاجزة الكفار عنه لما لها من الجاه في عشيرتها بني أسد‪ ،‬ومنها القاسم‬
‫وكان به يكنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله الملقب بالطيب‬
‫والطاهر‪.‬‬
‫زواج سودة‬
‫ودة‬
‫وعقد عليه الصلة والسلم في الشهر الذي ماتت فيه خديجة على َ‬
‫س ْ‬
‫مَعة العامرية القرشية بعد أن توفي عنها زوجها وابن عمها السكرانبن‬
‫بنت َز ْ‬
‫عمرو‪ ،‬وقد كانت آمنت بالله وبرسوله وخالفت أقاربها وبني عمها‪ ،‬وهاجرت‬
‫مع زوجها إلى الحبشة في المرة الثانية خوف الفتنة‪ ،‬وعقب رجوعه من‬
‫هجرته توفي عنها‪ ،‬فلم يكن ثم أجمل مما صنعه الرسول بزوج رجل آمن به‪،‬‬
‫م‬
‫ولو تركت لقومها مع ما هم عليه من الغلظة وكراهة السلم لفتنوها‪ ،‬وكر ُ‬
‫نسبها في قومها يمنعها من التزّوج برجل أقل منها نسبا ً وشرفًا‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫زواج عائشة رضي الله عنها‬
‫وبعد ذلك بشهر عقد على عائشة بنت صديقه أبي بكر وهي ل تتجاوز السابعة‬
‫من عمرها‪ ،‬ولم يتزوج عليه الصلة والسلم بكرا ً غيرها‪ ،‬ودخل عليها‬
‫سودة ُ فدخل عليها بمكة‪.‬‬
‫بالمدينة‪ ،‬أما َ‬
‫وبعد وفاة خديجة بنحو شهر‪ ،‬توفي عمه أبو طالب‪ ،‬الذي كان يمنعه من أذى‬
‫أعدائه‪ ،‬ومع أنه كان ل ي ُك َ ّ‬
‫ذب رسول الله فيما جاء به بل يعتقد صدقه لم‬
‫ينطق بالشهادتين حتى آخر لحظة من حياته‪ ،‬وفيه نزل في سورة القصص‪:‬‬
‫َ‬
‫ك ل َ تهدى م َ‬
‫}إ ِن ّ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ن)‪(56‬‬
‫مهْت َ ِ‬
‫ه ي َهْ ِ‬
‫َْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫شآء وَهُوَ أعْل َ ُ‬
‫دى َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫دي َ‬
‫ت وََلك ِ ّ‬
‫َ ْ‬
‫وقد سمى رسول الله هذا العام الذي فقد فيه زوجه وعمه عام الحزن‪ .‬ولما‬
‫مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ما لم يمكنها نيله في حياة أبي‬
‫طالب‪ ،‬واشتد المر عليه حتى كانوا ينثرون التراب على رأسه وهو سائر‪،‬‬
‫ويضعون أوساخ الشاة عليه في صلته‪ ،‬وتعلقت به كفار قريش مرة‬
‫يتجاذبونه ويقولون له‪ :‬أنت الذي تريد أن تجعل اللهة إلها ً واحدًا؟ فما تقدم‬
‫أحد من المسلمين حتى يخلصه منهم لما هم عليه من الضعف إل أبو بكر‬
‫قو َ‬
‫ه{ )غافر‪.(28 :‬‬
‫جل ً َأن ي َ ُ‬
‫فإنه تقدم‪ ،‬وقال‪ :‬أ َت َ ْ‬
‫ن َر ُ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ى الل ّ ُ‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫هجرة الطائف‬
‫فلما رأى عليه الصلة والسلم استهانة قريش به أراد أن يتوجه إلى ثقيف‬
‫مم أمر ربه‪ ،‬لنهم‬
‫بالطائف يرجو منهم نصرته على قومه ومساعدته حتى يت ّ‬
‫أقرب الناس إلى مكة وله فيهم خؤولة‪ ،‬فإن أم هاشمبن عبد مناف عاتكة‬
‫سَليمبن منصور وهم حلفاء ثقيف‪ ،‬فلما توجه إليهم ومعه‬
‫السلمية من بني ُ‬
‫حبيب‬
‫موله زيدبن حارثة قابل رؤساءهم وكانوا ثلث ً‬
‫ة‪ :‬عبد يال ِْيل ومسعود و َ‬
‫أولد عمروبن عمير الثقفي‪ ،‬فعرض عليهم نصرته حتى يؤدي دعوته‪ ،‬فرّدوا‬
‫عليه ردا ً قبيحًا‪ ،‬ولم يَر منهم خيرًا‪ ،‬وحينذاك طلب منهم أن ل ُيشيعوا ذلك‬
‫عنه كيل تعلم قريش فيشتد ّ أذاهم لنه استعان عليهم بأعدائهم‪ ،‬فلم تفعل‬
‫ثقيف ما رجاه منهم عليه الصلة والسلم‪ ،‬بل أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم‬
‫يقفون في وجهه في الطريق ويرمونه بالحجارة‪ ،‬حتى أدموا عقبه‪ ،‬وكان‬
‫زيدبن حارثة يدرأ عنه إلى أن انتهى إلى شجرة كْرم واستظ ّ‬
‫ل بها‪ ،‬وكانت‬
‫بجوار بستان لُعتبة و َ‬
‫شيبة ابني ربيعة وهما من أعدائه وكانا في البستان‪،‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫وتي‬
‫م إني أشكو إليك ضع َ‬
‫فكره رسول الله مكانهما فدعا الله قائل‪» :‬الله ّ‬
‫فق ّ‬
‫ب المستضعفين‪،‬‬
‫ة حيلتي و َ‬
‫وقِل ّ َ‬
‫هواني على الناس‪ ،‬يا أرحم الراحمين أنت ر ّ‬
‫وأنت ربي‪ ،‬إلى من تكلني‪ ،‬إلى بعيد يتجّهمني‪ ،‬أم إلى عدوَ ملكته أمري؟ إن‬
‫ي فل أبالي« فلما رآه ابنا ربيعة َرّقا له وأرسل إليه‬
‫لم يكن بك غضب عل ّ‬
‫داس‪ .‬فلما ابتدأ رسول الله‬
‫بِ ِ‬
‫ف من العنب مع مولى لهما نصراني اسمه عَ ّ‬
‫قط ْ ٍ‬
‫داس‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم يأكل قال‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم« فقال عَ ّ‬
‫ي‬
‫هذا الكلم ما يقوله أهل هذه البلد‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪» :‬من أ ّ‬
‫البلد أنت وما دينك؟« فقال‪ :‬نصراني من ن ِي َْنوى‪ ،‬فقال له عليه الصلة‬
‫والسلم‪» :‬من قرية الرجل الصالح ُيوُنسبن مّتى؟« قال‪ :‬وما علمك بيونس؟‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫فقرأ له من القرآن ما فيه قصة يونس‪ ،‬فلما سمع ذلك عداس أسلم‪ ،‬وأتى‬
‫جبريل برسالة من الله ج ّ‬
‫ل ذكره‪ ،‬وقال‪ :‬إن الله أمرني أن أطيعك في قومك‬
‫لما صنعوه‬
‫م اهدِ قومي فإنهم ل يعلمون« فقال‬
‫معك‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬الله ّ‬
‫ماك الرؤوف الرحيم‪.‬‬
‫جبريل‪ :‬صدق من س ّ‬
‫من ينتمون‬
‫ولما كان بن َ ْ‬
‫خَلة وفد عليه نفر من الجن يستمعون القرآن وهم م ّ‬
‫إلى موسى صلوات الله عليه‪ ،‬فلما سمعوه أنصتوا له ورجعوا إلى قومهم‬
‫منذرين وأبلغوهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل في‬
‫صَرفَْنآ إ ِل َي ْ َ‬
‫ما‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ك نَ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫قْرءا َ‬
‫مُعو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن فَل َ ّ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫فرا ً ّ‬
‫سورة الحقاف‪} :‬وَإ ِذ ْ َ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مَنآ‬
‫ى وَلوْا إ ِلى قَوْ ِ‬
‫ما قُ ِ‬
‫ضُروهُ َقاُلوا ْ أن ِ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ن)‪َ (29‬قالوا ياقَوْ َ‬
‫مِهم ّ‬
‫صُتوا ْ فَل َ ّ‬
‫منذِِري َ‬
‫ض َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫معَْنا ك َِتابا أنزِ َ‬
‫ق‬
‫ن ي َد َي ْهِ ي َهْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫س ِ‬
‫دى إ ِلى ال َ‬
‫ص ّ‬
‫مو َ‬
‫إ ِّنا َ‬
‫ح ّ‬
‫دقا ل َ‬
‫سى ُ‬
‫من ب َعْد ِ ُ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من‬
‫جيُبوا َدا ِ‬
‫مُنوا ب ِهِ ي َغْ ِ‬
‫ى اللهِ َوءا ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫فْر لك ْ‬
‫مَنآ أ ِ‬
‫م)‪ (30‬ياقوْ َ‬
‫ق ّ‬
‫وَإ َِلى ط ِ‬
‫ع َ‬
‫قي ٍ‬
‫ري ٍ‬
‫َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ز‬
‫ب َدا ِ‬
‫ج ْ‬
‫معْ ِ‬
‫س بِ ُ‬
‫من ل ّ ي ُ ِ‬
‫م)‪ (31‬وَ َ‬
‫م ّ‬
‫جْرك ُ ْ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫ذ ُُنوب ِك ُ ْ‬
‫ى الل ّهِ فَل َي ْ َ‬
‫ذا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ج ٍ‬
‫ع َ‬
‫ب أِلي ٍَ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من ُدون ِهِ أوْل َِيآء أوْل َئ ِ َ‬
‫ن)‪ (32‬قُ ْ‬
‫ى‬
‫ل أو ِ‬
‫ه ِ‬
‫ك ِفى َ‬
‫ل ّ‬
‫س لَ ُ‬
‫ض وَل َي ْ َ‬
‫ِفى ال ْْر َ‬
‫ضَل ٍ‬
‫ح َ‬
‫مِبي ٍ‬
‫إل َ َ‬
‫دى إ َِلى‬
‫ن فَ َ‬
‫مع َ ن َ َ‬
‫جبًا)‪ (1‬ي َهْ ِ‬
‫س ِ‬
‫معَْنا قُْرءان َا ً عَ َ‬
‫قاُلوا ْ إ ِّنا َ‬
‫ها ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫فٌر ّ‬
‫ست َ َ‬
‫ى أن ّ ُ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫ِ ّ‬
‫ك بربنآ أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حدًا)‪(2‬‬
‫ر‬
‫نش‬
‫لن‬
‫و‬
‫ه‬
‫ب‬
‫نا‬
‫م‬
‫ئا‬
‫ف‬
‫د‬
‫ش‬
‫الّر ِ‬
‫َِ َّ َ‬
‫َ ّ ِ ِ َ‬
‫ّ ِ‬
‫دي‬
‫مبن عَ ِ‬
‫مط ْعِ ِ‬
‫الحتماء بال ُ‬
‫ولما رجع عليه الصلة والسلم من الطائف هكذا لم يتمكن من دخوله مكة‪،‬‬
‫لما علمه كفار قريش من أنه توجه إلى الطائف يستنصُر بأهليها عليهم‪،‬‬
‫مط ِْعمبن عديبن نوفلبن عبد مناف يخبره‬
‫فأرسل عليه الصلة والسلم إلى ال ُ‬
‫أنه سيدخل مكة في جواره فأجاب إلى ذلك‪ ،‬وتسلح هو وبنوه وتوجهوا مع‬
‫َ‬
‫جيٌر أنت أم تابع؟‬
‫م ِ‬
‫رسول الله إلى المطاف‪ ،‬فقال له بعض المشركين‪ :‬أ ُ‬
‫مت ُ َ‬
‫ك‪.‬‬
‫خ َ‬
‫فقال بل مجير‪ ،‬قالوا‪ :‬إذا ً ل ت ُ ْ‬
‫فُر ذِ ّ‬
‫وفد د َْوس‬
‫فْيلبن عمرو‬
‫وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة الط ّ َ‬
‫دوسي‪ ،‬من قبيلة دوس‪ ،‬عشيرة أبي هريرة الصحابي الشهير‪ ،‬وكان‬
‫ال ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الطفيل شريفا في قومه شاعرا نبيل‪ ،‬فلما قرأ عليه القرآن أسلم‪ ،‬فقال له‬
‫رسول الله‪» :‬اذهب إلى قومك فادعهم إلى السلم« ودعا لهم رسول الله‬
‫م اهد ِ د َْوسًا«‪ ،‬فتوجه إليهم الطفيل‬
‫صلى الله عليه وسلم فقال‪» :‬الله ّ‬
‫َ‬
‫ه على الرسول مرة ثانية‬
‫ودعاهم فآمن بدعوته كثير منهم‪ .‬وستأتي وِفاد َت ُ ُ‬
‫بقومه في المدينة‪.‬‬
‫السراء والمعراج‬
‫وقبل الهجرة أكرمه الله بالسراء والمعراج‪ ،‬أما السراء فهو توجهه ليل ً إلى‬
‫بيت المقدس بإ ِْيلياء ورجوعه من ليلته‪ ،‬وأما المعراج فهو صعوده إلى العالم‬
‫العلوي‪ ،‬وقد قال جمهور أهل السّنة‪ :‬إن ذلك كان بجسمه الشريف‪ ،‬وكانت‬
‫عائشة رضي الله عنها تمنع رؤية رسول الله ربه‪ ،‬وتقول‪ :‬من قال إن محمدا ً‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله‪ ،‬والسراء مذكور في القرآن الكريم‪،‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ذى أ ْ‬
‫قال تعالى في أول سورة السراء‪ُ :‬‬
‫سَرى ب ِعَب ْدِهِ ل َي ْل ً ّ‬
‫م َ‬
‫حَرام ِ إ َِلى ) ( ‪) {1: ،‬السراء‪.(1 :‬‬
‫جدِ ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح أحاديثه ما رواه الشيخان‬
‫وأما المعراج فقد ورد في صحيح السّنة‪ ،‬وأص ّ‬
‫ونقله القاضي عياض في شفائه عن أنسبن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪» :‬أتيت بالُبراق ــــ وهو داّبة فوق الحمار‬
‫ت‬
‫ت بي َ‬
‫ودون البغل يضع حافره عند منتهى ط َْرفه ــــ قال‪ :‬فركبته حتى أتي ُ‬
‫المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها النبياء‪ ،‬ثم دخلت المسجد فصليت‬
‫ر‪ ،‬وإناٍء من لبن‪ ،‬فاخترت‬
‫فيه ركعتين‪ ،‬ثم خرجت فأتاني جبريل بإناٍء من خم ٍ‬
‫ج بنا إلى السماء‪ ،‬فاستفتح جبريل‬
‫اللبن‪ ،‬فقال جبريل‪ :‬اخترت الفطرة‪ .‬ثم عُرِ َ‬
‫فقيل‪ :‬من أنت؟ قال جبريل‪ ،‬قيل‪ :‬ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيل‪ :‬وقد ُبعث‬
‫إليه؟ قال‪ :‬قد بعث إليه‪ ،‬ففتح لنا فإذا بآدم‪ ،‬فرحب بي‪ ،‬ودعا لي بخير‪ .‬ثم‬
‫عرج بنا إلى السماء الثانية‪ ،‬فاستفتح جبريل‪ ،‬فقيل‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬جبريل‪،‬‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟ قال‪ :‬قد بعث إليه‪ ،‬ففتح‬
‫عوا لي بخير‪ .‬ثم‬
‫لنا‪ ،‬فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ابن مريم فرحبا ود َ َ‬
‫عَُرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الول‪ ،‬ففتح لنا وإذا أنا بيوسف‪ ،‬وإذا هو‬
‫ُ‬
‫ج بنا إلى السماء‬
‫قد أعطي شطر الحسن‪ ،‬فرحب ودعا لي بخير‪ .‬ثم عُرِ َ‬
‫الرابعة فذكر مثله‪ ،‬فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير‪ .‬قال تعالى في‬
‫م َ‬
‫كانا ً عَل ِي ًّا)‪(57‬‬
‫سورة مريم‪ :‬وََرفَعَْناه ُ َ‬
‫ّ‬
‫وفي صبيحة ليلة السراء جاء جبريل وعلم رسول الله كيفية الصلة وأوقاتها‪،‬‬
‫فيصلي ركعتين إذا ظهر الفجر‪ ،‬وأربع ركعات إذا زالت الشمس ومثلها إذا‬
‫ضوعف ظل الشيء‪ ،‬وثلثا ً إذا غربت‪ ،‬وأربعا ً إذا غاب الشفق الحمر‪ .‬وكان‬
‫عليه الصلة والسلم قبل مشروعية الصلة يصلي ركعتين صباحًا‪ ،‬ومثلهما‬
‫مساًء كما كان يفعل إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫العرض على القبائل‬
‫ه من تأدية‬
‫من َعَ ً‬
‫ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجد من قريش َ‬
‫سّلط الكبر والعظمة على قلوبهم‪ ،‬أراد الله أن يظهر أمر الدين‬
‫الرسالة وت َ َ‬
‫على أيدي غيرهم من العرب‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم يخرج في المواسم‬
‫العربية ــــ وهي أسواق كانت العرب تعقدها للتجارة والمفاخرة ــــ ويعرض‬
‫نفسه على القبائل ليحموه حتى يؤدي رسالة ربه‪ ،‬فكان بعضهم يرد ّ رد ّا ً‬
‫جمي ً‬
‫مة‬
‫م َ‬
‫سْيل َ‬
‫ل‪ ،‬وآخرون رد ّا ً قبيحًا‪ .‬وكان من أقبح القبائل رد ّا ً بنو حنيفة رهط ُ‬
‫ن هم آمنوا به أن يجعل لهم أمر الرياسة من‬
‫الكذاب‪ ،‬وطلب منه بنو عامر إ ْ‬
‫جون‬
‫يح‬
‫الذين‬
‫من‬
‫وكان‬
‫يشاء«‪.‬‬
‫حيث‬
‫يضعه‬
‫بعده‪ ،‬فقال لهم‪» :‬المر لله‬
‫ّ‬
‫البيت عرب يثرب وهي مدينة بين مكة والشام يقطنها قبيلتان‪ :‬إحداهما من‬
‫ولد الوس‪ ،‬والثانية من ولد الخزرج وهما أخوان وكان بين أولدهما من‬
‫العداوة ما يجعل الحرب ل تضع أوزارها بين الفريقين‪ ،‬فكانوا دائما ً في شقاق‬
‫ونزاع‪ ،‬وكان يجاورهم في المدينة أقوام من اليهود وهم‪ :‬بنو َقيُنقاع‪ ،‬وبنو‬
‫قَُريظة وبنو الّنضيرِ وكان لهم الغلبة على يثرب أو ً‬
‫ل‪ ،‬فحاربهم العرب حتى‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫صاروا ذوي النفوذ فيها والقوة‪ ،‬وكان اليهود إذا خذلوا يستفتحون على‬
‫أعدائهم باسم نبي ُيبعث قد قرب زمانه‪ .‬ولما اختلفت كلمة العرب فيما بينهم‬
‫و ُ‬
‫قت عصا اللفة‪ ،‬حالفوا اليهود على أنفسهم‪ ،‬فحالف الوس بني قريظة‪،‬‬
‫ش ّ‬
‫وحالف الخزرج بني النضير وبني قينقاع‪ ،‬وآخر اليام بينهم يوم ُبعاث قتل فيه‬
‫ُ‬
‫ي ابن سلول من الخزرج‪ ،‬وأبو عامر‬
‫أكثر رؤسائهم ولم يبق إل عبد اللهبن أب َ ّ‬
‫دمه الله‬
‫الراهب من الوس‪ ،‬ولذلك كانت عائشة تقول‪ :‬كان يوم ُبعاث يوما ً ق ّ‬
‫لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقد خطر ببال رؤساء الوس أن يحالفوا‬
‫سبن رافع مع‬
‫سبن معاذ وأبا ال َ‬
‫حيسر أن َ‬
‫قريشا ً على الخزرج‪ ،‬فأرسلوا إيا َ‬
‫جماعة يلتمسون ذلك الحلف في قريش‪ ،‬فلما جاؤوا مكة جاءهم رسول الله‬
‫وقال‪» :‬هل لكم في خير مما جئتم له؟ أن تؤمنوا بالله وحده‪ ،‬ول تشركوا‬
‫به شيئًا‪ ،‬وقد أرسلني الله إلى الناس كافة« ثم تل عليهم القرآن‪ ،‬فقال‬
‫إياسبن معاذ‪ :‬يا قوم هذا والله خير مما جئنا له‪ ،‬فحصبه أبو الحيسر وقال له‪:‬‬
‫دعنا منك لقد جئنا لغير هذا‪ ،‬فسكت‪.‬‬
‫بدء إسلم النصار‬
‫ولما جاء الموسم تعَّرض رسول الله لنفر منهم يبلغون الستة‪ ،‬وكلهم من‬
‫الخزرج وهم‪ :‬أسعدبن زرارة‪ ،‬وعوفبن الحارث من بني النجار‪ ،‬ورافعبن مالك‬
‫من بني زريق‪ ،‬وقُ ْ‬
‫حَرام‪،‬‬
‫سِلمة‪ ،‬وعقبةبن عامر من بني َ‬
‫طبةبن عامر من بني َ‬
‫وجابربن عبد الله من بني عبيدبن عدي‪ ،‬ودعاهم إلى السلم وإلى معاونته‬
‫دكم به يهود‬
‫في تبليغ رسالة ربه‪ ،‬فقال بعضهم لبعض‪ :‬إنه للنبي الذي كانت ت َعِ ُ‬
‫دقوه‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنا تركنا قومنا بينهم من‬
‫سب ِ ُ‬
‫م إليه‪ ،‬فآمنوا به وص ّ‬
‫فل ي َ ْ‬
‫قن ّك ُ ْ‬
‫العداوة ما بينهم‪ ،‬فإن يجمعهم الله عليك فل رجل أعّز منك‪ ،‬ووعدوه المقابلة‬
‫في الموسم المقبل‪ ،‬وهذا هو َبدء السلم لعرب يثرب‪.‬‬
‫العقبة الولى‬
‫ً‬
‫فلما كان العام المقبل قدم اثنا عشر رجل‪ ،‬منهم عَ َ‬
‫شرة من الخزرج‪ ،‬واثنان‬
‫من الوس‪ ،‬وهم‪ :‬أسعدبن زرارة‪ ،‬وعوف ومعاذ ابنا الحارث‪ ،‬ورافعبن مالك‪،‬‬
‫عبادةبن الصامت‪ ،‬ويزيدبن ثعلبة‪ ،‬والعباسبن عبادة‪،‬‬
‫وذكوانبن قيس‪ ،‬و ُ‬
‫وعقبةبن عامر وقطبةبن عامر‪ ،‬وهؤلء من الخزرج‪ ،‬وأبو الهيثمبن الت ّّيهان‪،‬‬
‫ويمبن ساعدة وهما من الوس‪ ،‬فاجتمعوا به عند العقبة‪ ،‬وأسلموا وبايعوا‬
‫وع ُ َ‬
‫رسول الله على بيعة النساء‪ ،‬وذلك قبل أن تفترض الحرب‪ ،‬على أل يشركوا‬
‫بالله شيئًا‪ ،‬ول يسرقوا ول يزنوا‪ ،‬ول يقتلوا أولدهم‪ ،‬ول يأتوا ببهتان يفترونه‬
‫بين أيديهم وأرجلهم‪ ،‬ول يعصونه في معروف‪ ،‬فإن وََفوا فلهم الجنة‪ ،‬وإن‬
‫َ‬
‫غشوا من ذلك شيئا ً فأمرهم إلى الله عز وجل‪ ،‬إن شاء غفر وإن شاء عذب‪،‬‬
‫وهذه هي العقبة الولى‪.‬‬
‫فأرسل لهم عليه الصلة والسلم مصعببن عمير العبدري وعبد الله ابن ُأم‬
‫مكتوم ــــ وهو ابن خالة خديجة ــــ ُيقرآنهم القرآن‪ ،‬ويفقهانهم في الدين‪،‬‬
‫ونزل مصعب على أحد المبايعين أبي ُأمامة أسعدبن زرارة‪ ،‬وصار يدعو بقية‬
‫الوس والخزرج للسلم‪ .‬وبينما هو في بستان مع أسعدبن زرارة إذ قال‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ُ‬
‫حضير ابن عم سعد‪ :‬أل‬
‫سْيدبن ُ‬
‫سعدبن معاذ ــــ رئيس قبيلة الوس ــــ ل َ‬
‫فهان ضعفاءنا لتزجرهما؟ فقام لهما‬
‫س ّ‬
‫تقوم إلى هذين الرجلين اللذين أتيا ي ُ َ‬
‫أسيد بحربته‪ ،‬فلما رآه أسعد قال لمصعب‪ :‬هذا سيد قومه‪ ،‬وقد جاءك‬
‫فهان ضعفاءنا؟‬
‫س ّ‬
‫فاصدق الله فيه‪ ،‬فلما وقف عليهما قال‪ :‬ما جاء بكما ت ُ َ‬
‫اعتزل إن كان لكما بأنفسكما حاجة‪ .‬فقال مصعب‪ :‬أوَ تجلس فتسمع؟ فإن‬
‫رضيت أمرا ً قبلته‪ ،‬وإن كرهته كففنا عنك ما تكره‪ ،‬فقرأ عليه مصعب القرآن‬
‫ما‬
‫ن السلم‪ ،‬وهداه الله له فتشهد ورجع إلى سعد‪ ،‬فسأله ع ّ‬
‫فاستحسن دي َ‬
‫ت بالرجلين بأسًا‪ ،‬فغضب سعد وقام لهما مغيظا‪ً،‬‬
‫فعل‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما رأي ُ‬
‫ففعل معه مصعب كسابقه فهداه الله للسلم‪ ،‬ورجع لرجال بني عبد‬
‫دونني فيكم؟ قالوا‪ :‬سيدنا‬
‫الشهل‪ ،‬وهم بطن من الوس‪ ،‬فقال لهم‪ :‬ما تع ّ‬
‫ي حرام حتى ُتسلموا‪ ،‬فلم يبق‬
‫وابن سيدنا‪ .‬قال‪ :‬كلم رجالكم ونسائكم عل ّ‬
‫بيت من بيوت بني عبد الشهل إل أجابه‪ ،‬وقد انتشر السلم في دور يثرب‬
‫حتى لم يكن بينهم حديث إل أمر السلم‪.‬‬
‫العقبة الثانية‬
‫ولما كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الولى‪ ،‬قدم مكة كثيرون‬
‫مشركيهم‪ ،‬ولما قابل وفدهم رسول الله‪،‬‬
‫منهم يريدون الحج‪ ،‬وبينهم كثير من ُ‬
‫واعدوه المقابلة ليل ً عند العقبة‪ ،‬فأمرهم أن ل ُينّبهوا في ذلك الوقت نائمًا‪،‬‬
‫ول ينتظروا غائبًا‪ ،‬لن كل هذه العمال كانت خفية من قريش كيل ي ّ‬
‫طلعوا‬
‫على المر‪ ،‬فيسَعوا في نقض ما أبرم‪ ،‬شأنهم مع رسول الله في أول أمره‪.‬‬
‫من معهم‬
‫ولما فرغ النصار من حجهم توجهوا إلى موعدهم كاتمين أمرهم ع ّ‬
‫من المشركين‪ ،‬وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الول‪ ،‬فكانوا يتسللون الرجل‬
‫والرجلين حتى تم عددهم ثلثة وسبعين رج ً‬
‫ل‪ ،‬منهم اثنان وستون من الخزرج‪،‬‬
‫سيبة بنت كعب من بني‬
‫وأحد عشر من الوس‪ ،‬ومعهم امرأتان وهما‪ :‬ن ُ َ‬
‫سلمة‪ ،‬ووافقهم رسول الله هناك وليس‬
‫النجار‪ ،‬وأسماء بنت عمرو من بني َ‬
‫معه إل عمه العباسبن عبد المطلب وهو على دين قومه‪ ،‬ولكن أراد أن يحضر‬
‫ن متوثقا ً له‪ ،‬فلما اجتمعوا عّرفهم العباس بأن ابن أخيه لم‬
‫أمر ابن أخيه ليكو َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫من أظهر له العداوة‬
‫مَنعة من قومه حيث لم يمكنوا منه أحدا م ّ‬
‫يزل في َ‬
‫والبغضاء‪ ،‬وتحملوا من ذلك أعظم الشدة‪ ،‬ثم قال لهم‪ :‬إن كنتم ترون أنكم‬
‫من خالفه‪ ،‬فأنتم وما تحملتم من ذلك‪،‬‬
‫وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه م ّ‬
‫وإل فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم‪ .‬فقال كبيرهم المتكلم عنهم‬
‫الَبراءبن معرور‪ :‬والله لو كان لنا في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه‪ ،‬ولكنا‬
‫مَهجنا دون رسول الله‪ ،‬وعند ذلك قالوا لرسول‬
‫نريد الوفاء والصدق وبذل ُ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬خذ لنفسك ولربك ما أحببت‪ .‬فقال‪» :‬أشترط‬
‫لربي أن تعبدوه وحده ول تشركوا به شيئًا‪ ،‬ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون‬
‫ن‪ :‬يا‬
‫منه نساءكم وأبناءكم متى قدم ُ‬
‫ت عليكم«‪ .‬فقال له أبو الهيثمبن الت ّّيها ِ‬
‫ً‬
‫رسول الله إن بيننا وبين الرجال عهودا وإّنا قاطعوها‪ ،‬فهل عسيت إن نحن‬
‫فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م«‪ ،‬أي‪ :‬إن طالبتم بدم طالبت به وإن أهدرتموه‬
‫م الهَد ْ َ‬
‫م والهَد ْ َ‬
‫م الد ّ َ‬
‫»بل الد ّ َ‬
‫أهدرته‪ .‬وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة الثانية‪ ،‬فبايعه الرجال على ما‬
‫طلب‪ ،‬وأول من بايع أسعدبن زرارة‪ ،‬وقيل البراءبن معرور‪ ،‬ثم تخير منهم‬
‫اثني عشر نقيبًا‪ ،‬لكل عشيرة منهم واحد‪ ،‬تسعة من الخزرج‪ ،‬وثلثة من‬
‫الوس‪ ،‬وهم‪ :‬أبو الهيثمبن الت ّّيهان‪ ،‬وأسعدبن زرارة‪ ،‬وأسيدبن حضير‪،‬‬
‫والبراءبن معرور‪ ،‬ورافعبن مالك‪ ،‬وسعدبن خيثمة‪ ،‬وسعدبن الربيع‪ ،‬وسعدبن‬
‫عبادة‪ ،‬وعبد اللهبن رواحة‪ ،‬وعبداللهبن عمرو‪ ،‬وعبادةبن الصامت‪ ،‬والمنذربن‬
‫عمرو‪ ،‬ثم قال لهم‪» :‬أنتم كفلء على قومكم ككفالة الحوارّيين لعيسى ابن‬
‫مريم‪ ،‬وأنا كفيل على قومي« ولمر ما أراده الله ب َل َغَ خبُر هذه البيعة مشركي‬
‫ب النصار‪ ،‬وقالوا‪ :‬يا معشر الخزرج بلغنا أنكم‬
‫قريش‪ ،‬فجاؤوا ودخلوا ِ‬
‫شعْ َ‬
‫جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك‪ ،‬وصار‬
‫صل منهم‬
‫بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم ي َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ُ‬
‫ي كبير الخزرج يقول‪ :‬ما كان قومي ليفتاتوا‬
‫شيء في ليلتهم وعبد اللهبن أب َ ّ‬
‫ي بشيء من ذلك‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫هجرة المسلمين إلى المدينة‬
‫ولما رجع النصار إلى المدينة ظهر بينهم السلم أكثر من المرة الولى‪ .‬أما‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما‬
‫سمعوا أنه حالف قوما ً عليهم‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم جميع المسلمين‬
‫بالهجرة إلى المدينة‪ ،‬فصاروا يتسّللون خيفة قريش أن تمنعهم‪ .‬وأول من‬
‫ج أم سلمة ومعه زوجه‪ ،‬وكان قومها منعوها‬
‫خرج أبو سلمة المخزومي زو ُ‬
‫ً‬
‫منه ولكنهم أطلقوها بعد َفلحقت به‪ .‬وتتابع المهاجرون فرارا بدينهم ليتمكنوا‬
‫من عبادة الله الذي امتزج حّبه بلحمهم ودمهم‪ ،‬حتى صاروا ل يعبؤون‬
‫بمفارقة أوطانهم والبتعاد عن آبائهم ما دام في ذلك رضا الله ورسوله‪ .‬ولم‬
‫يبق بمكة منهم إل أبو بكر وعلي وصهيب وزيدبن حارثة‪ ،‬وقليلون من‬
‫المستضعفين الذين لم تم ّ‬
‫كنهم حاُلهم من الهجرة‪ ،‬وقد أراد أبو بكر الهجرة‬
‫سلك فإني أرجو أن يؤذن لي«‪ ،‬فقال‬
‫فقال له عليه الصلة والسلم‪» :‬على رِ ْ‬
‫أبو بكر‪ :‬وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال‪» :‬نعم«‪ .‬فحبس أبو بكر نفسه على‬
‫مر استعدادا ً لذلك‪.‬‬
‫رسول الله ليصحبه‪ ،‬وعلف راحلتين كانتا عنده ورق ال ّ‬
‫س ُ‬
‫دار الندوة‬
‫س الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة‬
‫أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا ب َ‬
‫م ّ‬
‫النصار له على ال ّ‬
‫ذود عنه حتى الموت‪ ،‬فاجتمع رؤساؤهم وقادتهم في دار‬
‫الندوة وهي دار قصّيبن كلب التي كانت قريش ل تقضي أمرا ً إل فيها‬
‫يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه‪،‬‬
‫فقال قائل منهم‪ :‬نخرجه من أرضنا كي نستريح منه‪ ،‬فُرِفض هذا الرأي لنهم‬
‫قالوا‪ :‬إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلوة منطقه وعذوبة‬
‫وثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من‬
‫لفظه‪ .‬وقال آخر‪ :‬ن ُ ْ‬
‫الموت‪ ،‬فُرِفض هذا الرأي كسابقه‪ ،‬لنهم قالوا‪ :‬إن الخبر ل يلبث أن يبلغ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ضلونه على الباء‬
‫أنصاره‪ ،‬ونحن أدرى الناس بمن دخل في دينه حيث ي ُ َ‬
‫ف ّ‬
‫والبناء‪ ،‬فإذا سمعوا ذلك جاؤوا لتخليصه وربما جّر هذا من الحرب علينا ما‬
‫نحن في ِغنى عنه‪ .‬وقال لهم طاغيتهم‪ :‬بل نقتله‪ ،‬ولنمنع بني أبيه من الخذ‬
‫بثأره‪ ،‬نأخذ من كل قبيلة شابا ً جلدا ً يجتمعون أمام داره‪ ،‬فإذا خرج ضربوه‬
‫ضربة رجل واحد‪ ،‬فيفترق دمه في القبائل فل يقدر بنو عبد مناف على حرب‬
‫قريش كلهم بل يرضون بالدية‪ ،‬فأقّروا هذا الرأي‪ .‬هذا مكرهم‪ ،‬ولكن إرادة‬
‫ن{ )النفال‪(30 :‬‬
‫ه َ‬
‫مك ُُرو َ‬
‫خي ُْر ال ْ َ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫مك ُُر الل ّ ُ‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫الله فوق كل إرادة وَي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫ماك ِ ِ‬
‫فأعلم نبيه بما دبره العداء في سّرهم‪ ،‬وأمره باللحاق بدار هجرته‪ ،‬بدار فيها‬
‫ينشر السلم‪ ،‬ويكون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم العزة والمنعة‪.‬‬
‫وهذا من الحكمة بمكان عظيم فإنه لو انتشر السلم بمكة لقال المبغضون‪:‬‬
‫مل ْ َ‬
‫ن‬
‫مدوا إلى شخص منهم‪ ،‬وأوعزوا إليه أ ْ‬
‫ك العرب‪ ،‬فع َ‬
‫إن قريشا ً أرادوا ُ‬
‫دعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل مآربهم‪ ،‬ولكنهم كانوا له أعداء‬
‫ي ّ‬
‫داء‪ ،‬آذوه شديد الذى حتى اختار الله له مفارقة بلدهم والبعد عنهم‪.‬‬
‫أل ّ‬
‫هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم‬
‫ن له في الهجرة‬
‫فتوجه من ساعته إلى صديقه أبي بكر‪ ،‬وأعلمه أن الله قد أذِ َ‬
‫ة‪ ،‬فقال‪ :‬نعم‪ ،‬ثم عرض عليه إحدى راحلتيه اللتين كانتا‬
‫فسأله أبو بكر الصحب َ‬
‫جَراب‪،‬‬
‫س ْ‬
‫دتين لذلك‪ ،‬فجهزهما أح ّ‬
‫مع ّ‬
‫صنعت لهما ُ‬
‫فَرة في ِ‬
‫ث الجهاز‪ ،‬و ُ‬
‫فقطعت أسماء بنت أبي بكر ِنطاقها‪ ،‬وربطت به على فم الجراب‪ ،‬واستأجرا‬
‫ُ‬
‫ديلبن بكر‪ ،‬وكان هاديا ً ماهرًا‪ ،‬وهو على دين كفار‬
‫عبد اللهبن أَريقط من بني ال ّ‬
‫ل‪ .‬ثم فارق‬
‫قريش فأ ِ‬
‫مَناه ودفعا إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعداه غار ثور بعد ثلث ليا ٍ‬
‫ً‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم أبا بكر وواعده المقابلة ليل خارج مكة‪ ،‬وكانت‬
‫هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقّروا عليه‪ ،‬فاجتمعوا حول باب‬
‫الدار‪ ،‬ورسول الله داخله‪ ،‬فلما جاء ميعاد الخروج‪ ،‬أمر ابن عمه علي ّا ً بالمبيت‬
‫مكانه كيل يقع الشك في وجوده أثناء الليل‪ ،‬فإنهم كانوا يرددون النظر من‬
‫جى علي ّا ً ببرده‪ ،‬وخرج على القوم وهو‬
‫شقوق الباب ليعلموا وجوده‪ ،‬ثم س ّ‬
‫يقرأ‪} :‬وجعل ْنا من بي َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫م لَ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سد ّا فأغ َ‬
‫ن َ‬
‫خل ِ‬
‫سد ّا ً و ِ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م فهُ ْ‬
‫شي َْناهُ ْ‬
‫فهِ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ َ َ َ ِ َْ ِ‬
‫ن)‪(9‬‬
‫ي ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون عليبن أبي‬
‫طالب ل محمدبن عبد الله‪ ،‬هاجت عواطفهم‪ ،‬فأرسلوا الطلب من كل جهة‪،‬‬
‫وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه‪ ،‬وقد وصلوا في طلبهم إلى‬
‫ذلك الغار الذي فيه ط ِل ْب َُتهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما‪ ،‬حتى‬
‫معََنا{‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫أبكى ذلك أبا بكر‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪ :‬ل َ ت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن لحد منهم التفاتة‬
‫)التوبة‪ (40 :‬فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم ي َ ِ‬
‫ح ْ‬
‫إلى ذلك الغار بل صار أعدى العداء أميةبن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين‬
‫ت‬
‫في مثل هذا الغار‪ .‬فأقاما فيه ثلث ليال حتى ينقطع الطلب‪ .‬وكان يبي ُ‬
‫حر‪،‬‬
‫عندهم عبد اللهبن أبي بكر وهو شاب ثق ٌ‬
‫ف ول َ ِ‬
‫س َ‬
‫ن فَي ُد ِْلج من عندهما ب َ‬
‫ق ٌ‬
‫ً‬
‫فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها‪ ،‬فل يسمع أمرا يكتادون به إل وعاه حتى‬
‫يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلم‪ ،‬وكان عامربن فَُهيرة يروح عليهما‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بقطعة من غنم يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء‪ ،‬ويغدو بها عليهما‪ ،‬فإذا‬
‫خرج من عندهما عبد الله َتبع أثره عامر بالغنم كيل يظهر لقدميه أثر‪ .‬ولما‬
‫انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل بالراحلتين صبح ثلث‪ ،‬وسارا‬
‫متبعين طريق الساحل‪.‬‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫مد ِْلجي‪ ،‬وكان قد رأى ُر ُ‬
‫وفي الطريق لحقهم طالبًا‪ُ ،‬‬
‫سراقةبن مالك ال ُ‬
‫مشركي قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة‬
‫مدِلج إذ‬
‫ناقة لمن قتله أو أسره‪ .‬فبينما هو في مجلس من مجالس قومهبن ُ‬
‫سراقة إني رأيت آنفا ً‬
‫أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال‪ :‬يا ُ‬
‫َ‬
‫سود َة ً بالساحل أراها محمدا ً وأصحابه‪ ،‬فعرف سراقة أنهم هم‪ ،‬ولكنه أراد‬
‫أ ْ‬
‫مخبره عن طلبهم‪ ،‬فقال‪ :‬إنك رأيت فلنا ً وفلنا ً انطلقوا بأعيننا‬
‫أن يثني عزم ُ‬
‫ة لهم‪ ،‬ثم لبث في المجلس ساعة‪ ،‬وقام وركب فرسه‪ ،‬ثم سار‪،‬‬
‫ضال ّ ً‬
‫يبتغون َ‬
‫حتى دنا من الرسول ومن معه‪ ،‬فعثرت به فرسه فخّر عنها‪ ،‬ثم ركبها ثانيا ً‬
‫وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو ل يلتفت‪ ،‬وأبو بكر ُيكِثر اللتفات‬
‫فساخت قائمتا فرس سراقة في الرض حتى بلغتا الركبتين فخّر عنها‪ ،‬ثم‬
‫س َ‬
‫طع لثرهما غبار ساطع في‬
‫زجرها حتى نهضت‪ ،‬فلم تكد ُتخرج يديها حتى َ‬
‫دى‪ ،‬وداخله رعب عظيم‪،‬‬
‫س ً‬
‫م سراقة أن عمله ضائع ُ‬
‫السماء مثل الدخان‪ ،‬فعل ِ َ‬
‫ن معه حتى جاءهم‪ ،‬ويقول‬
‫فناداهما بالمان فوقف عليه الصلة والسلم و َ‬
‫م ْ‬
‫سراقة‪ :‬وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله‪،‬‬
‫ُ‬
‫فقلت‪ :‬إن قومك قد جعلوا فيك الدية‪ ،‬وأخبرهما بما يريد بهما الناس‪ ،‬وعرض‬
‫ف عّنا‪ ،‬فسأله سراقة‬
‫عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئا ً بل قال له‪ :‬أخ ِ‬
‫ن‪ ،‬فأمر أبا بكر فكتب‪ .‬وبذلك انقضت هذه المشكلة‬
‫أن يكتب له كتا َ‬
‫ب أم ٍ‬
‫التي أظهر الله فيها عنايته برسوله‪.‬‬
‫وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون‬
‫حّرة حتى يرّدهم حّر الظهيرة‪ ،‬فانقلبوا يوما ً بعد أن طال انتظارهم‪،‬‬
‫إلى ال َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لمر ينظر‬
‫إليه‪ ،‬فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم‬
‫جد ّ ُ‬
‫كم ــــ أي حظكم‬
‫أخرى‪ ،‬فقال اليهودي بأعلى صوته‪ :‬يا معشر العرب هذا َ‬
‫حّرة‪.‬‬
‫ــــ الذي تنتظرون‪ ،‬فثاروا إلى السلح فتل ّ‬
‫قوا رسول الله بظهر ال َ‬
‫قباء‬
‫النزول ب ُ‬
‫فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمروبن عوف بقباء‪ .‬والذي‬
‫حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع‬
‫الول الذي يوافق ‪ 20‬سبتمبر سنة ‪ ،622‬وهذا أول تاريخ جديد لظهور‬
‫السلم بعد أن مضى عليه ثلث عشرة سنة‪ ،‬وهو مضيق عليه من مشركي‬
‫قريش‪ ،‬ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه‪ ،‬أما الن فقد آواه الله هو‬
‫وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليل ً يتخطفهم الناس‪.‬‬
‫هجرة النبياء‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ة إخوانه من النبياء من‬
‫سن ّ ُ‬
‫مت لرسولنا صلى الله عليه وسلم ُ‬
‫وبهذه الهجرة ت ّ‬
‫ت به بلد نشأته‪ ،‬فهاجر عنها‪ ،‬من إبراهيم أبي‬
‫قبله‪ ،‬فما من نبي منهم إل ن َب َ ْ‬
‫النبياء‪ ،‬وخليل الله‪ ،‬إلى عيسى كلمة الله وروحه‪ ،‬كلهم على عظيم درجاتهم‬
‫ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم‪ ،‬فصبروا ليكونوا مثال ً لمن يأتي بعدهم‬
‫من مّتبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في طاعة الله‪.‬‬
‫س ْ‬
‫ل مصر وتاريخها ُتنبئك عن إسرائيل )يعقوب( وبنيه أنهم هاجروا إليها‬
‫فَ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حينما رأوا من ب َِنيها ترحيبا بهم‪ ،‬وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته‪.‬‬
‫ولما مضت سنون‪ ،‬نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم‪،‬‬
‫فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم‪ ،‬خرج بهم موسى وهارون ليتمكنوا من‬
‫إعطاء الله حقه في عبادته‪ ،‬وهرب المسيح عليه السلم من اليهود حينما‬
‫ك ّ‬
‫ذبوه‪ ،‬فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلميذه‪ :‬طوبى‬
‫للمطرودين من أجل البر لن لهم ملكوت السموات ثم قال بعد‪ :‬افرحوا‬
‫وتهّللوا لن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا النبياء الذين قبلكم‪.‬‬
‫سل القرى التي حّلت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك‬
‫و َ‬
‫جرة النبياء منها قبل حلول النقمة‪ ،‬فل غرابة أن هاجر عليه الصلة‬
‫مَها َ‬
‫عن ُ‬
‫خل َوْا ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن َ‬
‫سن ّ َ‬
‫ة اللهِ ِفى ال ِ‬
‫والسلم من بلد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله } ُ‬
‫ذي َ‬
‫دي ً‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ل)‪(62‬‬
‫سن ّةِ الل ّهِ ت َب ْ ِ‬
‫ِ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫ل وََلن ت َ ِ‬
‫أعمال مكة‬
‫هذا‪ ،‬ولنبّين لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلة والسلم بمكة من‬
‫أصول الدين وذلك أمران‪:‬‬
‫الول‪ :‬العتقاد بوحدانية الله وأن ل ُيشرك معه في العبادة غيره‪ ،‬سواء كان‬
‫ة أو بنتا ً كما عليه بعض‬
‫ركو مكة‪ ،‬أو أبا ً أو زوج ً‬
‫ذلك الغير صنما ً كما يفعل ُ‬
‫مش ِ‬
‫الطوائف الخرى كالنصارى‪ ،‬ولول العتقاد بوحدانية الله ما ك َّلف أحد نفسه‬
‫تكاليف الحياة من آداب الخلق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من‬
‫شهواتها وملذاتها ما دام ذلك خافيا ً عن الناس‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬العتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوما ً ثانيا ً للنسان ُيجازى فيه على‬
‫ما صنعه في الدنيا إن خيرا ً فخير وإن شّرا ً فشر‪ ،‬وعلى هذين المرين جاء‬
‫غالب الي المكّية‪ ،‬فقّلما نرى سورة من سور مكة إل مشحونة بالستدلل‬
‫عليهما وتوبيخ من تركهما‪ ،‬وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل‪ ،‬وبراهين ل تحتاج‬
‫دى‪.‬‬
‫ما يضيع الوقت س ً‬
‫لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما ل طائل تحته م ّ‬
‫ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه‪ ،‬وهو‬
‫ما عدا ثلثا ً وعشرين سورة منه‪ ،‬وهي‪ :‬البقرة‪ ،‬آل عمران‪ ،‬النساء‪ ،‬المائدة‪،‬‬
‫النفال‪ ،‬التوبة‪ ،‬الحج‪ ،‬النور‪ ،‬الحزاب‪ ،‬القتال‪ ،‬الفتح‪ ،‬الحجرات‪ ،‬الحديد‪،‬‬
‫المجادلة‪ ،‬الحشر‪ ،‬الممتحنة‪ ،‬الصف‪ ،‬الجمعة‪ ،‬المنافقون‪ ،‬التغابن‪ ،‬الطلق‪،‬‬
‫التحريم‪ ،‬النصر‪ ،‬هذه كلها مدنية وباقي القرآن م ّ‬
‫كي‪.‬‬
‫قباء‪ ،‬نزل على شيخ بني عمرو ُ‬
‫كلثومبن‬
‫ولما نزل عليه الصلة والسلم ب ُ‬
‫َ‬
‫خيثمة لَنه كان‬
‫الهدم‪ ،‬وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعدبن َ‬
‫سْنح )محلة بالمدينة( على خارجةبن زيد من بني حارث‬
‫عزبًا‪ .‬ونزل أبو بكر بال ّ‬
‫من الخزرج‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مسجد ُقباء‬
‫سس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه‬
‫وأقام رسول الله بقباء ليالي أ ّ‬
‫مسجد ُأسس على التقوى من أول يوم‪ ،‬وصّلى فيه عليه الصلة والسلم بمن‬
‫معه من النصار والمهاجرين‪ ،‬وهم آمنون مطمئنون‪ ،‬وكانت المساجد على‬
‫عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده ُبناة‬
‫ج ّ‬
‫مهم إل‬
‫المساجد في القرون الخيرة‪ ،‬لن الرسول وأصحابه لم يكن ُ‬
‫له ّ‬
‫منصرفا ً لتزيين القلوب‪ ،‬وتنظيفها من حظ الشيطان‪ ،‬فكان سور المسجد ل‬
‫يتجاوز القامة وفوقه مظلة ي ُّتقى بها حّر الشمس‪.‬‬
‫الوصول إلى المدينة‬
‫ول عليه الصلة والسلم إلى المدينة والنصار محيطون به متقلدي‬
‫ثم تح ّ‬
‫م تحوله إليهم‬
‫دث ول َ‬
‫سيوفهم‪ ،‬وهنا ح ّ‬
‫حَرج عن سرور أهل المدينة‪ ،‬فكان يو ُ‬
‫يوما ً سعيدا ً لم ُيروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وخرج النساء والصبيان والولئد يقلن‪:‬‬
‫ث‬
‫ت الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأّيها المبعو ُ‬
‫طلع الَبدُر علينامن ث َن ِّيا ِ‬
‫مطاع وكان الناس يسيرون وراء رسول الله صلى الله عليه‬
‫فيناجئت بالمرِ ال ُ‬
‫ش وراكب يتنازعون زمام ناقته‪ ،‬ك ّ‬
‫ل يريد أن يكون نزيله‪.‬‬
‫وسلم ما بين ما ٍ‬
‫أول جمعة‬
‫وأدركته عليه الصلة والسلم صلة الجمعة في بني سالمبن عوف‪ ،‬فنزل‬
‫وص ّ‬
‫لها وهذه أول جمعة له عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأول خطبة خطبها عليه‬
‫الصلة والسلم حمد الله‪ ،‬وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪» :‬أما بعد‪ ،‬أيها الناس فقدموا‬
‫ن َ‬
‫غنمه ليس لها راٍع‪ ،‬ثم‬
‫صعَ َ‬
‫ن أح ُ‬
‫ن والله لي ُ ْ‬
‫دكم‪ ،‬ثم لي َد َعَ ّ‬
‫ق ّ‬
‫لنفسكم‪ ،‬ت َعُْلم ّ‬
‫ن له ربه ــــ ليس له َترجمان ول حاجب يحجبه دونه ــــ‪ :‬ألم يأتك‬
‫ليقول َ ّ‬
‫ت لنفسك؟ فََلين ُ‬
‫رسولي فبّلغك‪ ،‬وآتيتك ما ً‬
‫ن‬
‫ظر ّ‬
‫ل‪ ،‬وأف َ‬
‫م َ‬
‫ت عليك؟ فما قد ّ ْ‬
‫ضل ُ‬
‫دامه فل يرى غير جهنم‪ ،‬فمن‬
‫يمينا ً و ِ‬
‫ن قُ ّ‬
‫شمال ً فل يرى شيئًا‪ ،‬ثم لَينظر ّ‬
‫ي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل‪ ،‬ومن لم يجد فبكلمة‬
‫استطاع أن ي َ ِ‬
‫ق َ‬
‫ة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف‪ ،‬والسلم‬
‫جَزى الحسن ُ‬
‫ن بها ت ُ ْ‬
‫طيبة؛ فإ ّ‬
‫عليكم ورحمة الله وبركاته«‪.‬‬
‫النزول على أبي أيوب‬
‫ثم ساروا وكلما مّروا على دار من دور النصار يتضّرعُ إليه أهلها بأن ينزل‬
‫عندهم‪ ،‬ويأخذون بزمام الناقة‪ ،‬فيقول‪» :‬دعوها فإنها مأمورة«‪ ،‬ولم ت ََزل‬
‫سائرة ً حتى أتت ِبفَناء بني عديبن النجار )وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم‬
‫جده( فبركت بمحلة من محلتهم أمام دار أبي أيوب النصاري‪ ،‬واسمه‬
‫محل مسجده الشريف‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ههنا‬
‫خالدبن زيد‪ ،‬وذلك َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ن{‬
‫ت َ‬
‫المنزل إن شاء الله« ّر ّ‬
‫خي ُْر ال ُ‬
‫مَباَركا وَأن َ‬
‫منَزل ً ّ‬
‫ب أنزِلِنى ُ‬
‫منزِِلي َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫حله ووضعه في منزله‪ ،‬وجاء أسعدبن‬
‫)المؤمنون‪ (29 :‬فاحتمل أبو أيوب َر ْ‬
‫زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده‪ ،‬وخرجت ولئد بني النجار يقلن‪:‬‬
‫ن رسول الله صلى‬
‫جاِريا حّبذا محمد ٌ ِ‬
‫ن َ‬
‫جوارٍ من بني الن ّ ّ‬
‫ن َ‬
‫نَ ْ‬
‫جارِ فخرج إليه ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫الله عليه وسلم فقال‪» :‬أتحببنني؟« فقلن‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪» :‬الله يعلم أن قلبي‬
‫يحبكن« واختار عليه الصلة والسلم النزول في الد ّوْرِ السفل من دار أبي‬
‫ض رضي الله عنه ذلك كرامة لرسول‬
‫أيوب ليكون أريح لزائريه‪ ،‬ولكن لم ير َ‬
‫دثه وطء القدام أو الماء الذي‬
‫الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي ُيح ِ‬
‫يهراق‪ ،‬فقد اتفق أن ُ‬
‫كسرت من زوجته جّرة ماء بالليل‪ ،‬فقام هو وهي‬
‫بقطيفتهما التي ليس لهما غيُرها‪ ،‬يمسحان الماء خوفا ً على رسول الله‪،‬‬
‫ولذلك لم ي ََز ْ‬
‫ن‬
‫ج َ‬
‫فا ُ‬
‫ل أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العِْلو‪ ،‬وكانت تأتيه ال ِ‬
‫ُ‬
‫كل ليلة من سَراة النصار كسعدبن عبادة وأسعدبن زرارة وأم زيدبن َثابت‪،‬‬
‫فما من ليلة إل وعلى بابه الثلث أو الربع من جفان الثريد‪.‬‬
‫نزول المهاجرين‬
‫ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم النصار‪ ،‬فح ّ‬
‫كموا‬
‫قرعة‪.‬‬
‫القرعة بينهم‪ ،‬فما نزل مهاجري على أنصاري إل ب ُ‬
‫خوّةُ السلم‬
‫أُ ُ‬
‫ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر‪ ،‬بل بفضل من‬
‫الله ورحمته‪ ،‬يفهم كيف انتصر هؤلء القوام على معانديهم من المشركين‬
‫وأهل الكتاب مع قّلة الَعدد والُعدد‪.‬‬
‫وكان النصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم‪ ،‬قال تعالى في سورة‬
‫م وَل َ‬
‫ن َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫الحشر‪َ} :‬وال ّ ِ‬
‫ها َ‬
‫حّبو َ‬
‫ما َ‬
‫وءوا ال ّ‬
‫جَر إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫ن َ‬
‫من قَب ْل ِهِ ْ‬
‫داَر َوالي َ‬
‫م ْ‬
‫ن ت َب َ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م وَلوْ َ‬
‫م‬
‫ن عَلى أن ُ‬
‫ج ً‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫مآ أوُتوا وَي ُؤْث ُِرو َ‬
‫حا َ‬
‫م َ‬
‫ص ُ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫ن ب ِهِ ْ‬
‫سهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫ة ّ‬
‫دورِهِ ْ‬
‫يَ ِ‬
‫ن ِفى ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سهِ فَأوْلئ ِ َ‬
‫من ُيوقَ ُ‬
‫ن{ )الحشر‪ .(9 :‬وهذا أعلى‬
‫م ْ‬
‫ح نَ ْ‬
‫َ‬
‫ص ٌ‬
‫ف ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫درجات الخوة‪ ،‬وكل ذلك كانوا يرونه قليل ً بالنسبة لما وجب عليهم لخوانهم‪،‬‬
‫ن بينهم الخاء‪ ،‬آخى بين‬
‫فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ُ َ‬
‫مك ّ َ‬
‫ُ‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في الله‪ .‬ومن العبث أن‬
‫ضح للقارىء أن هذه الخوة كانت أرقى بكثير من الخوة‬
‫نكلف القلم أن يو ّ‬
‫ً‬
‫العصبية‪ ،‬بل ن َك ِ ُ‬
‫ل ذلك للحساس السلمي فإنه أفصح منطقا من القلم‪.‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ف الله بينها حتى صارت شيئا واحدا في أجسام‬
‫وعلى الجمال فتلك قلوب أل َ‬
‫متفرقة‪ ،‬وعسى الله أن يوّفق مسلمي عصرنا إلى هذا الخاء حتى يسودوا‬
‫كما ساد المتحدون‪ ،‬وكان هذا الخاء على المواساة والحق‪ ،‬وأن يتوارثوا بعد‬
‫الموت دون ذوي الرحام‪ ،‬وكان عليه الصلة والسلم يقول لكل اثنين‪» :‬تآخيا‬
‫خوين أخوين« ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في‬
‫في الله أ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه{‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫حام ِ ب َعْ ُ‬
‫سورة الحزاب‪} :‬وَأوُْلو ال ْْر َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ض ِفى ك َِتا ِ‬
‫م أوْلى ب ِب َعْ ٍ‬
‫)الحزاب‪.(6 :‬‬
‫هجرة أهل البيت‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ولما استقر عليه الصلة والسلم بالمدينة أرسل زيدبن حارثة وأبا رافع إلى‬
‫مكة ليأتيا بمن تخّلف من أهله‪ ،‬وأرسل معهما عبد اللهبن أ َُريقط يدلهما على‬
‫ُ‬
‫سودة زوجه‪،‬‬
‫الطريق‪ ،‬ف َ‬
‫ق ِ‬
‫دما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه عليه الصلة والسلم‪ ،‬و َ‬
‫وُأم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة‪ ،‬وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاصبن‬
‫ُ‬
‫م رومان‪ ،‬زوج أبيه‪ ،‬وعائشة‬
‫الربيع‪ ،‬وخرج من الجميع عبد اللهبن أبي بكر بأ ّ‬
‫وام‪ ،‬وكانت حامل ً بابنها عبد الله‪ ،‬وهو أول‬
‫أخته‪ ،‬وأسماء زوج الزبيربن الع ّ‬
‫مولود للمهاجرين بالمدينة‪.‬‬
‫مى المدينة‬
‫ُ‬
‫ح ّ‬
‫ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقا ً للمهاجرين من أهل مكة‪ ،‬فأصاب‬
‫مى‪ ،‬وكان رسول الله يُعودهم‪ ،‬فلما َ‬
‫شكوا إليه المر قال‪:‬‬
‫كثيرا ً منهم ال ُ‬
‫ح ّ‬
‫دها وفي‬
‫م ّ‬
‫ت إلينا مكة وأشد‪ ،‬وبارك لنا في ُ‬
‫م حبب إلينا المدينة كما حبب َ‬
‫»الله ّ‬
‫ج ّ‬
‫ل وعل دعوته‪ ،‬وعاش‬
‫ح َ‬
‫فة«‪ .‬فاستجاب الله َ‬
‫ج ْ‬
‫صاعها‪ ،‬وانقل وباءها إلى ال ُ‬
‫المهاجرون في المدينة بسلم‪.‬‬
‫منع المستضعفين من الهجرة‬
‫ومنع مشركو مكة بعضا ً من المسلمين عن الهجرة‪ ،‬وحبسوهم وعذبوهم‪،‬‬
‫منهم‪ :‬الوليدبن الوليد‪ ،‬وعّياشبن أبي ربيعة‪ ،‬وهشامبن العاص‪ ،‬فكان عليه‬
‫الصلة والسلم يدعو لهم في صلته‪ ،‬وهذا أصل القنوت‪ ،‬وقد حصل في‬
‫أوقات مختلفة َومحا ّ‬
‫ل في الصلة مختلفة‪ ،‬فكان في وتر العشاء‪ ،‬وصلة‬
‫الصبح بعد الركوع وقبله‪ ،‬فروى كل صحابي ما رآه‪ ،‬وهذا سبب اختلف الئمة‬
‫في مكان القنوت‪.‬‬
‫سنة الولى‬
‫ال ّ‬
‫بناء المسجد‬
‫مْبرك ناقته أمام محّلة‬
‫ثم شرع عليه الصلة والسلم في بناء مسجده في َ‬
‫حجر‬
‫مْرَبدا ً للتمر يملكه غلمان يتيمان في ِ‬
‫بني مالكبن النجار‪ ،‬وكان محله ِ‬
‫ً‬
‫مربد ليتخذه مسجدا‪ ،‬فقال‪ :‬بل‬
‫أسعدبن زرارة‪ ،‬فدعا الغلمين‪ ،‬وساومهما بال ِ‬
‫ه لك يا رسول الله‪ ،‬فأبى عليه الصلة والسلم أن يقبله منهما هبة بل‬
‫ن َهَب ُ ُ‬
‫ابتاعه منهما‪ ،‬وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل‪ ،‬فأمر بالقبور‬
‫قطع‪ ،‬ثم أمر باتخاذ اللِبن فاتخذ‬
‫سويت‪ ،‬وبالّنخل ف ُ‬
‫ت‪ ،‬وبالحفر فَ ُ‬
‫فُنبش ْ‬
‫وشرعوا في البناء به‪ ،‬وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة‪ ،‬وسقفوه بالجريد‪،‬‬
‫وجعلت عمده من جذوع النخل‪ ،‬ول يزيد ارتفاعه عن القامة إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وقد‬
‫عمل فيه رسول الله بنفسه لير ّ‬
‫غب المسلمين في العمل‪ ،‬وصاروا يرتجزون‬
‫وهو يقول معهم‪:‬‬
‫جعلت قبلة المسجد‬
‫مهاجرهْ و ُ‬
‫اللهم ل خيَر إل خيُر الخرهفارحم النصاَر وال ُ‬
‫جعل له ثلثة أبواب‪ ،‬ثم حصبت أرضه لن‬
‫في شماله إلى بيت المقدس‪ ،‬و ُ‬
‫المطر كان قد أّثر فيه‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم بحصبه‪ ،‬ولم يزين المسجد‬
‫سودة بنت زمعة‪،‬‬
‫بِ ُ‬
‫ش حتى ول بالحصر‪ ،‬وُبني بجانبه حجرتان‪ ،‬إحداهما ل َ‬
‫فُر ٍ‬
‫ً‬
‫والخرى لعائشة‪ ،‬ولم يكن عليه الصلة والسلم متزوجا غيرهما إذ ذاك‪،‬‬
‫وكانت الحجرتان متجاورتين وملصقتين للمسجد على شكل بنائه‪ ،‬وصارت‬
‫الحجرات تبنى كلما جاءت زوج‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بدء الذان‬
‫ي‬
‫أوجب الله الصلة على المسلمين ليكونوا دائما ً متذكرين عظمة العل ّ‬
‫محكم كتابه في‬
‫العلى‪ ،‬فيتبعون أوامره‪ ،‬ويجتنبون نواهيه‪ ،‬ولذلك قال في ُ‬
‫ح َ‬
‫ر{ )العنكبوت‪.(45 :‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫سورة العنكبوت‪ :‬إ ِ ّ‬
‫شآء َوال ْ ُ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ن الصلة َ ت َن َْهى عَ ِ‬
‫ً‬
‫وجعل أفضل الصلة ما كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضا في‬
‫ووا روابط اللفة والتحاد بينهم‪ ،‬ومتى حان وقت‬
‫شؤونهم واحتياجاتهم‪ ،‬ويق ّ‬
‫ما‪ً،‬‬
‫ّ‬
‫الصلة فل بد ّ من عمل ينبه الغافل‪ ،‬ويذكر الساهي حتى يكون الجتماع عا ّ‬
‫فائتمر النبي عليه الصلة والسلم مع الصحابة فيما يفعل لذلك‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬نرفع راية إذا حان وقت الصلة ليراها الناس‪ ،‬فلم يرضوا ذلك لنها ل‬
‫تفيد النائم ول الغافل‪ ،‬وقال آخرون‪ُ :‬نشعل نارا ً على مرتفع من الهضاب فلم‬
‫يقبل أيضًا‪ ،‬وأشار آخرون ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم‬
‫فكرهه رسول الله‪ ،‬لنه لم يكن يحب تقليد اليهود في عمل ما‪ ،‬وأشار‬
‫بعضهم بالناقوس وهو ما يستعمله النصارى فكرهه الرسول أيضًا‪ ،‬وأشار‬
‫قِبل هذا‬
‫بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلة وينادي بها ف ُ‬
‫الرأي‪ ،‬وكان أحد المنادين عبد اللهبن زيد النصاري‪ ،‬فبينما هو بين النائم‬
‫واليقظان إذ عرض له شخص وقال‪ :‬أل أعلمك كلمات تقولها عند النداء‬
‫بالصلة؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬فقال له‪ :‬قل‪ :‬الله أكبر الله أكبر مرتين‪ ،‬وتشّهد مرتين‪،‬‬
‫ي على الفلح مرتين‪ ،‬ثم كبر ربك‬
‫ي على الصلة مرتين‪ ،‬ثم قل‪ :‬ح ّ‬
‫ثم قل‪ :‬ح ّ‬
‫مرتين‪ ،‬ثم قل ل إله إل الله‪ .‬فلما استيقظ توجه إلى النبي صلى الله عليه‬
‫قن ذلك بلل ً‬
‫وسلم وأخبره خبر رؤياه‪ ،‬فقال‪» :‬إنها لرؤيا حق«‪ ،‬ثم قال له‪» :‬ل ّ‬
‫فإنه أندى صوتا ً منك«‪ ،‬وبينما بلل يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه‪ ،‬فقال‪ :‬والله‬
‫لقد رأيت مثله يا رسول الله‪ ،‬وكان بلل أحد مؤذنيه بالمدينة‪ ،‬والخر عبد الله‬
‫ُ‬
‫ي على الفلح‪» :‬الصلة‬
‫ابن أم مكتوم‪ ،‬وكان بلل يقول في أذان الصبح بعد ح ّ‬
‫خير من النوم« مرتين‪ ،‬وأقّره الرسول على ذلك‪ ،‬وكان عليه‬
‫الصلة والسلم يأمر في فجر رمضان بأذانين‪ :‬أولهما يوقظ به الغافلون حتى‬
‫ي َن ْت َِبهوا للسحور‪ ،‬والثاني للصلة‪ .‬وأما الذان للجمعة‪ ،‬فكان أوله إذا جلس‬
‫المام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر‬
‫وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد نداء آخر على الزوراء‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫ولما تولى هشامبن عبد الملك أخذ الذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله‬
‫على المنار‪ ،‬ثم نقل الذان الذي كان على المنار حين صعود المام على‬
‫المنبر في العهد الول بين يديه‪.‬‬
‫فعلم بذلك أن الذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشامبن‬
‫عبد الملك‪ ،‬ول معنى لهذا الذان‪ ،‬لنه هو نداء إلى الصلة‪ ،‬ومن هو في‬
‫المسجد ل معنى لندائه ومن هو خارج المسجد ل يسمع النداء إذا كان النداء‬
‫في المسجد‪ .‬ذكر ذلك الشيخ محمد ابن الحاج في »المدخل«‪.‬‬
‫قال الحافظ في فتح الباري‪» :‬وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء‬
‫إليها بالذكر والصلة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلد‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫دون بعض واتباع السلف الصالح أولى«‪ .‬ا هـ‪.‬‬
‫فعلم من ذلك كله أن سّنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذان‬
‫الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أّذن مؤذنه على المنار فإذا انتهت‬
‫الخطبة ُأقيمت الصلة وما عدا ذلك فكله ابتداع‪.‬‬
‫أما القامة وهي الدعوة للصلة في المسجد‪ ،‬فقد اختلفت الروايات في نصها‬
‫مث َْنى‪،‬‬
‫فرواها محمدبن إدريس الشافعي مفردة إل ّ لفظ »قد قامت الصلة« ف َ‬
‫مث َْنى كلها‪.‬‬
‫ورواها مالكبن أنس مفردة كلها‪ ،‬ورواها أبو حنيفة النعمان َ‬
‫يهود المدينة‬
‫مشركي قريش ابتلهم في المدينة‬
‫هذا‪ ،‬وكما ابتلى الله المسلمين في مكة ب ُ‬
‫بيهودها وهم‪ :‬بنو قينقاع‪ ،‬وقريظة‪ ،‬والنضير‪ ،‬فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء‬
‫حسدا ً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق‪ ،‬وكانوا قبل مجيء‬
‫الرسول يستفتحون على المشركين من العرب إذا شّبت الحرب بين‬
‫الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه‪ ،‬فلما جاءهم ما عرفوا استعظم‬
‫وة في ولد إسماعيل‪ ،‬فكفروا بما أنزل الله بغيًا‪ ،‬مع‬
‫رؤساؤهم أن تكون النب ّ‬
‫ت إل ّ مصدقا ً لما بين يديه من كتب‬
‫أنهم يرون أن رسول الله محمدا ً لم يأ ِ‬
‫الله التي أنزلها على من سبقه من المرسلين‪ ،‬مبّينا ً ما أفسده التأويل منها‪،‬‬
‫ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم ل يعلمون‪ .‬ومما عابوه على السلم نسخ‬
‫الحكام‪ ،‬وما د ََروا أن القادر العليم يعلم ما يحتاج إليه النسان أكثر منهم‪،‬‬
‫فإنه ميال بطبعه للترّقي‪ ،‬والرسول عليه الصلة والسلم وجد بادىء بدء بين‬
‫جماعة من العرب ُأميين ليسوا على شيء من العتقادات اللهية‪ ،‬فكانت‬
‫الحكمة داعية لن يكون التشريع لهم على التدريج‪ ،‬لنه لو حّرم الله عليهم‬
‫شرب الخمر وأكل الربا‪ ،‬وأمرهم بالصلة والزكاة‪ ،‬وهكذا إلى آخر الوامر‬
‫والمناهي التي جاء بها الشرع السلمي لما أجابه أحد من هؤلء النافرة‬
‫قلوبهم‪ ،‬المختلفة أهواؤهم‪ ،‬الذين كانوا منغمسين في كثير من الضاليل‪،‬‬
‫فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمر شيئا ً فشيئا ً حتى ُروضت‬
‫عقولهم‪ ،‬وهُ ّ‬
‫ذبت نفوسهم‪ ،‬وكانت الحكام ل ينزلها الله عليه إل عقب‬
‫الحوادث التي تقتضيها‪ ،‬ليكون التأثير في النفوس أشد‪ ،‬ولكن اليهود أرادوا‬
‫غَ ّ‬
‫جهم القرآن الشريف بما‬
‫ل يد القدرة عن أن تفعل إل ما يشتهون‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫يدل على أنهم يعلمون من نفوسهم الُبعد عن الحق‪ ،‬فقال في سورة البقرة‪:‬‬
‫ل ِإن َ‬
‫قُ ْ‬
‫ت‬
‫عند َ الل ّهِ َ‬
‫ص ً‬
‫خَرةُ ِ‬
‫داُر ال ْ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫مو ْ َ‬
‫من ّوُا ْ ال ْ َ‬
‫س فَت َ َ‬
‫ة ّ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫كان َ ْ‬
‫خال ِ َ‬
‫من ُدو ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن{ )البقرة‪ (94 :‬ثم حّتم ج ّ‬
‫ل ذكره‬
‫ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫من ّوْه ُ أب َ ً‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما قَد ّ َ‬
‫دا ب ِ َ‬
‫عدم إجابتهم بقوله‪} :‬وََلن ي َت َ َ‬
‫ِبال ّ‬
‫ن{ )البقرة‪ .(95 :‬فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحق لما‬
‫ظاِلمي َ‬
‫ما ُ‬
‫طلب منهم مع سهولته‪ ،‬وحرصهم على تكذيب الصادق المين‪،‬‬
‫تأخروا ع ّ‬
‫ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو ن ُ ْ‬
‫طقا ً باللسان‪ .‬وقد تّبين الهدى‬
‫سلم‪ ،‬فترك هواه وأسلم بعد أن‬
‫لحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد اللهبن َ‬
‫دوه من سفهائهم‬
‫دونه من رؤسائهم‪ ،‬ع ّ‬
‫سمع القرآن‪ ،‬وبعد أن كان اليهود يع ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫مآ أنَز َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م أن ي َك ْ ُ‬
‫شت ََروْا ب ِهِ أن ُ‬
‫ف َ‬
‫حينما بلغهم إسلمه‪ ،‬فـ}ب ِئ ْ َ‬
‫ل الل ُ‬
‫فُروا ب ِ َ‬
‫سهُ ْ‬
‫س َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ب َغًْيا َأن ي ُن َّز ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫ه{ )البقرة‪ ،(90 :‬ولما‬
‫ن ِ‬
‫عَبادِ ِ‬
‫شآء ِ‬
‫ه ِ‬
‫من فَ ْ‬
‫ضل ِهِ عََلى َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫استحكمت في قلوبهم عداوة السلم صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ُنوَره ُ وَل َوْ ك َرِهَ ال ْ َ‬
‫ن{ )التوبة‪.(32 :‬‬
‫كافُِرو َ‬
‫ه إ ِل ّ أن ي ُت ِ ّ‬
‫نوره‪} :‬وَي َأَبى الل ّ ُ‬
‫المنافقون‬
‫هم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله‬
‫عد ُ ُ‬
‫وكان ُيسا ِ‬
‫ً‬
‫بصائرهم‪ ،‬فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم‪ ،‬وكان يرأس هذه الجماعة عبد‬
‫سلول الخزرجي‪ ،‬الذي كان مرشحا ً لرياسة أهل المدينة قبل‬
‫ي ابن َ‬
‫اللهبن أب ّ‬
‫ّ‬
‫هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ول شك أن ضرَر المنافقين أشد ّ‬
‫على المسلمين من ضرر الكفار‪ ،‬لن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون‬
‫أسرارهم‪ ،‬ويشيعونها بين العداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارًا‪،‬‬
‫والساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن‪،‬‬
‫ولكنه عليه الصلة والسلم مع ذلك كان ل يأمنهم في عمل ما‪ .‬فكثيرا ً ما كان‬
‫يتغيب عن المدينة‪ ،‬ويولي عليها بعض النصار‪ ،‬ولكن لم ي ُعَْهد أنه وَّلى رجل ً‬
‫من عُهِد َ عليه النفاق‪ ،‬لنه عليه الصلة والسلم يعلم ما يكون منهم لو وُّلوا‬
‫م ّ‬
‫عم ً‬
‫ل‪ ،‬فإنهم بل شك يتخذون ذلك فرصة لضرار المسلمين‪ ،‬وهذا درس مهم‬
‫َ‬
‫لرؤساء السلم‪ ،‬يعّلمهم أل ّ يثقوا في العمال المهمة إل بمن لم تظهر عليهم‬
‫شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد‪.‬‬
‫معاهدة اليهود‬
‫ت أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان‪ :‬اليهود‪،‬‬
‫هذا‪ ،‬وقد علم َ‬
‫ل من هؤلء ظواهرهم‪ ،‬وعقد مع أولئك عهدا ً‬
‫والمنافقون‪ ،‬ولكن الرسول قَب ِ َ‬
‫حاِربهم ول يؤذيهم‪ ،‬ول يعينون عليه أحدا‪ً،‬‬
‫مقتضاه ترك الحرب والذى‪ ،‬فل ي ُ َ‬
‫وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه‪ ،‬وأقّرهم على دينهم‪.‬‬
‫مشروعية القتال‬
‫علم مما تقدم أن رسول الله عليه الصلة والسلم لم يقاتل أحدا ً على‬
‫قد ُ‬
‫ً‬
‫الدخول في الدين‪ ،‬بل كان المر قاصرا على التبشير والنذار‪ ،‬وكان الله‬
‫ويه على الصبر أمام ما كان يلقيه من أذى‬
‫سبحانه ينزل عليه من الي ما يق ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صب ِْر ك َ‬
‫ما َ‬
‫قريش‪ ،‬ومن ذلك قوله في سورة الحقاف‪َ} :‬فا ْ‬
‫صب ََر أوْلوا العَْزم ِ‬
‫ً‬
‫ص الله عليه‬
‫ِ‬
‫ل وَل َ ت َ ْ‬
‫ن الّر ُ‬
‫جل ل ّهُ ْ‬
‫ست َعْ ِ‬
‫م{ )الحقاف‪ .(35 :‬وكان كثيرا ما يق ّ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده‪ ،‬ولما ازداد طغيان أهل مكة‬
‫ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله‪ ،‬فكانوا هم البادئين‬
‫بالِعداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق‪ ،‬فبعد الهجرة‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫أِذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحج‪} :‬أذِ َ‬
‫َ‬
‫ديٌر)‪8 7 6 5 4 3 2 (39‬‬
‫م لَ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ق ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫موا ْ وَإ ِ ّ‬
‫قات َُلو َ‬
‫صرِهِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ه عََلى ن َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪ : 9‬؛ { )الحج‪ .(40 ،39 :‬ثم أمرهم بذلك في قوله في سورة البقرة‪ :‬وََقات ُِلوا ْ‬
‫ن)‪(190‬‬
‫ن يُ َ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫ل الل ّهِ ال ّ ِ‬
‫ح ّ‬
‫دوا ْ إ ِ ّ‬
‫م وَل َ ت َعْت َ ُ‬
‫ِفي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫دي َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ةأ َ‬
‫ن‬
‫ث ث َقِ ْ‬
‫ثأ ْ‬
‫م وَأ ْ‬
‫فت ْن َ ُ‬
‫حي ْ ُ‬
‫حي ْ ُ‬
‫شد ّ ِ‬
‫م َوال ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ن َ‬
‫خرِ ُ‬
‫م َ‬
‫جوك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫جوهُ ْ‬
‫موهُ ْ‬
‫فت ُ ُ‬
‫َواقْت ُُلوهُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫ل وَل َ ت ُ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫حَرام ِ َ‬
‫جدِ ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ِفيهِ فَِإن َقات َُلوك ُ ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫عند َ ال ْ َ‬
‫قات ُِلوهُ ْ‬
‫قت ْ ِ‬
‫جَزآء ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫كذال ِ َ‬
‫م)‪(192‬‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫ن انت َهَوْا ْ فَإ ِ ّ‬
‫ك َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َفاقْت ُُلوهُ ْ‬
‫ن)‪ (191‬فَإ ِ ِ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ة وَي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫ن إ ِل ّ عََلى‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬
‫دوا َ‬
‫ن انت ََهوا ْ فَل َ عُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫وََقات ُِلوهُ ْ‬
‫ن لل ّهِ فَإ ِ ِ‬
‫دي ُ‬
‫ال ّ‬
‫ن)‪(193‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫وبذلك لم يكن الرسول يتعرض إل لقريش دون سائر العرب فلما تمال على‬
‫المسلمين غيُر أهل مكة من مشركي العرب‪ ،‬واتحدوا عليهم مع العداء‪ ،‬أمر‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫كآفّ ً‬
‫شرِ ِ‬
‫الله بقتال المشركين كافة‪ ،‬بقوله في سورة التوبة‪ :‬وََقات ُِلوا ْ ال ْ ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ن ليس له‬
‫ما ي ُ َ‬
‫كآفّ ً‬
‫ما ً لكل َ‬
‫ة{ )التوبة‪ (36 :‬وبذلك صار الجهاد عا ّ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫كَ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ت أن أقاتل‬
‫كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله عليه الصلة والسلم‪» :‬أمر ُ‬
‫س حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسو ُ‬
‫ه‪ ،‬ويقيموا الصلة‪،‬‬
‫ل الل ِ‬
‫النا َ‬
‫م‪،‬‬
‫ة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماَء ُ‬
‫ويؤتوا الزكا َ‬
‫هم وأموالهم إل بحق السل ِ‬
‫وحسابهم على الله«‪ .‬ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم‬
‫ساعدوا المشركين في حروبهم‪ ،‬أمر الله بقتالهم بقوله في سورة النفال‪:‬‬
‫ن{‬
‫ب ال َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫خَيان َ ً‬
‫من قَوْم ٍ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح ّ‬
‫وآء إ ِ ّ‬
‫م عََلى َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ة َفانب ِذ ْ إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫}وَإ ِ ّ‬
‫خائ ِِني َ‬
‫س َ‬
‫خافَ ّ‬
‫)النفال‪ (58 :‬وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم‬
‫صاغرون‪ ،‬ليأمن المسلمون جانبهم‪ ،‬وصار قتال رسول الله للعداء على هذه‬
‫المبادىء التية‪:‬‬
‫ركي قريش محاربين لنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين‬
‫‪ 1‬ــــ اعتبار ُ‬
‫مش ِ‬
‫قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكة أو تعقد هدنة وقتية بين‬
‫الطرفين‪.‬‬
‫ي من اليهود خيانة وتحّيز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم‬
‫‪ 2‬ــــ متى ُرئ ِ َ‬
‫بالنفي أو القتل‪.‬‬
‫ً‬
‫دت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشا قوتلت‬
‫‪ 3‬ــــ متى تع ّ‬
‫حتى تدين بالسلم‪.‬‬
‫‪ 4‬ــــ كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن‬
‫بالسلم أو يعطي الجزية عن يد ٍ وهو صاغر‪.‬‬
‫‪ 5‬ــــ كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إل بحقه‪ ،‬والسلم يقطع ما قبله‪.‬‬
‫وقد أنزل الله في القرآن الكريم كثيرا ً من الي تحريضا ً على القدام في‬
‫قتال العداء وتبعيدا ً عن الفرار من الزحف‪ ،‬فقال في الموضوع الول في‬
‫قات ِ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫سورة النساء‪} :‬فَل ْي ُ َ‬
‫ن اْلحياةَ الد ّن َْيا ِبال ْ ِ‬
‫خَرةِ‬
‫ل الل ّهِ ال ّ ِ‬
‫شُرو َ‬
‫ل ِفى َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قت َ ْ‬
‫قات ِ ْ‬
‫ظيمًا{‬
‫ل الل ّهِ فَي ُ ْ‬
‫من ي ُ َ‬
‫سو ْ َ‬
‫جرا ً عَ ِ‬
‫ف ن ُؤِْتيهِ أ ْ‬
‫ل أو ي َغْل ِ ْ‬
‫ب فَ َ‬
‫ل ِفى َ‬
‫وَ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫)النساء‪ .(74 :‬وقال في الموضوع الثاني في سورة النفال‪} :‬ي َأي َّها ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫ذ‬
‫ئ‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ن كَ َ‬
‫م َ ْ َ ِ ٍ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ إ َِذا ل َ ِ‬
‫فُروا ْ َز ْ‬
‫من ي ُوَل ّهِ ْ‬
‫م الد َْباَر)‪ (15‬وَ َ‬
‫حفا ً فَل َ ت ُوَّلوهُ ُ‬
‫قيت ُ ُ‬
‫ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫حّيزا ً إ َِلى فِئ َةٍ فَ َ‬
‫حّرفا ً ل ّ ِ‬
‫مأَواه ُ َ‬
‫قد ْ َبآء ب ِغَ َ‬
‫مت َ َ‬
‫مت َ َ‬
‫جهَن ّ ُ‬
‫ن الل ّهِ وَ َ‬
‫ب ّ‬
‫ل أوْ ُ‬
‫د ُب َُره ُ إ ِل ّ ُ‬
‫ض ٍ‬
‫م َ‬
‫قَتا ٍ‬
‫صيُر)‪(16‬‬
‫م ِ‬
‫س ال ْ َ‬
‫وَب ِئ ْ َ‬
‫بدء القتال‬
‫ب‬
‫كانت عادة قريش أن تذ َ‬
‫هب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع‪ ،‬وُيسمى الرك ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫عْيرًا‪ ،‬وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم‬
‫السائر بهذه التجارة ِ‬
‫سَراِتهم‪ ،‬ول بد لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة‪ ،‬فرأى‬
‫و َ‬
‫ة وآيبة‪ ،‬ليكون في‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ُيصادَِر تجارتهم ذاهب ً‬
‫ذلك عقاب لمشركي مكة‪ ،‬حتى تضعف قوتهم المالية‪ ،‬فيكون ذلك أدعى‬
‫لخذلنهم في ميدان القتال الذي ل بد ّ أن يكون‪ ،‬لن قريشا ً لم تكن لتسكت‬
‫فه أحلمهم وعاب عبادتهم خصوصا ً وهم قدوة العرب في الدين‪.‬‬
‫من س ّ‬
‫ع ّ‬
‫سرية‬
‫مه حمزةبن عبد المطلب في ثلثين رجل ً من‬
‫ففي شهر رمضان أرسل ع ّ‬
‫عيرا ً‬
‫مْرَثد حليف حمزة‪ ،‬ليعترض ِ‬
‫المهاجرين‪ ،‬وعقد لهم لواء أبيض حمله أبو َ‬
‫لقريش آيبة من الشام‪ ،‬فيها أبو جهل وثلثمائة من أصحابه المشركين‪ ،‬فسار‬
‫حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية الِعيص فصادف العير هناك‪ ،‬فلما‬
‫جهني فأطاعوه وانصرفوا‪،‬‬
‫مجدِّيبن عمرو ال ُ‬
‫تصاّفوا للقتال حجز بين الفريقين َ‬
‫وشكر عليه الصلة والسلم مجديا ً على عمله لما كان من قلة عدد‬
‫المسلمين وكثرة عدوهم‪.‬‬
‫عبيدةبن الحارث ابن عم حمزة في ثمانين راكبا ً من‬
‫وفي شوال أرسل ُ‬
‫ُ‬
‫س َ‬
‫طحبن أَثاثة ليعترض عيرا ً لقريش‪،‬‬
‫المهاجرين‪ ،‬وعقد له لواء أبيض حمله ِ‬
‫م ْ‬
‫مَئتا رجل‪ ،‬فوافوا العير ببطن رابغ فكان بينهما الرمي بالنبل‪ ،‬ثم خاف‬
‫فيها ِ‬
‫المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا‪ ،‬ولم يتبعهم المسلمون‪ ،‬وفّر‬
‫من المشركين إلى المسلمين المقدادبن السود وعتبةبن غَْزوان وكانا قد‬
‫أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين‪.‬‬
‫وفيات‬
‫وفي هذه السنة توفي من المهاجرين عثمانبن مظعون أخو رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم من الرضاع أسلم قديمًا‪ ،‬وهاجر الهجرتين‪ ،‬ولما دفن أمر‬
‫ش قبره بالماء‪ ،‬ووضعَ على قبره حجرًا‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫عليه الصلة والسلم بأن ي َُر ّ‬
‫َ‬
‫م به قبر أخي‪ ،‬وأدفن إليه من مات من أهلي«‪ ،‬وهذا كان القصد من‬
‫»أت َعَل ّ ُ‬
‫وضع الحجار على المقابر‪ ،‬ل ما يقصده أهل العصور الخيرة من تشييد‬
‫الهياكل على القبور‪ ،‬وتصويرها بصور ت َُرى في عين الناظر كالصنام‪ ،‬ليأتي‬
‫أقارب الميت ويصنعوا عندها احتفالت كثيرة‪ ،‬تشبه ما كان يفعله مشركو‬
‫مكة عند معابدهم‪ ،‬ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم مما يتعلق بأمور الخرة‪.‬‬
‫دبن ُزرارة أحد النقباء الثني عشر‪ ،‬كان رضي الله عنه‬
‫ومات من النصار أسع ُ‬
‫نقيب بني النجار‪ ،‬ولما مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لن »ابن‬
‫أخت القوم منهم« ومات أيضا ً البراءبن معرور أحد النقباء‪ ،‬وهو الذي كان‬
‫يتكلم عن القوم في العقبة الثانية‪ .‬ومات من مشركي مكة في هذه السنة‬
‫الوليدبن المغيرة‪ ،‬ولما احُتضر جزع فقال له أبو جهل‪ :‬ما جزعك يا عم؟‬
‫فقال‪ :‬والله ما بي من جزع من الموت‪ ،‬ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي‬
‫ف إني ضامن أل ّ يظهر‪ .‬وفيها أيضا ً مات‬
‫كبشة بمكة‪ ،‬فقال أبو سفيان‪ :‬ل تخ ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫العاصبن وائل السهمي‪ .‬وقد كفى الله المسلمين شر هذين الشقّيين‪.‬‬
‫السّنة الثانية‬
‫غزوة وَّدان‬
‫َ‬
‫خلت من السنة الثانية خرج رسول الله صلى الله عليه‬
‫ولثنتي عشرة ليلة َ‬
‫وسلم من المدينة بعد أن استخلف عليها سعدبن عبادة‪ ،‬ليعترض عيرا ً‬
‫مه حمزة‪ ،‬ولم يلق هناك‬
‫لقريش‪ ،‬فسار حتى بلغ وَّدان‪ ،‬وكان يحمل لواءه ع ّ‬
‫حربا ً لن العير كانت قد سبقته‪ ،‬وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم‬
‫صَرةَ‬
‫آمنون على أنفسهم ولهم النصر على من را َ‬
‫مهم‪ ،‬وأن عليهم ن ُ ْ‬
‫المسلمين إذا ُدعوا‪ ،‬ثم رجع إلى المدينة بعد مضي خمس عشرة ليلة‪.‬‬
‫غزوة ُبواط‬
‫عه غير قليل حتى بلغه أن عيرا ً لقريش آيبة من الشام‬
‫ولم يمض على رجو ِ‬
‫فيها أميةبن خلف ومائة من قريش‪ ،‬وألفان وخمسمائة بعير‪ ،‬فسار إليها في‬
‫دبن أبي‬
‫مائتين من المهاجرين‪ ،‬وذلك في ربيع الول‪ ،‬وكان يحمل لواءه سع ُ‬
‫ً‬
‫وقاص‪ ،‬فسار حتى بلغ ُبواط‪ ،‬فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلقَ كيدا‪ ،‬وذلك‬
‫كله لما كان يأخذه المشركون من الحذر على أنفسهم والجتهاد في تعمية‬
‫أخبارهم عن أهل المدينة‪.‬‬
‫غزوة العُ َ‬
‫شيرة‬
‫وأعقب رجوعه عليه الصلة والسلم خروج قريش بأعظم عيرٍ لها فقد جمعوا‬
‫فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي أو قرشية لها مثقا ٌ‬
‫ل فصاعدا ً إل بعث‬
‫به في تلك العير‪ ،‬وكان يرأسها أبو سفيانبن حرب ومعه بضعة وعشرون‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬فخرج لها الرسول في جمادى الولى ومعه مائة وخمسون من‬
‫مةبن عبد السد‪ ،‬وحمل لواءه عمه‬
‫المهاجرين‪ ،‬واستخلف على المدينة أبا سل َ‬
‫حمزة‪ ،‬ولم يزل سائرا ً حتى بلغ العُ َ‬
‫ف عليه‬
‫ت‪ ،‬وحال َ‬
‫شْيرة فوجد العير قد مض ْ‬
‫مدِلج وحلفاءهم‪ ،‬ثم رجع عليه الصلة‬
‫الصلة والسلم في هذه الغزوة بني ُ‬
‫والسلم إلى المدينة ينتظر هذه العير حينما ترجع‪.‬‬
‫غزوة بدر الولى‬
‫فهري‪ ،‬وأغار على‬
‫وبعد رجوعه عليه الصلة والسلم بقليل جاء ك ُْرُزبن جابر ال ِ‬
‫سْرح المدينة وهرب‪ ،‬فخرج الرسول في طلبه‪ ،‬واستخلف على المدينة‬
‫َ‬
‫دبن حارثة النصاري‪ ،‬وحمل لواءه عليبن أبي طالب‪ ،‬فسار حتى بلغ‬
‫زي َ‬
‫فوان وفاته ُ‬
‫كرٌز فلم يلق حربًا‪ ،‬وُتسمى هذه الغزوة بدرا ً الولى‪.‬‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫سرية‬
‫دتها ثمانية رجال‪ ،‬يرأسها عبد‬
‫وفي رجب من هذه السنة أرسل سرية ع ّ‬
‫ضه إل بعد أن يسير يومين ثم ينظر‬
‫اللهبن جحش‪ ،‬وأعطاه كتابا ً مختوما ً ل ي َ ُ‬
‫ف ّ‬
‫فيه‪ ،‬فسار عبد ُ الله يومين‪ ،‬ثم فتح الكتاب فإذا فيه‪» :‬إذا نظرت كتابي هذا‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫صد َ بها قريشا ً وتعلم لنا من أخبارهم« وإنما لم‬
‫ض حتى تنزل ن َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ة‪ ،‬فتر ُ‬
‫فام ِ‬
‫ً‬
‫يخبرهم عليه الصلة والسلم بمقصدهم وهم بالمدينة حذرا من شيوع الخبر‪،‬‬
‫فيدل عليهم أحد العداء من المنافقين أو اليهود فترصد لهم قريش‪ .‬ول‬
‫يخفى أن عدد السرية قليل ل يمكنه المقاومة‪ ،‬ثم سار عبد الله رضي الله‬
‫عتبةبن َ‬
‫غزوان لنهما أضل‬
‫عنه‪ ،‬وفي أثناء السير تخّلف سعدبن أبي وّقاص و ُ‬
‫عير‬
‫بعيرهما الذي كانا يعتقبانه‪ ،‬وسار الباقون حتى وصلوا نخلة فمّرت بهم ِ‬
‫حضرمي‪ ،‬وعثمانبن عبد اللهبن المغيرة‬
‫قرشية تريد مكة فيها عمروبن ال َ‬
‫حكمبن َ‬
‫كيسان‪ ،‬فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا‬
‫وأخوه نوفل‪ ،‬وال َ‬
‫عليهم ويأخذوا ما معهم‪ ،‬فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب‪ ،‬فقتلوا‬
‫عمروبن الحضرمي‪ ،‬وأسروا عثمان والحكم‪ ،‬وهرب نوفل‪ ،‬واستاقوا الِعير‬
‫وهي أو ُ‬
‫ل غنيمة غنمها المسلمون من أعدائهم قريش ثم رجعوا‪ ،‬ولم يتمكن‬
‫المشركون من اللحاق بهم‪ ،‬فلما قدموا المدينة وشاع أنهم قاتلوا في الشهر‬
‫فهم المسلمون‪ ،‬وقال لهم عليه‬
‫الحرم‪ ،‬وعابتهم قريش واليهود بذلك‪ ،‬عَن ّ َ‬
‫حرم« فندموا‪ ،‬فأنزل الله‬
‫الصلة والسلم‪» :‬ما أمرُتكم بقتال في الشهر ال ُ‬
‫سئ َُلون َ َ‬
‫ل قَِتا ٌ‬
‫ل ِفيهِ قُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِفيهِ ك َِبيٌر‬
‫ك عَ‬
‫شهْرِ ال ْ َ‬
‫في سورة البقرة‪ :‬ي َ ْ‬
‫حَرام ِ قَِتا ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عند َ اللهِّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ل الل ّهِ وَك ْ‬
‫حَرام ِ وَإ ِ ْ‬
‫صد ّ َ‬
‫ه أكب َُر ِ‬
‫ج أهْل ِهِ ِ‬
‫خَرا ُ‬
‫جدِ ال َ‬
‫م ْ‬
‫عن َ‬
‫من ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫فٌر ب ِهِ َوال َ‬
‫وَ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫سّري عنهم وقد طلب المشركون‬
‫ن ال َ‬
‫فت ْن َ ُ‬
‫ة أكب َُر ِ‬
‫َوال ْ ِ‬
‫ل{ )البقرة‪ (217 :‬فَ ُ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م َ‬
‫فداء أسيريهما‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم »حتى يرجعَ سعد وعتبة«‪ ،‬فلما‬
‫رجعا قَب ِ َ‬
‫ل عليه الصلة والسلم الفدية في السيرين‪ ،‬فأما الحكمبن كيسان‬
‫فأسلم وحسن إسلمه وبقي مع المسلمين‪ ،‬وأما عثمان فلحق بمكة كافرًا‪.‬‬
‫تحويل القبلة‬
‫ً‬
‫مكث عليه الصلة والسلم بالمدينة ستة عشر شهرا يستقبل بيت المقدس‬
‫ب وجهه في السماء داعيا ً‬
‫ب أن تكون قبلته الكعبة ويقل ّ ُ‬
‫في صلته‪ ،‬وكان يح ّ‬
‫الله بذلك‪ .‬فبينما هو في صلته إذ أوحى الله إليه بتحويل القبلة إلى الكعبة‬
‫ول‪ ،‬وتحوّ َ‬
‫ن وراءه‪ .‬وكانت هذه الحادثة سببا ً لفتتان بعض المسلمين‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫فتح ّ‬
‫الذين ضعفت قلوبهم فارتدوا على أعقابهم‪ .‬وقد أكثر اليهود من التنديد على‬
‫ن يشاُء إلى‬
‫السلم بهذا التحويل‪ .‬وما د ََروا أن لله المشرق والمغرب يهدي َ‬
‫م ْ‬
‫صراط مستقيم‪.‬‬
‫صوم رمضان‬
‫وفي شعبان من هذه السنة أوجب الله صوم شهر رمضان على المة‬
‫السلمية‪ ،‬وكان عليه الصلة والسلم قبل ذلك يصوم ثلثة أيام من كل شهر‪.‬‬
‫م النظام‪ ،‬فإن النسان‬
‫والصيام من دعائم هذا الدين‪ ،‬والفرائض التي بها يت ّ‬
‫ً‬
‫ب نفسه‪ ،‬والسعي فيما يعود عليها بالنفع الخاص‪ ،‬تاركا ما‬
‫مجبول على ح ّ‬
‫وراء ذلك من حاجات الضعفاء والمساكين‪ ،‬فل بد ّ من واِزع يزعه لحاجات‬
‫قوم أقعدتهم قواهم عن إدراك حاجاتهم‪ ،‬ول أقوى من ذوق قوارص الجوع‬
‫والعطش‪ ،‬إذ بهما تلين نفسه ويتهذب خلقه‪ ،‬فيسهل عليه بذل الصدقات‪.‬‬
‫صدقة الفطر‬
‫ّ‬
‫ولذلك أوجب الشاِرع الحكيم عقب الصوم زكاة الفطر فترى النسان يبذلها‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بسخاء نفس ومحبة خالصة‪.‬‬
‫زكاة المال‬
‫وفي هذا العام ُفرضت زكاة الموال‪ ،‬وهذه هي النظام الوحيد الذي به يأكل‬
‫الفقراء والمساكين من إخوانهم الغنياء بل ضرر على هؤلء‪ ،‬فإذا بلغت‬
‫الدنانير عشرين أو الدراهم مائتين‪ ،‬وحال عليها الحول‪ ،‬وجب عليك أن تؤدي‬
‫ربع عشرها‪ ،‬أي اثنين ونصفا ً في كل مائة‪ ،‬وما زاد فبحسابه‪ ،‬وإذا بلغت‬
‫الشياه أربعين‪ ،‬والبقر ثلثين‪ ،‬والبل خمسًا‪ ،‬وحال عليها الحول وجب عليك‬
‫كذلك أن تؤدي منها جرءا ً مخصوصا ً حدده ال ّ‬
‫شاِرع‪ ،‬ومثلها عروض التجارة‪،‬‬
‫ومحصولت الزراعة كل هذا يقبضه المام‪ ،‬ويوزعه على مستحقيه من‬
‫ت‬
‫صد ََقا ُ‬
‫الفقراء والمساكين وبقية المذكورين في آية الصدقة‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما ال ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مؤَل ّ َ‬
‫ف َ‬
‫ل ِل ْ ُ‬
‫ب َوالَغارِ ِ‬
‫ن َوال َْعا ِ‬
‫سا ِ‬
‫م َ‬
‫فةِ قُُلوب ُهُ ْ‬
‫ن عَل َي َْها َوال ْ ُ‬
‫قَرآء َوال ْ َ‬
‫م وَِفى الّرقا ِ‬
‫مي َ‬
‫مِلي َ‬
‫كي ِ‬
‫سِبي ِ ّ‬
‫م)‪(60‬‬
‫ض ً‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ن ال ّ‬
‫وَِفى َ‬
‫كي ٌ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫ن الل ّهِ َوالل ّ ُ‬
‫ة ّ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ل فَ ِ‬
‫ل اللهِ َواب ْ ِ‬
‫غزوة بدر الكبرى‬
‫لم يطل العهد بتلك الِعير العظيمة التي خرج لها عليه السلم وهي متوجهة‬
‫ب‬
‫إلى الشام‪ ،‬فلم يدركها ولم يزل مترقبا ً رجوعها‪ ،‬فلما سمع برجوعها ن َد َ َ‬
‫ه‪ ،‬وقال‪» :‬هذه عيُر قريش فاخرجوا إليها لع ّ‬
‫ل الله أن‬
‫إليها أصحاب َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قل آخرون‪ ،‬لظنهم أن الرسول عليه السلم لم‬
‫ينفلكموها«‪ ،‬فأجاب قوم‪ ،‬وث ُ‬
‫ً‬
‫ب معنا«‪.‬‬
‫ي ُرِد ْ حربًا‪ ،‬فإنه لم يحتفل بها بل قال‪» :‬من كان ظهره حاضرا فليرك ْ‬
‫ن من رمضان بعد أن‬
‫ل َ‬
‫ولم ينتظر من كان ظهره غائبًا‪ .‬فخرج لثل ِ‬
‫خل َوْ َ‬
‫ث ليا ٍ‬
‫وّلى على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم‪ ،‬وكان معه ثلثمائة وثلثة عشر‬
‫رج ً‬
‫ل‪ :‬مئتان ونيف وأربعون من النصار‪ ،‬والباقون من المهاجرين‪ ،‬ومعهم‬
‫ً‬
‫فََرسان‪ ،‬وسبعون بعيرا يعتقبونها‪ ،‬والحامل للواء مصعببن عمير العَْبدري‪ .‬ولما‬
‫علم أبو سفيان بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم استأجر راكبا ً ليأتي‬
‫قريشا ً ويخبرهم الخبر‪ ،‬فلما علموا بذلك أدركتهم حميتهم‪ ،‬وخافوا على‬
‫سراعا ً ولم يتخلف من أشرافهم إل أبو لهببن عبد المطلب‪،‬‬
‫تجارتهم‪ ،‬فنفروا ِ‬
‫ّ‬
‫فإنه أرسل بدله العاصبن هشامبن المغيرة‪ .‬وأراد أميةبن خلف أن يتخلف‬
‫دثه إياه سعدبن معاذ حينما كان معتمرا ً بعد الهجرة بقليل‪ ،‬حيث‬
‫لحديث ح ّ‬
‫ت من رسول الله يقول‪» :‬إنهم قاتلوك«‬
‫قال ــــ كما رواه البخاري ــــ سمع ُ‬
‫ّ‬
‫قال‪ :‬بمكة؟ قال‪ :‬ل أدري‪ .‬ففزع لذلك وحلف أل يخرج‪ ،‬فعابه أبو جهل ولم‬
‫يزل به حتى خرج قاصدا ً الرجوع بعد قليل ولكن إرادة الله فوق كل إرادة‪،‬‬
‫ة من الشراف على‬
‫م جماع ٌ‬
‫فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه‪ .‬وكذلك عََز َ‬
‫ت رجا ُ‬
‫ل قريش على الخروج‪ ،‬فخرجوا‬
‫القعود فَعِي ْ َ‬
‫ب عليهم ذلك‪ ،‬وبهذا أجمع ْ‬
‫م‬
‫على الصعب والذلول‪ ،‬أمامهم ال َ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫قْينات يغنين بهجاء المسلمين‪ :‬وَإ ِذ ْ َزي ّ َ‬
‫طا َ‬
‫ل لَ َ‬
‫م وََقا َ‬
‫ال ّ‬
‫م{‬
‫م ِ‬
‫س وَإ ِّني َ‬
‫غال ِ َ‬
‫شي ْ َ ُ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫جاٌر ل ّك ُ ْ‬
‫ب ل َك ُ ُ‬
‫مال َهُ ْ‬
‫ن أعْ َ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫)النفال‪ .(48 :‬وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثل ً يعتبر به ذوو الرأي من‬
‫بعدهم‪ ،‬فقال في سورة الحشر‪:‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫شي ْ َ‬
‫من َ‬
‫فَر َقا َ‬
‫ن إ ِذ ْ َقا َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ك إ ِّنى‬
‫ما ك َ َ‬
‫ن اك ْ ُ‬
‫لن َ‬
‫رىء ّ‬
‫فْر فَل َ ّ‬
‫}ك َ َ‬
‫سا ِ‬
‫طا ِ‬
‫مث َ ِ‬
‫ل إ ِّنى ب َ ِ‬
‫ل لِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫قب َي ْهِ وََقا َ‬
‫ل)(‪،‬‬
‫أَ َ‬
‫خا ُ‬
‫ص عَلى عَ ِ‬
‫ت ال ِ‬
‫ما ت ََرآء ِ‬
‫ب الَعال ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫ن)‪ (16‬فَل ّ‬
‫ف الل َ‬
‫ن ن َك َ َ‬
‫فئ ََتا ِ‬
‫مي َ‬
‫‪) { .‬النفال‪ .(48 :‬وكان عدة من خرج من المشركين تسعمائة وخمسين‬
‫رجل ً معهم مائة فرس وسبعمائة بعير‪.‬‬
‫أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يعرف شيئا ً مما فعله‬
‫قيا خارج المدينة‪،‬‬
‫س ْ‬
‫المشركون‪ ،‬ولم يكن خروجه إل للعير‪ ،‬فعسكر ببيوت ال ّ‬
‫ن ليس له قدرة على الحرب‪ ،‬ثم أرسل اثنين‬
‫واستعرض الجيش فرد ّ َ‬
‫م ْ‬
‫يتجسسان الخبار عن العير‪ .‬ولما بلغ الّرْوحاء جاءه الخبر بمسير قريش لمنع‬
‫عيرهم‪ ،‬وجاءه مخبراه بأن العير ستصل بدرا ً غدا ً أو بعد غد‪ ،‬فجمع عليه‬
‫ن الله قد وعدني‬
‫الصلة والسلم كبراء الجيش وقال لهم‪» :‬أّيها الناس إ ّ‬
‫إحدى الطائفتين أنها لكم‪ :‬العير أو النفير« فتبين له عليه الصلة والسلم أن‬
‫بعضهم يريدون غير ذات الشوكة وهي العير ليستعينوا بما فيها من الموال‪،‬‬
‫فقد قالوا‪ :‬هل ّ ذكرت لنا القتال فنستعد وجاء مصداق ذلك قوله في سورة‬
‫فتين أ َنها ل َك ُم وتودو َ‬
‫دى ال ّ‬
‫ت‬
‫ن غَي َْر َذا ِ‬
‫نأ ّ‬
‫ْ ََ َ ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ه إِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫النفال‪ :‬وَإ ِذ ْ ي َعِد ُك ُ ُ‬
‫طائ ِ َ َ ْ ِ ّ َ‬
‫شوْك َةِ ت َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫م{ )النفال‪ .(7 :‬ثم قام المقدادبن السود رضي الله عنه‬
‫كو ُ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫فقا َ‬
‫ض لما أمرك الله‪ ،‬فوالله ل نقول لك كما قالت بنو‬
‫ل‪ :‬يا رسول الله ام ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ )المائدة‪:‬‬
‫ت وََرب ّك فَ َ‬
‫هاهَُنا َقا ِ‬
‫قاِتل إ ِّنا َ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫إسرائيل لموسى‪َ} :‬فاذ ْهَ ْ‬
‫ب أن َ‬
‫‪ (24‬ولكن اذهب أنت وربك فقاتل إّنا معكما مقاتلون‪ ،‬والله لو سرت بنا إلى‬
‫ب َْر َ‬
‫ماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‪ ،‬فدعا له بخير‪ ،‬ثم قال عليه‬
‫ك الغِ َ‬
‫ي أّيها الناس« وهو يريد النصار لن بيعة العقبة ربما‬
‫السلم‪» :‬أشيروا عل ّ‬
‫جب عليهم نصرته إل ما دام بين أظهرهم‪ .‬فإن فيها‪ :‬يا‬
‫يفهم منها أنه ل ت َ ِ‬
‫رسول الله إّنا‬
‫ُبرآء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا‪ ،‬فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك‬
‫مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا‪ .‬فقال سعدبن معاذ‪ ،‬سيد الوس‪ :‬كأنك تريدنا يا‬
‫دقناك‪ ،‬وأعطيناك‬
‫رسول الله؟ فقال‪» :‬أجل« فقال سعد‪ :‬قد آمنا بك وص ّ‬
‫ض لما أمرك الله‪ ،‬فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت‬
‫على ذلك عهودنا‪ ،‬فام ِ‬
‫بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك‪ ،‬وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا‪ً،‬‬
‫دق عند اللقاء‪ ،‬ولع ّ‬
‫ل الله ُيريك مّنا ما تقّر به عَي ُْنك‪،‬‬
‫ص ُ‬
‫صُبر عند الحرب‪ُ ،‬‬
‫إّنا ل ُ‬
‫سّر بذلك‪ ،‬وقال كما في‬
‫فسر على بركة الله‪ .‬فأشرق وجهه عليه السلم‪ ،‬و ُ‬
‫م من‬
‫رواية البخاري‪» :‬أبشروا والله كأني أنظر إلى مصارع القوم« َفعلم القو ُ‬
‫ة حصلت‪ ،‬فإن أبا سفيان لما علم‬
‫هذه الجملة أن الحرب ل بد ّ حاصلة‪ ،‬وحقيق ً‬
‫ً‬
‫بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة‪ ،‬وسار مّتبعا ساحل البحر فنجا‪،‬‬
‫وأرسل إلى قريش ُيعِلمهم بذلك‪ ،‬ويشير عليهم بالرجوع‪ ،‬فقال أبو جهل‪ :‬ل‬
‫جزور‪ ،‬ونطعم الطعام‪ ،‬وُنسقي‬
‫نرجع حتى نحضر بدرا ً فنقيم فيه ثلثًا‪ :‬ننحر ال َ‬
‫الخمر‪ ،‬وتسمع بنا العرب فل يزالون يهابوننا أبدًا‪ .‬فقال الخنسبن شريق‬
‫جى الله‬
‫الثقفي لبني زهرة ــــ وكان حليفا ً لهم ــــ‪ :‬ارجعوا يا قوم فقد ن ّ‬
‫أموالكم فرجعوا‪ ،‬ولم يشهد بدرا ً زهري ول عدوي‪ ،‬ثم سار الجيش حتى‬
‫وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ما قارب بدرا ً أرسل عليه السلم علّيبن أبي‬
‫أما جيش المسلمين‪ ،‬فإنه ل ّ‬
‫سقاة ً لقريش فيهم غلم لبني‬
‫وام ليعرفا الخبار‪ ،‬فصادفا ُ‬
‫طالب والزبيربن الع ّ‬
‫الحجاج وغلم لبني العاص السهميين‪ ،‬فأتيا بهما‪ ،‬والرسول عليه السلم قائم‬
‫يصلي‪ ،‬ثم سألهما عن أنفسهما‪ ،‬فقال‪ :‬نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم‬
‫الماء‪ ،‬فضرباهما لنهما ظنا أن الغلمين لبي سفيان‪ .‬فقال الغلمان‪ :‬نحن‬
‫م الرسول عليه السلم صلته‪ ،‬قال‪» :‬إذا‬
‫لبي سفيان فتركاهما‪ .‬ولما أت ّ‬
‫صدقاكم ضربتموهما‪ ،‬وإذا كذباكم تركتموهما؟ صدقا والله إنهما لقريش«‪ .‬ثم‬
‫قال لهما‪» :‬أخبراني عن قريش؟« قال‪ :‬هم وراء هذا ال َ‬
‫كثيب‪ ،‬فقال لهما‪:‬‬
‫»كم هم؟« فقال‪ :‬ل ندري‪ .‬قال‪» :‬كم ينحرون كل يوم؟«‪ .‬قال‪ :‬يوما ً تسعا ً‬
‫من في‬
‫ويوما ً عشرًا‪ .‬قال‪» :‬القوم ما بين التسعمائة واللف«‪ ،‬ثم سألهما ع ّ‬
‫النفير من أشراف قريش فذكرا له عددا ً عظيمًا‪ ،‬فقال عليه السلم لصحابه‪:‬‬
‫»هذه مكة قد ألقت إليكم أفلذ كبدها«‪ ،‬ثم ساروا حتى نزلوا بعُد ْوَةِ الوادي‬
‫الدنيا من المدينة بعيدا ً عن الماء في أرض سبخة‪ ،‬فأصبح المسلمون عطاشا ً‬
‫دثهم الشيطان بوسوسته‪ ،‬ولول فضل الله‬
‫ح ِ‬
‫دث‪ ،‬فح ّ‬
‫م ْ‬
‫بعضهم ُ‬
‫جنب وبعضهم ُ‬
‫عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم‪ ،‬فإنه قال لهم‪ :‬ما ينتظر المشركون منكم إل‬
‫هب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا‪.‬‬
‫أن يقطع العطش رقابكم‪ ،‬وُيذ ِ‬
‫حياض على‬
‫فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي‪ ،‬فشربوا واتخذوا ال ِ‬
‫عُد ْوَةِ الوادي‪ ،‬واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا السقية‪ ،‬ولبدت الرض‪ ،‬حتى ثبتت‬
‫حل‬
‫عليها القدام‪ ،‬على حين أن كان هذا المطر مصيبة على المشركين فإنه وَ ّ‬
‫الرض حتى لم يعودوا يقدرون على الرتحال‪ .‬ومصداق هذا قوله تعالى في‬
‫ل عَل َي ْ ُ‬
‫سورة النفال‪} :‬وَي ُن َّز ُ‬
‫جَز‬
‫ب َ‬
‫م رِ ْ‬
‫م ب ِهِ وَي ُذ ْهِ َ‬
‫من ال ّ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫مآء ل ّي ُط َهَّرك ُ ْ‬
‫مآء َ‬
‫س َ‬
‫كم ّ‬
‫ُ‬
‫ن وَل ِي َْرب ِ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ال ّ‬
‫م{ )النفال‪ (11 :‬وقد أرى الله‬
‫ت ب ِهِ القْ َ‬
‫دا َ‬
‫م وَي ُث َب ّ َ‬
‫ط عََلى قُلوب ِك ْ‬
‫طا ِ‬
‫رسوله في منامه العداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدد كيل يفشل‬
‫المسلمون‪ ،‬وليقضي الله أمرا ً كان مفعو ً‬
‫ل‪ .‬قال تعالى في سورة النفال‪} :‬إ ِذ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ر‬
‫م ك َِثيرا ً ل ّ َ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫م ِفى ال ْ ْ‬
‫م وَل َت ََناَزعْت ُ ْ‬
‫شل ْت ُ ْ‬
‫ك قَِليل ً وَل َوْ أَراك َهُ ْ‬
‫ه ِفى َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ريك َهُ ُ‬
‫م ِ‬
‫يُ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م بِ َ‬
‫م ِفى‬
‫م إ ِذِ الت َ َ‬
‫ذا ِ‬
‫ص ُ‬
‫ه َ‬
‫قي ْت ُ ْ‬
‫موهُ ْ‬
‫ريك ُ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫سل َ‬
‫ن الل َ‬
‫ت ال ّ‬
‫وَلك ِ ّ‬
‫دوِر)‪ (43‬وَ َإ ِذ ْ ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ع‬
‫م ْ‬
‫م ل ِي َ ْ‬
‫م قِليل وَي ُ َ‬
‫ق ِ‬
‫ج ُ‬
‫فُعول وَإ ِلى اللهِ ت ُْر َ‬
‫مرا كا َ‬
‫ن َ‬
‫هأ ْ‬
‫ى الل ُ‬
‫م ِفى أعْي ُن ِهِ ْ‬
‫قلل ك ْ‬
‫أعْي ُن ِك ُ ْ‬
‫ض َ‬
‫موُر)‪(44‬‬
‫ال ُ‬
‫ل عَ َ‬
‫حوْل َُهون َذ ْهَ َ‬
‫ل وبعد انقضاء هذه‬
‫ن أبناِئنا وال َ‬
‫صّرع َ َ‬
‫ه َ‬
‫ون ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫حّتى ن ُ َ‬
‫حلئ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫دلها بقضيب في يده‪،‬‬
‫المبارزة‪ ،‬وقف عليه الصلة والسلم بين الصفوف يع ِ‬
‫زية حليف بني النجار وهو خارج من الصف‪ ،‬فضربه بالقضيب‬
‫فمّر بسوادبن غَ ِ‬
‫في بطنه وقا َ‬
‫ل‪» :‬استقم يا سواد«‪ ،‬فقال أوجعتني يا رسول الله وقد ُبعثت‬
‫َ‬
‫دني من نفسك‪ .‬فكشف الرسول عليه الصلة والسلم عن‬
‫بالحق والعدل فَأقِ ْ‬
‫بطنه‪ ،‬وقال‪» :‬استقد يا سواد«‪ ،‬فاعتنقه سواد وقّبل بطنه‪ .‬فقال عليه الصلة‬
‫ت‬
‫والسلم‪» :‬ما حملك على ذلك؟« فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى فأرد ُ‬
‫دك‪ ،‬فدعا له بخير‪ ،‬ثم ابتدأ عليه‬
‫س جلدي جل َ‬
‫أن يكون آخر العهد أن يم ّ‬
‫السلم يوصي الجيش فقال‪» :‬ل تحملوا حتى آمركم‪ ،‬وإن اكت ََنفكم القوم‬
‫سّلوا السيوف حتى ي َغْ َ‬
‫ضهم على الصبر‬
‫شوكم« ثم ح ّ‬
‫فانضحوهم بالنبل ول ت َ ُ‬
‫والثبات‪ ،‬ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر‪ ،‬وحارسه سعدبن معاذ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫واقف على باب العريش متوشح سيفه‪ ،‬وكان من دعاء الرسول عليه الصلة‬
‫م أنشدك عهدك‬
‫والسلم ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري‪» :‬الله ّ‬
‫سُبك فإن الله سينجز لك‬
‫م إن شئت لم ُتعبد« فقال أبو بكر‪َ :‬‬
‫ح ْ‬
‫ووعدك‪ ،‬الله ّ‬
‫ْ‬
‫ع‬
‫م ُ‬
‫م ال َ‬
‫سي ُهَْز ُ‬
‫وعده‪ .‬فخرج عليه الصلة والسلم من العريش وهو يقول‪َ :‬‬
‫ج ْ‬
‫ن الد ّب َُر)‪(45‬‬
‫وَي ُوَّلو َ‬
‫واشتد القتال‪ ،‬وحمي الوطيس‪ ،‬وأيد الله المسلمين بالملئكة ُبشرى لهم‬
‫هزم الجمع‪ ،‬ووّلوا الد ّب َُر‪ ،‬وتبعهم‬
‫ولتطمئن به قلوبهم‪ .‬فلم تكن إل ساعة حتى ُ‬
‫المسلمون يقتلون ويأسرون‪ ،‬فقتل من المشركين نحوُ السبعين‪ ،‬منهم من‬
‫قريش‪ :‬عتبة وشيبة ابنا ربيعة‪ ،‬والوليدبن عتبة‪ُ ،‬قتلوا مبارزة أول القتال‪ ،‬وأبو‬
‫ختريبن هشام‪ ،‬والجراح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم‬
‫الب َ ْ‬
‫ُ‬
‫يزدجر‪ ،‬وُقتل أميةبن خلف وابنه علي‪ ،‬اشترك في قتلهما جماعة من النصار‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫مي ّ ُ‬
‫ماربن ياسر‪ ،‬وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أ َ‬
‫مع بللبن رباح وع ّ‬
‫َ‬
‫في مكة‪ .‬ومن القتلى حنظلةبن أبي سفيان‪ ،‬وأبو جهلبن هشام‪ ،‬أثخنه فتيان‬
‫صغيران من النصار‪ ،‬لما كانا يسمعانه من أنه كان شديد َ اليذاء لرسول الله‪،‬‬
‫وأجهز عليه عبد اللهبن مسعود‪ ،‬وُقتل نوفلبن خويلد قتله عليبن أبي طالب‪،‬‬
‫ُ‬
‫ن أمية‪ ،‬وقُِتل كثيرون‬
‫ح َ‬
‫حي ْ َ‬
‫وقتل عبيدة والعاصي ولدا أبي أ َ‬
‫صب ِ‬
‫ن العا ِ‬
‫ة سعيدِ ب ِ‬
‫غيرهم‪ .‬أما السرى فكانوا سبعين أيضًا‪ ،‬قت َ‬
‫ل منهم عليه السلم وهو راجع‬
‫معيط‪ ،‬والنضَربن الحارث اللذين كانا بمكة من أشد المستهزئين‪.‬‬
‫عقب َ‬
‫ةبن أبي ُ‬
‫وكانت هذه الواقعة في )‪ (17‬رمضان‪ ،‬وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن‬
‫وبين التاريخين )‪ (14‬سنة قمرية كاملة‪.‬‬
‫وقد أمر عليه الصلة والسلم بالقتلى فُنقلوا من مصارعهم التي كان‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر‪،‬‬
‫سننه في مغازيه إذا مّر بجيفة إنسان أمر بها‬
‫لنه عليه السلم كان من ُ‬
‫ً‬
‫فدفنت‪ ،‬ل يسأل عنه مؤمنا ً أو كافرا‪ .‬ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة أحد‬
‫السابقين إلى السلم تغير وجه ابنه ففطن الرسول عليه السلم لذلك‪،‬‬
‫فقال‪» :‬لعّلك دخلك من شأن أبيك شيء؟« فقال‪ :‬ل والله ولكني كنت أعرف‬
‫من أبي رأيا ً وحلما ً وفض ً‬
‫ل‪ ،‬فكنت أرجو أن يهديه الله للسلم‪ ،‬فلما رأيت ما‬
‫مات عليه أحزنني ذلك‪ ،‬فدعا له الرسول عليه السلم بخير‪ ،‬ثم أمر عليه‬
‫شد ّ عليها حتى قام على َ‬
‫حلته ف ُ‬
‫فةِ القليب الذي رمي فيه‬
‫ش َ‬
‫السلم برا ِ‬
‫المشركون‪ ،‬فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم‪» :‬يا فلنبن فلن ويا‬
‫فلنبن فلن أيسّركم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله؟ فإّنا قد وجدنا ما وعدنا‬
‫م‬
‫ربنا حقًا‪ ،‬فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟« فقال عمر‪ :‬يا رسول الله ما ت ُك َل ّ ُ‬
‫معَ لما‬
‫س محمد بيده ما أنتم بأس َ‬
‫من أجساد ل أرواح فيها؟ فقال‪» :‬والذي نف ُ‬
‫ل منهم«‪ .‬وتقول عائشة رضي الله عنها إنما قال‪» :‬إنهم الن ليعلمون أ َ‬
‫أقو ُ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ت أقول لهم حق«‪ ،‬ثم قرأت‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫مآ‬
‫س ِ‬
‫ك ل َ تُ ْ‬
‫موَْتى{ )النمل‪} (80 :‬وَ َ‬
‫معُ ال ْ َ‬
‫ما كن ُ‬
‫َ‬
‫وؤوا‬
‫من ِفى ال ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫مٍع ّ‬
‫ت بِ ُ‬
‫أن َ‬
‫قُبوِر{ )فاطر‪ ،(22 :‬يقول‪» :‬يعلمون ذلك حينما تب ّ‬
‫مقاعدهم من النار«‪ .‬رواه البخاري‪ .‬ثم أرسل عليه السلم المبشرين‪،‬‬
‫فأرسل عبد اللهبن رواحة لهل العالية‪ ،‬وأرسل زيدبن حارثة لهل السافلة‬
‫راكبا ً على ناقة رسول الله‪ ،‬وكان المنافقون والكفار من اليهود قد أرجفوا‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين‪ ،‬عادة العداء في إذاعة الضّراء‪،‬‬
‫يقصدون بذلك فتنة المسلمين‪ ،‬فجاء أولئك المبشرون بما سّر أهل المدينة‪،‬‬
‫وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت رسول الله وزوج عثمان‪ .‬ثم‬
‫خلف بين بعض المسلمين في قسمة‬
‫قفل رسول الله راجعًا‪ ،‬وهنا وقع ُ‬
‫الغنائم‪ ،‬فالشبان يقولون‪ :‬باشرنا القتال‪ ،‬فهي لنا خالصة‪ ،‬والشيوخ يقولون‪:‬‬
‫كنا ردءا ً لكم فنشارككم‪ .‬ولما كان هذا الختلف مما يدعو إلى الضعف‪،‬‬
‫ويزرع في القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت الشمل أنزل الله‬
‫ل ل ِلهِّ‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫فا ُ‬
‫ل الن َ‬
‫ن الن َ‬
‫حسما ً لهذا الخلف أول سورة النفال‪} :‬ي َ ْ‬
‫ل قُ ِ‬
‫فا ِ‬
‫ك عَ ِ‬
‫قوا ْ ) ( ‪) {1:‬النفال‪ (1 :‬فسطع على أفئدتهم نور القرآن‪،‬‬
‫ل َفات ّ ُ‬
‫َوالّر ُ‬
‫سو ِ‬
‫فتأّلفت بعد أن كادت تفترق‪ ،‬وتركوا أمر الغنائم لرسول الله يضعها كيف شاء‬
‫ــــ كما حكم القرآن ــــ فقسمها عليه الصلة والسلم على السواء الراجل‬
‫ن لم يحضر‬
‫مع الراجل‪ ،‬والفارس مع الفارس‪ ،‬وأدخل في السهام بعض َ‬
‫م ْ‬
‫لمر ُ‬
‫كلف به وهم‪ :‬أبو ُلبابة النصاري لنه كان مخّلفا ً على أهل المدينة‪،‬‬
‫والحارثبن حاطب لن الرسول عليه الصلة والسلم خلفه على بني عمروبن‬
‫حاِء‬
‫عوف ليح ّ‬
‫مة و َ‬
‫واتبن جبير لنهما ك ُ ِ‬
‫سرا بالّروْ َ‬
‫قق أمرا ً بلغه‪ ،‬والحارثبن الص ّ‬
‫خ ّ‬
‫ُ‬
‫سل‬
‫فلم يتمكنا من السير‪ ،‬وطلحةبن عبيد الله‪ ،‬وسعيدبن زيد لنهما أر ِ‬
‫يتجسسان الخبار‪ ،‬فلم يرجعا إل بعد انتهاء الحرب‪ ،‬وعثمانبن عفان لن‬
‫الرسول عليه السلم خّلفه على ابنته رقّية يمرضها‪ ،‬وعاصمبن عدي لنه‬
‫خلفه على أهل ُقباء والعالية‪ ،‬وكذلك أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر‬
‫جرح في المبارزة الولى‪،‬‬
‫منهم ُ‬
‫عبيدةبن الحارثبن عبد المطلببن هاشم الذي ُ‬
‫صفراء‪ .‬ولما‬
‫فإنه رضي الله عنه مات عند رجوع المسلمين من بدر ودفن بال ّ‬
‫قارب عليه السلم المدينة تلقته الولئد بالدفوف يقلن‪:‬‬
‫طلع البدر علينامن ثنّيات الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأّيها المبعوث‬
‫مطاع‬
‫فيناجئت بالمر ال ُ‬
‫أسرى بدر‬
‫ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلة والسلم أصحابه فيما يفعل بالسرى‪،‬‬
‫فقال عمربن الخطاب‪ :‬يا رسول الله قد ك ّ‬
‫ذبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى أن‬
‫تم ّ‬
‫كنني من فلن ــــ لقريب له ــــ فأضرب عنقه‪ ،‬وتمكن حمزة من أخيه‬
‫العباس‪ ،‬وعلي ّا ً من أخيه عقيل‪ .‬وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا‬
‫موّدة للمشركين‪ ،‬ما أرى أن تكون لك أسرى‪ ،‬فاضرب أعناقهم‪ ،‬هؤلء‬
‫صناديدهم وأئمتهم وقادتهم‪ .‬ووافقه على ذلك سعدبن معاذ وعبد اللهبن‬
‫رواحة‪ ،‬وقال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله هؤلء أهلك وقومك قد أعطاك الله‬
‫الظفر والنصر عليهم‪ ،‬أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا‬
‫منهم قوة لنا على الكفار‪ ،‬وعسى الله أن يهديهم بك فيكونوا لك عضدًا‪.‬‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬إن الله لي ُّلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من‬
‫اللبن‪ ،‬وإن الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشد ّ من الحجارة‪ ،‬وإن مثلك يا‬
‫صاِنى فَإ ِن ّ َ‬
‫فوٌر‬
‫ك غَ ُ‬
‫ه ِ‬
‫مّنى وَ َ‬
‫من ت َب ِعَِنى فَإ ِن ّ ُ‬
‫أبا بكر كمثل إبراهيم قال‪ :‬فَ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫م ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ب ل َ ت َذ َْر عََلى‬
‫ّر ِ‬
‫م{ )إبراهيم‪ (36 :‬وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال‪ّ} :‬ر ّ‬
‫حي ٌ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ن ال َ‬
‫ن د َّيارا{ )نوح‪ «(26 :‬ورأى عليه الصلة والسلم رأي أبي‬
‫ض ِ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ال ْْر ِ‬
‫بكر بعد أن مدح كل ّ من الصاحبين لن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين‪،‬‬
‫وخذلن المشركين‪ ،‬ثم قال لصحابه‪» :‬أنتم اليوم عالة فل يفلتن أحد من‬
‫أسراكم إل بفداء« وقد بلغ قريشا ً ما عزم عليه رسول الله في أمر السرى‪،‬‬
‫فناحت على القتلى شهرًا‪ ،‬ثم أشير عليهم من كبارهم أل ّ يفعلوا كيل يبلغ‬
‫مموا على أل يبكوا قتلهم‬
‫محمدا ً وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم‪ ،‬فسكتوا وص ّ‬
‫حتى يأخذوا بثأرهم‪ ،‬وتواصوا فيما بينهم أل ّ يعجلوا في طلب الفداء لئل يتغالى‬
‫المسلمون فيه‪.‬‬
‫الفداء‬
‫فلم يلتفت إلى ذلك الم ّ‬
‫طلببن أبي وََداعة السهمي‪ ،‬وكان أبوه من السرى‪،‬‬
‫فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة آلف درهم‪ ،‬وعند ذلك بعثت‬
‫قريش في فداء أسراها‪ ،‬وكان أربعة آلف إلى ألف درهم‪ ،‬ومن لم يكن معه‬
‫فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة ُيعّلمهم‪،‬‬
‫وكان ذلك فداَءه‪.‬‬
‫ومن السرى عمروبن أبي سفيان‪ ،‬ولما ُ‬
‫طلب من أبيه فداؤه أبى‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫والله ل يجمع محمد بين ابني ومالي‪ ،‬دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم‪.‬‬
‫فبينما أبو سفيان بمكة إذ وجد سعدبن النعمان النصاري معتمرًا‪ ،‬فعدا عليه‬
‫فحبسه بابنه عمرو‪ ،‬فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم‬
‫مرا ً فف ّ‬
‫كوا به سعدًا‪.‬‬
‫عَ ْ‬
‫ومن السرى أبو العاصبن الربيع زوج زينب بنت الرسول‪ ،‬وكان عليه الصلة‬
‫والسلم قد أثنى عليه خيرا ً في مصاهرته‪ ،‬فإنه لما استحكمت العداوة بين‬
‫قريش ورسول الله بمكة‪ ،‬طلبوا من أبي العاص أن يطّلق زينب كما فعل ابنا‬
‫أبي لهب بابنتي الرسول‪ ،‬فامتنع وقال‪ :‬والله ل أفارق صاحبتي‪ ،‬وما أحب أن‬
‫لي بها امرأة من قريش‪ ،‬ولما ُأسر أرسلت زينب في فدائه ِقلدة لها كانت‬
‫حّلتها بها أمها خديجة ليلة عرسها‪ .‬فلما رأى عليه الصلة والسلم تلك القلدة‬
‫ن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وترّدوا‬
‫َرقّ لها رّقة شديدة‪ ،‬وقال لصحابه‪» :‬إ ْ‬
‫ب بذلك‪ ،‬فأطلقه عليه الصلة والسلم‬
‫لها قلدتها فافعلوا« فرضي الصحا ُ‬
‫بشرط أن يترك زينب تهاجر إلى المدينة‪ .‬فلما وصل إلى مكة أمرها باللحاق‬
‫بأبيها‪ ،‬وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها‪ .‬هذا‪ ،‬ولما أسلم أبو‬
‫العاصبن الربيع قبيل الفتح رد ّ عليه امرأته بالنكاح الول‪.‬‬
‫سهيلبن عمرو‪ ،‬وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما آذى‬
‫ومن السرى‪ُ :‬‬
‫عني يا رسول الله أنزع ثنيتي‬
‫د‬
‫الخطاب‪:‬‬
‫عمربن‬
‫فقال‬
‫بلسانه‪،‬‬
‫المسلمين‬
‫َ ْ‬
‫ه‪ ،‬فل يقوم عليك خطيبا ً في موطن أبدًا‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫سهيل‪ ،‬ي َ ْ‬
‫دلع لسان ُ ُ‬
‫ُ‬
‫مّثل الله بي وإن كنت نبي ًّا‪ ،‬وعسى أن يقوم مقاما ً ل‬
‫والسلم‪» :‬ل أمّثل في ُ َ‬
‫مه« وقدم بفدائه مكرزبن حفص‪ ،‬ولما ارتضى معهم على مقدارٍ حبس‬
‫تذ ّ‬
‫قق الله خبر الرسول في سهيل‪،‬‬
‫نفسه بدله حتى جاء بالفداء‪ .‬هذا‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫فإنه لما مات عليه الصلة والسلم أراد أهل مكة الرتداد كما فعل غيرهم من‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫العراب‪ ،‬فقام سهيل هذا خطيبا ً وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى‬
‫ن كان يعبد محمدا ً فإن محمدا ً قد مات ومن كان‬
‫على رسوله‪ :‬أيها الناس َ‬
‫م ْ‬
‫ي ل يموت ألم تعلموا أن الله قال‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫م‬
‫ت وَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مي ّ ٌ‬
‫ك َ‬
‫يعبد الله فإن الله ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ت أوْ قُت ِ َ‬
‫س ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ل‬
‫ل قَد ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫مي ُّتو َ‬
‫من قَب ْل ِهِ الّر ُ‬
‫مد ٌ إ ِل َر ُ‬
‫ما َ‬
‫ل أفإ ِْين ّ‬
‫خل ْ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫ن)‪ (30‬وَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م{ )آل عمران‪ (144 :‬ثم قال‪ :‬والله إني أعلم أن هذا‬
‫م عَلى أع ْ َ‬
‫ان َ‬
‫قاب ِك ْ‬
‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فل يغّرنكم هذا ــــ يريد أبا سفيان‬
‫ــــ من أنفسكم‪ ،‬فإنه يعلم من هذا المر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره‬
‫مة‪ ،‬وإن‬
‫حسد بني هاشم‪ ،‬وتوكلوا على رّبكم‪ ،‬فإن دين الله قائم‪ ،‬وكلمته تا ّ‬
‫صر من نصره ومقوَ دينه‪ ،‬وقد جمعكم الله على خيركم ــــ يريد أبا بكر‬
‫الله نا ِ‬
‫ــــ وإن ذلك لم يزد السلم إل قوة‪ ،‬فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه‪ .‬فتراجع‬
‫ما كانوا عزموا عليه‪ ،‬وكان هذا الخبر من معجزات نبينا صلى الله‬
‫الناس ع ّ‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫ومن السرى‪ :‬الوليدبن الوليد افت ّ‬
‫كه أخواه خالد وهشام‪ ،‬فلما افْت ُدِيَ ورجع‬
‫دوا‬
‫إلى مكة أسلم فقيل له‪ :‬هل ّ أسلمت قبل ال ِ‬
‫فداء؟ فقال خفت أن يع ّ‬
‫إسلمي خوفًا‪ .‬ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففّر إلى النبي في عمرة القضاء‪.‬‬
‫ومن السرى‪ :‬السائببن يزيد‪ ،‬وكان صاحب الراية في تلك الحرب‪ ،‬فدى‬
‫نفسه‪ .‬وهو الجد الخامس للمام محمدبن إدريس الشافعي‪.‬‬
‫ي كان أبوه عمير شيطانا ً من شياطين قريش‬
‫م ِ‬
‫مي ْرٍ ال ُ‬
‫ج َ‬
‫ومنهم‪ :‬وهببن عُ َ‬
‫ح ّ‬
‫ً‬
‫كثير اليذاء لرسول الله‪ ،‬جلس يوما بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوانبن أمية‬
‫ي ليس عندي قضاؤه‬
‫يتذاكران ُ‬
‫ن عل ّ‬
‫مصاب بدر‪ ،‬فقال عمير‪ :‬والله لول د َي ْ ٌ‬
‫ً‬
‫عيال أخشى عليهم الفقر بعدي‪ ،‬كنت آتي محمدا فأقتله‪ ،‬فإن ابني أسير في‬
‫و ِ‬
‫عمير سيفه‬
‫ي وعيالك مع عيالي‪ ،‬فأخذ ُ‬
‫أيديهم‪ ،‬فقال صفوان‪َ :‬دينك عل ّ‬
‫دم المدينة‪ ،‬فبينا عمر مع نفر من المسلمين‬
‫مه‪ ،‬وانطلق حتى قَ ِ‬
‫وشحذه وس ّ‬
‫ً‬
‫إذ نظر إلى عمير متوشحا سيفه‪ ،‬فقال‪ :‬هذا الكلب عدو لله ما جاء إل بشَر‪،‬‬
‫ثم قال للنبي عليه الصلة والسلم‪ :‬هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا ً‬
‫ي«‪ .‬فأخذ عمر بحمائل سيفه وأدخله‪ .‬فلما رآه عليه‬
‫سيفه‪ ،‬فقال‪» :‬أدخله عل ّ‬
‫الصلة والسلم قال‪» :‬أطلقه يا عمر ادن يا عمير« فدنا‪ ،‬وقال‪ :‬أنِعموا‬
‫صباحًا‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬قد أبدلنا الله تحية خيرا ً من تحيتك‬
‫وهي‪ :‬السلم«‪ ،‬ثم قال‪» :‬ما جاء بك يا عمير؟« قال‪ :‬جئت لهذا السير الذي‬
‫في أيديكم فأحسنوا فيه‪ ،‬فقال‪» :‬فما با ُ‬
‫ل السيف؟« قال‪ :‬قّبحها الله من‬
‫دقني ما الذي‬
‫سيوف وهل أغنت عنا شيئًا؟ قال عليه الصلة والسلم‪» :‬اص ُ‬
‫ت‬
‫ت له؟« قال‪ :‬ما جئت إل لذلك‪ .‬قال عليه الصلة والسلم‪» :‬كل بل قعد َ‬
‫جئ َ‬
‫عمير وقال‪ :‬كّنا نك ّ‬
‫ذبك‬
‫جرِ وقلتما كيت وكيت«‪ ،‬فأسلم ُ‬
‫أنت وصفوان في ال ِ‬
‫ح ْ‬
‫بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي‪ ،‬وهذا أمر لم يحضره‬
‫قهوا أخاكم في دينه‪ ،‬وأقرئوه‬
‫إل أنا وصفوان فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ف ّ‬
‫القرآن‪ ،‬وأطلقوا أسيره«‪ ،‬فعاد عمير إلى مكة وأظهر إسلمه‪.‬‬
‫ومن السرى‪ :‬أبو عزيزبن عمير‪ ،‬أخو مصعببن عمير‪ .‬مّر به أخوه فقال للذي‬
‫أسره‪ُ :‬‬
‫شد ّ يدك به‪ ،‬فإن أمه ذات متاع لعّلها تفديه منك‪ .‬فقال له‪ :‬يا أخي‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫هذه وصايتك بي؟ ثم بعثت أمه بفدائه أربعة آلف درهم‪.‬‬
‫م رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ومن السرى‪ :‬العباسبن عبد المطلب عَ ّ‬
‫ُ‬
‫كان قد خرج لهذه الحرب مكرهًا‪ ،‬ولما وقع في السر طلب منه فداء نفسه‬
‫م ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟‬
‫وابن أخيه عقيلبن أبي طالب‪ ،‬فقال‪ :‬عل َ‬
‫ُ‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬لقد كنت في الظاهر علينا«‪ ،‬فأخذت منه فديه‬
‫نفسه وابن أخيه‪ ،‬ثم قال للرسول‪ :‬لقد تركتني فقير قريش ما بقيت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫»كيف وقد تركت ُ‬
‫لم الفضل أموا ً‬
‫ت فقد تركتك غنية«‬
‫ت لها‪ :‬إن م ّ‬
‫ل؟ وقل َ‬
‫فقال العباس‪ :‬والله ما اطّلع على ذلك أحد‪ .‬وهذا العمل غاية ما يفعل من‬
‫مه مع علمه بأنه إنما‬
‫العدل والمساواة فإنه عليه الصلة والسلم لم ُيع ِ‬
‫فع ّ‬
‫مكرهًا‪ ،‬وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل‪ ،‬ول‬
‫خرج ُ‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ط‬
‫س ِ‬
‫ن ِبال ْ ِ‬
‫وا ِ‬
‫غرابة‪ ،‬فذلك أدب قوله تعالى‪} :‬ي َأي َّها ال ّ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫مي َ‬
‫كوُنوا ْ قَ ّ‬
‫ذي َ‬
‫سك ُ ْ َ ْ‬
‫ُ‬
‫ن{ )النساء‪.(135 :‬‬
‫دآء لل ّهِ وَل َوْ عََلى َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫شهَ َ‬
‫ن َوال ْقَْرِبي َ‬
‫م أوِ الوال ِد َي ْ ِ‬
‫محي الشاعر‪ ،‬كان شديد اليذاء لرسول الله بمكة‬
‫ومن السرى‪ :‬أبو عَّزة ال ُ‬
‫ج َ‬
‫ُ‬
‫ن‪،‬‬
‫فلما أسر قال‪ :‬يا محمد إني فقير‪ ،‬وذو عيال‪ ،‬وذو حاجة قد عرفتها فا ْ‬
‫من ُ ْ‬
‫ن عليه فضل ً منه‪.‬‬
‫فم ّ‬
‫العتاب في الفداء‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫حّتى‬
‫سَرى َ‬
‫ى أن ي َكو َ‬
‫ما كا َ‬
‫هأ ْ‬
‫نل ُ‬
‫م الفداُء أنزل الله في شأنه‪َ } :‬‬
‫ولما ت َ ّ‬
‫ن ل ِن َب ِ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ل ّوْل َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ريد ُ ال ِ‬
‫ي ُث ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫كي ٌ‬
‫خَرةَ َوالل ُ‬
‫ض الد ّن َْيا َوالل ُ‬
‫ن عََر َ‬
‫خ َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ض تُ ِ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م عَ َ‬
‫م)‪(68‬‬
‫مآ أ َ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ك َِتا ٌ‬
‫م ّ‬
‫ن اللهِ َ‬
‫ظي ٌ‬
‫خذ ْت ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫سك ْ‬
‫سب َقَ ل َ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫دون عن سبيل‬
‫نهى سبحانه عن اتخاذ السرى قبل الثخان في قتل الذين يص ّ‬
‫ض‬
‫الله ويمنعون دين الله من النتشار‪ ،‬وعا َ‬
‫ب بع َ‬
‫ض المسلمين على إرادة عََر ِ‬
‫ً‬
‫ب مجتهدا على اجتهاده‬
‫الدنيا وهو الفدية‪ ،‬ولول حكم سابق من الله أل ي َُعاقِ َ‬
‫ما دام المقصد خيرا ً لكان العذاب‪ ،‬ثم َأباح لهم الكل من تلك الفدية المبني‬
‫أخذها على النظر الصحيح‪ .‬وهذا من أقوى الدلة على صدق نبّينا عليه الصلة‬
‫والسلم فيما جاء به‪ ،‬لنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل‬
‫عمله بناًء على رأي كثير من الصحابة‪ .‬وقد وعد الله السرى الذين يعلم في‬
‫َ‬
‫ى ُقل‬
‫قلوبهم خيرا ً بأن يؤتيهم خيرا ً مما أ ُ ِ‬
‫خذ َ منهم ويغفر لهم فقال‪َ :‬ياأي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫دي ُ‬
‫مآ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫من ِفى أي ْ ِ‬
‫ن ال ْ ْ‬
‫م ّ‬
‫خْيرا ً ّ‬
‫خْيرا ً ي ُؤْت ِك ُ ْ‬
‫ه ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫سَرى ِإن ي َعْل َم ِ الل ّ ُ‬
‫كم ّ‬
‫لّ َ‬
‫م َ‬
‫م)‪(70‬‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫أُ ِ‬
‫م وَي َغْ ِ‬
‫خذ َ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫وى أهله‪ ،‬ودمغ فيه الشرك‬
‫وهذه الغزوة هي التي أعّز الله بها السلم وق ّ‬
‫وخّرب محله‪ ،‬مع قّلة المسلمين وكثرة عدوهم‪ ،‬فهي آية ظاهرة على عناية‬
‫الله تعالى بالسلم وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد‬
‫ومة‪ ،‬والخيلء الزائدة‪ ،‬ولذلك قال الله ممتنا ً‬
‫والع ّ‬
‫دة الكاملة‪ ،‬والخيل المس ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ة{ )آل عمران‪(123 :‬‬
‫على عباده بهذا النصر‪ :‬وَل َ‬
‫م أذِل ٌ‬
‫ه ب ِب َد ْرٍ وَأنت ُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫صَرك ُ‬
‫قد ْ ن َ َ‬
‫أي‪ :‬قليل عددكم‪ ،‬لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله‪ ،‬فهي أعظم غزوات‬
‫السلم‪ ،‬إذ بها كان ظهوره‪ ،‬وبعد وقوعها أشرق على الفاق نوره‪ ،‬فقد قتل‬
‫داء للسلم‪ ،‬ودخل الرعب في‬
‫فيها من صناديد قريش من كانوا العداء الل ّ‬
‫قلوب العرب الخرين‪ ،‬فكانت للمسلمين هيبة بها يكسرون الجيوش‪،‬‬
‫ي العلى على هذه العناية‪ ،‬واتخذنا‬
‫ويهزمون الرجال‪ ،‬فل َ‬
‫جَر َ‬
‫م أن شكرنا العل ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يوم النصر في بدر وهو السابع عشر من شهر رمضان عيدا ً نتذكر فيه نعمة‬
‫الله على رسوله وعلى المسلمين‪.‬‬
‫غزوة بني َقيُنقاع‬
‫حّرك ذلك شجو الخر‪،‬‬
‫هذا‪ ،‬وإذا كان للشخص عدّوان فانتصر على أحدهما َ‬
‫وهاج فؤاده‪ ،‬فتبدو بغضاؤه غير مكترث بعاقبة عدائه‪ ،‬وهذا ما حصل من يهود‬
‫بني قينقاع عند تمام الظفر في بدر‪ ،‬فإنهم نبذوا ما عاهدوا المسلمين عليه‪،‬‬
‫وأظهروا مكنون ضمائرهم‪ ،‬فبدت البغضاء من أفواههم‪ ،‬وانتهكوا حرمة سيدة‬
‫من نساء النصار‪ ،‬وهذا ما يدعو المسلمين للتحّرز منهم وعدم ائتمانهم في‬
‫المستقبل إذا شّبت الحرب في المدينة بين المسلمين وغيرهم‪ ،‬فأنزل الله‬
‫هّ‬
‫ما ت َ َ‬
‫خَيان َ ً‬
‫من قَوْم ٍ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وآء إ ِ ّ‬
‫م عََلى َ‬
‫ن الل َ‬
‫ة َفانب ِذ ْإ ِل َي ْهِ ْ‬
‫في سورة النفال‪} :‬وَإ ِ ّ‬
‫س َ‬
‫خافَ ّ‬
‫ن{ )النفال‪ (58 :‬فدعا عليه الصلة والسلم رؤساءهم‬
‫ب ال َ‬
‫ل َ يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫خائ ِِني َ‬
‫وح ّ‬
‫ذرهم عاقبة البغي ونكث العهد‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا محمد ل يغرّنك ما لقيت من‬
‫َ‬
‫من أّنا نحن الناس‪ ،‬وكانوا‬
‫قومك فإنهم ل علم لهم بالحرب ولو لقيتنا لتعل َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫نك َ‬
‫أشجع يهود‪ ،‬فأنزل الله في سورة آل عمران‪ :‬قُل لل ِ‬
‫ست ُغْلُبو َ‬
‫فُروا َ‬
‫ذي َ‬
‫مَهاُد)‪ (12‬قَد ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ة‬
‫ن ال ْت َ َ‬
‫قَتا فِئ َ ٌ‬
‫م ءاي َ ٌ‬
‫س ال ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن إ َِلى َ‬
‫شُرو َ‬
‫وَت ُ ْ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫م وَب ِئ ْ َ‬
‫ة ِفي فِئ َت َي ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫خَرى َ‬
‫قات ِ ُ‬
‫تُ َ‬
‫ل الل ّهِ وَأ ْ‬
‫ه ي ُؤَي ّد ُ‬
‫ل ِفى َ‬
‫ن َوالل ّ ُ‬
‫مث ْل َي ْهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫كافَِرة ٌ ي ََروْن َهُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫م َرأىَ ال َعَي ْ ِ‬
‫مُنوا ْ ل َ‬
‫ن ِفى ذال ِ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫صاِر)‪ (13‬ي َأي َّها ال ّ ِ‬
‫شآء إ ِ ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫صرِهِ َ‬
‫ك ل َعِب َْرةً ل ِوِْلى ال ْب ْ َ‬
‫ب ِن َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ه‬
‫ت َت ّ ِ‬
‫صاَرى أوْل َِيآء ب َعْ ُ‬
‫م فَإ ِن ّ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫من ي َت َوَل ّهُ ْ‬
‫ض وَ َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ذوا ْ ال ْي َُهود َ َوالن ّ َ‬
‫م أوْل َِيآء ب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫دى ال َ‬
‫ن)‪ (51‬فَت ََرى ال ِ‬
‫م الظال ِ ِ‬
‫ه ل َ ي َهْ ِ‬
‫ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن ِفى قُلوب ِِهم ّ‬
‫ن الل َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫ْ‬
‫فتح أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ن نَ ْ‬
‫سارِ ُ‬
‫شى أن ت ُ ِ‬
‫قولو َ‬
‫عو َ‬
‫صيب ََنا َدآئ َِرةٌ فَعَ َ‬
‫يُ َ‬
‫سى الل ُ‬
‫ن ِفيهِ ْ‬
‫ى ِبال َ ْ ِ ْ‬
‫ه أن ي َأت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن{ )المائدة‪ 51 :‬ــــ‬
‫سّروا ِفى أن ُ‬
‫ن ِ‬
‫م َنادِ ِ‬
‫ف ِ‬
‫صب ِ ُ‬
‫مآ أ َ‬
‫سهِ ْ‬
‫حوا عَلى َ‬
‫مرٍ ّ‬
‫أ ْ‬
‫عندِهِ فَي ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫‪.(52‬‬
‫وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم‪ ،‬سار إليهم عليه‬
‫الصلة والسلم في نصف شوال من هذه السنة‪ ،‬يحمل لواءه عمه حمزة‪،‬‬
‫وخّلف على المدينة أبا لبابة النصاري‪ ،‬فحاصرهم خمس عشرة ليلة‪.‬‬
‫جلء بني قينقاع‬
‫ولما رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين‪ ،‬وأدركهم الرعب‪ ،‬سألوا‬
‫رسول الله أن يخلي سبيلهم‪ ،‬فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرّية‪،‬‬
‫قِبل ذلك عليه الصلة والسلم‪ ،‬وو ّ‬
‫كل بجلئهم عبادةبن‬
‫وللمسلمين الموال‪ .‬ف َ‬
‫َ‬
‫ول‬
‫ل‪ ،‬فذهبوا إلى أْذرعات‪ ،‬ولم يحل عليهم ال َ‬
‫ح ْ‬
‫الصامت وأمهلهم ثلث ليا ٍ‬
‫مس عليه الصلة والسلم أموالهم‪ ،‬وأعطى سهم ذوي القربى‬
‫حتى هلكوا‪ ،‬وخ ّ‬
‫سِئل‬
‫لبني هاشم ولبني المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل‪ ،‬ولما ُ‬
‫عن ذلك قال‪» :‬إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية‬
‫والسلم هكذا«‪ ،‬وشبك بين أصابعه‪.‬‬
‫سويق‬
‫غزوة ال ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان أبو سفيان متهيجا‪ ،‬لنه لم يشهد بدرا التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه‬
‫س رأسه الماء حتى يغزو محمدًا‪ ،‬وليبّر بقسمه خرج بمائتين من‬
‫فحلف أل ّ يم ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أصحابه يريد المدينة‪ ،‬ولما قاَربها‪ ،‬أراد أن يقابل اليهود من بني النضير‬
‫َ‬
‫خطب‬
‫حي َّيبن أ َ ْ‬
‫ليهيجهم‪ ،‬ويستعين بهم على حرب المسلمين‪ ،‬فأتى سيدهم ُ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫شكم فأذن له واجتمع به‪ ،‬ثم خرج من‬
‫لمبن ِ‬
‫ض مقابلته‪ ،‬فأتى َ‬
‫فلم ير َ‬
‫ً‬
‫عنده‪ ،‬وأرسل رجال من قريش إلى المدينة‪ ،‬فحّرقوا في بعض نخلها‪ ،‬ووجدوا‬
‫أنصاريا ً فقتلوه‪ ،‬ولما علم بذلك رسول الله‪ ،‬خرج في أثرهم في مائتين من‬
‫شيربن عبد‬
‫أصحابه‪ ،‬لخمس َ‬
‫خَلون من ذي الحجة‪ ،‬بعد أن وّلى على المدينة ب َ ِ‬
‫ففون ما يحملونه ليكونوا‬
‫المنذر‪ ،‬ولكن لم يلحقهم‪ ،‬لنهم هربوا وجعلوا يخ ّ‬
‫ويق‪ ،‬فأخذه المسلمون‪،‬‬
‫ب ال ّ‬
‫أقدر على السراع‪ ،‬فألقوا ما معهم من جر ِ‬
‫س ِ‬
‫ويق‪.‬‬
‫ولذلك سميت هذه الغزوة بغزوة ال ّ‬
‫س ِ‬
‫صلة العيد‬
‫ن الله للعالم السلمي سّنة عظيمة‪ ،‬بها يتمكن أبناء البلد‬
‫وفي هذا العام س ّ‬
‫عروة الدين الوثقى‪،‬‬
‫لخاء‪ ،‬ويقووا ُ‬
‫الواحد من المسلمين أن يجددوا عهود ا ِ‬
‫وهي الجتماع في يومي عيد الفطر وعيد الضحى‪ .‬وكان عليه الصلة‬
‫ً‬
‫والسلم يجمع المسلمين في صعيد واحد‪ ،‬ويصلي بهم ركعتين تضرعا إلى‬
‫ضا ً لهم‬
‫الله أن ل ي َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫صم عروتهم‪ ،‬وأن ينصرهم على عدوهم‪ ،‬ثم يخطبهم حا ّ‬
‫على الئتلف‪ ،‬ومذكرا ً لهم ما يجب عليهم لنفسهم‪ ،‬ثم يصافح المسلمون‬
‫بعضهم بعضًا‪ ،‬وبعد ذلك يخرجون لداء الصدقات للفقراء والمساكين‪ ،‬حّتى‬
‫ما ً لجميع المسلمين‪ ،‬فبعد الفطر زكاته‪ ،‬وبعد الضحى‬
‫يكون السرور عا ّ‬
‫ّ‬
‫تضحيته‪ ،‬نسأله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا‪ ،‬ويوّفقنا لعمال سلفنا‪.‬‬
‫زواج علي بفاطمة عليهما السلم‬
‫وفي هذه السنة تزوج عليبن أبي طالب وعمره إحدى وعشرون سنة بفاطمة‬
‫بنت رسول الله‪ ،‬وسنها خمس عشرة سنة‪ ،‬وكان منها عقب رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم بنوه‪ :‬الحسن والحسين وزينب‪ .‬وفيها دخل عليه الصلة‬
‫سّنها إذ ذاك تسع سنوات‪.‬‬
‫والسلم بعائشة بنت أبي بكر و ِ‬
‫سنة الّثال َِثة‬
‫ال ّ‬
‫يا لله ُيقضى على الشقي بالشقاوة حتى ل يسمع ول يبصر‪ ،‬فيتخذ الغدر‬
‫رداًء‪ ،‬والخيانة شعارًا‪ ،‬فل ينجح معه إل إراحة العالم من شّره‪ .‬هذا كعببن‬
‫الشرف اليهودي عظيم بني النضير‪ ،‬أعمته عداوة المسلمين حتى خلعَ ُبرُقع‬
‫الحياء‪ ،‬وصار يحرض قريشا ً على حرب رسول الله‪ ،‬ويهجوه بالشعر‪ ،‬ويجتهد‬
‫في إثارة الشحناء بين المسلمين‪ ،‬فكلما جبر عليه الصلة والسلم كسرا ً‬
‫ي بما ينفثه من سموم لسانه‪.‬‬
‫هاضه هذا الشق ّ‬
‫قتل كعببن الشرف‬
‫ن في الحبال خرج إلى‬
‫ولما انتصر المسلمون ببدر‪ ،‬ورأى السرى مقّرني َ‬
‫قريش يبكي قتلهم ويحّرضُهم على حرب المسلمين‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم‪» :‬من لكعببن الشرف‪ ،‬فإنه قد آذى الله ورسوله؟« فقال محمدبن‬
‫ب أن أقتله؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬قال‪ :‬أنا لك به‪،‬‬
‫مسلمة النصاري الوسي‪ :‬أت ِ‬
‫ح ّ‬
‫ن لي أقول شيئا ً أتمكن به‪ ،‬فأذن له‪ ،‬ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى‬
‫وائذ ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أتى كعبا ً فقال له‪ :‬إن هذا الرجل ــــ يريد رسول الله ــــ قد سألنا صدقة‬
‫ه‪ ،‬قال‪ :‬إنا قد‬
‫وإنه قد عَّنانا‪ ،‬وإني قد أتيتك أستسلفك‪ ،‬قال‪ :‬وأيضا ً والله لتمّلن ُ‬
‫ب أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه‪ ،‬وقد أردنا أن‬
‫اّتبعناه‪ ،‬فل نح ّ‬
‫سقا ً أو وسقين‪ .‬قال‪ :‬نعم ولكن اْرهَُنوني‪ .‬قالوا‪ :‬أي شيء ُتريد؟‬
‫سِلفنا و ْ‬
‫تُ ْ‬
‫قال‪ :‬ارهنوني نساءكم‪ ،‬قالوا‪ :‬كيف ن َْرهَُنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال‪:‬‬
‫ب أحدهم‪ ،‬فيقال‪ُ :‬رهن‬
‫س ّ‬
‫فارهنوني أبناءكم‪ .‬قالوا‪ :‬كيف نرهنك أبناءنا فَي ُ َ‬
‫ْ‬
‫ة ــــ يعني‪ :‬السلح ــــ‬
‫م َ‬
‫بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا‪ ،‬ولكن نرهنك الل َ‬
‫فرضي‪ ،‬فواعده ليل ً أن يأتيه فجاءه ليل ً ومعه أبو نائلة أخو كعب من الرضاع‬
‫جْبر ــــ وكلهم أوسّيون ــــ‬
‫ن َ‬
‫وعّبادبن ِبشر‪ ،‬والحارثبن أوس‪ ،‬وأبو عبس اب ُ‬
‫فناداه محمدبن مسلمة‪ ،‬فأراد أن ينز َ‬
‫ل‪ ،‬فقالت له امرأته‪ :‬أين تخرج الساعة‬
‫محارب؟ فقال‪ :‬إنما هو ابن أخي محمدبن مسلمة ورضيعي أبو‬
‫وإنك امرؤ ُ‬
‫نائلة‪ ،‬إن الكريم لو ُدعي إلى طعنة بليل لجاب‪ .‬ثم قال محمد لمن معه‪ :‬إذا‬
‫جاءني فإني آخذ بشعره فأ َ‬
‫ه‪ ،‬فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه‬
‫م ُ‬
‫ش ّ‬
‫ً‬
‫فاضربوه‪ ،‬فنزل إليهم كعب متو ّ‬
‫ح منه ريح المسك‪ .‬فقال‬
‫شحا سيفه‪ ،‬وهو ي َن ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫م رأسك؟ قال‪ :‬نعم‬
‫محمد‪ :‬ما رأيت كاليوم ريحا ً أطيب‪ ،‬أتأذن لي أن أش ّ‬
‫مه‪ ،‬فلما استمكن منه قال‪ :‬دونكم فاقتلوه ففعلوا‪ ،‬وأراح الله المسلمين‬
‫فش ّ‬
‫من شر أعماله التي كان يقصدها بهم‪ ،‬ثم أتوا النبي فأخبروه‪ ،‬وكان قتل هذا‬
‫الشقي في ربيع الول من هذا العام‪ ،‬وكان عليه الصلة‬
‫والسلم إذا رأى من رئيس غدرًا‪ ،‬ومقاصد سوء‪ ،‬ومحبة لثارة الحرب‪ ،‬أرسل‬
‫فك اليهودي وكان مثل‬
‫له من ُيريحه من شّره‪ .‬وقد فعل كذلك مع أبي عَ َ‬
‫كعب في الشر‪.‬‬
‫فان‬
‫غزوة غَط َ َ‬
‫بلغ رسول الله أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة رئيس‬
‫منهم اسمه د ُعُْثور‪ ،‬يريدون الغارة على المدينة‪ ،‬فأراد عليه الصلة والسلم‬
‫أن ي َغُ ّ‬
‫ل أيديهم كيل يتمكنوا من هذا العتداء‪ ،‬فخرج إليهم من المدينة في‬
‫ً‬
‫أربعمائة وخمسين رجل لثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الول‪ ،‬وخلف على‬
‫المدينة عثمانبن عفان‪ .‬ولما سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رؤوس‬
‫َ‬
‫مّر‪،‬‬
‫الجبال‪ ،‬ولم ي ََزل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء ُيسمى ذا أ َ‬
‫ففه من مطر بّلله‬
‫فعسكروا به‪ ،‬وحدث أنه عليه الصلة والسلم نزع ثوبه يج ّ‬
‫وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون‪ ،‬فأبصره ُدعثور فأقبل إليه بسيفه‬
‫ن يمنعك مني يا محمد؟ فقال‪» :‬الله«‪،‬‬
‫حتى وقف على رأسه‪ ،‬وقال‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫ب أسقطا السيف من يده‪ ،‬فتناوله عليه الصلة‬
‫فأدركت الرجل هيب ٌ‬
‫ة ورع ٌ‬
‫ن يمنعك مني«؟ قال‪ :‬ل أحد‪ .‬فعفا عنه فأسلم‬
‫والسلم‪ ،‬وقال لدعثور‪َ » :‬‬
‫م ْ‬
‫مع‬
‫ول الله قلبه من عداوة رسول الله‪َ ،‬وج ْ‬
‫الرجل‪ ،‬ودعا قومه للسلم‪ ،‬وح ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ض ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫شآء{‬
‫الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له‪} ،‬ذال ِك فَ ْ‬
‫ل اللهِ ي ُؤِْتيهِ َ‬
‫)المائدة‪ (54 :‬وهذا ما ينتجه حسن المعاملة‪ ،‬والبعد عن الفظاظة وغلظ‬
‫ْ‬
‫ت فَظ ّا ً غَِلي َ‬
‫ن‬
‫ب ل َن ْ َ‬
‫ظ ال ْ َ‬
‫ضوا ِ‬
‫ف ّ‬
‫ما َر ْ‬
‫م وَل َوْ ك ُن ْ َ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ِلن َ‬
‫مةٍ ّ‬
‫ح َ‬
‫القلب‪} ،‬فَب ِ َ‬
‫قل ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حوْل ِ َ‬
‫م وَ َ‬
‫ر{ )آل عمران‪.(159 :‬‬
‫ك َفاعْ ُ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫َ‬
‫م َوا ْ‬
‫م ِفى ال ْ‬
‫شاوِْرهُ ْ‬
‫فْر لهُ ْ‬
‫ف عَن ْهُ ْ‬
‫م ِ‬
‫حران‬
‫غزوة ب ُ ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سليم يريدون الغارة على‬
‫بلغه عليه الصلة والسلم أن جمعا ً من بني ُ‬
‫خَلون من جمادى الولى‪،‬‬
‫ت َ‬
‫المدينة‪ ،‬فسار إليهم في ثلثمائة من أصحابه ل ِ ِ‬
‫س َ‬
‫وخّلف على المدينة ابن أم مكتوم‪ ،‬ولما وصل ُبحران تفرقوا‪ ،‬ولم يلق كيدا ً‬
‫فرجع‪.‬‬

‫سرية‬
‫ُ‬
‫لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أغلق في وجه تجارتهم‪،‬‬
‫عيرا ً إلى الشام من طريق‬
‫ول يمكنهم الصبر عنها لن بها حياتهم‪ ،‬أرسلوا ِ‬
‫العراق‪ ،‬وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيانبن حرب‪ ،‬وصفوانبن أمية‪،‬‬
‫وحويطببن عبد العزى‪ ،‬فجاءت أخبارهم لرسول الله‪ ،‬فأرسل لهم زيدبن‬
‫حارثة في مائة راكب يترقبونهم‪ ،‬وكان ذلك في جمادى الخرة‪ ،‬فسارت‬
‫قْرَدة بناحية نجد فأخذت الِعير وما‬
‫السرية حتى لقيت الِعير على ماء اسمه ال َ‬
‫مس الرسول عليه الصلة والسلم هذه حينما‬
‫فيها‪ ،‬وهرب الرجال‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫وصلت له‪.‬‬
‫ُ‬
‫حد‬
‫غزوة أ ُ‬
‫ب قريشا ً ما أصابها ببدر‪ ،‬وأ ُغِْلقت في وجوههم طرق التجارة‪ ،‬اجتمع‬
‫ولما أصا َ‬
‫ن بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫سلمت لصحابها بعد‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫المصائب‪ ،‬وكانت موقوفة بدار الندوة‪ ،‬ولم تكن ُ‬
‫َ‬
‫إن محمدا ً قد وََترنا‪ ،‬وقتل خيارنا‪ ،‬وإّنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها‪،‬‬
‫استعدادا ً لحرب محمد وأصحابه‪ ،‬وقد رضي بذلك ك ّ‬
‫ل من له فيها نصيب‪،‬‬
‫ن ربحها نحوا ً من خمسين ألف دينار‪ ،‬فجمعوا لذلك الرجال‪ ،‬فاجتمع من‬
‫وكا َ‬
‫قريش ثلثة آلف رجل ومعهم الحابيش ــــ وهم حلفاؤهم من بني‬
‫ص َ‬
‫طلق وبني الهونبن خزيمة‪ ،‬ومعهم أبو عامر الراهب الوسي‪ ،‬وكان قد‬
‫الم ْ‬
‫من هم‬
‫فارق المدينة كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عدد م ّ‬
‫كنانة وتهامة‪ ،‬وقال صفوانبن‬
‫على شاكلته‪ ،‬وخرج معهم جماعات من أعراب ِ‬
‫ن عليه ببدر‬
‫أمية لبي عَّزة َ الشاعر ــــ الذي ل ينسى القارىء أن الرسول َ‬
‫م ّ‬
‫عّنا بلسانك‪ ،‬فقال‪ :‬إني عاهدت‬
‫وأطلقه من غير فداء ــــ‪ :‬إنك رجل شاعر فأ ِ‬
‫ت في يده مرة ثانية أل أنجو‪ ،‬فلم يزل‬
‫محمدا ً أل ّ أ ِ‬
‫عين عليه‪ ،‬وأخاف إن وقع ُ‬
‫جبيربن‬
‫به صفوان حتى أطاعه‪ ،‬وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين‪ ،‬ودعا ُ‬
‫مط ْعِم ٍ غلما ً حبشيا ً له‪ ،‬اسمه َوحشي‪ ،‬وكان راميا ً قّلما ُيخطىء‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مي طعَْيمة فأنت حر‪ .‬ثم خرج‬
‫اخرج مع الناس‪ ،‬فإن أنت قتلت حمزة بع ّ‬
‫ف‬
‫ن والدفوف والمعازف والخمور‪ ،‬واصطحب الشرا ُ‬
‫الجيش‪ ،‬ومعهم ال ِ‬
‫قيا ُ‬
‫منهم نساءهم كيل ينهزموا‪ ،‬ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي‬
‫حَليفة‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫أما رسول الله عليه الصلة والسلم‪ ،‬فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به‬
‫إليه عمه العباسبن عبد المطلب‪ ،‬الذي لم يخرج مع المشركين في هذه‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫جا ً بما أصابه يوم بدر‪ .‬ولما وصلت الخبار باقتراب المشركين‪،‬‬
‫الحرب‪ ،‬محت ّ‬
‫جمع عليه الصلة والسلم أصحابه وأخبرهم الخبر‪ ،‬وقال‪» :‬إن رأيتم أن‬
‫تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام‪ ،‬وإن‬
‫هم دخلوا علينا قاتلناهم« فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والنصار ورأى ذلك‬
‫ُ‬
‫ن لم يشهد بدرا ً منهم فأشاروا‬
‫ي‪ ،‬أما الحداث وخصوصا ً َ‬
‫م ْ‬
‫أيضا ً عبد اللهبن أب ّ‬
‫عليه بالخروج‪ ،‬وكان مع رأيهم حمزةبن عبد المطلب‪ ،‬وما زال هؤلء‬
‫بالرسول حتى تبع رأيهم‪ ،‬لنهم الكثرون عددا ً والقوون جلدًا‪ ،‬فصلى الجمعة‬
‫ضهم في خطبتها على الثبات‬
‫بالناس في يومها لعشر َ‬
‫خَلون من شوال‪ ،‬وح ّ‬
‫دته‪،‬‬
‫والصبر وقال لهم‪» :‬لكم النصر ما صبرتم« ثم دخل حجرته‪ ،‬ولبس ع ّ‬
‫فظاهر بين درعين‪ ،‬وتقلد السيف‪ ،‬وألقى الترس وراء ظهره‪ .‬ولما رأى ذوو‬
‫الرأي من النصار أن الحداث استكرهوا الرسول على الخروج لموهم‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬رّدوا المر لرسول الله‪ ،‬فما أمر ائتمرنا‪ ،‬فلما خرج عليه الصلة‬
‫س سلحه أن‬
‫والسلم‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول الله ن َّتبعُ رأيك‪ ،‬فقال‪» :‬ما كان لنبي ل َب ِ َ‬
‫يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه« ثم عقد اللوية فأعطى لواء‬
‫حباببن المنذر‪ ،‬ولواء الوس‬
‫المهاجرين لمصعببن عمير‪ ،‬ولواء الخزرج لل ُ‬
‫ُ‬
‫لسيدبن الحضير‪ ،‬وخرج من المدينة بألف رجل‪ .‬فلما وصلوا رأس الثنية‪ ،‬نظر‬
‫عليه الصلة والسلم إلى كتيبة كبيرة‪ ،‬فسأل عنها‪ ،‬فقيل‪ :‬هؤلء حلفاء عبد‬
‫ُ‬
‫ي من اليهود‪ ،‬فقال‪» :‬إّنا ل نستعين بكافر على مشرك« وأمر برّدهم‬
‫اللهبن أب ّ‬
‫لنه ل يأمن جانبهم من حيث لهم اليد ال ُ‬
‫طولى في الخيانة‪ g.‬ثم استعرض‬
‫جندب‪،‬‬
‫مَرةبن ُ‬
‫الجيش فرد ّ من استصغر‪ ،‬وكان فيمن رّد‪ :‬رافعبن خديج‪ ،‬و َ‬
‫س ُ‬
‫ً‬
‫مرة‪ ،‬وقال لزوج أمه‪ :‬أجاز رسول‬
‫م‪ ،‬فبكى َ‬
‫س ُ‬
‫ثم أجاز رافعا لما قيل له إنه را ٍ‬
‫الله رافعا ً ورّدني مع‬
‫أني أصرعه‪ ،‬فبلغ رسول الله الخبر‪ ،‬فأمرهما بالمصارعة‪ ،‬فكان الغالب‬
‫سمرة‪ ،‬فأجازه‪ .‬ثم بات عليه الصلة والسلم محله ليلة السبت‪ ،‬واستعمل‬
‫على حرس الجيش محمدبن مسلمة‪ ،‬وعلى حرسه الخاص ذكوانبن عبد‬
‫حر سار الجيش حتى إذا كان بال ّ‬
‫ط ــــ وهو بستان بين‬
‫شو ْ ِ‬
‫س َ‬
‫قيس‪ .‬وفي ال ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ي بثلثمائة من أصحابه وقال‪ :‬عصاني‬
‫أ ُ‬
‫حد والمدينة ــــ رجع عبد اللهبن أب َ َ‬
‫وأطاع الوِْلدان فعلم نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد اللهبن عمرو والد جابر‪،‬‬
‫وقال‪ :‬يا قوم أ ُذ َ ّ‬
‫م قَِتال ً‬
‫م الله أل تخذلوا قومكم ونبّيكم‪َ} ،‬قاُلوا ْ ل َوْ ن َعْل َ ُ‬
‫كرك ُ ُ‬
‫م{ )آل عمران‪ (167 :‬فقال لهم‪ :‬أ َب ْعَد َ ُ‬
‫كم الله‪ ،‬فسيغني الله عنكم‬
‫ل ّت ّب َعَْناك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫مت طائفتان من المؤمنين أن تفشل‪:‬‬
‫ي‪ ،‬ه ّ‬
‫نبّيه‪ .‬ولما فعل ذلك عبد اللهبن أب َ ّ‬
‫سِلمة من الخزرج‪ ،‬فعصمهما الله‪ .‬وقد افترق‬
‫بنو حارثة من الوس‪ ،‬وبنو َ‬
‫المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين‪ ،‬فقوم يقولون‪ :‬نقاتلهم‪ ،‬وقوم‬
‫ن‬
‫مَنافِ ِ‬
‫م ِفى ال ْ ُ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫يقولون‪ :‬نتركهم‪ ،‬فأنزل الله في سورة النساء‪} :‬فَ َ‬
‫قي َ‬
‫َ‬
‫فئ َتين والل ّه أ َرك َسهم بما ك َسبوا ْ أ َتريدو َ‬
‫ّ‬
‫ض ّ‬
‫ل‬
‫من ي ُ ْ‬
‫نأ َ‬
‫ن أن ت َهْ ُ‬
‫ُ ِ ُ َ‬
‫َ ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫ل الل ُ‬
‫دوا ْ َ‬
‫ِ َْ ِ َ ُ ْ َ ُ ْ ِ َ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫سِبي ً‬
‫ل)‪(88‬‬
‫ه َ‬
‫جد َ ل َ ُ‬
‫ه فََلن ت َ ِ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ة اللواء من المشركين‪ ،‬ولم يقدر أحد ٌ على الدنو منه وّلوا‬
‫مل ُ‬
‫هذا‪ ،‬ولما ُقتل َ‬
‫ح َ‬
‫الدبار ونساؤهم يبكين وُيولولن‪ ،‬وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم‬
‫والسلب‪ ،‬فلما رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمين فوق الجبل‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قالوا‪ :‬ما لنا في الوقوف من حاجة‪ ،‬ونسوا أمر السيد الحكيم صلى الله عليه‬
‫سهم فثبت‬
‫وسلم‪ ،‬فذكّرهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون‪ .‬أما رئي ُ‬
‫دبن الوليد ــــ أحد ُ رؤساء المشركين ــــ‬
‫وثبت معه قليل منهم‪ ،‬فلما رأى خال ُ‬
‫خل ُوّ الجبل من الرماة‪ ،‬انطلق ببعض الجيش‪ ،‬فقتل من ثبت من الرماة‪ ،‬وأتى‬
‫ُ‬
‫المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم‪ ،‬فلما رأوا ذلك البلء دهشوا‬
‫ت صفوفهم‪ ،‬واختلطوا من غير شعار‪ ،‬حتى صار‬
‫وتركوا ما بأيديهم‪ ،‬وانتقض ْ‬
‫ضهم بعضًا‪ ،‬ورفعت إحدى نساء المشركين اللواء فاجتمعوا حوله‪،‬‬
‫يضرب بع ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مصَعببن عمير صاحب‬
‫مئ َ‬
‫وكان من المشركين رجل يقال له ابن ق ِ‬
‫ة قتل ُ‬
‫ُ‬
‫اللواء‪ ،‬وأشاع أن محمدا ً قد قتل‪ ،‬فدخل الفشل في المسلمين حتى قال‬
‫مُنوكم‪.‬‬
‫بع ُ‬
‫ضهم‪ :‬عل َ‬
‫م نقاتل إذا كان محمد قد ُقتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤَ ّ‬
‫وقال جماعة‪ :‬إذا كان محمد قد ُقتل فقاتلوا عن دينكم‪ .‬وكان من نتيجة هذا‬
‫ة من المسلمين‪ ،‬من بينهم‪ :‬الوليدبن عقبة‪ ،‬وخارجةبن‬
‫الفشل أن انهزم جماع ٌ‬
‫زيد‪ ،‬وِرفاعةبن المعلى‪ ،‬وعثمانبن عفان‪ ،‬وتوجهوا إلى المدينة‪ ،‬ولكنهم‬
‫استحيوا أن يدخلوها‪ ،‬فرجعوا بعد ثلث‪ ،‬وثبت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ومعه جماعة‪ ،‬منهم أبو طلحة النصاري استمر بين يديه يمنع عنه‬
‫كنانته بين يدي رسول الله‪ ،‬وصار‬
‫ج َ‬
‫ه‪ ،‬وكان راميا ً شديد الرمي‪ .‬فنثر ِ‬
‫فت ِ ِ‬
‫ح َ‬
‫ب َ‬
‫يقول‪ :‬نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوَقاء‪ .‬وكل من كان يمر ومعه‬
‫كنانة يقول له عليه الصلة والسلم‪» :‬انثرها لبي طلحة«‪ ،‬وكان ينظر إلى‬
‫القوم ليرى مواضع النبل‪ ،‬فيقول له أبو طلحة‪ :‬يا نبي الله بأبي أنت وأمي‪ ،‬ل‬
‫تنظر يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك‪.‬‬
‫من ثب َ‬
‫وم ّ‬
‫ت سعدبن أبي وقاص‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم يقول له‪» :‬ارم ِ‬
‫ح‬
‫حَنيف وكان من مشاهير الرماة نض َ‬
‫سعد فداك أبي وأمي«‪ .‬ومنهم سهلبن ُ‬
‫ُ‬
‫ماكبن‬
‫عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس‪ .‬ومنهم أبو ُدجانة ِ‬
‫س َ‬
‫شة النصاري تترس على رسول الله‪ ،‬فصار النب ُ‬
‫خَر َ‬
‫ل يقع على ظهره وهو‬
‫َ‬
‫ن حتى كثر فيه‪ .‬وكان يقاتل عن الرسول زيادةبن الحارث حتى أصابت‬
‫منح ٍ‬
‫ُ‬
‫ح مقاتله‪ ،‬فأمر به فأدني منه ووسده قدمه حتى مات‪ .‬وقد أصابه عليه‬
‫الجرا ُ‬
‫ملها بما أعطاه الله من الثبات‪ ،‬فقد أقبل‬
‫الصلة والسلم شدائد عظيمة تح ّ‬
‫ُ‬
‫من كانوا معه‪،‬‬
‫أبّيبن خلف يريد قتله فأخذ عليه الصلة والسلم الحربة م ّ‬
‫ب هلكه وهو‬
‫ما قَُرب منه ضربه ضرب ً‬
‫ة كانت سب َ‬
‫وقال‪» :‬خّلوا طريقه«‪ ،‬فل ّ‬
‫راجع‪ ،‬ولم يقتل رسول الله غيره ل في هذه الغزوة ول في غيرها‪.‬‬
‫حفرا ً وغ ّ‬
‫ع‬
‫طاها لي َ‬
‫قع فيها المسلمون‪ ،‬فوق َ‬
‫وكان أبو عامر الراهب قد حفر ُ‬
‫ُ‬
‫ي بيده‪،‬‬
‫الرسول في حفرة منها‪ ،‬فأغمي عليه‪ ،‬و ُ‬
‫خدشت ركبتاه‪ ،‬فأخذ عل ّ‬
‫من ثبت ــــ حتى استوى قائمًا‪ ،‬فرماه‬
‫ورفعه طلحةبن عبيد الله ــــ وهما م ّ‬
‫عتبةبن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته فتبعه حاطببن أبي بلتعة فقتله‪ ،‬و َ‬
‫ج‬
‫ش ّ‬
‫وجهه عليه الصلة والسلم عبد اللهبن شهاب الزهري‪ ،‬وجرحت وجنتاه بسبب‬
‫ة غضب الله عليه‪،‬‬
‫مئ َ َ‬
‫دخول حلقتي المغفر فيهما من ضربة ضربه بها ابن قَ ِ‬
‫فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى نزعهما‪ ،‬ف ُ‬
‫كسرت في ذلك ثنيتاه‪ ،‬وقال‬
‫ضبوا وجه نبّيهم؟« فأنزل الله‬
‫حينئذ ٍ عليه الصلة والسلم‪» :‬كيف يفلح قوم خ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س لَ َ‬
‫مرِ َ‬
‫م‬
‫ك ِ‬
‫ىء أوْ ي َُتو َ‬
‫م أوْ ي ُعَذ ّب َهُ ْ‬
‫ب عَلي ْهِ ْ‬
‫ن ال ْ ْ‬
‫في سورة آل عمران‪ :‬ل َي ْ َ‬
‫م َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ن)‪(128‬‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫فَإ ِن ّهُ ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وقد أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات‪،‬‬
‫لن الشخص منهم كان يتلقى السهم‪ ،‬خوفا ً أن يصل للرسول‪ ،‬فوجد بطلحة‬
‫ف وسبعون جراحة‪ ،‬وشّلت يده‪ ،‬وأصاب كعببن مالك سبع عشرة جراحة‪.‬‬
‫ني ٌ‬
‫ً‬
‫أما القتلى فكانوا نيفا وسبعين منهم ستة من المهاجرين‪ ،‬والباقون من‬
‫النصار‪ .‬ومن المهاجرين‪ :‬حمزةبن عبد المطلب‪ ،‬ومصعببن عمير‪ ،‬ومن‬
‫النصار حنظلةبن أبي عامر‪ ،‬وعمروبن الجموح‪ ،‬وابنه خ ّ‬
‫لدبن عمرو‪ ،‬وأخو‬
‫زوجه والد ُ جابربن عبد الله‪ ،‬فأتت زوج عمرو هند ُ بنت عمروبن حرام‬
‫وحملتهم‪ :‬زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم بالمدينة‪ ،‬فنهى عليه الصلة‬
‫والسلم عن الدفن خارج أحد‪ ،‬فرجعوا‪ .‬وقتل سعدبن الربيع‪ ،‬وأرسل عليه‬
‫من يأتيه بخبره فوجده بين القتلى‪ ،‬وبه رمق‪ ،‬فقيل له‪ :‬إن‬
‫الصلة والسلم َ‬
‫مِبلغه‪ُ :‬قل لقومي‪ :‬يقو ُ‬
‫دبن الربيع‪:‬‬
‫ل لكم سع ُ‬
‫رسول الله يسأل عنك‪ ،‬فقال ل ُ‬
‫الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة‪ ،‬فوالله ما لكم عند الله عذر‪.‬‬
‫م أنسبن مالك‪ ،‬فإنه لما سمع بقتل رسول الله قال‪ :‬يا‬
‫وقتل أنسبن النضر ع ّ‬
‫قوم ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم‪ ،‬فلم يزل‬
‫يقاتل حتى ُقتل رضي الله عنه‪.‬‬
‫ُ‬
‫حد حتى إن هندا ً زوج أبي سفيان بقرت بطن حمزة‪،‬‬
‫ت قريش بقتلى أ ُ‬
‫مّثل ْ‬
‫و َ‬
‫وأخذت كبده لتأكلها‪ ،‬فلكتها ثم أرسلتها‪ ،‬وفعلوا قريبا ً من ذلك بإخوانه‬
‫ل‪ ،‬إن‬
‫م ْ‬
‫الشهداء‪ .‬ثم إن أبا سفيان صعد الجبل ونادى بأعلى صوته‪ :‬ن ِعْ َ‬
‫ت فعا ِ‬
‫سجا ٌ‬
‫م بيوم بدر‪ ،‬وموعدكم بدر العام المقبل‪ ،‬ثم قال‪ :‬إنكم‬
‫ب ِ‬
‫الحر َ‬
‫ل‪ ،‬يو ٌ‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫ؤني‪ .‬ثم إن المشركين رجعوا‬
‫مث ْل ً‬
‫ة لم آمر بها ولم ت َ ُ‬
‫ستجدون في قتلكم ُ‬
‫إلى مكة ولم يعرجوا على المدينة‪ ،‬وهذا مما يدل على أن المسلمين لم‬
‫ينهزموا في ذل َ‬
‫ك اليوم‪ ،‬وإل لم يكن بد ّ من تعقب المشركين لهم حتى ي ُِغيروا‬
‫قد عليه الصلة والسلم القتلى وحزن على عمه حمزة‬
‫على مدينتهم‪ .‬ثم تف ّ‬
‫ُ‬
‫حد‪ ،‬كل شهيد بثوبه الذي قتل فيه‪ .‬وكانوا‬
‫حزنا ً شديدًا‪ ،‬ودفن الشهداء كلهم بأ ُ‬
‫يدفنون الرجلين والثلثة في لحد واحد لما كان عليه المسلمون من تعب‪،‬‬
‫فكان يشقّ عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة‪ .‬ولما رجع المسلمون إلى‬
‫المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون‪ ،‬وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء‪،‬‬
‫وقالوا لخوانهم‪ :‬ل ّوْ َ‬
‫ما قُت ُِلوْا{ )آل عمران‪.(156 :‬‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫ماُتوا ْ وَ َ‬
‫ما َ‬
‫عن ْد ََنا َ‬
‫وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهم لهم‪ ،‬يذ ّ‬
‫كرهم بأمرين عظيمين‬
‫تركهما المسلمون فُأصيبوا‪ ،‬أولهما‪ :‬طاعة الرسول في أمره‪ ،‬فقد قال‬
‫للرماة‪ :‬ل تبرحوا مكانكم إن نحن ُنصرنا أو ُقهرنا‪ ،‬فعصوا أمره ونزلوا‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن تكون العمال كلها لله غير منظورة فيها لهذه الدنيا التي كثيرا ً ما‬
‫عرض الدنيا‪ ،‬والتَهوا بالغنائم‬
‫تكون سببا ً في مصائب عظيمة‪ ،‬وهؤلء أرادوا َ‬
‫ت غزوة‬
‫حتى ُ‬
‫صل َ ْ‬
‫عوقبوا‪ ،‬وفي ذلك أنزل الله في سورة آل عمران التي فَ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫من ُ‬
‫كم‬
‫ما ت ُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫حّبو َ‬
‫أ ُ‬
‫م ّ‬
‫مآ أَراك ُ ْ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫حد‪ :‬ا لله ـ « » صلى الله عليه وسلم { ّ‬
‫من ُ‬
‫فا‬
‫قد ْ ع َ َ‬
‫م وَل َ َ‬
‫ريد ُ ال ْ ِ‬
‫ريد ُ الد ّن َْيا وَ ِ‬
‫م ل ِي َب ْت َل ِي َك ُ ْ‬
‫م عَن ْهُ ْ‬
‫صَرفَك ُ ْ‬
‫خَرةَ ث ُ ّ‬
‫كم ّ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫من ي ُ ِ‬
‫من ي ُ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن)‪(152‬‬
‫ني‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ذو‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫َ‬
‫ٍ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫غزوة حمراء السد‬
‫ذرا ً من رجوع المشركين‬
‫ح ِ‬
‫لما رجع عليه الصلة والسلم إلى المدينة أصبح َ‬
‫إلى المدينة ليتمموا انتصارهم‪ ،‬فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو‪ ،‬وأل ّ‬
‫يخرج إل من كان معه بالمس‪ ،‬فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم‬
‫ح ّ‬
‫ل‪ ،‬فأعطاه عليبن أبي‬
‫ال َ‬
‫مدوا جراحاتهم وخرجوا واللواء معقود لم ي ُ َ‬
‫قرح‪ ،‬فض ّ‬
‫طالب‪ ،‬وولى على المدينة ابن أم مكتوم‪ ،‬ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء‬
‫السد وقد كان ما ظنه الرسول حقًا‪ ،‬فإن المشركين تلوموا على ترك‬
‫المسلمين من غير شن الغارة على المدينة حتى يتم لهم النصر‪ ،‬فأصّروا‬
‫على الرجوع‪ ،‬ولكن لما بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر‬
‫ن لم يحضر بالمس‪ ،‬وألقى الله الرعب في قلوبهم‪ ،‬فتمادوا في‬
‫معه َ‬
‫م ْ‬
‫سيرهم إلى مكة‪ ،‬وظفر عليه الصلة والسلم وهم في حمراء السد بأبي‬
‫ن عليه ببدر بعد أن تعهد أل ّ يكون على المسلمين‪ ،‬فأمر‬
‫عزة الشاعر‪ ،‬الذي َ‬
‫م ّ‬
‫ْ‬
‫ي‪ ،‬ودعني لبناتي‪ ،‬وأعطيك عهدا ً أل ّ‬
‫بقتله‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد أقلني‪ ،‬وامُنن عل ّ‬
‫أعود لمثل ما فعلت‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ل والله ل تمسح عارضيك‬
‫حرٍ مرتين‪ ،‬اضرب‬
‫ج ْ‬
‫ن من ُ‬
‫بمكة تقول‪ :‬خدع ُ‬
‫ت محمدا ً مرتين‪ ،‬ل ي ُل ْد َغ ُ المؤم ُ‬
‫عنقه يا زبير« فضرب عنقه‪ ،‬وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع‬
‫الشريف‪ ،‬فإن الرجل الذي ل يحترز مما ُأصيب منه ليس بعاقل‪ ،‬فل بد ّ من‬
‫مْلك‪.‬‬
‫الحزم لقامة دعائم ال ُ‬
‫حوادث‬
‫وفي هذه السنة زّوج عليه الصلة والسلم بنته ُأم كلثوم لعثمانبن عفان بعد‬
‫مى ذا النورين‪ .‬وفيها تزّوج عليه الصلة‬
‫أن ماتت رقية عنده‪ ،‬ولذلك كان ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫ُ‬
‫مها أخت عثمانبن مظعون‪ ،‬وكانت‬
‫والسلم حفصة بنت عمربن الخطاب‪ ،‬وأ ّ‬
‫خنيسبن حذافة السهمي رضي الله عنه‪ ،‬فتوفي عنها بجراحة‬
‫قبله تحت ُ‬
‫ب بنت خزيمة الهللية من‬
‫أصابته ببدر‪ ،‬وفيها تزوج عليه الصلة والسلم زين َ‬
‫بني هللبن عامر‪ ،‬كانت تدعى في الجاهلية ُأم المساكين لرأفتها وإحسانها‬
‫ُ‬
‫حد وهي أخت‬
‫إليهم‪ ،‬وكانت قبله تحت عبد اللهبن جحش‪ ،‬ف ُ‬
‫قتل عنها بأ ُ‬
‫ميمونة بنت الحارث لمها‪ ،‬وفيها ولد الحسنبن علي رضي الله عنهما‪ .‬وفيها‬
‫حرمت الخمر‪ ،‬وكان تحريمها بالتدريج‪ ،‬لما كان عليه العرب من المحبة‬
‫ُ‬
‫الشديدة لها‪ ،‬فيصعب إذا ً تحريمها دفعة واحدة‪ ،‬وكان ذلك التحريم تابعا ً‬
‫فر عنها‪ ،‬لن المنكر إذا ُأسند تحريمه لحادثة أقّر الجميع على‬
‫لحوادث ت ُن َ ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫تقبيحها كان ذلك أشد ّ تأثيرا في النفس‪ .‬فأول ما ب ُّين فيها قوله تعالى في‬
‫سئ َُلون َ َ‬
‫سرِ قُ ْ‬
‫ع‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫مَنافِ ُ‬
‫سورة البقرة‪ :‬ي َ ْ‬
‫م ك َِبيٌر وَ َ‬
‫مآ إ ِث ْ ٌ‬
‫ل ِفيهِ َ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ك عَ ِ‬
‫س{ )البقرة‪ .(219 :‬فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء كما‬
‫ِللّنا ِ‬
‫كانت عادة العرب‪ ،‬ومنفعة الخمر تقوية الجسم‪ ،‬ولما شربها بعض المسلمين‬
‫صلة على السكران‪ ،‬فقال تعالى في سورة‬
‫وخّلط في القراءة ُ‬
‫حّرمت ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ما‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َ ْ‬
‫النساء‪} :‬ي َأي َّها ال ّ ِ‬
‫كاَرى َ‬
‫م ُ‬
‫موا ْ َ‬
‫حّتى ت َعْل َ ُ‬
‫قَرُبوا ْ الصلة َ وَأنت ُ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ث من شربها اعتداء بعض المسلمين على‬
‫تَ ُ‬
‫ن{ )النساء‪ (43 :‬ولما حد َ‬
‫قوُلو َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ما‬
‫حّرمت قطعيا بقوله تعالى في سورة المائدة‪} :‬ي َأي َّها ال ِ‬
‫إخوانهم ُ‬
‫مُنوا إ ِن ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫شي ْ َ‬
‫سُر َوا ْ‬
‫ل ال ّ‬
‫م‬
‫ال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫ن َفا ْ‬
‫م رِ ْ‬
‫صا ُ‬
‫ب َوال ْْزل َ ُ‬
‫جت َن ُِبوه ُ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫س ّ‬
‫مُر َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ج ٌ‬
‫لن َ‬
‫طا ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫طا َ‬
‫ريد ُ ال ّ‬
‫ضآء‬
‫تُ ْ‬
‫داوَة َ َوال ْب َغْ َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫شي ْ َ ُ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ن أن ُيوقِعَ ب َي ْن َك ُ ُ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫عن ذك ْر الل ّه وعَن الصلة فَه ْ َ‬
‫ن)‪(91‬‬
‫م َ‬
‫ِفى ال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫منت َُهو َ‬
‫م ّ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫صد ّك ُ ْ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ِ َ‬
‫سرِ وَي َ ُ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ َ ِ‬
‫سنة الّرابعة‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬
‫ُ‬
‫في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طليحة وسلمة ابني خويلد السديين‬
‫يدعوان قومهما بني أسد لحربه عليه الصلة والسلم‪ ،‬فدعا أبا سلمةبن عبد‬
‫سْر حتى تنزل أرض بني أسدبن‬
‫السد المخزومي‪ ،‬وعقد له لواًء وقال له‪ِ » :‬‬
‫خزيمة فَأ َِغْر عليهم«‪ ،‬وأرسل معه رجا ً‬
‫ل‪ ،‬فسار في هلل المحرم حتى بلغ‬
‫قَ َ‬
‫طنا ً فأغار عليهم‪ ،‬فهربوا من منازلهم‪ ،‬ووجد أبو سلمة إبل ً وشاًء فأخذها‪،‬‬
‫ولم يلق حربًا‪ ،‬ورجع بعد عشرة أيام من خروجه‪.‬‬
‫سرية‬
‫وفي بدئها أيضا ً بلغه عليه الصلة والسلم أن سفيانبن خالدبن ن ُب َْيح الُهذلي‬
‫المقيم بعَُرَنة يجمع الجموعَ لحربه‪ ،‬فأرسل له عبد اللهبن أ ُن َْيس الجهني وحده‬
‫قو ّ َ‬
‫ل حتى يتمكن‪،‬‬
‫ليقتله‪ ،‬فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ي َت َ َ‬
‫خَلون من المحرم‪ ،‬ولما‬
‫فأذن له‪ ،‬وقال‪» :‬انتسب لخزاعة«‪ ،‬فخرج لخمس َ‬
‫ت بجمعك‬
‫من الرجل؟ قال‪ :‬من ُ‬
‫خزاعة‪ ،‬سمع ُ‬
‫وصل إليه قال له سفيان‪ :‬م ّ‬
‫لمحمد فجئت لكون معك‪ ،‬فقال له‪ :‬أجل‪ ،‬إني لفي الجمع له‪ ،‬فمشى عبد‬
‫خبائه تفرق الناس‬
‫دثه وسفيان يستحلي حديثه‪ ،‬فلما انتهى إلى ِ‬
‫الله معه وح ّ‬
‫عنه فجلس معه عبد الله حتى نام‪ ،‬فقام وقتله‪ ،‬ثم ارتحل حتى أتى المدينة‪،‬‬
‫ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين القتال‪.‬‬
‫سرية‬
‫فر أرسل عليه الصلة والسلم عشرة رجال عيونا ً على قريش‪ ،‬مع‬
‫ص َ‬
‫وفي َ‬
‫ة‪ ،‬الذين جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون‬
‫ضل وال َ‬
‫قاَر ِ‬
‫رهط عَ َ‬
‫مر عليهم عاصمبن ثابت النصاري‪ ،‬فخرجوا‬
‫من يف ّ‬
‫قههم في الدين‪ ،‬وأ ّ‬
‫يسيرون الليل ويكمنون النهار حتى إذا كانوا بالّرجيع غدر بهم أولئك الرهط‪،‬‬
‫ودّلوا عليهم هذيل ً قوم سفيانبن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد اللهبن‬
‫م‪ ،‬واقتفوا آثارهم حتى قربوا‬
‫أنيس‪ ،‬فنفروا إليهم فيما يقرب من مائتي را ٍ‬
‫س بهم رجال السرية لجؤوا إلى جبل هناك‪ ،‬فقال لهم العداء‪:‬‬
‫منهم‪ ،‬فلما أح ّ‬
‫انزلوا ولكم العهد أل ّ نقتلكم‪ ،‬فنزل إليهم ثلثة اغتروا بعهدهم‪ ،‬وقاتلهم‬
‫الباقون‪ ،‬ومعهم عاصم غير راضين بالنزول في ذمة مشرك‪ .‬ولما رأى الثلثة‬
‫ن الغدر امتنع أحدهم فقتلوه‪ ،‬وأما الثنان فباعوهما بمكة‬
‫الذين سّلموا عي َ‬
‫خبيببن‬
‫من كان له ثأر عند المسلمين‪ ،‬وهناك قُِتل‪ .‬وقد قال أحدهما وهو ُ‬
‫م ّ‬
‫عدي حين أرادوا قتله‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫صَرعيوذل َ‬
‫ن أ ُقْت َ ُ‬
‫ك في‬
‫سِلماعلى أيّ َ‬
‫م ْ‬
‫وَل َ ْ‬
‫ب كان في الله َ‬
‫ل ُ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫جن ْ ٍ‬
‫ت أبالي حي َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫َ‬
‫شأ ْي َُبار ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫مّزِع‬
‫ل ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ت اللهِ وَإ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫شل ْوٍ ُ‬
‫ك على أو َ‬
‫صا ِ‬
‫سرية‬
‫ب السّنة‪ ،‬وهو‬
‫ص َ‬
‫مل ِ‬
‫ع ُ‬
‫فر وفد على رسول الله أبو براء عامربن مالك ُ‬
‫وفي َ‬
‫من رؤوس بني عامر‪ ،‬فدعاه عليه الصلة والسلم إلى السلم فلم يسلم‬
‫ت معي رجال ً من‬
‫ولم يبعد‪ ،‬بل قال‪ :‬إني أرى أمرك هذا حسنا ً شريفا ً ولو بعث َ‬
‫ت أن يستجيبوا لك‪ ،‬فقال‬
‫أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك‪ ،‬رجو ُ‬
‫عليه الصلة والسلم‪» :‬إني أخشى عليهم أهل نجد«‪ .‬فقال أبو براء عامر‪ :‬أنا‬
‫مون‬
‫لهم جار‪ ،‬فأرسل معه المنذربن عمرو في سبعين من أصحابه كانوا ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫القّراء لكثرة ما كانوا يحفظون من القرآن‪ ،‬فساروا حتى نزلوا بئر معونة‪،‬‬
‫ملحان بكتاب إلى عامربن الطفيل سيد ِ بني عامر‪ ،‬فلما وصل‬
‫حَرامبن ِ‬
‫فبعثوا َ‬
‫حَرام فقتله‪ ،‬ثم استصرخ على بقية‬
‫إليه لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على َ‬
‫البعثة أصحابه من بني عامر فلم يرضوا أن يخفروا جوار ملعب السنة‪،‬‬
‫سليم‪ ،‬وهم رِعْ ٌ‬
‫صّية فأجابوا‬
‫فاستصرخ عليهم قبائل من بني ُ‬
‫ل وَذكوان وعُ َ‬
‫وذهبوا معه‪ ،‬حتى إذا التقوا بالقّراء أحاطوا بهم‪ ،‬وقاتلوهم حتى قتلوهم عن‬
‫ج‬
‫ج ِ‬
‫دهم نفعا ً لقّلة عددهم وكثرة عدوهم‪ ،‬ولم ين ُ‬
‫آخرهم‪ ،‬بعد دفاع شديد لم ي ُ ْ‬
‫ن أنه منهم‪ ،‬وعمروبن أمية كان في‬
‫إل كعببن زيد‪ ،‬وقع بين القتلى حتى ظ ُ ّ‬
‫سْرح القوم‪ .‬وَأ ُب ْل ِغَ عليه الصلة والسلم خبر القراء فخطب في أصحابه‪،‬‬
‫َ‬
‫وكان فيما قال‪» :‬إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم‪ ،‬وإنهم قالوا‪ :‬ربنا‬
‫بّلغ قومنا أّنا قد لقينا ربنا فرضينا عنه ورضي عّنا«‪ ،‬وكان وصول خبر هذه‬
‫السرية وسرية الرجيع في يوم واحد‪ ،‬فحزن عليهم صلى الله عليه وسلم‬
‫حزنا ً شديدًا‪ ،‬وأقام يدعو على الغادرين بهم شهرا ً في الصلة‪.‬‬
‫ضير‬
‫غزوة بني الن ّ ِ‬
‫يا لله‪ ،‬ما أسوأ عاقبة الطيش فقد تكون المة مرتاحة البال‪ ،‬هادئة الخواطر‪،‬‬
‫حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر‪ ،‬يظنون من ورائه النجاح‪ ،‬فيجلب‬
‫عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم‪ ،‬وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء‬
‫الخزرج‪ ،‬الذين كانوا يجاورون المدينة‪ ،‬فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود‬
‫يأمن بها ك ّ‬
‫ل منهم الخر‪ ،‬ولكن بنو النضير لم يوفوا بهذه العهود حسدًامنهم‬
‫وبغيًا‪ .‬فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض من أصحابه في ديار‬
‫بني النضير إذ ائتمر جماعة منهم على قتله بأن يأخذ واحد ٌ منهم صخرةً‬
‫ويلقيها عليه من علو‪ ،‬فُأطلع عليه الصلة والسلم على قصدهم‪ ،‬فرجع وتبعه‬
‫أصحابه‪ ،‬ثم أرسل لهم محمدبن مسلمة يقول لهم‪» :‬اخرجوا من بلدي فقد‬
‫ن‬
‫هممتم بما هممتم من الغدر«‪ .‬إذ الحزم كل الحزم أل يتهاون النسان مع َ‬
‫م ْ‬
‫عرف منه الغدر‪ ،‬فتهيأ القوم للرحيل‪ ،‬فأرسل لهم إخوانهم المنافقون‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م وَل َ‬
‫م ل َن َ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫خُر َ‬
‫خرِ ْ‬
‫معَك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫جت ُ ْ‬
‫ج ّ‬
‫يقولون‪ :‬ل تخرجوا من دياركم ونحن معكم ل َئ ِ ْ‬
‫َ‬
‫نطيع فيك ُ َ‬
‫م لَ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن‬
‫كاذُِبو َ‬
‫مأ َ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫شهَد ُ إ ِن ّهُ ْ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫حدا ً أَبدا ً وَِإن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ن)‪ (11‬ل َئ ِ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫جوا ل َ ي َ ْ‬
‫أُ ْ‬
‫جو َ‬
‫خُر ُ‬
‫خرِ ُ‬
‫صُروهُ ْ‬
‫صُرون َهُ ْ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م وَلِئن ن ّ َ‬
‫م وَلِئن ُقوت ِلوا ل َ َين ُ‬
‫م لي ُوَل ّ‬
‫ب ِفى أ ََبدا ً إ ِن ّ َ‬
‫ن)‪ (12‬أ َ َ‬
‫ة‬
‫ك َنافَ ُ‬
‫جآءوا َ‬
‫ص ٌ‬
‫قوا ْ ت ََر َ‬
‫صُرو َ‬
‫ال ْد َْباَر ث ُ ّ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫شد ّ ال ْك َِتا ِ‬
‫م ل َ ُين َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫َ‬
‫َ‬
‫خرجتم والل ّ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ة عََلى َ‬
‫َ‬
‫ص ٌ‬
‫ص ٌ‬
‫ه أَبدا ً أ َ‬
‫م ِفى أَبدا ً إ ِن ّهُ ْ‬
‫حدا ً ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫من أ ْ ِ ْ ُ ْ َ ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ِفى ِفى‬
‫ه ّر ِ‬
‫ن وَِإن ِ‬
‫م ال ِ‬
‫م أل ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ن َوالل ُ‬
‫حي ٌ‬
‫م َوالل ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ه ِفى قُلوب َِنا لَنن ُ‬
‫ل ََنن ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫سب َ ُ‬
‫قوَنا َرءو ٌ‬
‫ن ّر ِ‬
‫ه ِفى ِ‬
‫ه ل ّل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ف ت ََر َوالل ّ ُ‬
‫م عََلى َوالل ّ ُ‬
‫حي ٌ‬
‫أَبدا ً َوالل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أَبدا ً‬
‫سب َ ُ‬
‫ِفى أَبدا ً َرب َّنآ وَل ِ ْ‬
‫قوَنا وَِإن ت ََر ِ‬
‫خوان َِنا عََلى ن ُ ِ‬
‫طيعُ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن وَِإن قُُلوب َِنا ِفى أ ََبدا ً‬
‫م ِفى أ ََبدا ً ي َ ُ‬
‫ه ِفى أَبدا ً ال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن ِغل ّ َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫إ ِن ّهُ ْ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫م ِبا َ‬
‫م وَِإن عَلى‬
‫م لل ِ‬
‫ل ّل ّ ِ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ن أَبدا فيك ُ ْ‬
‫لي َ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ن ِفى أَبدا لَنن ُ‬
‫ن لَنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫ما ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن عََلى‬
‫م ِفى ال ّ ِ‬
‫ن وَِإن ِ‬
‫طيعُ أَبدا ً وَِإن ِفى ِفى َرب َّنآ ل ّل ّ ِ‬
‫نُ ِ‬
‫ن ِفى أَبدا ً ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ف ت ََر َرب َّنآ قُلوب َِنا‬
‫َرءو ٌ‬
‫َ‬
‫شهَد ُ ِفى أ ََبدا ً‬
‫ن أ ََبدا ً ي َ ْ‬
‫ن وَِإن أَبدا ً ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل ّل ّ ِ‬
‫ه ِفى ال ّ ِ‬
‫م وَِإن عََلى َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ل ََنن ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫حدا ً‬
‫سب َ ُ‬
‫قوَنا ي َ ْ‬
‫وَِإن ّر ِ‬
‫ن وَِإن وَِإن أ َ‬
‫جو َ‬
‫خُر ُ‬
‫م َ‬
‫م ِغل ّ ِفى قُُلوب َِنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن‬
‫سب َ ُ‬
‫م لل ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫قوَنا ِ‬
‫ل ّل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫شهَد ُ ت ََر ِفى إ ِن ّهُ ْ‬
‫ه وَِإن عَلى َوالل ُ‬
‫ن َوالل ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م وَل َِئن ِفى ل َ َ‬
‫م‬
‫سب َ ُ‬
‫م ِ‬
‫كاذُِبو َ‬
‫ن وَل َوْ َ‬
‫قوَنا وَِإن ِفى قُُلوب َِنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ن أَبدا ً إ ِن ّهُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ل ََنن ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫م‬
‫ك يَ ُ‬
‫م لِ ْ‬
‫طيعُ ل ّل ّ ِ‬
‫م ت ََر ن ُ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن وَل َِئن ل َ ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫وان ِهِ ُ‬
‫ه ِفى أَبدا ً ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫فُروا ْ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫ه كَ َ‬
‫ك يَ ُ‬
‫ه ِفى ن ُ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫م وَِإن َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ه ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ن َوالل ّ ُ‬
‫طيعُ إ ِن ّهُ ْ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ن‬
‫سب َ ُ‬
‫ن ل ّل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ه ِفى َ‬
‫م وَِإن وَِإن ِفى ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫قوَنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫طيعُ إ ِن ّ َ‬
‫م‬
‫ك ِفى ي َ ُ‬
‫م ِفى وَل َِئن عََلى ن ُ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫م وَِإن وَِإن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ن ت ََر ل ََنن ُ‬
‫ل ََنن ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وَِإن‬
‫م ِفى أَبدا ً ي َ ُ‬
‫ه ِفى أَبدا ً ال ّ ِ‬
‫وَِإن ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن ِغل ّ َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ن أَبدا ً إ ِن ّهُ ْ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قوَنا وَِإن ت ََر قُلوب َِنا‬
‫سب َ ُ‬
‫م ِفى أَبدا أ ْ‬
‫ن لل ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫مُنوا وَِإن َ‬
‫جوا عَلى ءا َ‬
‫ن أَبدا إ ِن ّهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫م َرءو ٌ‬
‫ن ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ف إ ِن ّهُ ْ‬
‫ن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫فيك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫أ َبدا ً ل َننصرنك ُم وإن أ َبدا ً إنه َ‬
‫شهَد ُ وَل َ أ ََبدا ً‬
‫ن يَ ْ‬
‫سب َ ُ‬
‫قوَنا ّر ِ‬
‫م ِ‬
‫مأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫حي ٌ‬
‫ه ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫حدا ً َوالل ّ ُ‬
‫ُّ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ ُ َ ّ ْ َ‬
‫شهد ل ّل ّذين ال ّذي ِن أ َبدا ً إنِهم وإن ل َننصرنك ُم وإن عََلى نطيع فيك ُم أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫طيعُ ِفى‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ْ ُ ِ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫ْ‬
‫يَ َ ُ ِ َ‬
‫َ ُ َ ّ ْ َِ‬
‫ِ َ َ َ ِّ ُ ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫ن قُُلوب َِنا‬
‫م وَِإن ِفى أَبدا ً ت ََر ِ‬
‫وَل َِئن ن ُ ِ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫م أَبدا ً َوالل ّ ُ‬
‫م فيك ُ ْ‬
‫طيعُ إ ِن ّهُ ْ‬
‫ه قُُلوب َِنا ل ََنن ُ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫م ِفى وَلِئن قُلوب َِنا‬
‫ن قُلوب َِنا ّر ِ‬
‫م ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ه ِفى وَِإن ُقوت ِلت ُ ْ‬
‫م ت ََر َوالل ُ‬
‫ه أَبدا وَِإن إ ِن ّهُ ْ‬
‫َ ُ‬
‫م ْ‬
‫خرجون قُُلوبنا ل َ إنهم ول َِئن أ ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫م‬
‫فى‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫إن‬
‫و‬
‫ا‬
‫جو‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ي‬
‫نا‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫س‬
‫م‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُقوت ِل ْت ْ َ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ْ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ ُ ْ َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ف أ َل َ َ‬
‫ف‬
‫حدا ً وَِإن ِفى َرءو ٌ‬
‫ِغل ّ عََلى قُُلوب َِنا أ ََبدا ً َرءو ٌ‬
‫م وَِإن عََلى أ َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م أَبدا ً ل ََنن ُ‬
‫أ َل َ َ‬
‫م‬
‫م ِفى ِ‬
‫م فيك ُ ْ‬
‫ن وَِإن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م فيك ُ ْ‬
‫م ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫م فيك ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫م أَبدا ً قُُلوب َِنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫قُ ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ت‬
‫فى‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫ا‬
‫بد‬
‫أ‬
‫نا‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫س‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ع‬
‫طي‬
‫ن‬
‫لى‬
‫ع‬
‫إن‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ص‬
‫نن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫بد‬
‫أ‬
‫نا‬
‫ب‬
‫لو‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَِإن عََلى‬
‫سب َ ُ‬
‫ه أَبدا ً ِفى وَل َِئن َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫م َرب َّنآ أَبدا ً إ ِن ّهُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫قوَنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫َ‬
‫جعَ ْ‬
‫م وَِإن‬
‫م ّر ِ‬
‫طيعُ وَل َِئن ِ‬
‫حدا ً ن ُ ِ‬
‫م وَِإن ِفى ت َ ْ‬
‫مأ َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ه إ ِن ّهُ ْ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫ل ل ََنن ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَِإن وَِإن ِفى إ ِن ّ َ‬
‫ن ِفى‬
‫سب َ ُ‬
‫ك وَِإن أَبدا ً ل ّل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫قوَنا ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫عََلى َوالل ّ ُ‬
‫م أَبدا ً ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَِإن عََلى وَل َ‬
‫سب َ ُ‬
‫م َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫قوَنا وَِإن َوالل ّ ُ‬
‫قُُلوب َِنا أَبدا ً وَِإن ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫ه ِفى أَبدا ً ل ََنن ُ‬
‫ك تر قُُلوبنا نطيع نطيع م َ‬
‫َ‬
‫ال ّذي َ‬
‫ن‬
‫ه يَ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن أَبدا ً عََلى َوالل ّ ُ‬
‫َِ ُ ِ ُ ُ ِ ُ ِ ْ‬
‫ن أَبدا ً ِغل ّ ِفى أَبدا ً إ ِن ّ َ َ َ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ف ت ََر‬
‫رءو‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ص‬
‫نن‬
‫ل‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ا‬
‫بد‬
‫أ‬
‫فى‬
‫ر‬
‫ٌ‬
‫ِفى ت َ َ ِ‬
‫َ ِّ ُ ْ َ ُ َ ّ ْ َ ُ ّ ِ ٌ ِّ ُ ْ َ‬
‫م‬
‫سب َ ُ‬
‫ه ل ّل ّ ِ‬
‫م وَِإن قُُلوب َِنا َ‬
‫قوَنا إ ِن ّهُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫م قُُلوب َِنا إ ِن ّهُ ْ‬
‫ه ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫قُُلوب َِنا َوالل ّ ُ‬
‫ن ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِفى‬
‫ّر ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫نأ َ‬
‫م وَِإن أ َ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫حدا ً ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫حدا ً إ ِن ّهُ ْ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫م ل ََنن ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وَ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ِفى أَبدا وَِإن ال ِ‬
‫ه قوت ِلت ُ ْ‬
‫ن أَبدا وَِإن َوالل ُ‬
‫م وَل ْ‬
‫ذي َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫حي َّيبن أخطب‪ ،‬وس ّ‬
‫لمبن‬
‫ولما سار اليهود نزل بعضهم بخيبر‪ ،‬ومنهم أكابرهم ُ‬
‫عات بالشام‪ ،‬وأسلم منهم اثنان‪ :‬يامينبن‬
‫ح َ‬
‫قْيق‪ ،‬ومنهم من سار إلى أ َْذر َ‬
‫أبي ال ُ‬
‫مس رسو ُ‬
‫ل الله ما أخذ من بني النضير‪،‬‬
‫عمرو وأبو سعدبن وهب‪ ،‬ولم يخ ّ‬
‫دات الحرب‪،‬‬
‫فإنه فيٌء لم يوجف عليه بخيل ول ركاب‪ ،‬ومثل هذا يكون لمع ّ‬
‫وللرسول‪ ،‬يطعم منه أهله‪ ،‬ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‪،‬‬
‫كما قال تعالى في سورة الحشر‪ :‬مآ أ ََفآء الل ّه عََلى رسول ِه م َ‬
‫قَرى‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫َ ُ ِ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ذى ال ْ ُ‬
‫سا ِ‬
‫ل وَل ِ ِ‬
‫ل كى ل ي َكو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫فَل ِل ّهِ وَِللّر ُ‬
‫مى َوال َ‬
‫قْرَبى َوال ْي ََتا َ‬
‫سِبي ِ‬
‫سو ِ‬
‫ن َواب ْ ِ‬
‫كي ِ‬
‫م{ )الحشر‪ (7 :‬فأعطى عليه الصلة والسلم من هذا‬
‫ُدول َ ً‬
‫ن ال ْغْن َِيآء ِ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ة ب َي ْ َ‬
‫ُ‬
‫الفيء فقراء المهاجرين‪ ،‬الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم‪ ،‬ورّدوا لخوانهم‬
‫من النصار ما كانوا قد أخذوه منهم أيام هجرتهم‪ ،‬وأخذ عليه الصلة والسلم‬
‫خر منها ُقوت أهله عامًا‪.‬‬
‫أرضا ً يزرعها ويد ّ ِ‬
‫غزوة ذات الرقاع‬
‫وفي ربيع الخر بلغه عليه الصلة والسلم أن قبائل من نجد يتهيؤون لحربه‪،‬‬
‫وهم‪ :‬بنو محارب وبنو ثعلبة‪ ،‬فتجّهز لهم‪ ،‬وخرج في سبعمائة مقاتل‪ ،‬ووّلى‬
‫على المدينة عثمانبن عفان‪ ،‬ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم‪ ،‬فلم‬
‫ن‪ ،‬فبلغ الخبر رجالهم‪ ،‬فخافوا وتفرقوا في‬
‫يجدوا فيها أحدا ً غير نسوة فأخذه ّ‬
‫ف‬
‫س‪ ،‬وأخا َ‬
‫رؤوس الجبال‪ ،‬ثم اجتمع جمع منهم وجاؤوا للحرب‪ ،‬فتقارب النا ُ‬
‫بعضهم بعضًا‪ .‬ولما حانت صلة العصر وخاف عليه الصلة والسلم أن يغدر‬
‫بهم العداء وهم يصّلون‪ ،‬صلى بالمسلمين صلة الخوف‪ ،‬فألقى الله الرعب‬
‫في قلوب العداء‪ ،‬وتفرقت جموعهم خائفين منه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ومال المام البخاري إلى أن هذه الغزوة كانت في السنة السابعة وأجمعَ أه ُ‬
‫ل‬
‫سي َرِ على خلفه‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫غزوة بدر الخرة‬
‫ُ‬
‫لما أه ّ‬
‫حد‬
‫ن هذا العام كان موعد أبي سفيان‪ ،‬فإنه بعد انقضاء غزوة أ ُ‬
‫ل شعبا ُ‬
‫قال للمسلمين‪ :‬موعدنا بدر العام المقبل‪ ،‬فأجابه الرسول إلى ذلك‪ ،‬وكان‬
‫بدر محل سوق ُتعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانيًا‪ ،‬فلما‬
‫ل الج ُ‬
‫ح ّ‬
‫مجدبون‪ ،‬لم يتمكن أبو سفيان من اليفاء بوعده‪ ،‬فأراد أن‬
‫َ‬
‫ل وقريش ُ‬
‫يخذل المسلمين عن الخروج كيل ُيوسم بخلف الوعد‪ ،‬فاستأجر ُنعيمبن‬
‫ف بما جمعه أبو سفيان من الجموع‬
‫مسعود الشجعي‪ ،‬ليأتي المدينة وُيرج َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫س قد ْ َ‬
‫العظيمة‪ ،‬فقدم ُنعيم المدينة وقال للمسلمين‪} :‬إ ِ ّ‬
‫مُعوا لك ْ‬
‫ج َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫كي ُ‬
‫خ َ‬
‫ل{ )آل عمران‪(173 :‬‬
‫و‬
‫َفا ْ‬
‫م ال ْ َ ِ‬
‫مانا ً وََقاُلوا ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ه وَن ِعْ َ‬
‫سب َُنا الل ّ ُ‬
‫م ِإي َ‬
‫م فََزاد َهُ ْ‬
‫شوْهُ ْ‬
‫ولم يلتفت عليه الصلة والسلم لهذا الرجاف اّتكال ً على ربه‪ ،‬بل خرج بألف‬
‫ُ‬
‫ي‪.‬‬
‫وخمسمائة من أصحابه‪ ،‬واستخلف على المدينة عبد اللهبن عبد اللهبن أب َ َ‬
‫ولم يزالوا سائرين حتى أتوا بدرًا‪ ،‬فلم يجدوا بها أحدا ً لن أبا سفيان أشار‬
‫على قريش بالخروج على نّية الرجوع بعد مسير ليلة أو ليلتين ظان ّا ً أن‬
‫إرجاف ُنعيم يفيد‪ ،‬فيكون المخلف هم المسلمون‪ ،‬فسار حتى أتى مجّنة ــــ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مّر الظهران ــــ فقال لقومه‪ :‬إن هذا عام‬
‫وهي سوق معروفة من ناحية َ‬
‫جدب ول يصلحنا إل عام عشب فارجعوا‪ ،‬أما المسلمون فأقاموا ببدر ل‬
‫سوء‬
‫يشاركهم في تجارته أحد }َفان ْ َ‬
‫ن الل ّهِ وَفَ ْ‬
‫م ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫سهُ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل لّ ْ‬
‫مةٍ ّ‬
‫قل َُبوا ْ ب ِن ِعْ َ‬
‫ض ٍ‬
‫م َ‬
‫م)‪(174‬‬
‫ل عَ ِ‬
‫ه ُذو فَ ْ‬
‫ضوا َ‬
‫َوات ّب َُعوا ْ رِ ْ‬
‫ن الل ّهِ َوالل ّ ُ‬
‫ض ٍ‬
‫ظي ٍ‬
‫حوادث‬
‫ُ‬
‫وفي هذا العام ولد الحسينبن علي‪ ،‬وفيه توفيت زينب بنت خزيمة أم‬
‫سَلمة رضي الله عنه ابن عمة رسول الله‪ ،‬وأخوه‬
‫المؤمنين‪ ،‬وفيه توفي أبو َ‬
‫من الرضاعة‪ ،‬وأو ُ‬
‫ل من هاجر إلى الحبشة‪ ،‬وفيه تزوج عليه الصلة والسلم‬
‫ُ‬
‫ة هندا ً زوج أبي سلمة بعد وفاته‪.‬‬
‫م َ‬
‫أ ّ‬
‫م َ‬
‫سل َ َ‬
‫سة‬
‫سنة الخا ِ‬
‫م َ‬
‫ال ّ‬
‫غزوة دومة الجندل‬
‫وفي ربيع الول من هذا العام بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعا ً من‬
‫مّر بهم‪ ،‬وأنهم يريدون الدنو من المدينة‬
‫العراب ب ُ‬
‫دومة الجندل يظلمون من َ‬
‫فتجهز لغزوهم‪ ،‬وخرج في ألف من أصحابه‪ ،‬بعد أن وَّلى على المدينة‬
‫من النهار حتى قرب‬
‫ِ‬
‫سَباعبن عُْرُفطة الِغفاري‪ ،‬ولم يزل يسير الليل ويك ُ‬
‫منهم‪ ،‬فلما بلغهم الخبر تفرقوا‪ ،‬فهجم المسلمون على ماشيتهم ورعائهم‪،‬‬
‫فُأصيب م ُ‬
‫ث‬
‫ب‪ ،‬وهرب من هرب‪ ،‬ثم نزل بساحتهم فلم يلقَ أحدًا‪ ،‬وب ّ‬
‫ن أصي َ‬
‫َ ْ‬
‫السرايا فلم يجد منهم أحدًا‪ ،‬فرجع عليه الصلة والسلم غانمًا‪ ،‬وصالح وهو‬
‫ميه عليه الصلة والسلم‬
‫ن ال َ‬
‫ةبن ِ‬
‫عائد عيين َ‬
‫فزاري‪ ،‬وهو الذي كان يس ّ‬
‫ح ْ‬
‫ص ٍ‬
‫الحمق المطاع‪ ،‬لنه كان يتبعه ألف قََناة‪ ،‬وأقطعه عليه الصلة والسلم أرضا ً‬
‫يرعى فيها بهمه على بعد ستة وثلثين ميل ً من المدينة لن أرضه كانت قد‬
‫أجدبت‪.‬‬
‫صط َِلق‬
‫غزوةبن ال ُ‬
‫م ْ‬
‫في شعبان‪ ،‬بلغه عليه الصلة والسلم أن الحارثبن أبي ضرار‪ ،‬سيد َ بني‬
‫ُ‬
‫حد‪ ،‬يجمع‬
‫المصطلق الذين ساعدوا قريشا ً على حرب المسلمين في أ ُ‬
‫الجموع لحربه‪ ،‬فخرج له عليه الصلة والسلم في جمع كثير‪ ،‬ووّلى على‬
‫ة وُأم سلمة‪ .‬وخرج معه‬
‫دبن حارثة‪ ،‬وخرج معه من نسائه عائش ُ‬
‫المدينة زي َ‬
‫ّ‬
‫ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة مثلها‪ ،‬يرجون أن يصيبوا من‬
‫ن بني‬
‫ض الدنيا‪ ،‬وفي أثناء مسيره عليه الصلة والسلم التقى بعَي ْ ِ‬
‫عََر ِ‬
‫ب فأمر بقتله‪ .‬ولما بلغ الحارث‬
‫يج‬
‫فلم‬
‫العدو‬
‫أحوال‬
‫عن‬
‫فسأله‬
‫المصطلق‪،‬‬
‫ْ‬
‫رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه‪ ،‬وأنهم قتلوا جاسوسه‪ ،‬خاف هو‬
‫وجيشه خوفا ً شديا ً حتى تفرق عنه بعضهم‪ ،‬ولما وصل المسلمون إلى‬
‫ف الفريقان للقتال‪ ،‬بعد أن عرض عليهم السلم فلم يقبلوا‪،‬‬
‫صا ّ‬
‫مَري ْ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سيع ت َ َ‬
‫فتراموا بالنبل ساعة‪ ،‬ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد‪ ،‬فلم‬
‫يتركوا لرجل من عدوهم مجال ً للهرب‪ ،‬بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مع النساء والذرية‪ ،‬واستاقوا البل والشياه‪ ،‬وكانت البل ألفي بعير‪ ،‬والشياه‬
‫خمسة آلف‪ ،‬واستعمل الرسول على ضبطها موله ُ‬
‫شقران‪ ،‬وعلى السرى‬
‫ب َُريدة‪ .‬وكان في نساء المشركين ب َّرة بنت الحارث سيد القوم‪ ،‬وقد أخذ من‬
‫سن السياسة‬
‫قومها مئتا بي ٍ‬
‫ت على المسلمين‪ ،‬وهنا يظهر ُ‬
‫ح ْ‬
‫ت أسرى وُّزعَ ْ‬
‫ً‬
‫سُر نسائهم بهذه‬
‫ومنتهى الكرم‪ ،‬فإن بني المصطلق من أعّز العرب دارا فأ ْ‬
‫ن على‬
‫مّنو َ‬
‫الحال صعب جدًا‪ ،‬فأراد عليه الصلة والسلم أن يجعل المسلمين ي َ ُ‬
‫ماها‬
‫النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم‪ ،‬فتزوج بّرة بنت الحارث التي س ّ‬
‫ة‪ ،‬فقال المسلمون‪ :‬أصهار رسول الله ل ينبغي أسرهم في أيدينا فمّنوا‬
‫جوَي ْرِي َ َ‬
‫ُ‬
‫ن امرأةٍ على قومها كما قالت عائشة رضي‬
‫عليهم بالعتق‪ ،‬فكانت جويري ُ‬
‫ة أيم َ‬
‫الله عنها‪ ،‬وتسّبب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو‬
‫المصطلق عن بكرة أبيهم‪ ،‬وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم‪.‬‬
‫ة رسول الله صلى‬
‫حب َت ُْهما حكم ُ‬
‫ن صا َ‬
‫وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان‪ ،‬لول أ ْ‬
‫الله عليه وسلم لعادتا بالتفريق على المسلمين‪.‬‬
‫فأولهما‪ :‬أن أجيرا ً لعمربن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج‪ ،‬فضرب الجيُر‬
‫الحليف حتى سال دمه‪ ،‬فاستصرخ بقومه الخزرج‪ ،‬واستصرخ الجير‬
‫بالمهاجرين‪ ،‬فأقبل الذعر من الفريقين‪ ،‬وكادوا يقتتلون لول أن خرج عليهم‬
‫رسول الله فقال‪» :‬ما بال دعوى الجاهلية؟« وهي ما يقال في الستغاثة‪ :‬يا‬
‫ب‬
‫لَ ُ‬
‫فلن‪ .‬فأخبر الخبر‪ ،‬فقال‪» :‬د َ ُ‬
‫عوا هذه الكلمة فإنها منتنة«‪ ،‬ثم كلم المضرو َ‬
‫ُ‬
‫ي هذا الخصام‬
‫حتى أسقط حقه وبذلك سكنت الفتنة‪ ،‬فلما بلغ عبد اللهبن أب َ َ‬
‫ب‪ ،‬وكان عنده رهط من الخزرج‪ ،‬فقال‪ :‬ما رأيت كاليوم م ّ‬
‫ذلة أو قد‬
‫غض َ‬
‫فعلوها؟ نافرونا في ديارنا‪ ،‬والله ما نحن والمهاجرون إل كما قال الّول‪:‬‬
‫ن معه‪،‬‬
‫من كلبك يأكلك‪ ،‬أما والله‪ :‬ل َِئن { )المنافقون‪ ،(8 :‬ثم التفت إلى َ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫وقال‪ :‬هذا ما فعلتم بأنفسكم‪ ،‬أحللتموهم بلدكم وقاسمتموهم أموالكم‪ ،‬أما‬
‫والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ثم لم يرضوا بما‬
‫فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضا ً للمنايا دون محمد فأيتمتم أولدكم‪ ،‬وَقَل َل ُْتم‬
‫ضوا من عنده‪ ،‬وكان في مجلسه شاب‬
‫وكثروا‪ ،‬فل تنفقوا عليهم حتى ي َن ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫ث السن‪ ،‬قوي السلم‪ ،‬اسمه زيدبن أرقم‪ ،‬فأخبر رسول الله الخبر فتغير‬
‫حدي ُ‬
‫وجهه‪ ،‬وقال‪» :‬يا غلم لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت؟« فقال‪ :‬والله يا‬
‫رسول الله لقد سمعته‪ .‬قال‪» :‬لعّله أخطأ سمعك«‪ ،‬فاستأذن عمر الرسول‬
‫ُ‬
‫ي أو أن يأمر أحدا ً غيره بقتله فنهاه عن ذلك‪ .‬وقال‪» :‬كيف يا‬
‫في قتل ابن أب َ ّ‬
‫س أن محمدا ً يقتل أصحابه؟« ثم أذن بالرحيل في وقت‬
‫عمر إذا تحدث النا ُ‬
‫شغْ َ‬
‫لم يكن يرتحل فيه حين اشتد الحر يقصد بذلك عليه الصلة والسلم َ‬
‫ل‬
‫حضير وسأله عن سبب‬
‫الناس عن التكلم في هذا الموضوع‪ ،‬فجاءه أسيدبن ُ‬
‫الرتحال في هذا الوقت‪ ،‬فقال‪» :‬أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن‬
‫رجعَ إلى‬
‫ن العّز منها الذل«‪ .‬قال‪ :‬أنت والله يا رسول الله تخرجه إن‬
‫المدينة ليخرج ّ‬
‫ت‪ ،‬هو والله الذلي ُ‬
‫ل وأنت العزيُز‪ ،‬ثم ساَر عليه الصلة والسلم بالناس‬
‫شئ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫س‬
‫سيرا حثيثا حتى آذتهم الشمس‪ ،‬فنزل بالناس فلم يلبثوا أن وجودا َ‬
‫م ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الرض حتى وقعوا نيامًا‪.‬‬
‫ُ‬
‫وكّلم رجا ٌ‬
‫ي في أن يطلب من الرسول الستغفار‬
‫ل من النصار عبد َ اللهبن أب ّ‬
‫فلوى رأسه واستكبر‪ .‬وهنا نزل على الرسول سورة ُ المنافقين التي فضحت‬
‫ُ‬
‫دقت زيدبن أرقم‪ .‬ولما بلغَ ذلك عبد اللهبن عبد‬
‫ي وإخوانه وص ّ‬
‫عبد اللهبن أب ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬استأذن رسول الله في قتل أبيه حذرا ً من أن ي ُك َّلف بذلك غيره‪،‬‬
‫اللهبن أب ّ‬
‫فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد‪ ،‬فأمره عليه الصلة والسلم بالحسان‬
‫إلى أبيه‪.‬‬
‫حديث الفك‬
‫ي‬
‫النادرة الثانية‪ :‬وهي أفظعُ من الولى وأجل ُ‬
‫ب منها للمصائب‪ ،‬وهي رم ُ‬
‫ّ‬
‫ديقة‪ ،‬زوج رسول الله بالفك‪ ،‬فاّتهموها بصفوانبن المعَطل‬
‫عائشة الص ّ‬
‫السلمي‪ ،‬وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه الصلة والسلم ليلة‬
‫بالرحيل‪ ،‬وكانت السيدة عائشة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش‪،‬‬
‫قد ٌ لها من جْزع‬
‫ع ْ‬
‫حلها‪ ،‬فلمست صدرها فإذا ِ‬
‫فلما قضت شأنها أقبلت إلى َر ْ‬
‫فارِ قد انقطع فرجعت تلتمس عقدها‪ ،‬فحبسها ابتغاؤه‪ ،‬فأقبل الرهط الذين‬
‫ظَ َ‬
‫ن إذ ذاك خفافا ً‬
‫كانوا ي َْرحُلوَنها‪ ،‬فاحتملوا هودجها ظاّنين أنها فيه‪ ،‬لن النساء ك ّ‬
‫لم ي َغْ َ‬
‫ة الهودج‪ ،‬وكانت عائشة جارية حديثة‬
‫خ ّ‬
‫ف َ‬
‫ن اللحم‪ ،‬فلم يستنكر القوم ِ‬
‫شهُ ّ‬
‫السن‪ ،‬فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها‪ ،‬وليس بالمنزل داٍع ول‬
‫ت‪ ،‬وكان الذي يسيُر وراء الجيش يفتقد ضائعه‬
‫مجيب‪ ،‬فغلبتها عيناها فنام ْ‬
‫ُ‬
‫معَ ّ‬
‫طل‪ ،‬فأصبح عند منزلها فعرفها لنه كان رآها قبل الحجاب‪،‬‬
‫ال‬
‫صفوانبن‬
‫ُ‬
‫فاسترجع‪ ،‬فاستيقظت باسترجاعه وسترت وجهها بجلبابها‪ ،‬فأناخ راحلته‬
‫وأركبها من غير أن يتكلما بكلمة‪ ،‬ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل‬
‫الجيش وهو نازل للراحة‪ ،‬فقامت قيامة أهل الفك‪ ،‬وقالوا ما قالوا في‬
‫ُ‬
‫ي‪.‬‬
‫ولى كبر الفك عبد اللهبن أب ّ‬
‫عائشة وصفوان‪ ،‬والذي ت َ َ‬
‫ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرًا‪ ،‬والناس يفيضون في قول الفك‪،‬‬
‫وهي ل تشعر بشيء‪ ،‬وكانت تعرف في رسول الله رقة إذا مرضت‪ ،‬فلم‬
‫يعطها نصيبا ً منها في هذا المرض‪ ،‬بل كان يمر على باب الحجرة ل يزيد على‬
‫ت خرجت هي‬
‫قوله‪» :‬كيف حالكم؟« مما جعلها في ريب عظيم‪ .‬فلما ن َ ِ‬
‫قهَ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مسطحبن أثاثة ــــ أحد أهل الفك ــــ للتبّرز خارج البيوت‪ ،‬فعثرت أم‬
‫وأم ِ‬
‫ت‬
‫مسطح فقالت عائشة‪ :‬بئس ما قل ِ‬
‫مْرطها فقالت‪ :‬تعس ِ‬
‫مسطح في ِ‬
‫ً‬
‫أتسبين رجل ً شهد بدرا؟ فقالت يا هَْنتاه ُ أو لم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها‬
‫عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر‪ ،‬فازدادت مرضا ً على مرضها‪ .‬ولما جاءها‬
‫عليه الصلة والسلم كعادته‪ ،‬استأذنته أن تمّرض في بيت أبيها‪ ،‬فأذن لها‪،‬‬
‫وني عليك‪ ،‬فوالله لقّلما كانت‬
‫ت أمها ع ّ‬
‫فسأل ْ‬
‫ما يقول الناس‪ ،‬فقالت‪ :‬يا بنّية ه ّ‬
‫امرأة ق ّ‬
‫ط وضيئه عند رجل يحبها ولها ضرائر إل أكثرن عليها‪ ،‬فقالت عائشة‪:‬‬
‫سبحان الله أوَ قد تحدث الناس بهذا؟ وبكت تلك الليلة حتى أصبحت ل يرقأ‬
‫لها دمع‪ ،‬ول تكتحل بنوم‪ .‬وفي خلل ذلك كان عليه الصلة والسلم يستشير‬
‫كباَر أهل بيته فيما يفعل‪ ،‬فقال له أسامة لما يعلمه من براءة عائشة‪ :‬أهلك‬
‫ق الله عليك‪،‬‬
‫أهلك ول نعلم عليهم إل خيرًا‪ .‬وقال عليبن أبي طالب‪ :‬لم ي ُ َ‬
‫ضي ّ ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫صد ُقْ َ‬
‫ك‪ .‬فدعا عليه الصلة والسلم َبريرة‬
‫ل الجاري َ‬
‫ة تَ ْ‬
‫والنساء سواها كثير‪ ،‬وس ِ‬
‫ك؟ فقالت‪ :‬والذي بعثك‬
‫جارية عائشة‪ ،‬وقال لها‪ :‬هل رأيت من شيء ي َرِي ْب ُ ِ‬
‫بالحق ما رأيت عليها أمرا ً ق ّ‬
‫ن‪ ،‬تنام عن‬
‫ط أغ ِ‬
‫مصه غير أنها جارية حديثة ال ّ‬
‫س ّ‬
‫عجينها‪ ،‬فتأتي الداجن فتأكله‪.‬‬
‫فقام عليه الصلة والسلم من يومه وصعد المنبر والمسلمون مجتمعون‬
‫ن ي َْعذُرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على‬
‫وقال‪َ » :‬‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أهلي إل خيرا‪ ،‬ولقد ذكروا رجل ً ما علمت عليه إل خيرا وما يدخل على أهلي‬
‫إل معي«‪ .‬فقال سعدبن معاذ‪ :‬أنا يا رسول الله َأعذُِرك منه‪ ،‬فإن كان من‬
‫الوس ضربت عنقه‪ ،‬وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك‪،‬‬
‫مُر الله‪ ،‬ل تقتله ول تقدر على‬
‫فقام سع ُ‬
‫ت لعَ ْ‬
‫دبن عبادة الخزرجي وقال‪ :‬كذب َ‬
‫ُ‬
‫حضير‪ ،‬وقال‬
‫ت أنه ُيقتل‪ ،‬فقام أسيدبن ُ‬
‫قتله‪ ،‬ولو كان من رهطك ما أحبب َ‬
‫ت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجاد ُ‬
‫ل عن المنافقين‪.‬‬
‫لسعدبن عبادة‪ :‬كذب َ‬
‫وكادت تكون فتنة بين الوس والخزرج لول أن رسول الله نزل من فوق‬
‫ضهم حتى سكتوا‪ .‬أما عائشة فبقيت ليلتين ل يرقأ لها دمع‪ ،‬ول‬
‫خ ّ‬
‫المنبر و َ‬
‫ف َ‬
‫تكتحل بنوم‪ .‬وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه الصلة والسلم فسّلم‬
‫ثم جلس فقال‪» :‬أما بعد‪ ،‬يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا‪ ،‬فإن كنت بريئة‬
‫فسيبرئك الله‪ ،‬وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه‪ ،‬فإن العبد‬
‫إذا اعترف وتاب‪ ،‬تاب الله عليه«‪ ،‬فتقلص دمعُ عائشة‪ ،‬وقالت لبويها‪ :‬أجيبا‬
‫ت أنكم‬
‫رسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما ندري ما نقول‪ ،‬فقالت‪ :‬إني والله لقد علم ُ‬
‫ت لكم إني‬
‫سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به‪ ،‬فلئن قل ُ‬
‫بريئة ل تصدقوني‪ ،‬ولئن اعترفت لكم بأمر ــــ والله يعلم أني منه بريئة ــــ‬
‫مي ٌ‬
‫ل‬
‫ج ِ‬
‫صب ٌْر َ‬
‫صد ّقُّني فوالله ل أجد ُ لي ولكم مثل ً إل أبا يوسف حيث قال‪ :‬فَ َ‬
‫لت ُ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن{ )يوسف‪.(18 :‬‬
‫ص ُ‬
‫ما ت َ ِ‬
‫فو َ‬
‫ست ََعا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن عَلى َ‬
‫ه ال ُ‬
‫َوالل ُ‬
‫ت واضطجعت على فراشها‪ ،‬ولم يزاو ْ‬
‫ل رسول الله صلى الله عليه‬
‫ثم تحول ْ‬
‫وسلم مجلسه حتى نزلت عليه اليات من سورة النور ببراءة السيدة‬
‫صب َ ٌ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م ل َ تَ ْ‬
‫جآءوا ِبالفْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ديقة‪} :‬إ ِ ّ‬
‫المطهرة عائشة الص ّ‬
‫ح َ‬
‫سُبوهُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ة ّ‬
‫ك عُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م ل ِك ّ‬
‫م بَ ْ‬
‫َ‬
‫ذى ت َوَلى‬
‫ل هُوَ َ‬
‫ن الث ْم ِ َوال ِ‬
‫ب ِ‬
‫س َ‬
‫ما اكت َ َ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫رىء ّ‬
‫لا ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ْ‬
‫شّرا ً ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه عَ َ‬
‫ت‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ك ِب َْرهُ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ول إ ِذ ْ َ‬
‫مَنا ُ‬
‫ن َوال ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫معْت ُ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫مل ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫موه ُ ظ ّ‬
‫م)‪ (11‬ل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫جآءو عَلي ْهِ ب ِأْرب َعَةِ ُ‬
‫م‬
‫ب َِأن ُ‬
‫م َ‬
‫خْيرا وََقالوا َ‬
‫ف ِ‬
‫شهَ َ‬
‫ن)‪ (12‬لوْل َ‬
‫دآء فَإ ِذ ْ ل ْ‬
‫هاَذآ إ ِفْك ّ‬
‫سهِ ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫م ال ْ َ‬
‫دآء فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ض ُ‬
‫ي َأ ُْتوا ْ ِبال ّ‬
‫م‬
‫ك ِ‬
‫ن)‪ (13‬وَل َوْل َ فَ ْ‬
‫كاذُِبو َ‬
‫شهَ َ‬
‫ل الل ّهِ عَل َي ْك ُ ْ‬
‫عند َ الل ّهِ هُ ُ‬
‫َ‬
‫م)‪ (14‬إ ِذ ْ‬
‫م ِفيهِ عَ َ‬
‫ه ِفى الد ّن َْيا َوال ْ ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫مآ أفَ ْ‬
‫وََر ْ‬
‫م ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫م ِفى َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫خَرةِ ل َ َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫و‬
‫م وَت َ ُ‬
‫ت َل َ ّ‬
‫م ب ِهِ ِ‬
‫ه ب ِأل ِ‬
‫م وَت َ ْ‬
‫قولو َ‬
‫ح َ‬
‫سُبون َ ُ‬
‫عل ٌ‬
‫س لك ْ‬
‫م ّ‬
‫ن ب ِأفواهِك ْ‬
‫سن َت ِك ْ‬
‫قوْن َ ُ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ه هَّينا وَهُ َ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫م ب َِهاَذا‬
‫ِ‬
‫س ِ‬
‫عند َ الل ّهِ عَ ِ‬
‫كو ُ‬
‫ول إ ِذ ْ َ‬
‫ن ل ََنآ أن ن ّت َك َل ّ َ‬
‫م ّ‬
‫موه ُ قُل ْت ُ ْ‬
‫معْت ُ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫م)‪ (15‬وَل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت‬
‫كن‬
‫إن‬
‫ا‬
‫بد‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫دو‬
‫عو‬
‫ت‬
‫أن‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ظ‬
‫ع‬
‫ي‬
‫(‬
‫‪16‬‬
‫م)‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ن‬
‫تا‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ها‬
‫ك‬
‫ن‬
‫حا‬
‫ب‬
‫س‬
‫َِ‬
‫َ‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُْ َ ٌ َ ِ ٌ‬
‫َُ ُ ِ ِ ِ ِ َ ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن َأن‬
‫بو‬
‫ح‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫إ‬
‫(‬
‫‪18‬‬
‫م)‬
‫كي‬
‫ح‬
‫م‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫ت‬
‫يا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫و‬
‫(‬
‫‪17‬‬
‫ن)‬
‫َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ِ َ ُ ِ ّ َ‬
‫ِ ّ‬
‫َ ِ َ ُ ِ ٌ َ ِ ٌ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ََُّ ُ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫ة‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ل‬
‫وا‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫فى‬
‫م‬
‫لي‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ا‬
‫نو‬
‫م‬
‫ءا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫فى‬
‫ة‬
‫ش‬
‫ح‬
‫فا‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ع‬
‫شي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٌ ِ‬
‫َ ُ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫تَ ِ َ‬
‫َ ِ َ ُ َْ ُ‬
‫ُ ْ‬
‫َّْ َ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ُ‬
‫م)‬
‫ف ّر ِ‬
‫ه َرءو ٌ‬
‫ه وَأ ّ‬
‫م وََر ْ‬
‫ن)‪ (19‬وَل َوْل َ فَ ْ‬
‫مو َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ل َ ت َعْل َ ُ‬
‫وَأن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫ت‬
‫من ي َت ّب ِعْ ُ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َت ّب ُِعوا ْ ُ‬
‫طوا ِ‬
‫طوا ِ‬
‫‪ (20‬يأي َّها ال ّ ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫طا ِ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫شي ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ال ّ‬
‫شآء‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫ن فَإ ِن ّ ُ‬
‫طا ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫َ‬
‫كم م َ‬
‫ما َز َ‬
‫ض ُ‬
‫ه‬
‫كى ِ‬
‫نأ َ‬
‫م وََر ْ‬
‫من ْك َرِ وَل َوْل َ فَ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ عَل َي ْك ُ ْ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫حد ٍ أَبدا ً وََلك ِ ّ‬
‫من ُ ّ ْ‬
‫ْ‬
‫ي َُز ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫سعَةِ َأن‬
‫ل أ ُوُْلوا ْ ال ْ َ‬
‫ل ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ْ‬
‫م َوال ّ‬
‫ه َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ميعٌ عَِلي ٌ‬
‫شآء َوالل ّ ُ‬
‫كى َ‬
‫ض ِ‬
‫م)‪ (21‬وَل َ ي َأت َ ِ‬
‫ُ‬
‫حوا ْ‬
‫ص َ‬
‫ل الل ّهِ وَل ْي َعْ ُ‬
‫ي ُؤُْتوا ْ أوِْلى ال ْ ُ‬
‫سا ِ‬
‫ف ُ‬
‫ن ِفى َ‬
‫م َ‬
‫مَها ِ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫قْرَبى َوال ْ َ‬
‫فوا ْ وَل ْي َ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫ري َ‬
‫كي َ‬
‫ج ِ‬
‫حبو َ‬
‫َ‬
‫م{ )النور‪ (22 :‬فقال أبو بكر‪ :‬بل‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫ن أن ي َغْ ِ‬
‫أل َ ت ُ ِ ّ َ‬
‫حي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫فَر الل ّ ُ‬
‫مسطح‪ .‬فهذه مضار المنافقين‬
‫نحب ذلك يا رسول الله‪ ،‬وأعاد النفقة على ِ‬
‫الذين يدخلون بين المم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقدا ً‬
‫يتربصون الفتن‪ ،‬فمتى رأوا بابا ً لها وََلجوه فنعوذ بالله منهم‪.‬‬
‫غزوة الخندق‬
‫لم يقّر لعظماء بني النضير قرار بعد جلئهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها‪،‬‬
‫بل كان في نفوسهم دائما ً أن يأخذوا ثأرهم ويسترّدوا بلدهم‪ ،‬فذهب جمع‬
‫منهم إلى مكة‪ ،‬وقابلوا رؤساء قريش‪ ،‬وحّرضوهم على حرب رسول الله‬
‫ومّنوهم المساعدة‪ ،‬فوجدوا منهم قبول ً لما طلبوه‪ ،‬ثم جاؤوا إلى قبيلة‬
‫غطفان وحّرضوا رجالها كذلك‪ ،‬وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب‪،‬‬
‫فوجدوا منهم ارتياحًا‪ ،‬فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان‪ ،‬ويحمل‬
‫لواءهم عثمانبن طلحةبن أبي طلحة العبدري‪ ،‬وعددهم أربعة آلف‪ ،‬معهم‬
‫ةبن‬
‫ثلثمائة فرس‪ ،‬وألف وخمسمائة بعير‪ .‬وتجهزت غطفان يرأسهم عُي َي ْن َ ُ‬
‫دمنا أقطعه أرضا ً‬
‫ِ‬
‫حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفرًا‪ ،‬فإنه كما ق ّ‬
‫فه وحافره‪ ،‬قام يقود الجيوش لحرب‬
‫يرعى فيها سوائمه‪ ،‬حتى إذا سمن خ ّ‬
‫من أنعم عليه‪ ،‬وكان معه ألف فارس‪ .‬وتجهزت بنو مّرة يرأسهم الحارثبن‬
‫َ‬
‫ة‪،‬‬
‫عوف المري وهم أربعمائة‪ ،‬وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعودبن ُر َ‬
‫خيل َ‬
‫وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيانبن عبد شمس‪ ،‬وهم سبعمائة‪ ،‬وتجهزت بنو‬
‫أسد يرأسهم طليحةبن خويلد السدي‪ ،‬وعدة الجميع عشرة آلف محارب‬
‫قائدهم العام أبو سفيان‪ .‬ولما بلغه عليه الصلة والسلم أخبار هاِته‬
‫التجهيزات‪ ،‬استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا‬
‫الجيش الجّرار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم‬
‫تكن العرب تعرفه‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم المسلمين بعمله‪ ،‬وشرعوا في‬
‫حفره شمالي المدينة من الحّره الشرقية إلى الحّرة الغربية وهذه هي الجهة‬
‫التي كانت عورة ُتؤتى المدينة من قبلها‪ .‬أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت‬
‫والنخيل‪ ،‬ل يتمكن العدو من الحرب جهتها‪ ،‬وقد قاسى المسلمون صعوبات‬
‫جسيمة في حفر الخندق‪ ،‬لنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر‬
‫لهم العمل‪ ،‬وعمل معهم عليه الصلة والسلم‪ ،‬فكان ينقل التراب متمثل ً‬
‫بشعر ابن رواحة‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن سكين ً‬
‫ة عليناوثب ّ ِ‬
‫ت القدا َ‬
‫الله ّ‬
‫م لول أنت ما اهتديناول تصد ّْقنا ول صّلينافَأن ْزِل َ ْ‬
‫ة أبينا وأقام الجيش في‬
‫إن لقيناوالمشركون قد ب ََغوا عليناوإن أرادوا فتن ً‬
‫دتهم‬
‫سْلع وهو جبل مطل على المدينة وع ّ‬
‫الجهة الشرقية مسندا ً ظهره إلى َ‬
‫ثلثة آلف‪ ،‬وكان لواء المهاجرين مع زيدبن حارثة‪ ،‬ولواء النصار مع سعدبن‬
‫ُ‬
‫حد‪ .‬وكان‬
‫جمع السيال‪ ،‬وأما غطفان فنزلت جهة أ ُ‬
‫م ْ‬
‫عبادة‪ .‬أما قريش فنزلت ب َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها‪ ،‬فصاروا‬
‫يترامون مع المسلمين بالنبل‪ .‬ولما طال المطال عليهم أكره جماعة منهم‬
‫أفراسهم على اقتحام الخندق‪ ،‬منهم‪ :‬عكرمةبن أبي جهل‪ ،‬وعمروبن عَب ْد ِ وَد َ‬
‫وآخرون‪ ،‬وقد برز عليبن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمروبن عبد ود‬
‫فقتله وهرب إخوانه‪ ،‬وهوى في الخندق نوفلبن عبد الله‪ ،‬فاندقت عنقه‪،‬‬
‫وُرمي سعدبن معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أ َ ْ‬
‫كحله‪ ،‬وهو شريان الذراع‪،‬‬
‫واستمرت المناوشة والمراماة بالنبل يوما ً كامل ً حتى فاتت المسلمين صلة‬
‫حّراسا ً حتى‬
‫ذاك اليوم وقضوها بعد‪ ،‬وجعل عليه الصلة والسلم على الخندق ُ‬
‫ل يقتحمه المشركون بالليل‪ ،‬وكان يحرس بنفسه ُثلمة فيه مع شدة البرد‪،‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يب ّ‬
‫شر أصحابه بالنصر والظفر وي َِعدهم الخير‪.‬‬
‫ما‬
‫أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكّنه ضمائرهم حتى قالوا‪ّ } :‬‬
‫ه إ ِل ّ غُُرورًا{ )الحزاب‪ (12 :‬وانسحبوا قائلين‪ :‬إن بيوتنا‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫وَعَد ََنا الل ّ ُ‬
‫ن إ ِل ّ فَِرارًا{‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫عورة نخاف أن ُيغير عليها العدو }وَ َ‬
‫ى ب ِعَوَْرةٍ ِإن ي ُ ِ‬
‫ما هِ َ‬
‫حَبه ضيق‬
‫)الحزاب‪ (13 :‬واشتدت الحال بالمسلمين‪ ،‬فإن هذا الحصار صا َ‬
‫على فقراء المدينة‪ ،‬والذي زاد الشدة عليهم ما بلغهم من أن يهود بني‬
‫قريظة الذين ُيساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود‪،‬‬
‫خ َ‬
‫طب سيد بني النضير المجلين توجه إلى كعببن أسد‬
‫حي َّيبن أ َ ْ‬
‫وسبب ذلك أن ُ‬
‫سن‬
‫القرظي سيد بني قريظة‪ ،‬وكان له كالشيطان إذ قال للنسان اكفر‪ ،‬فح ّ‬
‫له نقض العهد‪ ،‬ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين‪.‬‬
‫ولما بلغت هذه الخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل مسلمةبن‬
‫أسلم في مائتين‪ ،‬وزيدبن حارثة في ثلثمائةٍ لحراسة المدينة‪ ،‬خوفا ً على‬
‫وام يستجلي له الخبر‪ ،‬فلما وصلهم‬
‫النساء والذراري‪ ،‬وأرسل الزبيربن الع ّ‬
‫وجدهم حانقين‪ ،‬يظهر على وجوههم الشر‪ ،‬ونالوا من رسول الله صلى الله‬
‫ج ُ‬
‫ل‬
‫عليه وسلم والمسلمين أمامه‪ ،‬فرجع وأخبر الرسول بذلك‪ .‬وهناك اشتد وَ َ‬
‫المسلمين وزلزلوا زلزال ً شديدًا‪ ،‬لن العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل‬
‫منهم وزاغت البصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون‪ ،‬وتكلم‬
‫ن‪،‬‬
‫ةبن ِ‬
‫المنافقون بما َبدا لهم‪ ،‬فأراد عليه الصلة والسلم أن يرسل لعُي َي ْن َ َ‬
‫ح ْ‬
‫ص ٍ‬
‫ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان‪ ،‬فأبى النصار ذلك قائلين‪:‬‬
‫إنهم لم يكونوا ينالون مّنا قليل ً من ثمارنا ونحن كفار‪ ،‬أفبعد السلم‬
‫يشاركوننا فيها؟ وإذا أراد الله العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث ل‬
‫يعلمون‪ .‬فانظر إلى هذه العناية من الله للمتمسكين بدينه القويم‪ .‬جاء‬
‫ُنعيمبن مسعود الشجعي وهو صديق قريش واليهود ومن غطفان‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫مرني بأمرك حتى‬
‫رسول الله إني قد أسلمت وقومي ل يعلمون بإسلمي ف ُ‬
‫خ ّ‬
‫ذل عّنا ما‬
‫ولكن‬
‫ُأساعدك‪ .‬فقال‪» :‬أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟‬
‫َ‬
‫دعه«‪.‬‬
‫استطعت فإن الحرب خ ْ‬
‫الخدعة في الحرب‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين‪ ،‬فلما‬
‫رأوه أكرموه لصداقته معهم‪ ،‬فقال‪ :‬يا بني قريظة تعرفون وّدي لكم وخوفي‬
‫دثكم حديثا ً فاكتموه عّني‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬لقد رأيتم ما‬
‫عليكم‪ ،‬وإني مح ّ‬
‫وقع لبني قينقاع والنضير من إجلئهم وأخذ أموالهم وديارهم‪ ،‬وإن قريشا ً‬
‫وغطفان ليسوا مثلكم فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإل انصرفوا لبلدهم‪ .‬وأما‬
‫أنتم فتساكنون الرجل ــــ يريد الرسول ــــ ول طاقة لكم بحربه وحدكم‪،‬‬
‫فأرى أل ّ تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن‬
‫يتركوكم ويذهبوا إلى بلدهم بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا ً منهم‪،‬‬
‫فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك‪.‬‬
‫ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم‪ ،‬وقال‪ :‬أنتم تعرفون‬
‫دثكم حديثا ً فاكتموه عني‪ ،‬قالوا‪ :‬نفعل‪،‬‬
‫وّدي لكم‪ ،‬ومحبتي إّياكم‪ ،‬وإني مح ّ‬
‫فقال لهم‪ :‬إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن‬
‫ترجعوا وتتركوهم معه فقالوا له‪ :‬أُيرضيك أن نأخذ جمعا ً من أشرافهم‬
‫ونعطيهم لك‪ ،‬وترد ّ جناحنا الذي كسرت ــــ يريد بني النضير ــــ فرضي بذلك‬
‫منهم‪ .‬وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ول تذكروا مما قلت لكم حرفًا‪.‬‬
‫ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشًا‪ ،‬فأرسل أبو سفيان وفدا ً‬
‫لقريظة يدعوهم للقتال غدا ً فأجابوا‪ :‬إّنا ل يمكننا أن نقاتل في السبت ــــ‬
‫دي فيه‪ ،‬ومع‬
‫وكان إرساله لهم ليلة السبت ــــ ولم ي ُ ِ‬
‫صبنا ما أصابنا إل من التع ّ‬
‫ذلك فل نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى ل تتركونا وتذهبوا إلى بلدكم‪،‬‬
‫فتحققت قريش وغطفان كلم ُنعيمبن مسعود‪ ،‬وتفرقت القلوب فخاف‬
‫بعضهم بعضًا‪ ،‬وكان عليه الصلة والسلم قد ابتهل إلى الله الذي ل ملجأ إل‬
‫من ْزِ َ‬
‫م‬
‫ل الكتاب‪ ،‬سريعَ الحساب اهزم الحزاب‪ ،‬الله ّ‬
‫م ُ‬
‫إليه ودعاه بقوله‪» :‬الله ّ‬
‫ب الله دعاءه عليه الصلة والسلم‪ ،‬فأرسل‬
‫اهزمهم وانصرنا عليهم« وقد أجا َ‬
‫على العداء ريحا ً باردة في ليلة مظلمة‪ ،‬فخاف العرب أن تتفق اليهود مع‬
‫مة فأجمعوا أمرهم على الرحيل‬
‫المسلمين ويهجموا عليهم في الليلة المدله ّ‬
‫قبل أن يصبح الصباح‪ .‬ولما سمع عليه الصلة والسلم الضوضاء في جيش‬
‫من منكم ينظر لنا خبر القوم؟«‬
‫العدو‪ ،‬قال لصحابه‪» :‬ل بد ّ من حادث‪ ،‬ف َ‬
‫حذيفةبن اليمان‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫فسكتوا حتى كرر ذلك ثلثًا‪ .‬وكان فيهم ُ‬
‫والسلم‪» :‬تسمع صوتي منذ الليلة ول تجيب« فقال‪ :‬يا رسول الله البرد‬
‫شديد‪ ،‬فقال‪» :‬اذهب في حاجة رسول الله واكشف لنا خبر القوم« فخاطر‬
‫رضي الله عنه بنفسه في خدمة نبّيه‪ ،‬حتى ا ّ‬
‫طلع على جلّية الخبر‪ ،‬وأن‬
‫العداء عازمون على الرحلة‪.‬‬
‫هزيمة الحزاب‬
‫وقد بلغ من خوفهم‪ ،‬أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم‪ :‬ليتعّرف ك ّ‬
‫ل منكم‬
‫قا َ‬
‫أخاه‪ ،‬وليمسك بيده حذرا ً من أن يدخل بينكم عدو‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫ل بعيره يريد‬
‫لع َ‬
‫أن يبدأ بالرحيل‪ ،‬فقال له صفوانبن أمية‪ :‬إّنك رئيس القوم فل تتركهم‬
‫وتمضي‪ ،‬فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل‪ ،‬وترك خالدبن الوليد في جماعة‬
‫ليحموا ظهور المرتحلين حتى ل يدهموا من ورائهم‪ ،‬وأزاح الله عن المسلمين‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مة التي تحّزب فيها الحزاب من عرب ويهود على المسلمين‪ ،‬ولول‬
‫هذه الغ ّ‬
‫ة منه وفضل ً لساءت الحال‪.‬‬
‫من ّ ً‬
‫لطف الله وعنايته بهذا الدين ِ‬
‫ً‬
‫ميه نعمة‬
‫وكان جلء الحزاب في ذي القعدة‪ ،‬وكان ح ّ‬
‫قا على الله أن يس ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م إ ِذ ْ‬
‫م َ‬
‫بقوله في سورة الحزاب‪} :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ة اللهِ عَلي ْك ْ‬
‫مُنوا اذ ْكُروا ن ِعْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ها وَ َ‬
‫ن‬
‫م ت ََروْ َ‬
‫مُلو َ‬
‫كا َ‬
‫م ِريحا ً وَ ُ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫جُنود ٌ فَأْر َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫جُنودا ً ل ّ ْ‬
‫سل َْنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫جآءت ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ت‬
‫س َ‬
‫صاُر وَب َلغَ ِ‬
‫م وَإ ِذ ْ َزاغ ِ‬
‫ل ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫بَ ِ‬
‫صيرا)‪ (9‬إ ِذ ْ َ‬
‫نأ ْ‬
‫منك ْ‬
‫من فَوْقِك ْ‬
‫م ّ‬
‫جآءوك ْ‬
‫ت الب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن وَُزل ْزُِلوا ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫جَر وَت َظّنو َ‬
‫ب ال َ‬
‫قلو ُ‬
‫ى ال ُ‬
‫حَنا ِ‬
‫ن ِباللهِ الظُنون َا)‪ (10‬هَُنال ِك اب ْت ُل ِ َ‬
‫قو ُ‬
‫زِل َْزال ً َ‬
‫ما وَعَد ََنا‬
‫مَنافِ ُ‬
‫ديدًا)‪ (11‬وَإ ِذ ْ ي َ ُ‬
‫ن َوال ّ ِ‬
‫ش ِ‬
‫قو َ‬
‫ض ّ‬
‫ن ِفى قُُلوب ِِهم ّ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫مَر ٌ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ه إ ِل ّ غُُرورًا)‪ (12‬وَإ ِذ ْ َقاَلت ّ‬
‫م ياأهْ َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫طآئ ِ َ‬
‫ف ٌ‬
‫ل ‪.‬ي َث ْرِ َ‬
‫قا َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫م ل َك ُ ْ‬
‫ب لَ ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ة ّ‬
‫سول ُ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ْ‬
‫ى ب ِعَوَْرةٍ ِإن‬
‫ى يَ ُ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قوُلو َ‬
‫ست َأذِ ُ‬
‫جُعوا ْ وَي َ ْ‬
‫ن ب ُُيوت ََنا عَوَْرة ٌ وَ َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫َفاْر ِ‬
‫ن فَ ِ‬
‫ما هِ َ‬
‫م الن ّب ِ ّ‬
‫ن إ ِل ّ فَِرارًا)‪(13‬‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫يُ ِ‬
‫غزوة بني قَُرْيظة‬
‫ولما رجع عليه الصلة والسلم بأصحابه‪ ،‬وأراد أن يخلع لباس الحرب‪ ،‬أمره‬
‫الله باللحوق ببني قريظة‪ ،‬حتى يطّهر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم‬
‫العهود‪ ،‬ول تربطهم المواثيق‪ ،‬ول يأمن المسلمون جانبهم في شدة‪ ،‬فقال‬
‫ن أحد منكم العصر إل في بني قريظة« فساروا مسرعين‪،‬‬
‫لصحابه‪» :‬ل ي ُ َ‬
‫صل ّي َ ّ‬
‫وتبعهم عليه الصلة والسلم راكبا ً على حماره‪ ،‬ولواؤه بيد عليبن أبي طالب‪،‬‬
‫وخليفته على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم‪ ،‬وكان عدد المسلمين ثلثة‬
‫آلف‪ ،‬وقد أدرك جماعة من الصحاب صلة العصر في الطريق فص ّ‬
‫لها‬
‫ّ‬
‫بعضهم حاملين أمر الرسول بعدم صلتها على قصد السرعة‪ ،‬ولم يصلها‬
‫الخرون إل في بني قريظة بعد مضي وقتها حاملين المر على حقيقته فلم‬
‫ُيعّنف فريقا ً منهم‪.‬‬
‫ولما رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم‪ ،‬وأرادوا‬
‫صل من فعلتهم القبيحة وهي الغدر بمن عاهدوهم وقت الشغل بعدو آخر‪،‬‬
‫التن ّ‬
‫ولكن أّنى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم؟ فلما رأوا ذلك تحصنوا‬
‫بحصونهم وحاصرهم المسلمون خمسا ً وعشرين ليلة‪ ،‬فلما رأوا أن ل مناص‬
‫من الحرب‪ ،‬وأنهم إن استمروا على ذلك ماتوا جوعًا‪ ،‬طلبوا من المسلمين‬
‫أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلء بالموال وترك السلح‪ ،‬فلم‬
‫يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير مال‬
‫ول سلح فلم يرض أيضًا‪ ،‬بل قال‪ :‬ل بد ّ من النزول والرضا بما يحكم عليهم‬
‫خيرا ً كان أو شرًا‪ ،‬فقالوا له‪ :‬أرسل لنا أبا ُلبابة نستشيره‪ ،‬وكان أوسيا ً من‬
‫حلفاء بني قريظة‪ ،‬له بينهم أولد وأموال‪ ،‬فلما توجه إليهم استشاروه في‬
‫ُ‬
‫النزول على حكم الرسول‪ .‬فقال لهم‪ :‬انزلوا‪ ،‬وأومأ بيده إلى حلقه‪ ،‬يريد‪ :‬أن‬
‫ت أني خنت الله‬
‫الحكم الذبح‪ ،‬ويقول أبو لبابة‪ :‬لم أبارح موقفي حتى علم ُ‬
‫ورسوله‪ ،‬فنزل من عندهم قاصدا ً المدينة خجل ً من مقابلة رسول الله‪ ،‬وربط‬
‫نفسه في سارية من سواري المسجد حتى يقضي الله فيه أمره‪ .‬ولما سأل‬
‫عنه عليه الصلة والسلم أخبر بما فعل‪ ،‬فقال‪ :‬أما لو جاءني لستغفرت له‪،‬‬
‫أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه‪ .‬ثم إن بني قريظة لما لم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يروا بد ّا ً من النزول على حكم رسول الله فعلوا‪ ،‬فأمر برجالهم فك ُّتفوا‪،‬‬
‫فجاءه رجال من الوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل بني قينقاع حلفاء‬
‫إخوانهم الخزرج‪ ،‬فقال لهم‪ :‬أل يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم؟ فقالوا‪:‬‬
‫نعم‪ .‬واختاروا سيدهم سعدبن معاذ الذي كان جريحا ً من السهم الذي ُأصيب‬
‫دة لمعالجة الجرحى‪،‬‬
‫به في الخندق‪ ،‬وكان مقيما ً بخيمة في المسجد مع ّ‬
‫ف عليه‬
‫ن يأتي به‪ ،‬فحملوه على حماره‪ ،‬والت ّ‬
‫فأرسل عليه الصلة والسلم َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫جماعة من الوس يقولون له‪ :‬أحسن في مواليك‪ ،‬أل ترى ما فعل ابن أب َ ّ‬
‫في مواليه؟ فقال رضي الله عنه‪ :‬لقد‬
‫ة لئم‪.‬‬
‫آن لسعد أل ّ تأخذه في الله لوم ُ‬
‫ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»قوموا إلى سّيدكم فأنزلوه«‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬وقالوا له‪ :‬إن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قد و ّ‬
‫لك أمر مواليك لتحكم فيهم‪ .‬وقال له الرسول‪» :‬احكم فيهم‬
‫يا سعد«‪ .‬فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال‪ :‬عليكم عهد ُ‬
‫الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ فقالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فالتفت إلى الجهة التي فيها‬
‫ض طرفه إجل ً‬
‫ل‪ ،‬فقالوا‪ :‬نعم‪،‬‬
‫الرسول وقال‪ :‬وعلى َ‬
‫ن هنا كذلك؟ وهو غا ّ‬
‫م ْ‬
‫فقال‪ :‬فإني أحكم أن تقتلوا الرجال‪ ،‬وتسبوا النساء والذرية‪ ،‬فقال عليه‬
‫ت فيهم بحكم الله يا سعد« لن هذا جزاء الخائن‬
‫الصلة والسلم‪» :‬لقد حكم َ‬
‫الغادر‪ .‬ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ عليهم‪ ،‬وجمعت غنائمهم‪ ،‬فكانت ألفا ً‬
‫ة‪ ،‬ووجد‬
‫ج َ‬
‫ف ٍ‬
‫ح َ‬
‫وخمسمائة سيف‪ ،‬وثلثمائة درع‪ ،‬وألفي رمح‪ ،‬وخمسمائة ترس و َ‬
‫َ‬
‫مس ذلك كله مع النخل والسبي‬
‫أثاثا ً كثيرًا‪ ،‬وآنية‪ ،‬وأجمال ً نوا ِ‬
‫ض َ‬
‫ح‪ ،‬وشياهًا‪ ،‬فخ ّ‬
‫للراجل ثلث الفارس‪ ،‬وأعطى النساء اللتي ُيمرضن الجرحى‪ ،‬ووجد في‬
‫جرار خمر فُأريقت‪ .‬وبعد تمام هذا المر انفجر جرح سعدبن معاذ‬
‫الغنيمة ِ‬
‫فمات رضي الله عنه وأرضاه‪ .‬كان في النصار كأبي بكر في المهاجرين‪ .‬وقد‬
‫كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق‪ ،‬وكان عليه‬
‫الصلة والسلم يحبه كثيرا ً وب ّ‬
‫شره بالجنة على عظيم أعماله‪.‬‬
‫ن‬
‫وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي ُلبابة بقوله‪َ :‬وءا َ‬
‫خُرو َ‬
‫خر سيئا ً عَسى الل ّ َ‬
‫خل َ ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ه أن ي َُتو َ‬
‫صاِلحا ً َوءا َ َ َ ّ‬
‫َ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫ُ‬
‫طوا ْ عَ َ‬
‫اعْت ََرُفوا ْ ب ِذ ُُنوب ِهِ ْ‬
‫مل ً َ‬
‫م)‪(102‬‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫إِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين من شر مجاورة اليهود الذين تعودوا‬
‫الغدر والخيانة‪ ،‬ولم يبقَ إل بقية من كبارهم بخيبر مع أهلها وهم الذين كانوا‬
‫السبب في إثارة الحزاب‪ .‬وسيأتي للقارىء قريبا ً اليوم الذي يعاقبون فيه‪.‬‬

‫زواج زينب بنت جحش‬
‫وفي هذا العام تزوج عليه الصلة والسلم زينب بنت جحش ــــ وأمها أميمة‬
‫عمته ــــ بعد أن طلقها موله زيدبن حارثة‪ .‬وكان من أمر زواجها لزيد أن‬
‫ف أهلها من ذلك لمكانها في‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم خطبها له فتأف َ‬
‫الشرف العظيم‪ ،‬فإن العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي‪،‬‬
‫ن سواهم لبناتهم‪ ،‬وزيد ــــ وإن كان الرسول تبناه ــــ‬
‫ويعتقدون أن ل كفؤ ِ‬
‫م ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ما‬
‫ولكن هذا ل ي ُل ْ ِ‬
‫حقه بالشراف‪ ،‬فلما نزل قوله تعالى في سورة الحزاب‪ :‬وَ َ‬
‫كان ل ِمؤْمن ول َ مؤْمنة إَذا قَضى الل ّه ورسول ُ َ‬
‫مرا ً َأن ي َ ُ‬
‫ن‬
‫م ال ْ ِ‬
‫خي ََرة ُ ِ‬
‫كو َ‬
‫َ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ََ ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ََ َ ُ ِ ٍ َ ُ ِ َ ٍ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ك عَلي ْ َ‬
‫س ْ‬
‫ض ّ‬
‫ك‬
‫ه فَ َ‬
‫م ِ‬
‫ك َزوْ َ‬
‫ل َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫مِبينا)‪ (36‬أ ْ‬
‫ضلل ً ّ‬
‫سول ُ‬
‫ص الل ّ َ‬
‫م وَ َ‬
‫مرِهِ ْ‬
‫أ ْ‬
‫من ي َعْ ِ‬
‫ّ‬
‫ت الله حكمه‬
‫ه{ )الحزاب‪ .(37 :‬وأخفى في نفسه ما أبداه الله‪ ،‬فَب َ ّ‬
‫ق الل َ‬
‫َوات ّ ِ‬
‫بإبطال هذه القاعدة وهي‪ :‬تحريم زوج المتبّنى بقوله في سورة الحزاب‪:‬‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ى ل َ يَ ُ‬
‫ج ِفى‬
‫مؤْ ِ‬
‫حَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫كو َ‬
‫طرا ً َزوّ ْ‬
‫ما قَ َ‬
‫ن عََلى ال ْ ُ‬
‫ضى َزي ْد ٌ ّ‬
‫}فَل َ ّ‬
‫مِني َ‬
‫جَناك ََها ل ِك َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وَ َ‬
‫طرا ً وَ َ‬
‫فُعو ً‬
‫ل{ )الحزاب‪.(37 :‬‬
‫م ْ‬
‫أ َْزَواِج أد ْ ِ‬
‫ضوْا ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫م إ َِذا قَ َ‬
‫مُر الل ّهِ َ‬
‫نأ ْ‬
‫عَيآئ ِهِ ْ‬
‫من ْهُ ّ‬
‫ثم إن الله حرم التبني على المسلمين لما فيه من الضرار‪ ،‬وأنزل فيه في‬
‫َ َ‬
‫ما َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫ل الل ّهِ وَ َ‬
‫م وََل ِ‬
‫من ّر َ‬
‫مد ٌ أَبآ أ َ‬
‫م َ‬
‫كا َ‬
‫كن ّر ُ‬
‫خات َ َ‬
‫جال ِك ُ ْ‬
‫حد ٍ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫سورة الحزاب‪ّ } :‬‬
‫ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ىء عَِليمًا)‪(40‬‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫كا َ‬
‫ه بِ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫الن ّب ِّيي َ‬
‫ْ‬
‫يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقوال ً ل تجوز‬
‫قه حقيقة ما يقول‪ ،‬فإنهم يذكرون أن الرسول‬
‫ف َ‬
‫من ضاع رشده‪ ،‬ولم ي ْ‬
‫إل م ّ‬
‫ً‬
‫توجه يوما لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة لن الريح رفعت الستر عنها‬
‫فوقعت في قلبه‪ ،‬فقال‪ :‬سبحان الله فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك‪ ،‬فرأى‬
‫من الواجب عليه فراقها‪ ،‬فتوجه وأخبر الرسول بعزمه فنهاه عن ذلك‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫وهذا مما يكذبه أن نساء العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه‪ ،‬وزينب‬
‫بنت عمته أسلمت قديما ً ورسول الله بمكة‪ ،‬فكيف لم يرها‪ ،‬وقد مضى على‬
‫إسلمها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته‪ ،‬إل حينما رفعت الريح الستر‬
‫مصادفة‪ ،‬ورسول الله هو الذي زوجها زيدًا؟ فلو كان له فيها رغبة حب أو‬
‫عشق لتزوجها هو ول مانع يمنعه من ذلك‪ .‬ومن مّنا يتصور السيد الكرم‬
‫يقول لقومه إنه مرسل من ربه‪ ،‬ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله‬
‫َ‬
‫ن عَي ْن َي ْ َ‬
‫م{‬
‫في سورة ال ِ‬
‫مت ّعَْنا ب ِهِ أْزَوا ً‬
‫مد ّ ّ‬
‫ح ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫جا ّ‬
‫ما َ‬
‫ك إ َِلى َ‬
‫جرِ المكية‪ :‬ل َ ت َ ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت ّعَْنا ب ِهِ‬
‫مد ّ ّ‬
‫ما َ‬
‫ن عَي ْن َي ْك إ ِلى َ‬
‫)الحجر‪ .(88 :‬وفي سورة طه المكية أيضا‪} :‬وَل ت َ ُ‬
‫َ‬
‫م َزهَْرةَ اْلحياةِ الد ّن َْيا{ )طه‪ .(131 :‬ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل‬
‫من ْهُ ْ‬
‫أْزواجا ً ّ‬
‫من مّتبعيه‪ ،‬وينظر إلى زوجه مصادفة ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا لمر عظيم‬
‫تشعر بذلك صدورنا‪ .‬ولو حدث أمر مثل ذلك من أقل الناس لعيب عليه‪،‬‬
‫خُلقًا‪ ،‬وأبعدهم‬
‫فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس ُ‬
‫دهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقوله في سورة ن‪:‬‬
‫عن الدنايا‪ ،‬وأش ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ك ل َعََلى ُ ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫م‬
‫ع‬
‫أن‬
‫ذى‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫و‬
‫(‬
‫‪4‬‬
‫م)‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ق‬
‫ُ َ ْ ِ َ َْ ْ َ َ ْ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َِ َ‬
‫َ َ‬
‫خل ٍ َ ِ ٍ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ج َ‬
‫ك عَل َي ْ َ‬
‫س ْ‬
‫خ َ‬
‫شى‬
‫فى ِفى ن ِ ْ‬
‫ديهِ وَت َ ْ‬
‫ه وَت ُ ْ‬
‫مب ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫خ ِ‬
‫م ِ‬
‫ك َزوْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫أ ْ‬
‫ك َوات ّ ِ‬
‫الناس والل ّ َ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ى ل َ يَ ُ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫حقّ َأن ت َ ْ‬
‫كو َ‬
‫طرا ً َزوّ ْ‬
‫ما قَ َ‬
‫هأ َ‬
‫ضى َزي ْد ٌ ّ‬
‫شاهُ فَل َ ّ‬
‫ّ َ َ ُ‬
‫جَناك ََها ل ِك َ ْ‬
‫عََلى‬
‫كا َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ج ِفى أ َْزَواِج أ َد ْ ِ‬
‫مُر الل ّهِ‬
‫ضوْا ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫طرا ً وَ َ َ‬
‫م إ َِذا قَ َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫نأ ْ‬
‫عَيآئ ِهِ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫من ْهُ ّ‬
‫مِني َ‬
‫فُعو ً‬
‫ل{ )الحزاب‪ .(37 :‬والذي أبداه الله هو زواجه بها‪ ،‬ولم يبد ِ غير ذلك‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫وهذا القرآن أعظم شاهد‪.‬‬
‫الحجاب‬
‫وفيه نزلت آية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وكان عمربن الخطاب قبل نزول آيته يحّبه ويذكره كثيرًا‪ ،‬ويود ّ أن ينزل فيه‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قرآن‪ ،‬وكان يقول‪ :‬لو أ ُ َ‬
‫ن عين‪ ،‬فنزل في سورة الحزاب‪:‬‬
‫طاع فيكن ما رأتك ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫من وََرآء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫مَتاعا ً َفا ْ‬
‫}وَإ َِذا َ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ب ذال ِك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫جا ٍ‬
‫سئ َُلوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫َ‬
‫منا إل من‬
‫ن{ )الحزاب‪ .(53 :‬فقال بعضهم‪ :‬أن ُْنهى أن نكلم بنات ع ّ‬
‫وَقُُلوب ِهِ ّ‬
‫ما‬
‫وراء حجاب؟ لئن مات محمد لتزوجن عائشة فنزل بعد الية المتقدمة‪} :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كان ل َك ُ َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫ه ِ‬
‫من ب َعْدِهِ أَبدا ً إ ِ ّ‬
‫حوا ْ أْزَوا َ‬
‫ل الل ّهِ وَل َ أن َتنك ِ ُ‬
‫َ َ‬
‫م أن تؤُْذوا ْ َر ُ‬
‫ن ذال ِك ُ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ظيمًا{ )الحزاب‪ .(53 :‬أما غير أزواجه عليه الصلة والسلم‬
‫ن ِ‬
‫عند َ الل ّهِ عَ ِ‬
‫كا َ‬
‫ض البصار‪ ،‬وحفظ الفروج‪ ،‬كما أمر بذلك الرجال‪،‬‬
‫من المؤمنات‪ ،‬فأمرن بغ ّ‬
‫ُ‬
‫ن للجانب إل ما ظهر منها كالخاتم في الصبع‪،‬‬
‫وأمرن أل ّ يبدين زينته ّ‬
‫خفي منها فل يح ّ‬
‫ل إبداؤه‬
‫والخضاب في اليد‪ ،‬والكحل في العين‪ ،‬أما ما َ‬
‫قلدة للعنق‪ ،‬والكليل‬
‫وال‬
‫للرجل‪،‬‬
‫مُلج للعضد‪ ،‬والخلخال‬
‫ِ‬
‫كالسوار للذراع‪ ،‬والد ّ ْ‬
‫للرأس‪ ،‬والوشاح للصدر‪ ،‬والقرط للذن‪ .‬والمراد بالزينة الظاهرة والخفية‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن على الجيوب كيل تبقى صدوره ّ‬
‫موضعها‪ ،‬وأمرن أيضا ً بأن يضربن بخمره ّ‬
‫ن‬
‫ن واسعة تبدو منها نحوره ّ‬
‫مكشوفة‪ ،‬فإن النساء إذ ذاك كانت جيوبه ّ‬
‫ن‪ ،‬وُنهين عن أن يضربن‬
‫ن يسدلن ال ُ‬
‫خ ُ‬
‫مر من ورائه ّ‬
‫ن وما حواليها‪ ،‬وك ّ‬
‫وصدوره ّ‬
‫ن ذوات خلخال‪ .‬وإذا كان النهي عن إظهار صوت الحلي‬
‫ن ليعلم أنه ّ‬
‫بأرجله ّ‬
‫م بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي‬
‫بعدما نهين عن إظهار الحلي‪ ،‬عُل ِ َ‬
‫أبلغ وأبلغ‪ ،‬قال تعالى في‬
‫سورة النور‪} :‬وُقل ل ّل ْمؤْمنات يغْضضن م َ‬
‫ن وَل َ‬
‫ح َ‬
‫ن فُُرو َ‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫جهُ ّ‬
‫فظ ْ َ‬
‫صارِهِ ّ‬
‫ُ ِ َ ِ َ ُ ْ َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ب‬
‫يو‬
‫ج‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫خ‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ض‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ها‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ظ‬
‫ما‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ي ُب ْ ِ‬
‫َ َ َ ْ ْ َ ِ ُ‬
‫ن إل َ‬
‫ُ ُ ِ ّ َ ُْ َ‬
‫ّ‬
‫َ َ‬
‫ن زين َت َهُ ّ‬
‫دي َ‬
‫زينتهن ِإل ّ ل ِبعو ِل َت ِهن أ َو ءابآئ ِهن أ َو ءا ِبآء بعول َت ِه ِن أ َو أ َبنآئ ِهن أ َو ِ أ َبنآء بعول َت ِهن أوَ‬
‫ّ ْ َْ‬
‫ّ ْ َْ ُُ‬
‫ِ ّ ْ َ ِ ّ ْ َ ُُ‬
‫ِ ََُ ّ ِ ُُ‬
‫ِ ّ ْ‬
‫خوات ِهن أ َو ن ِِسآئ ِهن أ َو ِما مل َك َت أ َيمانهن أوَ‬
‫خوان ِهن أ َو بِنى أ ََ‬
‫خوان ِه َ‬
‫ن أوْ ب َِنى إ ِ ْ َ ِ ّ ْ َ‬
‫ِ ّ ْ َ ِ ّ ْ َ َ‬
‫إِ ْ َ ِ ّ‬
‫ْ ْ َ ُُ ّ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫ل أوِ الط ْ‬
‫ورا ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫ن غَي ْرِ أوِْلى ال ِْرب َةِ ِ‬
‫ن الّر َ‬
‫نل ْ‬
‫م ي َظهَُروا عَلى عَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ف ِ‬
‫جا ِ‬
‫م َ‬
‫الّتاب ِِعي َ‬
‫َ‬
‫ميعا ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ن ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن وَُتوُبوا إ ِلى اللهِ َ‬
‫ن ب ِأْر ُ‬
‫سآء وَل ي َ ْ‬
‫الن ّ َ‬
‫م َ‬
‫ن ل ِي ُعْل َ‬
‫من ِزين َت ِهِ ّ‬
‫في َ‬
‫جل ِهِ ّ‬
‫ضرِب ْ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫لسلم كما‬
‫م تُ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫مُنو َ‬
‫ن لعَلك ْ‬
‫ه ال ُ‬
‫أي ّ َ‬
‫ن{ )النور‪ .(31 :‬وكان النساء في أول ا ِ‬
‫حّرة‬
‫ن في الجاهلية متبذلت‪ ،‬تبرز المرأة في دِْرع وخمار‪ ،‬ل فرق بين ال ُ‬
‫ك ّ‬
‫َ‬
‫مة‪ ،‬وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون للماء إذا خرجن بالليل إلى‬
‫وال َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مة‬
‫ن في النخيل والغيطان‪ ،‬وربما تعرضوا لل ُ‬
‫حّرة بعلة ال َ‬
‫مقاضي حوائجه ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ً‬
‫ة‪ ،‬فأمر َ‬
‫يقولون‪ :‬حسبناها أ َ‬
‫ن زِيّ الماء بأن يدنين عليه ّ‬
‫ن أن يخالفن بزيه ّ‬
‫ن‬
‫فيه‬
‫يطمع‬
‫فل‬
‫بن‬
‫ه‬
‫ي‬
‫و‬
‫ليحتشمن‪،‬‬
‫والعطاف‬
‫الوجه‬
‫ليغطي‬
‫ن‬
‫َُ ْ‬
‫ّ‬
‫من جلبيبه ّ‬
‫َ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫سآء‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ى ُقل ل ِْزوا ِ‬
‫طامع‪ ،‬قال تعالى في سورة الحزاب‪} :‬يأي ََّها الن ّ َب ِ ّ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن ذال ِ َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫من َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن فَل َ ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫ك أد َْنى أن ي ُعَْرفْ َ‬
‫جَلِبيب ِهِ ّ‬
‫ن عَل َي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حيما)‪(59‬‬
‫غَ ُ‬
‫فورا ّر ِ‬
‫من يريد خطبتها فهو أمر لم يكن ُيفعل في عهد الرسول‬
‫ج ُ‬
‫ح ْ‬
‫أما َ‬
‫ب المرأة ع ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫س‬
‫الحكيم‬
‫شارع‬
‫ال‬
‫فإن‬
‫الصالح‪،‬‬
‫السلف‬
‫عهد‬
‫في‬
‫ول‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫صلى‬
‫ّ‬
‫دم عليه‪ ،‬حتى يتم الوفاق والوئام بين‬
‫ذلك ليكون الرجل على علم مما ُيق ِ‬
‫الزوجين في أمر أجمع عليه أئمة الدين‪.‬‬
‫قال حجة السلم الغزالي في »الحياء«‪ :‬وقد ندب الشرع إلى مراعاة‬
‫ب النظر‪ ،‬فقال‪» :‬إذا أوقع الله في نفس أحدكم‬
‫أسباب اللفة ولذلك استح ّ‬
‫من امرأة‪ ،‬فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما« ــــ أي‪ :‬يؤلف بينهما ــــ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫َ‬
‫مة على ال ََدمة‪ ،‬وهي الجلدة الباطنة‪ ،‬والبشرة‪ :‬الجلدة‬
‫من وقوع الد َ َ‬
‫الظاهرة‪ ،‬وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الئتلف‪ ،‬وقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫ن«‬
‫ن فلينظر إليه ّ‬
‫»إن في أعين النصار شيئا ً فِإذا أراد أحدكم أن يتزوج منه ّ‬
‫ن عمش‪ .‬وقيل‪ :‬صغر‪ .‬وكان بعض الصالحين ل ينكحون‬
‫قيل‪ :‬كان في أعينه ّ‬
‫ً‬
‫كرائمهم إل بعد النظر احترازا من الغرور‪ ،‬وقال العمش‪ :‬كل تزويج يقع على‬
‫غير نظر فآخره هم وغم‪.‬‬
‫ول يبعد أن يكون فساد الزمن والبتعاد عن التربية الدينية التي تسوق إلى‬
‫سنا عند عامة المسلمين في العصور الولى حجب‬
‫مكارم الخلق قد َ‬
‫ح ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المرأة مطلقا ً حسما للمفاسد ود َْرءا للفتنة‪.‬‬
‫فرض الحج‬
‫وفي هذا العام ــــ على ما عليه الكثرون ــــ فرض الله على المة السلمية‬
‫حج البيت من استطاع إليه سبي ً‬
‫ل‪ ،‬ليجتمع المسلمون من جميع القطار‪،‬‬
‫فيتجهوا إلى الله ويبتهلوا إليه أن يؤيدهم بنصره وُيعينهم على اتباع دينه‬
‫القويم‪ .‬وفي ذلك من تقوية الرابطة واتحاد القلوب ما فيه للمسلمين الفائدة‬
‫العظمى‪.‬‬
‫سة‬
‫ساد َ‬
‫سنة ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬
‫ولعشر خلون من محرم السنة السادسة‪ ،‬أرسل عليه الصلة والسلم‬
‫مسلمة في ثلثين راكبا ً لشن الغارة على بني بكربن كلب الذين‬
‫محمدبن َ‬
‫ضرِّية‪ ،‬فسار إليهم يكمن النهار ويسير الليل حتى دهمهم‬
‫كانوا نازلين بناحية َ‬
‫م والشياه‪ ،‬وعادوا‬
‫فقتل منهم عشرة‪ ،‬وهرب باقيهم‪ ،‬فاستاقت السرية الن ّعَ َ‬
‫راجعين إلى المدينة‪ ،‬وقد التقوا وهو عائدون بُثمامةبن ُأثال الحنفي‪ ،‬من‬
‫عظماء بني حنيفة‪ ،‬فأسروه وهم ل يعرفونه‪ ،‬فلما أَتوا به رسول الله عرفه‬
‫وعامله بمنتهى مكارم الخلق‪ ،‬فإنه أطلق إساره بعد ثلث أبي فيها النقياد‬
‫للسلم بعد أن عرض عليه‪ .‬ولما رأى ثمامة هذه المعاملة‪ ،‬وهذه المكارم‪،‬‬
‫رأى من العبث أن يتبع هواه ويترك دينا ً عماده المحامد‪ ،‬فرجع إلى رسول‬
‫الله وأسلم غير مكره وخاطب الرسول بقوله‪ :‬يا محمد والله ما كان على‬
‫ي‪.‬‬
‫ي من وجهك‪ ،‬فقد أصبح وجهك أح ّ‬
‫ب الدين كله إل ّ‬
‫الرض من وجه أبغض إل ّ‬
‫ي‪ %.‬فسّر‬
‫ي من بلدك‪ ،‬فقد أصبح أح ّ‬
‫ب البلد إل ّ‬
‫والله ما كان من بلد أبغض إل ّ‬
‫ً‬
‫عليه الصلة والسلم كثيرا ً بإسلمه لن من ورائه قوما يطيعونه‪ .‬ولما رجع‬
‫مّر بمكة معتمرا ً وأظهر فيها إسلمه‪ ،‬فأرادت قريش إيذاءه‪،‬‬
‫ُثمامة إلى بلده َ‬
‫فذكروا احتياجهم لحبوب اليمامة التي منها ُثمامة فتركوه‪ ،‬ومع ذلك فقد حلف‬
‫هو أل يرسل إليهم من اليمامة حبوبا ً حتى يؤمنوا‪ ،‬فجهدوا جدًا‪ ،‬ولم يَروا بد ّا ً‬
‫جِبل عليه من‬
‫من الستغاثة برسول الله‪ ،‬فعاملهم عليه الصلة والسلم بما ُ‬
‫الشفقة والمرحمة‪ ،‬وأرسل لثمامة أن ُيعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات‬
‫لسلم‬
‫اليمامة ففعل‪ .‬وقد كان لهذا الرجل الكريم الصل قدم راسخة في ا ِ‬
‫عقب وفاة الرسول حينما ارتد ّ أكثر أهل بلده‪ ،‬فكان ينهى قومه عن اتباع‬
‫مسيلمة‪ ،‬ويقول لهم‪ :‬إياكم وأمرا ً مظلما ً ل نور فيه‪ ،‬وإنه لشقاء كتبه الله‬
‫ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫على من اتبعه‪ ،‬فثبت معه كثير من قومه رضي الله عنه‪.‬‬
‫غزوة بني ِلحيان‬
‫بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصمبن ثابت وإخوانه‪ ،‬ولم يزل رسول الله حزينا ً‬
‫عليهم متشوقا ً للقصاص من عدوهم حتى ربيع الول من هذه السنة‪ ،‬فأمر‬
‫أصحابه بالتجّهز‪ ،‬ولم ُيظهر مقصده كما هي عادته عليه الصلة والسلم في‬
‫غالب الغزوات‪ ،‬لتعمى الخبار عن العداء‪ ،‬وولى على المدينة ابن ُأم مكتوم‪،‬‬
‫وسار في مائتي راكب معهم عشرون فرسًا‪ ،‬ولم يزل سائرا ً حتى مقتل‬
‫أصحاب الرجيع‪ ،‬فترحم عليهم ودعا لهم‪ ،‬ولما سمع به بنو لحيان تفرقوا في‬
‫الجبال‪ ،‬فأقام عليه الصلة والسلم بديارهم يومين يبعث السرايا فل يجدون‬
‫فان حتى يعلم بهم أهل مكة‬
‫س َ‬
‫أحدًا‪ ،‬ثم أرسل بعضا ً من أصحابه ليأتوا عُ ْ‬
‫ُفيداخلهم الرعب‪ ،‬فذهبوا إلى ك َُراع الغميم‪ ،‬ثم رجع عليه الصلة والسلم إلى‬
‫المدينة‪ ،‬وهو يقول‪» :‬آيبون‪ ،‬تائبون‪ ،‬لربنا حامدون‪ ،‬أعوذ بالله من وعثاء‬
‫السفر‪ ،‬وكآبة المنقلب‪ ،‬وسوء المنظر في الهل والمال«‪.‬‬
‫غزوة الغابة‬
‫حة ترعى بالغابة‪ ،‬فأغار عليها‬
‫كان للنبي عليه الصلة والسلم عشرون ل ِ ْ‬
‫ق َ‬
‫عيينةبن حصن في أربعين فارسا ً واستلبها من راعيها‪ ،‬فجاءت الخبار رسول‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ةبن الكوع‪ ،‬أحد رماة النصار‪،‬‬
‫م ُ‬
‫الله عليه الصلة والسلم‪ ،‬والذي بلغه هو َ‬
‫سل َ‬
‫داًء فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى‬
‫وكان عَ ّ‬
‫يدركهم المسلمون‪ ،‬فخرج يشتد في أثرهم حتى لحقهم‪ ،‬وجعل يرميهم‬
‫جهت الخيل نحوه رجع هاربًا‪ ،‬فل ُيلحق‪ ،‬فإذا دخلت الخيل بعض‬
‫بالنبل‪ ،‬فإذا و ّ‬
‫المضايق عل الجبل‪ ،‬فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيرا ً مما بأيديهم من‬
‫ففوا عن أنفسهم‪ ،‬حتى ل يلحقهم الجيش‪ ،‬ولم يزل سلمة‬
‫الرماح والبراد ليخ ّ‬
‫على ذلك حتى تلحق به الجيش‪ ،‬فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه‪ ،‬وأول‬
‫من انتهى إليه المقدادبن عمرو‪ ،‬فقال له‪» :‬اخرج في طلب القوم حتى‬
‫ألحقك« وأعطاه اللواء فخرج‪ ،‬وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو‪،‬‬
‫فحصلت بينهم مناوشات قتل فيها مسلم ومشركان‪ ،‬واستنقذ المسلمون‬
‫ب اللقاح‪ ،‬وهرب أوائل القوم بالبقية‪ ،‬وطلب سلمةبن الكوع من رسول‬
‫غال َ‬
‫الله أن يرسله مع جماعة في أثر القوم‪ ،‬ليأخذهم على غّرة‪ ،‬وهم نازلون‬
‫َ‬
‫ح« ثم رجع‬
‫ج ْ‬
‫ت فَأ ْ‬
‫س ِ‬
‫مل َك ْ َ‬
‫على أحد مياههم‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪َ » :‬‬
‫بعد خمس ليال‪.‬‬
‫سرية‬
‫ن يمّر بهم من المسلمين‪،‬‬
‫مّر ذكرهم كثيرا ً ما يؤذون َ‬
‫كان بنو أسد الذين َ‬
‫م ْ‬
‫فأرسل لهم عليه الصلة والسلم عُ ّ‬
‫صن في أربعين راكبا ً لُيغير‬
‫كاشةبن ِ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫منوه‬
‫عليهم‪ ،‬ولما قارب بلدهم علموا به فهربوا‪ ،‬وهناك وجدوا رجل ً نائما ً فأ ّ‬
‫ليدّلهم على ن ََعم القوم‪ ،‬فدّلهم عليها فاستاقوها‪ ،‬وكانت مائة بعير ثم قدموا‬
‫المدينة ولم يلقوا كيدًا‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سرية‬
‫صة يريدون الغارة‬
‫وفي ربيع الول بلغه عليه الصلة والسلم أن من بذي ال َ‬
‫ق ّ‬
‫على ن ََعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء‪ ،‬فأرسل لهم محمدبن مسلمة في‬
‫عشرة من المسلمين‪ ،‬فبلغ ديارهم لي ً‬
‫من المشركون حينما علموا‬
‫ل‪ ،‬وقد ك َ َ‬
‫بهم‪ ،‬فنام المسلمون‪ ،‬ولم يشعروا إل والنبل قد خالطهم‪ ،‬فتواثبوا على‬
‫أسلحتهم ولكن تغلب عليهم العداء فقتلوهم‪ ،‬غير محمدبن مسلمة تركوه‬
‫لظنهم أنه قُِتل‪ ،‬فعاد إلى المدينة‪ ،‬وأخبر الرسول عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫ص من العداء‪ ،‬فلما‬
‫فأرسل أبا عبيدة عامربن الجراح في ربيع الخر ليقت ّ‬
‫مهم ورجع‪.‬‬
‫وصل ديارهم وجدهم تشتتوا هاربين فاستاق ن َعَ َ‬
‫سرية‬
‫سليم الذين كانوا من المتحزبين في غزوة الخندق المسلمين في‬
‫س بنو ُ‬
‫عاك َ َ‬
‫دبن حارثة في ربيع الخر لُيغير‬
‫سيرهم‪ ،‬فأرسل عليه الصلة والسلم زي َ‬
‫موم فلما بلغوا ديارهم وجدوهم تفرقوا‪ ،‬ووجدوا هناك امرأة‬
‫عليهم في ال َ‬
‫ج ُ‬
‫مزينة د ّ‬
‫سليم‪ ،‬أصابوا بها ن ََعما ً وشاًء‪ ،‬ووجدوا رجال ً‬
‫بني‬
‫منازل‬
‫على‬
‫لتهم‬
‫ُ‬
‫من ُ‬
‫أسروهم‪ ،‬وفيهم زوج تلك المرأة‪ ،‬فرجعوا بذلك إلى المدينة‪ ،‬فوهب الرسول‬
‫لهذه المرأة نفسها وزوجها‪.‬‬
‫سرية‬
‫ً‬
‫عيرا لقريش أقبلت من الشام تريد مكة‪ ،‬فأرسل لها زيدبن‬
‫بلغ الرسول أن ِ‬
‫ً‬
‫من معها من‬
‫حارثة في مائة وسبعين راكبا ليعترضها‪ ،‬فأخذها وما فيها وأسر َ‬
‫الرجال‪ ،‬وفيهم أبو العاصبن الربيع‪ ،‬زوج زينب بنت رسول الله‪ ،‬وكان من‬
‫ة‪ ،‬فاستجار بزوجه زينب فأجارته‪،‬‬
‫رجال مكة المعدودين تجارة ومال ً وأمان ً‬
‫ونادت بذلك في مجمع قريش‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬المسلمون يد‬
‫ت« وهذا أبلغ ما قيل في‬
‫واحدة‪ُ ،‬يجير عليهم أدناهم‪ ،‬وقد أجرنا من أجر ِ‬
‫المساواة بين أفراد المسلمين ورد ّ عليه الرسول ماله بأسره ل يفقد منه‬
‫قه‪ ،‬ورجع إلى المدينة مسلما‪ً،‬‬
‫شيء‪ ،‬فذهب إلى مكة‪ .‬فأدى لكل ذي حقَ ح ّ‬
‫فرد ّ عليه رسول الله زوجه‪.‬‬
‫سرية‬
‫دبن حارثة في خمسة‬
‫وفي جمادى الخرة أرسل عليه الصلة والسلم زي َ‬
‫عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬للغارة على بني ثعلبة‪ ،‬الذين قتلوا أصحاب محمدبن مسلمة وهم‬
‫ف‪ .‬فتوجهت السرية لذلك‪ ،‬ولما رآهم العداء ظنوهم طليعة‬
‫مقيمون بالط َّر ِ‬
‫لجيش رسول الله‪ ،‬فهربوا وتركوا ن ََعمهم وشاءهم‪ ،‬فاستاقها المسلمون‬
‫ل‪.‬‬
‫ورجعوا إلى المدينة بعد أربع ليا ٍ‬
‫سرية‬
‫دبن حارثة‪ ،‬لُيغيَر على بني فََزارة‬
‫وفي رجب أرسل عليه الصلة والسلم زي َ‬
‫لنهم تعرضوا لزيد وهو راجع بتجارة من الشام‪ ،‬فسلبوا ما معه‪ ،‬وكادوا‬
‫يقتلونه‪ ،‬فلما جاء المدينة‪ ،‬وأخبر الرسول الخبر‪ ،‬أرسله مع رجاله للقصاص‬
‫قرى‪ .‬فساروا حتى دهموا العدو وأحاطوا‬
‫من َفزارة المقيمين في وادي ال ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بهم‪ ،‬وقتلوا منهم جمعا ً كثيرًا‪ ،‬وأخذوا امرأة من كبارهم أسيرة‪ ،‬فاستوهبها‬
‫من أسرها وفدى بها أسيرا ً كان بمكة‪.‬‬
‫عليه الصلة والسلم م ّ‬
‫سرية‬
‫وفي شعبان أرسل عليه الصلة والسلم عبد الرحمانبن عوف مع سبعمائة‬
‫صاهم عليه الصلة‬
‫من الصحابة لغزو بني كلب في ُدومة ال َ‬
‫جْندل‪ ،‬وقد و ّ‬
‫ً‬
‫والسلم قبل السفر بقوله‪» :‬اغزوا جميعا في سبيل الله‪ ،‬فقاتلوا من كفر‬
‫بالله‪ ،‬ول ت َغُّلوا ول تغدروا ول تمّثلوا‪ ،‬ول تقتلوا وليدًا‪ ،‬فهذا عهد الله وسيرة‬
‫نبّيه فيكم« ثم أعطاه اللواء فساروا على بركة الله حتى حّلوا بديار العدو‪،‬‬
‫فدعوهم إلى السلم ثلثة أيام‪ ،‬وفي اليوم الرابع أسلم رئيس القوم‬
‫َ‬
‫صَبغبن عمرو النصراني‪ ،‬وأسلم معه جمع من قومه‪ ،‬وبقي آخرون راضين‬
‫ال ْ‬
‫بإعطاء الجزية‪ ،‬فتزوج عبد الرحمان بنت رئيسهم‪ ،‬كما أمره بذلك عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وهذه أقرب واسطة لتمكين صلت الود ّ بين المراء بحيث‬
‫م الخر‪ ،‬فِنعما هي سياسة السلم والمحبة‪.‬‬
‫م كل ّ ما يه ّ‬
‫يه ّ‬
‫سرية‬
‫وفي شعبان أرسل عليه الصلة والسلم عليبن أبي طالب في مائة لغزو بني‬
‫دك لنه بلغه أنهم يجمعون الجيوش لمساعدة يهود خيبر على‬
‫سعدبن بكر ب َ‬
‫ف َ‬
‫حرب المسلمين مقابل تمر ُيع َ‬
‫طونه من تمر خيبر‪ ،‬فسارت السرية‪ ،‬وبينما‬
‫هم سائرون التقوا بجاسوس للعدّو‪ ،‬وكانوا قد أرسلوه إلى خيبر ليعقد‬
‫ن‪ ،‬فدلهم على‬
‫المعاهدة مع يهودها‪ ،‬فطلبوا منه أن يدّلهم على القوم وهو آم ٌ‬
‫ة‪ ،‬فح ّ‬
‫ذروا قومهم‪،‬‬
‫موضعهم‪ ،‬فاستاق منه المسلمون ن ََعم القوم‪ ،‬وهرب الرعا ُ‬
‫خَلهم الرعب‪ ،‬وتفرقوا‪ ،‬فرجع المسلمون ومعهم خمسمائة َبعير وألفا‬
‫دا َ‬
‫ف َ‬
‫دوا اليهود بشيء‪.‬‬
‫شا ٍ‬
‫ة‪ ،‬ورد ّ الله كيد َ المشركين فلم يم ّ‬
‫قتل أبي رافع‬
‫وكان المحّرك لهل خيبر على حرب المسلمين‪ ،‬وهو سيدهم‪ ،‬أبو رافع‬
‫س ّ‬
‫حقيق الملقب بتاجر أهل الحجاز‪ ،‬لما كان له من المهارة في‬
‫لمبن أبي ال ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ب اليهود كما يريد‪ ،‬فانتدب له عليه‬
‫التجارة‪ ،‬وكان ذا ثروة طائلة ي ُ َ‬
‫ب بها قلو َ‬
‫قل ُ‬
‫ن يقتله‪ ،‬فأجاب لذلك خمسة رجال من الخزرج رئيسهم‬
‫الصلة والسلم َ‬
‫م ْ‬
‫عبد اللهبن عَت ِْيك‪ ،‬ليكون لهم مثل أجر إخوانهم من الوس الذين قتلوا كعَببن‬
‫الشرف‪ ،‬فإن من ِنعم الله على رسوله أن كان الوس والخزرج يتفاخرون‬
‫س عمل ً إل اجتهد‬
‫بما يفعلونه من تنفيذ رغبات رسول الله‪ ،‬فل تعمل الو ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫صاهم أل يقتلوا وليدا ول‬
‫الخزر ُ‬
‫ج في مثله‪ ،‬فأمرهم الرسول بذلك بعد أن و ّ‬
‫ق‬
‫امرأة‪ ،‬فساروا حتى أتوا خيبر‪ ،‬فقال عبد الله لصحابه‪ :‬مكاَنكم‪ ،‬فإني منطل ٌ‬
‫واب ومتل ّ‬
‫طف له لعّلي أدخل‪ ،‬فأقبل حتى دنا من الباب‪ ،‬ثم تقّنع بثوب كأنه‬
‫للب ّ‬
‫واب‪ :‬ادخل يا عبد الله إن كنت‬
‫يقضي حاجته‪ ،‬وقد دخل الناس‪ ،‬فهتف به الب ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫واب‪ ،‬فأخذ‬
‫تريد الدخول‪ ،‬فإني أريد أن أغلق الباب‪ ،‬فدخل وك َ َ‬
‫من حتى نام الب ّ‬
‫المفاتيح‪ ،‬وفتح ليسُهل له الهرب‪ ،‬ثم توجه إلى بيت أبي رافع‪ ،‬وصار يفتح‬
‫البواب التي ُتوصل إليه‪ ،‬وكلما فتح بابا ً أغلقه من الداخل حتى انتهى إليه‪،‬‬
‫فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله‪ ،‬فلم يمكنه تمييزه‪ ،‬فنادى يا أبا رافع‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قال‪ :‬من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت فلم يغن شيئًا‪ ،‬وعند ذلك قالت‬
‫ُ‬
‫ك وأين ابن عتيك الن؟ فعاد‬
‫م ِ‬
‫امرأته‪ :‬هذا صوت ابن عتيك‪ ،‬فقال لها‪ :‬ثكلتك أ ّ‬
‫مغّيرا ً صوته‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪ :‬ما هذا الصوت الذي نسمعه يا أبا رافع؟‬
‫عبد الله للنداء ُ‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬لمك الويل‪ ،‬إن رجل في البيت ضربني بالسيف‪ ،‬فعمد إليه فضربه‬
‫مغيث وغَّير صوته‪ ،‬فوجده مستلقيا ً‬
‫ن شيئًا‪ ،‬فتوارى ثم جاءه كال ُ‬
‫أخرى لم ُتغ ِ‬
‫على ظهره‪ ،‬فوضع السيف في بطنه‪ ،‬وتحامل عليه حتى سمع صوت العظم‪،‬‬
‫سّلم فكسرت رجله‪،‬‬
‫ثم خرج من البيت‪ ،‬وكان نظره ضعيفا ً فوقع من فوق ال ُ‬
‫صبها بعمامته‪ ،‬ثم انطلق إلى أصحابه‪ ،‬وقال‪ :‬النجاة‪ ،‬قِتل‬
‫فع َ‬
‫دثوه ثم قال لعبد الله‪» :‬ابسط‬
‫والله أبو رافع‪ ،‬فانتهوا إلى الرسول‪ ،‬فح ّ‬
‫ّ‬
‫كها قط‪ ،‬وعادت أحسن‬
‫رجلك« فمسحها عْليه الصلة والسلم فكأنه لم يشت َ ِ‬
‫ما كانت فانظر ــــ رعاك الله ــــ إلى ما كان عليه المسلمون من استسهال‬
‫المصاعب ما دامت في إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فرضي الله‬
‫عنهم وأرضاهم‪.‬‬
‫سرية‬
‫ولما ُقتل كعب وّلى اليهود مكانه أ ُ‬
‫سيربن ِرزام‪ ،‬فأرسل عليه الصلة والسلم‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ن يستعلم له خبره‪ ،‬فجاءته الخبار بأنه قال لقومه‪ :‬سأصنع بمحمد ما لم‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫يصنعه أحد ٌ قبلي‪ ،‬أسير إلى غطفان فأجمعهم لحربه‪ ،‬وسعى في ذلك‪.‬‬
‫فأرسل عليه الصلة والسلم عبد اللهبن رواحة الخزرجي في ثلثين من‬
‫النصار لستمالته‪ ،‬فخرجوا حتى قدموا خيبر‪ ،‬وقالوا لسير‪ :‬نحن آمنون حتى‬
‫نعرض عليك ما جئنا له؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ولي مثل ذلك‪ ،‬فأجابوه‪ ،‬ثم عرضوا عليه‬
‫أن يقدم على رسول الله ويترك ما عزم عليه من الحرب فيوّليه الرسول‬
‫على خيبر‪ ،‬فيعيش أهلها بسلم‪ ،‬فأجاب إلى ذلك وخرج في ثلثين يهوديا ً ك ّ‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫سير على مجيئه‪ ،‬وأراد‬
‫يهودي ردي ٌ‬
‫ف لمسلم‪ ،‬وبينما هم في الطريق ندم أ َ‬
‫منوه فأهوى بيده إلى سيف عبد اللهبن رواحة‪،‬‬
‫التخّلص مما فعل بالغدر بمن أ ّ‬
‫مة فخذه‪ ،‬ولم‬
‫فقال له‪ :‬أغدرا ً يا عدو الله؟ ثم نزل وضربه بالسيف فأطاح عا ّ‬
‫من معه من اليهود فقتلوهم عن آخرهم‪.‬‬
‫يلبث أن هلك‪ ،‬فقام المسلمون على َ‬
‫وهذه عاقبة الغدر‪.‬‬
‫قصة عُ ْ‬
‫كل وعَُري َْنة‬
‫وال جماعة من عُ ْ‬
‫كل وعَُري َْنة‪ ،‬فأظهروا السلم‬
‫قد ِ َ‬
‫م على رسول الله في ش ّ‬
‫ً‬
‫ة بطونهم‪ ،‬فلم‬
‫سقاما‪ ،‬مصفرة ً ألوانهم‪ ،‬عظيم ً‬
‫وبايعوا رسول الله‪ .‬وكانوا ِ‬
‫يوافقهم هواء المدينة‪ ،‬فأمر لهم عليه الصلة والسلم بذ َْود من البل معها‬
‫راٍع‪ ،‬وأمرهم باللحوق بها في مرعاها ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا‪ ،‬ولما‬
‫مث ُّلوا به‪ ،‬واستاقوا البل‪،‬‬
‫تم شفاؤهم جازوا الحسان كفرًا‪ ،‬فقتلوا الراعي و َ‬
‫فلما بلغ ذلك رسول الله أرسل وراءهم ُ‬
‫فهري في عشرين‬
‫كرزبن جابر ال ِ‬
‫فارسا ً فلحقوا بهم‪ ،‬وقبضوا على جميعهم‪ ،‬ولما جيء بهم إلى المدينة أمر‬
‫قطعت أيديهم‬
‫مث ُّلوا بالراعي‪ ،‬ف ُ‬
‫عليه الصلة والسلم أن يمثل بهم كما َ‬
‫ت أعيُنهم وألقوا بالحّرة حتى ماتوا‪ ،‬فهكذا يكون جزاُء الخائن‬
‫وأرجُلهم و ُ‬
‫مَر ْ‬
‫س ّ‬
‫م ُ‬
‫ل هؤلء الشريرين مما يدل على فساد الصل‪،‬‬
‫الذين ل ُينتظر منه صلح‪ ،‬وعَ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ولؤم العشيرة‪ ،‬وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن‬
‫مث َْلة‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫سرية‬
‫جلس أبو سفيانبن حرب يوما ً في نادي قومه‪ ،‬فقال‪ :‬أل رجل يذهب لمحمد‬
‫ح منه؟ فتقدم له رجل وتعهد له بما‬
‫فيقتله غدرا ً فإنه يمشي بالسواق لنستري َ‬
‫ة وجّهزه لذلك‪ .‬فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة‬
‫ة ونفق ً‬
‫أراد‪ ،‬فأعطاه راحل ً‬
‫ح سادسةٍ من خروجه‪ ،‬فسأل عن رسول الله فَد ُ ّ‬
‫ل عليه وهو بمسجد بني‬
‫صب ْ َ‬
‫ُ‬
‫عبد الشهل‪ ،‬فلما رآه عليه الصلة والسلم قال‪» :‬إن هذا الرجل ليريد غدرا‪ً،‬‬
‫وإن الله مانعي منه« فذهب لينحني على الرسول‪ ،‬فجذبه ُأسيدبن حضير من‬
‫إزاره‪ ،‬وهنالك سقط الخنجر‪ ،‬فندم الرج ُ‬
‫ل على فعلته‪ ،‬ثم سأله عليه الصلة‬
‫ّ‬
‫والسلم عن سبب عمله فصدقه بعد أن توّثق من حفظ دمه‪ ،‬فخلى عليه‬
‫ف الرجال‪،‬‬
‫الصلة والسلم سبيله‪ .‬فقال الرجل‪ :‬والله يا محمد ما كنت أخا ُ‬
‫َ‬
‫ن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي‪ ،‬ثم إنك ا ّ‬
‫طلعت على ما‬
‫فما هو إل أ ْ‬
‫ت أنك ممنوع‪ ،‬وأنك على حق‪ ،‬وأن حزب‬
‫َ‬
‫ت به مما لم يعلمه أحد‪ ،‬فعرف ُ‬
‫همم ُ‬
‫ب الشيطان‪ ،‬ثم أسلم‪ .‬وعند ذلك أرسل عليه الصلة والسلم‬
‫حز‬
‫سفيان‬
‫أبي‬
‫ُ‬
‫ري‪ ،‬وكان رجل ً جريئا ً فاتكا ً في الجاهلية‪ ،‬وأصحبه برفيق‪،‬‬
‫م‬
‫ض‬
‫عمروبن أمية ال ّ ْ ِ‬
‫ليقتل أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه‪ ،‬فلما قدما مكة توجها ليطوفا بالبيت قبل‬
‫مرا ً أحد ُ رجال مكة‪ ،‬فقال‪ :‬هذا عمروبن ُأمّية‬
‫أن يؤديا ما أرسل له‪ ،‬فعرف عَ ْ‬
‫ً‬
‫ما جاء إل بشر‪ ،‬فلما رآهم علموا به لم يجد مناصا من الهرب‪ ،‬فاصطحب‬
‫َ‬
‫ن الله سبحانه أراد أن يعيش أبو سفيان‬
‫معه رفيقه‪ ،‬ورجعا إلى المدينة‪ ،‬وكأ ّ‬
‫ح الكعبة للمسلمين‪ ،‬ويعتنق الدين الحنيفي القويم‪.‬‬
‫م بيده مفاتي َ‬
‫حتى ي ُ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫حد َْيبَية‬
‫غزوة ال ُ‬
‫رأى عليه الصلة والسلم في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام‬
‫صرين‪ ،‬فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة‪،‬‬
‫آمنين محّلقين رؤو َ‬
‫سهم ومق ّ‬
‫واستنفر العراب الذين حول المدينة ليكونوا معه‪ ،‬حذرا ً من أن ترّدهم قريش‬
‫عن عمرتهم‪ ،‬ولكن هؤلء العراب أبطؤوا عليه لنهم ظنوا أل ّ ينقلب الرسول‬
‫والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا‪ ،‬وتخّلصوا بأن قالوا‪ :‬شغلتنا أموالنا وأهلونا‬
‫فاستغفر لنا‪ ،‬فخرج عليه الصلة والسلم بمن معه من المهاجرين والنصار‬
‫دتهم ألفا ً وخمسمائة‪ ،‬وولى على المدينة ابن ُأم مكتوم‪ ،‬وأخرج معه‬
‫تبلغ ع ّ‬
‫ً‬
‫زوجه أم سلمة‪ ،‬وأخرج الهَد ْيَ ليعلم الناس أنه لم يأت محاربا‪ ،‬ولم يكن مع‬
‫ض أن‬
‫أصحابه شيء من السلح إل السيوف في ال ُ‬
‫قُرب‪ ،‬لن الرسول لم ير َ‬
‫سفان‬
‫ع‬
‫وصل‬
‫حتى‬
‫الجيش‬
‫سار‬
‫يحملوا السيوف مجردة وهم معتمرون‪ ،‬ثم‬
‫ُ ْ‬
‫دوا المسلمين عن مكة وأل ّ‬
‫فجاءه عينه يخبره أن قريشا ً أجمعت رأيها أن يص ّ‬
‫دوا خالدبن الوليد في مائتي‬
‫يدخلوها عليهم عَْنوةً أبدًا‪ .‬وتجهزوا للحرب‪ ،‬وأع ّ‬
‫دوا المسلمين عن التقدم‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫فارس طليعة لهم ليص ّ‬
‫»هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم؟« فقال رجل من أسلم‪ :‬أنا يا‬
‫رسول الله‪ .‬فسار بهم في طريق وعرة‪ ،‬ثم خرج بهم إلى مستوٍ سهل يملك‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مكة من أسفلها‪ ،‬فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم‬
‫مَرار بركت ناقته‪ .‬فزجروها فلم‬
‫الخبر‪ .‬ولما كان عليه الصلة والسلم بثنّية ال ُ‬
‫واء‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ما خلت وما ذلك‬
‫ت ال َ‬
‫تقم‪ ،‬فقالوا‪ :‬خل َ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ص َ‬
‫س محمد بيده ل تدعوني‬
‫لها ب ُ‬
‫س الفيل‪ .‬والذي نف ُ‬
‫خلق‪ ،‬ولكن حبسها حاب ُ‬
‫َ‬
‫م حرمات الله إل أجبتهم إليها« مع أن المسلمين لو‬
‫قريش ل ِ َ‬
‫صلة فيها تعظي ُ‬
‫خ ْ‬
‫َ‬
‫ف الله أيدي‬
‫قاتلوا أعداءهم في مثل هذا الوقت لظفروا بهم‪ ،‬ولكن ك ّ‬
‫حرمات‬
‫المسلمين عن قريش‪ ،‬وك َ ّ‬
‫ف أيدي قريش عن المسلمين كيل ُتنتهك ُ‬
‫البيت الذي أراد الله أن يكون حرما ً آمنًا‪ ،‬ويوطد المسلمون من جميع القطار‬
‫م أخوتهم‬
‫دعائ َ‬
‫فيه‪ .‬ثم أمرهم عليه الصلة والسلم بالنزول أقصى الحديبية وهناك جاء‬
‫خزاعي رسول ً من قريش‪ ،‬يسأل عن سبب مجيء المسلمين‪،‬‬
‫ديلبن وَْرَقاء ال ُ‬
‫بُ َ‬
‫فأخبره عليه الصلة والسلم بمقصده‪ ،‬فلما رجع ُبديل إلى قريش وأخبرهم‬
‫بذلك‪ ،‬لم يثقوا به لنه من خزاعة الموالية لرسول الله كما كانت كذلك‬
‫لجداده‪ ،‬وقالوا‪ :‬أيريد محمد ٌ أن يدخل علينا في جنوده معتمرا ً تسمع العرب‬
‫أنه قد دخل علينا عنوة‪ ،‬وبيننا وبينهم من الحرب ما بيننا؟ والله ل كان هذا‬
‫أبدا ً ومنا عَْين ت َ ْ‬
‫سّيد الحابيش وهم حلفاء‬
‫طرف‪ .‬ثم أرسلوا ُ‬
‫سبن علقمة َ‬
‫حل َي ْ َ‬
‫ن قوم يع ّ‬
‫دي‪،‬‬
‫قريش‪ ،‬فلما رآه عليه الصلة والسلم قال‪» :‬هذا ِ‬
‫ظمون اله ْ‬
‫م ْ‬
‫ابعثوه في وجهه حتى يراه«‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬واستقبله الناس ي ُل َّبون‪ ،‬فلما رأى ذلك‬
‫ج لخم وجذام‬
‫دوا‪ .‬أتح ّ‬
‫ص ّ‬
‫ُ‬
‫حل َْيس رجع‪ ،‬وقال‪ :‬سبحان الله ما ينبغي لهؤلء أن ي ُ َ‬
‫وحمير‪ ،‬وُيمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هل ْ‬
‫ب البيت إن‬
‫كت قريش‪ ،‬ور ّ‬
‫القوم أ ََتوا معتمرين‪.‬‬
‫س إنما أنت أعرابي ل علم لك‬
‫فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له‪ :‬اجل ْ‬
‫ةبن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى‬
‫بالمكايد‪ ،‬ثم أرسلوا عُْروَ َ‬
‫ش الناس‪ ،‬ثم جئت إلى أهلك‬
‫رسول الله‪ ،‬وقال‪ :‬يا محمد قد جمع َ‬
‫ت أوبا َ‬
‫ضها بهم إنها قريش قد خرجت تعاهد الله أل تدخلها عليهم‬
‫وعشيرتك ل ِت َ ُ‬
‫ف ّ‬
‫م الله لكأني بهؤلء قد انكشفوا عنك‪ .‬فنال منه أبو بكر‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫عَْنوة أبدًا‪ .‬واي ُ‬
‫نحن ننكشف عنه؟ ويحك‬
‫س لحية رسول الله‪ ،‬فكان المغيرةبن شعبة يقرع‬
‫وكان عروة يتكلم وهو يم ّ‬
‫يده إذا أراد ذلك‪ ،‬ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول أصحابه‪ ،‬ل يتوضأ‬
‫فضوا أصواتهم‬
‫خ َ‬
‫ضوءا ً إل كادوا يقتتلون عليه يتمسحون به‪ ،‬وإذا تكلموا َ‬
‫و ُ‬
‫ت كسرى في‬
‫عنده‪ ،‬ول ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫دون النظر إليه‪ .‬فقال‪ :‬والله يا معشر قريش جئ ُ‬
‫ً‬
‫مِلكا في قومه مثل محمد في أصحابه‪،‬‬
‫ت َ‬
‫ملكه وقيصَر في عظمته‪ ،‬فما رأي ُ‬
‫ولقد رأيت قوما ً ل ُيسلمونه لشيء أبدًا‪ ،‬فانظروا رأيكم‪ ،‬فإنه عرض عليكم‬
‫رشدا ً فاقبلوا ما عرض عليكم‪ ،‬فإني لكم ناصح‪ ،‬مع أني أخاف أل تنصروا‬
‫عليه‪ .‬فقالت قريش‪ :‬ل تتكلم بهذا‪ ،‬ولكن نرّده عامنا ويرجع إلى قابل‪ .‬ثم إن‬
‫الرسول اختار عثمانبن عفان رسول ً من عنده إلى قريش حتى يعلمهم‬
‫جه معه عشرة استأذنوا الرسول في زيارة أقاربهم‪ ،‬وأمر‬
‫م ْ‬
‫ق ِ‬
‫جه وتو ّ‬
‫صده‪ ،‬فتو ّ‬
‫َ‬
‫عليه الصلة والسلم عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ظهر دينه‪ ،‬فدخل عثمان مكة في جوار‬
‫م ِ‬
‫فيبشرهم بقرب الفتح وأ ّ‬
‫ن الّله ُ‬
‫ً‬
‫أَبانبن سعيد الموي فَب َّلغ ما حمل‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن محمدا ل يدخلها علينا عَْنوة‬
‫أبدًا‪ .‬ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت‪ ،‬فقال‪ :‬ل أطوف ورسول الله ممنوع‪ ،‬ثم‬
‫إنهم حبسوه‪ ،‬فشاع َ عند المسلمين أن عثمان قُت ِ َ‬
‫ل‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم حينما سمع ذلك‪» :‬ل نبرح حتى ُنناجزهم الحرب«‪.‬‬
‫بيعة الرضوان‬
‫س للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك ــــ سميت بعد‬
‫ودعا النا َ‬
‫بشجرة الرضوان ــــ على الموت‪ ،‬فشاعَ أمر هذه البيعة في قريش فداخلهم‬
‫منها رعب عظيم‪ ،‬وكانوا قد أرسلوا خمسين رجل ً عليهم مكرُزبن حفص‬
‫ليطوفوا بعسكر المسلمين لعلهم يصيبون منهم ِغّرة‪ ،‬فأسرهم حارس‬
‫الجيش محمدبن مسلمة وهرب رئيسهم‪ ،‬ولما علمت بذلك قريش جاء جمع‬
‫منهم وابتدؤوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم اثنا عشر رجل ً وُقتل من‬
‫المسلمين واحد‪.‬‬
‫ديبية‬
‫ح َ‬
‫صلح ال ُ‬
‫مرو للمكالمة في الصلح‪ ،‬فلما‬
‫ن عَ ْ‬
‫وعند ذلك خافت قريش وأرسلت سهيل ب َ‬
‫جاء قال‪ :‬يا محمد إن الذي حصل ليس من رأي عقلئنا بل شيء قام به‬
‫ن عندكم‪ .‬وعندئذٍ‬
‫السفهاء مّنا فابعث بمن أسرت‪ ،‬فقال‪ :‬حتى ترسلوا َ‬
‫م ْ‬
‫أرسلوا عثمان والعشرة الذين معه‪ ،‬ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها‬
‫قريش وهي‪:‬‬
‫‪ 1‬ــــ وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ 2‬ــــ من جاء المسلمين من قريش يرّدونه‪ ،‬ومن جاء قريشا من المسلمين‬
‫ل يلزمون برّده‪.‬‬
‫‪ 3‬ــــ أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام‪ ،‬ثم يأتي العام المقبل فيدخلها‬
‫بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش‪ ،‬فيقيم بها ثلثة أيام ليس مع أصحابه من‬
‫السلح إل السيف في القراب والقوس‪.‬‬
‫‪ 4‬ــــ من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه‪ ،‬ومن أراد‬
‫أن يدخل في عهد قريش دخل فيه‪.‬‬
‫فقبل عليه الصلة والسلم كل هذه الشروط‪ .‬أما المسلمون فداخلهم منها‬
‫أمر عظيم وقالوا‪ :‬سبحان الله كيف ن َُرد ّ إليهم من جاءنا مسلمًا‪ ،‬ول يرّدون‬
‫مْرتدًا؟ فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬إنه من ذهب مّنا إليهم‬
‫ن جاءهم ُ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فأبعده الله‪ ،‬ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا«‪.‬‬
‫‪Y‬‬
‫ً‬
‫أما المر الثالث‪ :‬وهو صد ّ المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشد تأثيرا في‬
‫قلوبهم‪ ،‬لن الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت آمنين‪ ،‬وقد‬
‫سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي الله عنه‪ :‬وهل ذكر أنه في هذا العام؟‬
‫ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين‪ ،‬وكان الكاتب عليبن أبي طالب‪ ،‬فأمله‬
‫سهيل‪ :‬اكتب‬
‫عليه الصلة والسلم‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم«‪ .‬فقال ُ‬
‫م‪ ،‬فأمره الرسول بذلك‪ ،‬ثم قال‪» :‬هذا ما صالح عليه محمد‬
‫باسمك الله ّ‬
‫رسول الله« فقال سهيل‪ :‬لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك‪ ،‬اكتب‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫محمدبن عبد الله‪ .‬فأمر عليه الصلة والسلم علي ّا ً بمحو ذلك وكتابة محمدبن‬
‫عبد الله‪ ،‬فامتنع‪ ،‬فمحاها النبي بيده‪ ،‬وكتبت نسختان نسخة لقريش ونسخة‬
‫للمسلمين‪.‬‬
‫ج ُ‬
‫ل في قيوده‪ ،‬وكان من‬
‫سهيل ي َ ْ‬
‫وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو َ‬
‫جْندلبن ُ‬
‫ح ِ‬
‫المسلمين الممنوعين من الهجرة‪ ،‬فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه‪،‬‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬اصبر واحتسب‪ ،‬فإن الله جاعل لك ولمن معك‬
‫صلحا ً وأعطيناهم‬
‫من المستضعفين فَرجا ً ومخرجًا‪ ،‬إّنا قد عقدنا بين القوم ُ‬
‫وأعطونا على ذلك عهدا ً فل نغدر بهم«‪.‬‬
‫خزاعة في عهد رسول الله ودخل بنو بكر في عهد‬
‫هذا‪ ،‬وقد دخلت قبيلة ُ‬
‫قريش‪.‬‬
‫ولما انتهى المر‪ ،‬أمر عليه الصلة والسلم أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم‪،‬‬
‫ما ً‬
‫وينحروا اله ْ‬
‫دي ليتحّللوا من عمرتهم‪ ،‬فاحتمل المسلمون من ذلك ه ّ‬
‫ُ‬
‫عظيمًا‪ ،‬حتى إنهم لم يبادروا بالمتثال‪ ،‬فدخل عليه الصلة والسلم على أم‬
‫المؤمنين‪ُ ،‬أم سلمة‪ ،‬وقال لها‪» :‬هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا«‪،‬‬
‫ملت نفسك أمرا ً عظيما ً في الصلح‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬يا رسول الله اعذرهم‪ ،‬فقد ح ّ‬
‫ج يا رسول الله‬
‫ورجع المسلمون من غير فتح فهم لذلك مكروبون‪ ،‬ولكن اخر ْ‬
‫وابدأهم بما تريد فإذا رأوْ َ‬
‫ك فعلت تبعوك‪ ،‬فتقدم عليه الصلة والسلم إلى‬
‫هَد ْي ِهِ فنحره ودعا بالح ّ‬
‫لق فحلق رأسه‪ ،‬فلما رآه المسلمون تواثبوا على‬
‫الهدي فنحروه وحلقوا‪ ،‬ثم رجع المسلمون إلى المدينة‪ ،‬وقد أمن ك ّ‬
‫ل فريق‬
‫الخر‪ .‬ولما قّر قرارهم جاءتهم مهاجرة ُأم كلثوم بنت عقبةبن أبي معيط‪،‬‬
‫أخت عثمان لمه‪ ،‬فطلبها المشركون فقالت‪ :‬يا رسول الله إني امرأة‪ ،‬وإن‬
‫َ‬
‫ن‬
‫رجعت إليهم فتنوني في ديني‪ ،‬فأنزل الله في سورة الممتحنة‪ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫حنوهُن الل ّ َ‬
‫ن‬
‫مت َ ِ ُ‬
‫جرا ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن فَإ ِ ْ‬
‫مُنوا ْ إ َِذا َ‬
‫م ب ِِإي َ‬
‫ه أعْل َ ُ‬
‫ُ‬
‫ت َفا ْ‬
‫مَها ِ‬
‫ت ُ‬
‫مَنا ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫جآءك ُ ُ‬
‫ءا َ‬
‫مان ِهِ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ن‬
‫ن إ ِلى الك ُ ّ‬
‫م يَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مَنا ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حلو َ‬
‫م وَل َ هُ ْ‬
‫ل لهُ ْ‬
‫ت فَل َ ت َْر ِ‬
‫ن ُ‬
‫مت ُ ُ‬
‫عَل ِ ْ‬
‫فارِ ل َ هُ ّ‬
‫جُعوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ف ُ‬
‫مآ أن َ‬
‫ن َوءاُتو ُ‬
‫نأ ُ‬
‫م أن َتنك ِ ُ‬
‫جَنا َ‬
‫قوا وَل َ ُ‬
‫ن إ َِذآ ءات َي ْت ُ ُ‬
‫ح عَلي ْك ُ ْ‬
‫هم ّ‬
‫جوَرهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫حوهُ ّ‬
‫ل َهُ ّ‬
‫س ُ‬
‫م‬
‫ف ُ‬
‫مآ َأن َ‬
‫ف ْ‬
‫مآ َأن َ‬
‫م ِ‬
‫م ُ‬
‫م وَل ْي َ ْ‬
‫وافِرِ َوا ْ‬
‫حك ْ ُ‬
‫قوا ْ ذ َل ِك ُ ْ‬
‫سئ َُلوا ْ َ‬
‫قت ُ ْ‬
‫سئ َُلوا ْ َ‬
‫وَل َ ت ُ ْ‬
‫كوا ْ ب ِعِ َ‬
‫صم ِ ال ْك َ َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م)‪(10‬‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫الل ّهِ ي َ ْ‬
‫كي ٌ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ُ‬
‫م ب َي ْن َك ْ‬
‫حك ُ‬
‫وقد تمكن أبو بصير عتبةبن أسيد الثقفي ــــ رضي الله عنه ــــ من الفرار‬
‫إلى رسول الله‪ ،‬فأرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه‪ ،‬فأمره‬
‫عليه الصلة والسلم بالرجوع معهما‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله أترّدني إلى الكفار‬
‫يفتنوني في ديني بعد أن خّلصني الله منهم؟ فقال‪» :‬إن الله جاعل لك‬
‫ولخوانك فرجًا«‪ ،‬فلم يجد بدا ً من اّتباعه‪ ،‬فرجع مع صاحبيه‪ ،‬ولما كان بذي‬
‫حَليفة عدا على أحدهما فقتله‪ ،‬وهرب منه الخر‪ ،‬فرجع إلى المدينة وقال‪ :‬يا‬
‫ال ُ‬
‫م‬
‫ت ذمتك‪ ،‬أما أنا فنجوت‪ ،‬فقال له‪» :‬اذهب حيث شئت ول ت ُ ِ‬
‫ق ْ‬
‫رسول الله وفَ ْ‬
‫بالمدينة« فذهب إلى محل بطريق الشام تمّر به تجارة قريش‪ ،‬فأقام به‬
‫من كانوا مسلمين بمكة وَنجوا‪ ،‬وسار إليه أبو جندلبن‬
‫واجتمع معه جمع م ّ‬
‫سهيل‪ ،‬واجتمع إليه جمع من العراب‪ ،‬وقطعوا الطريق على تجارة قريش‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫حتى قطعوا عنهم المداد‪ ،‬فأرسل رجال قريش لرسول الله يستغيثون به في‬
‫ساك من جاءه مسلمًا‪ ،‬فقبل منهم‬
‫إبطال هذا الشرط ويعطونه الحق في إم َ‬
‫ملها في‬
‫مة التي لم يتمكنوا من تح ّ‬
‫ذلك‪ ،‬وأزاح الله عن المسلمين هذه الغ ّ‬
‫الحديبية حينما أمرهم عليه الصلة والسلم برد ّ أبي جندل‪ ،‬وعلموا أن رأي‬
‫رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن تسبب عنه اختلط‬
‫الكفار بالمسلمين‪ ،‬فخالطت بشاشة السلم قلوبهم حتى قال أبو بكر رضي‬
‫م من فتح الحديبية ولكن الناس قصر‬
‫الله عنه‪ :‬ما كان فتح في السلم أعظ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جل لعجلة العباد‬
‫جلون‪ ،‬والله ل ي َعْ َ‬
‫ما كان بين محمد ورّبه‪ ،‬والعباد ُ ي َعْ َ‬
‫رأيهم ع ّ‬
‫حتى تبلغ المور ما أراد‪.‬‬
‫وفي رجوعه عليه الصلة والسلم من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح‪ ،‬وقال‬
‫حَنا ل َ َ‬
‫مِبينًا{ )الفتح‪ (1:‬وفي تسمية هذه الغزوة‬
‫سبحانه في أولها‪ :‬إ ِّنا فَت َ ْ‬
‫ك فَْتحا ً ّ‬
‫ديق‪.‬‬
‫دمنا لك عن الص ّ‬
‫بالفتح المبين تصديق لما ق ّ‬
‫مكاتبة الملوك‬
‫بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من‬
‫قريش‪ ،‬كاتب عليه الصلة والسلم ملوك الرض يدعوهم إلى السلم‪ ،‬واتخذ‬
‫إذ ذاك خاتما ً من فضة يختم به خطاباته‪ ،‬وكان نقشه‪ :‬محمد رسول الله‪،‬‬
‫حَية الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم‪ ،‬وأمره أن يدفعه إلى عظيم‬
‫جه دِ ْ‬
‫فو ّ‬
‫ُبصرى ليوصله إلى الملك‪.‬‬
‫كتاب قيصر‬
‫وكان في الكتاب‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم من محمد عبد الله ورسوله‬
‫إلى هَِرْقل عظيم الروم‪ ،‬سلم على من اّتبع الُهدى‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإني أدعوك‬
‫بدعاية السلم‪ ،‬أسلم تسَلم يؤتك الله أجرك مرتين‪ ،‬فإن توليت فإنما عليك‬
‫ل ال ْكتاب تعال َوا ْ إَلى ك َل ِمة سوآء بيننا وبينك ُ َ‬
‫ل ياأ َهْ َ‬
‫إثم الريسيين‪ :‬وقُ ْ‬
‫م أل ّ ن َعْب ُد َ‬
‫َ ٍ َ َ َََْ َََْ ْ‬
‫َِ ِ ََ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن الل ّهِ فَإن ت َوَل ّوْا ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫شرِ َ‬
‫ك ب ِهِ َ‬
‫ه وَل َ ن ُ ْ‬
‫شْيئا وَل ي َت ّ ِ‬
‫ضَنا ب َعْ ً‬
‫خذ َ ب َعْ ُ‬
‫ضا أْرَباًبا ّ‬
‫إ ِل ّ الل ّ َ‬
‫من ُدو ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫قوُلوا ْ ا ْ‬
‫ن)‪(64‬‬
‫فَ ُ‬
‫مو َ‬
‫شهَ ُ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫دوا ْ ب ِأّنا ُ‬
‫حديث أبي سفيان‬
‫ولما وصل هذا الكتاب قيصر‪ ،‬قال‪ :‬انظروا لنا من قومه أحدا ً نسأله عنه‪،‬‬
‫وكان أبو سفيانبن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة‪ ،‬فجاءت‬
‫عوه لمقابلة الملك فأجاب‪ ،‬ولما قدموا عليه في‬
‫سل قيصر لبي سفيان ود َ َ‬
‫ُر ُ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫م أّيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‬
‫القدس قال لتْر ُ‬
‫جمانه‪َ :‬‬
‫سلهُ ْ‬
‫فقال أبو سفيان‪ :‬أنا‪ ،‬لنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره‪ ،‬فقال‬
‫ن مني‪ ،‬ثم أمر أصحابه فجعلوا خلف ظهره‪ ،‬ثم قال لترجمانه‪ :‬قل‬
‫قيصر‪ :‬اد ُ‬
‫دمت هذا أمامكم لسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‪،‬‬
‫لصحابه إنما ق ّ‬
‫وقد جعلتكم خلفه كيل تخجلوا من رد ّ كذبه عليه إذا كذب‪ ،‬ثم سأله كيف‬
‫نسب هذا الرجل فيكم؟ قال‪ :‬هو فينا ذو نسب‪ .‬قال‪ :‬هل تكّلم بهذا القول‬
‫أحد ٌ منكم قبله؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قال؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فهل كان من آبائه من ملك؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فأشراف‬
‫الناس ي َت ّب ُِعونه أم ضعفاؤهم؟ قال‪ :‬بل ضعفاؤهم‪ .‬قال‪ :‬فهل يزيدون أم‬
‫خطة لدينه؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫س ْ‬
‫ينقصون؟ قال‪ :‬بل يزيدون‪ .‬قال‪ :‬هل يرتد ّ أحد منهم َ‬
‫قال‪ :‬هل يغدر إذا عاهد؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ونحن الن منه في ذمة ل ندري ما هو‬
‫فاعل فيها‪ .‬قال‪ :‬فهل قاتلتموه؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فكيف حربكم وحربه؟ قال‪:‬‬
‫مركم؟ قال‪ :‬يقول‪:‬‬
‫الحرب بيننا وبينه ِ‬
‫س َ‬
‫م يأ ُ‬
‫جال مرة لنا ومرة علينا‪ .‬قال‪ :‬فَب ِ َ‬
‫ً‬
‫ما كان يعبد آباؤنا ويأمر‬
‫»اعبدوا الله وحده ول تشركوا به شيئا‪ ،‬وينهى ع ّ‬
‫بالصلة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء المانة«‪.‬‬
‫ت أنه فيكم ذو نسب‪ ،‬وكذلك‬
‫فقال الملك‪ :‬إني سألتك عن نسبه فزعم َ‬
‫الرسل ت ُْبعث في نسب قومها‪ ،‬وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟‬
‫فزعمت أن ل‪ ،‬فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت‪ :‬رج ٌ ْ‬
‫ل قيل‬
‫ٌ‬
‫َ ْ‬
‫ل يأت َ ّ‬
‫ُ‬
‫م بقو ٍ‬
‫ن ل‪،‬‬
‫تأ ْ‬
‫قبله‪ ،‬وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعم َ‬
‫ب على الناس ويكذب على الله‪ ،‬وسألتك هل كان‬
‫فقلت‪ :‬ما كان ليذَر الكذ َ‬
‫ملك‬
‫من آبائه من ملك؟ فقلت‪ :‬ل‪ ،‬فلو كان من آبائه ملك لقلت‪ :‬رجل يطلب ُ‬
‫ت‪ :‬بل ضعفاؤهم وهم‬
‫أبيه‪ ،‬وسألتك أأشرا ُ‬
‫ف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقل َ‬
‫أتباع الرسل‪ ،‬وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت‪ :‬بل يزيدون‪ ،‬وكذلك‬
‫خطة لدينه؟ فقلت‪ :‬ل‪ ،‬وكذلك‬
‫س ْ‬
‫اليمان حتى يتم‪ ،‬وسألتك هل يرتد ّ أحد منهم َ‬
‫اليمان حين تخالط بشاشته القلوب‪ ،‬وسألتك‪ :‬هل قاتلتموه؟ فقلت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫سل ُتبتلى ثم تكون لهم العاقبة‪،‬‬
‫وإن الحرب بينكم وبين ِ‬
‫س َ‬
‫جال‪ ،‬وكذلك الّر ُ‬
‫ت أنه يأمر بالصلة والصدق والعفاف والوفاء‬
‫وسألتك‪ :‬بماذا يأمر؟ فزعم َ‬
‫بالعهد وأداء المانة‪ ،‬وسألتك‪ :‬هل يغدر؟ فذكرت أن ل‪ ،‬وكذلك الرسل ل‬
‫ت أنه مبعوث‪ ،‬ولم أظن أنه فيكم‪ ،‬وإن كان‬
‫ي‪ ،‬وقد علم ُ‬
‫تغدر‪ ،‬فعلم ُ‬
‫ت أنه نب ّ‬
‫ً‬
‫ي هاتين‪ ،‬ولو أعلم أني أخلص إليه‬
‫ما كّلمتني به حقا فسيملك موضعَ قدم ّ‬
‫ت الذين عنده وكثر ل َغَ ُ‬
‫طهم فل‬
‫ت أصوا ُ‬
‫لتكلفت ذلك‪ ،‬قال أبو سفيان‪ :‬فَعَل َ ْ‬
‫أدري ما قالوا وُأمر بنا فأخرجنا‪.‬‬
‫فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال‪ :‬لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه‬
‫ملك بني الصفر‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫كرة له‪ ،‬ثم أمر بأبوابها‬
‫ولما سار قيصر إلى حمص أِذن لعظماء الروم في د َ ْ‬
‫ُ‬
‫ملككم‬
‫فأغلقت ثم قال‪ :‬يا معشر الروم هل لكم في الفلح والرشد وأن يثبت ُ‬
‫مر الوحش إلى البواب فوجدوها مغلقة‪،‬‬
‫فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة ُ‬
‫ح ُ‬
‫ي‪ ،‬فقال لهم‪ :‬إني قلت مقالتي أختبر‬
‫فلما رأى قيصر نفرتهم‪ ،‬قال‪ :‬رّدوهم عل ّ‬
‫ملكه على‬
‫ح ّ‬
‫دتكم على دينكم‪ ،‬فسكتوا له‪ ،‬ورضوا عنه‪ .‬فغلبه ُ‬
‫بها ش ّ‬
‫ب ُ‬
‫السلم‪ ،‬فذهب بإثمه وإثم رعيته كما قال عليه الصلة والسلم ولكنه رّد‬
‫ة رد ّا ً جمي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫دحي َ‬
‫كتاب أمير ُبصرى‬
‫وأرسل عليه الصلة والسلم الحارثبن عمير الزدي بكتاب إلى أمير ُبصرى‪،‬‬
‫فلما بلغ مؤتة‪ ،‬وهي قرية من عمل البلقاء بالشام‪ ،‬تعّرض له شرحبيلبن‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سل‬
‫عمرو الغساني‪ ،‬فقال له‪ :‬أين تريد؟ قال‪ :‬الشام‪ .‬قال‪ :‬لعّلك من ُر ُ‬
‫ت عنقه‪ .‬ولم ُيقتل لرسول الله عليه الصلة‬
‫محمد؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأمر به‪ ،‬ف ُ‬
‫ضرب َ ْ‬
‫جدا ً شديدا‪ً.‬‬
‫جد َ لذلك وَ ْ‬
‫والسلم رسول غيره‪ ،‬وقد وَ َ‬
‫كتاب الحارثبن أبي َ‬
‫مر‬
‫ش ِ‬
‫عبن وهب إلى أمير دمشق ــــ من قِب َ َ‬
‫ل‬
‫جه عليه الصلة والسلم شجا َ‬
‫وو ّ‬
‫ْ‬
‫هَِرقل ــــ الحارثبن أبي َ‬
‫مر‪ ،‬وكان يقيم بغوطتها وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان‬
‫ش ِ‬
‫الرحيم‪ ،‬من محمد رسول الله إلى الحارثبن أبي شمر‪ ،‬سلم على من اتبع‬
‫الهدى‪ ،‬وآمن بالله‪ ،‬وصدق‪ ،‬وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده ل شريك له‪،‬‬
‫ملكي مّني‪.‬‬
‫يبقى لك ملكك« فلما قرأ الكتاب رمى به‪ ،‬وقال‪ :‬من ينزع ُ ُ‬
‫واستعد ّ ليرس َ‬
‫ل جيشا ً لحرب المسلمين‪ ،‬وقال لشجاع‪ :‬أخبر صاحبك بما ترى‪،‬‬
‫ثم أرسل إلى قيصر يستأذنه في ذلك‪ ،‬وصادف أن كان عنده دحية فكتب‬
‫قيصُر إليه يثنيه عن هذا العزم ويأمره أن ُيهّيىء بإيلياء ما يلزم لزيارته‪ ،‬فإنه‬
‫ف‬
‫ث كتاب قيصر صر َ‬
‫بعد أن قهر الفرس نذر زيارتها‪ ،‬فلما رأى الحار ُ‬
‫ه بنفقة وكسوة‪.‬‬
‫شجا َ‬
‫صل َ ُ‬
‫عبن وهب بالحسنى‪ ،‬وو َ‬
‫قوِْقس‬
‫م َ‬
‫كتاب ال ُ‬
‫جه عليه الصلة والسلم حاطَببن أبي ب َْلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير‬
‫وو ّ‬
‫مصر من جهة قيصر‪ ،‬وكان فيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد‬
‫من اتبع الهدى‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط‪ ،‬سلم على َ‬
‫ت‬
‫م تَ ْ‬
‫سَلم ُيؤتك الله أجرك مرتين‪ ،‬وإن تولي َ‬
‫فإني أدعوك بدعاية السلم أسل ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فإنما عليك إثم القبط«‪ ،‬وياأ َهْ َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫م ْ‬
‫مةٍ ال ُ‬
‫ب ت ََعالوْا إ ِلى كل ِ َ‬
‫ل الك َِتا ِ‬
‫ري َ‬
‫ري َ‬
‫مت َ ِ‬
‫مت َ ِ‬
‫ن{ الية )آل عمران‪ (64 :‬فأوصله له حاطب بإسكندرية‪ ،‬فلما قرأه‬
‫م ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫مت َ ِ‬
‫من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال‬
‫قال‪ :‬ما منعه إن كان نبي ّا ً أن يدعو على َ‬
‫ت تشهد ُ أن عيسى ابن مريم رسو ُ‬
‫ل الله‪ ،‬فما له حيث أخذه‬
‫حاطب‪ :‬ألس َ‬
‫ّ‬
‫قومه فأرادوا أن يقتلوه أل يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى رفعه الله‬
‫ت في‬
‫إليه؟ قال‪ :‬أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم‪ .‬ثم قال‪ :‬إني قد نظر ُ‬
‫ت أنه ل يأمر بمزهود فيه‪ ،‬ول ينهى عن مرغوب فيه‪ ،‬ولم‬
‫أمر هذا النبي فوجد ُ‬
‫ضا ّ‬
‫وة‪ :‬إخراج‬
‫النب‬
‫آلة‬
‫معه‬
‫ت‬
‫ووجد‬
‫الكذاب‪،‬‬
‫الكاهن‬
‫ول‬
‫ل‪،‬‬
‫أجده بالساحر ال ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫الغائب المستور‪ ،‬والخبار بالنجوى‪ ،‬وسأنظر‪.‬‬
‫ثم كتب رد ّ الجواب يقول فيه‪ :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ :‬لمحمدبن عبد الله‬
‫ت‬
‫من المقوقس عظيم ِ القبط‪ ،‬سلم عليك‪ ،‬أما بعد‪ :‬فقد قرأت كتابك وفهم ُ‬
‫ج‬
‫ت أظن أنه يخر ُ‬
‫ت أن نبيا ً قد بقي وكن ُ‬
‫ما ذكرت فيه وما تدعو إليه‪ ،‬وقد علم ُ‬
‫ت رسولك‪ ،‬وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في‬
‫بالشام‪ ،‬وقد أكرم ُ‬
‫القبط‪ ،‬وبثياب‪ ،‬وأهديت إليك بغلة تركبها والسلم‪ .‬وإحدى الجاريتين مارية‬
‫التي تسّرى بها عليه الصلة والسلم‪ ،‬وجاء منها بولده إبراهيم‪ ،‬والخرى‬
‫أعطاها لحسانبن ثابت‪ .‬ولم يسلم المقوقس‪.‬‬
‫كتاب الّنجاشي‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ري بكتاب إلى النجاشي ملك‬
‫ووجه عليه الصلة والسلم عمروبن أمية ال ّ‬
‫ض ْ‬
‫م ِ‬
‫الحبشة وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم من محمد رسول الله‪ ،‬إلى‬
‫النجاشي عظيم الحبشة سلم‪ .‬أما بعد‪ :‬فإني أحمد إليك الله الذي ل إله إل ّ‬
‫هو‪ ،‬الملك القدوس السلم المؤمن المهيمن‪ ،‬وأشهد أن عيسى ابن مريم‬
‫روح الله‪ ،‬وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة‪ ،‬فحملت بعيسى‬
‫من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده‪ ،‬وإني أدعوك إلى الله وحده ل شريك له‪،‬‬
‫والموالة على طاعته‪ ،‬وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني‪ ،‬فإني رسول الله‪،‬‬
‫وإني أدعوك وجنودك إلى الله عّز وج ّ‬
‫ت‪ ،‬فاقبلوا‬
‫ت ونصح ُ‬
‫ل‪ ،‬وقد بّلغ ُ‬
‫نصيحتي‪ ،‬والسلم على من اتبع الهدى« ولما وصله الكتاب احترمه غاية‬
‫الحترام‪ ،‬وقال لعمرو‪ :‬إني أعلم والله أن عيسى ب ّ‬
‫ن أعواني‬
‫شَر به‪ ،‬ولك ّ‬
‫ُ‬
‫ن وألين القلوب‪.‬‬
‫بالحبشة قليل فأنظرني حتى أك َّثر العوا َ‬
‫ن بقي من مهاجري الحبشة الرجوع إلى رسول الله‬
‫وقد عرض عمرو على َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫بالمدينة‪ ،‬وكان من المهاجرين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج عبيد اللهبن‬
‫صر‪،‬‬
‫جحش الذي كان أسلم وهاجر بها‪ ،‬ولكن قد غلبت عليه الشقاوة فتن ّ‬
‫ُ‬
‫م حبيبة وهي بالحبشة‪ ،‬والذي زّوجها له‬
‫فتزوج عليه الصلة والسلم أ ّ‬
‫النجاشي بتوكيل منه عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫كتاب كسرى‬
‫جه عليه الصلة والسلم عبد اللهبن حذافة السهمي بكتاب إلى كسرى‪،‬‬
‫وو ّ‬
‫ملك الفرس‪ ،‬وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد رسول الله إلى‬
‫كسرى عظيم فارس‪ ،‬سلم على من ات ّب َعَ الهدى‪ ،‬وآمن بالله ورسوله‪ ،‬وشهد‬
‫أن ل إله إل ّ الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأن محمدا ً عبده ورسوله‪ ،‬أدعوك بدعاية‬
‫الله‪ ،‬فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة‪ ،‬لنذر من كان حي ًّا‪ ،‬ويحقّ القول‬
‫على الكافرين‪ ،‬أسلم تسلم فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس« فلما وصله‬
‫ه استكبارًا‪ ،‬ولما بلغه عليه الصلة والسلم ذلك‪ ،‬قال‪» :‬مّزق الله‬
‫مّزقَ ُ‬
‫الكتاب َ‬
‫ً‬
‫ملكه كل ممّزق« وقد فعل‪ ،‬فكانت مملكته أقرب الممالك سقوطا وقد بدأ‬
‫ُ‬
‫من يأتي‬
‫هذا الشقي بالعدوان‪ ،‬فأرسل لعا ِ‬
‫مله باليمن أن يو ّ‬
‫جه إلى الرسول َ‬
‫َ‬
‫به إليه فعاجله الله بقيام ابنه شيرويه عليه وقت ْل ِهِ له‪ ،‬ثم أرسل لعامله في‬
‫ما أمره به أبوه‪.‬‬
‫اليمن ينهاه ع ّ‬
‫كتاب المنذربن ساوى‬
‫جه عليه الصلة والسلم العلَءبن الحضرمي بكتاب إلى المنذربن ساوى‬
‫وو ّ‬
‫ملك البحرين يدعوه إلى السلم وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬سلم‬
‫ن صلى صلتنا‪،‬‬
‫أنت‪ ،‬فإني أحمد إليك الله الذي ل إله إل ّ هو‪ .‬أما بعد‪ :‬فإ ّ‬
‫نم ْ‬
‫ن‬
‫مة الرسول‪َ ،‬‬
‫واستقبل ِقبلتنا‪ ،‬وأكل ذبيحتنا‪ ،‬فذلك المسلم له ذمة الله وذ ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ذلك من المجوس فإنه آمن‪ ،‬ومن أبى فإن عليه الجزية« فأسلم وكتب‬
‫أح ّ‬
‫في رد الجواب‪ :‬أما بعد‪ ،‬يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين‬
‫ن كرهه‪ ،‬وبأرضي‬
‫فمنهم من أح ّ‬
‫ب السلم وأعجبه ودخل فيه‪ ،‬ومنهم َ‬
‫م ْ‬
‫ي في ذلك أمرك‪ .‬فكتب إليه عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫مجوس ويهود فأحدث إل ّ‬
‫»بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد رسول الله إلى المنذربن ساوى‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سلم عليك‪ ،‬فإني أحمد الله إليك الذي ل إله إل ّ هو‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله‬
‫وأن محمدا ً عبده ورسوله‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإني أذكرك الله عّز وج ّ‬
‫ن ينصح‬
‫ل فإنه َ‬
‫م ْ‬
‫سلي‪ ،‬ويّتبع أمرهم فقد أطاعني‪ ،‬ومن‬
‫فإنما ينصح لنفسه‪ ،‬وإنه من ُيطعْ ُر ُ‬
‫ً‬
‫فعتك في‬
‫نصح لهم فقد نصح لي‪ ،‬وإن ُرسلي قد أثنوا عليك خيرا‪ ،‬وإني قد ش ّ‬
‫قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه‪ ،‬وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل‬
‫منهم‪ ،‬وإنك مهما تصلح فلن ن َعْزِل َ َ‬
‫ك عن عملك‪ ،‬ومن أقام على يهوديته أو‬
‫مجوسيته فعليه الجزية«‪.‬‬
‫مان‬
‫ي عُ َ‬
‫كتاب َ‬
‫مل ِك َ ْ‬
‫فر وعبد ابني‬
‫جي ْ َ‬
‫جه عليه الصلة والسلم عمروبن العاص بكتاب إلى َ‬
‫وو ّ‬
‫ن وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد رسول‬
‫ما َ‬
‫جلن َ‬
‫ال ُ‬
‫دى ملكي عُ َ‬
‫َ‬
‫دى‪ ،‬سلم على من اتبع الهدى‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإني‬
‫جي ْ َ‬
‫جلن ْ َ‬
‫فر وعبد ابني ال ُ‬
‫الله إلى َ‬
‫ً‬
‫أدعوكما بدعاية السلم‪ ،‬أسلما تسلما‪ ،‬فإني رسول الله إلى الناس كافة‬
‫لنذر من كان حي ّا ً ويحقّ القول على الكافرين‪ ،‬وإنكما إن أقررتما بالسلم‬
‫وّليتكما‪ ،‬وإن أبيتما َأن تقّرا بالسلم فإن ملككما زائل‪ ،‬وخيلي تح ّ‬
‫ل‬
‫بساحتكما‪ ،‬وتظهر نبوتي على ملككما« فلما دخل بناديهما عمرو سأله عبدبن‬
‫ما يأمر به الرسول وينهى عنه‪ ،‬فقال‪ :‬يأمر بطاعة الله عّز وج ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫ال ُ‬
‫جل َْندى ع ّ‬
‫وينهى عن معصيته‪ ،‬ويأمر بالبّر‪ ،‬وصلة الرحم‪ ،‬وينهى عن الظلم والعدوان‬
‫والزنا وشرب الخمر‪ ،‬وعن عبادة الحجر والوثن والصليب‪ ،‬فقال‪ :‬ما أحسن‬
‫دق‬
‫هذا الذي يدعو إليه ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونص ّ‬
‫مْلكه من أن يدعه ويصير تابعًا‪ .‬قال عمرو‪ :‬إن أسلم‬
‫نب ُ‬
‫به‪ ،‬ولكن أخي أض ّ‬
‫مل ّ ُ‬
‫كه رسول الله على قومه‪ ،‬فأخذ الصدقة من غنيهم فرّدها على‬
‫أخوك َ‬
‫خلقٌ حسن‪ .‬وما الصدقة؟ فأخبره بما فرض الله‬
‫فقيرهم‪ ،‬فقال عبد‪ :‬إن هذا ل ُ‬
‫من الصدقات في الموال‪ ،‬ولما ذكر المواشي‪ ،‬قال‪ :‬يا عمرو يؤخذ من‬
‫سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فقال عبد‪:‬‬
‫والله ما أرى قومي على بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا‪ .‬ثم إن عبدا ً‬
‫ن قلبه حتى أسلم هو وأخوه‪،‬‬
‫مرا ً لخيه جيفر فتكلم معه عمرو بما أل َ‬
‫أوصل عَ ْ‬
‫م ّ‬
‫كناه ُ من الصدقات‪.‬‬
‫و َ‬
‫كتاب هَوَْذةبن علي‬
‫وذةبن علي‬
‫وو ّ‬
‫جه عليه الصلة والسلم َ‬
‫سل ِْيطبن عمرو العامري بكتاب إلى هَ ْ‬
‫ملك اليمامة‪ ،‬وفيه‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد رسول الله إلى‬
‫وذةبن علي‪ ،‬سلم على من اتبع الهدى‪ ،‬وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى‬
‫هَ ْ‬
‫ر‪ ،‬فأسلم تسلم‪ ،‬وأجعل لك ما تحت يديك« فلما جاءه الكتاب‬
‫والحاف‬
‫ف‬
‫خ‬
‫ال ُ ّ‬
‫ِ‬
‫كتب في رّده‪ :‬ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم‬
‫والعرب تهاب مكاني‪ ،‬فاجعل لي بعض المر أتبعك‪.‬‬
‫ت‪ ،‬باد َ‬
‫ولما بلغ ذلك رسول الله قال‪» :‬لو سألني قطعة من الرض ما فعل ُ‬
‫صَرف الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫وباد ما في يديه«‪ .‬فلم يلبث أن مات ُ‬
‫من َ‬
‫ّ‬
‫من فتح مكة‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم يولي على كل قوم قبلوا السلم‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫كبيرهم‪.‬‬
‫سابعة‬
‫سَنة ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫خيبر‬
‫غزوة َ‬
‫وفي محرم السنة السابعة أمر عليه الصلة والسلم بالتجّهز لغزو يهود خيبر‪،‬‬
‫مهَي ٍّج للحزاب ضد رسول الله في غزوة الخندق‪ ،‬والذين ل‬
‫الذين كانوا أعظم ُ‬
‫دمنا ذلك في‬
‫يزالون مجتهدين في محالفة العراب ضد رسول الله كما ق ّ‬
‫قصة كعببن الشرف‪ .‬وقد استنفر رسو ُ‬
‫ن حوله من العراب‬
‫ل الله لذلك َ‬
‫م ْ‬
‫الذين كانوا معه بالحديبية‪ ،‬وجاء المخّلفون عنها ليؤَذن لهم‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم‪» :‬ل تخرجوا معي إل رغبة في الجهاد‪ ،‬أما الغنيمة فل أعطيكم منها‬
‫شيئًا«‪ ،‬وأمر مناديا ً ينادي بذلك‪ ،‬ثم خرج عليه الصلة والسلم بعد أن وّلى‬
‫ُ‬
‫م سلمة‪ ،‬ولما‬
‫سَبا َ‬
‫عبن عُْرفُط َ َ‬
‫على المدينة ِ‬
‫ة الغفاري‪ .‬وكان معه من أزواجه أ ّ‬
‫وصل جيش المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من‬
‫الشمال الغربي‪ ،‬رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫م ول غائبًا‪ ،‬إنكم تدعون سميعا ً قريبا ً‬
‫»ارفقوا بأنفسكم‪ ،‬فإنكم ل تدعون أص ّ‬
‫وهو معكم«‪.‬‬
‫وكانت حصون خيبر ثلثة‪ ،‬منفصل ً بعضها عن بعض‪ ،‬وهي‪ :‬حصون الن ّ َ‬
‫طاة‪،‬‬
‫وحصون ال َ‬
‫كتيبة‪ ،‬وحصون ال ّ‬
‫صْعب‪،‬‬
‫شق‪ ،‬والولى ثلثة‪ :‬حصن ناعم‪ ،‬وحصن ال ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬وحسن البريء‪ ،‬والثالثة ثلثة‬
‫وحصن قُل ّ ٍ‬
‫ة‪ ،‬والثانية حصنان‪ :‬حصن أب ّ‬
‫للم‪ ،‬فبدأ عليه الصلة‬
‫حصون‪ :‬حصن ال َ‬
‫س ِ‬
‫موص‪ ،‬وحصن الوَط ِْيح‪ ،‬وحصن ال ّ‬
‫ق ُ‬
‫ً‬
‫والسلم بحصون الّنطاة‪ ،‬وعسكر المسلمون شرقيها بعيدا عن مدى النبل‪،‬‬
‫وأمر عليه الصلة والسلم أن يقطع نخلهم ليرهبهم حتى يسلموا‪ ،‬فقطع‬
‫المسلمون نحو أربعمائة نخلة‪ .‬ولما رأى عليه الصلة والسلم تصميم اليهود‬
‫على الحرب نهى عن القطع‪ ،‬ثم ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمراماة‪ ،‬وكان‬
‫لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين فلم يصنع في ذلك اليوم شيئًا‪ ،‬وفيه مات‬
‫محمودبن مسلمة أخو محمدبن مسلمة‪ ،‬وصار عليه الصلة والسلم يغدو كل‬
‫يوم مع بعض الجيش للمناوشة‪ ،‬ويخّلف على العسكر أحد المسلمين‪ ،‬حتى‬
‫إذا كانوا في الليلة السادسة‪ ،‬ظفر حارس الجيش‪ ،‬وهو عمربن الخطاب‪،‬‬
‫بيهودي خارج في جوف الليل‪ ،‬فأتى به رسول الله عليه الصلة والسلم‪ ،‬ولما‬
‫من ُْتموني أّدلكم على أمر فيه نجاحكم‪ d.‬فقالوا‪:‬‬
‫أدرك الرجل الرعب قال‪ :‬إن أ ّ‬
‫َ‬
‫مّناك‪ ،‬فقال‪ :‬إن أهل هذا الحصن أدركهم الملل والتعب‪ ،‬وقد‬
‫د ُل َّنا فقد أ ّ‬
‫تركتهم يبعثون بأولدهم إلى حصن ال ّ‬
‫شق‪ ،‬وسيخرجون لقتالكم غدًا‪ ،‬فإذا فتح‬
‫عليكم هذا الحصن غدا ً فإني أدلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات ودروع‬
‫وسيوف‪ ،‬يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون‪ ،‬فإنكم تنصبون المنجنيق‪،‬‬
‫ويدخل الرجال تحت الدبابات‪ ،‬فينقبون الحصن فتفتحه من يومك‪ ،‬فقال عليه‬
‫ُ‬
‫ب الله‬
‫الصلة والسلم لمحمدبن مسلمة‪» :‬سأعطي الراية غدا ً رجل ً يح ّ‬
‫ورسوله ويحّبانه« فبات المهاجرون والنصار كلهم يتمّنونها‪ ،‬حتى قال عمربن‬
‫الخطاب‪ :‬ما تمنيت المارة إل ليلتئذ‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫فلما كان الغد سأل عليه الصلة والسلم عن عليبن أبي طالب فقيل له‪ :‬إنه‬
‫ف َ‬
‫ل في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن‬
‫ن يأتيه به‪ ،‬ولما جاء ت َ َ‬
‫أرمد‪ ،‬فأرسل َ‬
‫م ْ‬
‫بهما شيء‪ ،‬ثم أعطاه الراية‪ ،‬فتوجه مع المسلمين للقتال‪ ،‬وهناك وجدوا‬
‫ب‪ ،‬وهو‬
‫ح ٌ‬
‫مْر َ‬
‫ي‪ ،‬ثم خرج َ‬
‫اليهود متجهزين‪ ،‬فخرج يهودي يطلب الب َِراز فقتله عل ّ‬
‫وام‪ ،‬ثم‬
‫أشجع القوم‪ ،‬فألحقه برفيقه‪ ،‬فخرج أخوه ياسر‪ ،‬فقتله الزبيربن الع ّ‬
‫حم َ‬
‫ل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم‪ ،‬وتبعوهم حتى‬
‫دخلوا الحصن بالقوة وانهزم العداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن‬
‫ب‪ ،‬وغنم المسلمون من حصن ناعم كثيرا ً من الخبز والتمر‪ ،‬ثم تتبعوا‬
‫صعْ ِ‬
‫ال ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صْعب‪ ،‬فقاتل عنه اليهود قتال شديدا حتى رد عنه‬
‫اليهود إلى حصن ال ّ‬
‫المسلمون‪ ،‬ولكن ثبت الحباببن المنذر ومن معه وقاتلوا قتال ً شديدا ً حتى‬
‫هزموا اليهود‪ ،‬فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم الحصن‪ ،‬فوجدوا فيه غنائم كثيرة‬
‫من الطعام فأمر عليه الصلة والسلم مناديا ً يقول‪» :‬كلوا واعلفوا دوابكم ول‬
‫تأخذوا شيئًا«‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فتبعهم‬
‫ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حسن قُل ّ ٍ‬
‫المسلمون‪ ،‬وحاصروهم ثلثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه‪ ،‬وفي اليوم‬
‫الرابع دّلهم يهودي على جداول الماء التي يستقي منها اليهود‪ ،‬فمنعوها عنهم‪،‬‬
‫فخرجوا‪ ،‬وقاتلوا قتال ً شديدا ً انتهى بهزيمتهم إلى حصون ال ّ‬
‫ق‪ ،‬فتبعهم‬
‫ش ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬فخرج أهله‪ ،‬وقاتلوا قتال ً شديدا ً أبلى فيه أبو‬
‫المسلمون وبدؤوا بحصن أب َ ّ‬
‫ة‪ ،‬ووجد‬
‫دجانة النصاري بلًء حسنا ً حتى تمكن من دخول الحصن عَْنو ً‬
‫المسلمون فيه أثاثا ً كثيرا ً ومتاعا ً وغنما ً وطعامًا‪ ،‬وهرب المنهزمون منه إلى‬
‫حصن البريء‪ ،‬فتمنعوا به أشد التمّنع‪ ،‬وكان أهله أشد ّ اليهود رميا ً بالنبل‬
‫والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه‪ ،‬فنصب المسلمون عليه‬
‫المنجنيق فوقع في قلب أهله الرعب‪ ،‬وهربوا منه من غير عناء شديد‪ ،‬فوجد‬
‫فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»اغسلوها واطبخوا فيها«‪.‬‬
‫قموص‪،‬‬
‫ثم تتّبع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكتيبة‪ ،‬وبدأوا بحصن ال َ‬
‫سبيت‬
‫فحاصروه عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد عليبن أبي طالب‪ ،‬ومنه ُ‬
‫حيّيبن أخطب‪ ،‬ثم سار المسلمون لحصار حصني الوطيح‬
‫صفية بنت ُ‬
‫سلِلم‪ ،‬فلم يقاوم أهلهما بل سّلموا طالبين حقن دمائهم‪ ،‬وأن يخرجوا من‬
‫وال ّ‬
‫أرض خيبر بذراريهم ل يصطحب الواحد منهم إل ثوبا ً واحدا ً على ظهره‪،‬‬
‫فأجابهم رسول الله إلى ذلك‪ ،‬وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع‪،‬‬
‫وأربعمائة سيف‪ ،‬وألف رمح‪ ،‬وخمسمائة قوس عربية‪ ،‬ووجدوا صحفا ً من‬
‫التوراة فسّلموها لطاِلبيها‪.‬‬
‫قيق لنه أنكر‬
‫ح َ‬
‫وقد أمر عليه الصلة والسلم بقتل كنانةبن الربيعبن أبي ال ُ‬
‫حي َّيبن أخطب‪ ،‬وقد عثر عليها المسلمون‪ ،‬فوجدوا فيها أساور ودمالج‬
‫ي ُ‬
‫ُ‬
‫حل ِ ّ‬
‫وخلخيل وقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬وقتل من‬
‫اليهود ثلثة وتسعون رج ً‬
‫ل‪ ،‬وفي هذه الغزوة أهدت إحدى نساء اليهود ك َُراع‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ف َ‬
‫ظها حيث ُأعلم أنها‬
‫شاة مسمومة لرسول الله‪ ،‬فأخذ منها مضغة‪ ،‬ثم ل َ َ‬
‫مسمومة‪ ،‬وأكل منها ب ِ ْ‬
‫شربن البراء فمات لوقته‪ ،‬واحتجم رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وجيء له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة‪ ،‬فسألها عن سبب‬
‫ذلك فأجابت‪ :‬قلت إن كان نبي ّا ً لن يضّره‪ ،‬وإن كان كاذبا ً أراحنا الله منه‪ ،‬فعفا‬
‫عنها عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫زواج صفية‬
‫ي‪ ،‬سيد‬
‫وبعد تمام الظفر والنصر تزوج عليه الصلة والسلم صفية بنت حي ّ‬
‫ُ‬
‫قَها‪ ،‬وقد أسلمت رضي الله عنها‪ ،‬فشرفت بأمومة‬
‫عت ْ َ‬
‫بني النضير‪ ،‬وأصدقها ِ‬
‫المؤمنين‪.‬‬
‫النهي عن نكاح المتعة‬
‫ونهى عليه الصلة والسلم ــــ وهو بخيبر ــــ عن نكاح المتعة‪ ،‬وهي‪ :‬النكاح‬
‫ل وقد كان حلل ً في الجاهلية‪ ،‬واستعمل في بدء السلم حتى حّرمه‬
‫لج ٍ‬
‫مر الهلية فأكفأ‬
‫الشرع في هذه السنة‪ ،‬ونهى كذلك عن أكل لحوم ال ُ‬
‫ح ُ‬
‫المسلمون قدورها بعد أن نضجت ولم يطعموها‪.‬‬
‫رجوع مهاجري الحبشة‬
‫دم من الحبشة جعفربن أبي طالب ومعه‬
‫وحين رجوع المسلمين من خيبر ق ِ‬
‫ً‬
‫الشعريون‪ :‬أبو موسى وقومه‪ ،‬بعد أن أقاموا فيها نحوا من عشر سنين آمنين‬
‫مطمئنين‪ ،‬وفرح عليه الصلة والسلم بمقدمهم فرحا ً عظيمًا‪ ،‬وأعطى‬
‫ُ‬
‫حبيبة بنت‬
‫م َ‬
‫للشعريين من مغانم الحصون المفتوحة صلحًا‪ ،‬وكان مع جعفر أ ّ‬
‫ُ‬
‫م المؤمنين‪ .‬وقدم في هذا الوقت على النبي عليه الصلة‬
‫سفيان أ ّ‬
‫أبي ُ‬
‫والسلم الدوسيون إخوان أبي هريرة رضي الله عنه وهو معهم‪ ،‬فأعطاهم‬
‫أيضا ً رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫دك‬
‫فتح فَ َ‬
‫دك‬
‫ن يطلب من يهود فَ َ‬
‫وبعد تمام الفتح‪ ،‬أرسل عليه الصلة والسلم َ‬
‫م ْ‬
‫النقياد والطاعة‪ ،‬فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم‪ ،‬ويتركوا‬
‫صة ُينفق منها على نفسه‪،‬‬
‫الموال‪ .‬وكانت أرض فدك هذه لرسول الله خا ّ‬
‫َ‬
‫م‪.‬‬
‫مهُ ْ‬
‫ويعول منها صغيربن هاشم ويزوج منها أي ّ َ‬
‫صلح تيماء‬
‫ولما بلغ يهود تيماء ما فعله المسلمون بيهود خيبر صالحوا على دفع الجزية‪،‬‬
‫ومكثوا في بلدهم آمنين مطمئنين‪.‬‬
‫قرى‬
‫فتح وادي ال ُ‬
‫ثم دعا عليه الصلة والسلم يهود َ وادي القرى إلى الستسلم فأبوا وقاتلوا‪،‬‬
‫فقاتلهم المسلمون‪ ،‬وأصابوا منهم أحد عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬وغنموا منهم مغانم كثيرة‪،‬‬
‫مسها عليه الصلة والسلم‪ ،‬وترك الرض في أيدي أهلها يزرعونها بشطر‬
‫َ‬
‫خ ّ‬
‫ما ُيخرجون منها‪ ،‬وكذلك صنع بأرض خيبر‪ ،‬وكان يرسل إليهم عبد اللهبن‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫رواحة لتقدير الثمر‪ ،‬وكان تقديره شديدا ً عليهم‪ ،‬فأرادوا أن يرشوه‪ ،‬فقال‬
‫ب الناس‬
‫سحت؟ والله لقد جئتكم من عند أح ّ‬
‫لهم‪ :‬يا أعداء الله تعطوني ال ّ‬
‫ي‬
‫ي من القردة والخنازير‪ ،‬ول يحملني بغضي إّياكم وحب ّ‬
‫ي‪ ،‬ولنتم أبغض إل ّ‬
‫إل ّ‬
‫ّ‬
‫إياه على أل أعدل‪.‬‬
‫هذا وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة ارتاح المسلمون من شر عدو‬
‫كان يتربص بهم الدوائر‪ ،‬مهما كان بين الفريقين من العهود والمواثيق‪ .‬ورجع‬
‫المسلمون مؤيدين ظافرين‪.‬‬
‫إسلم خالد ورفيقيه‬
‫وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلم ثلثة طالما كانت لهم اليد‬
‫الطولى في قيادة الجيوش لحرب المسلمين وهم‪ :‬خالدبن الوليد المخزومي‪،‬‬
‫سّر بهم عليه الصلة‬
‫وعمروبن العاص السهمي‪ ،‬وعثمانبن طلحة العبدري‪ ،‬ف ُ‬
‫ت أرى‬
‫والسلم سرورا ً عظيمًا‪ ،‬وقال لخالد‪» :‬الحمد لله الذي هداك‪ ،‬قد كن ُ‬
‫لك عقل ً رجوت أل ّ يسلمك إل إلى خير« فقال‪ :‬يا رسول الله ادع ُ الله لي أن‬
‫يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»السلم يقطع ما قبله«‪.‬‬
‫سرية‬
‫وفي شعبان بلغه عليه الصلة والسلم أن جمعا ً من هوازن بُترَبة يظهرون‬
‫العداوة للمسلمين‪ ،‬فأرسل لهم عمربن الخطاب في ثلثين رج ً‬
‫ل‪ ،‬فسار‬
‫إليهم‪ .‬ولما بلغهم الخبر تفرقوا فلم يجد بها عمر أحدًا‪ ،‬فرجع‪.‬‬
‫سرية‬
‫داك‪ ،‬فلما ورد‬
‫ثم أرسل بشيربن سعد النصاري لقتال بني مّرة بناحية فَ َ‬
‫مهم وانحدر إلى المدينة‪ ،‬أما القوم فكانوا‬
‫بلدهم لم يَر منهم أحدًا‪ ،‬فأخذ ن َعَ َ‬
‫في الوادي‪ ،‬فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيرا ً ليل ً وهو راجع فتراموا بالنبل‪،‬‬
‫ح‬
‫جرِ َ‬
‫ب المسلمين‪ ،‬و ُ‬
‫ولما أصبح اقتتل الفريقان قتال ً شديدا ً حتى قُِتل غال ُ‬
‫بشير جرحا ً شديدا ً حتى ظن أنه مات‪ ،‬ولما انصرف عنه العدو تحامل حتى‬
‫جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر‪.‬‬
‫سرية‬
‫وفي رمضان أرسل عليه الصلة والسلم غالببن عبد الله الليثي إلى أهل‬
‫ل‪ ،‬فساروا حتى هجموا على القوم فقتلوا بعضا ً‬
‫فَعة في مائة وثلثين رج ً‬
‫مي ْ َ‬
‫ال ِ‬
‫ُ‬
‫وأسروا آخرين‪ ،‬وفي أثناء الحرب طارد أسامةبن زيد رجل ً من المشركين‪،‬‬
‫ولما رأى المشرك الموت في يد ُأسامة تشّهد فظن ُأسامة أن عدوه إنما‬
‫قال ذلك تخلصا ً فقتله‪.‬‬
‫ولما رجع المسلمون إلى المدينة‪ ،‬وُأخبر رسول الله بفعلة ُأسامة قال‪:‬‬
‫»أقتلته بعد أن قال‪ :‬ل إله إل ّ الله‪ ،‬فكيف تصنع بل إله إل ّ الله؟« قال‪ :‬يا‬
‫رسول الله إنما قالها متعوذا ً من القتل‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪» :‬فهل ّ‬
‫شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟« فقال‪ :‬يا رسول الله استغفر‬
‫لي‪ .‬قال عليه الصلة والسلم‪» :‬فكيف بل إله إل ّ الله؟« فما زال يكررها حتى‬
‫تمنى ُأسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم‪ ،‬وأنزل الله في ذلك في سورة‬
‫منا ً ) { )النساء‪،(94 :‬‬
‫ن أ َل ْ َ‬
‫النساء‪} :‬وَل َ ت َ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫سَل َ‬
‫م لَ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ت ُ‬
‫س َ‬
‫قى إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫قوُلوا ْ ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ثم أمر عليه الصلة والسلم أسامة أن يعتق رقبة كفارة لنه قتل خطأ‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سرية‬
‫عيينةبن حصن واعد َ جماعة من‬
‫وفي شوال بلغه عليه الصلة والسلم أن ُ‬
‫جَبار للغارة على‬
‫من و ُ‬
‫غطفان كانوا مقيمين قريبا ً من خيبر بأرض اسمها ي ُ ْ‬
‫المدينة‪ ،‬فأرسل لهم بشيربن سعد في ثلثمائة رجل‪ ،‬فساروا إليهم يكمنون‬
‫النهار‪ ،‬ويسيرون الليل حتى أتوا محلتهم‪ ،‬فأصابوا ن ََعما ً كثيرة‪ ،‬وتفرق الّرعاء‬
‫فأخبروا قومهم ففزعوا ولحقوا بعُْليا بلدهم‪ ،‬ولم يظفر المسلمون إل برجلين‬
‫أسلما‪ ،‬ثم رجعوا بالغنائم إلى المدينة‪.‬‬
‫عمرة القضاء‬
‫لما حا َ‬
‫صد ّ معه‬
‫ل الحول على عمرة الحديبية خرج عليه الصلة والسلم بمن ُ‬
‫فيها ليقضي عمرته‪ ،‬واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري‪ ،‬وساق معه الهدي‬
‫ة‪ ،‬وأخرج معه السلح حذرا ً من غدر قريش‪ ،‬وكان معه مائة فرس‬
‫ستين ب َد َن َ ً‬
‫عليها محمدبن مسلمة‪ ،‬وعلى السلح بشيربن سعد‪ ،‬وأحرم عليه الصلة‬
‫دم الخيل‬
‫حَليفة ق ّ‬
‫والسلم من باب المسجد المدني‪ ،‬ولما انتهى إلى ذي ال ُ‬
‫ّ‬
‫أمامه‪ ،‬فقيل‪ :‬يا رسول الله حملت السلح‪ ،‬وقد شرطوا أل تحمله؟ فقال‬
‫جنا‬
‫عليه الصلة والسلم‪» :‬ل ندخل الحرم به ولكن يكون قريبا ً مّنا‪ ،‬فإن ها َ‬
‫هائج فزعنا له« فلما كان بمّر ال ّ‬
‫ظهران قابله نفٌر من قريش‪ ،‬ففزعوا من‬
‫دة‪ ،‬وأسرعوا إلى قومهم فأخبروهم فجاءه فتيان منهم وقالوا‪ :‬والله‬
‫هذه الع ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دثا فقال‪» :‬إّنا ل‬
‫يا محمد ما ُ‬
‫ح َ‬
‫عرفت بالغدر صغيرا ول كبيرا‪ ،‬وإّنا لم نحدث َ‬
‫ندخل الحرم بالسلح« ولما حان وقت دخوله مكة خرج أهلوها كارهين رؤية‬
‫المسلمين يطوفون بالبيت‪ ،‬فدخل عليه الصلة والسلم وأصحابه متوشحين‬
‫داء وأمامه عبد اللهبن رواحة يقول‪ :‬ل إله إل ّ الله وحده‪،‬‬
‫سيوفهم من َثنّية ك َ َ‬
‫صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وأعّز جنده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده‪ .‬وطاف عليه‬
‫ه‪ ،‬وأمر‬
‫جن ِ ِ‬
‫الصلة والسلم بالبيت وهو على راحلته‪ ،‬واستلم الحجر ب ِ ِ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫أصحابه أن يسرعوا ثلثة أشواط إظهارا ً للقوة لن المشركين قالوا‪ :‬سيطوف‬
‫مى يثرب‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬رحم الله‬
‫اليوم بالكعبة قوم نهكتهم ُ‬
‫ح ّ‬
‫امرءا ً أراهم من نفسه قوة« واضطبعَ عليه الصلة والصلم بردائه‪ ،‬وكشف‬
‫وة‪ ،‬وفعل مثله المسلمون‪ ،‬وقد أتم المسلمون‬
‫عضده اليمنى شأن الفت ّ‬
‫ّ‬
‫رين كما رأى عليه الصلة‬
‫طوافهم بالبيت آمنين محلقين رؤوسهم ومق ّ‬
‫ص ِ‬
‫والسلم في منامه‪.‬‬
‫زواج ميمونة‬
‫وتزوج صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ميمونة بنت الحارث الهللية زوج عمه‬
‫ُ‬
‫حد‪ ،‬وخالة عبد اللهبن العباس ــــ وهي آخر‬
‫حمزةبن عبد المطلب شهيد أ ُ‬
‫رف‪.‬‬
‫نسائه زواجا ً ــــ ولم يدخل بها إل بعد الخروج من مكة حيث كان ب ِ َ‬
‫س ِ‬
‫خيل بالذهاب‬
‫ولما خرج عليه الصلة والسلم أمر الذين كان تركهم لحراسة ال َ‬
‫ً‬
‫ليطوفوا ففعلوا‪ ،‬ثم رجع عليه الصلة والسلم إلى المدينة فرحا ً مسرورا بما‬
‫حَباه الله من تصديق رؤياه‪.‬‬
‫َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مَنة‬
‫سَنة الثا ِ‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬
‫فر أرسل عليه الصلة والسلم غالببن عبد الله الليثي إلى بني‬
‫ص َ‬
‫وفي َ‬
‫َ‬
‫ديد‪ ،‬فسار القوم حتى إذا كانوا‬
‫وح‪ ،‬وهم قوم من العرب يسكنون بالك ِ‬
‫ال ُ‬
‫مل َ ّ‬
‫ديد ٍ التقوا بالحارثبن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء‪ ،‬وكان خصما ً لدودا ً‬
‫ب ُ‬
‫ق َ‬
‫ً‬
‫فأسروه‪ ،‬فقال لهم‪ :‬ما جئت إل للسلم‪ ،‬فقالوا له‪ :‬إن تكن مسلما لن يضرك‬
‫وح‬
‫رباط ليلة وإل استوثقنا منك‪ ،‬ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني المل ّ‬
‫فاستاقوا الن َّعم والشاء‪ ،‬وخرج الصريخ إلى القوم فجاءهم ما ل قبل لهم به‪،‬‬
‫ن الله على المسلمين‪ ،‬فأرسل سيل ً شديدا ً حا َ‬
‫ل بينهم وبين عدوهم‬
‫ولكن م ّ‬
‫مهم ُتساق وهم ل يقدرون على رّدها‪.‬‬
‫حتى صار المشركون يرون ن َعَ َ‬
‫سرية‬
‫ولما رجع غالب إلى المدينة ظافرا ً أرسله عليه الصلة والسلم في مائتي‬
‫ص من بني مّرة بفدك ــــ وهم الذين أصابوا سرية بشيربن سعد‬
‫رجل ليقت ّ‬
‫ــــ فساروا حتى إذا كانوا قريبا ً من القوم خطب غالب فيمن معه‪ ،‬فقال بعد‬
‫أن حمد الله وأثنى عليه‪ :‬أما بعد فإني ُأوصيكم بتقوى الله وحده ل شريك له‪،‬‬
‫وأن تطيعوني ول تخالفوا لي أمرا ً فإنه ل رأي لمن ل ُيطاع‪ .‬ثم آخى بين‬
‫الجند‪ ،‬فقال‪ :‬يا فلن أنت وفلن‪ ،‬ويا فلن أنت وفلن‪ ،‬ل يفارق أحد منكم‬
‫زميله‪ ،‬وإّياكم أن يرجع الرجل منكم فأقو َ‬
‫ل له‪ :‬أين صاحبك؟ فيقول‪ :‬ل أدري‪،‬‬
‫فإذا كّبرت فكّبروا‪ ،‬فلما أحاطوا بالعدو‪ ،‬وكّبر كّبروا‪ ،‬وجّردوا السيوف فلم‬
‫م‪ ،‬فكان لكل واحد من الغزاة عشرة‬
‫مهُ ْ‬
‫يفلت من عدوهم أحد‪ ،‬واستاقوا ن َعَ َ‬
‫أبِعرة‪.‬‬
‫سرية‬
‫عمير الغفاري إلى ذات‬
‫وفي ربيع الول أرسل عليه الصلة والسلم كعببن ُ‬
‫ل‪ ،‬فوجدوا جمعا ً كثيرا‪ً،‬‬
‫أطلح ــــ من أرض الشام ــــ في خمسة عشر رج ً‬
‫فدعوهم إلى السلم فلم يجيبوا وقاتلوا‪ ،‬وكانوا أكثر عددًا‪ ،‬فاستشهد‬
‫المسلمون عن آخرهم إل رئيسهم كعببن عمير فإنه نجا‪ ،‬وأتى بالخبر إلى‬
‫رسول الله‪ ،‬فَ َ‬
‫شقّ عليه‪ ،‬وأراد أن يبعث إليهم من يقتص منهم‪ ،‬فبلغه أنهم‬
‫ولوا من منزلهم فعدل عن ذلك‪.‬‬
‫تح ّ‬
‫مؤَْتة‬
‫غزوة ُ‬
‫ً‬
‫جّهز عليه الصلة والسلم في جمادى الولى جيشا للقصاص ممن قتلوا‬
‫دبن حارثة‪،‬‬
‫مر عليهم زي َ‬
‫الحارثبن عمير الزدي‪ ،‬رسوله إلى أمير ُبصرى‪ ،‬وأ ّ‬
‫ُ‬
‫وقال لهم‪» :‬إن ُأصيب فالمير جعفربن أبي طالب‪ ،‬فإن أصيب فعبد اللهبن‬
‫دة الجيش ثلثة آلف‪ ،‬فساروا وشّيعهم عليه الصلة‬
‫رواحة«‪ .‬وكان ع ّ‬
‫صاهم به‪» :‬اغزوا باسم الله فقاتلوا عدوّ الله وعدّوكم‬
‫والسلم‪ ،‬وكان فيما و ّ‬
‫ً‬
‫بالشام‪ ،‬وستجدون فيها رجال في الصوامع معتزلين فل تتعرضوا لهم‪ ،‬ول‬
‫تقتلوا امرأة ول صغيرا ً ول بصيرا ً فانيًا‪ ،‬ول تقطعوا شجرا ً ول تهدموا بناًء«‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م ْ‬
‫ؤتة مقتل الحارثبن عمير‪ ،‬وهناك وجدوا‬
‫ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ُ‬
‫ً‬
‫صرة‪ .‬فتفاوض‬
‫الروم قد جمعوا لهم جمعا ً عظيما‪ ،‬منهم ومن العرب المتن ّ‬
‫مددا ً أم‬
‫رجال الجيش فيما يفعلونه‪ :‬أيرسلون لرسول الله يطلبون منه َ‬
‫يقدمون على الحرب؟ فقال عبد اللهبن رواحة‪ :‬يا قوم والله إن الذي تكرهون‬
‫هو ما خرجتم له‪ ،‬خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل بعدد ول بقوة ول‬
‫بكثرة‪ ،‬ما نقاتل إل بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به‪ ،‬فإنما هي إحدى‬
‫الحسنيين‪ :‬إما الظهور وإما الشهادة‪ ،‬فقال الناس‪ :‬صدق والله ابن رواحة‪.‬‬
‫ومضوا للقتال‪ ،‬فلقوا هذه الجموع المتكاثرة‪ ،‬فقاتل زيدبن حارثة رضي الله‬
‫عنه حتى استشهد‪ ،‬فأخذ الراية جعفُربن أبي طالب وهو يقول‪:‬‬
‫ة وبارد ٌ َ‬
‫ة‬
‫بهاكافر‬
‫عذا‬
‫م روم قد َدنا‬
‫ٌ‬
‫ة واقْت َِراُبهاطي ّب َ ٌ‬
‫جن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫يا حّبذا ال َ‬
‫شراُبهاوالرو ُ‬
‫ي إذ لقيُتها ضراُبها ولم يزل يقاتل حتى استشهد رضي الله‬
‫بعيدةٌ أنساُبهاعل ّ‬
‫عنه‪ ،‬فأخذ الراية عبد اللهبن رواحة فتقدم ثم تردد بعض الترّدد‪ ،‬فقال يخاطب‬
‫نفسه‪:‬‬
‫َ‬
‫دوا الّرّنهما لي‬
‫زلّنهطائع ً‬
‫س وش ّ‬
‫ة أو لتك َْرهِن ّْهإن أجل َ‬
‫أقسم ُ‬
‫ب النا ُ‬
‫ت يا نف ُ‬
‫س لتن ِ‬
‫ت إل ُنطفة في َ‬
‫شّنه؟‬
‫مطمئّنههل أن ِ‬
‫ه؟قد طال ما قد كن ِ‬
‫أرا ِ‬
‫ت ُ‬
‫ك تكرهين الجن ّ ْ‬
‫ثم اقتحم بفرسه المعمعة‪ ،‬ولم يزل يقاتل ــــ رضي الله عنه ــــ حتى‬
‫م بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء‪ ،‬فقال لهم عقبةبن عامر‪:‬‬
‫استشهد‪ ،‬فه ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يا قوم ُيقتل النسان مقبل خير من أن يقتل مدبرا‪ ،‬فتراجعوا واتفقوا على‬
‫مهارته الحربية حمى هذا الجيش‬
‫مته و َ‬
‫تأمير الشهم الباسل خالدبن الوليد‪ ،‬وبه ّ‬
‫ً‬
‫من الضياع‪ ،‬إذ ما تفعل ثلثة آلف بمائة وخمسين ألفا؟ فإنه لما أخذ الراية‬
‫قاتل يومه قتال ً شديدًا‪ ،‬وفي غده خالف ترتيب العسكر‪ ،‬فجعل الساقة‬
‫ن الروم أن‬
‫مقدمة‪ ،‬والمقدمة ساقة‪ ،‬والميمنة ميسرة‪ ،‬والميسرة ميمنة‪ ،‬فظ ّ‬
‫دد جاء للمسلمين فرعبوا‪.‬‬
‫م َ‬
‫ال َ‬
‫مؤتة‪ ،‬ثم مكث‬
‫ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى ُ‬
‫يناوش العداء سبعة أيام ثم تحاجز الفريقان لن الكفار ظنوا أن المداد‬
‫تتوالى للمسلمين‪ ،‬وخافوا أن يجّروهم إلى وسط الصحارى حيث ل يمكنهم‬
‫التخّلص وبذلك انقطع القتال‪ ،‬وقد نعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا ً‬
‫وجعفرا ً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم‪ ،‬فقال‪» :‬أخذ الراية زيد‬
‫فُأصيب‪ ،‬ثم أخذها جعفر فُأصيب‪ ،‬ثم أخذها ابن رواحة فأصيب ــــ وكانت عينا‬
‫رسول الله تذرفان ــــ ثم قال‪ :‬حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى‬
‫فتح الله عليهم« وجاءه رجل فقال‪ :‬يا رسول الله إن نساء جعفر يبكين‪،‬‬
‫ن‪ ،‬فأمره‬
‫ن فلم ي ُط ِعْ َ‬
‫ن‪ ،‬فذهب الرجل ثم أتى فقالت‪ :‬قد نهيته ّ‬
‫فأمره أن ينهاه ّ‬
‫فذهب ثانيًا‪ ،‬ثم جاء فقال‪ :‬والله لقد غلبننا‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫ن التراب«‪.‬‬
‫ح ُ‬
‫»ا ْ‬
‫ث في أفواهه ّ‬
‫ولما أقبل الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون يقولون لهم‪ :‬يا فُّرار‪ ،‬فقال‬
‫عليه الصلة والسلم‪» :‬بل هم الك ُّرار«‪ .‬ظن المقيمون بالمدينة أن انحياز‬
‫خالد بالجيش هزيمة‪ ،‬ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراهم أن ذلك‬
‫من مكايد الحرب‪ ،‬وأثنى على خالد في مهارته‪.‬‬
‫سرية‬
‫ً‬
‫وفي جمادى الخرة بلغه عليه الصلة والسلم أن جمعا من قضاعة يتجمعون‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫قرى لُيغيروا على المدينة‪ ،‬فأرسل لهم عمروبن‬
‫في ديارهم وراء وادي ال ُ‬
‫ده بأبي‬
‫سراة المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أم ّ‬
‫العاص في ثلثمائة رجل من َ‬
‫عبيدةبن الجراح في مائتين من المهاجرين والنصار فيهم أبو بكر وعمر‪،‬‬
‫مرا ً قبل أن يصل إلى القوم‪ ،‬وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار‬
‫فلحقوا عَ ْ‬
‫فمنعهم عمرو‪ ،‬فأنكر عليه عمربن الخطاب‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬إنما بعثه رسول‬
‫الله علينا رئيسا ً لمعرفته بالحرب أكثر مّنا فل تعصه‪ ،‬فامتثل‪.‬‬
‫ولما حّلوا بساحة القوم حملوا عليهم فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرق‬
‫العداء منهزمين‪ ،‬فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم‪ ،‬ثم‬
‫رجعوا إلى المدينة ظافرين‪ ،‬وبينما هم في الطريق أدركت عمروبن العاص‬
‫جنابة في ليلة باردة‪ ،‬فلما أصبح قال‪ :‬إن أنا اغتسلت هلكت والله يقول‪ :‬وَل َ‬
‫َ‬
‫ة{ )البقرة‪ (195 :‬ثم تيمم وصلى‪ ،‬ثم أمر بالسير‬
‫ت ُل ْ ُ‬
‫م إ َِلى الت ّهْل ُك َ ِ‬
‫قوا ْ ب ِأي ْ ِ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫حتى إذا وصلوا إلى المدينة قام رسول الله عليه الصلة والسلم يسأل عن‬
‫أنباء سفرهم كما هي عادته‪ ،‬فأخبروه بما نقموه من عمروبن العاص من‬
‫نهيهم عن إيقاد النار‪ ،‬ونهيهم عن اتباع العدو‪ ،‬وصلته جنبًا‪ ،‬فسأله عليه الصلة‬
‫والسلم عن ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬منعتهم من إيقاد النار لئل يرى العدو قّلتهم فيطمع‬
‫فيهم‪ ،‬ونهيتهم عن اتباع العدو لئل يكون له كمين‪ ،‬وصّليت جنبا ً لن الله يقول‪:‬‬
‫َ‬
‫ة{ )البقرة‪ (195 :‬وإن أنا اغتسلت هلكت‪،‬‬
‫}وَل َ ت ُل ْ ُ‬
‫م إ َِلى الت ّهْل ُك َ ِ‬
‫قوا ْ ب ِأي ْ ِ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫فتبسم عليه الصلة والسلم وأثنى على عمرو خيرًا‪.‬‬
‫سرية‬
‫وفي رجب أرسل عليه الصلة والسلم أبا عبيدة عامربن الجراح في ثلثمائة‬
‫جَهينة التي تسكن ساحل البحر‪ ،‬وزّود عليه الصلة والسلم‬
‫فارس لغزو قبيلة ُ‬
‫هذا الجيش جرابا ً من التمر‪ ،‬فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو‬
‫خَبط‪ ،‬وهو ورق‬
‫نصف شهر ينتظرون العدو‪ ،‬وقد فني زادهم حتى أكلوا ال َ‬
‫مر‪ ،‬يبّلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقّرحت أشداقهم‪ ،‬وكان في القوم‬
‫ال ّ‬
‫س ُ‬
‫الكريم ابن الكريم قيسبن سعدبن عبادة فنحر لهم ثلث جزر في كل يوم‬
‫جزور‪ .‬وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة‪ ،‬لن قيسا ً كان‬
‫أخذ تلك الجزر بدين على أبيه‪ ،‬فخاف أبو عبيدة أل ّ يفي له أبوه بما استدان‪،‬‬
‫فقال قيس‪ :‬أترى سعدا ً يقضي ديون الناس‪ ،‬ويطعم في المجاعة‪ ،‬ول يقضي‬
‫دينا ً استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟ ولما يئسوا من لقاء عدوهم‬
‫رجعوا إلى المدينة‪ ،‬فقال قيسبن سعد لبيه‪ :‬كنت في الجيش فجاعوا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫انحر‪ ،‬قال‪ :‬نحرت‪ ،‬قال‪ :‬ثم جاعوا قال‪ :‬انحر‪ ،‬قال‪ :‬نحرت‪ ،‬قال‪ :‬ثم جاعوا‪،‬‬
‫قال‪ :‬انحر‪ ،‬قال‪ :‬نحرت‪ ،‬قال‪ :‬ثم جاعوا‪ ،‬قال‪ :‬انحر‪ ،‬قال‪ُ :‬نهيت‪x.‬‬
‫غزوة الفتح العظم‬
‫إذا أراد الله أمرا ً هّيأ أسبابه وأزال موانعه‪ ،‬فقد كان عليه الصلة والسلم‬
‫يعلم أنه ل تذ ّ‬
‫ل العرب حتى تذل قريش‪ ،‬ول َتنقاد البلد حتى تنقاد مكة‪ ،‬فكان‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يتشوف لفتحها‪ ،‬ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشا ً في‬
‫ت‬
‫الحديبية وهو سيد من وَّفى‪ .‬ولكن إذا أراد الله أمرا ً هيأ أسبابه‪ ،‬فقد علم َ‬
‫خزاعة دخلت في عهد رسول الله‪ ،‬وقبيلة بني بكر دخلت في عهد‬
‫أن قبيلة ُ‬
‫قريش‪ ،‬وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور‬
‫السلم‪ ،‬فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بني بكر يتغنى بهجاء الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم على مسمع من رجل خزاعي‪ ،‬فقام هذا وضربه‪،‬‬
‫دوا العزيمة لحرب‬
‫فحّرك ذلك كامن الحقاد‪ ،‬وتذكر بنو بكر ثأرهم فش ّ‬
‫ً‬
‫دة والرجال‪ ،‬ثم‬
‫خصومهم‪ ،‬واستعانوا بأوليائهم من قريش‪ ،‬فأعانوهم سّرا بالع ّ‬
‫توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون فقتلوا منهم ما يربو على العشرين‪ ،‬ولما رأى‬
‫ذلك حلفاء السيد المين أرسلوا منهم وفدا ً برياسة عمروبن سالم الخزاعي‬
‫حّلوا بين يديه‪ ،‬وأخبروه‪،‬‬
‫ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش‪ ،‬فلما َ‬
‫قال‪» :‬والله لمنعنكم مما أمنع نفسي منه«‪.‬‬
‫أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا‬
‫على ما فعلوا‪ ،‬وأرادوا مداواة هذا الجرح‪ ،‬فأرسلوا قائدهم أبا سفيانبن حرب‬
‫إلى المدينة ليشد ّ العقد‪ ،‬ويزيد في المدة‪ ،‬فركب راحلته‪ ،‬وهو يظن أنه لم‬
‫يسبقه أحد‪ ،‬حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته وقد‬
‫ت به‬
‫أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه فقال‪ :‬يا بنّية أرغب ِ‬
‫عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت‪ :‬ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله‬
‫وأنت مشرك نجس‪ ،‬فقال‪ :‬لقد أصابك بعدي شر‪ .‬ثم خرج من عندها‪ ،‬وأتى‬
‫النبي في المسجد‪ ،‬وعرض عليه ما جاء له‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫دث؟« قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬فنحن على‬
‫ح َ‬
‫»هل كان من َ‬
‫مدتنا وصلحنا«‪ .‬ولم يزد عن ذلك‪ .‬فقام أبو سفيان‪ ،‬ومشى إلى أكابر‬
‫معينا‪ً،‬‬
‫المهاجرين من قريش لعّلهم يساعدونه على مقصده‪ ،‬فلم يجد منهم ُ‬
‫جوار رسول الله‪ ،‬فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئًا‪،‬‬
‫جوارنا في ِ‬
‫وكلهم قالوا‪ِ :‬‬
‫سك عند الوثان لينفي عن نفسه هذه‬
‫فاتهموه بأنه خانهم واّتبع السلم‪ ،‬فتن ّ‬
‫التهمة‪.‬‬
‫أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجهز للسفر‪ ،‬وأمر أصحابه بذلك‪،‬‬
‫ديق بالوجهة‪ ،‬فقال له‪ :‬يا رسول الله أوَ ليس بينك وبين قريش‬
‫وأخبر الص ّ‬
‫عهد؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬ولكن غدروا ونقضوا«‪ .‬ثم استنفر عليه الصلة والسلم‬
‫العراب الذين حول المدينة‪ ،‬وقال‪» :‬من كان يؤمن بالله واليوم الخر‬
‫مَزينة وأشجع‬
‫فليحضر رمضان بالمدينة«‪ .‬فقدم جمع من قبائل أسلم وِغفار و ُ‬
‫جهينة‪ ،‬وطوى عليه الصلة والسلم الخبار عن الجيش كيل يشيع المر‪،‬‬
‫و ُ‬
‫فتعلم قريش فتستعد للحرب‪ ،‬والرسول عليه الصلة والسلم ل يريد أن ُيقيم‬
‫حرمتها‪ ،‬فدعا موله ج ّ‬
‫ل‬
‫حربا ً بمكة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس ب ُ‬
‫خذ ِ العيون والخبار عن قريش حتى نبغتها في بلدها«‬
‫م ُ‬
‫ذكره وقال‪» :‬الله ّ‬
‫فقام حاطببن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدرًا‪ ،‬وكتب كتابا ً لقريش يخبرهم‬
‫ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأرسله مع جارية لتوصله إلى‬
‫ل‪ ،‬فأعلم الله رسوله ذلك‪ ،‬فأرسل في أثرها علي ّا ً والزبير‬
‫قريش على ُ‬
‫جعْ ٍ‬
‫َ‬
‫ة خاخ‪ ،‬فإن بها ظِعينة معها كتاب‬
‫ض َ‬
‫والمقداد وقال‪» :‬انطلقوا حتى تأتوا َروْ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫فخذوه منها«‪ .‬فانطَلقوا حتى أتوا الروضة‪ ،‬فوجدوا بها المرأة‪ ،‬فقالوا لها‪:‬‬
‫ن‬
‫ن الكتاب أو لُنلقي ّ‬
‫رج ّ‬
‫أخرجي الكتاب‪ ،‬قالت‪ :‬ما معي كتاب فقالوا‪ :‬لتخ ِ‬
‫صها‪ ،‬فأتوا به رسول الله‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫ع َ‬
‫الثياب‪ ،‬فأخرجته من ِ‬
‫قا ِ‬
‫ي‪ ،‬إني كنت‬
‫والسلم‪» :‬يا حاطب ما هذا؟« قال‪ :‬يا رسول الله ل تعجل عل ّ‬
‫سها‪ ،‬وكان من معك من المهاجرين لهم‬
‫حليفا ً لقريش ولم أكن من أ َن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫قرابات يحمون أهليهم وأموالهم‪ ،‬فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ‬
‫عندهم يدا ً يحمون بها قرابتي‪ ،‬ولم أفعله ارتدادا ً عن ديني‪ ،‬ول رضا ً بالكفر‬
‫بعد السلم‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬أما إنه قد صدقكم«‪ .‬فقال عمر‪:‬‬
‫دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق‪ ،‬فقال‪» :‬إنه قد شهد بدرًا‪ ،‬وما‬
‫ل الله ا ّ‬
‫يدريك لع ّ‬
‫طلع على من شهد بدرًا‪ ،‬فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت‬
‫لكم«‪ ،‬وفي ذلك أنزل‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م أ َوْل َِيآء‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َت ّ ِ‬
‫الله في سورة الممتحنة‪} :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ذوا ْ عَد ُّوى وَعَد ُوّك ُ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫موَد ّةِ وَقَد ْ ك َ َ‬
‫ت ُل ْ ُ‬
‫حق ّ ي ُ ْ‬
‫جو َ‬
‫خرِ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫قو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ل وَإ ِّياك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫جآءك ُ ْ‬
‫فُروا ْ ب ِ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ضاِتى‬
‫م َ‬
‫أن ت ُؤْ ِ‬
‫مْر َ‬
‫خَر ْ‬
‫جَهادا ً ِفى َ‬
‫سِبيِلى َواب ْت َِغآء َ‬
‫م ِ‬
‫جت ُ ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫مُنوا ْ ِبالل ّهِ َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫م فَ َ‬
‫من ي َ ْ‬
‫خ َ‬
‫مآ أ َ ْ‬
‫ه ِ‬
‫تُ ِ‬
‫قد ْ‬
‫سّرو َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫فعَل ْ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫مآ أعَْلنت ُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫في ْت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫موَد ّةِ وَأن َا ْ أعْل َ ُ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫ض ّ‬
‫ل)‪(1‬‬
‫َ‬
‫وآء ال ّ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫ثم سار عليه الصلة والسلم بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن‬
‫وّلى على المدينة اب ُ‬
‫دة الجيش عشرة آلف مجاهد‪،‬‬
‫ن أم مكتوم‪ ،‬وكانت ع ّ‬
‫َ‬
‫ولما وصل البواء لقيه اثنان كانا من أشد ّ أعدائه وهما‪ :‬ابن عمه أبو سفيانبن‬
‫الحارثبن عبد المطلب شقيق عبيدةبن الحارث شهيد بدر‪ ،‬وصهره عبد اللهبن‬
‫أبي أميةبن المغيرة شقيق زوجه ُأم سلمة‪ ،‬وكانا يريدان السلم‪ ،‬فقبلهما‬
‫م‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬وفرح بهما شديد الفرح‪ ،‬وقال‪ :‬ل َ ت َث َْري َ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ن{ )يوسف‪ .(92 :‬ولما وصل عليه الصلة‬
‫م الر ِ‬
‫ح ِ‬
‫ي َغْ ِ‬
‫م وَهُوَ أْر َ‬
‫ح ُ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫فُر الل ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ديد رأى أن الصوم شق على المسلمين‪ ،‬فأمرهم بالفطر‪ ،‬وأفطر‬
‫والسلم الك ِ‬
‫هو أيضًا‪ ،‬وقد قابل عليه الصلة والسلم في الطريق عمه العباسبن عبد‬
‫المطلب مهاجرا ً بأهله وعياله‪ ،‬فأمره أن يعود معه إلى مكة ويرسل عياله‬
‫إلى المدينة‪.‬‬
‫ولما وصل عليه الصلة والسلم مّر الظهران أمر بإيقاد عشرة آلف نار‪،‬‬
‫وكانت قريش قد بلغهم أن محمدا ً زاحف بجيش عظيم ل تدرى وجهته‪،‬‬
‫ديلبن ورقاء يلتمسون الخبر عن‬
‫فأرسلوا أبا سفيانبن حرب وحكيمبن حزام وب ُ َ‬
‫مّر الظهران فإذا هم بنيران كأنها‬
‫رسول الله‪ ،‬فأقبلوا يسيرون حتى أتوا َ‬
‫نيران عََرفة‪ ،‬فقال أبو سفيان‪ :‬ما هذه؟ لكأنها نيران عََرفة فقال بديلبن‬
‫ورقاء‪ :‬نيران بني عمرو‪ ،‬فقال أبو سفيان‪ :‬عمرو أقل من ذلك‪ ،‬فرآهم ناس‬
‫من حرس رسول الله فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله‪ ،‬فأسلم أبو‬
‫خ ْ‬
‫طم الجبل حتى‬
‫سفيان‪ ،‬فلما سار قال للعباس‪» :‬احبس أبا سفيان عند َ‬
‫ة كتيبة على‬
‫ينظر إلى المسلمين«‪ ،‬فحبسه العباس فجعلت القبائل تمّر كتيب ً‬
‫أبي سفيان وهو يسأل عنها ويقول‪ :‬ما لي ولها‪ ،‬حتى إذا مّرت به قبيلة‬
‫مل رايتها سعدبن عبادة فقال سعد‪ :‬يا أبا سفيان اليوم يوم‬
‫النصار وحا ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م ُتسَتح ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ذمار‪.‬‬
‫ل الكعبة‪ .‬فقال أبو سفيان‪ :‬يا عباس حبذا يو ُ‬
‫الملحمة‪ ،‬اليو َ‬
‫ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيها رسول الله وأصحابه‪ ،‬وحامل الراية‬
‫الزبيربن العوام‪ ،‬فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد‪ .‬فقال عليه الصلة‬
‫ب سعد‪ ،‬ولكن هذا يوم ُيع ّ‬
‫ظم الله فيه الكعبة ويوم ُتكسى فيه‬
‫والسلم‪» :‬كذ َ‬
‫جون‪ ،‬وأمر خالدبن‬
‫ح ُ‬
‫الكعبة«‪ .‬ثم أمر عليه الصلة والسلم أن تركز رايته بال َ‬
‫َ‬
‫داء‬
‫دى‪ ،‬ودخل هو من أعلها من ك َ‬
‫الوليد أن يدخل من أسفل مكة من ك ُ ً‬
‫من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن‪ ،‬ومن دخل المسجد فهو‬
‫ونادى مناديه‪َ » :‬‬
‫آمن‪ ،‬ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن«‪ .‬وهذه أعظم مّنة له‪ ،‬واستثنى من‬
‫ذلك جماعة عظمت ذنوبهم‪ ،‬وآذوا السلم وأهله عظيم الذى‪ ،‬فأهدر دمهم‬
‫سْرح الذي‬
‫ــــ وإن تعلقوا بأستار الكعبة ــــ منهم‪ :‬عبد اللهبن سعدبن أبي َ‬
‫د‪ ،‬وافترى الكذب على المين‬
‫أسلم‪ ،‬وكتب لرسول الله الوحي‪ ،‬ثم ارت ّ‬
‫المأمون‪ ،‬فكان يقول‪ :‬إن محمدا ً كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب‬
‫عكرمةبن‬
‫غفور رحيم‪ ،‬فيقول كل جيد ومنهم ِ‬
‫أبي جهل وصفوانبن أمية‪ ،‬وهّباربن السود‪ ،‬والحارثبن هشام‪ ،‬وزهيربن أبي‬
‫أمية‪ ،‬وكعببن زهير‪ ،‬ووحشي قاتل حمزة‪ ،‬وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان‪،‬‬
‫وقليل غيرهم‪ ،‬ونهى عن قتل أحد سوى هؤلء إل من قاتل‪ ،‬فأما جيش‬
‫خالدبن الوليد فقابله ال ّ‬
‫ده‪ ،‬فقاتلهم وقتل منهم‬
‫ذعُر من قريش يريدون ص ّ‬
‫أربعة وعشرين‪ ،‬وُقتل من جيشه اثنان‪ ،‬ودخلها عَْنوة من هذه الجهة‪ ،‬وأما‬
‫جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصادف مانعا ً وهو عليه الصلة‬
‫ن على الرحل تواضعا ً لله وشكرا ً له على هذه‬
‫والسلم راكب راحلته منح ٍ‬
‫حل‪ ،‬وأسامةبن زيد رديفه‪ ،‬وكان ذلك صبح‬
‫س الّر ْ‬
‫النعمة حتى تكاد جبهته ت َ َ‬
‫م ّ‬
‫جون موضع رايته‪ ،‬وقد‬
‫ح ُ‬
‫يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل ال َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫م سلمة وميمونة‪ ،‬فاستراح قليل ثم سار وبجانبه أبو‬
‫ت له هناك قبة فيها أ ّ‬
‫نصب ْ‬
‫ً‬
‫بكر يحادثه‪ ،‬وهو يقرأ سورة الفتح‪ ،‬حتى بلغ البيت‪ ،‬وطاف سبعا على راحلته‪،‬‬
‫واستلم الحجر بمحجنه‪ ،‬وكان حول الكعبة إذا ذاك ثلثمائة وستون صنمًا‪،‬‬
‫ق‬
‫فجعل عليه الصلة والسلم يطعنها بعود في يده‪ ،‬ويقول‪» :‬جاء الحقّ وَزهَ َ‬
‫دىُء الباط ِ ُ‬
‫الباط ِ ُ‬
‫د« ثم أمر باللهة فأخرجت من البيت وفيها‬
‫ل وما ي ُب ْ ِ‬
‫ل وما ُيعي ُ‬
‫صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الزلم‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»قاتلهم الله‪ ،‬لقد علموا ما استقسما بها ق ّ‬
‫ط«‪ .‬وهذا أول يوم طّهرت فيه‬
‫الكعبة من هذه المعبودات الباطلة‪ .‬وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع‬
‫العرب باديها وحاضرها من هذه الدناس سقطت عبادة الوثان من جميع بلد‬
‫العرب إل قلي ً‬
‫ل‪ .‬ويوشك أن نذكر للقارىء اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية‪.‬‬
‫العفو عند المقدرة‬
‫ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وكّبر في نواحيها‪ ،‬ثم خرج إلى‬
‫مقام إبراهيم‪ ،‬وصّلى فيه ركعتين‪ ،‬ثم شرب من زمزم‪ ،‬وجلس في المسجد‪،‬‬
‫والناس حوله‪ ،‬والعيون شاخصة إليه‪ ،‬ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش‬
‫الذين آذوه‪ ،‬وأخرجوه من بلده وقاتلوه‪ ،‬ولكن هنا تظهر مكارم الخلق التي‬
‫يلزم أن يتعلم منها المسلم‪ ،‬أن يكون رضاه وغضبه لله ل لهوى النفس‪ ،‬فقال‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫عليه الصلة والسلم‪» :‬يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟« قالوا‪:‬‬
‫خيرًا‪ ،‬أخ كريم وابن أخ كريم‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬اذهبوا فأنتم‬
‫ال ّ‬
‫طلقاء«‪ .‬ويرحم الله المام البوصيري حيث قال‪:‬‬
‫قط ْعُ والوص ُ‬
‫ن انتقامه لهوى‬
‫وإذا كان ال َ‬
‫ب والقصاءولو أ ّ‬
‫ل للهتساوى الّتقري ُ‬
‫ن‬
‫ت قطيع ٌ‬
‫س لدام ْ‬
‫ة وجفاُءقام لله في المور فأرضى اللهمنه تباي ٌ‬
‫النف ِ‬
‫ح إل بما حواه ُ الناُء؟ ثم خطب عليه الصلة‬
‫ووفاُءفُعله كله جميل وهل ينض ُ‬
‫ّ‬
‫ة أبان فيها كثيرا ً من الحكام السلمية‪ ،‬منها‪ :‬أل ُيقَتل مسلم‬
‫والسلم خطب ً‬
‫ّ‬
‫بكافر‪ ،‬ول يتوارث أهل ملتين مختلفتين‪ ،‬ول تنكح المرأة على عمتها أو خالتها‪،‬‬
‫والبينة على من اّدعى‪ ،‬واليمين على من أنكر‪ ،‬ول تسافر المرأة مسيرة ثلثة‬
‫أيام إل مع ذي محرم‪ ،‬ول صلة بعد الصبح والعصر‪ ،‬ول يصام يوم الضحى‬
‫خوة‬
‫ويوم الفطر‪ ،‬ثم قال‪» :‬يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم ن َ ْ‬
‫مَها بالباء‪ ،‬والناس من آدم‪ ،‬وآدم من تراب‪ ،‬ثم تل هذه الية‪:‬‬
‫الجاهلية وت َعَظ ّ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قَنا ُ‬
‫شُعوبا ً وَقََبآئ ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫ل ل ِت ََعاَرُفوا ْ إ ِ ّ‬
‫من ذ َك َرٍ وَأن َْثى وَ َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫}يأي َّها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫خِبيٌر)‪(13‬‬
‫عند َ الل ّهِ أ َت ْ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫أك َْر َ‬
‫أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الرض بما رحبت‪ ،‬فمنهم‬
‫قت عليه كلمة العذاب فقتل‪ ،‬ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم‪ ،‬فعبد‬
‫من ح ّ‬
‫اللهبن سعدبن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمانبن عفان‪ ،‬وطلب منه‬
‫أن يستأمن له رسول الله‪ ،‬فغيبه عثمان حتى هدأ الناس‪ ،‬ثم أتى به وقال‪ :‬يا‬
‫رسول الله قد أمنته فبايعه‪ ،‬فأعرض عنه عليه الصلة والسلم مرارا ً ثم‬
‫ت عنه‬
‫بايعه‪ ،‬فلما خرج عثمان وعبد الله قال عليه الصلة والسلم‪» :‬أعرض ُ‬
‫ت إلينا؟ فقال‪» :‬ل ينبغي‬
‫ليقو َ‬
‫م إليه أحدكم فيضرب عنقه«‪ ،‬فقالوا‪ :‬هل ّ أشر َ‬
‫لنبي أن تكون له خائنة العين«‪.‬‬
‫ُ‬
‫م حكيم‬
‫وأما عكرمةبن أبي جهل فهر َ‬
‫ت عمه أ ّ‬
‫ت وراءه زوجته وبن ُ‬
‫ب‪ ،‬فخرج ْ‬
‫ً‬
‫بنت الحارثبن هشام‪ ،‬وكانت قد أسلمت يوم الفتح‪ ،‬وقد أخذت له أمانا من‬
‫رسول الله فلحقته‪ ،‬وقد أراد أن يركب البحر‪ ،‬فقالت‪ :‬جئتك من عند أبّر‬
‫الناس‪ ،‬وخيرهم‪ ،‬ل تهلك نفسك‪ ،‬وإني قد استأمنته لك فرجع‪ ،‬ولما رآه عليه‬
‫الصلة والسلم وثب قائما ً فرحا ً به‪ ،‬وقال‪» :‬مرحبا ً بمن جاءنا مهاجرا ً‬
‫مسلمًا« ثم أسلم رضي الله عنه‪ ،‬وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل‬
‫عداوة عاداه إّياها فاستغفر له‪ ،‬وكان رضي الله عنه بعد ذلك من خيرة‬
‫المسلمين وأغيرهم على السلم‪.‬‬
‫جعِّرانة جاءه‬
‫وأما هّباربن السود فهرب‪ ،‬واختفى‪ ،‬حتى إذا كان رسول الله بال ِ‬
‫ت اللحاق بالعاجم ثم ذكرت‬
‫ت منك وأرد ُ‬
‫مسلمًا‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول الله هرب ُ‬
‫من جهل عليك‪ ،‬وكنا يا رسول الله أهل شرك‬
‫عائدتك وصلتك وصفحك ع ّ‬
‫فهدانا الله بك‪ ،‬وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫ت عنك«‪.‬‬
‫والسلم‪» :‬قد عفو ُ‬
‫وأما الحارثبن هشام‪ ،‬وزهيربن أبي أمية المخزومي‪ ،‬فأجارتهما أم هانىء بنت‬
‫جوارها‪ ،‬ولما قابل رسو ُ‬
‫ل الله‬
‫أبي طالب‪ ،‬فأجاز عليه الصلة والسلم ِ‬
‫الحارَثبن هشام مسلما ً قال له‪» :‬الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل‬
‫ضلء الصحابة‪.‬‬
‫السلم« وقد كان بعد ذلك من فُ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وأما صفوانبن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر‪ ،‬فجاء ابن‬
‫ن سيد قومه‪ ،‬هرب‬
‫عمه ُ‬
‫جمحي وقال‪ :‬با نبي الله إن صفوا َ‬
‫عميربن وهب ال ُ‬
‫َ‬
‫منت الحمر والسود‪ ،‬فقال عليه‬
‫ه فإنك قد أ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫ليقذف نفسه في البحر فَأ ّ‬
‫الصلة والسلم‪» :‬أدرك ابن عمك فهو آمن« فقال‪ :‬أعطني علمة‪ ،‬فأعطاه‬
‫عمامته‪ ،‬فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان‪ ،‬قال له‪ :‬فداك أبي وأمي‪ ،‬جئتك‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫من عند أفضل الناس‪ ،‬وأبّر الناس‪ ،‬وأحلم الناس‪ ،‬وخير الناس‪ ،‬وهو ابن‬
‫عمك‪ ،‬وعّزه عّزك‪ ،‬وشرفه شرفك‪ ،‬وملكه ملكك‪ ،‬قال صفوان‪ :‬إني أخاف‬
‫على نفسي‪ ،‬قال‪ :‬هو أحلم من ذلك وأكرم‪ ،‬وأراه العمامة علمة المان‪،‬‬
‫منتني؟ قال‪» :‬صدق«‬
‫فرجع إلى رسول الله‪ ،‬وقال له‪ :‬إن هذا يزعم أنك أ ّ‬
‫قال‪ :‬أمهلني بالخيار فيه شهرين‪ ،‬قال‪» :‬أنت بالخيار فيه أربعة أشهر« ثم‬
‫أسلم رضي الله عنه وحسن إسلمه‪.‬‬
‫َ‬
‫ب بها‬
‫وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أسلمت‪ ،‬وجاءت إلى رسول الله فرح َ‬
‫ي‬
‫وقالت له‪ :‬والله يا رسول الله ما كان على ظهر الرض أهل خباء أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫َ‬
‫ي أن يعزوا من‬
‫أن يذلوا من أهل خبائك‪ ،‬ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫أهل خبائك‪.‬‬
‫وفود كعببن زهير‬
‫ً‬
‫وأما كعُببن زهير فلما ضاقت به الرض‪ ،‬ولم يجد له مجيرا‪ ،‬جاء المدينة بعد‬
‫أن قدمها رسو ُ‬
‫ل الله من مكة فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها‪:‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لك ّ‬
‫وقا َ‬
‫خلوا سبيلي ل أبا‬
‫ت‪َ :‬‬
‫ت آملُهل ألهَي َن ّك إني عنك مشغولفقل ُ‬
‫ق كن ُ‬
‫ل صدي ٍ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن مفعولك ّ‬
‫مفك ّ‬
‫ة‬
‫ت سلمت ُُهيوما على آل ٍ‬
‫در الرحما ُ‬
‫ل ما ق ّ‬
‫ل ابن أنثى وإن طال ْ‬
‫لك ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل الله مأموُلمهل ً‬
‫َ‬
‫حدباَء محمولن ُّبئ ُ‬
‫ت أن رسول اللهِ أوعدنيوالعفو عند رسو ِ‬
‫ل وقال فيها مادحا‪ً:‬‬
‫ة القرآن فيها مواعي ٌ‬
‫هدا َ‬
‫ظ وتفصي ُ‬
‫ك الذي أعطاك نافل َ‬
‫ف اللهِ مسلو ُ‬
‫ن الرسو َ‬
‫ل ولما قال هذا‬
‫ل لسي ٌ‬
‫مهن ّد ٌ من سيو ِ‬
‫إ ّ‬
‫ف ُيستضاُء به ُ‬
‫البيت خلع عليه الرسول بردته‪.‬‬
‫وأما وحشي قاتل حمزة فكذلك أسلم‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬وقبله عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب فأسلما وفرح بهما عليه الصلة‬
‫والسلم‪.‬‬
‫وكان من الذين اختفوا سهيلبن عمرو‪ ،‬فاستأمن له ابنه عبد الله فأمنه عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وقال‪» :‬إن سهيل ً له عقل وشرف‪ ،‬وما مثل سهيل يجه ُ‬
‫ل‬
‫سهيل ً قال‪ :‬كان والله ب َّرا ً صغيرًا‪ ،‬بّرا ً كبيرًا‪،‬‬
‫السلم«‪ .‬فلما بلغت هذه المقالة ُ‬
‫ثم أسلم بعد ذلك‪.‬‬
‫بيعة النساء‬
‫ن يبايعن على أل ّ يشركن بالله‬
‫هذا‪ ،‬ولما تمت بيعة الرجال بايعه النساء‪ ،‬وك ّ‬
‫شيئًا‪ ،‬ول يسرقن‪ ،‬ول يزنين‪ ،‬ول يقتلن أولدهن‪ ،‬ول يأتين بيهتان يفترينه بين‬
‫ن‪ ،‬ول يعصين الرسول في معروف‪.‬‬
‫ن وأرجهل ّ‬
‫أيديه ّ‬
‫ً‬
‫ن على ظهر الكعبة‪ ،‬وهذا بدء ظهور‬
‫ثم أمر عليه الصلة والسلم بلل أن يؤَذ ّ َ‬
‫السلم على ظهر البيت الكريم‪ ،‬فل عجب أن اتخذ المسلمون هذا اليوم عيدا ً‬
‫حقّ حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم‪.‬‬
‫يحمدون فيه الله َ‬
‫ً‬
‫وأقام عليه الصلة والسلم بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوما يقصر فيها‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الصلة‪ ،‬وولى عليها عَتاب ب َ‬
‫ب‬
‫ّ‬
‫ن أسيد‪ ،‬وجعل رزقه كل يوم درهمًا‪ ،‬فكان عَّتا ٌ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫رضي الله عنه يقول‪ :‬ل أشبعَ الله بطنا جاع على درهم ك ُ ّ‬
‫ل يوم‪.‬‬
‫هدم العُّزى‬
‫مقامه عليه الصلة والسلم بمكة أرسل خالدبن الوليد في‬
‫وفي الخامس من ُ‬
‫ثلثين فارسا ً لهدم هيكل العُّزى ــــ وهي أكبر صنم لقريش‪ ،‬وكان هيكلها‬
‫خلة ــــ فتوجه إليها خالد وهدمها‪.‬‬
‫ببطن ن َ ْ‬
‫واع‬
‫هدم ُ‬
‫س َ‬
‫وأرسل عليه الصلة والسلم عمروبن العاص لهدم سواع ــــ وهو أعظم صنم‬
‫لهذيل ــــ وهيكله على ثلثة أميال من مكة‪ ،‬فذهب إليه وهدمه‪.‬‬
‫هدم مناة‬
‫ً‬
‫دبن زيد الشهلي في عشرين فارسا لهدم مناة‪ ،‬وهي صنم لكلب‬
‫وبعث سع َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ل‪ ،‬وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قُد َْيد‪.‬‬
‫وخزاعة‪ .‬وهيكلها بال ُ‬
‫شل ِ‬
‫فتوجهوا إليها وهدموها‪.‬‬

‫حنين‬
‫غزوة ُ‬
‫بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الوثان‪ ،‬دانت للسلم جموعُ العرب ودخلوا‬
‫ة الجاهلية‪ ،‬واجتمع‬
‫مي ّ ُ‬
‫ح ِ‬
‫فيه أفواجًا‪ .‬أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما َ‬
‫ف منهم للشورى‪ ،‬وقالوا‪ :‬قد فرغ َ محمد من قتال قومه ول ناهية له‬
‫الشرا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫عّنا‪ ،‬فَل ْن َغُْزه قبل أن يغزونا‪ .‬فأجمعوا أمرهم على ذلك‪ ،‬وولوا رياستهم مالكبن‬
‫دبن بكر‪،‬‬
‫صري‪ ،‬فاجتمع له من القبائل جموع ٌ كثيرة‪ ،‬فيهم بنو سع ِ‬
‫عوف الن ّ ْ‬
‫ً‬
‫مة‬
‫ص ّ‬
‫الذي كان رسول الله مسترضعا فيهم‪ ،‬وكان في القوم د َُرْيدبن ال ّ‬
‫المشهور بأصالة الرأي‪ ،‬وشدة البأس في الحرب‪ ،‬ولتقدم سّنه لم يكن له في‬
‫هذه الحرب إل الرأي‪ ،‬ثم إن مالكبن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم‬
‫نساَءهم وذراريهم وأموالهم‪ ،‬فلما علم ذلك ُدريد سأل مالكا ً عن السبب‪،‬‬
‫ت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لجعل خلف كل رجل‬
‫فقال‪ :‬سق ُ‬
‫أهله وماله يقاتل عنهم‪ ،‬فقال دريد‪ :‬وهل يرد ّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم‬
‫ضحت في أهلك ومالك‪ ،‬فلم‬
‫ينفعك إل رجل بسيفه وُرمحه‪ ،‬وإن كانت عليك فُ ِ‬
‫يقب ْ‬
‫ل مالك مشورته‪ ،‬وجعل النساَء صفوفا ً وراء المقاتلة‪ ،‬ووراءهم البل‪ ،‬ثم‬
‫البقر‪ ،‬ثم الغنم‪ ،‬كيل يفر أحد من المقاتلين‪.‬‬
‫أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف‬
‫يستعدون لحربه أجمع رأيه على المسير إليهم‪ ،‬وخرج معه اثنا عشر ألف غاٍز‪،‬‬
‫منهم ألفان من أهل مكة‪ ،‬والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة‪ ،‬وخرج‬
‫أه ُ‬
‫ف يرجون الغنائم‪،‬‬
‫ل مكة ركبانا ً ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضع ٍ‬
‫سهيلبن‬
‫وخرج في الجيش ثمانون من المشركين‪ ،‬منهم صفواُنبن أمية‪ ،‬و ُ‬
‫ف عليه الصلة والسلم‬
‫ص ّ‬
‫عمرو‪ ،‬ولما قرب الجيش من معسكر العدو َ‬
‫ة‪ ،‬وعقد اللوية‪ ،‬فأعطى لواء المهاجرين لعلّيبن أبي طالب‪ ،‬ولواء‬
‫الغزا َ‬
‫حَباببن المنذر‪ ،‬ولواء الوس لسيدبن حضير‪ ،‬وكذلك أعطى ألوية‬
‫الخزرج لل ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫لقبائل العرب الخرى‪ .‬ثم ركب عليه الصلة والسلم بغلته ولبس درعين‬
‫مغفر‪.‬‬
‫والبيضة وال ِ‬

‫ن عنهم شيئًا‪ ،‬فإن مقدمة‬
‫هذا‪ ،‬وقد أ ُ ْ‬
‫عجب المسلمون بكثرتهم فلم ت ُغْ ِ‬
‫شعاب‬
‫المسلمين توجهت جهة العدو‪ ،‬فخرج لهم كمين كان مستترا ً في ِ‬
‫الوادي ومضايقه‪ ،‬وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر‪ ،‬فلووا أعّنة خيلهم‬
‫متقهقرين‪ ،‬ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من‬
‫ت على بغلته في ميدان‬
‫الدهشة‪ ،‬أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فثب َ‬
‫القتال‪ ،‬وثبت معه قليل من المهاجرين والنصار‪ ،‬منهم‪ :‬أبو بكر وعمر وعلي‬
‫والعباس وابنه الفضل وأبو سفيانبن الحارث وأخوه ربيعةبن الحارث ومعتُببن‬
‫أبي لهب‪ ،‬وكان العباس آخذا ً بلجام البغلة‪ ،‬وأبو سفيان آخذا ً بالركاب‪ ،‬وكان‬
‫ي أّيها الناس« ول يلوي عليه أحد‪ ،‬وضاقت‬
‫عليه الصلة والسلم ينادي‪» :‬إل ّ‬
‫بالمنهزمين الرض بما رحبت‪ .‬أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالسلم‬
‫ة الشرك فمنهم من فرح‪ ،‬ومنهم من ساءه هذا‬
‫والذين لم ينزعوا عنهم رِب ْ َ‬
‫ق َ‬
‫الدبار‪ ،‬فقال أبو سفيانبن حرب‪ :‬ل تنتهي هزيمتهم دون البحر‪ .‬وقال أخ‬
‫لصفوانبن أمية‪ :‬الن بطل السحر‪ .‬فقال له صفوان ــــ وهو على شركه ــــ‪:‬‬
‫ن ي َُرّبني رجل من قريش خير من أن ي َُرّبني‬
‫ض الله فاك‪ ،‬والله ل َ ْ‬
‫اسكت فَ ّ‬
‫رجل من هوازن‪ .‬ومّر عليه رجل من قريش وهو يقول‪ :‬أبشر بهزيمة محمدٍ‬
‫ن وقال‪ :‬ويلك أتبشرني بظهور‬
‫وأصحابه فوالله ل يجبرونها أبدًا‪ ،‬فغضب صفوا ُ‬
‫العراب؟ وقال عكرمةبن أبي جهل لذاك الرجل‪ :‬كونهم ل يجبرونها أبدا ً ليس‬
‫بيدك‪ ،‬المر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء‪ ،‬إن ُأديل عليه اليوم فإن‬
‫العاقبة له غدًا‪ ،‬فقال سهيلبن عمرو‪ :‬والله إن عهدك بخلفه لحديث‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫يا أبا يزيد إّنا كنا على غير شيء‪ ،‬وعقولنا ذاهبة‪ ،‬نعبد حجرا ً ل يضّر ول ينفع‪H.‬‬
‫وبلغت هزيمة بعض الفاّرين مكة‪ ،‬كل هذا ورسول واقف مكانه يقول‪:‬‬
‫َ‬
‫جهْوَرِيّ الصوت‬
‫ب ثم قال للعباس‪ :‬ــــ وكان َ‬
‫مط ّل ِ ْ‬
‫ن عَب ْدِ ال ُ‬
‫ي ل ك َذِب ْأَنا اب ُ‬
‫أنا الن ّب ِ ّ‬
‫ــــ »نادِ بالنصار يا عباس« فنادى‪ :‬يا معشر النصار يا أصحاب بيعة الرضوان‬
‫ن في الوادي‪ ،‬وصار النصار يقولون‪ :‬لّبيك لّبيك‪ ،‬ويريد كل واحد‬
‫فأسمعَ َ‬
‫م ْ‬
‫عنان بعيره فيمنعه من ذلك كثرة العراب المنهزمين‪ .‬فيأخذ‬
‫منهم أن يلوي ِ‬
‫درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه‪ ،‬وينزل عن بعيره‪ ،‬ويخلي سبيله‪،‬‬
‫ت حتى اجتمع حو َ‬
‫ل رسول الله جمع عظيم منهم‪ .‬وأنزل الله‬
‫ويؤ ّ‬
‫م الصو َ‬
‫ً‬
‫سكينته على رسوله‪ ،‬وعلى المؤمنين‪ ،‬وأنزل جنودا لم يروها‪ ،‬فكّر المسلمون‬
‫على عدوهم يدا ً واحدة فانتكث فتل المشركين‪ .‬وتفرقوا في كل وجه ل‬
‫يلوون على شيء من الموال والنساء والذراري‪ ،‬وتبعهم المسلمون يقتلون‬
‫ويأسرون‪ ،‬فأخذوا النساء والذراري وأسروا كثيرا ً من المحاربين‪ ،‬وهرب من‬
‫م ناس كثيرون‬
‫جرح في هذا اليوم خالدبن الوليد جراحا ٍ‬
‫هرب‪ ،‬و ُ‬
‫ت بالغة‪ ،‬وأسل َ‬
‫من مشركي مكة لما رأوه ُ من عناية الله بالمسلمين‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬والذي حصل في هذه الغزوة درس مهم من دروس الحرب‪ ،‬فإن هذا‬
‫الجيش دخله أخلط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالسلم‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫سّيان عندهم نصُر السلم وخذلنه‪ ،‬ولذلك بادروا لول صدمة إلى‬
‫هؤلء ِ‬
‫الهزيمة‪ ،‬وكادت تتم الكلمة على المسلمين لول فضل الله‪ ،‬فل ينبغي أن‬
‫ً‬
‫يكون في الجيش إل من يقاتل خالصا ً مخلصا ً من قلبه ليكون مدافعا ً حقا عن‬
‫ده الله للفاّرين من أليم‬
‫دينه‪ ،‬فل تميل نفسه إلى الفرار خشية مما أع ّ‬
‫العقاب‪.‬‬
‫ثم أمر عليه الصلة والسلم بجمع السبي والغنائم‪ ،‬وكانت نحو أربعة‬
‫وعشرين ألف بعير‪ ،‬وأكثر من أربعين ألف شاة‪ ،‬وأربعة آلف أوقية من‬
‫جعّرانة‪ .‬أما المشركون فتفرقوا ثلث فرق‪ :‬فرقة‬
‫الفضة‪ ،‬فجمع ذلك كله بال ِ‬
‫لحقت بالطائف‪ ،‬وفرقة لحقت بنخلة‪ ،‬وفرقة عسكرت بأوطاس‪.‬‬
‫سرية‬
‫فأرسل عليه الصلة والسلم لهذه الفرقة أبا عامر الشعري في جماعة منهم‬
‫ددهم وظفر بما بقي معهم من الغنائم‪.‬‬
‫أبو موسى الشعري‪ ،‬فسار إليهم وب ّ‬
‫ّ‬
‫وقد استشهد أبو عامر في هذه الغزوة وخلف على الغزاة ابن أخيه أبا‬
‫موسى‪ ،‬فرجع ظافرا ً منصورًا‪.‬‬
‫غزوة الطائف‬
‫وسار عليه الصلة والسلم بمن معه إلى الطائف ليجهز على بقية حياة ثقيف‬
‫ومن تجمع معهم من هوازن‪ ،‬وجعل على مقدمته خالدبن الوليد‪ ،‬ومّر عليه‬
‫الصلة والسلم بحصن لمالكبن عوف الّنصري فأمر بهدمه‪ .‬ومّر ببستان‬
‫حّرقنا عليك بستانك‪،‬‬
‫لرجل من ثقيف قد تمنع فيه‪ ،‬فأرسل إليه أن اخرج وإل َ‬
‫فامتنع الرجل فأمر عليه الصلة والسلم بحرقه‪ .‬ولما وصل المسلمون إلى‬
‫ت سنتهم‪ ،‬فعسكر‬
‫صنوا به وأدخلوا معهم قو َ‬
‫الطائف وجدوا العداء قد تح ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المسلمون قريب الحصن‪ .‬فرماهم المشركون بالّنبل رميا شديدا حتى أصيب‬
‫منهم كثيرون بجراحات منهم عبد اللهبن أبي بكر‪ ،‬وقد طاوله جرحه حتى‬
‫أماته في خلفة أبيه‪ ،‬ومنهم أبو سفيانبن حرب ُفقئت عينه‪ .‬وقد مات‬
‫بالجراحات اثنا عشر رجل ً من المسلمين‪ .‬ولما رأى رسول الله أن العدو‬
‫كن من رميهم ارتفع إلى محل مسجد الطائف الن‪ ،‬وضر َ ُ‬
‫متم ّ‬
‫م سلمة‬
‫بل ّ‬
‫وزينب قبتين هناك‪ ،‬واستمر الحصاُر ثمانية عشر يومًا‪ ،‬كان فيها ُينادي خالدبن‬
‫الوليد بالِبراز فلم يجبه أحد‪ ،‬وناداه عبد ياليل ــــ عظيم ثقيف ــــ ل ينزل‬
‫إليك مّنا أحد‪ ،‬ولكن نقيم في حصننا‪ ،‬فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين‪،‬‬
‫فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا ً حتى نموت عن‬
‫ب‪ .‬ودخل‬
‫صب عليهم المنجنيق فَن ُ ِ‬
‫ص َ‬
‫آخرنا‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم بأن ي ُن ْ َ‬
‫سك َ َ‬
‫ك‬
‫جمع من الصحاب تحت دبابتين لينقبوا الحصن‪ ،‬فأرسلت عليهم ثقيف ِ‬
‫محماة بالنار حتى أرجعوهم‪ .‬فأمر عليه الصلة والسلم أن تقطع‬
‫الحديد ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أعنابهم ونخيلهم‪ ،‬فقطع المسلمون فيها قطعا ذريعا‪ ،‬فناداه أهل الحصن‪ ،‬أن‬
‫دعها لله وللرحم‪ ،‬فقال‪» :‬أدعها لله‬
‫ن ينادي بأن ك ّ‬
‫ل من ترك الحصن ونزل فهو آمن‪ ،‬فخرج‬
‫وللرحم« ثم أمر َ‬
‫م ْ‬
‫إليه بضعة عشر رج ً‬
‫ل‪ .‬ولما رأى عليه الصلة والسلم أن تمّنع ثقيف شديد‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفلبن معاوية الديلي في الذهاب أو المقام‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته‪ ،‬وإن تركته لم يضّرك‪.‬‬
‫فأمر عليه الصلة والسلم بالرحيل‪ ،‬وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على‬
‫م اهد ِ ثقيفا ً وائت بهم مسلمين«‪.‬‬
‫ثقيف‪ ،‬فقال‪» :‬الله ّ‬
‫تقسيم السبي‬
‫جعِّرانة حيث ترك السبي فأحصاه‪،‬‬
‫ثم رجع عليه الصلة والسلم إلى ال ِ‬
‫وخمسه‪ ،‬وأعطى منه شيئا ً كثيرا ً ُ‬
‫ّ‬
‫فهم بذلك‪.‬‬
‫لناس ضعف إسلمهم يتأل ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ب إليهم السلم‪ ،‬ومن الولين‪ :‬أبو سفيان‬
‫حب ّ َ‬
‫وأعطى أناسا ً لم يسلموا لي ُ َ‬
‫أعطاه أربعين ُأوقية من الذهب ومائة من البل‪ ،‬وكذلك ابناه معاوية ويزيد‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬بأبي أنت وأمي لنت كريم في السلم والحرب‪ .‬ومنهم حكيمبن‬
‫حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه‪ ،‬ثم استزاده فأعطاه مثلها‪،‬‬
‫ضرة حلوة‪ ،‬فمن أخذه بسخاوة نفس ُبورك‬
‫ن هذا المال َ‬
‫خ ِ‬
‫وقال‪» :‬يا حكيم إ ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫له فيه‪ ،‬ومن أخذه بإشراف نفس لم ُيبارك له فيه‪ ،‬وكان كالذي يأكل ول‬
‫سفلى« فأخذ َ حكيم المائة الولى وتر َ‬
‫ك ما‬
‫يشَبع‪ ،‬واليد ُ الُعليا خير من اليدِ ال ّ‬
‫عداها‪ ،‬ثم قال‪ :‬والذي بعثك بالحق ل أ َْرَزأ ُ أحدا ً بعدك شيئا ً حتى ُأفارق الدنيا‪،‬‬
‫فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت‬
‫ةبن حصن مائة من البل‪،‬‬
‫المال فل يأخذه‪ .‬وأعطى عليه الصلة والسلم عُي َي ْن َ َ‬
‫شْعبا ً‬
‫وكذلك القر َ‬
‫مرداس‪ ،‬وأعطى صفواَنبن أمية ِ‬
‫عبن حابس‪ ،‬والعباسبن ِ‬
‫مملوءا ً ن ََعما ً وشاًء كان رآه يرمقه‪ ،‬فقال له‪» :‬هل يعجبك هذا؟« قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫س أحد‪ ،‬وكان سبب‬
‫قال‪» :‬هُوَ لك« فقال صفوان‪ :‬ما طابت بمثل هذا نف ُ‬
‫إسلمه‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب‬
‫وجمعها على الدين القويم‪ ،‬وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى‬
‫جعل من الصدقات قسما ً للمؤلفة قلوبهم‪ ،‬وقد عاد ذلك بفائدة عظمى‪ ،‬فإن‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب السلم‬
‫ح ّ‬
‫من أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم ُ‬
‫كثيرين م ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫صاروا بعد ُ من أجلء المسلمين‪ ،‬وأعظمهم نفعا‪ ،‬كصفوانبن أمية‪ ،‬ومعاويةبن‬
‫أبي سفيان‪ ،‬والحارثبن هشام وغيرهم‪.‬‬
‫سمه‬
‫ثم أمر عليه الصلة والسلم زيدبن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وق ّ‬
‫على الغزاة بعد أن اجتمع إليه العراب‪ ،‬وصاروا يقولون له‪ :‬اقسم علينا‪ ،‬حتى‬
‫ألجؤوه إلى شجرة‪ ،‬فتعلق رداؤه‪ ،‬فقال‪» :‬رّدوا ردائي أيها الناس‪ ،‬فوالله إن‬
‫كان لي شجر تهامة ن ََعما ً لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيل ً ول جبانا ً ول‬
‫مه‪ ،‬وقال‪» :‬أّيها الناس والله ما‬
‫سَنا ِ‬
‫كذوبًا« ثم قام إلى بعيره‪ ،‬وأخذ َوبرة ً من َ‬
‫س مردود عليكم‪ ،‬فأّدوا‬
‫مس‪ ،‬وال ُ‬
‫لي من غنيمتكم ول هذه الوبرة إل ال ُ‬
‫خ ُ‬
‫خ ُ‬
‫م ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫خي َ َ‬
‫خيا َ‬
‫ط‪ ،‬فإن الُغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم‬
‫م ْ‬
‫ال ِ‬
‫ط وال ِ‬
‫ً‬
‫خلسة يرّده ولو كان زهيدًا‪ ،‬ثم‬
‫الغنائم‬
‫من‬
‫ا‬
‫شيئ‬
‫أخذ‬
‫من‬
‫كل‬
‫فصار‬
‫القيامة«‬
‫ِ‬
‫ب الرج َ‬
‫ة‬
‫ثلث‬
‫والفارس‬
‫شاة‪،‬‬
‫وأربعون‬
‫ل أربعة من البل‬
‫ُ‬
‫شَرع يقسم فأصا َ‬
‫ُ‬
‫ه الله‪،‬‬
‫أمثال ذلك‪ ،‬فقال رجل من المنافقين‪ :‬هذه قسمة ما أريد بها وج ُ‬
‫ن يعد ُ‬
‫ل إذا‬
‫فغضب عليه الصلة والسلم حتى احمّر وجهه‪ ،‬وقال‪» :‬ويحك َ‬
‫م ْ‬
‫ده غضبه أن ينتقم لنفسه‪ ،‬حاشاه عليه الصلة والسلم‬
‫لم أعدل؟« فلم يؤ ّ‬
‫ح وح ّ‬
‫ذر‪ ،‬وقال له عمر وخالدبن الوليد‪ :‬دعنا‬
‫من ذلك‪ ،‬بل لم يزد ْ على أن نص َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ب عنقه‪ ،‬فقال‪» :‬ل لعّله أن يكون ُيصلي« فقال خالد‪ :‬وكم‬
‫يا رسول الله نضر ْ‬
‫ل يقو ُ‬
‫ص َ‬
‫ل بلسانه ما ليس في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬إني‬
‫من م ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب عن قلوب الناس‪ ،‬ول أ ُ‬
‫شقّ عن بطونهم«‪.‬‬
‫لم ُأومر أن أن َ ّ‬
‫ق َ‬
‫ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب‪،‬‬
‫وتر َ‬
‫ب ُيعطي قريشًا‪،‬‬
‫ضهم حتى قالوا‪ :‬إن هذا لهو العج ُ‬
‫ك النصار غضب بع ُ‬
‫ويتركنا وسيوفنا تقطُر من دمائهم فبلغه ذلك‪ ،‬فأمر بجمعهم وليس معهم‬
‫هم‪ .‬فلما اجتمعوا قال‪» :‬يا معشر النصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم‬
‫غير ُ‬
‫ّ‬
‫ف الله بين‬
‫ة فأغناكم الله بي؟ وأعداًء فأل َ‬
‫ضل ّل ً فهداكم الله بي؟ وعال ً‬
‫أجدكم ُ‬
‫ً‬
‫خُبرهم‬
‫ت أن أ ْ‬
‫قلوبكم بي؟ إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة‪ ،‬وإني أرد ُ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫فهم‪ ،‬أغضبتم يا معشر النصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا أل ْ‬
‫وأتأ َل ّ َ‬
‫ف ُ‬
‫به قوما ً ليسلموا‪ ،‬ووكلتكم إلى إسلمكم الثابت الذي ل ي َُزل َْزل؟ أل ترضون يا‬
‫ب الناس بالشاة والبعير‪ ،‬وترجعوا برسول الله إلى‬
‫معشر النصار أن يذه َ‬
‫رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لول الهجرة لكنت امرأ من النصار‪ ،‬ولو‬
‫م ارحم‬
‫شْعبا ً وسلك النصار ِ‬
‫س ِ‬
‫شعبا ً لسلكت شعب النصار‪ ،‬الله ّ‬
‫سلك النا ُ‬
‫ّ‬
‫ت لحاهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬رضينا‬
‫ل‬
‫ض‬
‫خ‬
‫ا‬
‫حتى‬
‫القوم‬
‫فبكى‬
‫النصار«‪.‬‬
‫َ‬
‫ء‬
‫وأبنا‬
‫النصاَر‪،‬‬
‫ْ َ ْ‬
‫ف عليه الصلة والسلم وتفرقوا‪.‬‬
‫ل الله قسما ً وحظًا‪ ،‬ثم انصر َ‬
‫برسو ِ‬
‫وفود هوازن‬
‫وبعد بضع عشرة ليلة جاءه صلى الله عليه وسلم وفد هوازن يرأسهم‬
‫زهيربن صرد وقالوا‪ :‬يا رسول الله إن فيمن أصبتم المهات والخوات‬
‫مخازي القوام‪ ،‬ونرغب إلى الله وإليك يا رسول‬
‫ن َ‬
‫والع ّ‬
‫مات والخالت‪ ،‬وه ّ‬
‫ن‬
‫الله وقال زهير‪ :‬إن في الحظائر عماتك وخالتك وحواضنك اللتي ك ّ‬
‫يكفلنك‪ ،‬ثم قال أبياتا ً يستعطفه بها‪:‬‬
‫ن علينا رسو َ‬
‫ة‬
‫ن على نسو ٍ‬
‫ل الله في كرمفإنك المرُء نرجوه وننتظُرامن ْ‬
‫امن ْ‬
‫ضها الد َّرُرإنا لنشكر للنعماء إن‬
‫م ْ‬
‫خ ِ‬
‫كنت ت َْر َ‬
‫ضُعهاإذ فوك مملوءة من َ‬
‫ً‬
‫مل عفوا منك نلبسههدى البرية أن تعفو‬
‫م ّ‬
‫دخرإّنا نؤ ّ‬
‫كفرتوعندنا بعد هذا اليوم ُ‬
‫ُ‬
‫ضعُُهمن أمهاتك إن العفوَ مشتهر فقال‬
‫وتنتصرفألبس العفو من قد كنت ت َْر َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬فاختاروا إحدى‬
‫صلى الله عليه وسلم‪» :‬إن أح ّ‬
‫صد َقُ ُ‬
‫يأ ْ‬
‫ب الحديث إل ّ‬
‫الطائفتين‪ :‬إما السبي وإما المال‪ .‬وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم ل‬
‫تقدمون«‪ .‬فقالوا‪ :‬ما كّنا نعدل بالحساب شيئًا‪ ،‬ارد ُد ْ علينا نساءنا وأبناءنا فهو‬
‫ب إلينا ول نتكلم في شارة ول بعير‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬أما ما‬
‫أح ّ‬
‫ّ‬
‫لي ولبني عبد المطلب فهو لكم‪ ،‬فإذا أنا صليت الظهر فقوموا‪ ،‬وقولوا‪ :‬نحن‬
‫نستشفع برسول الله إلى المسلمين‪ ،‬وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن‬
‫تظهروا إسلمكم‪ ،‬وتقولوا‪ :‬نحن إخوانكم في الدين« ففعلوا‪ .‬فقال صلى الله‬
‫عليه وسلم لصحابه‪» :‬أما بعد‪ :‬فإن إخوانكم هؤلء جاؤوا تائبين‪ ،‬وإني قد‬
‫ب أن ي ُ ّ‬
‫ب‬
‫ب بذلك فليفعل‪ ،‬ومن أح ّ‬
‫طي َ‬
‫ت أن أرد ّ عليهم سبيهم‪ ،‬فمن أح ّ‬
‫رأي ُ‬
‫ح ّ‬
‫فيُء الله علينا‬
‫ظه حتى نعطَيه إياه من أول ما ي ُ ِ‬
‫منكم أن يكون على َ‬
‫فليفعل«‪ ،‬فقال المهاجرون والنصار‪ :‬ما كان لنا فهو لرسول الله‪ .‬وامتنعَ من‬
‫ذلك جماعة من العراب‪ ،‬كالقرعبن حابس‪ ،‬وعيينةبن حصن‪ ،‬والعباسبن‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مرداس‪ ،‬فأخذه الرسو ُ‬
‫حَبس‬
‫ِ‬
‫ل منهم قرضًا‪ ،‬وأمر صلى الله عليه وسلم بأن ت ُ ْ‬
‫ُ‬
‫م عبد‬
‫عائل ُ‬
‫ة مالكبن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكة عند عمتهم أ ّ‬
‫اللهبن أمية‪ .‬فقال له الوفد‪ :‬أولئك ساداتنا‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬إنما‬
‫ُأريد بهم الخير« ثم سأل عن مالك فقالوا‪ :‬هرب مع ثقيف‪ ،‬فقال‪» :‬أخبروه‬
‫أنه إن جاءني مسلما ً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من البل« فلما‬
‫جعِّرانة‪ ،‬فأسلم‬
‫خ ْ‬
‫بلغ ذلك مالكا ً نزل من الحصن ُ‬
‫فية حتى أتى رسول الله بال ِ‬
‫ن أسلم من‬
‫وأحرز ماله‪ ،‬واستعمله عليه الصلة والسلم على َ‬
‫م ْ‬
‫هوازن‪.‬‬
‫عمرة الجعِّرانة‬
‫ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فأحرم من الجعرانة‪ ،‬ودخل مكة‬
‫ث‬
‫بليل‪ ،‬فطاف‪ ،‬واستلم الحجر‪ ،‬ثم رجع من ليلته‪ ،‬وكانت إقامته بالجعرانة ثل َ‬
‫عشرة ليلة‪ ،‬ثم أمر عليه الصلة والسلم بالرحيل‪ ،‬فسار الجيش آمنا ً مطمئنا ً‬
‫ث بقين من ذي القعدة‪.‬‬
‫حتى دخل المدينة لثل ٍ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫سرا‬
‫وأفقد‬
‫دولته‪،‬‬
‫ل‬
‫وأدا‬
‫الشرك‪،‬‬
‫ع‬
‫جمو‬
‫بها‬
‫الله‬
‫رق‬
‫ف‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫وغزوة حنين هي التي ّ‬
‫أهله‪ ،‬فإن هوازن لم تترك وراءها رجل ً تم ّ‬
‫كنه الحرب إل ساقته‪ ،‬ولم تترك لها‬
‫بعيرا ً ول شاة إل جاءت به معها‪ ،‬فأراد الله إعزاز السلم بخذلن أعدائه وأخذ‬
‫ن يمانع أو يدافع‪ ،‬ولذلك‬
‫أموالهم‪ ،‬فانكسرت ِ‬
‫ح ّ‬
‫دة المشركين‪ ،‬ولم يبق فيهم َ‬
‫م ْ‬
‫يمكننا أن نقول‪ :‬إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب‪ ،‬فلم يبقَ فيهم‬
‫إل فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلح‪ ،‬ثم ل يلبثون أن يغمدوا‬
‫السيوف حينما تظهر لهم قوة الحق الساطعة‪.‬‬
‫سرية‬
‫ولما رجع عليه الصلة والسلم إلى المدينة أرسل قيسبن سعد في أربعمائة‬
‫صداء ــــ قبيلة تسكن اليمن ــــ إلى السلم‪ ،‬فجاء إلى رسول الله‬
‫ليدعو ُ‬
‫ً‬
‫ش‬
‫رجل منهم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله إني جئتك وافدا ع ّ‬
‫من ورائي‪ ،‬فاردد الجي َ‬
‫وأنا لك بقومي‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم برد ّ الجيش‪.‬‬
‫داء‬
‫ص َ‬
‫وفود ُ‬
‫وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجل ً منهم‪ ،‬فنزلوا ضيوفا ً على‬
‫سعدبن عبادة‪ ،‬ثم بايعوا رسول الله على السلم‪ ،‬وقالوا‪ :‬نحن لك على من‬
‫وراءنا من قومنا‪ ،‬ولما رجعوا فشا فيهم السلم‪ ،‬وقدم على رسول الله منهم‬
‫مائة في حجة الوداع‪.‬‬
‫سرية‬
‫ثم أرسل عليه الصلة والسلم بشربن سفيان العدوي إلى بني كعب من‬
‫خزاعة لخذ صدقات أموالهم‪ ،‬فمنعهم بنو تميم المجاورون لهم من أداء ما‬
‫ض عليهم‪ ،‬فلما علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينةبن حصن في‬
‫فُرِ َ‬
‫ً‬
‫خمسين فارسا من العراب‪ ،‬فجاءهم وحاربهم‪ ،‬وأخذ منهم أحد عشر رج ً‬
‫ل‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وإحدى وعشرين امرأة‪ ،‬وثلثين صبيًا‪ ،‬وتوجه بالكل إلى المدينة‪ ،‬فأمر عليه‬
‫مَلة بنت الحارث‪.‬‬
‫الصلة والسلم بجعلهم في دار َر ْ‬
‫وفود تميم‬
‫عطاردبن حاجب‪ ،‬والّزبرقانبن بدر‪ ،‬وعمروبن‬
‫فجاء في أثرهم وفد تميم‪ ،‬وفيه ُ‬
‫الهتم‪ ،‬فجلسوا ينتظرون الرسول‪ ،‬فلما أبطأ عليهم ناَدوا من وراء الحجرات‬
‫منا َ‬
‫شْين‪،‬‬
‫جا ٍ‬
‫بصوت َ‬
‫ف‪ :‬يا محمد اخرج إلينا نفاخرك‪ ،‬فإن مدحنا َزْين‪ ،‬وإن ذ ّ‬
‫فخرج إليهم عليه الصلة والسلم‪ ،‬وقد تأذى من صياحهم‪ ،‬وفيهم نزل في‬
‫َ‬
‫م لَ‬
‫ن ي َُناُدون َ َ‬
‫جرا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ح ُ‬
‫من وََرآء ال ْ ُ‬
‫أوائل سورة الحجرات‪ :‬إ َ ّ‬
‫ت أك ْث َُرهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م لَ َ‬
‫فوٌر‬
‫ه غَ ُ‬
‫ن َ‬
‫حّتى ت َ ْ‬
‫ي َعْ ِ‬
‫كا َ‬
‫خُر َ‬
‫صب َُروا ْ َ‬
‫قُلو َ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫خْيرا ً ل ّهُ ْ‬
‫ج إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫ن)‪ (4‬وَل َوْ أن ّهُ ْ‬
‫م َ‬
‫م)‪(5‬‬
‫ّر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫سرية‬
‫مَعيط لخذ صدقات بني‬
‫ثم بعث عليه الصلة والسلم الوليدبن عقبةبن أبي ُ‬
‫المصطلق‪ ،‬فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجل ً متقلدين سلحهم‬
‫احتفال ً بقدومه ومعهم إبل الصدقة‪ ،‬فلما نظرهم ظنهم يريدون حربه لما كان‬
‫بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية‪ ،‬فرجع مسرعا ً إلى المدينة‪ ،‬وأخبر‬
‫دوا ومنعوا الزكاة‪ ،‬فأرسل لهم خالدبن الوليد‬
‫الرسول أن القوم ارت ّ‬
‫لستكشاف الخبر‪ ،‬فسار إليهم في عسكره خفية حتى إذا كان بناديهم سمع‬
‫مؤّذنهم يؤّذن بالصبح‪ ،‬فأتاهم خالد فلم يَر منهم إل طاعة‪ ،‬فرجع وأخبر‬
‫الرسول‪ ،‬فأرسل عليه الصلة والسلم لهم غير الوليد لخذ الصدقات‪ ،‬وفي‬
‫َ‬
‫م َفا ِ‬
‫الوليد نزل في أوائل الحجرات‪ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ِإن َ‬
‫جآءك ُ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫سقُ ب ِن َب َإ ٍ‬
‫َ‬
‫ن)‪(6‬‬
‫م َنادِ ِ‬
‫فَت َب َي ُّنوا ْ أن ت ُ ِ‬
‫صب ِ ُ‬
‫ما ب ِ َ‬
‫ما فَعَل ْت ُ ْ‬
‫حوا ْ عََلى َ‬
‫صيبُبوا ْ قَوْ َ‬
‫جَهال َةٍ فَت ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫سرية‬
‫ً‬
‫جد ّةَ في مراكبهم يريدون‬
‫ثم بلغ رسول الله أن جمعا من الحبشة رآهم أهل ُ‬
‫جّزز في ثلثمائة‪ ،‬فذهب حتى وصل‬
‫م َ‬
‫الغارة عليها‪ ،‬فأرسل لهم علقمةبن ُ‬
‫ة‪ ،‬ونزل في المراكب ليدركهم‪ ،‬وكان الحباش متحصنين في جزيرة هناك‪،‬‬
‫جد ّ َ‬
‫ُ‬
‫فلما رأوا المسلمين يريدونهم هربوا‪ ،‬ولم يلقَ المسلمون كيدًا‪ ،‬فرجع علقمة‬
‫سرعان القوم أن يتعجلوا‪ ،‬وأمر عليهم عبد‬
‫بمن معه‪ .‬ولما كان بالطريق أذن ل ِ َ‬
‫سْهمي‪ ،‬وكان فيه دعابة‪ ،‬فأوقد لهم في الطريق نارًا‪ ،‬وقال‬
‫اللهبن ُ‬
‫حذافة ال ّ‬
‫لهم‪ :‬ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬عزمت عليكم إل ما تواثبتم‬
‫م بذلك بعضهم‪،‬‬
‫في هذه النار‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬ما أسلمنا إل فرارا ً من النار‪ ،‬وه ّ‬
‫فمنعهم عبد الله‪ ،‬وقال‪ :‬كنت مازحًا‪ .‬فلما ذكروا ذلك لرسول الله‪ ،‬قال‪» :‬ل‬
‫طاعة لمخلوق في معصية الخالق«‪.‬‬
‫سَعة‬
‫سَنة الّتا ِ‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫في ربيع الول أرسل عليه الصلة والسلم عليبن أبي طالب في مائة راكب‬
‫فُلس ــــ صنم ٍ لطيىء ــــ فسار إليه وهدمه وأحرقه‪،‬‬
‫وخمسين فارسا ً لهدم ال ُ‬
‫ة‬
‫س ّ‬
‫فان ُ‬
‫ولما حارب عُّباده هزمهم واستاق ن ََعمهم وشاءهم وسبيهم‪ ،‬وكان فيه َ‬
‫فانة من رسول الله‬
‫بنت حاتم طّيىء‪ .‬ولما رجع علي إلى المدينة طلبت س ّ‬
‫ن عليها‪ ،‬فأجابها لنه كان من سنته صلى الله عليه وسلم أن يكرم‬
‫أن ي َ ُ‬
‫م ّ‬
‫ك يد افتقرت بعد غنى‪ ،‬ول ملكتكَ‬
‫الكرام‪ ،‬فدعت له‪ ،‬وكان من دعائها‪ :‬شكرت ْ َ‬
‫يد استغنت بعد فقر‪ ،‬وأصاب الله بمعروفك مواضعه‪ ،‬ول جعل لك إلى لئيم‬
‫حاجة‪ ،‬ول سلب نعمة كريم إل وجعلك سببا ً لرّدها عليه‪ .‬وكانت هذه المعاملة‬
‫من رسول الله سببا ً في إسلم أخيها عديبن حاتم الطائي الذي كان فّر إلى‬
‫الشام عندما رأى الرايات السلمية قاصدة بلده‪ ،‬وكان من حديث مجيئه أن‬
‫عوملت به من الكرم‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما‬
‫أخته توجهت إليه بالشام‪ ،‬وأخبرته بما ُ‬
‫ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت‪ :‬أرى أن تلحق به سريعًا‪ ،‬فإن يكن نبيا ً‬
‫فللسابق إليه فضل‪ ،‬وإن يكن ملكا ً فأنت أنت‪ .‬قال‪ :‬والله هذا هو الرأي‪.‬‬
‫وفود عديبن حاتم‬
‫فخرج حتى جاء المدينة‪ ،‬ولقي رسول الله‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬من‬
‫الرجل؟« قال‪ :‬عديبن حاتم‪ ،‬فأخذه إلى بيته‪ ،‬وبينما هما يمشيان إذ لقيت‬
‫رسول الله امرأة عجوز‪ ،‬فاستوقفته‪ ،‬فوقف لها طويل ً ت ُ َ‬
‫كلمه في حاجتها‪،‬‬
‫فقال عدي‪ :‬والله ما هو بملك‪ .‬ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول‬
‫س على هذه«‪.‬‬
‫وة ليفا ً فق ّ‬
‫دمها إلى عدي‪ ،‬وقال‪» :‬اجل ْ‬
‫ِوسادة من جلد محش ّ‬
‫فقال‪ :‬بل أنت تجلس عليها‪ ،‬فامتنع عليه الصلة والسلم وأعطاها له‪ ،‬وجلس‬
‫م« قالها ثلثًا‪ ،‬فقال عدي‪ :‬إني‬
‫هو على الرض‪ ،‬ثم قال‪» :‬يا عدي أسلم‪ ،‬تسل ْ‬
‫على دين‪ ،‬وكان نصرانيًا‪ .‬فقال له عليه الصلة والسلم‪» :‬أنا أعلم بدينك‬
‫دد له أشياء كان‬
‫منك« فقال عدي‪ :‬أأنت أعلم بديني مّني؟ قال‪» :‬نعم«‪ .‬ثم ع ّ‬
‫يفعلها اتباعا ً لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء‪ ،‬كأخذه الرباع‬
‫وهو ربع الغنائم‪ .‬ثم قال‪» :‬يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى‪،‬‬
‫ة الناس ومن ل قدرة لهم‪ ،‬وقد رمتهم العرب مع‬
‫ضَعف ُ‬
‫تقول‪ :‬إنما اّتبعه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن يأخذه‪،‬‬
‫ن المال أن يفيض فيهم حتى ل ُيوجد َ‬
‫م ْ‬
‫حاجتهم‪ ،‬فوالله لُيوشك ّ‬
‫ولعّلك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم‪،‬‬
‫ن هذا المر‬
‫أتعرف ال ِ‬
‫حْيرة؟« قال‪ :‬لم أرها وقد سمعت بها‪ ،‬قال‪» :‬فوالله ليت ّ‬
‫م ّ‬
‫حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد‪ ،‬ولعّلك إنما‬
‫يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم‪ ،‬وايم الله‬
‫ن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد ُفتحت عليهم«‪ .‬فأسلم‬
‫ليوشك ّ‬
‫عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك‪.‬‬
‫غزوة ت َُبوك‬
‫بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في‬
‫سرة الناس‪ ،‬وجدب البلد‪ ،‬وشدة الحّر حين‬
‫بلده‪ ،‬وكان ذلك في زمن عُ ْ‬
‫طابت الثمار‪ ،‬والناس يحّبون المقام في ثمارهم وظللهم‪ ،‬فأمر عليه الصلة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مي الخبار‬
‫والسلم بالتجهز‪ ،‬وكان قّلما يخرج في غزوة إل وّرى بغيرها‪ ،‬لي ُعَ ّ‬
‫على العدو إل في هذه الغزوة‪ ،‬فإنه أخبر بمقصده لُبعد ال ّ‬
‫شقةِ ولشدة العدّو‪،‬‬
‫دتهم لذلك‪ ،‬وبعث إلى مكة وقبائل العراب يستنفرهم لذلك‪،‬‬
‫ليأخذ الناس ع ّ‬
‫ث الموسرين على تجهيز المعسرين‪ ،‬فأنفق عثمانبن عفان عَ َ‬
‫شرةَ آلف‬
‫وح ّ‬
‫ً‬
‫دينار‪ ،‬وأعطى ثلثمائة بعير بعير بأحلسها وأقتابها‪ ،‬وخمسين فرسا‪ ،‬فقال‬
‫ض عنه«‪ .‬وجاء أبو‬
‫صلى الله عليه وسلم‪» :‬الله ّ‬
‫م ار َ‬
‫ض عن عثمان فإني را ٍ‬
‫بكر بكل ماله وهو أربعة آلف درهم‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬هل‬
‫أبقيت لهلك شيئًا؟« فقال‪ :‬أبقيت لهم الله ورسوله‪ ،‬وجاء عمربن الخطاب‬
‫بنصف ماله‪ ،‬وجاء عبد الرحمانبن عوف بمائة أوقية‪ ،‬وجاء العباس وطلحة‬
‫سقا ً من تمر‪ ،‬وأرسلت النساء‬
‫بمال كثير‪ .‬وتص ّ‬
‫دق عاصمبن عدي بسبعين و ْ‬
‫ة أنفس من‬
‫بكل ما يقدرن عليه من حيلهن‪ ،‬وجاءه صلى الله عليه وسلم سبع ُ‬
‫فقراء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم‪ .‬فقال‪» :‬ل أجد ما أحملكم عليه«‪.‬‬
‫حَزنا ً أل ّ يجدوا ما ُينفقون‪ .‬فجهز عثمان ثلثة‬
‫فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع َ‬
‫س اثنين‪ ،‬وجهز يامينبن عمرو اثنين‪.‬‬
‫منهم‪ ،‬وجهز العبا ُ‬
‫ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلثون ألفًا‪ ،‬ووّلى على المدينة‬
‫ف كثير من المنافقين‬
‫محمدبن مسلمة‪ ،‬وعلى أهله عليبن أبي طالب‪ ،‬وتخل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬وقال‪ :‬يغزو محمد بني الصفر مع جهد الحال والحر‬
‫يرأسهم عبد اللهبن أب َ ّ‬
‫ب محمد أن قتال بني الصفر معه اللعب؟ والله لكأني‬
‫والبلد البعيد أيحس ُ‬
‫أنظر إلى أصحابه مقّرنين في الحبال‪ .‬واجتمع جماعة منهم‪ ،‬فقالوا في حق‬
‫رسول الله وأصحابه ما يريدون من الرجاف‪ ،‬فبلغه ذلك‪ ،‬فأرسل إليهم‬
‫ما قالوا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنما كّنا نخوض ونلعب‪.‬‬
‫ماربن ياسر يسألهم ع ّ‬
‫ع ّ‬
‫وجاء إليه جماعة منهم الجدبن قيس يعتذرون عن الخروج‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫الله ائذن لنا ول تفتّنا لّنا ل نأمن من نساء بني الصفر‪ ،‬وجاء إليه المع ّ‬
‫ذرون‬
‫من العراب ــــ وهم أصحاب العذار من ضعف أو قّلة ــــ ليؤذن لهم فأذن‬
‫لهم‪ ،‬وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم‪ ،‬وقد عتب الله عليه في‬
‫ك لِ َ‬
‫ن ل َكَ‬
‫ذلك الذن بقوله في سورة براءة‪ :‬عَ َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫م أِذن َ‬
‫عن َ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫حّتى ي َت َب َي ّ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل ي ُؤْ ِ‬
‫ست َأذِن ُك ال ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن)‪ (43‬إ ِن ّ َ‬
‫صد َُقوا ْ وَت َعْل َ َ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫كاذِِبي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ِباللهِ َوالي َوْم ِ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫ن)‪ (45‬وَل َوْ أَراُدوا ْ ال ْ ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ج لعَ ّ‬
‫خُرو َ‬
‫م ي َت ََرد ُّدو َ‬
‫م ِفى َري ْب ِهِ ْ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫ت قُُلوب ُهُ ْ‬
‫خرِ َواْرَتاب َ ْ‬
‫م وَِقي َ‬
‫و‬
‫معَ ال ْ َ‬
‫قا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه عُد ّة ً وََل ِ‬
‫ل اقْعُ ُ‬
‫دوا ْ َ‬
‫م فَث َب ّط َهُ ْ‬
‫ه انب َِعاث َهُ ْ‬
‫كن ك َرِهَ الل ّ ُ‬
‫لَ ُ‬
‫ن)‪ (46‬ل َ ْ‬
‫دي َ‬
‫جوا ْ ِفي ُ‬
‫م‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫َ‬
‫فت ْن َ َ‬
‫ضُعوا ْ ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫خَبال ً ول َوْ َ‬
‫خَر ُ‬
‫ة وَِفيك ُ ْ‬
‫م ي َب ُْغون َك ُ ُ‬
‫خَلل َك ُ ْ‬
‫ما َزاُدوك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫م ِبال ّ‬
‫ن)‪(47‬‬
‫ما ُ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫عو َ‬
‫َ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫س ّ‬
‫مي َ‬
‫‪ g‬ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمة‪ ،‬وكان من خبر مجيئه أن دخل على‬
‫أهله في يوم حار‪ ،‬فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان‪ ،‬قد رشت‬
‫ك ّ‬
‫ت طعامًا‪ ،‬وكان يوما ً شديد الحر‪،‬‬
‫ل منهما عريشها‪ ،‬وبّردت فيها ماء‪ ،‬وهيأ ْ‬
‫فلما نظر ذلك قال‪ :‬يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء‬
‫ش واحدة‬
‫صف‪ .‬ثم قال‪ :‬والله ل أدخل عري َ‬
‫مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالن ّ َ‬
‫منكما حتى ألحق برسول الله فهّيئا لي زادا ً ففعلتا‪ ،‬ثم ركب بعيره‪ ،‬وأخذ‬
‫سيفه ورمحه‪ ،‬وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وفود صاحب أ َْيلة‬
‫هذا ولم يَر صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشا ً كما كان قد سمع‪ ،‬فأقام هناك‬
‫حّنة‪ ،‬صاحب أيلة‪ ،‬وصحبته أه ُ‬
‫جْرباء‪ ،‬وأهل أ َذ ُْرح‪،‬‬
‫ل َ‬
‫أياما ً جاءه في أثنائها ي ُ َ‬
‫حّنة رسول الله على إعطاء الجزية‪ ،‬ولم يسلم‪ .‬وكتب له‬
‫م ْ‬
‫قنا‪ ،‬فصالح ي ُ َ‬
‫وأهل َ‬
‫ً‬
‫الرسول كتابا هذه صورته‪:‬‬
‫كتاب صاحب أيلة‬
‫َ‬
‫ة من الله ومحمد النبي رسول الله‬
‫من َ ٌ‬
‫»بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬هذا أ َ‬
‫ليوحّنةبن رؤبة وأهل أيلة‪ :‬سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله‬
‫ومحمد النبي‪ ،‬ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر‪ ،‬فمن‬
‫ة لمن أخذه من‬
‫أحدث منهم حدثا ً فإنه ل يحول ماله دون نفسه‪ ،‬وإنه َلطيب ٌ‬
‫الناس‪ ،‬وإنه ل يح ّ‬
‫ل أن ُيمنعوا ماء يردونه‪ ،‬ول طريقا ً يريدونه من بر أو بحر«‪.‬‬
‫َ‬
‫جْرَباء‬
‫كتاب أهل أذ ُْرح و َ‬
‫وكتب لهل أذرح وجرباء كتابا ً صورته‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬هذا كتاب‬
‫من محمد النبي لهل أذرح وجرباء‪ ،‬إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد‪ ،‬وإن‬
‫عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة‪ ،‬والله كفيل بالنصح والحسان‬
‫للمسلمين«‪.‬‬
‫قنا على ربع ثمارها‪.‬‬
‫م ْ‬
‫وصاَلح أهل َ‬
‫ثم إن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من‬
‫ُ‬
‫سْر‪ .‬فقال عليه الصلة‬
‫ديار الشام‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬إن كنت أمرت بالسير ف ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫شْر«‪ .‬فقال‪ :‬يا رسول الله إن للروم‬
‫ست َ ِ‬
‫والسلم‪» :‬لو كنت أمرت بالسير لم أ ْ‬
‫جموعا ً كثيرة‪ ،‬وليس بالشام أحد من أهل السلم‪ ،‬وقد دنونا‪ ،‬وقد أفزعهم‬
‫وك‪ ،‬فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرًا‪ ،‬فتبع عليه‬
‫دن ّ‬
‫الصلة والسلم مشورته‪ ،‬وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة‪.‬‬
‫ضرار‬
‫مسجد ال ّ‬
‫سسه‬
‫ولما كان على مقربة منها‪ ،‬بلغه خبر مسجد ال ّ‬
‫ضرار وهو مسجد أ ّ‬
‫ة من المنافقين معارضة لمسجد ُقباء‪ ،‬ليفرقوا جماعة المسلمين‪ .‬وجاء‬
‫جماع ٌ‬
‫جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصّلي لهم فيه‪ ،‬فسألهم عن سبب‬
‫بنائه‪ ،‬فحلفوا بالله إن أردنا إل الحسنى‪ ،‬والله يشهد إنهم لكاذبون‪ ،‬فأمر عليه‬
‫الصلة والسلم جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه‪ ،‬ويهدموه‪ ،‬ففعلوا‪ .‬هذا‪ ،‬ولما‬
‫استقر عليه الصلة والسلم بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلفوا‬
‫يعتذرون كذبًا‪ ،‬فقبل منهم عليه الصلة والسلم علنيتهم‪ ،‬ووكل ضمائرهم‬
‫إلى الله‪ ،‬واستغفر لهم‪.‬‬
‫خّلفوا‬
‫حديث الثلثة الذين ُ‬
‫مرارةبن الّربيع‪ ،‬وهللبن أمّية الوسّيان‬
‫وجاءه كعُببن مالك الخزرجي‪ ،‬و ُ‬
‫م الَغضب‪ ،‬وقال‪» :‬ما‬
‫سم ت َب َ ّ‬
‫مقّرين بذنوبهم‪ ،‬فلما دخل عليه كعب ت َب َ ّ‬
‫س َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ت أن‬
‫ت عند غيرك من أهل الدنيا لرأي ُ‬
‫خّلفك؟« فقال‪ :‬يا رسول الله لو جلس ُ‬
‫ُ‬
‫ت جد ً‬
‫ت لئن‬
‫ل‪ ،‬ولكني والله لقد علم ُ‬
‫سأخرج من سخطه بعذر‪ ،‬ولقد أوتي ُ‬
‫ي فيه‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫ن الله أن يسخط عل ّ‬
‫دثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني‪ ،‬ليوشك َ ّ‬
‫ي فيه‪ ،‬إني لرجو فيه عفو الله‪ ،‬والله ما‬
‫ولئن حدثتك حديث ِ‬
‫صدق تغضب عل ّ‬
‫كان لي من عذر‪ .‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬أما هذا فقد صدق‪ ،‬فقم حتى‬
‫يقضي الله فيك«‪ .‬وقال صاحباه مثل قوله‪ ،‬فقال لهما عليه الصلة والسلم‬
‫كما قال لكعب‪ ،‬ونهى المسلمين عن كلمهم‪ ،‬فاجتنبهم الناس‪ ،‬وأمرهم أن‬
‫ج هللبن أمية في خدمة زوجها لنه شيخ ضائع‬
‫يعتزلوا نساءهم‪ ،‬واستأذنت زو ُ‬
‫ليس له خادم فأذن لها‪ ،‬ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الرض بما‬
‫رحبت‪ ،‬وضاقت عليهم أنفسهم‪ ،‬وظنوا أل ملجأ من الله إل إليه‪ ،‬ثم تاب‬
‫عليهم‪ ،‬فأرسل لهم عليه الصلة والسلم من يبشرهم بهذه النعمة الكبرى‪،‬‬
‫فتلقاهم الناس أفواجا ً يهنئونهم بتوبة الله‪ .‬فلما دخل كعب المسجد تلقاه‬
‫رسول الله مسرورًا‪ ،‬فقال‪» :‬أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك‬
‫أمك«‪ ،‬فقال‪ :‬من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال‪» :‬بل من عند‬
‫الله«‪ .‬فقال كعب‪ :‬يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقة لله‬
‫ولرسوله‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬أمس ْ‬
‫ك عليك بعض مالك فهو خير‬
‫لك«‪ .‬ثم قرأ عليه الصلة والسلم اليات التي فيها توبته هو وصاحباه في‬
‫ما‬
‫خل ّ ُ‬
‫ن ُ‬
‫سورة براءة‪ :‬وَعََلى الث َّلث َةِ ال ّ ِ‬
‫حّتى إ َِذا َ‬
‫فوا ْ َ‬
‫ض بِ َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ُ‬
‫ضاقَ ْ‬
‫م الْر ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫م َأن ُ‬
‫جأ ِ‬
‫م َتا َ‬
‫مل ْ َ‬
‫ت وَ َ‬
‫َر ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن الل ّهِ إ ِل ّ إ ِل َي ْهِ ث ُ ّ‬
‫م وَظ َّنوا ْ أن ل ّ َ‬
‫سهُ ْ‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫ضاقَ ْ‬
‫حب َ ْ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م)‪(118‬‬
‫ب الّر ِ‬
‫وا ُ‬
‫م ل ِي َُتوُبوا إ ِ ّ‬
‫حي ُ‬
‫ن الل َ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫ه هُوَ الت ّ ّ‬
‫وفود ثقيف‬
‫وعقب مقدمه عليه الصلة والسلم من تبوك وفد عليه وفد ثقيف‪ ،‬وكان من‬
‫خبرهم‪ ،‬أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم‪ ،‬تبع أثره عروةبن مسعود‬
‫الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة‪ ،‬فأسلم‪ ،‬وسأله أن يرجع إلى قومه‬
‫ويدعوهم إلى السلم‪ ،‬فقال له‪» :‬إنهم قاتلوك«‪ .‬فقال‪ :‬يا رسول الله أنا‬
‫أحب إليهم من أبكارهم‪ ،‬فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم‪،‬‬
‫لنه كان فيهم محببا ً مطاعًا‪ ،‬فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه‬
‫بالنبل فقتلوه‪ ،‬وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه ل طاقة لهم‬
‫بحرب من حولهم من العرب‪ ،‬فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله‬
‫رجل ً منهم يكّلمه‪ ،‬وطلبوا من عبد ياليلبن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى‪،‬‬
‫وقال‪ :‬لست فاعل ً حتى ترسلوا معي رجا ً‬
‫ل‪ ،‬فبعثوا معه خمسة من أشرافهم‪،‬‬
‫فخرجوا متوجهين إلى المدينة‪ ،‬ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في‬
‫ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صّلوا‪ .‬وكانوا ي َْغدون إلى‬
‫رسول الله كل يوم ويخّلفون في رحالهم أصغرهم سن ّا ً عثمانبن أبي العاص‪.‬‬
‫فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن‪ ،‬وإذا رآه نائما ً استقرأ أبا بكر‬
‫حتى حفظ شيئا ً كثيرا ً من القرآن‪ ،‬وهو يكتم ذلك عن أصحابه‪ ،‬ثم أسلم‬
‫مَر عليهم عثمانبن أبي العاص لما‬
‫مهم‪ ،‬فأ ّ‬
‫القوم‪ ،‬وطلبوا أن ي ُعَّين لهم من يؤ ّ‬
‫رآه من حرصه على السلم وقراءة القرآن وتعلم الدين‪.‬‬
‫كتاب أهل الطائف‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ثم كتب لهم كتابا ً من جملته‪» :‬بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد النبي‬
‫ضد ُ شجره‪ ،‬ومن‬
‫رسول الله إلى المؤمنين‪ ،‬إن ِ‬
‫م‪ ،‬ل ي ُعْ َ‬
‫صي ْد َه ُ َ‬
‫ضاه َ وَ َ‬
‫ع َ‬
‫حَرا ٌ‬
‫ج وَ َ‬
‫ُوجد يفعل شيئا ً من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه«‪ .‬ثم سألوا رسول الله أن‬
‫جل هدم صنمهم شهرا ً حتى يدخل السلم في قلوب القوم‪ ،‬ول يرتاع‬
‫يؤ َ ّ‬
‫السفهاء من النساء من هدمه‪ ،‬فرضي بذلك عليه الصلة والسلم‪ ،‬ولما‬
‫خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم‪ :‬أنا أعلمكم بثقيف‪ ،‬اكتموا عنهم إسلمكم‬
‫وفوهم الحرب والقتال‪ ،‬وأخبروهم أن محمدا ً طلب أمورا ً عظيمة أبيناها‬
‫وخ ّ‬
‫عليه‪ .‬سألنا أن نهدم الطاغية‪ ،‬وأن نترك الزنا‪ ،‬وشرب الخمر والربا‪ ،‬فلما‬
‫حّلوا بلدهم جاءتهم ثقيف‪ ،‬فقال الوفد‪ :‬جئنا رجل ً فظ ّا ً غليظا ً قد ظهر‬
‫بالسيف‪ ،‬ودان الناس له‪ ،‬فعرض علينا أمورا ً شديدة‪ ،‬وذكروا ما تقدم‪ .‬فقالوا‪:‬‬
‫موا حصونكم‪ ،‬واستعدوا‬
‫والله ل نطيعه أبدًا‪ ،‬فقالوا لهم‪ :‬أصلحوا سلحكم‪ ،‬ور ّ‬
‫للقتال‪ ،‬فأجابوا‪ ،‬واستمروا على ذلك يومين أو ثلثة‪ ،‬ثم ألقى الله الرعب في‬
‫قلوبهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬والله ما لنا بحربه من طاقة‪ ،‬ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل‪،‬‬
‫م كتمتم علينا ذلك؟ قالوا‪ :‬حتى‬
‫فقال الوفد‪ :‬قد قاضيناه وأسلمنا‪ ،‬فقالوا ل ِ َ‬
‫تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا‪.‬‬
‫هدم اللت‬
‫ولما بلغ رسو َ‬
‫ل الله إسلم ثقيف أرسل أبا سفيان‪ ،‬والمغيرةبن شعبة الثقفي‪،‬‬
‫لهدم اللت‪ :‬صنم ثقيف بالطائف‪ ،‬فتوجهوا وهدموه حتى سوّوْهُ بالرض‪.‬‬
‫حج أبي بكر‬
‫ُ‬
‫ج بالناس‪،‬‬
‫وفي أخريات ذي القعدة‪ ،‬أرسل عليه الصلة والسلم أبا بكر ليح ّ‬
‫ة أهداها‬
‫دي‪ :‬عشرون ب َد َن َ ً‬
‫فخرج في ثلثمائة رجل من المدينة‪ ،‬ومعه الهَ ْ‬
‫دنات‪ ،‬ولما سافر نزل على رسول الله‬
‫رسول الله‪ ،‬وساق أبو بكر خمس ب َ َ‬
‫أوائل سورة براءة‪ ،‬فأرسل بها علي ّا ً ليبلغها الناس في يوم الحج الكبر‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫»ل يبلغُ عني إل رجل مّني« فلحق أبا بكر في الطريق‪ ،‬فقال الصديق‪ :‬هل‬
‫استعملك رسول الله على الحج؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ولكن بعثني أقرأ أو أتلو »براءة«‬
‫ي ثلث عشرة آية‬
‫على الناس‪ .‬فلما اجتمعوا بمنى‪ ،‬يوم النحر‪ ،‬قرأ عليهم عل ّ‬
‫من أول سورة براءة‪ ،‬تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوّفوا‬
‫عهودهم‪ ،‬وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون فيها في الرض كيف شاؤوا‪ ،‬وإتمام‬
‫عهد المشركين الذين لم ُيظاهروا على المسلمين‪ ،‬ولم يغدروا بهم إلى‬
‫ج بعد العام مشرك‪ ،‬ول يطوف بالبيت عريان‪ ،‬وكان‬
‫مدتهم‪ ،‬ثم نادى‪ :‬ل يح ّ‬
‫علي يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنهما‪.‬‬
‫ي‬
‫وفاة ابن أب ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ي‪ ،‬وقد صلى عليه رسول الله صلة لم‬
‫وفي ذي القعدة مات عبد اللهبن أب َ َ‬
‫ً‬
‫يطل مثلها‪ ،‬و َ‬
‫شي ّعَ جنازته حتى وقف على قبره‪ ،‬وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب‬
‫ً‬
‫ي فيهم‪،‬‬
‫ولده عبد اللهبن عبد الله‪ ،‬وتأليفا لقلوب الخزرج لمكانة عبد اللهبن أب ّ‬
‫وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم‪ ،‬لما رأوه من أعمال‬
‫السيد الكريم صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقد نهى الله رسوله عن الصلة على‬
‫َ‬
‫ص ّ‬
‫المنافقين‪ ،‬فقال ج ّ‬
‫ت‬
‫ل عََلى أ َ‬
‫ما َ‬
‫من ُْهم ّ‬
‫حد ٍ ّ‬
‫ل شأنه في سورة براءة‪ :‬وَل َ ت ُ َ‬
‫ه{ )التوبة‪.(84 :‬‬
‫أ ََبدا ً وَل َ ت َ ُ‬
‫م عََلى قَب ْرِ ِ‬
‫ق ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ُ‬
‫م كلثوم‬
‫وفاة أ ّ‬
‫ُ‬
‫م كلثوم بنت رسول الله وزوج عثمان رضي الله‬
‫وفي هذه السنة توفيت أ ّ‬
‫عنهما‪.‬‬
‫سَنة العاشرة‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬
‫في ربيع الخر أرسل عليه الصلة والسلم خالدبن الوليد في جمع لبني عبد‬
‫دان بنجران من أرض اليمن‪ ،‬وأمره أن يدعوهم إلى السلم ثلث مرات‬
‫م َ‬
‫ال َ‬
‫فإن أبوا قاتلهم‪ ،‬فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى‬
‫السلم ويقولون‪ :‬أسلموا‪ ،‬تسلموا‪ ،‬فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا‪ً،‬‬
‫فأقام خالد بينهم يعلمهم السلم والقرآن‪ ،‬وكتب إلى رسول الله بذلك‪،‬‬
‫فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل‪ .‬وحين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم‬
‫ن قاتلكم في الجاهلية؟« قالوا‪ :‬كنا نجتمع ول‬
‫م كنتم تغلبون َ‬
‫قال لهم‪» :‬ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫مر عليهم زيدبن حصين‪.‬‬
‫نتفرق‪ ،‬ول نبدأ أحدا بظلم‪ ،‬قال‪» :‬صدقتم« وأ ّ‬
‫سرية‬
‫حج ــــ‬
‫وفي رمضان أرسل عليه الصلة والسلم عليا ً في جمع إلى بني مذ ْ ِ‬
‫ممه بيده‪ ،‬وقال‪» :‬سر حتى تنزل بساحتهم‪ ،‬فادعهم إلى‬
‫قبيلة يمانية ــــ وعَ ّ‬
‫م بالصلة ول تبِغ منهم غير ذلك‪،‬‬
‫مْرهُ ْ‬
‫قول‪ :‬ل إله إل ّ الله‪ ،‬فإن قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فَ ُ‬
‫ن يهدي الله بك رجل ً واحدا ً خير لك مما طلعت عليه الشمس‪ ،‬ول تقاتلهم‬
‫وَل َ ْ‬
‫حتى يقاتلوك« فلما انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى السلم فأبوا‪،‬‬
‫ي أصحابه وأمرهم بالقتال‪ ،‬فقاتلوا حتى‬
‫ورموا المسلمين بالنبل فص ّ‬
‫ف عل ّ‬
‫ف عن طلبهم‪ ،‬ثم لحقهم ودعاهم إلى السلم فأجابوا‪،‬‬
‫هزموا عدوهم فك ّ‬
‫ن وراءنا من قومنا‪ ،‬وهذه صدقاتنا فخذ‬
‫وبايعه رؤساؤهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬نحن على َ‬
‫م ْ‬
‫منها حق الله‪ ،‬ففعل‪ .‬ثم رجع إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع‪.‬‬
‫بعث العمال إلى اليمن‬
‫ثم بعث عليه الصلة والسلم إلى اليمن عمال ً من قبله‪ ،‬فبعث معاذبن جبل‬
‫على الكورة العليا من جهة عدن‪ ،‬وبعث أبا موسى الشعري على الكورة‬
‫سرا‪ ،‬وب ّ‬
‫شرا ول‬
‫سرا ول تع ّ‬
‫صاهما صلى الله عليه وسلم بقوله‪» :‬ي ّ‬
‫السفلى‪ ،‬وو ّ‬
‫ً‬
‫فرا« وقال لمعاذ‪» :‬إنك ستأتي قوما أهل كتاب‪ ،‬فإذا جئتهم فادعهم إلى أن‬
‫تن ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ن محمدا رسول الله‪ ،‬فإن أطاعوا لك بذلك‬
‫يشهدوا أن ل إله إل الله وأ ّ‬
‫فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة‪ ،‬فإن أطاعوا‬
‫لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد ّ على‬
‫م أموالهم‪ ،‬واتق دعوة‬
‫فقرائهم‪ ،‬فإن هم أطاعوا لك بذلك‪ ،‬فإياك وكرائ َ‬
‫المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب« وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي‬
‫رسول الله‪ ،‬أما أبو موسى فقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم في‬
‫حجة الوداع‪.‬‬
‫خطبة الوداع‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وفي السنة العاشرة حج صلى الله عليه وسلم بالناس حجة وّدع فيها‬
‫المسلمين‪ ،‬ولم يحج غيرها‪ .‬وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي‬
‫القعدة‪ ،‬ووّلى على المدينة أبا دجانة النصاري‪ ،‬وكان مع الرسول جمع عظيم‬
‫يبلغ تسعين ألفًا‪ ،‬وأحرم للحج حيث انبعثت به راحلته ثم لّبى‪ ،‬فقال‪» :‬لّبيك‬
‫مْلك ل شريك‬
‫اللهم لّبيك‪ ،‬لّبيك ل شرك لك لّبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك وال ُ‬
‫لك«‪ .‬ولم ي ََزل صلى الله عليه وسلم سائرا ً حتى دخل مكة ضحى من الثنية‬
‫م زْده تشريفا ً وتعظيما ً‬
‫العليا وهي ثنية ك َ َ‬
‫داء‪ .‬ولما رأى البيت قال‪» :‬الله ّ‬
‫ة وبرًا«‪ .‬ثم طاف بالبيت سبعًا‪ ،‬واستلم الحجر السود‪ ،‬وصّلى ركعتين‬
‫ومهاب ً‬
‫عند مقام إبراهيم‪ ،‬ثم شرب من ماء زمزم‪ ،‬ثم سعى بين الصفا والمروة‬
‫سبعا ً راكبا ً على راحلته‪ ،‬وكان إذا صعد الصفا يقول‪» :‬ل إله إل الله‪ ،‬الله أكبر‪،‬‬
‫ل إله إل ّ الله وحده‪ ،‬أنجز وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده«‪ .‬وفي‬
‫الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات بها‪.‬‬
‫حجة الوداع‬
‫وفي التاسع منه توجه إلى عََرفة‪ ،‬وهناك خطب خطبته الشريفة التي بّين‬
‫ُ‬
‫ه وفرعه‪ ،‬وها َ‬
‫ك نصها‪:‬‬
‫فيها الدين كله أ ّ‬
‫س ُ‬
‫»الحمد لله نحمده‪ ،‬ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونتوب إليه‪ ،‬ونعوذ به من شرور‬
‫مض ّ‬
‫ضلل فل هادي‬
‫ل له‪ ،‬ومن ي ُ ْ‬
‫ن يهدِ الله فل ُ‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪َ .‬‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫له‪ ،‬وأشهد ُ أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حث ّ ُ‬
‫كم على طاعته‪ ،‬وأستفتح بالذي‬
‫ورسوله‪ :‬أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأ ُ‬
‫هو خير‪ ،‬أما بعد‪ :‬أيها الناس اسمعوا مّني أ ُب َّين لكم فإني ل أدري لعّلي ل‬
‫ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا‪.‬‬
‫حرمة‬
‫م عليكم إلى أن تل َ‬
‫قوا رّبكم‪ ،‬ك ُ‬
‫أّيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرا ٌ‬
‫م فاشهد‪ ،‬فمن‬
‫يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا‪ ،‬أل هل بلغت؟ الله ّ‬
‫كانت عنده أمانة فليؤّدها إلى من ائتمنه عليها‪.‬‬
‫ن أول ربا ً أبدأ به ربا عمي العباسبن عبد المطلب‪،‬‬
‫إن ربا الجاهلية موضوع‪ ،‬وإ ّ‬
‫ُ‬
‫وإن دماَء الجاهلية موضوعة وأوّل دم أبدأ به دم عامربن ربيعةبن الحارث‪،‬‬
‫مد‬
‫مد قَوٌَد‪ ،‬وَ ِ‬
‫ه العَ ْ‬
‫شب ْ ُ‬
‫وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية‪ ،‬والعَ ْ‬
‫ما قُِتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير‪ ،‬فمن زاد فهو من أهل الجاهلية‪.‬‬
‫أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن ُيعبد في أرضكم هذه‪ ،‬ولكنه قد رضي أن‬
‫رون من أعمالكم‪.‬‬
‫ُيطاع فيما سوى ذلك مما تحق ِ‬
‫ل به الذين كفروا يحّلونه عاما‪ً،‬‬
‫ض ّ‬
‫أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر ي ُ َ‬
‫ويحرمونه عامًا‪ ،‬ليواطئوا عدة ما حّرم الله‪ ،‬وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم‬
‫عد ّةَ الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ً في‬
‫خلق الله السموات والرض‪ ،‬وإن ِ‬
‫م‪ ،‬ثلث متواليات‬
‫كتاب الله يوم خلق الله السموات والرض‪ ،‬منها أربعة ُ‬
‫حُر ٌ‬
‫جمادى‬
‫وواحد فرد‪ :‬ذو القعدة وذو الحجة والمحرم‪ ،‬ورجب الذي بين ُ‬
‫م اشهد‪.‬‬
‫وشعبان‪ ،‬أل هل بلغت؟ الله ّ‬
‫ش ُ‬
‫ن حقّ إل ّ يوطئن فر َ‬
‫كم‬
‫أُيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا ً ولكم عليه ّ‬
‫ن أحدا ً تكرهونه بيوَتكم إل بإذنكم‪ ،‬ول يأتين بفاحشة‪ ،‬فإن‬
‫غيركم‪ ،‬ول ُيدخل َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ن‬
‫فعلن‪ ،‬فإن الله أذن لكم أن ت َعْ ُ‬
‫ن في المضاجع‪ ،‬وتضربوه ّ‬
‫ن‪ ،‬وتهجروهُ ّ‬
‫ضُلوهُ ّ‬
‫ن بالمعروف‪،‬‬
‫ضربا ً غير ُ‬
‫ن وكسوته ّ‬
‫مب َّرح‪ ،‬فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقه ّ‬
‫ن بأمانة الله‪،‬‬
‫ن شيئًا‪ ،‬أخذتموه ّ‬
‫وان‪ ،‬ل يملكن لنفسه ّ‬
‫وإنما النساء عندكم عَ َ‬
‫ن خيرا‪ً،‬‬
‫ن بكلمة الله‪ ،‬فاتقوا الله في النساء‪ ،‬واستوصوا به ّ‬
‫واستحللتم فروجه ّ‬
‫م اشهد‪.‬‬
‫أل هل بلغت؟ الله ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل لمرىء مال أخيه إل عن طيب نفس‬
‫أّيها الناس إنما المؤمنون إخوة‪ ،‬ول ي َ ِ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ن بعدي ك ّ‬
‫فارا يضرب بعضكم رقا َ‬
‫م اشهد‪ ،‬فل ت َْر ِ‬
‫منه‪ ،‬أل هل بّلغت؟ الله ّ‬
‫جعُ ّ‬
‫ضلوا بعده‪ :‬كتاب الله‪ ،‬أل هل‬
‫ض‪ ،‬فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم ت ِ‬
‫بع ٍ‬
‫م اشهد‪.‬‬
‫الله‬
‫بلغت؟‬
‫ّ‬
‫ن أباكم واحد‪ ،‬كلكم لدم وآدم من تراب‪،‬‬
‫وإ‬
‫واحد‪،‬‬
‫ربكم‬
‫إن‬
‫أيها الناس‬
‫ّ‬
‫أكرمكم عند الله أتقاكم‪ ،‬ليس لعربي فض ٌ‬
‫ل على عجمي إل بالتقوى‪ .‬أل هل‬
‫م اشهد‪ ،‬فليبلغ الشاهد ُ منكم الغائب‪.‬‬
‫بلغت؟ الله ّ‬
‫ث‬
‫أّيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث‪ ،‬ول تجوز لوار ٍ‬
‫جُر‪،‬‬
‫ح َ‬
‫وصية‪ ،‬ول تجوز وصية في أكثر من الثلث‪ ،‬والولد للفراش‪ ،‬وللعاهر ال َ‬
‫من اّدعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملئكة والناس‬
‫أجمعين‪ ،‬ل يقبل منه صرف ول عدل‪ ،‬والسلم عليكم ورحمة الله« وفي هذا‬
‫اليوم امتن الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة‪} :‬ال ْيو َ‬
‫م‬
‫َ ْ َ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سل ََ‬
‫م ِدينًا{ )المائدة‪ (3 :‬فل‬
‫ال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ضي‬
‫ر‬
‫و‬
‫تى‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫م‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ ْ ْ َ‬
‫م وَأت ْ َ ْ ُ‬
‫ِدين َك ُ ْ‬
‫ََ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫غرابة أن اتخذه المسلمون عيدا‪ ،‬ويوما سعيدا‪ُ ،‬يظهرون فيه شكر الله على‬
‫هذه النعمة الكبرى‪ .‬ثم إنه عليه الصلة والسلم أّدى مناسك الحج من رمي‬
‫ف َ‬
‫ل إلى‬
‫الجمار‪ ،‬والنحر‪ ،‬والحلق‪ ،‬والطواف‪ .‬وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قَ َ‬
‫ْ‬
‫ملك‬
‫المدينة ولما رآها كّبر ثلثا ً وقال‪» :‬ل إله إل ّ الله وحده ل شريك له‪ ،‬له ال ُ‬
‫وله الحمد وهو على كل شيء قدير‪ ،‬آيبون‪ ،‬تائبون‪ ،‬عابدون‪ ،‬ساجدون‪ ،‬لربنا‬
‫حامدون‪ ،‬صدق الله وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده«‪.‬‬
‫الوفود‬
‫في هذه السنة والتي قبلها كان ُوفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على‬
‫دمون أفواجًا‪ ،‬ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم‬
‫السلم‪ ،‬وكانوا ي َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫الحميدة التي يحتاج ذو الدب أن يعرفها‪ ،‬رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك‬
‫يقينا ً وُينير بصيرتك فنقول‪:‬‬
‫جران‬
‫وفود ن َ ْ‬
‫ً‬
‫ومن الوفود وفد نصارى نجران‪ ،‬وكانوا ستين راكبا‪ ،‬دخلوا المسجد وعليهم‬
‫حب ََرةِ وأردية الحرير‪ ،‬مختمين بالذهب‪ ،‬ومعهم بسط فيها تماثيل‪،‬‬
‫ثياب ال ِ‬
‫ح جاؤوا بها هدية للنبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فلم يقبل البسط وقبل‬
‫سو ٌ‬
‫م ُ‬
‫و ُ‬
‫ّ‬
‫سوح‪ .‬ولما جاء وقت صلتهم صلوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس‪.‬‬
‫م ُ‬
‫ال ُ‬
‫ولما أتموا صلتهم دعاهم عليه الصلة والسلم للسلم فأبوا وقالوا‪ :‬كّنا‬
‫مسلمين قبلكم‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬يمنعكم من السلم ثلث‪:‬‬
‫عبادتكم الصليب‪ ،‬وأكلكم لحم الخنزير‪ ،‬وزعمكم أن لله ولدًا«‪ ،‬قالوا‪ :‬فمن‬
‫مثل عيسى خلق من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك في سورة آل عمران‪:‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫كن فَي َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫م َقا َ‬
‫مث َ َ‬
‫ن)‬
‫خل َ َ‬
‫م َ‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫ه ِ‬
‫كو ُ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫ل ءاد َ َ‬
‫عي َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ق ُ‬
‫عند َ الل ّهِ ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫من ت َُرا ٍ‬
‫مث َ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫جآء َ‬
‫ج َ‬
‫ق ْ‬
‫ل ت ََعالوْا ن َد ْع ُ أب َْنآءَنا‬
‫ن العِلم ِ فَ ُ‬
‫ك ِ‬
‫ك ِفيهِ ِ‬
‫ما َ‬
‫حآ ّ‬
‫ن َ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫‪ (59‬فَ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م ن َب ْت َهِ ْ‬
‫ت اللهِ عَلى‬
‫سَنا وأن ُ‬
‫م وَأن ُ‬
‫ل فَن َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫سآءَنا وَن ِ َ‬
‫م وَن ِ َ‬
‫جَعل لعْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫سك ْ‬
‫سآءك ْ‬
‫وَأب َْنآءك ُ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن)‪(61‬‬
‫كاذِِبي َ‬
‫مامبن ثعلبة‬
‫وفود ِ‬
‫ض َ‬
‫ً‬
‫ومن الوفود ضمامبن ثعلبة‪ ،‬بينما رسول الله بين أصحابه متكئا جاء رجل من‬
‫قه ما يقول‪ ،‬فأناخ جمله‬
‫ف َ‬
‫أهل البادية‪ ،‬ثائر الرأس‪ُ ،‬يسمع دوي صوته‪ ،‬ول ي ُ ْ‬
‫ّ‬
‫ن عبد المطلب؟ فدلوه عليه‪ ،‬فدنا منه وقال‪:‬‬
‫في المسجد‪ ،‬ثم قال‪ :‬أّيكم اب ُ‬
‫إني سائل ُ َ‬
‫س ْ‬
‫ل‬
‫»‬
‫فقال‪:‬‬
‫نفسك‪.‬‬
‫في‬
‫ي‬
‫عل‬
‫د‬
‫ج‬
‫ت‬
‫فل‬
‫المسألة‪،‬‬
‫ك فمشد ّد ٌ عليك في‬
‫َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما بدا لك«‪ ،‬فقال‪ :‬أن ْ ُ‬
‫سلك إلى الناس كّلهم؟ فقال‪:‬‬
‫ش ُ‬
‫دك بالله‪ ،‬آلله أر َ‬
‫شد ُ َ‬
‫»نعم«‪ ،‬فقال‪ :‬أ َن ْ ُ‬
‫س صلوات في اليوم‬
‫ك بالله‪ ،‬آلله أمرك أن نصّلي خم َ‬
‫شد ُ َ‬
‫م نعم«‪ ،‬فقال‪ :‬أ َن ْ ُ‬
‫ك بالله‪ ،‬آلله أمرك أن تأخذ من‬
‫والليلة؟ قال‪» :‬الله ّ‬
‫َ‬
‫شد ُ َ‬
‫م نعم«‪ ،‬فقال‪ :‬أن ْ ُ‬
‫ك بالله‪،‬‬
‫أموال أغنيائنا فترّده على فقرائنا؟ قال‪» :‬الله ّ‬
‫ج هذا البيت من استطاع إليه سبي ً‬
‫م نعم«‪،‬‬
‫آلله أمرك أن نح ّ‬
‫ل؟ قال‪» :‬الله ّ‬
‫مبن ثعلبة‪.‬‬
‫ت وأنا ِ‬
‫ما ُ‬
‫ض َ‬
‫ت وصدق ُ‬
‫قال‪ :‬فإني قد آمن ُ‬
‫ه الرجل«‪ ،‬ثم ذهب ضمام إلى‬
‫ولما وّلى‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪» :‬فَ ُ‬
‫ق َ‬
‫ك عبادة الوثان فأسلموا كلهم‪.‬‬
‫قومه‪ ،‬ودعاهم إلى السلم‪ ،‬وتر ِ‬
‫وفود عبد القيس‬
‫ومن الوفود عبد القيس‪ ،‬وكان من خبرهم أن الرسول كان جالسا ً بين‬
‫ب هم خير أهل المشرق‪،‬‬
‫أصحابه يومًا‪ ،‬فقال لهم‪» :‬سيطلع عليكم من هنا رك ٌ‬
‫م اغفر لعبد‬
‫لم ُيكرهوا على السلم‪ ،‬قد أن َ‬
‫ضوا الركائب‪ ،‬وأفنوا الزاد‪ ،‬الله ّ‬
‫موا بأنفسهم عن‬
‫القيس«‪ .‬فلما أتوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم َر َ‬
‫الركائب بباب المسجد‪ ،‬وتبادروا إلى رسول الله‪ ،‬يسلمون عليه‪ ،‬وكان فيهم‬
‫عبد اللهبن عوف ال َ َ‬
‫ف عند الركائب حتى أناخها‬
‫ج‪ ،‬وكان أصغرهم سن ًّا‪ ،‬فتخل ّ َ‬
‫ش ّ‬
‫ونا ً حتى سّلم‬
‫وجمع المتاع‪ ،‬وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما‪ ،‬ثم جاء يمشي هَ ْ‬
‫مامته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫على رسول الله‪ ،‬وكان رجل ً دميمًا‪ ،‬فَ َ‬
‫ف ِ‬
‫طن لنظر الرسول إلى د َ َ‬
‫يا رسول الله إنه ل ُيستقى في مسوك ــــ أي‪ :‬جلود ــــ الرجال‪ ،‬وإنما‬
‫الرجل بأصغريه‪ :‬قلبه ولسانه‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬إن فيك خلتين‬
‫حلم والناة«‪ v.‬وقد قال صلى الله عليه وسلم لهذا‬
‫يحّبهما الله ورسوله‪ :‬ال ِ‬
‫الوفد‪» :‬مرحبا ً بالقوم غير خزايا ول ندامى«‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الله إّنا نأتيك‬
‫مضر‪ ،‬وإّنا ل نص ُ‬
‫من ُ‬
‫ل‬
‫ش ّ‬
‫ي من كفار ُ‬
‫قةٍ بعيدة‪ ،‬وإنه يحول بيننا وبينك هذا الح ّ‬
‫مرنا بأمرٍ فصل‪ ،‬فقال‪» :‬آمركم باليمان بالله‪ .‬أتدرون ما‬
‫إل ّ في شهر حرام‪ ،‬ف ُ‬
‫ً‬
‫اليمان بالله؟ شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬وأن محمدا رسول الله‪ ،‬وإقام الصلة‪،‬‬
‫وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وأن ُتعطوا من المغنم الخمس‪ ،‬وأنهاكم عن‬
‫قير‪ ،‬والمزّفت« والمراد بذلك‪ :‬ما ينبذ في هذه الواني‪.‬‬
‫م‪ ،‬والن ّ ِ‬
‫الد ّّباء‪ ،‬وال َ‬
‫حنت َ ِ‬
‫فقال الشج‪ :‬يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة‪ ،‬وإنا إذا لم نشرب هذه‬
‫خص لنا في مثل هذه‪ ،‬وأشار إلى يده‪ ،‬فأومأ عليه‬
‫الشربة عظمت بطوننا‪ ،‬فََر ّ‬
‫ت لك في مثل هذه شربته‬
‫الصلة والسلم بك ّ‬
‫فيه‪ ،‬وقال‪» :‬يا أشج إن رخص ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل أحدكم من شرابه‬
‫في مثل هذه ــــ وفرج بين يديه وبسطه ــــ حتى إذا ث ِ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ص عليه الصلة والسلم‬
‫ب ساقه بالسيف«‪ .‬وإنما َ‬
‫قام إلى ابن عمه فضر َ‬
‫خ ّ‬
‫نهيهم بما ذكر لكثرة الشربة‬
‫بينهم‪.‬‬
‫حنيفة‬
‫وفود بني َ‬
‫سيلمة الكذاب‪ ،‬وكان مسيلمة يقول‪ :‬إن‬
‫م َ‬
‫ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم ُ‬
‫جعل لي المر من بعده اتبعته‪ ،‬فأقبل عليه الصلة والسلم ومعه ثابتبن‬
‫قَْيسبن َ‬
‫ماس‪ ،‬وفي يد رسول الله قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة‬
‫ش ّ‬
‫ُ‬
‫ن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها‪ ،‬وإني لراك الذي‬
‫في أصحابه‪ ،‬فقال‪» :‬إ ْ‬
‫منه رأيت«‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم قد رأى في منامه أن في يده‬
‫مه شأنهما‪ ،‬فأوحى الله إليه أن انفخهما فنفخهما‬
‫سوارين من ذهب‪ ،‬فأه ّ‬
‫فطارا‪ ،‬فأّولهما صلى الله عليه وسلم كذاب َْين يخرجان من بعده‪ ،‬فكان‬
‫مسيلمة أحدهما‪ ،‬والثاني‪ :‬السود العنسي صاحب صنعاء‪ .‬وقد أسلم بنو‬
‫حنيفة‪.‬‬
‫وفود ط َّيىء‬
‫ومن الوفود وفد طّيىء‪ ،‬وفيهم زيد الخيل رئيسهم‪ ،‬وقد قال صلى الله عليه‬
‫وسلم في حقه‪» :‬ما ُذكَر لي رجل من العرب إل رأيته دون ما قيل فيه إل زيد‬
‫ماه صلى الله عليه وسلم زيد الخير‪.‬‬
‫الخيل« وس ّ‬
‫وفود ك ِْندة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن وجيها مطاعا في قومه‪ .‬ولما‬
‫ومنهم وفد كندة وفيهم الشعثبن قيس‪ ،‬وكا َ‬
‫خبأناه لك؟ فقال‪:‬‬
‫ما َ‬
‫دخلوا على رسول الله خبأوا له شيئًا‪ ،‬وقالوا‪ :‬أخبرنا ع ّ‬
‫ن الكاهن والمتكهن في النار«‪ .‬ثم‬
‫»سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن‪ ،‬وإ ّ‬
‫ً‬
‫ي كتابا ل يأتيه الباطل من بين يديه ول‬
‫قال‪» :‬إن الله بعثني بالحق‪ ،‬وأنزل عل ّ‬
‫فا)‬
‫ص ّ‬
‫صاّفا ِ‬
‫ت َ‬
‫من خلفه«‪ ،‬فقالوا‪ :‬أسمعنا منه‪ ،‬فتل عليه الصلة والسلم‪َ :‬وال ّ‬
‫ت ذِ ْ‬
‫ت‬
‫وا ِ‬
‫ماوا ِ‬
‫جرًا)‪َ (2‬فالّتال َِيا ِ‬
‫جرا ِ‬
‫د)‪ّ (4‬ر ّ‬
‫ح ٌ‬
‫كرًا)‪ (3‬إ ِ ّ‬
‫ت َز ْ‬
‫ب ال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الهك ُ ْ‬
‫‪َ (1‬فالز ِ‬
‫م لَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ق)‪ (5‬وَلِئن ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫ما وََر ّ‬
‫حي َْنا إ ِلي ْك ث ُ ّ‬
‫ب ال َ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫شئَنا لن َذ ْهَب َ ّ‬
‫شارِ ِ‬
‫َوال ْْر ِ‬
‫ه َ‬
‫ن عَل َي ْ َ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫كي ً‬
‫جد ُ ل َ َ‬
‫ك ك َِبيًرا)‬
‫م ً‬
‫ك ب ِهِ عَل َي َْنا وَ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ك إِ ّ‬
‫ل)‪ (86‬إ ِل ّ َر ْ‬
‫ضل َ ُ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫ل َ تَ ِ‬
‫‪(87‬‬
‫وفود أ َْزد ِ شنوَءة‬
‫مره‬
‫صَرُدبن عبد الله الزدي‪ ،‬فأسلموا وأ ّ‬
‫ومنهم وفد أزد شنوءة‪ ،‬ورئيسهم ُ‬
‫عليهم‪ ،‬وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك‪.‬‬
‫مَير‬
‫وفود رسول ملوك ِ‬
‫ح ْ‬
‫كلل‪ ،‬ونعيمبن عبد ُ‬
‫ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم‪ :‬الحارثبن عبد ُ‬
‫كلل‪،‬‬
‫والّنعمان قَي ْ ُ‬
‫مدان‪ ،‬وكانوا قد أسلموا وأرسلوا‬
‫مَعافَِر‪ ،‬وهَ ْ‬
‫ل ذي ُرعين‪ ،‬و َ‬
‫رسولهم بذلك فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫مَير‬
‫كتاب ملوك ِ‬
‫ح ْ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫بسم الله الرحمان الرحيم‪ ،‬من محمد رسول الله‪ ،‬إلى الحارثبن عبد ُ‬
‫كلل‬
‫وإلى ُنعيمبن عبد ُ‬
‫مدان‪ .‬أما‬
‫معافر‪ ،‬وهَ ْ‬
‫ل ذي ُرعَْين‪ ،‬و َ‬
‫كلل‪ ،‬وإلى النعمان َقي ِ‬
‫بعد‪ :‬فإني أحمد الله إليكم الذي ل إله إل هو‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإنه قد وقع بنا‬
‫رسولكم مقفلنا من أرض الروم‪ ،‬فلقيناه بالمدينة فبّلغ ما أرسلتم به‪ ،‬وخّبر ما‬
‫قبلكم‪ ،‬وأنبأنا بإسلمكم‪ ،‬وقتلكم المشركين‪ ،‬وأن الله قد هداكم بهداه‪ ،‬إن‬
‫أصلحتم وأطعتم الله ورسوله‪ ،‬وأقمتم الصلة‪ ،‬وآتيتم الزكاة‪ ،‬وأعطيتم من‬
‫ه‪ ،‬وما ُ‬
‫كتب على المؤمنين من‬
‫الغنائم ُ‬
‫ص ِ‬
‫في ّ ُ‬
‫مس الله‪ ،‬وسه َ‬
‫خ ُ‬
‫م النبي و َ‬
‫ً‬
‫ةبن ذي يزن إذا أتاكم‬
‫صدقة‪ .‬أما بعد‪ :‬فإن محمدا النبي أرسل إلى ُزْرعَ َ‬
‫ال ّ‬
‫ً‬
‫عبادة‪،‬‬
‫ومالكبن‬
‫زيد‪،‬‬
‫اللهبن‬
‫وعبد‬
‫جبل‪،‬‬
‫معاذبن‬
‫ا‪:‬‬
‫خير‬
‫بهم‬
‫فأوصيكم‬
‫سلي‬
‫ُ‬
‫ُر ُ‬
‫ُ‬
‫مّرة وأصحابهم‪ ،‬وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة‬
‫و ُ‬
‫عقبةبن نمر‪ ،‬ومالكبن ُ‬
‫ن‬
‫سلي‪ ،‬وإن أميرهم معاُذبن جبل فل َين َ‬
‫والجزية من مخاليفكم‪ ،‬وأبلغوها ر ُ‬
‫قل ِب َ ّ‬
‫إل راضيًا‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإن محمدا ً يشهد أن ل إله إل ّ الله وأنه عبده ورسوله‪ ،‬ثم‬
‫مَير‪ ،‬وقتلت‬
‫دثني أنك قد أسلمت من أّول ِ‬
‫إن مالكبن مّرة الّرهاوي قد ح ّ‬
‫ح ْ‬
‫ً‬
‫مَير خيرا‪ ،‬ول تخونوا ول تخاذلوا‪ ،‬فإن‬
‫المشركين‪ ،‬فأبشر بخير وآمرك ب ِ‬
‫ح ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل لمحمد ول أهل‬
‫رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم‪ ،‬وإن الصدقة ل ت َ ِ‬
‫بيته‪ ،‬إنما هي زكاة ي َُزكى بها على ُفقراء المسلمين وابن السبيل‪ ،‬وإن مالكا ً‬
‫فظ الَغيب‪ ،‬وآمركم به خيرًا‪ ،‬والسلم عليكم ورحمة الله‬
‫قد بّلغ الخبر‪ ،‬وح ِ‬
‫وبركاته‪.‬‬
‫مدان‬
‫وفود هَ ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مط‪ ،‬وكان شاعرا مجيدا‪ ،‬فلقوا رسول الله‬
‫مدان‪ ،‬وفيهم مالكبن ن َ َ‬
‫ومنها وفد هَ ْ‬
‫ّ‬
‫حَبرات اليمنية‪ ،‬والعمائم العدنية‪،‬‬
‫ال‬
‫من‬
‫عات‬
‫ط‬
‫َ‬
‫ق‬
‫م‬
‫عليهم‬
‫تبوك‪،‬‬
‫ه من‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جعَ ُ‬
‫مْر ِ‬
‫َ‬
‫وقد أنشد مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ضب قَْرد َِدبَأن رسو َ‬
‫ه‬
‫ل الل ِ‬
‫ت إلى ِ‬
‫ب الراقصا ِ‬
‫ن من هَ ْ‬
‫ت بر ّ‬
‫حلف ُ‬
‫مًنى َ‬
‫صوادَر بالركبا ِ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ق‬
‫ت من ناقةٍ فو َ‬
‫صد ّقرسول أتى من عند ذي العرش مهت ِ‬
‫دفما حمل ْ‬
‫فينا ُ‬
‫م َ‬
‫مره صلى الله عليه وسلم على من‬
‫رحلهاأشد ّ على أعدائ ِهِ من محمدِ وقد أ ّ‬
‫دان‪ ،‬ما‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫الح‬
‫»نعم‬
‫مدان‪:‬‬
‫ه‬
‫حق‬
‫أسلم من قومه‪ ،‬وقد قال الرسول في‬
‫ّ َ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد‪ ،‬وفيهم أبدال وفيهم أوتاد«‪.‬‬
‫جْيب‬
‫وفود ت ُ ِ‬
‫ومنها وفد ُتجْيب‪ ،‬قبيلة من ك ِْندة‪ ،‬وفد على رسول الله ثلثة عشر رجل ً منهم‪،‬‬
‫سّر بهم عليه الصلة‬
‫ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم‪ ،‬ف ُ‬
‫قَنا إليك حق الله في‬
‫س ْ‬
‫والسلم وأكرم مثواهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬يا رسول الله إّنا ُ‬
‫أموالنا‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬رّدوها فاقسموها على فقرائكم«‪.‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله ما قدمنا عليك إل بما فضل عن فقرائنا‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬يا‬
‫رسول الله ما قدم علينا من وفد من العرب مثل هذا‪ .‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم‪» :‬إن الهدى بيد الله‪ ،‬فمن أراد به خيرا ً شرح صدره لليمان«‪،‬‬
‫وجعلوا يسألونه عن القرآن‪ ،‬فازداد صلى الله عليه وسلم رغبة فيهم‪ ،‬ثم‬
‫ن وراءنا‬
‫أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم‪ :‬ما يعجلكم؟ قالوا‪ :‬نرجع إلى َ‬
‫م ْ‬
‫فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إّياه وما رد ّ علينا‪ ،‬ثم جاؤوا إلى رسول الله‬
‫فودعوه‪ ،‬فأجازهم بأفضل ما كان ُيجيز به الوفود‪ ،‬ثم قال لهم‪» :‬هل بقي‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫منكم أحد؟« قالوا‪ُ :‬‬
‫سن ًّا‪ ،‬قال‪» :‬فأرسلوه‬
‫خل ّ ْ‬
‫غلم َ‬
‫فناه في رحالنا وهو أحدثنا ِ‬
‫إلينا« فأرسلوه‪ ،‬فأقبل الغلم‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك‬
‫ً‬
‫ض حاجتي‪ ،‬قال‪» :‬وما حاجتك؟« قال‪ :‬تسأل الله أن‬
‫آنفا فقضيت حاجتهم فاق ِ‬
‫يغفَر لي ويرحمني ويجع َ‬
‫م‬
‫ل غناي في قلبي‪ .‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬الله ّ‬
‫اغفر له‪ ،‬وارحمه‪ ،‬واجعل غناه في قلبه«‪ ،‬ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل‬
‫من أصحابه‪.‬‬
‫وفود ثعلبة‬
‫ومنها وفد ث َعَْلبة‪ ،‬وفد على رسول الله أربعة منهم مقّرين بالسلم‪ ،‬فسّلموا‬
‫ن خلفنا من قومنا ونحن مقّرون‬
‫عليه وقالوا‪ :‬يا رسول الله إّنا ُرسل َ‬
‫م ْ‬
‫بالسلم‪ ،‬وقد قيل لنا‪ :‬إنك تقول‪ :‬ل إسلم لمن ل هجرة له‪ ،‬فقال عليه‬
‫ضّركم«‪ ،‬ثم قال لهم‪» :‬كيف‬
‫الصلة والسلم‪» :‬حيثما كنتم وات ّ َ‬
‫قي ُْتم الله فل ي َ ُ‬
‫بلدكم؟« فقالوا‪ :‬مخصبون‪ ،‬فقال‪» :‬الحمد لله«‪ .‬ثم أقاموا في ضيافته أياما‪ً،‬‬
‫وحين إرادتهم النصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة‪.‬‬
‫وفود بني سعدبن هُ َ‬
‫ذيم‬
‫دمت على‬
‫ضاع َ‬
‫ة‪ ،‬قال النعمان منهم‪ :‬ق ِ‬
‫ومنها وفد بني سعدبن هذيم من قُ َ‬
‫رسول الله وافدا ً في نفر من قومي‪ ،‬وقد أوطأ رسول الله البلد‪ ،‬وأزاح‬
‫العرب‪ ،‬والناس صنفان‪ :‬إما داخل في السلم راغب فيه‪ ،‬وإما خائف السيف‪،‬‬
‫م المسجد حتى انتهينا إلى بابه‪ ،‬فوجدنا‬
‫فنزلنا ناحية من المدينة‪ ،‬ثم خرجنا ن َؤُ ّ‬
‫جنازة في المسجد‪ ،‬فقمنا خلفه ناحية‪ ،‬ولم ندخل مع‬
‫رسول الله يصلي على َ‬
‫الناس في صلتهم‪ ،‬وقلنا حتى يصلي رسول الله وُنبايعه‪ .‬ثم انصرف رسول‬
‫من أنتم؟« فقلنا من بني سعدبن هذيم‪،‬‬
‫الله فنظر إلينا فدعا بنا فقال‪» :‬م ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فقال‪» :‬أمسلمون أنتم؟« قلنا‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪» :‬هَل صليتم على أخيكم؟« قلنا‪ :‬يا‬
‫رسول الله ظننا أن ذلك ل يجوز حتى نبايعك‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»أينما أسلمتم فأنتم مسلمون«‪ .‬قال‪ :‬فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا‪ ،‬ثم‬
‫فَنا عليها أصغرنا فبعث عليه الصلة والسلم‬
‫خل ّ ْ‬
‫حالنا‪ ،‬وقد ك ُّنا َ‬
‫انصرفنا إلى رِ َ‬
‫في طلبنا‪ ،‬فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه صلى الله عليه وسلم على‬
‫السلم‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا‪ ،‬فقال‪» :‬سيد القوم‬
‫خادمهم‪ ،‬بارك الله عليه«‪ .‬قال النعمان‪ :‬فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬ثم أجازهم وانصرفوا‪.‬‬
‫وفودبن فََزارة‬
‫ومنها وفد بني فزارة‪ ،‬وفَد َ على رسول الله جماعة منهم مقّرين بالسلم‬
‫سِنتون‪ ،‬فسألهم عليه الصلة والسلم عن بلدهم‪ ،‬فقال رجل منهم‪ :‬يا‬
‫م ْ‬
‫وهم ُ‬
‫رسول الله أ َ‬
‫جَناُبنا‪ ،‬وجاعت عيالنا‪.‬‬
‫دب‬
‫وأج‬
‫مواشينا‪،‬‬
‫وهلكت‬
‫دنا‪،‬‬
‫بل‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ن‬
‫س‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ ََ ْ‬
‫فادعُ لنا ربك ُيغْثنا‪ .‬واشفع لنا إلى ربك‪ ،‬وليشفع لنا ربك إليك‪ ،‬فقال عليه‬
‫الصلة والسلم‪» :‬سبحان الله ويلك هذا أنا أشفع إلى ربي‪ ،‬فمن ذا الذي‬
‫سعَ كرسّيه السموات والرض‪،‬‬
‫ي العظيم‪ ،‬و ِ‬
‫يشفع ربنا إليه؟ ل إله إل هو العل ّ‬
‫فهي ت َئ ِ ّ‬
‫حل الحديث«‪ .‬أي من ثقل الحمل‪.‬‬
‫ط من عظمته وجلله كما يئط الّر ْ‬
‫ثم صعد عليه الصلة والسلم المنبر‪ ،‬ودعا الله عّز وج ّ‬
‫ل حتى أغاث بلد هذا‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الوفد بالمطر الغزير‪ ،‬والرحمة التامة‪.‬‬
‫َ‬
‫سد‬
‫وفود بني أ َ‬
‫ضَراُربن الزَور و ُ‬
‫طليحةبن خويلد الذي اّدعى‬
‫ومنها وفد بني أسد‪ ،‬وفيهم‪ِ :‬‬
‫وة بعد ذلك‪ ،‬فأسلموا‪ ،‬وقالوا‪ :‬يا رسول الله أتيناك نتدّرع الليل البهيم في‬
‫النب ّ‬
‫ك أ َن أ َ‬
‫موا ْ‬
‫سل َُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن عَلي ْ‬
‫مّنو َ‬
‫ْ ْ‬
‫سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثا‪ ،‬فأنزل الله في ذلك‪ :‬ي َ ُ‬
‫ُقل ل ّ تمنوا ْ عَل َى إسَلمك ُم بل الل ّه يمن عَل َيك ُ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫َ ُ ّ‬
‫ن إِ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ن كنت ُ ْ‬
‫م ل ِلي َ‬
‫هداك ُ ْ‬
‫ْ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ُ َ ُ ّ‬
‫ّ ِ ْ َ ْ َ ِ‬
‫ن)‪(17‬‬
‫َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫وفود بني عُذ َْرة‬
‫ولن ــــ وهي‬
‫خ‬
‫ووفد‬
‫رة‪،‬‬
‫م‬
‫بني‬
‫ووفد‬
‫ي‪،‬‬
‫ل‬
‫ب‬
‫بني‬
‫ووفد‬
‫عذرة‪،‬‬
‫ومنها وفد بني‬
‫ْ‬
‫ُ ّ‬
‫َِ ّ‬
‫قبائل باليمن ــــ وقد أمرهم عليه الصلة والسلم بالوفاء بالعهد وأداء المانة‪،‬‬
‫ت يوم‬
‫م ظلما ٌ‬
‫وحسن الجوار لمن جاوروا‪ ،‬وأن ل يظلموا أحدا ً فإن الظل َ‬
‫القيامة‪.‬‬
‫محارب‬
‫وفود بني ُ‬
‫ن رّدوا الرد القبيح حينما كان رسول‬
‫ومنها وفد بني محارب‪ ،‬وكانوا من الذي َ‬
‫الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله‪ ،‬فما أعظم مّنة الله الذي أتى بهؤلء ــــ‬
‫منقادين‬
‫وكانوا ألد ّ العداء ــــ مسلمين ُ‬
‫سان‬
‫وفود غَ ّ‬
‫ومنها وفد غسان‪ ،‬ووفد بني عَْبس‪ ،‬ووفد النخع‪.‬‬
‫ه الله عليه من‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يقابل هذه الوفود بما َ‬
‫جب َل َ ُ‬
‫البشاشة‪ ،‬وكرم الخلق‪ ،‬وُيجيزهم بما يرضيهم‪ ،‬ويعلمهم اليمان والشرائع‪،‬‬
‫موا من وراءهم‪ ،‬وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لظهار الدين بين‬
‫ليعل ّ ُ‬
‫العراب في البوادي‪.‬‬
‫وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلة والسلم‬
‫وفي هذه السنة توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫سَنة الحادية عشرة‬
‫ال ّ‬
‫سرية‬
‫ن من صفر‪ ،‬جهز عليه الصلة والسلم جيشا ً برياسة ُأسامةبن زيد‬
‫لربع بقي َ‬
‫ُ‬
‫إلى أ ُْبنى حيث قتل زيدبن حارثة‪ ،‬والد أسامة‪ ،‬وقال له‪» :‬سر إلى موضع قتل‬
‫أبيك‪ ،‬فأوطئهم الخيل‪ ،‬فقد وّليتك هذا الجيش‪ ،‬فأ َِغْر صباحا ً على أهل أ ُْبنى‪،‬‬
‫وحّرق عليهم‪ ،‬وأسرع السير لتسبق الخبار‪ ،‬فإن أظفرك الله فأق ّ‬
‫ل اللبث‬
‫فيهم‪ ،‬وخذ الد ّ‬
‫دم العيون والطلئع معك«‪ .‬وكان مع ُأسامة في هذا‬
‫لء‪ ،‬وق ّ‬
‫الجيش كبار المهاجرين والنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد‪.‬‬
‫ثم عقد عليه الصلة والسلم ُ‬
‫لسامة اللواء‪ ،‬وقال له‪» :‬اغُز باسم الله‪ ،‬في‬
‫سبيل الله‪ ،‬وقاتل من كفر بالله«‪.‬‬
‫وقد انتقد جماعة على تأمير ُأسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من‬
‫عمره على جيش فيه كبار المهاجرين‪ ،‬فُأبلغ الرسول هذه المقالة فغضب‬
‫غضبا ً شديدًا‪ ،‬وخرج‪ ،‬فقال‪» :‬أما بعد‪ ،‬أّيها الناس فما مقالة بلغتني عن‬
‫بعضكم في تأميري ُأسامة؟ ولئن طعنتم في تأميري ُأسامة لقد طعنتم في‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫لمارة‪ ،‬وان ابنه من بعده‬
‫تأميري أباه من قبله‪ ،‬واي ُ‬
‫م الله إنه كان لخليقا ً با ِ‬
‫ي‪ ،‬وإنهما لمظّنة لكل خير‪ ،‬فاستوصوا‬
‫لخليقٌ بها‪ ،‬وإن كان لمن أح ّ‬
‫ب الناس إل ّ‬
‫به خيرا ً فإنه من خياركم«‪.‬‬
‫ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم لن‬
‫المرض بدأة فاختاره الله للرفيق العلى‪ .‬وسيرى القارىء إن شاء الله خروج‬
‫مما ً في كتابنا »إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء«‪.‬‬
‫هذا الجيش مت ّ‬
‫مرض الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫ف به‪ ،‬وأدى ما اؤتمن عليه‪ ،‬وهدى الله به‬
‫مم عليه الصلة والسلم ما ك ُل ّ َ‬
‫لما ت ّ‬
‫أمته‪ ،‬اختاره الله للرفيق العلى‪ ،‬فجلس على المنبر مرة‪ ،‬وكان فيما قال‪:‬‬
‫َ‬
‫ن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده‪ ،‬فاختار ما عنده«‪.‬‬
‫»إن عبدا ً خّيره الله بين أ ْ‬
‫فبكى أبو بكر‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫ت متخذا ً خليل ً‬
‫ي في صحبته وماله أبو بكر‪ ،‬لو كن ُ‬
‫والسلم‪» :‬إن أ َ‬
‫ن الناس عل ّ‬
‫م ّ‬
‫ُ‬
‫دت إل‬
‫ت أبا بكر‪ ،‬ولكن أخوة السلم‪ ،‬ل يبقى في المسجد َ‬
‫س ّ‬
‫خوخة إل ُ‬
‫لتخذ ُ‬
‫وخة أبي بكر«‪.‬‬
‫َ‬
‫خ ْ‬
‫فر من السنة الحادية‬
‫ص َ‬
‫أواخر‬
‫في‬
‫ضه‬
‫مر‬
‫والسلم‬
‫الصلة‬
‫عليه‬
‫بدأه‬
‫وقد‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫عشرة من الهجرة في بيت ميمونة‪ ،‬واستمر مريضا ً ثلثة عشر يومًا‪ ،‬كان في‬
‫ن أن‬
‫خللها ينتقل إلى بيوت أزواجه‪،‬‬
‫ولما اشتد عليه المرض استأذن منه ّ‬
‫َ‬
‫ن له‪ ،‬ولما دخل بيتها واشتد عليه وجعه‪،‬‬
‫ديقة فأذِ ّ‬
‫ض في بيت عائشة الص ّ‬
‫يُ َ‬
‫مّر َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حل ْ‬
‫ن لعلي أعهد إلى الناس«‪.‬‬
‫قال‪َ » :‬‬
‫هريقوا علي من سبع قَِرب لم ت ُ ْ‬
‫ل أوكيت ُهُ ّ‬
‫ُ‬
‫ب عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن‪ ،‬وكان‬
‫فأجلس في ِ‬
‫ضب‪ ،‬وص ّ‬
‫مخ َ‬
‫من يضع يده فوق ثيابه‪.‬‬
‫هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى التي كانت تصيب َ‬
‫صلة أبي بكر بالناس‬
‫مروا أبا بكر فليص ّ‬
‫ولما تع ّ‬
‫ل بالناس«‬
‫ذر عليه الخروج إلى الصلة قال‪ُ » :‬‬
‫فرضيه عليه الصلة والسلم خليف ً‬
‫ة له في حياته‪ .‬ولما رأت النصاُر اشتداد َ‬
‫وجع الرسول طافوا بالمسجد‪ ،‬فدخ َ‬
‫ل العباس‪ ،‬وأعلمه بمكانهم وإشفاقهم‪،‬‬
‫ي والفضل‪ ،‬وتقدم العباس‬
‫فخرج صلى الله عليه وسلم متوكئا ً على عل ّ‬
‫خ ّ‬
‫مرقاة‬
‫ب الرأس ي َ ُ‬
‫ط برجليه‪ ،‬حتى جلس في أسفل ِ‬
‫أمامهم والنبي معصو ُ‬
‫المنبر‪ ،‬وثار الناس إليه فحمد الله‪ ،‬وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪» :‬أيها الناس بلغني‬
‫أنكم تخافون من موت نبّيكم‪ ،‬هل خلد نبي قبلي فيمن بعث الله فَُأخّلد‬
‫فيكم؟ أل إني لحق بربي‪ ،‬وإنكم لحقون بي‪ ،‬فأوصيكم بالمهاجرين الولين‬
‫ن‬
‫ر)‪ (1‬إ ِ ّ‬
‫خيرًا‪ ،‬وأوصي المهاجرين فيما بينهم‪ ،‬فإن الله تعالى يقول‪َ :‬وال ْعَ ْ‬
‫ص ِ‬
‫ق‬
‫فى ُ‬
‫حا ِ‬
‫مُنوا ْ وَعَ ِ‬
‫ر)‪ (2‬إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫ن لَ ِ‬
‫صوْا ْ ِبال ْ َ‬
‫صال ِ َ‬
‫سا َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫وا َ‬
‫مُلوا ْ ال ّ‬
‫ت وَت َ َ‬
‫ذي َ‬
‫س ٍ‬
‫ا ِ‬
‫َ‬
‫قط ُّعوا ْ‬
‫س ُ ْ‬
‫ر)‪ (3‬فَهَ ْ‬
‫ض وَت ُ َ‬
‫م أن ت ُ ْ‬
‫ف ِ‬
‫ل عَ َ‬
‫م ِإن ت َوَل ّي ْت ُ ْ‬
‫سي ْت ُ ْ‬
‫صوْا ْ ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫وَت َ َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫دوا ِفى ال ْْر ِ‬
‫َ‬
‫م)‪(22‬‬
‫أْر َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫حا َ‬
‫وبينما المسلمون في صلة الفجر‪ ،‬من يوم الثنين ثالث عشر ربيع الول‪،‬‬
‫ف‬
‫ج َ‬
‫وأبو بكر يصلي بهم‪ ،‬إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف ِ‬
‫س ْ‬
‫حجرة عائشة‪ ،‬فنظر إليهم وهم في صفوف الصلة‪ ،‬ثم تبسم يضحك‪ ،‬فنكص‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أبو بكر رضي الله عنه على عقبه ليص َ‬
‫ف‪ ،‬وظن أن رسول الله يريد أن‬
‫ص ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ً‬
‫م المسلمون أن يفتتنوا في صلتهم فرحا برسول الله‪،‬‬
‫يخرج إلى الصلة‪ ،‬وه ّ‬
‫فأشار إليهم بيده‪ :‬أن أّتموا صلتكم‪ ،‬ثم دخل الحجرة وأرخى الستر‪.‬‬
‫وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم دنياه‪،‬‬
‫ولحق بموله‪ ،‬وكان ذلك في يوم الثنين ‪ 13‬ربيع أول سنة ‪ 8) 11‬يونيو سنة‬
‫‪ (633‬فيكون عمره عليه الصلة والسلم ‪ 63‬سنة قمرية كاملة‪ ،‬وثلثة أيام‪،‬‬
‫سْنح ــــ‬
‫وإحدى وستين شمسية‪ ،‬وأربعة وثمانين يومًا‪ ،‬وكان أبو بكر غائبا ً بال ّ‬
‫وهي منازل بني الحارثبن الخزرج ــــ عند زوجه حبيبة بنت خارجةبن زيد‪،‬‬
‫فس ّ‬
‫ن يقول‪ :‬مات رسول الله‪ ،‬وقال‪ :‬إنما أرسل إليه‬
‫ل عمر سيفه‪ ،‬وتو ّ‬
‫عد َ‬
‫م ْ‬
‫ث عن قومه أربعين ليلة‪ ،‬والله إني لرجو أن‬
‫كما أرسل إلى موسى‪ ،‬فلب َ‬
‫ق ّ‬
‫ل وأرجَلهم‪.‬‬
‫يُ َ‬
‫طع أيدي رجا ٍ‬
‫ُ‬
‫فلما أقبل أبو بكر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة‪ ،‬وكشف عن وجه رسول‬
‫قب ُّله‪ ،‬ويبكي‪ ،‬ويقول‪ :‬توفي والذي نفسي بيده صلوات الله عليك‬
‫الله‪ ،‬فجثا ي ُ َ‬
‫يا رسول الله ما أطيبك حي ّا ً وميتًا‪ ،‬بأبي أنت وأمي ل يجمع الله عليك موتتين‪.‬‬
‫ن محمدا ً‬
‫ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‪ :‬أل من كان يعبد ُ محمدًا‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي ل يموت‪ ،‬وتل قوله تعالى‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ت‬
‫مي ّ ٌ‬
‫ك َ‬
‫قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ت‬
‫ل قَد ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫مي ُّتو َ‬
‫من قَب ْل ِهِ الّر ُ‬
‫مد ٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫ما َ‬
‫ل أفإ ِْين ّ‬
‫خل ْ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫ن)‪ (30‬وَ َ‬
‫م ّ‬
‫وَإ ِن ّهُ ْ‬
‫َ‬
‫شْيئا ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أ َوْ قُت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫من َين َ‬
‫م عَلى أع ْ َ‬
‫ل ان َ‬
‫ب عَلى عَ ِ‬
‫قب َي ْهِ فَلن ي َ ُ‬
‫قل ِ ْ‬
‫ضّر الل َ‬
‫م وَ َ‬
‫قاب ِك ُ ْ‬
‫قلب ْت ُ ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫ن)‪(144‬‬
‫سي َ ْ‬
‫وَ َ‬
‫زى الل ّ ُ‬
‫ري َ‬
‫شاك ِ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ثم مكث عليه الصلة والسلم في بيته بقية يوم الثنين‪ ،‬وليلة الثلثاء ويومه‬
‫س َ‬
‫ن‪،‬‬
‫وليلة الربعاء‪ ،‬حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم‪ ،‬فَغُ ّ‬
‫ل ود ُفِ َ‬
‫س‪ ،‬وابناه الفضل وَقَُثم‪،‬‬
‫وكان الذي يغسله علّيبن أبي طالب‪ ،‬ويساعده العبا ُ‬
‫وُأسامةبن زيد‪ ،‬و ُ‬
‫ن في ثلثة أثواب بيض‪ ،‬ليس‬
‫قران مولى رسول الله‪ ،‬وك ُ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ف َ‬
‫فيها قميص ول عمامة‪ .‬ولما فرغوا من تجهيزه ُوضع على سريره في بيته‪،‬‬
‫فَر له‬
‫ح ِ‬
‫مهم أحد‪ ،‬ثم ُ‬
‫صّلون عليه‪ ،‬ولم يؤ ّ‬
‫ودخل الناس عليه أرسال ً متتابعين ي ُ َ‬
‫ي والعباس وولداه الفضل‬
‫لحد في حجرة عائشة حيث توفي‪ ،‬وأنزله القبَر عل ّ‬
‫ش قبره بلل بالماء‪ ،‬وُرفع قبره عن الرض قدر شبر‪ .‬توفي رسول‬
‫وَقَُثم‪ ،‬وََر ّ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وترك للمسلمين ما إن اتبعوه لم يضّرهم شيء‪:‬‬
‫ب الله الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬تنزيل من حكيم‬
‫كتا َ‬
‫ممون فتح البلد‪،‬‬
‫حميد‪ ،‬وترك أصحابه البررة ال ِ‬
‫كرام‪ ،‬يو ّ‬
‫ضحون الدين‪ ،‬ويت ّ‬
‫مم الله كلمته‪،‬‬
‫وُيظهرون في الدنيا شمس الدين السلمي القويم‪ ،‬حتى يت ّ‬
‫درنا على أداء شكره على هذه‬
‫ويحقّ وعده‪ ،‬وقد فعل‪ ،‬فنسأل الله أن يق ّ‬
‫المّنة العظمى‪ ،‬والنعمة الكبرى‪.‬‬
‫سلم‬
‫صلة وال ّ‬
‫شمائله عليه ال ّ‬
‫منح الله سبحانه نبّينا صلى الله عليه وسلم من كمالت الدنيا والخرة ما لم‬
‫من قبله أو بعده‪ ،‬ول بد ّ أن نأتي لك في هذا الباب بنبذة يسيرة‬
‫يمنحه غيره م ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫من محاسن صفاته‪ ،‬وأحاسن آدابه‪ ،‬لتكون لك أنموذجا ً تسير عليه‪ ،‬حتى تكون‬
‫على قدم نبّيك صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فتستحق الحمد في الدنيا والذخر في‬
‫الخرى‪.‬‬
‫فاعلم ــــ أرشدني الله وإياك‪ ،‬وهدانا للصراط السوي ــــ أن خصال الجلل‬
‫جبّلة‪ ،‬وضرورة الحياة‪،‬‬
‫والكمال في البشر نوعان‪ :‬ضروري دنيوي‪ :‬اقتضته ال ِ‬
‫ب إلى الله زلفى‪.‬‬
‫ب ديني‪ :‬وهو ما ُيحمد فاعله وي ُ َ‬
‫قّر ُ‬
‫ومكتس ٌ‬
‫فأما الضروري‪ :‬فما ليس للمرء فيه اختيار ول اكتساب مثل ما كان في جبّلته‬
‫خْلقة‪ ،‬وجمال الصورة‪ ،‬وقوة العقل‪ ،‬وصحة‬
‫عليه الصلة والسلم من كمال ال ِ‬
‫الفهم‪ ،‬وفصاحة اللسان‪ ،‬وقوة الحواس‪ ،‬والعضاء‪ ،‬واعتدال الحركات‪،‬‬
‫وشرف النسب‪ ،‬وعّزة القوم‪ ،‬وكرم الرض‪ ،‬ويلحق به ما تدعو ضرورة الحياة‬
‫إليه من الغذاء والنوم والملبس والمسكن والمال والجاه‪.‬‬
‫أما المكتسبة الخروية‪ :‬فسائر الخلق العلّية والداب الشرعية من الدين‪،‬‬
‫فة‪،‬‬
‫حلم‪ ،‬والصبر‪ ،‬والشكر‪ ،‬والعدل‪ ،‬والزهد‪ ،‬والتواضع‪ ،‬والعفو‪ ،‬والع ّ‬
‫والعلم‪ ،‬وال ِ‬
‫والجود‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬والحياء‪ ،‬والمروءة‪ ،‬والصمت‪ ،‬والتؤدة‪ ،‬والوقار‪ ،‬والرحمة‪،‬‬
‫خلق‪.‬‬
‫حسن ال ُ‬
‫حسن الدب‪ ،‬والمعاشرة‪ ،‬وأخواتها وهي التي يجمعها ُ‬
‫و ُ‬
‫فإذا نظرت ــــ رعاك الله ــــ إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة‪ ،‬وفي‬
‫خلقة‪ ،‬وجدته عليه الصلة والسلم حائزا ً لجميعها‪ ،‬محيطا ً بشتات‬
‫جبّلة ال ِ‬
‫حسنها‪ ،‬فقد جاءت الثار‬
‫محاسنها‪ .‬فأما الصورة وجمالها وتناسب أعضائه في ُ‬
‫الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك من أنه صلى الله عليه وسلم كان‪ :‬أزهر‬
‫اللون‪ ،‬أدعج‪ ،‬أنجل‪ ،‬أش َ‬
‫كل‪ ،‬أهدب الشفار‪ ،‬أبلج أزج أقنى أفلج مدور الوجه‬
‫واسع الجبين كث اللحية تمل صدره‪ ،‬سواَء البطن عظيم الصدر‪ ،‬عظيم‬
‫فين‬
‫حب الك ّ‬
‫المنكبين‪ ،‬ضخم الِعظام‪ ،‬عَْبل العضدين والذراعين والسافل‪َ ،‬ر ْ‬
‫د‪ ،‬ليس‬
‫جّرد‪ ،‬دقيق المسُربة‪َ ،‬رْبعة الق ّ‬
‫مت َ َ‬
‫والقدمين‪ ،‬سائل الطراف‪ ،‬أنوَر ال ُ‬
‫بالطويل الباِئن‪ ،‬ول القصير المترّدد‪ ،‬ومع ذلك فلم يكن ُيماشيه أحد ينسب‬
‫جل الشعر‪ ،‬إذا افتّر ضاحكا ً افتر‬
‫إلى الطول إل طاَله صلى الله عليه وسلم‪َ ،‬ر ِ‬
‫ج من‬
‫ب الغمام‪ ،‬وإذا تكلم ُرِئي كالّنور يخر ُ‬
‫سنا البرق‪ ،‬وعن مثل ح ّ‬
‫عن مثل َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫سك البدن‪،‬‬
‫م‪ ،‬متما ِ‬
‫م‪ ،‬ول ُ‬
‫بين ثناياه‪ ،‬أحسن الناس عُُنقا‪ ،‬ليس ب ِ ُ‬
‫م كلث َ ٍ‬
‫مطهّ ٍ‬
‫مةِ سوداء‪ ،‬في حلةّ‬
‫ت من ذي ل ِ ّ‬
‫ضرب الّلحم‪ c.‬قال البراءبن عازب‪ :‬ما رأي ُ‬
‫سول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة‪ :‬ما‬
‫حمراء‪ ،‬أحسن من ر ُ‬
‫ت شيئا ً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬كأن الشمس تجري‬
‫رأي ُ‬
‫در‪ .‬وفي حديث ابن أبي هالة‪ :‬يتلل وجهه‬
‫ج ُ‬
‫في وجهه‪ ،‬وإذا ضحك يتلل في ال ُ‬
‫ه‪ ،‬ومن‬
‫تللؤ القمر ليلة البدر‪ .‬وقال علي في آخر وصفه له‪ :‬من رآه َبديهة َ‬
‫هاب َ ُ‬
‫ه‪ :‬لم أَر قبله ول بعده مثله صلى الله عليه‬
‫ة أحّبه‪ ،‬يقول نا ِ‬
‫رف ً‬
‫عت ُ ُ‬
‫خالط ُ‬
‫ه مع ِ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعَرقه‪ ،‬ونزاهته عن القذار‪ ،‬وعورات‬
‫صه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره‪ ،‬ثم‬
‫الجسد‪ ،‬فكان قد خ ّ‬
‫تممها بنظافة الشرع‪ .‬قال عليه الصلة والسلم‪» :‬ب ُِني الدين على النظافة«‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وقال أنس‪ :‬ما َ‬
‫شممت عنبرا ً قط‪ ،‬ول مسكًا‪ ،‬ول شيئا ً أطيب من ريح رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وعن جابربن سمرة‪ ،‬أنه عليه الصلة والسلم‬
‫جؤنة عطار‪ .‬قال‬
‫مسح َ‬
‫ده‪ ،‬قال‪ :‬فوجدت ليده َبردا ً وريحا ً كأنما أخرجها من ُ‬
‫خ ّ‬
‫سها‪ .‬يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها‪،‬‬
‫سها بطيب أو لم يم ّ‬
‫م ّ‬
‫غيره‪َ :‬‬
‫صبيان بريحها‪ ،‬وروى البخاري‬
‫يضع يده على رأس الصبي‪ ،‬فُيعرف من بين ال ّ‬
‫في تاريخه الكبير عن جابر‪ :‬لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمّر في‬
‫رف أنه سلكه من طيبه‪ .‬وأما وُفور عقلهِ صلى الله‬
‫طريق فيتبعه أحد إل عُ ِ‬
‫ُ‬
‫ة لسانه‪ ،‬واعتدال حركاته‪،‬‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وذكاء ل ُّبه‪ ،‬وقوة ُ حواسه‪ ،‬وفصاح ُ‬
‫مل تدبيره‬
‫وحسن شمائله‪ ،‬فل ِ‬
‫مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم‪ ،‬ومن تأ ّ‬
‫مَر بواطن الخلق‪ ،‬وظواهرهم‪ ،‬وسياسته للعامة والخاصة‪ ،‬مع عجيب شمائله‬
‫أ ْ‬
‫ما أفاده من العلم‪ ،‬وقّرره من الشرع‪ ،‬دون تعّلم سابق‪،‬‬
‫وبديع ِ‬
‫سَيره فضل ً ع ّ‬
‫جحان عقله‪،‬‬
‫ت‪ ،‬ول مطالعة للكتب منه‪ ،‬لم يمت َرِ في ُر ْ‬
‫ول ممارسة تق ّ‬
‫دم ْ‬
‫قوب فهمه لول بديهة‪.‬‬
‫وث ُ ُ‬
‫وكان عليه الصلة والسلم إذا قام في الصلة يرى من خلفه كما يرى من‬
‫قل ّب َ َ‬
‫ن)‪(219‬‬
‫سر قوله تعالى‪ :‬وَت َ َ‬
‫ج ِ‬
‫ك ِفى ال ّ‬
‫أمامه‪ ،‬وبذلك فُ ّ‬
‫سا ِ‬
‫دي َ‬
‫ة اللسان‪ ،‬وبلغة القول‪ ،‬فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك‬
‫وأما فصاح ُ‬
‫بالمح ّ‬
‫ل الفضل‪ ،‬والموضع الذي ل ُيجهل‪ ،‬سلسة طبع‪ ،‬وبراعة منزع‪ ،‬وإيجاز‬
‫ُ‬
‫مع‬
‫ن‪ ،‬وقلة تكلف‪ ،‬أوتي جوا ِ‬
‫مقطع‪ ،‬ونصاعة لفظ‪ ،‬وجزالة قول‪ ،‬وصحة معا ٍ‬
‫طب كل أمةٍ منها‬
‫الك َِلم‪ ،‬و ُ‬
‫ص ببدائِع الحكم‪ ،‬وعُّلم ألسن َ‬
‫ة العرب‪ ،‬فكان ُيخا ِ‬
‫خ ّ‬
‫بلسانها‪ ،‬ويحاورها بلغتها‪ ،‬وُيباريها في منزع بلغتها‪ ،‬حتى كان كثير من أصحابه‬
‫يسألونه في غير موطن عن شرح كلمه‪ ،‬وتفسير قوله‪ .‬من تأمل حديثه‬
‫ققه‪ .‬وليس كلمه مع قريش ككلمه مع أقيال‬
‫وسيَره علم ذلك وتح ّ‬
‫حضرموت‪ ،‬وملوك اليمن‪ ،‬وعظماء نجد‪ .‬بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته‬
‫من اللفاظ‪ ،‬وما انتهجته من طرق البلغة لي ُب َّين للناس ما ن ُّزل إليهم‪،‬‬
‫دث الناس بما يعلمون‪.‬‬
‫وليح ّ‬
‫وأما كلمه المعتاد‪ ،‬وفصاحته المعلومة‪ ،‬وجوامع كلمه‪ ،‬وحكمه المأثورة‪ ،‬فقد‬
‫جمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب‪ ،‬ومنها ما ل‬
‫أل ّ َ‬
‫س فيها الدواوين‪ ،‬و ُ‬
‫ف الّنا ُ‬
‫ُيوازى فصاحة‪ ،‬ول يبارى بلغة‪ ،‬كقوله‪» :‬المسلمون تتكافأ دماؤهم‪ ،‬ويسعى‬
‫بذمتهم أدناهم‪ ،‬وهم يد على من سواهم«‪ .‬وقوله‪» :‬الناس كأسنان المشط«‪،‬‬
‫ن ل يرى لك ما ترى له«‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫و»المرء مع من أ َ‬
‫صحبة َ‬
‫ب«‪ ،‬و»ل خير في ُ‬
‫م ْ‬
‫و»الناس معادن«‪ ،‬و»ما هلك امرؤ عرف قدره«‪ ،‬و»المست َ َ‬
‫شار مؤتمن«‪،‬‬
‫و»رحم الله عبدا ً قال خيرا ً فغنم‪ ،‬أو سكت فسلم«‪ .‬وقوله‪» :‬أسِلم َتسلم‪،‬‬
‫ي وأقربكم مني مجالس يوم‬
‫وأسلم ُيؤِتك الله أجرك مرتين«‪ ،‬و»إن أحّبكم إل ّ‬
‫سن ُ ُ‬
‫كم أخلقا ً الموطؤون أكنافا ً الذين َيألفون وُيؤلفون«‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫القيامة أحا ِ‬
‫»لعّله كان يتكلم بما ل يعنيه‪ ،‬أو يبخل بما ل يغنيه«‪ ،‬وقوله‪» :‬ذو الوجهين ل‬
‫سؤال‪ ،‬وإضاعة المال‪،‬‬
‫يكون عند الله وجيهًا«‪ .‬ونهيه عن »قيل وقال‪ ،‬وكثرة ال ّ‬
‫ت‪ ،‬وعقوق المهات‪ ،‬ووأد البنات«‪ ،‬وقوله‪» :‬اتق الله حيثما كنت‪،‬‬
‫من ٍْع وها ِ‬
‫و َ‬
‫خلق حسن«‪ ،‬و»خير المور‬
‫وأتبع السيئة الحسنة تمحها‪ ،‬وخالق الناس ب ِ ُ‬
‫ً‬
‫أوساطها«‪ .‬وقوله‪» :‬أحبب حبيبك هونا ً ما‪ ،‬عسى أن يكون بغيضك يوما ما«‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م إني‬
‫وقوله‪» :‬الظلم ظلمات يوم القيامة«‪ .‬وقوله في بعض دعائه‪» :‬الله ّ‬
‫م بها َ‬
‫شْعثي‪ ،‬وُتصلح بها‬
‫أسألك رحمة تهدي بها قلبي‪ ،‬وتجمع بها أمري‪ ،‬وتل ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫فتي‪ ،‬وتعصمني بها‬
‫غائبي‪ ،‬وُتزكي بها عملي‪ ،‬وُتلهمني بها ُرشدي‪ ،‬وترد ّ بها أل َ‬
‫ش‬
‫من كل سوء‪ ،‬الله ّ‬
‫م إني أسألك الفوز في القضاء‪ ،‬ون ُُزل الشهداء‪ ،‬وعي َ‬
‫ه الكاّفة عن الكاّفة‬
‫السعداء‪ ،‬والنصر على العداء«‪ .‬إلى غير ذلك مما َرَوت ُ‬
‫عن مقاماته‪ ،‬ومحاضراته‪ ،‬وخطبه‪ ،‬وأدعيته‪ ،‬ومخاطباته‪ ،‬وعهوده‪ ،‬مما ل‬
‫قد َُر‬
‫سْبقا ً ل ي ُ ْ‬
‫خلف أنه نزل من ذلك مرتبة ل ُيقاس بها غيره‪ ،‬وحاز فيها َ‬
‫ه‪ .‬وقد قال أصحابه‪ :‬ما رأينا الذي هو أفصح منك‪ ،‬فقال‪» :‬وما يمنعني؟‬
‫قَد ُْر ُ‬
‫ُ‬
‫مبين«‪ .‬وقال‬
‫ن عربي ُ‬
‫وإنما أْنزل القرآن بلساني‪ ،‬لسا ٍ‬
‫مرة أخرى‪» :‬أنا أفصح العرب بيد َ أني من قريش‪ ،‬ونشأت في بني سعد«‪.‬‬
‫فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها‪ ،‬ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق‬
‫للهي الذي مدد ُه ُ الوحي الذي ل ُيحيط بعلمه بشر‪.‬‬
‫كلمها‪ ،‬إلى التأييد ا ِ‬
‫وأما سروّ نسبه‪ ،‬وكرم بلده‪ ،‬ومنشئه‪ ،‬فمما ل يحتاج إلى إقامة دليل عليه‪ ،‬ول‬
‫ل‪ ،‬ول خفي منه‪ .‬فإنه نخبة بني هاشم‪ ،‬وسللة قريش وصميمها‪،‬‬
‫بيان ُ‬
‫مشك ٍ‬
‫وأشرف العرب‪ ،‬وأعّزهم نفرا ً من قبل أبيه وأمه‪ ،‬ومن أهل مكة‪ ،‬أكرم بلد‬
‫دمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في‬
‫الله على الله وعلى عباده‪ .‬وقد ق ّ‬
‫هذا المقام‪.‬‬
‫أما ما تدعو إليه ضرورة الحياة‪ ،‬فمنه ما الفضل في قلته‪ ،‬ومنه ما الفضل‬
‫في كثرته‪ ،‬ومنه ما تختلف الحوال فيه‪ ،‬فالول‪ :‬كالغذاء والنوم‪ ،‬ولم ت ََزل‬
‫العرب والحكماء قديما ً تتمادح بقلتهما‪ ،‬وتذم بكثرتهما‪ ،‬لن كثرة الكل‬
‫والشرب دلي ٌ‬
‫ص‪ ،‬وال ّ‬
‫ب لمضار‬
‫شَرهِ وغلبةِ الشهو ِ‬
‫ة‪ ،‬مسب ٌ‬
‫ل على الن َّهم والحر ِ‬
‫خثارة النفس‪ ،‬وامتلء الدماغ‪ .‬وقلته‬
‫ب لدواء الجسد‪ ،‬و ُ‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬جال ٌ‬
‫دلي ٌ‬
‫ب للصحة‪ ،‬وصفاء‬
‫سب ّ ٌ‬
‫م َ‬
‫ل على القناعة‪ ،‬وملك النفس‪ .‬وقمع الشهوة‪ُ ،‬‬
‫دة الذهن‪ ،‬كما أن النوم دليل على الفسولة والضعف‪ ،‬وعدم‬
‫الخاطر‪ ،‬وح ّ‬
‫ب للكسل‪ ،‬وعادة العجز‪ ،‬وتضييع العمر في غير نفع‪،‬‬
‫الذكاء والفطنة‪ ،‬مسب ّ ٌ‬
‫وقساوة القلب وغفلته وموته‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم قد أخذ من الكل‬
‫َ‬
‫م وعاءً‬
‫ن آد َ‬
‫والنوم بالقل‪ ،‬وح ّ‬
‫ض عليه قال صلى الله عليه وسلم‪» :‬ما مل اب ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ث‬
‫ل‬
‫ث‬
‫ف‬
‫ة‪،‬‬
‫محال‬
‫ل‬
‫كان‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ه‪،‬‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ن‬
‫م‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫م‬
‫آد‬
‫ابن‬
‫ب‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫شّرا ً من بطن ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ه‪ ،‬حس ُ‬
‫َ‬
‫ْ َ ٌ ُ ِ ْ َ ُ َ ُ‬
‫ه«‪ .‬ولن كثرة النوم من كثرة الكل‬
‫ث ل ِن َ َ‬
‫ه‪ ،‬وثل ٌ‬
‫ه‪ ،‬وثل ٌ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ث لشراب ِ‬
‫لطعام ِ‬
‫والشرب‪.‬‬
‫وقالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬لم يمتلىء جوف النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫شبعا ً ق ّ‬
‫ط‪ ،‬وإنه كان في أهله ل يسألهم طعاما ً ول يتشّهاه‪ ،‬إن أطعموه أكل‪،‬‬
‫وما أطعموه َقب َ‬
‫ل‪ ،‬وما سقوه شرب‪ .‬وفي صحيح الحديث‪» :‬أما أنا فل آكل‬
‫متكئًا« والت ّ َ‬
‫ن للكل‪ ،‬والتقعد ُد ُ في الجلوس له‪ ،‬كالمترّبع وشبهه‪،‬‬
‫كاء‪ :‬هو الّتمك ُ‬
‫من تم ّ‬
‫كن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته‪ ،‬والجالس على‬
‫هذه الهيئة يستدعي الكل ويستكثر منه‪ ،‬والنبي عليه الصلة والسلم إنما‬
‫قِعيًا‪ ،‬ويقول‪» :‬إنما أنا عبد‪ ،‬آكل كما‬
‫م ْ‬
‫كان جلوسه للكل جلوس المستوفِزِ ُ‬
‫د«‪ ،‬وكذلك نومه كان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ومع ذلك فقد‬
‫يأكل العبد‪ ،‬وأجلس كما يجلس العب ُ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م قلبي«‪.‬‬
‫قال‪» :‬إ ِ ّ‬
‫ن ول ينا ُ‬
‫ي تناما ِ‬
‫ن عَي ْن َ ّ‬
‫قد ِْر‬
‫وأما ما الفضل في كثرته‪ ،‬فكالجاه‪ ،‬وهو محمود ٌ عند العقلء عادة‪ ،‬وب َ‬
‫ه في القلوب‪ ،‬وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلم‪:‬‬
‫جاهه ِ‬
‫م ُ‬
‫عظ َ ُ‬
‫ْ‬
‫ة{ )آل عمران‪.(45 :‬‬
‫جيًها ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫وَ ِ‬
‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ُرِزق من الحشمة‪ ،‬والمكانة في‬
‫وة عند الجاهلية وبعدها‪ ،‬وهم يكذبونه ويؤذون‬
‫القلوب‪ ،‬والعظمة قبل النب ّ‬
‫أصحابه‪ ،‬ويقصدون أذاه في نفسه خفية‪ ،‬حتى إذا واجههم أعظموا أمره‬
‫ن لم‬
‫وقضوا حاجته‪ ،‬كما ذكرنا ذلك ِ‬
‫ت ويفرق لرؤيته َ‬
‫مرارًا‪ ،‬وقد كان يبه ُ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫فَرق فقال‪» :‬يا مسكينة‬
‫ت من ال َ‬
‫ة أنها لما رأته أْر ِ‬
‫يره‪ ،‬كما روي عن قَي ْل َ َ‬
‫عد َ ْ‬
‫ُ‬
‫د‪ ،‬فقال‬
‫ك السكينة«‪ .‬وفي حديث أبي مسعود‪ ،‬أن رجل ً قام بين يديه فأْر ِ‬
‫ع َ‬
‫علي ِ‬
‫ون عليك فإني لست بملك«‪.‬‬
‫له عليه الصلة والسلم‪» :‬ه ّ‬
‫وة‪ ،‬وشريف منزلته بالرسالة‪ ،‬وإنافة رتبته بالصطفاء‬
‫وأما عظيم قدره بالنب ّ‬
‫والكرامة في الدنيا‪ ،‬فأمر هو مبلغ النهاية‪ ،‬ثم هو في الخرة سيد ولد آدم‪.‬‬
‫وأما ما تختلف فيه الحالت في التمدح به‪ ،‬والتفاخر بسببه والتفضيل لجله‪،‬‬
‫ككثرة المال‪ ،‬فصاحبه على الجملة مع ّ‬
‫ه به إلى‬
‫صل َ ُ‬
‫ظم عند العا ّ‬
‫مة لعتقادها ت َوَ ّ‬
‫حاجته‪ ،‬وتم ّ‬
‫كنه في أغراضه‪ ،‬وإل فليس فضيلة في نفسه‪ ،‬فمتى كان بهذه‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬يصرفه في‬
‫مل َ ُ‬
‫منفقا ً له في مهماته‪ ،‬ومهمات من قصده وأ ّ‬
‫الصورة‪ ،‬وصاحبه ُ‬
‫مواضعه‪ ،‬مشتريا ً به المعالي والثناء الحسن‪ ،‬والمنزلة في القلوب‪ .‬كان‬
‫فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا‪ .‬وإذا صرفه في وجوه البّر‪ ،‬وأنفقه في‬
‫سبل الخير‪ ،‬وَقصد بذلك الله تعالى والدار الخرة‪ ،‬كان فضيلة عند الكل بكل‬
‫مسكا ً له‪ ،‬غير موجهه وجوهه‪ ،‬حريصا ً على جمعه‪،‬‬
‫م ْ‬
‫حال‪ ،‬ومتى كان صاحبه ُ‬
‫من ْ َ‬
‫صة في صاحبه‪ ،‬ولم يق ْ‬
‫جد َدِ‬
‫ف به على َ‬
‫عادت كثرته كالعدم‪َ ،‬وكان َ‬
‫ق َ‬
‫مة النذالة‪ ،‬فالتمدح بالمال‬
‫السلمة‪ ،‬بل أوقعه في وَ ْ‬
‫هدة رذيلة البخل‪ ،‬ومذ ّ‬
‫صّرفاته‪ ،‬ونبّينا صلى الله‬
‫صل به إلى غيره‪ ،‬وتصريفه في ُ‬
‫مت َ َ‬
‫ليس لذاته بل للتو ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حلت له الغنائم‪ ،‬وفتح عليه‬
‫عليه وسلم ُأوتي خزائن الرض‪ ،‬ومفاتيح البلد‪ ،‬وأ ِ‬
‫في حياته بلد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب‪ ،‬وما دانى ذلك من الشام‬
‫جْزي َِتها وصدقاتها‪ ،‬وهاداه جماعة من‬
‫والعراق‪ ،‬و ُ‬
‫جلب إليه كثير من أخماسها وَ ِ‬
‫ملوك القاليم‪ ،‬فما استأثر بشيء منه‪ ،‬ول أمسك منه درهما ً بل صرفه‬
‫ُ‬
‫حدا ً‬
‫وى به المسلمين‪ ،‬وقال‪» :‬ما يسرني أن لي أ ُ‬
‫مصارفه‪ ،‬وأغنى به غيره‪ ،‬وق ّ‬
‫ذهبا ً يبيت عندي منه دينار إل دينارا ً أرصده ل ِد َْيني«‪.‬‬
‫سمها‪ ،‬وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه‪ ،‬فلم يأخذه‬
‫وأتته دنانير مرة فق ّ‬
‫نوم حتى قام فقسمها‪ ،‬وقال‪» :‬الن استرحت«‪.‬‬
‫ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله‪ ،‬واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه‬
‫على ما تدعو ضرورته إليه‪ ،‬وزهد فيما سواه‪ ،‬فكان يلبس ما وجده‪ ،‬فيلبس‬
‫في الغالب ال ّ‬
‫مَلة‪ ،‬والكساء الخشن‪ ،‬والب ُْرد الغليظ‪ ،‬ويقسم على من حضره‬
‫ش ْ‬
‫أقبية الديباج المخوصة بالذهب‪ ،‬ويرفعُ لمن لم يحضر‪ ،‬فأنت ترى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم حاز فضيلة المال بالزهد فيه‪ ،‬وإنفاقه على مستحقيه‪.‬‬
‫وأما الخصال المكتسبة من الخلق الحميدة والداب الشريفة وهي المسماة‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫خلق فجميعها قد كانت خلق نبّينا صلى الله عليه وسلم على النتهاء‬
‫بحسن ال ُ‬
‫في كمالها‪ ،‬والعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال‪:‬‬
‫ك ل َعََلى ُ ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫م)‪(4‬‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظي ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫صر ينابيعها‪ ،‬ونقطة دائرتها‪ :‬العقل الذي منه ينبعث العلم‬
‫فأصل فروعها‪ ،‬وعن ُ‬
‫والمعرفة‪ ،‬ويتفّرع عن هذا ثقوب الرأي‪ ،‬وجودة الفطنة‪ ،‬والصابة‪ ،‬وصدق‬
‫حسن السياسة‬
‫الظن‪ ،‬والنظر للعواقب‪ ،‬ومصالح النفس‪ ،‬ومجاهدة الشهوة‪ ،‬و ُ‬
‫والتدبير‪ ،‬واقتناء الفضائل‪ ،‬وتجّنب الرذائل‪ ،‬وقد بلغ عليه الصلة والسلم منه‬
‫ع‬
‫م ذلك من ت َت َب ّ َ‬
‫ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه‪ ،‬يعل ُ‬
‫مجاري أحواله‪ ،‬وا ّ‬
‫حسن شمائله‪ ،‬وبدائع‬
‫طراد سيره‪ ،‬وطالعَ جوامع ك َِلمه‪ ،‬و ُ‬
‫سَيره‪ ،‬وحكم حديثه‪ ،‬وعلمه بما في التوراة والنجيل والكتب المنزلة‪ ،‬وحكم‬
‫ِ‬
‫سَير المم الخالية وأيامها‪ ،‬وضرب المثال‪ ،‬وسياسات النام‪،‬‬
‫الحكماء‪ ،‬و ِ‬
‫وتقرير الشرائع‪ ،‬وتأصيل الداب النفيسة‪ ،‬والشيم الحميدة‪ ،‬إلى فنون العلوم‬
‫التي اّتخذ أهلها كلمه فيها قدوة وإشاراته حجة‪ ،‬كالطب والحساب والفرائض‬
‫والنسب وغير ذلك دون تعليم ول مدارسة‪ ،‬ول مطالعة كتب من تقدم‪ ،‬ول‬
‫ي ل يعرف شيئا ً من ذلك‪ ،‬حتى شرح الله‬
‫الجلوس إلى علمائهم‪ ،‬بل نبي أم ّ‬
‫سب عقله كانت معارفه عليه الصلة والسلم‬
‫صدره‪ ،‬وأبان أمره وعّلمه‪ .‬وب َ‬
‫ح َ‬
‫إلى سائر ما عّلمه الله‪ ،‬وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان‪ ،‬وعجائب‬
‫م وَ َ‬
‫م َ‬
‫ض ُ‬
‫ه‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ن ت َعْل َ ُ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ك َ‬
‫قدرته‪ ،‬وعظيم ملكوته قال تعالى‪ :‬وَعَل ّ َ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫عَل َي ْ َ‬
‫ظيمًا{ )النساء‪.(113 :‬‬
‫ك عَ ِ‬
‫وأما الحلم والحتمال والعفو مع القدرة‪ ،‬والصبر على ما يكرهه‪ ،‬فمما أّدب‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫رض‬
‫خذِ ال ْعَ ْ‬
‫الله به نبّيه صلى الله عليه وسلم فقال‪ُ } :‬‬
‫مْر ِبال ْعُْر ِ‬
‫فوَ وَأ ُ‬
‫ف وَأعْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صاب َ َ‬
‫موِر{ )لقمان‪:‬‬
‫ن ذ َل ِك ِ‬
‫ك إِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن عَْزم ِ ال ُ‬
‫صب ِْر عََلى َ‬
‫مآ أ َ‬
‫ن)‪َ (199‬وا ْ‬
‫م ْ‬
‫جاهِِلي َ‬
‫عَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فوٌر‬
‫ه غَ ُ‬
‫ص َ‬
‫‪ .(17‬وقال‪} :‬وَلي َعْ ُ‬
‫حوا أل ت ُ ِ‬
‫ن أن ي َغْ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ف ُ‬
‫م َوالل ُ‬
‫ه لك ْ‬
‫فَر الل ُ‬
‫فوا وَلي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫موِر)‪(43‬‬
‫صب ََر وَغَ َ‬
‫ّر ِ‬
‫ن ذ َل ِك ل ِ‬
‫فَر إ ِ ّ‬
‫ن عَْزم ِ ال ُ‬
‫م{ )النور‪ .(22 :‬وقال‪} :‬وَل َ‬
‫حي ٌ‬
‫من َ‬
‫م ْ‬
‫خّير عليه الصلة والسلم في أمرين ق ّ‬
‫ط‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪» :‬ما ُ‬
‫ً‬
‫إل اختار أيسرهما‪ ،‬ما لم يكن إثمًا‪ ،‬فإن كان إثما كان أبعد الناس منه‪ ،‬وما‬
‫انتقم لنفسه إل أن ت ُن َْتهك حرمة الله‪ ،‬فينتقم لله«‪.‬‬
‫ُ‬
‫حد‪ ،‬و ُ‬
‫طلب منه أن يدعو عليهم قال‪:‬‬
‫ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أ ُ‬
‫م اغفر لقومي فإنهم ل يعلمون«‪.‬‬
‫»الله ّ‬
‫وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين آذوه‪ ،‬واستهزؤوا‬
‫به‪ ،‬وأخرجوه من دياره هو وأصحابه‪ ،‬ثم قاتلوه‪ ،‬وحّرضوا عليه غيرهم من‬
‫مشركي العرب‪ ،‬حتى تمال َ عليه جمعهم‪ ،‬ثم لما فتح الله عليه مكة ما زاد‬
‫على أن عفا وصفح‪ ،‬وقال‪» :‬ما تقولون أني فاعل بكم؟« قالوا‪ :‬خيرا ً أ ٌ‬
‫خ‬
‫ن أخ كريم‪ ،‬فقال‪» :‬اذهبوا فأنتم ال ّ‬
‫طلقاء«‪ .‬وعن أنس‪ :‬كنت مع‬
‫كريم‪ ،‬واب ُ ٍ‬
‫النبي عليه الصلة والسلم وعليه ُبرد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه‬
‫جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا محمد‬
‫احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك‪ ،‬فإنك ل تحمل لي من‬
‫مالك ول من مال أبيك‪ ،‬فسكت النبي ثم قال‪» :‬المال مال الله وأنا عبده«‪.‬‬
‫م؟« قال‪ :‬لنك‬
‫ثم قال‪» :‬وُيقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي« قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬ل ِ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ة‪ ،‬فضحك عليه الصلة والسلم‪ ،‬ثم أمر أن ُيحمل له‬
‫ل تكافىء بالسيئةِ السيئ َ‬
‫على بعير شعيٌر‪ ،‬وعلى الخر تمٌر‪.‬‬
‫مةٍ ظلمها ق ّ‬
‫م ْ‬
‫ط‪ ،‬ما لم تكن‬
‫ظل َ‬
‫قالت عائشة‪ :‬ما رأيت رسول الله منتصرا ً من َ‬
‫ب بيده شيئا ً ق ّ‬
‫ط إل أن يجاهد في سبيل‬
‫م ً‬
‫ة من محارم الله تعالى‪ ،‬وما ضر َ‬
‫ُ‬
‫حْر َ‬
‫ً‬
‫ب خادما ول امرأة‪ ،‬فصلى الله تعالى عليه‪ ،‬وأقّر عينه باتباع‬
‫الله‪ ،‬وما ضر َ‬
‫المسلمين سّنته‪.‬‬
‫وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم ل ُيوازى‬
‫ه بهذا كل من عرفه‪ ،‬قال جابر‬
‫ص َ‬
‫ف ُ‬
‫في هذه الخلق الكريمة‪ ،‬ول ُيبارى‪ .‬و َ‬
‫سئل عليه الصلة والسلم عن شيء فقال‪ :‬ل‪ .‬وقال ابن‬
‫رضي الله عنه‪ :‬ما ُ‬
‫عباس‪ :‬كان عليه الصلة والسلم أجود َ الناس بالخير‪ ،‬وأجود َ ما كان في شهر‬
‫رمضان‪ ،‬وكان إذا لقيه جبريل أجود َ بالخير من الريح المرسلة‪ .‬وقالت خديجة‬
‫في صفته عليه الصلة والسلم مخاطبة له‪ :‬إنك تحمل الك َ ّ‬
‫ب‬
‫ل‪ ،‬وتك ْ ِ‬
‫س ُ‬
‫المعدوم‪.‬‬
‫سُبك شاهدا ً في هذا الباب ما فعله مع هوازن من رد ّ السبي إليها‪ ،‬وما‬
‫و َ‬
‫ح ْ‬
‫فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم العطية‪ .‬وقد‬
‫استوفينا ذلك في موضعه‪.‬‬
‫حمل إليه عليه الصلة والسلم تسعون ألفًا‪ ،‬فوضعها على حصير وأخذ‬
‫و ُ‬
‫يقسمها فما قام حتى فرغ منها‪.‬‬
‫ي‪ ،‬فإذا جاءنا شيء‬
‫وجاءه رجل فسأله فقال‪» :‬ما عندي شيء‪ ،‬ولكن ابتعْ عل ّ‬
‫ف َ‬
‫ك الله ما ل تقدُر عليه‪ ،‬فكره ذلك عليه الصلة‬
‫قضيناه« فقال له عمر‪ :‬ما كل ّ َ‬
‫ف من ذي‬
‫والسلم‪ ،‬فقال له رجل من النصار‪ :‬يا رسول الله أنفق ول تخ ْ‬
‫العرش إقل ً‬
‫ف البشُر في وجهه وقال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬فتبسم عليه الصلة والسلم وعُرِ َ‬
‫ُ‬
‫ت«‪.‬‬
‫»بهذا أ ِ‬
‫مر ُ‬
‫والخبار بجوده وكرمه عليه الصلة والسلم كثيرة يكفي منها لتعليمك ما‬
‫ذكرناه‪.‬‬
‫ومنها الشجاعة والنجدة‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم منهما بالمكان الذي ل‬
‫ماة ُ والبطال عنه غير مرة‪ ،‬وهو‬
‫ُيجهل‪ ،‬قد حضر المواقف الصعبة‪ ،‬وفّر الك ُ َ‬
‫ُ‬
‫قبل ل ُيدبر‪ ،‬ول يتزحزح‪ ،‬وما من شجاع إل أحصيت له فّرة‪،‬‬
‫م ْ‬
‫ثابت ل ي َب َْرح‪ ،‬و ُ‬
‫ُ‬
‫حد مما ذكرناه‬
‫ن وأ ُ‬
‫وحفظت عنه جولة‪ ،‬سواه‪ .‬وحسبك ما فعله في ُ‬
‫حن َي ْ ٍ‬
‫مستوفى‪.‬‬
‫ت أشجعَ ول أنجد َ ول أجود ول أرضى من رسول الله‬
‫وقال ابن عمر‪ :‬ما رأي ُ‬
‫ق‬
‫حد َ ُ‬
‫حمّرت ال َ‬
‫س‪ ،‬وا ْ‬
‫ي‪ :‬إّنا كّنا إذا اشتد البأ ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقال عل ّ‬
‫ب إلى العدو منه‪ ،‬ولقد رأيُتني يوم بدر‪،‬‬
‫أقر‬
‫َ‬
‫اتقينا برسول الله‪ ،‬فما يكون أحد ٌ‬
‫ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو أقربنا إلى العدو‪ ،‬وكان من أشد‬
‫الناس يومئذٍ بأسًا‪ .‬وقال أنس‪ :‬كان عليه الصلة والسلم أشجعَ الناس‪،‬‬
‫س قَِبل‬
‫ن الناس‪ ،‬وأجود َ الناس‪ ،‬لقد فزع أهل المدينة ليل ً‬
‫ة‪ ،‬فانطلق نا ٌ‬
‫وأحس َ‬
‫ً‬
‫الصوت‪ ،‬فتلقاهم عليه الصلة والسلم راجعا‪ ،‬قد سبقهم إلى الصوت‪،‬‬
‫ي‪ ،‬والسيف في عنقه‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫واستبرأ الخبر على فرس لبي طلحة عُْر ٍ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫»لن ُتراعوا«‪.‬‬
‫وأما الحياء والغضاء‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم أشد ّ الناس حياًء‪ ،‬وأكثرهم‬
‫عن العورات إغضاء‪ ،‬قال أبو سعيد الخدري‪ :‬كان عليه الصلة والسلم أشد ّ‬
‫درها‪ .‬وكان إذا كره شيئا ً عرفناه في وجهه‪.‬‬
‫حياًء من العذراء في ِ‬
‫خ ْ‬
‫ً‬
‫شرة‪ ،‬رقيقَ الظاهر‪ ،‬ل ي ُ َ‬
‫ف الب َ َ‬
‫ه أحدا بما‬
‫وكان عليه الصلة والسلم لطي َ‬
‫شافِ ُ‬
‫م نفس‪ .‬قالت عائشة‪ :‬كان عليه الصلة والسلم إذا بلغه‬
‫يكرهه‪ ،‬حياًء وكر َ‬
‫ْ‬
‫عن أحد ٍ ما يكرهه لم يقل‪ :‬ما بال فلن يقول كذا وكذا؟ بل يقول‪» :‬ما بال‬
‫عله‪ ،‬وقالت رضي‬
‫مي فا ِ‬
‫أقوام يصنعون أو يقولون كذا؟«‪ .‬ينهى عنه ول ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫الله عنها‪ :‬لم يكن عليه الصلة والسلم فاحشًا‪ ،‬ول متفحشًا‪ ،‬ول صخابا ً‬
‫بالسواق‪ ،‬ول يجزي بالسيئة السيئة‪ ،‬ولكن يعفو ويصفح‪.‬‬
‫وأما حسن عشرته وأدبه‪ ،‬وبسط خلقه مع أصناف الخلق‪ ،‬فمما انتشرت به‬
‫الخبار الصحيحة‪ ،‬قال علي رضي الله عنه‪ :‬كان عليه الصلة والسلم أوسعَ‬
‫الناس صدرًا‪ ،‬وأصدقَ الناس لهجة‪ ،‬وألينهم عريكة‪ ،‬وأكرمهم عشرة‪ .‬وكان‬
‫ل قوم ويوّليه عليهم‪،‬‬
‫عليه الصلة والسلم يؤّلفهم‪ ،‬ول ين ّ‬
‫فرهم‪ ،‬ويكرم كريم ك ِ‬
‫ح َ‬
‫ذر الناس‪ ،‬ويحترس منهم‪ ،‬من غير أن يطوي على أحد منهم بشره‪ ،‬ول‬
‫وي ْ‬
‫خلقه‪ ،‬ويتفقد أصحابه‪ ،‬ويعطي كل جلسائه نصيبه‪ ،‬ل يحسب جليسه أن أحدا ً‬
‫ن هو المنصرف‬
‫أكرم عليه منه‪ .‬من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكو َ‬
‫عنه‪ ،‬ومن سأله حاجة لم يرّده إل بها‪ ،‬أو بميسور من القول‪ ،‬قد وسع الناس‬
‫خُلقه‪ ،‬فصار لهم أبًا‪ ،‬وصاروا عنده في الحق سواء‪ ،‬بهذا وصفه ابن‬
‫بسطه و ُ‬
‫َ‬
‫أبي هالة‪ .‬وكان دائم البشر‪ ،‬سهل الخلق‪ ،‬لّين الجانب‪ ،‬ليس بفظ ول غليظ‪،‬‬
‫ما ل يشتهي‪ ،‬ول يؤيس‬
‫ول ص ّ‬
‫حاش‪ ،‬ول عّياب‪ ،‬ول م ّ‬
‫خاب‪ ،‬ول ف ّ‬
‫داح‪ ،‬يتغافل ع ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ت فَظا غَِليظ ال َ‬
‫ما َر ْ‬
‫م وَلوْ كن ْ َ‬
‫ت لهُ ْ‬
‫ن اللهِ ِلن َ‬
‫مةٍ ّ‬
‫ح َ‬
‫منه‪ ،‬قال تعالى‪ :‬فَب ِ َ‬
‫قل ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حوْل ِ َ‬
‫م وَ َ‬
‫ر{ )آل‬
‫ل َن ْ َ‬
‫ك َفاعْ ُ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ضوا ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ف ّ‬
‫م َوا ْ‬
‫م ِفى ال ْ‬
‫شاوِْرهُ ْ‬
‫فْر لهُ ْ‬
‫ف عَن ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ذى ب َي ْن َ َ‬
‫ه‬
‫ن فَإ َِذا ال ّ ِ‬
‫ىأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ك وَب َي ْن َ ُ‬
‫س ُ‬
‫عمران‪ .(159َ :‬وقال تعالى‪} :‬اد ْفَعْ ِبالِتى هِ َ‬
‫م{ )فصلت‪.(34 :‬‬
‫ح ِ‬
‫ى َ‬
‫عَ َ‬
‫مي ٌ‬
‫داوَة ٌ ك َأن ّ ُ‬
‫ه وَل ِ ّ‬
‫كراعا‪ً،‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يجيب من دعاه‪ ،‬ويقبل الهدية‪ ،‬ولو كانت ُ‬
‫ويكافىء عليها‪ ،‬وكان يمازح أصحابه‪ ،‬ويخالطهم‪ ،‬ويحادثهم‪ ،‬ويلعب صبيانهم‪،‬‬
‫حجره‪ ،‬ويجيب دعوة الحر والعبد‪ ،‬والمة والمسكين‪ ،‬ويُعود‬
‫ويجلسهم في ِ‬
‫المرضى في أقصى المدينة‪ ،‬ويقبل عذر المعتذر‪ .‬وقال أنس‪ :‬ما التقم أحد‬
‫ُ‬
‫حي رأسه‪ ،‬وما‬
‫حى رأسه‪ ،‬حتى يكون الرجل هو الذي ين ّ‬
‫أذن النبي يحادثه فن ّ‬
‫أخذ أحد ٌ بيده فيرسل يده حتى يرسلها الخر‪.‬‬
‫وكان يبدأ من لقيه بالسلم‪ ،‬ويبدأ أصحابه بالمصافحة‪ ،‬لم ي َُر ق ّ‬
‫ط ماد ّا ً رجليه‬
‫ضي ّقَ بهما على أحد‪ُ ،‬يكرم من يدخل عليه‪ ،‬وربما بسط له‬
‫بين أصحابه حتى ي ُ َ‬
‫ثوبه‪ ،‬ويؤثره بالوسادة التي تحته‪ ،‬ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى‪،‬‬
‫ة لهم‪ ،‬ول يقطعُ على أحد‬
‫ب أسمائهم تكرم ً‬
‫وي ُك َّني أصحابه‪ ،‬ويدعوهم بأح ّ‬
‫حديثه‪ ،‬حتى يتجوَّز فيقطعه بنهي أو قيام‪ ،‬وكان أكثَر الناس تبسمًا‪ ،‬وأطيبهم‬
‫نفسًا‪ ،‬ما لم ُينزل عليه قرآن‪ ،‬أو يعظ‪ ،‬أو يخطب‪.‬‬
‫وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫م{ )التوبة‪:‬‬
‫ف ّر ِ‬
‫ن َرءو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م َ‬
‫حي ٌ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫ص عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ما عَن ِت ّ ْ‬
‫زيٌز عَل َي ْهِ َ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ح ِ‬
‫تعالى‪} :‬عَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫سلَنا َ‬
‫ن)‪(107‬‬
‫م ً‬
‫ة للَعال ِ‬
‫ك إ ِل ّ َر ْ‬
‫مآ أْر َ‬
‫ح َ‬
‫‪ .(128‬وقال‪} :‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫روي أن أعرابيا ً جاءه يطلب منه شيئا ً فأعطاه‪ ،‬ثم قال‪» :‬أأحسنت إليك؟«‬
‫ت‪ .‬فغضب المسلمون وقاموا إليه‪ ،‬فأشار إليهم أن‬
‫قال العرابي‪ :‬ل‪ ،‬ول أجمل َ‬
‫فوا‪ ،‬ثم قام ودخل منزله‪ ،‬وأرسل إليه‪ ،‬وزاده شيئًا‪ ،‬ثم قال‪» :‬أأحسنت‬
‫كُ ّ‬
‫ً‬
‫إليك؟« فقال‪ :‬نعم‪ ،‬فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫ت‬
‫ت‪ ،‬وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء‪ ،‬فإن أحبب َ‬
‫ت ما ُقل َ‬
‫والسلم‪» :‬إنك قل َ‬
‫ب ما في صدورهم عليك« قال‪:‬‬
‫ي‪ ،‬حتى يذه َ‬
‫فقل بين أيديهم ما قلت بين يد ّ‬
‫نعم‪ ،‬فلما كان الغد ــــ أو العشي ــــ جاء فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬إن‬
‫م أنه رضي أكذلك؟« قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫هذا العرابي قال ما قال‪ ،‬فزدناه فزع َ‬
‫فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪» :‬مثلي ومث ُ‬
‫ل‬
‫ت عليه‪ ،‬فاّتبعها الناس فلم يزيدوها إل نفورًا‪،‬‬
‫هذا مثل رجل له ناقة شرد ْ‬
‫فناداهم صاحبها‪ :‬خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم‪ ،‬فتوجه لها‬
‫ت‪ ،‬وشد ّ‬
‫ت واستناخ ْ‬
‫بين يديها‪ ،‬فأخذ لها من قمام الرض‪ ،‬فرّدها‪ ،‬حتى جاء ْ‬
‫ث قال الرج ُ‬
‫ل ما قال‬
‫عليها رحلها واستوى عليها‪ ،‬وإني لو تركتكم حي ُ‬
‫فقتلتموه دخل النار«‪ .‬وقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ل ي ُب َّلغني أحد منكم عن‬
‫م الصدر«‪ .‬وكان يسمعُ بكاء‬
‫أصحابي شيئا ً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سلي ُ‬
‫ولنا‬
‫الصبي فيتجوُّز في صلته‪ .‬وعن ابن مسعود كان عليه الصلة والسلم يتخ ّ‬
‫بالموعظة مخافة السآمة علينا‪.‬‬
‫وأما خلقه عليه الصلة والسلم في الوفاء‪ ،‬وحسن العهد‪ ،‬وصلة الرحم‪،‬‬
‫فروي عن عبد اللهبن أبي الحمساء قال‪ :‬بايعت النبي عليه الصلة والسلم‬
‫ه بها في مكانه فنسيت‪ ،‬ثم‬
‫ت له بقية‪ ،‬فوعدته أن آت ِي َ ُ‬
‫ببيع قبل أن ُيبعث‪ ،‬وبقي ْ‬
‫ي‬
‫ذكر ُ‬
‫ت بعد ثلث‪ ،‬فجئت‪ ،‬فإذا هو في مكانه‪ ،‬فقال‪» :‬يا فتى‪ ،‬لقد شققت عل ّ‬
‫ُ‬
‫ي بهدية‪ ،‬قال‪» :‬اذهبوا بها إلى بيت‬
‫أنا هنا منذ ثلث أنتظرك«‪ .‬وكان إذا أت َ‬
‫ب خديجة«‪ .‬وكان عليه الصلة‬
‫فلنة‪ ،‬فإنها كانت صديقة لخديجة‪ ،‬إنها كانت تح ّ‬
‫والسلم ي َ ِ‬
‫صل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم‪ .‬ووفد َ‬
‫م يخدمهم بنفسه‪ ،‬فقال له أصحابه‪ :‬نكفيك‪ ،‬فقال‪» :‬إنهم كانوا‬
‫عليه وفد‪ ،‬فقا َ‬
‫لصحابنا مكرمين‪ ،‬وإني أحب أن أكافئهم«‪ .‬وفي حديث خديجة‪ :‬أبشر‪ ،‬فوالله‬
‫ل الرحم‪ ،‬وتحمل الك َ ّ‬
‫ل يخزيك الله أبدًا‪ ،‬إنك لتص ُ‬
‫ري‬
‫ب المعدوم‪ ،‬وت ْ‬
‫ل‪ ،‬وتك ِ‬
‫س ُ‬
‫ق ِ‬
‫الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب الحق‪.‬‬
‫وأما تواضعه عليه الصلة والسلم‪ ،‬على علو منصبه ورفعة رتبته‪ ،‬فكان أشد ّ‬
‫كبرًا‪ ،‬وحسبك أنه خّير بين أن يكون نبي ّا ً ملكًا‪ ،‬أو نبيا ً‬
‫الناس تواضعًا‪ ،‬وأقّلهم ِ‬
‫عبدًا‪ ،‬فاختار أن يكون نبيا ً عبدًا‪ ،‬وخرج عليه الصلة والسلم مرة على أصحابه‬
‫متوكئا ً على عصا‪ ،‬فقاموا‪ ،‬فقال‪» :‬ل تقوموا كما تقوم العاجم ي ُعَ ّ‬
‫ظم بعضهم‬
‫د‪ ،‬آكل كما يأكل العبد‪ ،‬وأجلس كما يجلس العبد«‪.‬‬
‫بعضًا«‪ .‬وقال‪» :‬إنما أنا عب ٌ‬
‫ف خلفه‪ ،‬ويعود المساكين‪ ،‬وُيجالس الفقراء‪ ،‬وُيجيب‬
‫وكان يركب الحمار وي ُْردِ ُ‬
‫ً‬
‫دعوة العبد‪ ،‬ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم‪ ،‬حيثما انتهى به المجلس جلس‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وقال عليه الصلة والسلم‪» :‬ل ت ُ ْ‬
‫طروني كما أطرت النصارى ابن مريم‪ .‬إنما‬
‫ث‪،‬‬
‫لر ّ‬
‫أنا عبد‪ ،‬فقولوا‪ :‬عبد الله ورسوله« وحج عليه الصلة والسلم على َر ْ‬
‫ح ٍ‬
‫م اجعله حجا ً ل رياء فيه ول‬
‫وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم فقال‪» :‬الله ّ‬
‫دنة‪ .‬ولما‬
‫سمعة« هذا وقد فتحت عليه الرض‪ ،‬وأهدى في حجه ذلك مائة ب َ َ‬
‫ُفتحت عليه مكة‪ ،‬ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد َ‬
‫ت‬
‫س قادمته تواضعا ً لله تعالى‪ .‬وعن أبي هريرة رضي الله عنه‪ :‬دخل ُ‬
‫يَ َ‬
‫م ّ‬
‫السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فاشترى سراويل‪ ،‬وقال للوازن‪:‬‬
‫»زن وأرجح«‪ ،‬ثم قال‪ :‬فوثب إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقّبلها‪،‬‬
‫فجذب يده‪ ،‬وقال‪» :‬هذا تفعله العاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل‬
‫منكم«‪ ،‬ثم أخذ السراوي َ‬
‫ب الشيء أحقّ بشيئه‬
‫ت لحمله قال‪» :‬صاح ُ‬
‫ل فذهب ُ‬
‫أن يحمله«‪.‬‬
‫ن‬
‫وأما عدله عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأمانته‪ ،‬وع ّ‬
‫فته‪ ،‬وصدق لهجته‪ ،‬فكان آم َ‬
‫ف الناس‪ ،‬وأصدقهم لهجة منذ كان‪ ،‬اعترف له‬
‫الناس‪ ،‬وأعدل الناس‪ ،‬وأع ّ‬
‫دمنا ذلك في‬
‫وته المين‪ ،‬وقد ق ّ‬
‫بذلك محاّدوه وأعداؤه‪ ،‬وكان ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫مى قبل نب ّ‬
‫وة‪ .‬وفي الحديث عنه عليه الصلة‬
‫النب‬
‫قبل‬
‫سيرته عليه الصلة والسلم‬
‫ّ‬
‫والسلم‪ :‬ما لمست يد ُهُ يد َ أمرأة ق ّ‬
‫مب َّرد‪:‬‬
‫ط ل يملك رّقها‪ .‬قال أبو العباس ال ُ‬
‫م الغيم للصيد‪ ،‬ويوم‬
‫صلح للنوم‪ ،‬ويو ُ‬
‫ق ّ‬
‫سم كسرى أيامه‪ ،‬فقال‪ :‬يوم الريح ي َ ْ‬
‫م الشمس للحوائج‪ .‬ولكن نبّينا عليه الصلة والسلم‬
‫المطر للهو والشرب‪ ،‬ويو ُ‬
‫جّزأ نهاره ثلثة أجزاء‪ ،‬جزء لله‪ ،‬وجزء لهله‪ ،‬وجزء لنفسه‪ ،‬ثم جّزأ جزأه بينه‬
‫نل‬
‫مة‪ ،‬ويقول‪» :‬أبلغوا حاجة َ‬
‫صة على العا ّ‬
‫وبين الناس‪ ،‬فكان يستعين بالخا ّ‬
‫م ْ‬
‫ه الله يوم الفزع‬
‫ن ل يستطيعُ إبلغها آمن ُ‬
‫يستطيعُ إبلغي‪ ،‬فإن من أبلغ حاجة َ‬
‫م ْ‬
‫الكبر«‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم ل يأخذ أحدا ً بذنب أحد‪ ،‬ول يصدق أحدا ً‬
‫على أحد‪.‬‬
‫وأما وقاره عليه الصلة والسلم وصمته‪ ،‬وتؤدته‪ ،‬ومروءته‪ ،‬وحسن هديه‪.‬‬
‫رج شيئا ً من‬
‫فكان عليه الصلة والسلم أوقَر الناس في مجلسه‪ ،‬ل يكاد ُ ُيخ ِ‬
‫ً‬
‫أطرافه‪ ،‬وكان إذا جلس احتبى بيديه‪ ،‬وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا‪ .‬وكان‬
‫من تكلم بغير جميل‪ ،‬وكان‬
‫كثير السكوت‪ ،‬ل يتكلم في غير حاجة‪ُ .‬يعرض ع ّ‬
‫ُ‬
‫ص ً‬
‫حك أصحابه عنده‬
‫ض ِ‬
‫ل‪ ،‬ل فضول ول تقصير‪ ،‬وكان َ‬
‫ضحكه تبسمًا‪ ،‬وكلمه فَ ْ‬
‫س حلم وحياء وخير وأمانة‪ ،‬ل ُترفع‬
‫التبسم توقيرا ً له‪ ،‬واقتداء به‪ .‬مجلسه مجل ُ‬
‫فيه الصوات‪ ،‬ول ت ُ ْ‬
‫م‪ ،‬إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على‬
‫ن فيه ال ُ‬
‫حَر ُ‬
‫ؤب ُ‬
‫رؤوسهم الطير‪ .‬وقال ابن أبي هالة‪ :‬كان سكوته صلى الله عليه وسلم على‬
‫أربع‪ :‬على الحلم‪ ،‬والحذر‪ ،‬والتقدير‪ ،‬والتف ّ‬
‫كر‪ .‬وقالت عائشة رضي الله عنها‪:‬‬
‫ب‬
‫ده العاد لحصاه‪ ،‬وكان ي ُ ِ‬
‫حد ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ث حديثا ً لو ع ّ‬
‫كان صلى الله عليه وسلم ي ُ َ‬
‫ً‬
‫ال ّ‬
‫ض عليهما‪ .‬ومن مروءته‬
‫ويح‬
‫ا‪،‬‬
‫كثير‬
‫ويستعملهما‬
‫طيب‪ ،‬والرائحة الحسنة‪،‬‬
‫ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب والمر بالكل مما‬
‫سواك وإنقاء البراجم والرواجب )مفاصل الصابع من ظاهر‬
‫يلي‪ ،‬والمر بال ّ‬
‫الكف وباطنها(‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫دمنا لك فيه ما فيه الكفاية‪،‬‬
‫وأما زهده عليه الصلة والسلم في الدنيا فقد ق ّ‬
‫وحسبك شاهدا ً على تقل ّل ِهِ من الدنيا‪ ،‬وإعراضه عن زهرتها‪ ،‬وقد سيقت إليه‬
‫بحذافيرها‪ ،‬وترادفت عليه فتوحها‪ ،‬أنه توفي عليه الصلة والسلم‪ ،‬ودرعه‬
‫م اجع ْ‬
‫ل رزقَ آل‬
‫مرهونة عند يهودي في نفقة عياله‪ .‬وهو يدعو ويقول‪» :‬الله ّ‬
‫محمد قوتًا«‪ .‬وقالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬ما شبع عليه الصلة والسلم‬
‫ثلثة أيام تباعا ً من خبز حتى مضى لسبيله‪ .‬وقالت‪ :‬ما ترك عليه الصلة‬
‫والسلم دينارًا‪ ،‬ول درهمًا‪ ،‬ول شاة‪ ،‬ول بعيرًا‪ ،‬ولقد مات وما في بيتي شيء‬
‫ي أن ُتجعل‬
‫يأكله ذو كبد إل شطر شعير في رف لي‪ .‬وقال‪» :‬إني ُ‬
‫عرض عل ّ‬
‫ً‬
‫ب أجوعُ يومًا‪ ،‬وأشبع يوما‪ .‬فأما اليوم الذي‬
‫لي بطحاء مكة ذهبا ً فقلت‪ :‬ل يا ر ّ‬
‫أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك‪ ،‬وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني‬
‫عليك«‪ ،‬وقالت عائشة‪ :‬إن كّنا آل محمد لنمكث شهرا ً ما نستوقد نارًا‪ ،‬إن هو‬
‫ن‪ ،‬ول في‬
‫إل التمر والماء‪ .‬وعن أنس‪ :‬ما أكل عليه الصلة والسلم على ُ‬
‫خوا ٍ‬
‫مَرّقق‪ ،‬ول أرى شاة سميطا ً ق ّ‬
‫ط‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ول ُ‬
‫ج ٍ‬
‫سك ُّر َ‬
‫ُ‬
‫خب َِز له ُ‬
‫وفي حديث حفصة‪ :‬كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته‬
‫سحا ً نثنيه ثنيتين‪ ،‬فينام عليه‪ ،‬فثنيناه ليلة بأربع‪ ،‬فلما أصبح‪ ،‬قال‪» :‬ما‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ه منعتني الليلة‬
‫فرشتم لي؟« فذكرنا له ذلك فقال‪» :‬رّدوه بحاله فإن وَطاَءت َ ُ‬
‫صلتي«‪.‬‬
‫ث‬
‫وقالت َ‬
‫عائشة‪ :‬لم يمتلىء جوف النبي عليه الصلة والسلم شبعًا‪ ،‬ولم يب ّ‬
‫ل جائعا ً‬
‫ب إليه من الغنى‪ .‬وإن كان ليظ ّ‬
‫شكوى إلى أحد‪ ،‬وكانت الفاقة أح ّ‬
‫يلتوي طول ليلته من الجوع فل يمنعه صيام يومه‪ .‬ولو شاء رّبه جميع كنوز‬
‫ح‬
‫ت أبكي رحمة له مما أرى به‪ ،‬وأمس ُ‬
‫الرض وثمارها ورغد َ عيشها‪ .‬ولقد كن ُ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع‪ ،‬وأقول‪ :‬نفسي لك الفداء‪ ،‬لو تبلغْ َ‬
‫من الدنيا بما يقوُتك‪ ،‬فيقول‪» :‬يا عائشة ما لي وللدنيا‪ ،‬إخواني من ُأولي‬
‫العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا‪ ،‬فمضوا على حالهم‪،‬‬
‫موا على ربهم فأكرم مآبهم‪ ،‬وأجز َ‬
‫ت‬
‫فَ َ‬
‫ل ثوابهم‪ .‬فأجدني أستحي إن ترفّهْ ُ‬
‫قد ِ ُ‬
‫ً‬
‫ي من اللحوق‬
‫في معيشتي أن ي ُ َ‬
‫صَر بي غدا دونهم‪ ،‬وما من شيء هو أح ّ‬
‫ق ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫ً‬
‫بإخواني وأخ ّ‬
‫ت الله عليه‬
‫لئي«‪ .‬قالت‪ :‬فما أقام بعد ُ إل شهرا حتى توفي صلوا ُ‬
‫وسلمه‪.‬‬
‫دة عبادته‪ ،‬فعلى قدر علمه بربه‪ .‬ولذلك قال‪:‬‬
‫وش‬
‫له‪،‬‬
‫وطاعته‬
‫ربه‪،‬‬
‫خوفه‬
‫وأما‬
‫ّ‬
‫»لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ً ولب َ‬
‫كيتم كثيرًا« »أرى ما ل ترون وأسمع‬
‫َ‬
‫حقّ لها أن ت َئ ِ ّ‬
‫ط ما فيها موضع‬
‫وتت ــــ السماُء و ُ‬
‫ما ل تسمعون أط ّ ْ‬
‫ت ــــ َ‬
‫ص ّ‬
‫أربع أصابع إل وملك واضع جبهته ساجدا ً لله‪ ،‬والله لو تعلمون ما أعلم‬
‫لضحكتم قليل ً ولب َ‬
‫كيتم كثيرا ً وما تلذذتم بالنساء على الفرش‪ ،‬ولخرجتم إلى‬
‫صُعدات تجأرون إلى الله تعالى‪ .‬لوددت أني شجرة تعضد«‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ف هذا وقد‬
‫م قدماه‪ ،‬فقيل له‪ :‬أ َت َك َل ّ ُ‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يصلي حتى ت َرِ َ‬
‫غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال‪» :‬أفل أكون عبدا ً شكورًا«‪.‬‬
‫وقالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ة‪ ،‬وأي ّ ُ‬
‫كم يطيق ما كان يطيق؟ وقالت‪ :‬كان يصوم حتى نقول ل يفطر‪،‬‬
‫ِديم ً‬
‫ويفطر حتى نقول ل يصوم‪ .‬وقال عوفبن مالك‪ :‬كنت مع رسول الله صلى‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الله عليه وسلم ليلة‪ ،‬فاستا َ‬
‫ك‪ ،‬ثم توضأ‪ ،‬ثم قام يصلي‪ ،‬فقمت معه فاستفتح‬
‫البقرة‪ ،‬فل يمّر بآية رحمة إل وقف فسأل‪ ،‬ول يمّر بآية عذاب إل وقف فتعوذ‪،‬‬
‫ثم ركع فمكث بقدر قيامه‪ ،‬يقول‪» :‬سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء‬
‫والعظمة«‪ ،‬ثم سجد‪ ،‬وقال مثل ذلك‪ .‬ثم قرأ )آل عمران( ثم سورة سورة‬
‫ت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو‬
‫يفعل مثل ذلك‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬أتي ُ‬
‫يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل‪ ،‬وفي وصف ابن أبي هالة‪ :‬كان متواص َ‬
‫ل‬
‫الحزان دائم الفكرة ليست له راحة‪.‬‬
‫وعن علي رضي الله عنه قال‪ :‬سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن‬
‫ة رأس مالي‪ ،‬والعق ُ‬
‫ب أساسي‪،‬‬
‫سّنته فقال‪» :‬المعرف ُ‬
‫ل أصل ديني‪ ،‬والح ّ‬
‫م‬
‫والعل‬
‫رفيقي‪،‬‬
‫ن‬
‫والحز‬
‫كنزي‪،‬‬
‫والثقة‬
‫أنيسي‪،‬‬
‫الله‬
‫وذكر‬
‫والشوقُ مركبي‪،‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حرفتي‪،‬‬
‫سلحي‪ ،‬والصبُر ردائي‪ ،‬والرضا غنيمتي‪ ،‬والعجُز فخري‪ ،‬والزهد ُ ِ‬
‫ن قوتي‪ ،‬والصدق شفيعي‪ ،‬والطاعة حسبي‪ ،‬والجهاد خلقي‪ ،‬وقّرة عيني‬
‫واليقي ُ‬
‫مي لجل أمتي‪ ،‬وشوقي إلى ربي«‬
‫في الصلة‪ ،‬وثمرة فؤادي في ذكره‪ ،‬وغ ّ‬
‫ً‬
‫فجزاه الله من نبي عن أمته خيرًا‪ ،‬ورحم الله عبدا تأمل في هذه الشمائل‬
‫الكريمة والخصال الجميلة فتمسك بها‪ ،‬واتبع رسول الله صلى الله عليه‬
‫م‬
‫وسلم ليحوز شفاعته يوم الفزع الكبر‪ ،‬ويرضى الله عنه‪ ،‬فنسألك الله ّ‬
‫التوفيق لما فيه الخير بمّنك وكرمك يا أرحم الراحمين‪.‬‬
‫ه عليه السلم‬
‫مْعجزات ُ ُ‬
‫ُ‬
‫دمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم‪ ،‬وحميد سيره‪،‬‬
‫إذا تأمل المتأمل ما ق ّ‬
‫وبراعة علمه‪ ،‬ورجاحة عقله وحلمه‪ ،‬وجملة كماله‪ ،‬وجميع خصاله‪ ،‬و َ‬
‫شاهد‬
‫وته‪ ،‬وصدق دعوته‪ ،‬وقد كفى هذا‬
‫حاله‪ ،‬وصواب مقاله‪ .‬لم يمتر في صحة نب ّ‬
‫غير واحد في إسلمه واليمان به كعبد اللهبن سلم‪ .‬فإنه قال‪ :‬لما قدم النبي‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ت وجهه عرفت أ ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لنظر إليه فلما است َب َن ْ ُ‬
‫وجهه ليس بوجه كذاب‪.‬‬
‫ضمادا ً لما وفد عليه قال له صلى الله عليه وسلم‪» :‬إن‬
‫ن ِ‬
‫وروى مسلم أ ّ‬
‫ّ‬
‫ضل له‪ ،‬ومن يضلل الله فل‬
‫م ِ‬
‫الحمد لله نحمده ونستعينه‪ ،‬من يهد الله فل ُ‬
‫ً‬
‫هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له وأن محمدا عبده‬
‫ي كلماِتك هؤلء‪ ،‬فلقد بلغن قاموس البحر‪،‬‬
‫ضماد‪ :‬أ ِ‬
‫ورسوله« فقال له ِ‬
‫عد ْ عل ّ‬
‫ت يدك ُأبايعك‪.‬‬
‫ها ِ‬
‫ولما بلغ مل َ‬
‫لسلم‪،‬‬
‫ك ُ‬
‫عمان أن رسول الله عليه الصلة والسلم يدعوه إلى ا ِ‬
‫ّ‬
‫قال‪ :‬والله لقد دلني على هذا النبي المي أنه ل يأمر بخير إل كان أول آخذ‬
‫ب فل يبطر‪ ،‬وُيغلب فل‬
‫به‪ ،‬ول ينهى عن شيء إل كان أول تارك له‪ ،‬وأنه ي َْغل ُ‬
‫جر‪ ،‬ويفي بالعهد‪ ،‬وينجز الموعود‪ ،‬وأشهد أنه نبي‪ .‬وقال ابن رواحة‪:‬‬
‫ض َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن منظُره ُ ُينبي َ‬
‫خَبر كيف وقد أظهر الله على‬
‫ك بال َ‬
‫ن فيه آيات مبّينةلكا َ‬
‫لو لم تك ْ‬
‫ً‬
‫ة‪،‬‬
‫د‪ ،‬فهو أكثر النبياء آي ً‬
‫يده تصديقا لدعوته من المعجزات ما ل يفي به الع ّ‬
‫وأظهرهم برهانًا‪ ،‬وسنذكر لك في هذا الفصل من اليات ما تقّر به عينك‪َ،‬‬
‫م الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم‪،‬‬
‫ويزداد به يقينك‪ ،‬مما رواه الج ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دثون في صحاحهم‪ ،‬ونبدأ منها بأظهرها شأنا‪ ،‬وأوضحها بيانا‪ ،‬وهو‬
‫وأثبته المح ّ‬
‫القرآن الشريف وإعجازه‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مْنطوٍ على وجوه من العجاز كثيرة‪ ،‬وتحصيلها من‬
‫اعلم أن كتاب الله العزيز ُ‬
‫جهة ضبط أنواعها في أربعة‪:‬‬
‫أولها‪ :‬حسن تأليفه‪ ،‬والتئام كلمه‪ ،‬وفصاحته‪ ،‬ووجوه إيجازه‪ ،‬وبلغته الخارقة‬
‫صوا‬
‫ب هذا الشأن‪ ،‬وفرسان الكلم‪ ،‬قد ُ‬
‫عادة العرب‪ ،‬وذلك أنهم كانوا أربا َ‬
‫خ ّ‬
‫ُ‬
‫ص به غيرهم من المم‪ ،‬وأوتوا من َذرابة اللسان‬
‫من البلغة والحكم بما لم ي ُ َ‬
‫خ ّ‬
‫قّيد اللباب‪ ،‬جعل الله لهم ذلك‬
‫ت إنسان‪ ،‬ومن فصل الخطاب ما ي ُ َ‬
‫ما لم ُيؤ َ‬
‫ُ‬
‫خْلقة‪ ،‬وفيهم غريزة وقوة‪ ،‬يأتون منه على البديهة بالعجب‪ ،‬وي ُد ْلون به‬
‫طبعا ً و ِ‬
‫خ ْ‬
‫طب‪ ،‬ويرتجزون به‬
‫إلى كل سبب‪ ،‬يخطبون بديها ً في المقامات‪ ،‬وشديد ال َ‬
‫بين الطعن والضرب‪ ،‬ويقدحون ويمدحون‪ ،‬ويتوسلون ويتوصلون‪ ،‬ويرفعون‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ل من‬
‫وقون من أوصافهم أ ْ‬
‫ويضعون‪ ،‬فيأتون من ذلك بال ّ‬
‫ج َ‬
‫سحر الحلل‪ ،‬وي ُط َ ّ‬
‫مط اللل‪ ،‬فيخدعون اللباب‪ ،‬ويذللون الصعاب‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫لحن‪ ،‬وُيهيجون‬
‫ِ‬
‫س ْ‬
‫ذهبون ا ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫من‪ ،‬ويجّرئون الجبان‪ ،‬ويصيرون الناقص كامل‪ ،‬ويتركون النبيه خامل‪ ،‬منهم‬
‫الد ّ َ‬
‫صل‪ ،‬والكلم الفخم‪ ،‬والطبع الجوهري‪،‬‬
‫البدوي ذو اللفظ الجزل‪ ،‬والقول ال َ‬
‫ف ْ‬
‫والمنزع القوي‪ ،‬ومنهم الحضري‪ ،‬ذو البلغة البارعة‪ ،‬واللفاظ الناصعة‪،‬‬
‫والكلمات الجامعة‪ ،‬والطبع السهل‪ ،‬والتصّرف في القول القليل الكلفة‪،‬‬
‫الكثير الرونق‪ ،‬الرقيق الحاشية‪ ،‬وكلهما له في البلغة الحجة البالغة‪ ،‬والقوة‬
‫مْهيعُ الناهج‪ ،‬ل يشكون أن الكلم طوع مرادهم‪،‬‬
‫الدامغة‪ ،‬وال ِ‬
‫قد ُ‬
‫ح الفالج‪ ،‬وال َ‬
‫حووا فنونها‪ ،‬واستنبطوا عيونها‪ ،‬ودخلوا من كل باب‬
‫والبلغة ملك قيادهم‪ ،‬قد َ‬
‫من أبوابها‪ ،‬وعََلوا صرحا ً لبلوغ أسبابها‪ ،‬فقالوا في الخطير والمهين‪ ،‬وتفننوا‬
‫قل والك ُْثر‪ ،‬وتساجلوا في النظم والنثر‪،‬‬
‫ث والسمين‪ ،‬وتقاولوا في ال ّ‬
‫في الغ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫عهم إل رسول كريم‪ ،‬بكتاب عزيز‪ :‬ل ّ ي َأِتيهِ الَباط ِ ُ‬
‫ن‬
‫فما را َ‬
‫ن ي َد َي ْهِ وَل َ ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْ‬
‫من ب َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫زي ٌ‬
‫ما ن َّزلَنا عَلى‬
‫َ‬
‫مي ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫خل ْ ِ‬
‫كيم ٍ َ‬
‫ن َ‬
‫م ّ‬
‫ب ّ‬
‫د)‪ (38) (42‬وَِإن كنت ُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫م ِفى َري ْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫فهِ َتن ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫عوا ُ‬
‫م‬
‫مث ْل ِهِ َواد ْ ُ‬
‫شهَ َ‬
‫عَب ْدَِنا فَأُتوا ب ِ ُ‬
‫ن اللهِ ِإن كنت ُ ْ‬
‫دآءكم ّ‬
‫من ّ‬
‫سوَرةٍ ّ‬
‫من ُدو ِ‬
‫ّ‬
‫فعَُلوا ْ وََلن ت َ ْ ُ ْ‬
‫ن‬
‫م تَ ْ‬
‫ن)‪ (23‬فَِإن ل ّ ْ‬
‫َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫فعَلوا{ )البقرة‪ 23 :‬ــــ ْ‪ُ} ،(24‬قل لئ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وَ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ب‬
‫ن‬
‫تو‬
‫أ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ن‬
‫رءا‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذا‬
‫ها‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ب‬
‫ا‬
‫تو‬
‫أ‬
‫ي‬
‫أن‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ل‬
‫وا‬
‫س‬
‫لن‬
‫ا‬
‫ت‬
‫ع‬
‫م‬
‫ت‬
‫ج‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ا َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ُ َ ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ظِهيًرا)‪(88‬‬
‫ن ب َعْ ُ‬
‫كا َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫م ل ِب َعْ ٍ‬
‫حط‬
‫فلم يزل يقرعهم أشد ّ التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ‪ ،‬ويس ّ‬
‫فه أحلمهم‪ ،‬وي ُ‬
‫ت نظامهم‪ ،‬ويذم آلهتهم وآباءهم‪ ،‬ويستبيح أرضهم وديارهم‬
‫مهم‪ ،‬ويشت ّ ُ‬
‫أعل َ‬
‫وأموالهم‪ ،‬وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته‪ ،‬محجمون عن مماثلته‪،‬‬
‫هاَذآ‬
‫ن َ‬
‫يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب‪ ،‬والغترار بالفتراء‪ ،‬وقولهم‪ :‬إ ِ ْ‬
‫مّر{ )القمر‪ .(2 :‬و}إ ِفْ ٌ‬
‫ه{ )الفرقان‪.(4 :‬‬
‫ست َ ِ‬
‫حٌر ي ُؤْث َُر)‪ِ (24‬‬
‫إ ِل ّ ِ‬
‫س ْ‬
‫س ْ‬
‫م ْ‬
‫ك افْت ََرا ُ‬
‫حٌر ّ‬
‫َ‬
‫ن{ )النعام‪ .(25 :‬والمباهتة‪ ،‬والرضا بالدنية‪ .‬كقولهم‪:‬‬
‫سا ِ‬
‫و}أ َ‬
‫طيُر ال ْوِّلي َ‬
‫َ‬
‫عوَنا إ ِل َي ْهِ وَِفى ءاذان َِنا وَقٌْر‬
‫ما ت َد ْ ُ‬
‫}قُُلوب َُنا غُل ْ ٌ‬
‫ف{ )البقرة‪ ،(88 :‬و}ِفى أك ِن ّةٍ ِ‬
‫م ّ‬
‫ن َوال ْغَوْا ْ‬
‫من ب َي ْن َِنا وَب َي ْن ِ َ‬
‫مُعوا ْ ل َِهاَذا ال ْ ُ‬
‫ك ِ‬
‫وَ ِ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫ب{ )فصلت‪ ،(5 :‬و}ل َ ت َ ْ‬
‫س َ‬
‫قْرءا ِ‬
‫مث ْ َ‬
‫ه{ )فصلت‪ ،(26 :‬والدعاء مع العجز‪ ،‬كقولهم‪} :‬ل َوْ ن َ َ‬
‫هاَذآ{‬
‫شآء ل َ ُ‬
‫ل َ‬
‫قل َْنا ِ‬
‫ِفي ِ‬
‫فعَُلوْا{ )البقرة‪ (24 :‬فما فعلوا ول‬
‫)النفال‪ (31 :‬وقد قال لهم‪} :‬وََلن ت َ ْ‬
‫ف عواره لجميعهم‪.‬‬
‫ش َ‬
‫قدروا‪ ،‬ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيِلمة‪ ،‬ك ُ ِ‬
‫ف على أهل الميز منهم‬
‫وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلمهم‪ ،‬وإل لم ي َ ْ‬
‫خ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫أنه ليس من نمط فصاحتهم‪ ،‬ول جنس بلغتهم‪ ،‬بل وّلوا عنه مدبرين‪ ،‬وأتوا‬
‫ة{‬
‫ص حيا ٌ‬
‫م ِفي ال ْ ِ‬
‫إليه مذعنين‪ ،‬وأنت إذا تأملت قوله تعالى‪} :‬وَل َك ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫صا ِ‬
‫م َ‬
‫خ ُ‬
‫ب)‬
‫)البقرة‪ (179 :‬وقوله‪} :‬وَل َوْ ت ََرى إ ِذ ْ فَزِ ُ‬
‫ت وَأ ُ ِ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫من ّ‬
‫عوا ْ فَل َ فَوْ َ‬
‫ري ٍ‬
‫كا ٍ‬
‫ن قَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ذى ب َي ْن َ َ‬
‫م{‬
‫ح ِ‬
‫ن فَإ َِذا ال ّ ِ‬
‫ى َ‬
‫ه عَ َ‬
‫ىأ ْ‬
‫ح َ‬
‫مي ٌ‬
‫داوَة ٌ ك َأن ّ ُ‬
‫ك وَب َي ْن َ ُ‬
‫س ُ‬
‫ه وَل ِ ّ‬
‫‪ (51‬اد ْفَعْ ِبالِتى هِ َ‬
‫َ‬
‫)فصلت‪ (34 :‬وقوله‪} :‬وَِقي َ‬
‫ض اب ْل َِعى‬
‫ل ياأْر ُ‬
‫َ‬
‫جودِىّ وَِقي َ‬
‫ل‬
‫ض‬
‫مآء وَقُ ِ‬
‫ت عََلى ال ْ ُ‬
‫مآء ِ‬
‫مُر َوا ْ‬
‫ك َويا َ‬
‫ست َوَ ْ‬
‫ى ال ْ ْ‬
‫ض ال ْ َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫مآء أقْل ِِعى وَِغي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صبا ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ر‬
‫أ‬
‫من‬
‫هم‬
‫ن‬
‫م‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ذن‬
‫ب‬
‫نا‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫أ‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ف‬
‫(‬
‫‪44‬‬
‫ن)‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ل‬
‫دا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫حا ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫سلَنا عَلي ْهِ َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫بُ‬
‫ْ َ‬
‫ُ ّ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫س ْ‬
‫ن َ‬
‫نأ َ‬
‫ح ُ‬
‫ض وَ ِ‬
‫ة وَ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫صي ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ن أغَْرقَْنا وَ َ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫خذ َت ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫فَنا ب ِهِ ال ْْر َ‬
‫ه ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‪(40‬‬
‫كن كاُنوا أن ُ‬
‫م وَل ِ‬
‫مو َ‬
‫كا َ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظل ِ ُ‬
‫سهُ ْ‬
‫مهُ ْ‬
‫ه ل ِي َظل ِ َ‬
‫ن الل ُ‬
‫الوجه الثاني من إعجاز القرآن‪ :‬صورة نظمه العجيب‪ ،‬والسلوب الغريب‬
‫ت‬
‫المخالف لساليب كلم العرب‪ ،‬ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقف ْ‬
‫ت فواصل كلماته إليه‪ ،‬ولم يوجد قبله ول بعده نظير له‪،‬‬
‫عليه مقاطع آِيه وانته ْ‬
‫ّ‬
‫ت دونه‬
‫ول استطاع أحد ٌ مماثلة شيء منه‪ ،‬بل حاَرت فيه عقولهم‪ ،‬وتد َله ْ‬
‫أحلمهم‪ ،‬ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلمهم من نثر‪ ،‬أو نظم‪ ،‬أو سجع‪ ،‬أو‬
‫رجز‪ ،‬أو شعر‪.‬‬
‫ليجاز والبلغة بذاتها‪ ،‬أو السلوب الغريب‬
‫لعجاز بكل واحد من النوعين‪ ،‬وا ِ‬
‫وا ِ‬
‫لتيان بواحد منهما‪ ،‬إذ‬
‫بذاته‪ ،‬كل واحد منهما نوع إعجاز‪ ،‬لم تقدر العرب على ا ِ‬
‫ن لفصاحتها وكلمها‪.‬‬
‫كل واحد منهما خارج عن قدرتها مباي ٌ‬
‫ت‪ ،‬وما لم يكن‬
‫مَغيبا ِ‬
‫الوجه الثالث من العجاز‪ :‬ما انطوى عليه من الخبار بال ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ت‬
‫ل‬
‫تعالى‪:‬‬
‫كقوله‬
‫ولم يقع فوقع‪ ،‬فوجد كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر‬
‫َ ْ ُ ّ‬
‫م ِإن َ‬
‫هم‬
‫ن{ )الفتح‪ ،(27 :‬وقوله عن الروم‪} :‬وَ ُ‬
‫ه ءا ِ‬
‫جد َ ال ْ َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ْ‬
‫شآء الل ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫ضِع ِ‬
‫ن ِفى ب ِ ْ‬
‫سي َغْل ُِبو َ‬
‫م َ‬
‫ن{ )الروم‪ 3 :‬ــــ ‪ ،(4‬وقوله‪} :‬ل ِي ُظ ْهَِرهُ‬
‫من ب َعْد ِ غَل َب ِهِ ْ‬
‫ّ‬
‫سِني َ‬
‫مُلوا ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫من ْك ُْ‬
‫ُ‬
‫ءا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫د‬
‫ع‬
‫و‬
‫}‬
‫وقوله‪:‬‬
‫(‬
‫‪9‬‬
‫)الصف‪:‬‬
‫ه{‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَعَ ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ك‬
‫م‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫فى‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حا ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ ْ َ َ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫منا{ )النور‪(55 :‬‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫م ال ِ‬
‫ذى اْرت َ َ‬
‫مأ ْ‬
‫خوْفِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫م وَلي ُب َد ّلن ّهُ ْ‬
‫ضى لهُ ْ‬
‫م ِدين َهُ ُ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫صُر الل ّهِ َوال ْ َ‬
‫س ي َد ْ ُ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫خُلو َ‬
‫فت ْ ُ‬
‫وقوله‪} :‬إ َِذا َ‬
‫ح)‪ (1‬وََرأي ْ َ‬
‫ت الّنا َ‬
‫جآء ن َ ْ‬
‫ن ِفى ِدي ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ح‬
‫معُ وَي ُوَلو َ‬
‫م ال َ‬
‫حافِظو َ‬
‫هل َ‬
‫أْفواجًا)‪ (2‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫سي ُهَْز ُ‬
‫ن)‪َ (9‬‬
‫ج ْ‬
‫ن ن َّزلَنا الذ ّكَر وَإ ِّنا ل ُ‬
‫ُ‬
‫الدبر)‪َ (45‬قاتُلوهم يعذ ّبهم الل ّ َ‬
‫م{ )التوبة‪ (14 :‬فكان كذلك مما ا ّ‬
‫طلع‬
‫ه ب ِأي ْ ِ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ِ ُ ْ َُ ُْ ُ‬
‫َُّ‬
‫عليه قارىء هذه السيرة‪ ،‬وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود‪،‬‬
‫هّ‬
‫ن ِفى َأن ُ‬
‫فِهم كقوله‪} :‬وَي َ ُ‬
‫ف ِ‬
‫حل ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ومقالهم وكذبهم في َ‬
‫م ل َوْل َ ي ُعَذ ّب َُنا الل ُ‬
‫سهِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫ن لك{ )آل‬
‫ن ِفى أن ْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ما ن َ ُ‬
‫ل{ )المجادلة‪ (8 :‬وقوله‪} :‬ي ُ ْ‬
‫ف ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ل ي ُب ْ ُ‬
‫فو َ‬
‫سِهم ّ‬
‫بِ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ضعِهِ وَي َ ُ‬
‫م َ‬
‫ذين َ‬
‫وا ِ‬
‫من ال ِ‬
‫قولو َ‬
‫حّرفو َ‬
‫هاُدوا ي ُ َ‬
‫عن ّ‬
‫ن الكل ِ َ‬
‫عمران‪ (154 :‬وقوله‪ّ } :‬‬
‫م َ‬
‫سمعنا وعصينا واسمع غَير َمسمع َ وراعنا ل َيا ً بأ َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن{‬
‫دي‬
‫ال‬
‫فى‬
‫ا‬
‫عن‬
‫ط‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ن‬
‫س‬
‫ل‬
‫َ ِ ْ َ َ َ َ َْ َ ْ َ ْ َْ ُ ْ َ ٍ َ ِ َ ّ ِ ِ َِِ ْ َ ْ ِ‬
‫ّ ِ‬
‫)النساء‪ (46 :‬إلى غير ذلك من اليات البّينات‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة‪ ،‬والمم البائدة‪ ،‬والشرائع‬
‫الداثرة‪ ،‬مما كان ل يعلم منه القصة الواحدة إل الفذ ّ من أحبار أهل الكتاب‪،‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫الذي قطع عمره في تعّلم ذلك‪ ،‬فيورده عليه الصلة والسلم على وجهه‪،‬‬
‫ويأتي به على نصه‪ ،‬فيقّر العالم بذلك بصحته وصدقه‪ ،‬وأن مثله لم ينله‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬ل يقرأ ول يكتب‪ ،‬ول‬
‫بتعليم‪ ،‬وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أم ّ‬
‫ل حاَله أحد منهم‪ ،‬وكثيرا ً‬
‫جهِ َ‬
‫اشتغل بمدارسة ول مجالسة‪ ،‬لم يغب عنهم‪ ،‬ول َ‬
‫ما كان يسأله كثير من أهل الكتاب عن هذا‪ ،‬فينزل عليه من القرآن ما يتلو‬
‫عليهم منه ذكرًا‪ ،‬كقصص النبياء‪ ،‬وبدء الخلق‪ ،‬وما في الكتب السابقة مما‬
‫صدقه فيه العلماء بها‪ ،‬ولم يقدروا على تكذيب ما ُذكر منها‪ ،‬ولم يؤثر أن‬
‫واحدا ً منهم أظهر خلف قوله من كتبه‪ ،‬ول أبدى صحيحًا‪ ،‬ول سقيما ً من‬
‫صحفه‪ ،‬بعد أن قرعهم ووبخهم بقوله‪} :‬قُ ْ ْ‬
‫ها ِإن ُ‬
‫م‬
‫ل فَأُتوا ْ ِبالت ّوَْراةِ َفات ُْلو َ‬
‫ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ّ‬
‫ن{ )آل عمران‪.(93 :‬‬
‫َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫ومما يد ّ‬
‫داهم فيه الله بقوله‪:‬‬
‫ل على أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تح ّ‬
‫من ّوُا ْ‬
‫ل ِإن َ‬
‫}ق ُ ْ‬
‫عند َ الل ّهِ َ‬
‫ص ً‬
‫خَرةُ ِ‬
‫داُر ال ْ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫س فَت َ َ‬
‫ة ّ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫كان َ ْ‬
‫خال ِ َ‬
‫من ُدو ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن)‪(94‬‬
‫ت ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫مو ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫ومما يدل على أن هذا القرآن ليس من كلم البشر‪ :‬الّروعة التي تلحق قلوب‬
‫وة حاله‪ ،‬وإنافة خطره‪ ،‬حتى‬
‫سامعيه‪ ،‬والهيبة التي تعتريهم عند تلوته‪ ،‬لق ّ‬
‫كانوا يستثقلون سماعه‪ ،‬ويزيدهم نفورًا‪ ،‬ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫من كرهه‪ ،‬وهو الحكم«‪.‬‬
‫»إن القرآن صعب مستصَعب على َ‬
‫وأما المؤمن فل تزال روعته به وهيبته إياه مع تلوته توليه إقبا ً‬
‫ه‬
‫ل‪ ،‬وت َك ْ ِ‬
‫سب ُ ُ‬
‫ّ‬
‫ق َ‬
‫ن‬
‫هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به‪ .‬قال تعالى‪ :‬ت َ ْ‬
‫جُلود ُ ال ِ‬
‫شعِّر ِ‬
‫ه ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫خ َ‬
‫ه{ )الزمر‪ .(23 :‬وقال‬
‫يَ ْ‬
‫م إ َِلى ذِك ْرِ الل ِ‬
‫ن ُ‬
‫شو ْ َ‬
‫م وَقُُلوب ُهُ ْ‬
‫جُلود ُهُ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫م ت َِلي ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خ ْ‬
‫ة‬
‫هاَذا ال ُ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫تعالى‪} :‬لوْ أنَزلَنا َ‬
‫شي َ ِ‬
‫خا ِ‬
‫ص ّ‬
‫ن عَلى َ‬
‫قْرءا َ‬
‫دعا ّ‬
‫شعا ّ‬
‫ل لَرأي ْت َ ُ‬
‫مت َ َ‬
‫م ْ‬
‫جب َ ٍ‬
‫ه{ )الحشر‪f.(21 :‬‬
‫الل ّ ِ‬
‫ومن وجوه إعجاز القرآن‪ :‬كونه آية باقية ل تعدم ما بقيت الدنيا‪ ،‬مع تكفل‬
‫حافِ ُ‬
‫ن)‪ (9‬ل ّ ي َأ ِْتيهِ ال َْباط ِ ُ‬
‫ل‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫الله بحفظه‪ ،‬فقال‪} :‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذ ّك َْر وَإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ه{ )فصلت‪ (42 :‬وسائر معجزات النبياء لم يبق إل‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ن ي َد َي ْهِ وَل َ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫من ب َي ْ ِ‬
‫خبرها‪ ،‬والقرآن إلى وقتنا هذا حجة قاهرة‪ ،‬ومعارضة ممتنعة‪ ،‬والعصار كلها‬
‫طافحة بأهل البيان‪ ،‬وحملة علم اللسان‪ ،‬وأئمة البلغة‪ ،‬وفرسان الكلم‪،‬‬
‫وجهابذة البراعة‪ ،‬والملحد فيهم كثير‪ ،‬والمعادي للشرع عتيد‪ ،‬فما منهم من‬
‫أتى بشيء يؤثر في معارضته‪ ،‬ول أّلف كلمتين في مناقضته‪ ،‬ول قدر فيه على‬
‫ف من ذهنه في ذلك إل ب َِزْند شحيح‪ ،‬بل المأثور‬
‫مطعن صحيح‪ ،‬ول قدح المتكل ُ‬
‫عن كل من رام ذلك إلقاءه في العجز بيديه‪ ،‬والنكوص على عقبيه‪.‬‬
‫ولنختم لك هذا الباب بحديثه عليه الصلة والسلم في القرآن قال‪» :‬إن الله‬
‫أنزل هذا القرآن آمرا ً وزاجرًا‪ ،‬وسّنة خالية‪ ،‬ومثل ً مضروبًا‪ ،‬فيه نبؤكم وخبر‬
‫ح ْ‬
‫كم ما بينكم‪ ،‬ل يخلقه طول الّرّد‪ ،‬ول تنقضي‬
‫من كان قبلكم ونبأ ما بعدكم و ُ‬
‫عجائبه‪ ،‬هو الحق ليس بالهزل‪ ،‬من قال به صدق‪ ،‬ومن حكم به عدل‪ ،‬ومن‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫جَر‪ ،‬ومن تمسك به ُ‬
‫خاصم به فَل َ َ‬
‫ج‪ ،‬ومن حكم به أقسط‪ ،‬ومن عمل به أ ِ‬
‫هد َ‬
‫ّ‬
‫م بغيره‬
‫إلى صراط مستقيم‪ ،‬ومن طلب الهدى من غيره أضله الله‪ ،‬ومن َ‬
‫حك َ َ‬
‫صمه الله‪ ،‬هو الذكُر الحكيم‪ ،‬والنوُر المبين‪ ،‬والصرا ُ‬
‫ط المستقيم‪ ،‬وحبل الله‬
‫قَ َ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫المتين‪ ،‬والشفاُء النافع‪ ،‬عصمة لمن تمسك به‪ ،‬ونجاة ٌ لمن اّتبعه‪ ،‬ل يعوج‬
‫ب«‪.‬‬
‫في َ‬
‫ست َعْت َ َ‬
‫وم‪ ،‬ول يزيغ فَي ُ ْ‬
‫ق ّ‬
‫دمنا حديثه‬
‫ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وقد ق ّ‬
‫مستوفى‪.‬‬
‫ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه‪ ،‬وتكثيُره‬
‫م الغفير من الصحابة‪ ،‬منهم أنس وجابر وابن‬
‫ببركته‪ ،‬وقد روى هذا الج ّ‬
‫مسعود‪.‬‬
‫ت صلة العصر‪،‬‬
‫ت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حان ْ‬
‫قال أنس‪ :‬رأي ُ‬
‫س الناس ماًء للوضوء‪ ،‬فلم يجدوه‪ ،‬فُأتي النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فالتم َ‬
‫ت الماء‬
‫وضوء‪ ،‬فوضع في الناء يده‪ ،‬وأمر الناس أن يتوضؤوا منه‪ .‬قال‪ :‬فرأي ُ‬
‫بِ َ‬
‫س حتى توضؤوا عن آخرهم‪ ،‬فقيل‪ :‬كم كنتم؟‬
‫ينبع من بين أصابعه‪ ،‬فتوضأ النا ُ‬
‫قال زهاء ثلثمائة‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود‪ :‬بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وليس معنا ماء‪،‬‬
‫ُ‬
‫ل لنا‪» :‬اطلبوا من معه فض ُ‬
‫فقا َ‬
‫ضع‬
‫ل ماٍء«‪ ،‬فأتي بماء‪ ،‬فصّبه في إناء‪ ،‬ثم و َ‬
‫فه فيه فجعل الماُء ينبع من بين أصابعه‪.‬‬
‫ك ّ‬
‫ديبية ورسول الله بين يديه ِركوةٌ فتوضأ‬
‫ح َ‬
‫س يوم ال ُ‬
‫وقال جابر‪ :‬عطش النا ُ‬
‫منها‪ ،‬وأقبل الناس نحوه‪ ،‬وقالوا ليس عندنا ماء إل ما في ركوتك‪ ،‬فوضع يده‬
‫في الّركوة‪ ،‬فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون‪ .‬قيل كم كنتم؟‬
‫قال‪ :‬لو كّنا مائة ألف لكفانا‪ ،‬كّنا خمس عشرة مائة‪.‬‬
‫وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة‪ ،‬ومثل هذا في هذه المواطن‬
‫دث به‪ ،‬لنهم كانوا‬
‫الحفيلة‪ ،‬والجموع الكثيرة‪ ،‬ل تتطرق التهمة إلى المح ّ‬
‫من‬
‫أسرع شيء إلى تكذيبه‪ ،‬لما ُ‬
‫جبلت عليه نفو ُ‬
‫سهم من ذلك‪ ،‬ولنهم كانوا م ّ‬
‫ت على باطل‪ ،‬فهؤلء قد رووا هذا‪ ،‬وأشاعوه ونسبوا حضور الجم‬
‫ل يسك ُ‬
‫دثوا به عنهم أنهم فعلوه‬
‫الغفير له‪ ،‬ولم ينكر عليهم أحد من الناس ما ح ّ‬
‫وشاهدوه‪ ،‬فصار كتصديق جميعهم لهم‪.‬‬
‫سه ودعوته‪ ،‬كما ورد عن‬
‫ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته‪ ،‬وانبعاثه بم ّ‬
‫معاذبن جبل في قصة غزوة تبوك‪ ،‬وأنهم وردوا العين وهي تلمعُ بشيء من‬
‫ماء مثل ال ّ‬
‫شراك‪ ،‬فغرُفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فيه شيء‪ ،‬ثم غسل‬
‫عليه الصلة والسلم فيه وجهه ويديه‪ ،‬وأعاده فيها فجرت بماء كثير‪ ،‬فاستقى‬
‫س‬
‫الناس ــــ وفي رواية ابن إسحاق فانخرق من الماء ما له حس كح ّ‬
‫الصواعق ــــ ثم قال‪» :‬يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة‪ ،‬أن ترى ما هنا قد‬
‫دمنا ذلك في غزوة تبوك‪ .‬وروي عن البَراء وسلمةبن‬
‫ملىء جنانًا«‪ .‬وقد ق ّ‬
‫ديبية بدعوته عليه الصلة والسلم‪ .‬وروى أبو قتادة أن‬
‫الكوع تكثير عين الح َ‬
‫كوا إلى رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأةَ‬
‫ش َ‬
‫الناس َ‬
‫ِ ْ َ ِ‬
‫ضْبنه )ما بين الكشح إلى البط( ثم التقم فمها‪ ،‬فالله أعلم‪ ،‬أنفث‬
‫فجعلها في ِ‬
‫فيها أم ل؛ فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم‪ ،‬فخّيل لي أنها كما‬
‫أخذها مني‪ .‬وكانوا اثنين وسبعين رج ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في‬
‫محا ّ‬
‫ل مختلفة‪ ،‬بحيث ل يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها‪.‬‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬روى أبو طلحة‬
‫أنه عليه الصلة والسلم أطعم ثمانين أو سبعين رجل ً من أقراص من شعير‬
‫فّتتت‪ ،‬وقال فيها ما‬
‫جاء بها أنس تحت إبطه‪ ،‬فأمر بها عليها الصلة والسلم ف ُ‬
‫شاء الله أن يقول‪.‬‬
‫وروى جابر أنه عليه الصلة والسلم أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع‬
‫شعير وعََناق‪ ،‬وقال جابر‪ :‬فُأقسم بالله لكلوا حتى تركوه وانحرفوا‪ ،‬وإن‬
‫متنا ل َت َغِ ّ‬
‫ط كما هي‪ ،‬وإن عجيننا ليخبز‪ .‬وكان عليه الصلة والسلم قد بصق‬
‫ب ُْر َ‬
‫في العجين والبرمة وبارك‪ .‬وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر‬
‫طعاما ً يكفيهما‪ ،‬فأطعم منه عليه الصلة والسلم مائة وثمانين رج ً‬
‫ل‪ .‬وروى‬
‫مثل ذلك كثير من الصحابة كعبد الرحمانبن أبي بكر‪ ،‬وسلمةبن الكوع‪ ،‬وأبي‬
‫هريرة‪ ،‬وعمربن الخطاب‪ ،‬وأنسبن مالك‪ ،‬رضوان الله عليهم أجمعين‪.‬‬
‫ومن معجزاته عليه الصلة والسلم قصة حنين الجذع‪ ،‬قال جابربن عبد الله‪:‬‬
‫كان المسجد مسقوفا ً على جذوع نخل‪ ،‬فكان عليه الصلة والسلم إذا خطب‬
‫صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا ً كصوت‬
‫يقوم إلى جذع منها‪ ،‬فلما ُ‬
‫العِ َ‬
‫ج المسجد لخواره‪ .‬وفي رواية سهل‪ :‬وكثر‬
‫ارت‬
‫حتى‬
‫شار‪ .‬وفي رواية أنس‪:‬‬
‫ّ‬
‫بكاء الناس لما رأوه به‪ .‬وفي رواية المطلب‪ :‬وانشق حتى جاء النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت‪ .‬زاد غيره‪ :‬فقال عليه الصلة‬
‫ن هذا بكى لما فقد من الذكر«‪ .‬وزاد غيره‪» :‬والذي نفسي بيده‬
‫والسلم‪» :‬إ ّ‬
‫ً‬
‫لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم« فأمر به فدفن تحت المنبر‪ .‬وهذا الحديث خّرجه أهل الصحة‪،‬‬
‫فهم‪ ،‬وبمن دون‬
‫ضع ُ‬
‫ورواه من الصحابة كثيرون‪ ،‬ورواه عنهم من التابعين ِ‬
‫ي بهذا الباب‪ ،‬والله المثّبت على الصواب‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫دتهم يقع العلم لمن عُن ِ َ‬
‫ومن معجزاته عليه الصلة والسلم إبراء المرضى‪ ،‬وذوي العاهات‪ ،‬فقد‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن قتادةبن النعمان حتى وقعت على وجنتيه‪ ،‬فرّدها عليه‬
‫أصيبت يوم أ ُ‬
‫حد عي ُ‬
‫دهما‪ ،‬وبصق على أثر سهم في وجه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬فكانت أحسن عينيه وأح ّ‬
‫ح‪ ،‬وأصاب ابن ملعب‬
‫أبي قتادة في يوم ذي َقرد‪ ،‬فما ضرب عليه ول َقا َ‬
‫حث ْوَةً من‬
‫ال َ ِ‬
‫سن ّةِ استسقاء‪ ،‬فبعث إلى النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬فأخذ بيده َ‬
‫هزىَء به‪ ،‬فأتاه‬
‫الرض‪ ،‬فتفل عليها‪ ،‬ثم أعطاها رسوله‪ ،‬فأخذها يرى أنه قد ُ‬
‫بها وهو على َ‬
‫فى‪ ،‬فشربها فشفاه الله‪ .‬وتقدم حديث علي ورمده في غزوة‬
‫ش ً‬
‫ده‪ ،‬ورواه ثقات المسلمين‬
‫خيبر‪ ،‬وغير ذلك كثير مما يعجز قلمنا عن ع ّ‬
‫العلم‪.‬‬
‫أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته‪ ،‬فروي عن أنسبن مالك‪ ،‬قال‪ :‬قالت‬
‫ُ‬
‫م ُ َ‬
‫م أكثر‬
‫أمي أ ّ‬
‫م‪ :‬يا رسول الله خادمك أنس ادع ُ الله له‪ ،‬فقال‪» :‬الله ّ‬
‫سلي ْ ٍ‬
‫ن‬
‫ن مالي لكثير‪ ،‬وإ ّ‬
‫ماله وولده‪ ،‬وبارك له فيما آتيته«‪ .‬قال أنس‪ :‬فوالله إ ّ‬
‫ولدي وولد ولدي لُيعاّدون اليوم نحو المائة‪.‬‬
‫ودعا لعبد الرحمانبن عوف بالبركة‪ ،‬فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الربع‬
‫من تركته ثمانين ألفًا‪ ،‬وتصدق مّرة بِعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل‬
‫دق بها‪ ،‬وبما عليها‪ ،‬وبأقتابها‪ ،‬وأحلسها‪.‬‬
‫من كل شيء‪ ،‬فتص ّ‬

‫نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫ودعا لمعاوية بالتمكين في الرض فنال الخلفة‪ ،‬ودعا لسعد بإجابة الدعوة‪،‬‬
‫فما دعا على أحد إل استجيب له‪ ،‬وتقدم دعاؤه لعمربن الخطاب أن يعّز‬
‫م بارك في شعره وبشره«‪،‬‬
‫السلم به‪ ،‬وقال لبي قتادة‪» :‬أفل َ‬
‫ح وجهك‪ ،‬الله ّ‬
‫فمات وهو ابن سبعين سنة‪ ،‬كأنه ابن خمس عشرة‪ ،‬ودعواته عليه الصلة‬
‫والسلم المستجابة أكثر من أن ُتحصى ي ّ‬
‫طلع عليها قارىء سيرتنا هذه‪.‬‬
‫أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان‪ ،‬فعن‬
‫حذيفة رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬قام فينا رسو ُ‬
‫ل الله مقامًا‪ ،‬فما ترك شيئا ً يكون‬
‫دثه‪ ،‬حفظه من حفظه‪ ،‬ونسيه من‬
‫في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إل ّ ح ّ‬
‫نسيه‪ ،‬قد علمه أصحابي هؤلء‪ ،‬وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره‪ ،‬كما‬
‫يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه‪ ،‬ثم إذا رآه عرفه‪ ،‬وما أدري أنسي‬
‫أصحابي أم تناسوه؟ والله ما ترك عليه الصلة والسلم من قائد فتنة إلى أن‬
‫ماه لنا باسمه‪ ،‬واسم‬
‫تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا ً إل قد س ّ‬
‫أبيه‪ ،‬واسم قبيلته‪ .‬وقد خّرج أهل الصحيح والئمة ما أعلم به أصحابه مما‬
‫وعدهم به من الظهور على أعدائه‪ ،‬وفتح مكة‪ ،‬وبيت المقدس‪ ،‬واليمن‪،‬‬
‫والشام‪ ،‬والعراق‪ ،‬وظهور المن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة‪ ،‬ل‬
‫ن المدينة سُتغزى‪ ،‬وُتفتح خيبر على يد علي في غد يومه‪،‬‬
‫تخاف إل الله‪ ،‬وأ ّ‬
‫مته من الدنيا‪ ،‬وي ُؤَْتون من زهرتها‪ ،‬وقسمتهم كنوز كسرى‬
‫وما يفتح الله على أ ّ‬
‫دمنا ما في القرآن من‬
‫وقيصر‪ ،‬وقد قدمنا كثيرا ً من ذلك في هذه السيرة‪ ،‬وق ّ‬
‫ذلك‪ ،‬وهذا ُيغنينا عن الطالة في هذا المقام فحسبك ما سمعت‪.‬‬
‫ن الله به على رسولنا من‬
‫ومما ينير بصيرتك ــــ أيها القارىء ــــ ما َ‬
‫م ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ص‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫قال‬
‫عصمته له من الناس‪ ،‬وكفايته من آذاه‪،‬‬
‫َ ُ َْ ِ ُ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ك فَإ ِن ّ َ‬
‫حك ْم ِ َرب ّ َ‬
‫ك ب ِأعْي ُن َِنا{ )الطور‪،(48 :‬‬
‫صب ِْر ل ِ ُ‬
‫س{ )المائدة‪ (67 :‬وقال‪َ} :‬وا ْ‬
‫الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ه بِ َ‬
‫في َْنا َ‬
‫ك‬
‫ه{ )الزمر‪ ،(36 :‬وقال‪} :‬إ ِّنا ك َ َ‬
‫كا ٍ‬
‫ف عَب ْد َ ُ‬
‫س الل ّ ُ‬
‫وقال‪} :‬أل َي ْ َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫جابه‪،‬‬
‫ك ِ‬
‫ه ي َعْ ِ‬
‫ح ّ‬
‫س{ )المائدة‪ (67 :‬صرف ُ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫ن)‪َ (95‬والل ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫زءي َ‬
‫ست َهْ ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫دمنا حديث ُدعثور وإرادته قتل النبي‬
‫وقال‪» :‬انصرفوا فقد عصمني الله«‪ .‬وق ّ‬
‫ً‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وعصمة الله لنبّينا‪ ،‬وذكرنا كثيرا مما حصل من أبي‬
‫ن الله به عليه ليلة‬
‫جهل لما أراد بالرسول المكايد‪ ،‬فكفاه الله شّره‪ ،‬وما م ّ‬
‫سراقة في الطريق‪ ،‬وعلى الجملة فيكفينا من هذا الباب أنه‬
‫الهجرة‪ ،‬وحديث ُ‬
‫داء بمكة ثلث عشرة سنة‪ ،‬وبين‬
‫عليه الصلة والسلم مكث بين أعداء أل ّ‬
‫مشابهيهم من المنافقين واليهود عشر سنين‪ .‬فما تمكن أحد من إيصال أذى‬
‫إليه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بل كفاه موله شّر أعدائه حتى أظهر الدين‬
‫ممه‪.‬‬
‫وت ّ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful