‫العلم في التشريع الجزائري‬

‫تعيش الصحافة الجزائرية تجربة فريدة في العالم العربي لما شهدته‬
‫من تحولت في العقدين الخيرين‪ ،‬ويبدو ذلك واضحا من خلل تباين‬
‫آراء رموز هذه الصحافة وعلى نحو يعكس مواقفها سواء كانت خاصة‬
‫أم عمومية‪ ،‬وهو ما كرسته القوانين التي تضمن التعددية العلمية‬
‫وحرية التعبير والتي ظهرت للوجود منذ مطلع التسعينات‪ ،‬وتعززت‬
‫السنة الماضية بمرسوم تنفيذي يهدف الى تنظيم المهنة وحماية‬
‫حقوق الصحفي‪.‬‬
‫صادقت الحكومة السنة الماضية على مرسوم تنفيذي محدد للنظام النوعي لعلقات‬
‫عمل الصحفي‪ ،‬حيث أعطت الضوء الخضر لوزارة التصال لفتح ورشات مع رجال‬
‫العلم للنظر في كل القضايا والمسائل محل نقاش في الساحة الوطنية بما في‬
‫ذلك ما تعلق بمعالجة الثغرات المترتبة عن صعوبة تنفيذ بعض بنود قانون العلم‬
‫لسنة ‪ 1990‬بسبب حل المجلس العلى للعلم‪ ،‬قصد عصرنة المنظومة القانونية‬
‫الخاصة بالمهنة لجعلها في مستوى تطلعات الصحافيين‪ ،‬ولم تستثن هذه الورشات‬
‫معالجة الختللت الموجودة في قانون العلم الحالي‪ ،‬والناجمة أساسا عن حل‬
‫المجلس العلى للعلم منذ عام ‪. 1993‬‬
‫وألح المرسوم الذي صدر في عهد وزير التصال السابق على موضوع البطاقة‬
‫المهنية الموحدة للصحفي‪ ،‬ويعد هذا المرسوم الذي تزامن صدوره مع قرب‬
‫الحتفالت باليوم العالمي لحرية الصحافة السنة الماضية نصا تشريعيا يحدد النظام‬
‫النوعي لعلقات العمل الخاص بالصحفي بالنظر الى خصوصية المهنة مقارنة بالمهن‬
‫الخرى‪ ،‬باعتبار أن وضعية المهنة اليوم تتميز بالهشاشة ونقص اوغياب الحماية‬
‫الجتماعية للعاملين في القطاع بالنظر إلى غياب عقود العمل او انتشار الظروف‬
‫المعيقة لداء مهنة الصحفي‪ ،‬اضافة الى نقص التكوين‪.‬‬
‫كما ينص المشروع على حرية الرأي والنتماء السياسي وحق الصحفي في رفض‬
‫التوقيع على المقال‪ ،‬وحق الملكية الفكرية على كتاباته‪ ،‬إضافة إلى حقه في عقد‬
‫تأميني تكميلي عندما يتعلق المر بمهمة استثنائية ذات مخاطر على حياته‪ ،‬وحق‬
‫الستفادة من التكوين‪ .‬ويضمن التشريع الجديد أيضا الحماية من كل أشكال الضغط‬
‫والتخويف في الوصول إلى مصادر الخبر وحقه في الستفادة من الترقيات في إطار‬
‫التفاقيات الجماعية‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫إضافة إلى أنه يشترط على مدراء المؤسسات العلمية السمعية البصرية أو‬
‫المكتوبة إبرام عقد عمل مع الصحفيين سواء لمدة غير محدودة أو محدودة‪،‬‬
‫بالتوقيت الكامل أو الجزئي وتحديد الجر ومكان العمل والمكافآت وكيفية مراجعة‬
‫العقد‪ .‬كما ينص أيضا على حقوق الصحافيين المتربصين وتمكينهم من نفس الحقوق‬
‫التي يتمتع بها الصحافي الدائم‪ ،‬وتجدر الشارة إلى أن المرسوم يلزم جميع‬
‫المؤسسات العلمية بتطبيق كل بنوده‪ ،‬غير أن هذا التطبيق يطرح بعض الصعوبات‪،‬‬
‫المر الذي جعل الوزارة تطالب الصحافيين وكل المنتمين للقطاع بما في ذلك‬
‫مدراء المؤسسات بالعمل معها على تنفيذ كل محتوى المرسوم‪.‬‬
‫وجاء هذا المرسوم لوضع حد للفوضى التي تعيشها بعض الصحف لمعالجة جميع‬
‫المشاكل العالقة‪ ،‬إذا علمنا أن بعض الصحف الوطنية ل تتوفر على اتفاقيات جماعية‬
‫تحدد طبيعة العلقة المهنية داخل المؤسسة‪.‬‬
‫ويبين هذا المرسوم أن الجزائر تولي أهمية كبيرة لموضوع تأمين كل شروط ضمان‬
‫حرية التعبير‪ ،‬وهو لبنة تضاف إلى المنظومة القانونية الساري العمل بها‪ .‬ورغم هذه‬
‫المبادرة التي جاءت بها الحكومة لتنظيم مهنة الصحافة‪ ،‬فإن إمكانية إلغاء المادة‬
‫‪ 144‬مكرر من قانون العقوبات التي تنص على سجن الصحافي تبقى محل نقاش‬
‫حسبما صرح به وزير التصال وقتها‪ ،‬مشيرا إلى أن ‪ 97‬بالمائة من القضايا‬
‫المطروحة أمام العدالة رفعها مواطنون "أحسوا بأنهم تعرضوا للقذف من طرف‬
‫الصحافة" وأن عدد القضايا التي ترفعها الهيئات الرسمية قليلة جدا‪ ،‬بل أن الكثير‬
‫من المؤسسات تتحاشى رفع قضايا القذف أمام العدالة رغم ما تلحقه بعض‬
‫الكتابات من أضرار بسمعتها‪ .‬كما أن هذا المرسوم الخير لم يتطرق إلى إمكانية‬
‫الحكومة القدام على فتح المجال السمعي البصري أمام القطاع الخاص‪.‬‬
‫وإذا أردنا الحديث عن العلم في التشريع الجزائري‪ ،‬فهنا يمكن تمييز مرحلتين‬
‫أساسيتين مر بهما العلم وهما مرحلة الحزب الواحد من الستقلل إلى غاية سنة‬
‫‪ 1989‬ومرحلة ما بعد التعددية الحزبية‪.‬‬
‫في المرحلة الممتدة من ‪ 1962‬إلى ‪ 1989‬كانت تعيش الجزائر في ظل نظام‬
‫الحزب الواحد‪ ،‬حيث كرس دستور ‪ 1963‬مبدأ حرية التعبير بصفة عامة‪ ،‬حيث نص‬
‫في مادته التاسعة عشر على أنه تضمن الجمهورية حرية الصحافة‪ ،‬ووسائل العلم‬
‫الخرى‪ ،‬وحرية تكوين الجمعيات‪ ،‬وحرية التعبير والتدخل العمومي وحرية الجتماع ‪.‬‬
‫إل أن هذه الحرية لم تكن مطلقة بل كانت مقيدة من طرف السلطة وهذا ما‬
‫نستخلصه من المادة الثانية والعشرين من نفس الدستور التي تنص على أنه ل يجوز‬
‫لي كان أن يستغل الحقوق السالفة الذكر في المساس باستقلل المة وسلمة‬
‫‪2‬‬

‫تراب الوطن والوحدة الوطنية ومنشآت الجمهورية ومطامح الشعب والشتراكية‬
‫ووحدة جبهة التحرير الوطني‪ .‬أما فيما يتعلق بالتنظيم القانوني للعلم في ظل‬
‫دستور ‪ 1976‬فإنه لم يضف شيئا‪ ،‬إذ أنه سار في نفس التجاه الذي سار عليه‬
‫دستور ‪ 1963‬فقد نصت المادة الخامسة والخمسون منه على أن حرية التعبير‬
‫والجتماع مضمونة‪ ،‬ول يمكن التذرع بها لضرب أسس الثورة الشتراكية‪.‬‬
‫أما قانون العلم لسنة ‪ 1982‬الصادر في السادس من فيفري فقد استمد معظم‬
‫أحكامه من دستور ‪ 1976‬وهو أول قانون للعلم في الجزائر وقد احتوى هذا‬
‫العلن على ‪119‬مادة موزعة على خمسة أبواب وتسعة فصول تضمنتها المبادئ‬
‫العامة ومن المواد التي تضمنها والتي تتعلق بحرية العلم نجد المادة الولى التي‬
‫تؤكد أن العلم قطاع من قطاعات السيادة الوطنية‪.‬‬
‫أما في المرحلة الثانية التي دخلتها الجزائر بدستور ‪ 23‬فيفري ‪ 1989‬الذي فتح‬
‫عهدا ً جديدا للجزائر‪ ،‬حيث كرس مبدأ التعددية السياسية وبالتالي تعددية إعلمية‬
‫وضمن حرية الرأي والتعبير‪ ،‬ثم جاء قانون ‪ 3‬أفريل ‪ 1990‬المعدل لقانون العلم‬
‫‪ 1982‬حيث عدل العقوبات‪ ،‬ويتضمن هذا القانون ‪106‬مادة موزعة على تسعة‬
‫أبواب ومن أهم المواد الدالة على هذه الحرية التي وردت في قانون العلم لسنة‬
‫‪ 1990‬نذكر المادة رقم ‪ 2‬التي تنص أن الحق في العلم يجسده حق المواطن في‬
‫الطلع بصفة كاملة وموضوعية على الوقائع والراء التي تهم المجتمع على‬
‫الصعيدين الوطني والدولي وحق مشاركته في العلم بممارسة الحريات الساسية‬
‫في التفكير والرأي والتعبير طبقا للمواد ‪ 39 ، 36 ،35‬و ‪ 40‬من الدستور‪.‬‬
‫أما المادة أ لـ ‪ 14‬فتبين أن إصدار نشرية دورية حر شريطة تقديم تصريح مسبق‬
‫في ظرف ل يقل عن ثلثين يوما من صدور العدد الول‪ .‬ويسجل التصريح لدى وكيل‬
‫الجمهورية المختص إقليميا بمكان صدور النشرية‪ ،‬ويقدم تصريحا في ورق مختوم‬
‫يوقعه مدير النشرية ويسلم له وصل بذلك في الحين‪ .‬ويجب أن يشتمل الوصل‬
‫على المعلومات المتعلقة بهوية الناشر والطابع ومواصفات النشرية كما تنص على‬
‫ذلك المواد اللحقة في القانون‪ .‬كما تنص المادة ‪ 35‬أنه للصحافيين المحترفين‬
‫الحق في الوصول إلى مصادر الخبر ويخول هذا الحق على الخصوص الصحافيين‬
‫المحترفين أن يطلعوا على الوثائق‪.‬‬
‫وبصرف النظر عن التطور الذي شهده التشريع العلمي في الجزائر تجدر الشارة‬
‫إلى أن الوثيقة العلمية التي وضعت في ظروف أوجدها دستور ‪ 1989‬جاءت‬
‫"متضمنة للعديد من التناقضات" كما ترى بعض الجهات العلمية وذلك إما مع‬
‫التشريعات العلمية الحديثة أو مع التوجهات العامة للنظام السياسي خاصة المبادئ‬
‫‪3‬‬

‫التي جاء بها الدستور المعدل في ‪ 28‬نوفمبر ‪. 1996‬‬
‫وعرف قانون العقوبات تعديل بعد بمصادقة نواب المجلس الشعبي الوطني بالغلبية‬
‫الساحقة على ضرورة وضع ضوابط وتشديد الخناق على الصحافة المستقلة من‬
‫خلل المادة ‪ 144‬مكرر التي تنص على أن الملحقة القضائية لنشرية‪ ،‬يومية أو‬
‫أسبوعية أو غيرها تتم ضد الصحافي وضد مسؤول النشر‪ ،‬إضافة إلى تعرض‬
‫الصحيفة نفسها لعقوبات‪.‬‬
‫كما يعاقب بالسجن بين ثلثة أشهر وسنة أو بغرامة مالية تتراوح بين خمسة مليين‬
‫سنتيم و ‪ 25‬مليون سنتيم أو بهما مًعا في حالة الساءة أو إهانة رئيس جمهورية‪،‬‬
‫عن طريق الكتابة أو الرسم أو التصريح أو بأي وسيلة تبث الصورة والصوت أو‬
‫أخرى إلكترونية أو معلوماتية‪ ،‬كما يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة‬
‫فا أو ضاب ً‬
‫طا أو‬
‫مالية من ألف دينار إلى ‪ 50‬مليون سنتيم كل من أهان قاضًيا أو موظ ً‬
‫دا أو أحد رجال القوة العمومية بالقول أو بالشارة أو التهديد أو إرسال أو تسلم‬
‫قائ ً‬
‫أي شيء لهم بالكتابة أو بالرسم‪ ،‬وتباشر النيابة العامة في حالت ارتكاب هذه‬
‫الجرائم ضد رئيس الجمهورية أو ضد رموز الدين‪ ،‬إجراءات المتابعة بصفة تلقائية‪.‬‬
‫وتبقى هذه المادة الشغل الشاغل للطبقة العلمية بالجزائر التي تطالب بإلغائها‬
‫والتخلي عن ما يعرف بجنحة القذف وتجريم الصحفي وإدانته بعقوبة السجن بسبب‬
‫كتابته كونها تمس بحرية الرأي والتعبير التي تعد من الشروط الساسية‬
‫للديمقراطية‪ ،‬في الوقت الذي تطالب فيه هذه الطبقة بإعادة المجلس العلى‬
‫للعلم المحل ومجلس أخلقيات المهنة الذي يفصل في النزاعات المهنة بعيدا عن‬
‫غرف المحاكم‪.‬‬

‫‪4‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful