‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪‬‬

‫‪2‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحـــج‬
‫"القسم الثالث والخير"‬

‫كتاب‬
‫الجهاد‬
‫‪3‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الجزء الثامن‬
‫عشر‬

‫‪4‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪‬‬
‫‪5‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫القسم الثالث والخير‬
‫من الحج‬

‫باب الفوات‬
‫والحصار‬

‫‪6‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪7‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -1‬الحصار يكون بالعدو وبغير العدو‬
‫كالمرض‬
‫س‪ :‬إذا تجاوز الحاج الميقات ملبيا ً‬
‫بحج وعمرة ولم يشترط‪ ،‬وحصل له‬
‫عارض؛ كمرض ونحوه يمنعه من‬
‫)‪(1‬‬
‫إتمام نسكه‪ ،‬فماذا يلزمه أن يفعل؟‬
‫ج‪ :‬هذا يكون محصرًا‪ ،‬إذا كان لم يشترط‪ ،‬ثم‬
‫حصل له حادث يمنعه من التمام‪ ،‬إن أمكنه‬
‫الصبر؛ رجاء أن يزول المانع ثم يكمل صبر‪،‬‬
‫وإن لم يتمكن من ذلك فهو محصر على‬
‫الصحيح والله قال في المحصر‪َ ﴿ :‬‬
‫ن‬
‫فإ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫ي﴾)‪،(2‬‬
‫سَر ِ‬
‫ح ِ‬
‫أ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫صْرت ُ ْ‬
‫هدْ ِ‬
‫والصواب‪ ،‬أن الحصار يكون بالعدو‪ ،‬ويكون‬
‫بغير العدو؛ كالمرض‪ .‬فيهدي ثم يحلق أو يقصر‪،‬‬
‫ويتحلل‪ ،‬هذا هو حكم المحصر‪ ،‬يذبح ذبيحة في‬
‫محله الذي أحصر فيه سواء كان في الحرم أو‬
‫في الحل ويعطيها للفقراء في محله‪ ،‬ولو كان‬
‫خارج الحرم‪ ،‬فإن لم يتيسر حوله أحد‪ ،‬نقلت‬
‫إلى فقراء الحرم‪ ،‬أو إلى من حوله من الفقراء‪،‬‬
‫أو إلى فقراء بعض القرى‪ ،‬ثم يحلق أو يقصر‬
‫‪ ()1‬نشر في جريدة )الجزيرة( يوم السبت ‪2/2/1416‬هـ‪ ،‬وفي مجلة‬
‫)الدعوة( العدد ‪ 1543‬في ‪13/1/1417‬هـ‪.‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪8‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويتحلل‪ ،‬فإن لم يستطع الهدي صام عشرة‬
‫أيام‪ ،‬ثم حلق أو قصر وتحلل‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪-2‬حكم من حبسه حابس عن الطواف‬
‫والسعي‬
‫س‪ :‬ما حكم من أحرم من الميقات‬
‫للحج أو العمرة‪ ،‬ثم حبسه حابس عن‬
‫)‪(1‬‬
‫الطواف والسعي؟‬
‫ج‪ :‬الذي أحرم بالحج أو العمرة ثم حبسه‬
‫حابس عن الطواف والسعي‪ ،‬يبقى على‬
‫إحرامه‪ ،‬إذا كان يرجو زوال هذا الحابس قريبًا؛‬
‫كأن يكون المانع سي ً‬
‫ل‪ ،‬أو عدوا ً يمكن التفاوض‬
‫معه في الدخول وأداء الطواف والسعي‪ ،‬ول‬
‫يعجل في التحلل‪ ،‬كما حدث للنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وأصحابه )حيث مكنوا مدة( يوم‬
‫الحديبية للمفاوضة مع أهل مكة‪ ،‬لعلهم‬
‫يسمحون لهم بالدخول لداء العمرة بدون قتال‪،‬‬
‫فلما لم يتيسر ذلك‪ ،‬وصمموا على المنع إل‬
‫بالحرب‪ ،‬وتم الصلح بينه وبينهم على أن يرجع‬
‫للمدينة‪ ،‬ويعتمر في العام القادم‪ ،‬نحر النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم‪ ،‬وحلقوا‬
‫‪ ()1‬نشر في مجلة )التوعية السلمية في الحج(‪ ،‬العدد ‪ 11‬في‬
‫‪11/12/1400‬هـ‪ ،‬وفي العدد ‪ 9‬ص ‪ 93‬عام ‪1404‬هـ‪ ،‬وفي كتاب‬
‫)فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة( لسماحته ص ‪127‬‬
‫طبعة ‪1408‬هـ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وتحللوا‪ ،‬وهذا هو المشروع للمحصر‪ ،‬يتمهل‪،‬‬
‫فإن تيسر فك الحصار استمر على‬

‫‪11‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إحرامه‪ ،‬وأدى مناسكه‪ ،‬وإن لم يتيسر ذلك‬
‫وشق عليه المقام‪ ،‬تحلل من هذه العمرة أو‬
‫الحج إن كان حاجًا‪ ،‬ول شيء عليه سوى التحلل‬
‫بإهراق دم يجزئ في الضحية‪ ،‬ثم الحلق أو‬
‫التقصير كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ول أصحابه يوم الحديبية‪ ،‬وبذلك يتحلل‪ ،‬كما‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫سَر‬
‫ح ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫ف َ‬
‫صْرت ُ ْ‬
‫حل ِ ُ‬
‫قوا ْ ُر ُ‬
‫حّتى‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ؤو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫هدْ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ي﴾ ‪ ،‬فالحلق يكون بعد الذبح‪،‬‬
‫ي َب ْل ُ َ‬
‫غ ال ْ َ‬
‫هد ْ ُ‬
‫ويقوم مقامه التقصير‪ ،‬فينحر أو ً‬
‫ل‪ ،‬ثم يحلق أو‬
‫يقصر‪ ،‬ثم يتحلل ويعود إلى بلده‪ ،‬فمن لم يجد‬
‫هديا ً صام عشرة أيام‪ ،‬ثم يحلق أو يقصر‪ ،‬ثم‬
‫يحل‪.‬‬

‫‪3‬من اشترط عند إحرامه لم يلزمه‬‫الهدي‬
‫س‪ :‬إذا عزم المسلم على الحج‪ ،‬وبعد‬
‫)‪(2‬‬
‫الحرام تعذر حجه‪ .‬ماذا يلزمه؟‬
‫ج‪ :‬إذا أحصر النسان عن الحج بعدما أحرم‬
‫بمرض أو غيره‪ ،‬جاز له التحلل بعد أن ينحر‬
‫هديًا‪ ،‬ثم يحلق رأسه أو يقصره؛ لقول الله‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪ ()2‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1540‬في ‪22/12/1416‬هـ‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سبحانه وتعالى‪﴿ :‬وأ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ا‬
‫مو‬
‫ت‬
‫ِ‬
‫مَرةَ ل ِل ّ ِ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ع ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫فإ ِ ْ‬
‫أُ‬
‫ْ‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫د‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫س‬
‫ي‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫ما‬
‫ف‬
‫م‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ص‬
‫ح‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫حل ِ ُ‬
‫قوا ُر ُ‬
‫ي‬
‫حّتى ي َب ْل َ‬
‫م َ‬
‫تَ ْ‬
‫غ ال َ‬
‫ؤو َ‬
‫هدْ ُ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ه﴾)‪ ،(1‬ولن النبي صلى الله عليه وسلم لما‬
‫م ِ‬
‫حل ّ ُ‬
‫َ‬
‫أحصر عن دخول مكة يوم الحديبية‪ ،‬نحر هديه‬
‫وحلق رأسه ثم حل‪ ،‬وأمر أصحابه بذلك‪ ،‬لكن‬
‫إذا كان المحصر قد قال في إحرامه‪ :‬فإن‬
‫حبسني حابس فمحلي حيث حبستني‪ ،‬حل ولم‬
‫يكن عليه شيء ل هدي ول غيره ؛ لما ثبت في‬
‫الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن‬
‫ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ :‬إني أريد الحج وأنا شاكية‪ ،‬فقال لها‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬حجي‬
‫)‪(2‬‬
‫واشترطي‪ :‬أن محلي حيث حبستني((‬
‫س‪ :‬رجل سافر هو وزوجته بنية‬
‫العمرة بالطائرة‪ ،‬وعندما وصل إلى‬
‫جدة مرضت المرأة في المطار‪ ،‬ولم‬
‫يلبثا أن عادا إلى الرياض في نفس‬
‫اليوم‪ ،‬ولم يؤديا مناسكهما‪ ،‬مع العلم‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )النكاح(‪ ،‬باب )الكفاء في الدين( برقم ‪،5089‬‬
‫ومسلم في )الحج(‪ ،‬باب )جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر‬
‫المرض ونحوه( برقم ‪.1207‬‬
‫‪13‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أنهما اشترطا عند إعلنهما نية‬
‫العمرة‪ .‬فهل عليهما إثم في ذلك؟‬
‫جزاكم الله خيرا ً وما المطلوب‬
‫)‪(1‬‬
‫منهما؟‬

‫‪ ()1‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1561‬في ‪21/5/1417‬هـ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬بسم الله‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬إذا كانا قد‬
‫اشترطا عند الحرام‪ :‬إن أصابهما حابس‬
‫فمحلهما حيث حبسا‪ ،‬أو ما هذا معناه‪ ،‬فإنهما‬
‫يحلن ول شيء عليهما؛ بسبب المرض الذي‬
‫يشق على المرأة معه أداء مناسك العمرة؛ لما‬
‫ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‬
‫لضباعة بنت الزبير رضي الله عنها لما قالت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ " :‬إني أريد الحج وأنا شاكية‪ ،‬قال‪:‬‬
‫))حجي واشترطي‪ :‬أن محلي حيث حبستني((‬
‫)‪ .(1‬متفق على صحته‪.‬‬
‫س‪ :‬هناك امرأة جاءت للحج مع أمها‪،‬‬
‫ولكن أمها مرضت‪ ،‬فبقيت معها في‬
‫الغرفة يوم عرفات‪ ،‬فما وقفت يوم‬
‫عرفة‪ ،‬ل هي ول أمها‪ ،‬ولكن ذهبت‬
‫بعد الحج فوقفت من الظهر إلى‬
‫المغرب‪ ،‬فما حكم حجها؟ وماذا‬
‫ً )‪(2‬‬
‫عليهما جميعا؟‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )النكاح(‪ ،‬باب )الكفاء في الدين( برقم ‪،5089‬‬
‫ومسلم في )الحج(‪ ،‬باب )جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر‬
‫المرض ونحوه( برقم ‪.1207‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته في دروس في المسجد‬
‫الحرام عام ‪1418‬هـ‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬عليهما أن يتحلل بأعمال العمرة‪ ،‬وهي أن‬
‫تطوف كل واحدة منهما‪ ،‬وتسعى‪ ،‬وتقصر‬
‫وتتحلل‪ ،‬وعليهما القضاء من العام التي‪ ،‬مع‬
‫فدية‪ :‬ذبيحة ُتذبح في مكة للفقراء على كل‬

‫‪16‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫واحدة إن استطاعتا ذلك أما وقوفها بعد يوم‬
‫عرفة من الظهر إلى المغرب يوم العيد‪ ،‬فهذا‬
‫بدعة‪ ،‬ول عمل عليه‪ ،‬ول يجزئ‪ ،‬ول يجوز‪.‬‬

‫‪ - 4‬المحصر ينحر الهدي‬
‫في المكان الذي أحصر فيه‬
‫س‪ :‬هل نحر الهدي في غير الحرم‬
‫)‪(1‬‬
‫خاص بالمحصر؟‬
‫ج‪ :‬المحصر ينحر الهدي في محله‪ ،‬سواء‬
‫كان في الحرم أو في الحل‪.‬‬

‫‪ -5‬صيام عشرة أيام لمن عجز عن‬
‫الذبح‬
‫س‪ :‬ما حكم من أراد الحج والعمرة‪،‬‬
‫وبعد وصوله إلى مكة ضاعت نفقته‪،‬‬
‫ولم يستطع أن يفدي‪ ،‬وغير نيته إلى‬
‫حج مفرد‪ .‬هل يصح ذلك؟ وإذا كانت‬
‫الحجة لغيره‪ ،‬ومشترطا ً عليه التمتع‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫فماذا يفعل؟‬
‫‪ ()1‬من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته في درس )بلوغ المرام(‪.‬‬
‫‪ ()2‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1542‬في ‪6/1/1417‬هـ‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬ليس له ذلك ولو ضاعت نفقته‪ ،‬فإذا عجز‬
‫عن الدم‪ ،‬يصوم عشرة أيام والحمد لله ثلثة‬
‫أيام في الحج‪ ،‬وسبعة إذا‬

‫‪18‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫رجع إلى أهله‪ ،‬ويبقى على تمتعه‪ ،‬وعليه أن‬
‫ينفذ الشرط؛ بأن يحرم بالعمرة‪ ،‬ويطوف‪،‬‬
‫ويسعى‪ ،‬ويقصر ويحل‪ ،‬ثم يلبي بالحج ويفدي‪،‬‬
‫فإن عجز صام عشرة أيام؛ ثلثة في الحج قبل‬
‫عرفة‪ ،‬وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لن الفضل‬
‫للحاج أن يكون يوم عرفة مفطرًا؛ اقتداء بالنبي‬
‫صلى الله عليه وسلم فإنه وقف بها مفطرًا‪.‬‬
‫س‪ :‬إنسان أحصر عن إتمام أعمال‬
‫الحج أو العمرة بسبب مرض أو نحوه‪،‬‬
‫ولم يجد هديا ً ذلك الوقت‪ ،‬فماذا يجب‬
‫)‪(1‬‬
‫عليه؟‬
‫ج‪ :‬عليه صيام عشرة أيام قبل أن يحلق‬
‫رأسه أو يقصر؛ لقول الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫موا ْ‬
‫وأت ِ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ما‬
‫ح ِ‬
‫مَرةَ ل ِل ّ ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫صْرت ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ج َ‬
‫حل ِ ُ‬
‫قوا ْ ُر ُ‬
‫م‬
‫سَر ِ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ؤو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫ا ْ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫هد ْ ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ه﴾ الية‪ ،‬ولفعله‬
‫حّتى ي َب ْل ُ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫غ ال ْ َ‬
‫حل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫هدْ ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم لما أحصر عن العمرة‬
‫عام الحديبية سنة ست من الهجرة النبوية‪،‬‬
‫والله الموفق‪.‬‬
‫‪ ()1‬إجابة عن أسئلة صدرت عن مكتب سماحته‪ ،‬عندما كان رئيسا ً‬
‫للجامعة السلمية‪.‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪19‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪-16‬حكم من بدأ العمرة ولم يتمها‬
‫س‪ :‬قدر الله أن أذهب لداء العمرة‬
‫في شهر رمضان‬

‫‪20‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المبارك الفائت‪ ،‬ولما بدأت الطواف‬
‫ولشدة الزحام لم أكمله‪ ،‬فخرجت من‬
‫مكة وعدت إلى مدينتي‪ ،‬وكان ذلك‬
‫ليلة سبع وعشرين‪ .‬وأسأل سماحة‬
‫شيخنا حفظه الله عما يترتب علي‪،‬‬
‫مع العلم أنني والحمد لله أتمتع‬
‫)‪(1‬‬
‫بصحة جيدة؟ أفيدونا‪ ،‬أفادكم الله‪.‬‬
‫ج‪ :‬قد أخطأت فيما فعلت عفا الله عنا وعنك‬
‫وكان الواجب عليك أن تكمل العمرة في وقت‬
‫آخر غير وقت الزحام؛ لقول الله سبحانه‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ه﴾)‪ .(2‬وقد أجمع‬
‫مَرةَ ل ِل ّ ِ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫موا ْ ال ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫وأت ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫العلماء‪ ،‬على أنه يجب على من أحرم بحج أو‬
‫عمرة أن يكمل ذلك‪ ،‬وأل يتحلل منهما إل بعد‬
‫الفراغ من أعمال العمرة‪ ،‬ومن العمال التي‬
‫تبيح له التحلل من أعمال الحج‪ ،‬إل المحصر‬
‫والمشترط إذا تحقق شرطه‪ .‬فعليك التوبة مما‬
‫فعلت‪ ،‬وعليك مع ذلك أن تعيد ملبس الحرام‪،‬‬
‫وتتجنب محظورات الحرام‪ ،‬وتذهب إلى مكة‬
‫لكمال العمرة؛ للطواف والسعي والحلق أو‬
‫التقصير‪ ،‬وعليك مع ذلك دم‪ ،‬وهو‪ :‬سبع بدنة‪ ،‬أو‬
‫سبع بقرة‪ ،‬أو رأس من الغنم؛ ثني معز أو جذع‬
‫ضأن‪ ،‬إن كنت جامعت امرأتك في المدة‬
‫‪ ()1‬من كتاب )فتاوى إسلمية(‪ ،‬جمع الشيخ محمد المسند‪ ،‬ج ‪.2‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪21‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المذكورة‪ ،‬وعليك أن تذهب إلى الميقات الذي‬
‫أحرمت منه بالول وتحرم بعمرة جديدة‪ ،‬وتؤدي‬

‫‪22‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مناسكها؛ قضاء للعمرة الفاسدة بالجماع‪ ،‬مع‬
‫التوبة مما فعلت‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬وإن كنت تعلم‬
‫الحكم‪ ،‬وأنه ل يجوز لك هذا العمل‪ ،‬فعليك‬
‫إطعام ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع‬
‫من قوت البلد من بر أو أرز أو غيرهما‪ ،‬أو ذبح‬
‫شاة‪ ،‬أو صيام ثلثة أيام عن لبس المخيط‪،‬‬
‫ومثل ذلك عن تغطية الرأس‪ ،‬ومثل ذلك عن‬
‫الطيب‪ ،‬ومثل ذلك عن قلم الظفار‪ ،‬ومثل ذلك‬
‫عن حلق الشعر في المدة المذكورة‪ ،‬أما إن‬
‫كنت جاه ً‬
‫ل‪ ،‬فليس عليك شيء من الفدية‬
‫المذكورة؛ لقول الله سبحانه‪َ﴿ :‬رب َّنا ل َ ت ُ َ‬
‫خذَْنا‬
‫ؤا ِ‬
‫إن ن ّسيَنا أ َ‬
‫خطَأ َْنا﴾)‪ ،(1‬وقد صح عن رسول‬
‫و أَ ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أن الله أجاب هذه‬
‫الدعوة‪ ،‬ولدلة أخرى في ذلك‪ .‬والله الموفق‪.‬‬
‫س‪ :‬في العام الماضي حجت والدتي‬
‫ومعها أبناؤها وبناتها بنسك التمتع‪،‬‬
‫وبعدما دخلوا في الطواف أصيبت‬
‫بحالة إغماء‪ ،‬ولم تتمكن من الطواف‬
‫والسعي‪ ،‬وحيث أنها مصابة بمرض‬
‫السكر والضغط ُأدخلت المستشفى‪،‬‬
‫قال الطبيب لها‪ :‬ما تستطيع إكمال‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.286‬‬
‫‪23‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحج‪ .‬ونظرا ً لهذه الحالة رجعوا جميعا ً‬
‫)‪(2‬‬
‫إلى مدينتهم‪ ،‬فماذا يترتب عليهم؟‬

‫‪()2‬من فتاوى سماحته في حج عام ‪1415‬هـ‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬هذه عملها عمل المحصر‪ ،‬هي نفسها تعتبر‬
‫كالمحصر‪ ،‬عليها أن تذبح هديًا؛ لنها أحصرت‬
‫في مكة‪ ،‬ودم الحصار ُيذبح في مكان الحصار‪،‬‬
‫سواء في مكة أو في غيرها للفقراء‪ ،‬وعليها أن‬
‫تقصر من شعرها‪ ،‬ويتم حلها‪ .‬وإذا كان حجها‬
‫فريضة‪ ،‬تحج بعد حين؛ لنها محصرة‪ ،‬إل إذا‬
‫صحت قبل الحج‪ ،‬وتيسر لها الرجوع وتطوف‬
‫وتسعى وتكمل حجها‪ ،‬فل بأس‪ .‬وظاهر الحال‬
‫أنهم أصابهم هذا المر في طواف العمرة وهم‬
‫متمتعون‪ ،‬فعليها أن ترجع وتكمل عمرتها إذا‬
‫كانت تستطيع‪ ،‬ويكفي‪.‬‬

‫وإن كانت ل تستطيع‪ ،‬فعليها دم الحصار؛‬
‫ذبيحة ُتذبح في مكة للفقراء‪ ،‬مع التقصير‪،‬‬
‫وبذلك تم أمر الحصار‪ ،‬ول شيء عليها؛ لن‬
‫الحصار يكون بالمرض‪ ،‬ويكون بالعدو على‬
‫الصحيح أما إن تيسر لها أن ترجع فهي ل تزال‬
‫في الحرام‪ ،‬ترجع وتطوف وتسعى وتقصر‬
‫لعمرتها‪ .‬وعليها دم‪ ،‬إن كان لها زوج وطأها‪،‬‬
‫ُيذبح في مكة للفقراء‪ ،‬وعليها التيان بعمرة‬
‫جديدة من الميقات الذي أحرمت منه في‬
‫الول؛ قضاء لعمرتها التي فسدت بالجماع ‪،‬‬
‫وإن كان ما عندها زوج‪ ،‬ما عليها شيء‪ ،‬ترجع‬
‫تطوف وتسعى وتقصر لعمرتها السابقة‪ ،‬وتمت‬
‫‪25‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عمرتها‪ ،‬ول شيء عليها‪ .‬أما إن كانت ل‬
‫تستطيع‪ ،‬فهي في حكم المحصر‪ ،‬تذبح شاة في‬
‫مكة للفقراء؛ لن الحصار وقع في مكة‪ ،‬وعليها‬
‫أن تقصر أيضا ً من شعرها‪ ،‬وبهذا تحللت من‬
‫عمرتها‪ ،‬وعليها عمرة‬
‫السلم فيما بعد إذا قدرت إذا لم تعتمر سابقًا‪،‬‬
‫وعليها الحج أيضا ً إن كانت لم تحج‪ ،‬والذين‬
‫معها‪ ،‬إذا كانوا رجعوا ولم يكملوا عليهم مثلها؛‬
‫عليهم أن يرجعوا ويكملوا عمرتهم‪ ،‬وليسوا‬
‫محصرين‪ ،‬وإن لبسوا وتطيبوا هذا من الجهل‪ ،‬ل‬
‫شيء عليهم‪ .‬وإن كان فيهم امرأة قد وطأها‬
‫زوجها‪ ،‬فعليها شاة عن الوطء‪ ،‬وتكمل عمرتها‪،‬‬
‫وتأتي بعمرة جديدة أيضا ً من الميقات الذي‬
‫أحرمت منه‪ ،‬بدل العمرة التي أفسدتها بالوطء‪،‬‬
‫ول حرج‪ .‬والذين معها من ذكور وإناث‪ ،‬يرجعون‬
‫ويكملون عمرتهم هذه التي رجعوا منها‪ ،‬وما‬
‫لبسوا أو تطيبوا ل شيء عليهم؛ لجل الجهل‪،‬‬
‫والذي منهم قد وطء زوجته‪ ،‬أو الزوجة التي‬
‫وطئت‪ ،‬قد أفسدت عمرتها‪ ،‬وكذا عمرة الزوج‬
‫عليه أن يكملها‪ ،‬ويأتي بعمرة جديدة من‬
‫الميقات الول الذي أحرم منه‪ ،‬وعلى الذي وطء‬
‫أو وطئت عليهما دم ُيذبح في مكة للفقراء‪.‬‬

‫س‪ :‬يقول هذا السائل‪ :‬إنه في عام‬
‫‪1400‬هـ أحرم للعمرة من الطائف‪،‬‬
‫‪26‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال‪ :‬لبيك اللهم لبيك عمرة إن شاء‬
‫الله وعندما وصل إلى الحرم‪ ،‬منعه‬
‫الجنود من دخول الحرم وأمروه‬
‫بالرجوع‪ ،‬وعندما رجع إلى الطائف‪،‬‬
‫أخبره بعض أهل مكة أن في الحرم‬
‫حرب‪ ،‬وإطلق نار‪ ،‬فما كان منه إل أن‬
‫نزع إحرامه‪ ،‬ولبس ثوبه‪ ،‬ورجع إلى‬
‫بلده‪ ،‬فماذا عليه في ذلك؟ وهل هدي‬
‫الحصار ُيذبح في الحرم‪ ،‬أو في أي‬
‫)‪(1‬‬
‫مكان؟‬
‫ج‪ :‬هذا يسمى محصرًا؛ للحادث الذي استحل‬
‫فيه الحرم‪ ،‬والواجب على السائل أن ل يعجل‬
‫في التحلل حتى ينحر هديًا‪ ،‬ثم يحلق أو يقصر‬
‫قبل أن يخلع ثيابه‪ ،‬أو يتحلل‪ ،‬هذا هو الواجب‬
‫عليه‪ .‬فإن كان قصده في قوله‪" :‬لبيك عمرة‬
‫إن شاء الله " يقصد بها‪ :‬إن حبسه؛ يعني‪ :‬إن‬
‫شئت يا رب إمضاءها هذا قصده‪ :‬الستثناء‬
‫فليس عليه شيء‪ ،‬أما إن قال‪" :‬إن شاء الله"‬
‫من غير قصد‪ ،‬فهذا يلزمه أن يعيد ملبس‬
‫الحرام‪ ،‬وأن يذبح هديًا؛ ذبيحة‪ ،‬ثم يحلق أو‬
‫يقصر‪ ،‬ثم يتحلل؛ يلبس ملبسه العادية‪ ،‬ولو بعد‬
‫هذه المدة؛ لنه محصر ممنوع من الوصول‬
‫للحرم‪ .‬إل أن يكون تمم حجه بعد ذلك؛ جاء إلى‬
‫‪ ()1‬من فتاوى سماحته في حج ‪1407‬هـ‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مكة في السنة الثانية أو الثالثة بعد ذلك‪ ،‬وتمم؛‬
‫أي أحرم وتمم حجه أو عمرته‪ ،‬فليس عليه‬
‫شيء إذا كان جاء بعد الحصار هذا‪ ،‬وأدى عمرة‬
‫فليس عليه شيء‪ ،‬والهدي إذا لزمه ُيذبح في‬
‫مكانه الذي أحصر فيه‪.‬‬
‫س‪ :‬وإذا كان مثل هذا الذي نسي‬
‫)‪(1‬‬
‫الحكم‪ ،‬ول عرفه إل فيما بعد؟‬

‫ج‪ :‬يلبس ملبس الحرام ويذبح هديه‪ ،‬ويحلق‬
‫أو يقصر‪ ،‬ويحل من حيث بلغه الحكم‪.‬‬

‫باب الهدي والضحية‬
‫والعقيقة‬
‫‪ ()1‬من فتاوى سماحته في حج ‪1407‬هـ‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫باب الهدي والضحية‬
‫والعقيقة‬

‫‪29‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪30‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪- 7‬حكم المتمتع الذي ضاعت نقوده‬
‫س‪ :‬لقد أحرمت الحرام الذي يلزم‬
‫معه الهدي‪ ،‬ولكنها ضاعت نقودي‬
‫وفقدت كل مالي الذي معي‪ ،‬فما‬
‫حكمي في هذه الحالة؟ علما ً بأن‬
‫زوجتي ترافقني أيضا ً)‪.(1‬‬
‫ج‪ :‬إذا أحرم النسان بالعمرة في أيام الحج‬
‫متمتعا ً بها إلى الحج‪ ،‬أو بالحج والعمرة جميعا ً‬
‫قارنًا‪ ،‬فإنه يلزمه دم‪ ،‬وهو‪ :‬رأس من الغنم؛ ثني‬
‫سبع بدنة أو‪،‬‬
‫من المعز أو جذع من الضأن‪ ،‬أو ُ‬
‫سبع بقرة‪ ،‬يذبحها في أيام النحر بمكة أو منى‪،‬‬
‫فيعطيها الفقراء والمساكين‪ ،‬ويأكل منها‬
‫ويهدي‪ .‬هذا هو الواجب عليه‪ ،‬فإذا عجز عن‬
‫ذلك؛ لذهاب نفقته‪ ،‬أو لفقره وعسره وقلة‬
‫النفقة‪ ،‬فإنه يصوم ثلثة أيام في الحج وسبعة‬
‫إذا رجع إلى أهله‪ ،‬كما أمره الله بذلك‪ .‬ويجوز‬
‫أن يصوم عن الثلثة اليوم الحادي عشر والثاني‬
‫عشر والثالث عشر‪ ،‬وذلك مستثنى من النهي‬
‫عن صيامها لجميع الناس‪ ،‬إل من فقد الهدي‬
‫فإنه يصوم هذه اليام الثلثة؛ لما روى البخاري‬
‫‪ ()1‬نشر في مجلة )التوعية السلمية( في العدد ‪ 11‬عام ‪1400‬هـ‪،‬‬
‫وفي العدد ‪ 6‬عام ‪1404‬هـ‪ ،‬وفي كتاب )فتاوى تتعلق بأحكام الحج‬
‫والعمرة والزيارة( لسماحته‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫في صحيحه عن عائشة وابن عمر رضي الله‬
‫عنهما قال‪)) :‬لم يرخص في أيام التشريق أن‬
‫ن إل لمن لم يجد الهدي(()‪ .(1‬وإن صامها‬
‫ص ْ‬
‫يُ َ‬
‫م َ‬
‫قبل يوم عرفة فهو أفضل‪ ،‬إذا كان فقد النفقة‬
‫متقدمًا‪ ،‬ويصوم السبعة عند أهله‪.‬‬

‫‪-8‬حكم المتمتع الذي صام‬
‫ثلثة أيام ثم وجد قيمة الهدي‬
‫س‪ :‬إنسان استحق عليه الهدي في‬
‫الحج‪ ،‬ولكنه لم يستطع شراءه بسبب‬
‫العسر‪ ،‬فصام ثلثة أيام في الحج كما‬
‫أمر الله وبعد أن صامها أو صام‬
‫بعضها‪ ،‬وجد من يقرضه أو يسر الله‬
‫)‪(2‬‬
‫الهدي‪ ،‬فماذا يفعل؟‬
‫ج‪ :‬إذا تيسر له القيمة التي يشتري بها الهدي‬
‫ولو بعد أيام الحج فهو مخير بين ذبحها‪ ،‬ول‬
‫حاجة إلى صيام السبعة اليام عند أهله‪ ،‬أو‬
‫صيام السبعة اليام الباقية؛ لنه قد شرع في‬
‫الصيام وسقط عنه الهدي‪ ،‬لكن متى ذبح سقط‬
‫‪()1‬رواه البخاري في )الصوم(‪ ،‬باب )صيام أيام التشريق( برقم‬
‫‪.1998‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عنه بقية اليام‪ .‬مع العلم بأن الواجب ذبحه في‬
‫اليام الربعة‪ ،‬وهي‪ :‬يوم العيد وأيام التشريق‬
‫الثلثة مع القدرة ويصير ذبحه بعدها قضاء‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪- 9‬ليس على الحاج المفرد هدي‬
‫س‪ :‬هل يجب على الحاج المفرد هدي‬
‫ً )‪(1‬‬
‫إذا كان حجه فرضا؟‬
‫ج‪ :‬ليس على المفرد هدي سواء كان حجه‬
‫فرضا ً أو نفل ً وإن أهدى فهو أفضل‪.‬‬

‫‪- 10‬حكم الهدي الذي يهدى ول يستفاد منه‬
‫س‪ :‬هذا الهدي الذي يهدى ول‬
‫يستفاد منه إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬أليس من‬
‫الفضل أن يصوم الحاج القادر على‬
‫الهدي‪ ،‬وعند عودته يخرج قيمة الهدي‬
‫لمساكين وطنه‪ ،‬ثم يتم صيام باقي‬
‫العشرة أيام‪ ،‬فما رأيكم أثابكم الله ؟‬
‫)‪(2‬‬

‫ج‪ :‬من المعلوم أن الشرائع تتلقى عن الله‬
‫وعن رسوله‪ ،‬ل عن آراء الناس‪ ،‬والله سبحانه‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪ ()2‬نشر في كتاب )فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة(‬
‫لسماحته ص ‪ ،84‬وفي مجلة )التوعية السلمية( العدد ‪ 6‬لعام‬
‫‪1404‬هـ ص ‪.77‬‬
‫‪34‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وتعالى شرع لنا في الحج إذا كان الحاج متمتعا ً‬
‫أو قارنا ً أن يهدي‪ ،‬فإذا عجز عن الهدي صام‬

‫‪35‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عشرة أيام؛ ثلثة منها في الحج‪ ،‬وسبعة إذا رجع‬
‫إلى أهله‪ ،‬وليس لنا أن نشرع شيئا ً من قبل‬
‫أنفسنا‪ ،‬بل الواجب أن يعدل ما يقع من الفساد‬
‫في الهدي‪ ،‬بأن يذكر ولة المور لتصريف‬
‫اللحوم وتوزيعها على الفقراء والمساكين‪،‬‬
‫والعناية بأماكن الذبح وتوسعتها للناس وتعدداها‬
‫في الحرم؛ حتى يتمكن الحجاج من الذبح في‬
‫أوقات متسعة‪ ،‬وفي أماكن متسعة‪ ،‬وعلى ولة‬
‫المور أن ينقلوا اللحوم إلى المستحقين لها‪ ،‬أو‬
‫يضعوها في أماكن مبردة حتى توزع بعد على‬
‫الفقراء في مكة وغيرها‪ .‬أما أن يغير نظام‬
‫الهدي؛ بأن يصوم وهو قادر‪ ،‬أو يشتري هديا ً في‬
‫بلده للفقراء‪ ،‬أو يوزع قيمته‪ ،‬فهذا تشريع جديد‬
‫ل يجوز للمسلم أن يفعله؛ لن المشرع هو الله‬
‫َ‬
‫م‬
‫سبحانه وتعالى وليس لحد تشريع ﴿أ ْ‬
‫م لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫شَر َ‬
‫كاء َ‬
‫ُ‬
‫م ي َأ ْ َ‬
‫ذن‬
‫شَر ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫عوا ل َ ُ‬
‫م َ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫هم ّ‬
‫دي ِ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫م‬
‫م ُ‬
‫ق ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ي ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وَل ك َل ِ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ف ْ‬
‫ص ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ع َ‬
‫م﴾ )‪.(1‬‬
‫م َ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مي َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫فالواجب على المسلمين أن يخضعوا لشرع‬
‫الله وأن ينفذوه‪ .‬وإذا وقع خلل من الناس في‬
‫تنفيذه‪ ،‬وجب الصلح والعناية بذلك‪ ،‬مثلما وقع‬
‫في الهدي في ذبح بعض الهدايا‪ ،‬وعدم وجود‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.21‬‬
‫‪36‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من يأكلها‪ ،‬وهذا خلل وخطأ‪ ،‬يجب أن يعالج من‬
‫جهة ولة المور‪ ،‬ومن جهة الناس‪ .‬فكل مسلم‬
‫يعتني بهديه‪ ،‬حتى يوزعه على المساكين أو‬
‫يأكله أو يهديه إلى بعض‬

‫‪37‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إخوانه‪ .‬وأما أن يدعه في أماكن ل يستفاد منه‪،‬‬
‫فل يجزئه ذلك‪ .‬وهكذا في المذبح‪ ،‬يجب على‬
‫صاحب الهدي أن يعتني بهذا المقام‪ ،‬وأن‬
‫يحرص كل الحرص على توزيعه إذا أمكن‪،‬‬
‫وعلى ولة المور أن يعينوا على ذلك؛ بأن‬
‫ينقلوا اللحوم إلى الفقراء في وقتها‪ ،‬أوينقلوها‬
‫إلى أماكن مبردة؛ يستفاد منها بعد ذلك‪ ،‬ول‬
‫تفسد‪ ،‬هذا هو الواجب على ولة المور‪ ،‬وهم‬
‫إن شاء الله ساعون بهذا الشيء ‪ ،‬ول يزال‬
‫أهل العلم ينصحون بذلك‪ ،‬ويذكرون ولة المور‬
‫هذا المر‪ .‬ونسأل الله أن يعين الجميع على ما‬
‫فيه المصلحة العامة للمسلمين في هذا الباب‬
‫وغيره‪.‬‬

‫‪- 11‬حكم من نسي أن يذبح هدي القران‬
‫س‪ :‬إنسان نوى في الحج نسك‬
‫القران‪ ،‬ولكنه لم يذبح هديا ً جهل ً منه‪،‬‬
‫وبعد مدة طويلة ذكر أن عليه هديًا‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫فماذا يجب عليه؟‬
‫ج‪ :‬عليه أن يذبح الهدي متى علم في مكة أو‬
‫منى‪ ،‬ول بأس أن يأكل هو وأهله ورفقاؤه منه‪.‬‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ بمنى‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪- 12‬صفة تذكية بهائم النعام‬
‫س‪ :‬ما هي التذكية الشرعية‪ ،‬وطريقة‬
‫)‪(1‬‬
‫ذبح البل خاصة ؟‬
‫ج‪ :‬التذكية الشرعية للبل والغنم والبقر أن‬
‫يقطع الذابح الحلقوم والمريء والودجين؛ وهما‬
‫العرقان المحيطان بالعنق‪ ،‬وهذا هو أكمل الذبح‬
‫وأحسنه‪ ،‬فالحلقوم مجرى النفس‪ ،‬والمريء‬
‫مجرى الطعام والشراب‪ ،‬والودجان عرقان‬
‫يحيطان بالعنق‪ ،‬إذا قطعهما الذابح صار الدم‬
‫أكثر خروجًا‪ ،‬فإذا قطعت هذه الربعة فالذبح‬
‫حلل عند جميع العلماء‪.‬‬
‫الحالة الثانية‪ :‬أن يقطع الحلقوم والمريء‬
‫وأحد الودجين‪ ،‬وهذا أيضا ً حلل صحيح وطيب‪،‬‬
‫وإن كان دون الول‪.‬‬
‫والحالة الثالثة‪ :‬أن يقطع الحلقوم والمريء‬
‫فقط دون الودجين‪ ،‬وهو أيضا ً صحيح‪ ،‬وقال به‬
‫جمع من أهل العلم‪ ،‬ودليلهم قوله عليه الصلة‬
‫والسلم‪)) :‬ما أنهر الدم‪ ،‬وذكر اسم الله عليه‪،‬‬
‫فكلوا‪ ،‬ليس السن والظفر(()‪ ،(2‬وهذا هو‬
‫المختار في‬
‫‪ ()1‬إجابة صدرت من مكتب سماحته‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫هذه المسألة‪.‬‬
‫والسنة نحر البل قائمة على ثلث‪ ،‬معقولة‬
‫يدها اليسرى‪ ،‬وذلك بطعنها في اللبة التي بين‬
‫العنق والصدر‪ .‬أما البقر والغنم‪ ،‬فالسنة أن‬
‫تذبح وهي على جنبها اليسر‪،‬كما أن السنة عند‬
‫الذبح والنحر توجيه الحيوان إلى القبلة‪ .‬وليس‬
‫ذلك واجبا ً بل هو سنة فقط‪ ،‬فلو ذبح أو نحر‬
‫إلى غير القبلة حلت الذبيحة‪ ،‬وهكذا لو نحر ما‬
‫يذبح أو ذبح ما ينحر حلت‪ ،‬لكن ذلك خلف‬
‫السنة‪ .‬وبالله التوفيق‪.‬‬
‫س‪ :‬هل هناك مكان محدد في‬
‫)‪(1‬‬
‫الرقبة؟‬
‫ج‪ :‬نعم ‪ ،‬فالرقبة كلها محل للذبح والنحر‬
‫أعلها وأسفلها‪ ،‬لكن في البل السنة نحرها في‬
‫اللبة‪ ،‬أما البقر والغنم‪ ،‬فالسنة ذبحها في أعلى‬
‫العنق؛ حتى يقطع بذلك الحلقوم والمريء‬
‫والودجين كما تقدم‪.‬‬

‫‪ - 13‬حكم الذبح عن طريق‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الشركة(‪ ،‬باب )من عدل عشرا من الغنم‬
‫بجزور في القسم( برقم ‪ ،2507‬ومسلم في )الضاحي(‪ ،‬باب )جواز‬
‫الذبح بكل ما أنهر الدم إل السن( برقم ‪.1968‬‬
‫‪ ()1‬إجابة صدرت من مكتب سماحته‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫البنك السلمي بواسطة شركة الراجحي‬
‫س‪ :‬ما رأيكم في الشركة التي تقوم‬
‫بذبح الهدي‪ ،‬هل يجوز توكيلها في‬
‫الهدي‪ ،‬حيث أننا ل نرى الذبيحة‪.‬‬
‫وهل هي مكتملة الشروط أم ل؟‬
‫حيث نأخذ الرقم فقط‪ ،‬ول ندري عن‬
‫)‪(1‬‬
‫بقية الشياء؟‬
‫ج‪ :‬ل بأس بها فيما نعلم‪ ،‬أعني البنك‬
‫السلمي بواسطة شركة الراجحي للصرافة‪،‬‬
‫فإنها تقوم بالذبح والتقسيم بين الفقراء‪ ،‬والدفع‬
‫إليها مجزئ إن شاء الله‪.‬‬
‫س‪ :‬ما هو الفضل‪ :‬الذبح عند‬
‫الشركة‪ ،‬أو أني أذبح الهدي بيدي‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫وأقوم بتوزيعه؟‬
‫ج‪ :‬من أعطى قيمة الهدي شركة الراجحي‬
‫أو البنك السلمي فل بأس؛ لنه ل مانع من دفع‬
‫ثمن الضحية والهدي إليهم‪ ،‬فهم وكلء مجتهدون‬
‫وموثوقون‪ .‬ونرجو أن ينفع الله بهم ويعينهم‪،‬‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولكن من تولى الذبح بيده ووزعه على الفقراء‬
‫بنفسه‪ ،‬فهو أفضل وأحوط؛ لن الرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم ذبح الضحية بنفسه‪ ،‬وهكذا‬
‫الهدي‪ ،‬ووكل في بقيته‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪- 14‬حكم ذبح الهدي قبل يوم العيد‬
‫س‪ :‬أحرمنا ونحن جماعة متمتعين‪،‬‬
‫فأدينا العمرة وتحللنا‪ ،‬وأشار بعضهم‬
‫بذبح الهدي وتوزيعه في مكة‪ ،‬وفعل ً‬
‫تم الذبح في مكة‪ .‬ثم علمنا بعد ذلك‬
‫أن الذبح ل يكون إل بعد رمي جمرة‬
‫العقبة‪ .‬وكنت أعلم بذلك‪ ،‬وأشرت‬
‫عليهم بتأجيل الذبح إلى يوم النحر أو‬
‫بعده‪ ،‬ولكنهم أصروا على الذبح بعد‬
‫وصولنا وأدائنا العمرة بيوم واحد‪ ،‬فما‬
‫حكم ذلك؟ وماذا يلزمنا في هذه‬
‫)‪(1‬‬
‫الحالة؟‬
‫ج‪ :‬من ذبح قبل يوم العيد دم التمتع فإنه ل‬
‫يجزئه؛ لن الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫وأصحابه لم يذبحوا إل في أيام النحر‪ ،‬وقد‬
‫قدموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي‬
‫الحجة‪ ،‬وبقيت الغنام والبل التي معهم‬
‫موقوفة حتى جاء يوم النحر‪ .‬فلو كان ذبحها‬
‫جائزا ً قبل ذلك‪ ،‬لبادر النبي صلى الله عليه‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة(‬
‫لسماحته ص ‪ ،83‬وفي مجلة )التوعية السلمية( العدد ‪ 11‬عام‬
‫‪1400‬هـ‪ ،‬والعدد ‪ 6‬عام ‪1404‬هـ ص ‪ ،77‬وفي جريدة )البلد( العدد‬
‫‪ 14913‬وتاريخ ‪19/12/1417‬هـ‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وسلم وأصحابه إليه في اليام الربعة التي‬
‫أقاموها قبل خروجهم على عرفات؛ لن الناس‬
‫بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت‪ .‬فلما لم‬
‫يذبح النبي صلى الله عليه وسلم ول أصحابه‬
‫حتى جاء يوم‬

‫‪44‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫النحر‪ ،‬دل ذلك على عدم الجزاء‪ ،‬وأن الذي‬
‫ذبح قبل يوم النحر قد خالف السنة‪ ،‬وأتى‬
‫بشرع جديد فل يجزئ ؛ كمن صلى أو صام قبل‬
‫الوقت‪ ،‬فل يصح صوم رمضان قبل وقته‪ ،‬ول‬
‫الصلة قبل وقتها ونحو ذلك‪.‬‬
‫فالحاصل أن هذه عبادة قبل الوقت‪ ،‬فل‬
‫تجزئ‪ ،‬فعليه أن يعيد هذا الذبح إن قدر‪ ،‬وإن‬
‫عجز صام ثلثة أيام في الحج‪ ،‬وسبعة إذا رجع‬
‫على أهله‪ ،‬فتكون عشرة أيام بدل ً من الذبح؛‬
‫لقول الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ة إ َِلى‬
‫مَر ِ‬
‫ع ِبال ْ ُ‬
‫مت ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫من ت َ َ‬
‫ف َ‬
‫ي َ‬
‫ج َ‬
‫م‬
‫سَر ِ‬
‫ح ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫هدْ ِ‬
‫فصيام َثلث َة أ َ‬
‫ْ‬
‫ة‬
‫ج‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫م‬
‫يا‬
‫ِ‬
‫ع ٍ‬
‫ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جد ْ َ ِ َ ُ‬
‫و َ‬
‫يَ ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫)‪(1‬‬
‫شَرةٌ َ‬
‫م ت ِل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫إِ َ‬
‫ة﴾ ‪.‬‬
‫ك َ‬
‫مل َ ٌ‬
‫كا ِ‬
‫ج ْ‬
‫ذا َر َ‬
‫عت ُ ْ‬

‫‪- 15‬أيام العيد كلها أيام ذبح‬
‫وأفضلها يوم النحر‬
‫س‪ :‬أريد أن أفدي إن شاء الله فهل‬
‫يجوز لي أن أؤخره إلى يوم الحادي‬
‫عشر‪ ،‬أو اليوم الثاني عشر؟ وهل‬

‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.196‬‬
‫‪45‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ُيذبح الهدي في منى‪ ،‬أو في أي جزء‬
‫)‪(2‬‬
‫من مكة؟ وما هي كيفية توزيعه؟‬
‫ج‪ :‬يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي اليام‬
‫الثلثة‬

‫‪ ()2‬السؤال من ب‪ .‬ب‪ .‬ص‪ ،‬وقد أجاب عنه سماحته في‬
‫‪3/11/1413‬هـ‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بعده‪ ،‬لكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك‬
‫ول حرج في ذبحه في منى أو في مكة‪ .‬والسنة‬
‫في توزيعه أعني هدي التمتع أو القران أن يأكل‬
‫منه‪ ،‬ويتصدق‪ ،‬ويهدي إلى من شاء من أصحابه‬
‫وإخوانه‪.‬‬

‫‪ -16‬حكم ذبح هدي التمتع والقران‬
‫في عرفات‬
‫س‪ :‬ذبح حاج هديه في عرفات أيام‬
‫التشريق ووزعها على من فيها‪ ،‬فهل‬
‫يجوز ذلك؟ وماذا يجب عليه إذا كان‬
‫جاهل ً الحكم أو عامدًا؟ وإذا ذبح هديه‬
‫في عرفات‪ ،‬ثم وزع لحمه داخل‬
‫الحرم‪ .‬هل يجوز ذلك؟ وما هو المكان‬
‫الذي ل يجوز ذبح الهدي إل فيه؟‬
‫ولكم الشكر )‪.(1‬‬
‫ج‪ :‬هدي التمتع والقران ل يجوز ذبحه إل في‬
‫الحرم‪ ،‬فإذا ذبحه في غير الحرم؛ كعرفات‬
‫وجدة وغيرهما‪ ،‬فإنه ل يجزئه‪ ،‬ولو وزع لحمه‬
‫في الحرم‪ ،‬وعليه هدي آخر يذبحه في الحرم‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )الدعوة( الجزء الول ص ‪ ،129‬وفي جريدة‬
‫)اليوم( العدد ‪ 8701‬بتاريخ ‪4/12/1417‬هـ‪ ،‬وفي جريدة )البلد(‬
‫العدد ‪ 14913‬بتاريخ ‪19/12/1417‬هـ‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سواء كان جاهل ً أو عالما ً ؛ لن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم نحر هديه في الحرم‪ ،‬وقال‪)) :‬خذوا‬
‫عني مناسككم(( )‪ ،(1‬وهكذا‬

‫‪ ()1‬رواه بنحوه مسلم في )الحج(‪ ،‬باب )استحباب رمي جمرة العقبة‬
‫يوم النحر راكبا ً( برقم ‪.1297‬‬
‫‪48‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أصحابه رضي الله عنهم إنما نحروا هديهم في‬
‫الحرم تأسيا ً به صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫‪- 17‬حكم شراء النسك من الجبل‬
‫وذبحه وتركه‬
‫س‪ :‬هناك الكثير من الحجاج يشتري‬
‫النسك من الجبل‪ ،‬ويذبحها ويتركها‬
‫في مكانها‪ ،‬بدون نزع جلدها‪ ،‬فما‬
‫رأي فضيلتكم في ذلك؟ وهل يجزئ‬
‫)‪(1‬‬
‫هذا النسك وفقكم الله؟‬
‫ج‪ :‬أما اشتراء النسك من الجبل إذا أريد بهذا‬
‫عرفات فل بأس بالشراء منها أو من غيرها‪،‬‬
‫لكن ل يذبحه إل في الحرم‪ ،‬فل يذبح في‬
‫عرفات؛ لنها ليست من الحرم‪ ،‬فإذا ذبحه في‬
‫الحرم واشتراه من عرفات‪ ،‬أو من أي مكان‬
‫من الحل‪ ،‬وذبحه في منى أو في بقية الحرم‪،‬‬
‫عن التمتع والقران وتطوعًا‪ ،‬قل بأس‪ ،‬ويجزئ‬
‫نسكًا‪ .‬أما أن يذبحه في عرفات أو في غيرها‬
‫من الحل؛ كالشرائع أو جدة أو ما أشبه ذلك‪،‬‬
‫فهذا ل يجزئ؛ لن الهدايا لبد أن تذبح في‬
‫الحرم‪ ،‬والرسول صلى الله عليه‬
‫‪ ()1‬نشر في مجلة )التوعية السلمية( العدد ‪ 11‬في‬
‫‪15/12/1400‬هـ‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وسلم قال‪ )) :‬نحرت ها هنا‪ ،‬ومنى كلها منحر‪،‬‬
‫فانحروا في رحالكم(()‪ ،(1‬فالنساك ُتذبح في‬
‫منى وفي بقية الحرم‪ ،‬ول تذبح في خارجه‪.‬فإذا‬
‫ذبحه في الحرم وتركه للفقراء ليأخذوه فل‬
‫حرج‪ ،‬ولكن ينبغي له أن يتحرى الفقراء‪ ،‬ويجتهد‬
‫في إيصاله إليهم؛ حتى تبرأ ذمته بيقين‪ .‬أما إذا‬
‫ذبحه وتركه للفقراء يأخذونه‪ ،‬فإنه يجزئ‪،‬‬
‫والفقير بإمكانه أن يسلخه وينتفع بلحمه وجلده‪،‬‬
‫ولكن من التمام والكمال أن يعني بسلخه‬
‫وتوزيعه بين الفقراء‪ ،‬وإيصاله إليهم ولو في‬
‫بيوتهم‪ ،‬وقد جاء عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه نحر بدنات وتركها للفقراء‪ ،‬ولكن هذا‬
‫محمول على أنه تركه لفقراء موجودين‪،‬‬
‫يأخذونه ويستفيدون منه‪ ،‬أما أن يترك في محل‬
‫ليس فيه فقراء‪ ،‬فهذا في إجزائه نظر‪ ،‬ول يبعد‬
‫أن يقال‪ :‬إنه ل يجزئ؛ لنه ما وصل إلى‬
‫مستحقه‪.‬‬

‫‪ ()1‬رواه مسلم في )الحج(‪ ،‬باب )ما جاء في عرفة كلها موقف(‬
‫برقم ‪.1218‬‬
‫‪50‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -18‬حكم المستوطن‬
‫في مكة وهو ليس من أهلها‬
‫من عبد العزيز بن عبد الله بن باز‪،‬‬
‫إلى حضرة الخ المكرم أ‪ .‬ع‪ .‬ب ‪ .‬وفقه‬
‫الله لكل خير آمين‪.‬‬
‫سلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪،‬‬
‫بعده‪:‬‬
‫كتابكم المؤرخ في ‪27/4/1391‬هـ‬
‫وصل وصلكم الله بهداه ‪ ،‬وما تضمنه‬
‫من السئلة كان معلوما‪ ،‬وهذا نصها‬
‫وجوابها‪:‬‬
‫ما حكم الشرع الشريف في رجل‬
‫ساكن مكة المكرمة منذ سنين‪ ،‬ويحج مع‬
‫أهل مكة يحرم من مكة بالحج‪ ،‬وأهله‬
‫في حضرموت‪ ،‬فهل حكمه حكم الحاج‬
‫الفاقي في الهدي والصيام؛ لن الله‬
‫يقول في كتابه العزيز‪﴿ :‬ذَل ِ َ‬
‫م‬
‫من ل ّ ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫يك ُن أ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫حَرام ِ﴾ أم‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ري‬
‫ض‬
‫حا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ْ‬
‫ج ِ‬
‫ِ‬
‫د ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫حكمه حكم أهل مكة بذلك؟‬
‫‪ ()1‬إجابة صدرت من مكتب سماحته‪ ،‬عندما كان رئيسا ً للجامعة‬
‫السلمية برقم ‪ 956‬وتاريخ ‪2/6/1391‬هـ‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬إذا كان مستوطنا ً مكة‪ ،‬فحكمه حكم أهل‬
‫مكة؛ ليس‬

‫‪52‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عليه هدي ول صيام‪ ،‬أما إن كان إنما أقام‬
‫لحاجة ونيته العود إلى بلده‪ ،‬فهذا حكمه حكم‬
‫الفاقيين‪،‬فإذا اعتمر من الحل بعد رمضان ثم‬
‫حج في ذلك العام‪ ،‬فإنه يكون متمتعا ً بالعمرة‬
‫إلى الحج‪ ،‬وعليه هدي التمتع‪ .‬فإن لم يجد صام‬
‫عشرة أيام ثلثة في الحج وسبعة بعد الفراغ‬
‫من الحج‪ ،‬أو بعد الرجوع إلى أهله إن سافر إلى‬
‫أهله‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 19‬حكم الضحية مع الستطاعة‬
‫حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد‬
‫العزيز بن عبد الله بن بازحفظه الله‪.‬‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪،‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫أرجو التكرم بإفتائنا عما يلي‬
‫مأجورين‪:‬‬
‫س‪ :‬ما حكم الضحية؟ وهل يأثم من‬
‫)‪(1‬‬
‫تركها مع الستطاعة؟‬
‫ج‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله‬
‫وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي بعده‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فحكم الضحية أنها سنة مع اليسار‬
‫وليست واجبة؛ لن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫كان يضحي بكبشين أملحين‪ ،‬وكان الصحابة‬
‫يضحون في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد‬
‫وفاته‪ ،‬وهكذا المسلمون بعدهم‪ ،‬ولم يرد في‬
‫الدلة الشرعية ما يدل على وجوبها‪ ،‬والقول‬
‫بالوجوب قول ضعيف‪.‬‬
‫‪ ()1‬أجاب سماحته عن هذا السؤال المقدم من س‪ .‬م‪ .‬ذ‪ .‬عندما كان‬
‫نائبا ً لرئيس الجامعة السلمية‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -20‬الضحية سنة وليست واجبة‬
‫س‪ :‬أفيدكم بأني متزوج ولله الحمد‬
‫ولي أولد‪ ،‬وأسكن في مدينة غير‬
‫المدينة التي يسكن فيها أهلي‪ ،‬وفي‬
‫الجازات نأتي إلى المدينة التي بها‬
‫أهلي‪ .‬وفي عيد الضحى هذا‪ ،‬أتيت‬
‫أنا وأولدي قبل العيد بخمسة أيام‪،‬‬
‫ولم نضح على الرغم من أنني قادر‬
‫ولله الحمد‪.‬‬
‫فهل يجوز لي أن أضحي؟ وهل‬
‫تجزئ أضحية الوالد عني وعن زوجتي‬
‫وأولدي؟ وما حكم الضحية على من‬
‫كان قادرًا؟ وهل تجب على غير‬
‫القادر؟ وهل يجوز أخذ الضحية دينا ً‬
‫على الراتب؟ )‪ .(1‬ع‪ .‬ع‪ .‬ش رفحاء‬
‫بالمملكة العربية السعودية ‪.‬‬
‫ج‪ :‬الضحية سنة وليست بواجبة‪ ،‬وتجزئ‬
‫الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته؛ لن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم كان يضحي كل سنة‬
‫بكبشين أملحين أقرنين‪ ،‬يذبح أحدهما عنه وعن‬
‫أهل بيته‪ ،‬والثاني عمن وحد الله من أمته صلى‬
‫‪ ()1‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1495‬في ‪17/1/1416‬هـ‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله عليه وسلم‪.‬وإذا كنت في بيت مستقل أيها‬
‫السائل فإنه شرع لك أن تضحي عنك وعن أهل‬
‫بيتك‪ ،‬ول تكفي عنك أضحية والدك‬
‫عنه وعن أهل بيته؛ لنك لست معهم في البيت‪،‬‬
‫بل أنت في بيت مستقل‪.‬ول حرج أن يستدين‬
‫المسلم ليضحي‪ ،‬إذا كان عنده قدرة على‬
‫الوفاء‪ .‬وفق الله الجميع‪.‬‬

‫‪ -21‬من أحكام الضحية‬
‫س‪ :‬الضحية هل هي للسرة ككل‪ ،‬أم‬
‫لكل فرد فيها بالغ؟ ومتى يكون‬
‫ذبحها؟ وهل يشترط لصاحبها عدم‬
‫أخذ شيء من أظافره وشعره قبل‬
‫ذبحها؟ وإذا كانت لمرأة وهي حائض‬
‫ما العمل؟ وما الفرق بين الضحية‬
‫والصدقة في مثل هذا المر؟‬
‫ً )‪(1‬‬
‫أفيدونا ؟ جزاكم الله خيرا ‪.‬‬
‫ج‪ :‬الضحية سنة مؤكدة‪ ،‬تشرع للرجل‬
‫والمرأة وتجزئ عن الرجل وأهل بيته‪ ،‬وعن‬
‫المرأة وأهل بيتها؛ لن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم كان يضحي كل سنة بكبشين أملحين‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته من مجلة )الدعوة(‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أقرنين أحدهما عنه وعن أهل بيته‪ ،‬والثاني‬
‫عمن وحد الله من أمته‪ .‬ووقتها يوم النحر وأيام‬
‫التشريق في كل سنة‪ ،‬والسنة للمضحي أن‬
‫يأكل منها‪ ،‬ويهدي لقاربه وجيرانه ويتصدق‬
‫منها‪.‬ول يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من‬
‫شعره ول من أظفاره ول من بشرته شيئًا‪ ،‬بعد‬
‫دخول شهر ذي‬

‫‪57‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحجة حتى يضحي؛ لقول النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬إذا دخل شهر ذي الحجة وأراد أحدكم‬
‫أن يضحي‪ ،‬فل يأخذ من شعره ول من أظفاره‬
‫ول من بشرته شيئا ً حتى يضحي(()‪ .(1‬رواه‬
‫المام مسلم في صحيحه‪ ،‬عن أم سلمة رضي‬
‫الله عنها‪ .‬أما الوكيل على الضحية‪ ،‬أو على‬
‫الوقف الذي فيه أضاحي‪ ،‬فإنه ل يلزمه ترك‬
‫شعره ول ظفره ول بشرته؛ لنه ليس بمضح‪،‬‬
‫وإنما هذا على المضحي الذي وكله في ذلك‪،‬‬
‫وهكذا الواقف هو المضحي‪ .‬والناظر على‬
‫الوقف وكيل منفذ وليس بمضٍح‪ .‬والله ولي‬
‫التوفيق‪.‬‬

‫‪ -22‬وقت الضاحي يذهب‬
‫بغروب شمس‬
‫اليوم الثالث عشر من شـهر‬
‫ذي الحجـة‬
‫س‪ :‬امرأة ميسورة الحال‪ ،‬انشغلت‬
‫ولم تنو الضحية إل في اليوم‬
‫الخامس عشر من شهر ذي الحجة‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه بنحوه مسلم في )الضاحي(‪ ،‬باب )نهي من دخل عليه‬
‫عشر ذي الحجة( برقم ‪.1977‬‬
‫‪58‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فذبحت أضحية‪ .‬فهل تصبح أضحية أم‬
‫)‪(1‬‬
‫ل؟‬
‫ج‪ :‬الذبيحة المذكورة ل تكون أضحية؛ لن‬
‫وقت الضاحي ذهب بغروب الشمس في اليوم‬
‫الثالث عشر من شهر‬
‫ذي الحجة‪ ،‬ولكنها تعتبر صدقة‪ ،‬تأكل منها‬
‫وتتصدق على الفقراء‪ ،‬وتهدي منها لمن أحبت‬
‫من الجيران والقارب‪ .‬والله ولي التوفيق‪.‬‬

‫‪ -23‬الضحية عن الميت‬
‫س‪ :‬ما حكم الضحية؟ وهل تجوز عن‬
‫)‪(2‬‬
‫الميت؟‬
‫ج‪ :‬الضحية سنة مؤكدة في قول أكثر‬
‫العلماء؛ لنه صلى الله عليه وسلم ضحى‪ ،‬وحث‬
‫أمته على الضحية‪،‬والصل أنها مطلوبة في‬
‫وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته‪ ،‬وله أن‬
‫يشرك في ثوابها من شاء من الحياء والموات‪.‬‬
‫أما الضحية عن الميت‪ ،‬فإن كان أوصى بها‬
‫في ثلث ماله مث ً‬
‫ل‪ ،‬أو جعلها في وقف له‪ ،‬وجب‬
‫‪ ()1‬إجابة صدرت عن مكتب سماحته‪.‬‬
‫‪ ()2‬نشر في )نشرة الحسبة( العدد ‪ 17‬في شهري ذي القعدة وذي‬
‫الحجة ‪1417‬هـ‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذها‪ ،‬وإن‬
‫لم يكن أوصى بها‪ ،‬ول جعل لها وقفا‪ ،‬وأحب‬
‫إنسان أن يضحي عن أبيه أو أمه أو غيرهما‪،‬‬
‫فهو حسن‪ ،‬ويعتبر هذا من أنواع الصدقة عن‬
‫الميت‪ ،‬والصدقة عنه مشروعة في قول أهل‬
‫السنة والجماعة‪.‬‬
‫وأما الصدقة بثمن الضحية؛ بناء على أنه‬
‫أفضل من‬

‫‪60‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ذبحها‪ ،‬فإن كانت الضحية منصوصا ً عليها في‬
‫الوقف أو الوصية‪ ،‬لم يجز للوكيل العدول عن‬
‫ذلك إلى الصدقة بثمنها‪ ،‬أما إن كانت تطوعا ً‬
‫عن غيره‪ ،‬فالمر في ذلك واسع‪،‬وأما الضحية‬
‫عن نفس المسلم الحي وعن أهل بيته‪ ،‬فسنة‬
‫مؤكدة للقادر عليها‪ ،‬وذبحها أفضل من الصدقة‬
‫بثمنها‪ ,‬وبالله التوفيق‪.‬‬
‫س‪ :‬ما قولكم في الضحية عن الميت‬
‫بدون وصية‪ ،‬هل يجوز أن يشترك فيها‬
‫)‪(1‬‬
‫الحياء مع الموات أم ل؟‬
‫ج‪ :‬الضحية سنة مؤكدة‪ ،‬إل إذا كانت وصية‪،‬‬
‫فإنه يجب تنفيذها‪ ،‬ويشرع للنسان أن يبر ميته‬
‫بالضحية‪ ،‬ويجوز أن يشترك الموات مع الحياء‬
‫من أهل بيت المضحي‪.‬‬
‫والصل في ذلك حديث أنس رضي الله عنه‪:‬‬
‫))ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين‬
‫أملحين أقرنين‪ ،‬ذبحهما بيده‪ ،‬وسمى‪ ،‬وكبر(()‪.(2‬‬
‫متفق عليه‪ ،‬وفي رواية أخرى‪ ،‬بيان أنه ذبح‬
‫أحدهما عنه وعن أهل بيته‪ ،‬والثاني عمن وحد‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة(‬
‫لسماحته ص ‪ ،81‬وفي مجلة )التوعية السلمية( العدد ‪ 6‬عام‬
‫‪1404‬هـ‪.‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الضاحي(‪ ،‬باب )التكبير عند الذبح( برقم‬
‫‪ ،5565‬ومسلم في )الضاحي(‪ ،‬باب )استحباب الضحية وذبحها‬
‫مباشرة( برقم ‪.1966‬‬
‫‪61‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله من أمته‪ ،‬وذلك يشمل الحي والميت‪.‬وعن‬
‫عبد الله بن عمر رضي الله‬

‫‪62‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عنهما أن رجل ً سأل ابن عمر عن الضحية‪:‬‬
‫أواجبة هي؟ فقال‪)) :‬ضحى رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم والمسلمون((‪ ،‬فأعادها عليه‪،‬‬
‫فقال‪)) :‬أتعقل؟ضحى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم والمسلمون((‪ ،‬فأعادها عليه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫))أتعقل؟ ضحى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم والمسلمون(()‪ .(1‬أخرجه الترمذي ومراده‬
‫رضي الله عنه بيان أن الضحية مشروعة من‬
‫كل مسلم؛ تأسيا ً برسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم والمسلمين‪.‬‬

‫‪ -24‬السنة أن الحي يضحي عن نفسه‬
‫وأهل بيته‬

‫س‪:‬سماحة الشيخ‪ /‬كثيرا ً ما نسمع‬
‫في المجتمع أن الناس تنوي الضاحي‬
‫عن الموات فقط‪ ,‬فما توجيه‬
‫)‪(2‬‬
‫سماحتكم حول هذا المعتقد؟‬
‫ج‪ :‬السنة أن الحي يضحي عن نفسه وأهل‬
‫بيته بكبش ‪ ,‬كما فعل النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم حيث أنه كان يضحي بكبشين أملحين‪،‬‬
‫أحدهما قال‪ :‬عن محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫وآل محمد‪ ،‬والثاني عمن وحد الله من أمة‬
‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )الضاحي(‪ ،‬باب )الدليل على أن الضحية‬
‫سنة( برقم ‪.1506‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من مكتب جريدة )الجزيرة(‬
‫بالسليل‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫محمد صلى الله عليه وسلم وإن ضحى النسان‬
‫عن بعض الموات فل بأس‪.‬‬
‫س‪ :‬أنا أضحي عني وعن زوجتي‬
‫والضحية من مالي‪ .‬هل يجوز‬
‫لزوجتي أن تشرك أباها وأمها‬
‫)‪(1‬‬
‫الميتين؟‬
‫ج‪ :‬إذا ضحيت من مالك عن نفسك وأهل‬
‫بيتك ‪ ,‬فهذا عمل مشروع‪ ،‬فإذا رأيت أن تشرك‬
‫أبا زوجتك أو أم زوجتك فل بأس‪ ،‬وأما هي‬
‫فليس لها ذلك‪ ،‬ليس لها التصرف في أضحيتك؛‬
‫فأنت المضحي عن نفسك وأهل بيتك‪ .‬فإذا‬
‫رأيت أن تضم أبا زوجتك وأمها إلى أهل بيتك ‪,‬‬
‫فل بأس بذلك‪.‬‬

‫‪ -25‬أيهما أفضل في الضحية الكبش‬
‫أم البقرة؟‬
‫س‪ :‬أيهما أفضل في الضحية‪ ،‬الكبش‬
‫)‪(2‬‬
‫أم البقرة؟‬

‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪ ()2‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1638‬في ‪26/12/1418‬هـ‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬الضحية من الغنم أفضل‪ ،‬وإذا ضحى‬
‫بالبقر أو بالبل فل حرج ‪ ,‬والرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم كان يضحي بكبشين‪ ،‬وأهدى يوم‬
‫حجة الوداع مائة من البل‪ .‬والمقصود أن من‬
‫ضحى بالغنم فهي أفضل ‪ ,‬ومن ضحى بالبقر أو‬
‫بالبل الناقة عن سبعة ‪ ,‬والبقرة عن سبعة‬
‫فكله طيب ول حرج‪.‬‬
‫حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد‬
‫العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله‪.‬‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪,‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫أرجو التكرم بإفتائنا‪ ،‬هل يجزئ السبع‬
‫من البقرة أو البدنة عن الرجل وأهل‬
‫بيته؟ أرجو أن تتفضلوا بالجواب‬
‫مشكورين؛ لن عندنا بعض الناس ل‬
‫يرون هذا مجزئًا‪ ,‬والعيد على البواب‪,‬‬
‫ونحب أن نكون على بصيرة في هذا‬
‫)‪(1‬‬
‫المر‪ ،‬والسلم‪.‬‬

‫‪ ()1‬سؤال شخصي مقدم لسماحته من ‪ /‬س‪ .‬م‪ .‬ذ‪ .‬أجاب عنه‬
‫سماحته‪ ،‬عندما كان نائبا ً لرئيس الجامعة السلمية بالمدينة‬
‫المنورة‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬قد دلت السنة الصحيحة عن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم أن الرأس الواحد من البل‬
‫والبقر والغنم يجزئ عن الرجل وأهل بيته وإن‬
‫كثروا‪،‬أما السبع من البدنة والبقرة ‪ ,‬ففي‬
‫إجزائه عن الرجل وأهل بيته تردد وخلف بين‬
‫أهل العلم‪ ،‬والرجح أنه يجزئ عن الرجل وأهل‬
‫بيته؛ لن الرجل وأهل بيته كالشخص الواحد‪،‬‬
‫ولكن الرأس من الغنم أفضل‪ .‬والله سبحانه‬
‫وتعالى أعلم‪ ،‬وصلى الله وسلم على عبده‬
‫ورسوله محمد وآله وصحبه‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫س‪ :‬كثيرا ً ما نجد أن البدنة عن سبع‬
‫شياه‪ ،‬فهل أضحية البدنة يشرك بها‬
‫)‪(1‬‬
‫كما يشرك في أضحية الشاة؟‬
‫ج‪ :‬في إجزاء السبع من البدنة والبقرة‪ ،‬عن‬
‫الرجل وأهل بيته توقف من بعض أهل العلم‪،‬‬
‫والراجح أنه يجزئ عن الرجل وأهل بيته؛ لنهم‬
‫في معنى الشخص الواحد‪.‬‬

‫‪ -26‬حكم إزالة الشعر لمن أراد‬
‫العمرة والحج وهو ينوي الضحية‬
‫س‪ :‬لقد كنت ناويا ً أن أحج متمتعًا‪،‬‬
‫ولكن عندما قدمت إلى الطائف‬
‫غيرت رأيي ولبيت بالحج مفردًا‪ ،‬فإذا‬
‫أردت أن أضحي يوم العيد هل ذلك‬
‫جائز؟علما ً بأني قصرت شعري في‬
‫يوم أربعة ذي الحجة‪ ،‬أسأل الله أن‬
‫ً )‪(2‬‬
‫يجزيكم عنا خيرا‪.‬‬
‫ج‪ :‬إذا أراد الحاج أو غيره أن يضحي‪ ،‬ولو‬
‫كان قد حلق رأسه أو قصر أو قلم أظفاره‪ ،‬فل‬
‫‪ ()1‬سؤال شخصي من ‪ /‬أ‪ .‬ع‪ .‬ن‪.‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته على محاضرة في الحج‬
‫عام ‪ 1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪67‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حرج عليه في ذلك‪ ،‬ولكن عليه إذا عزم على‬
‫الضحية بعد دخول شهر ذي الحجة أن‬
‫يمتنع من أخذ شيء من الشعر أو الظفر أو‬
‫شيء من البشرة حتى يضحي؛ لقول النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إذا دخل شهر ذي‬
‫الحجة وأراد أحدكم أن يضحي‪ ،‬فل يأخذ من‬
‫ً )‪(1‬‬
‫شعره ول من بشرته ول من أظفاره شيئا((‬
‫رواه المام مسلم في صحيحه‪ .‬أما إحرامه‬
‫بالحج مفردا ً وقد كان نوى أن يحرم بعمرة‪ ،‬ثم‬
‫بدا له بعدما وصل الميقات أن يحرم بالحج‪ ،‬فل‬
‫حرج في ذلك‪ ،‬ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج‬
‫أفضل‪ ،‬إذا كان قدومه في أشهر الحج‪ ،‬أما إذا‬
‫كان قدومه إلى مكة قبل دخول شهر شوال‪،‬‬
‫فإن المشروع له أن يحرم بالعمرة فقط‪.‬‬
‫س‪ :‬المرأة التي ترى أنها ل تستطيع‬
‫المساك عن كد شعرها‪ ،‬وتملك‬
‫المال‪ ،‬هل يجوز أن تدفعه لحد‬
‫أقاربها لشراء الضحية وعقد النية‬
‫)‪(2‬‬
‫عنها؟‬
‫‪ ()1‬رواه بنحوه مسلم في )الضاحي(‪ ،‬باب )نهي من دخل عليه‬
‫عشر ذي الحجة(‪ ..‬برقم ‪.1977‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة المقدمة لسماحته من مكتب جريدة )الجزيرة(‬
‫بالسليل‪.‬‬
‫‪68‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬يلزم من أراد أن يضحي عن نفسه أو عن‬
‫والديه أو عن غيره متطوعًا‪ ،‬أل يأخذ من شعره‬
‫أو أظفاره أو من بشرته شيئا ً إذا دخل شهر ذي‬
‫الحجة حتى يضحي‪ .‬أما الوكيل فليس عليه‬
‫حرج أن يأخذ من شعره أو بشرته أو أظفاره؛‬
‫لقول النبي‬

‫‪69‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إذا دخل شهر ذي‬
‫الحجة وأراد أحدكم أن يضحي‪ ،‬فل يأخذ من‬
‫شعره ول من ظفره ول من بشرته شيئا ً حتى‬
‫يضحي(()‪ .(1‬رواه مسلم في الصحيح‪.‬‬
‫س‪ :‬سماحة الشيخ ‪ /‬ماذا يجوز للمرأة‬
‫التي تنوي الضحية عن نفسها وأهل‬
‫بيتها أو عن والديها بشعرها إذا دخلت‬
‫)‪(2‬‬
‫عشر ذي الحجة؟‬
‫ج‪ :‬يجوز لها أن تنقض شعرها وتغسله‪ ،‬ولكن‬
‫))ل تكده((‪ ،‬وما سقط من الشعر عند نقضه‬
‫وغسله فل يضر‪.‬‬

‫‪ -27‬حكم إعطاء غير المسلم من لحم‬
‫الضاحي‬
‫س‪ :‬هل يجوز إعطاء غير المسلم من‬
‫)‪(3‬‬
‫لحم الضحية؟‬

‫‪ ()1‬رواه بنحوه مسلم في )الضاحي(‪ ،‬باب )نهي من دخل عليه‬
‫عشر ذي الحجة(‪ ..‬برقم ‪.1977‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة المقدمة لسماحته من مكتب جريدة )الجزيرة(‬
‫بالسليل‪.‬‬
‫‪ ()3‬نشر في مجلة )الدعوة( العدد ‪ 1638‬في ‪26/12/1418‬هـ‪.‬‬
‫‪70‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ه‬
‫ج‪ :‬ل حرج‪ ،‬لقوله جل وعل‪َ﴿ :‬ل ي َن ْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫هاك ُ ُ‬
‫م يُ َ‬
‫م‬
‫ع‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ول َ ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن َ‬
‫دي ِ‬
‫ِ‬
‫جو ُ‬
‫م‬
‫يُ ْ‬
‫م َأن ت َب َّرو ُ‬
‫ر ُ‬
‫ه ْ‬
‫رك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫من ِدَيا ِ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫ق ِ ُ‬
‫وت ُ ْ‬
‫م ﴾)‪،(1‬‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫سطوا إ ِلي ْ ِ‬
‫فالكافر الذي ليس بيننا وبينه حرب‪ ،‬كالمستأمن‬
‫أو المعاهد‪ ،‬يعطى من الضحية ومن الصدقة‪.‬‬

‫‪ -28‬حكم ذبح الضحية بمكة‬
‫س‪ :‬هل ذبح الضحية بمكة له فضل‬
‫)‪(2‬‬
‫عن خارج مكة؟‬
‫ج‪ :‬كل العمال الصالحة بمكة أفضل‪ ،‬لكن‬
‫إذا لم يجد في مكة من يأكل الضحية‪ ،‬فإن‬
‫ذبحها في مكان آخر فيه فقراء يكون أولى‪.‬‬

‫‪ -29‬حكم العقيقة‬
‫س‪ :‬الخ ع‪ .‬م‪ .‬س‪ .‬من الرياض‪،‬‬
‫يقول في سؤاله‪ :‬إذا مات الجنين في‬
‫بطن أمه‪ ،‬فهل يلزم والده أن يذبح‬
‫)‪(3‬‬
‫عنه عقيقة؟‬
‫‪ ()1‬سورة الممتحنة‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته على محاضرة في الحج عام‬
‫‪1402‬هـ في منى‪.‬‬
‫‪ ()3‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته من )المجلة العربية(‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬العقيقة سنة مؤكدة وليست واجبة‪ ،‬عن‬
‫الذكر شاتان وعن النثى واحدة‪ .‬والسنة أن‬
‫تذبح في اليوم السابع‪ ،‬ولو سقط ميتًا‪ ،‬والسنة‬
‫أن يسمى أيضا ً ويحلق رأسه في اليوم السابع‪،‬‬
‫وإن‬

‫‪72‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سمي في اليوم الول فل بأس؛ لن الحاديث‬
‫الصحيحة وردت عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بذلك‪،‬فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم‬
‫أنه سمى ابنه إبراهيم يوم ولد‪ ،‬وسمى عبد الله‬
‫بن أبي طلحة النصاري يوم ولد‪ ،‬وثبت عنه‬
‫صلى الله عليه وسلم من حديث سمرة بن‬
‫جندب رضي الله عنه أنه قال‪)) :‬كل غلم‬
‫مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه‪ ،‬ويحلق‪،‬‬
‫ويسمى(()‪ .(1‬أخرجه المام أحمد وأهل السنن‬
‫الربع بإسناد صحيح‪ ،‬وثبت عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم من حديث عائشة وأم كرز الكعبية رضي‬
‫الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن‬
‫يعقّ عن الغلم شاتان متكافئتان‪ ،‬وعن النثى‬
‫شاة‪ ،‬وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من‬
‫حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪)) :‬من ولد‬
‫له ولد فأحب أن ينسك عنه‪ ،‬فلينسك عن الغلم‬
‫شاتان متكافئتان‪ ،‬وعن الجارية شاة(()‪ (2‬وهذه‬
‫الحاديث تعم السقط وغيره إذا كان قد نفخت‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند البصريين(‪ ،‬حديث سمرة بن جندب‬
‫برقم ‪ ،19681‬وابن ماجة في )الذبائح(‪ ،‬باب )العقيقة( برقم‬
‫‪.3165‬‬
‫‪ ()2‬رواه المام أحمد في )مسند المكثرين من الصحابة(‪ ،‬مسند عبد‬
‫الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم ‪ ،6674‬وأبو داود في‬
‫)الضحايا‪ ،‬باب )في العقيقة( برقم ‪.2842‬‬
‫‪73‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فيه الروح‪ ،‬وهو الذي ولد في الشهر الخامس‬
‫وما بعده‪.‬‬
‫سل‬
‫والمشروع أن يغ ّ‬

‫‪74‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويكفن ويصلى عليه إذا سقط ميتا ً‪ ،‬ويشرع‬
‫أيضا ً أن يسمى ويعق عنه؛ لعموم الحاديث‬
‫المذكورة‪ .‬والله ولي التوفيق‪.‬‬

‫‪ -30‬صفة العقيقة المشروعة‬

‫س‪ :‬ما حكم الله ورسوله صلى الله‬
‫عليه وسلم في قوم إذا توفي أحد‬
‫منهم قام أقرباؤه بذبح شاة يسمونها‬
‫)العقيقة(‪ ،‬ول يكسرون من عظامها‬
‫شيئًا‪ ،‬ثم بعد ذلك يقبرون عظامها‬
‫وفرثها‪ ،‬ويزعمون أن ذلك حسنة‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ويجب العمل به؟‬
‫ج‪ :‬إن هذا العمل بدعة‪ ،‬ل أساس له في‬
‫الشريعة السلمية‪ ،‬فالواجب تركه والتوبة إلى‬
‫الله منه كسائر البدع والمعاصي‪ ،‬فإن التوبة‬
‫إلى الله سبحانه تجب منها جميعًا‪ ،‬كما قال عز‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ج ِ‬
‫وُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫عا أي ّ َ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫م تُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬وقال تعالى‪﴿ :‬‬
‫ؤ ِ‬
‫حو َ‬
‫مُنو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫وب َ ً‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه تَ ْ‬
‫حا﴾)‪ .(3‬وإنما العقيقة المشروعة التي‬
‫صو ً‬
‫نّ ُ‬
‫جاءت بها السنة الصحيحة عن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم هي‪ :‬ما يذبح عن المولود في‬
‫‪ ()1‬سؤال مقدم من الخ ‪ /‬ص‪ .‬ب‪ .‬ي ‪ ,‬ونشر في كتاب )الجوبة‬
‫المفيدة عن بعض مسائل العقيدة( لسماحته عام ‪1414‬هـ‪.‬‬
‫‪ ()2‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪ ()3‬سورة التحريم‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪75‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يوم سابعه‪ ،‬وهي شاتان عن الذكر وشاة واحدة‬
‫عن النثى‪ ،‬وقد عق النبي عن الحسن‬

‫‪76‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والحسين رضي الله عنهما‪،‬وصاحبها مخير إن‬
‫شاء وزعها لحما ً بين القارب والصحاب‬
‫والفقراء‪ ،‬وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء‬
‫من القارب والجيران والفقراء‪ .‬هذه هي‬
‫العقيقة المشروعة‪ ،‬وهي سنة مؤكدة‪ ،‬ومن‬
‫تركها فل إثم عليه‪.‬‬

‫‪ -31‬الواجب تغيير السماء‬
‫المخالفة للشرع‬

‫س‪ :‬إذا تسمى النسان باسم‪،‬‬
‫واكتشف أنه اسم غير شرعي‪ .‬ما‬
‫)‪(1‬‬
‫توجيهكم؟‬
‫ج‪ :‬الواجب التغيير‪ ،‬مثل من سمى نفسه عبد‬
‫الحسين أو عبد النبي أو عبد الكعبة‪ ،‬ثم علم أن‬
‫التعبيد ل يجوز لغير الله‪ ،‬وليس لحد أن يعبد‬
‫لغير الله‪ ،‬بل العبادة لله عز وجل مثل عبد الله‪،‬‬
‫عبد الرحمن‪ ،‬عبد الملك‪ ،‬وعليه أن يغير السم‬
‫مثل عبد النبي أو عبد الكعبة‪ ،‬إلى عبد الله أو‬
‫عبد الرحمن أو محمد أو أحمد أو صالح‪ ،‬أو نحو‬
‫ذلك من السماء الشرعية‪ ،‬هذا هو الواجب‪،‬‬
‫والنبي صلى الله عليه وسلم غير أسماء‬
‫كثيرة‪.‬أما إذا كان السم للب‪ ،‬فإذا كان الب‬
‫حيا ً فيعلم حتى يغير اسمه‪ ،‬أما إن كان ميتًا‪ ،‬فل‬
‫حاجة إلى التغيير ويبقى كما هو؛ لن النبي‬
‫‪ ()1‬من برنامج )نور على الدرب(‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫صلى الله عليه وسلم لم يغير اسم عبد‬
‫المطلب‪ ،‬ول غّير أسماء الخرين المعبدة لغير‬
‫عرفوا بها‪.‬‬
‫الله؛ كعبد مناف؛ لنهم ُ‬

‫‪78‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من عبد العزيز بن عبد الله بن باز‪،‬‬
‫إلى حضرة الخ المكرم مدير الجوازات‬
‫والجنسية برابغ وفقه الله إلى كل خير‬
‫آمين‪.‬‬
‫سلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪،‬‬
‫بعده‪:‬‬
‫حضر عندي من سمى نفسه عبد الله‬
‫بن عبد الجزى‪ ،‬وسألني هل تجوز‬
‫التسمية بعبد الجزى؛ لن الجوازات قد‬
‫توقفت في تجديد تابعيته؛ حتى تعرف‬
‫)‪(1‬‬
‫حكم الشرع في اسم أبيه؟‬
‫والجواب‪ :‬قد أجمع العلماء على أنه ل يجوز‬
‫التعبيد لغير الله سبحانه فل يجوز أن يقال عبد‬
‫النبي‪ ،‬أو عبد الحسين‪ ،‬أو عبد الكعبة‪ ،‬أو نحو‬
‫ذلك؛ لن العبيد كلهم عبيد الله عز‬
‫وجل‪.‬ومعلوم أن الجزى ليس من أسماء الله‬
‫الحسنى‪ ،‬فل يجوز التعبيد إليه‪ ،‬والواجب تغيير‬
‫هذا السم باسم معبد لله سبحانه أو باسم آخر‬
‫غير معبد كأحمد ومحمد وإبراهيم ونحو ذلك‪،‬‬
‫ويجب عند التغيير أن يوضح في التابعية السم‬
‫الول مع السم الجديد؛ حتى ل تضيع الحقوق‬
‫المتعلقة بالسم الول‪.‬‬
‫‪ ()1‬سؤال مقدم من ع‪ .‬ع‪ ،‬وأجاب عنه سماحته عندما كان نائبا ً‬
‫لرئيس الجامعة السلمية بالمدينة المنورة‪.‬‬
‫‪79‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫هذا ما أعلمه من الشرع المطهر‪ .‬ويذكر عبد‬
‫الله المذكور‪ ،‬أن أباه قد وافق على تغيير اسمه‬
‫من عبد الجزى إلى عبد الرحمن‪ ،‬فليعتمد ذلك‬
‫عند موافقة أبيه عليه‪ .‬ونسأل الله أن يوفق‬
‫الجميع لما يرضيه‪ ،‬والسلم عليكم ورحمة الله‬
‫وبركاته‪.‬‬
‫س‪ :‬هل هذه السماء‪ :‬هدى‪ ،‬ورحمة‬
‫وبركة وإيمان من السماء المكروهة‬
‫)‪(1‬‬
‫في الدين؟‬
‫ج‪ :‬ل حرج فيها؛ مثل عامر‪ ،‬صالح‪ ،‬سعيد‪،‬‬
‫كلها أسماء جائزة‪ ،‬فل حرج فيها إن شاء الله‪.‬‬
‫س‪ :‬هل يجوز للمسلم أن ُيسمى‬
‫بهذه السماء‪ :‬طه‪ ،‬ياسين‪ ،‬خباب‪،‬‬
‫عبد المطلب‪ ،‬الحباب‪ ،‬قارون‪ ،‬الوليد؟‬
‫وهل طه وياسين من أسماء النبي‬
‫)‪(2‬‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم أم ل؟‬
‫ج‪ :‬يجوز التسمي بهذه السماء لعدم الدليل‬
‫على ما يمنع منها‪ ،‬لكن الفضل للمؤمن أن‬
‫يختار أحسن السماء المعبدة لله مثل عبد الله‬
‫‪ ()1‬من برنامج )نور على الدرب( الشريط رقم ‪.1‬‬
‫‪ ()2‬نشر في كتاب )فتاوى إسلمية(‪ ،‬جمع الشيخ محمد المسند ج ‪4‬‬
‫ص ‪.402‬‬
‫‪80‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وعبد الرحمن وعبد الملك ونحوها‪ ،‬والسماء‬
‫المشهورة‪،‬كصالح ومحمد ونحو ذلك‪ ،‬بدل ً من‬
‫قارون وأشباهه‪،‬أما عبد المطلب فالتسمي به‬
‫جائز بصفة استثنائية؛ لن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أقر بعض الصحابة على هذا السم‪.‬‬
‫ول يجوز التعبيد لغير الله كائنا ً من كان‪ ،‬كعبد‬
‫النبي وعبد الحسين وعبد الكعبة ونحو ذلك‪،‬‬
‫وقد حكى أبو محمد ابن‬

‫‪81‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حزم إجماع أهل العلم على تحريم ذلك‪.‬‬
‫وليس طه وياسين من أسماء النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم في أصح قولي العلماء‪ ،‬بل هما‬
‫من الحروف المقطعة في أوائل السورمثل‬
‫)ص( و )ق( و )ن( ونحوها‪،‬وبالله التوفيق‪.‬‬

‫‪ -32‬حكم تصغير بعض‬
‫السماء كعبد الله وعبد‬
‫الرحمن‬
‫س‪ :‬كثيرا ً ما نسمع من عامي ومتعلم‬
‫تصغير السماء المعبدة أو قلبها‪ ،‬إلى‬
‫أسماء تنافي السم الول‪ ،‬فهل فيه‬
‫من بأس؟ وذلك نحو عبد الله تجعل‬
‫"عبيد" و "عبود" و "العبدي " بكسر‬
‫العين وسكون الباء‪ ،‬وفي عبد‬
‫الرحمن "دحيم" بالتخفيف والتشديد‪،‬‬
‫وفي عبد العزيز "عزيز "‪ ،‬و "عزوز"‪،‬و‬
‫"العزي"‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ ،‬أما في‬
‫محمد "محيميد"‪" ،‬حمدا" و "الحمدي "‬
‫)‪(1‬‬
‫وما أشبهه؟‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )فتاوى إسلمية(‪ ،‬جمع الشيخ محمد المسند ج ‪4‬‬
‫ص ‪.403‬‬
‫‪82‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬ل بأس بالتصغير في السماء المعبدة‬
‫وغيرها‪ ،‬ول أعلم أن أحدا ً من أهل العلم منعه‪،‬‬
‫وهو كثير في الحاديث‬

‫‪83‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والثار؛ كأنيس وحميد وعبيد وأشباه ذلك‪،‬لكن‬
‫إذا فعل ذلك مع من يكرهه‪ ،‬فالظهر تحريم‬
‫ذلك؛ لنه حينئذ من جنس التنابز باللقاب‪ ،‬الذي‬
‫نهى الله عنه في كتابه الكريم‪ ،‬إل أن يكون ل‬
‫ُيعرف إل بذلك‪ ،‬فل بأس‪ ،‬كما صرح به أئمة‬
‫الحديث في رجال؛ كالعمش‪ ،‬والعرج‬
‫ونحوهما‪.‬‬

‫‪ -33‬حكم تغيير السم بعد‬
‫السلم‬
‫س‪ :‬هل يلزم من أعلن إسلمه أن‬
‫يغير اسمه السابق مثل‪ :‬جورج‬
‫)‪(1‬‬
‫وجوزيف وغيرهما؟‬
‫ج‪ :‬ل يلزمه تغيير اسمه إل إذا كان معبدا ً‬
‫لغير الله‪ ،‬ولكن تحسينه مشروع‪ .‬فكونه يحسن‬
‫اسمه من أسماء أعجمية إلى أسماء إسلمية‬
‫هذا طيب‪ ،‬أما الواجب فل‪ .‬فإذا كان اسمه عبد‬
‫المسيح وأشباهه يغير‪ ،‬أما إذا كان لم يعبد لغير‬
‫الله مثل‪ :‬جورج وبولس وغيرهما‪ ،‬فل يلزمه‬
‫تغييره؛ لن هذه أسماء مشتركة تكون للنصارى‬
‫وتكون لغيرهم وبالله التوفيق‪.‬‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )فتاوى إسلمية(‪ ،‬جمع الشيخ محمد المسند ج ‪4‬‬
‫ص ‪.404‬‬
‫‪84‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -34‬حكم التسمية بأسماء من‬
‫اليات‬
‫س‪ :‬بعض الناس يسمون أبناءهم‬
‫بأسماء من اليات؛ كأفنان‪ ،‬وآلء‪..‬‬
‫)‪(1‬‬
‫إلخ‪ ،‬فما رأي سماحتكم؟‬
‫ج‪ :‬ليس في ذلك بأس‪ ،‬وهذه مخلوقات‪،‬‬
‫اللء هي النعم‪ ،‬والفنان هي الغصان‪ ،‬والناس‬
‫صاروا يتنوعون في السماء‪ ،‬ويبحثون لبنائهم‬
‫وبناتهم عن أسماء جديدة‪.‬‬

‫‪ 35‬حكم أعياد الميلد‬
‫س‪ :‬ما هو توجيه فضيلتكم في‬
‫حفلت أعياد الميلد؟ وما رأيكم‬
‫)‪(2‬‬
‫فيها؟‬
‫ج‪ :‬حفلت الميلد من البدع التي بينها أهل‬
‫العلم‪ ،‬وهي داخلة في قول النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬من أحدث في أمرنا هذا ما ليس‬
‫منه فهو رد(()‪ (3‬متفق عليه من حديث عائشة‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته في لقائه مع طلبة كلية‬
‫الشريعة‪ ،‬ونشر في الجزء التاسع ص ‪ 417‬من هذا المجموع‪.‬‬
‫‪ ()2‬من برنامج )نور على الدرب( الشريط رقم ‪.1‬‬
‫‪85‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫رضي الله عنها ‪ .‬وقال صلى الله عليه وسلم‬
‫أيضًا‪)) :‬من عمل عمل ً ليس عليه أمرنا فهو‬
‫رد(()‪ (1‬خرجه المام مسلم في صحيحه‪ .‬وقال‬
‫عليه الصلة والسلم في خطبة الجمعة‪)) :‬أما‬
‫بعد‪ ،‬فإن خير الحديث كتاب الله‪ ،‬وخير الهدي‬
‫هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر المور‬
‫محدثاتها‪ ،‬وكل بدعة ضللة((‪ (2) .‬أخرجه مسلم‬
‫في صحيحه‪ ،‬زاد النسائي بإسناد صحيح‪)) :‬وكل‬
‫ضللة في النار(()‪ .(3‬فالواجب على المسلمين‬
‫ذكورا ً كانوا أو إناثا ً الحذر من البدع كلها‪،‬‬
‫والسلم بحمد الله فيه الكفاية‪ ،‬وهو كامل قال‬
‫تعالى‪﴿ :‬ال ْيوم أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫ت‬
‫ْ ِ‬
‫َ ْ َ‬
‫م ُ‬
‫َ ُ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫وَر ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫مِتي َ‬
‫ِديًنا﴾)‪.(4‬‬

‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الصلح( باب )إذا اصطلحوا على صلح جور(‬
‫برقم ‪ ،2697‬ومسلم في )القضية( باب )نقض الحكام الباطلة ورد‬
‫محدثات المور( برقم ‪.1718‬‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري معلقا ً في باب )النجش(‪ ،‬ومسلم في )القضية(‪،‬‬
‫باب )نقض الحكام الباطلة ورد محدثات المور( برقم ‪.1718‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )الجمعة(‪ ،‬باب )تخفيف الصلة والخطبة( برقم‬
‫‪.867‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الصلة(‪ ،‬باب )كراهية الصلة في المقابر(‬
‫برقم ‪ ،432‬ومسلم في )صلة المسافرين وقصرها(‪ ،‬باب‬
‫)استحباب صلة النافلة في بيته( برقم ‪.777‬‬
‫‪ ()4‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.3‬‬
‫‪86‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فقد أكمل الله لنا الدين بما شرع من‬
‫الوامر‪ ،‬وما نهى عنه من النواهي‪ ،‬فليس‬
‫الناس في حاجة إلى بدعة يبتدعها أحد ل‬

‫‪87‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحتفال بالميلد ولغيره‪ .‬فالحتفالت بميلد‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أو بميلد الصديق أو‬
‫عمر أو عثمان أو علي أو الحسن أو الحسين أو‬
‫فاطمة أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلني‬
‫أو فلن أو فلنة‪ ،‬كل ذلك ل أصل له‪ ،‬وكله‬
‫منكر‪ ،‬وكله منهي عنه‪ ،‬وكله داخل في قوله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬وكل بدعة ضللة((‪.‬‬
‫فل يجوز للمسلمين تعاطي هذه البدع‪ ،‬ولو‬
‫فعلها من فعلها من الناس‪ ،‬فليس فعل الناس‬
‫تشريعا ً للمسلمين‪ ،‬وليس فعل الناس قدوة‪ ،‬إل‬
‫إذا وافق الشرع‪ ،‬فأفعال الناس وعقائدهم كلها‬
‫تعرض على الميزان الشرعي‪ ،‬وهو كتاب الله‬
‫وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما‬
‫وافقهما ُقبل‪ ،‬وما خالفهما ُترك‪ ،‬كما قال‬
‫ء َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫في َ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫فِإن ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫فُر ّ‬
‫دو ُ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِإن ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫والّر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫خير َ‬
‫ر ذَل ِ َ‬
‫ن‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ك َ ْ ٌ َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ْ‬
‫ويل ً﴾)‪ .(1‬وفق الله الجميع وهدى الجميع‬
‫ت َأ ِ‬
‫صراطه المستقيم‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫‪88‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كـتـاب‬
‫الجـهـاد‬

‫‪89‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -36‬فضل الجهاد‬
‫)‪(1‬‬
‫والمجاهدين‬
‫‪ ()1‬نشر هذا الموضوع في رسالة طبعها الحرس الوطني عام‬
‫‪1393‬هـ بعنوان )موقف اليهود في السلم‪ ،‬وفضل الجهاد‬
‫‪90‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحمد لله الذي أمر بالجهاد في سبيله‪ ،‬ووعد‬
‫عليه الجر العظيم والنصر المبين‪ ،‬وأشهد أن ل‬
‫إله إل الله وحده ل شريك له القائل في كتابه‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫صُر‬
‫قا َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫عل َي َْنا ن َ ْ‬
‫الكريم‪َ ﴿ :‬‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫وخليله‪ ،‬أفضل المجاهدين‪ ،‬وأصدق المناضلين‪،‬‬
‫وأنصح العباد أجمعين ‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وعلى آله الطيبين الطاهرين‪ ،‬وعلى أصحابه‬
‫الكرام الذين باعوا أنفسهم لله‪ ،‬وجاهدوا في‬
‫سبيله حتى أظهر الله بهم الدين‪ ،‬وأعز بهم‬
‫المؤمنين‪ ،‬وأذل بهم الكافرين رضي الله عنهم‪،‬‬
‫وأكرم مثواهم‪ ،‬وجعلنا من أتباعهم بإحسان إلى‬
‫يوم الدين ‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن الجهاد في سبيل الله من‬
‫أفضل القربات‪ ،‬ومن أعظم الطاعات‪ ،‬بل هو‬
‫أفضل ما تقرب به المتقربون‬

‫والمجاهدين(‪ ،‬وطبعت عام ‪1417‬هـ‪ ،‬بعنوان )فضل الجهاد‬
‫والمجاهدين(‪ ،‬وقد سبق نشره في هذا المجموع ج ‪ 2‬ص ‪.430‬‬
‫‪ ()1‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪91‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض؛ وما ذاك‬
‫إل لما يترتب عليه من نصر المؤمنين‪ ،‬وإعلء‬
‫كلمة الدين‪ ،‬وقمع الكافرين والمنافقين‪،‬‬
‫وتسهيل انتشار الدعوة السلمية بين العالمين‪،‬‬
‫وإخراج العباد من الظلمات إلى النور‪ ،‬ونشر‬
‫محاسن السلم وأحكامه العادلة بين الخلق‬
‫أجمعين‪ ،‬وغير ذلك من المصالح الكثيرة‬
‫والعواقب الحميدة للمسلمين‪،‬وقد ورد في‬
‫فضله وفضل المجاهدين من اليات القرآنية‬
‫والحاديث النبوية‪ ،‬ما يحفز الهمم العالية‪،‬‬
‫ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في هذا‬
‫السبيل‪ ،‬والصدق في جهاد أعداء رب العالمين‪،‬‬
‫وهو فرض كفاية على المسلمين‪ ،‬إذا قام به‬
‫من يكفي سقط عن الباقين‪ ،‬وقد يكون في‬
‫بعض الحيان من الفرائض العينية‪ ،‬التي ل يجوز‬
‫للمسلم التخلف عنها إل بعذر شرعي؛ كما لو‬
‫استنفره المام‪ ،‬أو حصر بلده العدو‪ ،‬أو كان‬
‫حاضرا ً بين الصفين‪ .‬والدلة على ذلك من‬
‫الكتاب والسنة معلومة‪ ،‬ومما ورد في فضل‬
‫الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين قوله‬
‫دوا ْ‬
‫وث ِ َ‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫تعالى‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫جا ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫قال ً َ‬
‫فا َ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫كا َ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫ن)‪ (41‬ل َ ْ‬
‫‪92‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عو َ‬
‫فًرا َ‬
‫س َ‬
‫ضا َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫عَر ً‬
‫قا ِ‬
‫دا ل ّت ّب َ ُ‬
‫ص ً‬
‫و َ‬
‫ريًبا َ‬
‫ق ِ‬
‫ت َ َ‬
‫حل ِ ُ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ن‬
‫ق ُ‬
‫ول َ ِ‬
‫فو َ‬
‫سي َ ْ‬
‫كن ب َ ُ‬
‫عد َ ْ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫هل ِ ُ‬
‫ن‬
‫عَنا ل َ َ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫خَر ْ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫م يُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫عك ُ ْ‬
‫جَنا َ‬
‫ه لَ ِ‬
‫م لَ َ‬
‫َأن ُ‬
‫ن)‪(42‬‬
‫كاِذُبو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫عن َ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م أِذن َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫حّتى ي َت َب َي ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن)‪ (43‬ل َ‬
‫لَ َ‬
‫صدَ ُ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫كاِذِبي َ‬
‫ذي َ‬
‫عل َ َ‬
‫ن َ‬
‫قوا ْ َ‬
‫ست َأ ِْذن ُ َ‬
‫ن‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫دوا ْ‬
‫يُ ْ‬
‫جا ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫ر أن ي ُ َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫وم ِ ال ِ ِ‬
‫بأ َموال ِهم و َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫أن‬
‫ه َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ِ‬
‫قي َ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ ْ َ ِ ْ َ‬
‫ْ ِ‬
‫ست َأِذن ُ َ‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫)‪ (44‬إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫ت ُ‬
‫م‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫واْرَتاب َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫م ي َت ََردّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫في َري ْب ِ ِ‬
‫ففي هذه اليات الكريمات‪ ،‬يأمر الله عباده‬
‫المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد خفافا ً وثقا ً‬
‫ل؛ أي‬
‫شيبا ً وشبابًا‪ ،‬وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم‬
‫في سبيل الله‪ ،‬يخبرهم عز وجل بأن ذلك خير‬
‫لهم في الدنيا والخرة‪ ،‬ثم يبين سبحانه حال‬
‫المنافقين وتثاقلهم عن الجهاد‪ ،‬وسوء نيتهم‪،‬‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫وأن ذلك هلك لهم بقوله عز وجل‪﴿ :‬ل َ ْ‬
‫عو َ‬
‫فًرا َ‬
‫س َ‬
‫ضا َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫عَر ً‬
‫قا ِ‬
‫دا ل ّت ّب َ ُ‬
‫ص ً‬
‫و َ‬
‫ريًبا َ‬
‫ق ِ‬
‫ت َ َ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ة﴾)‪ ،(2‬ثم يعاتب‬
‫ق ُ‬
‫ول َ ِ‬
‫كن ب َ ُ‬
‫عد َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫نبيه صلى الله عليه وسلم عتابا لطيفا على إذنه‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬اليات ‪.45 41‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.42‬‬
‫‪93‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لمن طلب التخلف عن الجهاد بقوله سبحانه‬
‫َ‬
‫عن َ‬
‫ع َ‬
‫ت ﴾)‪ ، (3‬ويبين عز وجل‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م أِذن َ‬
‫ك لِ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫أن في عدم الذن لهم تبيينا ً للصادقين‪ ،‬وفضيحة‬
‫للكاذبين‪ ،‬ثم يذكر عز وجل أن المؤمن بالله‬
‫واليوم الخر‪ ،‬ل يستأذن في ترك الجهاد بغير‬
‫عذر شرعي؛ لن إيمانه الصادق بالله واليوم‬
‫الخر يمنعه من ذلك‪ ،‬ويحفزه إلى المبادرة إلى‬
‫الجهاد النفير مع أهله‪ ،‬ثم يذكر سبحانه أن الذي‬
‫يستأذن في ترك الجهاد‪ ،‬هو عادم اليمان بالله‬
‫‪﴿:‬‬

‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.43‬‬
‫‪94‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫واليوم الخر‪ ،‬المرتاب فيما جاء به الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم وفي ذلك أعظم حث‪،‬‬
‫وأبلغ تحريض على الجهاد في سبيل الله‪،‬‬
‫والتنفير من التخلف عنه‪.‬‬
‫ه‬
‫وقال تعالى في فضل المجاهدين‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فسهم وأ َ‬
‫ؤمِنين َ‬
‫ُ‬
‫ا ْ‬
‫هم‬
‫م‬
‫أن‬
‫م ْ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫وال َ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بأ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫بي‬
‫س‬
‫في‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ت‬
‫قا‬
‫ي‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ال‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ح ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫في َ ْ‬
‫َ‬
‫في‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫قا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫قت َُلو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ه َ‬
‫ع ً‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫فى‬
‫وَرا ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ل َ‬
‫جي ِ‬
‫ة َ‬
‫الت ّ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ه َ‬
‫ذي‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫بِ َ‬
‫فا ْ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ُ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫م﴾)‪. (1‬‬
‫ك ُ‬
‫ع ِ‬
‫عُتم ب ِ ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫َباي َ ْ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ففي هذه الية الكريمة‪ ،‬الترغيب العظيم في‬
‫الجهاد في سبيل الله عز وجل وبيان أن‬
‫المؤمن قد باع نفسه وماله على الله عز وجل‬
‫وأنه سبحانه قد تقبل هذا البيع وجعل ثمنه لهله‬
‫الجنة‪ ،‬وأنهم يقاتلون في سبيله فيقتلون‬
‫ويقتلون‪ ،‬ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بذلك في‬
‫أشرف كتبه وأعظمها التوراة والنجيل والقرآن‪،‬‬
‫ثم بين سبحانه أنه ل أحد أوفى بعهده من الله؛‬
‫ليطمئن المؤمنون إلى وعد ربهم‪ ،‬ويبذلوا‬
‫السلعة التي اشتراها منهم‪ ،‬وهي نفوسهم‬
‫وأموالهم في سبيله سبحانه عن إخلص وصدق‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.111‬‬
‫‪95‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وطيب نفس؛ حتى يستوفوا أجرهم كامل ً في‬
‫الدنيا والخرة‪،‬ثم يأمر سبحانه المؤمنين أن‬
‫يستبشروا بهذا‬
‫البيع؛ لما فيه من الفوز العظيم‪ ،‬والعاقبة‬
‫الحميدة‪ ،‬والنصر للحق‪ ،‬والتأييد لهله‪ ،‬وجهاد‬
‫الكفار والمنافقين‪ ،‬وإذللهم ونصر أوليائه عليهم‬
‫وإفساح الطريق لنتشار الدعوة السلمية في‬
‫أرجاء المعمورة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫جي ُ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫جاَر ٍ‬
‫عَلى ت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫أدُل ّك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫أَ‬
‫م)‪ (10‬ت ُ ْ‬
‫ه‬
‫لي‬
‫ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫جا ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫وال ِك ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫وأن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن )‪ (11‬ي َ ْ‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫هاُر َ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫ع ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫و َ‬
‫ح‬
‫وأ ُ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫)‪َ (12‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن )‪. (1)﴾(13‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫في هذه اليات الكريمات‪ ،‬الدللة من ربنا‬
‫عز وجل على أن اليمان بالله ورسوله‪ ،‬والجهاد‬
‫في سبيله‪ ،‬هما التجارة العظيمة المنجية من‬
‫العذاب الليم يوم القيامة‪ ،‬ففي ذلك أعظم‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.1013‬‬
‫‪96‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ترغيب وأكمل تشويق إلى اليمان والجهاد‪،‬‬
‫ومن المعلوم‪ ،‬أن اليمان بالله ورسوله يتضمن‬
‫توحيد الله‪ ،‬وإخلص العبادة له سبحانه‪ ،‬كما‬
‫يتضمن أداء الفرائض‪ ،‬وترك المحارم‪ ،‬ويدخل‬
‫في ذلك الجهاد في سبيل الله؛ لكونه من‬
‫أعظم الشعائر السلمية ومن أهم الفرائض‪،‬‬
‫ولكنه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه‪،‬‬
‫وللترغيب فيه؛ لما يترتب عليه من المصالح‬
‫العظيمة‪ ،‬والعواقب‬
‫الحميدة التي سبق بيان الكثير منها‪ ،‬ثم ذكر‬
‫سبحانه ما وعد الله به المؤمنين المجاهدين من‬
‫المغفرة‪ ،‬والمساكن الطيبة في دار الكرامة؛‬
‫ليعظم شوقهم إلى الجهاد وتشتد رغبتهم فيه‪،‬‬
‫وليسابقوا إليه ويسارعوا في مشاركة القائمين‬
‫به‪ ،‬ثم أخبر سبحانه أن من ثواب المجاهدين‬
‫شيئا ً معجل ً يحبونه‪ ،‬وهو النصر على العداء‪،‬‬
‫والفتح القريب على المؤمنين‪ ،‬وفي ذلك غاية‬
‫التشويق والترغيب‪.‬‬
‫واليات في فضل الجهاد والترغيب فيه‪،‬‬
‫وبيان فضل المجاهدين كثيرة جدًا‪ ،‬وفيما ذكر‬
‫سبحانه في هذه اليات التي سلف ذكرها‪ ،‬ما‬
‫يكفي‪ ،‬ويشفي ويحفز الهمم‪ ،‬ويحرك النفوس‬
‫إلى تلك المطالب العالية‪ ،‬والمنازل الرفيعة‪،‬‬
‫‪97‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والفوائد الجليلة‪ ،‬والعواقب الحميدة‪ ،‬والله‬
‫المستعـان‪.‬‬
‫أما الحاديث الواردة في فضل الجهاد‬
‫والمجاهدين‪ ،‬والتحذير من تركه والعراض عنه‪،‬‬
‫فهي أكثر من أن تحصر‪ ،‬وأشهر من أن تذكر‪،‬‬
‫ولكن نذكر منها طرفا ً يسيرًا؛ ليعلم المجاهد‬
‫الصادق شيئا ً مما قاله نبيه ورسوله الكريم عليه‬
‫من ربه أفضل الصلة والتسليم في فضل‬
‫الجهاد ومنزلة أهله‪.‬‬
‫ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬رباط يوم في سبيل الله‪ ،‬خير من‬
‫الدنيا وما عليها‪ ،‬وموضع سوط أحدكم من‬
‫الجنة‪ ،‬خير‬
‫من الدنيا وما عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبد في‬
‫سبيل الله أو الغدوة‪ ،‬خير من الدنيا وما عليها((‬
‫)‪ ،(1‬وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪:‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬مثل‬
‫المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد‬
‫في سبيل الله كمثل الصائم القائم‪ ،‬وتكفل الله‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪98‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫للمجاهد في سبيله‪ :‬إن توفاه أن يدخله الجنة‪،‬‬
‫أو يرجعه سالما ً مع أجر أو غنيمة(()‪ .(1‬أخرجه‬
‫مسلم في صحيحه‪.‬وفي لفظ له‪)) :‬تضمن الله‬
‫لمن خرج في سبيله‪ ،‬ل يخرجه إل جهادا ً في‬
‫سبيلي‪ ،‬وإيمانا ً بي‪ ،‬وتصديقا ً برسلي‪ ،‬فهو علي‬
‫ضامن أن أدخله الجنة‪ ،‬أو أرجعه إلى مسكنه‬
‫الذي خرج منه‪ ،‬نائل ً ما نال من أجر أو غنيمة((‬
‫)‪ ،(2‬وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ما من‬
‫مكلوم يكلم في سبيل الله‪ ،‬إل جاء يوم القيامة‬
‫مه يدمي‪ ،‬اللون لون الدم والريح ريح‬
‫وك َل ْ ُ‬
‫المسك(()‪ .(3‬متفق عليه‪ ،‬وعن أنس رضي الله‬
‫عنه‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )أفضل الناس مؤمن‬
‫مجاهد بنفسه وماله( برقم ‪ ،2787‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب‬
‫)فضل الجهاد والخروج في سبيل الله( برقم ‪.1876‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الجهاد والخروج في سبيل‬
‫الله( برقم ‪.1876‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الذبائح والصيد(‪ ،‬باب )المسك( برقم ‪،5533‬‬
‫ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الجهاد والخروج في سبيل الله(‬
‫برقم ‪.1876‬‬
‫‪99‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬جاهدوا‬
‫المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم(()‪.(1‬‬
‫رواه أحمد‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وصححه الحاكم‪ ،‬وفي‬
‫الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫سئل أي العمل أفضل؟ قال‪)) :‬إيمان بالله‬
‫ورسوله((‪ ،‬قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪)) :‬الجهاد في‬
‫سبيل الله((‪ ،‬قيل‪ :‬ثم ماذا؟‪ ،‬قال‪)) :‬حج‬
‫مبرور(()‪ .(2‬وعن أبي عبس بن جبر النصاري‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬ما أغبرت قدما عبد في سبيل‬
‫الله‪ ،‬فتمسه النار(()‪ .(3‬رواه البخاري في‬
‫صحيحه‪ ،‬وفيه أيضا ً عن أبي هريرة رضي الله‬
‫عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه‬
‫به‪ ،‬مات على شعبة من نفاق(()‪ ،(4‬وعن ابن‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )باقي مسند المكثرين من الصحابة(‪،‬‬
‫مسند أنس بن مالك برقم ‪ ،11837‬وأبو داود في )الجهاد(‪ ،‬باب‬
‫)كراهية ترك الغزو( برقم ‪.2504‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )من قال‪ :‬إن اليمان هو‬
‫العمل( برقم ‪ ،26‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )كون اليمان بالله‬
‫تعالى أفضل العمال( برقم ‪.83‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )من اغبرت قدماه في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2811‬‬
‫‪ ()4‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )ذم من مات ولم يغز‪ (..‬برقم‬
‫‪.1910‬‬
‫‪100‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عمر رضي الله عنهما قال‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬إذا تبايعتم‬
‫بالعينة‪ ،‬وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪،‬‬
‫وتركتم الجهاد‪ ،‬سلط الله عليكم ذل ً ل ينزعه‬
‫حتى ترجعوا إلى دينكم(()‪ .(1‬رواه أحمد‪ ،‬وأبو‬
‫داود‪ ،‬وصححه ابن القطان‪ ،‬وقال الحافظ في‬
‫البلوغ‪ :‬رجاله ثقات‪ .‬والحاديث في فضل الجهاد‬
‫والمجاهدين‪ ،‬وبيان ما أعد الله للمجاهدين‬
‫الصادقين‪ ،‬من المنازل العالية‪ ،‬والثواب الجزيل‬
‫‪ ،‬وفي الترهيب من ترك الجهاد‪ ،‬والعراض عنه‬
‫كثيرة جدًا‪ ،‬وفي الحديثين الخيرين‪ ،‬وما جاء‬
‫في معناهما‪ ،‬الدللة على أن العراض عن‬
‫الجهاد‪ ،‬وعدم تحديث النفس به‪ ،‬من شعب‬
‫النفاق‪ ،‬وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة‬
‫والمعاملة الربوية‪ ،‬من أسباب ذل المسلمين‪،‬‬
‫وتسليط العداء عليهم كما هو الواقع وأن ذلك‬
‫الذل ل ينزع عنهم‪ ،‬حتى يرجعوا إلى دينهم‬
‫بالستقامة على أمره‪ ،‬والجهاد في سبيله‪،‬‬
‫فنسأل الله أن يمن على المسلمين جميعا ً‬
‫بالرجوع إلى دينه‪ ،‬وأن يصلح قادتهم‪ ،‬ويصلح‬
‫لهم البطانة‪ ،‬ويجمع كلمتهم على الحق‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند المكثرين من الصحابة(‪ ،‬مسند عبد‬
‫الله بن عمر‪ ،‬برقم ‪ ،4987‬وأبو داود في )البيوع(‪ ،‬باب )في النهي‬
‫عن العينة( برقم ‪.3462‬‬
‫‪101‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويوفقهم جميعا ً للفقه في الدين‪ ،‬والجهاد في‬
‫سبيل رب العالمين؛ حتى يعزهم الله‪ ،‬ويرفع‬
‫عنهم الذل‪ ،‬ويكتب لهم النصر‬

‫‪102‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على أعدائه و أعدائهم‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر‬
‫عليه‪.‬‬
‫أ‪ -‬المقصود من الجهاد‪:‬‬
‫تبليغ دين الله‪ ،‬ودعوة الناس إليه‪ ،‬وإخراجهم‬
‫من الظلمات إلى النور‪ ،‬وإعلء دين الله في‬
‫أرضه‪ ،‬وأن يكون الدين كله لله وحده؛ كما قال‬
‫عز وجل في كتابه الكريم في سورة البقرة‪﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ه﴾ ‪ ،‬وقال في سورة النفال‪﴿ :‬‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫وي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ه ل ِّله﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل في سورة‬
‫ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫التوبة‪َ ﴿ :‬‬
‫خ ال َ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‬
‫هُر ال ْ ُ‬
‫حُر ُ‬
‫ش ُ‬
‫ذا ان َ‬
‫فا ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫حي ْ ُ‬
‫مو ُ‬
‫ر ِ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫كي َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫قت ُُلوا ْ ال ْ ُ‬
‫ث َ‬
‫ش ِ‬
‫وا ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫خ ُ‬
‫ل‬
‫و ُ‬
‫صُرو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫ع ُ‬
‫ق ُ‬
‫وا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ح ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ْ‬
‫وأ َ‬
‫د َ‬
‫ص ٍ‬
‫قا ُ‬
‫َ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫مْر َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫الّز َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫كاةَ َ‬
‫فوٌر‬
‫ف َ‬
‫م إِ ّ‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫خّلوا ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫م﴾)‪ .(3‬واليات في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬وقال‬
‫ّر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أمرت أن أقاتل‬
‫الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله‪ ،‬وأن‬
‫محمدا ً رسول الله‪ ،‬ويقيموا الصلة‪ ،‬ويؤتوا‬
‫الزكاة‪ .‬فإذا فعلوا ذلك‪ ،‬عصموا مني دماءهم‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.193‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪103‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أموالهم‪ ،‬إل بحق السلم‪ ،‬وحسابهم على الله‬
‫عز وجل(()‪ .(1‬متفق على صحته من‬
‫حديث ابن عمر رضي الله عنهما ‪ .‬وفي‬
‫الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬أمرت أن‬
‫أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله‪،‬‬
‫وأني رسول الله‪ ،‬فإذا قالوها‪ ،‬عصموا مني‬
‫دماءهم وأموالهم‪ ،‬إل بحقها‪ ،‬وحسابهم على‬
‫الله(()‪ (2‬وفي صحيح مسلم عنه أيضا ً رضي الله‬
‫عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬أمرت أن أقاتل النساء حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬ويؤمنوا بي وبما جئت به(()‪ (3‬وفي‬
‫صحيح مسلم أيضا ً عن طارق الشجعي رضي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬من وحد الله وكفر بما يعبد من دون‬
‫الله‪ ،‬حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )فإن تابوا وأقاموا الصلة( برقم‬
‫‪ ،25‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله( برقم ‪.22‬‬
‫‪ ()2‬رواه ابن حبان في )فرض اليمان(‪ ،‬باب )ذكر البيان بأن المرء‬
‫إنما يحقن دمه( برقم ‪ ،218‬والبيهقي في )السنن الكبرى( في‬
‫)الفيء والغنيمة(‪ ،‬باب )التسوية في الغنيمة والقوم يهبون الغنيمة(‬
‫برقم ‪.13087‬‬
‫‪ ()3‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله( برقم ‪.21‬‬
‫‪104‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وجل(()‪ ،(4‬والحاديث في هذا المعنى كثيرة‪،‬‬
‫وفي هذه اليات الكريمات والحاديث الصحيحة‪،‬‬
‫الدللة الظاهرة على وجوب‬

‫‪ ()4‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله( برقم ‪.23‬‬
‫‪105‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جهاد الكفار والمشركين‪ ،‬وقتالهم بعد البلغ‪،‬‬
‫والدعوة إلى السلم‪ ،‬وإصرارهم على الكفر‬
‫حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم ويتبعوا ما جاء به وأنه ل‬
‫تحرم دماؤهم وأموالهم إل بذلك وهي تعم جهاد‬
‫الطلب‪ ،‬وجهاد الدفاع‪ ،‬ول يستثنى من ذلك إل‬
‫من التزم بالجزية بشروطها إذا كان من أهلها‬
‫ن لَ‬
‫عمل ً بقول الله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫قات ُِلوا ْ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ول َ‬
‫يُ ْ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ر َ‬
‫ول َ ِبال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ول َ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫يُ َ‬
‫حّر َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫حّر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ق ِ‬
‫يَ ِ‬
‫ديُنو َ‬
‫ن أوُتوا ْ ال ْك َِتا َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ن ِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ع ُ‬
‫م‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫و ُ‬
‫عن ي َ ٍ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫طوا ْ ال ْ ِ‬
‫د َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وثبت عن النبي صلى الله عليه‬
‫صا ِ‬
‫غُرو َ‬
‫َ‬
‫وسلم أنه أخذ الجزية من مجوس هجر‪ ،‬فهؤلء‬
‫الصناف الثلثة من الكفار‪ ،‬وهم‪ :‬اليهود‬
‫والنصارى والمجوس‪ ،‬ثبت بالنص أخذ الجزية‬
‫منهم‪ ،‬فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة‬
‫حتى يدخلوا في السلم‪ ،‬أو يؤدوا الجزية عن يد‬
‫وهم صاغرون‪ ،‬أما غيرهم فالواجب قتالهم حتى‬
‫يسلموا في أصح قولي العلماء لن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قاتل العرب حتى دخلوا في‬
‫دين الله أفواجًا‪ ،‬ولم يطلب منهم الجزية‪ ،‬ولو‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.29‬‬
‫‪106‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كان أخذها منهم جائزا ً ُتحقن به دماؤهم‬
‫وأموالهم لبينه لهم‪ ،‬ولو وقع ذلك لنقل‪ .‬وذهب‬
‫بعض أهل العلم إلى جواز أخذها من جميع‬
‫الكفار؛ لحديث بريدة المشهور في ذلك المخرج‬
‫في صحيح مسلم‪ ،‬والكلم في هذه المسألة‪،‬‬
‫وتحرير الخلف فيها وبيان الدلة مبسوط في‬
‫كتب أهل العلم‪ ،‬من أراده وجده‪ ،‬ويستثنى من‬
‫الكفار في القتال‪ :‬النساء‪ ،‬والصبيان‪ ،‬والشيخ‬
‫الهرم‪ ،‬ونحوهم ممن ليس من أهل القتال‪ ،‬ما‬
‫لم يشاركوا فيه‪ ،‬فإن شاركوا فيه وساعدوا‬
‫عليه بالرأي والمكيدة قوتلوا‪ ،‬كما هو معلوم من‬
‫الدلة الشرعية‪ ،‬وقد كان الجهاد في السلم‬
‫على أطوار ثلثة‪:‬‬
‫الطور الول‪ :‬الذن للمسلمين في ذلك من‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫غير إلزام لهم‪ ،‬كمافي قوله سبحانه‪﴿ :‬أِذ َ‬
‫َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ه‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫قات َُلو َ‬
‫ن ب ِأن ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظُل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫موا َ‬
‫م لَ َ‬
‫ديٌر﴾)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫ر ِ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى ن َ ْ‬
‫ص ِ‬
‫الطور الثاني‪ :‬المر بقتال من قاتل‬
‫المسلمين‪ ،‬والكف عمن كف عنهم‪ ،‬وفي هذا‬
‫ن‬
‫النوع نزل قوله تعالى‪﴿ :‬ل َ إ ِك َْراهَ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ي﴾)‪ ،(2‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫شدُ ِ‬
‫م َ‬
‫قد ت ّب َي ّ َ‬
‫غ ّ‬
‫شاء َ‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫فل ْي ُ ْ‬
‫من َ‬
‫من‬
‫ؤ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ق ِ‬
‫﴿ َ‬
‫‪ ()1‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.256‬‬
‫‪107‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فل ْي َك ْ ُ‬
‫شاء َ‬
‫من َ‬
‫فْر﴾)‪ ،(3‬وقوله تعالى‪﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫قات ِلوا ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫قات ِلون َك ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫)‪(4‬‬
‫ن﴾ ‪،‬‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫دوا ْ إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫عت َ ُ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫دي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫في قول جماعة من أهل العلم‪ ،‬وقوله تعالى‬

‫‪ ()3‬سورة الكهف‪ ،‬الية ‪.29‬‬
‫‪ ()4‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.190‬‬
‫‪108‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫و ت َك ْ ُ‬
‫ما‬
‫فُرو َ‬
‫و ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫دوا ْ ل َ ْ‬
‫في سورة النساء‪َ ﴿ :‬‬
‫فت َ ُ‬
‫واء َ‬
‫فُروا ْ َ‬
‫كَ َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫فل َ ت َت ّ ِ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫كوُنو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫فِإن‬
‫جُروا ْ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ول َِياء َ‬
‫في َ‬
‫ى يُ َ‬
‫ها ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫أ ْ‬
‫حت ّ َ‬
‫وا ْ‬
‫وا ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ث‬
‫حي ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫قت ُُلو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ول ّ ْ‬
‫تَ َ‬
‫ول َ‬
‫خ ُ‬
‫ول َ ت َت ّ ِ‬
‫مو ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫و َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫ول ِّيا َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫صيًرا﴾ ‪ ،‬والية بعدها‪.‬‬
‫نَ ِ‬
‫الطورالثالث‪ :‬جهاد المشركين مطلقًا‪،‬‬
‫وغزوهم في بلدهم‪ ،‬حتى ل تكون فتنة ويكون‬
‫الدين كله لله؛ ليعم الخير أهل الرض‪ ،‬وتتسع‬
‫رقعة السلم‪ ،‬ويزول من طريق الدعوة دعاة‬
‫الكفر واللحاد‪ ،‬وينعم العباد بحكم الشريعة‬
‫العادل‪ ،‬وتعاليمها السمحة‪ ،‬وليخرجوا بهذا الدين‬
‫القويم من ضيق الدنيا إلى سعة السلم‪ ،‬ومن‬
‫عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه ومن‬
‫ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها‬
‫الرشيدة‪ .‬وهذا هو الذي استقر عليه أمر‬
‫السلم‪ ،‬وتوفي عليه نبينا محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم وأنزل الله فيه قوله عز وجل في سورة‬
‫براءة وهي من آخر ما نزل‪َ ﴿ :‬‬
‫سل َ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫خ‬
‫ذا ان َ‬
‫فا ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ال َ ْ‬
‫ث‬
‫حي ْ ُ‬
‫ر ِ‬
‫ن َ‬
‫هُر ال ْ ُ‬
‫حُر ُ‬
‫ش ُ‬
‫كي َ‬
‫قت ُُلوا ْ ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬وقوله سبحانه في سورة‬
‫مو ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫َ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ة‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫النفال‪َ ﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.89‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪109‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وي َ ُ‬
‫ه ل ِّله﴾)‪ ،(3‬والحاديث السابقة‬
‫كو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫َ‬
‫كلها تدل على هذا القول‪ ،‬وتشهد له بالصحة‪.‬‬
‫وقد ذهب بعض أهل العلم‪ ،‬إلى أن الطور‬
‫الثاني؛ وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف‬
‫عمن كف عنهم‪ ،‬قد نسخ؛ لنه كان في حال‬
‫ضعف المسلمين‪ ،‬فلما قواهم الله وكثر عددهم‬
‫وعدتهم‪ ،‬أمروا بقتال من قاتلهم ومن لم‬
‫يقاتلهم‪ ،‬حتى يكون الدين كله لله وحده‪ ،‬أو‬
‫يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها‪.‬‬
‫وذهب آخرون من أهل العلم‪ ،‬إلى أن الطور‬
‫الثاني لم ينسخ‪ ،‬بل هو باق يعمل به عند‬
‫الحاجة إليه‪ ،‬فإذا قوي المسلمون واستطاعوا‬
‫بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله‪،‬‬
‫فعلوا ذلك؛ عمل ً بآية التوبة وما جاء في معناها‪،‬‬
‫أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من‬
‫قاتلهم واعتدى عليهم‪ ،‬ويكفون عمن كف عنهم؛‬
‫عمل ً بآية النساء وما ورد في معناها‪.‬‬
‫وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ‪ ،‬وهو‬
‫اختيار شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ‪ .‬وبهذا‬
‫يعلم كل من له أدنى بصيرة‪ ،‬أن قول من قال‬
‫من ك ُّتاب العصر وغيرهم‪ :‬أن الجهاد شرع‬
‫للدفاع فقط‪ ،‬قول غير صحيح‪ ،‬والدلة التي‬
‫ذكرنا وغيرها تخالفه‪ ،‬وإنما الصواب هو ما ذكرنا‬
‫‪ ()3‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪110‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من التفصيل‪ ،‬كما قرر ذلك أهل العلم‬
‫والتحقيق‪ .‬ومن تأمل سيرة النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم في‬
‫جهاد المشركين اتضح له ما ذكرنا‪ ،‬وعرف‬
‫مطابقة ذلك لما أسلفنا من اليات والحاديث‪.‬‬
‫والله ولي التوفيق‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بـ ـ وجوب العداد للعداء‪:‬‬
‫وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن‬
‫يعدوا للكفار ما استطاعوا من القوة‪ ،‬وأن‬
‫يأخذوا حذرهم؛ كما في قوله عز وجل‪﴿ :‬‬
‫من ُ‬
‫ة﴾)‪،(1‬‬
‫وأ َ ِ‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم ّ‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقوله سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫م ﴾)‪ ،(2‬وذلك يدل على وجوب العناية‬
‫ِ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫بالسباب‪ ،‬والحذر من مكائد العداء‪ ،‬ويدخل‬
‫في ذلك جميع أنواع العداد المتعلقة بالسلحة‬
‫والبدان‪ ،‬كما يدخل في ذلك إعداد جميع‬
‫الوسائل المعنوية والحسية‪ ،‬وتدريب المجاهدين‬
‫على أنواع السلحة وكيفية استعمالها‪،‬‬
‫وتوجيههم إلى كل ما يعينهم على جهاد عدوهم‬
‫والسلمة من مكائده‪ ،‬في الكر والفر والرض‬
‫والجو والبحر‪ ،‬وفي سائر الحوال؛ لن الله‬
‫سبحانه أطلق المر بالعداد وأخذ الحذر‪ ،‬ولم‬
‫يذكر نوعا ً دون نوع ول حال ً دون حال‪ ،‬وما ذلك‬
‫إل لن الوقات تختلف والسلحة تتنوع‪ ،‬والعدو‬
‫يقل ويكثر ويضعف ويقوى‪ ،‬والجهاد قد يكون‬
‫ابتداًء وقد يكون دفاعًا؛ فلهذه المور وغيرها‬
‫أطلق الله سبحانه المر بالعداد وأخذ الحذر؛‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪112‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ليجتهد قادة المسلمين وأعيانهم ومفكروهم في‬
‫إعداد ما يستطيعون من القوة لقتال أعدائهم‪،‬‬
‫وما يرونه من المكيدة في ذلك‪ .‬وقد صح عن‬
‫رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪)) :‬الحرب‬
‫خدعة(()‪ ،(1‬ومعناه‪ :‬أن الخصم قد يدرك من‬
‫خصمه بالمكر والخديعة في الحرب‪ ،‬ما ل‬
‫يدركه بالقوة والعدد‪ ،‬وذلك مجرب معروف‪.‬‬
‫وقد وقع في يوم الحزاب من الخديعة‬
‫للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن‬
‫مسعود رضي الله عنه بإذن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم ما كان من أسباب خذلن الكافرين‪،‬‬
‫وتفريق شملهم‪ ،‬واختلف كلمتهم‪ ،‬وإعزاز‬
‫المسلمين ونصرهم عليهم‪ ،‬وذلك من فضل الله‬
‫ونصره لوليائه ومكره لهم؛ كما قال عز وجل‪﴿ :‬‬
‫خي ُْر‬
‫ه َ‬
‫مك ُُرو َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫مك ُُر الل ّ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫ري َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ماك ِ ِ‬
‫ومما تقدم يتضح لذوي البصائر‪ ،‬أن الواجب‬
‫امتثال أمر الله‪ ،‬والعداد لعدائه‪ ،‬وبذل الجهود‬
‫في الحيطة والحذر‪ ،‬واستعمال كل ما أمكن من‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند المكثرين من الصحابة( مسند أنس‬
‫بن مالك برقم ‪ ،12928‬والترمذي في )الجهاد(‪ ،‬باب )ما جاء في‬
‫الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب( برقم ‪.1675‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪113‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫السباب المباحة الحسية والمعنوية‪ ،‬مع‬
‫الخلص لله والعتماد عليه‪ ،‬والستقامة على‬
‫دينه‪ ،‬وسؤاله المدد والنصر‪ ،‬فهو سبحانه‬
‫وتعالى الناصر لوليائه‪ ،‬والمعين لهم إذا أدوا‬
‫حقه‪ ،‬ونفذوا أمره وصدقوا في جهادهم‪،‬‬
‫وقصدوا بذلك إعلء كلمته وإظهار دينه‪ ،‬وقد‬
‫وعدهم الله بذلك في كتابه‬
‫الكريم‪ ،‬وأعلمهم أن النصر من عنده؛ ليثقوا به‬
‫ويعتمدوا عليه‪ ،‬مع القيام بجميع السباب‪ ،‬قال‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫َين ُ‬
‫م َ‬
‫)‪( 2‬‬
‫وكان حقا ً علينا نصر المؤمنين﴾ ‪ ،‬وقال عز‬
‫ه‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫لَ َ‬
‫في‬
‫ع‬
‫ق‬
‫ي َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز)‪ (40‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫و ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫كاةَ َ‬
‫ْ َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ض أَ َ‬
‫مُروا‬
‫وأ َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫الْر ِ‬
‫ة‬
‫ه َ‬
‫وا َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫منك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫)‪( 3‬‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫اْل ُ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫مو ِ‬
‫خل ِ َ‬
‫هم‬
‫ست َ ْ‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫ْ َ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ِ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫في الْر ِ‬
‫م‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ضى ل َ ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دون َِني‬
‫د َ‬
‫و ِ‬
‫ع ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫مًنا ي َ ْ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ول َي ُب َدّل َن ّ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هم ّ‬
‫خ ْ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ر ُ‬
‫عدَ ذَل ِ َ‬
‫من ك َ َ‬
‫ن ِبي َ‬
‫َل ي ُ ْ‬
‫ك‬
‫كو َ‬
‫فَر ب َ ْ‬
‫و َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ش ِ‬
‫‪ ()1‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪ ()3‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.41 ،40‬‬
‫‪114‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫س ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن﴾‪ (1).‬الية‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ك ُ‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫ه ُ‬
‫فأ ْ‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫﴿ َ‬
‫ٌ )‪( 2‬‬
‫حيط﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫إِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫م أ َّني‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫﴿إ ِذْ ت َ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫مد ّ ُ‬
‫ما‬
‫مْرِد ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫كم ب ِأل ْ ٍ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫ُ‬
‫ن)‪َ (9‬‬
‫ه ُ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫م‬
‫ن بِ ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫شَرى َ‬
‫زيٌز‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫)‪( 3‬‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫وقد سبق في هذا المعنى آية سورة الصف‪ ،‬وهي‬
‫ه ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫قوله تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذاب أ َ‬
‫جي ُ‬
‫م)‪(10‬‬
‫لي‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫جاَر ٍ‬
‫عَلى ت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ع َ ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫ٍ‬
‫تُ ْ‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ُ‬
‫خي ٌْر‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫ن)‪(11‬ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫هاُر‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِك ال َ‬
‫وُز‬
‫ت َ‬
‫ن طي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫ف ْ‬
‫عد ْ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫وأ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ظي ُ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫م)‪َ (12‬‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪ ،(4‬واليات في‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫هذا المعنى كثيرة‪ .‬ولما قام سلفنا الصالح بما‬
‫أمرهم الله به ورسوله‪ ،‬وصبروا وصدقوا في جهاد‬
‫عدوهم‪ ،‬نصرهم الله وأيدهم‪ ،‬وجعل لهم العاقبة‬
‫مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم‪ ،‬كما قال‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫النفال‪ ،‬اليتان ‪.10 ،9‬‬
‫الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪115‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫فئ َ ً‬
‫ت ِ‬
‫من ِ‬
‫قِليل َ ٍ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫غل َب َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وقال‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ع ال ّ‬
‫ه َ‬
‫ك َِثيَرةً ب ِإ ِذْ ِ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫فل َ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫غال ِ َ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صْرك ُ ُ‬
‫عز وجل‪ِ﴿ :‬إن َين ُ‬
‫صُر ُ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫من‬
‫وِإن ي َ ْ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫كم ّ‬
‫ف َ‬
‫خذُل ْك ُ ْ‬
‫ذي َين ُ‬
‫َ‬
‫)‪( 2‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬ولما‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫على الل ِ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنو َ‬
‫بَ ْ‬
‫ل ال ُ‬
‫وك ّ ِ‬
‫فلي َت َ َ‬
‫ه َ‬
‫تغير المسلمون وتفرقوا‪ ،‬ولم يستقيموا على‬
‫تعاليم ربهم‪ ،‬وآثر أكثرهم أهواءهم‪ ،‬أصابهم الذل‬
‫والهوان وتسلط العداء ما ل يخفى على أحد‪.‬وما‬
‫ذاك إل بسبب الذنوب والمعاصي‪ ،‬والتفرق‬
‫والختلف‪ ،‬وظهور الشرك والبدع والمنكرات في‬
‫غالب البلد‪ ،‬وعدم تحكيم أكثرهم الشريعة‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫كم‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫قال الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ة َ‬
‫عن‬
‫فو َ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫فب ِ َ‬
‫من ّ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪3‬‬
‫)‬
‫م يَ ُ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪﴿ :‬ذَل ِ َ‬
‫ك‬
‫ك َِثي‬
‫ك ب ِأ ّ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ٍ‬
‫غيرا ن ّعم ً َ‬
‫غي ُّروا ْ‬
‫عَلى َ‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫ها َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫ة أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫م َ ّ ً‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪4‬‬
‫)‬
‫ما ب ِأن ُ‬
‫هَر‬
‫س‬
‫ف ِ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫دي‬
‫سادُ ِ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ف َ‬
‫ر بِ َ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫الّنا‬
‫ذي َ‬
‫ع ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫س ل ِي ُ ِ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫هم ب َ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫ن﴾)‪ ،(5‬ولما حصل من الرماة ما حصل يوم‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫ي َْر ِ‬
‫أحد من النزاع والختلف‪ ،‬والخلل بالثغر الذي‬
‫أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه‪ ،‬جرى‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫البقرة‪ ،‬الية ‪.249‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.160‬‬
‫الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.53‬‬
‫الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪116‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بسبب ذلك على المسلمين من القتل والجراح‬
‫والهزيمة ما هو معلوم‪ ،‬ولما استنكر المسلمون‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫كم‬
‫ول َ ّ‬
‫ما أ َ‬
‫ذلك‪ ،‬أنزل الله قوله تعالى‪﴿ :‬أ َ‬
‫ة َ َ‬
‫ذا ُ‬
‫ها ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ل‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م أ َّنى َ‬
‫م ِ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫صب ُْتم ّ‬
‫ّ‬
‫قد ْ أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫د أن ْ ُ‬
‫على ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ُ‬
‫ف ِ‬
‫عن ِ‬
‫و ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ديٌر﴾ ‪ ،‬ولو أن أحدا ً يسلم من شر‬
‫ي ٍ‬
‫ق ِ‬
‫ش ْ‬
‫المعاصي وعواقبها الوخيمة‪ ،‬لسلم رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يوم أحد‪،‬‬
‫وهم خير أهل الرض‪ ،‬ويقاتلون في سبيل الله‪،‬‬
‫ومع ذلك جرى عليهم ما جرى؛ بسبب معصية‬
‫الرماة التي كانت عن تأويل‪ ،‬ل عن قصد للمخالفة‬
‫لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتهاون‬
‫بأمره‪ ،‬ولكنهم لما رأوا هزيمة المشركين‪ ،‬ظنوا‬
‫أن المر قد انتهى‪ ،‬وأن الحراسةلم‬
‫يبق لها حاجة‪ ،‬وكان الواجب عليهم‪ ،‬أن يلزموا‬
‫الموقف حتى يأذن لهم النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بتركه‪ ،‬ولكن الله سبحانه قد قدر ما قدر‬
‫وقضى ما قضى؛ لحكم بالغة وأسرار عظيمة‪،‬‬
‫ومصالح كثيرة قد بينها في كتابه سبحانه وعرفها‬
‫المؤمنون‪ ،‬وكان ذلك من الدلئل على صدق‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله‬
‫حقًا‪ ،‬وأنه بشر يصيبه ما يصيب البشر من الجراح‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪117‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫واللم ونحو ذلك‪ ،‬وليس بإله يعبد‪ ،‬وليس مالكا ً‬
‫للنصر‪ ،‬بل النصر بيد الله سبحانه ينزله على من‬
‫يشاء‪ ،‬ول سبيل إلى استعادة المسلمين لمجدهم‬
‫السالف‪ ،‬واستحقاقهم النصر على عدوهم‪ ،‬إل‬
‫بالرجوع إلى دينهم والستقامة عليه‪ ،‬وموالة من‬
‫واله‪ ،‬ومعاداة من عاداه‪ ،‬وتحكيمهم شرع الله‬
‫سبحانه في أمورهم كلها‪ ،‬واتحاد كلمتهم على‬
‫الحق‪ ،‬وتعاونهم على البر والتقوى‪ ،‬كما قال المام‬
‫مالك بن أنس رحمة الله عليه‪)) :‬لن يصلح آخر‬
‫هذه المة إل ما أصلح أولها((‪ ،‬وهذا هو قول جميع‬
‫أهل العلم‪ ،‬والله سبحانه إنما أصلح أول هذه‬
‫المة‪ ،‬باتباع شرعه والعتصام بحبله‪ ،‬والصدق في‬
‫ذلك والتعاون عليه‪ ،‬ول صلح لخرها إل بهذا المر‬
‫العظيم‪.‬‬
‫ج‪ :‬فضل الرباط والحراسة في سبيل‬
‫الله‬
‫الرباط‪ :‬هو القامة في الثغور‪ ،‬وهي الماكن‬
‫التي يخاف على أهلها من أعداء السلم‪،‬‬
‫والمرابط هو المقيم فيها‪ ،‬المعد‬

‫‪118‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫نفسه للجهاد في سبيل الله‪ ،‬والدفاع عن دينه‬
‫وإخوانه المسلمين‪ .‬وقد ورد في فضل المرابط‬
‫والحراسة في سبيل الله أحاديث كثيرة‪ .‬إليك‬
‫أيها الخ المسلم الراغب في الرباط في سبيل‬
‫الله طرفا ً منها‪ ،‬نقل ً من كتاب )الترغيب‬
‫والترهيب( للحافظ المنذري رحمه الله ‪.‬‬
‫عن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال‪:‬‬
‫))رباط يوم في سبيل الله‪ ،‬خير من الدنيا وما‬
‫عليها‪ ،‬وموضع سوط أحدكم من الجنة‪ ،‬خير من‬
‫الدنيا وما عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبد في‬
‫سبيل الله أو الغدوة‪ ،‬خير من الدنيا وما عليها((‬
‫)‪ (1‬رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم‪.‬‬
‫وعن سلمان رضي الله عنه قال‪ :‬سمعت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬رباط‬
‫يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه‪ ،‬وإن مات‬
‫جرى عليه عمله الذي كان يعمله‪ ،‬وأجري عليه‬
‫رزقه‪ ،‬وأمن من الفتان(()‪ (2‬رواه مسلم واللفظ‬
‫له‪ ،‬والترمذي‪ ،‬والنسائي‪ ،‬والطبراني وزاد‪:‬‬
‫))وبعث يوم القيامة شهيدا ً((‪.‬‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الرباط في سبيل الله(‬
‫برقم ‪.1913‬‬
‫‪119‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬كل‬
‫الميت يختم على عمله‪ ،‬إل المرابط في سبيل‬
‫الله‪ ،‬فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة‪،،‬‬
‫ويؤمن من فتان القبر(()‪ (1‬رواه أبو داود‪،‬‬
‫والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬والحاكم‬
‫وقال‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪ ،‬وابن حبان في‬
‫صحيحه‪ ،‬وزاد في آخره قال‪ :‬سمعت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬المجاهد من‬
‫جاهد نفسه لله عز وجل((‪ ،‬وهذه الزيادة في‬
‫بعض نسخ الترمذي‪.‬‬
‫وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬رباط شهر‬
‫خير من صيام دهر‪ ،‬ومن مات مرابطا ً في‬
‫سبيل الله أمن الفزع الكبر‪ ،‬وغدي عليه وريح‬
‫برزقه من الجنة‪ ،‬ويجرى عليه أجر المرابط‬
‫حتى يبعثه الله عز وجل(()‪ .(2‬رواه الطبراني‪،‬‬
‫ورواته ثقات‪.‬‬
‫وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬كل‬
‫‪ ()1‬رواه أبو داود في )الجهاد(‪ ،‬باب )في فضل الرباط( برقم ‪.2500‬‬
‫‪ ()2‬ذكره السيوطي في )الفتح الكبير( في )حرف الراء(‪ ،‬برقم‬
‫‪ ،6540‬والهيثمي في )مجمع الزوائد( في )الجهاد(‪ ،‬باب )في‬
‫الرباط( برقم ‪.4059‬‬
‫‪120‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات‪ ،‬إل المرابط‬
‫في سبيل الله‪ ،‬فإنه ينمى له عمله‪ ،‬ويجرى‬

‫‪121‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عليه رزقه إلى يوم القيامة(()‪ (1‬رواه الطبراني‬
‫في الكبير بإسنادين‪ ،‬رواة أحدهما ثقات‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬من مات‬
‫مرابطا ً في سبيل الله‪ ،‬أجرى عليه أجر عمله‬
‫الصالح الذي كان يعمل‪ ،‬وأجرى عليه رزقه‪،‬‬
‫وأمن من الفتان‪ ،‬وبعثه الله يوم القيامة آمنا ً‬
‫من الفزع الكبر(()‪ .(2‬رواه ابن ماجة بإسناد‬
‫صحيح‪ ،‬والطبراني في الوسط أطول منه‪،‬‬
‫وقال فيه‪)) :‬المرابط إذا مات في رباطه‪ ،‬كتب‬
‫له أجر عمله إلى يوم القيامة‪ ،‬وغدي عليه وريح‬
‫برزقه‪ ،‬ويزوج سبعين حوراء‪ ،‬وقيل له‪ :‬قف‬
‫فاشفع إلى أن يفرغ من الحساب(()‪ ،(3‬وإسناده‬
‫متقارب‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪:‬‬
‫سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول‪)) :‬عينان ل تمسهما النار‪ :‬عين بكت من‬

‫‪ ()1‬ذكره السيوطي في )الفتح الكبير( في )حرف الكاف(‪ ،‬برقم‬
‫‪ ،8750‬والهيثمي في )مجمع الزوائد( في )الجهاد(‪ ،‬باب )في‬
‫الرباط(‪ ،‬برقم ‪.5059‬‬
‫‪ ()2‬رواه ابن ماجة في )الجهاد(‪ ،‬باب )فضل الرباط في سبيل الله(‪،‬‬
‫برقم ‪.2767‬‬
‫‪ ()3‬ذكره السيوطي في )الفتح الكبير( )حرف الشين(‪ ،‬برقم ‪.7173‬‬
‫‪122‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫خشية الله‪ ،‬وعين باتت تحرس في سبيل الله((‬
‫)‪ .(4‬رواه‬

‫‪ ()4‬رواه الترمذي في )فضائل الجهاد(‪ ،‬باب )ما جاء في فضل‬
‫الحرس في سبيل الله( برقم ‪.1639‬‬
‫‪123‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الترمذي‪ ،‬وقال حديث حسن غريب‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬عينان ل تمسهما‬
‫النار أبدًا‪ :‬عين باتت تكل في سبيل الله‪ ،‬وعين‬
‫بكت من خشية الله(()‪ (1‬رواه أبو يعلى‪ ،‬ورواته‬
‫ثقات‪ ،‬والطبراني في الوسط‪ ،‬إل أنه قال‪:‬‬
‫))عينان ل تريان النار(()‪.(2‬‬
‫وعن عثمان رضي الله عنه قال‪ :‬سمعت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫))حرس ليلة في سبيل الله‪ ،‬أفضل من ألف‬
‫ليلة يقام ليلها ويصام نهارها(()‪ (3‬رواه الحاكم‪،‬‬
‫وقال صحيح السناد‪.‬‬
‫والحاديث في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬وأرجو أن‬
‫يكون فيما ذكرناه كفاية للراغب في الخير‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في‬
‫دينه‪ ،‬وأن‬

‫‪ ()1‬رواه أبو يعلى‪ ،‬في مسند جعفر بن أبي عمرو بن أمية‪ ،‬برقم‬
‫‪ ،4349‬والهيثمي في )مجمع الزوائد( في )الجهاد(‪ ،‬باب )الحرس‬
‫في سبيل الله(‪ ،‬برقم ‪.8849‬‬
‫‪ ()2‬ذكره السيوطي في )الفتح الكبير( )حرف العين(‪ ،‬برقم ‪.7920‬‬
‫‪ ()3‬رواه المام أحمد في )مسند العشرة المبشرين بالجنة(‪ ،‬مسند‬
‫عثمان بن عفان رضي الله عنه برقم ‪.465 ،435‬‬
‫‪124‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يجمعهم على الهدى‪ ،‬وأن يوحد صفوفهم‬
‫وكلمتهم على الحق‪ ،‬وأن يمن عليهم بالعتصام‬
‫بكتابه وسنة نبيه عليه الصلة والسلم وتحكيم‬
‫شريعته والتحاكم إليها‪ ،‬والجتماع على ذلك‬
‫والتعاون عليه‪ ،‬إنه جواد كريم‪ ،‬وصلى الله‬
‫وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -37‬وصية موجهة للمرابطين‬
‫في الحدود ضد اعتداء دولة‬
‫العراق‬

‫بسم الله‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على رسول الله‪ ،‬وعلى آله وصحبه )‪.(1‬‬
‫أيها المرابطون على الحدود‪ ،‬أوصيكم‬
‫ونفسي بتقوى الله‪ .‬والكثار من ذكره‪ ،‬والصبر‬
‫والمصابرة‪ ،‬والصدق في اللقاء عند أي عدوان‬
‫من دولة العراق‪ ،‬كما أوصيكم بالتفاق وعدم‬
‫التنازع‪ ،‬والستقامة على طاعة الله ورسوله‪،‬‬
‫والثبات في مواطن اللقاء؛ عمل ً بقول الله عز‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ة‬
‫فئ َ ً‬
‫م ِ‬
‫ذا ل َ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قيت ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه ك َِثيًرا ل ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫واذْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫فاث ْب ُُتوا ْ َ‬
‫فل َحون)‪َ (45‬‬
‫ول َ‬
‫وأ ِ‬
‫تُ ْ ُ َ‬
‫طي ُ‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫فت َ ْ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫ت ََناَز ُ‬
‫وت َذْ َ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫ب ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن )‪﴾(46‬‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫كما أوصيكم بالخلص لله ودعائه‪ ،‬والضراعة‬
‫إليه بطلب النصر‪ ،‬والتوكل عليه سبحانه وعدم‬
‫الرياء والعجب‪ ،‬فهو سبحانه هو الناصر‪ ،‬وهو‬
‫َ‬
‫ة المور‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ﴿ :‬يا‬
‫م ُ‬
‫الذي بيده أزِ ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫‪ ()1‬نشرت في مجلة )البحوث السلمية(‪ ،‬العدد ‪ 30‬ص ‪.293‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬اليتان ‪.46 ،45‬‬
‫‪126‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬وقال عز وجل في سورة‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫النفال‪ ،‬يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫والمؤمنين‪﴿ :‬إ ِذْ ت َ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل َك ُ َ‬
‫مد ّ ُ‬
‫ة‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫كم ب ِأل ْ ٍ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫م أّني ُ‬
‫ْ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫شَرى‬
‫مْرِد ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫في َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫ن )‪َ (9‬‬
‫ه ُ‬
‫ن‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ح ِ‬
‫د الل ِ‬
‫عن ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫زيٌز َ‬
‫كي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫سأل َ َ‬
‫عّني َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫فإ ِّني‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫ذا َ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫قريب أ ُ‬
‫ع إِ َ‬
‫ن‬
‫دا‬
‫ال‬
‫ة‬
‫و‬
‫ع‬
‫د‬
‫ب‬
‫جي‬
‫َ‬
‫ذا دَ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ ِ ٌ‬
‫ِ‬
‫عا ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ول ْي ُ ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنوا ْ ِبي ل َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫جيُبوا ْ ِلي َ‬
‫)‪(3‬‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ي َْر ُ‬
‫م‬
‫دو َ‬
‫ش ُ‬
‫ل َرب ّك ُ ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫عوِني أ َ‬
‫ن‬
‫ت‬
‫س‬
‫ادْ ُ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ج ْ‬
‫ْ‬
‫ذي َ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫م‬
‫سي َدْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫خُلو َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫عَبادَِتي َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫هن ّ َ‬
‫ن﴾)‪.(4‬‬
‫دا ِ‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫خ ِ‬
‫كما أوصيكم بالصدق عند اللقاء‪ ،‬وعدم الفرار‬
‫َ‬
‫ها‬
‫من الزحف؛ لقول الله عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫حفا ً‬
‫ن كَ َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ذا ل َ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫فُروا ْ َز ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫قيت ُ ُ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫من ي ُ َ ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫وّلو ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫م الدَْباَر)‪َ (15‬‬
‫فل َ ت ُ َ‬
‫ول ِ‬
‫َ‬
‫حّيزا ً‬
‫حّرفا ً ل ّ ِ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫مت َ َ‬
‫مت َ َ‬
‫و ُ‬
‫ذ دُب َُرهُ إ ِل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫لأ ْ‬
‫قَتا ٍ‬
‫يَ ْ‬

‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫النفال‪ ،‬اليتان ‪.10 ،9‬‬
‫البقرة‪ ،‬الية ‪.186‬‬
‫غافر‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪127‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ضب من الل ّه ومأ ْ‬
‫ف َ‬
‫ة َ‬
‫ه‬
‫قدْ َباء ب ِ َ‬
‫إ َِلى ِ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫غ َ ٍ ّ َ‬
‫وا ُ‬
‫ِ َ َ َ‬
‫صيُر﴾)‪.(1‬‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫س ال ْ َ‬
‫هن ّ ُ‬
‫وب ِئ ْ َ‬
‫م َ‬
‫وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫قال‪)) :‬اجتنبوا السبع الموبقات(( وذكر منها‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬التولي‬
‫يوم الزحف(()‪ .(2‬وقد وعد الله أولياءه‬
‫المجاهدين في سبيله بإحدى الحسنيين‪ :‬إما‬
‫النصر أو الشهادة‪ ،‬كما قال عز وجل‪ُ ﴿ :‬‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ل َ‬
‫ن‬
‫صو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫دى ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ب َِنا إ ِل ّ إ ِ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح ُ‬
‫ت ََرب ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫سن َي َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫م أن ي ُ ِ‬
‫ه بِ َ‬
‫م ْ‬
‫ب ّ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صيب َك ُ ُ‬
‫ص ب ِك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ن َت ََرب ّ ُ‬
‫َ‬
‫عند َ‬
‫ع ُ‬
‫ديَنا َ‬
‫كم‬
‫و ب ِأي ْ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫م َ‬
‫صوا ْ إ ِّنا َ‬
‫فت ََرب ّ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ن﴾)‪ .(3‬وأوصيكم أيضا ً أيها المسلمون‬
‫صو َ‬
‫ّ‬
‫مت ََرب ّ ُ‬
‫المرابطون‪ ،‬بالمحافظة على الصلوات الخمس‬
‫والعناية بها‪ ،‬فإنها عمود السلم‪ ،‬وأعظم‬
‫الفرائض بعد الشهادتين‪ ،‬قال الله عز وجل‪﴿ :‬‬
‫ف ُ‬
‫ة‬
‫ظوا ْ َ‬
‫حا ِ‬
‫صل َ ِ‬
‫وا ِ‬
‫َ‬
‫ت وال ّ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫صل َ َ‬
‫)‪(4‬‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وأثنى‬
‫موا ْ ل ِل ّ ِ‬
‫و ْ‬
‫قان ِِتي َ‬
‫قو ُ‬
‫طى َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫على المحافظين عليها في كتابه الكريم فقال‪﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬اليتان ‪.16 ،15‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الوصايا(‪ ،‬باب )قول الله‪" :‬إن الذين يأكلون‬
‫أموال اليتامى ظلما ً "(‪ ،‬برقم ‪ ،2767‬و في )الحدود( ‪ ،‬باب )رمي‬
‫المحصنات(‪ ،‬برقم ‪ ،6857‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان الكبائر‬
‫وأكبرها(‪ ،‬برقم ‪89‬‬
‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.52‬‬
‫‪ ()4‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.238‬‬
‫‪128‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قدْ أ َ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫في‬
‫م ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن)‪ (1‬ال ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فل َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫َ َ‬
‫ن)‪ ،(1)﴾(2‬ثم ذكر صفات‬
‫م َ‬
‫خا ِ‬
‫عو َ‬
‫ش ُ‬
‫ه ْ‬
‫صلت ِ ِ‬
‫م‬
‫ن ُ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫عظيمة ختمها بقوله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ُ‬
‫ف ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫ك ُ‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫م يُ َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ن)‪(9‬أ ْ‬
‫صل َ َ‬
‫وات ِ ِ‬
‫س‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ن )‪ (10‬ال ّ ِ‬
‫رُثو َ‬
‫رُثو َ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫فْردَ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن يَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬وهي من أعظم ما‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫يعين على جهاد العداء‬

‫‪ ()1‬سورة المؤمنون‪ ،‬اليتان ‪.2 ،1‬‬
‫‪ ()2‬سورة المؤمنون‪ ،‬اليات ‪.11 9‬‬
‫‪129‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ومصابرتهم‪ ،‬كما قال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه‬
‫ست َ ِ‬
‫صل َ ِ‬
‫ة إِ ّ‬
‫مُنوا ْ ا ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫آ َ‬
‫وال ّ‬
‫عيُنوا ْ ِبال ّ‬
‫ر َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫َ‬
‫ع ال ّ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫كما أوصيكم بحسن الظن بالله‪ ،‬وأنه سبحانه‬
‫الصادق في وعده‪ .‬وقد وعد سبحانه أنه ينصر‬
‫من نصر دينه‪ ،‬ووعد أنه مع المتقين‪ ،‬فقال عز‬
‫ت‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫وجل‪ِ﴿ :‬إن َتن ُ‬
‫م َ‬
‫أَ ْ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬وقال سبحانه في سورة البقرة‪:‬‬
‫ق َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫م ِبال ّ‬
‫﴿ال ّ‬
‫ر ال ْ َ‬
‫هُر ال ْ َ‬
‫حَرا ُ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ه ِ‬
‫حَرام ِ‬
‫ص َ‬
‫م‬
‫دى َ‬
‫نا ْ‬
‫ت ِ‬
‫عت َ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ما ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫حُر َ‬
‫صا ٌ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫دى َ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ َ‬
‫فا ْ‬
‫ه بِ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫عت َ َ‬
‫عت َ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫مث ْ ِ‬
‫َ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ع‬
‫وا ْ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫)‪(3‬‬
‫ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وصح عن رسول الله صلى الله‬
‫مت ّ ِ‬
‫قي َ‬
‫ال ُ‬
‫عليه وسلم أنه قال‪)) :‬يقول الله عز وجل‪ :‬أنا‬
‫عند ظن عبدي بي‪ ،‬وأنا معه إذا دعاني(()‪.(4‬‬
‫وأوصيكم جميعا ً بالتناصح بينكم والتعاون‬
‫على البر والتقوى‪ ،‬والتواصي بالحق والصبر‬
‫عَلى‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عا َ‬
‫عليه‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫وُنوا ْ َ َ‬
‫والت ّ ْ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫عا َ‬
‫وى َ‬
‫ق َ‬
‫اْلبّر َ‬
‫على ال ِث ْم ِ‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.153‬‬
‫‪ ()2‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ()3‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.194‬‬
‫‪ ()4‬رواه مسلم في )الذكر والدعاء والتوبة(‪ ،‬باب )فضل الذكر‬
‫والدعاء والتقرب إلى الله تعالى(‪ ،‬برقم ‪.2675‬‬
‫‪130‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وات ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫ش ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫دي ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫عدْ َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ال ِ‬
‫ر)‪ (1‬إ ِ ّ‬
‫وال َ‬
‫قا ِ‬
‫ع ْ‬
‫ب﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ص ِ‬
‫مُنوا‬
‫في ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ر)‪ (2‬إ ِّل ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫س ٍ‬
‫ا ِْ‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وا ِبال ْ َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫وا َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال النبي صلى الله‬
‫وا ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫عليه وسلم‪)) :‬الدين النصيحة‪ ،‬الدين النصيحة‪،‬‬
‫الدين النصيحة(( قيل‪ :‬لمن يا رسول الله‪ .‬قال‪:‬‬
‫))لله‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله‪ ،‬ولئمة المسلمين‬
‫وعامتهم(()‪.(3‬‬
‫والله المسئول أن يمنحكم التوفيق‪ ،‬وأن‬
‫يعينكم على كل ما فيه رضاه‪ ،‬وأن ينصر بكم‬
‫الحق وحزبه‪ ،‬ويخذل بكم الباطل وأهله‪ ،‬وأن‬
‫يجعل دائرة السوء على الظالمين المعتدين‪،‬‬
‫وأن يحسن العاقبة لعباده المؤمنين؛ إنه جواد‬
‫كريم‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى‬
‫آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫الرئيس العام لرابطة‬
‫العالم السلمي بمكة المكرمة‬
‫والرئيس العام لدارات البحوث‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.2‬‬
‫‪ ()2‬سورة العصر‪ ،‬اليات ‪.3 1‬‬
‫‪ ()3‬رواه المام أحمد في )مسند الشاميين(‪ ،‬حديث تميم الداري‪،‬‬
‫برقم ‪ ،16499‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان أن الدين النصيحة(‪،‬‬
‫برقم ‪.55‬‬
‫‪131‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫العلمية والفتاء والدعوة والرشاد‬
‫في المملكة العربية السعودية‬
‫عبد العزيز بن عبد الله بن باز‬

‫‪132‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -38‬دفاع المسلمين عن بلدهم من‬
‫الجهاد‬
‫س‪ :‬أبناؤكم المرابطون على الجبهة‬
‫يسألون سماحتكم‪:‬عما إذاكان لهم‬
‫أجر المرابطة في سبيل الله‪ ..‬وأنتم‬
‫تعلمون أنهم يواجهون عدوًا‪ ،‬ثبت‬
‫من سلوكياته أنه ل يرعى عهدا ً ول‬
‫يحفظ حقًا؟ ويسألون أيضا ً هل‬
‫يدخل في الجهاد الدفاع عن الوطن‬
‫والعرض والممتلكات؟ كما يأملون‬
‫)‪(1‬‬
‫توجيه نصيحة لهم ؟‬
‫ج‪ :‬قد دل الكتاب والسنة الصحيحة‪ ،‬على أن‬
‫الرباط في الثغور من الجهاد في سبيل الله‪،‬‬
‫لمن أصلح الله نيته؛ لقول الله جل وعل‪َ﴿ :‬يا‬
‫َ‬
‫صاب ُِروا ْ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و َ‬
‫مُنوا ْ ا ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫وَراب ِ ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ن﴾)‪،(2‬‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫طوا ْ َ‬
‫َ‬
‫وقول النبي صلى الله عليه وسلم((‪:‬رباط يوم‬
‫وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر‬
‫وقيامه‪ ،‬وإن مات جرى عليه عمله الذي كان‬
‫‪ ()1‬نشر في كتاب )فتاوى إسلمية(‪ ،‬من جمع الشيخ محمد المسند‬
‫ج ‪ 2‬ص ‪.259‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.200‬‬
‫‪133‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يعمله‪ ،‬وأجرى عليه رزقه‪ ،‬وأمن الفتان)))‪.(1‬‬
‫رواه المام مسلم في صحيحه‪ ،‬وفي‬
‫الصحيحين‪ ،‬عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪((:‬رباط يوم‬
‫في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها‪ ،‬وموضع‬
‫سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما‬
‫عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو‬
‫الغدوة خير من الدنيا وما عليها(()‪.(2‬‬
‫وفي صحيح البخاري رحمه الله عن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم أنه قال‪)) :‬من أغبرت قدماه‬
‫في سبيل الله‪ ،‬حرمه الله على النار(()‪.(3‬‬
‫ولشك أن الدفاع عن الدين والنفس والهل‬
‫والمال والبلد وأهلها‪ ،‬من الجهاد المشروع‪،‬‬
‫ومن يقتل في ذلك وهو مسلم يعتبر شهيدًا؛‬
‫لقول النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬من قتل‬
‫دون دينه فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون ماله فهو‬

‫‪ ()1‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الرباط في سبيل الله(‬
‫برقم ‪.1913‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجمعة(‪ ،‬باب )المشي إلى الجمعة(‪ ،‬برقم‬
‫‪.907‬‬
‫‪134‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫شهيد‪ ،‬ومن قتل دون أهله فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل‬
‫دون دمه فهو شهيد(()‪.(1‬‬
‫ونوصيكم أيها المرابطون في الجبهة‪ ،‬بتقوى‬
‫الله‪ ،‬والخلص لله في جميع أعمالكم‪،‬‬
‫والمحافظة على الصلوات الخمس في‬
‫الجماعة‪ ،‬والكثار من ذكر الله عز وجل‬
‫والستقامة على طاعة‬

‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )الديات(‪ ،‬باب )ما جاء فيمن قتل دون ماله‬
‫فهو شهيد( برقم ‪.1421‬‬
‫‪135‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله ورسوله‪ ،‬والحرص على اتفاق الكلمة‪،‬‬
‫وعدم التنازع‪ ،‬والصبر والمصابرة في ذلك‬
‫بنفس مطمئنة‪ ،‬وحسن الظن بالله‪ ،‬والحذر من‬
‫جميع معاصيه‪.‬‬
‫ومن أجمع اليات فيما ذكرنا‪ ،‬قوله عز وجل‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫في سورة النفال‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ة َ‬
‫ه ك َِثيًرا‬
‫فئ َ ً‬
‫م ِ‬
‫لَ ِ‬
‫واذْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫قيت ُ ْ‬
‫فاث ْب ُُتوا ْ َ‬
‫فل َحون )‪َ (45‬‬
‫ه‬
‫وأ ِ‬
‫م تُ ْ ُ َ‬
‫طي ُ‬
‫لّ َ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫فت َ ْ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ب‬
‫ول َ ت ََناَز ُ‬
‫وت َذْ َ‬
‫ه َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري ُ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫‪. ﴾(46‬‬
‫سدد الله خطاكم‪ ،‬وثبتكم على دينه‪ ،‬ونصر‬
‫بكم وبمن معكم الحق‪ ،‬وخذل بكم الباطل‬
‫وأهله‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫عبد العزيز بن عبد الله بن باز‬
‫مفتي عام المملكة‬

‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬اليتان ‪.46 ،45‬‬
‫‪136‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -39‬حكم الله تعالى في جهاد أعدائه‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا‬
‫وإمامنا محمد بن عبد الله‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‪،‬‬
‫ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين‪،‬‬
‫أما بعد)‪:(1‬‬
‫فنرى‪ ،‬أنه من المهم بيان حكم الله سبحانه‬
‫وتعالى في جهاد أعدائه بالمال والنفس‬
‫واللسان‪ ،‬وقد أكثر الله سبحانه من ذكر الجهاد‬
‫في كتابه الكريم‪ ،‬وهكذا نبيه عليه الصلة‬
‫والسلم جاءت عنه الحاديث الصحيحة تأمر‬
‫بالجهاد‪ ،‬وتدعو إليه وتشجع عليه‪ ،‬وتذكر فضل‬
‫أهله‪ ،‬وما لهم عند الله من المثوبة العظيمة‪.‬‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫فا‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫ومن هذا قوله سبحانه‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫َ‬
‫قال ً وجاهدوا ْ بأ َ‬
‫ُ‬
‫وأن ُ‬
‫وث ِ َ‬
‫في‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ َ ِ ُ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ل الل ِ‬
‫َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر لك ُ ْ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪ ،‬فأمر سبحانه بالجهاد بالمال‪،‬‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫والنفس‪ ،‬وبالنفير خفافا ً وثقا ً‬
‫ل‪ ،‬وما ذاك إل‬
‫لعظم شأن الجهاد‪ ،‬وشدة الحاجة إليه؛ لما‬
‫‪ ()1‬وجهت هذه الكلمة عبر إذاعة المملكة العربية السعودية‪ ،‬ثم‬
‫نشرت في جريدة )الرياض( العدد ‪ 8245‬بتاريخ ‪5/7/1411‬هـ‪ ،‬وفي‬
‫هذا المجموع ج ‪ 7‬ص ‪.336‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪137‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يحصل به من رفع راية السلم ورفع أعلمه‪،‬‬
‫وتنفيذ أحكامه‪ ،‬وإزاحة‬

‫‪138‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫العقبات عن طريق دعوته‪ ،‬ولما في الجهاد‬
‫أيضا ً من نشردين الله‪ ،‬وبيان حقه على عباده‪،‬‬
‫ولما فيه أيضا ً من إخراج الناس من الظلمات‬
‫إلى النور‪ ،‬وإخراجهم من حكم الطاغوت إلى‬
‫حكم الله عز وجل ومن ضيق الدنيا وظلمها‬
‫وجورها إلى سعة السلم وعدل السلم‪.‬‬
‫وقال جل وعل في كتابه الكريم أيضًا‪َ﴿ :‬يا‬
‫ه ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫جاَر ٍ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫عَلى ت ِ َ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذاب أ َ‬
‫جي ُ‬
‫م)‪ (10‬ت ُ ْ‬
‫ن‬
‫لي‬
‫ن َ‬
‫ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ع َ ٍ‬
‫ُتن ِ‬
‫ٍ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫وَر ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م ِإن‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ن)‪ ،(1)﴾(11‬فأخبرسبحانه وتعالى‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫أن التجارة المنجية من العذاب الليم هي‬
‫اليمان والجهاد‪ ،‬وشوق إليها سبحانه وتعالى‬
‫َ‬
‫جي ُ‬
‫ع َ‬
‫م)‪،﴾(10‬‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫بقوله‪ُ﴿ :‬تن ِ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫ه ْ َ‬
‫م ﴾‪.‬‬
‫وبقوله‪َ ﴿ :‬‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫فالداعي هو الله سبحانه وتعالى والواسطة‬
‫هو محمد عليه الصلة والسلم وهو الذي أنزل‬
‫الله عليه الكتاب العظيم وبلغه إلينا‪ ،‬والتجارة‬
‫المنجية من عذاب أليم هي إيماننا بالله سبحانه‬
‫وبرسوله إيمانا ً صادقًا‪ ،‬يتضمن توحيده‬
‫والخلص له وطاعة أوامره‪ ،‬وترك نواهيه‪،‬‬
‫والوقوف عند حدوده سبحانه وتعالى‪ ،‬ومن‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليتان ‪.11 ،10‬‬
‫‪139‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جملة طاعته وطاعة رسوله الجهاد في سبيل‬
‫الله عز وجل ولهذا ذكر الجهاد بعد اليمان؛‬
‫تنبيها ً على عظم شأنه‬
‫وشدة الحاجة إليه‪ ،‬وإل فمن المعلوم أنه من‬
‫ُ‬
‫شعب اليمان‪ ،‬حتى قال بعض أهل العلم‪ :‬إن‬
‫الجهاد هو الركن السادس من أركان السلم‪،‬‬
‫وما ذاك إل لعظم ما يترتب عليه من المصالح‬
‫العظيمة‪ ،‬فهو شعبة عظيمة‪ ،‬وفرض عظيم من‬
‫فروض اليمان‪ ،‬وهو يكون بالنفس‪ ،‬ويكون‬
‫بالمال‪ ،‬ويكون باللسان‪ ،‬ويكون بأنواع التسهيل‬
‫الذي يعين المجاهدين على قتال عدوهم‪.‬‬
‫فالدعوة إلى الله والرشاد إليه‪ ،‬والتشجيع‬
‫على الجهاد‪ ،‬والتحذير من التخلف والجبن‪ ،‬كل‬
‫هذا من الجهاد باللسان‪ ،‬ونصيحة المجاهدين‪،‬‬
‫وبيان ما أعد الله لهم من الخير والعاقبة‬
‫الحميدة‪ ،‬كله من الجهاد باللسان‪ ،‬والنفاق في‬
‫سبيل الله في مصالح الجهاد‪ ،‬وفي حاجة‬
‫المجاهدين وتجهيزهم‪ ،‬وإعطائهم السلح واللة‬
‫المركوبة من‪ :‬طائرة ومن سيارة ومن غير‬
‫ذلك‪ ،‬كل ذلك من الجهاد في سبيل الله بالمال‪.‬‬
‫وبّين سبحانه وتعالى في الية الكريمة‪ ،‬أن‬
‫اليمان والجهاد هما التجارة المنجية من عذاب‬
‫الله‪ ،‬فما أشرفه من عمل ! وما أعظمه من‬
‫عمل !‬
‫‪140‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬رأس‬
‫المر السلم‪ ،‬وعموده الصلة‪ ،‬وذروة سنامه‬
‫الجهاد في سبيل الله(()‪ ،(1‬وقال عليه الصلة‬
‫والسلم‪)) :‬غدوة في سبيل الله أو روحة خير‬
‫من الدنيا وما عليها(()‪ ،(2‬ولكن الجهاد بالمال له‬
‫شأن عظيم‪ ،‬فهو أوسع أنواع الجهاد؛ لن المال‬
‫يستعان به على استخدام الرجال واستخدام‬
‫السلح واستخدام الدعاة‪ ،‬فالمال أوسعها‬
‫وأكثرها نفعًا‪ ،‬ولهذا بدأ به الله في اليات قبل‬
‫النفس في أغلب اليات‪ ،‬بدأ الله بالمال قبل‬
‫النفس‪ ،‬وما ذاك إل لعظم نفعه‪ ،‬وكثرة ما‬
‫يحصل به من الخير والعون للمجاهدين‪.‬‬
‫فالجهاد بالمال جهاد عظيم‪ ،‬ينفع المجاهدين‬
‫ويعينهم على عدوهم؛ بصرفه في استخدام‬
‫المجاهدين وتجهيزهم‪ ،‬وتفريغهم للجهاد‪،‬‬
‫والحسان إلى عوائلهم‪ ،‬ويصرف أيضا ً في‬
‫شراء السلح الذي يجاهد به‪ ،‬ويصرف أيضا ً في‬
‫حاجتهم من اللباس والطعام والخيام وغير ذلك‪،‬‬
‫ومصالحه كثيرة؛ ولهذا بدأ الله به في أغلب‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫فا‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫اليات‪ ،‬كما في قوله سبحانه‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند النصار(‪ ،‬حديث معاذ بن جبل برقم‬
‫‪ ،21511‬والترمذي في )اليمان(‪ ،‬باب )ما جاء في حرمة الصلة(‬
‫برقم ‪.2616‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪141‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قال ً وجاهدوا ْ بأ َ‬
‫ُ‬
‫وَأن ُ‬
‫وث ِ َ‬
‫في‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ َ ِ ُ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ّ‬
‫ه﴾ ‪ ،‬وفي هذه اليات يقول جل‬
‫ل الل ِ‬
‫َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫جي ُ‬
‫كم‬
‫جاَر ٍ‬
‫تِ َ‬
‫ة ُتن ِ‬

‫ذاب أ َ‬
‫م)‪(10‬ت ُ ْ‬
‫ه‬
‫لي‬
‫ن َ‬
‫ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ع َ ٍ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م ِإن ُ‬
‫وأن ُ‬
‫ن)‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر لك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫‪(11‬ي َ ْ‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م َ‬
‫خلك ْ‬
‫م ذُُنوب َك ْ‬
‫فْر لك ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ري ِ‬
‫من ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫هاُر َ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م)‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫و َ‬
‫ح‬
‫وأ ُ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫‪َ (12‬‬
‫)‪( 2‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾ ‪ .‬وهذا فضل من الله‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫عز وجل أن المجاهدين تحصل لهم هذه المور‬
‫العظيمة‪ :‬غفران الذنوب‪ ،‬ودخول الجنة‪ ،‬والنجاة‬
‫من النار‪ ،‬ومع كل ذلك فتح قريب ينصرهم الله‬
‫ويؤيدهم على أعدائهم‪ ،‬إذا صدقوا واستقاموا‬
‫وصابروا‪ ،‬كما قال عز وجل في حق المجاهدين‪﴿ :‬‬
‫وإن تصبروا وتتقوا ل يضركم كيدهم‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()2‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪142‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫شيئا ً﴾‪ .‬هذا وعده لهل اليمان إذا جاهدوا عدوهم‬
‫وصبروا واتقوا ربهم‪ ،‬فالله ينصرهم ويعينهم‬
‫وِإن‬
‫ويكفيهم شر أعدائهم‪،‬كما قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫ٌ )‪( 1‬‬
‫حيط﴾ ‪.‬‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫َ‬
‫مُنوا ِإن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ويقول جل وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪،(2‬‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫َتن ُ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫ويقول سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫في‬
‫ع‬
‫ق‬
‫ي َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز)‪(40‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫و ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫كاةَ َ‬
‫ْ َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ض أَ َ‬
‫مُروا‬
‫وأ َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫الْر ِ‬
‫ة‬
‫ه َ‬
‫وا َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫منك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ر﴾)‪،(3‬‬
‫اْل ُ‬
‫مو ِ‬

‫العاقبة لله سبحانه وتعالى يجعلها لمن يشاء‬
‫سبحانه وتعالى فإذا صبر أهل اليمان واتقوا‬
‫ربهم‪ ،‬وجاهدوا في سبيله عن إيمان وإخلص‪،‬‬
‫وأعدوا العدة اللزمة‪ ،‬فإن الله ينصرهم‬
‫ويعينهم‪ ،‬ويجعل العاقبة لهم سبحانه وتعالى كما‬
‫وعد سبحانه وتعالى بذلك‪.‬‬
‫سب َ َ‬
‫ول َ َ‬
‫مت َُنا‬
‫ق ْ‬
‫قد ْ َ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫ويقول جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫م‬
‫لِ ِ‬
‫م لَ ُ‬
‫ن)‪ (171‬إ ِن ّ ُ‬
‫مْر َ‬
‫سِلي َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَباِدَنا ال ْ ُ‬

‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪ ()2‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ()3‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.41 ،40‬‬
‫‪143‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م‬
‫وإ ِ ّ‬
‫صوُرو َ‬
‫ن ُ‬
‫جندََنا ل َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫من ُ‬
‫ن)‪َ (172‬‬
‫)‪.(4‬‬
‫ن)‪﴾(173‬‬
‫ال ْ َ‬
‫غال ُِبو َ‬
‫فالصبر والصدق والتقوى لله عز وجل هي‬
‫أسباب النصروعناصرالفوز‪.‬‬
‫والله المسئول سبحانه أن ينصر دينه ويعلي‬
‫كلمته‪ ،‬إنه سبحانه وتعالى جواد كريم‪ ،‬ول حول‬
‫ول قوة إل بالله‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪،‬‬
‫وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا‬
‫محمد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‪ ،‬ومن تبعهم بإحسان‬
‫إلى يوم الدين‪.‬‬

‫‪ ()4‬سورة الصافات‪ ،‬اليات ‪.173 171‬‬
‫‪144‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -40‬ليس الجهاد للدفاع‬
‫فقط‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الله وسلم‬
‫وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه‪،‬‬
‫نبينا محمد وعلى آله وأصحابه‪ ،‬ومن سلك‬
‫سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين‪ ،‬ونسأله عز‬
‫وجل التوفيق لصابة الحق؛ إنه على كل شيء‬
‫قدير)‪.(1‬‬
‫أما بعد‪ :‬فلما كان الكثير من كتاب العصر‬
‫قد التبس عليهم المر في أمر الجهاد‪ ،‬وخاض‬
‫كثير منهم في ذلك بغير علم‪ ،‬وظنوا أن الجهاد‬
‫إنما شرع للدفاع عن السلم‪ ،‬وعن أهل‬
‫السلم‪ ،‬ولم يشرع ليغزو المسلمون أعداءهم‬
‫في بلدهم‪ ،‬ويطالبوهم بالسلم ويدعوهم إليه‪،‬‬
‫فإن استجابوا وإل قاتلوهم على ذلك‪ ،‬حتى‬
‫تكون كلمة الله هي العليا‪ ،‬ودينه هو الظاهر‪.‬‬
‫لما كان هذا واقعا ً من بعض الناس‪ ،‬وصدر‬
‫فيه رسائل وكتابات كثيرة‪ ،‬رأيت أن من‬
‫‪ ()1‬محاضرة ألقاها سماحة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن عبد الله بن باز‪،‬‬
‫عندما كان نائبا ً لرئيس الجامعة السلمية بالمدينة المنورة‪ ،‬في دار‬
‫الحديث بالمدينة المنورة‪ ،‬في أول موسم المحاضرات لعام ‪88‬‬
‫‪89‬هـ في الجهاد‪ ،‬ونشرت في ج ‪ 3‬من هذا المجموع ص ‪201 171‬‬
‫‪145‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المستحسن‪ ،‬بل مما ينبغي أن تكون محاضرتي‬
‫في هذه الليلة‪ ،‬في هذا الشأن بعنوان‪) :‬ليس‬
‫الجهاد للدفاع فقط(‪ .‬فأقول والله سبحانه‬
‫وتعالى هو الموفق إلى سواء السبيل‪:‬‬
‫إن الله عز وجل‪ ،‬وله الحمد والمنة بعث‬
‫الرسل وأنزل الكتب لهداية الثقلين من الجن‬
‫والنس‪ ،‬ولخراجهم من الظلمات إلى النور‬
‫فضل ً منه وإحسانًا‪ .‬وكان الله عز وجل قد فطر‬
‫العباد على معرفته وتوحيده‪ ،‬وخلقهم لهذا‬
‫المر‪ ،‬خلقهم ليعبدوه ويطيعوه‪ .‬ولكنه سبحانه‬
‫لعلمه بأحوالهم‪ ،‬وأن عقولهم ل يمكن أن‬
‫تستقل بمعرفة تفاصيل عبادته التي ترضيه عز‬
‫وجل ول يمكن أن تستقل بمعرفة الحكام‬
‫العادلة التي ينبغي أن يسيروا عليها‪ ،‬ول يمكن‬
‫أن تستقل بمعرفة الخلق والصفات التي‬
‫ينبغي أن يتخلقوا بها‪ ،‬أرسل سبحانه وتعالى‬
‫رسل مبشرين ومنذرين‪ ،‬ليوجهوا أهل الرض‬
‫من المكلفين‪ ،‬إلى توحيده سبحانه والخلص‬
‫له‪ ،‬وبيان الخلق والعمال التي ترضيه سبحانه‬
‫وليحذروهم من العمال والخلق التي تغضبه‬
‫عز وجل وليرسموا لهم النظم والخطط التي‬
‫ينبغي أن يسيروا عليها‪،‬وأنزل الكتب ليضاح هذا‬
‫المر وبيانه‪ ،‬لنه سبحانه هو العالم بأحوال‬
‫عباده‪ ،‬العالم بما يصلحهم‪ ،‬العالم بما فيه‬
‫‪146‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سعادتهم العاجلة والجلة‪ ،‬فهو عالم بأحوالهم‬
‫الحاضرة‪ ،‬وبأحوالهم الماضية‪ ،‬وبأحوالهم‬
‫المستقبلة‪ ،‬فلهذا أرسل الرسل‪،‬وأنزل الكتب؛‬
‫لبيان حقه والرشاد إليه‪ ،‬وتوجيه‬
‫الناس إلى أسباب النجاة‪ ،‬وإلى طرق السعادة‬
‫في المعاش والمعاد‪ ،‬وأنزل الكتب لبيان هذا‬
‫المر العظيم‪ ،‬قال جل وعل في كتابه المبين‪﴿ :‬‬
‫ن‬
‫مُنوا ْ ي ُ ْ‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ج ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫هم ّ‬
‫نآ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫خ ِ‬
‫فُروا ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫ذي َ‬
‫الظّل ُ َ‬
‫ر َ‬
‫ت إ َِلى الن ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ول َِيآ ُ‬
‫ر‬
‫ت يُ ْ‬
‫ؤ ُ‬
‫ر ُ‬
‫غو ُ‬
‫جون َ ُ‬
‫م َ‬
‫هم ّ‬
‫ه ُ‬
‫أ ْ‬
‫ن َ الّنو ِ‬
‫خ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ها‬
‫ما ِ‬
‫ت﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫إ َِلى الظّل ُ َ‬
‫ه ِذك ًْرا ك َِثيًرا)‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مُنوا اذْك ُُروا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫‪(41‬وسبحوه بك ْرةً َ‬
‫ذي‬
‫صيًل)‪ُ (42‬‬
‫و ال ّ ِ‬
‫وأ ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ َ ّ ُ ُ ُ َ‬
‫ج ُ‬
‫ن‬
‫ه ل ِي ُ ْ‬
‫صّلي َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫كم ّ‬
‫مَلئ ِك َت ُ ُ‬
‫و َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫يُ َ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ما ِ‬
‫كا َ‬
‫مِني َ‬
‫ن ِبال ْ ُ‬
‫الظّل ُ َ‬
‫ر َ‬
‫ت إ َِلى الّنو ِ‬
‫م ي َل ْ َ‬
‫م‬
‫ما)‪(43‬ت َ ِ‬
‫َر ِ‬
‫سَل ٌ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫حي ّت ُ ُ‬
‫ون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫حي ً‬
‫ق ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما﴾)‪ ،(2‬وقال عز وجل‪﴿ :‬‬
‫ري‬
‫ك‬
‫را‬
‫ج‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ ً‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫)‪(3‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خل ْ‬
‫ن﴾ ‪،‬‬
‫وا‬
‫ما َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫س إ ِل ل ِي َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ج ّ‬
‫و َ‬
‫لن َ‬
‫ت ال ِ‬
‫دو ِ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وقال سبحانه وتعالى‪﴿ :‬ل َ‬
‫سلَنا‬
‫سلَنا ُر ُ‬
‫قدْ أْر َ‬
‫بال ْبيَنات َ‬
‫ن‬
‫وال ْ ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫م َ‬
‫ِ َ ّ‬
‫ع ُ‬
‫ه ُ‬
‫وأنَزل َْنا َ‬
‫ب َ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ل ِي َ ُ‬
‫د‬
‫س ِبال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫س ِ‬
‫دي َ‬
‫وأنَزل َْنا ال ْ َ‬
‫قو َ‬
‫ق ْ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ط َ‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.257‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحزاب‪ ،‬اليات ‪.44 – 41‬‬
‫‪ ()3‬سورة الذاريات‪ ،‬الية ‪.56‬‬
‫‪147‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فيه بأ ْ‬
‫َ‬
‫س‬
‫نا‬
‫لل‬
‫ع‬
‫ف‬
‫نا‬
‫م‬
‫و‬
‫د‬
‫دي‬
‫ش‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫ِ ِ َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫ه ِبال ْ َ‬
‫وُر ُ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫من َين ُ‬
‫صُرهُ َ‬
‫َ‬
‫زيٌز )‪.(1)﴾(25‬‬
‫ي َ‬
‫و ّ‬
‫ع ِ‬
‫ق ِ‬
‫وبين الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يخرج‬
‫الناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬وذلك بإرسال‬
‫الرسل وإنزال الكتب‪ ،‬وبين أن رسله أرسلوا‬
‫بالبينات‪ ،‬وأنزل معهم سبحانه الكتاب والميزان‬
‫بالقسط‪.‬‬
‫والمراد بالكتاب‪ :‬الكتب السماوية‪ ،‬وهي كلمه‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫جل وعل وهو الذي ل أصدق منه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫قيل ً﴾)‪.(2‬‬
‫ه ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫صدَقُ ِ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫والميزان‪ ،‬وهو العدل‪ :‬يعني الشرائع‬
‫المستقيمة‪ ،‬والحكام العادلة التي تشتمل على‬
‫أسباب السعادة في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫هكذا أرسل الرسل‪ ،‬وهكذا أنزل الكتب‪،‬‬
‫أنزل الكتب السماوية التي أشرفها وأعظمها‬
‫كتاب الله العظيم القرآن‪ ،‬وأنزل قبل ذلك‬
‫التوراة والنجيل وكتبا ً أخرى على أنبيائه ورسله‬
‫عليهم الصلة والسلم فيها الشرائع والحكام‪،‬‬
‫والتوجيه إلى الخير‪ ،‬والتحذير من الشر‪ ،‬وكان‬
‫فيما مضى يرسل سبحانه وتعالى إلى كل قوم‬
‫رسول ً منهم‪ ،‬يوجههم إلى الخير‪ ،‬ويأمرهم‬
‫م‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫عل َ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫إِ ّ‬
‫ن الل َ‬

‫‪ ()1‬سورة الحديد‪ ،‬الية ‪.25‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.122‬‬
‫‪148‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بتوحيد الله وينذرهم من الشرك بالله‪ ،‬ويشرع‬
‫سبحانه لهم الشرائع‪ ،‬وهو الحكيم العليم‬
‫الرحيم جل وعل‪ .‬وكل رسول أرسله الله إلى‬
‫أمة‪ ،‬أرسله بالتوحيد الذي هو زبدة دعوة‬
‫الرسل كلهم وأمرهم بحب الله جل وعل‬
‫والخلص له‪ ،‬وتوجيه القلوب إليه سبحانه‬
‫وشرع لهم من الشرائع على لسان رسولهم ما‬
‫يليق بهم‪ ،‬وبمجتمعهم وزمانهم وظروفهم‪ ،‬على‬
‫ما تقتضيه حكمة الرب عز وجل ورحمته ولطفه‬
‫جل وعل وعلمه بأحوالهم سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم رسالة عامة إلى جميع أهل الرض من‬
‫جن وإنس‪ ،‬أرسله الله عز وجل بشريعة صالحة‬
‫لجميع أهل الرض في زمانه‪ ،‬وبعد زمانه إلى‬
‫يوم القيامة عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫هكذا اقتضت حكمة الله عز وجل واجتمعت‬
‫الرسل على الصول والسس عليهم الصلة‬
‫والسلم وتنوعت الشرائع على حسب ظروف‬
‫المم وأحوالهم وبيئاتهم‪ ،‬على ما تقتضيه حكمة‬
‫الخالق العليم‪ ،‬ورحمته عز وجل وإحسانه إليهم‬
‫ولطفه بهم جل وعل‪.‬‬
‫أما جنس التوحيد الذي هو أصل الصول‪،‬‬
‫فقد اجتمعت الرسل عليه‪ ،‬وهكذا بقية الصول‪،‬‬
‫كوجوب الصدق والعدل‪ ،‬وتحريم الكذب‬
‫والظلم‪ ،‬والمر بمكارم الخلق‪ ،‬ومحاسن‬
‫العمال‪ ،‬والنهي عن ضدها‪ ،‬فهذه الصول‬
‫اجتمعت عليها الرسل عليهم الصلة والسلم‬
‫في ك ُ ّ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ة‬
‫عث َْنا ِ‬
‫م ٍ‬
‫قد ْ ب َ َ‬
‫لأ ّ‬
‫كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫جت َن ُِبوا ْ‬
‫نا ْ‬
‫وا ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ّر ُ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫سول ً أ ِ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫سل َْنا‬
‫غو َ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫ت﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫حي إل َي َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫من َ‬
‫ه َل‬
‫ل إ ِّل ُنو ِ‬
‫ِ ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ِ‬
‫من ّر ُ‬
‫ه أن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬

‫‪ ()1‬سورة النحل‪ ،‬الية ‪.36‬‬
‫‪150‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إل َه إّل أ َ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وقال عز وجل‪﴿ :‬‬
‫دو‬
‫ب‬
‫ع‬
‫فا‬
‫نا‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ َ ِ‬
‫مب َ ّ‬
‫ن‬
‫ّر ُ‬
‫ري َ‬
‫سل ً ّ‬
‫ش ِ‬
‫ن ل ِئ َل ّ ي َ ُ‬
‫ة‬
‫ن ِللّنا‬
‫س َ‬
‫ج ٌ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫من ِ‬
‫كو َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ُ‬
‫ري َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ذ ِ‬
‫ِ‬
‫)‪( 2‬‬
‫و َ‬
‫ما ﴾ ‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ح ِ‬
‫كا َ‬
‫زيًزا َ‬
‫بَ ْ‬
‫عدَ الّر ُ‬
‫كي ً‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫س ِ‬
‫ع ِ‬
‫ومن الصول الساسية‪ :‬اليمان بالله ورسوله‬
‫وتوحيده‪ ،‬والخلص له‪ ،‬واليمان باليوم الخر‪،‬‬
‫وبالجنة والنار‪ ،‬واليمان بجميع الرسل‪ ،‬وعدم‬
‫التفريق بينهم‪ ،‬وما أشبه هذه الصول‪ ،‬هذا كله‬
‫مما اجتمعت عليه الرسل جميعًا‪ ،‬وقد جاءت‬
‫الكتب اللهية كلها يصدق بعضها بعضًا‪ ،‬ويؤيد‬
‫بعضها بعضًا‪.‬‬
‫أما جنس الفروع‪ ،‬فقد تنوعت بها الشرائع‪ ،‬فقد‬
‫يباح في شريعة من المسائل الفرعية ما يحرم‬
‫في الشريعة الخرى‪ ،‬وقد يحرم في شريعة‬
‫سابقة ما يباح في شريعة لحقة‪ .‬ومن هذا‪ ،‬أن‬
‫الله جل وعل بعث عيسى عليه الصلة والسلم‬
‫بشريعة التوراة‪ ،‬مع التخفيف والتيسير لبعض ما‬
‫فيها‪ ،‬وإخبارهم ببعض ما اختلفوا فيه‪ ،‬وإحلل‬
‫بعض ما حرم عليهم في التوراة‪ ،‬كل هذا من‬
‫لطفه وتيسيره جل وعل كما قال سبحانه وتعالى‬
‫لما ذكر التوراة والنجيل والقرآن‪ ،‬قال بعد هذا‬
‫‪ ()1‬سورة النبياء‪ ،‬الية ‪.25‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪151‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كله‪﴿ :‬ل ِك ُ ّ‬
‫جا﴾)‪،(1‬‬
‫شْر َ‬
‫ع ً‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫عل َْنا ِ‬
‫ها ً‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫من ْ َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫وهو سبحانه حكيم في شرعه‪ ،‬عليم بما يصلح‬
‫عباده‪ ،‬وما يستطيعون‪ ،‬كما أنه حكيم في أقداره‬
‫سبحانه وتعالى ‪.‬قال جل وعل‪﴿ :‬إ ِّنا َأنَزل َْنا‬
‫م‬
‫ها ُ‬
‫وَراةَ ِ‬
‫وُنوٌر ي َ ْ‬
‫ه ً‬
‫في َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫دى َ‬
‫الت ّ ْ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ْ ل ِل ّ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ها الن ّب ِّيو َ‬
‫ها ُ‬
‫نأ ْ‬
‫بِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫سل َ ُ‬
‫ف ُ‬
‫من‬
‫ح ِ‬
‫ظوا ْ ِ‬
‫والّرّبان ِّيو َ‬
‫ست ُ ْ‬
‫وال َ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫حَباُر ب ِ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫و َ‬
‫داء َ‬
‫خ َ‬
‫ه ُ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫كاُنوا َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب الل ِ‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫ك َِتا ِ‬
‫ش ُ‬
‫ه َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫مًنا‬
‫وا ْ‬
‫شت َُروا ْ ِبآَياِتي ث َ َ‬
‫الّنا َ‬
‫ن َ‬
‫و ِ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫قِليل ً َ‬
‫َ‬
‫وك َت َب َْنا َ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن‬
‫كا ِ‬
‫ُ‬
‫م ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ها أ ّ‬
‫في َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن)‪َ (44‬‬
‫علي ْ ِ‬

‫عي ْن وا َ‬
‫س ِبالن ّ ْ‬
‫الن ّ ْ‬
‫ف‬
‫ف‬
‫لن َ‬
‫وال ْ َ‬
‫عي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ن ِبال ْ َ ِ َ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫با َ‬
‫ن‬
‫وال ُذُ َ‬
‫لن ِ‬
‫ن ِبال ّ‬
‫وال ّ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ِبالذُ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ص َ‬
‫و‬
‫ح ِ‬
‫صدّقَ ب ِ ِ‬
‫جُرو َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫ف َ‬
‫من ت َ َ‬
‫صا ٌ‬
‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ح ُ‬
‫كَ ّ‬
‫ما أنَز َ‬
‫ه‬
‫م يَ ْ‬
‫ل الل ُ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ْ‬
‫و َ‬
‫فاَرةٌ ل ُ‬
‫ه َ‬
‫َ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن)‪ .(2)﴾(45‬هذا كله في‬
‫ك ُ‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫فأ ْ‬
‫شريعة التوراة‪ ،‬وقد أقره الله لهذه المة‪ ،‬وبينه‬
‫لهم مقرا ً له ومشرعا ً في هذه المة‪ ،‬وجاءت‬
‫السنة تؤيد ذلك‪ ،‬وتبين أن هذا شرع الله لهذه‬
‫المة في النفس والعين والنف والذن والسن‪،‬‬
‫كما هو في شريعة الله المعلومة من كتابه‬
‫سبحانه ومن سنة رسوله عليه أفضل الصلة‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.48‬‬
‫‪ ()2‬سورة المائدة‪ ،‬اليتان ‪.45 ،44‬‬
‫‪152‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ق ّ‬
‫و َ‬
‫عَلى‬
‫في َْنا َ‬
‫والسلم‪ .‬ثم قال بعد ذلك‪َ ﴿ :‬‬
‫صد ّ ً‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫عي َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫قا ل ّ َ‬
‫م ُ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫آَثا ِ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫جي َ‬
‫ه‬
‫ل ِ‬
‫في ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ي َدَي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫لن ِ‬
‫ة َ‬
‫ن الت ّ ْ‬
‫وآت َي َْناهُ ا ِ‬
‫صدّ ً‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ه ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ه ً‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫قا ل ّ َ‬
‫و ُ‬
‫م َ‬
‫وُنوٌر َ‬
‫دى َ‬
‫ن﴾)‪ .(1‬فدل‬
‫عظ َ ً‬
‫مت ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫و ُ‬
‫وَرا ِ‬
‫ه ً‬
‫قي َ‬
‫ة ل ّل ْ ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫دى َ‬
‫ة َ‬
‫الت ّ ْ‬
‫ذلك على أن هذا الكتاب العظيم وهو النجيل‬
‫فيه هدى ونور وفيه مواعظ وتوجيهات‪ .‬ثم قال‬
‫بعد ذلك‪﴿ :‬ول ْيحك ُم أ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫َ َ ْ ْ‬
‫لن ِ‬
‫جي ِ‬
‫ِ‬
‫ه ﴾)‪ .(2‬فدل على أن فيه أحكاما ً يحكم‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫الل ّ ُ‬
‫بها أهل النجيل من‬
‫علماء بني إسرائيل‪ .‬ومعلوم أن عيسى عليه‬
‫الصلة والسلم أرسل بشريعة التوراة‪ ،‬ومع‬
‫ذلك أرسل بأشياء غير ما في التوراة‪ ،‬وفي‬
‫شريعته أيضا ً تخفيف وتيسير لبعض ما في‬
‫ح ُ‬
‫ما‬
‫م يَ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫التوراة‪ .‬ثم قال بعد هذا‪َ ﴿ :‬‬
‫ل الل ّه َ ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫س ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫َأنَز َ‬
‫ن﴾ ‪ .‬ثم‬
‫ك ُ‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫ه ُ‬
‫ُ‬
‫فأ ْ‬
‫وَأنَزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ق‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫ح ّ‬
‫قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫صدّ ً‬
‫مًنا‬
‫هي ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫و ُ‬
‫قا ل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫م َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ه َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫ع‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ول َ ت َت ّب ِ ْ‬
‫فا ْ‬
‫كم ب َي ْن َ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫أَ‬
‫جاء َ‬
‫ق ل ِك ُ ّ‬
‫عل َْنا‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫واء ُ‬
‫ْ‬
‫ك ِ‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ع ّ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪ ()2‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪ ()3‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪153‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جا﴾)‪ .(1‬هكذا قال لنبيه‬
‫شْر َ‬
‫ع ً‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ها ً‬
‫من ْ َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫محمد عليه الصلة والسلم وأنزل كتابه القرآن‬
‫بالحق؛ لن الله أنزله بالحق وللحق‪ ،‬فهو جاء‬
‫مشتمل ً على الحق ومؤيدا ً للحق‪ ،‬وشارعا ً‬
‫للحق‪ ،‬ومصدقا ً لما بين يديه من الكتب‬
‫الماضية‪ ،‬والرسل الماضية فيما جاءوا به‪.‬‬
‫فكتاب الله العظيم القرآن مصدق للرسل‬
‫الماضين‪ ،‬ومصدق للكتب الماضية‪ ،‬وشاهد أنها‬
‫من عند الله عز وجل‪ :‬التوراة‪ ،‬والنجيل‪،‬‬
‫والزبور‪ ،‬وصحف موسى وإبراهيم‪ ،‬وغيرها من‬
‫الكتب التي أنزلها الله على الرسل عليهم‬
‫الصلة والسلم ثم بين الله جل وعل أن لكل‬
‫منهم شرعة ومنهاجًا‪ .‬فدل ذلك على أن‬
‫الشرائع التي جاء بها النبياء والرسل متنوعة‬
‫السس؛ من اليمان بالله ورسوله‪ ،‬واليمان‬
‫باليوم الخر‪ ،‬واليمان بالجنة‬
‫والنار‪ ،‬وغير هذا من الحكام العامة التي توجب‬
‫العدل والصدق‪ ،‬وتحريم الظلم والكذب ونحو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫فهذه أصول عامة متبعة‪ ،‬وكان من حكمته‬
‫عز وجل أن أرسل كل رسول بلسان قومه؛‬
‫حتى يفقههم ويفهمهم ما بعث به إليهم بصورة‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.48‬‬
‫‪154‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ما‬
‫و َ‬
‫واضحة‪ ،‬وبيان واضح‪ ،‬ولهذا قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ل إ ِل ّ ب ِل ِ َ‬
‫من ّر ُ‬
‫أْر َ‬
‫ه ل ِي ُب َي ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫سا ِ‬
‫سو ٍ‬
‫م﴾)‪.(1‬‬
‫لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم من‬
‫العرب‪ ،‬وكان العرب هم أول الناس يستمعون‬
‫دعوته‪ ،‬ويواجههم بدعوته‪ ،‬أرسله الله بلسانهم‪،‬‬
‫وإن كان رسول ً للجميع عليه الصلة والسلم‬
‫ولكن الله أرسله بلسان قومه‪ ،‬وجعل قومه‬
‫مبلغين ودعاة إلى من ورائهم من المم‪ ،‬وأمر‬
‫الناس جميعا ً باتباع هذا النبي عليه الصلة‬
‫والسلم والسير على منهاجه‪ ،‬فوجب عليهم أن‬
‫يتبعوه‪ ،‬وأن يعرفوا لغته ولغة كتاب الله‬
‫العظيم‪،‬وهذا النبي العظيم هو محمد عليه‬
‫الصلة والسلم بعثه الله رحمة للعالمين جميعًا‪،‬‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫كما قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬فكما أرسل الرسل قبله رحمة‬
‫عال َ ِ‬
‫ل ّل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫لمن أرسلوا إليه؛ ليوجهوهم وليزيلوا عنه الظلم‬
‫والفساد وأحكام الطواغيت‪ ،‬وليحلوا مكان‬

‫‪ ()1‬سورة إبراهيم‪ ،‬الية ‪.4‬‬
‫‪ ()2‬سورة النبياء‪ ،‬الية ‪.107‬‬
‫‪155‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ذلك النظم الصالحة والحكام العادلة‪ ،‬وهكذا‬
‫أرسل الله محمدا ً صلى الله عليه وسلم أيضًا‪،‬‬
‫ليقضي على النظم الفاسدة في المجتمع‬
‫النساني‪ ،‬والخلق المنحرفة‪ ،‬والظلم والجور‪،‬‬
‫وليحل محلها نظما ً صالحة‪ ،‬وأحكاما ً عادلة‪،‬‬
‫فبعثه صلى الله عليه وسلم ربه؛ ليزيل ما في‬
‫الرض من الظلم والطغيان‪ ،‬وليقضي على‬
‫الفساد‪ ،‬وليزيح النظم الفاسدة والطواغيت‬
‫المستبدة‪ ،‬الذين يتحكمون في الناس بالباطل‪،‬‬
‫ويظلمونهم ويتعدون على حقوقهم‪،‬‬
‫ويستعبدونهم‪.‬‬
‫فبعث الله هذا النبي عليه الصلة والسلم‬
‫ليزيل هذه النظم الفاسدة‪ ،‬والخلق الظالمة؛‬
‫وليقضي على الطغاة المتجبرين والقادة‬
‫المفسدين‪ ،‬وليحل محل ذلك قادة مصلحين‪،‬‬
‫ونظما ً عادلة مستقيمة وشرائع حكيمة عادلة‪،‬‬
‫توقف الناس عند حدهم‪ ،‬ول تفرق بين أبيض‬
‫وأسود‪ ،‬ول بين أحمر وغيره‪ ،‬ول بين غني‬
‫وفقير‪ ،‬ول بين شريف عن الناس‪ ،‬ووضيع‬
‫عندهم‪ ،‬بل جعل شريعته ل تفرق بين الناس‪،‬‬
‫بل تواجههم جميعا ً وتأمرهم وتنهاهم جميعًا‪،‬وبين‬
‫الله سبحانه أن أكرم الناس عند الله هو‬
‫أتقاهم‪ ،‬كما قال جل وعل‪﴿ :‬يا أ َ‬
‫س إ ِّنا‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كم من ذَك َر و ُ‬
‫قَنا ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ثى‬
‫أن‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َْناك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ٍ َ‬
‫‪156‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عاَر ُ‬
‫و َ‬
‫قَبائ ِ َ‬
‫ُ‬
‫فوا﴾)‪ ،(1‬ولم يقل‬
‫ل ل ِت َ َ‬
‫ش ُ‬
‫عوًبا َ‬
‫لتتفاخروا‪،‬‬

‫‪ ()1‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.13‬‬
‫‪157‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أو ليترفع بعضكم على بعض‪ ،‬أو يستعبد بعضكم‬
‫بعضًا‪ ،‬أو يفخر بعضكم على بعض‪ ،‬ولكن قال‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫عاَر ُ‬
‫د‬
‫م ِ‬
‫فوا﴾ ثم قال سبحانه‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫عن َ‬
‫ل ِت َ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫ه أ َت ْ َ‬
‫خِبيٌر﴾)‪ ،(1‬وقال‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إن الله أوحى‬
‫إلي أن تواضعوا حتى ل يفخر أحد على أحد‪ ،‬ول‬
‫يبغي أحد على أحد(()‪ .(2‬خرجه مسلم في‬
‫صحيحه‪.‬‬
‫ن‬
‫وقال الله جل وعل في القرآن الكريم‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ر﴾)‪ ،(3‬فهذا‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ه َل ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫خَتا ٍ‬
‫خو ٍ‬
‫النبي العظيم عليه الصلة والسلم أرسله الله‬
‫برسالة عامة ونظام شامل عام في جميع‬
‫الشئون العبادية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والقتصادية‪،‬‬
‫والجتماعية‪ ،‬والحربية‪ ،‬وغير ذلك من شئون‬
‫الناس‪ ،‬فما ترك شيئا ً إل وأرشد إلى حكم الله‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ك إ ِّل‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫فيه‪ ،‬وقال فيه عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫كا ّ‬
‫ذيًرا﴾)‪ ،(4‬وقال عز‬
‫ة ّللّنا‬
‫ف ً‬
‫ون َ ِ‬
‫س بَ ِ‬
‫شيًرا َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وجل‪﴿ :‬يا أ َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ك َ‬
‫دا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫شا ِ‬
‫ه ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ي إ ِّنا أْر َ‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫مب َ ّ‬
‫ه‬
‫دا ِ‬
‫ه ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫عًيا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ون َ ِ‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫ذيًرا)‪َ (45‬‬
‫شًرا َ‬
‫َ‬
‫‪ ()1‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.13‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )الجنة وصفة نعيمها وأهلها(‪ ،‬باب )الصفات التي‬
‫ُيعرف بها في الدنيا أهل الجنة(‪ ،‬برقم ‪.2865‬‬
‫‪ ()3‬سورة لقمان‪ ،‬الية ‪.18‬‬
‫‪ ()4‬سورة سبأ‪ ،‬الية ‪.28‬‬
‫‪158‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مِنيًرا﴾)‪ ،(5‬فبين الله سبحانه أن هذا‬
‫و ِ‬
‫سَرا ً‬
‫جا ّ‬
‫َ‬
‫الرسول سراج منير للناس‪ ،‬ينير‬

‫‪ ()5‬سورة الحزاب‪ ،‬اليتان ‪.46 ،45‬‬
‫‪159‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لهم الطريق‪ ،‬ويهديهم السبيل إلى ربهم سبحانه‬
‫عليه الصلة والسلم الذي من استقام على‬
‫دينه نجا وفاز بالخير والعاقبة الحميدة‪ ،‬ومن حاد‬
‫عنه باء بالخيبة والخسارة والذل والهوان‪ ،‬وقال‬
‫جاء ُ‬
‫عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ب‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫وك َِتا ٌ‬
‫قدْ َ‬
‫م َ‬
‫كم ّ‬
‫ه ُنوٌر َ‬
‫ه‬
‫ر ْ‬
‫دي ب ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ات ّب َ َ‬
‫ن)‪(15‬ي َ ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫وان َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ّ‬
‫ض َ‬
‫ع ِ‬
‫م ِ‬
‫سب ُ َ‬
‫ت‬
‫وي ُ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ر ُ‬
‫ج ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ُ‬
‫ن الظّل ُ َ‬
‫هم ّ‬
‫سل َم ِ َ‬
‫خ ِ‬
‫م ِ‬
‫ط‬
‫صَرا ٍ‬
‫م إ َِلى ِ‬
‫ه ِ‬
‫ر ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫إ َِلى الّنو ِ‬
‫دي ِ‬
‫قيم ٍ﴾)‪ .(1‬هكذا قال جل وعل في هذا النبي‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫العظيم‪ ،‬وكتابه المبين‪ .‬إن هذا الكتاب وهذا‬
‫الرسول يخرج الله بهما الناس من الظلمات‬
‫إلى النور؛ من ظلمات الكفر والجهل والظلم‬
‫والستبداد والستعباد إلى نور التوحيد واليمان‪،‬‬
‫إلى نور الهدى والعدل‪ ،‬إلى سعة السلم بدل ً‬
‫من جور الملوك والطغاة‪ ،‬وبدل ً من أحكامهم‬
‫الظالمة الجائرة‪ ،‬فشريعة الله التي بعث بها‬
‫نبيه محمدا ً صلى الله عليه وسلم شريعة كاملة‪،‬‬
‫شريعة فيها الهدى والنور‪ ،‬وفيها العدل‬
‫والحكمة‪ ،‬وفيها إنصاف المظلوم من الظالم‪،‬‬
‫وتوجيه الناس إلى أسباب السعادة‪ ،‬وإلزامهم‬
‫بالحق والعدل‪ ،‬ومنعهم من الظلم والجور‪،‬‬
‫وربطهم بالخوة اليمانية‪ ،‬وأمرهم بالتعاون‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬اليتان ‪.16 ،15‬‬
‫‪160‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على البر والتقوى‪ ،‬والتواصي بالحق والصبر‬
‫عليه‪ ،‬والتآخي والنصح من بعضهم‬

‫‪161‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لبعض‪ ،‬وفيها تخليصهم من الظلم والجور‬
‫والبغي والكذب وسائر أنواع الفساد؛ حتى‬
‫يكونوا جميعا ً أخوة متحابين في الله‪ ،‬متعاونين‬
‫على البر والتقوى‪ ،‬ينصح كل واحد الخر‪،‬‬
‫ويؤدي المانة‪ ،‬ول يغش أخاه ول يخونه‪ ،‬ول‬
‫يكذبه‪ ،‬ول يحقره‪ ،‬ول يغتابه‪ ،‬ول ينم عليه‪ ،‬بل‬
‫يحب له كل خير ويكره له كل شر‪ ،‬كما قال‬
‫خوةٌ َ َ‬
‫م ْ‬
‫حوا‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ما ال ْ ُ‬
‫جل وعل‪﴿ :‬إ ِن ّ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن إِ ْ َ‬
‫ب ين أ َ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬وقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫خ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫وي ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫))ل يؤمن أحدكم حتى يحب لخيه ما يحب‬
‫لنفسه(()‪ ،(2‬وفي الصحيحين عن جرير بن عبد‬
‫الله البجلي رضي الله عنه قال‪)) :‬بايعت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلة‪،‬‬
‫وإيتاء الزكاة‪ ،‬والنصح لكل مسلم(()‪ .(3‬وقال‬
‫أيضا ً عليه الصلة والسلم‪ )) :‬الدين النصيحة((‬
‫قيل‪ :‬لمن يا رسول الله؟ قال‪)) :‬لله ولكتابه‬
‫‪ ()1‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )من اليمان أن يحب لخيه ما‬
‫يحب لنفسه( برقم ‪ ،13‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )الدليل على أن‬
‫من خصال اليمان أن يحب لخيه‪ (..‬برقم ‪45‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب الدين النصيحة برقم )‪،(57‬‬
‫ومسلم في )اليمان( باب بيان أن الدين النصيحة برقم ‪.56‬‬

‫‪162‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم(()‪ .(4‬خرجه‬
‫مسلم في صحيحه‪.‬‬
‫وقال سبحانه في كتابه العزيز في عموم‬
‫َ‬
‫الرسالة‪ُ ﴿ :‬‬
‫سو ُ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫س إ ِّني َر ُ‬
‫ل َيا أي ّ َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ت‬
‫وا ِ‬
‫عا ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫مي ً‬
‫م َ‬
‫ك ال ّ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫ذي ل َ ُ‬
‫ه إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت‬
‫وال َْر‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫وي ُ ِ‬
‫و يُ ْ‬
‫مي ُ‬
‫ض ل إ ِل َ َ‬
‫حِيي َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ذي‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫مُنوا ْ ِبالل ّ ِ‬
‫فآ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫ه َ‬
‫م ّ‬
‫ه الن ّب ِ ّ‬
‫يُ ْ‬
‫م‬
‫مات ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫عوهُ ل َ َ‬
‫وات ّب ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫وك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وأخبر سبحانه وتعالى أن هذا‬
‫دو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫الرسول يزكيهم من أخلقهم الذميمة وأعمالهم‬
‫المنكرة إلى أخلق صالحة‪ ،‬وإلى أعمال‬
‫مستقيمة‪ ،‬قال جل وعل‪﴿ :‬ل َ َ‬
‫عَلى‬
‫ه َ‬
‫م ّ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن‬
‫ع َ‬
‫ث ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫ن إ ِذْ ب َ َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ْ‬
‫مِني َ‬
‫سول ً ّ‬
‫ه ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫في ِ‬
‫َ‬
‫عل َ‬
‫م ي َت ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫كي‬
‫ز‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫ت‬
‫يا‬
‫آ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫لو‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫أن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫من‬
‫م َ‬
‫وال ِ‬
‫وِإن كاُنوا ِ‬
‫م الك َِتا َ‬
‫وي ُ َ‬
‫م ُ‬
‫حك َ‬
‫ه ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ة َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال جل وعل‪﴿ :‬‬
‫مِبي‬
‫ل لَ ِ‬
‫في َ‬
‫ل ّ‬
‫ضل ٍ‬
‫ٍ‬
‫ن َأن ُ‬
‫لَ َ‬
‫سو ٌ‬
‫زيٌز‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫قدْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ص َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫كم ِبال ْ ُ‬
‫عن ِت ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫ري ٌ‬
‫ح ِ‬
‫‪ ()4‬رواه المام أحمد في )مسند الشاميين(‪ ،‬حديث تميم الداري‬
‫برقم ‪ ،16499‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان أن الدين النصيحة(‬
‫برقم ‪.55‬‬
‫‪ ()1‬سورة العراف‪ ،‬الية ‪.158‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.164‬‬
‫‪163‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َر ُ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬إلى غير ذلك من اليات‬
‫ف ّر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫حي ٌ‬
‫الدالت على نصحه عليه الصلة والسلم وأن‬
‫الله بعثه؛ ليعلم الناس‪ ،‬ويرشد الناس‪ ،‬ويزكي‬
‫الناس‪ ،‬ويخرج الناس من الظلمات إلى النور؛‬
‫من ظلمات جهلهم وكفرهم وأخلقهم الذميمة‬
‫إلى نور اليمان والتوحيد‪ ،‬وإلى سعادة الخلق‬
‫الكريمة‪ ،‬والعدل والصلح والصلح‪.‬‬
‫ولما كانت الرض قبل بعثته عليه الصلة‬
‫والسلم‬
‫مملوءة من الظلم والجهل والكفر‪ ،‬وكان‬
‫الشرك قد عم الناس وعم البلد وانتشر فيها‬
‫الفساد‪ ،‬إل ما شاء الله من بقايا يسيرة من‬
‫أهل الكتاب ماتوا أو معظمهم قبل بعثته عليه‬
‫الصلة والسلم لما كان المر هكذا رحم الله‬
‫أهل الرض ولطف بهم سبحانه وبعث فيهم هذا‬
‫الرسول العظيم محمدا ً عليه الصلة والسلم‬
‫وهم في أشد الحاجة بل الضرورة إلى بعثته‬
‫وإرساله‪ ،‬فبعثه الله بأشرف كتاب وأشرف‬
‫رسالة وأعمها‪ ،‬فأنقذ الله به المة‪ .‬وأخرج الله‬
‫به أهل الرض من الظلمات إلى النور؛ أخرجهم‬
‫الله به من الضللة إلى الهدى‪ ،‬أخرجهم الله به‬
‫من الجور والظلم والعسف‪ ،‬إلى العدل‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.128‬‬
‫‪164‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والنصاف والحرية الكاملة المقيدة بقيود‬
‫الشريعة‪ ،‬وأمره سبحانه وتعالى حينما بعثه‪،‬‬
‫بالدعوة إلى الله عز وجل والرشاد إليه‪ ،‬وإقامة‬
‫الحجج على ما بعثه الله به من الدين الحق‬
‫والصراط المستقيم‪ ،‬فلم يزل هكذا يدعو إلى‬
‫الله ويرشد في مكة عليه الصلة والسلم‬
‫وهكذا من أسلم معه من أهل مكة‪ ،‬يقوم بدوره‬
‫في الدعوة على حسب حاله تارة في السر‬
‫وتارة في العلن‪ ،‬كما هو معلوم‪ .‬فمكث في‬
‫مكة عليه الصلة والسلم ثلثة عشر عامًا‪،‬‬
‫يدعو إلى الله عز وجل وينذر قومه‪ ،‬ويوجههم‬
‫إلى الخير‪ ،‬ويتلو عليهم كتاب الله‪ ،‬ويدعوهم‬
‫إلى مكارم الخلق ومحاسن العمال‪ ،‬ولم‬
‫يأمره الله بقتالهم‪ ،‬وإنما هي دعوة فقط ليس‬
‫فيها قتال‪ ،‬بل توجيه وإرشاد وإيضاح‬
‫للحق والخلق الكريم‪ ،‬وتحذير من خلفه‪،‬‬
‫بالكلم الطيب واللطف والجدال بالتي هي‬
‫ل‬
‫أحسن‪ ،‬كما قال جل وعل‪﴿ :‬ادْ ُ‬
‫ع إ ِِلى َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ة‬
‫و ِ‬
‫ك ِبال ْ ِ‬
‫سن َ ِ‬
‫عظ َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫وال ْ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وقال جل‬
‫هم ِبال ِّتي ِ‬
‫يأ ْ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫جاِدل ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ْ‬
‫ص ْ‬
‫ص َ‬
‫وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫مي َ‬
‫ل﴾ ‪ ،‬وقال‬
‫ج ِ‬
‫ح ال َ‬
‫ف َ‬
‫ح ال ّ‬
‫فا ْ‬
‫ف ِ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ن‬
‫صب ِْر َ‬
‫قوُلو َ‬
‫عَلى َ‬
‫وا ْ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة النحل ‪ ،/‬الية ‪.125‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحجر‪ ،‬الية ‪.85‬‬
‫‪165‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ميًل﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫م َ‬
‫جْر ُ‬
‫وا ْ‬
‫ج ِ‬
‫جًرا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫ن‬
‫ض َ‬
‫وأ ْ‬
‫صد َ ْ‬
‫ؤ َ‬
‫ع بِ َ‬
‫ر ْ‬
‫فا ْ‬
‫مُر َ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬إلى أمثال هذه اليات‪ ،‬التي‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫فيها المر بالصفح والعراض عنهم‪ ،‬والجدال‬
‫بالتي هي أحسن‪ ،‬إلى غير ذلك‪ ،‬وليس فيها‬
‫المر بقتالهم؛ لن المقام ل يتحمل ذلك؛ لن‬
‫المسلمين قليلون وأعداؤهم كثيرون‪ ،‬وبأيديهم‬
‫السلطان والقوة‪ ،‬فكان من حكمة الله أن منع‬
‫رسوله والمسلمين من الجهاد باليد‪ ،‬وأمرهم‬
‫بالكتفاء بالجهاد باللسان والدعوة‪ ،‬وأمرهم أن‬
‫يكفوا أيديهم عن القتال‪ ،‬فهدى الله بذلك من‬
‫هدى من المسلمين؛ كالصديق رضي الله عنه‬
‫وعمر الفاروق رضي الله عنه وعثمان رضي‬
‫الله عنه وعلي رضي الله عنه والزبير ابن‬
‫العوام‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وعبد الله بن‬
‫مسعود‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وسعيد بن‬
‫زيد‪ ،‬وجم غفير من‬

‫‪ ()1‬سورة المزمل‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحجر‪ ،‬الية ‪.94‬‬
‫‪166‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الصحابة رضي الله عن الجميع وأرضاهم ‪.‬‬
‫ولما صدع النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫بالدعوة‪ ،‬وبين بطلن آلهتهم التي يعبدونها من‬
‫دون الله‪ ،‬وأرشدهم إلى توحيد الله والخلص‬
‫له‪ ،‬عظم على أهل مكة ذلك‪ ،‬واشتد عليهم‬
‫المر؛ لنهم يعظمون تلك اللهة‪ ،‬ولن كثيرا ً‬
‫منهم يرى في عبادتها والتعلق بها حفظا ً‬
‫لرئاسته ومنزلته وسيطرته على الضعفاء‪،‬‬
‫وصاروا يحاولون الذود عنها‪ ،‬ويكذبون على‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم أكاذيب كثيرة‪،‬‬
‫وينفرون الناس عنه‪ ،‬ويقولون عنه إنه شاعر‪،‬‬
‫وتارة مجنون‪ ،‬وتارة ساحر‪ ،‬وتارة كذاب‪ ،‬إلى‬
‫غير ذلك‪ ،‬وهي أقاويل كلها باطلة‪ ،‬وهم يعلمون‬
‫أنها باطلة؛ أعني أعيانهم ورؤساءهم‪ ،‬وأهل‬
‫الحل والعقد منهم‪ ،‬كما قال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫م‬
‫قد ْ ن َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫م لَ‬
‫حُزن ُ َ‬
‫ن َ‬
‫ذي ي َ ُ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ه ل َي َ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ي ُك َذُّبون َ َ‬
‫ه‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ك َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬ولكن ليس لهم حيلة إل أن‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫يَ ْ‬
‫يقولوا هكذا‪ ،‬من الكذب والفرية والتزييف على‬
‫الضعفاء من أهل مكة ومن غيرهم‪ ،‬فأبى الله‬
‫إل أن يتم نوره‪ ،‬ويظهر الحق ويدفع الباطل ولو‬
‫كره الكافرون‪ .‬فلم يزل يدعوهم عليه الصلة‬
‫والسلم ولم يزل يناظر الناس ويتلو عليهم‬
‫‪ ()1‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.33‬‬
‫‪167‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كتاب الله‪ ،‬ويرشدهم إلى ما بعثه الله به‪،‬‬
‫ويصدع بأمر ربه عز وجل حتى‬

‫‪168‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ظهرت الدعوة في مكة وانتشرت‪ ،‬وسمع بها‬
‫الناس‪ ،‬العرب وغيرهم في البوادي والمدن‪.‬‬
‫فصارت الوفود تأتي إلى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ويتصلون به سرًا‪ ،‬ويسمعون منه عليه‬
‫الصلة والسلم حتى فشى السلم وظهر وبان‬
‫لهل مكة‪ .‬فعند ذلك شمروا عن ساعد العداوة‪،‬‬
‫وآذوا الرسول وآذوا أصحابه إيذاًء شديدًا‪،‬‬
‫وأمرهم معروف في السير والتاريخ‪ ،‬فمنهم من‬
‫عذب بالرمضاء‪ ،‬ومنهم من عذب بغير ذلك‪،‬فلما‬
‫اشتد المر بأصحاب الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم واشتد بهم الذى‪ ،‬أذن لهم صلى الله‬
‫عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة‪ ،‬فهاجر من‬
‫هاجر إلى الحبشة‪ ،‬ومكثوا هناك ما شاء الله‪.‬‬
‫ثم بلغهم أن هناك تساهل ً من المشركين‪ ،‬وروي‬
‫أنه بلغهم أنهم أسلموا لما سجدوا مع النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في سورة النجم‪ ،‬فرجع‬
‫من رجع منهم‪ ،‬فاشتد عليهم الذى‪ ،‬فهاجروا‬
‫الهجرة الثانية إلى الحبشة‪ ،‬وبقوا هناك إلى أن‬
‫قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم عام‬
‫خيبر من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي‬
‫الله عنه وعنهم ‪ .‬ثم استمرت الحال والشدة‬
‫على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة‪،‬‬
‫وجرى ما جرى في حصاره في شعب أبي‬
‫‪169‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫طالب‪ ،‬وغير هذا من الذى‪ .‬ثم إن الله جل وعل‬
‫بعد ذلك أذن لهم بالهجرة إلى المدينة‪ ،‬بعدما‬
‫يسر الله له من النصار من يساعده ويحميه‬
‫ويؤويه‪ ،‬فإن النصار رضي الله عنهم وأرضاهم‬
‫من الوس‬
‫والخزرج‪ ،‬لما بلغتهم الدعوة اتصلوا بالنبي صلى‬
‫الله عليه وسلم واجتمعوا به عند العقبة في‬
‫منى مرات‪ ،‬ثم في المرة الخيرة بايعوه‪ ،‬بايعه‬
‫منهم جماعة فوق السبعين‪ ،‬فبايعوه على‬
‫السلم‪ ،‬وعلى أن ينصروه ويحموه مما يحموا‬
‫منه نساءهم وذرياتهم‪ ،‬وطلبوا منه أن يهاجر‬
‫إليهم‪ ،‬فوافق على ذلك عليه الصلة والسلم‬
‫وأذن لصحابه بالهجرة‪ ،‬ثم انتظر أمر ربه‪ ،‬فأذن‬
‫الله له بعد ذلك‪ ،‬فهاجر إلى المدينة فلله الحمد‬
‫والمنة ‪.‬‬
‫وكان صلى الله عليه وسلم في مكة كما هو‬
‫معلوم لم يجاهدهم باليد ول بالسيف ولكنه كان‬
‫يجاهدهم بالدعوة والتوجيه والرشاد والتبصير‬
‫والعظة والتذكير وتلوة القرآن‪ ،‬كما قال الله‬
‫دا ك َِبيًرا﴾)‪ ،(1‬وهكذا‬
‫هدْ ُ‬
‫هم ب ِ ِ‬
‫جا ِ‬
‫ها ً‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ه ِ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫كان أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين بقوا‬
‫في مكة كانوا هكذا‪ ،‬إذا تمكنوا من الدعوة‬
‫‪ ()1‬سورة الفرقان‪ ،‬الية ‪.52‬‬
‫‪170‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بذلوها لمن يتصل بهم في التوجيه والرشاد‬
‫والنصيحة‪ ،‬ولكن مع هذا كله فالمسلمون‬
‫قليلون‪ ،‬والكفار أكثر ولهم السلطة‪ ،‬ولهم اليد‬
‫في مكة‪ ،‬ولهذا قال الشاعر‪ ،‬ويروى لحسان‬
‫رضي الله عنه‪:‬‬
‫دعا المصطفى دهرا ً بمكة لم يجب وقد لن‬
‫منه جانب وخطاب‬

‫‪171‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فلما دعا والسيف صلت بكفـه له أسلموا‬
‫واستسلموا وأنابوا‬
‫هكذا كانت الحال بمكة‪ ،‬إنما أجاب القليل‬
‫وامتنع الكثرون؛ بسبب المآكل والرئاسة والكبر‬
‫والحسد والبغي‪ ،‬ل عن جهل بالحق ول رغبة‬
‫في الباطل؛ لنهم يعرفون أنه رسول الله‪ ،‬وأنه‬
‫صادق‪ ،‬وكانوا يسمونه المين عليه الصلة‬
‫والسلم ولكن الحسد والبغي وحب الرئاسة‬
‫والتسلط على المة يمنع الكثير من الناس عن‬
‫قبول الحق‪ .‬وهكذا فعل الروم وفارس‬
‫ورؤساؤهم وأعيانهم‪ ،‬ليس يخفى عليهم الحق‬
‫وأدلته وبراهينه‪ ،‬ولكن السلطان والرئاسة‬
‫واستعباد الناس وما يلتحق بهذا‪ ،‬يمنعهم من‬
‫الخضوع إلى الحق‪ .‬ولما سأل هرقل أبا سفيان‬
‫عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره‬
‫أبو سفيان بذلك‪ ،‬عرف أنه رسول الله‪ ،‬واتضح‬
‫له أنه نبي الله‪ ،‬ودعا أمته لذلك‪ .‬فلما رأى منهم‬
‫النفرة وعدم الستجابة نكص على عقبيه‪ ،‬ورجع‬
‫عما أظهر‪ ،‬وقال‪) :‬إنما فعلت هذا وقلت ما‬
‫قلت لمتحنكم وأعرف صلبتكم في دينكم(‪ ،‬ثم‬
‫صار على دين قومه‪ ،‬واستمر في طغيانه‬
‫وكفره‪ .‬نسأل الله العافية‪ ،‬فآثر الدنيا على‬
‫الخرة‪ .‬و هكذا أشباهه ونظراؤه يحملهم البغي‬
‫‪172‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والحسد وحب الرئاسة‪ ،‬على خلف الحق وعلى‬
‫التنكر له ولهله‪ ،‬كما سبق في قوله جل وعل‪:‬‬
‫حُزن ُ َ‬
‫ذي ي َ ُ‬
‫﴿ َ‬
‫ن‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ه ل َي َ ْ‬
‫قد ْ ن َ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫م ل َ ي ُك َذُّبون َ َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن﴾)‪،(1‬‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫مي َ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫َ‬
‫هكذا يقول ربنا عز وجل عن فرعون وقومه‪﴿ :‬‬
‫ها َأن ُ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫ما‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫س ُ‬
‫ف ُ‬
‫قن َت ْ َ‬
‫وا ْ‬
‫دوا ب ِ َ‬
‫م ظُل ْ ً‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫وا َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫فانظُْر ك َي ْ َ‬
‫كا َ‬
‫عل ُ ّ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال الله عز وجل عن موسى‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫دي َ‬
‫ال ُ‬
‫عليه الصلة والسلم أنه قال لفرعون‪َ ﴿ :‬‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫لَ َ‬
‫ه ُ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ب‬
‫قدْ َ‬
‫ل َ‬
‫ؤلء إ ِل ّ َر ّ‬
‫م َ‬
‫ت َ‬
‫عل ِ ْ‬
‫ت وال َ‬
‫صآئ َِر﴾)‪ .(3‬فهؤلء‬
‫ر‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫ض بَ َ‬
‫ْ‬
‫وا ِ َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫الكفرة من الكبراء والعيان يعرفون الحق‪ ،‬وأن‬
‫ما جاءت به الرسل هو الحق‪ ،‬ولكن تمنعهم‬
‫الرئاسات والتسلط على العباد وظلم العباد‪،‬‬
‫والستبداد بالخيرات‪ ،‬يمنعهم ذلك من قبول‬
‫الحق؛ لنهم يعرفون أنهم إذا قبلوا صاروا‬
‫أتباعًا‪ ،‬وهم ل يرضون بذلك‪ ،‬إنما يريدون أن‬
‫يكونوا متبوعين ورؤساء ومتحكمين ومتسلطين‪.‬‬
‫فالسلم جاء ليحارب هؤلء ويقضي عليهم؛‬
‫ليقيم دولة صالحة بقيادة صالحة‪ ،‬يؤثرون حق‬
‫‪ ()1‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.33‬‬
‫‪ ()2‬سورة النمل‪ ،‬الية ‪.14‬‬
‫‪ ()3‬سورة السراء‪ ،‬الية ‪.102‬‬
‫‪173‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله وإنصاف الناس‪ ،‬ويرضون بما يرضى به‬
‫إخوانهم‪ ،‬ول يتجبرون ول يتكبرون‪ ،‬بل ينصفون‬
‫إخوانهم‪ ،‬ويسعون في صلحهم وفلحهم‪،‬‬
‫ويحكمون بينهم بالعدل‪ ،‬ويشتركون معهم في‬
‫الخيرات ول يستبدون بها عنهم‪.‬‬
‫هكذا بعث الله نبيه محمدا ً صلى الله عليه‬
‫وسلم بدين شامل ونظام عادل وشرائع‬
‫مستقيمة‪ ،‬تكسح نظم الفساد‪ ،‬وتزيل‬
‫أحكام الطغاة‪ ،‬وتقضي على طرق الفساد‬
‫وأخلق المفسدين‪ ،‬وتوجب على المسلمين‬
‫اتباع هذا النظام المنزل في كتاب الله وسنة‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم‪ .‬كما توجب عليهم‬
‫هذه الشريعة أن يتخلقوا بالعدل والنصاف‪ ،‬وأن‬
‫يستقيموا على ما شرعه الله لهم‪ ،‬وأن‬
‫يحافظوا على ذلك‪ ،‬وان ينصف بعضهم بعضًا‪،‬‬
‫وأن يؤدي المانة بعضهم لبعض‪ ،‬وأن يحكموا‬
‫فيما بينهم بشرع الله‪ ،‬وأن يحاربوا الفساد‬
‫والضلل وطرق الغي والغواية‪.‬‬
‫فلما هاجرعليه الصلة والسلم واستقر به‬
‫القرار في المدينة المنورة‪ ،‬أمره الله بالتقوى‪،‬‬
‫وتطهيرها من الفساد وأهل الفساد‪ ،‬وعمارتها‬
‫بالمصلحين والصالحين‪ ،‬فلما استقر به القرار‬
‫في هذه البلد المقدسة وحوله النصار‬
‫والمهاجرون‪ ،‬استمر في الدعوة عليه الصلة‬
‫‪174‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والسلم ونشر ما بعثه الله به من الهدى‪ ،‬وأذن‬
‫الله له ولصحابه في القتال والجهاد‪ ،‬وأنزل في‬
‫ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫قات َُلو َ‬
‫ذلك قوله سبحانه‪﴿ :‬أِذ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫ر ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ب ِأن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظُل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى ن َ ْ‬
‫موا َ‬
‫ص ِ‬
‫لَ َ‬
‫ديٌر﴾)‪ ،(1‬ففي هذه الية أذن لهم في الجهاد؛‬
‫ق ِ‬
‫لنهم مظلومون‪ .‬والمقصود أن الله جل وعل‬
‫أذن لهم بالقتال والجهاد‪ ،‬ثم فرض الله ذلك‬
‫ب‬
‫سبحانه وتعالى وأوجبه بقوله جل وعل‪﴿ :‬ك ُت ِ َ‬
‫قَتا ُ‬
‫م﴾)‪ (2‬الية‪،‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫و ك ُْرهٌ ل ّك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫وأوجب عليهم سبحانه‬
‫وتعالى الجهاد والقتال‪ ،‬وأنزل فيه اليات‬
‫الكثيرات‪ ،‬وحرض عليه سبحانه وتعالى وأمر به‬
‫في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه صلى الله‬
‫عليه وسلم فكان أول ً مباحا ً مأذونا ً فيه‪ ،‬ثم‬
‫فريضة على الكفاية كما قاله أهل العلم‪.‬‬
‫وقد يجب على العيان إذا اقتضت السباب‬
‫ذلك كما لو كان حضر الصف‪ ،‬أو حصر بلده أو‬
‫استنفره المام‪ ،‬ففي هذه المسائل الثلث‬
‫يتعين القتال إذا حضر الصفين‪ ،‬ليس له أن‬
‫ينصرف‪ ،‬ول أن يفر‪ .‬وكذلك إذا حاصر بلده‬
‫العدو‪ ،‬وجب عليه وعلى أهل البلد أن يقاتلوا‬
‫ويدافعوا بكل ما يستطيعون من قوة‪ .‬وكذلك‬
‫‪ ()1‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.216‬‬
‫‪175‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إذا استنفره المام وجب النفير كما هو معروف‬
‫في محله ‪ .‬فالمقصود أن الله فرض الجهاد‬
‫وجعله فرضا ً على المسلمين‪ ،‬وهو فرض كفاية؛‬
‫إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين‪ ،‬وصار‬
‫في حقهم سنة مؤكدة‪ .‬وقد يجب على العيان‬
‫للسباب التي تقتضي ذلك كما سبق ‪ .‬فكان‬
‫عليه الصلة والسلم أول ً يقاتل إذا رأى‬
‫المصلحة في ذلك‪ ،‬ويكف إذا رأى المصلحة في‬
‫الترك‪ ،‬ثم أمره الله سبحانه بقتال من قاتله‪،‬‬
‫وبالكف عمن كف عنه‪ ،‬كما قال الله جل وعل‪:‬‬
‫ن يُ َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫قات ُِلوا ْ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫﴿ َ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫دوا ْ إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫عت َ ُ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫دي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬

‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.190‬‬
‫‪176‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قال بعض السلف في هذه الية‪ :‬إنه أمر في‬
‫هذه الية بقتال من قاتله‪ ،‬والكف عمن كف‬
‫عنه‪ .‬وقال آخرون في هذه الية‪ :‬إن هذه الية‬
‫ليس فيها ما يدل على هذا المعنى‪ ،‬وإنما فيها‬
‫أنه أمر بالقتال للذين يقاتلون؛ أي من شأنهم‬
‫أن يقاتلوا‪ ...‬ويصدوا عن سبيل الله‪ ،‬وهم‬
‫الرجال المكلفون القادرون على القتال‪ ،‬بخلف‬
‫الذين ليس من شأنهم القتال؛ كالنساء‬
‫والصبيان والرهبان والعميان والزمناء‬
‫وأشباههم‪ ،‬فهؤلء ل يقاتلون لنهم ليسوا من‬
‫أهل القتال‪ .‬وهذا التفسير كما سيأتي إن شاء‬
‫الله تعالى أظهر وأوضح في معنى الية‪ ،‬ولهذا‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫قال بعدها بقليل‪َ ﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫ه﴾)‪ ،(1‬فعلم بذلك أنه‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ِ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ة َ‬
‫أراد قتال الكفار‪ ،‬ل من قاتل فقط‪ ،‬بل أراد‬
‫قتال الكفار جميعًا؛ حتى يكون الدين كله لله‪،‬‬
‫وحتى ل تكون فتنة‪ ،‬والفتنة شرك‪ ،‬وأن يفتن‬
‫الناس بعضهم بعضا ً عن دينهم‪ ،‬فتطلق الفتنة‬
‫ة أَ َ‬
‫د‬
‫فت ْن َ ُ‬
‫وال ْ ِ‬
‫ش ّ‬
‫على الشرك كما قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل﴾)‪(2‬؛ يعني الشرك‪ ،‬وتطلق على ما‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫قت ْ ِ‬
‫يقوم به بعض الكفار من‪ :‬قتل بعض الناس‪،‬‬
‫والتعدي عليهم‪ ،‬وإلجائهم إلى أن يكفروا بالله‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.193‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.191‬‬
‫‪177‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عز وجل‪ .‬فالله أمر بقتالهم حتى ل تكون فتنة؛‬
‫يعني حتى ل يقع شرك في المة‪ ،‬وحتى ل يقع‬
‫ظلم من الكفار للمسلمين؛ بصدهم وقتالهم‬
‫حتى يرجعوا عن الحق‪ .‬وقال عز وجل في سورة‬
‫فُروا ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫و ت َك ْ ُ‬
‫فُرو َ‬
‫و ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫دوا ْ ل َ ْ‬
‫النساء‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫فت َ ُ‬
‫واء َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ول َِياء‬
‫فل َ ت َت ّ ِ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫كوُنو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫س َ‬
‫وا ْ‬
‫ه َ‬
‫جُروا ْ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫ى يُ َ‬
‫ها ِ‬
‫ول ّ ْ‬
‫فِإن ت َ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫حت ّ َ‬
‫ول َ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫حي ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫مو ُ‬
‫قت ُُلو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ث َ‬
‫م َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫ت َت ّ ِ‬
‫صيًرا)‪(89‬إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫ول َ ن َ ِ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ول ِّيا َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن إ ِل َ‬
‫ى َ‬
‫و‬
‫يَ ِ‬
‫صُلو َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫وم ٍ ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ميَثاقٌ أ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫قات ُِلوك ُ َ‬
‫م َأن ي ُ َ‬
‫جآ ُ‬
‫و‬
‫دوُر ُ‬
‫ح ِ‬
‫ص ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫صَر ْ‬
‫ْ‬
‫ه ْ‬
‫ؤوك ُ ْ‬
‫ت ُ‬
‫مأ ْ‬
‫قات ُِلوا ْ َ‬
‫يُ َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫سل ّطَ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ول َ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فل َ َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫نا ْ‬
‫َ‬
‫فل َ ْ‬
‫عت ََزُلوك ُ ْ‬
‫قات َُلوك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫فإ ِ ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫وأل ْ َ‬
‫يُ َ‬
‫ع َ‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫م ال ّ‬
‫ف َ‬
‫سل َ َ‬
‫وا ْ إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ً‬
‫ن‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫عل َي ْ‬
‫ل)‪َ (90‬‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ِ‬
‫يريدون َأن يأ ْمُنوك ُم ويأ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ما‬
‫ق‬
‫ا‬
‫نو‬
‫م‬
‫ُ‬
‫ُ ِ ُ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫م ُ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ها َ‬
‫م‬
‫سوا ْ ِ‬
‫وا ْ إ َِلى ال ْ ِ‬
‫فت ْن ِ ِ‬
‫في ِ َ‬
‫ة أْرك ِ ُ‬
‫فِإن ل ّ ْ‬
‫ُردّ َ‬
‫وا ْ‬
‫وي َك ُ ّ‬
‫وي ُل ْ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫سل َ َ‬
‫قوا ْ إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫زُلوك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عت َ ِ‬
‫َ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫خ ُ‬
‫ث‬
‫حي ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫قت ُُلو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫أي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫دي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫هم ُ‬
‫م َ َ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫ثِ ِ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫عل َْنا ل َك ُ ْ‬
‫ول َئ ِك ُ ْ‬
‫فت ُ ُ‬
‫وأ ْ‬
‫مو ُ ْ َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫)‪( 1‬‬
‫سل ْ َ‬
‫مِبيًنا﴾ ‪ ،‬قالوا‪ :‬فهذه اليات فيها الدللة‬
‫ُ‬
‫طاًنا ّ‬
‫على أن الله جل وعل أمر نبيه صلى الله عليه‬
‫وسلم والمسلمين أن يقاتلوا من قاتلهم‪ ،‬وأن‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬اليات ‪.91 89‬‬
‫‪178‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يكفوا عمن اعتزل القتال وكف عنهم‪ ،‬ثم أنزل‬
‫الله بعد ذلك آية السيف في سورة براءة‪ ،‬وهي‬
‫قوله جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫خ ال َ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‬
‫هُر ال ْ ُ‬
‫حُر ُ‬
‫ش ُ‬
‫ذا ان َ‬
‫فا ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫حي ْ ُ‬
‫مو ُ‬
‫ر ِ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫كي َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫قت ُُلوا ْ ال ْ ُ‬
‫ث َ‬
‫ش ِ‬
‫وا ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫خ ُ‬
‫ل‬
‫و ُ‬
‫صُرو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫ع ُ‬
‫ق ُ‬
‫وا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ح ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ْ‬
‫وأ َ‬
‫د َ‬
‫ص ٍ‬
‫قا ُ‬
‫َ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫مْر َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫الّز َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫كاةَ َ‬
‫م)‬
‫ف َ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫سِبيل ُ‬
‫خلوا َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫‪ .(1) ﴾(5‬قال العلماء رحمة الله عليهم‪ :‬إن هذه‬
‫الية ناسخة لجميع اليات التي فيها الصفح والكف‬
‫عن المشركين‪ ،‬والتي فيها‬

‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪179‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الكف عن قتال من لم يقاتل‪ .‬قالوا‪ :‬فهذه آية‬
‫السيف هي آية القتال‪ ،‬آية الجهاد‪ ،‬آية التشمير‬
‫عن ساعد الجد وعن المال والنفس لقتال‬
‫أعداء الله‪ ،‬حتى يدخلوا في دين الله‪ ،‬وحتى‬
‫يتوبوا من شركهم‪ ،‬ويقيموا الصلة ويؤتوا‬
‫الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم‬
‫وأموالهم‪ ،‬إل بحق السلم‪ .‬هذا هو المعروف‬
‫في كلم أهل العلم من المفسرين وغير‬
‫المفسرين‪ ،‬كلهم قالوا فيما علمنا‪ ،‬واطلعنا‬
‫عليه من كلمهم‪ :‬إن هذه الية وما جاء في‬
‫معناها ناسخة لما مضى قبلها من اليات‪ ،‬التي‬
‫فيها المر بالعفو والصفح‪ ،‬وقتال من قاتل‬
‫والكف عمن كف‪ ،‬ومثلها قوله جل وعل في‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫سورة النفال‪َ ﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫ه ل ِّله﴾)‪ ،(1‬ومثلها قوله‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫ة َ‬
‫قات ُِلوا ْ‬
‫و َ‬
‫جل وعل في سورة براءة بعد ذلك‪َ ﴿ :‬‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫كآ ّ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫كآ ّ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫ش‬
‫ف ً‬
‫ف ً‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫ة كَ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬ومثلها‬
‫وا ْ‬
‫مت ّ ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫قوله جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫قات ُِلوا ْ ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫ما‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫ول َ ي ُ َ‬
‫ن َ‬
‫حّر ُ‬
‫ر َ‬
‫ول َ ِبال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ق‬
‫ول َ ي َ ِ‬
‫ديُنو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َ‬
‫حّر َ‬
‫وَر ُ‬
‫ن ِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫سول ُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫طوا ْ‬
‫ع ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫ب َ‬
‫ن أوُتوا ْ ال ْك َِتا َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.36‬‬
‫‪180‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ن)‪.(1)﴾(29‬‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫صا ِ‬
‫و ُ‬
‫عن ي َ ٍ‬
‫غُرو َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ال ْ ِ‬
‫د َ‬
‫فأمر الله سبحانه وتعالى بقتال أهل الكتاب‪،‬‬
‫ولم يأمر بالكف عنهم إل إذا‬

‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.29‬‬
‫‪181‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أدوا الجزية عن صغار‪ ،‬ولم يقل‪ :‬حتى يعطوا‬
‫طوا ْ‬
‫ع ُ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫الجزية أو يكفوا عنا‪ ،‬بل قال‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾‪ ،‬واكتفى‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫صا ِ‬
‫و ُ‬
‫عن ي َ ٍ‬
‫غُرو َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ال ْ ِ‬
‫د َ‬
‫بذلك‪ ،‬وقال في الية السابقة آية السيف‪﴿ :‬‬
‫وا ْ الّز َ‬
‫وأ َ َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫كا َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫َ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬وقال في آية أخرى‪﴿ :‬‬
‫ف َ‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫خّلوا ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫وا ْ الّز َ‬
‫وأ َ َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫كا َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ .(2‬فدل ذلك على أنه‬
‫فإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫في ال ّ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫خ َ‬
‫دي ِ‬
‫ل يكف عن الكفار‪ ،‬إل إذا تابوا من كفرهم‪،‬‬
‫ورجعوا إلى دين الله‪ ،‬واستمسكوا بما شرع‬
‫الله‪ .‬فهؤلء هم الذين يكف عنهم‪ ،‬ويكون لهم‬
‫ما لنا وعليهم ما علينا‪ ،‬لكن أهل الكتاب إذا‬
‫بذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون‪ ،‬كففنا عنهم‬
‫وإن لم يسلموا‪ .‬أما من سواهم فلبد من‬
‫السلم أو السيف‪ ،‬ويلحق بأهل الكتاب‬
‫المجوس؛ لما رواه البخاري في صحيحه رحمه‬
‫الله عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه‬
‫أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من‬
‫مجوس هجر‪ .‬فصار المجوس ملحقين بأهل‬
‫الكتاب في أخذ الجزية فقط‪ ،‬ل في حل‬
‫طعامهم ونسائهم‪ .‬فهذه الطوائف الثلثة تؤخذ‬
‫منهم الجزية‪ ،‬هذا محل وفاق بين أهل العلم‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.11‬‬
‫‪182‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فإما أن يسلموا وإما أن يؤدوا الجزية‪ ،‬وإما‬
‫القتال‪ .‬وفي آخر الزمان إذا نزل عيسى عليه‬
‫الصلة والسلم زال هذا المر‪ ،‬فأخذ الجزية‬
‫مؤجل ومؤقت‬

‫‪183‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إلى نزول عيسى‪ ،‬فإذا نزل عيسى عليه الصلة‬
‫والسلم انتهى هذا الشرع‪ ،‬ووجب بعد ذلك إما‬
‫السلم وإما السيف‪ .‬هكذا يحكم عيسى عليه‬
‫السلم بهذه الشريعة المحمدية‪ ،‬والحاديث‬
‫الواردة في ذلك‪ ،‬تدل على أن أخذ الجزية‬
‫مؤقت إلى نزوله عليه الصلة والسلم ‪ .‬وقد‬
‫أوضح عليه الصلة والسلم أن أخذ الجزية‬
‫مؤقت إلى نزول عيسى‪ ،‬فإذا نزل عيسى حكم‬
‫فيهم بالسيف أو السلم‪ ،‬وترك الجزية‪ ،‬وذلك‬
‫بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه؛ لن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك‬
‫وأقره؛ فدل ذلك على أن هذا هو شرعه في‬
‫آخر الزمان‪ .‬واختلف أهل العلم فيما عدا هذه‬
‫الطوائف الثلث من العجم وعباد الوثان‪ ،‬فقال‬
‫بعض أهل العلم‪ :‬تؤخذ الجزية من جميع‬
‫المشركين عربهم وعجمهم ول يستثنى أحد‪،‬‬
‫وهذا هو المنقول عن مالك‪ ،‬ونسبه إليه‬
‫القرطبي رحمه الله في تفسيره‪ ،‬والحافظ ابن‬
‫كثير رحمه الله في تفسيره‪ ،‬وهو‪ :‬أن الجزية‬
‫تؤخذ من الجميع من العرب ومن العجم ‪ .‬وقال‬
‫أبو حنيفة رحمه الله‪ :‬تؤخذ من العجم جميعًا؛‬
‫كاليهود والنصارى والمجوس‪ ،‬ول تؤخذ من‬
‫العرب‪ .‬وقال أحمد رحمه الله والشافعي‬
‫‪184‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وجماعة من العلماء‪ :‬إنما تؤخذ من أهل الكتاب‬
‫والمجوس فقط؛ لن الصل قتال الكفار‪ ،‬وعدم‬
‫رفع السيف عنهم حتى يسلموا‪ ،‬ولم يأت رفع‬
‫السيف بعد بذل الجزية إل في هذه الطوائف‬
‫الثلث‪:‬‬

‫‪185‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫اليهود والنصارى والمجوس‪ .‬جاء الكتاب في‬
‫اليهود والنصارى‪ ،‬وجاءت السنة الصريحة في‬
‫المجوس‪ ،‬ومن سواهم ل يرفع عنه السيف‪ ،‬بل‬
‫لبد من السلم أو السيف فقط؛ لن الله جل‬
‫وا ْ‬
‫وأ َ َ‬
‫وعل قال‪َ ﴿ :‬‬
‫قا ُ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫الّز َ‬
‫كاةَ َ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬ولم يقل أو كفوا‬
‫ف َ‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫خّلوا ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫فا ْ‬
‫عنكم‪ ،‬وقال‪َ ﴿ :‬‬
‫م ْ‬
‫ث‬
‫حي ْ ُ‬
‫ر ِ‬
‫ن َ‬
‫كي َ‬
‫قت ُُلوا ْ ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫صُرو ُ‬
‫ذو ُ‬
‫مو ُ‬
‫وا ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وا ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫د﴾ ‪ ،‬فعمم بقتالهم‬
‫ص ٍ‬
‫ع ُ‬
‫ق ُ‬
‫دوا ل ُ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫مْر َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫جميعا‪ .‬وتعليق الحكم بالوصف المشتق يدل‬
‫على أنه هو العلة‪ ،‬فلما علق الحكم بالمشركين‬
‫والكفار ولمن ترك الدين ولم يدن بالحق‪ ،‬عرف‬
‫أن هذا هو العلة‪ ،‬وأنه هو المقتضي لقتالهم‪.‬‬
‫فالعلة الكفر بالله‪ ،‬مع شرط كونه من أهل‬
‫القتال ل من غيرهم‪ ،‬فإذا كانوا من أهل القتال‬
‫قاتلناهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية‪ ،‬إن كانوا‬
‫من اليهود والنصارى والمجوس‪ ،‬أو حتى‬
‫يسلموا فقط‪ ،‬إذا كانوا من غير هؤلء الطوائف‬
‫الثلث‪ ،‬وإل فالسيف‪ .‬لكن من ليس من أهل‬
‫القتال؛ كالنساء والولد والعميان والمجانين‬
‫والرهبان وأرباب الصوامع والزمناء‪ ،‬ومن ليس‬
‫من شأنهم القتال؛ لكونهم ل يستطيعون كمن‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪186‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫تقدم ذكرهم وهكذا الشيوخ الفانون‪ ،‬فهؤلء ل‬
‫يقاتلون عند جمهور العلماء؛ لنهم ليسوا من‬
‫أهل القتال‪ ،‬فمن محاسن السلم‬

‫‪187‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫تركهم وعدم قتالهم‪ ،‬وفيه أيضا ً دعوة لهم‬
‫ولهاليهم وقومهم إلى السلم‪ ،‬إذا عرفوا أن‬
‫السلم يرحم هؤلء ويعطف عليهم ول يقتلهم؛‬
‫فهذا من أسباب دخولهم في السلم‪ ،‬أو عدم‬
‫تفانيهم في العداء له‪ .‬وبعض أهل العلم حكى‬
‫الجماع على عدم قتل النساء والصبيان‪ ،‬وقد‬
‫ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫النهي عن قتل النساء والصبيان في الحاديث‬
‫الصحيحة‪ ،‬وقد جاء في أحاديث السنن النهي‬
‫عن قتل الرهبان‪ ،‬والشيوخ الفانين وأشباههم‪.‬‬
‫وذكر بعض أهل العلم أن آية السيف‪ ،‬وهي‬
‫قوله جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫خ ال َ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‬
‫هُر ال ْ ُ‬
‫حُر ُ‬
‫ش ُ‬
‫ذا ان َ‬
‫)‪(1‬‬
‫فا ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م﴾‬
‫حي ْ ُ‬
‫مو ُ‬
‫ر ِ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫كي َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫قت ُُلوا ْ ال ْ ُ‬
‫ث َ‬
‫ش ِ‬
‫الية‪ ،‬ليست ناسخة‪ ،‬ولكن الحوال تختلف‪،‬‬
‫وهكذا قوله جل وعل‪﴿ :‬يا أ َ‬
‫د‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫ي َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ظ َ َ‬
‫غل ُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫ال ْك ُ ّ‬
‫م﴾ ‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫فاَر َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫قات ُِلوا ْ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقوله سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ن ي َُلون َ ُ‬
‫ن ال ْك ُ ّ‬
‫م‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫فيك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ول ِي َ ِ‬
‫ر َ‬
‫فا ِ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪،(3‬‬
‫وا ْ‬
‫غل ْظَ ً‬
‫مت ّ ِ‬
‫ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ة َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ش‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫قات ُِلوا ْ ال ْ ُ‬
‫وهكذا قوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫كآ ّ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫كآ ّ‬
‫ن‬
‫وا ْ‬
‫ف ً‬
‫ف ً‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫ة كَ َ‬
‫ة َ‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.73‬‬
‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.123‬‬
‫‪188‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ن﴾)‪ ،(1‬وهكذا قوله سبحانه‪﴿ :‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫حّتى‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫وي َ ُ‬
‫ل َ تَ ُ‬
‫ه ل ِّله﴾)‪.(2‬‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫ة َ‬
‫فهذه اليات وما في معناها‪ ،‬قال بعض أهل‬
‫العلم‪ :‬ليست ناسخة ليات الكف عمن كف عنا‬
‫وقتال من قاتلنا‪ ،‬وليست ناسخة لقوله‪﴿ :‬ل َ‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬ولكن الحوال تختلف‪،‬‬
‫إ ِك َْراهَ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫فإذا قوي المسلمون وصارت لهم السلطة‬
‫والقوة والهيبة‪ ،‬استعملوا آية السيف وما جاء‬
‫في معناها وعملوا بها‪ ،‬وقاتلوا جميع الكفار‬
‫حتى يدخلوا في دين الله أو يؤدوا الجزية؛ إما‬
‫مطلقا ً كما هو قول مالك رحمه الله وجماعة‪،‬‬
‫وإما من اليهود والنصارى والمجوس على‬
‫القول الخر‪ .‬وإذا ضعف المسلمون ولم يقووا‬
‫على قتال الجميع‪ ،‬فل بأس أن يقاتلوا بحسب‬
‫قدرتهم ويكفوا عمن كف عنهم إذا لم‬
‫يستطيعوا ذلك‪ ،‬فيكون المر إلى ولي المر‪ :‬إن‬
‫شاء قاتل‪ ،‬وإن شاء كف‪ ،‬وإن شاء قاتل قوما ً‬
‫دون قوم‪ ،‬على حسب القوة والقدرة‬
‫والمصلحة للمسلمين‪ ،‬ل على حسب هواه‬
‫وشهوته ولكن ينظر للمسلمين وينظر لحالهم‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.36‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()3‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.256‬‬
‫‪189‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقوتهم ‪ ،‬فإن ضعف المسلمون استعمل اليات‬
‫المكية؛ لما في اليات المكية من الدعوة‬
‫والبيان والرشاد والكف عن القتال عند‬
‫الضعف‪ ،‬وإذا قوي المسلمون قاتلوا حسب‬
‫القدرة‪ ،‬فيقاتلون من بدأهم بالقتال وقصدهم‬
‫في بلدهم‪ ،‬ويكفون عمن كف عنهم‪ ،‬فينظرون‬
‫في المصلحة التي‬

‫‪190‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫تقتضيها قواعد السلم وتقتضيها الرحمة‬
‫للمسلمين والنظر في العواقب‪ ،‬كما فعل النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في مكة‪ ،‬وفي المدينة‬
‫أول ما هاجر‪ .‬وإذا صار عندهم من القوة‬
‫والسلطان والقدرة والسلح ما يستطيعون به‬
‫قتال جميع الكفار‪ ،‬أعلنوها حربا ً شعواء للجميع‪،‬‬
‫وأعلنوا الجهاد للجميع‪ ،‬كما أعلن الصحابة ذلك‬
‫في زمن الصديق وعمر وعثمان رضي الله‬
‫عنهم وكما أعلن ذلك الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم في حياته بعد نزول آية السيف‪ ،‬وتوجه‬
‫إلى تبوك لقتال الروم‪ ،‬وأرسل قبل ذلك جيش‬
‫مؤتة لقتال الروم عام ‪ 8‬من الهجرة‪ ،‬وجهز‬
‫جيش أسامة في آخر حياته صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ .‬وهذا القول ذكره أبو العباس شيخ‬
‫السلم ابن تيمية رحمه الله واختاره وقال‪ :‬إنه‬
‫ليس هناك نسخ‪ ،‬ولكنه اختلف في الحوال؛‬
‫لن أمر المسلمين في أول المر ليس بالقوي‪،‬‬
‫وليس عندهم قدرة كاملة‪ ،‬أذن لهم بالقتال‬
‫فقط‪ ،‬ولما كان عندهم من القدرة بعد الهجرة‬
‫ما يستطيعون به الدفاع‪ ،‬أمروا بقتال من‬
‫قاتلهم وبالكف عمن كف عنهم‪ .‬فلما قوي‬
‫السلم وقوي أهله‪ ،‬وانتشر المسلمون ودخل‬
‫الناس في دين الله أفواجًا‪ ،‬أمروا بقتال جميع‬
‫‪191‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الكفار‪ ،‬ونبذ العهود‪ ،‬وأل يكفوا إل عن أهل‬
‫الجزية من اليهود والنصارى والمجوس‪ ،‬إذا‬
‫بذلوها عن يد وهم صاغرون‪ .‬وهذا القول اختاره‬
‫جمع من أهل العلم‪ ،‬واختاره الحافظ ابن كثير‬
‫رحمه الله‬

‫‪192‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وِإن‬
‫عند قوله جل وعل في كتابه العظيم‪َ ﴿ :‬‬
‫سل ْم ِ َ‬
‫وك ّ ْ‬
‫عَلى‬
‫ل َ‬
‫جن َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫جن َ ُ‬
‫َ‬
‫ح لَ َ‬
‫حوا ْ ِلل ّ‬
‫وت َ َ‬
‫ها َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ه ُ‬
‫س ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫عِلي ُ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫وهذا القول أظهر وأبين في الدليل؛ لن‬
‫القاعدة الصولية أنه ل يصار إلى النسخ إل عند‬
‫تعذر الجمع بين الدلة‪ ،‬والجمع هنا غير متعذر‬
‫كما تقدم بيانه والله ولي التوفيق‪.‬‬
‫أما ما يتعلق بالجزية‪ ،‬فقول من قال‪) :‬إنها‬
‫تؤخذ من الجميع( أظهر‪ ،‬إل من العرب خاصة‪.‬‬
‫ووجه ذلك‪ ،‬ما ثبت في الصحيح عن بريدة‬
‫رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫كان إذا بعث أميرا ً على جيش أو سرية أوصاه‬
‫بتقوى الله‪ ،‬وبمن معه من المسلمين خيرًا‪ ،‬ثم‬
‫قال‪)) :‬اغزوا باسم الله‪ ،‬في سبيل الله‪ ،‬قاتلوا‬
‫من كفر بالله(()‪ (2‬فعلق الحكم بالكفر‪ ،‬فدل‬
‫ذلك على أنهم يقاتلون لكفرهم‪ ،‬إذا كانوا من‬
‫أهل القتال‪ ،‬كما تدل عليه آيات أخرى‪.‬‬
‫ثم قال صلى الله عليه وسلم‪)) :‬اغزوا في‬
‫سبيل الله‪ ،‬قاتلوا من كفر بالله‪ ،‬اغزوا ول تغلوا‪،‬‬
‫ول تغدروا‪ ،‬ول تمثلوا‪ ،‬ول تقتلوا وليدًا((‪ ،‬ثم قال‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.61‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )تأمير المام المراء على‬
‫البعوث( برقم ‪.1731‬‬
‫‪193‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بعد هذا‪)) :‬وإذا لقيت عدوك من المشركين‪،‬‬
‫فادعهم إلى ثلث‬

‫‪194‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫خصال أو خلل‪ :‬فأيتهن أجابوك إليها فاقبل‬
‫منهم وكف عنهم‪ :‬ادعهم إلى السلم((‪ ،‬ثم قال‬
‫بعد ذلك‪)) :‬فإن أبوا فاسألهم الجزية((‪ ،‬ثم قال‬
‫بعد ذلك‪)) :‬فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم(()‪.(1‬‬
‫فأمر صلى الله عليه وسلم أميره على الجيش‬
‫والسرية‪ ،‬أن يدعو العداء أول ً للسلم‪ ،‬فإن‬
‫أجابوا كف عنهم‪ ،‬فإن أبوا دعاهم إلى الجزية‪،‬‬
‫فإن أجابوا كف عنهم‪ ،‬وإل فاستعان بالله‬
‫وقاتلهم‪ ،‬ولم يفرق بين اليهود والنصارى‬
‫وغيرهم‪ ،‬بل قال‪)) :‬عدوك من المشركين((‪،‬‬
‫وهذا يظهر من العموم‪ ،‬ولكن ذكر شيخ السلم‬
‫ابن تيمية رحمه الله أن عامة العلماء لم يروا‬
‫أخذها من العرب‪ .‬قالوا‪ :‬لن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وهو الذي تنزل عليه اليات‪،‬‬
‫وهو أعلم بمعناها لم يأخذها من العرب‪ ،‬بل‬
‫قاتلهم حتى دخلوا في السلم‪ ،‬وهكذا الصحابة‬
‫بعده لم يقبلوها من عربي‪ ،‬بل قاتلوا العرب‬
‫في الجزيرة حتى دخلوا كلهم في دين الله‪.‬‬
‫والله جل وعل قال في حقهم وغيرهم‪َ ﴿ :‬‬
‫فِإن‬
‫َتابوا ْ وأ َ‬
‫خّلوا ْ‬
‫ْ‬
‫وا ْ الّز َ‬
‫َ‬
‫كاةَ َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫وآ‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ا‬
‫مو‬
‫قا‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬وقال في الية الخرى‪﴿ :‬‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )تأمير المام المراء على‬
‫البعوث( برقم ‪.1731‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪195‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬ولم يذكر الجزية‬
‫فإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫في ال ّ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫خ َ‬
‫دي ِ‬
‫في هذا المكان‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.11‬‬
‫‪196‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فالقول بأنها ل تؤخذ من العرب‪ ،‬هو القوى‬
‫والظهر والقرب‪ ،‬وأما من سواهم‪ ،‬فقول من‬
‫قال‪ :‬بعموم النص أعني حديث بريدة أظهر؛‬
‫أخذا ً بالدلة من القرآن والسنة جميعًا‪ ،‬ولن‬
‫المقصود من الجهاد هو إخضاعهم للحق‪،‬‬
‫ودعوتهم إليه‪ ،‬وأن يكفوا عنا آذاهم وظلمهم‪،‬‬
‫فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في دين الله‪ ،‬فالحمد‬
‫لله‪ ،‬وإن أبوا طالبناهم بالجزية‪ ،‬فإن بذلوها‬
‫والتزموا الصغار والشروط التي تملى عليهم‪،‬‬
‫قبلناها منهم وكففنا عنهم‪.‬‬
‫فإن أبوا أن يدخلوا في السلم‪ ،‬وأن يبذلوا‬
‫الجزية قاتلناهم؛ لما في ذلك من المصلحة لهم‬
‫وللمسلمين‪ ،‬ولن ذلك هو الموافق لحديث‬
‫بريدة رضي الله عنه مع اليات في اليهود‬
‫والنصارى‪ ،‬ومع حديث عبد الرحمن في‬
‫المجوس‪.‬‬
‫أما العرب‪ ،‬فإن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم يأخذوها‬
‫منهم‪ ،‬وهكذا من بعدهم الئمة‪ ،‬ويتضح من‬
‫سيرتهم وعملهم أنه ل يجوز أن يبقى العرب‬
‫على الشرك بالله أبدًا‪ ،‬بل إما أن يحملوا هذه‬
‫الرسالة‪ ،‬ويبلغوها للناس‪ ،‬وإما أن يقضى‬
‫عليهم‪ ،‬فل يبقوا في الرض‪.‬‬
‫‪197‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أما بقاؤهم بالجزية فغير لئق‪ ...‬ولهذا جرى‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه‬
‫على عدم قبولها من العرب‪ ،‬وإنما قبلوها من‬
‫العاجم؛ كالمجوس وأشباههم‪ ،‬كما قبلوها من‬

‫‪198‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫اليهود والنصارى‪.‬‬
‫أما قول من قال‪ :‬بأن القتال للدفاع فقط‪،‬‬
‫فهذا القول ما علمته لحد من العلماء القدامى‪:‬‬
‫أن الجهاد شرع في السلم بعد آية السيف‬
‫للدفاع فقط‪ ،‬وأن الكفار ل ُيبدأون بالقتال وإنما‬
‫يشرع للدفاع فقط‪.‬‬
‫وقد كتب بعض إخواننا رسالة في الرد على‬
‫هذا القول‪ ،‬وفي الرد على رسالة افتراها بعض‬
‫الناس على شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬زعم فيها‬
‫أنه يرى الجهاد للدفاع فقط‪ .‬وهذا الكاتب هو‬
‫فضيلة العلمة‪ :‬الشيخ سليمان بن حمدان‪،‬‬
‫رسالة ذكر فيها أن هذا القول منقول عن بعض‬
‫أهل الكوفة‪ ،‬وإنما اشتهر بين الكتاب مؤخرًا‪..‬‬
‫وأما العلماء فلم يشتهر بينهم‪ ،‬وإنما المعروف‬
‫بين العلماء أن الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫بعدما هاجر أذن له في القتال مطلقًا‪ ،‬ثم فرض‬
‫عليه الجهاد وأمر بأن يقاتل من قاتل‪ ،‬ويكف‬
‫عمن كف‪ ،‬ثم بعد ذلك أنزل الله عليه اليات‬
‫المرة بالجهاد مطلقًا‪ ،‬وعدم الكف عن أحد‬
‫حتى يدخل في دين الله‪ ،‬أو يؤدي الجزية إن‬
‫كان من أهلها كما تقدم‪.‬‬
‫وهذا هو المعروف في كلم أهل العلم‪ ،‬وقد‬
‫تقدم ذكر قول شيخ السلم ابن تيمية رحمه‬
‫الله في الجمع بين النصوص‪ ،‬وأنه هو القرب‬
‫‪199‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ول نسخ‪ ،‬وإنما تختلف الحوال بقوة المسلمين‬
‫وضعفهم‪ .‬فإذا ضعف المسلمون جاهدوا بحسب‬

‫‪200‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حالهم‪ ،‬وإذا عجزوا عن ذلك اكتفوا بالدعوة‪،‬‬
‫وإذا قووا بعض القوة قاتلوا من بدأهم ومن‬
‫قرب منهم‪ ،‬وكفوا عمن كف عنهم‪ ،‬وإذا قووا‬
‫وصار لهم السلطان والغلبة قاتلوا الجميع‬
‫وجاهدوا الجميع حتى يسلموا‪ ،‬أو يؤدوا الجزية‪،‬‬
‫إل من ل تؤخذ منهم؛ كالعرب عند جمع من أهل‬
‫العلم‪.‬‬
‫وقد تعلق بعض الكتاب الذين قالوا‪ :‬إن‬
‫الجهاد للدفاع فقط‪ ،‬بآيات ل حجة لهم فيها‪.‬‬
‫وقد سبق الجواب عنها‪ ،‬ويأتي مزيد لذلك إن‬
‫شاء الله ‪.‬‬
‫ومعلوم أن الدفاع قد أوجبه الله على‬
‫المسلمين ضد من اعتدى عليهم‪ ،‬كما قال‬
‫م َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ه‬
‫دوا ْ َ‬
‫فا ْ‬
‫دى َ‬
‫نا ْ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫عت َ ُ‬
‫عت َ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫م ِ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫دى َ‬
‫ما ا ْ‬
‫بِ ِ‬
‫عت َ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫مث ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وكما في‬
‫وا ْ‬
‫مت ّ ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫اليات السابقة‪ .‬والسلم جاء بدعوة الكفار أول ً‬
‫إلى الدخول فيه‪ ،‬فإن أبوا فالجزية‪ ،‬فإن أبوا‬
‫وجب قتالهم مع القدرة كما تقدم في حديث‬
‫بريدة ‪ ،‬وإن رأى ولي المر المصالحة‪ ،‬وعدم‬
‫القتال لسباب تتعلق بمصلحة المسلمين‪ ،‬جاز‬
‫حوا ْ ِلل ّ ْ‬
‫جن َ ُ‬
‫وِإن َ‬
‫ذلك؛ لقوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫سلم ِ‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.194‬‬
‫‪201‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ها﴾)‪ (2‬الية‪ ،‬ولفعله صلى الله عليه‬
‫جن َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫ح لَ َ‬
‫وسلم مع أهل مكة يوم الحديبية‪.‬‬

‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.61‬‬
‫‪202‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وبذلك يعلم أنه ل حاجة للقتال إذا نجحت‬
‫الدعوة‪ ،‬وأجاب الكفار إلى الدخول في السلم‪.‬‬
‫فإن احتيج للقتال قوتل الكفار حينئذ بعد‬
‫الدعوة والبيان والرشاد‪ ،‬فإن أبو فالجزية إن‬
‫كانوا من أهلها‪ ،‬فإن أبوا وجب القتال أو‬
‫المصالحة حسبما يراه ولي المر للمسلمين إذا‬
‫لم يكن لدى المسلمين قدرة على القتال كما‬
‫تقدم وقد تعلق القائلون بأن الجهاد للدفاع‬
‫فقط بآيات ثلث‪:‬‬
‫و َ‬
‫في‬
‫قات ُِلوا ْ ِ‬
‫الولى‪ :‬قوله جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ول َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫دوا ْ﴾)‪ .(1‬والجواب عن ذلك كما تقدم أن هذه‬
‫عت َ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫الية ليس معناها القتال للدفاع‪ ،‬وإنما معناها‬
‫القتال لمن كان شأنه القتال؛ كالرجل المكلف‬
‫القوي‪ ،‬وترك من ليس شأنه القتال؛ كالمرأة‬
‫والصبي ونحو ذلك‪ ،‬ولهذا قال بعدها‪﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ّ‬
‫ه﴾ ‪ ،‬فاتضح بطلن هذا القول‪ ،‬ثم لو‬
‫ن ل ِل ِ‬
‫ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫صح ما قالوا‪ ،‬فقد نسخت بآية السيف وانتهى‬
‫المر بحمد الله‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.190‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.193‬‬
‫‪203‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والية الثانية التي احتج بها من قال بأن‬
‫في‬
‫الجهاد للدفاع هي قوله تعالى‪﴿ :‬ل َ إ ِك َْراهَ ِ‬
‫ن﴾)‪ .(3‬وهذه ل حجة فيها‬
‫ال ّ‬
‫دي ِ‬

‫‪ ()3‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.256‬‬
‫‪204‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لنها على الصح مخصوصة بأهل الكتاب‬
‫والمجوس وأشباههم‪ ،‬فإنهم ل يكرهون على‬
‫الدخول في السلم إذا بذلوا الجزية‪ ،‬هذا هو‬
‫أحد القولين في معناها‪.‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬أنها منسوخة بآية السيف‪ ،‬ول‬
‫حاجة للنسخ بل هي مخصوصة بأهل الكتاب‪،‬‬
‫كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة‬
‫والسلف‪ ،‬فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم‪،‬‬
‫فل يكرهون إذا أدوا الجزية وهكذا من ألحق بهم‬
‫من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية فل إكراه؛‬
‫ولن الراجح لدى أئمة الحديث والصول‪ ،‬أنه ل‬
‫يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع‪ ،‬وقد عرفت‬
‫أن الجمع ممكن بما ذكرنا‪ .‬فإن أبوا السلم‬
‫والجزية قوتلوا‪ ،‬كما دلت عليه اليات الكريمات‬
‫الخرى‪.‬‬
‫والية الثالثة التي تعلق بها من قال‪ :‬إن‬
‫الجهاد للدفاع فقط‪ ،‬قوله تعالى في سورة‬
‫م يُ َ‬
‫م َ‬
‫النساء‪َ ﴿ :‬‬
‫م‬
‫نا ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫عت ََزُلوك ُ ْ‬
‫فإ ِ ِ‬
‫م َ‬
‫وأ َل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫م ال ّ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫سل َ َ‬
‫وا ْ إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ً )‪(1‬‬
‫َ َ‬
‫سِبيل﴾ ‪ .‬قالوا‪ :‬من اعتزلنا وكف عنا‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫لم نقاتله‪ .‬وقد عرفت أن هذا كان في حال‬
‫ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.90‬‬
‫‪205‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ثم نسخت بآية السيف‪ ،‬وانتهى أمرها‪ ،‬أو أنها‬
‫محمولة على أن هذا كان في حال ضعف‬
‫المسلمين‪ ،‬فإذا قووا أمروا بالقتال‪ ،‬كما هو‬
‫القول الخر كما‬
‫عرفت وهو عدم النسخ‪ .‬وبهذا يعلم بطلن هذا‬
‫القول‪ ،‬وأنه ل أساس له ول وجه له من الصحة‪،‬‬
‫وقد ألف بعض الناس رسالة افتراها على شيخ‬
‫السلم ابن تيمية‪ ،‬وزعم أنه ل يرى القتال إل‬
‫لمن قاتل فقط‪ .‬وهذه الرسالة لشك أنها‬
‫مفتراة‪ ،‬وأنها كذب بل ريب‪ .‬وقد انتدب لها‬
‫الشيخ العلمة سليمان بن سحمان رحمة الله‬
‫عليه ورد عليها منذ أكثر من خمسين سنة‪ ،‬وقد‬
‫أخبرني بذلك بعض مشايخنا‪ ،‬ورد عليه أيضا‬
‫أخونا العلمة الشيخ سليمان بن حمدان رحمه‬
‫الله القاضي سابقا ً في المدينة المنورة كما‬
‫ذكرنا آنفًا‪ ،‬ورده موجود بحمد الله‪ ،‬وهو رد‬
‫حسن واف بالمقصود‪ .‬فجزاه الله خيرًا‪.‬‬
‫وممن كتب في هذا أيضا ً أخونا الشيخ صالح‬
‫بن أحمد المصوعي رحمه الله فقد كتب فيها‬
‫رسالة صغيرة‪ ،‬فند فيها هذه المزاعم‪ ،‬وأبطل‬
‫ما قاله هؤلء الكتبة‪ :‬بأن الجهاد في السلم‬
‫للدفاع فقط‪ .‬وصنف أيضا ً أخونا العلمة أبو‬
‫العلى المودودي رحمه الله رسالة في الجهاد‪،‬‬
‫‪206‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وبين فيها بطلن هذا القول‪ ،‬وأنه قول ل أساس‬
‫له من الصحة‪ .‬ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة‪،‬‬
‫ونظر في ذلك بعين البصيرة‪ ،‬وتجرد عن الهوى‬
‫والتقليد‪ ،‬عرف قطعا ً بطلن هذا القول‪ ،‬وأنه ل‬
‫أساس له‪ .‬ومما جاء في السنة في هذا الباب‬
‫مؤيدا ً للكتاب العزيز‪ ،‬ما رواه الشيخان عن ابن‬
‫عمر رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أمرت أن أقاتل‬
‫الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأن‬
‫محمدا ً رسول الله‪ ،‬ويقيموا الصلة‪ ،‬ويؤتوا‬
‫الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم‬
‫وأموالهم‪ ،‬إل بحق السلم‪ ،‬وحسابهم على‬
‫الله(()‪ .(1‬وما رواه الشيخان أيضًا‪ ،‬من حديث‬
‫أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أمرت أن أقاتل‬
‫الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأن‬
‫محمدا ً رسول الله‪ ،‬وصلوا صلتنا‪ ،‬وأكلوا‬
‫ذبيحتنا‪ ،‬واستقبلوا قبلتنا‪ ،‬فلهم ما لنا وعليهم ما‬
‫علينا(()‪.(2‬‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )فإن تابوا وأقاموا الصلة(‪،‬‬
‫برقم ‪ ،25‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى‬
‫يقولوا ل إله إل الله(‪ ،‬برقم ‪.22‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الصلة(‪ ،‬باب )فضل استقبال القبلة( برقم‬
‫‪.393‬‬
‫‪207‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ومن ذلك ما رواه مسلم في الصحيح‪ ،‬عن‬
‫أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم قال‪)) :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫يقولوا ل إله إل الله‪ ،‬فإذا قالوها عصموا مني‬
‫دماءهم وأموالهم إل بحقها‪ ،‬وحسابهم على‬
‫الله(()‪ (1‬ومن هذا ما رواه مسلم في الصحيح‬
‫أيضًا‪ ،‬عن طارق بن أشيم الشجعي رضي الله‬
‫عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬من‬
‫قال ل‬

‫‪ ()1‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله(‪ ،‬برقم ‪.21 ،20‬‬
‫‪208‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إله إل الله(()‪ (1‬وفي لفظ‪)) :‬من وحد الله وكفر‬
‫بما يعبد من دون الله‪ ،‬حرم ماله ودمه‪ ،‬وحسابه‬
‫على الله(()‪ .(2‬والحاديث في هذا المعنى كثيرة‪،‬‬
‫وكلها تدل على أن القتال شرع لزالة الكفر‬
‫والضلل‪ ،‬ودعوة الكفار للدخول في دين الله ل‬
‫لنهم اعتدوا علينا فقط ولهذا قال صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ...)) :‬فإذا فعلوا ذلك‪ ،‬عصموا مني‬
‫دماءهم وأموالهم إل بحقها((‪ ،‬ولم يقل‪ :‬فإذا‬
‫كفوا عنا أو اعتزلونا‪ ،‬بل قال‪)) :‬حتى يشهدوا‬
‫أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول الله ويقيموا‬
‫)‪(3‬‬
‫الصلة ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك‪((..‬‬
‫الحديث‪.‬‬
‫فدل ذلك على أن المطلوب دخولهم في‬
‫السلم وإل فالسيف‪ ،‬إل أهل الجزية كما تقدم‬
‫وإنما اقتصر عليه الصلة والسلم على‬
‫الشهادتين والصلة والزكاة؛ لنها السس‬
‫العظيمة والركان الكبرى‪ ،‬فمن أخذ بها ودان‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله(‪ ،‬برقم ‪.23‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى يقولوا ل‬
‫إله إل الله( برقم ‪.23‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )فإن تابوا وأقاموا الصلة(‪،‬‬
‫برقم ‪ ،25‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )المر بقتال الناس حتى‬
‫يقولوا ل إله إل الله( برقم ‪.22‬‬
‫‪209‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بها وتمسك بها‪ ،‬فإنه يؤدي ما وراءها عن إيمان‬
‫وعن اطمئنان‪ ،‬وإذعان من باب أولى‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وهذا ما أردت التنبيه عليه باختصار وإيجاز‪،‬‬
‫وأرجو أن يكون وافيا ً بالمطلوب من بيان الحق‬
‫وإزهاق الباطل‪ ،‬وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا‬
‫جميعا ً للفقه في دينه والستقامة عليه‪ ،‬وأن‬
‫يهدينا صراطه المستقيم‪ ،‬وأن يعلمنا ما ينفعنا‪،‬‬
‫ويهدينا لما فيه السعادة والنجاة‪ ،‬وأن يوفق‬
‫المسلمين جميعا ً للستقامة على دينه‪ ،‬والجهاد‬
‫في سبيله‪ ،‬والحذر من مكائد العداء؛ إنه على‬
‫كل شيء قدير‪ .‬وصلى الله وسلم وبارك على‬
‫عبده ورسوله‪ ،‬نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن‬
‫عبد الله‪ ،‬وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله‬
‫واهتدى بهداه إلى يوم الدين‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -41‬نداء من الجامعة السلمية‬
‫بالمدينة المنورة للمسلمين‬
‫كافة من العرب وغيرهم في كل‬
‫)‪( 1‬‬
‫مكان لجهاد اليهود‬

‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على عبده ورسوله محمد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‬
‫وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فأيها المسلمون في كل قطر‪ ،‬أيها العرب‬
‫في كل مكان‪ ،‬أيها القادة والزعماء‪ :‬إن‬
‫المعركة الحالية بين العرب واليهود ليست‬
‫معركة العرب فحسب‪ ،‬بل هي معركة إسلمية‬
‫عربية‪ ،‬معركة بين الكفر واليمان‪ ،‬بين الحق‬
‫والباطل‪ ،‬بين المسلمين واليهود‪ .‬وعدوان‬
‫اليهود على المسلمين في بلدهم وعقر دورهم‪،‬‬
‫أمر معلوم مشهور من نحو تسعة عشر عامًا‪.‬‬
‫والواجب على المسلمين في كل مكان مناصرة‬
‫إخوانهم المعتدى عليهم‪ ،‬والقيام في صفهم‪،‬‬
‫ومساعدتهم على استرجاع حقهم ممن‬
‫‪ ()1‬نشر هذا الموضوع في الصحف المحلية والسلمية العربية في‬
‫حينه‪ ،‬ونشر أيضا ً في كتاب طبعه الحرس الوطني عام ‪1393‬هـ‬
‫بعنوان‪) :‬مواقف اليهود من السلم وفضل الجهاد والمجاهدين(‪ ،‬كما‬
‫نشر في هذا المجموع ج ‪ 2‬ص ‪413‬‬
‫‪212‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ظلمهم وتعدى عليهم‪ ،‬بكل ما يستطيعون من‬
‫نفس وجاه وعتاد ومال‪ ،‬كل بحسب وسعه‬
‫م‬
‫نا ْ‬
‫صُروك ُ ْ‬
‫سَتن َ‬
‫وإ ِ ِ‬
‫وطاقته‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫عَلى َ‬
‫ن َ‬
‫صُر إ ِل ّ َ‬
‫ِ‬
‫ف َ‬
‫في ال ّ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫م الن ّ ْ‬
‫ق ْ‬
‫وم ٍ‬
‫دي ِ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫قات ُِلوا ْ‬
‫ميَثاقٌ﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ول َ‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫ر َ‬
‫ول َ ِبال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ن‬
‫ول َ ي َ ِ‬
‫ديُنو َ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫يُ َ‬
‫حّر َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫حّر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫حّتى‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ب َ‬
‫ن أوُتوا ْ ال ْك َِتا َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ع ُ‬
‫ن ﴾)‪.(2‬‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫صا ِ‬
‫و ُ‬
‫عن ي َ ٍ‬
‫غُرو َ‬
‫يُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫طوا ْ ال ْ ِ‬
‫د َ‬
‫ومواقف اليهود ضد السلم وبني السلم معلومة‬
‫مشهورة‪ ،‬قد سجلها التاريخ‪ ،‬وتناقلها رواة الخبار‪،‬‬
‫بل قد شهد بها أعظم كتاب وأصدق كتاب؛ أل وهو‬
‫كتاب الله الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول‬
‫من خلفه تنزيل من حكيم حميد‪ .‬قال الله عز‬
‫ن أَ َ‬
‫ن‬
‫شدّ الّنا‬
‫س َ‬
‫وةً ل ّل ّ ِ‬
‫جد َ ّ‬
‫ع َ‬
‫ذي َ‬
‫وجل‪﴿ :‬ل َت َ ِ‬
‫دا َ‬
‫ِ‬
‫شَر ُ‬
‫ن أَ ْ‬
‫كوا ْ﴾)‪ ،(3‬فنص الله‬
‫وال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ال ْي َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫آ َ‬
‫هودَ َ‬
‫عز وجل في هذه الية الكريمة‪ ،‬على أن اليهود‬
‫والمشركين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين‪،‬‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫جاء ُ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫م ك َِتا ٌ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫ب ّ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ّ‬
‫وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫من َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫ما َ‬
‫صدّقٌ ل ّ َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فُروا ْ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫هم‬
‫ن َ‬
‫جاء ُ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫حو َ‬
‫ما َ‬
‫فت ِ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫فل َ ّ‬
‫ه َ‬
‫فوا ْ ك َ َ‬
‫عَر ُ‬
‫عَلى‬
‫ة الّله َ‬
‫ما َ‬
‫عن َ ُ‬
‫فُروا ْ ب ِ ِ‬
‫فل َ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ه أن ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫م‬
‫كا ِ‬
‫وا ْ ب ِ ِ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ن)‪ (89‬ب ِئ ْ َ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫شت ََر ْ‬
‫ف ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.72‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.29‬‬
‫‪ ()3‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.82‬‬
‫‪213‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َأن ي َك ْ ُ‬
‫غيا ً َأن ي ُن َّز ُ‬
‫ما أن ََز َ‬
‫ه‬
‫ه بَ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫فُروا ْ ب ِ َ‬
‫ؤوا ْ‬
‫ه َ‬
‫من َ‬
‫فَبآ ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ْ‬
‫عَباِد ِ‬
‫شاء ِ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫عَلى َ‬

‫ول ِل ْ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫بِ َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫كا ِ‬
‫غ َ‬
‫غ َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ري َ‬
‫ض ٍ‬
‫ض ٍ‬
‫ب َ‬
‫ف ِ‬
‫ن﴾)‪ .(1‬قال أهل التفسير في تفسير هاتين‬
‫هي ٌ‬
‫ّ‬
‫م ِ‬
‫اليتين الكريمتين‪ :‬كانت اليهود تستفتح على‬
‫كفار العرب‪ ،‬تقول لهم‪ :‬إنه قد أظل زمان نبي‬
‫يبعث في آخر الزمان نقاتلكم معه‪ .‬فلما بعث‬
‫الله نبيه محمدا ً صلى الله عليه وسلم أنكروه‬
‫وكفروا به‪ ،‬وجحدوا صفته‪ ،‬وبذلوا جهودهم في‬
‫محاربته والتأليب عليه والقضاء على دعوته؛‬
‫حسدا ً منهم وبغيا ً وجحدا ً للحق الذي يعرفونه‪،‬‬
‫فأبطل الله كيدهم وأضل سعيهم‪ .‬ثم إنهم ل‬
‫يزالوا يسعون جاهدين في الكيد للسلم‪،‬‬
‫والعداء لهله‪ ،‬ومساعدة كل عدو عليهم سرا ً‬
‫وجهرًا‪ .‬أليسوا القائلين لكفار مكة‪ :‬أنتم خير‬
‫وأهدى سبيل ً من محمد وأصحابه‪ ،‬أليسوا هم‬
‫الذين أّلبوا كفار قريش ومن سار في ركابهم‬
‫على قتال النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫والمسلمين يوم أحد‪ ،‬أليسوا هم الذين هموا‬
‫بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فأطلعه الله‬
‫على ذلك‪ ،‬وأنجاه من كيدهم‪ ،‬أليسوا هم الذين‬
‫ظاهروا الكفار يوم الحزاب ونقضوا العهد في‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬اليتان ‪.90 ،89‬‬
‫‪214‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫نفس المدينة بين المسلمين‪ ،‬حتى أحبط الله‬
‫كيدهم وأذل جندهم من الكفار‪ ،‬وسلط الله‬
‫عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫والمسلمين فقتل مقاتلهم‪ ،‬وسبى ذريتهم‬
‫ونساءهم وأموالهم؛ لغدرهم ونقضهم العهد‪،‬‬
‫ومشايعتهم‬

‫‪215‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لهل الكفر والضلل على حزب الحق والهدى‪.‬‬
‫فيا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في‬
‫كل مكان‪ ،‬بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود‪،‬‬
‫وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم‪ ،‬ذلكم‬
‫خير لكم إن كنتم تعلمون‪ ،‬بادروا إلى جنة عرضها‬
‫السموات والرض أعدت للمتقين والمجاهدين‬
‫الصابرين‪ ،‬وأخلصوا النية لله‪ ،‬واصبروا وصابروا‬
‫واتقوا الله عز وجل تفوزوا بالنصر المؤزر أو‬
‫شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل‪،‬‬
‫وتذكروا دائما ً ما أنزله ربكم سبحانه وتعالى في‬
‫كتابه المبين في فضل المجاهدين‪ ،‬وما وعدهم‬
‫الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم‪ .‬قال الله‬
‫ه ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫جي ُ‬
‫م)‪(10‬ت ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ؤ ِ‬
‫جاَر ٍ‬
‫مُنو َ‬
‫تِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫وَر ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫وَأن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ن)‪(11‬ي َ ْ‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫هاُر َ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م)‬
‫ت َ‬
‫طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫ع ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫عد ْ ٍ‬
‫و َ‬
‫ح‬
‫وأ ُ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫‪َ (12‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وقال تعالى‪﴿ :‬‬
‫ش‬
‫ق‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وث ِ َ‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫ان ْ ِ‬
‫جا ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫دوا ْ ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫قال ً َ‬
‫فا َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م ِإن‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪216‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ُ‬
‫س َ‬
‫ة‬
‫قاي َ َ‬
‫م ِ‬
‫مو َ‬
‫ج َ‬
‫ن﴾)‪،(1‬وقال تعالى‪﴿ :‬أ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل ْت ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫ج ِ‬
‫د ال ْ َ‬
‫حا ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫حَرام ِ ك َ َ‬
‫ماَرةَ ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫س ِ‬
‫ج َ‬
‫ه‬
‫هد َ ِ‬
‫جا َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫عندَ الل ّ ِ‬
‫وو َ‬
‫و َ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫ل َ يَ ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ست َ ُ‬
‫جُروا ْ‬
‫ال ّ‬
‫و َ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ن)‪(19‬ال ّ ِ‬
‫ها َ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬

‫في سبيل الل ّه بأ َ‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫ِ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫جا َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫وأن ُ‬
‫ك‬
‫مأ ْ‬
‫ج ً‬
‫ة ِ‬
‫عندَ الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫م دََر َ‬
‫عظ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن)‪(20‬ي ُب َ ّ‬
‫ة‬
‫شُر ُ‬
‫ُ‬
‫م ٍ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫هم ب َِر ْ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫م‬
‫و‬
‫ها ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ْ‬
‫جّنا ٍ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ت لّ ُ‬
‫عي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م)‪َ (21‬‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫ها أب َ ً‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫عندَ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قي ٌ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫جٌر َ‬
‫ها ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫أ ْ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن ي َُلون َ ُ‬
‫ن ال ْك ُ ّ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ر‬
‫قات ُِلوا ْ ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫كم ّ‬
‫آ َ‬
‫فا ِ‬
‫َ‬
‫ع‬
‫وا ْ‬
‫غل ْظَ ً‬
‫م ِ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫فيك ُ ْ‬
‫ول ِي َ ِ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫)‪(3‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫قي َ‬
‫ال ْ ُ‬

‫أيها المجاهدون‪ :‬لقد بين الله سبحانه في‬
‫هذه اليات فضل الجهاد وعاقبته الحميدة‬
‫للمؤمنين‪ ،‬وأنها النصر والفتح القريب في الدنيا‬
‫مع الجنة‪ ،‬والرضوان من الله سبحانه والمنازل‬
‫العالية في الخرة‪ .‬ودلت الية الثانية‪ ،‬وهي‬
‫وث ِ َ‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫قال ً﴾ على‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫قوله تعالى‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫فا َ‬
‫وجوب النفير للجهاد على الشبان والشيوخ إذا‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬اليات ‪.22 19‬‬
‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.123‬‬
‫‪217‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫دعى الواجب لذلك لعلء كلمة الله‪ ،‬وحماية‬
‫أوطان المسلمين‪ ،‬وصد العدوان عنهم‪ ،‬مع ما‬
‫يحصل بالجهاد للمسلمين من العزة والكرامة‬
‫والخير العظيم والجور الجزيلة‪ ،‬وإعلء كلمة‬
‫الحق‪ ،‬وحفظ كيان المة‪ ،‬والحفاظ على دينها‬
‫وأمنها‪ .‬وأخبر سبحانه في الية الثالثة والرابعة‪،‬‬
‫أن الجهاد في سبيله أفضل من سقاية الحاج‬
‫وعمارة المسجد الحرام بالصلة‬

‫‪218‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والطواف ونحو ذلك‪ ،‬وأن أهله أعظم درجة عند‬
‫الله‪ ،‬وأنهم الفائزون‪ ،‬كما أخبر سبحانه أنه‬
‫يبشرهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها‬
‫نعيم مقيم‪ .‬وأخبر في الية الخامسة أنه مع‬
‫المتقين‪ ،‬والمعنى بنصره وتأييده وحفظه‬
‫وكلءته لهم‪.‬‬
‫وقد ورد في القرآن الكريم من اليات‬
‫الكريمات في فضل الجهاد‪ ،‬والحث عليه‪،‬‬
‫والوعد بالنصر للمؤمنين والدمار على الكافرين‬
‫سوى ما تقدم ما يمل قلب المؤمن نشاطا ً‬
‫وقوة‪ ،‬ورغبة صادقة في النزول إلى ساحة‬
‫الجهاد‪ ،‬والستبسال في نصرة الحق؛ ثقة بوعد‬
‫الله‪ ،‬وإيمانا ً بنصره‪ ،‬ورجاًء للفوز بإحدى‬
‫الحسنيين‪ ،‬وهما‪ :‬النصر والمغنم‪ ،‬أو الشهادة‬
‫في سبيل الحق‪ ،‬كما قال الله عز وجل‪ُ ﴿ :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫صو َ‬
‫دى ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ب َِنا إ ِل ّ إ ِ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ل ت ََرب ّ ُ‬
‫سن َي َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫م أن ي ُ ِ‬
‫ه بِ َ‬
‫ون َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صيب َك ُ ُ‬
‫ص ب ِك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ن ن َت ََرب ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ع ُ‬
‫ديَنا َ‬
‫كم‬
‫ن ِ‬
‫و ب ِأي ْ ِ‬
‫د ِ‬
‫عن ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫صوا إ ِّنا َ‬
‫ّ‬
‫فت ََرب ّ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫صو َ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫مت ََرب ّ ُ‬
‫ت‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫آ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫م َ‬
‫)‪(2‬‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫أَ ْ‬
‫قا‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫ق َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.52‬‬
‫‪ ()2‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪219‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫صُر ال ْ ُ‬
‫عل َي َْنا ن َ ْ‬
‫ه‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫لَ َ‬
‫في‬
‫ي َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز)‪ (40‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫و ّ‬
‫عَ ِ‬
‫قَ ِ‬
‫ا ْ‬
‫وا الّز َ‬
‫ضأ َ‬
‫ة‬
‫كا َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫لْر ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫وا َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ع )‪ِ(2‬‬
‫ُ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ه َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ة اْل ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫مو ِ‬
‫منك َ ِ‬
‫َ‬
‫ذوا ْ ب ِ َ‬
‫خ ُ‬
‫من‬
‫طان َ ً‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َت ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫﴿َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ة ّ‬
‫نآ َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫د‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ق ْ‬
‫و ّ‬
‫ُ‬
‫عن ِت ّ ْ‬
‫دوا ْ َ‬
‫م ل َ ي َأُلون َك ُ ْ‬
‫دون ِك ُ ْ‬
‫خَبال ً َ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫في‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫ت ال ْب َ ْ‬
‫خ ِ‬
‫غ َ‬
‫وا ِ‬
‫ضاء ِ‬
‫ب َدَ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ه ِ‬
‫م أ َك ْب َُر﴾)‪ ،(3‬إلى أن قال سبحانه‪ِ﴿ :‬إن‬
‫دوُر ُ‬
‫ص ُ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫س ْ‬
‫م‬
‫سن َ ٌ‬
‫ؤ ُ‬
‫وِإن ت ُ ِ‬
‫م َ‬
‫ة تَ ُ‬
‫ح َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫صب ْك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫م َ‬
‫قوا ْ ل َ‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫ة يَ ْ‬
‫سي ّئ َ ٌ‬
‫فَر ُ‬
‫حوا ْ ب ِ َ‬
‫َ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫ها َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫يَ ُ‬
‫مُلو َ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ط﴾)‪.(4‬‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫ففي هذه اليات التصريح من الله عز وجل‬
‫بوعد عباده النصر على أعداءهم والسلمة من‬
‫كيدهم مهما كانت قوتهم وكثرتهم؛ لنه عز وجل‬
‫أقوى من كل قوي‪ ،‬وأعلم بعواقب المور وهو‬
‫عليهم قدير‪ ،‬وبكل أعمالهم محيط‪ ،‬ولكنه عز‬
‫وجل شرط لهذا الوعد شرطا ً عظيمًا‪ ،‬وهو‬
‫اليمان به وتقواه ونصر دينه‪ ،‬والستقامة عليه‪،‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫الحج‪ ،‬اليتان ‪.41 ،40‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.118‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪220‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مع الصبر والمصابرة‪ .‬فمن قام بهذا الشرط‬
‫د‬
‫و ْ‬
‫ع َ‬
‫أوفى لهم الوعد‪ ،‬وهو الصادق في وعده‪َ ﴿ :‬‬
‫عادَ﴾)‪ ،(1‬ومن قصر في‬
‫ه َل ي ُ ْ‬
‫خل ِ ُ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫مي َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ذلك أو لم يرفع به رأسًا‪ ،‬فل يلومن إل نفسه‪.‬‬
‫وينبغي لك أيها المؤمن المجاهد‪ ،‬أن تتدبر‬
‫كثيرا ً قوله عز‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ك َي ْدُ ُ‬
‫مُلو َ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ط﴾)‪ .(2‬إنها والله كلمة عظيمة‪ ،‬ووعد صادق‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫من ملك قادر جليل‪ ،‬إذا صبرت على مقاتلة‬
‫عدوك وجهاده ومنازلته‪ ،‬مع قيامك بتقوى الله‬
‫عز وجل وهي تعظيمه سبحانه والخلص له‬
‫وطاعته‪ ،‬وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫والحذر مما نهى الله عنه ورسوله‪ .‬هذه حقيقة‬
‫التقوى والصبر على جهاد النفس؛ لن الله‬
‫سبحانه قد أمر بذلك ورسوله‪ ،‬ونص سبحانه‬
‫على الصبر وإفراده بالذكر؛ لعظم شأنه وشدة‬
‫الحاجة إليه‪ .‬وقد ذكره الله في كتابه الكريم‬
‫في مواضع كثيرة جدًا‪ ،‬منها قوله جل وعل‪﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬وقوله‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫صاب ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫و ّ‬
‫هم‬
‫جَر ُ‬
‫صاب ُِرو َ‬
‫نأ ْ‬
‫سبحانه‪﴿ :‬إ ِن ّ َ‬
‫فى ال ّ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫‪ ()1‬سورة الزمر‪ ،‬الية ‪.20‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪ ()3‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪221‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ها‬
‫بِ َ‬
‫ر ِ‬
‫ب﴾ ‪ ،‬وقوله سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ح َ‬
‫سا ٍ‬
‫غي ْ ِ‬
‫طوا ْ‬
‫وَراب ِ ُ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و َ‬
‫مُنوا ْ ا ْ‬
‫صاب ُِروا ْ َ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫م تُ ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ن﴾)‪ .(2‬وصح عن‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫))ومن يتصبر ُيصبره الله‪ ،‬وما ُأعطي أحد ٌ عطاًء‬
‫خيرا ً أوسع من الصبر(()‪ .(3‬فاتقوا الله‬

‫‪ ()1‬سورة الزمر الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.200‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الزكاة(‪ ،‬باب )الستعفاف عن المسألة( برقم‬
‫‪ ،،1469‬ومسلم في)الزكاة( ‪ ،‬باب )فضل التعفف والصبر( برقم‬
‫‪.1053‬‬
‫‪222‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫معاشر المسلمين والمجاهدين في ميادين‬
‫الحرب وفي كل مكان‪ ،‬واصبروا وصابروا في‬
‫جهاد النفس على طاعة الله‪ ،‬وكفها عن محارم‬
‫الله‪ ،‬وفي جهادها على قتال العداء ومنازلة‬
‫القران‪ ،‬وتحمل المشاق في تلك الميادين‬
‫المهولة تحت أزيز الطائرات وأصوات المدافع‪،‬‬
‫وتذكروا أسلفكم الصالحين من النبياء‬
‫والمرسلين وصحابة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ورضي عنهم أجمعين‪ ،‬ومن تبعهم من‬
‫المجاهدين الصادقين ‪ .‬فلكم فيهم أسوة‪ ،‬وفيهم‬
‫لكم عظة وعبرة‪ ،‬فقد صبروا كثيرا ً وجاهدوا‬
‫طوي ً‬
‫ل‪ ،‬ففتح الله بهم البلد‪ ،‬وهدى بهم العباد‪،‬‬
‫ومكن لهم في الرض‪ ،‬ومنحهم السيادة‬
‫والقيادة بإيمانهم العظيم وإخلصهم لمولهم‬
‫الجليل‪ ،‬وصبرهم في مواطن اللقاء‪ ،‬وإيثارهم‬
‫الله والدار الخرة على الدنيا وزهرتها ومتاعها‬
‫الزائل‪ ،‬كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم‪:‬‬
‫ن َأن ُ‬
‫م ْ‬
‫ها ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫﴿إ ِ ّ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة يُ َ‬
‫في‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫هم ب ِأ ّ‬
‫م ال َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫وأ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫في َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫قت َُلو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ع ً‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫سِبي ِ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن‬
‫قا ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ل َ‬
‫جي ِ‬
‫ة َ‬
‫في الت ّ ْ‬
‫وا ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫فى ب ِ َ‬
‫فا ْ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ُ‬
‫أ ْ‬
‫‪223‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫وُز‬
‫ك ُ‬
‫عُتم ب ِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َباي َ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م‬
‫عل َْنا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ظي ُ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال جل شأنه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا‬
‫م ً‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫ة يَ ْ‬
‫رَنا ل َ ّ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫أئ ِ ّ‬
‫ما َ‬
‫صب َُروا َ‬
‫م ِ‬
‫ن﴾)‪ .(2‬وصح عن‬
‫ِبآَيات َِنا ُيو ِ‬
‫قُنو َ‬

‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.111‬‬
‫‪ ()2‬سورة السجدة‪ ،‬الية ‪.24‬‬
‫‪224‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫))رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما‬
‫عليها‪ ،‬وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من‬
‫الدنيا وما عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبد في‬
‫سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها((‬
‫)‪(1‬‬
‫سئل‬
‫‪ .‬وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ُ‬
‫أي العمل أفضل؟ قال‪)) :‬إيمان بالله‬
‫وبرسوله((‪ ،‬قيل‪ :‬ثم أي يا رسول الله‪ ،‬قال‪:‬‬
‫))الجهاد في سبيل الله(()‪ .(2‬وقال صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬مثل المجاهد في سبيل الله‬
‫والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم‬
‫القائم‪ ،‬وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه‬
‫أن يدخله الجنة‪ ،‬أو يرجعه سالما ً مع أجر أو‬
‫غنيمة(()‪ (3‬وقال صلى الله عليه وسلم‪)) :‬من‬
‫مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو‪ ،‬مات‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الستئذان(‪ ،‬باب )من رد فقال‪ :‬عليك السلم(‬
‫برقم ‪ ،6251‬ومسلم في )الصلة(‪ ،‬باب )وجوب قراءة الفاتحة في‬
‫كل ركعة( برقم ‪.397‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )أفضل الناس مؤمن‬
‫مجاهد بنفسه وماله( برقم ‪ ،2787‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب‬
‫)فضل الجهاد والخروج في سبيل الله( برقم ‪.1876‬‬
‫‪225‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على شعبة من النفاق(()‪ .(1‬وسأله صلى الله‬
‫عليه وسلم رجل عن‬

‫‪ ()1‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )ذم من مات ولم يغز‪ (...‬برقم‬
‫‪.1910‬‬
‫‪226‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عمل يعدل فضل الجهاد فقال صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن‬
‫تصوم فل نفطر‪ ،‬وتقوم فل تفتر "‪ ،‬فقال‬
‫السائل‪ :‬ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟‬
‫فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ " :‬أما إنك لو‬
‫)‪(1‬‬
‫طوقت ذلك لم تبلغ فضل المجاهدين‪((..‬‬
‫الحديث‪ .‬والحاديث في فضل الجهاد والحث‬
‫عليه‪ ،‬وبيان ما وعد الله به أهله من العزة في‬
‫الدنيا‪ ،‬والنصر والعواقب الحميدة‪ ،‬وما أعد لهم‬
‫في الخرة من المنازل العالية في دار الكرامة‬
‫كثيرة جدًا‪ .‬فاتقوا الله يا معشر المسلمين‬
‫جميعا ً ويا معشر العرب خصوصا ً جماعات‬
‫وفرادى‪ ،‬واصدقوا في جهاد عدو الله وعدوكم‬
‫من اليهود وأنصارهم وأعوانهم‪ ،‬وحاسبوا‬
‫أنفسكم‪ ،‬وتوبوا إلى ربكم من كل ما يخالف‬
‫دين السلم من مبادئ وعقائد وأعمال‪،‬‬
‫واصدقوا في مواطن اللقاء‪ ،‬وآثروا الله والدار‬
‫الخرة‪ .‬واعلموا أن النصر المبين والعاقبة‬
‫الحميدة ليست للعرب دون العجم‪ ،‬ول للعجم‬
‫دون العرب‪ ،‬ول لبيض دون أسود‪ ،‬ول لسود‬
‫دون أبيض‪ ،‬ولكن النصر بإذن الله لمن اتقاه‬
‫واتبع هداه‪ ،‬وجاهد نفسه لله‪ ،‬وأعد لعدوه ما‬
‫‪ ()1‬رواه بنحوه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل الجهاد‬
‫والسير( برقم ‪.2785‬‬
‫‪227‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫استطاع من القوة كما أمره بذلك موله حيث‬
‫عُتم‬
‫وأ َ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫من ُ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫و ٍ‬
‫ة ﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫ق ّ‬
‫ذوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫آ َ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬وقال عز وجل يخاطب رسوله المين‬
‫ِ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫ذا ُ‬
‫وإ ِ َ‬
‫م‬
‫ت ِ‬
‫كن َ‬
‫ه ْ‬
‫عليه أفضل الصلة والسلم‪َ ﴿ :‬‬
‫في ِ‬
‫م َ‬
‫طآئ ِ َ‬
‫فل ْت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فأ َ َ‬
‫َ‬
‫هم‬
‫ف ٌ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ة ّ‬
‫ق ْ‬
‫ه ُ‬
‫ق ْ‬
‫م ال ّ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫خ ُ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ول ْي َأ ْ ُ‬
‫ج ُ‬
‫س َ‬
‫سل ِ َ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫حت َ ُ‬
‫ذوا ْ أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫ك َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ت َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫طآئ ِ َ‬
‫َ‬
‫خَرى‬
‫ةأ ْ‬
‫ف ٌ‬
‫ول ْت َأ ِ‬
‫كوُنوا ْ ِ‬
‫وَرآئ ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫ع َ‬
‫صّلوا ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫ول ْي َأ ْ ُ‬
‫حذَْر ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫صّلوا ْ َ‬
‫لَ ْ‬
‫فل ْي ُ َ‬
‫م يُ َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن‬
‫و تَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ودّ ال ّ ِ‬
‫فُلو َ‬
‫سل ِ َ‬
‫حت َ ُ‬
‫وأ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫فُروا ْ ل َ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫مي ْل َ ً‬
‫في َ ِ‬
‫ميُلو َ‬
‫مت ِ َ‬
‫سل ِ َ‬
‫أ ْ‬
‫كم ّ‬
‫عت ِك ُ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫حت ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ِإن َ‬
‫م أَ ً‬
‫ذى‬
‫ح َ‬
‫وا ِ‬
‫كا َ‬
‫جَنا َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن ب ِك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫حدَةً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عوا ْ‬
‫مطَ‬
‫و ُ‬
‫ضى أن ت َ َ‬
‫مْر َ‬
‫ض ُ‬
‫كنُتم ّ‬
‫من ّ‬
‫ّ‬
‫رأ ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫خ ُ‬
‫د‬
‫و ُ‬
‫هأ َ‬
‫ذوا ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ع ّ‬
‫سل ِ َ‬
‫أ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫حت َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ل ِل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫هيًنا)‪.(3)﴾(102‬‬
‫ن َ‬
‫كا ِ‬
‫ري َ‬
‫ذاًبا ّ‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬

‫فتأمل يا أخي أمر الله لعباده أن يعدوا‬
‫لعدوهم ما استطاعوا من القوة‪ ،‬ثم تأمل أمره‬
‫لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عند‬
‫مقاتلة العداء والقرب منهم‪ ،‬أن يقيموا الصلة‬
‫ويحملوا السلح‪ ،‬وكيف كرر المر سبحانه في‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.102‬‬
‫‪228‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أخذ السلح‪ ،‬والحذر لئل يهجم عليهم العدو في‬
‫حال الصلة؛ لتعرف بذلك أنه يجب على‬
‫المجاهدين قادة وجنودا ً أن يهتموا بالعدو‪ ،‬وأن‬
‫يحذروا غافلته‪ ،‬وأن يعدوا له ما استطاعوا من‬
‫قوة‪ ،‬وأن يقيموا الصلة ويحافظوا عليها‪ ،‬مع‬
‫الستعداد للعدو والحذر من كيده‪ ،‬وفي ذلك‬
‫جمع بين السباب الحسية والمعنوية‪،‬وهذا هو‬
‫الواجب على المجاهدين في كل زمان ومكان؛‬
‫أن يتصفوا‬

‫‪229‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بالخلق اليمانية‪ ،‬وأن يستقيموا على طاعة‬
‫ربهم‪ ،‬ويعدوا له ما استطاعوا من قوة‪ ،‬ويحذروا‬
‫مكائده‪ ،‬مع الصبر على الحق‪ ،‬والثبات عليه‪،‬‬
‫وهذا هو السبب الول والساس المتين والصل‬
‫العظيم‪ ،‬وهو قطب رحى النصر‪ ،‬وأساس النجاة‬
‫والفلح‪ ،‬وهذا هو السبب المعنوي الذي خص‬
‫الله به عباده المؤمنين وميزهم به عن غيرهم‪،‬‬
‫ووعدهم عليه النصر إذا قاموا به مع السبب‬
‫الثاني حسب الطاقة وهو‪ :‬إعدادهم لعدوهم ما‬
‫استطاعوا من القوة‪ ،‬والعناية بشئون الحرب‬
‫والقتال‪ ،‬والصبر والمصابرة في مواطن اللقاء‪،‬‬
‫مع الحذر من مكائد العداء‪ .‬وبهذين المرين‬
‫يستحقون النصر من ربهم عز وجل فضل ً منه‬
‫وكرما ً ورحمة وإحسانًا‪ ،‬ووفاًء بوعده‪ ،‬وتأييدا ً‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫عل َي َْنا‬
‫قا َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫لحزبه‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(1‬‬
‫م ْ‬
‫وِإن‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫صُر ال ْ ُ‬
‫نَ ْ‬
‫ن)‪ ، ﴾(47‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫حي ٌ‬
‫ط)‪ ،(2)﴾(120‬وقال‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫إِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن)‬
‫ه ُ‬
‫ن ِ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫حو َ‬
‫تعالى‪﴿ :‬أَل إ ِ ّ‬
‫فل ِ ُ‬
‫حْز َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫م‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ن ُ‬
‫جندََنا ل َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫‪ ، ﴾(22‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ن)‪.(4)﴾(173‬‬
‫ال ْ َ‬
‫غال ُِبو َ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫المجادلة‪ ،‬الية ‪.22‬‬
‫الصافات‪ ،‬الية ‪.173‬‬
‫‪230‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ومما تقدم أيها الخ المسلم‪ ،‬أيها الخ‬
‫المجاهد تعلم أن‬

‫‪231‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ما يتكرر كثيرا ً في بعض الذاعات العربية من‬
‫قولهم‪) :‬النصر لنا(‪) ،‬الله معنا(‪) ،‬النصر‬
‫للعرب(‪) ،‬النصر للعرب والسلم(‪ ،‬وما أشبه‬
‫ذلك‪،‬أن هذه كلها ألفاظ خاطئة ومخالفة‬
‫للصواب‪ ،‬فليس النصر مضمونا ً للعرب‪ ،‬ول‬
‫لغيرهم من سائر أجناس البشر‪ ،‬وإنما النصر‬
‫معلق بأسبابه التي أوضحها الله في كتابه‬
‫الكريم‪ ،‬وعلى لسان رسوله المين صلى الله‬
‫عليه وسلم وأسبابه كما تقدم هي‪ :‬تقوى الله‬
‫واليمان به‪ ،‬والصبر والمصابرة لعدائه‪،‬‬
‫والخلص لله‪ ،‬والستعانة به‪ ،‬مع الخذ بالسباب‬
‫الحسية‪ ،‬وإعداد ما يستطاع من العدة‪ ،‬فينبغي‬
‫التنبيه لهذا المر العظيم‪ ،‬والحذر من اللفاظ‬
‫التقليدية المخالفة للشرع المطهر‪.‬‬
‫أما المعية فهي قسمان‪ :‬معية عامة‪ ،‬ومعية‬
‫خاصة‪ .‬فأما المعية العامة فهي لجميع البشر‪،‬‬
‫وليست خاصة بأهل اليمان‪ ،‬كما قال الله عز‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ذي َ‬
‫وجل‪ُ ﴿ :‬‬
‫وا ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫واْلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫في ست ّ َ‬
‫م‬
‫وى َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ش يَ ْ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ما ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ة أّيام ٍ ث ُ ّ‬
‫ست َ َ‬
‫عْر ِ‬
‫ْ َ‬
‫ز ُ‬
‫ل‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ما ي َل ِ ُ‬
‫من ْ َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫ض َ‬
‫ما َ َين ِ‬
‫في الْر ِ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫ج ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫عُر ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫في َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م أي ْ َ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫ماء َ‬
‫ما ُ‬
‫صيٌر﴾)‪ ،(1‬وقال‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في‬
‫ما ِ‬
‫م ت ََر أ ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫تعالى‪﴿ :‬أل َ ْ‬
‫‪ ()1‬سورة الحديد‪ ،‬الية ‪.4‬‬
‫‪232‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫في اْل َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫من‬
‫ر‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫كو ُ‬
‫ال ّ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ْ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫ة إ ِّل‬
‫وَل َ‬
‫ة إ ِّل ُ‬
‫س ٍ‬
‫وى ث ََلث َ ٍ‬
‫و َراب ِ ُ‬
‫نّ ْ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫خ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ذَل ِ َ‬
‫وَل أك ْث ََر إ ِّل‬
‫ُ‬
‫وَل أدَْنى ِ‬
‫س ُ‬
‫ساِد ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ما‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫م ي ُن َب ّئ ُ ُ‬
‫ع ُ‬
‫م أي ْ َ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫كاُنوا ث ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ه ب ِك ُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ة إِ ّ‬
‫و َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قَيا َ‬
‫مُلوا ي َ ْ‬
‫ش ْ‬

‫م﴾)‪ ،(1‬فهاتان اليتان صريحتان في أن الله‬
‫َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫سبحانه عالم بأحوال العباد‪ ،‬مطلع على‬
‫شئونهم‪ ،‬محيط بهم‪ ،‬ول يخفى عليه من أمرهم‬
‫خافية ‪ ,‬ولهذا بدأ سبحانه هاتين اليتين بالعلم‬
‫وختمهما بالعلم؛ تنبيها ً للعباد على أن المراد‬
‫بالمعية‪ :‬هو العلم والحاطة‪ ،‬والطلع على كل‬
‫شيء من أمر العباد؛ ليخافوه‪ ،‬ويعظموه‪،‬‬
‫ويبتعدوا عن أسباب غضبه وعذابه‪ ،‬وليس معنى‬
‫ذلك أنه مختلط بالخلق‪ ،‬أو أنه في كل مكان‪،‬‬
‫كما يقول ذلك بعض المبتدعين الضالين تعالى‬
‫الله عن ذلك علوا ً كبيرا ً ‪ .‬قولهم هذا باطل‬
‫بالنص والجماع‪ ،‬بل هو سبحانه وتعالى فوق‬
‫العرش‪ ،‬قد استوى عليه استواًء يليق بجلله‪ ،‬ل‬
‫يشابه فيه خلقه‪ ،‬كما صرح بذلك في كتابه‬
‫الكريم في سبع آيات من القرآن الكريم‪ ،‬منها‬
‫ش‬
‫ن َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫قوله عز وجل‪﴿ :‬لّر ْ‬
‫م ُ‬
‫ح َ‬
‫عْر ِ‬
‫وى﴾)‪ ،(2‬وهو سبحانه ل شبيه له ول مثل له‬
‫ا ْ‬
‫ست َ َ‬
‫‪ ()1‬سورة المجادلة‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ()2‬سورة طه‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪233‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫س‬
‫في جميع صفاته‪ ،‬كما قال عز وجل‪﴿ :‬ل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫صيُر﴾)‪ ،(1‬وقال‬
‫ش‬
‫و ُ‬
‫ع الب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫كَ ِ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫ه َ‬
‫يءٌ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ولم ي َ ُ‬
‫ه كُ ُ‬
‫حدٌ﴾)‪ ،(2‬فهو عز‬
‫وا أ َ‬
‫كن ل ّ ُ‬
‫ف ً‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ل فوق خلقه‪ ،‬كما أخبر‬
‫وجل فوق العرش عا ٍ‬
‫بذلك عن نفسه‪ ،‬وعلمه في كل مكان ل يخفى‬
‫ه لَ‬
‫عليه خافية‪ ،‬كما قال سبحانه‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫في ال َ‬
‫خ َ‬
‫ه َ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫يَ ْ‬
‫ى َ‬
‫يءٌ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ش ْ‬
‫ف َ‬
‫ْ ِ‬
‫في‬
‫م ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫وُرك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ذي ي ُ َ‬
‫ص ّ‬
‫ماء )‪َ (5‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف يَ َ‬
‫زيُز‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫حام ِ ك َي ْ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫الْر َ‬
‫شاء ل َ إ ِل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫ما ت َ ُ‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫كو ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫كي ُ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ ْ‬
‫من ُ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ما ت َت ُْلو ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫من ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ٍ‬
‫ن َ‬
‫شأ ٍ‬
‫م ُ‬
‫دا إ ِذْ‬
‫ل إ ِل ّ ك ُّنا َ‬
‫ن َ‬
‫ِ‬
‫هو ً‬
‫ش ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ٍ‬
‫عن ّرب ّ َ‬
‫من‬
‫ب َ‬
‫ن ِ‬
‫تُ ِ‬
‫في ُ‬
‫ك ِ‬
‫في ِ‬
‫ضو َ‬
‫عُز ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫في ال َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ماء‬
‫ر‬
‫ول َ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ل ذَّر ٍ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫ّ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫قا ِ‬
‫َِ‬
‫َ‬
‫من ذَل ِ َ‬
‫ب‬
‫ص َ‬
‫ول أك ْب ََر إ ِل ّ ِ‬
‫غَر ِ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫ول َ أ ْ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫)‪(4‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫ّ‬
‫مِبي ٍ‬
‫فهذه اليات المحكمات وما جاء في معناها‪،‬‬
‫كلها ترشد العباد إلى أن ربهم سبحانه فوق‬
‫العرش‪ ،‬وأعمالهم ترفع إليه‪ ،‬وهو معهم بعلمه‬
‫أينما كانوا‪ ،‬ل يخفى عليه منهم خافية‪.‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫الشورى‪ ،‬الية ‪.11‬‬
‫الخلص‪ ،‬الية ‪.4‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.56‬‬
‫يونس‪ ،‬الية ‪.61‬‬
‫‪234‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أما المعية الخاصة فهي للنبياء والمرسلين‬
‫عليهم الصلة والسلم وأتباعهم بإحسان‪ ،‬وهم‬
‫أهل التقوى واليمان والصبر والمصابرة‪ .‬هذه‬
‫المعية الخاصة تقتضي الحفظ والكلءة‪ ،‬والنصر‬
‫والتأييد‪ ،‬كما قال عز وجل عن نبيه محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم أنه قال لصاحبه في الغار وهو‬
‫ن‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫أبو بكر الصديق رضي الله عنه‪﴿ :‬ل َ ت َ ْ‬
‫عَنا﴾)‪ ،(1‬ولما أرسل الله موسى وهارون‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫عليهما الصلة والسلم إلى فرعون اللعين‪ ،‬قال‬
‫خا َ‬
‫ما‬
‫مئنا ً‪َ﴿ :‬ل ت َ َ‬
‫م َ‬
‫عك ُ َ‬
‫فا إ ِن ِّني َ‬
‫لهما مثبتا ً ومط َ ْ‬
‫َ‬
‫وأ ََرى﴾)‪،(2‬‬
‫م ُ‬
‫أ ْ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫وقال عز وجل في كتابه المبين يخاطب‬
‫ف َ‬
‫حوا ْ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫م‬
‫قدْ َ‬
‫فت ِ ُ‬
‫المشركين‪ِ﴿ :‬إن ت َ ْ‬
‫جاءك ُ ُ‬
‫هوا ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫وِإن‬
‫و َ‬
‫فت ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫وِإن َتنت َ ُ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا‬
‫وَلن ت ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫م ِ‬
‫دوا ْ ن َ ُ‬
‫عو ُ‬
‫تَ ُ‬
‫فئ َت ُك ُ ْ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫عد ْ َ‬
‫غن ِ َ‬
‫ول َو ك َث ُرت َ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬وقال‬
‫ؤ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ن‬
‫قات ُِلوا ْ ال ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ي َُلون َ ُ‬
‫ن ال ْك ُ ّ‬
‫ة‬
‫غل ْظَ ً‬
‫م ِ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ج ُ‬
‫م َ‬
‫فيك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ول ِي َ ِ‬
‫ر َ‬
‫فا ِ‬
‫َ‬
‫ن﴾)‪ ،(4‬وقال عز‬
‫وا ْ‬
‫مت ّ ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫)‪(5‬‬
‫ن﴾ ‪،‬‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫صاب ِ ِ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫التوبة‪ ،‬الية ‪.40‬‬
‫طه‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫التوبة‪ ،‬الية ‪.123‬‬
‫النفال‪.46 ،‬‬
‫‪235‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫فئ َ ً‬
‫ت ِ‬
‫من ِ‬
‫قِليل َ ٍ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫غل َب َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ن﴾)‪.(6‬‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ع ال ّ‬
‫ه َ‬
‫ك َِثيَرةً ب ِإ ِذْ ِ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫واليات في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬فينبغي أن‬
‫يكون شعار المسلمين في إذاعاتهم وصحفهم‪,‬‬
‫وعند لقائهم لعدائهم في جميع الحوال‪ ،‬هو‬
‫الشعار القرآني السلمي ‪ ,‬الذي أرشد الله إليه‬
‫عباده‪ ,‬وذلك بأن يقولوا‪" :‬الله مع المتقين‪ ،‬الله‬
‫مع المؤمنين‪ ،‬الله مع الصابرين"‪ ،‬وما أشبه هذه‬
‫العبارات؛ حتى يكونوا قد تأدبوا بآداب الله ‪,‬‬
‫وعلقوا النصر بأسبابه التي علقه الله بها‪ ،‬ل‬
‫بالعروبة‪ ،‬ول بالوطنية‪ ،‬ول بالقومية‪ ،‬ول بأشباه‬
‫ذلك من اللفاظ والشعارات ‪ ,‬التي ما أنزل الله‬
‫بها من سلطان‪.‬‬
‫أيها المجاهد‪ :‬إنك في معركة عظيمة مع عدو‬
‫لدود‪ ،‬عظيم‬

‫‪ ()6‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.249‬‬
‫‪236‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحقد على السلم‪ ،‬فوطن نفسك على الجهاد‬
‫والصبر والمصابرة‪ ،‬وأخلص عملك لله‪ ،‬واستعن‬
‫به وحده‪ ،‬وأبشر إذا صدقت في ذلك بإحدى‬
‫الحسنيين‪ :‬إما النصر والغنيمة والعاقبة الحميدة‬
‫في الدنيا‪ ،‬وإما الشهادة والنعيم المقيم‪،‬‬
‫والقصور العالية والنهار الجارية‪ ،‬والحور‬
‫الحسان في دار الكرامة‪.‬‬
‫أيها العربي‪ :‬ل تظن أن النصر على عدوك‬
‫معلق بعروبتك‪ ،‬وإنما ذلك بإيمانك بالله‪،‬‬
‫وصبرك في مواطن اللقاء‪ ،‬واستقامتك على‬
‫الحق‪ ،‬وتوبتك من سالف ذنوبك‪ ،‬وإخلصك لله‬
‫في كل أعمالك‪ ،‬فاستقم على ذلك ‪ ,‬وتمسك‬
‫بالسلم الصحيح‪ ،‬الذي حقيقته الخلص لله ‪,‬‬
‫والستقامة على شرعه ‪ ,‬والسير على هدي‬
‫رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في‬
‫الحرب والسلم ‪ ,‬وفي جميع الحوال‪.‬‬
‫أيها المسلم‪ ,‬أيها المجاهد‪ :‬تذكر ما أصاب‬
‫المسلمين يوم أحد؛ بسبب إخلل بعض الرماة‬
‫بطاعة القائد العظيم محمد رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم من الفشل والتنازع‪ ،‬ثم‬
‫الهزيمة‪ .‬ولما استنكر المسلمون ذلك أنزل الله‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫كم‬
‫ول َ ّ‬
‫ما أ َ‬
‫في ذلك قوله عز وجل‪﴿ :‬أ َ‬
‫قد أ َ‬
‫ها ُ‬
‫ه َ‬
‫ذا‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م أ َّنى َ‬
‫م ِ‬
‫ة َ ْ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫صب ُْتم ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫‪237‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫د أ َن ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫عَلى‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ل ُ‬
‫ف ِ‬
‫عن ِ‬
‫و ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ديٌر﴾)‪ ،(1‬وقال عز وجل‪:‬‬
‫ي ٍ‬
‫ق ِ‬
‫ش ْ‬
‫صد َ َ‬
‫ول َ َ‬
‫هم‬
‫و ْ‬
‫عدَهُ إ ِذْ ت َ ُ‬
‫سون َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قك ُ ُ‬
‫قدْ َ‬
‫ه َ‬
‫﴿ َ‬
‫ذا َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫في‬
‫وت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫شل ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ال َ‬
‫ما أ ََرا ُ‬
‫ما‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫د َ‬
‫صي ُْتم ّ‬
‫ْ‬
‫ع َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من‬
‫تُ ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫حّبو َ‬
‫منكم ّ‬
‫منكم ّ‬
‫ريدُ الدّن َْيا َ‬
‫من ي ُ ِ‬
‫صَر َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ريدُ ال ِ‬
‫عن ْ ُ‬
‫م ل ِي َب ْت َل ِي َك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫فك ُ ْ‬
‫خَرةَ ث ُ ّ‬
‫م َ‬
‫يُ ِ‬
‫ذو َ‬
‫ع َ‬
‫ول َ َ‬
‫ه ُ‬
‫عَلى‬
‫ل َ‬
‫فا َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫ض ٍ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه في هذا المعنى‪﴿ :‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ة َ‬
‫ت‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫فب ِ َ‬
‫من ّ‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫َ‬
‫أَ‬
‫)‪(3‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر﴾ ‪.‬‬
‫ثي‬
‫ك‬
‫عن‬
‫فو‬
‫ع‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫دي‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ولما أعجب المؤمنون بكثرتهم يوم حنين‬
‫هزموا ‪ ,‬ثم أنزل الله عليهم السكينة ‪ ,‬وأيدهم‬
‫بجنود من عنده‪ ،‬فتراجعوا وصدقوا الحملة على‬
‫عدوهم‪ ،‬واستغاثوا بربهم واستنصروا به‪،‬‬
‫فنصرهم وأيدهم وهزم عدوهم‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫﴿ل َ َ‬
‫ة‬
‫ه ِ‬
‫ن ك َِثيَر ٍ‬
‫واطِ َ‬
‫في َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صَرك ُ ُ‬
‫قدْ ن َ َ‬
‫م َ‬
‫ويوم حن َين إذْ أ َ‬
‫فل َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫غ‬
‫ت‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ج‬
‫ع‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ ُ ْ ٍ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫ض بِ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫م الْر ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫م أ ََنز َ‬
‫ه‬
‫َر ُ‬
‫حب َ ْ‬
‫ري َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ن * ثُ ّ‬
‫ول ّي ُْتم ّ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫م َ‬
‫مدْب ِ ِ‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.152‬‬
‫‪ ()3‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪238‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م ْ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ؤ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫عَلى َر ُ‬
‫َ‬
‫مِني َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وأنَز َ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وعذّ َ‬
‫جُنو ً‬
‫ل ُ‬
‫ذي َ‬
‫دا ل ّ ْ‬
‫ها َ‬
‫م ت ََر ْ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫جَزاء ال ْ َ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫كَ َ‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫كا ِ‬
‫ك َ‬
‫ري َ‬
‫فُروا ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫فكل ما أصاب المسلمين في الجهاد أو‬
‫غيره‪ ،‬من هزيمة أو جراح ‪ ,‬أو غير ذلك مما‬
‫يكرهون؛ فهو بأسباب تقصيرهم وتفريطهم فيما‬
‫يجب من إعداد القوة ‪ ,‬والعناية بأمر الحرب‪ ،‬أو‬
‫بأسباب معاصيهم‪ ,‬ومخالفتهم لمر الله‪.‬‬
‫فاستعينوا بالله أيها المجاهدون واستقيموا‬
‫على أمره‪ ،‬وأعدوا لعدوكم ما استطعتم من‬
‫قوة‪ ،‬واصدقوا الله يصدقكم‪ ،‬وانصروه ينصركم‬
‫ويثبت أقدامكم‪ ،‬واحذروا الكبر والرياء ‪ ,‬وسائر‬
‫المعاصي‪ ،‬واحذروا أيضا ً التنازع والختلف ‪,‬‬
‫وعصيان قادتكم في تدبير شئون الحرب ‪ ,‬وغير‬
‫ذلك ما لم يكن معصية لله عز وجل ؛ عمل ً‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫بقول الله تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ة َ‬
‫ه ك َِثيًرا‬
‫فئ َ ً‬
‫م ِ‬
‫لَ ِ‬
‫واذْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫قيت ُ ْ‬
‫فاث ْب ُُتوا ْ َ‬
‫فل َحون * َ‬
‫ه‬
‫وأ ِ‬
‫م تُ ْ ُ َ‬
‫طي ُ‬
‫لّ َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫فت َ ْ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫ول َ ت ََناَز ُ‬
‫وت َذْ َ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫َ‬
‫ب ِ‬
‫ول َ‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫ن* َ‬
‫َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫كوُنوا َ‬
‫تَ ُ‬
‫هم ب َطًرا‬
‫ن َ‬
‫ر ِ‬
‫جوا ِ‬
‫كال ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫من ِدَيا ِ‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.26 ،25‬‬
‫‪239‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ه‬
‫رَئاء الّنا‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫عن َ‬
‫وي َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ )‪(1‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حيط﴾ ‪.‬‬
‫م ِ‬
‫ملو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ُ‬
‫َ‬
‫أيها المسلمون‪ ،‬أيها المجاهدون‪ ،‬إليكم نماذج‬
‫من كلمات أصحاب رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ورضي الله عنهم حين مقابلتهم لجيش‬
‫الروم يوم اليرموك؛ لما فيها من العبرة‬
‫والذكرى‪.‬‬
‫كلم خالد بن الوليد رضي الله عنه‪ :‬لما جمع‬
‫خالد رضي الله عنه الجيوش يوم اليرموك‬
‫لقتال الروم‪ ،‬قام فيها خطيبًا‪ ،‬فقال‪" :‬إن هذا‬
‫يوم من أيام الله ل ينبغي فيه الفخر‬
‫ول البغي‪ ،‬أخلصوا جهادكم‪ ،‬وأريدوا الله‬
‫بعملكم‪ ،‬وإن هذا يوم له ما بعده"‪ .‬وقام أبو‬
‫عبيدة رضي الله عنه في الناس خطيبا ً فقال‪:‬‬
‫"عباد الله‪ :‬انصروا الله ينصركم ويثبت‬
‫أقدامكم‪ ،‬يا معشر المسلمين‪ :‬اصبروا؛ فإن‬
‫الصبر منجاة من الكفر‪ ،‬ومرضاة للرب‪،‬‬
‫ومدحضة للعار‪ ،‬ول تبرحوا مصافكم‪ ،‬ول تخطوا‬
‫إليهم خطوة‪ ،‬ول تبدأوهم بالقتال‪ ،‬وأشرعوا‬
‫ق‪ ،‬والزموا الصمت إل‬
‫الرماح‪ ،‬واستتروا بالد َّر ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬اليات ‪.47 45‬‬
‫‪240‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء‬
‫الله تعالى"‪.‬‬
‫وقام معاذ بن جبل رضي الله عنه في الناس‬
‫خطيبا ً ذلك اليوم‪ ،‬فجعل يذكرهم ويقول‪" :‬يا‬
‫أهل القرآن ومتحفظي الكتاب‪ ،‬وأنصار الهدى‬
‫والحق‪ :‬إن رحمة الله ل تنال وجنته ل تدخل‬
‫بالماني‪ ،‬ول يؤتي الله المغفرة والرحمة‬
‫الواسعة إل الصادق المصدق‪ .‬ألم تسمعوا بقول‬
‫م‬
‫و َ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫الله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫خل ِ َ‬
‫في‬
‫ست َ ْ‬
‫و َ‬
‫هم ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫الْر ِ‬
‫م‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ضى ل َ ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دون َِني‬
‫د َ‬
‫و ِ‬
‫ع ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫مًنا ي َ ْ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ولي ُب َدّلن ّ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هم ّ‬
‫خ ْ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ر ُ‬
‫ن ِبي َ‬
‫َل ي ُ ْ‬
‫شي ًْئا﴾ ‪ ،‬فاستحوا رحمكم‬
‫كو َ‬
‫ش ِ‬
‫الله من ربكم أن يراكم فرارا ً من عدوكم وأنتم‬
‫في قبضته‪ ،‬وليس لكم ملتحد من دونه‪ ،‬ول عز‬
‫بغيره"‪.‬‬
‫وقام عمرو بن العاص رضي الله عنه في‬
‫الناس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"يا أيها المسلمون‪ :‬غضوا البصار‪ ،‬واجثوا على‬
‫الركب‪ ،‬وأشرعوا الرماح‪ ،‬فإذا وثبوا عليكم‬
‫فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف السنة فثبوا‬
‫إليهم وثبة السد‪ .‬فوالذي يرضى الصدق ويثيب‬
‫‪()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪55‬‬
‫‪241‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عليه‪ ،‬ويمقت الكذب‪ ،‬ويجزي بالحسان إحسانًا‪،‬‬
‫لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا ً كْفرا ً‬
‫وقصرا ً قصرًا‪ ،‬فل يهولنكم جمعهم ول عددهم‪،‬‬
‫فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولد‬
‫الحجل"‪ .‬وقام أبو سفيان بن حرب رضي الله‬
‫عنه في الناس فتكلم كلما ً حسنًا‪ ،‬من ذلك‬
‫قوله‪" :‬والله ل ينجيكم من هؤلء القوم‪ ،‬ول‬
‫تبلغن رضوان الله غدًا‪ ،‬إل بصدق اللقاء‪ ،‬والصبر‬
‫في المواطن المكروهة"‪ .‬هذه نماذج حية‬
‫عظيمة نقلتها لكم أيها المجاهدون‪ ،‬من كلم‬
‫أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛‬
‫لتعلموا أن النصر في الدنيا والفوز في الخرة ل‬
‫يدركان بالماني‪ ،‬ول بالتفريط وإضاعة الواجب‪،‬‬
‫وإنما يدركان بتوفيق الله بالصدق في اللقاء‪،‬‬
‫ومصابرة العداء‪ ،‬والستقامة على دين الله‪،‬‬
‫وإيثار حقه على ما سواه‪.‬‬
‫والله المسؤول أن ينصر المسلمين على‬
‫عدوهم‪ ،‬وأن يجمع كلمتهم على الحق‪ ،‬وأن‬
‫يوفق قادتهم للستقامة على أمره‪ ،‬والصدق‬
‫في جهاد أعدائه‪ ،‬والتوبة إليه من كل ما يغضبه‪،‬‬
‫كما نسأله عز وجل أن يهزم اليهود وأنصارهم‬
‫وأعوانهم‪ ،‬وأن يكبت أعداء السلم أينما كانوا‪،‬‬
‫وأن ُينزل بهم‬
‫‪242‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بأسه الذي ل يرد عن القوم المجرمين‪ ،‬إنه على‬
‫كل شيء قدير‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على‬
‫عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه‪ ،‬إمام‬
‫الفاتحين وسيد المرسلين‪ ،‬وخير عباد الله‬
‫أجمعين‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‪ ،‬ومن سار على‬
‫نهجه وتمسك بسيرته إلى يوم الدين‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 42‬عمل صدام عدوان أثيم‬

‫)‪(1‬‬

‫لشك أن عمل الزعيم العراقي من اجتياحه‬
‫دولة الكويت‪ ،‬وما ترتب على ذلك من‪ :‬سفك‬
‫الدماء ونهب الموال وانتهاك العراض‪ ،‬لشك‬
‫أن هذا عدوان أثيم وجريمة عظيمة ومنكر‬
‫شنيع‪ ،‬يجب عليه التوبة إلى الله من ذلك‪،‬‬
‫والبدار بإخراج جيشه من الدولة الكويتية؛ لن‬
‫هذا القدام والجتياح أمر منكر‪ ،‬بل مخالف‬
‫للشرع ولجميع القوانين العرفية‪ ،‬ولما تم عليه‬
‫التعاهد بينه وبين قادة العرب في جامعتهم‬
‫العربية‪.‬‬
‫والواجب عليه حل المشاكل بالطرق‬
‫السلمية والمفاوضات‪ ،‬وإذا لم تنجح‬
‫المفاوضات والطرق السلمية‪ ،‬وجب رد المر‬
‫إلى محكمة شرعية ل قانونية ويجب أن ترد‬
‫جميع المنازعات بين الدول والفراد والقبائل‬
‫إلى الحكم الشرعي‪ ،‬بأن تشكل محكمة‬
‫شرعية من علماء أهل الحق والسنة؛ حتى‬
‫‪ ()1‬نشرت في )الجزيرة( بتاريخ ‪26/1/1411‬هـ الموافق‬
‫‪17/8/1990‬هـ‪ ،‬صفحة المحيط الدولي‪ ،‬ونشرت في هذا المجموع‬
‫ج ‪ 6‬ص ‪.150‬‬
‫‪244‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يحكموا بما تنازع عليه المسلمون من دولتين أو‬
‫قبيلتين أو أفراد‪.‬‬

‫‪245‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وإن هذا العمل الذي قام به صدام ضد‬
‫الكويت هو عمل إجرامي‪ ،‬ويجب التوبة منه‬
‫وعدم التمادي‪ ،‬والرجوع إلى الحق فضيلة‬
‫وحق‪ ،‬خير من التمادي في الرذيلة والخطأ‪.‬‬
‫وقد صدر بيان من مجلس هيئة كبار العلماء‬
‫في المملكة العربية السعودية‪ ،‬يبين خطأ هذا‬
‫العمل‪ ،‬وأنه عدوان وجريمة وخيانة‪ .‬ووضح في‬
‫بيان العلماء والذي أنا أحد أعضائه أنه ل مانع‬
‫من الستعانة ببعض الكفار للجيوش السلمية‬
‫والعربية‪ ،‬ول بأس من الستعانة لصد عدوان‬
‫المعتدي والدفاع عن البلد‪ ،‬وعن حرمة السلم‬
‫والمسلمين‪.‬‬
‫أما الشاعات حول الحرمين الشريفين‪،‬‬
‫فإنهما بحمد الله بمنأى عن الزعيم العراقي‬
‫وغيره‪ ،‬وهما آمنان بحمد الله‪.‬‬
‫وكل ما في المر‪ ،‬أن الدولة السعودية‬
‫احتاجت إلى الستعانة ببعض الجيوش من‬
‫جنسيات متعددة ومن جملتهم الوليات المتحدة‬
‫وإنما ذلك للدفاع المشترك مع القوات‬
‫السعودية عن البلد والسلم وأهله‪ ،‬ول حرج‬
‫في ذلك؛ لنه استعانة لدفع الظلم‪ ،‬وحفظ البلد‬
‫وحمايتها من شر الشرار وظلم الظالمين‬
‫وعدوان المعتدين‪ ،‬فل حرج كما قرره أهل‬
‫العلم وبينوه ‪.‬‬
‫‪246‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأما ما أشاعته بعض القليات السلمية التي‬
‫صدقت أقوال صدام وأكاذيبه حول تدخل‬
‫المبريالية في شئون المسلمين ومقدساتهم‪،‬‬
‫وغيرها من الشاعات الباطلة‪ ،‬فإن هذا‬
‫خطأ كبير‪ ،‬والذي أشاعه هو حزب صدام‪ ،‬وهو‬
‫حزب قومي وليس حزبا ً إسلميًا‪ ،‬وحتى لو كانوا‬
‫مسلمين‪ ،‬إذا تعدوا وجب ردعهم‪ ،‬ولو بالستعانة‬
‫ببعض الكفرة‪ ،‬وعلى طريقة سلمية كما هي‪،‬‬
‫يدفع بها الشر وتحمى بها البلد‪ ،‬والرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية يوم‬
‫حنين لحرب أهل الطائف‪.‬‬
‫وبذلك فإن الستعانة بالكفار على من تعدى‬
‫وظلم يجوز على الكفار‪ ،‬أو على أي متعد‬
‫وظالم‪.‬‬
‫والذي ل يجوز هو أن ينصر كفار على‬
‫مسلمين‪ ،‬أما هذا الوضع فهو يحمي المسلمين‬
‫وأراضيهم من المجرمين والمعتدين والكافرين‪،‬‬
‫وفرق بين الثنين‪ ،‬بين إنسان ينصر الكفار على‬
‫المسلمين‪ ،‬ويعينهم على المسلمين‪ ،‬وهذه هي‬
‫الردة‪ ،‬ل تجوز وهذا منكر‪ .‬أما كما هو الحال‬
‫بالمملكة؛ من الستعانة بالكفار لردع المعتدي‬
‫وصده سواء كان كافرا ً أو مسلما ً عن بلد‬
‫السلم والمقدسات‪ ،‬فهذا أمر مطلوب ولزم؛‬
‫‪247‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لنه لحماية المسلمين ورد الذى عنهم سواء‬
‫كان كافرا ً أو مسلما ً ‪.‬‬
‫والواجب على الزعيم العراقي أن يتوب إلى‬
‫الله‪ ،‬ويرجع عما هو عليه من الباطل‪ ،‬ويترك‬
‫حزب الشيطان‪ ،‬وعليه أن يلتزم بالسلم‪ ،‬وأن‬
‫يسود الرعية ويحكم فيهم بالسلم‪ ،‬وندعو له‬
‫بالهداية‪.‬‬
‫وأكد سماحته في إجابته على سؤال‬
‫للجزيرة‪ ،‬حول إمكانية‬
‫إيجاد محكمة دولية شرعية لحل المنازعات بين‬
‫الدول؟ فقال‪ :‬يجب على جميع الدول السلمية‬
‫والعربية حل منازعاتهم بالطرق الشرعية‬
‫بمحكمات شرعية‪ ،‬في كل بلد محكمة أخرى‬
‫تكون دولية؛ تحكم بين الدول‪ .‬وفي البلدان‬
‫السلمية يجب أن يكون هناك محكمة شرعية؛‬
‫خت َل َ ْ‬
‫م‬
‫ما ا ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫لن الله سبحانه وتعالى يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪( 1‬‬
‫ء َ‬
‫من َ‬
‫ه﴾ ‪ ،‬ويقول‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ِ‬
‫ه إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫مُنوا ْ أ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫طي ُ‬
‫جل وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ُ‬
‫وأ َ‬
‫ل وأوِلي ال َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫فِإن‬
‫م‬
‫سو‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ا‬
‫عو‬
‫طي‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ء َ‬
‫في َ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫دوهُ إ َِلى الل ّ ِ‬
‫فُر ّ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫فل َ‬
‫ل﴾)‪ .(2‬ويقول سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫والّر ُ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫مو َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ما َ‬
‫جَر‬
‫ك ِ‬
‫حت ّ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ش َ‬
‫ى يُ َ‬
‫ن َ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في أن ُ‬
‫ما‬
‫دوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫م ل َ يَ ِ‬
‫س ِ‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫‪248‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ما﴾)‪ (1‬فإذا تنازعت‬
‫ق َ‬
‫ضي ْ َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫سِلي ً‬
‫سل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫دولتان أو أكثر‪ ،‬وجب أن يحكم بينهما علماء‬
‫السلم‪ ،‬بحكم الشريعة فيما تنازعوا به‪ ،‬على ضوء‬

‫الكتاب والسنة‪ ،‬ل بقوانين في البلدان أو بآراء‬
‫الرجال‪ ،‬بل بشرع الله‪.‬‬

‫ووجه سماحته النصح للجيش العراقي بعدم‬
‫التمادي في العمال المنكرة‪ :‬الواجب على‬
‫الجنود العراقيين‪ ،‬وعلى كل مسلم‪ ،‬أن يحترم‬
‫مال المسلم ودمه وعرضه وأهله‪ ،‬ول يجوز‬
‫التعدي على أي مسلم ل في الكويت ول في‬
‫غيره ول في ماله ول في عرضه‪ ،‬ول في دمه؛‬
‫قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫))كل المسلم على المسلم حرام‪ :‬دمه وماله‬
‫وعرضه(()‪.(2‬‬
‫وهذا العدوان من العراق‪ ،‬ل يبرر للجنود‬
‫وأفراد الجيش أن يتعدوا على الكويتيين أو‬
‫غيرهم‪ ،‬ويأخذوا أموالهم‪ ،‬أو يضربوا أجسادهم‪،‬‬
‫أو يقتلوهم أو يقتلوا صبيانهم‪ ،‬أو يتعدوا على‬
‫نسائهم‪،‬كل ذلك منكر وحرام ل يجوز‪ ،‬والواجب‬
‫أن يتقوا الله‪ ،‬وأن يحذروا ما حرم الله‪ ،‬وأن ل‬
‫يقدموا على أمر يغضب الله عليهم‪ ،‬ويسبب‬
‫دخولهم النار‪ ،‬والبعد عن رحمته ورضوانه‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.65‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب )تحريم ظلم‬
‫المسلم وخذله( برقم ‪.2564‬‬
‫‪249‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأوصى سماحته الشقاء الكويتيين في‬
‫تصريحه لـ )الجزيرة(‪ ،‬بالستعانة بالصبر وتقوى‬
‫الله فقال‪ :‬أوصي شعب الكويت المظلوم‬
‫بتقوى الله‪ ،‬وأن يستقيموا على دينه‪ ,‬وأن‬

‫يتوبوا إليه عن سالف ذنوبهم‪ ،‬وأن يسألوا‬
‫الله النصر على العدو‪ ،‬وأن يعيدهم إلى‬
‫بلدهم سالمين‪ ،‬وسوف يعوضهم الله خيرا ً‬
‫مما أخذ منهم بالتوبة النصوح‪ ،‬يعطيهم الله ما‬
‫فاتهم‪ ،‬ويعوضهم خيرا ً منه سبحانه وتعالى‬
‫عا‬
‫ج ِ‬
‫وُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫م تُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬ويقول‬
‫ؤ ِ‬
‫حو َ‬
‫مُنو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫أي ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫حا﴾)‪.(2‬‬
‫وب َ ً‬
‫الل ّ ِ‬
‫صو ً‬
‫ة نّ ُ‬
‫ه تَ ْ‬
‫ونسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالتوبة‪،‬‬
‫وكل منا على خطر‪ ،‬وكل مسلم في أي مكان‬
‫في السعودية أو الكويت أو الشام أو اليمن‪،‬‬
‫وفي كل مكان‪ ،‬عليه محاسبة النفس‬
‫ومجاهدتها في الله‪ ،‬ويعلم أن ما أصابه لم يكن‬
‫ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه لم يكن ليصيبه‪ .‬لذلك‪ ،‬فإن‬
‫على جميع إخواننا بالكويت‪ ،‬وعلى جميع‬
‫المسلمين بالمملكة العربية السعودية وكل‬
‫مكان‪ ،‬عليهم تقوى الله‪ ،‬وأن يجاهدوا أنفسهم‬
‫‪ ()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪ ()2‬سورة التحريم‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪250‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫في طاعة الله‪ ،‬وأن يصبروا على ما أصابهم من‬
‫مصائب‪ ،‬كما أن عليهم الستقامة على الحق‬
‫والتواصي به‪ ،‬والتناصح في الله‪ .‬أصلح الله لهم‬
‫ما كان فاسدًا‪ ،‬ورد عليهم ما كان شاردًا‪،‬‬
‫وعوضهم خيرا ً مما أصابهم‪ ،‬وجعل لهم العاقبة‬
‫ن‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫الحميدة سبحانه وتعالى قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬

‫ع‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫ه ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫دي َن ّ ُ‬
‫فيَنا ل َن َ ْ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫سب ُل ََنا َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫صب ُِروا ْ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫سِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ٌ )‪( 2‬‬
‫حيط﴾ ‪ .‬ومن يتق الله يوفقه الله‪،‬‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬

‫ويعوضه خيرا ً مما أخذ منه‪ ،‬ويسأله الرحمة‬
‫العامة والشاملة التي تعم أمر دينه ودنياه‬
‫وآخرته‪.‬‬
‫وفي ختام تصريح سماحته قال‪ :‬كلمتي‬
‫نصيحة عامة للمسلمين جميعًا‪ :‬أن يتقوا الله‪،‬‬
‫وأن يلتزموا بشرع الله‪ ،‬وأن يتدبروا القرآن‬
‫العظيم‪ ،‬ويعتنوا بالسنة المطهرة‪ ،‬وأن ينظموا‬
‫أعمالهم على ضوء الكتاب والسنة‪ ،‬وأن تكون‬
‫أعمالهم وأقوالهم وخلفاتهم كلها ترجع إلى‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬ل إلى القوانين الوضعية‪ ،‬بل‬
‫يجب أن تكون كلها محكومة بكتاب الله وسنة‬

‫‪ ()1‬سورة العنكبوت‪ ،‬الية ‪.69‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪251‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يلتزموا بهذا‬
‫أفرادا ً وجماعات ودو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وهذا هو الواجب على المسلمين؛ أن‬
‫يتحاكموا إلى شرع الله‪ ،‬وأن يستقيموا على‬
‫دين الله‪ ،‬وأن يعملوا بما أمر دين الله‪ ،‬ويدعون‬
‫ما حرم الله؛ لن الله يقول‪﴿ :‬يا أ َ‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫س ات ّ ُ‬
‫ات ّ ُ‬
‫م‬
‫م﴾ ‪َ﴿ ،‬يا أي ّ َ‬
‫قوا ْ َرب ّك ُ ُ‬
‫قوا ْ َرب ّك ُ ُ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ق ُ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ها‬
‫ذي َ‬
‫وا ِ‬
‫حد َ ٍ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ة﴾ ‪َ﴿ ،‬يا أي ّ َ‬
‫كم ّ‬
‫س َ‬
‫ف ٍ‬
‫س ات ّ ُ‬
‫ة‬
‫سا َ‬
‫ن َزل َْزل َ َ‬
‫ع ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ة ال ّ‬
‫قوا َرب ّك ُ ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫َ‬
‫م﴾)‪.(3‬‬
‫يءٌ َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫فمأمورون بتقوى الله جميعًا‪ ،‬والحفاظ على‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫دينه قال تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫قوُلوا َ‬
‫و ُ‬
‫م‬
‫س ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫دي ً‬
‫وًل َ‬
‫ح ل َك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫دا * ي ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ع‬
‫وي َ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫من ي ُطِ ْ‬
‫و َ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فاَز َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ما﴾)‪.(4‬‬
‫وًزا َ‬
‫ع ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ظي ً‬
‫سول َ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬

‫وات ّ ُ‬
‫ما َ‬
‫ول َْتنظُْر ن َ ْ‬
‫قوا‬
‫ت لِ َ‬
‫غ ٍ‬
‫م ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫س ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫ف ٌ‬
‫د َ‬
‫ه َ‬
‫وَل ت َ ُ‬
‫كوُنوا‬
‫ه َ‬
‫مُلو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫ن* َ‬
‫فسهم أ ُ‬
‫هم َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ك‬
‫أن‬
‫سا‬
‫أن‬
‫ُ‬
‫كال ّ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن نَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫سوا الل ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ن * َل ي َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫وي أ ْ‬
‫ب الّنا ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫لقمان‪ ،‬الية ‪.33‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.1‬‬
‫الحج‪ ،‬الية ‪.1‬‬
‫الحزاب‪ ،‬اليتان ‪.71 ،70‬‬
‫‪252‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأ َصحاب ال ْجن ّ َ‬
‫م‬
‫ة ُ‬
‫جن ّ ِ‬
‫َ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫َ ْ َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ةأ ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫وهذا هو الواجب على الناس جميعًا؛ أن يتقوا‬
‫الله ويعبدوه وحده‪ ،‬ويحكموا شريعته‪ ،‬وينقادوا‬
‫لمره‪ ،‬ويحذروا نهيه سبحانه وأن يقفوا عند‬
‫حدوده‪ ،‬وأن يتواصوا بهذا ويتناصحوا كما قال‬
‫ول َ‬
‫والت ّ ْ‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫وى َ‬
‫ق َ‬
‫عَلى اْلبّر َ‬
‫عا َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫تَ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫عد ْ َ‬
‫عَلى ال ِث ْم ِ َ‬
‫عا َ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ب﴾)‪ ،(2‬ويقول سبحانه‪﴿ :‬‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قا ِ‬
‫ر * إ ِّل‬
‫في ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫سا َ‬
‫ر * إِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫س ٍ‬
‫نا ِْ‬
‫ص ِ‬
‫وا‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫وا َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ر﴾)‪.(3‬‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫وا ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ق َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫ويقول صلى الله عليه وسلم‪)) :‬الدين النصيحة‪.‬‬
‫الدين النصيحة‪ .‬الدين النصيحة((‪ ،‬قيل‪ :‬لمن يا‬
‫رسول الله؟‪ ،‬قال‪)) :‬لله‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله‪،‬‬
‫ولئمة المسلمين‪ ،‬وعامتهم(()‪ ،(4‬ويقول جرير بن‬
‫عبد الله البجلي‪" :‬بايعت النبي صلى الله عليه‬

‫‪ ()1‬سورة الحشر‪ ،‬اليات ‪.20 18‬‬
‫‪ ()2‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.2‬‬
‫‪ ()3‬سورة العصر‪ ،‬كاملة‪.‬‬
‫‪ ()4‬رواه أحمد في )مسند الشاميين(‪ ،‬حديث تميم الداري برقم‬
‫‪ ،16499‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان أن الدين النصيحة( برقم‬
‫‪.55‬‬
‫‪253‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وسلم على‪ :‬إقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬والنصح‬
‫لكل مسلم")‪.(5‬‬

‫وهذا هو الواجب على مستوى الشعوب‬
‫ورؤساء الدول‬
‫السلمية‪ ،‬أن يتناصحوا‪ ،‬وأن يتواصوا بالحق‪،‬‬
‫وأن يحكموا شرع الله‪ ،‬ل بالقوانين التي‬
‫يضعونها بأنفسهم‪.‬‬
‫ودعا سماحته في ختام تصريحه الله عز‬
‫وجل بالهداية للجميع‪ ،‬والتوفيق للمسلمين‪ ،‬وأن‬
‫يصلح قادتهم‪ ،‬ويولي عليهم خيارهم‪ ،‬وأن‬
‫يعيذهم من شر الشرار‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يكفينا شر كل ذي شر‪ ،‬وأن‬
‫يرد كيد كل عدو في نحره‪ ،‬وأن يكشف شره‬
‫أينما كان‪ .‬والله ولي التوفيق‪.‬‬

‫‪ ()5‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )الدين النصيحة( برقم ‪،57‬‬
‫ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان أن الدين النصيحة( برقم ‪.56‬‬
‫‪254‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 43‬موقف الشريعة السلمية‬
‫من الغزو العراقي للكويت‬

‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والعاقبة للمتقين‪،‬‬
‫ول عدوان إل على الظالمين‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه‪،‬‬
‫نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله‪ ،‬وعلى‬
‫)‪(1‬‬
‫آله وأصحابه‪ ،‬ومن سلك سبيله واهتدى بهداه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬أيها الخوان المسلمون في كل‬
‫مكان‪ ،‬نظرا ً لما جرى من حوادث في اليوم‬
‫الحادي عشر من هذا الشهر من شهر الله‬
‫المحرم عام ‪1411‬هـ‪ ،‬من العدوان الثيم‪،‬‬
‫والظلم العظيم من رئيس دولة العراق على‬
‫دولة الكويت‪ ،‬وذلك باجتياحه بلد الكويت‬
‫بجيوشه مزودة بأنواع السلحة المدمرة‪ ،‬وما‬
‫حصل بسبب ذلك من الفساد العظيم‪ ،‬وسفك‬
‫الدماء ونهب الموال وهتك العراض‪ ،‬وتشريد‬
‫المنين‪.‬‬
‫بسبب هذا كله‪ ،‬كثر السؤال عن هذا‬
‫الحادث‪ ،‬وعما ينبغي نحوه‪ ،‬ورأيت أنه من‬
‫الواجب إخبار المسلمين فيما يتعلق بهذا‬
‫الحادث‪ ،‬وما يجب على المسلم نحوه‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫‪ ()1‬نشرت في جريدة )البلد( بتاريخ ‪29/1/1411‬هـ‪ ،‬وغيرها من‬
‫الصحف المحلية‪ ،‬ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.75‬‬
‫‪255‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لشك أن هذا الحادث من رئيس دولة العراق‬
‫حادث‬
‫أليم‪ ،‬وعدوان كبير على دولة مجاورة آمنة‪،‬‬
‫يجب على جميع الدول السلمية وغيرها‪ ،‬وعلى‬
‫جميع المسلمين إنكار ذلك وشجبه‪ ،‬وبيان أنه‬
‫عدوان أثيم وظلم كبير‪.‬‬
‫ويجب على رئيس دولة العراق‪ ،‬أن يبادر‬
‫بسحب جيشه من دولة الكويت‪ ،‬وأن يحذر مغبة‬
‫ذلك في الدنيا والخرة‪ ،‬والظلم عاقبته وخيمة‪،‬‬
‫والله عز وجل يقول في كتابه المبين‪﴿ :‬‬
‫)‪( 1‬‬
‫وال ّ‬
‫ر﴾ ‪،‬‬
‫وَل ن َ ِ‬
‫مو َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ن َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ي َ‬
‫من َ‬
‫َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫صي ٍ‬
‫م‬
‫منك ُ ْ‬
‫من ي َظِْلم ّ‬
‫و َ‬
‫ويقول سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ذ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذاًبا ك َِبيًرا﴾)‪.(2‬‬
‫ه َ‬
‫نُ ِ‬
‫ق ُ‬

‫ويقول النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬اتقوا‬
‫الظلم‪ ،‬فإن الظلم ظلمات يوم القيامة(()‪،(3‬‬
‫ويقول عز وجل فيما رواه عنه نبيه صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬يا عبادي إنني حرمت الظلم على‬
‫نفسي وجعلته بينكم محرما ً فل تظالموا(()‪.(4‬‬
‫لشك أن هذا العدوان من أقبح الظلم‪ ،‬ولشك‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪ ()2‬سورة الفرقان‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )المظالم والغصب(‪ ،‬باب )الظلم ظلمات يوم‬
‫القيامة(‪ ،‬برقم ‪ ،2447‬ومسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب‬
‫)تحريم الظلم( برقم ‪.2578‬‬
‫‪ ()4‬رواه مسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب )تحريم الظلم(‬
‫برقم ‪.2577‬‬
‫‪256‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أيضا ً أنه مخالف للتعاليم السلمية والمواثيق‬
‫الدولية‪ ،‬حري صاحبه بالعقوبة العادلة العاجلة‪.‬‬
‫والمشاكل بين الجيران وبين القبائل وبين‬
‫الدول ل تحل‬
‫بالظلم والعدوان‪ ،‬ولكن تحل بالطرق السلمية‬
‫والصلح‪ ،‬أو بالحكم الشرعي‪ ،‬أما حلها بالظلم‬
‫والعدوان والسلح وقتل البرياء ونهب الموال‬
‫وغير هذا من أنواع الفساد‪ ،‬فهذا ل تقره شريعة‬
‫إسلمية‪ ،‬ول يقره ميثاق دولي ول عرف بين‬
‫الناس‪ ،‬بل مخالف للعراف‪ ،‬ومخالف للمواثيق‬
‫الدولية‪ ،‬كما أنه مخالف لشرع الله المطهر‪.‬‬
‫والواجب على الدول السلمية وغيرها‪،‬‬
‫والعربية وغيرها إنكاره‪ ،‬وقد وقع ذلك وأجمع‬
‫العالم على إنكاره‪ ،‬ولشك أنه جدير بالنكار‪،‬‬
‫فالواجب على دولة العراق‪ ،‬أن تسحب جيوشها‬
‫من دولة الكويت‪ ،‬وأن تبادر بذلك‪ ،‬وأن تلغي‬
‫هذه المشكلة الخطيرة‪ ،‬وأن تحل المشكلة‬
‫بينها وبين الكويت بالطرق السلمية التي‬
‫أوضحها السلم‪ ،‬ودرج عليها المسلمون‪ ،‬ودرج‬
‫عليها كل من له أدنى بصيرة وأدنى رغبة في‬
‫الحق والعدل والنصاف‪.‬‬
‫وهذه المسألة كغيرها من المسائل التي تقع‬
‫بين الناس سواء كان ذلك بين دول وقبائل أو‬
‫غير ذلك يجب أن تحل بالطرق الشرعية‪،‬‬
‫‪257‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويحرم حلها بالظلم والعدوان‪ ،‬والصلح جائز بين‬
‫ح‬
‫صل ْ ُ‬
‫وال ّ‬
‫المسلمين كما قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫خي ٌْر﴾)‪ ،(1‬وفي الحديث الشريف يقول عليه‬
‫َ‬
‫الصلة والسلم‪ )) :‬الصلح جائز‬

‫بين المسلمين‪ ،‬إل صلحا ً حرم حلل ً أو أحل‬
‫حرامًا(()‪ .(2‬فإذا تيسر الصلح الذي ل يخالف شرع‬
‫الله‪ ،‬بل تحرى فيه العدل والنصاف والقسط‪،‬‬
‫فذلك جائز‪ ،‬فإن لم يتيسر وجب الرجوع إلى حكم‬
‫َ‬
‫ها‬
‫الله‪ ،‬كما قال عز وجل في كتابه المبين‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ال ّذين آمُنوا ْ أ َطيعوا ْ الل ّه َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ِ ُ‬
‫عوا ْ الّر ُ‬
‫ِ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫في َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫فِإن ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫عت ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫وِلي ال ْ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫م ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫دوهُ إ ِلى الل ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فُر ّ‬
‫والّر ُ‬
‫ل ِإن كنت ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫خير َ‬
‫ر ذَل ِ َ‬
‫ن‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ك َ ْ ٌ َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ويل ً﴾)‪.(3‬‬
‫ِ‬

‫فقد أجمع العلماء‪ ،‬على أن الرد إلى الله‬
‫سبحانه وتعالى هو الرد إلى كتابه العظيم‬
‫)القرآن(‪ ،‬وأن الرد إلى الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم هو الرد إليه في حياته عليه الصلة‬
‫والسلم والرد إلى سنته الثابتة بعد وفاته صلى‬
‫الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه‪ ،‬وهذا هو‬
‫الخير للمسلمين‪ ،‬وفيه العاقبة الحميدة‪ ،‬وهو‬

‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.128‬‬
‫‪ ()2‬رواه الترمذي في )الحكام(‪ ،‬باب )ما ذكر عن الرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم في الصلح( برقم ‪ ،1352‬وابن ماجة في )الحكام(‪،‬‬
‫باب )الصلح( برقم ‪.2353‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫‪258‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الواجب على كل من آمن بالله واليوم الخر‪،‬‬
‫خت َل َ ْ‬
‫من‬
‫ما ا ْ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫فت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫وقال الله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ه ﴾)‪ ،(1‬وهذا عام في‬
‫ي ٍ‬
‫ه إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫ش ْ‬
‫جميع المسائل بين الدول والشعوب وغير ذلك‪.‬‬
‫وَرب ّ َ‬
‫وقال سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فل َ َ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫م ﴾)‪ ،(2‬يعني‬
‫ك ِ‬
‫ش َ‬
‫ى يُ َ‬
‫َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫حت ّ َ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ويقول سبحانه‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫أَ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ل ّ َ‬
‫ن‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫‪﴾(3).‬الل ّ ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫حك ْ ً‬
‫ق ْ‬
‫فالواجب على جميع الدول وجميع الجماعات‬
‫وجميع القبائل‪ ،‬وجميع المسلمين في كل‬
‫مكان‪ ،‬أن يرجعوا إلى حكم الله فيما يتنازعون‬
‫فيه ويختلفون فيه‪ ،‬وأن يحذروا العدوان‬
‫والظلم‪ ،‬وأن تحل المشاكل بينهم بالطرق‬
‫السلمية‪ ،‬والوسائط العاقلة الطيبة‪ ،‬فإن لم‬
‫يتيسر ذلك‪ ،‬وجب الحل بالحكم الشرعي ل‬
‫بالعدوان والظلم‪.‬‬
‫وهذه المسألة التي بين الكويت والعراق‪،‬‬
‫يجب أن تحل بمحكمة شرعية من العلماء‬
‫المعروفين بالعلم والفضل والستقامة؛ ليحلوها‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.65‬‬
‫‪ ()3‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.50‬‬
‫‪259‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله‬
‫عليه وسلم إذا لم يتيسر الصلح‪.‬‬
‫وهكذا جميع المشاكل التي تعم وتعرض‬
‫بالدول السلمية أو العربية في كل مكان‪ ،‬تحل‬
‫بهذه الطريقة؛ بالصلح إن تيسر‪ ،‬ل بالعدوان‬
‫والظلم‪.‬‬
‫ولشك أن كل ما يجري بين الناس؛ من‬
‫الفساد والشرور والظلم‪ ،‬كل ذلك بأسباب‬
‫الذنوب والمعاصي‪ ،‬كما قال الله عز وجل في‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ة‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫من ّ‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫كتابه العظيم‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ت‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫فب ِ َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ر﴾)‪ .(1‬وقال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫فو َ‬
‫أي ْ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫عن ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ة َ‬
‫ما‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سن َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ّ‬
‫ما أ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ )‪(2‬‬
‫صاب َ َ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫ة َ‬
‫سك﴾ ‪ ،‬وقال‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫سي ّئ َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫من َ‬
‫أ َ‬
‫هَر ال ْ َ‬
‫ر‬
‫سادُ ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ف َ‬
‫جل وعل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫بما ك َسبت أ َ‬
‫ذي َ‬
‫ض‬
‫نا‬
‫ال‬
‫دي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫س ل ِي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫هم ب َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ِ َ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫ذي َ‬
‫ع ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫فالواجب على جميع المسلمين‪ :‬التوبة إلى‬
‫الله من جميع الذنوب‪ ،‬وذلك بالندم على‬
‫الماضي منها‪ ،‬والقلع عنها‪ ،‬والعزم الصادق‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.79‬‬
‫‪ ()3‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪260‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على عدم العودة فيها‪ ،‬وهذه هي التوبة‬
‫النصوح‪ ،‬وإذا كان الذنب يتعلق بحق المخلوق‪،‬‬
‫فلبد من التحلل من المخلوق وسماحه إذا كان‬
‫مرشدًا‪ ،‬أو رد مظلمته إليه وإعطائه حقه‪ ،‬ول‬
‫تتم التوبة إل بذلك‪ ،‬والله سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ج ِ‬
‫وُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫عا أي ّ َ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫﴿ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م تُ ْ‬
‫ن﴾ ‪ .‬ففي التوبة الفلح والظفر‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫بكل خير‪ ،‬والسلمة من كل شر في الدنيا‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫والخرة‪ ،‬وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫م‬
‫حا َ‬
‫وب َ ً‬
‫ُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫صو ً‬
‫ع َ‬
‫سى َرب ّك ُ ْ‬
‫ة نّ ُ‬
‫ه تَ ْ‬
‫َأن ي ُك َ ّ‬
‫ت‬
‫فَر َ‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫خل َك ُ ْ‬
‫سي َّئات ِك ُ ْ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫هاُر﴾)‪ ،(2‬والنبي صلى‬
‫ري ِ‬
‫من ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ج ِ‬
‫الله عليه وسلم‬
‫يقول‪)) :‬التائب من الذنب كمن ل ذنب له(()‪.(3‬‬
‫فعلى جميع المسلمين في كل مكان‪ :‬أن‬
‫يراقبوا الله‪ ،‬وأن يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن‬
‫يسارعوا إلى ما أوجب عليهم‪ ،‬وإلى ترك ما‬
‫حرم عليهم‪ ،‬وأن يتناصحوا فيما بينهم‪ ،‬ويتعاونوا‬
‫على البر والتقوى‪ ،‬ويتواصوا بالحق والصبر‬
‫ن‬
‫ر*إ ِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫عليه‪ ،‬عمل ً بقول الله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ص ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪ ()2‬سورة التحريم‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪ ()3‬رواه ابن ماجة في )الزهد(‪ ،‬باب )ذكر التوبة( برقم ‪.4250‬‬
‫‪261‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مُنوا‬
‫في ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ر* إ ِّل ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫س ٍ‬
‫ا ِْ‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وا ِبال ْ َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫وا َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ر﴾ ‪.‬‬
‫وا ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫وقوله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬مثل‬
‫المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد‬
‫الواحد‪ ،‬إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر‬
‫العضاء بالسهر والحمى(()‪ ،(2‬وقوله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد‬
‫بعضه بعضا ً وشبك بين أصابعه(()‪.(3‬‬
‫فالتناصح في الله والتواصي بالحق من أهم‬
‫المهمات‪ ،‬وأعظم الواجبات في حق الفراد‬
‫والجماعات والشعوب‪.‬‬
‫ويجب على رئيس دولة العراق أن يتوب إلى‬
‫الله‪ ،‬وأن يبادر بالرجوع إليه‪ ،‬والتوبة مما وقع‬
‫منه من الظلم‪ ،‬والمسارعة إلى إخراج جيشه‬
‫من الكويت‪ ،‬حتى تهدأ الفتنة‪ ،‬وحتى تعود المور‬
‫‪ ()1‬سورة العصر‪ ،‬كاملة‪.‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الدب(‪ ،‬باب )رحمة الناس والبهائم( برقم‬
‫‪ ،6011‬ومسلم في )البر والصلة والداب(‪) ،‬باب تراحم المؤمنين‬
‫وتعاطفهم( برقم ‪.2586‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )المظالم والغصب(‪ ،‬باب )نصر المظلوم(‬
‫برقم ‪ ،2446‬ومسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب )تراحم‬
‫المؤمنين وتعاطفهم( برقم ‪.2585‬‬
‫‪262‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إلى نصابها‪ ،‬ويحصل التقارب في حل المشكلة‬
‫بالطريقة التي ذكرتها‪.‬‬
‫وهذا قول جميع أهل العلم‪ ،‬ليس في هذا‬
‫نزاع‪ ،‬وهو أن جميع المشاكل بين الدول‬
‫والجماعات والقبائل والفراد‪ ،‬يجب أن تحل‬
‫بالطريق الشرعي إذا لم يحسن حلها بالطرق‬
‫السلمية‪ ،‬والصلح الشرعي الذي ل يخالف شرع‬
‫الله‪.‬‬
‫وأما ما حصل من الحكومة السعودية‬
‫لسباب هذه الحوادث‪ ،‬المترتبة على الظلم‬
‫الصادر من رئيس دولة العراق لدولة الكويت‪،‬‬
‫من استعانتها بجملة من الجيوش التي حصلت‬
‫من جنسيات متعددة من المسلمين وغيرهم‬
‫لصد العدوان‪ ،‬وللدفاع عن البلد‪ ،‬فذلك أمر‬
‫جائز‪ ،‬بل تحتمه وتوجبه الضرورة‪ ،‬وأن على‬
‫المملكة أن تقوم بهذا الواجب؛ لن الدفاع عن‬
‫السلم والمسلمين وعن حرمة البلد وأهلها‬
‫أمر لزم‪ ،‬بل متحتم‪ ،‬فهي معذورة في ذلك‪،‬‬
‫ومشكورة على مبادرتها لهذا الحتياط‪،‬‬
‫والحرص على حماية البلد من الشر وأهله‪،‬‬
‫والدفاع عنها من عدوان متوقع قد يقوم به‬
‫رئيس دولة العراق؛ لنه ل يؤمن؛ بسبب ما‬
‫حدث منه مع دولة الكويت‪ ،‬فخيانته متوقعة‪.‬‬
‫‪263‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فلذلك دعت الضرورة إلى الخذ بالحتياط‪،‬‬
‫والستعانة بالجيوش المتعددة الجناس؛ حماية‬
‫للبلد وأهلها‪ ،‬وحفظا ً للمن‪ ،‬وحرصا ً على سلمة‬
‫البلد وأهلها من كل شر‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يثيبها على ذلك‪ ،‬ويوفقها لكل‬
‫خير‪ ،‬وأن ينفع بالسباب‪ ،‬ويحسن العاقبة‪ ،‬وأن‬
‫يكبت كل ذي شر‪ ،‬ويشغله في نفسه‪ ،‬وأن‬
‫يجعل كيد أعداء الله في نحورهم‪ ،‬ويكفي‬
‫المسلمين شرهم‪ ،‬إنه جل وعل خير مسئول‪.‬‬
‫وأسأل الله عز وجل أن يصلح أحوال‬
‫المسلمين‪ ،‬وأن يهديهم الصراط المستقيم‪ ،‬وأن‬
‫يكبت كل عدو للسلم والمسلمين‪ ،‬وأن يشغله‬
‫في نفسه‪ ،‬وأن يعيذ المسلمين من شره‪ ،‬وأن‬
‫يجعل فيما أجرته الحكومة السعودية الخير‬
‫للمسلمين والعاقبة الحميدة‪ ،‬وأن يبارك في‬
‫جهودها‪ ،‬ويسدد خطاها‪ ،‬وأن يحسن العاقبة لها‬
‫ولجميع المسلمين‪ ،‬إنه جل وعل جواد كريم‪،‬‬
‫وصلى الله على سيدنا محمد‪ ،‬وعلى آله‬
‫وأصحابه وأتباعه بإحسان‪.‬‬

‫‪264‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -44‬الغزو العراقي للكويت جريمة‬
‫عظيمة‬
‫الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم على رسول‬
‫)‪(1‬‬
‫الله‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‪ ،‬ومن اهتدى بهداه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فبمناسبة ما جرى من الحوادث هذه‬
‫اليام؛ بسبب احتلل الرئيس العراقي دولة‬
‫الكويت‪ ،‬واجتياحه لها بالقوات المسلحة‬
‫المتنوعة‪ ،‬وما جرى بسبب ذلك من الفساد‬
‫العظيم‪ ،‬وسفك الدماء ونهب الموال وانتهاك‬
‫العراض‪ ،‬رأيت أن أبين لخواني المسلمين في‬
‫هذا الحديث ما يجب حول هذا الحادث‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫لشك أن هذا الحادث حادث مؤلم‪ ،‬ويحزن‬
‫كل مسلم‪ ،‬ول شك أنه جريمة عظيمة وعدوان‬
‫شديد من الزعيم العراقي على دولة مجاورة‬
‫مسلمة‪ ،‬فالواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه‬
‫من ذلك‪ ،‬وسحب جميع جيوشه من دولة‬
‫الكويت‪ ،‬وحل المشاكل بالطرق السلمية التي‬
‫شرعها الله لعباده‪ ،‬كما قال جل وعل‪﴿ :‬‬

‫‪ ()1‬نشرت في مجلة )الدعوة( في ‪10/2/1411‬هـ العدد ‪،1255‬‬
‫ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.142‬‬
‫‪265‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫خي ٌْر﴾)‪ ،(2‬وقال في الفئة الباغية‪َ ﴿ :‬‬
‫فِإن‬
‫ح َ‬
‫صل ْ ُ‬
‫وال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫فاء ْ‬
‫فأ َ‬
‫س ُ‬
‫ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ل‬
‫با‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫حوا‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫طوا إ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ﴾)‪.(1‬‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫فالمشاكل التي تقع بين الدولتين أو الدول أو‬
‫القبيلتين أو الفراد‪ ،‬يجب أن تحل بالوسائل‬
‫الشرعية‪ ،‬ل بالقوة والعدوان والظلم‪ ،‬يقول الله‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫سبحانه في كتابه العظيم‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫آمُنوا ْ أ َطيعوا ْ الل ّه َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ِ ُ‬
‫عوا ْ الّر ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫في‬
‫فِإن ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫عت ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫وِلي ال ْ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ل ِإن ُ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ي ٍ‬
‫دوهُ إ َِلى الل ّ ِ‬
‫فُر ّ‬
‫والّر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ر ذَل ِ َ‬
‫تُ ْ‬
‫خي ٌْر‬
‫ك َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫وأ َحسن ت َأ ْ‬
‫ويل ً﴾)‪.(2‬‬
‫َ ْ َ ُ‬
‫ِ‬
‫قال العلماء‪ :‬الرد إلى الله تعالى‪ :‬الرد إلى‬
‫كتابه العظيم القرآن الكريم ‪ ،‬والرد إلى‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪ :‬الرد إليه في‬
‫حياته عليه الصلة والسلم وبعد وفاته‪ :‬الرد إلى‬
‫خت َل َ ْ‬
‫من‬
‫ما ا ْ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫فت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫سنته‪ ،‬قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ه ﴾)‪ .(3‬فالواجب على‬
‫ي ٍ‬
‫ه إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫ش ْ‬
‫المتنازعين سواء كانا دولتين أو قبيلتين أو‬
‫‪()2‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النساء‪ ،‬الية ‪.128‬‬
‫الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫الشورى‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪266‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جماعتين أو فردين رد النزاع والمشاكل إلى‬
‫حكم الله إل أن يتيسر الصلح فالصلح خير‪.‬‬
‫والواجب على الرئيس العراقي حل الخلف‬
‫بالصلح والمفاوضة السليمة توسيط الخيار‪،‬‬
‫فإن لم يتيسر الصلح وجب الرد إلى الكتاب‬
‫والسنة عن طريق محكمة شرعية يتولها‬
‫علماء الحق تعرض عليهم المشكلة ويحكمون‬
‫فيها بشرع الله كما أمر سبحانه ‪ ،‬هذا هو‬
‫الواجب على كل دولة منتسبة إلى السلم؛ لن‬
‫وَرب ّ َ‬
‫الله جل وعل يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فل َ َ‬
‫م لَ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫ك ِ‬
‫حت ّ‬
‫ش َ‬
‫ى يُ َ‬
‫َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫في أن ُ‬
‫ت‬
‫س‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ِ‬
‫ِ‬
‫ما﴾)‪ ،(1‬وقال جل وعل‪﴿ :‬‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫سِلي ً‬
‫سل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أَ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ل ّ َ‬
‫ن﴾)‪.(2‬‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫حك ْ ً‬
‫ق ْ‬
‫فالذي ننصح به رئيس العراق أن يتقي الله‬
‫وأن يسحب جيوشه من دولة الكويت وينهي‬
‫هذه المشكلة‪ ،‬وأن يرضى بحكم الله في ذلك‬
‫إذا لم يتيسر الصلح‪.‬‬
‫ولشك أن الرجوع إلى الحق خير وفضيلة‪،‬‬
‫ويشكر صاحبه عليه‪ ،‬وهو خير من التمادي في‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.65‬‬
‫‪ ()2‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.50‬‬
‫‪267‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الخطأ والباطل‪ ،‬وننصح الجميع بالستقامة على‬
‫دين الله‪ ،‬والحكم بشريعته والتواصي بطاعته‬
‫وترك معصيته‪ ،‬وعدم تحكيم القوانين الوضعية‬
‫وآراء الرجال‪ ،‬وهذا هو طريق العزة وطريق‬
‫العدالة وطريق السعادة والكرامة‪.‬‬
‫ولشك أن كل بلء يحصل للمسلمين وكل‬
‫شر ومصيبة فأسبابها الذنوب والمعاصي‪ ،‬كما‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫قال الله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ة َ‬
‫م‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫فب ِ َ‬
‫من ّ‬
‫كم ّ‬
‫أ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ع ُ‬
‫هَر‬
‫عن ك َِثي‬
‫فو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫دي‬
‫سادُ ِ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ف َ‬
‫ر بِ َ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫ع ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫س ل ِي ُ ِ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫هم ب َ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫الّنا ِ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫صاب َ َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪ّ ﴿ :‬‬
‫ما أ َ‬
‫ي َْر ِ‬
‫َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫سي ّئ َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سن َ ٍ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫ه َ‬
‫َ )‪(3‬‬
‫من ن ّ ْ‬
‫َ‬
‫سك﴾ ‪.‬‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫فالواجب على الجميع التوبة إلى الله‬
‫والرجوع إليه‪ ،‬والستقامة على دينه‪ ،‬والندم‬
‫على ما مضى من السيئات والمخالفات‬
‫والعدوان‪ .‬هذا هو الواجب على جميع الدول‬
‫السلمية والعربية‪ ،‬وعلى جميع المسلمين‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.79‬‬
‫‪268‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وعلى الجميع أن يتقوا الله‪ ،‬وأن يعظموا‬
‫شرعه‪ ،‬وأن يتوبوا إليه من تقصيرهم وذنوبهم‪،‬‬
‫وأن يعلموا أن ما أصابهم فهو بسبب ذنوبهم‬
‫وسيئاتهم‪ ،‬فالتوبة إلى الله فيها الخير العظيم‬
‫والسعادة في الدنيا والخرة‪ ،‬والله جل وعل قد‬
‫يملي للظالم ول يأخذه بسرعة‪ ،‬بل يملي ول‬
‫ول َ‬
‫يغفل سبحانه وتعالى كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ه َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫فل ً َ‬
‫غا ِ‬
‫مو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ح َ‬
‫سب َ ّ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ع َ‬
‫ع ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫وم ٍ ت َ ْ‬
‫ه‬
‫ش َ‬
‫ؤ ّ‬
‫ص ِ‬
‫خُر ُ‬
‫في ِ‬
‫ه ْ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫خ ُ‬
‫م ل ِي َ ْ‬
‫َ‬
‫صاُر﴾)‪ .(1‬وقال النبي صلى الله عليه‬
‫الب ْ َ‬
‫وسلم‪)) :‬إن الله ليملي للظالم‪ ،‬حتى إذا أخذه‬
‫)‪(2‬‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫ك‬
‫لم يفلته(( ‪ ،‬ثم تل قوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ي َ‬
‫خذُ َرب ّ َ‬
‫خذَ ال ْ ُ‬
‫ك إِ َ‬
‫ن‬
‫ذا أ َ َ‬
‫أَ ْ‬
‫م ٌ‬
‫و ِ‬
‫ة إِ ّ‬
‫ظال ِ َ‬
‫قَرى َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ديدٌ﴾)‪.(3‬‬
‫أَ ْ‬
‫ش ِ‬
‫خذَهُ أِلي ٌ‬
‫فنصيحتي لنفسي ولجميع المسلمين في كل‬
‫مكان‪ ،‬أن يتقوا الله ويتوبوا إليه‪ ،‬ويستقيموا‬
‫على دينه‪ ،‬وأن يخلصوا له العبادة‪ ،‬وأن يحذروا‬
‫ما حرم عليهم سبحانه ‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة إبراهيم‪ ،‬الية ‪.42‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )تفسير القرآن(‪ ،‬باب )قوله تعالى‪) :‬وكذلك‬
‫أخذ ربك إذا اخذ القرى(( برقم ‪ ،4686‬ومسلم في )البر والصلة‬
‫والداب(‪ ،‬باب )تحريم الظلم( برقم ‪.2583‬‬
‫‪()3‬سورة هود‪ ،‬الية ‪102‬‬
‫‪269‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولشك أن الرجوع إلى الحق‪ ،‬والحرص على‬
‫تحكيم الشرع والحذر مما يخالفه‪ ،‬هو طريق‬
‫أهل اليمان وسبيلهم‪ ،‬وهو طريق العزة‬
‫والكرامة‪ ،‬وهو طريق النصاف والحكمة‪ ،‬وهو‬
‫الواجب على كل المسلمين دول ً وشعوبا ً‬
‫وأفرادا ً وجماعات‪.‬‬
‫وأما ما وقع من الحكومة السعودية؛ من‬
‫طلب الستعانة من دول شتى للدفاع وحماية‬
‫أقطار المسلمين؛ لن عدوهم ل يؤمن هجومه‬
‫عليهم‪ ،‬كما هجم على دولة الكويت‪ ،‬فهذا ل‬
‫بأس به‪ ،‬وقد صدر من هيئة كبار العلماء وأنا‬
‫واحد منهم بيان بذلك‪ ،‬أذيع في الذاعة ونشر‬
‫في الصحف‪ ،‬وهذا ل شك في جوازه‪ ،‬إذ ل بأس‬
‫أن يستعين المسلمون بغيرهم للدفاع عن‬
‫بلد المسلمين‪ ،‬وحمايتهم وصد العدوان عنهم‪،‬‬
‫وليس هذا من نصر الكفار على المسلمين‬
‫الذي ذكره العلماء في باب )حكم المرتد(‪،‬‬
‫فذاك أن ينصر المسلم الكافر على إخوانه‬
‫المسلمين‪ ،‬فهذا هو الذي ل يجوز‪ ،‬أما أن‬
‫يستعين المسلم بكافر؛ ليدفع شر كافر آخر أو‬
‫مسلم معتد‪ ،‬أو يخشى عدوانه‪ ،‬فهذا ل بأس به‪.‬‬
‫وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن استعان‬
‫بدروع أخذها من صفوان بن أمية‪ ،‬استعارها منه‬
‫‪270‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وكان صفوان كافرا ً في قتاله لثقيف يوم حنين‪،‬‬
‫وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مع النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم في قتاله لكفار قريش يوم‬
‫الفتح‪ ،‬وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫))إنكم تصالحون الروم صلحا ً آمنًا‪ ،‬ثم تقاتلون‬
‫أنتم وهم عدوا ً من ورائكم(()‪ ،(1‬فهذا معناه‬
‫الستعانة بهم على قتال العدو الذي من ورائنا‪.‬‬
‫والمقصود أن الدفاع عن المسلمين وعن‬
‫بلدهم يجوز أن يكون ذلك بقوة مسلمة‪،‬‬
‫وبمساعدة من نصارى أو غيرهم عن طريق‬
‫السلح‪ ،‬وعن طريق الجيش الذي يعين‬
‫المسلمين على صد العدوان عنهم‪ ،‬وعلى‬
‫حماية بلدهم من شر أعدائهم ومكائدهم‪.‬‬

‫‪ ()1‬رواه أبو داود في )الملحم(‪ ،‬باب )ذكر ما يذكر من ملحم‬
‫الروم( برقم ‪.4292‬‬
‫‪271‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ها‬
‫والله جل وعل يقول في كتابه العظيم‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬فأمرنا بأخذ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫دوا ْ‬
‫وأ َ ِ‬
‫ع ّ‬
‫الحذر من أعدائنا‪ ،‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫من‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫لَ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم﴾ أي للعداء الكفار ﴿ ّ‬
‫ة﴾)‪ ،(2‬وهكذا من يعتدي علينا ولو كان مسلما ً‬
‫ُ‬
‫و ٍ‬
‫ق ّ‬
‫أو ينتسب إلى السلم فإذا خشي المسلمون‬
‫عدوانه‪ ،‬جاز لهم أيضا ً أن يستعينوا بمن‬
‫يستطيعون الستعانة به؛ لصد عدوان الكافر‪،‬‬
‫ولصد عدوان المعتدي وظلمه عن بلد‬
‫المسلمين وعن حرماتهم‪.‬‬
‫والواجب على المسلمين التكاتف والتعاون‬
‫على البر والتقوى ضد أعدائهم‪ ،‬وإذا احتاجوا‬
‫فيما بينهم لمن يساعدهم على عدوهم‪ ،‬أو على‬
‫من يريد الكيد لهم والعدوان عليهم ممن‬
‫ينتسب للسلم‪ ،‬فإن لهم أن يستعينوا بمن‬
‫يعينهم على صد العدوان‪ ،‬وحماية أوطان‬
‫المسلمين وبلدهم كما تقدم‪.‬‬
‫وأكرر نصيحتي لجميع زعماء المسلمين‪،‬‬
‫ولجميع الدول العربية والسلمية‪ :‬أن يتقوا الله‪،‬‬
‫ويحكموا شريعته في كل شيء‪ ،‬وأن يحذروا ما‬
‫يخالف شرعه‪ ،‬وأن يبتعدوا عن الظلم مهما كان‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪272‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫نوعه‪ ،‬هذا هو طريق النجاة‪ ،‬وهذا هو طريق‬
‫السعادة والسلمة‪.‬‬

‫‪273‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫رزق الله الجميع التوفيق والهداية‪ ،‬ووفق‬
‫جميع المسلمين للستقامة على دينه‪ ،‬والتوبة‬
‫إليه من جميع الذنوب‪ ،‬وأصلح أحوالنا جميعًا‪،‬‬
‫ووفق قادة المسلمين جميعا ً وعامة المسلمين‬
‫لكل ما فيه رضاه‪ ،‬ولكل ما فيه صلح الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪ .‬وصلى الله‬
‫وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‬
‫وأتباعه بإحسان‪.‬‬

‫‪274‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -45‬وصية لجميع المسلمين‬
‫بمناسبة غزو العراق للكويت‬

‫س‪ :‬سماحة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن‬
‫عبد الله بن باز هناك هلع وفزع‬
‫أصاب بعض المسلمين في هذا البلد؛‬
‫من جراء قرب توقع الحرب‪ ،‬حيث‬
‫بادر الكثير بشراء السلع والمواد‬
‫الغذائية بكميات كبيرة بغية تخزينها‪،‬‬
‫إضافة إلى قيام البعض الخر‬
‫بالستعداد لمغادرة مدينة الرياض؛‬
‫خوفا ً من نشوب الحرب‪ ،‬فهل هناك‬
‫)‪(1‬‬
‫كلمة توجهونها لهم بهذا الشأن؟‬
‫ج‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد لله رب‬
‫العالمين‪ ،‬وصلى الله وسلم على رسوله‪ ،‬وعلى‬
‫آله وأصحابه‪ ،‬ومن اهتدى بهداه‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فإن وصيتي لجميع المسلمين في المملكة‬
‫العربية السعودية‪ ،‬وفي دول الخليج‪ ،‬وفي كل‬
‫مكان‪ :‬أن يتقوا الله عز وجل وأن يستقيموا‬
‫على دينه في جميع الوقات‪ ،‬ولسيما في مثل‬
‫هذه الظروف التي ل تخفى على الجميع‪ ،‬وهي‬
‫ما جرى من الحداث في الخليج؛ بأسباب‬
‫عدوان حاكم العراق على دولة الكويت‪.‬‬
‫‪ ()1‬إجابة صدرت من مكتب سماحته ‪ ،‬ونشرت في ج ‪ 6‬من هذا‬
‫المجموع ص ‪.137‬‬
‫‪275‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪276‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والواجب على المسلمين دائما ً أن يتقوا الله‬
‫سبحانه وتعالى وأن يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن‬
‫يحذروا ما حرم الله عليهم من قول وعمل؛ لن‬
‫الطاعات هي سبب الخير في الدنيا والخرة‪،‬‬
‫وهي سبب المن والسعادة وإطفاء الفتن‪ .‬أما‬
‫المعاصي فهي أسباب الشر في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وكل خير في الدنيا والخرة فسببه طاعة‬
‫الله واتباع شريعته‪ ،‬وكل شر في الدنيا والخرة‬
‫فسببه معصية الله‪ ،‬والكفر به‪ ،‬والنحراف عن‬
‫دينه‪.‬وهذه الحداث التي وقعت في الخليج‪،‬‬
‫أسبابها ما قدمت أيدي العباد؛ من مخالفة لمر‬
‫الله‪ ،‬وانتهاك لمحارم الله‪ ،‬كما قال الله سبحانه‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫من‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫وتعالى في كتابه الكريم‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ة َ‬
‫عن‬
‫فو َ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫فب ِ َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫هَر ال ْ َ‬
‫في‬
‫ك َِثي‬
‫سادُ ِ‬
‫ف َ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال عز وجل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫س‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ر بِ َ‬
‫ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫دي الّنا ِ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫ع ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫ل ِي ُ ِ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫هم ب َ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫صاب َ َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪ّ ﴿ :‬‬
‫ما أ َ‬
‫ي َْر ِ‬
‫َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫سي ّئ َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سن َ ٍ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫ه َ‬
‫َ )‪(3‬‬
‫من ن ّ ْ‬
‫َ‬
‫سك ﴾ الية‪ ،‬فالواجب على كل‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫مسلم أن يحاسب نفسه‪ ،‬وأن يراقب ربه‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.79‬‬
‫‪277‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وذلك بفعل الوامر وترك النواهي‪ ،‬والمبادرة‬
‫بالتوبة الصادقة من جميع الذنوب‪ ،‬كما قال الله‬
‫عا‬
‫ج ِ‬
‫وُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫أي ّ َ‬
‫ها ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م تُ ْ‬
‫ها‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫لَ َ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫حا‬
‫وب َ ً‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫صو ً‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ة نّ ُ‬
‫ه تَ ْ‬
‫﴾)‪ ،(2‬والتوبة النصوح‪ :‬هي المشتملة على الندم‬
‫على ما مضى من المعاصي‪ ،‬وعلى القلع منها‬
‫وتركها‪ ،‬والحذر منها‪ ،‬وعلى العزم الصادق على‬
‫عدم العودة إليها؛ طاعة لله‪ ،‬وتعظيما ً له‪،‬‬
‫وإخلصا ً له‪ ،‬ورغبة فيما عنده‪ ،‬وحذرا ً من عقابه‬
‫سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫وبهذا تدفع الشرور‪ ،‬ويحصل المن‪ ،‬ويشتت‬
‫الله العداء ويذلهم‪ ،‬ويجعل دائرة السوء عليهم‪،‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ِإن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫كما قال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪.(3‬‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫َتن ُ‬
‫م َ‬
‫ومن نصر الله‪ :‬الستقامة على طاعته‪،‬‬
‫والتوبة إليه من جميع المعاصي‪ ،‬والعداد لجهاد‬
‫العداء‪ ،‬والصبر والمصابرة في جهادهم‪ ،‬وبذلك‬
‫يحصل النصر والتأييد لولياء الله وأهل طاعته‪،‬‬
‫ويحصل الذلل والهزيمة على أعداء الله‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪ ()2‬سورة التحريم‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪ ()3‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪278‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من‬
‫صَر ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫يقول الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫ن ِإن‬
‫ق‬
‫ي َ‬
‫زيٌز *ال َ ِ‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َين ُ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫في اْل َ‬
‫ض أَ َ‬
‫وا‬
‫ر‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫قا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫موا ال ّ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫الّز َ‬
‫ن‬
‫وا َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫كاةَ َ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ر﴾)‪.(1‬‬
‫ه َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ة اْل ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫مو ِ‬
‫منك َ ِ‬
‫فوصيتي للجميع‪ :‬التوبة إلى الله‪ ،‬والضراعة‬
‫إليه‪ ،‬وطلب النصر والتأييد على أعداء الله‪،‬‬
‫والمبادرة بكل ما يرضي الله ويقرب إليه ظاهرا ً‬
‫وباطنًا‪ ،‬واليمان بأنه سبحانه هو الذي بيده‬
‫ن‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫النصر كما قال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ه﴾)‪ ،(2‬ليس النصر بالسباب‪ ،‬وإنما هي‬
‫ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫أسباب‪ ،‬وليس النصر بالجيوش‪ ،‬وإنما هي‬
‫أسباب‪ ،‬قال جل وعل في كتابه العظيم‪﴿ :‬إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫م َ‬
‫م أ َّني‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫مدّ ُ‬
‫ما‬
‫مْرِد ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫كم ب ِأل ْ ٍ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫ُ‬
‫ن* َ‬
‫ه ُ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫م‬
‫ن بِ ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫شَرى َ‬
‫زيٌز‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫فالنصر من عنده عز وجل ولكنه سبحانه أمر‬
‫بالسباب‪ ،‬وأمر بالعداد للعدو وأخذ الحذر‪،‬‬
‫وأمر بإعداد الجيوش والسلح المناسب‪ ،‬كما‬
‫‪ ()1‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.41 ،40‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.126‬‬
‫‪ ()3‬سورة النفال‪ ،‬اليتان ‪.10 ،9‬‬
‫‪279‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ما‬
‫وأ َ ِ‬
‫ع ّ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫قال سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫من ُ‬
‫ة﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ا ْ‬
‫عُتم ّ‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾)‪.(2‬‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫هكذا يجب على المسلمين أن يعدوا العدة‪،‬‬
‫وأن يجاهدوا عدوهم بكل ما يستطيعون من‬
‫أنواع السلح والمصابرة‪.‬وأبشر‬

‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪280‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إخواني جميعا ً أن الله سينصر دينه‪ ،‬وسينصر‬
‫حزبه‪ ،‬وسيهزم عدوه‪.‬‬
‫ول شك‪ ،‬أن حاكم العراق تعدى وظلم وبغى‬
‫على جيرانه‪ ،‬وأحدث فتنة عظيمة وسوف يجد‬
‫عقابها وجزاءها‪ ،‬إل أن يتوب إلى الله توبة‬
‫صادقة‪ ،‬ويؤدي الحق لهله‪ .‬والواجب جهاده‬
‫حتى يخرج من الكويت‪ ،‬ويرجع إلى الحق‬
‫والصواب‪،‬والمجاهدون لهذا الطاغية على خير‬
‫عظيم‪ ،‬فمن أخلص لله في جهاده‪ ،‬فهو إن‬
‫عاش‪ ،‬عاش حميدا ً مأجورا ً عظيم الجر‪ ،‬وإن‬
‫قتل‪ُ ،‬قتل شهيدًا؛ لكونه جاهد في سبيل الله؛‬
‫لنقاذ وطن مسلم‪ ،‬ولنصر مظلومين‪ ،‬ولردع‬
‫ظالم تعدى وبغى وظلم‪ ،‬مع كفره وخبث‬
‫عقيدته اللحادية‪.‬‬
‫ووصيتي للمسلمين جميعًا‪ :‬أن يحسنوا ظنهم‬
‫بالله‪ ،‬وأن يطمئنوا لنصره عز وجل فهو سبحانه‬
‫الناصر لوليائه وأهل طاعته‪ ،‬وهو الذي يقول‬
‫جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪،(1‬‬
‫قب َ َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫عا ِ‬
‫صب ِْر إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫فا ْ‬
‫فالعاقبة لهل اليمان المتقين لله‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬‬
‫ه َل‬
‫ع‬
‫ع َ‬
‫دا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مُنوا إ ِ ّ‬
‫إِ ّ‬
‫ف ُ‬
‫ه يُ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ِ‬
‫ن كَ ُ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ر﴾)‪.(2‬‬
‫ل َ‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫وا ٍ‬
‫خ ّ‬
‫فو ٍ‬
‫‪ ()1‬سورة هود‪ ،‬الية ‪.49‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحج‪ ،‬الية ‪.38‬‬
‫‪281‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقد خان المانة هذا الطاغية طاغية العراق‬
‫وكفر النعمة وأساء إلى جيرانه بعد ما أحسنوا‬
‫إليه وساعدوه في أوقاته الحرجة‪ ،‬ولكنه كفر‬
‫النعمة‪ ،‬وأساء الجوار‪ ،‬وظلم وتعدى‪ ،‬وسوف‬
‫يجد العاقبة الوخيمة‪.‬‬

‫‪282‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يقول النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬من‬
‫ذنب أجدر من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة‬
‫في الدنيا‪ ،‬مع ما يدخر له في الخرة‪ ،‬من‬
‫البغي‪ ،‬وقطيعة الرحم(()‪ ،(1‬وهذا قد بغى وظلم‪،‬‬
‫م‬
‫منك ُ ْ‬
‫من ي َظِْلم ّ‬
‫و َ‬
‫والله جل وعل يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫ذ ْ‬
‫ع َ‬
‫ذاًبا ك َِبيًرا﴾)‪ ،(2‬ويقول سبحانه‪﴿ :‬‬
‫ه َ‬
‫نُ ِ‬
‫ق ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫وال ّ‬
‫ر﴾ ‪،‬‬
‫وَل ن َ ِ‬
‫مو َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ن َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ي َ‬
‫من َ‬
‫َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫صي ٍ‬
‫ول مانع من أخذ السباب وقت الحرب‪ ،‬ول مانع‬
‫من كون المسلمين يتخذوا السباب التي‬
‫تنفعهم في وقت الحرب‪ ،‬فهم مأمورون بأخذ‬
‫السباب في جميع المور‪ ،‬كما أنهم مأمورون‬
‫بأخذ السلح والعداد للعدو‪ ،‬فهم مأمورون أيضا ً‬
‫بالسباب الخرى؛ كحاجاتهم وحاجات بيوتهم‬
‫من الطعام والزاد وغير ذلك‪ ،‬كل ذلك مأمورون‬
‫به ول حرج فيه‪ ،‬لكن مع حسن ظنهم بالله‪،‬‬
‫ومع الستقامة على دينه‪ ،‬ومع التوبة إليه‬
‫سبحانه من جميع الذنوب‪.‬هذا هو الواجب على‬
‫الجميع‪ ،‬والسباب هم مأمورون بها‪ ،‬وهي حق‪،‬‬
‫ولكنها مع التوكل‪ ،‬والتوكل على الله واجب في‬
‫جميع المور‪ ،‬وهو يشمل أمرين‪:‬‬
‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )صفة القيامة والرقائق والورع(‪ ،‬باب منه‪،‬‬
‫برقم ‪ ،2511‬وابن ماجة في )الزهد(‪ ،‬باب )البغي(‪ ،‬برقم ‪.4211‬‬
‫‪ ()2‬سورة الفرقان‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫‪ ()3‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪283‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أحدهما‪ :‬الثقة بالله والعتماد عليه‪،‬‬
‫واليمان بأنه الناصر‪،‬‬

‫‪284‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأنه مصرف المور‪ ،‬وأن بيده كل شيء سبحانه‬
‫وتعالى ‪.‬‬
‫والمر الثاني‪ :‬الخذ بالسباب من جميع‬
‫الوجوه؛ لن الله أمر بها‪ ،‬قال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫من ُ‬
‫ة﴾)‪،(1‬‬
‫وأ َ ِ‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم ّ‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫ذوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫في‬
‫ت‬
‫كن‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫و‬
‫﴿‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫م﴾‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫طآئ ِ َ‬
‫فل ْت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫هم‬
‫ف ٌ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ة ّ‬
‫ق ْ‬
‫ه ُ‬
‫ق ْ‬
‫م ال ّ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾ )‪ (3‬الية‪ ،‬وقد لبس‬
‫ول ْي َأ ْ ُ‬
‫سل ِ َ‬
‫م َ‬
‫حت َ ُ‬
‫ذوا ْ أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫ك َ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين‪،‬‬
‫وأخذ بالسباب يوم الخندق‪ ،‬وهكذا يوم الفتح‪،‬‬
‫كل هذا من باب السباب‪ ،‬فالعداد للعدو‪،‬‬
‫وهكذا بقية السباب؛ من توقي شر الحروب‪،‬‬
‫وإعداد ما يحتاجه العوائل والبيوت‪ ،‬كل ذلك أمر‬
‫مطلوب وليس فيه مخالفة لمر الله‪ ،‬وليس‬
‫فيه أيضا ً إخلل بالتوكل‪ ،‬بل التوكل يشمل‬
‫المرين‪ :‬الثقة بالله والعتماد عليه‪ ،‬واليمان‬
‫بأنه الناصر جل وعل مع الخذ بالسباب‪ ،‬هذا ما‬
‫يجب على المسلمين‪ .‬ونسأل الله أن ينصر‬
‫دينه‪ ،‬ويعلي كلمته‪ ،‬وأن يهزم حاكم العراق‪،‬‬
‫ويشتت شمله‪ ،‬وأن يدير عليه دائرة السوء‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.102‬‬
‫‪285‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وينصر المسلمين عليه‪ ،‬ويعينهم على كل خير‪،‬‬
‫وأن ينصر المظلومين‪ ،‬ويعيد إليهم بلدهم‪ ،‬وأن‬
‫يهديهم وجميع المسلمين سواء السبيل‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يجعل العاقبة حميدة للجميع‪،‬‬
‫وأن يجعل هذه الحوادث عظة للمؤمنين‪ ،‬وسببا ً‬
‫لستقامتهم على دينهم‪ ،‬وسببا ً لتوبة الجميع من‬
‫كل ذنب إنه جل وعل جواد كريم‪ ،‬وصلى الله‬
‫على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫‪286‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -46‬محاضرة مهمة بسبب‬
‫اجتياح حاكم العراق للكويت‬
‫الحمد لله‪ ،‬وصلى الله وسلم على رسول‬
‫الله‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‪ ،‬ومن اهتدى بهداه‪ ،‬أما‬
‫)‪(1‬‬
‫بعد‪:‬‬
‫فإن الله جل وعل وله الحكمة البالغة‪،‬‬
‫والحجة الدامغة يبتلي عباده بالسراء والضراء‪،‬‬
‫والشدة والرخاء‪ ،‬حتى يميز الخبيث من الطيب‪،‬‬
‫وحتى يتضح أهل اليمان والتقوى من أهل‬
‫النفاق والزيغ والكفر والضلل‪ ،‬وحتى يتبين‬
‫الصابرون المجاهدون من غيرهم‪ ،‬وحتى يظهر‬
‫للناس من يريد الحق‪ ،‬ويطلب إقامته‪ ،‬ممن‬
‫يريد خلف ذلك‪ .‬قال الله جل وعل في كتابه‬
‫ون َب ُْلو ُ‬
‫كم ِبال ّ‬
‫وإ ِل َي َْنا‬
‫وال ْ َ‬
‫فت ْن َ ً‬
‫ر ِ‬
‫ة َ‬
‫شّر َ‬
‫العظيم ﴿ َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬ومعنى الفتنة هنا‪ :‬الختبار‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫ت ُْر َ‬
‫والمتحان؛ ليتبين بعد المتحان الصادقون من‬
‫الكاذبين‪ ،‬والبرار من الفجار‪ ،‬والخيار من‬
‫الشرار‪ ،‬وطالب الحق من طالب غيره‪ ،‬ويرجع‬
‫من أراد الله له‬
‫‪ ()1‬محاضرة ألقيت في جامع )الملك خالد( بأم الحمام بالرياض‪ ،‬في‬
‫‪ 16‬رجب عام ‪1411‬هـ الموافق ‪ ،31/1/1991‬ونشرت في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.92‬‬
‫‪ ()2‬سورة النبياء‪ ،‬الية ‪.35‬‬
‫‪287‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫السعادة إلى ما عرفه من الحق‪ ،‬ويستمر من‬
‫سبقت له الشقاوة في باطله وضلله‪ .‬وقال‬
‫ت‬
‫وَنا ُ‬
‫سي َّئا ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫وال ّ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫وب َل َ ْ‬
‫جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬ومعنى بلوناهم‪:‬‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫اختبرناهم‪ ،‬بالحسنات‪ :‬بالنعم؛ من العز والظهور‬
‫في الرض والمال والثروة‪ ،‬وغير هذا مما يعتبر‬
‫من النعم‪.‬‬
‫والسيئات‪ :‬يعني المصائب التي تصيب الناس‬
‫من فقر‪ ،‬وحاجة‪ ،‬وخوف‪ ،‬وحروب‪ ،‬وغير ذلك‪﴿ .‬‬
‫ن﴾ المعنى ليرجعوا إلى الحق‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫والصواب‪ ،‬ويستقيموا على الهدى‪ ،‬وقال جل‬
‫موا ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫فت ْن َ ً‬
‫قوا ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ل ّ تُ ِ‬
‫ذي َ‬
‫صيب َ ّ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫م َ‬
‫وا ْ‬
‫ص ً‬
‫ش ِ‬
‫ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫خآ ّ‬
‫ة َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ع َ‬
‫ب﴾ ‪ ،‬يعني اتقوها بالعمل الصالح‪،‬‬
‫ال ْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫والستقامة على طاعة الله‪ ،‬والجهاد في سبيله‪،‬‬
‫ولزوم الحق‪.‬‬
‫والفتنة يدخل فيها الحروب‪ ،‬ويدخل فيها‬
‫الشبهات التي يزيغ بها كثير عن الحق‪ ،‬ويدخل‬
‫فيها الشهوات المحرمة‪ ،‬إلى أنواع أخرى من‬
‫الفتن‪.‬‬
‫فأهل اليمان يتقونها بطاعة الله ورسوله‪،‬‬
‫والفقه في الدين‪ ،‬والعداد لها قبل وقوعها‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة العراف‪ ،‬الية ‪.168‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.25‬‬
‫‪288‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حتى إذا وقعت فإذا هم على بينة وبصيرة وعلى‬
‫َ‬
‫ه‬
‫وا ْ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عدة‪ ،‬ويقول جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ب﴾)‪ ،(1‬المعنى‪ :‬أنه شديد العقاب‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫قا ِ‬
‫لمن خالف أمره وارتكب نهيه‪ ،‬ولم ينقد لشرعه‬
‫َ‬
‫م‬
‫وال ُك ُ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫سبحانه ‪ .‬وقال سبحانه وتعالى‪﴿ :‬إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م﴾)‪،(2‬‬
‫جٌر َ‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫عندَهُ أ ْ‬
‫ظي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫وَلدُك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫فالنسان يفتن بالمال والولد‪ ،‬ويمتحن‪ ،‬فإن‬
‫اتقى الله في المال والولد فله السعادة‪ ،‬وإن‬
‫مال مع المال إلى الشهوات المحرمة وإيثار‬
‫العاجلة هلك‪ ،‬وهكذا إن مال مع الولد إلى ما‬
‫حرم الله‪ ،‬وإلى متابعة الهوى هلك مع من هلك‪.‬‬
‫حّتى‬
‫م َ‬
‫ون ّك ُ ْ‬
‫ول َن َب ْل ُ َ‬
‫وقال سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫و‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫م َ‬
‫نَ ْ‬
‫ري َ‬
‫دي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬
‫وال ّ‬
‫ون َب ْل ُ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫م﴾‪ :‬لنختبرنكم؛‬
‫أَ ْ‬
‫ون ّك ُ ْ‬
‫خَباَرك ُ ْ‬
‫ول َن َب ْل ُ َ‬
‫م﴾ ‪ .‬ومعنى ﴿ َ‬
‫و‬
‫ون َب ْل ُ َ‬
‫حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين‪َ ﴿،‬‬
‫م﴾ حتى نعلم علما ً ظاهرًا‪ ،‬والله سبحانه‬
‫أَ ْ‬
‫خَباَرك ُ ْ‬
‫يعلم كل شيء‪ ،‬ول يخفى عليه شيء‪ ،‬وقد‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سبق علمه بكل شيء‪ ،‬كما قال تعالى‪﴿ :‬أ ّ‬
‫قدير َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫د‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫وأ ّ‬
‫ق ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫ء َ ِ ٌ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫حا َ‬
‫ل َ‬
‫ط ب ِك ُ ّ‬
‫ما﴾)‪.(4‬‬
‫ي ٍ‬
‫ء ِ‬
‫أ َ‬
‫عل ْ ً‬
‫ش ْ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النفال‪ ،‬الية ‪.25‬‬
‫التغابن‪ ،‬الية ‪.15‬‬
‫محمد‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫الطلق‪ ،‬الية ‪.12‬‬
‫‪289‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ل َ‬
‫ه ب ِك ُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫وقال سبحانه‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ش ْ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬فهو‬
‫َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫سبحانه وتعالى عليم بكل شيء‪ ،‬ولكن يبلوهم‬
‫حتى يعلم المجاهدين منهم والصابرين علما ً‬
‫ظاهرا ً يشاهده الناس‪ ،‬ويعلمه هو سبحانه علما ً‬
‫ظاهرا ً موجودا ً بعدما كان في الغيب‪ ،‬يعلمه‬
‫ظاهرا ً موجودا ً في الوجود‪ ،‬وهذا معنى قوله‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫جا ِ‬
‫م َ‬
‫حّتى ن َ ْ‬
‫م َ‬
‫دي َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬
‫ون ّك ُ ْ‬
‫ول َن َب ْل ُ َ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾‪ ،‬حتى نعلمه علما ً ظاهرا ً‬
‫ِ‬
‫ري َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫وال ّ‬
‫م َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫موجودا ً في العالم‪.‬‬
‫وفي هذه اليام‪ ،‬جرى ما جرى من الفتنة‬
‫في الحادي عشر من المحرم من السنة‬
‫الهجرية ‪1411‬هـ‪ ،‬الثاني من أغسطس من‬
‫الشهور الميلدية ‪ ،1990‬جرى ما جرى من‬
‫عدوان حاكم العراق على دولة الكويت‬
‫المجاورة له‪ ،‬واجتاحها بجيوشه المدمرة‬
‫الظالمة‪ ،‬واستحل الدماء والموال وانتهك‬
‫العراض‪ ،‬وشرد أهل البلد‪ ،‬وجرت فتنة عظيمة‬
‫بسبب هذا الظلم والعدوان‪ ،‬واستنكر العالم هذا‬
‫البلء‪ ،‬وهذا الحدث الظالم‪ ،‬وحشد الجيوش‬
‫على الحدود السعودية‪ ،‬وبذل الناس الجهود‬
‫الكبيرة‪ :‬من رؤساء الدول‪ ،‬ومن مجلس المن‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة العنكبوت‪ ،‬الية ‪.62‬‬
‫‪290‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ومن غيرهم لحاكم العراق؛ ليخرج من هذا‬
‫الظلم‪ ،‬ويسحب جيشه من هذه البلد التي‬
‫احتلها ظلمًا‪ ،‬فلم يستجب‪ ،‬وأصر على ظلمه‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫م‬
‫ح ِ‬
‫وعدوانه؛ لحكمة بالغة‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ك َ‬
‫كي ٌ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬له سبحانه‬
‫َ‬
‫علي ٌ‬
‫الحكمة البالغة في كل شيء‪ ،‬قد سبق في‬
‫علمه جل وعل أنه ل بد من حرب‪ ،‬وأن هذا‬
‫البلء الذي وقع ل يتخلص منه بمجرد الحلول‬
‫السلمية‪ ،‬وهو القائل سبحانه في كتابه العظيم‪:‬‬
‫﴿ َ‬
‫ع َ‬
‫هوا ْ َ‬
‫ه‬
‫ه ِ‬
‫سى َأن ت َك َْر ُ‬
‫في ِ‬
‫ج َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ع َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫خي ًْرا ك َِثيًرا﴾)‪ ،(2‬ويقول سبحانه‪﴿ :‬ك ُت ِ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫هوا ْ‬
‫قَتا ُ‬
‫و َ‬
‫سى َأن ت َك َْر ُ‬
‫و ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ع َ‬
‫و ك ُْرهٌ ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫حّبوا ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫سى َأن ت ُ ِ‬
‫و ُ‬
‫ع َ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫شر ل ّك ُم والل ّه يعل َم َ‬
‫م لَ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫ُ َ ْ ُ َ‬
‫ْ َ‬
‫و َ ّ‬
‫ه َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ن﴾)‪ .(3‬ونرجو أن يكون فيما وقع الخير‪،‬‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫وأن يكون في ذلك الخير لنا وللمسلمين جميعًا‪،‬‬
‫والشر على أعداء السلم؛ لنه سبحانه أعلم‬
‫وأحكم‪ ،‬ونرجو أن يكون فيما حدث عظة لنا‬
‫ولغيرنا في الرجوع إلى الله‪ ،‬والستقامة على‬
‫دينه‪ ،‬وحساب النفوس وجهادها لله‪ ،‬والعداد‬
‫الكامل لعدائنا أعداء السلم‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.128‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫‪ ()3‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.216‬‬
‫‪291‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فالمتحان يفيد المؤمنين والعقلء‪ ،‬ويوجب‬
‫حساب النفس وجهادها‪ ،‬ويوجب على كل‬
‫مسلم أن يحاسب نفسه‪ ،‬ويجاهدها لله‪ ،‬وأن‬
‫يستقيم على أمره‪ ،‬وأن يتباعد عن نهيه‪ ،‬ويجب‬
‫على الدول السلمية أن تحاسب نفسها أيضًا‪،‬‬
‫وأن تستقيم على دين الله‪ ،‬ومتى استقام العباد‬
‫على الحق‪ ،‬وأصلحوا أنفسهم وجاهدوها لله‪،‬‬
‫وبذلوا المستطاع في نصر الحق‪ ،‬يسر‬

‫‪292‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله أمورهم‪ ،‬ونصرهم على عدوهم‪ ،‬كما قال‬
‫َ‬
‫صُروا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫جل وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬ويقول‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫صُر‬
‫قا َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫عل َي َْنا ن َ ْ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬ويقول سبحانه وبحمده‪﴿ :‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫ي‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز*ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫ع ِ‬
‫في ا َلْر ِ‬
‫وا الّز َ‬
‫أَ َ‬
‫مُروا‬
‫وأ َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫كاةَ َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ة‬
‫ه َ‬
‫وا َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫منك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫ه‬
‫و َ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫اْل ُ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬ويقول سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫مو ِ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫ْ َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ف‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫هم ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫في الْر ِ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫د‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫ع ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ول َي ُب َدّل َن ّ ُ‬
‫ضى ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫دون َِني َل ي ُ ْ‬
‫ن ِبي‬
‫ف‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫كو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫مًنا ي َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫خ ْ‬
‫ش ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫شي ًْئا﴾)‪ ،(4‬يعني بسبب إيمانهم الصادق‪ ،‬وعملهم‬
‫الصالح يستخلفون في الرض‪ ،‬ويمكن الله لهم‬
‫دينهم‪ ،‬ويبدلهم بعد خوفهم أمنا‪.‬‬
‫فالواجب هو الستقامة على أمر الله‪ ،‬وعلج‬
‫الفتن بما أمر الله به من التقوى والستقامة‪،‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫الحج‪ ،‬اليتان ‪.41 ،40‬‬
‫النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫‪293‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والجهاد الصادق‪ ،‬والخلص لله‪ ،‬والصبر‬
‫والمصابرة‪ ،‬هكذا يجب‪.‬‬
‫وقد بين الله لعباده أسباب النجاة‪ ،‬ووسائل‬
‫النصر فقال‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫م‬
‫ذا ل َ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫جل وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قيت ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ة َ‬
‫م‬
‫فئ َ ً‬
‫ِ‬
‫ه ك َِثيًرا ل ّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫واذْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫فاث ْب ُُتوا ْ َ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫تُ ْ‬
‫وأ ِ‬
‫حو َ‬
‫طي ُ‬
‫فل َ ُ‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن* َ‬
‫فت َ ْ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫ت ََناَز ُ‬
‫وت َذْ َ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫ب ِ‬
‫ول َ‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫ن* َ‬
‫َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫كوُنوا ْ َ‬
‫تَ ُ‬
‫هم ب َطًَرا‬
‫ن َ‬
‫ر ِ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫من ِدَيا ِ‬
‫ه‬
‫رَئاء الّنا‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫عن َ‬
‫وي َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ )‪(1‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حيط﴾ ‪.‬‬
‫م ِ‬
‫ملو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ُ‬
‫َ‬
‫فأمرهم سبحانه عند لقاء العداء‪ ،‬وعند وجود‬
‫العدوان‪ ،‬وعند مباشرة الجهاد بصفات عظيمة‪:‬‬
‫أولها‪ :‬الثبات على الحق والستقامة عليه‪،‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫فقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ة َ‬
‫فاث ْب ُُتوا ْ ﴾‪ ،‬فالثبات على الحق لبد‬
‫فئ َ ً‬
‫م ِ‬
‫لَ ِ‬
‫قيت ُ ْ‬
‫منه‪ ،‬والصبر عليه كما في الية الخرى‪َ﴿ :‬يا‬
‫َ‬
‫صاب ُِروا ْ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و َ‬
‫مُنوا ْ ا ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫وَراب ِ ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ن﴾)‪.(2‬‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫طوا ْ َ‬
‫َ‬
‫وأهل اليمان ل تشغلهم الشدائد عن الحق‪ ،‬بل‬
‫يلزمون الحق في الشدة والرخاء‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬اليات ‪.47 45‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.200‬‬
‫‪294‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والثاني‪ :‬ذكر الله جل وعل‪ :‬ذكر الله بالقلب‬
‫واللسان‪ ،‬والعمل بالقلب‪ ،‬تعظيما ً له سبحانه ‪،‬‬
‫ومحبة له‪ ،‬وخوفا ً منه‪ ،‬وثقة به‪ ،‬وإخلصا ً له‪،‬‬
‫واعتمادا ً عليه سبحانه وتعالى وإيمانا ً بأنه‬
‫الناصر والنصر من عنده‪ ،‬كما قال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫صُر‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫ه﴾‪ ،‬وإنما السباب تعين على‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذلك‪ ،‬فما شرع الله من إعداد وسلح وغير ذلك‬
‫من السباب كلها تعين على ذلك‪ ،‬وهي بشرى‬
‫من عند الله‪ ،‬كما قال الله عندما أمد رسوله‬
‫ه‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫صلى الله عليه وسلم بالملئكة‪َ ﴿ :‬‬
‫ه ُ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫ما‬
‫ن بِ ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شَرى َ‬
‫زيٌز‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫الن ّ ْ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ه‬
‫ح ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫كي ٌ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وفي آية آل عمران‪َ ﴿ :‬‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫ه‬
‫كم ب ِ ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫شَرى ل َك ُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ز‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫كيم ِ﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫فالمؤمن عند الشدائد يذكر الله ويعظمه‪،‬‬
‫ويعلم أنه الناصر‪ ،‬وأنه الضار النافع‪ ،‬وأن بيده‬
‫كل شيء‪ ،‬فبيده سبحانه الضر والنفع‪ ،‬وبيده‬
‫سبحانه العز والنصر‪ ،‬وبيده جل وعل تصريف‬
‫المور‪ ،‬ول يغيب عن علمه شيء‪ ،‬ول يعجزه‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.126‬‬
‫‪295‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫شيء سبحانه وتعالى ‪ .‬وعلق على ذلك الفلح‪،‬‬
‫ه ك َِثيًرا‬
‫واذْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫فقال عز من قائل‪َ ﴿ :‬‬
‫م تُ ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬فبذكر الله بالقلب‬
‫حو َ‬
‫فل َ ُ‬
‫لّ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫واللسان والعمل؛ الفلح والظفر والخير كله‪.‬‬
‫فالمؤمنون في الشدة والرخاء يلزمون ذكر‬
‫الله وتعظيمه‪ ،‬والخلص له‪ ،‬وإقامة حقه‪ ،‬وترك‬
‫معصيته‪ ،‬فيذكرون الله بإقامة الصلوات‪،‬‬
‫والمحافظة عليها‪ ،‬وحفظ الجوارح عما حرم‬
‫الله‪،‬‬
‫وحفظ اللسان عما حرم الله‪ ،‬وذلك بأداء الحقوق‬
‫والكف عما حرم الله‪ ،‬إلى غير ذلك مما يرضيه‬
‫سبحانه ويباعد عن غضبه‪.‬‬
‫وذكر الله سبحانه يكون بالقلب واللسان‬
‫والعمل‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬وفي ذلك الفلح والفوز‬
‫والسعادة والظفر‪ .‬ثم قال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫عوا ْ‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫َ‬
‫ه﴾)‪ ،(2‬هذه هي الصفة الثالثة‪ ،‬وطاعة‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫الله ورسوله هي من ذكر الله جل وعل ‪ ،‬ولكن‬
‫نص عليها لعظمها‪ ،‬وذلك بفعل الوامر وترك‬
‫النواهي‪ ،‬في الجهاد وغيره‪.‬‬
‫ثم ذكر جل وعل الصفة الرابعة‪ :‬وهي اللتفاف‬
‫والجتماع والتعاون‪ ،‬وعدم الفشل‪ ،‬فقال سبحانه‪:‬‬
‫فت َ ْ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫ول َ ت ََناَز ُ‬
‫وت َذْ َ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫﴿ َ‬
‫ب ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.45‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪296‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ن﴾)‪ ،(1‬فالواجب‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫على المسلمين التعاون والتفاق‪ ،‬والصدق في‬
‫جهاد العداء‪ ،‬وإخراج الظلمة مما وقعوا فيه‪ ،‬لبد‬
‫من التفاق والصبر‪ ،‬وذكر الله والتعاون ضد العدو‪.‬‬
‫والعدو قد يكون مسلمًا‪ ،‬وقد يكون كافرًا‪ ،‬وقد‬
‫يكون باغيًا‪ ،‬وقد أمر الله بقتال الباغي حتى يفيء‬
‫وِإن َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ن‬
‫فَتا ِ‬
‫إلى أمر الله‪ ،‬كما قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫قت َت َُلوا َ َ‬
‫ما َ‬
‫نا ْ‬
‫م ْ‬
‫فِإن‬
‫ؤ ِ‬
‫ِ‬
‫صل ِ ُ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فأ ْ‬
‫ف َ‬
‫خَرى َ‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي‬
‫عَلى اْل ُ ْ‬
‫بَ َ‬
‫ما َ‬
‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫ت إِ ْ‬
‫غ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫فِإن َ‬
‫ه َ‬
‫ت‬
‫حّتى ت َ ِ‬
‫ت َب ْ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫غي َ‬
‫فاء ْ‬
‫فيءَ إ َِلى أ ْ‬
‫م َِ‬
‫فأ َ‬
‫س ُ‬
‫ْ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ل‬
‫با‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫حوا‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫طوا إ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ﴾)‪ ،(2‬هذا إن كان مؤمنًا‪،‬‬
‫يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫فكيف إذا كان كافرا ً بعثيا ً ظالمًا؟ !‬

‫فيءَ إَلى أ َ‬
‫ه﴾‪ :‬حتى‬
‫م‬
‫حّتى ت َ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫ومعنى ﴿ َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ترجع إلى الحق‪ ،‬وترد ما ظلمت‪ ،‬وتستقيم مع‬
‫العدالة‪.‬‬
‫ع‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫وا ْ‬
‫ثم قال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬وهذه صفة خامسة‪ ،‬فلبد من‬
‫ري َ‬
‫ال ّ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫الصبر في جهاد العداء وقتالهم‪ ،‬وبذل‬
‫المستطاع في ذلك‪ ،‬وقال سبحانه في آية‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫ري َ‬
‫وال ّ‬
‫البقرة‪ ،‬في صفة المؤمنين‪َ ﴿ :‬‬
‫صاب ِ ِ‬

‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫‪ ()3‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪297‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حين ال ْبأ ْ‬
‫ال ْبأ ْ‬
‫س﴾)‪ ،(1‬يعني‪:‬‬
‫و‬
‫راء‬
‫ض‬
‫وال‬
‫ساء‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ ِ‬
‫حين القتال‪ ،‬ثم قال سبحانه‪﴿ :‬أول َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫وُأول َئ ِ َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫صد َ ُ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬وقال‬
‫ك ُ‬
‫قو َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫قوا َ‬
‫صب ِْر‬
‫وا ْ‬
‫سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم‪َ ﴿ :‬‬
‫صب ُْر َ‬
‫ه﴾)‪.(3‬‬
‫ك إ ِل ّ ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫والصبر أنواع ثلثة‪:‬‬
‫صبر على طاعة الله بالجهاد وأداء الحقوق‪.‬‬
‫وصبر عن معاصي الله‪ ،‬بالكف عما حرم‬
‫الله قول ً وعمل ً ‪.‬‬
‫ونوع ثالث‪ :‬هو الصبر على قضاء الله‬
‫وقدره‪ ،‬مما يصيب الناس من جراح أو قتل أو‬
‫مرض أو غير ذلك‪ .‬لبد من الصبر‪ ،‬وتعاطي‬
‫أسباب النصر‪ ،‬وأسباب العافية‪.‬‬
‫ثم ذكر سبحانه صفة سادسة وسابعة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كوُنوا ْ َ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫هم‬
‫ن َ‬
‫ر ِ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫﴿ َ‬
‫من ِدَيا ِ‬
‫س﴾)‪ ،(4‬أي‪ :‬ل تكونوا في‬
‫ب َطًَرا َ‬
‫و ِ‬
‫رَئاء الّنا ِ‬
‫جهادكم متكبرين ول مرائين‪ ،‬بل يجب على‬
‫المؤمنين في جهادهم لعدوهم الخلص لله‪،‬‬
‫والصدق والتواضع لله‪ ،‬وسؤاله النصر جل وعل‪.‬‬

‫وقد ذكر الله أمرا ً ثامنًا‪ ،‬وحذر منه‪ ،‬وهو‪ :‬الصد‬
‫عن سبيل الله‪ ،‬وهو من صفة أعداء الله‪ ،‬فهم‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫البقرة‪ ،‬الية ‪.177‬‬
‫البقرة‪ ،‬الية ‪.177‬‬
‫النحل‪ ،‬الية ‪.127‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪298‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا‪ ،‬أما‬
‫المؤمنون فيجاهدون في تواضع لله‪ ،‬مخلصين له‬
‫سبحانه ل متكبرين ول مرائين‪ ،‬يدعون إلى سبيل‬
‫الله من صد عنه‪ ،‬يدعون الناس إلى الحق‬
‫والهدى‪ ،‬وإلى طاعة الله ورسوله‪ .‬هكذا المؤمنون‬
‫الصادقون أينما كانوا‪.‬‬
‫وهذه الفتنة أعني عدوان حاكم العراق على‬
‫الكويت قد اشتبه فيها المر على بعض الناس‪ ،‬إذ‬
‫ظن بعض الناس‪ ،‬أن الولى فيها العتزال وعدم‬
‫القتال مع هؤلء أو هؤلء‪ ،‬وهذا قد جرى في أول‬
‫فتنة وقعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وهي الفتنة التي وقعت بين أهل الشام وأهل‬
‫العراق‪ ،‬بسبب مقتل عثمان رضي الله عنه الذي‬
‫قتل ظلما ً من فئة بغت عليه وتعدت‪ ،‬والتبست‬
‫عليها المور‪ ،‬ودخل فيها من هو حاقد على‬

‫السلم‪ ،‬والتبست المور على بعض الناس حتى‬
‫اشتبهت المور‪ ،‬وبقتل عثمان رضي الله عنه‬
‫ظلما ً وعدوانًا‪ ،‬حصل بسبب ذلك فتنة عظيمة‪،‬‬
‫فبايع الناس عليا ً رضي الله عنه بالخلفة‪ ،‬وقام‬
‫معاوية رضي الله عنه وجماعة يطالبون بدم‬
‫عثمان‪ ،‬وبايعه كثير من الناس على ذلك‪،‬‬
‫وعظمت الفتنة واشتدت البلية‪ ،‬وانقسم‬
‫المسلمون قسمين بسبب هذه الفتنة‪:‬‬
‫‪299‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫طائفة انحازوا إلى معاوية رضي الله عنه‬
‫وأهل الشام‪ ،‬يطالبون عليا ً رضي الله عنه‬
‫بتسليم القتلة‪.‬‬
‫وطائفة أخرى‪ ،‬هم‪ :‬علي رضي الله عنه‬
‫وأصحابه‪ ،‬طلبوا من معاوية وأصحابه الهدوء‬
‫والصبر‪ ،‬وبعد تمام المر واستقرار الخلفة‬
‫ينظر في أمر القتلة‪.‬‬
‫واشتد المر وجرى ما جرى من حرب الجمل‬
‫وصفين‪ ،‬وظن بعض الناس في ذلك الوقت‪ ،‬أن‬
‫الولى عدم الدخول في هذه الفتنة‪ ،‬واعتزل‬
‫بعض الصحابة ذلك‪ ،‬فلم يكونوا مع علي ول مع‬
‫معاوية‪.‬‬
‫والفتنة اليوم كذلك‪ ،‬حصل فيها اشتباه؛ لن‬
‫وقوع الفتن يسبب اشتباها ًَ كثيرا ً على الناس‪،‬‬
‫وليس كل إنسان عنده العلم الكافي بما ينبغي‬
‫أن يفعل‪ ،‬قد يقع له شبه تحول بينه وبين فهم‬
‫الصواب‪.‬‬
‫وهذه الفتنة التي وقعت الن ليست مما‬
‫يعتزل فيها؛ لن الحق فيها واضح‪ ،‬والقاعدة‪ :‬أن‬
‫الفتنة التي ينبغي‬
‫عدم الدخول فيها هي )المشتبهة(‪ ،‬التي ل يتضح‬
‫فيها الحق من الباطل‪ ،‬والتي قال فيها رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ستكون فتن‪،‬‬
‫‪300‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫القاعد فيها خير من القائم‪ ،‬والقائم فيها خير‬
‫من الماشي‪ ،‬والماشي فيها خير من الساعي‪،‬‬
‫من تشّرف لها تستشرفه‪ ،‬فمن وجد منها ملجأ‬
‫أو معاذا ً فليعذ به(()‪ .(1‬رواه البخاري ومسلم في‬
‫صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬
‫ويقول صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إن بين يدي‬
‫الساعة فتنا ً كقطع الليل المظلم‪ ،‬يصبح الرجل‬
‫فيها مؤمنا ً ويمسي كافرًا‪ ،‬ويمسي مؤمنا ً ويصبح‬
‫كافرًا‪ ،‬القاعد فيها خير من القائم‪ ،‬والقائم فيها‬
‫خير من الماشي‪ ،‬والماشي فيها خير من‬
‫سروا قسيكم‪ ،‬وقطعوا أوتاركم‪،‬‬
‫الساعي‪ ،‬فك ّ‬
‫واضربوا بسيوفكم الحجارة‪ ،‬فإن ُدخل على‬
‫أحدكم فليكن كخير ابني آدم(()‪ .(2‬رواه ابن‬
‫ماجة وأبو داود‪.‬‬
‫فهذه الفتنة التي تشتبه ول يتضح للمؤمن‬
‫فيها الحق من الباطل‪ ،‬هي التي يشرع البعد‬
‫عنها‪ ،‬وعدم الدخول فيها‪.‬‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الفتن(‪ ،‬باب )تكون فتنة القاعد فيها خير من‬
‫القائم( برقم ‪ ،7081‬ومسلم في )الفتن وأشراط الساعة(‪ ،‬باب‬
‫)نزول الفتن كمواقع القطر( برقم ‪.2886‬‬
‫‪ ()2‬رواه أبو داود في )الفتن والملحم(‪ ،‬باب )في النهي عن السعي‬
‫في الفتنة( برقم ‪ ،4259‬وابن ماجة في )الفتن(‪ ،‬باب )التثبت في‬
‫الفتنة( برقم ‪.3961‬‬
‫‪301‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أما ما ظهر فيه الحق‪ ،‬وعرف فيه المحق من‬
‫المبطل والظالم من المظلوم‪ ،‬فالواجب أن ينصر‬
‫المظلوم ويردع الظالم‪ ،‬ويردع الباغي عن بغيه‬
‫وينصر المبغي عليه‪ ،‬ويجاهد الكافر المعتدي‬
‫وينصر المظلوم المعتدى عليه‪ ،‬وفي هذا المعنى‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫فا‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫يقول الله سبحانه وتعالى‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ُ‬
‫وث ِ َ‬
‫في‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫جا ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫دوا ْ ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قال ً َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫)‪( 1‬‬
‫َ‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ويقول سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫جي ُ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫جاَر ٍ‬
‫عَلى ت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫أدُل ّك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫أ َِليم ٍ﴾)‪ ،(2‬ثم شرحها للناس‪ ،‬فقال سبحانه‪﴿ :‬‬
‫تُ ْ‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫خي ٌْر‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫ن* ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫هاُر‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫وُز‬
‫ت َ‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫ف ْ‬
‫عد ْ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫وأ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ظي ُ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫م* َ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪.(3‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫فهذا وعده سبحانه لمن جاهد في سبيله ونصر‬
‫الحق في هذه اليات الكريمات‪ ,‬وفي قوله‬
‫ه ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()2‬سورة الصف‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()3‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 11‬‬
‫‪302‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جي ُ‬
‫ع َ‬
‫ب أ َِليم ٍ﴾)‪ (1‬وصفها بهذا‬
‫ن َ‬
‫جاَر ٍ‬
‫تِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫الوصف العظيم‪ :‬أنها تجارة‪ ،‬وأنها تنجي من عذاب‬
‫أليم‪ ،‬ثم فسرها بقوله سبحانه‪﴿ :‬ت ُ ْ‬
‫ه‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫وَر ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ُ‬
‫م﴾ ‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ومعلوم أن الجهاد من اليمان‪ ،‬ولكن خصه بالذكر؛‬
‫لعظم شأنه‪ ،‬ومسيس الحاجة إلى بيان فضله‪،‬‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫جا ِ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫في َ‬
‫سِبي ِ‬
‫فقال سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م ِإن‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ن﴾‪ .‬بدأ بالموال لعظم شأنها‪،‬‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫وعموم نفعها في شراء السلح‪ ،‬وتجهيز‬
‫المجاهدين وإطعامهم‪ ،‬ولذلك بدأ بالمال قبل‬
‫النفس في أكثر اليات؛ لن نفعه أوسع‪ ،‬ثم قال‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫سبحانه وبحمده‪﴿ :‬ذَل ِك ُ ْ‬
‫ن﴾‪ ،‬ثم فسر بعد ذلك الخير المذكور بقوله‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ت‬
‫تعالى‪﴿ :‬ي َ ْ‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ري ِ‬
‫من ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫هاُر َ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬كل‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫وُز ل ْ َ‬
‫في َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫ُ‬
‫خَرى‬
‫وأ ْ‬
‫هذا من ثواب الجهاد‪ ،‬ثم قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫وب َ ّ‬
‫ر‬
‫تُ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫(‬
‫‪3‬‬
‫)‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ؤ ِ‬
‫ن﴾ ‪ .‬وقال الله جل وعل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫مِني َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫فسهم َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ا ْ‬
‫هم‬
‫ؤ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫وال َ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫وأ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ن أن ُ َ ُ ْ َ‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()2‬سورة الصف‪ ،‬الية ‪.12‬‬
‫‪ ()3‬سورة الصف‪ ،‬الية ‪.13‬‬
‫‪303‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ة يُ َ‬
‫ه‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫ب ِأ ّ‬
‫م ال َ‬
‫في َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ح ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫في َ ْ‬
‫َ‬
‫في‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫قا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫قت َُلو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ه َ‬
‫ع ً‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫فى‬
‫وَرا ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ل َ‬
‫جي ِ‬
‫ة َ‬
‫الت ّ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ه َ‬
‫ذي‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫بِ َ‬
‫فا ْ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ُ‬
‫)‪( 1‬‬
‫وذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫م﴾ ‪ .‬وقال‬
‫ك ُ‬
‫ع ِ‬
‫عُتم ب ِ ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫َباي َ ْ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وِإن َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فَتا ِ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫قت َت َُلوا َ‬
‫ا ْ‬
‫ما‬
‫فِإن ب َ َ‬
‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫ت إِ ْ‬
‫صل ِ ُ‬
‫غ ْ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫ف َ‬
‫خَرى َ‬
‫حّتى‬
‫عَلى اْل ُ ْ‬
‫َ‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي ت َب ْ ِ‬
‫غي َ‬
‫َ‬
‫ه ﴾)‪،(2‬‬
‫تَ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫فيءَ إ َِلى أ ْ‬
‫م ِ‬

‫فِإن َ‬
‫يعني‪ :‬حتى ترجع للحق‪َ ﴿ :‬‬
‫ت﴾)‪ ،(3‬أي‪:‬‬
‫فاء ْ‬
‫فأ َ‬
‫ْ‬
‫رجعت للحق‪َ ﴿ :‬‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ل‬
‫با‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫حوا‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن﴾)‪.(4‬‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ق ِ‬
‫طوا إ ِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫هذا بالنسبة للمؤمنين‪ ،‬كما جرى يوم الجمل‬
‫وصفين في القتال بين المؤمنين‪ ،‬فقد أمر الله‬
‫المؤمنين أن يقاتلوا الطائفة الباغية حتى ترجع‬
‫إلى الحق‪ ،‬وبعد الرجوع إلى الحق ينظر في‬
‫المسائل المشكلة‪ ،‬وتحل بالصلح والعدل الذي‬
‫فِإن َ‬
‫شرعه الله في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ت‬
‫فاء ْ‬
‫فأ َ‬
‫ْ‬
‫ل﴾)‪ ،(5‬أي‪ :‬بالطرق‬
‫د‬
‫ع‬
‫ل‬
‫با‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫حوا‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫التوبة‪ ،‬الية ‪.111‬‬
‫الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫‪304‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحكيمة الشرعية التي جعلها الله وسيلة لحل‬
‫س ُ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ه‬
‫ق ِ‬
‫طوا﴾ يعني‪ :‬اعدلوا‪﴿ ،‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫النزاع‪َ ﴿ .‬‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ هذا في المؤمنين‪ ،‬تقاتل‬
‫يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫الفئة الباغية‪ ،‬وهي مؤمنة حتى ترجع‪ ،‬فكيف إذا‬
‫كانت الطائفة الباغية ظالمة كافرة‪ ،‬كما هو‬
‫الحال في حاكم العراق؟ ! فهو بعثي ملحد‪،‬‬
‫ليس من المؤمنين‪ ،‬وليس ممن يدعو لليمان‬
‫والحق‪ ،‬بل يدعو إلى مبادئ الكفر والضلل‪،‬‬
‫وبدأ يتمسح بالسلم لما جرى ما جرى‪ ،‬فأراد‬
‫أن يلّبس على الناس‪ ،‬ويدعو إلى الجهاد كذبا ً‬
‫وزورا ً ونفاقًا‪.‬‬
‫ولو كان صادقا ً لترك الظلم‪ ،‬وترك البلد‬
‫لهلها‪ ،‬وأعلن توبته إلى الله من مبادئه‬
‫اللحادية‪ ،‬وطريقته التي يمقتها السلم‪،‬‬
‫ومصدر التشريع فيه كتاب الله وسنة نبيه صلى‬
‫الله عليه وسلم وحينئذ تحل المشكلت بالطرق‬
‫السلمية بعد ذلك‪.‬‬
‫أما أن يدعو إلى الجهاد وهو مقيم على‬
‫الظلم والعدوان والتهديد لجيرانه‪ ،‬فكيف يكون‬
‫هذا الجهاد الظالم‪ ،‬وهذا الجهاد الكاذب‪،‬‬
‫والنفاق الذي يريد به التلبيس؟‬
‫‪305‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫في الحديث الصحيح‪)) :‬انصر أخاك ظالما ً أو‬
‫مظلومًا(( قالوا‪ :‬يا رسول الله‪ :‬نصرته مظلومًا‪،‬‬
‫فكيف انصره ظالمًا؟ قال‪)) :‬أن تحجزه عن‬
‫الظلم‪ ،‬فذلك نصرك إياه(()‪.(1‬‬
‫وذكر البراء رضي الله عنه نصر المظلوم‬
‫في الحديث الصحيح المتفق عليه‪ ،‬وهو قوله‬
‫رضي الله عنه‪ " :‬أمرنا رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بسبع " )‪ ،(2‬وذكر منها‪ " :‬نصر‬
‫المظلوم "‪.‬‬
‫فنصر المظلوم واجب متعين على كل من‬
‫استطاع ذلك‪ ،‬فإذا كان الظلم عظيمًا‪ ،‬كان‬
‫الواجب أشد‪ .‬وإذا كان الظلم لفئات‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الكراه(‪ ،‬باب )يمين الرجل لصاحبه(‪ ،‬برقم‬
‫‪ ،6952‬والترمذي في )الفتن(‪ ،‬باب )ما جاء في النهي عن سب‬
‫الرياح( برقم ‪.2255‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الشربة(‪ ،‬باب )آنية الفضة( برقم ‪،5635‬‬
‫ومسلم في )اللباس والزينة(‪ ،‬باب )تحريم استعمال إناء الذهب‬
‫والفضة على الرجال( برقم ‪.2066‬‬
‫‪306‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كثيرة وأمة عظيمة‪ ،‬ويخشى من ورائه ظلم‬
‫آخر وشر آخر‪ ،‬صار الواجب أشد وأعظم في‬
‫نصر المظلوم وفي جهاد الظالم؛ حتى ل تنتشر‬
‫الفتنة التي قام بها‪ ،‬وحتى ل يعظم الضرر به‬
‫باجتياحه بلد أخرى‪ ،‬ولو فعل ذلك لكان المر‬
‫أشد وأخطر‪ ،‬ولكانت الفتنة به أعظم وأسوأ‬
‫عاقبة‪ ،‬ولربما جرت أمور أخرى ل يعلم خطرها‬
‫إل الله‪.‬‬
‫ولعظم المر وخطورته‪ ،‬اضطرت المملكة‬
‫العربية السعودية إلى الستنصار بالجنسيات‬
‫المتعددة من الدول السلمية وغيرها؛ لعظم‬
‫الخطر‪ ،‬ووجوب الدفاع عن البلد وأهلها‪ ،‬واتقاء‬
‫شر هذا الظالم المجرم الملحد‪ ،‬وقد وفقها الله‬
‫في ذلك والحمد لله على ما حصل‪ .‬ونسأل الله‬
‫أن يجعل العاقبة حميدة‪ ،‬وأن يخذل الظالم‪،‬‬
‫ويسلط عليه من يكف ضرره‪ ،‬وأن يدير عليه‬
‫دائرة السوء‪ ،‬وأن يهزم جمعه ويشتت شمله‪،‬‬
‫ويقينا شره وشر أمثاله‪ ،‬وأن ينفع بهذه الجهود‪،‬‬
‫وأن يدير دائرة السوء على المعاندين‬
‫والظالمين‪ ،‬وأن يكتب النصر لوليائه المؤمنين‪.‬‬
‫وأن يرد هذه الجنود التي تجمعت لردع هذا‬
‫الظالم إلى بلدها ويقينا شرها؛ فهي جاءت لمر‬
‫واحد‪ ،‬وهو الدفاع عن هذه البلد‪ ،‬وإخراج هذا‬
‫‪307‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الجيش الظالم من الكويت‪ ،‬لما في التساهل‬
‫في هذا المر وعدم المبادرة من الخطر‬
‫العظيم؛ لن الظالم لديه جيش كثير مدرب‪،‬‬
‫حارب به ثماني سنين لجارته‬

‫‪308‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إيران‪ ،‬وتجمع لديه جيش كثيف‪ ،‬ولديه نية سيئة‬
‫وخبث عظيم‪ ،‬وقد يسر الله برحمته اجتماع‬
‫جيوش عظيمة‪ ،‬لحربه ورده عن ظلمه‪ ،‬ولتنصر‬
‫المظلوم‪ ،‬وتعيد الحق إلى أصحابه‪ .‬وأسأل الله‬
‫جل وعل أن ينفع بالسباب‪ ،‬ويحسن العاقبة‬
‫للمظلومين‪ ،‬ويجعلها للجميع عظة وذكرى‪.‬‬
‫ل لَ ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫و َ‬
‫ص َ‬
‫ما‬
‫كم ّ‬
‫ف ّ‬
‫والله جل وعل يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫ه﴾)‪،(1‬‬
‫م َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫حّر َ‬
‫رْرت ُ ْ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ضط ُ ِ‬
‫فالحكومة السعودية مضطرة‪ ،‬ودول الخليج‬
‫كذلك إلى الستعانة بالقوات السلمية‬
‫والجنبية؛ لردع الظالم‪ ،‬والقضاء عليه‪ ،‬وإخراجه‬
‫بالقوة من هذه البلد التي احتلها لما أبى وعاند‪،‬‬
‫ولم ينقد لدعاء الحق‪ ،‬وخروجه سلما ً من البلد‬
‫التي احتلها‪ ،‬وانسحابه عن الحدود السعودية‪ ،‬ثم‬
‫تكون المفاوضة بعد ذلك في مطالبه من‬
‫جيرانه‪ ،‬فلما أبى واستكبر وعاند وركب رأسه‪،‬‬
‫ولم يراع حق الجوار‪ ،‬ول حق السلم‪ ،‬ول حق‬
‫الحسان‪ ،‬وجب أن يقاتل وأن يجاهد‪ ،‬ووجب‬
‫على الدولة أن تفعل ما تستطيع من السباب‬
‫التي تعينها على قتاله وجهاده‪ .‬ونسأل الله أن‬
‫ينفع بهذه السباب‪ ،‬وأن ينصر الحق وحزبه‪،‬‬
‫ويخذل الباطل وأهله‪ ،‬وأن يرد المظلومين إلى‬
‫‪ ()1‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.119‬‬
‫‪309‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بلدهم موفقين ومهديين‪ ،‬وأن يخذل الظالم‪،‬‬
‫وأن يدير عليه دائرة السوء‪ ،‬وأن‬

‫‪310‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يهزم جمعه ويشتت شمله‪ ،‬وأن يقينا شر هذه‬
‫الفتنة‪ ،‬وأن يجعلها موعظة للمؤمنين جميعًا‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يجعلها سببا ً للرجوع إلى الله‬
‫والستقامة على دينه‪ ،‬وإعداد العدة الكافية‬
‫لجهاد أعدائه‪.‬‬
‫فالمسلمون يستفيدون من الفتن والمحن‬
‫الفوائد المطلوبة‪:‬‬
‫ومن ذلك أن يحاسب كل واحد منا نفسه‪ ،‬وأن‬
‫يجاهدها لله حتى تستقيم على الحق‪ ،‬وحتى يدع‬
‫ما حرم الله عليه‪ ،‬فإن الطاعات من الجيش‬
‫المجاهد من أسباب النصر‪ ،‬والمعاصي من‬
‫أسباب الخذلن‪.‬‬
‫فعلى المجاهدين‪ ،‬وعلى المظلومين أن‬
‫يصبروا ويصابروا‪ ،‬وأن يتقوا الله‪ ،‬وأن يستقيموا‬
‫على دينه‪ ،‬وأن يحافظوا على حقه‪ ،‬وأن يتواصوا‬
‫بالحق والصبر عليه‪ .‬وبذلك يوفقون‪ ،‬ويجعل‬
‫لهم النصر المؤزر‪ ،‬قال تعالى في كتابه‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫العظيم‪َ ﴿ :‬‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ك َي ْدُ ُ‬
‫مُلو َ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ط﴾)‪.(1‬‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫فمتى صبر المسلمون واتقوا ربهم فإنهم ل‬
‫يضرهم كيد العداء‪ ،‬وإن جرت عليهم المحن‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪311‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وإن قتل بعضهم‪ ،‬وإن جرح بعضهم‪ ،‬وإن‬
‫أصابتهم شدة‪ ،‬فلبد أن تكون لهم العاقبة‬

‫‪312‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحميدة بوعد الله الصادق‪ ،‬وفضله العظيم‪ ،‬كما‬
‫قال سبحانه وتعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ة‬
‫قب َ َ‬
‫عا ِ‬
‫صب ِْر إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫فا ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫ة‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ل ِل ْ ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(2‬‬
‫ِللت ّ ْ‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫﴿‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫وى﴾‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫ِ‬
‫وي َْرُز ْ‬
‫ث َل‬
‫حي ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ِ‬
‫ن َ‬
‫خَر ً‬
‫ج َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫عل ل ّ ُ‬
‫جا* َ‬
‫)‪(3‬‬
‫من‬
‫حت َ ِ‬
‫س ُ‬
‫يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ب﴾ ‪ ،‬وقال سبحانه وبحمده‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫سًرا﴾)‪.(4‬‬
‫ر ِ‬
‫ه ِ‬
‫ج َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه يُ ْ‬
‫م ْ‬
‫نأ ْ‬
‫عل ل ّ ُ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫م ِ‬
‫ي َت ّ ِ‬
‫فيجب علينا جميعا ً رجال ً ونساًء في هذه البلد‬
‫وغيرها‪ ،‬وعلى جميع المسلمين في كل مكان‪،‬‬
‫أن يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن يحافظوا على‬
‫أوامره‪ ،‬وينتهوا عن نواهيه‪ ،‬وأن يصدقوا في‬
‫جهاد العداء‪ ،‬ومنها جهاد هذا العدو الظالم‬
‫حاكم العراق وجنده الظالم‪ ،‬وأن يكونوا يدا ً‬
‫واحدة ً ضد هذا العدو الغاشم الكافر‪ ،‬وحزبه‬
‫الملحد‪.‬‬
‫ومن أسباب النصر‪ :‬تطبيق شريعة الله‬
‫وتحكيمها في كل شيء‪ ،‬فالواجب على الدول‬
‫السلمية والمنتسبة إلى السلم أن تحاسب‬
‫أنفسها‪ ،‬وأن تجاهد في الله جهاد الصادقين‪،‬‬
‫وأن تحكم شريعة الله في جميع شئونها؛ فهي‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫هود‪ ،‬الية ‪.49‬‬
‫طه‪ ،‬الية ‪.132‬‬
‫الطلق‪ ،‬اليتان ‪.3 ،2‬‬
‫الطلق‪ ،‬الية ‪.4‬‬
‫‪313‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سفينة النجاة‪ ،‬كما أن سفينة نوح جعلها الله‬
‫سفينة النجاة لهل الرض كلهم من الغرق‪،‬‬
‫كذلك شريعة الله التي جاء بها سيدنا محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم وهي الشريعة‬
‫السلمية؛ هي سفينة النجاة لهل الرض كلهم‬
‫أيضا‪ ،‬من استقام عليها وحافظ عليها‪ ،‬كتبت له‬
‫النجاة في الدنيا والخرة‪ ،‬وإن أصابه بعض ما‬
‫قدره الله عليه مما يكره من شدة أو حرب أو‬
‫غير ذلك‪ ،‬فإن له النجاة‪ ،‬والعاقبة الحميدة في‬
‫الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فالمؤمنون من قوم نوح عليه السلم عندما‬
‫أصابتهم الشدة أمرهم الله سبحانه بركوب‬
‫السفينة‪ ،‬ونجاهم الله بسبب إيمانهم‪ ،‬واتباعهم‬
‫لنوح عليه السلم‪.‬‬
‫فهكذا المؤمنون في كل زمان‪ ،‬لبد لهم من‬
‫صبر على الشدائد‪ ،‬واستقامة على الحق حتى‬
‫يأتيهم الفرج من الله سبحانه كما قال تعالى‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫في سورة فصلت‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫قاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ل َ َ‬
‫ست َ َ‬
‫موا ت َت َن َّز ُ‬
‫ة أ َّل‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫ما ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫قا ُ‬
‫ثُ ّ‬
‫علي ْ ِ‬
‫فوا وَل ت َحزُنوا َ‬
‫خا ُ‬
‫ة ال ِّتي‬
‫تَ َ‬
‫جن ّ ِ‬
‫وأب ْ ِ‬
‫ْ َ‬
‫شُروا ِبال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ول َِيا ُ‬
‫ة‬
‫م ُتو َ‬
‫م ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫دو َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ن* ن َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ح ُ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫هي‬
‫م ِ‬
‫في اْل ِ‬
‫و ِ‬
‫خَر ِ‬
‫في َ‬
‫ها َ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫الدّن َْيا َ‬
‫شت َ ِ‬
‫َأن ُ‬
‫ن‬
‫ما ت َدّ ُ‬
‫م ِ‬
‫عو َ‬
‫في َ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ن* ن ُُزًل ّ‬
‫ها َ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫‪314‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫غ ُ‬
‫حيم ٍ﴾)‪ .(1‬وقال سبحانه في سورة‬
‫ر ّر ِ‬
‫فو ٍ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫الحقاف‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫قاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ف َ َ‬
‫موا َ‬
‫ست َ َ‬
‫م‬
‫فَل َ‬
‫وَل ُ‬
‫و ٌ‬
‫ا ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫قا ُ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫يحزُنون* أ ُول َئ ِ َ َ‬
‫ها‬
‫ة َ‬
‫ن ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫جن ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫)‪( 2‬‬
‫ما َ‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫جَزاء ب ِ َ‬
‫فالواجب على جميع المسلمين في الجزيرة‬
‫العربية وفي‬

‫غيرها تقوى الله سبحانه وتعالى رجال ً ونساًء‪،‬‬
‫حكاما ً ومحكومين وأن يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن‬
‫يحاسبوا أنفسهم من أين أصيبوا‪ ،‬فما أصابنا‬
‫شيء مما نكره إل بسبب معصية اقترفناها‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ة‬
‫صيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫من ّ‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫ما أ َ‬
‫قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫فبما ك َسبت أ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر﴾)‪.(3‬‬
‫ثي‬
‫ك‬
‫عن‬
‫فو‬
‫ع‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫دي‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫وهذا الذي وقع بسبب تقصيرنا وسيئاتنا‪،‬‬
‫فيجب علينا أن نرجع إلى الله‪ ،‬وأن نحاسب‬
‫أنفسنا وأن نجاهد لله‪ ،‬وأن نستقيم على أداء‬
‫حقه‪ ،‬وأن نحذر معصيته‪ ،‬وأن نتواصى بالحق‬
‫وبالصبر عليه؛ حتى ينصرنا الله‪ ،‬ويكفينا شر‬
‫وِإن‬
‫أنفسنا‪ ،‬وشر أعدائنا‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا﴾‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫)‪(4‬‬
‫عَلى اْلبّر‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عا َ‬
‫‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫فصلت‪ ،‬اليات ‪.32 30‬‬
‫الحقاف‪ ،‬اليتان ‪.14 ،13‬‬
‫الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪315‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وُنوا ْ َ َ‬
‫والت ّ ْ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫عا َ‬
‫وى َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫على ال ِث ْم ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ْ‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫وال ُ‬
‫وا ِ‬
‫عدْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال سبحانه وبحمده‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ت‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫آ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫م َ‬
‫)‪(2‬‬
‫أَ ْ‬
‫ن‬
‫صَر ّ‬
‫ق َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫ول ََين ُ‬
‫م﴾ ‪ ،‬وقال عز من قائل‪َ ﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫ي‬
‫ق‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫ض‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز*ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫ع ِ‬
‫في ا َلْر ِ‬
‫وا الّز َ‬
‫أَ َ‬
‫مُروا‬
‫وأ َ‬
‫قا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫كاةَ َ‬
‫وآت َ ُ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ه‬
‫وا َ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫منك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ر﴾)‪ ،(3‬وقال سبحانه وتعالى‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ة اْل ُ‬
‫مو ِ‬
‫ن‬
‫في ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ر*إ ِّل ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫ر*إ ِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ذي َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫س ٍ‬
‫نا ِْ‬
‫ص ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫وا ِبال َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫آ َ‬
‫وا َ‬
‫ملوا ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫مُنوا َ‬
‫)‪(4‬‬
‫ر﴾ ‪ ،‬فهؤلء هم الرابحون في‬
‫وا ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫َ‬
‫صب ْ ِ‬
‫كل مكان‪ ،‬وفي كل عصر‪ ،‬بإيمانهم العظيم‬
‫وعملهم الصالح‪ ،‬وتواصيهم بالحق‪ ،‬والصبر‬
‫عليه‪.‬‬
‫وهذه الفتنة‪ ،‬هذا هو علجها كما هو علج كل‬
‫فتنة بالصبر على الحق والجهاد‪ ،‬والثبات عليه‬
‫بشتى الوسائل الممكنة‪ ،‬بالسلح الممكن‪،‬‬
‫والنصيحة الممكنة‪ ،‬وبكل طريقة أباحها الله‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.2‬‬
‫‪ ()2‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪()3‬سورة الحج‪ ،‬اليتان ‪.41 ،40‬‬
‫‪ ()4‬سورة العصر‪ ،‬كاملة‪.‬‬
‫‪316‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وشرعها لحل المشكلت‪ ،‬وردع الظالم وإحقاق‬
‫الحق‪.‬‬
‫وإذا خاف المظلوم من أن ُيغلب‪ ،‬واستعان‬
‫بمن يأمنهم في هذا المر‪ ،‬وعرف منهم‬
‫النصرة‪ ،‬فل مانع من الستنصار ببعض العداء‬
‫الذين هم في صفنا ضد عدونا‪ ،‬ولقد استعان‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو أفضل الخلق‬
‫بالمطعم بن عدي لما مات أبو طالب عم النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وكان كافرًا‪ ،‬وحماه من‬
‫ما كان له من شهرة وقوة وشعبية‪،‬‬
‫قومه؛ ل ِ َ‬
‫فلما توفي أبو طالب وخرج النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم إلى الله‪ ،‬لم‬
‫يستطع الرجوع إلى مكة؛ خوفا ً من أهل مكة‪،‬‬
‫إل بجوار المطعم بن عدي‪ ،‬وهو من رؤوس‬
‫الكفار‪ ،‬واستنصر به في‬
‫تبليغ دعوة الله‪ ،‬واستجار به فأجاره ودخل في‬
‫جواره‪ .‬وهكذا عندما احتاج إلى دليل على‬
‫طريق المدينة استأجر شخصا ً من الوثنيين‬
‫ليدله إلى المدينة لما أمنه على هذا المر‪.‬‬
‫ولما احتاج إلى اليهود بعد فتح خيبر‪ ،‬ولهم‬
‫نخيلها وزروعها بالنصف يزرعونها للمسلمين‪،‬‬
‫والمسلمون مشغولون بالجهاد لمصلحة‬
‫المسلمين‪ ،‬ومعلوم عداوة اليهود للمسلمين‪،‬‬
‫‪317‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فلما احتاج إليهم عليه الصلة والسلم وأمنهم‪،‬‬
‫ولهم على نخيل خيبر وزروعها‪.‬‬
‫فالعدو إذا كان في مصلحتنا وضد عدونا‪ ،‬فل‬
‫حرج علينا أن نستعين به ضد عدونا‪ ،‬وفي‬
‫مصلحتنا‪ ،‬حتى يخلصنا الله من عدونا‪ ،‬ثم يرجع‬
‫عدونا إلى بلده‪.‬‬
‫ومن عرف هذه الحقيقة‪ ،‬وعرف حال الظالم‬
‫وغشمه‪ ،‬وما يخشى منه من خطر عظيم‪،‬‬
‫وعرف الدلة الشرعية‪ ،‬اتضح له المر‪.‬‬
‫ولهذا درس هيئة كبار العلماء هذا الحادث‪،‬‬
‫وتأملوه من جميع الوجوه‪ ،‬وقرروا أنه ل حرج‬
‫فيما فعلت الدولة من هذا الستنصار؛ للضرورة‬
‫إليه‪ ،‬وشدة الحاجة إلى إعانتهم للمسلمين‪،‬‬
‫وللخطر العظيم الذي يهدد البلد لو استمر هذا‬
‫الظالم في غشمه واجتياحه للبلد‪ ،‬وربما‬
‫ساعده قوم آخرون‪ ،‬وتمالوا معه على الباطل‪.‬‬
‫فالمر في هذا جلل وعظيم‪ ،‬ول يفطن إليه‬
‫إل من نور‬
‫الله بصيرته‪ ،‬وعرف الحقائق على ما هي عليه‪،‬‬
‫وعرف غشم الظالم‪ ،‬وما عنده من القوة‪ ،‬التي‬
‫نسأل الله أن يجعلها ضده‪ ،‬وأن يهلكه ويكبته‪،‬‬
‫وأن يكفينا شره وشر كل العداء‪ ،‬وأن يولي‬
‫على العراق رجل ً صالحا ً يحكم فيه بشرع الله‪،‬‬
‫وينفذ في شعبه أمر الله‪ ،‬كما نسأله سبحانه أن‬
‫‪318‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يقيهم شر هذا الحاكم الظالم العنيد‪ ،‬الذي‬
‫عذبهم وآذاهم‪ ،‬وعذب المسلمين وأحدث هذه‬
‫الفتنة‪ ،‬وجر المسلمين إلى خطر عظيم‪.‬‬
‫نسأل الله أن يعامله بعدله‪ ،‬وأن يقضي‬
‫عليه‪ ،‬وأن يريح المسلمين من فتنته‪ ،‬وأن يجعل‬
‫العاقبة الحميدة لعباده المسلمين‪ ،‬وأن يرد‬
‫المظلومين إلى بلدهم‪ ،‬وأن يصلح حالهم‪ ،‬وأن‬
‫يقيم فيهم أمر الله‪ ،‬وأن يقينا وإياكم الفتن ما‬
‫ظهر منها وما بطن‪.‬‬
‫وقد رأيت أن أبسط القول في هذه المسألة‬
‫ليضاح الحق‪ ،‬وبيان ما يجب أن يعتقد في هذا‬
‫المقام‪ ،‬وبيان صحة موقف الدولة فيما فعلت؛‬
‫لن أناسا ً كثيرين التبس عليهم المر في هذه‬
‫الحالة‪ ،‬وشكوا في حكم الواقع وجوازه بسبب‬
‫الضرورة والحاجة الشديدة؛ لنهم لم يعرفوا‬
‫الواقع كما ينبغي‪ ،‬ولعظم خطر هذا الظالم‬
‫الملحد أعني حاكم العراق صدام حسين‪.‬‬
‫ولهذا اشتبه عليهم المر‪ ،‬وظنوا واعتقدوا‬
‫صحة ما‬

‫‪319‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فعله؛ لجهلهم‪ ،‬وللتباس المر عليهم وظنهم أنه‬
‫مسلم يدعو إلى السلم؛ بسبب نفاقه وكذبه‪.‬‬
‫وربما كان بعضهم مأجورا ً من حاكم العراق‪،‬‬
‫فتكلم بالباطل والحقد؛ لنه شريك له في‬
‫الظلم‪ ،‬وبعضهم جهل المر وجهل الحقيقة‪،‬‬
‫وتكلم بما تكلم به أولئك الظالمون؛ جهل ً منه‬
‫بالحقيقة‪ ،‬والتبست عليه المور‪.‬‬
‫هذا هو الواقع‪ ،‬وهو أن هذا الظالم اعتدى‬
‫وظلم‪ ،‬وأصر على عدوانه ولم يفيء إلى ترك‬
‫الظلم‪ ،‬والله سبحانه قد أمرنا أن نقاتل الفئة‬
‫الظالمة ولو كانت مؤمنة‪ ،‬حتى تفيء إلى أمر‬
‫الله‪ ،‬فكيف إذا كانت الفئة الباغية كافرة‬
‫ملحدة؟ فهي أولى بالقتال‪ ،‬وكفها عن الظلم‪،‬‬
‫ونصر الفئة المظلومة المبغي عليها بما‬
‫يستطيعه المسلمون من أسباب النصر والردع‬
‫للظالم‪ .‬وقد حاول معه الناس ستة أشهر‪،‬‬
‫وطلبوا منه أن يراجع نفسه ويخرج من الكويت‬
‫ويرجع عن ظلمه وبغيه فأبى فلم يبق إل‬
‫الحرب‪ ،‬ودعت الضرورة إلى الستعانة بمن هو‬
‫أقوى من المبغي عليه‪ ،‬على حرب هذا العدو‬
‫الغاشم حتى تجتمع القوى في حربه وإخراجه‪.‬‬
‫نسأل الله أن يقضي عليه‪ ،‬ويرد كيده في‬
‫نحره‪ ،‬وأن يدير عليه دائرة السوء‪ ،‬وأن يكفي‬
‫‪320‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المسلمين شره وشر غيره‪ ،‬وأن ينصرهم على‬
‫أعدائهم‪ ،‬ويصلح حالهم‪ ،‬وأن يمنحهم الستقامة‬

‫‪321‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على دينه إنه سميع قريب‪.‬‬
‫ومن الواجب على الجميع التعاظ بهذه‬
‫الفتنة‪ ،‬والستفادة منها في إصلح أحوالنا‪،‬‬
‫والستقامة على طاعة الله ورسوله‪ ،‬وأن‬
‫نحاسب أنفسنا حتى نستقيم على الحق‪ ،‬وندع‬
‫ما سواه‪ ،‬فالله سبحانه يجعل البليا عظة‬
‫وعبرة لمن يشاء كما قال جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫سى‬
‫ف َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫هوا ْ َ‬
‫خي ًْرا‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫َأن ت َك َْر ُ‬
‫في ِ‬
‫ج َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫م‬
‫ب َ‬
‫ك َِثيًرا﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‪﴿ :‬ك ُت ِ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫هوا ْ‬
‫قَتا ُ‬
‫و َ‬
‫سى َأن ت َك َْر ُ‬
‫و ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ع َ‬
‫و ك ُْرهٌ ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫حّبوا ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫سى َأن ت ُ ِ‬
‫و ُ‬
‫ع َ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫شر ل ّك ُم والل ّه يعل َم َ‬
‫م لَ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫ُ َ ْ ُ َ‬
‫ْ َ‬
‫و َ ّ‬
‫ه َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ن﴾)‪.(2‬‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كما نسأل الله سبحانه أن يجعل في هذه‬
‫الحرب خيرا ً لنا‪ ،‬وأن يجعل عاقبتها حميدة‪.‬‬
‫ويجب أن ل ننسى ما حدث للنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم والصحابة يوم الحزاب وهم خير‬
‫الناس‪ ،‬فقد تجمعت عليهم الحزاب الكافرة‪،‬‬
‫وجاءتهم من فوقهم ومن أسفل منهم بقوة‬
‫قوامها عشرة آلف مقاتل‪ ،‬وحاصروا المدينة‪،‬‬
‫وقال أهل النفاق‪) :‬ما وعدنا الله ورسوله إل‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.216‬‬
‫‪322‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫غرورًا(‪ ،‬هكذا ذكر الله عنهم سبحانه في سورة‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫الحزاب في قوله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫في ُ ُ‬
‫ف ُ‬
‫يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫هم‬
‫ن ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ه إ ِّل‬
‫و َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫عدََنا الل ّ ُ‬
‫ض ّ‬
‫ّ‬
‫مَر ٌ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ُ‬
‫غُروًرا﴾ ‪ ،‬حتى نصر الله نبيه‪ ،‬وأرسل الرياح‬
‫التي أكفأت قدورهم‪ ،‬وقلعت خيامهم‪ ،‬وشردتهم‬
‫كل مشرد‪ ،‬فرجعوا خائبين والحمد لله‪ ،‬بعد‬
‫الشدة العظيمة التي وقعت على رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم‬
‫‪.‬‬
‫وهكذا يوم أحد‪ ،‬حين تجمع الكفار‪ ،‬وأغاروا‬
‫على المدينة‪ ،‬وحاصروها‪ ،‬وجرى ما جرى من‬
‫جروح وقتل لمن قتل من الصحابة‪ ،‬حتى أنزل‬
‫الله نصره وتأييده‪ ،‬وسلم الله المسلمين وأدار‬
‫على أعدائه دائرة السوء‪ ،‬ورجعوا إلى مكة‬
‫صاغرين‪ ،‬وأنجى الله نبيه بعدما ُقتل سبعون‬
‫جرح النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫من الصحابة‪ ،‬و ُ‬
‫وجماعة كثيرة من أصحابه‪ ،‬واجتهد المشركون‬
‫في قتله‪ ،‬فوقاه الله شرهم‪.‬‬
‫ولما استنكر المسلمون هذا الحدث‪ ،‬قال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫د‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫ق ْ‬
‫كم ّ‬
‫ول َ ّ‬
‫ما أ َ‬
‫الله تعالى‪﴿ :‬أ َ‬
‫‪ ()1‬سورة الحزاب‪ ،‬الية ‪.12‬‬
‫‪323‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ها﴾ يعني ‪:‬يوم بدر ﴿ ُ‬
‫م أ َّنى‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫صب ُْتم ّ‬
‫أ َ‬
‫د أ َن ْ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫م﴾ )‪(1‬؛‬
‫ن ِ‬
‫ل ُ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫عن ِ‬
‫و ِ‬
‫م ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو‬
‫والمسلمون أصابهم ما أصابهم يوم أحد؛ بسبب‬
‫أمر فعله الرماة الذين أمرهم‬

‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪324‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسكوا ثغرا ً‬
‫وهو جبل الرماة ول يتركوه حتى ل يدخل منه‬
‫جيش العدو‪ ،‬فلما رأى الرماة العدو قد انكشف‬
‫وانهزم‪ ،‬ظنوا أنها الفيصلة‪ ،‬فتركوا الثغر وصاروا‬
‫يجمعون الغنيمة‪ ،‬وتركوا أمر رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فدخل العدو من ذلك الثغر‪،‬‬
‫وحصل ما حصل من الهزيمة والمصيبة العظيمة‬
‫ول َ َ‬
‫د‬
‫ق ْ‬
‫على المسلمين‪ ،‬فأنزل الله قوله‪َ ﴿ :‬‬
‫صد َ َ‬
‫هم‬
‫و ْ‬
‫عدَهُ إ ِذْ ت َ ُ‬
‫سون َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ذا َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫م‬
‫ف ِ‬
‫ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ه﴾ يعني ‪ :‬تقتلونهم ﴿ َ‬
‫شلت ُ ْ‬
‫في ال َ‬
‫ما‬
‫م‬
‫و َ‬
‫وت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫د َ‬
‫صي ُْتم ّ‬
‫ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫أ ََرا ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬أي‪ :‬من الهزيمة للعدو‪،‬‬
‫ما ت ُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫كم ّ‬
‫يعني بذلك الرماة‪ ،‬فشلوا وتنازعوا وتركوا أمر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصبروا‪ ،‬عندما‬
‫وقع منهم هذا سلط الله عليهم العدو‪ ،‬وقال‬
‫ة َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫صب ُْتم‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫كم ّ‬
‫ول َ ّ‬
‫قدْ أ َ‬
‫ما أ َ‬
‫تعالى‪﴿ :‬أ َ‬
‫ذا ُ‬
‫ها ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫ن ِ‬
‫ل ُ‬
‫م أ َّنى َ‬
‫عن ِ‬
‫و ِ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ء َ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ديٌر﴾ ‪.‬‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫ف ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫وأصحابه يصيبهم مثل هذه الهزيمة والقتل‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.152‬‬
‫‪ ()2‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪325‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والجراح بسبب ما وقع من بعضهم من الذنوب‪،‬‬
‫فكيف بحالنا؟‬
‫فالواجب على أهل السلم أينما كانوا أن‬
‫يحاسبوا‬

‫‪326‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أنفسهم‪ ،‬وأن يجاهدوها في الله‪ ،‬ويتفقدوا‬
‫عيوبهم‪ ،‬ويتوبوا إلى الله منها‪ ،‬كما قال الله‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ما َ‬
‫ول َْتنظُْر ن َ ْ‬
‫د ﴾)‪.(1‬‬
‫ت لِ َ‬
‫غ ٍ‬
‫م ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫س ّ‬
‫ف ٌ‬
‫َ‬
‫والمعنى‪ :‬انظروا ما قدمتم للخرة‪ ،‬فإن كنتم‬
‫قدمتم أعمال ً خيرة‪ ،‬فاحمدوا الله عليها‪،‬‬
‫واسألوه الثبات‪ .‬وإن كنتم قدمتم أعمال ً سيئة‪،‬‬
‫فتوبوا إلى الله منها‪ ،‬وارجعوا إلى الحق‬
‫والصواب‪.‬‬
‫فالواجب على أهل اليمان أينما كانوا أن‬
‫يتقوا الله دائمًا‪ ،‬ويحاسبوا أنفسهم دائمًا‪،‬‬
‫ولسيما وقت الشدائد وعند المحن‪ ،‬كحالنا‬
‫اليوم‪ ،‬يجب الرجوع إلى الله‪ ،‬والتوبة إليه‬
‫سل ّ َ‬
‫ط علينا‬
‫وحساب النفس وجهادها لله‪ ،‬وما ُ‬
‫هذا العدو إل بذنوبنا‪ ،‬فلبد من جهاد النفس‪،‬‬
‫ولبد من الضراعة إلى الله‪ ،‬وسؤال الله‬
‫سبحانه وتعالى أن ينصرنا على عدونا‪ ،‬وأن يذل‬
‫عدونا‪ ،‬وأن يكفينا شره وشر أنفسنا وشر‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫لبد من الضراعة إلى الله‪ ،‬وسؤاله التأييد‪،‬‬
‫ْ‬
‫كما قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫سَنا‬
‫جاء ُ‬
‫ول إ ِذْ َ‬
‫م ب َأ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ْ‬

‫‪ ()1‬سورة الحشر‪ ،‬الية ‪.18‬‬
‫‪327‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عوا ْ ﴾)‪ ،(2‬فلبد من الضراعة إلى الله‪،‬‬
‫ضّر ُ‬
‫تَ َ‬
‫وسؤاله جل وعل النصر‪.‬‬

‫‪ ()2‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.43‬‬
‫‪328‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليلة‬
‫الواقعة‪ ،‬قام يناجي ربه‪ ،‬ويدعوه ويبكي‪ ،‬ويسأل‬
‫ربه النصر‪ ،‬حتى جاءه الصديق رضي الله عنه‬
‫بعدما سقط عنه رداؤه وقال‪) :‬حسبك يا رسول‬
‫الله‪ ،‬إن الله ناصرك‪ ،‬إن الله مؤيدك( فإذا كان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو أفضل‬
‫الناس‪ ،‬وسيد ولد آدم يتضرع إلى الله‪ ،‬فكيف‬
‫بحالنا ونحن في أشد الضرورة إلى التوبة إلى‬
‫الله‪ ،‬وإلى البكاء من خشيته‪ ،‬وإلى طلب النصر‬
‫منه سبحانه وتعالى في ليلنا ونهارنا؟ !‬
‫فالغفلة شرها عظيم‪ ،‬والمعاصي خطرها‬
‫كبير‪ ،‬فالواجب القلع عنها والتوبة إلى الله‬
‫سبحانه فالذي عنده تساهل في الصلة يجب‬
‫أن يحافظ عليها ويبادر إليها‪ ،‬ويصلي في‬
‫الجماعة‪ ،‬والذي يتعامل بالربا يجب أن يترك‬
‫ذلك‪ ،‬وأن يتوب إلى الله منه‪ ،‬والذي عنده‬
‫عقوق لوالديه يتقي الله ويبر والديه‪ ،‬والقاطع‬
‫لرحامه يتقي الله ويصل أرحامه والذي يشرب‬
‫المسكر يتقي الله ويقلع عن ذلك‪ ،‬ويتوب إلى‬
‫الله‪ ،‬والذي يغتاب الناس يحذر ذلك‪ ،‬ويحفظ‬
‫لسانه ويتقي الله‪.‬‬
‫وهكذا يحاسب كل إنسان نفسه في كل‬
‫عيوبه‪ ،‬ويتقي الله‪ .‬وهكذا الموظف المقصر في‬
‫وظيفته وفي أمانته يتقي الله‪ ،‬ويؤدي حق الله‬
‫‪329‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وحق عباده‪ ،‬وهكذا الرؤساء كل واحد منهم‬
‫سواء كان ملكا ً أو رئيس جمهورية أو وزيرا ً كل‬
‫واحد منهم‬
‫عليه أن يحاسب نفسه لله‪ ،‬ويجاهدها لله‪،‬‬
‫ويتوب إلى الله سبحانه من سيئ عمله‪ ،‬وهكذا‬
‫كل موظف‪ ،‬وكل جندي‪ ،‬عليه أن يجاهد نفسه‪،‬‬
‫ويطيع الله ورسوله‪ ،‬ويطيع رئيسه في‬
‫المعروف‪ ،‬ويتوب إلى الله من سيئات عمله‬
‫وتقصيره‪.‬‬
‫وهذا كله من أسباب النصر والعاقبة‬
‫الحميدة‪ ،‬فلبد من الصدق مع الله وجهاد‬
‫النفس‪ ،‬والتوبة الصادقة من سائر الذنوب من‬
‫الرؤساء والمرؤوسين‪.‬‬
‫ولبد من الدعاء والضراعة إلى الله‪ ،‬وطلبه‬
‫النصر والتأييد‪ ،‬والعون على العدو‪ ،‬وسؤال الله‬
‫أن يخذل العدو ويرد كيده في نحره‪ ،‬ولبد مع‬
‫ذلك من السباب الحسية‪ :‬من قوة وجيش‬
‫ما‬
‫وأ َ ِ‬
‫ع ّ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫وسلح‪ ،‬كما قال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫)‪( 1‬‬
‫من ُ‬
‫ها‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ة﴾ ‪ ،‬وقال جل وعل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ا ْ‬
‫عُتم ّ‬
‫ق ّ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾)‪ .(2‬فيجب على أهل‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫اليمان أن يعدوا العدة المناسبة لجهاد العداء‬
‫دوا ْ‬
‫وأ َ ِ‬
‫ع ّ‬
‫بكل ما يستطيعون‪ ،‬والله سبحانه يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪330‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من ُ‬
‫ة﴾‪ ،‬فعلى المسلمين‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫لَ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم ّ‬
‫ق ّ‬
‫أن يعدوا ما استطاعوا من القوة؛ من السلح‬
‫والرجال والتدريب‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك كفاهم الله‬
‫شر عدوهم‪ ،‬وجاءهم النصر من عند الله‪ ،‬يقول‬
‫الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫فئ َ ً‬
‫ت ِ‬
‫من ِ‬
‫قِليل َ ٍ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫غل َب َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ع‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ك َِثيَرةً ب ِإ ِذْ ِ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬ويقول سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫ال ّ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ت‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫آ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫م َ‬
‫)‪(2‬‬
‫أَ ْ‬
‫وِإن‬
‫ق َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫م﴾ ‪ ،‬ويقول سبحانه وبحمده‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫حي ٌ‬
‫ط﴾)‪.(3‬‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫إِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫كما يجب على المسلم أن يلح في الدعاء‪،‬‬
‫ويسأل ربه من خيري الدنيا والخرة‪ ،‬كما قال‬
‫َ‬
‫م ﴾)‪ ،(4‬وقال‬
‫سبحانه‪﴿ :‬ادْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫سأ َل َ َ‬
‫عّني َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫فإ ِّني‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫ذا َ‬
‫جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع إِ َ‬
‫ن‬
‫ذا دَ َ‬
‫ب دَ ْ‬
‫وةَ ال ّ‬
‫جي ُ‬
‫ري ٌ‬
‫بأ ِ‬
‫عا ِ‬
‫ع َ‬
‫ق ِ‬
‫دا ِ‬
‫َ‬
‫ول ْي ُ ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنوا ْ ِبي ل َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫جيُبوا ْ ِلي َ‬
‫شدون﴾)‪ ،(5‬وقال سبحانه‪﴿ :‬وا َ‬
‫ه‬
‫ي َْر ُ ُ َ‬
‫َ ْ‬
‫سأُلوا ْ الل ّ َ‬
‫من َ‬
‫ه﴾)‪.(6‬‬
‫ف ْ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬
‫‪()6‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫البقرة‪ ،‬الية ‪.249‬‬
‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫غافر‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫البقرة‪ ،‬الية ‪.186‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.32‬‬
‫‪331‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فعلينا أن نلح في الدعاء‪ ،‬ول نستبطئ‬
‫الجابة‪ ،‬ولهذا جاء في الحديث الصحيح‪ :‬يقول‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬يستجاب لحدكم ما لم‬
‫يعجل‪ ،‬يقول دعوت ودعوت فلم أره يستجاب‬
‫لي‪ ،‬فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء(()‪.(1‬‬
‫فل ينبغي للمؤمن أن يدع الدعاء‪ ،‬وإن‬
‫تأخرت الجابة‪ ،‬فالله حكيم عليم‪ ،‬في تأخير‬
‫الجابة‪ ،‬يؤخرها سبحانه لحكم بالغة؛ حتى‬
‫يتفطن النسان إلى أسباب التأخير‪ ،‬ويحاسب‬
‫نفسه‪ ،‬ويجتهد في أسباب القبول؛ من التوبة‬
‫النصوح‪ ،‬والعناية بالمكسب الحلل‪ ،‬وإقبال‬
‫القلب على الله‪ ،‬وجمعه عليه سبحانه حين‬
‫الدعاء‪ ،‬إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة‬
‫والنتائج المفيدة‪.‬‬
‫فلو أن كل إنسان يعطى الجابة في الحال‪،‬‬
‫لفاتت هذه المصالح العظيمة‪ ،‬ومما يوضح ما‬
‫ذكرت أن نبي الله يعقوب عليه الصلة والسلم‬
‫طلب من ربه أن يجمع بينه وبين ولده يوسف‪،‬‬
‫فتأخرت الجابة مدة طويلة‪ ،‬ومكث يوسف في‬
‫السجن بضع سنين‪ ،‬والداعي نبي كريم‪ ،‬هو‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الدعوات(‪ ،‬باب )يستجاب للعبد ما لم يعجل(‬
‫برقم ‪ ،6340‬ومسلم في )الذكر والدعاء(‪ ،‬باب )أنه يستجاب‬
‫للداعي ما لم يعجل( برقم ‪.2735‬‬
‫‪332‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم‬
‫الصلة والسلم‪.‬‬
‫فعلم بذلك أن الله سبحانه له حكم عظيمة‬
‫في تأخير الجابة وتعجيلها‪ ،‬وقد صح عن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪)) :‬ما من‬
‫مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ول‬
‫قطيعة رحم‪ ،‬إل أعطاه الله بها إحدى ثلث‪ :‬إما‬
‫أن تعجل دعوته في الدنيا‪ ،‬وإما أن تدخر له في‬
‫الخرة‪،‬إما أن يصرف عنه من الشر مثلها((‪،‬‬
‫فقال الصحابة رضي الله عنهم‪ :‬يا رسول الله‪:‬‬
‫إذن نكثر‪ ،‬قال‪)) :‬الله أكثر(()‪ .(1‬رواه المام‬
‫أحمد في مسنده‪.‬‬
‫والمقصود أن المشروع للمسلم عندما تتأخر‬
‫الجابة أن يتأمل‪ ،‬ما هي السباب‪ ،‬لماذا تأخرت‬
‫سلط علينا العدو؟ لماذا هذا‬
‫الجابة؟ لماذا ُ‬
‫البلء؟‬
‫يتأمل ويحاسب نفسه ويجاهدها حتى تحصل‬
‫له البصيرة بعيوب نفسه‪ ،‬وحتى يعالجها بالعلج‬
‫الشرعي‪ .‬والدولة تعالج نقصها‪ ،‬والشخص يعالج‬
‫نقصه ويداويه‪ ،‬كل داء له دواء‪ ،‬كما قال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ودواء الذنوب التوبة إلى‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )باقي مسند المكثرين من الصحابة(‪،‬‬
‫مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم ‪.10749‬‬
‫‪333‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله سبحانه‪ ،‬والستقامة على طاعته هذا هو‬
‫دواء الذنوب‪.‬‬
‫فالواجب على كل إنسان أن يعالج ذنبه‬
‫ومعصيته بالتوبة النصوح ويحاسب نفسه‪ ،‬ويعلم‬
‫أن ربه سبحانه ليس بظلم للعبيد‪ .‬فالله‬
‫سبحانه لم يظلمك بل أنت الظالم لنفسك‪،‬‬
‫تأمل وحاسب نفسك‪ ،‬وجاهدها‪ ،‬وهذا الحاكم‬
‫الظالم أعني حاكم العراق صدام حسين يرمي‬
‫السعودية بالصواريخ‪ ،‬فماذا فعلت معه‬
‫السعودية؟ لقد ساعدته مساعدة عظيمة على‬
‫عدوه‪ ،‬ساعدته بالمساعدات التي ذكرها صدام‬
‫في كتابه لخادم الحرمين الشريفين‪ ،‬وذكر‬
‫أشياء كثيرة من المساعدات وأخفى الكثير‪.‬‬
‫والمطلوب منه الن الخروج من الكويت‬
‫وسحب جيشه منها‪ ،‬وبعد ذلك يحصل التفاوض‬
‫في بقية المشاكل‪ ،‬فهل هذا‬

‫‪334‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫هو جزاء الحسان للكويت؛ بأن يخرجهم من‬
‫ديارهم وقد أحسنوا إليه كثيرًا؟ وهل جزاء ما‬
‫عملت السعودية أن يضربها بالصواريخ ويحشد‬
‫جيوشه على حدودها؟ هذا هو جزاء المحسن‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫عند صدام حسين‪ ،‬والله يقول سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ ،(1‬لقد أحسنت‬
‫سا ُ‬
‫ن إ ِّل اْل ِ ْ‬
‫جَزاء اْل ِ ْ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫سا ِ‬
‫إليه السعودية عند الملمات‪ ،‬وواسته عند‬
‫الشدائد‪ ،‬والكويت كذلك‪ ،‬ودول الخليج كذلك‪،‬‬
‫كلهم ساعدوه ومدوه بما يستطيعون‪ ،‬ثم كانت‬
‫هذه هي العاقبة من اللئيم الغشوم‪ ،‬لقد طلبوا‬
‫منه أن يخرج من الكويت‪ ،‬وأن يسحب جيوشه‬
‫منها‪ ،‬ثم يكون بعد ذلك التفاوض والنظر في‬
‫المشاكل التي بينه وبين الكويت‪ ،‬وحلها‬
‫بالوسائل السلمية‪.‬‬
‫لكنه من خبثه وظلمه يحث أنصاره وأذنابه‬
‫على أن يؤذوا الناس في البلدان الخرى‪ ،‬ثم‬
‫من تدليسه ونفاقه وخبثه يضرب اليهود الن؛‬
‫حتى يفرق الجمع الموجود‪ ،‬وحتى يرفع عنه‬
‫الحصار الن الذي وقع‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة الرحمن‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪335‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫لماذا ترك اليهود قبل الكويت ويضربها الن؟‬
‫كان ينبغي له أن يضرب اليهود‪ ،‬لنهم هم العدو‪،‬‬
‫بدل أن يضرب جيرانه ومن أحسن إليه‪.‬‬
‫لكن خبثه وظلمه وغشمه ونفاقه ومكره‪،‬‬
‫حمله على أن‬
‫يضرب اليهود الن‪ ،‬حتى يفرق هؤلء المجتمعين‬
‫لحربه‪ ،‬وحتى يخرج من هذا الحصار المحيط به‪،‬‬
‫ولكنها لم ترد عليه‪ ،‬حتى يظل هذا الحصار‪،‬‬
‫وحتى يقضي الله فيه أمره سبحانه وتعالى‬
‫وحتى يخيب الله آماله‪ ،‬ويرد كيده في نحره‪،‬‬
‫بحوله وقوته سبحانه ‪.‬‬
‫نسأل الله أن يرد كيده في نحره‪ ،‬وأن‬
‫يستجيب دعوات المسلمين ضده‪ ،‬فهو ظالم‬
‫ملبس مخادع منافق‪ ،‬يجمع كل شر وكل حيلة‪،‬‬
‫وكل بلء للخداع والظلم والعدوان‪.‬‬
‫ولكن نسأل الله بأسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته‬
‫العلى أن يقضي عليه‪ ،‬وأن يدير عليه دائرة‬
‫السوء‪ ،‬وأن يخذل الله أنصاره وأعوانه‪ ،‬وأن يرد‬
‫من هو حائر في أمره على البصيرة والهدى‪،‬‬
‫وأن يقضي على أنصاره الظالمين المعتدين‪،‬‬
‫وأن يهلكهم معه‪ ،‬ويسلط عليهم جندا ً من عنده‪،‬‬
‫إنه جواد كريم‪.‬‬
‫‪336‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫كما نسأله سبحانه أن ينصر المسلمين عليه‬
‫وحزبه‪ ،‬وأن ينصر من نصر المسلمين عليه‬
‫وعلى أعوانه حتى يقضي الله على هذا الظالم‪،‬‬
‫وحتى يخرجه من الكويت صاغرا ً ذلي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫كما نسأله سبحانه أن يولي على العراق‬
‫رجل ً صالحا ً يخاف الله ويراقبه‪ ،‬ويحكم في‬
‫العراقيين شريعة الله‪ ،‬ويبسط فيهم العدل‬
‫والحسان‪.‬‬
‫وعلينا أيها الخوة‪ ،‬وعلى كل مسلم في كل‬
‫مكان‪ ،‬أن‬
‫نتقي الله سبحانه وأن نستقيم على دينه‪ ،‬وأن‬
‫نجاهد أنفسنا في ذلك‪ ،‬مع سؤاله سبحانه‬
‫النصر المعجل لوليائه وأهل طاعته‬
‫المظلومين‪ ،‬وأن يكبت هذا المعتدي‪ ،‬وأن‬
‫يسلط عليه جندا ً من عنده‪ ،‬وأن يقضي عليه‪،‬‬
‫وأن يولي على العراق من يخاف الله فيهم‪،‬‬
‫ويحسن إليهم ويحكم فيهم بشرع الله‪ ،‬إنه جل‬
‫وعل جواد كريم‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد عبد الله‬
‫ورسوله‪ ،‬وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى‬
‫يوم الدين‪.‬‬

‫‪ - 47‬أسئلة وأجوبة بعد المحاضرة‬
‫‪337‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫س‪ :‬يقول بعض الناس الذين‬
‫يشككون في فتوى هيئة كبار العلماء‪،‬‬
‫بشأن الستعانة بغير المسلمين في‬
‫الدفاع عن بلد المسلمين‪ ،‬وقتال‬
‫حاكم العراق بعدم وجود الدلة القوية‬
‫التي تدعمها‪ ..‬فما تعليق سماحتكم‬
‫)‪(1‬‬
‫على ذلك؟‬
‫ج‪ :‬قد بينا ذلك فيما سبق‪ ،‬وفي مقالت‬
‫عديدة‪ ،‬وبينا أن الرب جل وعل أوضح في كتابه‬
‫العظيم‪ :‬أنه سبحانه أباح لعباده المؤمنين إذا‬
‫اضطروا إلى ما حرم عليهم أن يفعلوه‪ ،‬كما‬
‫ل لَ ُ‬
‫قدْ َ‬
‫و َ‬
‫ص َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ف ّ‬
‫قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(2‬‬
‫ه﴾ ‪ ،‬ولما حرم الميتة‬
‫ما ا ْ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫رْرت ُ ْ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫ضط ُ ِ‬
‫والدم والخنزير والمنخنقة والموقوذة‪ ،‬وغيرها‬
‫قال في آخر الية‪َ ﴿ :‬‬
‫في‬
‫ضطُّر ِ‬
‫نا ْ‬
‫ف َ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫ف ّل ِث ْم ٍ َ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫ص ٍ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫جان ِ ٍ‬
‫مت َ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫غي َْر ُ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫)‪(3‬‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫والمقصود‪ :‬أن الدولة في هذه الحادثة قد‬
‫اضطرت إلى أن تستعين ببعض الدول الكافرة‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يرم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.116‬‬
‫‪ ()2‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.119‬‬
‫‪ ()3‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.3‬‬
‫‪338‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على هذا الظالم الغاشم؛ لن خطره كبير‪ ،‬ولن‬
‫له أعوانا ً آخرين‪ ،‬لو انتصروا لظهروا وعظم‬
‫شرهم؛ فلهذا رأت الحكومة السعودية وبقية‬
‫دول الخليج أنه لبد من دولة قوية تقابل هذا‬
‫العدو الملحد الظالم‪ ،‬وتعين على صده وكف‬
‫شره وإزالة ظلمه‪.‬‬
‫وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية‬
‫السعودية لما تأملوا هذا ونظروا فيه‪ ،‬وعرفوا‬
‫الحال‪ ،‬بينوا أن هذا أمر سائغ‪ ،‬وأن الواجب‬
‫استعمال ما يدفع الضرر‪ ،‬ول يجوز التأخر في‬

‫ذلك‪ ،‬بل يجب فورا ً استعمال ما يدفع الضرر عن‬
‫المسلمين‪ ،‬ولو بالستعانة بطائفة من المشركين‬
‫فيما يتعلق بصد العدوان وإزالة الظلم‪ ،‬وهم جاؤوا‬
‫لذلك وما جاءوا ليستحلوا البلد ول ليأخذوها‪ ،‬بل‬
‫جاؤوا لصد العدوان وإزالة الظلم ثم يرجعون إلى‬
‫بلدهم‪ ،‬وهم الن يتحرون المواضع التي يستعين‬
‫بها العدو‪ ،‬ول يتعمدون قتل البرياء‪ ،‬ول قتل‬

‫المدنيين‪ ،‬وإنما يريدون قتل الظالمين المعتدين‬
‫وإفساد مخططهم‪ ،‬والقضاء على أسباب‬
‫إمدادهم وقوتهم في الحرب‪.‬‬
‫ولكن بعض المرجفين المغرضين يكذب على‬
‫الناس‪ ،‬ويقول‪ :‬إنهم حاصروا الحرمين‪ ،‬وأنهم‬
‫فعلوا‪ ،‬وأنهم تركوا‪ ...‬كل هذا من ترويج‬
‫‪339‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الباطل‪ ،‬والتشويش على الناس؛ لحقد في‬
‫قلوب بعض الناس‪ ،‬أو لجهل من بعضهم وعدم‬
‫بصيرة‪ ،‬أو لنه مستأجر من حاكم العراق‬
‫ليشوش على الناس‪.‬‬
‫والناس أقسام‪ :‬منهم من جهل الحقائق‬
‫والتبست عليه المور‪ ،‬ومنهم من هو جاهل ل‬
‫يعرف الحكام الشرعية‪ ،‬ومنهم من هو مستأجر‬
‫من الطغاة الظلمة ليشوش على الناس‪،‬‬
‫ويلبس عليهم الحق‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬
‫س‪ :‬تقوم بعض الجهات المختصة‪،‬‬
‫بتوجيه الناس لفعل بعض المور‬
‫لتلفي أخطار الغازات السامة‪،‬‬
‫والغارات الجوية الضارة‪ ،‬فهل على‬
‫المسلم من حرج في اتباع تلك‬
‫)‪(1‬‬
‫التعليمات؟‬
‫ج‪ :‬المسلم مأمور بأخذ الحذر‪ ،‬واتباع‬
‫َ‬
‫ها‬
‫التعليمات التي تقي الشر‪ .‬قال تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬

‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.117‬‬
‫‪340‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م﴾)‪ ،(1‬فالمؤمن إذا أخذ بالسباب النافعة‬
‫ِ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫والواقية بإذن الله من الشر‪ ،‬ل بأس عليه‪ ،‬كأن‬
‫يستعمل الكمامات التي تمنع وصول الغازات‬
‫السامة إليه‪ ،‬وغيرها من أسباب الوقاية عند‬
‫الحاجة إلى ذلك‪ ،‬وكحمل السلح إذا صال عليه‬
‫صائل ليصد هذا الصائل‪ ،‬وكما يقتل الحية‬
‫والعقرب في الصلة وغيرها لدفع شرهما‪.‬‬
‫فالنسان مأمور بالسباب النافعة‪ ،‬كما قال‬
‫من‬
‫وأ َ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم ّ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫و ٍ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ة﴾ ‪ ،‬وكما قال تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ق ّ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾ )‪ ،(3‬وكما في آية صلة‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫حذَْرك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫الخوف من المر بالتهيؤ بالسلح؛ وهو قوله‬
‫ذا ُ‬
‫فأ َ َ‬
‫م َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫م‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫كن َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه ْ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫في ِ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫طآئ ِ َ‬
‫فل ْت َ ُ‬
‫صل َةَ َ‬
‫ك‬
‫ف ٌ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ة ّ‬
‫ق ْ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م﴾)‪ (4‬الية‪.‬‬
‫ول ْي َأ ْ ُ‬
‫سل ِ َ‬
‫حت َ ُ‬
‫ذوا ْ أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫س‪ :‬معلوم أن هناك جيوشا ً غير‬
‫إسلمية تقاتل حاكم العراق معنا‪،‬‬
‫فهل قتالنا معهم تحت راية واحدة‬

‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.102‬‬
‫‪341‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يعتبر جهادًا؟ ومن ُ‬
‫قتل منا هل يعتبر‬
‫ً )‪(1‬‬
‫شهيدا؟‬
‫ج‪ :‬المجاهد في هذا السبيل إن أصلح الله‬
‫نيته وهو يجاهد لدفع الظلم ونفع المسلمين‪،‬‬
‫فهو مجاهد في سبيل الله‪ ،‬وهو شهيد إن قتل‪.‬‬
‫وهذه الجيوش ليست تحت راية الكفرة‪ ،‬بل‬
‫كل جيش تحت قيادة قائده؛ فالجيوش‬
‫السعودية تحت قائدها خالد بن سلطان‪ ،‬وتحت‬
‫القائد العلى خادم الحرمين الشريفين‪،‬‬
‫والجيوش المصرية تحت قائدها المصري‪،‬‬
‫والجيوش السورية تحت قائدها السوري‪،‬‬
‫والجيوش النجليزية تحت قائدها النجليزي‪،‬‬
‫وهكذا‪ ،‬ولكن بينهم اتفاق على التنظيم‪ ،‬لبد‬
‫عوا ْ‬
‫ول َ ت ََناَز ُ‬
‫منه‪ ،‬والله تعالى يقول‪َ ﴿ :‬‬
‫فت َ ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م﴾)‪ ،(2‬فلبد من‬
‫وت َذْ َ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫ب ِ‬
‫التنظيم والتعاون بين الجميع؛ حتى ل يحدث‬
‫الفشل‪ ،‬وحتى ل يطمع العدو‪.‬‬
‫والنبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل‬
‫وسأله قائ ً‬
‫ل‪ :‬إذا جاءني رجل يريد مالي؟ قال‪:‬‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.117‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.46‬‬
‫‪342‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫))ل تعطه مالك((‪ ،‬قال‪ :‬فإن قاتلني؟ قال‪:‬‬
‫))قاتله((‪ .‬قال‪ :‬فإن قتلني؟ قال‪)) :‬فأنت‬
‫شهيد(( قال‪ :‬فإن قتلته؟ قال‪)) :‬هو في النار((‬
‫)‪ .(1‬أخرجه مسلم في صحيحه‪.‬‬

‫‪ ()1‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )الدليل على أن من قصد أخذ‬
‫مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه( برقم ‪.140‬‬
‫‪343‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فإذا كان هذا في إنسان يدافع عن ماله‪،‬‬
‫فكيف فيمن يدافع عن دينه وعن إخوانه‬
‫المسلمين وعن حرماته؟ ! والرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم يقول‪)) :‬من قتل دون دينه فهو‬
‫شهيد‪ ،‬ومن قتل دون دمه فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل‬
‫دون أهله فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون ماله فهو‬
‫شهيد(()‪.(1‬‬
‫وأنت أيها المسلم المجاهد في هذه الحرب‪،‬‬
‫إن أصلح الله نيتك‪ ،‬تقاتل عن دين السلم وعن‬
‫نفوس المسلمين وأموالهم وبلدهم‪ ،‬وعن عامة‬
‫المسلمين وحرماتهم‪ ،‬وتصد عنهم عدوا ً ملحدًا‪،‬‬
‫أكفر من اليهود والنصارى‪ ،‬وتجاهد لزالة ظلمه‬
‫ودفع شره‪ ،‬فالمر عظيم‪ ،‬والجهاد من أهم‬
‫الواجبات في هذا السبيل‪.‬‬
‫والمقاتل مع صدام متوعد بالنار؛ لنه أعانه‬
‫على الظلم والعدوان‪ ،‬ويخشى أن يكون كافرا ً‬
‫إذا وافقه على بعثيته وإلحاده‪ ،‬أو استحل قتل‬
‫المسلمين‪ ،‬فالمقصود أنه شريك له في الظلم‬
‫والعدوان‪ ،‬وفي كفره تفصيل‪ ،‬وهو متوعد بالنار‬
‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )الديات(‪ ،‬باب )ما جاء فيمن قتل دون ماله‬
‫فهو شهيد( برقم ‪.1421‬‬
‫‪344‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫حتى لو كان من المسلمين؛ لقتاله مع الظالمين‬
‫لخوانه المسلمين‪ ،‬وإخوانه المظلومين‪.‬‬

‫‪345‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أما المقاتل المسلم الذي هو ضد الظالم فهو‬
‫على خير عظيم‪ ،‬إن قتل فهو شهيد‪ ،‬وإن أسر‬
‫أو جرح فهو مأجور‪ .‬وبكل حال فله أجر‬
‫المجاهدين سلم أو قتل إذا أصلح الله نيته‪.‬‬
‫س‪ :‬يشكك كثير من الناس‪ ،‬في أن‬
‫القتال ضد صدام من الجهاد في‬
‫سبيل الله‪ ،‬بل هو من أجل المصالح‬
‫المادية؛ من نفط وأرض‪ ،‬ولو أن‬
‫المسلمين قاموا بقتال اليهود لما‬
‫وقفت معهم دول التحالف‪.‬‬
‫فاليهود قد ظلموا واعتدوا على‬
‫أرض المسلمين كما فعل حاكم‬
‫العراق أهلكه الله ومع هذا لم يسترد‬
‫الحق إلى أهله منذ أربعين سنة وحتى‬
‫الن‪ ...‬نرجو من سماحتكم توضيح‬
‫)‪(1‬‬
‫هذا المر‪.‬‬
‫ج‪ :‬اليهود لهم حالة أخرى‪ :‬اعتدوا على أرض‬
‫فلسطين‪ ،‬والواجب على المسلمين جهادهم‬
‫حتى يخرجوهم من بلد المسلمين‪ ،‬وحتى ينتصر‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.119‬‬
‫‪346‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إخواننا الفلسطينيون عليهم‪ ،‬ويقيموا دولتهم‬
‫السلمية على أرضهم‪ ،‬وهذا لشك في‬

‫‪347‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وجوبه على الدول السلمية حسب الطاقة‪.‬‬
‫ولكن ل يجوز إقحام هذا في هذا‪ ،‬فعدم قيام‬
‫الدول السلمية بجهاد اليهود في الوقت‬
‫الحاضر جهادا ً مباشرًا‪ ،‬ل يبيح لصدام قتال‬
‫المسلمين في الجزيرة العربية ول في الكويت‬
‫ول غيرها‪ ،‬ول يبيح لحد من المسلمين أن يعينه‬
‫على ذلك‪ ،‬ول يجوز للدول السلمية أن تمكنه‬
‫من عدوانه وظلمه‪ ،‬بل يجب صده وكف‬
‫عدوانه‪ ،‬وإزالة ظلمه عن المسلمين بكل ما‬
‫يستطاع من القوة‪ ،‬عمل ً بقول الله تعالى‪﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫وِإن‬
‫ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫ه ل ِّله﴾ ‪ ،‬وقوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫قت َت َُلوا َ َ‬
‫َ‬
‫نا ْ‬
‫طائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫حوا‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫صل ِ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فأ ْ‬
‫فَتا ِ‬
‫ما َ‬
‫خَرى‬
‫عَلى اْل ُ ْ‬
‫فِإن ب َ َ‬
‫ما َ‬
‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫ت إِ ْ‬
‫غ ْ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫حّتى ت َ ِ‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي ت َب ْ ِ‬
‫غي َ‬
‫فيءَ إ َِلى أ ْ‬
‫م ِ‬
‫ه﴾)‪ (2‬الية‪.‬‬
‫الل ّ ِ‬
‫فإذا كانت الفئة الباغية المؤمنة يجب قتالها‬
‫حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عن ظلمها‪،‬‬
‫فقتال الفئة الكافرة الباغية؛ مثل صدام وأتباعه‬
‫البعثيين أولى بالقتال‪ ،‬حتى يفيئوا إلى الحق‬
‫ويرجعوا عن الظلم‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.39‬‬
‫‪ ()2‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫‪348‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وبما ذكرنا‪ ،‬يعلم أن اليهود لهم شأن آخر‪،‬‬
‫وقتالهم واجب مستقل‪ .‬وعدوان هذا الظالم‬
‫على الكويت عدوان مستقل‪ ،‬يجب‬
‫أن ُيصد وُيقاتل‪ ،‬وُيتخلص منه‪.‬‬
‫ول يجوز أن يكون تقصير المسلمين في‬
‫الجهاد مع الفلسطينيين ضد اليهود‪ ،‬مسوغا ً‬
‫لخذلنهم في جهاد عدو الله صدام‪ ،‬الذي هو‬
‫أكفر من اليهود والنصارى‪ ،‬وأضل منهم‪ .‬وقد‬
‫اعتدى على شعب آمن‪ ،‬ثم عزم على العتداء‬
‫على بقية دول الخليج‪ ،‬ونواياه الخبيثة معلومة‪،‬‬
‫وشره معلوم‪ ،‬وقتاله متعين‪ .‬فإذا صدقت‬
‫العزائم‪ ،‬وهدى الله الجميع وأعانهم سبحانه‬
‫على قتال صدام وجنده‪ ،‬وصدوهم عن‬
‫عدوانهم‪ ،‬واستنقذوا الكويت من أيديهم‪ ،‬ففي‬
‫إمكانهم إن شاء الله أن يجاهدوا اليهود‬
‫ويستنقذوا القدس من أيديهم‪ ،‬وذلك جهاد آخر‬
‫وواجب آخر‪.‬‬
‫كما أنه يجب على المسلمين أن يجاهدوا غير‬
‫اليهود من الكفرة إذا استطاعوا ذلك‪ ،‬حتى‬
‫يدخلوا في دين الله أفواجًا‪ ،‬أو يؤدوا الجزية إن‬
‫كانوا من أهلها كما قال الله عز وجل‪﴿ :‬‬
‫وي َ ُ‬
‫حّتى ل َ ت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫قات ُِلو ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫وا ْ َ‬
‫ه ل ِّله َ‬
‫ما‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن انت َ َ‬
‫دي ُ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فإ ِ ِ‬
‫‪349‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قات ُِلوا ْ‬
‫صيٌر﴾)‪ ،(1‬وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ر‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫ول َ ِبال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫ول َ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫ول َ ي ُ َ‬
‫حّر َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫حّر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ق ِ‬
‫يَ ِ‬
‫ديُنو َ‬
‫ن أوُتوا ْ ال ْك َِتا َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ن ِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ع ُ‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫جْزي َ َ‬
‫صا ِ‬
‫و ُ‬
‫عن ي َ ٍ‬
‫غُرو َ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫طوا ْ ال ْ ِ‬
‫د َ‬
‫﴾)‪ .(2‬فالمسلمون عليهم أن‬
‫يقاتلوا الكفرة جميعًا‪ ،‬حتى يكون الدين كله لله‪،‬‬
‫إل من أدى الجزية من أهل الجزية‪ ،‬فإذا عجزوا‬
‫عن ذلك‪ ،‬فإنهم ل يلمون إذا قاتلوا من تعدى‬
‫فات ّ ُ‬
‫عليهم دون غيرهم؛ لقول الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫قوا‬
‫م﴾)‪.(3‬‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫فاليهود قد تعدوا على فلسطين‪ ،‬فعلى‬
‫المسلمين أن يقاتلوا مع الفلسطينيين ضدهم‪،‬‬
‫وتعدي صدام على الكويت وحشد الجيوش على‬
‫السعودية بعدوان جديد من ظالم عنيد ملحد‪،‬‬
‫أكفر من اليهود والنصارى والعياذ بالله فيجب‬
‫صده وقتاله؛ لن الشيوعيين والبعثيين أكفر من‬
‫أهل الكتاب‪ .‬كفى الله المسلمين شرهم جميعًا‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.193‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.29‬‬
‫‪ ()3‬سورة التغابن‪ ،‬الية ‪.16‬‬
‫‪350‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫س‪ :‬هل يتعين على جميع المسلمين‬
‫الوقوف مع المملكة‪ ،‬ومقاتلة هذا‬
‫)‪(4‬‬
‫الظالم الباغي؟‬
‫ج‪ :‬هذا اعتقادنا‪ ،‬فكما يجب عليهم أن يقاتلوا‬
‫اليهود حسب الطاقة‪ ،‬فكذلك يجب عليهم أن‬
‫يقاتلوا صدام حسب الطاقة من باب أولى‪ ،‬وأن‬
‫يكونوا مع الحق ضد الظالم في كل زمان‬
‫ومكان‪ .‬هذا واجبهم جميعا ً حسب الطاقة‬
‫والقدرة؛ لن‬

‫‪ ()4‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.121‬‬
‫‪351‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫في ذلك نصرا ً للمظلوم وردعا ً للظالم‪ ،‬والله‬
‫جل وعل أمر بذلك‪ ،‬وأذن فيه في قوله عز‬
‫وِإن َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فَتا ِ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ا ْ‬
‫قت َت َُلوا﴾ الية‪ ،‬كما سبق‪ .‬وفي قوله جل‬
‫وعل‪﴿ :‬ول َمن انت َصر بعد ظُل ْمه َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ما‬
‫ِ ِ‬
‫َ َ َ ْ َ‬
‫ك َ‬
‫فأ ْ‬
‫َ َ ِ‬
‫َ َ‬
‫سِبي ُ‬
‫عَلى‬
‫ل َ‬
‫ما ال ّ‬
‫من َ‬
‫ل*إ ِن ّ َ‬
‫هم ّ‬
‫سِبي ٍ‬
‫علي ْ ِ‬
‫في‬
‫وي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫غو َ‬
‫مو َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ي َظْل ِ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫ض بِ َ‬
‫هم َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ر ال ْ َ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ح ّ‬
‫قأ ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ا َلْر )‪ِ(2‬‬
‫م﴾ ‪ .‬والرسول صلى الله عليه وسلم أمر‬
‫أِلي ٌ‬
‫بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬انصر‬
‫أخاك ظالما ً أو مظلومًا((‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول الله‪:‬‬
‫نصرته مظلومًا‪ ،‬فكيف أنصره ظالمًا؟ قال‪:‬‬
‫))تحجزه عن الظلم‪ ،‬فذلك نصرك إياه(()‪ ،(3‬فإذا‬
‫كان المسلم الظالم يجب أن يردع عن ظلمه‪،‬‬
‫فالكافر الظالم أولى بذلك؛ لكفره وظلمه مثل‬
‫حاكم العراق وأشباهه من الملحدة الظلمة‪.‬‬
‫س‪ :‬هل يجوز لعن حاكم العراق؛ لن‬
‫بعض الناس يقولون‪ :‬إنه ما دام ينطق‬
‫بالشهادتين نتوقف في لعنه؟ وهل‬
‫‪ ()1‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫‪ ()2‬سورة الشورى‪ ،‬اليتان ‪.42 ،41‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الكراه(‪ ،‬باب )يمين الرجل لصاحبه( برقم‬
‫‪ ،6952‬والترمذي في )الفتن(‪ ،‬باب )ما جاء في النهي عن سب‬
‫الرياح برقم ‪.2255‬‬
‫‪352‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يجزم بأنه كافر؟ وما رأي سماحتكم‬
‫)‪(1‬‬
‫في رأي من يقول بأنه كافر؟‬
‫ج‪ :‬هو كافر‪ ،‬وإن قال‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬حتى‬
‫ولو صلى وصام‪ ،‬مادام لم يتبرأ من مبادئ‬
‫البعثية اللحادية‪ ،‬ويعلن أنه تاب إلى الله منها‬
‫وما تدعو إليه‪ ،‬ذلك أن البعثية كفر وضلل‪ ،‬فما‬
‫لم يعلن هذا فهو كافر‪ .‬كما أن عبد الله بن ُأبي‬
‫كافر‪ ،‬وهو يصلي مع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ويقول‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬ويشهد أن محمدا ً‬
‫رسول الله‪ ،‬وهو من أكفر الناس‪ ،‬وما نفعه‬
‫ذلك؛ لكفره ونفاقه‪.‬‬
‫فالذين يقولون‪ :‬ل إله إل الله من أصحاب‬
‫المعتقدات الكفرية؛ كالبعثيين والشيوعيين‬
‫وغيرهم‪ ،‬ويصلون لمقاصد دنيوية‪ ،‬فهذا ل‬
‫يخلصهم من كفرهم؛ لنه نفاق منهم‪ ،‬ومعلوم‬
‫عقاب المنافقين الشديد‪ ،‬كما جاء في كتاب‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫الله‪ ،‬قال جل وعل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫قي َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ر﴾)‪ ،(2‬وصدام بدعواه‬
‫ل ِ‬
‫الدّْر ِ‬
‫ك ال ْ‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫السلم أو دعواه الجهاد‪ ،‬أو قوله أنا مؤمن‪ ،‬كل‬
‫هذا ل يغني عنه شيئًا‪ ،‬ول يخرجه من النفاق‪،‬‬
‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.121‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.145‬‬
‫‪353‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولكي يعتبر من يدعي السلم مؤمنا ً حقيقيًا‪،‬‬
‫فلبد من التصريح بالتوبة مما كان يعتقده‬
‫سابقًا‪ ،‬ويؤكد هذا بالعمل؛ لقول الله تعالى‪﴿ :‬إ ِل ّ‬
‫ال ّذين َتابوا ْ َ‬
‫وب َي ُّنوا ْ ﴾)‪ .(1‬فالتوبة‬
‫صل َ ُ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫وأ ْ‬
‫حوا ْ َ‬
‫َ‬
‫الكلمية‪ ،‬والصلح الفعلي‪ ،‬لبد معه من بيان‪،‬‬
‫وإل فل‬
‫يكون المدعي صادقًا‪ ،‬فإذا كان صادقا ً في‬
‫التوبة‪ ،‬فليتبرأ من البعثية‪ ،‬وليخرج من الكويت‬
‫ويرد المظالم على أهلها‪ ،‬ويعلن توبته من‬
‫البعثية وأن مبادئها كفر وضلل‪ ،‬وأن على‬
‫البعثيين أن يرجعوا إلى الله ويتوبوا إليه‪،‬‬
‫ويعتنقوا السلم‪ ،‬ويتمسكوا بمبادئه قول ً وعمل ً‬
‫ظاهرا ً وباطنًا‪ ،‬ويستقيموا على دين الله‪،‬‬
‫ويؤمنوا بالله ورسوله‪ ،‬ويؤمنوا بالخرة إن كانوا‬
‫صادقين‪ .‬أما البهرج والنفاق فل يصلح عند الله‬
‫ن‬
‫ول عند المؤمنين‪ .‬يقول سبحانه وتعالى‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ل ِ‬
‫في الدّْر ِ‬
‫ك ال ْ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫من‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬ويقول جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫الّنا ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫هم‬
‫ما ُ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫ر َ‬
‫وِبال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫م ْ‬
‫ما‬
‫ن*ي ُ َ‬
‫خاِد ُ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫عو َ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫و َ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫بِ ُ‬
‫مُنوا َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن إ ِل ّ أن ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫في‬
‫يَ ْ‬
‫خد َ ُ‬
‫ن* ِ‬
‫عُرو َ‬
‫عو َ‬
‫ش ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫هم َ‬
‫ُ ُ‬
‫ض َ‬
‫هم‬
‫فَزادَ ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫هم ّ‬
‫مَر ٌ‬
‫مَرضا ً َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.160‬‬
‫‪ ()2‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.145‬‬
‫‪354‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ذاب أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ل‬
‫ن*‬
‫بو‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ب‬
‫م‬
‫لي‬
‫َ‬
‫ذا ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع َ ٌ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫م ل َ تُ ْ‬
‫ما‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫س ُ‬
‫لَ ُ‬
‫قاُلوا ْ إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ف ِ‬
‫دو َ‬
‫حو َ‬
‫س ُ‬
‫صل ِ ُ‬
‫نَ ْ‬
‫ن*أل إ ِن ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن ُ‬
‫م ْ‬
‫مُنوا ْ‬
‫قي َ‬
‫كن ل ّ ي َ ْ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ذا ِ‬
‫مآ ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫عُرو َ‬
‫ش ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن* َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫قاُلوا ْ أن ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ما آ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ما آ َ‬
‫كَ َ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫فهاء َ‬
‫كن ل ّ‬
‫َ‬
‫هاء‬
‫ف‬
‫س‬
‫ال‬
‫م‬
‫ه‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫أل‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ول َ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫س َ َ‬
‫ال ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫هذا حال صدام وأشباهه‪ ،‬ممن يعلن السلم‬
‫نفاقا ً وخداعًا‪ ،‬وهو يذيق المسلمين أنواع الذى‬
‫والظلم‪ ،‬ويقيم على عقيدته اللحادية البعثية‪.‬‬
‫س‪ :‬هل يعتبر عمل المتطوعين في‬
‫التعاون مع رجال المن من الرباط‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫أم ل؟‬
‫ج‪ :‬عمل المتطوعين في كل بلد ضد الفساد‬
‫مع رجال المن يعتبر من الجهاد في سبيل الله‪،‬‬
‫لمن أصلح الله نيته‪ ،‬وهو من الرباط في سبيل‬
‫الله ؛ لن الرباط هو لزوم الثغور ضد العداء‪،‬‬
‫وإذا كان العدو قد يكون في الباطن‪ ،‬واحتاج‬
‫المسلمون أن يتكاتفوا مع رجال المن ضد‬
‫‪ ()1‬سورة البقرة‪ ،‬اليات ‪.13 8‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.123‬‬
‫‪355‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫العدو الذي يخشى أن يكون في الباطن‪ ،‬يرجى‬
‫لهم أن يكونوا مرابطين‪ ،‬ولهم أجر المرابط‬
‫لحماية البلد من مكائد العداء الداخليين‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬التعاون مع رجال الهيئة المرين‬
‫بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد‬
‫في سبيل الله‪ ،‬في حق من صلحت نيته؛ لقول‬
‫فيَنا‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ع‬
‫ه ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫م ُ‬
‫دي َن ّ ُ‬
‫ل َن َ ْ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫سب ُل ََنا َ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫سِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫وقول النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ما من‬
‫نبي بعثه الله في أمة قبلي‪ ،‬إل كان له من أمته‬
‫حواريون‪ ،‬وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون‬
‫بأمره‪ ،‬ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف‪ ،‬يقولون‬
‫ما ل يفعلون ويفعلون ما ل‬

‫‪ ()1‬سورة العنكبوت‪ ،‬الية ‪.69‬‬
‫‪356‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يؤمرون‪ ،‬فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن‬
‫جاهدهم بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بقلبه‬
‫فهو مؤمن‪ ،‬وليس وراء ذلك من اليمان حبة‬
‫خردل(()‪ .(1‬رواه المام مسلم في صحيحه‪ ،‬من‬
‫حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ‪.‬‬
‫س‪ :‬يسأل بعض الطباء والعاملين‬
‫في النفط‪ .‬هل إذا أخلصوا النية‪،‬‬
‫وأنهم يقومون بعملهم من أجل الله‬
‫تعالى وحدث أن قتلوا بالصواريخ‬
‫التي يطلقها حاكم العراق‪ ،‬هل‬
‫)‪(2‬‬
‫يعتبرون من الشهداء؟‬
‫ج‪ :‬إذا كانوا مسلمين فهم شهداء‪ ،‬إذا ضربوا‬
‫بالصواريخ أو غيرها مما يقتلهم‪ ،‬حكمهم حكم‬
‫الشهداء‪ ،‬وهكذا كل مسلم يقتل مظلوما ً في‬
‫أي مكان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫))من قتل دون دينه فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون‬
‫ماله فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون دمه فهو شهيد‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )كون النهي عن المنكر من‬
‫اليمان( برقم ‪.50‬‬
‫‪ ()2‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.123‬‬
‫‪357‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ومن قتل دون أهله فهو شهيد(()‪ ،(1‬ولما ثبت‬
‫في صحيح مسلم‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم أنه أتاه رجل فقال‪ :‬يا رسول الله‪:‬‬
‫يأتيني الرجل يريد مالي؟ فقال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬ل تعطه مالك((‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ :‬فإن قاتلني؟ فقال النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬قاتله((‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬يا رسول‬
‫الله‪ :‬فإن قتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫))فأنت شهيد(( قال الرجل‪ :‬فإن قتلته؟ قال‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬هو في النار(( )‪.(2‬‬
‫وهذا حديث عظيم يدل على أن من قتل من‬
‫المسلمين مظلوما ً فهو شهيد‪ .‬فلله الحمد‬
‫والمنة على ذلك‪.‬‬
‫س‪ :‬أفادكم الله‪ :‬نرجو إخبارنا عن‬
‫غزوة الخندق‪ ،‬وهل هي مشابهة لما‬
‫)‪(3‬‬
‫نحن فيه الن؟‬
‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )الديات(‪ ،‬باب )ما جاء فيمن قتل دون ماله‬
‫فهو شهيد( برقم ‪.1421‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )الدليل على أن من قصد أخذ‬
‫مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه( برقم ‪.140‬‬
‫‪ ()3‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫‪358‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ج‪ :‬غزوة الخندق محنة عظيمة امتحن الله‬
‫بها المسلمين‪ ،‬وأقام بها الحجة على الكافرين‪،‬‬
‫ونصر بها رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده‬
‫المؤمنين‪ ،‬فقد اجتمع فيها أحزاب الكفار وغزوا‬
‫المدينة؛ ولذلك تسمى غزوة الحزاب‪،‬‬
‫والرسول صلى‬

‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.128‬‬
‫‪359‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الله عليه وسلم حفر خندقا ً حول المدينة‪،‬‬
‫وأشار عليه بهذا سلمان الفارسي رضي الله‬
‫عنه وصار هذا الخندق بينه وبين العداء‪ ،‬ونفع‬
‫الله به كثيرًا‪ ،‬وبقي الكفار محاصرين المدينة‬
‫نحو شهر‪ .‬وفي هذه الغزوة أنزل الله تعالى‬
‫َ‬
‫مُنوا اذْك ُُروا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫قوله عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫د‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ُ‬
‫م إ ِذْ َ‬
‫نِ ْ‬
‫جاءت ْك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫جُنو ً‬
‫و ُ‬
‫ري ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫دا ل ّ ْ‬
‫ْ‬
‫م ت ََر ْ‬
‫حا َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫صيًرا *إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫كا َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ؤو ُ‬
‫س َ‬
‫من َ‬
‫جا ُ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫ل ِ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫م َ‬
‫ف ْ‬
‫َ‬
‫وإ ِذْ َزا َ‬
‫ت ال ْ ُ‬
‫ب‬
‫وب َل َ َ‬
‫غ ِ‬
‫قُلو ُ‬
‫غ ْ‬
‫ت اْلب ْ َ‬
‫صاُر َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫هَنال ِ َ‬
‫ك‬
‫ه الظُنوَنا* ُ‬
‫ن ِبالل ِ‬
‫وت َظّنو َ‬
‫ال َ‬
‫حَنا ِ‬
‫جَر َ‬
‫وُزل ْ ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫زل َْزاًل‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ي ال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫اب ْت ُل ِ َ‬
‫زلوا ِ‬
‫ف ُ‬
‫وإ ِذْ ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫َ‬
‫في‬
‫ن ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ش ِ‬
‫قو َ‬
‫دي ً‬
‫ذي َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫دا* َ‬
‫ُ‬
‫ه إ ِّل‬
‫و َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫عدََنا الل ّ ُ‬
‫ض ّ‬
‫هم ّ‬
‫مَر ٌ‬
‫قُلوب ِ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫غُروًرا﴾)‪.(1‬‬
‫هكذا ظهر النفاق والعياذ بالله فالمشركون‬
‫تجمعوا لمحاربة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ويقال لها غزوة الحزاب؛ لن قريشا ً‬
‫جمعت أحزابا ً كثيرة من غطفان وغير غطفان‪،‬‬
‫ومن الحابيش وغيرهم‪ ،‬حتى قال أصحاب‬
‫السير‪ :‬إنهم عشرة آلف قصدوا المدينة للقضاء‬
‫على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة الحزاب‪ ،‬اليات ‪.12 9‬‬
‫‪360‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ولكن الله خيب ظنهم‪ ،‬وردهم خائبين خاسئين‪،‬‬
‫والحمد لله‪ ،‬وأنزل الله عليهم جنودا ً لم يروها‬
‫من الملئكة‪ ،‬وأرسل عليهم ريحا ً زلزلهم الله‬
‫جل وعل بها‪ ،‬وشتت شملهم‪ ،‬وردهم خائبين‬
‫سبحانه وتعالى ‪.‬‬

‫‪361‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقد بلغت الشدة مع المسلمين أمرا ً‬
‫ما‬
‫عظيمًا‪ ،‬وظهر النفاق‪ ،‬وقال المنافقون‪ّ ﴿ :‬‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫غُروًرا﴾)‪ ،(1‬يعني‪ :‬ما‬
‫و َ‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫عدََنا الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وعدنا الله من النصر إل غرورًا‪ .‬هذا ظن‬
‫الكافرين والمنافقين أعاذنا الله من شرهم‬
‫‪،‬وليست غزوة الخندق مشابهة لحوادث الساعة‬
‫من كل الوجوه‪ ،‬بل هي أعظم وأشد بالنسبة‬
‫إلى غير أهل الكويت‪ ،‬أما مصيبة الكويت فهي‬
‫أشد‪ ،‬لكونهم أخرجوا من بلدهم ونهبت‬
‫أموالهم‪ ،‬وسفكت دماء الكثير منهم عامل الله‬
‫من ظلمهم بما يستحق‪ ،‬وأدار عليه دائرة‬
‫السوء إنه سميع قريب‪.‬‬
‫س‪ :‬إنني أحب الجهاد‪ ،‬وقد امتزج حبه‬
‫في قلبي‪ ،‬ول أستطيع أن أصبر عنه‪،‬‬
‫وقد استأذنت والدتي فلم توافق‪،‬‬
‫ولذا تأثرت كثيرًا‪ ،‬ول أستطيع أن‬
‫أبتعد عن الجهاد‪ .‬سماحة الشيخ‪ :‬إن‬
‫أمنيتي في الحياة هي الجهاد في‬
‫سبيل الله‪ ،‬وأن أقتل في سبيله‬

‫‪ ()1‬من ضمن السئلة الموجهة لسماحته‪ ،‬بعد المحاضرة التي ألقاها‬
‫في جامع الملك خالد يوم الخميس ‪16/7/1411‬هـ‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.129‬‬
‫‪362‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأمي ل توافق‪ .‬دلني جزاك الله خيرا ً‬
‫)‪(1‬‬
‫على الطريق المناسب‪.‬‬
‫ج‪ :‬جهادك في أمك جهاد عظيم‪ ،‬الزم أمك‬
‫وأحسن‬
‫إليها‪ ،‬إل إذا أمرك ولي المر بالجهاد فبادر؛‬
‫لقول النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬وإذا‬
‫استنفرتم فانفروا(()‪.(2‬‬
‫وما دام ولي المر لم يأمرك فأحسن إلى‬
‫أمك‪ ،‬وارحمها‪ ،‬واعلم أن برها من الجهاد‬
‫العظيم‪ ،‬قدمه النبي صلى الله عليه وسلم على‬
‫الجهاد في سبيل الله‪ ،‬كما جاء بذلك الحديث‬
‫الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فإنه قيل له‪ :‬يا رسول الله‪ :‬أي العمل أفضل؟‬
‫قال‪)) :‬الصلة لوقتها((‪ ،‬قيل‪ :‬ثم أي؟ قال‪:‬‬
‫)) بر الوالدين(( قيل‪ :‬ثم أي؟ قال‪)) :‬الجهاد في‬
‫سبيل الله(()‪ .(3‬متفق على صحته‪ ،‬فقدم برهما‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل الجهاد( برقم‬
‫‪ ،2783‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب )المبايعة بعد فتح مكة على‬
‫السلم والجهاد( برقم ‪.1864‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )مواقيت الصلة(‪ ،‬باب )فضل الصلة لوقتها(‬
‫برقم ‪ ،527‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )بيان كون اليمان بالله‬
‫أفضل العمال( برقم ‪.85‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )الجهاد بإذن البوين(‬
‫برقم ‪ ،3004‬ومسلم في )البر والصلة والداب( ‪ ،‬باب )بر الوالدين‬
‫وأنهما أحق به( برقم ‪.2549‬‬
‫‪363‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫على الجهاد‪ ،‬وجاء رجل يستأذنه‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول‬
‫الله‪ :‬أحب أن أجاهد معك‪ ،‬فقال له صلى الله‬
‫ي والداك((؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪:‬‬
‫عليه وسلم‪)) :‬أح ّ‬
‫))ففيهما فجاهد((‪ .‬متفق على صحته‪،‬‬

‫‪364‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫))ارجع فاستأذنهما‪ ،‬فإن أذنا لك فجاهد‪ ،‬وإل‬
‫فبرهما(()‪ .(1‬فهذه الوالدة ارحمها‪ ،‬وأحسن إليها‬
‫حتى تسمح لك‪ ،‬وهذا كله في جهاد الطلب‪،‬‬
‫وفيما إذا لم يأمرك ولي المر بالنفير‪ ،‬وأما إذا‬
‫نزل البلء بك‪ ،‬فدافع عن نفسك وعن إخوانك‬
‫في الله‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله‪ .‬وهكذا إذا‬
‫أمرك ولي المر بالنفير‪ ،‬فانفر ولو بغير رضاها؛‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫لقول الله تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫نآ َ‬
‫قي َ‬
‫م إِ َ‬
‫ه‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫م ان ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫قل ْت ُم إَلى ال َ‬
‫اّثا َ‬
‫ة الدّن َْيا‬
‫ر‬
‫حَيا ِ‬
‫ض أَر ِ‬
‫ضيُتم ِبال ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ة َ‬
‫في‬
‫مَتا ُ‬
‫ة الدّن َْيا ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ف َ‬
‫ة إ ِل ّ َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫ع َ‬
‫ذاًبا‬
‫م َ‬
‫ل *إ ِل ّ َتن ِ‬
‫ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫فُروا ْ ي ُ َ‬
‫عذّب ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ل َ‬
‫د ْ‬
‫ه‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ضّرو ُ‬
‫غي َْرك ُ ْ‬
‫و ً‬
‫أِلي ً‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫ما َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫َ‬
‫ديٌر﴾)‪،(2‬ولقول‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫والل ّ ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ش ْ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬وإذا استنفرتم‬
‫فانفروا(()‪ .(3‬متفق على صحته‪ .‬وفق الله‬
‫الجميع لما يحب ويرضى‪.‬‬
‫‪ ()1‬رواه أبو داود في )الجهاد(‪ ،‬باب )الرجل يغزو وأبواه كارهان(‬
‫برقم ‪.2530‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬اليتان ‪.39 ،38‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل الجهاد( برقم‬
‫‪ ،2783‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب )المبايعة بعد فتح مكة على‬
‫السلم والجهاد( برقم ‪.1864‬‬
‫‪365‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -48‬حكم الستعانة بالكفار في قتال‬
‫الكفار‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على أشرف المرسلين‪ ،‬وإمام المتقين‪ ،‬وقائد‬
‫المجاهدين‪ ،‬نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‬
‫والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫)‪(1‬‬

‫فقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم‬
‫الستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬المنع من ذلك ‪ ،‬واحتجوا على ذلك‬
‫بما يلي‪:‬‬
‫أول ً‪ :‬ما رواه مسلم في صحيحه‪ ،‬عن‬
‫عائشة رضي الله عنها أن رجل ً من المشركين‬
‫كان معروفا ً بالجرأة والنجدة‪ ،‬أدرك النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم في مسيره إلى بدر في حرة‬
‫الوبرة‪ ،‬فقال‪ :‬جئت لتبعك وأصيب معك‪ ،‬فقال‬
‫له النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬تؤمن بالله‬
‫ورسوله؟(( قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪)) :‬ارجع‪ ،‬فلن أستعين‬
‫بمشرك((‪ ،‬قالت‪ :‬ثم مضى حتى إذا كنا في‬
‫الشجرة أدركه الرجل‪ ،‬فقال له كما قال له أول‬
‫مرة‪ ،‬فقال‪)) :‬تؤمن بالله ورسوله؟(( قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫‪ ()1‬كلمة لسماحته نشرت في هذا المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.183‬‬
‫‪366‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قال‪)) :‬ارجع‪ ،‬فلن أستعين بمشرك((‪ ،‬ثم لحقه‬
‫في البيداء‪ ،‬فقال مثل قوله‪ ،‬فقال له‪)) :‬تؤمن‬
‫بالله ورسوله؟(( قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪)) :‬فانطلق((‬
‫)‪ .(1‬أ هـ‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬واحتجوا أيضا ً بما رواه الحاكم في‬
‫صحيحه من حديث يزيد بن هارون‪ :‬أنبأنا مستلم‬
‫بن سعيد الواسطي‪ ،‬عن خبيب بن عبد الرحمن‬
‫بن خبيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ :‬خبيب بن يساف‪،‬‬
‫قال‪ :‬أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوًا‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ :‬إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا ً‬
‫ل نشهده معهم‪ ،‬فقال‪)) :‬أسلما(( فقلنا‪ :‬ل ‪،‬‬
‫قال‪)) :‬فإنا ل نستعين بالمشركين على‬
‫المشركين(( قال‪ :‬فأسلمنا وشهدنا معه‪" ...‬‬
‫)‪ .(2‬الحديث‪ ،‬قال الحاكم‪ :‬حديث صحيح السناد‪،‬‬
‫ولم يخرجاه‪ ،‬وخبيب صحابي معروف‪ .‬أ‪ .‬هـ‬
‫ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية )‪(423‬‬
‫ثم قال‪ :‬ورواه أحمد‪ ،‬وابن أبي شيبة‪ ،‬وإسحاق‬
‫بن راهويه في مسانيدهم‪ ،‬والطبري في معجمه‬
‫من طريق ابن أبي شيبة‪ .‬قال في التنقيح‪:‬‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )كراهة الستعانة في‬
‫الغزو بكافر( برقم ‪.1817‬‬
‫‪ ()2‬رواه المام أحمد في )مسند المكيين(‪ ،‬حديث خبيب رضي الله‬
‫عنه برقم ‪.15336‬‬
‫‪367‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ومستلم ثقة‪ ،‬وخبيب بن عبد الرحمن أحد‬
‫الثقات الثبات‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫ثم قال الزيلعي‪ :‬حديث آخر‪ :‬روى إسحاق‬
‫بن راهويه في مسنده‪ ،‬أخبرنا الفضل بن‬
‫موسى‪ ،‬عن محمد بن عمرو بن علقمة‪ ،‬عن‬
‫سعيد بن المنذر‪ ،‬عن أبي حميد الساعدي قال‪:‬‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم‬
‫أحد‪ ،‬حتى إذا خلف ثنية الوداع‬
‫نظر وراءه‪ ،‬فإذا كتيبة حسناء‪ ،‬فقال‪)) :‬من‬
‫هؤلء؟(( قالوا‪ :‬هذا عبد الله بن أبي بن سلول‬
‫في مواليه من اليهود‪ ،‬وهم رهط عبد الله بن‬
‫سلم‪ .‬فقال‪)) :‬هل أسلموا؟(( قالوا‪ :‬ل‪ ،‬إنهم‬
‫على دينهم‪ ،‬قال‪)) :‬قولوا لهم فليرجعوا‪ ،‬فإنا ل‬
‫نستعين بالمشركين على المشركين(()‪.(1‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ورواه الواقدي في كتاب المغازي‪ ،‬ولفظه‪:‬‬
‫فقال‪)) :‬من هؤلء؟(( قالوا‪ :‬يا رسول الله‪:‬‬
‫هؤلء حلفاء ابن ُأبي من يهود‪ ،‬فقال عليه‬
‫السلم‪ )) :‬ل نستنصر بأهل الشرك على أهل‬
‫الشرك(( انتهى‪.‬‬
‫‪ ()1‬رواه الحاكم في المستدرك في )الجهاد(‪ ،‬باب )إنا ل نستعين‬
‫بالمشركين على المشركين( برقم ‪ ،2604‬وأورده ابن أبي شيبة‬
‫في المصنف في )كتاب المغازي(‪ ،‬باب )هذا ما حفظ أبو بكر في‬
‫أحد وما جاء فيها( برقم ‪.35708‬‬
‫‪368‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ‪:‬‬
‫وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة‪ ،‬فذهب‬
‫جماعة إلى منع الستعانة بالمشركين‪ ،‬ومنهم‬
‫أحمد مطلقًا‪ ،‬وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬إن ما يعارضه ل يوازيه في الصحة‪،‬‬
‫فتعذر إدعاء النسخ‪ .‬وذهبت طائفة‪ ،‬إلى أن‬
‫للمام أن يأذن للمشركين أن يغزو معه‪،‬‬
‫ويستعين بهم بشرطين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن يكون في المسلمين قلة‪،‬‬
‫بحيث تدعو الحاجة‬

‫‪369‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إلى ذلك‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر‬
‫المسلمين‪ ،‬ثم أسند إلى الشافعي أن قال‪:‬‬
‫الذي روى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫رد مشركا ً أو مشركين‪ ،‬وأبى أن يستعين‬
‫بمشرك كان في غزوة بدر‪ ،‬ثم إنه عليه السلم‬
‫استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود‬
‫من بني قينقاع‪ ،‬واستعان في غزوة حنين سنة‬
‫ثمان بصفوان بن أمية‪ ،‬وهو مشرك‪ .‬فالرد الذي‬
‫في حديث مالك‪،‬إن كان لجل أنه مخير في‬
‫ذلك‪ :‬بين أن يستعين به‪ ،‬وبين أن يرده‪ ،‬كما له‬
‫رد المسلم لمعنى يخافه‪ ،‬فليس واحد من‬
‫الحديثين مخالفا ً للخر‪ ،‬وإن كان لجل أنه‬
‫مشرك‪ ،‬فقد نسخه ما بعده من استعانته‬
‫بالمشركين‪ .‬ول بأس أن يستعان بالمشركين‬
‫على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا‪ ،‬ويرضخ‬
‫لهم ول يسهم لهم‪ ،‬ول يثبت عن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم أنه أسهم لهم‪ .‬قال الشافعي‪:‬‬
‫))ولعله عليه السلم إنما رد المشرك الذي رده‬
‫في غزوة بدر رجاء إسلمه‪ ،‬قال‪ :‬وذلك واسع‬
‫للمام أن يرد المشرك ويأذن له((‪ .‬انتهى‪،‬‬
‫وكلم الشافعي كله نقله البيهقي عنه)‪ .(1‬أ هـ‪.‬‬
‫‪) ()1‬نصب الراية( للزيلعي ج ‪ 3‬ص ‪ ،424 ،423‬ط ‪ ،1‬مطبعة دار‬
‫المأمون‪.‬‬
‫‪370‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال النووي رحمه الله في شرحه لصحيح‬
‫مسلم ‪ 199 ،198‬ج ‪ 12‬ما نصه‪" :‬قوله‪ :‬عن‬
‫عائشة رضي الله عنها أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم خرج قبل بدر فلما‬
‫كان بحرة )الوبرة( هكذا ضبطناه بفتح الباء‪،‬‬
‫وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وضبطه بعضهم بإسكانها‪ ،‬وهو موضع على نحو‬
‫أربعة أميال من المدينة ‪ .‬قوله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬فارجع فلن أستعين بمشرك((‪ ،‬وقد‬
‫جاء في الحديث الخر أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلمه‪،‬‬
‫فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الول على‬
‫إطلقه‪ ،‬وقال الشافعي وآخرون‪ :‬إن كان الكافر‬
‫حسن الرأي في المسلمين‪ ،‬ودعت الحاجة إلى‬
‫الستعانة به‪ ،‬استعين به وإل فيكره‪ ،‬وحمل‬
‫الحديثين على هذين الحالين‪ ،‬وإذا حضر الكافر‬
‫بالذن رضخ له ول يسهم‪ ،‬والله أعلم " )‪ (1‬أ هـ‪.‬‬
‫وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه )الفصاح‬
‫عن معاني الصحاح( ج ‪ 2‬ص ‪ 286‬ما نصه‪:‬‬
‫"واختلفوا‪ :‬هل يستعان بالمشركين على قتال‬
‫أهل الحرب أو يعاونون على عدوهم‪ ،‬فقال‬
‫مالك وأحمد‪ :‬ل يستعان بهم ول يعاونون على‬
‫‪) ()1‬صحيح مسلم بشرح النووي( ج ‪ 12‬ص ‪ ،199 ،198‬دار الفكر‬
‫للطباعة ‪1403‬هـ‪.‬‬
‫‪371‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الطلق‪ .‬واستثنى مالك‪ :‬إل أن يكونوا خدما ً‬
‫للمسلمين فيجوز‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬يستعان بهم‬
‫ويعاونون على الطلق‪ ،‬ومتى كان حكم السلم‬
‫هو الغالب الجاري عليهم‪ .‬فإن كان حكم‬
‫الشرك هو‬

‫‪372‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الغالب كره‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬يجوز ذلك‬
‫بشرطين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن يكون بالمسلمين قلة‪،‬‬
‫وبالمشركين كثرة‪ .‬والثاني‪ :‬أن يعلم من‬
‫المشركين حسن رأي في السلم وميل إليه‪،‬‬
‫فإن استعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم‪ .‬إل‬
‫أن أحمد قال في إحدى روايته‪ :‬يسهم لهم‪.‬‬
‫وقال الشافعي‪ :‬إن استؤجروا أعطوا من مال ل‬
‫مالك له بعينه‪ .‬وقال في موضع آخر‪ :‬ويرضخ‬
‫لهم من الغنيمة‪ .‬قال الوزير‪ :‬وأرى ذلك مثل‬
‫الجزية والخراج " )‪ (1‬أ هـ‪.‬‬
‫القول الثاني‪ :‬جواز الستعانة بالمشركين‬
‫في قتال المشركين عند الحاجة أو الضرورة‪.‬‬
‫واحتجوا على ذلك بأدلة منها قوله جل وعل في‬
‫ل لَ ُ‬
‫قدْ َ‬
‫و َ‬
‫ص َ‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫كم ّ‬
‫ف ّ‬
‫سورة النعام‪َ ﴿ :‬‬
‫ه﴾)‪ ،(2‬الية‪،‬‬
‫َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫رْرت ُ ْ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ضط ُ ِ‬
‫واحتجوا أيضا ً بما نقله الحازمي عن الشافعي‬
‫رحمه الله فيما ذكرنا آنفا ً في حجة أصحاب‬
‫القول الول‪ ،‬وسبق قول الحازمي رحمه الله‬
‫نقل ً عن طائفة من أهل العلم أنهم أجازوا ذلك‬
‫بشرطين‪:‬‬

‫‪) ()1‬الفصاح عن معاني الصحاح( لبن هبيرة ج ‪ 2‬ص ‪ 438‬ط ‪،2‬‬
‫المكتبة الحلبية سنة ‪1366‬هـ‪1947 ،‬م‬
‫‪ ()2‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.119‬‬
‫‪373‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫أحدهما‪ :‬أن يكون في المسلمين قلة بحيث‬
‫تدعو الحاجة إلى ذلك‪.‬‬

‫‪374‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الثاني‪ :‬أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر‬
‫المسلمين‪ ،‬وتقدم نقل النووي عن الشافعي أنه‬
‫أجاز الستعانة بالمشركين بالشرطين‬
‫المذكورين وإل كره‪ ،‬ونقل ذلك أيضا ً عن‬
‫الشافعي الوزير ابن هبيرة كما تقدم ‪.‬‬
‫واحتج القائلون بالجواز أيضًا‪ :‬بما رواه أحمد‬
‫وأبو داود عن ذي مخمر‪ ،‬قال سمعت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬ستصالحون‬
‫الروم صلحا ً آمنًا‪ ،‬وتغزون أنتم وهم عدوا ً من‬
‫ورائكم فتنصرون وتغنمون(()‪ (1‬الحديث‪ .‬ولم‬
‫يذمهم على ذلك فدل على الجواز‪ ،‬وهو محمول‬
‫على الحاجة أو الضرورة كما تقدم ‪.‬‬
‫وقال المجد بن تيمية في )المحرر في‬
‫الفقه( ص ‪ 171‬ج ‪ 2‬ما نصه‪) :‬ول يستعين‬
‫بالمشركين إل لضرورة‪ ،‬وعنه إن قوي جيشه‬
‫عليهم وعلى العدو ولو كانوا معه‪ ،‬ولهم حسن‬
‫رأي في السلم جاز‪ ،‬وإل فل()‪ (2‬انتهى‪.‬‬
‫وقال‪ :‬الموفق في )المقنع( ج ‪ 1‬ص ‪ 492‬ما‬
‫نصه‪) :‬ول يستعين بمشرك إل عند الحاجة()‪.(3‬‬
‫‪ ()1‬رواه أبو داود في )الملحم(‪ ،‬باب )ذكر ما يذكر من ملحم‬
‫الروم( برقم ‪.4292‬‬
‫‪) ()2‬المحرر في الفقه( للمجد ابن تيمية ج ‪ 2‬ص ‪ ،171‬مكتبة‬
‫المعارف‪ ،‬الرياض ط ‪1404 ،2‬هـ‪.‬‬
‫‪) ()3‬المقنع( للموفق ابن قدامة ج ‪ 1‬ص ‪ ،492‬ط‪ .‬المؤسسة‬
‫السعيدية بالرياض‪ ،‬الطبعة الثالثة‪.‬‬
‫‪375‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪376‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال في المغني ج ‪ 8‬ص ‪" :415 ،414‬‬
‫)فصل(‪ :‬ول يستعان بمشرك‪ ،‬وبهذا قال ابن‬
‫المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم‪.‬‬
‫وعن أحمد ما يدل على جواز الستعانة به‪.‬‬
‫وكلم الخرقي يدل عليه أيضا ً عند الحاجة‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الشافعي؛ لحديث الزهري الذي ذكرناه‪،‬‬
‫وخبر صفوان بن أمية‪.‬ويشترط أن يكون من‬
‫يستعان به حسن الرأي في المسلمين‪ ،‬فإن‬
‫كان غير مأمون عليهم لم تجز الستعانة به؛‬
‫لننا إذا منعنا الستعانة بمن ل يؤمن من‬
‫المسلمين مثل المخذل والمرجف‪ ،‬فالكافر‬
‫أولى‪.‬‬
‫ووجه الول ما روت عائشة رضي الله عنها‬
‫قالت‪ :‬خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبرة أدركه رجل‬
‫من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة‪،‬‬
‫فسر المسلمون به‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله جئت‬
‫لتبعك وأصيب معك‪ ،‬فقال له رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪)) :‬أتؤمن بالله ورسوله؟((‬
‫قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪)) :‬فارجع فلن أستعين بمشرك((‬
‫قالت‪ :‬ثم مضى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل‪،‬‬
‫فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫))أتؤمن بالله ورسوله؟(( قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪377‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫))فانطلق(()‪ .(1‬متفق عليه‪ ،‬ورواه الجوزجاني‪.‬‬
‫وروى المام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن‬
‫بن خبيب‪ ،‬قال‪ :‬أتيت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وهو يريد غزوة‪ ،‬أنا ورجل من‬
‫قومي ولم ُنسلم‪ ،‬فقلنا‪ :‬إنا لنستحي أن يشهد‬
‫قومنا مشهدا ً ل نشهده معهم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)) فأسلمتما؟(( قلنا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪)) :‬فإنا ل نستعين‬
‫بالمشركين على المشركين(()‪ ،(2‬ولنه غير‬
‫مأمون على المسلمين فأشبه بالمخذل‬
‫والمرجف‪ ،‬قال ابن المنذر‪ :‬والذي ذكر أنه‬
‫استعان بهم غير ثابت ")‪ (3‬أ هـ‪.‬‬
‫وقال الحافظ في التلخيص بعدما ذكر‬
‫الحاديث الواردة في جواز الستعانة‬
‫بالمشركين‪ ،‬والحاديث المانعة من ذلك ما‬
‫نصه‪ :‬ويجمع بينه يعني حديث عائشة وبين الذي‬
‫قبله يعني حديث صفوان بن أمية‪ ،‬ومرسل‬
‫الزهري بأوجه ذكرها المصنف منها‪ .‬وذكره‬
‫البيهقي عن نص الشافعي‪ :‬أن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم تفرس فيه الرغبة في السلم‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )كراهة الستعانة في‬
‫الغزو بمشرك( برقم ‪.1817‬‬
‫‪ ()2‬رواه المام أحمد في )مسند المكيين(‪ ،‬حديث خبيب رضي الله‬
‫عنه برقم ‪.15336‬‬
‫‪ ()3‬المغني لبن قدامة ج ‪ 8‬ص ‪ .415 ،414‬ط ‪ 3‬دار المنار‬
‫‪1367‬هـ‪.‬‬
‫‪378‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫فرده رجاء أن يسلم‪ ،‬فصدق ظنه‪ .‬وفيه نظر‬
‫من جهة التنكر في سياق‬

‫‪379‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫النفي‪ .‬ومنها‪ :‬أن المر فيه إلى رأي المام‪.‬‬
‫وفيه النظر بعينه‪ .‬ومنها‪ :‬أن الستعانة كانت‬
‫ممنوعة ثم رخص فيها‪ ،‬وهذا أقربها‪ ،‬وعليه نص‬
‫الشافعي‪.‬‬
‫وقال في )الفروع( ج ‪ 6‬ص ‪ 205‬ما نصه‪:‬‬
‫"ويكره أن يستعين بكافر إل لضرورة‪ ،‬وذكر‬
‫جماعة‪ :‬لحاجة‪ ،‬وعنه يجوز مع رأي فينا‪ .‬زاد‬
‫جماعة وجزم به في المحرر‪ :‬وقوته بهم‬
‫)بالعدو(")‪.(1‬‬
‫وقال الصنعاني رحمه الله في )سبل‬
‫السلم( ج ‪ 4‬ص ‪ 50 ،49‬على شرحه لحديث‬
‫عائشة رضي الله عنها‪)) :‬ارجع فلن أستعين‬
‫بمشرك(()‪ (2‬ما نصه‪" :‬والحديث من أدلة من‬
‫قال ل يجوز الستعانة بالمشركين في القتال‪،‬‬
‫وهو قول طائفة من أهل العلم‪ .‬وذهب الهادوية‬
‫وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك‪ ،‬قالوا‪ :‬لنه‬
‫صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية‬
‫يوم حنين‪ ،‬واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ‬
‫لهم‪ .‬أخرجه أبو داود في المراسيل‪ ،‬وأخرجه‬
‫الترمذي عن الزهري مرس ً‬
‫ل‪ ،‬ومراسيل الزهري‬
‫‪ ()1‬الفروع لبن مفلح ج ‪ 6‬ص ‪ 205‬ط ‪ 2‬سنة ‪1388‬هـ ‪1967‬م دار‬
‫مصر للطباعة‪.‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )كراهة الستعانة في‬
‫الغزو بمشرك( برقم ‪.1817‬‬
‫‪380‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ضعيفة‪ .‬قال الذهبي‪ :‬لنه كان خطاء‪ ،‬ففي‬
‫إرساله‬

‫‪381‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫شبهة تدليس‪ .‬وصحح البيهقي من حديث أبي‬
‫حميد الساعدي أنه ردهم‪.‬‬
‫قال المصنف‪ :‬ويجمع بين الروايات‪ :‬بأن الذي‬
‫رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في السلم‬
‫فرده؛ رجاء أن يسلم‪ ،‬فصدق ظنه‪ ،‬أو أن‬
‫الستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها‪ ،‬وهذا‬
‫أقرب‪ .‬وقد استعان يوم حنين بجماعة من‬
‫المشركين تألفهم بالغنائم‪ .‬وقد اشترط الهادوية‬
‫أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء‬
‫الحكام‪ .‬وفي شرح مسلم‪ :‬أن الشافعي قال‪:‬‬
‫إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين‬
‫ودعت الحاجة إلى الستعانة استعين به‪ ،‬وإل‬
‫فيكره‪ .‬ويجوز الستعانة بالمنافق إجماعا ً‬
‫لستعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن‬
‫أبي وأصحابه")‪.(1‬‬
‫وهذا آخر ما تيسر نقله من كلم أهل العلم‪،‬‬
‫والله ولي التوفيق‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا‬
‫محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‪.‬‬

‫‪) ()1‬سبل السلم( للصنعاني ج ‪ ،4‬ص ‪ ،50 ،49‬ط ‪1379 ،4‬هـ‬
‫‪1960‬م‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪.‬‬
‫‪382‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪-49‬من أفضل الجهاد‬
‫في وقتنا هذا جهاد حاكم العراق‬
‫)‪(1‬‬

‫قال سماحة الشيخ‪ :‬عبد العزيز بن عبد الله‬
‫بن باز الرئيس العام لدارات البحوث العلمية‬
‫والفتاء والدعوة والرشاد‪ :‬إن من أفضل الجهاد‬
‫ومن أعظمه في وقتنا هذا جهاد حاكم العراق؛‬
‫لبغيه وعدوانه‪ ،‬واجتياحه دولة الكويت‪ ،‬وسفكه‬
‫الدماء‪ ،‬ونهبه الموال‪ ،‬وهتكه العراض‪ ،‬وتهديده‬
‫الدول المجاورة له من دول الخليج العربي‪.‬‬
‫وأكد سماحته أن ذلك عدوان عظيم‪،‬‬
‫وجريمة شنيعة‪ ،‬وبغي سافر يستحق عليه‬
‫الجهاد من المسلمين‪.‬‬
‫ونصح سماحة الشيخ ابن باز في كلمة وجهها‬
‫عبر مجلة )الدعوة( المسلمين بعامة ودول‬
‫الخليج العربي بخاصة‪ :‬أن يجاهدوا ذلك الظالم‪،‬‬
‫وأن يجتمعوا على جهاده‪.‬‬
‫كمـا نصـح الـذين يسـاعدون حـاكم العـراق‬
‫ويقفـون معـه‪ :‬أن يتقـوا اللـه‪ ،‬وأن يتوبـوا إليـه‪،‬‬
‫وأن يكونوا مع الحق أينما دار؛ لنه أحق بالتبــاع‬
‫وأحق بالنصر‪.‬‬
‫وفيما يلي نص كلمة سماحته‪:‬‬
‫‪ ()1‬نشرت في ج ‪ 7‬ص ‪ 376‬من هذا المجموع‪.‬‬
‫‪383‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول اللــه‪،‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فقد دلت الدلة الشــرعية علــى فضــل الجهــاد‪،‬‬
‫وأنه من أفضل القربات‪ ،‬وأنه ذروة سنام السلم‪،‬‬
‫كما قال المصطفى عليه الصلة والســلم‪)) :‬رأس‬
‫المــر الســلم‪ ،‬وعمــوده الصــلة‪ ،‬وذروة ســنامه‬
‫الجهاد في سبيل الله(()‪.(1‬‬
‫وقد أمر اللــه بالجهــاد فــي كتــابه العظيــم فــي‬
‫مواضع كـثيرة‪ ،‬وأثنـى علـى أهلـه كـثيرًا‪ ،‬ووعـدهم‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫فــا‬
‫فــُروا ْ ِ‬
‫خيــرا ً كــثيرا ً فقــال ســبحانه‪﴿ :‬ان ْ ِ‬
‫قال ً وجاه ـدوا ْ ب ـأ َ‬
‫ُ‬
‫وَأن ُ‬
‫وث ِ َ‬
‫فــي‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ َ ِ ُ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ل اللـــ ِ‬
‫َ‬
‫م ِإن كنت ُـــ ْ‬
‫خي ْـــٌر لكـــ ْ‬
‫ه ذَل ِكـــ ْ‬
‫ســـِبي ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫مو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هـ ْ‬
‫ل‬
‫من ُــوا َ‬
‫هــا ال ّ ـ ِ‬
‫وقال عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫جي ُ‬
‫أ َدُل ّ ُ‬
‫عــ َ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫جــاَر ٍ‬
‫عَلــى ت ِ َ‬
‫مــ ْ‬
‫كــم ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫أَ‬
‫م*ت ُ ْ‬
‫في‬
‫لي‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫جا ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خي ْ ـٌر‬
‫م َ‬
‫وأنف ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫َ‬
‫م ذل ِك ـ ْ‬
‫س ـك ْ‬
‫وال ِك ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫ن*ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫مــو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫م ذُن ُــوب َك ُ ْ‬
‫فـْر ل َك ُـ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُـ ْ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫هــاُر‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جن ّــا ٍ‬
‫مــن ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫هــا اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫جـ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال َ‬
‫وُز‬
‫ت َ‬
‫ن طي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫فــ ْ‬
‫عد ْ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫وأ ْ‬
‫خ ـَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّ ـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫مـ َ‬
‫ص ـٌر ّ‬
‫ظي ـ ُ‬
‫هــا ن َ ْ‬
‫م* َ‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند النصار(‪ ،‬من حديث معاذ بن جبل‪،‬‬
‫برقم ‪ ،21511‬والترمذي في )اليمان(‪ ،‬باب )ما جاء في حرمة‬
‫الصلة( برقم ‪.2616‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪384‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ح َ‬
‫و َ‬
‫مـ ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪ .(1‬وقــال عــز‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫شـ ِ‬
‫ق ِ‬
‫مـــ ْ‬
‫ها ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫شـــت ََرى ِ‬
‫وجـــل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫مِني َ‬
‫مـــ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّـــ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة يُ َ‬
‫َأن ُ‬
‫ن‬
‫جن ّ َ‬
‫قــات ُِلو َ‬
‫هم ب ِأ ّ‬
‫م ال َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ُ‬
‫وأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫في َ‬
‫سِبي ِ‬

‫ح ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫في َ ْ‬
‫ه َ‬
‫قــا‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫عل َي ْ ـ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫قت َُلو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ه َ‬
‫عـ ً‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫مــ ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫ن َ‬
‫قــْرآ ِ‬
‫ل َ‬
‫جيــ ِ‬
‫ة َ‬
‫فــي الّتــ ْ‬
‫وا ِ‬
‫أَ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫فى ب ِ َ‬
‫فا ْ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وذَِلـــ َ‬
‫و ال َ‬
‫وُز‬
‫ك ُ‬
‫عُتم ِبـــ ِ‬
‫اّلـــ ِ‬
‫ذي َبـــاي َ ْ‬
‫فـــ ْ‬
‫هـــ َ‬
‫ه َ‬
‫م﴾)‪.(2‬‬
‫ع ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ظي ُ‬
‫واليات في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬وقال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‪:‬‬
‫))جاهدوا المشركين بأموالكم‪ ،‬وأنفسكم‪،‬‬
‫وألسنتكم(()‪ ،(3‬وقال أيضا ً عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫))غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا‬
‫وما عليها(()‪.(4‬‬
‫فالجهـــاد لـــه شـــأن عظيـــم وفضـــل كـــبير‪،‬‬
‫والمجاهد فــي ســبيل اللــه لــه وعــد مــن اللــه‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.111‬‬
‫‪ ()3‬رواه المام أحمد في )باقي مسند المكثرين من الصحابة(‪،‬‬
‫مسند أنس بن مالك برقم ‪ ،11837‬وأبو داود في )الجهاد(‪ ،‬باب‬
‫)كراهية ترك الغزو( برقم ‪.2504‬‬
‫‪ ()4‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2892‬‬
‫‪385‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫بالمغفرة والجنة‪ ،‬ووعد بالنصر والفتح القريــب‪،‬‬
‫وهذا يسر كل مؤمن‪.‬‬
‫ويقول جل وعل في نصر دينه بالجهاد وغيره‪:‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫هــا اّلــ ِ‬
‫﴿َيــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫صــُروا الّلــ َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنــوا ِإن َتن ُ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪ ،(1‬ويقــول عــز‬
‫قـ َ‬
‫وي ُث َب ّـ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫ص ـْرك ُ ْ‬
‫َين ُ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫صــُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ن الّلــ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫لَ َ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫زيٌز*ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫و ّ‬
‫ع ِ‬
‫ق ِ‬
‫فــي اْل َرض أ َ‬
‫َ‬
‫ال‬
‫موا‬
‫ـا‬
‫قـ‬
‫صــَلةَ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنــا ُ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫ِإن ّ‬
‫ّ‬
‫ْ ِ‬
‫َ‬
‫وا‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫مـُروا ب ِــال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ف َ‬
‫وا الّزك َــاةَ َ‬
‫وآت َـ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫)‪(2‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر﴾ ‪.‬‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ِ‬
‫ة ال ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫ر َ‬
‫مو ِ‬
‫منك ِ‬
‫ع ِ‬
‫وقال عليــه الصــلة والســلم لمــا ســئل عــن‬
‫الرجــل يقاتــل شــجاعة‪ ،‬ويقاتــل حميــة‪ ،‬ويقاتــل‬
‫رياء‪ ،‬أي ذلك في سبيل الله؟ قال عليــه الصــلة‬
‫والســلم‪)) :‬مــن قاتــل لتكــون كلمــة اللــه هــي‬
‫العليا‪ ،‬فهو في سبيل الله(()‪.(3‬‬

‫‪ ()1‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ((2‬سورة الحج ‪ ،‬اليتان ‪. 41 ،40‬‬

‫‪ ()3‬رواه البخاري في )العلم(‪ ،‬باب )من سأل وهو قائم عالما ً جالسًا(‬
‫برقم ‪ ،123‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب )من قاتل لتكون كلمة الله‬
‫هي العليا( برقم ‪.1904‬‬
‫‪386‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقال عليه الصلة والسلم‪)) :‬مــن قتــل دون‬
‫دينه فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون دمه فهو شــهيد‪،‬‬
‫ومن قتل دون أهله فهو شهيد(()‪.(1‬‬
‫وجــاءه رجــل فقــال يــا رســول اللــه‪ :‬الرجــل‬
‫يأتيني يريد مالي؟ قال‪)) :‬ل تعطه مالك(( قــال‪:‬‬
‫فإن قاتلني؟ قال‪)) :‬قاتله(( قــال‪ :‬فــإن قتلنــي؟‬
‫قال‪)) :‬فــأنت شــهيد(( قــال‪ :‬فــإن قتلتــه؟ قــال‪:‬‬
‫))فهو في النار(()‪ .(2‬أخرجه مسلم في صحيحه‪.‬‬
‫واليات والحــاديث فــي فضــل وعظيــم أجــر‬
‫أهلــه كــثيرة جــدًا‪ ،‬وفــي وقتنــا هــذا مــن أفضــل‬
‫الجهاد ومن أعظم الجهاد‪ ،‬جهاد حــاكم العــراق؛‬
‫لبغيه وعدوانه‪ ،‬واجتياحه دولة الكــويت‪ ،‬وســفكه‬
‫الدماء‪ ،‬ونهبه الموال‪ ،‬وهتكه العراض‪ ،‬وتهديده‬
‫الدول المجاورة له من دول الخليج‪.‬‬
‫ولشك أن هذا العمل عدوان عظيم‪ ،‬وجريمة‬
‫شنيعة‪ ،‬وبغي ســافر يســتحق عليــه الجهــاد مــن‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ومن جاهده بنية صالحة فله أجر عظيم‪ ،‬فإن‬
‫قتل فهو شهيد؛ لنه قتل في نصره للمظلومين‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه الترمذي في )الديات(‪ ،‬باب )ما جاء فيمن قتل دون ماله‬
‫فهو شهيد( برقم ‪.1421‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في صحيحه في )اليمان(‪ ،‬باب )الدليل على أن من‬
‫قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه( برقم‬
‫‪.140‬‬
‫‪387‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وحمايــة للمســلمين مــن شــر حــاكم العــراق‬
‫وعدوانه‪ ،‬ومن قتل مع حاكم العراق فهو متوعد‬
‫بالنــار؛ لنــه ســاعد الظلمــة‪ ،‬وقاتــل فــي ســبيل‬
‫الظلم والعدوان‪.‬‬
‫فنصيحتي للمســلمين جميع ـا ً ولــدول الخليــج‬
‫بصــفة خاصــة‪ :‬أن يجاهــدوا هــذا الظــالم‪ ،‬وأن‬
‫يجتمعــوا علــى ذلــك؛ فهــو جهــاد عظيــم‪ ،‬وأهلــه‬
‫موعــودون بالنصــر وبــالجر العظيــم والعاقبــة‬
‫الحميدة‪.‬‬
‫ونصــيحتي للــذين يســاعدون حــاكم العــراق‬
‫ويقفـون معـه‪ :‬أن يتقـوا اللـه‪ ،‬وأن يتوبـوا إليـه‪،‬‬
‫وأن يكونوا مع الحق أينما دار؛ لنه أحق بالتبــاع‬
‫وأحق بالنصر‪.‬‬
‫وقد صح عــن رســول اللــه صــلى اللــه عليــه‬
‫وسلم أنه قال‪:‬‬
‫))انصــر أخــاك ظالم ـا ً أو مظلوم ـًا((‪ ،‬قــالوا‪ :‬يــا‬
‫رســول اللــه نصــرته مظلومــًا‪ ،‬فكيــف أنصــره‬
‫ظالمًا؟ قال‪)) :‬تحجزه عن الظلم‪ ،‬فذلك نصرك‬
‫إياه(()‪.(1‬‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الكراه(‪ ،‬باب )يمين الرجل لصاحبه( برقم‬
‫‪ ،6952‬والترمذي في )الفتن(‪ ،‬باب )ما جاء في النهي عن سب‬
‫الرياح( برقم ‪.2255‬‬
‫‪388‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وهــذا قــد ظلــم العبــاد‪ ،‬وتعــدى علــى أهــل‬
‫الكــويت‪ ،‬وهــدد غيرهــم مــن جيرانــه‪ ،‬مــع كــونه‬
‫ملحدًا‪ ،‬فقد اجتمع في حقــه إلحــاده وكفــره مــع‬
‫بغيــه وظلمــه‪ ،‬فلــو كــان مســلما ً ســليما ً لــوجب‬
‫جهاده حتى يفيء ويرد الحــق إلــى أهلــه‪ ،‬لقــول‬
‫وِإن َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫مــ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فَتا ِ‬
‫الله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫قت َت َل ُـــوا َ َ‬
‫مـــا َ‬
‫ا ْ‬
‫ت‬
‫فـــِإن ب َ َ‬
‫صـــل ِ ُ‬
‫غـــ ْ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫ف َ‬
‫خَرى َ‬
‫غي‬
‫عَلى اْل ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي ت َب ْ ِ‬
‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫إِ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ف ـِإن َ‬
‫ه َ‬
‫ت‬
‫مـ‬
‫حت ّــى ت َ ِ‬
‫ر الل ّـ ِ‬
‫َ‬
‫فــاء ْ‬
‫في ـءَ إ ِل َــى أ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سـ ُ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ق ِ‬
‫طوا إ ِ ّ‬
‫مــا ِبال ْ َ‬
‫ص ـل ِ ُ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫ل َ‬
‫ع ـد ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫وهذا لم يفئ‪ ،‬بــل بغــى‪ ،‬ولــم تــزل المظــالم‬
‫لديه‪ ،‬فالواجب قتاله حتى يرد الحـق إلـى أهلــه‪،‬‬
‫هذا لو كان مسلمًا‪ ،‬فكيــف وحــاله معلومــة مــن‬
‫اللحاد؟ !‬
‫فالواجب قتاله حتى يرد المظالم إلــى أهلهــا‪،‬‬
‫وحتى يخرج بجيشه من الكــويت بــدون قيــد ول‬
‫شرط‪ ،‬ول توبة لظالم حــتى يــرد المظــالم إلــى‬
‫أهلها‪.‬‬

‫‪ ()1‬سورة الحجرات‪ ،‬الية ‪.9‬‬
‫‪389‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا‪،‬‬
‫وأن ينصــرهم علــى عــدوهم‪ ،‬وأن يعينهــم علــى‬
‫جهاد هــذا الظــالم البــاغي‪ ،‬وأن ينصــرهم عليــه‪،‬‬
‫وأن يهــزم جمعــه ويشــتت شــمله‪ ،‬وأن يجعــل‬
‫دائرة السوء عليه إنه جل وعل جواد كريم‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورســوله‬
‫نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان‪.‬‬
‫وقد أجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبــد‬
‫الله بن باز على عدد من الســئلة‪ ،‬حيــث أوضــح‬
‫أن المشــــروع للمســــلمين نحــــو إخــــوانهم‬
‫المجاهــدين‪ :‬الــدعاء لهــم بــالتوفيق والنصــر‪،‬‬
‫والعانة وأن يدعوا لخوانهم المجاهدين بالنصــر‬
‫والتأييد والعانة على حرب أعدائهم‪ ،‬وأن يـدعوا‬
‫على عـدوهم ويقنتـوا قنــوت النــوازل؛ أن يهــزم‬
‫الله جمعه ويشتت شمله‪ ،‬وأن يعين المســلمين‬
‫عليه‪ ،‬وأن يرد حق المظلومين إليهم‪ ،‬وأن يخذل‬
‫الظالم ويرد كيده وشره عليه‪.‬‬
‫وأضاف سماحته في إجابة على سؤال حــول‬
‫قنــوت النــوازل‪ :‬بــأنه ســنة مؤكــدة فــي جميــع‬
‫الصلوات‪ ،‬وهو الدعاء علـى الظـالم بـأن يخزيـه‬
‫الله ويذله‪ ،‬ويهزم جمعه ويشتت شمله‪ ،‬وينصــر‬
‫المسلمين عليه‪.‬‬
‫وأجاب على سؤال حــول التــبرع بالــدم‪ :‬بــأن‬
‫المشروع للمسلمين إذا أصيب إخــوانهم بشــيء‬
‫‪390‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من الجراحــات واحتــاجوا إلــى دم مــن إخــوانهم‬
‫الحياء‪ ،‬أن يتبرعوا لهم بذلك‪ ،‬بشرط أن يكون‬
‫التبرع بالــدم ل يضــر المتــبرع إذا قــرر الطــبيب‬
‫المختص ذلك‪.‬‬
‫وقــال ســماحته فــي رد علــى ســؤال عــن‬
‫الــواجب علــى المســلم فــي هــذه الوقــات‪ :‬إن‬
‫الواجب عليه حســن الظــن بــالله واليمــان بــأنه‬
‫سبحانه هو الذي ينصر عباده‪ ،‬وأن النصــر بيــده‪،‬‬
‫وأن المنع والعطــاء بيــده والضــرر والنفــع‪ ،‬فهــو‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫صــُر‬
‫قــا َ‬
‫كــا َ‬
‫ن َ‬
‫عل َي َْنــا ن َ ْ‬
‫ســبحانه القــائل‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(1‬‬
‫مــ ْ‬
‫مــا‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وهــو القــائل جــل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫زي ـٌز‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ـ ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫ص ـُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫مـ ْ‬
‫ن الل ّ ـ َ‬
‫الن ّ ْ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫وهو القــائل جــل وعل فيمــا رواه عنــه النــبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أنا عند ظن عبدي بــي‪،‬‬
‫وأنا معه إذا دعاني(()‪ ،(3‬ويقول صلى اللــه عليــه‬
‫وسلم‪)) :‬ل يموتن أحدكم إل وهو يحســن الظــن‬
‫بالله(()‪.(4‬‬
‫‪ ()1‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()3‬رواه مسلم في )الذكر والدعاء والتوبة(‪ ،‬باب )فضل الذكر‬
‫والدعاء والتقرب إلى الله تعالى( برقم ‪2676‬‬
‫‪ ()4‬رواه مسلم في )الجنة وصفة نعيمها وأهلها(‪ ،‬باب )المر بحسن‬
‫الظن بالله تعالى عند الموت( برقم ‪2877‬‬
‫‪391‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ه َ‬
‫وك ُّلـوا ْ ِإن‬
‫و َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫فت َ َ‬
‫ويقول جل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ُ‬
‫مــ ْ‬
‫مــن‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫و َ‬
‫كنُتــم ّ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬ويقــول ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ه َ‬
‫وك ّ ْ‬
‫ه﴾)‪ ،(2‬أي‪ :‬كافيه‪.‬‬
‫ل َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫ح ْ‬
‫ف ُ‬
‫سب ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ي َت َ َ‬

‫وأوضح سماحة الشيخ ابن باز‪ :‬أن الواجب على‬
‫المســلمين حســن الظــن بــالله‪ ،‬والتوكــل عليــه‬
‫والعتماد عليه‪ ،‬والثقة به‪ ،‬واليمان بــأنه هــو الــذي‬
‫ينصر أولياءه‪ ،‬وأن النصر بيده سبحانه وتعالى وهو‬
‫َ‬
‫مُنــوا ِإن‬
‫هــا اّلــ ِ‬
‫القــائل جــل وعل‪َ﴿ :‬يــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪ (3‬هذا‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫َتن ُ‬
‫م َ‬
‫مع تعاطي السباب‪.‬‬
‫وقال‪ :‬فالمؤمن مأمور بتعــاطي الســباب الــتي‬
‫تعينه على قتال عدوه؛ من الســلح وأخــذ الحيطــة‬
‫والستعانة بالجنود والقوة‪ ،‬كل هذا مأمور بــه‪ ،‬مــع‬
‫التوكل على الله وحســن الظــن بــه كمــا قــال عــز‬
‫َ‬
‫خــ ُ‬
‫م﴾)‪،(4‬‬
‫مُنوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫حــذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫مــن‬
‫وأ َ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫عُتم ّ‬
‫هم ّ‬
‫وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ُ‬
‫ة﴾)‪.(5‬‬
‫و ٍ‬
‫ق ّ‬
‫وأشــار ســماحته‪ ،‬إلــى أن الــواجب علــى أهــل‬
‫الســلم أن يعــدوا العــدة لعــدائهم‪ ،‬وأن يأخــذوا‬
‫حــذرهم‪ ،‬وأن يســتعينوا بــأنواع الســباب المباحــة‬
‫والمشروعة‪ ،‬مع الثقة بالله والعتماد عليه‪.‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫المائدة‪ ،‬الية ‪.23‬‬
‫الطلق‪ ،‬الية ‪.3‬‬
‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪392‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وبين سماحته أن التوكل يجمع أمرين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬الثقة بالله والعتمــاد عليــه‪ ،‬واليمــان‬
‫بأنه مصرف المور‪ ،‬وأنه الضار النــافع‪ ،‬وأنــه بيــده‬
‫النصر سبحانه وتعالى ‪.‬‬

‫‪393‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ثانيهمـــا‪ :‬العنايــــة بالســــباب الشــــرعية‬
‫والمباحة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬كل هذا داخل في التوكل‪.‬‬
‫وفي إجابة لسماحته‪ ،‬حول ما ينبغي للمسلم‬
‫إزاء الشاعات والخبار المتداولة‪ ،‬قال سماحته‪:‬‬
‫ينبغــي للمســلم أل يتحــدث إل بالشــيء الثــابت‬
‫عنــده؛ لقــول النــبي صــلى اللــه عليــه وســلم‪:‬‬
‫))كفى بالمرء كذبا ً أن يحدث بكل ما ســمع(()‪،(1‬‬
‫فإذا شك فليقل‪ :‬يروى أو يذكر‪ ،‬ول يجزم بذلك‪،‬‬
‫ولكن إذا كان لــديه شــيء ثــابت قــد شــاهده أو‬
‫علمه بطريق ثابتة‪ ،‬أو سمعه من جهة يوثق بها‪،‬‬
‫فل بأس أن يحدث بذلك إذا رأى المصــلحة فــي‬
‫الحديث به‪.‬‬
‫وأضــاف ســماحته قــائ ً‬
‫ل‪ :‬مــع الحــرص علــى‬
‫تطمين المســلمين‪ ،‬وحثهــم علــى حســن الظــن‬
‫بــالله ‪ ،‬وإشــاعة الخبــار الســارة بينهــم‪ ،‬وتــرك‬
‫الخبار التي تحزنهــم‪ ،‬إل إذا دعــت الحاجــة إلــى‬
‫ذلــك؛ لقــول النــبي صــلى اللــه عليــه وســلم‪:‬‬
‫))يسروا ول تعسروا وبشروا ول تنفروا(()‪. (2‬‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )المقدمة(‪ ،‬باب )النهي عن الحديث بكل ما‬
‫سمع( برقم ‪.5‬‬
‫‪394‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -50‬جهاد حاكم العراق واجب على‬
‫الدول السلمية لنقاذ إخوانهم من‬
‫)‪( 1‬‬
‫الظلم‬
‫الحمــد للــه الــذي أمــر بالجهــاد فــي ســبيله‪،‬‬
‫ووعــد عليــه بــالجر العظيــم والنصــر المــبين‪،‬‬
‫وأشــهد أن ل إلــه إل اللــه وحــده ل شــريك لــه‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫عل َي ْن َــا‬
‫قــا َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫القائل في كتــابه الكريــم‪َ ﴿ :‬‬
‫مـ ْ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬وأشــهد أن محمــدا ً عبــده‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫صُر ال ْ ُ‬
‫نَ ْ‬
‫ورســوله وخليلــه‪ ،‬أفضــل المجاهــدين وأصــدق‬
‫المناضــلين‪ ،‬وأنصــح العبــاد أجمعيــن صــلى اللــه‬
‫عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين‪ ،‬وعلى‬
‫أصــحابه الكــرام الــذين بــاعوا أنفســهم للــه‪،‬‬
‫وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهــم الــدين‪،‬‬
‫وأعز بهم المؤمنين‪ ،‬وأذل بهم الكــافرين رضــي‬
‫الله عنهم‪ ،‬وأكرم مثــواهم وجعلنــا مــن أتبــاعهم‬
‫بإحسان إلى يوم الدين‪ .‬أما بعد‪:‬‬
‫فــإن الجهــاد فــي ســبيل اللــه مــن أفضــل‬
‫القربات‪ ،‬ومن أعظم الطاعات‪ ،‬بــل هــو أفضــل‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )العلم(‪ ،‬باب )ما كان النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يتخولهم بالموعظة( برقم ‪ ،69‬ومسلم في )الجهاد والسير(‪،‬‬
‫باب )في المر بالتيسير وترك التنفير( برقم ‪.1734‬‬
‫‪ ()1‬نشرت في مجلة )الدعوة(‪ ،‬العدد ‪ 1277‬في ‪16/7/1411‬هـ‪،‬‬
‫ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 7‬ص ‪.362‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪395‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مـــا تقـــرب بـــه المتقربـــون‪ ،‬وتنـــافس فيـــه‬
‫المتنافســون بعــد الفــرائض‪ ،‬ومــا ذاك إل لمــا‬
‫يترتب عليــه مــن نصــر المــؤمنين‪ ،‬وإعلء كلمــة‬
‫الدين‪ ،‬وقمع الكافرين والمنافقين‪،‬‬

‫‪396‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وتسهيل انتشار الدعوة السلمية بين العــالمين‪،‬‬
‫وإخراج العباد من الظلمــات إلــى النــور‪ ،‬ونشــر‬
‫محاسن الســلم وأحكــامه العادلــة بيــن الخلــق‬
‫أجمعيــن‪ ،‬وغيــر ذلــك مــن المصــالح الكــثيرة‬
‫والعواقب الحميدة للمسلمين‪.‬‬
‫وقــد ورد فــي فضــله وفضــل المجاهــدين مــن‬
‫اليات القرآنية والحاديث النبوية‪ ،‬ما يحفــز الهمــم‬
‫العالية‪ ،‬ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في‬
‫هـــذا الســـبيل‪ ،‬والصـــدق فـــي جهـــاد أعـــداء رب‬
‫العالمين‪ ،‬وهـو فـرض كفايـة علـى المسـلمين؛ إذا‬
‫قام به من يكفي ســقط عـن البــاقين‪ ،‬وقــد يكـون‬
‫في بعــض الحيــان مــن الفــرائض العينيــة‪ ،‬الــتي ل‬
‫يجوز للمسلم التخلف عنها إل بعــذر شــرعي؛ كمــا‬
‫لو اســتنفره المــام أو حصــر بلــده العــدو‪ ،‬أو كــان‬
‫حاضرا ً بين الصفين‪.‬‬

‫والدلــة علــى ذلــك مــن الكتــاب والســنة‬
‫معلومــــة‪ .‬وممــــا ورد فــــي فضــــل الجهــــاد‬
‫والمجاهدين من الكتــاب المــبين قــوله تعــالى‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫وث ِ َ‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫ان ْ ِ‬
‫جا ِ‬
‫هـ ُ‬
‫و َ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫دوا ْ ب ِ ـأ ْ‬
‫م َ‬
‫قال ً َ‬
‫فا َ‬
‫خي ٌْر ل ّ ُ‬
‫وَأن ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َ‬
‫كــ ْ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ِإن ُ‬
‫ضــا َ‬
‫ريب ًــا‬
‫ن َ‬
‫عَر ً‬
‫و ك َــا َ‬
‫مــو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُـ ْ‬
‫ن* ل َـ ْ‬
‫ق ِ‬

‫ت َ َ‬
‫عو َ‬
‫فًرا َ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ول َ ِ‬
‫قا ِ‬
‫كن ب َ ُ‬
‫دا ل ّت ّب َ ُ‬
‫ص ً‬
‫عد َ ْ‬
‫و َ‬
‫هــ ُ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حل ِ ُ‬
‫شــ ّ‬
‫ال ّ‬
‫عَنا‬
‫ق ُ‬
‫ن ِبــالل ِ‬
‫فو َ‬
‫ســت َط ْ‬
‫ســي َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫ه لــ ِ‬
‫هل ِ ُ‬
‫ن َأن ُ‬
‫م‬
‫لَ َ‬
‫كو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م َ‬
‫خَر ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م يُ ْ‬
‫عَلــ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عك ُ ْ‬
‫جَنا َ‬
‫م َ‬
‫‪397‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫م لَ َ‬
‫عن َ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫ن* َ‬
‫كاِذُبو َ‬
‫م أِذن َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن َلــ َ‬
‫صــدَ ُ‬
‫م‬
‫ك اّلــ ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫حّتــى ي َت َب َّيــ َ‬
‫عَلــ َ‬
‫ن َ‬
‫قوا ْ َ‬
‫ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ست َأِذن ُ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ه‬
‫ن ِبــالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫مُنــو َ‬
‫ن* ل َ ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫كاِذِبي َ‬
‫َ‬
‫خــــ َ‬
‫م‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫جا ِ‬
‫هــــ ُ‬
‫ر أن َ‬
‫ه ْ‬
‫دوا ْ ب ِــــأ ْ‬
‫م َ‬
‫وال ْي َــــ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫وأن ُ‬
‫مــا‬
‫ه َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫قي َ‬
‫ن* إ ِن ّ َ‬
‫م ِبــال ُ‬
‫عِليــ ٌ‬
‫واللــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ســ ِ‬
‫ْ‬
‫ست َأِذن ُ َ‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ه‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬

‫‪398‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م َ‬
‫ت ُ‬
‫فــي‬
‫م ِ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫واْرَتاب َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫دو َ‬
‫م ي َت ََردّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َري ْب ِ ِ‬
‫‪ -1‬المبادرة إلى الجهاد‪:‬‬
‫ففي هذه اليات الكريمات يــأمر اللــه عبــاده‬
‫المؤمنين أن ينفــروا إلــى الجهــاد خفافـا ً وثقــا ً‬
‫ل‪،‬‬
‫أي‪ :‬شـــيبا ً وشـــبابًا‪ ،‬وأن يجاهـــدوا بـــأموالهم‬
‫وأنفسهم في سبيل الله‪ ،‬ويخبرهم عز وجل بأن‬
‫ذلك خير لهم في الدنيا والخرة‪ ،‬ثم بين سبحانه‬
‫حــال المنــافقين وتثــاقلهم عــن الجهــاد وســوء‬
‫و‬
‫نيتهم‪ ،‬وأن ذلك هلك لهم بقوله عز وجــل‪﴿ :‬ل َ ـ ْ‬
‫َ‬
‫عــو َ‬
‫فًرا َ‬
‫س َ‬
‫ضا َ‬
‫ك‬
‫ن َ‬
‫عَر ً‬
‫قا ِ‬
‫كا َ‬
‫دا ل ّت ّب َ ُ‬
‫ص ً‬
‫و َ‬
‫ريًبا َ‬
‫ق ِ‬
‫ت َ َ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ة﴾)‪ (2‬الية‪.‬‬
‫ق ُ‬
‫ول َ ِ‬
‫كن ب َ ُ‬
‫عد َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ثم يعاتب نبيه صــلى اللــه عليــه وســلم عتابـا ً‬
‫لطيفا ً على إذنه لمن طلب التخلف عــن الجهــاد‬
‫َ‬
‫عن َ‬
‫ع َ‬
‫ت﴾)‪،(3‬‬
‫ه َ‬
‫بقوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫م أِذن ـ َ‬
‫ك ل ِـ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫ويبين عــز وجــل أن فــي عــدم الذن لهــم تبيانـا ً‬
‫للصادقين‪ ،‬وفضيحة للكاذبين‪ .‬ثم يذكر عز وجل‬
‫أن المؤمن بــالله واليــوم الخــر ل يســتأذن فــي‬
‫تــرك الجهــاد بغيــر عــذر شــرعي؛ لن إيمــانه‬
‫الصــادق بــالله واليــوم الخــر يمنعــه مــن ذلــك‪،‬‬

‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬اليات ‪.45 41‬‬
‫‪ ()2‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.42‬‬
‫‪ ()3‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.43‬‬
‫‪399‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويحفزه إلــى المبــادرة إلــى الجهــاد والنفيــر مــع‬
‫أهله‪ ،‬ثم يذكر سبحانه أن الذي‬
‫يستأذن في ترك الجهاد هو عــادم اليمــان بـالله‬
‫واليوم الخــر‪ ،‬المرتــاب فيمــا جــاء بــه الرســول‬
‫صلى الله عليــه وســلم وفــي ذلــك أعظــم حــث‬
‫وأبلــغ تحريــض علــى الجهــاد فــي ســبيل اللــه‪،‬‬
‫والتنفير من التخلف عنه‪ ،‬وقال تعالى في فضل‬
‫مـ ْ‬
‫ها ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫المجاهدين‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫فســـهم وأ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ــ‬
‫ـ‬
‫م‬
‫أن‬
‫جن ّـــ َ‬
‫هم ب ِـــأ ّ‬
‫م ال َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫هـــ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫في َ ْ‬
‫ه َ‬
‫يُ َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ل اللـــ ِ‬
‫قت ُلـــو َ‬
‫قـــات ُِلو َ‬
‫فـــي َ‬
‫ســـِبي ِ‬
‫ح ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫قــا ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫عل َي ْـ ِ‬
‫قت َل ُــو َ‬
‫ه َ‬
‫عـ ً‬
‫فــي الت ّـ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫فى ب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ل َ‬
‫جي ِ‬
‫َ‬
‫وا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫عُتم ِبــ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ذي َبــاي َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫عك ُ ُ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫م﴾)‪.(1‬‬
‫ك ُ‬
‫ع ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ففي هذه الية الكريمة الترغيب العظيم فــي‬
‫الجهــاد فــي ســبيل اللــه عــز وجــل وبيــان أن‬
‫المؤمن قد باع نفسه وماله على الله عــز وجــل‬
‫وأنه سبحانه قــد تقبــل هــذا الــبيع‪ ،‬وجعــل ثمنــه‬
‫لهله الجنة‪ ،‬وأنهم يقاتلون في ســبيله فيقتلــون‬
‫ويقتلون‪ .‬ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بــذلك فــي‬
‫أشـــرف كتبـــه وأعظمهـــا‪ :‬التـــوراة‪ ،‬والنجيـــل‬
‫والقرآن‪ .‬ثم بين سبحانه أنه ل أحد أوفى بعهــده‬
‫‪ ()1‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.111‬‬
‫‪400‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫مــن اللــه؛ ليطمئن المؤمنــون إلــى وعــد ربهــم‪،‬‬
‫ويبــذلوا الســلعة الــتي اشــتراها منهــم وهــي‬
‫نفوســهم وأمــوالهم فــي ســبيله ســبحانه عــن‬
‫إخلص وصــدق وطيــب نفــس‪ ،‬حــتى يســتوفوا‬
‫أجرهم كامل ً في الدنيا والخرة‪ .‬ثم يأمر سبحانه‬
‫المؤمنين أن يستبشروا بهذا‬
‫الــبيع؛ لمــا فيــه مــن الفــوز العظيــم‪ ،‬والعاقبــة‬
‫الحميــدة‪ ،‬والنصــر للحــق والتأييــد لهلــه‪ ،‬وجهــاد‬
‫الكفار والمنافقين وإذللهم‪ ،‬ونصر أوليــائه عليهــم‪،‬‬
‫وإفساح الطريــق لنتشــار الــدعوة الســلمية فــي‬
‫َ‬
‫ن‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫أرجاء المعمورة‪ .‬وقال عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫جــاَر ٍ‬
‫عل َــى ت ِ َ‬
‫مـ ْ‬
‫جيك ُــم ّ‬
‫ل أدُل ّك ُـ ْ‬
‫آ َ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫م* ت ُ ْ‬
‫عـــ َ‬
‫ه‬
‫ب أ َِليـــ‬
‫َ‬
‫ســـول ِ ِ‬
‫ن ِبـــالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنـــو َ‬
‫وَر ُ‬
‫ذا ٍ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّـــ ِ‬
‫جا ِ‬
‫دو َ‬
‫هـــ ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫فـــي َ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِـــأ ْ‬
‫م َ‬
‫ســـِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫وأن ُ‬
‫ن*‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ري‬
‫يَ ْ‬
‫وي ُـدْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫جن ّــا ٍ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫خلك ُ ْ‬
‫م ذُن ُــوب َك ُ ْ‬
‫فْر لك ُـ ْ‬
‫م َ‬
‫جـ ِ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫ِ‬
‫في َ‬
‫من ت َ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫هاُر َ‬
‫ُ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫هــا‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫خــَرى ت ُ ِ‬
‫ع ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫ظي ُ‬
‫م* َ‬
‫ف ْ‬
‫عدْ ٍ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫وب َ ّ‬
‫ر‬
‫ن الّلـــ ِ‬
‫ريـــ ٌ‬
‫فْتـــ ٌ‬
‫مـــ َ‬
‫صـــٌر ّ‬
‫نَ ْ‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫شـــ ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬

‫‪ -2‬التجارة العظيمة‪:‬‬
‫في هذه اليات الكريمات الدللة من ربنا عز‬
‫وجل على أن اليمان بالله ورسوله والجهاد في‬

‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪401‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ســبيله‪ ،‬همــا التجــارة العظيمــة المنجيــة مــن‬
‫العذاب الليــم يــوم القيامــة‪ .‬ففــي ذلــك أعظــم‬
‫ترغيــب وأكمــل تشــويق إلــى اليمــان والجهــاد‪.‬‬
‫ومن المعلوم‪ ،‬أن اليمان بالله ورسوله يتضــمن‬
‫توحيــد اللــه‪ ،‬وإخلص العبــادة لــه ســبحانه كمــا‬
‫يتضمن أداء الفرائض‪ ،‬وتــرك المحــارم‪ .‬ويــدخل‬
‫في ذلك الجهاد فــي ســبيل اللــه؛ لكــونه أعظــم‬
‫الشعائر السـلمية ومـن أهـم الفـرائض‪ ،‬ولكنـه‬
‫سبحانه خصــه بالــذكر لعظــم شــأنه‪ ،‬وللــترغيب‬
‫فيــه؛ لمــا يــترتب عليــه مــن المصــالح العظيمــة‬
‫والعواقب‬
‫الحميدة التي سبق بيــان الكــثير منهــا‪ .‬ثــم ذكــر‬
‫سبحانه ما وعد اللــه بــه المــؤمنين المجاهــدين؛‬
‫من المغفرة والمساكن الطيبة في دار الكرامة؛‬
‫ليعظم شوقهم إلى الجهاد وتشتد رغبتهــم فيــه‪،‬‬
‫وليسابقوا إليه ويسارعوا في مشاركة القــائمين‬
‫به‪ .‬ثم أخــبر ســبحانه أن مــن ثــواب المجاهــدين‬
‫شيئا ً معجل ً يحبــونه‪ ،‬وهــو النصــر علــى العــداء‪،‬‬
‫والفتح القريب على المؤمنين‪ ،‬وفــي ذلــك غايــة‬
‫التشويق والترغيب‪.‬‬
‫واليات في فضل الجهاد والترغيب فيه وبيان‬
‫فضل المجاهدين كثيرة جدًا‪ ،‬وفيما ذكر ســبحانه‬
‫في هــذه اليــات الــتي ســلف ذكرهــا مــا يكفــي‬
‫‪402‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويشفي‪ ،‬ويحفز الهمم ويحرك النفوس إلى تلك‬
‫المطــالب العاليــة والمنــازل الرفيعــة‪ ،‬والفــوائد‬
‫الجليلة والعواقب الحميدة‪ .‬والله المستعان‪.‬‬
‫أمــا الحــاديث الــواردة فــي فضــل الجهــاد‬
‫والمجاهدين‪ ،‬والتحذير من تركه والعراض عنه‪،‬‬
‫فهي أكثر من أن تنحصر‪ ،‬وأشهر مــن أن تــذكر‪،‬‬
‫ولكن نذكر منهــا طرفـا ً يســيرًا؛ ليعلــم المجاهــد‬
‫الصادق شيئا ً مما قاله نبيه ورسوله الكريم عليه‬
‫مــن ربــه أفضــل الصــلة والتســليم فــي فضــل‬
‫الجهاد ومنزلة أهله‪.‬‬
‫ففي الصحيحين عــن ســهل بــن ســعد رضــي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صــلى اللــه عليــه‬
‫وسلم‪)) :‬ربــاط يــوم فــي ســبيل اللــه خيــر مــن‬
‫الدنيا وما عليها‪ ،‬وموضع سوط أحدكم من الجنة‬
‫خير‬
‫من الدنيا وما عليها‪ ،‬والروحة يروحها العبــد فــي‬
‫سبيل الله‪ ،‬أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها((‬
‫)‪.(1‬‬
‫وعن أبي هريرة رضــي اللــه عنــه قــال‪ :‬قــال‬
‫رســول اللــه صــلى اللــه عليــه وســلم‪)) :‬مثــل‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )فضل رباط يوم في‬
‫سبيل الله برقم( ‪.2892‬‬
‫‪403‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المجاهد في سبيل الله والله أعلــم بمــن يجاهــد‬
‫في ســبيله كمثــل الصــائم القــائم‪ ،‬وتكفــل اللــه‬
‫للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة‪ ،‬أو‬
‫يرجعــه ســالما ً مــع أجــر أو غنيمــة(()‪ (1‬أخرجــه‬
‫مسلم في صحيحه‪ ،‬وفي لفظ له‪)) :‬تضمن الله‬
‫لمن خــرج فــي ســبيله‪ ،‬ل يخرجــه إل جهــاد فــي‬
‫سبيلي وإيمان بي وتصديق برســلي‪ ،‬فهــو علــي‬
‫ضامن أن أدخله الجنــة‪ ،‬أو أرجعــه إلــى مســكنه‬
‫الذي خرج منه نائل ً ما نال مــن أجــر أو غنيمــة((‬
‫)‪.(2‬‬
‫وعن أبي هريرة رضــي اللــه عنــه قــال‪ :‬قــال‬
‫رسول الله صــلى اللــه عليــه وســلم‪)) :‬مــا مــن‬
‫مكلوم يكلم في سبيل الله‪ ،‬إل جاء يوم القيامــة‬
‫وكلمــه يــدمي‪ ،‬اللــون لــون الــدم‪ ،‬والريــح ريــح‬
‫المسك(()‪.(3‬‬

‫‪ ()1‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )أفضل الناس مؤمن‬
‫مجاهد بنفسه وماله( برقم ‪ ،2787‬ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب‬
‫)فضل الجهاد والخروج في سبيل الله( برقم ‪.1876‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الجهاد والخروج في سبيل‬
‫الله( برقم ‪.1876‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الذبائح والصيد(‪) ،‬باب المسك( برقم ‪،5533‬‬
‫ومسلم في )المارة(‪ ،‬باب )فضل الجهاد والخروج في سبيل الله(‬
‫برقم ‪.1876‬‬
‫‪404‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫متفق عليه‪ .‬عن أنس رضي الله عنه أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬جاهدوا المشركين‬
‫بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم(()‪ ،(1‬رواه أحمد‬
‫والنسائي‪ ،‬وصححه الحاكم‪ ،‬وفي الصحيحين‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي‬
‫العمل أفضل؟ قال‪)) :‬إيمان بالله ورسوله((‬
‫قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪)) :‬الجهاد في سبيل الله((‬
‫قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪)) :‬حج مبرور(()‪ .(2‬وعن أبي‬
‫عبس بن جبر النصاري رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ما‬
‫أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار((‬
‫)‪ .(3‬رواه البخاري في صحيحه‪.‬‬
‫وفيه أيضا ً عــن أبــي هريــرة رضــي اللــه عنــه‬
‫قال‪ :‬قال رسول اللــه صــلى اللــه عليــه وســلم‪:‬‬
‫))من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بــه‪ ،‬مــات‬
‫على‬
‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )باقي مسند المكثرين من الصحابة(‪،‬‬
‫مسند أنس بن مالك برقم ‪ ،11837‬وأبو داود في )الجهاد(‪ ،‬باب‬
‫)كراهية ترك الغزو( برقم ‪.2504‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )اليمان(‪ ،‬باب )من قال‪ :‬إن اليمان هو‬
‫العمل( برقم ‪ ،26‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )كون اليمان بالله‬
‫تعالى أفضل العمال( برقم ‪.83‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )من اغبرت قدماه في‬
‫سبيل الله( برقم ‪.2811‬‬
‫‪405‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫شعبة من نفاق(()‪ .(1‬وعن ابن عمــر رضــي اللــه‬
‫عنهما قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليــه‬
‫وســلم يقــول‪)) :‬إذا تبــايعتم بالعينــة‪ ،‬وأخــذتم‬
‫بأذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بــالزرع‪ ،‬وتركتــم الجهــاد‪،‬‬
‫ســلط اللــه عليكــم ذل ً ل ينزعــه شــيء حــتى‬
‫ترجعوا إلــى دينكــم(()‪ .(2‬رواه أحمــد وأبــو داود‪،‬‬
‫وصــححه ابــن القطــان‪ ،‬وقــال الحــافظ فــي‬
‫)البلوغ(‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫ج‪ :‬المنزلة العالية للمجاهدين‪:‬‬
‫والحــاديث فــي فضــل الجهــاد والمجاهــدين‪،‬‬
‫وبيان مــا أعــد اللــه للمجاهــدين الصــادقين مــن‬
‫المنازل العالية‪ ،‬والثواب الجزيل‪ ،‬وفي الــترهيب‬
‫من ترك الجهاد والعراض عنه كثيرة جدًا‪.‬‬
‫وفي الحديثين الخيرين وما جاء في معناهما‪،‬‬
‫الدللــة علــى أن العــراض عــن الجهــاد‪ ،‬وعــدم‬
‫تحــديث النفــس بــه مــن شــعب النفــاق‪ ،‬وأن‬
‫التشــاغل عنــه بالتجــارة والزراعــة والمعاملــة‬
‫الربويــة مــن أســباب ذل المســلمين‪ ،‬وتســليط‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )المارة(‪ ،‬باب )ذم من مات ولم يغز‪ (..‬برقم‬
‫‪.1910‬‬
‫‪ ()2‬رواه المام أحمد في )مسند المكثرين من الصحابة(‪ ،‬مسند عبد‬
‫الله بن عمر برقم ‪ ،4987‬وأبو داود في )البيوع(‪ ،‬باب )النهي عن‬
‫العينة( برقم ‪.3462‬‬
‫‪406‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫العداء عليهم‪ ،‬كما هو الواقع‪ ،‬وأن ذلك الــذل ل‬
‫ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهــم؛ بالســتقامة‬
‫على أمره‬
‫والجهاد في سبيله‪ .‬فنســأل اللــه أن يمــن علــى‬
‫المسلمين جميعا ً بالرجوع إلى دينــه‪ ،‬وأن يصــلح‬
‫قــادتهم‪ ،‬ويصــلح لهــم البطانــة‪ ،‬ويجمــع كلمتهــم‬
‫على الحق‪ ،‬ويوفقهم جميع ـا ً للفقــه فــي الــدين‪،‬‬
‫والجهاد في ســبيل رب العــالمين؛ حــتى يعزهــم‬
‫الله ويرفع عنهم الذل‪ ،‬ويكتب لهم النصــر علــى‬
‫أعدائه وأعدائهم‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫ومــن الجهــاد فــي ســبيل اللــه‪ ،‬مــا يقــوم بــه‬
‫المســلمون اليــوم مــن قتــال عــدو اللــه حــاكم‬
‫العراق؛ لظلمه‪ ،‬وعدوانه باجتياحه دول الكويت‪،‬‬
‫وســفك دمــاء البريــاء‪ ،‬ونهــب أمــوالهم‪ ،‬وهتــك‬
‫العراض‪ ،‬وامتناعه عن الفيئة بإخراج جيشه من‬
‫البلد‪.‬‬
‫ول شــك أن جهــاده مــن أعظــم الجهــاد فــي‬
‫ســـبيل اللـــه‪ ،‬وأن ذلـــك واجـــب علـــى الـــدول‬
‫السلمية؛ لنقاذ إخوانهم من ظلمه‪ ،‬ورد بلدهم‬
‫إليهــم‪ ،‬وإخراجــه مــن بلدهــم بــالقوة؛ لصــراره‬
‫على الظلم والعدوان‪ ،‬وعــدم فيئتــه إلــى الحــق‬
‫وِإن‬
‫والخروج من الظلم؛ لقول الله عز وجــل‪َ ﴿ :‬‬
‫قت َت َُلوا َ َ‬
‫َ‬
‫نا ْ‬
‫طائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫حوا‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ص ـل ِ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فأ ْ‬
‫فَتا ِ‬
‫‪407‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ما َ‬
‫خ ـَرى‬
‫عل َــى اْل ُ ْ‬
‫فِإن ب َ َ‬
‫ما َ‬
‫دا ُ‬
‫حـ َ‬
‫ت إِ ْ‬
‫غ ْ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫فيءَ إل َــى أ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ـ‬
‫م‬
‫حّتى ت َ ِ‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي ت َب ْ ِ‬
‫غي َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فاءت َ َ‬
‫فِإن َ‬
‫ه َ‬
‫ل‬
‫الل ّ ِ‬
‫مــا ِبال ْ َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ْ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫عــدْ ِ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن ﴾)‪.(1‬‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ق ِ‬
‫طوا إ ِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫طي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫فأمر سبحانه في هــذه اليــة الكريمــة بقتــال‬
‫الفئة الباغية من‬
‫المؤمنين حتى تفيء إلى أمــر اللــه‪ ،‬فــإذا كــانت‬
‫الفئة الباغية من المؤمنين تقاتل حتى تفيء إلى‬
‫الحق‪ ،‬فقتال الفئة الباغيــة مــن غيــر المــؤمنين؛‬
‫كحاكم العراق وأشباهه‪ ،‬أعظم وأوجــب‪ .‬وبــذلك‬
‫يعلم‪ ،‬أن جهاده جهاد إسلمي عظيم‪ ،‬والمقتــول‬
‫فيه من المسلمين يعد شهيدًا‪ ،‬ولــه أجــر عظيــم‬
‫إذا أصلح اللــه نيتــه‪ ،‬ول يضــرهم فــي ذلــك مــن‬
‫ســاعدهم مــن الــدول غيــر الســلمية؛ لكــونهم‬
‫مضــطرين إليهــم؛ ولنهــا مســاعدة فــي ردع‬
‫الظالم الكافر‪ ،‬ونصر المظلوم‪.‬‬
‫وقد صح عــن رســول اللــه صــلى اللــه عليــه‬
‫وســلم أنــه قــال‪)) :‬إن اللــه ليؤيــد هــذا الــدين‬
‫بالرجل الفاجر(()‪ ،(2‬وقد أيد الله نبيه صلى اللــه‬
‫عليه وســلم بعمــه أبــي طــالب وهــو علــى ديــن‬
‫‪ ()1‬سورة الحجرات الية ‪.9‬‬
‫‪ ()2‬رواه البخاري في )الجهاد والسير(‪ ،‬باب )إن الله يؤيد هذا الدين‬
‫بالرجل الفاجر( برقم ‪ ،3062‬ومسلم في )اليمان(‪ ،‬باب )غلظ‬
‫تحريم قتل النسان نفسه( برقم ‪.111‬‬
‫‪408‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫قومه بمكة المكرمة‪ ،‬وأيد اللــه نــبيه صــلى اللــه‬
‫عليه وسلم أيضا ً بعد موت عمه أبي طــالب لمــا‬
‫رجع إلى مكة من دعوته أهل الطائف بــالمطعم‬
‫بن عدي‪ ،‬وهو كافر على دين قومه‪.‬‬
‫وقد قال الله عز وجل فــي كتــابه العظيــم‪﴿ :‬‬
‫قـدْ َ‬
‫و َ‬
‫صـ َ‬
‫مـا‬
‫م َ‬
‫مـا َ‬
‫حـّر َ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ل ل َك ُــم ّ‬
‫ف ّ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه﴾ ‪.‬‬
‫ا ْ‬
‫م إ ِلي ْ ِ‬
‫رْرت ُ ْ‬
‫ضط ِ‬
‫والدلة في ذلك كثيرة بينهــا أهــل العلــم فــي‬
‫كتاب الجهاد‪ ،‬وكتبنا فيه رسالة مستقلة أوضــحنا‬
‫فيها كلم أهل العلم في‬
‫ذلك‪ ،‬وقد صدر من المؤتمر الســلمي المنعقــد‬
‫في مكة المكرمة في ‪21/2/1411‬هـ التأييد لما‬
‫ذكرنا‪ ،‬كما أصــدر المــؤتمر المــذكور فــي وثيقــة‬
‫مكة ما يؤيد ذلك أيضًا‪ ،‬وفي ذلك إيضاح للحــق‪،‬‬
‫وإزالة للشبهة التي التبست على بعــض النــاس‪،‬‬
‫والله سبحانه ولي التوفيق‪.‬‬
‫د‪ :‬إعداد القوة‪:‬‬
‫وقــد أمــر اللــه ســبحانه عبــاده المــؤمنين أن‬
‫يعدوا للكفار العــدة بمــا اســتطاعوا مــن القــوة‪،‬‬
‫وأن يأخذوا حذرهم كمـا فـي قـوله عـز وجـل‪﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة النعام‪ ،‬الية ‪.119‬‬
‫‪409‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ة ﴾)‪،(1‬‬
‫ـ‬
‫ق‬
‫ـن‬
‫ـ‬
‫م‬
‫تم‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ت‬
‫ـ‬
‫س‬
‫ا‬
‫ـا‬
‫ـ‬
‫م‬
‫هم‬
‫ل‬
‫ا‬
‫دو‬
‫ع‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫و ٍ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذوا ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫خـ ُ‬
‫من ُــوا ُ‬
‫هــا الـ ِ‬
‫وقال سبحانه‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫م﴾)‪ .(2‬وذلــك يــدل علــى وجــوب العنايــة‬
‫ِ‬
‫حـذَْرك ُ ْ‬
‫بالسباب‪ ،‬والحــذر مــن مكــائد العــداء‪ ،‬ويــدخل‬
‫في ذلك جميع أنواع العداد المتعلقــة بالســلحة‬
‫والبــدان‪ ،‬كمــا يــدخل فــي ذلــك إعــداد جميــع‬
‫الوسائل المعنوية والحسية‪ ،‬وتدريب المجاهدين‬
‫علـــى أنـــواع الســـلحة وكيفيـــة اســـتعمالها‪،‬‬
‫وتوجيههم إلى كل ما يعينهم على جهــاد عــدوهم‬
‫والسلمة من مكائده؛ في الكــر والفــر‪ ،‬والرض‬
‫والجــو والبحــر‪ ،‬وفــي ســائر الحــوال؛ لن اللــه‬
‫سبحانه أطلق المر بالعداد وأخذ الحذر‪ ،‬ولم‬

‫‪(1) 1‬سورة النفال الية ‪60‬‬

‫‪ ()2‬سورة النساء الية ‪.71‬‬
‫‪410‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫يذكر نوعا ً دون نوع‪ ،‬ول حال ً دون حال‪ ،‬وما ذلك‬
‫إل لن الوقات تختلف والسلحة تتنــوع‪ ،‬والعــدو‬
‫يقل ويكثر ويضعف ويقــوى‪ ،‬والجهــاد قــد يكــون‬
‫ابتداء‪ ،‬وقد يكون دفاعـًا‪ .‬فلهــذه المــور وغيرهــا‬
‫أطلق الله سبحانه المر بالعداد‪ ،‬وأخــذ الحــذر؛‬
‫ليجتهد قادة المسلمين وأعيانهم ومفكروهم في‬
‫إعداد ما يستطيعون من القوة لقتــال أعــدائهم‪،‬‬
‫وما يرونه من المكيدة في ذلك‪.‬‬
‫وقد صح عــن رســول اللــه صــلى اللــه عليــه‬
‫وسلم أنه قال‪)) :‬الحرب خدعة(()‪ ،(1‬ومعناه‪ :‬أن‬
‫الخصم قد يدرك مــن خصــمه بــالمكر والخديعــة‬
‫في الحرب مــا ل يــدركه بــالقوة والعــدد‪ ،‬وذلــك‬
‫مجرب ومعروف‪ ،‬وذلك من دون إخلل بــالعهود‬
‫والمواثيــق‪ .‬وقــد وقــع فــي يــوم الحــزاب مــن‬
‫الخديعة للمشركين واليهود‪ ،‬والكيد لهم على يد‬
‫نعيم بــن مســعود رضــي اللــه عنــه بــإذن النــبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ما كان من أسباب خذلن‬
‫الكــافرين وتفريــق شــملهم‪ ،‬واختلف كلمتهــم‪،‬‬
‫وإعزاز المسلمين ونصــرهم عليهــم‪ .‬وذلــك مــن‬
‫فضل الله ونصره لوليائه‪ ،‬ومكره لهم‪ ،‬كما قال‬

‫‪ ()1‬رواه المام أحمد في )مسند المكثرين من الصحابة(‪ ،‬مسند‬
‫أنس بن مالك برقم ‪ ،12928‬والترمذي في )الجهاد(‪ ،‬باب )ما جاء‬
‫في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب( برقم ‪.1675‬‬
‫‪411‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫خي ُْر‬
‫ه َ‬
‫مك ُُرو َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫مك ُُر الل ّ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ن﴾)‪ .(1‬ومما‬
‫ري َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ماك ِ ِ‬
‫تقدم يتضح لــذوي البصــائر‪ :‬أن الــواجب امتثــال‬
‫أمر الله‪ ،‬والعــداد لعــدائه‪ ،‬وبــذل الجهــود فــي‬
‫الحيطــة والحــذر‪ ،‬واســتعمال مــا أمكــن مــن‬
‫الســـباب المباحـــة الحســـية والمعنويـــة‪ ،‬مـــع‬
‫الخلص لله والعتمــاد عليــه‪ ،‬والســتقامة علــى‬
‫دينــه‪ ،‬وســؤاله المــدد والنصــر؛ فهــو ســبحانه‬
‫وتعــالى الناصــر لوليــائه والمعيــن لهــم‪ ،‬إذا أدوا‬
‫حقــه‪ ،‬ونفــذوا أمــره‪ ،‬وصــدقوا فــي جهــادهم‪،‬‬
‫وقصدوا بــذلك إعلء كلمتــه وإظهــار دينــه‪ .‬وقــد‬
‫وعدهم الله بذلك في كتابه الكريم‪ ،‬وأعلمهم أن‬
‫النصر من عنده؛ ليثقوا به‪ ،‬ويعتمــدوا عليــه‪ ،‬مــع‬
‫القيام بجميع السباب‪.‬‬
‫َ‬
‫من ُــوا ِإن‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫وقــال تعــالى‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫م﴾)‪،(2‬‬
‫قــ َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫َتن ُ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫صــُر‬
‫قــا َ‬
‫كــا َ‬
‫ن َ‬
‫عل َي َْنــا ن َ ْ‬
‫وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(3‬‬
‫مـ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ص ـَر ّ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقــال عــز وجــل‪َ ﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫زي ـٌز*‬
‫قـ‬
‫ي َ‬
‫ص ـُرهُ إ ِ ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫ه َ‬
‫الل ّـ ُ‬
‫مــن َين ُ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫فــي اْل َ‬
‫ض أَ َ‬
‫موا‬
‫ر‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنــا ُ‬
‫اّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قــا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪ ()2‬سورة محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫‪ ()3‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.47‬‬
‫‪412‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الصَلةَ وآت َـوا الزك َــاةَ َ‬
‫ف‬
‫ّ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫مـُروا ب ِــال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫ر﴾ ‪،‬‬
‫ه َ‬
‫وا َ‬
‫قَبــ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ون َ َ‬
‫ة اْل ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫مــو ِ‬
‫منك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫خل ِ َ‬
‫فــي‬
‫ســت َ ْ‬
‫و َ‬
‫هم ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫صــال ِ َ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫مُلــوا ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مــن َ‬
‫م‬
‫س ـت َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّـ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫الْر ِ‬
‫م‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫م ال ّـ ِ‬
‫ضــى ل َ ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دون َِني‬
‫د َ‬
‫و ِ‬
‫ع ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫مًنا ي َ ْ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ولي ُب َدّلن ّ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هم ّ‬
‫خ ْ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ُ‬
‫َل ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ركو َ‬
‫ش ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫صب ُِروا ْ‬
‫ِبي َ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫شي ًْئا﴾ الية ‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫م ك َي ْـدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ش ـي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫ه ْ‬
‫ض ـّرك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ٌ )‪(3‬‬
‫حي ـط﴾ ‪ ،‬وقــال ســبحانه‪﴿ :‬إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫م ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫بِ َ‬
‫ب لَ ُ‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫م َ‬
‫م أ َّنــي‬
‫ســت َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫جا َ‬
‫ســت َ َ‬
‫فا ْ‬
‫تَ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫َ‬
‫مدّ ُ‬
‫مــا‬
‫مْرِد ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫كم ب ِأل ْ ٍ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫ُ‬
‫ن* َ‬
‫ه ُ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫م‬
‫ن بِ ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫شَرى َ‬
‫زيــٌز‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫)‪(4‬‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬

‫وقد سبق في هذا المعنى آيات سورة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫)الصف(‪ ،‬وهي قوله تعالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ َ‬
‫جي ُ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫جاَر ٍ‬
‫عَلى ت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫ل أدُل ّك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫أَ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫بال‬
‫ن‬
‫نو‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ت‬
‫م*‬
‫لي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ٍ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫الحج‪ ،‬اليتان ‪.41 ،40‬‬
‫النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫النفال‪ ،‬اليتان ‪.10 ،9‬‬
‫‪413‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫م ذَل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫ن* ي َ ْ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫ها‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫حت ِ َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك‬
‫ت َ‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫اْلن ْ َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫عدْ ٍ‬
‫هاُر َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن‬
‫وأ ُ ْ‬
‫خَرى ت ُ ِ‬
‫ع ِ‬
‫وُز ال ْ َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫م َ‬
‫صٌر ّ‬
‫ظي ُ‬
‫ها ن َ ْ‬
‫م* َ‬
‫ف ْ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪.(1‬‬
‫ؤ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫ش ِ‬
‫ق ِ‬
‫واليات في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬ولما قام سلفننا‬
‫الصــالح بمــا أمرهــم اللــه بــه ورســوله‪ ،‬وصــبروا‬
‫وصدقوا في جهاد عــدوهم‪ ،‬نصــرهم اللــه وأيــدهم‪،‬‬
‫وجعل لهم العاقبة مع قلة عددهم وعــدتهم وكــثرة‬
‫أعدائهم‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫مــن ِ‬
‫قِليل َ ـ ٍ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫كم ّ‬
‫َ‬
‫ع‬
‫فئ َ ً‬
‫ت ِ‬
‫ن الل ّـــ ِ‬
‫مـــ َ‬
‫غل َب َـــ ْ‬
‫ه َ‬
‫والل ّـــ ُ‬
‫ه َ‬
‫ة ك َِثيـــَرةً ب ِـــإ ِذْ ِ‬
‫ن﴾)‪ ،(2‬وقال عز وجل‪:‬‬
‫ري َ‬
‫ال ّ‬
‫صاب ِ ِ‬

‫ب لَ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫ه َ‬
‫وِإن‬
‫غــال ِ َ‬
‫كــ ْ‬
‫م الّلــ ُ‬
‫صــْرك ُ ُ‬
‫﴿ِإن َين ُ‬
‫م َ‬
‫صُر ُ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫ه‬
‫يَ ْ‬
‫د ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ف َ‬
‫خذُل ْك ُ ْ‬
‫ذي َين ُ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾)‪.(3‬‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫وك ّ ِ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫َ‬
‫ولما غير المسلمون وتفرقوا‪ ،‬ولم يســتقيموا‬
‫على تعاليم ربهم إل من رحم الله وآثــر أكــثرهم‬
‫أهــواءهم‪ ،‬أصــابهم مــن الــذل والهــوان وتســلط‬
‫العداء ما ل يخفى على أحد‪ ،‬وما ذاك إل بسبب‬
‫الذنوب والمعاصي‪ ،‬والتفرق والختلف‪ ،‬وظهـور‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 10‬‬
‫‪ ()2‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.249‬‬
‫‪ ()3‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.160‬‬
‫‪414‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الشــرك والبــدع والمنكــرات فــي غــالب البلد‪.‬‬
‫وعدم تحكيم أكثرهم الشريعة كما قال سبحانه‪:‬‬
‫غيرا ن ّعم ـ ً َ‬
‫﴿ذَل ِ َ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫هــا‬
‫ك ب ِأ ّ‬
‫ة أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م َ ّ ً‬
‫مــا ب َِأن ُ‬
‫عَلى َ‬
‫م﴾)‪،(1‬‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫وم ٍ َ‬
‫ه ْ‬
‫غي ّ ـُروا ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫سـ ِ‬
‫هَر ال ْ َ‬
‫فــي ال ْب َـّر‬
‫ســادُ ِ‬
‫ف َ‬
‫وقــال عــز وجــل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫وال ْبحر بما ك َسبت أ َ‬
‫ذي َ‬
‫هم‬
‫نـا‬
‫ال‬
‫دي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫س ل ُِيـ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫َ َ ْ ِ ِ َ‬
‫ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫ذي َ‬
‫ع ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫بَ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫ولما حصل من الرماة ما حصل يوم أحد؛ من‬
‫النزاع والختلف‪ ،‬والخلل بــالثغر الــذي أمرهــم‬
‫النــبي صــلى اللــه عليــه وســلم بلزومــه‪ ،‬جــرى‬
‫بسبب ذلك على المسلمين من القتــل والجــراح‬
‫والهزيمة ما هو معلوم‪ ،‬ولما استنكر المسلمون‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صــاب َت ْ ُ‬
‫كم‬
‫ول َ ّ‬
‫ما أ َ‬
‫ذلك‪ ،‬أنزل الله قوله تعــالى‪﴿ :‬أ َ‬
‫ة َ َ‬
‫ها‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫صب ُْتم ّ‬
‫ّ‬
‫قدْ أ َ‬
‫د أ َن ْ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ل ُ‬
‫م أ َّنى َ‬
‫ف ِ‬
‫عنـ ِ‬
‫و ِ‬
‫مـ ْ‬
‫سـك ُ ْ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ديٌر﴾)‪.(3‬‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ش ْ‬
‫ولــو أن أحــدا ً يســلم مــن شــر المعاصــي‬
‫وعواقبها الوخيمة‪ ،‬لسلم رسول الله صلى اللــه‬
‫عليه وسلم وأصحابه الكرام يوم أحد‪ ،‬وهم خيــر‬
‫أهل الرض ويقاتلون في سبيل الله‪ ،‬ومــع ذلــك‬
‫‪ ()1‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.53‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()3‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪415‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫جرى عليهم مــا جــرى؛ بســبب معصــية الرمــاة‪،‬‬
‫الــتي كــانت عــن تأويــل ل عــن قصــد المخالفــة‬
‫لرسول اللــه صــلى اللــه عليــه وســلم والتهــاون‬
‫بأمره‪ ،‬ولكنهم لما رأوا هزيمة المشركين‪ ،‬ظنوا‬
‫أن المر قد انتهــى‪ ،‬وأن الحراســة لــم يبــق لهــا‬
‫حاجة‪ .‬وكان الــواجب أن يلزمــوا الموقــف حــتى‬
‫يأذن لهم النبي صــلى اللــه عليــه وســلم بــتركه‪.‬‬
‫ولكن الله سبحانه قد قدر مــا قــدر‪ ،‬وقضــى مــا‬
‫قضى لحكمــة بالغـة وأسـرار عظيمــة‪ ،‬ومصــالح‬
‫كــثيرة قــد بينهــا فــي كتــابه ســبحانه وعرفهــا‬
‫المؤمنون‪ .‬وكان ذلــك مــن الــدلئل علــى صـدق‬
‫رسول الله صلى الله عليه وســلم وأنــه رســول‬
‫الله حقًا‪ ،‬وأنه بشر‪ ،‬يصيبه ما يصيب البشر مــن‬
‫الجــراح واللم ونحــو ذلــك‪ ،‬وليــس بــإله يعبــد‪،‬‬
‫وليس مالكا ً للنصر‪ ،‬بل النصر بيــد اللــه ســبحانه‬
‫ينزله على من يشاء‪.‬‬
‫ول ســبيل إلــى اســتعادة المســلمين مجــدهم‬
‫السالف واســتحقاقهم النصــر علــى عــدوهم‪ ،‬إل‬
‫بالرجوع إلى دينهــم والســتقامة عليــه‪ ،‬ومــوالة‬
‫من واله‪ ،‬ومعاداة من عاداه‪ ،‬وتحكيمهــم شــرع‬
‫الله‬

‫‪416‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫سبحانه في أمورهم كلها‪ ،‬واتحــاد كلمتهــم علــى‬
‫الحق‪ ،‬وتعاونهم علــى الــبر والتقــوى‪ ،‬كمــا قــال‬
‫المام مالك بــن أنــس رحمــة اللــه عليــه‪ " :‬لــن‬
‫ُيصلح آخر هذه المة إل ما أصلح أولهــا "‪ ،‬وهــذا‬
‫قول جميع أهل العلم‪ ،‬والله سبحانه إنمــا أصــلح‬
‫أول هذه المة باتباع شرعه‪ ،‬والعتصــام بحبلــه‪،‬‬
‫والصــدق فــي ذلــك والتعــاون عليــه‪ ،‬ول صــلح‬
‫لخرها إل بهذا المر العظيم‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يوفق المســلمين للفقــه فــي‬
‫دينــه‪ ،‬والجهــاد فــي ســبيله‪ ،‬وأن يجمعهــم علــى‬
‫الهدى‪ ،‬وأن يوحد صفوفهم وكلمتهم على الحق‪،‬‬
‫وأن يمــن عليهــم بالعتصــام بكتــابه وســنة نــبيه‬
‫عليه الصلة والسلم وتحكيم شريعته والتحــاكم‬
‫إليها‪ ،‬والجتماع على ذلك‪ ،‬والتعــاون عليــه‪ ،‬وأن‬
‫يصلح قادتهم‪ .‬إنه جواد كريم‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله‬
‫وصحبه‪.‬‬

‫‪417‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -51‬واجب المسلمين تجاه‬
‫عدوان العراق على دولة الكويت‬

‫من عبد العزيز بن عبد الله بن باز‪ ،‬إلى مــن‬
‫يراه من المسلمين سلك الله بــي وبهــم ســبيل‬
‫عبــاده المــؤمنين‪ ،‬وأعــاذني وإيــاهم مــن أخلق‬
‫المغضوب عليهم والضالين‪ .‬آمين )‪.(1‬‬
‫سلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫خل َ ْ‬
‫ن‬
‫ما َ‬
‫ق ُ‬
‫جــ ّ‬
‫و َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫فقد قال الله عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫وا ْ‬
‫ن﴾)‪.(2‬‬
‫عب ُ ُ‬
‫س إ ِّل ل ِي َ ْ‬
‫لن َ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫سا ْ‬
‫عب ُـ ُ‬
‫وقــال ســبحانه‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫هــا الن ّــا ُ‬
‫مــن َ‬
‫خل َ َ‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫ن ِ‬
‫وال ّـ ِ‬
‫م ال ّـ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قب ْل ِك ُـ ْ‬
‫قك ُـ ْ‬
‫َرب ّك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫ن﴾)‪ (3‬وقــال عــز وجــل‪) :‬يــا أيهــا‬
‫قو َ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫النــاس اتقــوا ربكــم الــذي خلقكــم مــن‬
‫نفــس واحــدة وخلــق منهــا زوجهــا وبــث‬
‫منهمــا رجــال ً كــثيرا ً ونســاءً واتقــوا اللــه‬
‫الذي تساءلون به والرحام إن اللــه كــان‬
‫َ‬
‫)‪(4‬‬
‫هــا‬
‫عليكم رقيبا( ‪ .‬وقــال عــز وجــل‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫س ات ّ ُ‬
‫خ َ‬
‫زي‬
‫وا ْ‬
‫ما ّل ي َ ْ‬
‫و ً‬
‫قوا َرب ّك ُ ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫وا ي َ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫عــن‬
‫ز َ‬
‫وال ِدٌ َ‬
‫ول ُــودٌ ُ‬
‫د ِ‬
‫ول َـ ِ‬
‫و َ‬
‫وَل َ‬
‫هـ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫عــن َ‬
‫َ‬
‫جــا ٍ‬
‫‪ ()1‬صدرت من مكتب سماحته‪ ،‬ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 6‬ص‬
‫‪.130‬‬
‫‪ ()2‬سورة الذاريات‪ ،‬الية ‪.56‬‬
‫‪ ()3‬سورة البقرة‪ ،‬الية ‪.21‬‬
‫‪ ()4‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.1‬‬
‫‪418‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫فَل ت َ ُ‬
‫و ْ‬
‫عدَ الل ّ ِ‬
‫د ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫غّرن ّك ُـ ُ‬
‫حـ ّ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ول ي َ ُ‬
‫غّرن ّكم ِبالل ِ‬
‫ال َ‬
‫حَياةُ الدّن َْيا َ‬

‫ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫مــُروا إ ِّل‬
‫ال ْ َ‬
‫مــا أ ِ‬
‫و َ‬
‫غــُروُر﴾ ‪ .‬وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫حن َ َ‬
‫فــاء‬
‫م ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ه الــ ّ‬
‫عُبــ ُ‬
‫ل ِي َ ْ‬
‫دي َ‬
‫صــي َ‬
‫ن َلــ ُ‬
‫ه ُ‬
‫دوا الّلــ َ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وذَِلــ َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫وي ُ ِ‬
‫ك ِديــ ُ‬
‫قي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫كــاةَ َ‬
‫صَلةَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫)‪.(2‬‬
‫مُنــوا ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ال َ‬
‫ها ال ِ‬
‫م ِ‬
‫ة﴾ وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫قي ّ َ‬
‫ق تُ َ‬
‫ات ّ ُ‬
‫وَأنت ُــم‬
‫قــات ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫مــوت ُ ّ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫حـ ّ‬
‫قوا ْ الل ّـ َ‬
‫ن إ ِل ّ َ‬
‫ه َ‬

‫ول َ‬
‫وا ْ‬
‫ج ِ‬
‫ل الل ّـ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫مو َ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫صـ ُ‬
‫س ـل ِ ُ‬
‫ّ‬
‫عــا َ‬
‫حب ْـ ِ‬
‫ن* َ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪3‬‬
‫)‬
‫فّر ُ‬
‫تَ َ‬
‫من ُــوا‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫قوا ْ﴾ ‪ .‬وقــال تعــالى‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫قول ُــوا َ‬
‫و ُ‬
‫ات ّ ُ‬
‫م‬
‫سـ ِ‬
‫ص ـل ِ ْ‬
‫دي ً‬
‫وًل َ‬
‫ح ل َك ُـ ْ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫دا* ي ُ ْ‬
‫قـ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫وي َ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫مــن ي ُ ِ‬
‫طـ ْ‬
‫ع الّلـ َ‬
‫و َ‬
‫م ذُُنـوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫فــاَز َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫مــا﴾)‪ .(4‬وقــال عــز‬
‫وًزا َ‬
‫ع ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ظي ً‬
‫سول َ ُ‬
‫فـ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ولَتنظ ـْر‬
‫ها ال ِ‬
‫وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قــوا الل ـ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ما َ‬
‫نَ ْ‬
‫خِبيــٌر‬
‫ه َ‬
‫ت لِ َ‬
‫غ ٍ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫قد ّ َ‬
‫س ّ‬
‫ف ٌ‬
‫د َ‬
‫كون ُــوا َ‬
‫وَل ت َ ُ‬
‫ه‬
‫كال ّـ ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ن نَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ســوا الل ّـ َ‬
‫ع َ‬
‫بِ َ‬
‫ن* َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫سـ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م أن ُ‬
‫َ‬
‫ن* َل‬
‫ك ُ‬
‫سا ُ‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫فأن َ‬
‫هـ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫جن ّ ِ‬
‫حا ُ‬
‫صــ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫يَ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫وي أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ب الّنا ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن﴾)‪ .(5‬وقال عز وجـــل‪ُ ﴿ :‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫ل ِإن‬
‫ة ُ‬
‫جن ّ ِ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ه ُ‬

‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫م تُ ِ‬
‫حب ّــو َ‬
‫عوِني ي ُ ْ‬
‫فــات ّب ِ ُ‬
‫م الل ّـ ُ‬
‫حب ِب ْك ُـ ُ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫فــْر ل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م‬
‫وي َ ْ‬
‫فــوٌر ّر ِ‬
‫غ ِ‬
‫حيــ ٌ‬
‫والّلــ ُ‬
‫م ذُُنــوب َك ُ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫)‪(6‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ن‬
‫فت َْنــ ً‬
‫قــوا ِ‬
‫ة ل تُ ِ‬
‫صــيب َ ّ‬
‫﴾ ‪.‬وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬

‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬
‫‪()6‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫لقمان‪ ،‬الية ‪.33‬‬
‫البينة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫آل عمران‪ ،‬اليتان ‪.103 ،102‬‬
‫الحزاب‪ ،‬اليتان ‪.71 ،70‬‬
‫الحشر‪ ،‬اليات ‪.20 18‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪419‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫وا ْ‬
‫ص ً‬
‫موا ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن الّلــ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫خآ ّ‬
‫ة َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ديدُ ل ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ش ِ‬
‫مُنــو َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫قا ِ‬
‫ب﴾ ‪ .‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ع ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ول ِي َــاء ب َ ْ‬
‫ت بَ ْ‬
‫من َــا ُ‬
‫ضـ ُ‬
‫ض ي َـأ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫عـ ٍ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬

‫من َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫كــ‬
‫عـ‬
‫َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ؤُتــو َ‬
‫مــو َ‬
‫قي ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫صــل َةَ َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫كــاةَ ويطيعــون الّلــه ورســول َ ُ‬
‫الّز َ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫َ ُ ِ ُ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫ُ‬
‫هأ ْ‬
‫م﴾)‪.(2‬‬
‫ه َ‬
‫ح ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫زيـٌز َ‬
‫سي َْر َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫كيـ ٌ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫م الل ّـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ح ُ‬
‫ع ِ‬
‫ت‬
‫ن ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫جن ّــا ٍ‬
‫وقــال عــز وجــل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫فــي َ‬
‫قيـ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫د‬
‫و ُ‬
‫ن ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬وقال سبحانه‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫عنـ َ‬
‫قي َ‬
‫ن ل ِل ْ ُ‬
‫عُيو ٍ‬
‫َ‬
‫)‪(4‬‬
‫عيـم ِ ﴾ ‪ .‬وقــال ســبحانه‪﴿ :‬ي َــا‬
‫ت الن ّ ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫م َ‬
‫َرب ّ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫قــوا َأن ُ‬
‫مُنوا ُ‬
‫م‬
‫وأ َ ْ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫هِليك ُـ ْ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫هــا‬
‫جــاَرةُ َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫قودُ َ‬
‫ح َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫هــا الّنــا ُ‬
‫س َ‬
‫َنــاًرا َ‬
‫غَل ٌ‬
‫مَلئ ِ َ‬
‫مــا‬
‫كــ ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ظ ِ‬
‫صــو َ‬
‫دادٌ َل ي َ ْ‬
‫شـ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ـ َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫أَ‬
‫)‪(5‬‬
‫ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫مــا ُيــ ْ‬
‫ن﴾ ‪ .‬واليــات‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫ُ‬
‫مُرو َ‬
‫علو َ‬
‫ف َ‬
‫ؤ َ‬
‫ن َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في هذا المــر بــالتقوى‪ ،‬وطاعــة اللــه ورســوله‪،‬‬
‫وبيان عاقبة المتقين كثيرة جدًا‪.‬‬
‫وقــد أوضــح اللــه ســبحانه فيمــا ذكرنــا مــن‬
‫اليــات‪ :‬أنــه عــز وجــل خلــق الثقليــن لعبــادته‪،‬‬
‫وأمرهم بهــا‪ ،‬كمــا ذكــر ســبحانه أنــه أمــر جميــع‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النفال‪ ،‬الية ‪.25‬‬
‫التوبة‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫الذاريات‪ ،‬الية ‪.15‬‬
‫القلم‪ ،‬الية ‪.34‬‬
‫التحريم‪ ،‬الية ‪.6‬‬
‫‪420‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫النــاس بعبــادته وتقــواه‪ ،‬وهكــذا أمــر المــؤمنين‬
‫بوجه خاص بتقــواه والقيــام بحقــه‪ ،‬كمــا أمرهــم‬
‫ســبحانه بالعتصــام بحبلــه والتمســك بشــرعه‪،‬‬
‫وأمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم عذاب الله عز‬
‫وجل وأمرهم عز وجل أن يتقــوا فتنــة ل تصــيبن‬
‫الــذين ظلمــوا منهــم خاصــة‪ ،‬بــل تعــم الجميــع‪.‬‬
‫وأوضح سبحانه أن من أسباب محبة الله العباد‪،‬‬
‫ومن علمات الصدق في محبة العبد ربه ومحبة‬
‫الله له‪ ،‬أن يتبع الرسول صلى الله عليــه وســلم‬
‫فيما جاء به‪،‬‬
‫ويتمسك بشرعه في قوله وعمله وعقيدته‪ ،‬كما‬
‫أوضـــح ســـبحانه أن مـــن صـــفات المـــؤمنين‬
‫وأخلقهــم العظيمــة‪ ،‬أنهــم أوليــاء فيمــا بينهــم‪،‬‬
‫وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪.‬‬
‫فالواجب على جميع المسلمين فــي كــل مكــان‬
‫أن يعبــدوا اللــه وحــده‪ ،‬وأن يتقــوه؛ بفعــل أوامــره‬
‫واجتناب نواهيه‪ ،‬وأن يتحابوا في اللــه‪ ،‬وأن يــأمروا‬
‫بــالمعروف وينهــوا عــن المنكــر؛ لن فــي ذلــك‬
‫سعادتهم ونجاتهم فــي الــدنيا والخــرة‪ ،‬ولن ذلــك‬
‫أيضا ً من أسباب نصرهم علــى أعــدائهم وحمــايتهم‬
‫من مكائدهم وشرهم‪ .‬كما قــال اللــه عــز وجــل‪﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫ي‬
‫صـُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّـ ُ‬
‫مــن َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫َ‬
‫قـ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ضأ َ‬
‫موا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫زيٌز* ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫قا ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫ِ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ف‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫مــُروا ِبــال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ال ّ‬
‫كــاةَ َ‬
‫وآَتــ ُ‬
‫صــَلةَ َ‬
‫‪421‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ة اْل ُ‬
‫ر﴾)‪،(1‬‬
‫ـو‬
‫ـ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫وا َ‬
‫قب َـ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ول ِل ّـ ِ‬
‫ون َ َ‬
‫ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫منك َ َـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫صُروا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫وقال سبحانه‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ِإن َتن ُ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫تأ ْ‬
‫م﴾ ‪.‬‬
‫ق َ‬
‫وي ُث َب ّ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫م َ‬
‫والتقوى‪ :‬هي طاعة الله ورســوله‪ ،‬والســتقامة‬
‫على دينه‪ ،‬وإخلص العبــادة للــه وحــده‪ ،‬والتمســك‬
‫بشريعة رسوله صلى الله عليه وسلم قــول ً وعمل ً‬
‫وعقيــدة‪ ،‬وهــي اليمــان والعمــل الصــالح‪ ،‬وهــي‬
‫السلم الذي بعث الله به رسله‪ ،‬وأنــزل بــه كتبــه‪،‬‬
‫مل ُــوا‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫كما قال عــز وجــل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫من ُــوا َ‬
‫عيم ِ﴾)‪.(3‬‬
‫ت الن ّ ِ‬
‫حا ِ‬
‫م َ‬
‫صال ِ َ‬
‫جّنا ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ال ّ‬

‫م َ‬
‫ر‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫صــال ِ ً‬
‫م ْ‬
‫حا ّ‬
‫وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫ل َ‬
‫مــن ذَك َـ ٍ‬
‫أ َو ُ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ه‬
‫و‬
‫ثى‬
‫أن‬
‫حَياةً طَي َّبــ ً‬
‫ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه َ‬
‫فل َن ُ ْ‬
‫م ٌ‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫و ُ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كــاُنوا ْ‬
‫َ‬
‫مــا َ‬
‫جَر ُ‬
‫هــم ب ِأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ولن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫زي َن ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫هــ ْ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ســ ِ‬
‫(‬
‫‪4‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫عدَ الل ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫ن﴾ ‪ .‬وقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫من ُ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنــــوا ِ‬
‫صــــال ِ َ‬
‫كــــ ْ‬
‫آ َ‬
‫مُلــــوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫ْ َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ف‬
‫ســت َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫هم ِ‬
‫مــا ا ْ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫فــي الْر ِ‬
‫مـن َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك َّنـ ّ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫د‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫عـ ِ‬
‫ال ّـ ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫ول َي ُب َـدّل َن ّ ُ‬
‫ضــى ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫فهم أ َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫ْ‬
‫ن ب ِــي‬
‫ـ‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ني‬
‫ن‬
‫دو‬
‫ـ‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ـا‬
‫ـ‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫كو َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫و ِ ِ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ُِ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫عـدَ ذَل ِـ َ‬
‫ك َ‬
‫مــن ك َ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫فـَر ب َ ْ‬
‫هـ ُ‬
‫و َ‬
‫فـأ ْ‬
‫شـي ًْئا َ‬
‫س ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن‬
‫فا ِ‬
‫ن﴾)‪ .(5‬وقــال عــز وجــل‪﴿ :‬إ ِ ّ‬
‫قو َ‬
‫ن الـ ّ‬
‫دي َ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫الحج‪ ،‬اليتان ‪.41 ،40‬‬
‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫لقمان‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫النحل‪ ،‬الية ‪.97‬‬
‫النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫‪422‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫م﴾)‪ (1‬اليــة‪ .‬وقــال تعــالى‪﴿ :‬‬
‫ِ‬
‫عنـدَ الّلـ ِ‬
‫سـل َ ُ‬
‫ه ال ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫و َ‬
‫مـ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م أك ْ َ‬
‫م َ‬
‫ال ْي َ ْ‬
‫م ِديًنا﴾)‪ ،(2‬وقال‬
‫وَر ِ‬
‫نِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫مِتي َ‬
‫غ َ‬
‫سل َم ِ ِديًنا َ‬
‫فَلــن‬
‫غي َْر ال ِ ْ‬
‫و َ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫من ي َب ْت َ ِ‬
‫يُ ْ‬
‫قَبـــ َ‬
‫ن‬
‫فـــي ال ِ‬
‫و ِ‬
‫و ُ‬
‫ة ِ‬
‫خـــَر ِ‬
‫ل ِ‬
‫مـــ َ‬
‫مْنـــ ُ‬
‫هـــ َ‬
‫ه َ‬
‫ن﴾)‪ .(3‬وقــال ســبحانه موصــيا ً لعبــاده‬
‫ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ري َ‬
‫ســ ِ‬

‫المؤمنين بالصبر والتقوى‪ ،‬والحذر من أعداء اللــه‪:‬‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ًْئا‬
‫م ك َي ْدُ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫﴿ َ‬
‫ٌ )‪(4‬‬
‫حي ـط﴾ ‪ .‬واليــات فــي‬
‫م ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫إِ ّ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هذا المعنــى كــثيرة‪ .‬ول يخفــى مــا وقــع فــي هــذه‬
‫اليام من عدوان دولة العراق على دولـة الكــويت‪،‬‬
‫واجتياحها بالجيوش والسلحة المدمرة‪ ،‬وما‬

‫ترتــب علــى ذلــك مــن ســفك الــدماء‪ ،‬ونهــب‬
‫الموال‪ ،‬وهتــك العــراض‪ ،‬وتشــريد أهــل البلد‪،‬‬
‫وحشد الجيوش على الحدود السعودية الكويتية‪،‬‬
‫ول شك أن هذا من دولة العراق عدوان عظيــم‪،‬‬
‫وجريمــة شــنيعة‪ ،‬يجــب علــى الــدول العربيــة‬
‫والســـلمية إنكارهـــا‪ .‬وقـــد أنكرهـــا العـــالم‬
‫واستبشــــعها؛ لمخالفتهــــا الشــــرع المطهــــر‪،‬‬
‫والمواثيق المؤكدة بين الــدول العربيــة والــدول‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.19‬‬
‫المائدة‪ ،‬الية ‪.3‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.85‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.120‬‬
‫‪423‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫السلمية وغيرهم‪ ،‬إل من شذ عن ذلك ممــن ل‬
‫يلتفت إلى خلفه‪ ،‬ولشك أن ما حصــل بأســباب‬
‫الــذنوب والمعاصــي‪ ،‬وظهــور المنكــرات‪ ،‬وقلــة‬
‫الوازع اليماني والسلطاني‪.‬‬
‫فــالواجب علــى جميــع المســلمين أن ينكــروا‬
‫هذا المنكر‪ ،‬وأن يناصروا الدولة المظلومة‪ ،‬وأن‬
‫يتوبــوا علــى اللــه مــن ذنــوبهم وســيئاتهم‪ ،‬وأن‬
‫يحاسبوا أنفسهم فــي ذلــك‪ ،‬وأن يتعــاونوا علــى‬
‫البر والتقوى أينمــا كــانوا‪ ،‬ويتناصــحوا ويتواصــوا‬
‫بالحق والصــبر عليــه فــي جهــاد أنفســهم‪ ،‬وفــي‬
‫جهاد عدوهم ومن اعتدى عليهــم‪ ،‬وأن يعتصــموا‬
‫بحبل الله جميعًا‪ ،‬وأن يكونوا صفا ً واحدا ً وجسدا ً‬
‫واحدا ً وبناًء واحدا ً ضد العدو وضد الظالم ســواء‬
‫كان مسلما ً أو غير مسلم كما قال عــز وجــل‪﴿ :‬‬
‫وُنوا ْ‬
‫والت ّ ْ‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عــا َ‬
‫وى َ‬
‫قـ َ‬
‫عَلى اْلبّر َ‬
‫عا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫وال ُ‬
‫ن اللــ َ‬
‫قوا الل َ‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫عد ْ َ‬
‫على ال ِث ْم ِ َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ب﴾)‪،(1‬‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫قا ِ‬

‫‪ ()1‬سورة المائدة‪ ،‬الية ‪.2‬‬
‫‪424‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫عا‬
‫وا ْ‬
‫ج ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫ص ُ‬
‫حب ْ ِ‬
‫وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫فّر ُ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫قوا ْ﴾)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ســا َ‬
‫ر * إِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫لن َ‬
‫ع ْ‬
‫وقال عــز وجــل‪َ ﴿ :‬‬
‫نا ِْ‬
‫ص ِ‬
‫مُلــوا‬
‫فــي ُ‬
‫و َ‬
‫لَ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر * إ ِّل اّلــ ِ‬
‫خ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنــوا َ‬
‫ســ ٍ‬
‫وا‬
‫حا ِ‬
‫وا ب ِـــال ْ َ‬
‫صـــال ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫وا َ‬
‫وا َ‬
‫ال ّ‬
‫صـــ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ق َ‬
‫صـــ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫ر﴾)‪ .(2‬وقال النبي صلى الله عليه وســلم‪:‬‬
‫ِبال ّ‬
‫صب ْ ِ‬
‫))مثـــل المـــؤمنين فـــي تـــوادهم وتراحمهـــم‬
‫وتعاطفهم مثل الجسد الواحد‪ ،‬إذا اشــتكى منــه‬
‫عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمــى((‬
‫)‪.(3‬‬
‫وقــال صــلى اللــه عليــه وســلم‪)) :‬المــؤمن‬
‫للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا((‪ ،‬وشبك بيــن‬
‫أصابعه )‪ ،(4‬واليات والحاديث فــي هــذا المعنــى‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫والواجب على رئيس دولــة العــراق أن يتقــي‬
‫الله ويتوب إليه‪ ،‬وأن يبــادر بســحب جيشــه مــن‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.103‬‬
‫‪ ()2‬سورة العصر‪ ،‬كاملة‪.‬‬
‫‪ ()3‬رواه البخاري في )الدب(‪ ،‬باب )رحمة الناس والبهائم( برقم‬
‫‪ ،6011‬ومسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب )تراحم المؤمنين‬
‫وتعاطفهم( برقم ‪.2586‬‬
‫‪ ()4‬رواه البخاري في )المظالم والغصب(‪ ،‬باب )نصر المظلوم(‬
‫برقم ‪ ،2446‬ومسلم في )البر والصلة والداب(‪ ،‬باب )تراحم‬
‫المؤمنين وتعاطفهم( برقم ‪.2585‬‬
‫‪425‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫دولة الكويت‪ ،‬ثم يحل المشكلة التي بينــه وبيــن‬
‫دولة الكويت بالحلول السلمية‪ ،‬والصــلح العــادل‬
‫والتفاهم المنصف‪ .‬فإن لم يتيسر ذلك فالواجب‬
‫تحكيم‬

‫‪426‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الشرع المطهر؛ بتكوين محكمة شــرعية مكونــة‬
‫مــن جماعــة مــن العلمــاء المعروفيــن بــالعلم‬
‫والفضل والعدالة؛ للحكم بينهــم‪ ،‬كمــا قــال اللــه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫مُنوا ْ أ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫طي ُ‬
‫عز وجل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫عوا ْ الّلــ َ‬
‫نآ َ‬
‫ل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫فِإن‬
‫ر ِ‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫عوا ْ الّر ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫وِلي ال ْ‬
‫وأ ْ‬
‫سو َ َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ء َ‬
‫فــي َ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫ت ََنــاَز ْ‬
‫م ِ‬
‫دوهُ إ َِلــى الّلــ ِ‬
‫فــُر ّ‬
‫عت ُ ْ‬
‫شــ ْ‬
‫ل ِإن ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫والّر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫وال َْيــ ْ‬
‫ه َ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫وم ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً )‪(1‬‬
‫ر ذَل ِ َ‬
‫ويل﴾ ‪ .‬وقــال‬
‫ك َ‬
‫ال ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫سـ ُ‬
‫خي ْ ـٌر َ‬
‫ن ت َ ـأ ِ‬
‫خ ِ‬
‫خت َل َ ْ‬
‫مــن َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫مــا ا ْ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ـ ِ‬
‫فت ُ ـ ْ‬
‫و َ‬
‫ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫شـ ْ‬
‫َ‬
‫ه﴾)‪ (2‬اليــة‪ .‬وقـال عـز وجـل‪﴿ :‬‬
‫ه إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫َ‬
‫أَ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫مـ َ‬
‫سـ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ل ّ َ‬
‫ن﴾)‪ ،(3‬وقال ســبحانه‪:‬‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫حك ْ ً‬
‫ق ْ‬
‫مو َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫﴿ َ‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ما‬
‫ك ِ‬
‫حت ّ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ى يُ َ‬
‫ن َ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫َ‬
‫فــي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ـ‬
‫س‬
‫ف‬
‫أن‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ِ‬
‫جـ ُ‬
‫ش َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ث ُـ ّ‬
‫هـ ْ‬
‫م ل َ يَ ِ‬
‫ِ‬
‫مــا َ‬
‫ما﴾)‪.(4‬‬
‫ق َ‬
‫حَر ً‬
‫َ‬
‫ض ـي ْ َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫س ـِلي ً‬
‫س ـل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ت َ‬
‫أقسم سبحانه في هذه الية الكريمة أن النــاس‬
‫ل يؤمنون حتى يحكموا نــبيه محمــدا صــلى اللــه‬
‫عليه وسلم فيما شجر بينهم‪.‬‬
‫ونســأل اللــه لجميــع قــادة المســلمين مــن‬
‫العرب وغيرهم التوفيق والهداية لما فيه سعادة‬
‫الجميــع‪ ،‬وصــلح قلــوبهم وأعمــالهم‪ ،‬واســتتباب‬
‫‪( )1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫الشورى ‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫المائدة‪ ،‬الية ‪.50‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.65‬‬
‫‪427‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المــن بينهــم‪ ،‬كمــا أســأله أن يعيــذ الجميــع مــن‬
‫طاعة الهوى والشيطان‪ ،‬إنه سميع قريب‪.‬‬
‫وأما ما اضطرت إليه الحكومة السعودية من‬
‫الخذ بالسباب‬
‫الواقية مــن الشــر‪ ،‬والســتعانة بقــوات متعــددة‬
‫الجناس مــن المســلمين وغيرهــم؛ للــدفاع عــن‬
‫البلد وحرمات المسلمين‪ ،‬وصد ما قد يقــع مــن‬
‫العدوان مــن رئيــس دولــة العــراق‪ ،‬فهــو إجــراء‬
‫مسدد وموفــق‪ ،‬وجــائز شــرعًا‪ ،‬وقــد صــدر مــن‬
‫مجلس هيئة كبار العلماء وأنا واحــد منهــم بيــان‬
‫بتأييد ما اتخذته الحكومــة الســعودية فــي ذلــك‪،‬‬
‫وأنها قد أصابت فيما فعلته؛ عمل ً بقوله سبحانه‪:‬‬
‫َ‬
‫خـ ُ‬
‫م﴾)‪،(1‬‬
‫من ُــوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫﴿ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ح ـذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عُتم‬
‫وأ َ ِ‬
‫ســت َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫مــا ا ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫وقوله سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫مـــن ُ‬
‫ة﴾)‪ .(2‬ولشـــك أن الســـتعانة بغيـــر‬
‫و ٍ‬
‫ّ‬
‫قـــ ّ‬
‫المســلمين فــي الــدفاع عــن المســلمين وعــن‬
‫بلدهــم وحمايتهــا مــن كيــد العــداء‪ ،‬أمــر جــائز‬
‫شرعًا‪ ،‬بل واجب متحتم عند الضرورة إلى ذلك؛‬
‫لما في ذلك من إعانة المسلمين وحمايتهم مــن‬
‫كيد أعدائهم‪ ،‬وصد العدوان المتوقع عنهم‪.‬‬
‫وقد اســتعان النــبي صــلى اللــه عليــه وســلم‬
‫بدروع استعارها من صفوان بن أمية يوم حنين‪،‬‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪ ()2‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫‪428‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وكــان كــافرا ً لــم يســلم ذلــك الــوقت‪ ،‬وكــانت‬
‫خزاعة مسلمها وكافرها في جيش النــبي صــلى‬
‫الله عليه وسلم في غزوة الفتح ضد كفــار أهــل‬
‫مكة‪ .‬وقد صح عن النبي صلى الله عليــه وســلم‬
‫أنه قــال‪)) :‬إنكــم تصــالحون الــروم صــلحا ً آمنـًا‪،‬‬
‫وتغزون أنتم وهم عدوا ً مــن ورائكــم‪ ،‬فتنصــرون‬
‫وتغنمون(()‪ .(1‬أخرجه‬
‫المام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح‪.‬‬
‫ونصـــيحتي لهـــل الكـــويت وغيرهـــم مـــن‬
‫المسلمين في كل مكان‪ ،‬ولرئيس دولة العــراق‬
‫وجيشــه‪ :‬أن يجــددوا توبــة نصــوحًا‪ ،‬وأن ينــدموا‬
‫على ما ســلف مــن الــذنوب‪ ،‬وأن يقلعــوا منهــا‪،‬‬
‫وأن يعزموا عزما ً صادقا ً عل عدم العــودة فيهــا؛‬
‫لن الدلة الكثيرة من الكتاب والسنة‪ ،‬قــد دلــت‬
‫على أن كل شــر فــي الــدنيا والخــرة وكــل بلء‬
‫وفتنة فأسبابه المعاصي‪ ،‬وما كسبته أيدي العباد‬
‫من المخالفة لشرع اللــه‪ ،‬كمــا قــال ســبحانه‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫صــاب َ ُ‬
‫ة َ‬
‫ت‬
‫صــيب َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫س ـب َ ْ‬
‫مــا ك َ َ‬
‫فب ِ َ‬
‫مــن ّ‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫مــا أ َ‬
‫َ‬
‫أَ‬
‫)‪(2‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقال عــز وجــل‪:‬‬
‫ثي‬
‫ك‬
‫عن‬
‫فو‬
‫ع‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫دي‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫صــاب َ َ‬
‫ة َ‬
‫مــا‬
‫ن الل ـ ِ‬
‫ف ِ‬
‫س ـن َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫مـ َ‬
‫مـ ْ‬
‫و َ‬
‫﴿ ّ‬
‫مــا أ َ‬
‫ه َ‬
‫‪ ()1‬رواه أبو داود في )الملحم(‪ ،‬باب )ذكر ما يذكر من ملحم‬
‫الروم( برقم ‪.4292‬‬
‫‪ ()2‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫‪429‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫َ‬
‫س َ‬
‫صاب َ َ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫ة َ‬
‫ك﴾)‪ ،(1‬وقال عز‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫سي ّئ َ ٍ‬
‫ك ِ‬
‫من َ‬
‫أ َ‬
‫هَر ال ْ َ‬
‫مــا‬
‫سادُ ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ف َ‬
‫وجل‪﴿ :‬ظَ َ‬
‫ر بِ َ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫حــ ِ‬
‫ك َسبت أ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي‬
‫نا‬
‫ال‬
‫دي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ض اّلــ ِ‬
‫س ل ِي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫هم ب َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫مُلوا ل َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫ولمـــا وقعـــت الهزيمـــة يـــوم أحـــد علـــى‬
‫المســلمين‪ ،‬وأصــابهم مــا أصــابهم مــن القتــل‬
‫والجـــراح؛ بأســـباب إخلل الرمـــاة بمـــوقفهم‪،‬‬
‫وتنــازعهم وفشــلهم‪ ،‬وعصــيانهم أمــر الرســول‬
‫صلى الله عليه وسلم لهم بلزوم الموقــف‪ ،‬وإن‬
‫رأوا المســــلمين قــــد انتصــــروا‪ ،‬واســــتنكر‬
‫المسلمون ذلك‪،‬‬
‫وعظم عليهم المــر‪ ،‬أنــزل اللــه قــوله تعــالى‪﴿ :‬‬
‫ة َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫هـا﴾‪،‬‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫صب ُْتم ّ‬
‫كم ّ‬
‫ول َ ّ‬
‫قد ْ أ َ‬
‫ما أ َ‬
‫أ َ‬
‫ذا ُ‬
‫يعني‪ :‬يوم بدر‪ُ ﴿ :‬‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ل ُ‬
‫م أ َّنى َ‬
‫و ِ‬
‫مـ ْ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫هـ َ‬
‫د أ َن ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫عل َــى ك ُـ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن الل ّـ َ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫شـ ْ‬
‫َ‬
‫ديٌر﴾ )‪.(3‬‬
‫ق ِ‬
‫وقــد أخــبر ســبحانه فــي كتــابه العظيــم‪ :‬أن‬
‫التوبة ســبب للفلح‪ ،‬وتكفيــر الســيئات‪ ،‬والفــوز‬
‫وُتوُبوا إ َِلــى‬
‫بالجنة والكرامة‪ ،‬فقال عز وجل‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫ج ِ‬
‫الّلـــ ِ‬
‫مُنـــو َ‬
‫ن لَ َ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫عـــا أي ّ َ‬
‫كـــ ْ‬
‫هـــا ال ْ ُ‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.79‬‬
‫‪ ()2‬سورة الروم‪ ،‬الية ‪.41‬‬
‫‪ ()3‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.165‬‬
‫‪430‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫)‪(1‬‬
‫غ ّ‬
‫تُ ْ‬
‫فــاٌر‬
‫وإ ِن ّــي ل َ َ‬
‫حــو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫مـــ َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫صـــال ِ ً‬
‫مـــن ت َـــا َ‬
‫مـــ َ‬
‫حا ث ُـــ ّ‬
‫وآ َ‬
‫لّ َ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن‬
‫ا ْ‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫هت َ َ‬
‫دى﴾ ‪ ،‬وقال عــز وجــل‪َ﴿ :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ســى‬
‫حا َ‬
‫وب َ ً‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫صــو ً‬
‫ع َ‬
‫آ َ‬
‫ة نّ ُ‬
‫ه تَ ْ‬
‫م َأن ي ُك َ ّ‬
‫م‬
‫فَر َ‬
‫وُيــدْ ِ‬
‫م َ‬
‫خل َك ُ ْ‬
‫ســي َّئات ِك ُ ْ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫هاُر﴾)‪ (3‬الية‪.‬‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ج ِ‬

‫ومن أعظم مظاهر التوبــة وأوجبهــا‪ :‬الخلص‬
‫للــه وحــده فــي جميــع العمــال‪ ،‬والحــذر مــن‬
‫الشــرك كلــه دقيقــه وجليلــه‪ ،‬وصــغيره وكــبيره‬
‫والعناية بالصلوات الخمس‪ ،‬وإقامتها في أوقاتها‬
‫مــن الرجــال والنســاء‪ ،‬والمحافظــة عليهــا مــن‬
‫الرجال فــي المســاجد الــتي أذن اللــه أن ترفــع‬
‫ويذكر فيها اسمه‪ ،‬والعناية بالزكاة والصيام وحج‬
‫البيت‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬

‫‪ ()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.31‬‬
‫‪ ()2‬سورة طه‪ ،‬الية ‪.82‬‬
‫‪ ()3‬سورة التحريم‪ ،‬الية ‪.8‬‬
‫‪431‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والتناصح والتعاون على البر والتقوى‪ ،‬والتواصي‬
‫بالحق والصبر عليه‪.‬‬
‫وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلــى‪،‬‬
‫أن يصــلح أحــوال المســلمين فــي كــل مكــان‪،‬‬
‫ويصلح قلوبهم وأعمــالهم‪ ،‬ويمنحهــم الفقــه فــي‬
‫الــدين‪ ،‬وأن يصــلح قــادتهم جميعــًا‪ ،‬ويــوفقهم‬
‫لتحكيــم شــريعته‪ ،‬والتحــاكم إليهــا والرضــا بهــا‪،‬‬
‫وتــرك مــا يخالفهــا‪ ،‬وأن يصــلح لهــم البطانــة‪،‬‬
‫ويعينهم على كل خير‪ ،‬ويهديهم جميعــا ً صــراطه‬
‫المستقيم‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنــا وســيدنا‪،‬‬
‫إمام المتقين وقدوة المجاهدين‪ ،‬وخير عباد الله‬
‫أجمعين‪ ،‬محمد بن عبد الله‪ ،‬وعلى آله وأصحابه‬
‫وأتباعه بإحسان‪.‬‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬

‫‪432‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -52‬وجوب نصرة المسلمين وحكم‬
‫الجهاد‬
‫من عبـد العزيــز بـن عبـد اللــه بـن بـاز‪ ،‬إلـى‬
‫حضرة الخ المكرم ‪ /‬أ‪ .‬ع‪ .‬أ وفقه الله‪.‬آمين‬
‫سلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪ ،‬أما بعد‪:‬‬

‫)‪(1‬‬

‫فقـد وصــلني كتابــك وصـلك اللــه بهــداه ومـا‬
‫ذكــرت فيــه عــن حــال المــة الســلمية وحــال‬
‫المســلمين كــان معلومـًا‪ .‬نســأل اللــه أن ينصــر‬
‫دينه‪ ،‬ويعلي كلمته‪ ،‬ويعيد للمــة عزتهــا وقوتهــا‪،‬‬
‫وأشكرك علــى غيرتــك واهتمامــك بالمســلمين‪،‬‬
‫وحرصك على سلمتهم ونجاتهم‪.‬‬
‫وبخصوص طلبك مني النصح والرشــاد‪ :‬مــاذا‬
‫يجــب عليــك أن تفعلــه للمســاهمة فــي نصــرة‬
‫المسلمين؟ وسؤالك عن حكم الجهاد؟‬
‫فأفيــدك‪ :‬إن حكــم الجهــاد بالنســبة لعمــوم‬
‫المســلمين فــرض كفايــة‪ ،‬ول حــرج عليــك إذا‬
‫أحببـــت أن تجاهـــد مـــع إخوانـــك المســـلمين‬
‫‪ ()1‬رسالة جوابية صدرت من مكتب سماحته إلى الخ ‪ /‬أ‪ .‬ع‪ .‬أ‪،‬‬
‫ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 8‬ص ‪.270‬‬
‫‪433‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المظلـــومين‪ ،‬إذا ســـمح لـــك والـــداك إن كانـــا‬
‫موجودين؛‬

‫‪434‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫للحاديث الواردة في ذلك‪.‬‬
‫وأوصيك بالجد في طلب العلم‪ ،‬والتفقــه فــي‬
‫الــدين علــى يــد أهــل العلــم المعروفيــن بــالعلم‬
‫والفضل والعقيــدة الســلفية‪ ،‬مــن أنصــار الســنة‬
‫المحمدية وغيرهم‪ ،‬مع العناية بكتب أهل السنة؛‬
‫كــالكتب الســتة‪ ،‬وموطــأ مالــك‪ ،‬ومســند المــام‬
‫أحمــد‪ ،‬وكتــب شــيخ الســلم ابــن تيميــة‪ ،‬وابــن‬
‫القيم‪ ،‬والشيخ محمد بن عبد الوهــاب‪ ،‬وغيرهــم‬
‫من علماء السنة‪ ،‬مع الجتهاد فــي الــدعوة إلــى‬
‫اللــه حســب علمــك‪ ،‬والجتهــاد فــي النصــيحة‬
‫لخوانك وأهل بيتك وغيرهم بالسلوب الحســن‪،‬‬
‫والبلغ بالتي هــي أحســن‪ ،‬علــى أن يكــون ذلــك‬
‫باليات القرآنيــة‪ ،‬والحــاديث النبويــة الصــحيحة‪،‬‬
‫وكلم أهــل العلــم المعروفيــن بــالعلم والفضــل‬
‫والعقيدة الصحيحة‪.‬‬
‫نسأل الله أن يرزقك البصيرة في دينــه‪ ،‬وأن‬
‫يوفقك ويعينك على كل خير‪ ،‬إنه سميع قريب‪.‬‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬

‫‪435‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ -53‬الجهاد فرض كفاية‬
‫س‪ :‬ل يخفى على ســماحتكم مــا يمــر‬
‫به المسلمون في البوسنة والهرســك‬
‫مـــن تـــدمير‪ ،‬يقصـــد بـــه استئصـــال‬
‫المسلمين في أوربــا‪ ،‬فهــل بعــد ذلــك‬
‫التدمير والبادة وهتك العراض نشــك‬
‫أن الجهاد في تلــك الرض هــو فــرض‬
‫)‪(1‬‬
‫عين؟‬
‫ج‪ :‬ســبق أن بينــا أكــثر مــن مــرة أن الجهــاد‬
‫فــرض كفايــة‪ ،‬ل فــرض عيــن‪ ،‬وعلــى جميــع‬
‫المســـلمين أن يجاهـــدوا فـــي نصـــر إخـــوانهم‬
‫بالنفس‪ ،‬والمال‪ ،‬والسلح‪ ،‬والدعوة والمشــورة‪،‬‬
‫فإذا خــرج منهــم مــن يكفــي ســلم الجميــع مــن‬
‫الثم‪ ،‬وإذا تركوه كلهم أثموا جميعًا‪.‬‬
‫فعلــى المســلمين فــي المملكــة‪ ،‬وأفريقيــا‪،‬‬
‫والمغرب‪ ،‬وغيرها أن يبذلوا طاقــاتهم‪ ،‬والقــرب‬
‫فالقرب‪ ،‬فــإذا حصــلت الكفايــة مــن دولــتين أو‬
‫ثلث أو أكثر سقط عن الباقين‪ ،‬وهم مستحقون‬
‫للنصـــر والتأييـــد‪ ،‬والـــواجب مســـاعدتهم ضـــد‬
‫عــدوهم؛ لنهــم مظلمــون‪ ،‬واللــه أمــر بالجهــاد‬
‫‪ ()1‬سؤال مقدم لسماحته من المستفتي ‪ /‬ع‪ .‬ف‪ ،‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 7‬ص ‪.335‬‬
‫‪436‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫للجميع‪ ،‬وعليهم أن يجاهدوا ضد أعداء الله حتى‬
‫ينصروا إخوانهم‪ ،‬وإذا تركوا ذلك أثموا‪ ،‬وإذا قام‬
‫به عدد يكفي سقط الثم عن الباقين‪.‬‬

‫‪437‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 54‬واقعة اعتداء العراق‬
‫على الكويت عبرة وعظة لنا جميعا ً‬
‫)فــي اختتــام المــؤتمر الســلمي العــالمي‬
‫لمناقشة الوضاع الحاضرة فــي الخليــج‪ ،‬والــذي‬
‫نظمته رابطة العالم السـلمي بمكـة المكرمــة‪،‬‬
‫وجه سماحة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن عبد الله بن‬
‫باز رئيس المجلــس التأسيســي لرابطــة العــالم‬
‫الســلمي‪ ،‬والرئيــس العــام لدارات البحــوث‬
‫العلميــة والفتــاء والــدعوة والرشــاد الكلمــة‬
‫)‪(1‬‬
‫التالية‪(:‬‬
‫الحمد لله تعــالى إن الــدين النصــيحة‪ ،‬وعلــى‬
‫علماء المسلمين أينمــا كــانوا أن يناصــروا اللــه‪،‬‬
‫وأن يــبينوا للحــاكم مــا يجــب عليــه‪ ،‬ومــا يحــرم‬
‫عليه؛ حتى يكونوا على بينة وعلــى بصــيرة‪ ،‬وأن‬
‫يكــون ذلــك بالســلوب المناســب وبالســلوب‬
‫الطيــب‪ ،‬الــذي يــدعو للقبــول والرضــا وعــدم‬
‫النفرة‪.‬‬
‫وكذلك يجب التناصح بيــن العلمــاء فــي بيــان‬
‫الدعوة إلى الله‪ ،‬وتوجيه الناس إلـى الخيـر فـي‬
‫‪ ()1‬نشرت في مجلة الدعوة في ‪1/3/1411‬هـ‪ ،‬وفي هذا المجموع‬
‫ج ‪ 6‬ص ‪.147‬‬
‫‪438‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫المســاجد والمجتمعــات‪ ،‬وتشــجيع مــن يقــوم‬
‫بواجبه في الدعوة إلى الله عز وجل ‪.‬‬

‫‪439‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وهكذا تشجيع الخطبــاء؛ فــي تحــري الخطــب‬
‫المناسبة التي تنفع الناس على مقتضى الكتــاب‬
‫والسنة‪ ،‬وأل يتكلم إل عن علم وبصيرة بما يحل‬
‫ويحرم‪.‬‬
‫فالمســـلمون أشـــد حاجـــة إلـــى الـــدعوة‬
‫والنصــيحة‪ ،‬وغيرهــم فــي حاجــة إلــى الــدعوة‬
‫والبلغ والبيان لعلهم يهتدون‪.‬‬
‫وهذه الواقعة التي وقعت من حــاكم العــراق‬
‫على دولة الكويت ومــا جــاء بعــدها‪ ،‬فيهــا عــبرة‬
‫وعظة‪ ،‬وفيها ذكرى لنا جميعًا‪.‬‬
‫نسأل الله أن ينفعنــا بــذلك‪ ،‬وأن يهــدينا إلــى‬
‫صراطه المستقيم‪ ،‬وأن يوفقنا إلى ما فيه صلح‬
‫قلوبنــا‪ ،‬وصــلح أعمالنــا‪ ،‬وأن يهــدينا جميعـا ً لمــا‬
‫يرضيه ويقربنا إليه‪.‬‬
‫والواجب علــى كــل مســلم ومســلمة الجهــاد‬
‫بــالنفس‪ ،‬والحســاب لهــا‪ ،‬كمــا قــال تعــالى‪َ﴿ :‬يا‬
‫أَ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ظ‬
‫تن‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫قوا‬
‫ت‬
‫ا‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ما َ‬
‫خِبي ـٌر‬
‫ه َ‬
‫ت لِ َ‬
‫غ ٍ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ـ َ‬
‫قوا الل ـ َ‬
‫قد ّ َ‬
‫ّ‬
‫د َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫وال ّـ ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ع َ‬
‫بِ َ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬ويقــول جــل وعل‪َ ﴿ :‬‬
‫ه‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫هـ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫دي َن ّ ُ‬
‫فين َــا ل َن َ ْ‬
‫ن الل ّ ـ َ‬
‫ه ْ‬
‫س ـب ُل ََنا َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫سِني َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫لَ َ‬
‫‪ ()1‬سورة الحشر‪ ،‬الية ‪.18‬‬
‫‪ ()2‬سورة العنكبوت‪ ،‬الية ‪.69‬‬
‫‪440‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والواجب على المير والحاكم والقاضي وكــل‬
‫مســـؤول‪ ،‬أن يتقـــي اللـــه‪ ،‬ويحاســـب نفســـه‪،‬‬
‫ويجاهدها في الله‪ ،‬وأن يستقيم على‬
‫ديــن اللــه‪ ،‬وأن يحــذر محــارم اللــه‪ ،‬وأن يقــدم‬
‫التوبة النصــوح مــن كــل مــا ســلف‪ .‬وهكــذا كــل‬
‫مؤمن وكل مؤمنة‪ ،‬والواجب على الجميع جهــاد‬
‫النفس؛ لعلها تستقيم‪ ،‬وتبتعد عن طاعــة الهــوى‬
‫والشيطان‪ ،‬لعلها تلزم الحق‪.‬‬
‫والواجب شكر الله عند السراء‪ ،‬والصبر عنــد‬
‫البلء‪ ،‬مع التوبة من التقصير والذنوب‪ .‬هــذا هــو‬
‫الواجب على جميع المسلمين‪ ،‬كمــا قــال النــبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬عجبا ً لمــر المــؤمن إن‬
‫أمره كله خير‪ ،‬وليس ذلك لحد إل للمــؤمن‪ :‬إن‬
‫أصابته سراء شكر فكان خيــرا ً لــه‪ ،‬وإن أصــابته‬
‫ضراء صبر فكان خيرا ً له(()‪ .(1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫فالمؤمن يشكر عند الرخاء والنعمــة‪ ،‬ويصــبر‬
‫عند البلء‪ ،‬يجاهدها ويتوب إلــى اللــه‪ ،‬ويســتقيم‬
‫على دين الله‪ ،‬ويبتعد عــن محــارم اللــه‪ ،‬يناصــر‬
‫إخوانه‪ ،‬يدعوهم إلى الخير‪ ،‬يحاســب أهــل بيتــه‪،‬‬
‫‪ ()1‬رواه مسلم في )الزهد والرقائق(‪ ،‬باب )المؤمن أمره كله خير(‬
‫برقم ‪.2999‬‬
‫‪441‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ويــدعوهم إلــى الخيــر‪ ،‬ويــأمرهم بــالمعروف‬
‫وينهاهم عن المنكر‪.‬‬
‫وهكـــذا مـــع إخـــوانه ومـــع زملئه وجيرانـــه‪،‬‬
‫ينصــحهم للــه‪ ،‬ويــدعوهم إلــى الحــق بالســلوب‬
‫الحسن الطيب‪ ،‬ويحذرهم مــن مغبــة المعاصــي‬
‫والشرور؛ لعلهم يتوبون ويرجعون‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يوفقنا جميعا ً والمسلمين لكل‬
‫ما فيه رضــاه وصــلح العبــاد‪ ،‬وأن يوفــق شــعب‬
‫العــراق‪ ،‬وأن يعينهــم علــى إبــدال هــذا الرئيــس‬
‫الفاجر الخبيث بأصــلح منــه‪ ،‬ينفعهــم فــي الــدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬وأن يعينهم على طاعة الله‪.‬‬
‫نسأل الله أن يبدلهم بخير منــه‪ ،‬ممــن يرحــم‬
‫العباد‪ ،‬ويحكم فيهــم شــرع اللــه‪ ،‬ويعينهــم علــى‬
‫طاعة الله‪.‬‬
‫ونسأل اللــه أن يوفــق شــعب العــراق بإمــام‬
‫صالح‪ ،‬وبحاكم صالح‪ ،‬يعينهم علــى طاعــة اللــه‪،‬‬
‫ويرحــم صــغيرهم‪ ،‬ويواســي كــبيرهم‪ ،‬ويعينهــم‬
‫على كل خير ويحكم شرع الله عز وجل فيهم‪.‬‬
‫ونسأل الله أن يزيل الحاكم صدام‪ ،‬وأن يدير‬
‫عليــه دائرة الســوء‪ ،‬وأن ينــزل فــي قلبــه مــن‬
‫الرعب والخوف ما يحمله على ســحب جيوشــه‬
‫‪442‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫من الكـويت ومـن الحـدود‪ ،‬إنـه جـل وعل جـواد‬
‫كريم‪.‬‬
‫وأشـــكركم مـــرة أخـــرى علـــى جهـــودكم‬
‫وأعمالكم‪ ،‬ونسأل الله أن يتقبل من الجميع‪ ،‬إنه‬
‫جــواد كريــم‪ ،‬وصــلى اللــه وســلم علــى ســيدنا‬
‫محمد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه وأتباعه‪.‬‬

‫‪443‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 55‬كلمة لعموم المسلمين‬
‫إثر بدء عمليات تحرير الكويت‬
‫الحمــد للــه‪ ،‬والصــلة والســلم علــى رســول‬
‫الله‪ ،‬وبعد)‪:(1‬‬
‫إن مــا حصــل مــن الجهــاد لعــدو اللــه صــدام‬
‫حاكم العراق جهاد شرعي من المسلمين‪ ،‬ومن‬
‫ســاعدهم فــي ذلــك؛ لكــونه قــد ظلــم وتعــدى‬
‫واجتاح بلدا ً آمنة بغير حق‪ ،‬ولهــذا وجــب جهــاده‬
‫علــى الــدول الســلمية؛ لخراجــه مــن الكــويت‬
‫دون قيد أو شرط؛ نصــرة للمظلــومين‪ ،‬وإقامــة‬
‫للحــق وردعــا ً للظــالم؛ لن اللــه ســبحانه أمــر‬
‫بذلك‪ ،‬وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫والــواجب علــى المســلمين بهــذه المناســبة‬
‫تقــوى اللــه ســبحانه وتعــالى والســتقامة علــى‬
‫دينه‪ ،‬والحذر عما نهى عنه‪ ،‬وحسن الظــن بــالله‬
‫والتوكل عليه‪ ،‬واليمان بــأنه ســبحانه هــو الــذي‬
‫بيــده النصــر والضــر والنفــع‪ ،‬ولكنــه قــد شــرع‬
‫السباب وأمــر بهــا؛ للســتعانة بهــا علــى طاعــة‬
‫الله‪ ،‬وأداء حقه‪ ،‬وترك معصيته‪ ،‬وردع‬
‫‪()1‬نشرت في صحيفة )المسلمون( بتاريخ ‪3/7/1411‬هـ‪ ،‬وكذلك في‬
‫جريدة )الرياض( بتاريخ ‪5/7/1411‬هـ‪ ،‬وفي هذا المجموع ج ‪ 7‬ص‬
‫‪.384‬‬
‫‪444‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الطاغيــة عــن ظلمــه‪ ،‬وحمايــة بلد المســلمين‬
‫وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم‪.‬‬
‫وينبغي لكــل مــؤمن ومؤمنــة أن يضــرع إلــى‬
‫الله سبحانه وتعالى بالدعاء لطلب النصر‪ ،‬وتأييد‬
‫الحــق وأهلــه‪ ،‬وردع الظــالم المعتــدي‪ ،‬وإبطــال‬
‫كيــده‪ ،‬وطلــب إدارة الســوء عليــه‪ ،‬واللــه ولــي‬
‫التوفيق‪.‬‬

‫‪445‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 56‬تحرير دولة الكويت من أيدي‬
‫المعتدين‬
‫الظالمين نعمة من الله عظيمة ونصر‬
‫عزيز‬
‫ضد الظلم والعدوان واللحاد‬
‫الحمد لله وحده والصلة والسلم علــى مــن‬
‫ل نــبي بعــده محمــد بــن عبــد اللــه وعلــى آلــه‬
‫)‪(1‬‬
‫وصحبه‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫ن اللـــه بـــه علـــى المســـلمين‬
‫فـــإن مـــا مـــ ّ‬
‫المجاهدين في سبيله مــن تحريــر الكــويت مــن‬
‫أيدي الغاصبين الظــالمين والمعتــدين الملحــدين‬
‫من أعظم نعم الله سبحانه علــى أهــل الكــويت‬
‫وغيرهــم مــن المســلمين‪ ،‬وغيرهــم مــن محــبي‬
‫الحــق والعــدل‪ ،‬فجــدير بجميــع المســلمين فــي‬
‫المملكة العربية السعودية والكويت وسائر دول‬
‫الخليج وغيرهم‪ ،‬أن يشكروا الله على ذلك‪ ،‬وأن‬
‫يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن يحذروا أسباب غضــبه؛‬
‫ن اللــه بــه ســبحانه عليهــم مــن هزيمــة‬
‫لمــا م ـ ّ‬
‫المعتــدين‪ ،‬ونصــر المظلــومين‪ ،‬وإجابــة دعــاء‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫‪ ()1‬نشرت في صحيفة )الرياض( في ‪12/9/1411‬هـ‪ ،‬في العدد‬
‫‪ ،8312‬ونشرت في هذا المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.156‬‬
‫‪446‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وقد وعد الله سبحانه عباده بالنصر والعاقبــة‬
‫الحميــدة‪ ،‬إذا نصــروا دينــه‪ ،‬واســتقاموا عليــه‪،‬‬
‫واستنصروا به سبحانه وأعدوا‬

‫‪447‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫العدة لعدوهم‪ ،‬وأخذوا حذرهم من مكائده‪ ،‬كمــا‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫قال عز وجل في كتابه المبين‪﴿ :‬إ ِذْ ت َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ـد ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ف‬
‫م ِ‬
‫كم ب ِـأل ْ ٍ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫م أن ّــي ُ‬
‫ب ل َك ُـ ْ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫ه إ ِل ّ‬
‫مْرِد ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ّ‬
‫ن* َ‬
‫ه ُ‬
‫بُ ْ‬
‫ص ـُر‬
‫ن بِ ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫قل ُــوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫مــا الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫شَرى َ‬
‫م﴾)‪.(1‬‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫د الل ّ ِ‬
‫عن ِ‬
‫إ ِل ّ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫زيــٌز َ‬
‫م ْ‬
‫كيــ ٌ‬
‫ن الّلــ َ‬
‫ع ِ‬
‫ه‬
‫صَر ّ‬
‫ص ـُر ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ـ ُ‬
‫مــن َين ُ‬
‫ول ََين ُ‬
‫وقال سبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ه لَ َ‬
‫م‬
‫ق‬
‫ي َ‬
‫مك ّّنــا ُ‬
‫زيٌز * اّلــ ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ضأ َ‬
‫ة‬
‫كـا َ‬
‫ِ‬
‫قـا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫وآَتـ ُ‬
‫صـَلةَ َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫منك َ‬
‫ه‬
‫ع‬
‫وا َ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ون َ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫)‪(2‬‬
‫هــا‬
‫َ‬
‫قَبــ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ر﴾ ‪ ،‬وقــال تعــالى‪َ﴿ :‬يــا أي ّ َ‬
‫ة اْل ُ‬
‫مــو ِ‬
‫م‬
‫اّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫صــْرك ُ ْ‬
‫صــُروا الّلــ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫مُنــوا ِإن َتن ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫ت أَ ْ‬
‫و َ‬
‫ع ـدَ‬
‫قـ َ‬
‫وي ُث َب ّـ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫م﴾ ‪ .‬وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫َ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ن آ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫ْ َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ف‬
‫ســت َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫هم ِ‬
‫مــا ا ْ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫فــي الْر ِ‬
‫مـن َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مك َّنـ ّ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ول َي ُ َ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫د‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫عـ ِ‬
‫ال ّـ ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫ول َي ُب َـدّل َن ّ ُ‬
‫ضــى ل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫دون َِني َل ي ُ ْ‬
‫ن ب ِــي‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫كو َ‬
‫عب ُـ ُ‬
‫من ًــا ي َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫خ ْ‬
‫شـ ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫عـدَ ذَل ِـ َ‬
‫ك َ‬
‫مــن ك َ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫فـَر ب َ ْ‬
‫هـ ُ‬
‫و َ‬
‫فـأ ْ‬
‫شـي ًْئا َ‬
‫س ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن﴾)‪ .(4‬واليات في هذا المعنــى كــثيرة‪،‬‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫النفال‪ ،‬اليتان ‪.10 ،9‬‬
‫الحج‪ ،‬اليتان ‪.40،41‬‬
‫محمد‪ ،‬الية ‪.7‬‬
‫النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫‪448‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وكلها تدل على وجوب اللتجــاء إلــى اللــه ســبحانه‬
‫في جميع المور‪ ،‬والستعانة به وحده والستنصــار‬
‫بــه‪ ،‬والســتقامة علــى دينــه‪ ،‬والحــذر مــن أســباب‬
‫غضبه سبحانه‪ ،‬كمــا تــدل علــى أنــه عــز وجــل هــو‬
‫الذي بيده النصر ل بيد غيره‪ ،‬كما قال سبحانه‪:‬‬

‫ه﴾)‪ ،(1‬وقــال عــز‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّـ ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫﴿ َ‬
‫فل َ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫غــال ِ َ‬
‫ب ل َك ُـ ْ‬
‫م الل ّـ ُ‬
‫ص ـْرك ُ ُ‬
‫وجــل‪ِ﴿ :‬إن َين ُ‬
‫صـُر ُ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫مــن‬
‫وِإن ي َ ْ‬
‫ذا ال ّـ ِ‬
‫كم ّ‬
‫ف َ‬
‫خذُل ْك ُ ْ‬
‫ذي َين ُ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫و ّ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ن﴾ ‪،‬‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنــو َ‬
‫بَ ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫كــ ِ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫ه َ‬
‫وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ت‬
‫مــن ِ‬
‫قِليل َـ ٍ‬
‫فئ َ ٍ‬
‫غل َب َـ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ع‬
‫فئ َ ً‬
‫ِ‬
‫ن الل ّــــ ِ‬
‫مــــ َ‬
‫ه َ‬
‫والل ّــــ ُ‬
‫ه َ‬
‫ة ك َِثيــــَرةً ب ِــــإ ِذْ ِ‬
‫ن﴾ )‪.(3‬‬
‫ري َ‬
‫ال ّ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ولكنــه ســبحانه مــع مــا وعــد بــه عبــاده مــن‬
‫النصـر‪ ،‬أمرهـم بالعـداد لعـدوهم‪ ،‬وأخـذ الحـذر‬
‫مــا‬
‫وأ َ ِ‬
‫عــ ّ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫هــم ّ‬
‫منــه‪ ،‬فقــال عــز وجــل‪َ ﴿ :‬‬
‫من ُ‬
‫ة﴾)‪ ،(4‬وقال سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ا ْ‬
‫عُتم ّ‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫خـ ُ‬
‫م﴾ )‪،(5‬‬
‫من ُــوا ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫﴿ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫حـذَْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫وعلـق نصـرهم سـبحانه علـى أسـباب عظيمـة‪،‬‬
‫وهي نصــر دينــه‪ :‬بإقــام الصــلة‪ ،‬وإيتــاء الزكــاة‪،‬‬
‫‪()1‬‬
‫‪()2‬‬
‫‪()3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪()5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.126‬‬
‫آل عمران‪ ،‬الية ‪.160‬‬
‫البقرة‪ ،‬الية ‪.249‬‬
‫النفال‪ ،‬الية ‪.60‬‬
‫النساء‪ ،‬الية ‪.71‬‬
‫‪449‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والمـــر بـــالمعروف‪ ،‬والنهـــي عـــن المنكـــر‪،‬‬
‫والســتقامة علــى اليمــان‪ ،‬والعمــل الصــالح‪.‬‬
‫فــالواجب علــى جميــع المســلمين فــي الكــويت‬
‫وغيرها‪ ،‬أن يأخذوا بهذه السباب‪ ،‬وأن يستقيموا‬
‫عليها‪ ،‬وأن يتواصوا بها أينما كانوا؛ لن الخذ بهــا‬
‫والستقامة عليها من أعظم السباب للنصر في‬
‫الدنيا‪ ،‬والمن ورغد العيش والسعادة في الــدنيا‬
‫والخرة والفوز بالجنة‪ ،‬والكرامة وحسن العاقبة‬
‫في‬
‫جميع المور‪ ،‬كما أوضح ذلك ســبحانه فــي اليــة‬
‫الكريمة السابقة من سورة )النور(‪ ،‬وهي قــوله‬
‫من ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫مُنــوا ِ‬
‫ه اّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫كــ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عــدَ الّلــ ُ‬
‫عــز وجــل‪َ ﴿ :‬‬

‫ْ َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ض‬
‫ست َ ْ‬
‫و َ‬
‫هم ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫فن ّ ُ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مــن َ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ـ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫مكن َ ـ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ولي ُ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫هم‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫م ال ّـ ِ‬
‫ول َي ُب َـدّل َن ّ ُ‬
‫ضــى ل َ ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫لَ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫مًنا﴾)‪ (1‬الية‪ .‬وكما أوضــح ذلــك‬
‫د َ‬
‫و ِ‬
‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫خ ْ‬
‫ف ِ‬
‫أيضــا ً ســبحانه فــي قــوله عــز وجــل فــي ســورة‬
‫هـ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مُنـوا َ‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫)الصــف(‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل أدُل ّك ُـ ْ‬
‫نآ َ‬
‫جي ُ‬
‫عــ َ‬
‫ب أ َِليــم ٍ *‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫جــاَر ٍ‬
‫عَلــى ت ِ َ‬
‫مــ ْ‬
‫كــم ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫ة ُتن ِ‬
‫تُ ْ‬
‫فــي‬
‫ن ِ‬
‫جا ِ‬
‫ســول ِ ِ‬
‫ن ِبــالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دو َ‬
‫مُنــو َ‬
‫هــ ُ‬
‫وت ُ َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫خي ْ ـٌر‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫م ذَل ِك ُـ ْ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫م‬
‫ن * يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫م ذُن ُــوب َك ُ ْ‬
‫ف ـْر لك ُـ ْ‬
‫عل ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫هــاُر‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جن ّــا ٍ‬
‫مــن ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫هــا اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫جـ ِ‬
‫‪ ()1‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.55‬‬
‫‪450‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ن ذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫وُز‬
‫ت َ‬
‫ن طَي ّب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫جّنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ساك ِ َ‬
‫و َ‬
‫فــ ْ‬
‫عد ْ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫وأ ْ‬
‫خ ـَرى ت ُ ِ‬
‫ن الل ّـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫حّبون َ َ‬
‫مـ َ‬
‫ص ـٌر ّ‬
‫ظي ُ‬
‫هــا ن َ ْ‬
‫م* َ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫مـ ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن﴾)‪ .(1‬فــي هــذه‬
‫ؤ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫شـ ِ‬
‫ق ِ‬

‫اليــات الكريمــات‪ ،‬أوضــح ســبحانه أن اليمــان‬
‫بالله ورسوله وهو يشمل أداء ما أوجب الله من‬
‫الطاعات‪ ،‬وترك ما حرم الله من المعاصي‪ ،‬مــع‬
‫الجهاد في سبيله وهــو شــعبة مــن اليمــان همــا‬
‫سبب المغفــرة لجميــع الــذنوب‪ ،‬والفــوز بالجنــة‬
‫والمساكن الطيبة فيها‪ ،‬كما أنهمــا همــا الســبب‬
‫في حصول النصر والفتح القريب‪.‬‬
‫فجدير بأهــل الســلم أينمــا كــانوا أن يأخــذوا‬
‫بهذه السباب‪ ،‬ويتواصوا بهــا‪ ،‬ويســتقيموا عليهــا‬
‫أينما كانوا؛ لنها هي سبب‬

‫عزهم ونصرهم وأمنهم في الــدنيا‪ ،‬وهــي ســبب‬
‫فوزهم ونجاتهم في الخــرة‪ ،‬وهــي أيض ـا ً ســبب‬
‫الربح والفوز بأنواع الكرامة وأنواع السعادة في‬
‫هذه الدنيا وفي الخرة‪ ،‬كما قال الله عز وجــل‪:‬‬
‫ر * إ ِّل‬
‫فــي ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ســا َ‬
‫ر * إِ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫لن َ‬
‫ع ْ‬
‫﴿ َ‬
‫سـ ٍ‬
‫نا ِْ‬
‫ص ِ‬
‫وا‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫صــال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫وا َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫صــ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ر﴾)‪ .(2‬وأصــل اليمــان‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫وا ِبال ّ‬
‫وا َ‬
‫ص ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ق َ‬
‫ص ـب ْ ِ‬
‫وأساســـه‪ :‬توحيـــد اللـــه والخلص لـــه‪ ،‬وتـــرك‬
‫الشــراك بــه‪ ،‬كمــا قــال عــز وجــل فــي كتــابه‬
‫‪ ()1‬سورة الصف‪ ،‬اليات ‪.13 – 10‬‬
‫‪ ()2‬سورة العصر‪ ،‬كاملة‪.‬‬
‫‪451‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ضى رب َ َ‬
‫و َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ إ ِّياهُ﴾)‪،(1‬‬
‫ق َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أل ّ ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫العظيم‪َ ﴿ :‬‬
‫والمعنى‪ :‬أمــر وأوصــى‪ .‬وقــال تعــالى‪َ ﴿ :‬‬
‫د‬
‫فا ْ‬
‫عب ُ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ن * أَل ل ِل ّ ـ ِ‬
‫ه ال ـ ّ‬
‫ه ال ـ ّ‬
‫دي ُ‬
‫دي َ‬
‫صــا ل ّ ـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫الل ّ ـ َ‬
‫خل ِ ً‬
‫ُ‬
‫)‪(2‬‬
‫مـُروا إ ِّل‬
‫ال ْ َ‬
‫مــا أ ِ‬
‫و َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ص﴾ ‪ .‬وقــال ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫حن َ َ‬
‫فــاء‬
‫م ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ه ال ـ ّ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ل ِي َ ْ‬
‫دي َ‬
‫صــي َ‬
‫ن ل َـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫دوا الل ّـ َ‬
‫ؤُتوا الّز َ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫وي ُ ِ‬
‫ك ِديـ ُ‬
‫قي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫كاةَ َ‬
‫صَلةَ َ‬
‫َ‬
‫)‪(3‬‬
‫ْ‬
‫ال َ‬
‫ة﴾ ‪ .‬ولمــا بعــث النــبي صــلى اللــه عليــه‬
‫م ِ‬
‫قي ّ َ‬
‫وسلم معاذ بن جبل رضــي اللــه عنــه إلــى أهــل‬
‫اليمـن‪ ،‬أمـره أن يـدعوهم أول ً إلـى توحيـد اللـه‬
‫والخلص له‪ ،‬واليمان برسوله محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم ثم بإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكــاة؛ ومــا‬
‫ذاك إل لن هذه الصول الثلثة هي أصول الدين‬
‫العظمى‪ ،‬من استقام عليها وأدى حقهــا اســتقام‬
‫على بقية أمور الدين؛ من‬
‫الصيام والحج‪ ،‬وسائر ما أمر اللــه بــه ورســوله‪،‬‬
‫وعلى ترك كل ما نهى الله عنه ورســوله‪ ،‬ومــن‬
‫أعظم شعب اليمان‪ ،‬ومن تحقيق شهادة أل إله‬
‫إل الله وأن محمــدا ً رســول اللــه‪ ،‬تحكيــم شــرع‬
‫الله بين عباده في كل شــئونهم‪ ،‬كمــا قــال اللــه‬
‫عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في ســورة‬
‫وَأنَزل َْنــا إ ِل َْيــ َ‬
‫ق‬
‫ب ِبــال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتــا َ‬
‫ح ّ‬
‫)المـــائدة(‪َ ﴿ :‬‬
‫‪ ()1‬سورة السراء‪ ،‬الية ‪.23‬‬
‫‪ ()2‬سورة الزمر‪ ،‬اليتان ‪.3 ،2‬‬
‫‪ ()3‬سورة البينة‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫‪452‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫صد ّ ً‬
‫من ًــا‬
‫هي ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫مـ َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫و ُ‬
‫قا ل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ن ال ْك ِت َــا ِ‬
‫م َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ه َ‬
‫ما أنـَز َ‬
‫ع‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ول َ ت َت ّب ِـ ْ‬
‫فا ْ‬
‫كم ب َي ْن َ ُ‬
‫ل الل ّـ ُ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫)‪(1‬‬
‫جــاء َ‬
‫ق﴾ اليــة‪ ،‬ثــم‬
‫م َ‬
‫واء ُ‬
‫أَ ْ‬
‫ك ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫مـ َ‬
‫حـ ّ‬
‫ع ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫قال بعد ذلك ســبحانه‪َ ﴿ :‬‬
‫مــآ‬
‫نا ْ‬
‫حك ُــم ب َي ْن َ ُ‬
‫هــم ب ِ َ‬
‫وأ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َأنَز َ‬
‫م أن‬
‫ح ـذَْر ُ‬
‫واء ُ‬
‫ع أَ ْ‬
‫وا ْ‬
‫ول َ ت َت ّب ِـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫هـ َ‬
‫ه َ‬
‫ه إ ِل َي ْـ َ‬
‫فت ُِنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ك﴾‪ ،‬إلــى‬
‫ع‬
‫ك َ‬
‫عن ب َ ْ‬
‫ل الل ّـ ُ‬
‫ض َ‬
‫َِ‬
‫ح ْ‬
‫أن قــال ســبحانه‪﴿ :‬أ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫هل ِّيــ ِ‬
‫جا ِ‬
‫غــو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫كــ َ‬
‫َ‬
‫مـــا ل ّ َ‬
‫ن الّلـــ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ه ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ح َ‬
‫مـــ َ‬
‫ســـ ُ‬
‫مـــ ْ‬
‫حك ْ ً‬
‫و َ‬
‫قـــ ْ‬
‫َ‬
‫وم ٍ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن﴾ ‪ .‬وقال عز وجل في ســورة )المــائدة(‬
‫ُيو ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ل الل ّـه َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫ُ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فـأ ْ‬
‫أيضًا‪َ ﴿ :‬‬
‫)‪(3‬‬
‫ح ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ما أنـَز َ‬
‫ل‬
‫كا ِ‬
‫ُ‬
‫فُرو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬و ﴿ َ‬
‫ُ‬
‫(‬
‫‪4‬‬
‫)‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫مو َ‬
‫مــن ل ّـ ْ‬
‫و َ‬
‫م الظّــال ِ ُ‬
‫هـ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ن ﴾ ‪ ،‬و﴿ َ‬
‫فأ ْ‬
‫فـــأ ُ‬
‫كـــم بمـــا َ‬
‫ّ‬
‫ح ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه‬
‫لـــ‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ز‬
‫أنـــ‬
‫ك ُ‬
‫َ‬
‫يَ ْ‬
‫هـــ ُ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫)‪(5‬‬
‫ســـ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن﴾ ‪ ،‬وقـــال ســـبحانه فـــي ســـورة‬
‫فا ِ‬
‫قو َ‬
‫وَرّبـــ َ‬
‫)النســــاء(‪َ ﴿ :‬‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ى‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنـــو َ‬
‫ن َ‬
‫فل َ َ‬
‫حّتـــ َ‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫فــي‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ج ُ‬
‫ش َ‬
‫يُ َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫م ل َ يَ ِ‬
‫موا ْ‬
‫ما َ‬
‫َأن ُ‬
‫ق َ‬
‫ف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ضي ْ َ‬
‫وي ُ َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫س ِ‬

‫‪()1‬‬
‫‪( )2‬‬
‫‪( )3‬‬
‫‪( )4‬‬
‫‪( )5‬‬

‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬
‫سورة‬

‫المائدة‪،‬‬
‫المائدة‪،‬‬
‫المائدة‪،‬‬
‫المائدة‪،‬‬
‫المائدة‪،‬‬

‫الية ‪.48‬‬
‫اليتان ‪50 ،49‬‬
‫الية ‪.44‬‬
‫الية ‪.45‬‬
‫الية ‪.47‬‬
‫‪453‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ما﴾)‪ .(1‬فأوضــح ســبحانه فــي هــذه اليــات‬
‫تَ ْ‬
‫سِلي ً‬
‫الكريمات‪ ،‬أن الواجب على الرسول صلى اللــه‬
‫عليه وسلم وعلــى جميــع المــة فــي كــل زمــان‬
‫ومكان‪ ،‬أن يحكموا شرع الله في جميع ما شجر‬
‫بينهــم‪ ،‬وفــي جميــع شــئونهم الدينيــة والدنيويــة‪،‬‬
‫وحذر سبحانه من اتباع الهوى وطاعة أعداء الله‬
‫فــي عــدم تحكيــم شــريعته‪ ،‬وأخــبر ســبحانه أن‬
‫حكمه هـو أحسـن الحكـام‪ ،‬وأن جميـع الحكـام‬
‫المخالفة لحكمه كلها من أحكام الجاهلية‪.‬‬
‫وأخبر سبحانه أن الحكم بغيــر مــا أنــزل كفــر‬
‫وظلم وفسق‪ ،‬وبين ســبحانه أنــه ل إيمــان لمــن‬
‫لم يحك ّــم رســوله صــلى اللــه عليــه وســلم فــي‬
‫جميع المور‪ ،‬وينشرح صدره لــذلك‪ ،‬ويســلم لــه‬
‫تسليمًا‪.‬‬
‫فــالواجب علــى جميــع حكــام المســلمين أن‬
‫يلتزموا بحكمه سبحانه وأن يحكموا شـرعه بيـن‬
‫عباده‪ ،‬وأل يكون في أنفســهم حــرج مــن ذلــك‪،‬‬
‫وأن يحذروا اتباع الهوى المخــالف لشــرعه‪ ،‬وأل‬
‫يطيعــوا مــن دعــاهم إلــى تحكيــم أي قــانون أو‬
‫نظام‪ ،‬يخــالف مــا دل عليــه كتــاب اللــه أو ســنة‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم وبين ســبحانه أنــه‬
‫‪ ()1‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.65‬‬
‫‪454‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫ل إيمان لهل السلم إل بذلك‪ ،‬فكــل مــن زعــم‬
‫أن تحكيــم القــوانين الوضــعية المخالفــة لشــرع‬
‫الله أمر جائز‪ ،‬أو أنه أنسب للنــاس مــن تحكيــم‬
‫شرع الله‪ ،‬أو أنه ل فرق بين تحكيم شــرع اللــه‪،‬‬
‫وتحكيم‬

‫‪455‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫القوانين الــتي وضــعها البشــر المخالفــة لشــرع‬
‫الله عز وجل فهو مرتد عن الســلم‪ ،‬كــافر بعــد‬
‫اليمــان‪ ،‬إن كــان مســلما ً قبــل أن يقــول هــذا‬
‫القول أو يعتقد هذا العتقاد‪ ،‬وكمــا صــرح بــذلك‬
‫أهل العلم واليمان من علماء التفســير وفقهــاء‬
‫المسلمين في باب )حكم المرتد(‪ .‬ومن أشــكل‬
‫عليه شيء مما ذكرنا‪ ،‬فليراجع ما ذكره العلمــاء‬
‫فــي تفســير اليــات الســابقات‪ ،‬كالمــام‪ :‬ابــن‬
‫جريــر‪ ،‬والمــام البغــوي‪ ،‬والحــافظ ابــن كــثير‪،‬‬
‫وغيرهم من علماء التفسير‪ ،‬وليراجــع مــا ذكــره‬
‫العلماء في باب )حكم المرتــد(‪ ،‬وهــو‪ :‬المســلم‬
‫يكفر بعد إسلمه‪ ،‬حتى يتضــح لــه الحــق وتــزول‬
‫عنه الشبهة‪ .‬أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو‬
‫يعلم ذلك؛ لرشوة دفعت إليه من المحكــوم لــه‪،‬‬
‫أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليــه‪ ،‬أو لســباب‬
‫أخرى‪ ،‬فإنه قد أتى منكرا ً عظيم ـًا‪ ،‬وكــبيرة مــن‬
‫الكبائر‪ ،‬كما أنه قد أتى نوعا ً من الكفــر والظلــم‬
‫والفسق‪ ،‬لكنــه ل يخرجــه عمــل ذلــك مــن ملــة‬
‫الســلم‪ ،‬ولكنــه يكــون بــذلك قــد أتــى معصــية‬
‫عظيمة‪ ،‬وتعرض لعذاب الله وعقابه‪ ،‬وهــو علــى‬
‫خطــر عظيــم مــن انتكــاس القلــب والــردة عــن‬
‫السلم‪ .‬نعوذ بالله من ذلك‪ .‬وقــد يطلــق بعــض‬
‫العلماء‪ ،‬أنه أتى بذلك كفرا ً أصغر وظلمـا ً أصــغر‬
‫‪456‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫وفسقا ً أصــغر‪ ،‬كمــا روي ذلــك عــن ابــن عبــاس‬
‫رضي الله عنهما وعطاء‪ ،‬وجماعــة مــن الســلف‬
‫رحمهم الله ‪.‬‬
‫والله المسؤول أن يصلح أحــوال المســلمين‪،‬‬
‫ويمنحهم‬

‫‪457‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫الفقه في دينه‪ ،‬ويوزعهم شكر نعمه‪ ،‬وأن يصلح‬
‫قادتهم‪ ،‬ويولي عليهم خيــارهم‪ ،‬وأن ينصــر دينــه‬
‫ويعلي كلمته‪ ،‬ويخذل أعداء السلم أينما كــانوا‪،‬‬
‫وأن يعيذنا والمسلمين جميعا ً من مضلت الفتن‬
‫وأسباب النقم‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫وصلى الله وســلم علــى نبينــا محمــد‪ ،‬وآلــه‬
‫وصحبه‪.‬‬

‫‪458‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫‪ - 57‬لقاء جريدة )المسلمون( مع‬
‫سماحته‬
‫حول الفتنة التي أحدثها حاكم العراق‬
‫بغزوه للكويت‬
‫س‪ :‬سماحة الشيخ‪ :‬بعد أن هــدأ غبــار‬
‫الحــرب الن‪ ،‬كيــف الســبيل فــي رأي‬
‫سماحتكم إلى إزالة غبار الفتنة الــتي‬
‫)‪(1‬‬
‫نشأت عن أزمة الخليج؟‬
‫ج‪ :‬بسم اللــه الرحمــن الرحيــم‪ ،‬الحمــد للــه‪،‬‬
‫وصلى الله وسلم على رسول اللــه‪ ،‬وعلــى آلــه‬
‫وصحبه ومن واله‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فل شك أن الفتنة الــتي فجــر أســبابها حــاكم‬
‫العراق فتنة عظيمة‪ ،‬وترتب عليها شرور كثيرة‪.‬‬
‫ن بالقضـاء عليهـا‪ ،‬وتحريـر‬
‫والحمد للـه الـذي مـ ّ‬
‫دولة الكويت‪ ،‬ودحر الظالم والقضاء عليه وعلى‬
‫عدوانه‪.‬‬
‫ول شــك أن ذلــك مــن نعــم اللــه العظيمــة‪،‬‬
‫فنشكر الله على ذلك ونسأله سبحانه أن يصــلح‬
‫أحوال المسلمين‪ ،‬وأن يوفقهم لما يرضيه‪.‬‬
‫‪ ()1‬حوار مع سماحة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه‬
‫الله أجراه الدكتور‪ :‬عبد القادر طاش لجريدة )المسلمون( ‪ ،‬ونشر‬
‫هذا الحوار في ‪ 22‬شعبان ‪1411‬هـ بالعدد رقم ‪ ،318‬ونشر في هذا‬
‫المجموع ج ‪ 6‬ص ‪.170‬‬
‫‪459‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫والواجب علــى المســلمين فــي مقابــل هــذه‬
‫النعمــة أن يشــكروا اللــه عــز وجــل كــثيرًا‪ ،‬وأن‬
‫يستقيموا على دينه‪ ،‬وأن يحذروا أسباب غضــبه‪،‬‬
‫وأن يجتهدوا في رأب الصدع‬
‫م الشمل‪ ،‬علــى طاعــة اللــه ورســوله واتبــاع‬
‫ول ّ‬
‫كتاب الله وسنة رسوله عليه الصــلة والســلم ‪،‬‬
‫والتواصي بالحق والصبر عليه‪.‬‬
‫هــذا هــو الطريــق لزالــة غبــار هــذه الفتنــة‪،‬‬
‫والسلمة من شرها ومكائدها‪ ،‬ومكائد مــن دعــا‬
‫إليهـــا‪ ،‬واللـــه يقـــول فـــي كتـــابه العظيـــم‪﴿ :‬‬
‫ول َ‬
‫وا ْ‬
‫ج ِ‬
‫ل الّلــــ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫صــــ ُ‬
‫عــــا َ‬
‫حْبــــ ِ‬
‫َ‬
‫ْ )‪(1‬‬
‫فّر ُ‬
‫تَ َ‬
‫مــا‬
‫و َ‬
‫قــوا﴾ ‪ ،‬ويقــول ســبحانه وتعــالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ء َ‬
‫خت َل َ ْ‬
‫مــن َ‬
‫ه إ َِلــى‬
‫ي ٍ‬
‫شــ‬
‫ا ْ‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫فيــ ِ‬
‫ف ُ‬
‫مــ ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫فُتــ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن‬
‫هــا ال ّـ ِ‬
‫الل ّـ ِ‬
‫ه﴾ ‪ ،‬ويقــول عــز وجــل‪﴿ :‬ي َــا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫آمُنــوا ْ أ َطيعــوا ْ الّلــه َ‬
‫ســو َ‬
‫ل‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ِ ُ‬
‫عــوا ْ الّر ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫فــي‬
‫ف ـِإن ت َن َــاَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫عت ُ ْ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫ول ِــي ال ْ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫مـ ِ‬
‫ل ِإن ُ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ي ٍ‬
‫دوهُ إ َِلى الل ّ ِ‬
‫فُر ّ‬
‫والّر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ر ذَل ِـ َ‬
‫تُ ْ‬
‫خي ْـٌر‬
‫ك َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ب ِــالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫وال ْي َـ ْ‬
‫ه َ‬
‫خـ ِ‬
‫وأ َحسن ت َأ ْ‬
‫ويل ً﴾)‪ .(3‬هذا هو السبيل لزالة غبــار‬
‫َ ْ َ ُ‬
‫ِ‬
‫هذه الفتنة وآثارها السيئة‪.‬‬
‫‪ ()1‬سورة آل عمران‪ ،‬الية ‪.103‬‬
‫‪ ()2‬سورة الشورى‪ ،‬الية ‪.10‬‬
‫‪ ()3‬سورة النساء‪ ،‬الية ‪.59‬‬
‫‪460‬‬

‫الجزء الثامن عشر‬

‫مجموع فتاوى ومقالت متنوعة‬

‫إن الســبيل الوحيــد هــو جمــع الكلمــة علــى‬
‫طاعة الله ورســوله‪ ،‬والتواصــي بــالحق والصــبر‬
‫عليه من الرؤســاء والعيــان والعلمــاء والعامــة‪،‬‬
‫حتى ي