‫تنبيه الغافلين‬

‫بأحاديث سيد النبياء والمرسلين‬
‫للفقيه الزاهد العالم العامل والستاذ المحدث‬
‫المتقن الكامل مولنا الشيخ نصر بن‬
‫محمد بن إبراهيم السمرقندي‬
‫رضي الله عنه‬
‫آمين‬
‫}ويليه كتاب "بستان العارفين" للمؤلف أيضا رحمه الله{‬
‫]ص ‪[3‬‬

‫ن الذّك َْرى ت َن ْ َ‬
‫وذَك ّْر َ‬
‫م ْ‬
‫ن{‬
‫ؤ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ف ُ‬
‫مِني َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫} َ‬
‫بسم الّله الرحمن الرحيم‬

‫الحمد لّله الذي هدانا لكتابه وفضلنا على سائر المم بأكرم أحبابه حمدا ً‬
‫يستجلب المرغوب من رضائه ويستعطف المخزون من عطائه ويجعلنا من‬
‫الشاكرين لنعمائه والعارفين لوليائه وآلئه‪ ،‬وصلى الّله على سمميدنا محمممد‬
‫رسوله المصطفى ونبيه المجتبى وعلى آله وعترته الطيبين وعلى أصممحابه‬
‫وأمته أجمعين‪.‬‬
‫)قال الفقيه( الزاهد العالم نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رضممي‬
‫الّله تعالى عنهم وأرضاهم‪ :‬إنممي لممما رأيممت الممواجب علممى مممن رزقممه الل ّممه‬
‫تعالى المعرفة في الدب والحظ في العلم والنظر بما نطق به كتمماب الل ّممه‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫م{ اليممة‪ ،‬وبممما‬
‫موْ ِ‬
‫ك ِبال ِ‬
‫سمن َةِ وَ َ‬
‫عظ َمةِ ال َ‬
‫ح َ‬
‫}اد ْع ُ إ َِلى َ‬
‫جماد ِل ْهُ ْ‬
‫ممةِ َوال َ‬
‫حك ْ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫وردت به السنة وهو ما روى عن عبد الّله بن مسعود رضممي الل ّممه عنممه أنممه‬
‫ولنا بالموعظة‬
‫قال‪" :‬كان النبي صلى الّله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يتخ ّ‬
‫أحيانا ً مخافة السآمة علينمما" جمعممت فممي كتممابي هممذا شمميئا ً مممن الموعظممة‬
‫والحكمة شافيا ً للناظر فيه ووصيتي له أن ينظر فيه بالتذكر والتفكر لنفسه‬
‫أوّل ً ثم بالحتساب بالتذكير لغيممره ثاني ما ً فممإن الل ّممه تعممالى أمرنمما بممذلك كلممه‬
‫والسممنة وردت فيممه قممال الل ّممه تعممالى‪ُ } :‬‬
‫ن‬
‫مممو َ‬
‫م ت ُعَل ّ ُ‬
‫ممما ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫كون ُمموا َرب ّممان ِّيي َ‬
‫ب{ قال بعممض المفسممرين‪ :‬معنمماه كونمموا عمماملين بممما كنتممم تعلمممون‬
‫الك َِتا َ‬
‫ّ‬
‫خ َ‬
‫ه‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫عب َمماد ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫شممى اللم َ‬
‫الناس من الكتاب‪ ،‬وقممال فممي آيممة أخممرى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م فَأنمذ ِْر{‬
‫ممد ّث ُّر‪ ،‬قُم ْ‬
‫ماُء{ وقال لنبيه صلى الّله عليه وسمملم‪} :‬ي َمما أي ّهَمما ال ُ‬
‫العُل َ َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ن الذ ّك َْرى َتن َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫وقال الّله تعالى في آية أخرى‪} :‬وَذ َك ّْر فَإ ِ ّ‬
‫فعُ ال ُ‬
‫مِني َ‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬تفك ّممر سمماعة خيممر‬
‫من عبادة سممنة" ومممن أعممرض عممن النظممر فممي الحكممم والمممواعظ وسممير‬
‫السلف ل يعدو إحدى خصليتن إما أن يقتصر على قليل مممن العمممل يتمموهم‬
‫أنه من جملة السابقين إلى الخيرات أو يجتهد بعض الجهد فيعظم ذلك في‬
‫عينه ويفضل‬
‫]ص ‪[4‬‬

‫بذلك نفسه على غيره فيبطل بذلك سممعيه ويحبممط عملممه‪ ،‬فممإذا نظممر فيهمما‬
‫ازداد حرصما ً علممى الطاعممات وغممرف قصمموره عممن بلمموغهم فممي الممدرجات‬
‫فنسأل الّله التوفيق لزكى العمال وأعظم البركات إنه منان قدير‪.‬‬
‫باب الخلص‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل بن أحنممف قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫محمد بن جعفر الكرابيسممي قمال‪ :‬حممدثنا إبراهيممم بمن يوسمف قممال‪ :‬حمدثنا‬
‫إسمعيل بن جعفر عن عمرو مولى المطلب عن عاصم عن محمد بن لبيممد‬
‫أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال‪" :‬أخمموف ممما أخمماف عليكممم الشممرك‬
‫الصغر‪ .‬قالوا يا رسول الّله وما الشرك الصممغر؟ قممال الريمماء‪ ،‬يقممول الل ّممه‬
‫تعالى يوم يجازي العباد بأعمممالهم‪" :‬اذهبمموا إلممى الممذين كنتممم تممراءون فممي‬
‫الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله‪ :‬إنما يقال لهم ذلك لن عملهم في الممدنيا كممان‬
‫على وجه الخداع فيعاملون في الخرة على وجه الخداع وهو كما قال الّلممه‬
‫م{ يعنممي يجممازيهم جممزاء‬
‫ن الّله وَهُموَ َ‬
‫خاد ِ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫مَنافِ ِ‬
‫عو َ‬
‫تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫خمماد ِع ُهُ ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫قي َ‬
‫الخداع فيبطل ثواب أعمالهم ويقول لهم اذهبوا إلى الممذين عملتممم لجلهممم‬
‫فإنه ل ثمواب لكمم عنمدي لنهما لمم تكمن خالصمة لموجه الّلمه تعمالى‪ ،‬وإنمما‬
‫يستوجب العبد الثواب إذا كممان عملممه خالصما ً لمموجه الل ّممه تعممالى فممإذا كممان‬
‫لغيره فيه شركة فالله بريء منه‪ .‬قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد‬
‫بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا إسمعيل عن عمرو عن سممعيد بممن‬
‫أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال‪:‬‬
‫"يقول الّله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك أنا غنممي عممن العمممل الممذي‬
‫فيه شركة لغيري فمن عمل عمل ً أشرك فيه غيري فأنا منممه بريممء" يعنممي‬
‫من ذلك العمل‪ ،‬ويقال يعني من العامل‪ .‬ففي هذا الخبر دليل على أن الّله‬
‫تعالى ل يقبل من العمل شيئا ً إل ما كان خالصا ً لوجهه فإذا لم يكن خالصمما ً‬
‫فل يقبل منه ول ثواب له في الخرة ومصيره إلى جهنم‪ .‬والدليل على ذلك‬
‫ن َ‬
‫ه ِفيهَمما{ يعنممي مممن أراد بعملممه‬
‫جل َ َ‬
‫ة عَ ّ‬
‫كا َ‬
‫جل َْنا ل َ ُ‬
‫ريد ُ الَعا ِ‬
‫قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫م ْ‬
‫ن يُ ِ‬
‫الدنيا ول يريد ثواب الخرة أعطيناه في الدنيا مقممدار ممما شممئنا مممن عممرض‬
‫الدنيا لمن نريممد يعنممي لمممن نريممد أن نهلكممه" ويقممال لمممن نريممد أن نعطيممه‬
‫م{ يعني أوجبنا له فممي الخممرة‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫جعَل َْنا ل َ ُ‬
‫بإرادتنا أيّ متاع ل بإرادته }ث ُ ّ‬
‫مومًا{ يستوجب المذمة يعني يذم نفسممه‬
‫صل َ‬
‫مذ ْ ُ‬
‫ها{ يعني يدخلها } َ‬
‫جهنم }ي َ ْ‬
‫ن‬
‫مد ْ ُ‬
‫حورًا{ يعني مطرودا ً مبعدا ً من رحمممة الل ّممه تعممالى }وَ َ‬
‫ويذمه غيره } َ‬
‫مم ْ‬
‫س معْي ََها{ يعنممي عمممل‬
‫خَر َ‬
‫أ ََراد َ ال ِ‬
‫سَعى ل ََها َ‬
‫ة{ يعني من أراد ثواب الخرة }وَ َ‬
‫ن{ يعنممي مممع‬
‫م مؤ ْ ِ‬
‫للخرة عمل ً من العمال الصالحة خالصا ً لمموجهه }وَهُموَ ُ‬
‫م ٌ‬
‫العمل يكون مؤمنا ً لنه ل يقبل العمل بغيمر إيممان }َفمأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك{ يعنمي المذين‬
‫م‬
‫يعملممون ويطلبممون ثممواب الخممرة ول يعملممون لريمماء الممدنيا }ك َمما َ‬
‫ن َ‬
‫س معْي ُهُ ْ‬
‫كورًا{ يعني عملهم مقبول ً } ُ‬
‫ش ُ‬
‫ؤلء وَهَ ُ‬
‫مد ّ ه َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ؤلِء‬
‫كل ن ُ ِ‬
‫َ‬
‫]ص ‪[5‬‬
‫ن عَ َ‬
‫طاِء َرب ّ َ‬
‫ن ع َط َمماُء‬
‫ممما ك َمما َ‬
‫ك{ يعني يعطي كل الفريقين من رزق ربك }وَ َ‬
‫مِ ْ‬
‫ح ُ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ظورًا{ يعني ما كان رزق ربك ممنوعا ً من المممؤمن والكممافر والممبر‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫والفاجر‪ ،‬فقد بين الّله تعالى في هذه الية أن من عمل لغير وجممه الل ّممه فل‬
‫ثواب له في الخرة ومأواه جهنم ومن عمل لوجه الّله تعالى فعمله مقبول‬
‫وإذا عمل لغير وجه الّله تعالى فل نصيب لممه مممن عملممه إل العنمماء والتعممب‬
‫كما جاء في الخبر‪ .‬قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جعفممر‬
‫حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا إسمعيل عن عمرو عن أبي هريرة أن النبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬رب صائم ليس له حظ مممن صممومه إل الجمموع‬
‫والعطش‪ ،‬ورب قائم ليس له حظ من قيامه إل السهر والنصب"‪ .‬يعني إذا‬
‫لم يكن الصوم والصلة لوجه الّله تعالى فل ثواب لممه كممما روى عممن بعممض‬

‫الحكماء أنه قال‪ :‬مثل ممن يعمممل الطاعممات للريمماء والسمممعة كمثممل رجممل‬
‫خرج إلى السوق ومل كيسه حصاة فيقول الناس ما أمل كيس هممذا الرجممل‬
‫ول منفعة له سوى مقالة الناس ولو أراد أن يشتري لممه شمميئا ً ل يعطممى بممه‬
‫شيء‪ ،‬كذلك الذي عمل للرياء والسمعة ل منفعة له من عمله سوى مقالة‬
‫مل ُمموا‬
‫ممما ع َ ِ‬
‫مَنا إ َِلى َ‬
‫الناس ول ثواب له في الخرة كما قال الّله تعالى‪} :‬وَقَد ِ ْ‬
‫من ُْثورًا{ يعني العمال التي عملوها لغيممر وجممه الل ّممه‬
‫ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫جعَل َْناه ُ هََباًء َ‬
‫ن عَ َ‬
‫م ٍ‬
‫م ْ‬
‫تعالى أبطلنا ثوابها وجعلناها كالهباء المنثور وهو الغبار الذي يرى في شعاع‬
‫الشمس‪ .‬وروى وكيع عن سفيان الثوري عمممن سمممع مجاهممدا ً يقممول‪ :‬جمماء‬
‫رجل إلى النبي صلى الّله عليه وسلم وقممال‪ :‬يمما رسممول الل ّممه إنممي أتصممدق‬
‫بالصدقة فألتمس بها وجه الّله تعالى وأحب أن يقال لي خيممر فنزلممت هممذه‬
‫ن َ‬
‫ه{ يعني مممن خمماف المقممام بيممن يممدي الل ّممه‬
‫جوا ل ِ َ‬
‫قاَء َرب ّ ِ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫كا َ‬
‫الية‪} :‬فَ َ‬
‫م ْ‬
‫صاِلحًا{ يعنممي خالص ما ً‬
‫م ْ‬
‫ل عَ َ‬
‫تعالى‪ .‬ويقال من كان يريد ثواب الّله }فَل ْي َعْ َ‬
‫مل ً َ‬
‫َ‬
‫شرِ ْ‬
‫}َول ي ُ ْ‬
‫حدًا{‪.‬‬
‫ك ب ِعَِباد َةِ َرب ّهِ أ َ‬
‫وقال حكيم من الحكماء‪ :‬من عمل سبعة دون سبعة لم ينتفع بممما يعمممل‪.‬‬
‫أولها‪ :‬أن يعمل بالخوف دون الحذر‪ ،‬يعني يقول إني أخاف عممذاب الّلممه ول‬
‫يحذر من الذنوب فل ينفعه ذلممك القممول شمميئًا‪ .‬والثمماني‪ :‬أن يعمممل بالرجمماء‬
‫دون الطلب‪ ،‬يعني يقول إني أرجممو ثممواب الل ّممه تعممالى ول يطلبممه بالعمممال‬
‫الصالحة لم تنفعه مقالته شمميئًا‪ .‬والثممالث‪ :‬بالنيممة دون القصممد‪ ،‬يعنممي ينمموي‬
‫بقلبه أن يعمل بالطاعات والخيرات ول يقصد بنفسه لم تنفعممه نيتممه شمميئًا‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬بالدعاء دون الجهممد‪ ،‬يعنممي يممدعو الل ّممه تعممالى أن يمموفقه للخيممر ول‬
‫يجتهد لم ينفعه دعاؤه شيئًا‪ :‬وينبغي له أن يجتهممد ليمموفقه الل ّممه تعممالى كممما‬
‫ع‬
‫قممال الل ّممه تعممالى‪َ} :‬وال ّم ِ‬
‫مم َ‬
‫س مب ُل ََنا وَإ ِ ّ‬
‫جاهَ م ُ‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫ن الل ّممه ل َ َ‬
‫دوا ِفين َمما ل َن َهْ مد ِي َن ّهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن{ يعني الذين جاهممدوا فممي طاعتنمما وفممي ديننمما لنمموفقنهم لممذلك‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫سِني َ‬
‫والخامس‪ :‬بالستغفار دون الندم يعني يقول أستغفر الّله ول يندم على ممما‬
‫كان منه من الذنوب لم ينفعه السممتغفار يعنممي بغيممر الندامممة‪ .‬والسممادس‪:‬‬
‫بالعلنية دون السريرة‪ ،‬يعنممي يصمملح أممموره فممي العلنيممة ول يصمملحها فممي‬
‫السر لم تنفعه علنيته شيئًا‪ .‬والسابع‪ :‬أن يعمل بالكممد دون الخلص‪ ،‬يعنممي‬
‫يجتهد‬
‫]ص ‪[6‬‬
‫في الطاعات ول تكون أعماله خالصة لوجه الل ّممه تعممالى لممم تنفعممه أعممماله‬
‫بغير إخلص ويكون ذلك اغترارا ً منه بنفسممه‪ ،‬وروى أبممو هريممرة عممن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬يخرج في آخر الزمان أقوام لجتلب الدنيا‬
‫مثل الحلب" وفي نسخة أخممرى "يجلبممون" أي يممأكلون الممدنيا بالممدين وفممي‬
‫أخرى "يجتلبون الدنيا" يعني يأخممذونها فيلبسممون لبمماس جلممود الضممأن فممي‬
‫اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلمموب الممذئاب يقممول الل ّممه }أبممي‬
‫تغترون أم علي تجترئون{ الجتراء أن يجعل نفسه شجاعا ً مممن غيممر تفكممر‬
‫ول روية "فبي حلفممت ُ‬
‫لبعثممن علممى أولئك فتنممة تممدع الحكيممم العاقممل فيهمما‬
‫حيران" وروى وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي صالح قال‪" :‬جمماء رجممل‬
‫إلى النبي صلى الّله عليه وسلم فقممال يمما رسممول الل ّممه إنممي أعمممل العمممل‬
‫فأسره في ُط ّل َعُ عليه فيعجبني ذلك ألي فيه أجر؟ قال لك فيممه أجممران‪ :‬أجممر‬
‫السر وأجر العلنية"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬معناه أنه يطلع على عمله ويقتدى به فله‬
‫أجران أجر لعمله وأجر للقتداء به كما قال النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‪:‬‬
‫ن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامممة‪ ،‬ومممن‬
‫"من س ّ‬
‫ن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلممى يمموم القيامممة وأممما إذا‬
‫س ّ‬
‫كان يعجبمه أن يطلمع علممى عملممه ل لجمل القتممداء بمه فممإنه يخماف ذهماب‬
‫أجره"‪ .‬وروى عبد الّله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عممن ضممميرة‬
‫عن أبي حبيب قال‪ :‬قال رسول الله صلى الل ّممه عليممه وسمملم "إن الملئكممة‬

‫يرفعون عمل عبد من عباد الّله فيستكثرونه ويزكونه حممتى ينتهمموا بممه إلممى‬
‫حيث شاء الّله تعالى من سلطانه فيوحي الل ّممه تعممالى إليهممم‪ :‬إنكممم حفظممة‬
‫على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص لممي‬
‫عمله فاكتبوه في سجين‪ ،‬ويصعدون بعمل عبد فيستقلونه ويحتقرونه حممتى‬
‫ينتهوا به إلى حيث شاء الّله من سلطانه فيوحي الل ّممه إليهممم‪ :‬إنكممم حفظممة‬
‫على عمل عبدي وأنا رقيب على ما فمي نفسمه إن عبمدي همذا أخلمص لمي‬
‫عمله فاكتبوه في عليين"‪ .‬ففي هذا الخبر دليممل علممى أن قليممل العمممل إذا‬
‫كان لوجه الّله تعالى خير من الكثير لغيممر وجممه الل ّممه تعممالى لن القليممل إذا‬
‫ن‬
‫كان لوجه الّله تعالى فإن الّله يضاعفه بفضمله كمما قمال الّلمه تعمالى }وَإ ِ ْ‬
‫فها ويؤ ْت من ل َدن َ‬
‫ظيمًا{ وأما الكممثير إذا لممم يكممن‬
‫ضا ِ‬
‫سن َ ً‬
‫جرا ً ع َ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ة يُ َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫ع ْ َ َُ ِ ِ ْ ُْ ُ‬
‫ت َك ُ ْ‬
‫لوجه الّله تعالى فل ثواب له ومأواه جهنم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬حدثني جماعة من الفقهاء بأسانيدهم عن عقبة‬
‫بن مسلم عن سمير الصبحي حدثه أنه دخممل المدينممة فممإذا هممو برجممل قممد‬
‫اجتمع عليه الناس فقلمت ممن هممذا؟ فقممالوا أبمو هريمرة فممدنوت منمه وهمو‬
‫يحدث الناس‪ ،‬فلما سكت وخل قلت له أنشدك الّله حممدثني حممديثا ً سمممعته‬
‫من رسول الله صلى الّله عليه وسلم وحفظته حدثك به وعلمته؟ فقال أبو‬
‫هريرة اقعد لحدثك بحديث حدثنيه رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم ممما‬
‫معنا أحد غير وغيره‪ ،‬ثممم نشممغ نشمغة أي شممهق شمهقة فخمّر مغشميا ً عليممه‬
‫فمكث عليه قليل ً ثم أفمماق ومسممح وجهممه فقممال لحممدثنكم بحممديث حممدثنيه‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬ثم نشغ نشغة أخرى فمكممث طممويل ً ثممم‬
‫أفاق ومسح وجهه فقال‪ :‬لحدثنكم بحديث حدثنيه‬
‫]ص ‪[7‬‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬ثم نشغ نشغة أخرى فمكممث طممويل ً ثممم‬
‫أفاق ومسح وجهه فقال حدثني رسول الله صلى الّلمه عليمه وسملم فقمال‪:‬‬
‫"إن الّله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه فكل أمة جاثية‬
‫فأّول من يدعى به رجل قد جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الل ّممه ورجممل‬
‫كثير المال‪ ،‬فيقول الّله تعالى للقارئ ألمم أعلممك مما أنزلمت علمى رسملي‬
‫قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت؟ قال كنت أقوم به آناء الليل‬
‫والنهار فيقول الّله تعالى له كذبت وتقول الملئكة كذبت بل أردت أن يقال‬
‫فلن قارئ فقد قيل ذلك‪ ،‬ويقال لصاحب المممال ممماذا عملممت فيممما آتيتممك؟‬
‫قال كنت أصل بممه الرحممم وأتصممدق بممه فيقممول الل ّممه تعممالى كممذبت وتقممول‬
‫والملئكة كذبت بل أردت أن يقال فلن جواد سخي وهو ض مد ّ البخيممل فقممد‬
‫قيل ذلك‪ ،‬ويؤتى بالذي قتل في سبيل الل ّممه فيقممول لممه لممماذا قتلممت؟ قممال‬
‫قاتلت في سبيلك حتى قتلممت فيقممول الل ّممه تعممالى كممذبت وتقممول الملئكممة‬
‫كذبت بل أردت أن يقال لك فلن جرئ فقد قيممل ذلممك‪ ،‬ثممم ضممرب رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم بيده على ركبتي فقال‪ :‬يا أبا هريرة أولئك الثلثة‬
‫أّول خلق الّله تعالى تسعر بهم النار يوم القيامة" قال‪ :‬فبلغ ذلك الخبر إلى‬
‫ن‬
‫معاوية فبكى بكاء شديدا ً وقال صدق الّله ورسوله ثم قرأ هذه اليممة } َ‬
‫ممم ْ‬
‫ف إل َيه م َ‬
‫م ِفيهَمما ل‬
‫ري مد ُ ال َ‬
‫ن يُ‬
‫ك َمما َ‬
‫م ِفيهَمما وَهُ م ْ‬
‫مممال َهُ ْ‬
‫م أع ْ َ‬
‫حي َمماة َ ال مد ّن َْيا وَِزين َت َهَمما ن ُموَ ّ ِ ْ ِ ْ‬
‫ِ‬
‫حب ِ َ‬
‫ن‪ ،‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫صمن َُعوا ِفيهَمما‬
‫ي ُب ْ َ‬
‫م ِفي ال ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫خَرةِ ِإل الّناُر وَ َ‬
‫سو َ‬
‫خ ُ‬
‫ط َ‬
‫س ل َهُ ْ‬
‫ممما َ‬
‫ن ل َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ما َ‬
‫وََباط ِ ٌ‬
‫ن{‪ .‬وقال عبد الّله بن حنيممف النطمماكي‪ :‬يقممول الل ّممه‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ل َ‬
‫تعالى لعبده يوم القيامة إذا التمس ثواب عمله "ألم نعجل لممك ثوابممك ألممم‬
‫نوسع لك في المجالس ألممم تكممن المممرأس فممي دنيمماك ألممم نرخممص بيعممك‬
‫وشممراءك ألممم تكممن مثممل هممذا وأشممباهه؟"‪ .‬وقيممل لبعممض الحكممماء‪ :‬مممن‬
‫المخلممص؟ قممال المخلممص الممذي يكتممم حسممناته كممما يكتممم سمميئاته‪ .‬وقيممل‬
‫لبعضهم ما غاية الخلص؟ قال أن ل يحب محمدة الناس‪ ،‬وقيل لذي النون‬
‫المصري متى يعلم الرجل أنه ممن صممفوة الّلمه تعمالى‪ :‬يعنمي ممن خواصمه‬
‫الذين اصطفاهم الّله تعالى؟ قال يعرف ذلك بأربعة أشياء‪ :‬إذا خلع الراحممة‬

‫يعني ترك الراحة‪ ،‬وأعطممى مممن الموجممود يعنممي يعطممي مممن القليممل الممذي‬
‫عنده‪ ،‬وأحب سقوط المنزلة‪ ،‬واستوت عنده المحمدة والمذمممة‪ .‬وقممد روى‬
‫عدي بن حاتم الطائي عن رسمول اللمه صملى الّلمه عليمه وسملم أنمه قمال‪:‬‬
‫"يممؤمر بأنمماس مممن النمماس يمموم القيامممة إلممى الجنممة حممتى إذا دنمموا منهمما‬
‫واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الّله لهلهمما نممودوا أن‬
‫اصرفوهم عنها ل نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الّولون‬
‫والخرون بمثلها‪ ،‬فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا مممن‬
‫ثواب ما أعممددته لوليممائك؟ فيقممول الل ّممه تعممالى‪ :‬أردت بكممم ذلممك كنتممم إذا‬
‫خلوتم بممارزتموني بالعظممائم‪ ،‬وإنمما لقيتممم النمماس لقيتممموهم مخبممتين يعنممي‬
‫متواضعين تراءون الناس بأعمالكم خلف ما تنطوى عليه‬
‫]ص ‪[8‬‬
‫قلوبكم‪ ،‬هبتم النمماس ولممم تهممابوني وأجللتممم للنمماس ولممم تجل ّمموني وتركتممم‬
‫للناس ولم تتركوا لي‪ ،‬فاليوم أذيقكم أليم عقابي مع ما حرمتكم من جزيل‬
‫ثوابي"‪.‬‬
‫وروى عن ابن عباس رضي الّله عنهما عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬لما خلق الّله تعالى جنة عدن خلق فيها ممما ل عيممن رأيممت‬
‫ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪ ،‬ثم قال لها تكلمممي فقممالت }قَ مد ْ‬
‫َ‬
‫ن{ ثلثًا‪ ،‬ثم قالت‪ :‬إني حرام على كل بخيل ومنافق ومممراء"‪.‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫أفْل َ َ‬
‫ح ال ُ‬
‫ي بمن أبمي طمالب رضمي الّلمه عنمه أنمه قمال‪ :‬للممرائي أربمع‬
‫وروى عن عل ّ‬
‫علمات‪ :‬يكسل إذا كان وحده‪ ،‬وينشط إذا كان مع الناس‪ ،‬ويزيد في العمل‬
‫م به‪ .‬وروى عن شقيق بممن إبراهيممم الزاهممد أنممه‬
‫إذا أثنى عليه‪ ،‬وينقص إذا ذ ّ‬
‫قال‪ :‬حسن العمل ثلثة أشممياء‪ :‬أّولهمما أن يممرى أن العمممل مممن الل ّممه تعممالى‬
‫ليكسر به العجب‪ ،‬والثاني أن يريد به رضا الّله ليكسر بممه الهمموى‪ ،‬والثممالث‬
‫أن يبتغي ثواب العمل ممن الّلمه تعمالى ليكسمر بمه الطممع والريمماء‪ ،‬وبهممذه‬
‫الشياء تخلص العمال‪ :‬فأما قوله أن يرى أن العمل من الّله تعممالى يعنممي‬
‫يعلم أن الّله هو الذي وفقه لذلك العمممل لنممه إذا علممم أن الل ّممه تعممالى هممو‬
‫الذي وفقه فإنه يشتغل بالشكر ول يعجب بعمله‪ .‬وأما قمموله يريممد بممه رضمما‬
‫الّله تعالى‪ :‬يعني ينظر في ذلك العمممل فمإن كمان العمممل للمه تعممالى وفيممه‬
‫رضاه فإنه يعمله وإن علم أنه ليس لله فيه رضا فل يعمله كيل يكون عامل ً‬
‫َ‬
‫سمموِء{ يعنممي تممأمر‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫بهوى نفسه لن الّله تعالى قال‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ممماَرة ٌ ِبال ّ‬
‫سل ّ‬
‫ف َ‬
‫بالسوء وبهواها‪ ،‬وأما قوله أن يبتغي ثممواب العمممل مممن الل ّممه تعممالى‪ :‬يعنممي‬
‫يعمل خالصا ً لوجه الّله تعالى ول يبممالي مممن مقالممة النمماس؛ كممما روى عممن‬
‫بعض الحكماء أنه قال‪ :‬ينبغي للعامل أن يأخذ الدب في عملممه مممن راعممي‬
‫الغنم قيل وكيف ذلك؟ قال لن الراعي إذا صلى عند غنمممه فممإنه ل يطلممب‬
‫بصلته محمدة غنمه‪ ،‬كذلك العامل ينبغي أن ل يبالي من نظر النمماس إليممه‬
‫فيعمل لله تعالى عند الناس وعند الخلء بمنزلة واحممدة ول يطلممب محمممدة‬
‫الناس‪ .‬وقال بعض الحكماء‪ :‬يحتاج العمممل إلممى أربعممة أشممياء حممتى يسمملم‪.‬‬
‫أولها‪ :‬العلم قبل بدئه لن العمل ل يصلح إل بمالعلم فمإذا كمان العممل بغيمر‬
‫علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه‪ .‬والثاني‪ :‬النية في مبدئه لن العمل ل‬
‫يصلح إل بالنية كما قال صلى الّله عليه وسلم "إنما العمال بالنيممات وإنممما‬
‫لكل امرئ ما نوى" فالصمموم والصمملة والحممج والزكمماة وسممائر الطاعممات ل‬
‫تصلح إل بالنية فل بد ّ من النية في مبدئها ليصمملح العمممل‪ .‬والثممالث‪ :‬الصممبر‬
‫في وسطه يعني يصبر فيها حتى يؤديها على السكون والطمأنينة‪ .‬والرابممع‪:‬‬
‫الخلص عند قراءته لن العمل ل يقبل بغير إخلص فإذا عملممت بممالخلص‬
‫يتقبل الّله تعالى منك وتقبل قلوب العباد إليك‪ .‬وروى عممن هممرم بممن حيممان‬
‫أنه قال‪ :‬ما أقبل عبد بقلبه إلى الّله تعالى إل أقبل الّله تعالى بقلمموب أهممل‬
‫دتهم ورحمتهم‪.‬‬
‫اليمان إليه حتى يرزقه مو ّ‬

‫]ص ‪[9‬‬
‫وروى سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "إن الّله تعالى إذا أحب عبدا ً قممال لجبريممل إنممي أحممب فلنما ً‬
‫فأحبه فيقول جبريل لهل السماء إن ربكم يحب فلنا ً فممأحبوه فيحبممه أهممل‬
‫السماء فيوضع له القبول في الرض‪ ،‬وإذا أبغض الّله عبدا ً فمثل ذلك"‪.‬‬
‫وروى عن شقيق بممن إبراهيممم الزاهممد أن رجل ً سممأله فقممال‪ :‬إن النمماس‬
‫يسمونني صالحا ً فكيف أعلم أنممي صممالح أو غيممر صممالح؟ فقممال لممه شممقيق‬
‫رحمه الّله أظهر سرك عند الصالحين فإن رضوا به فمماعلم أنممك صممالح وإل‬
‫فل‪ .‬والثاني اعرض الدنيا على قلبك فإن ردها فمماعلم أنمك صممالح‪ ،‬والثممالث‬
‫اعممرض الممموت علممى نفسممك فممإن تمنتممه فمماعلم أنممك صمالح وإل فل‪ ،‬فممإذا‬
‫اجتمعت فيك هذه الثلثة فتضممرع إلممى الل ّممه تعممالى لكيل يممدخل الريمماء فممي‬
‫عملك فيفسد عليك أعمالك‪.‬‬
‫وروى ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫قال "أتدرون من المؤمن؟ قالوا الّله ورسمموله أعلممم‪ ،‬قممال الممذي ل يممموت‬
‫حتى يمل الّله مسامعه مما يحب‪ ،‬ولو أن رجل ً عمل لطاعة الّله تعالى فممي‬
‫بيت في جوف بيت إلى سبعين بيتا ً على كل بيممت بمماب مممن حديممد للبسممه‬
‫الّله تعالى رداء عمله حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدوا‪ .‬قيل يا رسول الل ّممه‬
‫وكيف يزيدون؟ قال إن المؤمن يحب ما زاد في عمله‪ ،‬ثم قال أتدرون من‬
‫الفاجر؟ قالوا الّله ورسوله أعلم قال الذي ل يموت حتى يمل الّله مسامعه‬
‫مما يكره‪ ،‬ولو أن عبدا ً عمل بمعصية الّله تعالى في بيممت فممي جمموف بيممت‬
‫إلى سبعين بيتا ً على كل بيت باب من حديد للبسه الل ّممه تعممالى رداء عمممل‬
‫حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدوا‪ .‬قيل وكيف يزيدون يا رسول اللممه؟ قممال‬
‫إن الفاجر يحب ما زاد في فجوره"‪.‬‬
‫وروى عن عوف بن عبد الّله أنه قال‪ :‬كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى‬
‫بعض بثلث كلمات‪ :‬من عمل لخرته كفاه الّله أمر دنياه‪ ،‬ومن أصمملح فيممما‬
‫بينه وبين الّله أصلح الّله تعالى فيما بينه وبين الناس‪ ،‬ومن أصمملح سممريرته‬
‫أصلح الّله علنيته‪ .‬وقال حامد اللفاف‪ :‬إذا أراد الّله هلك امرئ عاقبه بثلثة‬
‫أشياء‪ :‬أولها‪ :‬يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء‪ .‬والثاني‪ :‬يرزقممه صممحبة‬
‫الصممالحين ويمنعممه عممن معرفممة حقمموقهم‪ .‬والثممالث‪ :‬يفتممح الل ّممه عليممه بمماب‬
‫الطاعات ويمنعه من إخلص العمل‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬إنما يكممون ذلممك لخبممث نيتممه وسمموء‬
‫سريرته لن النية لو كانت صحيحة لرزقه الّله تعالى منفعة العلم والخلص‬
‫للعمل ومعرفة حرمة الصالحين‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬أخبرني الثقة بإسناده عن جبلة اليحصي قممال‪:‬‬
‫كنا في غزوة مع عبد الملك بن ممروان فصممحبنا رجمل مسمهار ل ينمام ممن‬
‫الليل إل أقله فمكثنا أياما ً ل نعرفه ثم عرفناه فممإذا هممو رجممل مممن أصممحاب‬
‫رسول الله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬وكان فيما حدثنا أن قائل ً من المسلمين‬
‫قال يا رسول الّله فيم النجاة غدًا؟ قال أن ل تخادع الله‪ .‬قال وكيف نخادع‬
‫الله؟ قال أن تعمل بما أمرك الّله وتريد بممه غيممر وجممه اللممه‪ ،‬واتقمموا الريمماء‬
‫فإنه الشرك بممالله وإن المممرائي ينممادى يمموم القيامممة علممى رؤوس الخلئق‬
‫بأربعة أشياء‪ :‬يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر ض ّ‬
‫ل عملك وبطل‬
‫]ص ‪[10‬‬
‫أجرك فل خلق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنممت تعمممل لممه يمما مخممادع"‬
‫قال‪ :‬قلت له بالله الذي ل إله إل هو أنت سمعت هذا من رسول الّله صلى‬
‫الّله عليه وسلم؟ فقال والله الذي ل إله إل هو إني سمعته من رسول الّله‬
‫صلى الّله عليه وسلم إل أن أكون قد أخطأ شيئا ً لم أكممن أتعمممده‪ ،‬ثممم قممرأ‬
‫م{‪.‬‬
‫ن الّله وَهُوَ َ‬
‫خاد ِ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫مَنافِ ِ‬
‫عو َ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫خاد ِع ُهُ ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫قي َ‬

‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬من أراد أن يجد ثواب عمله في الخممرة‬
‫ينبغي له أن يكون عمله خالصا ً لله تعالى بغير رياء ثمم ينسمى ذلمك العممل‬
‫لكيل يبطله العجب لنه يقال حفظ الطاعة أشد ّ من فعلهمما‪ .‬وقممال أبممو بكممر‬
‫الواسطي‪ :‬حفظ الطاعة أشممد ممن فعلهمما لن مثلهمما كمثممل الزجمماج سممريع‬
‫الكسمر ول يقبممل الجممبر‪ ،‬كممذلك العممل إن مسمه الريماء كسمره وإذا مسمه‬
‫العجب كسره‪ ،‬وإذا أراد الرجل أن يعمل عمل ً وخاف الرياء من نفسه فممإن‬
‫أمكنه أن يخرج الرياء من قلبه فينبغي له أن يجتهد في ذلك وإن لم يمكنممه‬
‫فينبغي أن يعمل ول يترك العمل لجل الرياء ثم يسممتغفر الل ّممه تعممالى مممما‬
‫فعل فيه من الرياء فلعل الل ّممه تعممالى أن يمموفقه للخلص فممي عمممل آخممر‪.‬‬
‫ويقال في المثل إن الدنيا خربت منذ مات المممراءون لنهممم كممانوا يعملممون‬
‫أعمال البر مثل الرباطات والقناطر والمسمماجد فكممان للنمماس فيهمما منفعممة‬
‫وإن كانت للرياء فربما ينفعه دعاء أحد من المسلمين‪ .‬كما روى عن بعممض‬
‫المتقدمين أنه بنى رباطا ً وكان يقول في نفسه ل أدري أكان عملي هذا لله‬
‫تعالى أم ل فأتاه آت في منامه فقال له إن لم يكن عملك لله تعالى فدعاء‬
‫المسلمين الذين يدعون لك فهو لله تعممالى فسممر بممذلك‪ .‬وقممال رجممل عنممد‬
‫حذيفة بن اليمان‪ :‬اللهم أهلك المنافقين‪ ،‬فقال حذيفة لو هِلكوا ما انتصفتم‬
‫دو‪ .‬وروى عممن‬
‫دوكم‪ :‬يعني أنهممم يخرجممون إلممى الغممزو ويقمماتلون العم ّ‬
‫من ع ّ‬
‫سلمان الفارسي رضي الل ّممه تعممالى عنممه قممال‪ :‬يؤيممد الل ّممه المممؤمنين بقمموة‬
‫المنافقين وينصر المنافقين بدعوة المؤمنين‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬تكلم الناس في الفرائض‪ .‬فقال بعضهم ل‬
‫يدخل فيها الرياء لنها فريضة على جميع الخلق فإذا أدى ما هو فرض عليه‬
‫ل يدخل فيه الرياء‪ .‬وقال بعضهم يدخل الرياء في الفرائض وغيرها‪.‬‬
‫)قال الفقيه( هذا عندي على وجهين‪ :‬إن كان يؤدي الفرائض رئاء الناس‬
‫ولو لم يكن رثاء الناس لكان ل يؤديها فهذا منافق تام وهو من الممذين قممال‬
‫قين ِفي الد ّر ِ َ‬
‫ن الن ّمماِر{ يعنممي فممي‬
‫سم َ‬
‫ل ِ‬
‫الّله تعالى فيهم }إ ِ ّ‬
‫ك ال ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫مم ْ‬
‫ف ِ‬
‫ْ‬
‫مَنافِ ِ َ‬
‫الهاوية مع آل فرعون لنه لو كان توحيده صحيحا ً خالصا ً لكان ل يمنعه عممن‬
‫أداء الفرائض‪ ،‬وإن كان يؤدي الفممرائض إل أنممه يؤديهمما عنممد النمماس أحسممن‬
‫وأتم وإن لم يره أحممد يؤديهمما ناقصممة فلممه الثممواب النمماقص ول ثممواب لتلممك‬
‫الزيادة وهو مسؤول عنها محاسب عليها‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫]ص ‪[11‬‬
‫}باب هول الموت وشدته{‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى قال‪ :‬حدثنا محمممد‬
‫بن فضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حمدثنا الخليممل بمن‬
‫أحمد حدثنا الحسين المروزي حدثنا ابن أبي عديّ عن حميد عممن أنممس بممن‬
‫ب لقاء اللممه" أي‬
‫مالك قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "من أح ّ‬
‫المصير إلى دار الخرة‪ ،‬ومعنى محبته أن المؤمن إذا كممان عنممد النممزع فممي‬
‫حالة ل يقبل اليمان فيها يبشر برضوان الّله وجنته فيكون موته أحممب إليممه‬
‫من حياته "أحب الّله لقاءه" أي أفاض عليه فضله وأكثر العطايما لمه‪ ،‬وإنممما‬
‫فسرناه به لن المحبة على مما فسممروها ميلن النفممس وهمو ل يليمق بمالله‬
‫تعالى فيحمل على غايته "من كره لقاء الّله كره الل ّممه لقمماءه" فممإن الكممافر‬
‫حين يرى ما أعد ّ له من العقوبة يبكي لضلله ويكممره الممممات فيكممره الل ّممه‬
‫لقاءه‪ ،‬ومعنى كراهة الّله له تبعيممده عممن رحمتممه وإرادة نقمتممه ل الكراهيممة‬
‫التي هي المشقة لنه ل يليق إسنادها إلى الّله تعمالى‪ .‬قمال النمووي‪ :‬ليممس‬
‫معنى الحديث أن حبهم لقاء الّله سبب حب الّله لهم ول أن كراهتهم سبب‬
‫لكراهته‪ ،‬بل الغرض بيان وصفهم بأنهم يحبممون لقمماء الل ّممه حيممن أحممب الل ّممه‬
‫لقاءهم انتهى كلمه‪ .‬وتوضيحه أن المحبة صفة لله ومحبة العبد ربممه تابعممة‬
‫لها ومنعكسة منها كظهور عكس الماء علممى الجممدار‪ ،‬ويؤيممده ممما روى أنممه‬
‫عليه الصلة والسلم قال "إذا أحب الّله عبدا ً شغله به" وفي تقديم يحبهممم‬

‫على يحبونه في القرآن إشارة إلى ذلك أذاقنا الّله لقاء محبته وأكرمنا بهمما‪،‬‬
‫ثم إنهم قالوا‪ :‬يا رسول الّله كلنمما نكممره الممموت قممال "ليممس ذلممك بكراهممة‬
‫ولكن المؤمن إذا احتضر جاءه البشير من الل ّممه تعمالى بمما يرجممع إليمه ممن‬
‫الخير فليس شيء أحب إليه من لقمماء الل ّممه تعممالى فممأحب الل ّممه لقمماءه وإن‬
‫الفاجر أو قال الكافر إذا احتضر جاءه النذير بما هممو صممائر إليممه مممن الشممر‬
‫فكره لقاء الّله فكره الّله لقاءه"‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن فضل حممدثنا محمممد بممن جعفممر حممدثنا إبراهيممم بممن‬
‫يوسف حدثنا وكيع عن الربيع بن سعيد عن محمد بن سابط عن سممعيد بممن‬
‫ضابط عن جابر عن عبد الّله عن النبي صلى الّله عليه وسلم قممال "حممدثوا‬
‫عن بني إسرائيل ول حرج فإنهم قوم قممد كممان فيهممم العمماجيب‪ ،‬ثممم أنشممأ‬
‫دث فقال‪ :‬خرجت طائفة من بني إسرائيل حممتى أتموا مقممبرة فقممالوا لممو‬
‫يح ّ‬
‫صلينا ثم دعونا ربنا حتى يخرج لنا بعض الموتى فيخبرنا عن الموت‪ ،‬فصلوا‬
‫ودعوا ربهم‪ ،‬فبينما هم كذلك إذا رجل قد أطلع رأسه من قبر أسود خلسيا ً‬
‫ت منممذ تسممعين سممنة فممما ذهبممت‬
‫فقال‪ :‬يا هؤلء ما تريدون فمموالله لقممد مم ّ‬
‫مرارة الموت مني حتى كأنه الن فادعوا الّله تعالى أن يعيممدني كممما كنممت‬
‫وكان بين عينيه أثر السجود"‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن فضل حممدثنا محمممد بممن جعفممر حممدثنا إبراهيممم بممن‬
‫يوسف حدثنا النضر بن الحارث عممن الحسممن عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قال "قدر شدة الممموت وكربممه علممى المممؤمن كقممدر ثلثمممائة ضممربة‬
‫بالسيف"‪.‬‬
‫]ص ‪[12‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬من أيقن بالموت وعلم أنه نازل به ل محالة فل‬
‫بد ّ له من الستعداد له بالعمال الصالحة وبالجتنماب عممن العممال الخبيثمة‬
‫دة‬
‫فإنه ل يدري متى ينزل به‪ ،‬وقد بيممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم ش م ّ‬
‫الموت ومرارته نصيحة منه لمته لكي يسممتعدوا لممه ويصممبروا علممى شممدائد‬
‫الدنيا‪ ،‬لن الصبر على شدائد الدنيا أيسر من شدة الموت لن شدة الموت‬
‫من عذاب الخرة وعذاب الخرة أشد من عذاب الدنيا‪ .‬وروى عن عبد الّله‬
‫بن مسور الهاشمي قال‪" :‬جمماء رجممل إلممى النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫وقال‪ :‬جئتك لتعلمني من غرائب العلممم قممال مما صممنعت فممي رأس العلممم؟‬
‫قال وما رأس العلم؟ قال هل عرفت الرب عز وجل؟ قال نعم‪ ،‬قال فماذا‬
‫فعلت في حقه؟ قال ما شاء الله‪ .‬قال وهل عرفت الموت؟ قال نعم‪ :‬قال‬
‫فماذا أعددت له؟ قال ما شاء الله‪ .‬قال اذهب فاحكم بممما هنمماك ثممم تعممال‬
‫حتى أعلمك من غرائب العلم‪ ،‬فلما جاءه بعد سنين قال النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم‪ :‬ضع يدك على قلبممك فممما ل ترضممى لنفسممك ل ترضمماه لخيممك‬
‫المسلم وما رضيته لنفسك فارضه لخيك المسلم" وهو من غممرائب العلممم‬
‫فبين النبي صلى الّله عليممه وسمملم أن السممتعداد للممموت مممن رأس العلممم‬
‫فالولى أن يشتغل به‪.‬‬
‫وروى عن عبد الّله بن مسور الهاشمي قال "قرأ رسول الّله صلى الل ّممه‬
‫َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن‬
‫شَر ْ‬
‫ن ي ُرِد ْ الّله أ ْ‬
‫صد َْره ُ ل ِل ِ ْ‬
‫سمملم ِ وَ َ‬
‫ن َيهد ِي َ ُ‬
‫عليه وسلم هذه الية }فَ َ‬
‫ح َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫جعَ ْ‬
‫حَرجمًا{ ثممم قممال‪ :‬إذا دخممل نممور السمملم‬
‫ن يُ ِ‬
‫ضمّيقا ً َ‬
‫صمد َْره ُ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ي ُرِد ْ أ ْ‬
‫ضل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫القلب انفسح وانشرح‪ ،‬فقيل هل لذلك من علمة؟ قال نعم التجممافي عممن‬
‫دار الغرور والنابة إلى دار الخلود والستعداد للموت قبل نزوله"‪.‬‬
‫وروى جعفر بن يرقان عن ميمون بن مهران أن النبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قال لرجل وهو يعظه "اغتم خمسا ً قبل خمس‪ :‬شبابك قبممل هرمممك‪،‬‬
‫وصحتك قبل سقمك‪ ،‬وفراغك قبل شغلك‪ ،‬وغناك قبل فقرك‪ ،‬وحياتك قبل‬
‫موتك" فقد جمع النبي صلى الّله عليه وسلم في هذه الخمس علمما ً كممثيرا ً‬
‫لن الرجل يقدر على العمال في حال شممبابه ممما ل يقممدر عليممه فممي حممال‬
‫ود على المعصية ل يقدر على المتناع منهمما فممي‬
‫هرمه‪ ،‬ولن الشباب إذا تع ّ‬

‫حال هرمه فينبغي للشاب أن يتعود في حال شممبابه أعمممال الخيممر لتسممهل‬
‫عليه في حال هرمه‪ .‬وقوله‪ :‬صحتك قبممل سممقمك لن الصممحيح نافممذ المممر‬
‫فيممما لممه ونفسممه فينبغممي للصممحيح أن يغتنممم صممحته ويجتهممد فممي العمممال‬
‫الصالحة في ماله وبدنه لنه إذا مرض ضممعف بممدنه عممن الطاعممة وقصممرت‬
‫يده عن ماله إل في مقدار ثلثه‪ ،‬وفراغك قبل شغلك‪ :‬يعني في الليل يكون‬
‫فارغا ً وبالنهار مشغول ً فينبغمي أن يصملي بالليمل فمي حمال فراغمه ويصموم‬
‫بالنهار في وقت شغله سيما في أيام الشتاء‪ ،‬كما روى عن النبي صلى الّله‬
‫عليه وسلم أنه قال "الشتاء غنيمة المؤمن طال ليله فقممامه وقصممر نهمماره‬
‫فصامه" وفي رواية أخرى "الليل طويل فل تقصره بمنامك والنهار مضمميء‬
‫فل تكدره بآثامك"‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وغناك قبل فقرك‪:‬‬
‫]ص ‪[13‬‬
‫يعني إذا كنت راضيا ً بما آتاك الّله من القوت فمماغتنم ذلممك ول تطمممع فيممما‬
‫في أيدي الناس‪ .‬وقوله‪ :‬وحياتك قبل موتممك لن الرجممل ممما دام حي ما ً يقممدر‬
‫على العمل فإذا مات انقطع عمله‪ .‬فينبغي للؤمن أن ل يضيع أيامه الفانيممة‬
‫ويغتنم أيامه الباقية‪.‬‬
‫قممال الحكيممم بالفارسممية‪ :‬بكممودكى بممازي‪ :‬بمموابي مسممتي بيممبرى سممتي‬
‫خداراكي برستي يعني‪ :‬إذا كنت صبيا ً تلعمب ممع الصمبيان‪ ،‬وإذا كنمت شمابا ً‬
‫غفلت باللهو‪ ،‬وإذا كنت شيخا ً صرت ضعيفًا‪ .‬فمتى تعمل لله تعالى‪ :‬يعني ل‬
‫تقدر أن تعبد الّله تعالى بعد موتك وإنما تقدر على الجتهاد في حال حياتك‬
‫وتستعد لقدوم ملك الموت وتذكره في كل وقت فإنه ليس بغافل عنك‪.‬‬
‫وروى عن علي رضي الّله عنه "أن النبي صلى الّله عليه وسلم رأى ملك‬
‫الموت عند رأس رجل من النصار فقال له النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال أبشر يما محمممد فممإني بكممل ممؤمن رفيممق‪،‬‬
‫والله يا محمد إني لقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قلممت ممما‬
‫هذا الصراخ فوالله ما ظلمناه ول سبقنا أجلممه ول اسممتعجلنا قممدره فممما لنمما‬
‫في قبضه ممن ذنمب فمإن ترضموا بمما صمنع الّلمه تمؤجروا وإن تسمخطوا أو‬
‫تجزعوا تأثموا وتؤزروا وما لكم عندنا من عتبة وإن لنا عليكم لقيممة وعممودة‬
‫فالحذر الحذر‪ ،‬وما من أهل بيت شعر أو مدر في بّر أو بحر إل وأنا أتصممفح‬
‫وجموههم فمي كمل يموم وليلمة خممس ممرات حمتى إنمي لعمرف صمغيرهم‬
‫وكبيرهم وأعرف منهم بأنفسهم‪ ،‬واللمه يما محمممد لمو أنممي أردت أن أقبممض‬
‫روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الّله تعالى هو المر بقبضها"‪.‬‬
‫وروى أبو سمعيد الخممدري "أن النمبي صمملى الّلمه عليممه وسملم رأى أناسما ً‬
‫يضحكون قال أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عممما أرى‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬أكثروا ذكر هاذم اللذات" يعني الموت ثم قال "إنممما القممبر روضممة‬
‫من رياض الجنة أو حفرة من حفممر النيممران" وقممال عمممر رضممي الل ّممه عنممه‬
‫لكعب‪ :‬اكعب حدثنا عن الموت قال‪ :‬إن الموت كشجرة شوك أدخلت فممي‬
‫جوف ابن آدم فأخذت كل شوكة بعرق منه ثممم جممذبها رجممل شممديد القمموى‬
‫فقطع منها ما قطع وأبقى ما أبقى‪ .‬وذكر عن سممفيان الثمموري أنمه كممان إذا‬
‫ذكر عنده الموت كان ل ينتفع به أياما ً فإذا سئل عن شيء قممال‪ :‬ل أدري ل‬
‫أدري‪ .‬وقال الحكيم‪ :‬ثلثممة ليممس للعاقممل أن ينسمماهن‪ :‬فنمماء الممدنيا وتصممرم‬
‫أحوالها‪ ،‬والموت‪ ،‬والفات التي ل أمان له منها‪.‬‬
‫)وقال حاتم الصم( رحمه الّله تعالى‪ :‬أربعممة ل يعممرف قمدرها إل أربعمة‪:‬‬
‫قدر الشممباب ل يعرفممه إل الشمميوخ‪ ،‬وقممدر العافيمة ل يعرفممه إل أهمل البلء‪،‬‬
‫وقدر الصحة ل يعرفه إل المرضى‪ ،‬وقدر الحياة ل يعرفه إل الموتى‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬هذا موافق للخبر الذي ذكرنمماه‪ :‬اغتنممم خمس ما ً‬
‫قبل خمس‪ .‬وروى عن عبد الّله بن عمرو بممن العمماص أنممه قممال‪ :‬كممان أبممي‬
‫كثيرا ً ما يقول‪ :‬إني لعجب من الرجل‬

‫]ص ‪[14‬‬
‫الذي ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه فكيف ل يصفه‪ :‬قال‪ :‬ثممم نممزل بممه‬
‫الموت ومعه عقله ولسانه فقلت‪ :‬يا أبت قد كنت تقول‪ :‬إنممي لعجممب مممن‬
‫رجل ينزل به الموت ومعممه عقلممه ولسممانه كيممف ل يصممفه؟ فقممال‪ :‬يمما بنممي‬
‫الموت أعظم من أن يوصف ولكن سأصف لك منه شيئًا‪ ،‬واللممه كممأن علممى‬
‫كتفي جبل رضوى‪ ،‬وكأن روحي تخممرج مممن ثقممب إبممرة‪ ،‬وكممأن فممي جمموفي‬
‫ن السماء أطبقت على الرض وأنمما بينهممما‪ ،‬ثممم قممال‪ :‬يمما‬
‫شوكة عوسج‪ ،‬وكأ ّ‬
‫حول إلى ثلثة أنممواع‪ :‬فكنممت أّول المممر أحممرص النمماس‬
‫بني إن حيالي قد ت ّ‬
‫على قتل محمد صلى الّله عليه وسلم فيا ويلتاه لو مت في ذلك الوقت ثم‬
‫هداني الّله تعالى للسلم‪ ،‬وكان محمد صلى الّله عليه وسلم أحممب النمماس‬
‫ي وولني على السرايا فيا ليتني مت في ذلك الوقت لنال دعمماء رسممول‬
‫إل ّ‬
‫ي ثم اشتغلنا بعده في أمر الممدنيا‪ ،‬فل‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم وصلته عل ّ‬
‫أدري كيف يكون حالي عند الّله تعالى‪ ،‬فلم أقم من عنده حتى مات رحمه‬
‫اللممه‪ .‬قممال شممقيق بممن إبراهيممم‪ :‬وافقنممي النمماس فممي أربعممة أشممياء قممول ً‬
‫وخالفوني فيها فع ً‬
‫ل‪ .‬أحدها‪ :‬أنهم قالوا‪ :‬إنا عبيد الّله تعالى ويعملممون عمممل‬
‫الحرار‪ ،‬والثاني‪ :‬قممالوا‪ :‬إن الل ّممه كفيممل لرزاقنمما ول تطمئن قلمموبهم إل مممع‬
‫شيء من الدنيا‪ ،‬والثالث‪ :‬قالوا‪ :‬إن الخرة خيممر مممن الممدنيا وهممم يجمعممون‬
‫المال للدنيا‪ ،‬والرابع قالوا‪ :‬ل بمد ّ لنمما ممن المموت ويعملمون أعممال قمموم ل‬
‫يموتون‪.‬‬
‫وروى عن أبي الدرداء وفي بعض الخبار عن أبي ذر وفي بعض الخبممار‬
‫عن سلمان الفارسي رضي الّله تعالى عنهم‪ ،‬والمعروف عن أبي ذر قممال‪:‬‬
‫ثلث أعجبتني حتى أضممحكتني‪ ،‬وثلث أحزنتنممي حممتى أبكتنممي‪ .‬فأممما الثلث‬
‫التي أضحكتني فأّولها‪ :‬مؤمل الدنيا والمموت يطلبممه‪ :‬يعنممي يطيمل أملمه ول‬
‫يتفكر في الموت‪ ،‬والثاني‪ :‬غافل وليممس بمغفممول عنممه يغفممل عممن الممموت‬
‫وبين يديه القيامة‪ ،‬والثالث‪ :‬ضاحك ملء فيه ل يدري الّله سمماخط عليممه أم‬
‫راض عنه‪ .‬وأما التي أبكتني ففراق الحبة‪ :‬يعنممي ممموت محمممد صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم وأصحابه رضي الّله عنهم‪ ،‬والثاني‪ :‬هول المطلممع‪ :‬يعنممي نممزول‬
‫الموت‪ ،‬والثالث‪ :‬الوقوف بين يدي الّله ل أدري إلى أين يأمر بي ربممي إلممى‬
‫الجنة أم إلى النار‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "لو تعلم الحيوانات‬
‫أي البهائم "ما تعلمون من الموت ما أكلتم لحما ً سمينا ً أبدًا" وذكر عن أبي‬
‫حامد اللفاف أنه قال‪ :‬من أكثر من ذكر الموت‪ :‬أكرم بثلثة أشممياء‪ :‬تعجيممل‬
‫التوبة‪ ،‬وقناعة القوت‪ ،‬ونشاط العبممادة‪ .‬ومممن نسممي الممموت عمموقب بثلثممة‬
‫أشياء‪ :‬تسويف التوبة‪ ،‬وترك الرضا بالكفاف‪ ،‬والتكاسل في العبممادة‪ .‬وذكممر‬
‫أن عيسى عليه السلم كان يحيي الموتى بإذن الّله تعالى‪ ،‬فقال لممه بعممض‬
‫الكفرة‪ :‬إنك قد أحييت من كان حديث الموت ولعله لم يكن ميتا ً فأحيي لنا‬
‫من مات في الزمن الّول‪،‬‬
‫]ص ‪[15‬‬
‫فقال لهم اختاروا من شئتم فقالوا أحيي لنا سام بن نموح فجمماء إلممى قمبره‬
‫وصلى ركعتين ودعا الّله تعالى فأحيا الّله سام بن نوح فممإذا رأسممه ولحيتممه‬
‫قد ابيضتا فقيل ما هذا فإن الشيب لم يكن في زمانك؟ قال سمعت النممداء‬
‫فظننت أن القيامة قد قامت فشاب شعر رأسي ولحيتي من الهيبة‪ ،‬فقيممل‬
‫منذ كم أنت ميت؟ قممال منممذ أربعممة آلف سممنة وممما ذهبممت عنممي سممكرات‬
‫الموت‪ .‬ويقال ما من مؤمن يموت إل وقد عرضممت عليممه الحيمماة والرجمموع‬
‫إلى الدنيا فيكره لما لقي من شممدة الممموت إل الشممهداء فممإنهم لممم يجممدوا‬
‫شدة الموت فيتمنون الرجوع لكي يقاتلوا ثانيا ً فيقتلوا‪ .‬وروى عممن إبراهيممم‬
‫بن أدهم رحمه الّله تعالى أنه قيل له لممو جلسممت حممتى نسمممع منممك شمميئا ً‬

‫فقال إني مشغول بأربعة أشياء فلو فرغت منهما لجلسمت معكمم‪ ،‬قيمل مما‬
‫هي؟ قال أّولها أني تفكرت يوم الميثاق حين أخذ الميثاق من بني آدم قممال‬
‫الّله تعالى ج ّ‬
‫ل جلله وتقدست أسماؤه "هؤلء في الجنممة ول أبممالي وهممؤلء‬
‫في النار ول أبالي" فلم أدر من أيّ الفريقين كنت أنا‪ ،‬والثاني تفكممرت بممأن‬
‫الولد إذا قضى الّله تعالى بخلقه في بطن أمه ونفخ فيه الروح فقال الملك‬
‫ي أم سعيد؟ فلم أدر كيف خرج جمموابي فممي ذلممك‬
‫الذي وكل به يا رب أشق ّ‬
‫الوقت‪ ،‬والثالث حين ينزل ملك الموت فإذا أراد أن يقبض روحي فيقول يما‬
‫رب أمممع المسمملمين أم الكممافرين؟ فل أدري كيممف يخممرج جمموابي‪ ،‬والرابممع‬
‫تفكرت في قول الّله سبحانه وتعالى }وامتازوا اليو َ‬
‫ن{ فل‬
‫مممو َ‬
‫م ْ‬
‫َ ْ َ ُ‬
‫َ ْ َ‬
‫جرِ ُ‬
‫م أي َّهما ال ُ‬
‫أدري من أي الفريقين أكون‪.‬‬
‫)قال الفقيه( "طوبى لمن رزقه الل ّممه الفهممم وأيقظممه مممن سممنة الغفلممة‬
‫ووفقه للتفكر في أمر خاتمته" فنسممأل الل ّممه تعممالى أن يجعممل خاتمتنمما فممي‬
‫خير‪ ،‬ويجعل خاتمتنا مع البشارة فإن المؤمن له بشارة من الّله تعالى عنممد‬
‫موا{ يعنممي آمنمموا‬
‫س مت َ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫موته وهو قوله تعالى }إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫قا ُ‬
‫ن َقاُلوا َرب َّنا الّله ث ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫بالله ورسوله وثبتوا على اليمان‪ ،‬ويقال ثم اسممتقاموا يعنممي أدوا الفممرائض‬
‫ونهوا عن المحارم‪ ،‬وقال يحيى بن معمماذ الممرازي رحمممه الل ّممه تعممالى يعنممي‬
‫استقاموا أفعال ً كما استقاموا أقوا ً‬
‫ل‪ ،‬وقال بعضممهم اسممتقاموا علممى السممنة‬
‫والجماعة }ت َت َن َّز ُ‬
‫ة{ يعني على الذين آمنوا واستقاموا تتنزل‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫م ال َ‬
‫ل ع َل َي ْهِ ْ‬
‫َ‬
‫حَزُنوا{ يعنمي يقولمون‬
‫عليهم عند الموت الملئكة بالبشارة }أل ت َ َ‬
‫خاُفوا َول ت َ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫لهم ل تخافوا ما بين أيديكم مممن أمممر الممدنيا }وَأب ْ ِ‬
‫شمُروا ِبال َ‬
‫جن ّمةِ ال ّت ِممي ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ن{ يعني الجنة التي وعدكم الّله بهمما علممى لسممان نممبيكم صمملى الل ّممه‬
‫دو َ‬
‫ُتوع َ ُ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ويقال البشارة عند الموت علممى خمسممة أوجممه‪ :‬أّولهمما‪ :‬لعامممة‬
‫خاُفوا{ تأبيد العذاب‪ ،‬يعنممي ل تبقممون فممي العممذاب‬
‫المؤمنين يقال لهم }ل ت َ َ‬
‫حَزن ُمموا{ علممى فمموت الثممواب‬
‫أبممدا ً ويشممفع لكممم النبيمماء والصممالحون }َول ت َ ْ‬
‫َ‬
‫ة{ يعني مرجعكم إلى الجنة‪ .‬والثاني‪ :‬للمخلصين يقال لهممم‬
‫جن ّ ِ‬
‫}وَأب ْ ِ‬
‫شُروا ِبال َ‬
‫حَزن ُمموا{ علممى فمموت‬
‫}ل ت َ َ‬
‫خاُفوا{ رد ّ أعمالكم فممإن أعمممالكم مقبولممة }َول ت َ ْ‬
‫الثواب فإن لكم الثواب مضاعفًا‪ ،‬ول تحزنوا على ما فعلتم‬
‫]ص ‪[16‬‬
‫خمماُفوا{ مممن ذنموبكم فإنهمما‬
‫بعممد التوبممة‪ .‬والثممالث‪ :‬للتممائبين يقممال لهممم }ل ت َ َ‬
‫حَزُنوا{ على فوت الثواب علممى ممما فعلتممم بعممد التوبممة‪.‬‬
‫مغفورة لكم }َول ت َ ْ‬
‫حَزن ُمموا{ مممن نقصممان‬
‫والرابع‪ :‬للزهاد }ل ت َ َ‬
‫خاُفوا{ الحشممر والحسمماب }َول ت َ ْ‬
‫َ‬
‫ة{ بل حسمماب ول عممذاب‪ .‬والخممامس‪ :‬للعلممماء‬
‫جن ّم ِ‬
‫الضممعاف }وَأب ْ ِ‬
‫ش مُروا ِبال َ‬
‫خمماُفوا{ مممن‬
‫الذين يعلمون النمماس الخيممر وعملمموا بممالعلم يقممال لهممم‪} :‬ل ت َ َ‬
‫َ‬
‫ة{‬
‫جن ّ ِ‬
‫حَزُنوا{ فإنه يجزيكم بما عملتم }وَأب ْ ِ‬
‫شُروا ِبال َ‬
‫أهوال يوم القيامة }َول ت َ ْ‬
‫لكم ولمن اقتدى بكم‪ ،‬وطوبى لمن كان آخمر أمممره البشمارة‪ ،‬فإنمما تكمون‬
‫البشارة لمن كان مؤمنا ً محسنا ً في عمله فتتنزل عليممه الملئكممة فيقولممون‬
‫للملئكة من أنتم؟ فما رأينا أحسن وجوها ً ول أطيب ريحا ً منكم؟ فيقولممون‬
‫نحن أولياؤكم‪ :‬يعني حفظتكم الذين كنا نكتب أعممالكم فمي الحيماة المدنيا‪،‬‬
‫ونحن أولياؤكم في الخرة‪ ،‬فينبغي للعاقل أن يتنبه من رقدة الغفلة‪.‬‬
‫وعلمة من انتبه من رقدة الغفلة أربعة أشياء‪ :‬أّولها‪ :‬أن يدبر أمر الممدنيا‬
‫بالقناعممة والتسممويف‪ .‬والثمماني‪ :‬أن يممدبر أمممر الخممرة بممالحرص والتعجيممل‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن يدبر أمر الدين بالعلم والجتهاد‪ .‬والرابممع أن يممدبر أمممر الخلممق‬
‫بالنصيحة والمداراة‪ ،‬ويقال أفضل الناس من كان فيه خمس خصال‪ .‬أّولها‪:‬‬
‫أن يكون على عبممادة ربممه مقب ً‬
‫ل‪ .‬والثمماني‪ :‬أن يكممون نفعممه للخلممق ظمماهرًا‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن يكون الناس من شره آمنين‪ .‬والرابع‪ :‬أن يكون عما في أيممدي‬
‫الناس آيسًا‪ .‬والخامس‪ :‬أن يكون للموت مستعدًا‪.‬‬
‫واعلم يا أخي أنا خلقنا للموت فل مهرب منه‪ .‬قال الّله تعالى }إ ِن ّ َ‬
‫ت‬
‫مي ّ ٌ‬
‫ك َ‬
‫ن{ وقال تعالى }قُ ْ‬
‫ت أ َْو‬
‫ن ي َن ْ َ‬
‫موْ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ال ِ‬
‫فَراُر إ ِ ْ‬
‫مي ُّتو َ‬
‫ن ال َ‬
‫ن فََرْرت ُ ْ‬
‫فعَك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وَإ ِن ّهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ل لَ ْ‬

‫ل{ فالواجب على كل مسلم الستعداد للممموت قبممل نزولممه قممال الل ّممه‬
‫ال َ‬
‫قت ْ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن{‪ .‬فممبين الل ّممه تعممالى أن الصممادق‬
‫ت إِ ْ‬
‫كنت ُم ْ‬
‫م مو ْ َ‬
‫وا ال َ‬
‫تعالى }فَت َ َ‬
‫م َ‬
‫صمماد ِِقي َ‬
‫من ّ ْ‬
‫يتمنى الموت‪ ،‬وأن الكاذب يفّر من الممموت مممن سمموء عملممه‪ ،‬لن المممؤمن‬
‫الصادق قد استعد للموت فهو يتمناه اشتياقا ً إلى ربممه‪ ،‬كممما روى عممن أبممي‬
‫الدرداء أنه قال‪ :‬أحب الفقر تواضعا ً لربي‪ ،‬وأحب المرض تكفيممرا ً للخطايمما‪،‬‬
‫وأحب الموت اشتياقا ً إلى ربي‪ .‬وروى عن عبد الّله بن مسعود رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أنه قال‪ :‬ما من نفس بارة أو فاجرة إل والممموت خيممر لهمما‪ ،‬فممإن‬
‫خي ْمٌر ل ْل َب ْمَراِر{ وإن كممانت‬
‫عن ْمد َ الل ّممه َ‬
‫ممما ِ‬
‫كانت بارة فقد قال الل ّممه تعممالى }وَ َ‬
‫م ع َم َ‬
‫ب‬
‫ذا ٌ‬
‫دا ُ‬
‫م ل ِي َمْز َ‬
‫دوا إ ِْثمما ً وَل َهُم ْ‬
‫مل ِممي ل َهُم ْ‬
‫ممما ن ُ ْ‬
‫فاجرة فقد قال الل ّممه تعممالى }إ ِن ّ َ‬
‫ن{‪ .‬وروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫ُ‬
‫مِهي ٌ‬
‫"الموت راحة للمؤمن" وروى ابن مسعود عن النبي صلى الّله عليه وسمملم‬
‫أنه سئل‪" :‬أي المؤمنين أفضل؟ قال‪ :‬أحسنهم خلق مًا‪ ،‬قيممل‪ :‬وأي المممؤمنين‬
‫أكيس؟ قال‪ :‬أكثرهم للموت ذكرا ً وأحسنهم له استعدادًا" قال النبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم "الكيس من دان نفسه وعمممل لممما بعممد الممموت‪ ،‬والفمماجر‬
‫من أتبع نفسه هواها وتمنى على الّله تعالى الماني" يعني المغفرة‪.‬‬
‫]ص ‪[17‬‬
‫باب عذاب القبر وشدته‬
‫حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن معاذ حدثنا حسين المممروزي حممدثنا أبممو‬
‫معاوية الضرير عن العمش عن المنهال بن عمرو‪.‬‬
‫عن البراء بن عازب قال‪ :‬خرجنا مع رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫في جنازة رجل من النصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد‪ ،‬فجلممس النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم وجلسنا حوله فكأن علممى رؤوسممنا الطيممر وفممي يممده‬
‫عود ينكث به الرض‪ :‬يعني يحفر به الرض‪ ،‬فرفع رأسممه وقممال "اسممتعيذوا‬
‫بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلثا ً ثم قال إن العبد المممؤمن إذا كممان فممي‬
‫إقبال من الخممرة وانقطمماع مممن الممدنيا نزلممت إليممه ملئكممة بيممض وجمموههم‬
‫كالشمس ومعهم كفن من الجنة وحنوط من حنمموط الجنممة فيجلسممون مممد‬
‫البصر‪ ،‬ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسممه فيقممول أيتهمما النفممس‬
‫المطمئنة اخرجي إلى مغفرة الّله ورضمموانه‪ .‬قممال النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسمملم‪ :‬فتخممرج وتسمميل كممما تسمميل القطممرة مممن السممقاء‪ ،‬فيأخممذونها فل‬
‫يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن والحنوط فيخممرج‬
‫منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الرض‪ ،‬فيصعدون بها فل يمرون‬
‫بها على مل من الملئكة إل قممالوا ممما هممذه الممروح الطيبممة؟ فيقولممون روح‬
‫فلن ابن فلن بأحسن أسمائه‪ ،‬ثم ينتهون بها إلى سماء الدنيا فيسممتفتحون‬
‫لها فيفتح لهم فيستقبلها ويشيعها من كل سماء مقربوها إلى السماء الممتي‬
‫تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة‪ ،‬فيقول الل ّممه تعممالى‪ :‬اكتبمموا كتممابه‬
‫في عليين وأعيدوه إلى الرض منها خلقتهم وفيها أعيممدهم ومنهمما أخرجهممم‬
‫تارة أخرى‪ ،‬فتعاد الروح في جسده ويممأتيه ملكممان فيقممولن لممه مممن ربممك؟‬
‫فيقول ربي الله‪ ،‬فيقولن له وما دينك؟ فيقول ديني السمملم‪ ،‬فيقممولن لممه‬
‫ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الّله صلى الّلمه‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فيقولن له وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الّله تعالى وآمنممت‬
‫به وصممدقته‪ ،‬فينممادى منمماد‪ :‬صممدق عبممدي فافرشمموا لممه فراشما ً مممن الجنممة‬
‫وألبسوه لباسا ً من الجنة وافتحوا له بابا ً إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبهمما‪،‬‬
‫ويفسح له في قبره مد بصره‪ ،‬ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول‬
‫له أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد به‪ ،‬فيقول لممه مممن أنممت؟‬
‫فيقول أنا عملك الصالح‪ ،‬فيقمول رب َأقمم ِ السماعة حمتى أرجمع إلمى أهلمي‬
‫وخدمي‪ ،‬قال النبي صلى الّله عليه وسلم‪ :‬وإن العبممد الكممافر إذا كممان فممي‬
‫إقبال من الخرة وانقطاع من الممدنيا نممزل إليممه ملئكممة مممن السممماء سممود‬

‫الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مممد البصممر‪ ،‬ثممم يجيممء ملممك الممموت‬
‫حتى يجلس عند رأسه فيقول‪ :‬أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط الل ّممه‬
‫وغضبه‪ ،‬فتتفرق في أعضائه كلها فينزعها كما ينممزع السممفود مممن الصمموف‬
‫المبلول فينقطع معها العروق والعصب‪ ،‬فيأخذها وإذا‬
‫]ص ‪[18‬‬
‫أخذها لم يدعوها في يمده طرفممة عيممن حممتى يأخممذوها فيجعلوهمما فممي تلمك‬
‫المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة فيصعدون بها فل يمرون بها علممى مل‬
‫من الملئكة إل قالوا ما هذه الروح الخبيثممة؟ فيقولممون روح فلن ابممن فلن‬
‫بأقبح أسمائه حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون فل يفتح لهمما‪ ،‬ثممم‬
‫فتمح ل َهم َ‬
‫ب‬
‫وا ُ‬
‫قرأ رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم هممذه اليممة‪} :‬ل ت ُ َ ّ ُ ُ ْ‬
‫م أب ْم َ‬
‫ة{ ثم يقول الّله تعالى‪ :‬اكتبوا كتابه في سجين‪ ،‬ثم‬
‫ماِء َول ي َد ْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ال َ‬
‫خُلو َ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫شمرِ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ماِء‬
‫ممما َ‬
‫خمّر ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ك ِبمالل ّهِ فَك َأن ّ َ‬
‫تطرح روحه طرحًا‪ ،‬ثم قممرأ }وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ق{ يعني ترد فتعمماد روحممه‬
‫خط َ ُ‬
‫فَت َ ْ‬
‫س ِ‬
‫وي ب ِهِ الّري ُ‬
‫ن َ‬
‫ح ِفي َ‬
‫ف ُ‬
‫كا ٍ‬
‫ه الط ّي ُْر أوْ ت َهْ ِ‬
‫حي ٍ‬
‫في جسده‪ ،‬فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولن لممه مممن ربممك؟ فيقممول همماه ل‬
‫أدري‪ ،‬فيقولن له وما دينك؟ فيقول هاه ل أدري‪ ،‬فيقولن له ما تقممول فممي‬
‫هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه ل أدري‪ ،‬فينادي مناد من السممماء‪:‬‬
‫كذب عبدي فافرشوا له من فرش النار وافتحوا له باب ما ً إلممى النممار فيممدخل‬
‫سمومها ويضيق عليه قممبره فتختلممف فيممه أضمملعه‪ ،‬ويممأتيه‬
‫عليه من حرها و ّ‬
‫رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول لممه‪ :‬أبشممر بالممذي يسمموءك‬
‫فهذا يومك الذي كنت توعد به‪ ،‬فيقول من أنت؟ فيقول أنا عملك السمميء‪،‬‬
‫فيقول رب ل تقم الساعة رب ل تقم الساعة"‪.‬‬
‫)قال( حدثنا الفقيه أبو جعفر حدثنا أبو القاسممم أحمممد بممن حمممزة حممدثنا‬
‫محمد بن سلمة حدثنا أبو أيوب حدثنا القاسم بن الفضل عن الحراني عممن‬
‫قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة رضي الّله عنه قال‪ :‬قال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم "إن المممؤمن إذا احتضممر أتتممه الملئكممة بحريممرة‬
‫فيها مسك وضبائر الريحان وتس ّ‬
‫ل روحممه كممما تسممل الشممعرة مممن العجيممن‬
‫ة{ عنممك‬
‫ويقال }َيا أ َي ّت َُها الن ّ ْ‬
‫ض مي ّ ً‬
‫ض مي َ ً‬
‫مئ ِن ّ ُ‬
‫مْر ِ‬
‫ك َرا ِ‬
‫جِعي إ َِلى َرب ّم ِ‬
‫ة َ‬
‫ة‪ ،‬اْر ِ‬
‫مط ْ َ‬
‫س ال ُ‬
‫ف ُ‬
‫إلى رحممة الّلمه تعمالى ورضموانه‪ ،‬وإذا أخرجمت روحمه وضمعت علمى ذلمك‬
‫المسك والريحان وطوبت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين‪ ،‬وإن الكممافر‬
‫إذا احتضر أتته الملئكة بمسمح ممن شمعر فيمه جممر فتنمزع روحمه انتزاعما ً‬
‫شديدا ً ويقال لها أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا ً عليك إلممى‬
‫هوان الّله وعذابه‪ ،‬فإذا خرجت روحممه وضمعت علممى تلمك الجممرة وإن لهما‬
‫نشيجا ً كنشيج الغليان ويطوى عليها المسح فيذهب بها إلى سجين‪.‬‬
‫)قال(‪ :‬وروى الفقيه أبو جعفر بإسناده عن عبد الّله بن عمر رضي الل ّممه‬
‫عنهما "إن المؤمن إذا وضع في القبر يوسع عليه في قبره سممبعون ذراعمما ً‬
‫طول ً وتنشر عليه الرياحين ويستر بالحرير‪ ،‬فإن كان معه شيء من القرآن‬
‫كفاه نوره فإن لم يكن جعل له نور مثل الشمس فمي قمبره‪ ،‬ويكمون مثلمه‬
‫كمثل العروس تنام ول يوقظها إل أحب أهلها إليها فتقوم مممن نومهمما كأنهمما‬
‫لم تشبع منه وإن الكافر يضيق عليه قبره حتى تممدخل أضمملعه فممي جمموفه‬
‫ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت فتأكلن لحمه حممتى ل يممذرن علممى‬
‫عظمه لحمًا‪ ،‬فترسل له ملئكة‬
‫]ص ‪[19‬‬
‫العذاب صم بكم عمي معهممم مقممامع مممن حديممد يضممربونه بهمما ل يسمممعون‬
‫صوته فيرجموه ول يبصرونه فيرأفوا به فتعرض عليه النار بكر وعشيًا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬من أراد أن ينجممو مممن عممذاب القممبر فعليممه أن‬
‫يلزم أربعممة أشممياء ويجتنممب أربعممة أشممياء‪ ،‬فأممما الربعممة الممتي يلزمهمما‪:‬‬
‫فمحافظة الصلوات‪ ،‬والصدقة وقراءة القرآن‪ ،‬وكممثرة التسممبيح‪ ،‬فممإن هممذه‬

‫الشياء تضيء القبر وتوسعه‪ .‬وأما الربعة التي يجتنبها‪ :‬فالكذب‪ ،‬والخيانممة‪،‬‬
‫والنميمة‪ ،‬والبول‪ .‬فقد روى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‬
‫"تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" وروى عن رسول الّله صلى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال "إن الّله تعالى كره لكم أربعًا‪ :‬العبث في الصمملة‪،‬‬
‫واللغو في القراءة‪ ،‬والرفث في الصيام‪ ،‬والضحك عند المقابر" وروى عممن‬
‫محمد بن السممماك أنممه نظممر إلممى مقممبرة فقممال‪ :‬ل يغرنكممم سممكوت هممذه‬
‫القبور‪ ،‬فمما أكمثر المغممومين فيهما‪ ،‬ول يغرنكمم اسمتواء القبمور فمما أشمد‬
‫تفاوتهم فيها‪ ،‬فينبغي للعاقل أن يكثر من ذكر القبر قبل أن يدخله‪.‬‬
‫)قال سفيان الثوري( رحمه الله‪ :‬من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من‬
‫ي‬
‫رياض الجنة‪ ،‬ومن غفل عنه وجده حفرة من حفر النيران‪ .‬وروى عن علمم ّ‬
‫كرم الّله وجهه أنه قال في خطبته‪ :‬يا عباد الّله الممموت الممموت ليممس منممه‬
‫فوت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم‪ ،‬الموت معقود بنواصيكم‬
‫فالنجاة النجاة الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا ً حثيثا ً وهو القبر‪ ،‬أل وإن القبر‬
‫روضة من رياضي الجنة أو حفرة من حفر النيران‪ ،‬أل وإنه يتكلممم فممي كممل‬
‫يوم ثلث مرات فيقول‪ :‬أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنمما بيممت الديممدان‪،‬‬
‫أل وإن وراء ذلك اليوم يوما ً أشد من ذلك اليوم‪ ،‬يوما ً يشمميب فيممه الصممغير‬
‫ويسكر فيه الكبير‪ ،‬وتذهل كل مرضعة عما أرضعت‪ ،‬وتضع كممل ذات حمممل‬
‫حملها‪ ،‬وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عممذاب الل ّممه شممديد‪ ،‬أل‬
‫وإن وراء ذلك اليوم نارا ً حرها شديد‪ ،‬وقعرها بعيممد‪ ،‬وحليهمما حديممد‪ ،‬وماؤهمما‬
‫صديد وليس لله فيها رحمة‪ .‬قال‪ :‬فبكى المسلمون بكاء شممديدًا‪ ،‬فقممال إن‬
‫وراء ذلك اليوم جنة عرضها السموات والرض أعدت للمتقين‪ ،‬أجارنمما الل ّممه‬
‫وإياكم من العذاب الليم‪ ،‬وأحلنا وإياكم دار النعيم‪.‬‬
‫وروى عن أسيد بن عبد الرحمن أنممه قممال‪ :‬بلغنممي أن المممؤمن إذا مممات‬
‫فحمل قال أسرعوا بي‪ ،‬فإذا وضع في لحده كلمته الرض وقالت إني كنت‬
‫ي‪ ،‬وإذا مات الكافر فحمل قممال‬
‫أحبك وأنت على ظهري فأنت الن أحب إل ّ‬
‫ارجعوني فإذا وضع في لحده كلمته الرض فقالت إني كنت أبغضممك وأنممت‬
‫ي‪.‬‬
‫على ظهري فأنت الن أبغض إل ّ‬
‫وروى عن عثمان بن عفان رضي الّله عنه‪ :‬أنممه وقممف علممى قممبر فبكممى‬
‫فقيل له إنك تذكر الجنة والنار ول تبكي وتبكي من هممذا؟ فقممال إن رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم قال "القبر أّول منزلممة ممن منممازل الخممرة فممإن‬
‫نجا منه فما بعده أيسر منه‪ ،‬وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"‪.‬‬
‫]ص ‪[20‬‬
‫وروى عن عبد الحميمد بمن محممود المغمولي قممال‪ :‬كنممت جالسما ً عنممد ابممن‬
‫عباس رضي الّله عنهما فأتاه قوم فقالوا خرجنا حجاج ما ً ومعنمما صمماحب لنمما‬
‫حتى انتهينا إلى حي ذات الصفاح فمات فهيأنمما لمه ثممم انطلقنما فحفرنمما لمه‬
‫قبرا ً ولحدا ً فإذا نحن بأسود قد مل اللحد‪ :‬يعني الحية‪ ،‬فتركناه‪ ،‬فحفرنمما لممه‬
‫في مكان آخر فإذا نحن بأسود قد مل اللحد فتركناه‪ ،‬فحفرنا لممه ثالث ما ً فممإذا‬
‫نحن بأسود قمد مل اللحمد‪ ،‬فتركنماه وأتينماك‪ .‬قمال ابمن عبماس رضمي الّلمه‬
‫عنهما‪ :‬ذلك الفعل الذي كان يفعله انطلقوا فادفنوه في بعضممها فمموالله لممو‬
‫حفرتم الرض كلها لوجدتموه فيها فمأخبروا قمومه‪ .‬قمال‪ :‬فانطلقنما فمدفناه‬
‫في بعضها فلما رجعنا أتينا أهله بمتاع له كان معنا فقلنا لمرأته ما كان لممه‬
‫من عمل؟ قالت كان يبيع الطعام يعني الحنطة وكممان يأخممذ كممل يمموم قممدر‬
‫قوته ثم يعرض القصب مثله ومن الكعبرة يعني عيدان الطعام فيلقيه فيه‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬فممي هممذا الخممبر دليممل علممى أن الخيانممة سممبب‬
‫لعذاب القبر فكان فيما رأوه عبرة للحياء ليمتنعوا مممن الخيانممة‪ ،‬ويقممال إن‬
‫الرض تنادي كل يوم خمس مرات‪ ،‬أّول نداء تقول‪ :‬يا ابن آدم تمشي على‬
‫ظهري ومصيرك إلى بطني‪ ،‬والثاني تقول‪ :‬يا ابممن آدم تأكممل اللمموان علممى‬
‫ظهري وتأكلك الديدان في بطني‪ ،‬والثالث تقول يمما ابممن آدم تضممحك علممى‬

‫ظهري فسوف تبكممي فممي بطنممي‪ ،‬والرابممع‪ :‬تقممول يمما ابممن آدم تفممرح علممى‬
‫ظهري فسوف تحزن في بطني‪ ،‬والخامس‪ :‬تقول يمما ابممن آدم تممذنب علممى‬
‫ظهري فسوف تعذب في بطني‪.‬‬
‫وروى عن عمرو بن دينار قال‪ :‬كان رجل من أهل المدينة له أخممت فممي‬
‫ناحية المدينة فاشتكت فكان يأتيها يعودها‪ ،‬ثم ماتت فجهزهمما وحملهمما إلممى‬
‫قبرها فلما دفنت ورجع إلى أهلها ذكر أنه نسي كيسما ً كممان معممه فاسممتعان‬
‫برجل من أصحابه فأتيا القبر فنبشها فوجد الكيس فقال للرجممل تنممح حممتى‬
‫أنظر على أي حال أختي‪ ،‬فرفع بعض ما كان على اللحد فإذا القبر مشتعل‬
‫وى القبر‪ ،‬فرجع إلممى أمممه فقممال أخممبريني عممما كممانت أخممتي‬
‫نارا ً فرده فس ّ‬
‫عليه؟ فقالت‪ :‬ولم تسأل عممن أختممك وقممد هلكممت؟ قممال فممأخبريني‪ .‬قممالت‬
‫كانت أختك تؤخر الصلة ول تصلي بطهارة تامة‪ ،‬وتأتي في أبواب الجيممران‬
‫إذا نمماموا فتلقممم أذنهمما أبمموابهم فتخممرج حممديثهم‪ :‬يعنممي أنهمما كممانت تسممتمع‬
‫الحديث لكي تمشي بالنميمة وهو سبب عممذاب القممبر‪ ،‬فمممن أراد أن ينجممو‬
‫من عذاب القبر فعليه أن يتحرز عن النميمة وعن سائر الذنوب فينجو مممن‬
‫ن‬
‫ت الل ّممه ال ّم ِ‬
‫عذابه ويسهل عليه سؤال منكر ونكير‪ ،‬قال الّله تعممالى }ي ُث َب ّم ُ‬
‫ذي َ‬
‫ة{ وروى البراء بممن عممازب‬
‫مُنوا ِبال َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ل الّثاب ِ ِ‬
‫ت ِفي ال َ‬
‫آ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إذا سئل المسمملم‬
‫في القبر فيشهد أن ل إله إل الّله وأن محمدا ً عبممده ورسمموله فممذلك قمموله‬
‫ة{‬
‫مُنوا ِبال َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ل الّثاب ِ ِ‬
‫ت الّله ال ّ ِ‬
‫ت ِفي ال َ‬
‫نآ َ‬
‫تعالى }ي ُث َب ّ ُ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ويكون التثبيت في ثلثة أحوال‬
‫]ص ‪[21‬‬
‫لمن كان مؤمنا ً مخلصا ً مطيعا ً للممه تعممالى‪ :‬أحممدها‪ :‬فممي مثممل معاينممة ملممك‬
‫الموت‪ ،‬والثاني في حا ُ‬
‫ل سؤال منكر ونكير‪ ،‬والثالث في حال سممؤاله عنممد‬
‫المحاسبة يوم القيامة‪ .‬فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلثممة‬
‫أوجه‪ :‬أحدها‪ :‬العصمة من الكفممر‪ ،‬وتوفيممق السممتقامة علممى التوحيممد حممتى‬
‫تخممرج روحممه وهممو علممى السمملم‪ ،‬والثمماني أن تبشممره الملئكممة بالرحمممة‪،‬‬
‫والثالث أن يرى موضعه من الجنة‪ .‬والتثمبيت فمي القمبر علمى ثلثممة أوجممه‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يلقنه الّله تعالى الصواب حتى يجيبهممما بممما يرضممى منممه الممرب‪،‬‬
‫والثاني أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة‪ ،‬والثالث أن يرى مكانه فممي‬
‫الجنة فيصير القبر روضة من رياض الجنة‪ ،‬وأما التثبيت عند الحسمماب فهممو‬
‫على ثلثة أوجه أحدها‪ :‬أن يلقنه الحجة عما يسأل عنمه‪ ،‬والثمماني أن يسمهل‬
‫عليه الحساب‪ ،‬والثالث أن يتجاوز عنه الزلل والخطايا‪ ،‬ويقال التثممبيت فممي‬
‫أربعة أحوال‪ .‬أحدها‪ :‬عند الموت‪ ،‬والثاني في القبر حممتى يجيممب بل خمموف‪،‬‬
‫والثالث عند الحساب‪ ،‬والرابع عنممد الصممراط حممتى يمممر كممالبرق الخمماطف‪،‬‬
‫فإن سئل عن سؤال القبر كيف هو؟ قيل له قد تكلم العلماء فيه واختلفت‬
‫الروايات فقال بعضممهم‪ :‬يكممون السممؤال الممروح دون الجسممد وحينئذ تممدخل‬
‫الروح في جسده إلى صدره‪ ،‬وقيل تكون الممروح بيممن جسممده وكفنممه وفممي‬
‫ذلك كله قد جاءت الثار‪ ،‬والصحيح عند أهل العلم أن يقّر النسممان بسممؤال‬
‫القبر‪ ،‬ول يشتغل بكيفيته ويقممول الل ّممه أعلممم كيممف يكممون‪ ،‬وإنممما نعمماينه إذا‬
‫صرنا إليه فإذا أنكر أحد سؤال منكمر ونكيمر فمإن إنكماره ل يخلمو ممن أحمد‬
‫الوجهين‪ :‬إممما أن يقممول‪ :‬إن هممذا ل يجمموز مممن طريممق العقممل إذ هممو خلف‬
‫الطبيعة‪ ،‬أو يقول يجوز ذلك ولكممن لممم يثبممت‪ ،‬فممإن قممال هممذا ل يجمموز مممن‬
‫وة وإبطممال المعجممزة‪ ،‬لن‬
‫طريق العقل فإن قمموله يممؤدي إلممى تعطيممل النبم ّ‬
‫الرسل كانوا مممن الدمييممن وطممبيعتهم مثممل طبيعممة غيرهممم‪ ،‬وقممد شمماهدوا‬
‫الملئكة وأنزل عليهم الوحي وانفلق البحر لموسى عليممه السمملم وصممارت‬
‫عصاه ثعبانًا‪ ،‬فهذا كله خلف الطبيعة فمنكممر هممذا يخممرج مممن السمملم مممن‬
‫حيث دخل‪ ،‬وإن قال إنه ل يجوز ولكن لم يثبت فنحن قد روينا مممن الخبممار‬
‫ما فيه مقنع لمن سمعها‪ ،‬وفي كتاب الّله تعالى دليل علممى ذلممك قممال الل ّممه‬

‫تعالى‪} :‬وم َ‬
‫ح ُ‬
‫مِعي َ‬
‫ش ً‬
‫مةِ‬
‫م ال ِ‬
‫ضنكا ً وَن َ ْ‬
‫ة َ‬
‫ري فَإ ِ ّ‬
‫شُره ُ ي َوْ َ‬
‫قَيا َ‬
‫ه َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ن أع َْر َ‬
‫ض عَ ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ن ذ ِك ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مى{ قال جماعة من المفسرين‪ :‬المعيشة الضنك سؤال القبر قال اللممه‬
‫أع ْ َ‬
‫حي َمماةِ ال مد ّن َْيا وَفِممي‬
‫من ُمموا ب ِممال َ‬
‫ل الث ّمماب ِ ِ‬
‫ت الل ّممه ال ّم ِ‬
‫ت فِممي ال َ‬
‫نآ َ‬
‫تعممالى }ي ُث َب ّم ُ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ة{‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حمدثني الفقيممه بإسممناده عممن سممعيد بمن‬
‫المسيب عن عمر رضي الّله عنهما قال‪ :‬قال رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم "إذا دخل المؤمن قبره أتاه فتانا القبر فأجلسمماه فممي قممبره وسممأله‬
‫وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين‪ ،‬فيقولون له من ربممك وممما دينممك‬
‫ومن نبيك؟ فيقول الّله ربي والسلم ديني ومحمد نبيي‪ ،‬فيقولن له يثبتممك‬
‫الّله نم قرير العين‪،‬‬
‫]ص ‪[22‬‬
‫حي َمماةِ المد ّن َْيا‬
‫ل الث ّمماب ِ ِ‬
‫ت الّله ال ّ ِ‬
‫ت فِممي ال َ‬
‫نآ َ‬
‫وهو قوله تعالى }ي ُث َب ّ ُ‬
‫من ُمموا ب ِممالقَوْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ة{ يعني يثبتهم الّله على قول الحق ويض ّ‬
‫ل الّله الظممالمين يعنممي‬
‫وَِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫الكافرين ول يوفقهم للقول الحق‪ ،‬وإذا دخل الكافر أو المنممافق قممبره قممال‬
‫لمه ممن ربمك ومما دينمك وممن نبيمك؟ فيقمول ل أدري‪ ،‬فيقمولن‪ :‬ل دريمت‪،‬‬
‫فيضرب بمرزبة يسمعها ما بين الخافقين إل الجن والنس"‪.‬‬
‫وروى أبو حازم عن ابن عمر رضي الّله عنهممما قممال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "يا عمر كيف بك إذا جاءك فتانمما القممبر منكممر ونكيممر‬
‫ملكممان أسممودان أزرقممان ينحتممان الرض بأنيابهممما ويطممآن فممي شممعورهما‪،‬‬
‫أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف؟ فقممال عمممر رضممي‬
‫الّله عنه‪ :‬يا رسول الّله أمعي عقل وأنا على ما أنا عليه اليمموم؟ قممال نعممم‪.‬‬
‫قال إذن أكفيكهما بإذن الّله تعالى‪ ،‬فقال النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم إن‬
‫عمر لموفق"‪.‬‬
‫قال‪ :‬وحدثني أبو القاسم بن عبد الرحمن بن محمممد الشمماباذي بإسممناده‬
‫عن أبي هريرة رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ما‬
‫من ميت يموت إل وله خوار يسمعه كل دابة عنده إل النسان فلممو سمممعه‬
‫لصعق فإذا انطلق به إلى قبره فإن كان صالحا ً قال عجلوا بي لممو تعلمممون‬
‫ما أمامي من الخير لقدمتموني‪ ،‬وإن كان غير ذلممك قممال ل تعجلمموا بممي لممو‬
‫تعلموني ما تقدموني له من الشر لما عجلتموني‪ ،‬فإذا ووري في قبره أتاه‬
‫ملكان أسودان أزرقان‪ ،‬فيأتيانه من قبل رأسه فتقممول صمملته ل يممؤتى مممن‬
‫قبلي فرب ليلة قد بات فيها ساهرا ً حذرا ً من هذا المضجع‪ ،‬فيؤتي من قبل‬
‫رجليممه فيجيممء بممر الوالممدين فيقممول ل يممؤتي مممن قبلنمما فقممد كممان يمشممي‬
‫وينتصب علينا حذرا ً لهذا المضجع‪ ،‬فيؤتى من قبل يمينممه فتقممول صممدقته ل‬
‫يؤتى من قبلي لقد كان يتصدق بي حذرا ً لهممذا المضممجع‪ ،‬فيممؤتى مممن قبممل‬
‫شماله فيقول صومه ل يؤتى من قبلي فقد كممان يظمممأ ويجمموع حممذرا ً لهممذا‬
‫المضجع‪ ،‬فيوقظ كما يوقظ النائم فيقال له‪ :‬أرأيت هذا الرجممل الممذي كممان‬
‫يقول ما يقول‪ ،‬علم كنت منه؟ فيقول‪ :‬من هو؟ فيقممال محمممد صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فيقول أشهد أنه رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‪ ،‬فيقممولن‬
‫له عشت مؤمنا ً ومت مؤمنًا‪ ،‬فيفسح له في قبره وينشر له من كل كرامممة‬
‫الّله تعالى ما شمماء اللممه" فنسممأل الل ّممه التوفيممق والعصمممة وأن يعيممذنا مممن‬
‫الهواء الضالة المضلة والغفلممة وأن يعيممذنا مممن عممذاب القممبر‪ ،‬فممإن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم كان يتعوذ بالله منه‪.‬‬
‫وذكر عن عائشة رضي الّله عنها أنها قالت‪ :‬كنت لم أعلم بعممذاب القممبر‬
‫ي يهودية فسألت شمميئا ً فأعطيتهمما فقممالت أعمماذك الل ّممه مممن‬
‫حتى دخلت عل ّ‬
‫عذاب القبر" فظننت أن قولها من أباطيل اليهممود حممتى دخممل النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأخبرني أن عذاب القبر حق‪.‬‬
‫فالواجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله تعالى ممن عمذاب القمبر‪ ،‬وأن‬
‫يستعد للقبر بالعمال الصالحة قبل أن يدخل فيه‪ ،‬فإنه قد سهل عليه المر‬

‫ما دام في الدنيا فإذا دخل القبر فإنه يتمنى أن يؤذن له بحسنة واحممدة فل‬
‫يؤذن له فيبقى في حسرة وندامة‪ ،‬فينبغي للعاقل أن‬
‫]ص ‪[23‬‬
‫يتفكر فممي أمممور الممموتى فممإن الممموتى يتمنممون أن يممؤذن لهممم بممأن يصمّلوا‬
‫ركعتين أو يؤذن لهم أن يقولمموا مممرة ل إلممه إل الل ّممه محمممد رسممول الل ّممه أو‬
‫يؤذن لهم بتسبيحة واحدة فل يؤذن لهم فيتعجبون من الحياء أنهم يضيعون‬
‫أيامهم في الغفلة والبطالة‪ ،‬يا أخي فل تضيع أيامك فإنها رأس مالممك فإنممك‬
‫مما دممت قمادرا ً علمى رأس مالمك قمدرت علمى الربمح لن بضماعة الخمرة‬
‫كاسدة في يومك هذا فاجتهد حتى تجمع بضاعة الخرة كاسممدة فممي وقممت‬
‫الكساد فإنه يجيء يوم تصير هذه البضاعة فيه عزيزة‪ ،‬فاسممتكثر منهمما فممي‬
‫يوم الكساد ليوم العز فإنك ل تقدر على طلبها في ذلك اليوم‪ .‬فنسأل الل ّممه‬
‫تعالى أن يوفقنا للسممتعداد ليمموم الفقممر والحاجممة ول يجعلنمما مممن النممادمين‬
‫الذين يطلبون الرجعة فل يقالون ويسهل علينا سكرات الموت وشدة القبر‬
‫وعلى جميممع المسمملمين والمسمملمات‪ ،‬آميممن يمما رب العممالمين فممإنه أرحممم‬
‫الراحمين وهو حسبنا ونعم الوكيل ول حول ول قوة إل بالله العلي العظيم‪..‬‬
‫باب أهوال القيامة وأفزاعها‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬أخبرنا الخليل بن أحمد قال‪ :‬أخبرنا يحيى‬
‫بن محمد بن صاعد قال‪ :‬حدثنا محمد بممن المنصممور الطوسممي قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫يحيى بن إسحاق الصالح قال‪ :‬حدثنا أحمد بن لهيعة عممن خالممد بممن عمممران‬
‫عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الّله عنهمما وعنهممم قممالت‪ :‬قلممت يمما‬
‫رسول الّله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال أما عند ثلث مواضممع‬
‫فل‪ :‬عند الميزان حتى يعلم إما أن يخف وإما أن يثقل وعند تطاير الصممحف‬
‫إما أن يعطى بيمينه وإما أن يعطى بشمماله‪ ،‬وحيمن يخمرج عنمق ممن النمار‬
‫فينطوى عليهم ويقول‪ :‬وكلت بثلثة‪ :‬وكلممت بمممن دعمما مممع الل ّممه إله ما ً آخممر‪،‬‬
‫وبكل جبار عنيد وبكل مممن ل يممؤمن بيمموم الحسمماب‪ ،‬فيطمموى عليهممم حممتى‬
‫يرمى بهم في غمممرات جهنممم‪ ،‬ولجهنممم جسممر أدق مممن الشممعر وأح مد ّ مممن‬
‫السيف عليه كلليب وحسك والناس يمرون عليه كالبرق الخاطف وكالريممح‬
‫العاصف فناج مسلم ومخدوش مثلهم ومكبوب في النار على وجهه‪.‬‬
‫وحدثنا محمد بن الفضل قال‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر قال‪ :‬أخبرنا إبراهيم‬
‫بن يوسف قال‪ :‬أخبرنا أبو معاوية عن العمممش عممن أبممي صممالح عممن أبممي‬
‫هريممرة رضممي الل ّممه عنممه أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال "ممما بيممن‬
‫النفختين أربعون سنة ثم ينزل الّله ماء من السماء كمنى الرجممال فينبتممون‬
‫كما ينبت البقل" وأخبرني الثقة بإسناده عممن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه عنممه‬
‫بأسانيد مختلفة عن أبي هريرة رضي الّله عنه عن رسول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم قال "لما فرغ الل ّممه تعممالى مممن خلممق السممموات والرض خلممق‬
‫الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه في فيه شاخصا ً ببصممره إلممى العممرش‬
‫صور؟ قال قرن مممن نممور‪:‬‬
‫ينتظر متى يؤمر‪ .‬قال‪ :‬قلت يا رسول الّله وما ال ّ‬
‫قلت يا رسول الّله كيف هو؟ قال عظيم الممدارة والممذي بعثنممي بممالحق نبيما ً‬
‫لعظم دارته‬
‫]ص ‪[24‬‬
‫كعرض السماء والرض ينفخ فيه ثلث نفخات‪ ،‬وذكممر فممي بعممض الروايممات‬
‫أنه "نفختان" نفخة للهلك ونفخة للبعث‪ ،‬وفي رواية كعب "نفختممان" وفممي‬
‫رواية أبي هريرة رضي الّله عنه "ثلث نفخات للفزع نفخة للصممعق ونفخممة‬
‫للبعث فيأمر الّله تعالى إسرافيل في النفخة الولى فينفخ فيه فيفممزع مممن‬
‫فم ُ‬
‫صمموِر‬
‫م ُين َ‬
‫في السموات ومن في الرض‪ ،‬وهو قوله تعممالى }وَي َموْ َ‬
‫خ فِممي ال ّ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ه{ وتمتزلزل‬
‫فَ َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ن ِفمي ال ّ‬
‫شمماَء الّلم ُ‬
‫ض ِإل َ‬
‫ت وَ َ‬
‫سم َ‬
‫فزِع َ َ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن ِفمي الْر ِ‬

‫الرض وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمممل حملهمما وتممرى‬
‫الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عمذاب الل ّممه شمديد‪ ،‬وتصمير الولممدان‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ات ّ ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫قوا َرب ّك ُ ْ‬
‫شيبا ً وتطير الشياطين هاربة وهو قوله تعالى }َيا أي َّها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫ل ك ُم ّ‬
‫م ت ََروْن َهَمما ت َمذ ْهَ ُ‬
‫ساع َةِ َ‬
‫ت‬
‫َزل َْزل َ َ‬
‫مْر ِ‬
‫يٌء ع َ ِ‬
‫ممما أْر َ‬
‫م‪ ،‬ي َوْ َ‬
‫ة ال ّ‬
‫ض معَ ْ‬
‫ضمعَةٍ ع َ ّ‬
‫ل ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫سم َ‬
‫سم َ‬
‫ضعُ ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن‬
‫مما ُ‬
‫كاَرى وَل َ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ل َ‬
‫ت َ‬
‫وَت َ َ‬
‫م بِ ُ‬
‫س ُ‬
‫هم ْ‬
‫كاَرى وَ َ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫مل ََها وَت ََرى الّنا َ‬
‫كم ّ‬
‫م ٍ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ب الله َ‬
‫عَ َ‬
‫د{ فيمكثون ما شمماء اللممه‪ ،‬ثممم يممأمر اللممه تعممالى إسممرافيل‬
‫ش ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ذا َ‬
‫فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهممل السممماء وأهممل الرض يعنممي يممموت أهممل‬
‫السماء والرض إل مممن شمماء اللممه‪ ،‬وهممو قمموله تعممالى }وَن ُفِ م َ‬
‫صمموِر‬
‫خ فِممي ال ّ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ه{ والسممتثناء‬
‫ماَوا ِ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫شمماَء الل ّم ُ‬
‫ض ِإل َ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫صعِقَ َ‬
‫فَ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن فِممي الْر ِ‬
‫يعني به أرواح الشهداء وقيل يعني به جبرائيل وميكائيممل وإسممرافيل وملممك‬
‫الموت صلوات الّله تعممالى عليهممم أجمعيممن‪ ،‬فيقممول الل ّممه عممز وجممل لملممك‬
‫الموت‪ :‬من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب أنت حي ل تموت بقممي‬
‫جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة عرشممك وبقيممت أنمما‪ ،‬فيممأمر الل ّممه تعممالى‬
‫ملك الموت بقبض أرواحهم‪ ،‬هكذا ذكر فممي روايممة الكلممبي وروايممة مقاتممل‪،‬‬
‫وقال في رواية محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرة رضي الل ّممه تعممالى‬
‫عنمه "إن الّلمه سمبحانه وتعمالى يقمول ليممت جبريمل وميكائيمل وإسمرافيل‬
‫وليمت حملة العرش‪ ،‬ثم يقول الّله عز وجل‪ :‬يا ملك الموت من بقممي مممن‬
‫خلقي؟ فيقول أنت الحي الذي ل تموت وبقي عبدك الضعيف ملك الموت‪،‬‬
‫فيقول يا ملك الموت ألم تسمع قممولي }ك ُم ّ‬
‫س َ‬
‫ت{ وأنممت‬
‫ذائ ِ َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫قم ُ‬
‫م مو ْ ِ‬
‫ة ال َ‬
‫فم ٍ‬
‫خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت" وروى فممي خممبر آخممر "أنممه‬
‫يأمره بأن يقبض روح نفسه فيجيممء إلممى موضممع بيممن الجنممة والنممار وينممزع‬
‫روحه بنفسه فيصيح صيحة لو كان الخلمق كلهمم أحيماء لمماتوا ممن صميحته‬
‫ويقول لو كنت علمت أن لنزع الروح مثل هذه الشدة والمرارة لكنت على‬
‫قبض أرواح المؤمنين أشمد شمفقة‪ ،‬ثممم يمموت فل يبقمى أحمد ممن الخلممق‪،‬‬
‫فيقول الّله عز وجل للدنيا الدنية أين الملوك أين أبناء الملوك أين الجبابرة‬
‫وأين أبناء الجبابرة وأين الممذين كممانوا يممأكلون خيممري ويعبممدون غيممري؟ ثممم‬
‫مل ْ ُ‬
‫م{ فل يجيب أحد فيجيب سبحانه وتعالى‬
‫ك الي َوْ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫يقول الّله تعالى }ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫نفسه فيقول‪ :‬لله الواحممد القهمار‪ ،‬ثمم يمأمر الل ّممه تعممالى السمماء أن تمطممر‬
‫فتمطر السماء كمنى الرجال أربعين يوما ً حتى يعلو الماء فمموق كممل شمميء‬
‫اثني عشر ذراعا ً فينبت الّله الخلق بذلك الماء كنبممات البقممل حممتى تتكامممل‬
‫أجسامهم فتعود كما كانت‪ ،‬ثم يقول الل ّممه تعممالى ليحيممى إسممرافيل وحملممة‬
‫العرش فيحيون بأمر الّله تعالى‪ ،‬ويأمر الّله تعالى‬
‫]ص ‪[25‬‬
‫ّ‬
‫إسرافيل فيأخممذ الصممور ويضممعه فممي فيممه ثممم يقممول اللممه ليحيممى جبرائيممل‬
‫وميكائيل فيحييان بأمر الّله تعالى‪ ،‬ثم يدعو الل ّممه تعممالى الرواح فيممؤتى بهمما‬
‫فيجعلها في الصور‪ ،‬ثم يأمر الّله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة البعث فتخرج‬
‫الرواح كأنها النحل قد ملت مما بيمن السمماء والرض فتمدخل الرواح فمي‬
‫الرض إلى الجساد فممي الخياشمميم فتنشممق الرض عنهممم‪ ،‬ثممم قممال النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنا أّول من تنشق عنممه الرض" وفممي خممبر آخممر "إن‬
‫الّله تعالى إذا أحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل فينزلون إلى قبر النبي صلى‬
‫الّله عليه وسلم ومعهم البراق وحلل من الجنة فتنشق عنممه الرض فينظممر‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم إلى جبريل فيقول‪ :‬يمما جبريممل ممما هممذا اليمموم؟‬
‫فيقول هذا يوم القيامة هذا يوم القارعمة‪ ،‬فيقمول يما جبريمل مما بعمث الّلمه‬
‫بأمتي؟ فيقول جبريل أبشر فإنك أّول من تنشق عنه الرض‪ ،‬ثم يممأمر الل ّممه‬
‫تعالى إسرافيل فينفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون )رجعنا إلى حممديث‬
‫أبي هريرة( رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬فيخرجممون منهمما سممراعا ً إلممى ربهممم‬
‫ينسلون‪ :‬يعني يخرجون من قبورهم حفاة عراة‪ ،‬ثممم يقفممون موقفما ً واحممدا ً‬
‫مقدار سبعين عاما ً ل ينظر الّله إليهم ول يقضى بينهم فيبكون حتى تنقطممع‬

‫الدموع‪ ،‬ثم يبكوا ندمًا‪ ،‬ويعرقون حتى يبلغ ذلك منهم بأن يلجمهم‪ ،‬وأن يبلغ‬
‫ن إ ِل َممى‬
‫الذقان ثم ي ُممدعون إلممى المحشممر‪ ،‬وذلممك قمموله عممز وجممل } ُ‬
‫مهْط ِِعيم َ‬
‫عي{ أي ناظرين قاصممدين مسممرعين فممإذا اجتمممع الخلئق كلهممم الجممن‬
‫دا ِ‬
‫ال ّ‬
‫س ما ً مممن السممماء شممديدا ً‬
‫والنس وغيرهم‪ ،‬فبينما هممم وقمموف إذ سمممعوا ِ‬
‫ح ّ‬
‫فهالهم ذلك فتنشق السماء وتنممزل ملئكممة السممماء الممدنيا كمثممل مممن فممي‬
‫صافُّهم‪ ،‬فقال لهم الناس أفيكم ربنا‪ :‬يعني أفيكم أمر ربنمما‬
‫الرض فأخذوا َ‬
‫م َ‬
‫بالحساب؟ قالوا ل وهو يممأتي يعنممي يممأتي أمممره بالحسمماب‪ ،‬ثممم ينممزل أهممل‬
‫السماء الثانية فيقومون صفا ً خلف أهل سماء الدنيا‪ ،‬ثم تنزل ملئكممة أهممل‬
‫السماء الثالثة حممتى تنممزل ملئكممة السممموات السممبع علممى قممدر التضممعيف‬
‫ويقومون حول أهل الدنيا‪.‬‬
‫)قال الفقيه(‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل قال‪ :‬أنبأنا محمد بمن جعفمر قممال‪:‬‬
‫أنبأنا إبراهيم ابن يوسممف قممال‪ :‬أنبأنمما محمممد بممن الفضممل عممن الجلممح عممن‬
‫الضحاك قال‪ :‬إن الّله تعالى يأمر سماء الدنيا فتنشق بما فيها من الملئكممة‬
‫فينزلون فيحيطون بالرض ومن فيها‪ ،‬ثم الثانية ومن فيها ثممم الثالثممة ومممن‬
‫فيها‪ ،‬ثم الرابعة ومن فيها‪ ،‬ثم الخامسة ومن فيها‪ ،‬ثم السادسة ومن فيهمما‪،‬‬
‫ثم السابعة ومن فيها حتى يكونوا سبع صممفوف مممن الملئكممة بعضممهم فممي‬
‫جوف بعض‪ ،‬وأهل الرض ل يأتون قطرا ً من أقطارها إل وجدوا عنممده سممبع‬
‫معْ َ‬
‫ن‬
‫س إِ ْ‬
‫ش مَر ال ِ‬
‫صممفوف مممن الملئكممة فممذلك قمموله تعممالى }ي َمما َ‬
‫جم ّ‬
‫ن َوا ِ‬
‫لن م ِ‬
‫ذوا مم َ‬
‫استط َعت َ‬
‫َ‬
‫فم ُ‬
‫فم ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن ِإل‬
‫ذوا ل َتن ُ‬
‫ض َفان ُ‬
‫ن َتن ُ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ذو َ‬
‫مأ ْ‬
‫ن أقْط َممارِ ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ْ َ ُْ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫سل ْ َ‬
‫زي ً‬
‫مام ِ وَن ُّز َ‬
‫م تَ َ‬
‫ل{‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫ن{ وقال }وَي َوْ َ‬
‫ققُ ال ّ‬
‫بِ ُ‬
‫ل ال َ‬
‫ماُء ِبالغَ َ‬
‫س َ‬
‫طا ٍ‬
‫ة َتن ِ‬
‫وروى أبو هريرة رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‬
‫"إن الّله تعالى يقول ما معشر الجن والنس إني نصممحت لكممم‪ ،‬فإنممما هممي‬
‫أعمالكم في صحفكم فمن وجد خيرا ً فليحمد الّله‬
‫]ص ‪[26‬‬
‫تعالى ومن وجد غير ذلك فل يلومن إل نفسه‪ ،‬ثممم يممأمر الل ّممه تعممالى جهنممم‬
‫فيخرج منها عنق طويل ساطع مظلم متكلما ً فيقول الّله }أ َل َ َ‬
‫م‬
‫م أع ْهَمد ْ إ ِل َي ْك ُم ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫يا بِني آد َ‬
‫شمي ْ َ‬
‫ه لَ ُ‬
‫هم َ‬
‫دوا ال ّ‬
‫ذا‬
‫م َ‬
‫دوِني َ‬
‫ن اع ُْبم ُ‬
‫ن‪ ،‬وَأ ْ‬
‫طا َ‬
‫ن ل ت َعْب ُ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫عمد ُوّ ُ‬
‫كم ْ‬
‫ن إ ِّنم ُ‬
‫مِبيم ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫م تَ ُ‬
‫ضم ّ‬
‫ه‬
‫م‪ ،‬وَل َ َ‬
‫ن‪ ،‬هَمذ ِ ِ‬
‫كون ُمموا ت َعْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ِ‬
‫قل ُممو َ‬
‫قد ْ أ َ‬
‫م ْ‬
‫جب ِل ً ك َِثيممرا ً أفَل َم ْ‬
‫م ِ‬
‫من ْك ُم ْ‬
‫قي ٌ‬
‫ط ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن{ فتجثموا الممم‬
‫م ت َك ُ‬
‫صلوْ َ‬
‫فمُرو َ‬
‫دو َ‬
‫م ُتوع َ ُ‬
‫َ‬
‫ها الي َوْ َ‬
‫مما كنُتم ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م الِتي كنت ُ ْ‬
‫جهَن ّ ُ‬
‫ن‪ ،‬ا ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ة كُ ّ‬
‫وذلك قوله تعالى }وَت ََرى ك ُ ّ‬
‫عى إ ِل َممى ك َِتاب ِهَمما{ اليممة‪،‬‬
‫مةٍ ت ُمد ْ َ‬
‫جاث ِي َ ً‬
‫مةٍ َ‬
‫لأ ّ‬
‫لأ ّ‬
‫فيقضي الّله تعالى بين خلقه ويقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه لينتقم‬
‫للشاة الجماء من ذات القرن‪ .‬ثم يقول كوني ترابا ً فعند ذلك يقول الكافر‪:‬‬
‫}َيا ل َي ْت َِني ُ‬
‫ت ت َُرابًا{ ثم يقضى بين العباد‪.‬‬
‫كن ُ‬
‫وروى نافع عن ابن عمر رضي الّله عنهممما عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال يحشر الناس يوم القيامة كما ولممدتهم أمهمماتهم حفمماة عممراة‬
‫فقالت عائشة رضي الّله عنها الرجال والنساء؟ قال‪ :‬نعمم‪ ،‬فقمالت عائشمة‬
‫واسوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض‪ ،‬فضرب على منكبهمما وقممال‪ :‬يمما ابنممة ابممن‬
‫أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر وشخصوا بأبصارهم إلممى السممماء‬
‫موقوفين أربعين سنة ل يأكلون ول يشربون‪ ،‬فمنهم من يبلغ العرق قممدميه‬
‫ومنهم من يبلغ ساقيه ومنهم من يبلغ بطنه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ً‬
‫من طول الوقوف‪ ،‬ثم تقوم الملئكة حافين من حممول العممرش فيممأمر الل ّممه‬
‫تعالى مناديا ً ينادي أين فلن ابن فلنممة فيشممرف النمماس‪ :‬أي فيرفممع النمماس‬
‫رؤوسهم لذلك الصوت‪ ،‬ويخرج ذلك المنادي من ذلك الموقممف فممإذا وقممف‬
‫بين يدي رب العالمين قيل أين أصحاب المظالم؟ فينادى رجل ً رجل ً فيؤخممذ‬
‫من حسناته وتدفع إلى مممن ظلمممه فيممومئذ ل دينممار ول درهممم إل أخممذ مممن‬
‫الحسنات ورد من السيآت‪ ،‬فل يزالون يستوفون من حسناته حتى ل يبقممى‬
‫له حسنة فيؤخذ من سيآتهم فترد ّ عليه فإذا فرغ من حسناته قيل له ارجممع‬
‫ب{‬
‫ريعُ ال ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م الي َوْ َ‬
‫ح َ‬
‫ن الل ّممه َ‬
‫إلى أمك الهاوية‪ :‬أي جهنم‪ ،‬فإنه }ل ظ ُل ْ َ‬
‫سمما ِ‬
‫سم ِ‬

‫يعني سريع المجازاة‪ ،‬فل يبقى يومئذ ملك مقرب ول نبي مرسل ول شممهيد‬
‫إل ظن لما يرى من شدة الحساب أن ل ينجو إل من عصمه الّله تعالى"‪.‬‬
‫وروى عن معاذ بن جبل رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫أنه قال "ل تزول قدما عبد حتى يسمأل عممن أربممع‪ :‬عممن عمممره فيممم أفنمماه‪،‬‬
‫وعن جسده فيم أبله‪ ،‬وعن علمه فيم عمل به‪ ،‬وعن ماله من أين اكتسممبه‬
‫وفيم أنفقه" وعن عكرمممة رضممي الّلمه تعمالى عنممه قمال "إن الوالمد يتعلممق‬
‫بولده يوم القيامة فيقول‪ :‬يا بني إنممي كنمت لمك والممدا ً فمي المدنيا وأبما ً لمك‬
‫فيثنى عليه خيرًا‪ ،‬فيقول له يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسممناتك‬
‫وف علممى نفسممي مثممل الممذي‬
‫لعّلي أنجو مما ترى فيقول له ولده إنممي أتخ م ّ‬
‫تخوفت فل أطيق أن أعطيك شيئًا‪ ،‬ثم يتعلق بزوجته فيقول لها يا فلنة إني‬
‫كنت لك زوجا ً في الدنيا فتثنممى عليممه خيممرًا‪ ،‬فيقممول لهمما إنممي أطلممب منممك‬
‫حسنة واحدة تهديها لي لعّلي أنجو مممما تريممن‪ ،‬فتقممول ل أطيممق ذلممك إنممي‬
‫أتخوف‬
‫]ص ‪[27‬‬
‫ة‬
‫مث ْ َ‬
‫قل َم ٌ‬
‫على نفسي مثل الذي تخوفت منه‪ ،‬فيقول الّله عز وجل }وَإ ِ ْ‬
‫ن ت َمد ْع ُ ُ‬
‫يٌء وَل َوْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ذا قُْرَبى{ يعني الذي أثقلته الذنوب‬
‫إ َِلى ِ‬
‫ل ِ‬
‫كا َ‬
‫مل َِها َل ي ُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫ش ْ‬
‫ل يحمل أحد عنه شيئا ً من ذنوبه‪.‬‬
‫وروى ابن مسعود رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال "إن الكممافر ليلجممم بعرقممه مممن طممول ذلممك اليمموم حممتى يقممول يمما رب‬
‫ارحمني ولو إلى النار"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( أبو جعفر رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا محمد بن الفضممل قممال‪:‬‬
‫حدثنا مومل قال‪ :‬حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أبي نضرة بإسناده عممن‬
‫ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫ي قط إل ّ كانت له دعوة مسممتجابة فعجلهمما فممي الممدنيا‪،‬‬
‫أنه قال "لم يكن نب ّ‬
‫وإني استخبأت دعوتي شفاعة لمتي يوم القيامة‪ ،‬أل وأنا سمميد ولممد آدم ول‬
‫فخر‪ ،‬وأنا أّول من تنشق عنممه الرض ول فخممر‪ ،‬ولممواء الحمممدي بيممدي يمموم‬
‫القيامة تحته آدم ومن دونه من البشر ول فخر‪ ،‬ثم قال‪ :‬يشتد يوم القيامممة‬
‫غمه وكربه في الناس فيأتون آدم عليه السلم فيقولون لممه‪ :‬يمما أبمما البشممر‬
‫اشفع لنا إلى ربك ليقضي بيننا فيقول لست هنمماك‪ ،‬إنممي قممد أخرجممت مممن‬
‫الجنة بخطيئتي وليس يهمني اليوم إل نفسي‪ ،‬ولكن عليكم بنمموح فممإنه أّول‬
‫المرسلين‪ ،‬فيأتون نوحا ً عليه السلم ويقولون‪ :‬اشفع لنا إلى ربممك ليقضممي‬
‫بيننا فيقول‪ :‬لست هناك‪ ،‬إني دعمموت دعمموة أغرقممت بهمما أهممل الرض وإنممه‬
‫ليس يهمني اليوم إل نفسممي‪ ،‬ولكممن ائتمموا إلممى إبراهيممم الممذي اتخممذه الل ّممه‬
‫خلي ً‬
‫ل‪ ،‬فيأتون إبراهيم عليه السلم‪ ،‬فيقولمون اشمفع لنما إلمى ربمك ليقضمي‬
‫بيننا‪ ،‬فيقول‪ :‬لست هناك إنممي قممد كممذبت فممي السمملم ثلث كممذبات‪ ،‬قممال‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم والثلثة جادل بهن عممن ديممن الل ّممه تعممالى‬
‫قمما َ‬
‫م{ والثانيممة‬
‫م‪ ،‬فَ َ‬
‫سم ِ‬
‫إحداها قوله تعالى }فَن َظ ََر ن َظ َْرة ً ِفي الن ّ ُ‬
‫ل إ ِن ّممي َ‬
‫قي ٌ‬
‫جممو ِ‬
‫قوله }ب َ ْ‬
‫م هَ َ‬
‫ذا{ والثالثممة قمموله }لمرأتممه إنهمما أخممتي{ وليممس‬
‫ه ك َِبيُرهُ ْ‬
‫ل فَعَل َ ُ‬
‫يهمني اليوم إل ّ نفسي‪ ،‬ولكن ائتوا موسى الذي كلمممه الل ّممه تكليم ما ً فيممأتون‬
‫موسى فيقولون‪ :‬اشفع لنا إلى ربك ليقضي بيننا‪ ،‬فيقول لسممت هنمماك إنممي‬
‫قتلت نفسا ً بغير حق وإني ل يهمني اليوم إل نفسي‪ ،‬لكن ائتوا عيسى روح‬
‫الّله وكلمته‪ ،‬فيأتونه فيقولون اشفع لنا إلى ربك ليقضي بيننا فيقول لسممت‬
‫هناك إني اتخذت أنا وأمممي إلهيممن مممن دون الل ّممه وإنممي ل يهمنممي اليمموم إل‬
‫نفسي‪ ،‬ولكن أرأيتم لو كان لحدكم بضاعة فجعلها في كيممس وختممم عليهمما‬
‫أكان يصل إلى ما في الكيس حتى يفض الختممم؟ فيقولممون‪ :‬ل‪ ،‬فيقممول‪ :‬إن‬
‫محمدا ً صلى الّله عليه وسلم ختمت به النبياء وقد وافممى اليمموم وقممد غفممر‬
‫الّله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‪ ،‬ائتوه‪ .‬قال رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم‪ :‬فيأتيني الناس فأقول نعم‪ ،‬أنا لها‪ ،‬أنا لها‪ ،‬حتى يأذن الّله لمن يشمماء‬

‫ويرضى‪ ،‬فيلبث ما شاء الّله أن يلبث فممإذا أراد الل ّممه أن يقضممي بيممن خلقممه‬
‫نادى مناد أين محمد صلى الّله عليه وسلم وأمته فنحن الخممرون الولممون‪:‬‬
‫يعني آخر الناس في الدنيا وأولهم فممي الحسمماب يمموم القيامممة‪ ،‬فممأقوم أنمما‬
‫وأمتي فيفرج المم عن طريقنا فنمر غرا ً محجلين من آثار الطهور‪ ،‬ويقول‬
‫لنا الناس‪ :‬كادت هذه الئمة أن تكون كلها‬
‫]ص ‪[28‬‬
‫أنبياء‪ ،‬ثم أتقدم إلى باب الجنة فأستفتح فيقال من هذا؟ فممأقول أنمما محمممد‬
‫رسول الله‪ ،‬فيفتح لممي فأدخممل وأخمّر لربممي سمماجدًا‪ ،‬وأحمممده بمحامممد لممم‬
‫يحمده بها أحد قبلي‪ ،‬ول يحمده أحد بهمما بعممدي‪ ،‬فيقممال ارفممع رأسممك وقممل‬
‫تسمع وسل تعط واشفع تشفع‪ ،‬فأرفع رأسي فأشفع لمممن كممان فممي قلبممه‬
‫مثقال شعيرة أو ذرة من اليمان‪ :‬يعني من اليقين مع شممهادة أن ل إلممه إل‬
‫الّله وأن محمدا ً رسول الله"‪.‬‬
‫وروى عن عمر بن الخطاب رضي الّله عنممه أنممه دخممل المسممجد وكعممب‬
‫الحبار يحدث الناس‪ ،‬فقال له عمر رضي الّله عنه خوفنا يمما كعممب الحبممار‪،‬‬
‫فقال‪ :‬والله إن لله ملئكة قيامما ً مممن يمموم خلقهممم الل ّممه ممما ثنمموا أصمملبهم‪،‬‬
‫وآخرين سجدوا ما رفعوا رؤوسهم‪ ،‬حتى ينفخ في الصور‪ ،‬فيقولون جميع مًا‪:‬‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك ما عبدناك حق عبادتك وحق ما ينبغي لك أن تعبممد‪،‬‬
‫والذي نفسي بيده إن جهنم لتقرب يوم القيامة لها زفيممر وشممهيق حممتى إذا‬
‫ي ول شممهيد إل جثمما علممى ركبممتيه‬
‫دنت وقربممت زفممرت زفممرة فلممم يبممق نممب ّ‬
‫ساقطًا‪ ،‬يقول كل نبي وكل صديق وكل شهيد يمما رب ل أسممألك إل نفسممي‪،‬‬
‫وينسى إبراهيم إسمعيل وإسحق‪ ،‬فيقممول يمما رب أنمما خليلممك إبراهيممم‪ :‬فلممو‬
‫كان لك يا ابن الخطاب يومئذ عمل سبعين نبيا ً لظننت أنك ل تنجممو‪ ،‬فبكممى‬
‫القوم حتى شجوا فلما رأى عمر رضي الّله تعالى عنه ذلك قممال‪ :‬يمما كعممب‬
‫بشرنا‪ ،‬فقال أبشروا فإن للمه تعمالى ثلثممائة وثلثممة عشممر شممريعة ل يمأتي‬
‫العبد يوم القيامة بواحممدة منهممن مممع كلمممة الخلص إل أدخلممه الل ّممه الجنممة‪،‬‬
‫والله لو تعلمون كنه رحمة الّله تعالى لبطأتم في العمل‪.‬‬
‫يا أخي استعد ّ لمثل هذا اليوم بالعمال الصالحة والجتناب عن المعاصي‬
‫فإنك عن قريب تعاين يوم القيامة وتندم علممى ممما فممات مممن أيممام عمممرك‪.‬‬
‫ت فقد قامت قيامتك كممما قممال المغيممرة بممن شممعبة‪ :‬إنكممم‬
‫واعلم أنك إذا م ّ‬
‫تقولون القيامة القيامة إنما قيامة أحدكم موته‪ ،‬وذكر عن علقمة بن قيممس‬
‫إنه كان في جنازة رجل فقام على القبر فلما دفن قال أما هذا العبممد فقممد‬
‫قامت قيامته وإنممما قممال ذلممك لن النسمان إذا ممات فقمد عماين أمممر يموم‬
‫القيامة لنه يرى الجنة والنار والملئكة‪ ،‬ول يقدر علممى عمممل مممن العمممال‬
‫فصار بمنزلة من حضر يوم القيامة فختم على عملممه بممالموت فيقمموم يمموم‬
‫القيامة على ما مات عليه فطوبى لمن كانت خاتمته بالخير‪ .‬قممال أبممو بكممر‬
‫الواسطي‪ :‬الدول ثلثة‪ :‬دولة الحياة‪ ،‬ودولة عند الموت‪ ،‬ودولة يوم القيامة‪،‬‬
‫فأما دولة الحياة فإنه يعيش في طاعة الّله تعالى‪ ،‬وأما دولتممه عنممد الممموت‬
‫بأن تخرج روحه مع شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬وأما الدولممة الصممحيحة فدولممة‬
‫يوم القيامة البشرى فحين يخرج من قبره يأتيه البشير بالجنممة‪ .‬وذكممر عممن‬
‫م‬
‫يحييى بن معاذ الرازي رحمه الّله أنه قممرئ فممي مجلسممه هممذه اليممة }ي َموْ َ‬
‫ح ُ‬
‫ن إ ِل َممى‬
‫جرِ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن إ َِلى الّر ْ‬
‫نَ ْ‬
‫ن وَفْممدًا{ أي ركبان ما ً }وَن َ ُ‬
‫سمموقُ ال ُ‬
‫ح َ‬
‫شُر ال ُ‬
‫مي م َ‬
‫ممما ِ‬
‫قي َ‬
‫م وِْردًا{ يعني مشاة عطاشا ً فقال‪ :‬أيها الناس مهل ً مهل ً غمدا ً تحشمرون‬
‫َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إلى الموقف حشرا حشرا‪ ،‬وتأتون من الطراف‬
‫]ص ‪[29‬‬
‫فوجا ً فوجًا‪ ،‬وتوقفون بين يدي الّله فردا ً فردًا‪ ،‬وتسألون عممما فعلتممم حرف ما ً‬
‫حرفًا‪ ،‬وتقاد الولياء إلى الرحمن وفدا ً وفدًا‪ ،‬ويرد العاصون إلى عذاب الل ّممه‬
‫َ‬
‫ض د َك ّما ً‬
‫وردا ً وردًا‪ ،‬ويدخلون جهنم حزبا ً حزبًا‪ ،‬وكممل هممذا }ك َّل إ ِ َ‬
‫ذا د ُك ّم ْ‬
‫ت الْر ُ‬

‫فًا{ ويجمماء بجهنممم يممومئذ ويل ً وي ً‬
‫مل َ ُ‬
‫جاَء َرب ّ َ‬
‫ل‪ .‬إخممواني‬
‫صم ّ‬
‫صم ّ‬
‫د َك ًّا‪ ،‬وَ َ‬
‫ك َوال َ‬
‫فا ً َ‬
‫ك َ‬
‫الويل لكم من يوم كممان مقممداره خمسممين ألممف سممنة‪ ،‬يمموم الراجفممة‪ ،‬يمموم‬
‫الزفة يوم القيامة يمموم الحسممرة والندامممة فممذلك يمموم عظيممم‪ ،‬يمموم يقمموم‬
‫الناس لرب العالمين‪ ،‬وهو يوم المناقشة ويموم المحاسمبة‪ ،‬ويموم الموازنمة‬
‫ويوم المساءلة‪ ،‬ويوم الزلزلة‪ ،‬ويوم الصيحة ويوم الحاقممة‪ ،‬ويمموم القارعممة‪،‬‬
‫ويوم النشور ويوم ينظر المرء ما قممدمت يممداه ويمموم التغممابن ويمموم يصممدر‬
‫الناس أشتاتا ً ليروى أعمممالهم‪ ،‬ويمموم تممبيض وجممود وتسممود ّ وجمموه‪ ،‬ويمموم ل‬
‫يغنى مولى عن مولى شيئًا‪ ،‬ويوم ل يغنى عنهم كيدهم شيئًا‪ ،‬ويوم ل يجزى‬
‫ن َ‬
‫وم ما ً ك َمما َ‬
‫ش مّرهُ‬
‫والممد عممن ولممده ول مولممود هممو جمماز عممن والممده شمميئا ً }ي َ ْ‬
‫طيرًا{ أي منتشرا ً فاشيًا‪ ،‬يوم ل ينفع الظالمين معذرتهم ولهممم اللعنممة‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م ت ََروْن َهَمما‬
‫و‬
‫م‬
‫ي‬
‫}‬
‫ها{‬
‫م‬
‫س‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ن‬
‫م‬
‫ع‬
‫ل‬
‫د‬
‫ما‬
‫م‬
‫ج‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ل‬
‫م‬
‫ك‬
‫تي‬
‫أ‬
‫ت‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫}‬
‫الدار‬
‫سوء‬
‫ولهم‬
‫َ ْ َ َ ِ‬
‫ٍ ُ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ ْ َ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضعُ ك ُم ّ‬
‫ل كُ ّ‬
‫ت َذ ْهَ ُ‬
‫ل َ‬
‫س‬
‫ذا ِ‬
‫مْر ِ‬
‫ل َ‬
‫ت َ‬
‫ت وَت َ َ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫ضعَ ْ‬
‫ضعَةٍ ع َ ّ‬
‫ل ُ‬
‫ملهَمما وَت َمَرى الن ّمما َ‬
‫مم ٍ‬
‫سم َ‬
‫سم َ‬
‫ب الل ّممه َ‬
‫ن ع َم َ‬
‫د{ وقممال مقاتممل بممن‬
‫شم ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ذا َ‬
‫م بِ ُ‬
‫ُ‬
‫ممما هُم ْ‬
‫كاَرى وَ َ‬
‫كاَرى وَل َك ِم ّ‬
‫سليمان‪ :‬تقف الخلق يوم القيامة مممائة سممنة فممي العممرق ملجمممون‪ ،‬ومممائة‬
‫سنة في الظلمة متحيرون‪ ،‬ومائة سنة يموج بعضهم فممي بعممض عنممد ربهممم‬
‫يختصمون‪ ،‬ويقال إن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة‪ ،‬وإنه ليمضممي‬
‫على المؤمن المخلص كما يمضي عليه ساعة واحممدة‪ ،‬فعليممك أيهمما العاقممل‬
‫بأن تصبر على شدائد الدنيا في طاعة الل ّممه تعممالى ليسممهل عليممك الشممدائد‬
‫يوم القيامة‪ ،‬والله الموفق للصواب‪.‬‬
‫باب صفة النار وأهلها‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث رحمه الله‪ :‬حدثنا الفقيه أبو جعفر حدثنا محمد بن‬
‫عقيل الكندي حدثنا العباس الدوري حدثنا يحيممى بممن أبممي بكممر قممال‪ :‬أنبأنمما‬
‫شريك عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الل ّممه عنهممم قممال‪ :‬قممال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم "أوقد على النممار ألممف سممنة حممتى احمممرت‪ ،‬ثممم‬
‫أوقد عليها ألف سنة أخرى حتى ابيضت‪ ،‬ثممم أوقممد عليهمما ألممف سممنة حممتى‬
‫اسودت‪ ،‬فهي سوداء كالليل المظلم"‪.‬‬
‫وروى عن يزيد بن مرثد‪ :‬أنه كان ل تنقطع دمموع عينيمه ول يمزال باكيمًا‪،‬‬
‫فسئل عن ذلك فقال لو أن الّله أوعدني بأني لو أذنبت ذنب ما ً لحبسممني فممي‬
‫ي أن ل تنقطممع دممموعي‪ ،‬فكيممف وقممد أوعممدني أن‬
‫الحمام أبدا ً لكان حقا ً عل ّ‬
‫يحبسني في نار قد أوقد عليها ثلثة آلف سنة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر قال‪ :‬أنبأنا إبراهيم‬
‫بن يوسف قال‪ :‬أنبأنا أبو معاوية عن العمش عن مجاهد رضي الّله تعممالى‬
‫عنهم قال‪ :‬إن لجهنم جبابا ً‬
‫]ص ‪[30‬‬
‫فيها حيات كأمثال أعناق البخت وعقارب كأمثال البغال الدهم‪ ،‬فيهرب أهل‬
‫النار إلى تلك الحيممات فيأخممذن بشممفاههن فيكشممطن ممما بيممن الشممعر إلممى‬
‫الظفر فما ينجيهم منها إل الهرب إلى النار‪ ،‬وروى عن عبممد الل ّممه بممن جممبير‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إن فممي النممار حيممات مثممل‬
‫أعناق البل تلسع أحدهم لسعة يجممد حمتهمما أربعيممن خريفمًا‪ ،‬وإن فممي النممار‬
‫لعقارب كأمثال البغال تلسع أحدهم لسعة يجد حمتها أربعين خريفًا"‪.‬‬
‫وروى عن العمش عن يزيد بن وهب عن ابن مسعود رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫أنه قال‪ :‬إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا ً من تلك النار ولو أنها ضربت‬
‫في البحر مرتين لما انتفعتممم منهمما بشمميء‪ .‬وقممال مجاهممد‪ :‬إن نمماركم هممذه‬
‫تتعوذ من نار جهنم‪ .‬وقال النبي صلى الّله عليه وسلم‪" :‬إن أهون أهل النار‬
‫عممذابا ً لرجممل فممي رجليممه نعلن مممن نممار يغلممي منهممما دممماغه كممأنه مرجممل‬
‫مسامعه جمر وأضراسه جمر وأشفاره لهب النيران‪ ،‬وتخرج أحشمماء بطنممه‬
‫من قدميه وإنه ليرى أنه أشد أهل النار عممذابًا‪ ،‬وإنممه مممن أهممون أهممل النممار‬

‫عذابًا" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل قال‪ :‬أنبأنا محمد بن جعفر قممال‪ :‬أنبأنمما‬
‫إبراهيم بن يوسف قال‪ :‬أنبأنا أبو حفص عن سعيد عن قتادة عن أبي أيوب‬
‫الزدي عن عبد الّله بن عمرو بن العمماص رضممي الل ّممه عنهممم قممال‪ :‬إن أهممل‬
‫ممماك ُِثون‬
‫م َ‬
‫النار يدعون مالكا ً فل يرد ّ عليهم أربعين عامًا‪ ،‬ثم يرد عليهم }إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ن ع ُمد َْنا فَإ ِن ّمما‬
‫َ{يعني دائمون أبممدا ً ثممم يممدعون ربهممم }َرب ّن َمما أ َ ْ‬
‫جن َمما ِ‬
‫من ْهَمما فَمإ ِ ْ‬
‫خرِ ْ‬
‫َ‬
‫سممُئوا‬
‫ن{ فل يجيبهم مقدار ما كانت الدنيا مرتين‪ ،‬ثم يرد عليهم }ا ْ‬
‫مو َ‬
‫خ َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫موِني{ قال‪ :‬فوالله ما ينطق القوم بعدها بكلمة واحدة ما كممان‬
‫ِفيَها َول ت ُك َل ّ ُ‬
‫بعد ذلك إل الزفير والشهيق في النار‪ ،‬تشبه أصواتهم أصمموات الحمممر أولممه‬
‫د‪ ،‬أم هممل لكممم‬
‫زفير وأخره شهيق‪ .‬قال قتادة‪ :‬يا قوم هل لكممم مممن هممذا بم ّ‬
‫على هذا صبر؟ يا قوم طاعة الّله أهون عليكممم فممأطيعوه‪ ،‬ويقمال‪ :‬إن أهممل‬
‫النار يجزعون ألف سنة فل ينفعهم‪ ،‬ثم يقولممون‪ .‬كنمما فممي الممدنيا إذا صممبرنا‬
‫كممان لنمما الفممرج فيصممبرون ألمف سممنة فل يخفمف عنهممم العممذاب فيقولممون‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص{ فيسممألون الل ّممه تعممالى‬
‫م ِ‬
‫ممما ل َن َمما ِ‬
‫واٌء ع َل َي َْنا أ َ‬
‫جزِع َْنا أ ْ‬
‫} َ‬
‫ن َ‬
‫صب َْرَنا َ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫س َ‬
‫حيم ٍ‬
‫الغيث ألف سنة لما بهم من العطش وشدة العذاب لكي يزول عنهم بعض‬
‫الحرارة والعطش‪ ،‬فإذا تضرعوا ألف سممنة يقممول الل ّممه تعممالى لجبريممل‪ :‬أي‬
‫شيء يطلبون؟ فيقول جبريل يا رب أنت أعلم بهممم إنهممم يسممألون الغيممث‪،‬‬
‫فتظهر لهم سحابة حمراء فيظنون أنهم يمطرون فترسل عليهممم العقممارب‬
‫كأمثال البغال فتلممدغ الواحممد منهممم فل يممذهب عنممه الوجممع ألممف سممنة‪ ،‬ثممم‬
‫يسألون الل ّممه ألممف سممنة أن يرزقهممم الغيممث فتظهممر لهممم سممحابة سمموداء‪،‬‬
‫فيقولون هذه سحابة المطممر فترسممل عليهممم الحيممات كأعنمماق البممل كلممما‬
‫م‬
‫لسعت لسعة ل يذهب وجعها ألف سنة‪ ،‬وهذا معنى قمموله تعممالى }زِد ْن َمماهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ذابا ً فَوْقَ العَ َ‬
‫عَ َ‬
‫ن{ يعنمي بمما كمانوا يكفمرون ويعصمون‬
‫كاُنوا ي ُ ْ‬
‫ف ِ‬
‫دو َ‬
‫س ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫ذا ِ‬
‫الّله تعالى‪ ،‬فمن أراد أن ينجو من عذاب الّله تعالى وينممال ثمموابه فعليممه أن‬
‫يصبر على شدائد الدنيا‬
‫]ص ‪[31‬‬
‫في طاعة الّله تعالى‪ ،‬ويجتنممب المعاصممي وشممهوات الممدنيا فممإن الجنممة قممد‬
‫حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات كما جاء في الخبر‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا إذا استوقدت نيرانه في عذاره‬
‫إذا اصفر عود الزرع بعد اخضراره‬
‫أرى امرأ يرجو العيش غبطة‬
‫وإن لم تطق عنه محيصا فداره‬
‫تجنب لخدن السوء واحذر وصاله‬
‫ً‬
‫كريما كريم الجد تعلو بجاره‬
‫وجاور قرين الصدق واحذر مراءه‬
‫يجده وراء البحر أو في قراره‬
‫فمن يصنع المعروف مع غير أهله‬
‫ولله في عرض السموات جنة ولكنها محفوفة بالمكاره‬
‫وبإسناده قال‪ :‬أنا محمد بن الفضل قال‪ :‬أنا محمممد بمن جعفممر قممال‪ :‬أنما‬
‫إبراهيم بن يوسف قال‪ :‬أنا إسماعيل بن جعفر عن محمممد بممن عمممرو عممن‬
‫أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الّله عليه وسلم قممال‪" :‬دعمما الل ّممه‬
‫عز وجل جبريل فأرسله في الجنة فقال انظر إليها وما أعددت لهلها فيها‪،‬‬
‫فرجع وقال وعزتك ل يسمع بها أحد إل دخلها‪ ،‬فحفت بالمكاره‪ ،‬فقال ارجع‬
‫ارجع إليها وانظر إليها فرجع وقال وعزتك لقد خشيت أن ل يدخلها أحد‪ ،‬ثم‬
‫أرسله إلى النار فقال انظر إليها وما أعددت لهلها فيها فرجممع إليممه فقممال‪.‬‬
‫وعزتك ل يدخلها أحد سمع بها‪ ،‬فحفت بالشهوات‪ ،‬فقممال عممد إليهمما فممانظر‬
‫إليها فرجع وقال‪ :‬وعزتك وجللممك لقممد خشمميت أن ل يبقممى أحممد إل دخلهمما‬
‫وعن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬أذكروا مممن النممار ممما شممئتم فل‬
‫تذكرون منها شيئا ً إل وهي أشد منه" وقال‪ :‬حدثنا أبي قال‪ :‬أنا العباس بممن‬
‫الفضل المروزي قال‪ :‬أنا موسى ابن نصر عن محمد بن زيمماد عممن ميمممون‬
‫عمدهُ َ‬
‫ن{‬
‫مأ ْ‬
‫ن َ‬
‫بن مهران أنه قال‪ :‬لما نزلت هممذه اليممة }وَإ ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫موْ ِ ُ ْ‬
‫م لَ َ‬
‫جهَن ّم َ‬
‫مِعيم َ‬
‫وضع سلمان يده على رأسه وخرج هاربا ً ثلثة أيام ل يقدر عليه حتى جيممء‬
‫به‪ .‬وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالممك قممال‪ :‬جمماء جبريممل إلممى النممبي‬

‫صلى الّله عليه وسلم في ساعة ما كان يأتيه فيهمما متغيممر اللممون فقممال لممه‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم مالي أراك متغير اللون‪ ،‬فقال يا محمممد جئتممك‬
‫في الساعة التي أمر الّله بمنافخ النار أن تنفخ فيها ول ينبغي لمن يعلم أن‬
‫جهنم حق‪ ،‬وأن النار حق وأن عذاب القبر حق وأن عذاب الّله أكبر أن تقمّر‬
‫عينه حتى يأمنها‪ ،‬فقال النبي صلى الّله عليه وسملم‪ :‬يما جبريمل‪ :‬صمف لمي‬
‫جهنم؟ قمال نعممم‪ ،‬إن الّلمه تعمالى لمما خلممق جهنممم أوقمد عليهمما ألمف سمنة‬
‫فأجمرت‪ ،‬ثم أوقد عليهمما ألممف سممنة فابيضممت‪ ،‬ثممم أوقممد عليهمما ألممف سممنة‬
‫فاسودت‪ ،‬فهي سمموداء مظلمممة ل ينطفممئ لهبهمما ول جمرهمما‪ ،‬والممذي بعثممك‬
‫بالحق لو أن مثل خرم إبرة فتح منها لحترق أهممل الممدنيا عممن آخرهممم مممن‬
‫حرها‪ ،‬والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا ً من أثواب أهل النار علق بيمن السمماء‬
‫والرض لمات جميع أهل الرض من نتنها وحرهمما عممن آخرهممم لممما يجممدون‬
‫من حرها‪ ،‬والذي‬
‫]ص ‪[32‬‬
‫بعثك بالحق نبيا ً لو أن ذراعا ً من السلسلة التي ذكرها الّله تعالى في كتابه‬
‫وضع على جبل لذاب حتى يبلغ الرض السابعة‪ ،‬والذي بعثك بالحق نبي ما ً لممو‬
‫أن رجل ً بالمغرب يعذب لحترق الذي بالمشممرق مممن شممدة عممذابها‪ ،‬حرهمما‬
‫شديد وقعرها بعيد وحليها حديد وشرابها الحميم والصديد وثيابها مقطعممات‬
‫النيران }ل َهمما سمبع ُ َ‬
‫ب ل ِك ُم ّ‬
‫م{ مممن الرجممال‬
‫م ْ‬
‫ب ِ‬
‫م ُ‬
‫َ َْ‬
‫سممو ٌ‬
‫ق ُ‬
‫جمْزٌء َ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫ل ب َمما ٍ‬
‫وا ٍ‬
‫َ‬
‫ة أب ْم َ‬
‫والنساء‪ ،‬فقال صلى الّله عليه وسمملم‪ :‬أهممي كأبوابنمما هممذه؟ قممال ل ولكنهمما‬
‫مفتوحة بعضها أسفل من بعض من باب إلى باب مسيرة سبعين سممنة كممل‬
‫باب منها أشد حرا ً من الذي يليه سبعين ضعفًا‪ ،‬يساق أعداء الّله إليها فممإذا‬
‫انتهوا إلى بابها استقبلتهم الزبانيممة بممالغلل والسلسممل فتسمملك السلسمملة‬
‫في فمه وتخرج من دبره‪ ،‬وتغل يده اليسرى إلى عنقه وتدخل يده اليمنممى‬
‫في فؤاده فتنزع من بين كتفيممه وتشممد بالسلسممل‪ ،‬ويقممرن كممل آدمممي مممع‬
‫شيطان في سلسلة ويسممحب علممى وجهممه وتضممربه الملئكممة بمقممامع مممن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دوا ِفيَها{ فقال النممبي صمملى‬
‫ن يَ ْ‬
‫م أُ ِ‬
‫من َْها ِ‬
‫جوا ِ‬
‫عي ُ‬
‫خُر ُ‬
‫دوا أ ْ‬
‫ما أَرا ُ‬
‫ن غَ ّ‬
‫حديد }ك ُل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫الّله عليه وسلم‪ :‬من سكان هذه البواب؟ فقممال أممما البمماب السممفل ففيممه‬
‫المنافقون ومن كفممر ممن أصمحاب الممائدة وآل فرعممون واسممها الهاويممة‪،‬‬
‫والباب الثاني فيه المشركون واسمه الجحيم‪ ،‬والباب الثالث فيه الصممابئون‬
‫واسمه سقر‪ ،‬والباب الرابع فيه إبليس ومن تبعه والمجوس واسمه لظممى‪،‬‬
‫والباب الخامس فيه اليهود واسمه الحطمة‪ ،‬والباب السادس فيه النصممارى‬
‫واسمه السعير‪ ،‬ثم أمسك جبريل حيماء ممن رسممول الّلمه صملى الّلمه عليمه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال له عليه الصلة والسلم‪ :‬أل تخبرني من سكان الباب السابع؟‬
‫فقال فيه أهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبمموا‪ ،‬فخممر النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم مغشيا ً عليه‪ ،‬فوضع جبريل رأسه على حجممره حممتى أفمماق‪،‬‬
‫فلما أفاق قال‪ :‬يا جبريل عظمت مصيبتي واشتد حزني أو يمدخل أحمد ممن‬
‫أمتي النار؟ قال نعم أهل الكبائر من أمتك‪ ،‬ثم بكى رسول الّله صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم وبكى جبريل‪ ،‬ودخل رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم منزلممه‬
‫واحتجب عن الناس‪ ،‬فكان ل يخرج إل إلى الصلة يصمملي ويممدخل ول يكلممم‬
‫أحدا ً ويأخذ في الصلة ويبكي ويتضممرع إلممى الل ّممه تعممالى‪ :‬فلممما كممان اليمموم‬
‫الثالث أقبل أبو بكر رضي الّله عنه حتى وقف بالباب وقال السمملم عليكممم‬
‫يا أهل بيت الرحمة هل إلى رسول الّله صلى الّله عليه وسلم مممن سممبيل؟‬
‫فلم يجبه أحد فتنحى باكيًا‪ ،‬فأقبل عمر رضي الّله عنه فوقف بالباب وقال‪:‬‬
‫السلم عليكم يا أهل بيت الرحمة هممل إلممى رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم من سبيل؟ فلم يجبه أحد فتنحى وهو يبكي‪ ،‬فأقبل سلمان الفارسي‬
‫حتى وقف بالباب وقال‪ :‬السلم عليكم يا أهل بيت الرحمة‪ ،‬هل إلى مولي‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم من سبيل؟ فلم يجبممه أحممد فأقبممل يبكممي‬
‫مرة ويقع مرة ويقوم أخرى حتى أتى بيت فاطمة ووقف بالبمماب ثممم قممال‪:‬‬

‫السلم عليك يا ابنة رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم‪ ،‬وكممان علممي رضممي‬
‫الّله عنه غائبا ً فقال‪ :‬يا ابنة رسممول الل ّممه إن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قد احتجب عن الناس فليس يخرج إل إلى الصلة فل يكلممم أحممدا ً ول‬
‫يأذن لحد في الدخول عليه‪ ،‬فاشتملت فاطمة بعباءة‬
‫]ص ‪[33‬‬
‫قطوانية وأقبلت حتى وقفت على باب رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم‬
‫ثم سلمت وقالت‪ :‬يا رسول الّله أنا فاطمة ورسول الّله ساجد يبكي فرفممع‬
‫رأسه وقال‪ :‬ما بال قرة عيني فاطمة حجبت عني افتحوا لها البمماب‪ ،‬ففتممح‬
‫لها الباب فدخلت فلما نظرت إلى رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم بكممت‬
‫بكاءا ً شديدا ً لما رأت من حاله مصفرا ً متغيرا ً قد ذاب لحم وجهه من البكاء‬
‫والحزن‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسممول الل ّممه ممما الممذي نممزل عليممك؟ فقممال‪ :‬يمما فاطمممة‬
‫جاءني جبريل ووصف لي أبواب جهنم‪ ،‬وأخممبرني أن فممي أعلممى بابهمما أهممل‬
‫الكبائر من أمتي فذلك الذي أبكاني وأحزنني‪ .‬قالت‪ :‬يمما رسممول الل ّممه كيممف‬
‫يدخلونها؟ قال بلى تسوقهم الملئكة إلى النار ول تسود وجوههم ول تزرق‬
‫أعينهم ول يختم على أفواههم ول يقرنون مع الشممياطين ول يوضممع عليهممم‬
‫السلسل والغلل‪ .‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا رسممول الل ّممه وكيممف تقممودهم الملئكممة؟‬
‫فقال‪ :‬أما الرجال فباللحى وأما النساء فبالذوائب والنواصي‪ ،‬فكم مممن ذي‬
‫شيبة من أمتي يقبممض علممى لحيتممه ويقماد إلممى النممار وهممو ينممادي واشمميبتاه‬
‫واضعفاه‪ ،‬فكم من ذي شاب قد قبمض علمى لحيتمه يسماق إلمى النمار وهمو‬
‫ينادي واشباباه وأحسن صورتاه‪ ،‬وكم من امرأة من أمممتي قممد قبممض علممى‬
‫ناصيتها تقاد إلى النار وهي تنادي وافضيحتاه وأهتك ستراه‪ ،‬حتى ينتهي بهم‬
‫ي من‬
‫إلى مالك فإذا نظر إليهم مالك قال للملئكة‪ :‬من هؤلء؟ فما ورد عل ّ‬
‫الشقياء أعجب شأنا ً من هؤلء لم تسود وجوههم ولممم تممزرق أعينهممم ولممم‬
‫يختم على أفواههم ولم يقرنوا مع الشياطين ولم توضع السلسل والغلل‬
‫في أعناقهم‪ ،‬فتقول الملئكة هكذا أمرنا أن نأتيممك بهممم علممى هممذه الحالمة‪،‬‬
‫فيقول لهم مالك يا معشر الشقياء من أنتم؟ "وروي في خممبر آخممر "أنهممم‬
‫لما قادتهم الملئكة ينادون وامحمممداه فلممما رأوا مالكما ً نسمموا اسممم محمممد‬
‫صلى الّله عليه وسلم من هيبته‪ ،‬فيقول لهم من أنتم؟ فيقولون نحن ممممن‬
‫أنزل علينا القرآن ونحن ممن يصوم رمضان‪ ،‬فيقول مالك ما نممزل القممرآن‬
‫إل على أمة محمد صلى الّله عليه وسلم فإذا سمممعوا اسممم محمممد صمماحوا‬
‫وقالوا نحن من أمة محمد صلى الّله عليه وسلم فيقول لهم مالك أما كممان‬
‫لكم في القرآن زاجر عن معاصي الّله تعالى؟ فإذا وقف بهممم علممى شممفير‬
‫جهنم ونظروا إلى النار وإلى الزبانية قالوا يمما مالممك ائذن لنمما فنبكممي علممى‬
‫أنفسنا‪ ،‬فيأذن لهم فيبكون الدموع حتى لم يبق لهم دممموع‪ ،‬فيبكممون الممدم‪،‬‬
‫فيقول مالك ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا‪ ،‬فلو كان هذا البكاء في‬
‫الدنيا من خشية الّله ما مستكم النار اليوم‪ ،‬فيقول مالك للزبانيممة‪ :‬ألقمموهم‬
‫ألقوهم في النار‪ ،‬فإذا ألقوا في النار نادوا بممأجمعهم ل إلممه إل الل ّممه فممترجع‬
‫النار عنهم‪ ،‬فيقول مالك يا نار خذيهم‪ ،‬فتقول كيف آخذهم وهممم يقولممون ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬فيقول مالك للنار خذيهم‪ ،‬فتقول كيف آخممذهم وهممم يقولممون ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬فيقول مالك‪ :‬نعم بذلك أمر رب العرش فتأخذهم‪ ،‬فمنهممم مممن‬
‫تأخذه إلى قدميه‪ ،‬ومنهم من تأخممذه إلممى ركبممتيه‪ ،‬ومنهممم مممن تأخممذه إلممى‬
‫حقويه‪ ،‬ومنهم من تأخذه إلى حلقه‪ ،‬فإذا هوت النار إلى وجهه قممال مالممك‪:‬‬
‫ل تحرقي‬
‫]ص ‪[34‬‬
‫وجموههم فطالمما سمجدوا للرحمممن فمي المدنيا ول تحمرق قلموبهم فطالمما‬
‫عطشوا في شهر رمضان فيبقمون مما شماء الل ّممه فيهمما‪ ،‬ويقولمون يما أرحمم‬
‫الراحمين يا حنان يا منان فإذا أنفذ الّله تعالى حكمه قال‪ :‬يا جبريل ما فعل‬

‫العاصون من أمة محمد صلى الّله عليممه وسمملم‪ ،‬فيقممول اللهممم أنممت أعلممم‬
‫بهم‪ ،‬فيقول انطلق فانظر ما حالهم فينطلق جبريل عليممه الصمملة والسمملم‬
‫إلى مالك وهو على منبر من نار فممي وسممط جهنممم‪ ،‬فممإذا نظممر مالممك إلممى‬
‫جبريل عليه الصلة والسلم قام تعظيما ً له فيقول‪ :‬يا جبريل ما أدخلك هذا‬
‫الموضع؟ فيقول ما فعلت بالعصابة العاصية من أمة محمد؟ فيقول مالممك‪:‬‬
‫ما أسمموأ حممالهم وأضمميق مكممانهم قممد أحرقممت أجسممامهم وأكلممت لحممومهم‬
‫وبقيت وجوههم وقلوبهم يتلل فيهمما اليمممان فيقممول جبريممل‪ :‬ارفممع الطبممق‬
‫عنهم حتى أنظر إليهم قال‪ :‬فيأمر مالممك الخزنممة فيرفعممون الطبممق عنهممم‪،‬‬
‫فإذا نظروا إلممى جبريممل وإلممى حسممن خلقممه علممموا أنممه ليممس مممن ملئكممة‬
‫العذاب‪ ،‬فيقولون من هذا العبد الذي لم نر أحدا ً قط أحسممن منممه؟ فيقممول‬
‫مالك‪ :‬هذا جبريل الكريم على ربه الذي كان يأتي محمدا ً صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم بالوحي‪ ،‬فممإذا سمممعوا ذكممر محمممد صمملى الل ّممه عليممه وسمملم صمماحوا‬
‫بأجمعهم وقالوا‪ :‬يا جبريل أقرئ محمدا ً صلى الّله عليه وسمملم منمما السمملم‬
‫وأخبره أن معاصينا فرقت بيننا وبينك وأخبره بسوء حالنمما فينطلممق جبريممل‬
‫حتى يقوم بين يدي الّله تعالى فيقول الّله تعالى كيممف رأيممت أمممة محمممد؟‬
‫فيقول يا رب ما أسوأ حالهم وأضميق مكمانهم‪ ،‬فيقمول همل سمألوك شميئًا؟‬
‫فيقول يا رب نعممم سممألوني أن أقممرئ نممبيهم منهممم السمملم وأخممبره بسمموء‬
‫حالهم‪ ،‬فيقول الّله تعالى‪ :‬انطلق وأخبره‪ ،‬فينطلق جبريل إلى النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم وهو في خيمة من درة بيضاء لها أربعة آلف باب لكل باب‬
‫مصراعان من ذهب‪ ،‬فيقول يا محمد قد جئتممك مممن عنممد العصممابة العصمماة‬
‫الذين يعذبون من أمتك في النار وهم يقرءونك السلم ويقولون‪ :‬ممما أسمموأ‬
‫حالنا وأضيق مكاننا فيأتي النبي صلى الّله عليه وسمملم إلممى تحممت العممرش‬
‫فيخر ساجدا ً ويثني على الّله تعالى ثناء لم يثن عليه أحد مثله‪ ،‬فيقول الّلممه‬
‫تعالى‪ :‬ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع‪ ،‬فيقممول يمما رب الشممقياء مممن‬
‫أمتي قد أنفذت فيهم حكمك وانتقمت منهم فشممفعني فيهممم‪ ،‬فيقممول الل ّممه‬
‫تعالى قد شفعتك فيهم فممائت النممار فممأخرج منهمما مممن قممال ل إلممه إل اللممه‪،‬‬
‫فينطلق النبي صلى الّله عليه وسلم فإذا نظر مالك النبي صلى الّلممه عليممه‬
‫وسلم قام تعظيما ً له فيقول‪ :‬يا مالك ما حمال أممتي الشمقياء؟ فيقمول مما‬
‫أسوأ حالهم وأضيق مكانهم‪ ،‬فيقممول محمممد صمملى الل ّممه عليممه وسمملم افتممح‬
‫الباب وارفع الطبق فإذا نظر أهل النار إلى محمد صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫صاحوا بأجمعهم فيقولون يا محمد أحرقت النممار جلودنمما وأحرقممت أكبادنمما‪،‬‬
‫فيخرجهم جميعا ً وقد صاروا فحما ً قد أكلتهم النممار‪ ،‬فينطلممق بهممم إلممى نهممر‬
‫بباب الجنة يسمى نهر الحيوان فيغتسلون منه فيخرجون منممه شممبابا ً جممردا‬
‫مردا مكحلين وكأن وجوههم مثل القمر مكتوب علممى جبمماههم الجهنميممون‬
‫عتقاء الرحمن من النار فيدخلون الجنة‪ ،‬فإذا‬
‫]ص ‪[35‬‬
‫رأى أهل النار أن المسلمين قد أخرجوا منهما قمالوا‪ :‬يما ليتنما كنما مسملمين‬
‫فمُروا َلموْ َ‬
‫كماُنوا‬
‫ن كَ َ‬
‫مما َيموَد ّ اّلم ِ‬
‫وكنا نخرج من النار وهمو قموله تعمالى‪ُ} :‬رب َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن{‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫مي َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قممال "يممؤتى بممالموت كممأنه‬
‫كبممش أملممح فيقممال يمما أهممل الجنممة هممل تعرفممون الممموت؟ فينظممرون إليممه‬
‫ويعرفونه‪ ،‬ويقال يا أهل النممار هممل تعرفممون الممموت؟ فينظرونممه فيعرفممونه‬
‫فيذبح بين الجنة والنار‪ ،‬ثم يقال يا أهل الجنة خلممود بل ممموت يمما أهممل النممار‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م مُر{‬
‫س مَرةِ إ ِذ ْ قُ ِ‬
‫م ال َ‬
‫م ي َموْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ي ال ْ‬
‫خلود بل موت‪ ،‬وذلك قوله تعالى}وَأنذ ِْرهُ ْ‬
‫ضم َ‬
‫وقال أبو هريرة رضي الّله عنه‪ :‬ل يغبطممن فمماجر بنعمممة فممإن وراءه طالب ما ً‬
‫حثيثا ً وهي جهنم كلما خبت زدناهم سعيرًا‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬

‫باب صفة الجنة وأهلها‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل قال‪ :‬حممدثنا محمممد بمن جعفممر قممال‪ :‬حمدثنا‬
‫إبراهيم بن يوسف قال‪ :‬حدثنا محمد بن يحيى بممن الفضممل عممن حمممزة بممن‬
‫الزياد الكوفي عن زياد للطائي عن أبي هريرة رضي الّله تعممالى عنممه قممال‬
‫"قلنا يا رسول الّله مما خلقت الجنة؟ قال من الماء قلنمما أخبرنمما عممن بنمماء‬
‫الجنة؟ قال لبنة من ذهممب ولبنممة مممن فضممة وملطهمما‪ :‬أي طينهمما‪ ،‬المسممك‬
‫الذفر وترابها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت‪ ،‬وممن يمدخلها ينعمم ول‬
‫ييأس ويخلد ول يموت ول تبلى ثيابه ول يفنى شبابه‪ ،‬ثممم قممال النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم ثلث ل ترد دعوتهم‪ :‬المام العادل‪ ،‬والصممائم حيممن يفطممر‪،‬‬
‫ودعوة المظلوم‪ ،‬فإنها ترفع فوق الغمام فينظر الممرب ج م ّ‬
‫ل جللممه فيقممول‪:‬‬
‫وعزتي وجللي لنصرنك ولو بعد حين"‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل قال‪ :‬حممدثنا محمممد بمن جعفممر قممال‪ :‬حمدثنا‬
‫إبراهيم بن يوسف قال‪ :‬حدثنا اسمعيل بن جعفر عن محمد بن عمممرو عممن‬
‫أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّلممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مممائة عممام ول‬
‫يقطعها‪ ،‬اقرءوا إن شئتم }وَظ ِ ّ‬
‫دوٍد{ وفممي الجنممة ممما ل عيممن رأت ول‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ممما‬
‫م نَ ْ‬
‫س َ‬
‫أذن سمعت ول خطر على قلب بشر اقرءوا إن شئتم }َفل ت َعْل َ ُ‬
‫فمم ٌ‬
‫َ‬
‫ن{ الية‪ .‬ولموضع سوط في الجنة خي مُر مممن الممدنيا‬
‫أُ ْ‬
‫م ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن قُّرةِ أع ْي ُ‬
‫ي ل َهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ٍ‬
‫خ َ‬
‫قممد ْ َفمماَز{‪.‬‬
‫ة فَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن الّنارِ وَأ ُد ْ ِ‬
‫ل ال َ‬
‫حزِ َ‬
‫ن ُز ْ‬
‫وما فيها‪ ،‬اقرءوا إن شئتم }فَ َ‬
‫ح عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫وعن ابن عباس رضي الّله عنهما أنه قال‪" :‬إن في الجنة حمموراء يقممال لهمما‬
‫لعبة خلقت من أربعة أشممياء‪ :‬مممن المسممك والعنممبر والكممافور والزعفممران‪،‬‬
‫وعجن طينها بماء الحيوان‪ ،‬فقال لها العزيممز كمموني فكممانت‪ ،‬وجميممع الحممور‬
‫عشاق لها‪ ،‬ولو بزقممت فممي البحممر بزقممة لعممذب ممماء البحممر‪ ،‬مكتمموب علممى‬
‫نحرها‪ :‬من أحب أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي"‪.‬‬
‫وقال مجاهد‪ :‬أرض الجنة من فضممة وترابهمما مسممك وأصممول شممجرها فضممة‬
‫وأغصانها لؤلؤ وزبرجد والورق‬
‫]ص ‪[36‬‬
‫والثمر تحت ذلك‪ ،‬فمن أكل قائما ً لم يؤذه ومن أكل جالسا ً لم يممؤذه‪ ،‬ومممن‬
‫ت قُ ُ‬
‫طوفَُها ت َذ ِْلي ً‬
‫ل{ يعني قربت ثمرتهمما‬
‫أكل مضطجعا ً لم يؤذه ثم قرأ }وَذ ُل ّل َ ْ‬
‫حتى ينالها القائم والقاعد‪ .‬وعن أبي هريممرة رضممي الل ّممه عنممه قممال‪ :‬والممذي‬
‫أنزل الكتاب على محمد صلى الل ّممه عليممه وسمملم إن أهممل الجنممة ليممزدادون‬
‫جمال ً وحسنا ً كما يزدادون في الدنيا هرمًا‪) ،‬قال حدثنا" إبراهيممم بممن أحمممد‬
‫قال‪ :‬حدثنا الحسن بن نصر قال‪ :‬حدثنا أسد بن موسممى قممال‪ :‬حممدثنا حممماد‬
‫بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبممي ليلممى عممن صممهيب أن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬إذا دخل أهل الجنممة الجنممة‪ ،‬وأهممل‬
‫النممار النممار نممادى منمماد يمما أهممل الجنممة إن لكممم عنممد الل ّممه موعممدا ً يريممد أن‬
‫ينجزكموه‪ ،‬فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا وأدخلنا الجنة‬
‫وأخرجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليممه فممو الممذي نفسممي‬
‫بيده ما أعطاهم شيئا ً هو أحب إليهم من النظر إليه"‪.‬‬
‫وروى أنس بن مالك رضي الّله عنه قال "جاء جبريل إلممى النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء فقال النبي صلى الّلممه عليممه‬
‫وسلم يا جبريل ما هذه المممرآة البيضمماء؟ قممال هممذه الجمعممة وهممذه النكتممة‬
‫السوداء الساعة التي تقوم في الجمعة قد فضلت أنممت بهمما وقومممك علممى‬
‫من كان قبلك‪ ،‬فالناس لكم فيها تبع‪ :‬يعني اليهود والنصارى‪ ،‬وفيها ساعة ل‬
‫يوافقها مؤمن يسأل الّله تعالى من خير إل اسممتجاب الل ّممه لممه ول يسممتعيذه‬
‫من شر إل أعاذه منه‪ .‬قال‪ :‬وهي عندنا يوم المزيد‪ .‬قال رسول الل ّممه صمملى‬
‫الّله عليه وسلم‪ ،‬وما يوم المزيد؟ قال إن ربك اتخممذ وادي ما ً فممي الفممردوس‬
‫فيه كثيب من مسك فمإذا كمان يموم الجمعمة حفمت بمنمابر ممن نمور عليهما‬

‫النبيون‪ ،‬وحفت بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الصديقون‬
‫والشهداء والصالحون‪ ،‬وينزل أهل الغرف فيجلسون من ورائهم علمى ذلمك‬
‫الكثيب‪ ،‬فيجتمعون إلى ربهم فيحمممدونه ويثنممون عليممه فيقممول الل ّممه تعممالى‬
‫لهم‪ :‬سمملوني؟ فيقولممون نسممألك الرضمما‪ ،‬فيقممول قممد رضمميت عنكممم رضمماًء‬
‫أحلكم داري وأنيلكم كرامتي‪ ،‬فيتجلى لهممم حممتى يرونممه فليممس يمموم أحممب‬
‫إليهم من يوم الجمعة لما يزيدهم من الكرامة"‬
‫وروى في خبر آخر‪" :‬إن الّلمه تعمالى يقمول لملئكتمه‪ :‬أطعمموا أوليمائي‪،‬‬
‫فيؤتى بألوان الطعمة فيجدون لكل لقمة لذة غير ما يجدون للخرى‪ ،‬فممإذا‬
‫فرغوا من الطعام يقول الل ّممه تعممالى لهممم‪ :‬أسممقوا عبممادي‪ ،‬فيممؤتى بأشممربة‬
‫فيجدون لكل نفس لذة بخلف الخرى‪ ،‬فإذا فرغوا يقول الل ّممه تعممالى لهممم‪:‬‬
‫أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسألوني أعطكم؟ قالوا‪ :‬ربنا نسألك رضمموانك‬
‫مرتين أو ثلثمًا‪ ،‬فيقممول‪ :‬قممد رضمميت عنكممم ولممدي المزيممد‪ ،‬اليمموم أكرمكممم‬
‫بكرامة أعظم من ذلك كله فيكشف الحجاب فينظرون إليه ممما شمماء اللممه‪،‬‬
‫فيخرون له سجدا ً فكانوا في السجود ما شاء اللممه‪ ،‬ثممم يقممول لهممم ارفعمموا‬
‫رؤوسكم ليس هذا موضع عبادة‪،‬‬
‫]ص ‪[37‬‬
‫فينسون كل نعمة كانوا فيها‪ ،‬ويكون النظر أحب إليهم من جميع النعم‪ ،‬ثممم‬
‫يرجعون فتهيج ريح من تحت العرش على تل من مسك أبيممض فينممثر ذلممك‬
‫على رؤوسهم ونواصي خيولهم‪ ،‬فإذا رجعوا إلممى أهليهممم يرونهممم أزواجهممم‬
‫في الحسن والبهاء أفضممل مممما تركمموهن فيقممول لهممم أزواجهممم‪ :‬إنكممم قممد‬
‫رجعتم على أحسن ما كنتم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬معنى يرفع الحجاب‪ ،‬يعني الحجاب الذي‬
‫عليهم وهو الستر الذي يحجبهم من النظر إليممه‪ ،‬وأممما قمموله ينظممرون إليممه‬
‫فقال بعضهم ينظرون إلى كرامة لم يروها قبل ذلك وقال أكثر أهممل العلممم‬
‫هو على ظمماهره يرونممه بغيممر كيممف ول تشممبيه كممما يعرفممونه فممي الممدنيا بل‬
‫تشبيه‪.‬‬
‫وقال عكرمة‪ :‬أهل الجنة كأمثال أولد ثلث وثلثين سنة رجالهم ونسائهم‪،‬‬
‫والقامة ستون ذراعا ً على قامة أبيهم آدم عليه الصلة والسلم شباب جرد‬
‫مرد مكحولون‪ ،‬عليهم سبعون حلة تتلون كل حلة فممي كممل سمماعة سممبعين‬
‫لونا ً فيرى وجهه فممي وجههمما‪ :‬يعنممي فممي وجممه زوجتممه‪ ،‬وفممي صممدرها وفممي‬
‫سمماقها وتممرى هممي وجههمما فممي وجهممه وصممدره وسمماقه‪ ،‬ول يممبزقون ول‬
‫يتمخطون وما كان فوق ذلك من الذى فهو أبعد‪.‬‬
‫وروي في الخبر "أنه لو اطلعت امرأة من أهل الجنة كفها مممن السممماء‬
‫لضاءت ما بين السماء والرض" قال‪ :‬حدثنا الحكيمم أبمو الفضمل الحمدادي‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال‪ :‬حدثنا محمد بن نافع النيسابوري‬
‫قال‪ :‬حدثنا مصعب بن كمرام قممال‪ :‬حمدثنا داود الطمائي عممن العممش عمن‬
‫ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قممال‪" :‬جمماء رجممل مممن أهممل الكتمماب إلممى‬
‫النبي صلى الّله عليممه وسمملم فقممال يمما أبمما القاسممم أتزعممم أن أهممل الجنممة‬
‫يأكلون ويشربون؟ فقال نعم والذي نفسممي بيممده إن أحممدهم ليعطممى قمموة‬
‫مائة رجل في الكممل والشممرب والجممماع" قممال فممإن الممذي يأكممل ويشممرب‬
‫ويكون له حاجة والجنة طيبة ليس فيها أذى قال‪ :‬حاجممة أحممدهم عممرق هممو‬
‫كريح المسك" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عممن أبممي معاويممة عممن‬
‫العمش عن أبممي الشممرس عممن معتممب بمن سمممى فممي قممول الل ّممه تعممالى‬
‫} ُ‬
‫ب{ قال‪ :‬طوبى شجرة في الجنة ليممس فممي الجنممة‬
‫م وَ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ن َ‬
‫طوَبى ل َهُ ْ‬
‫مآ ٍ‬
‫س ُ‬
‫دارا ً ل يظلها غصن من أغصانها فيه ألوان الثمار‪ ،‬ويقع عليهمما طيممر كأمثممال‬
‫البخت فإذا اشتهى أحدهم طيرا ً دعمماه فوقممع علممى خمموانه وأكممل مممن أحممد‬
‫جانبيه قديدا ً ومن الخر شواء ثم يعود طيرا ً فيذهب‪.‬‬

‫وروى عن العمش عن أبي صالح عن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه عنممه أن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬أول زمرة تدخل الجنة مممن أمممتي علممى‬
‫صورة القمر ليلة البدر‪ ،‬ثم الذين يلونهم على صورة أشد نجم في السممماء‬
‫إضاءة‪ ،‬ثم هم بعد ذلك على منازل ل يبولون ول يتغوطون‬
‫]ص ‪[38‬‬
‫ول يبزقون ول يتمخطون‪ ،‬أمشاطهم الذهب ومحممامرهم اللمموة‪ :‬أي العمود‪.‬‬
‫ورشحهم المسك وأخلقهم على خلق رجممل واحممد‪ ،‬علممى طممول أبيهممم آدم‬
‫عليه الصلة والسلم ستون ذراعًا" وعن ابن عباس رضي الّله عنهما قممال‪:‬‬
‫قال رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم‪" :‬إن أهممل الجنممة شممبان جممرد مممرد‬
‫ليس لهم شعر إل في الرأس والحاجبين وأهداب العينيممن يعنممي ليممس لهممم‬
‫شعر عانة ول شعر إبط‪ ،‬طول آدم ستون ذراع مًا‪ ،‬علممى مولممد عيسممى ابممن‬
‫مريم ثلثة وثلثين سنة‪ ،‬بيض اللوان خضر الثياب يضع أحممدهم مممائدة بيممن‬
‫يديه فيقبل طائر فيقول يا ولي الّله أما إني قد شربت من عين السلسبيل‬
‫ورعيت من رياض الجنممة تحممت العممرش وأكلممت مممن ثمممار كممذا طعممم أحممد‬
‫الجانبين مطبوخ وطعم الجانب الخر مشوي‪ ،‬فيأكممل منهمما ممما شمماء وعلممى‬
‫الولي سبعون حلة ليس فيها حلة إل على لون آخممر‪ ،‬فممي أصممابعهم عشممرة‬
‫خُلوهَمما‬
‫م{ وفممي الثمماني }اد ْ ُ‬
‫سل ٌ‬
‫خواتيم كتب على الول } َ‬
‫صب َْرت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ُ‬
‫ما ُ‬
‫ن{ وفممي‬
‫مو َ‬
‫جن ّ ُ‬
‫سلم ٍ آ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫م ال َ‬
‫بِ َ‬
‫م ت َعْ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ها ب ِ َ‬
‫ة أورِث ْت ُ ُ‬
‫ن{ وفي الثالث }ت ِل ْك ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫الرابع‪ :‬رفعت عنكم الحممزان والهممموم‪ .‬وفممي الخممامس‪ :‬ألبسممناكم الحلممي‬
‫ممما‬
‫والحلل‪ .‬وفي السادس‪ :‬زوجنمماكم الحممور العيممن‪ .‬وفممي السممابع }وَِفيهَمما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شت َهيهِ ا َ‬
‫ن{ وفممي الثممامن‪ :‬وافقتممم‬
‫لن ُ‬
‫م ِفيهَمما َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِم ُ‬
‫ن وَأن ْت ُم ْ‬
‫ف ُ‬
‫س وَت َل َمذ ّ الع ْي ُم ُ‬
‫تَ ْ ِ‬
‫النبيين والصديقين‪ .‬وفي التاسع‪ :‬صممرتم شممبابا ً ل تهرمممون‪ .‬وفممي العاشممر‪:‬‬
‫سكنتم في جوار من ل يؤذي الجيران"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬من أراد أن ينال هذه الكرامات فعليه أن‬
‫يداوم على خمسة أشياء‪ :‬أولها أن يمنع نفسه من جميع المعاصي قال الّله‬
‫مأ َْوى{ الية والثاني‪ :‬أن‬
‫تعالى‪} :‬وَن ََهى الن ّ ْ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ال َ‬
‫وى‪ ،‬فَإ ِ ّ‬
‫ي ال َ‬
‫ف َ‬
‫ة هِ َ‬
‫ن الهَ َ‬
‫س عَ ْ‬
‫يرضى باليسير من الدنيا لنه روي في الخبر "أن ثمممن الجنممة تممرك الممدنيا"‬
‫والثالث‪ ،‬أن يكون حريصا ً علممى الطاعممات فيتعلممق بكممل طاعممة فلعممل تلممك‬
‫الطاعة تكون سببا ً للمغفرة ووجوب الجنة قال الل ّممه تعممالى‪} :‬وَت ِل ْم َ‬
‫ة‬
‫جن ّم ُ‬
‫ك ال َ‬
‫ُ‬
‫ممما ُ‬
‫ممما ك َمماُنوا‬
‫ن{ وفممي آيممة أخممرى } َ‬
‫مل ُممو َ‬
‫ج مَزاًء ب ِ َ‬
‫م ت َعْ َ‬
‫كنت ُم ْ‬
‫موهَمما ب ِ َ‬
‫ال ّت ِممي أورِث ْت ُ ُ‬
‫ن{ وإنما ينالون ما ينالون بالجتهاد في الطاعات‪ .‬والرابممع‪ :‬أن يحممب‬
‫مُلو َ‬
‫ي َعْ َ‬
‫الصالحين وأهل الخير ويخالطهم ويجالسهم فممإن واحممدا ً منهممم إذا غفممر لممه‬
‫يشفع لصحابه وإخوانه كما روي عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‪:‬‬
‫"أكثر الخوان فإن لكل أخ شفعة يوم القيامة" والخامس‪ :‬أن يكممثر الممدعاء‬
‫ويسأل الّله تعالى أن يرزقه الجنة وأن يجعل خاتمته إلى خير‪.‬‬
‫وقال بعض الحكماء‪ :‬الركون إلى الدنيا مع ما يعاين مممن الثممواب جهممل‪،‬‬
‫وإن ترك الجهد في العمال بعدما عرف ثوابه عجز‪ ،‬وإن فممي الجنممة راحممة‬
‫ما يجدها إل من لم يكن له في الدنيا راحة‪ ،‬وفيها غنى ل يجده إل من تممرك‬
‫فضول الدنيا وأقتصر على اليسير من الدنيا‪.‬‬
‫]ص ‪[39‬‬
‫وذكر عن بعض الزهاد أنه كان يأكل بقل ً وملحا ً من غير خممبز‪ ،‬فقممال لممه‬
‫رجل قد اقتصرت على هذا فقال إني إنما جعلت الدنيا للجنة وأنممت جعلممت‬
‫الدنيا للمزبلة‪ :‬يعني تأكل الطيبات فتصير إلى المزبلة‪ ،‬وإنممي لكممل لقامممة‬
‫الطاعة لعلي أصير إلى الجنة‪ .‬وذكر عن إبراهيم بن أدهم رحمه الّله تعالى‬
‫أنه أراد أن يدخل الحمام فمنعه صاحب الحمام وقال‪ :‬ل تدخل إل بممالجرة‪،‬‬
‫فبكى إبراهيم وقال‪ :‬اللهممم ل يممؤذن لممي أن أدخممل بيممت الشممياطين مجان ما ً‬
‫فكيف لي بالدخول بيت النبيين والصديقين مجانمًا‪ .‬وذكمر أن فمي بعمض مما‬

‫أنزل الّله تعممالى علممى بعممض أنبيمماءه عليهممم الصمملة والسمملم‪ :‬يمما ابممن آدم‬
‫ل ول تشممتري الجنمة بثممن رخيممص‪ ،‬وتفسمير ذلمك أن‬
‫تشتري النار بثمن غا ٍ‬
‫فاسقا ً لو أراد أن يتخذ ضيافة للفساق فربما ينفق فيهمما المممائة أو المممائتين‬
‫ل‪ ،‬ولو أنه اتخذ ضيافة لجل الّله‬
‫ويخف عليه ذلك فهو يشتري النار بثمن غا ٍ‬
‫تعالى بدرهم أو درهمين فيممدعوا إليهمما بعممض المحتمماجين لثقممل عليممه ذلممك‬
‫فيكون ذلك ثمن الجنة‪.‬‬
‫وروي عن أبي حازم أنه قال‪ :‬لو كممانت الجنممة ل يمدخل فيهمما أحممد إل بممترك‬
‫جميع ما يحب من الدنيا لكان يسيرا في جانبها ولو كانت النار ل ينجوا منها‬
‫إل بتحمل جميع ما يكره لكان يسيرا في جانبها‪ ،‬فكيممف وقممد تممدخل الجنممة‬
‫بترك جزء من ألف جزء مما تحب وقد تنجو من النار بتحمل جزء من ألممف‬
‫مما تكره‪ .‬قال يحيى بن معاذ الرازي‪ :‬ترك الدنيا شديد وتممرك الجنممة أشممد‬
‫منه وإن مهر الجنة ترك الدنيا‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه‬
‫قال "من يسأل الل ّممه تعممالى الجنممة ثلث مممرات قممالت الجنممة اللهممم أدخلممه‬
‫الجنة‪ ،‬ومن استجار من النار ثلث مرات قالت النار اللهم أجره من النممار"‬
‫فنسأل الّله تعالى أن يجيرنا من النار وأن يدخلنا الجنة‪ ،‬ولممو لممم يكممن فممي‬
‫الجنة سوى لقاء الخوان واجتماعهم لكان هنيئا ً طيبا ً فكيف وفيهمما ممما فيهمما‬
‫من فنون الكرامات‪.‬‬
‫وروي عن أنس بن مالك رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫أنه قال‪" :‬إن في الجنة أسواقا ً ل شراء فيهمما ول بيممع يجتمعممون فيهمما حلق ما ً‬
‫حلقا ً يتذاكرون كيف كممانت الممدنيا وكيممف كممانت عبممادة الممرب‪ ،‬وكيممف كممان‬
‫فقراء أهل الدنيا وأغنياؤها‪ ،‬وكيف كان الموت وكيف صرنا بعد طول البلممى‬
‫إلى الجنة" قال‪ :‬أخبرنا الثقة بإسناده عن أسباط عن السدي عن أبي مممرة‬
‫عن ابممن مسممعود رضممي الل ّممه عنممه أنممه قممال‪ :‬يممرد النمماس جميعما ً الصممراط‬
‫وورودهم قيامهم حول النار ثم يمرون على الصراط بأعمالهم‪ ،‬فمنهم مممن‬
‫يمر مثل البرق ومنهم من يمممر مثممل الريممح ومنهممم مممن يمممر مثممل الطيممر‪،‬‬
‫ومنهم من يمر كأجود الخيل‪ ،‬ومنهم من يمر كأجود البل‪ ،‬ومنهم مممن يمممر‬
‫كعدو الرجل‪ ،‬حتى إذا أخرهم رجل يمر على موضع إبهامي قدميه ثم يتكفأ‬
‫]ص ‪[40‬‬
‫به الصراط‪ ،‬والصراط دحض منزلة حده كحد السيف‪ ،‬عليه حسك كحسممك‬
‫القتاد‪ ،‬على حافتيه ملئكة معهم كلليب من نار يختطفون بها النمماس فمممن‬
‫بين مار ناج ومن بين مخدوش ناج ومن بين مكدوش في النممار‪ ،‬والملئكممة‬
‫يقولون رب سلم سلم‪ ،‬فيمر رجل وهممو أخممر أهممل الجنممة دخممول ً فممإذا جمماز‬
‫الصراط رفع له باب من الجنة فل يرى له في الجنة مقعدا ً فإذا نظممر إليهمما‬
‫قال‪ :‬رب أنزلنممي ههنمما‪ ،‬فيقممول لممه‪ :‬فلعلممك إن أنزلتممك هنمما تسممألني غيممره‬
‫فيقول ل وعزتك فينزله‪ ،‬ثم يرفممع لممه فممي الجنممة منممازل فيتحمماقر إليممه ممما‬
‫أعطي مما يرى فيقول رب أنزلني هناك‪ ،‬فيقول فلعلك إن أنزلتممك هنمما أن‬
‫تسألني غيره‪ ،‬فيقول ل وعزتك‪ ،‬فينزله ثم يرفع له في الجنة حتى الرابعة‪،‬‬
‫فإذا كانت الرابعة رفع له فيتحاقر إليه كل شيء أعطى فيسكت فل يسممأل‬
‫شيئًا؛ فيقول له أل تسأل؟ فيقول سألت حتى استحييت‪ ،‬فيقول الّله تعالى‬
‫لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها" فهذا هو أوضع أهل الجنممة منممز ً‬
‫ل‪ .‬قممال عبممد‬
‫الّله بن مسعود‪ :‬كان النبي صلى الّله عليه وسلم ل يتحدث بذلك إل ضممحك‬
‫حتى بدت نواجذه‪ .‬وروي في الخبر "أن نساء أهمل المدنيا ممن جعمل منهمن‬
‫في الجنة يفضلون على الحور العين بأعمالهم في الدنيا" قممال الل ّممه تعممالى‬
‫}إنا َأن َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أ َب ْ َ‬
‫ن ِإن َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ب الي َ ِ‬
‫ِّ‬
‫ص َ‬
‫شاًء‪ ،‬فَ َ‬
‫حا ِ‬
‫كارًا‪ ،‬ع ُُربا ً أت َْرابًا‪ ،‬ل ْ‬
‫جعَل َْناهُ ّ‬
‫شأَناهُ ّ‬
‫مي ِ‬

‫باب ما يرجى من رحمة الّله تعالى‬
‫قال أخبرنا الخليل بن أحمد قال‪ :‬أنبأنا ابممن معمماذ الممماليني قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫الحسين المروزي قال‪ :‬حدثنا حجاج بن أبي منيه عن جده عن الزهري عن‬
‫سعيد بن المسيب عن أبا هريرة قال‪ :‬سمعت رسول الّله صلى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم يقول "جعل الّله الرحمة مممائة جممزء فأمسممك عنممده تسممعة وتسممعين‬
‫جزءا ً وأنزل إلى الرض جزءا ً واحممدا ً فيممه يممتراحم الخلممق حممتى إن الفممرس‬
‫لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" قال رحمممه اللممه‪ :‬حممدثنا الخليممل‬
‫حدثنا الدبيلى حدثنا عبممد الحميممد حممدثنا السممود عممن عمموف العرابممي عممن‬
‫الحسن قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم إن للممه تعممالى مممائة‬
‫رحمة أهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فوسممعتهم إلممى آجممالهم‪ ،‬وإن‬
‫الّله قابض تلك الرحمة يوم القيامة فيضمها إلى التسعة والتسعين فيكملها‬
‫مائة رحمة لوليائه وأهل طاعاته"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الل ّممه عنممه‪ :‬قممد بيممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫للمممؤمنين مممن الرحمممة ليحمممدوا الل ّممه علممى ممما أكرمهممم بممه مممن رحمتممه‬
‫ويشكروه ويعملوا عمل ً صالحا ً لن مممن يرجمموا رحمتممه فممإنه يعمممل ويجتهممد‬
‫ن‬
‫مم َ‬
‫ب ِ‬
‫ريم ٌ‬
‫ن َر ْ‬
‫لكممي ينممال مممن رحمتممه لن الل ّممه تعممالى قممال }إ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫مم ْ‬
‫ة الل ّممه قَ ِ‬
‫مل ً‬
‫مم ْ‬
‫جمموا ل ِ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫ن ك َمما َ‬
‫م ْ‬
‫ل عَ َ‬
‫قمماَء َرب ّمهِ فَل ْي َعْ َ‬
‫ن{ وقال الّله تعممالى }فَ َ‬
‫ال ُ‬
‫مم ْ‬
‫سِني َ‬
‫ت ك ُم ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء{ يعنممي لكممل‬
‫مِتي وَ ِ‬
‫صاِلحًا{ الية‪ ،‬وقال الّله تعالى }وََر ْ‬
‫سمعَ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫شم ْ‬
‫شيء نصيب من رحمتي‪.‬‬
‫]ص ‪[41‬‬
‫مِتي‬
‫عن ابن عباس رضي الّله عنهما أنه قال‪ :‬لما نزلت هذه الية }وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء{ تطاول إبليس عليه اللعنة وقال أنمما شمميء مممن الشممياء‬
‫وَ ِ‬
‫سعَ ْ‬
‫ش ْ‬
‫يكون لي نصيب من رحمته‪ ،‬وتطمماولت اليهممود والنصممارى فلممما نممزل قمموله‬
‫تعالى }فَ َ‬
‫ن الّزك َمماة َ { يعنممي سممأجعل رحمممتي‬
‫ن ي َت ّ ُ‬
‫سأك ْت ُب َُها ل ِل ّم ِ‬
‫ن وَي ُؤ ْت ُممو َ‬
‫قممو َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫م ِبآَيات َِنا‬
‫للذين يتقون الشرك ويؤتون الزكاة يعني يعطون الزكاة }َوال ّ ِ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن{ يعني يصدقون بآيات الّله فيئس إبليس من رحمته‪ ،‬وقالت اليهود‬
‫ي ُؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫والنصارى نحن نتقي الشممرك ونممؤتي الزكمماة ونممؤمن بآيمماته ثممم نممزل قمموله‬
‫ُ‬
‫سو َ‬
‫ي{ يعني الممذين يصممدقون بمحمممد‬
‫تعالى }ال ّ ِ‬
‫ن ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫صلى الّله عليه وسلم فيمأس اليهمود والنصممارى وبقيمت الرحمممة للممؤمنين‬
‫خاصة‪ ،‬فالواجب على كل مؤمن أن يحمد الّله تعالى على ما أكرمه به من‬
‫اليمان وجعل اسمه من جملة المؤمنين ويسأل ربه أن يتجاوز عممن ذنمموبه‪،‬‬
‫كما روى عن يحيى بن معاذ الرازي رحمة الّله تعالى عليه أنممه كممان يقممول‪:‬‬
‫إلهي قد أنزلت إلينا رحمة واحدة وأكرمتنا بتلك الرحمة وهي السلم‪ ،‬فممإذا‬
‫أنزلت علينا مائة رحمة فكيف ل نرجوا مغفرتك وذكر عنه أنممه قممال‪ :‬إلهممي‬
‫إن كان ثوابك للمطيعين ورحمتك للمذنبين فممإني وإن كنممت لسممت مطيع ما ً‬
‫لرجو ثوابك فأنا من المذنبين فأرجو رحمتممك‪ ،‬وذكممر عنممه أنممه قممال‪ :‬إلهممي‬
‫خلقت الجنة وجعلتها وليمة لوليائك وأيست الكفار منها‪ ،‬وخلقممت ملئكتممك‬
‫ن عنها‪ ،‬فإن لممم تعطنمما الجنممة فلمممن تكممون‬
‫غير محتاجين إليها وأنت مستغ ٍ‬
‫الجنة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا أبو بكر السراج حدثنا عبد اللهّ‬
‫بن الحكم حدثنا معاوية بن هاشم عن سممفيان عممن فممراس بممن يحيممى عممن‬
‫عطية عن أبي سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه وعن رسول الّله صمملى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬لقد دخل رجل الجنة ما عمل يرا ً قط قال لهلممه‬
‫حين حضره الممموت إذا أنمما مممت فممأحرقوني بالنممار ثممم اسممحقوني ثممم ذروا‬
‫نصفي في البحر ونصفي في البر‪ ،‬فلما مات فعلوا ذلممك فممأمر الل ّممه تعممالى‬
‫البر والبحر فجمعاه‪ ،‬فقال ما حملك على ما صنعت؟ قممال مخافتممك يمما رب‬
‫فغفر الّله له بذلك"‪.‬‬

‫)قال الفقيه( أبو الجعفر‪ :‬حدثنا إسحق بمن عبممد الرحممن القمماري حمدثنا‬
‫محمد بن شاذان حدثنا محمد بن مقاتل حمدثنا عبممد الل ّممه بممن المبممارك عممن‬
‫مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبد الّله عن عطاء عن رجممل مممن أصممحاب‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬اطلع علينا رسول الّله صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم ونحن نضحك فقال‪ :‬أتضحكون والناس من ورائكم والله لراكم‬
‫تضحكون ثم أدبر فكان على رؤوسنا الرخم‪ ،‬ثم رجع إلينا القهقممري وقممال‪:‬‬
‫جاء جبريل عليه الصملة والسمملم وقممال‪ :‬إن الل ّممه تعمالى يقمول‪ :‬لمم تقنمط‬
‫َ‬
‫ن عَ َ‬
‫و‬
‫عَباِدي أ َّني أ ََنا الغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫ئ ِ‬
‫عبادي من رحمتي }ن َب ّ ْ‬
‫م )‪ (49‬وَأ ّ‬
‫حي ُ‬
‫ذاِبي هُ َ‬
‫َ‬
‫العَ َ‬
‫م{‪.‬‬
‫ذا ُ‬
‫ب الِلي ُ‬
‫]ص ‪[42‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى حدثنا الفقيه أبو جعفر حدثنا أبممو القاسممم‬
‫أحمد بن حمزة حدثنا محمد بممن الفضممل حممدثنا أبممو عبممد الرحمممن المقممري‬
‫حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الفريقي عن عبد الّله بن يزيد بن عبممد‬
‫الّله بن عمر بن العاص رضي الّله عنهممم أن رسممول الّلمه صمملى الّلمه عليمه‬
‫وسلم قال‪" :‬إن الّله تعممالى ل يتعمماظمه ذنممب عبممده أن يغفممره كممان رجممل‬
‫فيمن كان قبلهم قتل تسعة وتسعين نفسا ً ثم أتى رهبانا ً فقممال إنممي قتلممت‬
‫تسعة وتسعين نفسا ً فهل تجد لي من توبة؟ فقال ل لقد أسرفت فقام إليه‬
‫فقتله ثم أتى راهبا ً آخر‪ ،‬فقال‪ :‬إني قتلت مائة نفس فهل تجد لي من توبممة‬
‫فقال لقد أسرفت وما أدري ولكن ههنا قريتممان إحممداهما يقممال لهمما بصممرى‬
‫والخرى يقال لها كفرة فأما أهل بصرى فهم يعملون بأعمال أهل الجنممة ل‬
‫يلبث فيها غيرهم‪ ،‬وأما أهل كفره فهم قمموم يعملممون بأعمممال أهممل النممار ل‬
‫يلبث فيها غيرهم فإن أنت أتيت بصممرى فعملممت بأعمممالهم فل تشممكن فممي‬
‫توبتممك‪ ،‬فممانطلق الرجممل يريممدها فلممما كممان بيممن القريممتين أدركممه الممموت‬
‫فاختصمت فيه ملئكة العذاب وملئكة الرحمة فسألت الملئكة ربهمما عنممه؟‬
‫فقيل لهم قيسوا ما بين القريتين فإلى أيتهما كممان أقممرب فهممو مممن أهلهمما‪،‬‬
‫فقاسوا بين القريتين فوجدوه أقممرب إلممى بصممرى بقممدر أنملممة فكتممب مممن‬
‫أهلها"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا محمد‬
‫بن الزهري عن يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن أبممي خالممد عممن عمممر عممن‬
‫عبد الرحمن عن عبد الّله بمن مسمعود رضمي الّلمه تعمالى عنمه قمال‪ :‬ثلثمة‬
‫أقسمت عليهن والرابعة لو أقسمت عليها لصدقت ل يتولى الّله أحممدا ً فممي‬
‫الدنيا فيوليه غيره يوم القيامممة‪ ،‬ول يجعممل ذا السممهم فممي السمملم كمممن ل‬
‫سهم له‪ ،‬ول يحب أحد قوما ً إل كان معهممم يمموم القيامممة والرابعممة ل يسممتر‬
‫الّله على عبد في الدنيا إل ستر الّله عليه في الخرة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى حدثنا محمد بن الفضل حممدثنا محمممد بممن‬
‫خزيمة بإسناده عن معاوية بن قرة قال‪ :‬قال ابن مسعود رضي الل ّممه عنممه‪:‬‬
‫أربع آيات في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا جميعا ً قوله عز وجل‬
‫َ‬
‫ش مرِ ْ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ك‬
‫ك ب ِهِ وَي َغْ ِ‬
‫ن الّله َل ي َغْ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫فُر أ ْ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫شمماُء وَ َ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫موا أن ُ‬
‫ِبالل ّهِ فَ َ‬
‫قد ْ افْت ََرى إ ِْثما ً ع َ ِ‬
‫ف َ‬
‫سهُ ْ‬
‫م إ ِذ ْ ظ َل َ ُ‬
‫ظيمًا{ وقوله عز وجل }وَل َوْ أن ّهُ ْ‬
‫جاُءو َ‬
‫سممو ُ‬
‫حيممًا{‬
‫ست َغْ َ‬
‫ست َغْ َ‬
‫وابما ً َر ِ‬
‫جم ُ‬
‫ل ل َوَ َ‬
‫َ‬
‫م الّر ُ‬
‫فُروا الّله َوا ْ‬
‫ك َفا ْ‬
‫فَر ل َهُ ْ‬
‫دوا الل ّممه ت َ ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه ن ُك ّ‬
‫ممما ت ُن ْهَموْ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫وقوله عز وجممل }إ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫سمي َّئات ِك ْ‬
‫فمْر ع َن ْكم ْ‬
‫ن ع َن ْم ُ‬
‫جت َن ِب ُمموا كب َممائ َِر َ‬
‫ل سمموءا ً أوَ‬
‫مد ْ َ‬
‫وَن ُد ْ ِ‬
‫مم ْ ُ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫ريمًا{ يعني الجنة‪ ،‬وقمموله تعممالى }وَ َ‬
‫م ُ‬
‫خل ْك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫مم ْ‬
‫خل ً ك َ ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حيما{‪.‬‬
‫جد ْ الله غ َ ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫فورا َر ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫فْر الله ي َ ِ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫س ُ‬
‫ي َظ ْل ِ ْ‬
‫وروي عن جابر بن عبد الّله النصاري رضي الّله عنهما عن النبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬شفاعتي لهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم‬
‫ينلها" قال جابر بن عبد الله‪ :‬من لم يكن من أهل‬
‫]ص ‪[43‬‬

‫الكبائر فماله وللشفاعة‪ :‬يعني ل يحتاج إلى الشفاعة وروى أنس بن مالممك‬
‫رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنمه قمال‪" :‬شمفاعتي‬
‫لهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها" وعن محمد بممن المنكممدر عممن‬
‫جابر بن عبد الّله النصاري رضي الّله عنهما قال‪ :‬خممرج علينمما رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم فقال‪" :‬خرج من عندي خليلمي جبريممل صملوات الّلمه‬
‫وسلمه عليه آنفا ً فقال يا محمد والذي بعثك بممالحق نبيما ً إن للممه عبممدا ً مممن‬
‫عباده عبد الّله تعالى خمسمائة سنة على رأس جبل عرضه وطوله ثلثممون‬
‫ذراعا ً في ثلثين ذراعا ً والبحر محيط به أربعة آلف فرسخ مممن كممل ناحيممة‪،‬‬
‫أجرى الّله له عينا ً عذبة بعرض الصبع بماء عذب يستنفع من أسفل الجبممل‬
‫وشجرة رمان كل يوم يخرج له منها رمانة‪ ،‬فإذا أمسممى نممزل فأصمماب مممن‬
‫الوضوء وأخذ تلك الرمانممة فأكلهمما ثممم قممام لصمملته فسممأل ربممه أن يقبضممه‬
‫ساجدا ً وأن ل يجعل للرض ول لشيء على جسده سممبيل ً حممتى يبعثممه وهممو‬
‫ساجد ففعل الّله ذلك له‪ .‬قال جبريممل عليممه الصمملة والسمملم‪ :‬فنحممن نمممر‬
‫عليه إذا هبطنا وعرجنمما وهممو علممى حمماله فممي السممجود‪ .‬قممال جبريممل عليممة‬
‫الصلة والسلم فنجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الّله‬
‫تعالى‪ ،‬فيقول الرب تبارك وتعالى‪ :‬أدخلوا عبدي الجنة برحمتي‪ ،‬فيقول بممل‬
‫بعملي‪ ،‬فيقول الّله تعممالى للملئكممة حاسممبوا عبممدي بنعمممتي عليممه وبعملممه‬
‫فيوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسممد‪،‬‬
‫فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النممار فينممادي يمما رب برحمتممك أدخلنممي‬
‫الجنة‪ ،‬فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول‪ :‬عبدي من خلقك ولم تك شيئا ً‬
‫فيقممول أنممت يمما رب فيقممول‪ :‬أكممان ذلممك بعملممك أو برحمممتي؟ فيقممول بممل‬
‫برحمتك فيقول من قواك على عبادتي خمسمائة سنة؟ فيقول أنت يا رب‪،‬‬
‫فيقول من أنزلك في جبل في وسط اللجة وأخرج الماء العذب من المالممح‬
‫وأخرج لك رمانة في كل ليلة‪ ،‬وإنما تخممرج فممي السممنة مممرة‪ ،‬وسممألتني أن‬
‫أقبض روحك ساجدا ً ففعلت ذلك بك من فعممل ذلممك؟ فيقممول أنممت يمما رب‪.‬‬
‫قال‪ :‬فكل ذلك برحمتي‪ ،‬وبرحمتي أدخلك الجنة‪ .‬قال جبريل عليممة الصمملة‬
‫والسلم‪ :‬إنما الشياء برحمة الله"‪.‬‬
‫وروي عن الحسن عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬ممما اجتمممع‬
‫الرجاء والخوف في قلب امرأ مسلم عند الموت إل أعطاه الل ّممه ممما يرجمموا‬
‫وصرف عنه ما يخاف" وروي عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي‬
‫الّله تعالى عنه أن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‪" :‬لممن ينجمموا أحممدكم‬
‫بعمله‪ .‬قالوا ول أنت يا رسول الله؟ قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغمدني الّله برحته‪،‬‬
‫فقاربوا وسددوا واغدوا وروحوا شيئا ً من الدلجة القصد تبلغوا" وروى أنممس‬
‫بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال‪:‬‬
‫"يسروا ول تعسروا وبشروا ول تنفروا" وقال ابن مسعود‪ :‬لن تزال الرحمة‬
‫بالناس يوم القيامة حتى أن إبليس يرفع رأسه مما يممرى مممن سممعة رحمممة‬
‫الّله وشفاعة الشافعين‪ .‬وعن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬ينممادي‬
‫مناد من تحت العرش يوم القيامة يا أمة محمد‬
‫]ص ‪[44‬‬
‫أما ما كان لي قبلكم فقد وهبتممه لكممم وبقيممت التبعممات فتواهبوهمما وادخلمموا‬
‫الجنة برحمتي" وكان فضيل بن عياض رحمة الّله عليممه يقممول‪ :‬الخمموف ممما‬
‫دام الرجل صحيحا ً فإذا مرض وعجز عن العمل فالرجمماء أفضممل‪ :‬يعنممى أن‬
‫الرجممل إذا كممان صممحيحا ً كممان الخمموف أفضممل حممتى يجتهممد فممي الطاعممات‬
‫ويجتنب المعاصي فإذا مرض وعجز عن العمل كان الرجاء له أفضل‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل بإسممناده عممن ابممن‬
‫أبي رواد عن أبيه قال‪ :‬أوحى الّله تعالى إلممى داود النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أن يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين‪ ،‬فقال كيف أبشر المذنبين‬
‫وأنذر الصديقين؟ قممال بشممر المممذنبين بممأني ل يتعمماظمني ذنممب أن أغفممره‬

‫وأنذر الصديقين أن ل يعجبوا بأعمالهم فإني ل أضع عممدلي وحسممابي علممى‬
‫أحد إل أهلكه" وروى ابن أبي رواد عن أبيه عممن بعممض أهممل الكتمماب قممال‪:‬‬
‫الّله تعالى يقول إني أنا الّله مالك الملك قلمموب الملمموك بيممدي فأيممما قمموم‬
‫رضيت عنهم جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة‪ ،‬وأيما قوم سخطت عليهم‬
‫جعلت قلوب الملوك عليهم نقمة‪ ،‬فل تشغلوا أنفسكم بلعن الملوك وتوبمموا‬
‫ي أرفقهم عليكم‪ .‬وروى العلء بن عبد الرحمن عن أبيه عممن أبممي هريممرة‬
‫إل ّ‬
‫رضي الّله تعالى عنه أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال" لو يعلم المؤمن‬
‫ما عند الّله من العقوبة ما طمع في جنته أحد‪ ،‬ولو يعلم الكافر ما عند الّله‬
‫من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" وقال أبممو يعلممى الحسممين ابممن محمممد‬
‫النيسابوري‪ :‬حدثنا بديل بمن محممد السممفرايني‪ .‬حمدثنا الحسممين بمن عممر‬
‫الكوفي‪ .‬حدثنا هرون بن محمد عن أحمد بن سممهل قمال‪ :‬رأيممت يحيمى بمن‬
‫أكثم في المنام فقلت لهو يا يحيى ما فعل بك ربك؟ قال دعاني فقممال لممي‬
‫يا شيخ السوء فعلت ما فعلت‪ ،‬فقلت يا رب ما بهذا حدثت عنك‪ .‬قال‪ :‬وبما‬
‫حدثت؟ قال‪ :‬قلت حدثني عبد الرزاق عن معمممر عممن الزهممري عممن عممروة‬
‫عن عائشة رضي الّله تعالى عنها عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم عممن‬
‫جبريل عليه الصلة والسلم أنك قلت "ما من مسلم يشيب في السلم إل‬
‫وأنا أريد أن أعذبه إل وإني استحي أن أعذبه" وأنا شيخ كممبير‪ .‬قممال‪ :‬صممدق‬
‫عبد الرزاق وصدق معمر وصدق الزهممري وصممدق عممروة وصممدقت عائشممة‬
‫وصدق النبي صلى الّله عليه وسلم وصممدق جبريممل عليممه الصمملة والسمملم‬
‫وصدقت أنا‪ ،‬يا يحيى إني ل أعذب من شاب في السمملم ثممم أمممرت بممذات‬
‫اليمين إلى الجنة وروى عن عمر رضي الّلمه تعممالى عنممه " أنممه دخممل علممى‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فوجده يبكي فقال ما يبكيممك يمما رسممول اللممه؟‬
‫قال جاءني جبريل عليه الصلة والسمملم وقممال إن الّلمه يسمتحي أن يعممذب‬
‫أحدا ً قد شاب في السلم‪ ،‬فكيممف ل يسممتحي مممن شمماب فممي السمملم أن‬
‫يعصي الّله تعالى"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬فممالواجب علممى الشمميخ أن يعممرف هممذه‬
‫الكرامة ويشكر الل ّممه ويسممتحي مممن الل ّممه عممز وجممل ويسممتحي مممن الكممرام‬
‫الكاتبين ويمتنع عن المعاصي ويكممون مقبل ً علممى طاعممة الل ّممه تعممالى‪ ،‬فممإن‬
‫الزرع إذا دنى حصاده ل ينتظر به‪ ،‬وكذلك الشاب يجب‬
‫]ص ‪[45‬‬
‫ّ‬
‫عليه أن يتقي الله ويتجنب المعاصي ويقبممل علممى الطاعممات فممإنه ل يممدري‬
‫متى يأتي أجله‪ ،‬فإن الشاب إذا كان مقبل ً على طاعة الّله تعالى أظله الل ّممه‬
‫يوم القيامة تحت عرشه كما جاء في الخبر‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبو الحسن القاسم‬
‫بن محمد بن برزوبة‪ ،‬حدثنا عيسى بن خشنام حممدثنا سممويد عممن مالممك بممن‬
‫حبيب عن عبد الرحمن بن حفص عن عاصممم عممن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪" :‬سبعة يظلهم الل ّممه‬
‫تعالى يوم القيامة في ظل عرشه يوم ل ظل إل ظله‪ :‬إمام عممادل‪ ،‬وشمماب‬
‫نشأ في عبادة الله‪ ،‬ورجل كان قلبممه معلق ما ً بالمسممجد إذا خممرج منممه حممتى‬
‫يعود إليه‪ ،‬ورجلن تحابا في الّله تعالى اجتمعا عليممه وافترقمما عليممه‪ ،‬ورجممل‬
‫ذكر الّله عز وجل خاليا ً ففاضت عيناه‪ ،‬ورجل تصدق بصدقة فأخفاهمما حممتى‬
‫ل تعلم شماله ما فعلت يمينة‪ ،‬ورجل دعته امرأة ذات حسممن وجمممال إلممى‬
‫نفسها فقال إني أخاف الّله عز وجل" والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫باب المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الله‪ :‬حدثنا أبممو القاسممم عبممد‬
‫الرحمن بن محمد حدثنا فارس بن مردويه‪ ،‬حدثنا محمد بن الفضممل‪ ،‬حممدثنا‬
‫علي بن عاصم تلميذ أبي حنيفة رضي الّله تعالى عنه عن يحيى بممن سممعيد‬
‫عن إسماعيل بن أبي حكيم قال‪ :‬قال عمر بن عبد العزيز رضي الّله تعالى‬

‫عنممه‪ :‬إن الل ّممه تعممالى ل يعممذب العامممة بعمممل الخاصممة ولكممن إذا أظهممرت‬
‫المعاصي فلم ينكر فقد استحق القوم جميعا ً العقوبة‪ ،‬وذكر أن الل ّممه تعممالى‬
‫أوحى إلى يوشع بن نممون عليممه الصمملة والسمملم "إنممي مهلممك مممن قومممك‬
‫أربعين ألفما ً مممن خيممارهم وسممتين ألفما ً مممن شممرارهم فقممال يمما رب هممؤلء‬
‫الشرار فما بال الخيار‪ ،‬قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وأكلوهم وشمماربوهم"‬
‫روى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لممم تنتهمموا عنممه"‬
‫وروى أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫أنه قال‪" :‬إن من الناس ناسا ً مفاتيح للخير مغمماليق للشممر وإن مممن النمماس‬
‫ناسا ً مفاتيح للشر مغاليق للخيممر‪ ،‬فطمموبى لمممن جعممل الل ّممه تعممالى مفاتيممح‬
‫الخير على يديه‪ ،‬وويل لمن جعل الّله تعالى مفاتيح الشر على يديه" يعنممي‬
‫الذي يأمر بالمعروف وينهى عمن المنكممر فهممو مفتمماح للخيممر ومغلق للشمر‬
‫م‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت ب َعْ ُ‬
‫من ُممو َ‬
‫ض مه ُ ْ‬
‫من َمما ُ‬
‫ن َوال ُ‬
‫وهو من المؤمنين كما قممال الل ّممه تعممالى }َوال ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر{ فأما الذي يأمر بالمنكر‬
‫ف وَي َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ن ِبال َ‬
‫ض ي َأ ُ‬
‫ن عَ ْ‬
‫منك َ ِ‬
‫أوْل َِياُء ب َعْ ٍ‬
‫وينهى عمن المعممروف فهمو ممن علممات المنممافقين كمما قمال الل ّممه تعممالى‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫مَنافِ َ‬
‫مَنافِ ُ‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫من ْك َرِ وَي َن َْهموْ َ‬
‫مُرو َ‬
‫ت ب َعْ ُ‬
‫قو َ‬
‫ن ِبمال ُ‬
‫ض َيمأ ُ‬
‫ضمهُ ْ‬
‫قا ُ‬
‫ن َوال ُ‬
‫}ال ُ‬
‫عم ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن ب َْعم ٍ‬
‫ف{ قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الّله وجهه‪ :‬أفضممل‬
‫معُْرو ِ‬
‫ال َ‬
‫العمال المر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسق‪ :‬يعنممي بغضممه‪،‬‬
‫فمن أمر بالمعروف‬
‫]ص ‪[46‬‬
‫فقد شد ّ ظهر المؤمن ومن نهى عن المنكر أرغم ألف منافق‪ ،‬وروى سعيد‬
‫عن قتادة قال‪ :‬ذكر لنا "أن رجل ً أتممى النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم وهممو‬
‫يومئذ بمكة فقال‪ :‬أنت الذي تزعم أنك رسول اللممه؟ قممال نعممم‪ :‬قممال فممأي‬
‫العمال أحب إلى الّله تعالى؟ قال اليمان بالله قممال ثممم ممماذا؟ قممال صمملة‬
‫الرحم‪ ،‬قال ثم ماذا؟ قال المر بالمعروف والنهممي عممن المنكممر قممال فممأي‬
‫العمال أبغض إلى الّله سبحانه وتعالى؟ قال الشرك بمالله قمال ثممم مماذا؟‬
‫قال‪ :‬قطيعة الرحم‪ ،‬قال ثم ماذا؟ قال ترك المممر بممالمعروف والنهممي عممن‬
‫المنكر" قال سفيان الثوري رحمه الله‪ :‬إذا رأيت القارئ محببا ً فممي جيرانممه‬
‫محمودا ً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن قال‪ :‬حدثنا محمممد بممن الفضممل قممال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن خزيمة قال‪ :‬حدثنا محمد بن الزهر بإسناده عممن عبممد الل ّممه‬
‫بن جرير عن أبيه قال‪ :‬قال رسول صلى الّله عليممه وسمملم‪" :‬ممما مممن قمموم‬
‫يكون فيهم رجل يعمل بالمعاصي ويقدرون أن يغيروه فل يغيرونه إل عمهم‬
‫الّله بعذاب قبل أن يموتوا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬قد اشترط النبي صلى الّله عليه وسمملم‬
‫القدرة يعني إذا كانت الغلبة لهل الصلح فالواجب عليهممم أن يمنعمموا أهممل‬
‫المعاصي من المعصممية إذا أظهممروا المعاصممي‪ ،‬لن الل ّممه تعممالى مممدح هممذه‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ف وَت َن ْهَ موْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫خرِ َ‬
‫ن ب ِممال َ‬
‫س ت َأ ُ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫المة بذلك قال }ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫ب لَ َ‬
‫هم ُ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ِ‬
‫منك َرِ وَت ُؤ ْ ِ‬
‫كما َ‬
‫مُنمو َ‬
‫من ُْهم ْ‬
‫خْيمرا ً ل َُهم ْ‬
‫ن ِبمالل ّهِ وََلموْ آ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ل الك َِتما ِ‬
‫مم َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫ن{ ويقممال معنمماه كنتممم مكتمموبين فممي اللمموح‬
‫سم ُ‬
‫م ال َ‬
‫فا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫قو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ن وَأك ْث َُرهُ م ْ‬
‫ال ُ‬
‫ّ‬
‫المحفمموظ خيممر أمممة أخرجممت للنمماس‪ :‬يعنممي أخرجكممم اللممه لجممل النمماس‪،‬‬
‫تأمرون بالمعروف‪ :‬يعني لكي تممأمروا بالطاعممة وتنهمموا عممن المنكممر‪ :‬يعنممي‬
‫تمنعون أهل المعاصي من المعصممية‪ ،‬فممالمعروف مما كممان موافقما ً للكتمماب‬
‫والعقل والمنكممر ممما كممان مخالفما ً للكتمماب والعقممل‪ ،‬وقممال فممي آيممة أخممرى‬
‫ْ‬
‫كم ُ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ن إ َِلمى ال َ‬
‫ة َيمد ْ ُ‬
‫مم ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ف وَي َن َْهموْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫عو َ‬
‫ن ِبمال َ‬
‫خي ْمرِ وَي َمأ ُ‬
‫مأ ّ‬
‫من ْ ُ ْ‬
‫عم ْ‬
‫}وَل ْت َك ُ ْ‬
‫من ْك َمرِ وَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن{ وهممذه اللم لم المممر يعنممي لتكممن منكممم‬
‫م ْ‬
‫حممو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ال ُ‬
‫ك هُ م ْ‬
‫ال ُ‬
‫جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكممر وقممد ذم الل ّممه تعممالى أقوامما ً‬
‫بترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال } َ‬
‫ر‬
‫كاُنوا َل ي َت ََناهَوْ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن عَ ْ‬
‫منك َم ٍ‬
‫ممما ك َمماُنوا‬
‫س َ‬
‫فَعَل ُممو ُ‬
‫ه{ يعنممي ل ينهممى بعضممهم بعضما ً عممن منكممر فعلمموه }ل َب ِئ ْ َ‬

‫حب َمماُر{ يعنممي هل‬
‫يَ ْ‬
‫ن َوال َ ْ‬
‫م الّرب ّممان ِّيو َ‬
‫فعَُلو َ‬
‫ن{ وقال في آية أخرى }ل َموَْل ي َن ْهَمماهُ ْ‬
‫ينهاهم علماؤهم وفقهائهم وقرائهم عن قولهم الثم وأكلهم السحت‪ :‬يعنممي‬
‫قممول الفحممش وأكممل الحممرام‪ ،‬لممبئس ممما كممانوا يصممنعون‪ ،‬وينبغممي للمممر‬
‫بممالمعروف أن يممأمر فممي السممر إن اسممتطاع ذلممك ليكممون أبلممغ منممه فممي‬
‫الموعظة والنصيحة‪.‬‬
‫ّ‬
‫قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه‪ :‬من وعظ أخاه فممي العلنيممة فقممد‬
‫شانه‪ ،‬ومن وعظ أخاه في السر فقد زانه‪ ،‬فممإن لممم تنفعممه الموعظممة فممي‬
‫السر يأمره في العلنية‪ ،‬ويستعين بأهل الصلح وأهل الخيممر ليزجممروه عممن‬
‫المعصية فممإنهم إن لممم يفعلمموا ذلممك غلممب عليهممم أهممل المعصممية‪ ،‬فيممأتيهم‬
‫العذاب فيهلكهم جميعا ً قال حدثنا الخليل بن أحمد‬
‫]ص ‪[47‬‬
‫الدبيلي‪ .‬حممدثنا عبممد اللممه‪ :‬حممدثنا سممفيان عممن مجاهممد عممن الشممعبي قممال‪:‬‬
‫سمعت النعمان بن بشير رضي الّله تعالى عنه يقول سمممعت رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم يقول‪" :‬مثل المداهن في حقوق الّله تعممالى والواقممع‬
‫فيها والقائم عليها كمثل ثلثة رجال كممانوا فممي سممفينة فاقتسممموا منممازلهم‬
‫وصار لحدهم أعلها ولحدهم أوسطها ولحدهم أسفلها فبينما هم كذلك إذ‬
‫أخذ أحدهم القدوم فقالوا له ما تريد؟ قال أخرق في مكاني خرق ما ً فيكممون‬
‫ي ويكون فيها مخلتي ومهراق دمائي‪ ،‬فقال بعضممهم اتركمموه‬
‫الماء أقرب إل ّ‬
‫أبعده الّله يخرق في حقه ما شاء‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬ل تدعوه يخرقهمما فيهلكنمما‬
‫ويهلك نفسه فإن هم أخذوا على يديه نجا ونجوا وإن هممم لممم يأخممذوا علممى‬
‫يديه هلكوا وهلممك" وروي عممن أبممي الممدرداء رضممي الل ّممه تعممالى عنممه قممال‪:‬‬
‫"لتأمرن بالمعروف ولتنهن عممن المنكممر أو ليسمملطن الل ّممه عليكممم سمملطانا ً‬
‫ظالما ً ل يجل كبيركم ول يرحم صغيركم‪ ،‬وتدعوا خياركم فل يسممتجاب لهممم‬
‫ويستنصمرون فل ينصمرون ويسمتغفرون فل يغفمر لهمم" وروي عمن حذيفمة‬
‫رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬والممذي‬
‫نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشك أن يبعث الّله‬
‫عليكم عقابا ً من عنده ثم تدعونه فل يستجيب لكم" وروي عممن علممي كممرم‬
‫الّله وجهه عن النبي صلى الّله عليه وسمملم أنممه قممال‪" :‬إذا هممابت أمممتي أن‬
‫يقولوا للظالم أنت ظالم فتودع منهم" وروى أبو سعيد الخدري رضي الّلممه‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إذا رأى أحدكم منكرا ً‬
‫فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلممك أضممعف‬
‫اليمان" يعني أضعف فعل أهل اليمان‪ .‬قال بعضهم‪ :‬التغيير باليد للمممراء‪،‬‬
‫وباللسان للعلماء‪ ،‬وبالقلب للعامة‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬كل مممن قممدر علممى ذلممك‬
‫فالواجب عليه أن يغيره‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للذي يأمر بالمعروف أن يقصد‬
‫به وجه الّله تعالى وإعزاز الدين ول يكون لحمية نفسممه‪ ،‬فممإنه إن قصممد بممه‬
‫وجه الّله تعالى وإعزاز الدين نصره الّله تعالى‪ ،‬ووفقه لذلك وإن كان أمره‬
‫لحمية نفسه خذله الّله تعالى فإنه بلغنا عن عكرمة رضي الّله تعممالى عنممه‪:‬‬
‫أن رجل ً مّر بشجرة تعبد من دون الّله تعالى فغضب وقممال‪ :‬هممذه الشممجرة‬
‫تعبد من دون الّله ثم إنه أخذ فأسه وركب حماره ثممم تمموجه نحممو الشممجرة‬
‫ليقطعها فلقيه إبليس عليه اللعنة في الطريق على صورة إنسان فقال لممه‬
‫إلى أين؟ رأيت شجرة تعبد من دون الّله عز وجل فأعطيت الّلممه عهممدا ً أن‬
‫أركب حماري وأخذ فأسي وأتوجه نحوها فأقطعها‪ ،‬فقمال لمه إبليممس مالمك‬
‫ولها دعها ومن يعبدها أبعدهم الل ّممه تعممالى فتخاصممما وتضمماربا ثلث مممرات‪،‬‬
‫فلما عجز إبليس لعنه الّله تعالى ولم يرجع لقوله قال له إبليس لعنممه الّلممه‬
‫ارجع وأنا أعطيك كل يمموم أربعممة دراهممم فممترفع كممل يمموم طممرف فراشممك‬
‫فتأخذها‪ ،‬فقال‪ :‬أو تفعل ذلك؟ قال نعم‪ ،‬ضمنت لممك ذلممك كممل يمموم فرجممع‬

‫إلى منزله فوجد ذلك يومين أو ثلثا ً أو ما شاء اللممه‪ ،‬فلممما أصممبح بعممد ذلممك‬
‫طرف فراشه فلم يرى شيئا ً ثم يوما ً أخر‪،‬‬
‫]ص ‪[48‬‬
‫فلما رأى أنه ل يجد الدراهم أخذ الفأس وركب الحمار فلقيممه إبليممس علممى‬
‫صورة إنسان فقال له‪ :‬أين تريد؟ قال شجرة تعبد من دون الّله تعالى أريد‬
‫أن أقطعها‪ ،‬فقال له إبليممس ل تطيممق ذلممك‪ ،‬أممما أول مممرة فكممان خروجممك‬
‫غضبا ً لله تعممالى فلممو اجتمممع أهممل السممماوات والرض ممما ردوك وأممما الن‬
‫فإنما خروجك لنفسك حيث لممم تجممد الممدراهم فلئن تقممدمت لنممدقن عنقممك‬
‫فرجع إلى بيته وترك الشجرة‪ .‬قال الفقيه أبو الليث رضي الّله تعالى عنممه‪:‬‬
‫فالذي يأمر بالمعروف يحتاج إلى خمسة أشياء أولهمما العلممم لن الجاهممل ل‬
‫يحسن المر بالمعروف والثاني أن يقصد به وجه الّله تعالى وإعزاز الممدين‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الشفقة على من يأمر باللين والتممودد ول يكممون فظما ً غليظما ً قممال‬
‫ه‬
‫لموسى وهارون عليهما الصلة والسلم حين بعثهما إلى فرعون }فَ ُ‬
‫قوَل ل َ ُ‬
‫قَوْل ً ل َّينًا{ والرابع‪ :‬أن يكون صمبورا ً حليمما ً لن الّلمه تعمالى قمال فمي قصمة‬
‫ْ‬
‫صب ِْر ع َل َممى‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫ف َوان ْ َ‬
‫مْر ِبال َ‬
‫لقمان عليه الصلة والسلم }وَأ ُ‬
‫منك َرِ َوا ْ‬
‫ه عَ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ك{ والخامس‪ :‬أن يكون عامل ً بما يأمر به لكيل يعير به ولئل يممدخل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م{‪ .‬وروى أنس بن‬
‫ن أن ُ‬
‫سوْ َ‬
‫مُرو َ‬
‫ف َ‬
‫س ِبالب ِّر وََتن َ‬
‫سك ْ‬
‫تحت قوله تعالى }أت َأ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫مالك رضي الّله تعالى عنممه عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪:‬‬
‫"رأيت ليلة أسري بي إلى السماء رجال ً تقرض شفاههم بالمقاريض فقلممت‬
‫من هؤلء يا جبريل؟ قال خطبمماء أمتممك الممذين كممانوا يممأمرون النمماس بممالبر‬
‫وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفل يعقلمون" يعنمي يتلمون كتماب الّلمه‬
‫وهم ل يعملون بما فيه وقال قتادة‪ :‬ذكر لنا أن في التمموراة مكتوب ما ً يمما ابممن‬
‫آدم تذكرني وتنساني وتدعوا إلي وتفر مني فباطل ممما تممذهبون‪ .‬وروى أبممو‬
‫معاوية الفزاري بإسناده عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬أنتممم‬
‫على بينة من ربكم" يعني على بيان من ربكم‪" ،‬قممد بيممن الل ّممه تعممالى لكممم‬
‫طريقكم ما تظهر فيكم السكرتان سممكرة العيممش وسممكرة الجهممل‪ ،‬فممأنتم‬
‫اليوم تأمرون بالمعروف وتنهون عممن المنكممر وتجاهممدون فممي سممبيل اللممه‪،‬‬
‫وستحولون عن ذلك إذا فشى فيكم حب الممدنيا فل تممأمرون بممالمعروف ول‬
‫تنهون عن المنكر وتجاهدون في غير سبيل الّله والقائمون يممومئذ بالكتمماب‬
‫ة كالسابقين الولين من المهاجرين والنصار"‪.‬‬
‫سرا ً وعلني ً‬
‫وروى الحسن رحمه الّله تعالى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫"من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا ً فقد أستوجب الجنة وكان‬
‫رفيق إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلة والسلم" يعني أن إبراهيممم همماجر‬
‫من أرض حران إلى الشام وهو قوله تعالى }وََقا َ‬
‫ه‬
‫جٌر إ َِلى َرّبي إ ِن ّ ُ‬
‫مَها ِ‬
‫ل إ ِّني ُ‬
‫م{ وقال }إ ِّني َ‬
‫ديِني{ يعني إلى طاعممة‬
‫سي َهْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ذاه ِ ٌ‬
‫زيُز ال َ‬
‫ب إ َِلى َرّبي َ‬
‫كي ُ‬
‫هُوَ العَ ِ‬
‫ربي وإلى رضا ربي‪ .‬وقد هاجر النبي صلى الّله عليه وسلم مممن مكممة إلممى‬
‫المدينة‪ ،‬فمن كان في أرض فيها المعاصي فخرج منها ابتغمماء مرضمماة الل ّممه‬
‫تعالى فقد اقتدى بإبراهيم ومحمد المصطفى صلوات الّله وسمملمه عليهممما‬
‫ه‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن ب َي ْت ِم ِ‬
‫ج ِ‬
‫خ مُر ْ‬
‫فيكون رفيقهما في الجنة‪ .‬قال الّله سبحانه وتعالى }وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫جرا ً‬
‫مَها ِ‬
‫ُ‬
‫]ص ‪[49‬‬
‫ّ‬
‫ه{ يعني إلى طاعة الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع‬
‫سول ِ ِ‬
‫إَِلى الّله وََر ُ‬
‫َ‬
‫ن الل ّممه‬
‫ت فَ َ‬
‫جمُره ُ ع َل َممى الل ّممه وَك َمما َ‬
‫قمد ْ وَقَمعَ أ ْ‬
‫م مو ْ ُ‬
‫ه ال َ‬
‫م ي ُد ْرِك ْ ُ‬
‫أجره على الّله }ث ُ ّ‬
‫حيمًا{ يعني وجب ثوابه على الل ّممه تعممالى‪ ،‬وقممال النممبي صمملى الل ّممه‬
‫غَ ُ‬
‫فورا ً َر ِ‬
‫عليه وسلم‪" :‬أيما مسلم خرج من بيتممه مهمماجرا ً إلممى الل ّممه تعممالى ورسمموله‬
‫ووضع رجله في غرز راحلته ولو خطوة واحدة ثم نممزل بممه الممموت أعطمماه‬
‫الّله تعالى مثل أجور المهاجرين‪ ،‬وأيما مسلم يخممرج مممن بيتممه قاصممدا ً فممي‬

‫سبيل الّله فرفصته دابته قبل القتال أو لدغته هامة أو مات كيفما مات فهو‬
‫شهيد‪ ،‬وأيما مسلم خرج من بيته إلى بيت الّله الحرام ثم نممزل بممه الممموت‬
‫قبل بلوغه أوجب الّله تعالى له الجنة"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬ومن لم يهاجر من أرضه وهو يقدر على‬
‫أداء فرائض الّله تعالى فل بأس أن يقيم هناك ويكون كارها ً لمعاصيهم فهو‬
‫معذور‪ .‬وروي عن عبد الّله ابن مسممعود رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه قممال‪:‬‬
‫بحسب امرأ منكم أنه إذا رأى منكرا ً ل يستطيع له تغييرا ً أن يعلم الل ّممه مممن‬
‫قلبه أنه له كاره‪ .‬وروي عن بعض الصحابة رضي الّله تعالى عنه أنممه قممال‪:‬‬
‫إذا رأى أحد منكم منكرا ً ل يستطيع النكير عليه فليقممل ثلث مممرات‪ :‬اللهممم‬
‫إن هذا منكر فل تؤاخذني به‪ ،‬فإذا قال ذلك فله ثواب مممن أمممر بممالمعروف‬
‫ونهى عن المنكر‪ .‬وروى عن عمر بممن جممابر اللخمممي عممن أبممي أميممة قممال‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫سممألت أبمما ثعلبممة الخشممني عممن هممذه اليممة }ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫من ُمموا ع َل َي ْك ُم ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫م{ فقال لقد سألت عنها خبيرًا‪ ،‬فقال لقد سألت عنهمما رسممول الل ّممه‬
‫َأن ُ‬
‫ف َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫صلى الّله عليه وسلم فقال‪" :‬يا أبا ثعلبممة ائتمممروا بممالمعروف وتنمماهوا عممن‬
‫المنكر‪ ،‬فإذا رأيت دنيا مممؤثرة وشممحا ً مطاع ما ً وإعجمماب كممل ذي رأي برأيممه‬
‫فعليك نفسك‪ ،‬فإن من بعدكم أيام الصبر وللمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم‬
‫كأجر خمسين عام ً‬
‫ل‪ ،‬فقالوا يا رسممول الل ّممه كممأجر خمسممين عممامل ً منهممم أو‬
‫منا؟ فقال رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم ل بممل كممأجر خمسممين عممامل ً‬
‫منكم"‪.‬‬
‫وعن قيس بن أبي حازم قال‪ :‬سمعت أبا بكر الصديق رضي الّله تعممالى‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫عنه يقول تقرءون هذه الية وتضعونها في غير موضعها }َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ض ّ‬
‫ل إِ َ‬
‫ميع مًا{‬
‫م َأن ُ‬
‫ج ِ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫م َل ي َ ُ‬
‫ف َ‬
‫جعُك ُم ْ‬
‫مْر ِ‬
‫م إ َِلى الل ّممه َ‬
‫ذا اهْت َد َي ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫وإني سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يقول "مما ممن قموم يعمممل‬
‫فيهم بالمعاصي ول يغيرونها إل أوشك أن يعمهم الّله بعقاب منه" وعن ابن‬
‫مسعود رضي الّله تعالى عنه أنه سئل عن هذه الية فقال‪ :‬ليممس ذا زمممان‬
‫ذلك‪ ،‬ولكن إذا كثرت أهواؤهم وألفوا الجدال فعلى كممل امممرئ نفسممه جمماء‬
‫‪.‬‬
‫تأويلها‪.‬‬
‫باب التوبة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنه وأرضاه‪ :‬حدثنا‬
‫الفقيه أبو جعفر‪ .‬حدثنا أبو القاسم أحمد بن حنبل‪ .‬حدثنا نصممير بممن يحيممى‪.‬‬
‫حدثنا أبو مطيع عن حماد بن سلمة عن حميد عممن عبممد الل ّممه بممن عبيممد بممن‬
‫عمير قال‪ :‬قال آدم صلوات الّله وسلمه عليه‪ :‬يا رب إنك‬
‫]ص ‪[50‬‬
‫ي إبليس ول أستطيع أن أمتنع منه إل ّ بك‪ ،‬قال ل يولممد لممك ولممد‬
‫سلطت عل ّ‬
‫إل ّ وكلت عليه من يحفظه من مكر إبليس عليه اللعنة ومن قربمماء السمموء‪،‬‬
‫قال يممارب زدنممي؟ قممال الحسممنة بعشممر أمثالهمما وأزيممدها والسمميئة بواحممدة‬
‫وأمحوها‪ .‬قال يارب زدني؟ قال التوبة مقبولة ما دامت الروح في الجسممد‪.‬‬
‫عبادي ال ّذي َ‬
‫قن َ ُ‬
‫قال يارب زدني؟ قال }قُ ْ‬
‫طوا‬
‫م ل تَ ْ‬
‫سَرُفوا ع ََلى أ َن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ل َيا ِ َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫سهِ ْ‬
‫ِ َ‬
‫م{‬
‫ه هُوَ الغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن الّله ي َغْ ِ‬
‫ِ‬
‫ب َ‬
‫فُر الذ ُّنو َ‬
‫مةِ الّله إ ِ ّ‬
‫ن َر ْ‬
‫حي ُ‬
‫ميعا ً إ ِن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫)قال( وحدثني الثقة بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن‬
‫وحشيا ً قاتل حمزة عم النبي صلى الّله عليه وسلم كتب إلممى رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليممه وسمملم مممن مكممة إنممي أريممد أن أسمملم ولكممن يمنعنممي عممن‬
‫ع‬
‫ن ل ي َد ْ ُ‬
‫السلم آية من القرآن نزلت عليك وهي قوله تعالى }َوال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫عو َ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫ن‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫خَر َول ي َ ْ‬
‫الّله إ َِلها ً آ َ‬
‫حقّ َول ي َْزن ُممو َ‬
‫م الل ّممه إ ِل ّ ب ِممال َ‬
‫س ال ِّتي َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫حمّر َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ف َ‬
‫مم ْ‬
‫ل ذ َل ِ َ‬
‫فعَ ْ‬
‫ك ي َل ْقَ أ ََثامًا{ وأني قد فعلت هذه الشياء الثلثة فهل لي ممن توبممة‬
‫يَ ْ‬
‫ُ‬
‫صاِلحا ً فَ مأوْل َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َمد ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ل الل ّممه‬
‫ن وَع َ ِ‬
‫ن َتا َ‬
‫ل عَ َ‬
‫ب َوآ َ‬
‫فنزلت هذه الية }إ ِل ّ َ‬
‫مل ً َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ت{ فكتب بذلك إلى وحشي‪ ،‬فكتب إليه إن في الية شرطا ً‬
‫سَنا ٍ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫سي َّئات ِهِ ْ‬

‫وهو العمل الصالح ول أدري هل أقدر على العمل الصالح أم ل؟ فنزل قوله‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫شاُء{ فكتب‬
‫ك ب ِهِ وَي َغْ ِ‬
‫ن الّله ل ي َغْ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ُ‬
‫فُر أ ْ‬
‫تعالى }إ ِ ّ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بذلك إلى وحشي‪ ،‬فكتب إليه إن في الية شرطا أيض ما فل أدري أيشمماء أن‬
‫عبممادي ال ّمذي َ‬
‫يغفر لممي أم ل؟ فنممزل قمموله تعممالى }قُم ْ‬
‫سمَرُفوا ع َل َممى‬
‫ل ي َمما ِ َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ َ‬
‫قن َ ُ‬
‫فوُر‬
‫ه هُوَ الغَ ُ‬
‫م ل تَ ْ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ن الّله ي َغْ ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ب َ‬
‫فُر الذ ُّنو َ‬
‫مةِ الّله إ ِ ّ‬
‫ن َر ْ‬
‫ميعا ً إ ِن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م{ فكتب إلى وحشي فلم يجد فيها شرطا ً فقدم المدينة وأسلم"‪.‬‬
‫الّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫)قال( أنبأنا الخليل بن أحمد أنبأنا ابممن معمماذ‪ .‬أنبأنمما الحسممين المممروزي‪.‬‬
‫ي‬
‫حدثنا عبد الّله ابن سفيان قال‪ :‬كتب محمد بن عبد الرحمن السمملمي إلمم ّ‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبي قال‪ :‬جلست إلى نفر من أصممحاب النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم بالمدينة فقال رجل منهم‪ :‬سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‬
‫يقول "من تاب قبممل ممموته بنصممف يمموم تمماب الل ّممه عليممه"‪ .‬قممل قلممت أنممت‬
‫سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يقول؟ قال نعم‪ ،‬فقال رجل آخر‬
‫سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يقممول "مممن تمماب قبممل الغرغممرة‬
‫تاب الّله عليه" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضمل بمن أحنممف‪ .‬حمدثنا محممد بمن‬
‫جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا سعيد بن سالم القداح عن بشممر بممن‬
‫جبلة عن عبد العزيز بن اسماعيل عن محمد بممن مطممرف قممال‪ :‬قممال الل ّممه‬
‫تعممالى "ويممح ابممن آدم يممذنب الممذنب فيسممتغفرني فمماغفر لممه ثممم يعممود‬
‫فيسممتغفرني فمماغفر لممه‪ ،‬ويحممه ل هممو يممترك ذنبممه ول ييممأس مممن رحمممتي‪،‬‬
‫أشهدكم يا ملئكتي أني قد غفرت له" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حممدثنا‬
‫محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حدثنا أبو معاويممة عممن العمممش‬
‫ي قال‪ :‬كان‬
‫عن رجل عن مغيث بن سم ّ‬
‫]ص ‪[51‬‬
‫رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي فبينما هممو يسممير ذات يمموم إذ تفكممر‬
‫فيما سلف فقممال‪ :‬اللهممم غفرانممك ثلث مممرات فممأدركه الممموت علممى تلممك‬
‫الحالة فغفر الّله له‪ .‬وروى محمد ابن عجلن عن مكحممول قممال‪ :‬بلغنممي أن‬
‫إبراهيم عليه الصلة والسلم لما عرج به إلى ملكوت السموات أبصممر بممدا ً‬
‫يزني فدعا عليه فأهلكه الّله تعالى‪ ،‬ثم رأى عبدا ً يسرق فدعا عليه فممأهلكه‬
‫الّله تعالى‪ ،‬فقال الّله تعالى "يا إبراهيم دع عنممك عبممادي‪ ،‬فممإن عبممدي بيممن‬
‫ثلث خصال بين أن يتوب فأتوب عليه‪ ،‬وبين أن أستخرج له ذريممة تعبممدني‪،‬‬
‫وبين أن يغلب عليه الشقاء فمن ورائه جهنم"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬في هذا الخبر دليل على أن العبد إذا تاب‬
‫فبل الّله توبته فل ينبغي للعبد أن ييممأس مممن رحمممة الل ّممه تعممالى فممإن الل ّممه‬
‫م ال َ‬
‫ن{ يعني من رحمة‬
‫ح الّله إ ِل ّ ال َ‬
‫س ِ‬
‫كافُِرو َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫تعالى قال }إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل ي َي ْئ َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن َروْ ِ‬
‫ّ‬
‫ذي ي َقْب َ ُ‬
‫فممو‬
‫عب َمماد ِهِ وَي َعْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ل الت ّوْب َم َ‬
‫الّله تعالى‪ ،‬وقال في آية أخرى }وَهُوَ ال ِ‬
‫ة ع َم ْ‬
‫ت{ فينبغي للعاقل أن يتوب إلى الل ّممه فممي كممل وقممت ول يكممون‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عَ ْ‬
‫مصرا ً على الذنب فإن الراجع عن ذنبه ل يكون مصرا ً وإن عمماد فممي اليمموم‬
‫سبعين مرة‪ ،‬كما روى عن أبي بكممر الصممديق رضممي الل ّممه تعممالى عنممه عممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال " ما أصممر مممن اسممتغفر وإن عمماد فممي‬
‫اليوم سبعين مرة" وروي عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "واللممه‬
‫إني لتوب إلى الّله تعالى في اليوم مائة مممرة" وروي عممن علممي ابممن أبممي‬
‫طالب كرم الّله وجهه أنه قال‪ :‬كنت إذا سمعت من رسول الّله صملى الّلمه‬
‫عليه وسلم شيئا ً نفعني الّله به ما شاء الّله وإذا حممدثني غيممره حلفتممه فممإن‬
‫حلف صدقته‪ .‬وحدثني أبو بكر رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "وما من عبممد يممذنب ذنب ما ً فيتوضممأ فيحسممن الوضمموء‬
‫ن‬
‫ويصلي ركعتين وسيستغفر الّله إل ّ غفر الل ّممه لممه‪ ،‬ثممم تل هممذه اليممة }وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫حيمممًا{" وفممي‬
‫جد ْ الّله غ َ ُ‬
‫م نَ ْ‬
‫فورا ً َر ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫ل ُ‬
‫فْر الّله ي َ ِ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫س ُ‬
‫سوءا ً أوْ ي َظ ْل ِ ْ‬
‫ي َعْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن إِ َ‬
‫م ذ َك َُروا الّله‬
‫موا أن ْ ُ‬
‫ش ً‬
‫ذا فَعَُلوا َفا ِ‬
‫رواية "تل هذه الية }َوال ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫ة أوْ ظ َل َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ممما فَعَل ُمموا‬
‫ست َغْ َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ن ي َغْ ِ‬
‫فُر الذ ُّنو َ‬
‫َفا ْ‬
‫صمّروا ع َل َممى َ‬
‫ب إ ِل ّ الّله وَل َم ْ‬
‫م وَ َ‬
‫فُروا ل ِذ ُُنوب ِهِ ْ‬
‫م ْ‬

‫ن‪ ،‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫حت ِهَمما‬
‫ري ِ‬
‫مغْفِمَرة ٌ ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫ك َ‬
‫مو َ‬
‫جن ّمما ٌ‬
‫ن َرب ّهِم ْ‬
‫م َ‬
‫جَزاؤ ُهُ ْ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫وَهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫جم ِ‬
‫َ‬
‫ن{ وروى الحسن البصري رحمممه الل ّممه‬
‫ال َن َْهاُر َ‬
‫جُر الَعا ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ن ِفيَها وَن ِعْ َ‬
‫مِلي َ‬
‫دي َ‬
‫تعالى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "لما الل ّممه عممز وجممل إبليممس‬
‫عليه اللعنة قال بعزتك وعظمتك إني ل أفارق ابن آدم حممتى تفممارق روحممه‬
‫جسده‪ ،‬فقال الرب تعمالى وعزتمي وعظممتي ل أحجمب التوبمة عمن عبمدي‬
‫حتى يغرغر بها"‪ .‬وروى القاسم عن أبي أمامة البمماهلي رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "صاحب اليمين أمين على صاحب‬
‫الشمال‪ ،‬فإذا عمل العبد حسنة كتب له صاحب اليميممن عشمرة‪ ،‬وإذا عمممل‬
‫سيئة فأراد أن يكتبها صاحب الشمال قال صاحب اليميممن أمسممك فيمسممك‬
‫ست ساعات من النهار أو سبع ساعات فإن استغفر الل ّممه لممم يكتممب عليممه‬
‫شيئا ً وإن لم يستغفر يكتب عليه سيئة واحدة"‪.‬‬
‫]ص ‪[52‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وهذا موافق لما روى عن رسول الّله‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "التائب من المذنب كممن ل ذنمب لمه" وروي‬
‫في رواية أخرى "إن العبد إذا أذنب لم يكتب عليه حتى يذنب ذنبا ً آخممر ثممم‬
‫إذا أذنب ذنبا ً آخر فلم يكتب عليه حتى يذنب ذنبا ً آخر‪ ،‬فممإذا اجتمعممت عليممه‬
‫خمسة من الذنوب وعمل حسنة واحممدة كتممب لممه خمممس حسممنات وجعممل‬
‫الخمس بإزاء خمس سيئات فيصيح عنممد ذلممك إبليممس عليممه اللعنممة ويقممول‬
‫كيف أستطيع على ابن آدم وإني وإن اجتهدت عليممه يبطممل بحسممنة واحممدة‬
‫جميع جهدي"‪ .‬وروى صفوان بن عسال المرادي رضي الّله تعالى عنه عممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬مممن قبممل المغممرب بمماب خلقممه الل ّممه‬
‫تعالى للتوبة عرضه مسيرة سبعين سنة أو أربعين سمنة ل يمزال مفتوحما ً ل‬
‫يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها"‪ .‬وعن سعيد بن المسمميب فممي قمموله‬
‫كا َ َ‬
‫ه َ‬
‫فورًا{ قال‪ :‬هو الرجل يذنب ذنبا ً ثم يتوب ثم‬
‫ن غَ ُ‬
‫عز وجل }فَإ ِن ّ ُ‬
‫ن ل ِلّواِبي َ‬
‫يذنب ذنبا ً ثم يتوب‪ .‬وقيل للحسن البصري‪ :‬إلى متى هممذا؟ قممال‪ :‬ل أعممرف‬
‫هذا إل ّ مممن أخلق المممؤمنين‪ .‬وقممال بعممض الحكممماء‪ :‬حرفممة العممارف سممتة‬
‫أشياء‪ :‬إذا ذكر الّله افتخر‪ ،‬وإذا ذكر نفسه احتقر‪ ،‬وإذا نظر فممي آيممات الل ّممه‬
‫اعتبر‪ ،‬وإذا هم بمعصية أو شهوة انزجر‪ ،‬وإذا ذكر عفممو الل ّممه استبشممر‪ ،‬وإذا‬
‫ذكر ذنوبه استغفر‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬حدثني أبي رحمه الّله تعالى‪ .‬حدثنا أبو الحسن‬
‫الفراء‪ .‬حدثنا أبو بكر الجرجاني عن محمد بن إسحق عمن حدثه عن معمر‬
‫عن الزهري قال "دخل عمر ابن الخطاب على رسول الّله صلى الّله عليممه‬
‫وسلم وهو يبكي فقال له رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم ممما يبكيممك يمما‬
‫عمر؟ فقال يا رسول الّله بالباب شاب قد أحرق فؤادي وهمو يبكممي‪ ،‬فقمال‬
‫ي؟ قال‪ :‬فدخل وهممو‬
‫له رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يا عمر أدخله عل ّ‬
‫يبكي فقال له رسول الّله ما يبكيك يا شاب؟ قال‪ :‬يمما رسممول الل ّممه أبكتنممي‬
‫ي‪ ،‬فقممال رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫ذنوب كثيرة وخفت من جبار غضبان علم ّ‬
‫عليه وسلم أشركت بالله شيئا ً يما شماب؟ قمال ل‪ ،‬قمال أقتلمت نفسما ً بغيمر‬
‫حق؟ قال ل‪ ،‬قال فإن الل ّممه يغفممر ذنبممك‪ ،‬ولممو كممان مثممل السممموات السممبع‬
‫والرضين السبع والجبال الرواسي‪ .‬قال يمما رسممول الل ّممه ذنممبي أعظممم مممن‬
‫السموات السبع والرضين السبع والجبال الرواسي‪ ،‬فقال له رسممول الّلممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم ذنبك أعظممم أم الكرسممي؟ قممال ذنممبي أعظممم‪ .‬قممال‬
‫ذنبك أعظم أم العرش؟ قممال ذنممبي أعظممم‪ .‬قممال ذنبممك أعظممم أم إلهمك؟"‬
‫يعني عفو الله‪" .‬قال بل الّله أعظم وأجل‪ .‬قال فإنه ل يغفر الذنب العظيم‬
‫إل ّ الّله العظيم" يعني العظيم التجاوز "قال أخبرني عن ذنبممك؟ قممال فممإني‬
‫أستحي منك يا رسول الله‪ .‬قال أخبرني عن ذنبك؟ قال يا رسول الّله إنممي‬
‫كنت رجل ً نباشا ً أنبش القبور منذ سبع سنين حتى ممماتت جاريممة مممن بنممات‬
‫النصار فنبشممت قبرهمما فأخرجتهمما مممن كفنهمما فمضمميت غيممر بعيممد إذ غلممب‬

‫الشمميطان علممى نفسممي‪ ،‬فرجعممت فجامعتهمما فمضمميت غيممر بعيممد إذ قممامت‬
‫الجارية وقالت‪ :‬ويلك يا شاب‬
‫]ص ‪[53‬‬
‫أما تستحي من ديان يوم الدين يضع كرسيه للقضمماء ويأخممذ للمظلمموم مممن‬
‫الظالم تركتني عريانة في عسكر الموتى وأوقفتني جنبا ً بين يدي الل ّممه عممز‬
‫وجل‪ ،‬فوثب رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم وهممو يممدفع فممي قفمماه وهممو‬
‫يقول‪ :‬يا فاسق ما أحوجك إلى النار أخرج عنممي‪ ،‬فخممرج الشمماب تائبما ً إلممى‬
‫م لممه أربعممون ليلممة رفممع رأسممه إلممى السممماء‬
‫الّله تعالى أربعين ليلة‪ ،‬فلما ت ّ‬
‫فقال‪ :‬يا إله محمد وآدم وحواء إن كنت غفرت لي فأعلم محمدا ّ صلى الّله‬
‫عليه وسلم وأصحابه وإل فأرسل نارا ً من السماء فأحرقني بها ونجنمي ممن‬
‫عذاب الخرة‪ .‬قال‪ :‬فجاء جبريل إلى النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم فقممال‪:‬‬
‫السلم عليك يا محمد ربك يقرئك السلم‪ ،‬فقال هو السمملم ومنممه السمملم‬
‫وإليه يرجع السلم‪ .‬قال‪ :‬يقول الّله تعالى‪ :‬أنت خلقت الخلق؟ قال بمل هممو‬
‫الذي خلقني وخلقهم‪ .‬قال يقول‪ :‬أنت ترزقهم؟ قال بل الّله يرزقهم وإياي‪.‬‬
‫ي وعليهممم‪ .‬قممال يقممول‬
‫قال يقول‪ :‬أنت تتوب عليهم؟ قال بل الّله يتوب عل ّ‬
‫الّله تعالى‪ :‬تب على عبدي فإني تبت عليممه‪ ،‬فممدعا النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم الشاب وبشره بأن الّله تعالى تاب عليه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للعاقممل أن يعتممبر بهممذا الخممبر‬
‫ي أعظممم ذنبما ً مممن الزنممى مممع الميممت‪ ،‬وينبغممي أن‬
‫ويعلم بأن الزنى مع الح ّ‬
‫يتوب توبة حقيقية لن الشاب لما علم الّله تعالى أن تمموبته حقيقيممة تجمماوز‬
‫عنه‪ ،‬وينبغي أن تكون التوبة على قدر الذنب‪ .‬وروى عن ابن عبمماس رضممي‬
‫َ‬
‫صمموحًا{‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الّله ت َوْب َ ً‬
‫الّله عنهما في قوله تعالى }َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ة نَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫قال‪ :‬التوبة النصوح الندم‬
‫]ص ‪[54‬‬
‫بالقلب والستغفار باللسان والضمار أن ل يعود إليه أبدًا‪ .‬وعن النبي صلى‬
‫الّلممه عليممه وسمملم أنممه قممال "المسممتغفر باللسممان المص مّر علممى الممذنوب‬
‫كالمستهزئ بربه" وذكر عن رابعة رضي الّله تعالى عنها أنها كممانت تقممول‪:‬‬
‫إن استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير‪ :‬يعني إذا استغفر باللسممان ونيتممه أن‬
‫يعود إلى الذنب فإن توبته توبة الكذابين‪ ،‬وهذا ل يكون توبة وإنما التوبة أن‬
‫يستغفر باللسان وينوي أن ل يعود إلى الذنب‪ ،‬فإذا فعل ذلك غفممر الل ّممه لممه‬
‫ذنبه وإن كان عظيما ً لن الّله تبارك وتعالى ذو التجاوز رحيم بعبمماده‪ .‬وذكممر‬
‫أن في بني إسرائيل كان ملك فوصف لمه رجمل ممن العبماد فمدعاه وراوده‬
‫على صحبته ولزوم بابه فقال له العابد أيها الملك حسنا ً ما تقول‪ ،‬ولكن لممو‬
‫ت يوما ً في بيتك فوجدتني ألعب مع جاريتك ماذا كنممت تفعممل؟ فغضممب‬
‫دخل َ‬
‫ي بمثممل هممذا‪ ،‬فقممال لمه العابممد إن لممي ربما ً‬
‫الملك فقال يا فاجر أتجترئ عل ّ‬
‫ي ول طردنممي عممن‬
‫كريما ً لو رأى مني سبعين ذنبا ً في اليوم ممما غضممب عل م ّ‬
‫ي قبممل‬
‫بابه ول أحرمني رزقه‪ ،‬فكيف أفارق بابه وألزم باب من يغضممب علم ّ‬
‫أن أغضبه‪ ،‬فكيف لو رأيتني في المعصية ثم خرج‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬الذنب على وجهين‪ :‬ذنب فيما بينممك‬
‫وبين الّله تعالى‪ ،‬وذنب فيما بينك وبين العباد‪ .‬أما الممذنب الممذي بينممك وبيممن‬
‫الّله تعالى فتوبته الستغفار باللسان والنممدم بممالقلب والضمممار أن ل تعممود‬
‫فإن فعل ذلك ل يبرح من مكانه حتى يغفر الّلمه لمه إل ّ أن يممترك شميئا ً ممن‬
‫الفرائض فل تنفعه التوبة مما لممم يقممض مما فمماته ثمم ينممدم ويسمتغفر‪ ،‬وأمما‬
‫الذنب الذي بينك وبين العباد فما لم ترضهم ل تنفعك التوبة حمتى يحللموك‪.‬‬
‫وروى عن بعض التابعين رضي الّله تعالى عنهم أنه قال‪ :‬إن المذنب يممذنب‬
‫فل يزال نادما ً مستغفرا ً حتى يمدخل الجنممة فيقمول الشميطان يما ليتنممي لمم‬
‫أوقعه فيه‪ .‬وذكر عن أبي بكر الواسمطي أنمه قمال‪ :‬التمأني فمي كمل شميء‬

‫حسن إل ّ في ثلث خصال‪ :‬عند وقت الصمملة‪ ،‬وعنممد دفممن الميممت‪ ،‬والتوبممة‬
‫عند المعصية‪ :‬وقمال بعمض الحكمماء‪ :‬إنمما تعمرف توبمة الرجمل فمي أربعمة‬
‫أشياء‪ .‬أحدها‪ :‬أن يمسك لسانه من الفضول والغيبة والكذب‪ .‬والثاني أن ل‬
‫يرى لحد في قلبه حسدا ً ول عممداوة‪ .‬والثممالث أن يفممارق أصممحاب السمموء‪.‬‬
‫والرابع أن يكممون مسممتعدا ً للممموت نادمما ً مسممتغفرا ً لممما سمملف مممن ذنمموبه‬
‫مجتهدا ً على طاعة ربه‪ .‬وقيل لبعض الحكماء هل للتائب من علمممة يعممرف‬
‫أنه قبلت توبته؟ قال‪ :‬نعم علمته أربعة أشياء‪ .‬أّولها أن ينقطع عن أصحاب‬
‫السمموء ويريهممم هيبممة مممن نفسممه ويخممالط الصممالحين‪ .‬والثمماني‪ :‬أن يكممون‬
‫منقطعا ً عن كل ذنب ومقبل ً على جميع الطاعات‪ .‬والثالث أن يممذهب فممرح‬
‫الدنيا كلها من قلبه ويرى حزن الخرة كلها دائما ً في قلبه‪ .‬والرابع إن يممرى‬
‫نفسه فارغا ً عما ضمن لله تعالى له من الممرزق مشممتغل ً بممما أمممر بممه فممإذا‬
‫ن‬
‫وجدت فيه هذه العلمات فهو من الذين قممال الل ّممه تعممالى فممي حقهممم }إ ِ ّ‬
‫ن{ ووجب له على الناس أربعة أشممياء‪:‬‬
‫ن وَي ُ ِ‬
‫الّله ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ب ال ُ‬
‫ري َ‬
‫واِبي َ‬
‫ب الت ّ ّ‬
‫مت َط َهّ ِ‬
‫أولها أن يحبوه فإن الّله تعالى قد أحبه‪ .‬والثاني أن يحفظوه بالممدعاء علممى‬
‫أن يثبته الّله على توبته‪ .‬والثالث أن ل يعيروه بما سلف من ذنوبه‪ .‬والرابممع‬
‫أن يجالسوه ويذاكروه ويعينوه‪ .‬ويكرمه الّله تعالى بأربع كرامات‪ :‬أحدها أن‬
‫يخرجه الّله تعالى من الذنوب كأنه لممم يممذنب قممط‪ .‬والثمماني أن يحبممه الل ّممه‬
‫تعالى‪ .‬والثالث أن ل يسلط عليه الشيطان ويحفظه منه‪ .‬والرابع أن يممؤمنه‬
‫من الخوف قبل أن يخممرج مممن الممدنيا لنممه عممز وجممل قممال }ت َت َن َمّز ُ‬
‫م‬
‫ل ع َل َي ْهِم ْ‬
‫َ‬
‫ن{ وروى‬
‫ة أ َل ّ ت َ َ‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫حَزُنوا وَأب ْ ِ‬
‫دو َ‬
‫م ُتوع َم ُ‬
‫شُروا ِبال َ‬
‫خاُفوا َول ت َ ْ‬
‫جن ّمةِ ال ّت ِممي ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ال َ‬
‫عن خالد بن معدان أنه قال‪ :‬إذا دخل التوابون الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أن‬
‫نرد النار قبل أن ندخل الجنة؟ قيل لهم إنكم مررتم بها وهي خامدة‪ .‬وروى‬
‫الحسن عن النبي صلى الّله عليه وسلم "أنممه رجممم امممرأة زنممت ثممم صمملى‬
‫عليها‪ ،‬فقال له بعض الصحابة يا رسول الّله رجمتها وصممليت عليهمما؟ فقممال‬
‫لقد تابت توبة لو فعلت مثل ذلك سممبعين مممرة تمماب الل ّممه عليهمما" يعنممي أن‬
‫توبتها كانت حقيقية والتوبة إذا كانت حقيقية تقبل وإن كان الذنب عظيمممًا‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال "مممن عي ّممر مؤمن ما ً‬
‫بفاحشة فهو كفاعلها وكان حقا عن الّله أن يوقعه فيهمما‪ ،‬ومممن عي ّممر مؤمن ما ً‬
‫بجريمة لم يخرج من الدنيا حتى يرتكبها ويفتضح بها"‪.‬‬
‫]ص ‪[55‬‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الله تعممالى عنممه‪ :‬إن المممؤمن ل يقصممد أن يقممع فممي‬
‫ق‬
‫ف مَر َوال ُ‬
‫م الك ُ ْ‬
‫سممو َ‬
‫ف ُ‬
‫الممذنب ول يتعمممده لن الل ّممه تعممالى قممال }وَك َمّره َ إ ِل َي ْك ُم ْ‬
‫ن{ فأخبر أنه قد بغض إلى المؤمنين المعصية فل يتعمدها المممؤمن‬
‫صَيا َ‬
‫َوالعِ ْ‬
‫ولكن يقع فيها في حالة الغفلة فل يجمموز أن يعممبر بهمما إذا تمماب‪ .‬وروى عممن‬
‫ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما أنه قال‪ :‬إذا تمماب العبممد تمماب الل ّممه عليممه‬
‫وأنسى الحفظة ممما كممانوا كتبمموا مممن مسمماوئ عملممه‪ ،‬وأنسممى جمموارحه ممما‬
‫عملت من الخطايا وأنسى مقامه من الرض‪ ،‬وأنسى مقممامه مممن السممماء‬
‫ليجيء يوم القيامة وليس شيء من الخلق يشممهد عليممه بممذلك‪ .‬وروى عممن‬
‫علي بن أبي طالب كرم الّله وجهه عن النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬مكتوب حول العرش قبل أن يخلق الخلق بأربعممة آلف عممام }وَإ ِن ّممي‬
‫م َ‬
‫دى{" والله أعلم‪.‬‬
‫ل َغَ ّ‬
‫ن وَع َ ِ‬
‫م اهْت َ َ‬
‫ن َتا َ‬
‫صاِلحا ً ث ُ ّ‬
‫ب َوآ َ‬
‫فاٌر ل ِ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫باب آخر من التوبة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبممي رحمممه‬
‫الّله تعالى‪ :‬حدثنا أحمد بن محمد وهو أبو الحسين الفراء الفقيه بسممرقند‪.‬‬
‫حدثنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسممحق الجرجمماني‪ .‬حممدثنا داود بممن إبراهيممم‪.‬‬
‫حدثنا نوح بن أبي مريم عن مقاتل بن حبان عممن عكرمممة عممن ابممن عبمماس‬
‫رضي الّله تعالى عنهما "أن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم ذكممر بمماب‬

‫التوبة فقال عمر بن الخطاب يا رسول الّلمه ممما بماب التوبممة؟ فقممال النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم‪ :‬باب التوبة خلف المغرب لممه مصممراعان مممن ذهممب‬
‫مكللن بالدّر والياقوت‪ ،‬ما بين المصراع والمصممراع الخممر مسمميرة أربعيممن‬
‫عاما ً للراكب المسرع‪ ،‬وذلك الباب مفتوح منذ يوم خلق الل ّممه تعممالى خلقممه‬
‫إلى صبيحة ليلة طلوع الشمس من مغربها‪ ،‬ولم يتممب عبممد مممن عبمماد الل ّممه‬
‫تعالى توبة نصوحا ً إل ّ دخلت تلك التوبة من ذلك الباب‪ .‬قال معمماذ بممن جبممل‬
‫رضي الّله تعالى عنه بأبي أنت وأمي يا رسممول الل ّممه وممما التوبممة النصمموح؟‬
‫قال‪ :‬أن يندم المذنب على الذي أصاب فيعتذر إلى الّله تعممالى ثممم ل يعممود‬
‫فيها‪ ،‬ثم تغرب الشمس والقمر في ذلك الباب ثم يرصد المصرعان فيلتئم‬
‫ما بينهما ويصير كأن لم يكن بينهما صدع قط‪ ،‬فعند ذلك ل تقبل مممن العبممد‬
‫توبة ول تنفعه حسنة يعملها في السلم إل ّ من كان قبل ذلك محسممنا ً فممإنه‬
‫م ي َأ ِْتي‬
‫يجري له عمله وعليه ما كان يجري قبل ذلك‪ ،‬وذلك قوله تعالى }ي َوْ َ‬
‫فسا ً إيمانها ل َم تك ُن آمنت من قَبم ُ َ‬
‫ت َرب ّ َ‬
‫ت فِممي‬
‫فعُ ن َ ْ‬
‫ك ل َين َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫ْ َ ْ َ َ ْ ِ ْ ْ‬
‫ل أوْ ك َ َ‬
‫سمب َ ْ‬
‫ِ َ َُ‬
‫ب َعْ ُ‬
‫خْيرًا{"‪ .‬وعن عبد الّله بن مسعود رضي الّله تعممالى عنممه أنممه قممال‪:‬‬
‫مان َِها َ‬
‫ِإي َ‬
‫التوبة النصوح أن يتوب ثم ل يعود‪ .‬وعنه أنه قال‪ :‬باب التوبة مفتمموح وهممي‬
‫مقبولة من كل أحممد إل ّ مممن ثلثممة‪ :‬إبليممس رأس الكفممرة‪ ،‬وقابيممل ابممن آدم‬
‫رأس الخاطئين‪ ،‬ومن قتل نبيا ً من النبياء‪ .‬وقال باب التوبة للتائبين مفتمموح‬
‫من قبل المغرب مسيرة أربعين سنة ل يغلق عليهممم حممتى تطلممع الشمممس‬
‫من مغربها‪.‬‬
‫]ص ‪[56‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبي رحمه الل ّممه تعممالى‪ :‬حممدثنا أبممو‬
‫الحسين الفراء‪ ،‬حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحق‪،‬حدثنا عبد الرحمن بن حبيب‬
‫عن إسمعيل عن يحيى عن أبي لهيعة عن عبممد الرحمممن العممرج عممن أبممي‬
‫هريرة رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫"التوبة معلقة في الهواء تنادي لليممل والنهممار ل تفممتر مممن يقبلنممي ل يعممذب‬
‫فهي الدهر كله علممى هممذا حممتى تطلممع الشممس مممن مغربهمما فممإذا طلعممت‬
‫الشمس من مغربها رفعت" ففي هذه الخبار حث على التوبة وفيهمما بيممان‬
‫أن العبد إذا تاب قبلت التوبة منه‪ ،‬والله تعممالى دعمما المممؤمنين إلممى التوبممة‬
‫َ‬
‫ن{ يعنممي لكممي‬
‫م تُ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ج ِ‬
‫حممو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫من ُممو َ‬
‫فقال }وَُتوُبوا إ َِلى الّله َ‬
‫ن ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫ميعا ً أي َّها ال ُ‬
‫تنجوا من عذابه وتنالوا من رحمته فممبين الل ّممه تعممالى أن التوبمة مفتماح كممل‬
‫خير وأن فلح المؤمن في توبته‪ ،‬وأمر المؤمن بالتوبة فقال تعالى }َيا أ َي َّهمما‬
‫صوحا ً { ثم بين ما لهممم مممن الكرامممة فممي‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الّله ت َوْب َ ً‬
‫ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ة نَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫التوبة فقال تعالى }ع َسى ربك ُم َ‬
‫م{ يعنممي يتجمماوز‬
‫ن ي ُك َ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫سمي َّئات ِك ُ ْ‬
‫فمَر ع َن ْك ُم ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫َ‬
‫حت َِها الن َْهاُر{ يعني يعطيكم فممي‬
‫عنكم ذنوبكم }وَي ُد ْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫خل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ج ِ‬
‫الخممرة بسمماتين تجممري مممن تحممت غرفهمما ومسمماكنها وأشممجارها النهممار‪،‬‬
‫ن إِ َ‬
‫ذا فَعَل ُمموا‬
‫وابين فقممال عممز ذكممره }َوال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫وأخممبرهم أنممه غفممار لممذنوب التم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ح َ‬
‫ه{ يعنممي دون الكبممائر‬
‫موا أن ْ ُ‬
‫ش ً‬
‫َفا ِ‬
‫ف َ‬
‫م ذ َك َُروا الل م َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫ة{ يعني الكبائر }أوْ ظ َل َ ُ‬
‫ويقممال أو هنمما بمعنممى الممواو‪ ،‬ومعنمماه والممذين إذا فعلمموا فاحشممة أو ظلممموا‬
‫م‪،‬‬
‫سمت َغْ َ‬
‫أنفسهم ذكروا الله‪ :‬يعني خممافوا الل ّممه عنممد المعصممية َفا ْ‬
‫فُروا ِلمذ ُُنوب ِهِ ْ‬
‫ما فَعَُلوا{ يعني لم يثبتوا علممى‬
‫م يُ ِ‬
‫ن ي َغْ ِ‬
‫فُر الذ ُّنو َ‬
‫صّروا ع ََلى َ‬
‫ب إ ِل ّ الّله }وَل َ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫معصيتهم وهم يعلمون أنها معصية‪.‬‬
‫وروى سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "إني لستغفر الّله وأتوب إليه فممي اليمموم مممائة مممرة" وفممي‬
‫خبر آخر قال "يا أيها الناس توبوا إلى الّله فإني أتوب إليه في اليوم والليلة‬
‫مائة مرة" فإذا كان النبي صلى الّله عليه وسلم يستغفر ويتمموب وقممد غفممر‬
‫الّله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فالذي لم يظهر حاله أنممه أغفممر لممه أم ل‬
‫كيف ل يتوب إلى الل ّممه تعممالى فممي كممل وقممت وكيممف ل يجعممل لسممانه أبممدا ً‬
‫مشغول ً بالستغفار‪ .‬وقال ابن عباس رضي الّله عنهما في قول الّله تعممالى‬

‫َ‬
‫}ب َ ْ‬
‫ه{ يعنممي يقممدم ذنمموبه ويممؤخر تمموبته ويقممول‬
‫ن ل ِي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫م ُ‬
‫ممما َ‬
‫جَر أ َ‬
‫ل يُ ِ‬
‫ريد ُ ا ِ‬
‫سأتوب حتى يأتيه الموت على شر ما كان عليه فيممموت عليممه‪ .‬وروى عممن‬
‫دويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الّله عنهما عممن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال "هلك المسوفون" والمسوف من يقول سمموف أتمموب‪،‬‬
‫فالواجب على كل إنسان أن يتوب إلى الّله تعالى في كل وقت حتى يممأتيه‬
‫قب َم ُ‬
‫ل‬
‫ذي ي َ ْ‬
‫الموت وهو تائب لن الّله تعالى قابل التوبة حيممث قممال }وَهُموَ ال ّم ِ‬
‫ت{ يعني يتجمماوز عممن سمميئاتهم إذا تممابوا‬
‫عَباد ِهِ وَي َعْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫الت ّوْب َ َ‬
‫سي َّئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫فو ع َ ْ‬
‫ة عَ ْ‬
‫ورجعوا فالتوبة أن يندم على ذنبه بالقلب ويستغفر باللسممان ويضمممر أن ل‬
‫يرجع إليه أبدًا‪ .‬قال عبد الّله بن مسعود رضي الّله تعممالى عنممه‪" .‬مممن قممال‬
‫أستغفر الّله العظيم الذي ل إله إل ّ هو الحي القيوم وأتوب إليه‬
‫]ص ‪[57‬‬
‫ثلثا ً غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" وروى أيوب عممن أبممي قلبممة‬
‫قال‪ :‬إن الّله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره‪ ،‬فقممال وعزتممك ل‬
‫أخرج من صدر عبدك حتى تخممرج نفسممه‪ ،‬فقممال الممرب وعزتممي وجللممي ل‬
‫أحجب التوبة عن عبدي حتى تخرج نفسه‪ .‬فانظر إلممى رحمممة الل ّممه ورأفتممه‬
‫على عباده أن سماهم مؤمنين بعد ما أذنبوا فقال تعالى }وَُتوُبوا إ ِل َممى الل ّممه‬
‫َ‬
‫ن الل ّممه‬
‫م تُ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن{ وأحبهممم بعممد التوبممة فقممال }إ ِ ّ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫مُنو َ‬
‫َ‬
‫ن ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ميعا ً أي َّها ال ُ‬
‫ن{‪ .‬وروي عن رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫ن وَي ُ ِ‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ب ال ُ‬
‫ري َ‬
‫واِبي َ‬
‫ب الت ّ ّ‬
‫مت َط َهّ ِ‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬التائب من الذنب كمن ل ذنممب لممه"‪ .‬وروي عممن علممي بممن‬
‫أبي طالب رضي الّله تعممالى عنممه أن رجل ً سممأله فقممال‪ :‬إنممي أصممبت ذنب مًا‪،‬‬
‫فقال له علي كرم الّله وجهه تب إلى الّله تعالى ثم ل تعممد‪ .‬قممال فممإني قممد‬
‫فعلت ثم عدت‪ .‬قال تب إلى الّله تعالى ثم ل تعد‪ ،‬قال إلى متى قال حممتى‬
‫ة‬
‫ممما الت ّوْب َم ُ‬
‫يكون الشيطان هو المحسور‪ .‬وقال مجاهد فممي قمموله تعممالى }إ ِن ّ َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫جَهال َ ٍ‬
‫ع ََلى الّله ل ِل ّ ِ‬
‫م ي َُتوُبو َ‬
‫سوَء ب ِ َ‬
‫مُلو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ة{ قال الجهالة العمد }ث ُ ّ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ب{ قال كل شيء دون الموت فهو قريب‪ .‬وروى أبو هريرة رضي الل ّممه‬
‫ري ٍ‬
‫قَ ِ‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إذا أذنممب الرجممل ذنبما ً‬
‫فقال رب إني ذنبت ذنبا ً أو قال عملت ذنبا ً فاغفر لي قال الّله تعالى عبدي‬
‫عمل ذنبا ً فعلم أن له ربا ً يغفر الذنب ويأخذ بمه فقمد غفمرت لعبمدي" وهمذا‬
‫كله لكرامة محمد صلى الّله عليه وسلم وكان في المم الماضية إذا أذنبمموا‬
‫ذنبا ً حرم عليهم الحلل‪ ،‬وإذا أذنب واحد منهم ذنبا ً وجممد علممى بمابه أو علممى‬
‫جسده إن فلن بن فلن قد أذنب كذا وتوبته كممذا فسممهل الممر علمى همذه‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫جمد ْ الل ّممه‬
‫م نَ ْ‬
‫سمت َغْ ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫ل ُ‬
‫فْر الل ّممه ي َ ِ‬
‫ه ث ُم ّ‬
‫سم ُ‬
‫سوءا ً أوْ ي َظ ْل ِ ْ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫المة فقال }وَ َ‬
‫م ْ‬
‫حيمًا{ فالواجب على كممل مسمملم أن يتمموب إلممى الل ّممه تعممالى حيممن‬
‫غَ ُ‬
‫فورا ً َر ِ‬
‫يصبح وحين يمسي‪ .‬وقال مجاهد‪ :‬من لم يتممب إذا أمسممى وإذا أصممبح فهممو‬
‫من الظالمين‪ :‬وينبغي للعبد أن يتوب إلى الّله تعالى في كل وقممت ويجتهممد‬
‫في حفظ الصلوات الخمس فإن الّله تعالى جعل الصلوات الخمس تطهيرا ً‬
‫لذنوب العباد فيما دون الكبممائر‪ .‬وروى علقمممة عممن عبممد الل ّممه بممن مسممعود‬
‫رضي الّله تعالى عنه قال‪" :‬جاء رجل إلممى النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫ي وقبلتهمما‬
‫فقال يا رسول الّله إني لقيت امممرأة فممي البسممتان فضممممتها الم ّ‬
‫وباشرتها وفعلت بها كل شيء غير أنني لم أجامعهمما‪ ،‬فسممكت النممبي صمملى‬
‫َ‬
‫صلة َ ط ََرِفي الن َّهارِ وَُزَلفمما ً‬
‫الّله عليه وسلم ساعة فنزلت هذه الية }وَأقِ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ل{ يعني‪ :‬صممل للممه تعممالى فممي طرفممي النهممار وهممي صمملة الفجممر‬
‫ِ‬
‫ن الل ّي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫والظهر والعصر‪ ،‬وزلفا من الليل يعني صلة المغرب وصلة العشاء الخرة‬
‫ت{ يعني الصلوات الخمس تكفر الذنوب التي‬
‫سي َّئا ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ن ال َ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ت ي ُذ ْه ِب ْ َ‬
‫بينها يعني ما دون الكبائر }ذ َل ِ َ‬
‫ك ذ ِك َْرى ِلل ّ‬
‫ن{ يعني توبة للتائبين فدعاه‬
‫ري َ‬
‫ذاك ِ ِ‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم وقرأ عليه فقال عمر رضي الّله تعالى عنممه يمما‬
‫رسول الّله أله خاصة أم للناس عامة‪ ،‬فقال النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم‬

‫بل للناس عامة"‪ .‬وروى يونس بن عبيد عن الحسن عن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال "ليس من عبد إل ّ وعليه ملكان وصاحب اليمين أمين‬
‫]ص ‪[58‬‬
‫على صاحب الشمال فإذا عمل العبد السيئة قال صاحب الشمممال أأكتبهمما؟‬
‫قال له دعه حتى يعمل خمس سيئات فإذا عمل خمسا ً قممال أأكتبهمما؟ قممال‬
‫دعه حتى يعمل حسنة‪ ،‬فإذا عمل حسنة قال صاحب اليمين‪ :‬قد أخبرنمما أن‬
‫الخمسة بعشر أمثالها فتعال حتى نمحو خمسا ً بخمس ونثبت له خمسا ً من‬
‫الحسنات‪ .‬قال فيصيح الشيطان ويقول متى أدرك ابن آدم"‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا أبممي رحمممه الل ّممه تعممالى قمال‪:‬‬
‫حدثنا أبو الحسين الفراء عن أبي بكر بإسناده عن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه قال‪ :‬خرجت ذات ليلة بعدما صليت العشمماء الخممرة مممع رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليممه وسمملم فممإذا أنمما بممامرأة منتقبممة قائمممة علممى الطريممق‬
‫فقالت يا أبا هريرة إني قد ارتكبت ذنبا ً عظيما ً فهل لممي مممن توبممة؟ فقلممت‬
‫وما ذنبك؟ قالت إني زنيت وقتلممت ولممدي مممن الزنممى‪ ،‬فقلممت لهمما؛ هلكممت‬
‫وأهلكت والله مالك من توبة قالت فشهقت شممهقة وخممرت مغشمميا ً عليهمما‪،‬‬
‫ومضيت وقلت في نفسي أفتي ورسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم بيممن‬
‫أظهرنا‪ ،.‬فلما أصبحت غدوت إلى رسول الّله صلى الّله عليه وسلم فقلت‪:‬‬
‫يا رسول الّله إن امرأة استفتني البارحة في كذا وكممذا وغنممي أفتيتهمما بكممذا‬
‫وكذا‪ ،‬فقال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ :‬إنمما للممه وإنمما إليممه راجعممون‪،‬‬
‫أنت والله يا أبا هريرة هلكت وأهلكت أين كنت يا أبا هريرة عن هممذه اليممة‬
‫م الل ّممه إ ِل ّ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫خَر َول ي َ ْ‬
‫معَ الّله إ َِلها ً آ َ‬
‫ن ل ي َد ْ ُ‬
‫}َوال ّ ِ‬
‫س ال ّت ِممي َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫عو َ‬
‫ح مّر َ‬
‫ن َ‬
‫فم َ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ت وَ َ‬
‫ن{ إلى قوله }فَأوْل َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َد ّ ُ‬
‫ن الّله‬
‫سَنا ٍ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫حقّ َول ي َْزُنو َ‬
‫ِبال َ‬
‫ح َ‬
‫ل الّله َ‬
‫سي َّئات ِهِ ْ‬
‫حيمًا{ قال فخرجت من عند رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وأنا‬
‫غَ ُ‬
‫فورا ً َر ِ‬
‫أعدو في سكك المدينة وأقول من يدلني على امرأة استفتتني البارحة في‬
‫ن أبو هريرة حتى إذا كان الليل لقيتها في ذلممك‬
‫كذا وكذا والصبيان يقولن ج ّ‬
‫الموطن فأعلمتها بقول رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم أن لهمما التوبممة‬
‫فشهقت شهقة من السرور وقالت‪ :‬إن لي حديقة وهي صممدقة للمسمماكين‬
‫صاِلحا ً‬
‫م َ‬
‫ن وَع َ ِ‬
‫ن َتا َ‬
‫ل عَ َ‬
‫ب َوآ َ‬
‫وكفارة لذنبي‪ .‬وذكر في قوله تعالى }إ ِل ّ َ‬
‫مل ً َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َد ّ ُ‬
‫ت{ قممال بعضممهم‪ :‬إن العبممد إذا تمماب مممن‬
‫س مَنا ٍ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ل الّله َ‬
‫سي َّئات ِهِ ْ‬
‫الذنوب صارت الذنوب الماضية كلها حسنات‪ .‬وروي هكذا عن ابن مسممعود‬
‫رضي الّله تعالى عنه أنه قال ينظر النسان يموم القياممة فمي كتمابه فيمرى‬
‫في أوله معاصي وفي آخره حسنات فممإذا رجمع إلممى أول الكتماب رأى كلممه‬
‫حسنات‪ .‬وروى أبو ذر الغفاري رضي الّله تعالى عنه عن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم نحوه‪ ،‬وهذا معنى قوله }فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َد ّ ُ‬
‫ت{‬
‫سممَنا ٍ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ل الّله َ‬
‫سممي َّئات ِهِ ْ‬
‫ويقال‪ :‬معناه أنه يحول من العمل السيئ إلى العمل الصممالح فيمموفقه الل ّممه‬
‫تعالى لكي يعمل الحسنات مكممان ممما يعمممل السمميئات فممذلك قمموله تعممالى‬
‫ت وَ َ‬
‫}فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك ي ُب َد ّ ُ‬
‫حيمًا{‪.‬‬
‫ن الّله غ َ ُ‬
‫فورا ً َر ِ‬
‫سَنا ٍ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ل الّله َ‬
‫سي َّئات ِهِ ْ‬
‫واعلم يا أخي أنه ليس ذنب أعظم من الكفر وقد قال الّله تعمالى }ُقم ْ‬
‫ل‬
‫ف{ فممما ظنمك بمما دونممه‪ .‬وروى‬
‫ن َينت َُهوا ي ُغْ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫سل َ َ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫فُروا إ ِ ْ‬
‫ما قَد ْ َ‬
‫م َ‬
‫فْر ل َهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫الحسن عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‬
‫]ص ‪[59‬‬
‫ّ‬
‫"لو أخطأ أحدكم حتى مل ما بين السماء والرض ثم تاب تاب اللممه عليممه"‪.‬‬
‫وروى عن يزيد القاشي قال‪ :‬خطبنا أبو هريرة رضي الّله تعالى عنممه علممى‬
‫منبر رسول الّله صلى الّله عليه وسلم فقال فممي خطبتممه‪ :‬سمممعت رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم يقول "آدم أكرم البشر على الّله يعتذر الّله إليمه‬
‫يوم القيامة بثلث معاذير يقول الّله تعالى يا آدم لممول أنممي لعنممت الكممذابين‬
‫وأبغض الكذب وأوعدت عليه وقد حق القول مني لملن جهنممم مممن الجنممة‬

‫والناس أجمعين لرحمت ذريتك اليوم أجمعين ويقول له يا آدم إني ل أدخل‬
‫أحدا ً من ذريتك النار ول أعذبه بالنار إل ّ من علمت بعلمي أنه لو رددته إلمى‬
‫الدنيا لعاد إلى شر ما كان فيه ثم لم يرجع ولم يتب‪ ،‬ويقول لممه يمما آدم قممد‬
‫جعلتك حكما ً بيني وبين ذريتك قم عند الميزان فمانظر إلمى مما يرفمع إليمك‬
‫من أعمالهم فمن رجح له خير مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني ل أدخل‬
‫النار إل ّ كل ظالم"‪ .‬روت عائشة رضي الل ّممه تعممالى عنهمما عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬الممدواوين ثلثممة‪ :‬ديمموان ل يغفممره اللممه‪،‬‬
‫وديوان يغفره الله‪ ،‬وديوان ل يترك الل ّممه منممه شمميئًا‪ ،‬فأممما الممديوان الممذي ل‬
‫شرِ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ك ب ِممالل ّهِ فَ َ‬
‫ق مد ْ‬
‫ه َ‬
‫يغفره الّله فالشرك بالله تعالى قال الّله تعالى }إ ِن ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫مأ َْواه ُ الّناُر{ وأمما المديوان المذي يغفمره الّلمه تعمالى‬
‫جن ّ َ‬
‫م الّله ع َل َي ْهِ ال َ‬
‫َ‬
‫حّر َ‬
‫ة وَ َ‬
‫فظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه‪ ،‬وأما الديوان الذي ل يترك الّله منممه‬
‫شيئا ً فظلم العباد بعضهم بعضًا" وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامممة‬
‫حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها" فينبغي للعبد أن يجتهممد‬
‫في رضا الخصوم وإذا كان الذنب بينممه وبيممن العبمماد فممإنه مطممالب بممه مممن‬
‫محله ول ينفعه الستغفار ول التوبة ما لم يرض الخصم وإن لم يرضممه فممي‬
‫الدنيا آخذ من حسناته يوم القيامة كما جاء في الخبر‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبو الحسين الفراء حدثنا أبممو بكممر‬
‫حدثنا أحمد بن عبد الّله عن صالح بن محمد عن القاسم بن عبممد الل ّممه عممن‬
‫العلء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "أتدرون من المفلس من أمتي؟ قالوا المفلممس فينمما مممن ل‬
‫درهممم لممه ول دينممار ول متمماع‪ ،‬فقممال رسممول الل ّممه صملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلته وصيامه ويأتي قد شتم هذا‬
‫وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هممذا وضممرب هممذا‪ ،‬فيقتممص لهممذا مممن‬
‫حسناته ولهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ممما عليممه أخممذ‬
‫من خطاياهم فطرحت عليمه ثمم طممرح فممي النممار" فنسمأل الّلمه تعممالى أن‬
‫يوفقنا للتوبة وأن يثبتنا عليها فإن الثبات على التوبة أشد من التوبة‪ .‬وقممال‬
‫محمد بن سيرين رحمه الّله تعالى‪ :‬إياك أن تعمل شيئا ً من الخير ثم تممدعه‬
‫فإنه ما من أحد تاب ثم رجع فأفلح فينبغي للتائب أن يجعل أجله بين عينيه‬
‫لكي يثبت على التوبة ويتفكر فيما مضى من ذنوبه ويكثر الستغفار ويشكر‬
‫الله‬
‫]ص ‪[60‬‬
‫تعالى على ذلك وعلى ما رزقه من التوبة ووفقه لذلك‪ ،‬ويتفكممر فممي ثممواب‬
‫يوم القيامة فإن من تفكر في ثواب الخرة رغب في الحسنات ومن تفكممر‬
‫في العقاب انزجر عن السيئات‪ .‬وروى زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الّله‬
‫تعالى عنه قال قلت "يا رسول الّله أخبرنا ما كان في صحف موسى؟ قال‬
‫كان فيها ست كلمات‪ :‬عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك؟ وعجبممت لمممن‬
‫أيقممن بممالموت كيممف يفممرح؟ وعجبممت لمممن أيقممن بالحسمماب كيممف يعمممل‬
‫السيئات؟ وعجبت لمن أيقن بالقمدر كيمف ينصمب" وفمي خمبر آخمر "كيمف‬
‫يحزن؟ وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليهمما؟ وعجبممت‬
‫لمن أيقن بالجنة وهو ل يعمل الحسنات؟ ل إله إل ّ الّله محمد رسول الله"‪.‬‬
‫وروي عن عبد الّله بن مسعود رضي الّله تعالى عنه أنه م مّر ذات يمموم فممي‬
‫موضع من نواحي الكوفة فإذا الفسمماق قممد اجتمعمموا وهممو يشممربون الخمممر‬
‫ن يقال له زاذان وكان يضرب ويغني وكان له صوت حسن‪ ،‬فلممما‬
‫وفيهم مغ ّ‬
‫سمع ذلك عبد الّله بن مسعود قال‪ :‬ما أحسن هذا الصوت لو كممان لقممراءة‬
‫كتاب الّله تعالى‪ ،‬وجعل الرداء في رأسه ومضى فسمع زاذان قوله فقممال‪:‬‬
‫من كان هذا؟ قالوا عبد الّله بن مسعود صاحب رسول الّله صلى الّله عليه‬
‫وسلم قال‪ :‬فأي شيء قال؟ قالوا إنه قل ما أحسن هممذا الصمموت لممو كممان‬

‫لقراءة القرآن‪ ،‬فدخلت الهيبة في قلبممه فقممام وضممرب العممود علممى الرض‬
‫فكسره ثم أسرع حتى أدركه المنديل في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي‬
‫عبد الّله فاعتنقه عبد الّله وجعل يبكي كل واحد منهمما‪ ،‬ثمم قمال عبمد الّلمه‬
‫كيف ل أحب من أحبه الّله تعالى‪ ،‬فتاب مممن ذنمموبه وجعممل يلزم عبممد الل ّممه‬
‫حتى تعلم القرآن وأخذ حظا ً من القرآن والعلم حتى صار إماما ً في العلممم‪.‬‬
‫وقد جاء في كثير من الخبار عن زاذان عن عبد الّله بن مسعود رضي الّله‬
‫تعالى عنهما‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬سمعت أبي يحكي أن في بني إسممرائيل‬
‫كانت امرأة بغيا ً وكانت مفتنة للناس بجمالها وكان باب دارها أبممدا ً مفتوح ما ً‬
‫فكل من مّر ببابها رآها قاعدة في دارها على السرير بحذاء الباب فكل من‬
‫نظر إليها افتتن بها فإذا أراد الدخول إليها احتاج إلى إحضممار عشممرة دنممانير‬
‫أو أقل أو أكثر حتى تأذن له بالدخول عليهمما‪ ،‬فممّر بهمما ذات يمموم عابممد مممن‬
‫العباد فوقع بصره في الدار وهي قاعدة علممى السممرير فممافتتن بهمما فجعممل‬
‫يجاهد نفسه ويدعو الّله تعالى ليزيل ذلك من قلبه فلم يزل ذلك عنه وكان‬
‫يكابد نفسه المكابدة الشديدة حتى باع قماشا ً كان له وجمع من الدنانير ما‬
‫يحتاج إليه فجاء إلى بابها وأمرت أن يسلم ذلك إلى وكيل لها وواعدته وقتا ً‬
‫لمجيئه فجاء إليها في ذلممك المموقت وقممد تزينممت وجلسممت فممي بيتهمما علممى‬
‫سريرها فدخل عليها العابد وجلس معها على السرير‪ ،‬فلممما مممد يممده إليهمما‬
‫وانبسط إليها تداركه الّله تعالى برحمته وبركة عبادته المتقدممة فوقمع فمي‬
‫قلبه أن الّله تعالى يراني في هذه الحالة‬
‫]ص ‪[61‬‬
‫فوق عرشه وأنا في الحرام وقد أحبط عملي كله‪ ،‬فوقعت الهيبة في قلبممه‬
‫وارتعدت فرائصه وتغير لونه فنظرة المرأة إليه فرأته متغير اللممون فقممالت‬
‫أي شيء أصابك؟ قال إني أخاف ربي فأذني لي بالخروج‪ ،‬فقالت له ويحك‬
‫إن كثيرا ً من الناس يتمنون الذي وجمدته فمأي شميء همذا المذي أنمت فيمه‪،‬‬
‫فقال لها إني أخاف الّله تعالى وإن المال المذي دفعتمه إليمك همو حلل لمك‬
‫فأذني لي بالخروج‪ ،‬فقممالت لمه كأنمك لممم تعممل هممذا العمممل قمط؟ قمال ل‬
‫فقالت المرأة من أين أنت وما اسمك؟ فأخبرها أنه من قريممة كممذا واسمممه‬
‫كذا‪ ،‬فأذنت له بالخروج فخرج من عندها وهو يدعو بالويممل والثبممور ويبكممي‬
‫على نفسه ويحثو التراب على رأسه‪ .‬فوقعت الهيبة في قلب المرأة ببركة‬
‫ذلك العابد فقالت في نفسها‪ :‬إن هذا الرجل أول ذنب أذنبه وقد دخل عليه‬
‫من الخوف ما دخل وإني قد أذنبت منذ كذا وكذا سنة وإن ربه الذي يخاف‬
‫منه هو ربي فخمموفي منممه ينبغممي أن يكممون أشممد‪ ،‬فتممابت إلممى الل ّممه تعممالى‬
‫وأغلقت بابها عن الناس ولبست ثيابا ً خلقة وأقبلت على العبادة وكانت في‬
‫عبادتها ما شاء الّله فقالت في نفسممها‪ :‬إنممي لممو انتهيممت إلممى ذلممك الرجممل‬
‫فلعله يتزوجني فأكون عنده فأتعلم من أمممر دينممي ويكممون عون ما ً لممي علممى‬
‫عبادة الّله تعالى‪ ،‬فتجهزت وحملت معها من الموال والخدم مما شمماء الّلمه‬
‫فانتهت إلى تلك القرية وسألت عنه فأخبر العابد أنممه قممدمت امممرأة تسممأل‬
‫عنك فخرج العابد إليها فلما رأته المرأة كشفت عن وجههمما ليعرفهمما‪ ،‬فلممما‬
‫رآها العابد عرف وجهها وتذكر المر الممذي كممان بينممه وبينهمما فصمماح صمميحة‬
‫وخرجت روحه‪ ،‬وبقيت المرأة حزينة وقالت‪ :‬إني خرجت لجلممه وقممد مممات‬
‫فهل من أقربائه أحد يحتاج إلى امرأة؟ فقالوا إن لممه أخما ً صممالحا ً ليممس لممه‬
‫مال‪ ،‬فقالت ل بأس وإن لي من المال ما فيه غنية‪ ،‬فجاء أخوه فممتزوج بهمما‬
‫فولد له منها سبعة من البنين كلهم صاروا أنبياء فممي بنممي إسممرائيل‪ ،‬واللممه‬
‫سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬

‫باب حق الوالدين‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبو القاسممم‬
‫عبد الرحمن ابن محمد الشمذي‪ .‬أنبأنا فارس بن مردويه‪ .‬حدثنا محممد بمن‬
‫الفضل العابد‪ .‬حدثنا يزيد ابن هرون قال‪ :‬حدثنا سليمان التيمي عممن سممعيد‬
‫بن مسعود عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما قال‪ :‬ممما مممن مممؤمن لممه‬
‫أبوان فيصبح وهو محسن إليهما إل ّ فتح الّله له بابين من الجنمة ول يسمخط‬
‫عليه واحد منهممما فيرضممى الل ّممه تعممالى عنممه حممتى يرضممى‪ .‬قيممل‪ :‬وإن كممان‬
‫ظالما؟ قال وإن كان ظالمًا‪ .‬وروى هذا الخبر مرفوعا ً فيممه زيممادة‪ :‬قممال ول‬
‫يصبح وهو مسيء إليهما إل ّ فتح الل ّممه لممه بممابين مممن النممار وإن كممان واحممدا ً‬
‫فواحد‪ .‬قال رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حمدثنا أبمو القاسممم حممدثنا فممارس حممدثنا‬
‫محمد بن الفضل حدثنا عبيد الّله بن موسى عن‬
‫]ص ‪[62‬‬
‫سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال‪ :‬قال موسممى عليممه الصمملة والسمملم‪:‬‬
‫يارب أوصني؟ قمال أوصميك بمي‪ .‬قمال أوصمني؟ قمال أوصميك بأممك‪ .‬قمال‬
‫أوصني‪ .‬قال‪ :‬أوصيك بأمك‪ .‬قال‪ :‬أوصني‪ .‬قممال أوصمميك بأبيممك‪ .‬وروي عممن‬
‫عبد الّله بن عمر رضي الّله تعالى عنهما قل‪" :‬جاء رجل إلممى النممبي صمملى‬
‫ي أبممواك؟ قممال نعممم قممال‬
‫الّله عليه وسلم فقال إني أريممد الجهمماد قممال أحم ّ‬
‫ففيهما جاهد"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬في هذا الخبر دليل على أن بّر الوالممدين‬
‫أفضل من الجهاد في سبيل الّله تعالى لن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫أمره أن يترك الجهاد ويشتغل ببر الوالدين‪ ،‬وهكذا نقول إنه ل يجوز للرجل‬
‫أن يخرج إلى الجهاد في سبيل الّله إذا لم يأذن له أبواه ما لممم يقممع النفيممر‬
‫عامًا‪ ،‬وتكون طاعة الوالدين أفضل من الخروج إلى الغممزو‪ .‬وروى بهممز بممن‬
‫حكين عن أبيه عن جده قال "قلت يا رسول الّله من أب مّر قممال أمممك‪ .‬قممال‬
‫قلت ثم من؟ قال أمك‪ .‬قال قلت ثم من؟ قال أمممك‪ .‬قممال قلممت ثممم مممن؟‬
‫قال أباك ثم القرب فالقرب"‪.‬‬
‫)قال رحمه الّله تعالى( حدثنا أبو القاسم حدثنا فارس بن مردويه قممال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا أصرم بن حوشب قال‪ :‬حدثنا عيسى بممن‬
‫عبد الّله عن زيد بن علي عن أبيه عن جده قممال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه صمملى‬
‫ُ‬
‫ف لنهى عن ذلك‬
‫الّله عليه وسلم "لو علم الّله شيئا ً من العقوق أدنى من أ ٍ‬
‫فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة‪ ،‬وليعمل الباّر ممما شمماء أن‬
‫يعمل فلن يدخل النار"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه لو لم يذكر الّله تعالى في كتابه حرمة‬
‫الوالدين ولم يموص بهمما لكمان يعممرف بالعقمل أن حرمتهممما واجبمة‪ ،‬وكممان‬
‫الواجب على العاقل أن يعرف حرمتهما ويقضي حقهممما‪ ،‬فكيممف وقممد ذكممر‬
‫الّله تعالى في جميع كتبه في التوراة والنجيل والزبور والفرقان‪ ،‬وقد أمممر‬
‫في جميع كتبه وأوحى إلى جميع النبياء وأوصاهم بحرمة الوالدين ومعرفممة‬
‫حقهما‪ ،‬وجعل رضاه في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما‪ .‬ويقال ثلث‬
‫آيات نزلت مقرونة بثلث ل يقبممل الل ّممه واحممدة منهممن بغيممر قرينتهمما‪ .‬أّولهمما‪:‬‬
‫َ‬
‫صلة َ َوآُتوا الّز َ‬
‫ة{ فمن صلى ولم يممؤد الزكمماة لممم‬
‫كا َ‬
‫قوله تعالى }وَأِقي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سممو َ‬
‫ل{‬
‫طيعُمموا الل ّممه وَأ ِ‬
‫تقبل منه الصلة والثاني قوله تعممالى‪} :‬وَأ ِ‬
‫طيعُمموا الّر ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫فمن أطاع الّله ولم يطع الرسول لم يقبل منه‪ .‬والثالث قمموله تعممالى‪} :‬أ ْ‬
‫وال ِد َي ْ َ‬
‫ا ْ‬
‫صيُر{ فمن شكر الل ّممه ولممم يشممكر لوالممديه لممم‬
‫م ِ‬
‫ي ال َ‬
‫ك إ ِل َ ّ‬
‫شك ُْر ِلي وَل ِ َ‬
‫يقبل منه‪.‬‬
‫والدليل على ذلك ما روي عن رسول الّله قال "إن لعنة الوالدين تبممتر‪ :‬أي‬
‫تقطع‪ .‬أصل ولدهما إذا عقهما فمن أرضى والديه فقد أرضممى خممالقه ومممن‬
‫أسخط والديه فقد أسخط خالقه ومن أدرك والديه أو أحدهما فلممم يبرهممما‬
‫فدخل النار فأبعده الله" وسئل النبي صلى الّله عليممه وسمملم "أي العمممال‬

‫أفضل؟ قال الصلة لوقتها ثم بّر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله"‪ .‬وعممن‬
‫فرقد‬
‫]ص ‪[63‬‬
‫السيخي قال‪ :‬قرأت في بعض الكتب‪ :‬إنه ل ينبغي للولد أن يتكلم إذا شممهد‬
‫والديه إل ّ بإذنهما‪ ،‬ل يمشي ببين يديهما ول عن يمينهما ول عن شمالهما إل ّ‬
‫أن يدعواه فيجيبهما‪ ،‬ولكن يمشي خلفهما كما يمشممي العبممد خلممف ممموله‪.‬‬
‫وذكر أن رجل ً جاء إلى النبي صلى الّله عليه وسلم فقال يا رسول الّلممه إن‬
‫أمي خرفت عندي وأنا أطعمها بيدي وأسقيها وأوضئها وأحملها على عاتقي‬
‫فهل جازيتها؟ قال ل ول واحدة من مممائة ولكنممك قممد أحسممنت واللممه يثيبممك‬
‫على القليل كممثيرًا" وروى هشممام ابممن عممروة عممن أبيممه قممال‪ :‬مكتمموب فممي‬
‫الحكمة ملعون من لعن أبمماه ملعمون ممن لعممن أمممه ملعممون ممن صمد ّ عمن‬
‫السبيل أو أضل العمى عن الطريق‪ ،‬ملعون من ذبح بغير اسم الّله ملعون‬
‫من غير تخوم الرض يعني الحد الذي بين أرضه وأرض غيره‪ ،‬ويقممال يعنممي‬
‫علمات الحرم‪ ،‬ومعنى قوله لعن أباه ولعن أمه يعني عمممل عمل ً يلعممن بممه‬
‫أبواه فيصير كأنه هو الذي لعنهما‪ .‬وروي عن رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "إن من أكممبر الممذنب أن يسممب الرجممل والممديه قيممل وكيممف‬
‫يسب والديه؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" وروى أبان عن‬
‫أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه قال "كان شاب على عهد رسول الّلممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم يسمى ع َْلقمة وكان شممديد الجتهمماد عظيممم الصممدقة‬
‫فمرض فاشتد مرضه‪ ،‬فبعثت امرأته إلى رسول الله صلى الّله عليه وسلم‬
‫أن زوجي في النزع فأردت أن أعلمك بحاله‪ ،‬فقال رسول الّلمه صملى الل ّممه‬
‫ي وسمملمان وعمممار اذهبمموا إلممى علقمممة فممانظروا ممما‬
‫عليه وسلم لبلل وعل ّ‬
‫حاله‪ ،‬فانطلقوا حتى دخلوا عليه فقمالوا لمه قمل ل إلمه إل ّ الّلمه فلمم ينطمق‬
‫لسانه فلما أيقنوا أنه هالك بعثوا بلل ً إلى رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‬
‫ليخبره بحاله‪ ،‬فقال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم هل له أبوان؟ فقيممل‬
‫له أما أبوه فقد ممات ولمه أم كمبيرة السمن‪ ،‬فقمال يما بلل انطلمق إلمى أم‬
‫علقمة فأقرئها مني السلم وقل لها إن قممدرت علممى المسممير إلممى رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم وإل فقري حممتى يأتيممك رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فأخبرها فقالت نفسي لنفسه الفداء أنمما أحممق بإتيممانه فأخممذت‬
‫العصا فمشت حتى دخلت على رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬فلما أن‬
‫سلمت عليه رد ّ عليها السلم فجلست بين يدي رسول الّله صلى الّله عليه‬
‫وسلم فقال اصدقيني فإن كذبتيني جاءني الوحي من الّله تعالى كيف كممان‬
‫حال لعلقمة؟ قالت يا رسول الّله كممان يصمملي كممذا يمموم ويصمموم كممذا يمموم‬
‫وكان يتصدق بجملة من الدراهم ما يدري كم وزنهمما وممما عممددها قممال فممما‬
‫حالك وحاله؟ قالت يا رسول الّله إني عليه سمماخطة واجممدة قممال لهمما ولممم‬
‫ذلك؟ قالت كان يؤثر امرأتممه علممي يطيعهمما فممي الشممياء ويعصمميني‪ ،‬فقممال‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم سخط أمه‪ .‬حجب لسانه عممن شممهادة أن‬
‫ل إله إل ّ الله‪ ،‬ثم قال لبلل انطلق واجمع حطب ما ً كممثيرا ً حممتى أحرقممه بالنممار‬
‫فقالت يا رسول الّله ابنممي وثمممرة فممؤادي تحرقممه بالنممار بيممن يممديّ فكيممف‬
‫يحتمل قلبي‪ ،‬فقال لها رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم يمما أم علقمممة‬
‫فعذاب الّله أشد وأبقى فإن سرك أن يغفر الّله لممه فارضممي عنممه‪ ،‬فوالممذي‬
‫نفسي بيده ل تنفعه الصملة ول الصمدقة مما دمممت عليمه سمماخطة فرفعممت‬
‫يديها وقالت يا رسول الله‬
‫]ص ‪[64‬‬
‫ّ‬
‫أشهد الّله في سمائه وأنت يا رسول الله ومن حضرني أني قد رضيت عن‬
‫علقمة‪ ،‬فقال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم انطلق يمما بلل فممانظر هممل‬
‫يستطيع علقمة أن يقول ل إله إل ّ الّله فلعممل أم علقمممة تكلمممت بممما ليممس‬

‫في قلبها حياء من رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‪ ،‬فممانطلق بلل فلممما‬
‫انتهى إلى الباب سمع علقمة يقول ل إله إل ّ الله‪ ،‬فلما دخل قممال يمما هممؤلء‬
‫م علقمة حجب لسانه عممن الشممهادة وإن رضمماها أطلممق لسممانه‬
‫إن سخط أ ّ‬
‫فمات من يومه‪ ،‬فأتاه رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم فممأمر بغسممله‬
‫وتكفينه وصلى عليه‪ ،‬ثم قام على شفير القبر وقال‪ :‬يا معشممر المهمماجرين‬
‫ضل زوجته على أمه فعليه لعنة الّله ول يقبل منه صممرف ول‬
‫والنصار من ف ّ‬
‫عدل يعني الفرائض والنوافل"‪ .‬وروي عن ابن عباس رضي الّله عنهما فممي‬
‫قوله تعالى }وقَضى رب َ َ‬
‫سمانًا{ يعنمي أممر‬
‫ن إِ ْ‬
‫ك أل ّ ت َعْب ُ ُ‬
‫َ ّ‬
‫َ َ‬
‫ح َ‬
‫دوا إ ِل ّ إ ِّياه ُ وَِبال َ‬
‫واِلمد َي ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ربك أن ل توحدوا غير الله تعالى ويقال أن ل تعبدوا إل ّ إياه يعني ل تطيعمموا‬
‫أحدا ً في المعصية لكن أطيعوا الّله فيما يأمركم به وبالوالدين إحسانا يعني‬
‫َ‬
‫عن ْد َ َ‬
‫ما أ َْو‬
‫ن ِ‬
‫ك الك ِب ََر{ يعنممي الهممرم }أ َ‬
‫ح مد ُهُ َ‬
‫بّرا ً بهما وعطفا ً عليهما }إ ِ ّ‬
‫ما ي َب ْل ُغَ ّ‬
‫ُ‬
‫قم ْ‬
‫ف{ يعنممي ل‬
‫ممما{ يعنممي أحممد البمموين أو كل البمموين }َفل ت َ ُ‬
‫ممما أ ّ‬
‫ِ‬
‫ل ل َهُ َ‬
‫كلهُ َ‬
‫تقذرهما ول تقل لهما قول ً رديئًا‪ ،‬ويقال معناه إذا كبر البمموان واحتاجمما إلممى‬
‫رفع بولهما وغائطهما فل تأخذ بأنفك عند ذلك ول تعبس بوجهك فإنهممما قممد‬
‫رفعما ذلمك منمك فممي حالمة صمغرك ورأيمما ذلمك منمك كمثيرا‪ ،‬ثممم قمال }َول‬
‫ما{ يعني ل تغلظ لهما القول }وَقُ ْ‬
‫ريمًا{ يعني لينا ً حسنا‬
‫ل ل َهُ َ‬
‫ت َن ْهَْرهُ َ‬
‫ما قَوْل ً ك َ ِ‬
‫ة{ يعني كن ذليل ً رحيما ً عليهما }وَقُ ْ‬
‫ح الذ ّ ّ‬
‫ل‬
‫}َوا ْ‬
‫م ِ‬
‫ل ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫جَنا َ‬
‫ما َ‬
‫ح َ‬
‫ض ل َهُ َ‬
‫ف ْ‬
‫م ْ‬
‫ما{ يعني إذا ماتا فادع لهما بالمغفرة‪.‬‬
‫ب اْر َ‬
‫ّر ّ‬
‫مهُ َ‬
‫ح ْ‬
‫يعني يجب على الولد أن يعرف حق الوالدين في حياتهما ويعرف حقهما‬
‫بعد موتهما فيدعو لهما بالمغفرة على أَثر كل صلة‪ ،‬ويقال وقل }وَقُ ْ‬
‫ب‬
‫ل ّر ّ‬
‫ممما‬
‫اْر َ‬
‫ما{ يعني يدعو لهما بالمغفرة في حال حياتهممما وبعممد موتهممما }ك َ َ‬
‫مه ُ َ‬
‫ح ْ‬
‫ي في حال صغري حتى كممبرت فاجزهممما عنممي‬
‫َرب َّياِني َ‬
‫صِغيرًا{ كما قاما عل ّ‬
‫بالمغفرة لهما‪ .‬وروي عن بعض التابعين رضي الّله عنهم أنه قال‪ :‬من دعمما‬
‫َ‬
‫ن‬
‫دى حقهما لن الل ّممه تعممالى قممال }أ ْ‬
‫لبويه في كل يوم خمس مرات فقد أ ّ‬
‫وال ِد َي ْ َ‬
‫ا ْ‬
‫صيُر{ فشكر الّله تعالى أن يصلي في كممل يمموم‬
‫م ِ‬
‫ي ال َ‬
‫ك إ ِل َ ّ‬
‫شك ُْر ِلي وَل ِ َ‬
‫خمس مرات وكذلك شممكر الوالممدين أن يممدعو لهممما فممي كممل يمموم خمممس‬
‫مرات‪ ،‬ثم قال }ربك ُ َ‬
‫م{ يعني عالم بما فممي قلمموبكم‬
‫ما ِفي ن ُ ُ‬
‫فو ِ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م أع ْل َ ُ‬
‫َ ّ ْ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ن{ يعنممي إن تكونمموا بممارين‬
‫صممال ِ ِ‬
‫مممن الليممن والممبّر للبمموين }إ ِ ْ‬
‫كون ُمموا َ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫فممورًا{‬
‫ن غَ ُ‬
‫ه ك َمما َ‬
‫بالوالدين فتستوجبوا على الل ّممه بممذلك الجممر }فَمإ ِن ّ ُ‬
‫ن ل ِلّواِبيم َ‬
‫يعني إن تركتم حق الوالدين فتوبوا إلى الّله تعممالى }فَ مإن ّه ك َمما َ َ‬
‫ن{‬
‫ِ ُ‬
‫ن ل ِلّواِبي م َ‬
‫فورًا{‪.‬‬
‫يعني الرجاعين عن الذنوب }غ َ ُ‬
‫ويقال للوالدين علممى الولممد عشممرة حقموق‪ .‬أحممدها‪ :‬أنممه إذا احتمماج إلممى‬
‫الطعام أطعمه‪ .‬والثاني إذا احتاج إلى الكسوة كساه إن قدر عليممه‪ ،‬وهكممذا‬
‫روى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم في تفسير‬
‫]ص ‪[65‬‬
‫معُْروفًا{ فقال المصمماحبة بممالمعروف أن‬
‫صا ِ‬
‫ما ِفي الد ّن َْيا َ‬
‫حب ْهُ َ‬
‫قوله تعالى }وَ َ‬
‫يطعمهممما إذا جاعمما ويكسمموهما إذا عريمما‪ .‬والثممالث إذا احتمماج أحممدهما إلممى‬
‫خدمته خدمه‪ .‬والرابممع إذا دعمماه أجمابه وحضممره‪ .‬والخمامس إذا أمممره بمأمر‬
‫أطاعه ما لم يأمر بالمعصية والغيبممة‪ .‬والسممادس أن يتكلممم معممه بمماللين ول‬
‫يتكلم معه بالكلم الغليظ‪ .‬والسابع أن ل يدعوه باسمه‪ .‬والثامن أن يمشممي‬
‫خلفه‪ .‬والتاسع أن يرضى له ما يرضى لنفسه ويكره لممه ممما يكممره لنفسممه‪.‬‬
‫والعاشر أن يدعو له بالمغفرة كلما يدعو لنفسه قال الّله تعالى حكاية نوح‬
‫ي{ وهكممذا عممن إبراهيممم عليممه‬
‫ب اغ ْ ِ‬
‫عليه الصلة والسلم }َر ّ‬
‫وال ِمد َ ّ‬
‫فْر ِلي وَل ِ َ‬
‫قب ّ ْ‬
‫م‬
‫الصلة والسلم }َرب َّنا وَت َ َ‬
‫ل دُ َ‬
‫ممؤ ْ ِ‬
‫عاِء‪َ ،‬رب َّنا اغ ْ ِ‬
‫ن َيموْ َ‬
‫واِلمد َيّ وَل ِل ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫فْر ِلمي وَل ِ َ‬
‫ب{ يعني يوم القيامة‪.‬‬
‫يَ ُ‬
‫م ال ِ‬
‫سا ُ‬
‫قو ُ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫وروى عن بعض الصحابة رضي الله تعممالى عنممه أنممه قممال‪ :‬تمرك الممدعاء‬
‫للوالدين يضيق العيش عن الولد‪ ،‬وهممل يمكنممه أن يرضمميهما بعممد وفاتهممما؟‬
‫قيل له بلى يرضيهما بثلثة أشياء‪ .‬أولهما أن يكون الولد صالحا ً فممي نفسممه‬

‫لنه ل يكممون شمميء أحممب إليهممما مممن صمملحه‪ .‬والثمماني أن يصممل قرابتهممما‬
‫وأصدقائهما‪ .‬والثالث أن يستغفر لهما ويممدعو لهممما ويتصممدق عنهممما‪ .‬وروى‬
‫العلء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم قممال "إذا مممات ابممن آدم انقطممع عملممه إل ّ عممن‬
‫ثلث‪ :‬صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لممه بممالمغفرة" وعممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ل تقطع من كان يصل أبمماك فتطفممئ‬
‫دك ود ّ أبيممك"‪ .‬وذكممر أن رجل ً مممن بنممي سمملمة جمماء إلممى‬
‫بذلك نورك فإن و ّ‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فقال "إن أبويّ قد ماتا فهممل بقممي مممن برهممما‬
‫ي شيء قال نعم‪ :‬الستغفار لهما وإنقاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة‬
‫عل ّ‬
‫الرحم التي ل توصل إل ّ بهما"‪ .‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫باب حق الوالد على الولد‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا محمد بن الفضممل قممال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن جعفر قال‪ :‬حدثنا إبراهيم بن يوسف قال حدثنا أبممو معاويممة‬
‫عن حسن بن عمارة عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلممى عممن عيسممى‬
‫بن طلحة عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنمه أن النممبي صملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قال‪" :‬من حق الوالد على الولممد ثلثممة أشممياء‪ :‬أن يحسممن اسمممه إذا‬
‫ولد‪ ،‬ويعلمه الكتاب إذا عقممل‪ ،‬ويزوجممه إذا أدرك"‪ .‬وروى عممن عمممر رضممي‬
‫الّله تعالى عنه أن رجل ً جاء إليه بممابنه فقممال‪ :‬إن ابنممي هممذا يقضممي‪ ،‬فقممال‬
‫عمر رضي الّله تعالى عنه للبن أما تخاف الّله في عقوق والدك فممإن مممن‬
‫حق الوالد كذا ومن حق الوالد كذا‪ .‬فقال البن يا أمير المؤمنين‪ :‬أما للبممن‬
‫على والده حق؟ قال نعم حقه أن يستنجب أمه يعني ل يتزوج امممرأة دنيئة‬
‫لكيل يكون للبن تعيير بها‪ .‬قال‪ ،‬ويحسن اسمه ويعلمه الكتاب‪ ،‬فقال البن‬
‫]ص ‪[66‬‬
‫فوالله ما استنجب أمممي ومما همي إل ّ سممندية اشممتراها بأربعممائة درهممم ول‬
‫حسن اسمي سماني جعل ً ذكممر الخفمماش‪ ،‬ول علمنممي مممن كتمماب الل ّممه أيممة‬
‫واحدة‪ ،‬فالتفت عمر رضممي الل ّممه تعممالى عنممه إلممى الب وقممال تقممول ابنممي‬
‫يعقني فقد عققته قبل أن يعقك قم عني‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحممه الّلمه تعمالى‪ :‬سممعت أبمي يحكمي عمن أبمي حفمص‬
‫اليسكندي وكان من علماء سمرقند أنه أتاه رجل فقممال‪ :‬إن ابنممي ضممربني‬
‫وأوجعني قال سبحان الّله البن يضرب أبمماه؟ قممال نعممم ضممربني وأوجعنممي‬
‫فقال هل علمته الدب والعلم؟ قال ل‪ ،‬فهممل علمتممه القممرآن؟ قممال ل قممال‬
‫فأي عمل يعمل؟ قال الزراعة‪ ،‬قال هل علمت لي شيء ضممربك؟ قممال ل‪،‬‬
‫قال فلعله حين أصبح وتوجه إلى الزرع وهو راكممب علممى الحمممار والممثيران‬
‫بين يديه والكلب من خلفه وهو ل يحسن القرآن فتغنى وتعرضممت لممه فممي‬
‫ذلك الوقت فظن أنك بقرة فاحمد الّله حيث لم يكسر رأسك‪ .‬وعممن ثممابت‬
‫البناني رحمه الّله تعالى أنه قال‪ :‬روي أن رجل ً كان يضرب أباه في موضممع‬
‫فقيل له ما هذا‪ .‬فقممال الب خلمموا عنممه فممإني كنممت أضممرب أبممي فممي هممذا‬
‫الموضع فابتليت بابني يضربني في هذا الموضممع هممذا بمذاك ول لموم عليممه‪.‬‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬من عصى والديه لم يره السرور مممن ولممده‪ :‬ومممن لممم‬
‫يستشر في المور لم يصمل إلمى حماجته‪ ،‬وممن لمم يمدار أهلمه ذهبمت لمذة‬
‫عيشه‪ .‬وروى الشعبي عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "رحممم الل ّممه‬
‫والدا ً أعان ولده على بّره" يعني ل يأمره بأمر يخمماف منممه أن يعصمميه فيممه‪.‬‬
‫وروي عن بعض الصالحين أنه كان ل يأمر ابنه بممأمر‪ ،‬وكممان إذا احتمماج إلممى‬
‫شيء يأمر غيره فسئل عن ذلك؟ فقال إني أخاف أني لو أمرت ابني بذلك‬
‫يعصيني في ذلك فيستوجب النار وأنا ل أحرق ابني بالنار‪ .‬وروي عن خلممف‬
‫ابن أيموب نحمو همذا‪ ،‬وقمال الفضمميل بمن عيماض رحممه الّلمه تعمالى‪ :‬تممام‬
‫المروءة من بّر والديه ووصل رحمه وأكرم إخوانه‪ ،‬وحسن خلقممه مممع أهلممه‬

‫وولده وخدمه‪ ،‬وأحرز دينه وأصلح مماله وأنفممق ممن فضممله‪ ،‬وحفممظ لسممانه‬
‫ولزم بيته‪ :‬يعني يكون مقبل ً على عمله ول يجلس مع أهل الفضممول‪ .‬وروي‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "أربع من سعادة المممرء‪ :‬أن‬
‫تكون زوجته صالحة‪ ،‬وأولده أبرارا ً إن وخلطاؤه صالحين‪ ،‬وأن يكون رزقممه‬
‫في بلده"‪ .‬وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫قال‪ :‬سبع يؤجر فيهن من بعممده‪ :‬مممن بنممى مسممجدا ً فلممه أجممره ممادام أحممد‬
‫يصلي فيه‪ ،‬ومن أجرى نهرا ً فمادام يجري فيمه المماء ويشمرب منمه النمماس‬
‫كان له أجره‪ ،‬ومن كتب مصحفا ً وأحسنه كان له أجره مادام يقرأ فيه أحد‪،‬‬
‫ومن استخرج عينا ً ينتفع بمائها كان له أجرها ما بقيت‪ ،‬ومممن غممرس غرسما ً‬
‫كان له أجره فيما أكل الناس منه والطير‪ ،‬ومن علم علما ً كذلك‪ ،‬ومن ترك‬
‫ولدا ً يستغفر له ويدعو له من بعده‪ :‬يعني إذا كان الولد صالحًا‪ .‬وقممد علمممه‬
‫الب القرآن والعلم فيكون أجره لوالده من غير أن ينقممص مممن أجممر ولممده‬
‫شيء‪،‬‬
‫]ص ‪[67‬‬
‫فإذا كان الوالد ل يعلمه القرآن ويعلمه طريق الفسق يكون وزره على أبيه‬
‫من غير أن ينقص من وزر ولده شيء‪ .‬وروي عن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إذا مات العبممد انقطممع‬
‫عمله إل ّ من ثلث‪ :‬صدقة جارية‪ ،‬وعلممم ينتفممع بممه‪ ،‬أو ولممد صممالح يممدعو لممه‬
‫بخير"‪.‬‬
‫باب صلة الرحم‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضممي اللممه تعممالى عنممه‪ :‬حممدثنا أبممو‬
‫القاسم عبد الرحمن بن محمد قال‪ :‬حدثنا فارس بممن مردويممه قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫محمد بن الفضل قال‪ :‬حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عمر بن عثمان‬
‫عن موسى بن طلحة عن أبي أيوب رضي الل ّممه تعممالى عنممه قممال‪" :‬عممرض‬
‫أعرابي بالنبي صلى الّله عليه وسلم فأخذ بزمام ناقته أو خطامها ثممم قممال‬
‫يا رسول الّله أخبرني بما يقربني من الجنمة ويباعممدني ممن النمار؟ قممال أن‬
‫تعبد الّله ول تشرك به شيئًا‪ ،‬وتقيم الصمملة وتممؤتي الزكمماة وتصممل الرحممم"‬
‫قال‪ :‬حدثنا الحاكم أبو الحسن علي السردري قممال‪ :‬حممدثنا أبممو محمممد عبممد‬
‫الّله ابن الحوص قال حدثنا الحسين بممن علممي بممن عفممان قممال‪ :‬حممدثنا أبممو‬
‫محمد عبد الّله ابن الحوص قال حدثنا الحسين بممن علممي بممن عفممان قممال‪:‬‬
‫حدثنا هانئ بن سعيد النخعي عن سلمان ابن يزيمد عمن عبمد الّلمه بمن أبمي‬
‫أوفى رضي الّله تعالى عنه قال "كنا جلوسا ً عشية عرفة عنممد رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم فقال النبي صلى الّله عليممه وسمملم ل يجالسممني مممن‬
‫أمسى قاطع الرحم ليقم عنا فلم يقم أحد إل ّ رجل كان من أقصى الحلقممة‬
‫فمكث غير بعيد ثم جاء‪ ،‬فقال له رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم مالممك‬
‫لم يقم أحد من الحلقة غيرك؟ قال يا نبي الّله سممعت الممذي قلمت فمأتيت‬
‫خالة لي كانت تصارمني‪ :‬أي تقاطعني‪ ،‬فقالت ما جاء بك ما هذا من دأبممك‬
‫فأخبرتها بالذي قلت فاستغفرت لي واستغفرت لها‪ ،‬فقال النبي صلى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أحسنت اجلس أل إن الرحمة ل تنممزل علممى قمموم فيهممم قمماطع‬
‫رحم"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعمالى‪ :‬فممي الخممبر دليممل قمماطع علممى أن قطممع‬
‫الرحم ذنب عظيم لنه يمنع الرحمة عنه وعمن كان جليسه فالواجب علممى‬
‫المسلم أن يتوب من قطع الرحم ويستغفر الل ّممه تعممالى ويصممل رحمممه لن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم بين في هذا الخبر الّول أن صلة الرحم تقممرب‬
‫العبد من رحمته وتباعده من النار‪ .‬وروى عن رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "ما من حسنة أعجل ثوابا ً من صمملة الرحممم‪ ،‬وممما مممن ذنممب‬
‫أجدر أن يعجل الّله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر في الخممرة مممن‬

‫البغي وقطيعة الرحم"‪ .‬قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد قممال‪:‬‬
‫حدثنا فارس بن مردويه قال حدثنا محمد بن الفضممل قممال حممدثنا يزيممد بممن‬
‫هرون قال الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عممن جممده قممال‬
‫"جاء رجل إلى النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم فقممال‪ :‬إن لممي أرحامما ً اصممل‬
‫ويقطعوني وأعفو ويظلموني وأحسممن ويسمميئوني أفأكممافئهم؟ قممال‪ :‬ل إذن‬
‫تشتركون جميعا ً ولكن خذ بالفضل وصلهم فإنه لن يممزال معممك ظهيممر مممن‬
‫الله‬
‫]ص ‪[68‬‬
‫ما كنمت علمى ذلمك"‪ .‬ويقمال ثلثمة ممن أخلق أهمل الجنمة ل توجمد إل ّ فمي‬
‫الكريم‪ :‬الحسان إلى المسيء‪ ،‬والعفو عمن ظلمممه‪ ،‬والبممذل لمممن حرمممه‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو القاسم قال حممدثنا فممارس قممال‪ :‬حممدثنا محمممد قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫أصرم بن حوشب عن أبي سنان عن الضحاك بن مزاحم فممي تفسممير هممذه‬
‫ما ي َ َ‬
‫ت{ قال‪ :‬إن الرجل ليصل رحمممه وقممد بقممي‬
‫م ُ‬
‫شاُء وَي ُث ْب ِ ُ‬
‫حوا الّله َ‬
‫الية }ي َ ْ‬
‫من عمره ثلثة أيام فيزيد الّله في عمره ثلثيممن سممنة‪ ،‬وإن الرجممل ليقطممع‬
‫رحمه وقد بقي من عمره ثلثون سنة فيحطه الّله إلى ثلثة أيام‪.‬‬
‫وروى ثوبان عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ل يرد ّ القدر‬
‫إل ّ الدعاء‪ ،‬ول يزيد في العمممر إل ّ الممبّر‪ ،‬وإن الرجممل ليحممرم الممرزق بالممذنب‬
‫يصيبه"‪ .‬وعن ابن عمر رضي الّله تعالى عنهما قال‪ :‬من اتقممى ربممه ووصممل‬
‫رحمه أنسئ له في عمره يعني يزاد في عمره‪ ،‬وثرى له ممماله يعنممي كممثر‪،‬‬
‫وأحبه أهله‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬قد اختلفوا في زيادة العمر فقال بعضهم‬
‫الخبر على ظاهره أن من وصل رحمه يزاد في عمره‪،‬وقال بعضهم ل يممزاد‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫في الجل الذي أجل له لن الّله تعالى قال }فَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫سممت َأ ِ‬
‫خُرو َ‬
‫جاَء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫م ل يَ ْ‬
‫جل ُهُ ْ‬
‫ن{ ولكن معنى زيادة العمر أن يكتممب ثمموابه بعممد ممموته‬
‫ست َ ْ‬
‫ساع َ ً‬
‫مو َ‬
‫ة َول ي َ ْ‬
‫َ‬
‫قد ِ ُ‬
‫وإذا كتب له ثوابه بعد موته فكأنه يزيد في عمره‪ .‬وروى سممعيد عممن قتممادة‬
‫أنه قال‪ :‬ذكر لنا أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال "اتقمموا الل ّممه وصمملوا‬
‫الرحم فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الخرة"‪ .‬وكان يقال‪ :‬إذا كان‬
‫لك قريب فلم تمش إليه برجلك ولمم تعمط ممن مالمك فقمد قطعتمه‪ .‬وفمي‬
‫بعض الصحف مما أنزل الّله تعممالى‪ :‬يمما ابممن آدم صممل رحمممك بمالممك فممإن‬
‫بخلت بمالك أو ق ّ‬
‫ل مالك فامش إليه برجلك‪ .‬وقال النبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم صلوا أرحامكم ولو بالسلم"‪ .‬وقال ميمممون بممن مهممران ثلثممة أشممياء‬
‫الكافر والمسلم فيهن سواء‪ :‬مممن عاهممدته ثممق لممه بعهممدك مسمملما ً كممان أو‬
‫كافرا ً فإما العهد لله‪ ،‬ومن كانت بينممك وبينممه قرابممة فصممله مسمملما ً كممان أو‬
‫كافرًا‪ ،‬ومن ائتمنك على أمانة فأدها له مسلما ً كممان أو كممافرًا‪ .‬وقممال كعممب‬
‫الحبار‪ :‬والذي فلق البحر لموسى عليه الصلة والسلم وبنى إسممرائيل إنممه‬
‫مكتوب في التوراة‪ :‬اتق ربك وبمّر والممديك وصممل رحمممك أممد ّ فممي عمممرك‬
‫وأيسرك في يسمرك وأصممرف عنممك عسمرك‪ .‬وقمد أممر الل ّممه تعمالى بصملة‬
‫ه‬
‫الرحممم فممي مواضممع مممن كتممابه فقممال }َوات ّ ُ‬
‫ن ب ِم ِ‬
‫قمموا الل ّممه ال ّم ِ‬
‫سمماَءُلو َ‬
‫ذي ت َت َ َ‬
‫م{ يعني اخشوا الّله الممذي تسمماءلون بممه الحاجممات والرحممام يعنممي‬
‫َوال َْر َ‬
‫حا َ‬
‫ت َ‬
‫قْرَبمى‬
‫ذا ال ُ‬
‫اتقوا الرحام فصلوها ول تقطعوها وقمال فمي آيمة أخمرى }َوآ ِ‬
‫ْ‬
‫مُر‬
‫ح ّ‬
‫ه{ يعني أعطه حقه من الصلة والبر‪ ،‬وقال في آية أخرى }إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ن الّله ي َأ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ن{ يعنممي بالتوحيممد وهممو شممهادة أن ل إلممه إل ّ اللممه‪ ،‬ويممأمر‬
‫ل َوال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫سمما ِ‬
‫ِبالعَد ْ ِ‬
‫قْرب َممى{ يعنممي يمأمر‬
‫بالحسان يعني إلى الناس والعفو عنهم‪} ،‬وَِإيت َمماِء ِذي ال ُ‬
‫بصلة الرحم‪ ،‬فأمر بثلث أشياء منهم ثم نهممى عممن ثلثممة أشممياء فقممال ع مّز‬
‫ح َ‬
‫ر‬
‫ن ال َ‬
‫ف ْ‬
‫شاِء َوال ُ‬
‫وجل }وَي َن َْهى ع َ ْ‬
‫منك َ ِ‬
‫]ص ‪[69‬‬

‫ي{ الفحشمماء المعاصممي والمنكممر ممما ل يعممرف فممي شممريعة ول سممنة‬
‫وَالب َغْ ِ‬
‫م{ يعني يأمركم بهذه الشياء الثلثممة‬
‫والبغي الستطالة على الناس }ي َعِظ ُك ُ ْ‬
‫ن{ يعنممي لكممي تتعظمموا‪ .‬وروي عممن‬
‫م ت َذ َك ُّرو َ‬
‫وينهاكم عن هذه الثلثة }ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫عثمان بن مظعون رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬كممان رسممول الل ّممه صمملى‬
‫الّله عليه وسلم صديقا ً لي وما أسلمت إل ّ حياء من رسول الّله صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم لنه كان يدعوني إلى الّله فأسلمت ولممم يكممن يسممتقر السمملم‬
‫في قلبي فجلست عنده يوما ً يحدثني إذ أعممرض عنممي فكممأنه يحممدث أحممدا ً‬
‫ي جبريل عليه الصلة والسلم فقرأ هممذه‬
‫بجنبه ثم أقبل‬
‫ي فقال نزل عل ّ‬
‫عل ّ‬
‫ْ‬
‫قْرب َممى{ اليممة فسممررت‬
‫ن وَِإيت َمماِء ِذي ال ُ‬
‫ل َوال ِ ْ‬
‫الية }إ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ن الّله ي َأ ُ‬
‫سمما ِ‬
‫مُر ِبالعَمد ْ ِ‬
‫بذلك واستقر السلم في قلبي فقمت مممن عنممده وأتيممت عمممه أبمما طممالب‬
‫فقلت له كنت عند ابن أخيك فأنزلت عليه هذه الية‪ ،‬فقال أبو طالب تابعوا‬
‫محمدا ً تفلحوا وترشدوا‪ ،‬والله إن ابن أخي يممأمر بمكممارم الخلق لئن كممان‬
‫صادقا ً أو كاذبا ً ل يدعوكم إل ّ إلى الخير‪ ،‬فبلمغ ذلممك النممبي صملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم فطمع في إسلمه فممأتى إليممه ودعمماه إلممى السمملم فممأبى أن يسمملم‬
‫ك ل تهدي م َ‬
‫فنزلت هذه الية }إ ِن ّ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاُء{ فقد‬
‫ن الّله ي َهْ ِ‬
‫َْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دي َ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ت وَل َك ِ ّ‬
‫َ ْ‬
‫ذكر الّله عز وجل في هذه الية صلة الرحم‪ ،‬وقممال فممي آيممة أخممرى }فَهَم ْ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ع َسيتم إن تول ّيت َ‬
‫َ‬
‫م‪ ،‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ض وَت ُ َ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ك ال ّم ِ‬
‫ف ِ‬
‫قط ّعُمموا أْر َ‬
‫س ُ‬
‫مأ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫حمما َ‬
‫َ ُْ ْ ِ ْ َ َ ُْ ْ‬
‫ذي َ‬
‫دوا َ ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م{ يعني الذين يقطعون الرحم‪ ،‬ويقممال‬
‫صاَرهُ ْ‬
‫م وَأع ْ َ‬
‫مه ُ ْ‬
‫ص ّ‬
‫ل َعَن َهُ ْ‬
‫مى أب ْ َ‬
‫م الّله فَأ َ‬
‫إن الّله تعالى لما خلق الرحم قممال‪ :‬أنمما الرحمممن وأنممت الرحممم أقطممع مممن‬
‫قطعك وأوصل من وصمملك‪ .‬وذكمر أن الرحمم معلمق بمالعرش ينمادي الليمل‬
‫والنهار‪ :‬يا رب صل من وصلني فيك واقطع من قطعني فيك‪ .‬قال الحسممن‬
‫البصري رحمه الّله تعالى‪ :‬إذا أظهر النمماس العلممم وضمميعوا العمممل وتحممابوا‬
‫باللسن تباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالرحام لعنهم الل ّممه فأصمممهم وأعمممى‬
‫أبصارهم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ ،‬حدثني أبممي قممال‪ :‬حمدثنا محممد بمن‬
‫حمزة أبو الحسين الفراء الفقيه قال‪ :‬حدثنا أبو بكر الطوسمي حمدثنا حاممد‬
‫بن يحيى البلخي قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سليم قال‪ :‬كان عندنا بمكة رجل من‬
‫أهل خراسان وكان رجل ً صالحا ً وكان الناس يودعونه ودائعهم‪ ،‬فجمماء رجممل‬
‫فأودعه عشرة ألف دينار وخرج الرجل في حاجته‪ ،‬فقدم الرجل مكممة وقممد‬
‫مات الخراساني وسأل أهله وولده عن ماله فلم يكن لهممم بممه علممم فقممال‬
‫الرجل لفقهاء مكة وكانوا يومئذ مجتمعين متواخرين‪ :‬أودعت فلنمما ً عشممرة‬
‫آلف دينار وقممد مممات وسممألت ولممده وأهلممه فلممم يكممن لهممم بهمما علممم فممما‬
‫تأمرونني؟ فقالوا نحممن نرجممو أن يكممون الخراسمماني مممن أهممل الجنممة فممإذا‬
‫مضى من الليل ثلثه أو نصفه فائت زمزم فاطلع فيها وناد يا فلن بممن فلن‬
‫أنا صاحب الوديعة‪ ،‬ففعل ذلك ثلث ليال فلم يجبه أحممد‪ ،‬فأتمماهم وأخممبرهم‬
‫فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون نحن نخشى أن يكون صاحبك من أهل النار‪،‬‬
‫]ص ‪[70‬‬
‫فأت اليمن فإن فيها واديا ً يقال له برهمموت وبممه بئر فمماطلع فيهمما إذا مضممى‬
‫ثلث الليل أو نصفه فناد يا فلن بممن فلن أنمما صمماحب الوديعممة ففعممل ذلممك‬
‫فأجابه في أّول صوت فقال‪ :‬ويحك ما أنزلك ههنا وقد كنممت صمماحب خيممر؟‬
‫قال كان لي أهل ببيت بخراسان فقطعتهم حممتى مممت فآخممذني الل ّممه بممذلك‬
‫فأنزلني هذا المنزل فأما مالك فهو على حاله وإني لممم أأتمممن ولممدي علممى‬
‫مالك فدفنته في بيت كذا‪ ،‬فقل لولدي يدخلك في داري ثم سر إلى الممبيت‬
‫فاحفر فإنك ستجد مالك فرجع فوجد ماله على حاله‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه إذا كان الرجل عند قرابته ولممم يكممن‬
‫غائبا ً عنهم فالواجب عليه أن يصلهم بالهدية وبالزيارة فممإن لممم يقممدر علممى‬
‫الصلة بالمال فليصلهم بالزيارة والعانة في أعمالهم إن احتاجوا‪ ،‬وإن كممان‬
‫غائبا ً يصلهم بالكتاب إليهم فإن قدر على المسير إليهم كان الميسر أفضل‪.‬‬

‫واعلم بأن في صلة الرحم عشر خصال محمودة‪ .‬أّولها‪ :‬أن فيها رضا الّله‬
‫تعالى لنه أمر بصلة الرحم‪ .‬والثاني إدخال السرور عليهممم‪ .‬وقممد روى فممي‬
‫الخبر "إن أفضل العمال إدخال السرور علممى المممؤمن" والثممالث أن فيهمما‬
‫فرح الملئكة لنهم يفرحون بصلة الرحم‪ .‬والرابع أن فيها حسن الثنمماء مممن‬
‫المسلمين عليه‪ .‬والخامس أن فيها إدخال الغم علممى إبليممس عليممه اللعنممة‪.‬‬
‫والسادس زيممادة فممي العمممر‪ .‬والسممابع بركممة فممي الممرزق‪ .‬والثممامن سممرور‬
‫الموات لن الباء والجداد يسرون بصلة الرحممم والقرابممة‪ .‬والتاسممع زيممادة‬
‫في المممودة لنممه إذا وقممع لممه سممبب مممن السممرور والحممزن يجتمعممون إليممه‬
‫ويعينونه على ذا فيكون له زيممادة فممي المممودة‪ .‬والعاشممر زيممادة الجممر بعممد‬
‫موته لنهم يدعون له بعد موته كلما ذكممروا إحسممانه‪ .‬قممال أنممس بممن مالممك‬
‫رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ثلثة نفر في ظل عرش الرحمن يوم القيامة‪ :‬واصل‬
‫الرحم يمد له في عمره ويوسع له في قممبره ورزقممه وامممرأة مممات زوجهمما‬
‫وترك يتامى فتقوم هي على اليتام حممتى يغنيهممم الل ّممه أو يموتمموا‪ ،‬والرجممل‬
‫اتخذ طعاما ً فدعا إليه اليتامى والمساكين‪ .‬وروى الحسن عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ما خطا عبد خطوتين أحب إلى الل ّممه تعممالى‬
‫من الخطوة إلى صلة الفريضة‪ ،‬وخطوة إلممى ذي الرحممم المحممرم" ويقممال‬
‫خمسة أشياء من داوم عليها زيد في حسناته مثل الجبال الراسيات ويوسع‬
‫الّله عليه رزقه‪ :‬أّولها من داوم على الصممدقة قلممت أو كممثرت‪ ،‬ومممن وصممل‬
‫رحمه قل أو أكثر‪ ،‬ومن داوم على الجهاد في سبيل اللممه‪ ،‬ومممن داوم علممى‬
‫الوضمموء ولممم يسممرف فممي صممب الممماء‪ ،‬ومممن أطمماع والممديه وداوم علممى‬
‫طاعتهما‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫]ص ‪[71‬‬

‫باب حق الجار‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا الفقيممه‬
‫أبو جعفر قال‪ :‬حدثنا علي بن محمد الوراق قال‪ :‬حدثنا أنعم عممن أبممي عبممد‬
‫الرحمن الخبلي عن عبد الّله ابن عمرو بن العاص قممال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "سبعة ل ينظر الل ّممه إليهممم يمموم القيامممة ول يزكيهممم‬
‫ويقول لهم ادخلوا النار مممع الممداخلين‪ :‬الفاعممل والمفعممول يعنممي اللواطممة‪،‬‬
‫والناكح يده‪ ،‬وناكح البهيمة‪،‬وناكح المرأة في دبرها‪ ،‬وجممامع المممرأة وابنتهمما‪،‬‬
‫والزاني بحليلة جاره‪ ،‬والسابع المؤذي جاره حتى يلعنه الناس إل ّ أن ينمموب‬
‫بشروطها"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد‬
‫الشاباذي قال‪ :‬حدثنا فارس بن مردويه قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل قممال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن عبيد قال‪ :‬حدثنا إبراهيم قال‪ :‬حدثنا أبو معاوية عن بشر بن‬
‫سلمان عن عبيد عن أيان بن إسحق عن الصباح بن محمد البجلي عن مرة‬
‫الهمذاني عن عبد الّله بن مسعود قال‪ :‬قال رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم "والذي نفسي بيده ل يسلم عبد حتى يسلم الناس من قلبه ولسممانه‬
‫ويده‪ ،‬ول يؤمن عبد حتى يأمن جاره بواثقه‪ .‬قلنا يا رسول الّله وما بواثقه؟‬
‫قال غشه وظلمه" قال‪ :‬حدثنا محمد بن داود بن ظهير قال‪ :‬حدثنا إبراهيممم‬
‫بن يوسف قال‪ :‬حدثنا محمد بن القاسم عن موسى عن عبيد اليزيدي عممن‬
‫زيد بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫قال "حرمة الجار على الجار كحرمة أمه" قال‪ :‬حدثنا محمممد بممن داود قممال‬
‫حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا ابراهيم بن يوسف قال حممدثنا أبممو معاويممة‬
‫عن بشر بن سلمان عن مجاهد قال‪ :‬قال عبد الل ّممه بممن عمممرو بممن العمماص‬
‫لغلمه‪ :‬اذبح الشاة وأطعم جارنا اليهودي‪ ،‬ثم تحدث ساعة فقال يا غلم إذا‬
‫ذبحمت الشماة فمأطعم جارنما اليهمودي فقمال الغلم قمد آذيتنما بجمارك همذا‬
‫اليهودي‪ ،‬فقال عبد الّله بن عمر‪ :‬ويحك إن النبي صلى الّله عليه وسلم لممم‬
‫يزل يوصينا بالجار حتى ظننا أنه سيورثه‪.‬‬

‫قال حدثنا القاسم بن محمد بن روزيه قمال‪ :‬حمدثنا عيسمى بمن خشمنان‬
‫الثوري قال‪ :‬حدثنا سويد عن مالك عن سعيد بن أبي سممعيد المقممبري عممن‬
‫أبي شريح الكعبي أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال "مممن كممان يممؤمن‬
‫بالله واليوم الخر فليقل خيرا ً أو ليصمممت‪ ،‬ومممن كممان يممؤمن بممالله واليمموم‬
‫الخر فليكرم جماره‪ ،‬ومممن كمان يمؤمن بمالله واليمموم الخممر فليكممرم ضمميفه‬
‫جائزته يوم وليلة‪ ،‬والضيافة ثلثة أيام وما كان بعد ذلك فهممو صممدقة" قممال‪:‬‬
‫حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بإسناده عن الحسن البصري قال‪:‬‬
‫قيل يا رسول الّله ما حق الجار على الجار؟ قممال إن استقرضممك أقرضممته‪،‬‬
‫وإن دعاك أجبته‪ ،‬وإن مرض عدته‪ ،‬وإن استعان‬
‫]ص ‪[72‬‬
‫بمك أعنتممه‪ ،‬وإن أصممابته مصمميبة عزيتممه‪ ،‬وإن أصممابه خيممر هنيتممه‪ ،‬وإن مممات‬
‫شهدته‪ ،‬وإن غاب حفظته‪ :‬يعني منزله وعياله‪ ،‬ول تؤذه بقتممار قممدرك إل ّ أن‬
‫تهدي إليه"‪ .‬وروي في خبر آخر زيممادة علممى هممذه التسممعة "والعاشممر أن ل‬
‫تطيل بنائك عليه إل ّ بطيبة من نفسه"‪ .‬وروى أبو هريرة رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم "ل يزال جبريل يوصمميني بالجممار حممتى‬
‫ظننت أنه سيورثه" وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن رسممول الّلمه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "يا أبا هريممرة كممن ورعما ً تكممن أعبممد النمماس‪،‬‬
‫وكن قنعا ً تكن أشكر الناس‪ ،‬وأحب للنمماس ممما تحممب لنفسممك تكممن مؤمنمًا‪،‬‬
‫وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا‪ ،‬وأقل الضحك فإن كممثرة الضممحك‬
‫شرِ ُ‬
‫كوا ب ِهِ َ‬
‫دوا الّله َول ت ُ ْ‬
‫ن‬
‫تميت القلب" قال الّله تعالى }َواع ْب ُ ُ‬
‫شْيئا ً وَِبال َ‬
‫وال ِمد َي ْ ِ‬
‫ن‬
‫إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫سانًا{ يعني‪ :‬وحممدوا الل ّممه واعبممدوه ول تتخممذوا لممه شممريكًا‪} ،‬وَِبال َ‬
‫وال ِمد َي ْ ِ‬
‫مى‬
‫ذي ال ُ‬
‫سممانًا{ يعنممي أحسممنوا إلممى الوالممدين إحسممانا ً }وَب ِم ِ‬
‫إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫قْرب َممى َوالي َت َمما َ‬
‫ن{ يعني أحسنوا إلى ذوي القربى بالصلة والهدية وإلممى اليتممامى‬
‫سا ِ‬
‫م َ‬
‫َوال َ‬
‫كي ِ‬
‫ل{ يعنممي الضمميف النممازل‬
‫ن ال ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫والمساكين بالصدقة وبالقول الميل }َواب ْ ِ‬
‫قْرَبى{ يعني أحسنوا إلى الجار الذي بينممك‬
‫جارِ ِذي ال ُ‬
‫وهو ماّر بالطريق }َوال َ‬
‫ب{ يعنممي الجممار الممذي هممو أجنممبي ل قرابممة بينممك‬
‫جارِ ال ُ‬
‫وبينه قرابة }َوال َ‬
‫جن ُ ِ‬
‫وبينه‪.‬‬
‫وروي عن رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم أنممه قممال "الجيممران ثلثممة‪:‬‬
‫فمنهم من له ثلثة حقوق‪ ،‬ومنه من له حقان‪ ،‬ومنهممم مممن لممه حممق واحممد‪،‬‬
‫فأما الجار الذي له ثلثة حقوق فجارك القريب المسلم‪ ،‬وأما الجار الذي له‬
‫مي" يعنممي إذا‬
‫حقان‪ ،‬فجارك المسلم‪ ،‬وأما الذي له حق واحممد فجممارك الممذ ّ‬
‫كان الجار قريبه وهو مسلم فله حق القرابة وحممق السمملم وحممق الجمموار‪،‬‬
‫وأما الذي له حقان فالجار المسلم فلممه حممق السمملم وحممق الجمموار‪ ،‬وأممما‬
‫مي فله حق الجمموار‪ ،‬فينبغممي أن يعممرف حممق‬
‫الذي له حق واحد فجارك الذ ّ‬
‫الجار وإن كان ذميًا‪ .‬قال أبو ذر الغفمماري رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أوصمماني‬
‫خليلي محمد صلى الّله عليممه وسمملم بثلث قممال‪" :‬اسمممع وأطممع ولممو لعبممد‬
‫مجدوع النف‪ ،‬فممإذا صممنعت مرقممة فممأكثر ماءهمما ثممم انظممر إلممى أهممل بيممت‬
‫جيرانك فأصبهم منها بمرقتك وص ّ‬
‫ل الصلة لوقتها" ويقممال‪ :‬مممن مممات ولممه‬
‫جيران ثلثة كلهم راضون عنه غفر له‪ .‬وروي عممن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أن رجل ً جاء إليه يشكو جاره فقال رسول الّله صلى الّله عليممه‬
‫وسلم "كف أذاك عنه واصبر على أذاه وكفى بالموت فّراقا" وقال الحسن‬
‫البصري‪ :‬ليس حسممن الجمموار كممف الذى عممن الجممار ولكممن حسممن الجمموار‬
‫الصبر على الذى من الجار‪ .‬وقال عمممر بممن العمماص‪ :‬ليممس الواصممل الممذي‬
‫يصل من وصله ويقطع من قطعه إنما ذلك المنصف‪ ،‬وإنممما الواصممل الممذي‬
‫يصل من قطعه ويعطف على من جفا‪ .‬وليس الحليم‬
‫]ص ‪[73‬‬

‫الذي يحلم عن قومه ما حلموا عنه فمإذا جهلموا عليممه جماهلهم‪ ،‬وإنمما ذلمك‬
‫المنصف إنما الحليم الذي يحلم إذا حلموا فإذا جهلوا عليه حلم عنهم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للمسمملم أن يصممبر علممى أذى‬
‫الجار ول يؤذي جاره ويكون بحال يكون جاره آمنا ً منه‪ ،‬وأمانه لجاره يكممون‬
‫بثلثة أشياء‪ :‬باليد وباللسان وبالعورة‪ ،‬فأما أمممانه بلسممانه فهممو أن ل يتكلممم‬
‫بكلم لو دخل عليه جاره لسكت أو لو بلغ إلممى جمماره لسممتحيى منممه‪ ،‬وأممما‬
‫أمانه بيده فهو أن جاره لو كان بالسوق وتذكر أن كيسه نسمميه فممي منزلممه‬
‫فإنه ل يخاف عليه ويقول منزله ومنزلي سواء‪ ،‬وأما أمانه بالعورة‪ ،‬فهو أنه‬
‫لو كان في السفر فبلغه أن جاره دخممل منزلممه لسممكن قلبممه وفممرح‪ .‬وروي‬
‫عن ابن عباس رضي الل ّممه تعممالى عنهممما أنممه قممال‪ :‬ثلثممة أخلق كممانت فممي‬
‫الجاهلي مستحبة والمسلمون أولى بها‪ .‬أولها لو نزل بهممم ضمميف لجتهممدوا‬
‫في بّره والثاني لو كانت لواحد منهم امرأة كبرت عنده ل يطلقها ويمسكها‬
‫مخافممة أن تضمميع‪ .‬والثممالث إذا لحممق بجمماره ديممن أو أصممابه شممتت أو جهممد‬
‫اجتهدوا حتى يقضوا بينه وأخرجوه من تلك الشدة‪.‬‬
‫وروى أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال "إن الجممار يتعلممق بجمماره يمموم القيامممة فيقممول‪ :‬يمما رب‬
‫ي أمسى جائعا ً يمسي هذا شممبعان فسممله‬
‫وسعت على أخي هذا وقترت عل ّ‬
‫لما أغلق بممابه دونممي وحرمنممي ممما قممد وسممعت عليممه"‪ .‬وروي عممن سممفيان‬
‫الثوري أنه قال‪ :‬عشرة أشياء من الجفاء‪ ،‬أولها رجل أو امرأة يدعو لنفسه‬
‫ول يدعو لوالديه والمؤمنين والثاني رجل يقرأ القرآن ول يقرأ في كل يمموم‬
‫مائة آية‪ ،‬والثالث رجل دخمل المسمجد وخمرج ولمم يصم ّ‬
‫ل ركعمتين‪ ،‬والرابمع‬
‫رجل يمر على المقابر ولم يسلم عليهم ولممم يممدعو لهممم‪ ،‬والخممامس رجممل‬
‫دخل مدينة في يوم الجمعة ثم خرج ولم يص ّ‬
‫ل الجمعة‪ ،‬والسادس رجممل أو‬
‫امرأة نزل في محلتهما عالم ولم يممذهب إليممه أحممد ليتعلممم منممه شمميئا ً عممن‬
‫العلم‪ ،‬والسابع رجلن ترافقا ولم يسأل أحدهما عن اسم صمماحبه‪ ،‬والثممامن‬
‫رجل دعاه رجل إلى ضيافة فلم يذهب إلى الضيافة‪ ،‬والتاسممع شمماب يضمميع‬
‫شبابه وهو فارغ ولم يطلب العلممم والدب‪ ،‬والعاشممر رجممل شممبعان وجمماره‬
‫جائع ول يعطيه شيئا ً من طعامه‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬تمام حسن الجوار في أربعة أشياء‪.‬‬
‫أولها أن يواسيه بما عنده‪ .‬والثاني أن ل يطمع فيما عنده‪ .‬والثالث أن يمنممع‬
‫أذاه عنه‪ .‬والرابع أن يصبر على أذاه‪.‬‬
‫]ص ‪[74‬‬

‫باب الزجر عن شرب الخمر‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل قال‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر قال‪ :‬حممدثنا إبراهيممم بممن يوسممف‪ :‬أنبأنمما‬
‫إسماعيل بن علية عن الليث عن عبد الل ّممه قممال‪ :‬قممال عبممد الل ّممه بممن عمممر‬
‫رضي الّله تعالى عنهممما‪ :‬يجمماء بشممارب الخمممر يمموم القيامممة مسممود ّ وجهممه‬
‫مزرقة عيناه مدلعا لسانه على صدره يسيل لعابه يستقذره كممل مممن يممراه‬
‫من نتن رائحته‪ ،‬ل تسلموا على شممربة الخمممر ول تعممودوهم إذا مرضمموا ول‬
‫تصلوا عليهم إذا ماتوا‪ .‬وقال مسروق‪ :‬شارب الخمر كعابد الوثن‪ ،‬وشممارب‬
‫الخمر كعابد اللة والعزى يعني إن استحل شربها‪ .‬وقال كعب الحبممار‪ :‬لن‬
‫أشرب قدحا من نار أحب إلي من أن أشرب قدحا ً مممن خمممر‪ .‬قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫الحاكم أبو الفضل الحدادي‪ .‬حدثنا عبممد الل ّممه بممن محمممود المممروزي‪ .‬حممدثنا‬
‫إبراهيم بن عبد الله‪ .‬حدثنا عبد الّله بن المبارك عن أيوب عن نافع عن ابن‬
‫عمر رضي الّله تعالى عنهما عن رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬كل مسكر خمر وكل مسكر حممرام‪ ،‬ومممن شممرب الخمممر فممي الممدنيا‬
‫فمات وهو يدمنها ولم يتب لم يشربها في الخرة"‪.‬‬

‫)قال الفقيه( قد أخبر النبي صلى الّله عليه وسلم أن كل مسكر حممرام‪:‬‬
‫يعني ما كان مطبوخا ً أو غير مطبوخ‪ ،‬وهذا كما روي عن جابر بن عبممد الل ّممه‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال‪" :‬ممما أسممكر كممثيره فقليلممه‬
‫حرام" وفي رواية "ما أسكر منه الفرق فالجرعة منه حرام" والفرق‪ :‬ستة‬
‫عشر رطل ً في اللغة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬شارب الخمر المطبوخ أعظم ذنبا ً وإثما ً‬
‫من شممارب الخمممر لن شممارب الخمممر يكمون عاصمميا ً فاسممقًا‪ ،‬ومممن شممرب‬
‫المطبوخ يخاف أن يصير كافرا ً لن شارب الخمر مقّر بممأنه يشممرب الخمممر‬
‫وهممو حممرام وشممارب المطبمموخ يشممرب المسممكر ويممراه حل ً‬
‫ل‪ ،‬وأجمممع‬
‫المسلمون أن شرب المسكر حرام قليله وكثيره فإذا استحل ما هو حممرام‬
‫بالجماع صار كافرا‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد‬
‫بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حدثنا كمثير بمن هشمام عمن جعفمر بمن‬
‫برقان عن الزهري عن عثمان ابن عفان رضي الّله تعالى عنه قممام خطيب ما ً‬
‫فقال‪ :‬يا أيهمما النمماس اتقمموا الخمممر فإنهمما أم الخبممائث وإن رجل ً ممممن كممان‬
‫قبلكم من العبمماد كممان يختلممف إلممى المسممجد فلقيتممه امممرأة سمموء فممأمرت‬
‫جاريتها فأدخلته المنزل فممأغلقت البمماب وعنممدها باطيممة مممن خمممر وعنممدها‬
‫صبي فقالت له‪ :‬ل تفارقني حتى تشرب كأسا ً من هذا الخمر أو تواقعني أو‬
‫تقتل هذا الصبي وإل ّ صحت‪ :‬يعني‬
‫]ص ‪[75‬‬
‫ي في بيتي فمن الذي يصدقك‪ ،‬فضعف الرجل عند‬
‫صرخت‪ ،‬وقلت دخل عل ّ‬
‫ذلك وقال أما الفاحشة فل آتيها وأما النفس فل أقتلها‪ ،‬فشممرب كأس ما ً مممن‬
‫الخمر فقال زيديني فزادته فوالله ما برح حتى واقع المرأة وقتممل الصممبي‪.‬‬
‫قال عثمان رضي الّله تعالى عنه‪ :‬فاجتنبوها فإنها أم الخبائث وإنممه واللممه ل‬
‫يجتمع اليمان والخمر في قلب رجل إل ّ يوشك أحممدهما أن يممذهب بممالخر‪:‬‬
‫يعني أن شارب الخمممر إذا سممكر يجممري علممى لسممانه كلمممة الكفممر ويتعممود‬
‫لسانه بذلك ويخاف عند موته أن يجري على لسانه كلمة الكفر فيخرج من‬
‫الدنيا على الكفر فيبقى في النار أبدًا‪ ،‬لن أكثر ما ينزع اليمممان مممن العبممد‬
‫إنما ينزع عند موته وذلك بسبب ذنوبه الممتي فعلهمما فممي حيمماته فيبقممى فممي‬
‫حسرة وندامة‪ .‬وقال الضحاك‪ :‬من مات وهو مدمن خمر بعث يوم القيامممة‬
‫وهو سكران‪.‬‬
‫وروى سعيد عن قتادة قال‪ :‬ذكر لنا أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال‬
‫"أربعة ل يجدون ريح الجنة وإن ريحها ليوجد مممن مسمميرة خمسمممائة عممام‪:‬‬
‫البخيل والمنان ومدمن الخمر والعاق لوالديه"‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود رضي الّله تعالى عنه‪ :‬لعن في الخمر عشرة‪ :‬العاصر‬
‫لها والمعصممورة لممه وشمماربها وسمماقيها وحاملهمما والمحمولممة إليممه وتاجرهمما‬
‫ومتجرها وبائعها ومشتريها وشائلها‪ :‬يعني غارسها‪ .‬وروى في بعض الخبممار‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬يخرج يوم القيامممة شممارب‬
‫الخمر من قبره أنتن من الجيفة والكوز معلق في عنقه والقدح بيممده ويمل‬
‫ما بين جلده ولحمه حيات وعقارب ويلبس نعل من نار فيغلي دماغ رأسممه‪،‬‬
‫ويجد قبره حفرة من حفر النار ويكون في النار قرين فرعون وهامان"‪.‬‬
‫وروت عائشة رضي الّله تعالى عنها عممن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬من أطعم شارب الخمر لقمة سلط الّله على جسده حيممة‬
‫وعقربا‪ ،‬ومن قضى حاجته فقد أعان على هدم السلم ومن أقرضه قرضا ً‬
‫فقد أعان على قتل مؤمن‪ ،‬ومن جالسممه حشممره الل ّممه تعممالى يمموم القيامممة‬
‫أعمى ل حجة له‪ ،‬ومن شرب الخمر فل تزوجوه فإن مرض فل تعودوه وإن‬
‫شهد فل تقبلوا شهادته‪ ،‬فوالذي بعثني بالحق نبيا ً إنه ممما يشممرب الخمممر إل ّ‬
‫ملعون في التوراة والنجيل والزبور والفرقان‪ ،‬ومن شرب الخمر فقد كفر‬

‫بجميع ما أنزل الّله على أنبيممائه ول يسممتحل الخمممر إل ّ كممافر ومممن اسممتحل‬
‫الخمر فأنا منه برئ في الدنيا والخرة"‪ .‬وعن عطاء بن يسار أن رجل ً سأل‬
‫كعب الحبار رضي الّله تعالى عنه هل حرمت الخمر في التوراة؟ قال نعممم‬
‫سمُر{ مكتموب فمي التموراة‪ ،‬إنمما أنزلنمما الحمق‬
‫مما ال َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫ممُر َوال َ‬
‫خ ْ‬
‫هذه الية }إ ِن ّ َ‬
‫ليذهب بالباطل ويبطل به اللعب والدف والمزاميممر والخمممر ويممل لشمماربها‬
‫أقسم الّله تعالى بعزتممه وجللممه لمممن انتهكهمما فممي الممدنيا إل ّ عطشممته يمموم‬
‫القيامة ولمن تركها بعدما حرمتها إل ّ سقيته إياها من حظيرة القدس‪ .‬قيممل‬
‫وما حظيرة القدس؟ قال الّله هو القدس وحظيرته الجنة‪.‬‬
‫]ص ‪[76‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه إياك وشرب الخمممر فممإن فيممه عشممر‬
‫خصال مذمومة‪ .‬أولها أنه إذا شرب الخمر يصممير بمنزلممة المجنممون ويصممير‬
‫ضحكة للصبيان ومذمة عند العقلء كما ذكر عن ابممن أبممي الممدنيا أنممه قممال‪:‬‬
‫رأيت سكران في بعض سكك بغممداد يبممول وهممو يتمسممح ببمموله وهممو يقمول‬
‫اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين‪ .‬وذكر أن سممكران قمماء‬
‫في بعض الطرق وجاء كلب يمسح فمه ولحيته وهو يقول للكلب يا سمميدي‬
‫يا سيدي ل تفسد المنديل‪ .‬الثاني أنها متلفة للمال مذهبة للعقممل كممما قممال‬
‫عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه‪ :‬يا رسول الّله أرنا رأيك في الخمممر‬
‫فإنها متلفة للمال مذهبممة للعقممل‪ .‬والثممالث أن شممربها سممبب للعممداوة بيممن‬
‫طا َ‬
‫ريد ُ ال ّ‬
‫م‬
‫نأ ْ‬
‫شي ْ َ ُ‬
‫ن ُيوقِعَ ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫الخوان والصدقاء‪ ،‬كما قال الّله تعالى }إ ِن ّ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ر{ وهممو القمممار‪ .‬والرابممع أن شممربها‬
‫ضاَء فِممي ال َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫داوَة َ َوالب َغْ َ‬
‫العَ َ‬
‫م مرِ َوال َ‬
‫خ ْ‬
‫سم ِ‬
‫ن ذ ِك ْمرِ الل ّممه‬
‫ص مد ّك ُ ْ‬
‫يمنعه عن ذكر الّله وعن الصلة كما قال تعممالى }وَي َ ُ‬
‫م ع َم ْ‬
‫وع َن الصلة فَه ْ َ‬
‫ن{ يعني انتهوا عنها‪ ،‬فلما نزلت هذه الية قال‬
‫منت َُهو َ‬
‫م ُ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫ّ ِ َ‬
‫َ ْ‬
‫ّ‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله تعمالى عنممه‪ :‬قممد انتهينمما يما رب‪ .‬والخممامس أن‬
‫شربها يحمله على الزنا لنه إذا شرب الخمر يطلق امرأتممه وهممو ل يشممعر‪.‬‬
‫والسادس أنهمما مفتمماح كممل شممر لنممه إذا شممرب الخمممر سممهل عليممه جميممع‬
‫المعاصي‪ .‬والسابع أنه يؤذي حفظته بإدخالهم في مجلس الفسممق وبوجممود‬
‫الرائحة المنتنة منه فل ينبغي أن يممؤذي مممن ل يممؤذيه‪ .‬والثممامن أنممه أوجممب‬
‫على نفسه ثمانين جلدة فإن لم يضرب في الدنيا فإنه يضرب فممي الخممرة‬
‫بسياط من النار على رؤوس الناس ينظر إليممه البمماء والصممدقاء‪ .‬والتاسممع‬
‫أنه رد باب السماء على نفسه لنه ل ترفممع لممه حسممناته ول دعمماؤه أربعيممن‬
‫يومًا‪ .‬والعاشر أنه مخاطر بنفسه لنه ل يخاف عليممه أن ينممزع منممه اليمممان‬
‫عند موته‪ ،‬فهذه العقوبات في الدنيا قبممل أن ينتهمي إلمى عقوبمات الخمرة‪،‬‬
‫فأما عقوبات الخرة فإنهما ل تحصمى ممن شممرب الحميمم والزقموم وفموت‬
‫الثواب‪ ،‬فل ينبغي للعاقل أن يختار لذة قليلة ويترك لذة طويلة‪.‬‬
‫م‬
‫وروي عن مقاتل بن سليمان رضي الّله تعالى عنه في قوله تعالى }ي َوْ َ‬
‫ح ُ‬
‫م وِْردًا{ أي‬
‫جرِ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ن إ َِلى َ‬
‫م ْ‬
‫ن إ َِلى الّر ْ‬
‫نَ ْ‬
‫ن وَْفدًا‪ .‬وَن َ ُ‬
‫جهَّنمم َ‬
‫سوقُ ال ُ‬
‫ح َ‬
‫شُر ال ُ‬
‫مي َ‬
‫ما ِ‬
‫قي َ‬
‫عطاشا قال‪ :‬يحشر أهل الجنة فإذا انتهوا إلى بمماب الجنممة إذا هممم بشممجرة‬
‫ينبع من تحتها عينان فيشربون من إحدى العينين فل يبقى في بطونهم قذر‬
‫إل ّ خرج من الجوف‪ ،‬ثم يأتون العين الخرى فيغتسلون فيهمما فل يبقممى فممي‬
‫أجسادهم شيء مما يكون على الجسممد ممن وسمخ وغيمره إل ّ ذهمب فمذلك‬
‫ن{ ثم يؤتممون بنجممائب مممن‬
‫ها َ‬
‫م َفاد ْ ُ‬
‫خُلو َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫سَل ٌ‬
‫قوله تعالى } َ‬
‫م ط ِب ْت ُ ْ‬
‫م ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫دي َ‬
‫البل من ياقوت أحمر رجلها من ذهب مكللة بالممدّر واليمماقوت أزمتهمما مممن‬
‫اللؤلؤ فيكسي كل رجل منهمم حلمتين‪ ،‬لمو أن الحلمة منهمما أشمرقت لهمل‬
‫الدنيا لضاءت لهم‪ ،‬ومع كل واحد منهم حفظممة مممن الملئكممة يممدلونه علممى‬
‫مساكنه في الجنة فإذا دخممل الجنممة رفممع لممه قصممر مممن فضممة شممرفه مممن‬
‫الذهب فإذا انتهى إليه‬
‫]ص ‪[77‬‬

‫استقبله وصائف كثيرة كاللؤلؤ المنثور معهم الحلممى والحلممل وآنيممة الفضممة‬
‫وأكواب الذهب والملئكة يسلمون عليه فيرد ّ عليهم‪ ،‬ثم يدخل فإذا رأى ممما‬
‫أعد الّله له من المنازل والكرامة تهيأ للنزول فتقول له حفظتممه ممما تريممد؟‬
‫ن لك ما هممو أفضممل‬
‫فيقول أريد النزول إلى كرامة الله‪ ،‬فيقولون له سر فإ ّ‬
‫من هذا فإذا سار رفع له قصر من ذهممب شممرفه مممن اللؤلممؤ فممإذا دنمما منمه‬
‫ن آنية من فضة وأكممواب مممن ذهممب‬
‫استقبلته الوصائف كاللؤلؤ المنثور معه ّ‬
‫ن السلم‪ ،‬فيريد النممزول فيهمما فتقممول لممه حفظتممه‬
‫فيسلمن عليه فيرد ّ عليه ّ‬
‫سر فإن لك ما هو أفضل من هذا فإذا سار رفع له قصر من ياقوتة حمممراء‬
‫يرى باطنه من ظاهره من صفائه فإذا دنا استقبلته الوصائف كما اسممتقبلته‬
‫من القصرين الّولين يسلمن عليه فيرد عليهن السلم‪ ،‬فإذا دخل اسممتقبلته‬
‫حوراء من الحور العين عليها سبعون حلة ل تشبه الحلة الحلة الخرى ليس‬
‫عليها مفصل إل ّ وعليه حلة يوجد ريحها من مسيرة مئة عام فإذا نظممر إلممى‬
‫وجهها أبصر وجهه فيه من صفاء وجهها فإذا نظر إلى صممدرها أبصممر كبممدها‬
‫من رقة ثيابها ويبصر من مخ ساقها من رقممة عظمهمما‪ ،‬وجلممدها‪ ،‬وهممي فممي‬
‫بيت فرسخ فممي فرسممخ وسمممكه‪ :‬أي طمموله‪ ،‬مثممل ذلممك عليممه أربعممة آلف‬
‫مصراع من ذهب فيه بساط من ذهب مكلل باللؤلؤ وقد نسق الممبيت وفيممه‬
‫سرير عليه من الفرش بمنزلة سبعين غرفة مممن غممرف الممدنيا فممإذا جلممس‬
‫واشتهى الثمرة سارت إليه الثمرة حتى يأكل منها أو يذهب به سريره حتى‬
‫يأكل منها‪ ،‬وهذا كله ثواب المتقين الذين يتقون شرب الخمممر والفممواحش‪.‬‬
‫قال ويساق أهل النار إلى النار فإذا دنمموا منهمما فتحممت أبوابهمما فاسممتقبلتهم‬
‫الملئكة بمقامع الحديد فإذا دخلوا النار لم يبق منهم عضو إل ّ لزمممه عممذاب‬
‫إما حية تنهشه أو نار تسفعه أو ملك يضربه‪ ،‬فإذا ضممربه الملممك همموى فممي‬
‫النار مقدار أربعين عاما ل يبلممغ قرارهمما ثممم يرفعممه اللهممب ويضممربه الملممك‬
‫مما‬
‫فيهوى في النار فمإذا بمدا برأسمه ضمربه الخمرى وهمو قموله تعمالى }ك ُل ّ َ‬
‫زيممزا ً‬
‫ذوُقوا العَم َ‬
‫ها ل ِي َ ُ‬
‫جُلودا ً غ َي َْر َ‬
‫نَ ِ‬
‫ن الل ّممه ك َمما َ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ذا َ‬
‫م ُ‬
‫ت ُ‬
‫ض َ‬
‫م ب َد ّل َْناهُ ْ‬
‫جُلود ُهُ ْ‬
‫ج ْ‬
‫ن عَ ِ‬
‫كيمًا{ قال‪ :‬وبلغنا أنهم يبدلون كل يوم سممبعين مممرة‪ ،‬فممإذا عطممش نممادى‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫بالشراب فيؤتى بالحميم فإذا دنا من وجهه سقط لحم وجهه‪ ،‬ثم يدخل في‬
‫فيه فيسقط أضراسه ولثاته‪ ،‬ثم يدخل بطنه فيقطممع أمعمماءه وينضممج جلممده‬
‫م{ يعنممي يممذاب ممما فممي بطممونهم‬
‫ما فِممي ب ُط ُممون ِهِ ْ‬
‫صهَُر ب ِهِ َ‬
‫لقوله عز وجل }ي ُ ْ‬
‫د{ فيعذبون ما شاء الّله أن يعذبهم ثم يممدعو خزنممة جهنممم }اد ْع ُمموا‬
‫جُلو ُ‬
‫}َوال ُ‬
‫ن العَ م َ‬
‫ب{ فل يجيبممونه ثممم يممدعون مالكمما أربعيممن‬
‫خ ّ‬
‫م يُ َ‬
‫ف ْ‬
‫وما ً ِ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫م ْ‬
‫ف ع َّنا ي َ ْ‬
‫عاما فل يجبهم فيقولون قد دعونا الخزنة ودعونمما مالكمما فلممم يجممب هلممموا‬
‫فلنجزع فيجزعون فل يغنى عنهم ثم يقولون هلممموا فلنصممبر فيصممبرون فل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص{ فهذا‬
‫م ِ‬
‫ما ل ََنا ِ‬
‫واٌء ع َل َي َْنا أ َ‬
‫جزِع َْنا أ ْ‬
‫يغنى عنهم فيقولون } َ‬
‫ن َ‬
‫صب َْرَنا َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫حي ٍ‬
‫العذاب للكفار‪ ،‬لكن المسلم إذ شرب الخمر وجرى على لسانه‬
‫]ص ‪[78‬‬
‫كلمممة الكفممر يخمماف أن يممزول عنممه اليمممان عنممد ممموته فيصممير مممن جملممة‬
‫الكافرين‪ ،‬فينبغي للمسلم أن يمتنع من شرب الخمر وينقطع عمن يشربها‬
‫فإنه إذا خالط شارب الخمر يخاف عليه أن يصمميبه مممن غبمماره‪ ،‬وينبغممي أن‬
‫يتفكر في هول يوم القيامة فإن من تفكر في هول يمموم القيامممة فل يميممل‬
‫قلبه إلى شرب الخمر ول إلى صحبة شارب الخمر‪.‬‬
‫وروي عن الحسن البصري رحمه الّله تعالى أنممه قممال‪ :‬بلغنمما أن العبممد إذا‬
‫شرب شربة من الخمر اسود ّ قلبه‪ ،‬فإذا شرب الثانية تبرأت منممه الحفظممة‪،‬‬
‫فإذا شرب الثالثة تبرأ منه ملك الموت‪ ،‬فإذا شرب الرابعة تممبرأ منمه النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم فإذا شرب الخامسة تبرأ منممه أصممحاب النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم وفي السادسة تبرأ منه جبريل عليه السلم‪ ،‬وفي السمابعة‬
‫تبرأ منه إسرافيل عليه السلم وفي الثامنة تبرأ منه ميكائيل عليه السمملم‪،‬‬
‫وفي التاسعة تبرأت منه السموات‪ ،‬وفي العاشرة تبرأت منه الرض‪ ،‬وفممي‬

‫الحادية عشر تبرأت منه حيتان البحر‪ ،‬وفي الثانية عشرة تبرا منه الشمس‬
‫والقمر‪ ،‬وفي الثالثة عشرة تبرأ منه كواكب السماء‪ ،‬وفممي الرابعممة عشممرة‬
‫تبرأت منه الخلئق‪ ،‬وفي الخامسة عشر أغلق عليممه أبممواب الجنممان‪ ،‬وفممي‬
‫السادسة عشرة فتحت عليه أبواب النيران‪ ،‬وفممي السممابعة عشممرة تممبرأت‬
‫منه حملة العرش‪ ،‬وفي الثامنة عشرة تممبرأ منممه الكرسممي‪ ،‬وفممي التاسممعة‬
‫عشمرة تممبرأ منمه العممرش‪ ،‬فممإذا شممرب العشمرين تمبرأ منممه الجبممار تبمارك‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا منصمور بمن جعفمر وهمو أبمو نصمر‬
‫الدبوسي بسمرقند حدثنا أبو القاسم أحمممد بممن محمممد‪ .‬حممدثنا عيسممى بممن‬
‫ي بن عاصم عن عبيد الّله بن عثمان عن شهر بممن حوشممب‬
‫أحمد‪ .‬حدثنا عل ّ‬
‫عن أسماء بنت يزيد رضي الل ّممه تعممالى عنهممما قممالت سمممعت رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم يقول "من شرب الخمر فجعلها في بطنممه لممم تقبممل‬
‫منه صلته سبعا ً فإن هي أذهبت عقله لم تقبل صلته أربعين يوما وإن مات‬
‫مات كافرا وإن تاب تاب الّله عليه وإن عاد كان حقا علممى الل ّممه أن يسممقيه‬
‫من طينة الخبال" يعني من صديد أهل النار‪ .‬وفي خممبر آخممر أنممه إذا شممرب‬
‫الخمر مرة لم تقبممل صمملته ول صممومه ول سممائر عملممه أربعيممن يوممما‪ .‬وإذا‬
‫شرب الثانية ل يقبل الّله صلته ول صومه ول سائر عمله ثمانين يومًا‪ ،‬وإذا‬
‫شرب الثالثة فإلى مائة وعشرين يوما‪ ،‬فممإذا شممرب الرابعممة فمماقتلوه فممإنه‬
‫كافر وحق على الّله أن يسقيه من طينة الخبال‪ .‬قيممل وممما طينممة الخبممال؟‬
‫قال صديد أهل النار"‪ .‬وروي في خبر آخر أنممه قممال "إن الممذنوب والخطايمما‬
‫جعلت كلها في بيت واحد وجعممل مفتمماحه شممرب الخمممر" يعنممي إذا شممرب‬
‫الخمر فتح على نفسه أبواب الخطايا كلها‪ .‬وروى عن بعض الصحابة رضممي‬
‫الّله تعالى عنهم أنه قال‪ :‬من زّوج كريمته من شارب الخمر فكأنما سمماقها‬
‫إلى الزنا‪ :‬ومعناه أن شارب الخممر إذا سممكر كممثر كلمممه فممي الطلق فقمد‬
‫حرمت عليه امرأته وهممو ل يشممعر‪ ،‬ويقممال إن شممارب الخمممر شممبيه بعبممدة‬
‫الوثان لن الّله تعالى سمى الخمر رجسا وأمر بالجتناب‬
‫]ص ‪[79‬‬
‫شي ْ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ه{ كممما قممال‬
‫س ِ‬
‫ن فَمما ْ‬
‫عنها‪ ،‬وهو قوله عز وجل }رِ ْ‬
‫جت َن ُِبو ُ‬
‫ن عَ َ‬
‫ج ٌ‬
‫طا ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن{ وروى طلحة بن مطرف عن عبممد الل ّممه بممن‬
‫س ِ‬
‫جت َن ُِبوا الّر ْ‬
‫}َفا ْ‬
‫ج َ‬
‫ن الوَْثا ِ‬
‫م ْ‬
‫مسعود رضي الّله تعالى عنه أنه قممال‪ :‬إن مممن شممربها نهممارا أشممرك بممالله‬
‫تعالى حتى يمسي وإن شربها ليل أشرك بالله تعالى حتى يصبح وروي عنه‬
‫أنه قال‪ :‬إذا ممات شماربها فممادفنوه واحبسمموني ثمم انبشموا قممبره فمإن لمم‬
‫تجدوه مصروفا ً عن القبلة فاقتلوني‪.‬‬
‫وروى عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن رسول الّله صلى الّله‬
‫عليه وسلم أنه قممال "بعثنممي الل ّممه تعممالى هممدى ورحمممة للعممالمين‪ ،‬وبعثنممي‬
‫لمحو المعازف والمزامير وأمممر الجاهليممة والوثممان‪ ،‬وحلممف ربممي بعزتممه ل‬
‫يشرب عبد من عبيدي الخمر في الدنيا إل ّ حرمتهمما عليممه يمموم القيامممة‪ ،‬ول‬
‫يتركهما عبمد ممن عبيمدي إل ّ سمقيته ممن حظيممرة القممدس"‪ .‬قممال أوس بمن‬
‫سمممعان‪ :‬والممذي بعثممك بممالحق إنممي لجممدها فممي التمموراة محرمممة خمس ما ً‬
‫وعشرين مرة‪ ،‬ويل لشارب الخمر وحق على الل ّممه أن ل يشممربها عبممد مممن‬
‫عبيده في الدنيا إل ّ سقاه مممن طينممة الخبممال‪ .‬وروى مالممك عممن محمممد بممن‬
‫المنكدر أنه قال‪ :‬يقول الّله تعالى يعني يوم القيامممة }أيممن الممذين ينزهممون‬
‫أنفسهم وأسماعهم في الدنيا عن اللهو ومزاميممر الشمميطان اجعلمموهم فممي‬
‫رياض المسك‪ ،‬ثم يقول للملئكة أسمعوهم صوت حمدي وثنائي وأخبروهم‬
‫ن{ وروى عممن أبممي وائل عممن شممقيق بممن‬
‫أن َل َ‬
‫خوْ ٌ‬
‫حَزن ُممو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م وََل هُ ْ‬
‫ف ع َل َي ْهِ ْ‬
‫سلمة أنه دعي إلى وليمة فرأى فيها لعابين فرجع‪ ،‬ثم سمعت ابن مسممعود‬
‫يقول‪ :‬إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل‪ .‬وروى عطاء‬
‫بن السائب عن عبد الرحمن السمملمي قممال‪ :‬شممرب نفممر مممن أهممل الشممام‬

‫الخمر وعليهم يومئذ معاوية بن أبي سفيان وقممالوا هممي لنمما حلل لن الل ّممه‬
‫ممموا{‬
‫حا ِ‬
‫مُنوا وَع َ ِ‬
‫س ع ََلى ال ّ ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ت ُ‬
‫صال ِ َ‬
‫ممما ط َعِ ُ‬
‫ح ِفي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫تعالى قال }ل َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫الية‪ ،‬فكتب فيهم إلى عمر رضممي الل ّممه تعممالى عنممه بممذلك وكتممب عمممر أن‬
‫ي قبل أن يفسدوا من قبلك‪ ،‬فلما قممدموا علممى عمممر رضممي الل ّممه‬
‫ابعثهم إل ّ‬
‫تعالى عنه جمع لهم أصحاب رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم فشمماورهم‬
‫في ذلك فقالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين أنهم افتروا على الّله وشممرعوا فممي دينممه‬
‫ما لم يأذن به الّله فاضرب أعناقهم‪ ،‬وعلي رضي الل ّممه تعممالى عنممه سمماكت‬
‫في القوم‪ .‬قال‪ :‬قال لعلى ما ترى؟ قال أرى أن تستتيبهم فممإن لممم يتوبمموا‬
‫فاضممرب أعنمماقهم‪ ،‬وإن تممابوا فاضممربهم ثمممانين جلممدة فاسممتتابهم فتممابوا‬
‫فضربهم ثمانين جلممدة‪ .‬وروى عكرمممة عممن ابممن عبمماس رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنهما أنه قال لما نزلت آية تحريم الخمر قالوا فكيف إخواننمما الممذين ممماتوا‬
‫مل ُمموا‬
‫من ُمموا وَع َ ِ‬
‫س ع َل َممى ال ّم ِ‬
‫نآ َ‬
‫وهممم يشممربونها؟ فنممزل قمموله تعممالى }ل َي ْم َ‬
‫ذي َ‬
‫موا{ الية‪ ،‬يعنممي ل إثممم علممى الممذين شممربوا قبممل‬
‫حا ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ت ُ‬
‫صال ِ َ‬
‫ما ط َعِ ُ‬
‫ح ِفي َ‬
‫ال ّ‬
‫التحريم‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫]ص ‪[80‬‬
‫باب الزجر عن الكذب‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد‬
‫بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حممدثنا أبممو معاويممة عممن العمممش عممن‬
‫شقيق بن سلمة عن عبد الّله ابن مسعود رضي الّله تعممالى عنممه أن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم قال "عليكم بالصدق فممإن الصممدق يهممدي إلممى الممبر‪،‬‬
‫والبر يهدي إلى الجنة‪ ،‬وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حممتى يكتممب‬
‫عند الّله صديقًا‪ ،‬وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور‪ ،‬وإن الفجور‬
‫يهدي إلى النار‪ ،‬وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الّله‬
‫كذابا" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حممدثنا إبراهيممم‬
‫بن يوسف‪ .‬حدثنا أبو معاوية عن العمش عن عمممارة بممن عميممر عممن عبممد‬
‫الرحمن بممن زيممد عممن ابممن مسممعود رضممي الل ّممه تعممالى عنممه قممال‪ :‬اعتممبروا‬
‫المنافق بثلث‪ :‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا عاهد غممدر‪ .‬قممال عبممد‬
‫الّله رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وأنزل الّله تعالى تصديق ذلممك فممي كتممابه قمموله‬
‫مما َ‬
‫كماُنوا‬
‫ن َ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫ن آَتاَنا ِ‬
‫تعالى }وَ ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ه{ إلمى قموله‪} :‬وَب ِ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫عاهَد َ الّله ل َئ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن{ قال‪ :‬حدثنا أبممو القاسممم ابممن محمممد بممن مردويممه وحممدثنا عيسممى‬
‫ي َك ْذ ُِبو َ‬
‫خشنام الثوري‪ .‬حدثنا سويد عن مالك‪ :‬أنه بلغه أنه قيل للقمان الحكيم ممما‬
‫بلغ بك ما نرى؟ قال صدق الحديث‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وترك ما ل يعنيني‪ .‬قمال‪:‬‬
‫حدثنا أبو القاسم عيسى‪ .‬حدثنا سويد عن مالك عن صفوان بن سممليم أنممه‬
‫قال "قيل يا رسول الّله أيكون المؤمن جبانا؟ قممال نعممم‪ ،‬فقيممل لممه أيكممون‬
‫المؤمن بخيل؟ قال نعم‪ ،‬قيل له أيكون المؤمن كذابا؟ قال ل" قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بممن يوسممف‪ .‬حممدثنا‬
‫إسماعيل بن جعفمر عمن عممر عمن المطلمب بمن حنطمب عمن عبمادة ابمن‬
‫الصممامت رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‬
‫"أضمنوا لي ستا ً من أنفسكم أضمن لكم الجنة‪ :‬اصدقوا إذا حدثتم‪ ،‬وأوفمموا‬
‫إذا وعدتم‪ ،‬وأدوا إذا ائتمنتم‪ ،‬واحفظوا فروجكم‪ ،‬وغضمموا أبصمماركم‪ ،‬وكفمموا‬
‫أيديكم"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬قد جمع النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫جميع الخيرات في هذه الشياء وهي ستة‪.‬أولها قممال "اصممدقوا إذا حممدثتم"‬
‫فقد دخل فيه كلمة التوحيد وغيرها يعني إذا شممهد أن ل إلممه إل ّ الل ّممه يكممون‬
‫قوله صادقا ً من نفسه ويكون صادقا ً في حديثه مممع النمماس‪ .‬وقمموله "أوفمموا‬
‫إذا وعدتم" يعني الوعد الذي بينه وبين الّله تعالى والوعد الممذي بينممه وبيممن‬
‫الناس‪ ،‬فأما الوعد الذي بينه وبين الّله تعالى فممإنه يثبممت علممى إيمممانه إلممى‬
‫الموت‪ ،‬وأما الذي بينه وبين الناس فهو أن يفي بجميع ممما وعممدهم‪ .‬وقمموله‬

‫"وأدوا إذا ائتمنتم" فالمانة علممى وجهيممن‪ :‬أحممدهما بينممه وبيممن الل ّممه تعمالى‪،‬‬
‫والخر بينه وبين الناس‪.‬فأما الذي بينه وبين الله‬
‫]ص ‪[81‬‬
‫تعالى فهي الفرائض التي افترضها الّله على عباده وهممي أمانممة الل ّممه عنممده‬
‫فوجب عليه أن يؤديها في وقتهمما‪ .‬وأممما المانممة بينممه وبيممن النمماس فهممو أن‬
‫يأتمنه رجل على ماله أو على قول أو على غير ذلك فيجممب عليممه أن يفممي‬
‫بأممانته‪ .‬وقمموله "واحفظمموا فروجكممم" فممالحفظ علممى وجهيممن‪ :‬أحممدهما أن‬
‫يحفظ فرجه عن الحرام والشممبهة‪ ،‬والثمماني أن يحفممظ فرجممه حممتى ل يقممع‬
‫بصر أحد عليه لن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‪" :‬لعممن الل ّممه النمماظر‬
‫والمنظممور إليممه" فممالواجب علممى المسمملم أن يتعاهممد نفسممه فممي وقممت‬
‫الستنجاء لكيل ينظر إليه من ل يحل له النظممر إليممه مممن الرجممال والنسمماء‪.‬‬
‫وقوله }وغضوا أبصاركم{ يعني غضوا أبصاركم عممن عممورات النمماس وعممن‬
‫النظر إلى محاسن المرأة التي ل يحل لكم النظممر إليهمما وعممن النظممر إلممى‬
‫ن ع َي ْن َي ْم َ‬
‫ه‬
‫مت ّعْن َمما ب ِم ِ‬
‫مد ّ ّ‬
‫ممما َ‬
‫ك إ ِل َممى َ‬
‫الدنيا بعين الرغبة كما قال الّله تعالى }وََل ت َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م{ أي‬
‫ه{ وقمموله }وك ُ ّ‬
‫دنَيا ل ِن َ ْ‬
‫م ِفي م ِ‬
‫أْزَواجا ً ِ‬
‫حَياةِ ال ّ‬
‫م َزهَْرة َ ال َ‬
‫فمموا أي ْمد ِي َك ُ ْ‬
‫فت ِن َهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫عن الحرام من الموال وغير ذلك‪.‬‬
‫وروى عن حذيفة بن اليمان رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬إن الرجل كان‬
‫يتكلم بالكلمة على عهممد رسمول الل ّممه صملى الل ّممه عليممه وسمملم فيصممير بهما‬
‫منافقا‪ ،‬وإني لسمعها من أحدكم في اليوم عشر مممرات‪ :‬يعنممي الرجممل إذا‬
‫كان يكذب كان ذلك دليل ً على نفاقه‪ .‬فالواجب على المسلم أن يمنع نفعمه‬
‫ود الكذب يكتب عنممد الل ّممه منافقمما‬
‫من علمات المنافقين‪ ،‬فإن الرجل إذا تع ّ‬
‫ويكون عليه وزره ووزر من اقتدى به‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبو منصور بممن عبممد الل ّممه‬
‫الفرائضي بسمرقند بإسناد عن سمرة بن جنممدب قممال "كممان رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم إذا صلى الغداة أقبل علينا بوجهه فقال لصحابه‪ :‬هل‬
‫رأى أحد منكم الليلة رؤيا فيقص عليه ما شمماء الل ّممه أن يقممص رؤيماه عليممه‪،‬‬
‫وإنه قال لنا ذات غداة‪ :‬هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فقلنا ل‪ ،‬قال لكنممي‬
‫أنا رأيت الليلة‪ :‬إنه أتاني اثنان وإنهما أخذا بيدي فقال لي انطلق‪ ،‬فانطلقت‬
‫معهما فأخرجاني إلى أرض مستوية فأتينا على رجل مضممطجع وآخممر قممائم‬
‫عليه بصخرة فإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه فيثلممغ بهمما رأسممه فيتدهممده‬
‫الحجر‪ ،‬فيتبعه ويأخذه فل يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كممان فيعممود عليممه‬
‫بمثل ذلك‪ ،‬فقلت سبحان الّله ما هذا؟ فقال لي انطلممق‪ ،‬فممانطلقت معهممما‬
‫حتى أتينا على رجل مستلق علممى قفمماه وإذا آخممر قممائم عليممه بكل ّمموب مممن‬
‫حديد فإذا هو يأتي أحمد شمقي وجهمه فيشمق شمدقه حمتى يبلمغ إلمى قفماه‬
‫ومنخره‪ ،‬ثم يتحول إلى الجانب الخر فيفعممل بممه مثممل ذلممك فل يفممرغ منممه‬
‫حتى يصح الجانب الّول كما كان فيعود إليه فيفعل به مثل ذلك‪ .‬قال‪ :‬قلت‬
‫سبحان الّله ما هذا؟ قال لي انطلق‪ ،‬فانطلقت حتى انتهينا على بناء رأسممه‬
‫مثل التنور وأسفله واسع‪ .‬قال‪ :‬فاطلعت فإذا فيه رجال ونسمماء عممراة فممإذا‬
‫هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أوقد ارتفعوا حمتى يكمادوا أن يخرجموا‬
‫وتوا‪ :‬يعنممي صمماحوا‪،‬‬
‫فإذا خمدت رجعوا فيهمما فلممما جمماءهم ذلممك اللهممب صم ّ‬
‫فقلت سبحان الّله ما هؤلء؟ قال لي‬
‫]ص ‪[82‬‬
‫انطلق فانطلقنا حتى أتينا على نهر معترض فيه ماء أحمر مثممل الممدم فممإذا‬
‫فيه رجل يسبح وإذا على شاطئ النهر رجممل قممد جمممع حجممارة كممثيرة قممال‬
‫فيأتيه السابح فيفغر‪" :‬أي يفتح" له فاه فيلقمه حجرا‪ .‬قممال‪ :‬قلممت سممبحان‬
‫الّله ما هذا؟ فقال لي انطلق‪ ،‬فأتينا على رجل فممإذا هممو حمموله نمار عظيمممة‬
‫يهشها ويسعى حولها فقلت سبحان الّله ما هذا؟ فقال لي انطلق‪ ،‬فانطلقنا‬
‫فأتينا على روضة فيها من كل َنور الربيع فممإذا بيممن ظهرنممي الروضممة رجممل‬

‫طويل وإذا حول ذلك الرجل ولدن كثيرة مممن أكممثر ممما رأيتممم قممط‪ ،‬فقلممت‬
‫سبحان الّله ممما هممذا؟ قممال لممي انطلممق‪ ،‬فانطلقنمما حممتى انتهينمما إلممى دوحممة‬
‫عظيمة لم أر دوحة أعظم ول أحسن منها فارتقينا فيها فانتهينا إلممى مدينممة‬
‫مبنية بلبن من ذهممب ولبممن مممن فضممة‪ ،‬فاسممتفتحنا بمماب المدينممة ففتممح لنمما‬
‫فدخلنا فيها فأخرجاني منها فأدخلني دارا هي أحسن منها وأفضممل‪ ،‬فبينممما‬
‫اصّعد بصري فإذا قصر أبيض كأنه ربابة بيضاء ز قال‪ :‬ذلك منزلك‪ .‬قلممت أل‬
‫أدخله؟ قال‪ :‬أما الن فل وأنت داخله‪ ،‬ثم قلت إني رأيت هممذه الليلممة عجبمما‬
‫ما الول الذي رأيتمه يثلمغ رأسممه بمالحجر فممإنه رجممل‬
‫فما الذي رأيته؟ قال‪ :‬أ ّ‬
‫ما الممذي يشممق شممدقه‬
‫يأخذ القرآن ثم يرفضه وينام عن الصلة المكتوبة‪،‬وأ ّ‬
‫مما الممذي‬
‫إلى قفاه فإنه رجل يخرج من بيته فيكذب الكذبة فتبلغ الفماق‪ .‬وأ ّ‬
‫رأيته مثل التنور فإنهم الزناة والزواني‪ .‬وأممما الممذي يسممبح فممي البحممر فهممو‬
‫آكل الربا‪ .‬وأما الذي يسعى حول النار فإنه مالممك خممازن النممار "أي جهنممم"‬
‫وأما الرجل الطويل الذي رأيته في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلم‪ :‬وأما‬
‫الولدان الذين حوله فكل مولود ولد على الفطرة وأممما الممدار الممتي دخلممت‬
‫أّول فدار عامة المؤمنين‪ .‬وأما الدار الخرى فدار الشهداء وأنا جبريل وهمذا‬
‫ميكائيل‪ ،‬فقال رجل وأولد المشركين؟ قال وأولد المشركين أيضا ً يكونون‬
‫عند إبراهيم عليه الصلة والسلم" وقد جاء فممي أطفممال المشممركين أخبممار‬
‫مختلفة‪ .‬قال بعضهم‪ :‬يكونون خدما ً لهممل الجنممة‪ ،‬وبعضممهم مممن أهممل النممار‬
‫والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫)وقال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا أبو جعفممر‪ .‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل‪ .‬حدثنا أبو حذيفة بالبصرة‪ .‬حممدثنا سممفيان‪ .‬حممدثنا عبممد الرحمممن بممن‬
‫عباس قال‪ :‬حدثني ناس من أصحاب عبد الّله بن مسعود رضي الّله تعمالى‬
‫عنه أنه قال‪" :‬أصدق الحديث كلم الله‪ ،‬وأشرف الحديث ذكممر اللممه‪ ،‬وشممر‬
‫العمى عمى القلب‪ ،‬وما ق ّ‬
‫ل وكفممى خيممر مممما أكممثر وألهممى‪ ،‬وشممر الندامممة‬
‫ندامة يوم القيامة‪ ،‬وخير الغنى عنى النفس‪ ،‬وخيممر الممزاد التقمموى‪ ،‬والخمممر‬
‫جماع الثم‪ ،‬والنساء حبائل الشيطان‪ ،‬والشباب شممعبة مممن الجنممون‪ ،‬وشممر‬
‫المكاسب كسممب الربمما‪ ،‬وأعظممم الخطايمما اللسممان الكممذوب"‪ .‬قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بممن يوسممف‪ .‬حممدثنا‬
‫سفيان بن أبي حصين يبلغ به‬
‫]ص ‪[83‬‬
‫ّ‬
‫إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬الكممذب ل يصمملح إل فممي ثلث‪ :‬فممي‬
‫الحرب لن الحرب خدعة‪ .‬والرجل يصلح به بين اثنيممن‪ ،‬والرجممل يصمملح بممه‬
‫بينه وبين امرأته"‪.‬‬
‫وروى عن بعض التابعين أنه قممال‪ :‬أعلممم أن الصممدق زيممن الوليمماء‪ ،‬وأن‬
‫الكذب علمة الشقياء كما بين الّله تعالى في كتابه قال الل ّممه تعممالى }هَ م َ‬
‫ذا‬
‫َ‬
‫قمموا الل ّممه وَ ُ‬
‫ع‬
‫من ُمموا ات ّ ُ‬
‫م َين َ‬
‫م{ }َيا أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ن ِ‬
‫مم َ‬
‫ي َوْ ُ‬
‫كون ُمموا َ‬
‫نآ َ‬
‫صد ْقُهُ ْ‬
‫فعُ ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫صمد ّقَ ِبمهِ أوْلئ ِ َ‬
‫مما‬
‫مت ّ ُ‬
‫ك ُ‬
‫ن‪َ .‬والم ِ‬
‫قمو َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ن‪ .‬لُهم ْ‬
‫م ال ُ‬
‫هم ْ‬
‫ق وَ َ‬
‫جماَء ِبال ّ‬
‫ال ّ‬
‫صماد ِِقي َ‬
‫صمد ْ ِ‬
‫م{ وقد ذم الكمماذبين ولعنهممم فقممال عممز مممن قممائل }قُت ِم َ‬
‫يَ َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫شاُءو َ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ال َ‬
‫م ِ‬
‫ن افْت ََرى ع ََلى الّله الك َذ ِ َ‬
‫صو َ‬
‫م ّ‬
‫ن أظ ْل َ ُ‬
‫ن{ يعني لعن الكذابون }وَ َ‬
‫خّرا ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫دي ال َ‬
‫وَهُوَ ي ُد ْ َ‬
‫م الظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫قو ْ َ‬
‫عى إ ِلى ال ِ ْ‬
‫سلم ِ َوالل ُ‬
‫مي َ‬
‫باب الغيبة‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الله تعالى عنه‪ :‬حممدثنا محمممد‬
‫بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حدثنا إسمعيل‬
‫بن جعفر عن العلء بن عبد الرحمن عن أبيه عممن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "أتممدرون ممما الغيبممة؟ قممالوا‬
‫الّله ورسوله أعلم‪ .‬قال إذا ذكرت أخاك بما يكره فقد اغتبته‪ .‬قيممل‪ :‬أرأيممت‬

‫إن كان في أخي ما أقول؟ قال‪ :‬إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتممه؟ وإن لممم‬
‫يكن فيه ما تقول فقد بهته" يعني قلت فيه بهتانا‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ذكر عن بعض المتقدمين أنه قال‪ :‬لو‬
‫قلت إن فلنا ثوبه قصير أو ثوبه طويل يكممون غيبممة فكيممف إذا ذكممرت عممن‬
‫نفسه قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفممر‪ .‬حممدثنا إبراهيممم‬
‫بن يوسف‪ .‬حمدثنا يحيممى بمن سمليم عمن سمملمان القاضممي عمن محمممد بمن‬
‫الفضيل العابد عن ابن أبي نجيح قال‪" :‬بلغنا أن امرأة قصيرة دخلممت علممى‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فلما خرجت قممالت عائشممة رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنها ما أقصرها فقال النبي صلى الّله عليه وسلم اغتبتيها‪ .‬قالت عائشة ما‬
‫قلت إل ّ ما فيها‪ .‬قال‪ :‬ذكرت أقبح ما فيها" قال‪ :‬حدثنا محمد بممن الفضمميل‪.‬‬
‫حدثنا محمد بن جعفر عن إبراهيم‪ .‬حدثنا عبد الوهماب بمن عطماء عمن أبمي‬
‫محمد الجماني عن أبي هرون العبدي عن أبي سممعيد الخممدري رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أن النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‪" :‬ليلممة أسممرى بممي إلممى‬
‫السماء مررت بقوم يقطع اللحم من جنوبهم ثم يلقمونه ثم يقال لهم كلمموا‬
‫ما كنتم تأكلون من لحم أخيكم‪ ،‬فقلت يا جبريل من هؤلء؟ قال هؤلء مممن‬
‫أمتك الهمازون اللمازون" يعني المغتابين‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬سمعت أبي يحكي قال‪" :‬كان النبي صلى‬
‫فة وزيد بن‬
‫ص ّ‬
‫الّله عليه وسلم في المنزل وأصحابه في المسجد من أهل ال ُ‬
‫ثابت يحدثهم بما سمع من النبي صلى الّله عليه وسلم من‬
‫]ص ‪[84‬‬
‫الحاديث فأتى النبي صلى الّلمه عليمه وسملم بلحمم فقمالوا لزيمد بمن ثمابت‬
‫ادخل على النبي صلى الّله عليه وسلم وقل إنمما لممم نأكممل اللحممم منممذ كممذا‬
‫وكذا لكي يبعث إلينا بشيء من ذلك اللحمم‪ ،‬فلمما قمام زيمد بمن ثمابت ممن‬
‫عندهم قالوا فيما بينهم إن زيدا قد لقي النبي صلى الّله عليممه وسمملم مثممل‬
‫ما لقينا فكيف يجلس ويحدثنا؟ فلما دخل زيد على النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫دى الرسالة قال النبي صلى الّله عليه وسمملم قممل لهممم قممد أكلتممم‬
‫وسلم وأ ّ‬
‫اللحم الن‪ ،‬فرجع إليهم وأخبرهم به قالوا والله ممما أكلنمما اللحممم منممذ كممذا‪،‬‬
‫فرجع إليه وأخبره فقال إنهم قد أكلوا الن فرجممع إليهممم وأخممبرهم فقمماموا‬
‫فدخلوا على النبي صلى الّله عليمه وسملم فقمال لهمم الن قمد أكلتمم لحمم‬
‫أخيكم وأثر اللحم في أسنانكم فابزقوا حتى تروا حمرة اللحم‪ ،‬فبزقوا الدم‬
‫فتابوا ورجعوا عن ذلك واعتذروا إليه"‪.‬‬
‫وروى جابر بن عبد الّله رضي الّله تعالى عنهما قال "هاجت ريح منتنة على‬
‫عهد رسول الّله صلى الّله عليه وسلم فقال النبي صلى الّله عليممه وسمملم‪:‬‬
‫إن ناسا من المنافقين قد اغتابوا أناسا من المسلمين فلممذلك همماجت هممذه‬
‫الريح المنتنة"‪ .‬وقيل لبعض الحكماء ما الحكمة فممي أن ريممح الغيبممة ونتنهمما‬
‫كانت تتبين على عهد رسول الّله صلى الّله عليه وسلم ول تتبين في يومنمما‬
‫هذا قال لن الغيبة قد كثرت فممي يومنمما فممامتلت النمموف منهمما فلممم تتممبين‬
‫الرائحة وهي النتن‪ ،‬ويكون مثال هذا مثال رجل دخل دار الممدباغين ل يقممدر‬
‫على القرار فيها من شدة الرائحة‪ ،‬وأهل تلممك الممدار يممأكلون فيهمما الطعممام‬
‫ويشربون الشراب ول تتبين لهم الرائحة لنه قد امتلت أنوفهم منها كممذلك‬
‫أمر الغيبة في يومنا همذا‪ .‬وروى أسمباط عمن السمدي قمال‪" :‬كمان سملمان‬
‫الفارسي في سفر مع أناس وفيهم عمر رضي الّله تعالى عنه فنزلوا منزل‬
‫فضربوا خيامهم وصنعوا طعامهم ونام سلمان‪ ،‬فقال بعض القمموم ممما يريممد‬
‫هذا العبد إل ّ أن يجيء إلى خيام مضممروبة وطعممام مصممنوع؟ ثممم قممالوا بعممد‬
‫ذلك لسلمان انطلق إلى النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم فممالتمس لنمما إداممما‬
‫نأتدم به‪ ،‬فأتى النبي صلى الّله عليه وسلم فأخبره فقال النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أخبرهم أنهم قد ائتدموا‪ ،‬فأخبرهم بذلك فقالوا ما طعمنمما بعممد‪،‬‬
‫وما كذب النبي صلى الّله عليه وسلم عليكم فأتوه؟ فقال لهم النبي صمملى‬

‫الّله عليه وسلم‪ :‬قد ائتدمتم من صاحبكم حين قلتم ما قلتم وهممو نممائم ثممم‬
‫َ‬
‫م{‬
‫جت َن ُِبوا ك َِثيرا ً ِ‬
‫قرأ عليهم }َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫مُنوا ا ْ‬
‫ن إ ِث ْ ٌ‬
‫نآ َ‬
‫ن ب َعْ َ‬
‫ض الظ ّ ّ‬
‫ن الظ ّ ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫يعني معصية‪ .‬قال سفيان‪ :‬الظن ظنان‪ :‬ظن فيه إثم وظن ليس فيممه إثممم‪،‬‬
‫فأما الظن الذي فيه إثم فالذي يتكلم به وأما الظن الذي ليس فيه إثم فما‬
‫سمموا{ يقممول ول تطلبمموا عيممب أخيكممم }وََل‬
‫يضمره ول يتكلم بممه }وََل ت َ َ‬
‫س ُ‬
‫ج ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ي َأك ُ َ‬
‫ه{ يعنممي‬
‫مأ ِ‬
‫م ب َْعضا ً أ َي ُ ِ‬
‫ل لَ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫بأ َ‬
‫ح ّ‬
‫ب ب َعْ ُ‬
‫ي َغْت َ ْ‬
‫مو ُ‬
‫مْيتا ً فَك َرِهْت ُ ُ‬
‫خيهِ َ‬
‫ح َ‬
‫حد ُك ُ ْ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫كما تكرهون أكل لحم أخيكم ميتا فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا‪.‬‬
‫ب‬
‫وروى عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما في هممذه اليممة }وََل ي َغْت َم ْ‬
‫م ب َْعضًا{ قال‪ :‬نزلت في رجلين من أصحاب رسمول الّلمه صملى الّلمه‬
‫ب َعْ ُ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وذلك أن النبي صلى الّله عليه وسلم ضم مع كل رجلين‬
‫]ص ‪[85‬‬
‫غنييممن فممي السممفر رجل ً مممن أصممحابه قليممل الشمميء ليصمميب معهممما مممن‬
‫طعامهما ويتقدمهما في المنازل ويهيئ لهما المنزل وممما يصمملح لهممما وقممد‬
‫كان ضم سلمان إلى رجلين‪ ،‬فنزل منزل من المنازل ذات يمموم ولممم يهيممئ‬
‫لهما شيئا ً فقال له اذهب إلى النبي صلى الّله عليه وسلم فسممل لنمما فضممل‬
‫إدام؟ فانطلق فقال أحدهما لصاحبه حين غاب عنهما إنه لو انتهى إلممى بئر‬
‫كذا لق ّ‬
‫ل الماء‪ ،‬فلما انتهى إلى رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم وبلغممه‬
‫الرسالة قمال النمبي صملى الّلمه عليمه وسملم‪ :‬قمل لهمما قمد أكلتمما الدام‪،‬‬
‫فأتاهما فأخبرهما فأتياه فقممال ممما أكلنمما مممن إدام؟ فقممال إنممي لرى حمممرة‬
‫اللحم في أفواهكما‪ ،‬فقال لم يكن عندنا شيء وما أكلنا لحما اليمموم‪ ،‬فقممال‬
‫لهما إنكما اغتبتما أخاكما‪ ،‬ثم قال لهما أتحبان أن تأكل لحما ميتا؟ فقال‪ :‬ل‪،‬‬
‫فقال لهما فكما كرهتما أن تأكل لحما ميتا فل تغتابا فممإنه مممن اغتمماب أخمماه‬
‫م ب َْعضمًا{‪ .‬وروى عممن الحسممن‬
‫ب ب َعْ ُ‬
‫فقممد أكممل لحمممه فنزلممت }وََل ي َغْت َم ْ‬
‫ضمك ُ ْ‬
‫البصري أن رجل ً قال‪ :‬إن فلنا قممد اغتابممك فبعممث إليممه طبقمما مممن الرطممب‬
‫ي حسمناتك فمأردت أن أكمافئك عليهما فاعمذرني‬
‫وقال بلغني أنك أهديت إلم ّ‬
‫فإني ل أقدر أن أكافئك بها على التمام‪ .‬وذكر عن إبراهيم بن أدهممم رحمممه‬
‫الّله تعالى أنه أضاف أناسا فلما قعدوا على الطعممام جعلمموا يتنمماولون رجل‪.‬‬
‫قال إبراهيم‪ :‬إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم وأنتم بدأتم‬
‫باللحم قبل الخبز‪ .‬وذكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه‬
‫قال‪ :‬إن العبد ليعطي كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكممن عملهمما‪،‬‬
‫فيقول يا رب من أين لي هذا؟ فيقول هذا بما اغتابك الناس وأنت ل تشممعر‬
‫وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه قال‪ :‬يا مكذب بخلت بدنياك على أصممدقائك‬
‫وسخوت بآخرتك على أعدائك فل أنت فيما بخلت به معممذور ول أنممت فيمما‬
‫سخوت به محمود‪ .‬وذكر عن بعض الحكماء أنه قال‪ :‬الغيبممة فاكهممة القممراء‬
‫وضيافة الفساق ومراتع النساء وإدام كلب الناس ومزابل التقياء‪.‬‬
‫وروى أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال "أربع يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ويهدمن العمل‪:‬‬
‫الغيبة‪ ،‬الكذب‪ ،‬والنميمة‪ ،‬والنظر إلى محاسن المرأة التي ل يحل له النظر‬
‫اليها‪ ،‬وهن يسقين أصول الشر كما يسممقي الممماء أصممول الشممجر‪ ،‬وشممرب‬
‫الخمر يعلو الخطايا"‪ .‬قال كعممب الحبممار‪ :‬قممرأت فممي كتممب النبيمماء عليهممم‬
‫الصلة والسلم أن من مات تائبا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة‪ ،‬ومن‬
‫مات مصّرا عليها كان أول من يمدخل النمار‪ .‬وذكمر عمن عيسممى ابمن مريممم‬
‫عليه الصلة والسلم أنه قال لصحابه أرأيتم لو أتيتمم علمى رجمل نمائم قمد‬
‫كشفت الريح عن بعض عورته كنتم تسممترون عليممه؟ قممالوا نعممم‪ ،‬قممال بممل‬
‫كنتم تكشفون البقية‪ .‬قالوا سبحان الّله كيممف نكشممف البقيممة؟ قممال أليممس‬
‫يذكر عندكم الرجل فتذكرونه بأسوأ ما فيه‪ ،‬فأنتم تكشفون بقية الثوب عن‬
‫عورته‪ .‬وروى خالد الربعي قال‪ :‬كنممت فممي المسممجد الجممامع فتنمماولوا رجل‬
‫فنهيتهم عن‬

‫]ص ‪[86‬‬
‫ذلك فكفوا وأخذوا في غيره ثم عادوا إليه‪ ،‬فدخلت معهممم فممي شمميء مممن‬
‫أمره فرأيت تلك الليلة في المنام كأني أتاني رجل أسود طويل ومعه طبق‬
‫عليه قطعة من لحم خنزير‪ ،‬فقال لي كل فقلت آكل لحم الخنزير‪ ،‬واللممه ل‬
‫آكله فانتهرني انتهارا شديدا‪ ،‬وقال قد أكلت ما هو شممر منممه فجعممل يدسممه‬
‫في فمي حتى استيقظت مممن منممامي‪ ،‬فمموالله لقممد مكثممت ثلثيممن يوممما أو‬
‫أربعين يوما ما أكلت طعاما إل ّ وجدت طعم ذلممك اللحممم ونتنممه فممي فمممي‪.‬‬
‫قال سفيان بن الحصين‪ :‬كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمّر رجل فنلت‬
‫منه فقال اسكت‪ ،‬ثم قال لي سفيان هل غزوت المروم؟ قلمت ل قمال همل‬
‫غزوت الترك؟ قلت ل قال سلم منك الروم وسلم منك الممترك ولممم يسمملم‬
‫منك أخوك المسلم‪ .‬قال‪ :‬فما عدت إلى ذلك بعد‪ .‬وروي عن حمماتم الزاهممد‬
‫رحمه الّله تعالى قال‪ :‬ثلثة إذا كن في مجلممس فالرحمممة عنهممم مصممروفة‪:‬‬
‫ذكر الدنيا والضحك والوقيعة في الناس‪ .‬وعن يحيى بن معاذ الممرازي قممال‪:‬‬
‫ليكن حظ المؤمن منك ثلث خصال لتكون من المحسنين‪ :‬أحدهما أنممك إن‬
‫لم تنفعه فل تضره‪ .‬والثاني إن لم تسره فل تغمه‪ .‬والثممالث إن لممم تمممدحه‬
‫فل تذمه‪ .‬وذكر عن مجاهد أنه قال‪ :‬إن لبن آدم جلساء من الملئكممة‪ ،‬فممإذا‬
‫ذكر أحدهم أخاه بخير قالت الملئكة‪ :‬له ولك مثله‪ ،‬وإذا ذكممر أحممدهم أخمماه‬
‫بسوء قالت الملئكة‪ :‬يا ابن آدم كشفت المسممتور عليممه عممورته ارجممع إلممى‬
‫نفسك واحمد الّله الذي ستر عليك عورتك‪ .‬وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنممه‬
‫دعى إلى طعام فلما جلس قالوا إن فلنا لم يجىممء‪ ،‬فقمال رجممل منهمم إن‬
‫فلنا رجل ثقيل فقال إبراهيم إنما فعل هذا بي بطني حيمن شمهدت طعامما‬
‫اغتبت فيه مسلما‪ ،‬فخممرج ولممم يأكممل ثلثممة أيممام‪ .‬قممال بعممض الحكممماء‪ :‬إن‬
‫ضعفت عن ثلث فعليك بثلث‪ .‬إن ضعفت عن الخيممر فأمسممك عممن الشممر‪.‬‬
‫وإن كنممت ل تسممتطيع أن تنفممع النمماس فأمسمك عنهممم ضممرك‪ ،‬وإن كنممت ل‬
‫تستطيع أن تصوم فل تأكل لحوم الناس‪ .‬وذكر عن وهب المكممي أنممه قممال‪:‬‬
‫ي من أن تكون لي الدنيا وما فيها منذ خلقت إلى أن‬
‫لن أدع الغيبة أحب إل ّ‬
‫تفنى فأجعلها في سبيل الّله تعالى‪ ،‬ولن أغض بصري عما حرم الّله تعالى‬
‫ي من أن تكون لي الدنيا وما فيها فأجعلها في سبيل الّله تعالى‪ ،‬ثم‬
‫أحب إل ّ‬
‫ضمموا‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ي َغُ ّ‬
‫ب ب َعْ ُ‬
‫تل قوله تعالى }وََل ي َغْت َ ْ‬
‫م ب َْعضًا{وتل قوله تعالى }ل ِل ْ ُ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫م{ الية‪.‬‬
‫صارِه ِ ْ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الله تعالى عنه‪ :‬قد تكلم الناس في توبة المغتاب هل‬
‫تجوز من غير أن يستحل من صاحبه! قال بعضممهم يجمموز‪ ،‬وقممال بعضممهم ل‬
‫يجوز ما لم يستحل مممن صمماحبه‪ ،‬وهممو عنممدنا علممى وجهيممن‪ :‬إن كممان ذلممك‬
‫القول قد بلغ إلى الذي اغتابه فتوبته أن يستحل منه وإن لم يبلغ فليستغفر‬
‫الّله تعالى ويضمر أن ل يعممود إلممى مثلممه‪ .‬وروى أن رجل ً أتممى ابممن سمميرين‬
‫فقال‪ :‬إني اغتبتك فاجعلني في حل؟ فقال وكيف أحل ما حرم الله؟‬
‫]ص ‪[87‬‬
‫فكأنه أشار إليه بالستغفار والتوبة إلى الّله تعالى مع اسممتحلله منممه‪ ،‬فممإن‬
‫لم تبلغ إلى صاحبه تلك الغيبة فتوبته أن يستغفر الّله تعالى ويتوب إليممه ول‬
‫يخبر صاحبه فهو أحسن لكيل يشتغل قلبه به‪ ،‬ولو أنمه قمال بهتانما لممم يكمن‬
‫ذلك فيه فإنه يحتاج إلى التوبة في ثلثة مواضع‪ ،‬أحدها أن يرجع إلى القموم‬
‫الذين تكلم بالبهتان عندهم ويقول إني قد ذكممرت عنممدكم فلنمما بكممذا وكممذا‬
‫فاعلموا أني كاذب في ذلك‪ .‬والثاني أن يذهب إلى الذي قال عليممه البهتممان‬
‫ويطلب منه أن يجعله في حل‪ .‬والثالث أن يستغفر الّله تعالى ويتمموب إليممه‬
‫فليس شيء من الذنوب أعظم من البهتان‪ ،‬فإن سائر الممذنوب يحتمماج إلممى‬
‫توبة واحدة وفي البهتان يحتاج إلى التوبة في ثلثة مواضع‪ ،‬وقد قممرن الل ّممه‬
‫َ‬
‫جت َن ِب ُمموا‬
‫س ِ‬
‫ن َوا ْ‬
‫جت َن ُِبوا الّر ْ‬
‫تعالى البهتان بالكفر فقال تعالى }َفا ْ‬
‫جم َ‬
‫ن الوْث َمما ِ‬
‫مم ْ‬

‫قَوْ َ‬
‫ل الّزوِر{ ويقال ل تكون الغيبة إل ّ في قوم معلومين حتى لممو ذكممر أهممل‬
‫مصر من المصار فقال هم بخلء أو قوم سوء ل يكون غيبة لن فيهم الممبّر‬
‫والفاجر وعلم أنه لم يرد به الجميع والكف عن ذلك أفضل‪ .‬وذكر عن بعض‬
‫الزهاد أنه اشترى قطنا لمرأته فقالت المرأة إن باعة القطن قوم سوء قد‬
‫خانوك في هذا القطن فطلق الرجل امرأته‪ ،‬فسئل على ذلممك فقممال‪ :‬إنممي‬
‫رجل غيور فأخاف أن يكون القطانون كلهم خصماءها يمموم القيامممة فيقممال‬
‫إن امرأة فلن تعلق بها القطانون فلجل ذلك طلقتها‪ .‬وقال ثلثممة ل تكممون‬
‫غيبتهم غيبة‪ :‬سلطان جممائر وفاسممق معلممن وصمماحب بدعممة يعنممي‪ ،‬إذا ذكممر‬
‫فعلهم ومذهبهم ولو ذكر شيئا ً من أبدانهم بعيب فيهم لكان ذلك غيبة ولكن‬
‫إذ ذكر فعلهم ومذهبهم فل بأس لكي يحذرهم الناس‪.‬‬
‫وروي عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬اذكروا الفاجر بما فيممه‬
‫لكي يحذره الناس"‪ .‬قال رضي الّله تعالى عنه‪ :‬الغيبممة علممى أربعممة أوجممه‪:‬‬
‫في وجه هي كفر‪ ،‬وفي وجه هي نفاق‪ ،‬وفي وجه هي معصية‪ ،‬والرابع مباح‬
‫وهو مأجور‪ .‬فأما الوجه الذي هو كفر فهو أن يغتمماب المسمملم فيقممال لممه ل‬
‫تغتب فيقول ليس هذا غيبة وأنا صادق في ذلك فقد استحل ممما حممرم الل ّممه‬
‫تعالى ومن استحل ما حرم الّله تعالى صار كافرا نعمموذ بممالله‪ .‬وأممما المموجه‬
‫الذي هو نفاق فهو أن يغتاب إنسانا ً فل يسميه عند من يعرف أنه يريد منممه‬
‫فلنا فهو يغتابه ويرى من نفسه أنه متورع فهذا هو النفاق‪ .‬وأممما الممذي هممو‬
‫معصية فهو أن يغتاب إنسانا ويسميه ويعلم أنها معصية فهممو عمماص وعليممه‬
‫التوبة‪ .‬والرابع أن يغتاب فاسقا معلنا بفسقه أو صاحب بدعممة فهممو مممأجور‬
‫لنهم يحذرون منه إذا عرفوا حاله‪ .‬وروى عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫أنه قال "اذكروا الفاجر بما فيه لكي يحذره الناس"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬سمعت أبي يحكي أن النبياء الممذين‬
‫لو يكونوا مرسلين عليهم الصلة والسلم بعضهم كممانوا يممرون فممي المنممام‬
‫وبعضهم كانوا يسمعون‬
‫]ص ‪[88‬‬
‫الصوت ول يرون شيئًا‪ ،‬وكان نبي مممن النبيمماء ممممن يممرى فممي المنممام رأى‬
‫ذات ليلممة فممي المنممام قيممل لممه‪ :‬إذا أصممبحت فممأول شمميء يسممتقبلك فكلممه‬
‫والثاني اكتمه والثالث اقبله والرابع ل تؤيسه والخممامس اهممرب منممه‪ ،‬فلممما‬
‫أصبح أّول شيء استقبله جبل أسود عظيم فوقف وتحير وقال أمرني ربممي‬
‫أن آكله أآكل هذا‪ ،‬ثم رجع إلى نفسه وقال إن ربي ل يأمرني بممما ل أطيممق‬
‫فلما عزم على أكله ومشى إليه ليأكله فلما دنا منه صغر ذلك الجبممل فلممما‬
‫انتهى إليه وجده لقمة أحلى من العسل فأكله وحمممد الل ّممه تعممالى‪ ،‬ومضممى‬
‫فاستقبله طست من ذهب وقال أمرت بممأن أكتمممه فحفممر بئرا فممي الرض‬
‫ودفنه فيها ومضى والتفت فإذا الطست فوق الرض فرجع مرتيممن أو ثلثمما‬
‫وهو يدفنه فيها ومضى فالتفت فإذا هو على وجه الرض‪ ،‬قممال إنممي فعلممت‬
‫ما أمرت به‪ ،‬فذهب فاستقبله طائر خلفه بازي يريد أن يأخذه فقال‪ :‬يا نبي‬
‫الّله أغثني فقبله وجعله في كمه فجاء البازي فقال‪ :‬يا نبي الل ّممه إنممي كنممت‬
‫جائعا ً وإني كنت في طلب هذا الصيد من منذ الغممداة حممتى أردت أن أخممذه‬
‫فل تؤيسني من رزقي‪ ،‬فقال في نفسه إني قد أمرت أن أقبل الثالث وقممد‬
‫قبلته‪ ،‬وقد أمرت أن ل أويس الرابع والرابع هذا البازي فكيممف أصممنع فلممما‬
‫تحير في ذلك أخذ السكين وقطع من فخذ نفسه قطعة من لحم فرمى بها‬
‫إلى البازي حتى أخذها ومضى ثم أرسممل الطممائر ومضممى‪ ،‬فممرأى الخممامس‬
‫جيفة منتنة فهرب فلما أمسى قال يا رب إني قد فعلممت ممما أمرتنممي فممبين‬
‫لي ما كان من أمر هذه الشياء‪ ،‬فرأى فمي منمامه أنمه قيممل لمه‪ :‬أمما الّول‬
‫الذي أكلته فهو الغضب يكون فممي الّول كالجبممل وهممو فممي آخممره إذا صممبر‬
‫وكظم غيظه أحلى من العسل‪ .‬والثاني فهو من عمل حسنة فإن كتمه فإنه‬
‫يظهر‪ .‬والثالث من ائتمنك بأمانة فل تخنه‪ . .‬وأما الرابع فإذا سممألك إنسممان‬

‫حاجة فاجتهد في قضائها وإن كنت محتاجا إليها‪ .‬والخممامس الغيبممة فمماهرب‬
‫من الذين يغتابون الناس‪ ،‬والله تعالى أعلم‪..‬‬
‫باب النميمة‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا الخليممل بممن أحمممد‪ .‬حممدثنا أبممو‬
‫جعفر الدبيلي‪ .‬حدثنا أبو عبد الله‪ .‬حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم بن‬
‫همام بن الحارث عن حذيفة قممال‪ :‬سمممعت رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم يقول "ل يدخل الجنة قتات" يعنممي النمممام‪ .‬قممال‪ :‬حممدثنا الخليممل بممن‬
‫أحمد حدثنا أبو جعفر الدبيلي‪ .‬حدثنا أبو عبد اللممه‪ .‬حممدثنا سممفيان عممن أبممي‬
‫الوداك عن العرج عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قممال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم "هل تدرون من شممراركم؟ قممالوا الل ّممه ورسمموله‬
‫أعلم‪ .‬قال شراركم ذو الوجهين الذي يأتي هؤلء بوجه وهؤلء بوجه"‪ .‬قال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيممم بممن يوسممف‪.‬‬
‫حدثنا أبو معاوية‬
‫]ص ‪[89‬‬
‫عن العمش عن مجاهد عممن طمماوس عممن ابممن عبمماس رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنهما قال‪ :‬مّر النبي صلى الّله عليه وسلم بقممبرين جديممدين فقممال "إنهممما‬
‫ليعذبان وما يعذبان في كبير‪ ،‬أما أحدهما فكان ل يسممتره مممن البممول‪ ،‬وأممما‬
‫الخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرز في‬
‫كل قبر واحدة‪ ،‬فقالوا يا رسول الّله لم صنعت هذا؟ فقال لعلممه أن يخفممف‬
‫عنهما ما لم ييبسا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬معنى قوله "ممما يعممذبان فممي كممبير"‬
‫يعني ليس بكبيرة عندكم ولكنه كبيرة عند الله‪ .‬وقد ذكر في حديث حذيفممة‬
‫أنه ل يدخل الجنة قتات يعني النمام فإذا لم يدخل الجنة لم يكن مممأواه إل ّ‬
‫النار لنه ليس هناك إل ّ الجنة أو النار فإذا ثبت أنه ل يممدخل الجنممة ثبممت أن‬
‫مأواه النار‪ ،‬فالواجب على النمام أن يتوب إلى الّله تعالى فإن النمام ذليل‬
‫في الدنيا وهو في عذاب القبر بعد موته‪ ،‬وهو في النار يمموم القيامممة آيممس‬
‫من رحمة الّله تعالى‪ ،‬فإن تاب قبل موته تاب الّله عليه‪.‬‬
‫وروى الحسن عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "مممن ش مّر‬
‫الناس ذو الوجهين يأتي هؤلء بوجه وهؤلء بوجه‪ ،‬ومن كان ذا لسانين فممي‬
‫الدنيا فإن الّله تعالى يجعل له يوم القيامممة لسممانين مممن النممار" وروى عممن‬
‫قتادة أنه قال‪ :‬كان يقال من شّر عباد الل ّممه كممل طعممان لعممان نمممام‪ ،‬وكممان‬
‫يقال عذاب القبر ثلثة أثلث‪ :‬ثلث من الغيبة‪ ،‬وثلث من البممول‪ ،‬وثلممث مممن‬
‫النميمة‪ .‬وروى عن حماد بن سلمة أنه قال‪ :‬باع رجل غلما فقال للمشتري‬
‫ليس فيه عيب إل ّ أنه نمام فاستخفه المشتري فاشتراه على ذلممك العيممب‪،‬‬
‫فمكث الغلم عنده أياما ثم قال لزوجة موله إن زوجك ل يحبك وهممو يريممد‬
‫أن يتسرى عليك‪ ،‬أفتريدين أن يعطف عليممك؟ قممالت نعممم‪ ،‬قممال لهمما خممذي‬
‫الموسى واحلقي شعرات من باطن لحيته إذا نام‪ ،‬ثم جاء إلى الزوج وقمال‬
‫إن امرأتك تخاذنت يعني اتخذت خليل وهممي قاتلتممك أتريممد أن يتممبين ذلممك؟‬
‫قال نعم‪ ،‬قال فتنمماوم لهما فتنمماوم الرجمل فجمماءت امرأتممه بموسممى لتحلمق‬
‫الشعرات فظن الزوج أنها تريممد قتلممه فأخممذ منهمما الموسممى فقتلهمما‪ ،‬فجمماء‬
‫أولياؤها فقتلوه فجاء أولياء الرجل ووقع القتال بين الفريقين‪ .‬وقممال يحيممى‬
‫بن أكثم‪ :‬النمام شمر ممن السماحر ويعممل النممام فمي سماعة مما ل يعممل‬
‫الساحر في شهر‪ ،‬ويقال عمل النمام أضر مممن عمممل الشمميطان لن عمممل‬
‫الشيطان بالخيال والوسوسة وعمل النمام بالمواجهة والمعاينممة وقممد قممال‬
‫ب{ قممال أكممثر المفسممرين‪ :‬إن الحطممب أراد بممه‬
‫مال َم َ‬
‫ة ال َ‬
‫الّله تعالى } َ‬
‫ح ّ‬
‫حط َم ِ‬
‫النميمة وإنمما سمميت النميممة حطبما لنهما سمبب للعممداوة والقتممال فصممار‬
‫بمنزلة إيقاد النار‪ .‬وقال أكثم بن صمميفي‪ :‬الذلء أربعممة‪ :‬النمممام‪ ،‬والكممذاب‪،‬‬

‫والمديون‪ ،‬واليتيم‪ .‬وروى عتبة بن أبي لبابممة عممن أبممي عبيممد الل ّممه القرشممي‬
‫قال‪ :‬اتبع رجل رجل سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما قدم عليممه قممال‪:‬‬
‫إني جئتك للذي آتاك الّله من العلم‪ :‬أخبرني‬
‫]ص ‪[90‬‬
‫عن السماء وما أثقل منها‪ ،‬وعن الرض وما أوسع منها‪ ،‬وعن الحجارة وممما‬
‫أقسى منها‪ ،‬وعن النار وما أحّر منها‪ ،‬وعن الزمهرير وممما أبممرد منممه‪ ،‬وعممن‬
‫البحر وما أعمق منه‪ ،‬وعن اليتيم وما أضممعف منممه‪ .‬وفممي بعممض الروايممات‪:‬‬
‫وعن السم وما أذعف منمه؟ فقمال‪ :‬أمما البهتمان علمى المبريء فأثقمل ممن‬
‫السممموات‪ ،‬والحممق أوسممع مممن الرض‪ ،‬والقلممب القممانع أعمممق مممن البحممر‪،‬‬
‫والحرص في الجسد أحر من النار‪ ،‬والحاجة إلى القريب إذا لم تنجممح أبممرد‬
‫من الزمهرير‪ ،‬وقلب الكافر أقسى من الحجر‪ ،‬والنميمة إذا اسممتبانت علممى‬
‫صاحبها أضعف من كل يتيم‪ :‬يعني النمام يصممير ذليل ً إذا ظهممر أمممره‪ .‬وفممي‬
‫رواية أخرى‪ :‬أذعف ممن كمل سمم يعنممي أهلممك‪ ،‬يقمال سممم ذعمماف إذ كمان‬
‫مهلكا‪.‬‬
‫وروى عن نافع عن ابن عمر رضي الّله تعالى عنهم عن رسول الّله صلى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال "لما خلق الّله تعالى الجنة قال لها تكلمي‪ .‬قممالت‪:‬‬
‫سعد من دخلني‪ ،‬فقممال الجبممار جممل وعل‪ :‬وعزتممي وجللممي ل يسممكن فيممك‬
‫ثمانية نفر من الناس‪ :‬مدمن خمر‪ ،‬ول مصّر على الزنى ول نمام‪ ،‬ول ديوث‬
‫وهو "القرطبممان" ول الشممرطي‪ ،‬ول المخنممث‪ ،‬ول قمماطع الرحممم‪ ،‬ول الممذي‬
‫ي عهد الّله إن لم أفعل كذا أو كذا ثم لم يممف بممه"‪ .‬وعممن الحسممن‬
‫يقول عل ّ‬
‫البصري رحمه الّله تعالى قال‪ :‬من نقل إليك حممديثا فمماعلم أنممه ينقممل إلممى‬
‫غيرك حديثك‪ .‬روى عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر عنده‬
‫رجل ً فقال له عمر‪ :‬إن شئت نظرنا في أمرك إن كنت كاذبا فأنت من أهل‬
‫سقٌ ب ِن َب َإ ٍ فَت َب َي ُّنوا{ وإن كنت صادقا فأنت من أهل هممذه‬
‫م َفا ِ‬
‫هذه الية } َ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫م{ وإن شممئت عفونمما عنممك‪ ،‬فقممال العفممو يمما أميممر‬
‫شمماٍء ب ِن َ ِ‬
‫مازٍ َ‬
‫الية }هَ ّ‬
‫ميم ٍ‬
‫المؤمنين‪ .‬ل أعود إلى مثل ذلك‪ .‬وروى عن عبد الّله بن المبارك أنممه قممال‪:‬‬
‫ولد الزنى ل يكتم الحديث‪ ،‬وذو الحسممب فممي قممومه ل يممؤذي جمماره‪ :‬يعنممي‬
‫الذي ل يكتم حديث الناس ويمشي بالنميمة فهو ولد الزنى وإنه لو لم يكن‬
‫ممماٍز‬
‫ولد الزنى لكتم الحديث‪ ،‬وهذا مستخرج من قوله قول الّله تعممالى‪} :‬هَ ّ‬
‫َ‬
‫ل ب َعْد َ ذ َل ِم َ‬
‫م‪ .‬ع ُت ُ ّ‬
‫م ّ‬
‫م{ يعنممي الوليممد بممن‬
‫مّناٍع ل ِل ْ َ‬
‫شاٍء ب ِن َ ِ‬
‫خي ْرِ ُ‬
‫م‪َ .‬‬
‫َ‬
‫ك َزِنيم ٍ‬
‫معْت َد ٍ أِثي ٍ‬
‫مي ٍ‬
‫ْ‬
‫ر{ يعنممي يمنممع الخيممر‬
‫من ّمماٍع ل ِل َ‬
‫المغيرة فإنه كان طعانا يمشي بالنميمة } َ‬
‫خي ْم ِ‬
‫َ‬
‫ل ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫م{ يعني عاص فاجر }ع ُت ُ ّ‬
‫م{ يعنممي مممن‬
‫من الناس } ُ‬
‫ك َزِني ٍ‬
‫معْت َد ٍ أِثي ٍ‬
‫ي هو ولد الزنى‪ ،‬هكذا قال بعممض المفسممرين‪.‬‬
‫ي والدع ّ‬
‫فيه هذا كله فهو دع ّ‬
‫وذكر أن حكيما من لحكماء زاره بعض أصدقائه وذكممر عنممده بعممض إخمموانه‬
‫ي‬
‫فقال له الحكيم‪ :‬قد أبطأت في الزيارة وأتيتني بثلث جنايات‪ :‬بغضت المم ّ‬
‫أخي وشممغلت قلممبي الفممارغ‪ ،‬واتهمممت نفسممك بممالمين‪ . .‬وروى عممن كعممب‬
‫الحبار رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬أصاب بني إسرائيل قحط فخرج بهم‬
‫موسى عليمه الصملة والسملم ثلث ممرات يستسمقون فلمم يسمقوا فقمال‬
‫موسى عليه الصملة والسملم‪ :‬إلهمي عبمادك قمد خرجموا ثلث ممرات فلمم‬
‫تستجب دعاءهم‪ ،‬فأوحى الّله تعالى‬
‫]ص ‪[91‬‬
‫بأني ل أستجيب لك ولمن معك لن فيكم رجل نماما قد أصّر على النميمة‪،‬‬
‫فقال موسى عليه الصلة والسلم من هو حتى نخرجه من بيننمما؟ فقممال يمما‬
‫موسى أنهاكم عن النميمة وأكمون نمامما فتوبمموا أجمعكمم فتممابوا بمأجمعهم‬
‫فسقوا‪ .‬وذكر أن سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين كان جالسمما وعنممده‬
‫ي وقلممت كممذا‬
‫الزهري فجاء رجل فقال له سممليمان‪ :‬بلغنممي أنممك وقعممت فم ّ‬
‫وكذا‪ ،‬فقال الرجل ما فعلت وما قلت شيئا ً فيك‪ ،‬فال له سليمان‪ :‬إن الممذي‬

‫أخبرني كان صادقا‪ ،‬فقال الزهري رضمي الّلمه تعمالى عنمه ل يكمون النممام‬
‫صدوقا‪ .‬قال سليمان صممدقت اذهممب بسمملمة‪ .‬وقممال بعممض الحكممماء‪ :‬مممن‬
‫أخبرك بشتم عن أخ فهو الشاتم ل من شتمك‪ .‬وقال وهب بن منبممه رحمممه‬
‫الّله تعالى‪ :‬من مدحك بما ليس فيك فل تأمن أن يذمك بما ليس فيك‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬إذا أتاك إنسان فأخبرك أن فلنا قممد‬
‫فعل بك كذا وكذا وقال فيك كذا وكذا فإنه يجب عليك سممتة أشممياء‪ ،‬أّولهمما‪:‬‬
‫أن ل تصدقه لن النمام مردود الشهادة عنممد أهممل السمملم وقممد قممال الل ّممه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ومما ً‬
‫ن تُ ِ‬
‫م َفا ِ‬
‫تعالى }َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫سمقٌ ب ِن َب َمإ ٍ فَت َب َي ّن ُمموا أ ْ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا إ ِ ْ‬
‫جمماَءك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫صمميُبوا قَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن{ يعنممي إن جمماءكم فاسممق بخممبر‬
‫م ن َمماد ِ ِ‬
‫صمب ِ ُ‬
‫بِ َ‬
‫ممما فَعَل ْت ُم ْ‬
‫حوا ع َل َممى َ‬
‫جَهال َةٍ فَت ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫فانظروا في المر ول تعجلوا لكي ل تصيبوا قوما بجهالة‪ .‬والثاني‪ :‬أن تنهمماه‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫مم ٍ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫عن ذلك الن النهي عن المنكر واجب وقد قال الّله تعالى }ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ر{ والثالث‪ :‬أن تبغضه‬
‫أُ ْ‬
‫ف وَت َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫خرِ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ن ِبال َ‬
‫س ت َأ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن عَ ْ‬
‫منك َ ِ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫في الّله تعالى فإنه عاص وبغممض العاصممي واجممب لن الل ّممه تعممالى يبغضممه‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬أن ل تظن بأخيك الغائب الظن السوء فإن إساءة الظممن بالمسمملم‬
‫م{ والخامس‪ :‬أن ل تجسممس‬
‫حرام‪ ،‬وقد قال الّله تعالى }إ ِ ّ‬
‫ن إ ِث ْ ٌ‬
‫ن ب َعْ َ‬
‫ض الظ ّ ّ‬
‫عممن أمممره فممإن الل ّممه تعممالى نهممى عممن التجسممس وهممو قمموله تعممالى }وََل‬
‫سوا{ والسادس‪ :‬ما ل ترضى من هذا النمام فل تفعله أنت وهممو أن ل‬
‫تَ َ‬
‫س ُ‬
‫ج ّ‬
‫تخبر أحدا بما أتاك به هذا النمام‪ ،‬وبالله التوفيق‪..‬‬
‫باب الحسد‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حدثنا أبممو معاويممة‬
‫عن العمش عن يزيممد الرقاشممي عممن الحسممن أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قال "إن الغ ّ‬
‫ل والحسد يممأكلن الحسممنات كممما تأكممل النممار الحطممب"‬
‫وبهذا السناد قال إبراهيم بن علية عن عباد بن إسحاق عممن عبممد الرحمممن‬
‫بن معاوية أن النبي صلى الّله عليه وسلم قممال "ثلثمة ل ينجممو منهممن أحممد‪:‬‬
‫الظن والحسمد والطيمرة قيمل يما رسمول الل ّممه ومما ينجممي منهمن؟ قممال إذا‬
‫حسدت فل تبغ وإذا ظننت فل تحقق وإذا تطيرت فامض‪ ،‬أو قممال ل ترجممع"‬
‫ومعنى قوله صلى الّله عليممه وسمملم‪" :‬إذا حسممدت فل تبممغ" يعنممي إذا كممان‬
‫الحسد في قلبك فل تظهره ول تذكر عنه بسوء فإن الّله تعممالى ل يؤاخممذك‬
‫بما في قلبك ما لم تقل باللسان أو تعمل عمل في ذلك‪،‬‬
‫]ص ‪[92‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم "إذا ظننت قل تحقق" يعني إذا ظننت بالمسلم‬
‫ظن السوء فل تجعل ذلك حقيقة ما لم تممر بالمعاينممة‪ .‬وقمموله عليممه الصمملة‬
‫والسلم "إذا تطيرت فامض" يعني إذا أردت الخروج إلى موضممع فسمممعت‬
‫صوت هامة أو صوت عقعق أو اختلج شيء من أعضائك فممامض ول ترجممع‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "أنه كان يحب الفممأل الحسممن‬
‫ويكره الطيرة" وقال "الطيرة من أفعال الجاهلية" وفي نسخة "مممن أمممور‬
‫معَ م َ‬
‫الجاهلية" كما قال الّله تعالى }قَمماُلوا اط ّي ّْرن َمما ب ِم َ‬
‫ك{ وفممي آيممة‬
‫ن َ‬
‫ك وَب ِ َ‬
‫مم ْ‬
‫م{ وروى عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما‬
‫أخرى }َقاُلوا إ ِّنا ت َط َي ّْرَنا ب ِك ُ ْ‬
‫أنه كان يقول‪" :‬إذا سمعت صوت طير فقل اللهم ل طير إل ّ طيرك ول خير‬
‫إل ّ خيرك ول إله غيرك ول حول ول قوة إل ّ بممالله ثممم امممض فممإنه ل يضممرك‬
‫شيء بإذن الّله تعالى" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفممر‬
‫حدثنا إبراهيم بن يوسف‪ .‬حدثنا إسماعيل بن جعفر عممن محمممد بممن عمممرو‬
‫عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال‬
‫"ل تباغضوا ول تحاسدوا ول تناجشوا وكونوا عباد الل ّممه إخوانمما"‪ .‬وروى عممن‬
‫معاوية بن أبي سفيان رضي الّله تعالى عنممه أنممه قممال لبنممه‪ :‬يمما بنممي إيمماك‬
‫والحسد فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنممه‪ :‬ليممس شمميء مممن الشممر أضمّر مممن‬
‫الحسد لنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلممى المحسممود‬
‫م ل ينقطع‪ .‬والثاني مصيبة ل يؤجر عليها‪ .‬والثالث مذمممة ل‬
‫مكروه‪ .‬أّولها‪ :‬غ ّ‬
‫يحمد بها‪ .‬والرابع يسخط عليه الرب‪ .‬والخامس تغلق عليه أبواب التوفيممق‪.‬‬
‫وروي عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال "أل إن لنعممم الل ّممه‬
‫أعداء قيل من أعداء نعم الّله يا رسول الله؟ قال الممذين يحسممدون النمماس‬
‫على ما آتاهم الّله تعالى من فضله"‪ .‬وروي عن مالممك بممن دينممار أنممه قممال‪:‬‬
‫إني أجيز شهادة القراء على جميع الخلق ول أجيممز شممهادة القممراء بعضممهم‬
‫على بعض لني وجدتهم حسادا يعني أن أكثر الحسد في القّراء‪ .‬وروى أبممو‬
‫هريرة رضي الّله تعالى عنه عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‬
‫"ستة بستة يدخلون النار يمموم القيامممة قبممل الحسمماب يعنممي سممتة أصممناف‬
‫بسبب ستة أشياء يدخلون النار قبل الحساب "قيل يا رسول الّله من هممم؟‬
‫قال المراء من بعدي بالجور‪ ،‬والعرب بالعصبية‪ ،‬والدهاقين بالكبر‪ ،‬والتجار‬
‫بالخيانة‪ ،‬وأهل الرستاق بالجهالة‪ ،‬وأهل العلم بالحسد" يعني العلماء الممذين‬
‫يطلبون الدنيا بحسد بعضهم بعضا فينبغي للعالم أن يتعلم العلم ليطلب بممه‬
‫الخرة فإذا كان العالم يطلب بعلمه الخرة فإنه ل يحسد أحممدا ول يحسممده‬
‫أحد وإذا تعلم لطلب الدنيا فإنه يحسد كما قال الّله تعالى عن علماء اليهود‬
‫َ‬
‫ه{ يعنممي أن اليهممود كممانوا‬
‫ضل ِ ِ‬
‫م الّله ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫دو َ‬
‫س ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫}أ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ما آَتاهُ ْ‬
‫س ع ََلى َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م ْ‬
‫يحسدون رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وأصحابه فكانوا يقولون لو كان‬
‫هو رسول الّله صلى الّله عليه وسلم لشغله ذلمك عممن كممثرة النسمماء‪ ،‬قممال‬
‫َ‬
‫س ع ََلى‬
‫دو َ‬
‫س ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫الّله سبحانه وتعالى }أ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫]ص ‪[93‬‬
‫ه{ يعني النبوة وكثرة النساء‪ .‬وقمال بعممض الحكمماء‪:‬‬
‫ضل ِ ِ‬
‫م الّله ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫مَا آَتاهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫إياكم والحسد فإن الحسد أّول ذنب عصى الّله تعالى به السماء وأول ذنب‬
‫عصى الّله تعمالى بممه فممي الرض‪ ،‬وإنمما أراد بقموله أّول ذنممب عصممى الّلمه‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫تعالى به السماء يعني إبليس حين أبى أن يسجد لدم وقال } َ‬
‫قت َن ِممي ِ‬
‫مم ْ‬
‫ن{ فحسده فلعنه الّله تعممالى بممذلك‪ ،‬وأممما الممذي عصممى‬
‫خل َ ْ‬
‫َنارٍ وَ َ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫قت َ ُ‬
‫م ْ‬
‫طي ٍ‬
‫الّله تعالى به في الرض فهو قابيل بن آدم حيممن قتممل أخمماه هابيممل حسممدا‪.‬‬
‫َ‬
‫قب ّم َ‬
‫وهو قوله تعالى }َوات ْ ُ‬
‫ن‬
‫حقّ إ ِذ ْ قَّرَبا قُْرَبانا ً فَت ُ ُ‬
‫ل ِ‬
‫م ِبال َ‬
‫ي آد َ َ‬
‫ل ع َل َي ْهِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ن َب َأ اب ْن َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َلقْت ُل َن ّ َ‬
‫قب ّ ُ‬
‫ك َقا َ‬
‫خرِ َقا َ‬
‫قب ّ ْ‬
‫ن{‬
‫ما ي َت َ َ‬
‫م ي ُت َ َ‬
‫ن ال َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ل الّله ِ‬
‫ل ِ‬
‫أ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ما وَل َ ْ‬
‫حد ِه ِ َ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫وروي عن الحنف بن قيس أنه قال‪ :‬ل راحممة لحسممود‪ ،‬ول وفمماء لبخيممل ول‬
‫صديق لملول‪ ،‬ول مروءة لكمذوب‪ ،‬ورأي لخمائن‪ ،‬ول سمؤدد لسميئ الخلمق‪.‬‬
‫وقال بعض الحكماء‪ :‬ما رأيت ظالما أشممبه بممالمظلوم مممن الحاسممد‪ .‬وقممال‬
‫محمد بن سيرين‪ :‬ما حسدت أحدا على شيء من الدنيا فإن كان من أهممل‬
‫الجنة فكيف أحسده وهو صائر إلى الجنة وإن كممان مممن أهممل النممار فكيممف‬
‫أحسده وهو صائر إلى النار‪.‬وقال الحسن البصممري‪ :‬يمما ابممن آدم لممم تحسممد‬
‫أخاك؟ فإن الذي أعطاه الل ّممه لكرامتممه عليممه فلممم تحسممد مممن أكرمممه الل ّممه‬
‫تعالى؟ وإن يكن غير ذلك فل ينبغي لك أن تحسد من مصيره إلى النار‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ثلثة ل تستجاب دعوتهم‪ :‬آكل الحرام‬
‫ومكثار الغيبة ومن كان في قلبه غ ّ‬
‫ل أو حسد للمسلمين‪ .‬وروى ابن شهاب‬
‫عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال "ل حسممد إل ّ فممي‬
‫اثنتين رجل آتاه الّله تعالى القرآن وهو يقوم به آنمماء الليممل والنهممار‪ ،‬ورجممل‬
‫أتاه الّله تعالى مال وهو ينفق منه آناء الليل والنهار"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬يعني أن يجتهد حتى يفعل مثل فعله‬
‫في قيام الليل وفي الصدقة فهذا الحسد محمود‪ ،‬فأما إذا حسده في ذلممك‬
‫يريد زواله عنه فهو مذموم‪ ،‬وهكذا في كل شمميء إذا رأى النسممان مممال أو‬
‫شيئا ً يعجبه فيتمنى أن يكمون ذلمك الشميء لمه فهمو ممذموم وإن تمنمى أن‬
‫ض َ‬
‫ل‬
‫ما فَ ّ‬
‫وا َ‬
‫يكون له مثله فهو غير مذموم‪ ،‬وهذا معنى قوله تعالى }وََل ت َت َ َ‬
‫من ّ ْ‬

‫الّله به بعضك ُم عَلى بعض{ وقال في آية أخرى }وا َ‬
‫ه{‬
‫ِ ِ َْ َ ْ َ‬
‫ضممل ِ ِ‬
‫سأُلوا الّله ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫َ ْ‬
‫م ْ‬
‫َْ ٍ‬
‫وهكذا ينبغي للمسلم أن ل يتمنى فضل غيره لنفسه وينبغي أن يسأل الّلممه‬
‫تعالى أن يعطيه مثل ذلك‪ ،‬فالواجب على كممل مسمملم أن يمنممع نفسممه مممن‬
‫الحسد لن الحاسد يضاد حكممم الل ّممه تعممالى والناصممح هممو راض بحكممم الل ّممه‬
‫تعالى‪ ،‬وقال النبي صلى الّله عليه وسمملم "أل إن الممدين النصمميحة" فينبغممي‬
‫للمسلم أن يكون راضيا ناصحا لجميع المسمملمين ول يكممون حاسممدا‪ .‬وروى‬
‫العلء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه‬
‫سأل النبي صلى الّله عليه وسلم عممن حممق المسمملم علممى المسمملم فقممال‬
‫"حق المسلم على المسلم ستة أشياء قيل ما هي يا رسول الّله؟ قممال إذا‬
‫لقيته فسلم عليه وإذا‬
‫]ص ‪[94‬‬
‫دعاك فاجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الل ّممه فشمممته وإذا‬
‫مرض فعده وإذا مات فاتبعه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبي رحمه الّله تعالى‪ .‬حدثنا همممام‬
‫النسقي‪ .‬حدثنا عيسى بن أحمد العسقلني‪ .‬حدثنا يزيد بن هرون‪ .‬حدثنا أبو‬
‫محمد الثقفي قال سمعت أنس بممن مالممك رضممي الل ّممه تعممالى عنممه يقممول‪:‬‬
‫خدمت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فكان أّول ما‬
‫علمني قال "يمما أنممس أحكممم وضمموءك لصمملتك تحبممك حفظتممك ويممزاد فممي‬
‫عمرك‪ ،‬يا أنس اغتسل من الجنابة وبالغ فيها فإن تحت كممل شممعرة جنابممة‪.‬‬
‫َ‬
‫ق‬
‫قال‪ :‬قلت يا رسول الّله وكيممف أبممالغ فيهمما؟ قممال َروّ أصممول شممع ِ‬
‫رك وأن ْم ِ‬
‫فَر ذنب َ‬
‫مغتسل ِ َ‬
‫ب ْ‬
‫ك‪ ،‬يا أنس ل يفوتنك ركعتا الضحى‬
‫ك وقد غ ُ ِ‬
‫شرَتك تخر ْ‬
‫ج من ُ‬
‫فإنها صلة الّوابين وأكثر الصلة بالليل والنهار فإنك ممما دمممت فممي الصمملة‬
‫صممب نفسممك للممه‬
‫فإن الملئكة يصلون عليك‪ ،‬يا أنس وإذا قمت للصمملة فان ُ‬
‫تعالى وإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيممك وفممرج بيممن أصممابعك وارفممع‬
‫ضديك عن جنبيك‪ ،‬وإذا رفعت رأسك فقم حتى يعود َ كل عضو إلى مكانه‪،‬‬
‫عَ ُ‬
‫وإذا سجدت فألزق وجهك بالرض ول تنقر نقر الغراب ول تبسممط ذراعيممك‬
‫ق مِع كممما يقعممي الكلممب‬
‫بسط الثعلب‪ ،‬وإذا رفعت رأسك مممن السممجود فل ت َ ْ‬
‫وضع أليتيك بين قدميك وألممزق ظمماهر قممدميك بممالرض فممإن الل ّممه تعممالى ل‬
‫ينظر إلى صلة ل يتم ركوعها ول سجودها‪ ،‬وإن اسممتطعت أن تكممون علممى‬
‫الوضوء في يومك وليلتك فافعل فإنه إن يأتك الموت وأنت علممى ذلممك لممم‬
‫فْتك الشهادة‪ ،‬يا أنس إذا دخلت بيتك فسلم "يعني على أهممل بيتممك" تكممثر‬
‫تَ ُ‬
‫ن بصرك على أحد مممن أهممل‬
‫بركُتك وبركة بيتك‪ ،‬وإذا خرجت لحاجة فل ي َ‬
‫قع ّ‬
‫قبلتك إل ّ سلمت عليه تدخل حلوة اليمان في قلبممك وإن أصممبت ذنبمما فممي‬
‫مخرجك رجعت وقد غفر لك‪ ،‬يا أنس ل تمبيتن ليلممة ول تصممبحن يومما وفمي‬
‫قلبك غش لحد من أهل السلم فإن هذا من سنتي ومن أخذ بسنتي فقممد‬
‫أحبني ومن أحبني فهو معي في الجنة‪ ،‬يمما أنممس إذا عملممت بهممذا وحفظممت‬
‫وصيتي فل يكون شيء أحب إليك من الموت فإن فيمه راحتمك" فقمد أخمبر‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أن إخراج الغش من القلب من سنته فالواجب‬
‫على كل مسلم أن يخرج الغ م ّ‬
‫ل والحسممد مممن قلبممه فممإن ذلممك مممن أفضممل‬
‫العمال‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬سمممعت أبممي رحمممه الل ّممه تعممالى يحكممي‬
‫بإسناده عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه قال "بينما نحن عند النبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم إذا قممال‪ :‬يطلممع رجممل مممن أهممل الجنممة معلممق نعليممه‬
‫بشماله فطلع رجل بهذه الصفة فسلم وجلمس ممع القموم‪ ،‬فلمما كمان ممن‬
‫الغد قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم مثل ذلممك‪ ،‬فطلممع ذلممك الرجممل‬
‫على مثل هيئته‪ ،‬فلما كان اليوم الثالث قال مثل ذلك فلما قام رسول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم سار معه عبد الّله بن عمرو بممن العمماص رضممي الل ّممه‬

‫تعالى عنه وقال‪ :‬قد وقع بيني وبين أبممي كلم وأقسمممت أن ل أدخممل عليممه‬
‫بثلث ليال فإذا رأيت‬
‫]ص ‪[95‬‬
‫أن تؤويني إليك لجل يميني فعلت قال نعم‪ ،‬قال أنس فكان عبممد الل ّممه بممن‬
‫عمرو بن العاص يحدث أنه بات عنده ليلة فلم يقممم منهمما سمماعة إل ّ أنممه إذا‬
‫نام على فراشه ذكر الّله تعالى وكممبره حممتى يقمموم مممع الفجممر فممإذا توضممأ‬
‫أسبغ الوضوء وأتم الصلة ثم أصبح وهو مفطر‪ .‬قال‪ :‬فرمقتممه ثلث ليممال ل‬
‫يزيد على ذلك غير أني ل أسمعه يقول إل ّ خيرا‪ ،‬فلما مضممت الثلث وكممدت‬
‫أن أحقر عمله قلت له إني لم يكن بيني وبين أبي غصب ول هجرة ولكنممي‬
‫سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يقمول فممي ثلث مجممالس‪ :‬يطلممع‬
‫عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت‪ ،‬فأردت أن آوي إليممك حممتى أنظممر‬
‫ما تعمله فأقتدي بك فلم أرك تعمل كثيرا ً فما الذي بلغ بممك ممما قممال النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم؟ قال ما هممو إل ّ ممما رأيممت‪ ،‬فانصممرفت عنممه فممدعاني‬
‫حين وليت فقال‪ :‬ما هو إل ّ ما رأيت غير أني ل أجد فممي نفسممي شممرا ً لحممد‬
‫من المسلمين ول أحسده على خير أعطاه الّله إياه‪ .‬قال فقلت هممذا الممذي‬
‫بلغ بك ما قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وهو الذي ل أطيق عليمه"‪.‬‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه‪ :‬أولها قد أبغممض كممل‬
‫نعمة قد ظهرت على غيره‪ ،‬والثاني سخط لقسمممته يعنممي يقممول لربممه لممم‬
‫ن بفضله يعني أن ذلك فضممل الل ّممه يممؤتيه مممن‬
‫قسمت هكذا‪ ،‬والثالث أنه ض ّ‬
‫ي الّله تعالى لنممه يريممد‬
‫يشاء‪ ،‬وهو يبخل بفضل الّله تعالى‪ .‬والرابع خذل ول ّ‬
‫خذلنه وزوال النعمة عنه‪ ،‬والخامس أعان عممدّوه يعنممي إبليممس لعنممه اللممه‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬الحاسد ل ينال في المجالس إل ّ مذمة وذل‪ ،‬ول ينال من الملئكة إل ّ‬
‫لعنة وبغضا ول ينال في الخلوة إل ّ جزعا وغما‪ ،‬ول ينال عند النممزع إل ّ شممدة‬
‫وهو ً‬
‫ل‪ ،‬ول ينال في الموقف إل ّ فضمميحة ونكممال‪ ،‬ول ينممال فممي النممار إل ّ حممرا‬
‫وحتراقا‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪..‬‬
‫باب الكبر‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد‬
‫بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا الفضل بن دكيممن عممن مسممعر بممن‬
‫كدام عن أبي مصعب عن أبيه عن كعب الحبار رضي الّله تعالى عنه قممال‪:‬‬
‫يأتي المتكبرون يوم القيامة ذرا ً في صور الرجال يغشمماهم أو يممأتيهم الممذل‬
‫من كل مكان يسلكون في نار من النيران يسقون من طينممة الخيممال وهممي‬
‫عصارة أهل النار‪.‬‬
‫)قال رضي الّله تعالى عنه( حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر‬
‫حدثنا إبراهيم بن يوسممف حممدثنا سممفيان بممن مسممعر أنممه قممال‪ :‬بلغنممي عممن‬
‫الحسين بن علي رضي الّله تعالى عنهممما أنممه م مّر بمسمماكين وهممم يممأكلون‬
‫كسرا لهم على كساء فقالوا يا أبا عبد الّله الغذاء قال فنممزل وقممال‪ :‬إنممه ل‬
‫يحب المستكبرين فاكل معهم‪ ،‬ثم قال لهم قد أحببتكم فاجيبوني فانطلقوا‬
‫دخرين‪ .‬وبهممذا السممناد‬
‫معه فلما أتوا المنزل قال لجاريته أخرجي ما كنت ت ّ‬
‫عن سفيان‬
‫]ص ‪[96‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسممول اللممه صمملى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال "ثلثة ل يكلمهم الّله يوم القيامممة ول ينظممر إليهممم‬
‫ولهم عذاب أليممم‪ ،‬أّولهممم شمميخ زان وملممك كممذاب وعممائل مسممتكبر" يعنممي‬
‫الفقير‪ .‬قال حدثنا الفقيه أبو جعفر حدثنا محمد بن موسممى الفقيممه الممرازي‬
‫أبممو عبممد الل ّممه حممدثنا محمممد بممن ربمماح حممدثنا يزيممد بممن هممرون عممن هشممام‬
‫الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عممن عممامر العقيلممي عممن أبيممه عممن أبممي‬

‫هريرة رضي الّله تعالى عنه عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‬
‫ي أّول ثلثة يدخلون الجنممة وأّول ثلثممة يممدخلون النممار‪ .‬فأممما أّول‬
‫"عرض عل ّ‬
‫ثلثة يدخلون الجنة‪ :‬فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عممن طاعممة‬
‫ربه وفقير ضعيف ذو عيال‪ ،‬وأما أّول ثلثة يدخلون النار‪ :‬فأمير مسمّلط وذو‬
‫ثروة من المال ل يؤتي الزكاة وفقيممر فخممور‪ .‬وقممال إن الل ّممه تعممالى يبغممض‬
‫ثلثة نفر وبغضه لثلثممة منهممم أشممد‪ .‬أّولهمما يبغممض الفسمماق وبغضممه للشمميخ‬
‫الفاسق أشد‪ .‬والثاني يبغض البخلء وبغضممه للغنممي البخيممل اشممد‪ .‬والثممالث‬
‫يبغض المتكبرين وبغضه للفقير المتكبر أشد‪ ،‬ويحب ثلثة نفممر وحبممه لثلثممة‬
‫منهم أشد‪ ،‬يحب المتقين وحبه للشاب التقي أشد‪ .‬والثاني يحممب السممخياء‬
‫ويحب السخياء وحبه للفقير السخي أشد‪ .‬والثالث يحب المتواضعين وحبه‬
‫للمتواضع الغني أشد‪ .‬وروى عن حبيب ابن أبي ثابت عممن يحيممى بممن جعلممة‬
‫أن النبي صلى الّله عليه وسمملم قمال "ل يمدخل الجنممة ممن كمان فممي قلبمه‬
‫مثقال حبة من خردل من كبر‪ .‬قال رجل يا رسول الّله إنممي ليعجبنممي نقمماء‬
‫ثوبي وشراك نعلي وعلقة سوطي أفهذا من الكبر؟ فقال النبي صلى الل ّممه‬
‫عليه وسلم فقال النبي صلى الّله عليه وسلم إن الل ّممه تعممالى جميممل يحممب‬
‫الجمال ويحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثرها عليه‪ ،‬ويبغض البؤس‬
‫فه الحق ويغمص الخلق"‪ .‬وروي عن الحسممن‬
‫والتباؤس‪ ،‬ولكن الكبر أن يس ّ‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من خفف نعله ورفممع ثمموبه‬
‫وعفر وجهه لله في السجود فقد برىء من الكبر" وروي عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من لبس الصوف وانتعل المخصوف وركب‬
‫حماره وحلب شاته وأكل مع عياله وجالس المسمماكين فقممد محاصمميل الل ّممه‬
‫تعالى عنه الكبر"‪.‬‬
‫وذكر أن موسى صلوات الّله وسلمه عليه ناجى الّله تعالى فقال‪ :‬يا رب‬
‫من أبغض خلقك إليك؟ قال يا موسى من تكبر قلبه وغلظ لسممانه وضممعف‬
‫يقينه وبخلت يده‪ .‬وقال عروة بممن الزبيممر‪ :‬التواضممع أحممد مصممائد الشممرف‪.‬‬
‫وكممل ذي نعمممة محسممود عليهمما إل ّ التواضممع‪ .‬وقممال بعممض الحكممماء‪ :‬ثمممرة‬
‫القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة‪ .‬وذكر أن المهلب بن أبي صفرة كان‬
‫صاحب جيش الحجاج‪ ،‬فمّر على مطممرف بممن عبممد الل ّممه بممن الشممخير وهممو‬
‫يتبختر في حلة خز فقال له مطرف‪ :‬يا عبد الل ّممه هممذه مشممية يبغضممها الل ّممه‬
‫ورسوله‪ ،‬فقال المهلب أما تعرفني؟ فقال بلى أعرفك أّولممك نطفممة مممذرة‬
‫وآخرك جيفة قممذرة وأنممت تحمممل فيممما بيممن ذلممك العممذرة‪ ،‬فممترك المهلممب‬
‫مشيته تلك‪ .‬وقال بعض الحكماء‪ :‬افتخار العبد المؤمن بربه‬
‫]ص ‪[97‬‬
‫وعزه بدينه‪ ،‬وافتخار المنممافق بحسممبه وعممزه بممماله‪ .‬وروي عممن ابممن عمممر‬
‫رضي الّله تعالى عنهما عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إذا‬
‫رأيتم المتواضعين فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم‪ ،‬فممإن‬
‫ذلك لهم صغار ومذلة‪ ،‬ولكم بممذلك صممدقة"‪ .‬وروى أبممو هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ما تواضع رجل لله إل ّ‬
‫رفعه الّله تعالى"‪ .‬وروي عن عمر رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه قممال‪ :‬رأس‬
‫التواضع أن تبدأ بالسلم على من لقيت من المسلمين‪ ،‬وأن ترضى بالدون‬
‫من المجلس‪ ،‬وأن تكره أن تذكر بالبّر والتقوى‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعمالى عنمه‪ :‬اعلمم أن الكمبر ممن أخلق الكفمار‬
‫والفراعنة والتواضع ممن أخلق النبيماء والصمالحين لن الّلمه تعمالى وصمف‬
‫ذا ِقيم َ‬
‫م ك َمماُنوا إ ِ َ‬
‫ن{‬
‫سمت َك ْب ُِرو َ‬
‫ه إ ِّل الل ّممه ي َ ْ‬
‫م َل إ ِل َم َ‬
‫ل ل َهُم ْ‬
‫الكفار بالكبر فقال }إ ِن ّهُم ْ‬
‫س مت َك ْب َُروا‬
‫ن وَل َ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫سممى ِبالب َي ّن َمما ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ن وَفِْرع َوْ َ‬
‫وقال }وََقاُرو َ‬
‫ت َفا ْ‬
‫مو َ‬
‫م ُ‬
‫جاَءهُ ْ‬
‫ها َ‬
‫عب َمماد َِتي‬
‫فِممي ال َْر‬
‫ن ِ‬
‫ن{ وقممال }ال ّم ِ‬
‫سمماب ِ ِ‬
‫س مت َك ْب ُِرو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ممما ك َمماُنوا َ‬
‫ض وَ َ‬
‫ن عَم ْ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫س‬
‫م َ‬
‫ن{ وقال }اد ْ ُ‬
‫سي َد ْ ُ‬
‫دا ِ‬
‫خال ِم ِ‬
‫ب َ‬
‫وا َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫خُلو َ‬
‫َ‬
‫جهَّنم َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ن ِفيَهما فَب ِئ ْ َ‬
‫دي َ‬
‫خُلوا أْبم َ‬
‫ري َ‬
‫خ ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن{ وقممد مممدح اللممه عبمماده‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ال ُ‬
‫ن{ وقال }إ ِن ّ ُ‬
‫وى ال ُ‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫ري َ‬
‫مث َ‬
‫ست َكب ِ ِ‬
‫مت َكب ّ ِ‬

‫َ‬
‫شممو َ َ‬
‫م ُ‬
‫ض‬
‫المممؤمنين بالتواضممع فقممال }وَ ِ‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫عب َمماد ُ الّر ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫ممما ِ‬
‫ن ع َلممى الْر ِ‬
‫ونًا{ يعني‪ ،‬متواضمعين‪ ،‬وممدحهم بتواضمعهم وأممر نمبيه صملى الّلمه عليمه‬
‫هَ ْ‬
‫ْ‬
‫حم َ‬
‫ح َ‬
‫ن‬
‫ن{ }َوا ْ‬
‫وسلم بالتواضع فقال }َوا ْ‬
‫خ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫خ ِ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ك لِ َ‬
‫ك ل ِل ُ‬
‫ف ْ‬
‫ف ْ‬
‫مم ْ‬
‫مِني َ‬
‫ات ّب َعَ َ‬
‫ن{ ومممدح النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم بخلقممه فقممال‬
‫ممؤ ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫ك ل ََعلى ُ ُ‬
‫}وَإ ِن ّ َ‬
‫م{ وكان خلقه التواضع لنه روى في الخبر أنه كممان‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظي ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫يركممب الحمممار‪ ،‬ويجيممب دعمموة المملمموك فثبممت أن التواضممع مممن أحسممن‬
‫الخلق‪ ،‬وكان الصالحون من قبل أخلقهم التواضع فوجب علينا أن نقتممدي‬
‫بهم رضي الّله تعالى عنهم‪ .‬وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الّله تعالى‬
‫أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئا ً والضيف عنممده‬
‫كاد السراج أن ينطفئ فقال الضيف يا أمير المؤمنين أقمموم إلممى المصممباح‬
‫فأصلحه؟ قال ليممس مممن مممروءة الرجممل أن يسممتعمل ضمميفه‪ .‬قممال أفممأنبه‬
‫الغلم؟ قال ل‪ ،‬هي أّول نومة نامها‪ ،‬فقام عمر وأخممذ البطممة فمل المصممباح‬
‫"فقال الضمميف قمممت بنفسممك يمما أميممر المممؤمنين؟ قممال ذهبممت وأنمما عمممر‬
‫ورجعت وأنا عمر وخير الناس عند الّله من كان متواضعا‪ .‬وروي عن قيممس‬
‫بن أبي حازم أنه قال‪ :‬لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤهمما‬
‫وكبراؤها فقيل اركب هذا البرذون يرك الناس‪ ،‬فقال إنكم تمرون لممر ممن‬
‫ههنا‪ ،‬إنما المر من ههنا وأشار بيده إلى السماء‪ ،‬خلوا سممبيلي‪ .‬وروي فممي‬
‫رواية أخرى أن عمر رضي الّله تعالى عنممه جعممل بينممه وبيممن غلمممه مناوبممة‬
‫فكان يركب الناقة ويأخذ الغلم بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينممزل‬
‫ويركب الغلم ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ‪ ،‬فلما قربا مممن‬
‫الشممام كممانت نوبممة ركمموب الغلم فركممب الغلم وأخممذ عمممر بزمممام الناقممة‬
‫فاستقبله الماء في الطريق فجعل‬
‫]ص ‪[98‬‬
‫عمر يخوض في الماء ونعله تحت إبطه اليسممرى وهممو آخممذ بزمممام الناقممة‪،‬‬
‫فخرج أبو عبيدة ابن الجراح وكان أميرا على الشام وقال يا أمير المؤمنين‬
‫إن عظماء الشام يخرجمون إليمك فل يحسمن أن يمروك علمى همذه الحالمة‪،‬‬
‫فقال عمر رضي الّله تعالى عنه‪ :‬إنما أعزنا الّله تعممالى بالسمملم فل نبممالي‬
‫من مقالة الناس‪ .‬وذكر عن سلمان الفارسي رضي الّله تعالى عنه أنه كان‬
‫أميرا ً بالمدينة فاشترى رجل من عظمائهمما شمميئا ً فممّر بممه سمملمان فحسممبه‬
‫علجا فقال‪ :‬تعال فاحمل هذا‪ ،‬فحمله سلمان فجعل يتلقاه الناس ويقولون‪:‬‬
‫أصلح الّله المير نحن نحمل عنك‪ ،‬فأبى أن يمدفع إليهمم فقمال الرجمل فمي‬
‫نفسه‪ :‬ويحك إني لم أسخر إل ّ المير‪ ،‬فجعل يعتذر إليه ويقمول لمم أعرفمك‬
‫أصلحك الله‪ ،‬فقال انطلق فذهب به إلى منزله ثم قال ل أسخر أحدا ً أبممدا‪.‬‬
‫وروي عن عمار بن ياسر رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه كممان أميممرا ً بالكوفممة‬
‫فخرج إلى حانوت العلف فاشترى منمه القمت‪ ،‬فربطممه البمائع وأخمذ البمائع‬
‫جانب الحزمة فجعل يمد ّ كل واحد منهما يده حتى صار نصف القت في يممد‬
‫هذا ونصفه في يد هذا‪ ،‬ثم جعله على عمماتق عمممار فممذهب بمه إلممى منزلممه‪.‬‬
‫وروي عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه أنه بعثه عمر بن الخطاب أميرا‬
‫على البحرين فدخل البحرين وهو راكب على حمار‪ ،‬وجعممل يقممول‪ :‬طّرقمموا‬
‫للمير‪ ،‬طّرقوا للمير‪ ،‬فهؤلء أصحاب رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫كان خلقهم التواضع وكممانوا أعممزاء عنممد الخلممق وعنممد الملئكممة وعنممد الل ّممه‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صمملى اللممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬ما نقص مال من صدقة وما عفا رجل عن مظلمة إل ّ زاده‬
‫الّله تعالى عزا"‪ .‬وروي عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "أنه كان في‬
‫بيت عائشة رضي الّله تعالى عنها وبين يديه طبق فيه قديد وهو جاث على‬
‫ركبتيه يأكل فأتت امرأة بذية ما تبالي لقيممت رجل أو امممرأة‪ ،‬فنظممرت إلممى‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فقالت انظروا إليه يجلممس كممما يجلممس العبممد‪،‬‬

‫فقال النبي صلى الّله عليه وسلم‪ :‬أنا عبد أجلس كممما يجلممس العبممد وأكممل‬
‫كما يأكل العبد‪ ،‬وقال لها‪ :‬كلي فقالت ل‪ ،‬إل ّ أن تطعمنممي بيممدك فأطعمهمما‪،‬‬
‫فقالت ل حتى تطعمني من فيك‪ ،‬وكان في فم رسول الّله صلى الّله عليممه‬
‫وسلم قديدة فيها عصب قد مضغها فأخرجها فأعطاهمما إياهمما قممال فأخممذتها‬
‫ومضغتها فما هي أن وقعت في بطنها‪ ،‬فغشيها من الحيمماء حممتى ممما كممانت‬
‫تستطيع النظر إلى أحد قال‪ ،‬فما سمع منها بعممد يومهمما ذلممك بباطممل حممتى‬
‫لحقت بالله تعالى"‪ .‬وروى الحسن عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫مِلك ما ً‬
‫أنه قال "أوتيت مفاتيح الرض فخيرت بين أن أكون عبدا نبي ما ً أو نبي ما ً َ‬
‫ي جبريل أن تواضع وكن عبدا فاخترت أن أكون عبممدا نبيمما فممأوتيت‬
‫فأومأ إل ّ‬
‫ذلك‪ ،‬وإني أّول من ينشق عنه الرض وأّول شافع" قال ابن مسعود رضممي‬
‫الّله تعالى عنه‪ :‬مممن تواضممع تخشممعا ً رفعممه الل ّممه تعممالى يمموم القيامممة ومممن‬
‫تطاول تعظما وضعه الّله تعالى يوم القيامة‪ .‬وذكممر عممن قتممادة رحمممه الل ّممه‬
‫تعالى أنه قال‪:‬‬
‫]ص ‪[99‬‬
‫ذكر لنا أن نبي الّله صلى الّله عليه وسلم كان يقممول‪" :‬مممن فممارقت روحممه‬
‫جسده" وفي روايممة أخممرى "ممن فممارق الممدنيا وهممو بريممء مممن ثلث دخممل‬
‫دين"‪ .‬قممال‪ :‬حممدثني أبممي رحمممه الل ّممه تعممالى‬
‫الجنة‪ :‬من الكبر والخيانممة وال م ّ‬
‫بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الّله بن أبي جعفر قال‪ :‬دخل علممي‬
‫بن أبي طالب رضي الّله تعالى عنممه السمموق فاشممترى قميصممين مممن هممذه‬
‫الكرابيس بستة دراهم‪ ،‬ثم قال لغلمه يا أسود‪ ،‬اختر أيهممما شممئت؟ فاختممار‬
‫ي كممرم الل ّممه وجهممه الخممر‪ ،‬ففضممل كممماه علممى‬
‫الغلم خيرهممما‪ ،‬ولبممس علم ّ‬
‫أطرافه فدعا بالشفرة فقطع كميه وخطب بالناس يوم الجمعة ونحن ننظر‬
‫إلى تلك الهدب على ظهر كفيه‪ .‬ورأى رجل ً قد أسمبل ثموبه فقمال‪ :‬يما فلن‬
‫ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لقلبممك وأبقممى عليممك‪ .‬وروى أبممو هريممرة‬
‫رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "قال تعالى‪:‬‬
‫العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نمازعني فمي واحمد منهمما ألقيتمه فمي‬
‫النار"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنمه‪" :‬العظممة إزاري‪ .‬والكبريماء ردائي"‬
‫يعني أنهما من صفاتي كما في القرآن العزيز الجبار المتكبر فهممما صممفتان‬
‫من صفات الّله تعالى فل ينبغي للعبد الضعيف أن يتكبر‪..‬‬
‫باب الحتكار‬
‫قال الفقيه أبو الليث السمممرقندي رحمممة الل ّممه تعممالى عليممه‪ :‬حممدثنا أبممو‬
‫الحسن الحاكم السردي حدثنا بكر بن المثنى حدثنا هانئ بممن النضممر حممدثنا‬
‫أحمد بن خالد حدثنا محمد بن اسحق عن محمد بن إبراهيم عن سممعيد بممن‬
‫المسيب عن معمر بن عبد الّله العدوي قال‪ :‬سمعت رسول الّله صلى الّله‬
‫عليه وسلم يقول "ل يحتكر إل ّ خاطئ" وعممن ابمن عمممر رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنهما عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من احتكممر طعاممما أربعيممن‬
‫يوما فقد برئ من الّله تعالى وبرئ الّله منه"‪ .‬وروى سعيد بن المسيب عن‬
‫عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه عممن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬الجممالب مممرزوق‪ ،‬والمحتكممر ملعممون" وإنممما أراد بالجممالب‬
‫الذي يشتري الطعام للبيع فيجلبه إلى بلده فيبيعه فهو مرزوق‪ ،‬لن النمماس‬
‫ينتفعون به فيناله بركة دعاء المسلمين‪ ،‬والمحتكممر الممذي يشممتري الطعممام‬
‫للمنع ويضر بالناس‪ .‬وروى الشعبي أن رجل أراد أن يسلم ابنممه إلممى عمممل‬
‫فاستشار النبي صلى الّله عليه وسلم في ذلك‪ :‬فقال له رسول الّله صمملى‬
‫الّله عليه وسلم‪ :‬ل تسلمه إلى حناط يبيع الحنطة‪ ،‬ول إلممى جممزار‪ ،‬ول إلممى‬
‫من يبيع الكفان‪ .‬أما الحناط فلن يلقى الّله تعالى زانيا أو شارب خمر خير‬
‫له من أن يلقى الّله تعالى وهو قد حبس الطعام أربعين ليلة‪ ،‬وأممما الجممزار‬

‫فإنه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه‪ ،‬وأما بائع الكفان فإنه يتمنى لمممتي‬
‫ي من الدنيا وما فيها"‪.‬‬
‫الموت‪ ،‬والمولود من أمتي أحب إل ّ‬
‫]ص ‪[100‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الل ّممه تعممالى عنممه‪ :‬الحكممرة أن يشممتري الطعممام فممي‬
‫مصره ويحبسه عن البيع وللناس حاجة إليه فهممذا هممو الحتكممار الممذي نهممى‬
‫عنه‪ ،‬وأما إذا دخل له الطعمام ممن ضميعة أو جلمب ممن مصمر آخمر فمإنه ل‬
‫يكون احتكارا ولكممن لمو كممان للنمماس إليممه حاجممة فالفضممل أن يممبيعه وفممي‬
‫امتناعه عن ذلك يكون مسيئا لسوء نيته وقلة شممفقته للمسمملمين‪ ،‬فينبغممي‬
‫أن يجبر المحتكر على بيع الطعام فإن امتنع من ذلك فإنه يعزر ويممؤدب ول‬
‫يسعر عليه ويقال له بعه كما يبيع الناس‪ .‬وروى عن رسول الّله صلى الّلممه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪" :‬أنا ل أسعر‪ ،‬فإن الّله تعالى هو المسعر"‪ .‬وروى عممن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال "الغلء والرخممص جنممدان مممن‬
‫جنود الّله تعالى اسم أحممدهما الرغبممة واسممم الخممر الرهبممة فممإذا أراد الل ّممه‬
‫تعالى أن يرخصه قممذف الرهبممة فممي قلمموب الرجممال فممأخرجه مممن أيممديهم‬
‫فرخص‪ ،‬وإذا أراد الل ّممه تعممالى أن يغليممه قممذف الرغبممة فممي قلمموب الرجممال‬
‫فحبسوه في أيديهم"‪ .‬وذكر في الخبر‪ :‬أن عابدا من عباد بني إسرائيل مممّر‬
‫على كشيب من الرمل فتمنى في نفسه لو كان دقيقا فأشبع بني إسرائيل‬
‫في به مجاعة أصابتهم‪ ،‬فأوحى الّله تعالى إلى نبي فيهممم أن قممل لفلن أن‬
‫الّله تعالى قد أوجب لك من الجر ما لو كان دقيقا فتصدقت به "يعنممي أنممه‬
‫لما نوى نية حسنة أعطاه الجر بحسن نية وشفقته على المسلمين ورحمة‬
‫لهم‪ ،‬فينبغي للمسلم أن يكون مشممفقا ً رحيم ما ً علممى المسمملمين‪ .‬وذكممر أن‬
‫رجل جاء إلى عبد الّله بن عباس رضي الّله تعالى عنهما فقال له أوصممني؟‬
‫فقال لمه عبمد الّلمه بمن عبماس أوصمميك بسممتة أشمياء‪ .‬أولهمما‪ :‬يقيممن القلممب‬
‫بالشياء التي تكفل الّله لك بهمما‪ ،‬والثمماني بممأداء الفممرائض لوقتهمما‪ ،‬والثممالث‬
‫بلسان رطب في ذكر الّله تعالى‪ ،‬والرابع ل توافممق الشمميطان فممإنه حاسممد‬
‫للخلق‪ ،‬والخامس ل تعمر الدنيا فإنها تخممرب آخرتممك‪ ،‬والسممادس أن تكممون‬
‫ناصحا للمسلمين دائمًا‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الل ّممه تعممالى عنممه‪ :‬ينبغممي للمسمملم أن يكممون ناصممحا‬
‫للمسلمين رحيما بهم فإن ذلك مممن علمممات السممعادة وقيممل‪ :‬إن علمممات‬
‫السعادة إحدى عشرة خصلة‪ :‬أولها أن يكممون زاهممدا فممي الممدنيا راغبمما فممي‬
‫الخرة‪ ،‬والثاني أن يكون همته العبادة وتلوة القمرآن‪ ،‬والثمالث قلمة القمول‬
‫فيممما ل يحتمماج إليممه‪ ،‬والرابممع أن يكممون محافظمما علممى الصمملوات الخمممس‪،‬‬
‫والخامس أن يكون ورعا فيما قل أو كثر من الحرام‪ ،‬والسممادس أن تكممون‬
‫صحبته مع الصالحين‪ ،‬والسابع أن يكون متواضممعا غيممر متكممبر‪ ،‬والثممامن أن‬
‫يكون سخيا وكريما‪ ،‬والتاسع أن يكون رحيما بخلق الّله تعالى‪ ،‬والعاشر أن‬
‫يكون نافعا للخلق‪ ،‬والحادي عشر أن يكممون ذاكممرا للممموت كممثيرًا‪ .‬وعلمممة‬
‫الشقاء أيضا ً إحدى عشرة خصلة أولها أن يكون حريصا علممى جمممع المممال‪،‬‬
‫والثاني أن تكون نهمته في الشهوات واللذات في الدنيا‪ ،‬والثالث أن يكممون‬
‫فحاشا في القول مكثارا‪ ،‬والرابع أن يكون متهاونا في الصلوات‪ ،‬والخامس‬
‫]ص ‪[101‬‬
‫أن يكون أكله مممن الحممرم والشممبهات وصممحبته مممع الفجممار‪ ،‬والسممادس أن‬
‫يكون سيئ الخلق‪ ،‬والسممابع أن يكممون مختممال متكممبرا فخممورا‪ ،‬والثممامن أن‬
‫يمنممع منفعتممه مممن النمماس‪ ،‬والتاسممع أن يكممون قليممل الرحمممة للمسمملمين‪،‬‬
‫والعاشر أن يكون بخيل‪ ،‬والحادي عشر أن يكممون ناسمميا للممموت‪ :‬يعنممي أن‬
‫الرجممل إذا كممان ذاكممرا للممموت فممإنه ل يمنممع طعممامه مممن الممبيع ويرحممم‬
‫المسلمين‪ .‬وذكر عن بعض الزهاد أنه كان في بيته وقر من الحنطة فقحط‬
‫الناس فباع ما عنده من الحنطة‪ ،‬ثممم جعممل يشممتري لحمماجته‪ ،‬فقيممل لمه لممو‬

‫أمسكت ما عندك؟ فقال أردت أن أشارك الناس في غمهم‪ .‬والله الموفق‬
‫بمنه وكرمه‪..‬‬
‫باب الزجر عن الضحك‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بممن يوسممف حممدثنا سممفيان بممن‬
‫عيينة قال‪ :‬قال عيسى ابمن مريمم صملوات الّلمه عليمه للحمواريين‪ .‬يما ملمح‬
‫الرض ل تفسدوا‪ ،‬فإن الشياء إذا فسدت إنما تداوى بالملح‪ ،‬وإن الملح إذا‬
‫فسد لم يداو بشيء‪ ،‬يا معشر الحواريين ل تأخذوا ممممن تعّلمممون أجممرا إل ّ‬
‫كما أعطيتموني‪ ،‬واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهممل‪ :‬الضممحك مممن غيممر‬
‫عجب والتصبح من غير سهر‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬معنى قوله عليه السلم ملممح الرض‪:‬‬
‫يعني به العلماء فمإن العلمماء همم المذين يصملحون الخلمق ويمدلونهم علمى‬
‫طريق الخرة فممإذا تممرك العلممماء طريممق الخممرة فمممن الممذي يممدلهم علممى‬
‫الطريق وبمن يقتدي الجهال‪ ،‬وقوله ل تأخذوا ممممن تعّلمممون أجممرا إل ّ كممما‬
‫أعطيتموني‪ :‬يعني أن العلماء ورثة النبياء فكمان أن النبياء يعلمون الخلق‬
‫ل َل أ َ َ‬
‫َ‬
‫بغير أجر وهو قوله عممز وجممل }قُم ْ‬
‫مموَد ّة َ فِممي‬
‫م ع َل َي ْمهِ أ ْ‬
‫ْ‬
‫جممرا ً إ ِّل ال َ‬
‫سمأل ُك ُ ْ‬
‫قربى{ وأيضا ً قوله تعالى }إ َ‬
‫ه{ فكذلك العلماء ينبغممي‬
‫ري إ ِّل ع ََلى الل ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫ال ُ ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫لهم أن يقتدوا بالنبياء ول يأخذوا على تعليمهم أجرا‪ ،‬وأما قوله الضحك من‬
‫غير عجب‪ :‬يعني بالضحك القهقهة‪ ،‬وهو مكممروه وهممو مممن عمممل السممفهاء‪،‬‬
‫وأما التصبح من غير سهر يعني أن النوم في أول النهار من غيممر أن يكممون‬
‫ساهرا ً بالليل فإن ذلك نوع من الحمق‪ .‬وقال النبي صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫"النوم في أول النهار حمق وفممي أوسممطه خلممق وفممي أخممره خممرق" يعنممي‬
‫الجهل‪.‬‬
‫)قال( حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا منيع حدثنا ابن زنجويه حدثنا ابن أبي‬
‫غالب حدثنا هشام حدثنا الكوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر رضي الل ّممه‬
‫تعالى عنهما قال "خرج النبي صلى الّله عليه وسلم ذات يوم إلى المسممجد‬
‫فإذا قوم يتحدثون ويضحكون فوقممف وسمملم عليهممم ثممم قممال‪ :‬أكممثر واذكممر‬
‫هادم اللذات‪ ،‬قلنا‪ :‬وما هادم اللذات؟ قال‪ :‬الموت‪ ،‬ثم خرج بعد‬
‫]ص ‪[102‬‬
‫ذلك مرة أخممرى فممإذا قمموم يضممحكون فقممال‪ :‬أممما والممذي نفسممي بيممده لممو‬
‫تعلمون ما أعلم لضممحكتم قليل ً ولبكيتممم كممثيرًا" ثممم خممرج أيضما ً فممإذا قمموم‬
‫يتحدثون ويضحكون فسلم عليهم ثم قممال‪ :‬إن السمملم بممدا غريبمما وسمميعود‬
‫غريبا فطوبى للغرباء يوم القيامة‪ ،‬فقيل ومممن الغربمماء يمموم القيامممة؟ قممال‬
‫الذين إذا فسد الناس صلحوا"‪ .‬قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضممل حممدثنا محمممد‬
‫بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا إسحق بن منصور قال‪ :‬لمما فمارق‬
‫الخضر موسى عليهما السلم قال له عظني؟ قال يا موسى إياك واللجاجة‬
‫ول تكن ماشمميا بغيممر حاجممة ول تضممحك مممن غيممر عجممب‪ ،‬و ل تعجممب علممى‬
‫الخاطئ بخطيئته‪ .‬وفي بعض الروايات‪ :‬ول تعير الخاطئين بخطاياهم وابممك‬
‫على خطيئتك يا ابن عمران‪.‬‬
‫وروى جعفر بن عوف عن مسعود عن عوف بن عبد الّله قال‪ :‬كان النبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم ل يضحك إل ّ تبسما ول يلتفت إل ّ جميعا‪ :‬يعني يلتفممت‬
‫بجميع وجهه‪ ،‬ففي هذا الخبر دليل على أن التبسم مباح‪ ،‬وإنممما النهممي عممن‬
‫الضحك بالقهقهة‪ ،‬فينبغي للعاقمل أن ل يضمحك بالقهقهمة فمإن ممن ضمحك‬
‫قهقهة في الدنيا قليل ً بكى في الخرة كثيرًا‪ ،‬فكيف بمن ضممحك فممي الممدنيا‬
‫ح ُ‬
‫كوا قَِليل ً‬
‫ضم َ‬
‫كثيرا ً كيف يكون حاله يوم القيامة‪ ،‬وقد قال الل ّممه تعممالى }فَل ْي َ ْ‬
‫وَل ْي َب ْ ُ‬
‫كوا ك َِثيرا ً { قال الربيممع بممن خممثيم‪ :‬فليضممحكوا قليل ً فممي الممدنيا وليبكمموا‬
‫ح ُ‬
‫كوا قَِليل ً‬
‫ضم َ‬
‫كثيرا ً في الخرة‪ .‬وعن الحسن البصري في قوله تعممالى }فَل ْي َ ْ‬

‫ِفي الد ّن َْيا وَل ْي َب ْ ُ‬
‫م{ وقممال الحسممن البصممري‬
‫كوا ك َِثيرا ً ِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ة‪ِ .‬في َنارِ َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫رحمه الّله تعالى‪ :‬يا عجبا من ضاحك ومن ورائه النار‪ ،‬ومممن مسممرور ومممن‬
‫ورائه الموت‪ .‬وقيل‪ :‬مّر الحسن البصري بشاب وهممو يضممحك فقممال لممه يمما‬
‫ي‪ :‬هل جزت على الصراط؟ قال ل‪ ،‬فقال هل تبين لك إلممى الجنممة تصممير‬
‫بن ّ‬
‫أم إلى النار؟ قال ل‪ ،‬قال ففيم هذا الضحك؟ قال‪ :‬فما رؤي الفتى ضمماحكا‬
‫بعده قط‪ :‬يعني أن قول الحسن وقع في قلبممه فتمماب عممن الضممحك وهكممذا‬
‫كان العلماء في ذلك الزمان‪ :‬إنهم كانوا إذا تكلموا بالموعظة وقممع كلمهممم‬
‫موقعا لنهم كانوا يعملون بالعلم فينفع علمهم غيرهممم‪ ،‬فأممما علممماء زماننمما‬
‫فإنهم ل يعملون بعلمهممم فل ينفممع علمهممم غيرهممم‪ .‬وروى عممن ابممن عبمماس‬
‫رضي الّله تعالى عنهما أنه قال‪ :‬من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النممار وهممو‬
‫يبكممي‪ .‬ويقمال‪ :‬أكممثر النمماس ضممحكا فممي الممدنيا أكممثرهم بكمماء فممي الخممرة‪،‬‬
‫وأكثرهم بكاء في الدنيا أكثرهم ضحكا في الجنة‪.‬‬
‫قال يحيى ابن معاذ الرازي رحمممه الل ّممه تعممالى‪ :‬أربممع خصممال لممم يبقيممن‬
‫م الخممرة‪ ،‬وشممغل المعمماش‪،‬‬
‫م المعمماد‪ ،‬يعنممي هم ّ‬
‫للمؤمن ضحكا ول فرحا‪ :‬ه ّ‬
‫وغم الذنوب‪ ،‬وإلمام المصائب‪ :‬يعني ينبغي للمؤمن أن يكون مشغول بهذه‬
‫الشياء الربعة لتمنعه عن الضحك فإن الضحك ليس من خصممال المممؤمن‪،‬‬
‫َ‬
‫ن هَ َ‬
‫ث‬
‫دي ِ‬
‫ح ِ‬
‫وقد عير الّله تعالى أقواما بالضحك فقال }أفَ ِ‬
‫ذا ال َ‬
‫م ْ‬
‫]ص ‪[103‬‬
‫َ‬
‫ن وََل ت َب ْ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن{ ومدح أقواما بالبكاء فقممال‬
‫سا ِ‬
‫دو َ‬
‫م ُ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫ض َ‬
‫ن‪ .‬وَت َ ْ‬
‫جُبو َ‬
‫تَعْ َ‬
‫م َ‬
‫ن‪ .‬وَأن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ن ي َب ْ ُ‬
‫ن{ ويقال غم الحياء خمسممة أشممياء‪ ،‬فينبغممي‬
‫تعالى }وَي َ ِ‬
‫كو َ‬
‫خّرو َ‬
‫ن ل ِْلذ َْقا ِ‬
‫لكل إنسان أن يكون غمه في هذه الخمسة‪ :‬أولها غم الذنوب الماضية لنه‬
‫قد أذنب ذنوبا ولم يتبين له العفو فينبغي أن يكون مغموما به مشغول بهمما‪،‬‬
‫والثاني أنه قد عمل الحسنات ولم يتبين له القبول‪ ،‬والثالث قد علم حيمماته‬
‫فيما مضى كيف مضى ول يدري كيف يكممون البمماقي‪ ،‬والرابممع قممد علممم أن‬
‫الّله تعالى دارين ول يدري إلى أية دارية يصير‪ ،‬والخامس ل يممدري أن الل ّممه‬
‫تعالى راض عنه أم ساخط عليه فمن كان غمه في هممذه الشممياء الخمسممة‬
‫في حياته فإنه يمنعه عن الضممحك‪ ،‬ومممن لممم يكممن غمممه فممي هممذه الشممياء‬
‫الخمسة في حياته فمإنه يسممتقبله بعمد المموت خمسمة ممن الغمموم‪ :‬أولهما‬
‫حسرة ما خلف من التركة التي جمعها من الحلل والحرام وتركهمما لممورثته‬
‫العداء‪ ،‬والثاني ندامة تسويف العمال الصالحة فيرى في كتابه عمل قليل ً‬
‫فيستأذن في الرجوع ليعمل صممالحا فل يممؤذن لممه‪ ،‬والثممالث ندامممة الممذنوب‬
‫فيرى في كتمابه ذنوبما كمثيرة فيسمتأذن فمي الرجموع ليتموب فل يمؤذن لمه‪،‬‬
‫والرابع يممرى لنفسممه خصمموما كممثيرة ول يتهيممأ لممه أن يرضمميهم إل ّ بأعممماله‪،‬‬
‫والخامس وجد الّله تعالى عليه غضبان ول يمكنه أن يرضمميه‪ ،‬وروى أبممو ذر‬
‫الغفاري رضي الّله تعالى عنه عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬لو تعلمون ما أعلممم لضممحكتم قليل ً ولبكيتممم كممثيرا‪ ،‬ولممو تعلمممون ممما‬
‫أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلممى ربكممم وتبكممون‪ ،‬ولممو تعلمممون ممما‬
‫أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ول تقاررتم على فرشكم‪ ،‬ولمموددت أن الل ّممه‬
‫خلقني يوم خلقني شجرة تعضد"‪ .‬وروى يونس عممن الحسممن البصممري أنممه‬
‫قال‪ :‬المؤمن بالله تعالى يمسي حزينا ويصبح حزينا‪ ،‬وكان الحسن البصري‬
‫قلما رأيته إل ّ كرجل أصيب بمصيبة محدثة‪ .‬وروى في رواية أخرى‪ :‬أنممه ممما‬
‫رؤى الحسن إل ّ كأنه رجع من دفن أمه‪ .‬وروى عن الوزاعي في قول الّلممه‬
‫َ‬
‫ها{ قمال الصمغيرة التبسمم‪،‬‬
‫صما َ‬
‫صمِغيَرة ً وََل ك َِبيمَرة ً إ ِّل أ ْ‬
‫ح َ‬
‫عمز وجمل }ي َُغماد ُِر َ‬
‫والكبيرة القهقهة‪ ،‬يعني أن القهقهة مممن الكبممائر‪ .‬وروى عممن عبممد الل ّممه بممن‬
‫عمرو بن العاص أنه قال‪ :‬لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ً ولبكيتم كممثيرا‪،‬‬
‫ولو تعلمون ما أعلم لسجد أحدكم حتى ينقطع صلبه‪ ،‬ولصرخ حممتى ينقطممع‬
‫صوته‪ ،‬ابكوا إلممى الل ّممه تعممالى فممإن لممم تسممتطيعوا أن تبكمموا فتبمماكوا يعنممي‬
‫تشبهوا بالباكين‪ .‬وروى سفيان بن محمد بن عجلن في حديث يذكره قممال‪:‬‬

‫كل عين باكية يوم القيامة إل ّ ثلثة أعين‪ :‬عين بكت من خشية الل ّممه تعممالى‪،‬‬
‫وعين غضت عن محارم الّله تعالى‪ ،‬وعين سهرت فممي سممبيل الل ّممه تعممالى‪.‬‬
‫وقد روى هذا الخبر مرفوعا عن رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‪ .‬وروى‬
‫عن أبي حنيفممة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه قممال‪ :‬ضممحكت مممرة وأنمما مممن‬
‫النممادمين علممى ذلممك‪ ،‬وذلممك أنممي نمماظرت عمممرو بممن عبيممد القممدرى‪ ،‬فلممما‬
‫أحسست بالظفر ضحكت فقال لي‪ :‬تتكلم فممي العلممم وتضممحك فل أكلمممك‬
‫أبدا‪ ،‬وأنا‬
‫]ص ‪[104‬‬
‫من النادمين على ذلك إذ لو لم يكن ضحكي لرددته إلممى قمموله فكممان فممي‬
‫ذلك صلح العلم‪ .‬وروى عن محمد بن عبد الّله العابممد أنممه قممال‪ :‬مممن تممرك‬
‫فضول النظر وفق للخشوع‪ ،‬ومممن تممرك الكممبر وفممق للتواضممع‪ ،‬ومممن تممرك‬
‫فضول الكلم وفق للحكمة‪ ،‬ومن ترك فضول الطعام وفق لحلوة العبممادة‪،‬‬
‫ومن ترك المزاح وفق للبهاء‪ ،‬ومن ترك الضممحك وفممق للهيبممة‪ ،‬ومممن تممرك‬
‫الرغبة وفق للمحبة‪ :‬يعني إذا لم يرغب في أموال الناس أحبوه‪ ،‬ومن ترك‬
‫التجسس وفق لصلح عيوبه‪ ،‬ومن ترك التوهم في صفات الّله تعالى وفق‬
‫للنجاة من الشك والنفاق‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال " في قمموله تعممالى‬
‫ه َ‬
‫}وَ َ‬
‫ما{ قال‪ :‬كان تحته لوح من ذهممب مكتمموب فيممه خمسممة‬
‫ن تَ ْ‬
‫كا َ‬
‫كنٌز ل َهُ َ‬
‫حت َ ُ‬
‫أسطر‪ :‬أولها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح‪ ،‬وعجبت لمن أيقن بالنار‬
‫كيف يضحك‪ ،‬وعجبت لمن أيقن بالقممدر كيممف يحممزن‪ ،‬وعجبممت لمممن أيقممن‬
‫بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‪ ،‬وفي الخممامس ل إلممه إل ّ الل ّممه‬
‫محمد رسول الله‪ ،‬وقال ثابت البناني رحمه الّله تعممالى‪ :‬كممان يقممال ضممحك‬
‫المؤمن من غفلته‪ :‬يعني غفلته عن أمر الخرة‪ ،‬ولول غفلته لما ضحك‪.‬‬
‫وقال يحيى ابن معاذ الرازي رحمه الّله تعالى‪ :‬اطلب فرحا ل حزن فيممه‬
‫بحزن ل فرح فيه‪ :‬يعني إذا أردت أن تنال الجنة فكن فممي الممدنيا حزينمما ول‬
‫تكن ضاحكا مسرورا لكي تنال فرح الجنة وهممو فممرح ل حممزن فيممه‪ ،‬ويقممال‬
‫ثلثة أشمياء تقسمي القلمب‪ :‬الضمحك ممن غيمر عجمب‪ ،‬والكمل بغيمر جموع‪،‬‬
‫والكلم من غير حاجة‪ .‬وروى بهز بن حكيم عممن أبيممه عممن جممده أن رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم قال "ويل لمن يكذب ليضحك به الناس‪ ،‬ويل له‬
‫ويل له ويل له ثلث مرات" وقال إبراهيم النخعي‪ :‬إن الرجل ليتكلم بكلمة‬
‫ليضحك بها من حوله فيسخط الّله بها فيصمميبه السممخط فيعممم مممن حمموله‪،‬‬
‫وإن الرجل ليتكلم بكلمة يرضى الّله بها فتصيبه الرحمممة فتعممم مممن حمموله‪.‬‬
‫وروى وائلة بن السقع عن أبي هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه عممن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "يا أبا هريممرة كممن ورعمما تكممن أعبممد النمماس‪،‬‬
‫وكن قنعا تكن أشكر الناس‪ ،‬وأحممب للنمماس ممما تحممب لنفسممك تكممن مؤمنمما‬
‫وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فممإن كممثرة الضممحك‬
‫تميت القلب" وروى مالك بن دينار عن الحنف بن قيس أنه قممال قممال لممي‬
‫عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه‪ :‬من كثر ضممحكه قلممت هيبتممه‪،‬ومممن‬
‫مزح اسُتخف به‪ ،‬ومممن أكممثر مممن شمميء عممرف بممه‪ ،‬ومممن كممثر كلمممه كممثر‬
‫ل حياؤه‪ ،‬ومن ق ّ‬
‫قطه‪ ،‬ومن كثر سقطه ق ّ‬
‫ل حياؤه قممل ورعممه‪ ،‬ومممن قممل‬
‫س ْ‬
‫َ‬
‫ورعه مات قلبه‪ ،‬ومن مات قلبه كانت النار أولى به‪.‬‬
‫]ص ‪[105‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وإياك وضحك القهقهة فإن فيه ثمانية‬
‫مممن الفممات أّولهمما أن يممذمك العلممماء والعقلء‪ ،‬والثمماني أن يجممترئ عليممك‬
‫السفهاء والجهال‪ ،‬والثالث أنك لو كنت جاهل ازداد جهلك وإن كنممت عالم ما ً‬
‫ج من العلممم‬
‫نقص علمك لنه روى في الخبر "إن العالم إذا ضحك ضحكة م ّ‬
‫مجة" يعني رمى من العلم بعضه‪ .‬والرابع أن فيه نسيان الذنوب الماضممية‪،‬‬

‫والخامس فيه جراءة على الذنوب في المستقبل لنممك إذا ضممحكت يقسممو‬
‫قلبك‪ ،‬والسادس أن فيه نسيان الموت وما بعده من أمر الخممرة‪ ،‬والسممابع‬
‫أن عليك وزر من ضحك بضحكك‪ ،‬والثامن أنه يجب له بالضمحك بكماء كمثير‬
‫ح ُ‬
‫ممما ك َمماُنوا‬
‫كوا قَِليل ً وَل ْي َب ْك ُمموا ك َِثيممرا ً َ‬
‫ضم َ‬
‫فممي الخممرة قممال تعممالى }فَل ْي َ ْ‬
‫جمَزاًء ب ِ َ‬
‫ن{ وروى عن أبي ذر رضي الّله تعالى عنه أنه قممال فممي قممول الل ّممه‬
‫ي َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫ح ُ‬
‫كوا قَِلي ً‬
‫ل{ معناه أن الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شمماءوا‬
‫ض َ‬
‫عز وجل }فَل ْي َ ْ‬
‫وإذا صاروا إلى الل ّممه بكمموا بكمماء ل ينقطممع فممذلك الكممثير وهممو قمموله تعممالى‬
‫ما َ‬
‫}وَل ْي َب ْ ُ‬
‫ن{‪.‬‬
‫كاُنوا ي َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫كوا ك َِثيرا ً َ‬
‫جَزاًء ب ِ َ‬
‫باب كظم الغيظ‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حممدثنا الخليممل بممن أحمممد حممدثنا أبممو‬
‫ي بممن زيممد‬
‫جعفر الدبيلي‪ .‬حدثنا أبو عبد الّله بن عمر‪.‬حدثنا سفيان عممن عل م ّ‬
‫أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه قممال‪ :‬قممال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم "إن الغضممب جمممرة مممن النممار فمممن وجممد ذلممك‬
‫منكم فإن كان قائما فليجلممس‪ ،‬وإن كممان جالسمما فليضممطجع" قممال‪ :‬حممدثنا‬
‫محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حممدثنا إبراهيممم بممن يوسممف حممدثنا‬
‫المسيب عن محمد بن مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه‬
‫أن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قال "إياكم والغضممب فمإنه يوقممد فمي‬
‫فؤاد ابن آدم النار ألم تَر إلى أحدكم إذا غضممب كيممف تحم مّر عينمماه وتنتفممخ‬
‫أوداجه؟ فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلممك فليضممطجع وليلصممق بممالرض"‪،‬‬
‫وقال‪" :‬إن منكم من يكون سريع الغضب سممريع القيممء فأحممدهما بممالخر"‬
‫يعني يكون أحدهما بالخر قصاصا ً "ومنكم من يكون بطيء القيممء ويكممون‬
‫أحدهما بالخر‪ ،‬وخيركم من كان بطيء الغضب سريع القيء وشممركم مممن‬
‫كان سريع الغضب بطيء القيء" وروى أبو أمامة الباهلي رضي الّله تعالى‬
‫عنه عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "مممن كظممم غيظمما وهممو‬
‫يقدر على أن يمضيه لم يمضممه مل الل ّممه قلبممه يمموم القيامممة رضمما" ويقممال‪:‬‬
‫مكتوب في النجيل‪ :‬يا ابن آدم اذكرني حين تغضممب أذكممرك حيممن أغضممب‪،‬‬
‫وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خيممر مممن نصممرتك لنفسممك‪ .‬وروى عممن‬
‫عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل أغضبه‪ :‬لول أنك أغضممبتني لعاقبتممك أراد‬
‫ن الغَي ْ َ‬
‫بذلك قول الّله تعالى }َوال َ‬
‫ظ{ وذكر أنه رأى سكران فممأراد أن‬
‫كاظ ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫يأخذه فيعزره فشتمه السكران فلما شتمه رجممع عمممر‪ ،‬فقيممل لممه يمما أميممر‬
‫المؤمنين لما شتمك تركته؟ قال لنه أغضبني فلو عزرته لكان ذلك‬
‫]ص ‪[106‬‬
‫لغضب نفسي ول أحب أن أضرب مسلما ً لحمية نفسي‪ .‬وروى عن ميمممون‬
‫بن مهران أن جارية له جاءت بمرقممة فعممثرت فصممبت المرقممة عليممه فممأراد‬
‫ميمممون أن يضممربها فقممالت الجاريممة يمما مممولي اسممتعمل قممول الل ّممه تعممالى‬
‫ن الغَي ْ َ‬
‫}َوال َ‬
‫ن‬
‫كاظ ِ ِ‬
‫ظ{ فقال قد فعلت‪ ،‬فقالت اعمممل بممما بعممده }َوالعَمماِفي َ‬
‫مي َ‬
‫ب‬
‫َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫حمم ّ‬
‫س{ قممال قممد عفمموت‪ ،‬فقممالت اعمممل بممما بعممده }َوالّلمم ُ‬
‫عمم ْ‬
‫ن الّنمما ِ‬
‫ن{ فقال ميمون أحسنت إليك فأنت حرة لوجه الّله تعممالى‪ .‬وروى‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ُ‬
‫سِني َ‬
‫عن رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال "مممن لممم يكممن فيممه ثلث‬
‫حلم يرد ّ به جهممل الجاهممل‪ ،‬وورع يح مُرزه عممن‬
‫خصال لم يجد طعم اليمان‪ِ :‬‬
‫خُلق يداري به الناس"‪ .‬وذكر عن بعض المتقدمين أنممه كممان لممه‬
‫المحارم‪ ،‬و ُ‬
‫فرس وكان معجبا به‪ ،‬فجاء ذات يوم فوجده على ثلث قوائم فقال لغلمه‬
‫ن‬
‫من صنع هذا؟ فقال أنا‪ ،‬قال‪ :‬لم؟ قال أردت أن أغمك‪ ،‬قال ل جرم لغمم ّ‬
‫من أمرك به‪ :‬يعني الشيطان‪ :‬اذهب فأنت حّر والفرس لك‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضممي الّلمه تعممالى عنممه‪ :‬ينبغممي للمسمملم أن يكممون حليممما‬
‫وصبورا فإن ذلك من خصال المتقين وقد مدح الّله تعالى الحليم في كتممابه‬
‫فَر{ يعني من صممبر علممى الظلممم وتجمماوز عممن‬
‫صب ََر وَغ َ َ‬
‫فقال تعالى }وَل َ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬

‫ُ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫موِر{ يعني من حقائق المور الممتي‬
‫ك لَ ِ‬
‫ظالمه وعفا عنه }إ ِ ّ‬
‫ن ع َْزم ِ ال ُ‬
‫م ْ‬
‫وي‬
‫يثاب فاعلها على ذلك وينال أجرا عظيممما وقممال فممي آيممة أخممرى }ت َ ْ‬
‫س مت َ ِ‬
‫ة { يعني ل تستوي الكلمة ا لحسنة والكلمة السيئة يعني‬
‫سي ّئ َ ُ‬
‫سن َ ُ‬
‫ال َ‬
‫ة وََل ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ل ينبغي للمسلم أن يكافئ كلمة حسنة بكلمة قبيحة ثم قال }اد َْفممعْ ِبممال ِّتي‬
‫َ‬
‫ن{ يعني ادفع الكلمممة القبيحممة بالكلمممة الممتي هممي أحسممن }فَمإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫س‬
‫يأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ُ‬
‫هِ َ‬
‫َ‬
‫ذي ب َي ْن َ َ‬
‫م{ يعنممي إنممك إذا فعلممت ذلمك صممار‬
‫ح ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ي َ‬
‫ه عَ َ‬
‫ميم ٌ‬
‫داوَة ٌ ك َأن ّ ُ‬
‫ك وَب َي ْن َ ُ‬
‫ه وَل ِم ّ‬
‫عدّوك صديقا لك مثل القريب وقد مممدح الل ّممه تعممالى خليلممه إبراهيممم عليممه‬
‫السلم بالحلم فقممال }إن إبراهي مم ل َحِلي م َ‬
‫ب{ فممالحليم المتجمماوز‬
‫مِني م ٌ‬
‫ِ ّ َِْ ِ َ َ‬
‫م أّواه ٌ ُ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫والواه الذي يذكر ذنوبه ويتأوه‪ ،‬والمنيب الذي أقبل على طاعة الله تعالى‪،‬‬
‫وقد أمر الّله تعالى نبيه صلى الّله عليه وسمملم بالصممبر والحلممم وأخممبره أن‬
‫ص مب ََر‬
‫صب ِْر ك َ َ‬
‫ممما َ‬
‫النبياء الذين كانوا من قبله كانوا على ذلك فقال تعالى }َفا ْ‬
‫ُ‬
‫ل{ يعني اصبر على تكذيب الكفار وأذاهممم كممما صممبر‬
‫أوُْلوا العَْزم ِ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫النبياء الذين أمروا بالقتال مع الكفممار‪ ،‬وأولممو العممزم هممم ذوو الحممزم وهممم‬
‫الذين يثبتون على المر ويصممبرون عليممه‪ ،‬وقممال الحسممن فممي قمموله تعممالى‬
‫}وَإ ِ َ‬
‫سَلمًا{ يعنمي قمالوا حلمما وإن جهمل عليهمم‬
‫ذا َ‬
‫جاه ُِلو َ‬
‫م ال َ‬
‫ن َقاُلوا َ‬
‫خاط َب َهُ ْ‬
‫حلموا‪ .‬وروى عن وهب بن منبه رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬كممان عابممد فممي‬
‫بني إسرائيل أراد الشيطان أن يضله فلم يستطع‪ ،‬فخممرج العابممد ذات يمموم‬
‫لحاجة وخرج الشيطان معه لكي يجد منه فرصة‪ ،‬فأتمماه مممن قبممل الشممهوة‬
‫والغضب فلم يستطع منه على شيء‪ ،‬فأتاه من قبل الخمموف وجعممل يممدلي‬
‫عليه صخرة من الجبل فإذا بلغته ذكر الّله تعالى فنأت عنه‪ ،‬ثم جعل يتمثل‬
‫بالسد والسباع فذكر الّله تعالى‬
‫]ص ‪[107‬‬
‫فلم يبال به‪ ،‬ثم جعل يتمثل له بالحية وهو يصلي فجعل يلتوي على قممدميه‬
‫وجسده حتى بلغ رأسه‪ ،‬وكان إذا أراد السجود التوى في موضع رأسه مممن‬
‫السجود يعني وجهه فلما وضع رأسه ليسجد فتح فاه ليلتقممم رأسممه فجعممل‬
‫ينحيه حتى استمكن من الرض ليسجد‪ ،‬فلما فممرغ ممن صمملته وذهممب جمماء‬
‫إليه الشيطان فقال أنا فعلت بك كذا وكذا فلممم أسممتطع منممك علممى شمميء‬
‫وقد بدا لي أن أصادقك ول أريد ضللتك بعد اليوم‪ ،‬فقال له العابد‪ :‬ل اليوم‬
‫وفتني بحمد الّله ما خفت منك ول لي حاجة اليمموم فممي مصممادقتك‪،‬‬
‫الذي خ ّ‬
‫ت قبلهم‪،‬‬
‫فقال أل تسألني عن أهلك ما أصابهم بعدك؟ فقال له العابد أنا م ّ‬
‫فقال أل تسألني عما أض ّ‬
‫ل به بني آدم؟ قال بلممى أخممبرني بالممذي تصممل بممه‬
‫إلى إضمملل بنممي آدم؟ قممال بثلثممة أشممياء‪ :‬الشممح والغضممب والسممكر‪ ،‬فممإن‬
‫النسان إذا كان شحيحا قللنا ماله في عينه فيمنعه من حقوقه ويرغب فممي‬
‫أموال الناس‪ ،‬وإذا كان الرجل غضوبا أدرناه بيننا كما يممدير الصممبيان الكممرة‬
‫بينهم ولو كان يحيي الموتى بدعوته لم نيأس منممه فإنممما يبنممي ويهممدم فممي‬
‫كلمة واحدة‪ ،‬وإذا سكر قدناه إلى كممل سمموء كممما تقمماد الغنممم بأذنهمما حيممث‬
‫نشاء فقد أخبره الشيطان أن الذي يغضب يكون في يد الشمميطان كممالكرة‬
‫فممي أيممدي الصممبيان‪ ،‬فينبغممي للممذي يغضممب أن يصممبر لكممي ل يصممير أسممير‬
‫الشيطان ول يحبط عمله‪ .‬وذكر أن إبليس جمماء إلممى موسممى صمملوات الل ّممه‬
‫وسلمه عليه فقال لمه أنممت المذي اصممطفاك الّلمه تعمالى برسمالته وكلمممك‬
‫تكليما‪ ،‬وإنما أنا خلق من خلق الّله تعالى أردت أن أتوب إلى ربممك فاسمأله‬
‫ي‪ ،‬ففرح بذلك موسى عليه السلم فدعا بماء فتوضممأ وصمملى ممما‬
‫ليتوب عل ّ‬
‫شاء الّله تعالى‪ ،‬ثم قال يا رب إن إبليممس خلمق ممن خلقمك يسمألك التوبمة‬
‫فتب عليه‪ ،‬فقيل له يا موسى إنه ل يتوب‪ ،‬فقال يما رب إنمه يسمألك التوبممة‬
‫فأوحى الّله تعالى إني استجبت لمك يما موسمى فمممره أن يسمجد لقمبر آدم‬
‫فممأتوب عليممه‪ ،‬فرجممع موسممى مسممرورا فممأخبره بممذلك‪ ،‬فغضممب مممن ذلممك‬
‫واستكبر ثم قال‪ :‬أنا لم أسجد له حيا أأسجد له ميتا‪ ،‬ثم قال يمما موسممى إن‬
‫ي بما تشفعت لي إلى ربك فأوصيك بثلثة أشممياء‪ :‬اذكرنممي عنممد‬
‫لك حقا عل ّ‬

‫ثلث خصال‪ :‬اذكرني حين تغضب فإني في قلبك أجري منك مجممرى الممدم‪،‬‬
‫واذكرني حين تلقى العدو في الزحف‪ ،‬فإني آتي ابن آدم حين يلقممى العممدو‬
‫فأذكره زوجته وأهله وماله وولده حتى يولي دبره‪ ،‬وإياك أن تجالس امممرأة‬
‫ليست بذات محمرم منمك فمإني رسمولها إليمك ورسمولك إليهما‪ .‬وذكمر عمن‬
‫لقمان الحكيم أنه قال‪ :‬يا بني ثلث ل تعرف إل ّ في ثلثة‪ :‬ل يعممرف الحليممم‬
‫إل ّ عند الغضب‪ ،‬ول يعرف الشجاع إل ّ عند الحممرب‪ ،‬ول يعممرف الخ إل ّ عنممد‬
‫الحاجة‪ .‬وذكر أن رجل من التابعين مدحه رجل في وجهه‪ ،‬فقال له يمما عبممد‬
‫الّلمه لمم تممدحني‪ :‬أجّربتنمي عنمد الغضمب فوجمدتني حليمما؟ قمال ل‪ ،‬قمال‬
‫أجربتني في السفر فوجدتني حسن الخلق؟ قال‬
‫]ص ‪[108‬‬
‫لا‪ ،‬قال أجربتني عند المانة فوجدتني أمينا؟ قال ل‪ ،‬فقممال ويحممك ممما لحممد‬
‫أن يمدح أحدا ما لم يجربه في هذه الشياء الثلثة‪ .‬وقال‪ :‬ثلثممة مممن أخلق‬
‫أهل الجنة ول توجد إل ّ في الكريم‪ :‬العفو عمن ظلمك‪ ،‬والبذل لمن حرمك‪،‬‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫خمذ ْ العَ ْ‬
‫والحسان إلى من أساء إليك قممال الل ّممه تعممالى } ُ‬
‫ممْر ِبمالعُْر ِ‬
‫فموَ وَأ ُ‬
‫َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ن ال َ‬
‫وَأع ْرِ ْ‬
‫جاه ِِلي َ‬
‫ض عَ ْ‬
‫وروى في الخبر أنه لما نزلت هذه الية قال النبي صلى الّله عليه وسلم‪:‬‬
‫"ما تفسير هذه الية؟ فقال له جبريممل عليمه الصملة والسمملم حممتى أسممأل‬
‫العالم‪ ،‬فذهب جبريل ثم أتاه فقال‪ :‬يا محمد إن الّله تعالى يأمرك أن تصل‬
‫من قطعممك‪ ،‬وتعطممي مممن حرمممك‪ ،‬وتعفممو عمممن ظلمممك"‪ .‬وروى عممن ابممن‬
‫ب‬
‫عجلن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه قال "س ّ‬
‫رجل أبا بكر الصديق رضي الّله تعالى عنه ورسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم جالس فسكت النبي صلى الّله عليه وسمملم وسممكت أبممو بكممر‪ ،‬فلممما‬
‫سكت الرجل تكلم أبو بكر فقام النبي صلى الّله عليممه وسمملم وأدركممه أبممو‬
‫بكر فقال يا رسول الّله سبني وسممكت فلممما تكلمممت قمممت؟ فقممال النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسمملم إن الملممك كممان يممرد عليممه عنممك حيممن سممكت فلممما‬
‫تكلمممت ذهممب الملممك وقعممد الشمميطان فكرهممت أن أقعممد فممي مقعممد مممع‬
‫الشيطان ثم قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم ثلث كلهن حق‪ :‬ما من‬
‫عبد يظلم بمظلمة فيعفو عنها ابتغاء مرضمماة الل ّممه تعممالى إل ّ زاده الل ّممه بهمما‬
‫عزا‪ ،‬وما من عبد فتح على نفسه باب مسألة يريممد بهمما كممثرة إل ّ زاده الل ّممه‬
‫تعالى بها قلة‪ ،‬وما من عبد أعطى عطية يبتغي بها وجه الّله تعممالى إل ّ زاده‬
‫الّله تعالى بها كثرة"‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبي بإسناده عن محمد بن كعب القرظممي‬
‫عن ابن عباس رضي الل ّممه تعممالى عنهممما أن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم قال "لكل شيء شرف وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلممة"‬
‫وإنما تجالسون بالمانة‪ ،‬ول تصملوا خلممف النممائم والمحممدث‪ ،‬واقتلمموا الحيممة‬
‫والعقرب وإن كنتم في صلتكم‪ ،‬ول تسممتروا الجممدران بالثيمماب‪ ،‬ومممن نظممر‬
‫في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في النار‪ ،‬ومن أحب أن يكممون أقمموى‬
‫الناس فليتوكل على الّله تعالى‪ ،‬ومن أحممب أن يكممون أكممرم النمماس فليتممق‬
‫الّله تعالى‪ ،‬ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يممد الل ّممه تعممالى‬
‫أوثق منه بما في يده‪ ،‬ثم قال‪ :‬أل أنبئكم بشممراركم؟ قممالوا بلممى يمما رسممول‬
‫الّله قال‪ :‬من أكل وحده‪ ،‬ومنع رفده‪ ،‬وجلد عبده‪ ،‬ثم قال‪ :‬أل أنممبئكم بشممر‬
‫من هذا؟ قالوا بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬مممن يبغممض النمماس ويبغضممونه‪ ،‬ثممم‬
‫قال‪ :‬أل أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا بلى يا رسول اللممه‪ ،‬قممال‪ :‬مممن ل يقبممل‬
‫عثرة ول يقبل معذرة ول يغفر ذنبا‪ ،‬ثم قال‪ :‬أل أنبئكم بشر من هذا؟ قممالوا‬
‫بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬من ل يرجى خيره ول يؤمن شره‪ ،‬ثم قال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم‪ :‬إن عيسى عليه السلم قام فممي بنممي إسممرائيل‬
‫فقال يا بني إسرائيل ل تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ول تمنعوها‬
‫أهلها فتظلموهم‪ ،‬وقد قال مرة فتظلموها‪ ،‬ول تكافئوا ظالما بظلم فيبطممل‬
‫فضلكم عند ربكم‪ ،‬يا بني إسرائيل‬

‫]ص ‪[109‬‬
‫المور ثلثة‪ :‬أمر تبين رشده فاتبعوه‪ ،‬وأمر ظهر غيه فاجتنبوه‪ ،‬وأمر اختلف‬
‫فيه فردوه إلى الّله ورسوله‪ .‬وقال بعض الحكماء‪ :‬الزهد في الممدنيا أربعممة‪:‬‬
‫الولى الثقة بالله تعالى فيما وعد من أمر الدنيا وأمممر الخممرة‪ .‬والثانيممة أن‬
‫يكون مدح الخلق وذمهم عنده واحدًا‪ .‬والثالثة الخلص في عمله‪ .‬والرابعممة‬
‫أن يتجاوز عمن ظلمه ول يغضب على ما ملكت يمينه ويكون حليما صممبورا‬
‫وروى عن أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنه أن رجل قال له علمني كلمات‬
‫ينفعني الّله تعالى بهن؟ قال أبو الدرداء أوصيك بكلمات من عمل بهن كان‬
‫ثوابه على الّله عز وجل والممدرجات العلممى‪ :‬ل تأكممل إل ّ طيبمما‪ ،‬واسممأل الل ّممه‬
‫تعالى رزق يوم بيوم‪ ،‬وعد ّ نفسك مممن الممموتى‪ ،‬وهممب عرضممك للممه تعممالى‬
‫فمن شتمك أو أذاك فقل وهبت عرضي للممه تعممالى‪ ،‬وإذا أسممأت فاسممتغفر‬
‫الّله تعالى‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صملى الّلمه عليمه وسملم أنمه قمال " لمما كسمرت‬
‫رباعيته في يوم أحد فشممق ذلممك علممى أصممحابه مشممقة شممديدة فقممالوا يمما‬
‫رسول الّله لو دعوت الّله تعالى على هؤلء الذين صنعوا بك ما ترى‪ ،‬فقال‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم إني لم أبعث لعانا ولكني بعثممت داعيمما ورحمممة‬
‫اللهم أهد قومي فإنهم ل يعلمون" وقال رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم‬
‫"من كف لسانه عن أعراض المسلمين أقال الّله تعالى عثرته يوم القيامة‪،‬‬
‫ومن كف غضبه أقال الّله تعالى غضبه عنه يوم القيامة" وروى عن مجاهممد‬
‫رضي الّله تعالى عنه "أن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم ممّر بقمموم‬
‫يربعون حجرا‪ :‬يعني يرفعون حجرا وينظرون أيهم أقوى‪ ،‬فقال رسول الّلممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم ما هذا؟ قالوا حجر الشداء فقال أل أخبركم بممما هممو‬
‫أشد منه؟ قالوا بلى يا رسول الّله قال‪ :‬الذي يكون بينه وبين أخيممه شممحناء‬
‫فيغلب شيطانه وشيطان صاحبه فيأتيه حتى يكلمه" وفي رواية أخرى "أنممه‬
‫مّر بقوم يرفعون الحجر فقممال أتعرفممون الشممدة برفممع الحجممارة أل أنممبئكم‬
‫بأشد منكم؟ قالوا بلى يا رسول الله‪ ،‬قممال الممذي يمتلممئ غضممبا ثممم يصممبر"‬
‫وذكر عن يحيى بن معاذ أنه قال‪ :‬من دعا على ظممالمه فقممد أحممزن محمممدا‬
‫صلى الّله عليه وسملم فمي النبيماء عليهمم الصملة والسملم‪ ،‬وسمّر اللعيمن‬
‫إبليس في الكفرة والشياطين‪ ،‬ومن عفا عن ظالم فقد أحزن اللعيممن فممي‬
‫الكفممرة والشممياطين وس مّر محمممدا صمملى الل ّممه عليممه وسمملم فممي النبيمماء‬
‫والصالحين صلوات الّله وسمملمه عليهممم أجمعيممن‪ .‬وروى عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ينادي منمماد يمموم القيامممة أيممن الممذين كممانت‬
‫أجورهم على الّله عممز وجممل؟ فيقمموم العممافون عممن النمماس فيممدخلون إلممى‬
‫الجنة‪ ،‬وسئل الحنف بن قيس رحمه الّله تعالى ما النسانية؟ قال التواضع‬
‫في الدولة والعفو عند المقدرة والعطاء بغير منة"‪ .‬وروى عممن عطيممة عممن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "المؤمنون هينون لينون كالجمل‬
‫النف إن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ"‪.‬‬
‫]ص ‪[110‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬عليكم بالصبر عن الغضممب‪ ،‬وإيمماكم‬
‫والعجلة عند الغضب‪ ،‬فإن في العجلة ثلثة أشياء وفي الصبر ثلثممة أشممياء‪،‬‬
‫فأما الثلثة التي في العجلة فأحدها الندامة في نفسه‪ ،‬والثاني الملمة عند‬
‫الناس‪ ،‬والثالث العقوبة عند الّله تعالى‪ .‬وفي الصمبر ثلثمة أشمياء‪ :‬السمرور‬
‫في نفسه‪ ،‬والمحمدة عند الناس‪ ،‬والثواب من الّله تعالى‪ ،‬فإن الحلم يكون‬
‫مّرا في أوله وحلوا في آخره كما قال القائل‪:‬‬
‫والله أعلم‬
‫م‬
‫لكن آخره أحلى من العسل‬
‫الحلم أوله مر مذاقته‬
‫باب حفظ اللسان‬

‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا الفقيممه‬
‫أبو جعفر حدثنا أبو القاسم أحمد بن محمد حممدثنا محمممد بممن سمملمة حممدثنا‬
‫عبد العلى حدثنا يعقوب بن عبد الّله القمي عن الليث عن مجاهد عن أبي‬
‫سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه قال "جاء رجل إلممى النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم فقال يا رسول الّله أوصني؟ قال عليك بتقوى الّله فإنها جممماع‬
‫كل خير‪ ،‬وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلمين" أو قال وعليممك بممذكر الل ّممه‬
‫تعالى وتلوة القرآن فإنه نور لك في الرض وذكر لك في السماء‪ ،‬واخممزن‬
‫لسانك إل ّ من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنممه‪ :‬معنممى قمموله عليممه الصمملة والسمملم‬
‫"عليك بتقوى الّله تعالى" فتقوى الّله أن يجتنب عما نهاه الّله عنممه ويعمممل‬
‫بما أمره الّله تعالى به فإذا فعل ذلك فقد جمع جميممع الخيممر‪ ،‬وقمموله عليممه‬
‫الصلة والسلم "واخزن لسانك" يعني احفظ لسانك إل ّ من خير "يعني قل‬
‫خيرا حتى تغنم" واسكت حتى تسلم فإن السلمة في السكوت‪ ،‬واعلم أن‬
‫النسان ل يغلب الشيطان إل ّ بالسكوت‪ ،‬فينبغي للمسلم أن يكممون حافظمما‬
‫للسانه حتى يكون في حرز من الشيطان ويسمتر الل ّممه عليمه عممورته‪ .‬قممال‪:‬‬
‫حدثنا حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان حدثنا الحسين بن علممي الطوسممي‬
‫حدثنا محمد بن حسان حدثنا إسحق بن سليمان الممرازي عممن المغيممرة بممن‬
‫مسلم عن هشام عن عمر رضي الّله تعالى عنهما قممال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "من لطم عبده كان كفارته عتقه‪ ،‬ومن ملممك لسممانه‬
‫ستر الّله عليه عورته‪ ،‬ومن كظم غيظه وقاه الّله تعالى عذابه‪ ،‬ومن اعتممذر‬
‫إلى ربه قبل الّله معذرته" قال‪ :‬حدثنا محمد بممن الفضممل حممدثنا محمممد بممن‬
‫جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا يزيد بن زريع عن يونس عممن الحسممن‬
‫عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه أن النبي صلى الّله عليممه وسمملم قممال‬
‫"من كان يؤمن بالله واليوم الخر فليكرم جاره وليكرم ضيفه وليقممل خيممرا‬
‫أو ليسكت" قال‪ :‬حدثنا محمممد بممن الفضممل حممدثنا محمممد بممن جعفممر حممدثنا‬
‫إبراهيم حدثنا يعلى قال‪ :‬دخلنا على محمد بن سوقة الزاهد‬
‫]ص ‪[111‬‬
‫فقال أل أحدثكم حديثا لعله ينفعكم فإنه قد نفعني؟ قال‪ :‬قال لنا عطاء بن‬
‫أبي رباح يا ابن أخي إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلم وكممانوا‬
‫يعدون كل كلم فضممول ممما عممدا كتمماب الل ّممه تعممالى أن يقممرأه أحممد أو أمممرا‬
‫بالمعروف أو نهيا عن المنكر أو تنطق بحاجتك في معيشتك الممتي لبممد لممك‬
‫ن‪ .‬ك َِراممما ً َ‬
‫ن{‬
‫حافِ ِ‬
‫م لَ َ‬
‫منها‪ ،‬ثم قال‪ :‬أتنكرون قوله تعالى }وَإ ِ ّ‬
‫ن ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫كممات ِِبي َ‬
‫ظي َ‬
‫ف ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫د{‬
‫ظ ِ‬
‫ما ي َل ْ ِ‬
‫ن الي َ ِ‬
‫ب ع َِتي م ٌ‬
‫ل إ ِّل ل َد َي ْهِ َرِقيمم ٌ‬
‫ل قَِعي ٌ‬
‫د‪َ .‬‬
‫ش َ‬
‫ن قَوْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ما ِ‬
‫ن وَع َ ْ‬
‫و}ع َ ْ‬
‫مي ِ‬
‫أو ما يستحبي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملهمما صممدر نهمماره‬
‫وأكثر ما فيها ليس عن أمر دينه ول دنياه‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبي رحمه الّله تعالى‬
‫بإسناده عن أنس بن مالك قال قال رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‪:‬‬
‫"أربع ل تصير إل ّ في مؤمن‪ :‬الصمت وهو أول العبادة‪ ،‬والتواضع‪ ،‬وذكر الّله‬
‫تعالى‪ ،‬وقلة الشر" وذكر عن عيسى ابن مريم عليه الصمملة والسمملم بهممذا‬
‫اللفظ‪ .‬روى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنممه عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "من حسن إسلم المرء تركه ما ل يعنيه" وذكر عممن لقمممان‬
‫الحكيم أنه قيل له ما بلغ بك ما نرى؟ قال‪ :‬صممدق الحممديث‪ ،‬وأداء المانممة‪،‬‬
‫وتركي ما ل يعنيني‪ .‬وروى عن أبي بكممر ابممن عيمماش أنممه قممال‪ :‬أربعممة مممن‬
‫الملوك تكلم كل واحد منهم بكلمة كأنها رمية رميت من قوس واحدة‪ :‬قال‬
‫كسرى ل أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قلت‪ ،‬وقممال ملممك الصممين‬
‫ما لم أتكلم بالكلمة فأنا أملكها فإن تكلمت بها ملكتني‪ ،‬وقال قيصممر ملممك‬
‫الروم أنا على رد ّ ما لم أقل أقدر مني على رد ّ ما قلت‪ ،‬وروى عممن الربيممع‬
‫بن خيثم أنه كان إذا أصبح وضع قرطاسمما وقلممما ول يتكلممم بشمميء إل ّ كتبممه‬
‫وحفظه ثم يحاسب نفسه عند المساء‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬هكذا كان عمممل الزهمماد إنهممم كممانوا‬
‫يتكلمممون لحفممظ اللسممان ويحاسممبون أنفسممهم فممي الممدنيا‪ ،‬وهكممذا ينبغممي‬
‫للمسلم أن يحاسممب نفسمه فممي الممدنيا قبممل أن يحاسممب فممي الخممرة‪ ،‬لن‬
‫حساب الدنيا أيسر من حساب الخرة‪ ،‬وحفظ اللسان في الدنيا أيسر مممن‬
‫ندامة الخرة‪ .‬وروى عن إبراهيم التيمي أنه قال‪ :‬حدثني من صحب الربيممع‬
‫بن خيثم عشرين سنة فما سمممع منممه كلمممة يعمماب بهمما‪ ،‬وقممال موسممى بممن‬
‫ي رضممي الل ّممه تعممالى عنهممما‪ :‬يعنممي قتممل‪،‬‬
‫سعيد لما أصيب الحسين بن عل م ّ‬
‫فقال رجل من أصحاب الربيع إن تكلم الربيع فاليوم يتكلم‪ ،‬فجاء حتى فتح‬
‫الباب وأخبره بأن الحسين قد قتل فنظر إلى السممماء فقممال‪ :‬اللهممم فمماطر‬
‫السموات والرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيممما كممانوا‬
‫فيه يختلفون ولم يزد على ذلك شيئًا‪ .‬قال حكيم من الحكماء‪ ،‬ست خصممال‬
‫ن الجاهل‪ .‬أحدهما الغضب في غير شيء‪ :‬يعني غضممب علممى ابممن‬
‫يعرف به ّ‬
‫آدم وعلى‬
‫]ص ‪[112‬‬
‫الحيوان وعلى كل شمميء يسممتقبله منممع مكممروه فهممذا مممن علمممة الجهممل‪،‬‬
‫والثاني الكلم في غير نفع‪ ،‬فينبغي للعاقممل أن ل يتكلممم بكلم ل فممائدة لممه‬
‫فيه‪ ،‬وينبغمي لمه أن يتكلممم بكممل كلم فيممه منفعمة فممي أمممر دنيماه وآخرتمه‪،‬‬
‫والثالث العطية في غير موضع‪ :‬يعني يدفع ماله إلمى ممن ل يكمون لمه فمي‬
‫ذلك أجر وهو علمة الجهل‪ ،‬والرابع إفشاء السر عنمد كمل أحمد‪ ،‬والخمامس‬
‫الثقة بكممل إنسممان‪ ،‬والسممادس أن ل يعممرف صممديقه مممن عممدّوه‪ :‬يعنممي أن‬
‫الرجل ينبغي له أن يعرف صممديقه فيطيعممه ويعممرف عممدّوه فيحممذره‪ ،‬وأّول‬
‫العداء هو الشيطان فينبغممي أن ل يطيعممه فيممما يمأمره‪ .‬وعممن عيسممى ابمن‬
‫مريم عليه الصلة والسلم أنه قال‪ :‬كل كلم ليممس بممذكر الل ّممه تعممالى فهممو‬
‫لغو‪ ،‬وكل سكوت ليس بفكر فهو غفلة‪ ،‬وكل نظير ليممس بعممبرة فهممو لهممو‪،‬‬
‫فطوبى لمن كان كلمه ذكرا ً لله تعالى وسكوته تفكرا ونظرة وعبرة‪ .‬وذكر‬
‫عن الوزاعي أنه قال‪ :‬المؤمن يق م ّ‬
‫ل الكلم ويكممثر العمممل‪ ،‬والمنممافق يكممثر‬
‫الكلم ويقل العمل‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "خمس ل تكون في‬
‫المنافق‪ :‬الفقه في الدين‪ ،‬والورع باللسان‪ ،‬والتبسم في الوجه‪ ،‬والنور في‬
‫القلب‪ ،‬والمودة في المسلمين" قال يحيى بن أكثم ما صمملح منطممق رجممل‬
‫إل ّ عرف ذلك في سائر عمله‪ ،‬ول فسممد منطممق رجممل إل ّ عممرف ذلممك فممي‬
‫سائر عمله‪ .‬وذكر عن لقمان الحكيم أنممه قممال لبنممه‪ :‬يمما بنممي مممن يصممحب‬
‫صاحب السوء لم يسلم‪ ،‬ومممن يممدخل مممدخل السمموء يتهممم‪ ،‬ومممن ل يملممك‬
‫لسانه يندم‪ .‬وعن سنة رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "طمموبى‬
‫لمن ملك لسانه‪ ،‬ووسعه بيته‪ ،‬وبكى على خطيئة" قمال‪ :‬حمدثنا أبمي رحممه‬
‫الّله تعالى بإسناده عن الحسن البصري أنه قممال‪ :‬كممانوا يقولممون إن لسممان‬
‫الحكيم من وراء قلبه فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبممه فممإن كممان لممه قممال‬
‫وإن كان عليه أمسك‪ ،‬وإن الجاهل قلبممه علممى طممرف لسممانه ل يرجممع إلممى‬
‫قلبه ما أتى على لسانه تكلم‪ .‬قال حدثني أبي رحمه الّله بإسناده عن أبممي‬
‫ذر الغفاري أنه قال "قلت يا رسول الّله ما كان في صممحف إبراهيممم؟ قممال‬
‫كان فيها أمثال وعبر‪ :‬ينبغي للعاقل ما لم يكن مغلوبا فممي عقلممه أن يكممون‬
‫حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبل على شانه‪ ،‬فممإنه مممن حسممب كلمممه مممن‬
‫عمله ق ّ‬
‫ل كلمه إل ّ فيما يعنيه قال‪ :‬حدثنا الفقيه أبو جعفر بإسناده عن أبممي‬
‫ي بن أبي طالب رضي الّله تعالى عنممه‬
‫اسحق الهمذاني عن الحرث عن عل ّ‬
‫قال‪ :‬سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يقول "ينبغممي للعاقممل أن ل‬
‫يكون شاخصا إل ّ في ثلث‪ :‬مرمة لمعاشه‪ ،‬أو خلوة لمعاده‪ ،‬أو لذة في غير‬
‫محرم" وقال "ينبغي للعاقل أن يكون له فممي النهممار أربمع سمماعات‪ :‬سمماعة‬
‫يناجي فيها ربه‪ ،‬وساعة يحاسب فيها نفسه‪ ،‬وساعة يأتي فيهمما أهممل العلممم‬

‫الذين يبصرونه بأمر دينه ودنياه وينصحونه‪ ،‬وساعة يخلى بين نفسه ولذاتها‬
‫فيما يح ّ‬
‫ل ويجمل" وقال "ينبغي للعاقل أن ينظر فممي شممأنه‪ :‬ويعممرف أهممل‬
‫زمانه‪ ،‬ويحفظ فرجه ولسانه"‪.‬‬
‫]ص ‪[113‬‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الله تعالى عنه‪ :‬وذكر إن هذه الكلمات مكتوبممة فممي‬
‫حكمة آل داود عليه السلم‪ .‬وروي عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه‬
‫إن لقمان الحكيم دخل على داود النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم وكممان داود‬
‫يسرد الدرع‪ ،‬فجعل يتعجممب مممما يممرى فممأراد أن يسممأله عممن ذلممك فمنعتممه‬
‫حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله‪ ،‬فلما فرغ قام داود عليممه السمملم فلبممس‬
‫الدرع ثم قال‪ :‬نعم الدرع للحرب ونعم عامله‪ ،‬فقال لقمان‪ :‬الصمت حكمة‬
‫وقليل فاعله‪.‬‬
‫قال القائل‪:‬‬
‫النطق زين والسكوت سلمة فإذا نطقت فل تكن مكثارا‬
‫ما إن ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلم مرارا‬
‫وفي موضع‪ :‬أنه كان يختلف إليه سنة ويريد أن يسأله فلما فرغ منه لبسه‪،‬‬
‫وقال ما أحسن هذا المدرع للحمرب‪ ،‬فقمال لقممان‪ :‬الصممت حكممة وقليمل‬
‫فاعله‪ ،‬هذا من كتاب التنبيه‪ .‬وأما ما بعده من البيات فليست من الكتمماب‪.‬‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل‬
‫ولخر‪:‬‬
‫ن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون‬
‫ل تنطق ّ‬
‫ولحميد بن عباس‪:‬‬
‫لعمرك ما شيء علمت مكانه أحقّ بسجن من لسان مذلل‬
‫على فيك مما ليس يعنيك شأنه بقفل وثيق حيث كنت فأقفل‬
‫ب كلم قد جرى من ممازح فساق إليه سهم حتف معجل‬
‫فر ّ‬
‫والصمت خير من كلم ممازح فكن صامتا تسلم وإن قلت فاعدل‬
‫ولتك في جنب الخلء مفرطا وإن كنت أبغضت البغيض فأجمل‬
‫فإنك ل تدري متى أنت مبغض حبيبك أو تهوى بغيضك فاعقل‬
‫)قال بعض الحكماء( في الصمت سبعة آلف خير‪ ،‬وقد اجتمع ذلممك كلممه‬
‫في سبع كلمات في كل كلمة منها ألف‪ :‬أولها أن الصممت عبمادة ممن غيمر‬
‫ي‪ ،‬والثالث هيبممة مممن غيممر سمملطان‪ ،‬والرابممع‬
‫عناء‪ ،‬والثاني زينة من غير حل ّ‬
‫حصن من غير حائط‪ ،‬والخامس الستغناء عن العتذار إلى أحد‪ ،‬والسادس‬
‫راحة الكرام الكاتبين‪ ،‬والسممابع سممتر لعيمموبه‪ .‬ويقممال الصمممت زيممن للعممالم‬
‫وستر للجاهل‪.‬‬
‫)قال بعض الحكماء( إن جسد ابممن آدم ثلثممة أجممزاء‪ :‬فجممزء منهمما قلبممه‪،‬‬
‫والثاني لسانه‪ ،‬والثالث الجوارح‪ ،‬وقد أكرم الل ّممه تعممالى كممل جممزء بكرامممة‪:‬‬
‫فأكرم القلب بمعرفته وتوحيده‪ :‬وأكرم اللسممان بشممهادة أن ل إلممه إل ّ الل ّممه‬
‫وتلوة كتابه‪ ،‬وأكرم الجوارح بالصلة والصوم وسائر الطاعات‪ ،‬ووكل علممى‬
‫كل جزء رقيبا وحفيظا‪ :‬فتولى حفظ القلب بنفسه فل يعلم‬
‫]ص ‪[114‬‬
‫ممما‬
‫ما في ضمير العبد إل ّ الله‪ ،‬ووكل على لسانه الحفظة قال الّله تعالى } َ‬
‫ف ُ‬
‫د{ وسلط على الجوارج المر والنهي‪ ،‬ثم‬
‫ظ ِ‬
‫ي َل ْ ِ‬
‫ب ع َِتي ٌ‬
‫ل إ ِّل ل َد َي ْهِ َرِقي ٌ‬
‫ن قَوْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫إنه يريد من كممل جممزء وفمماء‪ :‬فوفمماء القلممب أن يثبممت علممى اليمممان وأن ل‬
‫يحسد ول يخون ول يمكر‪ ،‬ووفاء اللسان أن ل يغتمماب ول يكممذب ول يكممذب‬
‫ول يتكلم بما ل يعنيه‪ ،‬ووفاء الجوارح أن ل يعصي الّله تعالى ول يؤذي أحدا‬
‫من المسلمين‪ ،‬فمن وقع من القلب فهو منافق‪ ،‬ومن وقع من اللسان فهو‬
‫كافر‪ ،‬ومن وقع من الجوارح فهو عاص‪ .‬وعن الحسن قال‪ :‬نظممر عمممر بممن‬

‫الخطاب رضي الّله تعالى عنه إلممى شمماب فقممال يمما شمماب‪ :‬إن وقيممت شممر‬
‫ثلث فقد وقيت شر الشباب‪ :‬إن وقيت شر لقلقك يعنممي لسممانك‪ ،‬وذبممذبك‬
‫يعني فرجك‪ ،‬وقبقبك يعني بطنك‪ .‬وذكر أن لقمان الحكيم كان عبدا حبشمميا‬
‫فأول ما ظهر من حكمته أنه قال له ممموله‪ :‬يمما غلم اذبممح لنمما هممذه الشمماة‬
‫وائتني بأطيب مضغتين منها‪ ،‬فجاء بالقلب واللسان‪ ،‬ثممم قممال مممرة أخممرى‪:‬‬
‫اذبح لنا هذه الشماة وائت بممأخبث مضممغتين منهمما‪ ،‬فأتمماه باللسممان والقلممب‪،‬‬
‫فسأله عن ذلك فقال ليس في الجسد مضغتان أطيب منهممما إذا طابمما‪ ،‬ول‬
‫أخبث منهما إذا خبثا‪ .‬وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫"لما بعث معاذا إلى اليمن فقال يا نممبي الل ّممه أوصممني؟ فأشممار إلممى لسممانه‬
‫يعني عليك بحفظ اللسان‪ ،‬فكأنه تهاون به‪ ،‬فقال يا نبي الّله أوصني؟ قممال‬
‫ثكلتك أمك‪ ،‬وهل يكمب النماس فمي نمار جهنمم إل ّ حصمائد ألسمنتهم" وقمال‬
‫الحسن البصري رحمه الّله تعالى‪ :‬من كثر كلمممه كممثر سممقطه‪ ،‬ومممن كممثر‬
‫ماله كثر إثمه‪ ،‬ومن ساء خلقه عذب نفسه‪ .‬وروى عن سفيان الثمموري أنممه‬
‫ي أن أرميه بلساني لن رمي اللسممان ل‬
‫قال‪ :‬لن أرمي رجل ً بسهم أحب إل ّ‬
‫يخطئ ورمي السهم قد يخطئ‪ .‬وروي عن أبي سعيد الخممدري رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أنه قال‪ :‬إذا أصبح ابن آدم سألت العضاء كلها اللسان وقلممن يمما‬
‫لسان ننشدك الّله أن تسممتقيم فممإنه إن اسممتقمت اسممتقمنا وإن اعمموججت‬
‫اعوججنا‪ ..‬وروى عن أبي ذر الغفاري رضي الّله تعممالى عنممه أنممه قممام عنممد‬
‫الكعبة فقال‪ :‬أل من عرفني فقد عرفني‪ ،‬ومن لم يعرفني فأنمما جنممدب بممن‬
‫جنادة الغفاري "أبو ذر" هلموا إلى أخ ناصح شفيق عليكممم فمماجتمع النمماس‬
‫حوله فقال يا أيها الناس‪ :‬من أراد منكم سممفرا مممن أسممفار الممدنيا ل يفعممل‬
‫ذلك إل ّ بزاد فكيف من يريد سفر الخرة بل زاد؟‪ ،‬قالوا وما زادنا يا أبمما ذر؟‬
‫قال صلة ركعتين في سواد الليل لوحشممة القبممور‪ ،‬وصموم فممي حمّر شممديد‬
‫ليوم النشور‪ ،‬وصدقة على المساكين لعلكم تنجون من عذاب يوم عسممير‪،‬‬
‫وحج لعظممائم المممور‪ ،‬واجعلمموا الممدنيا مجلسممين مجلسمما فممي طلممب الممدنيا‬
‫ومجلسا في طلب الخرة‪ ،‬والثالث يضر ول ينفممع‪ ،‬واجعلمموا الكلم كلمممتين‪:‬‬
‫كلمة نافعة في أمر دنياكم وكلمة باقية في أمممر آخرتكممم‪ ،‬الثالثممة يضممر ول‬
‫ينفع‪ ،‬واجعلمموا المممال درهميممن‪ :‬درهمما ً أنفقممه علممى عيالممك ودرهمما ً قممدمه‬
‫لنفسك والثالث يضر ول ينفع‪ ،‬ثم قال‬
‫]ص ‪[115‬‬
‫أَّوه قتلتني هم يوم ل أدركه‪ ،‬قيل‪ :‬وما ذاك‪ :‬قال إن أملي قممد جمماوز أجلممي‬
‫فقعدت عن عمل‪ .‬وذكر عن عيسى بممن مريممم عليممه الصمملة والسمملم أنممه‬
‫قال‪ :‬ل تكثروا الكلم في غير ذكر الّله فتقسمموا قلمموبكم‪ ،‬والقلممب القاسممي‬
‫بعيد من الّله ولكن ل تعلمون‪.‬‬
‫)قال بعض الصحابة( إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا‬
‫في رزقك فاعلم أنك قد تكلمت بما ل يعنيك‪ ،‬والله الموفق‪..‬‬
‫باب الحرص وطول المل‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيممم بممن يوسممف حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل الضبي عن حصيل عن سالم ابن أبي الجعممد أن أبمما الممدرداء رضممي‬
‫الّله تعالى عنه قال‪ :‬ما لي أرى علمائكم يذهبون وأرى جهالكم ل يتعلمون‪،‬‬
‫تعلموا قبل أن يرفع العلم بذهاب العلماء‪ ،‬مالي أراكممم تحرصممون علممى ممما‬
‫تكفل الّله لكم به وتضيعون ما وكلتم إليه‪ ،‬لنا أعلم بشراركم مممن البيطممار‬
‫في الحيل هم الذين ل يؤدون الزكاة إل ّ غرما ول يأتون الصمملة إل ّ دبممرا ول‬
‫يسمممعون القممرآن إل ّ هجممرا يعنممي الممترك والعممراض عنممه‪ ،‬ول يعتقممون‬
‫محرريهم‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬الحرص على وجهين حرص مممذموم‬
‫وحرص غير مذموم وتركه أفضل‪ ،‬فأما الحرص الممذي هممو مممذموم فهممو أن‬
‫يشغله عن أداء أوامر الّله تعالى أو يريد جمع المال للتكاثر والتفاخر‪ ،‬وأممما‬
‫الذي هو غير مذموم فهو أن ل يترك شيئا ً من أوامر الّله تعالى ل يحل جمع‬
‫المال ول يريد به التفاخر فهذا غير مذموم لن أصحاب رسممول الل ّممه صمملى‬
‫الّله عليه وسلم كان بعضهم يجمع المال ولم ينكر عليهم رسول الّله صملى‬
‫الّله عليه وسلم وبين أن تركه أفضل‪ .‬وقد بين أبو الدرداء رضي الّله تعالى‬
‫عنه في هذا الخبر أن الحرص مذموم إذا ضيع أوامر الل ّممه تعممالى لنممه قممال‬
‫وتحرصون على ما تكفل الل ّممه لكممم بممه‪ :‬يعنممي أرزاقكممم‪ ،‬فتحرصممون علممى‬
‫طلبهمما وتضمميعون ممما وكلتممم إليممه‪ :‬يعنممي أمممر الطاعممة‪ .‬قمموله‪ :‬ول يعتقممون‬
‫محرريهم‪ :‬يعني بحرصهم يستعملون الحرار كممما يسممتعملون العبيممد‪ .‬قممال‬
‫حدثنا أبو الحسين أحمد بن حمدان حدثنا الحسين بن علي الطوسي حممدثنا‬
‫علي بن أبي حرب الموصلي حدثنا محمد بن بشممر عممن إسمممعيل بممن أبممي‬
‫خالد عن أخيه عن مصعب بن سعد عن حفصة بنت عمممر قممالت لبيهمما‪ :‬إن‬
‫الّله قد أكثر لك من الخير ووسع لك من الرزق‪ ،‬فلممو أكلممت طعاممما أطيممب‬
‫من طعامك ولبست ثوبا ألين من ثوبك؟ قال سأحاكمك إلممى نفسممك‪ ،‬ولممم‬
‫يزل يذكرها ما كان فيه سنة رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وكانت فيممه‬
‫حتى أبكاها‪ ،‬ثم قال‪ :‬إنه كان لي صاحبان سلكا طريقا فإن سمملكت طريقمما‬
‫سلك بي طريق غير طريقهما‪ ،‬وإني والله سأصبر على‬
‫غير طريقهما ُ‬
‫]ص ‪[116‬‬
‫ي‪ .‬قال‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرخ ّ‬
‫الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيممم بممن يوسممف حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل عن مجاهد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قمال‪ :‬قلمت لعائشمة‬
‫رضي الّله تعالى عنها‪ :‬يا أماه ما أكثر ما كان يقول رسول الّله صمملى الّلممه‬
‫عليه وسلم إذا دخل البيت؟ قالت أكثر ما سمعته يقول إذا دخل البيت "لممو‬
‫أن لبن آدم واديين من ذهب لتمنى إليهما ثالثمما ول يمل جمموف ابممن آدم إل ّ‬
‫التراب ويتوب الّله على من تاب وإنما جعل الّله تعالى هذا المال ليقام بممه‬
‫الصلة ويؤتى به الزكاة" وروى عن قتادة عن أنممس بممن مالممك رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قممال "يهممرم مممن ابممن‬
‫ي بن‬
‫آدم كل شيء إل ّ اثنتان‪ :‬الحرص والمل" وروى عن أمير المؤمنين عل ّ‬
‫أبي طالب رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬أخمموف ممما أخمماف عليكممم ثنتممان‪:‬‬
‫طول المل واتباع الهوى‪ ،‬وإن طممول المممل ينسممي الخممرة‪ ،‬واتبمماع الهمموى‬
‫يصد ّ عن الحق‪ .‬وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "أنمما‬
‫ب على الدنيا والحريص عليها والشحيح بها‪ :‬بفقر ل‬
‫زعيم لثلثة بثلثة‪ ،‬للمك ّ‬
‫م ل فممرج معممه" وروى عممن أبممي الممدرداء‬
‫غنى بعده وشغل ل فراغ منه وه م ّ‬
‫رضي الّله تعالى عنه أنه أشممرف علممى أهممل حمممص فقممال‪ :‬أل تسممتحيون؟‬
‫تبنون ما ل تسكنون‪ ،‬وتأملون ممما ل تممدركون‪ ،‬وتجمعممون ممما ل تممأكلون‪ ،‬إن‬
‫الممذين كممانوا قبلكممم بنمموا مشمميدا وجمعمموا كممثيرا ً وأملمموا بعيممدا‪ ،‬فأصممبحت‬
‫مساكنهم قبورا وآمالهم غرورا وجمعهم بورا‪ .‬وروى علممي بممن أبممي طممالب‬
‫رضي الّله تعالى عنه أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الّله تعممالى عنممه‪ :‬إذا‬
‫أردت أن تلقى صاحبك فارقع قميصك‪ ،‬واخصف نعلك‪ ،‬وأقصر أملك‪ ،‬وكممل‬
‫دون الشبع‪ .‬وروى عن أبي عثمان الهندي أنه قال‪ :‬رأيت على عمر قميصمما‬
‫فيه اثنتا عشرة رقعة وهو علمى المنمبر يخطمب‪ .‬وروى عمن علمي بمن أبممي‬
‫طالب كرم الّله وجهه أنه دخممل السمموق عليممه ثيمماب غليظممة غيممر مغسممولة‬
‫فقيل يا أمير المؤمنين‪ :‬لو لبست ألين مممن هممذا؟ قممال هممذا أخشممع للقلممب‬
‫وأشبه بشعار الصالحين وأحسن للمؤمن لن يقتدى بممه‪ .‬وروى عممن أبممي ذر‬
‫رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬إني لعرف بالناس من البيطار بالدواب‪ ،‬أما‬
‫خيارهم فالزاهدون في الدنيا‪ ،‬وأما شرارهم فمن أخذ مممن الممدنيا فمموق ممما‬

‫يكفيه‪ .‬وقال بعض الحكماء‪ :‬أمهات الخطايا ثلثة أشممياء‪ :‬الحسممد والحممرص‬
‫والكبر‪ ،‬فأما الكبر فكان أصله من إبليس حين تكبر وأبى أن يسممجد فلعممن‪،‬‬
‫وأما الحرص فكان أصله من آدم عليه السلم حيث قيل له الجنة كلها مباح‬
‫لك إل ّ هذه الشجرة فحمله الحرص على أكلها حتى سممقط منهمما‪ ،‬والحسممد‬
‫أصله من قابيل بن آدم حين قتل أخاه هابيل فصار كافرا ومأواه النار أبممدا‪.‬‬
‫وذكر في الخبر أن آدم عليه الصلة والسلم أوصى ابنه شيئا عليممه الصمملة‬
‫والسلم بخمسة أشياء‪ ،‬وأمره أن يوصي بها أولده من بعده أّولها قال لممه‪:‬‬
‫قل لولدك ل تطمئنوا‬
‫]ص ‪[117‬‬
‫بالدنيا فإني اطمأننت بالجنة الباقية فلم يممرض الل ّممه منممي وأخرجنممي منهمما‪،‬‬
‫والثاني قل لهم ل تعملوا بهوى نسائكم فإني عملت بهمموى امرأتممي وأكلممت‬
‫من الشجرة فلحقتني الندامة‪ ،‬والثالث‪ :‬قل لهم كل عمل تريدونه فانظروا‬
‫عاقبته فإني لممو نظممرت عاقبممة المممر لممم يصممبني ممما أصممابني‪ ،‬والرابممع إذا‬
‫اضطربت قلوبكم بشيء فاجتنبوه فإني حين أكلت من الشممجرة اضممطرب‬
‫قلبي فلم ارجع فلحقني الندم‪ ،‬والخامس استشمميروا فممي المممور فممإني لممو‬
‫شاورت الملئكة لم يصبني ما أصابني‪ .‬وروى عن شقيق البلخي رحمة الّله‬
‫تعالى أنه قال‪ :‬أخرجت من أربعة آلف حديث أربعمممائة حممديث‪ ،‬وأخرجممت‬
‫من أربعمممائة حممديث أربعيممن حممديثا‪ ،‬وأخرجممت مممن الربعيممن حممديثا أربعممة‬
‫أحاديث‪ :‬أولها "ل تعقد قلبك مع المرأة فإنها اليمموم لممك وغممدا لغيممرك فممإن‬
‫أطلعتها أدخلتك النار"‪ ،‬والثاني‪" :‬ل تعقد قلبك مع المال فإن المممال عاريممة‬
‫اليوم لك وغدا لغيرك فل تتعب نفسك بما لغيرك فإن المهنأ لغيرك والمموزر‬
‫عليك‪ ،‬وإنك إذا عقدت قلبك بالمال منعته من حق الّله تعممالى ودخممل فيممك‬
‫خشية الفقر وأطعت الشيطان" والثالث‪" :‬اترك ما حاك فممي صممدرك فممإن‬
‫قلب المؤمن بمنزلة الشمماهد يضممطرب عنممد الشممبهة ويهممرب مممن الحممرام‬
‫ويسكن عند الحلل" والرابممع‪" :‬ل تعمممل شمميئا ً حممتى تحكممم الجابممة" وروى‬
‫مجاهد عن عبد الّله بن عمر أن رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‬
‫"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل‪ ،‬وع مد ّ نفسممك مممن أهممل القبممور"‬
‫دث نفسممك‬
‫وقال مجاهد‪ :‬قال لي عبد الل ّممه بممن عمممر‪" :‬إذا أصممبحت فل تحم ّ‬
‫بالمساء‪ ،‬وإذا أمسمميت فل تحممدث نفسممك بالصممباح‪ ،‬وخممذ مممن حياتممك قبممل‬
‫موتك‪ ،‬ومن صحتك قبل سقمك‪ ،‬فإنك ل تدري ما اسمك غدا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬من قصر أمله أكرمه الّله تعالى بأربع‬
‫ويه على طمماعته لن العبممد إذا علممم أنممه يممموت عممن‬
‫كرامات‪ :‬إحداها أن يق ّ‬
‫قريب ل يهتم بما يستقبله من المكروه‪ ،‬ويجتهد في الطاعات فيكثر عمله‪،‬‬
‫والثاني يقل همومه لنه إذا علم أنه يموت عن قريب ل يهتمم بمما يسمتقبله‬
‫من المكروه‪ ،‬والثالث يجعله راضمميا ً بالقليممل لنممه إذا علممم أنممه يممموت عممن‬
‫ور‬
‫قريب فإنه ل يطلب الكثرة وإنما يكون همممه ه م ّ‬
‫م آخرتممه‪ ،‬والرابممع أن ين م ّ‬
‫قلبه لنه يقال نور القلب من أربعة أشياء‪ :‬أّولها بطن جائع‪ ،‬والثاني صاحب‬
‫صالح‪ ،‬والثالث حفظ الذنب القديم‪ ،‬والرابع قصر المل‪ ،‬فإن من طال أمله‬
‫عاقبه الّله تعالى بأربعة أشياء‪ :‬أّولها أن يتكاسل عن الطاعات‪ ،‬والثمماني أن‬
‫تكثر همومه في الدنيا‪ ،‬والثالث أن يصير حريصا على جمع المممال‪ ،‬والرابممع‬
‫أن يقسو قلبه‪ ،‬لنه يقال قسوة القلب من أربعة أشياء‪ :‬أولها بطن ممتلئ‪،‬‬
‫والثاني صحبة صاحب السمموء‪ ،‬والثممالث نسمميان الممذنوب الماضممية‪ ،‬والرابممع‬
‫طول المل‪ ،‬فينبغي للمسلم ا يقصر أمله فإنه ل يدري في أي نفس‬
‫]ص ‪[118‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫ممما ت َمد ِْري ن َ ْ‬
‫يموت‪ ،‬وفي أي قدم يموت قال اللممه تعممالى }وَ َ‬
‫فم ٌ‬
‫س ب ِمأيّ أْر ٍ‬
‫ت{‪ .‬قال بعض المفسرين‪ :‬بأي قدم يموت‪ ،‬وفي آية أخرى }إ ِن ّ َ‬
‫ت‬
‫مي ّم ٌ‬
‫ك َ‬
‫مو ُ‬
‫تَ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن{ وقممال تعممالى }فَ مإ ِ َ‬
‫ة وََل‬
‫سمماع َ ً‬
‫س مت َأ ِ‬
‫خُرو َ‬
‫جمماَء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫مي ّت ُممو َ‬
‫ن َ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫جل ُهُ م ْ‬
‫م َ‬
‫وَإ ِن ّهُ م ْ‬

‫ن{ فينبغي للمسلم أن يكثر ذكر الموت فإنه ل غنية للمؤمن عممن‬
‫ست َ ْ‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫قد ِ ُ‬
‫ست خصال‪ :‬أّولها علم يدله على الخرة‪ ،‬والثاني رفيق يعينممه علممى طاعممة‬
‫الّله تعالى ويمنعه عن معصيته‪ ،‬والثالث معرفة عدّوه والحذر منممه‪ ،‬والرابممع‬
‫عبرة يعتبر بها في آيات الّله تعالى وفي اختلف الليممل والنهممار‪ ،‬والخممامس‬
‫إنصاف الخلق كيل يكون له يوم القيامة خصم‪ ،‬والسادس الستعداد للموت‬
‫قبل نزوله لكيل يكون مفتضحا يوم القيامة‪ .‬قال‪ :‬وحدثنا محمد بن الفضممل‬
‫بإسناده عن الحسن البصري أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال لصممحابه‬
‫"أيريد كلكم أن يدخل الجنة؟ قالوا نعم جعلنا الّله تعالى فممداءك يمما رسممول‬
‫الله‪ ،‬قال قصروا المل واستحيوا من الّله تعالى حق الحياء‪ ،‬قالوا يا رسول‬
‫الّله كلنا نستحي من الّله تعالى‪ ،‬قال ليس ذلك بالحيمماء ولكممن الحيمماء مممن‬
‫الّله تعالى أن تذكروا المقابر والبلى‪ ،‬وتحفظوا الجوف وما وعى‪ ،‬والممرأس‬
‫وما حوى‪ ،‬ومن يشتهي كرامة الخرة يدع زينة الدنيا‪ ،‬فهنالك يستحي العبد‬
‫من الّلمه تعمالى حمق الحيماء" وبهما يصميب وليمة الّلمه تعمالى‪ .‬وروى حميمد‬
‫م‬
‫الطويل عن العجلي قال‪" :‬قرأ رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم }الهَمماك ُ ْ‬
‫الت ّ َ‬
‫قاب َِر{ فقال‪ :‬يقول ابن آدم مالي مالي وهل لممك مممن‬
‫م َ‬
‫كاث ُُر‪َ .‬‬
‫م ال َ‬
‫حّتى ُزْرت ُ ْ‬
‫مالك إل ّ ممما أكلممت فممأفنيت أو لبسممت فممأبليت أو تصممدقت فممأبقيت" وقممال‬
‫الحسن البصري رحمه الل ّممه تعممالى‪ :‬مكتمموب فممي التمموراة خمسممة أحممرف‪:‬‬
‫الغنية في القناعة‪ ،‬والسلمة فممي العزلممة‪ ،‬والحريممة فممي رفممض الشممهوات‪،‬‬
‫والمحبة في ترك الرغبة‪ ،‬والتمتع في أيام طويلممة بالصممبر فممي أيممام قليلممة‪.‬‬
‫وروى عن عروة بن الزبير عممن عائشممة رضممي الل ّممه تعممالى عنهمما أن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬يا عائشة إن أردت اللحمموق بممي فليكفممك مممن‬
‫الممدنيا كممزاد الراكممب‪ ،‬وإيمماك ومجالسممة الغنيمماء‪ ،‬ول تسممتخلقي ثوبما ً حممتى‬
‫ترقعيه" وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬اللهممم مممن‬
‫أحبني فارزقه العفاف والكفاف‪ ،‬وممن أبغضمني فمأكثر مماله وولمده" قمال‪:‬‬
‫وحدثني الفقيه بإسناده عن الحسن بن علي قال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه صمملى‬
‫م والحزن في الدنيا يريح القلب‬
‫الّله عليه وسلم "الرغبة في الدنيا تكثر اله ّ‬
‫والبدن‪ ،‬وما الفقر أخاف عليكم الغنى أن تبسممط لكممم الممدنيا كممما بسممطت‬
‫لمن كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" وروى عن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "صلح أّول هذه المة بالزهممد واليقيممن‬
‫وهلك آخر هذه المة بالبخل والمل"‪.‬‬
‫]ص ‪[119‬‬

‫باب فضائل الفقراء‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي‪ :‬حدثنا أحمد أبو بكر الجرجاني حدثنا‬
‫بن عبد الّله عن سالم بن أبي سالم عن خارجمة بمن مصمعب عمن زيمد بمن‬
‫أسلم عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه قال "بعث الّله الفقراء إلممى‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم رسول فقال يا رسول الل ّممه‪ :‬إنممي رسممول‬
‫الفقراء إليك‪ ،‬فقال مرحبا بك وبمن جئت من عنممدهم جئت مممن عنممد قمموم‬
‫أحبهم الله‪ ،‬قال يا رسول الّله يقول الفقراء‪ :‬إن الغنياء قممد ذهبمموا بممالخير‬
‫كله هم يحجون ول نقدر عليه ويتصممدقون ول نقمدر عليمه إذا مرضموا بعثمموا‬
‫بفضل أموالهم ذخرا‪ ،‬فقال رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم بلممغ عنممي‬
‫الفقراء أن من صبر منكم واحتسب فلممه ثلث خصممال ليممس للغنيمماء منهمما‬
‫شيء‪ ،‬أما الخصلة الواحدة أن في الجنممة غرفممة مممن ياقوتممة حمممراء ينظممر‬
‫إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الدنيا إلى النجوم ل يممدخلها إل ّ نممبي فقيممر أو‬
‫شهيد فقير أو مؤمن فقير‪ .‬والثانية يدخل الفقراء الجنة قبل الغنياء بنصف‬
‫يوم وهو مقدار خمسمائة عام يتمتعون فيها حيث شاءوا‪ ،‬ويممدخل سممليمان‬
‫بن داود عليهما السلم الجنممة بعممد دخممول النبيمماء عليهممم الصمملة والسمملم‬
‫بأربعين عاما بسممبب الملممك الممذي أعطمماه اللممه‪ .‬والخصمملة الثالثممة إذا قممال‬
‫الفقير سبحان الّله والحمد لله ول إلممه إل ّ الل ّممه واللممه أكممبر مخلصمما ويقممول‬

‫الغني مثل ذلك مخلصا لم يلحق الغني الفقير وإن أنفق الغني معها عشرة‬
‫آلف درهم وكذلك أعمال البّر كلها‪ .‬فرجع إليهممم الرسممول فممأخبرهم بممذلك‬
‫فقالوا رضينا يا رب رضممينا يمما رب" قممال‪ :‬حممدثنا محمممد بممن الفضممل حممدثنا‬
‫محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسممف حممدثني يحيممى بممن سممليمان عممن‬
‫عمران بن مسلم قال‪ :‬بلغني أن أبا ذر قال أوصاني خليلي صلى الّله عليه‬
‫وسلم بسبع لم أتركهن ول أتركهن‪ :‬أوصاني بحب المساكين والممدنوّ منهممم‪،‬‬
‫وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ول أنظر إلى مممن هممو فمموقي‪ ،‬وأن أصممل‬
‫رحمي وإن أدبرت وقطعت‪ ،‬وأن أستكثر من قول ل حول ول قوة إل ّ بممالله‬
‫فإنها من كنوز البّر‪ ،‬وأن ل أسأل الناس شيئًا‪ ،‬وأن ل أخاف فممي الل ّممه لومممة‬
‫لئم‪ ،‬وأن أقول الحق وإن كان مّرا‪ ،‬وكان أبو ذر رضي الّله تعممالى عنممه إذا‬
‫سقط من يده سوطه يكممره أن يقممول لحممد نمماولنيه" وبهممذا السممناد قممال‪:‬‬
‫حدثنا إبراهيم حدثنا أبو معاوية عن العمش عن خيثمة قال‪ :‬تقول الملئكة‬
‫يا رب عبدك الكافر بسطت لممه الممدنيا وتممزوى عنممه البلء فيقممول للملئكممة‬
‫اكشفوا عن عقابه‪ ،‬فإذا رأوه قالوا يمما رب ل ينفعممه ممما أصمماب مممن الممدنيا‪،‬‬
‫وتقممول يمما رب عبممدك المممؤمن تممزوى عنممه الممدنيا وتعرضممه للبلء‪ ،‬فيقممول‬
‫اكشفوا عن ثوابه فإذا رأوه قالوا يا رب ما يضره ما أصابه من الدنيا" قممال‬
‫حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن أبمي ذر الغفماري أن النمبي صملى الّلمه‬
‫عليه وسلم قال "المكثرون هم القلممون إل ّ مممن قممال بالمممال هكممذا وهكممذا‬
‫أربع مرات وقليل ماهم"‪.‬‬
‫]ص ‪[120‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬معنى قمول النممبي صملى الل ّممه عليممه‬
‫ى من أهل الجنة فهو أقل‬
‫وسلم "المكثرون هم القلون" يعني إذا كان الغن ّ‬
‫درجة من الفقير وإن كان من أهل النار فهو في الدرك السممفل مممن النممار‬
‫إل من قال بالمال هكذا وهكذا‪ :‬يعني يتصدق عن يمينه ويساره ومن خلفممه‬
‫ومن بين يديه "وقليل ما هم" يعني قلما يوجممد مثممل هممذا فممي الغنيمماء لن‬
‫الشيطان يزين لهم أموالهم في الدنيا‪ ،‬وروى عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬إن الشيطان يقول لن ينجو الغني من إحدى ثلث‪ :‬إممما أن‬
‫أزينه في عينه فيمنعه من حقه‪ ،‬وإما أن أسهل عليه سبيله فينفقه في غيممر‬
‫حقه‪ ،‬وإما أن أحببه في قلبه فيكسبه بغير حقممه"‪ ،‬وروى عممن أبممي الممدرداء‬
‫رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪" :‬بعث النبي صلى الّله عليه وسلم وأنا تمماجر‬
‫فأردت أن تجتمع لي التجممارة مممع العبممادة فلممم تجتمعمما‪ ،‬فرفضممت التجممارة‬
‫وأقبلت على العبادة‪ ،‬فو الذي نفسي بيده ما أحب أن لي حانوتا ً على بمماب‬
‫المسجد ل تخطئني فيه صلة فأربح كل يوم أربعين دينارا ً فأتصدق بها فممي‬
‫سبيل الله‪ ،‬قيل يا أبا الدرداء‪ :‬لم تكره ذلك؟ قال لسمموء الحسمماب"‪ .‬وروى‬
‫عن أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف‪ ،‬ومن أبغضني فأكثر ممماله‬
‫وولده" وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬الفقر مشقة فممي‬
‫الدنيا مسرة في الخرة والغنى مسرة في الدنيا مشقة في الخممرة" وروى‬
‫أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬إن لكل أحد حرفة وحرفتي اثنتان الفقر والجهمماد فمممن أحبهممما فقممد‬
‫أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للمسلم أن يحب الفقر ويحب‬
‫الفقراء وإن كان غنيا ً لن في حب الفقراء حب الرسممول صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم وقد أمر الّله تعالى رسمموله بحممب الفقممراء والممدنوّ منهممم وهممو قمموله‬
‫سم َ‬
‫ن‬
‫صب ِْر ن َ ْ‬
‫ن َيمد ْ ُ‬
‫داةِ َوالعَ ِ‬
‫ممعَ ال ّم ِ‬
‫دو َ‬
‫ريم ُ‬
‫م ِبالغَم َ‬
‫عو َ‬
‫ف َ‬
‫ن َرب ّهُم ْ‬
‫ك َ‬
‫تعالى }َوا ْ‬
‫شم ّ‬
‫ذي َ‬
‫ي يُ ِ‬
‫ه{ الية‪ :‬يعني احبس نفسك مع الفقراء الذين حبسوا أنفسهم للعبادة‪،‬‬
‫وَ ْ‬
‫جه َ ُ‬
‫وكان سبب نزول هذه الية أن عيينة بن حصن الفزاري وكان رئيس قممومه‬
‫فدخل على رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم وعنممده سمملمان الفارسممي‬

‫وصهيب بن سنان الرومي وبلل بن حمامة الحبشممي وغيرهممم مممن ضممعفاء‬
‫الصحابة رضي الّله عنهم وعليهم ثياب خلقة قد عرقمموا فيهمما‪ ،‬فقممال عيينممة‬
‫أن لنا شرفا ً فإذا دخلنا عليك فأخرج هؤلء فإنهم يؤذوننا بريحهم واجعل لنا‬
‫سم َ‬
‫ن‬
‫ص مب ِْر ن َ ْ‬
‫م معَ ال ّم ِ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫مجلسا ً فنهاه الّله تعالى عن إخراجهممم فقممال‪َ} :‬وا ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه{ يعنممي يصمملون الصمملوات‬
‫ي َمد ْ ُ‬
‫داةِ َوالعَ ِ‬
‫ن وَ ْ‬
‫دو َ‬
‫ريم ُ‬
‫م ِبالغَم َ‬
‫عو َ‬
‫جه َ م ُ‬
‫ن َرب ّهُم ْ‬
‫شم ّ‬
‫ي يُ ِ‬
‫الخمس ويطلبون رضاه‪َ} ،‬ول ت َعْد ُ ع َي ْن َمما َ‬
‫حي َمماةِ المد ّن َْيا{‬
‫ريمد ُ ِزين َم َ‬
‫ة ال َ‬
‫ك ع َن ْهُم ْ‬
‫م تُ ِ‬
‫ن‬
‫يعني ل تتجاوزهم ول تحقرهم طلب زينة الحياة الدنيا‪ .‬قال‪َ} :‬ول ت ُط ِمعْ َ‬
‫مم ْ‬
‫ن ذ ِك ْرَِنا{ول تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه يعني ل‬
‫أ َغ ْ َ‬
‫فل َْنا قَل ْب َ ُ‬
‫ه عَ ْ‬
‫ه{ يعني ابتممع همموى‬
‫وا ُ‬
‫تطع من أعرضنا قلبه عن ذكرنا عن القرآن }َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫كا َ‬
‫مُره ُ فُُرطًا{‪.‬‬
‫نفسه في بغض الفقراء }وَ َ َ‬
‫نأ ْ‬
‫]ص ‪[121‬‬
‫يعني أمره كان ضائعا ً باطل ً فقد أمر الّله تعالى نبيه صلى الّله عليه وسلم‪.‬‬
‫مجالسة الفقراء والقرب منهم وهذا المر لجميممع الفقممراء المسمملمين إلممى‬
‫يوم القيامة‪ ،‬فينبغي للمسلم أن يحب الفقراء ويبرهم ويتخذ عندهم اليادي‬
‫واد الّله يوم القيامة وترجى شممفاعتهم‪ .‬وروى الحسممن رحمممه الل ّممه‬
‫فإنهم ق ّ‬
‫تعالى عن النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال )يممؤتى بالعبممد يمموم القيامممة‬
‫فيعتذر الّله تعالى إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا‪ ،‬فيقممول جممل‬
‫ي‬
‫سلطانه وعظم شأنه وعزتي وجللي ممما زويممت الممدنيا عنممك لهوانممك عل م ّ‬
‫ولكن لما أعممددت لممك مممن الكرامممة والفضمميلة أخممرج يمما عبممدي إلممى هممذه‬
‫ي يريد بذلك وجهي فخذ بيممده‬
‫ي أو كساك ف ّ‬
‫الصفوف وانظر من أطعمك ف ّ‬
‫فهو لك‪ ،‬والناس يومئذ قد ألجمهممم العمرق‪ ،‬فيتخلمل الصممفوف وينظمر ممن‬
‫فعل ذلك به فيأخذ بيده فيدخله الجنة‪ ،‬وروى الحسن رحمه الّله تعالى عممن‬
‫النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬أكممثروا معرفممة الفقممراء واتخممذوا‬
‫عندهم اليادي فإن لهم دولة‪ :‬قالوا يا رسول الّله وما دولتهم؟ قال إذا كان‬
‫يوم القياممة قيممل لهممم انظممروا ممن أطعمكممم كسممرة أو سممقاكم شممربة أو‬
‫كساكم ثوبا ً فخذوا بيده ثم امضوا به إلى الجنة"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنممه‪ :‬اعلممم أن للفقيممر خمممس كرامممات‪:‬‬
‫إحداها أن ثواب عمله أكثر مممن ثممواب عمممل الغنممي فممي الصمملة والصممدقة‬
‫وغير ذلك‪ ،‬والثانية إنه إذا اشتهى شيئا ً ولم يجده يكتب له الجممر‪ ،‬والثالثممة‪:‬‬
‫إنهم سابقون إلى الجنة‪ ،‬والرابعة‪ :‬إن حسابهم في الخرة أقل‪ ،‬والخامسة‪:‬‬
‫إن ندامتهم أقل لن الغنياء يتمنون في الخرة لممو كممانوا فقممراء ول يتمنممى‬
‫الفقير أن لو كان غنيا ً وفي كل هذا قد جاءت الثممار‪ .‬وروى زيممد بممن أسمملم‬
‫رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم‪" :‬درهممم‬
‫من الصدقة أفضل من مائة ألف‪ ،‬قيممل وكيممف ذلممك يمما رسممول اللممه؟ قممال‬
‫أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف وتصدق بها‪ ،‬وأخرج رجممل درهممم مممن‬
‫درهمين لم يملك غيرهما طيبة من نفسه فصار صاحب الدرهم أفضل مممن‬
‫صاحب المائة ألف" وروى عن الحسن رحمه الّله تعممالى عممن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم "أنه سأله بعض أصممحابه إذا رأينمما أشممياء نشممتهيها ل نقممدر‬
‫عليها فهل لنا فيهمما أجممر؟ قممال نعممم تممؤجرون إن لممم تممؤجروا فيهمما" وقممال‬
‫الضحاك‪ :‬من دخل السوق فرأى شيئا ً يشتهيه فصبر فاحتسب كان خيرا ً له‬
‫من مائة ألف دينار ينفقها كلها في سبيل الّله تعالى‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى والمدليل علمى فضمل الفقمراء قمول الّلمه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سممو َ‬
‫ن{‬
‫صلة َ َوآُتوا الّزك َمماة َ وَأ ِ‬
‫مممو َ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫طيعُمموا الّر ُ‬
‫ح ُ‬
‫ل ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫تعالى‪} :‬وَأِقي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫ي وّأدوا الزكاة إلى الفقراء فقرن حق الفقممراء بحممق‬
‫يعني أقيموا الصلة إل ّ‬
‫نفسه‪ ،‬ويقال الفقيممر طممبيب الغنممي وقصمماره ورسمموله وحارسممه وشممفيعه‪،‬‬
‫وإنممما قيممل طممبيبه لن الغنممي إذا مممرض يتصممدق علممى الفقممراء فيممبرأ مممن‬
‫مرضه‪ ،‬وإنما قيل قصاره لن الغني إذا تصدق عليه يدعو له الفقير فيطهممر‬

‫الغني من ذنوبه ويطهر ماله‪ ،‬وإنما قيممل هممو رسمموله لن الغنممي إذا تصممدق‬
‫عن والديه أو عن‬
‫]ص ‪[122‬‬
‫أحد من أقربائه فيصل ذلك إلى الموتى فصار الفقير رسوله إلممى الممموتى‪،‬‬
‫وإنما قيل هو حارسه لن الغنممي إذا تصممدق فممدعا لممه الفقيممر تحصممن مممال‬
‫الغني بدعاء الفقير‪ .‬وروى عن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال "أل‬
‫أخبركم عن ملمموك الجنممة؟ فقممالوا‪ :‬نعممم‪ ،‬قممال‪ :‬هممم الضممعفاء المظلومممون‬
‫الذين ل يزّوجممون المتنعمممات ول تفتممح لهممم أبممواب السممدد يممموت أحممدهم‬
‫وحاجته تتلجلج في صدره ولو اقسممم علممى الل ّممه لبممره" وقممال ابممن عبمماس‬
‫رضى الّله تعالى عنهما‪ :‬ملعون من أكرم بالغنى وأهان بممالفقر‪ .‬وعممن أبممي‬
‫الدرداء‪ :‬ما أنصفنا إخواننمما الغنيمماء‪ ،‬لنهممم يممأكلون ونحممن نأكممل ويشممربون‬
‫ونحن نشرب‪ ،‬ويلبسون ونحن نلبس ولهم فضممول أممموالهم ينظممرون إليهمما‬
‫ونحن ننظر إليها معهم‪ ،‬وهم يحاسبون ونحن براء منها‪ ،‬وعن شقيق الزاهد‬
‫أنه قال‪ :‬اختار الفقراء ثلثممة أشممياء‪ ،‬والغنيمماء ثلثممة أشممياء‪ :‬اختممار الفقممراء‬
‫راحة النفس‪ ،‬وفراغ القلب‪ ،‬وخفة الحساب‪ ،‬واختار الغنيمماء تعممب النفممس‪،‬‬
‫دعممى‬
‫وشغل القلب‪ ،‬وشدة الحساب‪ .‬وروى عن حاتم الزاهد أنه قال‪ :‬من ا ّ‬
‫أربعا من أربع فهو مك ّ‬
‫دعى حب موله من غير ورع عن محممارمه‪.‬‬
‫ذب‪ :‬من أ ّ‬
‫ومن ادعى حب الجنة من غيممر إنفمماق ممماله فممي طاعممة الل ّممه تعممالى‪ ،‬ومممن‬
‫ادعى حب رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم مممن غيممر اتبمماع سممنته‪ ،‬ومممن‬
‫ادعممى حممب الممدرجات ممن غيممر صممحبة الفقممراء والمسمماكين‪ .‬وقممال بعممض‬
‫الحكماء‪ :‬أربع من كن فيه فهو محروم من الخير كله‪ :‬المتطاول علممى مممن‬
‫تحته‪ ،‬والعاق لوالديه‪ ،‬ومن يحقر الغريب‪ ،‬ومن يعير المساكين لمسممكنتهم‪.‬‬
‫وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬ما أوحى الّله تعممالى إلممى‬
‫م مد ِ‬
‫ح بِ َ‬
‫س مب ّ ْ‬
‫ي أن }فَ َ‬
‫ح ْ‬
‫أن أجمع المال وأكون من التاجرين‪ ،‬ولكممن ْأوحممى إل م ّ‬
‫حّتى ي َأت ِي َ َ‬
‫ن‪َ .‬واع ْب ُد ْ َرب ّ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ن{ سممبح بحمممد ربممك‬
‫ك الي َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن ِ‬
‫ك َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سا ِ‬
‫قيم ُ‬
‫دي َ‬
‫م ْ‬
‫ك وَك ُ ْ‬
‫وكن من الساجدين‪ .‬واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" قال‪ :‬حممدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه أنه قال "يا أيها‬
‫الناس ل تحملكم العسرة والفاقة على أن تطلبوا الرزق من غير حله فإني‬
‫سمعت رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم يقممول‪ :‬اللهممم تمموفني فقيممرا ً ول‬
‫تتموفني غنيما ً واحشمرني فمي زممرة المسماكين يموم القياممة‪ ،‬فمإن أشمقى‬
‫الشقياء من اجتمع عليه فقر الممدنيا وعممذاب الخممرة" وروى عممن عمممر بممن‬
‫الخطاب رضي الّله تعالى عنه أنه أتى بغنممائم مممن غنممائم القادسممية فجعممل‬
‫يتصفحها وينظر إليها ويبكي‪ ،‬فقممال لممه عبممد الرحمممن بممن عمموف هممذا يمموم‬
‫السرور والفرح وأنت تبكي يا أمير المؤمنين؟ قال أجل‪ ،‬ولكن ما أوتي هذا‬
‫قوم إل أوقع بينهم العممداوة والبغضمماء‪ .‬وروى عممن ابممن عبمماس رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنهما عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬لكل أمممة فتنممة وإن‬
‫فتنة أمتي المال" وروى عن عبد الّله بن عمر رضي الّله عنهما عممن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إن أحب الخلق إلى الّله الفقراء‪ ،‬لنه كممان‬
‫أحب الخلق إلى الّله النبياء فابتلهم بالفقر"‪ .‬قممال حممدثنا أبممي رحمممه الل ّممه‬
‫تعالى حدثنا أبو الحسن الفراء بإسممناده عممن الحسممن البصممري رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه قال "أوحى الّله تعالى إلى موسى بن عمران إنه‬
‫]ص ‪[123‬‬
‫ي وأحممب أهممل الرض فممأته وكفنممه وغسممله‬
‫يموت رجل من أحب عبادي إلم ّ‬
‫وقم على قبره‪ ،‬فطلبه في العمران فلم يجده ثم طلبه فممي الخممراب فلممم‬
‫يقدر عليه‪ ،‬ثم رأى قوما ً من الطيانين فقال هل رأيتم مريضا ً ههنا بأمس أو‬
‫ميتا ً اليوم؟ فقال بعضهم رأيت مريضا ً في الخربة فلعلك تريده؟ قال‪ :‬نعممم‬
‫فذهب فإذا هو بمريض طريح وتحت رأسه لبنة فلما أن عالج نفسه سممقط‬

‫رأسه على اللبنة‪ ،‬قال فقام موسى فبكى فقمال يما رب قلممت إن همذا ممن‬
‫أحب عبادك إليك فل أرى عنده من كان يمرضه‪ ،‬فأوحى الّله تعالى إليه أن‬
‫يا موسى إني إذا أحببت عبدي زويت عنه الدنيا كلها‪ ،‬وروى عبمماد بممن كممثير‬
‫عن الحسن أنه قال‪ :‬أخذ إبليس أول دينار ضرب فوضعه على عينيه وقممال‬
‫من أحبك فهو عبدي‪ .‬وروى عبد المنعم عن إدريس عن أبيه عن وهممب بممن‬
‫منبه أنه قال‪ :‬وصل إبليس لعنه الله إلى سممليمان بممن داود عليهممما الصمملة‬
‫والسلم على صورة شيخ فقال له سليمان أخبرني بما أنت صانع بأمة روح‬
‫الّله تعالى‪ :‬يعني عيسى عليممه الصمملة والسمملم‪ ،‬فقممال لدعممونهم يتخممذون‬
‫إلهين من دون الّله تعالى‪ ،‬قال فما أنت صانع بأمة محمد صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم؟ قال لدعونهم إلى الدينار والدرهم حتى يكون ذلممك أشممهى عنممدهم‬
‫من ل إله إل الله‪ ،‬قال سليمان‪ :‬أعوذ بالله منك‪ ،‬فنظر فإذا هو قد ذهب‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬الواجب على الفقير أن يعممرف منممة‬
‫الّله تعالى ويعلم أنه قد صرف عنه الدنيا لكرامته عليه وأكرمه بما أكرم به‬
‫النبياء والولياء عليهم الصمملة والسملم ويحمممد الّلمه تعمالى ول يجمزع فمي‬
‫ذلك‪ ،‬ويصبر على ما يصيبه من ضيق العيش‪ ،‬ويعلممم أن وعممد الل ّممه لممه فممي‬
‫الخرة خيرا ً له مما صرف عنه في الدنيا‪ ،‬ولو لم يكن للفقر فضمميلة سمموى‬
‫أنه كان حرفة رسول الّله صلى الّله عليه وسلم واقتداء به لكان عظيمًا‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثني الثقة بإسناده عن طاوس عن‬
‫ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما قال "بينما رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم جالس وجبريل عليه الصلة والسلم معه قال جبريممل هممذا ملممك قممد‬
‫نزل من السماء ولم ينزل قط‪ ،‬واستأذن ربه فممي زيارتممك‪ ،‬فلممم يمكممث إل‬
‫قليل حتى جاء الملك فقمال السملم عليمك يما رسمول اللمه‪ ،‬فقمال‪ :‬وعليمك‬
‫السلم‪ ،‬قال الملك فإن الّله تعممالى يخيممرك أن يعطيممك خممزائن كممل شمميء‬
‫ومفاتيح كل شيء لم يعطه أحدا ً قبلك ول يعطيه أحممدا بعممدك مممن غيممر أن‬
‫ينقصك مما ادخر لك شيئا ً أو يجمعها لك يمموم القيامممة‪ ،‬فقممال النممبي صمملى‬
‫ي يوم القيامة" وعن صمفوان بمن سممليم عممن‬
‫الّله عليه وسلم بل يجمعها إل ّ‬
‫ي‬
‫عبد الوهاب ابن بجيد أن النبي صلى الّله عليمه وسملم قمال‪" :‬عمرض علم ّ‬
‫بطحاء مكة ذهبا ً وفضة‪ ،‬قلت يمما رب أشممبع يومما ً وأجمموع يومما ً فحمممدك إذا‬
‫شبعت وأضرع إليك إذا جعت" وبالله التوفيق‪.‬‬
‫]ص ‪[124‬‬
‫باب رفض الدنيا‬
‫قال‪ :‬حدثنا الفقيه أبو الليث رضي الّله تعالى عنه حدثنا الفقيه أبو جعفر‬
‫حدثنا محمد بن عقيل حدثنا محمد بن إسمعيل الصائغ حدثنا الحجمماج حممدثنا‬
‫شعبة عن عمرو بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد ابن‬
‫ثابت رضي الّله عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‪" :‬مممن كممانت‬
‫نيته الخرة جمع الّله شمله وجعل غناه في قلبه وأتتممه الممدنيا وهممي راغبممة‪،‬‬
‫ومن كانت نيته في الدنيا فّرق الّله عليه أمره وجعل فقره بين عينيممه ولممم‬
‫يأتيه من الدنيا إل ما كتب الّله له" وبه قال‪ :‬حدثنا أبممو جعفممر حممدثنا محمممد‬
‫بن عقيل حدثنا محمد بن علي حدثنا أبو غسان النهدي حدثنا عمر بممن زيمماد‬
‫الهللي عن السود بن قيس قال‪ :‬سمعت جندبا قال "دخل عمر رضي الّله‬
‫تعالى عنه على النبي صلى الّله عليه وسلم وهو على حصير وقد أثر بجنبه‬
‫الشريف‪ ،‬فبكى عمر رضي الّله تعمالى عنمه فقمال النممبي صملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم ما يبكيك يا عمر؟ قال ذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه مممن الممدنيا‬
‫وأنت رسول الّله صلى الّله عليك وسلم وقممد أثممر بجنبممك الشممريط‪ ،‬فقممال‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أولئك قوم عجلممت لهممم طيبممانهم فممي حيمماتهم‬
‫الدنيا ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الخرة" وبه قمال‪ :‬حممدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر رحمه الّله تعالى حدثنا علي بن أحمد حدثنا محمد بمن الفضمل حممدثنا‬
‫ي رضي الل ّممه تعممالى عنممه‪:‬‬
‫يعلي بن إسماعيل عن ذر عن زبيد قال‪ :‬قال عل ّ‬

‫إنما أخشى عليكم اثنتين‪ ،‬طول المل واتباع الهوى‪ ،‬فإن طول المل ينسي‬
‫الخرة واتباع الهوى يصد ّ عن الحق‪ ،‬وإن الدنيا قد ارتحلت مممدبرة والخممرة‬
‫مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الخرة ول تكونوا مممن أبنمماء‬
‫الدنيا‪ ،‬فإن اليوم عمل ول حساب وإن غدا حساب ول عمممل‪ :‬يعنممي أكممثروا‬
‫من العمل في هذا اليوم فإنكم ل تقدرون غدا ً على العمل‪ .‬وبه قال‪ :‬حممدثنا‬
‫الفقيه أبو جعفر حدثنا الثقة بإسممناده عممن الحسممن البصممري قممال‪" :‬طلبممت‬
‫خطبة النبي صلى الّله عليه وسلم التي كممان يخطممب بهمما كممل جمعممة أربممع‬
‫سنين فلم أقدر عليها‪ ،‬حتى بلغني أنها عند رجل من النصار فأتيته فإذا هممو‬
‫جابر بن عبد الّله رضي الّله تعالى عنهممما‪ .‬فقلممت لممه أنممت سمممعت خطبممة‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم المتي كمان يخطمب بهما كمل جمعمة؟ قمال نعمم‬
‫سمعته يقول‪ :‬صلى الّله عليه وسلم‪ :‬أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى‬
‫معممالمكم‪ ،‬وإن لكممم نهايممة فممانتهوا إلممى نهممايتكم‪ ،‬وإن العبممد المممؤمن بيممن‬
‫مخافتين بين أجل قد مضى ل يدري ما الّله صانع به‪ ،‬وبين أجل قممد بقممي ل‬
‫يدري ما الّله قاض فيه‪ ،‬فليزود العبد من نفسه لنفسممه ومممن حيمماته لممموته‬
‫ومن شبابه لكبره ومن دنياه لخرته فممإن الممدنيا خلقممت لكممم وأنتممم خلقتممم‬
‫للخرة فوالذي نفسي بيدهما بعد الموت من مستعتب ول بعد الدنيا دار إل‬
‫الجنة أو النار‪ ،‬أقول قولي هذا وأستغفر الّله لي ولكم( وذكر عن سهل بممن‬
‫عبد الّله التستري أنه كان ينفق ماله في طاعة الّله تعالى‬
‫]ص ‪[125‬‬
‫فجاءت أمه وأخوته إلى عبد الل ّممه بممن المبممارك يشممكونه وقممالوا‪ :‬إن هممذا ل‬
‫يمسك شيئا ً ونخشى عليه الفقر‪ ،‬فأراد عبد الّله أن يعينهم عليه‪ ،‬فقممال لممه‬
‫سهل‪ :‬يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجل ً من أهل المدينة اشممترى ضمميعة‬
‫ول من المدينمة إليهما أيخلمف بالمدينمة شميئا ً وهمو‬
‫برستاق وهو يريد أن يتح ّ‬
‫يسكن الرستاق؟ قال عبد الّله خصمكم‪ ،‬يعني أنممه إذا أراد أن يتحممول إلممى‬
‫الرستاق ل يترك في المدينة شيئا ً فالممذي يريممد أن يتحممول مممن الممدنيا إلممى‬
‫الخرة كيف يترك في الدنيا شيئَا‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬من كان عاقل ً فإنه يرضممى بممالقوت‬
‫من الدنيا ول يشتغل بممالجمع ويشممتغل بعمممل الخممرة‪ ،‬لن الخممرة هممي دار‬
‫القرار ودار النعيم والدنيا دار فنمماء وهممي غممدارة مفتنممة‪ .‬وروى جويممبر عممن‬
‫واء إلى الرض ووجدا ريح الدنيا وفقممدا‬
‫الضحاك قال‪ :‬لما أهبط الّله آدم وح ّ‬
‫رائحة الجنة غشى عليهما أربعين صباحا ً من الدنيا‪ .‬وروى عمن رسمول الّلمه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬يا عجبا ً كل العجب للمصممدق بممدار الخلممود‬
‫وهو يعمل لدار الغرور" وروى محمد بن المنكممدر عممن جممابر بممن عبممد الل ّممه‬
‫رضي الّله تعالى عنهما قممال‪" :‬شممهدت مجلسما ً مممن مجممالس رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم إذ أتاه رجل أبيض الوجه حسن الشعر واللممون عليممه‬
‫ثياب أبيض‪ ،‬فقال السلم عليك يا رسول الله‪ ،‬فقال النبي صلى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم وعليك السلم ورحمة الله‪ ،‬فقال يا رسول الله‪ :‬ما الدنيا‪ ،‬قال‪ :‬حلم‬
‫المنام وأهلها مجازون ومعاقبون‪ ،‬قال يا رسول الّله وما الخرة؟ قال البد‪،‬‬
‫فريق في الجنة وفريق في السعير‪ .‬فقال يا رسول الل ّممه وممما الجنممة؟ قممال‬
‫بدل الدنيا لتاركها نعيمها أبدا‪ ،‬قال فما جهنممم؟ قممال بممدل الممدنيا لطالبهمما ل‬
‫يفارقها أهلها أبدا‪ ،‬قال فمن خير هذه المة؟ قال الذي يعمممل فيهمما بطاعممة‬
‫الّله تعالى‪ ،‬قال فكيف يكون الرجل فيهمما؟ قممال مشمممرا ً كطممالب القافلممة‪،‬‬
‫قال فكم القرار بها؟ قال كقدر المتخلف عممن القافلممة‪ ،‬قممال فكممم ممما بيممن‬
‫الدنيا والخرة؟ قال كغمضة عين‪ ،‬قال فذهب الرجل فلم ير‪ ،‬فقال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم هذا جبريل أتاكم ليزهممدكم فممي الممدنيا ويرغبكممم‬
‫في الخرة" وذكر أن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الّله وسلمه عليه قيل‬
‫له بأيّ شيء اتخذك الّله خليل؟ قممال بثلثممة أشممياء‪ ،‬أولهمما‪ :‬ممما خيممرت بيممن‬

‫المرين إل اخترت الذي لله على غيره‪ ،‬والثمماني‪ :‬ممما اهتممممت فيممما تكفممل‬
‫الّله في أمر رزقي‪ ،‬والثالث ما تغديت ول تعشيت إل مع الضيف‪.‬‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬حياة القلب في أربعة أشياء‪ :‬العلم والرضا والقناعة‬
‫والزهد‪ ،‬فالعلم يرضيه وبالرضا يبلغ هذه الدرجة فإذا بلغ درجة الرضا وصل‬
‫إلى القناعة وتوصله القناعة إلى الزهد وهو التهمماون بالممدنيا‪ ،‬قممال‪ :‬والزهممد‬
‫ثلثة أشياء‪ :‬أولها معرفة الدنيا ثممم الممترك لهمما‪ ،‬والثمماني خدمممة المممولى ثممم‬
‫الدب فيها‪ ،‬والثالث الشوق إلى الخرة ثم الطلب لها‪ .‬وعن يحيى بن معمماذ‬
‫الرازي قال‪ :‬الحكمة تهوى من السماء إلممى القلمموب فل تسممكن فممي قلممب‬
‫م غد‪ ،‬وحسد أخ‪ ،‬وحب‬
‫فيه أربع خصال‪ :‬الركون إلى الدنيا‪ ،‬وه ّ‬
‫]ص ‪[126‬‬
‫دس الّله تعالى روحه قال‪ :‬العاقل المصمميب‬
‫شرف‪ ،‬وذكر أيضا ً عن يحيى ق ّ‬
‫من عمل ثلثًا‪ :‬ترك الدنيا قبل أن تتركه‪ ،‬وبنى قبرا ً أن يدخل فيه‪ ،‬وأرضممى‬
‫ي بن أبي طالب رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫خالقه قبل أن يلقاه‪ .‬وروى عن عل ّ‬
‫ت خصال لم يممدع للجنممة مطلبما ً ول عممن النممار مهربمًا‪:‬‬
‫أنه قال‪ :‬من جمع س َ‬
‫يعني لم يترك الجهد في طلب الجنة والهرب مممن النممار‪ :‬أّولهمما عممرف الل ّممه‬
‫تعالى فأطاعه‪ ،‬وعممرف الشمميطان فعصمماه‪ ،‬وعممرف الحممق فمماتبعه‪ ،‬وعممرف‬
‫الباطل فاتقاه‪ ،‬وعرف الدنيا فرفضها‪ ،‬وعرف الخرة فطلبهمما‪ ،‬وروى جعفمر‬
‫بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫ي أربع خصممال مممن الشممقاء‪ :‬جمممود العيممن‪ ،‬وقسمماوة القلممب‪ ،‬وحممب‬
‫"يا عل ّ‬
‫الدنيا‪ ،‬وبعد المل" وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم أنممه قممال‪:‬‬
‫"لو كانت الدنيا تزن عند الّله جناح بعوضة ما سقى كافرا ً منها شربة ممماء"‬
‫وروى عن شهر ابن حوشب عن عبد الرحمن بن عثمان قال‪" :‬بينما رسول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم أدلج ليلة من الليممالي وصمملى صمملة الصممبح فممي‬
‫دمنة الحي‪ :‬يعني في مزبلة القبيلة‪ :‬فرأى سخلة تتنفس فممي سمملها يعنممي‬
‫تتحرك الدودة في جلدها‪ ،‬فنظر إليها رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫فأمسك ناقتها حتى قام القوم‪ :‬فقال أتمرون أهمل همذه الدمنمة أغنيماء عمن‬
‫سخلتهم هذه وقد هانت عليهم؟ فقالوا بلى يمما رسممول اللممه‪ ،‬والممذي نفممس‬
‫محمد بيده للدنيا أهون على الّله من هذه السخلة على أهلهمما ( وروى عممن‬
‫رسول الّله أنه قممال "الممدنيا سممجن المممؤمن والقممبر حصممنه والجنممة مممأواه‪،‬‬
‫والدنيا جنة الكافر والقبر سجنه والنار مأواه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬معنى قمموله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫"الدنيا سجن المؤمن" أن المؤمن وإن كان في النعمة والسعة فهممو بجنممب‬
‫ما أنعممم الل ّممه تعممالى عليممه فممي الجنممة كممأنه فممي السممجن‪ ،‬لن المممؤمن إذا‬
‫حضرته الوفاة عرضت عليه الجنة فإذا نظر إلى ما أعد ّ الّله تعالى لممه مممن‬
‫الكرامة عرف أنه كان في السجن‪ ،‬وإن الكافر إذا حضرته الوفمماة عرضممت‬
‫عليه النار فإذا نظر إلى ما أعد ّ الّلمه لمه ممن العقوبمة عمرف أنمه كمان فمي‬
‫الجنة‪ ،‬فمن كان عاقل ً ل يكممون مسممرورا ً فممي السممجن ول يطلممب الراحممة‪،‬‬
‫فينبغي للعاقل أن ينظر إلى الدنيا ويتفكر فيما ضممرب للممدنيا مممن المثممال‪،‬‬
‫لن الّله تعالى ضرب للدنيا مث ً‬
‫ل‪ ،‬والنبي صلى الّله عليممه وسمملم ضممرب لهمما‬
‫ل‪ ،‬والحكماء ضربوا لها أمثا ً‬
‫مث ً‬
‫ل‪ .‬والشياء تصير واضممحة بالمثممال قممال الل ّممه‬
‫مث َ ُ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا{ يعني مثممل الممدنيا فممي فنائهمما‬
‫ل ال َ‬
‫ما َ‬
‫تعالى عز من قائل‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ماِء{ يعنممي أنممزل الل ّممه تعممالى مممن‬
‫وزوالها يعني كمطممر }أن َْزل ْن َمماه ُ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سم َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ض{ يعنممي اختلممط الممماء بنبممات الرض‬
‫السماء ماء‪َ} ،‬فا ْ‬
‫ط ب ِهِ ن َب َمما ُ‬
‫ت الْر ِ‬
‫يعنممي أن الممماء يممدخل فممي الرض فينبممت النبممات‪ ،‬مممما يأكممل النمماس مممن‬
‫الحبوب والنعام‪ ،‬يعني مما يأكل النعممام مممن الكل والحشمميش }إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ذا أ َ َ‬
‫خ مذ َ ْ‬
‫َ‬
‫ت{ يعني تزينت الرض بنباتها وحسنت‬
‫ض ُز ْ‬
‫خُرفََها{ يعني زينتها }َواّزي ّن َ ْ‬
‫الْر ُ‬
‫َ‬
‫بألوان من النبات }وظ َ َ‬
‫م‬
‫ن أهْل َُها{ يعني حسممب أهممل الممزرع والنبممات }أن ّهُ م ْ‬
‫َ ّ‬
‫ن‬
‫َقاد ُِرو َ‬

‫]ص ‪[127‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مُرن َمما{ يعنممي عممذاب اللممه‬
‫عَل َي َْها{ يعني على غلتها وأنها ستتم لهم‪} ،‬أَتا َ‬
‫ها أ ْ‬
‫َ‬
‫صمميدًا{يعنممي مستأصمل ً‬
‫ح ِ‬
‫جعَل َْناهَمما َ‬
‫}ل َي ْل ً أوْ ن ََهارًا{يعنممي بالليممل أو النهممار }فَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س{يعني صارت كأن لم تسكن كذلك الدنيا وما فيها ل‬
‫} ك َأ ْ‬
‫ن ِبال ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م ت َغْ َ‬
‫م ِ‬
‫تبقى كما ل يبقى هذا الزرع كممذلك }ك َمذ َل ِ َ‬
‫صم ُ‬
‫ت{ يعنممي المثممال‬
‫ك نُ َ‬
‫ل الي َمما ِ‬
‫ف ّ‬
‫ن{ في أمر الدنيا والخرة أن الدنيا تفنممى وأن الخممرة تبقممى‬
‫قوْم ٍ ي َت َ َ‬
‫}ل ِ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أن رجل ً قممدم عليممه مممن أرض‬
‫الشام‪ ،‬فسأله عن أرضهم‪ ،‬فأخبره عن سممعة أرضممهم وكممثرة النعيممم فيهمما‪،‬‬
‫فقال له رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪" :‬كيف تفعلممون؟ قممال إنمما نتخممذ‬
‫ألوانا ً من الطعام ونأكلها‪ ،‬قال ثم تصممير إلممى ممماذا؟ قممال إلممى ممما تعلممم يمما‬
‫رسول الله‪ :‬يعني تصير بول ً وغائطًا‪ ،‬فقال النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‪:‬‬
‫فكذلك مثل الدنيا"‪ .‬وعن يحيى بن معاذ رحمه الّله تعممالى أنممه قممال‪ :‬الممدنيا‬
‫مزرعة رب العالمين‪ ،‬والناس فيهمما زرعممه‪ ،‬والممموت منجلممه وملممك الممموت‬
‫حاصده‪ ،‬والقبر مداسه والقيامة بيدره والجنة والنار بيت أهوائه‪ :‬فريق فممي‬
‫ي إن‬
‫الجنة وفريق في السعير" وذكر عن لقمان الحكيم أنه قال لبنه‪ :‬يا بن ّ‬
‫الدنيا بحر عميق قد غرق فيها كثير من الناس فاجعل سممفينتك فيهمما تقمموى‬
‫الّله تعالى‪ ،‬قال بعضهم‪:‬‬
‫فتّنا‬
‫إن ّلله عبادا ً ِفطّنا طلقوا الدنيا وخافوا ال ِ‬
‫ي َوطنا‬
‫نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لح ّ‬
‫سفنا‬
‫جعلوها ل ُ ّ‬
‫جة واتخذوا صالح العمال فيها ُ‬
‫ففي هذه العمال الصالحة بضاعتك التي تحمل فيها والحرص عليها ربحك‪،‬‬
‫واليام موجها والتوكل ظلهمما وكتمماب الل ّممه دليلهمما‪ ،‬ورد ّ النفممس عممن الهمموى‬
‫حبالها والموت ساحلها والقيامة أرض المتجر التي تخرج إليها والله مالكها‪.‬‬
‫وروى عن الفضيل بن عياض رحمممه الل ّممه تعممالى أنممه قممال‪ :‬بلغنمما أنممه يجمماء‬
‫جتها فتقول يا رب اجعلنممي لحسممن‬
‫بالدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها وبه ّ‬
‫عبادك دارا‪ ،‬فيقول الّله عز وجل ل أرضاك دار لهم أنت ل شيء كوني هباء‬
‫منثورا فتصير هباءا ً منثورا‪ .‬وذكر عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما أنه‬
‫قال‪ :‬يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء بادية أنيابها‬
‫مشوه خلقها ل يراهمما أحممد إل كرههمما فتشممرف علممى الخلئق فيقممال لهممم‪:‬‬
‫أتعرفون هذه؟ فيقولون نعوذ بالله مممن معرفتهمما‪ ،‬فيقممال هممذه الممدنيا الممتي‬
‫تفاخرتم بها وتقاتلتم عليها‪ .‬وروى في خبر آخر‪ :‬أنممه يممؤمر بهمما فتلقممى فممي‬
‫النار فتقول يا رب أين أتباعي وأصحابي‪ :‬فيلحقون بها‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ل يكون لها عمذاب لنمه ل ذنممب لهمما‬
‫ولكنها تلقى في النار لكي يراها أهلها فيرون هوانها‪ ،‬كما أن الوثان جعلممت‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ب َ‬
‫صم ُ‬
‫ن الل ّممه َ‬
‫ن ُ‬
‫دو َ‬
‫ممما ت َعْب ُم ُ‬
‫جهَن ّم َ‬
‫م وَ َ‬
‫في النار وهو قوله تعالى }إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫ن{ ول يكون للوثان عقوبة ولكن لزيممادة العقوبممة والحسممرة‬
‫دو َ‬
‫م ل ََها َوارِ ُ‬
‫أن ْت ُ ْ‬
‫لهلها‪ ،‬وكذلك الدنيا جعلت في النار لزيادة العقوبة والحسرة‬
‫]ص ‪[128‬‬
‫لأهلها لتكمون لهمم زيمادة الحسمرة‪ ،‬فينبغمي للممؤمن أن يعممل للخمرة ول‬
‫يشتغل بالدنيا إل مقدار ما لبد ّ له منها من غيممر أن يتعلممق قلبممه بهمما‪ .‬وروى‬
‫عن عيسى ابن مريم صلوات الّله وسلمه عليه أنه قال‪ :‬عجبا ً لكم تعملون‬
‫للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل‪ ،‬ول تعملممون للخممرة وأنتممم ل ترزقممون‬
‫فيها بغير عمل‪ .‬وروى أبو عبيدة السدي عن رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬من أشرب قلبه حب الدنيا التاط قلبه منها بثلث‪ :‬شغل ل‬
‫ينفك عناؤه‪ ،‬وأمممل ل يبلممغ منتهمماه‪ ،‬وحممرص ل يممدرك عنمماه‪ ،‬والممدنيا طالبممة‬
‫ومطلوبة والخرة طالبة ومطلوبة‪ ،‬فمن طلممب الخممرة طلبتممه الممدنيا حممتى‬
‫يستوفي منها رزقه‪ ،‬ومممن طلممب الممدنيا طلبتممه الخممرة حممتى يممأتيه الممموت‬

‫فيأخذه بغتة" وروى إبراهيم بممن يوسممف عممن كنانممة قممال‪ :‬بلغنممي عممن أبممي‬
‫حازم‪ ،‬أنه قال‪ :‬وجدت الدنيا شيئين‪ :‬شيئا ً منها هو لي ل يفوتني وشيئا ً منها‬
‫لغيري فل أدركه‪ ،‬منع الذي لي من غيري كما منع الذي لغيممري منممي ففممي‬
‫أيّ هذين أفني عمري‪ ،‬ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين شيئا ً منها يأتي‬
‫أجله قبل أجلى فممأغلب عليممه وشمميئا ً منهمما يممأتي أجلممي قبممل أجلممه فممأموت‬
‫وأتركه لغيري‪ ،‬ففي أيّ هذين أعصي ربي‪ .‬وروى عن العمش عن سممفيان‬
‫بإسناده عن أشياخه قال "دخل سعد بن أبممي وقمماص علممى سمملمان رضممي‬
‫الّله تعالى عنه‪ ،‬يعوده وهو مريض فبكى سلمان‪ ،‬فقال له سعد ما يبكيك يا‬
‫أبا عبد الّله توفي رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وهو عنك راض‪ ،‬فقممال‬
‫سلمان‪ :‬أما إني ل أبكي جزعما ً مممن الممموت ول حرصما ً علممى الممدنيا‪ ،‬ولكممن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم عهد إلينا عهدا ً فقال‪ :‬ليكمن بلغمة أحمدكم‬
‫من الدنيا مثل زاد الراكب وحولي هذه الساود‪ .‬قال‪ :‬وإنما كان حوله إجانة‬
‫وجفنة ومطهرة‪ ،‬فقال سعد‪ :‬يا أبا عبد الله‪ :‬اعهد إلينا عهدا ً فنأخممذه بعممدك‬
‫فقال‪ :‬يا سممعد‪ :‬اذكممر الل ّممه تعممالى عنممد همممك إذا هممممت وعنممد حكمممك إذا‬
‫حكمت وعند برك إذا قسمت" وروى جويبر عن الضحاك عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قيل له "يا رسول الل ّممه مممن أزهممد النمماس؟ قممال‪:‬‬
‫"من لم ينس المقابر والبلى وترك فضول زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ممما‬
‫يفنى ولم يعد أيامه وعد ّ نفسه من الموتى"‪.‬‬
‫)قال الحكيم( أربعة طلبناها فأخطأنا طرقها‪ :‬طلبنا الغنى في المال فإذا‬
‫هو في القناعة‪ ،‬وطلبنمما الراحممة فممي الكممثرة فممإذا هممي فممي القلممة‪ ،‬وطلبنمما‬
‫الكرامممة فممي الخلممق فممإذا هممي فممي التقمموى‪ ،‬وطلبنمما النعمممة فممي الطعممام‬
‫واللباس فإذا هي في الستر والسلم‪ :‬يعني فيممما يسممتر الل ّممه مممن العيمموب‬
‫والذنوب‪ ،‬وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬من أصبح‬
‫م ل ينقطع عنممه أبممدًا‪،‬‬
‫والدنيا أكبر همه يلزم الّله تعالى قلبه ثلث خصال‪ :‬ه ّ‬
‫وشغل ل يتفرغ منه أبدا‪ ،‬وفقر ل يبلغ منتهاه أبدا" وروى عن عبممد الل ّممه بممن‬
‫مسعود رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬ما أحممد أصممبح اليمموم فممي النمماس إل‬
‫وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة‪ .‬قممال الفضمميل بممن‬
‫عياض‬
‫]ص ‪[129‬‬
‫رحمه الّله تعالى‪ :‬جعل الشركة في بيت واحد وجعممل مفتمماحه حممب الممدنيا‪،‬‬
‫وجعل الخير كله في بيممت واحممد‪ ،‬وجعممل مفتمماحه الزهممد فممي الممدنيا‪ .‬وروى‬
‫ثابت عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪" :‬قال الّله تعالى يفرح عبممدي المممؤمن إذا بسممطت لممه‬
‫شيئا ً من الدنيا وذلك أبعد لممه منممي‪ ،‬ويحممزن إذا أقممترت عليممه الممدنيا وذلممك‬
‫أقممرب لممه منممى ثممم تل رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم هممذه اليممة‪:‬‬
‫}أ َيحسبو َ‬
‫ت ب َممل ل‬
‫م فِممي ال َ‬
‫خي ْمَرا ِ‬
‫م ب ِهِ ِ‬
‫ما ن ُ ِ‬
‫َ ْ َ ُ َ‬
‫ن نُ َ‬
‫سممارِع ُ ل َهُم ْ‬
‫ن َ‬
‫مد ّهُ ْ‬
‫ن أن ّ َ‬
‫ل وَب َِني َ‬
‫ما ٍ‬
‫م ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ن{ أي ل يعلمون أن ذلك فتنة لهم‪ .‬وعن أنس بن مالك رضممي الل ّممه‬
‫شعُُرو َ‬
‫تعالى عنه قال‪" :‬خرج رسول الّله صلى الّله عليه وسلم يوما ً وهو آخذ بيممد‬
‫أبي ذر فقال‪ :‬يا أبا ذر إن بين يديك عقبة كئودا ل يصعدها إل المخفون قال‬
‫يا رسول الّله أنا من المخفين أو من المثقلين؟ قال أعندك طعممام يومممك؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال وطعام غد؟ قال نعم‪ ،‬قال وطعام بعد غد؟ قال ل‪ ،‬قال فلو‬
‫كان عندك ثلثة أيام كنت من المثقلين" والله تعالى أعلم‪..‬‬
‫باب الصبر على البلء والشدة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر حدثنا محمد بن عقيل حدثنا عيسى بن أحمممد حممدثنا المقممبري حممدثنا‬
‫ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عبمماس رضممي‬
‫الّله تعالى عنهما قال قال‪ :‬رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "يا غلم أو يا‬

‫غليم أل أعلمك كلمات ينفعك الّلمه بهمن؟ قلمت بلمى يما رسمول اللمه‪ ،‬قمال‬
‫احفظ الّله يحفظك‪ ،‬احفظ الّله تجده أمامك؟ تعّرف إلى الل ّممه فممي الرخمماء‬
‫يعرفك في الشدة‪ ،‬إذا سألت الّله فاسأل الله‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن بالله‪،‬‬
‫ف القلم بما هو كائن‪ ،‬فلو أن الخلق كلهممم أرادوا أن ينفعمموك بشمميء‬
‫قد ج ّ‬
‫لم يقدره الّله لك لم يقدروا عليه‪ ،‬وإن أرادوا أن يضروك بشيء لممم يكتبممه‬
‫الّله عليك لم يقدروا عليه‪ ،‬اعمل لله بالشكر واليقين‪ .‬واعلم أن في الصبر‬
‫على ما تكره خيرا ً كثيرًا‪ ،‬وأن النصر مع الصبر‪ ،‬وأن الفرج مع الكرب‪ ،‬وأن‬
‫مع العسر يسرا"‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبو جعفر رحمه الّله تعالى حممدثنا أبممو النضممر‬
‫محمد بن محمد بن نصر‪ ،‬وبه حدثنا أبو شهاب معمر بن محمد حدثنا مكممي‬
‫بن إبراهيم حدثنا بشر بن الزيات عن العمش وحطاب وعنيسة ونحممو مممن‬
‫خمسين شيخا ً كلهم يسندون هذا الحديث إلممى أميممر المممؤمنين علممي كممرم‬
‫الّله وجهه أنه قال‪ :‬أيها الناس احفظوا عنممي خمسمًا‪ ،‬احفظمموا عنممي اثنممتين‬
‫ن أحد منكم إل ذنبه ول يرجو إل ربه‪ ،‬ول يستحي‬
‫واثنتين وواحدة‪ .‬أل ل يخاف ّ‬
‫منكم أحد إذا لم يعلم أن يتعلم ول يستحي أحد منكم إن سئل وهو ل يعلممم‬
‫أن يقول ل أعلم‪ .‬واعلموا أن الصبر من المور بمنزلة الرأس مممن الجسممد‬
‫فإذا فارق الرأس الجسمد فسمد الجسمد وإذا فمارق الصمبر الممور فسمدت‬
‫المور‪ ،‬ثم قال رضي الّله تعالى عنه‪ :‬أل أدلكم على الفقيه كل الفقيه؟‬
‫]ص ‪[130‬‬
‫قالوا بلى يا أمير المؤمنين‪ ،‬قال من لم يؤيس الناس مممن روح اللممه‪ ،‬ومممن‬
‫لم يقنط الناس من رحمة الّله تعالى‪ ،‬ومن لم يؤمن الناس من مكممر اللممه‪،‬‬
‫ومن لم يزين للناس معاصي الله‪ ،‬ول ينزل العارفين الموحممدين الجنممة‪ ،‬ول‬
‫ينزل العاصين المذنبين النار حتى يكممون المرب هممو المذي يقضمي بينهممم‪ ،‬ل‬
‫يأمنن خير هذه المة من عممذاب اللممه‪ ،‬واللممه سممبحانه وتعممالى يقممول‪َ} :‬فل‬
‫ْ‬
‫ن{ ول ييمأس شمّر همذه الممة ممن روح‬
‫مك َْر الّله إ ِل ّ ال َ‬
‫م ال َ‬
‫خا ِ‬
‫سمُرو َ‬
‫قموْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ي َأ َ‬
‫م ُ‬
‫م‬
‫ح الّلممه إ ِل ّ ال َ‬
‫س ِ‬
‫قمموْ ُ‬
‫اللممه‪ ،‬واللممه عممز وجممل يقممول‪} :‬إ ِّنمم ُ‬
‫ه ل ي َي ْئ َ ُ‬
‫ممم ْ‬
‫ن َروْ ِ‬
‫ال َ‬
‫ن{‪ .‬قال‪ :‬حدثنا محممد بمن الفضمل حممدثنا محمممد بمن جعفممر حمدثنا‬
‫كافُِرو َ‬
‫إبراهيم بن يوسف حدثنا الحكم بن يعقوب عممن عيسممى بممن المسمميب عممن‬
‫يزيد الرقاشي قال‪ :‬إذا دخل الرجل القبر قامت الصلة عن يمينممه والزكمماة‬
‫ج عنه يقول‪ :‬دونكم صمماحبكم فممإن‬
‫عن شماله والبّر يطل عليه‪ ،‬والصبر يحا ّ‬
‫حججتم وإل فأنا من ورائه‪ :‬يعني إن استطعتم أن تدفعوا عنممه العممذاب وإل‬
‫أنا أكفيكم ذلك وادفع عنه العذاب‪ ،‬ففي هذه الخبار دليممل علممى أن الصممبر‬
‫أفضمل العممال واللمه تعمالى يقمول }إنمما يموّفى الصمابرو َ‬
‫ر‬
‫جَر ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ّ ُِ َ‬
‫هم ْ‬
‫ِّ َ ُ َ‬
‫م ب ِغَْيم ِ‬
‫ب{ وروى عن أبي وّراد عن محمد بن مسلمة يرفعه إلى النبي صمملى‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ٍ‬
‫الّله عليه وسلم "أن رجل ً قال يا رسول الّله ذهممب مممالي وسممقم جسمممي‪،‬‬
‫فقال النبي صلى الّله عليه وسلم "ل خير في عبد ل يذهب ماله ول يسممقم‬
‫جسمه إن الّله إذا أحب عبدا ً ابتله وإذا ابتله صممبره" وعممن علممي بممن أبممي‬
‫طالب رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬إيما رجل حبسه السمملطان ظلم ما ً فمممات‬
‫في حبسه فهو شهيد‪ ،‬فإن ضربه فمات فهو شهيد‪ .‬وروى عن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إن الرجل لتكون لمه الدرجمة عنمد الّلمه ل يبلغهما‬
‫بعمله حتى يبتلى ببلء في جسمه فيبلغها بذلك"‪ .‬وروى في الخبر "أنه لممما‬
‫م ْ‬
‫ه{ قال أبو بكر رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫جَز ب ِ ِ‬
‫سوءا ً ي ُ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫نزل قوله تعالى } َ‬
‫م ْ‬
‫عنه‪ :‬يا رسول الّله كيف الفرح بعد هذه الية؟ فقال رسول الّله صلى الّلممه‬
‫عليه وسلم‪ :‬غفر الّله لك يا أبمما بكممر‪ ،‬ألسممت تمممرض‪ ،‬أليممس يصمميبك الذى‬
‫أليس تنصب أليس تحزن؟فهذا مما تجزون به" يعنمي أن جميمع مما يصميبك‬
‫يكون كفارة لذنوبك‪ .‬وروى عن علي بن أبي طالب رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫أنه قال‪ :‬لما نزلت هذه الية خرج علينا رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫وقال‪ :‬قد أنزلت علي آية هي خير لمتي من الدنيا وما فيهمما‪ ،‬ثممم قممرأ هممذه‬

‫م ْ‬
‫ه{ ثممم قممال‪ :‬إن العبممد إذا أذنممب ذنب ما ً فتصمميبه‬
‫جَز ب ِ ِ‬
‫سوءا ً ي ُ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫الية } َ‬
‫م ْ‬
‫شدة أو بلء في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه تاليا"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬اعلم أن العبد ل يدرك منزلة الخيار‪،‬‬
‫إل بالصممبر علممى الشممدة والذى‪ ،‬وقممد أمممر الل ّممه تعممالى نممبيه عليممه الصمملة‬
‫ُ‬
‫ل{ وروى‬
‫صمب ََر أوْل ُمموا العَمْزم ِ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫صب ِْر ك َ َ‬
‫ما َ‬
‫والسلم بالصبر فقال }َفا ْ‬
‫سم ِ‬
‫مم ْ‬
‫ت رضي الّله تعالى عنه قال "أتينا رسول الّله صلى الّلممه‬
‫عن خباب بن الر ّ‬
‫عليه وسلم وهو متوسممد بممردائه فممي ظممل الكعبممة فشممكونا إليممه‪ ،‬فقلنمما يمما‬
‫رسول الّله أل تدعو الّله أل تستنصر الّله لنا فجلس محمرا ً لممونه ثممم قممال‪:‬‬
‫إن من كان قبلكم‬
‫]ص ‪[131‬‬
‫كان ليؤتى بالرجل فيحفر له في الرض حفرة ويجاء بالمنشار فيوضع على‬
‫رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه"‪ .‬وروى عن حميد عن أنممس‬
‫رضي الّله تعالى عنه عن النمبي صملى الل ّممه عليمه وسملم قمال "يمؤتى يموم‬
‫ة فيخممرج أسممود محترق مًا‪،‬‬
‫القيامة بأنعم أهل الرض فيغمس في النار غمس ً‬
‫فيقال له‪ :‬هل مّر بك نعيم قط إذ كنممت فيهمما؟ فيقممول ل لممم أزل فممي هممذا‬
‫البلء منذ خلقني‪ ،‬ويؤتى بأشد أهل الدنيا بلء فيغمممس فممي الجنممة غمسممه‪:‬‬
‫يعني يدخل فيها ساعة‪ ،‬فيخرج كأنه القمر ليلة البدر‪ ،‬فيقال له هل مر بممك‬
‫شدة قط فيقول ل لم أزل في هذا النعيم منممذ خلقنممي"‪ .‬وروى عممن سممعيد‬
‫بن جبير عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما عن النبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬أّول من يدعى إلى الجنة الحمممادون الممذين يحمممدون الل ّممه‬
‫على السراء والضراء"‪ .‬فالواجب على العبد أن يصبر علممى ممما يصمميبه مممن‬
‫الشدة ويعلم أن ما دفع الّله عنممه ممن البلء أكمثر ممما أصممابه ويحممد الّلمه‬
‫تعالى على ذلك‪ ،‬وينبغي للعبد أن يقتدي بنبيه صلى الّله عليه وسلم وينظر‬
‫إلممى صممبره علممى أذى المشممركين‪ ،‬وروى عممن عمممر بممن ميمممون عممن ابممن‬
‫مسعود رضي الّله تعالى عنه قال‪" :‬بينما رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‬
‫يصلي عند البيت وأبو جهل وأصممحابه جلمموس وقممد نحممرت جممزور بمالمس‪،‬‬
‫فقال أبو جهل لعنه الّله أيكممم يقمموم إلممى سممل الجممزور فيلقيممه علممى كتممف‬
‫محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه‪ ،‬فلما سجد النبي صمملى الّلممه‬
‫عليه وسلم وضعه بين كتفيه فاستضحكوا‪ ،‬وأنا قائم أنظممر‪ :‬قلممت‪ :‬لممو كممان‬
‫لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قممال‪ :‬والنممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم ساجد ممما يرفممع رأسممه‪ ،‬حممتى انطلممق إنسممان فممأخبر‬
‫فاطمة رضي الّله تعالى عنها‪ ،‬وجمماءت وهممي جويريممة فطرحتممه ثممم أقبلممت‬
‫عليهم تسبهم‪ ،‬فلما قضى رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم صمملته رفممع‬
‫صوته فدعا عليهم فقال‪ :‬اللهممم عليممك بقريممش ثلث مممرات‪ ،‬فلممما سمممعوا‬
‫صوته ودعاءه ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته‪ ،‬فقممال اللهممم عليممك بممأبي‬
‫جهل وعقبة وعتبة وشيبة والوليد بن المغيرة وأمممي بممن خلممف‪ .‬قممال عبيممد‬
‫الّله بن مسعود رضي الّله تعالى عنه‪ :‬والذي بعث محمدا ً بالحق لقد رأيممت‬
‫الذين سماهم صرعى يوم بدر"‪ .‬وروى عبد الّله بن الحارث عن ابن عباس‬
‫ي من النبيمماء إلممى ربممه فقممال يمما رب‬
‫رضي الّله تعالى عنهما قال‪" :‬شكا نب ٌ‬
‫العبد المؤمن يطيعك ويجتنب معاصيك تزوى عنه الممدنيا وتعممرض لممه البلء‪،‬‬
‫ويكمون العبمد الكمافر ل يطيعمك ويجمترئ علمى معاصميك تمزوى عنمه البلء‬
‫وتبسط له الدنيا؟ فأوحى الل ّممه تعممالى إليممه إن العبمماد لممي والبلء لممي وكممل‬
‫يسبح بحمدي‪ ،‬فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوى عنه الممدنيا وأعممرض‬
‫له البلء فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقاني فأجزيه بحسناته‪ ،‬ويكممون الكممافر‬
‫له السيئات فأبسط له في الرزق فممأزوى عنممه البلء حممتى يلقمماني فممأجزيه‬
‫بحسناته‪ ،‬ويكون الكافر له السيئات فأبسط له في الرزق فأزوى عنه البلء‬
‫حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته"‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد عبد الوهاب بممن محمممد‬

‫الفلني بسمرقند بإسناده عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضممي الّلمه‬
‫تعالى عنه قال‪ :‬قال‬
‫]ص ‪[132‬‬
‫رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم "إذا أراد الل ّممه بعبممد خيممرا ً أو أراد أن‬
‫يصافيه صب عليه البلء صبًا‪ ،‬وثجه عليه ثجًا‪ ،‬وإذا دعمماه قممالت الملئكممة يمما‬
‫رب صوت معروف‪ ،‬فإذا دعاه الثانيمة فقممال يما رب قممال الّلمه تعمالى لبيممك‬
‫دخممرت‬
‫وسعديك ل تسألني شيئًا! أل أعطيتك أو دفعت عنك ممما هممو شممر وا ّ‬
‫عندي لك ما هو أفضل منممه‪ ،‬فممإذا كممان يمموم القيامممة جيممء بأهممل العمممال‬
‫فوفوا أعمالهم بالميزان أهل الصلة والصمميام والصممدقة والحممج‪ ،‬ثممم يممؤتى‬
‫بأهل البلء فل ينصب لهم الميممزان ول ينشممر لهممم الممديوان ويصممب عليهممم‬
‫الجر صبا كما يصب عليهم البلء‪ ،‬فيود ّ أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت‬
‫تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون مما يذهب به أهل البلء من الثممواب‬
‫فذلك قوله تعالى }إنما يوّفى الصابرو َ‬
‫ب{ "‪ .‬ذكممر فممي‬
‫م ب ِغَي ْرِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ّ ُِ َ‬
‫ح َ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫سا ٍ‬
‫ِّ َ ُ َ‬
‫الخبر أن مؤمنما ً وكممافرا ً فممي الزمممن الّول انطلقمما يصمميدان السمممك فأخممذ‬
‫الكافر يذكر آلهته‪ ،‬فما رفع شبكته حتى أخذ سمممكا ً كممثيرًا‪ ،‬وجعممل المممؤمن‬
‫يممذكر الل ّممه فل يجيممء شمميء ثممم أصمماب سمممكة عنممد الغممروب واضممطربت‬
‫فوقعت في المماء‪ ،‬فرجمع الممؤمن وليممس معمه شميء ورجمع الكمافر وقمد‬
‫امتلت شبكته‪ ،‬فأسف ملك المؤمن الموكممل بمه‪ ،‬فلممما صممعد إلمى السمماء‬
‫أراه الّله مسكن المؤمن في الجنة فقال‪ :‬والله ما يضره ما أصممابه بعممد أن‬
‫يصير إلى هذا‪ ،‬وأراه مسكن الكافر في النار فقال‪ :‬والله ما يغنممي عنممه ممما‬
‫أصاب من الدنيا بعد أن يصير إلممى هممذا‪ ،‬ويقممال إن الل ّممه تعممالى يحتممج يمموم‬
‫القيامة بأربعة على أربعة أجناس‪ :‬يحتممج علممى الغنيمماء بسممليمان ابممن داود‬
‫ي الغنمى شمغلني عمن عبادتمك يحتمج عليمه‬
‫عليهمما السملم فمإذا قمال الغنم ّ‬
‫بسليمان ويقول له لم تكن أغنى من سليمان فلم يمنعه غناه عن عبممادتي‪،‬‬
‫ويحتج على العبيد بيوسف عليه الصلة والسمملم فيقممول العبممد كنممت عبممدا ً‬
‫والرق منعني عن عبادتك فيقول له إن يوسف عليه السلم لم يمنعممه رقممه‬
‫عن عبادتي‪ ،‬وعلى الفقراء بعيسى عليه الصلة والسلم فيقممول الفقيممر إن‬
‫حاجتي منعتني عن عبادتك فيقول أنت كنت أحوج أم عيسممى وعيسممى لممم‬
‫يمنعممه فقممره عممن عبممادتي‪ ،‬وعلممى المرضممى بممأيوب عليممه السمملم فيقممول‬
‫المريض منعني المريض عن عبادتممك فيقممول مرضممك كممان أشممد أم مممرض‬
‫أيوب عليه السلم فلم يمنعه مرضه عن عبادتي‪ ،‬فل يكون لحممد عنممد الل ّممه‬
‫عذر يوم القيامة‪ ،‬وكان الصممالحون رحمهممم الل ّممه تعممالى يفرحممون بممالمرض‬
‫والشدة لجل أن فيه كفارة للممذنوب‪ .‬وذكممر عممن أبممي الممدردار رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أنه قال‪ :‬الناس يكرهون الفقر وأنا أحبه‪ ،‬ويكرهون الممموت وأنمما‬
‫أحبه‪ ،‬ويكرهون السقم وأنا أحممب السممقم تكفيممرا ً لخطايمماي‪ ،‬وأحممب الفقممر‬
‫تواضعا ً لربي‪ ،‬وأحب الموت اشتياقا ً إلى ربي‪.‬‬
‫وروى عن ابن مسعود رضي الّله تعالى عنه عن رسول الّله صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪" :‬ثلث مممن رزقهممن فقممد رزق خيممري الممدنيا والخممرة‪:‬‬
‫الرضا بالقضاء‪ ،‬والصبر على البلء‪ ،‬والدعاء‬
‫]ص ‪[133‬‬
‫عند الرخاء" قال‪ :‬حدثنا الفقيه أبو جعفر بإسناده عن أبي هريرة رضي الّله‬
‫تعالى عنه قال‪" :‬جاء رجل إلى النبي صلى الّله عليه وسمملم وهممو مسممتلق‪،‬‬
‫فقال‪ :‬من أي شيء تشتكي؟ قال الخمص‪ .‬يعني الجوع‪ ،‬فبكمى الرجمل ثمم‬
‫ذهب يعمل فاستقى لرجل دلء كل دلو بتمرة‪ ،‬ثم جاء إلى النبي صلى الّله‬
‫عليه وسلم بشيء من تمر‪ ،‬فقال ما أراك فعلت هذا إل وأنت تحبني‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إي والله إني لحبك‪ :‬قال إن كنت صادقا ً فأعد للبلء جلباب مًا‪ ،‬فممو الل ّممه للبلء‬
‫أسرع إلى من يحبني من السيل‪ ،‬من أعلممى الجبممل إلممى الحضمميض" وعممن‬

‫عقبة بن عامر رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪" :‬إذا رأيتم الرجل يعطيه الّله تعالى ما يحب وهو مقيمم علمى معصميته‬
‫ما ذ ُك ّمُروا‬
‫ما ن َ ُ‬
‫سوا َ‬
‫فاعلموا أن ذلك استدراج‪ ،‬ثم قرأ قول الّله عز وجل }فَل َ ّ‬
‫به فَتحنا ع َل َيه َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء{ " يعنممي لممما تركمموا ممما أمممروا بممه فتحنمما‬
‫ِ ِ َ ْ َ‬
‫وا َ‬
‫ِْ ْ‬
‫شم ْ‬
‫م أب ْ َ‬
‫ُ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫ما أوُتوا{ يعني بما أعطوا مممن الخيممر‬
‫ذا فَرِ ُ‬
‫عليهم أبواب الخير } َ‬
‫حوا ب ِ َ‬
‫ة{ يعني فجأة }فَإ ِ َ‬
‫ن{ يعنممي آيسممين مممن كممل خيممر‪.‬‬
‫}أ َ َ‬
‫م ب َغْت َ ً‬
‫سو َ‬
‫مب ْل ِ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫خذ َْناهُ ْ‬
‫وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم "أنه‬
‫سأل أي الناس أشد بلء؟ قال النبياء ثممم الصممالحون ثممم المثممل فالمثممل"‬
‫ويقال ثلث من كنوز البر‪ :‬كتمان الصدقة وكتمان الوجع‪ ،‬وكتمان المصمميبة‪.‬‬
‫وذكر عن وهب بن منبه أنه قال‪ :‬كتبت من كتاب رجل مممن الحممواريين‪ .‬إذا‬
‫سلك بك سبيل البلء فقر عينا ً فإن يسلك بممك سممبيل النبيمماء والصممالحون‪،‬‬
‫وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على نفسك فقد خولف بك عممن سممبيلهم‪.‬‬
‫وذكر أن الّله تعالى أوحى إلى موسى بن عمممران عليممه السمملم نحممو هممذا‪.‬‬
‫وذكر عن فتح الموصلي رحمه الّلمه تعمالى أنمه أصمابته خصاصمة فمي أهلمه‬
‫فقال‪ :‬إلهي ليتني علمت بأي عمل ألزمتني بهذا حتى ازداد من ذلك‪ .‬وروى‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من ق ّ‬
‫ل ماله وكثر عياله وحسنت‬
‫صلته ولم يغتب المسلمين جاء معممي يمموم القيامممة هكممذا وجمممع أصممبعيه"‬
‫وروى عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه قممال "والممذي ل إلممه‬
‫إل هو إني كنت لعتمد بكبممدي علممى الرض مممن الجمموع وإنممي كنممت لشممد‬
‫الحجممر علممى بطنممي مممن الجمموع ولقممد قعممدت يوم ما ً علممى طريقهممم الممذي‬
‫يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الل ّممه تعممالى ممما سممألته‬
‫عنها إل ليستتبعني‪ :‬يعني لكي يذهب بي إلى منزله‪ ،‬فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مّر‬
‫بي عمر فسألته عن آية ما سألته عنها إل ليستتبعني فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مر‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فتبسم حين رآنممي وعممرف ممما فممي نفسممي ثممم‬
‫قال‪ :‬يا أبا هريرة‪ ،‬قلت لبيك يا رسول الّله قال‪ :‬إلحق بي ومضمى‪ ،‬فمماتبعته‬
‫واستأذنت فأذن لي‪ ،‬فدخلت فوجدت لبنا ُ فممي قممدح‪ ،‬فقممال مممن أيممن هممذا؟‬
‫قالوا أهداه لك فلن أو فلنة‪ ،‬قال يا أبا هريرة قلت لبيك‪ ،‬قال إلحق بأهممل‬
‫الصفة وادعهم إلي فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت‬
‫أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها‬
‫]ص ‪[134‬‬
‫ولكن لم يكن بد من طاعة الّله وطاعة رسوله‪ ،‬فانتهيت فممدعوتهم فممأقبلوا‬
‫حتى استأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم‪ ،‬فقال يا أبا هريرة خذ وأعطهم‪،‬‬
‫ي‬
‫فأخذت القدح فجعلت أعطممي الرجممل فيشممرب حممتى يمروى ثممم يمرد علم ّ‬
‫القدح حتى انتهيت إلى رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وقممد روى القمموم‬
‫كلهم‪ ،‬فأخذ القدح ووضعه على يممديه فقممال‪ :‬يمما أبمما هريممرة‪ ،‬قلممت لبيممك يمما‬
‫رسول الله‪ ،‬قال بقيت أنا وأنت‪ ،‬قلت صممدقت يمما رسممول اللممه‪ ،‬قممال أقعممد‬
‫واشرب‪ ،‬فقعدت وشممربت‪ ،‬قممال إشممرب فشممربت فممما زال يقممول إشممرب‬
‫فأشرب حتى قلت والذي بعثك بالحق نبيا ً ما أجممد مسمملكا ً فمأعطيته القممدح‬
‫فحمد الّله وشرب النبي صلى الّله عليه وسلم الفضل"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬كان أصحاب رسول الّله صلى الّله عليه‬
‫وسلم في شدة من أذى الكفار ومن الجوع‪ ،‬فصبروا على ذلممك حممتى فممرج‬
‫الّله عنهم‪ ،‬وكل من صبر فرج الل ّممه عنهممم فممإن الفممرج مممع الصممبر وإن مممع‬
‫العسر يسرا‪ ،‬وكان الصالحون رحمهم الّله يفرحون بالشدة لما يرجون من‬
‫ثوابها‪ .‬وروى عن عثمان بن عبد الحميد بن لحق عممن أبيممه عممن جممده عممن‬
‫مسلم بن يسار قال‪ :‬قمدمت البحريمن فأضمافتني اممرأة لهما بنمون ورقيممق‬
‫ومال ويسار‪ ،‬فكنت أراها محزونة‪ ،‬فلما خرجت مممن عنممدها قلممت لهمما ألممك‬
‫حاجة؟ قالت نعم‪ ،‬إن أنت قدمت بلدتنا هذه أن تنزل علي‪ ،‬فغبت عنها كذا‬
‫وكذا سنة ثم أتيتها فلم أر ببابها إنسيًا‪ ،‬فاستأذنت عليهمما فممإذا هممي ضمماحكة‬

‫مسرورة‪ ،‬قلت لها ما شأنك؟ قالت إنك لما غبت عنا لم نرسل فممي البحممر‬
‫شيئا ً إل غرق ول في البر إل عطب وذهب الرقيق ومات البنون‪ ،‬فقلت لهمما‬
‫يرحمك الله‪ ،‬رأيتك محزونممة فممي ذلممك اليمموم ومسممرورة فممي هممذا اليمموم؟‬
‫فقالت نعم إني لما كنت فيه مممن سمميئة الممدنيا خشمميت أن يكممون الل ّممه قممد‬
‫عجل حسناتي في الدنيا‪ ،‬فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي رجوت أن يكممون‬
‫الّله قد ادخر الّله لي عنده خيممرا ً ففرخممت‪ .‬وروى الحسممن البصممري رحمممه‬
‫الل ّممه تعممالى أن رجل ً مممن الصممحابة رأى امممرأة كممان يعرفهمما فممي الجاهليممة‬
‫فكلمها ثم تركها‪ ،‬فجعل الرجل يلتفت وهي تمشي فصدمه حائط فأثر فممي‬
‫وجهه فأتى النبي فأخبره فقال النبي صلى الّله عليممه وسمملم "إذا أراد الل ّممه‬
‫بعبد خيرا ً عجل عقوبته في الدنيا" وعن علممي بممن أبممي طممالب رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه أنه قال‪ :‬أل أخبركم بأرجى آية في كتاب الّله تعالى؟ قممالوا بلممى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر{‬
‫م وَي َعْ ُ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫صيب َةٍ فَب ِ َ‬
‫ن ُ‬
‫صاب َك ُ ْ‬
‫فقرأ عليهم }وَ َ‬
‫ما أ َ‬
‫فو ع َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ك َِثيمم ٍ‬
‫فالمصائب في الدنيا بكسب الوزار فإذا عاقبه الّله في الممدنيا فممالله أكممرم‬
‫من أن يعذبه ثانيًا‪ ،‬إذا عفما عنمه فمي المدنيا فهمو أكمرم ممن أن يعمذبه يموم‬
‫القيامة‪ .‬وروت عائشة رضي الّله تعالى عنها عممن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال "ما يصيب المؤمن مصيبة حممتى شمموكة فممما فوقهمما إل‬
‫حط الّله عنه بها خطيئة"‪.‬‬
‫]ص ‪[135‬‬
‫باب الصبر على المصيبة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا الفقيممه‬
‫أبو جعفر حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الرحمن القممارئ حممدثنا إبراهيممم‬
‫بن إسحاق القاضي بالكوفة حدثنا محمد بن عاصم صاحب الحكايات حممدثنا‬
‫سليمان بن عمرو عن مجاهد بن الحسن عن عبممد الرحمممن بممن غممانم عممن‬
‫معاذ بن جبل رضي الّله تعالى عنه قال "مات ابن لممي فكتممب إلممى رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم من محمد رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫إلى معاذ بن جبل السلم عليك فإني أحمد الّله الذي ل إله إل هو‪ .‬أما بعممد‪،‬‬
‫فعظم الّله لك الجر وألهمك الصبر ورزقنمما وإيمماك الشممكر‪ ،‬ثممم إن نفوسممنا‬
‫وأموالنمما وأهالينمما وأولدنمما وأممموالهم مممن مممواهب الّلممه الهنيئة وعممواريه‬
‫المستودعة نتمتع بها إلى أجل معدود ويقبضها لمموقت معلمموم‪ ،‬ثممم افممترض‬
‫الّله علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا ابتلى وكمان ابنمك همذا ممن ممواهب‬
‫الّله الهنيئة وعواريه المستودعة متعك الّله بممه فممي غبطممة وسممرور وقبضممه‬
‫بأجر كبير إن صبرت واحتسبت‪ ،‬فل تجمعنا عليك يا معاذ أن يحبممط جزعممك‬
‫أجرك فتندم على ممما فاتممك‪ ،‬فلممو قممدمت علممى ثممواب مصمميبتك عرفممت أن‬
‫المصمميبة قممد قصممرت عنممه‪ .‬واعلممم أن الجممزع ل يممرد ميت ما ً ول يممدفع حزن ما ً‬
‫فليذهب عنك أسفك بما هو نازل بك فكأنك قد نزل بك والسلم"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬معنى قوله "فليذهب عنك أسفك بما‬
‫هو نازل بك" يعني تفكر في الموت الذي هو نازل بمك حمتى يمذهب حزنمك‬
‫فكأن قد يعني كأنه قد جاء الموت لن الرجممل إذا تفكممر فممي ممموت نفسممه‬
‫وعلم أنه يموت عن قريب فل يجزع له‪ ،‬لن الجزع ل يرد ّ ميتا ويبطل ثواب‬
‫المصيبة‪ ،‬لن الذي يجزع على المصيبة إنما يشكو ربه ويممرد قضمماءه‪ .‬قممال‪:‬‬
‫أخبرني أبو حميد عبد الوهاب العسقلني بسمرقند حممدثنا محمممد بممن علممي‬
‫حدثنا الخزاعي حدثنا إبراهيم بن سليمان المصري عن علي بن حميممد عممن‬
‫وهب ابن أرشد عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه‬
‫قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "من أصممبح حزينما ً علممى الممدنيا‬
‫أصبح ساخطا ً على ربه‪ ،‬ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الل ّممه‬
‫تعالى‪ ،‬ومن تواضع لغنى لينال ما فممي يممده أحبممط الل ّممه ثلممثي عملممه‪ ،‬ومممن‬
‫أعطى القرآن فدخل النار أبعده الّله مممن رحمتممه" يعنممي مممن أعطمماه الل ّممه‬
‫القرآن ولم يعمل بما فيه وتهاون حتى دخل النار أبعده الّله من رحمته لنه‬

‫هو الذي فعل بنفسه حيث لم يعرف حرمة القممرآن‪ ،‬وقممال وهممب بممن منبممه‬
‫رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وجدت في التوراة أربعة أسطر متواليات‪ :‬أحدها من‬
‫قرء كتاب الّله تعالى فظن أنه لم يغفر له فهو من المستهزئين بآيات الّلممه‬
‫تعالى‪ ،‬والثاني من شكى مصيبة نزلت بمه فإنممما يشممكو ربممه‪ ،‬والثممالث ممن‬
‫حزن على ما فاته‬
‫]ص ‪[136‬‬
‫فقد سخط على قضاء ربه‪ ،‬والرابع من تواضع لغنى ذهب ثلثمما دينممه‪ :‬يعنممي‬
‫نقص من يقينه‪ .‬وروى أبو هريرة رضي الل ّممه تعممالى عنممه عممن رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من مات له ثلث أولد لم يلج النار إل ّ تحلة‬
‫م إ ِل ّ َوارِد ُهَمما{ اليممة‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫القسم" يعني أن الل ّممه تبممارك وتعممالى قممال }وَإ ِ ْ‬
‫من ْك ُم ْ‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬ما من مسلم يصاب‬
‫بمصيبة وإن قدم عهدها فأحدث لهمما اسممترجاعها إل أحممدث الل ّممه لممه مثلممه"‬
‫يعني مثل أجره والله أعلممم‪ ،‬وأعطمماه مثممل ذلممك الجممر الممذي أعطمماه يمموم‬
‫أصيب به‪ ،‬وذكر عن عثمان بن عفان رضي الّله تعالى عنممه أنممه قممال‪ :‬كممان‬
‫إذا ولد له ولد أخذه يوم السابع‪ ،‬فسئل عن ذلك فقال‪ :‬إنممي أحممب أن يقممع‬
‫له في قلبي شيء من المحبمة فمإن ممات كمان أعظمم لجمري‪ .‬وروى عمن‬
‫أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه "أن رجل ً كان يجيء بصبي له معه إلى‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬ثم إن الغلم توفي فاحتبس والده‪ ،‬فلما‬
‫فقده رسول الّله صلى الّله عليه وسلم سممأل عنممه فقممالوا يمما رسممول الل ّممه‬
‫مات صبيه الذي رأيته‪ .‬قال‪ :‬فهل آذنتموني به‪ :‬يعني أخبرتموني‪ ،‬قوموا إلى‬
‫أخينا نعزيه‪ ،‬فلما دخل عليه النبي صلى الّله عليه وسمملم إذا الرجممل حزيممن‬
‫وبه كآبة فقال‪ :‬يا رسول الّله إني كنت أرجوه لكممبر سممني وضممعفي‪ ،‬فقممال‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أما يسرك أن تأتي يوم القيامة فيقال له‬
‫ادخل الجنة فيقول يا رب أبممواي‪ ،‬فيقممال لممه ادخممل الجنممة ثلث مممرات‪ .‬فل‬
‫يزال يشفع حتى يشفعه الّله تعالى ويدخلكم الجنة جميع مًا" فممذهب الحممزن‬
‫عن الرجل‪ ،‬ففي هذا الخبر دليل علممى أن التعزيممة سممنة إذا أصمماب الرجممل‬
‫مصيبة ينبغي لخوانه أن يعزوه‪.‬‬
‫)قال الفقيه(‪ :‬حدثني أبي رحمه الّله تعالى بإسناده عن الحسن البصري‬
‫رحمه الّله تعالى قال‪ :‬سأل موسى عليه السمملم ربممه عممز وجممل فقممال أي‬
‫رب ما لعائد المريض من الجر؟ قال‪ :‬أخرجه من ذنوبه كيمموم ولممدته أمممه‪،‬‬
‫قال أي رب فما لمشيع الموتى من الجممر؟ قممال أبعممث عنممد ممموته ملئكممة‬
‫يشيعونه إلى قبره برايات ثم إلى المحشر‪ ،‬قال أي رب ما لمعزي المبتلي‬
‫من الجر؟ قال أظله في ظلي يوم ل ظم ّ‬
‫ل إل ظلممي" يعنممي ظممل العممرش‪.‬‬
‫وروى أبان ابن صالح عن عمير عن أنس بن مالك رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ما تجّرع عبد قط جرعممتين أحممب‬
‫دها بحلم وجرعة مصيبة يصبر الرجل عليها‪ ،‬ول‬
‫إلى الّله من جرعة غضب ر ّ‬
‫قطرت قطرتان أحب إلى الّله من قطرة دم في سممبيل الل ّممه وقطممرة فممي‬
‫سواد الليل وهو ساجد ل يراه إل الّله تعالى‪ ،‬وما خطا عبممد خطمموتين أحممب‬
‫إلى الّله من خطوة إلى الصلة المفروضة وخطوة إلى صلة الرحم"‪ .‬وعممن‬
‫أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنه أنممه قممال‪ :‬تمموفي ابممن لسممليمان بممن داود‬
‫عليهما الصلة والسلم فوجد عليه وجدا شممديدا ً فأتمماه ملكممان فجلسمما بيممن‬
‫يديه بزي الخصوم‪ ،‬فقال أحدهما بذرت بذرا ولممم أستحصممده فممّر بممه هممذا‬
‫فأفسده‪ .‬فقال للخر ما تقول؟ قال أخذت الجادة فأتيت على زرع فرميت‬
‫يمينا ً وشمال ً فإذا الطريق عليه‪،‬‬
‫]ص ‪[137‬‬
‫فقال سليمان ولم بذرت علممى الطريممق؟ أممما علمممت أن لبمد ّ للنمماس مممن‬
‫الطريق؟ فقال له الملك ولم تحممزن علممى ولممدك؟ أممما علمممت أن الممموت‬

‫سبيل الخرة‪ .‬وذكر في الخبر أن سليمان صلوات الّله وسمملمه عليممه تمماب‬
‫إلى ربه ولم يجزع على ولده بعد ذلك‪ .‬وذكر عن عبد الّله ابن عباس رضي‬
‫الّله تعالى عنهما أنه نعى إليه ابنة له وهو فممي السممفر فاسممترجع ثممم قممال‪:‬‬
‫ي‪ ،‬ثم نزل فصلى‬
‫عورة سترها الّله ومؤنة كفاها الّله وأجر قد ساقه الّله إل ّ‬
‫ر‬
‫ركعتين ثم قال‪ :‬قد صنعنا ما أمرنا الّله تعممالى بممه قممال }ا ْ‬
‫س مت َِعيُنوا ِبال ّ‬
‫ص مب ْ ِ‬
‫ة{ وعن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬ليسترجع أحدكم في‬
‫صل ِ‬
‫َوال ّ‬
‫شسع نعله إذا انقطع فإنها من المصائب" وقال حدثنا أبو الحسن أحمد بممن‬
‫حمدان حدثنا أحمد بن الحرث حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن ربيعة عن‬
‫أبي عبد الرحمن عن أم سلمة رضي الّله تعالى عنها أن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم قال‪" :‬من أصيب بمصيبة فقال كما أمر الّله تعالى‪}.‬إ ِّنا ل ِل ّهِ وَإ ِّنا‬
‫ن{ اللهم أؤجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها فعل الّله ذلك‬
‫جُعو َ‬
‫إ ِل َي ْهِ َرا ِ‬
‫به" فقالت أم سلمة رضي الّله تعالى عنها لمما تموفي أبمو سملمة قلتمه ثمم‬
‫قلت ومن لي مثل أبي سلمة فأعقبها الّله تعالى برسوله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم فتزّوجها‪ .‬وروى صالح بن محممد بإسممناده عمن أنممس بمن مالممك عمن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال "الضممرب علممى الفخممذ عنممد المصمميبة‬
‫يحبط الجر‪ ،‬والصبر عند الصدمة الولى يعظممم الجممر وعظممم الجممر علممى‬
‫قدر عظم المصيبة‪ ،‬وعن استرجع بعد المصيبة جممدد الل ّممه لممه أجرهمما كيمموم‬
‫أصيب بها"‪.‬‬
‫)قال الفقيه(‪ :‬رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للعاقل أن يتفكممر فممي ثمواب‬
‫المصيبة إذا استقبله يوم القيامة يود ّ أن يكمون جميمع أقماربه وجميمع أولده‬
‫ماتوا قبله لينال الجر وثواب المصيبة‪ ،‬وقد وعد الل ّممه تعممالى فممي المصمميبة‬
‫م{ يعنممي‬
‫ثوابا ً عظيما ً إذا صبر واحتسب‪ ،‬وهممو قممول الل ّممه تعممالى }وَل َن َب ْل ُموَن ّك ُ ْ‬
‫لنختبرنكم‪ ،‬والختبار من الّله تعالى إظهار ما يعلم به الغيممب }ب ِ َ‬
‫ن‬
‫يٍء ِ‬
‫مم ْ‬
‫شم ْ‬
‫ن‬
‫جوِع{ يعنممي المجاعممة }وَن َ ْ‬
‫ال َ‬
‫ص ِ‬
‫ف{ يعني مخافة قتال العدوّ }َوال ُ‬
‫خو ْ ِ‬
‫مم ْ‬
‫قم ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س{ يعنممي الوجمماع والمممراض مممن‬
‫ل{ يعني ذهاب أممموالهم }َوالن ُ‬
‫ال ْ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫فم ِ‬
‫ت{ ويعنممي ل تخممرج الثمممرات كممما كممانت تخممرج‬
‫ممَرا ِ‬
‫القتل أو الموت }َوالث ّ َ‬
‫ن إِ َ‬
‫}وَب َ ّ‬
‫ذا‬
‫ن{ على الرزيات والمصائب‪ ،‬ثممم نعتهممم فقممال }ال ّم ِ‬
‫شْر ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ن{ "إنما للمه" يعنمي نحمن عبيمد‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫جُعو َ‬
‫ة َقاُلوا إ ِّنا ل ِل ّهِ وَإ ِّنا إ ِل َي ْهِ َرا ِ‬
‫م ُ‬
‫صاب َت ْهُ ْ‬
‫أ َ‬
‫الّله وفي ملكه وفي قبضته إن عشممنا فعليممه أرزاقنمما وإن متنمما فممإليه مآبنمما‬
‫دنا "وإنا إليه راجعممون" يعنممي بعممد الممموت‪ ،‬فممالواجب علينمما أن نرضممى‬
‫ومر ّ‬
‫ُ‬
‫بحكمه فإن لم نرض بحكمه فل يرضى عنمما إذا رجعنمما إليممه }أوْل َئ ِ َ‬
‫ك{ يعنممي‬
‫م{ والصمملوات جمممع الصمملة‪.‬‬
‫ت ِ‬
‫ن َرب ّهِم ْ‬
‫وا ٌ‬
‫أهل هممذه الصممفة }ع َل َي ْهِم ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ص مل َ َ‬
‫من الّله تعمالى علممى ثلثمة أوجمه‪ :‬توفيمق الطاعممة‪ ،‬والعصمممة ممن‬
‫والصلة ْ‬
‫الذنوب‪ ،‬والمغفرة‪ ،‬فهذا تفسير الصلة الواحدة‪ ،‬وأما الصمملوات فل يعممرف‬
‫ة{ يعنممي ورحمممة مممن الّلممه‬
‫ممم ٌ‬
‫منتهاهمما إل الّلممه تعممالى‪ ،‬ثممم قممال }وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫تعالى}وَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن{ إلى السترجاع‪:‬‬
‫دو َ‬
‫مهْت َ ُ‬
‫م ال ُ‬
‫ك هُ ْ‬
‫]ص ‪[138‬‬
‫يعنمي وفقهمم الّلمه لمذلك‪ .‬وروى عمن سمعيد بمن جمبير أنمه قمال‪ :‬لمم يكمن‬
‫السترجاع إل لهذه المة‪ ،‬ولو أعطى لحد لعطى يعقوب‪ ،‬أل ترى أنه قممال‬
‫َ‬
‫ف{‪.‬‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫فى ع ََلى ُيو ُ‬
‫}َيا أ َ‬
‫وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الّله تعال عنه أنممه‬
‫قال‪ :‬نعم العدلن ونعم العلوة }أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ة{‬
‫مم ٌ‬
‫ت ِ‬
‫م وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َرب ّهِ م ْ‬
‫وا ٌ‬
‫ك ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫صل َ َ‬
‫فهذان العدلن }وَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن{ فهذه العلوة‪ .‬وروى "أنه لما مممات‬
‫دو َ‬
‫مهْت َ ُ‬
‫م ال ُ‬
‫ك هُ ْ‬
‫إبراهيم بن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم بكى رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم وذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن يا رسول الّله تبكممي أو لممم‬
‫تنه عن البكاء؟ قال ل‪ ،‬ولكن نهيت عن النوح والغناء وعن صوتين أحمقيممن‬
‫فاجرين‪ ،‬وعن خمش الوجوه وشق الجيوب ورنممة الشمميطان‪ ،‬وعممن صمموت‬
‫الغناء فإنه لعب ولهممو ومزاميممر الشمميطان‪ ،‬ولكممن هممذه رحمممة جعلهمما الل ّممه‬

‫تعالى في قلوب الرحماء‪ ،‬ومن ل يرحم ل يرحممم‪ ،‬ثممم قممال‪ :‬القلممب يحممزن‬
‫دس"‪ .‬وروى الحسممن‬
‫والعين تدمع ول نقممول ممما يسممخط الممرب تعممالى وتقم ّ‬
‫البصري أنه قال‪ :‬إن الّله تعالى رفمع عنكممم الخطممأ والنسميان ومما أكرهتممم‬
‫عليه وما ل تطيقون وأحل لكم في حال الضرورة أشياء مما حممرم عليكممم‪،‬‬
‫وأعطاكم خمسًا‪ :‬أعطاكم الممدنيا فضمل ً وسممألكموها قرضما ً فممما أعطيتممموه‬
‫منها طيبة بها نفسكم جعل لكم التضعيف من عشرة إلى سبعمائة إلى ممما‬
‫ل يحصيه غيره‪ ،‬والثاني أخذ منكم كرها ً فاحتسبتم وصبرتم ثم جعل لكم به‬
‫الصلة والرحمة لقوله تعالى }أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ة{‪،‬‬
‫مم ٌ‬
‫ت ِ‬
‫م وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َرب ّهِم ْ‬
‫وا ٌ‬
‫ك ع َل َي ْهِم ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ص مل َ َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫م{‪ ،‬والرابع لو أساء مسيئكم حتى تبلغ ذنمموبه‬
‫م لِزيد َن ّك ُ ْ‬
‫شك َْرت ُ ْ‬
‫والثالث }ل َئ ِ ْ‬
‫ن‬
‫ن الل ّممه ي ُ ِ‬
‫حم ّ‬
‫الكفر ثم تاب فإنه يتوب عليممه ويحبممه حيممث قممال }إ ِ ّ‬
‫واِبي َ‬
‫ب الت ّم ّ‬
‫ن{ والخامس لو أعطى جبريل وميكائيل ما أعطاكم لكممان‬
‫وَي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ب ال ُ‬
‫ري َ‬
‫مت َط َهّ ِ‬
‫َ‬
‫م{‪.‬‬
‫قد أجزل لهما فقال }اد ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫وروى عن يحيى بن جابر الطائي أن رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫دم رجل شيئا ً بين يديه أحب إليه ول هو فيه أعظم أجرا ً من ولد‬
‫قال‪" :‬ما ق ّ‬
‫قدمه بين يديه ابن اثنتي عشرة سنة" ويقممال الصممبر عنممد الصممدمة الولممى‬
‫وإذا مضى عليه وقت يصبر إن شاء أو أبى‪ ،‬فالعاقل من صممبر بممأّول مممرة"‬
‫وروى عن ابن المبارك رحمه الّله تعالى أنه مات له ابن قمّر بممه مجوسممي‬
‫يعزيه فقال له‪ :‬ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهممل بعممد خمسممة‬
‫أيام‪ ،‬فقال ابن المبارك اكتبوا هذا منه‪ .‬وروى عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "من عّزى مصابا ً كان له مثل أجره"‪ .‬وروى عنه صمملى الّلممه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪" :‬الصبر ثلثة‪ :‬صبر على الطاعة‪ ،‬وصبر على المصيبة‪،‬‬
‫دهمما بحسممن عزائهمما‬
‫وصبر على المعصية‪ ،‬فمن صبر على المصمميبة حممتى ير ّ‬
‫كتب الّله له ثلثمائة درجة‪ .‬ومن صبر علممى الطاعممة كتممب الل ّممه لمه سممتمائة‬
‫درجة‪ ،‬ومن صبر عن المعصية كتب الّله له تسعمائة درجة"‪ .‬وروى عن ابن‬
‫عباس رضي الّله تعالى عنهما أنه قال‪" :‬أّول شمميء كتبممه الل ّممه تعممالى فممي‬
‫اللوح المحفوظ‪ :‬إني أنا الّله ل إله إل أنا ومحمد‬
‫]ص ‪[139‬‬
‫رسولي‪ ،‬من استسلم لقضائي وصبر على بلئي وشممكر لممي نعمممائي كتبتممه‬
‫صديقا ً وبعثته يوم القيامة مع الصديقين‪ ،‬ومممن لممم يستسمملم لقضممائي ولممم‬
‫يصبر على بلئي ولم يشكر لنعمائي فليتخذ إلها ً سوائي" قال ابن المبارك‪:‬‬
‫المصيبة واحدة فإذا جممزع صمماحبها صممارت اثنممتين‪ :‬يعنممي صممارت المصمميبة‬
‫اثنممتين أحممدهما المصمميبة والثانيممة ذهمماب أجممر المصمميبة وهممو أعظممم مممن‬
‫ي بممن أبممي طممالب كمّرم الل ّممه وجهممه عممن‬
‫المصيبة‪ .‬وروى في الخبر عن عل ّ‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم أنممه قممال‪" :‬مممن أصممابته مصمميبة فليممذكر‬
‫مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب" وروى عنه أيضا ً كرم الّله وجهه عممن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬من اشممتاق إلممى الجنممة سممارع‬
‫إلى الخيرات‪ ،‬ومن أشفق من النار لها عن الشهوات‪ ،‬ومن راقممب الممموت‬
‫ترك اللذات‪ ،‬ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب" وذكر أن في بعممض‬
‫الكتب مكتوبا ً ستة أسطر‪ :‬في السطر الّول من أصممبح حزين ما ً علممى الممدنيا‬
‫أصبح ساخطا ً على الله‪ ،‬وفي الثاني من شكا مصيبة نزلت به فإنممما يشممكو‬
‫ربه‪ ،‬وفي الثالث من ل يبالي من أي باب أتاه رزقه ل يبالي مممن أي أبممواب‬
‫النار أدخله الله‪ ،‬وفي الرابع من أتى خطيئة وهممو يضممحك دخممل النممار وهممو‬
‫يبكي‪ ،‬وفي الخامس من كان أكبر همه الشهوات نممزع الل ّممه خمموف الخممرة‬
‫من قلبه‪ ،‬وفي السادس من تواضممع لغنممى لجممل دنيمماه أصممبح والفقممر بيممن‬
‫‪.‬‬
‫عينيه‪.‬‬
‫باب فضل الوضوء‬

‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الرحمن القارئ حممدثنا أبممو العبمماس‬
‫الفضل بن الحكم النيسابوري حدثنا يزيممد بمن عبممد الل ّممه حممدثنا عكرمممة بمن‬
‫عمار حدثنا شداد بن عبد الّله الدمشقي حدثنا أبو أمامة الباهلي قال "قلت‬
‫لعمرو بن عنبسة ليّ شيء تدعى رابع السلم؟ قال إني كنت أرى النمماس‬
‫علممى الضممللة ول أرى الوثممان شمميئا ً ثممم سمممعت رجل ً يخممبر أخبممارا ً بمكممة‬
‫فركبت راحلتي حتى قدمت مكة فإذا رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫مستخف وإذا قومه عليه حواء‪ .‬فتلطفت له فدخلت عليه فقلت مممن أنممت؟‬
‫ي‪ ،‬فقلت وما النبي قال رسول الله‪ ،‬فقلمت الّلمه أرسملك؟ قمال‬
‫فقال أنا نب ّ‬
‫نعم‪ ،‬فقلت بأي شيء أرسمملك؟ قممال بممأن نوحممد الل ّممه ول نشممرك بممه شمميئا ً‬
‫وكسر الوثان وصلة الرحم‪ :‬فقلت له ومن معك على هذا المر؟ قممال حممر‬
‫وعبد‪ ،‬وإذا معه أبو بكر وبلل؟ قلت فإني لتبعممك؟ قممال إنممك لممن تسممتطيع‬
‫ذلك يومك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بأن قدي ظهرت فممالحق‬
‫بي‪ ،‬فرجعت إلى أهلي وقد أسلمت‪ .‬قال عمرو بممن عنبسممة‪ :‬ولقممد رأيتنممي‬
‫فمي ذلمك اليمموم وأنما رابمع السملم يعنمي لمم يكممن فممي ذلمك الموقت ممن‬
‫المسلمين إل أربعة‪ ،‬فخرج رسول الّله صلى الّله عليه وسلم مهمماجرا ً إلممى‬
‫المدينة‪ ،‬فركبت راحلتي حتى قدمت على المدينة فممدخلت عليممه فقلممت يمما‬
‫رسول الّله أتعرفني؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ألست الذي أتيتني بمكة؟‬
‫]ص ‪[140‬‬
‫قلت يا رسول الّله علمني مما علمك الّلمه تعمالى؟ قمال إذا صمليت الصممبح‬
‫فأقصر عن الصلة حتى تطلع الشمس‪ ،‬فإذا طلعممت فل تصم ّ‬
‫ل حت ّممى ترتفممع‬
‫فإنها تطلع بين قرني الشيطان وحينئذ يسجد لها الكفار‪ ،‬فإذا ارتفعت قممدر‬
‫رمح أو رمحين فص ّ‬
‫ل فإن الصلة مشهودة محضورة حممتى يسممتقبل الرمممح‬
‫للظل‪ ،‬ثم أقصر عن الصلة فإنها حينئذ تسجر جهنم‪ ،‬فإذا فاء الفيممء فممأت‬
‫الصلة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر‪ ،‬فممإذا صممليت العصممر فأقصممر‬
‫عن الصلة حتى تغرب الشمس فإنهما تغممرب بيممن قرنممي الشمميطان وحينئذ‬
‫يسجد لها الكفار‪ .‬قال قلت يا نبي الّله أخبرني عن الوضوء؟ قال ما منكممم‬
‫من رجل يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر إل خرجت خطايمما‬
‫فيه وخياشيمه مع الماء حين يستنثر‪ ،‬ثم يغسل وجهه كما أمره الّله تعممالى‬
‫إل خرجت خطايا وجهه مع الماء‪ ،‬ثم يغسل يديه إلى المرفقيممن كممما أمممره‬
‫الّله تعالى إل خرجت خطايا يديه من أطراف أنامله مممع الممماء‪ ،‬ثممم يمسممح‬
‫رأسه كما أمره الّله تعالى إل خرجت خطايا رأسه من أطممراف شممعره مممع‬
‫الماء‪ ،‬ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الّله تعالى إل خرجممت خطايمما‬
‫قدميه من أطراف أصابعه مع الماء‪ ،‬ثم يقوم فيحمد الّله تعالى ويثني عليه‬
‫بالذي هو له أهل ثم يركع ركعتين إل انصرف من ذنوبه كيوم ولدته أمه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه حدثنا محمد بن الفضل حمدثنا محممد‬
‫بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا إسماعيل بن جعفر عممن العلء بممن‬
‫عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه أن النبي صلى الّله عليممه‬
‫وسلم قممال "أل أدلكممم علممى مما يمحممو الل ّممه تعممالى بمه الخطايما وترفممع بمه‬
‫الدرجات؟ قالوا بلى يا رسممول اللممه‪ ،‬قممال إسممباغ الوضمموء فممي السممبرات‪،‬‬
‫والصبر على المكاره‪ ،‬وكممثرة الخطمما إلممى المسمماجد‪ ،‬وانتظممار الصمملة بعممد‬
‫الصلة‪ ،‬فذلكم الرباط" يعني الحصن من العدّو‪ ،‬ويقال يعني فضل الربمماط‬
‫الذي يرابط في سبيل الّله تعالى‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثني أبي رحمه الّله بإسممناده عممن‬
‫عبد الّله بن سلم قال‪ :‬وجدت في بعممض مما أنممزل الّلمه عممز وجممل أن ممن‬
‫توضأ من كل حدث ولم يكن دخال على النساء في البيوت ولم يكسب مال ً‬
‫بغير حق رزق من الدنيا بغير حساب‪ .‬وروى أبمو هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪" :‬من بات طمماهرا ً فممي شممعار‬

‫طاهر بات ومعه ملك في شعاره فل يستيقظ ساعة من الليممل إل قممال لممه‬
‫الملك اللهم اغفر لعبدك فلن فإنه بات طاهرًا" وعن عمران بن أبان قال‪:‬‬
‫رأيت عثمان بن عفممان توضممأ فممأفرغ الممماء علممى يممديه ثلثما ً فغسمملهما ثممم‬
‫تمضمض واستنشق ثلثا ً ثم غسل وجهممه ثلثمما ثممم غسممل يممده اليمنممى إلممى‬
‫المرفقين ثلثا ً ثم اليسرى ثلثا ً ثم مسمح رأسمه ثمم غسمل قمدميه ثلثما ً ثمم‬
‫قال‪ :‬رأيت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم توضمأ نحمو وضموئي همذا‪ ،‬ثمم‬
‫قال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين‬
‫]ص ‪[141‬‬
‫لا يحدث نفسه فيهما بشيء من أمر الدنيا غفر له ما تقممدم مممن ذنبممه وممما‬
‫تممأخر" وروى ثوبممان عممن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪:‬‬
‫"استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمممالكم الصمملة ول يحممافظ علممى‬
‫الوضوء إل مؤمن" قال معنى قوله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم "لممن تحصمموا"‬
‫يعني لن تقدروا على ذلك إل بالجهد‪ .‬ويقال‪ :‬لن تقدروا أن تعدوا ثواب مممن‬
‫استقام على اليمان والطاعمة‪ ،‬ومعنمى قموله "ل يحمافظ علمى الوضموء إل‬
‫مؤمن" يعني الدوام على الوضوء من أخلق المؤمنين‪ ،‬فينبغي للمممؤمن أن‬
‫يكون النهار كله على الوضوء وينام بالليل على الوضوء فإنه إذا فعممل ذلممك‬
‫يحبه الّله ويحبه الحفظة ويكون في أمان الّله عز وجل‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضمي الّلمه تعممالى عنمه‪ :‬سممعت أبممي رحممه الّلمه يحكمي‬
‫بإسناده يقول‪ :‬بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه وجممه رجل ً‬
‫من أصحاب رسول الّله صلى الّله عليه وسلم إلممى مصممر لكسمموة الكعبممة‪،‬‬
‫فنزل الرجل بعض أرض الشام إلى جانب صومعة حبر من الحبار ولم يكن‬
‫حبر أعلم منه‪ ،‬فأحب رسول عمر أن يلقاه فيسمع منه علمه فأتاه يستفتح‬
‫باب داره فلم يفتح له طويل ً ثم دخل على الحبر فسأله ليسمع منه فأعجبه‬
‫علمه‪ ،‬فشكا إليه حبسه على بابه فقال له الحبر‪ :‬إنا كنا رأيناك حين عدلت‬
‫إلينا فرأيناك على هيبة السلطان فتخوفناك‪ ،‬وإنما حبسناك على البمماب لن‬
‫وفت سلطانا ً فتوضأ وأمممر‬
‫الّله تبارك وتعالى قال لموسى‪ :‬يا موسى إذا تح ّ‬
‫أهلك بالوضوء فإن من توضأ كممان فممي أمممان مممما يتخمموف‪ ،‬فأغلقنمما دونممك‬
‫الباب حتى توضأت وتوضأ جميع مممن فممي الممدار وصمملينا فأمنمماك لممذلك ثممم‬
‫فتحنا لك الباب‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ينبغي للذي يتوضأ أن يكون وضوؤه‬
‫مع التعظيم ويعلم أنه يريد زيارة ربه عز وجل‪ ،‬فينبغي أن يتوب من جميممع‬
‫ذنوبه أن الّله تبارك وتعالى جعل الغسل بالماء علمة لغسله مممن الممذنوب‪،‬‬
‫فينبغي أن يبدأ بذكر اسم الّله تعالى وإذا تمضمض واستنشممق يغسممل فمماه‬
‫من الغيبة والكذب كما غسله بالماء‪ ،‬وإذا غسممل وجهممه يغسممله مممن النظممر‬
‫إلى الحرام وكذلك في سائر العضمماء‪ ،‬فممإذا فممرغ مممن وضمموئه يممدعو الل ّممه‬
‫تعالى ويسبحه‪ .‬وقد روي في الخبر‪" :‬إن العبد المؤمن إذا فرغ من وضموئه‬
‫ثم قال‪ :‬سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ل إله إل أنممت أسممتغفرك وأتمموب‬
‫إليك يختم بخاتم ثم يوضع تحت العرش فلممم يكسممر حممتى يممدفع إليممه يمموم‬
‫القيامة" وروى عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب رضي الّله تعممالى عنممه‬
‫أن النبي صلى الّله عليه وسمملم قممال "إذا فممرغ أحممدكم مممن وضمموئه فقممال‬
‫أشهد أن ل إله إل الّله وحده ل شريك له وأن محمد عبده ورسمموله فتحممت‬
‫له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شمماء" قممال‪ :‬حممدثني أبممي رحمممه الل ّممه‬
‫تعالى حدثنا إبراهيم بن نصر حدثنا حمد بن مسعدة المروزي عن عبد الّلممه‬
‫بن عبد المجيد عن عمران القطان عن قتادة عن خليد القصري‬
‫]ص ‪[142‬‬
‫عن أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه‬
‫وسلم "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع اليمان دخل الجنة‪ :‬من حممافظ‬

‫على الصلوات الخمممس فممي مممواقيتهن ووضمموئهن وركمموعهن وسممجودهن‪،‬‬
‫دى الزكاة من ماله طيبة به نفسه‪ ،‬ثم قال‪ :‬وايم الل ّممه ل يفعممل ذلممك‬
‫ومن أ ّ‬
‫دى‬
‫إل مؤمن‪ ،‬ومن صام رمضممان‪ ،‬وحممج الممبيت إن اسممتطاع إليممه سممبيل‪ ،‬وأ ّ‬
‫المانة‪ ،‬قالوا يا أبا الدرداء وما المانة؟ قال الغسل من الجنابممة‪ ،‬فممإن الل ّممه‬
‫تعالى لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيره" قال‪ :‬حدثني أبي رحمممه‬
‫م الفقيه بسمرقند حدثنا محمد بن‬
‫الّله تعالى حدثنا أبو الحسن محمد بن ج ّ‬
‫إسماعيل المكي حممدثنا أبممو أسممامة حممدثنا أبممو الرمممان عممن أبممي الفضممائل‬
‫التيمي عن أبي ذرعة عمن أبمي هريمرة رضمي الّلمه تعمالى عنمه قمال‪ :‬قمال‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم لبلل عنممد صمملة الفجممر "حممدثني بممأزكى‬
‫عمل عملته في السلم فإني سمعت الليلة خشف نعليك في الجنة؟ فقال‬
‫ما عملت عمل ً في السلم أزكمى عنمدي ممن أنمي لمم أتطهمر طهمورا ً فمي‬
‫در لمي" وفمي آخمر‪" :‬مما‬
‫ساعة من ليل أو نهار إل صليت لربي أدنمى مما قم ّ‬
‫أحدثت إل أوجدت الطهارة وما تطهرت إل صليت ركعتين" والله أعلم‪.‬‬
‫باب الصلوات الخمس‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعممالى حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا يزيد بن زريممع‬
‫عن يونس عن الحسن أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال‪" :‬مثل الخمممس‬
‫صلوات كمثل نهر جار على باب أحدكم كممثير الممماء يغتسممل فيممه كممل يمموم‬
‫خمس مرات فهل يبقى عليه من الدرن شيء" يعني أن الصلوات الخمس‬
‫تطهره من الذنوب ول يبقين عليه شيئا ً من الذنوب فيما دون الكبائر‪ ،‬وهذا‬
‫إذا صلى صلة على التعظيم ويتم ركوعها وسجودها‪ ،‬فإذا لممم يتممم ركوعهمما‬
‫ول سجودها فهي مردودة عليه‪ ،‬قال حممدثنا أبممو القاسممم عبممد الرحمممن بممن‬
‫محمد حدثنا فارس بن مردويه حمدثنا محممد بمن الفضمل حممدثنا أبمو الوليممد‬
‫هشام بن عبد الملك عن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الّله عن يحيى‬
‫بن خلد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع عن خالد قال "بينما نحن جلوس‬
‫حول رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم إذ دخممل رجممل فاسممتقبل القبلممة‬
‫فصلى فلما قضى صلته جمماء فسمملم علممى النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫وعلى القوم‪ ،‬فقال له رسول الّله صلى الّله عليه وسلم ارجع فص م ّ‬
‫ل فإنممك‬
‫ل فإنممك لممم تصم ّ‬
‫ل‪ ،‬فرجع الرجل وصلى‪ ،‬فلما رجع قال ارجع وصم ّ‬
‫لم تص ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫ي من‬
‫أمره بذلك مرتين أو ثلثا‪ ،‬فقال الرجل ما آلوت فل أدري ما عبت عل ّ‬
‫صلتي؟ فقال النبي صلى الّله عليه وسمملم إنممه ل تتممم صمملة أحممدكم حممتى‬
‫يسبغ الوضوء كما أمره الّله تعممالى‪ ،‬فيغسممل وجهممه ويممديه إلممى المرفقيممن‬
‫ويمسح رأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين‪ ،‬ثم يكممبر الل ّممه ويحمممده ثممم يقممرأ‬
‫من القرآن ما أذن له فيممه‪ ،‬ويركممع فيضممع كفيممه علممى ركبممتيه حممتى تطمئن‬
‫مفاصله ويسترخي‪،‬‬
‫]ص ‪[143‬‬
‫ثم يرفع رأسه ويقول سمع الّله لمن حمده‪ ،‬فيستوي قائما ً حتى يقيم صلبه‬
‫ويأخذ كل عضو مأخذه‪ ،‬ثمم يكمبر فيسمجد فيمكمن وجهممه ممن الرض حممتى‬
‫تطمئن مفاصله ويسترخي‪ ،‬ثم يكمبر فيسمتوي قاعمدا ً علمى مقعمدته ويقيمم‬
‫صلبه‪ ،‬فوصف صلته هكذا أربع ركعات حممتى فممرغ‪ ،‬ثممم قممال‪ :‬ل تتممم صمملة‬
‫أحدكم حتى يفعمل ذلمك" فقمد أممر النمبي صملى الّلمه عليمه وسملم بإتممام‬
‫الركوع والسجود وأخبر أن الصلة ل تقبل إل هكذا‪ ،‬فينبغي للعبد أن يجتهممد‬
‫في إتمام الركوع والسجود لتكون صلته كفارة لما يفعل قبلهمما مممن الزلممل‬
‫والخطايا دون الكبائر‪.‬‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا فارس‬
‫بن مردويه حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عممن حيمموة بممن شممريح عممن أبممي‬
‫عقيل عن الحارث مولى عثمان رضي الّله تعالى عنه قممال‪ :‬جلممس عثمممان‬

‫يوما ً وجلسنا معه فجاء المؤذن فدعا عثمممان رضممي الل ّممه تعممالى عنممه بممماء‬
‫فتوضأ ثم قال‪ :‬رأيت رسول الّله صلى الّله عليه وسلم توضأ نحممو وضمموئي‬
‫هذا وسمعته يقول "من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلة الظهر غفممر‬
‫الّله له ما كان بينها وبين صلة الصبح‪ ،‬ثم صلى العصمر غفمر لمه مما بينهمما‬
‫وبين صلة الظهر‪ ،‬ثم صلى صلة المغرب غفممر لممه ممما بينهممما وبيممن صمملة‬
‫العصر‪ ،‬ثم صلى صلة العشاء غفر الّله له ما بينها وبين المغرب‪ ،‬ثممم لعلممه‬
‫يبيت يتمرغ ليلته ثم إذا قام وتوضأ وصمملى الصممبح غفممر لممه ممما بينهمما وبيممن‬
‫صلة العشاء الخرة وهن الحسنات يذهبن السمميئات قممالوا هممذه الحسممنات‬
‫فما الباقيات الصالحات؟ قال سبحان الّله والحمد لله ول إله إل الل ّممه واللممه‬
‫أكبر ول حول ول قوة إل بالله العلي العظيم" قال وروى عن عبممد الل ّممه بممن‬
‫مسعود رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ " :‬من سره أن يلقى الّله غدا مسلما‬
‫فليحافظ على هؤلء الصمملوات المفروضممات حيممث ينممادى بهممن‪ ،‬فممإن الل ّممه‬
‫تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى‪ ،‬فلعمري لممو صممليتم‬
‫في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولممو تركتممم‬
‫سنة نبيكم لضللتم ولقد أتى علينا زمان وما يتخلف عنهن إل منافق معلمموم‬
‫نفاقه‪ ،‬ولقد رأينا الرجل يتهادى بين اثنين حتى يقام فممي الصممف‪ ،‬وممما مممن‬
‫رجل يتطهر فيحسن طهوره ثم يعمد إلى مسجد من المساجد فيصلي فيه‬
‫إل كتب الّله له بكل خطوة حسنة ويرفع لممه بهمما درجممة ويحممط عنممه خطيئة‬
‫حتى إنا كنا لنقارب بين الخطا‪ ،‬وإن صلة الرجل فممي الجماعممة تزيممد علممى‬
‫صلة الرجل وحده خمسا ً وعشرين درجة"‪ .‬وعن جابر بن عبممد الل ّممه رضممي‬
‫الّله تعالى عنهما أنه قال‪ :‬أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حممول المسممجد‬
‫لنا خالية فبلغ النبي صلى الّله عليه وسلم فأتانا في ديارنمما فقمال " يما بنممي‬
‫سلمة بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد قلنا يا رسممول الل ّممه بعممد عنمما‬
‫المسجد والبقاع حوله خالية فقال يا بني سلمة دياركم فإنها تكتب آثاركم"‬
‫قال فما وددنا أن نكون بحضرة المسجد لممما قممال النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم الذي قاله‪.‬‬
‫]ص ‪[144‬‬
‫وروى أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫أنه قال" من صلى في الجماعة أربعين يوما ً لم تفتممه ركعممة كتممب الل ّممه لممه‬
‫براءتين براءة من النار وبراءة من النفاق" قال‪ :‬حممدثنا محمممد بممن الفضممل‬
‫بإسناده عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الّله عليه وسمملم قممال "مممن‬
‫توضأ فأسبغ الوضوء‪ ،‬ثم قام إلى الصلة فأتم ركوعها وسممجودها والقممراءة‬
‫فيها قالت الصلة حفظك الّله كما حفظتني‪ ،‬ثم يصعد بها إلى السماء ولهمما‬
‫ضوء ونور ففتح لها أبواب السماء حتى ينتهي بها إلممى الل ّممه تبممارك وتعممالى‬
‫فتشفع لصاحبها‪ ،‬فإذا ضيع ركوعها وسجودها والقممراءة فيهمما قممالت الصمملة‬
‫ضيعك الّله كما ضيعتني ثم يصعد بها ولها ظلمة حتى ينتهي بها إلى السماء‬
‫فتغلق أبواب السماء دونها‪ ،‬ثم تلف كممما يلممف الثمموب الخلممق فيضممرب بهما‬
‫وجممه صمماحبها" وعممن الحسممن أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال "أل‬
‫أخبركم بأسوأ الناس سرقة؟ قالوا من هو يا رسول الله؟ قال الذي يسرق‬
‫من صلته‪ ،‬قالوا وكيف يسرق من صلته؟ قال ل يتم ركوعها ول سممجودها‪،‬‬
‫وعن سلمان الفارسي رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬الصلة مكيال فمن وفى‬
‫مكياله وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قال الّله تعمالى فمي المطففيمن‪.‬‬
‫وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه‬
‫قال‪" :‬أثقممل الصمملة علممى المنممافقين صمملة العشمماء الخممرة والفجممر‪ ،‬ولممو‬
‫يعلمون ما فيهما من الجر لتوهما ولممو حبمموا" وعممن بريممدة السمملمي عممن‬
‫النبي صملى الّلمه عليمه وسملم أنمه قمال‪" :‬بشمر المشمائين فمي ظلمم إلمى‬
‫المساجد بالنور التام يوم القيامة" وعن أبي هريرة رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "لقد هممت أن آمر بالصلة فتقام‪ ،‬ثم‬

‫أخرج بفتيان معهم حزم من الحطب فأحرق علممى قمموم ديممارهم يسمممعون‬
‫النداء ثم ل يأتون الصلة" وروى عن عبادة بن الصامت رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "خمس صلوات افممترض الل ّممه‬
‫تعالى على عباده فمن جاء بهن تامات ولم ينقصهن اسممتخافا بحقهممن كممان‬
‫له عند الّله عهد أن يدخله الجنة‪ ،‬ومن تركهن استخفافا بحقهن لم يكن لممه‬
‫عند الّله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه"‪ .‬وروى عن عطمماء رحمممه الل ّممه‬
‫جا ٌ‬
‫ه{‬
‫ن ذ ِك ْمرِ الل ّم ِ‬
‫م تِ َ‬
‫تعالى في قول الّله تعالى‪} :‬رِ َ‬
‫ل ل ت ُل ِْهيهِ ْ‬
‫جاَرة ٌ َول ب َي ْعٌ ع َ م ْ‬
‫ن‬
‫جمماَفى ُ‬
‫قممال‪ :‬شممهود الصمملة المكتوبممة وفممي قمموله تعممالى }ت َت َ َ‬
‫جن ُمموب ُهُ ْ‬
‫م ع َم ْ‬
‫جِع{ قال‪ :‬صلة العتمة‪.‬‬
‫م َ‬
‫ضا ِ‬
‫ال َ‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثني أبي رحمه الّله تعممالى حممدثنا‬
‫أحمد بن يحيى حدثنا أحمد بن منصور حدثنا هودة بن خليفة عن عمموف بممن‬
‫أبي جميلة عن أبي المنهال عن شهر بن حوشب عن عبد الل ّممه بممن عبمماس‬
‫رضي الّله تعالى عنهما أنه قال‪ :‬إذا كممان يمموم القيامممة وجمممع الخلئق فممي‬
‫صعيد واحد جنهم وإنسهم والمم جثيا صفوفا فينادى مناد سمتعلمون اليمموم‬
‫من أصحاب الكرم‪ ،‬ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون فيسممرحون‬
‫إلى الجنة‪ ،‬ثم‬
‫]ص ‪[145‬‬
‫جمماَفى‬
‫ينادى ثانيممة سممتعلمون اليمموم مممن أصممحاب الكممرم‪ ،‬ليقممم الممذين }ت َت َ َ‬
‫ن{‬
‫م ُينفِ ُ‬
‫م َ‬
‫جِع ي َد ْ ُ‬
‫مع ما ً وَ ِ‬
‫قممو َ‬
‫عو َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ممما َرَزقْن َمماهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫وفا ً وَط َ َ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫ضا ِ‬
‫ن ال َ‬
‫جُنوب ُهُ ْ‬
‫خ ْ‬
‫م عَ ْ‬
‫فيقومون فيسرحون إلى الجنة‪ ،‬ثم ينادى ثالثة ستعلمون اليوم من أصحاب‬
‫جا ٌ‬
‫ة‬
‫صل ِ‬
‫م تِ َ‬
‫الكرم ليقم الذين }رِ َ‬
‫ل ل ت ُل ِْهيهِ ْ‬
‫ن ذ ِك ْرِ الّله وَإ َِقام ِ ال ّ‬
‫جاَرة ٌ َول ب َي ْعٌ ع َ ْ‬
‫ة{ فيقومممون فيسممرحون إلممى الجنممة‪ ،‬فممإذا أخممذ هممؤلء الثلثممة‬
‫وَِإيَتاِء الّزك َمما ِ‬
‫منازلهم يخرج عنق مممن النممار فأشممرف علممى الخلئق لممه عينممان بصمميرتان‬
‫ولسان فصيح فيقول‪ :‬إني وكلت بهم في بثلثة‪ ،‬إني وكلت بكل جبممار عنيمد‬
‫فيلقطهم من الصفوف كلقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم‪،‬‬
‫ثم يخرج الثانية فيقول إني وكلممت بمممن آذى الل ّممه ورسمموله فيلقطهممم مممن‬
‫الصفوف فيخنس بهم في جهنم‪ ،‬ثم يخرج الثالثة‪.‬‬
‫قال أبو المنهال‪ :‬حسبت أنه قال‪ :‬إني وكلت بأصحاب التصاوير فيلقطهم‬
‫من الصفوف فيخنس بهم في جهنم‪ ،‬فإذا أخذ من هؤلء الثلثة ومن هممؤلء‬
‫الثلثة نشرت الصحف ووضع الميزان ودعى الخلئق للحساب‪.‬‬
‫وذكر أن إبليس لعنه الّله كان يرى في الزمن الول‪ ،‬فقال له رجل يا أبا‬
‫مرة كيف أصنع حتى أكون مثلك؟ قال ويحك لم يطلب مني أحد مثل هممذا‪،‬‬
‫فكيف تطلب أنت؟ فقال الرجل‪ :‬إني أحب ذلمك‪ ،‬فقممال لممه إبليممس أمما إن‬
‫أردت أن تكون مثلي فتهاون بالصلة ول تبال من الحلممف صممادقا ً أو كاذبمما‪،‬‬
‫فقال له الرجل لقممد عاهممدت الل ّممه أن ل أدع الصمملة ول أحلممف يمينما ً أبممدا‪،‬‬
‫فقال له إبليس ما تعلم أحد مني بالحتيال غيرك‪ ،‬وأنا عاهممدت أن ل أنصممح‬
‫آدميا ً قط‪ .‬وروى عن أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬أكرم عبمماد‬
‫الل ّممه علممى الل ّممه الممذين يراعممون الشمممس والقمممر‪ ،‬قممالوا يمما أبمما الممدرداء‪:‬‬
‫المؤذنون؟ قال‪ :‬كل من يراعي وقت الصمملة مممن المسمملمين‪ .‬قممال حممدثنا‬
‫محمد بن داود حدثنا محمد بن أحمد الخطيب النيسابوري حدثنا أبممو عمممرو‬
‫أحمد بن خالد الحراني عن يعقوب بممن يوسممف عممن محمممد بممن معممن عممن‬
‫جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الّله تعالى عنه قممال‪ :‬قممال رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليممه وسمملم "الصمملة مرضمماة للممرب تبممارك وتعممالى وحممب‬
‫الملئكة وسنة النبياء ونور المعرفة وأصل اليمان‪ ،‬وإجابممة الممدعاء وقبممول‬
‫العمال وبركة في المرزق وراحمة للبمدان‪ ،‬وسمملح علمى العممداء وكراهيممة‬
‫للشمميطان‪ ،‬وشممفيع بيممن صمماحبها وبيممن ملممك الممموت‪ ،‬وسممراج فممي قممبره‪،‬‬
‫وفراش تحت جنبه وجواب مع منكمر ونكيمر‪ ،‬وممؤنس فمي قمبره إلمى يموم‬
‫القيامة‪ ،‬فإذا كممانت القيامممة صممارت الصمملة ظل فمموقه وتاجمما علممى رأسممه‬

‫ولباسا على بدنه ونممورا يسممعى بيممن يممديه وسممترا بينممه وبيممن النممار‪ ،‬وحجممة‬
‫للمؤمنين بين يدي الرب تبممارك وتعممالى وثقل فممي الممموازين وجمموازا ً علممى‬
‫الصممراط ومفتاح ما ً للجنممة‪ ،‬لن الصمملة تسممبيح وتحميممد وتقممديس وتعظيممم‬
‫وقممراءة ودعمماء وإن أفضممل العمممال كلهمما الصمملة لوقتهمما"‪ .‬وعممن الحسممن‬
‫البصري رحمه الّله تعالى أن رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم قممال "أّول‬
‫ون عليه‬
‫ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلة‪ ،‬فإن كان قد أتمها ه ّ‬
‫]ص ‪[146‬‬
‫ّ‬
‫الحساب وإن كان قد انتقص منها شيئا قال الله تعالى لملئكته هل لعبممدي‬
‫وع وإن تممم جممرى جميممع العمممال علممى‬
‫من تطوع فأتموا الفريضة من التط ّ‬
‫حساب ذلك" ويقال من داوم على الصلوات الخمس في الجماعممة أعطمماه‬
‫الّله تعالى خمس خصال‪ :‬أّولها يرفع عنه ضيق العيش‪ ،‬ويرفممع عنممه عممذاب‬
‫القبر‪ ،‬ويعطى كتابه بيمينه‪ ،‬ويمر علممى الصممراط كممالبرق الخمماطف ويممدخل‬
‫الجنة بغير حساب‪ .‬ومن تهاون بالصلوات الخمس في الجماعة عاقبه الّلممه‬
‫تعالى باثنتي عشرة خصلة‪ :‬ثلثة في الدنيا‪ ،‬وثلثة عند الممموت‪ ،‬وثلثممة فممي‬
‫القبر‪ ،‬وثلثة يوم القيامة‪ ،‬أما الثلثة التي في الدنيا‪ :‬فإنه ترفممع البركممة مممن‬
‫كسبه ورزقه‪ ،‬ول يقبممل منممه سممائر عملممه‪ ،‬وينممزع سمميما الخيممر مممن وجهممه‬
‫ويكون بغيضا ً فممي قلمموب النمماس‪ ،‬وأممما الممتي عنممد الممموت‪ :‬فتقبممض روحممه‬
‫عطشان جائعا ً ويشتد نزعه‪ ،‬وأممما الممتي فممي القممبر‪ :‬فمسممئلة منكممر ونكيممر‬
‫وظلمة القبر وضيقه‪ ،‬وأما التي في القيامة فشممدة حسممابه وغضممب الممرب‬
‫عليه وعقوبة الّله تعالى له في النار‪ ،‬وقد روى عن أبي ذر عن النبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم نحو هذا‪.‬‬
‫وروى عن مجاهد أن رجل ً جاء إلى ابن عباس رضي الل ّممه تعممالى عنهممما‬
‫فقال‪ :‬يا ابن عباس‪ :‬ما تقول في رجل يقوم الليل ويصوم النهار ول يشممهد‬
‫جمعة ول يصلي في الجماعة فمات على ذلممك‪ ،‬فممأين هممو؟ فقممال هممو فممي‬
‫النار‪ ،‬فاختلف إليه شهرا يسأله عممن ذلممك وهممو يقممول هممو فممي النممار قممال‪:‬‬
‫ي بممن أبممي طممالب كممرم الل ّممه‬
‫حدثني أبي رحمه الّله تعالى بإسناده عن عل م ّ‬
‫وجهه أنه قال‪ :‬ليأتّين على الناس زمان ل يبقمى ممن السمملم إل اسممه ول‬
‫من القرآن إل رسمه‪ ،‬ومساجدهم يومئذ عمامرة وهممي ممن الهممدى خمراب‪،‬‬
‫علماؤهم يومئذ شر علماء تحممت أديممم السممماء‪ ،‬مممن عنممدهم تخممرج الفتنممة‬
‫وفيهم تعود‪ ،‬قال وهب بن منبه‪ :‬إن الحوائج لممم تطلممب مممن الل ّممه إل بمثممل‬
‫الصلة‪ ،‬وكانت الكروب العظام تكشف عن الولين بالصلة‪ ،‬قلما نزل بأحد‬
‫منهم كربة إل كان مفزعه إلى الصلة‪ ،‬وقال الّله عز وجل في قصة يممونس‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ث فِممي ب َط ْن ِمهِ إ ِل َممى‬
‫ن ل َل َب ِم َ‬
‫سمب ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ول أن ّ ُ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫عليه الصلة والسلم }فَل َ ْ‬
‫ن{ قال ابن عبمماس‪ :‬كممان مممن المصمملين‪ .‬قممال الحسممن البصممري‬
‫ي َوْم ِ ي ُب ْعَُثو َ‬
‫رحمة الّله تعالى عليه‪ :‬إن التضممرع فممي الرخمماء اسممتعاذة مممن نممزول البلء‬
‫ويجد صاحبه متكأ إذا نزل به‪ .‬قال النبي صلى الّله عليه وسلم "ممما أعطممى‬
‫عبد عطاء خير من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما" قال محمد بن سيرين‬
‫رحمه الّله تعالى‪ :‬لو خيرت بين ركعتين وبين الجنة لخترت الركعتين علممى‬
‫الجنة‪ ،‬لن في الركعتين رضا الّله تعالى وفي الجنة رضائي‪ .‬ويقال إن الّلممه‬
‫تعالى لما خلق سبع سموات حشاها بالملئكة وتعبدهم بالصلة فل يفممترون‬
‫ساعة‪ ،‬فجعل لكل أهل سممماء نوعما ً مممن العبممادة فأهممل سممماء قيممام علممى‬
‫أرجلهم إلى نفخة الصور‪ ،‬وأهل سماء ركع وأهل سماء سجد‪ ،‬وأهممل سممماء‬
‫مرخية الجنحة من هيبته‪ ،‬وأهل عليين وأهل العرش وقوف يطوفون حممول‬
‫العرش يسبحون بحمد ربهم‬
‫]ص ‪[147‬‬
‫ويستغفرون لمن في الرض‪ ،‬فجمع الّله ذلك كله في صمملة واحممدة كرامممة‬
‫للمؤمنين حتى يكون لهم حظ من عبادة كل سماء‪ ،‬وزادهم القممرآن يتلممونه‬

‫فيها فطلب منهم شكرها‪ ،‬وشكرها إقامتها بشممرائطها وحممدودها قممال الل ّممه‬
‫ن{‬
‫م ُينفِ ُ‬
‫صمملة َ وَ ِ‬
‫ب وَي ُ ِ‬
‫ن ي ُؤ ْ ِ‬
‫تعالى }ال ّ ِ‬
‫قممو َ‬
‫مممو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ممما َرَزقْن َمماهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫قي ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ب ِممالغَي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة{‬
‫صممل َ‬
‫صل َ‬
‫صل َ‬
‫قي ِ‬
‫م ِ‬
‫ة{ وقال }َوال ُ‬
‫ة{ وقال }وَأقِ ْ‬
‫وقال }وَأِقي ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫موا ال ّ‬
‫مي م َ‬
‫فلم نجد ذكر الصلة في موضع من التنزيل إل مممع ذكممر إقامتهمما‪ ،‬فلممما بلممغ‬
‫الذكر المنافقين قال }فَوَي ْم ٌ‬
‫ن{‬
‫سما ُ‬
‫ن ُ‬
‫ن اّلم ِ‬
‫هو َ‬
‫م َ‬
‫صملت ِهِ ْ‬
‫هم ْ‬
‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫م ع َم ْ‬
‫ذي َ‬
‫صمّلي َ‬
‫فسماهم المصمملين وسمممى المممؤمنين المقيميممن الصمملة‪ ،‬وذلممك ليعلممم أن‬
‫المصلين كثير والمقيمين للصلوات قليممل‪ ،‬فأهممل الغفلممة يعملممون العمممال‬
‫على الترويح ول يذكرون يوم تعرض على الّله فتقبل أم ترد‪.‬‬
‫وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "إن منكممم مممن يصمملي‬
‫الصلة فل يكتب له من صلته إل ثلثها أو ربعها أو خمسها أو سدسممها حممتى‬
‫ذكر عشرها" يعني أنه ل يكتب لممه مممن صمملته إل ممما عقممل منهمما ل ماسممها‬
‫عنها‪ .‬وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "مممن صمملى ركعممتين‬
‫مقبل على الّله بقلبه خرج من ذنوبه كيمموم ولممدته أمممه" وإنممما عظممم شممأن‬
‫صلة العبد بإقبال العبد على الّله فإذا لممم يقبممل علممى صمملته ولهمما بحممديث‬
‫النفس كان بمنزلة من قد وقف إلى باب ملك معتذرا مممن خطيئتممه وزلتممه‪،‬‬
‫فلما وصل إلى باب الملك قام بين يديه وأقبل عليه الملك فجعممل الواقممف‬
‫يلتفت يمينا ً وشمال فإن الملك ل يقضي حمماجته‪ ،‬وإنممما يقبممل الملممك عليممه‬
‫على قدر عنايته‪ ،‬فكذلك الصلة إذا قام العبد فيها وسها فيها ل تقبل منه‪.‬‬
‫واعلم أن مثل الصلة كمثل ملك اتخذ عرسا فاتخذ وليمة وهيأ فيها ألوانا ً‬
‫من الطعمة والشربة لكل لون لذة وفي كل لون منفعممة‪ ،‬فكممذلك الصمملة‬
‫دعاهم الرب إليها وهيأ لهم فيها أفعال ً مختلفة وأذكار فتعبمدهم بهما ليلمذهم‬
‫بكل لون من العبودية فالفعال كالطعمة والذكار كالشربة‪ .‬وقممد قيممل إن‬
‫في الصلة اثنتي عشر ألف خصلة ثم جمعت همذه الثنتما عشمرة ألفما فمي‬
‫اثنممتي عشممرة خصمملة‪ ،‬فمممن أراد أن يصمملي فلبمد ّ أن يتعاهممد هممذه الثنممتي‬
‫عشرة خصلة لّتتم صلة‪ ،‬فستة قبل الدخول في الصلة وستة بعدها‪ :‬أّولهمما‬
‫العلم لن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "عمل قليل في علممم خيممر مممن‬
‫عمل كثير في جهل" والثاني الوضوء لقوله صلى الّله عليه وسلم "ل صلة‬
‫عن ْمد َ ك ُم ّ‬
‫خم ُ‬
‫د{‬
‫إل بطهور" والثالث اللباس لقوله تعممالى} ُ‬
‫م ِ‬
‫ج ٍ‬
‫م ْ‬
‫سم ِ‬
‫ل َ‬
‫ذوا ِزين َت َك ُم ْ‬
‫يعني البسوا ثيابكم عند كل صلة‪ ،‬والرابممع حفممظ المموقت لقمموله عممز وجممل‬
‫صلة َ َ‬
‫موُْقوتًا{ يعني فرضما ً مؤقتمًا‪ ،‬والخممامس‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ك َِتابا ً َ‬
‫ت ع ََلى ال ُ‬
‫كان َ ْ‬
‫}ال ّ‬
‫مِني َ‬
‫جه َ َ‬
‫استقبال القبلة لقوله عز وجل }فَوَ ّ‬
‫ك َ‬
‫ث‬
‫حْيمم ُ‬
‫حَرام ِ وَ َ‬
‫جد ِ ال َ‬
‫ل وَ ْ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫شط َْر ال َ‬
‫ما ُ‬
‫م َ‬
‫ه{ يعني نحوه‪ ،‬والسادس النيممة لقمموله صمملى‬
‫م فَوَّلوا وُ ُ‬
‫شط َْر ُ‬
‫جوهَك ُ ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الله عليه وسلم "إنما العمال بالنيات وإنما لكل امرئ ممما نمموى"‪ ،‬والسممابع‬
‫التكبير لقوله صلى الّله عليه وسلم "تحريمهمما التكممبير وتحليلهمما التسممليم"‪،‬‬
‫ه‬
‫موا ل ِل ّ ِ‬
‫والثامن القيام لقوله عز وجل }وَُقو ُ‬
‫]ص ‪[148‬‬
‫ممما‬
‫ن{ يعني صلوا لله قائمين‪ ،‬والتاسع القراءة لقوله تعالى }َفاقَْرُءوا َ‬
‫قَان ِِتي َ‬
‫ع‬
‫ن ال ُ‬
‫سممَر ِ‬
‫ممم َ‬
‫ت َي َ ّ‬
‫ن{ والعاشممر الركمموع لقمموله عممز وجممل‪َ} :‬واْرك َُعمموا َ‬
‫قممْرآ ِ‬
‫ممم ْ‬
‫دوا{ والثمماني‬
‫ج ُ‬
‫سم ُ‬
‫ن{ والحادي عشر السجود لقمموله عممز وجمملّ‪َ} :‬وا ْ‬
‫الّراك ِِعي َ‬
‫عشر القعدة لقوله صلى الّله عليه وسلم‪" :‬إذا رفع الرجل رأسه مممن آخممر‬
‫السجدة وقعد قدر التشهد فقد تمت صلته" فإذا وجممدت هممذه الثنمما عشممر‬
‫يحتاج إلى الختم وهممو الخلص لتتممم هممذه الشممياء لن الل ّممه تعممالى يقممول‪:‬‬
‫ن{ فأممما العلممم فعلمى ثلثممة أوجممه‪ :‬أّولهما أن‬
‫م ْ‬
‫}َفاد ْ ُ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫عوا الّله ُ‬
‫دي َ‬
‫صي َ‬
‫يعرف الفريضة من السنة لن الصلة ل تجوز إل به‪ ،‬والثمماني أن يعممرف ممما‬
‫في الوضوء والصملة ممن الفريضمة والسممنة فمإن ذلمك ممن تممام الصملة‪،‬‬
‫والثالث أن يعرف كيد الشيطان فيأخذ في محاربته بالجهاد‪ ،‬وأممما الوضمموء‪:‬‬
‫فتمامه في ثلثة أشياء‪ :‬أولها أن تطهر قلبممك مممن الغممل والحسممد والغممش‪،‬‬
‫والثاني أن تطهر البممدن مممن الممذنوب‪ ،‬والثممالث أن تغسممل العضمماء غس مل ً‬

‫سابغا ً بغير إسراف في الماء‪ .‬أممما اللبمماس فتمممامه بثلثممة أشممياء‪ :‬أولهمما أن‬
‫يكون أصله من الحلل‪ ،‬والثاني أن يكون طاهرا ً من النجاسات‪ ،‬والثالث أن‬
‫يكون موافقا ً للسنة‪ ،‬ول يكون لبسه على وجه الفخر والخيلء‪ .‬وأممما حفممظ‬
‫الوقت ففممي ثلثمة أشمياء‪ :‬أولهما أن يكمون بصمرك إلمى الشممس و القمممر‬
‫والنجوم تتعاهمد بمه حضمور المموقت‪ ،‬والثماني أن يكمون سممعك إلممى الذان‬
‫والثالث أن يكون قلبك متفكرا ً متعاهدا للوقت‪ .‬وأما استقبال القبلة فتمامه‬
‫في ثلثة أشياء‪ :‬أولها أن تستقبل القبلة بوجهك‪ ،‬والثاني أن تقبل على الّله‬
‫بقلبك‪ ،‬والثالث أن تكون خاشعا ً ذلي ً‬
‫ل‪ .‬وأما النية فتمامهما فممي ثلثمة أشمياء‪:‬‬
‫أولها أن تعلم أي صلة تصلي‪ ،‬والثاني أن تعلممم أنممك تقمموم بيممن يممدي الل ّممه‬
‫تعالى وهو يراك فتقوم بالهيبة‪ ،‬والثممالث أن تعلممم أنممه يعلممم ممما فممي قلبممك‬
‫فتفرغ قلبك من أشغال الدنيا‪ .‬وأما التكبير فتمامه فممي ثلثممة أشممياء‪ .‬أولهمما‬
‫أن تكبر تكبيرا ً صحيحا ً حزما‪ ،‬والثاني أن ترفع يممديك حممذاء أذنيممك‪ ،‬والثممالث‬
‫أن يكون قلبك حاضرا ً فتكممبر مممع التعظيممم‪ .‬وأممما تمممام القيممام ففممي ثلثممة‬
‫أشياء‪ :‬أولها أن تجعل بصرك في موضع سجودك‪ ،‬والثاني أن تجعممل قلبممك‬
‫إلى الله‪ ،‬والثالث أل تلتفت يمينا ً ول شما ً‬
‫ل‪ .‬وأما تمممام القممراءة ففممي ثلثممة‬
‫أشياء‪ :‬أولها أن تقممرأ فاتحممة الكتمماب قممراءة صممحيحة بالترتيممل بغيممر لحممن‪،‬‬
‫والثاني أن تقرأ بالتفكر وتتعاهد معانيها‪ ،‬والثالث أن تعمممل بممما تقممرأ‪ .‬وأممما‬
‫تمممام الركمموع‪ ،‬ففممي ثلثممة أشممياء‪ :‬أولهمما أن تبسممط ظهممرك ول تنكسممه ول‬
‫ترفعه‪ ،‬والثاني أن تضع يديك على ركبتيك وتفّرج بين أصابعك‪ ،‬والثممالث أن‬
‫تطمئن راكعا ً وتسبح التسبيحات مع التعظيمم والوقمار‪ ،.‬أمما تممام السمجود‬
‫ففي ثلثة أشياء‪ :‬أّولها أن تضممع يممديك بحممذاء أذنيممك‪ ،‬والثمماني أن ل تبسممط‬
‫ذراعيك‪ ،‬والثالث أن تطمئن فيها وتسبح مع التعظيممم وأممما تمممام الجلمموس‬
‫ففي ثلثة أشياء‪ :‬أولها أن تقعد على رجلك اليسرى وتنصب اليمنممى نصممبًا‪،‬‬
‫والثاني أن تتشهد بالتعظيم وتدعو لنفسك وللمؤمنين‪ ،‬والثالث أن‬
‫]ص ‪[149‬‬
‫تسلم على التمام‪ .‬وأما تمام السلم فأن تكون مع النية الصادقة من قلبك‬
‫أن سلمك على من كان على يمينك من الحفظة والرجال والنساء وكممذلك‬
‫عن يسارك‪ ،‬ول يتجاوز بصرك عن منكبيك‪ ..‬وأما تمام الخلص ففممي ثلثممة‬
‫أشياء‪ :‬أّولها أن تطلمب بصمملتك رضمما الّلمه تعممالى ول تطلمب رضما النمماس‪،‬‬
‫والثاني أن ترى التوفيق من الّله تعالى‪ ،‬والثالث أن تحفظها حتى تذهب بها‬
‫ة{ ولممم يقممل‬
‫سن َ ِ‬
‫جاَء ِبال َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫مع نفسك يوم القيامة‪ ،‬لن الّله تعالى قال‪َ } :‬‬
‫م ْ‬
‫من عمل الحسنة‪.‬‬
‫وينبغي للمصلي أن يعلم ماذا يفعل ويعرف قدره ليحمد الّله تعالى على‬
‫ما وفقه فإن الصلة قد جمعت فيها أنواع الخير من الفعال والذكممار‪ ،‬فممإذا‬
‫قام العبد إلى الصلة وقال الّله أكبر ومعناه الّله أعظم وأج م ّ‬
‫ل‪ :‬يقممول الل ّممه‬
‫ي‪ ،‬فإذا كبر ورفممع‬
‫تعالى قد علم عبدي أني أكبر من كل شيء وقد أقبل عل ّ‬
‫اليدين إلى أذنيه‪ ،‬ومعنى رفع اليدين هو التبرئة من كممل معبممود سمموى الل ّممه‬
‫تعالى‪ ،‬ثم يقول )سممبحانك اللهممم وبحمممدك( وتعلممم فممي قلبممك معنممى هممذا‬
‫القول )سبحانك اللهم( يعني تنزيها ً للممه عممن كممل سمموء ونقممص )وبحمممدك(‬
‫يعني أن لك الحمد )وتبارك اسمك( يعني جعلت البركة اسمك أي فما ذكر‬
‫دك( يعني ارتفع قدرك وعظمتممك )ول إلممه‬
‫عليه اسمك‪ ،‬ثم تقول )وتعالى ج ّ‬
‫غيرك( يعني ل خممالق ول رازق ول معبممود غيممرك لممم يكممن فيممما مضممى ول‬
‫يكون فيما بقى‪ ،‬ثم تقول )أعوذ بالله من الشيطان الرجيممم( يعنممي أسممألك‬
‫أن تعيذني وتمنعني من فتنة الشيطان الملعون الرجيم )بسم الّله الرحمن‬
‫الرحيم( فمعنى قوله بسم الله‪ :‬يعني‪ :‬الّول فل شيء قبله ول شيء بعده‪،‬‬
‫الرحمن‪ :‬العاطف على جميع خلقه بالرزق‪ ،‬الرحيم‪ :‬الباّر بالمؤمنين خاصممة‬
‫يوم القيامة‪ ،‬ثم تقرأ فاتحة الكتاب إلى آخرها‪ :‬يعنممي الحمممد للممه الممذي لممم‬
‫يجعلني من المغضوب عليهم وهم اليهود‪ ،‬ول الضالين وهم النصارى‪ ،‬ولكنه‬

‫جعلني على طريق أنبيائه‪ ،‬وإذا ركعت فتفكر في نفسممك‪ ،‬فكأنممك تقممول يمما‬
‫رب إني خضعت بين يممديك‪ ،‬وجئت بهممذه النفممس العاصممية إليممك‪ ،‬وانقممادت‬
‫نفسممي لعظمتممك‪ ،‬لعلممك تعفممو عنممي وترحمنممي‪ ،‬ثممم تقممول )سممبحان ربممي‬
‫العظيم( معناه تضرعا ً إلى رب عظيم ومولى كريم‪ ،‬ثممم ترفممع رأسممك مممن‬
‫الركوع وتقول )سمع الّله لمن حمده( معناه غفر الّله لمن وحده وأطمماعه‪،‬‬
‫ثم تقول )ربنا لك الحمد( معناه لك الحمد إذ وفقتنا لهذا‪ ،‬ثم تسجد ومعنممى‬
‫ورت‬
‫السمجود لميمل بالممذل والستسملم والتواضمع ومعنماه يما رب إنممك صم ّ‬
‫وجهي على أحسمن الصممور‪ ،‬وجعلممت فيممه البصممر والسمممع واللسممان فهممذه‬
‫ي وأنفع فقد جئت بهذه الشمياء ووضمعتها بيمن يمديك لعلمك‬
‫الشياء أحب إل ّ‬
‫ترحمني‪ ،‬ثم تقول )سبحان ربي العلى( معناه تنممزه ربممي العلممى الممذي ل‬
‫شيء فوقه‪ ،‬وإذا جلست للتشهد وقرأت )التحيممات للممه( يعنممي الملممك للممه‬
‫والحمد والثناء‪.‬‬
‫وروى عن الحسن البصري رحمه الّله تعالى أنه قال‪ :‬كان في الجاهليممة‬
‫أصنام فكانوا‬
‫]ص ‪[150‬‬
‫يقولون لصنامهم لك الحياة الباقية‪ ،‬فأمر أهل الصمملة أن يجعلمموا التحيممات‬
‫يعني البقاء والملك الدائم لله تعالى‪ ،‬ثم تقول )والصلوات( يعني الصمملوات‬
‫الخمس لله عز وج ّ‬
‫ل ل ينبغي أن تصلي إل له‪) ،‬والطيبات( يعني شهادة أن‬
‫ل إله إل الّله هي لله تعالى يعني الوحدانية للممه تعممالى‪ ،‬ثممم تقممول )السمملم‬
‫عليك أيهمما النممبي( يعنممي يما محمممد عليممك السمملم كمما بلغممت رسممالة ربممك‬
‫ونصحت لمتك )ورحمة الله( يعني رضوان الّله لك‪) ،‬وبركاته( يعنممي عليممك‬
‫البركة وعلى أهل بيتك‪) ،‬السلم علينمما وعلممى عبمماد الل ّممه الصممالحين( يعنممي‬
‫مغفرة الّله تعالى لنا وعلينا وعلى جميع من مضى من النممبيين والصممديقين‬
‫من سلك طريقهم إلى يوم القيامة‪) ،‬أشهد أن ل إله إل الله( يعني ل معبود‬
‫في السماء والرض غيره‪) ،‬وأشهدأن محمدا عبممده ورسمموله( خمماتم أنبيممائه‬
‫وصفيه وخيرته من جميع خلقه‪ ،‬ثم تصلي على النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫ثم تدعو لنفسك وللمممؤمنين وللمؤمنممات ثممم تسمملم عممن يمينممك وشمممالك‪،‬‬
‫ومعنى التسليم عن اليمين وعممن اليسممار يعنممي أنتممم معاشممر إخممواني مممن‬
‫المؤمنين سمالمون آمنمون ممن شممري وخيممانتي إذا خرجمت ممن المسممجد‪.‬‬
‫وروى عن الحسن البصري رحمة الّله تعالى عليه عن النبي صلى الّله عليه‬
‫وسلم أنه قال "للمصلي ثلث كرامات‪ :‬يتناثر الممبر علممى رأسممه مممن عنممان‬
‫السماء إلى مفرق رأسه‪ ،‬والملئكة محفوفة من قدميه إلى عنان السممماء‪،‬‬
‫وملك ينادي لو يعلم العبد من يناجي ما انتقل من صلته" فهممذه الكرامممات‬
‫ن‬
‫كلها للمصلي فينبغي أن يعرف قدر صلته ويحمد الّله تعالى علممى ممما م م ّ‬
‫عليه ووفقه لذلك‪ .‬وروى سعيد عن قتادة أن دانيال عليه السلم نعممت أمممة‬
‫محمد صلى الّله عليه وسلم فقال‪ :‬يصلون صمملة لممو صمملها قمموم نمموح ممما‬
‫أغرقوا‪ ،‬ولو صلها قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم‪ ،‬ولو صلها قوم‬
‫ثمود ما أخذتهم الصيحة‪ ،‬ثم قال قتادة عليكم بالصلة فإنها خلق للمممؤمنين‬
‫حسن‪ .‬وروى خلف بن خليفة عن ليممث رفعممه إلممى النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫ة مرحومة‪ ،‬وإنما يدفع الل ّممه عنهممم البلء بإخلصممهم‬
‫وسلم أنه قال "أمتي أم ٌ‬
‫ودعائهم وصلتهم وضعفائهم" والله سبحانه وتعالى أعلم‪..‬‬
‫باب فضل الذان والقامة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي‪ :‬حدثنا أبو القاسم عبد الرحمممن بممن‬
‫محمد حدثنا فارس بن مردويممه حممدثنا محمممد بممن الفضممل حممدثنا علممي بممن‬
‫يونس العابد عن أبي عون البصري عن سلمة بن ضرار عن رجل من أهممل‬
‫الشام قال "جاء رجل إلى النبي صلى الّله عليه وسلم فقال أخبرني بعمل‬
‫واحد أدخل به الجنممة؟ قممال كممن مممؤذن قومممك يجمعمموا بممك صمملتهم‪ ،‬قممال‬

‫رسول الّله إن لم أطق؟ قال كن إمام قومك يقيموا بك صلتهم‪ ،‬قال فممإن‬
‫لم أطق‪ ،‬قال فعليك بالصف الول"‪ .‬وروى وكيع عممن عبممد الل ّممه بممن الوليممد‬
‫عن محمد بن نافع عن عائشة رضي الّله تعالى عنها قالت‪ :‬نزلت هذه الية‬
‫في المؤذنين }وم َ‬
‫صاِلحا ً‬
‫م َ‬
‫ن دَ َ‬
‫عا إ َِلى الّله وَع َ ِ‬
‫ن قَوْل ً ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ّ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫َ َ ْ‬
‫]ص ‪[151‬‬
‫وََقا َ‬
‫ن{ يعني دعا الخلق إلى الصلة وصمملى بيممن الذان‬
‫سل ِ ِ‬
‫ل إ ِن ِّني ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫والقامة‪ .‬وروى القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم قال "يغفر للمؤذن مد صوته وله مثل أجر مممن‬
‫صلى معه من غير أن ينقص من أجرهم شيء" وعن سعد بن أبممي وقمماص‬
‫رضي الّله تعالى عنه عن خولة بنت الحكم السلمية قالت‪ :‬قال رسول الّله‬
‫صلى الّله عليه وسلم "المريض ضيف الّله ما دام في مرضه يرفع لممه كممل‬
‫يوم عمل سبعين شهيدا ً فإن عافاه من مرضه خرج من ذنوبه كيمموم ولممدته‬
‫أمه فإن قضى عليه بالموت أدخله الجنة بغير حساب‪ ،‬والمؤذن هو حمماجب‬
‫الّله تعالى يعطيه بكل ذان ثواب ألف نبي‪ ،‬والمام وزيممر الل ّممه يعطيممه بكممل‬
‫صلة ثواب ألف صديق‪ ،‬والعالم وكيل الّله تعالى يعطيممه بكممل حممديث نممورا‬
‫يوم القيامة وكتب الّله له بكل حمديث عبمادة ألممف سمنة‪ ،‬والمتعلممون ممن‬
‫الرجال والنساء هم خدم الّله فما جزاؤهم إل الجنة"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬قوله "حاجب الله" على وجه المثل‪،‬‬
‫يعني يعلم الناس وقت الدخول على ربهم كالحمماجب للملممك‪ ،‬يممأذن للنمماس‬
‫بالدخول وقت الذن‪ ،‬وكذلك قوله "وزير الله" يعني أن النمماس يقتممدون بممه‬
‫في صلته وصلتهم تتم بصلته‪ ،‬وعن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال‬
‫"من أذن سبع سنين أعتقه الّله من سبع دركات مممن النممار بعممد أن يحسممن‬
‫نيته" وعن عطاء بن يسممار أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال "يغفممر‬
‫للمؤذن مد ّ صوته ويصدقه كل ممما سمممعه مممن رطممب ويممابس"‪ ،‬وعممن أبممي‬
‫سعيد الخدري رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬إذا كنت في هذه البوادي فممأذنت‬
‫فارفع صوتك فإني سمعت النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم يقممول "ل يسمممع‬
‫مدى صوت المؤذن شجر ول حجر ول مممدر ول إنممس ول جممان إل شممهد لممه‬
‫يوم القيامة عند الّله تعالى"‪ ،‬قال‪ :‬وحدثني محمد بن الفضل بإسممناده عممن‬
‫معاذ بن جبل رضي الّله تعالى عنه أن النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال‬
‫"يبعث الّله يوم القيامة بلل على ناقة من نوق الجنممة يممؤذن علممى ظهرهمما‪،‬‬
‫فإذا قال أشهد أن ل إله إل الّله وأشهد أن محمدا رسول الّله نظممر النمماس‬
‫بعضهم إلى بعض فقالوا نشهد على مثل ما تشممهد حممتى يمموافي المحشممر‪،‬‬
‫فإذا وافى المحشممر يممؤتى بحلممل مممن حلممل الجنممة فممأّول مممن يكسممى بلل‬
‫وصالحوا المؤذنين"‪ ،‬قال قتادة‪ :‬ذكر لنا أن أبا هريرة رضي الّله تعالى عنممه‬
‫كان يقول‪" :‬المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة‪ ،‬فأّول من يقضى له‬
‫يوم القيامة الشهداء والمؤذنون بعد النبياء فيممدعى مممؤذن الكعبممة ومممؤذن‬
‫بيت المقدس ثم تتابع المؤذنون" وعن ابن مسعود رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫قال‪ :‬لو كنت مؤذنا لما باليت أن ل أغزو‪ ،‬وعن سعد بن أبي وقمماص رضممي‬
‫الّله تعالى عنه قال‪ :‬لو كنت مؤذنا لما بماليت أن ل أجاهممد‪ ،‬وعمن عمممر بمن‬
‫الخطاب رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬لو كنت مؤذنا لما بمماليت أن ل أحممج ول‬
‫أعتمر بعد حجة السلم‪ .‬وعن علي بن أبي طممالب رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫قال‪ :‬ما أتأسف على شيء‬
‫]ص ‪[152‬‬
‫إل أني وددت أنى كنت سألت النبي صلى الّله عليممه وسمملم الذان للحسمن‬
‫والحسين‪ ،‬وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال "ممما مممن مدينممة‬
‫يكثر المؤذنون فيها إل ف ّ‬
‫ل بردها"‪ ،‬وعن جابر بن عبد الّله رضي الّله تعممالى‬

‫عنهما أن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم قممال "إذا نممادى المؤذنممون بممالذان‬
‫هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء" وهي ثلثون ميل ً من المدينة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬يحتاج المؤذن إلى عشر خصال حتى‬
‫ينال فضل المؤذنين‪ :‬أّولها أن يعرف ميقات الصمملة ويحفظهمما‪ ،‬والثمماني أن‬
‫يحفظ حلقه فل يؤذي حلقه لجل الذان‪ ،‬والثممالث إذا كممان غائبمما ل يسممخط‬
‫على من أذن في مسجده‪ ،‬والرابع أن يحسن الذان‪ ،‬والخممامس أن يطلممب‬
‫ن علممى النمماس‪ ،‬والسممادس أن يممأمر بممالمعروف‬
‫ثوابه من الّله تعالى ول يم ّ‬
‫وينهى عن المنكر ويقول الحق للغنمي والفقيمر‪ ،‬والسمابع أن ينتظمر الممام‬
‫بقدر ما ل يشق علي القوم‪ ،‬والثامن أن ل يغضب على من أخذ مكانه فممي‬
‫ول الصمملة بيممن الذان والقامممة‪ ،‬العاشممر أن‬
‫المسممجد‪ ،‬والتاسممع أن ل يط م ّ‬
‫يتعاهد مسجده فيطهره من القذر ويجنب الصبيان عنه‪ .‬ويحتاج المام إلممى‬
‫عشر خصال حتى تتم صلته وصلة من خلفه‪ :‬أّولها أن يكون قممارئا ً لكتمماب‬
‫الّله تعالى ول يكون لحانًا‪ ،‬والثاني أن تكون تكبيراته جزما ً صحيحًا‪ ،‬والثالث‬
‫أن يتم ركوعه وسجوده‪ ،‬والرابممع أن يحفممظ نفسممه مممن الحممرام والشممبهة‪،‬‬
‫والخامس أن يحفظ ثيابه وبدنه عن الذى‪ ،‬والسادس أن ل يطممول القممراءة‬
‫إل برضمما القمموم‪ ،‬والسممابع أن ل يعجممب بنفسممه‪ ،‬والثممامن أن ل يممدخل فممي‬
‫الصلة حتى يستغفروا الّله تعالى من جميع ذنمموبه لنممه شممفيع لمممن خلفممه‪،‬‬
‫والتاسع إذا سلم ل يخص نفسه بالممدعاء فيخممون القمموم‪ ،‬والعاشممر إذا نممزل‬
‫في مسجده غريب يسأله عما يحتاج إليه‪ ،‬وروى أبو سممعيد الخممدري رضممي‬
‫الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسمملم أنممه قممال "خمسممة أضمممن‬
‫لهم الجنة‪ :‬المرأة الصالحة المطيعة لزوجها والولد المطيع لبويه والمتوفي‬
‫فممي طريممق مكممة‪ ،‬وصمماحب الخلممق الحسممن‪ ،‬ومممن أذن فممي مسممجد مممن‬
‫المساجد إيمانا ً واحتسابًا"‪ ،‬وروى عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه عممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "المام ضامن والمؤذن مممؤتمن اللهممم‬
‫أرشد الئمة واغفر للمؤذنين"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنممه‪ :‬سمممى المممؤذن مؤتمنما ً لن النمماس‬
‫أئتمنوه في أمر صلتهم وصومهم‪ ،‬فمممن حممق المسمملم علممى المممؤذن أن ل‬
‫يؤذن لصلة الفجممر حممتى يطلممع الفجممر كممي ل يشممتبه عليهممم أمممر صمملتهم‬
‫وسحورهم‪ ،‬ول يؤذن لصلة المغرب حممتى تغممرب الشمممس لكممي ل يشممتبه‬
‫عليهم أمر فطورهم فمن هذا الوجه يكون مؤتمنًا‪ ،‬والمام ضممامنا ً لنممه قممد‬
‫ضمن صلة القمموم فتفسممد صمملتهم بصمملته وتصممح صمملتهم بصمملته‪ ،‬قممال‪:‬‬
‫وأخبرني عبد الوهاب عن محمد بن الفضلني بسمرقند بإسناده عممن أنممس‬
‫بن مالك رضي الّله تعالى عنه أن رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم قممال‬
‫"ثلثة يقومون يوم القيامممة علممى كشممبان المسممك ل يهممولهم الحسمماب ول‬
‫يحزنهم‬
‫]ص ‪[153‬‬
‫م قوما وهم له راضون‪ ،‬ورجل أذن الخمس ابتغاء وجه‬
‫الفزع الكبر‪ :‬رجل أ ّ‬
‫الله‪ ،‬وعبد أطاع ربه وسيده" وروى أبو هريرة رضي الل ّممه تعممالى عنممه عممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال "ل يحممل لمسمملم أن ينظممر فممي بيممت‬
‫مسلم إل بإذنه‪ ،‬فإن نظر فقد دمر ومممن دمممر فقممد نقممض العهممد‪ ،‬ول يحممل‬
‫لمسلم يصلي وهو حممافز حممتى يخفممف‪ ،‬ول يحممل لمسمملم أن يممؤم قوممما إل‬
‫بإذنهم فإن فعل قبلت صلته وردت صلته‪ ،‬ول يخص المام نفسممه بالممدعاء‬
‫فإن فعل ذلك فقد خانهم"‪ .‬وعن أبممي صممالح عممن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "لو يعلم النمماس ممما‬
‫في النداء والصف الول لسممتهموا عليهممما‪ ،‬ولممو يعلمممون ممما فممي التهجيممر‬
‫لستبقوا إليه‪ ،‬ولو يعلمون ما في شهود العتمة والصبح لتوهما ولو حبمموا"‪،‬‬
‫وروى جويبر عن الضحاك قال "لما رأى عبد الّله بن زيد الذان في المنممام‬
‫وعلمه بلل ً فأمر النبي صلى الّله عليه وسلم بلل ً أن يصعد السطح ويممؤذن‬

‫فلما افتتح الذان سمعوا هدة بالمدينة‪ ،‬فقال النبي صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫دة؟ قالوا الّله ورسوله أعلم‪ ،‬قال إن ربكم أمممر بممأبواب‬
‫أتدرون ما هذه اله ّ‬
‫ّ‬
‫السماء ففتحت إلى العرش لذان بلل‪ ،‬فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه‬
‫هذا لبلل خاصة أو للممؤذنين عاممة؟ قمال بممل للممؤذنين عامممة‪ ،‬وإن أرواح‬
‫المؤذنين مع أرواح الشهداء‪ ،‬فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين المؤذون؟‬
‫فيقومون على كثبان المسك والكافور" وروى أنممس بممن مالممك رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قممال "خمسممة ليممس لهممم‬
‫صلة‪ :‬المرأة الساخطة على زوجها والعبممد البممق مممن سمميده حممتى يرجممع‪،‬‬
‫والمصارم الذي ل يكلم أخاه فوق ثلثة أيممام‪ ،‬ومممدمن الخمممر‪ ،‬وإمممام قمموم‬
‫يصلي بهم وهم له كارهون"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬كراهيممة القمموم علممى وجهيممن‪ :‬إن كممانت‬
‫كراهتهم لفساد فيه أو كان لحانا بالقراءة وهممم يجممدون غيممره أو كممان فممي‬
‫الجماعة من هو أعلم منه فهذا الذي يكره وكره لممه أن يممؤمهم‪ ،‬وإن كممانت‬
‫كراهيتهم لنه يأمر بالمعروف فيبغضونه أو للحسد وليس في الجماعة مممن‬
‫هو أعلم منه فكراهيتهم باطلة وله أن يؤمهم وإن رغم أنفهممم‪ ،‬وروى جممابر‬
‫بن عبد الّله رضي الّله تعالى عنهما عن رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫أنه قال "المؤذنون المحتسمبون يخرجمون يموم القياممة ممن قبمورهم وهمم‬
‫يؤذنون فالمؤذن يشهد له كل شيء يسمع صوته من حجر أو شجر أو مممدر‬
‫أو بشر أو رطب أو يابس‪ ،‬ويغفر الّله لهم مد ّ صوته ويكتب لهم مممن الجممر‬
‫بعدد من يصلي بأذانه‪ ،‬ويعطيه الّله ممما يسممأل بيممن الذان والقامممة إممما أن‬
‫يعجله في الدنيا أو يدخره في الخرة وإما أن يصرف عنه السوء‪ ،‬وأّول من‬
‫يكسى يوم القيامممة ممن كسمموة الجنممة إبراهيممم ثممم محمممد عليهممما الصمملة‬
‫والسلم‪ ،‬ثم يكسى الرسل والنبياء عليهم الصلة والسمملم‪ ،‬ثممم المؤذنممون‬
‫المحتسبون وتتلقاهم الملئكة بنجائب من يمماقوت أحمممر يشمميع كممل رجممل‬
‫منهم سبعون ألف ملك من قبره إلى المحشر" قال ابن عباس‬
‫]ص ‪[154‬‬
‫رضي الّله تعالى عنهما‪ :‬ثلثة يعصمهم الّله تعالى من عذاب القبر "المؤذن‬
‫والشهيد والمتموفي يموم الجمعمة أو فمي ليلمة الجمعمة‪ .‬وعمن عبمد العلمى‬
‫التيمي أنه قال‪ :‬ثلثة على كثبان المسك حتى يفرغ النمماس مممن الحسمماب‪:‬‬
‫إمام قوم يلتمس به وجه الّله تعالى‪ ،‬ورجل قرأ القرآن يلتمس به وجه الّله‬
‫تعالى‪ ،‬ومؤذن ينادي بالصلة يلتمس به وجه الّله تعالى"‪ ،‬وروى عممن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "من قال مثل ما يقول المؤذن كان له مثممل‬
‫أجره وروى في خبر آخممر أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم كممان إذا قممال‬
‫ي علممى‬
‫المؤذن الّله أكبر يقممول معممه وكممذلك فممي الشممهادتين وإذا قممال حم ّ‬
‫الصلة حي على الفلح قال ل حول ول قوة إل بالله العلي العظيم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‪ :‬ينبغممي للرجممل إذا سمممع الذان أن‬
‫يستمع ويعظم ويقول مثل ما يقول المؤذن فإذا انتهى إلى قوله حي علممى‬
‫الصلة يقول ل حول ول قوة إل بالله العلممي العظيممم‪ ،‬وإذا قممال حممي علممى‬
‫الفلح يقول ما شاء الّله كان‪ ،‬وينبغي أن يعرف تفسير الذان ومعنمماه فممإن‬
‫لكل كلمة منه ظهرا ً وبطنا ً فإذا قال المؤذن الل ّممه أكممبر الل ّممه أكممبر تفسمميره‬
‫في الظاهر الّله أعظم ثم الّلمه أعظمم وأجم ّ‬
‫ل‪ ،‬ومعنماه الّلمه أعظمم وعملمه‬
‫أوجب فاشتغلوا بعمله واتركوا أشغال الممدنيا‪ ،‬وإذا قممال أشممهد أن ل إلممه إل‬
‫الّله فتفسيره أشهد أنه واحد ل شريك له ومعناه أن الل ّممه قممد أمركممم بممأمر‬
‫فاتبعوا أمره فإنه ل ينفعكم أحد إل الّله ول ينجيكم أحممد مممن عممذابه إن لممم‬
‫تؤدوا أمره‪ ،‬وإذا قممال أشممهد أن محمممدا ً رسممول الل ّممه فتفسمميره وأشممهد أن‬
‫وه ومعناه أنه قد‬
‫محمدا رسول الّله أي الّله أرسله إليكم لتؤمنوا به وتصدق ّ‬
‫ي علممى الصمملة‬
‫أمركم بإقامة الجماعة فاتبعوا ما أمركم بممه‪ ،‬فممإذا قممال ح م ّ‬
‫فتفسيره أسرعوا إلى أداء الصلة ومعناه حان وقممت الصمملة فأقيموهمما ول‬

‫تؤخروها عن وقتها وصلوها بالجماعة‪ ،‬وإذا قال حي علممى الفلح فتفسمميره‬
‫أسرعوا إلى النجماة والسمعادة ومعنماه أن الّلمه تعمالى جعمل الصملة سمببا ً‬
‫لنجاتكم وسعادتكم فأقيموها تنجو من عذابه‪ ،‬وإذا قال الّله أكمبر الّلمه أكمبر‬
‫فتفسيره أن الّله تعالى أعظم وأجم ّ‬
‫ل ومعنمماه أن عملممه أوجممب فل تممؤخروا‬
‫عمله‪ ،‬وإذا قال ل إله إل الّله فتفسيره اعلموا أنه واحد ل شريك له ومعناه‬
‫أخلصوا صلتكم لوجه الّله تعالى‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫باب الطهارة والنظافة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السرقندي رحمه الل ّممه تعممالى‪ :‬حممدثنا أبممو جعفممر‬
‫حدثنا أبو بكر ابن أحمد بممن محمممد بممن سممهل القاضممي حممدثنا إبراهيممم بممن‬
‫خنيس عن أبيه عن إسمعيل رضي الّله تعالى عنهما قال‪ :‬قال رسول الّلممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "عليكم بالسممواك فممإن فيممه عشممر خصممال‪ :‬مطهممرة‬
‫للفم ومرضاة للرب ومفرحة للملئكة ومجلة للبصر ويبيض السنان ويشد ّ‬
‫اللثة ويذهب الحفر ويهضم الطعام ويقطممع البلغممم وتضمماعف بممه الصمملوات‬
‫ويطيب النكهة‪ ،‬وهو طريق‬
‫]ص ‪[155‬‬
‫القرآن" قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر حممدثنا إبراهيممم‬
‫بن يوسف حدثنا وكيع عن الوزاعي عن حسان بن عطية رفعه إلممى النممبي‬
‫)ص( قال "الوضوء شطر اليمان والسواك شطر الوضمموء ولممول أن أشممق‬
‫على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صملة‪ ،‬وركعتمان يسمتاك فيهمما العبمد‬
‫أفضل من سبعين ركعة ل يستاك فيها"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمممد بمن أحممد بمن حمممدان‬
‫حدثنا الحسين ابن علي الطوسي حدثنا محمد بن شوكة حدثنا يعقمموب بممن‬
‫محمد بن إبراهيممم الممتيمي عممن أبممي‬
‫إبراهيم حدثنا أبي عن أبي إسحق عن ُ‬
‫سلمة عن أبي هريرة رضي الل ّممه تعممالى عنممه عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬خمس من الفطرة‪ :‬قص الشارب وتقليممم الظممافر وحلممق‬
‫العانة ونتف البممط والسممواك"‪ .‬قممال ابممن عمممر رضممي الل ّممه تعممالى عنهممما‪:‬‬
‫السواك بعد الطعام أفضل من وصيفتين‪ ،‬وروى عن النبي صلى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "ل يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنمه سميورثه‪ ،‬ول‬
‫يزال يوصمميني بالمماليممك حممتى ظننممت أنممه يجعممل لعتقهممم وقتمما‪ ،‬ول يممزال‬
‫يوصيني بالسواك حممتى ظننممت أنممه يمدردني‪ :‬يعنممي يممذهب اللثممة‪ ،‬ول يممزال‬
‫يوصيني بالنساء حتى ظننممت أنممه يحممرم الطلق‪ ،‬ول يممزال يوصمميني بصمملة‬
‫الليل حتى ظننت أن خيار أمتي ل ينامون بالليل"‪ .‬وروى عن العمش عممن‬
‫مجاهد قال "أبطأ جبريل على النبي صلى الّله عليه وسلم ثم أتاه فقال ممما‬
‫حبسك يا جبريل؟ قال وكيف نأتيكم وأنتم ل تقلمون أظفمماركم ول تأخممذون‬
‫من شواربكم ول تنقون براجمكم ول تستاكون‪ ،‬ثم قال‪ :‬وما نتنزل إل بممأمر‬
‫ربك"‪ .‬وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "حق على كل مسلم‬
‫الغسل يوم الجمعة والسواك والطيب" وعن حميد بن عبممد الرحمممن قممال‪:‬‬
‫من قص أظفاره يوم الجمعة أخممرج الل ّممه منممه الممداء وأدخممل فيممه الشممفاء‪.‬‬
‫وروى عن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم "أنممه لممما دخممل الجنممة ليلممة‬
‫أسرى به إلى السماء استقبله الحور العين فقلن يا محمد قل لمتممك حممتى‬
‫يستاكوا فكلما استاكوا ازددنا حسنًا"‪.‬‬
‫وروى ابن شهاب عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬مممن قلممم‬
‫أظفاره يوم الجمعة كان له أمانا ً من الجذام"‪ .‬وروى في بعممض الخبممار أن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم وقت في كل أربعين يوما ً حلق العانة وفي كل‬
‫جمعة قص الظفار" وعن النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪" :‬طيبمموا‬
‫أفواهكم فإن أفواهكم طرق القرآن"‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬السواك على ثلثة أوجه‪ :‬إما أن يريد بممه‬
‫وجه الّله تعالى وإقامة السنة‪ ،‬وإما أن يريد به نفع نفسه‪ ،‬وإما أن يريممد بممه‬
‫وجه الناس‪ ،‬فإن أراد به وجه الّله تعمالى وإقامممة السممنة فهممو ممأجور وكممل‬
‫صلة تعدل سبعين كما جاء في الخبر‪ ،‬وإن أراد به منفعة نفسه فل أجر لممه‬
‫وهو محاسب به‪ ،‬وإن أراد به الرياء فهو محاسب به آثم وعن طمماوس عممن‬
‫ه‬
‫ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما في قوله تعالى }وَإ ِذ ْ اب ْت ََلى إ ِب َْرا ِ‬
‫م َرب ّم ُ‬
‫هي م َ‬
‫َ‬
‫عل ُ َ‬
‫ن َقا َ‬
‫مامًا{ قال‪ :‬ابتله بطهممارة خمممس‬
‫جا ِ‬
‫ما ٍ‬
‫ل إ ِّني َ‬
‫س إِ َ‬
‫ت فَأت َ ّ‬
‫ب ِك َل ِ َ‬
‫مهُ ّ‬
‫ك ِللّنا ِ‬
‫في الرأس وخمس في الجسد‪،‬‬
‫]ص ‪[156‬‬
‫فأما التي في الرأس‪ :‬فقص الشارب والمضمضمة والستنشمماق والسممواك‬
‫وفرق الرأس‪ ،‬وفي الجسممد‪ :‬تقليممم الظممافر والختممان ونتممف البممط وحلممق‬
‫العانة والستنجاء بالماء‪..‬‬
‫باب فضل الجمعة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‪ :‬حممدثنا أبممو‬
‫القاسم عبد الرحمن ابن محمد حدثنا فارس بن مردويممه حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل حدثنا الحسين بن علي الجعمي عن عبد الرحمن بن يزيد عممن أبممي‬
‫الشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه‬
‫وسلم "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة‬
‫ي قالوا‬
‫ي من الصلة فإن صلتكم معروضة عل ّ‬
‫وفيه الصعقة فأكثروا فيه عل ّ‬
‫يا رسول الّله وكيف تعرض صلتنا عليك وقد بليت؟ قال أتقولون قد بليممت‬
‫إن الّله تعممالى ح مّرم علممى الرض أن تأكممل أجسمماد النبيمماء عليهممم الصمملة‬
‫والسلم"‪ .‬وروى في خبر آخر "أنه قيل كيف ترد ّ علينا السلم وقد رممت؟‬
‫فقال إن الّله تعالى حرم على الرض أن تأكل أجساد النبياء وما مممن أحممد‬
‫ي روحي حتى أرد ّ عليه السلم"‪.‬‬
‫يسلم علي إل رد ّ الّله عل ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن محمممد حممدثنا‬
‫أبو القاسم حدثنا فارس بن مردويه حدثنا محمد بن الفضيل حدثنا الحسين‬
‫بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي الشعث عممن أوس بممن‬
‫أوس قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم وذكر الجمعة فقال "مممن‬
‫غسل واغتسل وبكر وابتكر ودنا فأنصت ولم يلغ كان له بكل خطمموة كممأجر‬
‫سنة صيامها" قال محمد بممن الفضمميل‪ :‬سممألت يزيممد بممن هممرون عممن قمموله‬
‫"غسل" قال غسل مواضع الوضوء "واغتسمل" يعنمي جسممده وسمألت عمن‬
‫"بكر وابتكر" قال يعني بكر على غسله وابتكر إلى الجمعة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضيل حدثنا محمد‬
‫بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا اسمعيل بن جعفممر عممن العلء بممن‬
‫عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه أن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم قال "لم تطلع شمس ولم تغرب على يوم أفضل من يمموم‬
‫الجمعة‪ ،‬وما من دابة فممي الرض إل وهممي تفممزع ليمموم الجمعممة إل الثقليممن‬
‫الجن والنس‪ ،‬وعلى كل بمماب مممن أبممواب المسممجد ملكممان يكتبممان النمماس‬
‫الّول فالّول كرجل قمّرب بدنممة وكرجممل قمّرب شمماة وكرجممل قمّرب طيممرا‬
‫وكرجل قّرب بيضة فإذا قعد المام طويت الصممحف"‪ .‬وروى العمممس عممن‬
‫أبي صالح عن أبي صالح عن أبي هريرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم قال "من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتممى‬
‫الجمعة فاستمع ودنا فأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيارة ثلثة أيممام‬
‫ومن مس الحصى فقد لغا‬
‫]ص ‪[157‬‬

‫ومن لغا فل جمعة له‪ .‬وروى أبو سلمة عن أبممي هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "إن خير يوم طلعت فيه الشمممس‬
‫يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخلمه الّلمه الجنمة وفيمه أهبمط منهما‪ ،‬وفيمه‬
‫تقوم ساعة وفيه ساعة ل يصادفها مؤمن يسممأل الل ّممه تعممالى فيهمما شمميئا ً إل‬
‫أعطاه إياه" قممال أبممو سمملمة‪ :‬قممال عبممد الل ّممه بممن سمملم‪ :‬قممد عرفممت تلممك‬
‫الساعة‪ ،‬وهي آخر ساعات النهار‪ ،‬وهي الساعة الممتي خلممق فيهمما آدم عليممه‬
‫ل{ وقممال سممعيد بممن‬
‫السمملم‪ ،‬قممال الل ّممه تعممالى } ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن عَ َ‬
‫سمما ُ‬
‫لن َ‬
‫جم ٍ‬
‫مم ْ‬
‫خل ِمقَ ا ِ‬
‫وع‪ .‬وعن كعممب الحبممار‪:‬‬
‫ي من حجة تط ّ‬
‫المسيب‪ :‬لن أشهد الجمعة أحب إل ّ‬
‫ي مممن أن أشممرب قممدحا مممن خمممر‪ ،‬ولن‬
‫لن أشرب قدحا ً من نار أحب إل م ّ‬
‫أشرب قدحا ً من خمر أحب إلي من أن أتخلممف عممن الجمعممة‪ ،‬ولن أتخلممف‬
‫ي من أن أتخطى رقاب الناس‪ .‬وعن أبي هريرة رضممي‬
‫عن الجمعة أحب إل ّ‬
‫الّله تعالى عنه قال "تل رسول الّله صلى الّله عليه وسلم على المنممبر آيممة‬
‫ي بن كعب متى أنزلت هذه الية" وفي روايممة أخممرى‪:‬‬
‫فقال ابن مسعود لب ّ‬
‫ي بممن كعممب مممتى أنزلممت هممذه اليممة‪ ،‬فغمممزه‪ ،‬فلممما‬
‫أن أبا الدرداء قال لبم ّ‬
‫ي "إنما حظك من صلتك ما لغوت‪ ،‬فدخل عبد الّله علممى‬
‫انصرف قال له أب ّ‬
‫ي‪ ،‬ثممم‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم فسأله عن ذلممك فقممال‪ :‬صممدق أب م ّ‬
‫قال‪ :‬ما من عبد يغتسل يوم الجمعة ويمممس مممن دهنممه ممما كممان‪ ،‬ثممم يممأتي‬
‫الجمعة فل يؤذي أحدا ً ول يتخطى رقاب الناس فيصلي ما قضى الّله تعالى‬
‫له‪ .‬فإذا خرج المام جلس وأنصت إل غفر الّله له ما بين الجمعتين"‪ .‬وروى‬
‫عبد الرحمن بن يزيد عن أبي لبابة بن عبد المنممذر قممال‪ :‬قممال رسممول الل ّممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم "يوم الجمعة سمميد اليممام وأعظمهمما عنممد اللممه‪ ،‬وهممو‬
‫أعظم عند الّله من يوم الفطر ومن يوم النحر‪ ،‬وفيممه خمممس خصممال‪ :‬فيممه‬
‫خلق الّله تعالى آدم‪ ،‬وفيه أهبط الل ّممه تعممالى آدم إلممى الرض‪ ،‬وفيممه تمموفى‬
‫آدم‪ ،‬وفيه ساعة ل يسأل العبد فيها شيئا ً إل أعطاه الّله إيمماه ممما لممم يسممأل‬
‫حرامًا‪ ،‬وفيه تقوم الساعة‪ ،‬وما من ملك مقرب عند ربه ول فممي سممماء ول‬
‫ي بن أبممي طممالب كممرم‬
‫في أرض إل وهو يشفق من يوم الجمعة"‪ .‬وعن عل ّ‬
‫الّله وجهه قال‪ :‬إذا كمان يموم الجمعمة خمرج الشميطان ممع أعموانه يزينمون‬
‫للناس أسواقهم ومعهم الرايات‪ ،‬وتقعد للناس أسممواقهم ومعهممم الرايممات‪،‬‬
‫وتقعد الملئكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس على قدر منازلهم حتى‬
‫يخرج المام فمن دنا من المام فأنصت واستمع ولم يلغ كان له كفلن‪ :‬أي‬
‫حظان ونصيبان من الجر‪ ،‬ومن تباعد فاستمع وأنصت ولم يلغ كان له كفل‬
‫من الجر‪ ،‬ومن دنا من المام فلغا ولممم يسممتمع كممان لمه كفلن ممن المموزر‬
‫ومن قال مه فقد تكلم ومن تكلم فقد لغا ومن لغا فل جمعممة لمه‪ ،‬ثممم قممال‬
‫ي رضي الّله تعالى عنه‪ :‬هكذا سمعت نبيكم صلى الّله عليه وسلم‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫ي‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬سمعت أبى قال‪ :‬بلغنا أن صالحا المر ّ‬
‫أقبل ليله الجمعة يريد مسجد الجامع ليصلى فيه صلة الفجر‪ ،‬فمر بمقممبرة‬
‫فقال‪ :‬لو قمت حنى يطلع الفجر‪ ،‬فدخل‬
‫]ص ‪[158‬‬
‫المقبرة فصلى ركعتين واتكأ على قبر فغلبته عيناه‪ ،‬فرأى في المنممام كممأن‬
‫أهل القبور قد خرجوا من قبورهم فقعدوا حلقا حلقا يتحمدثون‪ ،‬فمإذا شماب‬
‫عليه ثياب دنسة فقعد فممي جممانب مغموممما فلممم يمكثمموا إذا أقبلممت عليهممم‬
‫أطباق عليها الطاف مغطاة بمناديل فكلممما جمماء واحممدا منهممم طبممق أخممذه‬
‫ودخل قبره‪ ،‬حتى بقى الفتى في آخر القمموم لممم يممأته شمميء‪ ،‬فقممام حزينمما‬
‫ليدخل في قبره فقلت له‪ :‬يا عبد الّله ما لي أراك حزينا وممما الممذي رأيممت؟‬
‫قال‪ :‬يا صالح المّرى هل رأيت الطباق؟ قال‪ :‬قلت نعم‪ ،‬فما هي؟ قال تلك‬
‫ألطاف الحياء لموتاهم كلما تصدقوا عنهم اودعوا لهم أتاهم ذلك في ليلممة‬
‫الجمعة وإني رجل من أهل السند أقبلت بوالدتي تريممد الحمج‪ ،‬فلممما صمرت‬
‫بالبصرة توفيت بها وتزّوجت والدتي بعدي ولم تممذكر لزوجهمما أنممه كممان لهمما‬

‫ولد‪ .‬وقد ألهتها الدنيا فما تذكرني بشفة ول لسان فحق لي الحزن إذ ليس‬
‫لي من يممذكرني ممن بعممدي‪ ،‬قممال صمالح‪ :‬وأيممن منممزل أمممك؟ فوصمف لممي‬
‫الموضع‪ ،‬قال‪ :‬فلما أصبحت و قضيت صمملتي أقبلممت فسممألت عممن منزلهمما‬
‫فأرشدت إليممه‪ ،‬فجئت فاسممتأذنت عليهمما فقلممت أتممى صممالح المممري بالبمماب‬
‫فأذنت فدخلت و قلت أحب أن ل يسمع كلمي و كلمك أحد‪ .‬فدنوت حممتى‬
‫ما كان بيني و بينها إل ستر‪ ،‬فقلت يرحمك الّله هل لك ولد؟ قالت ل قلممت‬
‫فهل كان لك ولد؟ فتنفست الصممعداء ثممم قممالت‪ :‬قممد كممان لممي ولممد شمماب‬
‫فمات فقصصت عليهمما القصممة‪ ،‬قممال‪ :‬فبكممت حممتى تحممدرت دموعهمما علممى‬
‫خديّها‪ ،‬قالت‪ :‬يا صالح ذاك ولدي من منزل كبدي والحشمما‪ ،‬كممان بطنممي لممه‬
‫وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء‪ .‬ثم دفعت لممي ألممف درهممم وقممالت‪:‬‬
‫تصدقت بها على حبيبي وقرة عيني ول أنساه الممدعاء والصممدقة فيممما بقممى‬
‫من عمري‪ ،‬قال‪ :‬فانطلقت فتصدقت باللف‪ ،‬فلما كان في الجمعة الخرى‬
‫أقبلت أريد الجمعة‪ ،‬فأتيت المقممبرة وصممليت ركعممتين واسممتندت إلممى قممبر‪.‬‬
‫فخفقت برأسي فإذا أنا بقوم قد خرجمموا وإذا أنمما بمالفتى عليممه ثيمماب بيممض‬
‫فرحا مسرورا ثم أقبل حتى دنا منى ثم قال‪ :‬يا صممالح المممري جممزاك الل ّممه‬
‫خيرا عنى وقد وصلت إلينا الهدية‪ .‬فقلممت لمه أنتمم تعرفممون الجمعمة؟ قمال‬
‫نعم‪ ،‬وإن الطيور في الهواء يعرفونها ويقولون سلم ليوم صالح‪ :‬يعني يمموم‬
‫الجمعة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وحدثني الثقة بإسناده عن أنس بممن‬
‫مالك رضى الّله تعالى عنه قال "جاء جبريل عليه السلم إلى رسممول الّلممه‬
‫صلى الّله عليه وسلم وفممي كفممه كممالمرآة البيضمماء وفممي وسممطها كالنكتممة‬
‫السوداء‪ ،‬قال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا يموم الجمعممة يعرضممها الل ّممه عليممك‬
‫لتكون لك عيدا لك ولمتك من بعدك ولكم فيها خير‪ ،‬من دعا فيها بخير هممو‬
‫دخر له ما هممو أفضممل منممه‪،‬‬
‫له قسم أعطاه الّله إياه وإن لم يكن له قسم ا ّ‬
‫وهو عندنا يوم المزيد ونحن ندعوه سمميد اليممام‪ ،‬قممال ولممم ذلممك؟ قممال لن‬
‫ربك اتخذ في الجنة واديا ً أفيح فيه‬
‫]ص ‪[159‬‬
‫كشيب من مسك أبيض‪ ،‬فإذا كان يوم الجمعة جاء النممبيون وجالسمموا علممى‬
‫منابر من نور مكللة بالجواهر‪ ،‬ثم حف وراء تلك المنابر بكراسممي مممن نممور‬
‫ديقون والشهداء فجلسوا عليها‪ ،‬ثم يأتي أهل جنة عدن فيجلسون‬
‫فجاء الص ّ‬
‫على ذلك الكثيب البيض فيقول لهم الرب تعالى‪ ،‬أنا الممذي صممدقتم وعممدي‬
‫وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني‪ ،‬فيقولممون ربنمما نسممألك‬
‫رضوانك والجنة؟ فيقول رضواني أحلكم داري وأنيلكم كرامممتي‪ ،‬فيسممألونه‬
‫الرضا فيهديهم الرضا ويعطيهم فوق رغبتهم وأمنيتهم‪ ،‬وذلك قدر منصممرف‬
‫أمامكم من الجمعة ويفتح لهم عند ذلك مال يخطر على قلب بشر ولم تره‬
‫ديقون والشممهداء ويرجممع أهممل الغممرف إلممى‬
‫عين‪ ،‬ثممم يرجممع النممبيون والصم ّ‬
‫غرفهم فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيممه كرامممة‬
‫فلذلك سمى يوم المزيد وفيه تقوم الساعة"‪ .‬وروى أنس بن مالممك رضممي‬
‫الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال "الصمملوات فممي‬
‫ن ممما اجتنبممت الكبممائر" واللممه‬
‫الجماعة والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهم ّ‬
‫تعالى أعلم‪..‬‬
‫باب حرمة المسجد‬
‫)قال الفقيممه( أبممو الليممث السمممرقندي رحمممه الل ّممه تعممالى‪ :‬حممدثنا علممي‬
‫السردي الحاكم حدثنا عبيدة بن محمد السرخسي حدثنا صالح بممن كيسممان‬
‫حدثنا ابن أبي فديك عن كثير بن زيد عن المطلب بممن عبممد الل ّممه عممن أبممي‬
‫هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه قممال "إذا‬
‫دخل أحدكم المسجد فل يجلس حتى يصلي ركعتين"‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬إذا كان في وقت مباح فأما إذا دخل في‬
‫المسجد بعد ما يصلي العصر أو بعد ممما صمملى الفجممر فل ينبغممي أن يصمملي‬
‫لنه نهى عن الصلة في ذلممك المموقت‪ ،‬ولكنممه يسممبح ويهلممل ويصمملي علممى‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فينال فضل الصمملة وأدى عنممه حممق المسممجد‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بممن الفضممل حممدثنا محمممد بممن جعفممر حممدثنا إبراهيممم بممن‬
‫يوسف حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث بن أبي سممليم عممن‬
‫بعض أشياخه قال‪ :‬بلغ أبا الدرداء أن سمملمان الفارسممي رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنه اشترى خادمًا‪ ،‬فكتب إليه يعاتبه في ذلك فكان في كتابه‪ :‬يا أخي تفرغ‬
‫للعبادة قبل أن ينزل بك من البلء ما ل تستطيع فيه العبادة‪ ،‬واغتنممم دعمموة‬
‫المؤمن المبتلى‪ ،‬وارحم اليتيم وامسمح برأسممه وأطعممه ممن طعامممك يلمن‬
‫قلبك وتدرك حاجتك‪ ،‬فإني شهدته يوما ً يعني النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫وأتاه رجل يشكو إليممه قسمماوة قلبممه فقممال "أتحممب أن يليممن قلبممك وتممدرك‬
‫حاجتك؟ قال نعم‪ ،‬قال ارحم اليتيم وامسح برأسممه‪ ،‬وأطعمممه مممن طعامممك‬
‫يلن قلبك وتدرك حاجتك" يا أخي ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسممول‬
‫الّله صلى الّله عليه وسلم يقول "المساجد بيوت المتقين" وقد ضمن الّلممه‬
‫تعالى لمن كانت بيوتهم المساجد بالروح والراحممة والجممواز علممى الصممراط‬
‫والنجاة من النار إلى رضوان الرب تبارك وتعالى‪ .‬قال الحكيم‬
‫]ص ‪[160‬‬
‫بن عمير صمماحب رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‪ :‬كونمموا فممي الممدنيا‬
‫أضيافا‪ ،‬واتخمذوا المسماجد بيوتمًا‪ ،‬وعلممموا قلموبكم الرقمة‪ ،‬وأكممثروا التفكمر‬
‫والبكاء ل تختلفن بكم الهواء‪ .‬قال قتادة رضممي الّلمه تعمالى عنممه‪ :‬مما كمان‬
‫للمؤمن أن يرى إل في ثلثة مواطن‪ :‬مسجد يعمره‪ ،‬وبيت يسممتره‪ ،‬وحاجممة‬
‫ل بأس بها‪ .‬وقممال النممزال بمن سممبرة‪ :‬المنممافق فممي المسممجد كممالطير فممي‬
‫القفص‪ .‬وعن خلف بن أيمموب أنممه كممان جالسما ً فممي المسممجد فأتمماه غلمممه‬
‫يسأله عن شيء‪ ،‬فقام فخرج من المسجد ثم أجممابه‪ ،‬فقيممل لممه فممي ذلممك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ما تكلمت في المسجد بكلم الدنيا منذ كذا سممنة فكرهممت أن أتكلممم‬
‫اليوم‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬إنما يصير للعبد منزلة عند الّله تعالى إذا‬
‫عظم أوامره وعظم بيوته وعباده‪ ،‬والمساجد بيوت الّله فينبغي للمؤمن أن‬
‫يعظمها فإن فممي تعظيممم المسمماجد تعظيممم الل ّممه تعممالى‪ .‬وروى عممن بعممض‬
‫ولت قممدمي فيهمما‬
‫الزهاد أنه قال‪ :‬ما استندت في المسجد إلى شيء ول ط ّ‬
‫ول تكلمت بكلم الدنيا‪ ،‬وإنما قال ذلك ليقتممدي بممه‪ .‬وعممن الوزاعممي رضممي‬
‫الّله تعالى عنه قال‪ :‬خمس كان عليهن رسول الّله صلى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫والتابعون بإحسان‪ :‬لزوم الجماعة‪ ،‬واتباع السنة‪ ،‬وعمممارة المسممجد‪ ،‬وتلوة‬
‫القرآن‪ ،‬والجهاد في سبيل الّله تعالى‪ .‬وروى عن الحسممن بممن علممي رضممي‬
‫الّله تعالى عنهما أنه قال‪ :‬ثلثة في جوار الّله تعالى‪ :‬رجل دخل المسممجد ل‬
‫يدخله إل لله فهو ضيف الّله تعالى حتى يرجع‪ :‬ورجممل زار أخمماه المسمملم ل‬
‫يزوره إل لله فهو من زّوار الل ّممه تعممالى حممتى يرجممع‪ ،‬ورجممل خممرج حاجما ً أو‬
‫معتمرا ً ل يخرج إل لله تعالى فهو وفممد الل ّممه تعممالى حممتى يرجممع إلممى أهلممه‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬حصون المممؤمن ثلثممة‪ :‬المسممجد وذكممر الل ّممه تعممالى وتلوة القممرآن‪،‬‬
‫والمؤمن إذا كان في واحد من ذلك فهو فممي حصممن ممن الشمميطان‪ .‬وقممال‬
‫الحسن البصري رحمه الّله تعالى‪ :‬مهور الحور في الجنممة كنممس المسمماجد‬
‫وعمارتها‪ :‬قممال أنممس بممن مالممك رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‪ :‬مممن أسممرج فممي‬
‫المسجد سراجا ً لم تزل الملئكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام ذلممك‬
‫في المسجد وقال عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه‪ :‬المساجد بيمموت‬
‫الّله فممي الرض‪ ،‬والمصمملى فيهمما زائر اللممه‪ ،‬وحممق علممى المممزور أن يكممرم‬
‫زائره‪.‬‬

‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعممالى‪ :‬يقممال حرمممة المسمماجد خمممس عشممرة‬
‫خصلة‪ :‬أولها أن يسلم وقت الممدخول إذا كممان القمموم جلوسما ً وإن لممم يكممن‬
‫فيها أحد أو كانوا في الصلة يقول السلم علينا ممن ربنمما وعلممى عبمماد الل ّممه‬
‫الصالحين‪ :‬والثاني أن يصلي ركعتين قبممل أن يجلممس لممما روي عممن النممبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "لكل شيء تحيممة وتحيممة المسممجد ركعتممان"‬
‫والثممالث أن ل يشممتري فيممه ول يممبيع‪ ،‬والرابممع أن ل يسممل فيممه السمميف‪،‬‬
‫والخامس أن ل ينشد فيه الضالة‪ ،‬والسادس أن ل يرفممع فيممه الصمموت فممي‬
‫غير ذكر الّله تعالى‪ ،‬والسابع أن ل يتكلم‬
‫]ص ‪[161‬‬
‫فيه بشيء من أحاديث الدنيا‪ ،‬والثامن أن ل يتخطى رقاب الناس‪ ،‬والتاسممع‬
‫أن ل ينممازع فممي المكممان‪ ،‬والعاشممر أن ل يضمميق علممى أحممد فممي الصممف‪،‬‬
‫والحادي عشر أن ل يمّر بين يدي المصلى‪ ،‬والثاني عشر أن ل يممبزق فيممه‪،‬‬
‫والثممالث عشممر أن ل يفرقممه أصممابعه فيممه‪ ،‬والرابممع عشممر أن ينزهممه عممن‬
‫النجاسات والمجانين والصبيان وإقامممة الحممدود‪ ،‬والخممامس عشممر أن يكممثر‬
‫فيه ذكر الّله تعالى ول يغفل عنه‪ .‬وروى عن الحسممن أن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم قال "يأتي على أمتي زمان يكون حديثهم في مسمماجدهم لمممر‬
‫دنياهم ليس لله فيهم حاجة فل تجالسوهم"‪ .‬وروى عممن الزهممري عممن أبممي‬
‫هريرة رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫"يكون الغرباء في الدنيا أربعة‪ :‬قرآن في جوف ظالم‪ ،‬ومسممجد فممي نممادي‬
‫قوم ل يصلون فيه‪ ،‬ومصحف في بيت ل يقرأ فيممه‪ ،‬ورجممل صممالح مممع قمموم‬
‫سوء"‪ .‬وعن أنس رضي الّله تعالى عنه عن رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسملم أنمه قمال "تحشمر المسماجد كأنهما بخمت بيممض قوائمهما ممن العنمبر‬
‫وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك الذفر وأسنامها من الزبرجممد‬
‫الخضر‪ ،‬وقوادها المؤذنون يقودونها‪ ،‬والئممة يسموقونها فيعمبرون بهما فممي‬
‫عرصات القيامممة كممالبرق الخمماطف‪ ،‬فيقممول أهممل القيامممة هممؤلء الملئكممة‬
‫المقربون والنبياء المرسلون‪ ،‬فينادونهم يا أهل القيامة ممما هممؤلء الملئكممة‬
‫المقربون ول النبياء ول المرسمملون بممل هممم أمممة محمممد صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم الذين كانوا يحفظون صلة الجمعة"‪ .‬وعن وهب بن منبه رحمه الّلممه‬
‫تعممالى قممال‪ :‬يممؤتى بالمسمماجد يمموم القيامممة كأمثممال السممفن مكللممة بالممدر‬
‫والياقوت فتشفع لهلها‪ .‬وعن علي بن أبممي طممالب كممرم الل ّممه وجهممه قممال‪:‬‬
‫"يأتي على الناس زمان ل يبقى مممن السمملم إل اسمممه ول مممن القممرآن إل‬
‫رسمه‪ ،‬يعمرون مساجدهم وهي خراب من ذكر الّله تعالى‪ ،‬شر أهممل ذلممك‬
‫الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتن وإليهم تعود"‪.‬‬
‫باب فضل الصدقة‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف وحدثنا ابممن إدريممس‬
‫عن ليث بن أبي سليم عن ميمون بن مهران عممن أبممي ذر الغفمماري رضممي‬
‫الّله تعالى عنه قال‪ :‬الصلة عماد السلم‪ ،‬والجهاد سنام العمممل‪ ،‬والصممدقة‬
‫شيء عجيب‪ ،‬والصدقة شيء عجيب والصمدقة شميء عجيمب‪ .‬وسمئل عمن‬
‫الصوم؟ فقال‪ :‬قربة وليس هناك فضممل‪ ،‬وقيممل فممأي صممدقة أفضممل؟ قممال‬
‫ن{ قيممل فمممن‬
‫ف ُ‬
‫ما ت ُ ِ‬
‫قوا ِ‬
‫حّتى ت ُن ْ ِ‬
‫حب ّممو َ‬
‫ن ت ََناُلوا الب ِّر َ‬
‫م ّ‬
‫أكثرها فأكثرها ثم قرأ }ل َ ْ‬
‫لم يكن عنده؟ قال فعفو مال‪ :‬يعني يتصدق بفضل مال‪ ،‬قيل فمن لم يكن‬
‫عنده مال؟ قال فعفو طعام‪ ،‬قيل فإن لم يكن عنده؟ قال يعين بقوته‪ ،‬قيل‬
‫فمن لم يفعل؟ قال يتقي النار ولو بشق تمرة‪ ،‬قيل فمن لممم يفعممل؟ قممال‬
‫يكف نفسه‪ :‬يعني ل يظلم الناس‪ .‬وذكر في رواية أخرى أنه روى‬
‫]ص ‪[162‬‬

‫هذا عن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم قممال‪ :‬حممدثنا محمممد بممن الفضممل‬
‫حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسممف حممدثنا يزيممد بممن زريممع عممن‬
‫هشام الدستوائي عمن قتمادة عمن خليمل بمن عبمد الّلمه العصمري عمن أبمي‬
‫الدرداء رضي الّله تعالى عنممه أن النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم قممال "مما‬
‫طلعت شمس إل بعث بجنبتيها مكان يناديان‪ ،‬وإنهما يسمممعان أهممل الرض‬
‫إل الثقلين‪ :‬أيها الناس هلموا إلى ربكم فمإن مما قممل وكفممى خيممر ممما كممثر‬
‫وألهى‪ ،‬وملكان يناديان‪ :‬اللهم عجل لمنفق ماله خلفا ً وعجل لممسك ممماله‬
‫تلفا" قال‪ :‬أخبرنا أبي رحمه الّله تعالى حدثنا محمد بن موسى حدثنا سلمة‬
‫بن شبيب حدثنا إبراهيمم بمن يسمار عممن زرعمة بمن أيمموب عممن جويمبر عمن‬
‫الضحاك عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما قال‪" :‬مر النبي صلى الّلممه‬
‫عليه وسلم برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول أسألك بحرمة هذا البيت‬
‫أن تغفر لي؟ فقال له رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ :‬يا عبممد الل ّممه سممل‬
‫بحرمتك فإن حرمة المؤمن أعظم عند الّله من حرمة هذا البيت‪ ،‬فقممال يمما‬
‫رسول الّله إن لي ذنبا ً عظيمًا‪ ،‬قال وما ذنبك؟ قال إن لممي مممال ً كممثيرا ً وإن‬
‫ماشيتي كثيرة وإن خيلي كثيرة‪ ،‬ولكن الرجل إذا سممألني شمميء مممن مممالي‬
‫فكأن شعلة من نار تخرج من وجهي‪ ،‬فقممال رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم تنح عني يا فاسق ل تحرقني بنممارك والممذي نفسممي بيممده لممو صمممت‬
‫ألف عام وصليت ألف عام ثم مت لئيما ً لكبك الّله في النار‪ ،‬أما علمت أن‬
‫اللؤم من الكفممر والكفممر فممي النممار والسممخاوة مممن اليمممان واليمممان فممي‬
‫الجنة"‪ .‬وروت عائشة رضي الّله تعممالى عنهمما عممن النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال "السخاوة شممجرة أصمملها فممي الجنممة وأغصممانها متدليممة فممي‬
‫الدنيا فمن تعلق بغصن منها مده إلى الجنة‪ ،‬والبخل شجرة أصلها في النار‬
‫وأغصانها متدلية في الدنيا فمن تعلق بغصممن منهمما مممده إلممى النممار"‪ .‬وعممن‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "البخيل بعيد من الّله بعيممد مممن الجنممة‬
‫بعيد من الناس قريب من النار‪ .‬والسخي قريب من الّله قريب مممن الجنممة‬
‫قريب من الناس بعيد من النار" وعن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قممال‬
‫"حصنوا أموالكم بالزكاة‪ ،‬وداووا مرضاكم بالصممدقة واسممتقبلوا أنممواع البلء‬
‫بالدعاء" وعن عبد الرحمن السلماني مولى عمر رضي الّله تعالى عنه عن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إذا سأل سائل فل تقطعوا عليه‬
‫مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين ببذل يسير أو برد جميممل‪،‬‬
‫فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ول جان ينظرون كيف صنيعكم فيما خممولكم‬
‫الّله " وروى سعيد بن مسعود الكنمدي قمال‪ :‬قمال رسمول الّلمه صملى الّلمه‬
‫عليه وسلم "ما من رجل يتصدق في يوم أو ليلممة إل حفممظ مممن أن يممموت‬
‫من لدغة أو هدمة أو موت بغتة" وروى أبو هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "ما نقص مال من صدقة قممط‪ ،‬ول‬
‫عفا رجل عن مظلمة إل زاده الّله بها عزا‪ ،‬وما تواضممع رجممل للممه إل رفعممه‬
‫الّله تعالى" وروى عكرمة عن ابن عبمماس رضممي الل ّممه تعممالى عنهممما قممال‪:‬‬
‫شمي ْ َ‬
‫اثنان من الشيطان واثنان من الّله تعممالى‪ ،‬ثممم قممرأ هممذه اليممة }ال ّ‬
‫ن‬
‫طا ُ‬
‫ْ‬
‫ضم ً‬
‫ح َ‬
‫ل{ يعنممي‬
‫م ِبال َ‬
‫ف ْ‬
‫م ال َ‬
‫مغْفِمَرة ً ِ‬
‫ه وَفَ ْ‬
‫ف ْ‬
‫من ْم ُ‬
‫م َ‬
‫ه ي َعِمد ُك ُ ْ‬
‫شاِء َوالل ّم ُ‬
‫مُرك ُ ْ‬
‫قَر وَي َأ ُ‬
‫ي َعِد ُك ُ ْ‬
‫يأمركم‬
‫]ص ‪[163‬‬
‫م{ يعنممي واسممع‬
‫ه َوا ِ‬
‫سعٌ ع َِلي م ٌ‬
‫بالطاعة والصدقة لتنالوا مغفرته وفضله }َوالل ّ ُ‬
‫الفضل عليم بثواب من يتصدق‪ .‬وروى ابن بريدة عن أبيه عن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم "مما نقمض قموم العهمد إل ابتلهمم الّلمه تعمالى بالقتمل‪ ،‬ول‬
‫ظهرت فاحشة في قوم إل سلط الّله عليهم الموت‪ ،‬ول منممع قمموم الزكمماة‬
‫إل حبس الّله عنهمم القطمر" وروى الضمحاك عمن النمزال بمن سمبرة قمال‪:‬‬
‫مكتوب على باب الجنة ثلثة أسطر‪ :‬أولها ل إله إل الّله محمد رسول اللممه‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬أمة مذنبة ورب غفور‪ ،‬والثممالث وجممدنا ممما عملنمما ربحنمما ممما قممدمنا‬

‫خسرنا ما خلفنا‪ ،‬ويقال من منع خمسا ً منع الّله منه خمسًا‪ :‬أّولها مممن منممع‬
‫الزكاة منع الّله منه حفظ المال‪ ،‬والثاني مممن منممع الصممدقة منممع الل ّممه منممه‬
‫العافية‪ ،‬والثالث من منع العشر منع الّله منه بركة أرضه‪ ،‬والرابع مممن منممع‬
‫الدعاء منع الّله منه الجابة‪ ،‬والخامس من تهاون بالصلة منممه عنممد الممموت‬
‫قول ل إله إل الله‪ .‬وروى عن ابن مسعود رضي الّله تعممالى عنممه أنممه قممال‪:‬‬
‫درهم ينفقه أحدكم فممي صممحته وشممحه أفضممل مممن مممائة يوصممى بهمما عنممد‬
‫الموت‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬سمعت أبي رحمه الّله تعممالى قممال‪:‬‬
‫كان في زمن عيسى عليه الصلة والسلم رجل يسمى ملعون ما ً مممن بخلممه‪،‬‬
‫فجاءه رجل ذات يوم يريد الغزو‪ ،‬فقال يا ملعون أعطني شيئا ً مممن السمملح‬
‫أستعين به في غزوي وتنجو بممه مممن النممار‪ ،‬فممأعرب عنممه ولممم يعطممه شمميئا‬
‫فرجع الرجل فندم الملعون فناداه فأعطاه سيفه‪ ،‬فرجع الرجممل واسممتقبله‬
‫عيسى عليه السلم مع عابد قد عبد الّله سبعين سنة‪ ،‬فقال له عيسى مممن‬
‫أين جئتم بهذا السيف؟ فقممال أعطممانيه الملعممون‪ ،‬ففممرح عيسممى بصممدقته‪،‬‬
‫فكان الملعون قاعدا ً على بابه‪ ،‬فلما مّر به عيسى عليه السمملم مممع العابممد‬
‫فقال الملعون في نفسه أقوم وأنظر إلى وجه عيسممى وإلممى وجممه العابممد‪،‬‬
‫فلما قام ونظر إليهما قال العابد أنا أفر وأعدو مممن هممذا الملعممون قبممل أن‬
‫يحرقني بناره‪ ،‬فأوحى الّله عز وج ّ‬
‫ل إلى عيسى عليه السلم أن قل لعبدي‬
‫هذا المذنب إني قد غفرت له بصدقته بالسيف وبحبه إياك‪ ،‬وقل للعابد إنممه‬
‫رفيقك في الجنة‪ ،‬فقال العابد والله ما أريد الجنة معه ول أريد رفيقا ً مثلممه‪،‬‬
‫فأوحى الّله عز وج ّ‬
‫ل إلى عيسى عليه السلم أن قل لعبدي‪ :‬إنك لم تممرض‬
‫بقضائي وحقرت عبممدي فممإني قممد جعلتممك ملعونمما مممن أهممل النممار‪ ،‬وبممدلت‬
‫منازلك في الجنة مع الذي له في النار‪ ،‬وأعطيت منازلك في الجنة لعبممدي‬
‫ومنازله في النار لك‪ .‬وروى أبو هريمرة رضممي الّلمه تعمالى عنممه عمن النمبي‬
‫صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إن ملكا ً ينادي من أبواب السماء يقول مممن‬
‫يقرض اليوم يجد غدًا‪ ،‬وملمك آخمر ينمادي يما معشمر بنمي آدم لمدوا للمموت‬
‫وابنوا للخراب" وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنممه سممأل فقيممل يمما‬
‫رسول الّله إذا خرجت من الدنيا فظهر الرض خيرا ً لنا أم بطنها؟ قممال أبممو‬
‫هريرة رضي الّله تعالى عنه قممال النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم "إذا كممان‬
‫أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم وأموركم‬
‫]ص ‪[164‬‬
‫شورى بينكم فظهر الرض خير لكم من بطنها‪ ،‬وإذا كان أمراؤكم شراركم‬
‫وأغنيمماؤكم بخلءكممم وأممموركم إلممى نسممائكم فبطممن الرض خيممر لكممم مممن‬
‫ظهرها" وعن عبد الل ّممه بممن مسممعود رضممي الل ّممه تعممالى عنممه أنممه قممال‪ :‬إن‬
‫استطعت أن تجعل كنزك حيث ل يأكله السوس ول تناله اللصمموص فافعممل‬
‫بالصدقة‪ .‬وروى عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "مممن أدى الزكمماة‬
‫وأقرى الضيف وأدى المانة فقد وقى شممح نفسممه" يعنممي دفممع البخممل عممن‬
‫نفسه‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬عليك بالصدقة بما قممل أو كممثر فممإن‬
‫في الصدقة عشر خصال محمودة‪ :‬خمسة في الدنيا وخمسة فممي الخممرة‪،‬‬
‫فأما الخمسة التي في الدنيا‪ :‬فأولها تطهير المال كما قال النبي صلى الل ّممه‬
‫عليه وسلم "أل إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب فشوبوه بالصممدقة"‬
‫والثاني أن فيها تطهير البدن من الذنوب كما قال الّله عز وج م ّ‬
‫ن‬
‫ل} ُ‬
‫خ مذ ْ ِ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫م وَت َُز ّ‬
‫م ب َِهمما{‪ ،‬والثممالث أن فيهمما دفممع البلء‬
‫ة ت ُط َهُّر ُ‬
‫صممد َقَ ً‬
‫كيِهمم ْ‬
‫همم ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م َ‬
‫ممم َ‬
‫والمراض كما قال النبي صلى الّله عليه وسلم "داووا مرضاكم بالصممدقة"‬
‫والرابع أن فيها إدخممال السممرور علممى المسمماكين وأفضممل العمممال إدخممال‬
‫السرور على المؤمنين‪ ،‬والخممامس أن فيهمما بركممة فممي المممال وسممعى فممي‬
‫ن َ‬
‫ه{‪ .‬وأممما‬
‫خل ِ ُ‬
‫ف ْ‬
‫ممما َأن َ‬
‫يٍء فَهُموَ ي ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫فم ُ‬
‫قت ُم ْ‬
‫الرزق كما قممال الل ّممه تعممالى }وَ َ‬
‫شم ْ‬
‫مم ْ‬

‫الخمسة التي في الخرة‪ ،‬فأولها أن تكون الصدقة ظل ً لصاحبها مممن شممدة‬
‫الحر‪ ،‬والثاني أن فيها خفة الحساب‪ ،‬والثممالث أنهمما تثقممل الميممزان‪ ،‬والرابممع‬
‫جواز على الصراط‪ ،‬والخامس زيادة الدرجات في الجنة‪ ،‬ولو لم يكممن فممي‬
‫الصدقة فضيلة سوى دعاء المساكين لكان الواجب على العاقل أن يرغممب‬
‫فيها فكيف وفيها رضى الّله تعمالى ورغمم الشميطان‪ ،‬لنمه روى فمي الخمبر‬
‫"إن الرجل ل يستطيع أن يتصدق ما لم يفك لحيي سبعين شمميطانا" وفيهمما‬
‫القتداء بالصالحين لن الصالحين كانت همتهم في الصدقة‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن‬
‫محمد بن المنكدر عن أم ذر‪ ،‬وكانت تدخل على عائشة رضممي الل ّممه تعممالى‬
‫عنها قالت‪ :‬بعث عبد الّله بن الزبير إلى عائشة رضي الّله تعالى عنها بمال‬
‫في غرارتين فيهما ثمانون ومائة ألف درهم وهممي صممائمة‪ ،‬فجعلممت تقسممم‬
‫بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم‪ ،‬فلما أمست قالت يمما جاريممة‬
‫هلمي فطوري فجاءتها بخبز وزيت‪ ،‬فقالت لها أما استطعت فيممما قسمممت‬
‫هذا اليوم أن تشتري لنا لحما ً بدرهم! قالت‪ :‬ل تعنفينممي لممو كنممت ذكرتينممي‬
‫لفعلت‪ .‬وعن عروة بن الزبير قال‪ :‬لقد رأيت عائشة رضي الّله تعالى عنهمما‬
‫تصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترفع جانب درعها‪ .‬وذكر أن عبممد الملممك‬
‫بن أبجر ورث خمسين ألف درهممم فبعممث إلممى إخمموانه صممررا وقممال‪ :‬كنممت‬
‫أسأل لخواني الجنة‪ ،‬فكيف أبخل عليهم بالدنيا‪ .‬وذكر في الخبر‪ :‬أن امممرأة‬
‫جاءت إلى حسان بن أبي سنان فسألته شيئًا‪ ،‬فجعل ينظر إليها‬
‫]ص ‪[165‬‬
‫فإذا هي امرأة جميلة فقال يا غلم أعطها أربعممائة فقيمل لمه يما عبمد الّلمه‬
‫سائلة تسألك درهما فأعطيتها أربعمائة درهم؟ فقال لما نظرت إلى جمالها‬
‫خشيت أن نفتتن فتقع في المعصممية فممأحببت أن أغنيهمما فعسممى أن يرغممب‬
‫فيها أحد فيتزوجها‪ .‬وذكر في الخبر أن رجل ً من أصممحاب النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أهدى إليه برأس شاة فقال أخي فلن أحوج منممي فبعممث إليممه‪،‬‬
‫فقال الذي بعث إليه‪ :‬إن فلنا أحوج مني فبعممث إليممه‪ ،‬فلممم يممزل يبعممث بممه‬
‫واحد بعد واحد حتى تداولت سبعة أبيممات ثممم رجممع إلممى الول فنممزل قمموله‬
‫م وَل َوْ َ‬
‫ة{ ويقال إن نزول هذه‬
‫ن ع ََلى أ َن ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ص ٌ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫تعالى }وَي ُؤ ْث ُِرو َ‬
‫ن ب ِهِ ْ‬
‫سه ِ ْ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫الية كان في شأن رجل من النصار‪ ،‬وذلك ما رواه الحسن "أن رجل ً أصبح‬
‫على عهد رسول الّله صلى الّله عليه وسلم صائما ً فلما أمسى لم يجممد ممما‬
‫يفطر عليه إل الماء فشرب‪ ،‬ثم أصبح صائما ً ثم أمسى لممم يجممد ممما يفطممر‬
‫عليه إل الممماء فشمرب‪ ،‬ثمم اصممبح صمائما ً فلمما كمان اليموم الثممالث أجهمده‬
‫الجوع‪ ،‬ففطن به رجل من النصار فلما أمسى أتى بممه منزلممه فقممال لهلممه‬
‫قد نزل بنا الليلة ضيف فهل عندنا طعام فقالت إن عنممدنا مممن الطعممام ممما‬
‫يشبع الواحد وكانا صائمين ولهممما صممبي‪ ،‬فقمال لهما إن نطعمم ذلمك ضميفنا‬
‫ومي الصبي قبل وقت العشاء وإذا قربت الطعام فأطفىء‬
‫ونصبر الليلة‪ ،‬فن ّ‬
‫السراج حتى يرى الضيف أنا نأكل معه حتى يشبع فجاءت بثريدة فوضممعتها‬
‫ثم دنت من السراج كأنها تصلحه فأطفأته فجعل النصمماري يضممع يممده فممي‬
‫القصعة بيممن يممديه ول يأكممل شمميئا ً فأكممل الضمميف حممتى أتممى علممى ممما فممي‬
‫القصعة‪ ،‬فلما أصبح النصاري صلى مع رسول الّله صلى الّلمه عليمه وسملم‬
‫الفجر فلما سلم النبي صلى الّله عليه وسمملم أقبممل علممى النصمماري وقممال‬
‫ن‬
‫لقد عجب الّله تعالى من صنيعكما يعني رضى به وتل هذه الية }وَُيممؤ ْث ُِرو َ‬
‫م وَل َوْ َ‬
‫ة{ يعنممي يممؤثرون بممما عنممدهم لغيرهممم‬
‫صا‬
‫خ‬
‫ع ََلى أ َن ْ ُ‬
‫م َ‬
‫صم ٌ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ب ِهِم ْ‬
‫سه ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س مهِ فَ مأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن ُيوقَ ُ‬
‫م‬
‫ح نَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫ش ّ‬
‫ك هُ م ْ‬
‫ويمنعون أنفسهم وإن كان بهم مجاعة }وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن{ يعني مممن يممدفع البخممل عممن نفسممه فممأولئك هممم النمماجون مممن‬
‫م ْ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ال ُ‬
‫ّ‬
‫عذابه‪ .‬وذكر عن حامد اللفاف رحمه الله تعالى أنه قال‪ :‬إني لرضى منكم‬
‫بأربعة وإن كان السلف على خلف ذلك‪ :‬أحدها أن تهتموا لتقصير الفريضة‬
‫كما كانوا يهتمون لتكثير الفضيلة‪ ،‬والثاني أن تخافوا الّله فممي ذنمموبكم أن ل‬

‫تغفر كما كانوا يخافون على الطاعممة أن ل تقبممل‪ ،‬والثممالث أن تزهممدوا فممي‬
‫الحرام كما كانوا يزهدون في الحلل‪ ،‬والرابع أن تؤتوا الشفقة والمعممروف‬
‫إلى إخوانكم وأصدقائكم كما كانوا يؤتونهما إلى أعدائهم‪.‬‬
‫]ص ‪[166‬‬
‫باب ما تدفع الصدقة عن صاحبها‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى حدثنا عبد الّله بممن‬
‫حبان البخاري حدثنا أبو جعفر المنادي البغممدادي حممدثنا إبراهيممم بممن محمممد‬
‫عن أشعث الحراني عن أبممي الفممرج الزدي‪ :‬أن عيسممى بممن مريممم عليهممما‬
‫السلم مّر بقرية وفي تلك القرية قصار‪ ،‬فقممال أهممل القريممة يمما عيسممى إن‬
‫هذا القصممار يمممزق ثيابنمما ويحبسممها فممادع الل ّممه أن ل يممرده برزمتممه؟ فقممال‬
‫عيسى عليممه السمملم اللهممم ل تمرده برزمتمه‪ ،‬قمال فمذهب القصمار ليقصمر‬
‫الثياب ومعه ثلثة أرغفة‪ ،‬فجاءه عابد كان يتعبد في تلك الجبال وسلم على‬
‫القصار‪ ،‬وقال هل عندك خبز تطعمني أو تريني حتى أنظر إليه وأشم ريحه‬
‫فإني لم آكل الخبز منذ كذا وكذا؟ فأطعمه رغيفًا‪ ،‬فقال يا قصار‪ :‬غفر الّلممه‬
‫لك ذنبك وطهر قلبك فأعطاه الثاني فقال يا قصار غفر الل ّممه لممك ممما تقممدم‬
‫من ذنبك وما تأخر‪ ،‬قال فأطعمه الثالث فقال يا قصار بنى الّلمه لمك قصمرا‬
‫ي سالما‪ ،‬فقممال أهممل القريممة يمما عيسممى‬
‫في الجنة‪ ،‬فرجع القصار من العش ّ‬
‫هذا القصار قد رجع؟ قممال ادعمموه‪ ،‬فلممما أتمماه قممال يمما قصممار أخممبرني عممما‬
‫عملممت اليمموم؟ فقممال أتمماني سمميار مممن سمميار تلممك الجبممال فاسممتطعمني‬
‫فأطعمته ثلثة أرغفة فبكل رغيف أطعمته دعا لي بممدعوات‪ ،‬فقممال عيسممى‬
‫عليه الصلة والسلم هات رزمتك حتى أنظر إليها فأعطاه ففتحها فإذا فيها‬
‫حية سوداء ملجمة بلجام من حديد‪ ،‬فقال عيسممى عليممه السمملم يمما أسممود‪:‬‬
‫قال لبيك يا نبي الله؟ قال ألست قد بعثت إلى هذا؟ قال نعم‪ ،‬ولكن جمماءه‬
‫سيار من تلك الجبال فاستطعمه فبكل رغيف أطعمه دعا له بممدعوة وملممك‬
‫ي ملكا ً مممن الملئكممة فممألجمني بلجممام‬
‫قائم يقول آمين فبعث الّله تعالى إل ّ‬
‫من حديد‪ ،‬فقال عيسى عليه السلم يا قصار استأنف العمل فقد غفر الّلممه‬
‫لك ببركة صدقتك عليه‪.‬‬
‫حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بممن يوسممف‬
‫حدثنا أبو معاوية عن العمش عن سالم بن أبي الجعد قال‪ :‬خرجت امممرأة‬
‫ومعها صبي لها فجاء ذئب فاختلس منها الصممبي فخرجممت فممي أثممره وكممان‬
‫معها رغيف فعرض لها سائل فأطعمته فجاء الذئب بصبيها حممتى رده عليهمما‬
‫فهتف هاتف هذه لقمة بلقمة‪ .‬وبهذا السناد عن العمش عن أبممي سممفيان‬
‫ي قال‪ :‬تعبد راهب من بني إسرائيل في صممومعة سممتين‬
‫عن معتب بن سم ّ‬
‫سنة‪ ،‬فنظر يوما ً إلى بعض الصحارى فأعجبته الرض فقال‪ :‬لمو نزلمت إلممى‬
‫الرض فمشيت فيها ونظرت إليها‪ ،‬وأنمزل معمه رغيفما ً فعرضمت لمه اممرأة‬
‫فكشفت له فافّتن بها فلم يملممك نفسممه أن واقعهمما‪ ،‬فممأدركه الممموت علممى‬
‫ذلك الحال‪ ،‬وجاء السائل فأعطاه الرغيف‪ ،‬فمات فجيء بعمل ستين سممنة‬
‫فوضع في كفة الميزان وجيء بخطيئة ووضعت في الكفة الخرى‬
‫]ص ‪[167‬‬
‫فرجحت خطيئته بعمل ستين سنة‪ ،‬حتى جيء بالرغيف فوضع عمله فرجممح‬
‫بخطيئتممه‪ ،‬وقيممل إن الصممدقة تممدفع سممبعين بابمما مممن الشممر‪ .‬وعممن أبممي ذر‬
‫الغفاري رضي الّله تعالى عنه‪ :‬ما على الرض صدقة تخرج حتى يفك عنهمما‬
‫لحيي سبعين شيطانا ً كلهم ينهاه عنها‪ .‬وعن قتادة قال‪ :‬ذكر لنا أن الصممدقة‬
‫تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار‪ .‬وروى عن عائشة رضي الّلممه تعممالى‬
‫عنها أنها كانت جالسة ذات يوم إذ جاءتهمما امممرأة سممترت يممدها فممي كمهمما‪،‬‬
‫فقالت لها عائشة مالك ل تخرجين يدك من كمك؟ قالت ل تسممأليني يمما أم‬
‫المؤمنين‪ ،‬قال عائشة رضي الّله تعالى عنها‪ :‬لبد ّ لك أن تخبريني؟ فقممالت‬

‫يا أم المؤمنين إنه كان لي أبوان فكان أبي يحب الصدقة وأما أمي فكممانت‬
‫دقت يومما ً تصممدقت بشمميء إل قطعممة شممحم‬
‫تبغض الصدقة‪ ،‬فلم أرهمما تصم ّ‬
‫وثوبا ً خلقا‪ ،‬فلما ماتا في المنام رأيت فمي المنمام كمأن القياممة قمد قممامت‬
‫ورأيممت أمممي قائمممة بيممن الخلممق والخلقممة موضمموعة علممى عورتهمما ورأيممت‬
‫الشحمة بيدها وهي تلحسممها وتنممادي واعطشمماه‪ ،‬ورأيممت أبممي علممى شممفير‬
‫الحوض وهو يسقي الماء ولم يكن عند أبي صدقة وأحممب إليممه مممن سممقيه‬
‫الماء‪ ،‬فأخذت قدحا ً من ماء فسقيت أمي فنودي من فمموق أل مممن سممقاها‬
‫شلت يده فاستيقظت وقد شلت يدي‪ .‬وذكر أن مالك بن دينار رحمممه الّلممه‬
‫تعالى كان جالسا ً ذات يوم‪ .‬فجاء سائل وسأله شيئا ً وكان عنده سمملة تمممر‪،‬‬
‫فقال لمرأته ائتيني بهمما‪ ،‬فأخممذها مالممك فممأعطى نصممفها إلممى السممائل ورد ّ‬
‫نصفها إلى امرأته‪ ،‬فقالت له امرأته مثلك يسمممى زاهممدًا‪ :‬هممل رأيممت أحممدا ً‬
‫يبعث إلى الملك هدية مكسرة؟ فدعا مالممك بالسممائل وأعطمماه البقيممة‪ ،‬ثممم‬
‫أقبل على امرأته فقال لها يا هذه اجتهدي ثم اجتهدي‪ ،‬فإن الّله تعالى قممال‬
‫ن ذ َِراعما ً‬
‫خ ُ‬
‫} ُ‬
‫ج ِ‬
‫سل ْ ِ‬
‫م فِممي ِ‬
‫سمب ُْعو َ‬
‫م ال َ‬
‫سمل َةٍ ذ َْرع ُهَمما َ‬
‫ه‪ ،‬ث ُم ّ‬
‫صمّلو ُ‬
‫حي َ‬
‫ه‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ذوه ُ فَغُّلو ُ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫سل ُ ُ‬
‫م‪،‬‬
‫ن ِبالل ّهِ العَ ِ‬
‫ن ل ي ُؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫َفا ْ‬
‫ه{ فيقال من أين هذه الشدة قال }إ ِن ّ ُ‬
‫كو ُ‬
‫م ُ‬
‫ظي ِ‬
‫ن{ اعلمي أيتها المرأة قد طرحن عممن عنقنمما‬
‫س ِ‬
‫ض ع ََلى ط ََعام ِ ال ِ‬
‫َول ي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫كي ِ‬
‫نصفها باليمان فينبغي أن نطرح النصف الخر بالصدقة‪ .‬قال‪ :‬حدثنا محمممد‬
‫بن الفضل بإسناده عن رجل من أهل البصممرة قممال‪ :‬كممان أعرابممي صمماحب‬
‫ماشممية وكممان قليممل الصممدقة فتصممدق بغريممض مممن غنمممه‪ :‬يعنممي بسممخلة‬
‫مهزولة‪ ،‬فرأى فيما يرى النائم كأنها أقبلت عليه غنمه كلهمما تنطحممه فجعممل‬
‫الغريض يحامي عنه فلما انتبمه قممال‪ :‬واللممه لن اسممتطعت لجعلمن أتباعممك‬
‫كثيرة‪ ،‬قال‪ :‬وكان بعد ذلك يعطي ويقسم‪ .‬وروى عن العمش عممن خيثمممة‬
‫عن عدي بن حاتم رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬قال رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم‪" :‬ما منكم من أحد إل سيكلمه ربه فينظممر أيمممن منممه فل يممرى‬
‫شيئا ً إل ما قدمه‪ .‬ثم ينظر شمممال ً منمه فل يممرى شمميئا ً إل قممدمه" ثممم ينظممر‬
‫أمامه فل يرى شيئا ً إل النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة"‪.‬‬
‫]ص ‪[168‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬يقال عشر خصال تبلغ العبممد منزلممة‬
‫الخيار وينال بها الدرجات‪ :‬أّولها كثرة الصدقة‪ ،‬والثاني كثرة تلوة القممرآن‪،‬‬
‫والثالث الجلوس مع من يذكره بالخرة ويزهممده فممي الممدنيا‪ ،‬والرابممع صمملة‬
‫الرحم‪ ،‬والخامس عيادة المريض‪ ،‬والسممادس قلممة مخالطممة الغنيمماء الممذين‬
‫شغلهم غناهم عن الخرة‪ ،‬والسابع كثرة التفكر فيممما هممو صممائر إليممه غممدا‪،‬‬
‫والثامن قصر المل وكثرة ذكر الموت‪ ،‬والتاسع لزوم الصمت وقلة الكلم‪،‬‬
‫والعاشر التواضع ولبممس الممدون وحممب الفقممراء والمخالطممة معهممم وقممرب‬
‫اليتامى والمساكين ومسممح رؤوسممهم‪ .‬ويقممال سممبع خصممال تربممى الصممدقة‬
‫ت‬
‫وتعظمها‪ :‬أّولها إخراجها من حلل لن الّله تعالى قال }َأنفِ ُ‬
‫ن ط َي َّبمما ِ‬
‫قوا ِ‬
‫ممم ْ‬
‫م{‪ ،‬والثاني إعطاؤها من جهد مق ّ‬
‫ل يعنممي يعطممي مممن مممال قليممل‪،‬‬
‫ما ك َ َ‬
‫سب ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫والثالث تعجيلها مخافة الفوت‪ ،‬والرابع تصفيتها مخافة البخل يعنممي يعطيهمما‬
‫ممموا‬
‫م ُ‬
‫من أحسن أمواله ول يعطيها من الرديء لن الّله تعممالى قممال }َول ت َي َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ه ُتنفِ ُ‬
‫ال َ‬
‫م ِبآ ِ‬
‫خِبي َ‬
‫ن ت ُغْ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ث ِ‬
‫موا أ ّ‬
‫م ُ‬
‫ذيهِ إ ِل ّ أ ْ‬
‫قو َ‬
‫ن وَل َ ْ‬
‫ضوا ِفيهِ َواع ْل َ ُ‬
‫ست ُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن الّله غ َن ِ ّ‬
‫د{ ولستم بآخذيه‪ :‬يعني ل تأخذونه يعني الرديممء إذا كممان علممى الخممر‬
‫ح ِ‬
‫مي ٌ‬
‫َ‬
‫لكم قرضا إل أن تغمضوا فيه أي تسامحوا وتساهلوا فيه‪ ،‬والخامس يعطيها‬
‫في السر مخافة الرياء‪ :‬والسمادس بعمد الممن عنهما مخافمة إبطمال الجمر‪،‬‬
‫والسابع كف الذى عن صاحبها مخافة الثم لن الّله تعالى قال }ل ت ُب ْط ُِلمموا‬
‫ن َوال َ َ‬
‫ذى{ والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫م ِبال َ‬
‫صد ََقات ِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م ّ‬
‫باب فضل شهر رمضان‬

‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنممه‪ :‬حممدثني أبممي‬
‫رحمه الّله تعالى قال‪ :‬حدثنا أبممو جعفممر السممكاف عممن محمممد بممن موسممى‬
‫حدثنا الفضل بن عصام حدثنا سلمة بممن شممبيب حممدثنا القاسممم بمن الحكممم‬
‫العزى عن هشام بن الوليد عن حماد بن سليمان الدوسي عن الضحاك بن‬
‫مزاحم عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما أنمه سمممع النممبي صملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم يقول "بأن الجنة لتبخر وتزين من الحممول إلممى الحممول لممدخول‬
‫شهر رمضان‪ ،‬فإذا كان أّول ليلة من رمضان هبت ريممح مممن تحممت العممرش‬
‫يقال لها المثيرة‪ ،‬فتصفق ورق أشجار الجنة وحلق المصاريع فيسمع لممذلك‬
‫طنين لم يسمع السامعون أحسن منه‪ ،‬فتبرز الحور العين حتى يقمن علممى‬
‫شرف الجنة فينادين هل من خاطب إلى الّله تعالى فيزوجممه الل ّممه سممبحانه‬
‫وتعالى منا؟ ثم يقلن يا رضوان ما هذه الليلة؟ فيجيبهن بالتلبية‪ ،‬فيقممول يمما‬
‫خيرات حسان هذه أّول ليلة من شهر رمضان‪ ،‬ويقول الّله يا رضوان افتممح‬
‫أبواب الجنان للصائمين من أمة محمد صلى الل ّممه عليممه وسمملم‪ ،‬ويقممول يمما‬
‫مالك أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين مممن أمممة محمممد صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم ويقول يا جبريل اهبط إلممى الرض فصممفد مممردة الشممياطين وغلهممم‬
‫بالغلل ثم اقذفهم في لجج البحار حتى ل يفسدوا على أمة حبيممبي محمممد‬
‫صيامهم‪ ،‬فيقول الّله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان ثلث مرات‪.‬‬
‫]ص ‪[169‬‬
‫هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر‬
‫فأغفر له‪ ،‬ثم ينادي من يقرض الملي غير العدوم في الوفي غير الظلمموم؟‬
‫وإن لله تعالى في كل يوم من شهر رمضان عند الفطار ألممف ألممف عممتيق‬
‫من النار كلهم قد استوجبوا العذاب‪ ،‬فإذا كان يمموم الجمعممة وليلممة الجمعممة‬
‫أعتق في كل ساعة منها ألممف ألممف عممتيق مممن النممار كلهممم قممد اسممتوجبوا‬
‫العذاب‪ ،‬فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق في ذلك اليوم بعدد مممن‬
‫أعتق من أّول الشهر إلى آخممره‪ ،‬فممإذا كممانت ليلممة القممدر يممأمر الل ّممه تعمالى‬
‫جبريل فيهبط في كبكبة من الملئكة إلى الرض ومعه لواء أخضر فيركممزه‬
‫على ظهر الكعبة وله ستمائة جناح منهمما جناحممان ل ينشممرهما إل فممي ليلممة‬
‫القدر فينشرهما تلك الليلة فيجاوزان المشممرق والمغممرب‪ ،‬فيبعممث جبريممل‬
‫الملئكة في هممذه المممة فيسمملمون علممى كممل قممائم وقاعممد ومصم ّ‬
‫ل وذاكممر‬
‫ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر‪ ،‬فإذا طلع الفجر نادى‬
‫جبريل عليه السلم يا معشر الملئكة الرحيل الرحيل‪ ،‬فيقولممون يمما جبريممل‬
‫ما صنع الّله في حوائج المؤمنين من أمة محمممد صمملى الل ّممه عليممه وسمملم؟‬
‫فيقول إن الّله تعالى نظر إليهم وعفمما عنهممم وغفممر لهممم إل أربعممة فقممالوا‪:‬‬
‫وممن همؤلء الربعمة؟ قممال ممدمن الخممر‪ ،‬وعماق لوالممديه‪ ،‬وقماطع الرحممم‬
‫ومشاحن قيل يا رسول الّله ومن المشاحن؟ قال هو المصارم‪ :‬يعني الذي‬
‫ل يكلم أخاه فوق ثلثة أيام‪ ،‬فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلممك الليلممة ليلممة‬
‫الجائزة‪ ،‬فإذا كانت غداة الفطر يبعث الملئكة في كل البلد فيهبطون إلممى‬
‫الرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع ما خلممق‬
‫الّله تعالى فيقولون يا أمة محمممد اخرجمموا إلممى رب كريممم يعطممي الجزيممل‬
‫ويغفر الذنب العظيم‪ ،‬فإذا برزوا إلى مصلهم يقول الّله ج ّ‬
‫ل جلله لملئكته‬
‫يا ملئكتي ما جزاء الجير إذا عمممل عملممه؟ فتقممول الملئكممة إلهنمما وسمميدنا‬
‫جزاؤه أن توفيه أجره‪ ،‬فيقول الّله تعالى فإني أشهدكم يا ملئكتي أني قممد‬
‫جعلت ثوابهم في صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي‪ ،‬فيقول‬
‫الّله تعالى يا عبادي سلوني فوعزتي وجللي ل تسألوني اليوم شيئا ً لدينكم‬
‫ودنياكم إل أعطيتكم إياه"‪.‬‬
‫ي بن أحمد حدثنا‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبو جعفر حدثنا عل ّ‬
‫محمد بن الفضل حدثنا يزيد بن هرون عن هشام بن أبي هشام عن محمممد‬
‫بن محمد بن السود عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الل ّممه تعممالى عنممه‬

‫قال‪ :‬قال رسول الل ّممه صملى الل ّممه عليممه وسمملم "أعطيممت أممتي فمي شمهر‬
‫رمضان خمس خصال لم تعط أمة قبلها‪ :‬خلوف فم الصائم أطيب عند الّله‬
‫من ريح المسك وتستغفر لهم الملئكممة حممتى يفطممروا‪ ،‬وتصممفد فيممه مممردة‬
‫الشياطين فل يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره‪ ،‬ويزين الّله كل‬
‫دي الصالحون‬
‫يوم جنته ويقول لها يوشك عبا ّ‬
‫]ص ‪[170‬‬
‫أن تلقى عنهم المؤنة والذى ويصيروا إليك ويغفر لهم في آخر ليلة‪ ،‬قيل يا‬
‫رسول الّله أهي ليلمة القممدر؟ قممال ل‪ ،‬ولكممن العامممل إنمما يمموفى أجممره إذا‬
‫قضى عمله"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محممد بمن‬
‫جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلبممة‬
‫عن أبي هريرة رضي الّله تعالى عنه قال كان رسول الّله صلى الّلممه عليممه‬
‫وسلم يبشر أصحابه ويقول‪" :‬قممد جمماءكم شممهر رمضممان شممهر مبممارك قممد‬
‫افترض الّله عليكم صيامه تفتتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيها أبواب الجحيم‬
‫وتغل فيه مردة الشياطين وفيه ليلة القدر خير من ألف شممهر" وروى عممن‬
‫العمش عن خيثمة قال‪ :‬كانوا يقولون‪ :‬مممن رمضممان إلممى رمضممان والحممج‬
‫إلى الحج والجمعة إلى الجمعة والصلة إلممى الصمملة كفممارة لممما بينهممن ممما‬
‫اجتنبت الكبائر‪.‬‬
‫وروى عن عمممر رضممي الّلمه تعمالى عنمه أنمه كمان يقمول‪ :‬إذا دخمل شمهر‬
‫رمضان مرحبا بمطهرنا‪ ،‬فرمضان خير كله صيام نهاره وقيام ليلممه والنفقممة‬
‫فيه كالنفقة في سبيل الله‪ .‬وروى أبو هريممرة رضممي الل ّممه تعممالى عنممه عممن‬
‫النبي صلى الل ّممه عليممه وسمملم أنممه قممال "مممن صممام رمضممان وقممامه إيمانمما‬
‫واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنممه‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "قال الّله تعالى كل حسنة يعملهمما‬
‫ابن آدم تضاعف له من عشرة إلى سبعمائة ضعف إل الصوم فإنه لي وأنمما‬
‫أجزي به‪ ،‬يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلممي‪ ،‬والصمموم جنممة‪ ،‬وللصممائم‬
‫فرحتان فرحة عند الفطار وفرحة عند لقاء ربه يوم القيامة"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد‬
‫حدثنا فارس حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا أبو وهب عبد الل ّممه بممن بكممر‬
‫حدثنا إياس عن علي بن يزيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسممي‬
‫رضي الّله تعالى عنه قال‪" :‬خطبنا رسول الّله صلى الّله عليممه وسمملم آخممر‬
‫يوم من شعبان فقال‪" :‬أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم مبارك‪ ،‬شممهر‬
‫فيه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر‪ ،‬شهر فرض الّله صيامه وجعل قيام‬
‫دى فريضممة فيممما‬
‫وع فيه بخصلة من الخير كان كمممن أ ّ‬
‫وعا‪ ،‬فمن تط ّ‬
‫ليله تط ّ‬
‫دى سبعين فريضة فيما سواه‪ ،‬وهو‬
‫دى فريضة فيه كان كمن أ ّ‬
‫سواه‪ ،‬ومن أ ّ‬
‫شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة‪ ،‬وهو شهر المواساة‪ ،‬وشهر يممزاد فيممه رزق‬
‫المؤمن‪ ،‬من فطر فيه صائما ً كان له عتممق رقبممة ومغفممرة لممذنوبه‪ ،‬قلنمما يمما‬
‫رسول الّله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم؟ قال يعطي الّله هذا الثممواب‬
‫لمن يفطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء‪ ،‬ومممن أشممبع صممائم‬
‫كان له مغفرة لذنوبه وسقاه ربه من حوضممي شممربة ل يظمممأ بعممدها حممتى‬
‫يدخل الجنة‪ ،‬وكان له مثل أجره من غير أن ينقص مممن أجممره شمميء‪ ،‬وهممو‬
‫شهر أّوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق مممن النممار‪ ،‬ومممن خفممف عممن‬
‫مملوكه فيه أعتقه الّله من النار"‪.‬‬
‫]ص ‪[171‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله تعالى‪ :‬حدثنا أبي رحمممه اللممه تعممالى حممدثنا أبممو‬
‫الحسن الفراء بإسناده عن ابن مسعود رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬ممما مممن‬
‫عبد صام رمضان في إنصاف وسكوت وذكر الّله تعالى وأح ّ‬
‫ل حلله وحممّرم‬

‫حرامه ولم يرتكب فيه فاحشة إل انسلخ من رمضممان يمموم ينسمملخ إل وقممد‬
‫غفرت له ذنوبه كلها‪ ،‬ويبني له بكل تسممبيحة وتهليلممة بيممت فممي الجنممة مممن‬
‫زمردة خضراء في جوفها ياقوتة حمراء‪ ،‬في جوف تلك الياقوتة خيمممة مممن‬
‫وفة فيه زوجة من الحور العيممن عليهمما سممواران مممن ذهممب موشممح‬
‫دّرة مج ّ‬
‫بياقوتة حمراء تضيء لها الرض‪ .‬وبهذا السناد عن ابن مسعود رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال وقد دنمما شممهر رمضممان‬
‫"لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون سنة‪ .‬فقال رجممل مممن‬
‫خزاعة حدثنا يا رسول الّله بممما فيممه؟ قممال إن الجنممة لممتزين لرمضممان مممن‬
‫الحول إلى الحول‪ ،‬فإذا كممان أّول ليلممة مممن رمضممان هبممت ريممح مممن تحممت‬
‫العرش فصفقت ورق أشجار الجنة فتنظر الحممور إلممى ذلممك ويقلممن يمما رب‬
‫اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجا ً تقّر أعيننا بهم وتقر أعينهممم بنمما‪،‬‬
‫فما من عبد صام رمضان إل زّوج زوجتين من الحور العين فممي خيمممة مممن‬
‫م{‬
‫م ْ‬
‫ت ِفمي ال ِ‬
‫دّرة مجوفة مما نعت الّله تعالى في كتابه } ُ‬
‫صموَرا ٌ‬
‫حموٌر َ‬
‫ق ُ‬
‫خَيما ِ‬
‫وعلى كل امممرأة منهممن سممبعون حلممة ليممس فيهمما حلممة علممى لممون الخممرى‬
‫ن علممى سممرير مممن ياقوتممة‬
‫ويعطى سبعين لونا ً من الطيب‪ ،‬وكل امرأة منه ّ‬
‫حمراء منسوجة بالدر‪ ،‬على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من اسممتبرق‪،‬‬
‫لكل امرأة سبعون وصيفة‪ ،‬هذا بكل يوم صامه من رمضان سوى ما عمممل‬
‫من الحسنات" وعن النبي صلى الّله عليه وسملم قمال "رجمب شمهر أممتي‬
‫وفضله على سائر الشهور كفضل أمتي على سائر المم‪ ،‬وشممعبان شممهري‬
‫وفضله على سائر الشهور كفضلي على سائر النبياء‪ ،‬ورمضان شممهر الّلممه‬
‫وفضله على سائر الشهور كفضل الّله على خلقه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حممدثنا محمممد بممن الفضممل بإسممناده عممن‬
‫الحسن "إن النبي صلى الّله عليه وسملم خمرج وإذا النماس يتلحمون فقمال‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم‪ :‬جئت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر غير أني‬
‫خشيت أن تتكلوا عليها وعسى أن يكون خيممرا ً فاطلبوهمما فممي العشممر فممي‬
‫تسع بقين وفي سبع بقين وفي خمس بقين وفي ثلث بقين وفي آخر ليلممة‬
‫تبقى‪ ،‬ومن أماراتها أنها ليلة بلجة سمحة ل حارة ول باردة تتطلع الشمممس‬
‫في صبيحتها ليس لها شعاع‪ ،‬من قامها إيمانا واحتسابا غفر الّله له ما كممان‬
‫قبل ذلك من ذنب"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬قد اشمترط النمبي صملى الّلمه عليمه‬
‫وسمملم فممي قيممام الليممل وصمميام النهممار اليمممان والحتسمماب‪ ،‬واليمممان هممو‬
‫التصديق بما وعد الل ّممه لممه مممن الثممواب‪ ،‬والحتسمماب أن يكممون مقبل عليممه‬
‫خاشعا ً لله تعالى‪ ،‬فإذا أراد العبممد أن ينممال الثممواب والفضممائل الممتي ذكرهمما‬
‫النبي صلى الّله عليه وسلم فينبغي أن يعممرف حرمممة الشممهر ويحفممظ فيممه‬
‫لسانه من الكذب والغيبة‬
‫]ص ‪[172‬‬
‫والفصول‪ ،‬ويحفظ جوارحه عن الخطايا والزلل‪ ،‬ويحفظ قلبممه عممن الحسممد‬
‫وعداوة المسلمين‪ ،‬فإذا فعل ذلك فينبغي أن يكون خائفا أن الّله يقبل منممه‬
‫أو ل يقبل‪ .‬وقد ذكر عن بعض الحكماء أنه كممان يقممول‪" :‬إلهممي قممد ضمممنت‬
‫لصاحب المصيبة في الدنيا الجر وفي الخرة الثواب‪ ،‬إلهي إن رددت علينا‬
‫هذا الصوم فل تحرمنمما أجممر المصمميبة يمما معروفمما بممالمعروف" روى أبممو ذر‬
‫الغفاري رضي الّله تعالى عنه قال "صمنا مع رسول الّله صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم فلما كان ليلة الثالث والعشرين قام وصلى حتى مضمى ثلمث الليمل‪،‬‬
‫ثم لما كانت ليلة الرابع والعشرين لم يخرج إلينا‪ ،‬فلما كانت ليلة الخممامس‬
‫والعشرين خرج إلينا وصلى بنا حتى مضى شطر الليل‪ ،‬فقلنا لو نفلتنا ليلتنا‬
‫هذه؟ فقال إنه من خرج وقام مع المام حتى ينصرف كتب لممه قيممام ليلممة‪،‬‬
‫ثم لم يص ّ‬
‫ل بنا في الليلممة السادسممة والعشممرين‪ ،‬فلممما كممانت ليلممة السممابع‬
‫والعشرين قام وجمع أهله وصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلح؟ قلنا وما‬

‫الفلح قال السحور" وعن عائشة رضي الل ّممه تعممال عنهمما "إن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم خرج في أّول جوف الليل في رمضان وصلى في المسجد‬
‫وصلى الناس بصلته فأصبح الناس يتحدثون بذلك‪ ،‬وكثر الناس فممي الليلممة‬
‫الثانية فصلى وصلوا بصلته‪ ،‬فلما كانت الليلة الثالثة كثر الناس حتى عجممز‬
‫المسجد عن أهله فلم يخرج إليهممم حممتى خممرج لصمملة الفجممر‪ ،‬فلممما صمملى‬
‫الفجر أقبل على الناس وقممال‪ :‬إنممه لممم يخممف علممي شممأنكم الليلممة ولكنممي‬
‫خشيت أن يعزم عليكم صلة الليل فتعجزوا عن ذلك‪ ،‬قالت عائشممة رضممي‬
‫الّله تعالى عنها وكان النبي صلى الّله عليه وسلم يرغبهم في قيام رمضان‬
‫من غير أن يممأمرهم بعزيمممة فتمموفى رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫والمر على ذلك في خلفة أبي بكر‪ ،‬وصدرا من خلفة عمممر حممتى جمعهممم‬
‫ي بن كعب رضي الّله تعالى عنهما"‪.‬‬
‫عمر بن الخطاب على أب ّ‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وحدثني أبي بإسناده عممن علممي بممن‬
‫أبي طالب رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬إنما أخذ عمر بممن الخطمماب هممذه‬
‫التراويح من حديث سمعه منممي‪ ،‬قممالوا وممما هممو يمما أميممر المممؤمنين؟ قممال‪:‬‬
‫سمعت رسممول الّلمه صمملى الّلمه عليممه وسملم يقمول "إن للمه تعمالى حمول‬
‫العرش موضعا يسمى حظيرة القدس وهو من النور‪ ،‬فيها ملئكة ل يحصى‬
‫عددهم إل الّله تعالى يعبدون الّله عز وجممل عبممادة ل يفممترون سمماعة‪ ،‬فممإذا‬
‫كان ليالي شهر رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلموا إلممى الرض فيصمملون مممع‬
‫بني آدم‪ ،‬فينزلون كل ليلممة إلممى الرض فكممل مممن مسممهم أو مسمموه سممعد‬
‫سعادة ل يشقى بعدها أبدا" فقال عمر رضممي الل ّممه تعممالى عنممه عنممد ذلممك‪:‬‬
‫نحن أحق بهذا‪ ،‬فجمع النمماس للتراويممح ونصممبها‪ .‬وروى عممن علممي بممن أبممي‬
‫طالب رضي الّله تعالى عنه أنه خرج فممي ليلممة مممن شممهر رمضممان فسمممع‬
‫القراءة في المساجد ورأى القناديل تظهر فممي المسمماجد فقممال‪ :‬نمموّر الل ّممه‬
‫ور مساجدنا بالقرآن‪ .‬وروى عن عثمان بن عفان رضي الّلممه‬
‫قبر عمر كما ن ّ‬
‫تعالى عنه هكذا رضي الّله عنهم أجمعين‪.‬‬
‫]ص ‪[173‬‬
‫باب فضل أيام العشر‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر حدثنا علي بن أحمد حدثنا محمد بن الفضل حدثنا عبد الّله بممن نميممر‬
‫عن العمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابممن عبمماس رضممي‬
‫الّله تعالى عنهما أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "ما مممن أيممام العمممل‬
‫الصالح فيها أحب إلى الل ّممه مممن هممذه اليممام‪ :‬يعنممي أيممام العشممر‪ :‬قممالوا ول‬
‫الجهاد في سبيل الّله تعالى؟ قال ول الجهاد في سبيل الل ّممه إل رجممل خممرج‬
‫بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيه أبو جعفر حممدثنا محمممد بممن‬
‫عقيل حدثنا محمد بن مخلد بن خالد حدثنا يحيى بممن أبممي كممثير حممدثنا عبممد‬
‫السلم بن سليمان عن مرزوق عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الّله رضممي‬
‫الّله تعالى عنهما قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "ما مممن أيممام‬
‫أحب إلى الّله وأفضل من أيام العشر‪ ،‬قيل ول مثلهن في سبيل الله؟ قممال‬
‫ول مثلهن في سبيل الّله إل رجممل عقممر جممواده وعفممر وجهممه" وفممي روايممة‬
‫أخرى "عقر جواده وأهريق دمه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حدثنا أبي رحمممه الل ّممه تعممالى حممدثنا‬
‫محمد بن غالب بإسناده عممن عطمماء عممن أم المممؤمنين عائشممة رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنها "أن شممابا ً كممان صمماحب سممماع وكممان إذا أهم ّ‬
‫ل هلل ذي الحجممة‬
‫أصبح صائما ً فارتفع الحديث إلى النبي صلى الّله عليه وسمملم فأرسممل إليممه‬
‫فدعاه فقال ما يحملك على صمميام هممذه اليممام؟ قممال بممأبي أنممت وأمممي يمما‬
‫رسول الّله إنها أيام المشاعر وأيام الحج عسى أن يشممركني فممي دعممائهم‪،‬‬
‫قال فإن لك بكل يوم تصممومه عممدل مممائة رقبممة ومممائة بدنممة ومممائة فممرس‬

‫تحمل عليها في سبيل الله‪ ،‬فإذا كان يوم التروية فلك فيها عدل ألف رقبممة‬
‫وألف بدنة وألف فرس تحمل عليها في سبيل اللممه‪ ،‬فممإذا كممان يمموم عرفممة‬
‫فلك بها عدل ألفي رقبة وألفي بدنة وألفي فرس تحمل عليهمما فممي سممبيل‬
‫الّله وهو صيام سنتين سنة قبلها وسنة بعدها‪ ،‬وروى فممي روايممة أخممرى أنممه‬
‫قال صلى الّله عليه وسلم "يعدل صموم يموم عرفمة بصموم سممنتين ويعممدل‬
‫صوم عاشوراء بصوم سنة" وقال أهل التفسير في قمموله تعممالى }وََواع َمد َْنا‬
‫َ‬
‫موسى َثلِثين ل َيل َ ً َ‬
‫ها ب ِعَ ْ‬
‫ة{ أنها عشممر‬
‫مي َ‬
‫ن ل َي ْل َ ً‬
‫مَنا َ‬
‫م ِ‬
‫َ ْ‬
‫ُ َ‬
‫قا ُ‬
‫شرٍ فَت َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ة وَأت ْ َ‬
‫ت َرب ّهِ أْرب َِعي َ‬
‫من أول ذي الحجة وكلم موسى تكليما وقربه نجيا في أيممام العشممر وكتممب‬
‫له اللواح في أيام العشر‪.‬‬
‫وروى عن أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنه أنه قال‪ :‬عليكم بصوم أيممام‬
‫العشر‪ ،‬وإكثار‬
‫]ص ‪[174‬‬
‫الدعاء والستغفار والصدقة فيها فإني سمعت نبيكم محمد صلى الّله عليممه‬
‫وسلم يقول "الويل لمن حرم خير أيام العشر‪ ،‬عليكم بصوم التاسع خاصممة‬
‫فإن فيه من الخيرات أكثر من أن يحصيها العادون"‪.‬‬
‫)قال الفقه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثني أبي رحمة الّله عليه حدثنا أبو عبد‬
‫الرحمن بن أبي الليث حممدثنا أحمممد بمن جعفممر البغممدادي حممدثنا أبمو النضممر‬
‫هاشم بن القاسم عن محمد بن الفضل بن عطية عن أبيه عن عبد الّله بن‬
‫عبيد بن عمير الليثي قال‪ :‬بلغنا أن الّله تعالى أهدى إلى موسى بن عمران‬
‫ن جبريل عليه السلم في أيام العشممر‪ :‬أّولهممن ل إلممه‬
‫خمس دعوات جاء به ّ‬
‫يل‬
‫إل الّله وحده ل شريك له له الملك ولمه الحممد يحيمي ويميمت وهمو حم ّ‬
‫يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير‪ ،‬والثاني أشهد أن ل إله إل الّلممه‬
‫وحده ل شريك له إلها ً واحدا ً أحد صمد لم يتخممذ صمماحبة ول ولممدا‪ ،‬والثممالث‬
‫أشهد أن ل إله إل الّله وحد ل شريك له أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن‬
‫له كفوا ً أحد‪ ،‬والرابع أشهد أن ل إله إل الّله وحمده ل شمريك لمه لمه الملمك‬
‫ي ل يموت بيده الخير وهو علممى كممل شمميء‬
‫وله الحمد يحيي ويميت وهو ح ّ‬
‫قدير‪ ،‬والخامس حسبي الّلمه وكفمى سممع الّلمه لممن دعما ليمس وراء الّلمه‬
‫منتهى‪ ،‬وذكر أن هذه الكلممات أنزلمت فمي النجيمل وإن الحمواريين سمألوا‬
‫عيسممى عليممه السمملم عممن فضممل هممذه الممدعوات فممذكر لهممم مممن الثممواب‬
‫والفضيلة لمن قرأها في أيام العشر ما ل يقدر على وصمفه أحمد‪ .‬قمال أبمو‬
‫النضر هاشم بن القاسممم حممدثني رجممل أنممه دعمما بهممذه الممدعوات فممي أيمام‬
‫العشر فرأى في منامه كأن في بيته خمس طبقات مممن نممور بعضممها فمموق‬
‫بعض‪ .‬روى مجاهد عن ابن عمر رضي الل ّممه تعممالى عنهممما أن النممبي صمملى‬
‫الّله عليه وسلم قال‪" :‬ما من أيام أعظم عند الّله ول أحب إليه فيهممن مممن‬
‫العمل من هممذه اليممام العشممر‪ ،‬فممأكثروا فيهمما التكممبير والتحميممد والتهليممل"‬
‫وروى نافع عن ابن عمر رضي الّله تعالى عنهما أنممه كممان يكممبر فممي جميممع‬
‫أيام العشر على فراشمه ومجلسمه‪ ،‬وكمان عطماء بمن أبمي ربماح يكمبر فمي‬
‫العشر في الطريق وفي السواق‪ .‬وروى جرير عن يزيد عن أبي زياد قال‪:‬‬
‫كان سعيد بن جممبير وعبممد الرحمممن بممن أبممي ليلممى ومممن رأينمما مممن فقهمماء‬
‫المسلمين يوم العيد وأيام التشريق يقولون‪ :‬الّله أكممبر الل ّممه أكممبر ل إلممه إل‬
‫الله‪ ،‬والله أكبر الّله أكبر ولله الحمد‪ .‬وقال جعفر بن سممليمان‪ :‬رأيممت ثابتمما‬
‫البناني يقطع حديثه في أيام العشر‪ :‬يعنمي فمي مجلمس المذكر‪ ،‬ثمم يقمول‪:‬‬
‫الّله أكبر الّله أكمبر الّلمه أكمبر‪ ،‬وقمال‪ :‬إنهما أيمام المذكر‪ ،‬هكمذا كمان النماس‬
‫يصنعون‪ ،‬فقال جعفر‪ :‬رأيت مالك بن دينار يفعل هكذا‪ ،‬وروى المغيممرة بممن‬
‫شعبة عن أبي معشر قال‪ :‬سألت النخعممي عممن التكممبير فممي الطريممق أيممام‬
‫واكمون‪ .‬وعمن ليمث بمن أبمي سمليم قمال‪:‬‬
‫العشر؟ قال إنما يفعمل ذلمك الح ّ‬
‫سألت مجاهدا عن التكبير في الطريق أيام العشر؟فقممال إنممما يفعممل ذلممك‬
‫الحاكة‪.‬‬

‫]ص ‪[175‬‬
‫ّ‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله تعالى‪ :‬من كبر في هذه اليام فممي نفسممه كممان‬
‫أفضل‪ ،‬ولو أنه كبر ورفع صوته وأراد به إظهار الشممريعة وأن يممذكر النمماس‬
‫فل بأس به‪ ،‬وقد جاء الثر في ذلك‪ .‬وروى عبد الّله بن مسعود رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه عن النبي صلى الّله عليممه وسمملم أنممه قممال "إن الل ّممه تعممالى قممد‬
‫اختار من اليام أربعممة‪ ،‬ومممن الشممهور أربعممة‪ ،‬ومممن النسمماء أربعممة‪ ،‬وأربعممة‬
‫يسبقون إلى الجنة‪ ،‬وأربعة اشمتاقت إليهمم الجنمة‪ .‬أمما اليمام‪ :‬فأّولهما يموم‬
‫الجمعة فيها ساعة ل يوافقها عبد مسلم يسأل الل ّممه تعممالى شمميئا ً مممن أمممر‬
‫الدنيا والخرة إل أعطاه الّله إياه‪ ،‬والثاني يوم عرفة فممإذا كممان يمموم عرفممة‬
‫يباهي الّله تعالى ملئكته فيقول يا ملئكتي انظروا إلى عبادي جمماءوا شممعثا‬
‫غبرا قد أنفقوا الموال وأتعبوا البدان اشهدوا أني قد غفرت لهم‪ ،‬والثممالث‬
‫يوم النحر فإذا كان يوم النحر وقرب العبد قربانه فأّول قطرة قطممرت مممن‬
‫القربان تكون كفارة لكل ذنب عمله العبد‪ ،‬والرابع يوم الفطر فممإذا صمماموا‬
‫شهر رمضان وخرجوا إلى عيدهم يقول الّله تبارك وتعالى لملئكته إن كممل‬
‫عامل يطلب أجره‪ ،‬وعبادي صاموا شمهرهم وخرجموا ممن عيممدهم يطلبممون‬
‫أجرهم أشهدكم أني قد غفرت لهم‪ ،‬وينادي المنادي يا أمممة محمممد ارجعمموا‬
‫فقد بدلت سيئاتكم حسنات‪ .‬وأما الشهور‪ :‬فشهر الّله الصم رجممب‪ ،‬وثلثممة‬
‫متواليممات‪ :‬ذو القعممدة‪ ،‬وذو الحجممة‪ ،‬والمحممرم‪ .‬وأممما النسمماء‪ :‬فمريممم بنممت‬
‫عمممران‪ ،‬وخديجممة بنممت خويلممد سممابقة نسمماء العممالمين إلممى اليمممان بممالله‬
‫ورسوله‪ ،‬وآسية بنت مزاحممم امممرأة فرعممون‪ ،‬وفاطممة بنمت محممد سمميدة‬
‫نساء أهل الجنة‪ .‬وأما السممابقون‪ :‬فلكممل قمموم سممابق إلممى الجنممة‪ ،‬فمحمممد‬
‫صلى الّله عليه وسلم سابق العرب‪ ،‬وسلمان سابق فارس‪ ،‬وصهيب سابق‬
‫الروم‪ ،‬وبلل سابق الحبشة‪ .‬وأما الربعة التي اشتاقت إليهم الجنمة‪ :‬فمأمير‬
‫ي بن أبي طالب رضي الّله تعالى عنممه‪ ،‬وسمملمان‪ ،‬وعمممار بممن‬
‫المؤمنين عل ّ‬
‫ياسر‪ ،‬والمقداد بن السود رضي الّله تعالى عنهم" وروى عن سالم بن أبي‬
‫الجعد "أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الّله تعالى عنهمما‬
‫قومي إلى أضحيتك فإن الّله تعالى يرفع عنممك ذنوبممك عنممد أّول دفعممة مممن‬
‫دمها‪ :‬يعني أّول قطرة‪ .‬قال عمران بن الحصين‪ :‬أخاصة لك يا رسول الّلممه‬
‫ولهل بيتك أو لعامة المسلمين؟ قال بل لعامممة المسمملمين" وعممن عائشممة‬
‫رضي الّله تعالى عنها أنها قالت‪ :‬قال رسول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫"ضحوا وطيبوا بها نفسا ً فإنه من أخذ أضحيته يوم حلها فاستقبل بها القبلة‬
‫كمان قرنهما وفرثهما ودمهما وشمعرها وصموفها ووبرهمما محضمورات لمه يموم‬
‫القيامة إن الدم إذا وقع في التراب فإنما يقع في حممرز الل ّممه أنفقمموا يسمميرا‬
‫تؤجروا كثيرا"‪.‬‬
‫]ص ‪[176‬‬
‫باب فضل يوم عاشوراء‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الحماكم أبمو‬
‫ي ابن الحسين السردرى حدثنا أبو جعفر أحمد بممن حمماتم حممدثنا‬
‫الحسن عل ّ‬
‫يعقوب بن جندب عن حاممد بمن آدم عمن حمبيب بمن محممد عمن أبيمه عمن‬
‫إبراهيم الصائغ عن ميمون بن مهران عن عبد الّله بممن عبمماس رضممي الل ّممه‬
‫عنهما قال‪ :‬قال رسول الّله صلى الّله عليه وسلم "من صام يوم عاشوراء‬
‫من المحرم أعطاه الّله تعممالى ثممواب عشممرة آلف ملممك‪ ،‬ومممن صممام يمموم‬
‫عاشوراء من المحرم أعطي ثواب عشرة آلف حاج ومعتمر وعشمرة آلف‬
‫شهيد‪ ،‬ومن مسح يده على رأس يتيم يوم عاشوراء رفع الّله تعالى له بكل‬
‫شعرة درجة‪ ،‬ومن فطر مؤمنا ً ليلة عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميممع أمممة‬
‫محمد عليه الصلة والسلم وأشبع بطونها‪ ،‬قالوا يا رسول الل ّممه لقممد فضممل‬
‫الّله يوم عاشوراء على سائر اليام؟ قال نعم‪ ،‬خلق الل ّممه تعممالى السممموات‬

‫والرضين يوم عاشوراء‪ ،‬وخلق الجبممال يمموم عاشمموراء‪ ،‬وخلممق البحممر يمموم‬
‫عاشوراء‪ ،‬وخلق اللوح والقلممم يمموم عاشمموراء‪ ،‬وخلممق آدم يمموم عاشمموراء‪،‬‬
‫واء يوم عاشوراء‪ ،‬وخلق الجنة وأدخله الجنة يمموم عاشمموراء‪ ،‬وولممد‬
‫وخلق ح ّ‬
‫إبراهيم يوم عاشوراء‪ ،‬ونجاه الّله من النار يوم عاشوراء‪ ،‬وقممد أمممر بالذبممح‬
‫يوم عاشوراء وفدى ولده من الذبممح يمموم عاشمموراء‪ ،‬وأغممرق فرعممون يمموم‬
‫عاشوراء‪ ،‬وكشف البلء عن أيوب يوم عاشوراء‪ ،‬وتاب الل ّممه علممى آدم يمموم‬
‫عاشوراء‪ ،‬وغفر ذنب داود يوم عاشوراء‪ ،‬ورد ّ ملك سليمان يموم عاشموراء‪،‬‬
‫وولد عيسى في يوم عاشوراء‪ ،‬ورفع الّله إدريس وعيسممى يمموم عاشمموراء‪،‬‬
‫وولد النبي صلى الّله عليه وسلم في يوم عاشوراء‪ ،‬ويوم القيامة في يمموم‬
‫عاشوراء‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا محمممد بممن الفضممل حممدثنا محمممد بممن‬
‫جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حمدثنا المسميب بمن أبممي بكمر عممن عكرممة‬
‫رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على آدم‪،‬‬
‫وهو اليوم الذي أهبط فيه نوح من السفينة فصامه شكرا‪ ،‬وهو اليوم الممذي‬
‫أغرق فيه فرعون‪ ،‬وفلق البحر لبني إسرائيل فصاموه‪ ،‬فممإن اسممتطعت أن‬
‫ل يفوتك صومه فافعل‪ .‬قال‪ :‬حدثنا محمد بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر‬
‫حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا سفيان عن إبراهيم عن محمممد بممن ميسممرة‬
‫قال‪ :‬بلغنا أن من وسع علمى عيمماله يموم عاشمموراء وسممع الل ّممه عليممه سممائر‬
‫السنة‪ .‬قال سفيان‪ :‬جربناه فوجدناه كذلك‪ .‬وروى سعيد بن جبير عممن ابممن‬
‫عباس رضي الّله تعالى عنهما قممال‪" :‬قممدم النممبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسممألهم عممن ذلممك فقممالوا إن‬
‫هذا اليوم أظهر الّله فيه موسى وبني إسممرائيل علممى قمموم فرعممون فنحممن‬
‫نصومه تعظيما ً له‪ ،‬فقال النبي صلى الّله عليه وسمملم نحممن أولممى بموسممى‬
‫منكم فأمر بصومه"‪.‬‬
‫]ص ‪[177‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬قد اختلفوا في تفسير هذا اليوم قال‬
‫بعضهم إنما سمي عاشوراء لنه عاشر يوم من المحرم‪ ،‬وقال بعضممهم لن‬
‫الّله تعالى أكرم فيه عشرة من النبياء بعشر كرامات‪ :‬تاب الّلممه علممى آدم‬
‫يوم عاشوراء‪ ،‬ورفممع الل ّممه تعممالى إدريممس مكانمما عليمما فممي يمموم عاشمموراء‪،‬‬
‫واستوت سفينة نوح على الجودى يوم عاشوراء‪ ،‬وولد إبراهيم عليه السلم‬
‫في يوم عاشوراء‪ ،‬واتخذه خليل وأنجاه مممن النممار كممذلك‪ ،‬وتمماب الل ّممه علممى‬
‫داود يوم عاشوراء‪ ،‬ورفع الّله عيسى يوم عاشوراء‪ ،‬وأنجى الّله موسى من‬
‫البحر وأغرق فرعون يوم عاشوراء‪ ،‬وأخرج يمونس مممن بطممن الحمموت يموم‬
‫عاشوراء‪ ،‬ورد ّ ملك سليمان يمموم عاشمموراء‪ ،‬وولممد النممبي صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم يوم عاشوراء‪ .‬قال بعضهم‪ :‬إنما سمى عاشمموراء لنممه عاشممر عشممر‬
‫كرامات أكرم الّله بها هذه المة‪ :‬أّولها شهر رجممب وهممو شممهر الل ّممه الصممم‬
‫وإنما جعله كرامة لهذه المة وفضله على سائر الشهور كفضل هممذه المممة‬
‫على سائر المم‪ ،‬والثاني شهر شعبان وفضله على سممائر الشممهور كفضممل‬
‫النبي صلى الّله عليه وسمملم علممى سممائر النبيمماء عليهممم الصمملة والسمملم‪،‬‬
‫والثالث شهر رمضان وفضله على سائر الشهور كفضممل الل ّممه تعممالى علممى‬
‫خلقه‪ ،‬والرابع ليلة القدر وهي خير من ألمف شمهر‪ ،‬والخمامس يموم الفطمر‬
‫وهو يوم الجزاء‪ ،‬والسادس أيام العشر وهي أيام ذكر الّله تعممالى‪ ،‬والسممابع‬
‫يوم عرفة وصومه كفارة سممنتين‪ ،‬والثممامن يمموم النحممر وهممو يمموم القربممان‪،‬‬
‫والتاسع يوم الجمعة وهو سيد اليام‪ ،‬والعاشر يوم عاشوراء وصومه كفارة‬
‫سنة‪ ،‬فكل وقت من هذه الوقات كرامممات جعلهمما الل ّممه تعممالى لهممذه المممة‬
‫لتكفير ذنوبهم وتطهير خطاياهم‪ .‬وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة‬
‫رضي الّله تعالى عنها قالت‪ :‬كان يمموم عاشمموراء يمموم تصمومه قريممش فممي‬
‫الجاهلية وكان يصومه رسول الّله صلى الّله عليه وسمملم بمكممة فلممما قممدم‬

‫المدينة فرض صيام شهر رمضان فقال النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم "إن‬
‫كنت أمرت بصوم يوم عاشوراء فمن شاء صام ومن شاء ترك" وروى عمن‬
‫عائشة رضي الل ّممه تعممالى عنهمما قممالت‪ :‬يمموم عاشمموراء يمموم التاسممع‪ ،‬وقممال‬
‫بعضهم‪ :‬يوم الحادي عشر‪ ،‬وأكمثرهم علممى أنممه يموم العاشممر‪ ،‬واللمه تعمالى‬
‫أعلم‪.‬‬
‫باب فضل صوم التطوع وصوم أيام البيض‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيممه أبممو‬
‫جعفر حدثنا علي بن أحمد حممدثنا عيسممى بممن أحمممد حممدثنا ابممن وهممب عممن‬
‫عمرو بن محمد المعمري أن زيد بن أسلم حدثه وقال ل أعلممم إل أنممه عممن‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أنه قال "العمال خمسة‪ :‬فعمممل بمثلممه‪،‬‬
‫وعمل موجب‪ ،‬وعمل بعشرة وعمل بسبعمائة‪ ،‬وعمل ل يعلم ثواب عممامله‬
‫إل الله‪ ،‬فأما العمل الذي بمثله فالرجممل يعمممل سمميئة يكتممب عليممه واحممدة‪،‬‬
‫ورجل يهم بحسنة ولم يعملها فيكتب‬
‫]ص ‪[178‬‬
‫له حسنة‪ ،‬والعمل الموجب من لقي الّله ل يعبمد إل همو‪ ،‬وجبمت لمه الجنمة‪،‬‬
‫ومن لقى الّله يعبد غيره وجبت له النار" والعمل الممذي بعشممرة مممن عمممل‬
‫حسنة فيكتب له عشرة‪ ،‬والعمل الذي بسبعمائة من عمل في سممبيل الّلممه‬
‫تعالى أو ينفق في ذلك فيكتب له سبعمائة‪ ،‬والعمممل الممذي ل يعممرف ثممواب‬
‫عمله إل الّله فهو الصوم"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيه أبو جعفر رحمه الّله تعممالى‬
‫دثنا عيسى بن أحمد حدثنا ابن وهب حدثنا أبو صدقة‬
‫ي بن أحمد ح ّ‬
‫حدثنا عل ّ‬
‫اليماني قال "دخل بلل رضي الّله تعالى عنه على رسول اللممه صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم وهو يأكممل الطعممام‪ ،‬فقممال يمما بلل‪ :‬الطعممام الطعممام‪ ،‬فقممال يمما‬
‫رسول الّله إنمي صمائم‪ ،‬فقمال رسمول الّلمه صملى الّلمه عليمه وسملم نأكمل‬
‫أرزاقنا‪ ،‬ورزق بلل في الجنة‪ ،‬إن الصائم إذا كان عنممد قمموم يممأكلون تسممبح‬
‫أعضاؤه وتصلي عليه الملئكة وتقول اللهم اغفممر لممه وارحمممه ممما دام فممي‬
‫مجلسه"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬حدثنا الفقيه أبمو جعفمر حممدثنا علمي بمن‬
‫أحمد حدثنا محمد بن الفضل حدثنا يزيد بن هممرون عممن هشمام بمن حسمان‬
‫عن واصل مولى أبي عيينة قممال‪ :‬أخممبرني لقيممط عممن أبممي بممردة عممن أبممي‬
‫موسى الشعري رضي الّله تعالى عنه قال‪ :‬ركبنا البحر فبينممما نحممن نسممير‬
‫في لجة البحر وقد رفعنا الشراع ول نممرى جزيممرة ول شمميئا إذا نحممن بمنمماد‬
‫ينادي‪ :‬يا أهل السفينة قفوا أخبركم‪ ،‬قممال فانصممرفنا فلممم نممر شمميئا فنممادى‬
‫سبعا‪ ،‬قال أبو موسى فلما كانت السابعة قمت فقلت يا هممذا قممد تممرى ممما‬
‫نحن فيه ولسنا نستطيع أن نحتبس عليك فأخبرنمما ممما تريممد أن تخبرنمما بممه‪،‬‬
‫فقال أل أخبركم بقضاء قضى الّله تعالى على نفسه؟ قلنا أخبرنا‪ ،‬قال فإن‬
‫الّله تعالى قضى على نفسه أنه ما من عبد أظمممأ نفسممه فممي يمموم حمماّر إل‬
‫أرواه الّله تعالى يوم القيامة‪.‬‬
‫وذكر عن ابن المبارك عن واصل مولى أبي عيينة عن لقيط بن أبممي بممردة‬
‫عن أبي موسى الشعري نحوه وزاد فيه وكان أبو موسى يتتبع اليوم الحممار‬
‫دثنا أبو عتاب البغدادي‬
‫دثنا الفقيه أبو جعفر قال‪ :‬ح ّ‬
‫الشديد فيصومه قال‪ :‬ح ّ‬
‫دثنا‬
‫دثنا الحارث بن منصور‪ :‬حمم ّ‬
‫دثنا يحيى بن جعفر بن الزبير قال‪ :‬ح ّ‬
‫قال‪ :‬ح ّ‬
‫يحيى السقاء عن يحيى بن أبممي كممثير عممن زيممد بممن سمملم عممن أبممي مالممك‬
‫الشعري عن رسول الله صلى الّله عليمه وسملم قمال‪" :‬سممت خصممال ممن‬
‫الخير‪ :‬مجاهدة عدوّ الّله بالسيف‪ ،‬والصوم في الصيف‪ ،‬وحسن الصبر عنممد‬
‫المصيبة‪ ،‬وترك المراء وإن كان محقًا‪ ،‬والتبكير في الصلة في يمموم الغيممم‪،‬‬
‫دثنا‬
‫أو قال في يموم الصميف‪ ،‬وحسمن الوضمموء فمي أيمام الشمتاء" قممال‪ :‬حم ّ‬

‫دثنا أبممو مطيممع‬
‫دثنا علي بن أحمد حدثنا نصير بن يحيى ح ّ‬
‫الفقيه أبو جعفر ح ّ‬
‫عن بكر بن خنيس يرفعه إلى أبي الدرداء رضي الّله تعالى عنممه أنممه قممال‪:‬‬
‫لول ثلث ما باليت أن أموت‪ :‬أحدها تعفير وجهي فممي الممتراب للممه سمماجدا‪،‬‬
‫وصوم يوم بعيد الطرفين التوى‬
‫]ص ‪[179‬‬
‫فيه من الجوع والظمأ‪ ،‬والثالث جلوس مع قوم يتخيرون أطيبب الكلم كما‬
‫دثنا علممى بممن أحمممد‬
‫دثنا الفقيه أبممو جعفممر حم ّ‬
‫يتخيرون أطيب الثمر‪ .‬قال‪ :‬ح ّ‬
‫ّ‬
‫دثنا محمد بن عبد الله الطنافسي عن العوام بممن‬
‫حدثنا محمد بن الفضل ح ّ‬
‫حوشب عن سليمان بن أبمي سممليمان ممولى هاشممم أنممه سمممع أبمما هريمرة‬
‫رضي الّله تعالى عنه يقول‪" :‬علمني رسممول اللممه صمملى الل ّممه عليممه وسمملم‬
‫ن حتى أموت‪ :‬أن ل أنام إل على وتممر‪ ،‬وأن أصمموم مممن‬
‫ثلث خصال ل أدعه ّ‬
‫دثنا الفقيه أبو جعفممر‬
‫كل شهر ثلثة أيام‪ ،‬وأن ل أدع صلة الضحى"‪ .‬قال‪ :‬ح ّ‬
‫دثنا محمد بممن عبممد الل ّممه‬
‫حدثنا علي بن أبي أحمد حدثنا محمد بن الفضل ح ّ‬
‫دثنا محمد بن سمملمة حممدثنا ابممن أبممي‬
‫وام عن حوشب ح ّ‬
‫الطنافسي عن الع ّ‬
‫دثنا أبو إسممحاق الشممجعي عممن عمممرو بممن‬
‫شيبة حدثنا هشام بن القاسم ح ّ‬
‫قيس عن الحسن بن الصممباح عممن هنديممة بممن خالممد الخزاعممي عممن حفصممة‬
‫رضي الّله تعالى عنها قالت‪" :‬أربع لم يدعهن النبي صلى الّله عليممه وسمملم‬
‫صيام يوم عاشوراء‪ ،‬وصوم أيام العشر‪ ،‬وصيام ثلثممة أيممام مممن كممل شممهر‪،‬‬
‫دثنا أبو بكر محمممد بممن‬
‫دثنا الفقيه أبو جعفر ح ّ‬
‫وركعتان قبل الغداة" قال‪ :‬ح ّ‬
‫دثنا يحيى بن محمد عممن كامممل بممن طلحممة‬
‫عبد الّله حدثنا محمد بن على ح ّ‬
‫عن حماد بن سلمة عن الحجاج بن أبي إسحاق عن الحارث بن علممي كممرم‬
‫الّله وجهه أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "صوموا شهر الصممبر‪ :‬يعنممي‬
‫شهر رمضان‪ ،‬وثلثة أيام من كل شهر فهو بمنزلة صوم الدهر ويذهب وحر‬
‫دثنا علي بن أحمد حممدثنا‬
‫دثنا الفقيه أبو جعفر ح ّ‬
‫الصدر" يعني غله وغشه‪ ،‬ح ّ‬
‫دثنا العمش عممن رجممل عممن عبممد‬
‫محمد بن الفضل حدثنا يعلى بن حميد ح ّ‬
‫الّله بن شقيق العقيلي قال‪ :‬أتيت المدينة فإذا أبو ذر الغفمماري رضممي الل ّممه‬
‫تعالى عنه فقلت لنظرن على أيّ حال هو اليوم‪ ،‬فقلمت لمه أصمائم أنمت؟‪.‬‬
‫قال نعم‪ ،‬فهم ينتظرون الذن على عمر بن الخطاب رضي الّله تعالى عنه‪،‬‬
‫فلما دخلوا أتينا بقصاع فأكل أبمو ذر فحركتممه بيمدي أذكممره‪ ،‬فقممال إنمي لممم‬
‫أنسى ما قلت لك‪ ،‬أخبرتك إني صائم فإني أصوم من كل شممهر ثلثممة أيممام‬
‫دثنا محمد‬
‫فأنا أبدا ً صائم‪ .‬قال حدثنا الفقيه أبو جعفر حدثنا علي بن أحمد ح ّ‬
‫بن سلمة حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن الفضل الضممبي‪ ،‬عممن حصممين‬
‫عن مجاهد عن عبممد الل ّممه بممن عمممرو بمن العمماص رضممي الل ّممه تعممالى عنهممم‬
‫قال"كنت رجل مجتهدا فزّوجني أبي امرأة فدخل يوممما منزلممي فلممم يرنممي‪،‬‬
‫فقال للمرأة كيف تجدين بعلك؟ فقممالت نعممم الرجممل هممو رجممل ل ينممام ول‬
‫ي أبي‪ ،‬فقال زوجتمك اممرأة ممن المسملمين فعطلتهما‪ ،‬فلمم‬
‫يفطر‪ .‬فوقع ف ّ‬
‫وة والجتهمماد إلممى أن بلممغ ذلممك إلممى‬
‫أبال بما قال لي أبي مما أجد مممن القم ّ‬
‫رسول الّله صلى الّله عليه وسلم فممدعاني فقممال لممي‪ :‬لكنممي أنممام وأصمملي‬
‫وأصوم وأفطر‪ ،‬فص ّ‬
‫ل ونم وصم من كل شهر ثلثة أيممام‪ ،‬فقلممت يمما رسممول‬
‫الّله أنا أقوى من ذلك‪ ،‬قال صممم يومما وأفطممر يومما وهممو صمموم داود عليممه‬
‫السلم‪ ،‬وقال لي في كم تقرأ القرآن؟ قلت في يومين وليلتين‪ ،‬قال اقرأه‬
‫في خمسة عشرة يوما‪ .‬قال قلت يا رسول الّله أنمما أقمموى مممن ذلممك‪ ،‬قممال‬
‫فاقرأه في سبع‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫]ص ‪[180‬‬
‫إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمممن كممانت فممترته إلممى سممنتي فقممد‬
‫هتدى‪ ،‬ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك‪ ،‬فقال عبد الل ّممه بممن عمممرو‬
‫رضي الّله تعالى عنهما‪ :‬لن أكون قبلت رخصة رسول الله صلى الّله عليمه‬

‫ي من أن يكون لي مثل أهلممي ومممالي‪ ،‬وأنمما اليمموم شمميخ قممد‬
‫وسلم أحب إل ّ‬
‫كبرت وضعفت وأكره أن أترك ما أمرني به رسممول الل ّممه صمملى الل ّممه عليممه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وروى عن ابن عباس رضي الّله تعالى عنهما"أن رجل جاء إليه فسمأله عمن‬
‫الصيام فقال‪ :‬أل أحدثك بحديث كان عندي من التحف المخزونممة‪ ،‬إن كنممت‬
‫تريد صوم داود عليه السلم فإنه كان يصوم يومما ً ويفطممر يوممًا‪ ،‬وإن كنممت‬
‫تريد صوم ابنه سليمان عليه السلم فإنه كان يصوم ثلثة أيام من أّول كممل‬
‫شهر وثلثة من أوسطه وثلثة من آخره‪ ،‬وإن كنت تريد صوم ابممن العممذراء‬
‫البتول‪ :‬يعني عيسى ابن مريم عليهما السلم‪ ،‬فإنه كان يصمموم الممدهر كلممه‬
‫ويأكل الشعير ويلبس الشعر الخشن‪ ،‬وكان حيثما أدركه الليل صف قممدميه‬
‫يصلي حتى يرى علمة الفجممر قممد طلعممت‪ ،‬وكممان ل يقمموم مقامما ً إل صمملى‬
‫ركعتين فيه‪ ،‬وإن كنت تريد صمموم أمممه فإنهمما كممانت تصمموم يممومين وتفطممر‬
‫يومين‪ ،‬وإن كنت تريد صوم خير البشر النبي العربي القرشي أبي القاسممم‬
‫محمد صلى الّله عليه وسلم فإنه كان يصوم ثلثة أيام من كل شهر‪ :‬يعنممي‬
‫صوم أيام البيض الثالث عشر والربع عشممر والخممامس عشممر‪ ،‬ويقممول هممن‬
‫صيام الدهر"‪ .‬وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه عن النممبي صمملى الل ّممه‬
‫عليه وسلم أنه قال ممن صممام شممهر رمضمان ثممم أتبعممه بسممت ممن شمموال‬
‫فكأنما صام الدهر كله" قال أبو هريرة رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حتى أحسممب‬
‫لكم فصوم رمضان يكون ثلثمائة يوم وستة أيام ستين يوما ً لن الّله تعممالى‬
‫قال} من جاء بالحسنة فله عشر أمثالهمما{ وكممل يمموم يقمموم مقممام عشممرة‬
‫أيام‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رضي الّله تعالى عنه‪ :‬وقد كره بعض الناس صيام السممبت‬
‫وقال فيه تشبه بالنصارى‪ .‬وروى عن إبراهيم النخعي انه سممئل عممن صمميام‬
‫الست فقال هي صوم الحيض‪ ،‬وقال بعضهم ينبغي أن يصوم متفرقما ً حمتى‬
‫ل يكون تشبها بالنصارى‪ ،‬وعندي أنممه ل بممأس بممه متتابع ما ً أو متفرق ما ً أو لن‬
‫يوم الفطر صار فاصل بينهما" والله أعلم‪.‬‬
‫باب النفقة على العيال‬
‫)قال الفقيه( أبو الليث السمرقندي رضي الّله تعالى عنه‪ :‬حممدثنا محمممد‬
‫بن الفضل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا ابممن عليممة‬
‫عن أيوب قال "نبئت أن أصحاب النبي صمملى الل ّممه عليممه وسمملم كممانوا فممي‬
‫وته فقممالوا لممو أن هممذا‬
‫منزل لهم فأشرف عليهم رجل فأعجبهم شممبابه وق م ّ‬
‫وته في سبيل الّله تعالى‪ ،‬فسمع بذلك النبي صلى الّله عليه‬
‫جعل شبابه وق ّ‬
‫وسلم فقال‪ :‬أو ما في سبيل الّله إل كل من قاتل أو غزا؟ من سممعى علممى‬
‫نفسه ليعفها فهو في سبيل الله‪ ،‬ومن سعى على والديه‬
‫]ص ‪[181‬‬
‫ليعفهما فهو في سبيل الله‪ ،‬ومن سعى على عياله ليعفهم فهو فممي سممبيل‬
‫الله‪ ،‬ومن سعى مكاثرا ً فهو في سبيل الشيطان"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( حدثنا محمد بن الفضل حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا حماد‬
‫بن زيد عن أيوب عن أبي قلبة عن أسماء عن ثوبان رضي الّله تعالى عنممه‬
‫أن النبي صلى الّله عليه وسلم قال "أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على‬
‫عياله‪ ،‬ودينار ينفقه الرجل على دابته فمي سمبيل اللمه‪ ،‬ودينمار ينفقمه علمى‬
‫أصحابه في سبيل الله" قال أبو قلبة‪ :‬بدأ بالعيممال وأي رجممل أعظممم أجممرا ً‬
‫من رجل يسعى على عياله الصغار‪ .‬وعن أبي سلمة رضي الّله تعمالى عنمه‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال "إنما الصدقة عن ظهر غني‪ ،‬واليد‬
‫العليا خير من اليد السفلى وأبدأ بمن تعول"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الله‪ :‬سمعت أبي رحمه الّله تعالى قال‪ :‬كممان ثممابت‬
‫البناني عند أنس بن مالك رضي الّله تعالى عنهما فممذكر أنممه سمممع رسممول‬

‫الّله صلى الّله عليه وسلم يقول "إن الّله عز وجل قد ضمن ديممن العبممد إذا‬
‫استدان في ثلثة‪ :‬أحدها من قبل النكاح مخافة الفجور ثممم لممم يقممدر علممى‬
‫قضائها حتى مات فقد ضمن الّله دينه أن يقضى عنه يوم القيامممة‪ ،‬والثمماني‬
‫دينه لعانة المسلمين ليخرج إلى الغزو‪ ،‬والثالث إذا استدان لكفممن الميممت‬
‫فإن الّله تعالى يرضى خصماءه يوم القيامممة" فممدخل ثممابت البنمماني رحمممه‬
‫الّله تعالى على الحسن البصري رحمه الّله تعالى فممذكر لممه ممما سمممع مممن‬
‫أنس رضي الّله تعالى عنه‪ ،‬فقال الحسن البصري‪ :‬قممد كممبر أنممس وضممعف‬
‫ونسى ما هو الفضل من ذلك بل ضمن الّله تعالى مع هممؤلء رجل ً اسممتدان‬
‫لينفق على عياله واجتهد على قضممائه فلممم يبلممغ حممتى مممات لممم يكممن بيممن‬
‫خصمائه وبينه خصومة يوم القيامة‪ .‬وروى أبو هريرة رضي الّله تعالى عنممه‬
‫عن النبي صلى الّله عليه وسلم أنه قال‪ :‬إن فممي السممماء ملكيممن ممما لهممما‬
‫عمل إل يقول أحدهما‪ :‬اللهم أعط لمنفق خلفا‪ ،‬ويقول الخر‪ :‬اللهممم عجممل‬
‫لممسك تلفا" وروى مكحول رضي الّله تعمالى عنممه عممن النمبي صملى الّلمه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪" :‬من طلب الدنيا حلل استعفافا عممن المسممألة وسممعيا ً‬
‫على عياله وتعطفا على جاره جاء يوم القيامة ووجهممه كممالقمر ليلممة البممدر‪،‬‬
‫ومن طلب الدنيا حلل مكاثرا مفاخرا مرائيا ً لقي الّله يوم القيامة وهو عليه‬
‫غضبان"‪.‬‬
‫)قال الفقيه( رحمه الّله تعالى‪ :‬