‫مقدمة ابن خلدون‬

‫القسم الول من المقدمة في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و اللماع لمككا يعككرض للمككؤرخين مككن المغككالط و ذكككر‬
‫شيىء من أسبابها ‪13.....................................................................................................................‬‬
‫القسم الثاني من المقدمة في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و اللماع لمككا يعككرض للمككؤرخين مككن المغككالط و ذكككر‬
‫شيىء من أسبابها ‪18.....................................................................................................................‬‬
‫القسم الثالث من المقدمة في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و اللماع لما يعككرض للمككؤرخين مككن المغككالط و ذكككر‬
‫شيىء من أسبابها‪28......................................................................................................................‬‬

‫الكتاب الول في طبيعة العمران في الخليقة و ما يعرض فيها من البككدو و الحصككر و التغلككب و الكسككب و‬
‫المعاش و الصنائع و العلوم و نحوها و ما لذلك من العلل و السباب‪44..........................................‬‬
‫الباب الول من الكتاب الول في العمران البشري على الجملة و فيه مقدمات‪52.................‬‬
‫المقدمة الثانية في قسط العمران من الرض و الشارة إلى بعض ما فيه من الشجار و النهار و القاليم‪55............‬‬
‫تكملة لهذه المقدمة الثانية في أن الربع الشمالي من الرض أكثر عمرانًا من الربع الجنوبي و ذكر السبب في ذلك‪60. .‬‬
‫القسم الول من تفصيل الكلم على هذه الجغرافيا‪64................................................................................‬‬
‫القسم الثاني من تفصيل الكلم على هذه الجغرافيا‪78................................................................................‬‬
‫القسم الثالث من تفصيل الكلم على هذه الجغرافيا‪91...............................................................................‬‬
‫المقدمة الثالثة في المعتدل من القاليم و المنحرف و تأثير الهواء في ألوان البشر و الكثير في أحوالهم‪100..............‬‬
‫المقدمة الرابعة في أثر الهواء في أخلق البشر‪104.................................................................................‬‬
‫المقدمة الخامسة في اختلف أحوال العمران في الخصب و الجوع و ما ينشأ عن ذلككك مككن الثككار فككي أبككدان البشككر و‬
‫أخلقهم‪106................................................................................................................................‬‬
‫المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة و يتقدمه الكلم في الوحي و الرؤيا‪111..........‬‬
‫و لنذكر الن تفسير حقيقة النبؤة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شككان العرافيككن و‬
‫غير ذلك من مدارك الغيب فنقول‪115.................................................................................................‬‬
‫أصناف النفوس البشرية ‪118...........................................................................................................‬‬
‫الوحي ‪118.................................................................................................................................‬‬
‫الكهانة ‪120................................................................................................................................‬‬
‫الرؤيا ‪123.................................................................................................................................‬‬
‫فصل‪127...................................................................................................................................‬‬
‫فصل‪127...................................................................................................................................‬‬
‫فصل ‪137..................................................................................................................................‬‬

‫الباب الثاني في العمران البدوي و المم الوحشية و القبائل و ما يعرض في ذلك مككن الحككوال‬
‫و فيه فصول و تمهيدات الفصل الول في أن أجيال البدو و الحضر طبيعية ‪144................‬‬
‫الفصل الثاني في أن جيل العرب في الخليقة طبيعي ‪145..........................................................................‬‬
‫الفصل الثالث في أن البدو أقدم من الحضر و سابق عليه و أن البادية أصل العمران و المصار مدد لها ‪146...........‬‬
‫الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر ‪147...........................................................‬‬
‫الفصل الخامس في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر ‪150....................................................‬‬
‫الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم ‪151..............................‬‬
‫الفصل السابع في أن سكنى البدو ل تكون إل للقبائل أهل العصبية ‪153.........................................................‬‬
‫الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من اللتحام بالنسب أو ما في معناه ‪154.............................................‬‬

‫الفصل التاسع في أن الصريح من النسب إنما يوحد للمتوحشين في القفر من العرب و من في معناهم ‪155...............‬‬
‫الفصل العاشر في اختلط النساب كيف يقع ‪156...................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن الرئاسة ل تزال في نصابها المخصوص من أهل المصبية ‪157................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر في أن الرئاسة على أهل المصبية ل تكون في غير نسبهم ‪158...........................................‬‬
‫الفصل الثالث عشر في أن البيت و الشرف بالصالة و الحقيقة لهل المصبية و يكون لغيرهم بالمجاز و الشبه ‪160...‬‬
‫الفصل الرابع عشر في أن البيت و الشرف للموالي و أهل الصطناع إنما هو بمواليهم ل بأنسابهم ‪162..................‬‬
‫الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء ‪163...................................................‬‬
‫الفصل السادس عشر في أن المم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها ‪165................................................‬‬
‫الفصل السابع عشر في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك ‪166....................................................‬‬
‫الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك حصول الترف و انغماس القبيل في النعيم ‪168................................‬‬
‫الفصل التاسع عشر في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل و النقياد إلى سواهم ‪169..........................................‬‬
‫الفصل العشرون ك في أن من علمات الملك التنافس في الخلل الحميدة و بالعكس ‪171.....................................‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون في أنه إذا كانت المة وحشية كان ملكها أوسع ‪173...............................................‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون في أن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فل بد من عوده إلى شككعب أخككر منهككا مككا‬
‫دامت لهم العصبية ‪174..................................................................................................................‬‬
‫الفصل الثالث و العشرون في أن المغلوب مولع أبككدًا بالقتككداء بالغككالب فككي شككعاره وزيككه و نحلتككه و سككائر أحككواله و‬
‫عوائده ‪176................................................................................................................................‬‬
‫الفصل الرابع و العشرون في أن المة إذا غلبت و صارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء ‪177.........................‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون في أن العرب ل يتغلبون إل على البسائط ‪178....................................................‬‬
‫الفصل السادس و العشرون في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ‪179..................................‬‬
‫الفصل السابع و العشرون في أن العرب ل يحصل لهم الملك إل بصبغة دينية من نبوة أو ولية أو أثر عظيم من الدين‬
‫على الجملة ‪180..........................................................................................................................‬‬
‫الفصل الثامن و العشرون في أن العرب أبعد المم عن سياسة الملك ‪181......................................................‬‬
‫الفصل التاسع و العشرون في أن البوادي من القبائل و العصائب مغلوبون لهل المصار ‪183............................‬‬

‫الباب الثالث من الكتاب الول في الدول العامة و الملك و الخلفة و المراتككب السككلطانية و مككا‬
‫يعرض في ذلك كله من الحوال و فيه قواعد و متممات‪184........................................‬‬
‫الفصل الول في أن الملك و الدولة العامة إنما يحصلن بالقبيل و العصبية ‪184..............................................‬‬
‫الفصل الثاني في أنه إذا استقرت الدولة و تمهدت فقد تستغني عن العصبية ‪184..............................................‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬في أنه قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية ‪187................................‬‬
‫الفصل الرابع‪ :‬في أن الدولة العامة الستيلء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق ‪188.................‬‬
‫الفصل الخامس في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها ‪188.......‬‬
‫الفصل السادس في أن الدعوة الدينية من غير عصبية ل تتم ‪189................................................................‬‬
‫الفصل السابع في أن كل دولة لها حصة من الممالك و الوطان ل تزيد عليها ‪192...........................................‬‬
‫الفصل الثامن في أن عظم الدولة و اتساع نطاقها و طول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة و الكثرة ‪194...........‬‬
‫الفصل التاسع في أن الوطان الكثرة القبائل و العصائب قل أن تستحكم فيها دولة ‪196......................................‬‬
‫الفصل العاشر في أن من طبيعة الملك النفراد بالمجد ‪198.......................................................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن من طبيعة الملك الترف ‪199..........................................................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر في أن من طبيعة الملك الدعة و السكون ‪199................................................................‬‬
‫الفصل الثالث عشر في أنه إذا تحكمت طبيعة الملك من النفراد بالمجد و حصول الترف و الدعككة أقبلككت الدولككة علككى‬
‫الهرم ‪200..................................................................................................................................‬‬
‫الفصل الرابع عشر في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للشخاص ‪203........................................................‬‬
‫الفصل الخامس عشر في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة ‪205............................................................‬‬
‫الفصل السادس عشر في أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها ‪208...................................................‬‬
‫الفصل السابع عشر في أطوار الدولة و اختلف أحوالها و خلق أهلها باختلف الطوار ‪209..............................‬‬
‫الفصل الثامن عشر في أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها ‪211....................................................‬‬
‫الفصل التاسع عشر في استظهار صاحب الدولة على قومه و أهل عصبيته بالموالي و المصطنعين ‪217................‬‬
‫الفصل العشرون في أحوال الموالي و المصطنعين في الدول ‪219...............................................................‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون فيما يعرض في الدول من حجر السلطان و الستبداد عليه ‪221.................................‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون في أن المتغلبين على السلطان ل يشاركونه في اللقب الخاص بالملك ‪222......................‬‬
‫الفصل الثالث و العشرون في حقيقة الملك و أصنافه ‪223.........................................................................‬‬

‫الفصل الرابع و العشرون في أن إرهاف الحد مضر بالملك و مفسد له في الكثر ‪224.......................................‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون في معنى الخلفة و المامة ‪226.....................................................................‬‬
‫الفصل السادس و العشرون فى اختلف المة في حكم هذا المنصب و شروطه ‪227.........................................‬‬
‫الفصل السابع و العشرون في مذاهب الشيعة في حكم المامة‪234...............................................................‬‬
‫الفصل الثامن و العثسرون في انقلب الخلفة إلى الملك‪240.....................................................................‬‬
‫الفصل التاسع و العشرون في معنى البيعة ‪248.....................................................................................‬‬
‫الفصل الثلثون في ولية العهد ‪249...................................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي و الثلثون في الخطط الدينية الخلفية ‪260........................................................................‬‬
‫الحسبة و السكة ‪268.....................................................................................................................‬‬
‫الفصل الثاني و الثلثون في اللقب بأمير المؤمنين و إنه من سمات الخلفة و هو محدث منذ عهد الخلفاء ‪269..........‬‬
‫الفصل الثالث و الثلثون في شرح اسم البابا و البطرك في الملة النصرانية و اسم الكوهن عند اليهود ‪274..............‬‬
‫الفصل الرابع و الثلثون في مراتب الملك و السلطان و ألقابها ‪279.............................................................‬‬
‫ديوان العمال و الجبايات ‪289.........................................................................................................‬‬
‫ديوان الرسائل و الكتابة ‪292.........................................................................................................‬‬
‫الفصل الخامس و الثلثون في التفاوت بين مراتب السيف و القلم في الدول ‪305..............................................‬‬
‫الفصل السادس و الثلثون في شارات الملك و السلطان الخاصة به ‪306.......................................................‬‬
‫مقدار الدرهم و الدينار الشرعيين ‪312................................................................................................‬‬
‫الفساطيط و ا لسياج ‪317................................................................................................................‬‬
‫المقصورة للصلة و الدعاء في الخطبة ‪319.........................................................................................‬‬
‫الفصل السابع و الثلثون في الحروب و مذاهب المم و ترتيبها ‪321...........................................................‬‬
‫الفصل الثامن و الثلثون في الجباية و سبب قلتها و كثرتها ‪331.................................................................‬‬
‫الفصل التاسع و الثلثون في ضرب المكوس أواخر الدولة ‪333.................................................................‬‬
‫الفصل الربعون في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا و مفسدة للجباية ‪334...........................................‬‬
‫الفصل الحادي و الربعون في أن ثروة السلطان و حاشيته إنما تكون في وسط الدولة ‪336.................................‬‬
‫الفصل الثاني و الربعون في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية ‪340............................................‬‬
‫الفصل الثالث و الربعون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران ‪340.............................................................‬‬
‫الفصل الرابع و الربعون في أن الحجاب كيف يقع في الدول و في أنه يعظم عند الهرم ‪345...............................‬‬
‫الفصل الخامس و الربعون في انقسام الدولة الواحدة بدولتين ‪347..............................................................‬‬
‫الفصل السادس و الربعون في أن الهرم إذا نزل بالدولة ل يرتفع ‪349.........................................................‬‬
‫الفصل السابع و الربعون في كيفية طروق الخلل للدولة ‪350....................................................................‬‬
‫الفصل الثامن و الربعين فصل في اتسككاع الدولككة أول إلككى نهككايته ثككم تضككايقه طككورا بعككد طككور إلككى فنككاء الدولككة و‬
‫اضمحللها ‪354...........................................................................................................................‬‬
‫الفصل التاسع و الربعون في حدوث الدولة و تجددها كيف يقع ‪356...........................................................‬‬
‫الفصل الخمسون في أن الدولة المستجدة إنما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة ل بالمناجزة ‪357..................‬‬
‫الفصل الحادي و الخمسون في وفور العمران آخر الدولة و ما يقع فيها من كثر الموتان و المجاعات ‪361...............‬‬
‫الفصل الثاني والخمسون في أن العمران البشري ل بد له من سياسة ينتظم بها أمره ‪362...................................‬‬
‫القسم الول من الفصل الثالث و الخمسون في أمر الفاطمي و ما يذهب إليه الناس في شأنه و كشف الغطككاء عككن ذلككك‬
‫القسم الول ‪372...........................................................................................................................‬‬
‫القسم الثاني من الفصل الثالث و الخمسون في أمر الفاطمي و ما يذهب إليه الناس في شأنه و كشف الغطككاء عككن ذلككك‬
‫القسم الثاني ‪386..........................................................................................................................‬‬
‫الفصل الرابع و الخمسون في ابتداء الدول و المم و في الكلم على الملحم و الكشف عن مسمى الجفر ‪395..........‬‬

‫الباب الرابع من الكتاب الول في البلدان و المصار و سائر العمككران و مككا يعككرض فككي ذلكك‬
‫من الحوال و فيه سوابق و لواحق ‪411.................................................................‬‬
‫الفصل الول في أن الدول من المدن و المصار و أنها إنما توجد ثانية عن الملك ‪411......................................‬‬
‫الفصل الثاني في أن الملك يدعو إلى نزول المصار ‪412.........................................................................‬‬
‫الفصل الثالث في أن المدن العظيمة و الهياكل المرتفعة إنما يشيدها الملك الكثير ‪413........................................‬‬
‫الفصل الرابع في أن الهياكل العظيمة جدًا ل تستقل ببنائها الدولة الواحدة ‪415.................................................‬‬
‫الفصل الخامس فيما تجب مراعاته في أوضاع المدن و ما يحدث إذا غفل عن المراعاة ‪416...............................‬‬
‫الفصل السادس في المساجد و البيوت العظيمة في العالم ‪419.....................................................................‬‬
‫الفصل السابع في أن المدن و المصار بإفريقية و المغرب قليلة ‪429...........................................................‬‬

‫الفصل الثامن في أن المباني و المصانع في الملة السلمية قليلة بالنسبة إلى قدرتها و إلى من كان قبلها من الدول ‪.....‬‬
‫‪430‬‬
‫الفصل التاسع في أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إل في القل ‪431..............................‬‬
‫الفصل العاشر في مبادي الخراب في المصار ‪432................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن تفاضل المصار و المدن في كثرة الرزق لهلهككا و نفككاق السككواق إنمككا هككو فككي تفاضككل‬
‫عمرانها في الكثرة و القلة ‪432.........................................................................................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر في أسعار المدن ‪436.............................................................................................‬‬
‫الفصل الثالث عشر في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران ‪438............................................‬‬
‫الفصل الرابع عشر في أن القطار في اختلف أحوالها بالرفه و الفقر مثل المصار ‪439..................................‬‬
‫الفصل الخامس عشر في تأثل ا لعقار و الضياع في المصار و حال فوائدها و مستغلتها ‪441............................‬‬
‫الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من أهل المصار إلى الجاه و المدافعة ‪442.....................................‬‬
‫الفصل السابع عشر في أن الحضارة في المصار من قبل ا لدول و أنها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها ‪443..........‬‬
‫الفصل الثامن عشر في أن الحضارة غاية العمران و نهاية لعمره و أنها مؤذنة بفساده ‪446.................................‬‬
‫الفصل التاسع عشر في أن المصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها ‪450.....................‬‬
‫الفصل العشرون في اختصاص بعض المصار ببعض الصنائع دون بعض ‪453.............................................‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون في و جود العصبية في المصار و تغلب بعضهم على بعض ‪453.............................‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون في لغات أهل المصار ‪455............................................................................‬‬

‫الباب الخامس من الكتاب الول في المعاش و وجوبه من الكسب و الصنائع و ما يعككرض فككي‬
‫ذلك كله من الحوال و فيه مسائل‪457...................................................................‬‬
‫الفصل الول في حقيقة الرزق و الكسب و شرحهما و أن الكسب هو قيمة العمال ا لبشرية ‪457.........................‬‬
‫الفصل الثاني في وجوه المعاش و أصنافه و مذاهبه ‪460..........................................................................‬‬
‫الفصل الثالث في أن الخدمة ليست من الطبيعي ‪461...............................................................................‬‬
‫الفصل الرابع في ابتغاء الموال من الدفائن و الكنوز ليس بمعاش طبيعي ‪461................................................‬‬
‫الفصل الخامس في أن الجاه مفيد للمال ‪467.........................................................................................‬‬
‫الفصل السادس في أن السعادة و الكسب إنما يحصل غالبًا لهل الخضوع و التملق و أن هذا الخلق من أسباب السعادة‬
‫‪468‬‬
‫الفصل السابع في أن القائمين بأمور الدين من القضاء و الفتيا و التدريس و المامة و الخطابة و الذان و نحككو ذلككك ل‬
‫تعظم ثروتهم في الغالب ‪472...........................................................................................................‬‬
‫الفصل الثامن في أن الفلحة من معاش المتضعين و أهل العافية من البدو ‪473...............................................‬‬
‫الفصل التاسع في معنى التجارة و مذاهبها و أصنافها ‪474........................................................................‬‬
‫الفصل العاشر في أي أصناف الناس يحترف بالتجارة و أيهم ينبغي له اجتناب حرفها ‪474.................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن خلق التجار نازلة عن خلق الشراف و الملوك ‪475..............................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر في نقل التاجر للسلع ‪476........................................................................................‬‬
‫الفصل الثالث عشر في الحتكار ‪477.................................................................................................‬‬
‫الفصل الرابع عشر في أن رخص السعار مضر بالمحترفين بالرخص ‪478..................................................‬‬
‫الفصل الخامس عشر في أن خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء و بعيدة من المروءة ‪479...............................‬‬
‫الفصل السادس عشر في أن الصنائع ل بد لها من العلم ‪480......................................................................‬‬
‫الفصل السابع عشر في أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري و كثرته ‪481.......................................‬‬
‫الفصل الثامن عشر في أن رسوخ الصنائع في المصار إنما هو برسوخ الحضارة و طول أمده ‪482.....................‬‬
‫الفصل التاسع عشر في أن الصنائع إنما تستجاد و تكثر إذا كثر طالبها ‪484....................................................‬‬
‫الفصل العشرون في أن المصار إذا قاربت الخراب انتقصت منها الصنائع ‪485.............................................‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع ‪485.........................................................‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون فيمن حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعد في ملكة أخرى ‪486.........................‬‬
‫الفصل الثالث و العشرون في الشارة إلى أمهات الصنائع ‪487..................................................................‬‬
‫الفصل الرابع و العشرون في صناعة الفلحة ‪488.................................................................................‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون في صناعة البناء ‪488.................................................................................‬‬
‫الفصل السادس و العشرون في صناعة النجارة ‪492...............................................................................‬‬
‫الفصل السابع و العشرون في صناعة الحياكة و الخياطة ‪494....................................................................‬‬
‫الفصل الثامن و العشرون في صناعة التوليد ‪495..................................................................................‬‬
‫الفصل التاسع و العشرون في صناعة الطب و أنها محتاج إليها في الحواضر و المصار دون البادية ‪498..............‬‬

‫الفصل الثلثون في أن الخط و الكتابة من عداد الصنائع النسانية ‪501.........................................................‬‬
‫الفصل الحادي و الثلثون في صناعة الوراقة ‪509.................................................................................‬‬
‫الفصل الثاني و الثلثون في صناعة الغناء ‪511.....................................................................................‬‬
‫ل و خصوصًا الكتابة و الحساب ‪518........................‬‬
‫الفصل الثالث و الثلثون في أن الصنائع تكسب صاحبها عق ً‬

‫الباب السادس من الكتاب الول في العلوم و أصنافها و التعليم و طرقه و سككائر وجككوهه و مككا‬
‫يعرض في ذلك كله من الحوال و فيه مقدمة و لواحق ‪519.........................................‬‬
‫الفصل الول في أن العلم و التعليم طبيعي في العمران البشري ‪519............................................................‬‬
‫الفصل الثاني في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع ‪520...........................................................................‬‬
‫الفصل الثالث في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران و تعظم الحضارة ‪525..............................................‬‬
‫الفصل الرابع في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد ‪526............................................................‬‬
‫الفصل الخامس في علوم القرآن من التفسير و القراءات ‪528.....................................................................‬‬
‫الفصل السادس في علوم الحديث ‪532.................................................................................................‬‬
‫الفصل السابع في علم الفقه و ما يتبعه من الفرائض ‪538..........................................................................‬‬
‫الفصل الثامن في علم الفرائض ‪545...................................................................................................‬‬
‫الفصل التاسع في أصول الفقه و ما يتعلق به من الجدل و الخلفيات ‪547......................................................‬‬
‫الفصل العاشر‪ :‬في علم الكلم ‪553....................................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر‪ :‬في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر ‪564..........................................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي و كيفية حدوثه ‪566.......................................................................‬‬
‫الفصل الثالث عشر‪ :‬في علوم البشر و علوم الملئكة ‪568........................................................................‬‬
‫الفصل الرابع عشر في علوم النبياء عليهم الصلة و السلم ‪569...............................................................‬‬
‫الفصل الخامس عشر في أن النسان جاهل بالذات عالم بالكسب ‪571...........................................................‬‬
‫الفصل السادس عشر‪ :‬في كشف الغطاء عن المتشابه من الكتاب و السنة و ما حدث لجل ذلككك مككن طككوائف السككنية و‬
‫المبتدعة في العتقادات ‪572............................................................................................................‬‬
‫الفصل السابع عشر‪ :‬في علم التصوف ‪582..........................................................................................‬‬
‫الفصل الثامن عشر‪ :‬في علم تعبير الرؤيا ‪596......................................................................................‬‬
‫الفصل التاسع عشر‪ :‬في العلوم العقلية و أصنافها ‪600.............................................................................‬‬
‫الفصل العشرون‪ :‬في العلوم العددية ‪605.............................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون‪ :‬في العلوم الهندسية ‪609...............................................................................‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون‪ :‬في علم الهيئة ‪611.......................................................................................‬‬
‫الفصل الثالث و العشرون‪ :‬في علم المنطق ‪614.....................................................................................‬‬
‫الفصل الرابع و العشرون‪ :‬في الطبيعيات ‪619......................................................................................‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون‪ :‬في علم الطب ‪620....................................................................................‬‬
‫الفصل السادس و العشرون‪ :‬في الفلحة ‪621........................................................................................‬‬
‫الفصل السابع و العشرون‪ :‬في علم اللهيات ‪622...................................................................................‬‬
‫الفصل الثامن و العشرون‪ :‬في علوم السحر و الطلسمات ‪624....................................................................‬‬
‫القسم الول من الفصل التاسع و العشرون‪ :‬علم أسرار الحروف ‪632...........................................................‬‬
‫الفصل التاسع و العشرون‪ :‬علم أسرار الحروف القسم الثاني ‪640...............................................................‬‬
‫كيفية العمل في استخراج أجوبة المسائل من زايرجة العالم بحول ال منقول عمن لقيناه من القائمين عليها ‪645.........‬‬
‫فصل في الطلع على السرار الخفية من جهة الرتباطات الحرفية ‪656.....................................................‬‬
‫فصل في الستدلل على ما في الضمائر الخفية بالقوانين الحرفية ‪660.........................................................‬‬
‫الفصل الثلثون‪ :‬في علم الكيمياء ‪663................................................................................................‬‬
‫الفصل الحادي و الثلثون‪ :‬في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها ‪674...............................................................‬‬
‫الفصل الثاني و الثلثون‪ :‬في ابطال صناعة النجوم و ضعف مداركها و فساد غايتها ‪681..................................‬‬
‫الفصل الثالث و الثلثون‪ :‬في انكار ثمرة الكيميا و استحالة وجودها و ما ينشأ من المفاسد عن انتحالها ‪686.............‬‬
‫الفصل الرابع و الثلثون‪ :‬في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل ‪694...........................................‬‬
‫الفصل الخامس و الثلثون‪ :‬في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف و إلغاء ما سواها ‪696..............................‬‬
‫الفصل السادس و الثلثون في أن كثرة الختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم ‪700..................................‬‬
‫الفصل السابع و الثلثون‪ :‬في وجه الصواب في تعليم العلوم و طريق إفادته ‪701.............................................‬‬
‫الفصل الثامن و الثلثون‪ :‬في أن العلوم اللهية ل توسع فيها النظار و ل تفرع المسائل ‪705..............................‬‬
‫الفصل التاسع و الثلثون‪ :‬في تعليم الولدان و اختلف مذاهب المصار السلمية في طرقه ‪706.........................‬‬

‫الفصل الربعون‪ :‬في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم ‪709...................................................................‬‬
‫الفصل الحادي و الربعون‪ :‬في أن الرحلة في طلب العلوم و لقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم ‪711.....................‬‬
‫الفصل الثاني و الربعون‪ :‬في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة و مذاهبها ‪711...................................‬‬
‫الفصل الثالث و الربعون‪ :‬في أن حملة العلم في السلم أكثرهم العجم ‪713...................................................‬‬
‫الفصل الرابع و الربعون‪ :‬في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلكوم عكن أهكل اللسكان‬
‫العربي ‪716................................................................................................................................‬‬
‫الفصل الخامس و الربعون‪ :‬في علوم اللسان العربي ‪718........................................................................‬‬
‫علم النحو ‪719.............................................................................................................................‬‬
‫علم اللغة ‪721..............................................................................................................................‬‬
‫علم البيان ‪725.............................................................................................................................‬‬
‫علم الدب ‪728............................................................................................................................‬‬
‫الفصل السادس و الربعون‪ :‬في أن اللغة ملكة صناعية ‪730......................................................................‬‬
‫الفصل السابع و الربعون‪ :‬في أن لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مصر و حمير ‪731..........................‬‬
‫الفصل الثامن و الربعون‪ :‬في أن لغة أهل الحضر والمصار لغة قائمة بنفسها للغة مضر ‪735...........................‬‬
‫الفصل التاسع و الربعون في تعليم اللسان المضري ‪736.........................................................................‬‬
‫الفصل الخمسون‪ :‬في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية و مستغنية عنها في التعليم ‪737............................‬‬
‫الفصل الواحد و الخمسون‪ :‬في تفسر الذوق في مصطلح أهل البيان و تحقيق معناه و بيككان أنككه ل يحصككل للمسككتعربين‬
‫من العجم ‪739.............................................................................................................................‬‬
‫الفصل الثاني و الخمسون‪ :‬في أن أهل المصار على الطلق قاصرون في تحصيل هذه الملكككة اللسككانية الككتي تسككتفاد‬
‫بالتعليم و من كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب و أعسر ‪742.......................................‬‬
‫الفصل الثالث و الخمسون‪ :‬في انقسام الكلم إلى فني النظم و النثر ‪745........................................................‬‬
‫الفصل الرابع و الخمسون‪ :‬في أنه ل تتفق الجادة في فني المنظوم و المنثور معًا إل للقل ‪747...........................‬‬
‫الفصل الخامس و الخمسون‪ :‬في صناعة الشعر و وجه تعلمه‪748...............................................................‬‬
‫الفصل السادس و الخمسون‪ :‬في أن صناعة النظم و النثر إنما هي في اللفاظ ل في المعاني ‪759.........................‬‬
‫الفصل السابع و الخمسون‪ :‬في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ و جودتها بجودة المحفوظ ‪760........................‬‬
‫الفصل الثامن و الخمسون‪ :‬في بيان المطبوع من الكلم و المصنوع و كيف جودة المصنوع أو قصوره ‪763...........‬‬
‫الفصل التاسع و الخمسون‪ :‬في ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر ‪767......................................................‬‬
‫الفصل الستون‪ :‬في أشعار العرب و أهل المصار لهذا العهد‪768................................................................‬‬
‫الموشحات و الزجال للندلس ‪784...................................................................................................‬‬
‫الموشحات و الزجال في المشرق ‪803...............................................................................................‬‬
‫خاتمة ‪807.................................................................................................................................‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمممن‬
‫بن محمد بن خلدون الحضرمي وفقه الله الحمد لله الذي له‬
‫العممزة والجممبروت وبيممده الملممك والملكمموت ولممه السممماء‬
‫الحسنى والنعوت العالم فل يغرب عنه ما تظهره النجمموى أو‬
‫يخفيممه السممكوت القممادر فل يعجممزه شمميء فممي السممموات‬
‫والرض ول يفوت أنشأنا مممن الرض نسممما واسممتعمرنا فيهمما‬
‫أجيال وأممما ويسممر لنمما منهمما أرزاقما وقسممما تكنفنمما الرحمام‬
‫والممبيوت ويكفلنمما الممرزق والقمموت وتبلينمما اليممام والوقمموت‬
‫وتعتورنا الجال التي خط علينمما كتابهمما الموقمموت ولممه البقمماء‬
‫والثبوت وهو الحممي الممذي ل يممموت والصمملة والسمملم علممى‬
‫سميدنا ومولنمما محمممد النمبي العربمي المكتمموب فمي التمموراة‬
‫والنجيممل المنعمموت الممذي تمحممض لفصمماله الكممون قبممل أن‬
‫تتعاقب الحاد والسبوت ويتباين زحممل واليهممموت وعلممى آلممه‬
‫وأصحابه الذين لهم في صحبته وأتباعه الثر البعيممد والصمميت‬
‫والشمل الجميممع فممي مظمماهرته ولعممدوهم الشمممل الشممتيت‬
‫صلى الله عليه وعليهممم ممما اتصممل بالسمملم جممده المبخمموت‬
‫وانقطع بالكفر حبله المبتوت وسلم كثيرا أممما بعممد فممإن فممن‬
‫التاريخ من الفنون التي تتممداوله المممم والجيممال وتشممد إليممه‬
‫الركائب والرحممال وتسممموا إلممى معرفتممه السمموقة والغفممال‬
‫وتتنافس فيه الملوك والقيمال وتتسماوى فمي فهممه العلمماء‬
‫الجهممال إذ هممو فممي ظمماهره ل يزيممد علممى أخبممار عممن اليممام‬
‫والممدول والسمموابق مممن القممرون الول تنمممو فيهمما القمموال‬
‫وتضرب فيها المثال وتطرف بها النديممة إذا غصممها الحتفممال‬
‫وتؤدي لنمما شممأن الخليقممة كيممف تقلبممت بهمما الحمموال واتسممع‬
‫للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الرض حممتى نممادى بهممم‬
‫الرتحال وحان منهم الزوال وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل‬
‫للكائنممات ومبادئهمما دقيممق وعلممم بكيفيممات الوقممائع وأسممبابها‬
‫عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في‬

‫علومهمما وخليممق وإن فحممول المممؤرخين فممي السمملم قممد‬
‫اسممتوعبوا أخبممار اليممام وجمعوهمما وسممطروها فممي صممفحات‬
‫الدفاتر وأودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس مممن الباطممل‬
‫وهممموا فيهمما وابتممدعوها وزخممارف مممن الروايممات المضممعفة‬
‫لفقوهمما ووضممعوها واقتفممى تلممك الثممار الكممثير ممممن بعممدهم‬
‫واتبعوهمما وأدوهمما إلينمما كممما سمممعوها ولممم يلحظمموا أسممباب‬
‫الوقائع والحوال ولم يراعوها ول رفضوا ترهات الحاديث ول‬
‫دفعوها فممالتحقيق قليممل وطممرف التنقيممح فممي الغممالب كليممل‬
‫والغلط والموهم نسميب للخبمار وخليمل والتقليمد عريمق فمي‬
‫الدميين وسليل والتطفل على الفنون عريض طويل ومرعى‬
‫الجهممل بيممن النممام وخيممم وبيممل والحممق ل يقمماوم سمملطانه‬
‫والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه والناقل إنما هو يملممي‬
‫وينقل والبصمميرة تنقممد الصممحيح إذا تعقممل والعلممم يجلمموا لهمما‬
‫صفحات القلوب ويصقل هممذا وقممد دون النمماس فممي الخبممار‬
‫وأكثروا وجمعوا تواريخ المممم والممدول فممي العممالم وسممطروا‬
‫والذين ذهبوا بفضل الشمهرة والماممة المعتممبرة واسمتفرغوا‬
‫دواويممن مممن قبلهممم فممي صممحفهم المتممأخرة هممم قليلممون ل‬
‫يكادون يجاوزون عدد النامل ول حركات العوامممل مثممل ابممن‬
‫إسممحق والطممبري وابممن الكلممبي ومحمممد بممن عمممر الواقممدي‬
‫وسيف بن عمر السدي وغيرهممم مممن المشمماهير المتميزيممن‬
‫عن الجماهير وإن كان في كتممب المسممعودي والواقممدي مممن‬
‫المطعن والمغمز ما هو معروف عنممد الثبممات ومشممهور بيممن‬
‫الحفظممة الثقممات إل أن الكافممة اختصممتهم بقبممول أخبممارهم‬
‫واقتفاء سننهم في التصممنيف واتبمماع آثممارهم والناقممد البصممير‬
‫قسممطاس نفسممه فممي تزييفهممم فيممما ينقلممون أو اعتبممارهم‬
‫فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الخبار وتحمممل عليهمما‬
‫الروايات والثار ثممم إن أكممثر التواريممخ لهممؤلء عامممة المناهممج‬
‫والمسممالك لعممموم الممدولتين صممدر السمملم فممي الفمماق‬
‫والممالك وتناولها البعيد من الغايممات فممي المآخممذ والمتممارك‬
‫ومن هؤلء من استوعب ممما قبممل الملممة مممن الممدول والمممم‬
‫والمر العمم كالمسعودي ومن نحا منحاه وجمماء مممن بعممدهم‬

‫مممن عممدل عممن الطلق إلممى التقييممد ووقممف فممي العممموم‬
‫والحاطة عن الشأو البعيممد فقيممد شمموارد عصممره واسممتوعب‬
‫أخبار أفقه وقطره واقتصمر علمى تاريمخ دولتمه ومصمره كمما‬
‫فعممل أبممو حيممان مممؤرخ النممدلس والدولممة المويممة بهمما وابممن‬
‫الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كممانت بممالقيروان ثممم لممم‬
‫يأت من بعممد هممؤلء إل مقلممد وبليممد الطبممع والعقممل أو متبلممد‬
‫ينسج على ذلك المنمموال ويحتممذي منممه بالمثممال ويممذهل عممما‬
‫أحالته اليممام مممن الحمموال واسممتبدلت بممه مممن عمموائد المممم‬
‫والجيال فيجلبون الخبار عممن الممدول وحكايممات الوقممائع فممي‬
‫العصور الول صورا قد تجردت عن موادها وصفاحا انتضمميت‬
‫من أغمادها ومعارف تسممتنكر للجهممل بطارفهمما وتلدهمما إنممما‬
‫هي حوادث لممم تعلممم أصممولها وأنممواع لممم تعتممبر أجناسممها ول‬
‫تحققت فصولها يكررون فممي موضمموعاتها الخبممار المتداولممة‬
‫بأعيانها اتباعا لمن عني من المتقدمين بشأنها ويغفلممون أمممر‬
‫الجيال الناشئة في ديوانهمما بممما أعمموز عليهممم مممن ترجمانهمما‬
‫فتستعجم صممحفهم عممن بيانهمما ثممم إذا تعرضمموا لممذكر الدولممة‬
‫نسقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلهمما وهممما أو صممدقا ل‬
‫يتعرضون لبدايتها ول يذكرون السبب الممذي رفممع مممن رايتهمما‬
‫وأظهر من آيتها ول علة الوقمموف عنممد غايتهمما فيبقممى النمماظر‬
‫متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادىء الدول ومراتبها مفتشمما‬
‫عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينهمما أو‬
‫تناسبها حسبما نذكر ذلك كلممه فممي مقدمممة الكتمماب ثممم جمماء‬
‫آخرون بإفراط الختصار وذهبوا إلى الكتفاء بأسماء الملمموك‬
‫والقتصار مقطوعة عممن النسمماب والخبممار موضمموعة عليهمما‬
‫أعداد أيامهم بحروف الغبار كما فعله ابن رشيق فممي ميممزان‬
‫العمل ومن اقتفى هذا الثر من الهمممل وليممس يعتممبر لهممؤلء‬
‫مقال ول يعد لهم ثبمموت ول انتقممال لممما أذهبمموا مممن الفمموائد‬
‫وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين والعوائد ولمما طمالعت‬
‫كتب القوم وسبرت غور المس واليوم نبهممت عيممن القريحممة‬
‫من سنة الغفلممة والنمموم وسمممت التصممنيف مممن نفسممي وأنمما‬
‫المفلس أحسن السؤم فأنشات في التاريخ كتابمما رفعممت بممه‬

‫عممن أحمموال الناشممئة مممن الجيممال حجابمما وفصمملته فممي‬
‫الخباروالعتبار بابا باباوأبممديت فيممه لوليممة الممدول والعمممران‬
‫علل وأسبابا وبنيته على أخبار المممم الممذين عمممروا المغممرب‬
‫في هذه العصار وملوا أكناف الضواحي منه والمصممار وممما‬
‫كان لهم من الدول الطوال أو القصار ومن سمملف لهممم مممن‬
‫الملوك والنصار وهما العرب والبربر إذ هممما الجيلن اللممذان‬
‫عرف بالمغرب مأواهما وطممال فيممه علممى الحقمماب مثواهممما‬
‫حتى ل يكاد يتصور فيه ما عداهما ول يعرف أهله مممن أجيممال‬
‫الدميين سواهما فهذبت مناحيه تهذيبا وقربته لفهام العلممماء‬
‫والخاصة تقريبمما وسمملكت فممي ترتيبممه وتبممويبه مسمملكا غريبمما‬
‫واخترعته من بيممن المنمماحي مممذهبا عجيبمما وطريقممة مبتدعممة‬
‫وأسمملوبا وشممرحت فيممه مممن أحمموال العمممران والتمممدن وممما‬
‫يعرض في الجتماع النساني من العوارض الذاتية ما يمنعممك‬
‫بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كيممف دخممل أهممل الممدول مممن‬
‫أبوابها حتى تنزع من التقليد يدك وتقف على أحوال ما قبلك‬
‫من اليام والجيال وما بعدك ورتبته على مقدمة وثلثممة كتممب‬
‫المقدمة فمي فضممل علممم التاريمخ وتحقيممق ممذاهبه واللممماع‬
‫بمغالط المؤرخين الكتاب الول في العمران وذكر ما يعرض‬
‫فيه من العمموارض الذاتيممة مممن الملممك والسمملطان والكسممب‬
‫والمعاش والصنائع والعلوم وما لممذلك مممن العلممل والسممباب‬
‫الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيممالهم ودولهممم منممذ مبممدأ‬
‫الخليقة إلى هذا العهد وفيه من اللماع ببعض مممن عاصممرهم‬
‫من المم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس‬
‫وبني إسرائيل والقبممط واليونممان والممروم والممترك والفرنجممة‬
‫الكتاب الثالث فممي أخبممار الممبربر ومممواليهم مممن زناتممة وذكممر‬
‫أوليتهم وأحيالهم وما كان بممديار المغممرب خاصممة مممن الملممك‬
‫والدول ثم كانت الرحلة إلى المشرق لجتناء أنممواره وقضمماء‬
‫الفرض والسنة في مطافه ومزاره والوقوف على آثاره فممي‬
‫دواوينه وأسفاره فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك‬
‫الديار ودول الترك فيما ملكوه مممن القطممار وأتبعممت بهمما ممما‬
‫كتبته في تلك السطار وأدرجتها فممي ذكممر المعاصممرين لتلممك‬

‫الجيال من أمم النواحي وملوك المصممار والضممواحي سممالكا‬
‫سممبيل الختصممار والتلخيممص مفتممديا بممالمرام السممهل مممن‬
‫العويص داخل من بمماب السممباب علممى العممموم إلممى الخبممار‬
‫على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة اسممتيعابا وذلممل مممن‬
‫الحكم النافرة صممعابا وأعطممى لحمموادث الممدول علل وأسممبابا‬
‫فأصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا ولما كان مشممتمل علممى‬
‫أخبار العرب والبربر مممن أهممل المممدر والمموبر واللممماع بمممن‬
‫عاصرهم من الدول الكبر وأفصح بالذكرى والعبر فممي مبتممدأ‬
‫الحوال ومما بعدها مممن الخممبر سممميته كتمماب العممبر وديمموان‬
‫المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم‬
‫من ذوي السلطان الكبر ولم أترك شمميئا فممي أوليممة الجيممال‬
‫والدول وتعاصر المم الول وأسممباب التصممرف والحممول فممي‬
‫القرون الخالية والملل وممما يعممرض فممي العمممران مممن دولممة‬
‫وملة ومدينة وحلة وعزة وذلممة وكممثرة وقلممة وعلممم وصممناعة‬
‫وكسب وإضاعة وأحوال متقلبة مشاعة وبممدو وحضممر وواقممع‬
‫ومنتظر إل واستوعبت جمله وأوضحت براهينممه وعللممه فجمماء‬
‫هممذا الكتمماب فممذا بممما ضمممنته مممن العلمموم الغريبممة والحكممم‬
‫المحجوبة القريبة وأنممامن بعممدها موقممف بالقصممور بيممن أهممل‬
‫العصور معترف بالعجز عممن المضمماء فممي مثممل هممذا القضمماء‬
‫راغب من أهل اليد البيضاء والمعارف المتسعة الفضمماء فممي‬
‫النظر بعين النتقاد ل بعين الرتضاء والتغمد لما يعثرون عليه‬
‫بالصممملح والغضممماء فالبضممماعة بيمممن أهمممل العلمممم مزجممماة‬
‫والعتراف من اللوم منجاة والحسممنى مممن الخمموان مرتجمماه‬
‫واللمه أسمأل أن يجعمل أعمالنما خالصمة لموجهه الكريمم وهمو‬
‫حسممبي ونعممم الوكيممل وبعممد أن اسممتوفيت علجممه وأنممرت‬
‫مشكاته للمستبصرين وأذكيت سراجه وأوضحت بين العلمموم‬
‫طريقه ومنهاجه وأوسعت في فضاء المعارف نطمماقه وأدرت‬
‫سياجه أتحفممت بهممذه النسممخة منممه خزانممة مولنمما السمملطان‬
‫المام المجاهد الفاتح الماهد المتحلي منذ خلع التمائم ولوث‬
‫العمممائم بحلممى القممانت الزاهممد المتوشممح بزكمماء المنمماقب‬
‫والمحامد وكرم الشمائل والشممواهد بأجمممل مممن القلئد فممي‬

‫نحور الولئد المتناول بالعزم القوي السمماعد والجممد المممواتي‬
‫المسمماعد والمجممد الطممارف والتالممد ذوائب ملكهممم الراسممي‬
‫القواعممد الكريممم المعممالي والمصمماعد جممامع أشممتات العلمموم‬
‫والفوائد ونمماظم شمممل المعممارف والشمموارد ومظهممر اليممات‬
‫الربانية في فضل المممدارك النسممانية بفكممره الثمماقب الناقممد‬
‫ورأيممه الصممحيح المعاقممد النيممر المممذاهب والعقممائد نممور اللممه‬
‫الواضممح المراشممد ونعمتممه العذبممة الممموارد ولطفممه الكممامن‬
‫بالمراصد للشممدائد ورحمتممه الكريمممة المقالممد الممتي وسممعت‬
‫صلح الزمان الفاسد واستقامة المائد من الحمموال والعمموائد‬
‫وذهبت بالخطوب الوابد وخلعت على الزمان رونق الشممباب‬
‫العائد وحجته التي ل يبطلها إنكار الجاحد ول شبهات المعانممد‬
‫أمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيممز ابممن مولنمما السمملطان‬
‫المعظممم الشممهير الشممهيد أبممي سممالم إبراهيممم ابممن مولنمما‬
‫السلطان المقدس أمير المؤمنين أبي الحسممن ابممن السممادة‬
‫العلم مممن ملمموك بنممي مريممن الممذين جممددوا الممدين ونهجمموا‬
‫السبيل للمهتدين ومحوا آثار البغاة المفسدين أفاء الله على‬
‫المة ظلله وبلغه في نصر دعوة السملم آمماله وبعثتمه إلمى‬
‫خزانئهم الموقفة لطلبممة العلممم بجممامع القروييممن مممن مدينممة‬
‫فاس حاضرة ملكهم وكرسممي سمملطانهم حيممث مقممر الهممدى‬
‫ورياض المعارف خضلة الندى وفضاء السرار الربانية فسمميح‬
‫المممدى والمامممة الفارسممية الكريمممة العزيممزة إن شمماء اللممه‬
‫بنظرها الشريف وفضلها الغني عن التعريف تبسممط لممه مممن‬
‫العناية مهادا وتفسح له في جانب القبممول آمممادا فتوضممح بهمما‬
‫أدلة على رسوخه وأشهادا ففي سوقها تنفق بضممائع الكتمماب‬
‫وعلممى حضممرتها تعكممف ركممائب العلمموم والداب ومممن مممدد‬
‫بصائرها المنيرة نتائج القممرائح واللبمماب واللممه يوزعنمما شممكر‬
‫نعمتها ويوفر لنا حظوظ المواهب مممن رحمتهمما ويعيننمما علممى‬
‫حقوق خدمتها ويجعلنا من السابقين في ميدانها المحلين في‬
‫حومتها ويضفي على أهل إيالتها وممما أوي مممن السمملم إلممى‬
‫حرم عمالتها لبوس حمايتها وحرمتها وهو سممبحانه المسممئول‬

‫أن يجعل أعمالنا خالصة في وجهتها بريئة من شوائب الغفلة‬
‫وشبهتها وهو حسبنا ونعم الوكيل‬
‫القسم الول من المقدمة في فضل علم التاريخ و‬
‫تحقيق مذاهبه و اللماع لما يعممرض للمممؤرخين‬
‫من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها‬
‫اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المممذهب جممم الفمموائد شممريف‬
‫الغايمة إذ هممو يوقفنما علممى أحمموال الماضممين ممن المممم فمي‬
‫أخلقهممم‪ .‬و النبيمماء فممي سمميرهم‪ .‬و الملمموك فممي دولهممم و‬
‫سياستهم‪ .‬حتى تتم فائدة القتداء في ذلك لمممن يرومممه فممي‬
‫أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معممارف‬
‫متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلممى الحممق و‬
‫ينكبان به عن المزلت و المغالط لن الخبار إذا اعتمممد فيهمما‬
‫على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة‬
‫و طبيعة العمران و الحوال في الجتماع النساني و ل قيس‬
‫الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيهمما‬
‫من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيرا ً ما‬
‫وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل مممن المغممالط فممي‬
‫الحكايات و الوقائع لعتمادهم فيها على مجممرد النقممل غثما ً أو‬
‫سمينا ً و لم يعرضوها على أصولها و ل قاسوها بأشممباهها و ل‬
‫سبروها بمعيممار الحكمممة و الوقمموف علممى طبممائع الكائنممات و‬
‫تحكيم النظر و البصيرة في الخبار فضلوا عن الحق و تمماهوا‬
‫في بيداء الوهم و الغلط و ل سيما فممي إحصمماء العممداد مممن‬
‫الموال و العساكر إذا عرضت فممي الحكايممات إذ هممي مظنممة‬
‫الكذب و مطية الهذر و ل بد من ردها إلى الصول و عرضممها‬
‫على القواعد‪.‬‬
‫و هذا كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش‬
‫بني إسرائيل بأن موسى عليه السلم أحصاهم في التيه بعد‬
‫أن أجاز من يطيق حمل السلح خاصة من ابن عشرين فما‬
‫فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون و يذهل في ذلك عن‬

‫تقدير مصر و الشام و اتساعهما لمثل هذا العدد من‬
‫الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها‬
‫و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد‬
‫المعروفة و الحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش‬
‫البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال‬
‫لضيق مساحة الرض عنها و بعدها إذا اصطفت عن مدى‬
‫البصر مرتين أو ثلثا ً أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو‬
‫تكون غلبة أحد الصفين و شيىء من جوانبه ل يشعر بالجانب‬
‫الخر و الحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالتي من الماء‬
‫بالماء‪.‬‬
‫و لقممد كممان ملممك الفممرس و دولتهممم أعظممم مممن ملممك بنممي‬
‫إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما كان من غلممب بختنصممر لهممم و‬
‫التهممامه بلدهممم و اسممتيلئه علممى أمرهممم و تخريممب بيممت‬
‫المقدس قاعدة ملتهممم و سمملطانهم و هممو مممن بعممض عمممال‬
‫مملكة فارس يقال إنه كان مرزبممان المغممرب مممن تخومهمما و‬
‫كممانت ممممالكهم بممالعراقين و خراسممان و ممما وراء النهممر و‬
‫البواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكممثير و مممع ذلممك لممم‬
‫تبلغ جيمموش الفممرس قممط مثممل هممذا العممدد و ل قريبما ً منممه و‬
‫أعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة و عشرين ألفا ً كلهم‬
‫متبوع على ما نقله سيف قال و كانوا في أتبمماعهم أكممثر مممن‬
‫مائتي ألف و عن عائشة و الزهري فأن جموع رسممتم الممذين‬
‫زحف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا ً كلهم متبوع و‬
‫أيضا ً فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لتسع نطاق ملكهممم‬
‫و انفسح مدى دولتهم فإن العمممالت و الممالممك فممي الممدول‬
‫على نسبة الحامية و القبيل القائمين بها فممي قتلهمما و كثرتهمما‬
‫حسبما نبين في فضل الممالك من الكتاب الول و القوم لم‬
‫تتسع ممالكهم إلى غير الردن و فلسطين مممن الشممام و بلد‬
‫يثرب و خيبر من الحجاز على ما هو المعروف‪.‬‬
‫و أيضا ً فالذي بين موسى و إسرائيل إنما في أربعة آباء على‬
‫ما ذكره المحققون فإنه موسى بن عمران بن يصهر بن‬
‫قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لري بكسر الواو و فتحها ابن‬

‫يعقوب و هو إسرائيل الله هكذا نسبه في التوراة و المدة‬
‫بينهما على ما نقله المسعودي قال دخل إسرائيل مصر مع‬
‫ولده السباط و أولدهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا ً و‬
‫كان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلم‬
‫إلى التيه مائتين و عشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من‬
‫الفراعنة و يبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل‬
‫هذا العدد و إن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في‬
‫زمن سليمان و من بعده فبعيد أيضا ً إذ ليس بين سليمان و‬
‫إسرائيل إل أحد عشر أبا ً فإنه سليمان بن داود بن يشا بن‬
‫عوفيذ و يقال ابن عوفذ ابن باعز و يقال بوعز بن سلمون‬
‫بن نحشون بن عمينوذب و يقال حميناذاب بن رم بن‬
‫حصرون و يقال حسرون بن بارس و يقال ببرس بن يهوذا‬
‫بن يعقوب و ل يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى‬
‫مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين و اللف‬
‫فربما يكون و أما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود العداد‬
‫فبعيد و اعتبر ذلك في الحاضر المشاهد و القريب المعروف‬
‫تجد زعمهم باطل ً و نقلهم كاذبًا‪.‬‬
‫و الذي ثبت في السرائيليات أن جنممود سممليمان كممانت اثنممي‬
‫عشر ألفا ً خاصة و أن مقرباته كممانت ألف ما ً و أربعمممائة فممرس‬
‫مرتبطة على أبوابه هذا هو الصحيح من أخبممارهم و ل يلتفممت‬
‫إلى خرافات العامة منهم و في أيام سليمان عليممه السمملم و‬
‫ملكه كان عنفمموان دولتهممم و أتسمماع ملكهممم هممذا و قممد نجممد‬
‫الكافة من أهل المصر إذا أفاضوا في الحممديث عممن عسمماكر‬
‫الدول التي لعهدهم أو قريبا ً منه و تفاوضوا فممي الخبممار عممن‬
‫جيوش المسلمين أو النصممارى أو أخممذوا فممي إحصمماء أممموال‬
‫الجبايممات و خممراج السمملطان و نفقممات المممترفين و بضممائع‬
‫الغنياء الموسرين توغلوا في العدد و تجاوزوا حممدود العمموائد‬
‫و طاوعوا وساوس العراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين‬
‫عن عساكرهم و استنبطت أحوال أهل الثروة فممي بضممائعهم‬
‫و فوائدهم و استجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لممم تجممد‬
‫معشار ممما يعممدونه و ممما ذلممك إل لولمموع النفممس يممالغرائب و‬

‫سممهولة التجمماوز علممى اللسممان و الغفلممة علممى المتعقممب و‬
‫المنتقد حتى ل يحاسب نفسه على خطإ و ل عمد و ل يطالبه‬
‫في الخبر بتوسط و ل عدالة ول يرجعها إلى بحممث و تفممتيش‬
‫فيرسل عنانه و يسيم في مراتع الكذب لسممانه و يتخممذ آيممات‬
‫الله هزءا ً و يشممتري لهممو الحممديث ليصممل عممن سممبيل اللممه و‬
‫حسبك بها صفقة خاسرة‪.‬‬
‫و من الخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار‬
‫التبابعة ملوك اليمن و جزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من‬
‫قراهم باليمن إلى أفريقية و البربر من بلد المغرب و أن‬
‫أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الول و‬
‫كان لعهد موسى عليه السلم أو قبله بقليل غزا أفريقية و‬
‫أثخن في البربر و أنه الذي سماهم بهذا السم حين سمع‬
‫رطانتهم و قال ما هذه البربرة فأخذ هذا السم عنه و دعوا‬
‫به من حينئذ و أنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل‬
‫من حمير فأقاموا بها و اختلطوا بأهلها و منهم صنهاجة و‬
‫كتامة و من هذا ذهب الطبري و الجرجاني و المسعودي و‬
‫ابن الكلبي و البيلي إلى أن صنهاجة و كتامة من حمير وتاباه‬
‫نسابة البربر و هو الصحيح و ذكر المسعودي أيضا ً أن ذا‬
‫الذعار من ملوكهم قبل أفريقش و كان على عهد سليمان‬
‫عليه السلم غزا المغرب و دوخه و كذلك ذكر مثله عن‬
‫ياسر ابنه من بعده و إنه بلغ وادي الرمل في بلد المغرب و‬
‫لم يجد فيه مسلكا ً لكثرة الرمل فرجع و كذلك يقولون في‬
‫تبع الخر و هو أسعد أبو كرب و كان على عهد يستأنف من‬
‫ملوك الفرس الكيانية أنه ملك الموصل و أذربيجان و لقي‬
‫الترك فهزمهم و أثخن ثم غزاهم ثانية و ثالثة كذلك و أنه بعد‬
‫ذلك أغزى ثلثة من بنيه بلد فارس و إلى بلد الصغد من بلد‬
‫أمم الترك وراء النهر و إلى بلد الروم فملك الول البلد إلى‬
‫سمرقند و قطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي‬
‫غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها ثم فأثخنا في بلد الصين و‬
‫رجعا جميعا ً بالغنائم و تركوا ببلد الصين قبائل من حمير فهم‬

‫بها إلى هذا العهد و بلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها و‬
‫دوخ بلد الروم و رجع‪.‬‬
‫و هذه الخبار كلهما بعيمدة عمن الصمحة عريقمة فمي الموهم و‬
‫الغلط و أشبه بأحاديث القصص الموضوعة‪ .‬و ذلممك أن ملممك‬
‫التبابعة إنما كان بجزيرة العرب و قرارهم و كرسيهم بصنعاء‬
‫اليمن‪ .‬و جزيممرة العممرب يحيممط بهمما البحممر مممن ثلث جهاتهمما‬
‫فبحر الهند من الجنوب و بحر فارس الهابط منه إلى البصرة‬
‫من المشرق و بحر السويس الهابط منه إلى السممويس مممن‬
‫أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في مصور الجغرافيمما‬
‫فل يجد السالكون من اليمن إلممى المغممرب طريق ما ً مممن غيممر‬
‫السويس و المسمملك هنمماك ممما بيممن بحممر السممويس و البحممر‬
‫الشممامي قممدر مرحلممتين فممما دونهممما و يبعممد أن يمممر بهممذا‬
‫المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة مممن غيممر أن يصممير‬
‫من أعماله هذه ممتنع في العادة‪ .‬و قممد كممان بتلممك العمممال‬
‫العمالقة و كنعان بالشام و القبط بمصممر ثممم ملممك العمالقممة‬
‫مصر و ملك بنو إسرائيل الشام و لم ينقممل قممط أن التبابعممة‬
‫حمماربوا أحممدا ً مممن هممؤلء المممم‪ .‬و ل ملكمموا شمميئا ً مممن تلممك‬
‫العمممال و أيضما ً فالشممقة مممن البحممر إلممى المغممرب بعيممدة و‬
‫الزودة و العلوفممة للعسمماكر كممثيرة فممإذا سمماروا فممي غيممر‬
‫أعمالهم احتاجوا إلى انتهمماب الممزرع و النعممم و انتهمماب البلد‬
‫فيما يمرون عليه و ل يكفي ذلممك للزودة و للعلوفممة عممادة و‬
‫إن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فل تفي لهم الرواحل‬
‫بنقله فل بد و أن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوهمما‬
‫و دوخوها لتكون الميرة منها و إن قلنا أن تلك العسماكر تممر‬
‫بهممؤلء المممم مممن غيممر أن تهيجهممم فتحصممل لهممم الميممرة‬
‫بالمسممالمة فممذلك أبعممد و أشممد امتناع ما ً فممدل علممى أن هممذه‬
‫الخبار واهية أو موضوعة‪.‬‬
‫و أما وادي الرمل الذي يعجز السالك فلم يسمع قط في‬
‫ذكره في المغرب على كثرة سالكه و من يقص طرقه من‬
‫الركاب و القرى في كل عصر و كل جهة و هو على ما‬
‫ذكروه من الغرابة تتوفر الدواعي على نقله‪ .‬و أما غزوهم‬

‫بلد الشرق و أرض الترك و إن كان طريقه أوسع من‬
‫مسالك السويس إل أن الشقة هنا أبعد و أمم فارس و‬
‫الروم معترضون فيها دون الترك و لم نقل قط أن التبابعة‬
‫ملكوا بلد فارس و ل بلد الروم و إنما كانوا يحاربون أهل‬
‫فارس على حدود بلد العراق و ما بين البحرين و الحيرة و‬
‫الجزيرة بين دجلة و الفرات و ما بينهما في العمال و قد‬
‫وقع ذلك بين ذي الذعار منهم و كيكاوس من ملوك الكيانية‬
‫و بين تبع الصغر أبي كرب و يستاسف معهم أيضا ً و مع‬
‫ملوك الطوائف بعد الكيانية و الساسانية في من بعدهم‬
‫بمجاوزة أرض فارس بالغزو إلى بلد الترك و التبت و هو‬
‫ممتنع عادة من بعدهم أجل المم المعترضة منهم و الحاجة‬
‫إلى الزودة و العلوفات مع بعد الشقة كما مر فالخبار بذلك‬
‫واهية مدخولة و هي لو كانت صحيحة النقل لكان ذلك قادحا ً‬
‫فيها فكيف و هي لم تنقل من وجه صحيح و قول ابن‬
‫إسحاق في خبر يثرب و الوس و الخزرج أن تبعا ً الخر سار‬
‫إلى المشرق محمول ً على العراق و بلد فارس و أما بلد‬
‫الترك و التبت فل يصح غزوهم إليها بوجه لما تقرر فل تثق‬
‫بما يلقى إليك من ذلك و تأمل الخبار و أعرضها على‬
‫القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه و الله‬
‫الهادي إلى الصواب‪.‬‬
‫القسم الثاني من المقدمة في فضل علممم التاريممخ‬
‫و تحقيق مذاهبه و اللماع لما يعرض للمؤرخين‬
‫من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها‬
‫و أبعد من ذلك و أعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون فممي‬
‫تفسير سورة و الفجر في قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربممك‬
‫بعمماد * إرم ذات العممماد فيجعلممون لفظممة إرم اسممما ً لمدينممة‬
‫وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين و ينقلممون أنممه كممان لعمماد‬
‫بن عوص بن إرم ابنان هما شديد و شداد ملكمما مممن بعممده و‬
‫هلك شديد فخلص الملك لشداد و دانت له ملمموكهم و سمممع‬

‫وصف الجنة فقال لبنين مثلها فبنى مدينة إرم فممي صممحارى‬
‫عدن في مدة ثلثمائة سنة و كان عمره تسعمائة سنة و أنهمما‬
‫مدينة عظيمة قصورها من الذهب و أساطينها من الزبرجد و‬
‫الياقوت و فيها أصناف الشجر و النهممار المطممردة و لممما تممم‬
‫بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسميرة‬
‫يوم و ليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكمموا كلهممم‪.‬‬
‫ذكممر ذلممك الطممبري و الثعممالبي و الزمخشممري و غيرهممم مممن‬
‫المفسرين و ينقلون عن عبد الله بن قلبة من الصممحابة أنممه‬
‫خرج في طلب إبل له فوقع عليها و حمل منها ما قممدر عليممه‬
‫و بلغ خبره معاوية فأحضره و قممص عليممه فبحممث عممن كعممب‬
‫الخبممار و سممأله عممن ذلممك فقممال هممي إرم ذات العممماد مممن‬
‫سيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حمماجبه‬
‫خال و على عنقه خال يخممرج فمي طلممب إبممل لممه ثممم التفممت‬
‫فأبصر ابن قلبة فقال هذا و الله ذلك الرجل‪.‬‬
‫و هذه المدينة لم يسمع لها خبر من يممومئذ فممي شمميىء مممن‬
‫بقاع الرض و صحارى عدن التي زعموا أنها بنيممت فيهمما هممي‬
‫فممي وسممط اليمممن و مممازال عمرانممه متعاقب ما ً و الدلء تقممص‬
‫طرقه من كل وجممه و لممم ينقممل عممن هممذه المدينممة خممبر و ل‬
‫ذكرهمما أحممد مممن الخبمماريين و ل مممن المممم و لممو قممالوا أنهمما‬
‫درست فيما درس من الثار لكان أشبه إل أن ظاهر كلمهممم‬
‫أنها موجودة و بعضهم يقول أنها دمشممق بنمماء علممى أن قمموم‬
‫عاد ملكوها و قد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة و إنما‬
‫يعممثر عليهمما أهممل الرياضممة و السممحر مزاعممم كلهمما أشممبه‬
‫بالخرافات و الذي حمممل المفسممرين علممى ذلممك ممما اقتضممته‬
‫صناعة العراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم و حملوا‬
‫العماد على الساطين فتعين أن يكون بناء و رشح لهممم ذلممك‬
‫قراءة ابن الزبير عاد إرم على الضافة مممن غيممر تنويممون ثممم‬
‫وقفمموا علممى تلممك الحكايممات الممتي هممي أشممبه بالقاصمميص‬
‫الموضوعة التي هي أقرب إلممى الكممذب المنقولممة فممي عممداد‬
‫المضحكات و إل فالعماد هي عممماد الخبيممة بممل الخيممام و إن‬

‫أريد بها السمماطين فل بممدع فممي وصممفهم بممأنهم أهممل بنمماء و‬
‫أساطين على العموم بما اشتهر من قمموتهم لنممه بنمماء خمماص‬
‫في مدينة معينة أو غيرها و إن أضيفت كممما فممي قممراءة ابممن‬
‫الزبير فعلى إضافة الفصيلة إلممى القبيلممة كممما تقممول قريممش‬
‫كنانممة و إليمماس مضممر و ربيعممة نممزار أي ضممرورة إلممى هممذا‬
‫المحمل البعيد الذي تمحلت لتوجيهه لمثممال هممذه الحكايممات‬
‫الواهية التي ينزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة‪.‬‬
‫و من الحكايات المدخولممة للمممؤرخين ممما ينقلممونه كافممة فممي‬
‫سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر‬
‫بن يحيى بن خالد موله و أنه لكلفممه بمكانهممما مممن معمماقرته‬
‫إياهما الخمر أذن لهما فمي عقمد النكماح دون الخلموة حرصما ً‬
‫على اجتماعهما في مجلسه و أن العباسة تحيلممت عليممه فممي‬
‫التماس الخلوة به لما شغفها مممن حبممه حممتى واقعهمما زعممموا‬
‫في حالة السكر فحملت و وشي بذلك للرشيد فاستغضممب و‬
‫هيهات ذلك من منصب العباسة في دينها و أبويها و جللهمما و‬
‫أنها بنت عبد اللممه بممن عبمماس و ليممس بينهمما و بينممه إل أربعممة‬
‫رجال هم أشراف الدين و عظماء الملة من بعده‪ .‬و العباسة‬
‫بنت محمد المهدي ابممن عبممد اللممه أبممي جعفممر المنصممور بممن‬
‫محمد السجاد ابن علي أبي الخلفمماء ابممن عبممد اللممه ترجمممان‬
‫القرآن ابن العباس عم النممبي صمملى اللممه عليممه و سمملم ابنممة‬
‫خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز و الخلفة النبوية و‬
‫صممحبة الرسممول و عمممومته و إقامممة الملممة و نممور المموحي و‬
‫مهبط الملئكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبيممة و‬
‫سذاجة الذين البعيدة عن عمموائد الممترف و مراتممع الفممواحش‬
‫فأين يطلب الصممون و العفمماف إذا ذهممب عنهمما أو أيممن توجممد‬
‫الطهممارة و الممذكاء إذا فقممدا مممن بيتهمما أو كيممف تلحممم نسممبها‬
‫بجعفر بن يحيى و تدنس شرفها العربممي بممولى ممن ممموالي‬
‫العجم بملكة جممده مممن الفممرس أو بممولء جممدها مممن عمومممة‬
‫الرسول و أشراف قريش و غايته أن جممذبت دولتهممم بضممبعه‬
‫وضبع أبيممه و استخلصممتهم و رقتهممم إلممى منممازل الشممراف و‬

‫كيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلمى مموالي العمماجم علممى‬
‫بعد همته و عظممم آبممائه و لممو نظممر المتأمممل فممي ذلممك نظممر‬
‫المنصف و قاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمممانه‬
‫لستنكف لها عن مثلمه ممع ممولى ممن مموالي دولتهما و فمي‬
‫سمملطان قومهمما و اسممتنكره و لممج فممي تكممذيبه و ابممن قممدر‬
‫العباسة و الرشيد من الناس‪.‬‬
‫و إنما نكب البرامكة ما كان مممن اسممتبدادهم علممى الدولممة و‬
‫احتجافهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير مممن‬
‫المممال فل يصممل إليممه فغلبمموه علممى أمممره و شمماركوه فممي‬
‫سلطانه و لم يكن له منهم تصرف في أمور ملكممه فعظمممت‬
‫آثممارهم و بعممد صمميتهم و عمممروا مراتممب الدولممة و خططهمما‬
‫بالرؤساء من ولدهم و صنائعهم و احتازوها عمن سواهم من‬
‫وزارة و كتابة و قيادة و حجابة و سيف و قلم‪ .‬يقال إنه كممان‬
‫بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة و عشرون رئيس ما ً‬
‫من بين صاحب سيف و صاحب قلم زاحموا فيها أهل الدولممة‬
‫بالمناكب و دفعوهم عنها بالراح لمكان أبيهم يحيى بن كفالممة‬
‫هارون ولي عهد و خليفة حممتى شممب فممي حجممره و درج مممن‬
‫عشه و غلب على أمره و كان يدعوه يمما أبممت فتمموجه اليثممار‬
‫من السلطان إليهم وعظمممت الدالممة منهممم و انبسممط الجمماه‬
‫عندهم و انصرفت نحوهم الوجوه و خضممعت لهممم الرقمماب و‬
‫قصرت عليهم المال و تخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا‬
‫الملوك و تحف المراء و تسممربت إلممى خزائنهممم فممي سممبيل‬
‫الممتزلف و السممتمالة أممموال الجبايممة و أفاضمموا فممي رجممال‬
‫الشيعة و عظماء القرابة العطاء و طوقوهم المنممن و كسممبوا‬
‫من بيوتات الشراف المعدم و فكوا العاني و مدحوا بممما لممم‬
‫يمممدح بممه خليفتهممم و أسممنوا لعفمماتهم الجمموائز و الصمملت و‬
‫استولوا على القرى و الضياع من الضممواحي و المصممار فممي‬
‫سائر الممالك حتى أسفوا البطالة و أحقدوا الخاصة و أغصوا‬
‫أهل الولية فكشفت لهم وجمموه المنافسممة و الحسممد و دبممت‬
‫إلى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية حتى لقد كممان‬

‫بنممو خطبممة أخمموال جعفممر مممن أعظممم السمماعين عليهممم لممم‬
‫تعطفهم لما وقر في نفوسهم من الحسد عواطممف الرحممم و‬
‫ل وزعتهممم أواصممر القرابممة و قممارن ذلممك عنممد مخممدومهم‬
‫نواشمميء الغيممرة و السممتنكاف مممن الحجممر و النفممة و كممان‬
‫الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدالة‪ .‬و انتهممى بهمما الصممرار‬
‫على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصتهم في يحيممى بممن عبممد‬
‫الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد‬
‫المهممدي الملقممب بممالنفس الزكيممة الخممارج علممى المنصممور و‬
‫يحيى هذا هو الذي استنزله الفضل بن يحيى مممن بلد الممديلم‬
‫على أمان الرشيد بخطه و بذل لهم فيه ألف ألف درهم على‬
‫ما ذكره الطبري و دفعه الرشيد إلى جعفممر و جعممل اعتقمماله‬
‫بداره و إلى نظره فحبسه مدة ثم حملته الدالممة علممى تخليممة‬
‫سبيله و الستبداد بحل عقاله حرما ً لدماء أهل البيت بزعمممه‬
‫و دالة على السلطان في حكمه‪ .‬و سأله الرشيد عنممه لممما و‬
‫شي به أليه ففطن و قال أطلقته فأبدى له وجه الستحسان‬
‫و أسرها في نفسه فأوجد السبيل بذلك على نفسممه و قممومه‬
‫حتى ثل عرشهم و ألقيت عليهم سممماؤهم و خسممفت الرض‬
‫بهم و بممدارهم و ذهبممت سمملفا ً و مثل ً للخريممن أيممامهم و مممن‬
‫تأمل أخبارهم و استقصى سير الدولممة و سمميرهم وجممد ذلممك‬
‫محقق السر ممهد السباب و انظر ما نقله ابن عبد ربه في‬
‫مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبتهم و ما‬
‫ذكره في باب الشعراء في كتاب العقد به محاورة الصمممعي‬
‫للرشمميد و للفضممل بممن يحيممى فممي سمممرهم تتفهممم أنممه إنممما‬
‫قتلتهم الغيرة و المنافسة فممي السممتبداد مممن الخليفممة فمممن‬
‫دونه و كذلك ما تحيل به أعداؤهم مممن البطانممة فيممما دسمموه‬
‫للمغنين من الشعر احتيال ً علممى إسممماعه للخليفممة و تحريممك‬
‫حفائظه لهم و هو قوله‪:‬‬
‫ليت هندا ً أنجزتنا ما تعد و شفت أنفسنا مما نجد‬
‫ةإنما العاجز من ليستبد‬
‫و استبدت مرة ً واحد ً‬

‫و إن الرشيد لما سمعها قال أي و الله إني عاجز حتى بعثمموا‬
‫بأمثالي هذه كامن غيرته و سلطوا عليهم بأس انتقممامه نعمموذ‬
‫بالله من غلبة الرجال و سوء الحال‪.‬‬
‫و أما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر و اقتران‬
‫سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه مممن سمموء و‬
‫أين هذا من حال الرشيد و قيامه بما يجممب لمنصممب الخلفممة‬
‫من الدين و العدالممة و ممما كممان عليممه مممن صممحابة العلممماء و‬
‫الوليمماء و محمماوراته للفضمميل بممن عيمماض و ابممن السمممك و‬
‫العمري و مكاتبته سممفيان الثمموري و بكممائه مممن مممواعظهم و‬
‫دعممائه بمكممة فممي طمموافه و ممما كممان عليممه مممن العبممادة و‬
‫المحافظة على أوقات الصلوات و شهود الصبح لول وقتهمما‪.‬‬
‫حكى الطبري و غيره أنه كان يصلي في كل يوم مممائة ركعممة‬
‫نافلة و كان يغزو عاما ً و يحج عاما ً و لقد زجر ابن أبي مريممم‬
‫مضحكه في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلة لممما‬
‫سمعه يقرأ وما لي ل أعبممد الممذي فطرنممي وإليممه ترجعممون و‬
‫قال و الله ما أدري لم ؟ فممما تمالممك الرشمميد أن ضممحك ثممم‬
‫التفت إليه مغضبا ً و قال يا ابن أبي مريممم فممي الصمملة أيضما ً‬
‫إياك إياك و القرآن و الدين و لممك ممما شممئت بعممدهما و أيضما ً‬
‫فقد كان من العلم و السذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه‬
‫المنتحلين لذلك و لم يكن بينه و بيممن جممده أبممي جعفممر بعيممد‬
‫زمن إنما خلفه غلما ً و قد كان أبو جعفر بمكان من العلممم و‬
‫الدين قبل الخلفة و بعممدها و هممو القممائل لمالممك حيممن أشممار‬
‫عليه بتأليف الموطإ يا أبا عبد اللممه إنممه لممم يبقممى علممى وجممه‬
‫الرض أعلم مني و منك و إني قد شغلتني الخلفة فضع أنت‬
‫للناس كتابا ً ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس و شممدائد‬
‫ابن عمر و وطئه للناس توطئة قال مالك فوالله‪ .‬لقد علمني‬
‫التصنيف يومئذ و لقد أدركه ابنه المهممدي أبممو الرشمميد هممذا و‬
‫هو يتورع عن كسوة الجديمد لعيماله ممن بيمت الممال و دخمل‬
‫عليه يوما ً و هو بمجلسه يباشر الخياطين في إرقاع الخلقممان‬
‫من ثياب عياله فاستنكف المهممدي مممن ذلممك و قممال يمما أميممر‬

‫المؤمنين على كسمموة هممذه العيممال عامن ما ً هممذا مممن عطممائي‬
‫فقال له لك ذلك و لم يصده عنه و ل سمح بالنفاق فيه مممن‬
‫أموال المسلمين فكيف يليق بالرشيد على قممرب العهممد ممن‬
‫هذا الخليفة و أبوته و ما ربي عليه من أمثال هذه السير فممي‬
‫أهل بيته و التخلق بهمما أن يعمماقر الخمممر أو يجمماهر بهمما و قممد‬
‫كانت حالة الشراف من العرب الجاهلية في اجتنمماب الخمممر‬
‫معلومة و لم يكن الكرم شجرتهم و كممان شممربها مذمممة عنممد‬
‫الكثير منهم و الرشمميد و آبمماؤه كممانوا علممى ثبممج مممن اجتنمماب‬
‫المذمومات في دينهم و دنياهم و التخلق بالمحامد و أوصاف‬
‫الكمممال و نزعممات العممرب‪ .‬و انظممر ممما نقلممه الطممبري و‬
‫المسعودي في في قصة جبريل بن بختيشمموع الطممبيب حيممن‬
‫أحضر له السمممك فمي مممائدته فحممماه عنممه ثمم أممر صماحب‬
‫المائدة بحمله إلى منزله و فطن الرشيد و ارتمماب بممه و دس‬
‫خادمه حتى عاينه يتناوله فاعد ابممن بختيشمموع للعتممذار ثلث‬
‫قطع من السمك في ثلثة أقداح خلط إحداها باللحم المعالج‬
‫بالتوابل و البقول و البوارد و الحلوى و صب على الثانية ممماًء‬
‫مثلجا ً و على الثالثة خمممرا ً صممرفا ً و قممال فممي الول و الثمماني‬
‫هممذا طعممام أميممر المممؤمنين إن خلممط السمممك بغيممره أو لممم‬
‫يخلطه و قال في الثالث هممذا طعممام ابممن بختيشمموع و دفعهما‬
‫إلى صاحب المائدة حتى إذا انتبه الرشيد و أحضممره للتوبيممخ‪،‬‬
‫أحضر الثلثة القداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط و أماع و‬
‫تفتت و وجد الخرين قد فسدا و تغيرت رائحتهما فكممانت لممه‬
‫في ذلك معذرة و تبين من ذلك أن حال الرشيد فممي اجتنمماب‬
‫الخمر كانت معروفة عند بطممانته و أهممل مممائدته و لقممد ثبممت‬
‫عنه أنه عهد بحبس أبممي نممواس لممما بلغممه مممن انهممماكه فممي‬
‫المعاقرة حتى تاب و أقلع و إنممما كممان الرشمميد يشممرب نبيممذ‬
‫التمر على مذهب أهل العراق و فتاويهم فيها معروفممة و أممما‬
‫الخمر الصرف فل سممبيل إلممى اتهممامه بهمما و ل تقليممد الخبممار‬
‫الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيممث يواقممع محرمما ً مممن أكممبر‬
‫الكبائر عند أهل الملة و لقد كان أولئك القمموم كلهممم بمنحمماة‬
‫من ارتكاب السرف و الترف في ملبسهم و زينتهمم و سمائر‬

‫متناولتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة و سذاجة الدين‬
‫التي لم يفارقوها بعد فما ظنك بممما يخممرج عممن الباحممة إلممى‬
‫الحظممر و عممن الحلممة إلممى الحرمممة و لقممد اتفممق المؤرخممون‬
‫الطبري و المسعودي و غيرهم على أن جميع من سلف مممن‬
‫خلفاء بني أميممة و بنممي العبمماس إنممما كممانوا يركبممون بالحليممة‬
‫الخفيفممة مممن الفضممة فممي المنمماطق و السمميوف و اللجممم و‬
‫السروج و أن أول خليفة أحممدث الركمموب بحليممة الممذهب هممو‬
‫المعتز بن المتوكل ثمامن الخلفمماء بعممد الرشمميد و هكممذا كممان‬
‫حالهم أيضا ً في ملبسهم فما ظنك بمشمماربهم و يتممبين ذلممك‬
‫بأتم من هذا إذا فهمت طبيعة الدولة في أولها من البممداوة و‬
‫الغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الول إن شاء الله و‬
‫الله الهادي إلممى الصممواب‪ .‬و يناسممب هممذا أو قريممب منممه ممما‬
‫ينقلونه كافة عن يحيى بن أكثم قاضممي المممأمون و صمماحبه و‬
‫أنه كان يعاقر الخمر و أنه سكر ليلممة مممع شممربه فممدفن فممي‬
‫الريحان حتى أفاق و ينشدون على لسانه‪:‬‬
‫يا سيدي و أمير الناس كلهم قد جار في حكمه من كان‬
‫يسقيني‬
‫إني غفلت عن الساقي فصيرني كما تراني سليب العقل و‬
‫الدين‬
‫و حال ابممن أكثممم و المممأمون فممي ذلممك مممن حممال الرشمميد و‬
‫شرابهم إنما كممان النبيممذ و لممم يكممن محظممورا ً عنممدهم و أممما‬
‫السكر فليس من شأنهم و صحابته للمأمون إنما كممانت خلممة‬
‫في الدين و لقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت و نقممل فممي‬
‫فضائل المأمون و حسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشممان‬
‫فقام يتحسس و يتلمممس النمماء مخافممة أن يمموقظ يحيممى بممن‬
‫أكثم و ثبت أنهما كانمما يصممليان الصممبح جميعما ً فممإن هممذا مممن‬
‫المعاقرة و أيضما ً فممإن يحيممى بممن أكثممم كممان مممن عليممة أهممل‬
‫الحديث و قد أثنى عليه المممام أحمممد بممن حنبممل و إسمماعيل‬
‫القاضي و خرج عنممه التزمممذي كتممابه الجممامع و ذكممر المزنممي‬

‫الحافظ أن البخاري روى عنه فممي غيممر الجممامع فالقممدح فيممه‬
‫قممدح فممي جميعهممم و كممذلك ممما ينممبزه المجممان بالميممل إلممى‬
‫الغلمان بهتانا ً على الله و فرية على العلماء و يسممتندون فممي‬
‫ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي لعلها من افتراء أعدائه‬
‫فإنه كان محسودا ً في كماله خلتممه للسمملطان و كممان مقممامه‬
‫من العلم و الدين منزها ً عن مثل ذلك و قد ذكممر لبممن حنبممل‬
‫ما يرميه به النمماس فقممال سممبحان اللممه سممبحان اللممه و مممن‬
‫يقول هذا و أنكر ذلممك إنكممارا ً شممديدا ً وأثنممى عليممه إسممماعيل‬
‫القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ اللممه أن تممزول‬
‫عدالة مثله بتكذيب باغ و حاسد و قال أيضما ً يحيممى بممن أكثممم‬
‫أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيىء مما كان يرمى بممه مممن‬
‫أمر الغلمان و لقممد كنمت أقمف علمى سممرائره فأجمده شمديد‬
‫الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابممة و حسممن خلممق فرمممى‬
‫بما رمى به ابن حيان في الثقات و قال ل يشتغل بما يحكممى‬
‫عنه لن أكثرها ل يصح عنه و مممن أمثممال هممذه الحكايممات ممما‬
‫نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سممبب‬
‫إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل فممي بنتممه بمموران و أنممه‬
‫عثر في بعض الليالي في تطمموافه بسممكك بغممداد فممي زنبيممل‬
‫مدلى من بعض السطوح بمعالق و جممدل مغممارة الفتممل مممن‬
‫الحرير فاعتقده و تناول المعالق فاهتزت و ذهممب بممه صممعدا ً‬
‫إلى مجلس شأنه كذا و وصف من زينة فرشه و تنصيد ابنتممه‬
‫و جمممال رؤيتممه ممما يسممتوقف الطممرف و يملمك النفممس و أن‬
‫امرأة برزت له من خلممل السممتور فمي ذلمك المجلممس رائقمة‬
‫الجمال فتانة المحاسن فحيته و دعته إلى المنادمة فلم يممزل‬
‫يعاقرها الخمر حتى الصباح و رجع إلى أصحابه بمكممانهم مممن‬
‫انتظاره و قد شغفته حبا ً بعثه على الصهار إلممى أبيهمما و أيممن‬
‫هذا كلممه مممن حممال المممأمون المعروفممة فممي دينممه و علمممه و‬
‫اقتفممائه سممنن الخلفمماء الراشممدين مممن آبممائه و أخممذه بسممير‬
‫الخلفمماء الربعممة أركممان الملممة و منمماظرته العلممماء و حفظممه‬
‫لحمدود اللمه تعمالى فمي صملواته‪ ،‬أحكمامه فكيمف تصمح عنمه‬
‫أحوال الفساق المستهترين فممي التطممواف بالليممل و طممروق‬

‫المنازل و غشيان السمر سبيل عشاق العممراب و أيممن ذلممك‬
‫من منصب ابنة الحسن بن سممهل و شممرفها و ممما كممان بممدار‬
‫أبيها من الصون و العفاف و أمثممال هممذه الحكايممات كممثيرة و‬
‫فممي كتممب المممؤرخين معروفممة و إنممما يبعممث علممى وضممعها و‬
‫الحممديث بهمما النهممماك فممي اللممذات المحرمممة و هتممك قنمماع‬
‫المخدرات و يتعللون بالتأسي بالقوم فيما يممأتونه مممن طاعممة‬
‫لذاتهم فلذلك تراهم كثيرا ً ما يلهجون بأشممباه هممذه الخبممار و‬
‫ينقرون عنها عند تصفحهم لوراق الدواوين و لو ائتسمموا بهممم‬
‫فممي غيممر هممذا مممن أحمموالهم و صممفات الكمممال اللئقممة بهممم‬
‫المشهورة عنهمم لكمان خيمرا ً لهمم لمو كمانوا يعلممون‪ .‬و لقمد‬
‫عذلت يوما ً بعض المراء من أبنمماء الملمموك فممي كلفممه بتعلممم‬
‫الغناء و ولوعه بالوتار و قلت لممه ليممس هممذا مممن شممأنك و ل‬
‫يليق بمنصبك فقال لممي أفل تممرى إلممى إبراهيممم بممن المهممدي‬
‫كيف كان إمممام هممذه الصممناعة و رئيممس المغنيممن فممي زمممانه‬
‫فقلت له يمما سممبحان اللممه و هل تأسمميت بممأبيه أو أخيممه أو ممما‬
‫رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصم عممن عممذلي‬
‫و أعرض و الله يهدي من يشاء‪.‬‬
‫و من الخبار الواهية ما يذهب إليممه الكممثير مممن المممؤرخين و‬
‫الثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان و القاهرة مممن‬
‫نفيهممم عممن أهممل الممبيت صمملوات اللممه عليهممم و الطعممن فممي‬
‫نسبهم إلى اسماعيل المام ابن جعفر الصادق يعتمدون فممي‬
‫ذلممك علممى أحمماديث لفقممت للمستضممعفين مممن خلفمماء بنممي‬
‫العباس تزلفا ً إليهم بالقدح فيمن ناصبهم و تفننا ً في الشمات‬
‫بعدوهم حسبما تممذكر بعممض هممذه الحمماديث فممي أخبممارهم و‬
‫يغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات و أدلممة الحمموال الممتي‬
‫اقتضت خلف ذلك من تكذيب دعواهم و الرد عليهم‪.‬‬
‫فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبمما عبممد‬
‫الله المحتسممب لممما دعممي بكتامممة للرضممى مممن آل محمممد و‬
‫اشتهر خبره و علم تحويمه على عبيد الله المهدي و ابنه أبي‬
‫القاسممم خشمميا علممى أنفسممهما فهربمما مممن المشممرق محممل‬

‫الخلفة و اجتازا بمصر و أنهما خرجا من السكندرية فممي زي‬
‫التجار و نمي خبرهما إلممى عيسممى النوشممري عامممل مصممر و‬
‫السكندرية فسرح في طلبهما الخيالة حممتى إذا أدركمما خفممي‬
‫حالهما على تابعهما بما لبسوا به من الشارة و الزي فممأفلتوا‬
‫إلى المغرب‪ .‬و أن المعتضد أوعز إلى الغالبة أمراء أفريقيمما‬
‫بالقيروان و بني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الفمماق عليهممما‬
‫وإذكاء العيون في طلبهما فعثر اليشع صاحب سجلماسة من‬
‫آل مممدرار علممى خفممي مكانهممما ببلممده و اعتقلهممما مرضمماة‬
‫للخليفة‪.‬‬
‫القسم الثالث من المقدمة في فضل علممم التاريممخ‬
‫و تحقيق مذاهبه و اللماع لما يعرض للمؤرخين‬
‫من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها‬
‫هذا قبل أن تظهر الشيعة على الغالبة بالقيروان ثم كان بعد‬
‫ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب و أفريقية ثم باليمن‬
‫ثم بالسكندرية ثم بمصر و الشام و الحجمماز و قاسممموا بنممي‬
‫العبمماس فممي ممالممك السمملم شممق البلمممة و كممادوا يلجممون‬
‫عليهم مواطنهم و يزايلون من أمرهم و لقممد أظهممر دعمموتهم‬
‫ببغممداد و عراقهمما الميممر البساسمميري مممن ممموالي الممديلم‬
‫المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبت جرت بينممه و‬
‫بين أمراء العجمم و خطمب لهممم علممى منابرهما حمول ً كمامل ً و‬
‫مازال بنو العباس يغصممون بمكممانهم و دولتهممم و ملمموك بنممي‬
‫أمية وراء البحر ينادون بالويل و الحرب منهم و كيف يقع هذا‬
‫كله لدعي في النسب يكذب في انتحال المممر و اعتممبر حممال‬
‫القرمطي إذ كان دعي ما ً فممي انتسممابه كيممف تلشممت دعمموته و‬
‫تفرقت اتباعه و ظهر سريعا ً على خبثهمم و مكرهمم فسماءت‬
‫عاقبتهم و ذاقوا و بال أمرهم و لو كان أمر العبيد بين كممذلك‬
‫لعرف و لو بعد مهلة‪:‬‬
‫ومهما يكن عند امرىء من خليقة و إن خالها تخفى على‬
‫الناس تعلم‬

‫فقد اتصلت دولتهم نحوا ً مممن مممائين و سممتين سممنة و ملكمموا‬
‫مقام إبراهيم عليه السلم و مصله و موطن الرسممول صمملى‬
‫الله عليه وسلم و مدفنه و موقف الحجيج و مهبممط الملئكممة‬
‫ثم انقرض أمرهم و شيعتهم في ذلك كله على أتم ممما كممانوا‬
‫عليه من الطاعة لهم و الحب فيهم و اعتقادهم بنسب المام‬
‫إسماعيل بن جعفر الصادق و لقد خرخمموا مممرارا ً بعممد ذهمماب‬
‫الدولة و دروس أثرهمما داعيممن إلممى بممدعتهم همماتفين بأسممماء‬
‫صبيان من أعقابهم يزعمون اسممتحقاقهم للخلفممة و يممذهبون‬
‫إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من اليمة و لو ارتابوا‬
‫فممي نسممبهم لممما ركبمموا أعنمماق الخطممار فممي النتصممار لهممم‬
‫فصاحب البدعة ل يلبس في أمره و ل يشبه فممي بممدعته و ل‬
‫يكذب نفسه فيما ينتحله‪.‬‬
‫والعجب من القاضممي أبممي بكممر البمماقلني شمميخ النظممار مممن‬
‫المتكلمين كيف يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة و يرى هممذا‬
‫الرأي الضعيف فأن كان ذلك لما كانوا عليه من اللحمماد فممي‬
‫الدين و التعمق في الرافضية فليممس ذلممك بممدافع فممي صممدر‬
‫دعوتهم و ليس إثبات منتسبهم بالمذي يغنمي عنهمم ممن اللمه‬
‫شيئا ً في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلم في شممأن‬
‫ابنه إنه ليس من أهلك إنممه عمممل غيممر صممالح فل تسممألن ممما‬
‫ليس لك به علم و قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها‬
‫يا فاطمة إعملي فلن أغني عنك من الله شيئا ً و مممتى عممرف‬
‫ة و استيقن أمرا ً وجممب عليممه أن يصممدع بممه و اللممه‬
‫امرؤ قضي ً‬
‫يقول الحق و هممو يهممدي السممبيل و القمموم كممانوا فممي مجممال‬
‫الظنون الدول بهم و تحت رقبة من الطغاة لتوفر شمميعتهم و‬
‫انتشارهم في القاصية بدعوتهم و تكممرر خروجهممم مممرة بعممد‬
‫أخرى فلذت رجممالتهم بالختفمماء و لممم يكممادوا يعرفممون كممما‬
‫قيل‪:‬‬
‫فلو تسأل اليام ما اسمي ما درت‬
‫عرفن مكانيا‬

‫و أين مكاني ما‬

‫حتى لقد سمممي محمممد بممن إسممماعيل المممام جممد عبممد اللممه‬
‫المهدي بالمكتوم سمته بذلك شيعتهم لممما إتفقمموا عليممه مممن‬
‫إخفائه حذرا ً من المتغلبين عليهم فتوصل شيعة بني العبمماس‬
‫بذلك عند ظهورهم إلى الطعممن فممي نسممبهم و ازدلفمموا بهممذا‬
‫الممرأي القممائل للمستضممعفين مممن خلفممائهم و أعجممب بممه‬
‫أوليمماؤهم و أمممراء دولتهممم المتولممون لحروبهممم مممع العممداء‬
‫يممدفعون بممه عممن أنفسممهم و سمملطانهم معممرة العجممز عممن‬
‫المقاومممة و المدافعممة لمممن غلبهممم علممى الشممام و مصممر و‬
‫الحجاز من البربر الكتامين شمميعة العبيممديين و أهممل دعمموتهم‬
‫حتى لقد أسمجل القضماة ببغمداد بنفيهممم عمن همذا النسممب و‬
‫شهد بذلك عندهم من أعلم النمماس جماعممة منهممم الشممريف‬
‫الرضي و أخوة المرتضى و ابن البطحاوي و من العلممماء أبممو‬
‫حامد السفراييني و القدوري و الصمميمري و ابممن الكفمماني و‬
‫البيوردي و أبو عبد الله بن النعمان فقيممه الشمميعة و غيرهممم‬
‫من أعلم المة ببغداد في يوم مشهود و ذلممك سممنة سممتين و‬
‫أربعمائة في أيممام القممادر و كممانت شممهادتهم فممي ذلممك علممى‬
‫السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغممداد و غالبهمما شمميعة‬
‫بني العباس الطاعنون في هذا النسب فنقله الخباريون كممما‬
‫سمعوه و رووه حسبما وعوه و الحق من ورائه‪ .‬و في كتمماب‬
‫المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الغلب بالقيروان و ابن‬
‫مدرار بسجلماسة أصممدق شمماهد و أوضممح دليممل علممى صممحة‬
‫نسبهم فالمعتضممد أقعممد بنسممب أهممل الممبيت مممن كممل أحممد و‬
‫الدولة و السلطان سمموق للعممالم تجلممب إليممه بضممائع العلمموم‬
‫والصممنائع تلتمممس فممي ضمموال الحكممم تحممدى إليممه ركممائب‬
‫الروايممات و الخبممار و ممما نفممق فيهمما نفممق عنممد الكافممة فممأن‬
‫تنزهت الدولة عن التعسف و الميممل و الفممن و السفسممفة و‬
‫سلكت النهج المم و لممم تجممر عممن قصممد السممبيل نفممق فممي‬
‫سوقها البريمز الخمالص و اللجيمن المصمفى و أن ذهبمت ممع‬
‫الغممراض و الحقممود و ممماجت بسماسممرة العممرب البغممي و‬
‫الباطممل نفممق البهممرج و الممزائف و الناقممد البصممير قسممطاس‬
‫نظره و ميزان بحثه و ملتمسه‪.‬‬

‫و مثل هذا و أبعممد منمه كمثيرا ً ممما يتنماجى بممه الطماعنون فمي‬
‫نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسممن بممن الحسممن‬
‫بن علي بن أبي طالب رضوان اللممه عليهممم المممام بعممد أبيممه‬
‫بممالمغرب القصممى و يعرضممون تعريممض الحممد بممالتظنن فممي‬
‫الحمل المخلف عن إدريس الكبر إنه لراشد مولهم قبحهممم‬
‫الله و أبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أن إدريممس الكممبر كممان‬
‫إصهاره في البربر و إنه منذ دخل المغرب إلى أن توفاه الله‬
‫عز و جل عريق في البدو و أن حال البادية في مثل ذلك غير‬
‫خافيممة ل مكممامن لهممم يتممأتى فيهمما الريممب و أحمموال حرمهممم‬
‫أجمعين بمزأى من جاراتهن و مسمع مممن جيرانهممن لتلصممق‬
‫الجدران و تطافن البنيان و عممدم الفواصممل بيممن المسمماكن و‬
‫قممد كممان راشممد يتممولى خدمممة الحممرم أجمممع مممن بعممد ممموله‬
‫بمشهد من أوليائهم و شمميعتهم و مراقبممة مممن كممافتهم و قممد‬
‫أتفق برابرة المغرب القصى عامة على بيعة إدريس الصغر‬
‫من بعد أبيه و آتمموه طمماعتهم عممن رضممى و إصممفاق و بممايعوه‬
‫على الموت الحمر و خاضوا دونه بحار المنايا فممي حروبممه و‬
‫غزواتممه و لممو حممدثوا أنفسممهم بمثممل هممذه الريبممة أو قرعممت‬
‫أسماعهم و لو من عدو كاشح أو منافق مرتمماب لتخلممف عممن‬
‫ذلك و لو بعضهم كل و الله إنممما صممدرت هممذه الكلمممات مممن‬
‫بني العباس أقتالهم و من بني الغلب عمالهم كانوا بأفريقية‬
‫و ولتهم‪.‬‬
‫و ذلك إنه لما فر إدريس الكبر إلى المغمرب مممن وقعممة بلممخ‬
‫أوعز الهادي إلممى الغالبممة أن يقعممدوا لممه بالمراصممد و يممذكوا‬
‫عليه العيون فلم يظفروا به و خلص إلى المغرب فتممم أمممره‬
‫و ظهرت دعوته و ظهر الرشيد من بعممد ذلممك علممى ممما كممان‬
‫من واضح مولهم و عاملهم علممى السممكندرية مممن دسيسممة‬
‫التشيع للعلوية و إدهانه في نجاة إدريس إلى المغرب فقتلممه‬
‫و دس الشماخ من ممموالي المهممدي أبيممه للتحيممل علممى قتممل‬
‫إدريس فأظهر اللحاق به و البراءة من بنممي العبمماس مممواليه‬
‫فاشتمل عليه إدريس و خلطه بنفسممه و نمماوله الشممماخ فممي‬

‫بعض خلواته سما ً استهلكه بممه و وقممع خممبر مهلكممه مممن بنممي‬
‫العباس أحسن المواقع لما رجوه مممن قطممع أسممباب الممدعوة‬
‫العلوية بممالمغرب و اقتلع جرثومتهمما و لممما تمأدى إليهممم خممبر‬
‫الحمل المخلف لدريس فلم يكن لهم إل كل و ل إذا بالدعوة‬
‫قد عادت و الشيعة بالمغرب قممد ظهممرت و دولتهممم بممإدريس‬
‫بن إدريس قد تجددت فكممان ذلممك عليهممم أنكممى مممن و وقممع‬
‫الشهاب وكان الفشل و الهرم قد نزل بدولة العممرب عممن أن‬
‫يسموا إلممى القاصممية فلممم يكممن منتهممى قممدرة الرشمميد علممى‬
‫إدريس الكبر بمكانه من قاصممية المغممرب و اشممتمال الممبربر‬
‫عليه إل التحيل في إهلكه بالسممموم فعنممد ذلممك فزعمموا إلممى‬
‫أوليممائهم مممن الغالبممة بأفريقيممة فممي سممد تلممك الفرجممة مممن‬
‫ناحيتهم و حسم الداء المتوقع بالدولة من قبلهم و اقتلع تلك‬
‫العروق قبل أن تشج منهممم يخمماطبهم بممذلك المممأمون و مممن‬
‫بعده من خلفائهم فكان الغالبة عن برابرة المغرب القصممى‬
‫أعجز و لمثلها مممن الزبممون علممى ملمموكهم أحمموج لممما طممرق‬
‫الخلفة من انممتزاء ممالممك العجممم علممى سممدتها و امتطممائهم‬
‫صهوة التغلب عليها و تصريفهم أحكامها طوع أغراضهم فممي‬
‫رجالها و جبايتها و أهل خططها و سائر نقضها و إبرامهمما كممما‬
‫قال شاعرهم‬
‫خليفة في قفص‬
‫يتوك ماقال له‬

‫بين وصيف و بغا‬
‫كما تقول الببغا‬

‫فخشممي هممؤلء المممراء الغالبممة بمموادر السممعايات و تلمموا‬
‫بالمعاذير فطورا ً باحتقار المغممرب و أهلممه و طممورا ً بالرهمماب‬
‫بشممأن إدريممس الخممارج بممه ومممن قممام مقممامه مممن أعقممابه‬
‫يخاطبونه بتجاوزه حدود التخوم مممن عملممه و ينفممذون سممكته‬
‫في تحفهم و هداياهم و مرتفع جبايتهم تعريض ما ً باسممتفحاله و‬
‫تهويل ً باشتداد شوكته و تعظيما ً لما دفعوا إليه من مطالبته و‬
‫مراسه و تهديدا ً بقلب الدعوة إن ألجئوا إليه و طورا ً يطعنون‬
‫في نسب إدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضا ً لشأنه ل‬

‫يبالون بصدقه من كذبه لبعد المسافة و أفن عقول من خلف‬
‫بن صبية بني العباس و ممالكهم العجم في القبول مممن كممل‬
‫قائل و السمع لكل ناعق و لم يزل هذا دأبهممم حممتى انقضممى‬
‫أمر الغالبة فقرعت هذه الكلمة الشممنعاء أسممماع الغوغمماء و‬
‫صر عليها بعض الطاعنين أذنه و اعتدها ذريعة إلى النيل مممن‬
‫خلفهم عند المنافسة‪ .‬و ما لهممم قبحهممم اللممه و العممدول عممن‬
‫مقاصد الشريعة فل تعارض فيها بين المقطوع و المظنممون و‬
‫إدريس ولد على فراش أبيه و الولد للفراش‪.‬‬
‫على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل اليمان‬
‫فالله سممبحانه قممد أذهممب عنهممم الرجممس و طهرهممم تطهيممرا ً‬
‫ففراش إدريس طاهر من الدنس و منزه عن الرجس بحكممم‬
‫القرآن و من اعتقد خلف هذا فقد باء بإثمه و ولج الكفر من‬
‫بابه و إنما أطنبت في هذا المرد سمدا ً لبمواب الريمب و دفعما ً‬
‫في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهممم‬
‫القادح في نسبهم بفريته و ينقله بزعمه عن بعممض مممؤرخين‬
‫المغرب ممن انحرف عن أهممل الممبيت و ارتمماب فممي اليمممان‬
‫بسلفهم و إل فالمحل منممزه عممن ذلممك معصمموم منممه و نفممي‬
‫العيب حيث يستحيل العيممب عيممب لكنممي جممادلت عنهممم فممي‬
‫الحياة الدنيا و أرجو أن يجادلوا عني يوم القياممة و لتعلمم أن‬
‫أكثر الطاعنين في نسبهم إنما هم الحسمدة لعقماب إدريمس‬
‫هذا من منتهم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإن ادعمماء هممذا‬
‫النسب الكريم دعوى شرف عريضممة علممى المممم و الجيممال‬
‫من أهل الفاق فتعرض التهمة فيه‪.‬‬
‫و لما كان نسب بني إدريس هؤلء بمممواطنهم مممن فممارس و‬
‫سائر ديار المغرب قد بلممغ مممن الشممهرة و الوضمموح مبلغ ما ً ل‬
‫يكاد يلحق و ل يطمع أحد في دركه إذ هو نقل المة و الجيممل‬
‫من الخلممف عممن المممة و الجيممل مممن السمملف و بيممت جممدهم‬
‫إدريس مختط فاس و مؤسسها من بيوتهم و مسممجده لصمق‬
‫محلتهم و دروبهم و سيفه منتضممى بممرأس المأذنممة العظمممى‬
‫من قرار بلدهم و غير ذلك مممن آثمماره الممتي جمماوزت أخبارهمما‬

‫حدود التواتر مرات و كادت تلحق بالعيان فممإذا نظممر غيرهممم‬
‫من أهل هذا النسب إلى ما أتاهم الله من أمثالها و ما عضممد‬
‫شرفهم النبوي من جلل الملك الذي كان لسلفهم بممالمغرب‬
‫و استيقن أنه بمعزل عن ذلممك و أنممه ل يبلممغ مممد أحممدهم و ل‬
‫نصيفه أ و أن غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممممن لممم‬
‫يحصممل لممه أمثممال هممذه الشممواهد أن يسمملم لهممم حممالهم لن‬
‫الناس مصدوقون في أنسابهم و بون ما بين العلم و الظن و‬
‫اليقين و التسليم فإذا علم بذلك من نفسه غممص بريقممه و ود‬
‫كثير منهم لممو يردونهممم عممن شممرفهم ذلممك سمموقة و وضممعاء‬
‫حسدا ً من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد و ارتكاب اللجاج‬
‫و البهت بمثل هممذا الطعممن الفممائل و القممول المكممذوب تعلل ً‬
‫بالمسمماواة فممي الظنممة و المشممابهة فممي تطممرق الحتمممال و‬
‫هيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هممذا‬
‫البيت الكريم ممن يبلمغ فمي صمراحة نسمبه و وضموحه مبمالغ‬
‫أعقاب إدريس هذا من آل الحسن‪.‬‬
‫و كممبراؤهم لهممذا العهممد بنممو عمممران بفمماس مممن ولممد يحيممى‬
‫الخوطي بن محمد بن يحيى العوام بممن القاسممم بممن إدريممس‬
‫بن إدريس و هم نقباء أهممل الممبيت هنمماك و السمماكنون بممبيت‬
‫جدهم ادريس و لهم السيادة على أهل المغرب كافة حسبما‬
‫نذكرهم عند ذكر الدارسة إن شاء الله تعممالى و يلحممق بهممذه‬
‫المقالت الفاسدة و المذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الممرأي‬
‫من فقهاء المغرب مممن القممدح فممي المممام المهممدي صمماحب‬
‫دولة الموحدين و نسبته إلى الشممعوذة و التلممبيس فيممما أتمماه‬
‫من القيام بالتوحيد الحق و النعممي علممى أهممل البغممي قبلممه و‬
‫تكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك حتى فيما يزعممم الموحممدون‬
‫أتباعه من انتسابه في أهل البيت و إنما حمممل الفقهمماء علممى‬
‫تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنهم لما‬
‫رأوا من أنفسهم مناهضممته فممي العلممم و الفتيمما و فممي الممدين‬
‫بزعمهم ثم امتمماز عنهممم بممأنه متبمموع الممرأي مسممموع القممول‬
‫موطؤ العقممب نفسمموا ذلممك عليممه و غضمموا منممه بالقممدح فممي‬

‫مذاهبه و التكذيب لمدعياته و أيضا ً فكانوا يؤنسون من ملوك‬
‫ة لممم تكممن لهممم مممن غيرهممم لممما‬
‫ة و كرام ً‬
‫المتونة أعدائه تجل ً‬
‫كانوا عليه من السذاجة و انتحال الديانة فكان لحملممة العلممم‬
‫بدولتهم مكان من الوجاهة و النتصاب للشورى كل في بلده‬
‫و على قدره في قممومه فأصممبحوا بممذلك شمميعة لهممم و حرب ما ً‬
‫لعممدوهم و نقممموا علممى المهممدي ممما جمماء بممه مممن خلفهممم و‬
‫التممثريب عليهممم و المناصممبة‪ ،‬لهممم تشمميعا ً للمتونممة و تعصممبا ً‬
‫لممدولتهم و مكممان الرجممل غيممر مكممانهم و حمماله علممى غيممر‬
‫معتقداتهم و ما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم مممن‬
‫أحوالهم و خالف اجتهاده فقهمماؤهم فنمادى فمي قمومه و دعمما‬
‫إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدولة من أصولها و جعممل عاليهمما‬
‫سافلها أعظم ما كانت قمموةً و أشممد شمموكة و أعممز أنصممارا ً و‬
‫ة و تساقطت في ذلك من أتبمماعه نفمموس ل يحصمميها إل‬
‫حامي ً‬
‫خالقها و قد بايعوه على الموت و وقوه بأنفسهم من الهلكممة‬
‫و تقربمموا إلممى اللممه تعممالى بممإتلف مهجهممم فممي إظهممار تلممك‬
‫الدعوة و التعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم و دالت‬
‫بالعدوتين من الدول و هممو بحمماله مممن التقشممف و الحصممر و‬
‫الصبر على المكاره و التقلل مممن الممدنيا حممتى قبضممه اللممه و‬
‫ليس على شيىء من الحظ و المتمماع فممي دنيمماه حممتى الولممد‬
‫الذي ربما تجنح أليه النفوس و تخادع عن تمنيه فليت شعري‬
‫ما الذي قصد بذلك إن لم يكن و جه الله و هو لم يحصل لممه‬
‫حظ من الدنيا في عاجله و مع هذا فلو كان قصده غير صالح‬
‫لما تم أمره و انفسحت دعوته سنة الله التي قممد خلممت فممي‬
‫عباده و أما انكارهم نسبه في أهممل الممبيت فل تعضممده حجممة‬
‫لهم مع أنه إن ثبت أنه ادعاه و انتسممب إليممه فل دليممل يقمموم‬
‫على بطلنه لن الناس مصدقون في أنسابهم و إن قممالوا أن‬
‫الرئاسة ل تكون على قمموم فممي غيممر أهممل جلممدتهم كممما هممو‬
‫الصحيح حسبما يممأتي فممي الفصممل الول مممن هممذا الكتمماب و‬
‫الرجل قد رأس سائر المصامدة و دانوا باتباعه و النقياد إليه‬
‫و إلى عصابته من هرغة حتى تم أمر الله في دعمموته فممأعلم‬
‫أن هذا النسب الفاطمي لم يكن أمر المهدي يتوقف عليممه و‬

‫ل اتبعه الناس بسببه و إنما كان اتباعهم له بعصبية الهريغة و‬
‫المصمودية و مكانه منها و رسوخ شممجرته فيهمما و كممان ذلممك‬
‫النسب الفاطمي خفيا ً قمد درس عنمد النماس ليبقمى عنمده و‬
‫عند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النسب الول كأنه انسلخ‬
‫منه و لبس جلدة هؤلء و ظهر فيها فل يضره النتساب الول‬
‫في عصبيته إذ هو مجهول عند أهل العصابة و مثل هذا واقممع‬
‫كثيرا ً إذا كممان النسممب الول خفي مًا‪ .‬و انظممز قصممة عرفجممة و‬
‫جرير في رئاسة بجيلة و كيف كان عرفجة مممن الزد و لبممس‬
‫جلدة بجيلة حتى تنازع مع جريممر رئاسممتهم عنممد عمممر رضممي‬
‫الله عنه كما هو مذكور تتفهم منه وجه الحممق و اللممه الهممادي‬
‫للصواب و قد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالطناب فممي‬
‫هذه المغالط فقد زلت أقدام كثير مممن الثبممات و المممؤرخين‬
‫الحفاظ في مثل هذه الحاديث و الراء و علقممت أفكممارهم و‬
‫نقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر و الغفلممة عممن القيمماس و‬
‫تلقوها هم أيضا ً كذلك من غير بحث و ل روية و اندرجت فممي‬
‫محفوظاتهم حتى صممار فممن التاريممخ واهيما ً مختلطما ً و نمماظره‬
‫مرتبكا ً وعد من مناحي العامة فإذا يحتاج صمماحب هممذا الفممن‬
‫إلى العلم بقواعممد السياسممة و طبممائع الموجممودات و اختلف‬
‫المم و البقمماع و العصممار فممي السممير و الخلق و العمموائد و‬
‫النحل و المذاهب و سائر الحمموال و الحاطممة بالحاضممر مممن‬
‫ذلك و مماثلة ما بينه و بيممن الغممائب مممن الوفمماق أو بممون ممما‬
‫بينهما من الخلف و تعليل المتفق منها و المختلممف و القيممام‬
‫علممى أصممول الممدول و الملممل و مبممادىء ظهورهمما و أسممباب‬
‫حدوثها و دواعي كونها و أحوال القائمين بها و أخبارهم حممتى‬
‫يكممون مسممتوعبا ً لسممباب كممل خممبره و حينئذ يعممرض خممبر‬
‫المنقول على ما عنده من القواعد و الصممول فممإن وافقهمما و‬
‫جرى على مقتضها كان صحيحا ً و إل زيفممه و اسممتغنى عنممه و‬
‫ما استكبر القدماء علم التاريخ إل لذلك حتى انتحله الطممبري‬
‫و البخاري و ابن إسممحاق مممن قبلهممما و أمثممالهم مممن علممماء‬
‫المة و قد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حممتى صممار انتحمماله‬
‫مجهلة و استخف العمموام و مممن ل رسمموخ لممه فممي المعممارف‬

‫مطممالعته و حملممه و الخمموض فيممه و التطفممل عليممه فمماختلط‬
‫المرعي بالهمل و اللباب بالقشر و الصممادق بالكمماذب و إلممى‬
‫الله عاقبة المور و من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن‬
‫تبدل الحوال فممي المممم و الجيممال بتبممدل العصممار و مممرور‬
‫اليام و هو داء دوي شممديد الخفمماء إذ ل يقممع إل بعممد أحقمماب‬
‫متطاولة فل يكاد يتفطن له إل الحاد من أهل الخليقة و ذلك‬
‫أن أحوال العالم و المم و عمموائدهم و نحلهممم ل تممدوم علممى‬
‫وتيرة واحدة و منهاح مستقر إنممما هممو اختلف علممى اليممام و‬
‫الزمنة و انتقال من حممال إلممى حممال و كممما يكممون ذلممك فممي‬
‫الشممخاص و الوقممات و المصممار فكممذلك يقممع فممي الفمماق و‬
‫القطار و الزمنة و الدول سنة الله التي قد خلت في عبمماده‬
‫و قد كانت في العممالم أمممم الفممرس الولممى و السممريانيون و‬
‫النبط و التبابعة و بنو إسرائيل و القبط و كممانوا علممى أحمموال‬
‫خاصة بهم في دولهم و ممممالكهم و سياسممتهم و صممنائعهم و‬
‫لغاتهم و اصطلحاتهم و سائر مشمماركاتهم مممع أبنمماء جنسممهم‬
‫وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعممدهم‬
‫الفممرق الثانيممة و الممروم و العممرب فتبممدلت تلممك الحمموال و‬
‫انقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها و إلى ما يباينها‬
‫أو يباعدها ثم جاء السلم بدولة مضر فانقلبت تلممك الحمموال‬
‫و أجمع انقلبة أخرى و صارت إلممى ممما أكممثره فتعممارف لهممذا‬
‫العهد بأخذه الخلف عن السمملف ثممم درسممت دولممة العممرب و‬
‫أيممامهم و ذهبممت السمملف الممذين شمميدوا عزمهممم و مهممدوا‬
‫ملكهم و صار المر في أيدي سواهم من العجم مثممل الممترك‬
‫بالمشممرق و الممبربر بممالمغرب و الفرنجممة بالشمممال فممذهبت‬
‫بذهابهم أمم و انقلبت أحوال و عمموائد نسممي شممأنها و أغفممل‬
‫أمرها و السبب الشائع في تبدل الحوال و العوائد أن عمموائد‬
‫كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في المثال الحكميممة‬
‫الناس على دين الملك و أهل الملك و السلطان إذا اسممتولوا‬
‫على الدولممة و المممر فلبممد مممن أن يفزعمموا إلممى عمموائد مممن‬
‫قبلهم و يأخذون الكممثير منهمما و ل يغفلممون عمموائد جيلهممم مممع‬
‫ذلك فيقع فمي عموائد الدولمة بعممض المخالفمة لعمموائد الجيمل‬

‫الول فممإذا جمماءت دولممة أخممرى مممن بعممدهم و مزجممت مممن‬
‫عمموائدهم و عوائدهمما خممالفت أيض ما ً بعممض الشمميىء و كممانت‬
‫للولى أشد مخالفة ثم ل يممزال التدريممج فممي المخالفممة حممتى‬
‫ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت المم و الجيال تتعاقب‬
‫فممي الملممك و السمملطان ل تممزال المخالفممة فممي العمموائد و‬
‫الحوال واقعة‪ .‬و القياس و المحاكاة للنسان طبيعة معروفة‬
‫و من الغلط غير مأمونممة تخرجممه مممع الممذهول و الغفلممة عممن‬
‫قصده و تعوج به عن مرامه فربما يسمع السممامع كممثيرا ً مممن‬
‫أخبممار الماضممين و ل يتفطممن لممما وقممع مممن تغيممر الحمموال و‬
‫انقلبها فيجريها لول وهلة على ما عرف و يقيسها بما شممهد‬
‫و قد يكون الفرق بينهما كثيرا ً فيقممع فممي مهممواة مممن الغلممط‬
‫فمن هذا الباب ما ينقله المؤرخون من أحمموال الحجمماج و أن‬
‫أباه كان من المعلمين مع أن التعليم لهممذا العهممد مممن جملممة‬
‫الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصممبية و المعلممم‬
‫مستضممعف مسممكين منقطممع الجممذم فيتشمموف الكممثير مممن‬
‫المستضممعفين أهممل الحممرف و الصممنائع المعاشممية إلممى نيممل‬
‫الرتب التي ليسوا لهمما بأهممل و يعممدونها مممن الممكنممات لهممم‬
‫فتممذهب بهممم وسمماوس المطممامع و ربممما انقطممع حبلهمما مممن‬
‫أيممديهم فسممقطوا فممي مهممواة الهلكممة و التلممف و ل يعلمممون‬
‫استحالتها في حقهم و أنهم أهممل حممرف و صممنائع للمعمماش و‬
‫أن التعليم صدر السلم و الدولتين لم كذلك و لم يكن العلم‬
‫بالجملة صناعة إنما كان نقل ً لما سمع من الشممارع و تعليممما ً‬
‫لما جهل من الذين علممى جهممة البلغ فكممان أهممل النسمماب و‬
‫العصبة الذين قاموا بالملممة ثممم الممذين يعلمممون كتمماب اللممه و‬
‫سنة نبيه صلى الله عليه و سلم على معنى التبليغ الخبري ل‬
‫علممى وجممه التعليممم الصممناعي إذ هممو كتممابهم المنممزل علممى‬
‫الرسول منهم و به هداياتهم و السلم دينهممم قمماتلوا عليممه و‬
‫قتلوا و اختصوا به من بين الممم و شمرفوا فيحرصمون علمى‬
‫تبليغ ذلممك و تفهيمممه للمممة ل تصممدهم عنممه لئمممة الكممبر و ل‬
‫يزغهم عاذل النفة و يشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليممه‬
‫و سلم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود السمملم‬

‫و ما جاء به من شممرائع الممدين بعممث فممي ذلممك مممن أصممحابه‬
‫العشرة فمن بعدهم فممما اسممتقر السمملم و وشممجت عممروق‬
‫الملة حتى تناولها المم البعيدة من أيممدي أهلهمما و اسممتحالت‬
‫بمرور اليام أحوالها و كممثر اسممتنباط الحكممام الشممرعية مممن‬
‫النصوص لتعدد الوقائع و تلحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظممه‬
‫ة يحتاج إلممى التعلممم فأصممبح مممن‬
‫من الخطإ و صار العلم ملك ً‬
‫جملة الصنائع و الحرف كما يممأتي ذكممره فممي فصممل العلممم و‬
‫التعليم و اشتغل أهممل العصممبية بالقيممام بالملممك و السمملطان‬
‫فدفع لعلم من قام به من سواهم و أصبح حرفممة للمعمماش و‬
‫شمممخت أنمموف المممترفين و أهممل السمملطان عممن التصممدي‬
‫للتعليم و اختص انتحاله بالمستضعفين و صار منتحله محتقرا ً‬
‫عند أهل العصبية و الملك و الحجاج بن يوسف كان أبوه مممن‬
‫سادات ثقيممف و أشممرافهم و مكممانهم مممن عصممبية العممرب و‬
‫مناهضة قريش فممي الشممرف ممما علمممت و لممم يكممن تعليمممه‬
‫للقرآن على مما همو الممر عليمه لهمذا العهمد ممن أنمه حرفمة‬
‫للمعاش و أنما كمان علممى ممما وصممفناه مممن المممر الول فمي‬
‫السلم و من هذا الباب أيضا ً ما يتمموهمه المتصممفحون لكتممب‬
‫التاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة و ما كانوا عليه من الرئاسة‬
‫في الحروب و قود العساكر فتممترامى بهممم و سماوس الهمممم‬
‫إلى مثل تلك الرتب يحسبون أن الشممأن خطممة القضمماء لهممذا‬
‫العهد على ما كان عليه من قبممل و يظنممون بممابن أبممي عممامر‬
‫صمماحب هشممام المسممتبد عليممه و ابممن عبمماس مممن ملمموك‬
‫الطوائف بإشممبيلية إذا سمممعوا أن آبمماءهم كممانوا قضمماة أنهممم‬
‫مثممل القضمماة لهممذا العهممد و ل يتفطنممون لممما وقممع فممي رتبممة‬
‫القضاء من مخالفة العوائد كما نبينه فمي فصممل القضماء مممن‬
‫الكتاب الول و ابممن أبممي عممامر و ابممن عبمماد كانمما مممن قبممائل‬
‫العرب القائمين بالدولة الموية بالنممدلس و أهممل عصممبيتها و‬
‫كان مكممانهم فيهمما معلومما ً و لممم يكممن نيلهممم لممما نممالوه مممن‬
‫الرئاسة و الملك بخطة القضاء كما هي لهمذا العهمد بمل إنمما‬
‫كان القضاء في المر القديم لهل العصبية من قبيممل الدولممة‬
‫و مواليه كما هي الوزارة لعهدنا بممالمغرب و انظممر خروجهممم‬

‫بالعساكر في الطرائف و تقليدهم عظائم المور التي ل تقلد‬
‫إل لمن له الغنى فيها بالعصممبية فيغلممط السممامع فممي ذلممك و‬
‫يحمل الحوال على غير ما هي و أكثر ما يقع في هذا الغلممط‬
‫ضعفاء البصائر من أهل الندلس لهذا العهد لفقدان العصممبية‬
‫في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العممرب و دولتهممم بهمما و‬
‫خروجهم عن ملكة أهل العصبيات من البربر فبقيت أنسابهم‬
‫العربية محفوظة و الذريعة إلى العز من العصممبية و التناصممر‬
‫مفقودة بل صاروا من جملة الرعايمما المتخمماذلين الممذين مممن‬
‫تعبممدهم القهممر و رئممموا للمذلممة يحسممبون أن أنسممابهم مممع‬
‫مخالطة الدولة هي التي يكون لهم بها الغلب و التحكم فتجد‬
‫أهل الحرف و الصنائع منهم متصدين لذلك ساعين فممي نيلممه‬
‫فأما من باشممر أحمموال القبممائل و العصممبية و دولهممم بالعممدوة‬
‫الغربية و كيممف يكممون التغلممب بيممن المممم و العشممائر فقلممما‬
‫يغلطون في ذلك و يخطئون في اعتبمماره‪ .‬و مممن هممذا البمماب‬
‫أيضا ً ما يسلكه المؤرخون عنممد ذكممر الممدول و نسممق ملوكهمما‬
‫فيذكرون اسمه و نسبه و أباه و أمه و نساءه و لقبه و خاتمه‬
‫و قاضيه و حاجبه و وزيره كل ذلك تقليممد لمممؤرخي الممدولتين‬
‫من غير تفطممن لمقاصممدهم و المؤرخممون لممذلك العهممد كممانوا‬
‫يضعون تواريخهم لهل الدولة و أبناؤها متشوفون إلممى سممير‬
‫أسلفهم و معرفة أحمموالهم ليقتفمموا آثممارهم و ينسممجوا علممى‬
‫منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهممم و تقليممد‬
‫الخطط و المراتب لبناء صممنائعهم و ذويهممم و القضمماة أيض ما ً‬
‫كانوا من أهل عصبية الدولة و في عداد الوزراء كممما ذكرنمماه‬
‫لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله و أمما حيمن تبماينت المدول و‬
‫تباعد ما بين العصور و وقممف الغممرض علممى معرفممة الملمموك‬
‫بأنفسهم خاصة و نسب الدول بعضها من بعض فممي قوتهمما و‬
‫غلبتهمما و مممن كممان يناهضممها مممن المممم أو يقصممر عنهمما فممما‬
‫الفائدة للمصنف في هذا العهممد فممي ذكممر النبمماء و النسمماء و‬
‫نقش الخاتم و اللقب و القاضي و الوزير و الحاجب من دولة‬
‫قديمة ل يعرف فيها أصولهم و ل أنسابهم و ل مقاماتهم إنممما‬
‫حملهممم علممى ذلممك التقليممد و الغفلممة عممن مقاصممد المممؤلفين‬

‫القدمين و الذهول عن تحري الغراض من التاريممخ اللهممم إل‬
‫ذكمر الموزراء المذين عظممت آثمارهم و عممت علمى الملموك‬
‫أخبارهم كالحجاج و بني المهلب و البرامكة و بني سممهل بممن‬
‫نوبخت و كافور الخشيدي و ابن أبمي عمامر و أمثمالهم فغيمر‬
‫نكير اللماع بآبائهم و الشارة إلممى أحمموالهم لنتظممامهم فممي‬
‫عداد الملوك‪ .‬و لنذكر هنا فائدة نختم كلمنا في هذا الفصممل‬
‫بها و هي أن التاريخ إنما هممو ذكممر الخبممار الخاصممة بعصممر أو‬
‫جيل فأما ذكر الحمموال العامممة للفمماق و الجيممال و العصممار‬
‫فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده و تتبين بممه أخبمماره‬
‫و قد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسممعودي فممي‬
‫كتاب مروج الذهب شرح فيه أحمموال المممم و الفمماق لعهممده‬
‫في عصر الثلثين و الثلثمائة غرب ما ً و شممرقا ً و ذكممر نحلهممم و‬
‫عمموائدهم و وصممف البلممدان و الجبممال و البحممار و الممالممك و‬
‫الدول و فرق شعوب العرب و العجم فصار إمام ما ً لمممؤرخين‬
‫يرجعون إليه و أصل ً يعولون في تحقيق الكممثير مممن أخبممارهم‬
‫عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك فممي المسممالك‬
‫و الممالك خاصة دون غيرها من الحوال لن المم و الجيال‬
‫لعهده لم يقع فيها كممثير انتقممال و ل عظيممم تغيممر و أممما لهممذا‬
‫العهد و هو آخر المائة الثامنممة فقممد انقلبممت أحمموال المغممرب‬
‫الذي نحن شمماهدوه و تبممدلت بالجملممة و اعتمماض مممن أجيممال‬
‫البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة‬
‫من أجيال العممرب بمما كسمروهم و غلبموهم و انمتزعوا منهمم‬
‫عامة الوطان و شاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا‬
‫إلى ما نزل بالعمران شرقا ً و غربا ً في منتصممف هممذه المممائة‬
‫الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف المم و ذهب بأهل‬
‫الجيل و طوى كممثيرا ً مممن محاسممن العمممران و محاهمما و جمماء‬
‫للدول على حين هرمها و بلوغ الغاية من مممداها فقلممص مممن‬
‫ظللها و فل من حدها و أوهن مممن سمملطانها و تممداعت إلممى‬
‫التلشممي و الضمممحلل أموالهمما و انتقممض عمممران الرض‬
‫بانتقاض البشر فخربت المصار و المصانع و درسممت السممبل‬
‫و المعالم و خلت الديار و المنازل و ضعفت الدول و القبممائل‬

‫و تبدل الساكن و كأني بالمشرق قممد نممزل بممه مثممل ممما نممزل‬
‫بالمغرب لكممن علممى نسممبته و مقممدار عمرانممه و كأنممما نممادى‬
‫لسان الكون في العالم بالخمول و النقباض فبادر بالجابة و‬
‫اللممه وارث الرض و مممن عليهمما و إذا تبممدلت الحمموال جملممة‬
‫فكأنما تبدل الخلق من أصله و تحممول العممالم بأسممره و كممأنه‬
‫خلق جديد و نشأة مستأنفة و عالم محدث فاحتاج لهذا العهد‬
‫من يدون أحوال الخليقة و الفاق و أجيالها و العوائد و النحل‬
‫التي تبدلت لهلها و يقفو مسلك المسممعودي لعصممره ليكممون‬
‫أصل ً يقتدي به من يأتي من المؤرخين مممن بعممده و أنمما ذاكممر‬
‫في كتابي هذا ما أمكنني منه فممي هممذا القطممر المغربممي إممما‬
‫صريحا ً أو مندرجا ً في أخباره و تلويحا ً لختصاص قصدي فممي‬
‫التأليف بالمغرب و أحمموال أجيمماله و أممممه و ذكممر ممممالكه و‬
‫دوله دون ما سواه من القطار لعممدم اطلعممي علممى أحمموال‬
‫المشرق و أممه و أن الخبار المتناقلة ل تفي كنممه ممما أريممده‬
‫منه و المسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته و تقلبممه فممي‬
‫البلد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكممر المغممرب قصممر فممي‬
‫استيفاء أحواله و فوق كل ذي علم عليممم و مممرد العلممم كلممه‬
‫إلى الله و البشر عاجز قاصر و العتراف متعين واجب و من‬
‫كمان اللمه فمي عمونه تيسمرت عليمه الممذاهب و انجحمت لمه‬
‫المساعي و المطالب و نحن آخذون بعممون اللممه فيممما رمنمماه‬
‫من أغراض التأليف و الله المسدد و المعيممن و عليممه التكلن‬
‫و قد بقي علينا أن نقممدم مقدمممة فممي كيفيممة وضممع الحممروف‬
‫التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا‪.‬‬
‫اعلممم أن الحممروف فممي النطممق كممما يممأتي شممرحه بعممد هممي‬
‫كيفيات الصوات الخارجة مممن الحنجممرة تعممرض مممن تقطيممع‬
‫الصوت بقرع اللهاة و أطراف اللسان مع الحنممك و الحلممق و‬
‫الضراس أو بقرع الشفتين أيض ما ً فتتغمماير كيفيممات الصمموات‬
‫بتغاير ذلك القرع و تجيممء الحممروف متمممايزة فممي السمممع و‬
‫تتركب منها الكلمات الدالة علمى مما فمي الضممائر و ليسمت‬
‫المم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف فقد يكون لمة‬

‫مني الحروف ما ليس لمة أخرى و الحروف التي نطقت بها‬
‫العممرب هممي ثمانيممة و عشممرون حرفمما ً كممما عرفممت و نجممد‬
‫للعبرانيين حروفا ً ليست في لغتنمما و فممي لغتنمما أيضما ً حممروف‬
‫ليست في لغتهممم و كممذلك الفرنممج و الممترك و الممبربر و غيممر‬
‫هؤلء من العجم ثم إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في‬
‫الدللممة علممى حروفهممم المسممموعة بأوضمماع حممروف مكتوبممة‬
‫متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء و جيم وراء و طأ إلى آخر‬
‫الثمانية و العشرين و إذا عرض لهم الحرف الذي ليممس مممن‬
‫حروف لغتهم بقي مهمل ً عن الدللة الكتابية مغفل ً عن البيان‬
‫و ربما يرسمه بعض الكتاب بشكل الحرف الذي يكتنفممه مممن‬
‫لغتنا قبله أو بعده و ليممس بكمماف فممي الدللممة بممل هممو تغييممر‬
‫للحرف من أصله‪ .‬و لما كان كتابنا مشتمل ً على أخبار الممبربر‬
‫و بعممض العجممم و كممانت تعممرض لنمما فممي أسمممائهم أو بعممض‬
‫كلماتهم حروف ليست من لغة كتابنمما و ل اصممطلح أوضمماعنا ً‬
‫اضطررنا إلى بيانه و لم نكتف برسم الحرف الذي يليممه كممما‬
‫قلناه لنه عندنا غير واف بالدللة عليه فاصطلحت في كتابي‬
‫هممذا علممى أن أضممع ذلممك الحممرف العجمممي بممما يممدل علممى‬
‫الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسممط القممارىء بممالنطق بممه بيممن‬
‫مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تممأديته و إنممما اقتبسممت ذلممك‬
‫مممن رسممم أهممل المصممحف حممروف الشمممام كالصممراط فممي‬
‫قراءة خلممف فممإن النطممق بصمماده فيهمما معجممم متوسممط بيممن‬
‫الصاد و الزاي فوضممعوا الصمماد و رسممموا فممي داخلهمما شممكل‬
‫الزاي و دل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفيممن فكممذلك‬
‫رسمت أنا الكمماف حممرف يتوسممط بيممن حرفيممن مممن حروفنمما‬
‫كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكمماف الصممريحة عنممدنا و‬
‫الجيممم أو القمماف مثممل اسممم بلكيممن فأضممعها كاف ما ً و أنقطهمما‬
‫بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القمماف واحممدة مممن‬
‫فوق أو اثنتين فيممدل ذلممك علممى أنممه متوسممط بيممن الكمماف و‬
‫الجيم أو القاف و هذا الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر و‬
‫ما جاء من غيره فعلى هذا القيماس أضمع الحمرف المتوسمط‬
‫بيممن حرفيممن مممن لغتنمما بممالحرفين مع ما ً ليعلممم القممارىء أنممه‬

‫متوسط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه و لممو وضممعناه‬
‫برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجممه‬
‫إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا و غيرنا لغممة القمموم فممأعلم‬
‫ذلك و الله الموفق للصواب بمنه و فضله‪.‬‬
‫الكتاب الول في طبيعة العمران في الخليقة و ممما‬
‫يعممرض فيهمما مممن البممدو و الحصممر و التغلممب و‬
‫الكسب و المعاش و الصنائع و العلوم و نحوها و‬
‫ما لذلك من العلل و السباب‬
‫إعلم أنممه لممما كممانت حقيقممة التاريممخ أنممه خممبر عممن الجتممماع‬
‫النساني الذي هو عمران العممالم و ممما يعممرض لطبيعممة ذلممك‬
‫العمران من الحوال مثل التوحش و التممأنس و العصممبيات و‬
‫أصناف التغلبات للبشر بعضممهم علممى بعممض و ممما ينشممأ عممن‬
‫ذلممك مممن الملممك و الممدول و مراتبهمما و ممما ينتحلممه البشممر‬
‫بأعمممالهم و مسمماعيهم مممن الكسممب و المعمماش والعلمموم و‬
‫الصنائع و سائر ممما يحممدث مممن ذلممك العمممران بطممبيعته مممن‬
‫الحوال‪ .‬و لما كان الكذب متطرقا ً للخبر بطبعته و له أسممباه‬
‫تقتضيه‪ .‬فمنها التشمميعات للراء و المممذاهب فممإن النفممس إذا‬
‫كانت على حال العتدال في قبممول الخممبر أعطتممه حقممه مممن‬
‫التمحيص و النظر حتى تتبين صدقه مممن كممذبه و إذا خامرهمما‬
‫تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الخبار لول وهلة‪ .‬و‬
‫كممان ذلممك الميممل و التشمميع غطمماء علممى عيممن بصمميرتها عممن‬
‫النتقاد و التمحيممص فتقممع فممي قبممول الكممذب و نقلممه‪ .‬و مممن‬
‫السباب المقتضية للكذب في الخبار أيضا ً الثقممة بالنمماقلين و‬
‫تمحيص ذلك يرجع إلممى التعممديل و التجريممح‪ .‬و منهمما الممذهول‬
‫عن المقاصد فكثير من الناقلين ل يعرف القصد بما عمماين أو‬
‫سمع و ينقل الخممبر علممى ممما فممي ظنممه و تخمينممه فيقممع فممي‬
‫الكذب‪.‬‬
‫و منها توهم الصدق و هو كثير و إنما يجيممء فممي الكممثر مممن‬
‫جهممة الثقممة بالنمماقلين و منهمما الجهممل بتطممبيق الحمموال علممى‬

‫الوقائع لجل ما يداخلها من التلبيس و التصنع فينقلها المخبر‬
‫كما رآها و هي بالتصنع علممى غيمر الحمق فمي نفسمه‪ .‬و منهمما‬
‫تقرب الناس في الكثر لصحاب التجلة و المراتممب بالثنمماء و‬
‫المدح و تحسين الحمموال و إشمماعة الممذكر بممذلك فيسممتفيض‬
‫الخبار بها على غير حقيقممة فممالنفوس مولعممة بحممب الثنمماء و‬
‫الناس متطلعممون إلممى الممدنيا و أسممبابها مممن جمماه أو ثممروة و‬
‫ليسوا في الكثر براغممبين فممي الفصممائل و ل متنافسممين فممي‬
‫أهلها‪ .‬و من السباب المقتضية له أيض ما ً و هممي سممابقة علممى‬
‫جميع ما تقدم الجهل بطبائع الحوال فممي العمممران فممإن كممل‬
‫حادث مممن الحمموادث ذاتما ً كممان أو فعل ً ل بممد لممه مممن طبيعممة‬
‫تخصه في ذاته و فيما يعرض له من أحواله فإذا كان السامع‬
‫عارفا ً بطبائع الحمموادث و الحمموال فممي الوجممود و مقتضممياتها‬
‫أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب و‬
‫هذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض و كثيرا ً ما يعممرض‬
‫للسامعين قبممول الخبممار المسممتحيلة و ينقلونهمما و تممؤثرعنهم‬
‫كما نقله المسعودي عن السكندر لما صدته دواب البحر عن‬
‫بناء السكندرية و كيف أتخذ صندوق الزجاج و غاص فيه إلى‬
‫قعر البحر حتى صممور تلممك الممدواب الشمميطانية الممتي رآهمما و‬
‫عمل تماثيلها من أجساد معدنية و نصبها حذاء البنيان ففممرت‬
‫تلك الدواب حين خرجممت و عاينتهمما و تممم بناؤهمما فممي حكايممة‬
‫طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخمماذه التممابوت‬
‫الزجاجي و مصادمة البحمر و أممواجه بجرمممه و مممن قبمل أن‬
‫الملوك ل تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور و مممن اعتمممده‬
‫منهم فقد عرض نفسممه للهلكممة و انتقمماض العقممدة و اجتممماع‬
‫الناس إلى غيره و في ذلممك إتلفممه و ل ينظممرون بممه رجمموعه‬
‫من غروره ذلك طرفة عين و من قبل أن الجن ل يعرف لهمما‬
‫صورة و ل تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التشممكيل و‬
‫ما يذكره من كثرة الرؤوس لها فإنممما المممراد بممه البشمماعة و‬
‫التهويل ل إنه حقيقة‪ .‬و هذه كلها قادحة فممي تلممك الحكايممة و‬
‫القادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كلممه و هممو‬
‫أن المنغمس في الماء و لو كان في الصممندوق يضمميق عليممه‬

‫الهواء للتنفس الطبيعي و تسخن روحه بسرعة لقلته فيفقممد‬
‫صاحبه الهواء البارد المعدل لمممزاج الممرئة و الممروح القلممبي و‬
‫يهلك مكانه و هذا هو السممبب فممي هلك أهممل الحمامممات إذا‬
‫أطبقممت عليهممم عممن الهممواء البممارد و المتممدلين فممي البممار و‬
‫المطامير العميقة المهوى إذا سممخن هواؤهمما بالمعونممة و لممم‬
‫تداخلها الرياح فتخلخلها فإن المتدلى فيها يهلك لحينه و بهممذا‬
‫السبب يكممون ممموت الحمموت إذا فممارق البحممر فممإن الهممواء ل‬
‫يكفيه في تعديل رئته إذ هو حار بإفراط و الماء الممذي يعممدله‬
‫بارد و الهواء الذي في خرج إليه حممار فيسممتولي الحممار علممى‬
‫روحه الحيواني و يهلك دفعة و منه هلك المصعوقين و أمثال‬
‫ذلك ومن الخبار المستحيلة ممما نقلممه المسممعودي أيض ما ً فممي‬
‫تمثال الزرزور الممذي برومممة تجتمممع إليممه الزرازيممر فممي يمموم‬
‫معلوم من السنة حاملة للزيتون و منه يتخذون زيتهم و انظر‬
‫ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت‬
‫و منها ما نقله البكري في بناء المدينة المسماة ذات البواب‬
‫تحيط بأكثر من ثلثيممن مرحلممة و تشممتمل علممى عشممرة آلف‬
‫باب و المدن إنما اتخممذت للتحصممن و العتصممام كممما يممأتي و‬
‫هممذه خرجممت عممن أن يحمماط بهمما فل يكممون فيهمما حصممن و ل‬
‫معتصممم و كممما نقلممه المسممعودي أيضمما ً فممي حممديث مدينممة‬
‫النحاس و أنها مدينة كممل بنائهمما نحمماس بصممحراء سجلماسممة‬
‫ظفر بها موسى بممن نصممير فممي غروتممه إلممى المغممرب و أنهمما‬
‫مغلقة البواب و أن الصمماعد إليهمما مممن أسمموارها إذا أشممرف‬
‫على الحائط صفق و رمي بنفسه فل يرجممع آخممر الممدهر فممي‬
‫حممديث مسممتحيل عممادة مممن خرافممات القصمماص و صممحراء‬
‫سجلماسممة قممد نفضممها الركمماب و الدلء و لممم يقفمموا لهممذه‬
‫المدينة على خبرهم أن هذه الحوال الممتي ذكممروا عنهمما كلهمما‬
‫مسممتحيل عممادةً منمماف للمممور الطبيعيممة فممي بنمماء المممدن و‬
‫اختطاطها و أن المعادن غاية الموجود منهمما أن يصممرف فممي‬
‫النيممة و الخرثممي و أممما تشممييد مدينممة منهمما فكممما تممراه مممن‬
‫الستحالة و البعممد و أمثممال ذلممك كممثيرة و تمحيصممه إنممما هممو‬

‫بمعرفة طبائع العمممران و هممو أحسممن الوجمموه و أوثقهمما فممي‬
‫تمحيص الخبار وتمييز صدقها مممن كممذبها و هممو سممابق علممى‬
‫التمحيص بتعديل الرواة و ل يرجممع إلممى تعممديل الممرواة حممتى‬
‫يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع و أممما إذا كممان‬
‫مستحيل ً فل فائدة للنظر فمي التعمديل و التجريمح و لقمد عمد‬
‫أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفممظ و‬
‫تأويله بما ل يقبله العقممل وإنممما كممان التعمديل و التجريمح هممو‬
‫المعتممبر فممي صممحة الخبممار الشممرعية لن معظمهمما تكمماليف‬
‫إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها و‬
‫سبيل صمحة الظمن الثقمة بمالرواة بالعدالمة و الضمبط‪ .‬و أمما‬
‫الخبار عن الواقعات فل بد في صدقها و صممحتها مممن اعتبممار‬
‫المطابقة فلذلك وجب أن ينظممر فممي إمكممان وقمموعه و صممار‬
‫فيها ذلك أهم مممن التعممديل و مقممدما ً عليممه إذ فممائدة النشمماء‬
‫مقتبسة منه فقط و فائدة الخبر منه و من الخارج بالمطابقة‬
‫و إذا كان ذلك فالقممانون فممي تمييممز الحممق مممن الباطممل فممي‬
‫الخبار بالمكان و الستحالة أن ننظر في الجتممماع البشممري‬
‫الممذي هممو العمممران و نميممز ممما يلحقممه مممن الحمموال لممذاته و‬
‫بمقتضى طبعه و ما يكون عارضا ً ل يعتد به و ما ل يمكممن أن‬
‫يعرض له و إذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا ً في تمييز الحممق‬
‫من الباطل في الخبار و الصدق من الكذب بوجه برهمماني ل‬
‫مدخل للشك فيه و حينئذ فإذا سمعنا عن شيىء من الحوال‬
‫الواقعممة فممي العمممران علمنمما ممما نحكممم بقبمموله مممما نحكممم‬
‫بتزييفه و كان ذلك لنا معيارا ً صممحيحا ً يتحممرى بممه المؤرخممون‬
‫طريق الصدق و الصواب فيما ينقلونه و هذا هممو غممرض هممذا‬
‫الكتاب الول من تأليفنا و كأن هذا علم مستقل بنفسه فممإنه‬
‫ذو موضوع و هو العمران البشري و الجتماع النسمماني و ذو‬
‫مسائل و هي بيان ما يلحقه مممن العمموارض و الحمموال لممذاته‬
‫واحدة بعد أخرى و هذا شأن كل علم من العلوم وضعيا ً كممان‬
‫أو عقليًا‪.‬‬

‫و إعلم أن الكلم في هذا الغرض مسممتحدث الصممنعة غريممب‬
‫النزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحممث و أدى إليممه الغمموص و‬
‫ليس من علم الخطابة إنما هو القوال المقنعممة النافعممة فممي‬
‫استمالة الجمهور إلى رأي أو صدهم عنممه و ل هممو أيض ما ً مممن‬
‫علم السياسة المدنية إذ السياسة المدنية هي تممدبير المنممزل‬
‫أو المدينممة بممما يجممب بمقتضممى الخلق و الحكمممة ليحمممل‬
‫الجمهور علممى منهمماح يكممون فيممه حفممظ النمموع و بقمماؤه فقممد‬
‫خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشممبهانه و‬
‫كأنه علم مسنبط النشأة و لعمري لم أقف علممى الكلم فممي‬
‫منحاه لحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهممم عممن ذلممك و ليممس‬
‫الظن بهم أو لعلهم كتبوا في هممذا الغممرض و اسممتوفوه و لممم‬
‫يصل إلينا فالعلوم كثيرة و الحكماء في أمم النمموع النسمماني‬
‫متعددون و ما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصممل فممأين‬
‫علوم الفرس التي أمممر عمممر رضممى اللممه عنممه بمحوهمما عنممد‬
‫الفتح و أين علوم الكلدانيين و السريانيين و أهممل بابممل و ممما‬
‫ظهر عليهم من آثارهمما و نتائجهمما و أيممن علمموم القبممط و مممن‬
‫قبلهم و إنما وصل إلينا علوم أمة واحدة و هممم يونممان خاصممة‬
‫لكلممف المممأمون بإخراجهمما مممن لغتهممم و اقتممداره علممى ذلممك‬
‫بكثرة المترجمين و بذل الموال فيها و لم نقف على شمميىء‬
‫من علوم غيرهم و إذا كانت كل حقيقة متعلقة طبيعية يصلح‬
‫أن نبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكممون‬
‫باعتبار كممل مفهمموم و حقيقممة علممم مممن العلمموم يخصممه لكممن‬
‫الحكماء لعلهم إنما لحظوا في ذلك العناية بممالثمرات و هممذا‬
‫إنما ثمرته في الخبار فقط كما رأيت و إن كانت مسائله في‬
‫ذاتها و في اختصاصها شريفة لكممن ثمرتممه تصممحيح الخبممار و‬
‫هي ضعيفة فلهذا هجروه و الله أعلم و ما أوتيتممم مممن العلممم‬
‫إل قليل ً و هذا الفن الذي لح لنا النظر فيه نجد منممة مسممائل‬
‫تجري بالعرض لهل العلوم في براهيممن علممومهم و هممي مممن‬
‫جنس مسائله بالموضوع و الطلب مثل ما يممذكره الحكممماء و‬
‫العلممماء فممي إثبممات النبمموة مممن أن البشممر متعمماونون فممي‬
‫وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم و الوازع و مثل ممما يممذكر‬

‫في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن النمماس محتمماجون‬
‫إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون و الجتممماع و تبيممان‬
‫العبارات أخف و مثل ما يذكره الفقهمماء فممي تعليممل الحكممام‬
‫الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للنساب مفسد للنوع‬
‫و أن القتممل أيضما ً مفسممد للنمموع و أن الظلممم مممؤذن بخممراب‬
‫العمران المفضي لفساد النوع غير ذلك مممن سممائر المقاصممد‬
‫الشرعية في الحكام فإنها كلها مبنية علممى المحافظممة علممى‬
‫العمران فكان لها النظممر فيممما يعممرض لممه و هممو ظمماهر مممن‬
‫كلمنا هذا في هذه المسائل الممثلة و كذلك أيض ما ً يقممع إلينمما‬
‫القليل مممن مسممائله فمي كلمممات متفقرقممة لحكممماء الخليقممة‬
‫لكهم لم يستوفوه فمن كلم الموبذان بهرام بممن بهممرام فممي‬
‫حكاية البوم التي نقلها المسممعودي أيهمما الملممك إن الملممك ل‬
‫يتم عزه إل بالشريعة و القيام لله بطمماعته و التصممرف تحممت‬
‫أمره و نهيه و ل قوام للشريعة إل بالملك و ل عممز للملممك إل‬
‫بالرجممال و ل قمموام للرجممال إل بالمممال و ل سممبيل للمممال إل‬
‫بالعمممارة و ل سممبيل للعمممارة إل بالعممدل و العممدل الميممزان‬
‫المنصوب بيممن الخليقممة نصممبه الممرب و جعممل لممه قيمما ً و هممو‬
‫الملك‪ .‬و من كلم أنوشروان فمي هممذا المعنممى بعينممه الملممك‬
‫بالجند و الجند بالمال و المال بممالخراج و الخممراج بالعمممارة و‬
‫العمممارة بالعممدل و العممدل بإصمملح العمممال و إصمملح العمممال‬
‫باستقامة المموزراء و رأس الكممل بافتقمماد الملممك حممال رعيتممه‬
‫بنفسه و اقتداره على تأديتها حممتى يملكهمما و ل تملكممه و فممي‬
‫الكتاب المنسوب لرسطو في السياسة المتداول بين الناس‬
‫جزء صالح منممه إل أنممه غيممر مسممتوف و ل معطممى حقممه مممن‬
‫البراهين و مختلط بغيره و قممد أشممار فممي ذلممك الكتمماب إلممى‬
‫هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان و أنوشروان و جعلها‬
‫في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها هممو قمموله‪ :‬العممالم‬
‫بستان سياجه الدولة و الدولة سلطان تحيا به السممنة السممنة‬
‫سياسة يسوسممها الملممك الملممك نظممام يعضممده الجنممد الجنممد‬
‫أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعيممة عبيممد‬
‫يكنفهم العدل العدل مألوف و به قوائم العالم العالم بسممتان‬

‫ثم ترجع إلى أول الكلم‪ .‬فهذه ثمان كلمات حكمية سياسممية‬
‫ارتبط بعضها ببعض و ارتدت أعجازها إلى صدورها و اتصمملت‬
‫في دائرة ل يتعيممن طرفهمما فخممر بعثمموره عليهمما و عظممم مممن‬
‫فوائدها‪ .‬و أنت إذا تأملت كلمنا في فصل الممدول و الملممك و‬
‫أعطيته حقه مممن التصممفح و التفهممم عممثرت فممي أثنممائه علممى‬
‫تفسير هذه الكلمات و تفصيل إجمالها مستوفى بين ما ً بممأوعب‬
‫بيانا ً و أوضح دليل و برهان أطلعنا الله عليممه مممن غيممر تعليممم‬
‫أرسطو و ل إفادة موبذان و كذلك تجد في كلم ابممن المقفممع‬
‫و ما يستطرد في رسممائله مممن ذكممر السياسممات الكممثير مممن‬
‫مسائل كتابنا هذا غيممر مبرهنممة كممما برهنمماه إنممما يجليهمما فممي‬
‫الذكرعلى منحى الخطابة في أسلوب الترسل و بلغة الكلم‬
‫و كذلك حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتمماب سممراج‬
‫الملوك و بوبه علممى أبممواب تقممرب مممن أبممواب كتابنمما هممذا و‬
‫مسائله لكنه لم يصادف فيه الرمية و ل أصمماب الشمماكلة و ل‬
‫استوفى المسائل و ل أوضح الدلة إنما يبوب الباب للمسألة‬
‫ثممم يسممتكثر مممن الحممادث و الثممار و ينقممل كلمممات متفرقممة‬
‫لحكماء الفرس مثل بزر جمهر و الموبذان و حكممماء الهنممد و‬
‫المأثور عن دانيال و هرمس و غيرهم من أكممابر الخليقمة و ل‬
‫يكشف عن التحقيق قناعا ً و ل يرفع البراهين الطبيعية حجابا ً‬
‫إنما هممو نقممل و تركيممب شممبيه بممالمواعظ و كممأنه حمموم علممى‬
‫العرض و لم يصادفه و ل تحقق قصده و ل استوفى مسممائله‬
‫و نحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما ً و أعثرنمما علممى علممم جعلنمما‬
‫بين نكرة و جهينة خبره فممإن كنممت قممد اسممتوفيت مسممائله و‬
‫ميزت عن سائر الصنائع أنظاره و أنحاءه فتوفيق من اللممه و‬
‫هداية و أن فاتني شيىء في إحصائه و اشتبهت بغير فللناظر‬
‫التحقممق إصمملحه ولممي الفضممل لنممي نهجممت لممه السممبيل و‬
‫أوضحت له الطريق و الله يهدي بنوره من يشاء‪ .‬و نحن الن‬
‫نبين في هذا الكتمماب ممما يعممرض للبشممر فممي اجتممماعهم مممن‬
‫أحمموال العمممران فممي الملممك و الكسممب و العلمموم و الصممنائع‬
‫بوجمموه برهانيممة يتضممح بهمما التحقيممق فممي معممارف الخاصممة و‬
‫العامة و تندفع بها الوهام و ترفع الشكوك‪ .‬و نقول لما كممان‬

‫النسان متميزا ً عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها فمنها‬
‫العلوم و الصنائع التي هي نتيجممة الفكممر الممذي تميممز بممه عممن‬
‫الحيوانات و شرف بوصفه علممى المخلوقمات و منهما الحاجممة‬
‫إلى الحكم الوازع و السلطان القاهر إذ ل يمكن وجوده دون‬
‫ذلك من بين الحيوانات كلها إل ما يقال عن النحل و الجراد و‬
‫هذه و أن كان لها مثل ذلك فبطريق إلهامي ل بفكممر و رويممة‬
‫و منهمما السممعي فممي المعمماش و العتمممال فممي تحصمميله مممن‬
‫وجوهه و اكتساب أسممبابه لممما جعممل اللممه مممن الفتقممار إلممى‬
‫الغذاء في حياته و بقائه و هممداه إلممى التماسممه و طلبممه فممإن‬
‫تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى و منهما العمران و هممو‬
‫التساكن و التنازل في مصر أو حلة للنس بالعشير و اقتضاء‬
‫الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش كما نبينه‬
‫و من هممذا العمممران ممما يكممون بمدويا ً و همو الممذي يكمون فمي‬
‫الضواحي و في الجبال و في الحلل المنتجعممة فممي القفممار و‬
‫أطراف الرمال و منه ما يكون حضريا ً و هو الذي بالمصممار و‬
‫القرى و المدن والمدر للعتصام بها و التحصن بجدرانها و له‬
‫في كل هذه الحوال أمور تعرض من حيث الجتماع عروضمما ً‬
‫ذاتيا ً له فل جممرم انحصممر الكلم فممي هممذا الكتمماب فممي سممتة‬
‫فصول‪.‬‬
‫الول في العمران البشري على الجملة و أصممنافه و قسممطه‬
‫من الرض‪.‬‬
‫و الثمماني فممي العمممران البممدوي فمي و ذكممر القبممائل و المممم‬
‫الوحشية‪.‬‬
‫و الثممالث فممي الممدول و الخلفممة و الملممك و ذكممر المراتممب‬
‫السلطانية‬
‫و الرابع في العمران الحضري و البلدان و المصار‪.‬‬
‫و الخامس في الصنائع و المعاش و الكسب و وجوهه‪.‬‬

‫و السادس في العلوم و اكتسابها و تعلمها‪.‬‬
‫و قد قدمت العمران البممدوي لنممه سممابق علممى جميعهمما كممما‬
‫نبين لك بعد و كذا تقديم الملك على البلدان و المصار وأممما‬
‫تقديم المعاش فلن المعاش ضروري طممبيعي و تعلممم العلممم‬
‫كمممالي أو حمماجي و الطممبيعي أقممدم مممن الكمممالي و جعلممت‬
‫الصنائع مممع الكسممب لنهمما منممه ببعممض الوجمموه و مممن حيممث‬
‫العمران كما نبين لك بعد و الله الموفممق للصممواب و المعيممن‬
‫عليه‪.‬‬
‫الباب الول من الكتاب الول في العمران البشري‬
‫على الجملة و فيه مقدمات‬
‫الولى في أن الجتماع النساني ضروري و يعبر الحكماء عن‬
‫هذا بقولهم النسان مدني بالطبع أي ل بممد لممه مممن الجتممماع‬
‫الذي هو المدينة في اصطلحهم و هو معنى العمران و بيممانه‬
‫أن الله سبحانه خلممق النسممان و ركبممه علممى صممورة ل يصممح‬
‫حياتها و بقاؤها إل بالغذاء و هداه إلى التماسه بفطرته و بممما‬
‫ركب فيه من القدرة على تحصمميله إل أن قممدرة الواحممد مممن‬
‫البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غيممر موفيممة‬
‫له بمادة حياته منه و لو فرضنا منه أقممل ممما يمكممن فرصممة و‬
‫هو قوت يوم من الحنطمة مثل ً فل يحصمل إل بعلج كمثير ممن‬
‫الطحن و العجن و الطبخ و كل واحد من هذه العمال الثلثة‬
‫يحتاج إلى مممواعين و آلت ل تتممم إل بصممناعات متعممددة مممن‬
‫حداد و نجار و فاخوري وهب أنه يأكله حبا ً من غير علج فهممو‬
‫أيضا ً يحتاج في تحصيله أيضا ً حبا ً إلى أعمال أخرى أكممثر مممن‬
‫هذه من الزراعة و الحصاد و الدراس الذي يخرج الحمب مممن‬
‫غلف السممنبل و يحتمماج كممل واحممد مممن هممذه آلت متعممددة و‬
‫صنائع كثيرة أكثر من الولى بكثير و يسمتحيل أن تفمي بمذلك‬
‫كله أو ببعضه قدرة الواحد فل بد من اجتممماع القممدر الكممثيرة‬
‫من أبناء جنسه ليحصل القمموت لممه و لهممم فيحصممل بالتعمماون‬
‫قدر الكفاية من الحاجة لكثر منهم بإضممعاف و كممذلك يحتمماج‬

‫كل واحد منهم أيضا ً فممي الممدفاع عممن نفسممه إلممى السممتعانة‬
‫بأبناء جنسه لن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانممات‬
‫كلها و قسم القدر بينهمما جعممل حظمموظ كممثير مممن الحيوانممات‬
‫العجم من القدرة أكمل من حظ النسان فقدرة الفرس مثل ً‬
‫أعظم بكثير من قدرة النسان و كذا قدرة الحمممار و الثممور و‬
‫قدرة السد و الفيل أضعاف من قدرته‪ .‬و لممما كممان العممدوان‬
‫طبيعي ما ً فممي الحيمموان جعممل لكممل واحممد منهمما عضمموا ً يختممص‬
‫بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره و جعل للنسان عوضا ً‬
‫من ذلك كله الفكر و اليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر و‬
‫الصنائع تحصل له اللت التي تنوب له عن الجمموارح المعممدة‬
‫في سممائر الحيوانممات للممدفاع مثممل الرممماح الممتي تنمموب عممن‬
‫القرون الناطحة و السيوف النائبة عممن المخممالب الجارحممة و‬
‫التراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غيممر ذلممك و غيممره‬
‫مما ذكره جالينوس في كتمماب منممافع العضمماء فالواحممد مممن‬
‫البشر ل تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سمميما‬
‫المفترسة فهو عاجز عن مممدافعتها وحممده بالجملممة و ل تفممي‬
‫قدرته أيضا ً باستعمال اللت المعدة لها فل بد في ذلممك كلممه‬
‫من التعاون عليه بأبناء جنسه و ما لمم يكمن همذا التعماون فل‬
‫يحصل له قوت و ل غذاءا ً و ل تتم حياته لما ركبه الله تعممالى‬
‫عليه من الحاجة إلى الغذاء في حيمماته و ل يحصممل لممه أيض ما ً‬
‫دفاع عن نفسه لفقدان السلح فيكون فريسممة للحيوانممات و‬
‫يعاجله الهلك عن مدى حياته و يبطل نمموع البشممر و إذا كممان‬
‫التعاون حصل له القوت للغممذاء و السمملح للمدافعممة و تمممت‬
‫حكمممة اللممه فممي بقممائه و حفممظ نمموعه فممإذن هممذا الجتممماع‬
‫ضروري للنوع النساني و إل لم يكمممل و جممودهم و ممما أراده‬
‫الله من اعتمار العالم بهم و استخلفه إياهم و هذا هو معنممى‬
‫العمران الذي جعلناه موضوعا ً لهذا العلممم و فممي هممذا الكلم‬
‫نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له و هممذا و أن‬
‫لم يكممن واجبما ً علممى صمماحب الفممن لممما تقممرر فممي الصممناعة‬
‫المنطقية أنه ليس علممى صمماحب علممم إثبمات الموضمموع فمي‬
‫ذلك العلم فليس أيضا ً مممن المنوعمات عنممدهم فيكممون إثبماته‬

‫من التبرعات و الله الموفق بفضله‪ .‬ثم أن هممذا الجتممماع إذا‬
‫حصل للبشر كما قررناه و تم عمران العالم بهممم فل بممد مممن‬
‫وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طبمماعهم الحيوانيممة مممن‬
‫العدوان و الظلم و ليست السلح التي جعلت دافعة لعممدوان‬
‫الحيوانات العجم عنهم كافية فممي دفممع العممدوان عنهممم لنهمما‬
‫موجودة لجميعهم فل بد من شيىء آخر يدفع عدوان بعضممهم‬
‫عن بعض‪ .‬و ل يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عممن‬
‫مداركهم و إلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا ً منهم يكون له‬
‫عليهم الغلبة و السلطان و اليممد القمماهرة حممتى ل يصممل أحممد‬
‫إلى غيره بعدوان و هذا هو معنى الملك و قد تممبين لممك بهممذا‬
‫أن للنسان خاصة طبيعية و ل بد لهممم منهمما و قممد يوجممد فممي‬
‫بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحممل‬
‫و الجراد لما استقرىء فيهمما مممن الحكممم و النقيمماد و التبمماع‬
‫لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقممه و جثمممانه إل أن‬
‫ذلممك موجممود لغيممر النسممان بمقتضممى الفطممرة و الهدايممة ل‬
‫بمقتضى الفكرة و السياسة أعطى كل شيء خلقه ثم هممدى‬
‫و تزيممد الفلسممفة علممى هممذا البرهممان حيممث يحمماولون إثبممات‬
‫النبمموة بالممدليل! العقلممي و أنهمما خاصممة طبيعيممة للنسممان‬
‫فيقررون هذا البرهان إلى غاية و أنه ل بد للبشر ممن الحكمم‬
‫المموازع ثممم يقولممون بعممد ذلممك و ذلممك الحكممم يكممون بشممرع‬
‫مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر و أنه ل بممد أن‬
‫يكون متميزا ً عنهم بما يودع الله فيه في خواص هدايته ليقممع‬
‫التسليم له و القبول منه حتى يتم الحكم فيهم و عليهممم مممن‬
‫غير إنكار و ل تزيف و هذه القضية للحكماء غير برهانية كممما‬
‫تممراه إذ الوجممود و حيمماة البشممر قممد تتممم مممن دون ذلممك بممما‬
‫يفرضممه الحمماكم لنفسممه أو بالعصممبية الممتي يقتممدر بهمما علممى‬
‫قهرهم و حملهم على جادته فأهل الكتاب و المتبعون للنبياء‬
‫قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليممس لهممم كتمماب فممإنهم‬
‫أكثر أهل العالم و مممع ذلممك فقممد كممانت لهممم الممدول و الثممار‬
‫فضل ً عن الحياة و كذلك هممي لهممم لهممذا العهممد فممي القمماليم‬
‫المنحرفة في الشمال و الجنوب بخلف حياة البشممر فوضممى‬

‫دون وازع لهم البتة فإنه يمتنع و بهذا يتبين لممك غلطهممم فممي‬
‫وجوب النبوات و أنه ليس بعقلي و إنما مممدركه الشممرع كممما‬
‫هو مذهب السلف من المة و الله ولي التوفيق و الهداية‪.‬‬
‫المقدمة الثانية فممي قسممط العمممران مممن الرض و‬
‫الشارة إلى بعض ما فيه من الشجار و النهار‬
‫و القاليم‬
‫اعلم أنه تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحمموال العممالم‬
‫أن شكل الرض كممروي و أنهمما محفوفممة بعنصممر الممماء كأنهمما‬
‫عنبة طافية عليه فانحسر الماء عممن بعممض جوانبهمما لممما أراد‬
‫الله ممن تكموين الحيوانمات فيهما و عمرانهما بمالنوع البشمري‬
‫الذي له الخلفة على سائرها و قد يتوهم من ذلممك أن الممماء‬
‫تحممت الرض و ليممس بصممحيح و أنممما النحممت الطممبيعي قلممب‬
‫بالرض و وسط كرتها الذي هممو مركزهمما و الكممل يطلبممه بممما‬
‫فيه من الثقل و ما عدا ذلك من جوانبها و أما الماء المحيممط‬
‫بها فهممو فمموق الرض و أن قيممل فمي شمميىء منهمما إنممه تحممت‬
‫الرض فبالضافة إلى جهة أخرى منه‪ .‬و أما الذي انحسر عنه‬
‫الماء من الرض فهممو النصممف مممن سمطح كرتهما فمي شممكل‬
‫دائرة أحاط العنصر الممماء مممن بهمما مممن جميممع جهاتهمما بحممرا ً‬
‫يسمممى البحممر المحيممط و يسمممى أيض ما ً لبليممه بتفخيممم اللم‬
‫الثانية و يسمى أوقيانوس أسماء أعجميممة و يقممال لممه البحممر‬
‫الخضر و السود ثم أن هذا المنكشمف ممن الرض للعممران‬
‫فيممه القفممار و الخلء أكممثر مممن عمرانممه و الخممالي مممن جهممة‬
‫الجنوب منه أكثر من جهة الشمال و إنما المعمور منه أميممل‬
‫إلى الجانب الشمالي على شكل مسممطح كممروي ينتهممي مممن‬
‫جهة الجنوب إلى خط الستواء و من جهة الشمال إلممى خممط‬
‫كروي و وراءه الجبممال الفاصمملة بينممه و بيممن المماء العنصممري‬
‫الذي بينهما سد يأجوج و مأجوج و هذه الجبال مائلة إلى جهة‬
‫المشرق و ينتهي من المشرق و المغممرب إلممى عنصممر الممماء‬
‫أيضا ً بقطعتين مممن الممدائرة المحيطممة و هممذا المنكشممف مممن‬
‫الرض قالوا هو مقدار النصف من الكرة أو أقممل و المعمممور‬

‫منممه مقممدار ربعممه و هممو المنقسممم بالقمماليم السممبعة و خممط‬
‫الستواء يقسم الرض بنصفين من المغرب إلممى المشممرق و‬
‫هو طول الرض و أكبر خط في كرتهمما كممما أن منطقممة فلممك‬
‫البروج و دائرة فعدل النهار أكممبر خممط فممي الفلممك و منطقممة‬
‫البروج منقسمة بثلثمائة و ستين درجة و الدرجة من مسممافة‬
‫الرض خمسة و عشرون فرسخا ً و الفرسخ اثنمما عشممر ألممف‬
‫ذراع و الذراع أربعة و عشرون إصبعا ً و الصممبع سممت حبممات‬
‫شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهممرا ً لبطممن و بيممن‬
‫دائرة فعدل النهار التي تقسم الفلك بنصفين و تسامت خممط‬
‫الستواء من الرض و بين كممل واحممد مممن القطممبين تسممعون‬
‫درجة لكن العمارة في الجهممة الشمممالية مممن خممط السممتواء‬
‫أربع و ستون درجة و الباقي منهما خلء ل عممارة فيمه لشمدة‬
‫البرد و الجمود كممما كممانت الجهممة الجنوبيممة خلء كلهمما لشممدة‬
‫الحر كما نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى‪ .‬ثممم إن المخممبرين‬
‫عن هذا المعمور و حدوده و عما فيه من المصار و المدن و‬
‫الجبال و البحار و النهار و القفار و الرمممال مثممل بطليممموس‬
‫في كتاب الجغرافيا و صاحب كتاب زخممار مممن بعممده قسممموا‬
‫هذا المعمور بسبعة أقسام يسمونها القاليم السممبعة بحممدود‬
‫وهمية بين المشرق و المغرب متساوية في العرض مختلفممة‬
‫في الطول فالقليم الول أطول مما بعده و هكذا الثاني إلى‬
‫آخرها فيكون السابع أقصر لما اقتضاه وضع الدائرة الناشممئة‬
‫عممن انحسممار الممماء عممن كممرة الرض و كممل واحممد مممن هممذه‬
‫القمماليم عنممدهم منقسممم بعشممرة أجممزاء مممن المغممرب إلممى‬
‫المشرق على التوالي و فممي كممل جممزء الخممبر عممن أحممواله و‬
‫أحوال عمرانه‪ .‬و ذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج من جهة‬
‫المغرب في القليم الرابع البحر الرومي المعروف يبممدأ فممي‬
‫خليج فتضايق في عممرض اثنممي عشممر ميل ً أو نحوهمما ممما بيممن‬
‫طنجممة و طريممف و يسمممى أن الزقمماق ثممم يممذهب مشممرقا ً و‬
‫ينفسح إلى عرض ستمائة ميل و نهايته في آخر الجزء الرابع‬
‫من القليم الرابع على ألف فرسخ و مممائة و سممتين فرسممخا ً‬
‫من مبدأه و عليممه هنالممك سممواحل الشممام و عليممه مممن جهممة‬

‫الجنوب سواحل المغرب أولها طنجة عند الخليج ثم أفريقيممة‬
‫ثمممم برقمممة إذ السمممكندرية و ممممن جهمممة الشممممال سمممواحل‬
‫القسطنطينية عند الخليج ثم البنادقة ثم رومممة ثممم الفرنجممة‬
‫ثم الندلس إلى طريف عند أن الزقاق قبالة طنجة و يسمى‬
‫هذا البحر الرومي و الشامي و فيه جممزر كممثيرة عممامرة كبممار‬
‫مثل أقريطش و قبرص و صقلية و ميورقة و سردانية قممالوا‪:‬‬
‫و يخرج منه في جهة الشمممال بحممران آخممران مممن خليجيممن‪.‬‬
‫أحدهما مسامت للقسطنطينية يبدأ من هممذا البحممر متضممايقا ً‬
‫فمممي عمممرض رميمممة السمممهم و يممممر ثلثمممة بحمممار فيتصمممل‬
‫بالقسطنطينية ثم ينفسح في عرض أربعة أميممال و يمممر فممي‬
‫جريه ستين ميل ً و يسمى خليج القسطنطينية ثممم يخممرج مممن‬
‫فوهة عرضها ستة أميال فيمد بحر نيطش و هو بحر ينحممرف‬
‫من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر بأرض هرقلة و‬
‫ينتهي إلى بلد الخزرية على ألف و ثلثمائة ميل من فمموهته و‬
‫عليممه مممن الجممانبين أمممم مممن الممروم و الممترك و برجممان و‬
‫الروس‪ .‬و البحر الثاني من خليجي هذا البحممر الرومممي و هممو‬
‫بحر البنادقة يخرج من بلد الروم على سمممت الشمممال فممإذا‬
‫انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغممرب إلممى بلد‬
‫البنادقة و ينتهي إلى بلد إنكلية على ألممف و مممائة ميممل مممن‬
‫مبدإه و على حافتيه مممن البنادقممة و الممروم و غيرهممم أمممم و‬
‫يسمى خليج البنادقة‪ .‬قالوا و ينساح من هممذا البحممر المحيممط‬
‫أيضا ً من الشرق و على ثلث عشرة درجة في الشمممال مممن‬
‫خط الستواء بحر عظيم متسع يمر فممي الجنمموب قليل ً حممتى‬
‫ينتهي إلى القليم الول ثم يمر فيه مغربا ً إلى أن ينتهي فممي‬
‫الجزء الخامس منه إلى بلد الحبشة و الزنج و إلممى بلد بمماب‬
‫المندب منممه علممى أربعممة آلف فرسممخ مممن مبممدئه و يسمممى‬
‫البحر الصيني و الهندي و الحبشي و عليه مممن جهممة الجنمموب‬
‫بلد الزنج و بلد بربر التي ذكرها امرؤ القيممس فممي شممعره و‬
‫ليسوا من البربر الذين هم قبائل المغممرب ثممم بلممد سممفالة و‬
‫أرض الواق واق و أمم أخر ليس بعدهم إل القفممار و الخلء و‬
‫عليه من جهة الشمال الصين مممن عنممد مبممدئه ثممم الهنممد ثممم‬

‫السند ثم سواحل اليمن من الحقاف و زبيد و غيرها ثممم بلد‬
‫الزنج عند نهايته و بعممدهم الحبشممة‪ .‬قممالوا و يخممرج مممن هممذا‬
‫البحر الحبشي بحران آخران أحدهما يخممرج مممن نهممايته عنممد‬
‫بمماب المنممدب فيبممدأ متضممايقا ً ثممم يمممر مسممتبحرا ً إلممى ناحيممة‬
‫الشمال و مغربا ً قليل ً إلى أن بنتهي إلممى القلممزم فممي الجممزء‬
‫الخامس من القليم الثاني علممى ألممف و أربعمممائة ميممل مممن‬
‫مبدئه في و يسمى بحر القلزم و بحر السويس و بينه و بيممن‬
‫فسممطاط مصممر مممن هنالممك ثلث مراحممل و عليممه مممن جهممة‬
‫الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز و جممدة ثممم مممدين و أيلممة و‬
‫فممازان عنممد نهممايته و مممن جهممة الغممرب سممواحل الصممعيد‪ ،‬و‬
‫عيذاب و سواكن وزيلع ثممم بلد الحبشممة عنممد مبممدئه و آخممره‬
‫عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش و بينهما نحممو‬
‫ست مراحمل و ممازال الملموك فمي السملم و قبلمه يرممون‬
‫خرق ما بينهما و لم يتم ذلك‪ .‬و البحر الثاني مممن هممذا البحممر‬
‫الحبشي و يسمى الخليج الخضر يخرج ما بيممن بلد السممند و‬
‫الحقاف من اليمن و يمر إلى ناحية الشمال مغربا ً قليل ً إلممى‬
‫أن ينتهي إلى البلة من سواحل البصرة في الجزء السممادس‬
‫من القليم الثاني على أربعمائة فرسخ و أربعين فرسخا ً مممن‬
‫مبدئه و يسمى بحر فارس و عليه من جهة الشممرق سممواحل‬
‫السند و مكران و كرمان و فارس و البلة و عنممد نهممايته مممن‬
‫جهة الغرب سواحل البحرين و اليمامممة و عمممان و الشممحر و‬
‫الحقاف عند مبدئه و فيما بين بحر فارس و القلزم و جزيرة‬
‫العممرب كأنهمما داخلممة مممن الممبر فممي البحممر يحيممط بهمما البحممر‬
‫الحبشي من الجنوب و بحر القلزم من الغرب و بحر فممارس‬
‫من الشرق و تفضي إلى العراق بين الشممام و البصممرة علممى‬
‫ألف و خمسمائة ميل بينهممما و هنالممك الكوفممة و القادسممية و‬
‫بغداد و إيوان كسرى و الحيرة و وراء ذلك أمم العمماجم مممن‬
‫الترك و الخزر و غيرهم و في جزيرة العرب بلد الحجاز فممي‬
‫جهة الغرب منها و بلد اليمامة و البحرين و عمممان فممي جهممة‬
‫الشرق منها و بلد اليمن في جهممة الجنمموب منهمما و سممواحله‬
‫علمى البحمر الحبشمي‪ .‬قمالوا و فمي همذا المعممور بحمر آخمر‬

‫منقطع من سممائر البحممار فممي ناحيممة الشمممال بممأرض الممديلم‬
‫يسمى بحر جرجان و طبرستان طوله ألف ميممل فممي عممرض‬
‫ستمائة ميل في غربه أذربيجان والممديلم و فممي شممرقه أرض‬
‫الترك و خوارزم و في جنوبه طبرسممتان و فممي شممماله أرض‬
‫الخزر و اللن‪ .‬هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرهمما أهممل‬
‫الجغرافيمما‪ .‬قممالوا و فممي هممذا الجممزء المعمممور أنهممار كممثيرة‬
‫أعظمها أربعة أنهار و هي النيل و الفرات و دجلة و نهممر بلممخ‬
‫المسمى جيحون‪ .‬فأما النيممل فمبممدأه مممن جبممل عظيممم وراء‬
‫خط الستواء بست عشرة درجة علممى سمممت الجممزء الرابممع‬
‫من القليم الول و يسمى جبل القمممر و ل يعلممم فممي الرض‬
‫جبل أعلى منه تخرج منممه عيممون كممثيرة فيصممب بعضممها فممي‬
‫الحيرة هناك و بعضها في أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين‬
‫فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط السممتواء علممى عشممر‬
‫مراحل من الجبل و يخممرج مممن هممذه البحيممرة نهممران يممذهب‬
‫أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته و يمر ببلد النوبممة ثممم‬
‫بلد مصر فإذا جاوزها تشعب في شعب مقاربممة يسمممى كممل‬
‫واحممد منهمما خليج ما ً و تصممب كلهمما فممي البحممر الرومممي عنممد‬
‫السكندرية و يسمى نيل مصر و عليه الصمميعد مممن شممرقه و‬
‫الواحات من غربه و يذهب الخممر منعطفما ً إلممى المغممرب ثممم‬
‫يمر على سمته إلممى أن يصممب ي البحممر المحيممط و هممو نهممر‬
‫السودان و أممهم كلهم على ضفتيه‪ .‬و أممما الفممرات فمبممدؤه‬
‫من بلد أرمينية في الجزء السادس مممن القليممم الخممامس و‬
‫يمر جنوبا ً في أرض الروم و ملطية إلى منبج ثم يمر بصممفين‬
‫ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلممى البطحمماء الممتي بيممن‬
‫البصرة و واسط و مممن هنمماك يصممب فممي البحممر الحبشممي و‬
‫تنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة و يخرج منممه أنهممار أخممرى‬
‫تصب في دجلمة‪ .‬و أمما دجلمة فمبمدؤها عيمن ببلد جلط ممن‬
‫أرمينية أيضا ً و تمر على سمت الجنوب بالموصل و أذربيجان‬
‫و بغداد إلى واسط فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة‬
‫البصرة و تفضي إلى بحر فارس و هو في الشرق على يمين‬
‫الفرات و ينجلب إليه أنهار كممثيرة عظيمممة مممن كممل جممانب و‬

‫فيما بين الفممرات و دجلممة مممن أولممه جزيممرة الموصممل قبالممة‬
‫الشام من عدوتي الفرات و قبالة أذربيجان من عدوة دجلممة‪.‬‬
‫و أما نهر جيحممون فمبممدؤه مممن بلممخ فممي الجممزء الثممامن مممن‬
‫القليم الثالث مممن عيممون هنمماك كممثيرة و تنجلممب إليممه أنهممار‬
‫عظام و يذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلد خراسممان‬
‫ثم يخرج معها إلى بلد خوارزم في الجزء الثامن من القليممم‬
‫الخامس فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مممدينتها و‬
‫هممي مسمميرة شممهر فممي مثلممه و إليهمما ينصممب نهممر فرغانممة و‬
‫الشاش التي من بلد الترك و علممى غربممي نهممر جيحممون بلد‬
‫خراسممان و خمموارزم و علممى شممرقه بلد بخممارى و ترمممذ و‬
‫سمرقند و من هنالممك إلممى ممما وراءه بلد الممترك و فرغانممة و‬
‫الجرجانية و أمم العاجم و قد ذكر ذلك كله بطليممموس فممي‬
‫كتابه و الشريف فمي كتماب روجمار و صموروا فمي الجغرافيما‬
‫جميممع ممما فممي المعمممور مممن الجبممال و البحممار و الوديممة و‬
‫استوفوا من ذلك مل حاجممة انمما بممه لطمموله ولن عنايتنمما فممي‬
‫الكثر إنما هي بالمغرب الممذي هممو وطممن الممبربر و بالوطممان‬
‫التي للعرب من المشرق والله الموفق‪.‬‬
‫تكملة لهذه المقدمة الثانية في أن الربع الشمممالي‬
‫من الرض أكممثر عمران ما ً مممن الربممع الجنمموبي و‬
‫ذكر السبب في ذلك‬
‫و نحن نرى بالمشاهدة و الخبار المتواترة أن الول و الثمماني‬
‫من القاليم لمعمورة أقل عمرانا ً مما بعدهما و ما وجممد مممن‬
‫عمرانممه فيتخللممه الخلء و لقفممار و الرمممال و البحممر الهنممدي‬
‫الذي في الشرق منهممما و أمممم هممذين القليميممن و أناسمميهما‬
‫ليست لهم الكثرة البالغة و أمصاره و مدنه كذلك و الثالث و‬
‫الرابع و ما بعدهما بخلف ذلك فالقفار فيهمما قليلممة و الرمممال‬
‫كذلك أو معدومة و أممها و أناسيها تجوز الحد مممن الكممثرة و‬
‫أمصارها و مدنها تجاوز الحد عددا ً و العمران فيها منممدرج ممما‬
‫بين الثالث و السادس و الجنوب خلء كله و قد ذكر كثير من‬
‫الحكماء أن ذلك لفراط الحر و قلة ميل الشمممس فيهمما عممن‬

‫سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه و يتبين منه سبب كثرة‬
‫العمارة فيما بيممن الثممالث و الرابممع مممن جمانب الشمممال إلمى‬
‫الخممامس و السممابع‪ .‬فنقممول إن قطممبي الفلممك الجنمموبي و‬
‫الشمالي إذا كانمما علممى الفممق فهنالممك دائرة عظيمممة تقسممم‬
‫الفلك بنصفين هي أعظم الدوائر المممارة مممن المشممرق إلممى‬
‫المغرب و تسمى دائرة معدل النهار و قد تبين فممي موضممعه‬
‫مممن الهيئة أن الفلممك العلممى متحممرك مممن المشممرق إلممى‬
‫المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الفلك في جوفه قهممرا ً‬
‫و هممذه الحركممة محسوسممة و كممذلك تممبين أن للكممواكب فممي‬
‫أفلكها حركة مخالفة لهذه الحركة و هممي مممن المغممرب إلممى‬
‫المشممرق و تختلممف آمادهمما بمماختلف حركممة الكممواكب فممي‬
‫السرعة و البطء و ممرات هذه الكواكب في أفلكها توازيهمما‬
‫كلها دائرة عظيمة من الفلك العلى تقسمممه بنصممفين و هممي‬
‫دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجا ً و هممي علممى ممما‬
‫تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهممار علممى نقطممتين‬
‫متقمممابلتين ممممن المممبروج همممما أول الحممممل و أول الميمممزان‬
‫فتقسمهما دائرة معدل النهار بنصفين نصف مائل عن معدل‬
‫النهار إلى الشمال و هو من أول الحمل إلى آخممر السممنبلة و‬
‫نصف مائل عنه إلى الجنوب و هو من أول الميزان إلى آخممر‬
‫الحمموت و إذا وقممع القطبممان علممى الفممق فممي جميممع نممواحي‬
‫الرض كممان علممى سممطح الرض خممط واحممد يسممامت دائرة‬
‫معدل النهار يمر من المغممرب إلممى المشممرق و يسمممى خممط‬
‫الستواء و وقع هذا الخط بالرصد على ممما زعممموا فممي مبممدإ‬
‫القليم الول من القاليم السبعة و العمران كلممه فممي الجهممة‬
‫الشمالية يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتدريج إلى أن ينتهي‬
‫ارتفاعه إلى أربع‪ ،‬و ستين درجة و هنالممك ينقطممع العمممران و‬
‫هو آخر القليم السابع‪ ،‬إذا ارتفع على الفق و بقيممت تسممعين‬
‫درجة و هممي الممتي بيممن القطممب و دائرة معممدل النهممار علممى‬
‫الفق و بقيت ستة من البروج فوق الفق و همي الشممالية و‬
‫ستة تحت الفق و هي الجنوبية و العمارة فيما بين الربعمة و‬
‫السممتين إلممى التسممعين ممتنعممة لن الحممر و الممبرد حينئذ ل‬

‫يحصلن ممتزجين لبعد الزمان بينهممما يحصممل التكمموين فممإذا ً‬
‫الشمممس تسممامت الممرؤوس علممى خممط السممتواء فممي رأس‬
‫الحممممل و الميمممزان ثممم تميمممل فممي المسمممامتة إلمممى رأس‬
‫السرطان ورأس الجدي و يكون نهاية ميلها عن دائرة معممدل‬
‫النهار أربعا ً و عشرين درجة ثممم إذا ارتفممع القطممب الشمممالي‬
‫عن الفممق مممالت دائرة معممدل النهممار عممن سمممت الممرؤوس‬
‫بمقممدار ارتفمماع و انخفممض القطممب الجنمموبي كممذلك بمقممدار‬
‫متساو في الثلثة وهو المسمى عنممد أهممل المممواقيت عممرض‬
‫البلد و إذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس علت‬
‫عليها البروج الشمالية مندرجة فمي مقمدار علوهما إلمى رأس‬
‫السرطان و انخفضت البروج الجنوبية من الفممق كممذلك إلممى‬
‫رأس الجدي لنحرافها إلى الجانبين فممي أفممق السممتواء كممما‬
‫قلنمماه فل يممزال الفممق الشمممالي يرتفممع حممتى يصممير أبعممد‬
‫الشمالية و هو رأس السرطان فممي سمممت الممرؤوس و ذلممك‬
‫حيث يكون عرض البلد أربعا ً و عشرين في الحجاز و ما يليممه‬
‫و هذا هو الميممل الممذي إذا مممال رأس السممرطان عممن معممدل‬
‫النهار في أفق الستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالي حممتى‬
‫صار مسامتا ً فممإذا ارتفممع القطممب أكممثر مممن أربممع و عشممرين‬
‫نزلت الشمس عن المسامتة و ل تزال في انخفاض إلممى أن‬
‫يكون ارتفاع القطب أربعا ً و ستين و يكون انخفاض الشمس‬
‫عن المسامتة كذلك و انخفاض القطب الجنمموبي عممن الفممق‬
‫مثلها فينقطع التكوين لفراط الممبرد و الجمممد و طممول زمممانه‬
‫غير ممتزج بالحر‪ .‬ثم إن الشمس عند المسامتة و ما يقاربها‬
‫تبعث الشعة قائمة و فيما دون المسامتة على زوايا منفرجة‬
‫و حادة و إذا كانت زوايا الشعة قائمة عظم الضمموء و انتشممر‬
‫بخلفممه فممي المنفرجممة و الحممادة فلهممذا يكممون الحممر عنممد‬
‫المسامتة و ما يقممرب منهمما أكممثر منممه فيممما بعممد لن الضمموء‬
‫سبب الحر و التسخين‪.‬‬
‫ثم أن المسامتة في خط الستواء تكممون مرتيممن فممي السممنة‬
‫عند نقطتي الحمل و الميزان و إذا مالت فغير بعيد و ل يكمماد‬

‫الحر يعتدل في آخر ميلها عنممد رأس السممرطان و الجممدي إل‬
‫أن صعدت إلى المسامتة فتبقى الشعة القائمممة الزوايمما تلممح‬
‫علممى ذلممك الفممق و يطممول مكثهمما أو يممدوم فيشممتعل الهممواء‬
‫حرارة و يفرط في شدتها و كذا ما دامت الشمممس تسممامت‬
‫مرتين فيما بعد خط الستواء إلى عرض أربع و عشرين فإن‬
‫الشعة ملحة على الفق في ذلممك بقريممب مممن إلحاحهمما فممي‬
‫خط الستواء و إفراط الحر يفعل في الهواء تجفيف ما ً و يبس ما ً‬
‫يمنممع مممن التكمموين لنممه إذا أفممرط الحممر جفممت الميمماه و‬
‫الرطوبات و فسد التكويني في المعدن و الحيمموان و النبممات‬
‫إذ التكوين ل يكون إل بالرطوبة ثم إذا مممال رأس السممرطان‬
‫عن سمت الرؤوس في عرض خمممس و عشممرين فممما بعممده‬
‫نزلت الشمس عن المسامتة فيصممير الحممر إلممى العتممدال أو‬
‫يميل عنه ميل ً قليل ً فيكون التكوين و يتزايد على التدريج إلى‬
‫أن يفرط البرد في شدته لقلة الضوء و كون الشعة منفرجة‬
‫الزوايا فينقص التكوين و يفسممد بيممد أن فسمماد التكمموين مممن‬
‫جهة شدة الحر أعظممم منممه مممن جهممة شممدة الممبرد لن الحممر‬
‫أسرع تأثيرا ً في التجفيف من تأثير الممبرد فممي الجمممد فلممذلك‬
‫كان العمران في القليم الول و الثاني قليل ً و فممي الثممالث و‬
‫الرابع و الخامس متوسمطا ً لعتممدال الحمر بنقصممان الضمموء و‬
‫في السادس و السابع كثيرا ً لنقصان الحر و أن كيفيممة الممبرد‬
‫ل تؤثر عند أولهمما فممي فسمماد التكمموين كممما يفعممل الحممر إذ ل‬
‫تجفيف فيها إل عند الفراط بما يعرض لها حينئذ مممن اليبممس‬
‫كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع الشمالي أكثر و‬
‫أوفر و الله أعلم‪ .‬و من هنا أخذ الحكماء خلء خممط السممتواء‬
‫و ممما وراءه و أورد عليهممم أنممه مغمممور بالمشمماهدة و الخبممار‬
‫المتواترة فكيف يتم البرهان علممى ذلممك و الظمماهر أنهممم لممم‬
‫يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلممى أن‬
‫فساد التكوين فيممه قممري بممإفراط الحممر و العمممران فيممه إممما‬
‫ممتنع أو ممكن أقلي و هو كذلك فإن خط السممتواء و الممذي‬
‫وراءه و إن كان فيه عمران كما نقممل فهممو قليممل جممدًا‪ .‬و قممد‬
‫زعم ابن رشد أن خط السممتواء معتممدل و أن ممما وراءه فممي‬

‫الجنوب بمثابة ما وراءه في الشمال فيعمر منه ما عمر مممن‬
‫هذا و الذي قاله غير ممتنع مممن جهممة فسمماد التكمموين و إنممما‬
‫امتنممع فيممما وراء خممط السممتواء فممي الجنمموب مممن جهممة أن‬
‫العنصر المائي غمر وجه الرض هنالك إلمى الحمد المذي كمان‬
‫مقابله من الجهة الشمالية قابل ً للتكوين و لما امتنع المعتدل‬
‫لغيبة الماء تبعه ممما سممواه لن العمممران متممدرج و يأخممذ فممي‬
‫التدريج من جهممة الوجممود ل مممن جهممة المتنمماع و أممما القممول‬
‫بامتناعه في خط الستواء فيرده النقل المتواتر و الله أعلم‪.‬‬
‫و لنرسم بعد هذا الكلم صورة الجغرافيا كما رسمها صمماحب‬
‫كتاب روجار ثم نأخذ في تفصيل الكلم عليها إلى أخره‪.‬‬
‫القسمممم الول ممممن تفصممميل الكلم علمممى همممذه‬
‫الجغرافيا‬
‫إعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكممره علممى‬
‫سبعة أقسام من الشمال إلممى الجنمموب يسمممون كممل قسممم‬
‫منهمما إقليم ما ً فانقسممم المعمممور مممن الرض كلممه علممى هممذه‬
‫السبعة القاليم كل واحد منها أخذ مممن الغممرب إلممى الشممرق‬
‫على طوله‪ .‬فالول منها مار من المغممرب إلممى المشممرق مممع‬
‫خط الستواء بحده من جهة الجنوب و ليس وراءه هنالممك إل‬
‫القفار و الرمال و بعض عمارة إن صحت فهممي كل عمممارة و‬
‫يليه من جهة شمالية القليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع‬
‫و الخامس و السادس و السابع و هو آخر العمران مممن جهممة‬
‫الشمال و ليس وراء السابع إل الخلء و القفار إلى أن ينتهي‬
‫إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء القليممم الول فممي جهممة‬
‫الجنوب إل أن الخلء في جهة الشمالي أقل بكثير من الخلء‬
‫الذي في جهة الجنوب‪ .‬ثم أن أزمنممة الليممل و النهممار تتفمماوت‬
‫في هممذه القمماليم بسممبب ميممل الشمممس عممن دائرة معممدلي‬
‫النهار و ارتفاع القطب الشمالي عن آفاقهمما فيتفمماوت قمموس‬
‫الليل و النهار لذلك و ينتهممي طممول الليممل و النهممار فممي آخممر‬
‫القليم الول و ذلك عند حلول الشمس برأس الجدي لليل و‬
‫برأس السرطان للنهممار كممل واحممد منهممما إلممى ثلث عشممرة‬

‫سماعة و كمذلك فمي آخممر القليمم الثماني مممما يلممي الشممال‬
‫فينتهممي‪ ،‬طممول النهممار فيممه عنممد حلممول الشمممس بممرأس‬
‫السرطان و هو منقلبها الصمميفي إلممى ثلث عشممرة سمماعة و‬
‫نصف ساعين و مثله أطول الليل عند منقلبها الشتوي برأس‬
‫الجدي و يبقى للقصر من الليل و النهار ما يبقى بعممد الثلث‬
‫عشرة و نصف من جملة أربع و عشرين السمماعات الزمانيممة‬
‫لمجموع الليل و النهممار و هممي دورة الفلممك الكاملممة و كممذلك‬
‫في آخر القليم الثالث مما يلممي الشمممال أيضما ً ينتهيممان إلممى‬
‫أربع عشرة ساعة و في آخر الرابع إلى أربع عشرة سمماعة و‬
‫نصف ساعة و في آخر الخامس إلى خمس عشممرة سمماعة و‬
‫في آخر السادس إلى خمس عشممرة سمماعة و نصممف و إلممى‬
‫آخر السابع إلى ست عشرة ساعة و هنالك ينقطممع العمممران‬
‫فيكون تفاوت هذه القاليم فممي الطممول مممن ليلهمما و نهارهمما‬
‫بنصف ساعة لكل إقليمه يتزايد من أوله فممي ناحيممة الجنمموب‬
‫إلى آخر في ناحية الشمال موزعة على أجممزاء هممذا البعممد‪ .‬و‬
‫أما عرض البلدان في هذه القاليم و هو عبممارة عممن بعممد ممما‬
‫بين سمت رأس البلد و دائرة معدل النهار الممذي هممو سمممت‬
‫رأس خط الستواء و بمثله سواء ينخفممض القطممب الجنمموبي‬
‫عن أفق ذلك البلد و يرتفع القطب الشمالي عنه و هممو ثلثممة‬
‫أبعمماد متسمماوية تسمممى عممرض البلممد كممما مممر ذلممك قبممل‪ .‬و‬
‫المتكلمون على هذه الجغرافيا قسممموا كممل واحممد مممن هممذه‬
‫القاليم السبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشممرة‬
‫أجزاء متساوية و يذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منهمما مممن‬
‫البلدان و المصار و الجبال و النهممار و المسممافات بينهمما فممي‬
‫المسالك و نحن الن نوجز القول في ذلممك و نممذكر مشمماهير‬
‫البلدان و النهار و البحار في كل جزء منها و نحاذي بذلك ممما‬
‫وقع في كتاب نزهة المشتاق الممذي ألفممه العلمموي الدريسممي‬
‫الحمودي لملك صقلية من الفرنج و هو زخار بن زخار عندما‬
‫كان نازل ً عليه بصقلية بعد خروج صقلية مممن إمممارة مالقممة و‬
‫كان تأليفه للكتاب في منتصف المممائة السادسممة و جمممع لممه‬
‫كتبا ً جمة للمسعودي و ابن خرداذيه و الحمموقلي و القممدري و‬

‫ابممن إسممحاق المنجممم و بطليممموس و غيرهممم و نبممدأ منهمما‬
‫بالقليم الول إلى آخرها و الله سبحانه و تعالى يعصمنا بمنه‬
‫و فضله‪.‬‬
‫القليم الول‪ ،‬و فيه من جهة غربيه الجممزائر الخالممدات الممتي‬
‫منها بدأ بطليموس بأخممذ أطمموال البلد و ليسممت فممي بسمميط‬
‫القليم و إنما هي في البحر المحيط في جزر متكثرة أكبرهمما‬
‫و أشهرها ثلث و يقال أنها معمورة و قد بلغنا أن سفائن من‬
‫الفرنج مرت بها في أواسط هذه المممائة و قمماتلوهم فغنممموا‬
‫منهممم و سممبوا و بمماعوا بعممض أسممراهم بسممواحل المغممرب‬
‫القصى و صاروا إلى خدمة السمملطان فلممما تعلممموا اللسممان‬
‫العربي أخبروا عممن حممال جزائرهممم و أنهممم يحتفممرون الرض‬
‫للزراعة بالقرون و أن الحديد مفقود بأرضهم و عيشممهم مممن‬
‫الشعير و ماشمميتهم المعممز و قتممالهم بالحجممارة يرمونهمما إلممى‬
‫خلف و عبممادتهم السممجود للشمممس إذا طلعممت و ل يعرفممون‬
‫دينا ً و لم تبلغهم دعوة و ل يوقف على مكان هذه الجممزائر إل‬
‫بالعثور ل بالقصد إليها لن سفر السفن فممي البحممر إنممما هممو‬
‫بالرياح و معرفة جهممات مهابهمما و إلممى أيممن يوصممل إذا مممرت‬
‫على الستقامة من البلد الممتي فممي ممممر ذلممك المهممب و إذا‬
‫اختلف المهب و علم حيث يوصل على الستقامة حمموذي بممه‬
‫القلممع محمماذاة يحمممل السممفينة بهمما علممى قمموانين فممي ذلممك‬
‫محصلة عند النواتية و الملحين الذين هم رؤساء السفن في‬
‫البحر و البلد التي في حافات البحممر الرومممي و فممي عممدوته‬
‫مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه فممي الوجممود‬
‫و في وضعها في سواحل البحر على ترتيبها و مهاب الرياح و‬
‫ممراتها على اختلفهمما معهمما فممي تلممك الصممحيفة و يسمممونها‬
‫الكنباص و عليها يعتمدون فممي أسممفارهم و هممذا كلممه مفقممود‬
‫في البحر المحيط فلذلك ل تلج فيممه السممفن لنهمما إن غممابت‬
‫عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها مممع ممما‬
‫ينعقد في جممو هممذا البحممر و علممى سممطح مممائه مممن البخممرة‬
‫الممانعة للسفن في مسيرها و هي لبعمدها ل تمدركها أضمواء‬

‫الشمس المنعكسة من سطح الرض فتحللهمما فلممذلك عسممر‬
‫الهتداء إليها و صعب الوقوف على خبرها‪ .‬و أما الجزء الول‬
‫من هذا القليم ففيه مصب النيل التي من مبممدئه عنممد جبممل‬
‫القمر كما ذكرناه و يسمى نيل السودان و يذهب إلممى البحممر‬
‫المحيط فيصب فيه عند جزيرة أوليك و على هذا النيل مدينة‬
‫سل و تكرور و غانة و كلها لهذا العهد في مملكة ملممك مممالي‬
‫من أمم السودان و إلى بلدهم تسافر تجار المغرب القصى‬
‫و بممالقرب منهمما مممن شممماليها بلد لمتونممة و سممائر طمموائف‬
‫الملثمين و مفاوز يجولون فيها و في جنوبي هممذا النيممل قمموم‬
‫من السودان يقال لهم )) لملم (( و هم كفار و يكتمموون فممي‬
‫وجوههم و أصداغهم و أهل غانة و التكرور يغيممرون عليهممم و‬
‫يسبونهم و يبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلممى المغممرب و كلهممم‬
‫عامة رقيقهم و ليس وراءهم فممي الجنمموب عمممران يعتممبر إل‬
‫أناسممي أقممرب إلممى الحيمموان العجممم مممن النمماطق يسممكنون‬
‫الفيافي و الكهوف و يأكلون العشب و الحبوب غيممر مهيممأة و‬
‫ربما يأكل بعضهم بعضا ً و ليسوا فممي عممداد البشممر‪ .‬و فممواكه‬
‫بلد السودان كلها من قصور صممحراء المغممرب مثممل تمموات و‬
‫تكدرارين و وركلن‪ .‬فكان في غانة فيممما يقممال ملممك و دولممة‬
‫لقوم من العلويين يعرفون ببني صالح و قممال صمماحب كتمماب‬
‫روجار إنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن و ل يعرف‬
‫صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن و قد ذهبت هذه الدولة‬
‫لهذا العهد و صارت غانة لسلطان مممالي و فممي شممرقي هممذا‬
‫البلد في الجزء الثالث من القليم بلد ) كوكو ( على نهر ينبع‬
‫من بعض الجبال هنالك و يمر مغربا ً فيغوص في رمال الجزء‬
‫الثالث و كممان ملممك كوكممو قائم ما ً بنفسممه ثممم اسممتولى عليهمما‬
‫سلطان مالي و أصبحت في مملكته و خربت لهذا العهد مممن‬
‫أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلهمما‬
‫من تاريخ البربر و في جنوبي بلممد كوكممو بلد كمماتم مممن أمممم‬
‫السودان و بعدهم و نغارة على ضفة النيل من شماليه و في‬
‫شممرقي بلد و نغممارة و كمماتم بلد زغمماوة و تمماجرة المتصمملة‬
‫بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذا القليم و فيه يمر نيممل‬

‫مصر ذاهبا ً من مبدإه عند خط السممتواء إلممى البحممر الرومممي‬
‫في الشمال و مخرج هذا النيل مممن جبممل القمممر الممذي فمموق‬
‫خط الستواء بست عشرة درجة و اختلفمموا فممي ضممبط هممذه‬
‫اللفظة فضبطها بعضهم يفتح القاف و الميم نسبة إلممى قمممر‬
‫السماء لشدة بياضه و كممثرة ضمموءه و فممي كتمماب المشممترك‬
‫ة إلى قوم مممن أهممل‬
‫لياقوت بضم القاف و سكون الميم نسب ً‬
‫الهند و كذا ضبطه ابن سعيد فيخممرج مممن هممذا الجبممل عشممر‬
‫عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة و بينهما ستة أميال و‬
‫يخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلثة أنهار تجتمع كلها في‬
‫بطيحة واحدة في أسفلها جبممل معممترض يشممق البحيممرة مممن‬
‫ناحية الشمال و ينقسم ماؤها بقسمين فيمر الغربي منه إلى‬
‫بلد السودان مغربا ً حتى يصب فممي البحممر المحيممط و يخممرج‬
‫الشرقي منه ذاهبا ً إلى الشمال على بلد الحبشممة و النوبممة و‬
‫فيما بينهما و ينقسما في أعلى أرض مصر فيصب ثلثممة مممن‬
‫جداوله في البحر الرومي عند السكندرية‪ .‬و رشيد و دميمماط‬
‫و يصب واحد فممي بحيممرة ملحممة قبممل أن يتصممل بممالبحر فممي‬
‫وسط هذا القليممم الول و علممى هممذا النيممل بممه بلد النوبممة و‬
‫الحبشممة و بعممض بلد الواحممات إلممى أسمموان و حاضممرة بلد‬
‫النوبة مدينة دنقلة و هي في غربي هذا النيل و بعدها علوة و‬
‫بلق و بعدهما جبل الجنادل على ستة مراحممل مممن بلق فممي‬
‫الشمال و هو جبل عال من جهة مصممر و منخفممض مممن جهممة‬
‫النوبة فينفذ فيه النيل و يصب في مهوى بعيممد صممبا ً هممائل ً فل‬
‫يمكن أن تسمملكه المراكممب بممل يحممول الوسممق مممن مراكممب‬
‫السودان فيحمل على الظهر إلى بلد أسوان قاعممدة الصممعيد‬
‫إلى فوق الجنادل و بين الجنادل و أسوان اثنتا عشرة مرحلة‬
‫و الواحات في غربيها عدوة النيل و هي الن خراب و بها آثار‬
‫العمارة القديمة‪ .‬و في وسط هذا القليم في الجزء الخامس‬
‫منه بلد الحبشة على واد يأتي من وراء خط السممتواء ذاهبمما ً‬
‫إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل الهممابط إلممى مصممر و‬
‫قد وهم فيه كثير من الناس و زعممموا أنممه مممن نيممل القمممر و‬
‫بطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا و ذكر أنه ليس من هممذا‬

‫النيل‪ .‬و إلى وسط هذا القليم في الجزء الخاص ينتهي بحممر‬
‫الهند الذي يدخل من ناحية الصين و يغمر عامة هممذا القليممم‬
‫إلى هذا الجزء الخامس فل يبقى فيه عمران إل ما كممان فممي‬
‫الجزائر التي في داخله و هي متمددة يقال تنتهممي إلممى ألممف‬
‫جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشمممال و ليممس منهمما‬
‫في هممذا القليممم الول إل طممرف مممن بلد الصممين فممي جهممة‬
‫الشرق و فممي بلد اليمممن‪ .‬و فممي الجممزء السممادس مممن هممذا‬
‫القليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى‬
‫جهة الشمال و هما بحر قلممزم و بحممر فممارس و فيممما بينهممما‬
‫جزيرة العرب و تشتمل علممى بلد اليمممن و بلد الشممحر فممي‬
‫شرقيها على ساحل هذا البحر الهنممدي و علممى بلد الحجمماز و‬
‫اليمامة و ما إليهما كما نذكره في القليم الثمماني و ممما بعممده‬
‫فأما الذي على ساحل هذا البحر مممن غربيممه فبلممد زالممع مممن‬
‫أطراف بلد الحبشة و مجالت البجة في شمالي الحبشة ممما‬
‫بين جبل العلقي أعالي الصعيد و بين بحر القلزم الهابط من‬
‫البحر الهندي و تحممت بلد زالممع مممن جهممة الشمممال فممي هممذا‬
‫الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمممة‬
‫جبل المندب المائل في وسط البحر الهندي ممتدا ً مع ساحل‬
‫اليمن من الجنوب إلى الشمممال فممي طممول اثنممي عشممر ميل ً‬
‫فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلثة أميال‬
‫أو نحوها و يسمى باب المنممدب و عليممه تمممر مراكممب اليمممن‬
‫إلى ساحل السويس قريبا ً مممن مصممر و تحممت بمماب المنممدب‬
‫جزيرة سواكن و دهلك و قبالته من غربيه مجالت البخة مممن‬
‫أمم السودان كما ذكرناه و من شرقيه في هذا الجممزء تهممائم‬
‫اليمن و منها على ساحله بلممد علممي بممن يعقمموب و فممي جهممة‬
‫الجنوب من بلد زالع و على ساحل هذا البحر من غربيه تممرى‬
‫بربر يتلو بعضها بعضا ً و ينعطف من جنوبيه إلممى آخممر الجممزء‬
‫السادس و يليها هنالك مممن جهممة شممرقيها بلد الزنممج ثممم بلد‬
‫سفالة ممن سماحله الجنموبي بلد الوقمواق متصملة إلمى آخمر‬
‫الجزء العاشر من هذا القليم عند مدخل هذا البحر من البحر‬
‫المحيط‪ .‬و أما جزائر هذا البحر فكثيرة‪ .‬من أعظمهمما جزيممرة‬

‫سرنديب مدورة الشكل‪ .‬و بها الجبممل المشممهور يقممال ليممس‬
‫في الرض أعلى منه و هي قبالة سفالة‪ .‬ثم جزيرة القمممر و‬
‫هي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة و تذهب إلى‬
‫الشمرق منحرفمة بكمثير إلمى أن تقمرب ممن سممواحل أعمالي‬
‫الصين و يحتف بها في هذا البحر من جنوبيها جزائر الوقممواق‬
‫و من شرقيها جزائر السيلن إلى جزائر أخر فممي هممذا البحممر‬
‫كممثيرة العممدد و فيهمما أنممواع الطيممب و الفمماويه و فيهمما يقممال‬
‫معادن الذهب و الزمرد و عامة أهلها على دين المجوسممية و‬
‫فيهم ملوك متعددون و بهذه الجممزائر مممن أحمموالي العمممران‬
‫عجائب ذكرها أهل الجغرافيا و على الضفة الشمالية من هذا‬
‫البحر في الجزء السمادس ممن همذا القليمم بلد اليممن كلهما‬
‫فمن جهة بحر القلزم بلممد زبيممد و المهجممم و تهامممة اليمممن و‬
‫بعدها بلد صغيرة مقر المامة الزبدية و هي بعيدة عن البحممر‬
‫الجنوبي و عن البحر الشرقي و فيما بعد ذلك مدينممة عممدن و‬
‫في شمالها صنعاء و بعدهما إلممى المشممرق أرض الحقمماف و‬
‫ظفار و بعدها أرض حضر موت ثم بلد الشحر ما بيممن البحممر‬
‫الجنوبي و بحر فارس‪ .‬و هذه القطعممة مممن الجممزء السممادس‬
‫هي التي الكشف عنها البحر من أجزاء هذا القليم الوسممطى‬
‫و ينكشف بعممدها قليممل مممن الجممزء التاسممع و أكممثر منممه مممن‬
‫العاشر فيه أعالي بلد الصين و من مممدنه الشممهيرة خممانكو و‬
‫قبالتها من جهة الشرق جزائر السيلن و قممد تقممدم ذكرهمما و‬
‫هذا آخر الكلم في القليم الول و الله سبحانه و تعالى و لي‬
‫التوفيق بمنه و فضله‪.‬‬
‫القليم الثاني‪ :‬و هو متصل بالول من جهممة الشمممال و قبالمة‬
‫المغممرب منممه فممي البحممر المحيممط جزيرتممان مممن الجممزائر‬
‫الخالدات التي مر ذكرها و في الجزء الول و الثاني منه فممي‬
‫الجانب العلى منهما أرض قنورية و بعدها في جهممة الشممرق‬
‫أعممالي أرض غانممة ثممم مجممالت زغمماوة مممن السممودان و فممي‬
‫الجانب السفل منهما صحراء نستر متصلة مممن الغممرب إلممى‬
‫الشرق ذات مفاوز تسلك فيها التجار ما بيممن بلد المغممرب و‬

‫بلد السودان و فيهمما مجممالت الملثميممن مممن صممنهاجة و هممم‬
‫شعوب كثيرة ما بين كزولممة و لمتونممة و مسممراتة و لمطممة و‬
‫وريكممة و علممى سمممت هممذه المفمماوز شممرقا ً أرض فممزان ثممم‬
‫مجممالت أزكممار مممن قبممائل الممبربر ذاهبممة إلممى أعممالي الجممزء‬
‫الثالث على سمتها في الشرق و بعدها من هذا الجزء الثالث‬
‫و هي جهة الشمال منه بقية أرض وذان و على سمتها شرقا ً‬
‫أرض سنترية و تسمى الواحات الداخلة و فممي الجممزء الرابممع‬
‫من أعله بقية أرض البمماجويين ثممم يعممترض فممي وسممط هممذا‬
‫الجزء بلد الصعيد حافات النيل الذاهب من مبدأه في القليم‬
‫الول إلى مصبه في البحر فيمر في هذا الجزء بيممن الجبليممن‬
‫الحاجزين و هما جبل الواحات من غربيه و جبل المقطم من‬
‫شرقيه و عليه من أعله بلممد أسممنا و أرمنممت و يتصممل كممذلك‬
‫حافاته إلى أسمميوط و قمموص ثممم إلممى صممول و يفممترق النيممل‬
‫هنالك على شعبين ينتهي اليمن منهما فممي هممذا الجممزء عنممد‬
‫اللهون و اليسر عند دلص و فيما بينهما أعالي ديار مصممر و‬
‫في الشرق مممن جبممل المقطممم صممحارى عيممذاب ذاهبممة فممي‬
‫الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحممر السممويس و هممو بحممر‬
‫القلممزم الهممابط مممن البحممر الهنممدي فممي الجنمموب إلممى جهممة‬
‫الشمال و في عدوته الشرقية من هممذا الجممزء أرض الحجمماز‬
‫من جبل يلملم إلى بلد يثرب في وسط الحجاز مكة شممرفها‬
‫الله و في ساحلها مدينة جدة تقابل بلد عيممذاب فممي العممدوة‬
‫الغربية من هذا البحر‪ .‬و في الجزء السادس مممن غربيممه بلد‬
‫نجممد أعلهمما فمي الجنموب و تبالمة و جممرش إلمى عكماظ ممن‬
‫الشمال و تحت نجد من هذا الجزء بقية أرض الحجاز و علممى‬
‫سمتها في الشرق بلد نجران و خيبر و تحتها أرض اليمامة و‬
‫على سمت نجران في الشرق أرض سممبأ و مممأرب ثممم أرض‬
‫الشحر و ينتهي إلى بحر فارس و هو البحر الثاني الهابط من‬
‫البحر الهندي إلى الشمال كما مممر و يممذهب فممي هممذا الجممزء‬
‫بانحراف إلى الغرب فيمممر ممما بيممن شممرقيه و جمموفيه قطعممة‬
‫مثلثة عليها من أعله مدينة قلهات و هي سمماحل الشممحر ثممم‬
‫تحتها على ساحله بلد عممال‪ .‬ثمم بلد البحريمن و هجمر منهما‬

‫في آخر الجزء و في الجممزء السممابع فممي العلممى مممن غربيممه‬
‫قطعة من بحر فارس تتصل بم القطعة الخرى في السادس‬
‫و يغمر بحر الهند جانبه العلى كله و عليه هنالممك بلد السممند‬
‫إلى بلد مكران و يقابلها بلد الطوبران و هي من السند أيضا ً‬
‫فيتصل السند كله في الجانب الغربي من هذا الجزء و تحول‬
‫المفاوز بينه و بيممن أرض الهنممد و يمممر فيممه نهممره التممي مممن‬
‫ناحية بلد الهند و يصب في البحر الهندي في الجنمموب و أول‬
‫بلد الهند على ساحل البحر الهندي و فممي سمممتها شممرقا ً بلد‬
‫بلهرا و تحتها الملتممان بلد الصممنم المعظممم عنممدهم‪ ،‬ثممم إلممى‬
‫أسفل من السند‪ ،‬ثم إلى أعالي بلد سجستان‪ .‬و في الجممزء‬
‫الثامن من غربيه بقيممة بلد بلهممرا مممن الهنممد‪ ،‬و علممى سمممتها‬
‫شرقا ً بلد القندهار‪ .‬ثم بلد منيبار و في الجانب العلى علممى‬
‫ساحل البحر الهندي و تحتها في الجالب السممفل أرض كابممل‬
‫و بعدها شرقا ً إلى البحر المحيط بلد القنوج ما بيممن قشمممير‬
‫الداخلمة و قشممير الخارجمة عنمد آخمر القليمم و فمي الجمزء‬
‫التاسع ثم في الجانب الغربي منه بلد الهند القصى و يتصممل‬
‫فيه إلى الجانب الشممرقي فيتصممل مممن أعله إلممى العاشممر و‬
‫تبقى في أسممفل ذلممك الجممانب قطعممة مممن بلد الصممين فيهمما‬
‫مدينة شيغون ثم تتصل بلد الصممين فممي الجممزء العاشممر كلممه‬
‫إلممى البحممر المحيممط و اللممه و رسمموله أعلممم و بممه سممبحانه‬
‫التوفيق و هو و لي الفضل و الكرم‪.‬‬
‫القليم الثالث‪ :‬و هو متصل بالثاني مممن جهممة الشمممال ففممي‬
‫الجممزء الول منممه و علممى نحممو الثلممث مممن أعله جبممل درن‬
‫معترض فيه من غربيه عند البحر المحيط إلممى الشممرق عنممد‬
‫آخر و يسكن هذا الجبل من البربر أمم ل يحصيهم إل خالقهم‬
‫حسبما يممأتي ذكممره و فممي القطعممة الممتي بيممن هممذا الجبممل و‬
‫القليم الثاني و على البحر المحيط منها رباط ماسة و يتصل‬
‫به شرقا ً بلد سوس و نول و على سمتها شرقا ً بلد درعة ثم‬
‫بلد سجلماسة ثمم قطعممة مممن صمحراء نسمتر المفمازة المتي‬
‫ذكرناها في القليم الثاني و هذا الجبل مطل على هممذه البلد‬

‫كلها في هذا الجزء و همو قليممل الثنايما و المسممالك فمي همذه‬
‫الناحية الغربية إلممى أن يسممامت وادي ملويممة فتكممثر ثنايمماه و‬
‫مسالكه إلى أن ينتهي و في هذه الناحية منه أمم المصممامدة‬
‫ثممم هنتانممة ثممم تينملمك ثممم كممدميوه ثمم مشممكورة و ثممم آخممر‬
‫المصامدة فيه ثم قبائل صنهاكة و هم صنهاجة و في آخر هذا‬
‫الجزء منه بعض قبائل زناتمة و يتصمل بمه هنالمك ممن جموفيه‬
‫جبل أوراس و هممو جبممل كتامممة و بعممد ذلممك أمممم أخممرى مممن‬
‫البرابرة نذكرهم في أماكنهم‪ .‬ثم إن جبل درن هذا مممن جهممة‬
‫غربيه مطمل علمى بلد المغمرب القصمى و همي فمي جموفيه‬
‫ففي الناحية الجنوبيممة منهمما بلد مراكممش و أغمممات و تممادل ً و‬
‫على البحر المحيمط منهما ربماط أسمفى و مدينمة سمل و فمي‬
‫الجوف عن بلد مراكش بلد فاس و مكناسممة و تممازا و قصممر‬
‫كتامة و هذه هي التي تسمممى المغممرب القصممى فممي عممرف‬
‫أهلهمما و علممى سمماحل البحممر المحيممط منهمما بلممدان أصمميل و‬
‫العرايش و في سمت هذه البلد شرقا ً بلد المغرب الوسممط‬
‫و قاعدتها تلمسان و في سممواحلها علممى البحممر الرومممي بلممد‬
‫هنين و وهران و الجزائر لن همذا البحمر الروممي يخمرج ممن‬
‫البحر المحيط من خليج طنجة في الناحية الغربية من القليم‬
‫الرابع و يذهب مشرقا ً فينتهي إلى بلد الشام فإذا خممرج مممن‬
‫الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا ً و شمممال ً فممدخل فممي‬
‫القليم الثالث و الخامس فلهذا كممان علممى سمماحله مممن هممذا‬
‫القليم الثالث الكثير فممي بلده ثممم يتصممل ببلد الجممزائر مممن‬
‫شرقيها بلد بجايممة فممي سمماحل البحممر ثممم قسممطنطينية فممي‬
‫الشرق منها و في آخر الجزء الول و علمى مرحلمة ممن هممذا‬
‫البحر في جنوبي هممذه البلد و مرتفع ما ً إلممى جنمموب المغممرب‬
‫الوسط بلد أشير ثم بلد المسيلة ثم الزاب و قاعدته بسكرة‬
‫تحت جبل أوراس المتصل بدرن كما مر و ذلك عند آخر هممذا‬
‫الجزء من جهة الشرق و الجزء الثالث من هذا القليممم علممى‬
‫هيئة الجزء الول ثم جبل درن علممى نحممو الثلممث مممن جنمموبه‬
‫ذاهبا ً فيه مممن غممرب إلممى شممرق فيقسمممه بقطعممتين و يعممبر‬
‫البحر الرومي مسافة من شماله فالقطعة الجنوبية عن جبل‬

‫درن غربيها كله مفاوز و في الشرق منها بلد عذامس و فممي‬
‫سمتها شرقا ً أرض و دان التي بقيتها في القليم الثمماني كممما‬
‫مر و القطعة الجوفيممة عممن جبممل درن ممما بينممه و بيممن البحممر‬
‫الرومي في الغممرب منهمما جبممل أوراس و تبسممة و الوبممس و‬
‫على ساحل البحر بلد بونة ثم فممي سمممت هممذه البلد شممرقا ً‬
‫بلد أفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثم السوسة ثممم‬
‫المهدية و في جنوب هذه البلد تحممت جبممل درن بلد الجريممد‬
‫توزر و قفصة و نفراوة و فيما بينهمما و بيممن السممواحل مدينممة‬
‫القيروان و جبل و سلت و سبيطلة و على سمت هممذه البلد‬
‫كلها شرقا ً بلد طرابلممس علممى البحممر الرومممي و بإزائهمما فممي‬
‫الجنوب جبل دمر و نقرة من قبائل هوارة متصلة بجبممل درن‬
‫و في مقابلة غذامس التي مر فممي نهرهمما فممي آخممر القطعممة‬
‫الجنوبية و آخر هذا الجزء في الشرق سممويقة ابممن مشممكورة‬
‫على البحر و في جنوبهمما مجممالت العممرب فممي أرض و دان و‬
‫في الجزء الثالث من هذا القليم يمر أيضا ً فيممه جبممل درن إل‬
‫أنه ينعطف عند آخر إلى الشمال و يممذهب علممى سمممته إلممى‬
‫أن يدخل في البحر الرومي و يسمى هنالممك طممرف أوثممان و‬
‫البحر الرومي من شماليه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما‬
‫بينه و بين جبل درن فالممذي وراء الجبممل فممي الجنمموب و فممي‬
‫الغرب منه بقية أرض و دان‪ .‬و مجالت العرب فيها ثم زويلة‬
‫ابن خطاب ثم رمال و قفار إلى آخر الجممزء فممي الشممرقي و‬
‫فيما بين الجبل و البحر في الغرب منه بلد سرت على البحر‬
‫ثم خلء و قفار تجول فيها العرب ثمم أجدابيمة ثمم برقمة عنمد‬
‫منعطف الجبل ثم طلمسة على البحر هنالك ثم فممي شممرقي‬
‫المنعطف من الجبل مجالت هيب و رواحة إلى آخر الجزء و‬
‫في الجزء الرابع من هممذا القليممم و فممي العلممى مممن غربيممه‬
‫صحارى برقيق و أسممفل منهمما بلد هيممب و رواحممة ثممم يممدخل‬
‫البحر الرومي في هذا الجزء فيغير طائفة منممه إلممى الجنمموب‬
‫حتى يزاحم طرفه العلى و يبقى بينه و بين آخر الجممزء فيهما‬
‫قفار تجول فيها العممرب و علممى سمممتها شممرقا ً بلد الفيمموم و‬
‫هي علممى مصممب أحمد الشممعبين مممن النيممل المذي يمممر علممى‬

‫اللهون من بلد الصعيد في الجزء الرابع من القليم الثاني و‬
‫يصب فممي بحيممرة فيمموم و علممى سمممته شممرقا ً أرض مصممر و‬
‫مدينتها الشهيرة على الشعب الثاني الممذي يمممر بممدلص مممن‬
‫بلد الصممعيد عنممد آخممر الجممزء الثمماني و يفممترق هممذا الشممعب‬
‫افممتراقه ثانيممة مممن تحممت مصممر علممى شممعبين آخريممن مممن‬
‫شطنوف و زفتي و ينقسم اليمن منهما من قرمط بشممعبين‬
‫آخريممن و يصممب جميعهمما فممي البحممر الرومممي فعلممى مصممب‬
‫الغربممي مممن هممذا الشممعب بلممد السممكندرية و علممى مصممب‬
‫الوسط بلد رشيد و على مصب الشممرقي بلممد دميمماط و بيممن‬
‫مصر و القاهرة و بين هذه السواحل البحريممة أسممافل الممديار‬
‫المصرية كلها محشوة عمرانما ً و فلجما ً و فممي الجممزء الخمماص‬
‫من هذا القليم بلد الشام و كثرها على ما أصف و ذلممك لن‬
‫بحممر القلممزم ينتهممي مممن الجنمموب و فممي الغممرب منممه عنممد‬
‫السممويس لنممه فممي ممممره مبتممدىء مممن البحممر الهنممدي إلممى‬
‫الشمال ينعطف آخمذا ً إلمى جهمة الغمرب فتكمون قطعمة ممن‬
‫انعطافه في الجزء طويلة فينتهي فممي الطممرف الغربممي منممه‬
‫إلى السويس و على هذه القطعة بغممد السممويس فمماران ثممم‬
‫جبل الطور ثم أيلة مدين ثم الحوراء في آخرها و من هنالممك‬
‫ينعطف بساحله إلى الجنوب في أرضي الحجاز كما مممر فممي‬
‫القليم الثاني في الجزء الخامس منه و في الناحية الشمالية‬
‫من هذا الجزء قطعة مممن البحممر الرومممي غمممرت كممثيرا ً مممن‬
‫غربيه عليها الفرممما و العريممش و قممارب طرفهمما بلممد القلممزم‬
‫فيضايق ما بينهما من هنالك و بقي شممبه البمماب مفضمميا ً إلممى‬
‫أرض الشام و في غربي هذا الباب فحص الممتيه أرض جممرداء‬
‫ل تنبت كانت مجال ً لبني إسرائيل بعد خروجهممم مممن مصممر و‬
‫قبل دخولهم إلى الشام أربعين سنة كما قصة القرآن‪ ،‬و في‬
‫هذه القطعة من البحر الرومي فممي هممذا الجممزء طائفممة مممن‬
‫جزيرة قبرص و بقيتها في القليم الرابع كممما نممذكره و علممى‬
‫ساحل هذه القطعة عند الطممرف المتضممايق لبحممر السممويس‬
‫بلد العريش و هو آخممر الممديار المصممرية و عسممقلن و بينهممما‬
‫طرف هذا البحر ثم تنحمط هممذه القطعممة فمي انعطافهمما مممن‬

‫هنالك إلى القليم الرابع عند طرابلس و غزة و هنالك ينتهممي‬
‫البحر الرومي فمي جهممة الشمرق و علممى هممذه القطعممة أكممثر‬
‫سواحل الشممام ففممي شممرقه غممزة ثممم عسممقلن و بممانحراف‬
‫يسير عنها إلى الشمال بلد قيسارية ثم كممذلك بلممد عكمماء ثممم‬
‫صور ثم صيداء ثم ينعطف البحممر إلممى الشمممال فممي القليممم‬
‫الرابع و يقابل هذه البلد الساحلية من هذه القطعة في هممذا‬
‫الجزء جبل عظيها يخرج من ساحل أيلممة مممن بحممر القلممزم و‬
‫يذهب في ناحية الشمال منحرفا ً إلى الشرق إلممى أن يجمماوز‬
‫هذا الجزء و يسمى جبل اللكام و كأنه حاجز بين أرض مصممر‬
‫و الشام ففي طرفه عند أيلة العقبة التي يفر عليهمما الحجمماج‬
‫من مصر إلى مكة ثم بعدها في ناحية الشمال مدفن الخليل‬
‫عليه الصلة و السلم عند جبل السراة يتصل من عنممد جبممل‬
‫اللكام المذكور من شمال العقبة ذاهبا ً علممى سمممت الشممرق‬
‫ثم ينعطف قليل ً و في شرقه هنالك بلد الحجر و ديار ثمممود و‬
‫تيماء و دومممة الجنممدل و هممي أسممافل الحجمماز و فوقهمما جبممل‬
‫رضوى و حصون خيبر في جهة الجنوب عنها و فيما بين جبل‬
‫السراة و بحر القلزم صحراء تبوك و في شمال جبل السراة‬
‫مدينة القدس عند جبل اللكممام ثممم الردن ثممم طبريممة و فممي‬
‫شرقيها بلد الغور إلى أذرعات و فممي سمممتها دومممة الجنممدل‬
‫آخر هذا الجزء و هي آخر الحجاز‪ .‬و عند منعطف جبل اللكام‬
‫إلى الشمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة صيدا و‬
‫بيروت من القطعة البحرية و جبل اللكام يعترض بينها و بينها‬
‫و على سممنت دمشممق فممي الشممرق مدينممة بعلبممك ثممم مدينممة‬
‫حمص فممي الجهممة الشمممالية آخممر الجممزء عنممد منقطممع جبممل‬
‫اللكام و في الشرق عن بعلبك و حمص بلد تممدمر و مجممالت‬
‫الباديممة إلممى آخممر الجممزء و فممي الجممزء السممادس مممن أعله‬
‫مجالت العراب تحت بلد نجد و اليمامة ما بين جبل العممرج‬
‫و الصمان إلى البحرين و هجر على بحر فارس و في أسافل‬
‫هذا الجزء تحت المجالت بلد الحيممرة و القادسممية و مغممايض‬
‫الفرات‪ .‬و فيما بعدها شرقا ً مدينة البصرة و فممي هممذا الجممزء‬
‫ينتهي بحر فارس عند عبادان و اليلة من أسافل الجممزء مممن‬

‫شماله و يصب! فيه عنمد عبمادان نهمر دجلمة بعمد أن ينقسمم‬
‫بجداول كمثيرة و تختلمط بمه جمداول أخمرى ممن الفمرات ثمم‬
‫تجتمممع كلهمما عنممد عبممادان و تصممب فممي بحممر فممارس و هممذه‬
‫القطعة من البحر متسمعة فمي أعله مضمايقة فمي آخمر فمي‬
‫شرقيه و ضيقة عنممد منتهمماه مضممايقة للحممد الشمممالي منممه و‬
‫على عدوتها الغربية منه أسافل البحرين و هجر و الحسمماء و‬
‫فمي غربهما أخطمب و الصممان و بقيمة أرض اليماممة و علمى‬
‫عدوته الشرقية سواحل فارس من أعلها و هو من عند آخممر‬
‫الجزء من الشرق لما على طممرف قممد امتممد مممن هممذا البحممر‬
‫مشرقا ً و وراءه إلى الجنوب في هذا الجزء جبال القفص من‬
‫كرمان و تحت هرمز على الساحل بلد سيراف و نجيرم على‬
‫ساحل هذا البحر و في شرقيه إلى آخممر هممذا الجممزء و تحممت‬
‫هرمز بلد فارس مثل سابور و دار أبجرد و نسا و إصممطخر و‬
‫الشاهجان و شيراز و هي قاعممدتها كلهمما و تحممت بلد فممارس‬
‫إلى الشمال عند طرف البحر بلد خوزستان و منها الهواز و‬
‫تسممتر و صممدى و سممابور و السمموس و رام هرمممز و غيرهمما و‬
‫أزجال و هي حد ما بين فارس و خوزستان و في شرقي بلد‬
‫خوزستان جبممال الكممراد متصمملة إلممى نممواحي أصممبهان و بهمما‬
‫مسمماكنهم و مجممالتهم وراءهمما فممي أرض فممارس و تسمممى‬
‫الرسوم‪ .‬و في الجزء السابع في العلممى منممه مممن المغممرب‬
‫بقية جبال القفص و يليها من الجنوب و الشمال بلد كرمممان‬
‫و مكممران و مممن مممدنها الممرودن و الشمميرجان و جيرفممت و‬
‫يزدشير و البهرج و تحت أرض كرمان إلى الشمال بقيممة بلد‬
‫فارس إلى حدود أصبهان و مدينممة أصممبهان فممي طممرف هممذا‬
‫الجزء ما بين غربه و شماله ثم في المشرق عن بلد كرمممان‬
‫و بلد فممارس أرض سجسممتان و كوهسممتان فممي الجنمموب و‬
‫أرض كوهستان في الشمممال عنهمما و يتوسممط بيممن كرمممان و‬
‫فارس و بين سجستان و كوهستان‪ ،‬و في وسط هممذا الجممزء‬
‫المفمماوز العظمممى القليلممة المسممالك لصممعوبتها مممن مممدن‬
‫سجسممتان بسممت الطمماق و أممما كوهسممتان فهممي مممن بلد‬
‫خراسان و من مشاهير بلد سرخس و قوهستان آخر الجزء‪.‬‬

‫و في الجزء الثامن غربممه و جنموبه مجممالت الحلممج ممن أممم‬
‫الترك متصلة بأرض سجستان من غربها و بأرض كابل الهنممد‬
‫من جنوبها و في الشمال عممن هممذه المجممالة جبممال الغممور و‬
‫بلدها و قاعممدتها غزنممة فرضممة الهنممد و فممي آخممر الغممور مممن‬
‫الشمال بلد أستراباذ ثم في الشمال غرب ما ً إلممى أخممر الجممزء‬
‫بلد هراة أوسط خراسان و بها أسفراين و قاشممان و بوشممنج‬
‫و مرو الروذ و الطالقان و الجوزجان و تنتهي خراسان هنالك‬
‫إلى نهر جيحون‪.‬‬
‫القسمممم الثممماني ممممن تفصممميل الكلم علمممى همممذه‬
‫الجغرافيا‬
‫و على هذا النهر من بلد خراسان من غرببه مدينة بلخ و في‬
‫شرقيه مدينة ترمذ و مدينة بلخ كانت كرسي مملكة الترك و‬
‫هممذا النهممر نهممر جيحممون مخرجممه مممن بلد و جممار فممي حممدود‬
‫بذخشان مما يلي الهند و يخرج من جنوب هذا الجممزء و عنممد‬
‫آخر من الشرق فينعطف عن قرب مغربا ً إلى وسط الجزء و‬
‫يسمى هنالك نهر خرناب ثم ينعطف إلى الشمال حممتى يمممر‬
‫بخراسممان و يممذهب علممى سممنته إلممى أن يصممب فممي بحيممرة‬
‫خوارزم في القليم لخامس كما نذكره و يمده عند انعطممافه‬
‫في وسممط الجممزء مممن الجنمموب إلممى الشمممال خمسممة أنهممار‬
‫عظيمة من بلد الختل و الوخش ممن شمرقيه و أنهمار أخمرى‬
‫من جبال البتم من شرقيه أيضا ً و جوفي الجبل حتى يتسممع و‬
‫يعظم بما ل كفاء له و من هذه النهممار الخمسممة الممممدة لممه‬
‫نهممر و خشمماب يخممرج مممن بلد التبممت و هممي بيممن الجنمموب و‬
‫الشرق من هذا الجزء فيمر مغربا ً بالحر إلى الشمال إلى أن‬
‫يخرج إلى الجزء التاسع قريبا ً من شمال هذا الجممزء يعترضممه‬
‫في طريقه جبل عظيم يمر من وسط الجنوب في هذا الجزء‬
‫و يذهب مشرقا ً بممانحراف إلممى الشمممال إلممى أن يخممرج إلممى‬
‫الجزء التاسع قريبا ً من شمال هممذا الجممزء فيجمموز بلد التبممت‬
‫إلى القطعة الشرقية الجنوبية مممن هممذا الجممزء و يحممول بيممن‬
‫الممترك و بيممن بلد الختممل و ليممس فيممه إل مسمملك واحممد فممي‬

‫وسط الشرق من هذا الجزء جعل فيه الفصل بن يحيى سدا ً‬
‫و بنى فيه بابا ً كسد ياجوج و ماجوج فإذا خرج نهممر و خشمماب‬
‫من بلد التبت و اعترضه هذا الجبل فيمر تحته في مدى بعيد‬
‫إلى أن يمر في بلد الوخش و يصممب فممي نهممر جيحممون عنممد‬
‫حدود بلخ ثم يمر هابط ما ً إلممى الترمممذ فممي الشمممال إلممى بلد‬
‫الجوزجان و في الشرق عن بلد الغور فيما بينهمما و بيممن نهممر‬
‫جيحون بلد الناسممان مممن خراسممان و فممي العممدوة الشممرقية‬
‫هنالك من النهر بلد الختممل و أكثرهمما جبممال و بلد المموخش و‬
‫يحدها من جهة الشمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان‬
‫ة إلممى أن يتصممل طرفهمما‬
‫غربي نهر جيحممون و تممذهب مشممرق ً‬
‫بالجبممل العظيممم الممذي خلفممه بلد التبممت و يمممر تحتممه نهممر و‬
‫خشاب كما قلناه فيتصل عند بمماب الفضممل بمن يحيممى و يمممر‬
‫نهر جيحون بين هذه الجبال و أنهار أخرى تصب فيه منها نهر‬
‫بلد الوخش يصب فيه مممن الشممرق تحممت الترمممذ إلممي جهممة‬
‫الشمال و نهر بلخ يخرج من جبال البتم مبدإه عند الجوزجان‬
‫و يصب فيه من غربيه و على هذا النهممر مممن غربيممه بلد آمممد‬
‫من خراسان و في شرقي النهممر مممن هنالممك أرض الصممغد و‬
‫أسر وشنة من بلد الترك و فممي شممرقها أرض فرغانممة أيض ما ً‬
‫إلى آخر الجزء شرقا ً و كل بلد الترك تحوزها جبال البتم إلى‬
‫شمالها و في الجزء التاسع من غربه أرض التبت إلى وسممط‬
‫الجزء و في جنوبيها بلد الهند و في شرقيها بلد الصممين إلممى‬
‫آخر الجزء و في أسفل هذا الجزء شمال ً عممن بلد التبممت بلد‬
‫الخزلجية من بلد الممترك إلممى آخممر الجممزء شممرقا ً و شمممال ً و‬
‫يتصل بها من غربيها أرض فرغانة أيضا ً إلى آخر الجزء شرقا ً‬
‫و من شرقيها أرض التغرغر من الممترك إلممى الجممزء شممرقا ً و‬
‫شما ً‬
‫ل‪ .‬و في الجممزء العاشممر فممي الجنمموب منممه جميعما ً بقيممة‬
‫الصين و أسافله و في الشمال بقية بلد التغرغممر ثممم شممرقا ً‬
‫عنهم بلد خرخير من الترك أيضا ً إلى آخر الجزء شرقا ً و في‬
‫الشمال من أرض خرخير بلد كتمان من الترك و قبالتها فممي‬
‫البحر المحيط جزيممرة اليمماقوت فممي وسممط جبممل مسممتدير ل‬
‫منفذ منه إليها و ل مسلك و الصممعود إلممى أعله مممن خممارجه‬

‫صعب في الغاية و فممي الجزيممرة حيممات قتالممة و حصممى مممن‬
‫الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك الناحية بما يلهمهم اللممه إليممه‬
‫و أهل هذه البلد في هذا الجزء التاسممع و العاشممر فيممما وراء‬
‫خراسان و الجبال كلها مجالت للممترك أمممم ل تحصممى و هممم‬
‫ظواعن رحالة أهل إبل و شاء و بقر و خيل للنتاج و الركمموب‬
‫و الكممل و طمموائفهم كممثيرة ل يحصمميهم إل خممالقهم و فيهممم‬
‫مسلمون مما يلممي بلد النهممر نهممر جيحممون و يغممزون الكفممار‬
‫منهممم الممدائنين بالمجوسممية فيممبيعون رقيقهممم لمممن يليهممم و‬
‫يخرجون إلى بلد خراسان و الهند و العراق‬
‫القليم الرابممع‪ :‬يتصممل بالثممالث مممن جهممة الشمممال‪ .‬و الجممزء‬
‫الول منه في غربيه قطعة من البحر المحيط مستطيلة مممن‬
‫أوله جنوبا ً إلى آخر شمال ً و عليها في الجنوب مدينة طنجة و‬
‫من هذه القطعة تحت طنجة من البحممر المحيممط إلممى البحممر‬
‫الرومي في خليج متضممايق بمقممدار اثنممي عشممر ميل ً ممما بيممن‬
‫طريف و الجزيممرة الخضممراء شمممال ً و قصممر المجمماز و سممبتة‬
‫جنوب ما ً و يممذهب مشممرقا ً إلممى أن ينتهممي إلممى وسممط الجممزء‬
‫الخامس من هذا القليم و ينفسح في ذهابه بتدريممج إلممى أن‬
‫يغمر الربعة الجزاء و أكثر الخامس من هذا القليممم الثممالث‬
‫و الخامس كما سنذكره و يسمى هذا البحممر البحممر الشممامي‬
‫أيضا ً و فيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثم ما‬
‫يرقة ثم منرقة ثممم سممردانية ثممم صممقلية و هممي أعظمهمما ثممم‬
‫بلونس ثم أقريطش ثم قبرص كما نذكرها كلها فممي أجزائهمما‬
‫التي وقعت فيها و يخرج مممن هممذا البحممر الرومممي عنممد آخممر‬
‫الجزء الثالث منه و في الجزء الثممالث مممن القليممم الخممامس‬
‫خليج البنادقممة يممذهب إلممى ناحيممة الشمممال ثممم ينعطممف عنممد‬
‫وسط الجزء من جوفه و يمر مغربا ً إلى أن ينتهي في الجممزء‬
‫الثاني من الخامس و يخرج منه أيضا ً في آخممر الجممزء الرابممع‬
‫شممرقا ً مممن القليممم الخممامس خليممج القسممطنطينية يمممر فممي‬
‫الشمال متضايقا ً في عرض رمية السهم إلى آخر القليم ثممم‬
‫يفضي إلى الجزء الرابع من القليم السادس و ينعطممف إلممى‬

‫بحر نيطش ذاهب ما ً إلممى الشممرق فممي الجممزء الخممامس كلممه و‬
‫نصف السممادس مممن القليممم السممادس كممما نممذكر ذلممك فممي‬
‫أماكنه و عندما يخرج هذا البحر الرومي مممن البحممر المحيممط‬
‫في خليممج طنجممة و ينفسممح إلممى القليممم الثممالث‪ .‬يبقممى فممي‬
‫الجنوب عن الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيهمما مدينممة‬
‫طنجة على مجمع البحرين و بعدها مدينمة سمبتة علمى البحمر‬
‫الرومي ثم قطأون ثم باديس ثم يغمر هممذا البحممر بقيممة هممذا‬
‫الجزء شرقا ً و يخممرج إلممى الثممالث و أكممثر العمممارة فممي هممذا‬
‫الجممزء فممي شممماله و شمممال الخليممج منممه و هممي كلهمما بلد‬
‫الندلس الغربية منها ما بين البحر المحيط و البحممر الرومممي‬
‫أولها طريف عند مجمممع البحريممن و فممي الشممرق منهمما علممى‬
‫ساحل البحر الرومي الجزيرة الخضراء ثم مالقة ثم المنقممب‬
‫ثم المرية و تحت هذه من لدن البحممر المحيممط غربما ً و علممى‬
‫مقربة منه شريش ثم لبلة و قبالتها فيه جزيرة قادس و فممي‬
‫الشرق عن شممريش و لبلممة إشمبيلية ثمم أسممتجة و قرطبمة و‬
‫مديلة ثم غرناطة و جيان و أبدة ثم و اديش و بسطة و تحت‬
‫هذه شنتمرية و شلب على البحر المحيط غربا ً و في الشرق‬
‫عنهما بطلموس و ماردة و يابرة ثم غافق و بزجالة ثم قلعممة‬
‫رياح و تحت هذه أشبونة على البحر المحيط غربا ً و على نهر‬
‫باجة و في الشرق عنها شنترين و موزية على النهر المذكور‬
‫ثم قنطرة السيف و يسامت اشبونة ممن جهمة الشمرق جبمل‬
‫الشارات يبدأ من المغرب هنالممك و يممذهب مشممرقا ً مممع آخممر‬
‫الجزء من شماليه فينتهي إلى مدينة سالم فيما بعممد النصممف‬
‫منه و تحت هذا الجبمل طلمبيرة فمي الشمرق ممن فورنممة ثمم‬
‫طليطلة ثم وادي الحجارة ثممم مدينممة سممالم و عنممد أول هممذا‬
‫الجبممل فيممما بينممه و بيممن أشممبونة بلممد قلمريممة و هممذه غربممي‬
‫الندلس‪ .‬و أما شرقي الندلس فعلى ساحل البحممر الرومممي‬
‫منها بعد المرية قرطاجنة ثم لفتة ثممم دانيممة ثممم بلنسممية إلممى‬
‫طرطوشة آخر الجزء في الشمرق‪ ،‬و تحتهمما شممال ً ليورقمة و‬
‫شقورة تتاخمان بسطة و قلعة رياح مممن غممرب النممدلس ثممم‬
‫مرسية شرقا ً ثم شاطبة تحممت بلنسممية شمممال ً ثممم شممقر ثممم‬

‫طرطوشة ثم طركونة آخر الجزء ثم تحت هممذه شمممال ً أرض‬
‫منجالة وريدة متاخمان لشممقورة و طليطلممة مممن الغممرب ثممم‬
‫أفراغة شرقا ً تحت طرطوشة و شمال ً عنها ثممم فممي الشممرق‬
‫عن مدينممة سممالم تقلممة أيمموب ثممم سرقسممطة ثممم لردة آخممر‬
‫الجزء شرقا ً و شما ً‬
‫ل‪ .‬و الجزء الثاني مممن هممذا القليممم غمممر‬
‫الماء جميعه إل قطعة من غربيه في الشمال فيها بقية جبممل‬
‫البرنات و معناه جبل الثنايمما و السممالك يخممرج إليممه مممن آخممر‬
‫الجزء الول من القليم الخامس يبدأ مممن الطممرف المنتهممي‪،‬‬
‫من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء جنوبا ً و شممرقا ً و يمممر‬
‫في الجنوب بالحر إلى الشرق فيخرج في هذا القليم الرابممع‬
‫منحرفا ً عن الجزء الول منه إلى هذا الجزء الثاني فيقممع فيممه‬
‫قطعة منه تفضممي ثناياهمما إلمى الممبر المتصممل و تسممى أرض‬
‫غشممكونية و فيممه مدينممة خريممدة و قرقشممونة و علممى سمماحل‬
‫البحر الرومي من هذه القطعة مدينة برشمملونة ثممم أربونممة و‬
‫في هذا البحر الذي غمر الجممزء جممزائر كممثيرة و الكممثير منهمما‬
‫غير مسممكون لصممغرها ففممي غربيممه جزيممرة سممردانية و فممي‬
‫شممرقيه جزيممرة صممقلية متسممعة القطممار يقممال إن دورهمما‬
‫سبعمائة ميل و بها مدن كممثيرة مممن مشمماهيرها سرقوسممة و‬
‫بلرم و طرابغة و مازر و مسيني و هذه الجزيرة تقابممل أرض‬
‫أفريقيممة و فيممما بينهممما جزيممرة أعممدوش و مالطممة‪ .‬و الجممزء‬
‫الثالث من هذا القليم مغمور أيضا ً بالبحر إل ثلث قطممع مممن‬
‫ناحية الشمالي الغربيممة منهمما أرض قلوريممة و الوسممطى مممن‬
‫أرض أبكيردة و الشرقية من بلد البنادقة‪ .‬و الجزء الرابع من‬
‫هذا القليم مغمور أيضما ً بممالبحر كممما مممر و جممزائره كممثيرة و‬
‫أكثرها غير مسكون كما في الثممالث و المغمممور منهمما جزيممرة‬
‫بلممونس فممي الناحيممة الغريبممة الشمممالية و جزيممرة أقريطممش‬
‫مستطيلة من وسط الجممزء إلممى ممما بيممن الجنمموب و الشممرق‬
‫منة‪ .‬و الجزء الخامس من هذا القليم غمر البحر منممه مثلثممة‬
‫كبيرة بين الجنوب و الغرب ينتهي الضلع الغربممي منهمما إلممى‪،‬‬
‫آخر الجزء في الشمال و ينتهي الضلع الجنوبي منها إلى نحو‬
‫الثلثين من الجزء و يبقى فممي الجممالب الشممرقي مممن الجممزء‬

‫قطعة نحو الثلث يمر الشمالي منها إلى الغرب منعطف ما ً مممع‬
‫البحر كما قلناه و في النصف الجنوبي منها أسممافل الشممام و‬
‫يمر في وسطها جبل اللكام إلى أن ينتهممي إلممى آخممر الشممام‬
‫في الشمال فينعطف من هنالك ذاهبا ً إلممى القطممر الشممرقي‬
‫الشمالي و يسمى بعد انعطافه جبل السلسمملة و مممن هنالممك‬
‫يخرج إلى القليم الخامس و يجوز من عنممد منعطفممه قطعممة‬
‫من بلد الجزيرة إلى جهة الشرق و يقوم مممن عنممد منعطفممه‬
‫من جهة المغرب جبال متصلة بعضممها ببعممض إلممى أن ينتهممي‬
‫إلى طرف خارج من البحر الرومممي متممأخر إلممى آخممر الجممزء‬
‫من الشمالي و بين هذه الجبال ثنايمما تسمممى الممدروب و هممي‬
‫التي تفضي إلى بلد الرمن و في هذا الجزء قطعة منها بيممن‬
‫هذه الجبال و بين جبل السلسلة فأممما الجهممة الجنوبيممة الممتي‬
‫قدمنا أن فيها أسافل الشام و أن جبل اللكممام معممترض فيهمما‬
‫بين البحر الرومي و آخممر الجممزء مممن الجنمموب إلممى الشمممال‬
‫فعلممى سمماحلي البحممر بلممد أنطرطمموس فممي أول الجممزء مممن‬
‫الجنوب متاخمة لغزة و طرابلممس علممى سمماحله مممن القليممم‬
‫الثممالث و فممي شمممال أنطرطمموس جبلممة ثممم اللذقيممة ثممم‬
‫إسكندرونة ثم سلوقية و بعدها شمال ً بلد الممروم و أممما جبممل‬
‫اللكام المعترض بين البحر و آخر الجزء بحافاته فيصاقبه من‬
‫بلد الشام من أعلى الجزء جنوبا ً من غربيه حصن الحواني و‬
‫هو للحشيشة السماعيلية و يعرفون لهذا العهممد بالفداويممة و‬
‫يسمى مصيات و هو قبالة أنطرطمموس و قبالممة همذا الحصممن‬
‫في شرق الجبل بلد سلمية في الشمممال عممن حمممص و فممي‬
‫الشمال و فممي مصمميات بيممن الجبممل و البحممر بلممد انطاكيممة و‬
‫يقابلها في شرق الجبل المعرة و في شرقها المراغممة و فممي‬
‫شمال انطاكية المصيصة ثم أذنة ثم طرسوس آخر الشممام و‬
‫يحاذيهمما مممن غممرب الجبممل قنسممرين ثممم عيممن زربممة و قبالممة‬
‫قنسرين في شرق الجبل حلب و يقابل عين زربة منبممج آخممر‬
‫الشممام‪ .‬و أممما الممدروب فعممن يمينهمما ممما بينهمما و بيممن البحممر‬
‫الرومي بلد الروم التي هي لهذا العهد للتركممان و سملطانها‬
‫ابن عثمان و في ساحل البحر منها بلممد أنطاكيممة و العليمما‪ .‬و‬

‫أما بلد الرمن التي بين جبل الدروب و جبل السلسلة ففيهمما‬
‫بلد مرعش و ملطية و المعممرة إلممى آخممر الجممزء الشمممالي و‬
‫يخرج من الجزء الخامس في بلد الرمن نهممر جيحممان و نهممر‬
‫سمميحان فممي شممرقيه فيمممر بهمما جيحممان جنوبما ً حممتى يتجمماوز‬
‫الدروب ثم يمر بطرسوس ثم بالمصيصة ثم ينعطممف هابط ما ً‬
‫إلى الشمال و مغربا ً حتى يصب فممي البحممر الرومممي جنمموب‬
‫سمملوقية و يمممر نهممر سمميحان مؤازي ما ً لنهممر جيحممان فيحمماذى‬
‫المعرة و مرعش و يتجاوز جبال الدروب إلى أرض الشام ثم‬
‫يممر بعيمن زربمة و يحموز عمن نهمر جيحمان ثمم ينعطمف إلمى‬
‫الشمال مغربما ً فيختلممط بنهممر جيحممان عنممد المصيصممة و مممن‬
‫غربها و أما بلد الجزيرة التي يحيط بها منعطف جبل اللكممام‬
‫إلى جبل السلسلة ففي جنوبها الرافضممة و الرقممة ثممم حممران‬
‫ثم سروج و الرها ثم نصيبين ثم سميساط و آمد تحممت جبممل‬
‫السلسلة و آخر الجزء من شماله و هو أيضا ً آخر الجممزء مممن‬
‫شرقيه و يمر في وسط هذه القطعة نهر الفرات و نهر دجلة‬
‫يخرجان من القليم الخامس و يمران في بلد الرمن جنوبمما ً‬
‫إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمر نهممر الفممرات مممن غربممي‬
‫سميسمماط و سممروج و ينحممرف إلممى الشممرق فيمممر بقممرب‬
‫الرافضة و الرقة و يخرج إلى الجممزء السممادس و يمممر دجلممة‬
‫شرق آمد و ينعطممف قريبما ً إلممى الشممرق فيخممرج قريبما ً إلممى‬
‫الجزء السادس و في الجزء السممادس مممن هممذا القليممم مممن‬
‫غربيه بلد الجزيرة و في الشرق منها بلد العراق متصلة بهمما‬
‫تنتهي في الشرق إلى قرب آخمر الجمزء و يعممترض مممن آخممر‬
‫العراق هنالك جبل أصبهان هابطا ً من جنمموب الجممزء منحرفما ً‬
‫إلى الغرب فإذا انتهي إلى وسط الجزء من آخر في الشمال‬
‫يذهب مغربا ً إلى أن يخرج من الجزء السادس و يتصل علممى‬
‫سنته بجبل السلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجممزة‬
‫السادس بقطعتين غربية و شرقية ففي الغربية مممن جنوبيهمما‬
‫مخرج الفرات من الخامس و في شماليها مخرج دجلممة منممه‬
‫أما الفرات فأول ممما يخممرج إلممى السممادس يمممر بقرقيسمميا و‬
‫يخممرج مممن هنالممك جممدول إلممى الشمممال ينسمماب فممي أرض‬

‫الجزيرة و يغوص في نواحيها و يمر من قرقيسيا غير بعيد ثم‬
‫ينعطف إلى الجنوب فيمر بقرب الخابور إلى غرب الرحبممة و‬
‫يخرج منه جداول من هنالك يمممر جنوب ما ً و لبقممى صممفين فممي‬
‫غربيممه ثممم ينعطممف شممرقا ً و ينقسممم بشممعوب فيمممر بعضممها‬
‫بالكوفة و بعضها بقصر ابن هبيرة و بالجامعين و تخرج جميعا ً‬
‫في جنوب الجزء إلى القليم الثالث فيغوص هنالك في شرق‬
‫الحيرة و القادسية و يخرج الفرات من الرحبة مشممرقا ً علممى‬
‫سمته إلى هيت مممن شمممالها يمممر إلممى الممزاب و النبممار مممن‬
‫جنوبهما ثم يصب في دجلة عند بغداد‪ .‬و أما نهممر دجلممة فممإذا‬
‫دخل من الجزء الخامس إلممى هممذا الجممزء يمممر بجزيممرة ابممن‬
‫عمر على شمالها ثم بالموصل كذلك و تكريت و ينتهممي إلممى‬
‫الحديثة فينعطف جنوبا ً و تبقى الحديثة فممي شممرقه و الممزاب‬
‫الكبير و الصغير كذلك و يمر على سمته جنوب ما ً و فممي غممرب‬
‫القادسية إلى أن ينتهي إلى بغداد و يختلط بالفرات ثممم يمممر‬
‫جنوبما ً علممى غممرب جرجرايمما إلممى أن يخممرج مممن الجممزء إلممى‬
‫القليم الثالث فتنتشر هنالك شممعوبه و جممداوله ثممم يجتمممع و‬
‫يصب هنالك في بحر فارس عند عبادان و فيما بين نهر دجلة‬
‫و الفممرات قبممل مجمعهممما كممما يبغممداد هممي بلد الجزيممرة و‬
‫يختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة‬
‫الشرقية الشمالية منه و ينتهي إلى بلد النهروان قبالة بغممداد‬
‫شرقا ً ثم ينعطممف جنوبما ً و يختلممط بدجلممة قبممل خروجممه إلممى‬
‫القليم الثالث و يبقى ما بين هذا النهر و بين جبممل العممراق و‬
‫العاجم بلد جلولء و فممي شممرقها عنممد الجبممل بلممد حلمموان و‬
‫صيمرة‪ .‬و أما القطعة الغربية من الجزء فيعترض‪ ،‬جبمل يبممدأ‬
‫من جبل العمماجيم مشممرقا ً إلممى آخممر الجممزء و يسمممى جبممل‬
‫شهرزور و يقسمها بقطعتين في الجنموب ممن هممذه القطعممة‬
‫الصغرى بلد خونجان مممن الغممرب و الشمممال عممن أصممبهان و‬
‫تسمى هذه القطعة بلد الهلوس و في وسممطها بلممد نهاونممد و‬
‫في شمالها بلد شهرزور غربا ً عند ملتقممى الجبليممن و الممدينور‬
‫شرقا ً عند آخر الجزء و في القطعة الصغرى الثانيممة مممن بلد‬
‫أرمينية قاعممدتها المراغممة و الممذي يقابلهمما مممن جبممل العممراق‬

‫يسمى باريا و هو مساكن للكراد و الممزاب الكممبير و الصممغير‬
‫الذي على دجلة من ورائه و في آخر هذه القطعممة مممن جهممة‬
‫الشرق بلد أذربيجان و منها تبريز و البيممدقان و فممي الزاويممة‬
‫الشرقية الشمالية من هذا الجزء قطعممة مممن بحممر نيطممش و‬
‫هو بحر الخزر و في الجزء السابع من هذا القليم مممن غربممه‬
‫و جنوبه معظم بلد الهلوس و فيها همذان و قزوين و بقيتهمما‬
‫في القليم الثممالث و فيهمما هنالممك أصممبهان و يحيممط بهمما مممن‬
‫الجنمموب جبممل يخممرج مممن غربهمما و يمممر بممالقليم الثممالث ثممم‬
‫ينعطف من الجزء السادس إلى القليم الرابع و يتصل بجبممل‬
‫العراق في شرقيه الذي مر ذكممره هنالممك و إنممه محيممط ببلد‬
‫الهلوس في القطعة الشممرقية و يهبممط هممذا الجبممل المحيممط‬
‫بأصبهان من القليم الثالث إلى جهممة الشمممال و يخممرج إلممى‬
‫هذا الجزء السابع محيممط ببلد الهلمموس مممن شممرقها و تحتممه‬
‫هنالك قاشان ثم قم و ينعطف في قرب النصف من طريقممه‬
‫مغربا ً بعممض الشمميء ثممم يرجممع مسممتديرا ً فيممذهب مشممرقا ً و‬
‫منحرفما ً إلممى الشمممال حممتى يخممرج إلممى القليممم الخممامس و‬
‫يشتمل على منعطفه و استدارته على بلد الري فممي شممرقيه‬
‫و يبدأ من منعطفه جبل آخر يمر غربا ً إلى آخر هممذا الجممزء و‬
‫من جنوبه من هنالك قزوين و مممن جممانبه الشمممالي و جممانب‬
‫جبل الري المتصل معممه ذاهب ما ً إلممى الشممرق و الشمممال إلممى‬
‫وسط الجزء ثم إلى القليم الخاص بلد طبرستان فيممما بيممن‬
‫هذه الجبال و بيمن قطعمة ممن بحمر طبرسمتان و يمدخل ممن‬
‫القليم الخامس في هذا الجزء فممي نحممو النصممف مممن غربممه‬
‫إلى شرقه و يعممترض عنممد جبممل الممري و عنممد انعطممافه إلممى‬
‫الغرب جبل متصل يمر على سمته مشممرقا ً و بممانحران قليممل‬
‫إلى الجنوب حتى يدخل في الجزء الثامن مممن غربممه و يبقممى‬
‫بين جبل الري و هممذا الجبممل مممن عنممد مبممدأهما بلد جرجممان‬
‫فيما بين الجبلين و منها بسطام و وراء هذا الجبل قطعة من‬
‫هذا الجزء فيها بقية المفازة الممتي بيممن فممارس و خراسممان و‬
‫هي في شممرقيه قاشممان و فممي آخرهمما عنممد هممذا الجبممل بلممد‬
‫أستراباذ و حافات هذا الجبل من شرقيه إلى آخر الجممزء بلد‬

‫نيسابور من خراسان ففي جنوب الجبل و شرق المفازة بلممد‬
‫نيسابور ثم مرو الشاهجان آخر الجزء و في شماله و شرقي‬
‫جرجان بلد مهرجان و خازرون و طوس آخر الجممزء شممرقا ً و‬
‫كل هذا تحت الجبل و في الشمال عنها بلد نسا و يحيط بهمما‬
‫عند زاوية الجزئين الشمال و الشرق مفمماوز معطلممة‪ .‬و فممي‬
‫الجزء الثامن من هذا القليم و في غربيه نهر جيحممون ذاهبمما ً‬
‫من الجنوب إلى الشمال ففي عدوته الغربية رمم و آمل من‬
‫بلد خراسممان و الظاهريممة و الجرجانيممة مممن بلد خمموارزم و‬
‫يحيط بالزاوية الغربية الجنوبية منه جبل أسممتراباذ المعممترض‬
‫في الجزء السابع قبله و يخرج في هممذا الجممزء مممن غربيممه و‬
‫يحيط بهذه الزاوية و فيها بقيممة بلد هممراة و الجوزخممان حممتى‬
‫يتصل بجبل البتم كما ذكرناه هنالك و في شرقي نهر جيحون‬
‫من هذا الجزء و في الجنوب منه بلد بخارى ثم بلد الصغد و‬
‫قاعدتها سمرقند ثم سردارا و أشنة و منها خجندة آخر الجزء‬
‫شرقا ً و في الشمممال عممن سمممرقند و سممردار و أشممنة أرض‬
‫إيلق ثم في الشمال عن إيلق أرض الشاش إلى آخر الجزء‬
‫شرقا ً و يأخذ قطعة من الجزء التاسع في جنوب تلك القطعة‬
‫بقية أرض فرغانة و يخرج من تلك القطعة الممتي فممي الجممزء‬
‫التاسع نهر الشاش يمر معترضما ً فمي الجمزء الثمامن إلمى أن‬
‫ينصب في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء الثامن في‬
‫شماله إلى القليممم الخممامس و يختلممط معممه فممي أرض إيلق‬
‫نهر يأتي من الجزء التاسع من القليم الثالث مممن تخمموم بلد‬
‫التبممت و يختلممط معممه قبممل مخرجممه مممن الجممزء التاسممع نهممر‬
‫فرغانة و على سمت نهر الشمماش جبممل جممبراغون يبممدأ مممن‬
‫القليم الخامس و ينعطف شرقا ً و منحرفا ً إلى الجنوب حتى‬
‫يخرج إلى الجزء التاسع محيطا ً بممأرض الشمماش ثممم ينعطممف‬
‫في الجزء التاسع فيحيط بالشاش و فرغانة هناك إلى جنمموبه‬
‫فيدخل في القليم الثالث و بيممن نهممر الشمماش و طممرف هممذا‬
‫الجبل في وسط هممذا الجممزء بلد فمماراب و بينممه و بيممن أرض‬
‫بخارى و خوارزم مفاوز معطلة و في زاويممة همذا الجممزء ممن‬
‫الشمال و الشرق أرض خجندة و فيها بلد إسبيجاب و طراز‪.‬‬

‫و في الجزء التاسممع مممن هممذا القليممم فممي غربيممه بعممد أرض‬
‫فرغانمممة و الشممماش أرض الخزلجيمممة فمممي الجنممموب و أرض‬
‫الخليجة في الشمال و في شرقي الجزء كله أرض الكيماكية‬
‫و يتصل في الجزء العاشر كله إلممى جبممل قوقيمما آخممر الجممزء‬
‫شرقا ً و على قطعممة مممن البحممر المحيممط هنالممك و هممو جبممل‬
‫يأجوج و مأجوج و هذه المم كلها من شعوب الترك‪ .‬انتهي‪.‬‬
‫القليم الخامس‪ :‬الجممزء الول منممه أكممثره مغمممور بالممماء إل‬
‫قليل ً من جنوبه شرقه لن البحر المحيط بهذه الجهة الغربيممة‬
‫دخل في القليم الخامس و السادس و السممابع عممن الممدائرة‬
‫المحيطة بالقليم فأمما المنكشمف ممن جنموبه فقطعمة علمى‬
‫شكل مثلممث متصمملة مممن هنالممك بالنممدلس و عليهمما بقيتهمما و‬
‫يحيط بها البحر من جهممتين كأنهممما ضمملعان محيطممان بزاويممة‬
‫المثلث ففيها من بقية غرب الندلس سعيور على البحر عنممد‬
‫أول الجزء من الجنوب و الغرب و سلمنكة شرقا ً عنها و في‬
‫جوفها سمورة و في الشرق عن سلمنكة أيلة آخر الجنوب و‬
‫أرض قستالية شرقا ً عنها و فيها مدينة شقونية و في شمالها‬
‫أرض ليون و برغشت ثم وراءهمما فممي الشمممال أرض جليقيممة‬
‫إلى زاوية القطعة و فيها على البحر المحيط في آخر الضمملع‬
‫الغربي بلد شممنتياقو و معنمماه يعقمموب و فيهمما مممن شممرق بلد‬
‫الندلس مدينة شطلية عند آخر الجزء في الجنمموب و شممرقا ً‬
‫عن قستالية و في شمالها و شممرقها و شممقة و بنبلونممة علممى‬
‫سمتها شرقا ً و شمال ً و في غرب بنبلونة قشممتالة ثممم نمماجزة‬
‫فيما بينها و بين برغشت و يعترض وسط هذه القطعممة جبممل‬
‫عظيم محاذ للبحر و للضملع الشممالي الشمرقي منمه و علمى‬
‫قرب و يتصل به و بطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشرق‬
‫الذي ذكرنا من قبل أن يتصممل فممي الجنمموب بممالبحر الرومممي‬
‫في القليم الرابع و يصير حجرا ً على بلد النممدلس مممن جهممة‬
‫الشرق و ثناياه لها أبواب تفضي إلى بلد غشكونية مممن أمممم‬
‫الفرنممج فمنهمما مممن القليممم الرابممع برشمملونة و أربونممة علممى‬
‫سمماحل البحممر الرومممي و خريممدة و قرقشممونة وراءهممما فممي‬

‫الشمممال و منهمما مممن القليممم الخممامس طلوشممة شمممال ً عممن‬
‫خريدة‪ .‬و أما المنكشممف فممي هممذا الجممزء مممن جهممة الشممرق‬
‫فقطعممة علممى شممكل مثلممث مسممتطيل زاويتممه الحممادة وراء‬
‫البرنات شرقا ً و فيها على البحر المحيممط علممى رأي القطعممة‬
‫التي يتصل بها جبل البرنات بلد نيونة و في آخر هذه القطعة‬
‫في الناحية الشممرقية الشمممالية مممن الجممزء أرض بنطممو مممن‬
‫الفرنممج إلممى آخممر الجممزء‪ .‬و فممي الجممزء الثمماني مممن الناحيممة‬
‫الغربيممة منممه أرض غشممكونية و فممي شمممالها أرض بنطممو و‬
‫برغشممت و قممد ذكرناهممما و فممي شممرق بلد غشممكونية فممي‬
‫شمالها قطعة أرض من البحر الرومي دخلت في هذا الجممزء‬
‫كالضرس مائلة إلى الشرق قليل ً و صارت بلد غشكونية فممي‬
‫غربها داخلة في جون من البحممر و علممى رأس هممذه القطعممة‬
‫شمال ً بلد جنوة و على سمتها في الشمال جبل نيت جممون و‬
‫في شماله و على سمممعه أرض برغونممة و فممي الشممرق عممن‬
‫طرف جنوة الخارج من البحر الرومي طرف آخر خممارج منممه‬
‫يبقى بينهما جون داخل من البر في البحر في غزبيه نيممش و‬
‫في شرقيه مدينمة روممة العظمممى كرسممي ملممك الفرنجمة و‬
‫مسكن البابا بطركهم العظم و فيها من المبمماني الضممخمة و‬
‫الهياكل الهائلة و الكنائس العادية ممما هممو معممروف الخبممار و‬
‫من عجائبها النهممر الجمماري فممي وسممطها مممن المشممرق إلممى‬
‫المغرب مفروش قاعه ببلط النحاس و فيها كنيسممة بطممرس‬
‫و بولس من الحواريين و هما مدفونان بها و في الشمال عن‬
‫بلد رومة بلد أقرنصيصة إلى آخر الجزء‪ ،‬و على هذا الطرف‬
‫مممن البحممر الممذي فممي جنمموبه رومممة بلد نابممل فممي الجممانب‬
‫الشممرقي منممه متصمملة ببلممد قلوريممة مممن بلد الفرنممج و فممي‬
‫شمالها طرف من خليج البنادقممة دخممل فممي هممذا الجممزء مممن‬
‫الجزء الثالث مغربا ً و محاذيا ً للشمال من هذا الجزء و انتهممى‬
‫إلى نحو الثلث منه و عليه كممثير مممن بلد البنادقممة دخممل فممي‬
‫هذا الجزء من جنوبه فيما بينممه و بيممن البحممر المحيممط و مممن‬
‫شماله بلد إنكلية في القليم السادس‪ .‬و في الجممزء الثممالث‬
‫من هذا القليم في غربيممه بلد قلوريممة بيممن خليممج البنادقممة و‬

‫البحر الرومممي يحيممط بهمما مممن شممرقيه يصممل مممن برهمما فممي‬
‫القليم الرابع في البحر الرومي في جون بين طرفين خرجمما‬
‫من البحر على سمت الشمال إلممى هممذا الجممزء فممي شممرقي‬
‫بلد قلورية بلد أنكيردة في جون بين خليج البنادقممة و البحممر‬
‫الرومي و يدخل طرف من هذا الجزء في الجون في القليم‬
‫الرابع و فممي البحممر الرومممي و يحيممط بممه مممن شممرقيه خليممج‬
‫البنادقة مممن البحممر الرومممي ذاهبما ً إلممى سمممت الشمممال ثممم‬
‫ينعطف إلى الغممرب محاذي ما ً لخممر الجممزء الشمممالي و يخممرج‬
‫على سمته من القليممم الرابممع جبممل عظيممم يمموازيه و يممذهب‬
‫معه إلى الشمال ثم يغرب معه في القليم السادس إلمى أن‬
‫ينتهممي قبالممة خليممج فممي شممماليه فممي بلد إنكليممة مممن أمممم‬
‫اللمانيين كما نذكر و على هذا الخليج و بينه و بين هذا الجبل‬
‫ماداممما ذاهممبين إلممى الشمممال بلد البنادقممة فممإذا ذهبمما إلممى‬
‫المغممرب فبينهممما بلد حروايما ثممم بلد اللمممانيين عنممد طممرف‬
‫الخليج‪ .‬و في الجزء الرابع من هذا القليم قطعة مممن البحممر‬
‫ة كلهمما بقطمع‬
‫الرومي خرجت إليه من القليم الرابممع مضرسم ً‬
‫من البحر و يخرج منها إلى الشمال و بين كل ضرسين منهمما‬
‫طرف من البحر في الجون بينهما و فممي آخممر الجممزء شممرقا ً‬
‫قطع من البحر و يخرج منها إلى الشمال خليج القسطنطينية‬
‫يخرج من هذا الطرف الجنوبي و يذهب على سمت الشممال‬
‫إلى أن يدخل في القليم السادس و ينعطف من هنالمك عمن‬
‫قرب مشرقا ً إلى بحر نيطممش فممي الجممزء الخممامس و بعممض‬
‫الرابع قبلة و السادس بعدة من القليم السادس كما نذكر و‬
‫بلد القسطنطينية في شرقي هذا الخليج عند آخر الجزء مممن‬
‫الشمال و هي المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصممرة‬
‫و بها من آثار البنمماء و الضممخامة ممما كممثرت عنممه الحمماديث و‬
‫القطعة التي‪ ،‬ما بيممن البحممر الرومممي و خليممج القسممطنطينية‬
‫من هذا الجزء و فيهمما بلد مقدونيممة الممتي كممانت لليونممانيين و‬
‫منها ابتداء ملكهم و في شرقي هذا الخليمج إلمى آخممر الجممزء‬
‫قطعممة مممن أرض بمماطوس و أظنهمما لهممذا العهممد مجممالت‬
‫للتركمان و بها ملك ابن عثمان و قاعدته بها بورصة و كممانت‬

‫من قبلهم للممروم و غلبهممم عليهما لمما المممم إلمى أن صمارت‬
‫للتركمان‪ .‬و في الجزء الخاص من هذا القليممم مممن غربيممه و‬
‫جنوبيه أرض باطوس و في الشمال عنها إلى آخر الجممزء بلد‬
‫عمورية و في شرقي عمورية نهر قباقب الذي يمد الغرات و‬
‫يخرج مممن جبممل هنالممك و يممذهب فممي الجنمموب حممتى يخممالط‬
‫الفرات قبل وصوله من هذا الجممزء إلممى ممممره فممي القليممم‬
‫الرابع و هنالك في غربيه آخر الجزء في مبدأ سيحال ثم نهممر‬
‫جيحان غربيه الذاهبين على سمممته و قممد مممر ذكرهممما و فممي‬
‫شممرقه هنالممك مبممدأ نهممر دجلممة الممذاهب علممى سمممته و فممي‬
‫ممموازاته حمتى يخمالطه عنممد بغممداد و فمي الزاويممة المتي بيممن‬
‫الجنوب و الشرق من هذا الجزء وراء الجبل الممذي يبممدأ منممه‬
‫نهر دجلة بلد ميافارقين و نهر قباقب الذي ذكرناه يقسم هذا‬
‫الجزء بقطعتين إحداهما غربية جنوبية و فيهمما أرض بمماطوس‬
‫كما قلناه و أسافلها إلى آخر الجزء شمال ً و وراء الجبل الذي‬
‫يبدأ منه نهر قباقب أرض عمورية كما قلناه و القطعة الثانيممة‬
‫شرقية شمالية على الثلث فممي الجنمموب منهمما مبممدأ دجلممة و‬
‫الفرات و في الشمال بلد البيلقان متصمملة بأرضممي عموريممة‬
‫من وراء جبل قبمماقب و هممي عريبممة و فممي آخرهمما عنممد مبممدإ‬
‫الفرات بلد خرشنة و في الزاوية الشممرقية الشمممالية قطعممة‬
‫من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية‪.‬‬
‫القسمممم الثمممالث ممممن تفصممميل الكلم علمممى همممذه‬
‫الجغرافيا‬
‫و في الجزء السادس من هذا القليم في جنمموبه و غربممه بلد‬
‫ارمينية متصلة إلى أن يتجاوز وسط الجزء إلى جانب الشرق‬
‫و فيهمما بلممدان أردن فممي الجنمموب و الغممرب و فممي شمممالها‬
‫تفليس و دبيل و في شرق أردن مدينة خلط ثم بردعممة فممي‬
‫جنوبهمما بممانحراف إلممى الشممرق مدينممة أرمينيممة و مممن هنالممك‬
‫مخممرج بلد أرمينيممة إلممى القليممم الرابممع و فيهمما هنالممك بلممد‬
‫المراغة في شرقي جبل الكراد المسمممى بممأرمى و قممد مممر‬
‫ذكره في الجزء السادس منه و يتماخم بلد أرمينيمة فمي همذا‬

‫الجزء و في القليم الرابممع قبلمه مممن جهمة الشمرق فيهما بلد‬
‫أذربيجان و آخرهمما فممي هممذا الجممزء شممرقا ً بلد اردبيممل علممى‬
‫قطعة من بحر طبرستان دخلممت فممي الناحيممة الشممرقية مممن‬
‫الجزء السابع و يسمى بحر طبرسان و عليه من شمماله فمي‬
‫هذا الجزء قطعة من بلد الخزر و هممم التركمممان و يبممدأ مممن‬
‫عند آخر هذه القطعة البحرية في الشمال جبال يتصل بعضها‬
‫ببعممض علممى سمممت الغممرب إلممى الجممزء الخمماص فتمممر فيممه‬
‫منعطفة و محيطة ببلد ميافارقين و يخرج إلى القليم الرابممع‬
‫عند آمد و يتصل بجبمل السلسملة فمي أسمافل الشمام و ممن‬
‫هنالك يتصل بجبل اللكام كما مر و بين هذه الجبال الشمالية‬
‫فممي هممذا الجممزء ثنايمما كممالبواب تفضممي مممن الجممانبين ففممي‬
‫جنوبيها بلد البواب متصلة في الشرق إلى بحر طبرسممتان و‬
‫عليه من هذه البلد مدينة باب البممواب و تتصممل بلد البممواب‬
‫فممي الغممرب مممن ناحيممة جنوبيهمما ببلممد أرمينيممة و بينهممما فممي‬
‫الشرق و بين بلد أذربيجان الجنوبية بلد الممزاب متصمملة إلممى‬
‫بحر طبرستان و في شمال هذه الجبال قطعة من هذا الجزء‬
‫في غربها مملكة السرير في الزاوية الغربية الشمالية منها و‬
‫في زاوية الجزء كله قطعة أيضا ً من بحر نيطش الممذي يمممده‬
‫خليج القسطنطينية و قد مر ذكره و يخف بهذه القطعممة مممن‬
‫نيطش بلد السرير وعليها منها بلممد أطرابزيممدة و تتصممل بلد‬
‫السرير بين جبل البواب و الجهة الشمممالية مممن الجممزء إلممى‬
‫أن ينتهي شرقا ً إلى جبل حاجز بينها و بين أرض الخزر و عند‬
‫آخرها مدينة صول و وراء هذا الجبل الحاجز قطعة من أرض‬
‫الخزر تنتهي إلى الزاوية الشرقية الشمممالية مممن هممذا الجممزء‬
‫من بحر طبرستان و آخر الجزء شما ً‬
‫ل‪ .‬و الجممزء السممابع مممن‬
‫هذا القليم غربيه كلممه مغمممور ببحممر طبرسممتان و خممرج مممن‬
‫جنوبه في القليم الرابع القطعة التي ذكرنا هنالممك أن عليهمما‬
‫بلد طبرستان و جبال الديلم إلممى قزويممن و فممي غربممي تلممك‬
‫القطعة متصلة بها القطعممة الممتي فممي الجممزء السممادس مممن‬
‫القليم الرابع و يتصل بها من شمالها القطعة التي في الجزء‬
‫السادس من شرقه أيضا ً و ينكشممف مممن هممذا الجممزء قطعممة‬

‫عند زاويته الشمالية الغربيممة يصممب فيهمما نهممر أثممل فممي هممذا‬
‫البحممر و يبقممى مممن هممذا الجممزء فممي ناحيممة المشممرق قطعممة‬
‫منكشفة من البحر هي مجالت للغز مممن أمممم الممترك يحيممط‬
‫بها جبل من جهة الجنوب داخل فممي الجممزء الثممامن و يممذهب‬
‫في الغرب إلى ما دون وسطه فينعطف إلى الشمال إلى أن‬
‫يلقي بحر طبرستان فيحتممف بممه ذاهبما ً معممه إلممى بقيتممه فمي‬
‫القليم السادس ثم ينعطممف مممع طرفممه و يفممارقه و يسمممى‬
‫هنالك جبل سياه و يممذهب مغرب ما ً إلممى الجممزء السممادس مممن‬
‫القليم السادس ثممم يرجممع جنوبما ً إلممى الجممزء السممادس مممن‬
‫القليم الخامس و هذا الطرف منه و هو الممذي اعممترض فممي‬
‫هذا الجزء بين أرض السرير و أرض الخممزر و اتصمملت بممأرض‬
‫الخممزر فممي الجممزء السممادس و السممابع حافممات هممذا الجبممل‬
‫المسمى جبل سياه كممما سمميأتي‪ .‬و الجممزء الثممامن مممن هممذا‬
‫القليم الخممامس كلممه مجممالت للغممز مممن أمممم الممترك و فممي‬
‫الجهة الجنوبية الغربية‪ .‬منه بحيرة خوارزم الممتي يصممب فيهمما‬
‫نهر جيحون دورها ثلثمائة ميل و يصب فيها أنهار كممثيرة مممن‬
‫أرض هممذه المجممالت و فممي الجهممة الشمممالية الشممرقية منممه‬
‫بحيرة عرعون دورها أربعمائة ميل و ماؤها حلو و في الناحية‬
‫الشمالية من هذا الجزء جبل مرغار و معناه جبل الثلج لنه ل‬
‫يذوب فيه و هو متصل بآخر الجزء و في الجنوب عممن بحيممرة‬
‫عرعون جبل من الحجر الصلد ل ينبت شيئا ً يسمممى عرعممون‬
‫و به سميت البحيرة و ينجلب منه و من جبل مرغار شمممالي‬
‫البحيرة أنهار ل تنحصر عدتها فتصب فيها من الجانبين‪ .‬و في‬
‫الجزء التاسع من هذا القليم بلد أركس من أمم الممترك فممي‬
‫غرب بلد الغز و شممرق بلد الكيماكيممة و يحممف بممه مممن جهممة‬
‫الشممرق آخممر الجممزء جبممل قوقيمما المحيممط بيممأجوج و مممأجوج‬
‫يعترض هنالك من الجنمموب إلممى الشمممال حممتى ينعطممف أول‬
‫دخوله من الجزء العاشر و قد كان دخل إليه من آخممر الجممزء‬
‫العاشر من القليم الرابع قبله و احتف هنالك بالبحر المحيط‬
‫إلى آخر الجزء فممي الشمممال ثممم انعطممف مغربما ً فممي الجممزء‬
‫العاشر من القليم الرابع إلى ما دون نصفه و أحاط من أوله‬

‫إلى هنا ببلد الكيماكية ثم خرج إلى الجزء العاشر من القليم‬
‫الخامس فذهب فيه مغربا ً إلى آخره و بقيت في جنمموبه مممن‬
‫هممذا الجممزء قطعممة مسممتطيلة إلممى الغممرب قبممل آخممر بلد‬
‫الكيماكيممة ثممم خممرج إلممى الجممزء التاسممع فممي شممرقيه و فممي‬
‫العلى منه و انعطف قريبا ً إلى الشمال و ذهب علممى سمممته‬
‫إلى الجزء التاسع من القليممم السممادس و فيممه السممد هنالممك‬
‫كما نذكره و بقيت منه القطعة الممتي أحمماط بهمما جبممل قوقيمما‬
‫عند الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء مستطيلة إلممى‬
‫الجنوب و هي من بلد يأجوج و مأجوج و في الجممزء العاشممر‬
‫من هممذا القليممم أرض يممأجوج و مممأجوج فتصممله فممي كلممه إل‬
‫ة من البحر غمرت طرفما ً فممي شممرقيه مممن جنمموبه إلممى‬
‫قطع ً‬
‫شماله إل القطعة التي يفصلها إلممى جهممة الجنمموب و الغممرب‬
‫جبل قوقيا حيمن مممر فيمه و ممما سمموى ذلمك فمأرض يممأجوج و‬
‫مأخوج و الله سبحانه و تعالى أعلم‪.‬‬
‫القليم السممادس‪ .‬فممالجزء الول منممه غمممر البحممر أكممثر مممن‬
‫نصفه و اسممتدار شممرقا ً مممع الناحيممة الشمممالية ثممم ذهممب مممع‬
‫الناحيممة الشممرقية إلممى الجنمموب و انتهممى قريب ما ً مممن الناحيممة‬
‫الجنوبية فانكشممف قطعممة مممن هممذه الرض فممي هممذا الجممزء‬
‫داخلة بيممن الطرفيممن و فممي الزاويممة الجنوبيممة الشممرقية مممن‬
‫البحر المحيط كممالجون فيممه و ينفسممح طممول ً و عرضما ً و هممي‬
‫كلها أرض بريطانية و في بابها بيممن الطرفيممن و فممي الزاويممة‬
‫الجنوبية الشرقية مممن هممذا الجممزء بلد صمماقس متصمملة ببلد‬
‫بنطو التي مر ذكرها فممي الجممزء الول و الثمماني مممن القليممم‬
‫الخامس‪ .‬و الجزء الثاني من هذا القليم دخل البحر المحيممط‬
‫من غربه و شممماله فمممن غربممه قطعممة مسممتطيلة أكممبر مممن‬
‫نصفه الشمالي من شرق أرض بريطانية فممي الجممزء الول و‬
‫اتصلت بها القطعة الخرى في الشمال من غربه إلى شممرقه‬
‫و انفسممحت فممي النصممف الغربممي منممه بعممض الشمميء و فيممه‬
‫هنالممك قطعممة مممن جزيممرة أنكلممترا و هممي جزيممرة عظيمممة‬
‫مشتملة على مممدن و بهمما ملممك ضممخم و بقيتهمما فممي القليممم‬

‫السابع و فممي جنمموب هممذه القطعممة و جزيرتهمما فممي النصممف‬
‫الغربي من هذا الجزء بلد أرمندية و بلد أفلدش متصلين بها‬
‫ثم بلد إفرنسية جنوبا ً و غربا ً ممن هممذا الجمزء و بلد برغونيمة‬
‫شرقا ً عنها و كلها لمم الفرنجة و بلد اللمانيين في النصممف‬
‫الشرقي من الجزء فجنوبه بلد أنكلية ثم بلد برغونية شمال ً‬
‫ثم أرض لهويكة و شطونية و على قطعة البحر المحيط فممي‬
‫الزاويمممة الشممممالية الشمممرقية أرض أفريمممرة و كلهممما لممممم‬
‫اللمانيين‪ .‬و في الجزء الثالث مممن هممذا القليممم فممي الناحيممة‬
‫الغربية بلد مراتية في الجنوب و بلد شطونية في الشمال و‬
‫في الناحية الشرقية بلد أنكوية في الجنوب و بلد بلونية في‬
‫الشمال يعترض بينهما جبل بلواط داخل ً مممن الجممزء الرابممع و‬
‫يمممر مغرب ما ً بممانحراف إلممى الشمممال إلممى أن يقممف فممي بلد‬
‫شطونية آخر النصف الغربي‪ .‬و في الجزء الرابممع فممي ناحيممة‬
‫الجنوب أرض جثوليممة و تحتهمما فممي الشمممال بلد الروسممية و‬
‫يفصل بينهما جبل بلواط من أول الجممزء غرب ما ً إلممى أن يقممف‬
‫في النصف الشرقي و في شرق أرض جثولية بلد جرمانية و‬
‫في الزاوية الجنوبية الشرقية أرض القسممطنطينية و مممدينتها‬
‫عند آخر الخليج الخارج من البحر الرومي و عند مممدفعه فممي‬
‫بحر نيطش فيقع قطيعة من بحر نيطش فممي أعممالي الناحيممة‬
‫الشرقية من هذا الجزء و يمدها الخليج و بينهما فممي الزاويممة‬
‫بلد مسيناه‪ .‬و في الجزء الخامس مممن القليممم السممادس ثممم‬
‫في الناحية الجنوبية عند بحر نيطش يتصممل مممن الخليممج فممي‬
‫آخر الجزء الرابع و يخرج من سمممته مشممرقا ً فيمممر فممي هممذا‬
‫الجزء كله و في بعض السادس علممى طممول ألممف و ثلثمممائة‬
‫ميل من مبممدإه فممي عممرض سممتمائة ميممل و يبقممى وراء هممذا‬
‫البحر في الناحية الجنوبيممة مممن هممذا الجممزء فممي غربهمما إلممى‬
‫شممرقها بممر مسممتطيل فممي غربممه هرقليممة علممى سمماحل بحممر‬
‫نيطش متصلة بممأرض البيلقممان مممن القليممم الخممامس و فممي‬
‫شرقه بلد اللنية و قاعدتها سوتلي على بحممر نيطممش و فممي‬
‫شمال بحر نيطش في هذا الجزء غربا ً أرض ترخان و شممرقا ً‬
‫بلد الروسية و كلها على سمماحل هممذا البحممر و بلد الروسممية‬

‫محيطة ببلد ترخان من شرقها في هممذا الجممزء مممن شمممالها‬
‫في الجزء الخامس من القليم السابع و من غربها في الجزء‬
‫الرابع من هذا القليم‪ .‬و في الجزء السادس في غربيه بقيممة‬
‫بحر نيطش و ينحرف قليل إلى الشمال و يبقى بينه هنالممك و‬
‫بين آخر الجزء شمال ً بلد قمانية و في جنمموبه منفسممحا ً إلممى‬
‫الشمال بما انحرف هو كذلك بقية بلد اللنية التي كانت آخر‬
‫جنوبه في الجزء الخامس و فممي الناحيممة الشممرقية مممن هممذا‬
‫الجزء متصل أرض الخزر و في شرقها أرض برطمماس و فممي‬
‫الزاوية الشرقية الشمالية أرض بلغار و في الزاوية الشممرقية‬
‫الجنوبية أرض بلجر يجوزها هنمماك قطعممة مممن جبممل سممياكوه‬
‫المنعطف مع بحر الخزر في الجزء السابع بعده و يذهب بعد‬
‫مفارقته مغربا ً فيجوز في هذه القطعممة و يممدخل إلممى الجممزء‬
‫السادس من القليم الخامس فيتصل هنالك بجبل البممواب و‬
‫عليه من هنالك ناحية بلد الخزر‪ .‬و في الجزء السابع من هذا‬
‫القليم في الناحية الجنوبية ما جازه جبل سياه بعممد مفممارقته‬
‫بحر طبرستان و هو قطعة من أرض الخزر إلممى آخممر الجممزء‬
‫غربا ً و في شرقها القطعة من بحر طبرسممتان الممتي يجوزهمما‬
‫هممذا الجبممل مممن شممرقها و شمممالها و وراء جبممل سممياه فممي‬
‫الناحيممة الغربيممة الشمممالية أرض برطمماس و فممي الناحيممة‬
‫الشرقية من الجزء أرض شحرب و يخناك و هم أمم الممترك‪.‬‬
‫و في الجزء الثامن و الناحية الجنوبية منة كلها أرض الجولممخ‬
‫مممن الممترك فممي الناحيممة الشمممالية غربمما و الرض المنتنممة و‬
‫شرق الرض التي يقال إن يأجوج و مأجوج خرباها قبممل بنمماء‬
‫السد و في هذه الرض المنتنممة مبممدأ نهممر الثممل مممن أعظممم‬
‫أنهممار العممالم و ممممره فممي بلد الممترك و مصممبه فممي بحممر‬
‫طبرستان في القليم الخامس في الجزء السممابع منممه و هممو‬
‫كثير النعطاف يخرج من جبل مممن الرض المنتنممة مممن ثلثممة‬
‫ينابيع تجتمع في نهر واحد و يمر على سمت الغرب إلى آخر‬
‫السابع من هذا القليم فينعطف شمال ً إلى الجزء السابع من‬
‫القليممم السممابع فيمممر فممي طرفممه بيممن الجنمموب و المغممرب‬
‫فيخرج في الجزء السادس من السممابع و يممذهب مغرب ما ً غيممر‬

‫بعيممد ثممم ينعطممف ثانيممة إلممى الجنمموب و يرجممع إلممى الجممزء‬
‫السادس ممن القليمم السمادس و يخمرج منممه جمدول يمذهب‬
‫مغربا ً و يصب في بحر نيطش في ذلك الجزء و يمر هممو فممي‬
‫قطعة بين الشمال و الشرق في بلد بلغار فيخرج في الجزء‬
‫ة إلممى الجنمموب و‬
‫السابع من القليم السادس ثم ينعطف ثالث ً‬
‫ينفذ في جبل سياه و يمر في بلد الخزر و يخرج إلى القليم‬
‫الخممامس فممي الجممزء السممابع منممه فيصممب هنالممك فممي بحممر‬
‫طبرستان في القطعة التي انكشفت من الجزء عنممد الزاويممة‬
‫الغربية الجنوبية‪ .‬والجزء التاسع من هذا القليم فممي الجممانب‬
‫الغربممي منممه بلد خفشمماخ مممن الممترك و هممم قفجمماق و بلد‬
‫الشركس منهم أيضا ً و فممي الشممرق منممه بلد يممأجوج يفصممل‬
‫بينهما جبل قوقيمما المحيممط و قممد مممر ذكممره يبممدأ مممن البحممر‬
‫المحيط فممي شممرق القليممم الرابممع و يممذهب معممه إلممى آخممر‬
‫القليم في الشمال و يفارقه مغربا ً و بانحراف إلممى الشمممال‬
‫حتى يدخل في الجزء التاسع من القليم الخامس فيرجع إلى‬
‫سمته الول حتى يدخل في هممذا الجممزء التاسممع مممن القليممم‬
‫من جنوبه إلى شماله بانحراف إلممى المغممرب و فممي وسممطه‬
‫ههنا السد الذي بنمماه السممكندر ثممم يخممرج علممى سمممته إلممى‬
‫القليم السابع و في الجزء التاسع منه فيمر فيه إلى الجنوب‬
‫إلى أن يلقى البحر المحيط في شماله ثم ينعطف معممه مممن‬
‫هنالك مغربا ً إلمى القليممم السممابع إلمى الجممزء الخممامس منممه‬
‫فيتصل هنالك بقطعة مممن البحممر المحيممط فممي غربيممه و فممي‬
‫وسط هذا الجزء التاسع هو السممد الممذي بنمماه السممكندر كممما‬
‫قلناه و الصحيح من خبره في القرآن و قد ذكر عبد اللممه بممن‬
‫خرداذبة في كتابه في الجغرافيمما أن الواثممق رأى فممي منممامه‬
‫كأن السد انفتح فانتبه فزعا ً و بعث سملما الترجمممان فوقمف‬
‫عليه و جاء بخبره وصفه في حكاية طويلة ليست من مقاصد‬
‫كتابنا هذا و في الجزء العاشممر مممن هممذا القليممم بلد مممأجوج‬
‫متصلة فيممه إلممى آخممره علممى قطعممة مممن هنالممك مممن البحممر‬
‫المحيممط أحمماطت بممه مممن شممرقه و شممماله مسممتطيلة فممي‬
‫الشمال و عريضة بعض الشيء في الشرق‪.‬‬

‫القليم السابع‪ :‬و البحممر المحيممط قممد غمممر عممامته مممن جهممة‬
‫الشمال إلى وسط الجزء الخامس حيث يتصممل بجبممل قوقيمما‬
‫المحيط بيأجوج و مممأجوج‪ .‬فممالجزء الول و الثمماني مغممموران‬
‫بالماء إل ما انكشف من جزيممرة أنكلممترا الممتي معظمهمما فممي‬
‫الثاني و في الول منها طرف انعطف بانحراف إلى الشمممال‬
‫و بقيتها مع قطعة من البحر مستديرة عليه في الجزء الثاني‬
‫من القليم السادس و هي مذكورة هناك والمجمماز منهمما إلممى‬
‫الممبر فممي هممذه القطعممة سممعة اثنممي عشممر ميل ً و وراء هممذه‬
‫ة‬
‫الجزيرة في شمال الجزء الثاني جزيممرة رسمملندة مسممتطيل ً‬
‫من الغمرب إلممى الشمرق‪ .‬و الجمزء الثممالث ممن هممذا القليمم‬
‫مغمور أكثره بالبحر إل قطعة مسمتطيلة فمي جنموبه و تتسمع‬
‫في شرقها و فيها هنالك متصل أرض فلونية التي مممر ذكرهمما‬
‫في الثالث مممن القليممم السممادس و أنهمما فممي شممماله و فممي‬
‫القطعة مممن البحممر المتي تغممر هممذا الجمزء ثممم فمي الجمانب‬
‫ة و تتصممل بممالبر مممن بمماب فممي‬
‫الغربي منها مستديرةً فسمميح ً‬
‫جنوبها يفضي إلى بلد فلونية و في شمالها‪ .‬جزيرة برقاعة و‬
‫في نسخة بوقاعة مستطيلة مع الشمممال مممن المغممرب إلممى‬
‫المشرق‪ .‬و الجزء الرابع من هذا القليم شماله كلممه مغمممور‬
‫بالبحر المحيط من المغرب إلى المشرق و جنوبه منكشف و‬
‫في غربه أرض قيمازك من الترك و في شممرقها بلد طسممت‬
‫ثم أرض رسلن إلى آخر الجزء شممرقا ً وهممي دائمممة الثلمموج و‬
‫عمرانها قليل و يتصل ببلد الروسية في القليممم السممادس و‬
‫في الجزء الرابع و الخامس منه و فممي الجممزء الخممامس مممن‬
‫هذا القليم في الناحية الغربية منه بلد الروسية و ينتهي فممي‬
‫الشمال إلى قطعة من البحر المحيط الممتي يتصممل بهمما جبممل‬
‫قوقيا كما ذكرناه من قبل و في الناحية الشرقية منه متصممل‬
‫أرض القمانيممة الممتي علممى قطعممة بحممر نيطممش مممن الجممزء‬
‫السادس من القليم السادس و ينتهي إلى بحيرة طرمى من‬
‫هذا الجزء و هي عذبة تنجلب إليهمما أنهممار كممثيرة مممن الجبممال‬
‫عن الجنوب و الشمال و في شمال الناحية الشرقية من هذا‬
‫الجزء أرض التتارية من الممترك و فممي نسممخة التركمممان إلممى‬

‫آخره و فممي الجممزء السممادس مممن الناحيممة الغربيممة الجنوبيممة‬
‫ة‬
‫متصل بلد القمانية و في وسممط الناحيممة بحيممرة عثممور عذبم ً‬
‫تنجلب إليها النهار من الجبال فمي النمواحي الشمرقية و همي‬
‫جامدة دائمما ً لشممدة الممبرد إل قليل ً فممي زمممن الصمميف و فممي‬
‫شرق بلد القمانية بلد الروسية التي كان مبدؤها في القليم‬
‫السادس في الناحية الشرقية الشمالية من الجممزء الخممامس‬
‫منه و في الزاوية الجنوبية الشرقية من هذا الجزء بقية أرض‬
‫بلغار التي كان مبدؤها فممي القليممم السممادس و فممي الناحيممة‬
‫الشرقية الشمالية من الجزء السادس منه و في وسط هممذه‬
‫القطعة من أرض بلغار منعطف نهر أثل القطعة الولى إلممى‬
‫الجنوب كما مر و في آخر هذا الجممزء السممادس مممن شممماله‬
‫جبل قوقيا متصل من غربه إلى شرقه و فممي الجممزء السممابع‬
‫من هذا القليم في غربه بقية أرض يخناك من أمممم الممترك و‬
‫كان من مبدؤها من الناحيممة الشمممالية الشممرقية مممن الجممزء‬
‫السادس قبله و في الناحية الجنوبية الغربية من هذا الجزء و‬
‫يخرج إلى القليم السادس من فوقه و في الناحية الشممرقية‬
‫بقية أرض سحرب ثممم بقيممة الرض المنتنممة إلممى آخممر الجممزء‬
‫شرقا ً و في آخر الجزء من جهة الشمال جبل قوقيا المحيممط‬
‫متصل من غربه إلممى شممرقه‪ .‬و فممي الجممزء الثممامن مممن هممذا‬
‫القليم في الجنوبية الغربية منه متصل الرض المنتنممة و فممي‬
‫شرقها الرض المحفورة و هي من العجائب خرق عظيم في‬
‫الرض بعيد المهوى فسيح القطار ممتنع الوصول إلى قعممره‬
‫يستدل على عمرانه بالدخان في النهار و النيممران فمي الليممل‬
‫تضيء و تخفى و ربما رئي فيها نهر يشقها من الجنمموب إلممى‬
‫الشمال و في الناحية الشرقية من هذا الجزء البلد الخممراب‬
‫المتاخمة للسد و في آخر الشمال منه جبل قوقيا متصل ً مممن‬
‫الشرق إلى الغرب و في الجزء التاسع من هممذا القليممم فممي‬
‫الجانب الغربي منه بلد خفشماخ و همم قفجمق يجوزهما جبمل‬
‫قوقيا حين ينعطف من شماله عنممد البحممر المحيممط و يممذهب‬
‫في وسطه إلى الجنوب بممانحراف إلممى الشممرق فيخممرج فممي‬
‫الجزء التاسع من القليم السادس و يمر معترضا ً فيممه و فممي‬

‫وسممطه هنالممك سممد‪ .‬يممأجوج و مممأجوج و قممد ذكرنمماه و فممي‬
‫الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض يأجوج وراء جبل قوقيمما‬
‫ة أحاطت بمه ممن شمرقه و‬
‫على البحر قليلة العرض مستطيل ً‬
‫شماله‪ .‬و الجزء العاشر غمر البحر جميعممه‪ .‬هممذا آخممر الكلم‬
‫على الجغرافيا و أقاليمهمما السممبعة و فممي خلممق السممموات و‬
‫الرض و اختلف الليل و النهار ليات للعالمين‪.‬‬
‫المقدمممة الثالثممة فممي المعتممدل مممن القمماليم و‬
‫المنحممرف و تممأثير الهممواء فممي ألمموان البشممر و‬
‫الكثير في أحوالهم‬
‫قد بينا أن المعمور من هممذا المنكشممف مممن الرض إنممما هممو‬
‫وسطه لفراط الحر في الجنوب منه و البرد في الشمممال‪ .‬و‬
‫لما كان الجانبان من الشمال و الجنوب متضادين من الحر و‬
‫البرد وجب أن تندرج الكيفية من كليهما إلى الوسممط فيكممون‬
‫معتدل ً فممالقليم الرابممع أعممدل العمممران و الممذي حافمماته مممن‬
‫الثالث و الخامس أقرب إلى العتدال و الذي يليهما و الثاني‬
‫و السادس بعيدان من العتدال و الول و السابع أبعممد بكممثير‬
‫فلهذا كانت العلوم و الصنائع و المباني و الملبس و القوات‬
‫و الفواكه بل و الحيوانات و جميع ما يتكون في هذه القمماليم‬
‫الثلثة المتوسطة مخصوصة بالعتدال و سممكانها مممن البشممر‬
‫أعدل أجساما ً و ألوانا ً و أخلق ما ً و أديان ما ً حممتى النبممؤات فإنممما‬
‫توجد في الكثر فيها و لم نقف على خممبر بعثممة فممي القمماليم‬
‫الجنوبية و ل الشمالية و ذلك أن النبياء و الرسل إنما يختص‬
‫بهم أكمل النوع في خلقهم و أخلقهم قال تعالى‪ :‬كنتممم خيممر‬
‫أمة أخرجت للناس و ذلك ليتم القبول بما يممأتيهم بممه النبيمماء‬
‫من عند الله و أهل هذه القاليم أكمل لوجممود العتممدال لهممم‬
‫فتجده على غاية مممن التوسممط فممي مسمماكنهم و ملبسممهم و‬
‫أقممواتهم و صممنائعهم يتخممذون الممبيوت المنجممدة بالحجممارة‬
‫المنمقة بالصناعة و يتناغون في اسممتجادة اللت والمممواعين‬
‫ويذهبون في ذلك إلى الغاية وتوجد لديهم المعادن الطبيعيممة‬
‫مممن الممذهب و الفضممة و الحديممد و النحمماس و الرصمماص و‬

‫القصممدير و يتصممرفون فممي معمماملتهم بالنقممدين العزيزيممن و‬
‫يبعممدون عممن النحممراف فممي عامممة أحمموالهم و هممؤلء أهممل‬
‫المغممرب و الشممام و الحجمماز و اليمممن و العراقيممن و الهنممد و‬
‫السممند و الصممين و كممذلك النممدلس و مممن قممرب منهمما مممن‬
‫الفرنجة و الجللقة و الروم و اليونانيين و من كان مع هممؤلء‬
‫أو قريبا ً منهم في هذه القاليم المعتدلة و لهذا كان العراق و‬
‫الشام أعدل هذه كلها لنها وسط من جميممع الجهممات‪ .‬و أممما‬
‫القاليم البعيدة من العتدال مثل الول و الثمماني و السممادس‬
‫و السابع فأهلها أبعد من العتدال في جميع أحوالهم فبناؤهم‬
‫بالطين و القصب و أقواتهم من الذرة و العشب و ملبسممهم‬
‫من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود و أكثرهم عرايا‬
‫من اللباس و فواكه بلدهم و أدمها غريبة التكوين مائلة إلممى‬
‫النحراف و معاملتهم بغير الحجرين الشريفين من نحاس أو‬
‫حديد أو جلود يقدرونها للمعاملت و أخلقهم مع ذلممك قريبممة‬
‫مممن خلممق الحيوانممات العجممم حممتى لينقممل عممن الكممثير مممن‬
‫السودان أهل القليم الول أنهم يسكنون الكهوف و الغيمماض‬
‫و يأكلون العشب و أنهممم متوحشممون غيممر مستأنسممين يأكممل‬
‫بعضهم بعضا ً و كذا الصقالبة و السبب في ذلك أنهم لبعممدهم‬
‫عن العتدال يقرب عممرض أمزجتهممم و أخلقهممم مممن عممرض‬
‫الحيوانات العجم و يبعدون عن النسانية بمقدار ذلك و كذلك‬
‫أحمموالهم فممي الديانممة أيضمما ً فل يعرفممون نبممؤة ً و ل يممدينون‬
‫بشريعة إل من قرب منهم مممن جمموانب العتممدال و هممو فممي‬
‫القممل النممادر مثممل الحبشممة المجمماورين لليمممن الممدائنين‬
‫بالنصرانية فيما قبل السلم و ما بعده لهذا العهد و مثل أهل‬
‫مالي و كوكو و التكرور المجمماورين لرض المغممرب الممدائنين‬
‫بالسلم لهذا العهد يقال أنهم دانوا به في المممائة السممابعة و‬
‫مثممل مممن دان بالنصممرانية مممن أمممم الصممقالبة و الفرنجممة و‬
‫الترك من الشمال و من سوى هؤلء من أهممل تلممك القمماليم‬
‫المنحرفممة جنوب ما ً و شمممال ً فالممدين مجهممول عنممدهم و العلممم‬
‫مفقود بينهم و جميع أحوالهم بعيدة من أحوال الناسي قريبة‬
‫من أحوال البهائم و يخلق ما ل تعلمون و ل يعترض على هذا‬

‫القول بوجود اليمن و حضرموت و الحقمماف و بلد الحجمماز و‬
‫اليمامة و ممما يليهمما مممن جزيممرة العممرب فممي القليممم الول و‬
‫الثاني فأن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات‬
‫الثلث كممما ذكرنمما فكممان لرطوبتهمما أثممر فممي رطوبممة هوائهمما‬
‫فنقص ذلك من اليبس و النحراف الذي يقتضيه الحر و صممار‬
‫فيها بعض العتدال بسبب رطوبممة البحممر‪ .‬و قممد تمموهم بعممض‬
‫النسابين ممن ل علم لديه بطبائع الكائنات أن السممودان هممم‬
‫ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه مممن‬
‫أبيه ظهر أثرها في لونه و فيما جعل الله من الرق في عقبه‬
‫و ينقلون في ذلك حكاية من خرافات القصماص و دعمماء نموح‬
‫على ابنه حام قد وقع في التوراة و ليس فيه ذكممر السممواد و‬
‫إنما دعا عليه بأن يكون ولده عبيدا ً لولد إخوته ل غيممر و فممي‬
‫القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحممر و الممبرد‬
‫و أثرهما في الهواء و فيما يتكون فيه مممن الحيوانممات و ذلممك‬
‫أن هذا اللون شمممل أهممل القليممم الول و الثمماني مممن مممزاج‬
‫هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب فممأن الشمممس تسممامت‬
‫رؤوسهم مرتين فممي كممل سممنة قريبممة إحممداهما مممن الخممرى‬
‫فتطول المسامتة عامة الفصول فيكثر الضمموء لجلهمما و يلممح‬
‫القيظ الشديد عليهم و تسود جلممودهم لفممراط الحممر ونظيممر‬
‫هذين القليميممن مممما يقابلهممما مممن الشمممال القليممم السممابع‬
‫والسادس شمل سممكانهما أيض ما ً البيمماض مممن مممزاج همموائهم‬
‫للبرد المفرط بالشمال إذ الشمس ل تزال بأفقهم في دائرة‬
‫مرأى العين أو ما قرب منها و ل ترتفع إلى المسامتة و ل ما‬
‫قرب منها فيضعف الحر فيهمما و يشممتد الممبرد عامممة الفصممول‬
‫فتبيض ألمموان أهلهمما و تنتهممي إلممى الزعممورة و يتبممع ذلممك ممما‬
‫يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون و برش الجلممود‬
‫و صهوبة الشعور و توسطت بينهما القاليم الثلثممة الخممامس‬
‫و الرابع و الثممالث فكممان لهمما فممي العتممدال الممذي هممو مممزاج‬
‫المتوسط حظ وافر و الرابع أبلغها في العتدال غاية لنهممايته‬
‫في التوسط كما قدمناه فكان لهله من العتدال في خلقهم‬
‫و خلقهم ما اقتضاه مزاج أهويتهم و تبعه من جانبيه الثالث و‬

‫الخامس و أن لممم يبلغمما غايممة التوسممط لميممل هممذا قليل إلممى‬
‫الجنوب الحار و هممذا قليل إلممى الشمممال البممارد إل أنهممما لممم‬
‫ينتهيا إلى النحراف و كانت القاليم الربعة منحرفممة و أهلهمما‬
‫كذلك في خلقهم و خلقهم فالول و الثاني للحممر و السممواد و‬
‫السابع للبرد و البياض و يسمى سكان الجنوب من القليمين‬
‫الول والثمماني باسممم الحبشممة و الزنممج و السممودان أسممماء‬
‫مترادفة على المم المتغيرة بالسواد و إن كان اسم الحبشة‬
‫مختصا ً منهم بمن تجاه مكة و اليمن و الزنج بمممن تجماه بحممر‬
‫الهند و ليست هذه السماء لهم من أجل انتسابهم إلى آدمي‬
‫أسود ل حام و ل غيره و قد نجد من السممودان أهممل الجنمموب‬
‫من يسكن الربع المعتدل أو السممابع المنحممرف إلممى البيمماض‬
‫فتمبيض ألموان أعقمابهم علمى التدريمج ممع اليمام و بمالعكس‬
‫فيمن يسمكن ممن أهممل الشمممال أو الرابممع بمالجنوب فتسممود‬
‫ألوان أعقابهم و في ذلممك دليممل علممى أن اللممون تممابع لمممزاج‬
‫الهواء قال ابن سينا في أرجوزته في الطب‬
‫بالزنج حر غير الجساداحتى كسا جلودها سوادا‬
‫و الصقلب اكتسبت البياضاحتى غدت جلودها بضاضا‬
‫و أما أهل الشمال فلممم يسممموا باعتبممار ألمموانهم لن البيمماض‬
‫كان لونا ً لهل تلممك اللغممة الواضممعة للسممماء فلممم يكممن فيممه‬
‫غرابة تحمل على اعتباره في التسمية لموافقته و اعتيمماده و‬
‫وجدنا سكانه مممن الممترك و الصممقالبة و الطغرغممر و الخممزر و‬
‫ة‬
‫اللن و الكثير من الفرنجة و يأجوج و مأجوج أسماءً متفرف ً‬
‫و أجيال ً متعددة مسمين بأسماء متنوعة و أممما أهممل القمماليم‬
‫الثلثة المتوسطة أهل العتدال في خلقهم و سيرهم و كافممة‬
‫الحوال الطبيعية للعتمار لديهم من المعمماش و المسمماكن و‬
‫الصنائع و العلوم و الرئاسات و الملك فكانت فيهم النبؤات و‬
‫الملك و الممدول و الشممرائع و العلمموم و البلممدان و المصممار و‬
‫المبمماني و الفراسممة و الصممنائع الفائقممة و سممائر الحمموال‬
‫المعتدلة و أهل هذه القاليم التي وقفنا علممى أخبممارهم مثممل‬

‫العرب و الممروم و فممارس و بنممى إسممرائيل و اليونممان و أهممل‬
‫السند و الهنممد و الصممين‪ .‬و لممما رأى النسممابون اختلف هممذه‬
‫المم بسماتها و شعارها حسبوا ذلك لجل النسمماب فجعلمموا‬
‫أهممل الجنمموب كلهممم السممودان مممن ولممد حممام و ارتممابوا فممي‬
‫ألمموانهم فتكلفمموا نقممل تلممك الحكايممة الواهيممة و جعلمموا أهممل‬
‫الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث و أكثر المم المعتدلة‬
‫و أهممل الوسممط المنتحليممن للعلمموم و الصممنائع و الملممل و‬
‫الشرائع و السياسة و الملك من ولد سممام و هممذا الزعممم إن‬
‫صادف الحق في انتساب هممؤلء فليممس ذلممك بقيمماس مطممرد‬
‫إنما هو إخبار عن الواقع ل أن تسمية أهل الجنوب بالسودان‬
‫و الحبشان من أجل انتسابهم إلى حام السممود‪ .‬و ممما أداهممم‬
‫إلى هذا الغلط إل اعتقادهم أن التمييممز بيممن المممم إنممما يقممع‬
‫بالنساب فقط و ليممس كممذلك فممإن التمييممز للجيممل أو المممة‬
‫يكممون بالنسممب فمي بعضمهم كمما للعمرب و بنمي إسممرائيل و‬
‫الفممرس و يكممون بالجهممة و السمممة كممما للزنممج و الحبشممة و‬
‫الصقالبة و السودان و يكون بالعوائد و الشعار و النسب كما‬
‫للعرب‪ .‬و يكمون بغيممر ذلمك ممن أحموال الممم و خواصمهم و‬
‫مميزاتهم فتعميم القول في أهل جهممة معينممة مممن جنمموب أو‬
‫شمال بأنهم من ولد فلن المعروف لما شملهم من نحلممة أو‬
‫لون أو سمة وجدت لذلك الب إنممما هممو مممن الغمماليط الممتي‬
‫أوقع فيها الغفلة عن طبائع الكوان و الجهممات أن هممذه كلهمما‬
‫تتبدل في العقاب و ل يجب استمرارها سنة الله في عبمماده‬
‫و لن تجد لسنة الله تبديل ً و الله و رسوله أعلم بغيبه و أحكم‬
‫و هو المولى المنعم الرؤوف الرحيم‪.‬‬
‫المقدمة الرابعة في أثر الهواء في أخلق البشر‬
‫قد رأينا من خلق السودان على العممموم الخفممة و الطيممش و‬
‫كممثرة الطممرب فتجممدهم مممولعين بممالرقص علممى كممل توقيممع‬
‫موصوفين بالحمق في كل قطر و السبب الصحيح فممي ذلممك‬
‫أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح و السممرور‬
‫هي انتشار الروح الحيواني و تفشيه و طبيعة الحزن بالعكس‬

‫و هو انقباضه و تكاثفه‪ .‬و تقرر أن الحرارة مفشممية للهممواء و‬
‫البخار مخلخلة له زائدة في كميته و لهذا يجد المنتشممي مممن‬
‫الفرح و السرور مال يعبر عنه و ذلك بما يداخل بخممار الممروح‬
‫في القلب من الحرارة العزيزية التي تبعثها سورة الخمر في‬
‫الروح من مزاجه فيتفشممى الممروح و تجيممء طبيعممة الفممرح و‬
‫كذلك نجممد المتنعميممن بالحمامممات إذا تنفسمموا فممي هوائهمما و‬
‫اتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهممم‬
‫فرح و ربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور‪ .‬و‬
‫لما كان السودان ساكنين في القليم الحار و اسممتولى الحممر‬
‫على أمزجتهم و في أصممل تكمموينهم كممان فممي أرواحهممم مممن‬
‫الحممرارة علممى نسممبة أبممدانهم و إقليمهممم فتكممون أرواحهممم‬
‫بالقياس إلى أرواح أهل القليم الرابع أشد حرا ً فتكممون أكممثر‬
‫تفشيا ً فتكون أسرع فرحا ً و سرورا ً و أكثر انبسمماطا ً و يجيممء‬
‫الطيممش علممى أثممر هممذه وكممذلك يلحممق بهممم قليل أهممل البلد‬
‫البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكممس عليممه‬
‫من أضواء بسيط البحممر و أشممعته كممانت حصممتهم مممن توابممع‬
‫الحرارة في الفرح و الخفة موجودة أكممثر مممن بلد التلممول و‬
‫الجبممال البمماردة و قممد نجممد يسمميرا ً مممن ذلممك فممي أهممل البلد‬
‫الجزيرية من القليم الثالث لتوفر الحرارة فيها و في هوائهمما‬
‫لنها عريقة في الجنوب عن الرياف و التلممول و اعتممبر ذلممك‬
‫أيضا ً بأهل مصر فإنهمما مثممل عممرض البلد الجزيريممة أو قريب ما ً‬
‫منها كيف غلب الفرح عليهم و الخفة و الغفلة عممن العممواقب‬
‫ة‬
‫حممتى أنهممم ل يممدخرون أقمموات سممنتهم و ل شممهرهم و عامم ً‬
‫مأكلهم من أسممواقهم‪ .‬و لممما كممانت فمماس مممن بلد المغممرب‬
‫بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف تممرى أهلهمما‬
‫مطرقين إطراق الحزن و كيف أفرطمموا فممي نظممر العممواقب‬
‫حتى أن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبمموب الحنطممة‬
‫و يباكر السواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شمميئا ً مممن‬
‫مدخره وتتبع ذلك في القاليم و البلدان تجد في الخلق أثرا ً‬
‫مممن كيفيممات الهممواء و اللممه الخلق العليممم و قممد تعممرض‬
‫المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان و طيشممهم‬

‫و كثرة الطرب فيهم و حاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من‬
‫أنه نقل عن جالينوس و يعقوب بن إسممحاق الكنممدي أن ذلممك‬
‫لضعف أدمغتهم و ما نشأ عنه من ضعف عقولهم و هذا كلم‬
‫ل محصمل لمه و ل برهمان فيمه و اللمه يهمدي ممن يشماء إلمى‬
‫صراط مستقيم‪.‬‬
‫المقدمة الخامسة في اختلف أحوال العمران فممي‬
‫الخصب و الجوع و ما ينشأ عن ذلممك مممن الثممار‬
‫في أبدان البشر و أخلقهم‬
‫إعلم أن هذه القاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب و‬
‫ل كل سكانها في رغد من العيممش بممل فيهمما ممما يوجممد لهلممه‬
‫خصممب العيممش مممن الحبمموب و الدم و الحنطممة و الفممواكه‪.‬‬
‫لزكمماء المنممابت و اعتممدال الطينممة و وفممور العمممران و فيهمما‬
‫الرض الحمممرة المممترب ل تنبمممت زرعممما ً و ل عشمممبا ً بالجملمممة‬
‫فسكانها في شظف من العيش مثممل أهممل الحجمماز و جنمموب‬
‫اليمممن و مثممل الملثميممن مممن صممنبهاجة السمماكنين بصممحراء‬
‫المغرب و أطراف الرمال فيما بيممن الممبربر و السممودان فممإن‬
‫ة و إنممما أغممذيتهم و‬
‫هممؤلء يفقممدون الحبمموب و الدم جملمم ً‬
‫أقواتهم اللبان و اللحوم و مثممل العممرب أيض ما ً الجممائلين فممي‬
‫القفار فإنهم و إن كانوا يأخذون الحبمموب و الدم مممن التلممول‬
‫إل أن ذلك فممي الحممايين و تحممت ربقممة مممن حاميتهمما و علممى‬
‫القلل لقلة وجدهم فل يتوصلون منه إلى سد الخلة أو دونها‬
‫فضل ً عن الرغممد و الخصممب و تجممدهم يقتصممرون فممي غممالب‬
‫أحوالهم على اللبان و تعوضهم من الحنطة أحسن معمماض و‬
‫تجد مع ذلك هؤلء الفاقدين للحبوب و الدم من أهممل القفممار‬
‫أحسممن حممال ً فممي جسممومهم و أخلقهممم مممن أهممل التلممول‬
‫المنغمسين في العيممش فممألوانهم أصممفى و أبممدانهم أنقممى و‬
‫أشممكالهم أتممم و أحسممن و أخلقهممم أبعممد مممن النحممراف و‬
‫أذهانهم اثقب في المعارف و الدراكممات همذا أممر تشممهد لممه‬
‫التجربة في كل جيل منهم فكثير ما بين العرب و البربر فيما‬
‫وصفناه و بين الملثمين و أهل التلول يعرف ذلك من خبره و‬

‫السبب في ذلك و الله أعلم أن كثرة الغذية و كثرة الخلط‬
‫ة‬
‫الفاسدة العفنة و رطوباتها تولممد فممي الجسممم فضمملت رديئ ً‬
‫تنشأ عنها بعد افظارها في غير نسممبة و يتبممع ذلممك انكسمماف‬
‫اللوان و قبح الشكال من كمثرة اللحمم كمما قلنماه و تغطمي‬
‫الرطوبات على الذهان و الفكار بما يصعد إلممى الممدماغ مممن‬
‫أبخرتهمما الرديممة فتجيممء البلدة و الغفلممة و النحممراف عممن‬
‫العتدال بالجملة و اعتبر ذلممك فممي حيمموان القفممر و مممواطن‬
‫الجممدب مممن الغممزال و النعممام و المهمما و الزرافممة و الحمممر‬
‫الوحشية و البقر مع أمثالها مممن حيمموان التلممول و الريمماف و‬
‫المراعي الخصبة كيف تجد بينها بونا ً بعيدا ً في صفاء أديمها و‬
‫حسن رونقها و أشكالها و تناسممب أعضممائها و حممدة مممداركها‬
‫فالغزال أخو المعز و الزرافممة أخممو البعيممر و الحمممار و البقممر‬
‫أخو الحمار و البقر و البون بينها ما رأيت و ممما ذاك إل لجممل‬
‫أن الخصب في التلول فعل فممي أ بممدان هممذه مممن الفضمملت‬
‫الرديممة و الخلط الفاسممدة ممما ظهممر عليهمما أثممره و الجمموع‬
‫لحيوان القفر حسن في خلقهمما و أشممكالها ممما شمماء و اعتممبر‬
‫ذلممك فممي الدمييممن أيض ما ً فإنمما نجممد أهممل القمماليم المخصممبة‬
‫العيش الكثيرة الزرع و الضرع و الدم و الفواكه يتصف أهلها‬
‫غالبا ً بالبلدة في أذهممانهم و الخشممونة فممي أجسممامهم و هممذا‬
‫شان البربر المنغمسين في الدم و الحنطة مممع المتقشممفين‬
‫فمممي عيشمممهم المقتصمممرين علمممى الشمممعير أو المممذرة مثمممل‬
‫المصامدة منهم و أهل غمارة و السوس فتجد هممؤلء أحسممن‬
‫حال ً في عقولهم و جسومهم و كممذا أهممل بلد المغممرب علممى‬
‫الجملممة المنغمسممين فممي الدم و الممبر مممع أهممل النممدلس‬
‫ة و غالب عيشممهم الممذرة فتجممد‬
‫المفقود بأرضهم السمن حمل ً‬
‫لهممل النممدلس مممن ذكمماء العقممول و خفممة الجسممام و قبممول‬
‫التعليم مال يوجد لغيرهم و كذا أهل الضممواحي مممن المغممرب‬
‫بالجملة مع أهل الحضر و المصممار فممأن المصممار و إن كممانوا‬
‫مكممثرين مثلهممم مممن الدم ومخصممبين فممي العيممش إل أن‬
‫استعمالهم إياها بعد العلج بالطبخ و التلطيممف بممما يخلطممون‬
‫معها فيممذهب لممذلك غلظهمما و يممرق قوامهمما و عامممة مممآكلهم‬

‫لحوم الضأن و الممدجاج و ل يغبطممون السمممن مممن بيممن الدم‬
‫لتفاهته فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم و يخف ممما تممؤديه‬
‫إلى أجسامهم من الفضلت الردية فلذلك تجممد جسمموم أهممل‬
‫المصار ألطف من جسوم الباديمة المخشمنين فمي العيمش و‬
‫كذلك تجد المعودين بالجوع من أهممل الباديممة ل فضمملت فممي‬
‫ة‪ .‬و اعلم أن أثر هذا الخصب فممي‬
‫ة و ل لطيف ً‬
‫جسومهم غليظ ً‬
‫البدن و أحواله يظهر حتى فممي حممال الممدين و العبممادة فنجممد‬
‫المتقشفين من أهمل الباديمة أو الحاضمرة مممن يأخمذ نفسمه‬
‫بالجوع و التجافي عن الملذ أحسن دينا ً و إقبال ً على العبممادة‬
‫من أهل الترف و الخصب بممل نجممد أهممل الممدين قليليممن فممي‬
‫المدن و المصار لما يعمها مممن القسمماوة و الغفلممة المتصمملة‬
‫بالكثار من اللحمان و الدم و لباب البر و يختص وجود العباد‬
‫و الزهاد لذلك بالمتقشفين في غممذائهم مممن أهممل البمموادي و‬
‫كممذلك نجممد هممؤلء المخصممبين فمي العيممش المنغمسممين فمي‬
‫طيباته من أهممل الباديممة و مممن أهممل الحواضممر و المصممار إذا‬
‫نزلت بهم السنون و أخذتهم المجاعممات يسممرع إليهممم الهلك‬
‫أكثر من غيرهم مثل برابممرة المغممرب و أهممل مدينممة فمماس و‬
‫مصر فيما يبلغنا ل مثممل العممرب أهممل القفممر و الصممحراء و ل‬
‫مثل أهل بلد النخل الذين غالب عيشهم التمر و ل مثل أهممل‬
‫أفريقية لهذا العهد الذين غممالب عيشممهم الشممعير و الزيممت و‬
‫أهل الندلس الذين غالب عيشيم الذرة و الزيت فإن هؤلء و‬
‫أن أخذتهم السنون و المجاعات فل تنال منهممم ممما تنممال مممن‬
‫أولئك و ل يكثر فيهما الهلك بمالجوع بمل و ل ينمدر و السمبب‬
‫في ذلك و الله أعلم أن المنغمسين في الخصممب المتعممودين‬
‫للدم و السمن خصوصا ً تكتسممب مممن ذلممك أمعممائهم رطوبممة‬
‫فوق رطوبتها الصلية المزاجية حتى تجاوز حدها فإذا خولممف‬
‫بها العادة بقلة القمموات و فقممدان الدم و اسممتعمال الخشممن‬
‫غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعا اليبس و النكممماش‬
‫و هو ضعيف فممي الغايممة فممي فيسممرع إليممه المممرض و يهلممك‬
‫ة لنه من المقاتل فالهالكون في المجاعممات إنممما‬
‫صاحبه دفع ً‬
‫قتلهم الشبع المعتاد السابق ل الجوع الحادث اللحممق‪ .‬و أممما‬

‫المتعودون لقلة الدم و السمممن فل تممزال رطمموبتهم الصمملية‬
‫ة عند حدها من غير زيممادة و هممي قابلممة لجميممع الغذيممة‬
‫واقف ً‬
‫الطبيعة فل يقع في معاهم بتبدل الغذية يبممس و ل انحممراف‬
‫فيسمملمون فممي الغممالب مممن الهلك الممذي يعممرض لغيرهممم‬
‫بالخصب و كثرة الدم في المآكل و أصل هممذا كلممه أن تعلممم‬
‫أن الغذية و ائتلفها أو تركها إنما هو بالعادة فمن عود نفسه‬
‫غذاء و لءمه تنمماوله كممان لممه مألوفما ً و صممار الخممروج عنممه و‬
‫التبممدل بممه داًء ممما لممم يخممرج عممن غممرض الغممذاء بالجملممة‬
‫كالسموم و اليتوع و ما أفرط في النحراف فأما ما وجد فيه‬
‫التغممذي و الملءمممة فيصممير غممذاء مألوف ما ً بالعممادة فممإذا أخممذ‬
‫النسان نفسه باستعمال اللبن و البقممل عوض ما ً عممن الحنطممة‬
‫حتى صار له ديدنا ً فقد حصل له ذلك غذاء و استغنى به عممن‬
‫الحنطة و الحبوب من غير شك و كذا من عود نفسممه الصممبر‬
‫علممى الجمموع و السممتغناء عممن الطعممام كممما ينقممل عممن أهممل‬
‫الرياضمميات فإنمما نسمممع عنهممم فممي ذلممك أخبممارا ً غريبممة يكمماد‬
‫ينكرها من ل يعرفها و السبب في ذلممك العممادة فممإن النفممس‬
‫إذا ألفت شيئا ً صار من جبلتها و طبيعتها لنهمما كممثيرة التلممون‬
‫فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتدريممج و الرياضممة فقممد حصممل‬
‫ة لهمما و ممما يتمموهمه الطبمماء مممن أن الجمموع‬
‫ذلك عادةً طبيعيم ً‬
‫مهلك فليس على ممما يتوهمممونه إل إذا حملممت النفممس عليممه‬
‫دفعة و قطع عنها الغذاء بالكلية فإنه حينئذ ينحسممم المعمماء و‬
‫يناله المرض الممذي يخشممى معممه الهلك و أممما إذا كممان ذلممك‬
‫ة بإقلل الغذاء شمميئا ً فشمميئا ً كممما يفعلممه‬
‫القدر تدريجا ً و رياض ً‬
‫المتصوفة فهممو بمعممزل عممن الهلك و هممذا التدريممج ضممروري‬
‫حتى في الرجمموع عممن هممذه الرياضممة فممإنه إذا رجممع بممه إلممى‬
‫ة خيف عليه الهلك و إنما يرجع بممه كممما بممدأ‬
‫الغذاء الول دفع ً‬
‫في الرياضة بالتدريج و لقد شمماهدنا مممن يصممبر علممى الجمموع‬
‫أربعيممن يوممما ً و صممال ً و أكممثر‪ .‬و حضممر أشممياخنا ً بمجلممس‬
‫السمملطان أبممى الحسممن و قممد رفممع إليممه امرأتممان مممن أهممل‬
‫الجزيرة الخضراء و رندة حبسممتا أنفسممهما عممن الكممل جملممة‬
‫منذ سنين و شاع أمرهما و وقممع اختبارهممما فصممح شممأنهما و‬

‫اتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا و رأينا كثيرا ً من أصحابنا‬
‫أيضا ً من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقممم ثممديها فممي‬
‫بعض النهار أو عنممد الفطممار و يكممون ذلممك غممذاءه و اسممتدام‬
‫ة و غيرهممم كممثيرون و ل يسممتنكر‬
‫على ذلك خمس عشرة سن ً‬
‫ذلك‪ .‬و اعلم أن الجوع أصلح للبممدن مممن إكثممار الغذيممة بكممل‬
‫وجه لمن قدر عليه أو على القلل منها أو على القلل منهمما‬
‫و إن له أثرا ً في الجسممام و العقممول فممي صممفاتها و صمملحها‬
‫كما قلناه و اعتبر ذلك بآثممار الغذيممة الممتي تحصممل عنهمما فممي‬
‫الجسمموم فقممد رأينمما المتغممذين بلحمموم الحيوانممات الفمماخرة‬
‫العظيمة الجثمان تنشأ أجيالهم كذلك و هذا مشاهد في أهممل‬
‫الباديممة مممع أهممل الحاضممرة و كممذا المتغممذون بألبممان البممل و‬
‫لحومها أيضا ً مع ما يؤثر في أخلقهم من الصبر و الحتمال و‬
‫القممدرة علممى حمممل الثقممال الموجممود ذلممك للبممل و تنشممأ‬
‫أمعاؤهم أيضا ً على نسبة أمعاء البل في الصحة و الغلممظ فل‬
‫يطرقها الوهن و ل ينالها ممن ممدار الغذيمة مما ينمال غيرهمم‬
‫فيشمممربون اليتوعمممات لسمممتطلق بطمممونهم غيمممر محجوبمممة‬
‫كالحنظممل قبممل طبخممه و الممدرياس و القربيممون و ل ينممال‬
‫أمعاءهم منها ضممرر و هممي لممو تناولهمما أهممل الحضممر الرقيقممة‬
‫أمعاؤهم بمما نشممأت عليممه مممن لطيممف الغذيممة لكممان الهلك‬
‫أسرع إليهم من طرفة العين لما فيها من السمية و من تأثير‬
‫الغذية فممي البممدان ممما ذكممره أهممل الفلحممة و شمماهده أهممل‬
‫التجربة أن المدجاج إذا غمذيت بمالحبوب المطبوخمة فمي بعمر‬
‫البل و اتخذ بيضها ثم حضنت عليه جاء الممدجاج منهمما أعظممم‬
‫ما يكون و قد يستغنون عممن تغممذيتها و طبممخ الحبمموب بطممرح‬
‫ذلمك البعممر ممع المبيض المحضمن فيجيممء دجاجهما فمي غايممة‬
‫العظم و أمثال ذلك كثيرة فإذا رأينا هممذه الثممار مممن الغذيممة‬
‫في البممدان فل شممك أن للجمموع أيضما ً آثممارا فممي البممدان لن‬
‫الضدين على نسبة واحدة في المتأثير و عممدمه فيكممون تممأثير‬
‫الجوع في نقاء البدان مممن الزيممادات الفاسممدة و الرطوبممات‬
‫المختلطة المخلة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثرا ً فممي‬
‫وجود ذلك الجسم و الله محيط بعلمه‪.‬‬

‫المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر‬
‫بمممالفطرة أو الرياضمممة و يتقمممدمه الكلم فمممي‬
‫الوحي و الرؤيا‬
‫إعلم أن الله سبحانه اصطفى مممن البشممر أشخاص ما ً فضمملهم‬
‫بخطابه و فطرهم على معرفته و جعلهم وسائل بينهم و بيممن‬
‫عبمماده يعرفممونهم بمصممالحهم و يحرضممونهم علممى هممدايتهم و‬
‫يأخذون بحجزاتهم عن النار و يدلونهم على طريممق النجمماة و‬
‫كان فيما يلقيه إليهم مممن المعممارف ويظهممره علممى ألسممنتهم‬
‫من الخوارق و الخبار الكائنممات المغيبممة عممن البشممر الممتي ل‬
‫سبيل إلى معرفتها إل مممن اللممه بوسمماطتهم و ل يعلمونهمما إل‬
‫بتعليم الله إياهم قال صلى الله عليه وسلم أل و أني ل أعلم‬
‫إل ما علمني الله و اعلم أن خبرهم في ذلك مممن خاصمميته و‬
‫ضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان لك عنممد بيممان حقيقممة‬
‫النبؤة و علمة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حممال‬
‫الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيممط كأنهمما غشممي أو‬
‫إغماء في رأي العين و ليست منهممما فممي شمميء و إنممما هممي‬
‫في الحقيقة استغراق فممي لقمماء الملممك الروحمماني بممإدراكهم‬
‫المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية ثم يتنزل إلى‬
‫المممدارك البشممرية إممما بسممماع دوي مممن الكلم فيتفهمممه أو‬
‫يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عنممد اللممه ثممم‬
‫تنجلي عنه تلك الحال و قد وعى ما القي إليه قال صلى الله‬
‫عليممه و سمملم‪ :‬و قممد سممئل عممن المموحي أحيان ما ً يممأتيني مثممل‬
‫صلصلة الجرس و هو أشده علي فيفصم عنممي و قممد وعيممت‬
‫ما قال و أحيانما ً يتمثممل لممي الملممك رجل فيكلمنممي فممأعي ممما‬
‫يقول و يدركه أثناء ذلك مممن الشممدة و الغممط مممال يعمبر عنمه‬
‫ففي الحديث كان مما يعالج من التنزيل شدة و قالت عائشة‬
‫كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنممه و‬
‫إن جبينه ليتفصد عرقا ً و قال تعالى‪ :‬إنا سممنلقي عليممك قممول ً‬
‫ثقيل ً و لجل هذه الغايمة فمي تنممزل الموحي كممان المشمركون‬
‫يرمون النبياء بالجنون و يقولون له رئي أو تابع مممن الجممن و‬

‫إنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظماهر تلمك الحموال و ممن‬
‫يضلل الله فما له من هاد‪ .‬و من علماتهم أيضا ً أنه يوجد لهم‬
‫قبممل المموحي خلممق الخيممر و الزكمماء و مجانبممة المممذمومات و‬
‫الرجس أجمع و هذا هو معنى العصمة و كممأنه مفطممور علممى‬
‫التنزه عن المذمومات و المنافرة لها و كأنها منافية لجبلته و‬
‫في الصحيح أنه حمل الحجارة و هممو غلم مممع عمممه العبمماس‬
‫لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشمميا ً عليممه‬
‫حتى استتر بإزاره و دعي إلممى مجتمممع وليمممة فيهمما عممرس و‬
‫لعممب فأصممابه غشممي النمموم إلممى أن طلعممت الشمممس و لممم‬
‫يحضر شيئا ً من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كلممه حممتى إنممه‬
‫بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله‬
‫عليه و سلم ل يقرب البصل و الثوم فقيل له في ذلك فقممال‬
‫إني أناجي من ل تناجون و انظر لما أخممبر النممبي صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم خديجممة رضممي اللممه عنهمما بحممال المموحي أول ممما‬
‫فجأته و أرادت اختباره فقالت اجعلني بينك و بين ثوبك فلممما‬
‫فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك و ليس بشيطان و معناه‬
‫أنه ل يقرب النساء و كذلك سألته عن أحممب الثيمماب إليممه أن‬
‫يأتيه فيها فقال البياض و الخضرة فقالت إنه الملك يعنممي أن‬
‫البياض و الخضرة من ألوان الخير و الملئكممة و السممواد مممن‬
‫ألوان الشر و الشياطين و أمثال ذلك‪ .‬و من علممماتهم أيض ما ً‬
‫دعاؤهم إلى الدين و العبادة من الصلة و الصدقة و العفمماف‬
‫و قد استدلت خديجة علممى صممدقه صمملى اللممه عليممه و سمملم‬
‫بذلك و كذلك أبو بكر و لم يحتاجا في أمره إلى دليممل خممارج‬
‫عن حاله و خلقه و في الصحيح أن هرقممل حيممن جمماءه كتمماب‬
‫النبي صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى السمملم أحضممر مممن‬
‫وجد ببلده من قريش و فيهم أبو سفيان ليسممألهم عممن حمماله‬
‫فكان فيما سأل أن قال بما يأمركم فقال أبو سفيان بالصلة‬
‫و الزكاة و الصلة و العفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن‬
‫يكن ما تقول حقا ً فهو نبي و سيملك ما تحت قدمي همماتين و‬
‫العفاف الذي أشار إليه هرقل هو العصمة فممانظر كيممف أخممذ‬
‫من العصمة و الممدعاء إلممى الممدين والعبممادة دليل ً علممى صممحة‬

‫نبؤته و لم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك مممن علمممات‬
‫النبممؤة‪ .‬و مممن علممماتهم أيضمما ً أن يكونمموا ذوي حسممب فممي‬
‫قومهم و في الصحيح ما بعث الله نبيا ً إل في منعة من قومه‬
‫و في رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم علممى‬
‫الصحيحين و في مسممئلة هرقممل لبممي سممفيان كممما هممو فممي‬
‫الصحيح قال كيمف هممو فيكممم فقمال أبممو سمفيان همو فينمما ذو‬
‫حسب فقممال هرقممل والرسممل تبعممث فممي أحسمماب قومهمما و‬
‫معناه أن تكون له عصبة و شوكة تمنعه عي أذى الكفار حتى‬
‫يبلغ رسالة ربه و يتم مراد الله من إكمال دينه و ملته‪ .‬و من‬
‫علماتهم أيضا ً وقوع الخمموارق لهممم شمماهدة ً بصممدقهم و هممي‬
‫أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة ً و ليسممت‬
‫من جنس مقدور العباد و إنما تقع فممي غيممر محممل قممدرتهم و‬
‫للناس في كيفية وقوعها و دللتها على تصديق النبيمماء خلف‬
‫فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قممائلون بأنهمما و‬
‫اقعة بقدرة الله ل بفعل النبي و إن كانت أفعممال العبمماد عنممد‬
‫المعتزلة صممادرة عنهممم إل أن المعجممزة ل تكممون مممن جنممس‬
‫أفعالهم و ليس للنبي فيها عنممد سممائر المتكلميممن إل التحممدي‬
‫بها بأذن الله و هو أن يسممتدل بهمما النممبي صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه فإذا وقعممت تنزلممت‬
‫منزلة القول الصممريح مممن اللممه بممأنه صممادق و تكممون دللتهمما‬
‫حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجممموع الخممارق‬
‫و التحدي و لذلك كان التحدي جزء منها و عبممارة المتكلميممن‬
‫صفة نفسها و هو واحد لنه معنمى المذاتي عنمدهم و التحمدي‬
‫هو الفارق بينها و بين الكرامة و السحر إذ ل حاجة فيهما إلى‬
‫التصممديق فل وجممود للتحممدي إل إن وجممد اتفاقمما ً و إن وقممع‬
‫التحدي في الكرامة عند من يجيزها و كانت لهمما دللممة فإنممما‬
‫هي على الولية و هي غير النبؤة و من هنا منممع السممتاذ أبممو‬
‫إسحق و غيممره وقمموع الخمموارق كرامممة فممرارا ً مممن اللتبمماس‬
‫بالنبؤة عند التحدي بالولية و قد أريناك المغايرة بينهما و إنه‬
‫يتحدى بغير ما يتحدى به النبي فل لبس علممى أن النقممل عممن‬
‫الستاذ في ذلك ليس صريحا ً و ربما حمل على إنكار لن تقع‬

‫خوارق النبياء لهممم بنمماء علممى اختصمماص كممل مممن الفريقيممن‬
‫بخوارقه‪ .‬و أما المعتزلة فالمانع مممن وقمموع الكرامممة عنممدهم‬
‫أن الخوارق ليست مممن أفعممال العبمماد و أفعممالهم معتممادة فل‬
‫فرق و أما وقوعها على يد الكاذب تلبيسا ً فهو محال أما عنممد‬
‫الشعرية فلن صفة نفس المعجزة التصممديق و الهدايممة فلممو‬
‫ةو‬
‫ة و الهدايممة ضمملل ً‬
‫وقعت بخلف ذلك انقلممب الممدليل شممبه ً‬
‫التصديق كذبا ً و استحالت الحقائق و انقلبت صفات النفس و‬
‫ما يلزم من فرض وقوعه المحال ل يكون ممكن ما ً و أممما عنممد‬
‫المعتزلة فلن وقوع الدليل شبهة و الهدايممة ضممللة قبيممح فل‬
‫يقع من الله‪ .‬و أما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي و‬
‫لو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم فممي اليجمماب‬
‫الممذاتي و وقمموع الحمموادث بعضممها عممن بعممض متوقممف عممن‬
‫السممباب و الشممروط الحادثممة مسممتندة أخيممرا ً إلممى الممواجب‬
‫الفاعل بالذات ل بالختيممار و أن النفممس النبويممة عنممدهم لهمما‬
‫خممواص ذاتيممة منهمما صممدور هممذه الخمموارق بقممدرته و طاعممة‬
‫العناصممر لممه فممي التكمموين و النممبي عنممدهم مجبممول علممى‬
‫التصريف في الكموان مهمما تموجه إليهمما و اسممتجمع لهما بممما‬
‫جعل الله له من ذلك و الخارق عندهم يقع للنبي سممواء كممان‬
‫للتحدي أم لم يكن و هو شاهد بصدقه من حيث دللتممه علممى‬
‫تصرف النبي في الكوان الذي هو من خواص النفس النبوية‬
‫ل بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق فلممذلك ل تكممون‬
‫ة كممما هممي عنممد المتكلميممن و ل يكممون‬
‫دللتها عنممدهم قطعي م ً‬
‫التحدي جزأ من المعجزة و لم يصح فارقا ً لها عممن السممحر و‬
‫الكرامة و فارقها عندهم عن السحر أن النممبي مجبممول علممى‬
‫أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فل يلم الشر بخوارقه‬
‫و الساحر على الضد فأفعاله كلها شر و في مقاصد الشممر و‬
‫فارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى‬
‫السماء و النفوذ في الجسام الكثيفة و إحياء الموتى و تكليم‬
‫الملئكممة و الطيمران فمي الهممواء و خمموارق الممولي دون ذلمك‬
‫كتكثير القليل و الحديث عن بعممض المسممتقبل و أمثمماله مممما‬
‫هو قاصر عن تصريف النبياء و يأتي النمبي بجميمع خموارقه و‬

‫ل يقدر هو على مثل خوارق النبياء و قد قرر ذلك المتصوفة‬
‫فيما كتبوه في طريقتهم و لقنمموه عمممن أخممبرهم و إذا تقممرر‬
‫ذلك فاعلم أن أعظهم المعجزات و أشرفها و أوضممحها دللممة‬
‫القرآن الكريم المنزل علممى نبينمما محمممد صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم فممإن الخمموارق فممي الغممالب تقممع مغممايرة ً للمموحي الممذي‬
‫يتلقاه النبي و يأتي بممالمعجزة شمماهدة بصممدقه و القممرآن هممو‬
‫بنفسه الوحي المدعى و هممو الخممارق المعجممز فشمماهده فممي‬
‫عينه و ل يفتقر إلممى دليممل مغمماير لممه كسممائر المعجممزات مممع‬
‫الوحي فهو أوضح دللة لتحمماد الممدليل و المممدلول فيممه وهممذا‬
‫معنى قوله صلى الله عليه و سلم ما من نبي من النبيمماء إل‬
‫و أتي من اليات ما مثله آمن عليه البشممر و إنممما كممان الممذي‬
‫أوتيته و حيا ً أوحى إلي فأنا أرجو أن أكون تابع ما ً يمموم القيامممة‬
‫يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح و‬
‫قوة الدللة و هو كونها نفس المموحي كممان الصممدق لهمما أكممثر‬
‫لوضوحها فكثر المصدق المؤمن و هو التابع و المة‪.‬‬
‫و لنذكر الن تفسير حقيقة النبؤة علممى ممما شممرحه‬
‫كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثممم‬
‫الرؤيا ثم شان العرافين و غير ذلك من مممدارك‬
‫الغيب فنقول‬
‫إعلم‪ .‬أرشدنا الله و إياك أنا نشاهد هذا العممالم بممما فيممه مممن‬
‫المخلوقات كلهمما علممى هيئة مممن الممترتيب و الحكممام و ربممط‬
‫السمباب بالمسممببات و اتصممال الكمموان بمالكوان و اسممتحالة‬
‫بعض الموجودات إلى بعض ل تنقضي عجممائبه فممي ذلممك و ل‬
‫تنتهي غاياته و أبدأ من ذلك بالعممالم المحسمموس الجثممماني و‬
‫أول ً عالم العناصر المشاهدة كيممف تممدرج صمماعدا ً مممن الرض‬
‫إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متص مل ً بعضممها ببعممض و‬
‫كل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليممه صمماعدا ً و‬
‫هابطا ً و يستحيل بعض الوقمات و الصماعد منهما ألطمف ممما‬
‫قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الفلك و هو ألطممف مممن الكممل‬
‫على طبقات اتصل بعضها ببعض علممى هيئة ل يممدرك الحممس‬

‫منهمما إل الحركممات فقممط و بهمما يهتممدي بعضممهم إلممى معرفممة‬
‫مقاديرها و أوضاعها و ما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها‬
‫هذه الثار فيها ثم انظر إلممى عممالم التكمموين كيممف ابتممدأ مممن‬
‫المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعممة مممن التدريممج‬
‫آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثممل الحشممائش و‬
‫ما ل بذر له و آخر أفق النبممات مثممل النخممل و الكممرم متصممل‬
‫بأول أفق الحيوان مثل الحلزون و الصدف و لممم يوجممد لهممما‬
‫إل قوة اللمس فقط و معنى التصال في هذه المكونممات أن‬
‫آخر أفق منها مستعد بالستعداد الغريب لن يصير أول أفممق‬
‫الذي بعده و اتسع عممالم الحيمموان و تعممددت أنممواعه و انتهممى‬
‫في تدريج التكوين إلى النسان صاحب الفكر و الروية ترتفع‬
‫إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس و الدراك و لممم‬
‫ينته إلى الروية و الفكممر بالفعممل و كممان ذلممك أول أفممق مممن‬
‫النسان بعده و هذا غاية شهودنا ثم إنا نجد في العوالم على‬
‫ة ففممي عممالم الحممس آثمار مممن حركمات‬
‫اختلفها آثمارا ً متنوعم ً‬
‫الفلك و العناصر و في عالم التكوين آثار من حركة النمممو و‬
‫الدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا ً مباينا ً للجسام فهو روحاني‬
‫و يتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العممالم فممي و جودهمما و‬
‫لذلك هو النفس المدركة و المحركة و ل بد فوقها من وجممود‬
‫آخر يعطيها قوى الدراك و الحركة و يتصل بها أيضا ً و يكممون‬
‫ذاته إدراكا صرفا ً و تعقل ً محضا ً و هو عممالم الملئكممة فمموجب‬
‫من ذلك أن يكون للنفس استعداد للنسلخ من البشرية إلى‬
‫الملكية ليصير بالفعل من جنس الملئكة وقت ما ً مممن الوقممات‬
‫في لمحة من اللمحات و ذلك بعد أن تكممل ذاتهما الروحانيمة‬
‫بالفعل كما نذكره بعد و يكون لها اتصال بالفق الممذي بعممدها‬
‫شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في التصممال جهتمما‬
‫العلممو و السممفل و هممي متصمملة بالبممدن مممن أسممعف منهمما و‬
‫تكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصممو ل علممى‬
‫التعقل بالفعل و متصلة من جهة العلى منها بممأفق الملئكممة‬
‫و مكتسبة به المدارك العلمية و الغيبية فممإن عممالم الحمموادث‬
‫موجود في تعقلتهم من غير زمان و هذا على ما قدمناه من‬

‫الترتيب المحكمم فمي الوجممود باتصمال ذواتمه و قمواه بعضممها‬
‫ببعض ثم إن هذه النفس النسانية غائبة عن العيممان و آثارهمما‬
‫ة‬
‫ة و مفترق م ً‬
‫ظاهرة في البدن فكأنه و جميممع أجممزائه مجتمع م ً‬
‫آلت للنفس و لقواها أما الفاعلية فممالبطش باليممد و المشممي‬
‫بالرجل و الكلم باللسان و الحركة الكليممة بالبممدن متممدافعا ً و‬
‫ة إلممى‬
‫أما المدركة و إن كممانت قمموى الدراك مرتبممة و مرتقيم ً‬
‫القوة العليا منهما و ممن المفكممرة الممتي يعمبر عنهمما بالناطقمة‬
‫فقوى الحس الظاهرة بآلته مممن السمممع و البصممر و سممائرها‬
‫يرتقي إلى الباطن و أوله الحس المشترك و هو قمموة تممدرك‬
‫ة و غيرهمما فممي‬
‫ة وملموسم ً‬
‫المحسوسممات مبصممرةً و مسممموع ً‬
‫حالممة واحممدة و بممذلك فممارقت قمموة الحممس الظمماهر لن‬
‫المحسوسات ل تزدحم عليها فممي المموقت الواحممد ثممم يممؤديه‬
‫الحممس المشممترك إلممى الخيممال و هممي قمموة تمثممل الشممي‬
‫المحسوس في النفس كما هممو مجممرد عممن المممواد الخارجممة‬
‫فقط و آلة هاتين القمموتين فممي تصممريفهما البطممن الول مممن‬
‫الدماغ مقدمه للولى و مؤخرة للثانية ثم يرتقي الخيال إلممى‬
‫الواهمممة و الحافظممة فالواهمممة لدراك المعمماني المتعلقممة‬
‫بالشخصمميات كعممداوة زيممد و صممداقة عمممرو و رحمممة الب و‬
‫ةو‬
‫افتراس الذئب و الحافظة لبممداع المممدركات كلهمما متخيل م ً‬
‫هي لها كالخزانة تحفظهمما لمموقت الحاجممة إليهمما و آلممة همماتين‬
‫القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ أوله للولى‬
‫و مؤخره للخرى ثم ترتقي جميعهمما إلممى قمموة الفكممر و آلتممه‬
‫البطن الوسط من الدماغ و هي القوة الممتي يقممع بهمما حركممة‬
‫الرؤية و التوجه نحممو التعقممل فتحممرك النفممس بهمما دائمما ً لممما‬
‫ركب فيها من النزوع للتخلممص مممن درك القمموة و السممتعداد‬
‫ة بممالمل‬
‫الذي للبشرية و تخرج إلى الفعل في تعقلهمما متشممبه ً‬
‫العلى الروحاني و تصممير فممي أول مراتممب الروحانيممات فممي‬
‫إدراكها بغير اللت الجسمانية فهي متحركة دائما ً و متوجهممة‬
‫نحو ذلك و قد تنسلخ بالكلية مممن البشممرية و روحانيتهمما إلممى‬
‫الملكية من الفق العلى من غير اكتساب بل بما جعممل اللممه‬
‫فيها من الجبلة و الفطرة الولى في ذلك‪.‬‬

‫أصناف النفوس البشرية‬
‫إن النفوس البشرية على ثلثة أصناف‪ :‬صممنف عمماجز بممالطبع‬
‫عممن الوصممول فينقطممع بالحركممة إلممى الجهممة السممفلى نحممو‬
‫المدارك الحسية و الخيالية و تركيب المعاني من الحافظة و‬
‫الواهمة على قوانين محصورة و ترتيب خاص يسممتفيدون بممه‬
‫العلو م التصورية و التصديقية التي للفكر فممي البممدن و كلهمما‬
‫خيممالي منحصممر نطمماقه إذ هممو مممن جهممة مبممدإه ينتهممي إلممى‬
‫الوليات و ل يتجاوزها و إن فسد فسممد ممما بعممدها و هممذا هممو‬
‫في الغلممب نطمماق الدراك البشممري فممي الجسممماني و إليممه‬
‫تنتهي مدارك العلماء و فيه ترسخ أقدامهم‪ .‬و صممنف متمموجه‬
‫بتلك الحركة الفكرية نحو العقل الروحاني و الدراك الممذي ل‬
‫يفتقر إلى اللت البدنية بما جعل فيممه مممن السممتعداد لممذلك‬
‫فيتسع نطاق إدراكه عممن الوليممات الممتي هممي نطمماق الدراك‬
‫الول البشر في و يسرح في فضمماء المشمماهدات الباطنيممة و‬
‫هي وجدان كلها نطمماق مممن مبممدإها و ل مممن منتهاهمما و هممذه‬
‫مدارك العلماء الولياء أهل العلوم الدينية و المعارف الربانية‬
‫و هي الحاصلة بعد الموت لهل السعادة في البرزخ‪.‬‬
‫الوحي‬
‫و صنف مفطور على النسلخ من البشرية جملة جسمممانيتها‬
‫و روحانيتها إلى الملئكة من الفق العلى ليصممير فممي لمحممة‬
‫من اللمحات ملكا ً بالفعل و يحصل له شهود المل العلى في‬
‫أفقهم و سماع الكلم النفساني و الخطاب اللهممي فممي تلممك‬
‫اللمحة و هؤلء النبياء صلوات الله و سلمه عليهم جعل الله‬
‫لهم النسلخ من البشرية في تلك اللمحة و هي حالة الوحي‬
‫فطره فطرهم الله عليها و جبلة صورهم فيها و نزههممم عممن‬
‫موانع البدن و عوائقه ممما داممموا ملبسممين لهمما بالبشممرية بممما‬
‫ركب في غرائزهم من القصد و الستقامة التي يحمماذون بهمما‬
‫ة في العبادة تكشف بتلك‬
‫تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغب ً‬
‫الوجهة و تسيغ نحوها فهم يتوجهممون إلممى ذلممك الفممق بممذلك‬

‫النوع من النسلخ مممتى شمماءوا بتلممك الفطممرة الممتي فطممروا‬
‫عليها ل باكتسمماب و ل صممناعة فلممذا توجهمموا و انسمملخوا عممن‬
‫بشريتهم و تلقوا في ذلك المل العلى ممما يتلقممونه‪ ،‬و عمماجوا‬
‫به على المممدارك البشممرية منممزل ً فممي قواهمما لحكمممة التبليممغ‬
‫للعباد فتارةً يسمع أحدهم دويا ً كأنه رمز من الكلم يأخذ منممه‬
‫المعنى الذي ألقي إليممه فل ينقضممي الممدوي إل و قممد وعمماه و‬
‫فهمه و تارةً يتمثل له الملك الذي يلقي إليممه رجل ً فيكلمممه و‬
‫يعي ما يقوله و التلقى مممن الملممك و الرجمموع إلممى المممدارك‬
‫البشرية و فهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بممل‬
‫أقرب من لمح البصر لنه ليس في زمان بل كلما تقع جميعا ً‬
‫فيظهر كأنهما سمريعة و لمذلك سمميت وحيما ً لن الموحي فمي‬
‫اللغة السراع و اعلم أن الولى و هي حالة الدوي هممي رتبممة‬
‫النبياء غير المرسلين على ما حققمموه و الثانيممة و هممي حالممة‬
‫تمثل الملك رجل ً يخاطب هي رتبة النبياء المرسلين و لممذلك‬
‫كانت أكمل من الولى و هذا معنى الحديث الممذي فسممر فيممه‬
‫النبي صلى الله عليه و سلم المموحي لممما سممأله الحممارث بممن‬
‫هشام و قال‪ :‬كيف يأتيك الوحي ؟ فقال‪ :‬أحيان ما ً يممأتيني مثممل‬
‫صلصلة الجرس و هو أشده علي فيفصم عنممي و قممد وعيممت‬
‫ما قال و أحيانا ً يتمثل لي الملك فيكلمني فممأعي ممما يقممول و‬
‫إنما كانت الولى أشد لنها مبممدأ الخممروج فممي ذلممك التصممال‬
‫من القوة إلى الفعل فيعسر بعض العسممر و لممذلك لممما عمماج‬
‫فيها علممى المممدارك البشممرية اختصممت بالسمممع و صممعب ممما‬
‫سممواه و عنممدما يتكممرر المموحي و يكممثر التلقممي يسممهل ذلممك‬
‫التصممال فعنممدما يعممرج إلممى المممدارك البشممرية يممأتي علممى‬
‫جميعهمما و خصوصما ً الوضممح منهمما و هممو إدراك البصممر و فممي‬
‫العبارة عن الوعي في الولى بصيغة الماضممي و فممي الثانيممة‬
‫بصمميغة المضممارع لطيفممة مممن البلغممة و هممي أن الكلم جمماء‬
‫مجيء التمثيل لحالتي المموحي فمثممل الحالممة الولممى بالممدوي‬
‫الذي هو في المتعارف غير كلم و أخممبر أن الفهممم و المموعي‬
‫يتبعه غب انقضائه فناسممب عنممد تصمموير انقضممائه و انفصمماله‬
‫العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للنقضاء و النقطمماع و‬

‫مثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب و يتكلممم و الكلم‬
‫يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضممي للتجممدد‪.‬‬
‫ة على الجملممة و شممدة‬
‫واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوب ً‬
‫قد أشار إليها القرآن قال تعالى‪ :‬إنا سنلقي عليممك قممول ثقيل‬
‫و قالت عائشة‪ :‬كان مما يعاني مممن التنزيممل شممدة و قممالت‪:‬‬
‫كان عليه الوحي في اليوم الشممديد الممبرد فيفصممم عنممه و أن‬
‫جبينه ليتفصد عرقًا‪ .‬و لذلك كان يحدث عنه في تلممك الحالممة‬
‫من الغيبة و الغطيط ما هو معروف و سبب ذلممك أن المموحي‬
‫كما قررنا مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية و تلقي كلم‬
‫النفس فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها و انسلخها‬
‫عنها من أفقها إلى ذلك الفق الخر و هممذا هممو معنممى الغممط‬
‫الذي عبر به في مبدإ الوحي في قوله فغطني حتى بلغ منممي‬
‫الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما إنا بقارئ و كذا ثانية و‬
‫ثالثة‪ .‬كما في الحديث و قد يفضي العتياد بالتدريج فيه شيئا ً‬
‫فشيئا ً إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله و لممذلك كممان‬
‫تنزل نجوم القرآن و سوره و آيه حين كان بمكة أقصممر منهمما‬
‫و هو بالمدينة و انظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة فممي‬
‫غزوة تبوك و أنها نزلت كلها أو أكثرها عليه و هو يسير علممى‬
‫ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعممض السممورة مممن قصممار‬
‫المفصل في وقت و ينزل الباقي في حين آخر و كممذلك كممان‬
‫آخر ما نزل بالمدينة آية الدين و هي ما هي في الطممول بعممد‬
‫أن كانت الية تنزل بمكممة مثممل آيممات الرحمممن و الممذاريات و‬
‫المدثر و الضحى و الفلق و أمثالها‪ .‬و اعتبر مممن ذلممك علمممة‬
‫تميز بها بيممن المكممي و المممدني مممن السممور و اليممات و اللممه‬
‫المرشد إلى الصواب‪ .‬هذا محصل أمر النبؤة‪.‬‬
‫الكهانة‬
‫و أما الكهانة فهي أيضا ً من خواص النفممس النسممانية و ذلممك‬
‫أنممه قممد تقممدم لنمما فممي جميممع ممما مممر أن للنفممس النسممانية‬
‫استعدادا ً للنسلخ من البشرية إلى الروحانية الممتي فوقهمما و‬
‫أنه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف النبياء بما فطروا‬

‫عليه من ذلك و تقرر أنه يحصل لهممم مممن غيممر اكتسمماب و ل‬
‫اسممتعانة بشمميء مممن المممدارك و ل مممن التصممورات و ل مممن‬
‫ة و ل بممأمر ممن الممور إنمما همو‬
‫الفعال البدنية كلما ً أو حرك ً‬
‫انسلخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة فممي لحظممة أقممرب‬
‫من لمح البصر و إذا كان كذلك و كان ذلك الستعداد موجودا ً‬
‫في الطبيعة البشرية فيعطى التقسيم العقلي و إن هنا صنفا ً‬
‫آخر من البشر ناقصا ً عن رتبممة الصممنف الول نقصممان الضممد‬
‫عن ضده الكامل لن عدم السممتعانة فممي ذلممك الدراك ضممد‬
‫الستعانة فيه و شتان ما بينهما فممإذا أعطممي تقسمميم الوجممود‬
‫إلى هنا صنفا ً آخر من البشر مفطورا ً علممى أن تتحممرك قمموته‬
‫العقلية حركتها الفكرية بالرادة عندما يبعثها النممزوع لممذلك و‬
‫هي ناقصة عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلممك تشممبث‬
‫بممأمور جزئيممة محسوسممة أو متخيلممة كالجسممام الشممفافة و‬
‫عظام الحيوانات و سجع الكلم و ما سنح من طير أو حيموان‬
‫فيسممتديم ذلممك الحسمماس أو التخيممل مسممتعينا ً بممه فممي ذلممك‬
‫النسلخ الذي يقصده و يكون كالمشيع له و هذه القوة الممتي‬
‫فيهم مبدأ لذلك الدراك هي الكهانممة و لكممون هممذه النفمموس‬
‫مفطورة ً على النقص و القصور عن الكمال كان إدراكها فممي‬
‫الجزئيات أكثر من الكليات و لذلك تكون المخيلممة فيهممم فممي‬
‫غاية القوة لنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا ً تام ما ً فممي نمموم‬
‫أو يقظة و تكمون عنمدها حاضمرة ً عتيمدة ً تحضمرها المخيلمة و‬
‫تكون لها كالمرآة تنظر فيهمما دائممما و ل يقمموى الكمماهن علممى‬
‫الكمال في إدراك المعقولت لن وحيه من وحي الشيطان و‬
‫أرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلم الذي فيه السممجع‬
‫و الموازنة ليشتغل به عممن الحممواس و يقمموى بعممض الشمميء‬
‫على ذلك التصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة‬
‫و الذي يشيعها من ذلك الجنبي ما يقذفه على لسمانه فربممما‬
‫صدق و وافق الحق و بما كذب لنه يتمم نقصه بممأمر أجنممبي‬
‫عن ذاته المدركة و مباين لها غير ملئم فيعرض له الصدق و‬
‫الكذب جميعا ً و ل يكون موثوقا ً به و ربما يفزع إلممى الظنممون‬
‫و التخمينات حرصمما علممى الظفممر بممالدراك بزعمممه و تمويهما ً‬

‫على السائلين و أصحاب هذا السجع هم المخصوصون باسم‬
‫الكهان لنهم أرفع سائر أصنافهم و قد قال صلى الله عليه و‬
‫سلم في مثله هذا من سجع الكهممان فجعممل السممجع مختص ما ً‬
‫بهم بمقتضى الضافة و قد قال لبن صياد حين سأله كاشممفا ً‬
‫عن حاله بالخبار كيف يأتيك هذا المر ؟ قال‪ :‬يممأتيني صممادقا ً‬
‫و كاذب ما ً فقممال‪ :‬خلممط عليممك المممر يعنممى أن النبممؤة خاصممتها‬
‫الصدق فل يعتريها الكذب بحال لنها اتصممال مممن ذات النممبي‬
‫بالمل العلى من غير مشمميع و ل اسممتعانة بممأجنبي و الكهانممة‬
‫لما احتاج صاحبها بسممبب عجممزه إلممى السممتعانة بالتصممورات‬
‫الجنبية كانت داخلممة فممي إدراكممه و التبسممت بممالدراك الممذي‬
‫توجه إليه فصار مختلطا ً بها و طرقه الكذب ممن همذه الجهمة‬
‫فامتنع أن تكون نبؤة و إنما قلنا إن أرفع مراتب الكهانة حالة‬
‫السممجع لن معنممى السممجع أخفممه مممن سممائر المغيبممات مممن‬
‫المرئيات و المسموعات و تدل خفة المعنى على قرب ذلممك‬
‫التصال و الدراك و البعد فيه عن العجز بعض الشمميء و قممد‬
‫زعم بعض النمماس أن هممذه الكهانممة قممد انقطعممت منممذ زمممن‬
‫النبؤة بما وقع من شأن رجم الشممياطين بالشممهب بيممن يممدي‬
‫البعثة و أن ذلك كان لمنعهم من خبر السممماء كممما وقممع فممي‬
‫القرآن و الكهان إنما يتعرفون أخبار السممماء مممن الشممياطين‬
‫فبطلت الكهانة من يومئذ و ل يقوم من ذلك دليل لن علمموم‬
‫الكهان كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضا ً كما‬
‫قررناه و أيضا ً فالية إنما دلت على منع الشممياطين مممن نمموع‬
‫واحد من أخبممار السممماء و هممو ممما يتعلممق بخممبر البعثممة و لممم‬
‫يمنعوا مما سوى ذلك‪ .‬و أيضا ً فإنما كان ذلممك النقطمماع بيممن‬
‫يدي النبؤة فقط و لعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليممه و‬
‫هذا هو الظاهر لن هذه المدارك كلها تخمد في زمممن النبممؤة‬
‫كما تخمد الكواكب و السرج عند وجممود الشمممس لن النبممؤة‬
‫هي النور العظم الذي يخفى معه كل نور و يذهب‪.‬‬
‫و قد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بيممن يممدي النبممؤة ثممم‬
‫تنقطع و هكذا كل نبؤة وقعت لن وجود النبوة ل بممد لممه مممن‬

‫وضع فلكي يقتضيه و في تمام ذلك الوضع تمممام تلممك النبممؤة‬
‫التي تدل عليها و نقص ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجممود‬
‫طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة و هو معنى الكاهن‬
‫على ما قررناه فقبل أن يتم ذلك الوضع الكامل يقممع الوضممع‬
‫الناقص و يقتضي وجود الكاهن إما واحدا ً أو متعمددا ً فمإذا تمم‬
‫ذلك الوضع تم وجود النبي بكماله و انقضت الوضمماع الدالممة‬
‫على مثل تلك الطبيعة فل يوجد منهمما شمميء بعممد و هممذا بنمماء‬
‫على أن بعض الوضع الفلكي يقتضممي بعممض أثممره و هممو غيممر‬
‫مسلم‪ .‬فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الثر بهيئته الخالصممة و‬
‫لو نقص بعض أجزائها فل يقتضي شمميئًا‪ ،‬ل إنممه يقتضممي ذلممك‬
‫الثر ناقصا ً كما قالوه‪ .‬ثم إن هؤلء الكهان إذا عاصممروا زمممن‬
‫النبؤة فإنهم عارفون بصدق النبي و دللممة معجزتممه لن لهممم‬
‫بعض الوجدان من أمر النبؤة كما لكل إنسان من أمممر اليمموم‬
‫و معقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مممما للنممائم و ل‬
‫يصدهم عن ذلك و يوقعهم في التكذيب إل قوة المطامع في‬
‫أنها نبؤة لهممم فيقعممون فممي العنمماد كممما وقممع لميممة بممن أبممي‬
‫الصمملت فممإنه كممان يطمممع أن يتنبممأ و كممذا وقممع لبممن صممياد و‬
‫لمسيلمة و غيرهم فإذا غلب اليمان و انقطعت تلك الممماني‬
‫آمنوا أحسن إيمممان كممما وقممع لطليحممة السممدي و سممواد بممن‬
‫قارب و كان لهما في الفتوحات السلمية من الثار الشاهدة‬
‫بحسن اليمان‪.‬‬
‫الرؤيا‬
‫و أممما الرؤيمما فحقيقتهمما مطالعممة النفممس الناطقممة فممي ذاتهمما‬
‫الروحانيممة لمحممة مممن صممور الواقعممات فإنهمما عنممدما تكممون‬
‫روحانية تكون صور الواقعات فيها موجممودة بالفعممل كممما هممو‬
‫شأن الذوات الروحانية كلها و تصير روحانية بممأن تتجممرد عممن‬
‫المواد الجسمانية و المدارك البدنية و قد يقع لها ذلك لمحممة‬
‫بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوف إليممه مممن‬
‫الممور المسممتقبلة و تعممود بمه إلممى مممداركها فمإن كممان ذلمك‬
‫القتباس ضعيفا ً و غير جلي بالمحاكاة و المثال فممي الخيممالي‬

‫لتخلصه فيحتاج‪ .‬من أجممل هممذه المحاكمماة إلممى التعممبير و قممد‬
‫يكون القتباس قويا ً يستغنى فيه عن المحاكاة فل يحتاج إلى‬
‫تعبير لخلوصه من المثال و الخيال و السبب في وقمموع هممذه‬
‫اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مسممتكملة بالبممدني و‬
‫مداركه حتى تصير ذاتها تعقل ً محضا ً و يكمل وجودها بالفعممل‬
‫فتكممون حينئذ ذات ما ً روحانيممة مدركممة بغيممر شمميء مممن اللت‬
‫البدنية إل أن نوعهمما فممي الروحانيممة دون نمموع الملئكممة أهممل‬
‫الفق العلى على المذين لمم يسمتكملوا ذواتهمم بشميء ممن‬
‫مدارك البدن و ل غيره فهذا الستعداد حاصل لهمما ممما دامممت‬
‫في البدن و منه خاص كالذي للولياء و منه عام للبشر علممى‬
‫العموم و هو أممر الرؤيما‪ .‬و أمما المذي للنبيماء فهمو اسمتعداد‬
‫بالنسلخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هممي‪ ،‬أعلممى‬
‫الروحانيات و يخرج هذا الستعداد فيهمم متكمررا ً فمي حمالت‬
‫الوحي و هو عندما يعرج على المدارك البدنية و يقع فيها ممما‬
‫يقع من الدراك يكون شبيها ً بحال النوم شبها ً بين ما ً و إن كممان‬
‫حال النوم أدون منه بكثير فلجل هذا الشبه عبر الشارع عن‬
‫الرؤيا بأنها جزء مممن سممتة و أربعيممن جممزا ً مممن النبممؤة و فممي‬
‫رواية ثلثة و أربعين و في روايممة سممبعين و ليممس العممدد فممي‬
‫جميعها مقصودا ً بالذات و إنما المراد الكثرة في تفاوت هممذه‬
‫المراتب بدليل ذكر السبعين في بعممض طرقممه و همو للتكمثير‬
‫عند العرب و ما ذهب إليه بعضهم في رواية ستين و أربعيممن‬
‫من أن الوحي كان في مبدإه بالرؤيا ستة أشهر و هي نصممف‬
‫سنة و مدة النبوة كلها بمكة و المدينة ثلث و عشممرين سممنة‬
‫فنصف السنة منها جزء مممن سممتة و أربعيممن فكلم بعيممد مممن‬
‫التحقيق لنة إنما وقع ذلك للنبي صمملى اللممه عليممه و سمملم و‬
‫من أين لنا أن هذه المممدة وقعممت لغيممره مممن النبيمماء مممع أن‬
‫ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبؤة و ل يعطممي‬
‫حقيقتها من حقيقة النبؤة و إذا تبين لك هذا مما ذكرنمماه أول ً‬
‫علمت أن معنى هذا الجممزء نسممبة السممتعداد الول الشممامل‬
‫للبشر إلى الستعداد القريب الخاص بصنف النبياء الفطممري‬
‫لهم صلوات الله عليهم إذ هو الستعداد البعيد و إن كان عاما ً‬

‫في البشر و معه عوائق و موانع كثيرة من حصوله بالفعممل و‬
‫من أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ففطممر اللممه البشممر‬
‫علممى ارتفمماع حجمماب الحممواس بممالنوم الممذي هممو جبلممي لهممم‬
‫فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في‬
‫عالم الحق فتدرك في بعض الحيممان منممه لمحممة يكممون فيهمما‬
‫الظفر بالمطلوب و لذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال‬
‫لم يبق من النبؤة إل المبشرات قممالوا و ممما المبشممرات يمما ر‬
‫سول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له‬
‫و أما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لممك‬
‫و ذلممك أن النفممس الناطقممة إنممما إدراكهمما و أفعالهمما بممالروح‬
‫الحيممواني الجسممماني و هممو بخممار لطيممف مركممزه بممالتجويف‬
‫اليسر من القلب على ممما فممي كتممب التشممريح لجممالينوس و‬
‫غيره و ينبعث مممع الممدم فممي الشممريانات و العممروق فيعطممي‬
‫الحس و الحركة‪ ،‬و سائر الفعال البدنية و يرتفع لطيفه إلممى‬
‫الدماغ فيعدل من برده و تتم أفعال القوى الممتي فممي بطممونه‬
‫فالنفس الناطقة إنما تممدرك و تعقممل بهممذا الممروح البخمماري و‬
‫هي متعلقة به لما اقتضته حكمة التكوين فممي أن اللطيممف ل‬
‫يؤثر في الكثيف و لما لطف هممذا الممروح الحيممواني مممن بيممن‬
‫المواد البدنية صار محل ً لثار الذات المباينة له في جسمانيته‬
‫وهممي النفممس الناطقممة و صممارت آثارهمما حاصمملة فممي البممدن‬
‫بواسممطته و قممد كنمما قممدمنا أن إدراكهمما علممى نمموعين إدراك‬
‫بالظاهر و هو الحواس الخمس و إدراك بالباطن و هو القوى‬
‫الدماغية و أن هذا الدراك كلممه صممارف لهمما عممن إدراكهمما ممما‬
‫فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة لممه بممالفطرة و‬
‫ة للوسن و‬
‫لما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرض ً‬
‫الفشل بما يدركها من التعب و الكلل و تغشى الروح بكممثرة‬
‫التصرف فخلق الله لها طلب الستجمام لتجرد الدراك على‬
‫الصورة الكاملة و إنما يكون ذلك بانخنمماس الممروح الحيممواني‬
‫من الحواس الظاهرة كلها و رجمموعه إلممى الحممس البمماطن و‬
‫يعين على ذلك ممما يغشممى البممدن مممن الممبرد بالليممل فتطلممب‬
‫الحرارة الغزيرة أعماق البدن و تذهب من ظاهره إلى باطنه‬

‫فتكون مشيعة مركبها و هو الممروح الحيممواني إلممى البمماطن و‬
‫لذلك كال النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس‬
‫الروح عن الحممواس الظمماهرة و رجممع إلممى القمموى الباطنممة و‬
‫خفت عممن النفممس شممواغل الحممس و ممموانعه و رجعممت إلممى‬
‫الصورة التي في الحافظممة تمثممل منهمما بممالتركيب و التحليممل‬
‫صممور خياليممة و أكممثر ممما تكممون معتممادة لنهمما منتزعممة مممن‬
‫المدركات المتعاهدة قريبا ً ثم ينزلها الحممس المشممترك الممذي‬
‫هو جممامع الحممواس الظمماهرة فيممدركها علممى أنحمماء الحممواس‬
‫الخمممس الظمماهرة و ربممما التفتممت النفممس لفتممة إلممى ذاتهمما‬
‫الروحانيممة مممع منازعتهمما القمموى الباطنيممة فتممدرك بإدراكهمما‬
‫الروحاني لنها مفطورة عليه و تقيس من صور الشياء الممتي‬
‫صارت متعلقة في ذاتها حينئذ ثممم يأخممذ الخيممال تلممك الصممور‬
‫المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهممودة‬
‫و المحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير و تصرفها بالتركيب‬
‫و التحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك مممن تلمك اللمحممة‬
‫ما تدركه هي أضغاث أحلم‪ .‬و فممي الصممحيح أن النممبي صمملى‬
‫الله عليه و سلم قال‪ :‬الرؤيا ثلث رؤيا مممن اللممه و رؤيمما مممن‬
‫الملممك و رؤيمما مممن الشمميطان و هممذا التفصمميل مطممابق لممما‬
‫ذكرناه فالجلي من الله و المحاكاة الداعية إلممى التعممبير مممن‬
‫الملممك و أضممغاث الحلم مممن الشمميطان لنهمما كلهمما باطممل و‬
‫الشيطان ينبمموع الباطممل هممذه حقيقممة الرؤيمما و ممما يسممببها و‬
‫يشيعها من النوم و هي خواص للنفس النسانية موجودة في‬
‫البشر على العموم ل يخلو عنها أحد منهم بل كل واحممد مممن‬
‫النساني رأى في نومه ما صممدر لممه فممي يقظتممه مممرارا ً غيممر‬
‫واحدة و حصل له على القطع أن النفس مدركة للغيممب فممي‬
‫النوم و ل بد و إذا جاز في ذلك في عالم النوم فل يمتنع فممي‬
‫غير من الحوال لن الذات المدركة واحدة و خواصممها عامممة‬
‫في كل حال و الله الهادي إلى الحق بمنه و فصله‪.‬‬

‫فصل‬
‫و وقوع ما يقع للبشر من ذلك غالبا ً إنما هو من غير قصد ول‬
‫قدرة عليه و إنما تكون النفس متشوقة لممذلك الشمميء فيقممع‬
‫بتلك اللمحة في النوم لنها تقصد إلى ذلك فممتراه و قممد وقممع‬
‫في كتاب الغاية و غير من كتب أهل الرياضيات ذكممر أسممماء‬
‫تممذكر عنممد النمموم فتكممون عنهمما الرؤيمما فيممما يتشمموف إليممه و‬
‫يسمممونها الحالوميممة و ذكممر منهمما مسمملمة فممي كتمماب الغايممة‬
‫حالومة سماها حالومة الطباع التام و هو أن يقال عند النمموم‬
‫بعد فراغ السر و صحة التوجه هذه الكلمات العجمية و هممي‬
‫تماغس بعد أن يسواد و غداس نوفنا غممادس و يممذكر حمماجته‬
‫فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم‪ .‬و حكى أن رجل ً‬
‫فعممل ذلمك بعمد رياضمة ليممال فمي مممأكله و ذكممره فتمثممل لممه‬
‫شخص يقول له إن طباعك التام فسممأله و أخممبره عممما كممان‬
‫يتشوف إليه و قد وقع لي أنمما بهممذه السممماء مممراء عجيبممة و‬
‫اطلعت بها على أمور كنت أتشوف عليها من أحوالي و ليس‬
‫ذلممك بممدليل علممى أن القصممد للرؤيمما يحممدثها و إنممما هممذه‬
‫الحالومات تحدث اسممتعدادا ً فممي النفممس لوقمموع الرؤيمما فممإذا‬
‫قمموي السممتعداد كممال أقممرب إلممى حصممول ممما يسممتعد لممه و‬
‫للشخص أن يفعممل ممن السممتعداد مما أحمب و ل يكمون دليل ً‬
‫على إيقاع المستمد له فالقدرة على السممتعداد غيممر القممدرة‬
‫على الشيء فاعلم ذلك و تدبره فيما تجد من أمثمماله و اللممه‬
‫الحكيم الخبير‪.‬‬
‫فصل‬
‫ثم إنا نجد فمي النموع النسماني أشخاصما ً يخمبرون بالكائنمات‬
‫قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سممائر النمماس‬
‫و ل يرجعون في ذلك إلى صناعة و ل يستدلون عليه بأثر من‬
‫النجوم و ل من غيرها إنما نجد مداركهم فممي ذلممك بمقتضممى‬
‫فطرته التي فطروا عليها و ذلك مثممل العرافيممن و النمماظرين‬
‫في الجسام الشفافين كالمرايا و طساس الماء و النمماظرين‬

‫في قلوب الحيوانات و أكبادها و عظامهمما و أهممل الزجممر فمي‬
‫الطيممر و السممباع و أهممل الطممرق بالحصممى و الحبمموب مممن‬
‫الحنطة و النوى و هذه كلهمما موجممودة فممي عممالم النسممان ل‬
‫يسع أحدا ً جحدها و ل إنكارها و كممذلك المجممانين يلقممى علممى‬
‫ألسنتهم كلمات مممن الغيممب فيخممبرون بهمما و كممذلك النممائم و‬
‫الميممت لول ممموته أو نممومه يتكلممم بممالغيب و كممذلك أهممل‬
‫الرياضيات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سممبيل‬
‫الكرامة معروفة‪ .‬و نحن الن نتكلم عن هذه الدراكممات كلهمما‬
‫و نبتدئ منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدة ً واحدة ً إلى آخرهمما‬
‫و نقممدم علممى ذلممك مقدمممة فممي أن النفممس النسممانية كيممف‬
‫تستعد لدراك الغيب في جميع الصناف التي ذكرناها و ذلممك‬
‫أنها ذات روحانية موجودة بالقوة إلى الفعل بالبدن و أحممواله‬
‫و هذا أمر مدرك لكل أحد و كل ما بالقوة فله مادة و صممورة‬
‫و صورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عيممن الدراك و‬
‫التعقل فهي توجد أول ً بالقوة مستعدة للدراك و التعقل فهي‬
‫توجد أول ً بممالقوة مسممتعدة للدراك و قبممول الصممور الكليممة و‬
‫الجزئية ثم يتم نشؤها و وجودها بالفعل بمصاحبة البدن و ممما‬
‫يعودها بورود مدركاتها المحسوسة عليها و ما تنتزع من تلممك‬
‫الدراكات من المعاني الكلية فتتعقل الصور مرة بعممد أخممرى‬
‫حتى يحصل لها الدراك و التعقل بالفعل فتتممم ذاتهمما و تبقممى‬
‫النفس كالهيولى و الصور متعاقبة عليها بالدراك واحممدة بعممد‬
‫واحممدة و لممذلك نجممد الصممبي فممي أول نشممأته ل يقممدر علممى‬
‫الدراك الذي لها من ذاتها ل بنوم و ل بكشف و ل بغيرهممما و‬
‫ذلك أن صورتها التي هي عين ذاتها و هممي الدراك و التعقممل‬
‫لم تتم بعد بل لم يتم لها انممتزاع الكليممات ثممم إذا تمممت ذاتهمما‬
‫بالفعل حصمل لهمما ممما دامممت ممع البمدن نوعممان ممن الدراك‬
‫إدراك بممآلت الجسممم تممؤديه إليهمما المممدارك البدنيممة و إدراك‬
‫بذاتها من غير واسطة و هممي محجوبممة عنممه بالنغممماس فممي‬
‫البدن و الحواس و بشواغلها لن الحواس أبدا ً جاذبة لها إلممى‬
‫الظاهر بما فطرت عليه أول ً مممن الدراك الجسممماني و ربممما‬
‫ة‬
‫تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البممدن لحظ م ً‬

‫إما بالخاصية التي هي للنسممان علممى الطلق مثممل النمموم أو‬
‫بالخاصية الموجودة لبعض البشممر مثممل الكهانممة و الطممرق أو‬
‫بالرياضة مثل أهل الكشف من الصمموفية فتلتفممت حينئذ إلممى‬
‫الذوات المتي فوقهما ممن المل لمما بيمن أفقهما و أفقهمم ممن‬
‫التصال في الوجود كما قررنا قبل و تلك الممذوات روحانيممة و‬
‫هي إدراك محض و عقول بالفعل و فيها صور الموجممودات و‬
‫حقائقها كما مر فيتجلى فيها شيء من تلك الصور و تقتبممس‬
‫منها علوما ً و ربما دفعمت تلمك الصمور المدركمة إلمى الخيمال‬
‫فيصرفه في القوالب المعتادة ثم يراجع الحممس بممما أدركممت‬
‫إما مجردا ً أو في قوالبه فتخممبر بممه‪ .‬هممذا هممو شممرح اسممتعداد‬
‫النفس لهذا الدراك الغيبي‪ .‬و لنرجع إلممى ممما وعممدنا بممه مممن‬
‫بيممان أصممنافه‪ .‬فأممما النمماظرون فممي الجسممام الشممفافة مممن‬
‫المرايمما و طسمماس الميمماه و قلمموب الحيمموان و أكبادهمما و‬
‫عظامها و أهل الطممرق بالحصممى و النمموى فكلهممم مممن قبيممل‬
‫الكهان إل أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لن الكمماهن‬
‫ل يحتاج في رفممع حجمماب الحممس إلممى كممثير معانمماة و هممؤلء‬
‫يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في نمموع واحمد منهمما و‬
‫أشرفها البصر فيعكف على المممرئي البسمميط حممتى يبممدو لممه‬
‫مدركه الذي يخبر به عنه و ربما يظن أن مشاهدة هؤلء لممما‬
‫يرونممه هممو فممي سممطح المممرآة و ليممس كممذلك بممل ل يزالممون‬
‫ينفرون في سطح المرآة إلممى أن يغيممب عممن البصممر و يبممدو‬
‫فيما بينهم و بين سطح المرآة حجاب كأنة غمممام يتمثممل فيممه‬
‫صور هي مداركهم فيشمميرون إليممه بالمقصممود لممما يتوجهممون‬
‫إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بممذلك علممى نحممو ممما‬
‫أدركوه و أما المرآة و ما يدرك فيها من الصممور فل يممدركونه‬
‫في تلك الحممال و إنممما ينشممأ لهممم بهمما هممذا النمموع الخممر مممن‬
‫الدراك و هو نفساني ليس من إدراك البصر بممل يتشممكل بممه‬
‫المدرك النفساني للحس كممما هممو معممروف و مثممل ذلممك ممما‬
‫يعرض للناظرين في قلوب الحيوانممات و أكبادهمما و لنمماظرين‬
‫في الماء و الطساس و أمثال ذلك‪ .‬و قد شاهدنا مممن هممؤلء‬
‫من يشغل الحس بمالبخور فقمط ثمم بمالعزائم للسمتعداد ثمم‬

‫يخبر كما أدرك و يزعمون أنهم يرون الصممور متشخصممة فممي‬
‫الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلمى إدراكمه بالمثممالي و‬
‫الشارة وغيبة هؤلء عن الحس أخف من الولين و العالم أبو‬
‫الغرائب‪ .‬و أما الزجر و هو ما يحدث مممن بعممض النمماس مممن‬
‫التكلم بالغيب عند سنوح طممائر أو حيمموان و الفكممر فيممه بعممد‬
‫مغيبه و هي قوة فممي النفممس تبعممث علممى الحممرص و الفكممر‬
‫فيما زجر فيه من مممرئي أو مسممموع و تكممون قمموته المخيلممة‬
‫كممما قممدمناه قويممة فيبعثهمما فممي البحممث مسممتعينا ً بممما رآه أو‬
‫سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما‪ ،‬كما تفعله القمموة المتخيلممة‬
‫فممي النمموم و عنممد ركممود الحممواس تتوسممط بيممن المحسمموس‬
‫المرئي في يقظته و تجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيمما‪.‬‬
‫و أممما المجممانين فنفوسممهم الناطقممة ضممعيفة التعلممق بالبممدن‬
‫لفساد أمزجتهم غالبا ً و ضعف الممروح الحيممواني فيهمما فتكممون‬
‫نفسه غيممر مسممتغرقة فممي الحممواس و ل منغمسممة فيهمما بممما‬
‫شغلها في نفسها ممن ألمم النقمص و مرضمه و ربمما زاحمهما‬
‫على التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث بممه و تضممعف‬
‫هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط‬
‫إممما لفسمماد مزاجممه مممن فسمماد فممي ذاتهمما أو لمزاحمممة مممن‬
‫النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عمن حسمه جملمة فمأدرك‬
‫لمحة من عالم نفسه و الطبممع فيهمما بعممض الصممور و صممرفها‬
‫الخيال و ربما نطق عن لسانه في تلك الحال مممن غيممر إرادة‬
‫النطق وإدراك هؤلء كلهم مشوب فيه الحق بالباطممل لنممة ل‬
‫يحصممل لهممم التصممال و إن فقممدوا الحممس إل بعممد السممتعانة‬
‫بالتصورات الجنبية كما قررناه و من ذلك يجيء الكذب فممي‬
‫هذه المدارك و أما العرافون فهم المتعلقممون بهممذا الدراك و‬
‫ليس لهم ذلك التصال فيسمملطون الفكممر علممى المممر الممذي‬
‫يتوجهون إليه و يأخذون فيه بممالفن و التخميممن بنمماء علممى ممما‬
‫يتوهمونه من مبادىء ذلك التصال و الدراك و يدعون بممذلك‬
‫معرفة الغيب و ليس منممه علممى الحقيقممة هممذا تحصمميل هممذه‬
‫المور و قد تكلم عليها المسممعودي فممي مممروج الممذهب فممما‬
‫صادف تحقيقا ً و ل إصابة و يظهر مممن كلم الرجممل أنممه كممان‬

‫بعيدا ً عن الرسوخ في المعارف فينقل مما سممع ممن أهلممه و‬
‫من غير أهله و هذه الدراكات التي ذكرناها موجودة كلها في‬
‫نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهممان فممي تعممرف‬
‫الحوادث و يتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفمموهم بممالحق‬
‫فيها من إدراك غيبهم و في كتب أهل الدب كثير من ذلممك و‬
‫اشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار و سطيح بن‬
‫مازن بن غسان و كان يدرج كما يدرج الثوب و ل عظممم فيممه‬
‫إل الجمجمة و من مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعممه‬
‫بن مضر و ما أخبراه به ملك الحبشة لليمن و ملك مضر من‬
‫بعدهم و لظهور النبؤة المحمدية في قريش و رؤيا الموبممذان‬
‫التي أولها سممطيح لممما بعممث إليممه بهمما كسممرى عبممد المسمميح‬
‫فمماخبره بشممأن النبممؤة و خممراب ملممك فممارس و هممذه كلهمما‬
‫مشهورة و كممذلك العرافممون كممان فمي العممرب منهممم كممثير و‬
‫ذكروهم في أشعارهم قال‬
‫فقلت لعراف اليمامة داوني فإنك إن داويتني لطبيب‬
‫و قال الخر‬
‫جعلت لعراف اليمامة حكمه و عراف نجد إن هما شفياني‬
‫فقال شفاك الله و الله مالنا بما حملت منك الضلوع يدان‬
‫وعممراف اليمامممة هممو ربمماح بممن عجلممة و عممراف نجممد البلممق‬
‫السدي‪ .‬و من هذه المدارك الغيبية ما يصممدر لبعممض النمماس‬
‫عند مفارقة اليقظة و التباسه بالنوم من الكلم على الشمميء‬
‫الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلممك المممر كممما يريممد و ل‬
‫يقع ذلك إل في مبادىء النوم عنممد مفارقممة اليقظممة و ذهمماب‬
‫الختبار في الكلم فيتكلم كأنه مجبممور علممى النطممق و غممايته‬
‫أن يسمعه و يفهمه و كذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة‬
‫رؤوسهم و أوساط أبدانهم كلم بمثل ذلك‪ .‬و لقممد بلغنمما عممن‬
‫بعض الجبابرة الظممالمين أنممم قتلمموا مممن سممجونهم أشخاصما ً‬
‫ليتعرفوا من كلمهم عند القتل عواقب أمورهم في أنفسممهم‬

‫فأعلموهم بما يستبشع‪ .‬و ذكر مسلمة فممي كتمماب الغايممة لممه‬
‫فممي مثممل ذلممك أن آدميمما ً إذا جعممل فممي دن مملمموء بممدهن‬
‫السمسم و مكث فيه أربعين يوما ً يغذى بالتين و الجوز حممتى‬
‫يذهب لحمة و ل يبقى منه إل العروق و شؤون رأسه فيخممرج‬
‫من ذلك الدفن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شمميء‬
‫يسأل عنه من عواقب المور الخاصممة و العامممة و هممذا فعممل‬
‫من مناكير أفعممال السممحرة لكممن يفهممم منممه عجممائب العممالم‬
‫النسمماني و مممن النمماس‪ .‬مممن يحمماول حصممول هممذا المممدرك‬
‫الغيبي بالرياضممة فيحمماولون بالمجاهممدة موت ما ً صممناعيا ً بإماتممة‬
‫جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النسق ثممم‬
‫تغذيتها بالذكر لممتزداد قمموة فمي نشممئها و يحصممل ذلممك بجمممع‬
‫الفكر و كثرة الجوع و من المعلوم على القطممع أنممه إذا نممزل‬
‫الموت بالبدن ذهب الحس و حجابة و اطلعممت النفممس علممى‬
‫المغيبات و من هؤلء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بممذلك‬
‫ليحصل لهم الطلع على المغيبات و التصرفات في العمموالم‬
‫و أكثر هؤلء في القاليم المنحرفة جنوب ما ً و شمممال ً خصوص ما ً‬
‫بلد الهند و يسمون هنالممك الحوكيممة و لهمم كتمب فمي كيفيممة‬
‫هذه الرياضة كثيرة و الخبممار عنهممم فممي ذلممك غريبممة‪ .‬و أممما‬
‫المتصمموفة فرياضممتهم دينيممة و عريممة عممن هممذه المقاصممد‬
‫المذمومة و إنما يقصممدون جمممع الهمممة و القبممال علممى اللممه‬
‫بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان و التوحيممد و يزيممدون‬
‫في رياضتهم إلى الجمع و الجوع التغذيممة بالممذكر فبهمما تتممم و‬
‫جهتهم في هذه الرياضممة لنممه إذا نشممأة النفمس علممى الممذكر‬
‫كانت أقرب إلى العرفان بالله و إذا عريت عممن المذكر كممانت‬
‫شيطانية و حصول ما يحصل مممن معرفممة الغيممب و التصممرف‬
‫لهؤلء المتصوفة إنما هو بالعرض و ل يكون مقصودا ً من أول‬
‫المر لنه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله و إنما هي‬
‫لقصد التصممرف و الطلع علممى الغيممب و أخسممر بهمما صممفقة‬
‫فإنهمما فممي الحقيقممة شممرك قممال بعضممهم‪ :‬مممن آثممر العرفممان‬
‫للعرفان فقد قال بالثاني فهم يقصممدون بمموجهتهم المعبممود ل‬
‫لشيء سواه لم إذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبممالعرض‬

‫و غير مقصود لهم و كثير منهممم يفممر منممه إذا عممرض لممه و ل‬
‫يحفل به و إنما يريد الله لذاته ل لغيممره و حصممول ذلممك لهممم‬
‫معروف و يسمون ما يقممع لهممم مممن الغيممب و الحممديث علممى‬
‫الخواطر فراسة و كشفا ً و ما يقع لهم من التصرف كرامممة و‬
‫ليس شيء من ذلك بنكير في حقهم و قد ذهب إلممى إنكمماره‬
‫السممتاذ أبممو إسممحق السممفرايني و أبممو محمممد بممن أبممي زيممد‬
‫المالكي فممي آخريممن فممرارا ً مممن التبمماس المعجممزة بغيرهمما و‬
‫المعول عليه عند المتكلميممن حصممول التفرقممة بالتحممدي فهممو‬
‫كاف‪ .‬و قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و‬
‫سمملم قممال‪ :‬إن فيكممم محممدثين و أن منهممم عمممر و قممد وقممع‬
‫للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بمذلك فمي مثمل قمول‬
‫عمر رضي الله عنة يا سمارية الجبمل و همو سمارية بمن زنيمم‬
‫كممان قممائدا ً علممى بعممض جيمموش المسمملمين بممالعراق أيممام‬
‫الفتوحات و تورط مع المشتركين في معترك و هم بالنهزام‬
‫و كان بقربه جبل يتحيز إليه فرفع لعمممر ذلممك و هممو يخطممب‬
‫على المنبر بالمدينة فناداه يا سارية الجبل و سمعه سارية و‬
‫هو بمكانه و رأى شخصه هنالك و القصة معروفة و وقع مثله‬
‫أيضا ً لبي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهممما فممي‬
‫شأن ما نحلها من أوسق التمممر مممن حممديقته ثممم نبههمما علممى‬
‫جذاذه لتحوزه عن الورثة فقال في سياق كلمممه و إنممما هممما‬
‫أخممواك و أختمماك فقممالت‪ :‬إنممما هممي أسممماء فمممن الخممرى ؟‬
‫فقال‪ :‬إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية فكانت جارية وقممع‬
‫في الموطإ في باب ما ل يجوز من النحل و مثل هذه الوقائع‬
‫كثيرة لهم و لمن بعدهم من الصالحين و أهل القتممداء إل أن‬
‫أهل التصوف يقولون إنممه يقممل فممي زمممن النبممؤة إذ ل يبقممى‬
‫للمريد حالة بحضرة النبي حممتى أنهممم يقولممون إن المريممد إذا‬
‫جاء للمدينة النبوية يسلب حاله ما دام فيهمما حممتى يفارقهمما و‬
‫الله يرزقنا الهداية و يرشدنا إلى الحق‪.‬‬
‫و من هؤلء المريدين من المتصمموفة قمموم بهاليممل معتوهممون‬
‫أشبه بالمجانين من العقلء و هممم مممع ذلممك قممد صممحت لهممم‬

‫مقامات الولية و أحوال الصديقين و علم ذلك مممن أحمموالهم‬
‫من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهممم غيممر مكلفيممن و يقممع‬
‫لهم من الخبار عن المغيبات عجائب لنهم ل يتقيدون بشيء‬
‫فيطلقون كلمهم في ذلك و يأتون منه بالعجائب و ربما ينكر‬
‫الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سممقوط‬
‫التكليف عنهم و الولية ل تحصل إل بالعبادة و هو غلممط فممإن‬
‫فضل الله يؤتيه من يشمماء و ل يتوقممف حصممول الوليممة علممى‬
‫العبادة و ل غيرها و إذا كانت النفس النسممانية ثابتممة الوجممود‬
‫فالله تعالى يخصها بما شاء مممن مممواهبه و هممؤلء القمموم لممم‬
‫تعدم نفوسهم الناطقممة و ل فسممدت كحممال المجممانين و إنممما‬
‫فقد لهم العقل الذي ينمماط بممه التكليممف و هممي صممفة خاصممة‬
‫للنفس و هي علوم ضروية للنسان يشتد بها نظره و يعممرف‬
‫أحوال معاشه و استقامة منزله و كأنة إذا ميز أحوال معاشه‬
‫و استقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكمماليف لصمملح‬
‫معاده و ليس من فقد هذه الصفة بعاقممل لنفسممه و ل ذاهممل‬
‫عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معممدوم العقممل التكليفممي‬
‫الذي هو معرفة المعاش و ل استحالة فممي ذلممك و ل يتوقممف‬
‫اصطفاء الله عباده للمعرفة على شمميء مممن التكمماليف و إذا‬
‫صح ذلك فأعلم أنه ربما يلتبس حال هممؤلء بالمجممانين الممذين‬
‫تفسممد نفوسممهم الناطقممة و يلتحقممون بالبهممائم و لممك فممي‬
‫تمييزهم علمات منهمما أن هممؤلء البهاليمل ل تجممد لهممم وجهممة‬
‫أصمل ً و منهمما أنهممم يخلقممون علممى البلممه مممن أول‪ ،‬نشممأتهم و‬
‫المجانين يعرض لهم الجنون بعممد مممدة مممن العمممر لعمموارض‬
‫بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك و فسدت نفوسهم الناطقة‬
‫ذهبوا بالخيبة و منها كثرة تصرفهم في الناس بالخير و الشممر‬
‫لنهممم ل يتوقفممون علممى إذن لعممدم التكليممف فممي حقهممم و‬
‫المجانين ل تصرف لهم و هذا فصممل انتهممى بنمما الكلم إليممه و‬
‫الله المرشد للصواب‪.‬‬
‫و قد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب مممن دون غيبممة‬
‫عن الحس فمنهم المنجمون القممائلون بالممدللت النجوميممة و‬

‫مقتضى أوضاعها في الفلك و آثارها في العناصر و ما يحصل‬
‫من المتزاج بين طباعها بالتناظر و يتممأدى مممن ذلممك المممزاج‬
‫إلى الهواء و هؤلء المنجمون ليسمموا مممن الغيممب فممي شمميء‬
‫إنممما هممي ظنممون حدسممية و تخمينممات مبنيممة علممى التممأثير‬
‫النجومية و حصول المزاج منه للهواء مع مزيممد حممدس يقممف‬
‫به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كممما قمماله‬
‫بطليموس و نحن نبين بطلن ذلك في محله إن شمماء اللممه و‬
‫هؤلء لو ثبت فغايته حدس و تخمين و ليس مما ذكرنمماه فممي‬
‫شمميء‪ .‬و مممن هممؤلء قموم مممن العامممة اسممتنبطوا لسممتخراج‬
‫الغيب و تعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى‬
‫المادة التي يضممعون فيهمما عملهممم و محصممول هممذه الصممناعة‬
‫أنهممم صمميروا مممن النقممط أشممكال ً ذات أربممع مراتممب تختلممف‬
‫بماختلف مراتبهما فمي الزوجيمة و الفرديمة و اسمتوائها فيهمما‬
‫فكالت ستة عشر شكل ً لنها إن كانت أزواجا ً كلهمما أو أفممرادا ً‬
‫كلها فشكلن و إن كان الفرد فيهما في مرتبممة واحممدة فقممط‬
‫فأربعة أشكال و إن كان الفرد في مرتبتين فسممتة أشممكال و‬
‫إن كان في ثلث مراتب فأربعممة أشممكال جمماءت سممتة عشممر‬
‫شكل ميزوها كلها بأسمممائها و أنواعهمما إلممى سممعود و نحمموس‬
‫شأن الكواكب و جعلوا لها ستة عشر بيتا ً طبيعيممة يزعمهممم و‬
‫كأنها البروج الثنا عشر التي للفلك و الوتاد الربعة و جعلمموا‬
‫لكممل شممكل منهمما بيت ما ً و خطوطمًا‪ ،‬و دللممة علممى صممنف مممن‬
‫موجودات عالم العناصر يختص به و استنبطوا مممن ذلممك فنمما‬
‫حاذوا بممه فممن النجامممة و نمموع فصممائه إل أن أحكممام النجامممة‬
‫مستندة إلى أوضاع طبيعية كما يزعم بطليموس و هذه إنممما‬
‫مستندها أوضاع تحكيمية و أهواء اتفاقية و ل دليل يقوم على‬
‫شيء منها و يزعمون أن أصل ذلك من النبؤات القديمة فممي‬
‫العالم و ربما نسبوها إلى دانيال أو إلى إدريس صلوات اللممه‬
‫عليهممما شممأن الصممنائع كلهمما و ربممما يممدعون مشممروعيتها و‬
‫يحتجون بقوله صلى الله عليه و سلم‪ :‬كان نممبي يخممط فمممن‬
‫وافق خطة فذاك و ليس في الحديث دليممل علممى مشممروعية‬
‫خط الرمل كما يزعمه بعض مممن ل تحصمميل لممديه لن معنممى‬

‫الحديث كان نممبي يخممط فيمأتيه المموحي عنممد ذلممك الخممط و ل‬
‫استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعممض النبيمماء فمممن وافممق‬
‫خطة ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بيممن الخممط بممما‬
‫عضده من الموحي لمذلك النمبي المذي كمانت عمادته أن يمأتيه‬
‫الوحي عند الخط و أما إذا أخذ ذلممك مممن الخممط مجممردا ً مممن‬
‫غير موافقة وحي فل و هذا معنى الحديث و الله أعلممم‪ .‬فممإذا‬
‫أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمممل‬
‫أو دقيق فوضعوا النقط سطورا ً على عدد المراتب الربع ثممم‬
‫كرروا ذلك أربع مرات فتجيء ستة عشر سطرا ً ثم يطرحون‬
‫النقط أزواجا ً و يضعون ما بقى من كل سممطر زوج ما ً كممان أو‬
‫فردا ً في مرتبته على الترتيب فتجيء أربعة أشكال يضممعونها‬
‫في سطر متتالية ثم يولدون منها أربعممة أشممكال أخممرى مممن‬
‫جالب العرض باعتبار كل مرتبة و ما قابلها ممن الشمك المذي‬
‫بممإزائه و ممما يجتمممع منهممما مممن زوج أو فممرد فتكممون ثمانيممة‬
‫أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكل ً‬
‫تحتهما باعتبار ما يجتمع في كل مرتبة من مراتممب الشممكلين‬
‫أيضا ً من زوج أو فرد فتكون أربعة أخممرى تحتهمما ثممم يولممدون‬
‫من الربعة شكلين كممذلك تحتهمما مممن الشممكلين شممكل ً كممذلك‬
‫تحتهما ثم من هذا الشكل الخامس عشممر مممع الشممكل الول‬
‫شكل ً يكون أخر الستة عشر ثم يحكمون على الخط كله بممما‬
‫اقتضته أشكاله من السعودة و النحوسممة بالممذات و النظممر و‬
‫الحلول و المتزاج و الدللة على أصناف الموجودات و سممائر‬
‫ذلممك تحكم ما ً غريب ما ً و كممثرت هممذه الصممناعة فممي العمممران و‬
‫وضعت فيها التآليف و اشتهر فيهمما العلم مممن المتقممدمين و‬
‫المتأخرين و هي كما رأيممت تحكممم و همموى و التحقيممق الممذي‬
‫ينبغي أن يكممون نصممب فكممرك أن الغيمموب ل تممدرك بصممناعة‬
‫البتمممة و ل سمممبيل إلمممى تعرفهممما إل للخمممواص ممممن البشمممر‬
‫المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الممروح و‬
‫لذلك يسمى المنجمون هذا الصممنف كلهممم بممالزهريين نسممبة‬
‫إلى ما تقتضيه دللممة الزهممرة بزعمهممم فممي أصممل مواليممدهم‬
‫على إدراك الغيب فالخط و غيمره ممن هممذه أن كمان النمماظر‬

‫فيه من أهل هذه الخاصية و قصممد بهممذه المممور الممتي ينظممر‬
‫فيها ممن النقمط أو العظمام أو غيرهما إشمغال الحمس لمترجع‬
‫النفس إلى عالم الروحانيات لحظة ما‪ ،‬فهو من باب الطممرق‬
‫بالحصى و النظر في قلوب الحيوانات و المرايا الشفافة كما‬
‫ذكرناه‪ .‬و أن لم يكن كذلك و إنما قصد معرفممة الغيممب بهممذه‬
‫الصناعة و أنها تفيده ذلك فهمذر ممن القمول و العممل و اللمه‬
‫يهدي من يشاء‪ .‬و العلمة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل‬
‫هذا الدراك الغيبي أنهم عنممد تمموجههم إلممى تعممرف الكائنممات‬
‫يعتريهم خروج عن حممالتهم الطبيعيممة كالتثمماؤب و التمطممط و‬
‫مبادىء الغيبة عمن الحمس و يختلمف ذلمك بمالقوة و الضمعف‬
‫على اختلف وجودها فيهم فمممن لممم توجممد لممه هممذه العلمممة‬
‫فليس من إدراك الغيب في شيء و إنما هو ساع في تنفيممق‬
‫كذبه‪.‬‬
‫فصل‬
‫و منهم طوائف يضعون قوانين لستخراج الغيب ليسممت مممن‬
‫الطور الول الذي هو من مدارك النفممس الروحانيممة و ل مممن‬
‫الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما زعمه بطليممموس و‬
‫ل من الظن و التخمين الممذي يحمماول عليممه العرافممون و إنممما‬
‫هي مغالط يجعلونها كالمصائد لهممل العقممول المستضممعفة و‬
‫لست أذكر من ذلك إل ما ذكره المصنفون و ولع به الخواص‬
‫فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم و هو‬
‫مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب لرسطو يعرف بممه‬
‫الغالب من المغلوب فممي المتحمماربين مممن الملمموك و هممو أن‬
‫تحسممب الحممروف الممتي فممي اسممم أحممدهما بحسمماب الجمممل‬
‫المصطلح عليه في حروف أبجد من الواحد إلى اللف آحممادا ً‬
‫و عشرات و مئين وألوفا ً فممإذا حسممبت السممم و تحصممل لممك‬
‫منه عدد فاحسب اسم الخر كذلك ثم اطرح مممن كممل واحممد‬
‫منهما تسممعة و احفممظ بقيممة هممذا و بقيممة هممذا ثممم انظممر بيممن‬
‫العددين البمماقيين مممن حسمماب السمممين فممإن كممان العممددان‬
‫مختلفين في الكمية وكانا معا زوجين أو فردين معًا‪ .‬فصاحب‬

‫القل منهما هو الغالب و إن كان أحدهما زوجا ً و الخر فممردا ً‬
‫فصاحب الصغر هو الغالب و أن كانا متساويين في الكمية و‬
‫هما معا زوجان فالمطلوب هو الغالب و إن كانما معما ً فرديمن‬
‫فالطالب هممو الغممالب و يقممال هنالممك بيتممان فممي هممذا العمممل‬
‫اشتهرا بين الناس و هما‪:‬‬
‫و أكثرها عند التحالف‬
‫أرى الزوج و الفراد يسمو اقلها‬
‫غالب‬
‫و عند استواء الفرد‬
‫و يغلب مطلوب إذا الزوج يستوي‬
‫يغلب طالب‬
‫ثم وضعوا لمعرفة ما بقى من الحمروف بعمد طرحهما بتسمعة‬
‫قانونا ً معروفا ً عندهم فممي طممرح تسممعة و ذلممك أنهممم جمعمموا‬
‫الحروف الدالة علممى الواحممد فممي المراتممب الربممع و هممي )ا(‬
‫الدالة على الواحد وهي )ي( الدالة على العشرة و هي واحد‬
‫في مرتبة العشرات و)ق( الدالة على المائة لنها واحممد فممي‬
‫مرتبة المئين و )ش( الدالة على اللف لنها واحد في منزلممة‬
‫اللف و ليس بعد اللف عدد يدل عليه بالحروف لن الشممين‬
‫هي آخر حروف أبجممد ثممم رتبمموا هممذه الحممرف الربعممة علممى‬
‫نسق المراتب فكان منهمما كلمممة رباعيممة و هممي )ايقممش( ثممم‬
‫فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في المراتممب الثلث و‬
‫أسقطوا مرتبة اللف منها لنها كانت آخر حروف أبجد فكان‬
‫مجموع حروف الثنيممن فممي المراتممب الثلث ثلثممة حممروف و‬
‫هي )ب( الدالة على اثنين في الحاد و )ك( الدالة على اثنين‬
‫في العشرات و هممي عشممرون و )ر( الدالممة علممى اثنيممن فممي‬
‫المئين و هي مائتان و صيروها كلمة واحدة ثلثة علممى نسممق‬
‫المراتب و هي بكر ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلثممة‬
‫فنشأت عنها كلمة جلمس و كمذلك إلمى آخممر حمروف أبجمد و‬
‫صارت تسع كلمات نهاية عدد الحاد و هي ايقش بكر جلممس‬
‫دمت هنث و صخ زعد حفظ طضغ مرتبة على توالى العممداد‬
‫و لكل كلمة منها عددها الذي هي في مرتبته فالواحد لكلمممة‬
‫ايقش و الثنان لكلمة بكر و الثلثة لكلمة جلس و كذلك إلى‬
‫التاسعة التي هي طضغ فتكون لها التسعة فممإذا أرادوا طممرح‬

‫السم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من هممذه‬
‫الكلمممات و أخممذوا عممددها مكممانه ثممم جمعمموا العممداد الممتي‬
‫يأخممذونها بممدل ً مممن حممروف السممم فممإن كممانت زائدة علممى‬
‫التسمية أخذوا ما فضل عنها و إل أخذوه كما هو ثممم يفعلممون‬
‫كذلك بالسم الخر و ينظرون بيممن الخممارجين بممما قممدمناه و‬
‫السر في هذا بين و ذلك أن الباقي من كل عقممد مممن عقممود‬
‫العداد بطرح تسعة إنما هو واحد فكممأنه يجمممع عممدد العقممود‬
‫خاصة من كل مرتبممة فصممارت أعممداد العقممود كأنهمما آحمماد فل‬
‫فرق بين الثنين و العشرين و المائتين و اللفين و كلها اثنين‬
‫و كذلك الثلثممة و الثلثممون و الثلثمممائة و الثلثممة اللف كلهمما‬
‫ة فوضممعت العممداد علممى التمموالي دالممة علممى أعممداد‬
‫ة ثلث ً‬
‫ثلث ً‬
‫العقود ل غير و جعلت الحروف الدالممة علممى أصممناف العقممود‬
‫في كل كلمة مممن الحمماد و العشممرات و المئيممن و اللمموف و‬
‫صار عدد الكلمة الموضوع عليهمما نائب ما ً عممن كممل حممرف فيهمما‬
‫سواء دل على الحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عممدد كممل‬
‫كلمة عوضا ً من الحروف التي فيها و تجمع كلهمما إلممى آخرهمما‬
‫كما قلناه هممذا هممو العمممل المتممداول بيممن النمماس منممذ المممر‬
‫القديم و كان بعض من لقيناه من شمميوخنا يممرى أن الصممحيح‬
‫فيها كلمممات أخممرى تسممعة مكممان هممذه و متواليممة كتواليهمما و‬
‫يفعلون بها في الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالخرى سممواء‬
‫و هي هذه ارب يسقك جزلط مدوص هممف تحممذن عممش خممع‬
‫ثضظ تسع كلمات على توالي‪ ،‬العدد و لكل كلمة منها عددها‬
‫الذي في مرتبته فيها الثلثممي و الربمماعي و الثنممائي و ليسممت‬
‫جارية على أصل مطرد كما تراه لكن كممان شمميوخنا ينقلونهمما‬
‫عن شيخ المغرب في هذه المعارف مممن السمميمياء و أسممرار‬
‫الحروف و النجامة و هو أبو العباس بن البناء و يقولممون عنممه‬
‫أن العمل بهذه الكلمات في طممرح حسمماب النيممم أصممح مممن‬
‫العمل بكلمممات ايقممش و اللممه يعلممم كيممف ذلممك و هممذه كلهمما‬
‫مدارك للغيب غير معروف أرسطو عنممد المحققيممن لممما فيممه‬
‫من الراء البعيدة عممن التحقيممق و البرهممان يشممهد لممك بممذلك‬
‫تصممفحه إن كنممت مممن أهممل الرسمموخ‪ .‬و مممن هممذه القمموانين‬

‫الصناعية لستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة المسماة‬
‫بزايرجممة العممالم‪ ،‬المعممزوة إلممى أبممي العبمماس سمميدي أحمممد‬
‫السبتي من أعلم المتصوفة بالمغرب كممان فممي آخممر المممائة‬
‫السادسة بمراكش و لعهد أبي يعقمموب المنصممور مممن ملمموك‬
‫الموحدين و هي غريبة العمل صممناعة‪ .‬و كممثير مممن الخممواص‬
‫يولعممون بإفممادة الغيممب منهمما بعملهمما المعممروف الملغمموز‬
‫فيحرضون بذلك على حل رمزه و كشف غامضممه‪ .‬و صممورتها‬
‫التي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمممة فممي داخلهمما دوائر‬
‫متوازية للفلك و العناصر و المكونممات و الروحانيممات و غيممر‬
‫ذلك مممن أصممناف الكائنممات و العلمموم و كممل دائرة مقسممومة‬
‫بأقسام فلكها إما البروج و إما العناصر أو غيرهممما و خطمموط‬
‫كل قسم مارة إلى المركز و يسمونها الوتار و على كل وتممر‬
‫حروف متتابعممة موضمموعة فمنهمما برشمموم الزمممام الممتي هممي‬
‫أشكال العداد عند أهل الدواوين و الحسمماب بممالمغرب لهممذا‬
‫العهد و منها برشوم الغبار المتعارفة فممي داخممل الزايرجممة و‬
‫بين الدوائر أسماء العلمموم و مواضممع الكمموان و علممى ظمماهر‬
‫الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طول ً و عرضا ً يشتمل‬
‫على خمسممة و خمسممين بيتما ً فممي العممرض و مممائة و واحممد و‬
‫ثلثين في الطول جوانب منه معمورة البيوت تممارة بالعممدد و‬
‫أخرى بالحروف و جوانب خالية البيوت و ل تعلممم نسممبة تلممك‬
‫العممداد فممي أو ضمماعها و ل القسمممة الممتي عينممت الممبيوت‬
‫العامرة من الخاليممة و حافممات الزايزجممة أبيممات مممن عممروض‬
‫الطويل على روي اللم المنصوبة تتضمن صورة العمممل فممي‬
‫استخراج المطلوب من تلك الزايرجة إل أنها من قبيل اللغاز‬
‫في عدم الوضوح و الجلء و في بعض جوانب الزايرجة بيممت‬
‫من الشعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب و هممو‬
‫مالك بن وهيب من علماء أشبيلية كان في الدولممة اللمتونيممة‬
‫و نص البيت‬
‫غرائب شك ضبطه‬
‫سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن‬
‫الجد مثل‬

‫و هو البيت المتداول عندهم فممي العمممل لسممتخراج الجممواب‬
‫من السؤال في هذه الزايرجة و غيرها فممإذا أرادوا اسممتخراج‬
‫الجواب عما يسأل عنه مممن المسممائل كتبمموا ذلممك السممؤال و‬
‫قطعوه حروفا ً ثم أخذوا الطالع لذلك الوقت من بروج الفلك‬
‫و درجها و عمدوا إلى الزايرجة ثم إلمى الموتر المكتنمف فيهما‬
‫بالبرج الطممالع مممن أولممه مممارا ً إلممى المركممز ثممم إلممى محيممط‬
‫الدائرة قبالة الطالع فيأخذون جميع الحروف المكتوبممة عليممه‬
‫من أوله إلى آخره و العممداد المرسممومة بينهممما و يصمميرونها‬
‫حروفا ً بحساب الجمل و قد ينقلون آحادهمما إلممى العشممرات و‬
‫عشراتها إلى المئيممن و بممالعكس فيهممما كممما يقتضمميه قممانون‬
‫العمل عندهم و يضعونها مع حروف السؤال و يضمميفون إلممى‬
‫ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثممالث مممن الطممالع‬
‫مممن الحممروف و العممداد مممن أولممه إلممى المركممز فقممط ل‬
‫يتجاوزونه إلى المحيط و يفعلون بالعداد ما فعلمموه بممالول و‬
‫يضيفونها إلى الحروف الخممرى ثممم يقطعممون حممروف الممبيت‬
‫الذي هو أصل العمل و قمانونه عنمدهم و همو بيمت مالمك بمن‬
‫وهيب المتقدم و يضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع‬
‫في أس البرج و أسه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتممب‬
‫عكس ما عليه الس عند أهل صناعة الحسمماب فممانه عنممدهم‬
‫البعد عن أول المراتب ثم يضممربونه فممي عممدد آخممر يسمممونه‬
‫الس الكبر و الدور الصمملي و يممدخلون بممما تجمممع لهممم مممن‬
‫ذلممك فممي بيمموت الجممدول علممى قمموانين معروفممة و أعمممال‬
‫ممممذكورة و أدوار معمممدودة و يسمممتخرجون منهممما حروفممما ً و‬
‫يسقطون أخرى و يقممابلون بممما معهممم فممي حممروف الممبيت و‬
‫ينقلون منه ما ينقلممون إلممى حممروف السممؤال و ممما معهمما ثممم‬
‫يطرحممون تلممك الحممروف بأعممداد معلومممة يسمممونها الدوار و‬
‫يخرجممون فممي كممل دور الحممرف الممذي ينتهممي عنممده الممدور و‬
‫يعاودون ذلك بعدد الدوار المعينة عندهم لذلك فيخرج آخرها‬
‫حروف متقطعة و تؤلف على التوالي فتصير كلمات منظومة‬
‫في بيت واحد على وزن البيت الذي يقابل به العمممل و رويممه‬
‫و هو بيت مالك ابن وهيب المتقدم حسبما نذكر ذلك كله في‬

‫فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة و قد رأينا كثيرا ً‬
‫مممن الخممواص يتهممافتون علممى اسممتخراج الغيممب منهمما بتلممك‬
‫العمال و يحسبون أن ما وقع من مطابقة الجممواب للسممؤال‬
‫في توافق الخطاب دليل على مطابقممة الواقممع و ليممس ذلممك‬
‫بصحيح لنه قد مر لك أن الغيب ل يدرك بأمر صناعي البتة و‬
‫إنما المطابقة الممتي فيهمما بيممن الجممواب و السممؤل مممن حيممث‬
‫الفهام و التوافق في الخطاب حتى يكون الجواب مسممتقيما ً‬
‫أو موافقا ً للسؤال و وقوع ذلك في هذه الصناعة في تكسممير‬
‫الحممروف المجتمعممة مممن السممؤال و الوتممار و الممدخول فممي‬
‫الجدول بالعداد المجتمعة مممن ضممرب العممداد المفروضممة و‬
‫استخراج الحروف من الجدول بذلك و طرح أخرى و معاودة‬
‫ذلك في الدوار المعدودة و مقابلة ذلك كلممه بحممروف الممبيت‬
‫على التوالي غير مستنكر و قد يقع الطلع من بعض الذكياء‬
‫على تناسممب بيممن هممذه الشممياء فيقممع لممه معرفممة المجهممول‬
‫فالتناسب بين الشياء هو سبب الحصول على المجهول مممن‬
‫المعلوم الحاصل للنفس و طريممق لحصمموله سمميما مممن أهممل‬
‫الرياضة فإنها تفيممد العقممل قمموة علممى القيمماس و زيممادة فممي‬
‫الفكر و قد مر تعليل ذلك غير مرة و مممن أجممل هممذا المعنممى‬
‫ينسممبون هممذه الزايرجممة فممي الغممالب لهممل الرياضممة فهممي‬
‫منسوبة للسبتي و لقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بممن‬
‫عبممد اللممه و لعمممري إنهمما مممن العمممال الغريبممة و المعانمماة‬
‫العجيبممة‪ .‬و الجممواب الممذي يخممرج منهمما فالسممر فممي خروجممه‬
‫منظوما ً يظهر لي إنما هو المقابلة بحروف ذلك البيت و لهذا‬
‫يكون النظم على وزنه و رويه و يدل عليه أنا و جممدنا أعمممال ً‬
‫أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيهمما المقابلممة بممالبيت فلممم‬
‫يخرج الجواب منظوما ً كما تممراه عنممد الكلم علممى ذلممك فممي‬
‫موضعه و كثير من الناس تضيق مداركهم عن التصديق بهممذا‬
‫العمل و نفوذه إلى المطلمموب فينكممر صممحتها و يحسممب أنهمما‬
‫مممن التخيلت و اليهامممات و أن صمماحب العمممل بهمما يثبممت‬
‫حروف البيت الذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السممؤال‬
‫و أن الوتار و يفعل تلك الصناعات على غير نسبة و ل قانون‬

‫ثممم يجيممء بممالبيت و يمموهم أن العمممل جمماء علممى طريقيممن‬
‫منضبطة و هذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه العقول عممن‬
‫فهم التناسب بين الموجودات و المعممدومات و التفمماوت بيممن‬
‫المدارك و العقول و لكن من شأن كل مدرك إنكار ما ليممس‬
‫في طوقه إدراكه و يكفينا في رد ذلك مشاهدة العمممل بهممذه‬
‫الصناعين و الحممدس القطعممي فإنهمما جمماءت بعمممل مطممرد و‬
‫قانون صحيح ل مرية فيه عند من يباشر ذلك ممن له ذكاء و‬
‫حدس و إذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هممو أوضممح‬
‫الواضممحات يعسممر علممى الفهممم إدراكممه لبعممد النسممبة فيممه و‬
‫خفائها فما ظنك بمثل هممذا مممع خفمماء النسممبة فيممه و غرابتهمما‬
‫فلنذكر مسئلة من المعاياة يتضح لممك بهمما شمميء مممما ذكرنمما‬
‫مثاله لو قيل لك أخذت عددا ً من الدراهم و اجعل بممإزاء كممل‬
‫درهم ثلثة من الفلمموس ثممم الجمممع الفلمموس الممتي أخممذت و‬
‫اشتر بها طائرا ً ثم اشممتر بالممدراهم كلهمما طيممورا ً بسممعر ذلممك‬
‫الطائر فكم الطيور المشتراة بالدراهم فجوابه أن تقول هممي‬
‫تسعة لنك تعلم أن فلمموس الممدراهم أربعممة و عشممرون و أن‬
‫الثلثة ثمنها و أن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثمن‬
‫من الدراهم إلممى الثمممن الخممر فكممان كلممه ثمممن طممائر فهممي‬
‫ثمانية طيور عدة أثمان الواحد و تزيممد علممى الثمانيممة طممائرا ً‬
‫آخمر و هممو المشممترى بمالفلوس الممأخوذة أول ً و علممى سمعر‬
‫اشتريت بالدراهم فتكون تسعة فممأنت تممرى كيممف خممرج لممك‬
‫الجواب المضمر بسر التناسب الممذي بيممن أعممداد المسممئلة و‬
‫الوهم أول ما يلقي إليك هذه و أمثالها إنما يجعلممه مممن قبيممل‬
‫الغيب الذي ل يمكن معرفته و ظهر أن التناسب بيممن المممور‬
‫هو الذي يخممرج مجهولهمما مممن معلومهمما و هممذا إنممما هممو فممي‬
‫الواقعممات الحاصمملة فممي الوجممود أو العلممم و أممما الكائنممات‬
‫المستقبلة إذا لممم تعلممم أسممباب وقوعهمما و ل يثبممت لهمما خممبر‬
‫صادق عنها فهو غيب ل يمكن معرفته لممم إذا تممبين لممك ذلممك‬
‫فالعمال الواقعة في الزايرجة كلها إنمما همي فمي اسمتخراج‬
‫الجواب من ألفاظ السؤال لنها كما رأيممت اسممتنباط حممروف‬
‫على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيممب آخممر و سممر‬

‫ذلك إنما هو من تناسب بينهما يطلممع عليممه بعممض دون بعممض‬
‫فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلممك الجممواب‬
‫يتلك القوانين و الجواب يدل في مقام آخر من حيث موضوع‬
‫ألفاظه و تراكيبه على وقوع أحد طرفي السؤال من نفممي أو‬
‫إثبات و ليس هذا من المقام الول بممل إنممما يرجممع لمطابقممة‬
‫الكلم لما في الخارج و ل سبيل إلى معرفممة ذلممك مممن هممذه‬
‫العمال بل البشر محجوبون عنه و قد اسممتأثر اللممه بعلمممه و‬
‫الله يعلم و أنتم ل تعلمون‪.‬‬
‫الباب الثاني في العمران البدوي و المم الوحشممية‬
‫و القبائل و ما يعرض فممي ذلممك مممن الحمموال و‬
‫فيممه فصممول و تمهيممدات الفصممل الول فممي أن‬
‫أجيال البدو و الحضر طبيعية‬
‫إعلممم أن اختلف الجيممال فممي أحمموالهم إنممما هممو بمماختلف‬
‫نحلتهم في المعاش فممإن اجتممماعهم إنممما هممو للتعمماون علممى‬
‫تحصمميله و البتممداء بممما هممو ضممروري منعممه و نشمميطه قبممل‬
‫الحاجي و الكمالي فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسممة و‬
‫الزراعة و منهم من ينتحل القيام على الحيمموان مممن الغنممم و‬
‫البقر و المعز و النحل و الدود لنتاجهمما واسممتخراج فضمملتها و‬
‫هؤلء القائمون على الفلح و الحيوان تممدعوهم الضممرورة و ل‬
‫بد إلى البدو لنه متسع لما ل يتسع له الحواضر من المممزارع‬
‫و الفممدن و المسممارح للحيمموان و غيممر ذلممك فكممان اختصمماص‬
‫هممؤلء بالبممدو أمممرا ً ضممروريا لهممم و كممان حينئذ اجتممماعهم و‬
‫تعاونهم في حاجمماتهم و معاشممهم و عمرانهممم مممن القمموت و‬
‫الكن و الدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة و يحصممل‬
‫بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عممما وراء ذلممك ثممم إذا‬
‫اتسعت أحوال هؤلء المنتحلين للمعاش و حصل لهم ما فوق‬
‫الحاجة من الغنى و الرفه دعاهم ذلك إلى السكون و الدعممة‬
‫و تعاونوا في الزائد على الضرورة و استكثروا من القوات و‬
‫الملبس و التأنق فيها و توسعة البيوت و اختطمماط المممدن و‬

‫المصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفه و الدعة فتجيء عمموائد‬
‫الترف البالغة مبالغها في التأنق في علج القوت و اسممتجادة‬
‫المطابخ و التقاء الملبس الفاخرة في أنواعها من الحريممر و‬
‫الممديباج و غيممر ذلممك و معممالة الممبيوت و الصممروح و إحكممام‬
‫وضعها في تنجيدها و النتهاء فممي الصممنائع فممي الخممروج مممن‬
‫القوة إلى الفعل إلى غايتهمما فيتخممذون القصممور و المنممازل و‬
‫يجممرون فيهمما الميمماه و يعممالون فممي صممرحها و يبممالغون فممي‬
‫تنجيدها و يختلفون في استجادة ممما يتخممذونه لمعاشممهم مممن‬
‫ملبوس أو فممراش أو آنيممة أو ممماعون و هممؤلء هممم الحصممر و‬
‫معناه الحاضرون أهممل المصممار و البلممدان و مممن هممؤلء مممن‬
‫ينتحل معاشه الصممنائع و منهممم مممن ينتحممل التجممارة و تكممون‬
‫مكاسبهم أنمى و أرفه من أهل البدو لن أحوالهم زائدة على‬
‫الضروري و معاشهم على نسبة و جدهم فقد تبين أن أجيممال‬
‫البدو و الحضر طبيعية ل بد منها كما قلناه‪.‬‬
‫الفصل الثاني في أن جيل العرب في الخليقة‬
‫طبيعي‬
‫قممد قممدمنا فممي الفصممل قبلممه أن أهممل البممدر هممم المنتحلممون‬
‫للمعاش الطمبيعي ممن الفلمح و القيمام علمى النعمام و أنهمم‬
‫مقتصمممرون علمممى الضمممروري ممممن القممموات و الملبمممس و‬
‫المساكن و سائر الحمموال و العمموائد و مقصممرون عممما فمموق‬
‫ذلك من حاجى أو كمالي يتخذون البيوت من الشعر و المموبر‬
‫أو الشجر أو من الطين و الحجارة غير منجدة إنما هممو قصممد‬
‫السممتظلل والكممن ل ممما وراءه و قممد يممأوون إلممى الغيممران و‬
‫الكهموف و أمما أقمواتهم فيتنماولون بهما يسميرا ً بعلج أو بغيمر‬
‫علج البتة إل ممما مسممته النممار فمممن كممان معاشممه منهممم فممي‬
‫الزراعة و القيام بالفلح كان المقمام بمه أولمى ممن الظعمن و‬
‫هؤلء سكان المدر و القممرى و الجبممال و هممم عامممة الممبربر و‬
‫العاجم و من كان معاشه في السممائمة مثممل الغنممم و البقممر‬
‫فهم ظعن في الغلب لرتيمماد المسممارح و الميمماه لحيوانمماتهم‬

‫فممالتقلب فممي الرض أصمملح بهممم و يسمممون شماوية و معنمماه‬
‫القائمون على الشاه و البقر و ل يبعدون في القفممر لفقممدان‬
‫المسارح الطيبة و هؤلء مثل البربر و الترك و إخمموانهم مممن‬
‫التركمان و الصقالبة و أما من كان معاشهم فممي البممل فهممم‬
‫أكثر ظغنا ً و أبعد في القفر مجال ً لن مسارح التلول و نباتهمما‬
‫و شجرها ل يستغني بها البل في قمموام حياتهمما عممن مراعممي‬
‫الشجر بالقفر وورود مياهه الملحممة و التقلممب فصممل الشممتاء‬
‫في نممواحيه فممرارا ً مممن أذى الممبرد إلممى دفممء همموائه و طلبما ً‬
‫لماخض النتاج في رممماله إذ البممل أصممعب الحيمموان فصممال ً و‬
‫مخاضا ً و أحوجها في ذلك إلى الممدفء فاضممطروا إلممى إبعمماد‬
‫النجعة و ربما زادتهم الحامية عن التلممول أيضما ً فممأوغلوا فممي‬
‫القفار نفرة عن الضعة منهم فكانوا لذلك أشد الناس توحشا ً‬
‫و ينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه‬
‫و المفترس من الحيمموان العجممم و هممؤلء هممم العممرب و فممي‬
‫معناهم ظعون البربر و زناتة بالمغرب له الكراد و التركمممان‬
‫و الترك بالمشرق إل أنا العرب أبعد نجعة و أشد بداوة لنهم‬
‫مختصون بالقيام على البل فقط و هممؤلء يقوممموني عليهمما و‬
‫علممى الشممياه و البقممر معهمما فقممد تممبين لممك أن جيممل العممرب‬
‫طبيعي ل بد منه في العمران و الله سبحانه و تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل الثالث في أن البدو أقدم من الحضر و‬
‫سابق عليه و أن البادية أصل العمران و‬
‫المصار مدد لها‬
‫قممد ذكرنمما أن البممدو هممم المقتصممرون علممى الضممروري فممي‬
‫أحوالهم العاجزون عما فوقه و أن الحضر المعتنون بحاجممات‬
‫الممترف و الكمممال فممي أحمموالهم و عمموائدهم و ل شممك أن‬
‫الضروري أقدم من الحاجي و الكمممالي و سممابق عليممه و لن‬
‫الضروري أصممل و الكمممالي فممرع ناشممىء عنممه فالبممدو أصممل‬
‫المدن و الحضر‪ ،‬و سممابق عليهممما لن أول مطممالب النسممان‬
‫الضممروري و ل ينتهممي إلممى الكمممال و الممترف إل إذا كممان‬

‫الضروري حاصل ً فخشونة البداوة قبل رقممة الحضممارة و لهممذا‬
‫نجد التمدن غايممة للبممدوي يجممري إليهمما و ينتهممي بسممعيه إلممى‬
‫مقترحه منها و متى حصل على الرياش الذي يحصممل لممه بممه‬
‫أحوال الترف و عوائده عاج إلى الدعممة و أمكممن نفسممه إلممى‬
‫قياد المدينة و هكذا شأن القبائل المتبدية كلهم و الحضري ل‬
‫يتشوف إلى أحوال البادية إل لضرورة تدعوه إليها أو لتقصير‬
‫عن أحوال أهل مدينته و مما يشهد لنا أن البدو أصل للحضممر‬
‫و متقدم عليه أنا إذا فتشنا أهممل مصممر مممن المصممار و جممدنا‬
‫أولية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر و عدلوا‬
‫إلى الدعة و الترف الذي فممي الحضممر و ذلممك يممدل علممى أن‬
‫أحوال الحضارة ناشئة عممن أحمموال البممداوة و أنهمما أصممل لهمما‬
‫فتفهمه‪ .‬ثم إن كل واحد من البدو و الحضر متفاوت الحوال‬
‫من جنسه فرب حي أعظم من حي و قبيلة أعظم من قبيلممة‬
‫و مصر أوسع من مصر و مدينة أكثر عمرانا ً مممن مدينممة فقممد‬
‫تبين أن وجود البدو متقممدم علممى وجممود المممدن و المصممار و‬
‫أصل لها بما أن وجود المدن و المصار مممن عمموائد الممترف و‬
‫الدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضروري المعاشية و الله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير‬
‫من أهل الحضر‬
‫و سببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الولى كانت متهيئة‬
‫لقبول ما يرد‬
‫عليها و ينطبع فيها من خيممر أو شممر قممال صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم‪ :‬كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه‬
‫أو يمجسانه و بقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعممد عممن‬
‫الخر و يصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سممبقت إلممى‬
‫نفسه عوائد الخير و حصلت لها ملكته بعد عن الشر و صعب‬
‫عليه طريقة و كذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا ً عمموائده‬
‫و أهل الحضممر لكممثرة ممما يعممانون مممن فنممون الملذ و عمموائد‬

‫الترف و القبال على الدنيا و العكوف على شهواتهم منهمما و‬
‫قد تلممونت أنفسممهم بكممثير مممن مممذمومات الخلممق و الشممر و‬
‫بعدت عليهم طرق الخير و مسالكه بقدر ما حصممل لهممم مممن‬
‫ذلك حتى لقمد ذهبمت عنهمم ممذاهب الحشممة فمي أحموالهم‬
‫فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم‬
‫و بين كبرائهم و أهل محارمهم ل يصدهم عنه و ازع الحشمة‬
‫لما أخذتهم به عوائد السوء فممي التظمماهر بممالفواحش قممول ً و‬
‫عمل ً و أهل البدو و إن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إل أنممه‬
‫في المقدار الضروري في الترف و ل في شيء مممن أسممباب‬
‫الشهوات و اللذات و دواعيها فعوائدهم في معمماملتهم علممى‬
‫نسبتها و ما يحصممل فيهممم مممن مممذاهب السمموء و مممذمومات‬
‫الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقممل بكممثير فهممم أقممرب إلممى‬
‫الفطممرة الولممى و أبعممد عممما ينطبممع فممي النفممس مممن سمموء‬
‫الملكات بكثرة العوائد المذمومممة و قبحهمما فيسممهل علجهممم‬
‫عممن علج الحضممر و هممو ظمماهر و قممد يتوضممح فيممما بعممد أن‬
‫الحضارة هي نهاية العمممران و خروجممه إلممى الفسمماد و نهايممة‬
‫الشر و البعد عن الخير فقد تمبين أن أهمل البمدو أقمرب إلمى‬
‫الخير من أهل الحضر و الله يحب المتقين و ل يعترض علممى‬
‫ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بممن‬
‫الكمموع و قممد بلغممة أنممه خممرج إلممى سممكنى الباديممة فقممال لممه‬
‫ارتددت على عقبيك تعربت فقال ل و لكن رسول الله صمملى‬
‫اللممه عليممه و سمملم أذن لممي فممي البممدو فمماعلم أن الهجممرة‬
‫افترضت أول السلم على أهل مكة ليكونوا مع النممبي صمملى‬
‫اللممه عليممه و سمملم حيممث حممل مممن المممواطن ينصممرونه و‬
‫يظمماهرونه علممى أمممر و يحرسممونه و لممم تكممن واجبممة علممى‬
‫العراب أهل البادية لن أهل مكة يمسهم من عصممبية النممبي‬
‫صلى الله عليه و سلم في المظاهرة و الحراسة مممال يمممس‬
‫غيرهم من بادية العراب و قممد كممان المهمماجرون يسممتعيذون‬
‫بالله من التعرب و هو سكنى البادية حيث ل تجب الهجممرة و‬
‫قال صلى الله عليه و سلم في حديث سعد بممن أبممي وقمماص‬
‫عند مرضه بمكة اللهم أممض لصمحابي هجرتهمم و ل تردهمم‬

‫على أعقممابهم و معنمماه أن يمموفقهم لتلزمممه المدينممة و عممدم‬
‫التحول عنها فل يرجعوا عن هجرتهمم المتي ابتمدأوا بهما و همو‬
‫من بمماب الرجمموع علممى العقممب فممي السممعي إلممى وجممه مممن‬
‫الوجوه و قيل أن ذلك كان خاصا ً بما قبل الفتممح حيممن كممانت‬
‫الحاجة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين و أما بعممد الفتممح و‬
‫حين كثر المسلمون و اعتزوا و تكفل الله لنبيه بالعصمة مممن‬
‫الناس فإن الهجرة سمماقطة حينئذ لقمموله صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم ل هجرة بعد الفتح و قيل سممقط إنشمماوها عمممن يسمملم‬
‫بعد الفتح و قيل سقط وجوبها عمن أسلم و هاجر قبل الفتح‬
‫و الكل مجمعون على أنها بعد الوفمماة سمماقطة لن الصممحابة‬
‫افترقوا من يومئذ في الفاق و انتشمروا و لمم يبمق إل فضمل‬
‫السكنى بالمدينممة و هممو هجممرة فقممول الحجمماج لسمملمة حيممن‬
‫سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في تممرك‬
‫السكنى بالمدينة بالشارة إلى الدعاء المأثور الذي فقممدناه و‬
‫هو قوله ل تردهم على أعقابهم و قمموله تعربممت إشممارة إلممى‬
‫أنة صار من العراب الذين ل يهاجرون و أجاب سلمة بإنكممار‬
‫ما ألزمه من المرين و أن النبي صلى الله عليه و سمملم أذن‬
‫له في البدر و يكون ذلك خاصا ً بممه كشممهادة خزيمممة و عنمماق‬
‫أبممي بممردة أو يكممون الحجمماج إنممما نعممى عليممه تممرك السممكنى‬
‫بالمدينة فقممط لعلمممه بسممقوط الهجممرة بعممد الوفمماة و أجممابه‬
‫سلمة بأن اغتنامه لذن النبي صلى الله عليه و سلم أولممى و‬
‫أفضل فما آثره به و اختصه إل لمعنى علمه فيه و علممى كممل‬
‫تقدير فليس دليل ً على مذمة البدو الممذي عممبر عنممه بممالتعرب‬
‫لن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظمماهرة النممبي‬
‫صلى الله عليه و سلم و حراسته ل لمذمة البدو فليممس فممي‬
‫النعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمة التعرب و اللممه‬
‫سبحانه أعلم و به التوفيق‪.‬‬

‫الفصل الخامس في أن أهل البدو أقرب إلى‬
‫الشجاعة من أهل الحضر‬
‫و السبب في ذلك أن أهل الحضر ألقمموا جنمموبهم علممى مهمماد‬
‫الراحممة و الدعممة و انغمسمموا فممي النعيممم و الممترف و وكلمموا‬
‫أمرهم في المدافعة عممن أممموالهم و أنفسممهم إلممى واليهممم و‬
‫الحاكم الممذي يسوسممهم و الحاميممة الممتي تممولت حراسممتهم و‬
‫استناموا إلى السمموار الممتي تحمموطهم و الحممرز الممذي يحممول‬
‫دونهممم فل تهيجهممم هيعممة و ل ينفممر لهممم صمميد فهممم غممازون‬
‫آمنون‪ ،‬قد ألقوا السلح و توالت علمى ذلمك منهمم الجيمال و‬
‫تنزلوا منزلمة النسماء و الولمدان المذين همم عيمال علمى أبمي‬
‫مثواهم حتى صممار ذلممك خلقما ً يتنممزل منزلممة الطبيعممة و أهممل‬
‫البدو لتفردهم عن التجمع و توحشهم في الضواحي و بعدهم‬
‫عممن الحاميممة و انتبمماذهم عممن السمموار و البممواب قممائمون‬
‫بالمدافعة عن أنفسهم ل يكلونها إلى سواهم و ل يثقون فيها‬
‫بغيرهم فهم دائما ً يحملون السلح و يتلفتون عممن كممل جممانب‬
‫في الطرق و يتجافون عن الهجوع إل غرارا ً في المجممالس و‬
‫على الرحال و فوق القتاب و يتوجسون للنبات و الهيعممات و‬
‫يتفردون في القفر و البيداء فدلين بيأسهم واثقيممن بأنفسممهم‬
‫ة يرجعون إليه متى‬
‫قد صار لهم البأس خلقا ً و الشجاعة سجن ً‬
‫دعاهم داع أو استنفرهم صارخ و أهل الحضر مهما خالطوهم‬
‫في البادية أو صاحبوهم في السممفر عيممال عليهممم ل يملكممون‬
‫منهم شيئا ً من أمر أنفسهم و ذلك مشاهد بالعيان حممتى فممي‬
‫معرفة النواحي و الجهات و موارد المياه و مشاريع السبل و‬
‫سبب ذلممك ممما شممرحناه و أصممله أن النسممان ابممن عمموائده و‬
‫مألوفه ل ابن طبيعته و مزاجه فالذي ألفه في الحوال حممتى‬
‫صار خلقا ً و ملكممة و عممادة تنممزل منزلممة الطبيعممة و الجبلممة و‬
‫اعتبر ذلك في الدميين تجده كثيرا ً صممحيحا ً و اللممه يخلممق ممما‬
‫يشاء‪.‬‬

‫الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للحكام‬
‫مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم‬
‫و ذلممك أنممه ليممس كممل أحممد مالممك أمممر نفسممه إذ الرؤسمماء و‬
‫المراء المالكون لمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهممم فمممن‬
‫الغالب أن يكون النسان في ملكة غيره‪ ،‬و ل بمد فمإن كمانت‬
‫الملكة رفيقة و عادلة ل يعانى منها حكم و ل منع و صد كممان‬
‫الناس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم مممن شممجاعة أو‬
‫جبممن واثقيممن بعممدم المموازع حممتى صممار لهممم الذلل جبلممة ل‬
‫يعرفون سواها و أممما إذا كممانت الملكممة و أحكامهمما بممالقهر و‬
‫السطوة و الخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسممهم و تممذهب‬
‫المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضممطهدة‬
‫كما نبينه و قد نهى عمر سعدا ً رضي اللممه عنهممما عممن مثلهمما‬
‫لممما أخممذ زهممرة بممن حوبممة سمملب الجممالنوس و كممانت قيمتممه‬
‫خمسة و سبعين ألفا ً من الذهب و كان أتبممع الجممالنوس يمموم‬
‫القادسية فقتله و أخذ سلبه فانتزعه منه سعد و قممال لممه هل‬
‫انتظرت في أتباعه إذني و كتب إلى عمر يستأذنه فكتب إليه‬
‫عمر تعمد إلى مثل زهرة و قممد صمملى بممما صمملى بممه و بقممى‬
‫عليك ما بقى من حربك و تكسر فوقه و تفسد قلبه و أمضى‬
‫له عمر سلبه و أما إذا كانت الحكام بالعقاب فمذهبة للبأس‬
‫بالكلية لن وقوع العقاب به و لممم يممدافع عممن نفسممه يكسممبه‬
‫المذلة التي تكسر من سورة بأسممه بل شممك و أممما إذا كممانت‬
‫الحكام تأديبية و تعليمية و أخذت من عنممد الصممبا أثممرت فممي‬
‫ذلك بعض الشيء لمرباه على المخافممة و النقيمماد فل يكممون‬
‫مدل ً ببأسه و لهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد‬
‫بأسا ً ممن تأخذه الحكام و نجد أيضا ً الذين يعانون الحكمام و‬
‫ملكتها من لدن مرباهم في التأديب و التعليم فممي الصممنائع و‬
‫العلوم و الديانات ينقص ذلك من بأسممهم كممثيرا ً و ل يكممادون‬
‫يدفعون عن أنفسهم عاديممة بمموجه مممن الوجمموه و هممذا شممأن‬
‫طلبة العلم المنتحلين للقراءة و الخذ عن المشممايخ و اليمممة‬
‫الممارسين للتعليم و التممأديب فممي مجممالس الوقممار و الهيبممة‬
‫فيهم هذه الحمموال و ذهابهمما بالمنعممة و البممأس‪ .‬و ل تسممتنكر‬

‫ذلممك بممما وقممع فممي الصممحابة مممن أخممذهم بأحكممام الممدين و‬
‫الشريعة و لم ينقص ذلك من بأسهم بممل كممانوا أشممد النمماس‬
‫بأسا ً لن الشارع صلوات الله عليه لما أخممذ المسمملمون عنممه‬
‫دينهم كان وازعهممم فيممه مممن أنفسممهم لممما تلممي عليهممم مممن‬
‫الممترغيب و الممترهيب و لممم يكممن بتعليممم صممناعي و ل تممأديب‬
‫تعليمي إنما هي أحكام الممذين و آدابممه المتلقمماة نقل ً يأخممذون‬
‫أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد اليمان و التصديق فلم‬
‫تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت و لم تخدشها أظفممار‬
‫التأديب و الحكم قال عمر رضمي اللمه عنمه ) ممن لمم يمؤدبه‬
‫الشرع ل أدبه الله ( حرصا ً على أن يكممون المموازع لكممل أحممد‬
‫من نفسممه و يقينما ً بمأن الشممارع أعلممم بمصممالح العبمماد و لممما‬
‫تناقص الدين في الناس و أخذوا بالحكممام الوازعممة ثممم صممار‬
‫الشرع علما ً و صناعة يؤخز بالتعليم و التأديب و رجع النمماس‬
‫إلى الحضارة و خلق النقياد إلى الحكام نقصت يذلك سورة‬
‫البممأس فيهممم فقممد تممبين أن الحكممام السمملطانية و التعليميممة‬
‫مفسممدة للبممأس لن المموازع فيهمما ذاتممي و لهممذا كممانت هممذه‬
‫الحكام السلطانية و التعليم مما تؤثر في أهل الحواضر فممي‬
‫ضعف نفوسهم و حضد الشوكة منهم بمعاناتهم فممي وليممدهم‬
‫و كهولهم و البدو بمعزل من هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام‬
‫السلطان و التعليم و الداب و لهذا قال محمممد بممن أبممي زيممد‬
‫في كتابه في أحكممام المعلميممن و المتعلميممن ) أنممه ل ينبغممي‬
‫للمؤدب أن يضرب أحدا ً من الصبيان في التعليممم فمموق ثلثممة‬
‫أسواط ( نقله عن شريح القاضي و احتج له بعضهم بما وقممع‬
‫في حديث بدء الوحي من شأن الغط و أنه كممان ثلث مممرات‬
‫و هو ضعيف و ل يصلح شأن الغط أن يكممون دليل ً علممى ذلممك‬
‫لبعده عن التعليم المتعارف و الله الحكيم الخبير‪.‬‬

‫الفصل السابع في أن سكنى البدو ل تكون إل‬
‫للقبائل أهل العصبية‬
‫إعلم أن الله سبحانه ركب في طبممائع البشممر الخيممر و الشممر‬
‫كما قال تعالى و همديناه النجمدين و قمال فألهمهما فجورهما و‬
‫تقواها و الشر أقرب الخلل إليه إذا أهمل في مرعى عوائده‬
‫و لم يهذبه القتداء بالدين و على ذلممك الجممم الغفيممر إل مممن‬
‫وفقه الله و من أخلق البشر فيهممم الظلممم و العممدوان بعممض‬
‫على بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقل امتدت يممده‬
‫إلى أخذه إل أن يصده وازع كما قال‪:‬‬
‫و الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة ل يظلم‬
‫فأما المدن و المصممار فعممدوان بعضممهم علممى بعممض‪ ،‬تممدفعه‬
‫الحكام و الدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم مممن الكافممة‬
‫أن يمتد بعضممهم علممى بعممض أو يمممدو عليممه فهممم مكبوحممون‬
‫بحكمة القهر و السلطان عن التظالم إل إذا كان من الحمماكم‬
‫بنفسه و أما العدوان الذي من خالي المدينممة فيممدفعه سممياج‬
‫السوار عند الغفلة أو الغرة ليل ً أو العجز عن المقاومة نهارا ً‬
‫أو يدفعه ازدياد الحامية من أعمموان الدولممة عنممد السممتعداد و‬
‫المقاومة و أما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشممائخهم‬
‫و كبراؤهم بممما وفممر فممي نفمموس الكافممة لهممم مممن الوقممار و‬
‫التجلة و أما حللهم فإنما يذود عنها مممن خممارج حاميممة الحممي‬
‫من أنجادهم و فتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم و ل يصدق‬
‫دفاعهم و ذيادهم إل إذا كانوا عصبية و أهل نسب واحد لنهم‬
‫بذلك تشتد شوكتهم و يخشى جانبهم إذ نعرة كممل أحممد علممى‬
‫نسبه و عصبيته أهم و ما جعممل اللممه فممي قلمموب عبمماده مممن‬
‫الشفقة و النعرة على ذوي أرحامهم و قرباهم موجممودة فممي‬
‫الطبائع البشرية و بها يكون التعاضد و التناصر و تعظم رهبممة‬
‫العدو لهم و اعتبر ذلك فيما حكاة القرآن عممن اخمموة يوسممف‬
‫عليه السلم حين قالوا لبيه لئن أكلة الذئب و نحن عصبة إل‬
‫إذا ً لخاسرون و المعنى أنه ل يتمموهم العممدوان علممى أحمد مممع‬
‫وجممود العصممبة لممه و أممما المتفممردون فممي أنسممابهم فقممل أن‬
‫تصيب أحدا ً منهم نعرة على صاحبه فممإذا أظلممم الجممو بالشممر‬

‫يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة و‬
‫استيحاشا ً من التخاذل فل يقدرون من أجل ذلك على سكنى‬
‫القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من المم سواهم و‬
‫إذا تبين ذلك في السممكنى الممتي تحتمماج للمدافعممة و الحمايممة‬
‫فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليممه مممن نبممؤة أو‬
‫إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض مممن ذلممك كلممه إنممما يتممم‬
‫بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الستعصاء و ل بد فممي‬
‫القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا ً فاتخممذه إمامما ً تقتممدي بممه‬
‫فيما نورده عليك بعد و الله الموفق للصواب‪.‬‬
‫الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من‬
‫اللتحام بالنسب أو ما في معناه‬
‫و ذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إل في القممل و مممن‬
‫صملتها النعمرة علمى ذوي القربمى و أهمل الرحمام أن ينمالهم‬
‫ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجممد فممي نفسممه غضاضممة‬
‫من ظلم قريبه أو العداء عليه و يود لو يحول بينممه و بيممن ممما‬
‫يصله من المعاطب و المهالك نزعة طبيعيممة فممي البشممر مممذ‬
‫كانوا فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريب ما ً جممدا ً‬
‫بحيممث حصممل بممه التحمماد و اللتحممام كممانت الوصمملة ظمماهرة‬
‫فاستدعت ذلك بمجردها و وضوحها و إذا بعممد النسممب بعممض‬
‫الشيء فربما تنوسي بعضها و يبقى منها شهر فتحمممل علممى‬
‫النصرة لذري نسبه بالمر المشهور منه فرارا ً من الغضاضممة‬
‫التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليممه بمموجه‬
‫و من هذا الباب الولء و الحلف إذ نعرة كممل أحممد علممى أهممل‬
‫ولئه و حلفه لللفة التي تلحق‪ ،‬النفممس مممن اهتضممام جارهمما‬
‫أوقريبهمما أو نسمميبها بمموجه مممن وجمموه النسممب و ذلممك لجممل‬
‫اللحمة الحاصلة من الولء مثل لحمة النسب أو قريبا ً منهمما و‬
‫من هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه و سلم تعلممموا مممن‬
‫أنسابكم ما تصلون به أرحامكم بمعنى أن النسب إنما فائدته‬
‫هذا اللتحام الذي يوجب صلة الرحام حتى تقممع المناصممرة و‬

‫النعرة و ما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمممر وهمممي ل‬
‫حقيقة له و نفعه إنما هممو فممي هممذه الوصمملة و اللتحممام فممإذا‬
‫كان ظاهرا ً واضحا ً حمل النفموس علمى طبيعتهمما ممن النعمرة‬
‫كما قلناه وإذا كان إنما يستفاد من الخممبر البعيمد ضمعف فيممه‬
‫الوهم و ذهبت فائدته و صار الشغل بمه مجانما ً و ممن أعممال‬
‫اللهو المنهي عنه و مممن هممذا العتبممار معنممى قممولهم النسممب‬
‫علم ل ينفع و جهالة ل تضر بمعنى أن النسممب إذا خممرج عممن‬
‫الوضوح و صار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيممه عممن‬
‫النفس و انتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فل منفعممة‬
‫فيه حينئذ و الله سبحانه و تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل التاسع في أن الصريح من النسب إنما‬
‫يوحد للمتوحشين في القفر من العرب و من‬
‫في معناهم‬
‫و ذلك لما اختصوا به مممن نكممد العيممش و شممظف الحمموال و‬
‫سوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينممت لهممم تلممك‬
‫القسمة و هي لممما كممان معاشممهم مممن القيممام علممى البممل و‬
‫نتاجها و رعايتهمما و البممل تمدعوهم إلمى التمموحش فممي القفممر‬
‫لرعيها ممن شممجره و نتاجهما فمي رممماله كممما تقممدم و القفمر‬
‫مكان الشظف و السغب فصار لهم إلفا ً و عادة و ربيت فيممه‬
‫أجيالهم حتى تمكنممت خلق ما ً و جبلممة فل ينممزع إليهمما أحممد مممن‬
‫المم أن يساهمهم في حالهم و ل يأنس بهم أحد من الجيال‬
‫بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حمماله و أمكنممه‬
‫ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لجل ذلك من اختلط أنسابهم و‬
‫فسادها و ل تزال بينهم محفوظة صممريحة و اعتممبر ذلممك فممي‬
‫مضر من قريش وكنانة و ثقيممف و بنممي أسممد و هممديل و مممن‬
‫جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف و مواطن غير ذات‬
‫زرع و ل ضرع و بعدوا من أرياف الشممام و العممراق و معممادن‬
‫الدم و الحبوب كيمف كممانت أنسممابهم صممريحة محفوظمة لمم‬
‫يدخلها اختلط و ل عممرف فيهمما شمموب‪ .‬و أممما العممرب الممذين‬

‫كانوا بالتلول و في معادن الخصممب للمراعممي و العيممش مممن‬
‫حمير و كهلل مثل لخم و جذام و غسان و طممي و قضمماعة و‬
‫إياد فاختلطت أنسابهم و تممداخلت شممعوبهم ففممي كممل واحممد‬
‫من بيوتهم من الخلف عند الناس ممما تعممرف و إنممما جمماءهم‬
‫ذلك من قبل العجم و مخالطتهم و هم ل يعتبرون المحافظة‬
‫على النسب في بيوتهم و شعوبهم و إنما هذا للعممرب فقممط‪.‬‬
‫قال عمر رضي الله تعالى عنه ) تعلممموا النسممب و ل تكونمموا‬
‫كنبط السواد ( إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قريممة كممذا‬
‫هذا أي ما لحق هؤلء العرب أهل الرياف مممن الزدحممام مممع‬
‫الناس على البلد الطيب و المراعي الخصمميبة فكممثر الختلط‬
‫و تداخلت النساب و قد كان وقع في صدر السمملم النتممماء‬
‫إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جنممد العواصممم‬
‫و انتقل ذلك إلممى النممدلس و لممم يكممن لطممراح العممرب أمممر‬
‫النسب و إنما كممان لختصاصممهم بممالمواطن بعممد الفتممح حممتى‬
‫عرفوا بها و صارت لهم علمة زائدة علممى النسممب يتميممزون‬
‫بها عند أمرائهم ثم وقع الختلط في الحواضممر مممع العجممم و‬
‫غيرهممم و فسممدت النسمماب بالجملممة و فقممدت ثمرتهمما مممن‬
‫العصممبية فمماطرحت ثممم تلشممت القبممائل و دثممرت فممدثرت‬
‫العصبية بدثورها و بقي ذلك في البدو كما كممان و اللممه وارث‬
‫الرض و من عليها‪.‬‬
‫الفصل العاشر في اختلط النساب كيف يقع‬
‫إعلم أنه من البين أن بعضا ً مممن أهممل النسمماب يسممقط إلممى‬
‫أهل نسب آخممر بقرابمة إليهممم أو حلمف أو ولء أو لفمرار مممن‬
‫قومه بجناية أصابها فيممدعي بنسممب هممؤلء و يعممد منهممم فممي‬
‫ثمراته من النعرة و القود و حمل الديات و سممائر الحمموال و‬
‫إذا و جدت ثمرات النسب فكأنه وجد لنه ل معنى لكونه من‬
‫هؤلء و من هؤلء إل جريان أحكامهم و أحوالهم عليه و كممأنه‬
‫التحم بهم ثم أنه قد يتناسى النسممب الول بطممول الزمممان و‬
‫يذهب أهل العليم به فيخفى على الكثر و ما زالت النسمماب‬

‫تسممقط مممن شممعب إلممى شممعب و يلتحممم قمموم بممآخرين فممي‬
‫الجاهلية و السلم و العرب و العجممم‪ .‬و انظممر خلف النمماس‬
‫في نسب أن المنذر و غيرهم يتبين لك شيء من ذلك و منممه‬
‫شممأن بجيلممة فممي عرفجممة بممن هرثمممة لممما وله عمممر عليهممم‬
‫فسألوه العفاء منه و قالوا هو فينا لزيق أي دخيممل و لصمميق‬
‫و طلبوا أن يولي عليهم جريرا ً فسأله عمممر عممن ذلممك فقممال‬
‫عرفجة صدقوا يا أمير المؤمنين أنا رجل من الزد أصبت دما ً‬
‫في قومي و لحقت بهممم و انظممر منممه كيممف اختلممط عرفجممة‬
‫ببجيلة و لبس جلدتهم و دعي بنسبهم حممتى ترشممح للرئاسممة‬
‫عليهم لول علم بعضهم بوشائجه و لو غفلوا عن ذلك و امتممد‬
‫الزمممن لتنوسممي بالجملممة و عممد منهممم بكممل وجممه و مممذهب‬
‫فافهمه و اعتبر سر الله فممي خليقتممه و مثممل هممذا كممثير لهممذا‬
‫العهد و لما قبله من العهود و الله الموفممق للصممواب بمنممه و‬
‫فضله و كرمه‪.‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن الرئاسة ل تزال في‬
‫نصابها المخصوص من أهل المصبية‬
‫إعلم أن كل حي أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة‬
‫لنسبهم العام ففيهم أيضا ً عصبيات أخرى لنساب خاصة همي‬
‫أشد التحاما ً من النسب العام لهم مثل عشممير واحممد أو أهممل‬
‫بيت واحد أو اخوة بني أب واحد ل مثل بني المم القربين أو‬
‫البعدين فهؤلء أقعممد بنسممبهم المخصمموص و يشمماركون مممن‬
‫سواهم من العصائب في النسب العام و النعرة تقع من أهل‬
‫نسممبهم المخصمموص و مممن أهممل النسممب العممام إل أنهمما فممي‬
‫النسب الخاص أشد لقرب اللحمة و الرئاسة فيهم إنما تكون‬
‫فممي نصمماب واحممد منهممم و ل تكممون فممي الكممل و لممما كممانت‬
‫الرئاسممة إنممما تكممون بممالغلب وجممب أن تكممون عصممبية ذلممك‬
‫النصاب أقمموى مممن سممائر العصممائب ليقممع الغلممب بهمما و تتممم‬
‫الرئاسة لهلها فممإذا وجممب ذلممك تعيممن أن الرئاسممة عليهممم ل‬
‫تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلممب عليهممم إذ لممو‬

‫خرجت عنهممم و صممارت فممي العصممائب الخممرى النازلممة عممن‬
‫عصابتهم في الغلب لما تفت لهم الرئاسة فل تزال في ذلممك‬
‫النصاب متناقلة من فرع منهم إلممى فممرع و ل تنتقممل إل إلممى‬
‫القوى من فروعه لما قلناه من سممر الغلممب لن الجتممماع و‬
‫العصبية بمثابممة المممزاج للمتكممون و المممزاج فممي المتكممون ل‬
‫يصلح إذا تكافأت العناصر فل بد من غلبة أحدها و إل لم يتممم‬
‫التكوين فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية و منه تعين‬
‫استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قررناه‪.‬‬

‫الفصل الثاني عشر في أن الرئاسة على أهل‬
‫المصبية ل تكون في غير نسبهم‬
‫و ذلك أن الرئاسممة ل تكممون إل بممالغلب و الغلممب إنممما يكممون‬
‫بالعصبية كما قدمناه فل بد في الرئاسة على القوم أن تكون‬
‫من عصبية غالبة لعصممبياتهم واحممدة واحممدة لن كممل عصممبية‬
‫منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقممروا بالذعممان و‬
‫التباع و الساقط في نسبهم بالجملة ل تكون له عصبية فيهم‬
‫بالنسب إنما هو ملصق لزيممق و غايممة التعصممب لممه بممالولء و‬
‫الحلف و ذلك ل يوجب له غلبا ً عليهممم البتممة و إذا فرضممنا أنممه‬
‫قد التحم بهم و اختلط و تنوسي عهده الول من اللتصمماق و‬
‫لبس جلدتهم و دعي بنسممبهم فكيممف لممه الرئاسممة قبممل هممذا‬
‫اللتحام أو لحد من سلفه و الرئاسة على القوم إنممما تكممون‬
‫متناقلة في منبت واحممد تعيممن لممه الغلممب بالعصممبية فالوليممة‬
‫التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شك‬
‫و منعة ذلك اللتصاق من الرئاسة حينئذ فكيف تنمموقلت عنممه‬
‫و هو على حال اللصاق و الرئاسة ل بد و أن تكممون موروثممة‬
‫عن مستحقها لما قلناه من التغلممب بالعصممبية و قممد يتشمموف‬
‫كممثير مممن الرؤسمماء علممى القبممائل و العصممائب إلممى أنسمماب‬
‫يلهجون بها إما لخصوصية فصيلة كانت في أهل ذلك النسممب‬
‫من شجاعة أو كرم أو ذكممر كيممف اتفممق فينزعممون إلممى ذلممك‬

‫النسممب و يتورطممون بالممدعوى فممي شممعوبه و ل يعلمممون ممما‬
‫يوقعون فيه أنفسهم من القدح فمي رئاسممتهم و الطعممن فمي‬
‫شرفهم و هذا كثير في الناس لهذا العهد فمن ذلك ما يممدعيه‬
‫زناتممة جملممة أنهممم مممن العممرب و منممه ادعمماء أولد ربمماب‬
‫المعروفين بالحجازيين من بني عامر أحد شعوب زغبممة أنهممم‬
‫من بني سليم ثم من الشريد منهم لحممق جممدهم ببنممي عممامر‬
‫نجارا ً يصممنع الحرجممان و أختلممط بهممم و التحممم بنسممبهم حممتى‬
‫رأس عليهم و يسمونه الحجازي‪ .‬و من ذلك ادعمماء بنممى عبممد‬
‫القوي بن العباس بن توجين أنهم من ولممد العبمماس بممن عبممد‬
‫المطلممب رغبممة فممي هممذا النسممب الشممريف و غلطمما باسممم‬
‫العباس بن عطية أبى عبد القوي و لم يعلم دخممول أحممد مممن‬
‫العباسين إلى المغرب لنه كان منذ أول دولتيهم على دعمموة‬
‫العلويين أعدائهم من الدارسة و العبيديين فكيف يكممون مممن‬
‫سبط العباس أحد من شيعة العلويين من و كذلك ممما يممدعيه‬
‫أبناء زيان ملوك تلمسان من بني عبد الواحممد أنهممم مممن ولممد‬
‫القاسم بن إدريس ذهابا ً إلى ما اشتهر في نسبهم أنهممم مممن‬
‫ولد القاسم فيقولون بلسانهم الزنمماتي أنممت القاسممم أي بنممو‬
‫القاسم ثم يدعون أن القاسم هذا هو القاسم بممن إدريممس أو‬
‫القاسم بن محمد بن إدريس و لممو كممان ذلممك صممحيحا ً فغايممة‬
‫القاسم هذا أنه فر من مكان سلطانه مسممتجيرا ً بهممم فكيممف‬
‫تتم له الرئاسة عليهم في باديتهم و إنما هممو غلممط مممن قبممل‬
‫اسم القاسم فممإنه كممثير الوجممود فممي الدارسممة فتوهممموا أن‬
‫قاسمهم من ذلممك النسممب و هممم غيممر محتمماجين لممذلك فممإن‬
‫منالهم للملك و العزة إنما كان بعصممبيتهم و لممم يكممن بادعمماء‬
‫علوية و ل عباسية و ل شيء من النساب و إنما يحمل علممى‬
‫هذا المتقربون إلممى الملمموك بمنممازعهم و مممذاهبهم و يشممتهر‬
‫حتى يبعد عن الرد و لقد بلغني عن يغمراسن بن زيان مؤئل‬
‫سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره و قال بلغته الزناتيممة ممما‬
‫معناه أما الدنيا و الملك فنلناهممما بسمميوفنا ل بهممذا النسممب و‬
‫أما نفعهما في الخرة فمردود إلى الله و أعرض عن التقرب‬
‫إليه ما بذلك‪ .‬و من هذا الباب ما يدعيه بنو سعد شمميوخ بنممي‬

‫يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي بكر الصديق رضي اللممه عنممه‬
‫و بنو سلمة شيوخ بني يدللتن من توجين أنهممم مممن سممليم و‬
‫الزواودة شيوخ رياح أنهم من أعقاب البرامكة و كذا بنو مهنا‬
‫أمراء طيىء بالمشرق يدعون فيما بلغنا أنهم من أعقممابهم و‬
‫أمثال ذلك كثير و رئاستهم في قومهم مانعة من ادعمماء هممذه‬
‫النساب كممما ذكرنمماه بممل تعيممن أن يكونمموا مممن صممريح ذلممك‬
‫النسب و أقوى عصبياته فاعتبره و اجتنب المغممالط فيممه و ل‬
‫تجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحممدين بنسممب العلويممة‬
‫فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرثمممة قممومه‪ ،‬و‬
‫إنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم و الدين و دخممول قبممائل‬
‫المصممامدة فممي دعمموته و كممان مممع ذلممك مممن أهممل المنممابت‬
‫المتوسطة فيهم و الله عالم الغيب و الشهادة‪.‬‬
‫الفصل الثالث عشر في أن البيت و الشرف‬
‫بالصالة و الحقيقة لهل المصبية و يكون‬
‫لغيرهم بالمجاز و الشبه‬
‫و ذلك أن الشرف و الحسب إنما هو بالخلل و معنممى الممبيت‬
‫أن يعد الرجل في آبائه أشرافا مذكورين يكممون لممه بممولدتهم‬
‫إياه و النتساب إليهم تجلممة فممي أهممل جلممدته لممما و قممر فممي‬
‫نفوسهم من تجلممة سمملفه و شممرفهم بخللهممم و النمماس فممي‬
‫نشأتهم و تناسلهم معادن قال صلى الله عليه و سلم النمماس‬
‫معادن خيارهم في الجاهلية خيممارهم فممي السمملم إذا فقهمموا‬
‫فمعنممى الحسممب راجممع إلممى النسمماب و قممد بينمما أن ثمممرة‬
‫النساب و فائدتها إنما هي العصبية للنعرة و التناصممر فحيممث‬
‫تكون العصممبية مرهوبممة و المنبممت فيهمما زكممي محمممى تكممون‬
‫فائدة النسب أو صح و ثمرتها أقمموى و تعديممد الشممراف مممن‬
‫الباء زائد في فائدتها فيكون الحسب و الشرف أصليين فممي‬
‫أهل العصبية لوجود ثمرة النسب و تفمماوت الممبيوت فممي هممذا‬
‫الشرف بتفاوت العصممبية لنممه سمميرها و ل يكممون للمنفرديممن‬
‫من‪ ،‬أهل المصار بيت إل بالمجاز و إن توهموه فزخرف مممن‬

‫الدعاوى و إذا اعتممبرت الحسممب فممي أهممل المصممار و جممدت‬
‫معناه أن الرجل منهم يعد سلفا ً فممي خلل الخيممر و مخالطممة‬
‫أهله مع الركون إلى العافية ممما اسممتطاع و هممذا مغمماير لسممر‬
‫العصبية التي هي ثمممرة النسممب و تعديممد البمماء لكنممه يطلممق‬
‫عليه حسب وبيت بالمجمماز لعلمممة ممما فيممه مممن تعديممد البمماء‬
‫المتعاقبين على طريقة واحدة من الخيممر و مسممالكه و ليممس‬
‫حسبا ً بالحقيقة و على الطلق و أن ثبممت إنممه حقيقممة فيهممما‬
‫بالوضع اللغمموي فيكممون مممن المشممكك الممذي هممو فممي بعممض‬
‫مواضممعه أولممى و قممد يكممون للممبيت شممرف أول بالعصممبية و‬
‫الخلل ثممم ينسمملخون منممه لممذهابها بالحضممارة كممما تقممدم و‬
‫يختلطون بالغمار و يبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب‬
‫يعدون بمه أنفسممهم مممن أشممراف البيوتممات أهممل العصممائب و‬
‫ليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة و كثير مممن أهممل‬
‫المصار الناشئين فممي بيمموت العممرب أو العجممم لول عهممدهم‬
‫موسوسون بذلك و أكثر ما رسخ الوسممواس فممي ذلممك لبنممي‬
‫إسرائيل فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العممالم بممالمنبت‬
‫أول ً لمما تعمدد فمي سمملفهم ممن النبيماء و الرسمل مممن لمدن‬
‫إبراهيم عليه السلم إلى موسى صمماحب ملتهممم و شممريعتهم‬
‫ثم بالعصبية ثانيا ً و ما أتاهم الله بها من الملك الممذي وعممدهم‬
‫بممه ثممم انسمملخوا مممن ذلممك أجمممع و ضممربت عليهممم الذلممة و‬
‫المسمممكنة و كتمممب عليهمممم الجلء فمممي الرض و انفمممردوا‬
‫بالستعباد للكفر آلفا ً من السممنين و ممما زال هممذا الوسممواس‬
‫مصاحبا ً لهممم فتجممدهم يقولممون همذا هماروني همذا ممن نسممل‬
‫يوشع هذا من عقب كالب هممذا مممن سممبط يهمموذا مممع ذهمماب‬
‫العصبية و رسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة و كثير مممن‬
‫أهل المصار و غيرهم المنقطعين في أنسابهم عممن العصممبية‬
‫يذهب إلى هذا الهذيان و قد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا‬
‫لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلم‬
‫الول و الحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة و‬
‫لم يتعرض لما ذكرنمماه و ليممت شممعري ممما الممذي ينفعممه قممدم‬
‫نزلهم بالمدينة إنما لممم تكممن لممه عصممابة يرهممب بهمما جممانبه و‬

‫تحمل غيرهم على القبول منممه فكممأنه أطلممق الحسممب علممى‬
‫تعديد الباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة مممن تممؤثر‬
‫استمالته و هم أهل الحل و العقد و أما من ل قدرة لممه البتممة‬
‫فل يلتفت إليه و ل يقدر على استمالة أحد و ل يستمال هو و‬
‫أهل المصار من الحضر بهذه المثابة إل أن ابن رشد ربا في‬
‫جبل و بلد و لم يمارسوا العصبية و ل أنسمموا أحمموالهم فبقممي‬
‫في أمر الممبيت و الحسممب علممى المممر المشممهور مممن تعديممد‬
‫الباء على الطلق و لم يراجع فيه حقيقممة العصممبية و سممرها‬
‫في الخليقة و الله بكل شيء عليم‪.‬‬
‫الفصل الرابع عشر في أن البيت و الشرف‬
‫للموالي و أهل الصطناع إنما هو بمواليهم ل‬
‫بأنسابهم‬
‫و ذلك أنا قدمنا أن الشرف بالصالة و الحقيقة إنما هو لهممل‬
‫العصبية فإذا اصطنع أهل العصبية قوم ما ً مممن غيممر نسممبهم أو‬
‫استرقوا العبدان و الموالي و التحممموا بممه كممما قلنمماه ضممرب‬
‫معهممم أولئك الممموالي و المصممطنعون بنسممبهم فممي تلممك‬
‫العصمبية و لبسموا جلممدتها كأنهمما عصممبتهم و حصممل لهمم مممن‬
‫النتظام في العصبية مساهمة في نسبها كما قال صلى اللممه‬
‫تعالى عليه و سلم مولى القوم منهم و سواء كال مممولى رق‬
‫أو مولى اصطناع و حلف و ليس نسب ولدته بنممافع لممه فممي‬
‫تلممك العصممبية إذ هممي مباينممة لممذلك النسممب و عصممبية ذلممك‬
‫النسب مفقودة لذهاب سرها عند التحامه بهذا النسب الخر‬
‫و فقدانه أهل عصبيتها فيصير من هؤلء و ينممدرج فيهممم فممإذا‬
‫تمددت له الباء في هذه العصبية كان له بينهم شرف و بيت‬
‫على نسبته في ولئهم و اصطناعهم ل يتجاوزه إلممى شممرفهم‬
‫بل يكون أدون منهم على كل حال و هذا شأن الممموالي فممي‬
‫الدول و الخدمة كلهممم فممإنهم إنممما يشممرفون بالرسمموخ فممي‪،‬‬
‫ولء الدولة و خدمتها و تعدد البمماء فممي وليتهمما أل تممرى إلممى‬
‫موالي التراك في دولة بني العباس و إلممى بنممي برمممك مممن‬

‫قبليهم و بني نمموبخت كيممف أدركمموا الممبيت و الشممرف و بنمموا‬
‫المجد و الصالة بالرسوخ فممي ولء الدولممة فكممان جعفممر بممن‬
‫يحيى بن خالد من أعظم الناس بيتا ً و شرفا ً بالنتسمماب إلممى‬
‫ولء الرشيد و قومه ل بالنتساب فمي الفممرس و كممذا ممموالي‬
‫كل دولة و خدمها إنما يكون لهم البيت و الحسممب بالرسمموخ‬
‫في ولئها و الصالة في اصمطناعها و يضممحل نسمبه القمدم‬
‫من غير نسبها و يبقى ملغى ل عبرة به في أصالته و مجده و‬
‫إنما المعتبر نسبة ولئه و اصطناعه إذ فيه سر العصبية الممتي‬
‫بها البيت و الشرف فكان شرفه مشتقا ً من شرف مممواليه و‬
‫بناؤه من بنائهم فلم ينفعممه نسممب ولدتممه و إنممما بنممى مجممده‬
‫نسب الولء في الدولة و لحمة الصطناع فيها و التربية و قد‬
‫يكون نسبه الول في لحمة عصبته و دولته فإذا ذهبت و صار‬
‫ولوه و اصطناعه في أخرى لم تنفعه الولى لذهاب عصبيتها‬
‫و انتفع بالثانية لوجودها و هممذا حممال بنممي برمممك إذ المنقممول‬
‫أنهم كانوا أهل بيت في الفرس من سدنة بيوت النار عندهم‬
‫و لما صاروا إلى ولء بنى العبمماس لممم يكممن بممالول اعتبممار و‬
‫إنما كان شرفهم من حيث وليتهم في الدولة و اصطناعهم و‬
‫ما سوى هذا فوهم توسوس به النفوس الجامحة و ل حقيقممة‬
‫له و الوجود شاهد بما قلناه لم إن أكرمكم عند الله أتقاكم و‬
‫الله و رسوله أعلم‪.‬‬
‫الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في‬
‫العقب الواحد أربعة آباء‬
‫إعلم أن العالم العنصري بما فيه كائن فاسد ل من ذواته و ل‬
‫مممن أحممواله و المكونممات مممن المعممدن و النبممات و جميممع‬
‫الحيوانات النسان و غيره كائنة فاسدة بالمعاينة و كذلك ممما‬
‫يعرض لها من الحوال و خصوصا النسانية فالعلوم تنشأ ثممم‬
‫تدرس و كذا الصنائع و أمثالها و الحسب من العمموارض الممتي‬
‫تعرض للدميين فهو كائن فاسد ل محالة و ليس يوجممد لحممد‬
‫من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليممه إل‬

‫ما كان من ذلك للنبي صلى اللممه عليممه و سمملم كرامممة بممه و‬
‫ة على السر فيه و أول كل شرف خارجية كممما قيممل‪ ،‬و‬
‫حياط ً‬
‫هي الخروج عن الرئاسة و الشرف إلى الضممعة و البتممذال و‬
‫عدم الحسب و معناه أن كل شرف و حسممب فعممدمه سممابق‬
‫عليه شأن كل محدث ثم إن نهايته في أربعة آبمماء و ذلممك أن‬
‫باني المجد عالم يما عاناه في بنممائه و محممافظ علممى الخلل‬
‫التي هي أسباب كونه و بقائه و ابنه مممن بعممده مباشممر لبيممه‬
‫فقد سمع منه ذلك و أخذه عنه إل أنه مقصر في ذلك تقصير‬
‫السامع بالشيء عن المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظممه‬
‫القتفاء و التقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عممن‬
‫المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتيهم جملة و أضمماع‬
‫الخلل الحافظممة لبنمماء مجممدهم و احتقرهمما و تمموهم أن ذلممك‬
‫البنيان لم يكن بمعاناة و ل تكلف و إنما هممو أمممر وجممب لهممم‬
‫منذ أول النشأة بمجرد انتسممابهم و ليممس بعصممابة و ل بخلل‬
‫لما يرى من التجلة بين الناس و ل يعلم كيف كممان حممدوثها و‬
‫ل سببها و يتوهم أنممه النسممب فقممط فيربممأ بنفسممه عممن أهممل‬
‫عصيته و يممرى الفصممل لممه عليهممم وثوقما ً بممما ربممي فيممه مممن‬
‫استتباعهم و جهل ً بما أوجب ذلك الستتباع مممن الخلل الممتي‬
‫منها التواضع لهم و الخذ بمجممامع قلمموبهم فيحتقرهممم بممذلك‬
‫فينغصون عليه و يحتقرونه و يديلون منه سواه من أهل ذلك‬
‫المنبت و من فروعه في غير ذلك العقب للذعان لعصممبيتهم‬
‫كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلله فتنمو فروع هممذا‬
‫و تذوي فروع الول و ينهدم بناء بيته هذا في الملوك و هكذا‬
‫في بيوت القبممائل و المممراء و أهممل العصممبية أجمممع ثممم فممي‬
‫بيوت أهل المصار إذا تحطمت بيوت نشأت بيوت أخرى من‬
‫ذلك النسب إن يشأ يذهبكم ويممأت بخلممق جديممد * وممما ذلممك‬
‫على الله بعزيز و اشتراط الربعة في الحساب إنما هو فممي‬
‫الغالب و إل فقممد يممدثر الممبيت مممن دون الربعممة و يتلشممى و‬
‫ينهدم و قد يتصل أمرها إلى الخامس و السادس إل أنه فممي‬
‫انحطاط و ذهاب و اعتبار الربعة من قبل الجيال الربعة بأن‬
‫و مباشر له و مقلد و هادم و هو أقل ما يمكن و قد اعتممبرت‬

‫الربعة في نهاية الحسب في باب المدح و الثناء قممال صمملى‬
‫الله عليه و سلم إنممما الكريممم ابممن الكريممم ابممن الكريممم ابممن‬
‫الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إشارة إلممى‬
‫أنه بلغ الغاية من المجد و في التوراة ما معناه أن اللممه ربممك‬
‫طممائق غيممور مطممالب بممذنوب البمماء للبنيممن علممى الثمموالث و‬
‫الروابع و هذا يدل على أن الربعة العقاب غاية في النساب‬
‫و الحسب‪ .‬و في كتاب الغاني في أخبار عزيممف الغممواني أن‬
‫كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تتشرف على قبيلة‬
‫قال نعم قال بأي شيء قال من كممان لممه ثلثممة آبمماء متواليممة‬
‫رؤساء ثم تصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته و طلممب‬
‫ذلك فلم يجده إل في آل حذيفة بن بدر الفزاري و هممم بيممت‬
‫قيس و آل ذي الجدين بيت شمميبان و آل الشممعث بممن قيممس‬
‫مممن كنممدة و آل حمماجب بممن زرارة و آل قيممس بممن عاصممم‬
‫المنقري من بني تميم فجمع هؤلء الرهط و من تبعهممم مممن‬
‫عشائرهم و أقعد لهم الحكام و العدول فقام حذيفة بممن بممدر‬
‫ثم الشعث بن قيممس لقرابتممه مممن النعمممان ثمم بسممطام بممن‬
‫قيس بن شيبان ثم حاجب بن زرارة ثممم قيممس بممن عاصممم و‬
‫خطبوا و نممثروا فقممال كسممرى كلهممم سمميد يصمملح لموضممعه و‬
‫كانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشممم‬
‫و معهم بيت بني الذبيان من بنى الحرث بن كعممب اليمنممي و‬
‫هذا كله يدل على أن الربعة الباء نهاية فمي الحسمب و اللمه‬
‫أعلم‪.‬‬
‫الفصل السادس عشر في أن المم الوحشية أقدر‬
‫على التغلب ممن سواها‬
‫إعلم أنه لما كانت البداوة سببا ً في الشجاعة كما قلنمماه فممي‬
‫المقدمة الثالثة ل جرم كان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعة‬
‫من الجيل الخر فهم أقدر على التغلب و انتزاع ما في أيممدي‬
‫سواهم من المم بل الجيل الواحد تختلمف أحمواله فمي ذلمك‬
‫باختلف العصار فكلما نزلوا الرياف و تفنقوا النعيم و ألفمموا‬

‫عوائد الخصب في المعمماش و النعيممم‪ ،‬نقممص مممن شممجاعتهم‬
‫بمقدار ما نقص مممن توحشممهم و بممداوتهم و اعتممبر ذلممك فممي‬
‫الحيوانات العجم بدواجن الظبمماء و البقممر الوحشممية و الحفممر‬
‫إذا زال توحشها بمخالطممة الدمييممن و أخصممب عيشممها كيممف‬
‫يختلممف حالهمما فممي النتهمماض و الشممدة حممتى فممي مشمميتها و‬
‫حسن أديمها و كممذلك الدمممي المتمموحش إذا أنممس و ألممف و‬
‫سببه أن تكون السجايا و الطباخ إنممما هممو عممن المألوفممات و‬
‫العوائد و إذا كان الغلب للمم إنما يكون بالقممدام و البسممالة‬
‫فمن كان من هذه الجيال أعرق في البمداوة و أكممثر توحشما ً‬
‫كان أقرب إلممى التغلممب علممى سممواه إذا تقاربمما فممي العممدد و‬
‫تكافآ في القوة العصبية و انظر في ذلك شأن مضر مممع مممن‬
‫قبلهم من حمير و كهلن السابقين إلى الملك و النعيم و مممع‬
‫ربيعة المتوطنين أرياف العراق و نعيمه لممما بقممي مضممر فممي‬
‫بممداوتهم و تقممدمهم الخممرون إلممى خصممب العيممش و غضممارة‬
‫النعيم كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم علممى‬
‫ما في أيديهم و انتزعوه منهم و هذا حممال بنممي طيممء و بنممي‬
‫عامر بن صعصعة و بني سليم بن منصور و مممن بعممدهم لممما‬
‫تممأخروا فممي بمماديتهم عممن سممائر قبممائل مضممر و اليمممن و لممم‬
‫يتلبسوا بشيء من دنياهم كيف أمسكت حال البممداوة عليهممم‬
‫قوة عصبيتهم و لم تخلفها مذاهب الترف حتى صمماروا أغلممب‬
‫على المر منهم و كذا كل حي من العرب يلي نعيما ً و عيشا ً‬
‫خصبا ً دون الحي الخر فإن الحي المتبدي‪ ،‬يكون أغلب لممه و‬
‫أقدر عليه إذا تكافآ في القوة و العدد سنة الله في خلقه‪.‬‬
‫الفصل السابع عشر في أن الغاية التي تجري إليها‬
‫العصبية هي الملك‬
‫و ذلك لنا قدمنا أن العصبية بها تكون الحمايممة و المدافعممة و‬
‫المطالبة و كل أمر يجتمع عليه و قدمنا أن الدميين بالطبيعة‬
‫النسانيه يحتاجون فممي كممل اجتممماع إلممى وازع و حمماكم يممزع‬
‫بعضهم عن بعض فل بد أن يكون متغلبا ً عليهم بتلك العصممبية‬

‫و إل لم تتم قدرته على ذلك و هذا التغلممب هممو الملممك و هممو‬
‫أمر زائد على الرئاسة لن الرئاسة إنما هي سؤدد و صمماحبها‬
‫متبوع و ليس له عليهم قهر فممي أحكممامه و أممما الملممك فهممو‬
‫التغلب و الحكم بالقهر و صمماحبها متبمموع و ليممس لممه عليهممم‬
‫قهر في أحكامه‪ .‬و أما الملك فهو التغلب و الحكممم بممالقوة و‬
‫صاحب العصبية إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة‬
‫السؤدد و التباع و وجد السبيل إلى التغلب و القهر ل يممتركه‬
‫لنه مطلوب للنفس و ل يتم اقتدارها عليه إل بالعصبية الممتي‬
‫يكون بها متبوعا ً فالتغلب الملكي غاية للعصبية كما رأيت ثممم‬
‫أن القبيل الواحد و إن كانت فيه بيوتات مفترقممة و عصممبيات‬
‫متعددة فل بد من عصبية تكممون أقمموى مممن جميعهمما تغلبهمما و‬
‫تستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيهمما و تصممير كأنهمما عصممبية‬
‫واحممدة كممبرى و إل وقممع الفممتراق المفضممي إلممى الختلف و‬
‫التنافس ولول دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسممدت الرض‬
‫ثم إذا حصل التغلب لتلك العصبية على قومها طلبت بطبعهمما‬
‫التغلب على أهل عصبية أخممرى بعيممدة عنهمما فممإن كافأتهمما أو‬
‫مانعتها كانوا أقتال ً و أنظارا ً و لكل واحدة منهما التغلب علممى‬
‫حوزتها و قومها شأن القبائل و المم المفترقة فممي العممالم و‬
‫إن غلبتهمما و اسممتتبعتها التحمممت بهمما أيض ما ً و زادت قمموة فممي‬
‫التغلب إلى قوتها و طلبت غاية من التغلممب و التحكممم أعلممى‬
‫من الغاية الولى و أبعد و هكممذا دائم ما ً حممتى تكممافىء بقوتهمما‬
‫قوة الدولة في هرمها و لم يكن لها ممانع من أوليمماء الدولممة‬
‫أهل العصبيات اسممتولت عليهمما و انممتزعت المممر مممن يممدها و‬
‫صار الملك أجمع لها و إن انتهت قوتها و لم يقارن ذلك هرم‪،‬‬
‫الدولة و إنما قارن حاجتها إلممى السممتظهار بأهممل العصممبيات‬
‫انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بهمما علممى ممما يعممن مممن‬
‫مقاصدها و ذلك ملك آخر دون الملك المستبد و هو كما وقع‬
‫للترك في دولة بني العباس و لصنهاجة و زناتممة مممع كتامممة و‬
‫لبني حمدان مع ملوك الشيعة مممن العلويممة و العباسممية فقممد‬
‫ظهر أن الملك هو غاية العصبية و أنهمما إذا بلغممت إلممى غايتهمما‬
‫حصل للقبيلة الملك إما بالستبداد أو بالمظاهرة على حسب‬

‫ما يسعه الوقت المقارن لذلك و إن عاقهمما عممن بلمموغ الغايممة‬
‫عوائق كما نبينه وقفت في مقامها إلى أن يقضي الله بأمره‪.‬‬
‫الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك‬
‫حصول الترف و انغماس القبيل في النعيم‬
‫و سممبب ذلممك أن القبيممل إذا غلبممت بعصممبيتها بعممض الغلممب‬
‫اسممتولت علممى النعمممة بمقممداره و شمماركت أهممل النعممم و‬
‫الخصممب فممي نعمتهممم و خصممبهم و ضممربت معهممم فممي ذلممك‬
‫بسهم و حصة بمقدار غلبها و استظهار الدولة بها فإن كممانت‬
‫الدولة من القوة بحيث ل يطممع أحمد فمي انمتزاع أمرهما و ل‬
‫مشمماركتها فيممه أذعممن ذلممك القبيممل لوليتهمما و القنمموع بممما‬
‫يسوغون من نعمتها و يشركون فيه مممن جبايتهمما و لممم تسممم‬
‫آمالهم إلى شيء من منازع الملممك و ل أسممبابه إنممما همتهممم‬
‫النعيم و الكسب و خصب العيش و السكون في ظل الدولممة‬
‫إلى الدعة و الراحة و الخممذ بمممذاهب الملممك فممي المبمماني و‬
‫الملبس و الستكثار من ذلك و التأنق فيه بمقدار ممما حصممل‬
‫من الرياش و الترف و ما يدعو إليه من توابممع ذلممك فتممذهب‬
‫خشونة البداوة و تضعف العصبية و البسالة و يتنعمممون فيممما‬
‫أتاهم الله من البسطة و تنشأ بنوهم و أعقابهم في مثل ذلك‬
‫من الترفع عن خدمة أنفسهم و ولية حاجمماتهم و يسممتنكفون‬
‫عن سائر المور الضرورية في العصبية حتى يصير ذلك خلقا ً‬
‫لهم و سجية فتنقص عصبيتهم و بسالتهم في الجيال بعممدهم‬
‫يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبية فيممأذنون بممالنقراض و علممى‬
‫قدر ترفهم و نعمتهم يكون إشرافهم علممى الفنمماء فضمل ً عممن‬
‫الملك فإن عوارض الممترف و الغممرق فممي النعيممم كاسممر مممن‬
‫سورة المصبية التي بها التغلب و إذا انقرضت العصبية قصممر‬
‫القبيممل عممن المدافعممة و الحمايممة فضممل ً عممن المطالبممة و‬
‫التهمتهم المم سواهم فقد تبين أن الترف من عوائق الملك‬
‫و الله يؤتي ملكه من يشاء‪.‬‬

‫الفصل التاسع عشر في أن من عوائق الملك‬
‫المذلة للقبيل و النقياد إلى سواهم‬
‫و سبب ذلك أن المذلة و النقياد كاسران لسورة العصممبية و‬
‫شدتها فإن انقيادهم و مذلتهم دليل على فقدانها فممما رئممموا‬
‫للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا ً عممن‬
‫المقاومممة و المطالبممة و اعتممبر ذلممك فممي بنممي إسممرائيل لممما‬
‫دعاهم موسى عليه السلم إلى ملممك الشممام و أخممبرهم بممأن‬
‫الله قد كتب لهم ملكهم كيف عجممزوا عممن ذلممك و قممالوا‪ :‬إن‬
‫فيها قومما ً جبممارين و إنمما لممن نممدخلها حممتى يخرجمموا منهمما أي‬
‫يخرجهم الله تعالى منها بضممرب مممن قممدرته غيممر عصممبيتنا و‬
‫تكون مممن معجزاتممك يمما موسممى و لممما عممزم عليهممم لجمموا و‬
‫ارتكبوا العصيان و قالوا له‪ :‬اذهممب أنممت و ربممك فقمماتل و ممما‬
‫ذلك إل لما أنسوا من أنفسممهم مممن العجممز عممن المقاومممة و‬
‫المطالبة كما تقتضيه الية و ما يؤثر في تفسيرها و ذلك بممما‬
‫حصل فيهم من خلق النقيمماد و ممما رئممموا مممن الممذل للقبممط‬
‫أحقابا ً حتى ذهبت العصبية منهم جملممة مممع أنهممم لممم يؤمنمموا‬
‫حق اليمان بما أخبرهم به موسى مممن أن الشممام لهممم و أن‬
‫العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكممم مممن اللممه قممدره‬
‫لهم فأقصروا عن ذلك و عجزوا تعويل ً على ممما فممي أنفسممهم‬
‫من العجز عن المطالبة لما حصممل لهممم مممن خلممق المذلممة و‬
‫طعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك و ما أمرهم به فعاقبهم‬
‫الله بالتيه و هو أنهم تاهوا في قفر من الرض ما بين الشممام‬
‫و مصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران و ل نزلوا مصممرا ً و‬
‫ل خالطوا بشرا ً كما قصه القرآن لغلظممة العمالقممة بالشممام و‬
‫القبط بمصر عليهم لعجزهممم عممن مقمماومتهم كممما زعممموه و‬
‫يظهممر مممن مسمماق اليممة و مفهومهمما أن حكمممة ذلممك الممتيه‬
‫مقصودة و هي فناء الجيل الذين خرجمموا مممن قبضممة الممذل و‬
‫القهر و القوة و تخلقوا به و أفسدوا من عصبيتهم حمتى نشمأ‬
‫في ذلك التيه جيل آخر عزيز ل يعممرف الحكممام و القهممر و ل‬
‫يساهم بالمذلة فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بهمما علممى‬
‫المطالبة و التغلب و يظهر لك من ذلك أن الربعين سنة أقل‬

‫ما يأتي فيهمما فنمماء جيممل و نشممأة جيممل آخممر سممبحان الحكيممم‬
‫العليم و في هذا أوضح دليل على شأن العصممبية و أنهمما هممي‬
‫التي تكون بها المدافعة و المقاومة و الحمايممة و المطالبممة و‬
‫أن من فقدها عجز عن جميع ذلك كلممه و لحممق بهممذا الفصممل‬
‫فيما يوجب المذلممة للقبيممل شممأن المغممارم و الضممرائب فممإن‬
‫القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حممتى رضمموا بالمذلممة‬
‫فيه لن فممي المغممارم و الضممرائب ضمميما ً و مذلممة ل تحتملهمما‬
‫النفمموس البيممة إل إذا اسممتهونته عممن القتممل و التلممف و أن‬
‫عصبيتهم حينئذ ضعيفة عن المدافعة و الحمايممة و مممن كممانت‬
‫عصبيته ل تدفع عنه الضيم فكيف له بالمقاومة و المطالبممة و‬
‫قد حصل له النقياد للذل و المذلة عائقة كما قدمناه‪ .‬و منممه‬
‫قوله صلى اللممه عليممه و سمملم شممأن الحممرث لممما رأى سممكة‬
‫المحراث في بعض دور النصار ممما دخلممت هممذه دار قمموم إل‬
‫دخلهم الذل فهو دليل صريح على أن المغممرم ممموجب للذلممة‬
‫هذا إلى ما يصحب ذل المغارم مممن خلممق المكممر و الخديعممة‬
‫بسبب ملكة القهر فإذا رأيت القبيل بالمغارم فممي ربقممة مممن‬
‫الذل فل تطمعن لها بملك آخممر الممدهر و مممن هنمما يتممبين لممك‬
‫غلممط مممن يزعممم أن زناتممة بممالمغرب كممانوا شمماوية يممودون‬
‫المغارم لمن كان على عهدهم من الملوك و هو غلط فاحش‬
‫كما رأيت إذ لو وقع ذلك لما استتب لهم ملك و ل تممت لهمم‬
‫دولة و انظر فيما قاله شهر براز ملك الباب لعبد الرحمن بن‬
‫ربيعة لما أطل عليه و سأل شهر براز أمممانه علممى أن يكممون‬
‫له فقال أنا اليمموم منكممم يممدي فممي أيممديكم و صممعري معكممم‬
‫فمرحبا ً بكم و بارك الله لنا و لكم و جزيتنا إليكم النصر لكممم‬
‫و القيممام بممما تحبممون و ل تممذلونا بالجزيممة فتوهونمما لعممدوكم‬
‫فاعتبر هذا فيما قلناه فإنه كاف‪.‬‬

‫الفصل العشرون م في أن من علمات الملك‬
‫التنافس في الخلل الحميدة و بالعكس‬
‫لما كان الملك طبيعيا ً للنسان لما فيه مممن طبيعممة الجتممماع‬
‫كما قلناه و كان النسممان أقممرب إلممى خلل الخيممر مممن خلل‬
‫الشر بأصل فطرته و قمموته الناطقممة العاقلممة لن الشممر إنممما‬
‫جاءه من قبل القوى الحيوانية التي فيه و إما مممن حيممث هممو‬
‫إنسان فهو إلى الخير و خلله أقرب و الملك و السياسة إنما‬
‫كانا له من حيث هو إنسان لنهما للنسان خاصممة ل للحيمموان‬
‫فإذا ً خلل الخير فيه هي الممتي تناسممب السياسممة و الملممك إذ‬
‫الخير هو المناسب للسياسة و قد ذكرنا أن المجممد لممه أصممل‬
‫يبنى عليه و تتحقق به حقيقته و هو العصبية و العشير و فرع‬
‫يتمم و جمموده و يكملممه و هممو الخلل و إذا كممان الملممك غايممة‬
‫للعصممبية فهممو غايممة لفروعهمما و متمماتهمما و هممي الخلل لن‬
‫وجمموده دون متمممماته كوجممود شممخص مقطمموع العضمماء أو‬
‫ظهوره عريانا ً بين الناس لم إذا كان وجود العصبية فقط من‬
‫غير انتحال الخلل الحميدة نقصا ً في أهل البيوت و الحساب‬
‫فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكممل مجممد و نهايممة لكممل‬
‫حسب و أيضا ً فالسياسة و الملك هي كفالة للخلممق و خلفممة‬
‫لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم و أحكام اللممه فممي خلقممه و‬
‫عبمماده إنممما هممي بممالخير و مراعمماة المصممالح كممما تشممهد بممه‬
‫الشرائع و أحكممام البشممر إنممما هممي مممن الجهممل و الشمميطان‬
‫بخلف قدرة الله سبحانه و قدره فإنه فاعممل للخيممر و الشممر‬
‫معا ً و مقدرهما إذ ل فاعل سممواه فمممن حصمملت لممه العصممبية‬
‫الكفيلة بالقدرة و أونست منممه خلل الخيممر المناسممبة لتنفيممذ‬
‫أحكام الله في خلقه فقممد تهيممأ للخلفممة فممي العبمماد و كفالممة‬
‫الخلق و وجدت فيه الصلحية لذلك‪ .‬و هذا البرهان أوثق مممن‬
‫أن أول و أصح مبنى فقد تبين أن خلل الخير شاهدة بوجممود‬
‫الملك لمن و جدت له العصبية فإذا نفرنا في أهل العصبية و‬
‫من حصل لهم من الغلممب علممى كممثير مممن النممواحي و المممم‬
‫فوجدناهم يتنافسون في الخير و خللممه مممن الكممرم و العفممو‬
‫عن الزلت و الحتمال من غيممر القممادر و القممرى للضمميوف و‬

‫حمل الكل و كسب المعدم و الصبر علممى المكمماره و الوفمماء‬
‫بالعهد و بذل الموال في صون العراض و تعظيممم الشممريعة‬
‫و إجلل العلماء الحاملين لها و الوقوف عند ما يحددونه لهممم‬
‫من فعل أو ترك و حسن الظن بهممم و اعتقمماد أهممل الممدين و‬
‫التممبرك بهممم و رغبممه الممدعاء منهممم و الحيمماء مممن الكممابر و‬
‫المشممايخ و تمموقيرهم و إجللهممم و النقيمماد إلممى الحممق مممع‬
‫الداعي إليه و إنصمماف المستضممعفين مممن أنفسممهم و التبمدل‬
‫في أحوالهم و النقياد للحق و التواضع للمسممكين و اسممتماع‬
‫شهوى المسمتغيثين و التمدين بالشمرائع و العبمادات و القيمام‬
‫عليها و على أسبابها و التجافي عن الغدر و المكر و الخديعة‬
‫و نقض العهد و أمثال ذلك علمنا أن هذه خلمق السياسمة قمد‬
‫حصلت لديهم و اسممتحقوا بهمما أن يكونمموا ساسممة لمممن تحممت‬
‫أيديهم أو على العممموم و أنممه خيممر سمماقه اللممه تعممالى إليهممم‬
‫مناسب لعصبيتهم و غلبهم و ليس ذلك سدىً فيهم و ل وجممد‬
‫عبثما ً منهممم و الملممك أنسممب المراتممب و الخيممرات لعصممبيتهم‬
‫فعلمنمما بممذلك أن اللممه تممأذن لهممم بالملممك و سمماقه إليهممم و‬
‫بالعكس مممن ذلممك إذا تممأذن اللممه بممانقراض الملممك مممن أمممة‬
‫حملتهم على ارتكاب المذمومات و انتحال الرذائل و سمملوك‬
‫طرقها فتفقد الفصائل السياسية منهم جملممة و ل تممزال فممي‬
‫انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم و يتبممدل بممه سممواهم‬
‫ليكون نعيا ً عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملممك‬
‫و جعل في أيديهم من الخير وإذا أردنا أن نهلممك قريممة أمرنمما‬
‫مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القممول فممدمرناها تممدميرا و‬
‫استقرىء ذلك و تتبعه في المم السابقة تجد كثيرا ً مما قلناه‬
‫و رسمناه و الله يخلق ما يشاء و يختار و اعلم أن مممن خلل‬
‫الكمال التي يتنافس فيها القبائل ألو العصبية و تكون شاهدة‬
‫لهم بالملممك إكممرام العلممماء و الصممالحين و الشممراف و أهممل‬
‫الحساب و أصناف التجار و الغرباء و إنزال الناس منازلهم و‬
‫ذلممك أن إكممرام القبممائل و أهممل العصممبيات و العشممائر لمممن‬
‫يناهضهم في الشرف و يجاد بهم حبممل العشممير و العصممبية و‬
‫يشاركهم في اتساع الجاه أمر طبيعي يحمل عليه في الكممثر‬

‫الرغبة في الجمماه أو المخافممة مممن قمموم المكممرم أو التممماس‬
‫مثلها منه و أما أمثال هؤلء من ليس لهممم عصممبية تتقممى و ل‬
‫جمماه يرتجممى فينممدفع الشممك فممي شممأن كرامتهممم و يتمحممض‬
‫القصد فيهم أنه للمجد و انتحال الكمال في الخلل و القبال‬
‫على السياسة بالكلية لن إكرام أقتاله و أمثمماله ضممروي فممي‬
‫السياسة الخاصة بين قبيلة و نظرائه و إكرام الطممارئين مممن‬
‫أهممل الفضممائل و الخصوصمميات كمممال فممي السياسممة العامممة‬
‫فالصالحون للدين و العلماء للجاءي إليهم في إقامة مراسممم‬
‫الشريعة و التجار للترغيب حتى تعم المنفعة بما فممي أيممديهم‬
‫و الغربماء ممن مكممارم الخلق و إنممزال النماس منممازلهم مممن‬
‫النصاف و هو من العدل فيعلم بوجود ذلك من أهل عصممبيته‬
‫انتماؤهم للسياسة العامة و هممي الملممك و أن اللممه قممد تممأذن‬
‫بوجودها فيهم لوجوب علماتها و لهذا كان أول ما يذهب مممن‬
‫القبيممل أهممل الملممك إذا تممأذن اللممه تعممالى بسمملب ملكهممم و‬
‫سلطانهم إكرام هذا الصنف من الخلق فمإذا رأيتمه قمد ذهمب‬
‫من أمة من المم فاعلم أن الفضائل قد أخذت فممي الممذهاب‬
‫عنهم و ارتقب زوال الملك منهم و إذا أراد الله بقمموم سمموءا ً‬
‫فل مرد له و الله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل الحادي و العشرون في أنه إذا كانت المة‬
‫وحشية كان ملكها أوسع‬
‫و ذلممك لنهممم أقممدر علممى التغلممب و السممتبداد كممما قلنمماه و‬
‫اسممتعباد الطمموائف لقممدرتهم علممى محاربممة المممم سممواهم و‬
‫لنهم يتنزلون من الهليممن منزلممة المفممترس مممن الحيوانممات‬
‫العجم و هؤلء مثل العممرب و زناتممة و مممن فممي معنمماهم مممن‬
‫الكراد و التركمان و أهل اللثام من صممنهاجة و أيض ما ً فهممؤلء‬
‫المتوحشون ليس لهم وطن يرتممافون منممه و ل بلممد يجنحممون‬
‫إليه فنسبة القطار و المواطن إليهممم علممى السممواء فلهممذا ل‬
‫يقتصرون على ملكممة قطرهممم و ممما جمماورهم مممن البلد و ل‬
‫يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلى القمماليم البعيممدة و‬

‫يتغلبون على المم النائية و انظممر ممما يحكممى فممي ذلممك عممن‬
‫عمر رضي اللممه عنممه لممما بويممع و قممام يحممرض النمماس علممى‬
‫العراق فقال‪ :‬إن الحجاز ليس لكم بدار إل علممى النجعممة و ل‬
‫قوى عليه أهله إل بذلك أيممن القممراء المهمماجرون عممن موعممد‬
‫اللممه سمميروا فممي الرض الممتي وعممدكم اللممه فممي الكتمماب أن‬
‫يورثكموهمما فقممال‪ :‬ليظهممره علممى الممدين كلممه و لممو كممره‬
‫المشركون و اعتبر ذلك أيضا ً بحال العرب السالفة ممن قبممل‬
‫مثممل التبابعممة و حميممر كيممف كممانوا يخطممون مممن اليمممن إلمى‬
‫المغرب مرة و إلى العراق و الهند أخرى و لم يكن ذلك لغير‬
‫العرب من المم و كذا حال الملثمين من المغرب لما نزعمموا‬
‫إلى الملك طفروا من القليم الول و مجالتهم منه في جوار‬
‫السودان إلى القليم الرابع و الخامس فممي ممالممك النممدلس‬
‫من غيمر واسمطة و همذا شمأن همذه الممم الوحشمية فلمذلك‬
‫تكون دولتهم أوسع نطاقا ً و أبعد من مراكزهمما نهايممة‪ ،‬و اللممه‬
‫يقدر الليل و النهار و هو الواحد القهار ل شريك له‪.‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون في أن الملك إذا ذهب‬
‫عن بعض الشعوب من أمة فل بد من عوده إلى‬
‫شعب أخر منها ما دامت لهم العصبية‬
‫و السمبب فمي ذلمك أن الملمك إنمما حصمل لهمم بعمد سمورة‬
‫الغلب و الذعان لهم من سائر المممم سممواهم فيتعيممن منهممم‬
‫المباشممرون للمممر الحمماملون سممرير الملممك و ل يكممون ذلممك‬
‫لجميعهم لما هم عليه مممن الكممثرة الممتي يضمميق عنهمما نطمماق‬
‫المزاحمة و الغيرة التي تجممدع أنمموف كممثير مممن المتطمماولين‬
‫للرتبة فإذا تعين أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيممم‬
‫و غرقوا في بحر الترف و الخصب و اسممتعبدوا إخمموانهم مممن‬
‫ذلك الجيل و أنفقمموهم فممي وجمموه الدولممة و مممذاهبها و بقممي‬
‫الذين بعدوا عن المر و كبحوا عن المشمماركة فممي ظممل مممن‬
‫عز الدولة التي شاركوها بنسبهم و بمنجاة من الهرم لبعدهم‬
‫عن الترف و أسبابه فإذا استولت على الوليممن اليممام و أبمماد‬

‫غضممراءهم الهممرم فطبختهممم الدولممة و أكممل الممدهر عليهممم و‬
‫شرب بما أرهف النعيم من حدهم و اسممتقت غريممزة الممترف‬
‫مممن مممائهم و بلغمموا غممايتهم مممن طبيعممة التمممدن النسمماني و‬
‫التغلب السياسي شعر‪.‬‬
‫كدود القز ينسج ثم يفنىبمركز نسجه في النعكاس‬
‫كممانت حينئذ عصممبية الخريممن موفممورة و سممورة غلبهممم مممن‬
‫الكاسممر محفوظممة و شممارتهم فممي الغلممب معلومممة فتسمممو‬
‫آمالهم إلى الملك الذي كممانوا ممنمموعين منممه بممالقوة الغالبممة‬
‫من جنس عصبيتهم و ترتفع المنازعة لممما عممرف مممن غلبهممم‬
‫فيستولون على المر و يصير إليهم و كذا يتفق فيهم مع مممن‬
‫بقي أيضا ً منتبذا ً عنه من عشائر أمتهم فل يزال الملك ملجئا ً‬
‫في المة إلى أن تنكسر سورة العصبية منهمما أو يفنممى سممائر‬
‫عشممائرها سممنة اللممه فممي الحيمماة الممدنيا و الخممرة عنممد ربممك‬
‫للمتقين و اعتبر هذا بما وقع في العرب لما انقرض ملك عاد‬
‫قام به من بعدهم إخوانهم من ثمممود و مممن بعممدهم إخمموانهم‬
‫العمالقة و من بعدهم إخوانهم من حمير أيضما ً و مممن بعممدهم‬
‫إخوانهم التبابعة من حمير أيضا ً و من بعدهم الذواء كذلك ثم‬
‫جاءت الدولة لمضر و كذا الفممرس لممما انقممرض أمممر الكينيممة‬
‫ملك من بعدهم الساسانية حتى تأذن الله بانقراضممهم أجمممع‬
‫بالسمملم و كممذا اليونممانيون انقممرض أمرهممم و انتقممل إلممى‬
‫إخوانهم من الروم و كذا الممبربر بممالمغرب لممما انقممرض أمممر‬
‫مغراوة و كتامة الملمموك الول منهممم رجممع إلممى صممنهاجة ثممم‬
‫الملثمين من بعدهم ثم من بقممي مممن شممعوب زناتممة و هكممذا‬
‫سمنة اللمه فمي عبماده و خلقمه و أصمل همذا كلمه إنمما يكمون‬
‫بالعصبية و هي متفاوتة في الجيال و الملك يخلقه الممترف و‬
‫يذهبه كما سنذكره بعد فإذا انقرضت دولة فإنما يتناول المر‬
‫منهممم مممن لممه عصممبية مشمماركة لعصممبيتهم الممتي عممرف لهمما‬
‫التسليم و النقياد و أونس منهمما الغلممب‪ ،‬لجميممع العصممبيات و‬
‫ذلك إنما يوجد في النسب القريب منهم لن تفاوت العصممبية‬
‫بحسب ما قرب من ذلك النسب التي هي فيممه أو بعممد حممتى‬
‫إذا وقممع فممي العممالم تبممديل كممبير مممن تحويممل ملممة أو ذهمماب‬

‫عمران أو ما شمماء اللممه مممن قممدرته فحينئذ يخممرج عممن ذلممك‬
‫الجيل إلى الجيل الذي يأذن اللممه بقيممامه بممذلك التبممديل كممما‬
‫وقع لمضر حين غلبوا على المم و الدول و أخذوا المممر مممن‬
‫أيدي أهل العالم بعد أن كانوا مكبوحين عنه أحقابًا‪.‬‬
‫الفصل الثالث و العشرون في أن المغلوب مولع‬
‫أبدا ً بالقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته‬
‫و سائر أحواله و عوائده‬
‫و السبب في ذلك أن النفس أبدا ً تعتقد الكمال في من غلبها‬
‫و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمممه‬
‫أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلممب طممبيعي إنممما هممو‬
‫لكمممال الغممالب فممإذا غممالطت بممذلك و اتصممل لهمما اعتقممادا ً‬
‫فممانتحلت جميممع مممذاهب الغممالب و تشممبهت بممه و ذلممك هممو‬
‫القتداء أو لما تراه و الله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس‬
‫بعصبية و ل قوة بأس لم إنما هو بممما انتحلتممه مممن العمموائد و‬
‫المذاهب تغالط أيضا ً بذلك عممن الغلممب و هممذا راجممع للول و‬
‫لذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا ً بالغالب في ملبسممه و مركبممه‬
‫و سلحه فمي اتخاذهمما و أشمكالها بمل و فمي سمائر أحمواله و‬
‫انظر ذلك في البناء مع آبائهم كيممف تجممدهم متشممبهين بهممم‬
‫دائما ً و ما ذلك إل لعتقادهم الكمال فيهممم و انظممر إلممى كممل‬
‫قطر من القطار كيف يغلب علممى أهلممه زي الحاميممة و جنممد‬
‫السلطان في الكثر لنهم الغممالبون لهممم حممتى أنممه إذا كممانت‬
‫أمة تجاور أخرى و لها الغلب عليهمما فيسممري إليهممم مممن هممذا‬
‫التشبه و القتداء حظ كبير كما هو في النممدلس لهممذا العهممد‬
‫مع أمم الجللقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم فممي ملبسممهم و‬
‫شاراتهم و الكثير مممن عمموائدهم و أحمموالهم حممتى فمي رسممم‬
‫التماثيل في الجدان و المصانع و البيوت حتى لقممد يستشممعر‬
‫من ذلك الناظر بعيممن الحكمممة أنممه مممن علمممات السممتيلء و‬
‫المر لله‪ .‬و تأمل في هذا سر قولهم العامة على دين الملممك‬
‫فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده و الرعية مقتدون‬

‫به لعتقمماد الكمممال فيممه اعتقمماد البنمماء بآبممائهم و المتعلميممن‬
‫بمعلميهممم و اللممه العليممم الحكيممم و بممه سممبحانه و تعممالى‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫الفصل الرابع و العشرون في أن المة إذا غلبت و‬
‫صارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء‬
‫و السبب في ذلك و الله أعلم ممما يحصممل فممي النفمموس مممن‬
‫التكاسل إذا ملك أمرها عليها و صارت بالستعباد آلة لسواها‬
‫و عالة عليهم فيقصر المل و يضعف التناسل و العتمار إنما‬
‫هو عن جدة المل و ما يحدث عنه مممن النشمماط فممي القمموى‬
‫الحيوانية فإذا ذهب المل بالتكاسل و ذهب ما يدعو إليه مممن‬
‫الحوال و كانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص‬
‫عمرانهممم و تلشممت مكاسممبهم و مسمماعيهم وعجممزوا عممن‬
‫المدافعممة عممن أنفسممهم بممما خضممد الغلممب مممن شمموكتيهم‬
‫ة لكل آكل و سواء كانوا‬
‫فأصبحوا مغلبين لكل متغلب و طعم ً‬
‫حصلوا على غايتهم من الملك أم لممم يحصمملوا‪ .‬و فيممه و اللممه‬
‫أعلممم سممر آخممر و هممو أن النسممان رئيممس بطبعممه بمقتضممى‬
‫الستخلف الذي خلق له و الرئيس إذا غلب علممى رئاسممته و‬
‫كبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنممه و ري كبممده و‬
‫هممذا موجممود فممي أخلق الناسممي‪ .‬و لقممد يقممال مثلممه فممي‬
‫الحيوانات المفترسة و أنها ل تسافد إل إذا كممانت فممي ملكممة‬
‫الدميين فل يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تنمماقص‬
‫و اضمحلل إلى أن يأخذهم الفناء و البقاء لله وحده و اعتممبر‬
‫ذلك في أمة الفرس كيف كانت قد ملت العالم كممثرة و لممما‬
‫فنيت حاميتهم في أيام العرب بقممي منهممم كممثير و أكممثر مممن‬
‫الكثير يقال إن سعدا ً أحصممى ممما وراء المممدائن فكممالوا مممائة‬
‫ألف و سبعة و ثلثين ألفا ً منهم سبعة و ثلثون ألفا ً رب بيممت‬
‫و لما تحصلوا في ملكة الغرب و قبضة القهر لم يكن بقاؤهم‬
‫إل قليل ً و دثروا كأن لممم يكونمموا و ل تحسممبن أن ذلممك لظلممم‬
‫نزل بهم أو عممدوان شممملهم فملكممة السمملم فممي العممدل ممما‬

‫علمت و إنما هي طبيعة فممي النسممان إذا غلممب علممى أمممر و‬
‫صار آلممة لغيممره و لهممذا إنممما تممذعن للممرق فممي الغممالب أمممم‬
‫السمممودان لنقمممص النسمممانية فيهمممم و قربهمممم ممممن عمممرض‬
‫الحيوانات العجم كما قلناه أو من يرجممو بانتظممامه فممي ربقممة‬
‫الرق حصول رتبة أو إفادة مال أو عز كما يقع لممالك الترك‬
‫بالمشرق و العلوج من الجللقة و الفرنجة فإن العادة جارية‬
‫باستخلص الدولة لهم فل يأنفون من الرق لممما يممأملونه مممن‬
‫الجاه و الرتبة باصطفاء الدولة و الله سبحانه و تعممالى أعلممم‬
‫و به التوفيق‪.‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون في أن العرب ل‬
‫يتغلبون إل على البسائط‬
‫و ذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهمماب و عيممث‬
‫ينتهبون ما قدروا عليه مممن غيممر مغالبممة و ل ركمموب خطممر و‬
‫يفممرون إلممى منتجعهممم بممالقفر و ل يممذهبون إلممى الزاحفممة و‬
‫المحاربممة إل إذا دفعمموا بممذلك عممن أنفسممهم فكممل معقممل أو‬
‫مستصممعب عليهممم فهممم تمماركوه إلممى ممما يسممهل عنممه و ل‬
‫يعرضون له و القبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبممال بمنجمماة‬
‫من عيثهم و فسادهم لنهم ل يتسنمون‪ ،‬إليهممم الهضمماب و ل‬
‫يركبون الصعاب و ل يحاولون الخطر و أممما البسممائط فمممتى‬
‫اقتدروا عليها بفقدان الحامية و ضعف الدولة فهي نهب لهممم‬
‫و طمعممة لكلهممم يممرددون عليهمما الغممارة و النهممب و الزحممف‬
‫لسممهولتها عليهممم إلممى أن يصممبح أهلهمما مغلممبين لهممم ثممم‬
‫يتعمماورونهم بمماختلف اليممدي و انحممراف السياسممة إلممى أن‬
‫ينقرض عمرانهم و الله قادر على خلقه و هو الواحممد القهممار‬
‫ل رب غيره‪.‬‬

‫الفصل السادس و العشرون في أن العرب إذا‬
‫تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب‬
‫و السممبب فممي ذلممك أنهممم أمممة وحشممية باسممتحكام عمموائد‬
‫ة و كان عندهم‬
‫التوحش و أسبابه فيهم فصار لهم خلقا ً و جبل ً‬
‫ملذوذا ً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكممم و عممدم النقيمماد‬
‫للسياسة و هذه الطبيعة منافية للعمران و مناقضة له فغايممة‬
‫الحوال العادية كلها عندهم الرحلة و التغلب و ذلممك منمماقض‬
‫للسممكون الممذي بممه العمممران و فنمماف لممه فممالحجر مثل ً إنممما‬
‫حمماجتهم إليممه لنصممبه أثممافي القممدر فينقلممونه مممن المبمماني و‬
‫يخربونها عليه و يعدونه لذلك و الخشممب أيض ما ً إنممما حمماجتهم‬
‫إليه ليعمدوا به خيامهم و يتخذوا الوتاد منه لبيوتهم فيخربون‬
‫السقف عليه لممذلك فصممارت طبيعممة وجممودهم منافيممة للبنمماء‬
‫الذي هو أصل العمران هذا في حالهم علممى العممموم و أيض ما ً‬
‫فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس و أن رزقهممم فممي ظلل‬
‫رماحهم و ليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه‬
‫بل كلما امتدت أعينهم إلى مممال أو متمماع أو ممماعون انتهبمموه‬
‫فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب و الملك بطلت السياسة‬
‫فممي حفممظ أممموال النمماس و خممرب العمممران و أيض ما ً فلنهممم‬
‫يكلفون على أهل العمال من الصنائع و الحممرف أعمممالهم ل‬
‫يرون لها قيمة و ل قسطا ً من الجر و الثمن و العمممال كممما‬
‫سنذكره هي أصل المكاسب و حقيقتها و إذا فسدت العمال‬
‫و صممارت مجان ما ً ضممعفت المممال فممي المكاسممب و انقبضممت‬
‫اليدي عن العمل و ابذعر الساكن و فسممد العمممران و أيض ما ً‬
‫فإنهم ليست لهم عناية بالحكام و زجر الناس عممن المفاسممد‬
‫و دفاع بعضهم عن بعض إنما همهم ممما يأخممذونه مممن أممموال‬
‫الناس نهبا ً أو غرامة فممإذا توصمملوا إلممى ذلممك و حصمملوا عليممه‬
‫أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم و النظر في مصالحهم‬
‫و قهر بعضهم عن أغراض المفاسد و ربما فرضوا العقوبممات‬
‫في الموال حرصا ً على تحصيل الفائدة و الجباية و الستكثار‬
‫منها كما هو شأنهم و ذلك ليس بمغممن فممي دفممع المفاسممد و‬
‫زجر المتعرض لها بل يكون ذلك زائدا ً فيها لستسهال الغممرم‬

‫في جانب حصول الغرض فتبقمى الرعايما فمي ملكتهمم كأنهما‬
‫فوضى دون حكم و الفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمممران‬
‫بما ذكرنماه ممن أن وجمود الملمك خاصمة طبيعيمة للنسمان ل‬
‫يستقيم وجودهم و اجتماعهم إل بها و تقدم ذلك أول الفصممل‬
‫و أيضا ً فهم متنافسون في الرئاسة و قل أن يسلم أحد منهم‬
‫المر لغيره و لو كمان أبماه أو أخماه أو كمبير عشميرته إل فمي‬
‫القل و على كمره مممن أجممل الحيماء فيتعممدد الحكمام منهممم و‬
‫المراء و تختلف اليدي على الرعيممة فممي الجبايممة و الحكممام‬
‫فيفسد العمران و ينتقض‪ .‬قممال العرابممي الوافممد علممى عبممد‬
‫الملك لما سأله عن الحجاج و أراد الثناء عليممه عنممده بحسممن‬
‫السياسة و العمران فقال‪ :‬تركته يظلم و حده و انظر إلى ما‬
‫ملكوه و تغلبوا عليممه مممن الوطممان مممن لممدن الخليقممة كيممف‬
‫تقوض عمرانه و اقفر ساكنه و بدلت الرض فيه غيممر الرض‬
‫فاليمن قرارهم خراب إل قليل ً من المصممار و عممراق العممرب‬
‫كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع و الشام لهذا‬
‫العهد كذلك و أفريقية و المغرب لما جاز إليها بنو هلل و بنو‬
‫سممليم منممذ أول المممائة الخامسممة و تمرسمموا بهمما لثلثمممائة و‬
‫خمسين من السنين قد لحق بها و عادت بسائطه خرابا ً كلهمما‬
‫بعد أن كان ما بيممن السممودان و البحممر الرومممي كلممه عمرانما ً‬
‫تشهد بذلك آثار العمران فيه مممن المعممالم و تماثيممل البنمماء و‬
‫شواهد القرى و المدر و الله يرث الرض و مممن عليهمما و هممو‬
‫خير الوارثين‪.‬‬
‫الفصل السابع و العشرون في أن العرب ل يحصل‬
‫لهم الملك إل بصبغة دينية من نبوة أو ولية أو‬
‫أثر عظيم من الدين على الجملة‬
‫و السبب في ذلك أنهم لخلممق التمموحش الممذي فيهممم أصممعب‬
‫المم انقيادا ً بعضهم لبعممض للغلظممة و النفممة و بعممد الهمممة و‬
‫المنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الممدين‬
‫بالنبؤة أو الولية كان الوازع لهم من أنفسممهم و ذهممب خلممق‬

‫الكبر و المنافسة منهم فسهل انقيادهم و اجتممماعهم و ذلممك‬
‫بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة و اللفممة المموازع عممن‬
‫التحاسممد و التنممافس فممإذا كممان فيهممم النممبي أو الممولي الممذي‬
‫يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهممم مممذمومات الخلق‬
‫و يأخممذهم بمحمودهمما و يؤلممف كلمتهممم لظهممار الحممق تممم‬
‫اجتماعهم و حصل لهم التغلب و الملك و هم مع ذلك أسممرع‬
‫النمماس قبممول ً للحممق و الهممدى لسمملمة طبمماعهم مممن عمموج‬
‫الملكات و براءتهمما مممن ذميممم الخلق إل ممما كممان مممن خلممق‬
‫التوحش القريب المعاناة المتهيء لقبول الخيممر ببقممائه علممى‬
‫الفطرة الولى و بعممده عممما ينطبممع فممي النفمموس مممن قبيممح‬
‫العوائد و سوء الملكات فإن كممل مولممود يولممد علممى الفطممرة‬
‫كما ورد في الحديث و قد تقدم‪.‬‬
‫الفصل الثامن و العشرون في أن العرب أبعد‬
‫المم عن سياسة الملك‬
‫و السبب في ذلك أنهم أكثر بممداوة مممن سممائر المممم و أبعممد‬
‫مجممال ً فممي القفممر و أغنممى عممن حاجممات التلممول و حبوبهمما‬
‫لعتيادهم لشظف و خشممونة العيممش فاسممتغنوا عممن غيرهممم‬
‫فصممعب انقيمماد بعضممهم لبعممض لفلهممم ذلممك و للتمموحش و‬
‫رئيسهم محتاج إليهم غالبا ً للعصبية التي بها المدافعممة فكممان‬
‫مضطرا ً إلى إحسان ملكتهم و ترك مراغمتهم لئل يختل عليه‬
‫شأن عصبيته فيكون فيها هلكه و هلكهم و سياسة الملممك و‬
‫السلطان تقتضي أن يكممون السممائس وازعما ً بممالقهر و إل لممم‬
‫تستقم سياسته و أيضا ً فإن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ممما‬
‫فممي أيممدي النمماس خاصممة و التجممافي عممما سمموى ذلممك مممن‬
‫الحكام بينهم و دفاع بعضهم عن بعض فمإذا ملكموا أمممة ممن‬
‫المم جعلوا غاية ملكهم النتفاع بأخذ ما في أيممديهم و تركمموا‬
‫ما سوى ذلك من الحكام بينهم و ربما جعلوا العقوبات علممى‬
‫المفاسد في الموال حرصا ً علممى تكممثير الجبايممات و تحصمميل‬
‫الفمموائد فل يكممون ذلممك وازع ما ً و ربممما يكممون باعث ما ً بحسممب‬

‫الغراض الباعثة على المفاسد و استهانة ما يعطي من ممماله‬
‫في جانب غرضه فتنمو المفاسد بذلك و يقع تخريب العمران‬
‫فتبقى تلك المة كأنها فوضممى مسممتطيلة أيممدي بعضممها علممى‬
‫بعض فل يستقيم لها عمران و تخرب سممريعا ً شمأن الفوضممى‬
‫كما قدمناه فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك‬
‫و إنما يصيرون إليها بعد انقلب طباعهم و تبدلها بصبغة دينية‬
‫تمحو ذلك منهم و تجعل الوازع لهم مممن أنفسممهم و تحملهممم‬
‫على دفاع الناس بعضهم عن بعض كما ذكرناه و اعتممبر ذلممك‬
‫بممدولتهم فممي الملممة لممما شمميد لهممم الممدين أمممر السياسممة‬
‫بالشممريعة و أحكامهمما المراعيممة لمصممالح العمممران ظمماهرا ً و‬
‫باطنمما ً و تتممابع فيهمما الخلفمماء عظممم حينئذ ملكهممم و قمموي‬
‫سلطانهم‪ .‬كان رسممتم إذا رأى المسمملمين يجتمعممون للصمملة‬
‫يقول أكل عمر كبدي يعلم الكلب الداب ثم إنهممم بعممد ذلممك‬
‫انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين فنسوا السياسة‬
‫و رجعوا إلى قفرهم و جهلوا شأن عصبيتهم مع أهممل الدولممة‬
‫ببعدهم في النقياد و إعطاء النصفة فتوحشوا كما كانوا و لم‬
‫يبق لهم من اسم الملك إل أنهممم مممن جنممس الخلفمماء و مممن‬
‫جيلهم و لما ذهب أمر الخلفة و امحي رسمممها انقطممع المممر‬
‫جملة من أيديهم و غلب عليهممم العجممم دونهممم و أقماموا فممي‬
‫بادية قفارهم ل يعرفممون الملمك و ل سياسممته بممل قممد يجهممل‬
‫الكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم و ما كممان فممي‬
‫القديم لحد مممن المممم فممي الخليقممة ممما كممان لجيممالهم مممن‬
‫الملممك و دول عمماد و ثمممود و العمالقممة و حميممر و التبابعممة‬
‫شاهدة بذلك ثممم دولممة مضممر فمي السمملم بنممي أميممة و بنمي‬
‫العباس لكن بعد عهدهم بالسياسة لما نسمموا الممدين فرجعمموا‬
‫إلى أصلهم من البداوة و قد يحصل لهممم فممي بعممض الحيممان‬
‫غلب على الدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد فل‬
‫يكون ماله و غايته إل تخريب ما يستولون عليه من العمممران‬
‫كما قدمناه و الله يؤتي ملكه من يشاء‪.‬‬

‫الفصل التاسع و العشرون في أن البوادي من‬
‫القبائل و العصائب مغلوبون لهل المصار‬
‫قد تقدم لنا أن عمران البادية ناقص عن عمران الحواضممر و‬
‫المصممار لن المممور الضممرورية فممي العمممران ليممس كلهمما‬
‫موجودةً لهل البدو‪ .‬و إنما توجد لممديهم فممي مممواطنهم أمممور‬
‫الفلح و موادها معدومة و معظمهمما الصممنائع فل توجممد لممديهم‬
‫في الكلية من نجار و خياط و حداد و أمثممال ذلممك مممما يقيممم‬
‫لهم ضروريات معاشهم فمي الفلمح و غيمره و كمذا المدنانير و‬
‫الدراهم مفقممودة لممديهم و إنممما بأيممديهم أعواضممها مممن مغممل‬
‫الزراعة و أعيان الحيوان أو فضلته ألبانا ً و أوبارا ً و أشممعارا ً و‬
‫إهابا ً مما يحتاج إليه أهل المصار فيعوضونهم عنه بالممدنانير و‬
‫الدراهم إل أن حاجتهم إلى المصممار فممي الضممروري و حاجممة‬
‫أهل المصار إليهم في الحاجي و الكمالي فهم محتاجون إلى‬
‫المصار بطبيعة وجودهم فما داموا في الباديممة و لممم يحصممل‬
‫لهم ملك و ل استيلء على المصار فهم محتاجون إلى أهلهمما‬
‫و يتصرفون في مصالحهم و طاعتهم متى دعوهم إلى ذلك و‬
‫طالبوهم بممه و أن كممان فممي المصممر ملممك كممان خضمموعهم و‬
‫طاعتهم لغلب الملك و أن لم يكممن فمي المصممر ملممك فل بممد‬
‫فيه من رئاسة و نوع استبداد من بعض أهله علممى البمماقين و‬
‫إل انتقممض عمرانممه و ذلممك الرئيممس يحملهممم علممى طمماعته و‬
‫السعي في مصالحه إما طوعا ً ببذل المال لهم ثم يبدي لهممم‬
‫ممما يحتمماجون إليممه مممن الضممروريات فممي مصممره فيسممتقيم‬
‫عمرانهمممم و إممما كرهمما ً إن تمممت قممدرته علممى ذلممك و لممو‬
‫بالتغريب بينهم حتى يحصل له جانب منهم يغالب به البمماقين‬
‫فيضطر الباقون إلى طمماعته بمما يتوقعممون لممذلك مممن فسمماد‬
‫عمرانهم و ربما ل يسعهم مفارقة تلمك النمواحي إلمى جهمات‬
‫أخرى لن كممل الجهممات معمممور بالبممدو الممذين غلبمموا عليهمما و‬
‫منعوها من غيرها فل يجد هؤلء ملجأ إل طاعممة المصممر فهممم‬
‫بالضرورة مغلوبون لهل المصار و الله قمماهر فمموق عبمماده و‬
‫هو الواحد الحد القهار‪.‬‬

‫الباب الثالث من الكتاب الول في الممدول العامممة و‬
‫الملممك و الخلفممة و المراتممب السمملطانية و ممما‬
‫يعرض في ذلك كله من الحوال و فيه قواعممد و‬
‫متممات‬
‫الفصل الول في أن الملممك و الدولممة العامممة إنممما‬
‫يحصلن بالقبيل و العصبية‬
‫و ذلك أنا قررنا في الفصل الول أن المغالبة و الممانعة إنما‬
‫تكون بالعصبية لما فيها من النعرة و التممذامر و اسمتماتة كممل‬
‫واحد منهم دون صاحبه‪ .‬ثم أن الملك منصب شممريف ملممذوذ‬
‫يشتمل على جميع الخيممرات الدنيويممة و الشممهوات البدنيممة و‬
‫الملذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا ً و قل أن يسلمه أحد‬
‫لصاحبه إل إذا غلب عليه فتقع المنازعة و تفضي إلى الحرب‬
‫و القتممال و المغالبممة و شمميء منهمما ل يقممع إل بالعصممبية كممما‬
‫ذكرناه آنفا ً و هذا المر بعيد عممن أفهممام الجمهممور بالجملممة و‬
‫متناسون له لنهم نسوا عهد تمهيد الدولة منممذ أولهمما و طممال‬
‫أمد مرباهم في الحضارة و تعمماقبهم فيهمما جيل ً بعممد جيممل فل‬
‫يعرفون ما فعل الله أول الدولة إنما يدركون أصحاب الدولممة‬
‫و قد استحكمت صبغتهم و وقع التسليم لهم و الستغناء عممن‬
‫العصبية في تمهيد أمرهم و ل يعرفون كيف كممان المممر مممن‬
‫أوله و ممما لقممي أولهممم مممن المتمماعب دونممه و خصوصما ً أهممل‬
‫الندلس فممي نسمميان هممذه العصممبية و أثرهمما لطممول المممد و‬
‫استغنائهم في الغالب عن قوة العصبية بما تلشى وطنهممم و‬
‫خل من العصائب و الله قادر على ما يشاء و هو بكممل شمميء‬
‫عليم و هو حسبنا و نعم الوكيل‪.‬‬
‫الفصل الثاني في أنه إذا استقرت الدولة و تمهدت‬
‫فقد تستغني عن العصبية‬
‫و السبب في ذلك أن الدول العاممة فمي أولهما يصمعب علمى‬
‫النفوس النقياد لها إل بقمموة قويممة مممن الغلممب للغرابممة و أن‬

‫الناس لم يألفوا ملكهما و ل اعتمادوه فمإذا اسمتقرت الرئاسمة‬
‫في أهل النصاب المخصمموص بالملممك فممي الدولممة و توارثمموه‬
‫واحدا ً بعممد آخممر فممي أعقمماب كممثيرين و دول متعاقبممة نسمميت‬
‫النفوس شأن الولية و استحكمت لهل ذلك النصمماب صممبغة‬
‫الرئاسة و رسخ في العقممائد ديممن النقيمماد لهممم و التسممليم و‬
‫قاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقممائد اليمانيممة‬
‫فلممم يحتمماجوا حينئذ فممي أمرهممم إلمى كممبير عصممابة بممل كممأن‬
‫طاعتها كتاب مممن اللممه ل يبممدل و ل يعلممم خلفممه و لمممر ممما‬
‫يوضع الكلم في المامممة آخممر الكلم علممى العقممائد اليمانيممة‬
‫كممأنه مممن جملممة عقودهمما و يكممون اسممتظهارهم حينئذ علممى‬
‫سلطانهم و دولتهم المخصوصة إما بممالموالي و المصممطنعين‬
‫الممذين نشممأوا فممي ظممل العصممبية و غيرهمما و إممما بالعصممائب‬
‫الخارجين عن نسبها الداخلين فممي وليتهمما و مثممل هممذا و قممع‬
‫لبني العباس فإن عصممبية العممرب كممانت فسممدت لعهممد دولممة‬
‫المعتصممم و ابنمه الواثمق و اسمتظهارهم بعممد ذلمك إنمما كمان‬
‫بالموالي من العجم و الترك و الديلم و السلجوقية و غيرهممم‬
‫ثم تغلب العجم الولياء على النممواحي و تقلممص ظممل الدولممة‬
‫فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف إليها الديلم و ملكوهمما‬
‫و صممار الخلئق فممي حكمهممم ثممم انقممرض أمرهممم و ملممك‬
‫السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم‬
‫و زحف آخر التتار فقتلوا الخليفة و محوا رسم الدولممة و كممذا‬
‫صنهانجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المممائة الخامسممة أو‬
‫ما قبلها و استمرت لهممم الدولممة متقلصممة الظممل بالمهديممة و‬
‫بجاية و القلعة و سائر ثغور أفريقية و ربما انتزى بتلك الثغور‬
‫من نازعهم الملك و اعتصممم فيهمما و السمملطان و الملممك مممع‬
‫ذلممك مسمملم لهممم حممتى تممأذن اللممه بممانقراض الدولممة و جمماء‬
‫الموحدون بقمموة قويممة مممن العصممبية فممي المصممامدة فمحمموا‬
‫آثارهم و كذا دولة بني أمية بالنممدلس لممما فسممدت عصممبيتها‬
‫من العرب استولى ملوك الطوائف علممى أمرهمما و اقتسممموا‬
‫خطتها و تنافسوا بينهم و توزعوا ممالك الدولة و انممتزى كممل‬
‫واحد منهم على ما كممان فممي وليتممه و شمممخ بممأنفه و بلغهممم‬

‫شأن العجممم مممع الدولممة العباسممية فتلقبمموا بألقمماب الملممك و‬
‫لبسوا شارته و أمنوا ممن ينقممص ذلممك عليهممم أو يغيممره لن‬
‫الندلس ليس بدار عصائب و ل قبائل كما سنذكره و اسممتمر‬
‫لهم ذلك كما قال ابن شرف‪.‬‬
‫‌ ‌ مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها و معتضد‬
‫ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا ً صورة‬
‫السد‬
‫فاستظهروا على أمرهممم بممالموالي و المصممطنعين و الطممراء‬
‫على الندلس من أهممل العممدوة مممن قبممائل الممبربر و زناتممة و‬
‫غيرهم اقتداًء بالدولة في آخر أمرها في الستظهار بهم حين‬
‫ضعفت عصبية العرب و استبد ا بن أ بي عممامر علممى الدولممة‬
‫فكان لهم دول عظيمة استبدت كل واحدة منهمما بجممانب مممن‬
‫النممدلس و حممظ كممبير مممن الملممك علممى نسممبة الدولممة الممتي‬
‫اقتسموها و لم يزالوا فممي سمملطانهم ذلممك حممتى جمماز إليهممم‬
‫البجر المرابطون أهل العصبية القوية من لمتونممة فاسممتبدلوا‬
‫بهم و أزالوهم عن مراكزهممم و محمموا آثممارهم و لممم يقتممدروا‬
‫على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم فبهذه العصممبية يكممون‬
‫تمهيد الدولة و حمايتها من أولها و قمد ظمن الطرطوشمي أن‬
‫حامية الدول بإطلق هم الجنممد أهممل العطمماء المفممروض مممع‬
‫الهلة ذكر ذلك في كتابه الذي سماه سراج الملوك و كلمممه‬
‫ل يتناول تأسيس الدول العامة في أولها و إنما هو مخصمموص‬
‫بالدول الخيرة بعد التمهيد و استقرار الملمك فمي النصماب و‬
‫استحكام الصبغة لهله فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمهمما‬
‫و خلق جدتها و رجوعها إلى السممتظهار بممالموالي و الصممنائع‬
‫ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالجر علممى المدافعممة فممإنه‬
‫إنممما أدرك دول الطمموائف و ذلممك عنممد اختلل بنممى أميممة و‬
‫انقراض عصبتها من العرب و استبداد كل أمير بقطره و كان‬
‫في إيالة المستعين بن هود و ابنه المظفر أهل سرقسممطة و‬
‫لم يكن بقي لهم من أمر العصبية شيء لستيلء الترف على‬
‫العرب منذ ثلثمائة من السنين و هلكهم و لم ير إل سمملطانا ً‬
‫مسممتبدا ً بالملممك عممن عشممائره قممد اسممتحكمت لممه صممبغة‬

‫الستبداد منذ عهد الدولة و بقية العصبية فهو لممذلك ل ينممازع‬
‫فيممه و يسممتعين علممى أمممره بمالجراء مممن المرتزقممة فممأطلق‬
‫الطرطوشي القول في ذلك لم يتفطن لكيفية المر منذ أول‬
‫الدولة و إنه ل يتم إل لهل العصبية فتفطن أنممت لممه و افهممم‬
‫سر الله فيه و الله يؤتي ملكه من يشاء‪.‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬في أنه قد يحدث لبعض أهل‬
‫النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية‬
‫و ذلك أنه إذا كان لعصبية غلب كثير على المممم و الجيممال و‬
‫في نفوس القائمين بأمره مممن أهممل القاصممية إذعممان لهممم و‬
‫انقياد فإذا نزع إليهم هممذا الخممارج و انتبممذ عممن مقممر ملكممه و‬
‫منبت عزه اشتملوا عليه و قاموا بأمره و ظاهروه على شأنه‬
‫و عنوا بتمهيد دولتممه يرجممون اسممتقراره فممي نصممابه و تنمماوله‬
‫المر من يد أعياصه و جزاءه لهم على مظاهرته باصطفائهم‬
‫لرتب الملك و خططه ممن وزارة أو قيممادة أو وليممة ثغمر و ل‬
‫يطمعممون فممي مشمماركته فممي شمميء مممن سمملطانه تسممليما ً‬
‫لعصبيته و انقيادا ً لما استحكم له و لقومه مممن صممبغة الغلممب‬
‫في العالم و عقيدة إيمانية اسممتقرت فممي الذعممان لهممم فلممو‬
‫راموها معه أو دونه لزلزلت الرض زلزالهمما و هممذا كممما وقممع‬
‫للدارسة بالمغرب القصى و العبيديين بأفريقية و مصممر لممما‬
‫انتبذ الطالبيون من المشرق إلى القاصية و ابتعدوا عن مقممر‬
‫الخلفة و سموا إلى طلبهمما مممن أيممدي بنممى العبمماس بعممد أن‬
‫استحكمت الصبغة لبني عبد منمماف لبنممي أميممة أول ثممم لبنممي‬
‫هاشم مممن بعممدهم فخرجمموا بالقاصممية مممن المغممرب و دعمموا‬
‫لنفسهم و قام بممأمرهم الممبرابرة مممرة ً بعممد أخممرى فأوربممة و‬
‫مغيلة للدارسة و كتامة و صنهاجة و هوارة للعبيديين فشيدوا‬
‫دولتهممم و مهممدوا بعصممائبهم أمرهممم و اقتطعمموا مممن ممالممك‬
‫العباسيين المغرب كله ثممم أفريقيممة و لممم يممزل ظممل الدولممة‬
‫يتقلص و ظل العبيديين يمتممد إلممى أن ملكمموا مصممر و الشممام‬
‫والحجاز و قاسموهم في الممالك السمملمية شممق البلمممة و‬

‫هؤلء الممبرابرة القممائمون بالدولممة مممع ذلممك كلهممم مسمملمون‬
‫للعبيديين أمرهم مذعنون لملكهم و إنما كانوا يتنافسون فممي‬
‫الرتبة عندهم خاصة تسليما ً لما حصل من صبغة الملك لبنممي‬
‫هاشم و لما استحكم من الغلب لقريش و مضر علممى سممائر‬
‫المم فلم يزل الملمك فمي أعقمابهم إلمى أن انقرضمت دولمة‬
‫العرب بأسرها و الله يحكم ل معقب لحكمه‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ :‬في أن الدولة العامة الستيلء‬
‫العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو‬
‫دعوة حق‬
‫و ذلك لن الملك إنما يحصممل بممالتغلب و التغلممب إنممما يكممون‬
‫بالعصبية و اتفمماق الهممواء علممى المطالبممة و جمممع القلمموب و‬
‫تأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعممالى‪:‬‬
‫لو أنفقت ما في الرض جميعا ً ما ألفت بين قلمموبهم و سممره‬
‫أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل و الميممل إلممى الممدنيا‬
‫حصل التنممافس و فشمما الخلف و إذا انصممرفت إلممى الحممق و‬
‫رفضت الدنيا و الباطل و أقبلممت علممى اللممه اتحممدت و جهتهمما‬
‫فذهب التنافس و قل الخلف و حسممن التعمماون و التعاضممد و‬
‫اتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة كممما نممبين لممك بعممد‬
‫أن شاء الله سبحانه و تعالى و به التوفيق ل رب سواه‪.‬‬
‫الفصل الخامس في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة‬
‫في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت‬
‫لها من عددها‬
‫و السممبب فممي ذلممك كممما قممدمناه أن الصممبغة الدينيممة تممذهب‬
‫بالتنافس و التحاسد الذي في أهممل العصممبية و تفممرد الوجهممة‬
‫إلى الحق فإذا حصل لهم الستبصار في أمرهم لم يقف لهم‬
‫شيء لن الوجهة واحممدة و المطلمموب متسمماو عنممدهم و هممم‬
‫مستميتون عليه و أهممل الدولممة الممتي هممم طالبوهمما إن كممانوا‬
‫أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل و تخاذلهم لتقية الممموت‬

‫حاصل فل يقاومونهم و إن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهممم‬
‫و يعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف و الممذل كممما قممدمناه و‬
‫هذا كما وقممع للعممرب صممدر السمملم فممي الفتوحممات فكممانت‬
‫ة و ثلثيمن ألفما ً‬
‫جيوش المسلمين بالقادسية و اليرموك بضمع ً‬
‫فممي كممل معسممكر و جممموع فممارس مممائة و عشممرين ألفمما ً‬
‫بالقادسية و جموع هرقل على ما قاله الواقدي أربعمائة ألف‬
‫فلم يقف للعرب أحد من الجانبين و هزموهم و غلبوهم على‬
‫ما بأيديهم و اعتبر ذلك أيضا ً في دولة لمتونة و دولة الموحممد‬
‫ين فقد كان بالمغرب من القبممائل كممثير ممممن يقمماومهم فممي‬
‫العممدد و العصممبية أو يشممف عليهممم إل أن الجتممماع الممديني‬
‫ضاعف قوة عصبيتهم بالستبصار و الستماتة كما قلناه فلممم‬
‫يقف لهم شيء و اعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين و فسدت‬
‫كيف ينتقض المر و يصير الغلب على نسبة العصممبية وحممدها‬
‫دون زيممادة الممدين فتغلممب الدولممة مممن كممان تحممت يممدها مممن‬
‫العصائب المكافئة لها أو الزائدة القمموة عليهمما الممذين غلبتهممم‬
‫بمضاعفة الدين لقوتها و لو كممانوا أكممثر عصممبية منهمما و أشممد‬
‫بداوة ً و اعتبر هذا في الموحدين مممع زناتممة لممما كممانت زناتممة‬
‫أبدى من المصامدة و أشد توحشا ً و كان للمصممامدة الممدعوة‬
‫الدينيممة باتبمماع المهممدي فلبسمموا صممبغتها و تضمماعفت قمموة‬
‫عصبيتهم بها فغلبوا على زناتممة أول ً و اسممتتبعوهم و أن كممانوا‬
‫من حيث العصبية و البداوة أشد منهممم فلممما خلمموا مممن تلممك‬
‫الصبغة الدينية انتقضت عليهم زناتة من كل جانب و غلبمموهم‬
‫على المر و انتزعوه منهم و الله غالب على أمره‪.‬‬
‫الفصل السادس في أن الدعوة الدينية من غير‬
‫عصبية ل تتم‬
‫و هذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة فل بد له‬
‫من العصبية و في الحديث الصحيح كما مر‪ :‬ما بعث الله نبيا ً‬
‫إل في منعة من قومه و إذا كان هذا في النبياء و هممم أولممى‬
‫الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن ل تخرق له العممادة‬

‫فممي الغلممب بغيممر عصممبية و قممد وقممع هممذا لبممن قسممي شمميخ‬
‫الصمموفية و صمماحب كتمماب خلممع النعليممن فممي التصمموف ثممار‬
‫بالندلس داعيا ً إلى الحق و سمي أصحابه بممالمرابطين قبيممل‬
‫دعمموة المهممدي فاسممتتب لممه المممر قليل ً لشممغل لمتونممة بممما‬
‫دهمهم من أمر الموحدين و لم تكن هناك عصائب و ل قبائل‬
‫يدفعونه عن شأنه فلم يلبث حيممن اسممتولى الموحممدون علممى‬
‫المغممرب أن أذعممن لهممم و دخممل فممي دعمموتهم و تممابعهم مممن‬
‫معقله بحصن أركش و أمكنهم مممن ثغممره و كممان أول داعيممة‬
‫لهم بالندلس و كانت ثورته تسمممى ثممورة المرابطيممن و مممن‬
‫هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر مممن العامممة و‬
‫الفقهماء فمإن كمثيرا ً ممن المنتحليممن للعبممادة و سملوك طممرق‬
‫الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من المراء داعيممن‬
‫إلى تغيير المنكر و النهي عنه و المممر بممالمعروف رجمماًء فممي‬
‫الثواب عليه من اللممه فيكممثر أتبمماعهم و المتلثلثممون بهممم مممن‬
‫الغوغاء و الدهماء و يعرضون أنفسممهم فممي ذلممك للمهالممك و‬
‫أكثرهم يهلكون في هذا السبيل مممأزورين غيممر ممأجورين لن‬
‫الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم و إنما أمر بممه حيممث تكممون‬
‫القدرة عليه قممال صمملى اللممه عليممه و سمملم‪ :‬مممن رأى منكممم‬
‫منكرا ً فليغيره بيده فأن لم يستطع فبلسانه فإن لممم يسممتطع‬
‫فبقلبه و أحوال الملوك و الدول راسممخة قويممة ل يزحزحهمما و‬
‫يهممدم بناءهمما إل المطالبممة القويممة الممتي مممن ورائهمما عصممبية‬
‫القبائل و العشائر كما قدمناه و هكذا كان حال النبياء عليهم‬
‫الصلة و السلم في دعوتهم إلى الله بالعشائر و العصائب و‬
‫هم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء‪ ،‬لكنممه إنممما أجممرى‬
‫المور على مستقر العادة و الله حكيم عليم فإذا ذهممب أحممد‬
‫من الناس هذا المذهب و كان فيه محقا ً قصر به النفراد عن‬
‫العصبية فطاح في هوة الهلك و أما إن كان مممن المتلبسممين‬
‫بذلك في طلب الرئاسة فأجدر إن تعوقه العوائق و تنقطع به‬
‫المهالك لنه أمر الله ل يتم إل برضاه و إعانته و الخلص لممه‬
‫و النصيحة للمسلمين و ل يشك في ذلممك مسمملم و ل يرتمماب‬
‫فيه ذو بصيرة و أول ابتداء هذه النزعة في الملة ببغداد حين‬

‫و قعت فتنة طاهر و قتل الميمن و أبطمأ الممأمون بخراسمان‬
‫عن مقدم العراق ثم عهد لعلي بممن موسممى الرضممى مممن آل‬
‫الحسين فكشف بنو العباس عن‪.‬‬
‫وجه النكير عليممه و تممداعوا للقيممام و خلممع طاعممة المممأمون و‬
‫الستبدال منه و بويع إبراهيم بن المهدي فوقع الهرج ببغممداد‬
‫و انطلقت أيدي الزعرة بها من الشطار و الحربية على أهممل‬
‫العافية و الصون و قطعوا السبيل و امتلت أيديهم من نهاب‬
‫الناس و باعوها علنية في السواق و استعدى أهلهمما الحكممام‬
‫فلم يعدوهم فتوافر أهل الدين و الصلح على منع الفسمماق و‬
‫كف عاديتهم و قام ببغداد رجل يعرف بخالد الدريوس و دعمما‬
‫الناس إلى المر بالمعروف و النهي عن المنكر فأجابه خلممق‬
‫و قاتل أهل الزعارة فغلبهممم و أطلممق يممده فيهممم بالضممرب و‬
‫التنكيل ثم قام مممن بعممده رجممل آخممر مممن سمواد أهممل بغممداد‬
‫يعرف بسهل بن سلمة النصمماري و يكنممى أبمما حمماتم و علممق‬
‫مصحفا ً في عنقه و دعا الناس إلى المر بالمعروف و النهممى‬
‫عن المنكر و العمل بكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليممه و‬
‫ة ممن بيممن شمريف و وضميع ممن بنمى‬
‫سلم فاتبعه الناس كاف ً‬
‫هاشم فمن دونهم و نزل قصر طاهر و أتخذ الديوان و طاف‬
‫ببغداد و منممع كممل مممن أخماف المممارة و منممع الخفممارة لولئك‬
‫الشطار و قال له خالد الدريوس أنا ل أعيب علممى السمملطان‬
‫فقال له سهل لكني أقاتل كممل مممن خممالف الكتمماب و السممنة‬
‫كائنا ً من كان و ذلك سنة إحدى و مائتين و جهممز لممه إبراهيممم‬
‫بن المهدي العساكر فغلبممه و أسممره و انحممل أمممره سممريعا ً و‬
‫ذهممب و نجمما بنفسممه ثممم اقتممدى بهممذا العمممل بعممد كممثير مممن‬
‫الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحممق و ل يعرفممون ممما‬
‫يحتاجون إليه في إقممامته مممن العصممبية و ل يشممعرون بمغبممة‬
‫أمرهم و مآل أحوالهم و الذي يحتاج إليه في أمممر هممؤلء إممما‬
‫المداواة إن كانوا من أهممل الجنممون و إممما التنكيممل بالقتممل أو‬
‫الضرب إن أحدثوا هرجا ً و إما إذاعة السخرية منهم و عممدهم‬
‫من جملممة الصممفاعين و قممد ينتسممب بعضممهم إلممى الفمماطمي‬
‫المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داع له و ليس مع ذلك على علممم‬

‫من أمر الفمماطمي و ل ممما هممو و أكممثر المنتحليممن لمثممل هممذا‬
‫تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثممل هممذه‬
‫ة امتلت بهمما جمموانحهم و عجممزوا عممن التوصممل‬
‫الدعوة رئاسم ً‬
‫إليهمما بشمميء مممن أسممبابها العاديممة فيحسممبون أن هممذا مممن‬
‫السباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك و ل يحسبون ما‬
‫ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتممل بممما يحممدثونه مممن‬
‫الفتنة و تسوء عاقبة مكرهم و قد كان لول هذه المائة خرج‬
‫بالسمموس رجممل مممن المتصمموفة يممدعى التوبممذري عمممد إلممى‬
‫مسممجد ماسممة بسمماحل البحممر هنمماك و زعممم أنممه الفمماطمي‬
‫المنتظممر تلبيسمما ً علممى العامممة هنالممك بممما مل قلمموبهم مممن‬
‫الحدثان بانتظاره هنالك و أن من ذلك المسممجد يكممون أصممل‬
‫دعوته فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش‬
‫ثم خشممي رؤسمماؤهم أتسمماع نطمماق الفتنممة فممدس إليممه كممبير‬
‫المصامدة يومئذ عمممر السكسمميوي مممن قتلممه فمي فراشممه و‬
‫كذلك خرج في غممماره أيض ما ً لول هممذه المممائة رجممل يعممرف‬
‫بالعباس و ادعى مثل هذه الدعوة و اتبع نعيقه الرذلون مممن‬
‫سممفهاء تلممك القبممائل و أغمممارهم و زحممف إلممى بممادس مممن‬
‫أمصارهم و دخلها عنمموة‪ .‬ثممم قتممل لربعيممن يوممما مممن ظهممور‬
‫دعوته و مضممى فممي الهممالكين الوليممن و أمثممال ذلممك كممثير و‬
‫الغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلهمما و أممما إن‬
‫كان التلبيس فأحرى أن ل يتم له أمر و أن يبوء بإثمه و ذلممك‬
‫جزاء الظالمين و الله سبحانه و تعالى أعلم و بممه التوفيممق ل‬
‫رب غيره و ل معبود سواه‪.‬‬
‫الفصل السابع في أن كل دولة لها حصة من‬
‫الممالك و الوطان ل تزيد عليها‬
‫و السبب في ذلك أن عصممابة الدولممة و قومهمما القممائمين بهمما‬
‫الممهممدين لهمما ل بممد مممن تمموزيعهم حصصما ً علممى الممالممك و‬
‫الثغور التي تصير إليهم و يستولون عليها لحمايتها من العممدو‬
‫و إمضاء أحكام الدولة فيها من جباية و ردع و غير ذلممك فممإذا‬

‫توزعت العصائب كلها على الثغور و الممالك فل بد من نفمماد‬
‫عددها و قد بلغت الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغرا ً للدولة و‬
‫تخما ً لوطنها و نطاقا ً لمركز ملكهمما فممإن تكفلممت الدولممة بعممد‬
‫ة و كمان موضمعا ً‬
‫ذلك زيمادةً علمى مما بيمدها بقمى دون حاميم ً‬
‫لنتهاز الفرصة من العدو و المجاور و يعممود وبممال ذلممك علممى‬
‫الدولة بما يكون فيه من التجاسر و خرق سممياج الهيبممة و ممما‬
‫كانت العصابة موفورة و لم ينفد عددها فممي توزيممع الحصممص‬
‫على الثغور و النواحي بقي في الدولممة قمموة علممى تنمماول ممما‬
‫وراء الغاية حتى ينفسح نطاقها إلممى غممايته و العلممة الطبيعيممة‬
‫في ذلك هي قوة العصبية من سممائر القمموى الطبيعيممة و كممل‬
‫قوة يصدر عنها فعل من الفعممال فشممأنها ذلممك فممي فعلهمما و‬
‫الدولة في مركزها أشد مما يكون فممي الطممرف و النطمماق و‬
‫إذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت و أقصرت عممما‬
‫وراءه شأن الشعة و النوار إذا انبعثت من المراكز و الدوائر‬
‫المنفسحة على سطح المماء ممن النقمر عليمه ثمم إذا أدركهما‬
‫الهرم و الضعف فإنما تأخذ في التناقص من جهة الطراف و‬
‫ل يزال المركز محفوظا ً إلممى أن يتممأذن اللممه بممانقراض المممر‬
‫جملة فحينئذ يكون انقراض المركمز و إذا غلمب علمى الدولمة‬
‫من مركزها فل ينفعها بقاء الطراف و النطمماق بممل تضمممحل‬
‫لوقتها فأن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح فإذا غلممب‬
‫على القلب و ملك انهمزم جميمع الطمراف و انظمر همذا فمي‬
‫الدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما غلممب المسمملمون‬
‫على المدائن انقرض أمر فارس أجمع و لم ينفع يزدجممرد ممما‬
‫بقي بيده من أطممراف ممممالكه و بممالعكس مممن ذلممك الدولممة‬
‫الروميممة بالشممام لممما كممان مركزهمما القسممطنطينية و غلبهممم‬
‫المسلمون بالشام تحيزوا إلى مركزهم بالقسطنطينية و لممم‬
‫يضرهم انتزاع الشام من أيديهم فلم يزل ملكهممم متصمل ً بهمما‬
‫إلى أن تأذن الله بانقراضممه و انظممر أيض ما ً شممأن العممرب أول‬
‫السلم لممما كممانت عصممائبهم موفممورة كيممف غلبمموا علممى ممما‬
‫جاورهم من الشام و العراق و مصر لسرع وقت ثم تجاوزوا‬
‫ذلك إلى ما وراءه من السند و الحبشة و أفريقية و المغممرب‬

‫ثم إلى الندلس فلما تفرقوا حصصا ً على الممالك و الثغور و‬
‫نزلوها حامية و نفد عددهم في تلك التوزيعممات أقصممروا عممن‬
‫الفتوحات بعد و انتهى أمر السلم و لم يتجاوز تلك الحدود و‬
‫منها تراجعت الدولة حممتى تممأذن اللممه بانقراضممها و كممذا كممان‬
‫حال الدول من بعد ذلك كل دولة على نسبة القائمين بها في‬
‫القلة و الكثرة و عند نفاد عددهم بالتوزيع ينقطع لهم الفتح و‬
‫الستيلء سنة الله في خلقه‪.‬‬
‫الفصل الثامن في أن عظم الدولة و اتساع‬
‫نطاقها و طول أمدها على نسبة القائمين بها‬
‫في القلة و الكثرة‬
‫و السممبب فممي ذلممك أن الملممك إنممما يكممون بالعصممبية و أهممل‬
‫العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة و أقطارهمما‬
‫و ينقسمون عليها فما كان من الدولممة العامممة قبيلهمما و أهممل‬
‫عصابتها أكثر كانت أقوى و أكثر ممالك و أوطانا ً و كان ملكها‬
‫أوسع لذلك و اعتبر ذلك بالدولة السلمية لما ألف الله كلمة‬
‫العرب على السلم و كان عدد المسلمين فممي غممزوة تبمموك‬
‫آخر غزوات النبي صلى الله عليه و سلم مائة ألف و عشممرة‬
‫آلف من مضر و قحطان ممما بيممن فممارس و راجممل إلممى مممن‬
‫أسلم منهم بعد ذلك إلى الوفاة فلما توجهموا لطلمب مما فمي‬
‫ى و ل وزر فاسممتبيح‬
‫أيدي المم من الملك لم يكن دونممه حم م ً‬
‫حمى فارس و الروم أهممل الممدولتين العظيمممتين فممي العممالم‬
‫لعهدهم و الترك بالمشممرق و الفرنجممة و الممبربر بممالمغرب و‬
‫القوط بالندلس و خطوا من الحجاز إلى السوس القصممى و‬
‫من اليمن إلى الترك بأقصى الشمال و استولوا على القاليم‬
‫السبعة ثممم انظممر بعممد ذلممك دولممة صممنهاجة و الموحممدين مممع‬
‫العبيديين قبلهم لما كان كتامة القائمين بدولة العبيديين أكممثر‬
‫من صنهاجة و من المصممامدة كممانت دولتهممم أعظممم فملكمموا‬
‫أفريقية و المغرب و الشام و مصر و الحجمماز ثممم انظممر بعممد‬
‫ذلك دولة زناتة لما كممان عممددهم أقممل مممن المصممامدة قصممر‬

‫ملكهممم عممن ملممك الموحممدين لقصممور عممددهم عممن عممدد‬
‫المصامدة فمذ أول أمرهم ثم اعتبر بعد ذلممك حممال الممدولتين‬
‫لهذا العهد لزناتة بنى مرين و بني عبممد الممواد‪ ،‬كممانت دولتهممم‬
‫أقوى منها و أسع نطاقا ً و كان لهممم عليهممم الغلممب مممرة بعممد‬
‫أخرى‪ .‬يقال أن عدد بني مرين لول ملكهم كان ثلثة آلف و‬
‫أن بني عبد الواد كانوا ألفا ً إل أن الدولة بالرفه و كثرة التابع‬
‫كثرت من أعدادهم و على هذه النسبة في أعممداد المتغلممبين‬
‫لول الملك يكون أتساع الدولممة و قوتهمما و أممما طممول أمممدها‬
‫أيضا ً فعلى تلك النسبة لن عمر الحممادث مممن قمموة مزاجممه و‬
‫مزاج الدول إنما هو بالعصبية فإذا كانت العصممبية قويممة كممان‬
‫المزاج تابعا ً لها و كان أمد العمر طويل ً و العصممبية إنممما هممي‬
‫بكثرة العدد و وفوره كما قلناه و السممبب الصممحيح فممي ذلممك‬
‫أن النقص إنممما يبممدو فممي الدولممة مممن الطممراف فممإذا كممانت‬
‫ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيممدةً عممن مركزهمما و كممثيرةً و‬
‫كل نقص يقع فل بد له من زمن فتكثر أزمان النقممص لكممثرة‬
‫الممالك و اختصاص كممل واحممد منهمما بنقممص و زمممان فيكممون‬
‫أمدها أطول الدول ل بنو العباس أهل المركممز و ل بنممو أميممة‬
‫المسممتبدون بالنممدلس و لممم ينقممص أمممر جميعهممم إل بعممد‬
‫الربعمائة من الهجرة و دولة العبيديين كان أمدها قريب ما ً مممن‬
‫مائتين و ثمانين سنة و دولة صنهاجة دونهممم مممن لممدن تقليممد‬
‫معز الدولة أمر أفريقية لبلكين بممن زيممري فممي سممنة ثمممان و‬
‫خمسين و ثلثمائة إلى حين استيلء الموحدين على القلعممة و‬
‫بجاية سممنة سممبع و خمسممين و خمسمممائة و دولممة الموحممدين‬
‫لهذا العهد تناهز مائتين و سبعين سنة و هكممذا نسممب الممدول‬
‫في أعمارها على نسبة القائمين بها سنة الله التي قممد خلممت‬
‫في عباده‪.‬‬

‫الفصل التاسع في أن الوطان الكثرة القبائل و‬
‫العصائب قل أن تستحكم فيها دولة‬
‫و السبب في ذلك اختلف الراء و الهواء و أن وراء كل رأي‬
‫منها و هوىً عصبية تمانع دونها فيكثر النتقاض على الدولة و‬
‫الخروج عليها في كل وقت و أن كانت ذات عصممبية لن كممل‬
‫ة و قمموة و انظممر‬
‫عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منع ً‬
‫ما و قع من ذلك بأفريقية و المغرب منذ أو ل السلم و لهذا‬
‫العهممد فممإن سمماكن هممذه الوطممان مممن الممبربر أهممل قبممائل و‬
‫عصبيات فلم يغممن فيهممم الغلممب الول الممذي كممان لبممن أبممى‬
‫سرح عليهم و على الفرنجة شيئا ً و عاودوا بعد ذلك الثورة و‬
‫الردة مرةً بعد أخرى و عظم الثخان من المسمملمين فيهممم و‬
‫لما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة و الخممروج و الخممذ‬
‫بدين الخوارج مرات عديدة ً قال ابن أبي زيد ارتدت الممبرابرة‬
‫بالمغرب اثنتي عشرة مرة و لم تستقر كلمممة السمملم فيهممم‬
‫إل لعهد ولية موسى بن نصير فما بعده و هذا معنى ما ينقل‬
‫عن عمر أن أفريقة مفرقة لقلوب أهلها إشارة ً إلى ممما فيهمما‬
‫من كثرة العصائب و القبائل الحاملة لهم على عدم الذعممان‬
‫و النقيماد و لمم يكمن العمراق لممذلك العهممد بتلمك الصممفة و ل‬
‫الشام إنما كانت حاميتها من فارس و الروم و الكافة دهممماء‬
‫أهممل مممدن و أمصممار فلممما غلبهممم المسمملمون علممى المممر و‬
‫انتزعوه من أيديهم لم يبق فيهمما ممممانع و ل مشمماق و الممبربر‬
‫قبائلهم بممالمغرب أكممثر مممن أن تحممص و كلهممم باديممة و أهممل‬
‫عصائب و عشائر و كلما هلكت قبيلة عادت الخرى مكانها و‬
‫إلى دينها من الخلف و الردة فطال أمممر العممرب فممي تمهيممد‬
‫الدولة بوطن أفريقية و المغرب و كذلك كممان المممر بالشممام‬
‫لعهد بني إسرائيل كان فيه مممن قبممائل فلسممطين و كنعممان و‬
‫بنممي عيصممو و بنممي مممدين و بنممي لمموط و الممروم و اليونممان و‬
‫العمالقة و أكريكش و النبط من جممانب الجزيممرة و الموصممل‬
‫ما ل يحصى كممثرة و تنوعمما فممي العصممبية فصممعب علممى بنممي‬
‫إسرائيل تمهيد دولتهممم و رسمموخ أمرهممم و اضممطرب عليهممم‬
‫الملك مرة بعد أخرى و سممرى ذلممك الخلف إليهممم فمماختلفوا‬

‫على سلطانهم و خرجموا عليمه و لمم يكمن لهمم ملمك موطمد‬
‫سائر أيامهم إلى أن غلبهم الفرس ثم يونان ثممم الممروم آخممر‬
‫أمرهم عند الجلء و الله غالب على أمره و بعكس هذا أيضمما‬
‫الوطان الخالية من العصممبيات يسممهل تمهيممد الدولممة فيهمما و‬
‫يكممون سمملطانها وازعمما لقلممة الهممرج و النتقمماض و ل تحتمماج‬
‫الدولة فيها إلى كثير من العصبية كما هو الشأن في مصممر و‬
‫الشام لهذا العهد إذ هي خلو من القبائل و العصبيات كأن لم‬
‫يكن الشام معدنا لهم كما قلناه فملك مصر في غايممة الدعممة‬
‫و الرسوخ لقلة الخوارج و أهل العصائب إنممما هممو سمملطان و‬
‫رعية و دولتها قائمة بملوك الممترك و عصممائبهم يغلبممون علممى‬
‫المر واحدا بعد واحممد و ينتقممل المممر فيهممم مممن منبممت إلممى‬
‫منبت و الخلفة مسماة للعباسي من أعقاب الخلفاء ببغداد و‬
‫كممذا شممأن النممدلس لهممذا العهممد فممإن عصممبية ابممن الحمممر‬
‫سلطانها لم تكن لول دولتهممم بقويممة و ل كممانت كممرات إنممما‬
‫يكون أهل بيت من بيوت العرب أهل الدولة الموية بقوا من‬
‫ذلممك القلممة و ذلممك أن أهممل النممدلس لممما انقرضممت الدولممة‬
‫العربية منهم و ملكهم البربر من لمتونة و الموحدين سممئموا‬
‫ملكتهم و ثقلت وطأتهم عليهم فأشربت القلوب بغضمماءهم و‬
‫أمكن الموحدون و السادة في آخر الدولة كثيرا من الحصون‬
‫للطاغية فممي سممبيل السممتظهار بممه علممى شمأنهم مممن تملممك‬
‫الحضرة مراكش فاجتمع من كان بقي بها من أهممل العصممبية‬
‫القديمة معادن مممن بيمموت العممرب تجممافى بهممم المنبممت عممن‬
‫الحاضرة و المصار بعض الشيء و رسخوا في العصبية مثل‬
‫ابن هود و ابن الحمر و ابممن مردنيممش و أمثممالهم فقممام ابممن‬
‫هود بالمر و دعا بدعوة الخلفة العباسممية بالمشممرق و حمممل‬
‫الناس على الخممروج علممى الموحممدين فنبممذوا إليهممم العهممد و‬
‫أخرجوهم و استقل ابن هود بالمر في الندلس ثم سما ابممن‬
‫الحمر للمر و خالف ابن هود فمي دعموته فممدعا هممؤلء لبممن‬
‫أبي حفص صمماحب أفريقيممة مممن الموحممدين و قممام بممالمر و‬
‫تناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمون الرؤسمماء و لممم‬
‫يحتج لكثر منهم لقلة العصممائب بالنممدلس و إنهمما سمملطان و‬

‫رعية ثم استظهر بعد ذلك على الطاغية بمن يجيز إليه البحر‬
‫من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة و الربمماط‬
‫ثم سما لصاحب مممن ملمموك زناتممة أمممل فمي السممتيلء علممى‬
‫النممدلس فصممار أولئك العيمماص عصممابة ابممن الحمممر علممى‬
‫المتناع منه إلممى أن تأثممل أمممره و رسممخ و ألفتممه النفمموس و‬
‫عجز الناس عن مطالبته و ورثة أعقابه لهممذا العهممد فل تظممن‬
‫أنه بغير عصابة فليس كذلك و قد كان مبدأه بعصممابة إل أنهمما‬
‫قليلة و على قدر الحاجة فإن قطر الندلس لقلة العصائب و‬
‫القبائل فيه يغني عن كثرة العصبية في التغلب عليهم و اللممه‬
‫غني عن العالمين‪.‬‬
‫الفصل العاشر في أن من طبيعة الملك النفراد‬
‫بالمجد‬
‫و ذلك أن الملك كممما قممدمناه إنممما هممو بالعصممبية و العصممبية‬
‫متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الخرى‬
‫كلها فتغلبها و تستولي عليها حتى تصيرها جميعا ً فممي ضمممنها‬
‫و بذلك يكون الجتماع و الغلب على الناس و الممدول و سممره‬
‫أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاج للمتكون و المزاج‬
‫إنما يكون عن العناصر و قد تبين في موضعه أن العناصر إذا‬
‫ة فل يقع منهمما مممزاج أصمل ً بممل ل بممد مممن أن‬
‫اجتمعت متكافئ ً‬
‫تكون واحممدة منهمما هممي الغالبممة علممى الكممل حممتى تجمعهمما و‬
‫ة لجميع العصائب و هي‬
‫ة واحدةً شامل ً‬
‫تؤلفها و تصيرها عصبي ً‬
‫موجودة في ضمنها و تلك العصبية الكبرى إنممما تكممون لقمموم‬
‫أهل بيت و رئاسة فيهممم‪ ،‬و ل بممد مممن أن يكممون واحممد منهممم‬
‫رئيسا ً لهم غالبا ً عليهم فيتعين رئيس ما ً للعصممابات كلهمما لغلممب‬
‫منبته لجميعها و إذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق‬
‫الكبر و النفة فيأنف حينئذ مممن المسمماهمة و المشمماركة فممي‬
‫استتباعهم و التحكم فيهم و يجئ خلق التأله الذي في طبمماع‬
‫البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل‬
‫باختلف الحكام لو كان فيهممما آلهممة إل اللممه لفسممدتا فتجممدع‬

‫حينئذ أنوف العصبيات و تفلح شكائمهم عممن أن يسممموا إلممى‬
‫مشاركته في التحكم و تقرع عصبيتهم عن ذلممك و ينفممرد بممه‬
‫ما استطاع حتى ل يممترك لحممد منهممم فممي المممر ل ناقممة و ل‬
‫جمل ً فينفرد بذلك المجد بكليته و يدفعهم عن مساهمته و قد‬
‫يتممم ذلممك للول مممن ملمموك الدولممة و قممد ل يتممم إل للثمماني و‬
‫الثالث على قدر ممانعة العصمبيات و قوتهمما إل أنممه أمممر لبممد‬
‫منه في الدول سممنة اللممه الممتي قمد خلممت فمي عبمماده و اللممه‬
‫تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل الحادي عشر في أن من طبيعة الملك‬
‫الترف‬
‫و ذلك أن المة إذا تغلبت و ملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها‬
‫كثر رياشها و نعمتها فتكممثر عمموائدهم و يتجمماوزون ضممرورات‬
‫العيش و خشونته إلى نوافله و رقته و زينتممه و يممذهبون إلممى‬
‫أتباع من قبلهم في عوائدهم و أحوالهم و تصير لتلك النوافل‬
‫عوائد ضرورية فممي تحصمميلها و ينزعممون مممع ذلممك إلممى رقممة‬
‫الحمموال فممي المطمماعم و الملبممس و الفممرش و النيممة و‬
‫يتفاخرون في ذلك و يفاخرون فيه غيرهم من المم في أكل‬
‫الطيب و لبس النيق و ركمموب الفمماره و ينمماغي خلفهممم فممي‬
‫ذلك سلفهم إلى آخر الدولة و على قدر ملكهم يكون حظهممم‬
‫من ذلك و ترفهم فيمه إلمى أن يبلغموا ممن ذلمك الغايمة المتي‬
‫للدولة إلى أن تبلغها بحسب قوتهما و عموائد ممن قبلهما سمنة‬
‫الله في خلقه و الله تعالى أعلم‪.‬‬

‫الفصل الثاني عشر في أن من طبيعة الملك الدعة‬
‫و السكون‬
‫و ذلك أن المة ل يحصل لها الملك إل بالمطالبة و المطالبممة‬
‫غايتها الغلممب و الملممك و إذا حصمملت الغايممة انقضممى السممعي‬
‫إليها قال الشاعر‪:‬‬

‫فلما انقضى ما بيننا‬

‫عجبت لسعي الدهر بيني و بينها‬
‫سكن الدهر‬
‫فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كممانوا يتكلفونهمما‬
‫في طلبه و آثروا الراحممة و السممكون و الدعممة و رجعمموا إلممى‬
‫تحصيل ثمرات الملممك مممن المبمماني و المسمماكن و الملبممس‬
‫فيبنممون القصممور و يجممرون الميمماه و يغرسممون الريمماض و‬
‫يستمتعون بأحوال الدنيا و يممؤثرون الراحممة علممى المتمماعب و‬
‫يتأنقون في أحوال الملبس و المطاعم و النية و الفرش ما‬
‫استطاعوا و يألفون ذلك و ويورثونه من بعدهم مممن أجيممالهم‬
‫و ل يزال ذلك يتزايد فيهم إلى أن يتأذن الله بأمره و هو خير‬
‫الحاكمين و الله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل الثالث عشر في أنه إذا تحكمت طبيعة‬
‫الملك من النفراد بالمجد و حصول الترف و‬
‫الدعة أقبلت الدولة على الهرم‬
‫و بيانه من وجود الول أنها تقتضي النفراد بالمجد كما قلنمماه‬
‫و مهما كان المجد مشتركا ً بيممن العصممابة و كممان سممعيهم لممه‬
‫واحدا ً كممانت هممهممم فممي التغلممب علممى الغيممر و الممذب عممن‬
‫الحوزة أسوةً في طموحها و قمموة شممكائمها و مرممماهم إلممى‬
‫العز جميعا ً يسممتطيبون الممموت فممي بنمماء مجممدهم و يممؤثرون‬
‫الهلكة علمى فسماده و إذا انفمرد الواحمد منهمم بالمجمد قمرع‬
‫عصممبيتهم و كبممح مممن أعنتهممم و اسممتأثر بممالموال دونهممم‬
‫فتكاسمملوا عممن الغممزو و فشممل ربحهممم و رئممموا المذلممة و‬
‫الستعباد ثم ربي الجيل الثاني منهم على ذلممك يحسممبون ممما‬
‫ينالهم من العطماء أجمرا ً ممن السملطان لهمم عمن الحمايمة و‬
‫المعونة ل يجري في عقمولهم سمواه و قممل أن يسممتأجر أحممد‬
‫نفسه على الموت فيصير ذلك وهنا ً في الدولة و خضممدا ً مممن‬
‫الشمموكة و تقبممل بممه علممى منمماحي الضممعف و الهممرم لفسمماد‬
‫العصبية بذهاب البأس من أهلهما‪ .‬و المموجه الثمماني أن طبيعممة‬
‫الملك تقتضممي الممترف كممما قممدمناه فتكممثر عمموائدهم و تزيممد‬

‫نفقاتهم على أعطيمماتهم و ل يفممي دخلهممم بخرجهممم فممالفقير‬
‫منهم يهلك و المترف يستغرق عطاءه بترفه ثممم يممزداد ذلممك‬
‫في أجيالهم المتأخرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف و‬
‫عوائده و تمسهم الحاجة و تطالبهم ملوكهم بحصممر نفقمماتهم‬
‫ة عنهمما فيوقعممون بهممم‬
‫في الغزو و الحروب فل يجممدون وليجم ً‬
‫العقوبات و ينتزعون ما في أيدي الكثير منهممم يسممتأثرون بممه‬
‫عليهم أو يممؤثرون بممه أبنمماءهم و صممنائع دولتهممم فيضممعفونهم‬
‫لذلك عن إقامة أحوالهم و يضعف صاحب الدولة بضممعفهم و‬
‫أيضا ً إذا كثر الترف في الدولة و صار عطمماؤهم مقصممرا ً عممن‬
‫حاجاتهم و نفقاتهم احتاج صاحب الدولة المذي همو السملطان‬
‫إلى الزيادة في أعطياتهم حتى يسد خللهم و يزيممح عللهممم و‬
‫الجباية مقدارها معلوم و ل تزيممد و ل تنقممص و أن زادت بممما‬
‫يستحدث من المكوس فيصير مقدارها بعد الزيممادة محممدودا ً‬
‫فإذا وزعت الجباية على العطيات و قد حدثت فيهمما الزيممادة‬
‫لكل واحد بما حدث من ترفهممم و كممثرة نفقمماتهم نقممص عممدد‬
‫الحامية حينئذ عما كان قبل زيادة العطيات ثم يعظم الترف‬
‫و تكثر مقادير العطيات لذلك فينقص عدد الحاميمة و ثالثما ً و‬
‫رابعا ً إلى أن يعود العسكر إلى أقل العداد فتضعف الحمايممة‬
‫لذلك و تسقط قوة الدولة و يتجاسر عليها من يجاوزهمما مممن‬
‫الدول أو من هو تحت يديها من القبممائل و العصممائب و يممأذن‬
‫اللممه فيهمما بالفنمماء الممذي كتبممه علممى خليقتممه و أيضما ً فممالترف‬
‫مفسممد للخلممق بممما يحصممل فممي النفممس مممن ألمموان الشممر و‬
‫السفسفة و عوائدها كما يأتي فممي فصممل الحضممارة فتممذهب‬
‫منهم خلل الخير التي كانت علمة على الملك و دليل ً عليه و‬
‫يتصممفون بممم يناقضممها مممن خلل الشممر فيكممون علمممة علممى‬
‫الدبار و النقمراض بمما جعمل ممن ذلمك فمي خليقتمه و تأخمذ‬
‫الدولة مبادئ العطب و تتضعضع أحوالها و تنزل بهمما أمممراض‬
‫مزمنة مممن الهممرم إلممى أن يقضممي عليهمما‪ .‬المموجه الثممالث أن‬
‫طبيعة الملك تقتضي الدعة كما ذكرناه و إذا اتخذوا الدعممة و‬
‫ة شممأن‬
‫ة و جبلم ً‬
‫الراحممة مؤلفما ً و خلقما ً صممار لهممم ذلمك طبيعم ً‬
‫العوائد كلهمما و إيلفهمما فممتربى أجيممالهم الحادثممة فممي غضممارة‬

‫العيممش و مهمماد الممترف و الدعممة و ينقلممب خلممق التمموحش و‬
‫ينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شممدة البممأس و‬
‫تعود الفتراس و ركوب البيداء و هداية القفر فل يفرق بينهم‬
‫و بين السوقة من الحضر إل في الثقافة و الشممارة فتضممعف‬
‫حمايتهم و يذهب بأسهم و تنخضد شوكتهم و يعود وبال ذلممك‬
‫على الدولة بما تلبس من ثياب الهرم ثممم ل يزالممون يتلونممون‬
‫بعوائد الترف و الحضارة و السكون و الدعة و رقة الحاشممية‬
‫في جميع أحوالهم و ينغمسون فيها و هممم فممي ذلممك يبعممدون‬
‫عممن البممداوة و الخشممونة و ينسمملخون عنهمما شمميئا ً فشمميئا ً و‬
‫ينسون خلق البسالة التي كانت بها الحماية و المدافعة حممتى‬
‫يعودوا عيال ً على حامية أخرى أن كانت لهم و اعتبر ذلك في‬
‫الدول التي أخبارها في الصحف لديك تجد ممما قلتممه لممك مممن‬
‫ذلك صحيحا ً من غير ريبة و ربما يحدث في الدولة إذا طرقها‬
‫هذا الهرم بالترف و الراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصمارا ً و‬
‫ة من غير جلدتهم ممممن تعممود الخشممونة فيتخممذهم جنممدا ً‬
‫شيع ً‬
‫يكون أصبر على الحممرب و أقممدر علممى معانمماة الشممدائد مممن‬
‫الجوع و الشظف و يكون ذلك دواًء للدولة مممن الهممرم الممذي‬
‫عساه أن يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره و هممذا كممما وقممع‬
‫في دولة الممترك بالمشممرق فممإن غممالب جنممدها الممموالى مممن‬
‫الترك فتتخير ملوكهم من أولئك المماليممك المجلمموبين إليهممم‬
‫فرسممانا ً و جنممدا ً فيكونممون أجممرا ً علممى الحممرب و أصممبر علممى‬
‫الشظف من أبناء المماليك الذين كانوا قبلهم و ربوا في ماء‬
‫النعيممم و السمملطان و ظلممه و كممذلك فممي دولممة الموحممدين‬
‫بأفريقية فإن صاحبها كثيرا ً ما يتخذ أجناده من زناتة و العرب‬
‫ويستكثر منهم و يترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد‬
‫الدولة بذلك غفرا ً آخر سالما ً من الهممرم و اللممه وارث الرض‬
‫و من عليها‪.‬‬

‫الفصل الرابع عشر في أن الدولة لها أعمار‬
‫طبيعية كما للشخاص‬
‫إعلم أن العمر الطبيعي للشخاص علممى ممما زعممم الطبمماء و‬
‫ة و هي سنو القمر الكبرى عنممد‬
‫المنجمون مائة وعشرون سن ً‬
‫المنجمين و يختلمف العممر فمي كمل جيمل بحسمب القرانمات‬
‫فيزيد عن هذا و ينقص منه فتكون أعمار بعض أهل القرانات‬
‫مائة تامة و بعضممهم خمسممين أو ثمممانين أو سممبعين علممى ممما‬
‫تقتضيه أدلة القرانات عند الناظرين فيها و أعمار هذه الملممة‬
‫ما بين الستينن إلى السبعين كما في الحديث و ل يزيد علممى‬
‫العمممر الطممبيعي الممذي هممو مممائة و عشممرون إل فممي الصممور‬
‫النادرة و على الوضاع الغريبة من الفلك كما و قع في شمأن‬
‫نوح عليه السلم و قليل من قوم عمماد و ثمممود‪ .‬و أممما أعمممار‬
‫الدول أيضا ً و إن كانت تختلف بحسب القرانات إل أن الدولة‬
‫فممي الغممالب ل تعممدو أعمممار ثلثممة أجيممال و الجيممل هممو عمممر‬
‫شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء‬
‫النمو و النشوء إلى غايته قال تعممالى‪ :‬حممتى إذا بلممغ أشممده و‬
‫بلغ أربعين سنة و لهذا قلنا أن عمر الشخص الواحد هو عمممر‬
‫الجيل و يؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع فممي بنممى‬
‫إسرائيل و أن المقصود بالربعين فيممه فنمماء الجيممل الحيمماء و‬
‫نشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل و ل عرفوه فدل علممى اعتبممار‬
‫الربعين في عمر الجيل الممذي هممو عمممر الشممخص الواحممد و‬
‫إنما قلنا أن عمر الدولة ل يعدو في الغممالب ثلثممة أجيممال لن‬
‫الجيممل الول لممم يزالمموا علممى خلممق البممداوة و خشممونتها و‬
‫توحشمممها ممممن شمممظف العيمممش و البسمممالة و الفمممتراس و‬
‫ة‬
‫الشتراك في المجد فل تزال بذلك سورة العصبية محفوظمم ً‬
‫فيهممم فحممدهم مرهممف و جممانبهم مرهمموب و النمماس لهممم‬
‫مغلوبون و الجيل الثاني تحول حممالهم بالملممك و الممترفه مممن‬
‫البداوة إلى الحضارة و من الشظف إلى الترف و الخصممب و‬
‫مممن الشممتراك فممي المجممد إلممى انفممراد الواحممد بممه و كسممل‬
‫البمماقين عممن السممعي فيممه و مممن عممز السممتطالة إلممى ذل‬
‫السممتكانة فتنكسممر سممورة العصممبية بعممض الشمميء و تممؤنس‬

‫منهم المهانة و الخضمموع و يبقممى لهممم الكممثير مممن ذلممك بممما‬
‫أدركوا الجيل الول و باشروا أحوالهم و شاهدوا اعممتزازهم و‬
‫سعيهم إلى المجممد و مراميهممم فممي المدافعممة و الحمايممة فل‬
‫يسعهم ترك ذلك بالكلية و إن ذهب منه ممما ذهممب و يكونممون‬
‫على رجاء من مراجعة الحمموال الممتي كممانت للجيممل الول أو‬
‫على ظن من وجودها فيهم و أما الجيل الثالث فينسون عهممد‬
‫البممداوة و الخشممونة كممأن لممم تكممن و يفقممدون حلوة العممز و‬
‫العصبية بما هم فيه من ملكة القهر و يبلغ فيهم الترف غايته‬
‫بما تبنقوه من النعيم و غضارة العيش فيصمميرون عيممال ً علممى‬
‫الدولة و من جملممة النسمماء و الولممدان المحتمماجين للمدافعممة‬
‫عنهمممم و تسمممقط العصمممبية بالجملمممة و ينسمممون الحمايمممة و‬
‫المدافعة و المطالبة و يلبسممون علممى النمماس فممي الشممارة و‬
‫الزي و ركوب الخيل و حسن الثقافة يموهون بها و هممم فممي‬
‫الكثر أجبن من النسوان علمى ظهورهما فمإذا جماء المطمالب‬
‫لهم لم يقمماوموا مممدافعته فيحتماج صماحب الدولمة حينئذ إلمى‬
‫الستظهار بسواهم مممن أهممل النجممدة و يسممتكثر بممالموالى و‬
‫يصطنع من يغني عن الدولممة بعممض الغنمماء حممتى يتممأذن اللممه‬
‫بانقراضها فتذهب الدولممة بممما حملممت فهممذه كممما تممراه ثلثممة‬
‫أجيال فيها يكون هرم الدولة و تخلفهمما و لهممذا كممان انقممراض‬
‫الحسب في الجيل الرابع كما مممر فممي أن المجممد و الحسممب‬
‫إنما هو أربعة آباء و قد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كاف ظافر‬
‫مبني على ما مهدناه قبل من المقممدمات فتممأمله فلممن تعممدو‬
‫وجه الحق إن كنت من أهل النصاف و هممذه الجيممال الثلثممة‬
‫عمرها مائة و عشرون سنة على ما مر و ل تعدو الدول فممي‬
‫الغالب هممذا العمممر بتقريممب قبلممه أو بعممده إل أن عممرض لهمما‬
‫عممارض آخممر مممن فقممدان المطممالب فيكممون الهممرم حاص مل ً‬
‫مستوليا ً و الطالب لم يحضرها و لو قد جاء الطالب لما وجممد‬
‫ة و ل يسممتقدمون‬
‫مدافعا ً فإذا جاء أجلهم ل يسممتأخرون سمماع ً‬
‫فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزايد إلممى سممن‬
‫الوقوف ثم إلى سن الرجوع و لهذا يجري على ألسنة الناس‬
‫في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة و هذا معناه فممأعتبره‬

‫و اتخذ منه قانونا ً يصحح لممك عممدد البمماء فممي عمممود النسممب‬
‫الذي تريده من قبممل معرفممة السممنين الماضممية إذا كنممت قممد‬
‫استربت في عممددهم و كممانت السممنون الماضممية منممذ أولهممم‬
‫محصلة لديك فعد لكل مائة من السنين ثلثة من البمماء فممإن‬
‫نفدت على هذا القيمماس مممع نفممود عممددهم فهممو صممحح و إن‬
‫نقصت عنه بجيل فقد غلط عددهم بزيممادة واحممد فممي عمممود‬
‫النسب و أن زادت بمثله فقد سقط واحد و كذلك تأخذ عممدد‬
‫السنين من عددهم إذا كان محصل ً لممديك فتممأمله تجممده فممي‬
‫الغالب صحيحا ً و الله يقدر الليل و النهار‪.‬‬
‫الفصل الخامس عشر في انتقال الدولة من‬
‫البداوة إلى الحضارة‬
‫اعلم أن هذه الطوار طبيعية للدول فإن الغلمب الممذي يكممون‬
‫به الملك إنما هو بالعصيبة و بممما يتبعهمما مممن شممدة البممأس و‬
‫تعود الفممتراس و ل يكممون ذلممك غالبما ً إل مممع البممداوة فطممور‬
‫الدولة مممن أولهمما بممداوة ثممم إذا حصممل الملممك تبعممه الرفممه و‬
‫اتساع الحوال و الحضارة إنما هي تفنن في الترف و إحكممام‬
‫الصممنائع المسممتعملة فممي وجمموهه و مممذاهبه مممن المطابممخ و‬
‫الملبس و المباني و الفرش و البنية و سائر عمموائد المنممزل‬
‫و أحواله فلكل واحد منها صنائع في اسممتجادته و التممأنق فيممه‬
‫تختص به و يتلو بعضها بعضا ً و تتكممثر بمماختلف ممما تنممزع إليممه‬
‫النفوس من الشهوات و الملذ والتنعم بممأحوال الممترف و ممما‬
‫تتلون به من العوائد فصممار طممور الحضممارة فممي الملممك يتبممع‬
‫طممور البممداوة ضممرورة لضممرورة تبعيممة الرفممه للملممك و أهممل‬
‫الممدول أبممدا ً يقلممدون فممي طممور الحضممارة و أحوالهمما للدولممة‬
‫السممابقة قبلهممم‪ .‬فممأحوالهم يشمماهدون‪ ،‬و منهممم فممي الغلممب‬
‫يأخممذون‪ ،‬و مثممل هممذا وقممع للعممرب لممما كممان الفتممح و ملكمموا‬
‫فارس و الممروم و اسممتخدموا بنمماتهم و أبنمماءهم و لممم يكونمموا‬
‫لذلك العهد في شيء من الحضارة فقد حكي أنممه قممدم لهممم‬
‫المرقق فكانوا يحسممبونه رقاعما ً و عممثروا علممى الكممافور فممي‬

‫خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا ً و مثال ذلك كثير‬
‫فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم و استعملوهم فممي مهنهممم و‬
‫حاجات منازلهم و اختمماروا منهممم المهممرة فممي أمثممال ذلممك و‬
‫القومممة عليهممم أفممادوهم علج ذلممك و القيممام علممى عملممه و‬
‫التفنن فيه مع ما حصل لهم من أتساع العيش و التفنممن فممي‬
‫أحواله فبلغوا الغايممة فممي ذلممك و تطمموروا بطممور الحضممارة و‬
‫الممترف فممي الحمموال و اسممتجادة المطمماعم و المشممارب و‬
‫الملبممس و المبمماني و السمملحة و الفممرش و آلنيممة و سممائر‬
‫الممماعون و الخرثممي و كممذلك أحمموالهم فممي أيممام المباهمماة و‬
‫الولئم و ليالي العراس فأتوا من ذلك وراء الغاية و انظر ما‬
‫نقلة المسعودي و الطبري و غيرهممما فممي أعممراس المممأمون‬
‫ببمموران بنممت الحسممن بممن سممهل و ممما بممذل أبوهمما لحاشممية‬
‫المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح و ركممب‬
‫إليها في السفين و ما انفق في أملكها و ما نحلها المأمون و‬
‫أنفق في عرسها تقف من ذلك على العجب فمنة أن الحسن‬
‫بن سهل نثر يمموم الملك فممي الصممنيع الممذي حضممره حاشممية‬
‫ة‬
‫المأمون فنثر على الطبقة الولى منهم بنادق المسك ملثوث ً‬
‫على الرقاع بالضياع و العقار مسوغة لمن حصمملت فممي يممده‬
‫يقع لكل واحد منهممم ممما أداه إليممه التفمماق و البخممت و فممرق‬
‫على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بممدرة عشممرة آلف و‬
‫فرق على الطبقة الثالثممة بممدر الممدراهم كممذلك بعممد أن أنفممق‬
‫على مقامة المأمون بداره أضعاف ذلممك و منممه أن المممأمون‬
‫أعطاها في مهرها ليلممة زفافهمما ألممف حصمماة مممن اليمماقوت و‬
‫أوقد شموع العنبر فمي كممل واحممدة مممائة مممن و هممو رطممل و‬
‫ثلثان و بسط لها فرشا ً كان الحصممير منهمما منسمموجا ً بالممذهب‬
‫مكلل ً بالدر و الياقوت و قال المأمون حين رآه قاتل اللممه أبمما‬
‫نواس كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر‪:‬‬
‫كأن صغرى و كبرى من فواقعها حصباء در على أرض من‬
‫الذهب‬
‫و أعد بممدار الطبممخ مممن الحطممب لليلممة الوليمممة نقممل مممائة و‬
‫أربعين بغل ً مدة عام كامل ثلث مرات فممي كممل يمموم و فنممي‬

‫الحطب لليلتين و أوقدوا الجريد يصبون عليه الزيممت و أوعممز‬
‫إلى النواتية بإحضار السفن لجازة الخواص من الناس بدجلة‬
‫من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضممور الوليمممة‬
‫فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلثين ألفا ً أجازوا الناس فيهمما‬
‫أخريممات نهممارهم و كممثير مممن هممذا و أمثمماله و كممذلك عممرس‬
‫المأمون بن ذي النمون بطليطلممة نقلممة ابممن سمام فمي كتمماب‬
‫الذخيرة و ابن حيان بعد أن كانوا كلهم في الطور الول مممن‬
‫ة لفقممدان أسممبابه و القممائمين‬
‫البداوة عاجزين عن ذلممك جملم ً‬
‫على صممنائعه فممي غضاضممتهم و سممذاجتهم يممذكر أن الحجمماج‬
‫أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسممأله‬
‫عن ولئم الفرس و قال أخبرني بأعظم صنيع شممهدته فقممال‬
‫له نعم أيها المير شممهدت بعممض مرازبممة كسممرى و قمد صممنع‬
‫لهل فارس صنيعا ً أحضممر فيممه صممحاف الممذهب علممى أخونممة‬
‫الفضة أربعا ً على كل واحد و تحمله أربممع و صممائف و يجلممس‬
‫عليه أربعة من النمماس فممإذا طعممموا أتبعمموا أربعتهممم المممائدة‬
‫بصحافها و وصفائها فقال الحجاج يا غلم انحر الجزر و أطعم‬
‫الناس و علم أنه ل يستقل بهذه البهة و كذلك كممانت‪ .‬و مممن‬
‫هذا الباب أعطية بنى أمية و جوائزهم فإنما كان أكثرها البل‬
‫أخذا ً بمذاهب العرب وبداوتهم ثم كانت الجوائز في دولة بنى‬
‫العباس و العبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال المممال و‬
‫تخوت الثياب و إعداد الخيل بمراكبها و هكذا كان شأن كتامة‬
‫مع الغالبة بأفريقية و كذا بنى طفج بمصر و شأن لمتونة مع‬
‫ملوك الطوائف بالندلس و الموحدين كذلك و شأن زناتة مع‬
‫الموحدين و هلم جرا ً تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى‬
‫الدول الخالفة فانتقلت حضارة الفممرس للعممرب بنممي أميممة و‬
‫بني العباس و انتقلت حضارة بنى أمية بالندلس إلممى ملمموك‬
‫المغرب من الموحدين و زناتة لهذا العهممد و انتقلممت حضممارة‬
‫بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السمملجوقية ثممم‬
‫إلى المترك المماليمك بمصممر و التمتر بمالعراقين و علممى قمدر‬
‫عظم لدولة يكون شأنها في الحضارة إذ أمور الحضممارة مممن‬
‫توابع الترف و الترف من توا بع الممثروة و النعمممة و الممثروة و‬

‫النعمة من توابع الملك و مقدار ما يستولي عليه أهل الدولممة‬
‫فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله فمماعتبره و تفهمممه و تممأمله‬
‫تجده صحيحا ً في العمران و الله وارث الرض و من عليهمما و‬
‫هو خير الوارثين‪.‬‬
‫الفصل السادس عشر في أن الترف يزيد الدولة‬
‫في أولها قوة إلى قوتها‬
‫و السبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهممم الملممك و الممترف‬
‫كثر التناسل و الولد والعمومية فكثرت العصممابة و اسممتكثروا‬
‫أيضا ً من الموالى و الصممنائع و ربيممت أجيممالهم فممي جممو ذلممك‬
‫النعيم و الرفممه فممازدادوا بممه عممددا ً إلممى عممددهم و قمموة إلممى‬
‫قوتهم بسبب كثرة العصممائب حينئذ بكممثرة العممدد فممإذا ذهممب‬
‫الجيل الول و الثاني و أخذت الدولة فممي الهممرم لممم تسممتقل‬
‫أولئك الصممنائع و الممموالى بأنفسممهم فممي تأسمميس الدولممة و‬
‫تمهيد ملكها لنهم ليس لهم من المر شيء إنما كممانوا عيممال ً‬
‫ة لها فإذا ذهممب الصمل لممم يسممتقل الفممرع‬
‫على أهلها و معون ً‬
‫بالرسوخ فيذهب و يتلشى و ل تبقى الدولة على حالهمما مممن‬
‫القمموة‪ .‬و اعتممبر هممذا بممما وقممع فممي الدولممة العربيممة فممي‬
‫السلم‪.‬كان عدد العرب كما قلنا لعهد النبؤة و الخلقممة مممائة‬
‫و خمسين ألفا و ما يقاربهمما ممن مضممر و قحطمان و لمما بلمغ‬
‫الممترف مبالغممة قممي الدولممة و تمموفر نممموهم بتمموفر النعمممة و‬
‫استكثر الخلفاء من الموالى و الصممنائع بلممغ ذلممك العممدد إلممى‬
‫أضعافه يقممال إن المعتصممم نممازل عموريممة لممما افتتحهمما فممي‬
‫تسعمائة ألف و ل يبعد مثل همذا العمدد أن يكمون صمحيحا ً إذا‬
‫اعتبرت حاميتهم في الثغور الدانية و القاصممية شممرقا ً و غربما ً‬
‫إلى الجند الحاملين سرير الملك و الممموالى والمصممطنعين و‬
‫قال المسعودي أحصى بنو العباس ابن عبد المطلممب خاصممة‬
‫أيام المأمون للنفاق عليهم فكانوا ثلثين ألف ما ً بيممن ذكممران و‬
‫إناث فانظر مبالغ هذا العدد لقل من مائتي سممنة و اعلممم أن‬
‫سببه الرفه و النعيم الذي حصل للدولة و ربى فيه أجيالهم و‬

‫إل فعدد العرب لول الفتح لم يبلغ هذا و ل قريبا منممة و اللممه‬
‫الخلق العليم‪.‬‬
‫الفصل السابع عشر في أطوار الدولة و اختلف‬
‫أحوالها و خلق أهلها باختلف الطوار‬
‫إعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة و حالت متجممددة و‬
‫يكتسب القائمون بها فممي كممل طممور خلق ما ً مممن أحمموال ذلممك‬
‫الطور ل يكون مثله في الطور الخر لن الخلق تممابع بممالطبع‬
‫لمزاج الحال الذي هو فيه و حالت الدولة و أطوارها ل تعممدو‬
‫في الغالب خمسة أطوار‪ .‬الطور الول طور الظفر بالبغية و‬
‫غلب المدافع و الممانع و الستيلء على الملك و انتزاعه من‬
‫أيدي الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد و‬
‫جباية المال و المدافعة عن الحوزة و الحماية ل ينفرد دونهم‬
‫بشيء لن ذلك همو مقتضمى العصمبية المتي وقمع بهما الغلمب‬
‫وهي لم تزل بعد بحالها‪ .‬الطور الثاني طممور السممتبداد علممى‬
‫قممومه و النفممراد دونهممم بالملممك و كبحهممم عممن التطمماول‬
‫للمساهمة و المشاركة و يكون صاحب الدولة في هذا الطور‬
‫معنيا ً باصطناع الرجال و اتخاذ الموالى و الصنائع و الستكثار‬
‫من ذلك لجدع الموت أهل عصبيته و عشيرته المقاسمين له‬
‫في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه فهو يدافعهم عممن‬
‫المممر و يصممدهم عممن ممموارده و يردهممم علممى أعقممابهم‪ ،‬أن‬
‫يخلصوا إليه حتى يقر المر في نصابه و يفممرد أهممل بيتممه بممما‬
‫يبني من مجده فيعممانى مممن مممدافعتهم و مغممالبتهم مثممل ممما‬
‫عاناه الولمون فمي طلممب الممر أو أشمد لن الوليممن دافعمموا‬
‫الجممانب فكممان ظهراؤهممم علممى مممدافعتهم أهممل العصممبية‬
‫بأجمعهم و هذا يدافع القارب ل يظمماهره علممى مممدافعتهم إل‬
‫القل من الباعد فيركب صعبا ً من المر‪ .‬الطور الثالث طممور‬
‫الفراغ و الدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشممر‬
‫إليه من تحصيل المال و تخليد الثار و بعد الصيت فيسممتفرغ‬
‫وسعه في الجباية و ضبط الدخل و الخرج و إحصاء النفقممات‬

‫و القصد فيها و تشييد المباني الحافلة و المصانع العظيمممة و‬
‫المصار المتسعة و الهياكممل المرتفعممة و إجممازة الوفممود مممن‬
‫أشراف المم و وجوه القبائل و بث المعروف في أهلممه هممذا‬
‫مع التوسعة على صممنائعه و حاشمميته فممي أحمموالهم بالمممال و‬
‫الجمماه واعممتراض جنمموده و إدرار أرزاقهممم و إنصممافهم فممي‬
‫أعطياتهم لكل هلل حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملبسممهم‬
‫و شكثهم و شاراتهم يوم الزينة فيباهي بهم الدول المسالمة‬
‫و يرهب الدول المحاربة و هذا الطور آخممر أطمموار السممتبداد‬
‫من أصحاب الدولة لنهم فممي هممذه الطمموار كلهمما مسممتقلون‬
‫بآرائهم بانون لعزهم موضممحون الطممرق لمممن بعممدهم‪ .‬طممور‬
‫القنوع و المسالمة و يكون صاحب الدولة في هذا قانع ما ً بممما‬
‫بنى أولوه سلما ً لنظاره من الملوك و أقتاله مقلدا ً للماضين‬
‫من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعممل بالنعممل و يقتفممي طرقهممم‬
‫بأحسن مناهج القتداء و يرى أن فممي الخممروج عممن تقليممدهم‬
‫فساد أمره و أنهم أبصر بما بنوا من مجده‪ .‬الطممور الخممامس‬
‫طممور السممراف و التبممذير و يكممون صمماحب الدولممة فممي هممذا‬
‫الطور متلفا ً لما جمع أولوه فممي سممبيل الشممهوات و الملذ و‬
‫الكرم على بطانته و في مجالسه و اصطناع أخدان السمموء و‬
‫خضراء الدمن و تقليدهم عظيمات المممور الممتي ل يسممتقلون‬
‫بحملها و ل يعرفون ممما يممأتون منهمما يممذرون منهمما مستفسممدا ً‬
‫لكبار الولياء من قومه و صنائع سلفه حتى يضطغنوا عليممه و‬
‫يتخاذلوا عن نصرته مضيعا ً من جنده بما أنفق من أعطيمماتهم‬
‫في شهواته و حجممب عنهممم وجممه مباشممرته و تفقممده فيكممون‬
‫مخربا ً لما كان سلفه يؤسسون و هادما ً لما كانوا يبنون و في‬
‫هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهممرم و يسممتولي عليهمما‬
‫المرض المزمن الذي ل تكاد تخلص منه و ل يكممون لهمما معممه‬
‫برء إلى أن تنقرض كما نممبينه فممي الحمموال الممتي نسممردها و‬
‫الله خير الوارثين‪.‬‬

‫الفصل الثامن عشر في أن آثار الدولة كلها على‬
‫نسبة قوتها في أصلها‬
‫و السبب في ذلك أن الثار إنما تحدث عممن القمموة الممتي بهمما‬
‫كانت أول ً و على قدرها يكون الثر فمن ذلك مباني الدولممة و‬
‫هياكلها العظيمممة فإنممما تكممون علممى نسممبة قمموة الدولممة فممي‬
‫أصمملها لنهمما ل تتممم إل بكممثرة الفعلممة و اجتممماع اليممدي علممى‬
‫العمممل بالتعمماون فيممه فممإذا كممانت الدولممة عظيمممة فسمميحة‬
‫الجوانب كثيرة الممالك و الرعايا كان الفعلممة كممثيرين جممدا ً و‬
‫حشروا من آفاق الدولة و أقطارها فتممم العمممل علممى أعظممم‬
‫هياكله أل ترى إلى مصانع قوم عاد و ثمود و ما قصة القرآن‬
‫عنهما‪.‬‬
‫و انظر بالمشاهدة إيوان كسرى و ما أقتدر فيه الفرس حتى‬
‫أنه عزم الرشيد على هدمه و تخريبه فتكاءد عنه و شرع فيه‬
‫ثم أدركه العجز و قصة استشارته ليحيى بن خالد فممي شممأنه‬
‫معروفة فانظر كيف تقتدر دولة على بنمماء ل تسممتطيع أخممرى‬
‫على هدمه مع بون ما بين الهدم و البناء في السهولة‪ .‬تعرف‬
‫مممن ذلممك بممون ممما بيممن الممدولتين و انظممر إلممى بلط الوليممد‬
‫بدمشممق و جممامع بنممى أميممة بقرطبممة و القنطممرة الممتي علممى‬
‫واديها كذلك بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطاجنة في القنمماة‬
‫الراكبة عليها آثار شرشال بالمغرب و الهرام بمصممر و كممثير‬
‫من هذه الثار الماثلة للعيممان يعلممم منممه اختلممف الممدول فممي‬
‫القوة و الضعف و اعلم أن تلك الفعال للقدمين إنممما كممانت‬
‫بالهندام و اجتماع الفعلة و كثرة اليدي عليها فبممذلك شمميدت‬
‫تلك الهياكل و المصانع و ل تتوهم ما تتوهمه العامممة أن ذلممك‬
‫لعظم أجسام القدمين عن أجسامنا في أطرافها و أقطارهمما‬
‫فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما نجممد بيممن الهياكممل و‬
‫الثار و لقد ولع القصاص بذلك و تغممالوا فيممه و سممطروا عممن‬
‫عاد و ثمود و العمالقة في ذلك أخبارا ً عريقة في الكذب مممن‬
‫أغربها ما يحكون عن عوج بن عناق رجل من العمالقة الذين‬
‫قاتلهم بنو إسرائيل في الشام زعموا أنه كان لطمموله يتنمماول‬
‫السمممك مممن البحممر و يشممويه إلممى الشمممس و يزيممدون إلممى‬

‫جهلهم بأحوال البشر الجهل بأحوال الكواكب لما اعتقدوا أن‬
‫للشمس حرارة و أنها شديدة فيما قرب منها و ل يعلمون أن‬
‫الحممر هممو الضمموء و أن الضمموء فيممما قممرب مممن الرض أكممثر‬
‫لنعكممماس الشمممعة ممممن سمممطح الرض بمقابلمممة الضمممواء‬
‫فتتضمماعف الحممرارة هنمما لجممل ذلممك و إذا تجمماوزت مطممارح‬
‫الشعة المنعكسة فل حر هنالممك بممل يكممون فيممه الممبرد حيممث‬
‫مجاري السحاب و أن الشمس في نفسها ل حارة و ل بمماردة‬
‫و أنما هي جسم بسيط مضيء ل مزاج له‪.‬‬
‫و كذلك عوج بن عناق هو فيما ذكممروه مممن العمالقممة أو مممن‬
‫الكنعممانيين الممذين كممانوا فريسممة بنممي إسممرائيل عنممد فتحهممم‬
‫الشام و أطوال بني إسرائيل و جسمانهم لذلك العهممد قريبممة‬
‫من هياكلنا يشهد لذلك أبواب بيت المقدس فإنها وإن خربت‬
‫و جددت لم تزل المحافظة على أشكالها و مقممادير أبوابهمما و‬
‫كيف يكون التفاوت بين عوج و بين أهل عصره بهذا المقممدار‬
‫و إنما مثارغلطهم في هذا أنهم اسممتعظموا آثممار المممم و لممم‬
‫يفهموا حال الدول في الجتماع و التعاون و ما يحصل بممذلك‬
‫و بالهندام من الثار العظيمة فصرفوه إلممى قمموة الجسممام و‬
‫شممدتها بعظممم هياكلهمما و ليممس المممر كممذلك‪ .‬و قممد زعممم‬
‫المسممعودي و نقلممه عممن الفلسممفة مزعم ما ً ل مسممتند لممه إل‬
‫التحكم و هو أن الطبيعة التي هي جبلة للجسام لما برأ اللممه‬
‫الخلق كانت في تمام الكرة و نهاية القوة و الكمممال و كممانت‬
‫العمار أطممول و الجسممام أقمموى لكمممال تلممك الطبيعممة فممإن‬
‫طروء الموت أنما هممو بممانحلل القمموى الطبيعيممة فممإذا كممانت‬
‫قوية كانت العمار أزيد فكممان العممالم فممي أوليممة نشممأته تممام‬
‫العمار كامل الجسام ثم لممم يممزل يتنمماقص لنقصممان المممادة‬
‫إلى أن بلغ إلى هذه الحال التي هو عليها ثم ل يزال يتنمماقص‬
‫إلى وقت النحلل و انقراض العالم و هذا رأي ل وجممه لممه إل‬
‫التحكم كما تراه و ليس له علة طبيعية و ل سممبب برهمماني و‬
‫نحن نشاهد مساكن الولين و أبوابهم و طرقهم فيما أحدثوه‬
‫مممن البنيممان و الهياكممل و الممديار و المسمماكن كممديار ثمممود‬
‫المنحوتة في الصلد من الصخر بيوتا ً صغارا ً و أبوابها ضيقة و‬

‫قد أشار صلى الله عليه و سلم إلى أنها ديممارهم و نهممى عممن‬
‫اسممتعمال ميمماههم و طممرح ممما عجممن بممه و أهممرق و قممال‪ :‬ل‬
‫تدخلوا مسمماكن الممذين ظلممموا أنفسممهم إل أن تكونمموا بمماكين‬
‫يصيبكم ما أصابهم‪.‬‬
‫و كذلك أرض عاد و مصر و الشام و سائر بقاع الرض شرقا ً‬
‫و غربا ً و الحق ما قررناه و من آثممار الممدول أيض ما ً حالهمما فممي‬
‫العممراس و الممولئم كممما ذكرنمماه فممي وليمممة بمموران و صممنيع‬
‫الحجاج و ابن ذي النون و قد مر ذلك كله‪.‬‬
‫و من آثارها أيضا ً عطايا الممدول و أنهمما تكممون علممى نسممبتها و‬
‫يظهر ذلك فيها و لو أشرفت علممى الهممرم فممإن الهمممم الممتي‬
‫لهل الدولة تكون على نسبة قوة ملكهممم و غلبهممم للنمماس و‬
‫الهمم ل تزال مصاحبة لهم إلى انقراض الدولة و اعتبر ذلممك‬
‫بجوائز ابن ذي يزن لوفد قريش كيممف أعطمماهم مممن أرطممال‬
‫الممذهب و الفضممة و العبممد و الوصممائف عشممرا ً عشممرا ً و مممن‬
‫كممرش العنممبر واحممدة و أضممعف ذلممك بعشممرة أمثمماله لعبممد‬
‫المطلب و إنما ملكه يومئذ قرارة اليمن خاصة تحت استبداد‬
‫فارس و إنما حمله علممى ذلممك همممة نفسممه بممما كممان لقممومه‬
‫التبابعممة مممن الملممك فممي الرض و الغلممب علممى المممم فممي‬
‫العراقين و الهند و المغرب و كان الصنهاجيون بأفريقية أيضا ً‬
‫إذا أجممازوا الوفممد مممن أمممراء زناتممة الوافممدين عليهممم فإنممما‬
‫يعطونهم المممال أحمممال ً و الكسمماء تخوت ما ً مملمموءة ً و الحملن‬
‫جنائب عديدة‪.‬‬
‫و في تاريخ ابن الرقيق من ذلممك أخبممار كممثيرة و كممذلك كممان‬
‫عطمماء البرامكممة و جمموائزهم و نفقمماتهم و كممانوا إذا كسممبوا‬
‫معدما ً فإنما هو الولية و النعمة آخممر الممدهر ل العطمماء الممذي‬
‫يسممتنفده يمموم أو بعممض يمموم و أخبممارهم فممي ذلممك كممثيرة‬
‫مسطورة و هي كلهمما علممى نسممبة الممدول جاريممة هممذا جمموهر‬
‫الصقلبي الكاتب قائد جيش العبيممديين لممما ارتحممل إلممى فتممح‬
‫مصر استعد من القيروان بألف حمممل مممن المممال و ل تنتهممي‬
‫اليوم دولة إلى مثل هذا‪ .‬و كذلك وجد بخط أحمد بممن محمممد‬
‫بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلممى بيممت الممال ببغممداد أيمام‬

‫المأمون من جميع النممواحي نقلتممه مممن جممراب الدولممة غلت‬
‫السواد سبع و عشرون ألممف ألممف درهممم مرتيممن و ثمانمممائة‬
‫ألف درهم و من الحلل النجرانية مائتا حلة و من طين الختم‬
‫مائتان و أربعون رطل ً كنكر أحد عشر ألف ألف درهم مرتين‬
‫و ستمائة ألف درهم كورد جلة عشممرون ألممف ألممف درهممم و‬
‫ثمانية دراهم حلوان أربعة آلف ألف درهم مرتين و ثمانمممائة‬
‫ألف درهم الهواز خمسة و عشرون ألف درهممم مممرة و مممن‬
‫السكر ثلثون ألف رطل فارس سبعة و عشممرون ألممف ألممف‬
‫درهممم و مممن ممماء الممورد ثلثممون ألممف قممارورة و مممن الزيممت‬
‫السود عشرون ألف رطممل كرمممان أربعممة آلف ألممف درهممم‬
‫مرتين و مائتا ألممف درهممم و مممن المتمماع اليممماني خمسمممائة‬
‫ثوب و من التمر عشرون ألف رطممل مكممران أربعمممائة ألممف‬
‫درهم مرة السند و ما يليه أحد عشر ألف ألف درهم مرتيممن‬
‫و خمسمائة ألف درهم و من العود الهنممدي مممائة و خمسممون‬
‫رطل ً سجستان أربعة آلف ألف درهممم مرتيممن و مممن الثيمماب‬
‫المعينة ثلثمممائة ثمموب ومممن الفانيممد عشممرون رطل ً خراسممان‬
‫ثمانية و عشرون ألف ألف درهممم مرتيممن و مممن نقممر الفضممة‬
‫ألفمما نقممرة و مممن الممبراذين أربعممة آلف و مممن الرقيممق ألممف‬
‫رأس‪ .‬و من المتاع عشرون ألف ثوب و من الهليلممج ثلثممون‬
‫ألف رطل جرجان اثنا عشر ألممف ألممف درهممم مرتيممن و مممن‬
‫البريسم ألف شقة‪ .‬قمومس ألمف ألمف مرتيمن و خمسممائة‬
‫من نقر الفضة طبرستان و الروبان و نهاوند ستة آلف ألممف‬
‫مرتين و ثلئمائة ألف و من الفرش الطبري ستمائة قطعة و‬
‫مممن الكسممية مائتممان و مممن الثيمماب خمسمممائة ثمموب و مممن‬
‫المناديل ثلثمائة و من الجامات ثلثمائة الري اثنا عشر ألممف‬
‫ألف درهم مرتين و من العسل عشرون ألممف رطممل همممذان‬
‫أحد عشر ألف ألف درهم مرتيمن و ثلثمممائة ألمف و ممن رب‬
‫الرمان ألف رطل و من العسل اثنا عشر ألف رطل ممما بيممن‬
‫البصرة و الكوفة عشرة آلف ألف درهم مرتيممن و سممبعمائة‬
‫ألف درهم ماسبذان والدينار أربعممة آلف ألممف درهممم مرتيممن‬
‫شهر زور ستة آلف ألف درهم مرتين و سبعمائة ألف درهممم‬

‫الموصل و ما يليها أربعة و عشرون ألف ألف درهم مرتين و‬
‫من العسل البيض عشرون ألف ألف رطل أذربيجممان أربعممة‬
‫آلف ألف درهم مرتين الجزيرة و ما يليها من أعمال الفرات‬
‫أربعة و ثلثون ألف ألممف درهممم مرتيممن و مممن الرقيممق ألممف‬
‫رأس و من العسل اثنا عشر ألف زق و من الممبزاة عشممرة و‬
‫من الكسية عشممرون أرمينيممة ثلثممة عشممر ألممف ألممف درهممم‬
‫مرتيممن و مممن البسممط المحفممور عشممرون و مممن الزقممم‬
‫خمسمائة و ثلثون رطل ً و من المسايج السور ما هي عشرة‬
‫آلف رطل و من الصممونج عشممرة آلف رطممل و مممن البغممال‬
‫مائتان و من المهرة ثلثمون قنسمرين أربعممائة ألممف دينمار و‬
‫من الزيت ألف حمل دمشق أربعمائة ألف دينممار و عشممرون‬
‫ألممف دينممار و الردن سممبعة و تسممعون ألممف دينممار فلسممطين‬
‫ثلثمائة ألف دينار و عشرة آلف دينار و من الزيممت ثلثمممائة‬
‫ألف رطممل مصممر ألممف ألممف دينممار و تسممعمائة ألممف دينممار و‬
‫عشرون ألف دينار‪ .‬برقة ألممف ألممف درهممم مرتيممن‪ .‬أفريقيممة‬
‫ثلثممة عشممر ألممف ألممف درهممم مرتيممن و مممن البسممط مممائة و‬
‫عشرون‪ .‬اليمن ثلثمائة ألف دينار و سبعون ألف دينار سوى‬
‫المتاع‪ .‬الحجاز ثلثمائة ألف د ينار انتهي‪.‬‬
‫و أممما النممدلس فالممذي ذكممره الثقممات مممن مؤرخيهمما أن عبممد‬
‫الرحمن الناصر خلف في بيوت أمواله خمسة آلف ألف ألف‬
‫دينار مكررة ثلث مرات يكون جملتهمما بالقنمماطير خمسمممائة‬
‫ألف قنطار‪.‬‬
‫و رأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى بيت المال‬
‫في أيامه سبعة آلف قنطار و خمسمائة قنطار في كل سممنة‬
‫فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعممض و لتنكممرن ممما‬
‫ليس بمعهود عندك و ل في عصرك شيىء من أمثاله فتضيق‬
‫حوصمملتك عنممد ملتقممط الممكنممات فكممثير مممن الخممواص إذا‬
‫سمعوا أمثال هذه الخبار عن الدول السالفة بممادر بالنكممار و‬
‫ليس ذلك من الصواب فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتممة‬
‫و من أدرك منها رتبة سفلى أو وسممطى فل يحصممر المممدارك‬
‫كلها فيها و نحن إذا اعتبرنا ما ينقل لنا عن دولة بني العبمماس‬

‫و بني أمية و العبيديين و ناسبنا الصحيح مممن ذلممك و الممذي ل‬
‫شممك فيممه بالممذي نشمماهده مممن هممذه الممدول الممتي هممي أقممل‬
‫بالنسبة إليها وجدنا بينها بونا ً و هو لما بينها من التفمماوت فممي‬
‫أصل قوتها و عمران ممالكها فالثار كلها جاريممة علممى نسممبة‬
‫الصل في القوة كما قممدمناه و ل يسممعنا إنكمار ذلمك عنهما إذ‬
‫كثير من هذه الحوال في غاية الشهرة و الوضوح بل فيها ما‬
‫يلحق بالمستفيض و التواتر و فيهمما المعمماين و المشمماهد مممن‬
‫آثار البناء و غيره فخذ من الحمموال المنقولممة مراتممب الممدول‬
‫في قوتها أو ضعفها و ضخامتها أو صممغرها و اعتممبر ذلممك بممما‬
‫نقصه عليك من هذه الحكاية المستظرفة‪.‬‬
‫و ذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان مممن ملمموك‬
‫بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بممابن بطوطممة كممان‬
‫رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشممرق و تقلممب فممي بلد‬
‫العراق و اليمن و الهنممد و دخممل مدينممة دهلممي حاضممرة ملممك‬
‫الهند و هو السلطان محمد شاه و اتصل بملكها لممذلك العهممد‬
‫و هو فيروزجوه و كان له منممه مكممان و اسممتعمله فممي خطممة‬
‫القضاء بمذهب المالكية في عمله ثم انقلب إلممى المغممرب و‬
‫اتصل بالسلطان أبي عنان و كان يحدث عممن شممأن رحلتممه و‬
‫ما رأى من العجائب بممالك الرض و أكثر ما كان يحدث عن‬
‫دولة صاحب الهند و يأتي من أحواله بما يستغربه السممامعون‬
‫مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السممفر أحصممى أهممل مممدينته‬
‫من الرجال و النساء و الولدان و فرض لهم رزق ستة أشممهر‬
‫تدفع لهم من عطائه و أنه عند رجوعه من سفره يدخل فممي‬
‫يمموم مشممهود يممبرز فيممه النمماس كافممة إلممى صممحراء البلممد و‬
‫يطوفون به و ينصب أمامه في ذلك الحقممل منجنيقممات علممى‬
‫الظهر ترمى بها شكائر الدراهم و الدنانير علممى النمماس إلممى‬
‫أن يدخل إيوانه و أمثال هذه الحكايات فتناحى الناس بتكذيبه‬
‫و لقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصمميت‬
‫ففاوضته في هذا الشأن و أريته إنكار أخبار ذلك الرجممل لممما‬
‫استفاض في الناس من تكذيبه‪.‬‬

‫فقال لي الوزير فارس إياك أن تستنكر مثل هذا مممن أحمموال‬
‫الدول بما أنممك لممم تممره فتكممون كممابن المموزير الناشممىء فممي‬
‫السجن و ذلك أن وزيرا ً اعتقله سلطانه و مكث في السممجن‬
‫سنين ربي فيها ابنمه فمي ذلمك المجلمس فلممما أدرك و عقممل‬
‫سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها فقال له أبوه هذا لحم‬
‫الغنم فقممال و ممما الغنممم فيصممفها لممه أبمموه بشممياتها و نعوتهمما‬
‫فيقول يا أبت تراها مثل الفأر فينكر عليه و يقول أيممن الغنممم‬
‫مممن الفممأر و كممذا فمي لحممم البممل و البقممر إذ لممم يعمماين فممي‬
‫محبسه من الحيوانممات إل الفممأر فيحسممبها كلهمما أبنمماء جنممس‬
‫الفأر و لهذا كثيرا ً ما يعتري الناس فمي الخبمار كمما يعمتريهم‬
‫الوسواس في الزيادة عنممد قصممد الغممراب كممما قممدمناه أول‬
‫الكتمماب فليرجممع النسممان إلممى أصمموله و ليكممن مهيمنما ً علممى‬
‫نفسه و مميزا ً بين طبيعة الممكن و الممتنع بصممريح عقلممه و‬
‫مستقيم فطرته فما دخل في نطاق المكان قبله و ممما خممرج‬
‫عنممه رفضممه و ليممس مرادنمما المكممان العقلممي المطلممق فممإن‬
‫نطمماقه أوسممع شمميء فل يفممرض حممدا ً بيممن الواقعممات و أنممما‬
‫مرادنا المكان بحسممب المممادة الممتي للشمميء فإنمما إذا نظرنمما‬
‫أصل الشيء و جنسه و صنفه و مقدار عظمه و قوته أجرينمما‬
‫الحكم من نسبة ذلك على أحواله و حكمنا بالمتناع علممى ممما‬
‫خممرج مممن نطمماقه‪ ،‬و قممل ربممي زدنممي علممما ً و أنممت أرحممم‬
‫الراحمين و الله سبحانه و تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل التاسع عشر في استظهار صاحب الدولة‬
‫على قومه و أهل عصبيته بالموالي و‬
‫المصطنعين‬
‫إعلم أن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلنمماه بقممومه فهممم‬
‫عصابته و ظهمراؤه علمى شمأنه و بهممم يقممارع الخموارج علمى‬
‫دولتممه و منهممم يقلممد أعمممال مملكتممه و وزارة دولتممه و جبايممة‬
‫أممموله لنهممم أعمموانه علممى الغلممب و شممركاؤه فممي المممر و‬
‫مساهموه في سائر مهماته هذا ممما دام الطممور الول للدولممة‬

‫كما قلناه فإذا جاء الطممور الثمماني و ظهممر السممتبداد عنهممم و‬
‫النفراد بالمجممد و دافعهممم عنممه بممالمراح صمماروا فممي حقيقممة‬
‫المر من بعض أعدائه و احتمماج فممي مممدافعتهم عممن المممر و‬
‫صدهم عن المشمماركة إلممى أوليمماء آخريممن مممن غيممر جلممدتهم‬
‫يستظهر بهم عليهم و يتولهم دونهم فيكونون أقرب إليه من‬
‫سائرهم و أخص به قربا ً و اصطناعا ً و أولى إيثارا ً و جاها ً لممما‬
‫أنهم يستميتون دونه في مدافعة قومه عن المممر الممذي كممان‬
‫لهم و الرتبة التي ألفوها في مشاركتهم فيستخلصهم صاحب‬
‫الدولة و يخصهم بمزيممد التكرمممة و اليثممار و يقسممم لهممم ممما‬
‫للكثير مممن قممومه و يقلممدهم جليممل العمممال و الوليممات مممن‬
‫الوزارة و القيادة و الجباية و ممما يختممص بممه لنفسممه و تكممون‬
‫خالصة له دون قومه من ألقاب المملكة لنهم حينئذ أوليمماؤه‬
‫القربون و نصحاؤه المخلصون و ذلك حينئذ مممؤذن باهتضممام‬
‫الدولة و علمة على المممرض المزمممن فيهمما لفسمماد العصممبية‬
‫التي كان بناء الغلب عليها‪.‬‬
‫و مممرض قلمموب أهممل الدولممة حينئذ مممن المتهممان و عممداوة‬
‫السلطان فيضممطغنون عليممه و يتربصممون بممه الممدوائر و يعممود‬
‫وبال ذلك على الدولة و ل يطمع في برئها من هذا الداء لنممه‬
‫ما مضى يتأكد فممي العقمماب إلممى أن ذهممب رسمممها و اعتممبر‬
‫ذلك في دولممة بنممي أميممة كيممف كممانوا إنممما يسممتظهرون فممي‬
‫حروبهم و ولية أعمالهم برجال العرب مثل عمممرو بممن سممعد‬
‫بن أبي و قاص و عبد الله بن زياد بن أبممي سممفيان والحجمماج‬
‫بن يوسف و المهلممب بممن أبممي صممفرة و خالممد بممن عبممد اللممه‬
‫القسري و ابن هبيرة و موسى بن نصير و بلل بن أبي بممردة‬
‫بن أبممي موسممى الشممعري و نصممر بممن سمميار و أمثممالهم مممن‬
‫رجممالت العممرب و كممذا صممدر مممن دولممة بنممي العبمماس كممان‬
‫الستظهار فيها أيض ما ً برجممالت العممرب فلممما صممارت الدولممة‬
‫للنفراد بالمجد و كبح العرب عن التطمماول للوليممات صممارت‬
‫المموزارة للعجممم و الصممنائع مممن البرامكممة و بنممي سممهل بممن‬
‫نوبخت و بني طاهر ثم بني بويه و مموالي المترك مثمل بغما و‬
‫وصمميف و أثلمممش و باكنمماك و ابممن طولممون و أبنممائهم و غيممر‬

‫هؤلء من موالي العجم فتكون الدولة لغير من مهدها و العز‬
‫لغير من اجتلبه سنة الله في عباده و الله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصممممل العشممممرون فممممي أحمممموال الممممموالي و‬
‫المصطنعين في الدول‬
‫إعلممم أن المصممطنعين فممي الممدول يتفمماوتون فممي اللتحممام‬
‫بصمماحب الدولممة بتفمماوت قممديمهم و حممديثهم فممي اللتحممام‬
‫بصاحبها و السبب في ذلممك أن المقصممود فممي العصممبية مممن‬
‫المدافعة و المغالبة إنما يتم بالنسب لجل التناصمر فمي ذوي‬
‫الرحممام و القربممى و التخمماذل فممي الجممانب و البعممداء كممما‬
‫قدمناه و الولية و المخالطة بالرق أو بممالحلف تتنممزل منزلممة‬
‫ذلك لن أمممر النسممب و إن كممان طبيعيما ً فإنممما هممو وهمممي و‬
‫المعنى الذي كان به اللتحام إنما هممو العشممرة و المدافعممة و‬
‫طول الممارسة و الصحبة بالمربى و الرضاع و سائر أحمموال‬
‫الموت و الحياة و إذا حصمل اللتحممام بممذلك جماءت النعممرة و‬
‫التناصر و هذا مشاهد بين الناس و اعتبر مثله في الصممطناع‬
‫فإنه يحدث بين المصطنع و مممن اصممطنعه نسممبة خاصممة مممن‬
‫الوصلة تتنزل هذه المنزلة و تؤكد اللحمة و إن لم يكن نسب‬
‫فثمرات النسب موجودة فإذا كانت هذه الولية بين القبيممل و‬
‫بين أوليائهم قبل حصول الملك لهم كممانت عروقهمما أوشممج و‬
‫عقائدها أصح و نسبها أصرح لوجهين أحدهما أنهم قبل الملك‬
‫أسوة في حالهم فل يتميز النسب عن الوليممة إل عنممد القممل‬
‫منهم فينزلون منهم منزلممة ذوي قرابتهممم و أهممل أرحممامهم و‬
‫إذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملممك مميممزة للسمميد‬
‫عن المولى‪ .‬و لهل القرابة عن أهل الولية و الصطناع لممما‬
‫تقتضيه أحوال الرئاسة و الملممك مممن تميممز الرتممب و تفاوتهمما‬
‫فتتميز حممالتهم و يتنزلممون منزلممة الجممانب و يكممون اللتحممام‬
‫بينهممم أضممعف و التناصممر لممذلك أبعممد و ذلممك انقممص مممن‬
‫الصطناع قبل الملك‪.‬‬

‫الوجه الثاني أن الصطناع قبل الملك يبعممد عهممده عممن أهممل‬
‫الدولة بطول الزمان و يخفي شأن تلممك اللحمممة و يظممن بهمما‬
‫في الكممثر النسممب فيقمموى حممال العصممبية و أممما بعممد الملممك‬
‫فيقرب العهد و يستوي في معرفته الكممثر فتتممبين اللحمممة و‬
‫تتميز عن النسب فتضعف العصبية بالنسبة إلى الوليممة الممتي‬
‫كانت قبل الدولة و اعتبر ذلك في الممدول و الرئاسممات تجممده‬
‫فكممل مممن كممان اصممطناعه قبممل حصممول الرئاسممة و الملممك‬
‫ة إليممه و يتنممزل‬
‫لمصطنعه تجده أشد التحاما ً به و أقرب قراب م ً‬
‫منه منزلة أبنائه و إخوانه و ذوي رحمه و من كممان اصممطناعه‬
‫بعممد حصممول الملممك و الرئاسممة لمصممطنعه ل يكممون لممه مممن‬
‫القرابة و اللحمة ما للولين و هممذا مشمماهد بالعيممان حممتى أن‬
‫الدولممة فممي آخممر عمرهمما ترجممع إلممى الشمممال الجممانب و‬
‫اصطناعهم و ل يبنى لهممم مجممد كممما بنمماه المصممطنعون قبممل‬
‫الدولة لقرب العهممد حينئذ بممأوليتهم و مشممارفة الدولممة علممى‬
‫النقراض فيكونون منحطين في مهاوي الضعة‪.‬‬
‫و إنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم و العدول إليهممم‬
‫عممن أوليائهمما القممدمين و صممنائعها الوليممن ممما يعممتريهم فممي‬
‫أنفسهم من العزة على صاحب الدولة و قلممة الخضمموع لممه و‬
‫نظره بما ينظره بممه قممبيله و أهممل نسممبه لتأكممد اللحمممة منممذ‬
‫العصور المتطاولة بالمربى و التصال بآبائه و سلف قممومه و‬
‫النتظام مع كبراء أهل بيته فيحصل لهممم بممذلك دالممة عليممه و‬
‫اعتزاز فينافرهم بسمببها صماحب الدولمة و يعممدل عنهمم إلمى‬
‫اسممتعمال سممواهم و يكممون عهممد استخلصممهم و اصممطناعهم‬
‫قريبمما ً فل يبلغممون رتممب المجممد و يبقممون علممى حممالهم مممن‬
‫الخارجية و هكذا شأن الدول في أواخرهمما و أكممثر ممما يطلممق‬
‫اسم الصنائع و الولياء على الوليممن و أممما هممؤلء المحممدثون‬
‫فخدم و أعوان والله ولممي المممؤمنين و هممو علممى كممل شمميء‬
‫وكيل‪.‬‬

‫الفصل الحادي و العشرون فيما يعرض في الممدول‬
‫من حجر السلطان و الستبداد عليه‬
‫إذا استقر الملك في نصاب معين و منبت واحممد مممن القبيممل‬
‫القائمين بالدولة و انفردوا بممه و دفعمموا سممائر القبيممل عنممه و‬
‫تداوله بنمو واحممدا ً بعمد واحمد بحسمب الترشمميح فربممما حمدث‬
‫التغلب على المنصب من وزرائهممم و حاشمميتهم و سممببه فممي‬
‫الكثر ولية صبي صغير أو مضعف من أهممل المنبممت يترشممح‬
‫للولية بعهد أبيه أو بترشيح ذويه و خوله و يؤنس منه العجممز‬
‫عن القيام بالملك فيقوم به كافله من وزراء أبيه و حاشيته و‬
‫مواليه أو قبيله و يوري بحفظ أمممره عليممه حممتى يممؤنس منممه‬
‫الستبداد و يجعممل ذلممك ذريعممة للملممك فيححممب الصممبي عممن‬
‫الناس و يعوده إليها ترف أحواله و يسيمه في مراعيهمما مممتى‬
‫أمكنه و ينسيه النظر في المور السلطانية حتى يستبد عليممه‬
‫و هو بما عوده يعتقد أن حظ السلطان مممن الملممك إنممما هممو‬
‫جلوس السرير إعطاء الصفقة و خطاب التهويل و القعود مع‬
‫النساء خلف الحجاب و أن الحل و الربط و المممر و النهممي و‬
‫مباشرة الحوال الملوكية و تفقدها من النظر في الجيممش و‬
‫المال و الثغور أنما هو للوزير و يسلم لممه فممي ذلممك إلممى أن‬
‫تستحكم له صبغة الرئاسة و الستبداد و يتحول الملك إليه و‬
‫يؤثر به عشمميرته و أبنمماءه مممن بعممده كممما وقممع لبنممي بممويه و‬
‫الترك و كافور الخشيدي و غيرهم بالمشرق و للمنصممور بممن‬
‫أبي عامر بالندلس‪.‬‬
‫و قممد يتفطممن ذلمك المحجمور المغلمب لشممأنه فيحمماول علممى‬
‫الخممروج مممن ربقممة الحجممر و السممتبداد و يرجممع الملممك إلممى‬
‫نصابه و يصرب على أيدي المتغلبين عليه إممما بقتممل أو برفممع‬
‫عن الرتبة فقط إل أن ذلك فممي النممادر القممل لن الدولممة إذا‬
‫أخذت في تغلب الوزراء و الولياء استمر لهمما ذلمك و قممل أن‬
‫تخرج عنه لن ذلك إنما يوجد في الكثر عن أحوال الممترف و‬
‫نشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمة قد نسوا عهد الرجولة‬
‫و ألفوا أخلق الدايات و الظار و ربوا عليها فل ينزعممون إلممى‬
‫رئاسة و ل يعرفون استبدادا ً من تغلب إنما همهم في القنوع‬

‫بالبهة و التنفس في اللممذات و أنممواع الممترف و هممذا التغلممب‬
‫يكون للموالي و المصطنعين عند استبداد عشير الملك علممى‬
‫قومهم و انفرادهم به دونهممم و هممو عممارض للدولممة ضممروري‬
‫كما قدمناه و هذان مرضان لبرء للدولة منهما إل في القممل‬
‫النادر و الله يؤتي ملكه من يشاء و هو على كل شيء قدير‪.‬‬
‫الفصل الثاني و العشرون في أن المتغلممبين علممى‬
‫السمملطان ل يشمماركونه فممي اللقممب الخمماص‬
‫بالملك‬
‫و ذلك أن الملك و السمملطان حصممل لوليممه منممذ أول الدولممة‬
‫بعصبية قومه و عصبيته التي استتبعتهم حتى استحكمت له و‬
‫لقومه صبغة الملك و الغلب و هي لم تزل باقية و بها انحفظ‬
‫رسممم الدولممة و بقاؤهمما و هممذا المتغلممب و إن كممان صمماحب‬
‫عصممبية مممن قبيممل الملممك أو الممموالي و الصممنائع فعصممبيته‬
‫مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لهمما و ليممس لممه صممبغة‬
‫في الملك و هو ل يحمماول فممي اسممتبداده انممتزاع ثمراتممه مممن‬
‫المر والنهي و الحل و العقد و البممرام و النقممض يمموهم فيهمما‬
‫أهل الدولة أنه متصرف عن سلطانه منفذ في ذلك من وراء‬
‫الحجاب لحكامه‪ .‬فهو يتجافى عن سمات الملك و شمماراته و‬
‫ألقى به جهده و يبعد نفسه عن التهمة بذلك‪.‬‬
‫و إن حصممل لممه السممتبداد لنممه مسممتتر فممي اسممتبداده ذلممك‬
‫بالحجاب الذي ضربه السمملطان و أولمموه علممى أنفسممهم عممن‬
‫القبيل منممذ أول الدولممة و مغممالط عنممه بالنيابممة و لممو تعممرض‬
‫لشيىء من ذلك لنفسه عليه أهل العصممبية و قبيممل الملممك و‬
‫حاولوا الستئثار به دونه لنه لم يستحكم له في ذلممك صممبغة‬
‫تحملهم على التسليم لممه و النقيمماد فيهلممك لول وهلممة و قممد‬
‫وقع مثل هذا لعبد الرحمن بممن الناصممر بممن منصممور بممن أبممي‬
‫عامر حين سمى إلى مشاركة هشام و أهممل بيتممه فممي لقممب‬
‫الخلفة و لم يقنممع بممما قنممع بممه أبمموه و أخمموه مممن السممتبداد‬
‫بالحل و العقد و المراسم المتابعة فطلب من هشام خليفتممه‬

‫أن يعهد له بالخلفممة فنفممس ذلممك عليممه بنممو مممروان و سممائر‬
‫قريش و بايعوا لبن عم الخليفة هشام محمد بن عبد الجبممار‬
‫بممن الناصممر و خرجمموا عليهممم و كممان فممي ذلممك خممراب دولممة‬
‫العامريين و هلك المؤيد خليفتهم و استبدل منممه سممواه مممن‬
‫أعياص الدولة إلى آخرها و اختلت مراسم ملكهم و الله خير‬
‫الوارثين‪.‬‬
‫الفصممل الثممالث و العشممرون فممي حقيقممة الملممك و‬
‫أصنافه‬
‫الملك منصب طبيعي للنسان لننا قد بنا أن البشممر ل يمكممن‬
‫حيمماتهم و وجممودهم إل باجتممماعهم و تعمماونهم علممى تحصمميل‬
‫قمموتهم و ضممرورياتهم و إذا اجتمعمموا دعممت الضممرورة إلممى‬
‫المعاملة و اقتضاء الحاجات و مد كممل واحممد منهممم يممده إلممى‬
‫حاجته يأخممذها مممن صمماحبه لممما فممي الطبيعممة الحيوانيممة مممن‬
‫الظلم و العممدوان بعضممهم علممى بعممض و يمممانعه الخممر عنهمما‬
‫بمقتضى الغضب و اللفة و مقتضى القوة البشرية في ذلممك‬
‫فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة و هي تؤدي إلممى الهممرج و‬
‫سفك الدماء و إذهاب النفمموس المفضممي ذلممك إلممى انقطمماع‬
‫النوع و هو مما خصه البمماري سممبحانه بالمحافظممة فاسممتحال‬
‫بقاؤهم فوضى دون حالم يزغ بعضممهم عممن بعممض و احتمماجوا‬
‫من أجل ذلك إلى الوازع و هو الحاكم عليهم و هممو بمقتضممى‬
‫الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم و ل بد في ذلك مممن‬
‫العصبية لما قدمناه من أن المطالبممات كلهمما و المممدافعات ل‬
‫تتم إل بالعصبية و هذا الملك كما تراه منصب شممريف تتمموجه‬
‫نحوه المطالبات و يحتاج إلى المدافعات‪ .‬و ل يتم شيء مممن‬
‫ذلك إل بالعصبيات كما مر و العصبيات متفاوتة و كل عصممبية‬
‫فلها تحكم و تغلب علممى مممن يليهمما مممن قومهمما و عشمميرها و‬
‫ليس الملك لكل عصممبية و إنممما الملممك علممى الحقيقممة لمممن‬
‫يسممتعبد الرعيممة و يجممبي الممموال و يبعممث البعمموث و يحمممي‬
‫الثغور و ل تكون فوق يده يممد قمماهرة و هممذا معنممى الملممك و‬

‫حقيقته في المشهور فمممن قصممرت بممه عصممبيته عممن بعضممها‬
‫مثل حماية الثغور أو جباية الموال أو بعث البعوث فهو ملممك‬
‫ناقص لم تتم حقيقته كما وقع لكممثير مممن ملمموك الممبربر فممي‬
‫دولممة الغالبممة بممالقيروان و لملمموك العجممم صممدر الدولممة‬
‫العباسية‪ .‬و من قصرت به عصبيته أيضا ً عن السممتعلء علممى‬
‫جميع العصبيات‪ ،‬و الضرب علمى سمائر اليمدي و كمان فموقه‬
‫حكم غيره فهو أيضا ً ملك ناقص لم تتم حقيقته و هؤلء مثممل‬
‫أمراء النواحي و رؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة و‬
‫كثيرا ً ما يوجد هذا في الدولة المتسممعة النطمماق أعنممي توجممد‬
‫ملمموك علممى قممومهم فممي النممواحي القاصممية يممدينون بطاعممة‬
‫الدولة التي جمعتهم مثل صنهاجة مممع العبيممديين و زناتممة مممع‬
‫المويين تارة و العبيديين تارة ً أخرى و مثل ملوك العجم في‬
‫دولة بني العبمماس و مثممل ملمموك الطمموائف مممن الفممرس مممع‬
‫السكندر و قومه اليونانيين و كثير من هؤلء فاعتبره تجده و‬
‫الله القاهر فوق عباده‪.‬‬
‫الفصممل الرابممع و العشممرون فممي أن إرهمماف الحممد‬
‫مضر بالملك و مفسد له في الكثر‬
‫إعلم أن مصملحة الرعيمة فمي السملطان ليسمت فمي ذاتمه و‬
‫جسمه من حسن شكله أو ملحة وجهممه أو عظممم جثمممانه أو‬
‫أتساع علمه أو جودة خطه أو ثقوب ذهنممه و إنممما مصمملحتهم‬
‫فيمه ممن حيمث إضمافته إليهمم فمإن الملمك و السملطان ممن‬
‫المور الضافية و هي نسبة بين منتسبين فحقيقممة السمملطان‬
‫أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم فالسمملطان مممن‬
‫له رعية و الرعية من لها سلطان و الصفة التي له من حيممث‬
‫إضافته إليهم هي التي تسمممى الملكممة و هممي كممونه يملكهممم‬
‫فإذا كانت هذه الملكة و توابعهمما مممن الجممودة بمكممان حصممل‬
‫المقصممود مممن السمملطان علممى أتممم الوجمموه فإنهمما إن كممانت‬
‫جميلممة صممالحة كممان ذلممك مصمملحة لهممم و إن كممانت سمميئة‬
‫متعسفة كان ذلك ضررا ً عليهم و إهلكا ً لهم‪.‬‬

‫و يعود حسن الملكة إلى الرفق فممإن الملممك إذا كممان قمماهرا ً‬
‫باطشا ً بالعقوبات منقبا ً عن عممورات النمماس و تعديممد ذنمموبهم‬
‫شممملهم الخمموف و الممذل و لذوا منممه بالكممذب و المكممر و‬
‫الخديعة فتخلقوا بهمما و فسممدت بصممائرهم و أخلقهممم و ربممما‬
‫خذلوه في مواطن الحروب و المممدافعات ففسممدت الحمايممة‬
‫بفساد النيات و ربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة و‬
‫يخرب السياج و إن دام أمره عليهم و قهره فسدت العصبية‬
‫لما قلناه أول ً و فسد السياج من أصله بالعجز عن الحمايممة و‬
‫إذا كان رفيقا ً بهم متجاوزا ً عن سيئاتهم استناموا إليممه و لذوا‬
‫بممه و أشممربوا محبتممه و اسممتماتوا دونممه فممي محاربممة أعممدائه‬
‫فاستقام المر من كل جانب و أما توابع حسن الملكممة فهممي‬
‫النعمة عليهم و المدافعممة عنهممم فالمدافعممة بهمما تتممم حقيقممة‬
‫الملك و أما النعمة عليهم و الحسان لهم فمن حملة الرفممق‬
‫بهم و النظر لهم في معاشهم و هي أصل كممبير مممن التحبممب‬
‫إلى الرعية و أعلم أنه قلما تكون ملكة الرفق في من يكممون‬
‫يقظا ً شديد الذكاء مممن النمماس و أكممثر ممما يوجممد الرفممق فممي‬
‫الغفممل و المتغفممل و أقممل ممما يكممون فممي اليقممظ لنممه يكلممف‬
‫الرعيممة فمموق طمماقتهم لنفمموذ نظممره فيممما وراء مممداركهم و‬
‫إطلعه على عممواقب المممور فممي مبادئهمما بالمعيممة فيهلكممون‬
‫لذلك قال صلى الله عليه و سلم سيروا على سير أضممعفكم‪.‬‬
‫و من هذا الباب اشترط الشارع في الحاكم قلة الفراط في‬
‫الذكاء‪ ،‬و مأخذه من قصة زيمماد ابممن أبممي سممفيان لممما عزلممه‬
‫عمر عن العراق و قال له لم عزلتني يا أمير المؤمنين لعجممز‬
‫أم لخيانة فقال عمر لم أعزلك لواحدة منهما و لكني كرهممت‬
‫أن أحمل فضل عقلك عن الناس‪ ،‬فأخذ من هذا أن الحاكم ل‬
‫يكون مفرط الذكاء و الكيممس مثممل زيمماد بممن أبممي سممفيان و‬
‫عمرو بن العاص لما يتبع ذلك من التعسف و سمموء الملكممة و‬
‫حمل الوجود على ما ليس في طبعه كما يأتي فممي آخممر هممذا‬
‫الكتاب و الله خيممر المممالكين و تقممرر مممن هممذا أن الكيممس و‬
‫الذكاء عيب في صاحب السياسة لنه إفراط في الفكممر كممما‬
‫أن البلدة إفراط في الجمود و الطرفان مممذمومان مممن كممل‬

‫صفة إنسمانية و المحممود همو التوسمط كمما فمي الكمرم ممع‬
‫التبذير و البخل و كما في الشجاعة مع الهوج و الجبن و غيممر‬
‫ذلك من الصمفات النسمانية و لهمذا يوصمف الشمديد الكيمس‬
‫بصفات الشيطان فيقال شيطان و متشيطن و أمثال ذلممك و‬
‫الله يخلق ما يشاء و هو العليم القدير‪.‬‬
‫الفصل الخامس و العشرون فممي معنممى الخلفممة و‬
‫المامة‬
‫لممما كممانت حقيقممة الملممك أنممه الجتممماع الضممروري للبشممر و‬
‫مقتضمماه التغلممب و القهممر اللممذان هممما مممن آثممار الغضممب و‬
‫الحيوانية كانت أحكام صاحبه في الغممالب جممائزة عممن الحممق‬
‫مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحمموال دنيمماهم لحملممه‬
‫إياهم في الغالب على ما ليس فممي طمموقهم مممن أغراضممه و‬
‫شهواته و يختلف في ذلمك بماختلف المقاصممد ممن الخلمف و‬
‫السلف منهم متعسر طاعته لذلك و تجيء العصبية المفضممية‬
‫إلى الهرج و القتممل فمموجب أن يرجممع فممي ذلممك إلمى قمموانين‬
‫سياسية مفروضة يسلمها الكافة و ينقادون إلى أحكامها كممما‬
‫كان ذلك للفرس و غيرهم من المم و إذا خلممت الدولممة مممن‬
‫مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها و لم يتم استيلؤها سممنة‬
‫اللممه فممي الممذين خلمموا مممن قبممل فممإذا كممانت هممذه القمموانين‬
‫مفروضة من العقلء و أكابر الدولة و بصرائها كممانت سياسممة‬
‫عقلية و إذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها و يشرعها‬
‫كانت سياسة دينية نافعة فممي الحيمماة الممدنيا و فممي الخممرة و‬
‫ذلك أن الخلق ليس المقصود بهممم دنيمماهم فقممط فإنهمما كلهمما‬
‫عبث و باطل إذ غايتها الموت و الفناء‪ ،‬و الله يقول أفحسبتم‬
‫أنما خلقناكم عبثا فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم‬
‫إلممى السممعادة فممي آخرتهممم صممراط اللممه الممذي لممه ممما فممي‬
‫السموات و ما في الرض فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك‬
‫في جميع أحوالهم من عبادة و معاملة حتى في الملك الممذي‬
‫هممو طممبيعي للجتممماع النسمماني فممأجرته علممى منهمماج الممدين‬

‫ليكون الكل محوطا ً بنظر الشممارع‪ .‬فممما كممان منممه بمقتضممى‬
‫القهر و التغلب و إهمال القوة العصبية في مرعاهمما فجممور و‬
‫عدوان و مذموم عنده كما هو مقتضى الحكمممة السياسممية و‬
‫ما كان منه بمقتضى السياسة و أحكامها فمذموم أيض ما ً لنممه‬
‫نظر بغير نور الله و من لم يجعل الله له نورا ً فما له من نور‬
‫لن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هممو مغيممب عنهممم مممن‬
‫أمور آخرتهم و أعمال البشر كلها عائدة عليهم فممي معممادهم‬
‫من ملممك أو غيممره قممال صمملى اللممه عليممه و سمملم‪ :‬إنممما هممي‬
‫أعمممالكم تممرد عليكممم‪ .‬و أحكممام السياسممة إنممما تطلممع علممى‬
‫مصالح الدنيا فقط يعلمون ظاهرا ً من حياة الممدنيا و مقصممود‬
‫الشارع بالناس صلح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمممل‬
‫الكافة على الحكام الشرعية في أحوال دنياهم و آخرتهممم و‬
‫كان هذا الحكم لهل الشريعة و هم النبيمماء و مممن قممام فيممه‬
‫مقامهم و هم الخلفاء فقد تبين لك من ذلك معنى الخلفممة و‬
‫أن الملمك الطمبيعي همو حممل الكافمة علمى مقتضمى النظمر‬
‫العقلي في جلب المصالح الدنيوية و دفع المضممار و الخلفممة‬
‫هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم‬
‫الخروية و الدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الممدنيا ترجممع كلهمما‬
‫عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الخرة فهممي فممي الحقيقممة‬
‫خلفة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسممة الممدنيا‬
‫به فأفهم ذلك و اعتممبره فيممما نممورده عليممك مممن بعممد و اللممه‬
‫الحكيم العليم‪.‬‬
‫الفصل السادس و العشرون فى اختلف المة في‬
‫حكم هذا المنصب و شروطه‬
‫و إذ قمد بينمما حقيقممة هممذا المنصممب و أنممه نيابممة عممن صمماحب‬
‫الشريعة في حفظ الدين و سياسة الدنيا به تسمممى خلفممة و‬
‫إمامة و القائم به خليفة و إماما ً فأما تسميته إمام ما ً فتشممبيها ً‬
‫بإمام الصلة في أتبمماعه و القتممداء بممه و لهممذا يقممال المامممة‬
‫الكبرى و أما تسميته خليفة فلكممونه يخلممف النممبي فممي أمتممه‬

‫فيقممال خليفممة بممإطلق و خليفممة رسممول اللممه و اختلممف فممي‬
‫تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباسا ً من الخلفة العامة‬
‫التي للدمين في قوله تعالى إني جاعل فممي الرض خليفممة و‬
‫قوله جعلكم خلئف الرض‪.‬‬
‫و منع الجمهور منه لن معنى الية ليس عليه و قمد نهمى أبمو‬
‫بكر عنه لما دعي به و قال‪ :‬لست خليفة الله و لكني خليفممة‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ .‬و لن الستخلف إنما هو‬
‫في حق الغائب و أما الحاضر فل‪ .‬ثم إن نصب المام واجممب‬
‫قد عرف وجوبه في الشرع بإجممماع الصممحابة و التممابعين لن‬
‫أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عند وفاته بممادروا‬
‫إلى بيعة أبي بكر رضي اللممه عنممه و تسممليم النظممر إليممه فممي‬
‫أمورهم و كذا في كل عصر من بعد ذلك و لممم تممترك النمماس‬
‫فوضى في عصر من العصار واستقر ذلك إجماعا ً دال ً علممى‬
‫وجوب نصب المام‪ .‬و قد ذهب بعض النمماس إلممى أن مممدرك‬
‫وجوبه العقل‪ ،‬و أن الجماع الذي وقع إنممما هممو قضمماء بحكممم‬
‫العقل فيه‪.‬‬
‫قالوا و إنما وجب بالعقل لضرورة الجتماع للبشر و استحالة‬
‫حياتهم و وجودهم منفردين و مممن ضممرورة الجتممماع التنممازع‬
‫لزدحام الغراض‪ .‬فما لم يكممن الحمماكم المموازع أفضممى ذلممك‬
‫إلى الهرج المممؤذن بهلك البشممر و انقطمماعهم مممع أن حفممظ‬
‫النوع من مقاصد الشرع الضرورية و هممذا المعنممى بعينممه هممو‬
‫الذي لحظه الحكماء في وجوب النبؤات في البشر و قد نبهنا‬
‫على فساده و أن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع‬
‫من الله تسلم له الكافة تسليم إيمان ما و اعتقاد و هممو غيممر‬
‫مسمملم لن المموازع قممد يكممون بسممطوة الملممك و قهممر أهممل‬
‫الشوكة و لو لم يكن شرع كما في أمممم المجمموس و غيرهممم‬
‫ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الممدعوة أو نقممول يكفممي فممي‬
‫رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل‬
‫فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هنمماك و‬
‫نصب المام هنا غير صحيح بل كما يكون بنصب المام يكون‬
‫بوجود الرؤساء أهل الشوكة أو بامتناع الناس عممن التنممازع و‬

‫التظالم فل ينهض دليلهم العقلي المبني على هممذه المقدمممة‬
‫فدل على أن مدرك وجوبه أنممما هممو بالشممرع و هممو الجممماع‬
‫الذي قدمناه‪.‬‬
‫و قد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا النصب رأس ما ً ل‬
‫بالعقممل و ل بالشممرع منهممم الصممم مممن المعتزلممة و بعممض‬
‫الخوارج و غيرهم‪ ،‬و الواجب عند هؤلء إنما هو إمضاء الحكم‬
‫الشرع فإذا تواطأت الممة علمى العمدل و تنفيمذ أحكمام اللمه‬
‫تعالى لم يحتج إلى إمام و ل يجب نصبه و هممؤلء محجوجممون‬
‫بإلجماع‪ .‬و الذي حملهم على هذا المممذهب إنممما هممو الفممرار‬
‫عن الملك و مممذاهبه مممن السممتطالة و التغلممب و السممتمتاع‬
‫بالدنيا لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك و النعي على أهله و‬
‫مرغبة في رفضه‪ .‬و أعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته و ل‬
‫حظر القيام به لم إنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهممر و‬
‫الظلممم و التمتممع باللممذات و ل شممك أن فممي هممذه مفاسممد‬
‫محظورة و هي من توابعه كما أثنى على العممدل و النصممفة و‬
‫إقامة مراسم الدين و الذب عنممه و أوجممب بإزائهمما الثممواب و‬
‫هي كلها من توابع الملك‪.‬‬
‫فإذا ً إنما وقع الذم للملك على صفة و حال دون حممال أخممرى‬
‫و لم يذمه لذاته و ل طلب تركممه كممما ذم الشممهوة و الغضممب‬
‫من المكلفين و ليس مراده تركهما بالكلية لدعايممة الضممرورة‬
‫إليه و أما المراد تصريفهما علممى مقتضممى الحممق و قممد كممان‬
‫لداود و سليمان صلوات الله و سلمه عليهما الملك الذي لم‬
‫يكن لغيرهما و هما من أنبياء الله تعالى و أكرم الخلق عنممده‬
‫ثم نقول لهم أن هذا الفممرار عممن الملممك بعممدم و جمموب هممذا‬
‫النصب ل يغنيكم شمميئا ً لنكممم موافقممون علممى وجمموب إقامممة‬
‫أحكممام الشممريعة و ذلممك ل يحصممل إل بالعصممبية و الشمموكة و‬
‫العصبية مقتضية بطبعها للمك فيحصل الملك و إن لم ينصب‬
‫إمام و هو عين ممما قررتممم عنممه‪ .‬و إذا تقممرر أن هممذا النصممب‬
‫واجب بإجماع فهو مممن فممروض الكفايممة و راجممع إلممى اختيممار‬
‫أهل العقد و الحل فيتعين عليهم نصممبه و يجممب علممى الخلممق‬

‫جميعا ً طاعته لقوله تعالى أطيعوا اللممه و أطيعمموا الرسممول و‬
‫أولي المر منكم‪.‬‬
‫و أما شروط هممذا المنصممب فهممي أربعممة‪ :‬العلممم و العدالممة و‬
‫الكفاية و سلمة الحواس و العضاء مممما يممؤثر فممي الممرأي و‬
‫العمل و اختلف فممي شممرط خممامس و هممو النسممب القرشممي‬
‫فأما اشتراط العلم فطاهر لنه إنما يكون منفذا ً لحكام اللممه‬
‫تعالى إذا كان عالما ً بها و ما لم يعلنها ل يصح تقديمه لما و ل‬
‫يكفممي مممن العلممم إل أن يكممون مجتهممدا ً لن التقليممد نقممص و‬
‫المامممة تسممتدعي الكمممال فممي الوصمماف و الحمموال و أممما‬
‫العدالة فلنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي‬
‫شرط فيها فكان أولى باشتراطها فيه‪.‬‬
‫و لخلف في انتقاء العدالة فيه بفسق الجوارح مممن ارتكمماب‬
‫المحظورات و أمثالها و في انتفائها بالبدع العتقادية خلف‪.‬‬
‫و أممما الكفايممة فهممو أن يكممون جزئي ما ً علممى إقامممة الحممدود و‬
‫اقتحام الحروب بصيرا ً بهمما كفيل ً يحمممل النمماس عليهمما عارفما ً‬
‫بالعصبية و أحوال الدهاء قويا ً على معاناة السياسة ليصح لممه‬
‫بذلك ما جعل إليه من حمايممة الممدين و جهمماد العممدو و إقامممة‬
‫الحكام و تدبير المصالح‪.‬‬
‫و أممما سمملمة الحممواس و العضمماء مممن النقممص و العطلممة‬
‫كالجنون و العمى و الصمم و الخرس و ممما يممؤثر فقممده مممن‬
‫العضمماء فممي العمممل كفقممد اليممدين و الرجليممن و النممثيين‬
‫فتشترط السلمة منهمما كلهمما لتممأثير ذلممك فممي تمممام عملممه و‬
‫قيامه بما جعل إليه و إن كان إنما يشممين فممي المنظممر فقممط‬
‫كفقد إحدى هذه العضاء فشرط السلمة منه شرط كمال و‬
‫يلحق بفقدان العضاء المنع من التصرف و هو ضربان ضرب‬
‫يلحق بهذه في اشممتراط السمملمة منممه شممرط وجمموب و هممو‬
‫القهر و العجز عن التصرف جملة بالسر و شبهه و ضممرب ل‬
‫يلحق بهذه و هو الحجر باستيلء بعض أعوانه عليممه مممن غيممر‬
‫عصيان و ل مشاقة فينتقل النظر فممي حممال هممذا المسممتولى‬
‫فإن جرى على حكم الممدين و العممدل و حميممد السياسممة جمماز‬

‫قراره و إل استنصر المسلمون بمن يقبممض يممده عممن ذلممك و‬
‫يدفع علته حتى ينفذ فعل الخليفة‪.‬‬
‫و أما النسب القرشي فلجماع الصحابة يمموم السممقيفة علممى‬
‫ذلك و احتجت قريش علممى النصممار لممما هممموا يممومئذ ببيعممة‬
‫سعد بن عبادة و قالوا‪ :‬منا أمير و منكممم أميممر‪ .‬بقمموله صمملى‬
‫الله عليه و سلم‪ :‬الئمة من قريش‪ .‬و بأن النممبي صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم أوصانا بأن نحسن إلى محسممنكم و نتجمماوز عممن‬
‫مسيئكم و لو كانت المارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا‬
‫النصار و رجعوا عن قولهم منا أميممر و منكممم أميممر و عممدلوا‬
‫عما كانوا هموا بممه مممن بيعممة سممعد لممذلك‪ .‬و ثبممت أيضما ً فممي‬
‫الصحيح ل يزال هذا المر في هذا الحي من قريممش و أمثممال‬
‫هذه الدلممة كممثيرة إل أنممه لممما ضممعف أمممر قريممش و تلشممت‬
‫عصبيتهم بما نالهم من الترف و النعيم و بما أنفقتهم الدولممة‬
‫في سائر أقطممار الرض عجممزوا بممذلك عممن حمممل الخلفممة و‬
‫تغلبت عليهم العاجم و صار الحل و العقد لهم فاشممتبه ذلممك‬
‫على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلممى نفممي طممه اشممتراط‬
‫القرشية و عولوا على ظواهر في ذلك مثل قوله صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم‪ :‬اسمعوا و أطيعوا و إن ولي عليكم عبد حبشممي‬
‫ذو زبيبة‪ .‬و هذا ل تقوم به حجة ذلك فإنه خرج مخرج التمثيل‬
‫و الغرض للمبالغة في إيجاب السمع و الطاعممة و مثممل قممول‬
‫عمر لو كان سالم مولى حذيفة حيا ً لوليته أو لما دخلتني فيه‬
‫الظنة و هو أيضا ً ل يفيد ذلك لما علمت أن مذهب الصممحابي‬
‫ليممس بحجممة و أيض ما ً فمممولى القمموم منهممم و عصممبية الممولء‬
‫حاصلة لسالم في قريش و هي الفائدة في اشتراط النسممب‬
‫و لممما اسممتعظم عمممر أمممر الخلفممة و رأى شممروطها كأنهمما‬
‫مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلفة عنده‬
‫فيه حتى من النسب المفيد للعصبية كما نممذكر و لممم يبممق إل‬
‫صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه إذ الفممائدة فممي النسممب‬
‫إنما هي العصبية و هي حاصلة من الولء فكممان ذلممك حرص ما ً‬
‫من عمممر رضممي اللممه عنممه علممى النظممر للمسمملمين و تقليممد‬
‫أمرهم لمن ل تلحقه فيه لئمة و ل عليه فيه عهدة‪.‬‬

‫و مممن القممائلين بنفممي اشممتراط القرشممية القاضممي أبممو بكممر‬
‫البمماقلني لممما أدرك عليممه عصممبية قريممش مممن التلشممي و‬
‫الضمممحلل و اسممتبداد ملمموك العجممم مممن الخلفمماء فأسممقط‬
‫شرط القرشية و إن كان موافقا ً لرأي الخوارج لما رأى عليه‬
‫حال الخلفاء لعهده و بقي الجمهور على القول باشممتراطها و‬
‫صحة المامة للقرشممي و لممو كممان عمماجزا ً عممن القيممام بممأمور‬
‫المسلمين و رد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقمموى بهمما‬
‫على أمره لنه إذا ذهبت الشوكة بذهاب العصبية فقد ذهبممت‬
‫الكفاية و إذا وقع الخلل بشرط الكفايممة تطممرق ذلممك أيض ما ً‬
‫إلى العلم والدين و سقط اعتبار شروط هذا المنصممب و هممو‬
‫خلف الجتماع‪.‬‬
‫و لنتكلم الن في حكمة اشتراط النسب ليتحقق به الصواب‬
‫في هذه المذاهب فنقول‪ :‬أن الحكام الشرعية كلها ل بد لها‬
‫من مقاصد و حكم تشتمل عليهمما و تشممرع لجلهمما و نحممن إذا‬
‫بحثنا عن الحكمممة فممي اشممتراط النسممب القرشممي و مقصممد‬
‫الشارع منه لم يقتصر فيه على التممبرك بوصمملة النممبي صمملى‬
‫اللممه عليممه و سمملم كممما هممو فممي المشممهور و إن كممانت تلممك‬
‫الوصلة موجودة و التبرك بها حاصل ً لكممن التممبرك ليممس مممن‬
‫المقاصد الشرعية كما علمت فل بد إذن مممن المصمملحة فممي‬
‫اشممتراط النسممب و هممي المقصممودة مممن مشممروعيتها و إذا‬
‫سبرنا و قسمنا لم نجدها إل اعتبار العصممبية الممتي تكممون بهمما‬
‫الحمايممة و المطالبممة و يرتفممع الخلف و الفرقممة بوجودهمما‬
‫لصاحب المنصب فتسكن إليممه الملممة و أهلهما و ينتظممم حبممل‬
‫اللفة فيها و ذلك أن قريشما ً كممانوا عصممبة مضممر و أصمملهم و‬
‫أهل الغلب منهم و كان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة و‬
‫العصبية و الشرف فكان سمائر العممرب يعممترف لهممم بمذلك و‬
‫يستكينون لغلبهم فلو جعل المر في سممواهم لتوقممع افممتراق‬
‫الكلمممة بمخممالفتهم و عممدم انقيممادهم و ل يقممدر غيرهممم مممن‬
‫قبائل مضر أن يردهم عن الخلف و ل يحملهممم علممى الكممرة‬
‫فتتفرق الجماعة و تختلف الكلمة‪.‬‬

‫و الشارع محذر من ذلك حريص على أتفاقهم و رفع التنممازع‬
‫و الشتات بينهم لتحصل اللحمة و العصبية و تحسممن الحمايممة‬
‫بخلف ما إذا كان المر في قريش لنهم قادرون على سمموق‬
‫الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فل يخشى من أحد مممن‬
‫خلف عليهممم و ل فرقممة لنهممم كفيلممون حينئذ بممدفعها و منممع‬
‫الناس منها فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب و هم‬
‫أهل العصبية القوية ليكمون أبلمغ فمي انتظمام الملمة و أتفماق‬
‫الكلمة و إذا انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمممة مضممر‬
‫أجمع فأذعن لهم سائر العرب و انقادت المممم سممواهم إلممى‬
‫أحكام الملة و وطئت جنودهم قاصية البلد كما وقع في أيممام‬
‫الفتوحات و استمر بعدها في الدولتين إلى أن أضمممحل أمممر‬
‫الخلفة و تلشت عصبية العرب و يعلم ما كممان لقريممش مممن‬
‫الكثرة و التغلب على بطون مضر من مارس أخبار العممرب و‬
‫سيرهم و تفطن لذلك في أحوالهم‪.‬‬
‫و قد ذكر ذلك ابن إسحاق في كتاب السير و غيره فإذا ثبممت‬
‫أن اشتراط القرشية أنما هو لدفع التنازع بما كممان لهممم مممن‬
‫العصبية و الغلب و علمنا أن الشارع ل يخص الحكام بجيل و‬
‫ل عصر و ل أمة علمنا أن ذلك إنما هو مممن الكفايممة فرددنمماه‬
‫إليها و طردنا الملة المشتملة على المقصود من القرشممية و‬
‫هي وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمور المسمملمين أن‬
‫يكممون مممن قمموم أولممي عصممبية قويممة غالبممة علممى مممن معهمما‬
‫لعصرها ليستتبعوا من سواهم و تجتمممع الكلمممة علممى حسممن‬
‫الحماية و ل يعلم ذلك فممي القطممار و الفمماق كممما كممان فممي‬
‫القرشية إذ الدعوة السلمية التي كانت لهممم كممانت عامممة و‬
‫عصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر المم و إنما يخص‬
‫لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيممه العصممبية الغالبممة و إذا‬
‫نظرت سر الله في الخلفة لممم تعممد هممذا لنممه سممبحانه إنممما‬
‫جعل الخليفة نائبا ً عنه في القيام بأمور عباده ليحملهممم علممى‬
‫مصالحهم و يردهم عممن مضممارهم و هممو مخمماطب بممذلك و ل‬
‫يخاطب بالمر إل من له قدرة عليه أل ترى ممما ذكممره المممام‬
‫ابن الخطيب في شأن النساء و أنهن في كممبير مممن الحكممام‬

‫الشممرعية جعلممن تبع ما ً للرجممال و لممم يممدخلن فممي الخطمماب‬
‫بالوضع‪ .‬و إنما دخلن عنده بالقياس و ذلك لما لممم يكممن لهمن‬
‫من المر شيء و كان الرجال قمموامين عليهممن اللهممم إل فممي‬
‫العبادات التي كل أحد فيها قائم على نفسممه فخطممابهن فيهمما‬
‫بالوضع ل بالقياس ثم أن الوجود شمماهد بممذلك فممإنه ل يقمموم‬
‫بأمر أمة أو جيل إل من غلممب عليهممم و قممل أن يكممون المممر‬
‫الشرعي مخالفا ً للمر الوجودي و الله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الفصل السابع و العشرون في مذاهب الشيعة في‬
‫حكم المامة‬
‫إعلم أن الشيعة لغة هم الصحب و التباع و يطلق في عرف‬
‫الفقهاء و المتكلمين من الخلف و السلف على اتبمماع علممي و‬
‫بنيممه رضممي اللممه عنهممم و مممذهبهم جميع ما ً متفقيممن عليممه أن‬
‫القامة ليست من المصممالح العامممة الممتي تفمموض إلممى نظممر‬
‫المة و يتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين و قاعممدة‬
‫السلم و ل يجمموز لنممبي إغفمماله و ل تفويضممه إلممى المممة بممل‬
‫يجب عليه تعيين المام لهم و يكممون معصمموما ً مممن الكبممائر و‬
‫الصغائر و أن عليا ً رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات اللممه‬
‫و سمملمه عليممه بنصمموص ينقلونهمما و يؤولونهمما علممى مقتضممى‬
‫مذهبهم ل يعرفها جهابذة السنة و ل نقله الشريعة بل أكثرها‬
‫موضمموع أو مطعممون فممي طريقممه أو بعيممد عممن تممأويلتهم‬
‫الفاسدة‪.‬‬
‫و تنقسم هذه النصمموص عنممدهم إلممى جلممي و خفممي فممالجلي‬
‫مثل قوله‪ :‬من كنت موله فعلي موله‪ .‬قالوا و لم تطرد هذه‬
‫الولية إل في علي و لهذا قال لممه عمممر أصممبحت مممولى كممل‬
‫مؤمن و مؤمنة و منها قوله‪ :‬أقضاكم علي و ل معنى للمامة‬
‫إل القضمماء بأحكممام اللممه و هممو المممراد بممأولي المممر الواجبممة‬
‫طاعتهم بقوله‪ :‬أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولممي المممر‬
‫منكم‪ .‬و المراد الحكم و القضاء و لهذا كان حكما ً في قضممية‬
‫المامة يوم السقيفة دون غيره و منها قوله من يبايعني على‬

‫روحه و هو وصي و ولي هذا المر مممن بعممدي فلممم يبممايعه إل‬
‫علي‪.‬‬
‫و من الخفي عندهم بعث النبي صلى الله عليه و سمملم علي ما ً‬
‫لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلمت فمإنه بعمث بهما‬
‫أول ً أبا بكر ثم أوحممي إليممه ليبلغممه رجممل منممك أو مممن قومممك‬
‫فبعث عليا ً ليكممون القممارىء المبلممغ قممالوا‪ :‬و هممذا يممدل علممى‬
‫تقديم علي‪ .‬و أيضا ً فلم يعرف أنه قدم أحدا ً على علي‪ .‬و أما‬
‫أبو بكر و عمر فقدم عليهما في غزاتين أسامة بن زيممد مممرة‬
‫و عمر بن العاص أخرى و هذه كلها أدلة شاهدة بتعيين علممي‬
‫للخلفة دون غيره فمنها ما هو غيممر معممروف و منهمما ممما هممو‬
‫بعيد عن تأويلهم ثم منهم مممن يممرى أن هممذه النصمموص تممدل‬
‫على تعيين علمي و تشخيصممه‪ .‬و كممذلك تنتقممل منممه إلمى مممن‬
‫بعده و هؤلء هم المامية و يتبرأون مممن الشمميخين حيممث لممم‬
‫يقدموا عليا ً و يبايعوه بمقتضى هذه النصوص و يغمصون في‬
‫إمامتهما و ل يلتفت إلى نقل القممدح فيهممما مممن غلتهممم فهممو‬
‫مردود عندنا و عندهم و منهم من يقول أن هممذه الدلممة إنممما‬
‫اقتضت تعيين علي بالوصف ل بالشخص و النمماس مقصممرون‬
‫حيث لممم يصممغوا الوصممف موضممعه و هممؤلء هممم الزيديممة و ل‬
‫يتبرأون من الشيخين و ل يغمصون في إمامتهممما مممع قممولهم‬
‫بأن عليا ً أفضل منهما لكنهممم يجمموزون إمامممة المفضممول مممع‬
‫وجود الفضل‪.‬‬
‫ثم اختلفت نقول هؤلء الشيعة في مساق الخلفة بعممد علممي‬
‫فمنهم من ساقها في ولد فاطمممة بممالنص عليهممم واحممدا ً بعممد‬
‫ة إلممى‬
‫واحد على ما يذكر بعد و هؤلء يسمممون الماميممة نسممب ً‬
‫مقالتهم باشتراط معرفة المام و تعيينممه فممي اليمممان و هممي‬
‫أصل عندهم و منهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالختيار‬
‫من الشيوخ و يشممترط أن يكممون المممام منهممم عالمما ً زاهممدا ً‬
‫جوادا ً شجاعا ً و يخرج داعيا ً إلى إمامته و هممؤلء هممم الزيديممة‬
‫نسبة إلى صاحب المذهب و هو زيممد بممن علممي بممن الحسممين‬
‫السبط و قد كان ينمماظر أخمماه محمممدا ً البمماقر علممى اشممتراط‬
‫الخروج فمي المممام فيلزمممه البماقر أن ل يكمون أبوهمما زيمن‬

‫العابدين إماما ً لنه لم يخرج و ل تعممرض للخممروج و كممان مممع‬
‫ذلك ينعى عليه مذاهب المعتزلة و أخذه إياها عن واصمل بمن‬
‫عطاء و لما ناظر المامية زيممدا ً فممي إمامممة الشمميخين و رأوه‬
‫يقول بإمامتهما و ل يتممبرأ منهممما رفضمموه و لممم يجعلمموه مممن‬
‫الئمة و بذلك سموا رافضة و منهم مممن سمماقها بعممد علممي و‬
‫ابنيه السبطين على اختلفهم في ذلك إلى أخيهما محمد بممن‬
‫الحنفية ثم إلى ولده و هم الكيسانية نسبة إلى كيسان موله‬
‫و بين هذه الطوائف اختلفات كثيرة تركناها اختصارا ً و منهممم‬
‫طمموائف يسمممون الغلة تجمماوزوا حممد العقممل و اليمممان فممي‬
‫القممول بألوهيممة هممؤلء الئمممة‪ .‬إممما علممى أنهممم بشممر اتصممفوا‬
‫بصفات اللوهية أو أن الله حل في ذاته البشرية و هو قممول‬
‫بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى صلوات الله عليه‬
‫و لقد حرق علي رضي الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك‬
‫منهم و سخط محمد بن الحنفية المختممار بممن أبممي عبيممد لممما‬
‫بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته و البراءة منه و كممذلك فعممل‬
‫جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه بمن بلغه مثل هذا عنه و‬
‫منهم من يقممول إن كمممال المممام ل يكممون لغيممره فممإذا مممات‬
‫انتقلت روحه إلى إمام آخممر ليكممون فيممه ذلممك الكمممال و هممو‬
‫قول بالتناسخ و مممن هممؤلء الغلة مممن يقممف عنممد واحممد مممن‬
‫الئمة ل يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لممذلك عنممدهم و‬
‫هؤلء هم الواقفية فبعضهم يقممول هممو حممي لممم يمممت إل أنممه‬
‫غائب عن أعين الناس و يستشهدون لذلك بقصة الخضر قيل‬
‫مثل ذلك في علي رضمي اللمه عنمه لمم أنمه فمي السمحاب و‬
‫الرعد صوته و البرق في صوته و قالوا مثلممه فممي محمممد بممن‬
‫الحنيفة و إنه في جبل رضوى من أرض الحجاز‪.‬‬
‫و قال شاعرهم‪.‬‬
‫ولة الحق أربعة سواء‬
‫أل أن الئمة من قريش‬
‫هم السباط ليس بهم خفاء‬
‫علي و الثلثة من بنيه‬
‫و سبط غيبته كربلء‬
‫فسبط سبط إيمان و بر‬
‫و سبط ل يذوق الموت حتى يقود الجيش يقدمه اللواء‬
‫تغيب ل يرى فيهم زمانا ً برضوى عنده عسل و ماء‬

‫و قممال مثلممه غلة الماميممة و خصوص ما ً الثنمما عشممرية منهممم‬
‫يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم و هو محمد بممن الحسممن‬
‫العسكري و يلقبونه المهدي دخل فممي سممرداب بممدارهم فممي‬
‫الحلة و تغيب حين اعتقل مع أمه و غاب هنالممك و هممو يخممرج‬
‫آخر الزمال فيمل الرض عممدل ً يشمميرون بممذلك إلممى الحممديث‬
‫الواقممع فممي كتمماب الترمممذي فممي المهممدي و هممم إلممى الن‬
‫ينتظرونه و يسمونه المنتظر لذلك‪ ،‬و يقفون في كل ليلة بعد‬
‫صمملة المغممرب ببمماب هممذا السممرداب و قممد قممدموا مركبمما ً‬
‫فيهتمون باسمه و يدعونه للخمروج حممتى تشمتبك النجموم ثمم‬
‫ينفضون و يرجئون المر إلمى الليلممة التيمة و همم علممى ذلمك‬
‫لهذا العهد و بعض هؤلء الواقفية يقول أن المام الذي مممات‬
‫يرجممع إلممى حيمماته الممدنيا و يستشممهدون لممذلك بممما وقممع فممي‬
‫القرآن الكريم من قصة أهل الكهف و الذي مر على قريممة و‬
‫قتيل بني إسممرائيل حيممن ضممرب بعظممام البقممرة الممتي أمممروا‬
‫بذبحها و مثل ذلممك مممن الخمموارق الممتي وقعممت علممى طريممق‬
‫المعجزة و ل يصح الستشهاد بها فممي غيممر مواضممعها و كممان‬
‫من هؤلء السيد الحميري و من شعره في ذلك‬
‫إذا ما المرء شاب له قذال وعلله المواشط بالخضاب‬
‫فقد ذهبت بشاشته و أودى فقم يا صاح نبك على الشباب‬
‫إلى يوم تتوب الناس فيه إلى دنياهم قبل الحساب‬
‫إلى أحد إلى يوم الياب‬
‫فليس بعائد مافات منه‬
‫وما أنا في النشور بذي ارتياب‬
‫أدين بأن ذلك دين حق‬
‫حيوا من بعد درس في التراب‬
‫كذاك الله أخبر عن أناس‬
‫و قد كفانا مؤونة هؤلء الغلة أئمة الشيعة فممإنهم ل يقولممون‬
‫بهمما و يبطلممون احتجاجمماتهم عليهمما و أممما الكيسممانية فسمماقوا‬
‫المامة من بعد محمممد بممن الحنفيممة إلممى ابنممه أبممي هاشممم و‬
‫هؤلء هم الهاشمية ثم افترقوا فمنهم من سمماقها بعممده إلممى‬
‫أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن بن علي و آخرون يزعمون أن‬
‫أبا هاشم لما مات بأرض السراة منصرفا ً من الشممام أوصممى‬
‫إلى محمد بن علي بن عبد اللممه بممن عبمماس و أوصممى محمممد‬
‫إلى ابنه ابراهيم المعروف بالمام و أوصى هو إلى أخيه عبممد‬

‫الله بن الحارثية الملقب بالسفاح و أوصى هو إلى أخيه عبممد‬
‫الله أبي جعفر الملقب بالمنصور و انتقلت في ولده بالنص و‬
‫العهد واحدا ً بعد واحد إلممى آخرهممم و هممذا مممذهب الهاشمممية‬
‫القائمين بدولة بني العباس و كان منهم أبو مسلم و سليمان‬
‫بن كثير و أبو سلمة الخلل و غيرهممم مممن شميعة العباسمية و‬
‫ربما يعضدون ذلك بأن حقهم في هممذا المممر يصممل إليممه مممن‬
‫العباس لنه كان حيا ً وقت الوفاة و هو أولى بالوراثة بعصممبية‬
‫العمومة و أما الزيدية فساقوا المامة علممى مممذهبهم فيهمما و‬
‫إنها باختيار أهل الحل و العقد ل بممالنص فقممالوا بإمامممة علممي‬
‫ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زيممد بممن علممي و هممو‬
‫صاحب هذا المذهب و خرج بالكوفة داعيا ً إلى المامة فقتممل‬
‫و صلب بالكناسة و قال الزيدية بإمامة ابنه يحيممى مممن بعممده‬
‫فمضى إلى خراسان و قتل بالجوزجممان بعممد أن أوصممى إلممى‬
‫محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسممن السممبط و يقممال لممه‬
‫النفممس الزكيممة‪ ،‬فخممرج بالحجمماز و تلقممب بالمهممدي و جمماءته‬
‫عسمماكر المنصممور فقتممل و عهممد إلممى أخيممه إبراهيممم فقممام‬
‫بالبصرة و معه عيسى بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصممور‬
‫عساكره فهزم و قتل إبراهيم و عيسى و كان جعفر الصممادق‬
‫أخبرهم بذلك كله و هي معدودة في كراماته و ذهب آخممرون‬
‫منهم إلى أن المام بعد محمد ابن عبممد اللممه النفممس الزكيممة‬
‫هو محمد بن القاسم بن علي بن عمر‪ ،‬و عمر هممو أخممو زيممد‬
‫بن علي فخرج محمد بن القاسممم بالطالقممان فقبممض عليممه و‬
‫سيق إلى المعتصم فحبسه و مات في حبسه و قممال آخممرون‬
‫من الزيدية أن المام بعد يحيى بن زيد هو أخوه عيسى الذي‬
‫حصر مع إبراهيم بن عبد الله في قتمماله مممع منصممور و نقلمموا‬
‫المامة في عقبه و إليه انتسب دعي الزنممج كممما نممذكره فممي‬
‫أخبارهم و قال آخرون من الزيدية أن المام بعممد محمممد بممن‬
‫عبد الله أخوة إدريس الذي فر إلى المغرب و مات هنالممك و‬
‫قام بأمر ابنه إدريس و اختط مدينة فمماس و كممان مممن بعممده‬
‫عقبممه ملوكمما ً بممالمغرب إلممى أن انقرضمموا كممما نممذكره فممي‬
‫أخبارهم‪ .‬و بقي أمر الزيدية بعد ذلك غير منتظم و كان منهم‬

‫الذاعي الذي ملك طبرستان و هو الحسن بن زيد بممن محمممد‬
‫بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين السبط‬
‫و أخوه محمد بن زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصممر‬
‫الطروش منهم‪ ،‬و أسلموا على يده و هو الحسممن بممن علممي‬
‫بن الحسن بن علي بن عمر و عمر أخو زيد بن علي فكممانت‬
‫لبنيه بطبرستان دولة و توصل الديلم من نسبهم إلممى الملممك‬
‫و الستبداد على الخلفاء ببغداد كما نذكر في أخبارهم‪ .‬و أممما‬
‫المامية فساقوا المامة من علي الرضممى إلممى ابنممه الحسممن‬
‫بالوصية ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه علي زين العابمدين‬
‫ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق و من هنا‬
‫افترقوا فرقتين فرقة ساقها إلى ولده إسممماعيل و يعرفممونه‬
‫بينهم بالمام و هممم السممماعيلية و فرقممة سمماقوها إلممى ابنممه‬
‫موسى الكاظم و هم الثنا عشرية لوقوفهم عند الثاني عشر‬
‫من الئمة و قممولهم بغيبتممه إلممى آخممر الزمممان كممما مممر فأممما‬
‫السماعيلية فقالوا بإمامة اسماعيل المممام بممالنص مممن أبيممه‬
‫جعفر و فائدة النص عليه عندهم و إن كان قد مات قبل أبيممه‬
‫إنما هو بقمماء المامممة فممي عقبممه كقصممة هممارون مممع موسممى‬
‫صلوات الله عليهما قالوا انتقلت المامة مممن إسممماعيل إلممى‬
‫ابنه محمد المكتوم و هو أول الئمممة المسممتورين لن المممام‬
‫عندهم قد ل يكون له شوكة فيستتر و تكون دعمماته ظمماهرين‬
‫إقامة للحجة على الخلق و إذا كانت له شوكة ظهممر و أظهممر‬
‫دعوته قالوا و بعد محمد المكتوم ابنه جعفر الصممادق و بعممده‬
‫ابنه محمد الحبيب و هو آخر المستورين و بعده ابنه عبد الله‬
‫المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي فممي كتامممة و‬
‫تتابع الناس على دعوته ثم أخرجه من معتقله بسجلماسممة و‬
‫ملك القيروان و المغرب و ملك بنوه من بعده مصر كما هممو‬
‫معروف في أخبارهم و يسمى هؤلء نسبة إلى القول بإمامة‬
‫إسماعيل و يسمون أيضا ً بالباطنية نسبة إلى قممولهم بالمممام‬
‫الباطن أي المستور و يسمون أيضا ً الملحدة لممما فممي ضمممن‬
‫مقالتهم من اللحاد و لهم مقممالت قديمممة و مقممالت جديممدة‬
‫دعا إليها الحسن بن محمد الصباح في آخر المممائة الخامسممة‬

‫و ملك حصونا ً بالشام و العراق و لم تزل دعوته فيها إلى أن‬
‫توزعها الهلك بين ملوك الترك بمصر و ملوك التممتر بممالعراق‬
‫فانفرضت‪ .‬و مقالة هذا الصباح في دعوته مذكورة في كتاب‬
‫الملل و النحل للشهرستاني‪ .‬و أما الثنا عشرية فربما خصوا‬
‫باسم المامية عند المتممأخرين منهممم فقممالوا بإمامممة موسممى‬
‫الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الكبر إسماعيل المممام‬
‫في حياة أبيهما جعفر فنص على إمامة موسى هممذا ثممم ابنممه‬
‫علي الرضا الذي عهد إليه المأمون و مات قبلممه لممم يتممم لممه‬
‫أمر ثم ابنه محمد التقي ثم ابنه علي الهادي ثممم ابنممه محمممد‬
‫الحسممن العسممكري ثممم ابنممه محمممد المهممدي المنتظممر الممذي‬
‫قدمناه قبمل و فمي كمل واحمدة ممن همذه المقمالت للشميعة‬
‫اختلف كثير إل أن هذه أشهر مذاهبهم و مممن أراد اسممتيعابها‬
‫و مطالعتهمما فعليممه بكتمماب الملممل و النحممل لبممن حممزم و‬
‫الشهرستاني و غيرهما ففيها بيان ذلك و الله يضل من يشاء‬
‫و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و هو العلي الكبير‪.‬‬
‫الفصممل الثممامن و العثسممرون فممي انقلب الخلفممة‬
‫إلى الملك‬
‫إعلممم أن الملممك غايممة طبيعيممة للعصممبية ليممس وقمموعه عنهمما‬
‫باختيار إنما هو بضرورة الوجود و ترتيبه كما قلناه من قبممل و‬
‫أن الشرائع و الديانات و كل أمر يحل عليممه الجمهممور فل بممد‬
‫فيه من العصبية إذ المطالبة ل تتم إل بها كما قدمناه‪.‬‬
‫فالعصبية ضرورية للملة و بوجودها يتم أمر اللممه منهمما و فممي‬
‫الصحيح ما بعث الله نبيا ً إل فمي منعممة مممن قممومه ثممم وجممدنا‬
‫الشارع قد ذم العصبية و ندب إلى إطراحهمما و تركهمما فقممال‪:‬‬
‫إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية و فخرهمما بالبمماء أنتممم بنممو‬
‫آدم و آدم مممن تممراب‪ ،‬و قممال تعممالى إن أكرمكممم عنممد اللممه‬
‫أتقاكم و وجدناه أيضا ً قد ذم الملك و أهله و نعى علممى أهلممه‬
‫أحوالهم من الستمتاع بالخلق و السراف في غير القصممد و‬
‫التنكب عن صراط الله و إنما حض على اللفة فممي الممدين و‬

‫حذر من الخلف و الفرقة‪ ،‬و أعلم أن الممدنيا كلهمما و أحوالهمما‬
‫مطية للخرة و من فقد المطية فقد الوصول‪ ،‬و ليس مممراده‬
‫فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو ينممدب إلممى تركممه‬
‫إهماله بالكلية أو اقتلعممه مممن أصممله و تعطيممل القمموى الممتي‬
‫ينشأ عليها بالكلية إنممما قصممده تصممريفها فممي أغممراض الحممق‬
‫جهد الستطاعة حتى تصير المقاصد كلها حقا ً و تتحد الوجهممة‬
‫كما قال صلى الله عليه و سلم‪ :‬من كانت هجرته إلى اللممه و‬
‫رسوله فهجرته إلى الله و رسموله و ممن كمانت هجرتمه إلمى‬
‫دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليممه‪ .‬فلممم‬
‫يذم الغضب و هو يقصد نزعه من النسان فإنه لو زالت منممه‬
‫قوة الغضب لفقد منه النتصار للحق و بطممل الجهمماد و إعلء‬
‫كلمة الله و إنما يذم الغضب للشمميطان و للغممراض الذميمممة‬
‫فإذا كان الغصب لذلك كان مممذموما ً و إذا كممان الغضممب فممي‬
‫الله و لله كان ممدوحا ً و هو من شمممائله صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم و كذا ذم الشهوات أيضما ً ليممس الممراد إبطالهمما بالكليمة‬
‫فإن من بطلت شممهوته كممان نقص ما ً فممي حقممه و إنممما المممراد‬
‫تصريفها فيما أبيح له باشتماله على المصالح ليكون النسممان‬
‫عبدا ً متصرفا ً طوع الوامر اللهية و كذا العصممبية حيممث ذمهمما‬
‫الشارع و قال لن تنفعكم أرحامكم ول أولدكم‪ ،‬فإنما مممراده‬
‫حيث تكون العصبية علممى الباطممل و أحممواله كممما كممانت فممي‬
‫الجاهلية و أن يكون لحد فخر بها أو حق على أحممد لن ذلممك‬
‫مجال من أفعال العقلء و غير نافع في الخرة المتي همي دار‬
‫القرار فأما إذا كانت العصممبية فممي الحممق و إقامممة أمممر اللممه‬
‫فأمر مطلوب و لو بطل لبطلت الشرائع إذ ل يتممم قوامهمما إل‬
‫بالعصبية كما قلناه من قبل و كذا الملك لما ذمه الشارع لممم‬
‫يذم منه الغلب بالحق و قهممر الكافممة علممى الممدين و مراعمماة‬
‫المصلح و إنما ذمه لما فيه مممن التغلممب بالباطممل و تصممريف‬
‫الدمييممن طمموع الغممراض و الشممهوات كممما قلنمماه‪ ،‬فلممو كممان‬
‫الملك مخلصا ً في غلبه للناس أنه لله و لحملهم علممى عبممادة‬
‫الله و جهاد عدوه لم يكن ذلممك مممذموما ً و قممد قممال سممليمان‬

‫صلوات اللممه عليممه‪ :‬ربممي هممب لمي ملكما ً ل ينبغممي لحممد مممن‬
‫بعدي‪.‬‬
‫لما علممم مممن نفسممه أنممه بمعممزل عممن الباطممل فممي النبممؤة و‬
‫الملك‪ .‬و لما لقي معاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهممما‬
‫عند قدومه إلى الشام فممي أبهممة الملممك وزيممه مممن العديممد و‬
‫العدة استنكر ذلك و قال‪ :‬أكسروية يا معاوية فقممال يمما أميممر‬
‫المؤمنين أنا في ثغر تجمماه العممدو و بنمما إلممى مباهمماتهم بزينممة‬
‫الحرب و الجهاد حاجة فسكت و لممم يخطئه لممما احتممج عليممه‬
‫بمقصد من مقاصممد الحممق و الممدين فلممو كممان القصممد رفممض‬
‫الملك مممن أصممله لممم يقنعممه الجممواب فممي تلممك الكسممروية و‬
‫انتحالها بل كان يحرض على خروجه عنها بالجملة و إنما أراد‬
‫عمر بالكسروية ما كان عليممه أهممل فممارس فممي ملكهممم مممن‬
‫ارتكاب الباطل و الظلم و البغي و سلوك شبله و الغفلة عن‬
‫الله و أجابه معاوية بأن القصد بذلك ليس كسروية فممارس و‬
‫باطلهم و إنما قصده بها وجه الله فسكت‪ ،‬و هكذا كان شممأن‬
‫الصحابة في رفض الملك و أحممواله و نسمميان عمموائده حممذرا ً‬
‫من التباسها بالباطل فلما استحضر رسممول اللممه صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم استخلف أبا بكر على الصلة إذ هممي أهممم أمممور‬
‫الممدين و ارتضمماه النمماس للخلفممة و هممي حمممل الكافممة علممى‬
‫أحكام الشريعة و لم يجر للملك ذكر لما أنه مظنة للباطممل و‬
‫نخلة يومئذ لهل الكفر و أعداء الدين فقام بذلك أبو بكممر ممما‬
‫شاء الله متبعا ً سنن صاحبه وقاتممل أهممل الممردة حممتى اجتمممع‬
‫العرب على السلم ثم عهد إلى عمممر فماقتفى أثمره و قاتمل‬
‫المم فغلبهم و أذن للعرب بممانتزاع ممما بأيممديهم مممن الممدنيا و‬
‫الملك فغلبوهم عليه و انتزعوه منهم ثم صارت إلممى عثمممان‬
‫بن عفان ثم إلممى علممي رضممى عنهممما و الكممل متممبرئون مممن‬
‫الملك منكبون عن طرقه و أكد ذلك لديهم ما كانوا عليه من‬
‫عضاضة السلم و بداوة العرب فقممد كممانوا أبعممد المممم عممن‬
‫أحوال الدنيا و ترفها ل من حيممث دينهممم الممذي يممدعوهم إلممى‬
‫الزهد في النعيم و ل من حيث بداوتهم و مواطنهم و ما كانوا‬
‫عليه من خشونة العيش و شظفه الذي ألفوه‪ ،‬فلم تكن أمممة‬

‫من المم أسغب عيشا ً من مضر لما كانوا بالحجاز فممي أرض‬
‫غيممر ذات زرع و ل ضممرع و كممانوا ممنمموعين مممن الريمماف و‬
‫حبوبها لبعدها و اختصاصها بمن وليها من ربيعة و اليمن فلممم‬
‫يكونوا يتطاولون إلى خصممبها و لقممد كممانوا كممثيرا ً ممما يممأكلون‬
‫العقارب و الخنافس و يفخرون بأكل العلهز و هممو وبممر البممل‬
‫يمهونه بالحجارة في الدم و يطبخونه و قريبا من هممذا كممانت‬
‫حال قريممش فممي مطمماعمهم و مسمماكنهم حممتى إذا اجتمعممت‬
‫عصبية العرب على الدين بما أكرمهم اللممه مممن نبمموة محمممد‬
‫صلى الله عليمه و سملم زحفموا إلمى أممم فمارس و المروم و‬
‫طلبوا ما كتممب اللممه لهممم مممن الرض بوعممد الصممدق فممابتزوا‬
‫ملكهم و استباحوا دنياهم فزخممرت بحممار الرفممه لممديهم حممتى‬
‫كان الفارس الواحد يقسم له في بعض الغزوات ثلثون ألفمما ً‬
‫من الممذهب أو نحوهمما فاسممتولوا مممن ذلممك علممى مممال يأخممذه‬
‫الحصر و هم مع ذلك على خشونة عيشهم فكان عمممر يرقممع‬
‫ثوبه بالجلد و كان علممي يقممول‪ :‬يما صممفراء و يما بيضماء غممري‬
‫غيري و كان أبو موسممى يتجممافى عممن أكممل الممدجاج لنممه لممم‬
‫يعهدها للعرب لقلتها يومئذ و كانت المناخل مفقممودة ً عنممدهم‬
‫بالجملة و إنما يأكلون الحنطة بنخالها و مكاسبهم مع هذا أتم‬
‫ما كانت لحممد مممن أهممل العممالم قممال‪ :‬المسممعودي فممي أيممام‬
‫عثمان أفتى الصحابة الضياع و المال فكان له يوم قتممل عنممد‬
‫خازنه خمسون و مائة ألف دينار و ألممف ألممف درهممم و قيمممة‬
‫ضياعه بمموادي القممرى و حنيممن و غيرهممما مائتمما ألممف دينممار و‬
‫خلف إبل ً و خيل ً كثيرةً و بلغ الثمن الواحد من مممتروك الزبيممر‬
‫بعد وفاته خمسين ألف دينار و خلف ألف فرس و ألف أمة و‬
‫كانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يمموم و مممن ناحيممة‬
‫السراة أكثر من ذلك و كممان علممى مربممط عبممد الرحمممن بممن‬
‫عوف ألف فرس و له ألف بعير و عشممرة آلف مممن الغنممم و‬
‫بلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة و ثمممانين ألف ما ً و خلممف‬
‫زيد بن ثابت من الفضة و الممذهب ممما كممان يكسممر بممالفؤوس‬
‫غير ما خلف من الموال و الضممياع بمممائة ألممف دينممار و بنممى‬
‫الزبيمممر داره بالبصمممرة و كمممذلك بنمممى بمصمممر و الكوفمممة‬

‫والسكندرية و كذلك بنممى طلحممة داره بالكوفممة و شمميد دارة‬
‫بالمدينة وبناها بالجص و الجر و الساج و بنى سممعد بممن أبممي‬
‫وقاص داره بالعقيق و رفع سمكها و أوسممع فضمماءها و جعممل‬
‫على أعلها شممرفات و بنممى المقممداد داره بالمدينممة و جعلهمما‬
‫مجصصة الظاهر و الباطن و خلممف يعلممى بممن منبممه خمسممين‬
‫ألف دينار و عقارا ً و غير ذلك ما قيمتممه ثلثمممائة ألممف درهممم‬
‫من كلم المسعودي‪ .‬فكانت مكاسب القوم كممما تممراه و لممم‬
‫يكن ذلك منيعا ً عليهممم فممي دينهممم إذ هممي أممموال حلل لنهمما‬
‫غنائم و فيوء و لم يكن تصرفهم فيها بإسراف إنما كانوا على‬
‫قصد في أحوالهم كما قلناه فلم يكن ذلك بقممادح فيهممم و أن‬
‫كان الستكثار من الدنيا مذموما ً فإنما يرجممع إلممى ممما أشممرنا‬
‫إليه من السراف و الخروج به عن القصممد و إذا كممان حممالهم‬
‫قصممدا ً و نفقمماتهم فممي سممبيل الحممق و مممذاهبه كممان ذلممك‬
‫الستكثار عونا ً لهم على طرق الحق و اكتساب الدار الخممرة‬
‫فلما تدرجت البداوة و الغضاضة إلى نهايتها و جمماءت طبيعممة‬
‫الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلناه و حصل التغلب و‬
‫القهممر كممان حكممم ذلممك الملممك عنممدهم حكممم ذلممك الرفممه و‬
‫الستكثار من الموال فلم يصرفوا ذلك التغلب في باطل ول‬
‫خرجوا به عن مقاصد الديانة و مذاهب الحممق‪ ،‬و لممما وقعممت‬
‫الفتنممة بيممن علممي و معاويممة و هممي مقتضممى العصممبية كممان‬
‫طريقهم فيها الحممق و الجتهمماد و لممم يكونمموا فممي محمماربتهم‬
‫لغممرض دنيمموي أو ليثممار باطممل أو لستشممعار حقممد كممما قممد‬
‫يتوهمه متوهم وينزع إليه ملحد و إنما اختلف اجتهممادهم فممي‬
‫الحممق و سممفه كممل واحممد نظممر صمماحبه باجتهمماده فممي الحممق‬
‫فاقتتلوا عليه و إن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائممما ً‬
‫فيها بقصد الباطل إنما قصد الحق و أخطأ و الكل كممانوا فممي‬
‫مقاصدهم على حق ثم اقتضت طبيعة الملك النفراد بالمجد‬
‫و استئثار الواحد به و لم يكن لمعاوية أن يدفع عممن نفسممه و‬
‫قومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها و استشممعرته‬
‫بنو أمية و من لم يكن على طريقة معاويه في اقتفمماء الحممق‬
‫من أتباعهم فاعصوصبوا عليه و استماتوا دونممه و لممو حملهممم‬

‫معاوية على غير تلك الطريقة و خالفهم فممي النفممراد بممالمر‬
‫لوقوع في افتراق الكلمة التي كان جمعها و تأليفها أهم عليه‬
‫من أمر ليس وراءه كممبير مخالفممة و قممد كممان عمممر بممن عبممد‬
‫العزيز رضي الله عنه يقول‪ :‬إذا رأى القاسممم بممن محمممد بممن‬
‫أبي بكر لو كان لي من المر شيء لوليته الخلفممة و لممو أراد‬
‫أن يعهد إليه لفعل و لكنممة كممان يخشممى مممن بنممى أميممة أهممل‬
‫الحل و العقد لما ذكرناه فل يقدر أن يحممول المممر عنهممم لئل‬
‫تقع الفرقة‪ .‬و هذا كله إنما حمل عليه منازع الملك التي هممي‬
‫مقتضى العصبية فالملك إذا حصل و فرضنا أن الواحد انفممرد‬
‫به و صرفه في مذاهب الحق و وجوهه لم يكن في ذلك نكير‬
‫عليه و لقد انفرد سممليمان و أبمموه داود صمملوات اللممه عليهممما‬
‫بملك بنى إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك من النفممراد بممه‬
‫وكانوا ما علمت من النبؤة و الحق و كذلك عيد معاويممة إلممى‬
‫يزيد خوفا ً من افتراق الكلمة بما كانت بنممو أميممة لممم يرضمموا‬
‫تسليم المر إلى من سواهم‪ .‬فلو قد عهد إلى غيممره اختلفموا‬
‫عليه مع أن ظنهم كان به صالحا ً و ل يرتاب أحد في ذلك و ل‬
‫يظن بمعاوية غيره فلم يكن ليعهد إليه و هممو يعتقممد ممما كممان‬
‫عليه من الفسق حاشا الله لمعاويممة مممن ذلممك و كممذلك كممان‬
‫مروان بن الحكم و ابنه و أن كممانوا ملوكما ً لممم يكممن مممذهبهم‬
‫في الملك مذهب أهل البطالممة و البغممي إنممما كممانوا متحريممن‬
‫لمقاصد الحق جهدهم إل في ضممرورة تحملهممم علممى بعضممها‬
‫مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد‬
‫يشهد لذلك ما كمانوا عليمه ممن التبماع و القتمداء و مما علمم‬
‫السلف من أحوالهم و مقاصدهم فقد احتج مالك في الموطأ‬
‫بعمل عند الملك و أما مروان فكان من الطبقممة الولممى مممن‬
‫التابعين و عدالتهم معروفة ثم تدرج المر في ولد عبد الملك‬
‫و كانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه و توسممطهم عمممر‬
‫بن عبد العزيز فنزع إلى طريقة الخلفمماء الربعممة و الصممحابة‬
‫جهده و لم يهمل‪ .‬ثم جاء خلفهمم و اسمتعملوا طبيعممة الملمك‬
‫في أغراضممهم الدنيويممة و مقاصممدهم و نسمموا ممما كممان عليممه‬
‫سلفهم من تحري القصد فيهمما و اعتممماد الحممق فممي مممذاهبها‬

‫فكان ذلك مممما دعمما النمماس إلممى أن نعمموا عليهممم أفعممالهم و‬
‫أدالوا بالدعوة العباسية منهم و ولي رجالها المر فكانوا مممن‬
‫العدالة بمكان و صرفوا الملك في وجوه الحق و مممذاهبه ممما‬
‫استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصممالح‬
‫و الطالح ثم أفضى المر إلى بنيهم فأعطوا الملممك و الممترف‬
‫حقه و انغمسوا فممي الممدنيا و باطلهمما و نبممذوا الممدين وراءهممم‬
‫ظهريا ً فتأذن الله بحربهممم و انممتزاع المممر مممن أيممدي العممرب‬
‫جملة و أمكن سواهم و الله ل يظلم مثقال ذرة‪ .‬و من تأمممل‬
‫سير هؤلء الخلفاء و الملوك و اختلفهم في تحري الحق من‬
‫الباطل علم صحة ما قلناه و قد حكاه المسممعودي مثلممه فممي‬
‫أحوال بنى أمية عن أبي جعفر المنصور و قد حصممر عمممومته‬
‫و ذكروا بني أمية فقال‪ :‬أما عبد الملك فكممان جبممارا ً ل يبممالي‬
‫بما صنع و أما سليمان فكان همه بطنه و فرجممه و أممما عمممر‬
‫فكان أعور بين عميان و كان رجل القمموم هشممام قممال و لممم‬
‫يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه و‬
‫يصونون ما و هب الله لهم منه مع تسلمهم معممالي المممور و‬
‫رفضممهم دنياتهمما حممتى أفضممى المممر إلممى أبنممائهم المممترفين‬
‫فكانت همتهم قصد الشهوات و ركوب اللممذات مممن معاصممي‬
‫الله جهل ً باستدراجه و أمنا ً لكره مع اطراحهم صيانة الخلفة‬
‫و استخفافهم بحق الرئاسة و ضعفهم عن السياسة فسمملبهم‬
‫الله العز و ألبسهم الذل و نفممى عنهممم النعمممة ثممم استحضممر‬
‫عبد الله ابن مروان فقص عليممه خممبره مممع ملممك النوبممة لممما‬
‫دخل أرضهم فممارا ً أيممام السممفاح قممال أقمممت مليما ً ثممم أتمماني‬
‫ملكهم فقعد على الرض و قد بسطت لي فممرش ذات قيمممة‬
‫فقلت ما منعك عن القعود على ثيابنا فقال إني ملممك و حممق‬
‫لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه اللممه ثممم قممال لممي‪:‬‬
‫لم تشربون الخمر و هي محرمة عليكم في كتابكم ؟ فقلت‪:‬‬
‫اجممترأ علممى ذلممك عبيممدنا و أتباعنمما قممال‪ :‬فلممم تطئون الممزرع‬
‫بدوابكم و الفساد محرم عليكم ؟ قلت‪ :‬فعممل ذلممك عبيممدنا و‬
‫أتباعنا بجهلهم قال‪ :‬فلم تلبسون الديباج و الذهب و الحرير و‬
‫هو محممرم عليكممم فممي كتممابكم ؟ قلممت‪ :‬ذهممب منمما الملممك و‬

‫انتصرنا بقوم من العجم دخلوا فمي ديننما فلبسمموا ذلمك علمى‬
‫الكره منا‪ ،‬فأطرق ينكث بيممده فممي الرض و يقممول عبيممدنا و‬
‫أتباعنا و أعاجم دخلوا في ديننمما ثممم رفممع رأسممه إلممي و قممال‪:‬‬
‫ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم اللممه عليكممم‬
‫وأتيتم ما عنه نهيتم و ظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز و‬
‫ألبسكم الذل بذنوبكم و لله نقمة لم تبلمغ غايتهمما فيكمم و أنما‬
‫خائف أن يحل بكم العذاب و أنتم ببلدي فينالني معكم و إنما‬
‫الضيافة ثلث فممتزود ممما احتجممت إليممه و ارتحممل عممن أرضممي‬
‫فتعجب المنصور و أطرق فقد تبين لك كيف انقلبت الخلفممة‬
‫إلى الملك و أن المر كان في أولممه خلفممة و وازع كممل أحممد‬
‫فيها من نفسه و هو الدين و كانوا يؤثرونه على أمور دنيمماهم‬
‫و أن أفضت إلى هلكهم وحدهم دون الكافة فهذا عثمان لما‬
‫حصر في الدار جاءه الحسن و الحسين و عبد الله بممن عمممر‬
‫و ابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى و منممع مممن‬
‫سل السيوف بين السمملمين مخافممة الفرقممة و حفظ ما ً لللفممة‬
‫التي بها حفظ الكلمة و لو أدى إلى هلكه‪ .‬و هذا علممي أشممار‬
‫عليه المغيرة لول وليته باسممتبقاء الزبيممر ومعاويممة و طلحممة‬
‫على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته و تتفق الكلمممة و‬
‫له بعد ذلك ما شاء من أمره و كان ذلك من سياسممة الملممك‬
‫فممأبى فممرارا ً مممن الغممش الممذي ينممافيه السمملم و غممدا عليممه‬
‫المغيرة من الغممداة فقممال‪ :‬لقممد أشممرت عليممك بممالمس بممما‬
‫أشرت ثم عدت إلى نظمري فعلممت أنمه ليمس ممن الحمق و‬
‫النصيحة وأن الحق فيما رأيته أنت فقال علممي‪ :‬ل و اللممه بممل‬
‫أعلم أنك نصحتني بالمس و غششتني اليمموم و لكممن منعنممي‬
‫مما أشرت به زائد الحق و هكذا كممانت أحمموالهم فممي إصمملح‬
‫دينهم بفساد دنياهم و نحن‪:‬‬
‫نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فل ديننا يبقى و ل ما نرقع‬
‫فقد رأيت كيف صار المر إلى الملك و بقيت معاني الخلفممة‬
‫من تحري الدين ومذاهبه و الجري علممى منهمماج الحممق و لممم‬
‫ةو‬
‫يظهر التغير إل في الوازع الذي كان دينا ً ثم انقلب عصممبي ً‬
‫سيفا ً و هكذا كمان الممر لعهمد معاويمة و ممروان و ابنمه عبمد‬

‫الملك و الصدر الول من خلفاء بني العبمماس إلممى الرشمميد و‬
‫بعض ولده ثم ذهبت معمماني الخلفممة و لممم يبممق إل اسمممها و‬
‫صار المر ملك ما ً بحت ما ً و جممرت طبيعممة التغلممب إلممى غايتهمما و‬
‫استعملت في أغراضها مممن القهممر التقلممب فممي الشممهوات و‬
‫الملذ و هكذا كمان الممر لولمد عبمد الملمك و لممن جماء بعمد‬
‫الرشيد من بنممي العبمماس و اسممم الخلفممة باقي ما ً فيهممم لبقمماء‬
‫عصممبية العممرب و الخلفممة و الملممك فممي الطممورين ملتبممس‬
‫بعضهما ببعض ثم ذهب رسم الخلفة و أثرها بممذهاب عصممبية‬
‫العرب و فناء جيلهم و تلشى أحوالهم وبقى المر ملكا ً بحت ما ً‬
‫كما كان الشأن في ملوك العجممم بالمشممرق يممدينون بطاعممة‬
‫الخليفة تبركا ً و الملممك بجميممع ألقممابه و منمماحيه لهممم و ليممس‬
‫للخليفة منه شيء و كذلك فعل ملمموك زناتممة بممالمغرب مثممل‬
‫صنهاجة مع العبيديين و مغراوة و بني يفرن أيضما ً مممع خلفمماء‬
‫بنممي أميممة بالنممدلس و العبيممديين بممالقيروان فقممد تممبين أن‬
‫الخلفة قد وجدت بدون الملممك أول ثممم التبسممت معانيهممما و‬
‫اختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصممبيته مممن عصممبية‬
‫الخلفة و الله مقدر الليل و النهار و هو الواحد القهار‪.‬‬
‫الفصل التاسع و العشرون في معنى البيعة‬
‫إعلم أن البيعة هي العهممد علممى الطاعممة كممأن المبممايع يعاهممد‬
‫أميممره علممى أنممه يسمملم لممه النظممر فممي أمممر نفسممه و أمممور‬
‫المسلمين ل ينازعه في شيء من ذلك و يطيعه فيممما يكلفممه‬
‫به من المر على المنشط و المكره و كانوا إذا بايعوا الميممر‬
‫و عقدوا عهده جعلوا أيممديهم فممي يممديه تأكيممدا ً للعهممد فأشممبه‬
‫ة مصدر باع و صممارت‬
‫ذلك فعل البائع و المشتري فسمي بيع ً‬
‫ة باليدي هذا مدلولها في عرف اللغة و معهود‬
‫البيعة مصافح ً‬
‫الشرع و هو المراد في الحديث فممي بيعممة النممبي صمملى اللممه‬
‫عليه و سمملم ليلممة العقبممة و عنممد الشممجرة وحيثممما و رد هممذا‬
‫اللفظ و منه بيعة الخلفاء و منممه أيمممان البيعممة كممان الخلفمماء‬
‫يسممتحلفون علممى العهممد و يسممتوعبون اليمممان كلهمما لممذلك‬

‫فسمي هذا الستيعاب إيمان البيعة و كان الكراه فيها أكثر و‬
‫أغلب و لهذا لما أفتى مالك رضممي اللممه عنممه بسممقوط يميممن‬
‫ة في أيمان البيعممة‪ ،‬و‬
‫الكراه أنكرها الولة عليه و رأوها قادح ً‬
‫وقع ما وقع من محنممة المممام رضممي اللممه عنممه و أممما البيعممة‬
‫المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل‬
‫الرض أو اليد أو الرجممل أو الممذيل أطلممق عليهمما اسممم البيعممة‬
‫التي هي العهد على الطاعة مجازا ً لما كان هذا الخضوع فممي‬
‫التحية و التزام الداب ممن لموازم الطاعمة و توابعهما و غلمب‬
‫ة و استغنى بهمما عممن مصممافحة‬
‫ة عرفي ً‬
‫فيه حتى صارت حقيقي ً‬
‫أيدي الناس التي هي الحقيقة في الصل لما في المصممافحة‬
‫لكل أحد من التنممزل و البتممذال المنممافيين للرئاسممة و صممون‬
‫المنصب الملمموكي إل فممي القممل ممممن يقصممد التواضممع مممن‬
‫الملوك فيأخذ به نفسه مع خواصه و مشاهير أهل الدين مممن‬
‫رعيته فافهم معنى البيعة في العزف فإنه أكيد على النسممان‬
‫معرفته لما يلزمه من حق سلطانه و إمامه و ل تكون أفعاله‬
‫عبثا ً و مجان ما ً و اعتممبر ذلممك مممن أفعالممك مممع الملمموك و اللممه‬
‫القوي العزيز‪.‬‬
‫الفصل الثلثون في ولية العهد‬
‫إعلم أنا قدمنا الكلم في المامة و مشروعيتها لما فيهمما مممن‬
‫المصلحة و أن حقيقتهمما للنظممر فممي مصممالح المممة لممدينهم و‬
‫دنياهم فهو وليهم و المين عليهم ينظر لهم ذلك في حيمماته و‬
‫يتبع ذلك أن ينظممر لهممم بعممد مممماته و يقيممم لهممم مممن يتممولى‬
‫أمورهم كما كان هو يتولها ويثقون بنظره لهم في ذلك كممما‬
‫و ثقوا به فيما قبل و قد عرف ذلك من الشرع بإجماع المممة‬
‫على جوازه و انعقاده إذ وقع بعهد أبي بكممر رضممي اللممه عنممه‬
‫لعمر بمحضر من الصحابة و أجازوه و أوجبمموا علممى أنفسممهم‬
‫به طاعة عمر رضي الله عنه و عنهم و كذلك عهد عمممر فممي‬
‫الشورى إلى السممتة بقيممة العشممرة و جعممل لهممم أن يختمماروا‬
‫للمسلمين ففوض بعضهم إلى بعض حممتى أفضممى ذلممك إلممى‬

‫عبد الرحمن بن عوف فاجتهممد و نمماظر المسمملمين فوجممدهم‬
‫متفقين على عثمان و على علممي فممآثر عثمممان بالبيعممة علممى‬
‫ذلك لموافقته إياه على لزوم القتداء بالشيخين فممي كممل ممما‬
‫يعن دون اجتهاده فانعقد أمر عثمان لذلك و أوجبوا طمماعته و‬
‫المل من الصحابة حاضرون للولى و الثانية و لم ينكممره أحممد‬
‫منهم فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهممد عممارفون‬
‫بمشروعيته‪.‬‬
‫و الجماع حجة كما عرف وليتهم المام في هممذا المممر و أن‬
‫عهد إلى أبيه أو ابنه لنه مأمون على النظممر لهممم فممي حيمماته‬
‫ة بعممد مممماته خلفما ً لمممن قممال‬
‫فأولى أن ل يحتمممل فيهمما تبعم ً‬
‫باتهامه في الولد و الوالد أو لمن خصص التهمممة بالولممد دون‬
‫الوالد فإنه بعيد عن الظنة فممي ذلممك كلممه ل سمميما إذا كممانت‬
‫هناك داعيمة تمدعو إليمه ممن إيثمار مصملحة أو توقمع مفسمدة‬
‫فتنتفي الظنة في ذلك رأسا ً كما وقع في عهممد معاويممة لبنممه‬
‫يزيد و إن كان فعل معاويممة مممع وفمماق النمماس لممه حجممة فممي‬
‫الباب و الذي دعمما معاويممة ليثممار ابنممه يزيممد بالعهممد دون مممن‬
‫سواه إنما هو مراعاة المصلحة فممي اجتممماع النمماس و اتفمماق‬
‫أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه حينئذ من بني أمية إذ‬
‫بنو أمية يومئذ ل يرضون سواهم و هم عصابة قريش و أهممل‬
‫الملة أجمع و أهل الغلب منهم فآثره بممذلك دون غيممره ممممن‬
‫يظن أنه أولى بها و عدل عن الفاضممل إلممى الفضممول حرصما ً‬
‫على التفاق و اجتماع الهواء الذي شأنه أهم عند الشارع‪.‬‬
‫و إن كان ل يظن بمعاوية غير هممذا فعممدالته و صممحبته مانعممة‬
‫من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لممذلك و سممكوتهم عنممه‬
‫دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم فممي الحممق‬
‫هوادة و ليس معاويممة ممممن تأخممذه العممزة فممي قبممول الحممق‬
‫فإنهم كلهم أجل من ذلك و عدالتهم مانعة منممه و فممرار عبممد‬
‫الله بن عمممر مممن ذلممك إنممما هممو محمممول علممى تممورعه مممن‬
‫الدخول في شيء من المور مباحا ً كان أو محظورا ً كممما هممو‬
‫معروف عنه و لم يبق في المخالفة لهممذا العهممد الممذي اتفممق‬
‫عليه الجمهور إل ابن الزبير و ندور المخالف معروف ثممم إنممه‬

‫وقممع مثممل ذلممك مممن بعممد معاويممة مممن الخلفمماء الممذين كممانوا‬
‫يتحرون الحق و يعملون به مثل عبممد الملممك و سممليمان مممن‬
‫بني أمية و السفاح والمنصممور والمهممدي و الرشمميد مممن بنممي‬
‫العبمماس و أمثممالهم ممممن عرفممت عممدالتهم و حسممن رأيهممم‬
‫للمسمملمين و النظممر لهممم و ل يعمماب عليهممم إيثممار أبنممائهم و‬
‫إخمموانهم و خروجهممم عممن سممنن الخلفمماء الربعممة فممي ذلممك‬
‫فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فأنهم كانوا علممى حيممن لممم‪.‬‬
‫تحدث طبيعة الملك و كان الوازع ديني ما ً فعنممد كممل أحممد وازع‬
‫من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط و آثممروه علممى‬
‫غيره و وكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعممه‪ .‬و أممما مممن‬
‫بعدهم من لدن معاويممة فكممانت العصممبية قممد أشممرفت علممى‬
‫غايتها من الملممك و المموازع الممديني قممد ضممعف و احتيممج إلممى‬
‫الوازع السلطاني و العصباني فلو عهد إلى غير مممن ترتضمميه‬
‫العصبية لردت ذلمك العهمد و انتقمض أمممره سممريعا ً و صممارت‬
‫الجماعة إلى الفرقة و الختلف‪.‬‬
‫سأل رجل عليا ً رضي الله عنممه‪ :‬ممما بممال المسمملمين اختلفمموا‬
‫عليك و لم يختلفوا على أبي بكر و عمر فقال‪ :‬لن أبا بكممر و‬
‫عمر كانا واليين على مثلي و أنا اليوم وال على مثلممك يشممير‬
‫إلى وازع الدين أفل ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بممن‬
‫موسممى بممن جعفممر الصممادق و سممماه الرضمما كيممف أنكممرت‬
‫العباسية ذلك و نقضوا بيعته و بايعوا لعمه بن المهدي و ظهر‬
‫من الهرج و الخلف وانقطاع السبل و تعدد الثوار و الخوارج‬
‫ما كاد أن يصطلم المر حتى بادر المأمون من خراسان إلممى‬
‫بغداد ورد أمرهم لمعاهده فل بد من اعتبممار ذلممك فممي العهممد‬
‫فالعصور تختلف باختلف ما يحدث فيها من المور و القبممائل‬
‫و العصبيات و تختلممف بمماختلف المصممالح و لكممل واحممد منهمما‬
‫حكم يخصممه لطفما ً مممن اللممه بعبمماده و أممما أن يكممون القصممد‬
‫بالعهد حفظ التراث على البناء فليس مممن المقاصممد الدينيممة‬
‫إذ هو أمر من الله يخص به مممن يشمماء مممن عبمماده ينبغممي أن‬
‫تحسن فيه النية ما أمكن خوفا ً من العبث بالمناصممب الدينيممة‬

‫و الملممك للممه يممؤتيه مممن يشمماء‪ ،‬و عممرض هنمما أمممور تممدعو‬
‫الضرورة إلى بيان الحق فيها‪.‬‬
‫فالول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلفته فإيمماك‬
‫أن تظن بمعاوية رضي الله عنه أنه علم ذلك مممن يزيممد فممإنه‬
‫أعدل من ذلك و أفضل بل كان يعذله أيام حيماته فمي سمماع‬
‫الغناء و ينهاه عنه و هو أقل من ذلممك و كممانت مممذاهبهم فيممه‬
‫مختلفة و لما حدث في يزيد ممما حممدث مممن الفسممق اختلممف‬
‫الصممحابة حينئذ فممي شممأنه فمنهممم مممن رأى الخممروج عليممه و‬
‫نقض بيعته من أجل ذلك كما فعممل الحسممين و عبمد اللممه بمن‬
‫الزبير رضي الله عنهما و من اتبعهما فممي ذلممك و منهممم مممن‬
‫أباه لما فيه من إثممارة الفتنممة و كممثرة القتممل مممع العجممز عممن‬
‫الوفمماء بممه لن شمموكة يزيممد يممومئذ هممي عصممابة بنممى أميممة و‬
‫جمهور أهل الحل و العقد من قريش و تستتبع عصممبية مضممر‬
‫أجمممع و هممي أعظممم مممن كممل شمموكة و ل تطمماق مقمماومتهم‬
‫فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك وأقاموا على الدعاء بهممدايته و‬
‫الراحممة منممه و هممذا كممان شممأن جمهممور المسمملمين و الكممل‬
‫مجتهدون و ل ينكر على أحد من الفريقيممن فمقاصممدهم فممي‬
‫البر و تحري الحق معروفة وفقنا الله للقتداء بهم‪.‬‬
‫و المر الثاني هو شممأن العهممد مممع النممبي صمملى اللممه عليممه و‬
‫سلم و ما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي رضممي اللممه عنممه و‬
‫هو أمر لم يصح و ل نقله أحد من أئمة النقل و الذي وقع في‬
‫الصحيح من طلب الممدواة و القرطمماس ليكتممب الوصممية و أن‬
‫عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقممع و كممذا قممول‬
‫عمر رضي الله عنه حين طعن و سئل فممي العهممد فقممال‪ :‬إن‬
‫أعهد فقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر و إن أترك فقممد‬
‫ترك من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه و سمملم لممم‬
‫يعهد و كذلك قول علي للعباس رضي الله عنهما حيممن دعمماه‬
‫للممدخول إلممى النممبي صمملى اللممه عليممه و سمملم يسممألنه عممن‬
‫شأنهما في العهد فأبى علممى مممن ذلممك و قممال إنممه إن منعنمما‬
‫منها فل نطمع فيها آخر الدهر و هذا دليل على أن علي ما ً علممم‬
‫أنه لم يوص و ل عهد إلى أحد و شبهة المامية في ذلك إنممما‬

‫هي كون المامة من أركان الدين كما يزعمون و ليس كذلك‬
‫و إنما هي من المصالح العامة المفوضة إلممى نظممر الخلممق و‬
‫لو كانت من أركان الدين لكان شممأنها شممأن الصمملة و لكممان‬
‫يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلة و لكان يشتهر‬
‫كما اشتهر أمر الصلة و احتجمماج الصممحابة علممى خلفممة أبممي‬
‫بكر بقياسها على الصلة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى‬
‫اللممه عليممه و سمملم لممديننا أفل نرضمماه لممدنيانا دليممل علممى أن‬
‫الوصية لم تقع‪ .‬و يدل ذلك أيضا ً على أن أمر المامة و العهد‬
‫بها لم يكن مهما كما هو اليوم و شأن العصبية المراعاة فممي‬
‫الجتماع و الفتراق في مجاري العادة لمم يكممن يممومئذ بمذلك‬
‫العتبار لن أمر الدين و السلم كان كله بخوارق العادة مممن‬
‫تأليف القلوب عليه و استماتة الناس دونممه و ذلممك مممن أجممل‬
‫الحوال التي كانوا يشاهدونها في حضور الملئكة لنصممرهم و‬
‫تردد خبر السماء بينهم و تجدد خطمماب اللممه فممي كممل حادثممة‬
‫تتلى عليهم فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمممل النمماس‬
‫مممن صممبغة النقيمماد و الذعممان وممما يسممتفزهم مممن تتممابع‬
‫المعجممزات الخارقممة و الحمموال اللهيممة الواقعممة و الملئكممة‬
‫المترددة التي وجموا منها و دهشمموا مممن تتابعهمما فكممان أمممر‬
‫الخلفممة و الملممك و العهممد والعصممبية و سممائر هممذه النممواع‬
‫مندرجا ً في ذلك القبيممل كممما وقممع فلممما انحصممر ذلممك المممدد‬
‫بممذهاب تلممك المعجممزات ثممم بفنمماء القممرون الممذين شمماهدوها‬
‫فاستحالت تلك الصممبغة قليل ً قليل ً و ذهبممت الخمموارق و صممار‬
‫الحكم للعادة كما كان فاعتبر أمر العصبية و مجمماري العمموائد‬
‫فيممما ينشممأ عنهمما مممن المصممالح و المفاسممد و أصممبح الملممك‬
‫والخلفة و العهد بهما مهما ً من المهمات الكيدة كممما زعممموا‬
‫و لم يكن ذلك من قبل فانظر كيف كانت الخلفة لعهد النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم غير مهمة فلم يعهممد فيهمما ثممم تممدرجت‬
‫الهمية زمان الخلفة بعض الشيء بما دعممت الضممرورة إليممه‬
‫في الحماية والجهاد و شأن الردة و الفتوحات فكانوا بالخيممار‬
‫في الفعل و الترك كما ذكرناه عن عمر رضمي اللمه عنممه ثممم‬
‫صارت اليوم من أهم المممور لللفممة علممى الحمايممة و القيممام‬

‫بالمصالح فاعتبرت فيها العصبية الممتي هممي سممر المموازع عممن‬
‫الفرقة و التخاذل و منشأ الجتماع و التوافق الكفيل بمقاصد‬
‫الشريعة و أحكامها‪.‬‬
‫و المممر الثممالث شممأن الحممروب الواقعممة فممي السمملم بيممن‬
‫الصحابة و التابعين فاعلم أن اختلفهم إنممما يقممع فممي المممور‬
‫الدينية و ينشأ عن الجتهاد فممي الدلممة الصممحيحة و المممدارك‬
‫المعتبرة و المجتهممدون إذا اختلفمموا فممإن قلنمما إن الحممق فممي‬
‫المسائل الجتهادية واحد من الطرفين و من لم يصادفه فهو‬
‫مخطئ فإن جهته ل تتعين بإجماع فيبقى الكل علممى احتمممال‬
‫الصابة و ل يتعين المخطئ منها و التأثيم مممدفوع عممن الكممل‬
‫إجماعمما ً و إن قلنمما إن الكممل حممق و إن كممل مجتهممد مصمميب‬
‫فممأحرى بنفممي الخطممأ و التممأثيم و غايممة الخلف الممذي بيممن‬
‫الصحابة و التابعين أنه خلف اجتهادي في مسائل دينية ظنية‬
‫و هذا حكمه و الذي وقع من ذلك في السلم إنما هو واقعممة‬
‫علممى مممع معاويممة و مممع الزبيممر و عائشممة و طلحممة و واقعممة‬
‫الحسين مع يزيد و واقعة ابن الزبير مممع عبممد الملممك فأممما و‬
‫واقعة علي فإن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفممترقين فممي‬
‫المصار فلم يشهدوا بيعة علي و الممذين شممهدوا فمنهممم مممن‬
‫بايع و منهم من توقف حتى يجتمع الناس و يتفقوا على إمام‬
‫كسعد و سعيد و ابن عمممر و أسممامة بممن زيممد و المغيممرة بممن‬
‫شعبة و عبد الله بن سلم و قدامة بن مظعون و أبممى سممعيد‬
‫الخدري و كعب بن مالك و النعمممان بممن بشممير و حسممان بممن‬
‫ثابت و مسلمة بن مخلممد و فضممالة بممن عبيممد و أمثممالهم مممن‬
‫أكابر الصحابة و الذين كممانوا فممي المصممار عممدلوا عممن بيعتممه‬
‫أيضا ً إلى الطلب بدم عثمان و تركوا المر فوضى حتى يكون‬
‫شورى بين المسلمين لمن يولونه و ظنمموا بعلممي همموادة فممي‬
‫السكوت عن نصممر عثمممان مممن قمماتله ل فممي الممممالة عليممه‬
‫فحاش لله من ذلك‪.‬‬
‫و لقد كان معاوية إذا صممرح بملمتممه إنممما يوجههمما عليممه فممي‬
‫سكوته فقط ثم اختلفوا بعممد ذلممك فممرأى علممي أن بيعتممه قممد‬
‫انعقدت و لزمت ممن تمأخر عنهما باجتمماع ممن اجتممع عليهما‬

‫بالمدينة دار النبي صلى الله عليه و سلم و ممموطن الصممحابة‬
‫و أرجأ المر في المطالبة بدم عثمان إلممى اجتممماع النمماس و‬
‫اتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك و رأى الخرون أن بيعته‬
‫لم تنعقد لفتراق الصحابة أهل الحممل و العقممد بالفمماق و لممم‬
‫يحصر إل قليل و ل تكون البيعة إل باتفاق أهل الحل و العقممد‬
‫و ل تلزم بعقد من تولها من غيرهممم أو مممن القليممل منهممم و‬
‫إن المسمملمين حينئذ فوضممى فيطممالبون أول ً بممدم عثمممان ثممم‬
‫يجتمعمون علمى إممام وذهمب إلمى همذا معاويمة و عممرو بمن‬
‫العمماص و أم المممؤمنين عائشممة و الزبيممر و ابنممه عبممد اللممه و‬
‫طلحة و ابنه محمممد و سممعد و سممعيد و النعمممان بممن بشممير و‬
‫معاوية بن خديج و من كان على رأيهممم مممن الصممحابة الممذين‬
‫تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة كممما ذكرنمما إل أن أهممل العصممر‬
‫الثاني من بعممدهم اتفقمموا علممى انعقمماد بيعممة علممي و لزومهمما‬
‫للمسلمين أجمعين و تصويب رأيممه فيممما ذهممب إليممه و تعييممن‬
‫الخطأ من جهة معاوية و من كان على رأيه و خصوصا ً طلحة‬
‫و الزبير لنتقاضهما على علي بعد البيعة له فيما نقل مع دفع‬
‫التأثيم عن كل من الفريقين كالشأن في المجتهممدين و صممار‬
‫ذلك إجماعا ً مممن أهممل العصممر الثمماني علممى أحممد قممولي أهممل‬
‫العصر الول كما هو معروف‪.‬‬
‫و لقد سئل علي رضي الله عنممه عممن قتلممى الجمممل وصممفين‬
‫فقال‪ :‬و الذي نفسي بيممده ل يممموتن أحممد مممن هممؤلء و قلبممه‬
‫نقي إل دخل الجنة يشير إلى الفريقين نقله الطبري و غيممره‬
‫فل يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم و ل قدح في شيء‬
‫من ذلك فهم من علمت و أقوالهم و أفعممالهم إنممما هممي عممن‬
‫المستندات و عدالتهم مفروغ منها عند أهممل السممنة إل قممول ً‬
‫للمعتزلة فيمن قاتل عليا ً لم يلتفت إليه أحد من أهل الحق و‬
‫ل عممرج عليممه و إذا نظممر ت بعيممن النصمماف عممذرت النمماس‬
‫أجمعين فممي شممأن الختلف فممي عثمممان و اختلف الصممحابة‬
‫ة ابتلممى اللممه بهمما المممة بينممما‬
‫من بعد و علمت أنها كانت فتنم ً‬
‫المسلمون قد أذهب الله عدوهم و ملكهم أرضهم و ديممارهم‬
‫و نزلوا المصار على حدودهم بالبصرة و الكوفممة و الشممام و‬

‫مصر و كان أكثر العرب الذين نزلوا همذه المصمار جفماة ً لمم‬
‫يسممتكثروا مممن صممحبة النممبي صمملى اللممه عليممه و سمملم و ل‬
‫ارتاضوا بخلقه مع ما كان فيهمم مممن الجاهليممة ممن الجفماء و‬
‫العصبية و التفاخر و البعد عن سكينة اليمان و إذا بهممم عنممد‬
‫استفحال الدولة قد أصبحوا في ملكممة المهمماجرين و النصممار‬
‫من قريش وكنانممة و ثقيممف و هممذيل و أهممل الحجمماز و يممثرب‬
‫السابقين الولين إلى اليمان فاستنكفوا من ذلك و غضوا بممه‬
‫لما يرون لنفسهم من التقدم بأنسابهم و كممثرتهم ومصممادمة‬
‫فارس و الروم مثل قبممائل بكممر بممن وائل و عبممد القيممس بممن‬
‫ربيعة و قبائل كنممدة و الزد مممن اليمممن و تميممم و قيممس مممن‬
‫مضممر فصمماروا إلممى الغممض مممن قريممش و النفممة عليهممم‪ ،‬و‬
‫التمريض في طمماعتهم و التعلممل فممي ذلممك بممالتظلم منهممم و‬
‫الستعداء عليهم والطعن فيهم بالعجز عمن السموية و العمدل‬
‫في العدل عن السوية و فشت المقالممة بممذلك و انتهممت إلممى‬
‫المدينة و هم من علممت فمأعظموه و أبلغموه عثمممان فبعمث‬
‫إلى المصار من يكشف له الخبر‪.‬‬
‫بعث ابن عمر و محمد بن مسلمة و أسامة بن زيد و أمثالهم‬
‫فلم ينكروا علممى المممراء شمميئا ً و ل رأوا عليهممم طعن ما ً و أدوا‬
‫ذلممك كممما علممموه فلممم ينقطممع الطعممن مممن أهممل المصممار و‬
‫مازالت الشناعات تنمو و رمي الوليممد بممن عقبممة و هممو علممى‬
‫الكوفممة بشممرب الخمممر و شممهد عليممه جماعممة منهممم و حممده‬
‫عثمان و عزلة ثم جاء إلى المدينة من أهل المصار يسممألون‬
‫عزل العمال و شكوا إلى عائشة و علي و الزبيممر و طلحممة و‬
‫عزل لهم عثمان بعض العمال فلم تنقطع بذلك ألسممنتهم بممل‬
‫وفد سعيد بن العاصي وهو على الكوفة فلما رجممع اعترضمموه‬
‫بالطريق و ردوه معزول ً ثم انتقممل الخلف بيممن عثمممان ومممن‬
‫معه من الصحابة بالمدينة و نقموا عليه امتنمماعه مممن العممزل‬
‫فأبى إل أن يكون على جرحة ثم نقلوا النكير إلممى غيممر ذلممك‬
‫من أفعاله و هو متمسك بالجتهاد و هم أيضا ً كذلك ثم تجمممع‬
‫قوم من الغوغاء وجاءوا إلى المدينة يظهرون طلممب النصممفة‬
‫من عثمان و هم يضمرون خلف ذلك من قتلممه و فيهممم مممن‬

‫البصرة و الكوفة و مصر وقام معهم في ذلك علي و عائشممة‬
‫و الزبير و طلحة و غيرهم يحماولون تسمكين الممور و رجمموع‬
‫عثمان إلى رأيهم و عزل لهم عامل مصر فانصرفوا قليل ً ثممم‬
‫رجعوا و قد لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوة فممي يممد‬
‫حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم و حلف عثمان علممى ذلممك‬
‫فقالوا مكنا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال ليممس‬
‫في الحكم أكثر من هذا فحاصروه بداره ثم بيتوه علممى حيممن‬
‫غفلة من الناس و قتلوه وانفتح باب الفتنة فلكممل مممن هممؤلء‬
‫عذر فيما وقع و كلهم كانوا مهتمين بمأمر الممدين ول يضمميعون‬
‫شيئا ً من تعلقاته‪.‬‬
‫ثممم نظممروا بعممد هممذا الواقممع و اجتهممدوا و اللممه مطلممع علممى‬
‫أحوالهم و عالم بهم و نحن ل نظن بهم إل خيرا ً لممما شممهدت‬
‫به أحوالهم و مقالت الصادق فيهم و أمما الحسمين فمإنه لمما‬
‫ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل‬
‫الممبيت بالكوفممة للحسممين أن يممأتيهم فيقوممموا بممأمره فممرأى‬
‫الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه ل سيما‬
‫من له القدرة على ذلك و ظنها من نفسمه بمأهليته و شموكته‬
‫فأما الهلية فكانت كممما ظممن و زيممادة و أممما الشمموكة فغلممط‬
‫يرحمه الله فيها لن عصبية مضر كانت في قريش و عصممبية‬
‫عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهممم قريممش و‬
‫سائر الناس و ل ينكرونه و إنما نسي ذلممك أول السمملم لممما‬
‫شممغل النمماس ممن المذهول بمالخوارق و أمممر المموحي و تممردد‬
‫الملئكة لنصرة المسلمين فممأغفلوا أمممور عمموائدهم و ذهبممت‬
‫عصبية الجاهليممة و منازعهمما و نسمميت و لممم يبممق إل العصممبية‬
‫الطبيعية في الحماية و الدفاع ينتفع بهمما فممي إقامممة الممدين و‬
‫جهاد المشركين و الدين فيها محكممم و العممادة معزولممة حممتى‬
‫إذا انقطع أمر النبؤة و الخوارق المهولة تراجع الحكممم بعممض‬
‫الشيء للعوائد فعممادت العصممبية كممما كممانت و لمممن كممانت و‬
‫أصبحت مصر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهممم مممن‬
‫ذلك قبل فقد تبين لك غلط الحسين إل أنه في أمر دنيمموي ل‬
‫يضره الغلط فيه و أما الحكم الشرعي فلممم يغلممط فيممه لنممه‬

‫منوط بظنه و كان ظنه القدرة علممى ذلممك و لقممد عممذله ابممن‬
‫العباس و ابن الزبير و ابن عمر و ابن الحنفية أخمموه و غيممره‬
‫في مسيره إلى الكوفة و علموا غلطه في ذلممك و لممم يرجممع‬
‫عما هو بسبيله لما أراده الله‪.‬‬
‫و أما غير الحسين من الصممحابة الممذين كممانوا بالحجمماز و مممع‬
‫يزيد بالشام والعراق و مممن التممابعين لهممم فممرأوا أن الخممروج‬
‫على يزيد و إن كان فاسقا ً ل يجوز لما ينشأ عنه من الهرج و‬
‫الدماء فأقصروا عن ذلممك و لممم يتممابعوا الحسممين و ل أنكممروا‬
‫عليه و ل أثموه لنه مجتهد و هو أسوة المجتهدين و ل يذهب‬
‫بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلء بمخالفة الحسين و قعممودهم‬
‫عن نصره فإنهم أكثر الصممحابة و كممانوا مممع يزيممد و لممم يممروا‬
‫الخروج عليه و كان الحسين يستشهد بهم و هو بكربلء على‬
‫فصله و حقه و يقول سمملوا جممابر بممن عبممد اللممه و أبمما سممعيد‬
‫الخدري و أنس بن مالك و سهل بن سعيد و زيد بممن أرقممم و‬
‫أمثالهم و لم ينكر عليهم قعودهم عن نصره و ل تعرض لذلك‬
‫لعلمه أنه عن اجتهاد و إن كان هو على اجتهاد و يكممون ذلممك‬
‫كما يحد الشافعي و المالكي و الحنفي علممى شممرب النبيممذ و‬
‫اعلم أن المر ليس كذلك و قتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلء و‬
‫إن كممان خلفممه عممن اجتهممادهم و إنممما انفممرد بقتمماله يزيممد و‬
‫أصحابه و ل تقولن إن يزيد و إن كان فاسقا ً و لم يجز هممؤلء‬
‫الخروج عليه فأفعاله عندهم صممحيحة و اعلممم أنممه إنممما ينفممذ‬
‫من أعمال الفاسق ما كممان مشممروعا ً و قتممال البغمماة عنممدهم‬
‫من شممرطه أن يكممون مممع المممام العممادل و هممو مفقممود فممي‬
‫مسئلتنا فل يجوز قتال الحسين مممع يزيممد و ل ليزيممد بممل هممي‬
‫من فعلته المؤكدة لفسقه و الحسين فيها شهيد مثاب و هممو‬
‫على حق و اجتهاد و الصحابة الذين كانوا مع يزيد علممى حممق‬
‫أيضا ً و اجتهاد و قد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي‬
‫في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم و القواصم ممما‬
‫معناه‪:‬‬
‫إن الحسين قتل بشرع جده و هو غلممط حملتممه عليممه الغفلممة‬
‫عن اشتراط المممام العممادل و مممن أعممدل مممن الحسممين فممي‬

‫زمانه في إمامته و عممدالته فممي قتممال أهممل الراء و أممما ابممن‬
‫الزبير فإنه رأى في منامه ما رآه الحسين و ظن كممما ظممن و‬
‫غلطه في أمر الشوكة أعظم لن بني أسممد ل يقمماومون بنممي‬
‫أمية في جاهلية و ل إسلم‪ .‬و القول بتعين الخطاء فممي جهممة‬
‫مخالفة كما كان في جهة معاوية مع علي ل سممبيل إليممه‪ .‬لن‬
‫الجماع هنالك قضى لنا بممه و لممم نجممده همما هنمما‪ .‬و أممما يزيممد‬
‫فعين خطأه فسقه‪ .‬و عبد الملك صمماحب ابممن الزبيممر أعظممم‬
‫الناس عدالة و ناهيك بعدالته احتجمماج مالممك بفعلممه و عممدول‬
‫ابن عباس و ابن عمر إلى بيعته عممن ابممن الزبيممر و هممم معممه‬
‫بالحجاز مع أن الكثير من الصحابة كممانوا يممرون أن بيعممة ابممن‬
‫الزبير لم تنعقد لنه لممم يحضممرها أهممل العقممد و الحممل كبيعممة‬
‫مممروان و ابممن الزبيممر علممى خلف ذلممك و الكممل مجتهممدون‬
‫محمولون على الحق في الظمماهر و إن لممم يتعيممن فممي جهممة‬
‫منهما و القتل الذي نزل به بعد تقرير ما قررناه يجيممء علممى‬
‫قواعد الفقه و قوانينه مع أنه شممهيد مثمماب باعتبممار قصممده و‬
‫تحريممه الحممق هممذا هممو الممذي ينبغممي أن تحمممل عليممه أفعممال‬
‫السلف من الصحابة و التابعين فهم خيار المة و إذا جعلناهم‬
‫عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالممة و النممبي صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم يقول‪ :‬خير الناس قرني ثم الذين يلونهم مرتيممن‬
‫أو ثلثا ً ثم يفشو الكذب فجعل الخيرة و هي العدالة مختصممة‬
‫بالقرن الول و الذي يليممه فإيمماك أن تعممود نفسممك أو لسممانك‬
‫التعرض لحد منهم و ل يشوش قلبك بالريب في شمميء مممما‬
‫وقع مهم و التمس لهم مذاهب الحق و طرقه ممما اسممتطعت‬
‫فهم أولى الناس بذلك و ما اختلفوا إل عن بينة و ما قاتلوا أو‬
‫قتلوا إل في سبيل جهاد أو إظهممار حممق واعتقممد مممع ذلممك أن‬
‫اختلفهم رحمة لمن بعدهم من المة ليقتدي كل واحممد بمممن‬
‫يختاره منهم و يجعله إمممامه و هاديممة و دليلممه فممافهم ذلممك و‬
‫تبين حكمه الله في خلقه و أكوانه و اعلم أنه على كل شيء‬
‫قدير و إليه الملجأ و المصير و الله تعالى أعلم‪.‬‬

‫الفصممل الحممادي و الثلثممون فممي الخطممط الدينيممة‬
‫الخلفية‬
‫لما تبين أن حقيقممة الخلفممة نيابممة عممن صمماحب الشممرع فممي‬
‫حفظ الدين و سياسة الممدنيا فصمماحب الشممرع متصممرف فممي‬
‫المرين أما في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية الذي هممو‬
‫مممأمور بتبليغهمما و حمممل النمماس عليهمما و أممما سياسممة الممدنيا‬
‫فبمقتضممى رعممايته لمصممالحهم فممي العمممران البشممري و قممد‬
‫قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشممر و أن رعايممة مصممالحه‬
‫كذلك لئل يفسد إن أهملت و قدمنا أن الملك و سطوته كاف‬
‫في حصول هذه المصالح‪.‬‬
‫نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالحكممام الشمرعية لنممه أعلمم‬
‫بهذه المصالح فقد صار الملك ينمدرج تحمت الخلفمة إذا كمان‬
‫إسلميا و يكون من توابعها و قد ينفر إذا كان في غيممر الملممة‬
‫و له علممى كممل حممال مراتممب خادمممة و وظممائف تابعممة تتعيممن‬
‫خططا ً و تتوزع على رجال الدولة وظممائف فيقمموم كممل واحممد‬
‫ة عليهممم‬
‫بوظيفته حسبما يعينه الملك الممذي تكممون يممده عالي م ً‬
‫فيتم بمذلك أممره و يحسمن قيمامه بسملطانه و أمما المنصمب‬
‫الخلفممي و إن كممان الملممك ينممدرج تحتممه بهممذا العتبممار الممذي‬
‫ذكرناه فتصرفه الديني يخممص بخطممط و مراتممب ل تعممرف إل‬
‫للخلفمماء السمملميين فلنممذكر الن الخطممط الدينيممة المختصممة‬
‫بالخلفة و نرجع إلى الخطط الملوكية السلطانية‪.‬‬
‫فاعلم أن الخطممط الدينيممة الشممرعية مممن الصمملة و الفتيمما و‬
‫لقضاء و الجهاد و الحسبة كلها مندرجة تحت المامة الكممبرى‬
‫التي هي الخلفة فكأنها المام الكبير و الصل الجامع و هممذه‬
‫كلها متفرعة عنها و داخلة فيها لعموم نظر الخلفة وتصممرفها‬
‫فممي سممائر أحمموال الملممة الدينيممة و الدنيويممة و تنفيممذ أحكممام‬
‫الشرع فيها على العموم‪.‬‬
‫فأما إمامة الصلة فهي أرفع هذه الخطممط كلهمما و أرفممع مممن‬
‫الملك بخصوصه المندرج معهمما تحممت الخلفممة‪ .‬و لقممد يشممهد‬
‫لذلك استدلل الصحابة في شمأن أبمي بكمر رضمي اللمه عنممه‬
‫باسممتخلفه فممي الصمملة علممى اسممتخلفه فممي السياسممة فممي‬

‫قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه و سمملم لممديننا أفل‬
‫نرضاه لدنيانا ؟ فلول أن الصلة أرفع من السياسمة لمما صمح‬
‫القيمماس و إذا ثبممت ذلممك فمماعلم أن المسمماجد فممي المدينممة‬
‫صممنفان مسمماجد عظيمممة كممثيرة الغاشممية معممدة للصمملوات‬
‫المشهودة‪ .‬و أخممرى دونهمما مختصممة بقمموم أو محلممة وليسممت‬
‫للصلوات العامة فأما المساجد العظيمممة فأمرهمما راجممع إلممى‬
‫الخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو من وزيممر أو قمماض‬
‫فينصب لها المام في الصلوات الخمس و الجمعة و العيمدين‬
‫و الخسوفين و الستسقاء و تعين ذلك إنممما هممو مممن طريممق‬
‫الولى و الستحسان و لئل ً يفتات الرعايا عليه في شيء من‬
‫النظر في المصالح العامة وقد يقول بالوجوب في ذلممك مممن‬
‫يقول بوجوب إقامة الجمعة فيكممون نصممب المممام لهمما عنممده‬
‫واجبا ً و أما المساجد المختصة بقمموم أو محلممة فأمرهمما راجممع‬
‫إلى الجيران و ل تحتاج إلى نظر خليفة و ل سلطانا و أحكممام‬
‫هذه الوليممة و شممروطها و المممولى فيهمما معروفممة فممي كتممب‬
‫الفقه و مبسوطة في كتب الحكممام السمملطانية للممماوردي و‬
‫غيره فل نطول بذكرها و لقد كان الخلفاء الولون ل يقلدونها‬
‫لغيرهممم مممن النمماس‪ .‬و انظممر مممن طعممن مممن الخلفمماء فممي‬
‫المسجد عند الذان بالصمملة و ترصممدهم لممذلك فممي أوقاتهمما‪.‬‬
‫يشهد لك ذلك بمباشرتهم لها و أنهمم لمم يكونموا مسمتخلفين‬
‫فيها‪ .‬و كذا كان رجال الدولة الموية من بعدهم اسمتئثارا ً بهما‬
‫و استعظاما ً لرتبتها‪.‬‬
‫ه‬
‫يحكى عن عبد الملك أنه قال لحاجبه قممد جعلممت لممك حجمماب ً‬
‫يأبى إل عن ثلثة صاحب الطعام فإنه يفسد بالتأخير و الذان‬
‫بالصلة فإنه داع إلى اللممه و البريممد فممال فممي تممأخيره فسمماد‬
‫القاصية فلما جاءت طبيعة الملك و عوارضممه مممن الغلظممة و‬
‫الترفع عن مساواة الناس في دينهم و دنيمماهم اسممتنابوا فممي‬
‫الصلة فكممانوا يسممتأثرون بهمما فممي الحيممان و فممي الصمملوات‬
‫العامة كالعيدين و الجمعة إشارةً و تنويها ً فعل ذلك كثير مممن‬
‫خلفاء بني العباس و العبيديين صدر دولتهم‪.‬‬

‫و أما الفتيا فللخليفة تصفح أهل العلم و التدريس و رد الفتيا‬
‫إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلممك و منممع مممن ليممس أهل‬
‫لها و زجره لنها من مصمالح المسملمين فمي أديمانهم فتجمب‬
‫عليه مراعاتها لئل يتعرض لممذلك مممن ليممس لممه بأهممل فيضممل‬
‫الناس‪ .‬وللمدرس النتصمماب لتعليممم العلممم و بثممه و الجلمموس‬
‫لذلك في المساجد فممإن كممانت مممن المسمماجد العظممام الممتي‬
‫للسلطان الولية عليها و النظر في أئمتها كما مر فل بد مممن‬
‫استئذانه في ذلك و إن كانت من مساجد العامممة فل يتوقممف‬
‫ذلممك‪ .‬علممى إذن‪ .‬علممى أنممه ينبغممي أن يكممون لكممل أحممد مممن‬
‫المفتين و المدرسين زاجر من نفسه يمنعه عن التصدي لممما‬
‫ليس له بأهل فيضل به المستهدي و يضممل بممه المسترشممد و‬
‫في الثممر أجراكممم علممى الفتيمما أجراكممم علممى جراثيممم جهنممم‬
‫فللسلطان فيهم لذلك مممن النظممر ممما تمموجبه المصمملحة مممن‬
‫إجازة أو رد‪.‬‬
‫و أما القضاء فهو من الوظممائف الداخلممة تحممت الخلفممة لنممه‬
‫منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسممما ً للتممداعي و‬
‫قطعا ً للتنازع إل أنه بالحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب و‬
‫السممنة‪ ،‬فكممان لممذلك مممن وظممائف الخلفممة و منممدرجا ً فممي‬
‫عمومها و كان الخلفاء في صدر السلم يباشممرونه بأنفسممهم‬
‫و ل يجعلون القضاء إلى من سممواهم‪ .‬و أول مممن دفعممه إلممى‬
‫غيره و فوضه فيه عمر رضي الله عنه فولى أبا الدرداء معممه‬
‫بالمدينة و ولى شريحا ً بالبصرة و ولى أبمما موسممى الشممعري‬
‫بالكوفة و كتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليممه‬
‫أحكام القضاة و هي مستوفاة فيه يقول أما بعد‪ :‬فإن القضاء‬
‫فريضة محكمة و سممنة متبعممة فممافهم إذا أدلممي إليممك فممإنه ل‬
‫ينفع تكلم بحممق ل نفمماذ لممه و آس بيممن النمماس فممي وجهممك و‬
‫مجلسك و عدلك حتى ل يطمع شريف في حيفممك و ل ييممأس‬
‫ضعيف من عدلك البينة على من ادعممى و اليميممن علممى مممن‬
‫أنكر‪ .‬و الصلح جائز بين المسمملمين إل صمملحا ً أحممل حرامما ً أو‬
‫حرم حلل ً و ل يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيممه‬
‫عقلك و هديت فيه لرشدك أن ترجع إلممى الحممق فممإن الحممق‬

‫قديم و مراجعة الحق خير مممن التمممادي فممي الباطممل الفهممم‬
‫الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتمماب و ل سممنة‬
‫ثم اعرف المثال و الشباه و قس الممور بنظائرهما و اجعمل‬
‫ة أمدا ً ينتهي إليه فإن أحضممر بينتممه‬
‫لمن ادعى حقا ً غائبا ً أو بين ً‬
‫أخذت له بحقه و إل استحللت القضاء عليممه فمإن ذلمك أنفممى‬
‫للشك و أجلى للعمى‪ .‬المسلمون عدول بعضهم علممى بعممض‬
‫إل مجلودا ً في حد أو مجرى عليممه شممهادة زور أو ظنين ما ً فممي‬
‫نسممب أو ولء‪ ،‬فممإن اللممه سممبحانه عفمما عممن اليمممان و درأ‬
‫بالبينات‪ .‬و إياك و القلق و الضممجر و التممأفف بالخصمموم فممإن‬
‫اسمتقرار الحمق فمي ممواطن الحمق يعظمم اللمه بمه الجمر و‬
‫يحسن به الذكر و السلم‪.‬‬
‫انتهى كتاب عمر و إنما كممانوا يقلممدون القضمماء لغيرهممم و إن‬
‫كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة و كثرة أشغالها‬
‫من الجهاد و الفتوحات و سممد الثغممور وحمايممة البيضممة‪ ،‬و لممم‬
‫يكممن ذلممك مممما يقمموم بممه غيرهممم لعظممم العنايممة فاسممتحقوا‬
‫القضاء في الواقعات بين الناس و استخلفوا فيه من يقوم به‬
‫تخفيف ما ً علممى أنفسممهم و كممانوا مممع ذلممك إنممما يقلممدونه أهممل‬
‫عصبيتهم بالنسب أو الولء و ل يقلدونه لمممن بعممد عنهممم فممي‬
‫ذلك‪ .‬و أما أحكام هذا المنصب و شروطه فمعروفة في كتب‬
‫الفقه و خصوصا ً كتب الحكام السلطانية‪ .‬إل أن القاضي إنما‬
‫كان له في عصر الخلفاء الفصل بين الخصوم فقط ثممم دفممع‬
‫لهممم بعممد ذلممك أمممور أخممرى علممى التدريممج بحسممب اشممتغال‬
‫الخلفاء و الملوك بالسياسة الكبرى و استقر منصب القضمماء‬
‫آخر المر على أنه يجمع مممع الفصممل بيممن الخصمموم اسممتيفاء‬
‫بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أممموال المحجممور‬
‫عليهم من المجانين و اليتامى و المفلسممين و أهممل السممفه و‬
‫في وصايا المسلمين و أوقممافهم و تزويممج اليممامى عنممد فقممد‬
‫الولياء على رأي من رآه و النظممر فممي مصممالح الطرقممات و‬
‫البنية و تصفح الشهود و المناء و النواب و استيفاء العلممم و‬
‫الخممبرة فيهممم بالعدالممة و الجممرح ليحصممل لممه الوثمموق بهممم و‬
‫صارت هذه كلها مممن تعلقمات وظيفتمه و توابممع وليتمه‪ .‬و قمد‬

‫كان الخلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر فممي المظممالم و‬
‫هي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة و نصممفة القضمماء و‬
‫تحتاج إلى علو يد و عظيم رهبة تقمع الظالم مممن الخصمممين‬
‫و تزجر المتعدي و كأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن‬
‫إمضممائه و يكممون نظممره فممي البينممات و التقريممر و اعتممماد‬
‫المارات و القرائن و تأخير الحكم إلى استجلء الحق و حمل‬
‫الخصمين على الصلح و استحلف الشهود و ذلك أوسممع مممن‬
‫نظر القاضي‪.‬‬
‫و كان الخلفاء الولون يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتممدي‬
‫من بني العباس و ربممما كممانوا يجعلونهمما لقضمماتهم كممما فعممل‬
‫عمر رضي الله عنه مع قاضيه أبمي أدريمس الخمولني و كمما‬
‫فعله المأمون ليحيى بن أكثم و المعتصم لحمد بن أبممي داود‬
‫و ربممما كممانوا يجعلممون للقاضممي قيممادة الجهمماد فممي عسمماكر‬
‫الطوائف و كان يحيى بن أكثم يخرج أيام المممأمون بالطائفممة‬
‫إلى أرض الروم و كذا منذر بممن سممعيد قاضممي عبممد الرحمممن‬
‫الناصر من بني أمية بالندلس فكممانت تمموليه هممذه الوظممائف‬
‫إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو‬
‫سلطان متغلممب‪ .‬و كممان أيض ما ً النظممر فممي الجممرائم و إقامممة‬
‫الحدود في الدولة العباسية و المويممة بالنممدلس و العبيممديين‬
‫بمصر و المغرب راجعا ً إلى صاحب الشممرطة و هممي وظيفممة‬
‫أخرى دينية كمانت ممن الوظمائف الشمرعية فمي تلمك المدول‬
‫توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليل ً فيجعل للتهمممة فممي‬
‫الحكم مجال ً و يفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبمموت الجممرائم‬
‫و يقيم الحدود الثابتة في مالها و يحكم في القود و القصاص‬
‫و يقيم التعزيز و التأديب في حق من لم ينته عن الجريمة‪.‬‬
‫ثم تنوسي شأن هاتين الوظيفممتين فممي الممدول الممتي تنوسممي‬
‫فيها أمر الخلفة فصممار أمممر المظممالم راجعما ً إلمى السمملطان‬
‫كان له تفويض من الخليفممة أو لممم يكممن و انقسمممت وظيفممة‬
‫الشرطة قسمين منها وظيفة التهمة علممى الجممرائم و إقامممة‬
‫حدودها و مباشرة القطممع و القصمماص حيممث يتعيممن و نصممب‬
‫لذلك في هذه الدول حاكم يحكم فيها بموجب السياسة دون‬

‫مراجعة الحكام الشرعية و يسمى تارة ً باسم الوالي و تممارةً‬
‫باسم الشرطة و بقممي قسممم التعممازير و إقامممة الحممدود فممي‬
‫الجرائم الثابتة شرعا ً فجمع ذلك للقاضي مع ما تقدم و صممار‬
‫ذلك من توابع وظيفة وليته و استقر المر لهممذا العهممد علممى‬
‫ذلك و خرجت هذه الوظيفة عن أهل عصبية الدولة لن المر‬
‫ة و هذه الخطة من مراسم الممدين فكممانوا‬
‫ة ديني ً‬
‫لما كان خلف ً‬
‫ل يولون فيها إل مممن أهممل عصممبيتهم مممن العممرب و مممواليهم‬
‫بالحلف أو بالرق أو بالصطناع ممممن يوثممق بكفممايته أو غنممائه‬
‫فيما يدفع إليه‪ ،‬و لما انقرض شأن الخلفممة و طورهمما و صممار‬
‫المر كله ملكا ً أو سلطانا صارت هذه الخطط الدينيممة بعيممدة‬
‫عنه بعض الشيء لنها ليست من ألقاب الملك و ل مراسمه‬
‫ثم خرج المر جملة من العرب و صممار الملممك لسممواهم مممن‬
‫أمم الترك و البربر فازدادت هذه الخطط الخلفية بعدا ً عنهم‬
‫بمنحاها وعصبيتها‪ .‬و ذلك أن العرب كانوا يرون أن الشممريعة‬
‫دينهم و هل النبي صلى الله عليه و سمملم منهممم و أحكممامه و‬
‫شرائعه نحلتهم بين المم و طريقهم‪ ،‬و غيرهم ل يرون ذلممك‬
‫إنما يولونها جانبا ً من التعظيم لما دانوا بالملة فقط‪ .‬فصمماروا‬
‫يقلدونها مممن غيممر عصممابتهم ممممن كممان تأهممل لهمما فممي دول‬
‫الخلفاء السالفة‪.‬‬
‫و كان أولئك المتأهلون بما أخذهم ترف الدول منذ مئتين من‬
‫السنين قد نسوا عهد البداوة و خشونتها و التبسوا بالحضارة‬
‫في عوائد ترفهم و دعتهم‪ ،‬و قلممة الممانعممة عممن أنفسممهم‪ ،‬و‬
‫صارت هذه الخطط فممي الممدول الملوكيممة مممن بعممد الخلفمماء‬
‫ة بهذا الصنف من المستضممعفين فممي أهممل المصممار و‬
‫مختص ً‬
‫نزل أهلها عن مراتب العز لفقممد الهليممة بأنسمابهم و ممما هممم‬
‫عليه ممن الحضمارة فلحقهمم ممن الحتقمار مما لحمق الحضمر‬
‫المنغمسين في الترف و الدعة‪ ،‬البعممداء عممن عصممبية الملممك‬
‫الذين هم عيال على الحامية‪ ،‬و صار اعتبارهم في الدولة من‬
‫أجممل قيامهمما بالملممة و أخممذها بأحكممام الشممريعة‪ ،‬لممما أنهممم‬
‫الحمماملون للحكممام المقتممدون بهمما‪ .‬و لممم يكممن إيثممارهم فممي‬
‫الدولة حينئذ إكراما ً لذواتهم‪ ،‬و إنما هو لما يتلمح من التجمل‬

‫بمكانهم في مجالس الملك لتعظيممم الرتممب الشممرعية‪ ،‬و لممم‬
‫يكن لهم فيها من الحل و العقد شيء‪ ،‬و أن حضروه فحضور‬
‫رسمي ل حقيقممة وراءه‪ ،‬إذ حقيقممة الحممل و العقممد إنممما هممي‬
‫لهل القدرة عليه فمن ل قدرة له عليه فل حل لممه و ل عقممد‬
‫لديه‪ .‬اللهم إل أخذ الحكام الشرعية عنهم‪ ،‬و تلقممي الفتمماوى‬
‫منهم فنعم و الله الموفق‪ .‬و ربما يظن بعض الناس أن الحق‬
‫فيما وراء ذلممك و أن فعممل الملمموك فيممما فعلمموه مممن إخممراج‬
‫الفقهاء و القضاة من الشورى مرجوح و قد قممال صمملى اللممه‬
‫عليه و سلم‪ :‬العلماء ورثة النبياء فمماعلم أن ذلممك ليممس كممما‬
‫ظنه و حكم الملك و السلطان إنما يجممري علممى ممما تقتضمميه‬
‫طبيعممة العمممران و إل كممان بعيممدا ً عممن السياسممة‪ .‬فطبيعممة‬
‫العمران في هؤلء ل تقضي لهم شيئا ً من ذلممك لن الشممورى‬
‫و الحل و العقد ل تكون إل لصاحب عصممبية يقتممدر بهمما علممى‬
‫حل أو عقد أو فعل أو ترك‪ ،‬و أما من ل عصبية له و ل يملممك‬
‫من أمر نفسه شيئا ً و ل مممن حمايتهمما و إنممما هممو عيممال علممى‬
‫غيره فأي مممدخل لممه فممي الشممورى أو أي معنممى يممدعو إلممى‬
‫اعتبمماره فيهمما اللهممم إل شمموراه فيممما يعلمممه مممن الحكممام‬
‫الشرعية فموجودة في الستفتاء خاصممة‪ .‬و أممما شمموراه فممي‬
‫السياسممة فهممو بعيممد عنهمما لفقممدانه العصممبية و القيممام علممى‬
‫معرفة أحوالها وأحكامها و إنما إكرامهم من تبرعات الملمموك‬
‫و المراء الشاهدة لهم بجميل العتقمماد فممي الممدين و تعظيممم‬
‫من ينتسب إليه بأي جهة انتسب و أما قوله صلى اللممه عليممه‬
‫و سلم العلماء ورثة النبيمماء فمماعلم أن الفقهمماء فممي الغلممب‬
‫لهذا العهد و ممما احتممف بممه إنممما حملمموا الشممريعة أقمموال ً فممي‬
‫كيفية العمال في العبادات و كيفية القضمماء فممي المعمماملت‬
‫ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها هذه غاية أكابرهم و ل‬
‫يتصممفون إل بالقممل منهمما و فممي بعممض الحمموال و السمملف‬
‫رضموان اللممه عليهمم و أهممل الممدين و المورع مممن المسملمين‬
‫حملوا الشريعة اتصممافا ً بهمما و تحققما ً بمممذاهبها‪ .‬فمممن حملهمما‬
‫اتصافا ً و تحققا ً دون نقل فهو من الوارثين مثممل أهممل رسمالة‬
‫القشيري و من اجتمع له المران فهو الوارث علممى الحقيقممة‬

‫مثل فقهاء التابعين و السلف و الئمممة الربعممة و مممن اقتفممى‬
‫طريقهم و جاء على أثرهم و إذا انفرد واحد مممن المممة بأحممد‬
‫المرين فالعابد أحق بالوراثة من الفقيه الذي ليس بعابد لن‬
‫العابد ورث بصفة و الفقيه الذي ليممس بعابممد لمم يمرث شميئا ً‬
‫إنما هو صاحب أقوال بنصها علينا في كيفيات العمل و هؤلء‬
‫أكثر فقهاء عصرنا إل الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليممل‬
‫ما هم‪.‬‬
‫العدالة‪ :‬و هي وظيفة دينية تابعة للقضاء و من مواد تصممريفه‬
‫و حقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بيممن‬
‫النمماس فيممما لهممم و عليهممم تحمل ً عنممد الشممهاد و أداء عنممد‬
‫التنممازع و كتبمما ً فممي السممجلت تحفممظ بممه حقمموق النمماس و‬
‫أملكهم و ديونهم و سائر معاملتهم و شممرط هممذه الوظيفممة‬
‫التصاف بالعدالة الشرعية و الممبراءة مممن الجممرح ثممم القيممام‬
‫بكتب السجلت و العقود من جهة عباراتها و انتظام فصممولها‬
‫و من جهة إحكام شروطها الشرعية و عقودها فيحتمماج حينئذ‬
‫إلى ما يتعلق بذلك مممن الفقممه و لجممل هممذه الشممروط و ممما‬
‫يحتاج إليه من المران على ذلك و الممارسة له اختممص ذلممك‬
‫ببعض العدول و صار الصنف القممائمون بممه كممأنهم مختصممون‬
‫بالعدالة و ليس كذلك و إنما العدالة من شممروط اختصاصممهم‬
‫بالوظيفة و يجب على القاضي تصفح أحوالهم و الكشف عن‬
‫سيرهم رعاية لشرط العدالممة فيهممم و أن ل يهمممل ذلممك لممما‬
‫يتعين عليه من حفظ حقوق الناس فالعهممدة عليممه فممي ذلممك‬
‫كله و هو ضامن دركه و إذا تعين هؤلء لهذه الوظيفممة عمممت‬
‫الفائدة في تعممبين مممن تخفممى عممدالته علممى القضمماة بسممبب‬
‫اتسمماع المصممار و اشممتباه الحمموال و اضممطرار القضمماة إلممى‬
‫الفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالب ما ً فممي‬
‫الوثوق بها على هذا الصنف و لهم في سائر المصار دكمماكين‬
‫و مصمماطب يختصممون بممالجلوس عليهمما فيتعاهممدهم أصممحاب‬
‫المعمماملت للشممهاد و تقييممده بالكتمماب و صممار مممدلول هممذه‬
‫اللفظة مشتركا ً بين هذه الوظيفة التي تممبين مممدلولها و بيممن‬

‫العدالمة الشمرعية المتي همي أخمت الجممرح و قمد يتمواردان و‬
‫يفترقان و الله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الحسبة و السكة‬
‫إما الحسبة فهي وظيفة دينيممة مممن بمماب المممر بممالمعروف و‬
‫النهممي عممن المنكممر الممذي هممو فممرض علممى القممائم بممأمور‬
‫المسلمين يعين لذلك من يراه أهل ً لممه فيتعيممن فرضممه عليممه‬
‫ويتخذ العوان على ذلممك و يبحممث عممن المنكممرات و يعممزر و‬
‫يؤدب على قدرها و يحمل الناس على المصممالح العامممة فممي‬
‫المدينممة مثممل المنممع مممن المضممايقة فممي الطرقممات و منممع‬
‫الحمالين و أهل السفن من الكثار في الحمل و الحكم علممى‬
‫أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها و إزالة ما يتوقع مممن‬
‫ضممررها علممى السممابلة والضممرب علممى أيممدي المعلميممن فممي‬
‫المكاتب و غيرها في البلغ في ضربهم للصممبيان المتعلميممن‬
‫و ل يتوقمف حكممه علمى تنمازع أو اسمتعداء بمل لمه النظمر و‬
‫الحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك و يرفع إليممه و ليممس لممه‬
‫إمضاء الحكم في الدعاوي مطلقا ً بممل فيمما يتعلممق بمالغش و‬
‫التدليس في المعايش و غيرها في المكاييل و الموازين و له‬
‫أيضا ً حمل المماطلين على النصاف و أمثال ذلك مممما ليممس‬
‫فيه سماع بينة و ل إنفاذ حكم و كأنهمما أحكممام ينممزه القاضممي‬
‫عنها لعمومهمما و سممهولة أغراضممها فتممدفع إلممى صمماحب هممذه‬
‫الوظيفممة ليقمموم بهمما فوضممعها علممى ذلممك أن تكممون خادمممة‬
‫لمنصب القضاء و قد كانت فممي كممثير مممن الممدول السمملمية‬
‫مثل العبيديين بمصر و المغرب و المممويين بالنممدلس داخلممة‬
‫في عموم ولية القاضي يولي فيها باختياره ثممم لممما انفممردت‬
‫وظيفة السلطان عن الخلفة و صممار نظممره عاممما فممي أمممور‬
‫السياسة اندرجت في وظائف الملك و أفردت بالولية‪.‬‬
‫و أما السكة فهي النظر في النقود المتعامل بها بيممن النمماس‬
‫و حفظها مما يداخلها من الغممش أو النقممص إن كممان يتعامممل‬
‫بها عددا ً أو ما يتعلق بذلك و يوصل إليه من جميع العتبارات‬

‫ثم في وضع علمة السلطان على تلممك النقممود بالسممتجادة و‬
‫الخلوص برسم تلك العلمة فيها من خاتم حديد أتخذ لذلك و‬
‫نقش فيه نقوش خاصة به فيوضع على المدينار بعممد أن يقممدر‬
‫ويضرب عليممه بالمطرقممة حممتى ترسممم فيممه تلممك النقمموش و‬
‫تكون علمة علمى جممودته بحسممب الغايممة الممتي وقمف عنمدها‬
‫السبك والتخليص في متعارف أهل القطر و مممذاهب الدولممة‬
‫الحاكمة فإن السبك و التخليص في النقود ل يقف عنممد غايممة‬
‫و إنما ترجع غايته إلى الجتهاد فإذا وقف أهممل أفممق أو قطممر‬
‫على غاية من التخليص وقفوا عندها و سموها إماما ً و عيممارا ً‬
‫يعتبرون به نقودهم وينتقدونها بمماثلته فإن نقممص عممن ذلممك‬
‫كان زيفا ً و النظر في ذلك كله لصاحب هذه الوظيفممة و هممي‬
‫دينية بهذا العتبار فتندرج تحت الخلفة و قد كانت تندرج في‬
‫عموم ولية القاضممي ثممم أفممردت لهممذا العهممد كممما وقممع فممي‬
‫الحبشة‪.‬‬
‫هذا آخر الكلم في الوظائف الخلفية و بقيممت منهمما وظممائف‬
‫ة فوظيفممة‬
‫ذهبت بذهاب ما ينظر فيه و أخرى صارت سلطاني ً‬
‫المارة و الوزارة و الحرب و الخراج صارت سمملطانية نتكلممم‬
‫عليها في أماكنها بعد وظيفممة الجهمماد وظيفممة الجهمماد بطلممت‬
‫ببطلنه إل في قليل من الدول يمارسونه و يدرجون أحكممامه‬
‫غالبا ً في السلطانيات وكذا نقابة النسمماب الممتي يتوصممل بهمما‬
‫إلى الخلفة أو الحق في بيت المال قد بطلت لدثور الخلفممة‬
‫و رسومها و بالجملة قد اندرجت رسمموم الخلفممة و وظائفهمما‬
‫في رسوم الملك و السياسة في سائر الممدول لهممذا العهممد و‬
‫الله مصرف المور كيف يشاء‪.‬‬
‫الفصمممل الثممماني و الثلثمممون فمممي اللقمممب بمممأمير‬
‫المؤمنين و إنه من سمات الخلفة و هو محدث‬
‫منذ عهد الخلفاء‬
‫و ذلك أنه لما بويع أبو بكر رضممي اللممه عنممه و كممان الصممحابة‬
‫رضي الله عنهم و سمائر المسملمين يسممونه خليفمة رسممول‬

‫الله صلى الله عليه و سلم و لم يزل المر على ذلك إلى أن‬
‫هلك فلما بويع لعمر بعهده إليه كممانوا يممدعونه خليفممة خليفممة‬
‫رسول الله صلى اللممه عليممه و سمملم و كممأنهم اسممتثقلوا هممذا‬
‫اللقب بكثرته و طول إضافته و أنه يتزايد فيما بعد دائما إلممى‬
‫أن ينتهي إلى الهجنة و يذهب منه التمييز بتعممدد الضممافات و‬
‫كثرتها فل يعرف فكانوا يعدلون عن هذا اللقب إلى ما سممواه‬
‫مما يناسبه و يدعى بممه مثلممه و كممانوا يسمممون قممواد البعمموث‬
‫باسممم الميممر و هممو فعيممل مممن المممارة و قممد كممان الجاهليممة‬
‫يدعون النبي صلى الله عليه و سلم أمير مكة و أمير الحجاز‬
‫و كممان الصممحابة أيض ما ً يممدعون سممعد بممن أبممي و قمماص أميممر‬
‫المممؤمنين لمممارته علممى جيممش القادسممية و هممم معظممم‬
‫المسلمين يومئذ و اتفق أن دعا بعممض الصممحابة عمممر رضممي‬
‫الله عنه يا أمير المؤمنين فاستحسنه النمماس و استصمموبوه و‬
‫دعوه به‪.‬‬
‫يقال إن أول من دعاه بذلك عبد الله بن جحش و قيل عمرو‬
‫بن العاصي والمغيرة بن شعبة و قيل بريممد جمماء بالفتممح مممن‬
‫بعض البعوث و دخل المدينة و هو يسممأل عممن عمممر و يقممول‬
‫أين أمير المممؤمنين و سممممها أصممحابه فاستحسممنوه و قممالوا‬
‫أصبت و الله اسمه إنممه و اللممه أميممر المممؤمنين حق ما ً فممدعوه‬
‫بذلك و ذهب لقبا ً له في النمماس وتمموارثه الخلفمماء مممن بعممده‬
‫ة ل يشاركهم فيها أحد سواهم إل سائر دولة بني أمية ثم‬
‫سم ً‬
‫إن الشيعة خصوا عليا ً باسم المام نعتا ً له بالمامة التي هممي‬
‫أخت الخلفة وتعريضا ً بمذهبهم في أنه أحممق بإمامممة الصمملة‬
‫من أبي بكر لما هو مذهبهم و بدعتهم فخصوه بهذا اللقممب و‬
‫لمن يسوقون إليممه منصمب الخلفمة ممن بعممده فكممانوا كلهممم‬
‫يسمون بالمام ما داموا يممدعون لهممم فممي الخلفمماء حممتى إذا‬
‫يستولون على الدولة يحولممون اللقممب فيممما بعممده إلممى أميممر‬
‫المؤمنين كما فعله شيعة بني العباس فإنهم ما زالوا يممدعون‬
‫أئمتهم بالمام إلى إبراهيم الذي جهروا بالممدعاء لممه و عقممدوا‬
‫الرايات للحرب على أمممره فلممما هلممك دعممي أخمموة السممفاح‬
‫بأمير المؤمنين‪.‬‬

‫و كذا الرافضة بأفريقيا فإنهم ما زالوا يدعون أئمتهم من ولد‬
‫إسماعيل بالمام حتى انتهى المر إلى عبيممد اللممه المهممدي و‬
‫كانوا أيضا ً يدعونه بالمام و لبنه أبي القاسم من بعممده فلممما‬
‫استوثق لهم المر دعوا مممن بعممدهما بممأمير المممؤمنين و كممذا‬
‫الدارسة بالمغرب كانوا يلقبون إدريس بالمام و ابنه إدريس‬
‫الصغر كممذلك وهكممذا شممأنهم و تمموارث الخلفمماء هممذا اللقممب‬
‫بأمير المؤمنين و جعلوه سمة لمن يملك الحجمماز و الشممام و‬
‫العراق و المواطن التي هي ديممار العممرب و مراكممز الدولممة و‬
‫أهل الملة و الفتح و ازداد لذلك في عنفوان الدولممة و بممذخها‬
‫لقب آخر الخلفاء يتميز به بعضهم عممن بعممض لممما فممي أميممر‬
‫المؤمنين من الشتراك بينهم فاسممتحدث لممذلك بنممو العبمماس‬
‫حجابا ً لسمائهم العلم عممن امتهانهمما فممي ألسممنة السمموقة و‬
‫صونا ً لها عن البتذال فتلقبوا بالسفاح و المنصممور و المهممدي‬
‫و الهادي و الرشيد إلى آخر الدولة و اقتفى أثرهم فممي ذلممك‬
‫العبيممديون بأفريقيممة و مصممر و تجممافى بنممو أميممة عممن ذلممك‬
‫بالمشممرق قبلهممم مممع الغضاضممة و السممذاجة لن العروبيممة و‬
‫منازعها لم تفارقهم حينئذ و لم يتحممول عنهممم شممعار البممداوة‬
‫إلى شعار الحضارة و أما بالندلس فتلقبمموا كسمملفهم مممع ممما‬
‫عملوه من أنفسهم من القصور عن ذلك بالقصور عممن ملممك‬
‫الحجاز أصل العرب و الملة و البعد عن دار الخلفة التي هي‬
‫مركز العصبية و أنهم إنما منعوا بإمارة القاصية أنفسهم مممن‬
‫مهالك بني العباس حتى إذا جاء عبد الرحمممن الممداخل الخممر‬
‫منهم و هو الناصر بن محمد بن المير عبد الله بن محمد بممن‬
‫عبد الرحمن الوسط لول المممائة الرابعممة و اشممتهر ممما نممال‬
‫الخلفة بالمشرق من الحجر و استبداد الموالي و عيثهم فممي‬
‫الخلفمماء بممالعزل و السممتبدال و القتممل و السمممل ذهممب عبممد‬
‫الرحمن هذا إلى مثل مذاهب الخلفاء بالمشرق و أفريقيممة و‬
‫تسمى بأمير المؤمنين و تلقب بالناصر لممدين اللممه‪ .‬و أخممذت‬
‫من بعده عادة و مذهب لقن عنممه و لممم يكممن لبممائه و سمملف‬
‫قومه‪ .‬و استمر الحال علممى ذلممك إلممى أن انقرضممت عصممبية‬
‫العممرب أجمممع و ذهممب رسممم الخلفممة و تغلممب الممموالي مممن‬

‫العجم على بني العباس و الصنائع على العبيديين بالقمماهرة و‬
‫صنهاجة على أمراء أفريقية و زناتممة علممى المغممرب و ملمموك‬
‫الطوائف بالندلس على أمر بنممي أميممة واقتسممموه و افممترق‬
‫أمر السلم فاختلفت مذاهب الملمموك بممالمغرب و المشممرق‬
‫فممي الختصمماص باللقمماب بعممد أن تسممموا جميعمما باسممم‬
‫السلطان‪.‬‬
‫فأمما ملموك المشمرق ممن العجمم فكمان الخلفماء يخصمونهم‬
‫يألقاب تشريفية حتى يستشممعر منهمما انقيممادهم و طمماعتهم و‬
‫حسممن وليتهممم مثممل شممرف الدولممة و عضممد الدولممة و ركممن‬
‫الدولة و معز الدولممة و نصممير الدولممة و نظممام الملممك و بهمماء‬
‫الدولة و ذخيرة الملك و أمثال هممذه و كممان العبيممديون أيض ما ً‬
‫يخصون بها أمراء صنهاجة فلما استبدوا علممى الخلفممة قنعمموا‬
‫بهذه اللقاب و تجافوا عن ألقاب الخلفة أدبما ً معهمما و عممدول‬
‫عن سمماتها المختصمة بهما شمأن المتغلممبين المسمتبدين كمما‬
‫قلناه و نزع المتأخرون أعاجم المشرق حين قوي استبدادهم‬
‫على الملك و عل كعبهممم فممي الدولممة و السمملطان و تلشممت‬
‫عصممبية الخلفممة و اضمممحلت بالجملممة إلممى انتحممال اللقمماب‬
‫الخاصة بالملك مثل الناصر و المنصور و زيممادة علممى ألقمماب‬
‫يختصون بها قبل هممذا النتحممال مشممعرة بممالخروج عممن ربقممة‬
‫الولء و الصطناع بممما أضممافوها إلممى الممدين فقممط فيقولممون‬
‫صلح الدين أسممد الممدين نممور الممدين‪ .‬و أممما ملمموك الطمموائف‬
‫بالنمممدلس فاقتسمممموا ألقممماب الخلفمممة و توزعوهممما لقممموة‬
‫اسممتبدادهم عليهمما بممما كممانوا مممن قبيلهمما و عصممبتها فتلقبمموا‬
‫بالناصر و المنصور و المعتمد و المظفممر و أمثالهمما كممما قممال‬
‫ابن أبي شرف ينعى عليهم‪:‬‬
‫مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها و معتضد‬
‫ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا ً صورة‬
‫السد‬
‫و أممما صممنهاجة فاقصممروا عممن اللقمماب الممتي كممان الخلفمماء‬
‫العبيديون يلقبون بها للتنويه مثل نصير الدولة و معممز الدولممة‬
‫و اتصممل لهممم ذلممك لممما أدالمموا مممن دعمموة العبيممديين بممدعوة‬

‫العباسمميين ثممم بعممدت الشممقة بينهممم و بيممن الخلفممة و نسمموا‬
‫عهدها فنسوا هذه اللقاب و اقتصروا على اسم السمملطان و‬
‫كذا شأن ملوك مغراوة بالمغرب لم ينتحلمموا شمميئا ً مممن هممذه‬
‫اللقمماب إل اسممم السمملطان جريمما ً علممى مممذاهب البممداوة و‬
‫الغضاضة‪ .‬و لما محي رسم الخلفة و تعطل دسممتها ا و قممام‬
‫بالمغرب من قبائل البربر يوسف بممن تاشممفين ملممك لمنتونممة‬
‫فملك العدوتين و كان من أهممل الخيممر و القتممداء نزعممت بممه‬
‫همته إلى الدخول فممي طاعممة الخليفممة تكميل ً لمراسممم دينممه‬
‫فخاطب المستظهر العباسي و أوفد عليه بيعته عبد اللممه بممن‬
‫العربي و ابنه القاضي أبا بكر مممن مشمميخة إشممبيلية يطلبممان‬
‫توليته إياها على المغرب و تقليممده ذلممك فممانقلبوا إليممه بعهممد‬
‫الخلفة له على المغرب و استشعار زيهم في لبوسه و رتبته‬
‫وخاطبه فيه يا أميممر المممؤمنين تشمريفا ً و اختصاصما ً فاتخممذها‬
‫لقبا ً و يقال إنه كان دعي له بأمير المؤمنين من قبل أدبا ً مممع‬
‫رتبة الخلفة لما كان عليه هو و قومه المرابطون من انتحال‬
‫الدين و اتباع السنة و جمماء المهممدي علممى أثرهممم داعي ما ً إلممى‬
‫الحممق آخممذا ً بمممذاهب الشممعرية ناعيمما ً علممى أهممل المغممرب‬
‫عدولهم عنها إلى تقليممد السمملف فممي تممرك التأويممل لظممواهر‬
‫الشريعة و ما يؤول إليه ذلك من التجسيم كممما هممو معممروف‬
‫في مذهب الشعرية و سمي أتباعه الموحدين تعريضا ً بممذلك‬
‫النكير و كان يرى رأي أهل البيت في المام المعصوم و أنممه‬
‫ل بد منه فممي كممل زمممان يحفممظ بوجمموده نظممام هممذا العممالم‬
‫فسمى بالمام لما قلناه أول ً من مذهب الشمميعة فممي ألقمماب‬
‫خلفائهم و أردف بالمعصوم إشممارةً إلممى مممذهبه فممي عصمممة‬
‫المام و تنزه عند اتباعه عممن أميممر المممؤمنين أخممذا ً بمممذاهب‬
‫المتقدمين مممن الشمميعة و لمما فيهما ممن مشمماركة الغممار و‬
‫الولدان من أعقاب أهل الخلفة يومئذ بالمشرق‪.‬‬
‫ثم انتحل عبد المؤمن ولي عهممده اللقممب بممأمير المممؤمنين و‬
‫جرى عليه من بعده خلفاء بنى عبد المؤمن و آل أبى حفممص‬
‫من بعدهم استئثارا ً به عمممن سممواهم لممما دعمما إليممه شمميخهم‬
‫المهدي من ذلك و أنه صاحب المر و أولياؤه من بعده كذلك‬

‫دون كمل أحمد لنتقماء عصمبية قريمش و تلشميها فكمان ذلمك‬
‫دأبهم‪ .‬و لممما انتقممض المممر بممالمغرب و انممتزعه زناتممة ذهممب‬
‫أولهم مذاهب البداوة و السذاجة و أتباع لمتونممة فممي انتحممال‬
‫اللقب بأمير المؤمنين أدبا ً مع رتبة الخلفة الممتي كممانوا علممى‬
‫طاعتها لبني عبد المؤمن أول و لبني أبي حفممص مممن بعممدهم‬
‫ثم نزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين و انتحلوه‬
‫لهممذا العهممد اسممتبلغا ً فممي منممازع الملممك و تتميم ما ً لمممذاهبه‬
‫وسماته و الله غالب على أمره‪.‬‬
‫الفصل الثالث و الثلثممون فمي شمرح اسمم البابما و‬
‫البطرك فممي الملممة النصممرانية و اسممم الكمموهن‬
‫عند اليهود‬
‫إعلم أن الملة ل بد لها من قائم عند غيبة النبي يحملهم على‬
‫أحكامها و شرائعها و يكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء بممه‬
‫من التكاليف و النوع النساني أيض ما ً بممما تقممدم مممن ضممرورة‬
‫السياسممة فيهممم للجتممماع البشممري ل بممد لهممم مممن شممخص‬
‫يحملهم على مصالحهم و يزعهم عن مفاسدهم بالقهر و هممو‬
‫المسمممى بالملممك و الملممة السمملمية لممما كممان الجهمماد فيهمما‬
‫مشروعا ً لعموم الممدعوة و حمممل الكافممة علممى ديممن السمملم‬
‫طوعا ً أو كرها ً اتخذت فيها الخلفممة و الملممك لتمموجه الشمموكة‬
‫من القائمين بها إليهما معًا‪ .‬و أما ما سمموى الملممة السمملمية‬
‫فلم تكن دعوتهم عامة و ل الجهمماد عنممدهم مشممروعا ً إل فممي‬
‫المدافعة فقط فصار القائم بأمر الممدين فيهمما ل يغنيممه شمميء‬
‫من سياسة الملك و إنما وقع الملك لمن وقع منهم بممالعرض‬
‫و لمر غير ديني و هو ما اقتضته لهم العصممبية لممما فيهمما مممن‬
‫الطلب للملك بالطبع لما قدمناه لنهم غير مكلفيممن بممالتغلب‬
‫على المم كممما فممي الملممة السمملمية و إنممما هممم مطلوبممون‬
‫بإقامة دينهم في خاصتهم‪.‬‬
‫و لذلك بقي بنو إسرائيل مممن بعممد موسممى و يوشممع صمملوات‬
‫الله عليهممما نحممو أربعمممائة سممنة ل يعتنممون بشمميء مممن أمممر‬

‫الملك إنما همهم إقامة دينهم فقممط و كممان القممائم بممه بينهممم‬
‫يسمى الكوهن كأنه خليفة موسممى صمملوات اللممه عليممه يقيممم‬
‫لهم أمر الصمملة و القربممان و يشممترطون فيممه أن يكممون مممن‬
‫ذرية هممارون صمملوات اللممه عليممه لن موسممى لممم يعقممب ثممم‬
‫اختاروا لقامة السياسة التي هي للبشر بالطبع سبعين شيخا ً‬
‫ة فممي‬
‫كانوا يتلون أحكامهم العامة و الكوهن أعظم منهم رتب م ً‬
‫الدين و أبعد عن شغب الحكام و اتصممل ذلممك فيهممم إلممى أن‬
‫استحكمت طبيعة العصبية و تمحضت الشوكة للملمك فغلبموا‬
‫الكنعانين على الرض التي أورثهم اللممه بيممت المقممدس و ممما‬
‫جاورها كما بين لهم على لسممان موسممى صمملوات اللممه عليممه‬
‫فحمماربتهم أمممم الفلسممطين و الكنعمماننين و الرمممن و أردن و‬
‫عمان و مأرب و رئاستهم فممي ذلممك راجعممة إلممى شمميوخهم و‬
‫أقاموا على ذلك نحوا ً من أربعمائة سنة و لم تكن لهم صولة‬
‫الملك و ضجر بنو إسرائيل من مطالبممة المممم فطلبمموا علممى‬
‫لسان شمويل من أنبيائهم أن يأذن الله لهم في تمليك رجممل‬
‫عليهم فولي عليهم طالوت و غلب المم و قتل جالوت ملممك‬
‫الفلسممطين ثممم ملممك بعممده داود ثممم سممليمان صمملوات اللممه‬
‫عليهما و استفحل ملكه وامتد إلى الحجاز ثم أطراف اليمممن‬
‫ثممم إلممى أطممراف بلد الممروم ثممم افممترق السممباط مممن بعممد‬
‫سليمان صلوات الله عليه بمقتضى العصبية فممي الممدول كممما‬
‫قممدمناه إلممى دولممتين كممانت إحممداهما يممالجزيرة و الموصممل‬
‫للسباط العشرة و الخرى بالقممدس و الشممام لبنممي يهمموذا و‬
‫بنيامين‪.‬‬
‫ثم غلبهم بخت نصممر ملممك بابممل علممى ممما كممان بأيممديهم مممن‬
‫الملممك أول ً السممباط العشممرة ثممم ثانيمما ً بنممي يهمموذا و بنممت‬
‫المقدس بعد اتصال ملكهم نحو ألف سنة و خرب مسممجدهم‬
‫و أحرق توراتهم و أمات دينهممم و نقلهممم إلممى أصممبهان و بلد‬
‫العراق إلى أن ردهم بعض ملوك الكيانيممة مممن الفممرس إلممى‬
‫ة مممن خروجهممم فبنمموا‬
‫بيممت المقممدس مممن بعممد سممبعين سممن ً‬
‫المسجد وأقاموا أمر دينهم على الرسم الول للكهنة فقط و‬
‫الملك للفرس ثم غلب السكندر و بنو يونان على الفممرس و‬

‫صار اليهود في ملكتهم ثم فشل أمر اليونانيين فمماعز اليهممود‬
‫عليهم بالعصبية الطبيعية و دفعمموهم عممن السممتيلء عليهممم و‬
‫قام بملكهم الكهنة الممذين كممانوا فيهممم مممن بنممى حشمممناي و‬
‫قاتلوا يونممان حممتى انقممرض أمرهممم و غلبهممم الممروم فصمماروا‬
‫تحت أمرهم ثم رجعوا إلى بيت المقدس و فيها بنو هيرودس‬
‫أصهار بني حشمممناي و بقيممت دولتهممم فحاصممروهم مممدة ثممم‬
‫افتتحوها عنوة و أفحشمموا فممي القتممل و الهممدم و التحريممق و‬
‫خربوا بيت المقدس و أجلوهم عنها إلى رومة و ما وراءهمما و‬
‫هو الخراب الثاني للمسجد و يسميه اليهود بممالجلوة الكممبرى‬
‫فلم يقم لهم بعدها ملك لفقمدان العصممبية منهممم و بقموا بعمد‬
‫ذلك في ملكة الروم من بعدهم يقيم لهم أمر دينهم الرئيممس‬
‫عليهم المسمممى بممالكوهن ثممم جمماء المسمميح صمملوات اللممه و‬
‫سلمة عليه بما جاءهم به من الدين و النسممخ لبعممض أحكممام‬
‫التوراة و ظهرت على يديه الخوارق العجيبة من إبراء الكمة‬
‫و البرص و إحياء الموتى و اجتمممع عليممه كممثير مممن النمماس و‬
‫آمنوا به و أكثرهم الحواريون من أصحابه و كانوا أثنممي عشممر‬
‫و بعث منهم رسل ً إلى الفاق داعيممن إلممى ملتممه و ذلممك أيممام‬
‫أوغسطس أول ملوك القياصرة و فممي مممدة هيممرودس ملممك‬
‫اليهود الذي انتزع الملك من بني حشمناي أصممهاره فحسممده‬
‫اليهممود و كممذبوه و كمماتب هيممرودس ملكهممم ملممك القياصممرة‬
‫أوغسطس يغريه به فأذن لهم في قتله و وقع ما تله القرآن‬
‫من أمره و افترق الحواريون شيعا ً و دخل أكثرهم بلد الروم‬
‫داعين إلى دين النصرانية و كان بطرس كبيرهم فنزل برومة‬
‫دار ملك القياصرة ثم كتبوا النجيل الذي انممزل علممى عيسممى‬
‫صلوات الله عليه في نسخ أربع على اختلف رواياتهم فكتب‬
‫متى إنجيله فمي بيممت المقمدس بالعبرانيمة و نقلمه يوحنمما بممن‬
‫زبدي منهم إلى اللسممان اللتينممي و كتممب لوقمما منهممم إنجيلممه‬
‫باللتيني إلى بعض أكابر الروم و كتب يوحنا بن زبممدي منهممم‬
‫إنجيله برومة و كتممب بطممرس إنجيلممه بمماللتيني و نسممبه إلممى‬
‫مرقاص تلميذه و اختلفت هذه النسخ الربع من النجيممل مممع‬
‫أنها ليست كلها و حيا صرفا ً بممل مشمموبة بكلم عيسممى عليممه‬

‫السلم و بكلم الحواريين و كلها مواعظ و قصص و الحكممام‬
‫فيها قليلة جدا ً و اجتمع الحواريون الرسل لذلك العهد برومممة‬
‫و وضعوا قوانين الملة النصرانية و صمميروها بيممد أقليمنطممس‬
‫تلميذ بطرس و كتبوا فيها عممدد الكتممب الممتي يجممب قبولهمما و‬
‫العمل بها‪.‬‬
‫فمن شريعة اليهود القديمة التمموراة و هممي خمسممة أسممفار و‬
‫كتاب يوشع و كتاب القضاة و كتاب راعوث و كتمماب يهمموذا و‬
‫أسفار الملوك أربعة و سفر بنيامين و كتممب المقممابيين ل بممن‬
‫كريون ثلثة و كتاب عزرا المام و كتابا أوشير و قصة هامان‬
‫و كتاب أيوب الصديق و مزامير داود عليه السلم و كتب ابنه‬
‫سليمان عليه السلم خمسة و نبؤات النبياء الكبار و الصممغار‬
‫ستة عشر و كتمماب يشمموع بممن شممارخ وزيممر سممليمان‪ .‬و مممن‬
‫شريعة عيسى صلوات الله عليه المتلقاة من الحواريين نسخ‬
‫النجيممل الربممع و كتممب القتمماليقون سممبع رسممائل و ثامنهمما‬
‫البريكسيس في قصص الرسل و كتاب بممولس أربممع عشممرة‬
‫رسممالة و كتمماب أقليمنطممس و فيممه الحكممام و كتمماب أبممو‬
‫غالمسمميس و فيممه رؤيمما يوحنمما بممن زبممدي‪ .‬و اختلممف شممأن‬
‫القياصرة في الخذ بهذه الشممريعة تممارة و تعظيممم أهلهمما ثممم‬
‫تركها أخرى و التسلط عليهممم بالقتممل و البغممي إلممى أن جمماء‬
‫قسطنطين و أخذ بها و استمروا عليهمما‪ .‬و كممان صمماحب هممذا‬
‫الممدين و المقيممم لمراسمميمه يسمممونه البطممرك و هممو رئيممس‬
‫الملة عندهم و خليفة المسيح فيهم يبعث نوابه و خلفاءه إلى‬
‫ما بعد عنه من أمم النصمرانية و يسممونه السمقف أي نمائب‬
‫البطرك و يسمون المام الذي يقيم الصملوات و يفمتيهم فمي‬
‫الدين بالقسيس و يسمون المنقطع الذي حبممس نفسممه فممي‬
‫الخلوة للعبادة بالراهب‪.‬‬
‫و أكثر خلواتهم في الصمموامع و كممان بطممرس الرسممول رأس‬
‫الحواريين و كبير التلميذ برومة يقيهم بها دين النصرانية إلى‬
‫أن قتله نيرون خامس القياصرة فيمن قتممل مممن البطممارق و‬
‫الساقفة ثم قام بخلفته فممي كرسممي رومممة آريمموس و كممان‬
‫مرقاس النجيلي بالسكندرية و مصر و المغممرب داعيمما سممبع‬

‫سممنيين فقممام بعممده حنانيمما و تسمممى بممالبطرك و هممو أول‬
‫البطاركة فيها و جعل معه اثني عشر قسا ً على أنممه إذا مممات‬
‫البطرك يكممون واحممد مممن الثنممي عشممر مكممانه و يختممار مممن‬
‫المؤمنين واحدا ً مكان ذلك الثاني عشر فكان أمممر البطاركممة‬
‫إلى القسوس ثم لما وقع الختلف بينهم في قواعد دينهممم و‬
‫عقائده و اجتمعوا بنيقية أيام قسممطنطين لتحريمر الحمق فمي‬
‫الدين و اتفق ثلثمائة و ثمانية عشر من أساقفتهم علممى رأي‬
‫واحممد فممي الممدين فكتبمموه و سممموه المممام و صمميروه أص مل ً‬
‫يرجعون إليه و كان فيما كتبوه أن البطممرك القممائم بالممدين ل‬
‫يرجع في تعيينه إلى اجتهاد القسممة كممما قممرره حنانيمما تلميممذ‬
‫مرقاس و أبطلوا ذلك الرأي و إنما يقدهم عممن بلء و اختبممار‬
‫من أئمة المؤمنين و رؤسائهم فبقي المر كذلك‪.‬‬
‫ثم اختلفوا بعد ذلممك فممي تقريممر قواعممد الممذين و كممانت لهممم‬
‫مجتمعات في تقرير و لم يختلفمموا فممي هممذه القاعممدة فبقممي‬
‫المممر فيهمما علممى ذلممك و تصممل فيهممم نيابممة السمماقفة عممن‬
‫البطاركة و كان الساقفة يدعون البطرك بالب أيضا ً تعظيما ً‬
‫له فاشتبه السم في أعصار متطاولممة يقممال آخرهمما بطركيممة‬
‫هرقل بإسكندرية فممأرادوا أن يميممزوا البطممرك عممن السممقف‬
‫في التعظيم فدعوه البابا و معناه أبو الباء و ظهر هذا السم‬
‫أول ظهوره بمصر علممى ممما زعممم جرجيممس بممن العميممد فممي‬
‫تأريخه ثم نقلوه إلى صاحب الكرسي العظممم عنممدهم و هممو‬
‫كرسي بطرس الرسول كممما قممدمناه فلممم يممزل سمممة عليممه‬
‫حتى الن ثم اختلفت النصممارى فمي دينهممم بعممد ذلممك و فيممما‬
‫يعتقدونه في المسيح و صمماروا طمموائف و فرقما ً و اسممظهروا‬
‫بملوك النصرانية كل على صاحبه فاختلف الحال في العصور‬
‫فممي ظهممور فرقممة دون فرقممة إلممى أن اسممتقرت لهممم ثلث‬
‫طوائف هي فرقهم و ل يلتفتون إلى غيرهمما و هممم الملكيممة و‬
‫اليعقوبية و النسطورية ثم اختصت كل فرقممة منهممم ببطممرك‬
‫فبطممرك رومممة اليمموم المسمممى بالبابمما علممى رأي الملكيممة و‬
‫رومممة للفرنجممة و ملكلهممم قممائم بتلممك الناحيممة و بطممرك‬
‫المعاهممدين بمصممر علممى رأي اليعقوبيممة و هممو سمماكن بيممن‬

‫ظهرانيهم و الحبشممة يممدينون بممدينهم و لبطممرك مصممر فيهممم‬
‫أساقفة ينوبون عنه في إقامة دينهم هنالك‪.‬‬
‫و اختمص اسمم البابما ببطمرك روممة لهمذا العهممد و ل تسممي‬
‫اليعاقبة بطركهممم بهمذا السمم و ضممبط هممذه اللفظمة ببماءين‬
‫موحدتين من أسفل و النطق بها مفخمة و الثانيممة مشممددة و‬
‫من مذاهب البابا عند الفرنجة أنه يحضهم على النقياد لملك‬
‫واحد يرجعممون إليممه فممي اختلفهممم و اجتممماعهم تحرج ما ً مممن‬
‫افممتراق الكلمممة و يتحممرى بممه العصممبية الممتي ل فوقهمما منهممم‬
‫لتكون يده عالية على جميعهم و يسمممونه النممبرذور و حرفممة‬
‫الوسط بين الذال و الظاء المعجمتين و مباشممرة يضممع التمماج‬
‫علممى رأسممه للتممبرك فيسمممى المتمموج‪ ،‬و لعلممه معنممى لفظممة‬
‫النبرذور و هذا ملخص ما أوردناه من شممرح