‫الطبعة األولى‬

‫م‬2015 ‫هـ ـ‬1436

L ‫لبنان ـ حارة حريك ـ جممع اإلمامني احلسنني‬

01/544402 ‫ ـ‬01/557000 :‫هاتف‬
03/565074 :‫خليوي‬

***

‫الربيد اإللكرتوين‬
sayedfadlullah@gmail.com
info@tawasolonline.net
info@fadlullahlibrary.com

***

‫املواقع اإللكرتونية ـــ املركز اإلسالمي الثقايف‬
www.sayedfadlullah.org
www.tawasolonline.net
www.fadlullahlibrary.com
youtube/tawasolonline
youtube/sayyedfadlullah
Facebook:
SayyedFadlullah

ّ‫مكتبة ا‬
‫العلمة املرجع الس ّيد فضل اهلل العامة‬
‫تواصل أون الين‬

‫المقدِّ مة‪ :‬علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫!‬
‫المقدمة‬

‫علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫(*)‬

‫(‪)1‬‬

‫ُع ِّرف علم الكالم بأنّه «العلم بالعقائد الدينية عن األد ّلة اليقينية»(‪ ،)1‬وقد تك ّفل‬
‫اليقينية‪ ،‬لك ّنه لم‬
‫بمهمة بيان العقائد الدينية وإثباتها استناد ًا إلى أد ّلتها‬
‫هذا العلم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المعتبر منها؟ وكيف‬
‫المعتبر أو غير‬
‫يحدد لنا طبيعة هذه األد ّلة التفصيلية‪ ،‬وما هو‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نجمع بينها في حال اختالفها؟ وما هي قيمتها المعرفية؟ وهذه ثغرة كبيرة في‬
‫الحقل الكالمي‪ ،‬تركت الكثير من االلتباسات واألخطاء المنهجية‪.‬‬
‫(‪)2‬‬

‫مدون يخضع للمناقشة والمدارسة‬
‫إنّها باختصار مشكلة علم ليس له منهج ّ‬
‫والفحص وإعادة النظر‪ ،‬هذا الفحص الذي من شأنه أن يثري هذا العلم ويغني‬
‫ّ‬
‫ويمكنه من المواكبة ومتابعة ّ‬
‫المستجدة‪.‬‬
‫كل اإلشكاالت‬
‫مسائله‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫دعوة‬
‫لسد تلك الثغرة‪ ،‬في إطار‬
‫وإنّ هذه الدراسة ليست سوى‬
‫محاولة جا ّد ٍة ّ‬
‫ٍ‬
‫واضحة وصريحة تتبناها هذه الدراسة‪ ،‬أال وهي الدعوة إلى ضرورة إطالق علمٍ‬
‫ٍ‬
‫رديف لعلم الكالم‪ ،‬نصطلح على تسميته (علم أصول الكالم)‪ .‬ومهمة هذا العلم‬
‫جامعية نال المؤلف عليها شهادة دكتوراه‪.‬‬
‫(* ) هذا الكتاب هو ـ في األساس ـ رسالة‬
‫ّ‬
‫(‪ )1‬أنظر‪ :‬التفتازاني‪ ،‬مسعود بن عمر (ت ‪793‬هـ) شرح المقاصد في علم الكالم‪ ،‬دار المعارف‬
‫النعمانية‪ ،‬باكستان‪ ،‬ط ‪1981 ،1‬م‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪.5‬‬
‫‪5‬‬

‫المقدِّ مة‪ :‬علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫الذي نقترحه‪ ،‬هي تأصيل قواعد االستنباط الكالمي‪ ،‬فيما يتك ّفل (علم الكالم)‬
‫بالنهوض بأعباء الممارسة االجتهادية إلثبات العقائد التفصيلية‪ ،‬طبق ًا لتلك األد ّلة‪.‬‬

‫وما ندعو إليه في المقام ليس بدع ًة في بابه‪ ،‬فقد جرى نظيره في الحقل الفقهي‪.‬‬
‫وتنوعها وتفاعلها مع الواقع‪ّ ،‬‬
‫بكل‬
‫حيث ال يخفى أنّ حركة البحث الفقهي في ّ‬
‫حيويتها ّ‬
‫مستجداته وتعقيداته‪ ،‬فرضت على العقل الفقهي منذ بداية ّ‬
‫تشكله‪ ،‬ابتكار علم موا ٍز‬
‫ورديف لعلم الفقه ُيعنى بتأصيل قواعد االستنباط الفقهي‪ ،‬فكان علم أصول الفقه‪.‬‬
‫أهمها‪ :‬الكتاب‪،‬‬
‫وقد ُع ِرف واش ُتهر على األلسن‪ ،‬أنّ مصادر االستنباط الفقهي أو ّ‬
‫حجية هذه المصادر‬
‫الس َّنة‪ ،‬اإلجماع‪ ،‬والعقل‪ ،‬وتك ّفل علم أصول الفقه البحث عن ّ‬
‫وغيرها وبيان قيمتها اإلثباتية‪.‬‬

‫الضروري إطرادها‬
‫الفقهي‪ ،‬كان من‬
‫المميزة التي عرفها الحقل‬
‫هذه الظاهرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫علم موا ٍز لعلم الكالم‪ ،‬وظيفته تأصيل أصول‬
‫وتعميمها إلى المجال العقائدي‪ ،‬فينشأ ٌ‬
‫االستنباط الكالمي ومصادر االستدالل العقائدي‪ ،‬وبيان قيمتها اإلثباتية‪ ،‬ومدى‬
‫تمايزها عن وسائل االستنباط الفقهي المشار إليها‪.‬‬

‫تطرق إلى بحث بعض قواعد اإلثبات العقدية في ثنايا‬
‫ٌ‬
‫صحيح أنَّ علم الكالم َّ‬
‫البحوث الكالمية‪ ،‬وكذلك علم أصول الفقه‪ ،‬فإنّه تطرق إلى ذلك أيض ًا‪ ،‬بيد أنّ ذلك‬
‫كاف وال ٍ‬
‫غير ٍ‬
‫واف بالغرض؛ ألنّ تدوين القواعد وأصول االستنباط وتبويبها في إطار‬
‫الكالمي وتعميقه‪،‬‬
‫خاص يعنى ببحثها ودراستها‪ ،‬له بالغ األثر في إثراء البحث‬
‫علمٍ‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬
‫بالتطرق إلى القواعد‬
‫على غرار ما حصل في علم أصول الفقه‪ ،‬فإنّ الفقهاء لم يكتفوا‬
‫ّ‬
‫الفقهي‪ ،‬بل شعروا بالحاجة إلى إفرادها بالتدوين في نطاق‬
‫األصولية في ثنايا البحث‬
‫ّ‬
‫خاص‪ ،‬ولو ُقدِّ ر للقواعد األصولية أن تبقى هامش ًا أو ملحق ًا فقهي ًا ومبثوث ًة في‬
‫علمٍ‬
‫ّ‬
‫ثنايا علم الفقه‪ ،‬لما وصل علم األصول إلى هذا الثراء والنضوج الذي خدم قبل ّ‬
‫كل‬
‫ٍ‬
‫والحركية االجتهادية‪.‬‬
‫شيء علم الفقه‬
‫ّ‬
‫‪6‬‬

‫المقدِّ مة‪ :‬علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫أهم النتائج المتر ّتبة على حصول تمايز بين وسائل اإلثبات العقيدي ووسائل‬
‫ومن ّ‬
‫الحد من هذا الخلط الملحوظ في المقام‪ ،‬والناتج‬
‫اإلثبات الفقهي‪ ،‬هو الحيلولة أو ّ‬
‫من قياس أحد الحقلين أو العلمين باآلخر‪ ،‬والتعامل مع االستنباط الكالمي بالكيفية‬
‫نفسها التي يتعامل فيها مع االستنباط الفقهي‪ ،‬مع أنّ البون بين ِ‬
‫الع ْلمين‪ ‬ـ‪ ‬رغم‬
‫جانب‪ ‬ـ‪ ‬شاسع جد ًا في الموضوع والوظيفة والغرض‪ ،‬ما‬
‫اشتراكهما في أكثر من‬
‫ٌ‬
‫يستدعي تغاير ًا في وسائل اإلثبات وطرق االستدالل‪.‬‬
‫ّ‬
‫المستقل‪ ،‬من شأنه‪ ‬ـ‪ ‬مضاف ًا إلى ما‬
‫إنّ إفراد علمٍ لالستنباط العقائدي بالتدوين‬
‫سلف‪ ‬ـ‪ ‬أن يساهم‪:‬‬
‫التخبط الذي ال نزال نشهده‪ ،‬أو التعامل الملتبس مع بعض‬
‫الحد من هذا‬
‫أو ًال‪ :‬في ّ‬
‫ّ‬
‫وسائل االستدالل وأدواته‪ ،‬كخبر الواحد مث ً‬
‫ال‪ ،‬حيث نالحظ أنّ المتكلم قد يعتمد‬
‫معين على الخبر الواحد‪ ،‬بينما يرفض االعتماد نفسه عليه في مجال آخر‪.‬‬
‫في مجال ّ‬

‫ثاني ًا‪ :‬في تحديد َمواطن ال ّلقاء واالختالف‪ ،‬وتقريب وجهات النظر بين‬
‫المذاهب الكالمية المختلفة‪ ،‬بما يسهم في تخفيف وطأة االختالف الناشئ عن‬
‫يمهد للتقريب‬
‫عدم حسم الموقف في الكثير من أصول االجتهاد الكالمي‪ ،‬بما ّ‬
‫الكالمية المختلفة ويجعلها تقرأ في كتاب واحد‪.‬‬
‫بين المدارس‬
‫ّ‬
‫ثالث ًا‪ :‬تقديم إجابة عن كثير من األسئلة حول مدى إمكانية االستفادة من‬
‫معطيات العلوم األخرى في االستدالل الكالمي‪.‬‬

‫أهم النتائج المتر ّتبة على إفراد علم ألصول االعتقاد أنّه سوف يساهم‬
‫ومن ّ‬
‫في حصول تمايز بين وسائل اإلثبات العقدي ووسائل اإلثبات الفقهي‪ ،‬ويحول‬
‫يحد من هذا الخلط الملحوظ في المقام‪ ،‬والناتج من قياس أحد الحقلين أو‬
‫أو ّ‬
‫ِ‬
‫الع ْلمين باآلخر‪ ،‬والتعامل مع االستنباط الكالمي بالكيفية نفسها التي يتعامل‬
‫فيها مع االستنباط الفقهي‪ ،‬مع أنّ البون بين العلمين‪ ‬ـ‪ ‬رغم اشتراكهما في أكثر‬
‫‪7‬‬

‫المقدِّ مة‪ :‬علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫جد ًا في الموضوع والوظيفة والغرض‪ ،‬ما يستدعي تغاير ًا في‬
‫من‬
‫جانب‪ ‬ـ‪ ‬شاسع ّ‬
‫ٌ‬
‫وسائل اإلثبات وطرق االستدالل‪.‬‬

‫ّ‬
‫والمنظم‬
‫باختصار‪ :‬إنّ العلم الذي نقترح إطالقه هو بمثابة المنطق لعلم الكالم‬
‫برمته‪.‬‬
‫للتفكير الكالمي ّ‬

‫إنّ فكرة هذا الكتاب‪ ‬ـ‪ ‬في حدود ّ‬
‫اطالعنا‪ ‬ـ‪ ‬وباستثناء ما نجده في إشارات‬
‫الكالمية جاءت من أنّه لم يتم إيالؤها أهمية‬
‫ضمنية مبثوثة في ثنايا المصنفات‬
‫ّ‬
‫في الدراسات الكالمية السابقة والمعاصرة‪ ،‬األمر الذي زاد ويزيد من أهمية‬
‫ّ‬
‫ويشكل‪ ‬ـ‪ ‬في الوقت عينه‪ ‬ـ‪ ‬صعوبة وربما عقبة أمام هذه‬
‫الموضوع المبحوث‬
‫الدراسة‪ ،‬رغم سعينا إلى تجاوز ذلك ببذل الجهد‪ ‬ـ‪ ‬قدر المستطاع‪ ‬ـ‪ ‬في سبيل‬
‫تقديم إجابات واضحة على األسئلة اإلشكالية التي يطرحها هذا الموضوع‪.‬‬

‫حد معين‪ ،‬كما‬
‫وقد فرضت علينا طبيعة الموضوع اعتماد لغة‬
‫متخصصة إلى ٍّ‬
‫ّ‬
‫العلمية‪ ‬ـ‪ ‬مع أخذ طبيعة الموضوع بنظر االعتبار‪ ‬ـ‪ ‬اعتماد‬
‫المنهجية‬
‫وفرضت علينا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التصنيف التالي لهذه الدراسة‪:‬‬
‫(المبررات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات)‪ ،‬ويضم‬
‫الباب األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‬
‫ّ‬
‫أربعة فصول‪:‬‬
‫المبررات والعقبات‬
‫األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪:‬‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل ّ‬
‫ّ‬
‫وتأمالت‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الثاني‪ :‬في المنهج الكالمي‪ :‬وقفات ّ‬
‫موقعية اليقين في االجتهاد الكالمي‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الثالث‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الرابع‪ :‬دور اللغة في االجتهاد الكالمي‬

‫الباب الثاني‪( :‬أدوات االستنباط الكالمي)‪ ،‬وهو يضم تمهيد ًا وأربعة فصول‬
‫أيض ًا‪:‬‬
‫‪8‬‬

‫‪ ‬ـ‪  ‬تمهيد‪ :‬مصادر االستنباط الكالمي‬

‫المقدِّ مة‪ :‬علم أصول االجتهاد الكالمي‬

‫األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل ّ‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الثاني‪ :‬اإلدراك الديني‬

‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الثالث‪ :‬اإلدراك الوجداني‬
‫الحسي‬
‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الرابع‪ :‬اإلدراك‬
‫ّ‬

‫‪ ‬ـ‪  ‬الفصل الخامس‪ :‬الشك في العقائد‪ :‬أنحاؤه ومعالجاته‬

‫وكلي ٌ‬
‫أمل أن يجد أهل الفضل والعلم في هذا الكتاب ما ينفع ويفيد‪ ،‬ورجائي‬
‫تسدد الخطى وتغني الفكرة وتفتح اآلفاق‪.‬‬
‫علي بمالحظاتهم التي ّ‬
‫أن ال يبخلوا َّ‬

‫ُ‬
‫أسأل أن يجعل هذا الكتاب في ميزان األعمال يوم ال ينفع مال‬
‫الكريم‬
‫والل َه‬
‫َ‬
‫وال بنون إال من أتى الله بقلب سليم‪.‬‬

‫حسين أحمد الخشن‬

‫‪2010/11/15‬‬

‫‪9‬‬

‫األول‬
‫الباب ّ‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫االجتهاد الكالمي‬
‫المبررات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬
‫ّ‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 2‬الفصل الثاني‪ :‬في المنهج الكالمي‪ :‬وقفات وتأ ّمالت‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫موقعية اليقين في االجتهاد الكالمي‬
‫‪ 3‬الفصل الثالث‪:‬‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 4‬الفصل الرابع‪ :‬دور ال ّلغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪11‬‬

‫الفصل األول‬

‫االجتهاد الكالمي‬
‫المبررات والعقبات‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫وسلبياته‬
‫الكالمي‪ :‬أسبابه‬
‫‪ 1‬الجمود‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫مبررات وحاجات‬
‫‪ 2‬االجتهاد الكالمي‪ّ :‬‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬البناء العقائدي بين االجتهاد والتقليد‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪4‬‬
‫المبررات والمحاذير‬
‫المرجعيات العقائدية‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪13‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫‪1‬‬
‫الجمود الكالمي‬
‫وسلبياته‬
‫أسبابه‬
‫ّ‬
‫ألسباب مختلفة‪ ،‬فكرية واجتماعية وسياسية‪ُ ،‬أقفل باب االجتهاد في لحظة‬
‫ألمتنا اإلسالمية‪ ،‬وساد‬
‫تاريخية ُم َّرة تُعتبر األسوأ في تاريخ التقهقر الحضاري ّ‬
‫المقدسة التي ال يجوز‬
‫التقليد والجمود‪ ،‬وغدا قول السلف الصالح هو المرجعية‬
‫ّ‬
‫تجاوزها‪ ،‬كأنّما هو قرآن منزل‪ .‬وقد كان لهذا األمر مضاعفات خطيرة وسلبيات‬
‫اإلسالمي الذي‬
‫كبيرة‪ ،‬ليس على واقع األمة ومكانتها فحسب‪ ،‬بل على العقل‬
‫ّ‬
‫أصابته شظايا هذا الجمود‪ّ ،‬‬
‫فعطلت قدرته على اإلبداع والتطوير‪ .‬وكان علم‬
‫الكالم أحد ضحايا هذا االنكماش والجمود‪ ،‬فأصابه الشلل‪ ،‬وغدا في بعض من‬
‫األمة‪ ،‬ثالم ًا لوحدتها‪.‬‬
‫مقوالته معيق ًا لنهوض ّ‬

‫في األسباب‬

‫وأخال أنّ السبب الرئيس الذي أعاق حركة االجتهاد الكالمي‪ ،‬هو السبب عينه‬
‫الذي أعاق حركة االجتهاد واإلبداع عموم ًا‪ ،‬وليس ذلك إ ّ‬
‫ال الشلل الذي أصاب‬
‫األمة في عقلها وإرادتها بفعل الكثير من العوامل الفكرية والسياسية واالجتماعية‬
‫والتربوية واألخالقية‪ ..‬وهكذا انكمش العقل اإلسالمي‪ ،‬وساد التقديس والتقليد‪،‬‬
‫ويتهيب خوض‬
‫ما جعل الباحث المسلم‪ ‬ـ‪ ‬متك ّلم ًا كان أو فقيه ًا أو غيرهما‪ ‬ـ‪ ‬يحاذر‬
‫ّ‬
‫توصله إلى نتائج مخالفة للسائد؛‬
‫غمار البحث الكالمي بطريقة اجتهادية‪ ،‬خشية ّ‬
‫‪15‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫األمر الذي قد يوقعه في حال البوح بتلك النتائج‪ ،‬في شباك التكفير والتضليل‪،‬‬
‫فرأى أنّ النأي عن البحث االجتهادي الكالمي أسلم له وأبقى لنفسه‪ .‬بيد أنّ هذه‬
‫المحاذرة لم تؤ ّد إلى انحسار منطق التكفير ولم تحل دونه‪ ،‬بل إنّها زادت في‬
‫ّ‬
‫وكرست حالة الجمود أكثر فأكثر‬
‫الطين ب ّلة‪ ،‬وساهمت في تأجيج أوار التكفير؛ ّ‬
‫والتعبد بآرائه وأفكاره‪ ،‬واعتبارها مس َّلمات‬
‫وانتشر التقليد وساد تقديس السلف‬
‫ّ‬
‫وقطعيات‪ ،‬وغدا الخروج على تلك األفكار خروج ًا على اإلسالم نفسه‪.‬‬
‫إنّ مشكلة التكفير والمنطق التكفيري‪ ‬ـ‪ ‬في الجوهر‪ ‬ـ‪ ‬لم تنشأ من فتح باب‬
‫أهمها‪ :‬ابتناء علم الكالم‬
‫االجتهاد الكالمي‪ ،‬بل نشأت وتنشأ من حيثيات أخرى‪ّ ،‬‬
‫اإلسالمي على منطق الفرقة الناجية‪ ،‬وهو منطق إقصائي إلغائي‪ ،‬مضاف ًا إلى تعطيل‬
‫دور العقل في فهم النص‪ ،‬والسطحية في فهم الدين‪ ،‬والجهل بأبعاده ومقاصده‪،‬‬
‫تعرضنا‬
‫إلى غير ذلك من العوامل الثقافية واالجتماعية والسياسية واالقتصادية‪ّ ،‬‬
‫مما ّ‬
‫له في مقام آخر(‪ ،)1‬ولذا فإنّ إعادة فتح باب االجتهاد الكالمي‪ ،‬بقدر ما هو ضرورة‬
‫حد ذاته الستعادة الحيوية إلى علم الكالم نفسه‪ ،‬فإنّه كفيل مع المدى بتطويق‬
‫في ّ‬
‫التنوع وحرية الرأي‪.‬‬
‫الفكر التكفيري ومحاصرته؛ ألنّه يساهم في إيجاد مناخٍ يقبل ّ‬

‫االجتهاد والثبات‬

‫وفي هذا السياق‪ ‬ـ‪ ‬أعني سياق التقليد‪ ‬ـ‪ ‬فإنّ الدعوة إلى فتح باب االجتهاد‬
‫اإليديولوجية في اعتبار الثبات‬
‫وتستفز تربيتهم‬
‫مستنكرة لدى البعض‪،‬‬
‫الكالمي‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫أي معنى لالجتهاد فيها؛ ألنّه‪ ‬ـ‪ ‬أي االجتهاد‪ ‬ـ‪ ‬ينافي ثباتها‬
‫سم ًة للعقائد‪ ،‬ما يلغي ّ‬
‫وديمومتها‪ ،‬بخالف االجتهاد الفقهي‪ ،‬فإنّ الدعوة إلى فتح أبوابه ال تخلق كبير‬
‫ربما كان ذلك ضروري ًا‪ ،‬ألنّ الفقه يقدِّ م حلو ً‬
‫عملي ًة لإلنسان‪ ،‬وهذه‬
‫ال‬
‫مشكلة‪ ،‬بل ّ‬
‫ّ‬
‫((( أنظر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬العقل التكفيري‪ ،‬قراءة في المنهج اإلقصائي‪ ،‬المركز اإلسالمي الثقافي‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪2013 ،1‬م‪ ،‬ص‪ 177‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫وربما كانت خصوصية‬
‫تطور الحياة وحركيتها‪ّ ،‬‬
‫تحتاج إلى مرونة تتالءم مع ّ‬
‫الثبات العقدية هذه هي السبب في إقفال باب االجتهاد الكالمي لدى البعض‪.‬‬

‫إال أنّنا لو أردنا مسايرة هذا المنطق‪ ،‬لكان علينا االلتزام بإقفال باب االجتهاد‬
‫مطلق ًا في األصول والفروع‪ ،‬ألنّ وجهة نظر معارضي فتح باب االجتهاد الكالمي‪،‬‬
‫يقدم‬
‫ترى أنّ الطرح الديني عموم ًا‬
‫‪ ‬ـ‪ ‬سواء في المجال العقدي أو التشريعي‪ ‬ـ‪ّ  ‬‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫تعبر‬
‫تتغير بمرور الزمان واختالف المكان‪ ،‬فكما أنّ العقيدة ّ‬
‫ُمط َلقات ويقينيات ال ّ‬
‫عن حقائق ثابتة‪ ،‬كذلك الشريعة‪ ،‬وهذا ما تعارف التعبير عنه بالكالم المأثور‪:‬‬
‫ٌ‬
‫«حالل محمد‬
‫حرام إلى يوم القيامة»(‪ ،)1‬فإذا كان ال‬
‫حالل إلى يوم القيامة‪ ،‬وحرامه ٌ‬
‫فليقفل في األصول والفروع مع ًا!‬
‫ّ‬
‫بد من إقفال باب االجتهاد‪ُ ،‬‬

‫والصحيح أنّ االجتهاد الكالمي ال يتنافى والثبات المفترض في العقائد‪ ،‬ألنّ‬
‫االجتهاد المطلوب أو المأمول‪ ،‬لن يطال ما يعرف بالبديهيات العقدية‪ ،‬كاإليمان‬
‫بالله ووحدانيته ورسله واليوم اآلخر‪ ،‬تمام ًا كما أنّ االجتهاد الفقهي ال يطال ما‬
‫ُيعرف بالضرورات الفقهية‪ ،‬كوجوب الصالة والصوم وحرمة القتل والغش‪ ،‬وما‬
‫إلى ذلك‪ّ ،‬أما فيما عدا البديهيات‪ ،‬فإنّ مساحة القضايا النظرية العقدية التي هي‬
‫ٌ‬
‫جد ًا‪ ،‬وال ّ‬
‫ّ‬
‫تقل‪ ‬ـ‪ ‬في النسبة‪ ‬ـ‪ ‬عن مساحة القضايا النظرية‬
‫محل االجتهاد‬
‫واسعة ّ‬

‫الفقهية‪ ،‬وفي تقدير ألحد الفقهاء‪ ،‬فإنّ نسبة البديهيات إلى النظريات على مستوى‬
‫اإلسالم ك ّله عقيد ًة وشريع ًة هي ستة في المائة(‪.)2‬‬

‫نغتر أو ننساق مع دعوى الضرورة والبداهة‬
‫هذا مع اإللفات إلى أنّنا ال ينبغي أن ّ‬
‫المتأخرة‪ ،‬فإنّ الجمود االجتهادي في الحقل العقيدي‪ ،‬خلق‬
‫التي كثرت في اآلونة‬
‫ّ‬
‫الكثير من الضرورات والمشهورات التي ال أصل لها‪ ،‬كما سيأتي الحق ًا‪.‬‬

‫(( ( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪ ،258‬وج‪ ،2‬ص ‪.17‬‬
‫((( الفياض‪ ،‬الشيخ محمد إسحاق‪ ،‬النظرة الخاطفة في االجتهاد‪ ،‬مؤسسة دار الكتاب‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪،‬‬
‫ط‪1413 ،1‬هـ‪ ،‬ص ‪.3‬‬
‫‪17‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫صور ناصعة من تاريخ علم الكالم‬

‫بد‬
‫وقبل أن نشير إلى المضاعفات السلبية التي خ ّلفها الجمود الكالمي‪ ،‬ال ّ‬
‫من التنبيه إلى أنّ هذه السلبيات ال ينبغي أن تنسينا اإليجابيات‪ ،‬فعلم الكالم م ّثل‬
‫ميدان ًا خصب ًا للعقالنية اإلسالمية التي تج َّلت في مقوالته المتعددة التي ّ‬
‫تؤكد‬
‫حرية اإلنسان واختياره‪ ،‬والتي جعلت العقل مرجع ًا رئيس ًا في بناء العقيدة‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫غني ٍة في عمر الثقافة‬
‫مر علم الكالم بمرحلة قصيرة في عمر الزمن‪ّ ،‬‬
‫وقد ّ‬
‫اإلنسانية في ش ّتى المعارف‪ ،‬وقد‬
‫ومقياسها‪ ،‬انفتح فيها على مختلف الثقافات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شكلت تلك الفترة الذهبية مصدر إشعاع وإلهام‪ ،‬وأغنت‪ ‬ـ‪ ‬فيما أغنت‪ ‬ـ‪ ‬التجربة‬

‫والتميز لتلك المرحلة‬
‫سر اإلشراق‬
‫اإلسالمية والحركة‬
‫الكالمية‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وربما يكون ّ‬
‫كامن ًا في مناخ الحرية الفكرية الذي أنتج هذه الحيوية‪ ،‬وأتاح للمسلمين االقتباس‬
‫والعلمية‪ .‬وإذا كان‬
‫والفلسفية‬
‫الثقافية‬
‫من اآلخرين واالستفادة من تجربتهم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ثمة محذور‬
‫االقتباس من الفرس أو اليونان أمر ًا غير منكر‪ ،‬فاألولى أن ال يكون ّ‬
‫في أن يجلس أبو حنيفة النعمان مدة سنتين تحت منبر اإلمام الصادق‪Q‬‬
‫عبرت عن ذلك الكلمة التي تُنسب إليه‪،‬‬
‫مستفيد ًا ومستزيد ًا من وافر علمه‪ ،‬وقد ّ‬
‫وهي قوله‪« :‬لوال السنتان لهلك النعمان»(‪ .)1‬ولم يجد اإلمام الصادق‪Q‬‬
‫غضاض ًة في مجالسة المالحدة‪ ‬ـ‪ ‬أو (الزنادقة) في اصطالح ذلك الزمان ـ في بيت‬
‫وشخصية الرسول‪ P‬وطبيعة‬
‫الله الحرام‪ ،‬وهو يحاورهم في ذات الله سبحانه‬
‫ّ‬
‫مما ُّ‬
‫والطبيعي األقرب إلى اإلسالم‬
‫الصحي‬
‫يدل على وجود المناخ‬
‫الرسالة؛ وهذا ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نص ًا وروح ًا‪ ،‬منطوق ًا ومفهوم ًا‪.‬‬
‫ّ‬
‫((( رغم أنّ هذه الكلمة مشهورة عن أبي حنيفة‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أننا لم نعثر عليها في المصادر المعروفة لدى‬
‫صب‬
‫الفريقين‪ .‬أجل‪ ،‬ذكرها الشيخ محمد شكري األلوسي العراقي (ت ‪1342‬هــ) في كتابه‪ّ :‬‬
‫سب األصحاب‪ ،‬تحقيق‪ :‬عبد الله البخاري‪ ،‬الناشر‪ :‬أضواء السلف‪ ،‬ال‪.‬ط‪،‬‬
‫العذاب على من ّ‬
‫‪1417‬هـ‪ ،‬ص ‪ 157‬ـ‪.158 ‬‬
‫‪18‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ٍ‬
‫الحقة‪ ،‬وتحديد ًا‬
‫ولم تكن هذه المرحلة يتيم ًة ونادر ًة في تاريخنا‪ ،‬ففي مرحلة‬
‫في القرن الخامس الهجري‪ ،‬لم ُيثِ ْر تأليف الشيخ المفيد كتاب ًا تحت عنوان‬
‫يصحح فيه اعتقادات أستاذه الشيخ الصدوق‪ ،‬مشكل ًة كبير ًة‬
‫(تصحيح االعتقاد)‪ّ ،‬‬
‫الشيعي وتفرزه إلى فئتين‪ ،‬كما فعلت ذلك‪ ‬ـ‪  ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬فتوى‬
‫تصدع وحدة الجمهور‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حرم‬
‫ّ‬
‫فقهية أطلقها في عشرينيات القرن الماضي‪ ،‬العالمـة السيد محسـن األمـين‪ّ ،‬‬
‫(‪)1‬‬
‫بموجبهـا ضـرب الـرؤوس بالسيـوف في يوم عاشوراء ‪ ،‬لترى انقسام النجـف‬
‫وامتد‬
‫ـ على خلفية الفتوى المذكورة ـ إلى «حزب العلويين» و«حزب األمويين»‪،‬‬
‫ّ‬
‫االنقسام المذكور إلى جبل عامل ودمشق وغيرهما من البلدان‪.‬‬

‫إنّ ما جرى بين المفيد وأستاذه الصدوق‪ ،‬جرى نظيره بين المفيد وتلميذه السيد‬
‫المرتضى‪ ،‬فقد خالف السيد أستاذه المفيد فيما يقرب من مائة مسألة كالمية(‪،)2‬‬
‫من دون أن يترك ذلك انقسام ًا في الوسط الشيعي‪ ،‬أو ُيترجم تباد ً‬
‫ال باالتهامات‬
‫وطعن ًا في اآلخر‪ ،‬أو رميه بالشذوذ‪ ،‬فهل من معتبر؟!‬
‫وبالعودة إلى سلبيات الجمود الكالمي‪ ،‬يمكننا أن نشير إلى التالي‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬طغيان المنحى الفقهي‬

‫حول االهتمام وصرف‬
‫إنّ واحد ًة من نتائج إقفال باب االجتهاد الكالمي‪ ،‬هي أنّه ّ‬
‫األنظار عن الحقل العقدي إلى الحقل التشريعي‪ ،‬وهذا األمر وإن كان له بعض‬
‫اإليجابيات حيث انطلقت حركة االجتهاد الفقهي متحرر ًة من بعض القيود التي‬
‫لكن نتائجه لم تكن‬
‫كبلت علم الكالم‪ ،‬بما ساهم في إثراء البحث الفقهي وإغنائه‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬األمين‪ ،‬السيد محسن (ت ‪1371‬هـ)‪ ،‬أعيان الشيعة‪ ،‬تحقيق‪ :‬حسن األمين‪ ،‬دار التعارف‬
‫للمطبوعات‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪ ،1‬بدون تاريخ‪ ،‬ج‪ ،10‬ص‪.379‬‬
‫((( الجبعي العاملي‪ ،‬زين الدين بن علي المعروف بالشهيد الثاني (ت ‪965‬هـ)‪ ،‬مسالك األفهام إلى‬
‫تنقيح شرائع اإلسالم‪ ،‬مؤسسة المعارف اإلسالمية‪ ،‬قم‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪1413 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،14‬ص‪.172‬‬
‫‪19‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٍ‬
‫فقهي كبير‬
‫إيجابية عموم ًا بالنسبة إلى اإلسالم نفسه؛ ألنّ هذا الواقع‬
‫ّ‬
‫المتميز بحراك ّ‬
‫نسبي ًا‪ ،‬وجمود كالمي كبير نسبي ًا أيض ًا‪ ،‬أعطى انطباع ًا سلبي ًا مفاده‪ :‬أنّ اإلسالم هو‬
‫عبارة عن رزمة من األحكام والتشريعات القانونية اإللزامية؛ وقد ساهم المنهج‬
‫الفقهي السائد الذي ال تحكمه رؤية مقاصدية بتقديم المسائل الفقهية بطريقة متناثرة‬
‫تفتقد إطار ًا مرجعي ًا ينظم شتاتها‪ ،‬هذا فض ً‬
‫ال عن أنّها تستهلك وتستنفد وقت المسلم‬
‫تعزز من التفكير المقاصدي‬
‫في تعليمها وتع ّلمها وامتثالها‪ .‬إنّ الرؤية الكالمية سوف ّ‬
‫الحد من الذهنية التفككية التي حكمت العقل الفقهي‪ .‬إنّ‬
‫لدى الفقيه بما يساهم من ّ‬
‫عزز من مكانة الفقيه في‬
‫هذا ّ‬
‫التقدم للدرس الفقهي على حساب الدرس العقدي قد ّ‬
‫المفسر للقرآن‬
‫الوسط الجماهيري العام‪ ،‬وأضعف مكانة المتكلم والفيلسوف وح ّتى‬
‫ّ‬
‫التحجر‪ ،‬ولم ُ‬
‫تخل من التع ّثر‪،‬‬
‫تنج من‬
‫الكريم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫صحيح أنّ حركة االجتهاد الفقهي لم ُ‬
‫ّ‬
‫وأصابها داء التكفير‪ ،‬لك ّنها حافظت على مساحة مقبولة من حرية االختالف‪ ،‬وعلى‬
‫التنوع في اآلراء‪ ،‬لكن ذلك ال يقاس بما حصل في المجال الكالمي‪،‬‬
‫قدر معقول من ّ‬
‫فإنّ مساحة االجتهاد انحسرت إلى أبعد الحدود‪ ،‬وساد التقليد‪ ،‬وغاب التجديد في‬
‫النتاج العقدي‪ ،‬إال فيما هو تكرار واستنساخ لجهود الماضين من العلماء‪.‬‬

‫ملح ًة إلى تفعيل البحث االجتهادي الكالمي‬
‫في ضوء ذلك‪ ،‬تكون الحاجة ّ‬
‫يتم اختصار اإلسالم بالفقه األصغر‪ ،‬و ُيعاد‬
‫وإعادة الحيوية المطلوبة إليه‪ ،‬كي ال ّ‬
‫االعتبار إلى الفقه األكبر‪ ،‬أعني العقيدة‪ ،‬كما أطلق عليها بعض السلف‪ ،‬في‬
‫ٍ‬
‫وأرجحيتها على‬
‫إدراك وا ٍع لمنـزلة العقيدة وموقعها في اإلسالم‬
‫ينم عن‬
‫تعبي ٍر ّ‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫التشريع‪ ،‬وهو األمر الذي حدا ببعض الفقهاء إلى تصدير رسائلهم العملية‬

‫((( نجد ذلك في كتاب «جمل العلم والعمل» للسيد الشريف المرتضى من أعالم القرن الخامس‬
‫الهجري‪ ،‬وفي كتاب «تقريب المعارف في العقائد واألحكام» ألبي الصالح الحلبي من أعالم‬
‫القرن الخامس الهجري‪ ،‬وفي كتاب «غنية النزوع في علمي األصول والفروع» البن زهرة الحلبي‬
‫من علماء القرن السادس الهجري‪ ،‬وفي كتاب «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء» للشيخ‬
‫جعفر كاشف الغطاء من أعالم القرن الثالث عشر الهجري‪ ،‬وقد سار على هذا النهج السيد محمد‬
‫باقر الصدر في رسالته العملية «الفتاوى الواضحة»‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ٍ‬
‫أهم األصول العقائدية‪ ،‬أو أحكام‬
‫يتعرضون فيه إلى ّ‬
‫وكتبهم الفتوائية بمبحث ّ‬
‫الفقه األكبر‪ ،‬توطئ ًة ألحكام الفقه األصغر‪.‬‬

‫وهذا المنهج في فهم اإلسالم هو المستفاد من القرآن الكريم‪ ،‬فإنّه لم َي ْد ُع إلى التفقّه‬
‫في خصوص األحكام الشرعية‪ ،‬بل دعا إلى التفقّه في الدين‪ ،‬عقيدة وشريع ًة‪ ،‬كما هو‬
‫الم ْؤ ِم ُنونَ لِ َي ْن ِف ُروا َكا َّف ًة َف َل ْولاَ َن َف َر ِم ْن ُك ِّل ِف ْر َق ٍة ِم ْن ُه ْم َطائِ َف ٌة‬
‫ظاهر قوله تعالى‪َ :‬‬
‫﴿و َما َكانَ ُ‬
‫لِ َي َت َفق َُّهوا ِفي الدِّ ِ‬
‫ين َولِ ُي ْن ِذ ُروا َق ْو َم ُه ْم إِ َذا َر َج ُعوا إِ َل ْي ِه ْم َل َع َّل ُه ْم َي ْح َذ ُرونَ ﴾ [التوبة‪.]122:‬‬
‫إنّها‪ ‬ـ‪ ‬إذ ًا‪ ‬ـ‪ ‬دعوة إلى (التفقّه في الدين)‪ ،‬ال التفقّه في خصوص األحكام الشرعية‪ ،‬وإنّه‬
‫ٌ‬
‫لخطأ ّبي ٌن دون ّ‬
‫شك‪َ ،‬ح ْم ُل مصطلح الفقه‪ ،‬أو الفقيه‪ ،‬أو التفقّه الوارد في الكتاب أو‬
‫الس ّنة‪ ،‬على خصوص االجتهاد في أحكام الشريعة‪ ،‬فهو أوسع مدلو ًال من ذلك‪ ،‬كما‬
‫يوحي به ما جاء في آخر اآلية‪ ،‬فإنّ الحذر المطلوب عقيب اإلنذار‪ ،‬ال يكون إزاء‬
‫األحكام الفقهية فحسب‪ ،‬كما أنّ قول أمير المؤمنين‪ Q‬فيما روي عنه‪« :‬الفقيه‪،‬‬
‫ّ‬
‫كل الفقيه‪ ،‬من لم ُي َق ِّنط ال ّناس من رحمة الله‪ ،‬ولم يؤيسهم من روح الله‪ ،‬ولم يؤمنهم‬
‫ٍ‬
‫شاهد على عدم انحصار مدلول (الفقيه) بالمعنى المقابل‬
‫من مكر الله»(‪ ،)1‬هو خير‬
‫متأخر‪.‬‬
‫للمتك ّلم‪ ،‬وإنّما ذلك مصطلح حادث ّ‬

‫وضعيته التاريخية‪ ،‬وابتنائه على صياغات نظرية وأط ٍر‬
‫والحقيقة أنّ علم الكالم في‬
‫ّ‬
‫معينة‪ ،‬لم ولن يترك تأثيره سلب ًا أو إيجاب ًا على علم الفقه فحسب‪ ،‬وإنّما على‬
‫فكرية ّ‬
‫مجمل الحركة الفكرية في الفضاء اإلسالمي‪ ،‬كما على واقع االجتماع اإلسالمي‬
‫وتقدمه نحو األفضل‪.‬‬
‫برمته‪ ،‬في وحدته وتماسكه‪ ،‬وفي عملية نهوضه‬
‫وتحرره ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ُ‬
‫وأخال أنّ التقليد الذي ابتدأ في المجال الفقهي لظروف سياسية أو غيرها(‪،)2‬‬

‫(( ( الموسوي‪ ،‬محمد بن الحسين بن موسى المعروف بالشريف الرضي (ت ‪406‬هـ)‪ ،‬نهج البالغة‪،‬‬
‫دار الذخائر‪ ،‬قم‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪1،1412‬هـ‪ ،‬ج ‪ ،4‬ص‪.20‬‬
‫عدة أسباب هذه خالصتها‪:‬‬
‫سد باب االجتهاد إلى ّ‬
‫((( أرجع األستاذ «عبد الوهاب خالف» الدعوة إلى ّ‬
‫عدة ممالك‪ ،‬وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم‪ ،‬ما أوجب‬
‫‪1‬ـ انقسام الدولة اإلسالمية إلى ّ‬
‫انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع‪ ،‬وانشغال العلماء تبع ًا لذلك بالسياسة وشؤونها‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫لتقبل التقليد في الحقل الكالمي‪ ،‬وهكذا‬
‫هيأ الذهنية اإلسالمية ّ‬
‫العامة ّ‬
‫هو الذي ّ‬
‫وتمدد إلى سائر الحقول المعرفية‪َ ،‬ف َألِف المسلمون‬
‫انزاح مفهوم التقليد‬
‫ّ‬
‫التقليد واعتادوه ولم يعد األمر مستفز ًا وال منكر ًا‪ ،‬األمر الذي أصابهم بالركود‬
‫فتم‬
‫والشلل‪ .‬وترافق ذلك مع حصول التباس بين مفهومي اإلبداع واالبتداع‪ّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫التوقف أمام ّ‬
‫محاربته‪ ‬ـ‪ ‬بحجة أنّه بدعة‪،‬‬
‫تطور جديد‪ ‬ـ‪ ‬إن لم نقل‬
‫ّ‬
‫كل كشف أو ّ‬
‫ٍ‬
‫«وكل بدعة ضاللة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫غفلة ّبينة عن الفارق الكبير بين‬
‫وكل ضاللة في ال ّنار»(‪ ،)1‬في‬
‫الدين زياد ًة أو نقص ًا‪ ،‬وبين اإلبداع المطلوب‬
‫االبتداع المذموم‪ ،‬وهو االبتداع في ّ‬
‫النص وعلوم الحياة كلها‪ ،‬ما ِّ‬
‫يمكن اإلنسان‬
‫والمحمود‪ ،‬وهو اإلبداع في علوم ّ‬
‫من امتالك المعرفة واكتشاف مجاهل الكون وأسراره‪.‬‬
‫‪2‬ـ انقسام المجتهدين إلى أحزاب‪ّ ،‬‬
‫تعصب‬
‫لكل حزب مدرسته التشريعية وتالمذتها‪ ،‬ما دعا إلى ّ‬
‫كل مدرسة لمبانيها الخاصة أصو ً‬
‫ّ‬
‫ال وفروع ًا‪ ،‬وهدم ما عداها‪ ،‬حتى صار الواحد منهم‬
‫يؤيد مذهب إمامه ولو بضرب‬
‫ال يرجع إلى ّ‬
‫نص قرآني أو حديث‪ ،‬إال ليلتمس فيه ما ّ‬
‫التعسف في الفهم والتأويل‪ ،‬وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته‪ ،‬وماتت روح‬
‫من‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫كالعامة أتباعا ومقلدين‪.‬‬
‫الخاصة‬
‫استقاللهم العقلي‪ ،‬وصار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سد باب‬
‫تقبل ّ‬
‫‪3‬ـ انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء‪ ،‬وعدم وجود ضوابط لهم‪ ،‬ما أ ّدى إلى ّ‬
‫األئمة‪ ،‬حيث عالجوا‬
‫االجتهاد في أواخر القرن الرابع‪ ،‬وتقييد المفتين والقضاة بأحكام‬
‫ّ‬
‫الفوضى بالجمود‪.‬‬
‫‪4‬ـ شيوع األمراض الخلقية بين العلماء‪ ،‬والتحاسد واألنانية‪ ،‬فكانوا إذا طرق أحدهم باب االجتهاد‪،‬‬
‫فتح على نفسه أبواب التشهير به‪ّ ،‬‬
‫وحط أقرانه من قدره‪ ،‬وإذا أفتى في واقعة برأيه‪ ،‬قصدوا إلى‬
‫بالحق والباطل‪ ،‬فلهذا كان العالم ي ّتقي كيد زمالئه وتجريحهم‬
‫تسفيه رأيه وتفنيد ما أفتى به‬
‫ّ‬
‫بأنّه مق ّلد وناقل‪ ،‬ال مجتهد ومبتكر‪ ،‬وبهذا ماتت روح النبوغ‪ ،‬ولم ترفع في الفقه رؤوس‪،‬‬
‫وضعفت ثقة العلماء بأنفسهم وثقة ال ّناس بهم‪( .‬خالصة التشريع اإلسالمي‪ ،‬ص‪ ،341‬نق ً‬
‫ال‬
‫العامة للفقه المقارن‪ ،‬ط‪1979 ،2‬م‪ ،‬ص‪.599‬‬
‫عن‪ :‬الحكيم‪ ،‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول ّ‬
‫وراجع أيض ًا‪ :‬األمين‪ ،‬السيد محسن‪ ،‬أعيان الشيعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.)112‬‬
‫((( حديث نبوي مروي من طرق الفريقين‪ ،‬أنظر على سبيل المثال‪ :‬النسائي‪ ،‬أحمد بن شعيب (ت‬
‫‪303‬هـ)‪ ،‬السنن‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بيروت لبنان‪ ،‬ط‪1930 1‬م‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪ ،189‬والكليني‪ ،‬محمد‬
‫بن يعقوب (ت ‪329‬هـ)‪ ،‬الكافي‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي أكبر الغفاري‪ ،‬دار الكتب اإلسالمية‪ ،‬الطبعة‬
‫الخامسة‪ ،‬طهران ـ إيران‪ ،‬ط‪1363 ،5‬هـ ش‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.56‬‬
‫‪22‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬علم الكالم والقطيعة بين المذاهب‬

‫ولو أنّ انسداد باب االجتهاد الكالمي اقتصر على ما ذكرناه‪ ،‬لهان األمر رغم‬
‫حد التحجر كانت له تداعيات‬
‫لكن الجمود الكالمي الذي بلغ ّ‬
‫سلبياته الكثيرة‪ّ ،‬‬
‫خطيرة طالت وحدة األمة‪ ،‬ألنّه‪ ‬ـ‪ ‬أقصد علم الكالم‪ ‬ـ‪ ‬فرض مس ّلماته وضروراته‬
‫ّ‬
‫محل بحث وجدل‪ ،‬وساهم‬
‫على البحث األصولي والفقهي‪ ،‬مع أنّ الكثير منها‬
‫مؤسس ًا بذلك لحال من القطيعة الفقهية بين‬
‫في إطالق العنان للفقه المذهبي‪ّ ،‬‬
‫وتحولت‬
‫تكرست مع الوقت‪،‬‬
‫ّ‬
‫المذاهب اإلسالمية المختلفة‪ ،‬هذه القطيعة التي َّ‬
‫إلى قطيعة اجتماعية ونفسية‪ .‬وما أعنيه بالقطيعة الفقهية‪ ،‬هو الممارسة الفقهية‬
‫الشقاقية والعصبوية التي ّ‬
‫تركز على الفوارق أكثر من تركيزها على الجوامع‪،‬‬
‫وتتحرك على أساس تسجيل النقاط‪ ،‬وكأنّ األصل بين المسلمين هو االختالف‪،‬‬
‫ّ‬
‫وأما الوفاق‪ ،‬فهو حال شاذة ومدعاة للريبة‪ .‬وفي ّ‬
‫ظل هذا الواقع‪ ،‬غدا ممنوع ًا‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫األئمة من أهل‬
‫مروي من طريق‬
‫بحديث‬
‫على الفقيه الس ّني أن يستأنس لرأيه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫البيت‪ ،R‬كما أنّه أصبح ممنوع ًا على الفقيه الشيعي أن يستشهد بالروايات‬
‫المروية من طرق الس ّنة‪ ،‬وكأنّ روايات البخاري ومسلم وابن ماجة وغيرهم‪ ،‬هي‬
‫ّ‬
‫تمت إلى الحقيقة بصلة‪ ،‬مع أنّ‬
‫المتأمل في روايات‬
‫برمتها مجموعة أكاذيب ال ّ‬
‫ّ‬
‫حد التطابق‬
‫جد ًا‪ ،‬وتصل أحيان ًا إلى ّ‬
‫الفريقين‪ ،‬يلحظ أنّ نسبة التالقي بينهما كبير ٌة ّ‬
‫اللفظي أو المعنوي‪.‬‬

‫المبنية على عصبوية كالمية مبلغ ًا كبير ًا وخطير ًا‪،‬‬
‫لقد بلغت العصبوية الفقهية‬
‫ّ‬
‫السنة النبوية‪ ،‬مع علمه بذلك‪ ،‬خشية اإلفتاء برأي‬
‫دفع الفقيه إلى اإلفتاء بما يخالف ُّ‬
‫فقهي اشتهر به المذهب اآلخر وصار شعار ًا له‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ :‬فقد دعا غير‬
‫فقيه من أهل الس ّنة إلى التخ ّتم باليسرى وترك التخ ّتم باليمنى‪ ‬ـ‪ ‬مع أنّ األخير هو‬
‫ٍ‬
‫لشيء إال ألنّ التختم باليمين صار (شعار ًا للرافضة)‬
‫الوارد في الس ّنة باعترافهم‪ ‬ـ‪ ‬ال‬
‫‪23‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫(‪)1‬‬
‫سوغ‬
‫على ّ‬
‫حد تعبيرهم ‪ ،‬وهذا العذر ـ أعني مخالفة ما صار شعار ًا للرافضة ـ ّ‬
‫الجرأة على مخالفة السنة النبوية نفسها‪ ،‬وإفتاء الفقيه خالف ًا للحجة الشرعية في‬
‫السالم على أحد الصحابة منفرد ًا بالقول‪:‬‬
‫العديد من الموارد‪ ،‬منها‪ :‬المنع من ّ‬
‫فالن عليه السالم(‪ ،)2‬ومنها‪ :‬رفض تسطيح القبور والدعوة إلى تسنيمها‪ ،‬مع أنّ‬
‫ٍ‬
‫بشيء للسجود عليه(‪،)4‬‬
‫التسطيح من السنة(‪ ،)3‬وكذا المنع من تخصيص الجبهة‬
‫ّ‬
‫كل ذلك بحجة مخالفة الرافضة!‬

‫وفي المقابل‪ ،‬لن يكون مستغـرب ًا أن تجد فقيه ًا شيعي ًا(‪ )5‬يفتي ـ عنـد إعواز‬
‫النص ـ بمخالفة سائر المذاهب‪ ،‬ألنّ «الرشد في خالفهم»(‪ ،)6‬مع اإللفات إلى‬
‫ّ‬
‫أنّ‬
‫األئمـة من أهـل‬
‫قضية ما يعـرف بـ (مخالفة العامة) الـواردة في روايـات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫البيت(‪ ،)7‬مفهـومة ّإمـا في سيـاق ظاهـرة التقيـة التـي ابتلـي بها غالـب األئمـة من‬
‫أهل البيت‪ ،R‬ما اضطرهم في سبيل حماية أنفسهم وأنفس جماعة المؤمنين‬
‫المنضوية تحت لوائهم‪ ،‬إلى اإلفتاء بموافقة بعض المذاهب المقبولة من السلطة‪،‬‬
‫أو التي تتبناها السلطة‪ ،‬فيكون األخذ بما خالف تلك المذاهب ح ًّ‬
‫ال لعالج التعارض‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬

‫أنظر‪ :‬النووي‪ ،‬محي الدين بن شرف (ت ‪676‬هـ)‪ ،‬المجموع في شرح المهذب‪ ،‬دار الفكر‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ج‪ ،4‬ص ‪.462‬‬
‫العسقالني‪ ،‬أحمد بن علي بن حجر (ت ‪852‬هـ)‪ ،‬فتح الباري‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت‬
‫‪ 1408‬هـ‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ج‪ ،11‬ص‪.146‬‬
‫النووي‪ ،‬محي الدين بن شرف (ت ‪ )676‬المجموع في شرح المهذب‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،5‬‬
‫ص‪.295‬‬
‫العلمية‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪،‬‬
‫البهوتي‪ ،‬منصور بن يونس (ت ‪1051‬هـ)‪ ،‬كشف القناع‪ ،‬دار الكتب‬
‫ّ‬
‫ط‪1418 ،1‬هـ ‪1997‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.450‬‬
‫أنظر‪ :‬البحراني‪ ،‬الشيخ يوسف (ت ‪1186‬هـ)‪ ،‬الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة‪،‬‬
‫الطبعة غير محددة‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم‪ ،‬إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،24‬ص ‪.14‬‬
‫هذا نص رواية أرسلها الكليني في مقدمة كتاب الكافي‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.8‬‬
‫أنظر‪ :‬الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن(ت ‪ )1104‬وسائل الشيعة‪ ،‬تحقيق مؤسسة آل البيت‬
‫إلحياء التراث‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1404 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،27‬الباب ‪ 9‬من أبواب صفات القاضي‪ ،‬ص‪.106‬‬
‫‪24‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫بين الروايات‪ ،‬وإما باعتبار أنَّ األئمة‪ R‬كانوا‪ ‬ـ‪ ‬أحيان ًا‪ ‬ـ‪ ‬يفتون الناس على طبق‬
‫فسئِلوا عن‬
‫مذاهبهم المختلفة‪ ،‬ثم التبس األمر بعد ذلك في معرفة رأي اإلمام‪ُ ،‬‬
‫«إن ما كان موافق ًا للعامة‪ ،‬فإنّما قلته لهم كي يأخذوا بمذهبهم‪ ،‬وما‬
‫ذلك‪ ،‬فأجابوا ّ‬
‫كان منه مخالف ًا لهم‪ ،‬فإنّما قلته بيان ًا للحقيقة كي يأخذ به المقتدون بنا»(‪.)1‬‬

‫وهكذا‪ ،‬لن يكون مستغرب ًا في غمرة هذا االصطفاف المذهبي‪ ،‬أن يصبح التقاء‬
‫(‪)2‬‬
‫الفقيه في الرأي مع المذهب اآلخر تهم ًة يدان عليها‪ ،‬بل وصمة عار في سجله‪.‬‬

‫جو القطيعة الكالمية وواقع‬
‫إنّ الخطوة األولى على طريق الخروج من ّ‬
‫االنغالق الفقهي‪ ،‬تبدأ بإعادة الحياة والحيوية إلى االجتهاد الكالمي العابر للدوائر‬
‫المكبلة لعلم الكالم‪ ،‬والتي صيغت‬
‫الضيقة‪ ،‬بما يسمح بتجاوز القيود المذهبية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتنوع ًا‬
‫في زمن القطيعة‪ ،‬عسى أن يعيد ذلك إلى الساحة‬
‫اإلسالمية حراك ًا مفتقد ًا‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫يتقبل الرأي والرأي اآلخر‪ ،‬بمنأى عن لغة التكفير والتضليل‪ ،‬وبعيد ًا من‬
‫كالمي ًا ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫والتنوع منذ أمد بعيد‪ ،‬وافتقدنا معه الرحابة‬
‫ضيق األفق الذي أفقدنا هذا الحراك‬
‫ّ‬
‫الصعد كافة‪.‬‬
‫والحيوية والقدرة على التطوير ومواكبة المستجدات على ُّ‬

‫المقدس‬
‫‪ 3‬ـ‪  ‬تقديس غير‬
‫َّ‬

‫الركود التي أنتجها مناخ ال َّتقليد المذكور‪ ،‬كانت لها تداعيات كبيرة‬
‫إنَّ حالة ُّ‬
‫التمزق وفتكت بها العصبية المذهبية‬
‫األمة التي أصابها ُّ‬
‫وخطيرة‪ ،‬ليس على واقع ّ‬
‫أنظر‪ :‬شرف الدين‪ ،‬السيد عبد الحسين‪ ،‬أجوبة مسائل موسى جار الله‪ ،‬مؤسسة آل البيت‪R‬‬

‫(( (‬
‫ِّ‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ال‪.‬ط‪1990 ،‬م‪ ،‬ص‪.61‬‬
‫((( ويحضرني هنا‪ ،‬أنّ عالم ًا شيعي ًا كبير ًا‪ ،‬هو المولى عبد الله التستري‪ ،‬قد (رمي بالتس ّنن) ـ كما ذكر‬
‫تلميذه المولى محمد تقي المجلسي ـ ال لشيء‪ ،‬سوى تركه الشهادة الثالثة في األذان‪ ،‬ما دفع‬
‫المجلسي المذكور إلى القول له‪« :‬إنّ اإلتيان بالشهادة الثالثة صار واجب ًا عليك‪ ،‬تقي ًة من الشيعة»!‬
‫راجع‪ :‬المجلسي‪ ،‬محمد تقي بن مقصود (ت ‪1070‬هـ)‪ ،‬لوامع صاحب قراني (فارسي)‪،‬‬
‫مؤسسة إسماعيليان‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1414 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪( ،1‬مبحث األذان)‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تمت محاصرتها‪ ،‬ووضع‬
‫فحسب‪ ،‬كما أسلفنا‪ ،‬بل على العقلية اإلسالمية أيض ًا التي ّ‬
‫إطار مرجعي لها مستولد من عصر التقليد المذكور‪ ،‬هذا العصر الذي جرى تقديسه‬
‫بطريقة منقطعة النظير‪ ،‬ما منع من خروج الباحث المسلم عليه‪ ،‬بل من التفكير في‬
‫ٍ‬
‫تقدس غير‬
‫الخروج عليه‪ .‬وأعتقد أنّ مناخ التقليد هو الذي ساهم في إنتاج‬
‫ذهنية ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫عقيدة تمضي‬
‫فكرة أو‬
‫طبيعي لمناخ ال َّتقليد‪ ،‬ألنَّ َّأية‬
‫نتاج‬
‫ّ‬
‫المقدس‪ ،‬فالتقديس هو ٌ‬
‫ٌّ‬
‫ٍ‬
‫ومقدس في ّ‬
‫الذهن‬
‫ستتحول مع األيام إلى ثابت‬
‫نقدي ٍة‪،‬‬
‫َّ‬
‫السنون دون مراجعة ّ‬
‫َّ‬
‫عليها ّ‬
‫العام‪ ،‬بما في ذلك ذهن العلماء الذين هم جزء من المزاج العام‪ ،‬وإذا ما َّ‬
‫تفطن‬
‫فقيه أو متك ّل ٌم إلى وهن تلك الفكرة أو العقيدة‪ ،‬فقد يصعب عليه نقدها فض ً‬
‫ال عن‬
‫ٌ‬
‫وإما مدارا ًة لمشاعر الجمهور‬
‫رفضها‪ّ ،‬إما انسياق ًا مع العقل الجمعي والمزاج العام‪ّ ،‬‬
‫المقدس ودخلت إلى وجدانه الديني‪.‬‬
‫العام الذي أدرج الفكرة في نطاق‬
‫َّ‬

‫في األسباب‬

‫ليس الجهل أو الركود العلمي الذي ينتجه مناخ التقليد‪ ،‬هو وحده الذي يضفي‬
‫على بعض األفكار أو األشخاص أو األشياء صفة القداسة مع مرور الوقت‪ ،‬بل إنّ‬
‫شعور‬
‫بالمظلومية‪ ،‬وهو‬
‫سبب آخر لذلك‪ ،‬لما يتركه من شعو ٍر‬
‫القهر أو الحصار هو ٌ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫حار يزيد المرء إصرار ًا على التع ّلق بالممنوع‪ ،‬ووضعه موضع القداسة‪ ،‬والحوؤل‬
‫ٌّ‬
‫دون االقتراب منه بطريقة نقدية‪ ،‬وإال ُرمي الناقد بالتقصير أو التضليل أو التكفير‪.‬‬

‫تعرض لها أهل البيت‪ ،R‬في الوقت الذي‬
‫وأعتقد أنّ المظلومية التي َّ‬
‫ِ‬
‫منقط َعي‬
‫محبتهم في ال ّنفوس‪ ،‬وخلقت لدى أصحابهم عشق ًا وتفاني ًا‬
‫كرست ّ‬
‫ّ‬
‫النظير‪ ،‬فإنّها أحيطت بالكثير من األفكار واالعتقادات المثيرة للجدل حولهم‪،‬‬
‫وحالت دون مناقشة بعض القضايا المتصلة بسيرتهم ومالمستها بطريقة نقدية‪.‬‬
‫ألم تبق الكثير من مجريات يوم عاشوراء وأحداثه‪ ‬ـ‪ ‬على سبيل المثال‪ ‬ـ‪ ‬بعيد ًة عن‬
‫النقد والدراسة الموضوعية‪ ،‬بسبب محاذرة الباحث والمحقق من التوصل إلى‬
‫‪26‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫قناعة مغايرة لما هو السائد؟ وإذا تجرأ محقّق أو مفكر و َن َقدَ قضي ًة معين ًة وناقش‬
‫وربما ال َّلعن‪ ،‬كما حصل مع العالمة السيد‬
‫يتعرض للطعن ّ‬
‫في وقوعها‪ ،‬فإنّه قد ّ‬
‫محسن األمين‪ ،‬فيما أبداه من آراء جريئة حول المجالس والشعائر الحسينية‪،‬‬
‫ٍ‬
‫بشكل تراكمي(‪،)1‬‬
‫مما علق بها من أكاذيب وخرافات‬
‫وضرورة إصالحها وتهذيبها ّ‬
‫واألمر عينه جرى مع أعالم آخرين في القضية عينها أو في قضايا أخرى‪.‬‬

‫ّ‬
‫وتشكله‪ ،‬وهو انشداد‬
‫المقدس‬
‫وثمة سبب ثالث ساهم ويساهم في صناعة‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫سيما األمة المهزومة أو الضعيفة‪ ،‬إلى الماضي وأمجاده‪ ،‬وهي ٌ‬
‫حالة ال‬
‫ّ‬
‫األمة‪ ،‬وال ّ‬
‫شعورية تسيطر على المهزوم‪ ،‬وتجعله‪ ‬ـ‪ ‬هرب ًا من ضغوط الحاضر وآالمه‪ ‬ـ‪ ‬يلوذ‬
‫بالماضي وانتصاراته‪ ،‬و ُيعلي من شأن المرحلة التأسيسية‪ ،‬لما يرافقها في‬
‫العادة من طهر وصفاء‪ .‬وهذا االنشداد أو الميل نحو الماضي‪ ،‬ال يقتصر على‬
‫المسلمين‪ ،‬بل هو ٌ‬
‫عام تجده لدى أتباع سائر األديان وحركات التغيير‬
‫ميل ٌّ‬
‫المذكور‪ ‬ـ‪ ‬يمهد بطبيعته ـ وفي ّ‬
‫ظل انعدام المرجعية‬
‫والتحرر‪ ،‬وهو‪ ‬ـ‪ ‬أقصد الميل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الطوعي ألفكار جمهور السلف األوائل وآرائهم‪ ،‬ومحاذرة‬
‫النقدية‪ ‬ـ‪ ‬للخضوع‬
‫ّ‬
‫األول‪.‬‬
‫الخروج على مس ّلمات العصر َّ‬
‫التمسك‬
‫تفهم إصرار البعض على‬
‫وعلى أساس هذا الميل‪ ،‬يمكن تفسير أو ّ‬
‫ّ‬
‫تقدس السلف وتُعلي من شأنهم‪ ،‬كما هو الحال في‬
‫باألفكار أو االعتقادات التي ّ‬
‫نظرية أو عقيدة عدالة الصحابة جميع ًا‪ .‬هذه النظرية التي ّ‬
‫شكلت عائق ًا أمام دراسة‬
‫التعرف على تاريخ هؤالء وأدوارهم وصراعاتهم‪ .‬إنّنا‬
‫جدية ونقدية‪ ،‬تهدف إلى ّ‬
‫ال نمانع من احترام وتقدير السلف الصالح من الصحابة(‪ )2‬أو التابعين أو العلماء‪،‬‬
‫أمر آخر‪ ،‬إنّ التقديس يفرض الخضوع واالنقياد‬
‫ّ‬
‫أمر‪ ،‬والتقديس ٌ‬
‫لكن االحترام ٌ‬
‫منطقي بعد فرض عدم عصمتهم من الخطأ‪.‬‬
‫أمر غير‬
‫ّ‬
‫التام لهم‪ ،‬وهو ٌ‬
‫ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬األمين‪ ،‬السيد محسن‪ ،‬أعيان الشيعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،10‬ص ‪.363‬‬
‫((( للتوسع حول هذه النظرية‪ ،‬أنظر‪ :‬يعقوب‪ ،‬أحمد حسين‪ ،‬نظرية عدالة الصحابة والمرجعية‬
‫مؤسسة الفجر‪ ،‬لندن‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪.‬‬
‫السياسية في اإلسالم‪ّ ،‬‬
‫‪27‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫كم ًا وكيف ًا‬
‫التوسع في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المقدس ّ‬

‫تقدم‪ ،‬ال يعني بحال ّ‬
‫المقدس وأهمية امتالك اإلنسان لرموز أو‬
‫التنكر لمبدأ‬
‫َّ‬
‫إنّ ما ّ‬
‫مقدسة‪ ،‬لكن ما يجدر التنبيه إليه‪ ،‬أنّ منشأ القداسة‪ ‬ـ‪ ‬في اإلسالم‪ ‬ـ‪ ‬هو الله‪،‬‬
‫عناوين ّ‬
‫والقدوس اسم من أسمائه الحسنى‪ ،‬وتقديس غيره إنّما هو بمقدار قربه منه تعالى‪،‬‬
‫ُّ‬
‫وليس عبث ًا وال خاضع ًا للمزاج أو الهوى‪ .‬والله سبحانه عندما يمنح القداسة إلنسان‬
‫المؤهالت التي تجعله في موقع العناية اإللهية‪ ،‬كاألنبياء‬
‫معين‪ ،‬فبسبب امتالكه‬
‫ِّ‬
‫واألولياء‪ ،‬كما أنّه تعالى عندما يضفي القداسة على بعض األزمنة‪ ‬ـ‪ ‬كشهر رمضان‬
‫المسجد‪ ‬ـ‪ ‬فلتميزها بأنّها غدت ظرف ًا لبعض‬
‫أو ليلة القدر‪ ‬ـ‪ ‬أو األمكنة‪ ‬ـ‪ ‬كالكعبة أو‬
‫ّ‬
‫األحداث المؤثرة وذات الداللة على الصعيد الروحي والديني‪ .‬وعليه‪ ،‬ففعل‬
‫المقدس وفق عقيدة التوحيد هو بيد الله‪ ،‬وليس لل ّناس أن يتالعبوا‬
‫التقديس وأمر‬
‫َّ‬
‫به أو يضيفوا إليه‪ ،‬كما حصل فع ً‬
‫الكمي‬
‫ال في تاريخ األديان‪ ،‬حيث جرى‬
‫ّ‬
‫التوسع ّ‬
‫المقدس‪ ،‬حيث إنّ بعض الرموز ُ‬
‫اصطنِ َعت لها القداسة وهي ال‬
‫والكيفي في شأن‬
‫َّ‬
‫لتضم‬
‫تمت توسعة بقعة القداسة‪،‬‬
‫ّ‬
‫تمت إلى ذلك بصلة‪ ،‬كما أنّه في حاالت أخرى‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫المقدس نفسه ّ‬
‫كل ما يحيط به من أوالد وأحفاد‪ ‬ـ‪ ‬كما تعامل بعض العلماء‬
‫إلى‬
‫َّ‬
‫النبوي وذراريهم‪ ،‬حيث ترى حرص ًا شديد ًا ومبالغ ًا به على‬
‫مع جميع أبناء البيت‬
‫ّ‬
‫تنـزيههم(‪ ،)1‬بل إضفاء نو ٍع من العصمة على بعضهم‪ ‬ـ‪ ‬أو لتشمل ّ‬
‫كل ما ي َّتصل بجسد‬
‫المقدس اإلنسان‪ ،‬وما يفرزه هذا الجسد من فضالت‪ ،‬كما هو الحال في الحديث‬
‫َّ‬
‫المقرم‪ ،‬أنظر كتابه‪ :‬السيدة سكينة‪ ،‬ص‪،22‬‬
‫((( نجد هذا المنحى في مؤلفات السيد عبد الرزاق‬
‫ّ‬
‫ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬فقد رأى فيه أن التحدث عما يشين ذرية النبي‪ P‬من الشرع الحنيف‪ ،‬يوجب وهناً‬
‫وهتك ًا لمقام النبي‪ P‬األعظم‪ .‬وانظر حول هذا الموضوع‪ :‬المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪،‬‬
‫الجامعة لدرر أخبار األئمة األطهار‪ ،‬مؤسسة الوفاء‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪ ،1983 ،2‬ص‪.273‬‬
‫والحظ ما ع ّلق به محقق الكتاب في الحاشية‪ ،‬وذهنية التقديس هذه هي التي دفعت إلى بناء‬
‫لبعض غير المؤمنين من أبناء األئمة‪. ،R‬ما تحدثنا عنه مفص ً‬
‫ِ‬
‫ال في كتابنا «في بناء‬
‫دينية‬
‫مقامات ّ‬
‫المقامات الدينية‪ ‬ـ‪ ‬المشروعية‪ ،‬األهداف‪ ،‬الضوابط» الصادر عن المركز اإلسالمي الثقافي في‬
‫بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط‪2013 ،1‬م ص‪ 157‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫مؤخر ًا عبر‬
‫النبي أو دمه(‪ ،)1‬فيما جرى حوله الجدل ّ‬
‫القديم الجديد حول طهارة بول ّ‬
‫وسائل اإلعالم في مصر وغيرها‪ ،‬وهو ٌ‬
‫جدل يمكن في أحسن األحوال تصنيفه في‬
‫تضر َم ْن جهلها‪.‬‬
‫دائرة الفضول من الكالم‪ ،‬أو العلوم التي ال تنفع َم ْن علمها وال ّ‬

‫العقل التقديسي والنقدي‬

‫إنّ‬
‫الضحية األولى للعقل التقديسي‪ ،‬أو المناخ الذي تسود فيه ذهنية القداسة‪،‬‬
‫ّ‬
‫هي الحقيقة والموضوعية؛ ألنّ التعاطي مع التاريخ وأحداثه‪ ،‬والتراث ومضامينه‪،‬‬
‫ّ‬
‫وسد ًا منيع ًا أمام حركة البحث‬
‫ستشكل‪ ‬ـ‪ ‬ال محالة‪ ‬ـ‪ ‬عائق ًا‬
‫المقدس‪،‬‬
‫وفق رمزية‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫الموضوعي الجا ّد والهادف‪ ،‬إنْ على الصعيد التاريخي أو الفقهي أو الكالمي؛‬
‫المقدس تحجبه‬
‫بالمقدس‪ ،‬ال يقرأ الوقائع كما هي‪ ،‬فهالة‬
‫ألنّ العقل المسكون‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫سوية‪ ،‬بل بطريقة مزاجية تلوي‬
‫عن بلوغ الحقيقة‪ ،‬كما أنّه ال يقرأ ّ‬
‫النص بطريقة ّ‬
‫النص بما ينسجم مع مسبقاته‪ ،‬وهو أيض ًا يمارس انتقائي ًة في االستشهاد‬
‫عنق‬
‫ّ‬
‫بقيتها‪ ،‬كما‬
‫بالنصوص‪ ،‬ليختار منها ما يتالءم مع أفكاره‪،‬‬
‫ّ‬
‫ويغض الطرف عن ّ‬
‫نالحظ ذلك في تعاطي بعض الفرق مع موضوع عدالة الصحابة‪ ،‬حيث نرى‬
‫اندفاعة عاطفي ًة (وقد ّ‬
‫تغذيها أغراض سياسية) في تقديس السلف ورغب ًة ملحة‬
‫في تمجيد الماضي واإلعالء من شأن رموزه بما ّ‬
‫يشكل تعويض ًا نفسي ًا عن الهزائم‬
‫الالحقة التي ُمنيت بها األمة‪ ،‬وفي هذا السياق الذي تغلب فيه العاطفة على‬
‫العلمية‪ .‬واالبتعاد عن الموضوعية نجده‬
‫العقل ستغيب الموضوعية والموازين‬
‫ّ‬
‫في العديد من الموارد الكالمية وغيرها(‪.)2‬‬
‫(( ( الحظ‪ :‬البحث المستفيض حول طهارة فضالت المعصوم عند‪ :‬التبريزي األنصاري‪ ،‬محمد علي‬
‫القراچة داغي‪ ،‬ت ‪ ،1310‬اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء‪ ،O‬الطبعة األولى‪ ،‬نشر‬
‫الهادي‪ ،‬قم إيران‪ ،‬ط‪1418 ،1‬هـ‪ ،‬ص ‪84‬ـ ‪.95‬‬
‫ً‬
‫((( ومنها‪ :‬تعاطي البعض مع مسألة الوالية التكوينية للمعصوم مثال‪ ،‬فإنّه ال يذكر في بحثه العلمي من‬
‫أد ّلتها إال ما ّ‬
‫يدل‪ ‬ـ‪ ‬بزعمه‪ ‬ـ‪ ‬على الوالية‪ ،‬ويغفل عن األد ّلة المعارضة‪ ،‬مع أنّ الموضوعية تقضي‬
‫ثم الموازنة بينها‪.‬‬
‫باستعراض األد ّلة من الجانبين‪ّ ،‬‬
‫‪29‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الهروب إلى الغيب‬

‫باختصار‪ :‬إنّ التقديس المبالغ فيه‪ّ ،‬‬
‫يؤشر إلى انحسار دور العقل‪ ،‬ألنَّ سيطرة‬
‫(العقل التقديسي) تكون على حساب (العقل النقدي)‪ ،‬والنتيجة الطبيعية لذلك‪،‬‬
‫يتم تفسير األحداث والظواهر تفسير ًا غيبي ًا وتعبدي ًا‪ ،‬بعيد ًا عن منطق‬
‫هي أن ّ‬
‫والمسببات‪ ،‬مع أنّ الحدث المراد تفسيره‪ ،‬ليس بالضرورة أن يكون ذا‬
‫األسباب‬
‫ّ‬
‫تفسير علمي مفهوم‬
‫تعبدي‪ ،‬وليس هو معجزة أو كرامة‪ ،‬وإنّما له‬
‫طابع‬
‫ٌ‬
‫غيـبي أو ّ‬
‫ّ‬
‫لدى أهله‪ ،‬وفي االستشهاد لهذا األمر لسنا بحاجة إلى استجداء أمثلة من الماضي‪،‬‬
‫رباني الحظنا أنّ الذين ينظرون‬
‫ألنّنا نعايش ذلك ونراه رأي العين‪ ،‬فكم من عالم ّ‬
‫إليه بقداسة قد أعطوا الكثير من آرائه االجتهادية أو تصرفاته العادية أو انفعاالته‬
‫البشرية تفسير ًا غيبي ًا‪ ،‬ويصعب إقناعهم بأنّ ثمة احتما ً‬
‫ال آخر في المسألة!‬

‫وهكذا ُيكثر صاحب العقل التقديسي من االعتماد على النقول والروايات‪،‬‬
‫بصرف النظر عن وثاقتها وانسجامها مع معطيات العقول وصحيح المنقول‪ ،‬كما‬
‫بالغث‬
‫يالحظ في الكثير من مؤ َّلفات المعاجز والكرامات التي شحنها مؤ ّلفوها‬
‫ّ‬
‫يخيل لك أو يتم ّلكك انطباع وأنت‬
‫والسمين‪ ،‬والمعقول وغير المعقول‪ .‬وربما ّ‬
‫تقرأ المجلدات الكثيرة حول كرامات هذا الولي أو ذاك أنك أمام شخصيات‬
‫ليست من جنس البشر في شيء وإنّما هم مالئكة يمتلكون قدرات خارقة‪َ ،‬بيد‬
‫أنّهم على صورة البشر!‬

‫حد التأليه له مضاعفات خطيرة‪ ،‬ومن‬
‫وهذا التقديس والذي قد يالمس أحيان ًا َّ‬
‫العملية‪ ،‬فال يعودون في موقع‬
‫المقدسين عن حياة اإلنسان‬
‫أبرزها أنه ُيبعد هؤالء‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫القدوة والتم ّثل بهم‪ ،‬فالخطاب التقديسي بقدر ما يرفع من شأنهم فوق مستوى البشر‬
‫و ُيعلي من قدرهم ويضفي عليهم لمسة إلهية فإنّه يبعدهم عن التأثير في حياة اإلنسان‬
‫وسلوكه‪ ،‬ألنّهم يغدون رموز ًا للبركة واالستشفاء ال رموز ًا لالقتداء واالستلهام‪.‬‬
‫وقد ال نبتعد عن الصواب إذا قلنا‪ :‬إنّ ميل اإلنسان إلى التف ّلت أو التخ ّفف من‬
‫‪30‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫عد دافع ًا له من حيث يشعر أو ال يشعر إلى‬
‫عبء المسؤوليات وثقل التكاليف ُي ُّ‬
‫تقديس الرموز‪ ،‬ألنّك كلما أعليت من شأن الرمز وأحطته بهالة من القداسة فأنت‬
‫تحاول أن تجد لنفسك مبرر ًا لترك االقتداء به‪ ،‬بحجة العجز عن ذلك! وهكذا‬
‫ٍ‬
‫تناف بين إيمانه بالرمز والمثل األعلى وعدم اقتدائه‬
‫لن يشعر اإلنسان بأدنى‬
‫ٍ‬
‫بذكاء على تكريس مصالحة ترضي‪ ‬ـ‪ ‬من‬
‫العملي به‪ ،‬ألنّه‪ ‬ـ‪ ‬أي اإلنسان‪ ‬ـ‪ ‬قد عمل‬
‫جهة‪ ‬ـ‪ ‬نفسه المحتاجة إلى اإليمان‪ ،‬وتُرضي‪ ‬ـ‪ ‬من جهة أخرى‪ ‬ـ‪ ‬غرائزه اللاّ هثة‬
‫وراء الشهوات‪ .‬هذا هو مآل عملية تقديس الرموز وتحويلها إلى مجرد أيقونات‬
‫ُي َت َب َّر ُك بها و ُيستشفى بآثارها‪.‬‬
‫وقد نستطيع أن نكشف في خلفيات هذا العقل التقديسي في هروبه الدائم‬
‫إلى الماضي والتغني برموزه أنّ ثمة عجز ًا ووهن ًا يحيق باإلنسان الذي يمتهن‬
‫المقدس‪ ،‬إذ ما‬
‫التقديس فيدفعه في سعيه لالستمرار والبقاء إلى االستعانة بوهج‬
‫ّ‬
‫دام ليس قادر ًا على االستمرار والحضور الفاعل استناد ًا إلى فعل اإلبداع وفاعلية‬
‫العقل االجتهادي‪ ،‬فيلجأ في إثبات ذاته إلى التاريخ واألطالل وذكرى األجداد‪.‬‬

‫‪ 4‬ـ‪ ‬العقل الخصامي وتعميق الشّ قاق!‬

‫المتأمل في تاريـخ علـم الكـالم‪ ،‬ال يخالجـه أدنـى ّ‬
‫إنّ‬
‫شك في أنّ هـذا‬
‫ّ‬
‫العلـم ـ وبدل أن ّ‬
‫يشكل ركيز ًة أساسي ًة وأرضي ًة مشترك ًة للجمع والتوحيد ـ‬
‫األمة‪ ،‬وتقطيع أوصالها‪ ،‬وتحويل‬
‫ساهم‬
‫بوضعيته التاريخية‪ ،‬في ثلم وحدة ّ‬
‫ّ‬
‫خالفاتها المذهبية إلى تكتالت عصبوية وحزبية لعبت دور ًا رئيس ًا في إشعال نار‬
‫الفتن المذهبية‪ ،‬وتغذية الصراعات الدموية في أكثر من مرحلة زمنية‪ ،‬ليس بين‬
‫ّ‬
‫الشيعة والس ّنة فحسب‪ ،‬كما هو معروف‬
‫وسطرت فصوله كتب التاريخ(‪ ،)1‬بل‬
‫بين أبناء المذهب الواحد‪ ،‬كصراعات األشاعرة والمعتزلة‪ ،‬أو الحنفية والحنابلة‪.‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الذهبي‪ ،‬محمد بن أحمد بن عثمان (ت ‪748‬هـ)‪ ،‬تاريخ اإلسالم‪ ،‬دار الكتاب العربي‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪ ،1407 ،1‬ج‪ ،25‬ص ‪.231‬‬
‫‪31‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وهنا يذكر التاريخ‪ ‬ـ‪ ‬بحسب َنق ِْل البعض‪ ‬ـ‪ ‬أنّ الحنابلة في مدينة «جيالن»‪ ،‬كانوا‬
‫إذا دخل عليهم حنفي قتلوه‪ ،‬وجعلوا ماله فيئ ًا‪ُ ،‬ح ْك َمهم في الكفار‪ ،‬ويذكر أنّ‬
‫بعض بالد ما وراء النهر من بالد الحنفية‪ ،‬كان فيه مسجد واحد للشافعية‪ ،‬وكان‬
‫والي البلد يخرج ّ‬
‫كل يوم لصالة الصبح‪ ،‬فيرى ذلك المسجد فيقول‪ :‬أما آن لهذه‬
‫(‪)1‬‬
‫الكنيسة أن تُغ َلق؟!‬

‫إنّ ما نقصده بالوضعية التاريخية لعلم الكالم‪ ،‬التي لعبت هذا الدور التمزيقي‪،‬‬
‫هو ابتناء هذا العلم على قاعدة التكفير والتضليل‪ ،‬وعلى جملة مقوالت شقاقية‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫خاطئة‪ ،‬من قبيل مقولة (الفرقة الناجية) ا َّلتي شغلت العقل‬
‫بطريقة‬
‫تم توظيفها‬
‫ّ‬
‫الكالمي بالتفتيش عن الفوارق بين المسلمين‪ ،‬بدل إشغاله في اكتشاف الجوامع‪،‬‬
‫ّ‬
‫األمر الذي أسهم في بناء ٍ‬
‫المتزمت‪ ،‬كانت ثمرته‬
‫نسق من ال َّتفكير العصبوي‬
‫ّ‬
‫الطبيعية التكفير والتكفير المضا ّد‪.‬‬

‫تعرضنا لذلك بالتفصيل‬
‫لن أدخل هنا في مناقشة حديث الفرقة الناجية‪ ،‬فقد ّ‬
‫التطرق إلى النتائج السلبية لمقولة التكفير على علم‬
‫في مقام آخر(‪ ،)2‬وإنّما أريد‬
‫ّ‬
‫األمة وتماسكها‬
‫الكالم نفسه‪ ،‬مع صرف ال ّنظر عن نتائجها الكارثية على وحدة ّ‬
‫األمة‬
‫ومنعتها الداخلية والخارجية‪ ،‬وأكتفي بالقول‪ :‬إنّ بحر الدماء الذي تغرق فيه ّ‬
‫الداخلية العبثية‪ ،‬ليس سوى ثمرة دامية من ثمار مقولة التكفير‪.‬‬
‫في معاركها‬
‫ّ‬

‫ٌ‬
‫مستنـزف‬
‫جهدٌ‬

‫لقد أدخلتنا ثقافة التكفير في ٍ‬
‫والمتأمل في‬
‫نفق من الجهود الكالمية العبثية‪،‬‬
‫ّ‬
‫المذهبي‪،‬‬
‫الكالمية‪ ،‬يلحظ أنّ ما كتبه علماء المسلمين في الجدال‬
‫المص َّنفات‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫(( ( راجع‪ :‬عرفة‪ ،‬محمد‪ ،‬مجلة رسالة اإلسالم الصادرة عن دار التقريب في القاهرة‪ ،‬السنة ‪ ،7‬المجلد‬
‫‪ ،7‬العدد‪ ،3‬ص‪.283‬‬
‫((( راجع‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬اإلسالم والعنف‪ ،‬قراءة في ظاهرة التكفير‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.128‬‬
‫‪32‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫مما كتبوه في الر ّد على أهل الكتاب‬
‫والر ّد على بعضهم البعض‪ ،‬هو أكثر بكثي ٍر ّ‬
‫تلمس ذلك بوضوح في (مقاالت اإلسالميين)‬
‫أو الملحدين أو غيرهم‪ ،‬ويمكن ّ‬
‫و(اإلبانة) ألبي الحسن األشعري‪ ،‬و(الشافي) للسيد المرتضى‪ ،‬و(المغني) لعبد‬
‫الجبار المعتزلي‪ ،‬و(االنتصار) البن القصار‪ ،‬و(المقاصد) لسعد الدين التفتازاني‪،‬‬
‫وغير ذلك من المصادر والمصنفات الكالمية‪.‬‬

‫عبرت عن حرية فكرية‬
‫ٌ‬
‫صحيح أنّ الصراعات الكالمية في الفضاء اإلسالمي ّ‬
‫دور ُه في إثراء علم الكالم‪َ ،‬بيد‬
‫متميزة‪ ،‬وخلقت حراك ًا فكري ًا غير مسبوق‪ ،‬كان له ُ‬
‫ّ‬
‫حول علم الكالم‪ ‬ـ‪ ‬في‬
‫أنّها تجاوزت ّ‬
‫الحد المألوف‪ ،‬وأفرطت في الخصومة‪ ،‬بما ّ‬
‫ذهنية‪ ،‬وغدا ِعلم ًا للخالف ال للكالم‪ .‬ويمكن‬
‫الكثير من مباحثه‪ ‬ـ‪ ‬إلى مشاغل ّ‬
‫المستمر إلى اآلن‪ ،‬والممعن‬
‫القول‪ :‬إنّ الجهد المستنـزف في الخالف العقدي‬
‫ّ‬
‫في استرجاع الماضي وتكرار خالفات األشاعرة والمعتزلة والسنة والشيعة‪...‬‬
‫هو جهد ّ‬
‫األمة ورشدها‪.‬‬
‫لنمو ّ‬
‫معطل ومعيق ّ‬

‫الذهنية الجدلية‬
‫ّ‬

‫إنّ اإلمعان في الشّ قاق والخصومة‪ ،‬و ّلد لدى المتكلمين وأتباعهم ذهني ًة جدلي ًة‬
‫ال تهدف إلى بلوغ الحقيقة بقدر ما ترمي إلى إفحام الخصوم وتسجيل النقاط‬
‫ّ‬
‫متحكم ًة بعموم المؤ ّلفين في الحقل الكالمي إلى‬
‫عليهم‪ ،‬وال تزال هذه الذهنية‬
‫يومنا هذا‪ ،‬حيث تراهم يحاكمون الخصم على الشا ّذ من آراء أسالفه وكأنّها آراء‬
‫برمته‪ .‬فالكاتب أو العالم السني‪ ،‬يحاكم الشيعة ويدينهم على آراء نادرة‬
‫المذهب ّ‬
‫أو شا ّذة لبعض علمائهم‪ ،‬كالرأي الشا ّذ حول نقيصة القرآن الكريم(‪ )1‬ـ مث ً‬
‫ال ـ‬
‫متجاوز ًا اإلجماع السابق والالحق لعلماء الشيعة على رفض هذا الرأي وتسخيفه‪.‬‬
‫((( أنظر حول هذا الموضوع‪ :‬معرفة‪ ،‬محمد هادي‪ ،‬صيانة القرآن من التحريف‪ ،‬دار القرآن الكريم‪،‬‬
‫قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1401 ،1‬هـ‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫السنة على آراء تعود‬
‫وفي المقابل‪ ،‬فإنّ الكاتب أو العالم الشيعي‪ ،‬ال يزال يحاكم ُّ‬
‫متأخري علماء الس َّنة‪ ،‬كما هو الحال‬
‫إلى ما قبل ألف عام‪ ،‬ولم يعد يتبناها كثير من ّ‬
‫في عقيدة الجبر وال َّتشبيه وما إلى ذلك‪ ،‬متجاوز ًا ّ‬
‫كل التطور الذي طرأ على هذه‬
‫اآلراء والعقائد‪.‬‬

‫وما قد يقال‪ :‬من أنَّ‬
‫جدلية علم الكالم أو عدمها تابعة للوظيفة التي يراها‬
‫َّ‬
‫المتك ّلم لهذا العلم‪ ،‬وقد وجد المتك ّلمون أنَّ دور علم الكالم هو الدفاع عن‬
‫الدين‪ ،‬وليس إنتاج معرفة‪ ،‬وعليه‪ ،‬فليس مستغرب ًا وال يعتبر أمر ًا سلبي ًا أن تكون‬
‫الدفاعية ال ّ‬
‫تنفك‬
‫السمة الغالبة على علم الكالم هي الجدل‪ ،‬ألنّ مهمته أو وظيفته‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫عن أسلوب الجدل‪.‬‬

‫الدفاعية‪،‬‬
‫المهمة‬
‫فإنّا نالحظ عليه‪ :‬أنّ وظيفة علم الكالم هي أشمل وأوسع من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعدة مهام‪ :‬منها‪ :‬تبيان العقائد الدينية‪ ،‬إثباتها والبرهنة عليها‪ ،‬والدفاع‬
‫فهو ينهض ّ‬
‫جهة‪ ،‬ومن ٍ‬
‫عنها في وجه الخصوم‪ .‬هذا من ٍ‬
‫جهة أخرى‪ ،‬فإنّ اعتراضنا ليس على‬
‫الجدلية التي بلغت حد ًا توسلت‬
‫الذهنية‬
‫ثقافية‪ ،‬وإنّما على‬
‫كمهمة‬
‫الجدل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دفاعية ّ‬
‫ّ‬
‫معه ش ّتى األساليب‪ ،‬النظيفة منها وغير النظيفة‪ ،‬بغية الوصول إلى أهدافها‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫وتم في هذا السبيل اعتماد القاعدة الميكيافللية (الغاية‬
‫إسقاط اآلخر وإسكاته‪ّ .‬‬
‫التمسك‬
‫تبرر الوسيلة)‪ ،‬مع إعطاء (سند شرعي) لها‪ ،‬كما في محاولة البعض‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪P‬‬
‫المروي عن اإلمام الصادق‪ Q‬قال‪« :‬قال رسول الله ‪ :‬إذا رأيتم‬
‫بالحديث‬
‫ّ‬
‫سبهم والقول‬
‫أهل الريب والبدع من بعدي‪ ،‬فأظهروا البراءة منهم‪ ،‬وأكثروا من ّ‬
‫فيهم والوقيعة‪ ،‬وباهتوهم‪ ،‬كيال يطمعوا في الفساد في اإلسالم‪ ،‬ويحذرهم ال ّناس‬
‫وال يتع ّلمون (هكذا) من بدعهم‪ ،‬يكتب الله لكم بذلك الحسنات‪ ،‬ويرفع لكم به‬
‫الدرجات في اآلخرة»(‪ .)1‬فقد استند البعض إلى هذا الحديث‪ ،‬إلثبات شرعية‬
‫الكذب والبهتان في مواجهة أهل البدع والباطل‪ .‬ولكن‪ ،‬وبصرف النظر عن‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.275‬‬
‫‪34‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫اشتمال الحديث على مضمون غريب‪ ،‬وهو الدعوة إلى السب‪ ،‬مما ُيستبعد صدوره‬
‫متوجه ًا إلى‬
‫عن النبي‪ P‬أو األئمة من أهل البيت‪ ،R‬حتى لو كان السبب‬
‫ّ‬
‫أهل البدع‪ ،‬فإنّ تفسير قوله‪« :P‬باهتوهم» بمعنى البهتان غير واضح‪ ،‬والمعنى‬
‫األقرب هو ما استظهره بعض العلماء (ومنهم العالمة المجلسي‪ ،)M‬من أنّه‬
‫مأخوذ من المباهتة‪ ،‬بمعنى مواجهتهم بالحجج الدامغة‪ ،‬بما يجعلهم متحيرين‬
‫ال يهتدون سبي ً‬
‫ال وال يحيرون جواب ًا‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف ُب ِه َت ا َّل ِذي َك َف َر﴾‬
‫«يصح مواجهتهم بما يكون نسبته إليهم‬
‫[البقرة‪ .]285:‬قال الشهيد الثاني‪:M‬‬
‫ّ‬
‫ح ّق ًا‪ ،‬ال بالكذب»(‪ .)1‬هذا إضاف ًة إلى الشواهد الكثيرة التي ّ‬
‫تؤكد ضرورة مواجهة‬
‫ٍ‬
‫بباطل مثله‪ ،‬سواء في المضمون أو األسلوب‪ ،‬فقد ورد في‬
‫بالحق وليس‬
‫الباطل‬
‫ّ‬
‫يقيم مناظر ًة جرت‬
‫الحديث عن يونس بن يعقوب عن اإلمام الصادق‪ ،Q‬وهو ّ‬
‫الحق‬
‫بين جماعة من أصحابه وبين رجل شامي‪ ،‬قوله ألحد أصحابه‪« :‬إنّك تمزج‬
‫ّ‬
‫الحق يكفي عن كثير الباطل»(‪ ،)2‬وعن أمير المؤمنين‪:Q‬‬
‫مع الباطل‪ ،‬وقليل‬
‫ّ‬
‫أن القليل من ال ّنار يحرق كثير الحطب»(‪.)3‬‬
‫«قليل‬
‫ّ‬
‫الحق يدفع كثير الباطل‪ ،‬كما ّ‬

‫ذ ّم الكالم والخصومات‬

‫ذهنية الجدل وأساليب المخاصمة والمماحكة‬
‫وكر ّد فعل ـ فيما يبدو ـ على َّ‬
‫ذم علم الكالم والتحذير منه‪ ،‬واعتباره‬
‫الكالمية‪ ،‬ذهب بعض علماء المسلمين إلى ّ‬
‫ُم ْب ِعد ًا عن الله سبحانه‪ ،‬وهذا ما نجده لدى ٍ‬
‫فريق كبي ٍر من علماء المدرستين‪ ،‬أعني‬
‫مدرسة اإلمامة ومدرسة الخالفة‪.‬‬
‫(( ( المجلسي‪ ،‬محمد باقر (ت ‪ ،)1111‬مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول‪ ،‬دار الكتب‬
‫اإلسالمية‪ ،‬طهران‪،‬ط‪1370 ،3‬هـ ش‪ ،‬ج‪ ،11‬ص‪.81‬‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.172‬‬
‫السادس هـ)‪ ،‬عيون الحكم والمواعظ‪ ،‬دار الحديث‪ ،‬قم‬
‫((( الواسطي‪ ،‬علي بن محمد الليثي (القرن ّ‬
‫ـ إيران‪ ،‬ط‪1376 ،1‬هـ‪.‬ش‪ ،‬ص‪.371‬‬
‫‪35‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫مدرسة اإلمامة‬

‫ّأما لدى علماء مدرسة اإلمامة‪ ،‬فإنّنا نالحظ في وصية السيد ابن طاووس‬
‫إلى ابنه‪ ،‬أنّه نصحه باالبتعاد عن دراسة علم الكالم(‪ ،)1‬وقد رفض الشهيد‬
‫الثاني (‪ 911‬ـ‪965  ‬هـ) اعتبار الكالم أقرب الطرق إلى معرفة الصانع‪ ،‬فض ً‬
‫ال‬
‫الحق‪ ‬ـ‪ ‬عنده‪ ‬ـ‪ ‬أنه أبعد الطرق «وأصعبها وأكثرها‬
‫عن انحصار الطريق فيه‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫خوف ًا وخطر ًا‪ ،‬ولذلك نهى النبي‪P‬‬
‫مر على‬
‫عن الغور فيه‪ ،‬حيث ُروي أنه ّ‬
‫احمرت‬
‫شخصين متباحثين على مسألة‪ ،‬كالقضاء والقدر‪ ،‬فغضب‪ P‬حتى‬
‫ّ‬
‫وجنتاه»(‪.)2‬‬

‫ٍ‬
‫واحد من األخباريين إلى اجتناب هذا العلم وعدم‬
‫وهكذا‪ ،‬فقد دعا غير‬
‫«إما‬
‫الخوض في مطالبه؛ ألنّ هذه المطالب على ما قاله الفيض الكاشاني‪ّ :‬‬
‫وإما مشاغبة بالتع ّلق بمتناقضات الفرق‪ ،‬وتطويل بنقل المقاالت‬
‫مجادلة مذمومة‪ّ ،‬‬
‫وتمجها األسماع‪ ،‬وأكثرها خوض‬
‫التي أكثرها َّترهات وهذيانات تزدريها الطباع‬
‫ّ‬
‫تجرد للمناظرة ولم يسلك‬
‫فيما ال يتعلق بالدين»‪ ،‬وقد أضاف أنّ «المتك ّلم إنْ‬
‫َّ‬
‫طريق اآلخرة‪ ،‬ولم يشتغل بتعهد القلب وإصالحه‪ ،‬لم يكن من جملة علماء‬
‫الدين أص ً‬
‫ال‪ ،‬إذ ليس عند المتكلم من الدين إال العقيدة التي يشاركه ساير العوام‬
‫يتميز عن العامي بصفة‬
‫فيها‪ ،‬وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫فإما معنى‬
‫المجادلة والحراسة‪ ‬ـ‪ ‬حراسة قلوب العوام من التخيالت المبتدعة ‪ ‬ـ‪ّ ، ‬‬
‫معرفة الله سبحانه وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه من العلوم الدينية‪ ،‬فال‬
‫يحصل من علم الكالم‪ ،‬بل يكاد يكون الكالم حجاب ًا ومانع ًا عنه‪ ،‬وإنّما الوصول‬
‫المحجة لثمرة المهجة‪ ،‬تحقيق الشيخ محمد‬
‫(( ( ابن طاووس‪ ،‬علي بن موسى (ت ‪664‬هـ)‪ ،‬كشف‬
‫ّ‬
‫الحسون‪ ،‬مكتب اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬قم‪ ،‬ط‪1417 ،2‬هـ‪ ،‬ص ‪.64‬‬
‫((( الجبعي‪ ،‬زين الدين بن علي (‪ 911‬ـ‪965 ‬هـ)‪ ،‬حقائق اإليمان‪ ،‬تحقيق‪ :‬السيد مهدي الرجائي‪،‬‬
‫مكتبة آية الله المرعشي النجفي‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.176‬‬
‫‪36‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫اهدُ وا‬
‫ين َج َ‬
‫﴿وا َّل ِذ َ‬
‫بالمجاهدة التي جعلها الله مقدم ًة للهداية‪ ،‬حيث قال تعالى‪َ :‬‬
‫ِفي َنا َل َن ْه ِد َي َّن ُه ْم ُس ُب َل َنا﴾[العنكبوت‪.)1( ]69:‬‬

‫الحر‬
‫أخباري كبي ٍر هو‬
‫والموقف السلبي من علم الكالم‪ ،‬نجده عند عالمٍ‬
‫ٍّ‬
‫ُّ‬
‫(‪)2‬‬
‫عد الكالم في جملة العلوم‬
‫متشبث ًا ببعض الروايات‬
‫العاملي‪ ،‬فإنّه ّ‬
‫المنهي عنها ‪ّ ،‬‬
‫ِّ‬
‫الواردة في هذا المجال‪ ،‬كحديث أبي بصير قال‪ :‬قال أبو عبد الله‪« :Q‬يهلك‬
‫إن المسلمين هم النجباء»(‪.)3‬‬
‫أصحاب الكالم وينجو المسلمون‪ّ ،‬‬

‫ٍ‬
‫حديث آخر عن محمد بن عيسى قال‪ :‬قرأت في كتاب علي بن هالل عن‬
‫وفي‬
‫الرجل‪ ،‬يعني أبا الحسن‪ Q‬أنّه روي عن آبائك‪ R‬أنّهم نهوا عن الكالم في‬
‫فأما من يحسن‬
‫ّ‬
‫فتأول المتكلمون بأنّه إنّما نهى من ال يحسن أن يتكلم فيه‪ّ ،‬‬
‫الدين‪ّ ،‬‬
‫تأولوا أم ال؟ فكتب‪« :Q‬المحسن وغير‬
‫أن يتك ّلم فلم َي ْن َه ُه‪ ،‬فهل ذلك كما ّ‬
‫فإن إثمه أكبر من نفعه»(‪.)4‬‬
‫المحسن ال يتك ّلم فيه‪ّ ،‬‬

‫ولنا أن نالحظ على ذلك‪ ،‬أنَّ هذه الروايات وسواها‪ ‬ـ‪ ‬كما يستفاد من سياقها‬
‫والقرائن المحيطة بها‪ ‬ـ‪ ‬إنما هي بصدد النهي عن الخصومة في الدين‪ ،‬ال بصدد‬
‫تصور صحيح عن العقائد الحقّة‪ ،‬والدفاع‬
‫النهي عن دراسة علم يهدف إلى تقديم ّ‬
‫عن المفاهيم والعقائد الدينية‪ ،‬اعتماد ًا على العقل والوحي‪ ،‬ولذا ورد في هذه‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫الكاشاني‪ ،‬محمد محسن بن مرتضى‪ ،‬المعروف بالفيض الكاشاني (ت ‪1901‬هـ)‪ ،‬الحقائق في‬
‫محاسن األخالق‪ ،‬تحقيق‪ :‬محسن عقيل‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪1409 1‬هـ‪ ،‬ص‪.27‬‬
‫األمة إلى أحكام األئمة‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫راجع‪ :‬الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن (ت ‪1104‬هـ)‪ ،‬هداية ّ‬
‫قسم البحوث في مجمع البحوث اإلسالمية‪ ،‬إيران ـ مشهد‪ ،‬ط‪1414 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.92‬‬
‫الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن (ت ‪1104‬هـ)‪ ،‬وسائل الشيعة‪ ،‬تحقيق‪ :‬مؤسسة آل البيت‬
‫إلحياء التراث‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪1404 ،2‬هـ‪ ،‬الباب ‪ 43‬من كتاب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫الحديث ‪ ،22‬ج‪ ،6‬ص‪.200‬‬
‫الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن‪ ،‬وسائل الشيعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬الباب ‪ ،43‬الحديث ‪ 26‬من‬
‫األبواب نفسها‪ ،‬ج‪ ،16‬ص‪.201‬‬
‫‪37‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الدين)‪ ،‬كما في الحديث عن أبي الحسن‬
‫الروايات وغيرها‪ ،‬تعبير (الخصومة في ّ‬
‫«مر أصحابك أن يك ّفوا‬
‫‪ Q‬مخاطب ًا بعض أصحابه‪ ،‬وهو علي بن يقطين‪ْ :‬‬
‫ّ‬
‫وجل»‪.‬‬
‫عز‬
‫ألسنتهم‪ ،‬و َيدَ َع ُوا الخصومة في ّ‬
‫الدين‪ ،‬ويجتهدوا في عبادة الله ّ‬
‫وعن أبي عبد الله‪« :Q‬ال يخاصم إال ّ‬
‫شاك أو من ال ورع له»(‪.)1‬‬

‫المرجح أنّ بعض كلمات األئمة‪ R‬الناهية عن علم الكالم‪،‬‬
‫كما أنّ من‬
‫َّ‬
‫ناظرة إلى األشخاص الذين ال يمتلكون األهلية لخوض غمار المطالب الكالمية‪،‬‬
‫(‪)2‬‬
‫كما ت ُِّبين ذلك بوضوح رواية يونس بن يعقوب‬
‫المتقدمة‪ ،‬والتي تتحدث عن‬
‫ّ‬
‫إدارة اإلمام الصادق‪ Q‬لحوار كالمي جرى بين بعض أصحابه وبين رجل‬
‫جاء من الشام لهذا الغرض‪ ،‬حيث تذكر الرواية أنّ اإلمام منع بعض أصحابه‬
‫من الدخول في الحوار‪ ،‬ألنه ال يحسن الكالم‪ ،‬وانتدب لهذه المهمة أشخاص ًا‬
‫جديرين بها‪ ،‬ومن َث َّم أجرى‪ Q‬في نهاية الحوار تقييم ًا ِّ‬
‫منبه ًا‬
‫لكل واحد منهم‪ّ ،‬‬
‫وموجه ًا ومرشد ًا‪ .‬هذا ك ّله فيما يرتبط بموقف علماء مدرسة اإلمامة‪.‬‬
‫ِّ‬

‫مدرسة الخالفة‬

‫وأما لدى مدرسة الخالفة‪ ،‬فإنّ الموقف السلبي من علم الكالم ومقوالته‬
‫ّ‬
‫الفلسفية والجدلية‪ ،‬يبدو جلي ًا وواضح ًا لدى الكثير من العلماء‪ ،‬فقد نقل الحافظ‬
‫ابن الجوزي عن الشافعي قوله‪َ « :‬لئِ ْن ُيبتلى العبد ّ‬
‫بكل ما نهى الله عنه ما عدا‬
‫الشرك‪ ،‬خير له من أن ينظر في الكالم‪ .‬قال‪ :‬وإذا سمعت الرجل يقول‪ :‬االسم هو‬
‫المسمى فاشهد أنّه من أهل الكالم وال دين له‪ ،‬قال‪ :‬وحكمي في‬
‫المسمى‪ ،‬أو غير‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫علماء الكالم أن يضربوا بالجريد و ُيطاف بهم في العشائر والقبائل‪ ،‬ويقال‪ :‬هذا‬
‫جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكالم»!‬
‫(( ( المصدر السابق‪ ،‬الباب ‪ ،43‬الحديث ‪ 28‬من األبواب نفسها‪.‬‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.171‬‬
‫‪38‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫و َن َقل أيض ًا‪ ‬ـ‪ ‬أقصد ابن الجوزي‪ ‬ـ‪ ‬عن أحمد بن حنبل قوله‪« :‬ال يفلح صاحب‬
‫كالم أبد ًا‪ ،‬علماء الكالم زنادقة»‪.‬‬

‫ثم أضاف ابن الجوزي‪« :‬وكيف ال ُي َذ ُّم الكالم‪ ،‬وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنّهم‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫ّ‬
‫وجل يعلم ُج َم َل األشياء وال يعلم تفاصيلها!» ‪.‬‬
‫عز‬
‫قالوا‪ :‬إنّ الله ّ‬

‫مبرر‪ ،‬واتهامات قاسية‬
‫ونلحظ في هذه المواقف من الكالم وأهله ُّ‬
‫تشدد ًا غير َّ‬
‫غير مقبولة؛ ألنّ‬
‫الكالمي ال يهدف إلى مجانبة الكتاب والس َّنة أو معارضتهما‪،‬‬
‫َّ‬
‫كيف وقد َّ‬
‫أساسيين في ش َّتى المحاججات‬
‫مستندين‬
‫والسنة‬
‫شكل الكتاب‬
‫ْ‬
‫ُّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫للدفاع عن اإلسالم وعن‬
‫الكالمية‪ ،‬بل إنَّ الكالم بالنسبة إليه ليس سوى‬
‫وسيلة ّ‬
‫عدو الكتاب والسنة؟!‬
‫صور الكالمي وكأنَّه ُّ‬
‫والس ّنة‪ ،‬فكيف ُي َّ‬
‫الكتاب ُّ‬
‫وذمه بإفضائه إلى أقوال ُمستنكرة‪ ،‬من قبيل‬
‫وأما‬
‫التذرع في رفض علم الكالم ّ‬
‫ّ‬
‫تذرع مرفوض؛ ألنّ ما ِم ْن علمٍ إ ّ‬
‫ال وتبرز‬
‫القول‪ :‬إنّ الله ال يعلم بالجزئيات‪ ،‬فهو ُّ‬
‫َّ‬
‫والشاذة‪ ،‬كما نرى ذلك في علم الفقه وغيره من‬
‫المستنكرة‬
‫فيه بعض األقوال ُ‬
‫العلوم‪ ،‬مع أنّ هذه األقوال قد ال تقتضيها قواعد ذلك العلم وأصوله‪.‬‬

‫((( ابن الجوزي‪ ،‬عبد الرحمن البغدادي‪( ،‬ت‪597‬هـ)‪ ،‬تلبيس إبليس‪ ،‬تحقيق‪ :‬الدكتور محمد‬
‫الصباح‪ ،‬منشورات دار مكتبة الحياة‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪1989 ،‬م‪ ،‬ص‪.124‬‬
‫‪39‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪2‬‬
‫االجتهاد الكالمي‬
‫مبررات وحاجات‬
‫ّ‬
‫إنّ إطالق حركة االجتهاد الكالمي‪ ،‬لن تسهم في تالفي السلبيات المشار إليها‬
‫ٍ‬
‫أهمها‪:‬‬
‫جملة من األهداف والنتائج‬
‫فحسب‪ ،‬بل إنها ستسمح بتحقيق‬
‫اإليجابية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬تفعيل دور العقائد في حياة اإلنسان‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬إعادة الحيوية إلى الخطاب الكالمي‪.‬‬

‫فض االشتباك بين العقيدي والسياسي‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ‪ّ  ‬‬
‫‪ 4‬ـ‪  ‬إعادة الروح إلى األحكام الفقهية‪.‬‬

‫ستتبدى الحاجة‬
‫وفيما يأتي‪ ،‬نشير إلى هذه النقاط بالتفصيل‪ ،‬وفي ضوئها‬
‫ّ‬
‫الملحة إلى إطالق حركة االجتهاد الكالمي‪ ،‬وتأسيس ما أطلقنا عليه‪ :‬علم أصول‬
‫ّ‬
‫االجتهاد أو االستنباط الكالمي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬تفعيل دور العقائد في حياة اإلنسان‬

‫اإلسالمي‪ ،‬مفادها‪ :‬أنّ مبحث اإلنسان‬
‫ربما تثار إشكالية في وجه علم الكالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قد ضاع في أنساق الفكر الكالمي؛ ألنّ هذا الفكر تمحور حول مبحث (الله)‪ ،‬أي‬
‫انصب على المك ِّلف دون المك َّلف‪.‬‬
‫إنّ االهتمام‬
‫ّ‬
‫تام ًة‪ ،‬كما أنّها تفتقر إلى الد ّقة‪ّ .‬أما‬
‫ّ‬
‫لكن هذه اإلشكالية‪ ‬ـ‪ ‬في اعتقادنا‪ ‬ـ‪ ‬ليست ّ‬
‫‪40‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫عدم تماميتها‪ ،‬فبلحاظ أنّه مع افتراض أنّ موضوع علم الكالم هو أفعال الله‪،‬‬
‫بخالف علم الفقه‪ ،‬فإنّ موضوعه أفعال اإلنسان‪ ،‬فال معنى لهذه اإلشكالية من‬
‫أساسها؛ إال إذا ُأريدَ بها أن ّ‬
‫تشكل مدخ ً‬
‫ال لالعتراض على تحديد موضوع علم‬
‫لكن هذا يحتاج إلى اقتراح موضوع بديل‪ ،‬وتعريف جديد لوظيفة‬
‫الكالم نفسه‪ّ ،‬‬
‫وأما افتقار اإلشكالية‬
‫علم الكالم‪ ،‬ح ّتى ينظر فيه و ُيدرس بهدوء وموضوعية‪ّ .‬‬
‫المذكورة إلى الد ّقة‪ ،‬فباعتبار أنّ أدنى رصد أو مسح للمباحث الكالمية‪ ،‬تُظهر بما‬
‫ال لبس فيه اشتمال العلم المذكور على مباحث ذات عالقة وطيدة بهموم اإلنسان‬
‫والرئاسة‪ ،‬أو مبحث ال َّتكليف‬
‫ودوره ومشاكله وآالمه‪ ،‬من قبيل مبحث‪ :‬اإلمامة ّ‬
‫والمك َّلف‪ ،‬أو مبحث األسعار واألرزاق واآلالم واألعواض ونحوها‪َ .‬أو َليس‬
‫حرية اإلنسان واختياره‪ ،‬حتى لو‬
‫قضية َّ‬
‫علم الكالم هو الذي أثار الحديث في َّ‬
‫الكالمية في أبعاد هذه الحرية وحدودها‪ ،‬بين القائلين بالجبر‬
‫اختلفت المدارس‬
‫َّ‬
‫تم تناول هذه المباحث‪ ‬ـ‪ ‬كالمي ًا‪ ‬ـ‪ ‬من زاوية‬
‫والقائلين باالختيار‪.‬‬
‫ٌ‬
‫صحيح أنّه قد ّ‬
‫عالقتها بالله وفعله‪ ،‬لك ّنها ّ‬
‫بد من‬
‫تطل على هموم اإلنسان ومشاغله‪ .‬نعم‪ ،‬ال ّ‬
‫االعتراف بأنّ هذه المباحث التي كان من الممكن أن ّ‬
‫تشكل مدخ ً‬
‫ال هام ًا لمبحث‬
‫اإلنسان في علم الكالم‪ ،‬ويمكن التأسيس عليها‪ ،‬قد غابت وغادرت هذا العلم‬
‫أمر يثير االستغراب‪.‬‬
‫في نتاجات‬
‫ّ‬
‫المتأخرين ودراساتهم‪ ،‬وهذا ٌ‬

‫وما يثير االستغراب أيض ًا وبشكل مضاعف‪ ،‬هو افتقاد هذا العلم في تجربته‬
‫التاريخية إلى حيويته وتأثيره المباشر في حياة المسلمين‪ ،‬بحيث يالحظ خفوت‬
‫كبير في تفاعل المسلمين مع المسائل الكالمية‪ ،‬وسبب ذلك يعود إلى ا ّتسام‬
‫الفلسفية‬
‫المباحث المذكورة بقد ٍر ال بأس به من الجفاف والتعقيد‪ ،‬بفعل الذهنية‬
‫ّ‬
‫وحولته إلى هموم ومشاغل‬
‫التي دخلت العلم المذكور‪ ،‬وأثقلته باالصطالحات‪ّ ،‬‬
‫فلسفية بعيدة ّ‬
‫كل البعد عن هموم اإلنسان ومشاكله المعاصرة وأسئلته‬
‫فكرية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الملحة‪ .‬إنّ المطلوب من علم العقائد‪ ،‬أن يبقى على تماس مباشر وفاعل في‬
‫ّ‬
‫‪41‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫حياة اإلنسان‪ ،‬لي ِ‬
‫دخ َل اإليمان قلبه ووجدانه‪ ،‬كما أضاء بالبرهان عقله وفكره‪،‬‬
‫ُ‬
‫بشكل ُم ٍ‬
‫ٍ‬
‫رض‪.‬‬
‫التقليدي في تحقيقها‬
‫المهمة لم يفلح علم الكالم‬
‫وهذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫الغيبية والتجريدية‬

‫سبب آخر ساهم في ابتعاد علم الكالم عن حياة الفرد المسلم وهمومه‪،‬‬
‫وثمة ٌ‬
‫ّ‬
‫والمحرك‬
‫التاريخية‪ ،‬التي أقصت العقل عن دوره الفاعل‬
‫وهو أنّ هذا العلم بوضعيته‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والمنتج قد نحا باتجاه إنتاج غيبية مفرطة تح ّلق باإلنسان في آفاق التجريد بعيد ًا عن‬
‫اإلسالمية‪،‬‬
‫صحيح أنّ الغيب هو الركن األساس في العقيدة‬
‫عالم الشهود والواقع‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫بل في ّ‬
‫الجوهري‬
‫كل العقائد ذات الطابع السماوي‪ ،‬وهو ـ أعني الغيب ـ يم ّثل الفارق‬
‫ّ‬
‫الفكرية‪ ،‬ولذا كانت ّأول صفة‬
‫بين االعتقاد الديني وغيره من المعتقدات والمناهج‬
‫ّ‬
‫من صفات المتقين أنّهم يؤمنون بالغيب‪َ ﴿ :‬ذلِ َك ِ‬
‫ين‬
‫اب لاَ َر ْي َب ِف ِيه ُهدً ى لِ ْل ُم َّت ِق َ‬
‫الك َت ُ‬
‫ين ُي ْؤ ِم ُنونَ بِالغَ ْي ِ‬
‫الص اَل َة َو ِم َّما َرزَ ْق َن ُاه ْم ُي ْن ِف ُقونَ ﴾[البقرة‪ 2:‬ـ‪،]3 ‬‬
‫* ا َّل ِذ َ‬
‫ب َو ُي ِق ُيمونَ َّ‬
‫غيبي ًة تجريدي ًة تنأى عن الحياة‬
‫بيد أنّ غيبية اإلسالم التي طرحها القرآن‪ ،‬ليست َّ‬
‫ومشاغلها‪ ،‬وإنّما هي غيبية مقترنة بالشهود؛ ألنّ الله سبحانه هو عالم الغيب‬
‫الدنيا على حساب اآلخرة‪ ،‬وال تطغى‬
‫والشهادة‪ .‬كما أنّها غيبية متوازنة ال تغيب فيها ّ‬
‫النبوية المباركة‪:‬‬
‫فيها متط ّلبات الروح على متطلبات الجسد‪ ،‬وهذا ما جمعته الكلمة‬
‫ّ‬
‫الدنيا واآلخرة»(‪.)1‬‬
‫«جئتكم بخير ّ‬

‫حد اإلفراط‪ ،‬بحيث أسهم‬
‫إنّ المنحى‬
‫الغيبـي المسيطر على عقل المسلم بلغ ّ‬
‫ّ‬
‫في إنتاج ٍ‬
‫يفسر األمور تفسير ًا غيبي ًا‪ ،‬وال يأخذ بعين االعتبار‬
‫نسق من التفكير ّ‬

‫((( راجع‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد موسى‪ ،‬مسيرة اإلمام الصدر‪ ،‬إعداد‪ :‬يعقوب ضاهر‪ ،‬المركز اإلعالمي في‬
‫حركة أمل‪ ،‬ط‪2000 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،11‬ص‪ .36‬ويراجع الحديث عند‪ :‬الطبري‪ ،‬محمد بن جرير (ت‬
‫‪310‬هـ)‪ ،‬تاريخ األمم والملوك‪ ،‬ط‪ ،1‬مؤسسة األعلمي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1403 ،4‬هـ‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪ ،63‬والطوسي‪ ،‬الشيخ محمد بن الحسن (ت ‪460‬هـ)‪ ،‬األمالي‪ ،‬مؤسسة البعثة‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1414 ،1‬هـ‪ ،‬ص ‪.583‬‬
‫‪42‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫والمسببات‪ ،‬وانعكس ذلك بوضوح على التفسير‬
‫العلية‪ ،‬أو منطق األسباب‬
‫ِّ‬
‫قانون ّ‬
‫تتحدث عن عواقب األعمال الحسنة أو القبيحة‬
‫فتم تفسير اآليات التي‬
‫ّ‬
‫القرآني‪ّ ،‬‬
‫﴿و َما ُت ْن ِف ُقوا ِم ْن َخ ْي ٍر ُي َو َّف إِ َل ْي ُك ْم َو َأ ْن ُت ْم لاَ‬
‫تفسير ًا ُأخروي ًا‪ ،‬فقوله تعالى ـ مث ً‬
‫ال ـ‪َ :‬‬
‫ت ُْظ َل ُمونَ ﴾ [البقرة‪ُ ،]272:‬ح ِم َل على الوفاء والعطاء ُ‬
‫األخروي(‪ ،)1‬مع أنّ من‬
‫جد ًا تفسيره بما يشمل العطاء والوفاء الدنيوي أيض ًا‪.‬‬
‫القريب ّ‬

‫وهذا المنحى المفرط في الغيبية‪ ،‬استولد في المقابل منحى تفريطي ًا معاكس ًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫تنكر للغيب والغيبيات‪ ،‬ونحى في تفسير المعجزات المذكورة في القرآن أو غيره‬
‫منحى مادي ًا‪ .‬وربما وقع بعض العلماء تحت تأثير هذا المنهج المفرط في المادية‪،‬‬
‫ً‬
‫فسر «الحجارة‬
‫ففسر بعض اآليات تفسير ًا مخالف ًا للظاهر‪ ،‬كما فعل بعضهم عندما َّ‬
‫َّ‬
‫مما جاء في سورة الفيل‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال بأنّها‬
‫من ّ‬
‫سجيل» التي تحملها «الطير األبابيل» ّ‬
‫عبارة عن الجراثيم الف ّتاكة التي تنشر المرض القاتل في جيش أبرهة(‪...)2‬‬

‫العقائد والحياة‬

‫جد ًا للخروج من نفق التجريدية المذكورة‪،‬‬
‫في ضوء ذلك‪ ،‬يكون من‬
‫الملح ّ‬
‫ّ‬
‫ومن حالة الجمود واالنكماش المشار إليها‪ ،‬والتي أ ّثرت سلب ًا في فاعلية العقائد‬
‫وحيويتها‪ ،‬إعادة النظر في نسق التفكير الكالمي الذي أنتج هذه السلبيات‪،‬‬
‫واالنهماك في إعادة توظيف المقوالت الكالمية في سياقها الطبيعي الذي يعيد‬
‫جسر التواصل بين العقيدة واإليمان الفاعل‪ .‬وعلى سبيل اإليجاز‪ ،‬فإنّ مبحث‬
‫معرفة الله ـ مث ً‬
‫األم‪ ،‬ال يجوز أن نُقحمه في متاهات فلسفية‬
‫ال ـ وهي العقيدة ّ‬
‫جدلية تُفقدنا طعم اإليمان وحالوته‪ ،‬أو تنسينا أنفسنا وحاجتها إلى االطمئنان‬
‫(( ( أنظر على سبيل المثال‪ :‬السمعاني‪ ،‬منصور بن محمد (ت ‪489‬هـ)‪ ،‬تفسير السمعاني‪ ،‬دار الوطن‪،‬‬
‫السعودية ـ الرياض‪1418 ،‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.276‬‬
‫((( نقل هذا الرأي وف َّنده‪ :‬فضل الله‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬من وحي القرآن‪ ،‬دار الزهراء‪ ،‬بيروت ـ‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪1990 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،24‬ص‪.489‬‬
‫‪43‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫واألمن الذي ال يمنحه وال يوفّره سوى اإليمان بالله‪ ،‬باعتباره حالة وجداني ًة ال‬
‫العقلية الجامدة‪ ،‬بل تنفذ إلى أعماق الروح‪ ،‬وتالمس‬
‫تقف عند حدود المعرفة‬
‫ّ‬
‫شغاف القلب‪ ،‬هذا من جهة‪.‬‬

‫بالمسؤولية تجاه‬
‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنَّ معرفة الله ال تبتعد عن اإلحساس‬
‫ّ‬
‫اآلخر‪ ،‬وال ّ‬
‫تم القرن بينهما في كتاب الله أكثر من‬
‫تنفك عن العمل الصالح‪ ،‬ولذا ّ‬
‫مرة(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫ومن جهة ثالثة‪ ،‬فإنّ التعرف إلى الله سبحانه من خالل النظر أو السير التأملي‬
‫في اآلفاق واألنفس‪ّ ،‬‬
‫والتعمق في العلوم‪،‬‬
‫للتعرف إلى أسرار الكون‬
‫يشكل حافز ًا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما يعني أنّ اإليمان يقود إلى العلم‪ ،‬ويح ّفز على المعرفة‪ ،‬كما أنّ العلم أيض ًا يقود‬
‫إلى اإليمان‪.‬‬
‫نتحسس وجوده تعالى في أنفسنا وفي‬
‫خالصة القول‪ :‬إنّ اإليمان بالله يعني أن‬
‫ّ‬
‫اآلفاق وفي عالقتنا مع اآلخر‪.‬‬

‫ولو جئنا إلى مبحث العدل‪ ،‬وهو ٌ‬
‫بد من‬
‫أصل آخر من األصول العقدية‪ ،‬فال ّ‬
‫ٍ‬
‫تطل على واقع اإلنسان في ّ‬
‫بطريقة ّ‬
‫كل مناحي حياته؛ ألنّ اإليمان بعدل الله‬
‫توظيفه‬
‫حريته‪ ،‬ورفع اآلصار عنه‪ ،‬وعدم تكليفه بما‬
‫ُيسهم في تحرير إرادة اإلنسان وتأكيد ّ‬
‫اضطر إليه وما ُأك ِره عليه‪ ،)2(..‬كما أنّ االعتقاد أنّ اإلله العادل جعل‬
‫ال يطاق وبما‬
‫ّ‬
‫تحرك هذا الخليفة في ّ‬
‫خط إقامة العدل‪،‬‬
‫اإلنسان خليف ًة له على األرض‪ ،‬يستدعي ّ‬
‫ورفع الظلم والحيف عن عباد الله‪ ،‬سواء في المجال االجتماعي أو السياسي أو‬
‫(( ( أنظر‪ :‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية ‪ ،25‬و‪ 82‬و‪ ،277‬وسورة آل عمران‪ ،‬اآلية ‪.57‬‬
‫((( يقول الشهيد مطهري‪« :‬إنّ أصل العدل وإن كان أص ً‬
‫ال إلهي ًا يتع ّلق بإحدى صفات الله ولكنه أصل‬
‫إنساني أيض ًا‪ ،‬أي يرتبط بحرية واختيار اإلنسان‪ ،‬فاالعتقاد بأصل العدل عند الشيعة والمعتزلة‬
‫يعني االعتقاد بحرية اإلنسان ومسؤوليته ومساهمته في البناء والتنظيم» (راجع‪ :‬مطهري‪ ،‬مرتضى‪،‬‬
‫الرؤية الكونية التوحيدية‪ ،‬المترجم‪ :‬محمد عبد المنعم الخاقاني‪ ،‬منظمة اإلعالم اإلسالمي‪،‬‬
‫طهران‪ ،‬ط‪.)1989 ،2‬‬
‫‪44‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫القضائي‪ ...‬ولذا‪ ،‬كان من الطبيعي تعميم وصف العدل لإلنسان‪ ،‬ليغدو وصف ًا‬
‫ّ‬
‫يحتل مسؤولي ًة عام ًة‪ ،‬كالمفتي أو‬
‫سيما إذا كان‬
‫مشترك ًا بين الله وخليفته‪ ،‬وال ّ‬
‫بد من أن يكون عاد ً‬
‫القاضي أو الحاكم والوالي‪ّ ،‬‬
‫ال في‬
‫فكل واحد من هؤالء ال ّ‬
‫نفسه‪ ،‬وعاد ً‬
‫ال في حكمه وقضائه‪ ،‬وإنه لمن المستغرب حق ًا من الناحية الكالمية‬
‫قبل الشرعية أن تتجاوز بعض االتجاهات الكالمية شرط العدالة‪ ،‬وتطرح فكرة‬
‫إطاعة السلطان الجائر(‪!)1‬‬

‫بالنبوة‪ ،‬وهو اعتقاد جوهري وأصل من‬
‫ولو أخذنا بالحسبان أيض ًا االعتقاد‬
‫ّ‬
‫الدين‪ ،‬لقلنا‪ :‬إنّ‬
‫النبوة ما هي إال مشروع تغييري يهدف إلى تغيير الواقع‬
‫أصول ّ‬
‫َّ‬
‫ٍ‬
‫ومادي ًا‪َ ﴿ :‬يا َأ ُّي َها‬
‫روحي ًا‬
‫لألمة‬
‫الفاسد في معتقداته وسلوكياته؛ إنّها مشروع حياة َّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اس َت ِج ُيبوا لِ َّل ِه َولِلر ُس ِ‬
‫اك ْم لِ َما ُي ْحيِ ُ‬
‫ول إِ َذا َد َع ُ‬
‫وأما‬
‫ا َّل ِذ َ‬
‫يك ْم﴾ [األنفال‪ّ .]24:‬‬
‫ين َآ َم ُنوا ْ‬
‫َّ‬
‫مجرد عالقة نظرية هي أقرب إلى الترف أو الفضول‬
‫تحويل العالقة باألنبياء إلى ّ‬
‫مجرد عالقة عاطفية أو تقديسية تبلغ‬
‫ّ‬
‫الفكري منها إلى العالقة الفاعلة‪ ،‬أو إلى ّ‬
‫النبي‪ P‬واستهداء س َّنته ومسيرته‪ ،‬إنّ ذلك ال‬
‫ّ‬
‫حد الغلو بعيد ًا عن استلهام رسالة ّ‬
‫النبوات فحسب‪ ،‬بل ّ‬
‫ّ‬
‫يشكل تشويه ًا وتحريف ًا ألهدافها‬
‫يشكل انحراف ًا عن هدي ّ‬
‫ومقاصدها‪.‬‬

‫غيبـي ال صلة‬
‫مجرد اعتقاد‬
‫وهكذا الحال في االعتقاد باليوم اآلخر‪ ،‬فهو ليس ّ‬
‫ّ‬
‫له بالحياة وهمومها‪ ،‬بل إنّ االعتقاد بالمعاد‪ ،‬إن لم ينعكس على اإلنسان في دنيا‬
‫المعاش انتظام ًا ورقاب ًة ذاتية وشعور ًا بالمسؤولية‪ ،‬فهو اعتقاد غير ذي جدوى وال‬
‫قيمة له‪.‬‬
‫الحية والفاعلة‪ ،‬ال يمكن أن تنفصل أو تبتعد عن‬
‫وخالصة القول‪ :‬إنّ العقيدة ّ‬
‫تربية اإلنسان وسلوكه والتزامه جادة الشريعة في ّ‬
‫كل مناحي الحياة‪.‬‬

‫((( راجع حول فكرة إطاعة السلطان الجائر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬عاشوراء ـ قراءة في المفاهيم وأساليب‬
‫اإلحياء‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬دار المالك‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪ ‬لبنان‪ ،‬ط‪2010 ،1‬م‪ ،‬ص ‪.34‬‬
‫‪45‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫اإلنسان وحاجته إلى األمن‬

‫ٍ‬
‫وظيفة يراد للعقيدة أن تساهم في توفيرها‪ ،‬هي وظيفة األمن‪ ،‬باعتبارها‬
‫أهم‬
‫إنّ ّ‬
‫يتخبط‬
‫حاج ًة ّ‬
‫ماس ًة لإلنسان‪ ،‬ولو أنّنا أردنا تقديم توصيف شامل للمأزق الذي ّ‬
‫ٍ‬
‫بعبارة موجزة‪ :‬إنّه مأزق‬
‫يتخبط فيه سابق ًا‪ ،‬لقلنا‬
‫فيه اإلنسان اليوم‪ ،‬وا ّلذي كان ّ‬
‫(افتقاد األمن)‪ ،‬سواء األمن السياسي والحياتي‪ ،‬أو االجتماعي‪ ،‬أو األمن‬
‫االقتصادي‪ ،‬أو الصحي‪ ،‬أو الغذائي‪ ،‬أو األمن األخالقي والروحي‪ ...‬فاألمن‬
‫ّ‬
‫بكل أبعاده المشار إليها‪ ،‬متزلزل‪ ،‬ويكاد يكون مفت َقد ًا في عصرنا‪ .‬فعلى‬
‫المستوى السياسي‪ ،‬ال نكاد نجد أمن ًا في ّ‬
‫ظل الفتن والحروب المتنقلة التي‬
‫ما برحت تجتاح العالم‪ ،‬مخ ّلف ًة الدمار والرعب والخوف والالستقرار‪ .‬وعلى‬
‫ّ‬
‫ليحل مح ّله العداء‬
‫المستوى االجتماعي‪ ،‬فإنّ عنصر األمان ينحسر شيئ ًا فشيئ ًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫والتفكك األسري وضعف الروابط اإلنسانية‪ .‬وعلى المستوى االقتصادي‬
‫والصحي والبيئي والغذائي‪ ،‬ال يختلف المشهد كثير ًا‪ ،‬فالنظام الرأسمالي‬
‫ٍ‬
‫لجماعة من بني اإلنسان‪ ،‬ويذر الماليين‬
‫المسيطر ال ُيؤ ِّمن العيش الرغيد سوى‬
‫وأما على المستوى األخالقي‪ ،‬فإنّا‬
‫يموتون جوع ًا وتجتاحهم األمراض والعلل‪ّ .‬‬
‫ربما لم يعرفه‬
‫نشهد انحدار ًا أخالقي ًا وقيمي ًا مستمر ًا‪ ،‬ح ّتى وصل التر ّدي ّ‬
‫حد ًا ّ‬
‫األهم ـ باعتبار أنّ من يمتلك مناع ًة‬
‫وأما األمن الروحي‪ ،‬وهو‬
‫التاريخ‬
‫ّ‬
‫البشري‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫روحي ًة‪ ،‬فإنّ بمقدوره التغ ّلب على ّ‬
‫كل المآزق األخرى‪ ،‬وإذا افتقد نفسه وروحه‬
‫البشرية‬
‫وتعرض ًا للمخاطر‪ ،‬وإنّا نجد‬
‫َّ‬
‫فعلى اإلنسانية السالم ـ فهو األكثر ّ‬
‫تشوه ًا ّ‬
‫تعيش حال ًة من الجفاف أو الفراغ الروحي تفترس ّ‬
‫كل المعنويات‪ ،‬وتزرع القلق‬
‫ٍ‬
‫سبيل‬
‫في النفوس‪ ،‬وتذر اإلنسان في شباك الحيرة والعبثية‪ .‬والسؤال‪ :‬هل من‬
‫ٍ‬
‫سبيل إلى تحقيق االستقرار وإرساء‬
‫السحيق؟ هل من‬
‫للخروج من هذا الوادي َّ‬
‫ٍ‬
‫سبيل إلى يقظة روحية ومعنوية؟ هل من سبيل إلى‬
‫السالم والعدالة؟ هل من‬
‫تحقيق األمن ّ‬
‫بكل أبعاده؟‬
‫‪46‬‬

‫ال أمن بدون إيمان‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫واإلجابة القرآنية عن ذلك هي باإليجاب‪ ،‬رغم عمق المأزق ووعورة الطريق‪،‬‬
‫والعالج الذي يصفه القرآن لداء األمن ومعضلته هو عالج (اإليمان)‪ ،‬هذه‬
‫خاص ًة‬
‫الكلمة التي قد تبدو مستهلك ًة في لفظها‪ ،‬ولك ّنها في العمق تمتلك كيمياء ّ‬
‫ّ‬
‫تمكنها من اجتراح المعجزات‪ .‬قال تعالى وهو يشير إلى هذه العالقة الوطيدة بين‬
‫يما َن ُهم بِ ُظ ْل ٍم ُأو َلئِ َك َل ُهم َ‬
‫األمان واإليمان‪﴿ :‬ا َّل ِذ َ َ‬
‫األ ْم ُن َو ُه ْم‬
‫ُ‬
‫ين آ َم ُنوا َو َل ْم َي ْلبِ ُسوا إِ َ ْ‬

‫ُم ْه َتدُ ونَ ﴾[األنعام‪ ،]82:‬فاآلية الشريفة تطرح معادل ًة واضح ًة يمكن اعتبارها‬
‫الس َنن اإللهية‪ ،‬ومفادها‪ :‬أن ال أمان من دون إيمان‪ ،‬ومن يف ّتش عن‬
‫في عداد ُّ‬
‫األمان خارج نطاق اإليمان‪ ،‬فهو واهم ومخطئ‪ ،‬وال موجب إطالق ًا لتأطير معنى‬
‫(األمن) في اآلية وحمله على خصوص األمن يوم القيامة‪ ،‬فهو ي ّتسع مفهوم ًا‬
‫وعرف ًا لألمن ُ‬
‫األخروي واألمن الدنيوي ّ‬
‫بكل أبعاده ودالالته‪ .‬ويالحظ أنّ اآلية‬
‫الكريمة وضعت شرط ًا لفاعلية اإليمان ودوره في صنع عنصر األمان وتوفيره‪،‬‬
‫يما َن ُه ْم بِ ُظ ْل ٍم﴾‪ ،‬وهذا‬
‫والشرط هو‪ :‬أن ال ُيشاب هذا اإليمان بظلم َ‬
‫﴿و َل ْم َي ْلبِ ُسوا إِ َ‬
‫الشرط‪ ‬ـ‪ ‬في حقيقته‪ ‬ـ‪ ‬ليس مغاير ًا لعنصر اإليمان نفسه‪ ،‬بل هو من مقتضياته‬
‫ومتمماته‪ ،‬ألنّ اإليمان ال يتالءم مع ّ‬
‫الظلم وال يجتمع معه‪.‬‬
‫ّ‬

‫اإليمان جوهر الدين‬

‫وأؤكد مجدد ًا‪ُ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وأ ْل ِف ُت النظر إلى أنَّ المعادلة القرآنية تفترض أنّ‬
‫الحل يكمن‬
‫ّ‬
‫في اإليمان‪ ،‬ولم تقل‪ :‬إنّ‬
‫الرسمي الذي ال‬
‫الدين بمعناه‬
‫الحل في «الدين»‪ .‬فإنّ ّ‬
‫ّ‬
‫يتحصن في كهوف الطائفية والمذهبية‪ ،‬أو‬
‫يغادر الرسوم والطقوس‪ ،‬أو الذي‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫جامدة رسمها بعض السلف‪ ،‬إنّ الدين بهذا‬
‫مقوالت‬
‫يتحجر في نطاق‬
‫ا َّلذي‬
‫َّ‬
‫المعنى ال ينتج أمن ًا وال اطمئنان ًا‪ ،‬ألنّه بعيد ّ‬
‫كل البعد عن روح اإليمان‪ ،‬بل إنّه‬
‫اإلشكالية حول سؤال األمن‪.‬‬
‫ويعمق الفجوة ويفاقم‬
‫قد يزيد المشكلة تأزم ًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫‪47‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وما قلناه بشـأن الدين نقولـه بشـأن اإلسـالم‪ ،‬فإسـالم التلفـظ بالشهـادتين ال‬
‫يعطي اإلنسان سالم ًا روحي ًا‪ ،‬وهو أيض ًا ال يساوي اإليمان‪ ،‬فليس ّ‬
‫كل مسلم مؤمن ًا‬
‫ت َ‬
‫﴿ َقا َل ِ‬
‫اب َآ َم َّنا ُق ْل َل ْم ت ُْؤ ِم ُنوا َو َل ِك ْن ُقو ُلوا َأ ْس َل ْم َنا َو َل َّما َي ْد ُخ ِل ا ِ‬
‫يمانُ ِفي‬
‫األ ْع َر ُ‬
‫إل َ‬
‫ُق ُلوبِ ُك ْم﴾[الحجرات‪.]14:‬‬

‫مر التاريخ‪ ‬ـ‪ ‬لم يصنعه أولئك الذين‬
‫وفي ضوء ذلك‪ ،‬نالحظ أنَّ التغيير‪ ‬ـ‪ ‬على ّ‬
‫(أسلموا) أو الذين قالوا (إنّا نصارى) أو (هود ًا)‪ ،‬وإنّما صنعه المؤمنون‪ ،‬سواء من‬
‫اليهود أو النصارى أو المسلمين‪ ،‬أو غيرهم ممن يؤمنون بقضية معينة‪ .‬فاإليمان‬
‫والمغيرة للواقع نحو األفضل‪ ،‬والتي تصنع أحداث‬
‫المحركة لإلنسان‬
‫القوة‬
‫هو ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجدد ًا‪ :‬كيف امتلك المؤمنون هذه‬
‫التاريخ وتكتب فصوله‪ ،‬ولكن السؤال يعود َّ‬
‫سر اإليمان وكيمياؤه؟‬
‫القدرة؟ وما هو ّ‬

‫كيمياء اإليمان‬

‫والجواب‪ :‬إنّ اإليمان‪ ،‬بما أنّه يم ّثل ّ‬
‫خط التواصل بين الخالق والمخلوق‪،‬‬
‫الحق تعالى‪ ،‬فهو يجعل الله حاضر ًا في عقل اإلنسان‬
‫ويجسد حالة العروج إلى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مثمر‬
‫وكل خطواته‪ .‬واإليمان بهذا المعنى الرحب هو إيمان‬
‫وقلبه وروحه‬
‫ٌ‬
‫وفاعل‪ ،‬ومن الطبيعي أن يمنح اإلنسانية األمان واالطمئنان واالستقرار على‬
‫ش ّتى المستويات‪ .‬فعلى المستوى االجتماعي‪ ،‬لن يتس ّنى لإلنسان الخروج من‬
‫ّ‬
‫التفكك والتشرذم إال باإليمان‪ ،‬ألنّه «ال إيمان لمن ال أمانة له»(‪ ،)1‬و«ال‬
‫حال‬
‫جاره بوائقه»(‪ .)2‬وعلى الصعيد الخلقي‪ ،‬لن يتس ّنى له الخروج‬
‫إيمان لمن لم يأمن ُ‬
‫من حال التح ّلل والتر ّدي إال باإليمان‪ ،‬ألنّه «ال إيمان لمن ال حياء له»(‪ ،)3‬وهكذا‬
‫السادس هـ) عيون الحكم والمواعظ‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الواسطي‪ ،‬محمد بن محمود الليثي‪( ،‬القرن ّ‬
‫حسين الحسيني البيرجندي‪ ،‬دار الحديث‪ ،‬قم‪ ،‬ط‪1376 ،1‬هـ ش‪ ،‬ص ‪.77‬‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.666‬‬
‫((( م‪.‬ن‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.106‬‬
‫‪48‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫النفسي والداخلي ـ قلق‬
‫لن يخرج اإلنسان من حال الجفاف الروحي والقلق‬
‫ّ‬
‫﴿ألاَ بِ ِذ ْك ِر ِ‬
‫اإليمان قلبه َ‬
‫ُ‬
‫الله‬
‫المصير وقلق الموت وما بعد الموت ـ إال إذا َغ َمر‬
‫وب﴾ [الرعد‪َ ]28:‬‬
‫ت َْط َمئِ ُّن ُ‬
‫ين َآ َم ُنوا َأ ْن ت َْخ َش َع ُق ُلو ُب ُه ْم لِ ِذ ْك ِر‬
‫﴿أ َل ْم َي ْأ ِن لِ َّل ِذ َ‬
‫الق ُل ُ‬
‫ِ‬
‫الله﴾ [الحديد‪.]16:‬‬
‫ّ‬
‫ينفـك عنه‬
‫إنّ الـذي يصنـع التغييـر هـو اإليمـان الـذي ال يفارق العمل وال‬
‫الصالِ َح ِ‬
‫ات﴾[الرعد‪ ،]29:‬وهو إيمان الميدان وليس إيمان‬
‫﴿ا َّل ِذ َ‬
‫ين َآ َم ُنوا َو َع ِم ُلوا َّ‬
‫الصوامع والزوايا والخبايا‪ ،‬فالمؤمن ال يهرب من الواقع ومشكالته‪ ،‬وإنّما يدخل‬
‫يتلوث بوحولها‪ ،‬أو يسقط أمام زخارفها ومغرياتها‪.‬‬
‫في معترك الحياة دون أن ّ‬

‫العالقة بين اإليمان والعقل‬

‫واإليمان الذي يمتدحه القرآن ويمتدحه رسول الله‪ ،P‬هو اإليمان الواعي‬
‫العاقل‪ ،‬وليس اإليمان المقفل؛ إنّه اإليمان الذي ال يفارق العقل وال يفارقه‬
‫العقل‪ ،‬ففي الحديث عن رسول الله‪« :P‬إذا رأيتم الرجل كثير الصالة‪ ،‬كثير‬
‫الصيام‪ ،‬فال تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله»(‪.)1‬‬

‫ورب قائل يقول‪ :‬وما العالقة بين اإليمان والعقل؟! إنّ اإليمان هو أسهل‬
‫ّ‬
‫وأبسط من ّ‬
‫تتحدثون عنه‪ ،‬فقد ورد عن رسول الله‪:P‬‬
‫كل هذا التعقيد الذي‬
‫ّ‬
‫«عليكم بدين العجائز»‪ ،‬وهذه الكلمة الشهيرة غدت مستند ًا ّ‬
‫لكل المعارضين‬
‫العقلي في علم الكالم‪.‬‬
‫للمنحى‬
‫ّ‬
‫إال أنّه‪ ،‬وعلى الرغم من إقرارنا بأنّ علم الكالم بوضعيته التقليدية القائمة ال‬
‫يصنع إيمان ًا‪ ،‬وال يغمر قلب اإلنسان وعقله وحياته باألمن واالطمئنان‪ ،‬وكما قال‬
‫الشهيد الثاني‪« :‬إنّ تحصيل اإليمان ال يتو ّقف على تع ّلم علم الكالم وال المنطق‬
‫((( المصدر السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.26‬‬

‫‪49‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المدونة»(‪ ،)1‬لك ّننا في الوقت عينه‪ ،‬نرفض تسخيف القضايا‬
‫وال غيرها من العلوم‬
‫َّ‬
‫وأما الكالم المذكور‬
‫االعتقادية أو تسطيحها أو إفراغها من مضمونها العقلي‪ّ ،‬‬
‫المنسوب إلى رسول الله‪« :P‬عليكم بدين العجائز»‪ ،‬فإنّه ورغم شهرته على‬
‫األلسن‪ ،‬وإرساله إرسال المس َّلمات‪ ،‬فإنّا لم نعثر عليه في المصادر الحديثية لدى‬
‫الفريقين‪ ،‬وقد نسبه بعضهم إلى سفيان الثوري‪ ،‬كما سيأتي الحق ًا‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬إعادة الحيوية إلى الخطاب الكالمي‬

‫ّ‬
‫والمؤكد أنّ حركية االجتهاد الكالمي سوف تعيد الحيوية‬
‫المرجح بل‬
‫ومن‬
‫ّ‬
‫والفاعلية للخطاب الكالمي لينهض بدوره الرائد في تأصيل قواعد العقيدة‬
‫اإلسالمية وحماية الدين من ِّ‬
‫كل اإلشكاالت المتالحقة التي قد تزعزع إيمان‬
‫ّ‬
‫الشك والالستقرار على الصعيد‬
‫الكثيرين وت ُْد ِخ ُل البعض منهم في حالة من‬

‫الروحي والنفسي واالجتماعي‪..‬‬

‫وأعتقد أنّ أقرب الطرق إلى وجدان اإلنسان وعقله هو األسلوب الكالمي‬
‫الذي اعتمده القرآن الكريم‪ ،‬وليس أسلوب المتكلمين‪ ،‬فإنّ إعادة الحيوية‬
‫تتم بعيد ًا عن األسلوب القرآني‪.‬‬
‫والفاعلية إلى الخطاب الكالمي ال يمكن أن ّ‬
‫الكالمية‪،‬‬
‫االجتهادية‬
‫وأعتقد أنّه وفي سياق حديثنا اآلنف عن إطالق الحركة‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫وتفعيل دور علم الكالم في حياة اإلنسان‪ ،‬ال يسعنا أن نتجاهل أو نُغفل موضوع ًا‬
‫األهمية مرتبط ًا بطبيعة الخطاب الكالمي‪ ،‬خصائصه ومميزاته‪ ،‬نواقصه‬
‫بهذه‬
‫ّ‬
‫أي مدى ُيس ِهم في خدمة أهداف علم الكالم‪ ،‬أو يصلح لتقريب‬
‫وثغراته‪ ،‬وإلى ِّ‬
‫مفاهيمه وإقناع اإلنسان بها في وقتنا الراهن؟‬

‫((( الجبعي‪ ،‬الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني‪ ،‬رسائل الشهيد الثاني‪ ،‬تحقيق الشيخ رضا‬
‫المختاري‪ ،‬مركز النشر التابع لمكتب اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1422 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪.758‬‬
‫‪50‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ثم‬
‫وفيما يلي نعرض إلى خصائص الخطاب القرآني في ُبعده العقدي‪ ،‬ومن ّ‬
‫نعرض إلى الخطاب الكالمي بنظرة نقدية تقييمية‪ ،‬وبالمقارنة بين الخطابين‪،‬‬
‫سوف ندرك أنّ الخطاب القرآني هو أقرب إلى القلوب والعقول‪ ،‬وبعد ذلك نطل‬
‫على آفاق التطوير المطلوب في الخطاب الكالمي‪.‬‬

‫أ‪ ‬ـ‪  ‬خصائص الخطاب القرآني‬

‫وصيته‪« :‬لقد اختبرت الطرق الكالمية والمناهج‬
‫يقول الفخر الرازي في‬
‫ّ‬
‫ال‪ ،‬وال تشفي علي ً‬
‫الفلسفية‪ ،‬فلم أجدها تروي غلي ً‬
‫ال‪ ،‬ورأيت أقرب الطرق طريقة‬
‫القرآن»(‪ ،)1‬وإليك بعض مزايا الخطاب القرآني في مقاربة المفاهيم العقدية‪:‬‬

‫أو ًال‪ ‬ـ‪ ‬محاكاة الفطرة‬

‫ُ‬
‫وأولى مميزات الخطاب القرآني والعقدي تحديد ًا ـ وإن كانت بعض‬
‫الخصائص اآلتية يشترك فيها الخطاب التشريعي أيض ًا‪ ‬ـ‪ ‬محاكاته للوجدان‬
‫ومماهاته مع الفطرة‪ ،‬بعيد ًا عن الصناعة والتك ّلف‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ :‬فإنَّ قوله‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َِ‬
‫ات َو َ‬
‫او ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ض﴾ [إبراهيم‪،]10:‬‬
‫الس َم َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬قا َل ْت ُر ُس ُل ُه ْم أفي الله َش ٌّك َفاط ِر َّ‬
‫يتضمن‪ ‬ـ‪ ‬كما يرى بعض العلماء‪ ‬ـ‪ ‬برهان ًا على توحيد األلوهية والربوبية «سهل‬
‫ّ‬
‫التناول ح ّتى لألفهام البسيطة‪ ،‬يناله اإلنسان الذي يذعن بفطرته أنّ للعالم‬
‫المشهود حقيقة وواقعية‪ ،)2(»...‬كما أنّ قوله تعالى‪ُ ﴿ :‬ق ْل َأ َر َأ ْي َت ُك ْم إِ ْن َأت ُ‬
‫اب‬
‫َاك ْم َع َذ ُ‬
‫اع ُة َأ َغير ِ‬
‫الله ت َْد ُعونَ إِ ْن ُك ْن ُتم َص ِ‬
‫ِ َ َ‬
‫يتوجه‬
‫الس َ‬
‫اد ِق َ‬
‫ين﴾ [األنعام‪ّ ،]40:‬‬
‫َْ‬
‫ْ‬
‫الله أ ْو أ َت ْت ُك ُم َّ‬
‫إلى وجدان اإلنسان‪ ،‬و ُيسائل فطرته‪ ،‬ليوصله بنفسه إلى القناعة‪ ،‬ويستنتج أن ال‬
‫(( ( الرازي‪ ،‬محمد بن عمر بن الحسين‪ ،‬المعروف بالفخر الرازي (ت ‪606‬هـ)‪ ،‬المحصول في علم‬
‫األصول‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1412 ،2‬هـ‪1992 ،‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.68‬‬
‫((( الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬الميزان في تفسير القرآن‪ ،‬مؤسسة األعلمي للمطبوعات‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1972 ،2‬م‪ ،‬ج‪ ،12‬ص‪.27‬‬
‫‪51‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫مدبر له إال الله‪ .‬ويمكن القول‪ :‬إنّ استنطاق اإلنسان وسوقه بنفسه إلى‬
‫ّ‬
‫رب وال ّ‬
‫الحق وإلـى االعـتراف بالحقيقة تلقائي ًا‪ ،‬كما يبدو في اآلية اآلنفة‪ ،‬أو في قوله‬
‫ّ‬
‫تعالى‪َ ِ َ :‬‬
‫الحمدُ ِ‬
‫ات َو َ‬
‫او ِ‬
‫األ ْر َ‬
‫لله َب ْل‬
‫الس َم َ‬
‫ض َل َي ُقو ُل َّن الل ُه ُق ِل َ ْ‬
‫﴿و َلئ ْن َسأ ْل َت ُه ْم َم ْن َخ َلقَ َّ‬
‫أسلوب قرآني بديع‪ ،‬وعلى علماء الكالم‬
‫َأ ْك َث ُر ُه ْم لاَ َي ْع َل ُمونَ ﴾ [لقمان‪ ،]25:‬هو‬
‫ٌ‬
‫وغيرهم أن يأخذوا به في استدالالتهم‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ ‬ـ‪ ‬اإلقناع ال اإلفحام‬

‫والميزة األخرى للخطاب القرآني‪ ،‬أنّه خطاب عقالني يستثير دفائن العقول‪،‬‬
‫ويتحرى إقناع الخصم ال إسكاته‪ ،‬وإفهامه ال إفحامه‪ ،‬خالف ًا للسائد في الخطاب‬
‫ّ‬
‫يتم االعتماد كثير ًا على أساليب الجدل والمغالطات‪ّ ،‬أما القرآن‪،‬‬
‫الكالمي‪ ،‬حيث ّ‬

‫فبقوة المنطق‬
‫تم اإلفحام واإلسكات‪ّ ،‬‬
‫فإنّه يهدف إلى اإلقناع واإلفهام‪ ،‬وإذا ما ّ‬

‫بقوة الجدل والخصام‪ ،‬وهذا ما حصل في حوار إبراهيم‪ Q‬مع‬
‫والبرهان‪ ،‬ال ّ‬
‫ِ‬
‫المشْ ِر ِق َف ْأ ِ‬
‫النمرود ﴿ َق َ‬
‫الش ْم ِ‬
‫المغْ ِر ِ‬
‫ب‬
‫يم َفإِ َّن الل َه َي ْأتِي بِ َّ‬
‫ت بِ َها ِم َن َ‬
‫س ِم َن َ‬
‫ال إِ ْب َراه ُ‬
‫َف ُب ِه َت ا َّل ِذي َك َف َر َوالل ُه لاَ َي ْه ِدي ال َق ْو َم َّ‬
‫ين﴾[البقرة‪ ،]258:‬فإنّ الذي أفحم‬
‫الظالِ ِم َ‬

‫قوة المنطق في خطاب إبراهيم‪.Q‬‬
‫النمرود وأسكته‪ ،‬هو ّ‬

‫التعبد‬
‫ثالث ًا‪ ‬ـ‪ ‬التعليل ال ّ‬

‫المرجوة‪ ،‬فإنّ ذلك يتط ّلب اعتماد أساليب‬
‫وإذا كان إقناع اآلخرين هو الغاية‬
‫ّ‬
‫التعبد أو‬
‫البرهنة والتوجيه والتعليل‪ ،‬ويح ّتم االبتعاد عن طرح األمور وفق منطق ّ‬
‫سيما‬
‫التعبد في المجال التشريعي‪ ،‬وال ّ‬
‫التسليم واالنقياد األعمى‪ .‬ولئن أمكن قبول ّ‬
‫العقدي‪ ،‬باستثناء اإليمان ببعض‬
‫العبادي منه‪ ،‬فإنّه حتم ًا غير مقبول في المجال‬
‫ّ‬
‫المغيبات المرتبطة بعالم اآلخرة‪ ،‬وا َّلتي ال سبيل للعقل إليها‪ .‬ولذا نرى أنّ ديدن‬
‫ّ‬

‫قائم على طرح المفاهيم االعتقادية بطريقة مبرهنة إقناعية‪ ،‬يقبلها العقل‬
‫القرآن ٌ‬
‫‪52‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫والوجدان‪ .‬ففي مقام إثبات الوحدانية‪ ،‬ونفي الشريك عن الله‪ ،‬يطرح القرآن أكثر‬
‫من برهان عقلي إقناعي‪ ،‬كما في البرهان الوارد في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ما ا َّت َخ َذ الل ُه‬
‫ِم ْن َو َل ٍد َو َما َكانَ َم َع ُه ِم ْن إِ َل ٍه إِ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل إِ َل ٍه بِ َما َخ َلقَ َو َل َع اَل َب ْع ُض ُه ْم َع َلى َب ْع ٍ‬
‫ض‬
‫ُسب َحانَ ِ‬
‫الله َع َّما َي ِص ُفونَ ﴾ [المؤمنون‪ .]91:‬وإثبات ًا ليوم القيامة‪ ،‬نراه ّ‬
‫يؤكد ذلك‬
‫ْ‬
‫ٍ‬
‫مقنع ويسير‪ ،‬مفاده‪ :‬أنّ اإلعادة ليست بأصعب من اإليجاد األول‪ ،‬فالقادر‬
‫ببرهان ٍ‬
‫﴿و َض َر َب َل َنا َم َث اًل َو َن ِس َي َخ ْل َق ُه‬
‫على اإليجاد واإلبداع قادر على اإلحياء واإلعادة‪َ ،‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َق َ‬
‫يم * ُق ْل ُي ْحيِ َيها ا َّل ِذي َأن َْش َأ َها َأ َّو َل َم َّر ٍة َو ُه َو بِ ُك ِّل َخ ْل ٍق‬
‫ال َم ْن ُي ْحيِي الع َظا َم َوه َي َرم ٌ‬
‫ِ‬
‫﴿و ُه َو ا َّل ِذي َي ْبدَ ُأ َ‬
‫الخ ْلقَ ُث َّم ُي ِعيدُ ُه َو ُه َو‬
‫يم﴾ [يس‪ 78 :‬ـ‪ ،]79 ‬وقال سبحانه‪َ :‬‬
‫َعل ٌ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫حسي ٍة‪،‬‬
‫بأمثلة‬
‫[الروم‪ ،]27:‬ويستعين لتأكيد الفكرة وترسيخها‬
‫ّ‬
‫أ ْه َونُ َع َل ْيه‪ُّ ﴾...‬‬
‫ض َه ِ‬
‫﴿وتَرى َ‬
‫األ ْر َ‬
‫الم َاء ْاه َت َّز ْت َو َر َب ْت َو َأن َْب َت ْت ِم ْن‬
‫امدَ ًة َفإِ َذا َأن َْز ْل َنا َع َل ْي َها َ‬
‫فيقول‪َ َ :‬‬
‫الم ْوتَى َو َأ َّن ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء‬
‫ُك ِّل زَ ْوجٍ َب ِهيجٍ * َذلِ َك بِ َأ َّن الل َه ُه َو َ‬
‫الح ُّق َو َأ َّن ُه ُي ْحيِي َ‬
‫َق ِد ٌير﴾ [الحج‪ 5:‬ـ‪.]6 ‬‬
‫النبي‪ ،P‬يدعو‬
‫وفي مقام إثبات‬
‫ّ‬
‫صدقية القرآن‪ ،‬وأنّه من عند الله ال من عند ّ‬
‫القرآن إلى دراسة ماضي النبي‪ P‬وسيرته قبل البعثة‪ ،‬هذه السيرة التي لم تعرف‬
‫ٍ‬
‫مشابه للخطاب القرآني ﴿ َف َق ْد َلبِث ُْت ِف ُ‬
‫ٍ‬
‫يك ْم‬
‫بخطاب‬
‫كذب ًا وال قدر ًة على اإلتيان‬
‫ُع ُم ًرا ِم ْن َق ْب ِل ِه َأ َف اَل ت َْع ِق ُلونَ ﴾ [يونس‪ ،]16:‬إلى غير ذلك من األمثلة القرآنية التي‬
‫ومستمد ًة من نور العقل‪.‬‬
‫تهدف إلى اإلقناع‪ ،‬متس ّلح ًة بالبرهان‬
‫ّ‬

‫بالحق ورفض المساومة‬
‫رابع ًا‪ ‬ـ‪ ‬الصدع‬
‫ّ‬

‫والميزة الرابعة للخطاب القرآني‪ :‬أنّه خطاب ي ّتسم بالحسم والثبات‪ ،‬ويدعو‬
‫بالحق مهما كان ُم ّر ًا وثقي ً‬
‫الح ُّق ِم ْن َر ِّب ُك ْم َف َم ْن‬
‫إلى الصدع‬
‫ّ‬
‫﴿و ُق ِل َ‬
‫ال‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬‬
‫َش َاء َف ْل ُي ْؤ ِم ْن َو َم ْن َش َاء َف ْل َي ْك ُف ْر﴾ [الكهف‪ ،]29:‬ويرفض أسلوب المواربة أو‬
‫ين * َو ُّدوا َل ْو ت ُْد ِه ُن َف ُي ْد ِه ُنونَ ﴾ [القلم‪ 8:‬ـ‪ .]9 ‬وقد‬
‫الم َك ِّذبِ َ‬
‫المداهنة ﴿ َف اَل ت ُِط ِع ُ‬
‫‪53‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫مر سابق ًا‪ ‬ـ‪ ‬على تربية أصحابه على هذا المنهج‬
‫عمل اإلمام الصادق‪ Q‬ـ‪ ‬كما َّ‬
‫المقدمات أو‬
‫الذي يرفض الباطل ك ّله‪ ،‬سواء في المضمون أو األسلوب‪ ،‬في‬
‫ّ‬
‫يقيم حوار ًا أجراه بعض‬
‫النتائج‪ ،‬في الوسائل أو الغايات‪ ،‬فقال‪ Q‬وهو ّ‬
‫ٍ‬
‫الحق يغني عن كثير‬
‫الحق مع الباطل‪ ،‬وقليل‬
‫رجل شامي‪ ،‬إنّك «تمزج‬
‫تالمذته مع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الباطل»(‪.)1‬‬

‫ويرفض القرآن الكريم المساومة أو التنازل في القضايا االعتقادية‪ ،‬كما يبدو‬
‫ذلك جلي ًا في سورة (الكافرون) ﴿ ُق ْل َيا َأ ُّي َها ا ْل َك ِاف ُرونَ * لاَ َأ ْع ُبدُ َما ت َْع ُبدُ ونَ * َولاَ‬
‫َأ ْن ُت ْم َعابِدُ ونَ َما َأ ْع ُبدُ ‪[ ﴾...‬الكافرون‪ 1:‬ـ‪ ،]3 ‬إلى آخر هذه السورة الحاسمة في‬
‫رفض ّ‬
‫كل أشكال المساومة بشأن عبادة الله سبحانه‪ ،‬وقال تعالى حكاية عن لسان‬
‫إبراهيم‪َ ﴿ :Q‬ق َ‬
‫ال َأ َف َر َأ ْي ُت ْم َما ُك ْن ُت ْم ت َْع ُبدُ ونَ * َأ ْن ُت ْم َو َآ َباؤُ ُك ُم الأْ َ ْقدَ ُمونَ * َفإِن َُّه ْم‬
‫ين﴾ [الشعراء‪  75:‬ـ‪.]77 ‬‬
‫َعدُ ٌّو لِي إِلاَّ َر َّب ا ْل َعا َل ِم َ‬

‫وهكذا نجد الحسم ورفض التنازل أو المساومة بادي ًا في الخطاب النبوي‬
‫المرتبط بقضايا العقيدة‪ ،‬خالف ًا لخطابه المرتبط بالشؤون التشريعية أو السياسية‪،‬‬
‫السخية عليه‪ P‬ـ سواء في المال أو الجاه أو‬
‫فعندما َع َرضت قريش العروض‬
‫ّ‬
‫التعرض آللهتهم‪ ،‬قال‬
‫ال ّنساء ـ مقابل أن يترك الدعوة إلى اإلله الواحد‪ ،‬ويتج ّنب ّ‬
‫قولته الشهيرة ّ‬
‫عماه‪ ،‬والله لو وضعوا الشمس في يميني‪،‬‬
‫بكل جرأة وثبات‪« :‬يا ّ‬
‫والقمر في يساري‪ ،‬على أن أترك هذا األمر ح ّتى ُيظهره الله أو أهلك فيه‪ ،‬ما‬
‫تركته»(‪.)2‬‬

‫وينسحب أسلوب الحسم هذا على ّ‬
‫كل ال ّناس‪ ،‬وال يستثني أحد ًا‪ ،‬بما في ذلك‬
‫﴿و َل َق ْد ُأ ِ‬
‫ين ِم ْن َق ْب ِل َك َلئِ ْن َأشْ َر ْك َت َل َي ْح َب َط َّن‬
‫وح َي إِ َل ْي َك َوإِ َلى ا َّل ِذ َ‬
‫األنبياء والرسل َ‬
‫َع َم ُل َك َو َل َت ُكو َن َّن ِم َن ا ْل َخ ِ‬
‫ين﴾ [الزمر‪ ،]65:‬ويقول تعالى مخاطب ًا نبيه‪P‬‬
‫اس ِر َ‬
‫ّ‬
‫(( ( الكليني‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.173‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الطبري‪ ،‬محمد بن جرير (ت ‪310‬هـ)‪ ،‬تاريخ األمم والملوك‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.67‬‬
‫‪54‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫يل * لأَ َ َخ ْذ َنا ِم ْن ُه بِا ْل َي ِم ِ‬
‫ض الأْ َ َقا ِو ِ‬
‫﴿و َل ْو َت َق َّو َل َع َل ْي َنا َب ْع َ‬
‫ين * ُث َّم‬
‫وأحب الخلق إليه‪َ :‬‬
‫ّ‬
‫ين * َف َما ِم ْن ُك ْم ِم ْن َأ َح ٍد َع ْن ُه َح ِ‬
‫ين﴾ [الحاقة‪ 44:‬ـ‪.]47 ‬‬
‫اج ِز َ‬
‫َل َق َط ْع َنا ِم ْن ُه ا ْل َوتِ َ‬

‫والقوة‬
‫إال أنّ هذا األسلوب الرافض للمساومة والمداهنة‪ ،‬الم ّتسم بالحسم‬
‫ّ‬
‫في قضايا االعتقاد‪ ،‬ال يلغي وال ينافي المرونة المطلوبة‪ ،‬إن في الدعوة إلى‬
‫﴿وإِنَّا َأ ْو إِ َّي ُ‬
‫اك ْم َل َع َلى ُهدً ى َأ ْو ِفي َض اَل ٍل‬
‫يعبر عن ذلك قوله تعالى‪َ :‬‬
‫الحوار‪ ،‬كما ّ‬
‫ُمبِ ٍ‬
‫ين﴾ [سبأ‪ ،]24:‬حيث ترشد اآلية إلى قاعدة جليلة في الحوار‪ ،‬وهي قاعدة‬
‫افتراض أنّ‬
‫ضائع‪ ،‬وأنّ على المتحاورين بذل الجهد والسير مع ًا في رحلة‬
‫الحق‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫اكتشافه‪ ،‬أو في أسلوب الحوار‪ ،‬كما أرشد إلى ذلك قوله تعالى‪﴿ :‬ا ْد ُع إِ َلى َسبِ ِ‬
‫يل‬
‫َر ِّب َك بِا ْل ِح ْك َم ِة َوا ْل َمو ِع َظ ِة ا ْل َحس َن ِة َو َج ِ‬
‫اد ْل ُه ْم بِا َّلتِي ِه َي َأ ْح َس ُن﴾ [النحل‪.]125:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫الشدة مطلوبة في المضمون‪ ،‬أي إنّ‬
‫والقوة أو‬
‫مطلوبة في األسلوب‪،‬‬
‫فالمرونة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫القوة‪.‬‬
‫علينا أن نصدع‬
‫ّ‬
‫بقوة المنطق ال بمنطق ّ‬
‫بالحق ونرفض الباطل‪ ،‬لكن ّ‬

‫‪ ‬ـ‪ ‬السهل الممتنع‬
‫خامس ًا ّ‬

‫وغير ٍ‬
‫بعيد من خصوصية المرونة المشار إليها‪ ،‬فإنّ الخطاب القرآني ي ّتصف‬
‫ٍ‬
‫مفعم بالسالسة واليسر‬
‫عرف بالسهل الممتنع‪ ،‬فهو ٌ‬
‫بميزة أخرى تجعله مصداق ًا لما ُي َ‬
‫ين﴾‬
‫والبعد عن التعقيد والتك ّلف ﴿ ُق ْل َما َأ ْس َأ ُل ُك ْم َع َل ْي ِه ِم ْن َأ ْج ٍر َو َما َأ َنا ِم َن ا ْل ُم َت َك ِّل ِف َ‬
‫وقوة المضمون‪.‬‬
‫[ص‪ ،]86:‬دون أن يفقده ذلك ـ أي اليسر والسهولة ـ العمق ّ‬
‫س َك ِمث ِْل ِه َش ْي ٌء﴾ [الشورى‪ ،]11:‬مع‬
‫وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإنّ قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ل ْي َ‬
‫العامي من‬
‫عميق في المعنى‪ ،‬جامع مانع‪ ،‬يغترف منه‬
‫اختصاره في ال ّلفظ‪ ،‬فإنّه‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ال ّناس والمتخصص‪ٌّ ،‬‬
‫كل على قدر عقله وفهمه‪ .‬وهكذا الحال في البرهان الذي‬
‫يذكره القرآن بصدد إثبات وحدانية الله‪ ،‬وهو قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ل ْو َكانَ ِفي ِه َما َآلِ َه ٌة‬
‫إِلاَّ الل ُه َل َف َسدَ تَا﴾ [األنبياء‪ ،]22:‬فإنّه ي ّتسم بسالسة التعبير واختصاره‪ ،‬وعمق‬
‫المتنوعة التي يستفيد منها‬
‫يميز القرآن ويجعله كالمائدة‬
‫ّ‬
‫المضمون ود ّقته‪ ،‬وهذا ما ّ‬
‫‪55‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ّ‬
‫كل ال ّناس على اختالف أفهامهم ومستوياتهم‪ ،‬خالف ًا لما عليه الحال في خطاب‬
‫ٍ‬
‫خاص ٍة‪ ،‬وال يفهمه غالبية ال ّناس‪،‬‬
‫المتك ّلمين والفالسفة‪ ،‬فإنّه‬
‫ٌ‬
‫موج ٌه إلى فئة ّ‬
‫خطاب ّ‬
‫ومقدمات عقلية دقيقة‪.‬‬
‫خاص ٍة‬
‫ّ‬
‫العتماده على مصطلحات ّ‬

‫يقول الغزالي في اإلشارة إلى هذا الفارق بين خطاب القرآن وخطاب‬
‫المتك ّلمين‪ ‬ـ‪ ‬وإنْ بالغ في النيل والتوهين من خطاب المتك ّلمين ‪ ‬ـ‪« : ‬أد ّلة القرآن‬
‫مثل الغذاء‪ ،‬ينتفع به ّ‬
‫كل إنسان‪ ،‬وأد ّلة المتكلمين مثل الدواء‪ ،‬ينتفع به آحاد ال ّناس‬
‫ويستضر به األكثرون‪ ..‬بل أد ّلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي والرضيع‬
‫ّ‬
‫مرةً‪ ،‬ويمرضون‬
‫والرجل‬
‫ّ‬
‫القوي‪ ،‬وسائر األد ّلة كاألطعمة التي ينتفع بها األقوياء ّ‬
‫بها أخرى‪ ،‬وال ينتفع بها الصبيان أص ً‬
‫ال»(‪.)1‬‬

‫سادس ًا‪ ‬ـ‪ ‬الرأي والرأي اآلخر‬

‫ومن أهم مزايا الخطاب القرآني‪ :‬الموضوعية في الطرح‪ ،‬فهو يطرح الرأي‬
‫والرأي اآلخر‪ ،‬ولذا فإننا نجد حضور ًا مك ّثف ًا لحجج الفكر اآلخر واعتراضاته‬
‫عز من قائل‪:‬‬
‫وإشكاالتـه‪ ،‬سواء فيمـا يتعلـق بوجـود الله تعالى‪ ،‬كما في قوله َّ‬
‫الد ْه ُر َو َما َل ُهم بِ َذلِ َك‬
‫وت َو َن ْح َيا َو َما ُي ْه ِل ُك َنا إِلاَّ َّ‬
‫﴿و َقا ُلوا َما ِه َي إِلاَّ َح َيا ُت َنا ُّ‬
‫الدن َْيا َن ُم ُ‬
‫َ‬
‫﴿و َق َ‬
‫ال‬
‫ِم ْن ِع ْل ٍم إِ ْن ُه ْم إِلاَّ َي ُظ ُّنونَ ﴾ [الجاثية ‪ ،]24‬أو فيما يتع ّلق بالمعاد وقولهم‪َ :‬‬
‫ين َك َف ُروا َأئِ َذا ُك َّنا ت َُراب ًا َوآ َباؤُ َنا َأئِ َّنا َل ُم ْخ َر ُجونَ * َل َق ْد ُو ِع ْد َنا َه َذا َن ْح ُن َوآ َباؤُ َنا ِمن‬
‫ا َّل ِذ َ‬
‫انظروا َكي َف َكانَ َع ِ‬
‫َقب ُل إِ ْن َه َذا إِلاَّ َأ َس ِ‬
‫ين * ُق ْل ِس ُيروا ِفي الأْ َ ْر ِ‬
‫اق َب ُة‬
‫اط ُير الأْ َ َّولِ َ‬
‫ض َف ُ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫بنبوة سيدنا محمد‪ P‬وا ّتهامهم‬
‫ا ْل ُم ْج ِرم َ‬
‫ين﴾ [النمل ‪ 67‬ـ‪ ،]69  ‬أو فيما ي ّتصل ّ‬
‫اءهم ُّم ِ‬
‫نذ ٌر ِّم ْن ُه ْم َو َق َ‬
‫ال ا ْل َك ِاف ُرونَ‬
‫﴿و َع ِج ُبوا َأن َج ُ‬
‫له بأنّه ساحر كذاب‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬‬
‫اب * َأ َج َع َل الآْ لِ َه َة إِ َله ًا َو ِ‬
‫َه َذا َس ِ‬
‫اب﴾ [ص ‪ 4‬ـ‪]5  ‬‬
‫احد ًا إِ َّن َه َذا َل َش ْي ٌء ُع َج ٌ‬
‫اح ٌر َك َّذ ٌ‬
‫((( نقله عنه‪ :‬الصابوني‪ ،‬محمد علي‪ ،‬في كتابه‪ :‬النبوة واألنبياء‪ ،‬عالم الكتب‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ال‪.‬ط‪،‬‬
‫ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.36‬‬
‫‪56‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫أو ا ّتهامهم للنبي‪ P‬بأنّ له معلم ًا يع ّلمه آيات القرآن ﴿ولقد نعلم أنّهم يقولون‬
‫إنّما يع ّلمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ [النحل‬
‫‪ ،]103‬إلى غير ذلك من اعتراضات الخصم أو حججه وشبهاته التي خ ّلد القرآن‬
‫مقدم ًا لنا درس ًا في منهجية الحوار الصحيح‪ .‬وإنّ لعرض‬
‫ذكرها ونقلها لألجيال‪ّ ،‬‬
‫الرأي اآلخر وفهمه ثمر ًة مهمة وهي أنّه يكون أدعى لفهم الفكر الذي تعتقد أنّه‬
‫الحق بشكل أكثر وضوح ًا‪ ،‬وسوف يج ّنبك ذلك الوقوع في َش َرك الفكر اآلخر من‬
‫ّ‬
‫حيث ال تدري‪ ،‬وهذا ما أشار إليه الحديث المروي عن اإلمام جعفر بن محمد‬
‫«إن بني أمية أطلقوا للناس تعليم اإليمان ولم يطلقوا تعليم‬
‫الصادق ‪ Q‬قال‪ّ :‬‬
‫الشرك‪ ،‬لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه»(‪.)1‬‬

‫ب‪ ‬ـ‪ ‬تأ ّمالت في الخطاب الكالمي‬

‫إنّ إيماننا بإسهام علم الكالم إسهام ًا ملحوظ ًا في بعث الروح العقلية في‬
‫ٍ‬
‫اإلسالمي‪،‬‬
‫الفكري‬
‫عقلي في الفضاء‬
‫حراك‬
‫أوساط المسلمين‪ ،‬وفي إيجاد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وهو ما ساعد على ال َّتخفيف من وطأة االتجاهات الشكالنية الظاهرية التي‬
‫َجمدت على حرفية النصوص‪ ،‬ولم تحاول الولوج إلى أعماقها‪ ،‬كما هو الحال‬
‫الكالمي لم يسلم‬
‫والمشبهة‪ .‬إنّ ذلك ال ينفي أنّ الخطاب‬
‫المجسمة‬
‫في ِفرق َتي‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫من الوقوع في بعض ال ّنكسات وال ّثغرات التي أصابت منه مقت ً‬
‫ال‪ ،‬وأعاقته ليس‬
‫عن القيام بوظيفته التغييرية على الوجه المطلوب فحسب‪ ،‬وإنّما أخرجته أحيان ًا‬
‫كثير ًة عن ّ‬
‫خط تلك الوظيفة‪ ،‬فوقع في الخطأ الذي ُأريد له تصحيحه‪ .‬وفيما‬
‫ٍ‬
‫تمت اإلشارة إلى‬
‫يلي‪ ،‬نعرض إلى جملة من هذه الثغرات أو النكسات‪ ،‬والتي ّ‬
‫بعضها في سياق المطالب السابقة‪ ،‬ولك ّننا نعاود مقاربتها بطريقة مختلفة ومن‬
‫زاوية أخرى‪.‬‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ 3‬ص‪.415‬‬
‫‪57‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫أو ًال‪ ‬ـ‪ ‬النـزعة التجريدية‬

‫ّ‬
‫معين في العقل‬
‫ثمة نزعة تجريدية ال تخطئها العين‪،‬‬
‫تحكمت إلى ٍّ‬
‫ّ‬
‫حد ّ‬
‫َ‬
‫الفقهي‪ ‬ـ‪ ‬ونأ ْت‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وانعكست على الخطاب الكالمي ـ كما الخطاب‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫بعلم الكالم عن االشتغال بهموم الواقع‪ ،‬وأغرقته في طرح أسئلة افتراضية تقديرية‬
‫تح ّلق في آفاق التجريد دون أن يكون لها ثمر ٌة عملية‪ ،‬أو أنّها في أحسن األحوال‪،‬‬
‫أهمي ًة اعتقادي ًة‪ ،‬وال ترتبط بوظيفة اإلنسان ومسؤولياته‪ ،‬ما‬
‫تعالج قضايا ال تملك ّ‬
‫ستنزف ًا وهدر ًا للوقت‪ ،‬واألمثلة على‬
‫جعل الجهد البحثي في معالجتها جهد ًا ُم َ‬
‫قادر على أن يخلق إله ًا مثله أم ال؟ أو‬
‫ذلك كثيرة‪ ،‬من قبيل البحث في أنّ الله ٌ‬
‫النبي‪ !P‬إلى غير ذلك من المطالب‬
‫البحث القديم الجديد حول طهارة بول ّ‬
‫عديمة الجدوى أو قليلة الثمرة‪.‬‬
‫وأخال أنّ النـزعة التجريدية إنّما استحكمت في العقل اإلسالمي بشكل‬
‫وتحجر‪ ،‬كانت نتيجته‬
‫ملحوظ في عصر االنحطاط والتقهقر‪ ،‬وما واكبه من جمود‬
‫ّ‬
‫المباشرة انكفاء المتك ّلم أو الفقيه عن حركة الواقع ونبض الحياة‪ .‬وقد ساهمت‬
‫سلطة االستبداد في تعزيز هذه النـزعة‪ ،‬بهدف إلهاء ال ّناس في مشاغل ذهنية‬
‫وهمية‪ ،‬ما يصرفهم عن ال َّتفكير في تغيير الواقع المنحرف أو إصالحه‪.‬‬
‫ومعارك‬
‫ّ‬

‫يفسر لنا استهانة‬
‫وإنَّ انكفاء العقل اإلسالمي عن االنشغال بهموم الواقع‪ ،‬هو ما ّ‬
‫الطب‪ ‬ـ‪ ‬أو العلوم األدبية‪ ،‬فهذا‬
‫بعض الحكماء واستخفافهم بعلوم الحياة‪ ‬ـ‪ ‬كعلم‬
‫ّ‬
‫صدر المتأ ّلهين يعيب على ابن سينا اشتغاله بالطبيعيات‪ ،‬و ُيرجع ما يراه أخطا ًء‬
‫عند األخير في اإللهيات إلى صرف وقته في العلوم الطبيعية أكثر من صرفه في‬
‫الزالت والقصورات‪ ،‬إنّما‬
‫اإللهيات‪ .‬يقول صدر المتألهين‪« :‬فهذه وأمثالها من ّ‬
‫الهويات الوجودية‪ ،‬وصرف الوقت‬
‫نشأت من الذهول عن حقيقة الوجود وأحكام‬
‫ّ‬
‫في علو ٍم غير ضرورية‪ ،‬كال ّلغة ودقائق الحساب وفن أرثماطيقي وموسيقي‪،‬‬
‫الطب‪ ،‬وذكر األدوية المفردة والمعاجين‪ ،‬وأصول‬
‫وتفاصيل المعالجات في‬
‫ّ‬
‫‪58‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫الدرياقات والسموم والمراهم والمسهالت‪ ،‬ومعالجة القروح والجراحات‪،‬‬
‫لكل منها أه ً‬
‫وغير ذلك من العلوم الجزئية التي خلق الله ّ‬
‫ال‪ ،‬وليس للرجل اإللهي‬
‫أن يخوض في غمراتها»(‪.)1‬‬

‫ثاني ًا‪ ‬ـ‪ ‬نزعة المخاصمة والشقاق‬

‫ّ‬
‫المتحكمة بالعقل الكالمي‪ ،‬والتي أ ّثرت سلب ًا في إنتاجيته‬
‫والنـزعة األخرى‬
‫تحدثنا عنها سابق ًا‪ ،‬حيث‬
‫وفاعليته‬
‫المرجوة‪ ،‬هي نزعة الجدال والخصام التي َّ‬
‫ّ‬
‫ُي َ ُ‬
‫مبني على أساس خصامي يعمل جاهد ًا في‬
‫ال َحظ أنّ ال ّنسق العام لعلم الكالم ٌّ‬
‫سبيل إثبات الذات والخصوصية المذهبية‪ ،‬وإسقاط اآلخر ونفيه‪ ،‬ولو باعتماد‬
‫أساليب المغالطة والمماحكة‪ ،‬بغية إفحام الخصم ال إفهامه أو إقناعه‪ ،‬وهذا ما قد‬
‫المعبر عنه في بعض الروايات(‪.)2‬‬
‫السلبي من علم الكالم‬
‫يفسر الموقف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫امتدت‬
‫ولم يكن علم الكالم هو‬
‫الضحية الوحيدة للنـزعة المذكورة‪ ،‬بل إنّها ّ‬
‫َّ‬
‫منحى شقاقي ًا معيق ًا لحيويته وإنتاجيته‪ ،‬ولم‬
‫إلى علم الفقه أيض ًا‪ ،‬حيث نحى‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫العملية مع المذاهب األخرى وتراثها‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫نظر‬
‫يكتف الفقيه المذهبي بالقطيعة‬
‫ّ‬
‫لتسويغها وضرورتها‪ ،‬بحيث غدت مخالفة المذهب اآلخر أحد مصادر تشخيص‬
‫الفتوى المصيبة‪.‬‬

‫إنّ الصراعات المذهبية الحا ّدة لم تكن هي السبب الوحيد الكامن وراء شيوع‬
‫نزعة المخاصمة بل ربما كان للمنطق اليوناني األرسطي تأثيره على هذا الصعيد‬
‫أيض ًا‪ ،‬ألنه وبسبب صوريته المفرطة ساهم في تعزيز ذهنية المخاصمة ونزعة جدال‬
‫اآلخر بهدف إفحامه وإسكاته بسطوة المغالطة وليس بقوة الحجة والبرهان‪« ،‬ولهذا‬

‫(( ( الشيرازي‪ ،‬صدر الدين محمد‪ ،‬المعروف بصدر المتألهين‪( ،‬ت ‪1050‬هـ)‪ ،‬الحكمة المتعالية في‬
‫األسفار العقلية‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1981 ،2‬م‪ ،‬ج‪ ،9‬ص‪.199‬‬
‫((( الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن‪ ،‬وسائل الشيعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،16‬الباب ‪ 23‬من أبواب األمر‬
‫والنهي‪ ،‬ص‪.193‬‬
‫‪59‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وجدنا أصحاب المذاهب المتنازعة يتحاربون بسالح القياس المنطقي كما يتحاربون‬
‫بسالح السيف‪ .‬معنى هذا أنّ القياس المنطقي أصبح كالسيف يمكن أن يستخدمه كل‬
‫أي وقت يشاؤون‪ ،‬وقد يحدث أحيان ًا أن‬
‫فريق في وجه خصمه‪ .‬إنّه َط ْو ُع أيديهم في ّ‬
‫يغير المرء رأيه أو مذهبه لسبب من األسباب‪ ،‬وإذا به يستخدم القياس المنطقي لتأييد‬
‫ّ‬
‫رأيه الجديد ناسي ًا أنه كان يستعمله أيض ًا لتأييد رأيه القديم‪ ،‬وسبب ذلك ناتج عن‬
‫كون المقدِّ مات التي يستخدمها المناطقة في أقيستهم ميسورة المنال‪ ،‬ومن الممكن‬
‫الحصول عليها من مختلف األنواع ولتأييد أي رأي مهما كان»(‪.)1‬‬

‫ثالث ًا‪ ‬ـ‪ ‬الخطاب التخويفي والتهويلي‬

‫خطاب تخويفي‬
‫والسلبية الثالثة الملحوظة في الخطاب الكالمي‪ ،‬هي أنّه‬
‫ٌ‬
‫سواء فيما يتصل بصفات الله سبحانه‪ ،‬أو فيما ي ّتصل‬
‫تهويلي‪ ،‬يطرح المفاهيم الدينية‪ٌ ،‬‬
‫وربما‬
‫بمجريات يوم القيامة وأحداثه بطريقة من ّفرة تثير الخوف والرعب في النفوس‪ّ ،‬‬
‫الدين‪ ،‬بسبب إغراقها في الحديث عن‬
‫تبعث على اليأس والقنوط‪ ،‬أو االبتعاد عن ّ‬
‫صفات النقمة وصور العذاب وفنونه‪ ،‬وتغييبها لصفات الرحمة اإللهية وصور العفو‬
‫ليخيل إليك‪ ،‬أنّ الله سبحانه إنّما خلق الخلق ّ‬
‫ليعذبهم ويوردهم نار‬
‫والغفران‪ ،‬ح ّتى ّ‬
‫الجحيم المستعرة‪ ،‬وهذا ما يتنافى مع الخطاب القرآني‪ ،‬فإنّه‪ ،‬ومع توازنه في الطرح‬
‫يتبدى ذلك في حديثه عن رحمة الله وج ّنته‪ ،‬إلى جانب حديثه عن نقمته ونيرانه‪،‬‬
‫كما َّ‬
‫المحصلة خطاب ًا تبشيري ًا‪ ،‬يجتذب النفوس‪ ،‬ويحاكي القلوب‪ ،‬ولذا نرى أنّ‬
‫يبقى في‬
‫ّ‬
‫حديث الرحمة يسبق حديث العذاب‪ ،‬وأنّ صور المغفرة تسبق صور النقمة‪ ،‬وقد‬
‫تناولنا هذا الموضوع في بعض المؤلفات(‪.)2‬‬

‫(( ( منطق ابن خلدون‪ ،‬الدكتور علي الوردي‪ ،‬دار كوفان للنشر‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪ ،1994‬ص‪.33‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬العقل التكفيري‪ ،‬قراءة في المنهج اإلقصائي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪ 349‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫ ‬

‫ج‪ ‬ـ‪  ‬التطوير في الخطاب الكالمي‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫إنّ السلبيات المشار إليها‪ ،‬وسواها من السلبيات‪ ،‬قد وسمت الخطاب الكالمي‬
‫بسمة الجمود‬
‫والتحجر(‪ ،)1‬األمر الذي يفرض إعادة النظر في هذا الخطاب‪ ،‬في‬
‫ّ‬
‫محاولة لتجديده وتطويره وإعادة الحيوية إليه‪ ،‬وأعتقد أنّ التجديد المطلوب‬
‫والمرجو في الخطاب الكالمي‪ ،‬بما يخرجه من نفق الجمود‪ ،‬يفرض‪:‬‬
‫ّ‬

‫الكالمي هو‬
‫أو ًال‪ :‬تطوير ًا في اللغة الكالمية‪ ،‬على اعتبار أنّه إذا كان هدف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التعبد‪،‬‬
‫اإلقناع وليس اإلسكات‪ ،‬وإذا كان علم الكالم هو علم التعقّل وليس علم ّ‬
‫مستمر ًا في اللغة البيانية الكالمية‪ ،‬بما يتالءم‬
‫فهذا يستدعي تجديد ًا وتطوير ًا‬
‫ّ‬
‫وتبدل األزمان‪ ،‬واختالف األفهام‪ .‬وهذا ما يدعونا إلى التساؤل‬
‫وتطور الحياة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫الجد ّي عن مدى جدوائية اللغة الكالمية التي ال تزال معتمد ًة وسائدةً‪ ‬ـ‪ ‬أقصد لغة‬
‫ّ‬
‫المنطق األرسطي‪ ‬ـ‪ ‬مع أنّها لغة قد ابتعدت ّ‬
‫كل البعد عن روح العصر وثقافة أبنائه‪.‬‬
‫يقول الشيخ محمد جواد مغنية اعتراض ًا على لغة المنطق األرسطي السائدة في‬
‫الكتب الكالمية‪ ،‬مخاطب ًا أصحاب تلك الكتب‪ ،‬أمثال المال صدرا‪ ،‬والقوشجي‪،‬‬
‫والتفتازاني وغيرهم‪ ...« :‬أين أنتم وأين علمكم هذا من تيار الزمن والفكر‬
‫الحديث الذي جرف األقيسة األرسطية وعلم الكالم‪ ،‬وحصر مصدر العلم‬
‫الحواس‪ ،‬وما عدا ذلك‪ ،‬فال سبيل إلى معرفته؟ فلقد‬
‫والمعرفة بالتجربة وشهادة‬
‫ّ‬
‫كان في سالف األزمان لألقيسة التقليدية شأنها‪ ،‬ولعلم الكالم وزنه ومكانته‪ ،‬يوم‬
‫كانت الكلمة بذاتها علم ًا وثقاف ًة‪ ،‬بل نبوغ ًا وعبقرية‪ّ ،‬أما اليوم‪ ،‬فالعلم والثقافة‬
‫موجهة‪ ،‬وسفن فضاء‪ ،‬وأنابيب ومعامل ومصانع‪ ،‬هذا ما تعتقده األكثرية‬
‫صواريخ ّ‬

‫ونبه إلى خطورة الجمود وجنايته على اإلسالم والمسلمين‪ ،‬جنايته‬
‫((( وقد تنبه الشيخ محمد عبده ّ‬
‫على اإلسالم في شريعته وعقيدته‪ ،‬وعلى المسلمين في انتظامهم ووحدتهم ومنعتهم ورقيهم‬
‫وتطورهم (أنظر‪ :‬عبده‪ ،‬اإلمام محمد‪ ،‬اإلسالم بين العلم والمدنية‪ ،‬طبعة خاصة مرفقة مع جريدة‬
‫السفير اللبنانية‪ ،‬دار المدى للثقافة والنشر‪2002 ،‬م‪ ،‬ص ‪ 106‬ـ ‪.117‬‬
‫‪61‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الدين وعلمائه أن‬
‫الغالبة من الشباب وغير الشباب في هذا العصر‪ ،‬وعلى سدنة ّ‬
‫ويلموا باالتجاهات الحديثة والفلسفة الشائعة‪ ،‬وأن يطرحوا‬
‫يعرفوا هذه الحقيقة‪ّ ،‬‬
‫الدعوة والدعاية إلى اإلسالم على هدي هذه االتجاهات والتيارات‪،‬‬
‫أسلوبهم في ّ‬
‫ح ّتى يتفاهموا مع شباب الجيل بمنطقهم ولغتهم»(‪.)1‬‬

‫إنّ الالزم أيض ًا‪ ،‬تطوير األد ّلة والبراهين الكالمية‪ ،‬ليس في الشكل واللغة‬
‫وربما‬
‫فحسب‪ ،‬بل في المحتوى والمضمون أيض ًا‪ ،‬فعوض ًا عن األمثلة القديمة‪ّ ،‬‬
‫البالية التي ت َ‬
‫ُذكر في سياق إثبات بعض المفاهيم االعتقادية‪ ،‬يجدر بنا اعتماد‬
‫علمية معاصرة ومفهومة لدى أبناء العصر‪ ،‬تمام ًا كما فعل الشهيد‬
‫أساليب وأمثلة‬
‫ّ‬
‫المبدع السيد محمد باقر الصدر في كتابه (المرسل والرسول والرسالة)‪ ،‬عندما‬
‫حية ومعاصرة إلثبات وجود الله سبحانه أو‬
‫اعتمد على أساليب وأمثلة‬
‫علمية ّ‬
‫ّ‬
‫وحدانيته‪ ،‬استناد ًا إلى مبدأ حساب االحتماالت‪.‬‬

‫ّ‬
‫ولعل أفضل‬
‫ثاني ًا‪ :‬اعتماد أساليب جديدة في نشر العقيدة والدعوة إليها‪،‬‬
‫األساليب وأنجعها وأكثرها قبو ً‬
‫ال وتأثير ًا في عصرنا الراهن‪ ،‬أساليب األدب‬
‫والفن المعاصر ّ‬
‫بكل أشكاله وأدواته‪ ،‬سواء الفن التمثيلي أو القصصي أو ما إلى‬
‫ّ‬
‫«الفن كان على الدوام أفضل أساليب تبيين العقائد‪ .‬وعليه‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬وذلك ألنّ ‪:‬‬
‫ّ‬
‫يجب تجهيز الفنان واألديب باألولويات التي يحتاجها المخاطبون اليوم»(‪.)2‬‬

‫فض االشتباك بين العقدي والسياسي‬
‫‪ 3‬ـ‪ّ  ‬‬

‫ربما كان أحد مبررات وضرورات إطالق حركة االجتهاد الكالمي‪ ،‬هي‬
‫مساهمة هذه الحركة في ّ‬
‫فك االشتباك بين العقيدي والسياسي‪ .‬هذا التشابك‬
‫(( ( مغنية‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪ ،‬فلسفات إسالمية‪ ،‬دار ومكتبة الهالل‪ ،‬بيروت لبنان‪ ،‬ط‪1993 ،6‬هـ‪،‬‬
‫ص‪.830‬‬
‫التصور اإلسالمي‪ ،‬مقتطفات من كالمه‪ ،‬المستشارية‬
‫والفن في‬
‫((( الخامنئي‪ ،‬السيد علي‪ ،‬األدب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الثقافية في سفارة الجمهورية اإلسالمية اإليرانية‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.48‬‬
‫‪62‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫الذي ترك تأثيره وبصماته على علم الكالم‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬لم يتم درسه بشكل ٍ‬
‫واف‬
‫ـ في حدود ّ‬
‫اطالعنا ـ بما يكشف ويفضح دور السياسة في صياغة الكثير من‬
‫المقوالت الكالمية(‪.)1‬‬

‫نماذج التشابك‬

‫ونالحظ أنّ مسألة الخالفة أو اإلمامة‪ ،‬لم تكن هي المسألة الوحيدة التي‬
‫اشتبك فيها السياسي والكالمي‪ ،‬وتداخل فيها الديني بالدنيوي‪ ،‬ولعبت األهواء‬
‫السياسية المختلفة في صياغة نظرياتها الكالمية أو الفقهية‪ ،‬بل إنّ تأثير السياسة‬
‫ودورها ٍ‬
‫باد في الكثير من المفاهيم االعتقادية‪ ،‬من قبيل‪« :‬عقيدة الجبر»‪« ،‬إطاعة‬
‫السلطان الجائر»‪« ،‬عدالة الصحابة»‪« ،‬فكرة اإلرجاء»‪« ،‬مفهوم االعتزال»‪ ،‬إلى‬
‫غير ذلك‪...‬‬

‫وطبيعي أنّه ال يمكن التنكر للعالقة الوطيدة بين السياسي والديني‪ ،‬وال سيما‬
‫عندما نضع في الحسبان دين ًا كاإلسالم‪ ،‬الذي ِّ‬
‫يؤكد عدم الفصل بين الدين وشؤون‬
‫ال أنّ األمر المستغرب‪ ،‬هو انقالب المعادلة التي أرساها رسول الله‪P‬‬
‫الحياة‪ .‬إ ّ‬
‫ّ‬
‫الموجه للسياسة‪ ،‬والراسم‬
‫في عالقة الدين بالسياسة‪ ،‬فبدل أن يلعب الدين دور‬
‫ِّ‬
‫ٍ‬
‫طيعة في خدمة السياسة ومصالحها‬
‫لخطوطها العريضة‪ ،‬إذا به‬
‫َّ‬
‫يتحول إلى أداة ّ‬
‫الضيقة ومطامعها الخاصة‪.‬‬

‫السلطة ومواجهة الدين بالدين‬

‫المستجد‪،‬‬
‫السلطوي على الدين واستغالل مفاهيمه‪ ،‬ليس باألمر‬
‫إنّ ا ّتكاء العقل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وإنّما هو أمر عرفته البشرية منذ القديم‪ ،‬حين أدرك العقل السلطوي أهمية الدين‬
‫((( أنظر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬عاشوراء‪ ..‬قراءة في المفاهيم وأساليب اإلحياء‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬فقد تناولنا‬
‫في هذا الكتاب بعض المقوالت والمفاهيم التي كان للسلطة دور في صياغتها‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وموقعه في النفوس‪ ،‬وأدرك ـ تالي ًا ـ أنّ المعركة المباشرة والمعلنة مع الدين‬
‫فاشلة أو غير مضمونة النتائج‪ ،‬لذا التجأ إلى أسلوب المراوغة والدهاء‪ ،‬فعمل‬
‫على استمالة علماء الدين‪ ،‬وسعى لتجنيدهم وتوظيفهم في بالطه‪ ،‬في محاولة‬
‫الستيعاب الجماهير المتدينة‪ ،‬وإضفاء «المشروعية» على ملكه وسلطانه‪.‬‬

‫وهذا تاريخ األنبياء‪ R‬ماثل أمامنا‪ ،‬فقد كانت محاوالت اإلغراء‬
‫واالستيعاب تسبق قرار المواجهة والصدام‪ ،‬بين مشروع النبي الهادف إلى تحرير‬
‫المستبدة التي كانت على الدوام‬
‫اإلنسان من عبودية غير الله‪ ،‬ومشروع السلطة‬
‫ّ‬
‫حد تعبير نبي الله موسى‪Q‬‬
‫تعمل على تسخير الناس واستعبادهم‪ ،‬على ّ‬
‫﴿وتِ ْل َك نِ ْع َم ٌة ت َُم ُّن َها َع َل َّي َأ ْن َع َّب ْد َت َبنِي إِ ْس َرائِ َ‬
‫يل﴾ [الشعراء‪.]22:‬‬
‫مخاطب ًا فرعون‪َ :‬‬
‫ألم يحاول المشركون‪ ‬ـ‪ ‬وكما قلنا سابق ًا‪ ‬ـ‪ ‬إغراء رسول الله‪ P‬بكافة المغريات‪،‬‬
‫عمه أبو‬
‫بعد عجزهم عن ثنيه عن المضي واالستمرار في الدعوة؟ وقد حمل إليه ُّ‬
‫طالب ما عرضوه عليه من مغريات سخية‪ ،‬كتزويجه أفضل نسائهم‪ ،‬ومنحه المال‬
‫والملك الكبير‪ ،‬مقابل التخ ّلي عن الدعوة إلى الله الواحد األحد‪ ،‬وكان‬
‫الوفير ُ‬
‫جوابه الخالد‪« :‬يا عماه‪ ،‬لو وضعوا الشمس في يميني‪ ،‬والقمر في يساري‪ ،‬على‬
‫أن أترك هذا األمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه‪ ،‬ما تركته»(‪!)1‬‬
‫ولئن فشلت السلطة في سعيها الستيعاب الرسل واألنبياء‪ ،‬لحصانتهم الذاتية‬
‫ومناعتهم الروحية‪ ،‬وألطاف الله ورعايته المالزمة لهم‪ ،‬فإنّها لم تفشل في استيعاب‬
‫الكثير من تجار الدين‪ ،‬ممن عرفوا بـ «وعاظ السالطين»‪ ،‬بل إنّها نجحت في توظيفهم‬
‫في بالطها‪ ،‬ليقوموا بتلميع صورة الحاكم وإضفاء «الشرعية» على حكمه‪.‬‬

‫َّ‬
‫ولعل ما هو أخطر من محاولة االستيعاب هذه‪ ،‬هو ما قصدته السلطة وعملت‬
‫له بدهاء ومكر‪ ،‬من محاولة تزوير المفاهيم الدينية أو تحريفها‪ ،‬أو تفسيرها بما‬

‫((( أنظر‪ :‬الطبري‪ ،‬محمد بن جرير‪ ،‬تاريخ األمم والملوك‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.67‬‬
‫‪64‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫السلطوي‪ ،‬أنّ مواجهة الدين بالكفر واإللحاد‬
‫يخدم أهدافها‪ .‬فقد أدرك العقل‬
‫ّ‬
‫السلطان‪،‬‬
‫هي معركة خاسرة‪ ،‬كما أنّ توظيف بعض «رجال الدين» في بالط ّ‬
‫للحد من فاعلية الدين وتأثيره في النفوس‪ ،‬فكان األسلوب األجدى‬
‫ال يكفي‬
‫ّ‬
‫الذي اهتدى إليه العقل المذكور‪ ،‬هو العمل على تفريغ الدين من مضامينه‪،‬‬

‫بتأويل نصوصه‪ ،‬والتالعب بمفاهيمه واستغاللها‪ ،‬بما يمكن أن نطلق عليه‬

‫معركة مواجهة الدين بالدين‪ ،‬أو معركة التأويل‪ ،‬التي يصعب فيها تمييز الحق من‬
‫الباطل‪ ،‬خالف ًا لمعركة التنـزيل التي ُي ْس ِفر فيها الباطل عن وجهه‪ ،‬ويبرز لمواجهة‬

‫الحق‪.‬‬
‫ّ‬

‫في األهداف‬

‫إنّ ما ترمي إليه سلطة االستبداد من جهودها ومحاوالتها الرامية إلى تطويع‬

‫الدين وتأويل نصوصه واستيعاب رجاالته‪ ،‬هو تحقيق عدة أهداف وغايات‪:‬‬

‫ترويض األ ّمة‬

‫المستبد‪ ،‬أن ينجح في تطويع األمة وترويضها‪ ،‬لتكون‬
‫إنّ أغلى أماني الحاكم‬
‫ّ‬

‫رهن إرادته‪ ،‬منقاد ًة لمشيئته‪ .‬وقد كان إعالم السلطة وكهنوتها الديني‪ُ ،‬ي َس ِّوقان‬
‫ويساعدان على حالة الترويض هذه‪ ،‬من خالل تصوير الحاكم على أنه ِظ ُّل الله‬

‫على األرض‪ ،‬يرضى الله لرضاه‪ ،‬ويغضب لغضبه‪ .‬وربما اس ُتعيض عن هذا‬
‫المفهوم في العصر اإلسالمي بمفهوم «إطاعة السلطان ح َّتى لو كان جائر ًا»‪ ،‬وقد‬

‫تم تحشيد الكثير من العناصر والمؤيدات لتأكيد مفهوم الطاعة المطلقة للسلطان‪،‬‬
‫ّ‬

‫شق عصا‬
‫وعدم جواز الرد عليه‪ ،‬من قبيل توظيف مقولة «اإلجماع»‪ ،‬و«عدم جواز ّ‬
‫األمة»‪ ،‬مما يأتي الحديث عنه في البحث الثاني تحت عنوان «مقولة اإلجماع‬
‫ّ‬

‫والتوظيف السياسي»‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫التخدير والتبرير‬

‫ّ‬
‫لعل أكثر ما يقلق ويخيف سلطة االستبداد في اإلنسان‪ ،‬هما عنصرا الوعي‬
‫واإلرادة‪ ،‬ألنهما ّ‬
‫يشكالن عامل القوة‪ ،‬والمدخل ّ‬
‫وتحرر‪،‬‬
‫لكل تغيير وإصالح‬
‫ّ‬
‫ولذا عملت أنظمة االستبداد‪ ‬ـ‪ ‬على الدوام‪ ‬ـ‪ ‬على تجهيل اإلنسان من جهة‪ ،‬وعلى‬
‫سحق إرادته من جهة أخرى‪.‬‬

‫يتم سحق اإلرادة وإضعافها؟‬
‫أ َّما كيف ُّ‬

‫الضمائر‪ ،‬أو الترهيب‬
‫فإلى جانب الوسائل التقليدية من ال ّترغيب وشراء ّ‬
‫بقطع األعناق واألرزاق‪ ،‬هناك أسلوب التخدير‪ ،‬استناد ًا إلى جملة من المفاهيم‬
‫الدينية التي ال نبالغ إن أسميناها بـ «المخدِّ رات الدينية»‪ ،‬والتي يفوق تأثيرها تأثير‬
‫المخدرات المعروفة‪ ،‬والنموذج األبرز لذلك هو‪« :‬عقيدة الجبر»‪ ،‬التي تعني‬
‫ّ‬
‫سلب إرادة اإلنسان‪ ،‬وتنفي مسؤوليته عن ّ‬
‫كل ما اقترفته يداه من ذنوب أو جرائم‪.‬‬
‫روج لهذه‬
‫السلطة‬
‫َّ‬
‫األموية هي من ّ‬
‫وتشير الدالئل والشواهد التاريخية‪ ،‬إلى أن ّ‬
‫العقيدة في أوساط المسلمين‪ ،‬إلى درجة أن المؤلفين فيما يعرف بـ «األوائل»‪،‬‬
‫(‪)1‬‬
‫نصب‬
‫ذكروا «أنّ معاوية أول من زعم أنّ الله يريد أفعال العباد ك ّلها» ‪ ،‬ولما ّ‬
‫ابنه يزيد خليف ًة على المسلمين‪ ،‬واعترض عبد الله بن عمر‪ ‬ـ‪ ‬فيمن اعترض‪ ‬ـ‪ ‬على‬
‫تنصيبه إياه‪ ،‬أجابه قائ ً‬
‫ال‪ ..« :‬وإنَّ َأ ْم َر يزيد قد كان قضا ًء من القضاء‪ ،‬وليس للعباد‬
‫خيرة من أمرهم»(‪.)2‬‬
‫وقد كان أبو علي الجبائي صريح ًا في ا ّتهام معاوية بـ «فبركة» مفهوم الجبر‪،‬‬

‫(( ( العسكري‪ ،‬حسن بن علي (أبو هالل) (ت ‪ ،)395‬األوائل‪ ،‬دمشق‪ ،‬سوريا‪ ،‬ط‪1975 ،1‬م‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪.125‬‬
‫((( الدينوري‪ ،‬ابن قتيبة (ت ‪ ،)276‬اإلمامة والسياسة‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي شيري‪ ،‬انتشارات الشريف‬
‫الرضي‪ ،‬قم‪ ،‬ط‪1413 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.171‬‬
‫‪66‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫حيث قال على ما حكاه عنه القاضي عبد الجبار‪« :‬ثم حدث رأي المجبرة من‬
‫معاوية لما استولى على األمر‪ ،‬ورآهم ال يأتمرون بأمره فجعل ال يمكنه حجة‬
‫عليهم‪ ..‬فقال‪« :‬لو لم يرني ربي أه ً‬
‫ال لهذا األمر ما تركني وإياه‪ ،‬ولو كره الله‬
‫لغيره»(‪.)1‬‬
‫تعالى ما نحن فيه ّ‬
‫أمية» الصريحة في‬
‫وينقل القاضي عبد الجبار بعض ًا من كلمات «ملوك بني ّ‬
‫تب ّني نظرية الجبر‪ ،‬ثم يع ّلق قائ ً‬
‫أمية‬
‫ال‪« :‬فهذ األمر الذي هو الجبر نشأ في بني ّ‬
‫وملوكهم وظهر في أهل الشام‪ ،‬ثم بقي في العامة وعظمت الفتنة به»(‪.)2‬‬
‫ومن األكيد أنَّ السلطة تهدف من وراء نشر هذه العقيدة (عقيدة الجبر) إلى‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬تبرير كافة أفعالها وتصرفاتها التي تتجاوز فيها الحدود الشرعية‪ ،‬سواء‬
‫على المستوى الشخصي أو االجتماعي أو السياسي‪ ،‬كما ّبرر معاوية ن َْص َب يزيد‬
‫وتعيينه خليف ًة للمسلمين‪.‬‬

‫ّ‬
‫وشل إرادتها‪ ،‬باإليحاء إلى ال ّناس أنَّ عليهم االستكانة‬
‫وثاني ًا‪ :‬تخدير األمة‬
‫للواقع ّ‬
‫وقدره‪ ،‬ما يعني‬
‫بكل سلبياته ومفاسده‪ ،‬ألنّه ال يمكن تغيير ما قضاه الله ّ‬
‫من الناحية العملية الخضوع التام إلرادة السلطان‪.‬‬

‫ومن األمثلة على «العقائد الدينية» ذات الطابع التبريري‪« ،‬عقيدة اإلرجاء»(‪،)3‬‬
‫التي تقوم على فكرة مفادها‪ ،‬أنّه ال قيمة للعمل‪ ،‬وال أصالة له في اإليمان‪ ،‬وإنّما‬
‫المقوم لإليمان وعليه مداره‪ .‬وعن دور السلطة‬
‫األصالة لالعتقاد القلبي‪ ،‬فهو‬
‫ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬الهمداني‪ ،‬عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار‪ ،‬المعروف بالقاضي عبد الجبار (ت‬
‫‪415‬هـ)‪ ،‬فضل االعتزال وطبقات المعتزلة‪ ،‬تحقيق‪ :‬فؤاد سيد‪ ،‬الدار التونسية للنشر‪ ،‬تونس‪ ،‬ال‪.‬‬
‫ط‪1393 ،‬ه‪ ،‬ص‪.143‬‬
‫((( فضل االعتزال‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.144‬‬
‫((( للتوسع حول هذا المفهوم انظر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬عاشوراء‪ ،‬قراءة في المفاهيم وأساليب اإلحياء‪،‬‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.58‬‬
‫‪67‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫يتحدث النضر بن شميل‪ ،‬أنّ المأمون العباسي‬
‫في تعميم هذا المفهوم وترويجه‪،‬‬
‫ّ‬

‫سأله عن اإلرجاء ما هو؟ فأجابه النضر‪« :‬دين يوافق الملوك‪ ،‬يصيبون به من‬

‫دنياهم»(‪.)1‬‬

‫التحييد واإللهاء‬

‫المتقدمة‪ ،‬أعني الترويض‪ ،‬التبرير والتخدير‪،‬‬
‫إضافة إلى األهداف الثالثة‬
‫ّ‬
‫فإنّ ثمة هدفين آخرين ترمي إليهما أنظمة االستبداد في سعيها لتزوير الدين في‬

‫مفاهيمه‪ ،‬وهما‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬العمل على تحييد األمة عن ساحة الصراع والمواجهة التي يكون السلطان‬
‫ّ‬
‫طرف ًا فيها‪ ،‬عن طريق نشر «مفاهيم دينية» ملتبسة من قبيل مفهوم االعتزال الذي‬

‫يتذرع به بعض الناس لتبرير تقاعسه عن نصرة الحق وأهله‪ ،‬مع إعطائه مستند ًا‬
‫ّ‬
‫شرعي ًا‪ ،‬أو من قبيل مفهوم «الحياد في أجواء الفتن»‪ ،‬وهو مفهوم صحيح‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّه‬
‫كسابقه‪ ،‬ال ّ‬
‫محل له وال موضوع عندما يكون الصراع بين الحق والباطل‪ ،‬فإنه ال‬
‫بد من الوقوف إلى جانب الحق وأهله‪.‬‬
‫اعتزال وال حياد في هذه الحالة‪ ،‬بل ال ّ‬

‫وهذا الهدف يمكن إدخاله في بعض األهداف المذكورة أعاله‪.‬‬

‫ٍ‬
‫محاولة إللهاء‬
‫ثاني ًا‪ :‬تغذية الصراعات الكالمية ذات الطابع الجدلي‪ ،‬في‬

‫رجح أنّ الكثير من الخالفات الكالمية‬
‫األمة وإشغالها بهذه النـزاعات‪ ،‬و ُي َّ‬
‫الجدلية‪ ،‬من قبيل الخالف في قضية خلق القرآن وغيرها‪ ،‬كان للسلطة دور في‬
‫ّ‬

‫تأجيجها(‪.)2‬‬

‫(( ( الدمشقي‪ ،‬إسماعيل بن كثير (ت ‪774‬هـ)‪ ،‬البداية والنهاية‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت ـ‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪ ،1‬ج‪ ،10‬ص‪.303‬‬
‫((( أنظر‪ :‬السبحاني‪ ،‬الشيخ جعفر‪ ،‬اإللهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل‪ ،‬الدار اإلسالمية‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.189‬‬
‫‪68‬‬

‫ ‬

‫‪ 4‬ـ‪  ‬إعادة الروح إلى األحكام الفقهية‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫إنّ تأصيل عملية االجتهاد الكالمي‪ ،‬لن تظهر ثمارها اإليجابية على مستوى‬
‫الخطاب الكالمي فحسب‪ ،‬بل إنّ ذلك سينعكس على علم الفقه نفسه‪ ،‬لما بين‬

‫سيما علم الكالم‪ ،‬فإنّ‬
‫العلمين من ترابط وتأثير مباشر ألحدهما في اآلخر‪ ،‬وال ّ‬
‫له تأثير ًا في حركة االجتهاد الفقهي وحيويته‪.‬‬

‫ٌ‬
‫مرتبطة في شكل مباش ٍر بالبنية‬
‫ومر ّد التأثير المذكور‪ ،‬إلى أنّ البنية االشتراعية‬

‫المعرفية‪ .‬فالقوانين أو األحكام الشرعية ال يمكن إفراغها أو تجريدها من ُبعدها‬
‫تميزها عن القوانين الوضعية‪ ،‬ذلك‬
‫العقدي‪ ،‬وإال فقدت‬
‫فاعليتها وخاصيتها التي ّ‬
‫ّ‬
‫أهميتها وفاعليتها من البعد اإليماني الذي يضفي‬
‫أنّ القوانين الشرعية تكتسب‬
‫ّ‬

‫عليها صفة الطاعة واالمتثال ألمر الله‪ ،‬كما أنّها تستحضر معها الرقابة اإللهية التي‬
‫ّ‬
‫فعال ًة لتطبيق القوانين وااللتزام بها‪.‬‬
‫تشكل ضمان ًة ّ‬

‫ٍ‬
‫مبني على‬
‫هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنّ الكثير من قواعد أصول الفقه ٌّ‬
‫ركيزة كالمية‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ :‬فإنّ قاعدة (الحسن والقبح العقليين)‪ ،‬وهي‬
‫قاعد ٌة كالمية بامتياز‪ ،‬تُعتبر مرتكز ًا أساسي ًا للعديد من القواعد الكالمية واألصولية‪،‬‬
‫كقاعدة (قبح العقاب بال بيان)‪ ،‬وقاعدة (قبح التكليف بغير المقدور) وغيرهما‪.‬‬

‫علمي الفقه والكالم‪ ،‬فمن يلج‬
‫ومن جهة ثالثة‪ ،‬فإنّنا نالحظ أنّ الترابط وثيق بين َ‬
‫الفضاء الفقهي‪ ،‬يدرك أنّ رزم ًة من األحكام الفقهية ٌ‬
‫تصورات كالمية‪،‬‬
‫مبنية على ّ‬
‫فعلى سبيل المثال‪ :‬إنّ أحكام (الكافر) و(المرتد) و(المشرك) تدخل في ّ‬
‫جل‬

‫المطالب الفقهية‪ ،‬من التقليد‪ ،‬إلى الطهارة‪ ،‬إلى العبادات البدنية والمالية‪ ،‬إلى‬

‫األحوال الشخصية‪ ،‬كالميراث والزواج والطالق‪ ،‬وانتها ًء بالحدود والديات‪.‬‬
‫ومن المعلوم أنّ تحديد مفهوم (الكافر) و(المسلم) هو من وظائف علم الكالم‪،‬‬

‫فال يتس ّنى للفقيه أن يحكم بكفر (المغالي) أو (الناصبي) أو (منكر الضرورة)‪،‬‬
‫‪69‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫يحدد في المرتبة السابقة‪ ‬ـ‪ ‬كمجتهد كالمي‪ ‬ـ‪ ‬معنى الغلو أو النصب أو‬
‫ما لم ّ‬
‫الضرورة‪ ،‬ومعلوم أنّ هذه المفاهيم ال يمكن االجتهاد فيها إال باالعتماد على‬
‫ركائز ورؤى كالمية‪ ،‬وتتأثر تأثر ًا بالغ ًا بأصول االجتهاد الكالمي‪.‬‬

‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫فقهية كما‬
‫حاجة‬
‫وعلى ضوء ذلك‪ ،‬فال نخطئ بالقول‪ :‬إنّ االجتهاد الكالمي‬
‫هو حاجة كالمية عقدية‪ ،‬بل هو المدخل األساس لالجتهاد الفقهي‪ ،‬وال تكتمل‬
‫فقاهة المجتهد في المجال الفقهي ما لم يكن مجتهد ًا في المجال الكالمي‪.‬‬

‫امتد إلى سائر العلوم ذات الصلة الوثيقة‬
‫وهكذا فإنّ تأثير المتبنيات‬
‫العقدية ّ‬
‫ّ‬
‫الراوي في معايير‬
‫بعلم الفقه‪ ،‬كما في علم الجرح والتعديل‪ ،‬حيث دخلت عقيدة ّ‬
‫توثيقه أو تضعيفه‪ ،‬فذهبت بعض االتجاهات إلى تضعيف الرواة ذوي الميول‬
‫الشيعية حتى لو كانوا ثقاة في أنفسهم!(‪ ،)1‬وفي المقابل ذهب بعض علماء الشيعة‬
‫ّ‬
‫وفقهائهم إلى َق ْصر‬
‫الحجية على خبر العدل اإلمامي(‪ ،)2‬فلم يحتجوا بروايات ثقاة‬
‫ّ‬
‫استقر عليه‬
‫غير اإلمامية سواء كانوا من الشيعة أو غيرهم‪ ،‬وإن كان الرأي الذي‬
‫ّ‬
‫المتأخرون من فقهاء اإلمامية يذهب إلى أنّ صحة المعتقد أو عدم صحته ال تمنع‬
‫من قبول الرواية واالحتجاج بها ما دام الراوي ثقة متحرز ًا عن الكذب(‪.)3‬‬

‫(( ( يقول في ميزان االعتدال‪« :‬قد اختلف الناس في االحتجاج برواية الرافضة على ثالثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها المنع مطلق ًا‪ ،‬الثاني الترخص مطلق ًا إ ّ‬
‫ال فيمن يكذب ويضع‪ ،‬الثالث التفصيل‪ ،‬فتقبل رواية‬
‫وترد رواية الرافضي الداعية ولو كان صدوق ًا‪( »..‬الذهبي‪،‬‬
‫الرافضي الصدوق العارف بما يحدِّ ث‪ُّ ،‬‬
‫محمد بن أحمد بن عثمان (ت ‪748‬هـ)‪ ،‬ميزان االعتدال في نقد الرجال‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي محمد‬
‫البجاوي‪ ،‬دار المعرفة للطباعة والنشر‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط ‪1963 ،1‬م‪ ،‬ج‪ 1‬ص‪.)27‬‬
‫((( ذهب إلى هذا الرأي الشيخ حسن صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني (ت ‪1011‬هـ)‪ ،‬وكذلك ابن‬
‫السيد محمد صاحب المدارك (ت ‪1011‬هـ)‪ ،‬والوجه فيما ذهبا إليه أنّهما اشترطا العدالة‬
‫أخته ّ‬
‫في الراوي‪ ،‬والعدالة‪ ‬ـ‪ ‬بنظرهما‪ ‬ـ‪ ‬ال تجتمع مع مخالفة المذهب الحق‪( ،‬أنظر‪ :‬األمين السيد‬
‫محسن‪ ،‬أعيان الشيعة‪ ،‬دار التعارف للمطبوعات‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط ج‪ 5‬ص‪.)94‬‬
‫((( أنظر لمزيد من التفصيل‪ :‬الغريفي‪ ،‬محي الدين الموسوي‪ ،‬قواعد الحديث‪ ،‬دار األضواء‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪ ‬‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪1986 ،2‬م‪ ،‬ص‪ 27‬ـ‪.30  ‬‬
‫‪70‬‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ ‬

‫‪3‬‬
‫االعتقادي‬
‫البناء‬
‫ّ‬
‫بين االجتهاد والتقليد‬

‫بد من أن يقودنا إلى التساؤل‬
‫إنّ الحديث عن ضرورة االجتهاد‬
‫الكالمي‪ ،‬ال ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫كبديل من االجتهاد؟ فهل باإلمكان أن نبني رؤانا‬
‫إمكانية اللجوء إلى التقليد‬
‫عن‬
‫ّ‬
‫االعتقادية على أساس التقليد واتباع قول الغير‪ ،‬كما هو الحال في المجال‬
‫بد من ابتنائها وبنائها على أساس اجتهادي؟ ولماذا؟ وهل األمر‬
‫التشريعي‪ ،‬أم ال ّ‬
‫ينطبق على ّ‬
‫خاص باألصول الرئيسية التي يدور‬
‫كل المنظومة العقدية‪ ،‬أو هو‬
‫ٌّ‬
‫اإلسالم مدارها؟‬

‫االعتقاد مسؤولية شخصية‬

‫الدين‪ ،‬حيث سمح اإلسالم فيها لإلنسان‬
‫خالف ًا لما عليه الحال في فروع ّ‬
‫بالتقليد وا ّتباع قول الغير من ذوي التخصص‪ ،‬فإنّه قد َح َظ َر عليه أن يق ّلد في‬
‫األصول ومنعه من ذلك؛ األمر الذي يعني أنّ البناء االعتقادي هو مسؤولية‬
‫والتأمل والتحري الذاتي بعيد ًا عن سطوة العقل‬
‫شخصية‪ ،‬ترتكز على االجتهاد‬
‫ّ‬
‫وبالتأمل‪ ،‬يظهر أنّ إلزام اإلنسان باالجتهاد في‬
‫الجمعي‪ ،‬أو نزعة محاكاة السلف‪.‬‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫جملة من األسئلة المصيرية‬
‫تلح عليه بطرح‬
‫األصول‪ ،‬يتماشى مع حوافز فطرية ّ‬
‫المتع ّلقة بالمبدأ والمعاد‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وإنّ تجاهل أسئلة المصير هذه‪ ،‬أو التعامل معها بنح ٍو من اللاّ مباالة‪ ،‬ال يم ّثل‬
‫تجاوز ًا لهذا اإلحساس الفطري الباحث عن االطمئنان والركون إلى عقيدة ُم ْرضية‬
‫وحسب‪ ،‬وإنّما يعكس تعامي ًا عن نداء العقل بضرورة دفع الضرر المحتمل في‬
‫حال اإلعراض عن البحث والنظر‪ ،‬والقاضي بلزوم شكر المنعم‪ .‬وبما أنّ أسئلة‬
‫كل إنسان‪ ،‬فيكون المطلوب من ّ‬
‫المصير تفرض نفسها على ّ‬
‫عد‬
‫كل إنسان أن ُي َّ‬
‫جواب ًا عليها‪ ،‬ويركن إلى ُمؤ ِّم ٍن تجاهها‪ ،‬وبذلك يكون االجتهاد في األصول هو‬
‫المنسجم مع طبيعة البنية االعتقادية ومنطلقاتها الفطرية‪.‬‬

‫أد ّلة عدم مشروعية التقليد‬

‫ّأما التقليد في هذا المجال‪ ،‬فال دليل على مشروعيته‪ ،‬بل حاول علماء‬
‫عدة وجوه‪ ،‬وهي وإن لم تكن تام ًة‬
‫المسلمين تأكيد عدم مشروعيته من خالل ّ‬
‫ال أنّ بعضها تام‪ ،‬وهو ٍ‬
‫بأجمعها‪ ،‬إ ّ‬
‫كاف إلثبات المطلوب‪:‬‬
‫األول‪ :‬دعوى اإلجماع اإلسالمي أو المذهبي على المنع من التقليد في‬
‫الوجه ّ‬
‫الدين(‪.)1‬‬
‫أصول ّ‬

‫ويالحظ على ذلك‪ :‬أنّ االستناد إلى اإلجماع في قضايا العقيدة‪ ،‬ال وجه له‬
‫على اختالف المباني في حجية اإلجماع‪ ،‬كما سيأتي في المباحث الالحقة‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أنّه ال معنى للتقليد في أصول العقائد؛ ألنّ التقليد معناه االستناد‬

‫سواء في الدائرة‬
‫الدين هو المشهور‪ ،‬وا ّدعي عليه اإلجماع‪،‬‬
‫((( المنع من التقليد في أصول ّ‬
‫ٌ‬
‫اإلسالمية العامة (أنظر‪ :‬الحلي‪ ،‬الحسن بن يوسف بن المطهر (ت ‪726‬هـ)‪ ،‬الباب الحادي‬
‫عشر مع شرحه‪ :‬النافع يوم الحشر‪ ،‬تحقيق‪ :‬الدكتور مهدي محقق‪ ،‬آستان قدس رضوي‪ ،‬ط‪،2‬‬
‫‪1370‬هـ‪.‬ش‪ ،‬ص‪ ،3‬وأيض ًا‪ :‬الحكيم‪ ،‬السيد محسن‪ ،‬مستمسك العروة الوثقى‪ ،‬مطبعة اآلداب‪،‬‬
‫الخاصة‬
‫النجف األشرف‪ ،‬ط‪1391 ،4‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،)103‬أو في خصوص الدائرة المذهبية‬
‫ّ‬
‫(راجع‪ :‬البهبهاني‪ ،‬محمد باقر (ت ‪1206‬هـ)‪ ،‬الفوائد الحائرية‪ ،‬مجمع الفكر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ‬
‫إيران‪ ،‬ط‪1415 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.)494‬‬
‫‪72‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫إلى فتوى الفقيه في مقام العمل‪ ،‬ومن الواضح أنّه ال عمل في المسائل االعتقادية‬
‫ح ّتى يستند فيها إلى قول الغير‪ ،‬وإنّما المطلوب فيها عقد القلب واإلذعان(‪.)1‬‬

‫ولكن ما جاء في هذا الوجه هو أقرب إلى اإلشكال اللفظي واالصطالحي‪،‬‬
‫ّ‬
‫ويمكن التغ ّلب عليه بافتراض تفسير للتقليد في العقائد ال يختزن معنى العمل‬
‫مباشرةً‪ ،‬وإنّما يتالءم واالعتقاد‪ ،‬وذلك من قبيل تعريف التقليد العقدي بأنّه عبارة‬
‫عن جعل المرء معتقده تبع ًا لمعتقد الغير‪ ،‬ليصبح للتقليد معنيان‪ ،‬فالتقليد في‬
‫الفروع له معنى يناسب كونها من أعمال الجوارح‪ ،‬والتقليد في األصول له معنى‬
‫يناسب كونها من أعمال القلوب والجوانح‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬إنّ القضايا االعتقادية كما هو معلوم‪ ،‬تتط ّلب حصول اليقين‬
‫واإلذعان‪ ،‬وهذا ما ال يتيحه ا ّتباع قول الغير وتقليده(‪.)2‬‬

‫ولكن لنا أن نتساءل‪ :‬لماذا ال يتاح عقد القلب على أم ٍر ما من خالل التقليد؟ ال‬
‫ثمة توجيه ًا معقو ً‬
‫الظن‪ ،‬بينما‬
‫ال لذلك إال القول‪ :‬إنّ التقليد ال ُينتج سوى ّ‬
‫يبدو أنّ ّ‬
‫االعتقاد يتط ّلب اليقين(‪.)3‬‬

‫إ ّ‬
‫ال أنّ ما يالحظ على هذا التوجيه أنّه ليس ّ‬
‫مطرد ًا‪ ،‬فإنّ الكثير من ال ّناس الذين‬
‫يتبعون اآلباء أو يق ّلدون العلماء في معتقداتهم‪ ،‬يحصل لهم اليقين‪ ،‬ويعقدون‬
‫القلب على ما ُيلقى إليهم ولو لم يدركوا معناه أو يفهموا أبعاده‪ ،‬وإنّ حصول‬
‫الخاصة‪.‬‬
‫مما عليه األمر لدى‬
‫ّ‬
‫اليقين ّ‬
‫لعامة ال ّناس‪ ،‬هو أيسر بكثير ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الغروي‪ ،‬الميرزا علي‪ ،‬االجتهاد والتقليد‪ ،‬تقرير ًا لبحث السيد الخوئي (موسوعة اإلمام‬
‫الخوئي)‪ ،‬مؤسسة إحياء آثار اإلمام الخوئي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1426 ،2‬هـ‪ ،‬ص ‪.348‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الغروي‪ ،‬الميرزا علي‪ ،‬االجتهاد والتقليد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ ،411‬وانظر أيض ًا‪ :‬الصدر‪،‬‬
‫محمد‪ ،‬باقر (الشهيد)‪ ،‬الفتاوى الواضحة‪ ،‬دار التعارف‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1983 ،8‬م‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫((( ()أنظر‪ :‬البهائي‪ ،‬محمد بن حسين (ت ‪1030‬هـ)‪ ،‬زبدة األصول‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي جبار گلباغي‪ ،‬دار‬
‫البشير‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1425 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.419‬‬
‫‪73‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تكون العقائد وانتشارها‪ ،‬ال يستطيع إنكار أنّ‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ المتأمل في ّ‬
‫لتقليد الكبراء واالنسياق مع العقل الجمعي دور ًا في تبني العقائد والبناء عليها‬
‫واإلذعان بها واالستماتة في الدفاع عنها‪.‬‬

‫الوجه الرابع‪ :‬إنّ ما ّ‬
‫دل على وجوب معرفة الله ورسوله من حكم العقل‬
‫بوجوب شكر المنعم‪ ،‬وحكم الفطرة بوجوب دفع الضرر المحتمل‪ ،‬هو خير‬
‫ٍ‬
‫شاهد على عدم كفاية التقليد في هذين األصلين (معرفة الله ورسوله)‪ ،‬ألنّ‬
‫دفع الضرر المحتمل‪ ،‬وكذا شكر المنعم‪ ،‬ال يتحقّقان بالتقليد‪ ،‬الحتمال خطأ‬
‫المجتهد في رأيه‪ ،‬فال يحصل األمن من الخطر‪.‬‬

‫وربما يقال‪ :‬إذا كان احتمال خطأ المجتهد في رأيه العقدي مانع ًا من تقليده‪،‬‬
‫لعدم األمن من الضرر في حال تقليده‪ ،‬فإنّ هذا يعني أنّ احتمال خطأ المجتهد‬
‫في رأيه الفقهي سيمنع أيض ًا من تقليده للسبب عينه‪ ،‬أعني عدم األمن من الضرر‪،‬‬
‫سينسد باب التقليد في العقيدة والشريعة مع ًا!‬
‫وهذا يعني أنّه‬
‫ُّ‬

‫والجواب‪ :‬إنّ األمن من الضرر متحقق في التقليد في المسائل الفقهية‪ ،‬وذلك‬
‫الحجية لقول الفقيه‪ ،‬ومنح المق ِّلد‬
‫ألنّ اإليمان بالله ورسوله هو الذي أعطي‬
‫ّ‬
‫األمن في حال انقياده له‪ ،‬ولو لم ُي ِف ِد اليقين‪.‬‬
‫َ‬

‫إ ّ‬
‫ال أنّ ما يواجه هذا الدليل‪ ،‬هو أنَّه مع حصول القطع (اليقين) بقول المجتهد‬
‫في العقائد‪ ،‬فال يحتمل القاطع الخطأ‪ ،‬ما يعني أنّ األمن من الخطر في نظره‬
‫حاصل ومحقق‪.‬‬

‫سجل إدان ًة واضح ًة في العديد من آياته‬
‫الوجه الخامس‪ :‬إنّ القرآن الكريم ّ‬
‫ّ‬
‫المؤكد أنّ القدر المتيقّن لهذه‬
‫لظاهرة تقليد اآلباء واألجداد والكبراء‪ ،‬ومن‬
‫اإلدانة‪ ،‬هو التقليد في األصول‪ ،‬قال سبحانه‪َ ﴿ :‬ب ْل َقا ُلوا إِنَّا َو َج ْد َنا َآ َب َاء َنا َع َلى‬
‫ُأ َّم ٍة َوإِنَّا َع َلى َآ َثا ِر ِه ْم ُم ْه َتدُ ونَ * َو َك َذلِ َك َما َأ ْر َس ْل َنا ِم ْن َق ْب ِل َك ِفي َق ْر َي ٍة ِم ْن َن ِذي ٍر إِلاَّ‬
‫‪74‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫وها إِنَّا َو َج ْد َنا َآ َب َاء َنا َع َلى ُأ َّم ٍة َوإِنَّا َع َلى َآ َثا ِر ِه ْم ُم ْق َتدُ ونَ * َق َ‬
‫َق َ‬
‫ال َأ َو َل ْو ِج ْئ ُت ُك ْم‬
‫ال ُم ْت َر ُف َ‬
‫بِ َأ ْهدَ ى ِم َّما َو َج ْدت ُْم َع َل ْي ِه َآ َب َاء ُك ْم َقا ُلوا إِنَّا بِ َما ُأ ْر ِس ْل ُت ْم بِ ِه َك ِاف ُرونَ ﴾ [الزخرف‪:‬‬

‫وأما الفروع فحيث ثبت جواز التقليد فيها فهي خارجة عن اإلدانة التي‬
‫‪ 22‬ـ‪ّ ]24 ‬‬
‫سجلتها اآلية ّإما بالتخصيص أو التخصص‪.‬‬

‫وهذا الدليل أو الوجه ٍ‬
‫كاف في إثبات المطلوب‪ ،‬أعني عدم مشروعية التقليد في‬
‫كل ٍ‬
‫أصول الدين‪ ،‬وضرورة أن يبني ّ‬
‫فرد‪ ‬ـ‪ ‬اعتماد ًا على اجتهاده الشخصي‪ ‬ـ‪ ‬عقيدته‬
‫بربه ومعاده ودينه وإمامه‪.‬‬
‫وإيمانه ّ‬

‫ولكن ربما يالحظ على ذلك بأنّ داللة اآلية على المنع من التقليد في العقائد‬
‫حج ًة‪ ،‬كما‬
‫تعتمد على ظهورها‪ ،‬ومن الواضح أنّ داللة الظهور ظنية فال تكون ّ‬
‫سياتي بيانه الحق ًا‪.‬‬
‫والجواب على ذلك‪ :‬إنّ إطالق اآلية‪ ،‬حتى لو كان ظني ًا‪ٍ ،‬‬
‫كاف في المقام؛ ألنّه‬
‫وإن لم يثبت به عدم مشروعية التقليد في مطلق العقائد جزم ًا‪ ،‬لكنه يثبت ذلك‬
‫ال‪ ،‬وهذا المقدار ٍ‬
‫ظن ًا واحتما ً‬
‫كاف فيما نحن فيه‪ ،‬ألنّ معناه عدم نهوض دليل‬
‫مدعي كفايته إثبات ذلك‪ .‬وسيأتي أنه‬
‫على كفاية طريق التقليد في العقائد‪ ،‬فعلى َّ‬
‫وأما مجرد حصول اليقين بقول المق َّلدين‪ ،‬فهو وإن ّ‬
‫شكل‬
‫ال ّ‬
‫حجة له على ذلك‪ّ ،‬‬
‫وحجيته‪.‬‬
‫عذر ًا للقاطع‪ ،‬ولكنه ال يعني شرعية طريق التقليد‬
‫َّ‬

‫شرعية التقليد‪ :‬وجوه ومالحظات‬

‫في المقابل‪ ،‬قد ُينتصر للقول بشرعية التقليد في القضايا االعتقادية ببعض‬

‫الوجوه‪ ،‬أهمها‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬إنّ القرآن الكريم دعا إلى رجوع الجاهل إلى العالم‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬
‫اس َأ ُلوا َأ ْه َل ِّ‬
‫يؤسس‬
‫﴿ َف ْ‬
‫الذ ْك ِر إِ ْن ُك ْن ُت ْم لاَ ت َْع َل ُمونَ ﴾ [النحل‪ ،]43:‬األمر الذي ّ‬
‫‪75‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مطلق‪.‬‬
‫بقول‬
‫تختص باألحكام الفرعية‪ ،‬ما يعني مشروعية التقليد‬
‫عام ٍة ال‬
‫ّ‬
‫لقاعدة ّ‬

‫إ ّ‬
‫وتوجهه إليه بالسؤال‬
‫ال أنّنا نالحظ على ذلك‪ :‬أنّ رجوع الجاهل إلى العالم‪،‬‬
‫ّ‬
‫واالستفسار‪ ،‬ال يعني تقليده له فيما يقوله‪ .‬فإنّ التقليد معناه قبول قوله تعبد ًا‬
‫(‪)1‬‬
‫سيما في‬
‫دون مطالبته بالدليل ‪ ،‬فإذا فرض اقتناع الجاهل بما يقوله العالم‪ ،‬وال ّ‬
‫القضايا االعتقادية المبنية على اإلقناع ال التعبد‪ ،‬يخرج عن كونه مق ّلد ًا‪ .‬وعليه‪،‬‬
‫فالتقليد المذموم(‪ )2‬هو الذي يترادف مع االنقياد األعمى لقول اآلخر‪ ،‬ولو لم‬
‫يكن مقنع ًا‪ ،‬أو لم يعرف دليله ومستنده‪ ،‬كما هو الحال في التقليد في األحكام‬
‫الفقهية‪ ،‬حيث يأخذ المكلف الفتوى من المرجع دون أن يعرف مستنده فيها‪،‬‬
‫وإن كان لديه اطمئنان بأنّ مرجعه ال يفتي بدون دليل‪ ،‬وبما أنّ الرجوع إلى العالِم‬
‫في قضايا االعتقاد ليس تسليم ًا تعبدي ًا له‪ ،‬وإنّما هو رجوع بهدف االقتناع بما لديه‬
‫المجردة من‬
‫من دليل‪ ،‬لذا لم يعهد عن علماء المسلمين اعتماد أسلوب الفتاوى‬
‫ّ‬
‫الدليل في عرض وتقديم المفاهيم العقدية‪ ،‬إال في مقام التلقين والتقرير‪ ،‬بينما‬
‫انتشر األسلوب المذكور في القضايا الفقهية‪ ،‬ومر ّد ذلك إلى إدراكهم أنّ قضايا‬
‫االعتقاد ال تطرح بأسلوب الفتوى؛ ألنّه ال يراد منها العمل لتقبل التعبد‪ ،‬وإنّما‬
‫يراد منها العلم واالقتناع‪ ،‬فتحتاج إلى البرهنة واالستدالل‪.‬‬
‫عامة ال ّناس باالجتهاد في األصول‪ ،‬يوقعنا في محذور اإلخالل‬
‫‪ 2‬ـ‪  ‬إنّ إلزام ّ‬
‫تيسر ذلك لغالبية الناس‪.‬‬
‫بالنظام العام‪ ،‬وإرباك الحياة االجتماعية‪ ،‬لعدم ّ‬

‫األردبيلي‪ ،‬أحمد بن محمد المعروف بالمحقق األردبيلي (ت ‪993‬هـ)‪ ،‬زبدة البيان في‬
‫(( ( أنظر‪:‬‬
‫ّ‬
‫أحكام القرآن‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد باقر البهبودي‪ ،‬المكتبة المرتضوية إلحياء اآلثار الجعفرية‪ ،‬طهران‬
‫ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.344‬‬
‫حجة‪ ،‬وهو حقيقة التقليد‪ ،‬فذلك‬
‫((( يقول الشيخ الطوسي‪« :‬التقليد إن أريد به قبول قول الغير من غير ّ‬
‫قبيح في العقول‪ ،‬ألنّ فيه إقدام ًا على ما ال يؤمن» (أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن الحسن المعروف‬
‫ٌ‬
‫بالشيخ الطوسي (ت ‪460‬هـ)‪ ،‬االقتصاد فيما يتع ّلق باالعتقاد‪ ،‬دار التعارف‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1406‬هـ‪ ،‬ص‪26‬ـ‪.)27‬‬
‫‪76‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫والجواب على ذلك‪ :‬إنّ دائرة األصول التي يجب فيها االجتهاد‪ ،‬محدود ٌة‬
‫التعرف إلى هذه العقائد‪ ،‬هي أدا ٌة‬
‫ومحصور ٌة بخصوص العقائد األساسية‪ .‬وأداة ّ‬
‫ٌ‬
‫عامة ال ّناس‪ .‬يقول الشهيد‬
‫سهلة وميسورة‪ ،‬أعني بذلك العقل الذي يشترك فيه ّ‬
‫الدين‪ ،‬لما كانت محدود ًة عدد ًا‬
‫الصدر‪« :‬ومن الواضح أنّ العقائد األساسية في ّ‬
‫ٍ‬
‫ناحية أخرى‪ ،‬على نحو تكون‬
‫من ناحية‪ ،‬ومنسجم ًة مع فطرة ال ّناس عموم ًا من‬
‫أهمية قصوى في حياة ال ّناس‬
‫الرؤية المباشرة الواضحة ميسور ًة فيها غالب ًا‪ ،‬وذات ّ‬
‫ناحية ٍ‬
‫ٍ‬
‫ثالثة‪ ،‬كان تكليف الشريعة ّ‬
‫لكل إنسان بأن يبذل جهد ًا مباشر ًا في البحث‬
‫من‬
‫عنها واكتشاف حقائقها‪ ،‬أمر ًا طبيعي ًا‪ ،‬وال يواجه غالب ًا صعوب ًة كبيرةً‪ ،‬وال يؤ ّثر على‬
‫المجرى العملي لحياة اإلنسان»(‪.)1‬‬
‫وأما خارج نطاق الدائرة المذكورة ـ دائرة العقائد األساسية ـ فإنّ المعرفة‬
‫ّ‬
‫عامة المك ّلفين‪ ،‬ولو كانت واجبة‪ ،‬فهي‬
‫فيها‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪ ،‬ليست واجب ًة على ّ‬
‫ٌ‬
‫ثم إنّه لو قيل بوجوب المعرفة التفصيلي‪ ،‬وإنّها ال‬
‫واجبة على نحو اإلجمال‪ّ .‬‬

‫لواج َهنا ليس محذور‬
‫تختص باألصول األساسية كما ذهب إليه بعض العلماء(‪َ ،)2‬‬
‫ّ‬
‫اإلخالل بالنظام العام فحسب‪ ،‬بل محذور التكليف بغير المقدور أيض ًا‪ ،‬بسبب‬
‫عجز غالب ال ّناس عن خوض البحوث العقدية التفصيلية‪ ،‬لكثرتها عدد ًا‪ ،‬وعمق‬
‫وتشعب االتجاهات واآلراء فيها‪ .‬وإنّه لمن غير المنطقي‪ ،‬والحال‬
‫معانيها‪،‬‬
‫ّ‬
‫هذه‪ ،‬أن يناط اإلسالم بأمثال هذه المسائل االعتقادية‪ ،‬وإال لوقعنا في محذو ٍر‬
‫آخر‪ ،‬وهو لزوم الحكم بكفر معظم المسلمين‪ ،‬وهو ما نجزم ببطالنه ومنافاته‬
‫لقواعد الشريعة السمحاء‪ ،‬ونصوصها المستفيضة التي تكتفي في الحكم بإسالم‬
‫بمجرد اإلقرار بالشهادتين‪ ،‬ح ّتى لو لم يقترن ذلك بمعرفة المسائل‬
‫الشخص‬
‫ّ‬
‫(( ( الصدر‪ ،‬محمد باقر (الشهيد)‪ ،‬الفتاوى الواضحة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫((( ومنهم العالمة الحلي في شرح الباب الحادي عشر‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪،3‬‬
‫يصح عليه وما يمتنع‬
‫العلماء كا ّف ًة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية‪ ،‬وما‬
‫ّ‬
‫عنه‪ ،‬والنبوة واإلمامة والمعاد‪ ،‬بالدليل ال بالتقليد»‪.‬‬

‫يقول‪« :M‬أجمع‬

‫‪77‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تصورات اعتقادية مغلوطة وخاطئة‪.‬‬
‫االعتقادية التفصيلية‪ ،‬بل ح ّتى لو كان لديه ّ‬

‫نعم‪ ،‬إنّ الكالم عن التقليد في العقائد مقبول ومفهوم بالنسبة إلى غير البالغين‪،‬‬
‫مقدم ًة لحفظها واألنس بها‪« ،‬فينبغي أن ُي َق َّد َم إلى‬
‫حيث يراد تلقينهم العقائد الحقّة ّ‬
‫ثم ال يزال ينكشف‬
‫وتميزه ترجمة العقايد ليحفظها حفظ ًا‪ّ ،‬‬
‫الصبي في أول نشوئه ّ‬
‫ثم االعتقاد واإليقان به»(‪.)1‬‬
‫ثم الفهم‪ّ ،‬‬
‫معناه شيئ ًا فشيئ ًا‪ ،‬فابتداؤه الحفظ‪ّ ،‬‬

‫االجتهاد في العقائد مسؤولية عا ّمة‬

‫في ضوء ما تقدم‪ ،‬من أن االعتقاد ال ُيبنى على التقليد‪ ،‬ي ّتضح أنّ االجتهاد في‬
‫خاصة يتوالها‬
‫عامة‪ ،‬بينما االجتهاد في الفروع مسؤولية ّ‬
‫األصول هو مسؤولية ّ‬
‫فريق من أهل االختصاص‪ ،‬لتعذر قيام العامة بذلك بحسب العادة‪ ،‬كما أنّ األمر‬
‫ٌ‬
‫كذلك في التفاصيل االعتقادية‪ ،‬حيث ّ‬
‫عامة ال ّناس االجتهاد فيها‪ ،‬ما‬
‫يتعذر على ّ‬
‫ٍ‬
‫﴿و َما‬
‫جماعة للقيام بهذه‬
‫يفرض إعداد‬
‫المهمة‪ ،‬كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم‪َ :‬‬
‫ّ‬
‫الم ْؤ ِم ُنونَ لِ َي ْن ِف ُروا َكا َّف ًة َف َل ْولاَ َن َف َر ِم ْن ُك ِّل ِف ْر َق ٍة ِم ْن ُه ْم َطائِ َف ٌة لِ َي َت َفق َُّهوا ِفي الدِّ ِ‬
‫ين‬
‫َكانَ ُ‬
‫َولِ ُي ْن ِذ ُروا َق ْو َم ُه ْم إِ َذا َر َج ُعوا إِ َل ْي ِه ْم َل َع َّل ُه ْم َي ْح َذ ُرونَ ﴾ [التوبة‪.]122:‬‬

‫وفي مطلق األحوال‪ ،‬فإنّ فتح باب االجتهاد في األصول‪ ،‬وتحريم التقليد فيها‪،‬‬
‫كان من المفترض أن يخلق حراك ًا في المجال االعتقادي‪ ،‬وأن يفتح أمام علم‬
‫الكالم الكثير من األبواب الموصدة‪ ،‬ويجعله علم ًا مؤ ّثر ًا وفاع ً‬
‫لكن‬
‫ال وحيوي ًا‪ّ ،‬‬
‫المفارقة العجيبة‪ ،‬أنّ منطق التقليد هو الذي ساد في أوساط المسلمين وسيطر‬
‫ٍ‬
‫مر سابق ًا‪.‬‬
‫على العقول‪ ،‬ما أسهم في خلق حالة من الركود والشلل الفكري‪ ،‬كما ّ‬

‫((( الكاشاني‪ ،‬محمد محسن‪ ،‬الحقائق في محاسن األخالق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.44‬‬
‫‪78‬‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫ ‬

‫‪4‬‬
‫المرجعيات العقائدية‬
‫المبررات والمحاذير‬
‫ّ‬
‫إنّ التنديد بالجمود الذي ساد في الحقل الكالمي‪ ،‬والدعوة إلى فتح باب‬
‫االجتهاد على هذا الصعيد‪ ،‬لما له من كبير أث ٍر في حيوية علم الكالم وحركيته‬
‫وقدرته على مواكبة المستجدات‪ .‬إنّ هذه الدعوة أو الصرخة‪ ،‬ال تم ّثل بطبيعة‬
‫المهمة‪ ،‬فإنّ هذا‬
‫ليتحرك كافّة ال ّناس للقيام بهذه‬
‫الحال دعو ًة إلى النفير العام‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫غير منطقي وال عقالئي‪ ،‬ألدائه إلى اختالل النظام العام؛ ولذا كان من الضروري‪،‬‬
‫ّ‬
‫تتشكل جماعة خاصة تسعى‬
‫الملحة‪ ،‬أن تنبثق أو‬
‫تلبي ًة واستجاب ًة لهذه الحاجة‬
‫ّ‬
‫للتخصص في قضايا العقيدة وشؤونها‪ ،‬كما يحصل على الصعيد الفقهي‪.‬‬
‫ّ‬

‫التخصص في القضايا العقدية‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫المؤكد‪ ،‬أنّ َف ْت َح باب االجتهاد في المجال العقدي‪،‬‬
‫المرجح‪ ،‬بل وشبه‬
‫ومن‬
‫ّ‬
‫إذا ترافق مع إزالة كافّة العوائق النفسية والفكرية والتاريخية من أمامه‪ ،‬سيؤ ّدي‬
‫تلقائي ًا ـ وفي ّ‬
‫عامة ال ّناس على النفير العام‪ ،‬واإلقبال على الدرس‬
‫ظل عدم قدرة ّ‬
‫ٍ‬
‫بشكل اجتهادي ـ إلى ظهور الجماعة المتخصصة المشار إليها‪ .‬وهذا‬
‫العقائدي‬
‫كفائي‬
‫وواجب‬
‫ضروري‬
‫أمر‬
‫ليس أمر ًا‬
‫ٌّ‬
‫ٌ‬
‫مستحب ًا أو مستحسن ًا وحسب‪ ،‬إنّما هو ٌ‬
‫ّ‬
‫ٌّ‬
‫بجد واجتهاد على تنشيط‬
‫تمليه حاجتنا‬
‫المستمرة إلى وجود جماعة كهذه تعمل ٍّ‬
‫ّ‬
‫الجهود العقائدية‪ ،‬ومواجهة سيل اإلشكاالت الذي ال ينقطع على هذا الصعيد‪،‬‬
‫‪79‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫كما أنّ التخصص المأمول سيسهم في تعميق البحث العقائدي وتطويره شك ً‬
‫ال‬
‫ومضمون ًا‪ ،‬بما يخدم أهداف علم الكالم‪.‬‬

‫النهوض بالدرس العقائدي‬

‫علينا بطبيعة الحال‪ ،‬بمقتضى الموضوعية واإلنصاف‪ ،‬أن ال َّ‬
‫نتنكر لوجود‬
‫أشخاص جيدين ومحققين ذوي كفاءة عالية بذلوا جهود ًا مشكور ًة على‬
‫أهمية بعضها على المستوى المنهجي‬
‫هذا الصعيد‪ .‬إال أنّ هذه الجهود‪ ،‬رغم‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫تسجل اختراق ًا نوعي ًا‪،‬‬
‫فردي ًة وتكراري ًة‪ ،‬ولم ّ‬
‫والعلمي ‪ ،‬ظ ّلت في معظمها جهود ًا ّ‬
‫ولم تلق رواج ًا بالمستوى المطلوب في األوساط والمعاهد العلمية‪ ،‬حيث إنّ‬
‫الملحوظ أنّ الدرس العقائدي ّ‬
‫ظل يعيش على الهامش‪ ،‬ولم يتجاوز االهتمام‬
‫التصور االعتقادي للدارس‬
‫بد منها في بناء‬
‫به حدود المعرفة السطحية التي ال ّ‬
‫ّ‬
‫الملحة كانت وال تزال للبحث‬
‫نفسه أو لمخاطبيه من المؤمنين‪ .‬مع أنّ الحاجة‬
‫ّ‬
‫التخصصي االجتهادي الذي ال يستسلم ألقوال السلف‪ ،‬وإنّما يحقّق ويد ّقق‪،‬‬
‫يحاكم ويوازن‪ ،‬ينقد ويعارض‪ ،‬على غرار ما حصل في البحث الفقهي الذي خطا‬
‫ّ‬
‫واحتل مكان ًة مرموق ًة في المعاهد والحوزات‬
‫مهمة على هذا الصعيد‪،‬‬
‫خطوات ّ‬
‫شيء‪ ،‬وهذا ما حدا ويحدو بطلبة العلوم الدينية إلى اختيار‬
‫العلمية ال يضاهيها‬
‫ٌ‬
‫التخصص في المجال الفقهي‪ ،‬وما يرتبط أو يتصل به‪ ،‬كأصول الفقه أو علم‬
‫ّ‬
‫الرجال‪ .‬ولو أنّ معشار الجهود التي تصرف في البحث الفقهي ُو ِّج َهت إلى‬
‫لتغيرت الصورة النمطية الموروثة عن علم الكالم‪ ،‬وعلى ّ‬
‫أقل‬
‫الحقل العقدي‪ّ ،‬‬
‫تقدير‪ّ ،‬‬
‫لشكل ذلك دفع ًا لعجلة الدراسات االجتهادية العقدية‪ ،‬كما هو المرتجى‬
‫والمأمول‪.‬‬
‫((( من قبيل‪ :‬جهود الشهيدين‪ :‬محمد باقر الصدر ومرتضى مطهري‪ ،‬وكذا السيد محمد حسين‬
‫الطباطبائي‪ ،‬وقبلهم العالمة البالغي وغيرهم‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫المرجعيات العقائدية‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫إنّ من نتائج حركة التخصص في قضايا العقيدة‪ ،‬أنّها قد تقود إلى تشكيل‬
‫أمر قد يقال‪ :‬إنّه ال ضير‬
‫مرجعيات عقائدية على غرار المرجعيات الفقهية‪ ،‬وهذا ٌ‬
‫المشجعة على التخصص في القضايا العقدية‪.‬‬
‫ربما ُع َّد من العوامل‬
‫ّ‬
‫فيه‪ ،‬بل ّ‬
‫ٍ‬
‫فإنّ وجود مرجعية في ّ‬
‫حقل من الحقول العلمية والمعرفية‪ ،‬باإلضافة إلى‬
‫كل‬
‫يحد من ظاهرة الفوضى والتط ّفل وانتحال الصفة الذي يصاحب الكثير من‬
‫أنّه ّ‬
‫سيما العلوم الدينية‪ ،‬فإنّه قد ُيسهم‪ ،‬ليس في تنشيط عملية االجتهاد‬
‫العلوم‪ ،‬وال ّ‬
‫العقائدي وتأصيل قواعده فحسب‪ ،‬بل في رفد الحركة االجتهادية ودعمها‬
‫معنوي ًا ومادي ًا‪.‬‬

‫في المقابل فإنّ علينا أن نضع قي الحسبان أنّ تجربة المرجعيات المركزية‪،‬‬
‫ٌ‬
‫المرجعيات‪ ‬ـ‪ ‬عرضة‬
‫يرافقها ـ في العادة ـ جملة من السلبيات‪ ،‬أخطرها أنّها‪ ‬ـ‪ ‬أعني‬

‫وتتحول مع مرور الوقت‬
‫التحجر‪ ،‬وقد تسعى الحتكار المعرفة‪،‬‬
‫لإلصابة بداء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مهمتها حراسة الموروث والقديم‪ ،‬ما يجعلها عائق ًا أمام حركة‬
‫إلى مؤسسة ّ‬
‫االجتهاد والتجديد‪ ،‬ويصل بها األمر في نهاية المطاف إلى ممارسة القمع‬
‫الفكري‪ ،‬واستخدام أسلحة التكفير والتضليل والتبديع‪ ،‬وهكذا نراها تمارس‬
‫األمة من‬
‫عكس المطلوب منها‪ ،‬وتقع في المحذور الذي أريد لها أن تخ ّلص ّ‬
‫ّ‬
‫يتم‬
‫آثاره السلبية‪.‬‬
‫ولعل من أنجع األساليب في تالفي السلبيات المشار إليها‪ ،‬أن ّ‬
‫تشييد البناء المرجعي العقدي‪ ‬ـ‪ ‬كما الفقهي‪ ‬ـ‪ ‬وفق منطق المؤسسة ال الفرد‪ ،‬مع‬
‫السعي إلى تأمين حاجيات هذه المؤسسة من الناحية المالية دون االرتهان ألحد‪،‬‬
‫وبخاصة السلطة‪ ،‬من دون ٍ‬
‫فرق بين سلطة السياسة أو سلطة المال أو سلطة‬
‫الجماهير‪ ،‬فإنّ ذلك ٌ‬
‫حد كبير‪ ‬ـ‪ ‬بتحرير أسر المرجعية‪ّ ،‬‬
‫وفك ارتهانها‬
‫كفيل‪ ‬ـ‪ ‬إلى ّ‬
‫لما عدا الوظيفة األساسية المنوطة بها‪ ،‬وهي وظيفة حماية الدين‪ .‬وأما عن طبيعة‬
‫هذه المؤسسة وكيفية إدارتها وآليات عملها‪ ،‬فهذا خارج عن نطاق بحثنا‪ ،‬ويحتاج‬
‫‪81‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫إلى حديث مستقل(‪ ،)1‬بيد أننا نؤكد على أنّ وظيفة هذه المرجعية في حال تشكلها‬
‫هي النهوض بالبحث العقائدي ليبقى حاضر ًا ومواكب ًا لكل المستجدات الفكرية‬
‫وليست وظيفتها هي ممارسة دور الرقيب على عقائد الناس وال احتكار التفكير‬
‫شخصية ملقاة على عاتق ّ‬
‫كل‬
‫العقائدي‪ ،‬فإنّ االجتهاد في العقيدة هو مسؤولية‬
‫ّ‬
‫مكلف كما سلف‪ ،‬وما يتوصل إليه من قناعات راسخة من خالل اجتهاده هو‬
‫ملكه وحقُّ ه كما أنّه َّ‬
‫معذرة له عند الله تعالى‪.‬‬

‫القرآن والدعوة إلى التخصص‬

‫بالعودة إلى وظيفة الجماعة المتخصصة في قضايا العقيدة‪ ،‬فإننا نالحظ أنّ‬
‫القرآن الكريم قد حدد هذه الوظيفة بشكل واضح في دعوته إلى التخصص في‬
‫الم ْؤ ِم ُنونَ لِ َي ْن ِف ُروا َكا َّف ًة َف َل ْولاَ‬
‫قضايا ّ‬
‫الدين عقيد ًة وشريع ًة‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬‬
‫﴿و َما َكانَ ُ‬
‫َن َف َر ِم ْن ُك ِّل ِف ْر َق ٍة ِم ْن ُه ْم َطائِ َف ٌة لِ َي َت َفق َُّهوا ِفي الدِّ ِ‬
‫ين َولِ ُي ْن ِذ ُروا َق ْو َم ُه ْم إِ َذا َر َج ُعوا إِ َل ْي ِه ْم‬
‫الدين‬
‫َل َع َّل ُه ْم َي ْح َذ ُرونَ ﴾ [التوبة‪ ،]122:‬فإنّ اآلية الشريفة دعت إلى التفقّه في ّ‬
‫ٍ‬
‫مجموعة من األحكام والفتاوى‬
‫ختزل في‬
‫كمقدمة لإلنذار والتبليغ‪ّ ،‬‬
‫والدين ال ُي َ‬
‫أعم وأشمل‪ ،‬وتأتي في صلبه قضايا االعتقاد‪.‬‬
‫الشرعية‪ ،‬وإنّما هو ّ‬

‫ظاهر من اآلية‪ ،‬هما أكثر‬
‫على أنّ (اإلنذار) و(الحذر) المطلوبين‪ ،‬كما هو‬
‫ٌ‬
‫(‪)2‬‬
‫التصاق ًا بقضايا العقيدة منهما بقضايا الشريعة‪ ،‬كما أنّ األخبار الصحيحة‬

‫السيد محمد حسين فضل الله حول المرجعية‬
‫(( ( الحظ في هذا المجال‪ :‬أطروحة العالمة المرجع ّ‬
‫المؤسسة‪ :‬الحسني‪ ،‬سليم‪ ،‬المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية‪( ،‬حوار مع العالمة المرجع السيد‬
‫محمد حسين فضل الله)‪ ،‬دار المالك‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1994 ،3‬م‪.‬‬
‫((( في الصحيح عن يعقوب قال‪ :‬قلت ألبي عبد الله‪ :Q‬إذا حدث على اإلمام حدث‪ ،‬كيف يصنع‬
‫وجل‪َ ﴿ :‬ف َل ْولاَ َن َف َر ِم ْن ُك ِّل ِف ْر َق ٍة ِم ْن ُه ْم َطائِ َف ٌة لِ َي َت َفق َُّهوا ِفي الدِّ ِ‬
‫ّ‬
‫ين‬
‫عز‬
‫ال ّناس؟ قال‪« :‬أين قول الله ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َولِ ُي ْن ِذ ُروا َق ْو َم ُه ْم إِ َذا َر َج ُعوا إِ َل ْيه ْم ل َعل ُه ْم َي ْحذ ُرونَ ﴾ [التوبة‪ ،]122:‬قال‪« :‬هم في عذر ما داموا‬
‫في الطلب‪ ،‬وهؤالء الذين ينتظرونهم في عذ ٍر ح ّتى يرجع إليهم أصحابهم»‪( .‬الكليني‪ ،‬محمد بن‬
‫يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.)378‬‬
‫‪82‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫أئمة أهل البيت ‪ R‬في تفسير اآلية‪ ،‬ربطت النفر فيها بالنفر طلب ًا‬
‫الواردة عن ّ‬
‫لإلمام الالحق بعد وفاة اإلمام السابق‪ ،‬ما ّ‬
‫يؤكد عالقة اآلية بالقضايا العقدية‪،‬‬
‫وإن كانت ال تنحصر بها‪ ،‬واألخبار المشار إليها هي روايات مصداقية وليست‬
‫تفسيرية‪.‬‬

‫موج ٌه إلى‬
‫وقد ُيالحظ على االستدالل باآلية الكريمة‪ :‬أن األمر بالنفر فيها ّ‬
‫الفرقة بصفتها طائف ًة من المؤمنين‪ ،‬ما يعني أنّ النفر ليس بهدف طلب المعارف‬
‫العقائدية‪ ،‬فإنها مفروضة التحقق‪ ،‬وإ ّ‬
‫فيتعين أن يكون‬
‫ال لما ّ‬
‫صح نعتهم بالمؤمنين‪ّ ،‬‬
‫النفر بهدف التفقه في الشريعة‪.‬‬

‫إنّ وصف اإليمان‪ ‬ـ‪ ‬بحسب الظاهر‪ ‬ـ‪ُ  ‬يراد به َم ْن آمن بالله ورسوله‪ ،‬والمؤمن‬
‫ملم ًا بكثي ٍر من قضايا العقيدة وبراهينها‪ ،‬كما قد ال يكون‬
‫بهذا المعنى قد ال يكون ّ‬
‫ملم ًا بالكثير من قضايا الشريعة وتفاصيلها‪ ،‬فيؤمر بالنفر ألجل تحصيلها مقدمة‬
‫ّ‬
‫الم ْن َذرين من المؤمنين أو غيرهم‪ ،‬فإنّ‬
‫إلنذار سائر الناس بها‪ ،‬سواء كان القوم ُ‬
‫يضر‬
‫المؤمنين كغيرهم بحاجة إلى اإلنذار بالكثير من قضايا االعتقاد التي قد ّ‬
‫تعرفها في تركيز وتعميق اإليمان بالله‬
‫جهلها في كمال إيمانهم‪ ،‬أو التي يساهم ّ‬
‫ورسوله واليوم اآلخر في النفوس‪ ،‬أو التي يكون االعتقاد بها أدعى إلى االلتزام‬
‫بالتكاليف الشرعية‪ ،‬كما هو الحال في قضايا االعتقاد ذات الصلة بحساب القبر‬
‫وعالم البرزخ وكيفية العرض على الله والصراط والميزان ونطق األعضاء‬
‫يشكل ِّ‬
‫للشهادة على اإلنسان‪ ،‬وغير ذلك من مجريات يوم القيامة التي ّ‬
‫االطالع‬
‫عليها حافز ًا النتظام اإلنسان واستقامته وصالح أمره‪.‬‬

‫وتعددها‬
‫تنويع التخصصات ّ‬

‫المتميزة‬
‫وبااللتفات إلى أنّ لالجتهاد العقائدي أدواته وآلياته وأصوله‬
‫ّ‬
‫والمختلفة عن نظائرها في حقل االجتهاد الفقهي‪ ،‬فال يتح ّتم أن يكون المجتهد‬
‫‪83‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫في الفروع مجتهد ًا في األصول‪ ،‬وال أن تكون المرجعية الفقهية هي المرجعية‬
‫تشعب المعارف اإلسالمية‪ ،‬وعمق مضامينها وسعة‬
‫ربما كان ّ‬
‫العقدية نفسها‪ ،‬بل ّ‬
‫عدة حقول‬
‫مشجع ًا ومح ّفز ًا على تنويع االختصاصات‬
‫آفاقها‪،‬‬
‫ّ‬
‫وتوزعها على ّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫كل ٍ‬
‫معرفية‪ ،‬ليتو ّلى االجتهاد في ّ‬
‫جماعة من أهل‬
‫حقل من حقول المعرفة الدينية‬
‫ويحد من‬
‫ويطوره‪ ،‬كما‬
‫الفضل والعلم‪ ،‬وهو األمر الذي يثري البحث العلمي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االستقطاب الحا ّد الذي يؤ ّدي إلى تمركز المرجعية في شخص واحد‪.‬‬
‫اإلسالمية وتشابكها بما‬
‫إال أنّ هذا بطبيعة الحال‪ ،‬ال ينفي تداخل المعارف‬
‫ّ‬
‫التام بينها‪ ،‬وهذا التداخل سوف يفرض على المتخصص في‬
‫يصعب معه الفصل ّ‬
‫بعض الحقول أن يكون ّ‬
‫الحد األدنى‪ ،‬أن ال يكون‬
‫مطلع ًا على سائر الحقول‪ ،‬وفي ّ‬
‫ٍ‬
‫غريب ًا عنها‪ .‬فالمتخصص في الشأن الفقهي‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫دراية‬
‫بد أن يكون على‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬ال ّ‬
‫مفر من أن يمتلك رؤي ًة متكامل ًة‬
‫بقضايا العقيدة وأسس االستنباط فيها‪ ،‬كما ال ّ‬
‫الدين ودوره في الحياة‪.‬‬
‫عن ّ‬

‫االجتهاد ال يستدعي التقليد‬

‫يظن البعض أنّ الدعوة إلى تشكيل مرجعية عقدية متخصصة ال تنسجم‬
‫وربما ّ‬
‫ّ‬
‫تقدمت اإلشارة إليه‪ ،‬بل يذهب‬
‫مما ّ‬
‫مع الموقف السلبي من التقليد في العقائد ّ‬
‫البعض إلى أنّ مشروعية تشكيل المرجعية المذكورة‪ ،‬يعني حكم ًا مشروعية‬
‫التقليد في العقائد(‪.)1‬‬
‫إال أنّ هذا الكالم غير دقيق‪:‬‬

‫التخصص في الحقل االعتقادي ليس تلبية الحاجة المفترضة‬
‫أو ًال‪ :‬ألنّ هدف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المبرر نفسه الذي دعا إلى تأسيس علم‬
‫ومبرره هو‬
‫إلى التقليد‪ ،‬وإنّما هدفه‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫((( راجع‪ :‬الحسن‪ ،‬طالل‪ ،‬التفقّه في الدين‪ ،‬حوار مع السيد كمال الحيدري‪ ،‬دار فراقد‪ ،‬قم ـ إيران‬
‫‪1425‬هـ‪ ،‬ط‪ ،1‬ص‪127‬ـ ‪.128‬‬
‫‪84‬‬

‫ ‬

‫الفصل األول‪ :‬االجتهاد الكالمي‪ :‬المبررات والعقبات‬

‫الدين في مواجهة‬
‫الكالم‪ ،‬أعني به إثبات المفاهيم االعتقادية بالدليل‪ ،‬وحماية ّ‬
‫المستجدات على هذا الصعيد‪.‬‬
‫اإلشكاالت وحمالت التشكيك‪ ،‬ومواكبة‬
‫ّ‬
‫المهمة وشرحها وتقديمها إلى‬
‫المتخصصة القيام بهذه‬
‫وعندما تتو ّلى الجماعة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرأي العام‪ ،‬فإنّ ذلك بطبيعة الحال‪ ،‬قد يورث اقتناع ًا لدى الجمهور‪ ،‬فيتب ّنى هذه‬
‫ّ‬
‫يحصنه في مواجهة التحديات واإلشكاالت‪.‬‬
‫تام‪ ،‬وهو ما‬
‫المقوالت عن وعي ٍّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫شيء‪ ،‬فإنّ التقليد المعروف في المجال الفقهي‪،‬‬
‫وهذا األمر ليس من التقليد في‬
‫ٍ‬
‫معرفة منه‬
‫مبني‪ ‬ـ‪ ‬كما أسلفنا‪ ‬ـ‪ ‬على منطق التسليم واإلذعان للفقيه‪ ،‬من دون‬
‫ٌّ‬
‫بطبيعة العملية االجتهادية أو طرق االستنباط وآلياته‪ ،‬ولذا نرى الفقيه ُيقدِّ م إلى‬
‫مجرد ًة عن أد ّلتها وحيثياتها‪ ،‬بينما‬
‫مق ّلديه نتائج عمله االجتهادي‪ ،‬أي الفتاوى‪ّ ،‬‬
‫يقدم فتاوى عقدي ًة تعبدية‪ ،‬فإنّه ال معنى‬
‫المتك ّلم أو‬
‫المتخصص في العقائد‪ ،‬ال ّ‬
‫ّ‬
‫يقدم لل ّناس مفاهيم عقدية مبرهنة ومعل ّلة‪.‬‬
‫للتعبد في قضايا االعتقاد‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫ّ‬

‫وثاني ًا‪ :‬إنّ القضايا التي من المفترض أن يتناولها أهل االختصاص باالجتهاد‪،‬‬
‫ليست هي بطبيعة الحال أمهات القضايا العقدية‪ ،‬فإنّ هذه ال تحتاج إلى التقليد‬
‫وأما القضايا العقائدية‬
‫أساس ًا ـ على فرض جوازه ـ لبداهتها ووضوحها‪ّ ،‬‬
‫عامة المك ّلفين‪ ‬ـ‪ ‬رغم أنّ االجتهاد فيها‬
‫مما ال تجب معرفته على ّ‬
‫التفصيلية‪ ،‬فهي ّ‬
‫واجب كفائي‪ ‬ـ‪ ‬وكذلك ال يجب االعتقاد واإلذعان بها‪ ،‬وإنّما يحرم إنكارها‪ ،‬كما‬
‫ٌ‬
‫سيأتي الحق ًا‪ ،‬ومن الواضح أنّ ما ال تجب معرفته وال االعتقاد به‪ ،‬ال ملزم للتقليد‬
‫فيه‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫الفصل الثاني‬

‫في المنهج‬

‫وقفات وتأ ّمالت‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫التعددي في البناء العقائدي‬
‫‪ 1‬المنهج ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 2‬التصنيفات الشائعة للدين‪ :‬فوارق ومعايير‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬أصناف االعتقاد وأنحاؤه‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪87‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫‪1‬‬
‫التعددي‬
‫المنهج ّ‬
‫في البناء العقائدي‬

‫أي علم كان ـ على منهج يتالءم وموضوعه‪،‬‬
‫من الطبيعي أن يعتمد العلم ـ ّ‬
‫ّ‬
‫ويشكل تأصيل المنهج‪ ،‬المدخل األساس‪ ،‬وحجر‬
‫وينسجم ومضمونه وأهدافه‪.‬‬
‫الزاوية في عملية بناء المعرفة‪ ،‬وتحديد معالم العلم‪ ،‬وتركيز أسسه‪ ،‬وتنظيم‬
‫مباحثه‪ ،‬وترشيد عملية البحث فيه لتصل إلى أهدافها المنشودة‪ ،‬وإنّ علم ًا ال‬
‫ٌ‬
‫للتخبط والتجاذب والعشوائية‪.‬‬
‫عرضة‬
‫يعتمد منهج ًا واضح ًا‪ ،‬هو‬
‫ّ‬

‫يحدد المنهج المعتمد في عمليات االستدالل ليس مزاج الباحث أو‬
‫والذي ّ‬
‫هواه أو ما يتوافق عليـه جماعـة من النـاس‪ ،‬وإنّمـا الـذي يفرض اختيار المنهج‬
‫الطبيعيـة‬
‫ويحدد نوعيتـه هو طبيعة العلم الـذي يـراد إثبـات مسائلـه‪ ،‬فالعلـوم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ـ مث ً‬
‫يتعين االستعانة في إثباتها بمنهج تجريبي حسي‪،‬‬
‫ال ـ تم ّثل لون ًا من المعارف ّ‬
‫ألنّ موضوعات ومحموالت هذه العلوم مستمدة من المحسوسات‪ ،‬وطبيعي‬
‫أنّ إثبات إلى المحسوسات يعتمد منهج ًا واضح المعالم ّ‬
‫ينظم عملية البحث‬
‫سواء كان منهج ًا تجريبي ًا بحت ًا أو استقرائي ًا أو غير ذلك‪ .‬لكن هذا‬
‫ويوجهها‪،‬‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫الدينية‪ ،‬وإن كان‬
‫المنهج التجريبي ال يمكن استخدامه إلثبات أو نفي المفاهيم‬
‫ّ‬
‫العلمية على هذا الصعيد‪ ‬ـ‪ ‬كما سنوضح‬
‫يمكن االستعانة بالتجربة واالكتشافات‬
‫ّ‬
‫الدينية وقضايا اإليمان تتضمن مسائل تتعلق‬
‫ذلك في الباب الثاني‪ ‬ـ‪ ‬فالمعتقدات‬
‫ّ‬
‫‪89‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الحسية‬
‫بالمجردات واألمور غير المادية‪ ،‬وهذه ال يمكن إخضاعها للتجربة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بشكل مباشر‪ ،‬ليصار إلى نفيها في حال لم يتم اكتشافها بواسطة التجربة‪ ،‬ولذا‪،‬‬
‫الدينية (كالم‪ ،‬فقه‪ ،‬تفسير‪ )..‬وتعدد موضوعاتها‪ ،‬فإنّها لم‬
‫تنوع المعارف‬
‫وبسبب ّ‬
‫ّ‬
‫فثمة منهج عقلي‬
‫تعتمد منهج ًا واحد ًا ومحدد ًا‪ ،‬وإنّما ّ‬
‫تعددت مناهج البحث فيها‪ّ ،‬‬
‫النص مرجع ًا نهائي ًا‬
‫يعتمد البراهين العقلية واألقيسة المنطقية‪ ،‬وآخر نقلي يعتمد ّ‬
‫ووحيد ًا‪ ،‬وثالث وجداني يعتمد الكشف ويرتكز على العلم ال ّل ُدنِّي وفق أسلوب‬
‫(‪)1‬‬
‫ٍ‬
‫تحول ّ‬
‫واحد من هذه المناهج‬
‫كل‬
‫التخلية التي تعقبها التحلية ـ كما يقال ـ وقد ّ‬
‫ٍ‬
‫مدرسة لها جمهورها وأنصارها‪.‬‬
‫إلى‬

‫وتعددها‪ ،‬يقع التساؤل عن المنهج المعتمد في عملية‬
‫تنوع المناهج‬
‫ّ‬
‫أمام ّ‬
‫االستنباط الكالمي؛ فهل هو المنهج العقلي أو النقلي أو الوجداني؟ هذا ما‬
‫نشير إليه هنا باختصار‪ ،‬على أن نعود في الباب الثاني إلى دراسة معمقة لتلك‬
‫المتنوعة التي نشأت داخلها أو‬
‫المناهج‪ ،‬دون الدخول التفصيلي في االتجاهات‬
‫ّ‬
‫على هامشها‪.‬‬

‫المنهج التكاملي‬

‫اإلسالمية‪ ‬ـ‪ ‬وتحديد ًا علم‬
‫ربما يقال‪ :‬إنّ طبيعة المعارف‬
‫وفي هذا الصدد ّ‬
‫ّ‬
‫الكالم في شقّه الم ّتصل بتحصيل القناعات العقائدية‪ ‬ـ‪ ‬تفرض اختيار واعتماد‬
‫منهج وسطي تكاملي يجمع بين المناهج المتقدمة‪ ،‬أي بين البرهان والبيان‬
‫بقية‬
‫البقية‪ ،‬أو فتح باب‬
‫ّ‬
‫وسد ّ‬
‫والعرفان‪ ،‬فال يتح ّتم اختيار منهج بعينه ورفض ّ‬
‫ٍ‬
‫واحد من هذه األبواب أو المناهج‪ ،‬قد يكون موص ً‬
‫األبواب؛ ألنّ ّ‬
‫الحق‬
‫ال إلى‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫((( أنظر حول هذا المصطلح‪ :‬النراقي‪ ،‬محمد مهدي (ت ‪1209‬هـ)‪ ،‬جامع السعادات‪ ،‬دار النعمان‬
‫للطباعة والنشر‪ ،‬النجف األشرف ـ العراق‪ ،‬ط‪ ،1‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.36‬‬
‫‪90‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫أو معين ًا على ذلك‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخالئق(‪.)1‬‬

‫وال يرى أهل العرفان‪ ،‬أو بعضهم على األقل‪ ،‬تنافي ًا بين طريق الكشف‪ ،‬وطريقي‬
‫الوحي والعقل‪ ،‬بل يرون أنّ ّثمة تكام ً‬
‫ال بين هذا وذاك‪ ،‬وأنّ بلوغ الحقائق ونيل‬
‫الواقعيات‪ ،‬يمكن الوصول إليه من خالل الطرق الثالثة‪ ،‬وهي كما يذكر السيد‬
‫الطباطبائي‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ «طريق ظاهر النصوص والبيانات الدينية‪ ،‬حيث تحفظ الحقائق في لفافة‬
‫الدعوة البسيطة»‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ «طريق االستدالل العقلي الذي يقوم على المنطق الفطري‪ ،‬وهذا هو طريق‬
‫التفكير الفلسفي»‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ «طريق تصفية النفس والمجاهدات الدينية‪ ،‬وهذا هو طريق العرفان‬
‫والتصوف»(‪.)2‬‬

‫وبحسب الطباطبائي‪ ،‬فقد اضطلع جملة من الفالسفة والعرفاء بمهمة التوفيق‬
‫يتبدى أو يظهر شيء من التعارض بينها‪،‬‬
‫بين الطرق الثالثة المشار إليها‪ ،‬عندما ّ‬
‫وعلى رأس هؤالء‪ ،‬المال صدرا الشيرازي‪ ،‬والقاضي سعيد القمي‪ ،‬واألخوند‬
‫المال علي النوري‪ ،‬وغيرهم(‪.)3‬‬

‫(( ( السبزواري‪ ،‬المال هادي‪ ،‬شرح األسماء الحسنى‪ ،‬منشورات مكتبة بصيرتي‪ ،‬قم‪ ،‬طبعة حجرية‪،‬‬
‫ص ‪ ،94‬نسبه إلى كالم الحكماء والعرفاء‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّ بعض العلماء نسبه إلى النبي محمد‪ .P‬أنظر‪:‬‬
‫(مغنية‪ ،‬محمد جواد‪ ،‬هذه هي الوهابية ص‪ .)12‬ولكننا لم نعثر عليه في حدود ما اطلعنا عليه‬
‫من مصادر حديثية أو غيرها منسوب ًا إلى النبي‪ P‬أو أئمة أهل البيت‪ R‬أو إلى أحد بعينه‪ ،‬ولم‬
‫يذكر لنا الشيخ مغنية مصدر ًا لهذه النسبة! ونقل عن المال أحمد النراقي‪ ،‬أنه أورده في بعض‬
‫كتبه كحديث من األحاديث (الريشهري‪ ،‬محمدي‪ ،‬من مصادر العقائد عند الشيعة اإلمامية‪ ،‬دار‬
‫الحديث‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1425 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.)113‬‬
‫كسار‪،‬‬
‫((( الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬الشيعة ـ ّ‬
‫نص الحوار مع كوربان‪ ،‬ترجمة‪ :‬جواد علي ّ‬
‫الطبعة الثانية‪ ،‬مؤسسة أم القرى‪ ،‬قم إيران‪ ،‬ط‪1418 ،2‬هـ‪ ،‬ص‪.128‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ص‪.104‬‬
‫‪91‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تؤكد الحاجة إلى ّ‬
‫والذي أراه أنّ النظرة المنصفة إلى المسألة ّ‬
‫كل من البرهان‬
‫ٍ‬
‫لجسد‬
‫عملية بناء العقيدة الصحيحة‪ ،‬فهي بمثابة أضالع ثالثة‬
‫والبيان والعرفان في‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫يشد بعضها بعض ًا ويعضده ويؤازره؛ فالعقل هو أساس البناء العقائدي‪ ،‬لكنه‬
‫واحد ّ‬
‫يحتاج إلى الوحي في بعض المجاالت؛ ألنّه يقف عاجز ًا عن اقتحام بعض ميادين‬
‫الغيب‪ ،‬فيحتاج إلى مصباح الوحي‪ ،‬كما أنّ النقل أو الوحي ال يستغني عن العقل؛‬
‫ألنّ العقل أساس حجيته‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإنّ باإلمكان االستعانة بالمنهج العرفاني رغم‬
‫وعورة طريقه(‪ )1‬أمام سالكيه‪ ،‬ورغم صعوبة االلتزام بكونه مصدر ًا من مصادر‬
‫المعرفة العقدية‪ ،‬كما سيأتي بيانه الحق ًا‪ ،‬إ ّال أنّه مع ذلك‪ ،‬يلعب دور ًا هام ًا في بناء‬
‫العقيدة وتجذيرها في النفس اإلنسانية؛ ألنّ غاية ما ينشده اعتماد المنهج العقلي‪،‬‬
‫حق اليقين‪ ،‬واألخذ بيده إلى شاطئ االطمئنان‪.‬‬
‫وكذا النقلي‪ ،‬هو إيصال اإلنسان إلى ّ‬
‫نظري‪ ،‬ليس بالضرورة أن يوصل إلى ذلك‪ ،‬لكنه قد يوصل إلى ذلك‬
‫والعرفان كعلم‬
‫ّ‬
‫في جانبه العملي‪ ،‬ألنّ مجاهدة ال ّنفس وتهذيبها من خالل التجربة الروحية أو التربية‬
‫العرفانية‪ ،‬تفتح الباب أمام مريدي الحقيقة وطالبي المعرفة‪ ،‬وتأخذ بأيديهم إلى ّبر‬
‫األمان‪.‬‬

‫مزايا المنهج التعددي‬

‫إنّنا‪ ،‬ومن خالل تأكيد المنهج التعددي التكاملي المشار إليه‪ ،‬ال نرمي إلى‬
‫ابتداع منهج توليفي يلفق بين المناهج الثالثة المشار إليها‪ ،‬وإنّما نحاول القول‪:‬‬
‫إنّ المنهج المعتمد في بناء العقيدة‪ ،‬هو منهج وسطي جامع‪ ،‬يستقي من قبس‬
‫العقل ونور الوحي وطهر الوجدان وصفاء الفطرة‪.‬‬
‫وما يميز هذا المنهج‪ ‬ـ‪ ‬باإلضافة إلى ما تقدم‪ ‬ـ‪ ‬أمران‪:‬‬

‫((( أنظر‪ :‬اآلملي‪ ،‬عبد الله جوادي‪ ،‬علي بن موسى الرضا‪ Q‬والقرآن الكريم‪ ،‬المؤتمر العالمي‬
‫لإلمام الرضا‪ ،Q‬مشهد ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،1408 ،1‬ج‪ ،1‬ص ‪.111‬‬
‫‪92‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫أحدهما‪ :‬محاكاته لكافة الشرائح االجتماعية على اختالف مستوياتهم‬
‫الفكرية‪ ،‬فهو منهج يجمع القلب والعقل مع ًا إلى جانب الوحي في عملية بناء‬
‫العقيدة‪ ،‬ليتناغم هذا التنوع في المنهج مع طبيعة اإلنسان؛ إذ إنّ اإلنسان ليس‬
‫عق ً‬
‫قلب أو عاطفة مجردة‪ ،‬بل إنّه عبارة عن هذا المزيج‬
‫ال أو فكر ًا محض ًا وال هو ٌ‬
‫المتنوع والمتناغم من العقل والعاطفة‪ ،‬من الفكر والمشاعر‪ ،‬من الجسد والروح‪،‬‬
‫ّ‬
‫فيأتي التنوع الذي يتيحه لنا المنهج المذكور مستجيب ًا لهذا التنوع في الشخصية‬
‫اإلنسانية على اختالف شرائحها الفكرية‪ ،‬ليجد اإلنسان العادي وصاحب الثقافة‬
‫المتواضعة في هذا المنهج ما يروي غليله ويحاكي فطرته ويستنهض عقله‪،‬‬
‫وليجد اإلنسان المتعمق في فهم األمور ضالته المنشودة من خالل الطريق‬
‫البرهاني الذي يفتح أمامه آفاق ًا رحبة تثري عقله وفكره‪ ،‬ويجد اإلنسان الراغب‬
‫الروحية ما يلبي رغبته من خالل طريق العرفان‪.‬‬
‫في االستزادة‬
‫ّ‬

‫ثانيهما‪ :‬انفتاحه على كافة العناصر العلمية والبيانية والوجدانية التي تساهم‬
‫في بناء العقيدة وتعزيز مفاهيمها‪ ،‬فهو منهج يستعين بكل جديد على المستوى‬
‫العلمي واألدبي والفني‪ ..‬إلى غير ذلك من األساليب التي تثري العقل وتغنيه‬
‫وتنميه وتساهم في فهم النص واستكناه معانيه؛ وتدخل حركة‬
‫وتحرك الوجدان ّ‬
‫ّ‬
‫تقدمه من اكتشافات حديثة توضح‬
‫العلم كعنصر هام على هذا الصعيد بما ّ‬
‫لنا أسرار الكون واإلنسان مما يساهم في تعميق اإليمان بالله تعالى وقدرته‬
‫وحكمته‪.‬‬

‫الروايات التي ّ‬
‫تؤكد المنهج التعددي‬

‫إنّ هذا المنهج التعددي فض ً‬
‫ال عن اعتضاده بالدليل العقلي‪ ‬ـ‪ ‬كما سنذكر‬
‫الحق ًا‪ ‬ـ‪ ‬مستفاد من الروايات الواردة عن النبي‪P‬‬
‫واألئمة من أهل بيته‪،R‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حج ًة‬
‫ففي الحديث عن اإلمام الكاظم‪ّ :Q‬‬
‫حجتين‪ّ :‬‬
‫«إن لله على ال ّناس ّ‬
‫‪93‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫واألئمة‪ R‬وأ ّما الباطنة‬
‫وحج ًة باطنة‪ ،‬فأ ّما الظاهرة‪ ،‬فالرسل واألنبياء‬
‫ظاهرةً‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فالعقول»(‪.)1‬‬

‫ٍ‬
‫النبي‪،‬‬
‫حديث آخر عن اإلمام الصادق‪« :Q‬حجة الله على العباد‬
‫وفي‬
‫ّ‬
‫والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل»(‪ ،)2‬هذا بالنسبة إلى طري َقي العقل‬
‫ّ‬
‫والوحي‪.‬‬

‫وأما فيما يرتبط بالوجدان أو العرفان‪ ،‬فإنّ تهذيب النفس كسلوك عرفاني‪،‬‬
‫ّ‬
‫هو أمر ليس مشروع ًا وحسب‪ ،‬بل هو مطلوب ومرغوب‪ ،‬وقد امتدحه النبي‪P‬‬
‫«إن رسول‬
‫فيمـا روي عنه‪ ،‬ففـي الحديـث الموثق عن اإلمام الصادق‪ّ :Q‬‬
‫شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي‬
‫الله‪ P‬ص ّلى بال ّناس الصبح‪ ،‬فنظر إلى‬
‫ٍّ‬
‫مصفـر ًا لونه‪ ،‬قد نحف جسمـه وغـارت عيناه في رأسه‪ ،‬فقال له رسول‬
‫برأسـه‬
‫ّ‬
‫الله‪ :P‬كيف أصبحت يا فالن؟‬

‫إن‬
‫قال‪ :‬أصبحت يا رسول الله موقن ًا‪ ،‬فعجب رسول الله‪ P‬من قوله‪ ،‬وقال‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫لكل يقين حقيقة‪ ،‬فما حقيقة يقينك؟‬

‫فقال‪ :‬إنّه يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني‪ ،‬وأسهر ليلي‪ ،‬وأظمأ هواجري‪،‬‬
‫يتنعمون في‬
‫فعزفت نفسي عن ّ‬
‫الدنيا وما فيها‪ ،‬ح ّتى كأنّي أنظر إلى أهل الج ّنة ّ‬
‫الج ّنة ويتعارفون‪ ،‬وعلى األرائك م ّتكئون‪ ،‬وكأنّي أنظر إلى أهل ال ّنار وهم فيها‬
‫ّ‬
‫معذبون مصطرخون‪ ،‬وكأنّي اآلن أسمع زفير ال ّنار يدور في مسامعي‪ ،‬فقال رسول‬
‫ثم قال له‪ :‬الزم ما أنت عليه»‪.‬‬
‫الله‪ P‬ألصحابه‪ :‬هذا عبدٌ ّ‬
‫نور الله قلبه باإليمان‪ّ ،‬‬
‫الشاب‪ :‬ادع لي يا رسول الله أن أرزق‬
‫أبصرت فا ْث ُب ْت‪ ،‬قال‬
‫وفي خب ٍر آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الشهادة معك‪ ،‬فدعا له رسول الله‪ ،P‬فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات‬
‫(( ( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.16‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.25‬‬
‫‪94‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫النبي‪ ،P‬فاس ُتشهد بعد تسعة نف ٍر وكان هو العاشر»(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫ٍ‬
‫واضحة‬
‫األئمة من أهل البيت‪ ،R‬وجود إشارات‬
‫وربما نلحظ في أدعية‬
‫ّ‬
‫إلى إمكانية وصول اإلنسان إلى الحقيقة عن طريق اإللهام والكشف‪ ،‬ففي دعاء‬
‫السحر المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي‪ ،‬يخاطب اإلمام زين العابدين‪Q‬‬
‫ربه بالقول‪« :‬بك عرفتك‪ ،‬وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك‪ ،‬ولوال أنت لم أد ِر‬
‫ّ‬
‫ما أنت»(‪ ،)2‬إلى غير ذلك من األدعية والروايات التي ّ‬
‫تؤكد الفكرة‪.‬‬

‫ولكن قد يالحظ على ذلك‪ :‬أنّ هذه األدعية وسواها‪ ،‬ربما تكون ناظر ًة إلى‬
‫طريق الفطرة التي فطر الله الناس عليها‪ ،‬وليس إلى طريق العرفان‪ ،‬ومع صرف‬
‫يهمني معاودة التأكيد على وعورة هذا الطريق أمام سالكيه‪،‬‬
‫النظر عن ذلك‪ ،‬فإنه ّ‬
‫واحتفافه بالمخاطر‪ ،‬وكثرة السقوط واالنزالق في هذا المسار‪ ،‬إال لألوحدي‬
‫وتحصن بسياج القرآن وساطع البرهان‪،‬‬
‫ممن شرح الله قلبه لإليمان‪،‬‬
‫ّ‬
‫من ال ّناس ّ‬
‫وحجيته‪.‬‬
‫طريقية الكشف‬
‫وسيأتي مزيد تحقيق حول‬
‫َّ‬
‫ّ‬

‫وفي ضوء ذلك‪ ،‬تعرف أنّ اإلصرار على انتهاج طريق واحد دون سواه في‬
‫يعبر عن جهل بحقيقة المنهج‬
‫مبرر له‪ ،‬بل إنّه قد ّ‬
‫بناء العقيدة ونفي ما عداه ال ّ‬
‫اإلسالمي في هذا المجال‪ ،‬كما هو الحال في طغيان المنحى النقلي لدى غالة‬
‫ّ‬
‫ويتنكرون لدور‬
‫المدرسة األخبارية والظاهرية‪ ،‬الذين يصادرون دور العقل‪،‬‬
‫الوجدان‪ ،‬أو كما هو الحال في طغيان المنحى العرفاني لدى غالة المدرسة‬
‫الصوفية‪ ،‬أو طغيان المنحى العقلي لدى بعض الفالسفة أو المتكلمين‪.‬‬

‫(( ( المصدر السابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.53‬‬
‫((( ابن طاووس‪ ،‬علي بن موسى (ت ‪664‬هـ)‪ ،‬إقبال األعمال‪ ،‬تحقيق‪ :‬جواد القيومي‪ ،‬مكتب‬
‫اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1414 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.157‬‬
‫‪95‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫مرجعية العقل‬
‫ّ‬

‫ثمة تساؤ ً‬
‫تبدى‬
‫ال مشروع ًا‬
‫وملح ًا يفرض نفسه‪ ،‬وهو‪ :‬أنّه لو ظهر أو َّ‬
‫ّ‬
‫يبقى أنّ ّ‬
‫نوع من التضارب والتباين بين الطرق الثالثة التي يعتمد عليها المنهج التعددي‬
‫ٌ‬
‫التكاملي‪ ،‬أعني العقل والنقل والوجدان‪ ،‬فما هو الحكم والمرجع؟‬

‫والح َكم‪ ،‬ألنّه هو الذي‬
‫يمكن القول‪ :‬إنّ العقل يم ّثل دور المرجع‬
‫والموجه َ‬
‫ّ‬
‫يتم فهمها ومحاكمتها‪ ،‬بل هو أساس حجيتها‪ ،‬فإنّ‬
‫يفسر النصوص‪ ،‬وفي ضوئه ّ‬
‫ّ‬
‫العقل هو الذي يفرض اإليمان باألنبياء والرسل‪ ،‬كما أنّه‪ ‬ـ‪ ‬مع ثابت الوحي‪ ‬ـ‪ ‬يم ّثل‬
‫المرجع في ضبط إيقاع أهل الكشف‪ ،‬والحصن المنيع الذي يقي من الوقوع في‬
‫شطحات الصوفيـة‪ّ ،‬‬
‫ويركز الكشـف علـى قاعـدة الشـرع الحنيف‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫﴿وا َّت ُقوا الل َه َو ُي َع ِّل ُم ُك ُم الل ُه‪[ ﴾...‬البقرة‪.]282:‬‬
‫َ‬

‫إنّ مرجعية العقل المشار إليها‪ ،‬ال تحتاج إلى تجشّ م عناء االستدالل‪ ،‬بل هي‬
‫من القضايا التي قياساتها معها‪ ،‬كما يقول المناطقة؛ مع ذلك‪ ،‬فإنّ الكتاب والس ّنة‬
‫نصا على هذه المرجعية‪ ،‬فالقرآن الكريم استخدم االستدالالت العقلية في‬
‫قد ّ‬
‫ّ‬
‫ذم الذين ال‬
‫التأمل‬
‫ّأمهات القضايا العقدية‪،‬‬
‫والتفكر‪ ،‬كما ّ‬
‫وتكررت دعوته إلى ّ‬
‫ّ‬
‫يستخدمون عقولهم‪ ،‬وال َي ِزنون القضايا وفق ميزان العقل‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬إِ َّن َش َّر‬
‫ِ‬
‫اب ِع ْندَ ِ‬
‫فحدث‬
‫َّ‬
‫الس ّنة‪ّ ،‬‬
‫الب ْك ُم ا َّل ِذ َ‬
‫الد َو ِّ‬
‫الله ُّ‬
‫الص ُّم ُ‬
‫ين لاَ َي ْعق ُلونَ ﴾ [األنفال‪ّ ،]22:‬أما ُّ‬
‫وال حرج‪ ،‬وقد ذكرنا بعضها آنف ًا‪ ،‬وإنّ الحديث التالي الوارد عن علي‪Q‬‬
‫مرجعية العقل وحاكميته على القلب‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن الحواس‪،‬‬
‫واضح الداللة حول‬
‫ّ‬
‫أئمة القلوب‪ ،‬والقلوب‬
‫أئمة األفكار‪ ،‬واألفكار ّ‬
‫قال‪ Q‬فيما روي عنه‪« :‬العقول ّ‬
‫أئمة األعضاء»(‪ ،)1‬ولنا عودة في الباب الثاني إلى بيان‬
‫أئمة الحواس‪ ،‬والحواس ّ‬
‫ّ‬
‫الدليل على حجية العقل‪.‬‬
‫((( المجلسي‪ ،‬محمد باقر(ت ‪1111‬هـ)‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ .‬ج‪ ،1‬ص‪.96‬‬
‫‪96‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫علي‪ Q‬ـ‪ ‬وفق ًا لهذا النص‪ ‬ـ‪ ‬هو ميزان القلب وإمامه‪ ،‬كما أنّه‬
‫فالعقل إذ ًا عند ّ‬
‫تتم في ضوئها غربلة تراثنا الحديثي‬
‫ٌ‬
‫إمام في تفسير مطلق ّ‬
‫النص‪ ،‬ومصفاة حقيقية ّ‬
‫تحديد ًا‪.‬‬

‫بد من التنبيه إلى أنّ مرجعية العقل في المقام ال تعني أن ندخل في دهاليز‬
‫وال ّ‬
‫الذهنية والترف‬
‫لنحول البحث الكالمي إلى ما يشبه المشاغل‬
‫التجريد والتعقيد‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفكري‪ ،‬كما حصل في بعض المسارات الكالمية‪ ،‬إنّ المطلوب تحرير علم‬
‫الكالم من أسر المفاهيم الفلسفية المغرقة في التجريد‪ ،‬ال ألنّها ابتعدت بالمسلم‬
‫عن روح العقيدة وصفاء الفطرة فحسب‪ ،‬بل ألنّها أعاقت هذا العلم عن القيام‬
‫ّ‬
‫ويخط لها طريق اإليمان‪،‬‬
‫بوظيفته األساسية وهي أن يرسم لإلنسانية منهج ًا الحب ًا‬
‫لتعيش العقيدة في عقل اإلنسان فكر ًا وذكر ًا وفي قلبه إيمان ًا واطمئنان ًا وفي حياته‬
‫ُخلق ًا حسن ًا وسلوك ًا طيب ًا‪.‬‬
‫هذا ما نقوله على نحو اإلجمال‪ ،‬وسيأتي مزيدٌ من التفصيل حول هذه المناهج‪،‬‬
‫ومدى قيمتها المعرفية في ثنايا البحوث اآلتية‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪2‬‬
‫التصنيفات الشائعة للدين‬
‫الفوارق والمعايير‬

‫وتنوعها‪ ،‬على حقلين أساسيين‪ ،‬هما‪:‬‬
‫تتوزع المعارف‬
‫ّ‬
‫اإلسالمية‪ ،‬على اختالفها ّ‬
‫ّ‬
‫الشريعة والعقيدة‪ ،‬ولذا أمكن اختصار اإلسالم بأنّه عقيدة وشريعة‪.‬‬

‫تقدم رؤية واضحة عن الكون والحياة‬
‫وتم ّثل العقيدة األساس النظري للدين‪ ،‬فهي ّ‬
‫وتصور ًا كام ً‬
‫ال عن المبدأ والمعاد‪ ،‬وتجيب عن األسئلة الداخلية التي تواجه كل إنسان‪،‬‬
‫أقصد بها أسئلة‪ :‬من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟ كما أنّها‪ ‬ـ‪ ‬عنيت العقيدة‪ ‬ـ‪ ‬تقوم بدور‬
‫ِّ‬
‫والمنظم لكل حركته وعالقاته بأبناء جنسه أو بكل ما‬
‫الموجه لنشاط اإلنسان وسلوكه‬
‫ِّ‬
‫يحيط به من حيوان أو طبيعة‪.‬‬

‫ّأما الشريعة فهي األحكام والقوانين التي تنظم سلوك اإلنسان سواء كانت أحكام ًا‬
‫وضعية على اختالفها وتعددها‪.‬‬
‫تكليفية أو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويهمنا هنا أن َّ‬
‫تم في ضوئها تصنيف الدين إلى‬
‫أهم المعايير التي ّ‬
‫نطل أو ًال‪ :‬على ّ‬
‫هذين الحقلين (العقيدة والشريعة)‪ ،‬وثاني ًا‪ :‬على الفوارق بين ِ‬
‫الع ْلمين المذكورين‪.‬‬

‫أو ًال‪ :‬معيار التصنيفات الشائعة‬

‫ّأما بالنسبة إلى النقطة األولى‪ ،‬فإنّ لنا جمل ًة من المالحظات المنهجية نسجلها‬
‫على المعايير المعتمدة في كلمات علماء الكالم حول التصنيفات الشائعة‬
‫‪98‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫للمعارف الدينية المتصلة بالعلمين المذكورين‪ ،‬لما تختزنه هذه المعايير من‬
‫سلبية‪ ،‬هذا على الرغم من إقرارنا بأنّ التصنيف حاجة بل ضرورة تمليها‬
‫مداليل ّ‬
‫طبيعة اختالف العلوم في موضوعاتها وغاياتها‪ ،‬كما سنرى في النقطة الثانية‪.‬‬
‫أ‪ ‬ـ‪ ‬األصول والفروع‬

‫وأول ما يواجهنا على هذا الصعيد‪ ،‬هو التصنيف الشائع بين المسلمين‪،‬‬
‫ّ‬
‫وعامتهم‪ ،‬وهو التصنيف المرتكز على ثنائية األصول والفروع‪ّ .‬‬
‫فكل ما‬
‫خاصتهم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يرتبط بالمعارف االعتقادية‪ ،‬يندرج في عداد األصول‪ّ ،‬‬
‫وكل ما يرتبط بالمعارف‬
‫الفقهية‪ ،‬يندرج في عداد الفروع‪.‬‬

‫ٌ‬
‫تصنيف اصطالحي (أكاديمي) ف ّني‬
‫والمالحظ أنّ هذا التصنيف الثنائي هو‬
‫(‪)1‬‬
‫ِ‬
‫تعبدي ًا منصوص ًا‬
‫ُوض َع بهدف «اإلحاطة والتدقيق والدرس» ‪ ،‬وليس تصنيف ًا ّ‬
‫عليه‪« ،‬فهو لم يرد في الكتاب أو السنة»(‪ ،)2‬بل ورد في بعض الروايات ما ال ينسجم‬
‫معه(‪ ،)3‬وإشكاليته األساسية ـ ّ‬
‫ككل التصنيفات الثنائية اآلتيةـ أنّه أوجد فرز ًا حا ّد ًا‬
‫إلى درجة القطيعة بين ِ‬
‫الع ْلمين المذكورين‪ ،‬كأنّما هما ِعلمان متقابالن ال يلتقيان‬
‫أسس التجاهين شبه متضادين في الحياة اإلسالمية‪:‬‬
‫وال يتفاعالن‪ ،‬األمر الذي ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫اتجاه يصرف ّ‬
‫واتجاه آخر‬
‫جل اهتماماته إلى علم الفروع لصلته بالسلوك العملي‪،‬‬
‫يصرف ّ‬
‫العقلية واالعتقادية‪.‬‬
‫جل اهتماماته إلى علم األصول لصلته باألنشطة‬
‫ّ‬
‫حد ذاتها ـ لتحمل سلبي ًة معيق ًة وخطيرة‪ ،‬بل إنّها‬
‫وهذه التفرقة لم تكن ـ في ّ‬
‫(( ( الصدر‪ ،‬السيد موسى‪ ،‬المذهب االقتصادي في اإلسالم‪ ،‬ترجمة‪ :‬منير مسعودي‪ ،‬مركز اإلمام‬
‫الصدر لألبحاث والدراسات‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط‪1998 ،1‬م‪ ،‬ص‪.143‬‬
‫((( الصدر‪ ،‬السيد محمد صادق‪ ،‬ما وراء الفقه‪ ،‬دار األضواء‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1993 ،1‬م‪،‬‬
‫‪1413‬هـ‪ ،‬ج‪ ،10‬ص‪.287‬‬
‫((( كما في حديث اإلمام الباقر‪ ،Q‬قال مخاطب ًا سليمان بن خالد‪« :‬أال أخبرك باإلسالم‪ ،‬أصله‬
‫وفرعه وذروة سنامه؟ قلت‪ :‬بلى جعلت فداك‪ ،‬قال‪ :‬أ ّما أصله فالصالة‪ ،‬وفرعه الزكاة وذروة سنامه‬
‫الجهاد»‪ ،‬أنظر‪ :‬الكليني‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ 2‬ص‪.24‬‬
‫‪99‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫نص قرآني أو حديث نبوي‪ ،‬وقد‬
‫تفرقة‬
‫مشروعة وضرورية ح ّتى لو لم ترد في ّ‬
‫حددت أصول اإلسالم التي يكون لالعتقاد بها‬
‫قامت بوظيفتها التنظيمية‪ ،‬عندما ّ‬
‫اإلسالمية‪،‬‬
‫الهوية‬
‫مدخلية في االنتماء إلى المجتمع اإلسالمي‪ ،‬بما يمنح اإلنسان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويغدو مشمو ً‬
‫ال لمنظومة الحقوق والواجبات التي يكفلها أو يوجبها القانون‪.‬‬
‫سلبي ًا عندما تجاوزت مهمتها التنظيمية‬
‫لكن التفرقة المذكورة‪ ،‬ا ّتخذت‬
‫ّ‬
‫منحى ّ‬
‫ً‬
‫والفنية‪ ،‬وأوحت بقطع الصلة بين األصول والفروع‪ ،‬األمر الذي نأى باألصول‬
‫العملية واليومية للفرد المسلم؛ ألنّ وظيفة األصول ـ وفق‬
‫العقائدية عن الحياة‬
‫ّ‬
‫تحدد له البناء‬
‫تلك الرؤية‪ ‬ـ ال عالقة لها بالنشاط العملي للفرد‪ ،‬وإنّما وظيفتها أن ّ‬
‫التصور النظري دور‬
‫النظري وحسب‪ ،‬مع أنّ من الطبيعي والضروري أن يلعب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الموجه للسلوك العملي‪.‬‬
‫ّ‬

‫ٍ‬
‫وبكلمة أخرى‪ :‬إنّ سلوك الفرد في الحياة‪ ،‬ومواقفه األخالقية والسياسية‪،‬‬
‫وأنشطته االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬ليست سوى انعكاس إليمانه‬
‫تحرك األمم‪ ،‬وتثير‬
‫واعتقاده‪ .‬فالعقيدة ّ‬
‫الحية هي الدافع األقوى للتغيير‪ ،‬فهي التي ّ‬
‫ٍ‬
‫بإيمان راسخٍ ال تزلزله الجبال الرواسي‪ ،‬إال أنّ التصنيف الثنائي‬
‫وتمد الفرد‬
‫الهمم‪ّ ،‬‬
‫للدين ومعارفه‪ ،‬قد أعاقت هذا‬
‫المشار إليه‪ ،‬وسائر التصنيفات الثنائية أو الثالثية ّ‬
‫التفاعل‪« ،‬وخلقت نوع ًا من الضعف التربوي‪ ،‬وكثير ًا من االستهتار‪ ،‬ح ّتى بلغ‬
‫يعتزوا بإسالمهم في قلوبهم‪ ،‬ولك ّنهم يصارحون بعدم‬
‫األمر ببعض المسلمين أن ّ‬
‫االلتزام بالعبادات»(‪.)1‬‬

‫ٍ‬
‫مختلف ال يبتني على‬
‫ونالحظ أنّ القرآن الكريم يقارب المسألة وفق منهج‬
‫هذه التصنيفات الحا ّدة‪ ،‬منهجٍ يتفاعل فيه العقدي مع التشريعي‪ ،‬واإليماني مع‬
‫األخالقي‪ ،‬ولذا فإنّه ّ‬
‫يتحدث عن اإليمان إال ويأتي ذلك مقرون ًا بالعمل‬
‫قل ما‬
‫ّ‬

‫ٌ‬
‫راسخة ومنهج حياة‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬دار التعارف‬
‫((( الصدر‪ ،‬السيد موسى‪ ،‬اإلسالم عقيد ٌة‬
‫للمطبوعات‪ ،‬بيروت لبنان ‪1979‬م‪ ،‬ص‪.27‬‬
‫‪100‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫الصالح‪ ،‬ما يعني أنّ للعقائد تأثير ًا مباشر ًا في حياة اإلنسان(‪ .)1‬هذه هي مالحظتنا‬
‫ٌ‬
‫سيالة ترد على ّ‬
‫كل‬
‫األساسية على ثنائية األصول والفروع‪ ،‬وهي‬
‫مالحظة ّ‬
‫التصنيفات اآلتي بعضها‪.‬‬

‫ٌ‬
‫المتقدم لإلسالم إلى أصول‬
‫مالحظة أخرى ترد على خصوص التصنيف‬
‫وثمة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وفروع‪ ،‬وحاصل هذه المالحظة‪ :‬أنّ هذا التصنيف مضاف ًا إلى أنّه قد أوحى‬
‫بدونية أو بال أهمية األحكام التشريعية المتصلة بالسلوك اإلنساني‪ ،‬باعتبار أنّها‬
‫ّ‬
‫من فروع الدين ال من أصوله‪ ،‬فقد أعطى انطباع ًا مخادع ًا ومضل ً‬
‫ال‪ ،‬ومفاده‪ :‬أنّ‬
‫(‪)2‬‬
‫ّ‬
‫أهم وأولى من المسائل‬
‫كل «ما يبحث في العقائد هو أصول» ‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فهو ّ‬

‫األهمية ما يجعله‬
‫مما يص ّنف في دائرة الفروع‪ ،‬يمتلك من‬
‫الفرعية‪ ،‬مع أنّ الكثير ّ‬
‫ّ‬
‫مصاف األصول‪ ،‬فإقامة الصالة‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ّ‬
‫‪ ‬ـ‪ ‬أهم من مسألة اإليمان بالصراط أو‬
‫ال‬
‫في‬
‫ّ‬
‫الميزان أو حساب القبر؛ ألنّ هذه التفاصيل االعتقادية‪ ،‬ال يرتكز عليها اإليمان‪،‬‬
‫الدين‪ ،‬فإن قبلت ُقبِ َل ما سواها وإن‬
‫يضر الجهل بها‪ّ ،‬أما الصالة‪ ،‬فإنّها عمود ّ‬
‫وال ّ‬
‫ُر ّدت ُر ّد ما سواها‪.‬‬
‫والعملية‬
‫العلمية‬
‫ب‪ ‬ـ‪ ‬التكاليف‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫والتصنيف اآلخر المطروح في كالم بعض األعالم‪ ،‬هو التصنيف الذي يعتمد‬
‫ثنائية العلم والعمل‪ ،‬ووفق ًا لهذه الثنائية فقد أ ّلف السيد المرتضى كتابه الشهير‪:‬‬
‫ّ‬
‫(‪)3‬‬
‫«جمل العلم والعمل» ‪.‬‬

‫نظرية‪،‬‬
‫ّ‬
‫قوتين‪ :‬إحداهما ّ‬
‫ووجه بعضهم هذا التصنيف على أساس أنّ لإلنسان ّ‬
‫عملية‪ ،‬وكمالها في القيام‬
‫وكمالها في معرفة الحقائق على ما هي عليه‪ ،‬واألخرى‬
‫ّ‬
‫األول حول دور العقائد في حياة اإلنسان‪.‬‬
‫(( ( راجع ما ذكرناه في الفصل ّ‬
‫((( الحيدري‪ ،‬السيد كمال‪ ،‬التفقه في الدين‪( ،‬حوار) مصدر سابق‪ ،‬ص‪.128‬‬
‫((( والكتاب مطبوع‪ ،‬وقد صدرت طبعته األولى في النجف األشرف سنة ‪1378‬هـ‪ ،‬بتحقيق‪ :‬السيد‬
‫أحمد الحسيني‪ ،‬ونشر مطبعة اآلداب‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫قرر اإلسالم هذا المبدأ أساس ًا لسعادة‬
‫بما ينبغي من الشؤون في الحياة‪ .‬وقد ّ‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬فجاءت تكاليفه نوعين‪ :‬منها ما ُيطلب علم ًا‪ ،‬ومنها ما‬
‫اإلنسان في ّ‬
‫ُيطلب عم ً‬
‫ال(‪.)1‬‬

‫إال أنّ هذا التصنيف ال يخلو من مالحظة‪ ،‬وهي‪ :‬أنّ َد ْر َج قضايا االعتقاد تحت‬
‫ٍ‬
‫بمجرد‬
‫دقيق؛ ألنّ القضايا العقدية ال يكتفى فيها‬
‫العلمية غير‬
‫عنوان التكاليف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بد أيض ًا من عقد القلب واإلذعان‪ .‬ومن الواضح أنّ‬
‫مجرد العلم‬
‫العلم‪ ،‬بل ال ّ‬
‫ّ‬
‫بأم العين أشخاص ًا يعلمون بالمفهوم‬
‫ال يالزم عقد القلب‪ ،‬كيف ونحن نرى ّ‬
‫حدثنا القرآن عن هذا االنفكاك بين العلم‬
‫ثم ال يعقدون قلوبهم عليه‪ ،‬وقد ّ‬
‫العقدي ّ‬
‫اس َت ْي َق َن ْت َها َأن ُْف ُس ُه ْم﴾ [النمل‪.]14:‬‬
‫واإلذعان‪ ،‬فقال سبحانه‪َ :‬‬
‫﴿و َج َحدُ وا بِ َها َو ْ‬

‫والمالحظة المذكورة ال ترد على ما فعله التفتازاني في شرح المقاصد حيث‬
‫قال في بيان التصنيف المذكور‪ « :‬األحكام المنسوبة إلى الشرع‪:‬‬
‫وعملية‪.‬‬
‫منها‪ :‬ما يتعلق بالعمل وتسمى فرعية‬
‫ّ‬

‫ومنها‪ :‬ما يتعلق باالعتقاد‪ ،‬وتسمى أصلية واعتقادية»(‪.)2‬‬

‫ٍ‬
‫قسم الشيخ كاشف الغطاء وظائف اإليمان‬
‫وغير بعيد عن هذا التصنيف فقد ّ‬
‫إلى‪ :‬ما يرجع إلى وظيفة العقل والقلب‪ ،‬وما يرجع إلى وظيفة القلب والجسد‪،‬‬
‫وتحـدث عـن مرحلتيـن‪ :‬مرحلـة العلـم واالعتقـاد‪ ،‬ومرحلة العمل(‪ ،)3‬وما‬
‫ّ‬
‫فعله‪M‬‬
‫جيدٌ ‪ ،‬وإن أمكن االكتفاء في المرحلة األولى بكلمة االعتقاد‪ ،‬بدل‬
‫ّ‬
‫(( ( شلتوت‪ ،‬محمود‪( ،‬شيخ األزهر)‪ ،‬اإلسالم عقيد ًة وشريع ًة‪ ،‬دار الشروق القاهرة ـ مصر‪ ،‬ط‪،17‬‬
‫‪1991‬م‪1411 ،‬هـ‪ ،‬ص‪.34‬‬
‫((( أنظر‪ :‬التفتازاني مسعود بن عمـر ( ت‪792 :‬هـ)‪ ،‬شرح المقاصد في علم الكالم‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ج ‪ 1‬ص ‪.6‬‬
‫((( كاشف الغطاء‪ ،‬الشيخ محمد حسين‪ ،‬أصل الشيعة وأصولها‪ ،‬تحقيق‪ :‬عالء آل جعفر‪ ،‬مؤسسة‬
‫اإلمام علي‪ ،Q‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1417 ،2‬هـ‪ ،‬ص‪.232‬‬
‫‪102‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫الجمع بينها وبين كلمة العلم؛ ألنّ االعتقاد يختزن معنى العلم‪ ،‬إذ ال يمكن عقد‬
‫معين إن لم يكن المك ّلف عالم ًا به‪.‬‬
‫القلب على مفهوم ديني ّ‬
‫ج‪ ‬ـ‪ ‬الفقه األكبر والفقه األصغر‬

‫الدين ُبعد ًا‬
‫وثمة تصنيف ثالث مطروح في كلمات السلف‪ ،‬وهو يعطي ّ‬
‫ّ‬
‫محدد ًا‪ ،‬وهو معنى الفقه‪ ،‬غايته أنّه ُيص ّنف الفقه إلى أكبر وأصغر‪.‬‬
‫واحد ًا‪ ،‬ومعنى ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫وأما المعارف الشرعية‪،‬‬
‫فالمعارف االعتقادية يصطلح عليها بالفقه األكبر ‪ّ ،‬‬
‫فيصطلح عليها بالفقه األصغر‪ ،‬بل يرى الغزالي أنّ ما يحصل به الفقه لإلنسان‪،‬‬
‫هو ما ي ّتصل بمعرفة المبدأ والمعاد دون سواه‪ ،‬يقول‪« :‬ولقد كان اسم الفقه في‬
‫العصر األول مطلق ًا على علم اآلخرة ومعرفة آفات النفوس ومفسدات األعمال‪،‬‬
‫وشدة التط ّلع إلى نعيم اآلخرة‪ ،‬واستيالء الخوف‬
‫الدنيا‪،‬‬
‫ّ‬
‫وقوة اإلحاطة بحقارة ّ‬
‫ّ‬
‫وجل‪﴿ :‬لِ َي َت َفق َُّهوا ِفي الدِّ ِ‬
‫ّ‬
‫ين َولِ ُي ْن ِذ ُروا َق ْو َم ُه ْم إِ َذا‬
‫عز‬
‫على القلب‪ ،‬ويد ّلك عليه قوله ّ‬
‫َر َج ُعوا إِ َل ْي ِه ْم﴾ [التوبة‪ ،]122:‬وما يحصل به اإلنذار والتخويف هو هذا الفقه‪،‬‬
‫والسلم واإلجارة‪ ،‬فذلك ال يحصل به‬
‫دون تفريعات الطالق والعتاق واللعان ّ‬
‫إنذار وال تخويف‪.)2(»..‬‬
‫وأهمية التصنيف األخير‪ ،‬ليس فقط في أنّه يج ّنبنا سلبيات التصنيفات الثنائية‬
‫ّ‬
‫أو الثالثية‪ ،‬وما تتركه من فر ٍز حا ٍّد يعمل على تجزئة اإليمان‪ ،‬ويحول دون تفاعل‬
‫قوته من‬
‫العقدي مع العملي وتداخله معه وتأ ّثره به وتأثيره فيه‪ ،‬بل في أنّه‬
‫ّ‬
‫يستمد ّ‬
‫ا ّتكائه على مصطلحٍ قرآني بعيد المرمى‪ ،‬عميق الغور‪ ،‬عنيت به مصطلح الفقه‪،‬‬
‫تسمى باسمه معنى الفهم الواعي‪ ،‬ما‬
‫الذي يعطي المعارف‬
‫اإلسالمية عندما ّ‬
‫ّ‬
‫(( ( يقول سعد الدين التفتازاني‪« :‬وخصوا االعتقاديات باسم الفقه األكبر»‪ ،‬أنظر‪ :‬التفتازاني مسعود‬
‫بن عمر( ت‪792 :‬هـ)‪ ،‬شرح المقاصد في علم الكالم‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪.6‬‬
‫((( الغزالي‪ ،‬أبو حامد‪ ،‬محمد بن محمد (ت ‪505‬هـ)‪ ،‬إحياء علوم الدين‪ ،‬دار الهادي‪ ،‬بيروت ـ‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪ ،1992 ،1‬ج‪ ،1‬ص‪ 49‬ـ‪.50 ‬‬
‫‪103‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫التعبد األعمى‪.‬‬
‫يربطها بالنشاط العقلي‪ ،‬ويبعدها عن ّ‬

‫إشكالية اإليحاء بدونية الوظائف العملية‬
‫إال أنّ هذا التصنيف ال يخلو من‬
‫ّ‬

‫أمام الوظائف العقدية‪ ،‬كما يوحي بذلك وصفا األصغر واألكبر‪ ،‬األمر الذي‬

‫قد يبعث على االستخفاف بالوظائف العملية‪ ،‬بحكم االنطباع الذي أعطاه‬
‫وصف األصغر‪ ،‬مع أنّ األمر في هذا التقسيم ليس دقيق ًا‪ ،‬فإنّ بعض الوظائف‬
‫أهم من بعض التفاصيل االعتقادية‪ ،‬كما أسلفنا‪ ،‬ولذا فاألجدى في حال‬
‫العملية ّ‬
‫ّ‬

‫اعتماد هذا التصنيف‪ ،‬استبدال وصفي (األكبر) و(األصغر) بوصفين يخلوان‬

‫من اإليحاء السلبي المذكور‪ ،‬كاستبدال وصف األكبر باالعتقادي‪ ،‬واألصغر‬

‫بالعملي‪.‬‬

‫د‪ ‬ـ‪  ‬أفعال الجوانح والجوارح‬

‫وربما تص ّنف قضايا الدين تصنيف ًا رابع ًا‪ ،‬وذلك ألنّها ترتبط ّإما بأفعال الجوارح‬
‫ّ‬
‫فع ً‬
‫الدين‪ ،‬ويتناولها علم الفقه‬
‫ال أو ترك ًا‪ ،‬إلزام ًا أو ترخيص ًا‪ ،‬وهذه ما تعرف بفروع ّ‬
‫وإما ترتبط بأفعال القلوب والجوانح‪ ،‬وهذه على نحوين‪:‬‬
‫بالبحث واالستدالل‪ّ ،‬‬

‫النفسانية‪ ،‬وما تتط ّلبه من التح ّلي بالفضائل‬
‫األول‪ :‬ما يتع ّلق ببناء الملكات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتم تناولها في علم األخالق‪.‬‬
‫والتخ ّلي عن الرذائل‪ ،‬وهذه ّ‬
‫ٍ‬
‫بجملة من المفاهيم الدينية‪ ،‬وهذا ما‬
‫الثاني‪ :‬ما يتط ّلب عقد القلب واإلذعان‬

‫يتناوله علم الكالم وأصول الدين‪.‬‬
‫ويالحظ على هذا التصنيف‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬إنّ علم األخالق هو إلى أفعال الجوارح أقرب منه إلى أفعال الجوانح‪.‬‬

‫النية وأحكامها‪ ،‬هي من المباحث‬
‫ثاني ًا‪ :‬إنّ هذا التقسيم ليس فارق ًا‪ ،‬فقضايا ّ‬

‫الفقهية‪ ،‬مع أنّها من أفعال القلوب والجوانح‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬الفوارق بين علمي العقائد والفقه‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫نتحدث في النقطة‬
‫هذا ك ّله فيما يرتبط بالتصنيفات الشائعة للدين‪ ،‬ويبقى أن‬
‫ّ‬
‫علمي الفقه والعقائد‪ ،‬وعن المعايير التي بموجبها تكون‬
‫الثانية عن الفوارق بين ّ‬
‫المسألة كالمي ًة أو فقهية‪.‬‬

‫ّ‬
‫ثمة فوارق عديدة بين علمي العقائد والفقه‪ ،‬فهما مختلفان‬
‫من‬
‫المؤكد أنّ ّ‬
‫موضوع ًا‪ .‬فموضوع علم العقائد‪ ،‬هو المسائل التي يلزم فيها عقد القلب على‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بشكل مباش ٍر بالسلوك العملي‪ ،‬بينما موضوع‬
‫جملة من المفاهيم التي ال ترتبط‬
‫تحدد وظيفة المك ّلف العملية‪ّ ،‬‬
‫وتنظم‬
‫علم الفقه‪ ،‬هو التكاليف الشرعية التي ّ‬
‫سلوكه بشكل مباشر؛ وينتج من هذا االختالف‪ ،‬اختالف آخر في نوعية الدليل‬
‫بد من‬
‫المعتمد في المسألة االعتقادية والمسألة الفقهية‪ .‬فالدليل في األولى ال ّ‬
‫أن يكون قطعي ًا‪ ،‬بينما في الثانية ليس من الضروري أن يكون دليلها قطعي ًا‪ .‬وهما‬
‫مختلفان في الغاية أو الغرض‪ ،‬فإنّ العقيدة تستهدف تأمين البناء النظري والرؤية‬
‫صحة سلوكه‬
‫التصورية تجاه الكون والحياة‪ ،‬بينما تستهدف الشريعة ضمان ّ‬
‫متقد ٌم‬
‫العملي على ضوء تلك الرؤية‪ .‬وهما مختلفان أيض ًا في الرتبة‪ ،‬فإنّ االعتقاد ّ‬
‫أو ً‬
‫ثم يأتي دور‬
‫رتب ًة‪ ،‬وربما زمن ًا على العمل‪ ،‬فالرؤية االعتقادية تُبنى وتصاغ ّ‬
‫ال‪ّ ،‬‬
‫العمل لينسجم مع تلك الرؤية‪ ،‬وليكون تجسيد ًا لها‪ .‬هذا فيما يرتبط بالفوارق بين‬
‫ِ‬
‫الع ْلمين‪ ،‬والتي َّ‬
‫شكلت مرتكز ًا للتصنيفات المتقدمة‪.‬‬
‫ولكن ما هي المعايير التي بموجبها تندرج المسألة في علم الفقه أو علم‬
‫الكالم؟‬
‫‪ 1‬ـ‪ ‬بين فعل الله وفعل العبد‬

‫َّ‬
‫لعل ّأول ما يواجهنا في المقام‪ ،‬المعيار الذي يطرحه مشهور العلماء بشأن‬
‫المسألة الكالمية‪ ،‬وأنّ مناطها كون موضوعها عبار ًة عن البحث حول وجود‬
‫‪105‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الله أو حول صفة من صفاته أو فعل من أفعاله‪ ،‬بينما معيار المسألة الفقهية كون‬
‫موضوعها فع ً‬
‫ال من أفعال العبد(‪.)1‬‬

‫ويالحظ على هذا المعيار‪ :‬أنّه يقارب المسألة وفق ثنائية فعل الله وفعل العبد‪،‬‬
‫وهو ما يعطي انطباع ًا بالتقابل وعدم التالقي بين المسائل االعتقادية والمسائل‬
‫خاطئ من الجهتين؛ ألنّ موضوع المسألة الكالمية‪ ،‬وإن‬
‫انطباع‬
‫الشرعية‪ ،‬وهو‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫صلة بوجود الله أو صفاته وأفعاله‪ ،‬إال أنّ االعتقاد هو فعل العبد‪،‬‬
‫كان على‬
‫مباشر في فعله وسلوكه‪ ،‬كما أنّ الشريعة وإن ارتبطت بفعل‬
‫تأثير‬
‫ٌ‬
‫والعقيدة لها ٌ‬
‫المك ّلف‪ ،‬لك ّنها ال تبتعد عن فعل الله‪ ،‬بل هي في أصل تشريعها وإنشائها فعل من‬
‫وأما في امتثالها وتطبيقها‪،‬‬
‫أفعاله تعالى ولطف من ألطافه‪ ،‬وال دخل للعبد بها‪ّ ،‬‬
‫فهي وإن ارتبطت بفعل العبد‪ ،‬لك ّنها مع ذلك‪ ،‬ال تبتعد عن فعل الله أيض ًا‪ ،‬وفق ًا‬
‫لنظرية أو عقيدة األمر بين األمرين‪ ،‬التي تفترض أنّ أفعال اإلنسان هي أفعال الله‬
‫حرية اإلنسان واختياره‪.‬‬
‫أيض ًا‪ ،‬دون أن يلغي ذلك ّ‬

‫مجرد‬
‫على أنّ تقديم بعض القضايا العقدية‪،‬‬
‫ّ‬
‫كالنبوة واإلمامة‪ ،‬من زاوية أنّها ّ‬
‫يغيبها‬
‫فعل من أفعال الله‪ ،‬ال يعطي هذه المعتقدات حقّها وصورتها الواقعية‪ ،‬بل ّ‬
‫وربما أفقدها حيويتها وفاعليتها‪ ،‬ونأى بها عن التأثير في‬
‫في نطاق عقائد أخرى‪ّ ،‬‬
‫حياة اإلنسان‪.‬‬
‫ّ‬
‫المتقدمة‪ ،‬فإنّ بعض‬
‫متخطين التح ّفظات‬
‫ثم لو أننا اعتمدنا المعيار اآلنف‪،‬‬
‫ّ‬
‫القضايا قد تندرج في علم الكالم وفي علم الفقه في الوقت عينه‪ ،‬الختالف حيثية‬
‫النظر إليها‪ ،‬فمن زاوية كونها فع ً‬
‫تجسد فعل‬
‫ال لله فهي كالمية‪ ،‬ومن زاوية كونها ِّ‬
‫العبد فهي فقهية‪.‬‬

‫((( السبزواري‪ ،‬الميرزا حسن السيادتي (ت ‪1385‬هـ)‪ ،‬وسيلة الوصول إلى حقائق األصول (تقرير ًا‬
‫لبحث السيد أبي الحسن األصفهاني)‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1419 ،1‬هـ‪،‬‬
‫ص‪.291‬‬
‫‪106‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫‪ 2‬ـ‪ 3 ‬ـ‪  ‬معياران مرفوضان‬

‫وغير ٍ‬
‫بعيد من المعيار المذكور في اإلشكال‪ ،‬ما يطرحه بعض العلماء‪ ،‬من أنّ‬
‫معيار المسألة الكالمية هو كون البحث فيها عن المبدأ أو المعاد(‪ ،)1‬فإنّه يفترض‬
‫ٍ‬
‫أنّ‬
‫بشكل أو بآخر في‬
‫النبوة‪ ،‬وكذا اإلمامة وغيرها من المسائل العقدية‪ ،‬تندرج‬
‫ّ‬
‫نطاق (المبدأ)‪ ،‬وهذا ال يخلو من تغييب لهذه المعتقدات واختزال دورها‪.‬‬

‫ومن المعايير المرفوضة‪ ،‬محاولة التفريق بين المسألتين ـ أعني الكالمية‬
‫والفقهية ـ على أساس طبيعة الدليل‪ .‬فإن كان الدليل عقلي ًا‪ ،‬فالمسألة كالمية‪،‬‬
‫عقلية الدليل‬
‫وإن كان نقلي ًا‪ ،‬فالمسألة فقهية‪ .‬والخلل في هذا المعيار‬
‫ٌ‬
‫واضح‪ ،‬فال ّ‬
‫ربما كانت المسألة فقهي ًة ودليلها عقلي ًا(‪ ،)2‬وال‬
‫شاهد على كالمية المسألة‪ ،‬إذ ّ‬
‫ربما كانت المسألة كالمية ودليلها‬
‫نقليته‪ ‬ـ‪ ‬أي الدليل‪ ‬ـ‪ ‬شاهد على فقهيتها‪ ،‬إذ ّ‬
‫نقلي ًا‪ ،‬وأمثلة ذلك كثيرة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ‪ ‬االلتزام العملي أو االلتزام القلبي‬

‫وربما بإمكاننا طرح معيا ٍر رابع‪ ،‬يقارب المسألة من زاوية موقف اإلنسان‬
‫ّ‬
‫وتكليفه إزاء الموضوعات الدينية الكالمية أو الفقهية‪ .‬وحاصل هذا المعيار‬
‫الفارق بين المسألتين‪ :‬أنّ المسألة الكالمية ال ُيطلب فيها سوى توطين القلب‬
‫ال أو إجما ً‬
‫وعقده تفصي ً‬
‫ال على مفهوم معين‪ّ ،‬أما المسألة الفقهية‪ ،‬فإنّ ما ُيطلب‬
‫أو ً‬
‫العملي‪ ،‬ولو لم ينطلق أو يترافق مع إذعان‬
‫ال‪ ،‬وبالذات‪ ،‬هو االمتثال‬
‫فيها ّ‬
‫ّ‬
‫ال ّنفس وعقد القلب‪.‬‬
‫ٍ‬
‫بكلمة أخرى‪ :‬إنّ ما يلزم في المسألة الكالمية‪ ،‬أو ً‬
‫ال وبالذات هو الموافقة‬
‫(( ( األنصاري‪ ،‬الشيخ محمد علي‪ ،‬الموسوعة الفقهية الميسرة‪ ،‬مجمع الفكر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1415 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.452‬‬
‫((( كما في الفتوى ببطالن الصالة في المكان المغصوب‪ ،‬فإنّها ال تعتمد على دليل نقلي وإنما هي‬
‫مبنية على دليل عقلي وهو استحالة اجتماع األمر والنهي‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪107‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫االلتزامية‪ ،‬بينما ال يلزم في المسألة الفقهية من حيث المبدأ سوى الموافقة‬
‫ٍ‬
‫يصح وال يستقيم إال‬
‫قضية‪ ،‬ال‬
‫بأية‬
‫العملية‪ .‬فاإليمان بالله سبحانه أو بالمعاد أو ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫راسخة في ال ّنفس‪ ،‬والتزام قلبي وجداني‪ ،‬بينما الحكم بحرمة‬
‫قناعة‬
‫إذا انطلق من‬
‫إلزامية‪ ،‬ال يجب فيها‬
‫شرب الخمر أو لبس الذهب أو ما إلى ذلك من أحكام‬
‫ّ‬
‫العملي‪ ،‬دون اإلذعان النفسي وااللتزام القلبي بالحرمة؛ وكثير ًا‬
‫سوى االمتثال‬
‫ّ‬
‫نفسية بهذا الحكم أو ذاك‪ ،‬وإنّما‬
‫ما يلتزم بعض ال ّناس بأحكام الشريعة‪ ،‬ال لقناعة ّ‬
‫القانونية في‬
‫تأسي ًا برسول الله‪ ،P‬أو حفظ ًا للنظام العام‪ ،‬أو خوف ًا من العواقب‬
‫ّ‬
‫صورة المخالفة‪ ،‬أو لغير ذلك من االعتبارات والدواعي‪.‬‬
‫لصوابية هذا الفارق المعياري‪ ،‬هو أنّه لو كان الواجب في المسائل‬
‫ومما يشهد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ثمة‬
‫الفقهية االلتزام النفسي‪ ،‬مضاف ًا إلى االلتزام العملي‪ ،‬لكان معنى ذلك‪ ،‬أنّ ّ‬
‫جانحية؛ وفي‬
‫جوارحية وأخرى‬
‫امتثالين وطاعتين في األحكام الفقهية‪ ،‬طاعة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العملية‪،‬‬
‫مستحق لعقوبتين‪ :‬إحداهما عقوبة على المخالفة‬
‫حال المخالفة‪ ،‬فالعبد‬
‫ٌّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫مخالف للوجدان القاضي بعدم‬
‫واألخرى على المخالفة االلتزامية‪ ،‬وهذا‬
‫استحقاق المك ّلف أية عقوبة في حال موافقته للتكليف عم ً‬
‫ال‪ ،‬وعدم موافقته‬
‫ٌ‬
‫مخالف لحكم العقل باستحقاق العبد الممتثل أمر مواله‬
‫له التزام ًا‪ .‬كما أنّه‬
‫عم ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬ولو لم يلتزم قلب ًا‪ ‬ـ‪ ‬للمثوبة ال للعقوبة(‪.)1‬‬
‫إال أنّ هذا الفارق المعياري تواجهه عقبتان‪:‬‬

‫األولى‪ :‬إنّ قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف اَل َو َر ِّب َك لاَ ُي ْؤ ِم ُنونَ َح َّتى ُي َح ِّك ُم َ‬
‫يما َش َج َر َب ْي َن ُه ْم‬
‫وك ِف َ‬
‫يما﴾ [النساء‪ ،]65:‬خير‬
‫ُث َّم لاَ َي ِجدُ وا ِفي َأن ُْف ِس ِه ْم َح َر ًجا ِم َّما َق َض ْي َت َو ُي َس ِّل ُموا ت َْس ِل ً‬
‫ٍ‬
‫صحة الفارق المذكور‪ ،‬لداللته على ضرورة اإلذعان والتسليم‬
‫شاهد على عدم ّ‬
‫النبي‪ P‬أو قضى به‪ ،‬سواء كان في نطاق العقائد أو األحكام‪.‬‬
‫بما جاء به ّ‬
‫((( أنظر‪ :‬الخراساني‪ ،‬محمد كاظم‪ ،‬المعروف باآلخوند‪ ،‬كفاية األصول‪ ،‬مؤسسة آل‬
‫إلحياء التراث‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.268‬‬
‫‪108‬‬

‫البيت‪R‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫عقدية‪ ،‬وهي مسألة‬
‫ولكن يمكن أن يجاب على ذلك‪ :‬أنّ اآلية ناظرة إلى مسألة‬
‫ّ‬
‫االنقياد والتسليم واإلذعان لرسول الله‪ ،P‬في ّ‬
‫كل ما جاء به من مفاهيم عقدية‬
‫شرعية أو غير ذلك‪ ،‬ومسألة االنقياد لرسول الله‪ P‬في ّ‬
‫كل‬
‫أو أخالقية أو أحكام‬
‫ّ‬
‫ما جاء به‪ ،‬هي من أصول الدين‪ ،‬ال من فروعه‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬إنّ هذا الفارق ليس ّ‬
‫شرعية ال يجب فيها االمتثال‬
‫أحكام‬
‫فثمة‬
‫ٌ‬
‫مطرد ًا‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫النية‬
‫العملي‪ ،‬وإنّما ُيكتفى فيها بعقد القلب‬
‫ّ‬
‫والتوجه الباطني‪ ،‬كما في أحكام ّ‬
‫ٍ‬
‫وبعبارة‬
‫الواجبة في العبادات والطهارات الثالث‪ ،‬وهي تُبحث في الكتب الفقهية‪.‬‬
‫أحكام ترتبط بالجوارح‪.‬‬
‫شرعي ٌة ترتبط بالجوانح‪ ،‬كما هناك‬
‫أحكام‬
‫أخرى‪ :‬هناك‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬

‫النية ٌ‬
‫شرط في العمل‪ ،‬فالواجب هو االمتثال العملي‪،‬‬
‫ويالحظ على ذلك‪ :‬أنّ ّ‬
‫ال عن ّنية تعيين العمل‪ ،‬فالواجب أو ً‬
‫بنية القربة واإلخالص‪ ،‬فض ً‬
‫ال وبالذات‬
‫مقرون ًا ّ‬
‫عبادية العمل‪ .‬هذا‬
‫أمر فرضته‬
‫ّ‬
‫النية‪ ،‬كما في الصالة‪ ،‬فهي ٌ‬
‫هو العمل العبادي‪ّ ،‬أما ّ‬
‫وأما في العقديات‪ ،‬فإنّ الواجب ّأو ً‬
‫ال وبالذات هو عقد القلب‪ ،‬وإن‬
‫في الفقهيات‪ّ ،‬‬
‫تر ّتب على ذلك سلوك عملي‪ .‬على أنّ لقائل أن يقول‪ :‬إنّ ّنية القربة في العبادة‬
‫تم بحثها في الفقه‪.‬‬
‫هي أقرب إلى قضايا العقيدة منها إلى قضايا الشريعة‪ ،‬ح ّتى لو ّ‬

‫معيار المسألة التاريخية‬

‫المتقدمة في التفرقة بين المسألتين الكالمية والفقهية ال‬
‫مع اتضاح المعايير‬
‫ّ‬
‫بأس باإلشارة إلى الفارق بينهما وبين المسألة التاريخية‪ ،‬حيث يمكننا القول‪:‬‬
‫إنّه وفي ضوء المعيار األول للتفرقة بين المسألتين الكالمية والفقهية‪ ،‬تغدو‬
‫ٍ‬
‫جهة أخرى‪ ،‬غير واضحة؛‬
‫التفرقة بينهما من جهة‪ ،‬وبين المسألة التاريخية من‬
‫ألنَّ معيار تاريخية المسألة هو عبارة عن حدوثها في عمود الزمن المنصرم‪ ،‬وهذه‬
‫ال يمكن ُّ‬
‫وأما بمالحظة المعيار األخير‪،‬‬
‫فك ارتباطها عن فعل الله أو فعل العبد‪ّ .‬‬
‫وجلي ًا‪ ،‬فالمسألة التاريخية هي ما ال يجب فيها عقد‬
‫فإنّ الفارق سيبدو واضح ًا‬
‫َّ‬
‫‪109‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫القلب وال االمتثال العملي‪ .‬أجل‪ ،‬إنّ تاريخية المسألة ال تمنع من االستفادة من‬
‫بعض مجرياتها أو جوانبها على الصعيدين الفقهي والعقدي‪ ،‬وكذلك الوعظي‬
‫األخالقي‪.‬‬

‫الخلط بين المقامات‬

‫إنّ مالحظة المعايير اآلنفة‪ ،‬قد تساهم في ّ‬
‫فك االشتباك بين مسائل العلوم‬
‫المختلفة‪ ،‬ورسم حدود واضحة المعالم ّ‬
‫لكل منها‪ .‬فإنّ غياب هذه المعايير‪ ،‬أو‬
‫ربما كان سبب ًا في حصول‬
‫عدم االشتغال الجا ّد على تأصيلها ورسم معالمها‪ّ ،‬‬
‫التخبط أو الخلط بين المسائل االعتقادية وغيرها‪ ،‬وهذا ما وقع فيه‬
‫نو ٍع من‬
‫ّ‬
‫فرب مسألة فقهية أو تاريخية‪ ،‬يدرجها البعض جه ً‬
‫ال أو تسامح ًا في‬
‫الكثيرون‪ّ .‬‬
‫تعرض لها أهل‬
‫عداد القضايا العقدية‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإنّ المظالم التي ّ‬
‫حد ذاتها‪ ‬ـ‪ ‬مفردات تاريخية‪ ،‬وتجدر‪ ،‬بل تلزم دراستها‬
‫البيت ‪ ،R‬هي‪ ‬ـ‪ ‬في ّ‬
‫وفق آليات منهج البحث التاريخي وضوابطه‪ ،‬وال وجه وال مبرر إلقحامها في‬
‫ثنايا البحث العقائدي‪ ،‬أو محاولة إضفاء هالة من القداسة عليها تمنع من النقاش‬
‫فيها أو دراستها دراس ًة نقدية‪.‬‬

‫والالفت أنّ العالمة المظفر‪ ،M‬أدرج في عداد عقائد‬
‫اإلمامية(‪ )1‬جمل ًة من‬
‫ّ‬
‫اآلداب التي أ ّدب‬
‫حد تعبيره‪ ،‬من‬
‫األئمة من آل البيت ‪ R‬بها شيعتهم‪ ،‬على ّ‬
‫ّ‬
‫الدعاء)‪( ،‬عقيدتنا في زيارة القبور)‪( ،‬عقيدتنا‬
‫ذلك‪ ،‬ما أطلق عليه‪( :‬عقيدتنا في ّ‬
‫في الجور والظلم)‪( ،‬عقيدتنا في التعاون مع الظالمين)‪( ،‬عقيدتنا في الدولة‬
‫حق المسلم‬
‫الظالمة)‪( ،‬عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة اإلسالمية)‪( ،‬عقيدتنا في ّ‬
‫على المسلم)‪...‬‬

‫((( أنظر حول ذلك‪ :‬المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا‪ ،‬عقائد اإلمامية‪ ،‬دار الزهراء‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪،1983 ،4‬‬
‫ص‪ 126‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫خفي‪ ،‬أنّ هذه اآلداب والتعاليم والمفاهيم‪ ،‬ال عالقة لها بأصول االعتقاد‪،‬‬
‫وغير ٍّ‬
‫وال تندرج في تعريف المسألة الكالمية على اختالف اآلراء في ذلك‪ .‬والشيخ‬
‫المظ ّفر‪ M‬ما كان ليغيب عنه هذا األمر‪ ،‬لك ّنه فيما يبدو‪ ،‬أراد تقديم صورة‬
‫مختصرة لسائر المسلمين ولغير المسلمين عن الشيعة اإلمامية‪ ،‬فيما يعتقدونه‬
‫األئمة من آل‬
‫مما ورثوه عن ّ‬
‫أو يتبنونه ويأخـذون بـه في سلوكهم مع اآلخرين‪ّ ،‬‬
‫البيت ‪.R‬‬

‫‪111‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪3‬‬
‫أصناف االعتقاد وأنحاؤه‬

‫صنف واحد‪ ،‬وال في ٍ‬
‫ٍ‬
‫رتبة واحدة‪،‬‬
‫ال يخفى أنّ القضايا االعتقادية ليست من‬
‫األهمية والمكانة‪ ،‬لذا ال يجوز الخلط بين أنواعها وأصنافها‬
‫وال تتساوى في‬
‫ّ‬
‫المختلفة‪ ،‬لما لذلك من نتائج سلبية خطيرة تتصل بقضايا اإليمان والكفر‪.‬‬
‫والحقيقة‪ ،‬أنّ باإلمكان تقسيم القضايا والمفاهيم االعتقادية وفق عدة معايير‬
‫واعتبارات‪ ،‬وهي ثالثة‪ ،‬وهذه عناوينها‪:‬‬
‫أو ًال‪ :‬قضايا االعتقاد بين األصول والضروريات والنظريات‪.‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬القضايا العقدية بين وجوب االعتقاد وحرمة اإلنكار‪.‬‬

‫ثالث ًا‪ :‬وجوب االعتقاد بين المعرفة التفصيلية واإلجمالية‪.‬‬
‫وفيما يلي تفصيل الكالم في هذه التصنيفات‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ قضايا االعتقاد بين األصول والضروريات والنظريات‬

‫األهمية االعتقادية‪ ،‬وما‬
‫األول‪ :‬هو التصنيف الذي يأخذ بعين االعتبار‬
‫المعيار ّ‬
‫ّ‬
‫يتر ّتب على ذلك من لوازم‪.‬‬
‫وبهذا االعتبار‪ ،‬يمكن تصنيفها إلى ثالثة أقسام‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ األصول‪ 2 .‬ـ الضرورات‪ 3 .‬ـ النظريات‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫أو ًال‪ :‬األصول‬

‫األساسية التي ّ‬
‫تشكل ركائز اإليمان وأسسه‪ ،‬على‬
‫األصول هي تلك المفاهيم‬
‫ّ‬
‫الموضوعية في صدق االنتماء واالنتساب إلى الدين‪،‬‬
‫أن يكون لالعتقاد بها كامل‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫لعناد وتقصير أو لغفلة وقصور ـ‬
‫بحيث يكون عدم اإليمان بها ـ سواء كان ذلك‬
‫الدين‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإنّ الشخص الذي ال‬
‫موجب ًا لخروج الشخص عن ّ‬
‫عد مسلمـ ًا مهمـا كان سبب كفره‪ ،‬وكذلك من ال يؤمن برسول‬
‫يؤمن بالله‪ ،‬ال ُي ّ‬
‫الله‪ ،P‬فهو ليس مسلم ًا ولو كان معذور ًا في عدم إيمانه‪ ،‬كما لو لم يصله صوت‬
‫الدعوة إطالق ًا‪ ،‬هذا هو المعروف في تقرير معنى األصل وتعريفه(‪.)1‬‬

‫تأم ً‬
‫ُ‬
‫مساوق للجحود والعناد‪،‬‬
‫ال ينطلق من احتمال أنّ الكفر‬
‫إال أنّ في هذا التعريف ّ‬
‫كما يستفاد من بعض النصوص‪ ،‬من قبيل صحيحة زرارة عن أبي عبد الله‪« :Q‬لو‬
‫أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا»(‪ ،)2‬وهذا ما تب ّناه بعض األعالم(‪،)3‬‬
‫ّ‬
‫عد كافر ًا إال في حال جحوده(‪.)4‬‬
‫ما يعني أنّ من ال يؤمن بالله أو رسوله‪ ،‬ال ُي َّ‬

‫إنّه‪ ،‬وبنا ًء على هذا الوجه أو االحتمال‪ ،‬يسقط الضابط المتقدم في تعريف‬
‫الخصوصية‪،‬‬
‫األصل‪ ،‬إذ ال يبقى إلنكار األصل أية خصوصية للحكم بالكفر‪ ،‬وإنّما‬
‫ّ‬
‫الخصوصية هي للجحود‪ ،‬فمن جحد أص ً‬
‫ّ‬
‫ال ُيحكم بكفره‪ ،‬وكذلك من جحد‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫مستلزم لتكذيب‬
‫فرع ًا من فروع الدين مع علمه والتفاته إلى أنّ إنكاره وجحوده‬
‫ٌ‬
‫الرسول‪.P‬‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر على سبيل المثال‪ :‬ما يقوله السيد الخوئي في التنقيح في شرح العروة الوثقى‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ج‪ ،2‬ص‪58‬ـ ‪.59‬‬
‫الكليني‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.388‬‬
‫أنظر‪ :‬مطهري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬العدل اإللهي‪ ،‬الدار اإلسالمية‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1997 ،3‬م‪،‬‬
‫ص‪.336‬‬
‫للتوسع حول هذا الموضوع‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬اإلسالم والعنف‪ ،‬قراءة في ظاهرة التكفير‪،‬‬
‫راجع‬
‫ّ‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ص‪39‬ـ ‪.47‬‬
‫‪113‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الدين‬
‫عدد أصول ّ‬

‫التأمل المشار إليه‪ ،‬وأخذ الضابط المذكور في‬
‫لكن‪ ،‬مع صرف النظر عن ّ‬
‫السؤال الذي يفرض نفسه هنا‪ :‬ما هي المفاهيم‬
‫تعريف األصل بعين االعتبار‪ ،‬فإنّ ّ‬
‫االعتقادية التي تدخل في التعريف المذكور؟‬

‫ّ‬
‫المؤكد الذي ال خالف فيه بين المسلمين هو دخول اإليمان بالله‬
‫إنّ من‬
‫سيدنا رسول الله محمد‪ ،P‬في‬
‫بالنبوة‬
‫ووحدانيته واإليمان‬
‫ّ‬
‫الخاصة‪ ،‬أعني َّ‬
‫ّ‬
‫نبوة ّ‬
‫خارج عن اإلسالم مهما‬
‫النبوة‪ ،‬فهو‬
‫ٌ‬
‫تعريف األصل‪ ،‬فمن ال يؤمن بالتوحيد أو َّ‬
‫كان سبب عدم إيمانه‪ ،‬سواء كان معذور ًا في ذلك أم غير معذور‪.‬‬

‫لكن ماذا عن المعاد؟‬

‫ٌ‬
‫أصل من األصول‪ ،‬بمعنى أنّ من ال يؤمن به فهو‬
‫المعروف والمشهور أنّه‬
‫خارج عن اإلسالم‪ ،‬ولو كان معذور ًا في عدم إيمانه‪ ،‬وبذلك تغدو أصول الدين‬
‫ٌ‬
‫النبوة‪ ،‬المعاد‪.‬‬
‫ثالثة‪ ،‬وهي التوحيد‪َّ ،‬‬

‫بركنية المعاد‪ ،‬لك ّنه ال يعتبره أص ً‬
‫ال بالمعنى‬
‫يقر‬
‫في المقابل‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ثمة رأي آخر ّ‬
‫المتقدم لألصل‪ ،‬أي إنّه ال يحكم بكفر من ال يؤمن به فيما لو كان معذور ًا في عدم‬
‫ّ‬
‫إيمانه‪ ،‬كما لو فرضنا أنّ إنسان ًا تو َّلد من أبوين مسلمين‪ ،‬ولك ّنه عاش في أجواء‬
‫غير دينية‪ ،‬بحيث لم يسمع بفكرة المعاد رأس ًا‪ ،‬فلم يؤمن به‪ ،‬فال يحكم بكفره‪.‬‬
‫ومما‬
‫وعلى هذا القول‪ ،‬تغدو أصول الدين اثنين فقط‪ ،‬وهما التوحيد والنبوة‪ّ .‬‬
‫ٌ‬
‫جملة من النصوص التي ّ‬
‫تؤكد أنّ التلفظ بالشهادتين‬
‫لثنائية أصول الدين‪،‬‬
‫يشهد‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫كاف في االنتساب إلى اإلسالم‪ ،‬ومن هذه النصوص‪ :‬الحديث المروي عن اإلمام‬
‫الصادق‪« :Q‬اإلسالم‪ :‬شهادة أن ال إله إال الله‪ ،‬والتصديق برسول الله‪ ،‬به‬
‫حقنت الدماء‪ ،‬وعليه جرت المناكح والمواريث‪ ،‬وعلى ظاهره جماعة ال ّناس»(‪،)1‬‬
‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.26‬‬
‫‪114‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫ويضاف إليه سيرة النبي‪P‬‬
‫العملية في قبول إسالم َم ْن نطق بالشهادتين فقط(‪،)1‬‬
‫ّ‬
‫مفص ً‬
‫ال في ٍّ‬
‫محل آخر(‪.)2‬‬
‫وقد‬
‫ُ‬
‫عالجت هذا الموضوع ّ‬

‫أصول الدين والمذهب‬

‫المتقدم؟ هل يندرجان‬
‫لكن‪ ،‬أين يندرج العدل‪ ،‬وكذا اإلمامة‪ ،‬وفق الضابط‬
‫ّ‬
‫في عداد أصول الدين‪ ،‬أم أنّهما من أصول المذهب‪ ،‬كما شاع في بعض‬
‫الكلمات؟(‪.)3‬‬

‫تقدم‪ ،‬أنّ اإلمامة والعدل ليسا من أصول الدين؛‬
‫مما ّ‬
‫والجواب‪ :‬أنّه قد ا ّتضح ّ‬
‫يضر في صدق االنتساب إلى اإلسالم باالتفاق(‪ ،)4‬وإنّما‬
‫ألنّ عدم اإليمان بهما ال ّ‬
‫هما من أصول المذهب‪ ،‬وأصول المذهب هي تلك المفاهيم التي يكون لالعتقاد‬
‫مدخلية في صدق االنتماء إلى المذهب‪ ،‬ومن ال يؤمن بها‪ ،‬ولو لعذ ٍر‪ ،‬ال‬
‫بها‬
‫ّ‬
‫عد‬
‫يكون منتسب ًا إلى المذهب‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬فإنّ من ال يؤمن باإلمامة‪ ،‬ال ُي ّ‬
‫مؤمن ًا إثني عشري ًا‪ ،‬ح ّتى لو كان معذور ًا في عدم اعتقاده بها‪ ،‬والكالم عينه يجري‬
‫تعدها المذاهب أصو ً‬
‫ال اعتقادي ًة لها‪ ،‬بحيث‬
‫في العدل وغيره من المفاهيم التي ّ‬
‫يتو ّقف االنتماء إلى المذهب على اإليمان بها‪.‬‬

‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر على سبيل المثال‪ :‬المتقي الهندي‪ ،‬عالء الدين علي بن حسام الدين (‪888‬هـ‪ ‬ـ‪975 ‬هـ)‪،‬‬
‫السقا‪ ،‬مؤسسة الرسالة‬
‫كنز العمال في سنن األقوال واألفعال‪ ،‬تحقيق‪ :‬بكري َّ‬
‫حياني وصفوة ّ‬
‫بيروت‪ ،‬ط‪ ،1983 ،5‬ج‪ ،1‬ص ‪ 86‬وما بعدها‪.‬‬
‫أنظر‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬العقل التكفيري‪ ‬ـ‪ ‬قراءة في المنهج اإلقصائي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ 25‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫أنظر على سبيل المثال‪ :‬الخميني‪ ،‬روح الله‪( ،‬اإلمام)‪ ،‬كتاب الطهارة‪ ،‬مطبعة اآلداب‪ ،‬النجف‬
‫األشرف ـ العراق‪ ،‬ط‪1970 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪ 322‬و‪.325‬‬
‫أنظر‪ :‬كاشف الغطاء‪ ،‬الشيخ محمد حسين‪ ،‬أصل الشيعة وأصولها‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.213‬‬
‫‪115‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ثاني ًا‪ :‬الضروريات‬

‫الصنف الثاني من المفاهيم االعتقادية‪ :‬هو تلك المفاهيم التي ال ترقى إلى‬
‫مستوى األصول‪ ،‬لجهة توقف صحة االنتماء إلى الدين على اإليمان بها‪ ،‬غاية ما‬
‫هناك‪ ،‬أنّها مفاهيم أساسية ت ّتسم بالوضوح والبداهة‪ ،‬من قبيل‪ :‬عصمة النبي‪P‬‬
‫ّ‬
‫المتقدم‪ ،‬إلى غيرها‬
‫نبوته‪ ،‬وهكذا المعاد على القول الثاني‬
‫في التبليغ‪ ،‬أو‬
‫ّ‬
‫خاتمية ّ‬
‫ّ‬
‫من المفاهيم‪.‬‬

‫وحيث قد شاع في كلمات المتك ّلمين والفقهاء‪ ،‬استخدام مصطلح‬
‫فعبروا عن بعض القضايا بأنّها من ضروريات الدين‪ ،‬وعن بعضها‬
‫(الضروري)‪ّ ،‬‬
‫(ضرورية القضية) أحكام ًا قد‬
‫اآلخر بأنّها من ضرورات المذهب‪ ،‬ور ّتبوا على‬
‫ّ‬
‫حد تكفير منكرها‪ ،‬ولم يتجشّ موا عناء االستدالل عليها‪ ،‬اكتفا ًء بكونها‬
‫تصل إلى ّ‬
‫التوسع في تحقيق هذه المسألة‪.‬‬
‫من الضرورات؛ رأينا من الضروري‬
‫ّ‬

‫والسؤال‪ :‬ما المراد بالضرورة؟ وكيف ّ‬
‫تتشكل؟ وما هي أقسام الضروري؟ وما‬
‫ّ‬
‫هي أحكامه؟ وهل إنّه ٌ‬
‫ٌّ‬
‫مستقل في االستدالل في عرض الكتاب والس ّنة؟‬
‫أصل‬
‫وهل إنّ ّ‬
‫كل ما ت َُّدعى ضرورته هو كذلك؟‬

‫نشأة المصطلح ومنبته‬

‫من الواضح أنّ مصطلح الضروري ليس مستولد ًا من رحم الكتاب أو الس ّنة‪،‬‬
‫خاص‬
‫تم استقدامه من علم المنطق‪ ،‬فليس للفقهاء والمتكلمين اصطالح‬
‫ٌّ‬
‫وإنّما ّ‬
‫أصر عليه بعض العلماء(‪ ،)1‬إال أنّ‬
‫بهم مغاير لالصطالح المنطقي‪ ،‬وهذا ما‬
‫ّ‬
‫البعض اآلخر رأى مغايرة المصطلح الكالمي للمصطلح المنطقي‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫((( الجهرمي‪ ،‬علي الكريمي‪ ،‬نتائج األفكار في نجاسة الكفار (تقرير ًا ألبحاث المرجع السيد‬
‫الگلبيكاني)‪ ،‬دار القرآن الكريم‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1413 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.179‬‬
‫‪116‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫«ضروريات الدين ليست ضروري ًة بالمعنى المصطلح عليه عند المنطقيين‪،‬‬
‫وذلك لوجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنّهم حصروا الضروريات في الست(‪ ،)1‬وليس علمنا بوجوب‬
‫ال ـ داخ ً‬
‫الصالة ـ مث ً‬
‫الست‪.‬‬
‫ال في‬
‫ّ‬
‫بالنص»(‪.)2‬‬
‫وثانيهما‪ :‬أنّ علمنا بها إنّما يحصل‬
‫ّ‬

‫لكن الظاهر أنّ نظر القائلين باستقدام المصطلح من علم المنطق هو إلى‬
‫ّ‬
‫قسم المناطقة‬
‫ّ‬
‫الضروري في باب العلم ال في باب الصناعات الخمس‪ ،‬فقد ّ‬
‫واألول‪ :‬هو ما ال يحتاج في حصوله إلى فك ٍر ونظر‪،‬‬
‫ضروري ونظري‪،‬‬
‫العلم إلى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫طالعة‪ ،‬والثاني‪ :‬هو ما يحتاج إلى فك ٍر ونظ ٍر‪ ،‬من قبيل‬
‫كتصديقنا بأنّ الشمس‬
‫متحر ٌ‬
‫كة حول نفسها وحول الشّ مس‪.‬‬
‫تصديقنا بأنّ األرض‬
‫ّ‬

‫الضروري ومالكه‬
‫مفهوم‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫ركز البعض في تعريف الضروري على عنصر االشتهار والوضوح في‬
‫مما‬
‫المسألة‪« ،‬فضروري ّ‬
‫الدين هو الذي علماء م ّلتنا وعلماء غير م ّلتنا‪ ،‬يعرفون أنّه ّ‬
‫والحج‪ ،‬وعلى قياس ذلك ضروري‬
‫نبينا‪ ،P‬كالصالة والزكاة والصوم‬
‫ّ‬
‫جاء به ّ‬
‫مما قال به‬
‫المذهب‪ ،‬هو الذي علماء مذهبنا‪ ،‬وعلماء غير مذهبنا يعرفون أنّه ّ‬
‫صاحب مذهبنا‪ ،‬كبطالن العول والتعصيب»(‪ .)3‬بينما ّ‬
‫ركز آخرون في تعريفه على‬
‫الحدسيات‪،‬‬
‫التجريبيات‪ ،‬المتواترات‪،‬‬
‫األوليات‪ ،‬المشاهدات‪،‬‬
‫(( ( الضروريات الست هي‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفطريات‪.‬‬
‫ّ‬
‫((( االسترابادي‪ ،‬محمد أمين (ت ‪ ،)1033‬الفوائد المدنية والشواهد المكية‪ ،‬تحقيق‪ :‬الشيخ رحمة الله‬
‫الرحمتي اآلراكي‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1424 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.252‬‬
‫((( األسترابادي‪ ،‬محمد أمين‪ ،‬الفوائد المدنية والشواهد المكية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ .252‬وانظر‪:‬‬
‫الحر العاملي‪ ،‬محمد بن الحسن (ت ‪ ،)1104‬اإليقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة‪ ،‬دليل‬
‫ما‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1422 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.86‬‬
‫‪117‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ّ‬
‫«فكل حكم اعتقادي أو عملي‪ ،‬ال حاجة‬
‫جهة عدم احتياجه إلى الدليل والبرهان‪،‬‬
‫في إثبات كونه من اإلسالم إلى ٍ‬
‫دليل‪ ،‬فهو ضروري»(‪ ،)1‬وذلك من قبيل االعتقاد‬
‫ونبوته أو عصمته‪ّ ،‬‬
‫وكل حكمٍ عقدي أو عملي يحتاج في‬
‫سيدنا محمد‪ّ P‬‬
‫برسالة ّ‬
‫الدليل فهو النظري‪ ،‬كأكثر تفاصيل العقيدة والشريعة‪.‬‬
‫إثبات كونه من اإلسالم إلى ّ‬

‫واألقرب‪ ‬ـ‪ ‬انسجام ًا مع المستند أو المنشأ المنطقي للمصطلح‪ ‬ـ‪ ‬هو التعريف‬
‫األول‪ :‬الذي ّ‬
‫وأما التعريف الثاني‪ ،‬فهو‬
‫يركز على عنصر البداهة والوضوح‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫تعريف بالالزم‪ ،‬فإنّ الزم الوضوح عدم االحتياج إلى الدليل‪.‬‬

‫الضروري‬
‫أقسام َّ‬

‫ينقسم الضروري لدى المتك ّلمين والفقهاء إلى‪ :‬ضروري الدين وضروري‬
‫فقهي‪ ،‬فاألقسام‬
‫شرعي‬
‫عقدي‪ ،‬أو‬
‫ضروري‬
‫المذهب‪ ،‬وعلى التقديرين‪ ،‬فهو ّإما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أربعة‪:‬‬
‫العقدي‪ ،‬كاإليمان بعصمة النبي‪P‬‬
‫وخاتمية رسالته‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ ضروري الدين‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫الفقهي‪ ،‬كوجوب الصالة‪ ،‬وحرمة الربا‪.‬‬
‫ضروري الدين‬
‫‪2‬ـ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫األئمة لدى الشيعة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ ضروري المذهب‬
‫ّ‬
‫العقدي‪ ،‬كاإليمان بعصمة ّ‬

‫شرعية الزواج المؤ ّقت لدى الشيعة أيض ًا‪.‬‬
‫الفقهي‪ ،‬من قبيل‬
‫‪ 4‬ـ ضروري المذهب‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫بين األصل والضروري‬

‫ثم إنّ السؤال الذي يفرض نفسه في المقام هو‪ :‬ما الفارق بين أصول الدين‬
‫وضرورياته؟ وما الفارق أيض ًا بين أصول المذهب وضرورياته؟‬

‫وفي اإلجابة عن هذا السؤال نقول‪ :‬إنّ الفارق بين أصول الدين وضرورياته‬

‫((( الجهرمي‪ ،‬علي الكرمي‪ ،‬نتائج األفكار في نجاسة الكفار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.179‬‬
‫‪118‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫يتلخص‪ :‬في أنّ عدم اإليمان باألصل‪ ،‬ولو لعذ ٍر‪ ،‬من غفلة أو نحوها‪ ،‬موجب‬
‫ّ‬
‫سجلناه‪ّ ،‬أما الضرورة‪ ،‬فال‬
‫للخروج عن ّ‬
‫الدين كما عرفت‪ ،‬بعيد ًا من التح ّفظ الذي ّ‬
‫الدين‪،‬‬
‫يضر عدم اإليمان بها‪ ،‬إذا كانت لغفلة أو نحوها‪ ،‬في صدق االنتماء إلى ّ‬
‫ّ‬
‫ينجر األمر إلى اإلنكار‪ ،‬بل إنّ اإلنكار بعنوانه‪ ،‬قد وقع البحث في كونه من‬
‫ما لم ّ‬
‫موجبات الكفر‪ ،‬أو أنّه ال يوجبه إ ّ‬
‫ال في حال استلزامه إنكار أصل من األصول؟‬
‫جمع من األعالم(‪.)1‬‬
‫واألقرب إلى الصواب هو الرأي الثاني الذي تب ّناه ٌ‬

‫أما عن الفرق بين األصل المذهبي والضرورة المذهبية‪ ،‬فهو كالفارق بين‬
‫ٌ‬
‫شرط‬
‫وضروريه‪ ،‬بمعنى أنّ اإليمان باألصل المذهبي واالعتقاد به‪،‬‬
‫أصل الدين‬
‫ّ‬

‫ٍ‬
‫بشكل رسمي‪ّ ،‬أما الضرورة‪ ،‬فال يتو ّقف‬
‫النخراط اإلنسان في دائرة المذهب ولو‬
‫صدق االنتماء المذهبي على اإليمان بها‪ ،‬وإنّما يتو ّقف على عدم إنكارها‪.‬‬

‫أحكام الضروري‬

‫أهمها‪:‬‬
‫ر ّتب الفقهاء والمتك ّلمون جمل ًة من األحكام على الضروري‪ ،‬من ّ‬
‫عرفه بذلك‬
‫خروجه عن نطاق القضايا التي تحتاج إلى االستدالل‪ ،‬ح ّتى أنّ بعضهم َّ‬
‫وفرعوا على ذلك‪ :‬أنّ الضروري ليس مح ً‬
‫ال لالجتهاد أو التقليد‪ ،‬ألنّ‬
‫كما سلف‪ّ ،‬‬
‫يتضمن من بذل الجهد في استنباط الحكم‪ ‬ـ‪ ‬إنّما يكون في األمور‬
‫االجتهاد‪ ‬ـ‪ ‬بما‬
‫ّ‬
‫البديهيات‪ ،‬كوجوب الصالة ـ مث ً‬
‫ال ـ فال معنى لالجتهاد وبذل الجهد‬
‫النظرية‪ّ ،‬أما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إلثبات وجوبها‪ ،‬كما أنّه ال معنى للتقليد فيها بحكم بداهتها‪ ،‬فإنّ التقليد هو رجوع‬
‫الجاهل إلى العالم‪ ،‬والمفروض أنّه ما من مسلمٍ يجهل أصل وجوب الصالة‪.‬‬
‫((( أنظر‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى (ت ‪1281‬هـ)‪ ،‬القضاء والشهادات‪ ،‬لجنة تحقيق تراث الشيخ‬
‫األعظم‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1415 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪329‬؛ والحكيم‪ ،‬السيد محسن‪ ،‬مستمسك العروة‪،‬‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪،380‬؛ والغروي‪ ،‬الشيح علي‪ ،‬التنقيح في شرح العروة‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ج‪ ،3‬ص‪.60‬‬
‫‪119‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تم بناؤها على فكرة الضروري‪،‬‬
‫ومن جملة األحكام المهمة والخطيرة التي ّ‬
‫الحكم بكفر ِ‬
‫الدين‪ ،‬أو إخراجه عن‬
‫الدين في ضروري ّ‬
‫منكره‪ ،‬وإخراجه عن ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫لكن‬
‫المذهب في ضروري المذهب‪ ،‬كما عليه مشهور الفقهاء والمتكلمين ‪ّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫ونقاش‪ ،‬الفتقاره إلى الدليل‪ ،‬ومن هنا ا ّتجه بعض‬
‫هذا الحكم هو مثار جدل‬
‫الفقهاء المتأخرين إلى أنّ إنكار الضروري ـ بعنوانه ـ ال يوجب كفر ًا‪ ،‬إال إذا رجع‬
‫النبي‪ P‬أو إنكار رسالته‪ ،‬كما أسلفنا‪.‬‬
‫إلى تكذيب ّ‬

‫الضروري إلى نظري وبالعكس‬
‫انقالب‬
‫ّ‬

‫هل ينقلب الضروري إلى نظري؟ وكيف؟ وهل ينقلب النظري إلى ضروري؟‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مكان إلى‬
‫شخص إلى آخر‪ ،‬ومن‬
‫نسبي يختلف من‬
‫أمر‬
‫وهل ضرورية القضية ٌ‬
‫ٌّ‬
‫آخر‪ ،‬أو بين زمان وآخر؟‬

‫النص‬
‫والجواب‪ :‬نعم‪ ،‬قد ينقلب‬
‫ّ‬
‫الضروري إلى نظري‪َّ ،‬‬
‫فرب أم ٍر كان في عصر ّ‬
‫لكن تقادم الزمان وضياع األد ّلة والقرائن‪ ،‬وكثرة الشبهات‪ ،‬جعلته‬
‫ضروري ًا‪ّ ،‬‬
‫نظري ًا(‪ ،)2‬وقد م ّثل المحقق البهبهاني لذلك بخالفة اإلمام علي‪.)3(Q‬‬
‫ّ‬
‫واقع في كثي ٍر من‬
‫ومن الممكن أيض ًا انقالب النظري إلى ضروري‪ ،‬بل إنّ ذلك ٌ‬
‫الضروريات‪ ،‬فقد كانت في بداية تشريعها أمور ًا نظرية‪.‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فإنّ‬
‫الضروري قد يختلف باختالف األزمنة واألمكنة واألشخاص‪،‬‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫جماعة‪ ،‬ونظري ًا عند آخرين(‪.)4‬‬
‫شخص أو‬
‫فربما كان الحكم ضروري ًا عند‬
‫ّ‬

‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر‪ :‬البهبهاني‪ ،‬محمد باقر (الوحيد) (ت ‪1205‬هـ)‪ .‬الرسائل األصولية‪ ،‬تحقيق‪ :‬مؤسسة‬
‫الوحيد البهبهاني‪ ،‬مؤسسة البهبهاني‪ ،‬ط‪1419 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.267‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص‪.265‬‬
‫االسترابادي‪ ،‬محمد أمين‪ ،‬الفوائد المدنية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.253‬‬
‫أنظر البهبهاني‪ ،‬الرسائل األصولية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪ ،265‬والخميني‪ ،‬روح الله (اإلمام)‪ ،‬كتاب‬
‫الطهارة‪ ،‬مطبعة مهر‪ ،‬قم ـ إيران ج‪ ،1‬ص ‪.125‬‬
‫‪120‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫المشار إليهما‪،‬‬
‫والسؤال المهم‪ :‬ما هو الموقف في الحالتين أو الصورتين ُ‬
‫وهما‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬انقالب الضروري إلى نظري‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬انقالب النظري إلى ضروري‪.‬‬

‫فهل يترتب على هذا االنقالب أثر عقدي أو شرعي؟‬

‫ّأما الصورة األولى‪ ،‬فإنَّ الموقف إزاءها واضح‪ ،‬إذ ال يمكن أن يتعامل مع‬
‫منكر ما صار نظري ًا اليوم معاملة منكر الضروري؛ ألنّ كونه ضروري ًا في األزمنة‬
‫السابقة‪ ،‬ال يوجب التعامل معه معاملة الضروري بلحاظ كل األزمنة‪.‬‬

‫وأما الصورة الثانية‪ ،‬أعني صورة انقالب النظري إلى ضروري‪ ،‬فالسؤال هنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫متأخر عن عصر‬
‫عن مدى قيمة هذا الضروري‪ ،‬وتحديد ًا الذي‬
‫يتشكل في عصر ّ‬
‫النص‪ ،‬فهل يمكن الركون إليه واالعتماد عليه بما يعنيه ذلك من إخراجه عن‬
‫ّ‬
‫يجر إلى‬
‫دائرة االجتهاد‪ ،‬والمنع من إبداء الرأي المخالف إزاءه‪ ،‬وهو األمر الذي ّ‬
‫ٍ‬
‫الدين أو المذهب على القول به؟‬
‫أحكا ٍم‬
‫خطيرة‪ ،‬كالخروج عن ّ‬

‫ربما يظهر من الشيخ محمد حسن النجفي‪ ،‬صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة‬
‫«جواهر الكالم»‪ ،‬إمكان ّ‬
‫تشكل الضروري ـ مع ما يتر َّتب على الضروري من‬
‫ّ‬
‫الشيعي‪ ،‬بكون‬
‫يستدل على عدم قبول شهادة غير‬
‫المتأخر‪ ،‬فهو‬
‫أحكام ـ في الزمن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وقريب منه ما ذكره في االستدالل‬
‫ذلك «ضروري المذهب في هذا الزمان»(‪،)1‬‬
‫ٌ‬
‫على حرمة أكل بعض حيوانات البحر(‪.)2‬‬
‫المتأخرة ال تمنع من‬
‫لكن هذا الكالم ال تمكن الموافقة عليه‪ ،‬فإنّ الضرورة‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫(( ( النجفي‪ ،‬محمد حسن (ت ‪1266‬هـ)‪ ،‬جواهر الكالم في شرح شرائع اإلسالم‪ ،‬دار إحياء التراث‬
‫العربي‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،7‬ج‪ ،41‬ص ‪ ،16‬و‪.36‬‬
‫((( م‪.‬ن‪ ،‬ج ‪ 36‬ص‪.250‬‬
‫‪121‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫إخضاع الحكم الذي قامت عليه إلى الفحص‪ ،‬ذلك ألنّها ال تصلح في نفسها‬
‫ال إلثبات حكم من األحكام ـ عقدي ًا كان أو شرعي ًا ـ فض ً‬
‫دلي ً‬
‫ال عن أن يترتب‬
‫يمتد في ضرورته‬
‫بد من أن ّ‬
‫على مخالفتها حكم منكر الضروري‪ ،‬فالضروري ال ّ‬
‫وبداهته إلى زمن التشريع وعصر النص(‪.)1‬‬
‫والوجه في ذلك‪:‬‬

‫تكونها‪ ،‬تنطلق من وضوح الحكم المتلقّى من‬
‫أو ًال‪ :‬إنّ الضرورة في أصل ّ‬
‫المعصوم‪ ،‬وتأكيده أهميته الخاصة‪ ،‬فهي ليست دلي ً‬
‫ال في مقابل الكتاب والس ّنة‪،‬‬
‫ٌ‬
‫الس ّنة‪ ،‬غاية‬
‫وإنّما هي‬
‫منطلقة من ذلك‪ّ .‬‬
‫وربما كانت‪ ‬ـ‪ ‬كاإلجماع‪ ‬ـ‪ ‬كاشف ًة عن ُّ‬
‫المتكرر‪ ،‬أو لغير ذلك‬
‫األمر‪ ،‬أنّ انتشار الحكم بسبب التنصيص الواضح والتأكيد‬
‫ّ‬
‫من األسباب‪ ،‬بلغ درج ًة من الوضوح في األذهان ال يحتاج معها إلى تجشّ م عناء‬
‫لكن هذا ال يعني صرف النظر‬
‫االستدالل وذكر الوجوه األخرى في المسألة‪ّ ،‬‬
‫غض الطرف عن مدى انسجام الضرورة‪ ‬ـ‪ ‬سواء المنعقدة في الزمن المتقدِّ م‬
‫أو ّ‬
‫المتأخر عن عنصر النص‪ ‬ـ‪ ‬مع مفاد الكتاب والس ّنة‪ ،‬فهما‪ ‬ـ‪ ‬باإلضافة إلى‬
‫أو‬
‫ّ‬
‫للشرعية اإلسالمية‪،‬‬
‫والنهائي‬
‫األساسي‬
‫حكم العقل القطعي‪ ‬ـ‪ ‬المقياس والمعيار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وليست الضرورة بعنوانها هي مقياس الشرعية‪.‬‬

‫ّ‬
‫المتشكلة في عصر النص‪ ،‬والضرورة‬
‫أجل‪ ،‬الفارق بين الضرورتين‪ ‬ـ‪ ‬الضرورة‬
‫ّ‬
‫المتكونة في عصر النص‪ ،‬غالب ًا‬
‫المتشكلة بعد عصر النص‪ ‬ـ‪ ‬يكمن في أنّ الضرورة‬
‫ّ‬
‫المشرع على أهمية القضية التي‬
‫ما تكون وليدة البيان الشرعي‪ ،‬من خالل تأكيد‬
‫ِّ‬
‫انعقدت الضرورة عليها‪ ،‬وهكذا الضرورة المقاربة لعصر النص‪ .‬أما الضرورة‬
‫ٍ‬
‫العتبارات ال‬
‫المتكونة بعيد ًا عن عصر النص‪ ،‬فهي قد تخضع أكثر من غيرها‬
‫ِّ‬
‫عالقة لها بالدين أو النص‪ ،‬وإنّما لها عالقة بعوامل أخرى اجتماعية أو سياسية أو‬

‫((( أنظر‪ :‬الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬القضاء في الفقه اإلسالمي‪ ،‬مجمع الفكر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1415 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.318‬‬
‫‪122‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫غيرها‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإنّ هيمنة الفتوى أو الفكرة على الذهن العام‪ ،‬وعدم‬
‫تجرؤ أحد على‬
‫وضعها موضع التداول االجتهادي‪ ،‬سيجعل من الصعوبة بمكان ّ‬
‫إبداء الرأي المخالف فيها‪ ،‬وال سيما في حال تب ّني تلك الفتوى أو الفكرة من قبل‬
‫«قدسي ًة» لدى الرأي العام‪ ،‬ما يعني ضرورة التأنّي‬
‫بعض الشخصيات التي تملك‬
‫ّ‬
‫قبل إطالق دعاوى الضرورة أو ترتيب أحكامها‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬يمكن القول‪ :‬إنّه إذا كانت الضرورة دلي ً‬
‫وحج ًة في ذاتها‪ ،‬ح ّتى لو‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫كانت ناشئ ًة في ٍ‬
‫متأخر‪ ،‬فهذا‪ ،‬وبصرف النظر عن افتقاره إلى الدليل‪ ،‬قد‬
‫زمن ّ‬
‫يعرض اإلسالم نفسه للتشويه والتحريف؛ ألنّه عندما يسود التقليد‪ ،‬و ُيصاب‬
‫ِّ‬
‫ٌ‬
‫جملة من المفاهيم المغلوطة‬
‫الفكر بالعقم‪ ،‬ويستقيل العقل االجتهادي‪ ،‬تترسخ‬
‫في األذهان‪ْ ،‬‬
‫فيأ َلفها ال ّناس بمرور الزمن‪ ،‬وتغدو في مصاف الضروريات‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫الحقة‪،‬‬
‫مرحلة‬
‫ثم وفي‬
‫والبديهيات‪ ،‬ويغدو النقاش فيها نقاش ًا في ّ‬
‫الدين نفسه‪ّ ،‬‬
‫تتغير الظروف‪ ،‬وينقلب األمر‪ ،‬ويصبح عكس تلك القضية ضروري ًا‪ ،‬وبذلك‬
‫قد ّ‬
‫ّ‬
‫وتختل الموازين؛ ولذا ينبغي للفقيه عدم االغترار بدعاوى‬
‫تضيع الحقائق‬
‫الضرورة أو اإلجماع أو الشهرة‪ ،‬فيتو ّقف عن بذل الجهد في سبيل الوصول إلى‬
‫الواقع‪ .‬ألم تكن أولى درجات الغلو‪ ‬ـ‪ ‬عند الشيخ الصدوق وأستاذه محمد بن‬
‫ثم غدا نفي السهو عنه ضروري ًا؟‬
‫الحسن بن الوليد‪ ‬ـ‪ ‬نفي السهو عن المعصوم‪ّ ،‬‬
‫ثم صار عكسها‬
‫وهكذا ألم تكن الفتوى بنجاسة ماء البئر ضروري ًة أو إجماعية‪ّ ،‬‬
‫إجماعي ًا؟! وكذلك الفتوى بنجاسة أهل الكتاب كانت أشبه بالقضية الضرورية‪،‬‬
‫حجية خبر‬
‫ثم شاع بعدها القول بالطهارة‪ ،‬وهكذا فقد ا ّدعى بعض العلماء أنّ عدم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الواحد ـ كعدم‬
‫حجية القياس ـ من ضروريات المذهب(‪ ،)1‬مع أنّ الواقع والسائد‬
‫ّ‬
‫اليوم في األوساط الفقهية عكس ذلك‪.‬‬

‫((( أنظر‪ :‬البهسودي‪ ،‬السيد محمد سرور الحسيني‪ ،‬مصباح األصول‪ ،‬تقرير ًا لبحث السيد الخوئي في‬
‫األصول‪ ،‬مكتبة الداوري‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1417 ،5‬هـ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.148‬‬
‫‪123‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وثالث ًا‪ :‬إنّ الزم األخذ بالضرورة المتأخرة‪ ‬ـ‪ ‬مع األخذ في االعتبار الرأي الذي‬
‫تقوم اإليمان أو اإلسالم بعدم إنكار الضروري‪ ‬ـ‪ ‬أن تكون حقيقة اإليمان أو‬
‫يرى ّ‬
‫متغيرة من زمان إلى آخر وليست ثابت ًة‪ ،‬مع أنَّ الظاهر‪ ،‬كما يقول الشيخ‬
‫اإلسالم ّ‬
‫حد الكفر الموجب‬
‫األنصاري‪ ،‬إنّ حقيقة اإليمان التي يخرج اإلنسان بها عن ّ‬
‫للخلود في النار‪ ،‬لم تتغير بعد انتشار الشريعة‪ .‬ويضيف‪ ،M‬أنّ ظهور «أمور‬
‫ضرورية الثبوت من النبي‪ ،P‬فيعتبر في اإلسالم عدم إنكارها‪ ،‬ال يوجب‬
‫التغير‪ ‬ـ‪ ‬تغير حقيقة اإليمان ‪ ‬ـ‪ ، ‬وإال لم يكن من آمن بمكة من أهل الجنة‪ ،‬أو كان‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫حقيقة اإليمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر اإلسالم» ‪.‬‬

‫ضرورات ال َ‬
‫أصل لها‬

‫وتهيب‬
‫في ضوء ما ّ‬
‫تقدم‪ ،‬ووسط مناخ التقليد السائد في الحقل الكالمي‪ّ ،‬‬
‫مخالفة المشهور في المجال الفقهي فض ً‬
‫ال عن الكالمي‪ ،‬األمر الذي ساعد على‬
‫ٍ‬
‫جملة من‬
‫التسرع في إطالق دعاوى الضرورة‪ ،‬في ضوء ذلك ك ّله‪ ،‬غدونا أمام‬
‫ّ‬
‫مما ال أصل لها في الكتاب أو الس ّنة‪ ،‬وإنّما استقرارها في‬
‫الضرورات َّ‬
‫المدعاة‪ّ ،‬‬
‫العلمية مد ًة من الزمن‪ ،‬أضفى عليها سمة الضرورة في األذهان‪ ،‬رغم أنّها‬
‫األوساط‬
‫ّ‬
‫معينة ومناخ ثقافي محدود‪ ،‬كما في دعوى أنّ ضرورة المذهب‬
‫ذهنية ّ‬
‫انطلقت من ّ‬
‫قائمة على عدم احترام أبناء المذاهب األخرى(‪ ،)2‬وعدم قبول شهادتهم‪ ،‬واستناد ًا‬
‫بشدة على الشهيد‬
‫الرد ّ‬
‫إلى هذه الضرورة اندفع الشيخ محمد حسن النجفي‪ ،‬إلى ّ‬
‫الثاني‪ ،‬لذهابه إلى قبول شهادتهم‪ ،‬معتبر ًا ـ أعني الشهيد ـ أنّ العدالة تتحقّق لدى‬
‫كل ٍ‬
‫ّ‬
‫فرد بالتزامه بمقتضيات عقيدته(‪.)3‬‬
‫(( ( األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.562‬‬
‫((( الخميني‪ ،‬روح الله (اإلمام)‪ ،‬المكاسب المحرمة‪ ،‬إسماعيليان‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1410 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.251‬‬
‫((( أنظر‪ :‬النجفي‪ ،‬الشيخ محمد حسن‪ ،‬جواهر الكالم‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،41‬ص‪.19‬‬
‫‪124‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫وهكذا‪ ،‬فقد طعن بعضهم في الفيض الكاشاني بمخالفته للضرورة‪ ،‬في إفتائه‬
‫بعدم سراية النجاسة إلى األجسام الطاهرة إال مع انتقال عين النجاسة‪ ،‬ما يعني‬
‫ضمن ًا‪ ،‬أنّ‬
‫التجرؤ‬
‫ينجس‪ ،‬وقد استغرب المحقّق الهمداني هذا‬
‫المتنجس ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫على رمي الكاشاني بمخالفة الضرورة‪ ،‬مفترض ًا أنّ «ضرورات الشرع في هذه‬
‫األعصار‪ ،‬منحصر ٌة في األحكام الكثيرة الدوران في كلمات الشرع‪ ،‬من الكتاب‬
‫شرعيتها على‬
‫مما ال تخفى‬
‫والس ّنة‬
‫القطعية‪ ،‬كالصالة والصوم والزكاة ونحوها‪ّ ،‬‬
‫ُّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫من راجع الكلمات المعلومة الصدور من الشارع‪. ».‬‬

‫وغير ٍ‬
‫مجرد فرع‬
‫بعيد من ذلك‪ ،‬دعوى ضرورية الوالية التكوينية‪ ،‬مع أنّها‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫بحاجة إلى البرهنة واالستدالل(‪ .)2‬وإذا كانت الرجعة‪ ،‬رغم ما ورد‬
‫عقدي نظري‬

‫فيها من النصوص‪« ،‬ال ت َُع ُّد من الضروري الذي يجب االعتقاد به»‪ ،‬كما يقول‬
‫السيد الخوئي‪ ،)3(M‬فلن تكون الوالية التكوينية أحسن حا ً‬
‫ال منها‪.‬‬

‫والتثبت قبل إطالق دعوى الضرورة‪ ،‬بل المطلوب‬
‫المطلوب إذ ًا‪ ،‬ليس فقط ّ‬
‫التريث ّ‬
‫دراسة متأنّية ّ‬
‫ربما‬
‫لكل دعاوى الضرورة المنتشرة في األوساط العلمية والشعبية‪ ،‬إذ ّ‬
‫نص قرآني‬
‫سيما أنّ الضرورات لم ترد في ّ‬
‫مجرد دعاوى ال أصل لها‪ ،‬وال ّ‬
‫نكتشف أنّها ّ‬
‫األئمة من أهل بيته ‪ ،R‬كما أنّ العلماء غير‬
‫أو حديث‬
‫ّ‬
‫النبي‪ P‬أو ّ‬
‫مروي عن ّ‬
‫م ّتفقين على ّ‬
‫كل ما ُيذكر في عداد الضرورات‪ ،‬يقول الميرزا القمي صاحب القوانين‪:‬‬
‫«اختلف العلماء في ضرورات الدين‪ ،‬يحكم أحدهم بأنّ هذا الشيء من ضرورات‬

‫(( ( الهمداني‪ ،‬آغا رضا (ت ‪1322‬هـ)‪ ،‬مصباح الفقيه‪ ،‬طبعة حجرية‪ ،‬منشورات مكتبة الصدر‪،‬‬
‫طهران ـ إيران‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.577‬‬
‫((( أنظر‪ :‬مغنية‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪ ،‬فلسفة الوالية‪ ،‬دار الجواد ودار التيار الجديد‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪،‬‬
‫ط‪1404 ،4‬هـ‪1984 ،‬م‪ ،‬ص ‪28‬؛ وراجع للتوسع‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬اإلسالم والعنف‪ ،‬قراءة في‬
‫ظاهرة التكفير‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪ 98‬ـ‪.100 ‬‬
‫((( الخوئي‪ ،‬السيد أبو القاسم‪ ،‬صراط النجاة‪( ،‬استفتاءات)‪ ،‬دفتر نشر برگيزده‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1416‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.469‬‬
‫‪125‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الدين‪ ،‬ويحكم اآلخر بأنّ عدمه من ضرورات الدين»(‪.)1‬‬

‫النظريات‬
‫ثالث ًا‪:‬‬
‫ّ‬

‫والصنف الثالث‪ :‬هو المفاهيم النظرية التي ال يتو ّقف االنتماء المذهبي ـ فض ً‬
‫ال‬
‫عن الديني ـ على اإليمان بها‪ ،‬كما أنّها ليست من ضروريات الدين أو المذهب‪،‬‬
‫النظرية االجتهادية‪ ،‬لحاجتها إلى إقامة البرهان عليها‪،‬‬
‫ويمكن تسميتها بالفروع‬
‫ّ‬
‫وإمكانية االجتهاد فيها‪ ،‬وال يتر ّتب على إنكارها أو عدم االعتقاد بها تكفير‪ ،‬ما لم‬
‫ّ‬
‫ينجر إنكارها إلى إنكار األصول‪.‬‬

‫العقدية كثيرة جد ًا‪ ،‬بل إنّها تم ّثل النسبة األكبر من قضايا‬
‫النظرية‬
‫والفروع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االعتقاد‪ّ ،‬‬
‫فكل ما عدا األصول والضروريات يندرج في عداد النظريات‪ ،‬من قبيل‪:‬‬
‫موحدون‪ ،‬وهكذا الحال في الكثير من‬
‫النبي‪ ،P‬أو اإليمان بأن آباءه ك ّلهم ّ‬
‫ّ‬
‫أمية ّ‬
‫تفاصيل المعاد أو غيره من األصول‪.‬‬

‫يقول الشهيد الثاني‪« :‬المراد باألصول التي ترد شهادة المخالف فيها‪ :‬أصول‬
‫والنبوة واإلمامة والمعاد‪ ،‬أما فروعها من المعاني‬
‫مسائل التوحيد والعدل‬
‫َّ‬
‫واألحوال وغيرهما من فروع علم الكالم‪ ،‬فال يقدح االختالف فيها‪ ،‬ألنّها‬
‫عد‬
‫ظنية‪ ،‬واالختالف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير‪ ،‬وقد ّ‬
‫مباحث ّ‬
‫بعض العلماء جمل ًة مما وقع الخالف فيه منها بين المرتضى وشيخه المفيد‪ ،‬فبلغ‬
‫نحو ًا من مائة مسألة‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن غيرهما»(‪.)2‬‬

‫ويقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء‪ M‬بشأن عقيدة المسلم‪ ،‬إنّها‪:‬‬
‫تتقوم «بشهادة أن ال إله إال الله‪ ،‬وأنّ محمد ًا عبده ورسوله‪ ،‬وأنّ أهل بيته الكرام‬
‫إسالمية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.148‬‬
‫(( ( نقله الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه‪ :‬فلسفات‬
‫ّ‬
‫((( الجبعي‪ ،‬زين الدين المعروف بالشهيد الثاني (ت ‪966‬هـ)‪ ،‬مسالك األفهام إلى تنقيح شرائع‬
‫اإلسالم‪ ،‬مؤسسة المعارف اإلسالمية‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران ‪1419‬هـ‪ ،‬ط‪ ،1‬ج ‪ ،14‬ص ‪.172‬‬
‫‪126‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫أئمتنا وسادتنا‪ ،‬على ما يعتقده العامة من ّ‬
‫سذج األذهان وبسطاء العقول‪ ،‬وهذا هو‬
‫ّ‬
‫جوهر اإلسالم وأصول كيانه‪ ،‬وليس ما وراء ذلك‪ ،‬كمسألتنا هذه ـ يقصد مسألة‬
‫االختيار والجبر ـ وأمثالها‪ ،‬إال مسائل نظر واستدالل ومراتب فضل في الدين‬
‫وكمال‪ ،‬المصيب والمخطئ فيها معذور إن شاء الله‪ ،‬بل ُّ‬
‫الكل مأجور بفضل الله‪،‬‬
‫إلاّ أن يكون معتقد ًا خالف الواقع‪ ،‬عن تسامح في النظر وتقصير في الطلب»(‪.)1‬‬

‫وكما هو الحال في األصول والضروريات‪ ،‬فإنّ النظريات أيض ًا تنقسم إلى‪:‬‬
‫المتقدمة‪ ،‬وفروع عقدية مذهبية‪،‬‬
‫نظرية دينية (عابرة للمذاهب)‪ ،‬كاألمثلة‬
‫ّ‬
‫فروع ّ‬
‫كما في الوالية التكوينية‪.‬‬

‫جيد ًا إلى أنّ الكثير من الضرورات المذهبية‬
‫التنبه ّ‬
‫في ضوء ذلك‪ ،‬فإنّ علينا ّ‬
‫هي نظريات دينية‪ ،‬أي إنّ مسأل ًة عقدي ًة واحدة قد تكون ضروري ًة ونظري ًة في‬
‫الخاصة قضية ضرورية‪ّ ،‬أما وفق موازين‬
‫اآلن عينه‪ ،‬فهي في موازين المذهب‬
‫ّ‬
‫الدين‪ ،‬فال تعـدو كونهـا فرعـ ًا نظريـ ًا‪ ،‬وربما ت َ‬
‫ُذكر ـ كمثال على ذلك ـ والية‬
‫والمحبة هي من ضروريات‬
‫أئمة أهل البيت‪ ،R‬فإنّ الوالية بمعنى المو ّدة‬
‫ّ‬
‫وأما الوالية بمعنى الخالفة‪ ،‬فهي «ليست‬
‫ّ‬
‫الدين‪ ،‬إذ ال ينكرها أحدٌ من المسلمين‪ّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫بوجـه‪ ،‬وإنّمـا هـي مسألة نظريـة»‪ ،‬كمـا يقـول السيـد‬
‫الديـن‬
‫من ضروريـات ّ‬
‫ري الدين‪ ،‬وضروري المذهب‪.‬‬
‫الخوئي‪ ،)2(M‬أي إنّها من ن ََظ ّ‬

‫الدينية بين وجوب االعتقاد وحرمة اإلنكار‬
‫‪ 2‬ـ‪ ‬المفاهيم‬
‫ّ‬

‫المعيار الثاني في تصنيف القضايا العقدية‪ :‬هو المعيار الذي يأخذ في‬
‫االعتبار تصنيفها إلى ما يجب االعتقاد به وما ال يجب‪ ،‬وتوضيح ًا لذلك‪ ،‬فإنّنا‬

‫(( ( كاشف الغطاء‪ ،‬الشيخ محمد حسين‪ ،‬الدين واإلسالم أو الدعوة اإلسالمية‪ ،‬مطبعة العرفان‪،‬‬
‫صيدا‪ ‬ـ‪ ‬لبنان‪ ،‬ط‪1330 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.152‬‬
‫((( الغروي‪ ،‬الميرزا علي‪ ،‬التنقيح في شرح العروة الوثقى‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد الخوئي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪79‬ـ ‪.80‬‬
‫‪127‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫في البدء نطرح األسئلة التالية‪:‬‬

‫الهوية اإلسالمية واإليمانية؟ وما‬
‫ما المراد باالعتقاد؟ وما هو دوره في بناء‬
‫ّ‬
‫هو موقعه في المعارف الدينية عموم ًا؟ وما هي المعارف التي تحتاج إلى عقد‬
‫القلب؟ هذه األسئلة وغيرها نعرض لها أو ً‬
‫ال‪ ،‬ثم نأتي إلى تحديد ما يجب وما ال‬
‫يجب االعتقاد به‪.‬‬

‫عالقة المعرفة باالعتقاد‬

‫مجرد المعرفة‪ ،‬وال يكتفى فيه‬
‫بديهي أنّ االعتقاد الذي‬
‫ّ‬
‫نتحدث عنه‪ ،‬ال يراد به ّ‬
‫ّ‬
‫بمجرد العلم بالمسألة الدينية‪ ،‬وإنّما هو معنى أعمق من ذلك‪ ،‬فهو يختزن معنى‬
‫ّ‬
‫التسليم واإلذعان‪ ،‬وعقد القلب على ما علم به المك ّلف‪ ،‬إذ ربما يعلم المرء بشيءٍ‬
‫ّ‬
‫حدثنا القرآن عن بعض‬
‫وال يعقد قلبه عليه‪ ،‬بل يبني على خالفه عناد ًا وجحود ًا‪ ،‬كما ّ‬
‫اس َت ْي َق َن ْت َها َأ ْن ُف ُس ُه ْم﴾ [النمل‪ ،]14:‬كما أنّه قد ال يبني ال على‬
‫ال ّناس‪َ :‬‬
‫﴿و َج َحدُ وا بِ َها َو ْ‬
‫لكن االعتقاد يالزم‬
‫الشيء وال على خالفه(‪ .)1‬إذ ًا فالعلم ال يالزم االعتقاد وال يرادفه‪ّ ،‬‬
‫المعرفة واليقين‪ ،‬أو هكذا ينبغي أن يكون‪ .‬وبنا ًء عليه‪ ،‬فوجوب االعتقاد الذي نلتزم به‬
‫تابع لوجوب المعرفة‪ ،‬فما ال تجب معرفته التفصيلية وال اإلجمالية ال يجب االعتقاد‬
‫ٌ‬
‫وأما ما تجب فيه المعرفة‪ ‬ـ‪ ‬كما سيأتي‪ ‬ـ‪ ‬فإن كانت المعرفة الواجبة تفصيلي ًة‪ ،‬فال‬
‫به‪ّ ،‬‬
‫يكتفى فيه باالعتقاد اإلجمالي‪ ،‬وإن كانت المعرفة الواجبة إجمالي ًة‪ ،‬فال يجب فيه‬
‫وتوضيح للمعرفة بقسميها‪.‬‬
‫سوى االعتقاد اإلجمالي‪ .‬وفيما يأتي مزيد بيان لذلك‬
‫ٌ‬

‫الدينية وعقد القلب‬
‫القضايا‬
‫ّ‬

‫والسؤال‪ :‬هل إنّ ّ‬
‫كل القضايا أو المفاهيم الدينية تتط ّلب عقد القلب‪ ،‬أو إنّ‬
‫بعضها ال يتط ّلب ذلك؟ وما هو المعيار في التصنيف؟‬
‫((( أنظر‪ :‬اليزدي‪ ،‬الشيخ محمد إبراهيم‪ ،‬حاشية فرائد األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد كاظم اليزدي‪،‬‬
‫دار الهدى‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1327 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.663‬‬
‫‪128‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫يستفاد من كلمات األعالم‪ ،‬أنّ باإلمكان تنويع القضايا الدينية إلى ثالثة أنواع‪:‬‬

‫األول‪ :‬القضايا التي يجب االعتقاد بها دون قيد أو شرط‪ ،‬أي إنّ وجوب‬
‫ّ‬
‫مطلق وغير متوقف على حصول العلم‪ ،‬بل يجب على المك ّلف في‬
‫االعتقاد فيها‬
‫ٌ‬
‫هذا ال ّنوع من القضايا تحصيل العلم‪ ،‬مقدم ًة لبناء تصوراته االعتقادية‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬القضايا التي يجب االعتقاد بها‪ ،‬لكن مقيد ًا بحصول العلم‪ ،‬فما لم‬
‫يحصل العلم بها فال يجب فيها االعتقاد‪ ،‬وال يجب على المك َّلف تحصيل‬
‫الشرط (العلم) مقدم ًة لالعتقاد‪.‬‬

‫وإذا أردنا استخدام المصطلحات األصولية لقلنا‪ :‬إنّ المعرفة بالنسبة إلى ال ّنوع‬
‫مقدمة واجب‪ ‬ـ‪ ‬كالوضوء بالنسبة إلى الصالة‪ ‬ـ‪ ‬فيجب‬
‫األول من القضايا‪ ،‬هي ّ‬
‫تحصيلها‪ ،‬ولك ّنها بالنسبة إلى ال ّنوع الثاني مقدمة وجوب‪ ‬ـ‪ ‬كاالستطاعة بالنسبة‬
‫إلى الحج‪ ‬ـ‪ ‬فال يجب تحصيلها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬القضايا التي ال يجب فيها االعتقاد أص ً‬
‫ال ح ّتى مع حصول العلم‬
‫بها‪ ،‬غاية األمر أنّه ال يجوز إنكارها والجحود بها‪ ،‬وقد م ّثل المحقق األشتياني‬
‫لهذا ال ّنوع بالقضايا التكوينية التي أخبر عنها المعصوم‪ ،‬من قبيل‪ :‬بيان مبدأ خلق‬
‫بالدين على‬
‫السماوات واألرض‪ ،‬ونحوها من األمور الواقعية التي ال تع ّلق لها ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫وأما أمثلة النوعين األول والثاني‪ ،‬فستأتي في ثنايا البحث‪.‬‬
‫ّ‬
‫حد تعبيره ‪ّ ،‬‬

‫حكم األنواع المذكورة‬

‫ولكن قبل الحديث عن ذلك‪ ،‬يجدر بنا بيان حكم من لم يعتقد بالمسائل الدينية‬
‫المتقدمة‪ ،‬فنقول‪ :‬ال ّ‬
‫شك في أنّ اإلسالم يدور مدار االعتقاد‬
‫من األنواع الثالثة‬
‫ّ‬
‫خارج عن اإلسالم أو اإليمان‪ ،‬أي‬
‫بال ّنوع األول من القضايا‪ ،‬فمن لم يعتقد به فهو‬
‫ٌ‬
‫((( نقله‪ :‬الشيخ محمد جواد مغنية‪ ،‬في فلسفات إسالمية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.141‬‬
‫‪129‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫إنّه تتر ّتب على عدم االعتقاد باألصول آثار وضعية‪ ،‬كما سنذكر‪ .‬وهذا بخالف‬
‫ٍ‬
‫الديني للشخص‪ّ ،‬‬
‫فكل‬
‫يضر باالنتماء‬
‫ال ّنوع الثاني‪ ،‬فإنّ عدم االعتقاد به‬
‫لجهل‪ ،‬ال ّ‬
‫ّ‬
‫ما ال يجب بذل الجهد في تحصيله وال معرفته‪ ،‬ال يدور اإلسالم مداره‪ ،‬وباألولى‬
‫أن ال يدور اإلسالم مدار ال ّنوع الثالث‪ ،‬شريطة عدم اإلنكار‪ ،‬ألنّ هذا ال ّنوع من‬
‫القضايا خارج عن نطاق القضايا العقدية‪ ،‬بل والدينية أيض ًا‪ ،‬ألنّه وإن ورد على‬
‫الدين وشؤونه‪ ،‬فإنّ المعصوم قد‬
‫يصيره من قضايا ّ‬
‫لسان المعصوم‪ ،‬إال أنّ ذلك ال ّ‬
‫مشرع ًا أو مب ّلغ ًا عن الله‪ ،‬بل من موقع خبرته في شؤون‬
‫ُيخبر عن الشيء ال بصفته ّ‬
‫الحياة‪ ،‬أو من موقع علمه المستقى من الوحي‪.‬‬

‫االعتقاد المطلق والمشروط‬

‫األول‪ :‬وهو ما يجب االعتقاد به‪ ،‬وبذل الجهد في معرفته‪،‬‬
‫بالعودة إلى الصنف ّ‬
‫والنبوة‬
‫الدين‪ ،‬من التوحيد‬
‫فإنّ المصداق البارز لذلك هو ما يعرف بأصول ّ‬
‫ّ‬
‫والمعاد‪ ،‬ويضيف اإلمامية إليه االعتقاد باإلمامة والعدل‪ ،‬فهذه األصول الخمسة‬
‫يجب االعتقاد المطلق بها‪ ،‬ما يعني أنه يجب بذل الجهد في معرفتها‪ ،‬مع وجود‬
‫الرسمي‪ ‬ـ‪ ‬بما‬
‫تقدمه من أصول‪ ،‬وهو أنّ اإلسالم‬
‫فارق بين األصل الرابع وما ّ‬
‫ّ‬
‫يعني من ضرورة التعامل مع الشخص معاملة المسلمين‪ ،‬لجهة الزواج والميراث‬
‫وغيرهما من أحكام المسلمين‪ ‬ـ‪ ‬ال يدور مدار االعتقاد باإلمامة‪ ،‬فال يحكم بكفر‬
‫من لم يؤمن بها لقصور أو اجتهاد‪ ،‬وكذا الحال في األصل الخامس وهو العدل(‪،)1‬‬
‫بخالف األصول الثالثة األولى‪ ،‬فإنّ اإلسالم يدور مدارها‪ ‬ـ‪ ‬كما سلف‪ ‬ـ‪ ‬على‬
‫المتقدم في قضية المعاد‪.‬‬
‫الخالف‬
‫ّ‬
‫((( مع اإلشارة إلى أنّه ليس في المسلمين من ينكر عدل الله تعالى صراحة‪ ،‬وإنما المشكلة هي في‬
‫تبني بعض الفرق الكالمية (األشاعرة) رأي ًا كالمي ًا ال يتالءم مع عدل الله سبحانه‪ ،‬كما في رأيهم‬
‫بإنكار قاعدة التحسين والتقبيح العقليين‪ ،‬وستأتي الحق ًا‪.‬‬
‫‪130‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫والنبوة والمعاد‪،‬‬
‫مما يرتبط بتفاصيل التوحيد‬
‫ّ‬
‫وأما سائر المفاهيم االعتقادية‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫فض ً‬
‫األول‪ ،‬وإنّما هي من مصاديق‬
‫ال عن تفاصيل اإلمامة‪ ،‬فهذه ال تدخل في ال ّنوع ّ‬
‫وربما الثالث ـ كما سنالحظ ـ‪ .‬وعليه‪ ،‬فال يجب االعتقاد بها أو‬
‫ال ّنوع الثاني‪ّ ،‬‬
‫جمع من األعالم‪ ،‬خالف ًا للعالمة الحلي‪،‬‬
‫بذل الجهد في معرفتها‪ ،‬وهذا ما اختاره ٌ‬
‫حيث أدرج الكثير من التفاصيل االعتقادية في عداد ما يجب االجتهاد في معرفته‪،‬‬
‫خارج عن ربقة اإليمان‪،‬‬
‫مدعي ًا أنّ الجاهل بها‬
‫ومستحق للعذاب الدائم(‪ ،)1‬وقد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫اعترض عليه الشيخ األنصاري‪ ‬ـ‪ ‬بحق‪ ‬ـ‪ ‬بأنّ كالمه في غاية اإلشكال‪ ،‬وأنّه ال دليل‬
‫على وجوب معرفة هذه التفاصيل(‪.)2‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فقد اختار الشيخ جعفر كاشف الغطاء‪ ،‬أنّ مجمل التفاصيل المرتبطة‬
‫ّ‬
‫ولعل مقصوده بنفي المعرفة على‬
‫بالمعاد ال تجب معرفتها على نحو التحقيق(‪،)3‬‬
‫نحو التحقيق‪ ،‬هو نفي المعرفة التفصيلية‪.‬‬

‫«وأما المقدار الواجب منها ـ أي المعرفة ـ فإنّما هو‬
‫ويقول المحقق العراقي‪ّ :‬‬
‫المعرفة بالمبدأ (الله) ّ‬
‫جل شأنه وبوحدانيته‪ ،‬وما يرجع إليه من صفات الجمال‬
‫والجالل‪ ،‬وكذا معرفة أنبيائه ورسله وحججه الذين هم وسائط نعمه وفيضه‪،‬‬
‫وأما ما عدا ذلك‪ ،‬كتفاصيل التوحيد‪،‬‬
‫وكذلك الحشر والنشر ولو بنحو اإلجمال‪ّ ،‬‬
‫وكيفية علمه وإرادته سبحانه‪ ،‬وتفاصيل الحشر وخصوصياته‪ ،‬وأنّ الميزان‬
‫والصراط بأي كيفية‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فال يجب تحصيل العلم وال االعتقاد بها بتلك‬
‫الخصوصيات‪ .‬نعم‪ ،‬في فرض حصول العلم بها من الخارج‪ ،‬يجب االعتقاد‬
‫وعقد القلب بها‪ ،‬فوجوب االعتقاد بخصوصيات األمور المزبورة‪ ،‬إنما كان‬
‫مشروط ًا بحصول العلم بها من باب اال ّتفاق‪ ،‬ال ألنّ وجوبها مطلق حتى يجب‬
‫(( ( الحلي‪ ،‬يوسف بن المطهر‪ ،‬الباب الحادي عشر‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪3‬ـ ‪.5‬‬
‫((( األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.559‬‬
‫((( كاشف الغطاء‪ ،‬الشيخ جعفر‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.60‬‬
‫‪131‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المقدمة‪.)1(»...‬‬
‫تحصيل العلم بها من باب‬
‫ّ‬

‫وربما ُيقال‪ :‬إذا لم تكن المعرفة واجب ًة في الصنفين الثاني والثالث على كثرة‬
‫مصاديقهما‪ ،‬وكذا االعتقاد بهما‪ ،‬فما الموجب لصدورهما عن الشارع وحديثه‬
‫عنهما بشكل مسهب؟‬

‫جمة‬
‫والجواب‪ :‬إنَّ معرفة القضايا المذكورة‪ ،‬وإن لم تكن واجب ًة‪ ،‬إ ّال أنّ لها فوائد ّ‬
‫ترتبط باإليمان والسلوك مع ًا‪ ،‬أال ترى أنّ‬
‫التعرف على صفات الله سبحانه الحسنى‪،‬‬
‫ّ‬
‫وكذا صفات النبي‪ P‬وكماالته الروحية‪ ،‬وكذلك معرفة حساب القبر وكيفية العرض‬
‫على الله تعالى والعبور على الصراط‪ ،‬إلى غيرها من تفاصيل العقيدة‪ ،‬له بالغ األثر‪،‬‬
‫ليس في إيمان الفرد فحسب‪ ،‬بل في سلوكه العملي في الحياة؟‬

‫دليل التفرقة‬

‫المهم هو‪ :‬أنّه ما الدليل على التفرقة المذكورة بين ال ّنوعين األول‬
‫والسؤال‬
‫ّ‬
‫األول دون الثاني؟‬
‫والثاني من أنواع االعتقاد؟ ولماذا وجبت المعرفة في ال ّنوع ّ‬

‫والجواب‪ :‬إنّ أد ّلة وجوب المعرفة قاصر ٌة عن الشمول لل ّنوع الثاني‪ ،‬وغاية ما‬
‫التعرف إلى األركان التي يدور عليها‬
‫يستفاد منها‪ ،‬ضرورة بذل الجهد في سبيل ّ‬
‫التدين؛ ألنّ عمدة هذه األد ّلة‪ ،‬هي الدليل العقلي القاضي بضرورة البحث‬
‫رحى ّ‬
‫واالجتهاد‪ّ ،‬إما دفع ًا للضرر المحتمل‪ ،‬أو شكر ًا للمنعم‪ ،‬ومن الواضح أنّ هذا‬
‫الدليل المرتكز على هاتين القاعدتين‪ ،‬ال يشمل التفاصيل االعتقادية‪ ،‬كما اعترف‬
‫(‪)2‬‬
‫ّ‬
‫بذلك‬
‫النقلية الدا ّلة على وجوب المعرفة‪،‬‬
‫وأما األد ّلة‬
‫المستدل بهذا الدليل ‪ّ ،‬‬
‫ّ‬

‫(( ( البروجردي‪ ،‬الشيخ محمد تقي‪ ،‬نهاية األفكار (تقرير ًا لدروس المحقق الشيخ ضياء الدين‬
‫العراقي)‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪1405 ،‬هـ‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪.189‬‬
‫((( اليزدي‪ ،‬الشيخ محمد إبراهيم‪ ،‬حاشية فرائد األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد كاظم اليزدي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.670‬‬
‫‪132‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫فهي ال ّ‬
‫تدل على أكثر من وجوب المعرفة اإلجمالية دون معرفة التفاصيل(‪.)1‬‬

‫يقول المحقّق العراقي‪« :‬وأما االستدالل على وجوب المعرفة بتفاصيل األمور‬
‫ْت ا ْل ِج َّن‬
‫﴿و َما َخ َلق ُ‬
‫المزبورة بما ورد من األد ّلة النقلية كتاب ًا وسن ًة‪ ،‬كقوله سبحانه‪َ :‬‬
‫ْس إِلاَّ لِ َي ْع ُبدُ ِ‬
‫ون﴾ [الذاريات‪ ،]56:‬وعموم آية النفر(‪ ،)2‬وقوله‪« :Q‬ال‬
‫َوالإْ ِن َ‬
‫أعلم شيئ ًا بعد المعرفة أفضل من الصلوات الخمس»(‪ ،)3‬وقوله‪َ :P‬‬
‫«ط َل ُب العلم‬
‫فريضة على ّ‬
‫كل مسلم ومسلمة»(‪ .)4‬فيدفعه‪ :‬ـ مضاف ًا إلى قضاء العادة بامتناع‬
‫حصول المعرفة بما ُذ ِكر إ ّ‬
‫ال لألوحدي من الناس ـ أنّه ال إطالق لها من حيث‬
‫والحث والترغيب‬
‫متع ّلق المعرفة‪ ،‬ألنّها بين ما كان في مقام بيان فضيلة الصالة‬
‫ّ‬
‫إليها‪ ،‬ال في مقام بيان حكم المعرفة‪ ،‬وبين ما كان بصدد إثبات أصل وجوب‬
‫المعرفة بالمبدأ ورسله وحججه‪ ،‬ال في مقام وجوبها على اإلطالق‪ ،‬حتى بالنسبة‬
‫إلى التفاصيل المزبورة»(‪.)5‬‬

‫ثمة مانع ًا عن شمول أد ّلة المعرفة لما عدا‬
‫مضاف ًا إلى ذلك‪ ،‬يمكن القول‪ :‬إنّ ّ‬
‫عامة ال ّناس بالمعرفة التفصيلية‪ ،‬هو أشبه‬
‫األصول‪ ،‬وهذا المانع هو أنّ تكليف ّ‬
‫ما يكون بالتكليف بما ال ُيطاق‪ ،‬لقصورهم عن إدراك تلك المعارف‪ ،‬على أنّ‬
‫إلزامهم بتحصيل هذه المعارف‪ ،‬يستلزم انصرافهم عن الكثير من أعمالهم اليومية‬
‫ومتطلباتهم الحياتية‪ ،‬وهو ما يؤ ّدي إلى اختالل النظام‪.‬‬
‫ويشهد لما نقول من عدم وجوب المعرفة بالتفاصيل االعتقادية‪ ،‬العديد من‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫المصدر السابق‪.‬‬
‫سورة التوبة‪ ،‬اآلية ‪.122‬‬
‫أنظر‪ :‬الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪ ،264‬والموجود في الكافي‬
‫وغيره‪« :‬أفضل من هذه الصالة»‪.‬‬
‫أنظر‪ :‬المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪30‬؛ والمتقي الهندي‪ ،‬كنـز العمال‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،10‬ص‬
‫‪.131‬‬
‫البروجردي‪ ،‬محمد تقي‪ ،‬نهاية األفكار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪.189‬‬
‫‪133‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ثم بعث الله محمد ًا‬
‫الروايات‪ :‬من قبيل ما روي عن أبي جعفر الباقر‪ّ ...« :Q‬‬
‫وهو بمكة عشر سنين‪ ،‬فلم يمت ّ‬
‫بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن ال‬
‫وأن محمد ًا رسول الله‪ ،P‬إال أدخله الله الج ّنة بإقراره‪ ،‬وهو إيمان‬
‫إله إال الله‪ّ ،‬‬
‫التصديق»(‪.)1‬‬
‫الدين‬
‫وفي الحديث عن إسماعيل الجعفي قال‪ :‬سألت أبا جعفر‪ Q‬عن ّ‬
‫ضيقوا على‬
‫«الدين واسع‪،‬‬
‫الذي ال يسع العباد جهله؟ فقال‪ّ :‬‬
‫ّ‬
‫ولكن الخوارج ّ‬
‫أنفسهم من جهلهم‪.‬‬
‫فأحدثك بديني الذين أنا عليه؟‬
‫فقلت‪ :‬جعلت فداك‪،‬‬
‫ّ‬

‫فقال‪ :‬بلى‪.‬‬

‫قلت‪ :‬أشهد أن ال إله إال الله وأنّ محمد ًا عبده ورسوله‪ ،‬واإلقرار بما جاء به من‬
‫وتأمر عليكم وظلمكم‬
‫عدوكم ومن ركب رقابكم ّ‬
‫عند الله‪ ،‬وأتوالكم وأبرأ من ّ‬
‫حقّكم‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما‬
‫جهلت شيئ ًا‪ ،‬هو والله الذي نحن عليه‪.)2(»...‬‬
‫َ‬

‫الدليل‪ ،‬هو أنّ ما تجب معرفته بالتفصيل‪،‬‬
‫وخالصة القول‪ :‬إنّ ما يسوقنا إليه ّ‬
‫هو خصوص ما يتو ّقف عليه اإلسالم أو اإليمان من األصول الخمسة المتقدمة‪.‬‬
‫«والحق والتحقيق‪ ،‬أنّ الواجب من‬
‫يقول الفقيه السيد كاظم اليزدي‪:M‬‬
‫ّ‬
‫المعرفة ليس إال ما يعتبر من اإلسالم واإليمان وضع ًا»(‪.)3‬‬

‫وربما تسجل مالحظة على ما استدل به لوجوب المعرفة في الصنف األول‬

‫(( ( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.29‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ 2‬ص‪.405‬‬
‫((( اليزدي‪ ،‬الشيخ محمد إبراهيم‪ ،‬حاشية فرائد األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد كاظم اليزدي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.667‬‬
‫‪134‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫(األصول الخمسة) لجهة أنّ هذا الدليل هو عبارة عن حكم العقل المستند إلى‬
‫يصح‬
‫قاعدتي «دفع الضرر المحتمل» و«شكر المنعم»‪ ،‬وواضح أنّ هذا إنّما‬
‫ّ‬
‫االعتماد عليه في معرفة الله‪ ،‬فإنّ العقل يفرض على اإلنسان البحث عن المبدأ‪،‬‬
‫النبوة‪ ،‬أي إنّ العقل كما يحكم بضرورة إرسال‬
‫وكذلك يفرض عليه معرفة ّ‬
‫النبوة للمالك نفسه الذي دفعه‬
‫األنبياء‪ ،‬فإنّه يحكم بضرورة البحث في دعوى ّ‬
‫للحكم بضرورة معرفة الله تعالى‪ ،‬وهو لزوم دفع الضرر المحتمل أو شكر ًا‬
‫للمنعم‪ ،‬أما المعاد واإلمامة فليس واضح ًا أنّ دليل وجوب معرفتهما عقلي‪ ،‬إ ّ‬
‫ال‬
‫النبوة يجري بعينه في اإلمامة‪.‬‬
‫أن تقول‪ :‬إنّ ما قيل في ّ‬
‫وربما يقال‪ :‬إنّ إناطة اإلسالم أو اإليمان باالعتقاد باألصول المذكورة هو‬
‫بنفسه دليل على وجوب معرفتها والبحث فيها‪.‬‬

‫والجواب‪ :‬إنّ إناطة اإلسالم أو اإليمان بذلك ليس مستفاد ًا من دليل العقل‬
‫كما أنّه بنفسه ال يصلح أن يكون دلي ً‬
‫ال على وجوب المعرفة بهذه األصول‪ ،‬ألنّ‬
‫كون اإلسالم يناط بهذه األصول ليس دلي ً‬
‫ال على لزوم بحثها على اإلنسان غير‬
‫المسلم الذي ال يزال في طور البناء المعرفي‪ ،‬ألنّ تكليفه باتباع اإلسالم هو أول‬
‫الكالم‪.‬‬

‫هذا وينبغي أن نستدرك هنا لنقول‪ :‬إنّ المنفي من وجوب المعرفة هو وجوب‬
‫تحصيل المعرفة العينية على آحاد المك َّلفين‪ ،‬لعدم توقف االنتماء إلى اإلسالم‬
‫على اإليمان بالتفاصيل العقدية الداخلة في الصنفين المذكورين‪ ،‬مضاف ًا إلى عدم‬
‫ارتباطها بالعمل بشكل مباشر‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّ ذلك ال يمنع من القول بوجوب المعرفة‬
‫بهذه التفاصيل على نحو الكفاية‪ ،‬دفع ًا لبعض الشبهات أو لغير ذلك من العناوين‬
‫األخرى‪.‬‬
‫‪135‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫بين وجوب االعتقاد وحرمة اإلنكار‬

‫مختصان باألصول‬
‫با ّتضاح ما سلف‪ ،‬من أنّ وجوب المعرفة واالعتقاد‬
‫ّ‬
‫التي يدور عليها رحى اإلسالم‪ ،‬فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو‪ :‬أنّ القضايا‬
‫حق من‬
‫الدين‪ ،‬هل يجب عقد القلب عليها في ّ‬
‫التفصيلية الم ّتصلة بأصول ّ‬
‫علم بها‪ ،‬فتدخل في ال ّنوع الثاني‪ ،‬أو أنّه ال يجب االعتقاد بها‪ ،‬وإنّما يحرم‬
‫ثم ما هو المعيار أو الضابط بين هذين‬
‫إنكارها فقط‪ ،‬فتدخل في ال ّنوع الثالث؟ ّ‬
‫ال ّنوعين؟‬

‫كل ما كان داخ ً‬
‫قد يقال‪ :‬إنّ ّ‬
‫الدين عقيد ًة أو شريع ًة‪ ،‬يجب اإلذعان به‬
‫ال في نطاق ّ‬
‫الدين‪ ،‬بل إنّ األمر‬
‫وعقد القلب عليه فيما لو علم به المك َّلف وثبت له انتسابه إلى ّ‬
‫وأما‬
‫التشريعي تجب فيه الموافقة االلتزامية والقلبية‪ ،‬مضاف ًا إلى الموافقة العملية‪ّ ،‬‬
‫الدين‪ ،‬وهو ما أخبر عنه المعصوم من القضايا التكوينية‬
‫إذا كان خارج ًا عن نطاق ّ‬
‫ونظائرها‪ ،‬فهذا ال يجب اإلذعان به وعقد القلب عليه‪ ،‬غايته أنّه ال يجوز إنكاره‬
‫بعد العلم بإخبار المعصوم عنه‪.‬‬

‫تم‪ّ ،‬‬
‫لشكل معيار ًا واضح ًا بين ما يجب االعتقاد به وما ال يجب‪،‬‬
‫وهذا الكالم لو ّ‬
‫يتم‪ ،‬ألنّه ال دليل على وجوب عقد القلب في ّ‬
‫سيما‬
‫لك ّنه ال ّ‬
‫كل القضايا الدينية‪ ،‬وال ّ‬
‫قضايا التشريع‪ ،‬غاية األمر‪ ،‬أنّه ال يجوز إنكارها بعد العلم بانتسابها إلى اإلسالم‪،‬‬
‫بل ذهب الشيخ األنصاري‪ M‬إلى أنّ األقوى بالنسبة إلى القضايا الضرورية من‬
‫سيدنا‬
‫ّ‬
‫الدين‪ ‬ـ‪ ‬ما عدا اإليمان بوجود الله وتنـزيهه عن النقائص‪ ،‬واإليمان ّ‬
‫بنبوة ّ‬
‫محمد‪ ،P‬وبإمامة‬
‫األئمة‪ ،R‬وبالمعاد الجسماني‪ ‬ـ‪ ‬عدم وجوب االعتقاد‬
‫ّ‬
‫تقوم اإليمان بها‪ ،‬وأنّ الذي ينافي اإليمان هو إنكارها‪ّ ،‬إما ِم َن العالم‬
‫فيها‪ ،‬وعدم ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫السيد اليزدي‪ M‬على ذلك‪ ،‬وأضاف‪:‬‬
‫فحسب‪ ،‬أو منه ومن الجاهل ‪ ،‬ووافقه ّ‬
‫((( األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.568‬‬
‫‪136‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫بأنّه لم يجد قائ ً‬
‫حد تعبير األنصاري‪ ‬ـ‪ ‬في سائر‬
‫التدين‪ ‬ـ‪ ‬على ّ‬
‫ال بلزوم االعتقاد أو ّ‬
‫الضروريات(‪.)1‬‬

‫ممن نفى وجوب االعتقاد‬
‫وما يمكن أن يكون مستند ًا لهذين َ‬
‫الع َل َم ْين وغيرهما ّ‬
‫في الحاالت المشار إليها‪ ،‬هو االفتقار إلى ما ّ‬
‫يدل على الوجوب‪ ،‬ألنّ ما قد يذكر‬
‫دلي ً‬
‫ال للوجوب أحد أمرين‪:‬‬

‫األول‪ :‬قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف اَل َو َر ِّب َك لاَ ُي ْؤ ِم ُنونَ َح َّتى ُي َح ِّك ُم َ‬
‫يما َش َج َر َب ْي َن ُه ْم‬
‫وك ِف َ‬
‫ّ‬
‫يما﴾ [النساء‪ ،]56:‬فإنّه‬
‫ُثمَّ لاَ َي ِجدُوا فِي َأن ُْف ِس ِهمْ َح َرجًا ِم َّما َق َض ْي َت َو ُي َس ِّل ُموا ت َْس ِل ً‬
‫واضح الداللة على وجوب االنقياد واإلذعان لما صدر عنه‪.P‬‬

‫تقوم اإليمان بعدم الر ّد على رسول‬
‫ويالحظ على ذلك‪ :‬أنّ اآلية بصدد تأكيد ّ‬
‫الله‪ ،P‬وعدم التشكيك فيما يصدر عنه‪ .‬فعند صدور أي قضاء أو حكم عنه‪،P‬‬
‫فالالزم التسليم له وعدم التشكيك فيه‪ ،‬باعتبار أنّ عدم االنقياد‪ ،‬أو عدم التسليم‬
‫له‪ P‬في هذه الحاالت (حاالت النـزاع والشجار)‪ ،‬ال ّ‬
‫ينفك عن التشكيك فيما‬
‫صدر عنه؛ والتشكيك في حكمه‪P‬‬
‫ٌ‬
‫مناقض لإليمان‪ ،‬فالتسليم واإلذعان في‬
‫نقر ونلتزم بأنّ قضايا‬
‫اآلية هو في مقابل الرفض أو التشكيك‪ .‬وفي المقام‪ ،‬فإننا ّ‬
‫االعتقاد التفصيلية الصادرة عنه‪ ،P‬ال يجوز للمسلم رفضها أو التشكيك فيها‬
‫إذا علم بصدورها عنه‪ ،P‬وإنّما الكالم في أنّه هل يجب عليه االعتقاد بها‪،‬‬
‫تقوم إسالمه وإيمانه بهذا االعتقاد؟ هذا ما ال تدل عليه اآلية وال يستفاد‬
‫بمعنى ّ‬
‫يما﴾‪ ،‬فإنّ التسليم الواجب‬
‫منها‪ ،‬حتى بمالحظة ما جاء في آخرها َ‬
‫﴿و ُي َس ِّل ُموا ت َْس ِل ً‬
‫هو في مقابل التشكيك فيما صدر عنه‪ P‬من قضاء أو حكم‪ ،‬وعلى فرض كونه‬
‫أعم من ذلك‪ ،‬فيكفي فيه التسليم اإلجمالي‪.‬‬
‫بنبوة سيدنا محمد‪ ،P‬يستدعي االعتقاد ّ‬
‫بكل‬
‫ّ‬
‫والدليل اآلخر‪ :‬إنّ االعتقاد ّ‬

‫((( اليزدي‪ ،‬الشيخ محمد إبراهيم‪ ،‬حاشية فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.671‬‬
‫‪137‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ما جاء به‪ P‬أو أخبر عنه من شؤون عالم المبدأ أو المعاد‪ ،‬وقد ّأكدت بعض‬
‫الروايات هذا الترابط الوثيق بين اإليمان بالله وبرسوله‪ ،‬واإلقرار بما جاء به‬
‫الرسول‪.)1(P‬‬

‫و ُيلاَ حظ على ذلك‪ :‬أنّه ومع التسليم بأنّ االعتقاد بنبوته‪ P‬ال يستقيم إال مع‬
‫االعتقاد بما جاء به‪ ،‬إال أنّ ذلك ال يستتبع أكثر من االعتقاد اإلجمالي ّ‬
‫بكل ما‬
‫وأما المعرفة التفصيلية‪ ،‬فال دليل على وجوبها إال في ّأمهات‬
‫النبي‪ّ ،P‬‬
‫جاء به ّ‬
‫األصول العقيدية‪ ،‬دون تفاصيلها وتشعباتها‪ ،‬كما سنالحظ في ثنايا العنوان اآلتي‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ‪ ‬وجوب االعتقاد بين المعرفة التفصيلية واإلجمالية‬

‫المعيار الثالث في التصنيف‪ :‬هو المعيار الذي يأخذ في االعتبار قضية كون‬
‫المعرفة الواجبة تفصيلي ًة أو إجمالية‪ ،‬وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫إنّنا عرفنا في التصنيف السابق (مسألة وجوب االعتقاد وعدمه) تنويع القضايا‬
‫االعتقادية إلى صنفين‪:‬‬

‫األول‪ :‬األصول األساسية‪ ،‬من قبيل اإليمان بالله ورسوله واليوم اآلخر‪ ،‬وهذا‬
‫ال ّنوع يجب بذل الجهد في معرفته مقدم ًة لالعتقاد به‪.‬‬

‫المتشعبة من تلك األصول‪ ،‬وهذه الفروع كثيرة‪،‬‬
‫الثاني‪ :‬الفروع العقدية‬
‫ّ‬
‫يتفرع على أصل التوحيد‪ ،‬من قبيل‪ :‬رؤية الله‪ ،‬وأنّها ممكنة بذاتها أو‬
‫وبعضها ّ‬
‫يتفرع على أصل النبوة‪ ،‬من‬
‫ٌ‬
‫مستحيلة‪ ،‬وأنّ كالمه‬
‫حادث أو قديم‪ ...‬وبعضها ّ‬
‫النبوة‪ ،‬أو مسألة علم‬
‫قبيل‪ :‬مسألة العصمة وحقيقتها ومناشئها وامتدادها لما قبل ّ‬
‫يتفرع على أصل المعاد‪ ،‬من قبيل‪ :‬البرزخ وحساب‬
‫النبي بالغيب‪ ...‬وبعضها ّ‬
‫ّ‬
‫القبر وحشر الحيوانات والصراط‪ ..‬وفي هذا ال ّنوع‪ ،‬فإنّ المعرفة ليست واجبة‪ً،‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،118‬وج‪ ،2‬ص‪ 18‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪138‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫حق من‬
‫وأما االعتقاد‪ ،‬فقيل بعدم وجوبه وكفاية عدم اإلنكار‪ ،‬وقيل بوجوبه في ّ‬
‫ّ‬
‫حصلت له المعرفة‪ ،‬كما سلف‪.‬‬

‫والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام هو أنه ماذا عن المعرفة الواجبة في هذين‬
‫بد من المعرفة التفصيلية؟‬
‫الصنفين‪ ،‬أيكتفي فيهما بالمعرفة اإلجمالية‪ ،‬أم ال ّ‬
‫والسؤال عينه يأتي في االعتقاد‪ ،‬وأنّه‪ ‬ـ‪ ‬مع صرف النظر عن وجوب المعرفة‬
‫ّ‬
‫مطلق ًا أو في حال تحققها‪ ‬ـ‪ ‬فهل يجب االعتقاد التفصيلي بما تعلقت به المعرفة‪،‬‬
‫أو يكفي االعتقاد اإلجمالي؟‬
‫بد من تحديد المراد باالعتقاد‬
‫وقبل اإلجابة عن السؤالين‬
‫المتقدمين‪ ،‬ال ّ‬
‫ّ‬
‫التفصيلي وفرقه عن االعتقاد اإلجمالي‪.‬‬

‫فنقول‪ :‬المراد باالعتقاد اإلجمالي‪ :‬توطين ال ّنفس وعقد القلب على هذه‬
‫القضايا االعتقادية المشار إليها على ما هي عليه في الواقع‪ ،‬وااللتزام بأنّها‬
‫تام ًة تفصيلي ًة ترفع اإلبهام وتزيل اإلجمال‬
‫ٌّ‬
‫حق ولو لم يعرفها المك ّلف معرف ًة ّ‬
‫يتم عقد القلب‬
‫والغموض‪ ،‬خالف ًا لما عليه الحال في االعتقاد التفصيلي‪ ،‬حيث ّ‬
‫جلي ًة‬
‫على أم ٍر واضح‬
‫ّ‬
‫ومشخص‪ ،‬فالمك ّلف يحمل عن المعتقد التفصيلي صور ًة ّ‬
‫ثم ِّ‬
‫يوطن ال ّنفس على اإليمان به‪.‬‬
‫ال لبس فيها‪ ،‬ومن ّ‬
‫ثم إنّ االعتقاد اإلجمالي له مستويان‪:‬‬

‫الكلي‪ ،‬و ُيراد به توطين النفس على‬
‫المستوى األول‪ :‬االعتقاد اإلجمالي‬
‫ّ‬
‫اإليمان ّ‬
‫بكل ما جاء في القرآن أو على لسان النبي‪ P‬من تفاصيل عقدية قد ال‬
‫يتس َّنى للمك َّلف أن َّ‬
‫يطلع عليها أو يحيط بها‪ ،‬ويستخدم بعض الفقهاء للتعبير عن‬
‫َ‬
‫المكلف أن يقولها بينه وبين نفسه‪ ،‬وهي جملة‪ « :‬آمنت‬
‫هذا االعتقاد جمل ًة يكفي‬
‫بما آمن به جعفر بن محمد الصادق‪.)1(»Q‬‬
‫((( الحائري السيد كاظم (معاصر)‪ ،‬الفتاوى المنتخبة‪ ،‬دار التفسير‪ ،‬قم _ إيران‪ ،‬ط‪2000 ،1‬م‪ ،‬ج ‪2‬‬
‫ص ‪.133‬‬
‫‪139‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المستوى الثاني‪ :‬االعتقاد اإلجمالي بآحاد القضايا العقدية‪ ،‬بمعنى أن المك َّلف‬
‫قد يكون َّ‬
‫مطلع ًا على هذه القضايا‪ ،‬ولكنه ال يحمل صور ًة تفصيلي ًة عنها‪ ،‬بسبب‬
‫عدم قدرته على ذلك‪ ،‬أو عدم رغبته بذلك وانشغاله بقضايا أخرى‪ِّ ،‬‬
‫فيوطن النفس‬
‫على اإليمان بها على ما هي عليه واقع ًا‪ .‬على سبيل المثال‪ :‬عندما يواجه اإلنسان‬
‫المسلم اختالف العلماء في معنى «األعراف» أو حقيقة «الصراط» أو «الميزان»‪،‬‬
‫ٍ‬
‫فيكفيه توطين النفس واإليمان ّ‬
‫واحد من هذه المفاهيم على إجمالها‪ ،‬بمعنى‬
‫بكل‬
‫أنّه ُيدخل القدر المتيقَّن في اعتقاده ويدين الله به‪ .‬وهذا المقدار من االعتقاد‬
‫أي ٍ‬
‫فرد من عامة المسلمين‪ ،‬يمكن أن يكتفي به أيض ًا العالم الذي‬
‫الذي يكتفي به ُّ‬
‫يتوصل إلى قناعة حاسمة بشأنها‪.‬‬
‫بحث القضية ولم َّ‬

‫النبي‪ P‬ـ من‬
‫يقول الشهيد الثاني‪ّ :M‬‬
‫«وأما تفصيل ما أخبر به ـ يقصد ّ‬
‫أحوال المبدأ والمعاد‪ ،‬كالتكليف بالعبادات‪ ،‬والسؤال في القبر وعذابه‪ ،‬والمعاد‬
‫مما‬
‫الجسماني‪ ،‬والحساب‪ّ ،‬‬
‫والصراط‪ ،‬والج ّنة وال ّنار‪ ،‬والميزان وتطاير الكتب‪ّ ،‬‬
‫صرح‬
‫ثبت مجيئه به متواتر ًا‪ ،‬فهل التصديق بتفاصيله‬
‫ٌ‬
‫معتبر في تحقّق اإليمان؟ ّ‬
‫ال ٍ‬
‫جمع من العلماء‪ ،‬والظاهر أنّ التصديق به إجما ً‬
‫كاف‪ ،‬بمعنى أنّ‬
‫باعتباره‬
‫ٌ‬
‫أحقية ّ‬
‫كل ما أخبر به‪ ،P‬بحيث ك ّلما ثبت عنده جزئي منها‬
‫المك ّلف لو اعتقد‬
‫ّ‬
‫ال‪ ،‬كان مؤمن ًا‪ ،‬وإن لم ّ‬
‫صدق به تفصي ً‬
‫يطلع على تفاصيل تلك الجزئيات بعد»(‪.)1‬‬
‫ّ‬
‫ومن األمثلة التي يذكر بعض األعالم أنّه ُيكتفى فيها باالعتقاد اإلجمالي مسألة‬
‫االعتقاد بالقضاء والقدر(‪.)2‬‬
‫باتضاح ما تقدم من كالم حول معنى االعتقاد التفصيلي واالعتقاد اإلجمالي‪،‬‬

‫(( ( الجبعي‪ ،‬زين الدين بن علي‪ ،‬المعروف بالشهيد الثاني‪ ،‬حقائق اإليمان‪ ،‬تحقيق السيد مهدي‬
‫الرجائي‪ ،‬مكتبة آية الله المرعشي النجفي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪148‬ـ ‪.149‬‬
‫((( المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا (ت ‪1383‬هـ)‪ ،‬عقائد اإلمامية‪ ،‬دار الزهراء‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط‪،3‬‬
‫‪1980‬م‪ ،‬ص‪ 78‬ـ‪.79  ‬‬
‫‪140‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫المتقد َمين‬
‫وبيان مستو َيي االعتقاد اإلجمالي‪ ،‬يمكننا أن نعود إلى السؤالين‬
‫ّ‬
‫حول نوعية المعرفة المطلوبة (إجمالية أو تفصيلية) ونوعية االعتقاد المطلوب‬
‫(إجمالي أو تفصيلي)‪ ،‬وهذان السؤاالن مطروحان في الصن َفين المتقدمين‬
‫لقضايا االعتقاد‪ ،‬أقصد األصول العقائدية األساسية‪ ،‬والفروع االعتقادية‪ ،‬وسوف‬
‫نبدأ بالصنف الثاني وهو الفروع العقدية‪ ،‬فهل يكتفى فيها بالمعرفة اإلجمالية‪ ،‬أم‬
‫ُيطلب فيها المعرفة التفصيلية؟ وهل االعتقاد الواجب فيها هو االعتقاد التفصيلي‬
‫أم يكفي اإلجمالي؟ واإلجابة عن هذين السؤالين تكون عبر مرحلتين‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬هل يكفي االعتقاد اإلجمالي في فروع العقيدة؟‬

‫والجواب‪ :‬إنّه فيما ي ّتصل بالفروع العقدية فال تجب فيها المعرفة التفصيلية وال‬
‫االعتقاد التفصيلي‪ ،‬وإنما يكفي في هذا الصنف المعرفة واالعتقاد اإلجماليان‪،‬‬
‫وذلك‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬ليس ثمة دليل على وجوب االعتقاد في الفروع المذكورة‪ ،‬سواء االعتقاد‬
‫التفصيلي أو اإلجمالي‪ .‬أجل‪ ،‬يحرم إنكار ما جاء به النبي‪ P‬أو التشكيك فيما‬
‫قاله‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن تكذيبه‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬لو قيل بوجوب االعتقاد فيها‪ ،‬فال شك في كفاية االعتقاد اإلجمالي‬
‫يتعين عليه االعتقاد‬
‫بما يتالءم والمستويين المذكورين لالعتقاد اإلجمالي‪ ،‬وال َّ‬
‫التفصيلي‪ ،‬والوجه في ذلك‪ :‬أنّ االعتقاد التفصيلي بكافة الفروع العقدية‪ ،‬لو كان‬
‫واجب ًا لتح ّتم على المكلف ضرورة معرفتها بداي ًة‪ ،‬مقدم ًة لعقد القلب عليها‪ ،‬ومن‬
‫الواضح أنّ تكليف عامة العباد بضرورة معرفة الفروع العقدية معرف ًة تفصيلي ًة‪،‬‬
‫عامة ال ّناس عن ذلك‪ ،‬وفي أضعف‬
‫هو من قبيل التكليف بغير المقدور‪ ،‬لعجز ّ‬
‫مستلزم لإلخالل بال ّنظام العام‪ ،‬كما ذكرنا سابق ًا‪.‬‬
‫التقادير‪ ،‬فإنّ هذا التكليف‬
‫ٌ‬
‫مؤيد ًا لعدم وجوب المعرفة التفصيلية‪ ،‬وهو‪« :‬أنّ أكثر‬
‫ويذكر الشهيد الثاني ّ‬
‫‪141‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫األول‪ ،‬بل كانوا‬
‫ال ّناس في الصدر األول لم يكونوا عالمين بهذه التفاصيل في ّ‬
‫كل ٍ‬
‫ّ‬
‫يطلعون عليها وقت ًا فوقت ًا‪ ،‬مع الحكم بإيمانهم في ّ‬
‫وقت من حين التصديق‬
‫بالوحدانية والرسالة‪ ،‬بل هذا حال أكثر ال ّناس في جميع األعصار‪ ،‬كما هو‬
‫المشاهد‪ ،‬فلو اعتبرناه‪ ‬ـ‪ ‬أي التصديق التفصيلي‪ ‬ـ‪ ‬لزم خروج أكثر أهل اإليمان‬
‫عنه‪ ،‬وهو بعيدٌ عن حكمة العزيز الحكيم»(‪.)1‬‬

‫تيسرت تلك المعرفة‬
‫ثم إنّه على القول بوجوب المعرفة التفصيلية‪ ،‬فلو ّ‬
‫وأما إذا لم يستطع المك ّلف معرفة بعض القضايا على حقيقتها‪،‬‬
‫فاألمر واضح‪ّ ،‬‬
‫(‪)2‬‬
‫فال ّ‬
‫شك إذ ذاك في كفاية المعرفة اإلجمالية‪ ،‬وقد م ّثل السيد محسن األمين‬
‫لذلك باللوح والقلم والعرش‪ ،‬مكتفي ًا في ذلك باالعتقاد اإلجمالي‪ ،‬ألنّه ﴿لاَ‬
‫َاها﴾ [الطالق‪.)3(]7:‬‬
‫ُي َك ِّل ُف الل ُه َن ْف ًسا إِلاَّ َما َآت َ‬

‫االعتقاد اإلجمالي ُيغني عن التفصيلي‬

‫ّ‬
‫التمكن من التفصيلي؟‬
‫وهل ُيكتفى باالعتقاد اإلجمالي ح ّتى مع‬

‫والجواب باإليجاب‪ ،‬والوجه في ذلك‪ :‬أنّه بعد االلتزام بعدم وجوب المعرفة‬
‫مفر من االلتزام‬
‫التفصيلية‪ ،‬فال يبقى ّ‬
‫ثمة ملزم باالعتقاد التفصيلي‪ .‬نعم‪ ،‬ال ّ‬
‫الدين «وصيانة الشريعة‬
‫بوجوب المعرفة التفصيلية وجوب ًا كفائي ًا‪ ،‬من باب حراسة ّ‬
‫سبب‬
‫عن النسيان‪ ،‬وتباعد ًا عن ُش َب ِه المض ّلين‪ ،‬وإدخال ما ليس من ّ‬
‫الدين فيه‪ ،‬فهذا ٌ‬
‫آخر لوجوبه‪ ،‬ال لتو ّقف اإليمان عليه»(‪.)4‬‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪.148‬‬
‫األمين‪ ،‬السيد محسن‪ ،‬أعيان الشيعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.108‬‬
‫وراجع‪ :‬سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.233‬‬
‫الجبعي‪ ،‬زين الدين بن علي (الشهيد الثاني)‪ ،‬حقائق اإليمان‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.148‬‬
‫‪142‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫االعتقاد التفصيلي الخاطئ‬

‫تقدم‪ ،‬أنّ الجهل بكافة الفروع العقدية وعدم االعتقاد بها‪ ،‬ال يخدش‬
‫مما ّ‬
‫ا ّتضح ّ‬
‫بإسالم المك ّلف وإيمانه‪ ،‬لعدم وجوب المعرفة فيها‪ ،‬وألنّ اإلسالم واإليمان‬
‫ثم َ‬
‫بان خطأ‬
‫ال يناطان بها‪ ،‬لكن ماذا لو اعتقد المك َّلف اعتقاد ًا تفصيلي ًا معين ًا‪ّ ،‬‬
‫معتقده‪ ،‬فهل ُيلاَ م على ذلك؟ وهل ُي َ‬
‫حكم بكفره وانحرافه؟ وربما يقع الخطأ‬
‫أيض ًا في االعتقاد اإلجمالي من المستوى الثاني المتقدم‪ ،‬والسؤال هو السؤال‪.‬‬

‫والجواب بالنفي عن السؤالين‪ ،‬فلو اعتقد معتقد ـ مث ً‬
‫ٌ‬
‫ممكنة يوم‬
‫ال ـ أنّ رؤية الله‬
‫تمتد إلى ما قبل البعثة‪ ،‬أو أنّ الصراط والميزان‬
‫النبي‪ P‬ال ّ‬
‫القيامة‪ ،‬أو أنّ عصمة ّ‬
‫أمور رمزية وليست أمور ًا مادية‪ ،‬و ُف ِر َ‬
‫ض أنّ معتقداته هذه كانت‬
‫واللوح هي‬
‫ٌ‬
‫خاطئ ًة‪ ،‬فهو ال يالم وال يؤاخذ‪ ،‬ألنّ المجتهد‪ ‬ـ‪ ‬إذا اعتمد على اجتهاد صحيح‬
‫يقصر في بذل الجهد‪ ‬ـ‪ ‬معذور‪ ،‬وتقبح مؤاخذته بحكم العقل‪ ،‬وسيأتي مزيد‬
‫ولم ّ‬
‫من التحقيق الحق ًا حول معذورية المجتهد المخطئ‪ ،‬كما أنّه ال يحكم بكفره‪،‬‬
‫يتقوم بهذه التفاصيل وأمثالها‪ ،‬وإنّما قوامه الشهادتان‪.‬‬
‫ألنّ اإلسالم ال ّ‬

‫ثاني ًا‪ :‬هل يكفي االعتقاد اإلجمالي في أصول االعتقاد؟‬

‫هذا فيما يتصل بكفاية المعرفة اإلجمالية في فروع االعتقاد‪ ،‬وأما فيما يتصل‬
‫بد فيها من المعرفة التفصيلية ليكون االعتقاد بها‬
‫بأصول العقيدة فقد يتصور أنّه ال ّ‬
‫وأما المعرفة اإلجمالية فهي غير كافية‪ ،‬ألنّها معرفة ناقصة‪.‬‬
‫تفصيلي ًا‪ّ ،‬‬

‫وقد يجاب عن ذلك بأنّ هذا الكالم ليس دقيق ًا على إطالقه‪ ،‬وأنّه ُيكتفى‬
‫بالمعرفة اإلجمالية في بعض مستوياتها التي تكون محقّقة لعنوان اإليمان بالله أو‬
‫اإليمان برسوله‪ P‬أو بيوم القيامة‪ .‬ولو أخذنا اإليمان بالله مثا ً‬
‫ال فال دليل على‬
‫تقوم اإليمان به تعالى بأكثر من االعتقاد بوجود إله واحد قادر عالم خالق‪ ..‬أما‬
‫ّ‬
‫معرفة حقيقة كل واحدة من هذه الصفات وعالقتها بالذات أو بالصفات األخرى‬
‫‪143‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫فهذا ما ال يتو ّقف عليه صدق اإليمان‪ ،‬بل إنّ تكليف عامة الناس بذلك قد يكون‬
‫من التكليف بما ال يطاق‪.‬‬

‫جسم‬
‫العوام (أنّ الله‬
‫يقول العالمة محمد تقي المجلسي‪« :‬الظاهر أنّه إذا اعتقد‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ال كاألجسام) ال يكفرون بذلك‪ ،‬بل ال يجب عليهم سوى ذلك‪ ،‬ألنّ تكليفهم بأن‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫يتوهمون إله ًا له‬
‫وبأي‬
‫المجرد‬
‫يفهموا‬
‫وجه ذكر لهم‪ ،‬فهم َّ‬
‫تكليف بما ال يطاق‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫يتصوروا سوى ذلك‪ ،‬ألنّه ليس‬
‫لخواص العلماء أن‬
‫مقدار وفي جهة‪ ،‬بل ال يمكن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في مقدورهم‪ ..‬ولهذا كان رسول الله‪P‬‬
‫واألئمة‪ R‬يقنعون من الكفار بعد‬
‫ّ‬
‫اإلسالم بأن ينطقوا بالشهادتين‪ ،‬وال يك ّلفونهم دقائق أفكار الحكماء في إثبات‬
‫الواجب لذاته»‪.‬‬

‫ثم ينقل المجلسي عن المحقّق نصير الدين الطوسي‪ ،‬أنّ تكليف العامة بذلك‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫تكليف بما ال يطاق‪ ،‬وأنّه «يكفيهم أن يعلموا أنّ لهم إله ًا ليس مثل المخلوقين‪،‬‬
‫توهموه جسم ًا نوراني ًا»‪ ،‬وأضاف‪« :‬لو قلنا إنّ ذلك كفر وارتداد لم يسلم إال‬
‫وإنْ َّ‬
‫المعصوم‪ ،‬ألنّ ّ‬
‫كل ال ّناس‪ ،‬بمن فيهم العلماء‪ ،‬تحصل لهم المعرفة شيئ ًا فشيئ ًا»(‪.)1‬‬
‫ٍ‬
‫اعتقد‪ ‬ـ‪ ‬لنقص‬
‫عمن‬
‫وذهب اإلمام الخميني‪ M‬إلى أبعد من ذلك‪ ،‬فنفى الكفر ّ‬
‫في معرفته‪ ‬ـ‪ ‬أنّ الله جسم حقيقة‪ ،‬فض ً‬
‫عما إذا اعتقد أنّه‬
‫جسم ال كاألجسام(‪.)2‬‬
‫ٌ‬
‫ال ّ‬
‫وتحقيق الحال في هذه المسألة خارج عن نطاق بحثنا‪.‬‬

‫الع َل َمان (المجلسي‬
‫هذا ولكن اإلنصاف أنّ األمثلة التي ذكرناها أو ذكرها َ‬
‫والخميني) ليست أمثلة ألصول العقيدة‪ ،‬وإنما هي أمثلة للفروع العقدية المتشعبة‬
‫يصح اعتبارها دلي ً‬
‫ال أو شاهد ًا على كفاية االعتقاد اإلجمالي‬
‫عن تلك األصول‪ ،‬فال ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬المجلسي‪ ،‬المولى محمد تقي (المجلسي األول) (ت ‪1070‬هـ)‪ ،‬روضة المتقين في شرح‬
‫من ال يحضره الفقيه‪ ،‬بنياد فرهنگى إسالمى‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1413 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،14‬ص‪ ،266‬نق ً‬
‫ال‬
‫عن مج ّلة علوم الحديث‪ ،‬العدد ‪ ،19‬ص‪.54‬‬
‫((( الخميني‪ ،‬روح الله (اإلمام) كتاب الطهارة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.340‬‬
‫‪144‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في المنهج‪ :‬وقفات وتأمّالت‬

‫نخلص إلى النتيجة التالية‪ :‬وهي كفاية االعتقاد‬
‫في أصول العقيد ُة ومن ذلك كله ْ‬
‫اإلجمالي في فروع العقيدة دون أصولها‪ ،‬لقيام الدليل على الكفاية في الفروع‬
‫دون األصول‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫موقعية اليقين‬
‫ّ‬

‫في االجتهاد الكالمي‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫الظن واالطمئنان واليقين‬
‫‪ 1‬البناء العقدي بين ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫الدينية‬
‫‪ 2‬اليقين ودوره في بناء المعرفة‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬نظرات نقدية في التعددية االعتقادية‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪147‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫‪1‬‬
‫البناء العقدي‬
‫بين الظن واالطمئنان واليقين‬

‫ثمة تسالم ًا بين المسلمين على تقديم اإلسالم باعتباره عقيد ًة‬
‫َّ‬
‫قدمنا أنّ ّ‬
‫وشريعة‪ ،‬والعقيدة تم ّثل البناء الفكري والنظري لإلسالم‪ ،‬بينما تم ّثل الشريعة‬
‫السلوك العملي‪ .‬والبناء النظري يرتكز على إذعان القلب وقناعة العقل والفكر‪،‬‬
‫قابل لإلكراه ﴿لاَ إِ ْك َرا َه ِفي الدِّ ِ‬
‫من هنا كان الدين غير ٍ‬
‫الرشْ دُ ِم َن الغَ ِّي﴾‬
‫ين َق ْد ت ََب َّي َن ُّ‬
‫[البقرة‪ ،)1(]256:‬فإنّ االعتقاد واالقتناع من أفعال القلوب والجوانح‪ ،‬وهي‬
‫ال تقبل اإلكراه واإلجبار‪ ،‬خالف ًا للسلوك العملي‪ ،‬فال يتو ّقف على اإلذعان‪،‬‬
‫التعبد‪ ،‬بل واإلكراه‪.‬‬
‫الرتباطه بالجوارح‪ ،‬وهي تقبل ّ‬

‫اإلسالم تصديق بالجنان وعمل باألركان‬

‫ولذا نرى المؤمن المعتقد بالله ورسوله واليوم اآلخر‪ ،‬قد يقوم ببعض األعمال‬
‫مما جاءت به الشريعة‪ ،‬ح ّتى لو لم يفهمها‪ ،‬أو وصلت إليه بالطرق‬
‫العبادية‪ ،‬أو غيرها ّ‬
‫الظنية؛ ألنّ إذعانه وتسليمه لله ولرسوله‪ ،‬وإيمانه بحكمته وعلمه تعالى‪ ،‬يدفعه إلى‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫نصت عليه الشريعة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إنّ أمر االعتقاد‬
‫االلتزام‬
‫والتعبد العملي بما ّ‬
‫ّ‬
‫واإلذعان ليس بيد اإلنسان‪ ،‬فال يمكنه أن ُي ْك ِره نفسه على اإلذعان بشيء إن لم يمتلك‬

‫((( للتوسع حول داللة هذه اآلية يراجع ما ذكرناه في كتاب «الفقه الجنائي في اإلسالم‪ ‬ـ‪ ‬الردة‬
‫نموذج ًا»‪..‬‬
‫‪149‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫أمر‬
‫هذا الشيء من عناصر اإلقناع ما يوجب االعتقاد‪ّ ،‬‬
‫وأما السلوك العملي‪ ،‬فهو ٌ‬
‫اختياري وخاضع إلرادة اإلنسان‪ ،‬فيمكن إكراهه عليه‪ ،‬كما بإمكانه أن ُي ْك ِره نفسه‬
‫ّ‬
‫الشك بالشيء‪ ،‬أو عدم فهم فلسفته ومغزاه‪.‬‬
‫على االنقياد العملي‪ ،‬ولو في حالة‬

‫وقد أشارت األحاديث إلى هذا الفارق‪ ،‬ففي الحديث عن اإلمام الرضا‪Q‬‬

‫عن آبائه عن أمير المؤمنين‪ Q‬قال سمعت رسول الله‪ P‬يقول‪« :‬اإليمان‪:‬‬
‫قول باللسان‪ ،‬ومعرفة بالقلب‪ ،‬وعمل باألركان»(‪.)1‬‬

‫ٍ‬
‫حديث آخر عن اإلمام الصادق‪« :Q‬اإليمان‪ :‬قول باللسان‪ ،‬وتصديق‬
‫وفي‬
‫ٍ‬
‫بالجنان‪ ،‬وعمل باألركان»(‪ ،)2‬وفي‬
‫حديث ثالث عن اإلمام الرضا‪:Q‬‬
‫«اإليمان عقد بالقلب‪ ،‬ولفظ باللسان‪ ،‬وعمل باألركان»(‪ ،)3‬فإنّ العقد بالقلب‬
‫أو المعرفة القلبية أو التصديق بالجنان‪ ،‬تشير إلى معنى واحد‪ ،‬وهو الوظيفة‬
‫وأما النطق‬
‫االعتقادية لإليمان‪ ،‬بينما يشير العمل باألركان إلى الوظيفة السلوكية‪ّ .‬‬
‫والتلفظ‪ ،‬فهو يرمز إلى إعالن االنتماء إلى اإلسالم‪ ،‬باعتبار أنّ النطق آية وعالمة‬
‫على إظهار االنتساب إلى اإلسالم وإعالنه‪.‬‬

‫تعبد في العقائد‬
‫ال ّ‬

‫إنّ هذا الفارق الجوهري بين اإليمان االعتقادي واإليمان السلوكي‪ ،‬هو الذي‬
‫الظن في‬
‫حجية‬
‫ويبرر هذا االتفاق أو شبه االتفاق اإلسالمي حول عدم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يفسر ّ‬
‫أصول العقيدة‪.‬‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن الحسن (ت ‪460‬هـ)‪ ،‬األمالي‪ ،،‬مؤسسة البعثة‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1414‬هـ‪ ،‬ص‪.448‬‬
‫((( أنظر‪ :‬المغربي‪ ،‬النعمان بن محمد التميمي المعروف بالقاضي نعمان‪( ،‬ت ‪363‬هـ)‪ ،‬دعائم‬
‫اإلسالم‪ ،‬تحقيق‪ :‬آصف فيضي‪ ،‬دار المعارف‪ ،‬القاهرة ـ مصر‪ ،‬ال‪.‬ط‪1963 ،‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.3‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الصدوق‪ ،‬محمد بن علي بن الحسين بن بابويه‪ ،‬عيون أخبار الرضا‪ ،Q‬الطبعة غير‬
‫محددة‪ ،‬مؤسسة األعلمي‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،1984 ،‬ج‪ ،2‬ص‪.205‬‬
‫‪150‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫ويخطئ من يقيس المفاهيم العقدية باألحكام الشرعية؛ ألنّ الفقه هو منظومة‬
‫المتيسر للمك ّلف‬
‫التعبد‪ ،‬فمن‬
‫توجه السلوك‬
‫أحكام وقوانين ّ‬
‫ّ‬
‫العملي‪ ،‬وهي تقبل ّ‬
‫ّ‬
‫أن يترك أكل لحم األرنب‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬تعبد ًا‪ ،‬لورود النهي عن أكله في الخبر المعتبر‪.‬‬
‫وأما العقائد‪ ،‬فإنّها مجموعة مفاهيم ّ‬
‫تنظم السلوك النظري‪ ،‬بما يو ّلد القناعة لدى‬
‫ّ‬
‫المتيسر لإلنسان أن يذعن ويعقد القلب على اإليمان‬
‫أصحابها‪ ،‬ولذا فمن غير‬
‫ّ‬
‫بوحدانية الله‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬استناد ًا إلى خبر ظ ّني ولو كان معتبر ًا سند ًا‪.‬‬
‫ّ‬

‫يقول العالمة أبو الحسن الشعراني‪« :‬وال يخفى أنّ في المسائل االعتقادية أو‬
‫ظن بشيء‪ ،‬لم يمكن ألحد سلب الظن‬
‫العملية‪ ،‬إذا حصل من األدلة واألمارت ٌّ‬
‫عن قلبه‪ ،‬فإنّه يحصل بغير اختياره‪ ،‬وال ُيعقل أن يأمره الشارع بأن يعتقد خالف‬
‫صحة ظنه ومطابقته للواقع يقين ًا‪ ،‬ولكن ُيعقل أن يأمره بالعمل‬
‫ظ ّنه أو يعلم قطع ًا ّ‬
‫فتبين‬
‫العملية‬
‫مع ظ ّنه‪ ..‬ولذلك قالوا‪ُ :‬يكتفى في المسائل‬
‫ّ‬
‫بالظن دون االعتقادية‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫الظن في االعتقادات غير معقول‪،‬‬
‫من ذلك‪ :‬أنّ قيام الدليل العلمي على‬
‫حجية ّ‬
‫ّ‬
‫ماهيته‪ ،‬وال يصير ِع ْلم ًا وال ّ‬
‫فإنّ‬
‫شك ًا‪ ،‬وال مطلوب في االعتقادات‬
‫ّ‬
‫تتغير ّ‬
‫الظن ال ّ‬
‫إال حصول نفس االعتقاد‪ ،‬بخالف العمليات‪ ،‬فإنّ المطلوب فيها ترتيب آثار‬
‫الظن‬
‫االعتقاد‪ ،‬وال مانع من قيام الدليل العلمي على ترتيب آثار اليقين على‬
‫ّ‬
‫الظن علم ًا تكوين ًا»(‪.)1‬‬
‫تشريع ًا‪ ،‬ولكن ال يعقل قيام الدليل العلمي على كون ّ‬

‫في الدليل‬

‫حجية الظن في قضايا االعتقاد‪،‬‬
‫وفي ضوء ذلك‪ ،‬ي ّتضح الدليل األول على عدم ّ‬
‫ظنية؛ ألنّ قضايا‬
‫وحاصله‪ :‬أنّ طبيعة القضايا االعتقادية تأبى إثباتها بوسائل ّ‬
‫((( أنظر‪ :‬الميرزا أبو الحسن‪ ،‬حاشية الشعراني على شرح أصول الكافي‪ ،‬تأليف‪ :‬المولى محمد‬
‫صالح المازندراني‪( ،‬ت ‪1081‬هـ)‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1421 ،1‬هـ‪،‬‬
‫ج‪ ،10‬ص‪.186‬‬
‫‪151‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫االعتقاد تتط ّلب إذعان ًا وتصديق ًا قلبي ًا واقتناع ًا عقلي ًا وجداني ًا‪ ،‬وهو ما ال يمكن‬
‫حجيته‪ ،‬ألنّ الظن ال‬
‫الظن‪ ،‬ح ّتى لو قام الدليل القطعي على‬
‫توفيره من خالل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حجيته‪ ،‬فإنّ ذلك غير معقول‪،‬‬
‫ماهيته ليصير علم ًا بقيام الدليل القطعي على‬
‫ّ‬
‫تتغير ّ‬
‫ّ‬
‫كما ذكر العالمة الشعراني في كالمه اآلنف‪.‬‬

‫ٍ‬
‫وبكلمة أخرى‪ :‬إنّ مسائل أصول الدين‪ ،‬حيث إنّ المطلوب فيها عقد القلب‪،‬‬
‫ّ‬
‫ينفك عن اليقين به‪ ،‬فمع‬
‫بد من أن تكون قطعي ًة؛ ألنّ االعتقاد بالشيء ال‬
‫فال ّ‬
‫ّ‬
‫الشك وزوال اليقين يزول االعتقاد‪ .‬نعم‪ ،‬قد يمكن انفكاك اليقين عن االعتقاد‪،‬‬
‫بأن يحصل لإلنسان اليقين بأمر‪ ،‬ولك ّنه مع ذلك ال يعقد قلبه وال يدين الله به‪ ،‬كما‬
‫ّ‬
‫اس َت ْي َق َن ْت َها َأن ُْف ُس ُه ْم﴾ [النمل‪.]14:‬‬
‫يدل عليه قوله تعالى‪َ :‬‬
‫﴿و َج َحدُ وا بِ َها َو ْ‬
‫ولكن االعتقاد ال ّ‬
‫إذ ًا‪ :‬اليقين ّ‬
‫ينفك عن االعتقاد‪،‬‬
‫ينفك عن اليقين(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫وال يقولن ٌ‬
‫قائل‪ :‬إنّ بإمكان اإلنسان أن يغالب نفسه ويعقد قلبه على المفهوم‬
‫ٌ‬
‫الظن إلى مستوى‬
‫الظ ّني ويدين الله به‪ ،‬فإنّ ذلك‬
‫مخالف للوجدان‪ ،‬إال إذا وصل ّ‬
‫ٍ‬
‫جد ًا‪ ،‬كاالطمئنان‪ ،‬ما يجعل احتمال الخالف موهون ًا وغير ملتفت إليه‪ ،‬كما‬
‫عال ّ‬
‫سيأتي بيانه‪.‬‬
‫الدليل الثاني‪ :‬إنّه وبدون الجزم‪ ،‬يبقى احتمال الضرر وارد ًا ومحتم ً‬
‫ال‪ ،‬وبقاء‬
‫االحتمال المذكور يعني بقاء حكم العقل بلزوم البحث والنظر‪ ،‬وهو ما ال يتالءم‬
‫بحال مع االعتقاد أو اإليمان المطلوب‪ ،‬إذ كيف يتس ّنى لإلنسان أن يؤمن بشيء‬
‫ّ‬
‫والشك!‬
‫ويعقد قلبه عليه‪ ،‬مع كونه ال يزال في مرحلة البحث وحالة النظر‬

‫اللهم إ ّ‬
‫الظن في بعض‬
‫ال أن ُيقال‪ :‬إنّه لو قام الدليل القطعي على حجية‬
‫ّ‬
‫الحاالت‪ ،‬فهو‪ ‬ـ‪ ‬أي الدليل القطعي‪ ‬ـ‪ ‬الذي سوف ّ‬
‫يشكل ُم َؤ ِّمن ًا تجاه احتمال‬

‫((( أنظر‪ :‬الحكيم‪ ،‬السيد عبد الصاحب‪ ،‬منتقى األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد محمد الروحاني‪،‬‬
‫مطبعة الهادي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1416 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪.217‬‬
‫‪152‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫ٌ‬
‫مجال وال قيمة إال في خصوص الظنون‬
‫الضرر‪ ،‬فال يبقى لالستدالل المذكور‬
‫التي لم يقم ٌ‬
‫يتخيل أحدٌ إمكان االستناد إليها في‬
‫دليل على‬
‫حجيتها‪ ،‬وهذه لم ّ‬
‫ّ‬
‫الفقهية‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن العقدية‪ ،‬فإنّ عدم الدليل على الحجية هو نفسه‬
‫االستدالالت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشك في الحجية هو عدمها‪ ،‬كما سيأتي الحق ًا‪.‬‬
‫دليل العدم‪ ،‬ألنّ األصل عند‬

‫الظن‪ ،‬هو‬
‫الدليل الثالث‪ :‬إنّ القدر المتيقَّن من اآليات القرآنية الناهية عن ا ّتباع ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫او ِ‬
‫َ‬
‫ات‬
‫الس َم َ‬
‫ّ‬
‫الظن في المجال العقدي‪ ،‬من قبيل قوله تعالى‪﴿ :‬ألاَ إِ َّن لله َم ْن في َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ين َي ْد ُعونَ م ْن ُد ِ‬
‫ون الله ُش َر َك َاء إِ ْن َي َّتبِ ُعونَ إِلاَّ َّ‬
‫َو َم ْن في األ ْر ِ‬
‫الظ َّن‬
‫ض َو َما َي َّتبِ ُع ا َّلذ َ‬
‫﴿و َما َي َّتبِ ُع َأ ْك َث ُر ُه ْم إِلاَّ‬
‫َوإِ ْن ُه ْم إِلاَّ َي ْخ ُر ُصونَ ﴾ [يونس‪ ،]66:‬وقوله سبحانه‪َ :‬‬
‫ِ‬
‫َظ ًّنا إِ َّن َّ‬
‫يم بِ َما َي ْف َع ُلونَ ﴾ [يونس‪،]36:‬‬
‫الظ َّن لاَ ُيغْ نِي ِم َن َ‬
‫الحقِّ َش ْيئًا إِ َّن الل َه َعل ٌ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وقوله سبحانه‪﴿ :‬إِ ْن َي َّتبِ ُعونَ إِلاَّ َّ‬
‫ـم‬
‫س َو َل َق ْد َج َاء ُه ْم م ْن َر ِّب ِه ُ‬
‫الظ َّن َو َما ت َْه َوى األن ُْف ُ‬
‫ِ ِ‬
‫﴿ولاَ َتق ُ‬
‫الس ْم َع‬
‫ُ‬
‫الهـدَ ى﴾ [ال َّنجم‪ ،]23:‬وقوله تعالى‪َ :‬‬
‫ْف َما َل ْي َ‬
‫س َل َك بِه ع ْل ٌم إِ َّن َّ‬
‫الب َص َر َو ُ‬
‫الفؤَ ا َد ُك ُّل ُأو َلئِ َك َكانَ َع ْن ُه َم ْسئُول﴾ [اإلسراء‪ ،]36:‬إلى غير ذلك من‬
‫َو َ‬
‫اآليات المباركة(‪.)1‬‬
‫وقد نحا أو ذهب علماء األصول في تفسير هذه اآليات في اتجاهين‪:‬‬

‫خص هذه اآليات بدائرة العقديات دون الشرعيات(‪،)2‬‬
‫االتجاه األول‪ :‬هو الذي ّ‬
‫ويشهد لهذا االتجاه سياق غالب اآليات المشار إليها‪ ،‬وهذا واضح من اآلية‬
‫األولى‪ ،‬كما ال يخفى‪ .‬وهكذا اآلية الثانية‪ ،‬فإنّ التنديد الوارد فيها على م َّتبعي‬
‫الظن جاء عقيب قوله‪ُ ﴿ :‬ق ْل َه ْل ِم ْن ُش َر َكائِ ُك ْم َم ْن َي ْبدَ ُأ َ‬
‫الخ ْلقَ ُث َّم ُي ِعيدُ ُه ُق ِل الل ُه‬
‫ّ‬
‫(( ( راجع‪ :‬سورة األنعام‪ :‬اآلية ‪.148‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الكاظمي‪ ،‬الشيخ محمد علي (ت ‪1365‬هـ)‪ ،‬فوائد األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس النائيني‪،‬‬
‫محمد حسين الغروي (ت ‪1355‬هـ)‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪1404 ،‬هـ‪،‬‬
‫ج‪ ،3‬ص‪160‬؛ والبروجردي‪ ،‬الشيخ محمد تقي‪ ،‬نهاية األفكار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪103‬؛‬
‫العاملي‪ ،‬الحسن بن زين الدين (ت ‪1011‬هـ)‪ ،‬معالم الدين ومالذ المجتهدين‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬قم ـ‬
‫إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.195‬‬
‫‪153‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫َي ْبدَ ُأ َ‬
‫الحقِّ ُق ِل‬
‫الخ ْلقَ ُث َّم ُي ِعيدُ ُه َف َأنَّى ت ُْؤ َف ُكونَ * ُق ْل َه ْل ِم ْن ُش َر َكائِ ُك ْم َم ْن َي ْه ِدي إِ َلى َ‬
‫الحقِّ َأ َح ُّق َأ ْن ُي َّت َب َع َأ َّم ْن لاَ َي ِهدِّ ي إِلاَّ َأ ْن ُي ْهدَ ى‬
‫الل ُه َي ْه ِدي لِ ْل َحقِّ َأ َف َم ْن َي ْه ِدي إِ َلى َ‬
‫َف َما َل ُك ْم َك ْي َف ت َْح ُك ُمونَ ﴾ [يونس‪ 34:‬ـ‪ّ .]35 ‬أما اآلية الثالثة‪ ،‬فإنّ سياقها شديد‬
‫االلتصاق بالقضايا االعتقادية‪ ،‬ألنّ النكير على اتباع الظن وما تهوى النفس‪ ،‬جاء‬
‫الع َّزى َو َم َنا َة الثَّالِ َث َة ُ‬
‫عقب قوله تعالى‪َ :‬‬
‫األ ْخ َرى َأ َل ُك ُم َّ‬
‫﴿أ َف َر َأ ْي ُت ُم اَّ‬
‫الذ َك ُر َو َل ُه‬
‫الل َت َو ُ‬
‫ُ‬
‫وها َأ ْن ُت ْم َو َآ َباؤُ ُك ْم َما َأن َْز َل الل ُه‬
‫األ ْن َثى تِ ْل َك إِ ًذا ِق ْس َم ٌة ِض َيزى إِ ْن ِه َي إِلاَّ َأ ْس َم ٌاء َس َّم ْي ُت ُم َ‬
‫بِ َها ِم ْن ُس ْل َط ٍ‬
‫ان﴾ [النجم‪ 19:‬ـ‪.]23 ‬‬
‫االتجاه الثاني‪ :‬وهو الذي رأى أنها عامة وشاملة ألصول الدين وفروعه(‪،)1‬‬
‫غايته أنّها قد ُخ ِّصصت بما ّ‬
‫دل على حجية خبر الواحد أو الظواهر في الفرعيات‪.‬‬

‫عما هو الصحيح‬
‫ومن الواضح أنّ االتجاهين المذكورين‪ ،‬وبصرف النظر ّ‬
‫منهما‪ ،‬متفقان على أنّ أصول الدين هي القدر المتيقَّن لهذه اآليات‪ ،‬كما ذكر‬
‫(‪)2‬‬
‫الظن‬
‫األخوند الخراساني ‪ ،‬قال‪« :M‬الظاهر أو المتيقَّن من آيات النهي عن ّ‬
‫ّ‬
‫استدل به لالتجاه األول‪،‬‬
‫تمامية ما‬
‫هو األصول االعتقادية»‪ .‬وال يخفى أنَّه مع‬
‫ّ‬
‫فيكون خروج الفرعيات عن مفاد اآليات المذكورة‪ ،‬أشبه بالخروج التخصصي‪،‬‬
‫الفتقادها لإلطالق‪ ،‬ومعه‪ ،‬فال حاجة إلى التخصيص‪ ،‬كما هو مفاد االتجاه‬
‫الثاني‪ ،‬ومما يشهد لخروج الفرعيات خروج ًا تخصصي ًا أنّ مفاد بعض اآليات‬
‫ٍ‬
‫آب عن التخصيص‪ ،‬كما هو الحال في اآلية الثانية‪ ،‬أعني قوله تعالى‪﴿ :‬إِ َّن َّ‬
‫الظ َّن‬
‫الحقِّ َش ْيئًا﴾ [يونس‪.]36:‬‬
‫لاَ ُيغْ نِي ِم َن َ‬
‫وتجدر اإلشارة هنا إلى أنّ بعض المشركين ربما كانوا جازمين بصحة‬

‫(( ( البهسودي‪ ،‬محمد سرور الواعظ‪ ،‬مصباح األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ :‬ج‪ ،2‬ص‪ ،152‬الحكيم‪،‬‬
‫السيد محسن (ت ‪1391‬هـ)‪ ،‬حقائق األصول‪ ،‬مكتبة بصيرتي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1408 ،5‬هـ‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪.112‬‬
‫((( الخراساني‪ ،‬الشيخ محمد كاظم (اآلخوند)‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬كفاية األصول‪ ،‬ص‪.339‬‬
‫‪154‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫متبعين للظن‪ ،‬والوجه‬
‫معتقداتهم ومتبنياتهم‪ ،‬ومع ذلك اعتبرتهم اآليات القرآنية‬
‫ّ‬
‫ظنية‪ ،‬والمنهج الذي سلكوه هو‬
‫في ذلك أنّ الطريق التي اعتمدوها هي طريق ّ‬
‫منهج ال يعتمد على الحجة والبرهان‪ ،‬وهذا نظير النهي عن ظن السوء باآلخرين‬
‫مع أنّ بعض هذا الظن ربما كان مصيب ًا‪ ،‬كما توحي بذلك اآلية الشريفة‪َ ﴿ :‬يا َأ ُّي َها‬
‫ض َّ‬
‫اج َتنِ ُبوا َكثِير ًا ِّم َن َّ‬
‫الظ ِّن إِ َّن َب ْع َ‬
‫الظ ِّن إِ ْث ٌم﴾ [الحجرات ‪.]12‬‬
‫ا َّل ِذ َ‬
‫ين آ َم ُنوا ْ‬

‫الظن في كافة القضايا العقدية‬
‫عدم‬
‫حجية ّ‬
‫ّ‬

‫الظن في مطلق القضايا‬
‫حجية‬
‫المتقدمة‪ ،‬هو عدم‬
‫ثم إنّ المستفاد من األدلة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االعتقادية‪ ،‬سواء في ذلك األصول األساسية التي تجب فيها المعرفة التفصيلية‪،‬‬
‫كأصول الدين المعروفة أو فروع االعتقاد التي ال يشترط فيها المعرفة على آحاد‬
‫المكلفين‪ ،‬كاالعتقاد بحساب القبر أو الصراط أو الميزان‪ ..‬فالجميع يحتاج إلى عقد‬
‫الظنية‪ ،‬كما أنّ الجميع‬
‫القلب وتصديق الجنان‪ ،‬وهو ما ال توفّره الطرق واألمارات ّ‬
‫ٌ‬
‫الظن‪ .‬والتفصيل بين هذين النوعين‬
‫مشمول للعمومات القرآنية الناهية عن ا ّتباع ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫من قضايا االعتقاد‪ ،‬ال مبرر له وال دليل يعضده‪ ،‬إ ّال أن في المقام بعض اآلراء‬
‫بالظن‪ ،‬إنْ بالنسبة إلى مطلق الظن‪ ،‬كما نسب إلى بعض العلماء‪ ،‬منهم‪:‬‬
‫المكتفية‬
‫ّ‬
‫المحقق األردبيلي‪ ،‬وتلميذه صاحب المدارك‪ ،‬وظاهر كالم الشيخ البهائي‪ ،‬والعالمة‬
‫الظن المستفاد من النظر‬
‫المجلسي‪،‬‬
‫ّ‬
‫والمحدث الكاشاني وغيرهم‪ ،‬أو بالنسبة إلى ّ‬
‫الظن المستفاد من أخبار اآلحاد‪ ،‬وهو ظاهر كالم‬
‫واالستدالل دون التقليد‪ ،‬أو‬
‫ّ‬
‫لكن‬
‫يعولوا في أصول الدين وفروعها إال على أخبار اآلحاد‪ّ ،‬‬
‫األخباريين‪ ،‬فإنّهم لم ّ‬
‫الدليل على خالفها‪.‬‬
‫هذه اآلراء ال تفتقر إلى الدليل فحسب‪ ،‬بل إنّ ّ‬
‫السيد الخوئي‪ ،M‬وهو‬
‫أجل‪ ،‬ثمة رأي في المقام ال َّ‬
‫بد من مالحظته‪ ،‬تب َّناه ِّ‬
‫يعول فيها‬
‫ّ‬
‫يفصل في حجية الظن بين المفاهيم العقدية التي تجب معرفتها‪ ،‬فال ّ‬

‫((( أنظر حول هذه اآلراء‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.554‬‬
‫‪155‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫إ ّ‬
‫ال على ما يفيد اليقين‪ ،‬وبين المفاهيم التي ال تجب معرفتها‪ ،‬وإنما يكتفى فيها‬
‫بالتسليم وعقد القلب على تقدير إخبار النبي‪ P‬بها‪ ،‬فيكتفى فيها بالظن الخاص‪،‬‬
‫«وأما الظن المتعلق باألصول االعتقادية‪ ،‬فال ينبغي الشك في عدم‬
‫يقول‪ّ :M‬‬
‫جواز االكتفاء بالظن فيما تجب معرفته عق ً‬
‫ال‪ ،‬كمعرفة الباري ّ‬
‫جل شأنه‪ ،‬أو شرع ًا‪،‬‬
‫كمعرفة المعاد الجسماني‪ ،‬إذ ال يصدق عليه المعرفة‪ ،‬وال يكون تحصيله خروج ًا‬
‫الظن متع ّلق ًا‬
‫من ظلمة الجهل إلى نور العلم»‪ ،‬إلى أن يقول‪« :‬هذا ك ّله فيما إذا كان ُّ‬
‫بما تجب معرفته عق ً‬
‫ال أو شرع ًا‪ ،‬وأما إذا كان الظن متع ّلق ًا بما يجب التباني عليه‪،‬‬
‫وعقد القلب عليه‪ ،‬والتسليم واالنقياد له‪ ،‬كتفاصيل البرزخ‪ ،‬وتفاصيل المعاد‪،‬‬
‫ووقائع يوم القيامة‪ ،‬وتفاصيل الصراط والميزان‪ ،‬ونحو ذلك مما ال تجب معرفته‪،‬‬
‫وإنّما الواجب عقد القلب عليه واالنقياد له على تقدير إخبار النبي‪ P‬به‪ ،‬فإن كان‬
‫الظن المتعلق بهذه األمور من الظنون الخاصة الثابتة حجيتها بغير دليل االنسداد‪،‬‬
‫حجة‪ ،‬بمعنى أنّه ال مانع من االلتزام بمتعلقه وعقد القلب عليه‪ ،‬ألنّه ثابت‬
‫فهو ّ‬
‫بالتعبد الشرعي‪ ،‬بال فرق بين أن تكون الحجية بمعنى جعل الطريقية كما اخترناه‪،‬‬
‫أو بمعنى جعل المنجزية والمعذرية كما اختاره صاحب الكفاية‪ ،‬وإن كان الظن‬
‫حج ًة»(‪.)1‬‬
‫من الظنون المطلقة الثابتة حجيتها بدليل االنسداد‪ ،‬فال يكون ّ‬
‫ويمكننا أن نالحظ على هذا التفصيل‪:‬‬

‫أو ًال ّ‪ :‬إنّ الكالم تارة يكون عن وجوب عقد القلب على أمر ثبوته ظني ًا‪ ،‬وأخرى‬
‫عن إمكانية عقد القلب عليه‪ ،‬فإن كان نظر السيد الخوئي إلى وجوب عقد القلب‬
‫على أم ٍر ثبوته ظني ًا‪ ،‬فإنّ لنا أن نسأل‪ :‬لو أمكن عقد القلب على أم ٍر كهذا‪ ،‬لكن‬
‫الظنية حتى لو قام الدليل على‬
‫ما الدليل على وجوب عقد القلب على القضايا‬
‫ّ‬
‫حجية الظن الخاص‪ ،‬كالظن الخبري؟‬
‫السيد الخوئي‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫((( البهسودي‪ ،‬محمد سرور الواعظ‪ ،‬مصباح األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس ِّ‬
‫ج‪ ،2‬ص ‪ 236‬ـ‪.238 ‬‬
‫‪156‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫الظاهر أنّه ال دليل على ذلك‪ ،‬ألنّك عرفت أنّ هذه القضايا ال يجب فيها االعتقاد‬
‫ما لم يحصل العلم بها(‪ ،)1‬وبدونه فال ملزم باالعتقاد‪ ،‬بل عرفت أنّه ال يجب عقد‬
‫القلب عليها حتى لو حصل العلم الوجداني بها‪ ،‬غايته أنّه يحرم إنكارها‪ ،‬وعليه‬
‫وأما إن كان نظره إلى إمكانية‬
‫فالثبوت التعبدي ال يزيد على الثبوت الوجداني‪ّ ،‬‬
‫عقد القلب‪( ،‬والظاهر أنّه‪ M‬ناظر إلى هذه الفرضية في كالمه حيث قال‪« :‬إنّه‬
‫فرضية يواجهها إشكال‬
‫ال مانع من االلتزام بمتعلقه وعقد القلب عليه») فهذه‬
‫ّ‬
‫وهو أنّ االعتقاد يحتاج إلى العلم‪ ،‬أو كما قال بعض العلماء‪« :‬إنّ االعتقاد ال‬
‫ينفك عن اليقين»(‪ ،)2‬والظن ولو كان حجة فهو ليس علم ًا‪ ،‬والتعبد الشرعي‬
‫وحجية الظن إنما تجدي بترتيب‬
‫بتنزيل الظن منزلة العلم ال ينتج علم ًا وجداني ًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫اآلثار الشرعية‪ ،‬والمعرفة القلبية ليست منها‪ ،‬بل إنّ المعرفة ال يمكن أن توجد‬
‫بالتعبد كما أسلفنا‪.‬‬

‫وخالصة القول‪ :‬إنّ المطلوب في قضايا االعتقاد هو «التصديق القلبي» أو‬
‫معرفة القلب وهذا ما جاء في بعض الروايات المتقدمة‪ ،‬وهذا النوع من المعرفة‬
‫القلبية أو االعتقاد التصديقي ال يحصل بالتعبد‪ ،‬أجل‪ ،‬إنّ الثبوت التعبدي قد‬
‫يصلح ال لتبرير وجوب عقد القلب‪ ،‬وإنّما لتبرير حرمة اإلنكار‪ ،‬أو حرمة تكذيب‬
‫النبي‪ ،P‬وهذا من اآلثار الشرعية‪ ‬ـ‪ ‬ال العقدية‪ ‬ـ‪ ‬لمطلق الثبوت األعم من‬
‫الوجداني والتعبدي‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬إنّ ثمة فكرة قريبة إلى الصواب تقول‪ :‬إنّ الحجية التعبدية للطرق الظنية‬
‫ليست تامة حتى في هذا المجال الفقهي فض ً‬
‫والمشرع اإلسالمي‬
‫ال عن العقدي‪،‬‬
‫ِّ‬
‫لم يخترع طرق ًا خاصة يخاطب بها الناس ويوصل إليهم بياناته من خاللها‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال‬

‫(( ( البروجرودي‪ ،‬الشيخ محمد تقي‪ ،‬نهاية األفكار‪ ،‬تقرير ًا لدروس آغا ضياء الدين العراقي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.189‬‬
‫((( الحكيم‪ ،‬السيد عبد الصاحب‪ ،‬منتقى األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ 6‬ص‪.217‬‬
‫‪157‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫لنص على ذلك وأوضحه بشكل يرفع اللبس‪،‬‬
‫لو كان لديه مثل هذه الطريقة ّ‬
‫ألنّ ذلك خالف الجري العقالئي‪ ،‬حيث إنّ العقالء يعتمدون في احتجاجاتهم‬
‫ٍ‬
‫طرق واضحة ترتكز على‬
‫وفي سيرتهم الجارية بين الرؤساء والمرؤوسين على‬
‫أساس اليقين أو على الوثوق واالطمئنان‪ ،‬وال يأخذون بالطرق الظنية في حياتهم‬
‫والمشرع اإلسالمي الذي أمضى هذه السيرة ال نجده قد أضاف على‬
‫العقالئية‪،‬‬
‫ِّ‬
‫سيرة العقالء باختراع طرق خاصة‪ ،‬وهي الطرق الظنية‪ ،‬بل إنّه نهى عن ا ّتباع‬
‫نصت اآليات المتقدمة‪ ،‬وال مخصص لهذه اآليات‪ ،‬ألنّ ما ّ‬
‫دل على‬
‫الظن كما ّ‬
‫حجية بعض الظنون كالظن الخبري غير تام‪ ،‬والصحيح هو حجية الخبر الموثوق‬
‫وليس خبر الثقة الظني‪ .‬وال يخفى أنّ الوثوق ال يكفي فيه مجرد صحة السند‬
‫بد من اجتماع عدة عناصر وقرائن تتصل بالسند والمتن يمكن من خاللها‬
‫بل ال ّ‬
‫تحصيل الوثوق واالطمئنان؛ وإثبات حجية االطمئنان في المجال العقدي سيأتي‬
‫الحديث عنه‪.‬‬

‫انسداد باب العلم‬

‫الظن في المجال العقدي‪ ،‬يقودنا إلى التساؤل‬
‫حجية‬
‫إنّ الحديث عن عدم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التالي‪ :‬ماذا لو ّ‬
‫تعذر إقامة الدليل القطعي على بعض قضايا االعتقاد‪ ،‬أفال نتنـزل‬
‫ٍ‬
‫ثم االحتمال؟‬
‫حينئذ إلى ّ‬
‫الظن ومن ّ‬

‫طرح بعض األصوليين(‪ )1‬هذا التساؤل في الحقل الفقهي‪ ،‬واصطلحوا على‬
‫تسمية هذا المبحث بمبحث االنسداد‪ ،‬وخلصوا إلى أنّه في حال انسداد باب‬
‫التنـزل واألخذ‬
‫بد من‬
‫العلم (اليقين) والعلمي (أي الدليل الظ ّني المعتبر)‪ ،‬فإنّه ال ّ‬
‫ّ‬
‫بالظن‪ ،‬وإن كان فرض االنسداد في الحقل المذكور غير واقعي‪ ،‬لتوفر األمارات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األقل‪ ‬ـ‪ ‬مفتوح ًا‪.‬‬
‫المعتبرة شرع ًا‪ ،‬ما يجعل باب العلمي‪ ‬ـ‪ ‬على‬
‫((( أنظر‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.384‬‬
‫‪158‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫والظاهر أنّ‬
‫بالظن ال مجال له في العقائد‪ ،‬وذلك ألمرين‪:‬‬
‫التنـزل إلى األخذ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫واقعية االنسداد في المقام‪ ،‬بسبب توفّر اليقين بالمقدار الالزم‬
‫أو ًال‪ :‬عدم‬
‫ّ‬
‫فيما يجب فيه االعتقاد من المفاهيم‪ ،‬وهي األصول‪ ،‬وذلك استناد ًا إلى البراهين‬
‫وأما ما عدا األصول‪ ،‬فإنّ االعتقاد فيها غير واجب أص ً‬
‫ال‪ ،‬حتى‬
‫العقلية والنقلية‪ّ ،‬‬
‫لو توفرت البراهين القطعية فض ً‬
‫الظنية‪.‬‬
‫ال عن ّ‬

‫ثاني ًا‪ :‬لو قيل بوجوب االعتقاد فيما عدا األصول‪ ،‬فيكفي‪ ‬ـ‪ ‬في حال عدم توفر‬
‫(‪)1‬‬
‫وأما االنتقال إلى‬
‫األدلة القطعية وانسداد باب العلم‪ ‬ـ‪ ‬االعتقاد اإلجمالي ‪ّ ،‬‬
‫تامة؛‬
‫الظن‪ ،‬فال ملزم به‪ ،‬وال دليل عليه‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ مقدمات االنسداد غير ّ‬
‫حرجي ًا على‬
‫المقدمات هي عدم وجوب االحتياط لكونه‬
‫ألنّ واحدة من هذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المكلف‪ ،‬أو عدم جوازه الستلزامه اختالل النظام‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّ االحتياط في هذا النوع‬
‫من القضايا العقدية ممكن دون أن يستلزم الحرج أو اإلخالل بالنظام‪ ،‬وذلك‬
‫بعقد القلب على الواقع على ما هو عليه‪ ،‬وهو االعتقاد اإلجمالي(‪ .)2‬هذا كله‬
‫يتصور في المسائل‬
‫الظن إنّما‬
‫بصرف النظر عما ذكرناه سابق ًا‪ ،‬من أنّ التعويل على ّ‬
‫ّ‬
‫الشرعية التي تتط ّلب امتثا ً‬
‫العلمية التي تتط ّلب عقد القلب‬
‫ال عملي ًا دون المسائل‬
‫ّ‬
‫الظن‪.‬‬
‫واإلذعان‪ ،‬وهو ما ال يوفّره ّ‬

‫االحتمال المنجز‬

‫أجل‪ ،‬إنّ‬
‫الظن أو االحتمال قد يكون منجز ًا بحكم العقل‪ ،‬بمعنى أنّه ال يجوز‬
‫ّ‬
‫إهماله وترك االعتناء به‪ ،‬وإنّما تلزم متابعته بالبحث والتحري وإمعان ال ّنظر‪،‬‬
‫النبوة والسفارة‬
‫وذلك من قبيل احتمال وجود الخالق‪ ،‬أو احتمال صدق ّ‬
‫مدعي ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬البروجردي‪ ،‬الشيخ محمد تقي‪ ،‬نهاية األفكار (تقرير ًا لدروس المحقق آقا ضياء الدين‬
‫العراقي)‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪1405 ،‬هـ‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪.187‬‬
‫السيد‬
‫((( أنظر‪ :‬البسهودي‪ ،‬محمد سرور الواعظ‪ ،‬مصباح األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬تقرير ًا لبحث ِّ‬
‫الخوئي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.238‬‬
‫‪159‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المهمة االلتزام‬
‫عن الله‪ ،‬أو احتمال وجود يوم للحساب‪ ،‬أو نحو ذلك من األمور‬
‫ّ‬
‫فيها بمنجزية االحتمال‪ ،‬ح ّتى في القضايا الشرعية‪ ،‬كقضايا األنفس واألعراض‬
‫واألموال‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن القضايا العقدية(‪ ،)1‬إال أنّ منجزية االحتمال في هذه الموارد‪،‬‬
‫ال تعني أبد ًا أنّه غدا وسيلة إثبات‪ّ ،‬‬
‫ليشكل ذلك نقض ًا لما ذكرناه من رفض التعويل‬
‫على الظنون واالحتماالت في المجال االعتقادي‪ ،‬وإنّما غايته أنّ العقل يحكم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫قناعة يقينية‪ ،‬وأين‬
‫كمقدمة لتكوين‬
‫بلزوم اتخاذه منطلق ًا لعملية البحث والتفتيش‪،‬‬
‫هذا من حجيته‪ ‬ـ‪ ‬اليقين‪ ‬ـ‪ ‬اإلثباتية؟!‬

‫أجل‪ ،‬لو أنّ‬
‫عملية البحث والمتابعة لم توصل إلى نتيجة إثبات ًا أو نفي ًا فما هو‬
‫ّ‬
‫الموقف إزاء االحتمال أو الظن؟ هل يلزم االحتياط أو تجري البراءة وال يعتد‬
‫بهذا االحتمال؟ هذا ما سوف نجيب عليه في الفصل الخامس من الباب الثاني‬
‫بعون الله تعالى‪.‬‬

‫حجية االطمئنان‬
‫ّ‬

‫الظن وأدنى من اليقين‪ ،‬فهي تمثِّل‬
‫َّ‬
‫نفسية تعتبر درج ًة أرفع من ّ‬
‫لكن ّ‬
‫ثمة حال ًة ّ‬
‫الظن واليقين‪ ،‬ويصطلح عليها باالطمئنان أو الوثوق‪ ،‬والسؤال‪ :‬هل‬
‫برزخ ًا بين ّ‬
‫باإلمكان بناء االعتقاد على أساس االطمئنان؟‬

‫مصر ًا على عدم حجية غير العلم‬
‫رفض العالمة الطباطبائي ذلك رفض ًا قاطع ًا‪ّ ،‬‬
‫لحجية اإلجماع في‬
‫(اليقين) في أصول المعارف‪ .‬يقول‪ M‬في معرض نفيه‬
‫ّ‬
‫«صحيح أن تراكم الظنون‪ ‬ـ‪ ‬الناتجة من أقوال العلماء‪ ‬ـ‪ ‬يق ّلل‬
‫المجال العقدي‪:‬‬
‫ٌ‬
‫من احتمال الخطأ ويستبعده‪ ،‬إال أنّ‬
‫الظن‪ ،‬هو اطمئنان‬
‫ّ‬
‫الحد األكثر الذي يفيده ّ‬
‫الظن إلى مرحلة العلم الحقيقي»(‪.)2‬‬
‫متاخم للعلم‪ ،‬ال يتجاوز‪ ‬ـ‪ ‬أبد ًا‪ ‬ـ‪ ‬مرحلة ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬المنتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬من المبدأ إلى المعاد‪ ،‬ص‪.236‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬الشيعة ـ نص الحوار مع كوربان‪ ،‬ترجمة‪ :‬جواد علي‬
‫كسار‪ ،‬مؤسسة أم القرى‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪ ،1418 ،2‬ص‪.241‬‬
‫ّ‬
‫‪160‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫في المقابل‪ ،‬قد يقال بإمكانية االعتماد على االطمئنان في البناء العقيدي‪،‬‬
‫وباإلمكان االستدالل على ذلك بعدة وجوه‪ ،‬وإن كان بعضها ال يصلح سوى‬
‫للتأييد‪:‬‬

‫الوجه األول‪ :‬إنّ البناء العقالئي جا ٍر على اعتماد االطمئنان واألخذ به‪ ،‬سواء‬
‫يرجح‬
‫في المجال العلمي أو العملي‪ .‬إنّ االلتفات إلى البناء العقالئي المذكور‪ّ ،‬‬
‫إمكانية االعتماد على الوثوق االطمئناني في المجال العقدي‪ ،‬كما يعتمد‬
‫ويؤ ِّيد‬
‫ّ‬
‫عليه في المجال الفقهي‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أن حجية البناء العقالئي المذكور الجاري على‬
‫العمل باالطمئنان‪ ،‬ينبغي أن ال يدخل فيها ظهور حال المعصوم في اإلمضاء‪ ،‬فإن‬
‫الظهور ال يفيد سوى الظن‪ ،‬وقد يفيد االطمئنان على أفضل التقادير‪ ،‬ومن الواضح‬
‫أنّ حجية االطمئنان ال يمكن إثباتها بالظن أو االطمئنان نفسه‪ ،‬ألنّ الشيء ال ُي ْثبِ ُت‬
‫نفسه إ ّ‬
‫بد من أن يكون المستند لحجية االطمئنان دلي ً‬
‫ال‬
‫ال على نحو دوري‪ ،‬وإنما ال َّ‬
‫قطعي ًا‪ ،‬كما لو استندنا إلى دليل العقل القاضي بأنّ سكوت المعصوم‪ ‬ـ‪ ‬بوصفه‬
‫ّ‬
‫مرضي له ّ‬
‫يشكل نقض ًا لغرضه‪ ،‬ونقض الغرض‬
‫حامي ًا للشريعة‪ ‬ـ‪ ‬عن سلوك غير‬
‫ّ‬
‫ال‪ ،‬أو يقال‪ :‬إن سكوت المعصوم مع عصمته‪ ،‬يكشف عق ً‬
‫مستحيل عق ً‬
‫ال عن كون‬
‫السلوك مرضي ًا له‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال لوجب عليه االعتراض‪ ،‬إما من باب النهي عن المنكر‪،‬‬
‫أو من باب وجوب تعليم الجاهل(‪.)1‬‬

‫إ ّ‬
‫ال أنّ هذا الوجه ال يخلو من ثغرة وهي أنّه ال ينفع إلثبات حجية االطمئنان‬
‫إ ّ‬
‫ال في األصول االعتقادية التي يتفرع االعتقاد بها على اإليمان بالله ورسوله‪،‬‬
‫ويندرج فيها معظم القضايا والمفاهيم العقدية من اإليمان بالمعاد إلى اإليمان‬
‫باإلمامة إلى سائر الفروع االعتقادية التي ال تجب معرفتها عق ً‬
‫ال‪ ،‬فهذا الصنف من‬
‫القضايا العقدية يمكن االعتماد في إثباتها على االطمئنان‪ّ ،‬أما القضايا العقدية‬
‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬الشهيد السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬الحلقة الثانية‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ص‪.231‬‬
‫‪161‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫التي ال طريق إلى معرفتها إ ّ‬
‫ال عن طريق العقل‪ ،‬وهي تنحصر بأصلين فقط وهما‪:‬‬
‫اإليمان بالله واإليمان برسوله‪ P‬فهذه ال مجال إلثباتها عن طريق االطمئنان‪،‬‬
‫ألنّ االطمئنان بنا ًء على الوجه األول قد ثبتت حجيته عن طريق اإلمضاء الشرعي‪،‬‬
‫النبوة عن‬
‫ومن الواضح أنّه ال يمكن االستدالل على وجود الله تعالى أو إثبات ّ‬
‫طرق البيان الشرعي نفسه‪.‬‬
‫تختص باالطمئنان‪ ،‬بل هي جارية في كل‬
‫وسيالة‪ ،‬وال‬
‫ّ‬
‫وهذه المالحظة عامة ّ‬
‫وسائل اإلثبات العقدي التي يراد إثبات حجيتها عن طريق البيان الشرعي‪ ،‬فهذه‬
‫النبوة للنكتة نفسها المشار إليها‪.‬‬
‫الوسائل ال تصلح إلثبات وجود الله أو ّ‬

‫الوجه الثاني‪ :‬أنّ يقال‪ :‬إنّ حجية االطمئنان ليست عقالئية لتحتاج إلى‬
‫اإلمضاء‪ ،‬وإنّما حجيته عقلية(‪ ،)1‬وبنا ًء على هذا الرأي سيغدو األمر أكثر وضوح ًا‬
‫في إمكانية بناء العقائد على االطمئنان‪ ،‬كما تُبنى االجتهادات الفقهية عليه‪ ،‬دون‬
‫ٍ‬
‫فرق بين األمرين‪ ،‬ألنّ حجية االطمئنان ليست جعلية وال تحتاج إلى اإلمضاء‬
‫الشرعي‪ ،‬وبنا ًء على هذا الرأي سيغدو االطمئنان وسيلة إثبات عقدية عامة تجري‬
‫في كافة األصول االعتقادية وفروعها‪ ،‬وربما كان الوجه الذي يستدل به لحجية‬
‫االطمئنان عق ً‬
‫يعتد باالحتماالت الموهومة المخالفة لالطمئنان‪،‬‬
‫ال هو أنّ العقل ال ّ‬
‫فاالطمئنان عنده فرد من أفراد اليقين أو ملحق به‪ ،‬وال دليل‪ ‬ـ‪ ‬أساس ًا‪ ‬ـ‪ ‬على اشتراط‬
‫اليقين بالمعنى الرياضي‪ ،‬أي حالة الـ ‪ %100‬في بناء العقيدة‪ ،‬بل يكتفى باالطمئنان‬
‫المقارب لليقين‪ ،‬باعتباره مصداق ًا للبيان الوارد في قاعدة «قبح العقاب بال بيان»‬
‫عتد لدى الذهن البشري‪ ،‬فال‬
‫ألنّ احتمال الخالف ما دام ضعيف ًا وموهوم ًا‪ ،‬ال ُي ُّ‬
‫يأخذه العقل بنظر االعتبار‪ ،‬وال يحكم بوجوب دفع احتمال الضرر في مثل ذلك‪،‬‬
‫بل إن الضرر غير وارد والحال هذه‪ ،‬ألنّ احتماله موهون كما ذكرنا‪.‬‬
‫((( أنظر حول ذلك‪ :‬الحكيم‪ ،‬السيد عبد الصاحب‪ ،‬منتقى األصول‪ ،‬تقرير ًا لدورس السيد محمد‬
‫الروحاني‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1416 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.33‬‬
‫‪162‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫مردها‬
‫ودعوى أنّ عدم عناية العقالء باحتمال الخالف الضعيف والموهوم‪ُّ ،‬‬
‫إلى احتسابهم االطمئنان يقين ًا‪ ،‬فيكون مر ّد ذلك إلى حجية اليقين ال االطمئنان‪،‬‬
‫ال تُسقط ما نقوله من حجية االطمئنان‪ ،‬بل إنّها تؤكد ذلك‪ ،‬وتد ّلل على سعة دائرة‬
‫الحجية وشمولها ّ‬
‫لكل من اليقين واالطمئنان‪ ،‬ولو باعتبار االطمئنان يقين ًا‪ .‬فإنّ‬
‫مرد هذه‬
‫هذا االعتبار أو التوسعة ليست‬
‫تعبد في حياة العقالء‪ ،‬وإنما ُّ‬
‫ّ‬
‫تعبدي ًة‪ ،‬إذ ال ُّ‬
‫التوسعة إلى عدم االعتناء باحتمال الخالف لضآلته‪ ،‬ولسنا نضايق وال نمانع من‬
‫تسمية االطمئنان يقين ًا أو اعتباره فرد ًا من أفراده‪ ،‬كما يرى الشهيد الصدر في نظريته‬
‫في حساب االحتمال‪ ،‬كما سنشير إليها الحق ًا‪ ،‬فإنّ العبرة ليست بالتسميات‪،‬‬
‫ّ‬
‫ولعل تفسير اليقين بما يساوي حالة الـ ‪%100‬‬
‫والبحث في المقام ليس لفظي ًا‪.‬‬
‫تسرب إلينا من المعجم المنطقي‪ ،‬وفرض نفسه على المعارف اإلسالمية دون‬
‫قد ّ‬
‫حجة مقنعة‪.‬‬
‫ّ‬

‫الوجه الثالث الذي يمكن االستدالل به لكفاية االطمئنان في البناء العقدي‪ ،‬هو‬
‫جريان سيرة الناس المتدينين من مختلف الديانات على االكتفاء باالطمئنان‪ .‬فإنّ‬
‫الملحوظ في عملية ّ‬
‫تشكل العقائد لدى الكثيرين‪ ،‬هو أنّ معتقداتهم أو بعضها‪،‬‬
‫ال تخلو من احتماالت موهونة وضعيفة على الخالف‪ ،‬بل إنّ هذه االحتماالت‬
‫تبقى تالحق الكثيرين من المؤمنين‪ ،‬إما على شكل وساوس‪ ،‬أو على شكل أسئلة‬
‫تفرض نفسها حتى في وجه كبرى اليقينيات العقدية‪ ،‬أعني بها عقيدة اإليمان بالله‬
‫سبحانه‪ ،‬فيبذل المؤمن جهده لطرد تلك الوساوس‪ ،‬وإسقاط تلك االحتماالت‪،‬‬
‫وقد ال يفلح في كثير من األحيان سوى في إضعافها‪ ،‬ما يعني أنّ عقيدته تكون‬
‫مبني ًة على االطمئنان ال اليقين‪ ،‬وحيث إنّ هذا هو حال غالبية الناس فهذا يكشف‬
‫عن كفاية االطمئنان في بناء المعتقدات‪ ،‬إذ لو كان الله تعالى ال يريد وال يرضى‬
‫ببناء العقيدة إ ّ‬
‫ال على أساس من اليقين الجازم والحال أنّ حصوله صعب وعسير‬
‫لكان معنى ذلك أنّه اتخذ طريق ًا غير مألوف ويصعب على الناس اعتماده‪ ،‬وهذا‬
‫‪163‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ينص على هذا‬
‫مضاف ًا إلى كونه أمر ًا مستبعد ًا ومستهجن ًا فإنّه يفرض عليه تعالى أن ّ‬
‫ويبينه بطريقة مالئمة ليتضح أنّه الطريق الحصري لبناء العقيدة‪ ،‬مع أننا‬
‫الطريق ّ‬
‫لم نجد شيئ ًا من هذا التأكيد أو التنصيص على مرجعية اليقين الحصرية في بناء‬
‫العقائد‪.‬‬
‫إن قلت‪ :‬إنّ غاية ما ّ‬
‫يدل عليه هذا الوجه هو أنّ االطمئنان يم ّثل عذر ًا لصاحبه‬
‫عند عدم القدرة على بناء العقيدة على أساس اليقين‪ ،‬ال أنه يصلح ليكون وسيلة‬
‫عقدية بد ً‬
‫ال عن اليقين‪.‬‬
‫إثبات‬
‫ّ‬

‫لنبه عليه النبي‪ P‬أو اإلمام‪ ،Q‬ألنّ المعذورية‬
‫قلت‪ :‬لو كان األمر كذلك‪ّ ،‬‬
‫تعني عدم كفاية ابتناء العقيدة على االطمئنان‪ ،‬غايته أنّ َم ْن ال ّ‬
‫يتمكن من اليقين‪،‬‬
‫يجزيه التنـزل إلى االطمئنان‪ ،‬وهذا األمر بحاجة إلى تنبيه وبيان أنَّ االطمئنان ال‬
‫يكفي ابتدا ًء‪.‬‬

‫ٍ‬
‫بمرتبة‬
‫الوجه الرابع‪ ،‬والذي يصلح لتأييد ما نقوله من كفاية االطمئنان ولو‬
‫معي ٍ‬
‫نة من التأييد‪ ،‬ما جاء في القرآن الكريم حول طلب إبراهيم الخليل‪ Q‬من‬
‫ّ‬
‫الله تعالى أن يريه دلي ً‬
‫يعزز قناعته بشأن قدرته تعالى على البعث وإحياء‬
‫ال‬
‫حسي ًا ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫الم ْوتَى َق َ‬
‫﴿وإِ ْذ َق َ‬
‫ال َأ َو َل ْم‬
‫الموتى‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬‬
‫يم َر ِّب َأ ِرنِي َك ْي َف ت ُْحيِي َ‬
‫ال إِ ْب َراه ُ‬
‫ت ُْؤ ِم ْن َق َ‬
‫﴿و َل ِك ْن لِ َي ْط َمئِ َّن‬
‫ال َب َلى َو َل ِك ْن لِ َي ْط َمئِ َّن َق ْلبِي‪[ ﴾...‬البقرة‪ ،]260:‬فإنّ جملة َ‬
‫َق ْلبِي﴾‪ ،‬توحي بأنّ إبراهيم‪ Q‬ـ‪ ‬ورغم قناعته العقلية بقدرة الله على إحياء‬
‫الموتى‪ ‬ـ‪ ‬كان يفتقد مرتب ًة من االطمئنان القلبي‪ ،‬ولذا طلب من الله برهان ًا يم ّثل‬
‫التجسيد العملي لفكرة المعاد‪ ،‬لما للمثال الحسي من دور في ترسيخ االطمئنان‪،‬‬
‫وتعزيز القناعة‪ ،‬وإيضاح المفاهيم‪ ،‬وإدراك الحقائق‪.‬‬
‫اللهم إ ّ‬
‫ال أن يقال‪ :‬إنّ ما كان يطلبه إبراهيم‪ Q‬ويبتغيه من خالل هذه التجربة‬
‫الحسية ليس تحصيل اليقين العقلي بوجود الله‪ ،‬وإنّما تحصيل مرتبة من اليقين‬
‫ّ‬
‫‪164‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫القلبي‪ ،‬وكالمنا في األول دون الثاني‪ ،‬والمفروض أنّ األول أعني اليقين العقلي‬
‫ِ‬
‫موجود عند إبراهيم‪ ،Q‬كما هو صريح قوله تعالى‪ِ َ :‬‬
‫يم‬
‫﴿و َك َذل َك ُن ِري إِ ْب َراه َ‬
‫ض َولِي ُكونَ ِم َن ا ْل ُم ِ‬
‫َ‬
‫وت الس َم َ ِ‬
‫ين﴾ [األنعام ‪.]75‬‬
‫وقنِ َ‬
‫اوات َواأل ْر ِ َ‬
‫َم َل ُك َ َّ‬

‫وتجدر اإلشارة إلى أنّ (االطمئنان) الوارد في اآلية‪ ،‬لم ُيستعمل بالمعنى‬
‫المتقدم‪ ،‬وإنّما استعمل بالمعنى اللغوي‪ ،‬وهو عبار ٌة عن حالة‬
‫االصطالحي‬
‫ّ‬
‫سكون النفس وركونها‪ ،‬وهذا ّ‬
‫مؤشر على الدور السلبي اللاّ مقصود الذي تلعبه‬
‫الخاصة المخالفة لما عليه العرف ال ّلغوي أو االجتماعي‪ ،‬في‬
‫االصطالحات‬
‫ّ‬
‫التصورات في غير موضعها المناسب‪.‬‬
‫وتغيرها‪ ،‬وإسقاط بعض‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تبدل المعاني ّ‬

‫‪165‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪2‬‬
‫اليقين‬
‫ودوره في بناء المعرفة الدينية‬
‫ومع تجاوز ٍّ‬
‫الظن واالطمئنان وتخطيهما‪ ،‬وااللتزام بعدم‬
‫عنصري‬
‫كل من‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫إمكان بناء المعرفة الدينية على ضوئهما‪( ،‬مع أنّ هذا غير واضح بالنسبة‬
‫لالطمئنان كما عرفت) نصل إلى العنصر الثالث وهو اليقين‪ ،‬والذي ّ‬
‫شكل‪ ‬ـ‪ ‬سواء‬
‫أي ٍ‬
‫تردد لدى ال ّنفس‪ ،‬أو بمعناه المنطقي‬
‫بمعناه األصولي‪ ،‬وهو الجزم الخالي من ّ‬
‫الذي أضيف إليه عنصر المطابقة للواقع‪ ‬ـ‪ ‬المرتكز األساس وحجر الزاوية في‬
‫بناء المعرفة البشرية بش ّتى فروعها‪ ،‬وهكذا في بناء المعرفة الدينية على اختالف‬
‫‪ ‬ـ‪ ‬كالظن‬
‫الظن‬
‫حجية بعض أنواع‬
‫حقولها‪ ،‬وإذا ما ذهب بعض العلماء إلى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الخبري‪ ‬ـ‪ ‬في المجال الفقهي‪ ،‬فليس ذلك إال لقيام الدليل القطعي على حجيته‪.‬‬

‫وتزداد الحاجة إلى اليقين في المجال االعتقادي‪ ،‬ألنّ عقد القلب واإلذعان‬
‫المطلوب في هذا المجال‪ ،‬ال توفّره الظنون واالحتماالت‪ ،‬وإنّما توفّره األدلة‬
‫القطعية‪ ،‬كما هو معروف‪ ،‬ما يجعل ّ‬
‫كل عمليات االستدالل العقدي محتاج ًة إلى‬
‫عنصر اليقين وغير مستغنية عنه‪.‬‬

‫عصر اّ‬
‫الليقين وال نهائية البحث!‬

‫يالحظ على الدعوة إلى تأسيس العقائد على أسس يقينية‪ ،‬أنّها غير ذات‬
‫وربما َ‬
‫وأما عصرنا‪،‬‬
‫تصرمت‪ّ ،‬‬
‫جدوى؛ ألنّ الفكر اليقيني يم ّثل مرحل ًة من الزمن وقد ّ‬
‫‪166‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫ٌ‬
‫مرحلة من مراحل التفكير‪،‬‬
‫محكوم لحالة اللاّ يقين التي تسيطر عليه‪ ،‬وهي‬
‫فإنّه‬
‫ٌ‬
‫«والشخص الذي يتم ّنى العودة إلى يقين العصر السابق‪ ،‬تمكن مقارنته بالعجوز‬
‫حد تعبير بعض الباحثين(‪ ،)1‬بل إن‬
‫الذي يحلم بالعودة إلى ّأيام الشباب» على ّ‬
‫وتقدم اإلنسان‬
‫الدعوة المذكورة هي دعوة رجعية ومعيقة لتطور الفكر والمعرفة ّ‬
‫ّ‬
‫وهي تذكرنا بفكر القرون الوسطى الذي «كان يرتكز على اليقين الالهوتي‬
‫مس»(‪ .)2‬ولهذا ليس من المبالغة في شيء القول‪:‬‬
‫المطلق الذي ال ُيناقش وال ُي ّ‬
‫قدمه فالسفة عصر التنوير‪ ،‬من ديكارت إلى كانط(‪ ،)3‬وغيرهما‬
‫«إنّ أهم إنجاز ّ‬
‫من الفالسفة‪ ،‬هو إسقاط اليقينيات والمطلقات التي حكمت العقل البشري طيلة‬
‫القرون الوسطى‪ ،‬وهكذا‪ ،‬أصبح كل شيء عرض ًة للمناقشة والتحليل والحلحلة‬
‫تتعرض‬
‫على األقل‪ ،‬فمبادىء العلوم الدنيوية‪ ،‬وأسس الوحي اإللهي‪ ،‬راحت َّ‬
‫لذلك‪ ،‬و ُق ِل األمر نفسه‪ ،‬على الميتافيزيقيا والذوق واألخالق والموسيقى»(‪.)4‬‬
‫وينفي الباحث المذكور (شبستري)‪ ،‬الذي يطرح ويتبنى فكرة أن عصرنا هو‬
‫عصر اللاّ يقين في ر ّده على بعض االعتراضات‪ ،‬أن يكون منطلق ًا في طرحه هذا‬
‫من نهج تشكيكي‪ ،‬أو أن يكون هدفه رمي اإلنسان في هذا العصر بأنّه يعيش حالة‬
‫ّ‬
‫وشك‪ ،‬وإنّما مقصوده «باللاّ يقينية واللاّ جزم الفلسفي والعلمي في العصر‬
‫حيرة‬

‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬

‫((( ‬

‫شبستري‪ ،‬محمد مجتهد‪ ،‬مدخل إلى علم الكالم الجديد‪ ،‬دار الهادي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪2000‬م‪ ،‬ص‪.149‬‬
‫صالح‪ ،‬هاشم‪ ،‬مدخل إلى التقرير األوروبي‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪2005 ،1‬م‪ ،‬ص‪.146‬‬
‫إنّ ديكارت صاحب منهجية الشك الشهيرة‪ ،‬رفض أن يطبق منهجيته هذه على الدين‪ ،‬لكن بعد‬
‫مائة عام‪ ،‬جاء كانط ليقولها بصراحة‪« :‬إنّ قرننا هو بشكل خاص قرن ينبغي أن يخضع له كل شيء‪،‬‬
‫وحده الدين محتج ًا بقداسته‪ ،‬والتشريع القانوني متذرع ًا بجاللته‪ ،‬يريدان أن ينفذا منه‪ ،‬ولكنهما‬
‫ٍ‬
‫عندئذ الظنون والشكوك الحقّة حولهما‪ ،‬وال يمكنهما أن يحوزا على تقديرنا الصادق‪ ،‬ألن‬
‫يثيران‬
‫ّ‬
‫التفحص الحر والنقدي»(صالح‪،‬‬
‫يطبق عليها‬
‫العقل ال ّ‬
‫ّ‬
‫يقدم هذا التقدير إال لألشياء التي تقبل بأن ّ‬
‫هاشم‪ ،‬مدخل إلى التنوير األوروبي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.)152‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.146‬‬
‫‪167‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الحاضر‪ ،‬هو أنّ العلماء اليوم ال يتو َّقفون عند ّأية قضية‪ ،‬فلسفي ًة كانت أو علمي ًة‪،‬‬
‫النهائي المطلق للبحث والتعقُّ ل‪ ،‬فالقضية أو النظرية‪،‬‬
‫الحد‬
‫وال يعتبرون ّأية قضية ّ‬
‫ّ‬
‫مهما ُبذلت في سبيل إثباتها الجهود والمساعي‪ ،‬تبقى قابل ًة للنقد والتمحيص‪،‬‬
‫العلمية‬
‫تتحول ّأية قضية‪ ،‬ح ّتى لو بدت بديهي ًة‪ ،‬إلى أساس لالستدالالت‬
‫وال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫فحص ومناقشة‪ .‬إذ ًا‪ ،‬فاللاّ يقينية في العلوم والفلسفة‪ ،‬تعني‬
‫والفلسفية من دون‬
‫استمرار النقد والبحث في‬
‫المقدمات واألسس ونتائجها»(‪.)1‬‬
‫ّ‬
‫نبينه من خالل النقاط التالية‪:‬‬
‫وموقفنا من هذا الطرح ّ‬

‫ٍ‬
‫جملة من اليقينيات واألوليات‬
‫أو ًال‪ :‬إنّ ابتناء جميع العلوم والمعارف على‬
‫التي ال مجال إلعادة النظر فيها‪ ،‬من قبيل كبرى استحالة اجتماع النقيضين أو‬
‫ٌ‬
‫مفروغ عنه‪ ،‬وال‬
‫أمر‬
‫ارتفاعهما‪ ،‬أو استحالة الدور أو التسلسل ونحوها‪ ..‬هو ٌ‬
‫يمكننا قبول التشكيك في كبرى هذا ال ّنوع من القضايا‪ ،‬وإال انهارت ركائز كافة‬
‫المعارف والعلوم‪ ،‬ولم ّ‬
‫ظن بالباحث‬
‫نتمكن من إثبات شيء أو البرهنة عليه‪ .‬وال ُي ُّ‬
‫المذكور أو غيره أنّه يكون قاصد ًا إلى فتح النقاش‪ ،‬والتشكيك في هذه اليقينيات‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬يبقى المجال مفتوح ًا في التطبيقات أو الصغرويات‪ ،‬فكون هذه المسألة أو‬
‫تلك من صغريات قاعدة اجتماع النقيضين‪ ،‬أو من مصاديق الدور أو التسلسل‪،‬‬
‫هو أمر خاضع للنقاش وقابل للتأمل‪.‬‬

‫ٍ‬
‫األولية التي ّ‬
‫ألي بناء‬
‫تشكل‬
‫مرتكزات أساسي ًة ّ‬
‫ثاني ًا‪ :‬فيما عدا تلك اليقينيات ّ‬
‫البت بنهائية نتائجها‪ ،‬وإبقاءها‬
‫معرفي‪ ،‬فإنّ علينا في نطاق العلوم التجريبـية‪ ،‬عدم ّ‬
‫ٍ‬
‫قوة براهينها وأدلتها‪ ،‬تحفيز ًا‬
‫محفوف ًة بفسحة من االحتمال المخالف مهما بلغت ّ‬
‫لحركية العلم واستمراريته‪ ،‬فض ً‬
‫العلمية‪ ،‬يفرض عدم‬
‫ال عن أنّ تاريخ التجارب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫علمية كادت تصل إلى مستوى‬
‫قضية ّ‬
‫التسرع في االستنتاجات الحاسمة‪ ،‬فكم من ّ‬
‫ّ‬
‫((( شبستري‪ ،‬علم الكالم الجديد وفلسفة الدين‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.177‬‬
‫‪168‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫لتغير القناعة بشأنها في ا ّتجاه‬
‫الحقيقة في ثبوتها‪ّ ،‬‬
‫ثم جاءت االكتشافات الالحقة ّ‬
‫آخر‪.‬‬
‫ويذكر العالمة الطباطبائي سببين لكون العلوم المعتمدة على التجربة بشكل‬
‫تام غير يقينية‪:‬‬

‫َّأولهما‪« :‬إنّ الفرضيات التي تُصاغ فيها ليس لها من دليل سوى انسجامها مع‬
‫التجربة وإعطائها نتائج عملية‪ ،‬وإعطاء النتائج العملية ال يكون دلي ً‬
‫ال على صحة‬
‫تلك الفرضية‪ ،‬وال على مطابقتها للواقع‪ ،‬ألنّه من المحتمل أن تكون الفرضية‬
‫مخطئ ًة مائة في المائة‪ ،‬ولكنها في الوقت نفسه تُؤخذ منها نتائج عملية»‪.‬‬

‫ثانيهما‪« :‬إنّ هذه العلوم تنتهي أخير ًا إلى المحسوسات‪ ،‬والحس يخطئ‬
‫أيض ًا»(‪.)1‬‬

‫ثالث ًا‪ّ :‬أما فيما ي ّتصل بالمعارف الدينية االعتقادية‪ ،‬فهي‪ ،‬وعلى الرغم من‬
‫أنها تختلف عن العلوم التجريبـية في موضوعها ووظيفتها وآليات إثباتها‪،‬إال‬
‫الحر الباحث عن الحقيقة‪ ،‬وال تحكمها‬
‫أنّها ـ في اعتقادنا ـ ترتكز على التفكير‬
‫ّ‬
‫يقينيات مقفلة بوجه العقل‪ ،‬بل العقل ـ في اإلسالم ـ هو الذي يقود إلى اإليمان‪،‬‬
‫توصلنا إليه سابق ًا‪ ،‬من أنّ العقائد ال تُبنى إال‬
‫وهذا‪ ‬ـ‪ ‬بطبيعة الحال‪ ‬ـ‪ ‬ال ينافي ما َّ‬
‫ٍ‬
‫يقينية وبراهين قاطعة‪ ،‬دون أن يؤ ّدي ذلك إلى الجمود أو النهائية في‬
‫على‬
‫أسس ّ‬
‫البحث الكالمي؛ ألنّ الفسحة ال تزال قائم ًة وكبيرة‪ ،‬لكن ليس على حساب أن‬
‫مشروعية االختالف وإبداء الرأي‪،‬‬
‫يكون الدليل منتج ًا لليقين‪ ،‬وإنّما على صعيد‬
‫ّ‬
‫حجية الدليل‪ ،‬أو في مدى إنتاجه لليقين‪.‬‬
‫سواء في‬
‫ّ‬
‫((( الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬أسس الفلسفة والمذهب الواقعي‪ ،‬تعليق الشهيد الشيخ‬
‫مرتضى المطهري‪ ،‬تعريب الشيخ محمد عبد المنعم الخاقاني‪ ،‬دار التعارف‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪،‬‬
‫ط‪1988 ،2‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪ 182‬ـ‪.183 ‬‬
‫‪169‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫اليقين الكالمي والعرفاني‬

‫كيفية ّ‬
‫تشكل اليقين ودوره في بناء العقيدة‪ ،‬وهما البحثان‬
‫وقبل الحديث عن ّ‬
‫تحدثنا عنه في فصل سابق‪ ،‬من أنّ‬
‫األساسيان في المقام‪ ،‬يجدر بنا التذكير بما َّ‬
‫اليقين المرتجى والمأمول الذي ينشده المؤمن‪ ،‬وتمتدحه النصوص الدينية‪ ،‬ليس‬
‫خصوص اليقين الكالمي الذي يقف عند حدود العقل‪ ،‬أو يورث القناعة العقلية‬
‫الجامدة‪ ،‬وإنّما هو اليقين العرفاني الذي يخترق أسوار العقل ويالمس شغاف‬
‫أحس العقل بساطع‬
‫القلب‪ ،‬فيشعر ـ أي القلب ـ ببارد اإليمان واالطمئنان‪ ،‬كما ّ‬
‫البرهان‪ ،‬وهذا ال ّنوع من اإليمان‪ ،‬هو الذي طلبه إبراهيم الخليل‪ ،Q‬فيما حكاه‬
‫ال َأ َو َل ْم ت ُْؤ ِم ْن َق َ‬
‫الله عنه بقوله‪َ ﴿ :‬ق َ‬
‫ال َب َلى َو َل ِك ْن لِ َي ْط َمئِ َّن َق ْلبِي﴾ [البقرة‪.]260:‬‬

‫كيف نصل إلى اليقين؟‬

‫بالعودة إلى البحثَين المشار إليهما‪ ،‬نقول‪ّ :‬أما بالنسبة لكيفية ّ‬
‫تشكل اليقين‬
‫المرتجى في المعارف الدينية فإنّه يعتمد على جملة أسس وعناصر يتداخل‬
‫فيها الوجدان مع العقل والوحي والحس‪ ،‬وباالستعانة بهذه العناصر منفردة أو‬
‫بانضمام بعضها إلى البعض اآلخر يتوصل اإلنسان إلى ساحل االطمئنان و َب ْر ِد‬
‫اليقين‪ ،‬والبحوث اآلتية تتكفل ببيان تلك األسس ومدى حجيتها ودور ٍّ‬
‫كل منها‬
‫في بناء المعرفة االعتقادية‪ ،‬وما يعنينا‪ ‬ـ‪ ‬في هذه المرحلة من البحث‪ ‬ـ‪ ‬هو بيان‬
‫ّ‬
‫وتشكله من تلك العناصر أو األدلة‪.‬‬
‫كيفية حصول اليقين‬
‫والذي يبدو أنّ تحصيل اليقين بكافة المعارف دينية كانت أو غير دينية يعتمد‬
‫على طريقين ال ثالث لهما‪ ،‬وهما‪ :‬االستدالل البرهاني الذي يعتمد على مقدمات‬
‫بديهية‪ ،‬واالستقراء التام أو ما يلحق به‪ ،‬وبيان ذلك‪ :‬أنّ االستدالل‪ ‬ـ‪ ‬كما يذكر‬
‫المناطقة(‪ )1‬ـ‪ ‬يرجع إلى أساليب ثالثة‪:‬‬
‫((( المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا‪ ،‬المنطق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫يتم فيه االنتقال من جزئي إلى جزئي آخر لمجرد‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬التمثيل‪ ،‬وهو الذي ّ‬
‫التشابه بينهما‪ ،‬وهو ما يصطلح عليه الفقهاء واألصوليون بالقياس‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ظنيته‪ ،‬فإنّ مجرد التشابه بين موضوعين‬
‫والتمثيل غير مجد فيما نحن فيه‪ ،‬بسبب ّ‬
‫ال يوجب اليقين بأنّ حكمهما‪ ‬ـ‪ ‬ال محالة‪ ‬ـ‪ ‬واحدٌ ‪ ،‬فالتمثيل‪ ‬ـ‪ ‬إذن‪ ‬ـ‪ ‬يفتقد إلى‬
‫العلمية‪ ،‬ألنّه ال ينتج اليقين‪.‬‬
‫القيمة‬
‫ّ‬

‫كلي إلى‬
‫‪ 2‬ـ‪  ‬االستنباط‪ ،‬أو القياس المنطقي‪ ،‬وهو الذي يتم فيه االنتقال من ّ‬
‫يتم‪ ‬ـ‪ ‬بداي ًة‪ ‬ـ‪ ‬إثبات المحمول لموضوع كلي‪ ،‬وفي ضوئه يتضح‬
‫جزئي‪ ،‬حيث ّ‬
‫حكم جزئيات ذلك الموضوع‪ .‬والقياس ينتج اليقين‪ ،‬لكن شريطة أن تكون‬
‫مقدماته يقينية‪ ،‬وهي إنّما تكون كذلك إذا ارتكزت على إحدى اليقينيات الست‬
‫الرئيسية(‪« )1‬والتي ت ِّ‬
‫األولية لليقين في المعرفة البشرية‪ ،‬وتضع‬
‫ُشك ُل المنطلقات‬
‫ّ‬
‫حد ًا وبداية للتسلسل في استنتاج القضايا بعضها من بعض‪ ..‬وكل قضية مستدلة‬
‫ٍ‬
‫يقينية نظرية‪ ،‬فالقضايا‬
‫بمقدمات تنتمي إلى هذه األصناف الستة فهي قضية‬
‫ّ‬
‫اليقينية الست ّ‬
‫تشكل القاعدة الرئيسية للمعرفة الجديرة بالثقة والواجبة القبول‪،‬‬
‫ّ‬
‫والقضايا المستدلة والمستنتجة منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة هي البناء‬
‫العلوي‪ ‬ـ‪ ‬أو الفوقي‪ ‬ـ‪ ‬في تلك المعرفة‪ ..‬ويطلق‪ ‬ـ‪ ‬حسب مصطلحات المنطق‬
‫األرسطي‪ ‬ـ‪ ‬على هذه المعرفة بما تضم من بناء علوي وقاعدة رئيسية اسم‬
‫المعرفة البرهانية»(‪.)2‬‬
‫تتم دراسة أفراد معينة‬
‫‪ 3‬ـ‪  ‬االستقراء‪ ،‬وهو السير من جزئي إلى كلي‪ ،‬حيث ّ‬
‫خاصية مشتركة بينها‪ ،‬فيحكم‬
‫من ماهية معينة‪ ،‬و ُيكتشف‪ ‬ـ‪ ‬نتيجة الدراسة‪ ‬ـ‪ ‬وجود‬
‫ّ‬
‫بثبوت هذه الخاصية في جميع األفراد‪ ،‬واالستقراء ينقسم إلى‪:‬‬

‫الحدسيات‪ ،‬الفطريات‪.‬‬
‫(( ( وهي‪ :‬األوليات‪ ،‬المحسوسات‪ ،‬التجريبيات‪ ،‬المتواترات‪،‬‬
‫ّ‬
‫((( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬األسس المنطقية لالستقراء‪ ،‬دار التعارف للمطبوعات‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪ ‬‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪1982 ،4‬م‪ ،‬ص‪ 375‬ـ‪..377  ‬‬
‫‪171‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تمت فيه دراسة جميع أفراد الموضوع‪ ،‬ويالحظ‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬استقراء تام‪ ،‬وهو الذي ّ‬
‫الخاصية؛ واالستقراء التام منتج لليقين دون أدنى شك‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّه‬
‫اشتراكها في تلك‬
‫ّ‬
‫الدينية‪.‬‬
‫ال يتيسر في كثير من المجاالت‪ ،‬ومنها مجال المعرفة‬
‫ّ‬

‫عينة من أفراد الموضوع‬
‫‪ 2‬ـ‪  ‬واستقراء ناقص‪ ،‬وهو الذي تتم فيه دراسة ّ‬
‫خاصية معينة‪ ،‬فيحكم بثبوتها في جميع األفراد‪.‬‬
‫ويالحظ اشتراكها في‬
‫ّ‬

‫ومشكلة االستقراء الناقص المستعصية والتي شغلت العقل البشري هي في‬
‫ظنيته‪ ،‬ويمكن التغلب على هذه المشكلة وتبرير االنتقال‬
‫صعوبة التعميم‪ ،‬بحكم ّ‬
‫من الجزئي إلى الكلي‪ ،‬أو من الخاص إلى العام‪ ،‬طبق ًا لنظرية االحتمال التي أشاد‬
‫بنيانها المفكر الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر‪ ،‬وذلك من خالل تحويل‬
‫القيمة االحتمالية الكبيرة التي ينتجها االستقراء الناقص إلى يقين موضوعي(‪،)1‬‬

‫((( يميز الشهيد الصدر بين ثالثة معان لليقين‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ‪«  ‬اليقين المنطقي أو «الرياضي»‪ ،‬وهو المعنى الذي يقصده منطق البرهان األرسطي بكلمة‬
‫«اليقين»‪ ،‬ويعني اليقين المنطقي‪ :‬العلم بقضية معينة‪ ،‬والعلم بأنّ من المستحيل أن ال تكون‬
‫القضية بالشكل الذي علم‪ ،‬فاليقين المنطقي مركب من علمين‪ ،‬وما لم ينضم العلم الثاني‬
‫إلى العلم األول ال يعتبر يقين ًا في منطق البرهان‪.»..‬‬
‫‪ 2‬ـ‪«  ‬اليقين الذاتي‪ ،‬وهو يعني‪ :‬جزم اإلنسان بقضية من القضايا بشكل ال يراوده أي شك أو‬
‫احتمال للخالف فيها‪ ،‬وليس من الضروري في اليقين الذاتي أن يستبطن أي فكرة عن‬
‫استحالة الوضع المخالف لما علم‪.»..‬‬
‫‪ 3‬ـ‪«  ‬اليقين الموضوعي‪ ،‬وهو اليقين الذي يعتمد على مبررات موضوعية‪ ،‬والمائز بينه وبين‬
‫اليقين الذاتي‪ :‬أنّ اليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة سواء كان هناك مبررات‬
‫موضوعية لهذه الدرجة أم ال‪ ،‬واليقين الموضوعي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة‪ ،‬على‬
‫أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية‪ ،‬أو بتعبير‬
‫آخر‪ :‬إنّ اليقين الموضوعي أن تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية إلى‬
‫الجزم‪ ،‬وعلى هذا األساس قد يوجد يقين ذاتي وال يقين موضوعي‪ ،‬كما في يقين ذلك‬
‫الشخص الذي يرمي قطعة النقد ويجزم مسبق ًا بأنّ وجه الصورة‪ ،‬سوف يبرز‪ ،‬وقد يوجد‬
‫يقين موضوعي وال يقين ذاتي‪ ،‬أي تكون الدرجة الجديرة وفق المبررات الموضوعية هي‬
‫ولكن إنسان ًا معين ًا ال يجزم فع ً‬
‫يمر به‪ ،‬وهكذا‬
‫درجة الجزم‪،‬‬
‫ّ‬
‫ال‪ ،‬نظر ًا إلى ظرف غير طبيعي ّ‬
‫‪172‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫يحول القيمة ضمن شروط‬
‫استناد ًا إلى أنّ تراكم القيم االحتمالية في محور واحد ّ‬
‫مصممة بطريقة ال تتيح لها أن‬
‫معينة إلى يقين‪ ،‬وذلك باعتبار أنّ «المعرفة البشرية‬
‫َّ‬
‫تحتفظ بالقيم االحتمالية الصغيرة جد ًا‪ ،‬فأية قيمة احتمالية صغيرة تفنى لحساب‬
‫القيمة االحتمالية الكبيرة المقابلة(‪.»)1‬‬
‫و ُيعلي الشهيد الصدر من مكانة اليقين االستقرائي لدرجة أنّه ُيرجع معظم‬
‫والحدسية والمتواترة والمحسوسة «إلى‬
‫القضايا اليقينية الست وهي التجريبية‬
‫ّ‬
‫قضايا استقرائية تقوم على أساس تراكم القيم‬
‫االحتمالية في محور واحد»(‪.)2‬‬
‫ّ‬

‫وبنا ًء على رأيه هذا سيغدو اليقين االستقرائي هو المصدر األساس والوحيد‬
‫للمعرفة البشرية بما في ذلك المعرفة البرهانية‪ ،‬أي إنّنا أمام طريق واحد لتحصيل‬
‫اليقين هو طريق االستقراء المعتمد على حساب االحتمال‪ ،‬وهذا بخالف ما يراه‬
‫اآلخرون من أنّ طريق المعرفة منحصر بالمعرفة البرهانية‪.‬‬
‫الدينية يتم من خالل أحد طريقين‪:‬‬
‫ص أنّ تحصيل اليقين بالمعارف‬
‫ّ‬
‫تلخ َ‬
‫ّ‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬طريق البرهان المعتمد على قضايا يقينية رئيسية‪ ،‬بنا ًء على الرأي المشهور‬
‫عند الفالسفة والمتكلمين‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬طريق االستقراء المعتمد على تراكم االحتماالت بما يؤدي إلى تحويل‬
‫القيمة االحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي‪ ،‬كما يرى الشهيد الصدر‪.M‬‬
‫وصحيح أنّ اليقين الذي ينتجه االستقراء ليس يقين ًا رياضي ًا‪ ،‬وإنّما هو يقين‬

‫نعرف أنّ اليقين الموضوعي له طابع موضوعي مستقل عن الحالة النفسية والمحتوى‬
‫السيكولوجي الذي يعيشه هذا اإلنسان أو ذاك فع ً‬
‫وأما اليقين الذاتي فهو يمثّل الجانب‬
‫ال‪ّ ،‬‬
‫السيكولوجي من المعرفة» (الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬األسس المنطقية لالستقراء‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ص‪ 322‬ـ‪.)326  ‬‬
‫(( ( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬األسس المنطقية لالستقراء‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.333‬‬
‫((( المصدر نفسه ص‪.433‬‬
‫‪173‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫يتقوم باستحالة النقيض أو الضد‪ ،‬أي إنّه يقين بسيط‪ ،‬وليس ّ‬
‫مركب ًا‬
‫موضوعي ال ّ‬
‫من يقينين (اليقين بالشيء‪ ،‬واليقين بأنّه من المستحيل أن يكون هذا الشيء كما‬
‫ُعلم) كما هو الحال في اليقين الرياضي‪ ،‬إ ّ‬
‫يضر في حجيته وال في‬
‫ال أنّ ذلك ال ّ‬
‫صحة بناء المعرفة الدينية عليه‪ ،‬وال سيما إذا قلنا بكفاية االطمئنان في مجال‬
‫المعرفة االعتقادية كما أسلفنا‪.‬‬

‫اليقين المنطقي واليقين األصولي‬

‫هذا ك ّله فيما ي ّتصل بالبحث األول وهو كيفية ّ‬
‫تشكل اليقين‪ ،‬وأما فيما يتصل‬
‫الدينية فنقول‪ :‬إنّ لليقين معنيين‪،‬‬
‫بالبحث الثاني‪ ،‬وهو دور اليقين في بناء المعرفة‬
‫ّ‬
‫كما يذكر بعض علماء المنطق واألصول‪:‬‬

‫ٍ‬
‫تردد‬
‫أي‬
‫‪ 1‬ـ‪ ‬اليقين بالمعنـى‬
‫األعـم‪ :‬وهـو االعتقاد الجازم الخالي من ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لدى النفس‪ ،‬وهو يشمل الجهل‬
‫المركب(‪ ،)1‬وقد يصطلح عليه باليقين‬
‫األصولي(‪.)2‬‬
‫األخص‪ ،‬وهو االعتقاد المطابق للواقع وال يحتمل‬
‫‪ 2‬ـ‪ ‬اليقين بالمعنى‬
‫ّ‬
‫النقيض(‪ ،)3‬وقد يصطلح عليه باليقين المنطقي(‪.)4‬‬
‫والحديث عن دور اليقين في المجال االعتقادي‪ ،‬أو لنقل‪ :‬في بناء المعرفة‬
‫بد من أن يتناول اليقين بمعنييه‪.‬‬
‫االعتقادية‪ ،‬ال ّ‬

‫((( ‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬

‫المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا‪ ،،‬المنطق‪ ،‬مؤسسة التاريخ العربي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪2004 ،1‬م‪،‬‬
‫ص‪.261‬‬
‫الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬مباحث األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد الشهيد محمد باقر الصدر‪ ،‬دار‬
‫البشير‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1426 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.408‬‬
‫المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا‪ ،‬المنطق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.261‬‬
‫الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬مباحث األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.408‬‬
‫‪174‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫اليقين المنطقي وإدراك الوقائع‬

‫ولو بدأنا بالمعنى الثاني‪ ،‬أعني اليقين المنطقي‪ ،‬فإنّ التساؤل الذي ال يزال‬
‫ّ‬
‫والتأكد من واقعيتها؟‬
‫ثمة طريق إلثبات المفاهيم الدينية‬
‫مطروح ًا‪ ،‬هو أنّه هل ّ‬

‫ٍ‬
‫ّ‬
‫للتأكد من واقعية المقوالت‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬هل يمكن إقامة برهان يقيني‬
‫الدينية؟‬

‫الماديون إلى حصر الوقائع بخصوص عالم الما ّدة‪ ،‬ما يعني أنّه لن‬
‫ففيما يذهب‬
‫ّ‬
‫يتس ّنى إقامة برهان يقيني إلثبات واقع خارج نطاق الما ّدة‪ ،‬ألنّه ال وجود أساس ًا لهذا‬
‫الواقع‪ ،‬فإنّ اإللهيين ال يس ّلمون بانحصار الواقع بعالم الما ّدة‪ ،‬بل الواقع عندهم‪،‬‬
‫أعم من الخارج والذهن والمعقوالت‬
‫أو عالم نفس األمر كما ّ‬
‫يسمى أيض ًا‪ّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫بجملة من البراهين‬
‫الثانوية الفلسفية والمنطقية(‪ ،)1‬وقد أثبتوا وجهة نظرهم هذه‬
‫تؤكد بما ال يدع مجا ً‬
‫ّ‬
‫التي ّ‬
‫ثمة حقائق ال تنالها الحواس‪ ،‬ويمكن‬
‫ال‬
‫للشك‪ ،‬بأنّ ّ‬
‫للعقل البشري إدراكها‪ ،‬ولو من خالل آثارها المحسوسة‪ ،‬فالعقل يحكم‪ ‬ـ‪ ‬على‬
‫مجردة‪.‬‬
‫سبيل المثال‪ ‬ـ‪ ‬بوجود النفس من خالل آثارها‪ ،‬رغم أنّها ّ‬

‫والمجردات‪ ،‬فلن يكون‬
‫إذ ًا‪ ،‬ومع افتراض ا ّتساع الواقع لما يشمل عالم الما ّدة‬
‫ّ‬
‫الوصول إليه عسير ًا وال مستحي ً‬
‫ال‪ ،‬بل إنّ باإلمكان الوصول إليه عن طريق العقل‪،‬‬
‫ثمة طريق ًا آخر للوصول إليه في بعض جوانبه‪ ،‬وهو طريق الوحي‪ ،‬فإنّ‬
‫كما أنّ ّ‬
‫باإلمكان اعتماده إلثبات الكثير من الحقائق الدينية بالنسبة إلى من قام عنده‬
‫الدليل العقلي على وجود الله سبحانه وإرسال الرسل‪.‬‬

‫((( أنظر‪ :‬الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬بداية الحكمة‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ال‪.‬ط‪1418 ،‬هـ‪ ،‬ص‪ .24‬واآلملي‪ ،‬حسن زاده‪ ،‬نفس األمر‪ ،‬مجلة تراثنا‪ ،‬قم ـ إيران ‪،1407‬‬
‫ال‪.‬ط‪ ،‬العدد األول‪ ،‬السنة الثانية‪ ،‬ص ‪.62‬‬
‫‪175‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫حجية اليقين األصولي‬
‫ّ‬

‫أي‬
‫وأما المعنى األول‪ ،‬أعني اليقين األصولي وهو اليقين الجازم الخالي من ِّ‬
‫ّ‬
‫تر ّدد لدى النفس‪ ،‬وهو شامل للجهل المركب‪ ،‬فهل أنّ هذا اليقين منجز ومعذر‬
‫في المجال العقائدي؟‬

‫ٍ‬
‫حجيته‪ ،‬كما إنّ هذه‬
‫ألحد في‬
‫والجواب‪ :‬إنّ اليقين األصولي‪ ،‬ال نقاش‬
‫ّ‬
‫الحجية‪ ‬ـ‪ ‬حجية القطع‪ ‬ـ‪ ‬ال يمكن أن تستغني عنها ّ‬
‫كل عمليات االجتهاد العقدي‪،‬‬
‫ّ‬
‫بل إنّها ّ‬
‫تشكل مرتكز ًا ّ‬
‫لكل الحجج االعتقادية‪ ،‬ألنّ غاية ما تنتجه أو توصل إليه‬
‫حجية‬
‫تلك الحجج‪ ،‬هو القطع بهذا المفهوم االعتقادي أو ذاك‪ ،‬فما لم يثبت مسبق ًا ّ‬
‫القطع‪ ،‬فال قيمة لتلك النتائج‪ ،‬وهذا نظير ما يذكر في البحث الفقهي واألصولي‬
‫الدور الذي تلعبه‬
‫حجية القطع(‪.)1‬‬
‫بشأن ّ‬
‫ّ‬

‫المهم‪ ،‬أنّه كيف نفهم الحجية في القضايا العقدية؟ فهل هي‬
‫لكن السؤال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مشابهة تمام ًا للحجية في القضايا الفقهية؟ فإنّ من المعروف لدى األصوليين‪،‬‬
‫أنّ‬
‫نتصور المنجزية والمعذرية في‬
‫الحجية تساوق المنجزية والمعذرية‪ ،‬فكيف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االعتقادات؟‬
‫والجواب‪ :‬إنّ الحجية‪ ‬ـ‪ ‬كما يقول علماء األصول‪ ‬ـ‪ ‬تعني المنجزية والمعذرية‪،‬‬
‫فمنجزية اليقين معناها إدخال ما وقع مورد ًا لليقين في عهدة التكليف‪ ،‬وتسجيل‬
‫اإلدانة عليه في حال المخالفة‪ .‬وإذا كانت منجزية اليقين في المجال الفقهي‬
‫تعني وجوب البناء عم ً‬
‫ال على طبقه‪ ،‬واستحقاق العقوبة في حال المخالفة‪ ،‬فإنّ‬
‫منجزيته في المجال العقدي تعني وجوب البناء القلبي االلتزامي على طبقه‪،‬‬
‫ّ‬
‫بنبوة سيدنا‬
‫واستحقاق اإلدانة في حال اإلنكار والجحود‪ .‬فلو أنّ شخص ًا أيقن ّ‬

‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول ـ الحلقة الثانية‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان ‪1980‬م‪ ،‬ط‪ ،1‬ص‪.25‬‬
‫‪176‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫محمد‪ P‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫شخص‬
‫استحق المؤاخذة‪ ،‬كما لو أيقن‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬ومع ذلك جحد به‪،‬‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ِّ‬
‫المعذرية‪ ،‬فمفادها واضح‪ ،‬وهي‬
‫وأما‬
‫بحرمة شرب الخمر‪ ،‬ومع ذلك تناولها‪ّ .‬‬
‫سواء‬
‫معذور في متابعة يقينه‪،‬‬
‫محسومة في المجال الفقهي‪ ،‬بمعنى أنّ المك ّلف‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫كان هذا اليقين مصيب ًا للواقع أو مخطئ ًا‪ ،‬بل لو أنّ القطع كان مصيب ًا‪ ،‬فالمك ّلف ال‬
‫مأجور في ذلك‪.‬‬
‫يعتبر معذور ًا في ا ّتباع اليقين فحسب‪ ،‬بل هو‬
‫ٌ‬

‫دور اليقين في الخالص األخروي‬

‫وأما في المجال العقدي‪ ،‬فالقطع لو كان مصيب ًا‪ ،‬فال ّ‬
‫شك في منجزيته‪ ،‬وهذا‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫مصيب‪،‬‬
‫واضح ال لبس فيه وال خالف‪ ،‬إال أنّ الكالم فيما لو كان القطع غير‬
‫األمر‬
‫ٌ‬
‫فهل يمكن اعتبار القاطع معذور ًا؟‬

‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫لسبب من األسباب‪ ‬ـ‪ ‬ولو بسبب شبهة في مقابل بديهة‪ ‬ـ‪ ‬بعدم‬
‫إنسان‬
‫فلو قطع‬
‫نبينا محمد‪ P‬فهل ّ‬
‫يشكل قطعه عذر ًا له في محكمة العدل اإللهي أم ال؟‬
‫ّ‬
‫نبوة ّ‬

‫والجواب‪ :‬إنّه ال خالف بين علماء المسلمين في معذورية القاطع‪ ‬ـ‪ ‬ولو كان‬
‫مخطئ ًا في قطعه‪ ‬ـ‪ ‬في المجال الفقهي‪ ،‬وقد اشتهر على األلسن‪ ،‬أنّ المجتهد إذا‬
‫(‪)1‬‬
‫وأما‬
‫أجر واحد‪ ،‬كما ورد في بعض المأثورات ‪ّ ،‬‬
‫أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا أخطأ فله ٌ‬
‫في المجال العقدي‪ ،‬فإنّ الموقف ينعكس‪ ،‬حيث تختار غالبية علماء المسلمين‬
‫عدم معذورية القاطع إذا كان مخطئ ًا في قطعه‪.‬‬
‫مخالف تب ّناه عدد ٌ‬
‫ٌ‬
‫قليل من أعالم الفريقين (الس ّنة‬
‫ثمة رأي‬
‫في المقابل‪ّ ،‬‬
‫سواء كان جاه ً‬
‫ال قاصر ًا‪ ،‬وهو من لم‬
‫والشيعة)‪ ،‬يذهب إلى معذورية القاطع‪،‬‬
‫ٌ‬
‫يصله صوت الدعوة رأس ًا‪ ،‬كالذي يعيش في بعض المجاهل النائية‪ ،‬أو وصله‪،‬‬

‫((( في الحديث عن رسول الله‪« :P‬إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم فأخطأ‬
‫فله أجر»‪( .‬البخاري‪ ،‬محمد بن إسماعيل‪ ،‬ت ‪ ،256‬صحيح البخاري‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪،‬‬
‫ال‪.‬ط‪1981 ،‬م‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪.)157‬‬
‫‪177‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ومتيقن ًا بصحة عقيدته التي هو عليها‪ ،‬أو كان‬
‫لك ّنه لم يحتمل صدقه‪ ،‬وكان جازم ًا ّ‬
‫الحق‪ ،‬لك ّنه لم يقتنع بما وصله‪ ،‬ال عن عناد أو‬
‫عالم ًا مجتهد ًا قد وصله صوت‬
‫ّ‬
‫معينة قادته إلى اعتناق الكفر‪ ،‬رغم تجريد ال ّنفس‬
‫جحود‪ ،‬وإنّما وقع أسير شبهة ّ‬
‫والتحري والتفتيش بهدف الوصول إلى‬
‫النية في البحث‬
‫عن الهوى‪ ،‬وإخالص ّ‬
‫ّ‬
‫سجلت على هذا الرأي‪ ،‬كما سيأتي الحق ًا‪.‬‬
‫وثمة اعتراضات عديدة ّ‬
‫الحقيقة‪ّ .‬‬

‫اليقين وعالقته بالتصويب‬

‫يصح بنا ًء على ما هو‬
‫إنّ الحديث اآلنف بشأن منجزية اليقين أو معذريته‪ ،‬إنّما ّ‬
‫ربما يقال‪:‬‬
‫المعروف من ّ‬
‫صحة انقسام اليقين إلى يقين مصيب وآخر مخطئ‪ ،‬لكن ّ‬
‫إنّ الحديث عن االنقسام المذكور هو حديث غير دقيق‪ ،‬فاليقين في المجاالت‬
‫مصيب دائم ًا‪ ،‬والمجتهد ال يخطئ‪ .‬ألنّ‬
‫الدينية‪ ،‬سواء العقدية منها أو الشرعية‪،‬‬
‫ٌ‬
‫الحقيقة ليست سوى ما يتوصل إليه المجتهد من ٍ‬
‫آراء‪ ،‬وال واقع لها وراء ذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫فهل تمكن الموافقة على هذا الكالم؟‬
‫وهذا هو البحث المعروف‪ ،‬والذي يصطلح عليه علماء الكالم واألصول‬
‫بمبحث (التخطئة والتصويب)‪ ،‬والمعروف أنّ في المسألة اتجاهين رئيسين‪:‬‬

‫األول‪ :‬القول بالتخطئة‪ ،‬وهو الذي تب ّناه الشيعة وجمهور من المسلمين‬
‫االتجاه ّ‬
‫حد تعبير بعض العلماء(‪،)1‬‬
‫وربما كان هو الرأي السائد اليوم على ّ‬
‫من غيرهم‪ّ ،‬‬
‫وربما‬
‫ثمة أحكام ًا واقعي ًة مجعول ًة من قبل الشارع لجميع المكلفين‪ّ ،‬‬
‫وفحواه‪ :‬أنّ ّ‬
‫يصل إليه المجتهد من خالل اعتماده على أدوات االستنباط المعروفة‪ ،‬وهي‬
‫وربما يخطئ‬
‫األمارات واألصول‪ ،‬وفي هذه الحالة‪َّ ،‬‬
‫تتنجز عليه ويطالب بها‪ّ ،‬‬
‫تلك األحكام وال يوصله اجتهاده إليها‪ ،‬وفي هذه الحالة يكون معذور ًا‪ .‬وعلى‬
‫العامة للفقه المقارن‪ ،‬مؤسسة آل البيت‪ ،R‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫((( الحكيم‪ ،‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول ّ‬
‫ط‪ ،1979 ،2‬ص‪.617‬‬
‫‪178‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫يغيران من الواقع شيئ ًا‪ ،‬بل إنّ واقع التكاليف‬
‫التقديرين‪ ،‬فإنّ إصابته أو خطأه‪ ،‬ال ّ‬
‫المحفوظة في علم الله ٍ‬
‫باق على حاله‪ ،‬سواء أصابه المجتهد أو أخطأه‪.‬‬
‫االتجاه الثاني‪ :‬القول بالتصويب‪ ،‬وهو على نحوين أيض ًا‪:‬‬

‫األول‪ :‬وهو ما اصطلح على تسميته بالتصويب األشعري‪ ،‬ومفاده‪ ،‬كما يقول‬
‫ّ‬
‫بالظن‪ ،‬بل‬
‫معي ٌن ُيطلب‬
‫نص فيها‬
‫ّ‬
‫الغزالي‪« :‬إنّه ليس في الواقعة التي ال ّ‬
‫ٌ‬
‫حكم ّ‬
‫الظن‪ ،‬وحكم الله تعالى على ّ‬
‫كل مجتهد (هو) ما غلب على ظ ّنه‪،‬‬
‫الحكم يتبع ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫خلو الواقع من أي حكم‬
‫وهو المختار» ‪ ،‬فهذا النحو من التصويب‪ ،‬يفترض ّ‬
‫إلهي في الموارد التي ال نص عليها‪ ،‬ولكن إذا أفتى المجتهد‪ ،‬فإنّ فتواه هذه تغدو‬
‫هي الواقع وحكم الله‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬وهو ما اصطلح على تسميته بالتصويب المعتزلي‪ ،‬ومفاده‪ :‬أنّه وإن كان‬
‫واقعية ٌ‬
‫وتتبدل‬
‫تتغير‬
‫أحكام‬
‫لله سبحانه‬
‫ثابتة في ّ‬
‫ّ‬
‫حق المك ّلف‪ّ ،‬‬
‫ٌ‬
‫لكن هذه األحكام ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ليحل رأيه مح ّلها‪ ،‬فكأنّ األحكام‬
‫في حال انتهى المجتهد إلى رأي مغاي ٍر لها‬
‫المعتزلي‪ ‬ـ‪ ‬مقيدة بعدم‬
‫الواقعية‪ ‬ـ‪ ‬كما يقول الشهيد الصدر في تقريبه للتصويب‬
‫ّ‬
‫تبدلت‬
‫الحجة‪ ‬ـ‪ ‬لدى المجتهد‪ ‬ـ‪ ‬على خالفها‪ ،‬فإن قامت الحجة على الخالف‪ّ ،‬‬
‫واستقر ما قامت عليه‬
‫الحجة(‪.)2‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫إال أنّ القول بالتصويب مرفوض‪ ،‬وقد تم تفنيده ِ‬
‫بكال معنييه في علم األصول‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّأما المعنى األول‪ ،‬فلوضوح فساده وبطالنه؛ ألنّ ما يتوفّر لدى المجتهد من أد ّل ٍة‬
‫وتحدد موقفنا تجاهه‪ ،‬فكيف نفترض‬
‫وحجج‪« ،‬إنّما جاءت لتخبرنا عن حكم الله‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫مخالف لظواهر األد ّلة‪،‬‬
‫وأما الثاني‪« ،‬فألنّه‬
‫أنّه ال حكم لله من حيث األساس؟!»‪ّ ،‬‬
‫(( ( الغزالي‪ ،‬محمد بن محمد (ت ‪505‬هـ)‪ ،‬المستصفى في علم األصول‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد عبد‬
‫السالم عبد الشافي‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪ ،1996 ،1‬ص‪.359‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬الحلقة الثالثة‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.16‬‬
‫‪179‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وما ّ‬
‫دل على اشتراك الجاهل والعالم في األحكام الواقعية»(‪.)1‬‬

‫والحقيقة‪ ،‬أنّ القول بالتصويب يعكس ا ّتهام ًا للشريعة بالنقص وعدم الشمول‪،‬‬
‫األمر الذي يفتح الباب على تصويب ّ‬
‫كل اآلراء رغم اختالفها وتضاربها(‪.)2‬‬

‫‪ ‬ال تصويب في قضايا االعتقاد‬

‫ّ‬
‫ومصوبة‪،‬‬
‫مخطئة‬
‫ولكن الخالف المذكور‪ ،‬وانقسام علماء الكالم إلى‬
‫هذا‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فثمة إجماع‬
‫إنّما هو في مجال الفروع واألحكام الفقهية‪ّ ،‬أما في القضايا العقدية‪ّ ،‬‬
‫إسالمي لم ّ‬
‫يشذ عنه أحدٌ على رفض التصويب‪ ،‬يقول الحاجبي في المختصر‪:‬‬
‫«اإلجماع على أنّ المصيب في العقليات واحد‪ ،‬وأنّ النافي م ّلة اإلسالم مخطئ‬
‫كافر اجتهد أو لم يجتهد»‪ ،‬ويقول في شرح المختصر‪« :‬اإلجماع منعقدٌ على‬
‫آثم ٌ‬
‫أنّ المصيب من المجتهدين في المسائل العقلية واحد‪ ،‬إذ المطابق لما في نفس‬
‫األمر ال يكون إال واحد ًا»‪.‬‬

‫ويقول العالمة الحلي‪« :‬أجمع العلماء على أنّ المصيب في العقليات واحد‪،‬‬
‫ٍ‬
‫إال الجاحظ والعنبري‪ ،‬فإنّهما قاال‪ّ :‬‬
‫مجتهد مصيب‪ ،‬ال على معنى المطابقة‪،‬‬
‫كل‬
‫بل بمعنى زوال اإلثم»(‪.)3‬‬

‫محدد ًا‪ ،‬سواء على‬
‫ثمة واقع ًا‬
‫ّ‬
‫وخالصة الدليل على بطالن التصويب‪ :‬أنّ ّ‬
‫المستوى العقدي أو على المستوى التشريعي‪ ،‬كما ّ‬
‫تدل على ذلك النصوص‬
‫وأما اليقين فإنّ دوره هو الكشف عن الواقع‪،‬‬
‫الدينية‪ ،‬وهذا الواقع ٌ‬
‫يتغير‪ّ .‬‬
‫ثابت ال ّ‬
‫الظن؛ فعلمي‬
‫هويته وحقيقته‪ ،‬وكذا الحال في‬
‫ّ‬
‫وليس إنتاجه وإيجاده أو تغيير ّ‬

‫(( ( المصدر السابق‪ ،‬ص‪.17‬‬
‫((( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬المعالم الجديدة لألصول‪ ،‬مطبعة النعمان‪ ،‬النجف األشرف‪ ‬ـ‪ ‬العراق‪،‬‬
‫ط‪ ،1975 ،2‬ص‪.39‬‬
‫((( أنظر‪ :‬القزويني‪ ،‬السيد علي الموسوي (ت ‪1298‬هـ)‪ ،‬تعليقة على معالم األصول‪ ،‬مؤسسة النشر‬
‫اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1422 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪285‬ـ ‪.286‬‬
‫‪180‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫أو ظني بعدم وجود الصين‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬ال ينفي وجودها‪ ،‬تمام ًا كما أنّ علمي أو‬
‫ظ ّني بوجودها ليس هو المحقّق لوجودها‪ .‬وعليه‪ ،‬يكون القول بالتصويب في‬
‫العقليات والعقديات محا ً‬
‫ال عق ً‬
‫الضدين(‪،)1‬‬
‫ال‪ ،‬ألدائه إلى اجتماع النقيضين أو‬
‫ّ‬
‫أشد شناع ًة من التصويب في‬
‫بل يمكن القول بأنّ التصويب في المجال العقدي ّ‬
‫المجال التشريعي؛ ألنّ المفاهيم العقدية‪ ‬ـ‪ ‬كاإليمان بالله ورسوله واليوم اآلخر‬
‫وغيرها‪ ‬ـ‪ ‬تعبر عن وجودات حقيقية ثابتة في عالم الواقع والخارج‪ ،‬وليست‬
‫ّ‬
‫مجرد اعتبارات مجعولة من قبل الشارع تبع ًا للمصالح‬
‫كاألحكام‪ ،‬التي هي‬
‫ّ‬
‫والمفاسد‪ ،‬ما يسمح من ال ّناحية النظرية بإناطتها برأي المجتهد‪.‬‬

‫وال يخفى أنّ مخالفة الجاحظ والعنبري‪ ،‬والتزامهما بالتصويب في العقديات‪،‬‬
‫إنّما يرجع إلى معذورية المجتهد المخطئ في العقائد‪ ،‬وليس إلى تب ّني التصويب‪،‬‬
‫بمعنى مطابقة آراء المجتهدين‪ ‬ـ‪ ‬على تعددها‪ ‬ـ‪ ‬للواقع‪ ،‬وأما رأيهما في معذورية‬
‫صحة ما ذهبا إليه‪ ،‬وهذا ما نبحثه فيما يلي‪.‬‬
‫المخطئ في العقائد فقد أشرنا إلى ّ‬

‫اليقين ودوره في اإلدانة والعذر‬

‫(‪)2‬‬

‫ٍ‬
‫والحقيقة‪ ،‬أنّنا إذا أردنا وضع األمور في نصابها‪ ،‬لقلنا‪ :‬إنّ ّ‬
‫شخص وصله‬
‫كل‬
‫الحجة عليه‪ ،‬لك ّنه رفضه عناد ًا وعصبي ًة‪ ،‬فهو ٌ‬
‫مدان بحكم‬
‫نداء اإلسالم‪ ،‬وقامت‬
‫ّ‬
‫العقل وشريعة العقالء‪ ،‬وكذا لو لم يكترث ولم ِ‬
‫الدين الجديد‪ ،‬رغم‬
‫يبال بنداء ّ‬
‫العقل‪ ‬ـ‪ ‬وتصح‬
‫وصوله إليه واحتمال صدقيته‪ ،‬فهذا أيض ًا غير معذور‪ ‬ـ‪ ‬بحكم‬
‫ّ‬
‫مؤاخذته؛ ألنه رغم ّ‬
‫يسمى‬
‫تمكنه من المعرفة‪ّ ،‬‬
‫قصر في البحث والنظر‪ ،‬وهو ما ّ‬
‫المقصر‪.‬‬
‫بالجاهل‬
‫ّ‬

‫وفي المقابل‪ ،‬فإنّ الشخص الذي لم يصله صوت اإلسالم‪ ،‬ولم تبلغه الدعوة‪،‬‬

‫(( ( المصدر السابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.287‬‬
‫مما أوردناه في كتاب‪ :‬العقل‬
‫((( أقول‪ :‬إنّ هذا البحث عن معذورية القاطع والمجتهد‪ ،‬مأخوذ ّ‬
‫ٍ‬
‫هامة عليه‪.‬‬
‫التكفيري‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ولصلته بموضوعنا‪ ،‬نقلناه هنا مع إضافات ّ‬
‫‪181‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وال سمع بمحمد‪ P‬ورسالته‪ ‬ـ‪ ‬كالذي يعيش في بعض مجاهل األرض أو األماكن‬
‫النائية‪ ‬ـ‪ ‬ال ريب في عدم استحقاقه للعقاب والمؤاخذة؛ ألنّ من واضحات حكم‬
‫الحجة عليه‪ ،‬وال تقوم الحجة إال بوصول‬
‫العقل قبح إدانة اإلنسان إال بعد قيام‬
‫ّ‬
‫ين َح َّتى َن ْب َع َث َر ُسولاً ﴾‬
‫﴿و َما ُك َّنا ُم َع ِّذبِ َ‬
‫الدعوة‪ .‬وفي هذا السياق‪ ،‬جاء قوله تعالى‪َ :‬‬
‫﴿و َما‬
‫[اإلسراء‪ ،]15:‬فهذه اآلية ترشد إلى حكم العقل المذكور‪ ،‬ومفاد جملة‪َ :‬‬
‫ُك َّنا﴾‪ ،‬أنّه ليس من شأنه تعالى‪ ،‬وال يليق به أن ّ‬
‫يعذب إال بعد بعث الرسول‪ ،‬بما‬
‫حجة على العباد‪.‬‬
‫يم ّثل من ّ‬

‫وهكذا‪ ،‬ال ريب أيض ًا في أنّ من وصلته الحجة‪ ،‬وسمع بالرسول ودعوته‪ ،‬لك ّنه‬
‫لتفهم‬
‫كان فاقد ًا للقدرة على التمييز بين‬
‫ّ‬
‫الحق والباطل‪ ،‬لقصوره وعدم استعداده ّ‬
‫معذور‪ ،‬كما في الطفل والمجنون(‪.)1‬‬
‫الحق‪ ،‬فهو‬
‫دليل‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫بيد أنّ الكالم في صنفين من ال ّناس غير من ذكر‪ ،‬وهما‪:‬‬

‫الحق‪ ،‬ولك ّنه لم‬
‫لتفهم‬
‫ّ‬
‫‪ 1‬ـ‪َ  ‬م ْن بلغه صوت اإلسالم‪ ،‬ولديه االستعداد الكافي ّ‬
‫وتمرد ًا‪ ،‬وإنّما العتقاده بصوابية‬
‫يك ّلف نفسه عناء البحث والتحقيق‪ ،‬ليس عناد ًا‬
‫ّ‬
‫الدين الجديد‪ ،‬وهذا قد يندرج‬
‫دينه ومعتقده‪ ،‬ما جعله ال يرى جدوى من دراسة ّ‬
‫في الجاهل القاصر‪.‬‬

‫النبوة وبراهينها بعين اإلنصاف‪،‬‬
‫‪ 2‬ـ‪َ  ‬م ْن قرأ اإلسالم بإخالص‪ّ ،‬‬
‫وتأمل في أد ّلة ّ‬
‫للحق‪ ،‬والتسليم به دون الوقوع تحت ضغط‬
‫مع توطين ال ّنفس على االنقياد‬
‫ّ‬
‫المؤثـرات المسبقـة والنوايـا المبطنـة‪ ،‬ولك ّنـه مـع ذلك‪ ،‬لـم يوفّق لالقتناع‬
‫ٍ‬
‫شبهة لديه لم يلتفت إلى بطالنها وكونها في‬
‫بنبوة محمد‪ P‬ورسالته‪ّ ،‬إما لوجود‬
‫ّ‬
‫الحق‪.‬‬
‫وإما لغير ذلك من أسباب عدم رؤية‬
‫ّ‬
‫مقابل بديهة‪ّ ،‬‬

‫((( مغنية‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪ ،‬مجلة رسالة اإلسالم‪ ،‬دار التقريب بين المذاهب اإلسالمية‪ ،‬القاهرة‬
‫ـ مصر‪ ،1973 ،‬العدد ‪ ،60‬ص‪.74‬‬
‫‪182‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫معذورية القاطع‬

‫ٍ‬
‫ألحد أن يجزم بأنّه من‬
‫بصحة معتقده‪ ،‬فليس‬
‫أ ّما الصنف األول‪ :‬وهو القاطع‬
‫ّ‬
‫الجبار؛ ألنّ هذا اإلنسان‪ ،‬ح ّتى لو كان كافر ًا‪،‬‬
‫أهل ال ّنار‪،‬‬
‫ّ‬
‫ويستحق العقاب وغضب ّ‬
‫فالكافر قد يكون معذور ًا في كفره‪ ،‬كما لو كان جاه ً‬
‫مقصر ًا‪ ،‬ومعاقبة‬
‫ال قاصر ًا ال ّ‬
‫القاصر قبيحة عق ً‬
‫حجة‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعدل من أن‬
‫ال‪ ،‬ألنّها عقوبة دون ّ‬
‫ين َح َّتى َن ْب َع َث َر ُسولاً ﴾‬
‫يعاقب اإلنسان إال بعد إقامة‬
‫﴿و َما ُك َّنا ُم َع ِّذبِ َ‬
‫الحجة عليه َ‬
‫ّ‬
‫[اإلسراء‪ ،]15:‬والرسول ٌ‬
‫الحجة والبيان‪.‬‬
‫كناية عن‬
‫ّ‬

‫أمر تقتضيه أصول العدلية‪ ،‬بل هو من بديهيات‬
‫ومعذورية الجاهل القاصر ٌ‬
‫اعتقاداتهم‪ ،‬وقد برهن العلماء في أبحاث األصول‪ ،‬على كون القطع ّ‬
‫معذر ًا‬
‫لصاحبه كما هو منجز للتكليف عليه(‪ ،)1‬بل ذهب مشهور األصوليين إلى أنّ‬
‫منجزية القطع ومعذريته‪ ،‬هي من اللوازم الذاتية للقطع‪ ،‬وال يمكن سلبها عنه‪،‬‬
‫ٌ‬
‫شاملة لألصول‬
‫ومعذرية القطع هذه‬
‫وإن ناقشهم الشهيد الصدر في ذلك(‪.)2‬‬
‫ّ‬
‫والفروع‪ ،‬ألنّها من األحكام‬
‫العقلية‪ ،‬وهي غير قابلة للتخصيص‪ .‬نعم‪ ،‬هناك قيدٌ‬
‫ّ‬
‫تخصص القاعدة وضيقها من األساس‪ ،‬ال تخصيصها‪ ،‬وهو‬
‫واحدٌ ‪ ،‬وهو يقتضي ّ‬
‫مقصر ًا‪ ،‬فإنّ‬
‫المقصر لو حصل له القطع فإنّ قطعه وأن‬
‫ّ‬
‫أن يكون القاطع قاصر ًا ال ّ‬
‫يستحق المؤاخذة بسبب تقصيره‪.‬‬
‫حج ًة عليه‪ ،‬لك ّنه‬
‫ّ‬
‫كان ّ‬

‫غالب الك ّفار معذورون‬

‫قائل‪ :‬بأنّ الجاهل القاصر ٌ‬
‫يقولن ٌ‬
‫قليل ونادر الوجود‪ ،‬وأكثر الك ّفار‪ ،‬أو‬
‫وربما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مقصرون‬
‫الذين ال يوالون‬
‫ّ‬
‫الحق وال يتبعونه‪ّ ،‬إما عالمون جاحدون‪ ،‬أو جاهلون ّ‬
‫(( ( ال يخلو كتاب أصولي من بحث هذه المسألة‪ ،‬أنظر على سبيل المثال‪ :‬الصدر‪ ،‬محمد باقر‬
‫(الشهيد)‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬الحلقة الثالثة‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.33‬‬
‫((( الصدر‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬الحلقة الثالثة‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.33‬‬
‫‪183‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٍ‬
‫تمت الكبرى‪ ،‬أعني‬
‫يمكنهم الوصول إلى الحقيقة بسهولة‪ .‬وبعبارة منطقية‪ :‬لو ّ‬
‫معذورية الجاهل القاصر‪ ،‬فإنّها ال تجدي نفع ًا‪ ،‬ألنّ مصاديقها نادرة الوجود‪.‬‬

‫ممن ال يؤمنون بالحقائق‬
‫لك ّننا نقول‪ :‬إنّ األمر ليس كذلك‪ ،‬فإنّ أكثر ال ّناس ّ‬
‫مقصرون‪ ،‬باستثناء ما ي ّتصل بمعرفة الله سبحانه‪،‬‬
‫الدينية‪ ،‬جاهلون قاصرون ال ّ‬
‫مقص ٌر ال قاصر؛ ألنّ‬
‫فإنّ الجاهل بوجوده تعالى‪ ،‬وكذا وحدانيته‪ ‬ـ‪ ‬في الغالب‪ ‬ـ‪ّ  ‬‬
‫معرفته تعالى‪ ،‬وكذا توحيده‪ ‬ـ‪ ‬على نحو اإلجمال دون تفاصيل التوحيد‪ ‬ـ‪ ‬من‬
‫تأم ٍل في التوحيد‪ ،‬كما سيأتي في دليل الفطرة‪ ‬ـ‪ ‬أضف‬
‫األمور الفطرية‪ ‬ـ‪ ‬على ّ‬
‫السماوات واألرض‪ ،‬وما فيهما من أسرا ٍر ونظم‪ ،‬أو‬
‫إلى ذلك‪ ،‬أنّ أدنى تأمل في ّ‬
‫في األنفس وما فيها من عجائب‪ ،‬سيهدي إلى اإليمان واإلقرار بوجود الخالق‬
‫كالنبوة واإلمامة والمعاد‪ ،‬فإنّ وجود‬
‫الحكيم‪ّ ،‬أما فيما عدا ذلك من العقائد‪،‬‬
‫ّ‬
‫الجاهل القاصر بشأنها كثير‪ ،‬وقد أشار اإلمام الخميني إلى ذلك‪ ،‬إذ يقول في‬
‫شأن الك ّفار‪« :‬إنّ أكثرهم‪ ‬ـ‪ ‬إال ما ّ‬
‫مقصرون‪ّ ،‬أما‬
‫قل‬
‫ّ‬
‫وندر‪ ‬ـ‪ ‬جهال قاصرون ال ّ‬
‫فظاهر‪ ،‬لعدم انقداح خالف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم‪ ،‬بل‬
‫عوامهم‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫بصحة مذهبهم وبطالن ساير المذاهب نظير عوام المسلمين‪ ،‬فكما‬
‫هم قاطعون‬
‫ّ‬
‫بصحة مذهبهم وبطالن ساير المذاهب من غير انقداح خالف‬
‫أنّ عوامنا عالمون ّ‬
‫في أذهانهم ألجل التلقين والنشوء في محيط اإلسالم‪ ،‬كذلك عوامهم‪ ،‬من غير‬
‫ٍ‬
‫معذور في متابعة قطعه‪ ،‬وال يكون عاصي ًا‬
‫فرق بينهما من هذه الجهة‪ ،‬والقاطع‬
‫ٌ‬
‫وأما غير عوامهم‪،‬‬
‫أو آثم ًا‪ ،‬وال‬
‫تصح عقوبته في متابعته (أي متابعته لقطعه)‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫أول الطفولية‪ ،‬والنشوء في محيط‬
‫فالغالب فيهم أنّهم بواسطة التلقينات من ّ‬
‫الكفر‪ ،‬صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة‪ ،‬بحيث ّ‬
‫كل ما ورد على‬
‫الحق من بدء نشوئهم‪ ،‬فالعالم‬
‫خالفها ر ّدوها بعقولهم المجبولة على خالف‬
‫ّ‬
‫حجة الغير صحيح ًة‪ ،‬وصار بطالنها‬
‫اليهودي والنصراني كالعالم المسلم‪ ،‬ال يرى ّ‬
‫صحة مذهبه ضرورية لديه ال يحتمل خالفه‪ .‬نعم‪ ،‬منهم من‬
‫كالضروري له‪ ،‬لكون ّ‬
‫‪184‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫مقصر ًا لو احتمل خالف مذهبه»‪ .‬إلى أن يقول‪:‬‬
‫يكون ّ‬

‫كجهال المسلمين‪ ،‬منهم قاصر وهم الغالب‪ ،‬ومنهم‬
‫«وبالجملة‪ :‬إنّ الكفار‬
‫َّ‬
‫الحجة عليهم ال‬
‫مقصر‪ ...‬والكفار معاقبون على األصول والفروع‪ ،‬لكن مع قيام‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مطلق ًا‪ ،‬فكما أنّ كون المسلمين معاقبين على الفروع‪ ،‬ليس معناه أنّهم معاقبون‬
‫مقصرين‪ ،‬كذلك الكفار‪ ،‬طابق النعل بالنعل بحكم‬
‫عليها‪ ،‬سواء كانوا قاصرين أو ّ‬
‫العقل وأصول العدلية»(‪.)1‬‬

‫وقد أورد الشيخ المنتظري‪ M‬اعتراض ًا صغروي ًا على كالم أستاذه السيد‬
‫الخميني‪ ،‬وإن وافقه في المبدأ كما سيأتي‪ ،‬وحاصل اعتراضه‪ :‬أنّ «كون علماء‬
‫اليهود والنصارى قاصرين غير آثمين وال معاقبين‪ ،‬ال يمكن المساعدة عليه‪ ،‬إذ‬
‫كيف يمكن القول بكون علمائهم العائشين في البالد اإلسالمية ومجاورتها‪ ،‬وال‬
‫سيما في أعصارنا‪ ،‬قاصرين غير َّ‬
‫مطلعين‪ ،‬مع بسط اإلسالم وانتشار خبر ظهور‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بكتاب جديد وشريعة جديدة؟!‬
‫نبينا‬
‫ّ‬

‫العوام منهم أيض ًا‪ ،‬إال ما ّ‬
‫والدين الجديد‬
‫بل‬
‫قل وندر‪ ،‬قد سمعوا خبر اإلسالم ّ‬
‫ّ‬
‫منجز عق ً‬
‫ال وفطرةً‪ ،‬فكان‬
‫بعد المسيح‪ ،Q‬واالحتمال في األمور المهمة‬
‫ٌ‬
‫مقصرون‪ ،‬إال من لم يقرع سمعه‬
‫عليهم البحث والفحص‪ .‬وبالجملة‪ :‬فأكثرهم ّ‬
‫اسم اإلسالم والمسلمين»(‪.)2‬‬

‫ويالحظ عليه‪ :‬أنّ مجرد سماع الشخص بخبر دين جديد‪ ،‬ال يجعله جاه ً‬
‫ال‬
‫الدين‪ ،‬إال إذا احتمل حقانيته‪،‬‬
‫مقصر ًا‪ ،‬وال يحكم عقله بلزوم الفحص عن هذا ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫‪ ‬ـ‪ ‬لسبب أو آلخر‪ ‬ـ‪ ‬بطالنه فيكون قاصر ًا‬
‫ومع ذلك لم يفحص‪ّ .‬أما لو كان معتقد ًا‬

‫المحرمة‪ ،‬مكتبة إسماعليان‪ ،‬قم‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪،3‬‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الخميني‪ ،‬روح الله (اإلمام) المكاسب‬
‫َّ‬
‫‪1410‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.133‬‬
‫((( أنظر‪ :‬منتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬دراسات في المكاسب المحرمة‪ ،‬مكتب آية الله المنتظري‪،‬‬
‫إيران‪ ‬ـ‪ ‬قم‪ ،‬ط‪1417 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.333‬‬
‫‪185‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ال جه ً‬
‫وجاه ً‬
‫ال ّ‬
‫مركب ًا‪ ،‬وغالب أهل الكتاب كذلك‪ ،‬أي ال ينقدح في ذهنهم‬
‫عامة‬
‫االحتمال المذكور رغم سماعهم باإلسالم‪ ،‬تمام ًا كما ال ينقدح في أذهان ّ‬
‫المسلمين الشيعة‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫صحيح‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬احتمال حقانية المذاهب األخرى‪ ،‬والعكس‬
‫ٌ‬
‫وأما الذين‬
‫أيض ًا‪ ،‬على الرغم من مجاورة أتباع هذه المذاهب بعضهم لبعض‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫والمطلعين على حجج الطرف‬
‫يحتملون االحتمال المذكور‪ ،‬فهم ق ّل ٌة من العلماء‬
‫اآلخر‪.‬‬

‫وفي هذا السياق‪ ،‬يمكن وضع كالم بعض األعالم عن أنّ معظم المسيحيين‬
‫معذورون ومخلصون‪ ،‬يقول الشهيد مطهري‪« :M‬رغم أنّنا نعتقد بطروء‬
‫التحريف عليها‪ ‬ـ‪ ‬يقصد المسيحية‪ ‬ـ‪ ‬لو تنظرون إلى المدن والقرى والرهبان‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫الدين فيها‪ ،‬فهل إنّ ّ‬
‫ٌ‬
‫والله إنّ بينهم‬
‫سيئ؟!‬
‫كل‬
‫راهب فاسدٌ‬
‫ورجال ّ‬
‫وإنسان ّ‬
‫إيماني ًا‬
‫حس ًا‬
‫نسبة السبعين إلى الثمانين في المائة منهم‬
‫ٌ‬
‫أشخاص أتقياء يملكون ّ‬
‫ّ‬
‫وكم ع ّلموا ال ّناس التقوى ونشروا الصالح واإلخالص والطهارة‬
‫وإخالص ًا‪ْ ،‬‬
‫باسم المسيح ومريم‪ ،‬وال ذنب لهؤالء ال ّناس‪ ،‬وسوف يدخلون الج ّنة‪ ،‬وأساقفتهم‬
‫بد من التمييز بين رجال الدين الفاسدين وبين أكثرية المبشّ رين‬
‫كذلك أيض ًا‪ ،‬إذ ًا ال ّ‬
‫المخلصين من أتباع المسيح»(‪.)1‬‬
‫منسجم تمام االنسجام‬
‫ربما يقال‪ :‬إنّه‬
‫وهذا الكالم ليس بعيد ًا عن الصواب‪ ،‬بل ّ‬
‫ٌ‬
‫ين َم ْن َآ َم َن بِ ِ‬
‫الله‬
‫الصابِئِ َ‬
‫ين َآ َم ُنوا َوا َّل ِذ َ‬
‫مع قوله تعالى‪﴿ :‬إِ َّن ا َّل ِذ َ‬
‫ارى َو َّ‬
‫ين َه ُادوا َوال َّن َص َ‬
‫الي ْو ِم َ‬
‫اآل ِخ ِر َو َع ِم َل َصالِ ًحا َف َل ُه ْم َأ ْج ُر ُه ْم ِع ْندَ َر ِّب ِه ْم َولاَ َخ ْو ٌف َع َل ْي ِه ْم َولاَ ُه ْم‬
‫َو َ‬
‫َي ْح َز ُنونَ ﴾ [البقرة‪.]62:‬‬

‫تقدم‪ ،‬فإنّنا نقول للذين ينشغلون بتوزيع ال ّناس على الج ّنة وال ّنار‪:‬‬
‫وفي ضوء ما ّ‬
‫تضيقوا رحمة الله‪ ،‬وال تن ّفروا ال ّناس من دين الله‪ ،‬فمفاتيح الج ّنة وال ّنار ليست‬
‫ال ّ‬

‫(الحق والباطل)‪ ،‬قم‪ ،‬صدرا‪ ،‬ط‪1374 ،4‬هـ‪.‬ش‪،‬‬
‫((( مطهري‪ ،‬الشهيد مطهري‪ ،‬مجموعة اآلثار‪،‬‬
‫ّ‬
‫ج‪ ،3‬ص‪.439‬‬
‫‪186‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫حق ٍ‬
‫أحد أن يحكم بأنّ مطلق الكافر هو من أهل ال ّنار‪ ،‬فض ً‬
‫ال‬
‫بأيديكم‪ ،‬وليس من ّ‬
‫عن غير الكافر‪.‬‬

‫معذورية المجتهد‬

‫ويبقى الصنف الثاني‪ ،‬وهو المجتهد الذي لم ِ‬
‫الحق‪ ،‬لبعض الموانع‬
‫يهتد لوجه‬
‫ّ‬
‫التي ال تص ّنف في خانة العناد أو العصبية أو التقصير‪ ،‬سواء تب ّنى واعتنق بعض‬
‫يتبن مدرس ًة بعينها‪ ،‬ولك ّنه‬
‫المدارس المخالفة لإلسالم واعتقد‬
‫بصحتها‪ ،‬أو لم َ‬
‫ّ‬
‫في ّ‬
‫صحته وصدقيته‪ ،‬فهل يمكن أن‬
‫كل األحوال لم يعتقد باإلسالم‪ ،‬ولم يحتمل ّ‬
‫كالمقصر أو الجاحد؟‬
‫يحكم بمعذوريته؟ أو أنّه يعاقب ويحاسب تمام ًا‬
‫ّ‬

‫ذكرنا سابق ًا أن ما عليه علماء الفري َقين هو عدم معذورية المجتهد في األصول‬
‫في حال خطئه‪ ،‬لكن يمكننا القول‪ :‬إنّ هذا الشخص‪ ،‬وعلى الرغم من حرمانه من‬
‫يستحق العقاب‪ ،‬فهو بحكم القاصر‪ ،‬وذلك لقبح إدانة‬
‫معذور وال‬
‫نور الهداية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫صحة‬
‫من لم تقم عليه‬
‫بصحة معتقده وال يخطر في باله ّ‬
‫الحجة‪ ،‬أو من كان قاطع ًا ّ‬
‫ّ‬
‫الدين الجديد‪ ،‬أو من كان ّ‬
‫شاك ًا باحث ًا عن الحقيقة‪ ،‬شريطة أن ال يجحد الشاك بما‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫بشيء والجهل به ال يبرر نفيه‪ ،‬كما أنّ عدم الوجدان‬
‫لم يقتنع به‪ ،‬ألنّ عدم االقتناع‬
‫نبوة محمد‪P‬‬
‫ال ّ‬
‫مبرر منطقي ًا وعقلي ًا لمن ّ‬
‫يشك في ّ‬
‫يدل على عدم الوجود‪ ،‬فال ّ‬
‫أن يجحدها وينفيها؛ ألنّ النفي الذي ال يستند إلى الدليل هو قول بغير علم‪ ،‬قال‬
‫ِ ِ‬
‫﴿و َال َتق ُ‬
‫الس ْم َع َوا ْل َب َص َر َوا ْل ُفؤَ ا َد ُك ُّل ُأولـئِ َك َكانَ‬
‫تعالى‪َ :‬‬
‫ْف َما َل ْي َ‬
‫س َل َك بِه ع ْل ٌم إِ َّن َّ‬
‫أن‬
‫َع ْن ُه َم ْسؤُ و ًال﴾ [اإلسراء ‪ .]36‬وفي الحديث عن اإلمام الصادق‪« :Q‬لو ّ‬
‫ال ّناس إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا»(‪.)1‬‬
‫يضر‪ ،‬وال‬
‫وهذا القول بمعذورية المجتهد‪ ،‬وإن رمي بالشذوذ‪ّ ،‬‬
‫لكن ذلك ال ّ‬
‫يمنع من تب ّنيه بعد اعتضاده بحكم العقل القاضي بقبح مؤاخذة من لم ُ‬
‫يأل جهد ًا‬

‫((( أنظر‪ :‬الكليني‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.388‬‬
‫‪187‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫في الوصول إلى الحقيقة‪ .‬وقد ا ّتفق علماء الفريقين‪ ،‬أنّ المجتهد في الفروع‪ ،‬إذا‬
‫معذور ومأجور‪ ،‬وهذا‬
‫بذل جهده في استنباط الحكم الشرعي‪ ،‬ولك ّنه أخطأ‪ ،‬فهو‬
‫ٌ‬
‫الكالم يجري بعينه في المجتهد في األصول‪ ،‬لوحدة المالك والمناط(‪.)1‬‬

‫من أنصار هذا الرأي‬

‫وقد اختار بعض األعالم هذا الرأي‪ ،‬منهم‪ :‬الشيخ بهاء الدين العاملي (ت‬
‫‪1033‬هـ)‪ ،‬حيث يقول‪« :‬إنّ المك ّلف إذا بذل جهده في تحصيل الدليل‪ ،‬فليس عليه‬
‫الحق»(‪.)2‬‬
‫شيء وإن كان مخطئ ًا في اعتقاده‪ ،‬وال يخلد في ال ّنار وإن كان بخالف أهل ّ‬
‫ٌ‬
‫ومنهم‪ :‬الشيخ محمد جواد مغنية(‪.)3‬‬

‫(‪)4‬‬
‫تمسكـ ًا «بقوله تعالى‪:‬‬
‫ونُسـب هذا الرأي أيضـ ًا إلى الجاحـظ والعنبـري ‪ّ ،‬‬

‫((( ‬
‫((( ‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫ ‬

‫يقول الشيخ مغنية بشأن قاعدة «من أخطأ في اجتهاده فهو مغفور له»‪« :‬وهذه قاعدة عقلية‪ ،‬ال‬
‫مغنية‪ ،‬الشيخ‬
‫يمكن تخصيصها بدين دون دين‪ ،‬أو بمذهب دون مذهب‪ ،‬أو بأصل أو بفرع»‪ ،‬أنظر‪ّ :‬‬
‫محمد جواد‪ ،‬رسالة اإلسالم‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬العدد ‪ ،60‬ص‪.74‬‬
‫أنظر‪ :‬البحراني‪ ،‬الشيخ يوسف (ت ‪1186‬هـ)‪ ،‬لؤلؤة البحرين‪ ،‬تحقيق‪ :‬السيد صادق بحر‬
‫العلوم‪ ،‬مؤسسة آل البيت‪ ،R‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،2‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪ ،19‬والخونساري‪ ،‬محمد باقر‬
‫الموسوي األصفهاني (ت ‪1313‬هـ)‪ ،‬روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات‪ ،‬الطبعة‬
‫األولى‪ ،‬مكتبة إسماعيليان‪ ،‬قم ـ إيران ‪1392‬هـ‪ ،‬ج‪ 7‬ص‪ ،67‬وبحر العلوم‪ ،‬السيد جعفر (ت‬
‫‪1298‬هـــ)‪ ،‬تحفة العالم‪ ،‬في شرح خطبة المعالم‪ ،‬مكتبة الصادق‪ ،‬طهران ـ إيران‪ ،‬ط‪،2‬‬
‫‪1401‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ 207‬ـ‪.208  ‬‬
‫رسالة اإلسالم‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬العدد ‪ 60‬ص‪.64‬‬
‫الجاحظ هو عمرو بن حرب بن محبوب البصري‪ ،‬تلميذ النظام‪ ،‬وصاحب التصانيف المشهورة‪،‬‬
‫منها كتاب الحيوان وغيره‪ ،‬توفي ‪255‬هـ‪ ،‬أنظر‪ :‬الذهبي‪ ،‬محمد بن أحمد بن عثمان (ت ‪748‬هـ)‪،‬‬
‫سير أعالم النبالء‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيروت ـ لبنان ‪1993‬م‪ ،‬ط‪،9‬ج‪ ،11‬ص‪.526‬‬
‫وأما العنبري‪ ،‬فهو عبيد الله (عبد) الله بن الحسن بن حصين بن أبي الحر البصري القاضي‬
‫(ت ‪168‬هـ)‪ .‬أنظر‪ :‬المزي‪ ،‬الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف (ت ‪742‬هـ)‪ ،‬تهذيب‬
‫الكمال‪ ،‬تحقيق‪ :‬الدكتور بشار عواد معروف‪ ،‬الطبعة الرابعة‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪،‬‬
‫ط‪1985 ،4‬م‪ ،‬ج‪ ،19‬ص‪.23‬‬
‫‪188‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫﴿و َما َج َع َل َع َل ْي ُك ْم ِفي الدِّ ِ‬
‫ين ِم ْن َح َرجٍ ﴾ [الحج‪ ،]78:‬وألنّ تعذيبه مع بذله الجهد‬
‫َ‬
‫والطاقة من غير تقصي ٍر‪ ،‬قبيح»(‪.)1‬‬

‫يقول أبو حامد الغزالي‪« :‬ذهب الجاحظ إلى أنّ مخالف م ّلة اإلسالم من اليهود‬
‫آثم‪ ،‬وإن نظر فعجز‬
‫والنصارى‬
‫ّ‬
‫والدهرية‪ ،‬إن كان معاند ًا على خالف اعتقاده فهو ٌ‬
‫معذور غير آثم‪ ،‬وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب‬
‫الحق فهو‬
‫عن درك‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫المعذب هو المعاند فقط‪ ،‬ألنّ الله تعالى‪ ،‬ال‬
‫النظر‪ ،‬فهو أيض ًا معذور‪ ،‬وإنّما اآلثم‬
‫الحق‪ ،‬ولزموا عقائدهم خوف ًا‬
‫يك ّلف نفس ًا إال وسعها‪ ،‬وهؤالء قد عجزوا عن درك‬
‫ّ‬
‫من الله تعالى ِ‬
‫استد عليهم طريق المعرفة»(‪.)2‬‬
‫إذ ّ‬

‫ممكن عق ً‬
‫ال‪ ،‬وأنّه إنّما ر ّده لمخالفته لألد ّلة‬
‫وقد اعترف الغزالي بأنّ هذا الكالم‬
‫ٌ‬
‫السمعية‪ ،‬وستأتي مالحظاته‪.‬‬
‫ّ‬

‫وقد تب ّنى هذا الرأي أيض ًا بعض األعالم المعاصرين‪ ،‬يقول الشيخ منتظري‬
‫مستدرك ًا على رأيه في حقّانية اإلسالم من بين األديان‪« :‬نعم‪ُ ،‬يعذر من أيقن‬
‫أحقية شيء منها‪،‬‬
‫أحقية أحدها‪ ‬ـ‪ ‬أي األديان‪ ‬ـ‪ ‬من طريق الخطأ‪ ،‬أو لم يثبت لديه ّ‬
‫ّ‬
‫والمعذرية‬
‫يرجح أحدها ورآها مجزي ًة بأجمعها‪ ،‬إال أنّ مسألة القطع واليقين‬
‫فلم ّ‬
‫ّ‬
‫شيء آخر»(‪.)3‬‬
‫الواقعية‬
‫ّانية‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫شيء‪ ،‬ومسألة الحق ّ‬

‫السيد محمد حسين فضل الله‪ :‬إنّ اإلسالم يرى «اإلنسان الذي يستفرغ‬
‫ويقول ِّ‬
‫الحق‬
‫وسعه وجهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة‪ ،‬معذور ًا إذا لم يصل إلى‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫كنتيجة للظروف الخارجة عن إرادته»(‪.)4‬‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر‪ :‬الخاجوئي‪ ،‬محمد إسماعيل بن الحسين المازندراني (ت ‪1173‬هـ)‪ ،‬الرسائل االعتقادية‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫السيد مهدي الرجائي‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،1411 ،1‬ج‪ ،2‬ص‪.252‬‬
‫الغزالي‪ ،‬محمد بن محمد‪ ،‬المستصفى في علم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.348‬‬
‫أنظر المنتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬من المبدأ إلى المعاد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.105‬‬
‫السيد محمد حسين‪ ،‬من وحي القرآن‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬الحلقة ‪ ،3‬ص‪ 140‬في‬
‫أنظر‪ :‬فضل الله‪ِّ ،‬‬
‫شرح اآلية ‪ 170‬من سورة البقرة‪.‬‬
‫‪189‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المالحظات على هذا الرأي‬

‫ٍ‬
‫نقدية‪ ،‬من أهمها‪:‬‬
‫سجل على هذا القول ّ‬
‫وقد ّ‬
‫عدة مالحظات ّ‬

‫المالحظة األولى‪ :‬علماء الضالل معذورون!‬

‫ٌ‬
‫«باطل قطع ًا‪ ،‬ألنّ الزمه أن يكون علماء أهل الضالل ورؤساء الكفر غير‬
‫إنّه‬
‫مخ ّلدين في ال ّنار إذا أوصلتهم شبههم وأفكارهم الفاسدة إلى ذلك‪ ،‬من غير ا ّتباع‬
‫ألهل‬
‫الحق»(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫وفي ر ّده لهذه المالحظة‪ ،‬اعترف الفقيه الشيخ يوسف البحراني‪ ،‬أنّ القاعدة‬
‫التي انطلق منها البهائي سليمة وال ينبغي مناقشتها باعتبار أنّ «من المعلوم أنّ من‬
‫بذل وسعه في تحصيل الدليل‪ ،‬ولم ِ‬
‫يهتد إليه‪ ،‬ولم يقف عليه‪ ،‬فهو معذور عق ً‬
‫ال‬
‫ونق ً‬
‫ال»‪ ،‬ولك ّنه‪ ‬ـ‪ ‬أي البحراني‪ ‬ـ‪ ‬ناقش في وجود مصداق لهذه القاعدة‪ ،‬مفترض ًا أنّ‬
‫حد تعبيره‪ ‬ـ‪ ‬على صنفين‪ ،‬وكالهما غير معذور‪:‬‬
‫علماء أهل الضالل‪ ‬ـ‪ ‬على ّ‬
‫الحق‪ ،‬وإنّما ا َّتبع مذهب األسالف عصبي ًة‬
‫‪ 1‬ـ من لم يبذل الجهد لمعرفة‬
‫ّ‬
‫وعناد ًا‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ من بذل الجهد وظهر له‬
‫حب ًا للمال والجاه(‪.)2‬‬
‫ّ‬
‫الحق‪ ،‬لك ّنه لم ي َّتبعه ّ‬
‫ويمكننا التعليق على كالمه هذا‪:‬‬

‫سماهم علماء الضالل في خصوص الصنفين المذكورين‬
‫أو ًال‪ :‬إنّ حصره لمن ّ‬
‫غير سديد؛ ألنّه يمكن افتراض وجود صنف ثالث‪ ،‬وهم األشخاص الذين بذلوا‬
‫الحق دون أن يوفّقوا لذلك؛ بل إنّ وجود هذا الصنف‬
‫الجهد الكافي لمعرفة‬
‫ّ‬
‫سجل هذه المالحظة على الشيخ البهائي بعض علماء البحرين ـ من أساتذة الشيخ يوسف‬
‫(( (‬
‫ّ‬
‫البحراني ـ معتبر ًا هذا القول في عداد اشتباهات البهائي وأخطائه‪ .‬أنظر‪ :‬البحراني‪ ،‬الشيخ يوسف‪،‬‬
‫لؤلؤة البحرين‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.19‬‬
‫((( م‪.‬ن‪ ،‬ص‪.20‬‬
‫‪190‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫أمر مشاهد بالعيان‪ ،‬فما أكثر العلماء الذين يتبعون مذاهب أو شرائع أخرى غير‬
‫ٌ‬
‫عداء مع الحقيقة!‬
‫اإلسالم‪ ،‬وهم مقتنعون بما هم عليه‪ ،‬دون أن يكون لهم ٌ‬
‫ثاني ًا‪ :‬لو س ّلمنا باالنحصار المذكور‪ ،‬لكنه‪ ‬ـ‪ ‬باعترافه‪ ‬ـ‪ ‬خاص بعلماء أهل‬
‫الضالل‪ّ ،‬أما العامة منهم‪ ،‬فكثير منهم خارج نطاق هذين الصنفين‪.‬‬
‫المالحظة الثانية‪ :‬ك َّفار عهد النبي‪P‬معذورون!‬

‫إنّ االلتزام بالرأي المذكور‪ ،‬يقتضي التسليم بمعذورية بعض من كفر برسالة‬
‫النبي‪ P‬لعدم اقتناعه بها‪ ،‬وهذا ال يمكن قبوله إطالق ًا‪ .‬قال العالمة الخاجوئي‬
‫ّ‬
‫مشير ًا إلى ذلك‪« :‬إنّ كفار عهد رسول الله‪ P‬الذين قتلوا وحكم بخلودهم في‬
‫ال ّنار‪ ،‬لم يكونوا معاندين‪ ،‬بل منهم من اعتقد الكفر بعد بذل الجهد‪ ،‬ومنهم من‬
‫ّ‬
‫بقي في‬
‫الشك بعد إفراغ الوسع»(‪.)1‬‬

‫ومالحظتنا عليه‪ :‬أنّ المستفاد من القرآن الكريم والسيرة النبوية‪ ،‬أنّ أولئك‬
‫النبي‪ ،P‬ورغم ذلك ّ‬
‫كذبوه عناد ًا وحقد ًا كما‬
‫الكفار كانوا ّإما عالمين بصدق ّ‬
‫وإما شاكين‬
‫قال تعالى‪َ :‬‬
‫اس َت ْي َق َن ْت َها َأن ُْف ُس ُه ْم﴾ [النمل‪ّ ،]14:‬‬
‫﴿و َج َحدُ وا بِ َها َو ْ‬
‫نبوته وحاربوه بدل أن يبحثوا وينظروا في‬
‫في أمره‪ ،‬لك ّنهم مع ذلك جحدوا ّ‬
‫صدقها‪.‬‬

‫وأما أنّ بعضهم كان جازم ًا ومقتنع ًا بالكفر والشرك وعبادة األصنام‪ ،‬ولم‬
‫ّ‬
‫النبي‪ P‬رغم كثرة دالئله ومعاجزه‪ ،‬فهذا ال شاهد عليه‪ ،‬بل‬
‫يحتمل صدق‬
‫ّ‬
‫جمع من كبار المشركين‬
‫تحدثنا عن‬
‫ٍ‬
‫الشاهد على خالفه‪ ،‬فهذه كتب السيرة(‪ّ )2‬‬

‫(( ( الخاجوئي‪ ،‬محمد إسماعيل‪ ،‬الرسائل االعتقادية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.252‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الدمشقي‪ ،‬إسماعيل بن كثير (ت ‪774‬هـ)‪ ،‬البداية والنهاية‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي شيري‪ ،‬دار إحياء‬
‫التراث العربي‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1998 ،1‬م‪ ،‬ج‪ 3‬ص‪ ،82‬وتذكر بعض المصادر أنّ أمية بن خلف كان‬
‫خائف ًا من الخروج إلى معركة بدر لما بلغه أنّ رسول الله‪ P‬قال‪« :‬إنّ المسلمين قاتلوه»‪ ،‬أنظر‪:‬‬
‫الدمشقي‪ ،‬إسماعيل بن كثير‪ ،‬البداية والنهاية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪..315‬‬
‫‪191‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وعتاتهم‪ ،‬ا َّلذين كانوا يتس ّللون في الليل لالستماع إلى آيات القرآن‪ ،‬لما يجدون‬
‫ٍ‬
‫حالوة ووقع في ال ّنفوس‪.‬‬
‫لها من‬

‫النبي‪ P‬في دعوى الرسالة‪ ،‬وقد سمعوا من أهل‬
‫وكيف لم يحتملوا صدق ّ‬
‫نبي في العرب! وكان أهل الكتاب يستنصرون ويستفتحون‬
‫الكتاب اقتراب ظهور ّ‬
‫اب ِم ْن ِع ْن ِد ِ‬
‫الله ُم َصدِّ ٌق لِ َما‬
‫﴿و َل َّما َج َاء ُه ْم ِك َت ٌ‬
‫به عليهم‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪َ :‬‬
‫ين َك َف ُروا َف َل َّما َج َاء ُه ْم َما َع َر ُفوا َك َف ُروا بِ ِه‬
‫َم َع ُه ْم َو َكانُوا ِم ْن َق ْب ُل َي ْس َت ْفتِ ُحونَ َع َلى ا َّل ِذ َ‬
‫َف َلع َن ُة ِ‬
‫الله َع َلى َ‬
‫ين﴾ [البقرة‪]89:‬؟!‬
‫الك ِاف ِر َ‬
‫ْ‬

‫ّ‬
‫الشك والريب عنهم في شأن الرسول‪ ،P‬ويقول‪:‬‬
‫وهكذا ينفي القرآن حالة‬
‫إنّ ّ‬
‫شكهم لكان مبرر ًا لو لم تكن الحجة قوي ًة والمعجزة واضحة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫﴿و َما ُك ْن َت َت ْت ُلو ِم ْن َق ْب ِل ِه ِم ْن ِك َت ٍ‬
‫الم ْب ِط ُلونَ ﴾‬
‫اب َولاَ ت َُخ ُّط ُه بِ َي ِمينِ َك إِ ًذا لاَ ْرت َ‬
‫َ‬
‫َاب ُ‬
‫[العنكبوت‪ ،]48:‬فهؤالء لم يكن عندهم ٌّ‬
‫نبوة محمد‪ ،P‬بل كانوا‬
‫شك في ّ‬
‫جاحدين‪ ،‬والجحود هو اإلنكار مع العلم‪ ،‬كما ذكر أهل اللغة(‪ ،)1‬ولذا تضيف‬
‫ين ُأوتُوا ِ‬
‫الع ْل َم َو َما َي ْج َحدُ بِ َآ َياتِ َنا‬
‫ات َب ِّي َن ٌ‬
‫اآلية الالحقة‪َ ﴿ :‬ب ْل ُه َو َآ َي ٌ‬
‫ات ِفي ُصدُ و ِر ا َّل ِذ َ‬
‫إِلاَّ َّ‬
‫الظالِ ُمونَ ﴾ [العنكبوت‪.]49:‬‬
‫المالحظة الثالثة‪ :‬القرآن والوعيد بالنار‬

‫تتوعد الكافرين أو المشركين أو الظالمين‬
‫مليء باآليات(‪ )2‬ا َّلتي ّ‬
‫إنّ القرآن الكريم ٌ‬
‫(‪)3‬‬
‫مما‬
‫النبي‪ P‬وأهل بيته ‪ّ ، R‬‬
‫بال ّنار‪ ،‬وكذلك األحاديث المعتبرة الواردة عن ّ‬
‫ٌ‬
‫شامل بإطالقه للمجتهد المذكور‪ ،‬أعني المجتهد في أصول العقائد‪ ،‬وكذا‬
‫هو‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الجوهري‪ ،‬إسماعيل بن حماد (ت ‪ ،)393‬الصحاح‪ ،‬تحقيق‪ :‬أحمد عبد الغفور‪ ،‬دار العلم‬
‫للماليين‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1407 ،4‬هـ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.451‬‬
‫((( أنظر على سبيل المثال‪ :‬سورة يونس‪ ،‬اآلية ‪ ،4‬وسورة فاطر‪ ،‬اآلية ‪ ،7‬وسورة فاطر اآلية ‪.39‬‬
‫((( أنظر على سبيل المثال‪ :‬الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪،403‬‬
‫والمتقي الهندي‪ ،‬علي بن حسام الدين‪ ،‬كنـز العمال‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.84‬‬
‫‪192‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫ٌ‬
‫شامل أيض ًا للجاهل القاصر‪ ،‬وإخراجهما من دائرة اآليات والروايات يلزم منه‬
‫قبيح كما يقول علماء األصول‪.‬‬
‫تخصيص األكثر‪ ،‬وهو ٌ‬

‫الحجة‬
‫للحق مع قيام‬
‫وير ّده‪ :‬أنّ تلك اآليات والروايات ناظر ٌة إلى الجاحد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المقصر‪ ،‬وهو من عرف اختالف الناس‪ ،‬واحتمل بطالن ما‬
‫عليه‪ ،‬أو إلى الجاهل‬
‫ِّ‬
‫هو عليه من االعتقاد‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬لم ِ‬
‫يبال‪ ،‬ولم يبذل جهد ًا في البحث عن الحقيقة‪،‬‬
‫وال شمول لها لمن بذل جهده في معرفة الحقيقة ولم ُيوفّق‪ ،‬وال للجاهل القاصر‬
‫الحجة‪ ،‬ولم يحتمل بطالن معتقده‪ ،‬بل كان جازم ًا بحقانيته‪ ،‬فهذان‬
‫الذي لم تصله‬
‫ّ‬
‫الصنفان خارجان تخصص ًا‪ .‬وعلى فرض عموم النصوص المذكورة وشمولها‬
‫بد من تقييدها وإخراجهما من دائرتها‪ ،‬لما ّ‬
‫دل‪ ‬ـ‪ ‬من العقل والنقل‪ ‬ـ‪ ‬على‬
‫لهما‪ ،‬فال ّ‬
‫معذوريتهما وقبح مؤاخذتهما‪ ،‬وهذا ال يلزم منه تخصيص األكثر؛ ألنّ ما يبقى‬
‫المقصر‪ ،‬ليس بالفرد النادر‪.‬‬
‫للحق أو‬
‫تحت تلك العمومات وهو الجاحد‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫وقفة مع أبي حامد الغزالي‬

‫تقدم‪ ،‬ي ّتضح ضعف ما ذكره أبو حامد الغزالي‪ ،‬حيث رأى‪ ‬ـ‪ ‬كما‬
‫وفي ضوء ما ّ‬
‫تقدم‪ ‬ـ‪ ‬معذورية ّ‬
‫كل من القاصر والمجتهد بحكم العقل‪ ،‬ولك ّنه اختار عدم‬
‫ّ‬
‫المعذورية بسبب األدلة النقلية‪ ،‬وأضاف قائ ً‬
‫ال‪« :‬فإنّا كما نعرف‪ ،‬أنّ‬
‫النبي‪ P‬أمر‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫بالصالة والزكاة ضرورة‪ ،‬فيعلم أيض ًا ضرورة أنّه أمر اليهود والنصارى باإليمان‬
‫وذمهم على إصرارهم على عقائدهم‪ ،‬ولذلك قاتل جميعهم‪ ،‬وكان‬
‫به وا ّتباعه‪ّ ،‬‬
‫مما‬
‫يكشف عن مؤتزر من بلغ منهم ويقتله‪ ،‬و ُيعلم قطع ًا أنّ المعاند العارف ّ‬
‫ّ‬
‫يقل‪ ،‬وإنّمـا األكثر المقلدة الذين اعتقدوا دين آبائهم تقليد ًا‪ ،‬ولم يعرفوا معجزة‬
‫الرسول‪ P‬وصدقه‪ ،‬واآليات الدا ّلة في القرآن على هذا ال تحصى‪ ،‬كقوله‬
‫ين َك َف ُروا ِم َن ال َّنا ِر﴾ [ص‪ ،]27:‬وقوله‬
‫ين َك َف ُروا َف َو ْي ٌل لِ َّل ِذ َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬ذلِ َك َظ ُّن ا َّل ِذ َ‬
‫[فصلت‪ ،]23:‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫تعالى‪َ :‬‬
‫﴿و َذلِ ُك ْم َظ ُّن ُك ُم ا َّل ِذي َظ َن ْن ُت ْم بِ َر ِّب ُك ْم َأ ْر َد ُاك ْم﴾ ِّ‬
‫‪193‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫﴿و َي ْح َس ُبونَ َأن َُّه ْم َع َلى َش ْي ٍء﴾‬
‫﴿إِ ْن ُه ْم إِلاَّ َي ُظ ُّنونَ ﴾ [الجاثية‪ ،]24:‬وقوله تعالى‪َ :‬‬
‫[المجادلة‪ ،]18:‬وقوله تعالى‪ِ :‬‬
‫ض﴾ [البقرة‪ ]10:‬أي ٌ‬
‫﴿في ُق ُلوبِ ِه ْم َم َر ٌ‬
‫شك‪.‬‬
‫ذم الله تعالى والرسول‪P‬‬
‫ّ‬
‫مما ال ينحصر‬
‫وعلى الجملة‪ّ ،‬‬
‫المكذبين من الك ّفار ّ‬
‫في الكتاب والس ّنة»(‪.)1‬‬

‫وفي كالمه مواقع للنظر‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬إذا ثبتت معذورية المك َّلف بحكم العقل‪ ،‬فكيف يدان بحكم الشرع؟!‬
‫ّ‬
‫وهل إنّ أحكام الشرع تنافي ما عليه حكم العقل؟! وما ال يجوز عق ً‬
‫ال كيف نصدِّ ق‬
‫السمعية‪ ،‬إذا كانت بظاهرها‬
‫السمعية‪ ،‬مع أنّ األدلة‬
‫به شرع ًا واستناد ًا إلى األد ّلة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بد من تأويلها!‬
‫منافي ًة لحكم العقل‪ ،‬فال ّ‬
‫تتم على مباني الغزالي‪ ،‬ألنّه‪ ‬ـ‪ ‬فيما يظهر(‪ )2‬ـ‪ُ  ‬ينكر‬
‫أجل‪ ،‬إنّ هذه المالحظة ال ّ‬
‫التحسين والتقبيح العقليين‪ ،‬ولكن هذا المبنى الذي ُعرف به األشاعرة‪ ،‬مرفوض‬
‫جمل ًة وتفصي ً‬
‫ال‪ ،‬كما حقّق في محله(‪.)3‬‬

‫مما ُّ‬
‫لكن المق ّلدة‬
‫يقل قد يكون صحيح ًا‪ّ ،‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬إنّ قوله بأنّ وجود العارف الجاحد ّ‬
‫أيض ًا فيهم َم ْن ليس معذور ًا‪ ،‬ألنّ بينهم‪ ‬ـ‪ ‬مضاف ًا إلى العارف الجاحد‪ ‬ـ‪ ‬الجاهل‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫الحق‪ ،‬ومع ذلك جاهر‬
‫حجة على بطالن‬
‫والشاك الذي لم تقم عنده‬
‫المقصر‪،‬‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫بالعداء وقاتل في صفوف المشركين‪ ،‬فهؤالء أيض ًا ليسوا معذورين‪ ،‬وتشملهم‬
‫تحدث عنها الغزالي‪ ،‬وال يبقى سوى القاصر‬
‫الخطابات القرآنية والروائية التي َّ‬
‫أو الغافل أو المجتهد‪ ،‬وهؤالء معذورون بحكم العقل‪ ،‬وخارجون عن مفاد تلك‬
‫األدلة‪ ،‬كما أسلفنا‪.‬‬
‫(( ( الغزالي‪ ،‬محمد بن محمد‪ ،‬المستصفى في علم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.349‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ص‪.45‬‬
‫((( أنظر على سبيل المثال الحكيم‪ :‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول العامة للفقه المقارن‪ ،‬مؤسسة آل‬
‫البيت‪ ،R‬قم ـ إيران‪ ،‬م‪.‬ن‪1979 ،‬م‪ ،‬ص‪ 284‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫معذوريته‪ ،‬وال على استحقاقه‬
‫ثالث ًا‪ :‬إنّ قتال الكافر وقتله ال يدالن على عدم‬
‫َّ‬
‫للعقاب يوم الحساب؛ ألنّه يجوز لك شرع ًا أن تقتل ح ّتى من كان محقون الدم‪،‬‬
‫دون أن تكون أنت عاصي ًا أو يكون هو مدان ًا ومأثوم ًا‪ ،‬ومثاله‪ :‬لو هجم عليك‬
‫ٌ‬
‫وسيلة لدفعه عنك إال‬
‫الدم‪ ،‬ولم تتوفّر لك‬
‫مؤمن يريد قتلك‪ ،‬العتقاده أنّك مهدور ّ‬
‫ٌ‬
‫قتله‪ ،‬فيجوز لك القتل دفاع ًا عن ال ّنفس‪ ،‬مع أنّه قد يكون من أهل الج ّنة‪ ،‬وهكذا‬
‫الحال في القاصر أو الغافل أو المجتهد‪ ،‬إذا خرجوا لقتالك جاز لك قتلهم‪ ‬ـ‪ ‬عق ً‬
‫ال‬
‫ونق ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬دون أن يعني ذلك عدم معذوريتهم‪.‬‬
‫المالحظة الرابعة‪ :‬مخالفة اإلجماع‬

‫ٌ‬
‫مخالف‬
‫إنّ الرأي المشار إليه حول معذورية المعتقد والمقتنع بالكفر‪،‬‬
‫المدعى(‪.)1‬‬
‫لإلجماع ّ‬

‫ويمكن التعليق على ذلك‪ :‬بأنّ اإلجماع على فرض تحققه فع ً‬
‫ال‪ ،‬فهو ال ينهض‬
‫حج ًة في المقام؛ ألنّ حجيته على فرض التسليم بها ليست ذاتية‪ ،‬وإنّما بسبب‬
‫المدعى في المقام‪ ،‬ال‬
‫كاشفيته عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره‪ .‬واإلجماع ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ومورد‬
‫جدل‬
‫تحرز كاشفيته عن رأي المعصوم‪ ،‬ال ألنّ هذه الكاشفية هي مثار‬
‫لإلشكال في المجال العقدي فحسب كما سيأتي‪ ،‬وإنّما ألنّ احتمال مدركية‬
‫وارد وال مر ّد له‪ ،‬فإنّ المجمعين قد استندوا إلى العمومات القرآنية‬
‫اإلجماع ٌ‬
‫والحديثية وسوى ذلك من األد ّلة التي عرفت عدم تماميتها‪ ،‬ما يجعل إجماعهم‬
‫غير ذي جدوى‪.‬‬
‫المالحظة الخامسة‪ :‬االجتهاد والوصول إلى الحق‬

‫إن ّ‬
‫بني ٍة صادقة‪ ،‬سيصل‬
‫التعرف إلى الحقيقة ّ‬
‫كل من بذل ويبذل الجهد في سبيل ّ‬
‫اهدُ وا ِفي َنا‬
‫ين َج َ‬
‫﴿وا َّل ِذ َ‬
‫إلى غايته حتم ًا‪ ،‬ولن ُيـحجب عن نور الهداية‪ ،‬لقوله تعالى‪َ :‬‬

‫((( أنظر‪ :‬القزويني‪ ،‬السيد علي الموسوي‪ ،‬تعليقة على معالم األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.419‬‬
‫‪195‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ين﴾ [العنكبوت‪ .]69:‬وبهذا ينهدم أساس‬
‫الم ْح ِسنِ َ‬
‫َل َن ْه ِد َي َّن ُه ْم ُس ُب َل َنا َوإِ َّن الل َه َل َم َع ُ‬
‫القول المذكور‪ ،‬ألنه قائم على افتراض غير صحيح‪.‬‬
‫ويالحظ على ذلك‪:‬‬

‫بد من أن يقود إليها‪ ،‬واآلية ال‬
‫أو ًال‪ :‬أنّه ال دليل على أنّ البحث عن الحقيقة ال ّ‬
‫تعطي المعنى المذكور‪ ،‬وإال كان الزمه أيض ًا أن يهتدي المجتهد في الفروع‪ ‬ـ‪ ‬كما‬
‫النية لله وبذل الجهد‪ ،‬مع أنّ‬
‫في األصول‪ ‬ـ‪ ‬إلى الحقيقة‪ ،‬وال يخطئها إذا أخلص ّ‬
‫ممن‬
‫الخطأ في مجال الفروع كثير‪ ،‬وهكذا في مجال األصول‪ ،‬فإنّ الكثيرين ّ‬
‫النية وبذلوا الجهد في البحث عن الحقيقة‪ ،‬لم يوفقوا لالهتداء إليها‪.‬‬
‫أخلصوا ّ‬
‫ألم يكن هدي اإلمام علي‪ Q‬ساطع ًا كالشمس في رابعة النهار‪ ،‬ومع ذلك‬
‫ّ‬
‫األقل‪ ،‬من ذوي‬
‫عميت عنه أبصار الخوارج الذين لم يكونوا‪ ،‬أو بعضهم على‬
‫النوايا السيئة بقدر ما كانوا مض َّللين‪ ،‬كما تُنبئ بذلك كلمة علي‪ Q‬الخالدة‬
‫الحق فأخطأه‪ ،‬كمن طلب‬
‫في شأنهم‪« :‬ال تقتلوا الخوارج بعدي‪ ،‬فليس من طلب‬
‫ّ‬
‫الباطل فأصابه»(‪.)1‬‬

‫ٌ‬
‫موقوف على أن يكون المراد بقوله‪:‬‬
‫ثانيـ ًا‪ :‬علـى أنّ تفسـير اآلية بذلك‬
‫اهدُ وا ِفي َنا‪ :﴾...‬جاهدوا للوصول إلى معرفتنا ومعرفة الحقائق الدينية‪،‬‬
‫﴿ج َ‬
‫َ‬
‫ثمة احتما ً‬
‫ال آخر في تفسيرها‪ ،‬تب ّناه معظم‬
‫المفسرين(‪ ،)2‬وحاصله‪:‬‬
‫مع أن ّ‬
‫ّ‬
‫األمارة أو الشيطان لوجه الله‪ ،‬فسوف يهديهم الله‬
‫أنّ الذين جاهدوا ال ّنفس َّ‬
‫اه َتدَ ْوا زَ ا َد ُه ْم‬
‫﴿وا َّل ِذ َ‬
‫ين ْ‬
‫ويزيدهم هدى‪ ،‬فتكون اآلية على غرار قوله تعالى‪َ :‬‬
‫ُهدً ى﴾ [محمد‪.]17:‬‬
‫(( ( الشريف الرضي‪ ،‬محمد بن الحسين الموسوي (ت ‪436‬هـ)‪ ،‬نهج البالغة‪ ،‬دار الذخائر‪ ،‬قم ـ‬
‫إيران‪ ،‬ط‪1412 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.108‬‬
‫((( أنظر‪ :‬جوامع الجامع‪ ،‬الطبرسي‪ ،‬الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (ت ‪548‬هـ)‪ ،‬مؤسسة النشر‬
‫اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1،1418‬هـ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.778‬‬
‫‪196‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫القمي في هذا الصدد‪« :‬والقول بأنّ الله تعالى لم ِ‬
‫يبق‬
‫ولنعم ما ّ‬
‫سجله المحقّق ّ‬
‫أحداً من عباده إال أوضح له سبل اإلسالم‪ ،‬مكابرة صرفة»(‪.)1‬‬

‫العذر أمر نسبي‬

‫وينبغي أن يعلم بأنّا عندما نحكم بقبح مؤاخذة القاصر أو المجتهد الذي لم‬
‫يوصله اجتهاده إلى الحقيقة‪ ،‬بالرغم من إخالصه وعدم تقصيره‪ ،‬فإنّما نحكم‬
‫بمعذوريته في هذا المجال فحسب‪ ،‬وهذا ال يعني منحه ّ‬
‫صك براءة وغفران‪،‬‬
‫ٍ‬
‫جهة أخرى‪ ،‬كمخالفته للشريعة التي يؤمن‬
‫فربما كان مستحق ًا للمؤاخذة من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫استقل العقل بقبحه‪ ،‬كالقتل أو الخيانة أو الغدر‪ ،‬أو غيرها‬
‫بها‪ ،‬أو ارتكابه لما‬
‫فتصح‬
‫مما يدرك اإلنسان قبحها بعقله الفطري‪ .‬وعليه‪،‬‬
‫ّ‬
‫من أشكال الظلم‪ ،‬فهذه ّ‬
‫ربما جازت محاربته أو سجنه وتأديبه‪ ،‬كما لو خرج على‬
‫المؤاخذة عليها‪ ،‬بل ّ‬
‫األمة‪ ،‬أو ارتكب الخيانة العظمى‪ ،‬وهكذا ي ّتضح أيض ًا‬
‫النظام العام‪،‬‬
‫ّ‬
‫وشق عصا ّ‬
‫أنّ عدم مؤاخذة الشخص‪ ،‬ال يعني نفي الكفر أو الضالل عنه‪ ،‬فإنّ الكفر المتم ّثل‬
‫النبوة‪ ،‬ال عالقة له بالعلم أو الجهل‪.‬‬
‫بإنكار األلوهية أو ّ‬

‫((( الخاجوئي‪ ،‬محمد إسماعيل‪( ،‬ت ‪1173‬هـ)‪ ،‬جامع الشتات‪ ،‬انتشتارات كيهان‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1375‬هـ ش‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.60‬‬
‫‪197‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪3‬‬
‫نظرات نقدية‬
‫التعددية االعتقادية‬
‫في ّ‬

‫على الرغم من اإلجماع المشار إليه فيما سبق حول بطالن التصويب في‬
‫يتحرك تحت ستار التعددية‪ ،‬وينطلق‬
‫ثمة طرح ًا‬
‫ّ‬
‫المجال العقدي‪ ،‬إال أنّ ّ‬
‫مستجد ًا ّ‬
‫من قاعدة فكرية تختزن اإلقرار بمبدأ التصويب‪ ،‬وتلتقي معه في الروح‪ ،‬مع ٍ‬
‫فارق‬
‫ّ‬
‫أساسي بينه وبين التصويب التقليدي‪ ،‬وهو أنّ األخير يقتصر على دائرة األحكام‪،‬‬
‫يمتد التصويب في ثوبه الجديد إلى دائرة‬
‫وال يشمل المعتقدات كما سلف‪ ،‬بينما ّ‬
‫المعتقدات الدينية‪.‬‬

‫نبين‬
‫وقبل أن نحاكم هذا النوع من التعددية نرى أنّ من‬
‫ّ‬
‫الملح والضروري أن ّ‬
‫االتجاهات األساسية للتعددية الفكرية ومستوياتها المختلفة‪ ،‬وبعد ذلك نحاكم‬
‫ّ‬
‫ونبين الموقف اإلسالمي منها‪ ،‬ويمكننا القول‪ :‬إنّ للتعددية‬
‫كل هذه االتجاهات ّ‬
‫ثالثة مستويات أساسية‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬التعددية على مستوى الواقع الذي يكشف عنه النص‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬التعددية على مستوى القراءة واالجتهاد في فهم الدين ونصوصه‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ‪  ‬التعددية على مستوى الخالص ُ‬
‫األخروي‪.‬‬

‫وفيما يلي ندرس هذه المستويات الثالثة من التعددية‪:‬‬
‫‪198‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫التعددية الواقعية‬
‫أو ًال‪ّ :‬‬

‫ّأما المستوى األول للتعددية وهو التعددية الواقعية‪ ،‬فيمكننا أن نذكر لها‬
‫ا ّتجاهين‪:‬‬

‫اال ّتجاه األول‪ :‬وهو الذي يمكن التعبير عنه بالتصويب في ثوبه الجديد‪ ،‬وهو‬
‫التصويب الذي يفترض أنّ المعتقدات ال تمتلك ّأية واقعية‪ ،‬فمفاهيم دينية من قبيل‬
‫مجرد مفاهيم خيالية أسطورية صاغها‬
‫(الله) (اليوم اآلخر) (الج ّنة وال ّنار)‪ ،‬هي ّ‬
‫ٍ‬
‫لهدف ٍ‬
‫حث ال ّناس على التواصل والتالقي‬
‫عقل المصلحين الدينيين‬
‫نبيل‪ ،‬وهو ّ‬
‫السيئة‪ ،‬فعندما‬
‫والتناصر‪ ..‬وإبعادهم عن التناحر والظلم وغير ذلك من األعمال ّ‬
‫الدين اإلنسان بعبارات مثل‪( :‬ال تقتل وال تسرق وال ِ‬
‫تزن‪ ...‬وإال‬
‫يخاطب رجال ّ‬
‫ثمة نار ًا حقيقي ًة أو جن ًة‬
‫كان مصيرك هو ال ّنار)‪ ،‬فليس المقصود بهذا الكالم أنّ ّ‬
‫وسوقه‬
‫واقعي ًة‪ ،‬وإنّما الغاية من هذا الوعظ الديني‪ ،‬هو محاولة تأديب اإلنسان َ‬
‫نحو الكمال(‪.)1‬‬
‫أخف وطأ ًة من سابقه‪ ،‬حيث يذهب إلى تصويب ّ‬
‫ّ‬
‫كل‬
‫اال ّتجاه الثاني‪ :‬وهو‬
‫ٍ‬
‫الدينية لنفسه‪ ،‬وحصر‬
‫ألحد احتكار المشروعية‬
‫يصح‬
‫االجتهادات الدينية‪ ،‬وأنّه ال ّ‬
‫ّ‬

‫((( ُينقل عن بعض السوفسطائية «أنّ اإلنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون وال وازع‬
‫من ُخ ُلق‪ ،‬وأنّه كان ال يخضع إ ّ‬
‫ال للقوة الباطشة‪ ...‬ثم كان أن وضعت القوانين‪ ،‬فاختفت المظاهر‬
‫السرية ما برحت سائدة منتشرة‪ ..‬فهنالك ّ‬
‫فكر‬
‫العلنية من هذه الفوضى البدائية‪ ،‬ولكن الجرائم‬
‫ّ‬
‫بعض العباقرة في إقناع الجماهير بأنّ في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء وتسمع كل شيء‬
‫وتهيمن بحكمتها على كل شيء‪ ،»..‬أنظر‪ :‬دراز‪ ،‬محمد عبد الله‪ ،‬الدين‪ ،‬بحوث ممهدة لدراسة‬
‫تاريخ األديان‪ ،‬دار العلم‪ ،‬الكويت‪ ،‬ط‪1970 ،2‬م‪ ،‬ص‪ ،81‬وبدوره نقل الشيخ الحائري عن‬
‫حد تعبيره‪ ،‬ذهابهم «إلى أنّ األخبار الواردة في‬
‫«بعض الزنادقة المنتسبين إلى اإلسالم»‪ ،‬على ّ‬
‫الشريعة‪ ،‬مما يتع ّلق بتعذيب الكفار والفساق بأسرها‪ ،‬أخبار صورية غير مطابقة للواقع‪ ،‬قصد‬
‫بها مجرد التخويف‪ ،‬لحفظ النظام وتكميل األنام»‪ ،‬أنظر‪ :‬الحائري‪ ،‬الشيخ محمد حسين‪( ،‬ت‬
‫الفقهية‪ ،‬دار إحياء العلوم اإلسالمية‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪،‬‬
‫‪1250‬هـ)‪ ،‬الفصول الغروية في األصول‬
‫ّ‬
‫‪ ،1404‬ص‪.319‬‬
‫‪199‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫الديني والحكم ببطالن سائر األديان‪ّ ،‬‬
‫فكل األديان صحيحة‬
‫الحق في معتقده‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫للذمة‪.‬‬
‫وتمتلك الحقّانية‪ ،‬وا ّتباعها ٌ‬
‫مبرئ ّ‬
‫ٍ‬
‫بشكل حاسمٍ ‪.‬‬
‫لكن هذين االتجاهين المستجدين في تقرير التعددية مرفوضان‬
‫ّ‬
‫األول‬
‫مناقشة اال ّتجاه ّ‬

‫مجرد مزاعم دون دليل يعضدها أو برهان‬
‫األول‪ :‬فألنّه ال يعدو كونه‬
‫أ ّما ّ‬
‫ّ‬
‫يؤيدها‪ .‬ومن غير الخفي‪ ،‬أنّ النتيجة الطبيعية لهذا االتجاه‪ ،‬إن لم نقل إنّ ذلك هو‬
‫ّ‬
‫الدين‪ ،‬وتقويض أركانه‪ ،‬مع أنّ البراهين العقلية والفطرية‬
‫هدف أصحابه‪ ،‬هي هدم ّ‬
‫ٌ‬
‫ناهضة على إثبات واقعية المعتقدات الدينية بشأن الله واليوم اآلخر‪...‬‬
‫واآلفاقية‬
‫ومبنية على أسس‬
‫مجرد أوهام وال أساطير‪ ،‬وإنّما هي حقائق ثابتة‬
‫ّ‬
‫وإنّها ليست ّ‬
‫متينة وقواعد حصينة‪ ،‬ولهذا فإنّ ّ‬
‫كل ما يذكر من أدلة وبراهين إلثبات المعتقدات‬
‫الدينية وواقعيتها‪ ،‬يم ّثل الجواب الشافي على هذا االتجاه‪.‬‬
‫مناقشة االتجاه الثاني‬

‫أ ّما االتجاه الثاني‪ :‬فإنّ السبب في رفضه‪ ،‬هو السبب نفسه في رفض التصويب‬
‫والنقلية تقودنا‬
‫تقدمت اإلشارة إليه‪ .‬فإنّ األد ّلة العقلية‬
‫مما ّ‬
‫في المجال التشريعي ّ‬
‫ّ‬
‫التامة‪،‬‬
‫إلى اإلذعان بأنّ هناك واقع ًا واحد ًا‬
‫ّ‬
‫ومحدد ًا يمتلك المصداقية والشرعية ّ‬
‫وهذا الواقع يصيبه البعض ويخطئه البعض اآلخر‪ ،‬فمن بين ّ‬
‫كل االجتهادات‬
‫بقية االتجاهات‪ ،‬فهي مخطئة‬
‫مصيب‬
‫ثمة اتجا ٌه واحدٌ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ومحق‪ّ ،‬‬
‫المتنوعة‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫وأما ّ‬
‫وباطلة‪.‬‬
‫ّ‬
‫محطاتها الخالفية‪ ،‬ال يمكن أن تكون بأجمعها مصيب ًة‬
‫وهكذا األديان في‬
‫سيما مع االلتفات إلى أنّ اختالف األديان في المعتقدات‪ ،‬مر ّده‪ ‬ـ‪ ‬في‬
‫ومح ّق ًة‪ ،‬وال ّ‬
‫الغالب‪ ‬ـ‪ ‬إلى عروض التحريف عليها‪ ،‬خالف ًا لما عليه الحال في االختالفات‬
‫التدرج في الدعوة‪،‬‬
‫التشريعية‪ ،‬فإنّ مر ّدها في كثي ٍر من األحيان إلى عامل النسخ أو ّ‬
‫‪200‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫أو اختالف االجتهادات‪ .‬وإنّ افتراض حقّانية ّ‬
‫كل االتجاهات واألقوال العقائدية‪،‬‬
‫رغم اختالفها وتضاربها وتنافيها‪ ،‬هو من الجمع بين المتناقضين أو المتضادين‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫لعاقل اإلقرار بواقعية وحقّانية ّ‬
‫كل من‬
‫مستحيل بالبداهة‪ .‬وكيف يمكن‬
‫مما هو‬
‫ّ‬
‫يصدق بحقانية اإللحاد‬
‫عقيدتَي التوحيد والشرك في الوقت عينه؟! وأنّى له أن ّ‬
‫الض اَل ُل‬
‫الحقِّ إِلاَّ َّ‬
‫الح ُّق َف َما َذا َب ْعدَ َ‬
‫واإليمان مع ًا؟! قال تعالى‪َ ﴿ :‬ف َذلِ ُك ُم الل ُه َر ُّب ُك ُم َ‬
‫َف َأنَّى ت ُْص َر ُفونَ ﴾ [يونس‪.]32:‬‬

‫يقول السيد المرتضى‪« :M‬وال شبهة في أن العبادة بالمذاهب المختلفة‪،‬‬
‫إنّما يجوز فيما طريقه العمل دون العلم‪ ،‬وأنّ األصول المبنية على العلم‪ ،‬نحو‬
‫والنبوة‪ ،‬ال يجوز أن يكون الحق فيها إال واحد ًا‪ .‬ألنّ الله تعالى‬
‫التوحيد والعدل‬
‫َّ‬
‫ال يجوز أن يكون جسم ًا وغير جسم‪ ،‬و ُيرى وال يرى‪ ،‬على وجهين مختلفين‪،‬‬
‫وبإضافة إلى مكلفين متغايرين‪ ،‬وقد يجوز أن يكون الشيء الواحد حرام ًا على‬
‫زيد وحال ً‬
‫ال على عمرو‪.)1( »..‬‬

‫أجل‪ ،‬إنّ الحقانية قد ال تكون واضح ًة في بعض األحيان‪ ،‬كما هو الحال‬
‫في كثي ٍر من تفاصيل المعتقدات التي هي مورد لالختالف‪ ،‬إال أنّ ذلك ال‬
‫ينفيها‪ ‬ـ‪ ‬أعني الحقّانية‪ ‬ـ‪ ‬وال يلغي أنّ واحد ًا من هذه االجتهادات هو المصيب‬
‫للواقع دون سواه‪.‬‬
‫وال تفوتنا اإلشارة إلى أنّ حكمنا بعدم حقّانية رأي عقدي أو فقهي أو اتجاه‬
‫ديني‪ ،‬ال يعني إطالق ًا الحكم بنفيه وقمعه ومنعه من التعبير عن ذاته‪ ،‬أو ممارسة‬
‫معتقداته وشعائره وطقوسه‪ ،‬كما ال يعني ذلك الحكم بعدم معذورية أصحابه‬
‫الحجة أو عدمه‪.‬‬
‫واستحقاقهم العذاب األبدي‪ ،‬ألن المعذورية ترتبط بعنصر قيام‬
‫ّ‬

‫((( المرتضى‪ ،‬السيد علي بن الحسين بن موسى (ت ‪436‬هـ)‪ ،‬الذريعة إلى أصول الشريعة‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫مؤسسة اإلمام الصادق‪ ،Q‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1429 ،1‬هـ ق‪ ،‬ص‪ 534‬ـ ‪.535‬‬
‫‪201‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫تعدد القراءات بين الرفض والقبول‬
‫ثاني ًا‪ّ :‬‬

‫للنص‬
‫المتعددة‬
‫التصويبية‪ :‬هو تصويب القراءات‬
‫المستوى الثاني للتعددية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تعدد القراءات له تفسيران‪ :‬أحدهما مقبول‪ ،‬واآلخر‬
‫التأمل‪ ،‬نجد أنّ ّ‬
‫الديني‪ ،‬وعند ّ‬
‫مرفوض‪.‬‬
‫ّأما التفسير المرفوض‪ ،‬فهو على نحوين‪:‬‬

‫النحو األول‪ :‬وهو التفسير الذي يفترض أنّ‬
‫النص الديني يختزن في داخله‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫معان متباينة أو متضا ّدة‪ ،‬ما يجعله قاب ً‬
‫لكل التفسيرات‪ ،‬فتكون ّ‬
‫ال ّ‬
‫كل‬
‫جملة‬
‫أي منها‪ ،‬أو يقال‪ :‬إنّه‬
‫النص صحيحة ومصيبة‪ ،‬وال يمكن الحكم ببطالن ّ‬
‫قراءات ّ‬
‫أرجحية ألحد هذه المعاني على المعاني األخرى‪ ،‬وما نقبله منها هو الصحيح‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫والمطابق للواقع‪.‬‬

‫والوجه في بطالن هذا التفسير هو ابتناؤه على أساس فاسد‪ ،‬وهو اختزان‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫واحد لمضامين متباينة‪ ،‬فض ً‬
‫ال عما إذا كانت متضا ّدة‪ ،‬فإنّ‬
‫سياق‬
‫اللفظ الوارد في‬
‫ذلك من استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى‪ّ ،‬‬
‫وكل واحد من هذه المعاني‬
‫مراد من اللفظ على حدة‪ ،‬وهو مرفوض‪ ،‬بل قيل باستحالته عق ً‬
‫ال(‪ ،)1‬وفي أفضل‬
‫األحوال هو خالف الظاهر‪ ،‬وال دليل على تحققه في النصوص الدينية‪ .‬أجل‪ ،‬إنّنا‬
‫نعترف بأنّ‬
‫متعددة‪،‬‬
‫سيما القرآن‪ ،‬مصاديق مختلفة‪ ،‬وأعماق ًا ّ‬
‫ّ‬
‫للنص الديني‪ ،‬وال ّ‬
‫وتطور‬
‫وتتبدى تباع ًا مع مرور الزمان‬
‫والتدبر‪،‬‬
‫بالتأمل‬
‫متنوعة‪ ،‬تتكشّ ف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وإيحاءات ّ‬
‫المعارف‪ ،‬كما سيأتي في الفصل الالحق‪ ،‬إال أنّ هذا أمر‪ ،‬واستخدام اللفظ في‬
‫أمر آخر‪.‬‬
‫معنى‪ٌ ،‬‬
‫أكثر من ً‬
‫كما أن القول بنفي أرجحية معنى على آخر غير مقبول على إطالقه‪ ،‬فإنّ المعنى‬

‫((( الخراساني‪ ،‬الشيخ محمد كاظم (اآلخوند) (ت ‪1328‬هـ)‪ ،‬كفاية األصول‪ ،‬مؤسسة آل البيت‬
‫إلحياء التراث‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.36‬‬
‫‪202‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫المتعين‪ ،‬والذي علينا اعتماده‪،‬‬
‫الذي يساعد عليه الظهور والقرائن السياقية‪ ،‬هو‬
‫ّ‬
‫وال يناط أمر تعيين معنى بعينه بهوى أو مزاج أو رغبة شخصية‪ ،‬وإنما ضوابط‬
‫قراءة النص هي التي تعطي أرجحي ًة لمعنى على آخر‪ .‬نعم‪ ،‬لو كان اللفظ مجم ً‬
‫ال‪،‬‬
‫ٍ‬
‫يسوغ القول‪ :‬بأنّه ال أرجحية ألحد معانيه على المعاني األخرى‪ ،‬لكن ال‬
‫فحينئذ َّ‬
‫بمعنى تخيير اإلنسان بانتقاء أحد المعاني والبناء عليه‪ ،‬ألنّ هذا من األخذ بالظن‬
‫الذي ال يغني من الحق شيئ ًا‪ ،‬وعليه‪ ،‬فالالزم التوقف في أمر المجمل‪ ،‬إ ّ‬
‫ال إذا كان‬
‫ثمة قدر متيقن‪ ،‬فإنّه ال إشكال في شرعية البناء عليه واألخذ به‪.‬‬

‫التعدد المبتني على بعض النظريات الحديثة في قراءة النص‬
‫النحو الثاني‪ :‬هو ّ‬
‫وتأويله‪ ،‬وهي النظرية التي تعتمد ّإما على سلطة القارئ كمرجعية وحيدة في‬
‫ومرجعيته في‬
‫وإما على سلطة النص نفسه‬
‫فهم النص‪ ،‬بعيد ًا عن قصد المؤلف‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫الكشف عن دالالته‪ ،‬وبعيد ًا أيض ًا عن المعنى المقصود لمؤلفه‪ ،‬وهو ما يفتح‬
‫القراء الناظرين في‬
‫الباب أمام قراءات‬
‫متعددة ودالالت متنوعة للنص ّ‬
‫ّ‬
‫بتعدد ّ‬
‫النص‪.‬‬

‫إنّ هذا النحو من التعددية مرفوض‪ ،‬ألنه وإن كان صحيح ًا أنّ قصد المؤلف‬
‫قد يصعب بلوغه والوصول إليه صافي ًا كام ً‬
‫ال‪ ،‬وإنما يصلنا ممزوج ًا بأفهامنا‪،‬‬
‫وملون ًا بتصوراتنا المسبقة ومستوانا الثقافي الخاضعين للزمان والمكان وظروفنا‬
‫ّ‬
‫التاريخية واالجتماعية‪ ،‬وهو ما يعطي للقراءة الثانية والثالثة مشروعية‪ ،‬إ ّ‬
‫ال أنّ هذا‬
‫ال يبرر إطالق ًا الذهاب إلى إغفال قصد المؤلف أو ادعاء موت المؤلف‪ ،‬والدعوة‬
‫ٍ‬
‫بمعزل عن شخصية مؤلفه ومقصوده‪ ،‬وبعيد ًا عن السياقات‬
‫إلى قراءة النص‬
‫التاريخية واالجتماعية التي صدر فيها النص‪ ،‬كما هو االتجاه الذي تبناه «معظم‬
‫ممارسي النظريات الحديثة التي دعت إلى إقصاء ونفي المؤلف»(‪ ،)1‬وإرساء‬
‫((( البازعي‪ ،‬سعد‪ ،‬مع الرويلي‪ ،‬ميجان‪ ،‬دليل الناقد األدبي‪ ،‬بيروت‪ ،‬المركز الثقافي العربي‪ ،‬ط‪،2‬‬
‫‪2002‬م‪ ،‬ص‪.94‬‬
‫‪203‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المعنى على النص أو على القارىء أو على االثنين مع ًا‪ ،‬وإلغاء دور المؤلف(‪.)1‬‬

‫يسوغ لنا إقصاء المؤلف عن نصوصه‪ ،‬وتفريغها من المعنى‬
‫وال أدري ما الذي ِّ‬
‫ِ‬
‫يتفوه به إ ّ‬
‫ال إليصال المعنى المقصود‬
‫الذي أراده‪ ،‬والحال أنّه لم يأت باللفظ ولم َّ‬
‫ٍ‬
‫مجرد‬
‫له إلينا‪ ،‬ونأتي بعد ذلك لنفرض ذاتنا على النص‪ ،‬ونتعامل معه كجسد َّ‬
‫عن الروح التي ب ّثها فيه قائله‪ ،‬أفهل يبقى النص‪ ‬ـ‪ ‬بعد إقصاء المؤلف عنه‪ ‬ـ‪ ‬نص ًا‬
‫للمؤلف‪ ،‬أم تصبح نسبته إلينا أقرب من نسبته إليه؟!‬
‫لتعدد القراءة‪.‬‬
‫هذا ك ّله فيما يرتبط بالتفسير المرفوض ّ‬

‫وقريب من هذا المبنى في قراءة النص والذي يبتني على عدم االعتناء بقصد‬
‫المؤلف‪ ،‬ا ّتجاه مطروح من قبل بعض علماء األصول في تشخيص موضوع‬
‫حجية الظهور‪ ،‬ومفاد هذا االتجاه أنّ موضوع الحجية هو الظهور التصوري‬
‫للكالم وليس الظهور التصديقي‪.‬‬

‫بيد أنّ هذا االتجاه مجانب للصواب‪ ،‬وذلك ألنّ «المقصود من حجية الظهور‬
‫بالحيثية الكاشفة عن‬
‫تعيين مراد المتكلم بظهور كالمه‪ ،‬وهي إنّما تناط عقالئي ًا‬
‫ّ‬
‫التعبد المحض‪ ،‬وما يكشف‬
‫هذا المقصود‪ ،‬إذ ليس مبنى العقالء في الحجية على ّ‬
‫حيثية‬
‫عن المراد ليس هو الظهور التصوري بل التصديقي‪ ،‬فإناطة الحجية بغير ّ‬
‫الكشف بال موجب عقالئي ًا»(‪.)2‬‬

‫(( ( المصدر السابق‪.‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪،‬‬
‫ط‪1406 ،2‬هـ‪ ،‬الحلقة الثالثة‪ ،‬ص‪.163‬‬
‫‪204‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫مشروعية القراءات المختلفة‬
‫ّ‬

‫لتعدد القراءات‪ ،‬فهو التفسير الذي يفترض صحة القراءات‬
‫وأما التفسير المقبول ّ‬
‫ّ‬
‫جميع ًا وتصويبها‪ ،‬لكن ال بمعنى الحكم بمطابقتها للواقع‪ ،‬وإنّما بمعنى الحكم‬
‫الصحة أو اإلصابة هنا‪ ،‬ليس مطابقة الواقع‪،‬‬
‫بمشروعيتها الظاهرية‪ .‬فالمقصود من‬
‫ّ‬
‫ألنّ المطابق للواقع من القراءات هو قراء ٌة واحد ٌة فحسب‪ ،‬لكن مع ذلك‪ ،‬تعتبر سائر‬
‫النص وضوابطها؛ ألنّ‬
‫القراءات مقبول ًة ومشروع ًة‪ ،‬شريطة انسجامها مع قواعد قراءة ّ‬
‫النص وتحميله ما ال يحتمل‪.‬‬
‫يتم إقحام المعنى على ّ‬
‫الملحوظ في بعض القراءات‪ ،‬أنّه ّ‬

‫إنّ تعدد القراءات بهذا المعنى‪ ،‬هو ما جرت عليه سيرة علماء المسلمين‬
‫وللمتأخر أن‬
‫وتتنوع اجتهاداتهم‪،‬‬
‫وفقهائهم‪ ،‬فإنّهم يختلفون في تفسير النصوص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السلف واجتهاداتهم‪ ،‬وله أن يختلف معهم؛ ألنّ فهم السلف‬
‫يوافق على قراءة ّ‬
‫مقدس ًة وال نهائية‪ ،‬غاية‬
‫حجة على اآلخرين‪ ،‬وقراءاتهم واجتهاداتهم ليست ّ‬
‫ليس ّ‬
‫يسوغ األخذ بها‪،‬‬
‫ما هناك أنّها‪ ‬ـ‪ ‬وكما ذكرنا‪ ‬ـ‪ ‬تمتلك قدر ًا من المشروعية‪ ،‬ما ّ‬
‫وعدم رميها باالبتداع واالنحراف‪.‬‬

‫التعددية والخالص‬
‫ثالث ًا‪ّ :‬‬

‫التعددية في الخالص والنجاة‪ ،‬بمعنى أنّ‬
‫وأما المستوى الثالث‬
‫للتعددية فهو ّ‬
‫ّ‬
‫المعذورية والنجاة في محكمة العدل اإللهي‪ ،‬ليست حكر ًا على اجتهاد خاص‬
‫ٍ‬
‫بمعذورية أصحاب ّ‬
‫كل االتجاهات‬
‫معي ٍن أو قراءة بعينها‪ ،‬وإنّما يحكم‬
‫ّ‬
‫أو ا ّتجاه ّ‬
‫المختلفة‪ ،‬وعدم استحقاقهم للمؤاخذة والعقاب‪ ،‬ح ّتى لو كانت اعتقاداتهم‬
‫باطل ًة وقراءاتهم خاطئة‪ .‬لكن إنّما يحكم بمعذوريتهم‪ ،‬شريطة أن يكونوا على‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫النية وبذلوا الجهد في سبيل‬
‫تام ٍة‬
‫ّ‬
‫يقين وقناعة ّ‬
‫بصحة معتقداتهم‪ ،‬وقد أخلصوا ّ‬

‫الوصول إلى الحقيقة‪ ،‬ومع ذلك لم ُيوفّقوا‪ ،‬لخطأ قصوري أو غيره‪ .‬وقد سلف‬
‫مفصل عن ذلك‪.‬‬
‫حديث ّ‬
‫‪205‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫أحقية‬
‫يقول بعض الفقهاء المعاصرين في هذا الصدد‪« :‬نعم‪ ،‬يعذر من أيقن‬
‫ّ‬
‫يرجح‬
‫أحقية شيء منها‪ ،‬فلم ّ‬
‫أحدها (األديان) من طريق الخطأ‪ ،‬أو لم يثبت لديه ّ‬
‫أحدها ورآها مجزي ًة بأجمعها»(‪.)1‬‬

‫الحقيقة والخالص‬

‫التنبه إلى أنّ الحقّانية والخالص أمران‬
‫ودفع ًا لاللتباس‪ ،‬فإنّه يجدر بنا ّ‬
‫ّ‬
‫ينفك أحدهما عن اآلخر‪ ،‬كما أنّه‬
‫متغايران‪ ،‬وال مالزمة بينهما‪ ،‬بل يمكن أن‬
‫حد تعبير المناطقة‪ ‬ـ‪ ‬هي نسبة العموم‬
‫باإلمكان اجتماعهما‪ ،‬فالنسبة بينهما‪ ‬ـ‪ ‬على ّ‬
‫شبهة معي ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫نة‪ ،‬ومع ذلك‪،‬‬
‫شخص ال يمتلك الحقيقة لقصو ٍر أو‬
‫فرب‬
‫من وجه‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫ظلم‬
‫فإنّه ينجو من عذاب يوم القيامة‪ ،‬ألنّ عقاب هذا الشخص‪ ،‬والحال هذه‪ٌ ،‬‬
‫ٍ‬
‫شخص يمتلك الحقيقة في معتقداته‪ ،‬لك ّنه ال ينجو من‬
‫رب‬
‫قبيح‪ .‬وفي المقابل‪ّ :‬‬
‫ٌ‬
‫بالحق‪ ،‬لكن عدم معذورية هذا ال تسلبه‬
‫العذاب‪ ،‬بسبب عصيانه وعدم عمله‬
‫ّ‬
‫حق‪ .‬قال‬
‫حقّانية معتقده وصوابيته‪ ،‬كما أنّ معذورية األول ال تجعله صاحب ّ‬
‫الفقيه الشيخ منتظري في سياق تنبيهه إلى عدم التالزم بين المعذورية والحقّانية‪:‬‬
‫«إال أن مسألة القطع واليقين والمعذرية شيء‪ ،‬ومسألة الحقّانية‬
‫شيء آخر»(‪.)2‬‬
‫ٌ‬
‫ونقر بها على‬
‫وخالصة األمر‪ :‬أنّنا نرفض التعددية على صعيد الحق والباطل‪ّ ،‬‬
‫صعيد الخالص والمعذورية‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ومجاالت أخرى للتعددية‪ ،‬سواء على المستوى‬
‫ثمة أنحا ًء‬
‫ونشير أخير ًا إلى أنّ ّ‬
‫الديني واالعتقادي أو السياسي أو االقتصادي‪ ،‬وهذه قد يقبلها اإلسالم ضمن‬
‫خارج عن نطاق حديثنا‪ ،‬كما‬
‫بشمولية‬
‫معينة‪ ،‬إال أنّ بحثها ودراستها‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ضوابط ّ‬
‫ثمة كالم ًا حول كيفية التعايش بين االتجاهات الدينية والفكرية والسياسية‬
‫أنّ ّ‬
‫(( ( المنتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬من المبدأ إلى المعاد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.105‬‬
‫((( المصدر نفسه‪.‬‬
‫‪206‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬موقعيّة اليقين في االجتهاد الكالمي‬

‫عملية‬
‫المتعددة والمختلفة‪ ،‬وضرورة وضع ضوابط وأسس تساعد على إدارة‬
‫ّ‬
‫يفخخ المجتمع من داخله‪ ،‬بل ينـزع فتائل التفجير وعناصر‬
‫االختالف‪ ،‬بما ال ّ‬
‫التو ّتر‪ ،‬ويرسي أجواء الوئام والتعارف‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫دور ال ّلغة‬

‫في االجتهاد الكالمي‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪1‬‬
‫حجية الظهور في االستدالل العقدي‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪2‬‬
‫النص الديني وثنائية الباطن والظاهر‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬التأويل‪ :‬منهج ًا وضوابط‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫النص الديني‬
‫‪ 4‬مبدأ الرمزية في تفسير ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪209‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫تمهيــد‬

‫عالقة المتك ّلم بال ّلغة‬

‫ٍ‬
‫إنسان وآخر‪ ،‬وبين‬
‫كانت ال ّلغة‪ ،‬وال تزال‪ ،‬تُمثل آلة التواصل المثلى بين‬
‫الله واإلنسان‪ ،‬فال ّلغة ـ وبصرف النظر عن الجدل(‪ )1‬في أنّ واضعها هو الله أو‬
‫اإلنسان‪ ،‬أو أنّها توقيفية أو اصطالحية ـ هي الوسيلة األمثل لنقل المعاني إلى‬
‫لكل المعارف والعلوم‪ّ ،‬‬
‫اآلخر‪ .‬وبهذا المعنى‪ ،‬فهي تم ّثل حاج ًة ّ‬
‫وكل ال ّناس‬
‫ٌ‬
‫عيال عليها‪ .‬وإنّ استخدام المتك ّلم لها في التعبير عن أفكاره أو نقل آرائه لغيره‪،‬‬
‫هو تمام ًا كاستخدام التاجر أو الطبيب أو الفقيه أو الحكيم‪ ،‬أو غيرهم من أفراد‬
‫ّ‬
‫فالكل بحاجة إلى ال ّلغة وتراكيبها بغية التواصل مع اآلخرين‪.‬‬
‫اإلنسان‪،‬‬

‫فن معين ـ لم يكتف باستخدام‬
‫إال أنّ المتكلم ـ كسائر ذوي االختصاص في ٍّ‬
‫التراكيب اللغوية‪ ،‬كما هي في متن اللغة‪ ،‬وكما أرادها اللغويون‪ ،‬وإنّما ا ّتخذ‬
‫حملها مضامين معينة قد تبتعد باللفظ عن المعنى‬
‫لنفسه مصطلحات‬
‫ّ‬
‫خاصة ّ‬
‫اللغوي‪ .‬وكثير ًا ما يحصل الخلط بين المعاني اللغوية والمصطلحات الكالمية‪،‬‬

‫((( اختلفوا في توقيفية اللغة أو اصطالحيتها على أقوال عديدة ربما بلغت الستة‪ ،‬والمسألة مبحوثة‬
‫في علم أصول الفقه‪ ،‬راجع الستقصاء األقوال ومعرفة األدلة والوجوه في المسألة‪ :‬القزويني‪،‬‬
‫السيد علي الموسوي (ت ‪1398‬هـ)‪ ،‬تعليقه على معالم األصول‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ‬ـ‪ ‬قم‪،‬‬
‫ط‪1422 ،1‬هـ ج‪ ،1‬ص ‪ 370‬ـ‪.389 ‬‬
‫‪211‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫بسبب الغفلة وعدم االلتفات إلى أنّ للمتكلمين «مواضعات مخصوصة ليست‬
‫حد تعبير الشيخ الطوسي في رسالته التي أ ّلفها لبيان‬
‫على موجب اللغة»‪ ،‬على ّ‬

‫«األلفاظ المتداولة بين المتكلمين»؛ ألنّ «من نظر في كالمهم‪ ،‬وال يعرف‬
‫مواضعتهم‪ ،‬لم َ‬
‫ثم نظر بعد ذلك‬
‫يحظ بطائل من ذلك‪ ،‬وإذا وقف على مرادهم‪ّ ،‬‬
‫في ألفاظهم‪ ،‬حصلت بغيته‪ ،‬وتمت منيته»(‪.)1‬‬
‫وتجدر اإلشارة إلى أنّ نشأة علم الكالم لها مسيس عالقة باللغة‪ ،‬كما تشي‬
‫تعددت اآلراء فيها‪ ،‬لكنها تلتقي عموم ًا على‬
‫بذلك تسمية هذا العلم‪ ،‬التي وإن ّ‬
‫وجود عالقة له بالكالم واللغة‪ّ ،‬إما النطالق هذا العلم من الخالف في مسألة‬
‫ٌ‬
‫مخلوق أو قديم‪ ،‬أو البتنائه على الجدل والكالم‪ ،‬أو لغير ذلك‬
‫كالم الله‪ ،‬وأنه‬
‫من الوجوه(‪.)2‬‬

‫ثمة جديد ًا في عالقة المتكلم باللغة والمباحث اللغوية‪،‬‬
‫مع ذلك ال يبدو أنّ ّ‬
‫فإنّ وظيفة اللغة األساسية بالنسبة إليه هي وظيفة آلية بحتة‪ ،‬فهل من وظيفة أخرى‬
‫ل ّلغة تساهم فيها بإنتاج المعرفة الدينية؟‬

‫والجواب‪ :‬إنّه‪ ‬ـ‪ ‬فيما يظهر‪ ‬ـ‪ ‬ليس ثمة وظيفة غير الوظيفة اآللية بالنسبة‬
‫ٍ‬
‫معان‪ ،‬ما‬
‫تم حشدها وتضمينها عدة‬
‫للمتكلم‪ ،‬حتى بالنظر إلى النصوص التي ّ‬

‫(( ( أنظر حول رسالته الموسومة‪ :‬المقدمة في المدخل إلى صناعة الكالم‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن‬
‫الحسن (ت ‪460‬هـ)‪ ،‬الرسائل العشر‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،1‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.65‬‬
‫مصدرة بقولهم‪:‬‬
‫((( يقول التفتازاني في توجيه تسمية هذا العلم بعلم الكالم‪« :‬ألنّ مباحثه كانت‬
‫ّ‬
‫«الكالم في كذا وكذا‪ ،‬وألنّ أشهر االختالفات فيه كانت مسألة كالم الله تعالى أنّه قديم أو‬
‫حادث‪ ،‬وألنّه يورث قدرة على الكالم في تحقيق الشرعيات‪ ،‬كالمنطق في الفلسفيات‪ ،‬وألنّه‬
‫َكث َُر فيه الكالم مع المخالفين والرد عليهم ما لم يكثر في غيره‪ ،‬وألنّه لقوة أد ّلته صار كأنّه هو‬
‫الكالم دون ما عداه‪ ،‬كما يقال لألقوى من الكالمين‪ :‬هذا هو الكالم»‪ ،‬أنظر‪ :‬التفتازاني‪ ،‬شرح‬
‫المقاصد في علم الكالم‪ ،‬ج‪ 1‬ص‪ ،6‬ونقله بحذافيره‪ :‬الالهيجي‪ ،‬عبد الرزاق (ت ‪1072‬هـ)‪،‬‬
‫شوارق اإللهام في شرح تجريد الكالم‪ ،‬مؤسسة اإلمام الصادق‪ Q‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1425 ،1‬هـ‪،‬‬
‫ج‪ ،1‬ص ‪.45‬‬
‫‪212‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫حمالة أوجه‪ ،‬فإنّ النص حتى في مثل ذلك‪ ،‬ال يزال وعا ًء حام ً‬
‫ال لما ألقي‬
‫جعلها َّ‬
‫فيه‪ ،‬وليس منتج ًا للمعاني‪ .‬نعم‪ ،‬بااللتفات إلى بعض النظريات الجديدة في قراءة‬
‫تقدمت اإلشارة إليه‪ ،‬والتي تنادي بعزل المؤلف وعدم أهمية البحث‬
‫مما ّ‬
‫ّ‬
‫النص ّ‬
‫عن قصده‪ ،‬مانحة النص كامل السلطة في الكشف عن مضمونه‪ ،‬فسوف يكتسب‬
‫سجلنا سابق ًا بعض المالحظات‬
‫النص دور ًا كبير ًا في استيالد المعاني؛ ولكننا َّ‬
‫على هذه النظريات‪ ،‬ما يبقي على الوظيفة األساسية للغة‪ ،‬وهي وظيفة الكشف‬
‫عن مراد المؤلف‪.‬‬

‫أجل‪ ،‬إنّ‬
‫تمت صياغته في قالب‬
‫للنص‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫المقدس‪ ،‬بما يحمله من مضمون ّ‬
‫لغوي‪ ،‬دور ًا في إنتاج المعرفة الدينية‪ .‬كما أنّ استنطاق هذا النص واستكناه معناه‪،‬‬
‫النص الديني هنا هو الكشف‬
‫يحتاج إلى معرفة األصول والقواعد اللغوية‪ .‬ودور ّ‬
‫عن مراد صاحبه‪ ،‬أي إنّه يلعب دور ًا آلي ًا أيض ًا‪ ،‬وال خصوصية ذاتية له‪ ،‬فيما عدا‬
‫النص القرآني المعجز ببالغته ـ بنا ًء على نظرية اإلعجاز اللغوي ـ‪ّ .‬أما غيره من‬
‫المقدسة‪ ،‬كما في النص النبوي أو اإلمامي‪ ،‬فإنّ قداستها في‬
‫النصوص الدينية‬
‫َّ‬
‫كونها صادر ًة عن مصدر معصوم‪ ،‬ما يكسبها قيم ًة أخالقي ًة وقانوني ًة‪ ،‬وينفي عنها‬
‫احتمال العبث واللهو والهزل والخطأ وسوء التقدير‪.‬‬
‫وفيما يأتي‪ ،‬نتناول بالبحث والتحقيق جمل ًة من المطالب الم َّتصلة بالنص‬
‫حد‬
‫أي ٍّ‬
‫الديني‪ ،‬ومدى حجيته وعمق مضمونه‪ ،‬وكيفية قراءته واستنطاقه‪ ،‬وإلى ّ‬
‫يمكن االعتماد عليه في عملية االستنباط العقدي؟‬

‫‪213‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫‪1‬‬
‫حجية الظهور‬
‫ّ‬
‫في االستدالل العقدي‬

‫النص الديني في إنتاج المعرفة االعتقادية؟ والذي‬
‫والسؤال‪ :‬هل يمكن اعتماد ّ‬
‫التطرق إلى هذا الموضوع‪ ،‬هو أنّ الظواهر ال تُنتج يقين ًا‪ ،‬فكيف‬
‫يلح علينا بضرورة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النص صريح ًا في داللته على المطلوب وال‬
‫يسوغ االعتماد عليها؟ نعم‪ ،‬لو كان ّ‬
‫ّ‬
‫يحتمل خالف ًا وهو ما يصطلح عليه بـ (النص)‪ ،‬فال ّ‬
‫التمسك به‬
‫شك في جواز‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫معروف ـ‬
‫واالعتماد عليه‪ ،‬وإنّما الكالم فيما لو كان ظاهر ًا‪ ،‬والظهور ـ كما هو‬
‫يصح االستناد إليه في االستدالالت العقدية؟‬
‫ال يمنع من احتمال الخالف‪ ،‬فهل ّ‬

‫إنّ هذا الموضوع الذي نتناوله في هذا الفصل يأتي استكما ً‬
‫ال للفصل السابق‬
‫وذلك ألنّه إذا كان اليقين هو المرتكز األساس في بناء المعرفة االعتقادية كما‬
‫عرفت سابق ًا‪ ،‬فكيف لنا أن نعتمد ظواهر النصوص مع أنّها ال تنتج سوى الظن؟!‬
‫وهذا ما سوف نتناوله من خالل المرحلتين التاليتين‪:‬‬

‫المرحلة األولى‪ :‬إنّ األدلة اللفظية (السمعية) هل تنتج اليقين أساس ًا‪ ،‬أو أنها‬
‫ال تنتج سوى الظن؟‬

‫المرحلة الثانية‪ :‬إنّها لو كانت تنتج اليقين‪ ،‬فهل إن ذلك الزم وشرط في‬
‫حجيتها‪ ،‬أو يكتفى بظواهرها حتى لو كانت ظنية؟‬
‫‪215‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬هل تنتج األدلة اللفظية اليقين؟‬

‫يرى بعض علماء الكالم‪ ،‬أنّ‬
‫التمسك بالدالئل السمعية في المعارف اليقينية‬
‫ّ‬
‫ال يجوز؛ ألنّ الدالئل اللفظية السمعية ال تفيد اليقين‪ ،‬وقد تب َّنى الفخر الرازي هذا‬
‫َّ‬
‫واستدل له بعدة وجوه‪ ،‬يمكن إرجاعها إلى ثالثة‪:‬‬
‫الرأي‪،‬‬
‫ّ‬
‫«وكل واحد‬
‫األول‪ :‬إنّ التمسك بالدالئل اللفظية موقوف على توفر أمور‬
‫الوجه ّ‬
‫منها ظني‪ ،‬والموقوف على الظني ظني»‪ ،‬واألمور التي يتوقف عليها التمسك‬
‫بالدالئل اللفظية هي‪:‬‬
‫لكن رواية هذه األشياء‬
‫‪ 1‬ـ «نقل مفردات اللغة‪ ،‬ونقل النحو والتصريف‪ّ ،‬‬
‫تنتهي إلى أشخاص قليلين‪ ،‬ال يمتنع في العرف إقدامهم على الكذب‪ ،‬ومثل هذه‬
‫الظن»‪.‬‬
‫الرواية ال تفيد إال ّ‬

‫‪ 2‬ـ «عدم االشتراك؛ ألنّه بتقدير حصول االشتراك‪ ،‬يحتمل أن يكون المراد من‬
‫ّ‬
‫كل واحد من تلك األلفاظ المفردة أمر ًا آخر غير ما تصورناه»‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ «إنّ األصل في الكالم‪ :‬الحقيقة؛ ألنّه كما يستعمل اللفظ في حقيقته‪ ،‬فقد‬
‫فربما كان المراد‬
‫يستعمل في مجازه‪ ،‬فلو لم نقل‪ :‬األصل في الكالم الحقيقة‪ّ ،‬‬
‫بعض مجازاته‪.»...‬‬
‫‪ 4‬ـ «عدم اإلضمار وعدم الحذف‪ ،»...‬مع أنّ اإلضمار والحذف واردان في‬
‫القرآن‪ ،‬ما يحول دون حصول اليقين‪.‬‬
‫يتغير المعنى‪ ،‬لكن عدمهما مظنون»‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ «عدم التقدير والتأخير؛ ألنّ بسببهما ّ‬

‫‪ 6‬ـ «عدم المخصص»‪.‬‬

‫‪ 7‬ـ «عدم المعارض النقلي»‪.‬‬

‫‪ 8‬ـ «عدم المعارض العقلي»‪.‬‬

‫‪216‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫الوجه الثاني‪ :‬إنّ الدليل النقلي إنّما يكون منتج ًا إذا كان قطعي السند والداللة‪،‬‬
‫متيسر؛ ألنّه لو كان كذلك‪ ،‬لما اختلف ال ّناس في شأنه‪ ،‬بل «وجب‬
‫وهذا غير ّ‬
‫أن يعلم ّ‬
‫كل العقالء صحة القول بذلك المذهب»‪ ،‬وحيث إنّ االختالف موجود‬
‫ومتحقّق‪ ،‬فإنّ ذلك يكشف عن عدم كونه قطعي ًا‪.‬‬

‫الوجه الثالث‪« :‬إنّ داللة ألفاظ القرآن على هذا المطلوب‪ّ ،‬إما أن تكون دالل ًة‬
‫مانع ًة من النقيض‪ ،‬أو غير مانعة منه‪ ،‬واألول باطل‪ .‬أ ّما أو ًال‪ :‬فألنّ الدالئل اللفظية‬
‫وضعية‪ ،‬والوضعيات ال تكون مانع ًة من النقيض‪ ،‬وأ ّما ثاني ًا‪ :‬فألنّ هذه الدالئل لو‬
‫كانت مانع ًة من النقيض‪ ،‬لكان الصحابة والتابعون أولى ال ّناس بالوقوف عليها‬
‫واإلحاطة بمعانيها‪ ،‬ألنّهم كانوا أرباب تلك اللغة‪ ،‬ولو كان األمر كذلك‪ ،‬لكانوا‬
‫عالِميـن بالضـرورة بأنّ القـول بصحة هذا المطلوب من دين محمد‪ ،P‬ولو‬
‫كان األمر كذلك‪ ،‬لما وقع االختالف في هذه المسألة قديم ًا وحديث ًا بين أمة‬
‫محمد‪ ،P‬فثبت أنّ داللة هذه األلفاظ على هذه المطالب‪ ،‬ليست دالئل قاطع ًة‬
‫مانع ًة عن النقيض»(‪.)1‬‬

‫ويالحظ عليه‪ :‬أنّ الوجوه الثالثة التي ذكرها إلثبات مراده في عدم إفادة‬
‫الدالئل السمعية لليقين‪ ،‬قابلة للمناقشة‪:‬‬

‫أ ّما الوجه األول‪ُ ،‬فيرد عليه‪ :‬أنّ الشواهد التي ذكرها ال تثبت مطلوبه إال على‬
‫النقلية منتجة لليقين‪ّ ،‬إما بسبب‬
‫نحو السالبة الجزئية‪ ،‬إذ كثير ًا ما تكون الدالئل‬
‫ّ‬
‫النصية والصراحة‬
‫نص ًا في المراد‪ ،‬وال ُيظن إنكار الفخر الرازي وجود‬
‫كون الكالم ّ‬
‫ّ‬
‫السمعية‪ ،‬والقرائن المقالية والمقامية‪ ،‬مع‬
‫في الكالم‪ ،‬أو بسبب تضافر الشواهد‬
‫ّ‬
‫انتفاء المعارضات العقلية والنقلية‪ ،‬ما يجعل الكالم مفيد ًا لليقين‪.‬‬
‫((( الفخر الرازي‪ ،‬محمد بن عمر بن الحسين‪( ،‬ت ‪606‬هـ)‪ ،‬المطالب العالية من العلم اإللهي‪،‬‬
‫السقا‪ ،‬دار الكتاب العربي‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1987 ،1‬م‪1407/‬هـ‪،‬‬
‫تحقيق‪ :‬الدكتور أحمد حجازي ّ‬
‫ج‪ ،9‬ص‪113‬ـ ‪.115‬‬
‫‪217‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫أ ّما الوجه الثاني‪ُ ،‬فيالحظ عليه‪ :‬بأنّ‬
‫قطعية الدالئل السمعية في سندها وداللتها‪ ،‬ال‬
‫ّ‬
‫يمنع من وقوع االختالف فيها‪ ،‬انطالق ًا من غلبة شبهة معينة على ذهن اإلنسان‪ ،‬تحول‬
‫دون توجهه إلى قطعية تلك الدالئل‪ ،‬وكم من شبهة منعت من التفات اإلنسان إلى بديهة‬
‫يصح اعتبار الخالف في القضايا دلي ً‬
‫ال على عدم قطعيتها‪.‬‬
‫من البديهيات‪ ،‬ولهذا فال ّ‬
‫أ ّما الوجه الثالث‪ ،‬فقد ا ّتضح وهنه‪ ،‬وأنّ داللة ألفاظ القرآن الكريم قد تكون مانع ًة‬
‫نص ًا في المراد‪ ،‬أو بسبب تضافر اآليات على مضمون‬
‫من النقيض‪ ،‬بسبب كونها ّ‬
‫ربما يقال‪ :‬إنّه ليس من الضروري أن تكون داللتها مانع ًة من النقيض‪،‬‬
‫واحد‪ .‬على أنّه ّ‬
‫فلو كان النقيض محتم ً‬
‫يضر بحجية الداللة‪ ،‬كما أسلفنا‬
‫ال احتما ًال ضعيف ًا جد ًا‪ ،‬فإنّه ال ّ‬
‫حجية االطمئنان‪.‬‬
‫في الحديث عن ّ‬

‫فالصحيح‪ ‬ـ‪ ‬إذ ًا‪ ‬ـ‪ ‬إمكان حصول العلم من األدلة اللفظية إذا ّتمت داللتها فكانت‬
‫السمعيات‬
‫وتم إسنادها بتواتر أو نحوه؛ وإنكار حصول العلم في‬
‫نص ًا في المراد‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫مكابرة مخالفة للوجدان‪ ،‬يقول السيد المرتضى (ت ‪436‬هـ) في ر ّده على من أنكر‬
‫وقوع العلم من األخبار‪« :‬والذي ُّ‬
‫نجد من سكون‬
‫يدل على بطالن هذا المذهب أنّا ُّ‬
‫نفوسنا إلى اعتقاد وجود البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده عند المشاهدات‪،‬‬
‫تشكك في أنّ ذلك علم يقين كمن ّ‬
‫فمن ّ‬
‫قوي‬
‫ظن ٌّ‬
‫تشكك في اآلخرة ومن ا ّدعى أنّه ٌّ‬
‫كمن ا ّدعاه في األمرين»(‪.)1‬‬

‫وقفة مع المتكلم عبد الرزّ اق الالهيجي‬

‫وعلى النسق عينه الذي انتهجه الفخر الرازي سار الحكيم والمتك ّلم اإلمامي عبد‬
‫الرزاق الالهيجي‪ ،‬فقد ذهب إلى أنّ األدلة الكالمية حيث كان اعتمادها على «قانون‬
‫اإلسالم‪ ،‬أي الطريقة المعهودة المسماة بالدين والملة»‪ ،‬فإنّ هذا االعتبار‪ ‬ـ‪ ‬بحسب‬

‫((( الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى الموسوي (‪ 355‬ـ‪436  ‬هـ)‪ ،‬الذريعة إلى أصول‬
‫الشريعـة‪ ،‬تحقيـق‪ :‬اللجنة العلميـة في مؤسسة اإلمام الصادق‪ ،Q‬نشر‪ :‬مؤسسة اإلمام‬
‫الصادق‪ ،Q‬قم المقدسة‪ ‬ـ‪  ‬إيران‪ ،‬ط‪ ،1‬ص‪.344‬‬
‫‪218‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫الالهيجي‪ ‬ـ‪ ‬هو الذي أخرجها «من البرهان إلى الجدل‪ ،‬فإنّ أمثال هذه أحكام ظاهرية‬
‫سيما فيما يتع ّلق بأحوال المبدأ واألمور‬
‫مقبولة ليست‬
‫بقطعية غير محتملة للتأويل‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫الغائبة ع ّنا»‪.‬‬

‫الدقائق‪ ،‬ال‬
‫وأضاف‪« :‬بل الظاهر أنّ أكثرها تمثيالت للحقائق‪ ،‬وتنبيهات على ّ‬
‫ينبغي الوقوف على ظواهرها والجمود على متبادرها‪ ،‬فإنّ من ذلك‪ ،‬قد تو ّلد ال ّتشبيه‬
‫﴿الر ْح َم ُن َع َلى ا ْل َع ْر ِ‬
‫اس َت َوى﴾ [طه ‪،]5‬‬
‫ش ْ‬
‫والتجسيم فيما بينهم‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َّ :‬‬
‫وكما في الحديث الذي يروونه‪« :‬إنّكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة‬
‫البدر»‪ ،‬إلى غير ذلك‪.‬‬

‫نعم‪( ،‬والكالم ال يزال لالهيجي) األصوب أن ال يقع االستكشاف عنها والكالم‬
‫حد ما يفهمونه على تفاوت عقولهم‪،‬‬
‫فيها‪ ،‬بل كان ينبغي اإليمان بحقائقها على ّ‬
‫ومراتب أفهامهم‪ ،‬كما كان في الصدر األول‪.‬‬

‫فلما وقع االستكشاف عنها وحدث الكالم‪ ،‬وشاع االختالف‪ ،‬فالواجب أن يصار‬
‫الصحيحة‪ ،‬ويرجع إلى قوانين النظر واالستدالل‬
‫إلى مقتضى العقول الصريحة واآلراء ّ‬
‫العقلية الصرفة‪ ،‬لمن أراد‬
‫البرهانية‬
‫المقدمات‬
‫البرهاني الموجب لليقين المبتني على‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التر ّقي عن حضيض ال ّتقليد إلى ذروة التحصيل‪ ،‬وإن أ ّدى إلى ترك ّ‬
‫الظواهر ورفض‬
‫العقليات‪ ،‬بخالف ما يتع ّلق‬
‫المتبادر‪ ،‬الستقالل العقل في أحوال المبدأ وسائر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجرد العقل فيها»‪.‬‬
‫بالعمليات‪ ،‬واألمور التي ال‬
‫ّ‬
‫يستقل ّ‬

‫المقدمة‪ ،‬من أنّ االعتماد على‬
‫ويضيف الالهيجي‪ « :‬هذا ما وعدناك في صدر‬
‫ّ‬
‫الدالئل الكالمية من حيث هي كالمية غير م ٍ‬
‫الدينية‪ ،‬بل‬
‫جد في تحصيل العقائد ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جدواها‪ ،‬إنّما هو حفظ العقائد إجما ًال على العقول القاصرة الغير [غير] القادرة على‬
‫ْ‬
‫البلوغ إلى درجة اليقين التفصيلي والتحقيق التحصيلي»(‪.)1‬‬

‫((( الالهيجي‪ ،‬عبد الرزاق (ت ‪1072‬هـ)‪ ،‬شوارق اإللهام في شرح تجريد الكالم‪ ،‬تحقيق‪ :‬أكبر أسد‬
‫علي زاده‪ ،‬مؤسسة اإلمام الصادق‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪  ‬إيران‪ ،‬ط‪1425 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ 1‬ص‪ 60‬ـ‪.62  ‬‬
‫‪219‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ويالحظ على كالمه‪:‬‬

‫أصر عليه الالهيجي في مستهل كالمه وفي ختامه من أنّ األدلة‬
‫أو ًال‪ :‬إنّ ما ّ‬
‫ٍ‬
‫مجد في تحصيل العقائد‬
‫الكالمية ال تفيد اليقين‪ ،‬ولذا كان االعتماد عليها غير‬
‫الدينية‪ ،‬ليس تام ًا على إطالقه‪ ،‬ألنّ بعض األدلة الكالمية تعتمد على براهين‬
‫عقلية قطعية‪ ،‬وبعضها اآلخر يعتمد على نصوص دينية وهي قد تفيد اليقين‪ ،‬كما‬
‫ذكرنا في مناقشة الفخر الرازي‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬إنّ ظاهر كالمه أنّه يدعو إلى ترك استكشاف ما تكتنزه ظواهر اآليات‬
‫والروايات‪ ،‬واالكتفاء باإليمان بها على حسب الظاهر‪ ،‬وهذا ُي َع ُّد منافي ًا لما جاء‬
‫في كالمه اآلنف نفسه من أنّه «ال ينبغي الوقوف على ظواهرها والجمود على‬
‫متبادرها فإنّ في ذلك قد تو ّلد التشبيه والتجسيم»‪ ،‬والوجه في المنافاة أنّه إذا كان‬
‫األصوب ترك استكشافها فكيف ينسجم ذلك مع ترك الوقوف على ظواهرها؟!‬
‫ٍ‬
‫مناف للدعوة القرآنية الواضحة إلى‬
‫وبصرف النظر عن ذلك فإنّ كالمه المذكور‬
‫ال َي َتدَ برونَ ا ْل ُقرآنَ َو َلو َكانَ ِم ْن ِع ِ‬
‫َ‬
‫ند‬
‫ْ‬
‫ضرورة التدبر في آيات القرآن والتأمل فيها ﴿أ َف َ َّ ُ‬
‫ْ‬
‫َغي ِر ال ّل ِه َل َو َجدُ و ْا ِف ِ‬
‫اختِ َ‬
‫الف ًا َكثِير ًا﴾ [النساء ‪.]82‬‬
‫يه ْ‬
‫ْ‬

‫ثالث ًا‪ :‬إنّ دعوته إلى اعتماد حكم العقل القطعي وإن أ ّدى إلى ترك األخذ‬
‫بالظواهر القرآنية هو كالم ال غبار عليه من الناحية النظرية‪ ،‬ونظيره ما قاله في محل‬
‫آخر من أنّ «المعلوم من الدين بحيث ال ّ‬
‫يشك فيه أحدٌ تأويل كثي ٍر من الظواهر‬
‫لمخالفتها ما في العقول»(‪ .)1‬بيد أنّ لنا مالحظ ًة حول مدى الحاجة إلى التأويل‬
‫في الكثير من الموارد التي قيل فيها بضرورة التأويل‪ ،‬وستأتي هذه المالحظة في‬
‫هذا الفصل‪ ،‬فقرة‪ :‬التأويل منهج ًا وضوابط‪.‬‬
‫((( الالهيجي‪ ،‬عبد الرزاق‪ ،‬شوارق اإللهام في شرح تجريد الكالم‪ ،‬ج‪ 1‬ص‪ .49‬مؤسسة اإلمام‬
‫الصادق‪ ،Q‬قم ـ إيران‪ ،‬ط ‪ 1425 ،1‬هـ ‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫‪ 2‬ـ‪  ‬هل الظهور حجة في قضايا االعتقاد؟‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫إذا اتضح أنّ األدلة السمعية قابلة إلفادة اليقين‪ ،‬فيأتي السؤال الثاني‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫هل أنّ حجيتها تتوقف على إفادتها لليقين أم ال؟ وبعبارة أخرى‪ :‬هل إنَّ الظواهر‬
‫حجة في المجال االعتقادي أم ال؟‬

‫نسب الشيخ األنصاري(‪ )1‬إلى كثي ٍر من األعالم‪َ ،‬رف َْضهم االستناد إلى الظواهر‬
‫في أصول المعارف‪ ،‬خالف ًا لما عليه األمر في المجال الفقهي‪ ،‬فإنّ‬
‫حجية الظهور‬
‫ّ‬
‫صرح بذلك الشيخ الطوسي في مسألة عذاب‬
‫من مس َّلمات ذاك الحقل‪ ،‬وقد ّ‬
‫القبر‪ ،‬قال‪« :M‬والظواهر ال يمكن االستدالل بها على ثبوت عذاب القبر‪،‬‬
‫ألنّها محتملة»(‪.)2‬‬

‫يتنـزل إلى الواقع‬
‫إال أنّ هذا الرفض بقي‪ ‬ـ‪ ‬غالب ًا‪ ‬ـ‪ ‬في النطاق النظري‪ ،‬ولم ّ‬
‫العملي كثير ًا‪ ،‬إذ كثير ًا ما نالحظ أنّ االستدالالت العقدية تعتمد على ظواهر‬
‫النصوص‪ ،‬تمام ًا كما االستدالالت الفقهية‪ ،‬مع وضوح أنّ داللتها هي بالظهور‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬قد يحصل أحيان ًا اختالف في داللة الكالم‪ ،‬وأنّها بالظهور أو بالصراحة‬
‫(النص)‪ ،‬وال ضير في مثل ذلك بالتزام ّ‬
‫كل طرف باجتهاده ورأيه‪.‬‬
‫حجية الظواهر في مجال اإلثبات العقدي‬
‫وكيف كان‪ ،‬فإنّ الوجه في عدم‬
‫ّ‬
‫واضح‪ ،‬وهو أنّ الظواهر ال تفيد سوى‬
‫بحجة في العقائد(‪،)3‬‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫الظن‪ ،‬وهو ليس ّ‬
‫ٌ‬
‫موقوف على كونها قطعي ًة من جه َتي‬
‫وبذلك ي ّتضح أنّ االستدالل بال ّنصوص‬
‫يصح االعتماد على خبر الواحد الظ ّني السند‪ ،‬ح ّتى لو كان‬
‫الداللة والسند‪ ،‬فال‬
‫ّ‬
‫نص ظ ّني الداللة ح ّتى لو كان‬
‫قطعي الداللة‪ ،‬وكذلك ال يمكن االعتماد على ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.558‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬االقتصاد فيما يتع ّلق باالعتقاد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.219‬‬
‫((( ويستفاد ذلك من العالمة الطباطبائي‪ M‬في تعليقته على بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.104‬‬
‫‪221‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫قطعي السند‪ ،‬كالقرآن أو الخبر المتواتر‪.‬‬

‫وجه آخر يذكر كمستند لرفض حجية الظواهر القرآنية والحديثية‬
‫وثمة‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫فيما عدا المجال التشريعي‪ ،‬وحاصله‪ :‬أنّه ال معنى للحجية إال في ظهور آيات‬
‫األحكام ورواياتها‪ ،‬ألنّ الحجية المجعولة لدى العقالء الممضاة من الشارع‪،‬‬
‫إنّما هي ألجل اتباع الظهور والعمل على طبقه في امتثال أمر الشارع ونهيه‪ ،‬وهذا‬
‫يختص بآيات األحكام ورواياتها دون سواها‪ ،‬إذ ال طلب مولوي ًا في المجال‬
‫مما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫االعتقادي ونحوه ح ّتى يجب العمل على طبقه(‪.)1‬‬

‫قطعية‪ ،‬يؤ ّدي‬
‫وربما يالحظ على ذلك‪ :‬أنّ اشتراط كون النصوص ذات داللة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سد باب المعرفة بالعقائد‪ ،‬إذ ّ‬
‫قل ما تتوفّر نصوص قطعية الداللة‪ ،‬بل أكثرها‬
‫إلى ّ‬
‫ظاهر ٌة في المراد‪.‬‬
‫ويمكن اإلجابة عن ذلك‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬إنّ القضايا العقدية التي يدور عليها رحى اإلسالم‪ ،‬تعتمد على البرهان‬
‫مفتوح‪،‬‬
‫العقلي‪ ،‬وهو ذو نتائج قطعية‪ ،‬ما يعني أنّ باب المعرفة في أصول الدين‬
‫ٌ‬
‫الظنية سند ًا أو داللة‪.‬‬
‫وال يتو ّقف على األخذ بالنصوص ّ‬

‫بالنص‪ ،‬فإنّ طريق‬
‫ثاني ًا‪ :‬وفي خصوص المطالب االعتقادية التي ال تثبت إال‬
‫ّ‬
‫النصوص المفيدة لليقين‪ ،‬أو لتضافر الظهورات‬
‫المعرفة بها مفتوح‪ّ ،‬إما لتوفّر ّ‬
‫وتعاضدها بما يبعث على االطمئنان والوثوق‪ ،‬وقد أسلفنا أنّه ال محذور في االعتماد‬
‫على االطمئنان‪ ،‬على ّ‬
‫األقل في بعض مراتبه العالية المتاخمة لليقين‪ .‬ولو فرضنا أنه لم‬
‫ظنية‪ ،‬فال ضير من عدم‬
‫يتوفّر لنا في هذا الصنف من القضايا العقدية سوى ظهورات ّ‬
‫((( أنظر‪ :‬راضي‪ ،‬الشيخ محمد طاهر (ت ‪1980‬م)‪ ،‬بداية الوصول في شرح كفاية األصول‪ ،‬أسرة‬
‫صرح به المحقق‬
‫آل الشيخ راضي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪2004 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪ .243‬وهذا المعنى ّ‬
‫الخراساني في الكفاية بقوله‪« :‬لعدم حجية ظاهر سائر اآليات»‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫النص‪،‬‬
‫االلتزام بحجيتها؛ ألنّ غالب المعتقدات المعتمدة في داللتها على خصوص ّ‬
‫هي من سنخ القضايا التي ال يجب االعتقاد بها‪ ،‬وال يدور اإلسالم واإليمان مدارها‪،‬‬
‫ّأما ما يجب االعتقاد به‪ ،‬فهو ثابت بواضح العقل مؤيد ًا بصريح النقل‪ ،‬وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫تقدم سابق ًا‪ ،‬على قسمين‪:‬‬
‫إنّ المطالب االعتقادية‪ ،‬كما ّ‬

‫‪ 1‬ـ‪ ‬األصول التي يجب تحصيل العلم بها وبذل الجهد في معرفتها‪ ،‬مقدم ًة‬
‫ّ‬
‫ويشكل الجهل بها‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن إنكارها‪ ،‬سبب ًا لخروج اإلنسان‬
‫لالعتقاد واإليمان بها‪،‬‬
‫النبوة‬
‫عن دائرة اإلسالم‪ ،‬ويدخل في ذلك األصول الثالثة المعروفة‪ ،‬أعني التوحيد‪َّ ،‬‬
‫تأمل في األخير كما أوضحنا سابق ًا‪.‬‬
‫والمعاد‪ ،‬على ّ‬

‫لكن الجهل‬
‫وفي موازاة ذلك‪ ،‬هناك األصول المذهبية التي يجب العلم بها‪ّ ،‬‬
‫بها‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن إنكارها‪ ،‬ال يوجب سوى الخروج عن دائرة اإليمان المذهبي وليس‬
‫اإلسالم‪ ،‬ومصداق ذلك الجلي هو االعتقاد باإلمامة‪.‬‬

‫يضر‬
‫‪ 2‬ـ‪ ‬المطالب العقدية التي ال يجب تحصيل العلم بها واالعتقاد بها‪ ،‬وال ّ‬
‫جهلها أو عدم االعتقاد بها اجتهاد ًا في صدق االنتماء إلى اإلسالم‪ .‬نعم‪ ،‬إنّما يجب‬
‫ٍ‬
‫بشكل أو بآخر‪ ،‬ويدخل في هذا‬
‫حق من علم بها‬
‫اإليمان بها وال يسوغ إنكارها في ّ‬
‫القسم الكثير من الفروع االعتقادية‪ ،‬من قبيل‪ :‬رؤية الله‪ ،‬وأنّها ممكنة أو ممتنعة‪ ،‬أو أنّ‬
‫ٌ‬
‫النبي‪ P‬يعلم‬
‫أفعال العباد‬
‫مخلوقة لله‪ ،‬أو أنّ القرآن حادث أو قديم‪ ،‬ومن قبيل‪ :‬أنّ ّ‬
‫فوض إليه أمر التشريع‪ ،‬أو من قبيل االعتقاد بعالم البرزخ‪ ،‬وحساب‬
‫الغيب‪ ،‬وأنّ الله ّ‬
‫القبر‪ ،‬وحشر الحيوانات‪ ،‬ودقة الصراط(‪ .)1‬يقول الشهيد الثاني(‪ )2‬بشأن االعتقاد في‬

‫(( ( راجع بشأن التقسيم المذكور‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول لألنصاري‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪556‬؛ وراجع بشأن األمثلة اآلنفة وغيرها‪ :‬مغنية‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪ ،‬فلسفات‬
‫إسالمية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.144‬‬
‫((( الجبعي‪ ،‬الشيخ زين الدين (الشهيد الثاني)‪ ،‬المقاصد العلية في شرح الرسالة األلفية‪ ،‬الطبعة‬
‫الحجرية‪ ،‬ص‪.25‬‬
‫‪223‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫«وأما ما ورد عنه‪ Q‬في ذلك من طريق اآلحاد‪ ،‬فال يجب‬
‫تفاصيل المعاد والبرزخ‪ّ :‬‬
‫التصديق به مطلق ًا‪ ،‬وإن كان طريقه صحيح ًا‪ ،‬ألنّ خبر الواحد ظني‪ ،‬وقد اختلف في‬
‫جواز العمل به في األحكام الشرعية الظنية‪ ،‬فكيف باألحكام االعتقادية العملية؟»‪.‬‬
‫ٍ‬
‫جملة من‬
‫هذا في الدائرة اإلسالمية العامة‪ ،‬وفي الدائرة المذهبية‪ ،‬يمكن ذكر‬

‫المعتقدات‪ ،‬من قبيل‪ :‬االعتقاد بالرجعة أو الوالية التكوينية‪ ،‬أو أنّ المعصوم ال‬
‫يتو َّلى تجهيزه ودفنه والصالة عليه إال معصوم‪ ...‬إلى غير ذلك من المعتقدات‬
‫التي ال يجب االجتهاد في معرفتها على األعيان‪ ،‬وإن كانت من شؤون الدين‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬إذا حصل العلم بها لإلنسان ا ّتفاق ًا أو التفات ًا‪ ،‬فقد يقال بوجوب االعتقاد بها‬
‫أو بحرمة إنكارها‪ ،‬كما يمكن القول بوجوب االجتهاد في معرفتها وجوب ًا كفائي ًا‪،‬‬
‫دفع ًا للشبهات أو لغير ذلك من األغراض‪ .‬وهكذا يمكن القول‪ :‬بأنّ الجاهل‬
‫يبرر‬
‫بهذه المعتقدات‪ ،‬إنّما يكون معذور ًا بشرط أن ال يجحد بها‪ ،‬ألنّ الجهل ال ّ‬
‫أن العباد إذا جهلوا‬
‫الجحود‪ ،‬وقد جاء في الحديث عن اإلمام الصادق‪« :Q‬لو ّ‬
‫وقفوا ولم يجحدوا‪ ،‬لم يكفروا»(‪.)1‬‬

‫ظواهر صفات الله وأسمائه‬

‫حجية الظواهر غير المفيدة لالطمئنان في‬
‫تقدم من كالم عن عدم‬
‫في ضوء ما َّ‬
‫ّ‬
‫االستدالالت العقدية‪ ،‬ي َّتضح أنّه ال وجه للنـزاع حول حجية ظواهر النصوص‬
‫ٍ‬
‫حديث عن مشروعية‬
‫المتعرضة لصفات الله وأسمائه‪ ،‬وما يتصل بذلك من‬
‫تأويل تلك النصوص أو عدمها‪ ،‬حيث يالحظ أنّ ثمة اتجاهين لعلماء الكالم في‬
‫التعاطي مع هذه النصوص‪:‬‬
‫االتجاه األول‪ :‬هو االتجاه الظاهري الذي يأخذ بهذه النصوص على ظاهرها‬
‫دون تأويل‪ ،‬حتى لو استلزم ذلك الوقوع في التشبيه أو التجسيم‪ ،‬وقد م ّثل هذا‬

‫((( الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.388‬‬
‫‪224‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫االتجاه عدة أصناف‪ :‬فمنهم من أثبت لله سبحانه تلك الصفات‪ ،‬فالتزم بأن لله‬
‫وجه ًا ويدين‪ ...‬مع االلتزام بالتشبيه‪ ،‬ويأتي على رأس هذا الصنف‪َ ،‬م ْن أطلق‬
‫عليهم الشهرستاني بـ «مشبهة الحشوية»‪ ،‬والذين «أجازوا على ربهم المالمسة‬
‫والمصافحة‪ ،‬وأن المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا واآلخرة»(‪،)1‬‬
‫ومنهم من أثبت له تلك الصفات دون تكييف أو تشبيه‪ ،‬بمعنى أن هؤالء قالوا‪:‬‬
‫إنّ لله يدَ ين ال كأيدينا‪ ،‬وعي َنين ال كأعيننا‪ ،‬وقد تب َّنى هذا الرأي الشيخ األشعري‬
‫وأتباعه‪ ،‬قال في اإلبانة‪« :‬فمن سألنا فقال‪ :‬أتقولون‪ :‬إن لله وجه ًا؟ قيل له‪ :‬نقول‬
‫ذلك‪ ،‬خالف ًا لما قاله المبتدعة‪ ،»...‬وأضاف‪« :‬أتقولون‪ :‬إن لله يدين؟ قيل‪ :‬نقول‬
‫ذلك بال كيف‪ ،)2( »...‬ومنهم من أثبت هذه الصفات لله‪ ،‬ولكنه أرجع أمرها إليه‬
‫تعالى‪ ،‬فهم قالوا نحن نؤمن بها‪ ،‬ولسنا مك َّلفين بمعرفة معناها(‪.)3‬‬
‫االتجاه الثاني‪ :‬هو االتجاه التأويلي‪ ،‬وهو المشهور عند العدلية من المعتزلة‬
‫والشيعة(‪ ،)5‬وخالصة ما يراه هؤالء‪ :‬أنّ البراهين العقلية الساطعة‪ ،‬تقودنا إلى‬
‫االعتقاد بأنَّ الله ليس كمثله شيء‪ ،‬فهو ليس جسم ًا‪ ،‬وال يشبه أحد ًا من خلقه‪،‬‬
‫منـزه عن ذلك ك ّله‪ ،‬وعليه‪ ،‬فما ورد في النصوص مما ظاهره التجسيم‬
‫وإنّما هو ّ‬
‫بد من تأويله وصرفه عن ظاهره‪ ،‬ولذا ّأولوا اليد بالقوة أو‬
‫وإثبات الجوارح‪ ،‬ال ّ‬
‫النعمة‪ ،‬واالستواء باالستيالء‪ .‬والتأويل له ضوابط وشروط تجعله مقبو ً‬
‫ال وغير‬
‫مخالف لقواعد اللغة‪ ،‬كما سيأتي الحق ًا‪.‬‬
‫(‪)4‬‬

‫((( ‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫الشهرستاني‪ ،‬محمد بن عبد الكريم (ت ‪548‬هـ)‪ ،‬الملل والنحل‪ ،‬تحقيق‪ :‬أحمد فهمي محمد‪،‬‬
‫دار السرور‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1948 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.148‬‬
‫األشعري‪ ،‬أبو الحسن علي بن إسماعيل‪ ،‬اإلبانة عن أصول الديانة‪ ،‬تحقيق وتعليق‪ :‬السيد حسن‬
‫السقاف‪ ،‬دار اإلمام النووي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪2005 ،1‬م‪ ،‬ص‪.187‬‬
‫ّ‬
‫الشهرستاني‪ ،‬الملل والنحل‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.124‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.59‬‬
‫أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن الحسن‪ ،‬االقتصاد فيما يتعلق بالعباد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ 72‬ـ‪  76  ‬ـ‪.77 ‬‬
‫‪225‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫هذا ولكن يمكن القول‪ :‬إنّ مثل هذه الظواهر التي لم تقترن بما يفيد االطمئنان‬
‫أو اليقين‪ ،‬ليست حج ًة في نفسها في المجال االعتقادي‪ ،‬وبصرف النظر عن‬
‫لحجيتها غير موجود‪ ،‬فال حاجة لذكر‬
‫معارضتها للدليل العقلي‪ ،‬أي إنّ المقتضي‬
‫ّ‬
‫المانع‪ ،‬مع التنبيه إلى أنّه سيأتي مزيد من البيان والتقعيد لهذا األمر في الفقرات‬
‫التالية‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫‪2‬‬
‫النص الديني‬
‫ّ‬
‫وثنائية الباطن والظاهر‬

‫ثمة ثنائية معروفة متصلة بالنص القرآني‪ ،‬وقد شغلت وال تزال تشغل الفكر‬
‫ّ‬
‫ثنائية الباطن والظاهر ا َّلتي‬
‫سيما المتصل بالبعد االعتقادي‪ ،‬وهي ّ‬
‫الديني‪ ،‬وال ّ‬
‫طرحت جمل ًة من األسئلة اإلشكالية‪ ،‬إنْ لجهة تحديد المراد بالباطن والظاهر‪،‬‬
‫النص القرآني‪،‬‬
‫أو لجهة بيان المستند لهذه الثنائية التي يتداول البعض أنها تحكم ّ‬
‫التعرف إلى مدى الحاجة لوجود الباطن وعالقته بالظاهر‪.‬‬
‫أو لجهة ّ‬

‫الباطن‪ :‬مستنده وفلسفته‬

‫ثنائية الظاهر‬
‫من الواضح أنّنا ال نمتلك ّ‬
‫نص ًا قرآني ًا يشير إلى ابتناء القرآن على ّ‬
‫﴿ه َو‬
‫والباطن‪ ،‬أجل‪ ،‬ورد هذان اللفظان في القرآن كصفتين من صفـات الله‪ُ :‬‬
‫اهر َوالب ِ‬
‫اآل ِخر َو َّ ِ‬
‫َ‬
‫األ َّو ُل َو َ‬
‫اط ُن﴾ [الحديد‪ ،]3:‬كذلك وردا كوصفين للنعم‬
‫الظ ُ َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وأما بشأن ابتناء‬
‫اإللهية‪َ :‬‬
‫﴿و َأ ْس َبغَ َع َل ْي ُك ْم ن َع َم ُه َظاه َر ًة َو َباط َن ًة﴾ [لقمان‪ّ ،]20:‬‬
‫وارد في الس َّنة الشريفة‪ ،‬من خالل ما روي‬
‫القرآن على الثنائية المذكورة‪ ،‬فهو ٌ‬
‫ٌ‬
‫مستفيضة ومتضافرة‪ .‬فمن طرق‬
‫روايات‬
‫النبي‪ P‬من طرق الفريقين‪ ،‬وهي‬
‫ٌ‬
‫عن ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫وأما من طرق الشيعة‪ ،‬فقد‬
‫الس َّنة‪ ،‬ورد حديث الباطن والظاهر في ّ‬
‫عدة مصادر ‪ّ ،‬‬

‫((( أنظر‪ :‬ابن حبان (ت ‪354‬هـ)‪ ،‬صحيح ابن حبان‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬ط‪1993 ،2‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪276‬؛‬
‫والغزالي‪ ،‬أبو حامد محمد بن محمد (ت ‪505‬هـ)‪ ،‬إحياء علوم الدين‪ ،‬دار المعرفة‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫‪227‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ورد الحديث عن رسول الله‪ )1(P‬وعن أمير المؤمنين‪ )2( Q‬وعن اإلمام‬
‫المتقدمة معتبرة‪ ،‬ولذا فاألجدى‪ ‬ـ‪ ‬بدل‬
‫الكاظم‪ ،)3( Q‬وبعض األسانيد‬
‫ّ‬
‫محاولة التشكيك في سند هذه األحاديث‪ ‬ـ‪ ‬تركيز االهتمام على محاولة فهمها‬
‫ثم التأمل في مدى إمكانية توظيفها واالستفادة منها على‬
‫ومعرفة مضمونها‪ ،‬ومن ّ‬
‫المستجدات‪.‬‬
‫التجدد أو مواكبة‬
‫النص على‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫قابلية هذا ّ‬
‫أكثر من صعيد‪ ،‬ومن ذلك ّ‬

‫لماذا الباطن؟‬

‫وأي ًا كان تفسير الباطن‪ ‬ـ‪ ‬مما سيأتي بيانه‪ ‬ـ‪ ‬فإنّ ثمة سؤا ً‬
‫ال يطرح نفسه في المقام‬
‫ّ‬
‫اختص القرآن بالباطن وما سبب ذلك؟‬
‫وهو أنّه لماذا‬
‫ّ‬

‫سر اختصاص القرآن بالبطون‪ ،‬مرجعه إلى أنّ «علوم‬
‫يرى بعض األعالم أنّ ّ‬
‫كل إنسان‪ ،‬كما أنها لم ِ‬
‫القرآن والحديث ال يستطيع أن يفهمها ّ‬
‫تأت إلى الجميع‪،‬‬
‫للدولة بعض البرقيات‬
‫خاصة‪ ،‬تمام ًا كما أنّ َّ‬
‫بل هي ٌ‬
‫رمز بين المتك ّلم وجماعة َّ‬
‫الرمزية التي ليس من مصلحة البلد أن يكشف عنها‪ ،‬بل ال يعرف عنها شيئ ًا ح ّتى‬
‫َّ‬
‫(‪)4‬‬
‫ويعبر بعضهم عن هذا‬
‫دائرة البريد نفسها‪ ،‬فكذلك في القرآن مثل هذه الرموز» ‪ِّ .‬‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫متباينة‪ ،‬وعلى الحكيم أن‬
‫مختلفة‬
‫بعبارة أخرى مفادها‪« :‬إنّ أحوال ال ّناس‬
‫المعنى‬
‫يخاطب المستمعين حسب أفهامهم وواقعهم‪ ،‬فمنهم من ُيخاطب بالظاهر فقط‬
‫ثم إنّ أهل‬
‫ألنّه ال يفهم سواه‪ ،‬ومنهم من ُيخاطب بالباطن‪ ،‬ألنّه يدركه ويفهمه‪ّ ،‬‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬

‫ال‪.‬ط‪1982 ،‬م‪ ،‬ج‪1‬؛ ص‪99‬؛ والسيوطي‪ ،‬جالل الدين عبد الرحمن‪ ،‬اإلتقان في علوم القرآن‪،‬‬
‫تحقيق‪ ،‬سعيد المندوب‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪1996 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.486‬‬
‫الكليني‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.559‬‬
‫أنظر‪ :‬الكاشاني‪ ،‬محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني (ت ‪1091‬هـ)‪ ،‬تفسير الصافي‪،‬‬
‫مؤسسة الهادي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1416 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.31‬‬
‫الكليني‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.374‬‬
‫أنظر‪ :‬الخميني‪ ،‬كشف األسرار‪ ،‬السيد روح الله‪ ،‬طبع في بيروت‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.322‬‬
‫‪228‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫الباطن على مراتب في عمق الفهم وبعد اإلدراك»(‪.)1‬‬

‫وبرقيات مرم ٍ‬
‫ويالحظ على ذلك‪ :‬أنّ الحديث عن وجود أفكا ٍر مش ّف ٍ‬
‫ٍ‬
‫زة في‬
‫رة‬
‫َّ‬
‫القرآن‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن افتقاره إلى دليل‪ ،‬فإنه ينافي وضوح الخطاب القرآني الذي‬
‫﴿و َه َذا لِ َسانٌ َع َربِ ٌّي‬
‫ورد تأكيده في العديد من اآليات‪ ،‬من قبيل قوله تعالى‪َ :‬‬
‫ين﴾ [النحل‪ ،]103:‬كما أنّه ال ينسجم مع شمولية وسعة الخطاب المذكور‬
‫ُمبِ ٌ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وتوجهه إلـى ال ّناس عام ًة‪ ،‬وليـس إلى ٍ‬
‫طبقة بعينها‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫خاصة أو‬
‫فئة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫﴿ه َذا َب َيانٌ لِل َّن ِ‬
‫ين﴾ [آل عمران‪ ،]38:‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫َ‬
‫اس َو ُهدً ى َو َم ْو ِع َظ ٌة لِ ْل ُم َّت ِق َ‬
‫اء ُك ْم ُب ْر َهانٌ ِم ْن َر ِّب ُك ْم﴾ [النساء‪ ،]174:‬إلى العشرات‬
‫اس َق ْد َج َ‬
‫﴿ َيا َأ ُّي َها ال َّن ُ‬
‫ٍ‬
‫تشريعات‬
‫تضمنه من‬
‫من اآليات التي يستفاد منها أنَّ المخاطب بالقرآن وما‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫خاص ًا‪ ،‬دون أن ينفي‬
‫عامة ال ّناس‪ ،‬وليس جهاز ًا كهنوتي ًا‬
‫ّ‬
‫وآداب ومفاهيم هم ّ‬
‫ٍ‬
‫للنص القرآني تتفاوت األفهام في إدراك معانيها‪ ،‬كما أنّنا ال‬
‫أعماق‬
‫ذلك وجود‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫استثنائية في‬
‫ننكر وجود آيات معينة‪ ،‬وهي ما يعرف بالمتشابه‪ ،‬تحتاج إلى د ّق ٍة‬
‫التعامل معها واستكناه معناها‪.‬‬

‫خاصية البطون‬
‫وربما يكون الوجه األقرب في تفسير توافر القرآن على‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫واشتماله عليها‪ ،‬هو أنّ واضعه وم ِ‬
‫نشئه أراد تضمينه وتحميله قدر ًا كبير ًا من‬
‫ُ‬
‫السيالة‪ ،‬بما ّ‬
‫المستجدات‪ ،‬ومخاطبة‬
‫يمكنه من مسايرة الزمان ومواكبة‬
‫ّ‬
‫المعاني ّ‬
‫ال ّناس على اختالف أذواقهم وأفهامهم‪ ،‬ما يجعل منه رسال ًة خالد ًة ومستمر ًة‬
‫واستمراريتها‬
‫إلى أن يرث الله األرض ومن عليها‪ .‬إنّ خاتمية الرسالة اإلسالمية‬
‫ّ‬
‫ويتم‬
‫تستدعي توافرها على ّ‬
‫نص استثنائي ي ّتسم بالمرونة والوضوح من جهة‪ّ ،‬‬
‫يؤهله للقيام بالمهمة المناطة به‬
‫تضمينه المعاني العالية والمضامين الرفيعة‪ ،‬بما ّ‬
‫على أحسن وجه‪.‬‬
‫((( مغنية‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪ ،‬فلسفات إسالمية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.450‬‬
‫‪229‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫حقيقة الباطن‬

‫إنّ تحديد الباطن وفرقه عن الظاهر‪ ،‬هو معترك اآلراء واألقوال‪ ،‬وعلينا استبعاد‬
‫ّ‬
‫المقطعة‪ ‬ـ‪ ‬على بعض الوجوه في‬
‫القول‪ :‬بأنّ البطون هي رموزٌ شبيهة بالحروف‬
‫رمزية تلك الحروف التي افتتحت بها بعض السور القرآنية‪ ‬ـ‪ ‬وأنّ مفتاح هذه‬
‫الرموز هو بيد النبي‪P‬‬
‫واألئمة من أهل بيته‪ .)1(R‬والوجه في استبعاده‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫افتقاره إلى الدليل‪ ،‬ومنافاته لما ّ‬
‫دل على وضوح الخطاب القرآني كما أسلفنا‪.‬‬

‫بد من استبعاد القول بأنّ المراد بالظاهر والباطن «أنّ القرآن يتق ّلب‬
‫وكذلك ال ّ‬
‫وجوه ًا‪ ،‬ويحتمل من التأويالت ضروب ًا‪ ،‬كما وصفه أمير المؤمنين‪ Q‬في‬
‫حمال ذو وجوه»‪ ،‬أي يحتمل التصريف على التأويالت‪،‬‬
‫كالم له‪ ،‬فقال‪« :‬القرآن َّ‬
‫والحمل على الوجوه المختلفات‪ ،‬ومن ذلك قول القائل‪ :‬قلبت أمري ظهر ًا‬
‫لبطن‪ ،)2(»...‬فإنّ هذا القول ال ينسجم مع سياق روايات الباطن والظاهر‪ ،‬ألنّها‬
‫ظاهرة في أنّ الباطن هو في طول الظاهر‪ ،‬وليس في عرضه كما هو مفاد هذا‬
‫حمال‬
‫القول وما استشهد له به من قول اإلمام‪ Q‬ـ‪ ‬فيما روي عنه‪ ‬ـ‪« ‬القرآن ّ‬
‫ذو وجوه»‪.‬‬

‫ٍ‬
‫معان ال عالقة‬
‫وثمة وجه ثالث في تفسير البطون‪ ،‬وحاصله‪ :‬أنّ المراد بها‬
‫ّ‬
‫لها باللفظ‪ ،‬لك ّنها تحضر عند االستعمال من باب تداعي المعاني؛ والسبب في‬
‫حضور هذا المعنى‪ ،‬مع كونه أجنبي ًا عن ال ّلفظ‪ ،‬هو اقتران هذا المعنى على سبيل‬
‫المصادفة مع المعنى األساسي للفظ‪.‬‬
‫وال يخفى ُب ْع ُد هذا الوجه ومخالفته ألخبار البطون‪ ،‬ألنّ ظاهرها أنّ البطون‬

‫(( ( أنظر‪ :‬الكاشاني‪ ،‬محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني‪ ،‬تفسير الصافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.90‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الشريف الرضي‪ ،‬المجازات النبوية‪ ،‬تحقيق‪ :‬طه محمد الزيني‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪،،51‬‬
‫بصيرتي‪ ،‬قم ـ إيران‪.‬‬
‫‪230‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫مرتبطة بالقرآن بالربط الداللي‪ ،‬ال من باب تداعي المعاني(‪.)1‬‬

‫ومع استبعاد هذه النظريات الثالث في تفسير الباطن‪ ،‬لوضوح ضعفها‪ ،‬وعدم‬
‫انسجامها مع روايات الباطن‪ ،‬نأتي إلى دراسة نظريات أخرى أكثر قبو ً‬
‫ّ‬
‫وأقل‬
‫ال‬
‫إشكا ً‬
‫ال من تلك‪.‬‬

‫نظرية ال ّلوازم‬

‫من هذه النظريات ـ وهي النظرية الرابعة ـ ما احتمله األخوند الخراساني من‬
‫تفسير الباطن بـ «لوازم المعنى المستعمل فيه اللفظ‪ ،‬وإن كانت أفهامنا قاصر ًة عن‬
‫إدراكها»(‪ ،)2‬واختار السيد الخوئي هذا الرأي(‪.)3‬‬

‫(‪)4‬‬
‫وربما كان الوجه في رفضه لها‪:‬‬
‫لكن السيد البروجردي رفض هذا‬
‫ّ‬
‫النظرية ‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫أنّ اللوازم ال ّ‬
‫للنص القرآني‪ ،‬وإنّما تجري فيه وفي غيره من الكالم‪،‬‬
‫تشكل ميز ًة‬
‫ّ‬
‫تتحدث عن اشتمال القرآن على البطون‪،‬‬
‫مع أنّه يظهر أو يلوح من الروايات التي‬
‫ّ‬
‫وربما كان وجه الرفض أيض ًا‪ ،‬أنّ‬
‫أنّ قضية البطون هي من خصوصيات القرآن‪ّ ،‬‬
‫البطون إذا أريد بها المداليل االلتزامية‪ ،‬فلماذا تكون عقولنا قاصر ًة عن دركها؟!‬
‫فإنّ المداليل االلتزامية لآليات‪ ،‬كالمداليل المطابقية لها‪ ،‬يمكن للعقول دركها‬
‫والتدبر‪.‬‬
‫بالتأمل‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر‪ :‬راضي‪ ،‬الشيخ محمد طاهر‪ ،‬بداية الوصول في شرح كفاية األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪162‬ـ ‪.163‬‬
‫هذا القول احتمله األخوند الخراساني‪ ،‬أنظر‪ :‬كفاية األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.38‬‬
‫الفياض‪ ،‬الشيخ إسحاق‪ ،‬محاضرات في أصول الفقه‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد أبو القاسم الخوئي‪،‬‬
‫مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1419 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.240‬‬
‫المنتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬نهاية األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد حسين البروجردي‪ ،‬مطبعة‬
‫الحكمة‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1375 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.56‬‬
‫‪231‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫نظرية اإليحاء أو األولوية‬

‫وفي ّ‬
‫كل األحوال‪ ،‬ومع صرف ال ّنظر عن ذلك‪ ،‬فقد أضاف بعض األعالم إلى‬
‫اللوازم مسألة اإليحاءات‪ ،‬معتبر ًا أنّ ذلك هو التفسير األقرب للباطن‪ ،‬وهذه هي‬
‫النظرية الخامسة في المقام‪ ،‬وحاصلها‪ :‬أنّه «ليس هناك معنى باطني‪ ،‬بمعنى أنّ‬
‫القرآن يستبطن معاني كثيرة على خالف المعنى اللغوي‪ .‬نعم‪ ،‬إنّ القرآن يستبطن‬
‫استيحاءات كثيرةً‪ ،‬ويستبطن لوازم كثيرة»(‪ ،)1‬وأورد مثالين لإليحاءات التي‬
‫تختزنها الكلمة القرآنية إلى جانب معناها اللغوي المباشر‪:‬‬
‫اس‬
‫﴿و َم ْن َأ ْح َي َ‬
‫المثال األول‪ :‬ما ورد في تفسير قوله تعالى‪َ :‬‬
‫اها َف َك َأن ََّما َأ ْح َيا ال َّن َ‬
‫َج ِم ًيعا﴾ [المائدة‪ ،]32:‬حيث روي عن اإلمام الباقر‪ Q‬تفسير اإلحياء‪ ،‬بأنّه‬

‫عمن أخرجها من ضالل إلى هدى؟ فقال‬
‫اإلنقاذ من حريق أو غرق‪ ،‬فسأله الراوي ّ‬
‫‪« :Q‬ذاك تأويلها األعظم»(‪ ،)2‬فإنّ اإلحياء ال يراد به ـ حسب المدلول اللفظي ـ‬
‫الهداية‪ ،‬بل هو ظاهر في اإلحياء الما ّدي‪ ،‬كإنقاذ الغريق أو نحوه‪ ،‬إال أنّ الهداية لما‬
‫كانت بمثابة حياة معنوية وفكرية وروحية‪ ،‬فتشملها اآلية بشكل إيحائي‪.‬‬
‫إلنْسانُ إِ َلى َط َع ِ‬
‫ام ِه﴾‬
‫والمثال الثاني‪ :‬ما ورد في تفسير قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف ْل َي ْن ُظ ِر ا ِ َ‬
‫[عبس‪ ،]24:‬فقد ورد في الحديث عن اإلمام الباقر‪ Q‬ـ‪ ‬أيض ًا‪ ‬ـ‪ ‬في تفسير‬
‫ِ‬
‫عمن يأخذه»(‪ ،)3‬فإنّ كلمة الطعام بحسب‬
‫(طعامه)‪ ،‬قال‪« :‬ع ْل ُمه الذي يأخذه ّ‬
‫معناها اللغوي‪ ،‬ال يراد بها العلم كما هو واضح‪ ،‬وسياق اآلية ال يساعد على‬
‫لكن للرواية دالل ًة إيحائي ًة مفادها‪ :‬أنّ االهتمام بالطعام المادي‪،‬‬
‫تفسيرها بذلك‪َّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫بوجه أولى(‪.)4‬‬
‫المعنوي‬
‫يتالزم ويترافق مع االهتمام بالغذاء‬
‫ّ‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫أنظر‪ :‬فضل الله‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬الندوة‪ ،‬دار المالك‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪ ‬لبنان‪ ،‬ط‪1997 ،1‬م‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.240‬‬
‫الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.20‬‬
‫م‪.‬ن‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.50‬‬
‫أنظر‪ :‬فضل الله‪ ،‬السيد محمد حسين فضل الله‪ ،‬الندوة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.239‬‬
‫‪232‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ومع أنّه يبدو‪ ‬ـ‪ ‬ألول وهلة‪ ‬ـ‪ ‬أنّ صاحب هذا الرأي ينكر فكرة البطون من‬
‫يصرح في بداية كالمه‪ ،‬بيد أنّ التأمل في مجموع كالمه وفي‬
‫أساسها‪ ،‬كما‬
‫ّ‬
‫استدراكه بعد ذلك جعلنا نطرح رأيه في عداد النظريات الواردة في تفسير البطون‪.‬‬

‫النظرية هي أنّ حصر تفسير الباطن بما‬
‫نسجلها على هذه‬
‫والمالحظة التي ّ‬
‫ّ‬
‫يستفاد من الكالم على نحو األولوية هو رهن عدم تمامية النظريات الالحقة‪ ،‬فلو‬
‫تمت إحداها بالدليل فال يكون ثمة وجه لحصر تفسير البطون باإليحاءات ما دام‬
‫ّ‬
‫مفهوم الباطن يسع الجميع‪.‬‬

‫هذا باإلضافة إلى إشكال آخر وهو أنّ األولوية ال تنحصر بالنص القرآني فال‬
‫يكون ذلك من خصائص القرآن‪ ،‬مع أنّ المستفاد من روايات البطون هو أنّ ذلك‬
‫هو خصوصية للنص القرآني‪.‬‬

‫نظرية المصاديق‬

‫العامة التي‬
‫والنظرية السادسة في المقام‪« :‬أنّ البطون هي مصاديق المعاني‬
‫ّ‬
‫ُو ِضعت ألفاظ القرآن لها‪ ،‬فإنّ لفظ السبيل‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬الموجود في القرآن‪ ،‬موضوع‬
‫لمعنى عام‪ ،‬وهو ما ُسلك فيه إلى الغاية‪ ،‬فكما أنّ الطريق الذي يسلك فيه سبيل‪،‬‬
‫أئمة الهدى ‪ R‬الذين يسلك بهم إلى الله هم السبيل األعظم إليه»(‪،)1‬‬
‫كذلك ّ‬
‫األول‬
‫وهذا التفسير للبطون معقول ومقبول في نفسه‪ ،‬إال أنّه قد يبتلي باإلشكال ّ‬
‫على نظرية اللوازم‪ ،‬باعتبار أنّ تعدد المصاديق ليس خاصي ًة للنص القرآني وحده‪،‬‬
‫وإنّما تجري فيه وفي جوامع كالم رسول الله‪P‬‬
‫واألئمة من أهل البيت‪،R‬‬
‫ّ‬
‫وربما في كالم غير المعصوم أيض ًا‪.‬‬
‫ّ‬
‫((( أنظر‪ :‬راضي‪ ،‬الشيخ محمد طاهر‪ ،‬بداية الوصول إلى شرح كفاية األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪ ،162‬واحتمل هذا التفسير أيض ًا المحقق العراقي‪ .‬أنظر‪ :‬البروجردي‪ ،‬الشيخ محمد تقي‪،‬‬
‫نهاية األفكار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.117‬‬
‫‪233‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫نظرية األعماق‬

‫ربما تكون أقرب‬
‫إلى ما ّ‬
‫ثمة نظري ًة سابع ًة في تفسير البطون‪ّ ،‬‬
‫تقدم‪ ،‬فإنّ ّ‬
‫النص ومضامينه‬
‫النظريات إلى الصواب‪ ،‬وحاصلها‪ :‬أنّ البطون هي أعماق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سيالة‬
‫بالتدبر‬
‫يتوصل إليها العقل اإلنساني‬
‫ّ‬
‫المتعددة التي ّ‬
‫ّ‬
‫والتفكر‪ ،‬وهي مضامين ّ‬
‫وسر إعجازه‪.‬‬
‫ّ‬
‫متجددة ومتدفّقة ال ينضب معينها‪ ،‬وهذه هي ميزة القرآن ّ‬
‫وفيما يلي نذكر مثا ً‬
‫ال نستعيره من السيد الطباطبائي لتوضيح فكرة األعماق‪،‬‬
‫﴿و ْاع ُبدُ وا الل َه َولاَ تُشْ ِر ُكوا بِ ِه‬
‫يقول‪ M‬في بيان معنى الباطن‪« :‬يقول الله تعالى‪َ :‬‬
‫َش ْيئًا﴾ [النساء‪ ،]36:‬ظاهر هذا الكالم‪ ،‬النهي عن العبادة العادية لألصنام‪ ،‬ويقول‬
‫اج َتنِبوا الر ْجس ِم َن َ‬
‫األ ْو َث ِ‬
‫بالتأمل والتحليل‪،‬‬
‫ان﴾ [الحج‪ ،]30:‬ولكن‬
‫ّ‬
‫سبحانه‪َ ﴿ :‬ف ْ ُ ِّ َ‬

‫ُيعلم أنّ عبادة األصنام ممنوعة ألنّها خضوع وذل أمام غير الله‪ ،‬وال خصوصية‬
‫عد الله تعالى طاعة الشيطان عباد ًة له‪ ،‬قال‪َ :‬‬
‫﴿أ َل ْم َأ ْع َه ْد‬
‫لكون المعبود صنم ًا‪ ،‬كما ّ‬
‫الش ْي َطانَ ﴾ [يس‪ .]60:‬وبتحليل آخر‪ ،‬يعلم أنّه ال‬
‫إِ َل ْي ُك ْم َيا َبنِي َآ َد َم َأ ْن لاَ ت َْع ُبدُ وا َّ‬
‫فرق في طاعة اإلنسان وخضوعه بين نفسه وغيره‪ ،‬فكما أنّه ال تجوز طاعة الغير‪،‬‬
‫كذلك ال تجوز طاعة رغبات النفس مقابل الله تعالى‪ ،‬كما يشير الله تعالى إلى‬
‫ذلك‪َ :‬‬
‫﴿أ َف َر َأ ْي َت َم ِن ا َّت َخ َذ إِ َل َه ُه َه َوا ُه﴾ [الجاثية‪ .]23:‬وبتحليل أكثر دق ًة‪ ،‬يعلم أنّه‬
‫يجب أن ال ُيلتفت إلى غير الله تعالى أبد ًا‪ ،‬وأن ال يغفل عنه أبد ًا‪ ،‬ألنّ‬
‫التوجه إلى‬
‫ّ‬
‫غير الله‪ ،‬معناه إعطاؤه االستقاللية والخضوع وإظهار ّ‬
‫الذل أمامه‪ ،‬وهذا اإليمان‬
‫﴿و َل َق ْد َذ َر ْأ َنا لِ َج َه َّن َم َكثِير ًا ِّم َن ا ْل ِج ِّن َوا ِ‬
‫إل ِ‬
‫نس‬
‫هو روح العبادة‪ ،‬يقول الله تعالى‪َ :‬‬
‫وب َّال َي ْف َق ُهونَ بِ َها َو َل ُه ْم َأ ْع ُي ٌن َّال ُي ْب ِص ُرونَ بِ َها َو َل ُه ْم آ َذانٌ َّال َي ْس َم ُعونَ بِ َها‬
‫َل ُه ْم ُق ُل ٌ‬
‫ُأ ْو َلـئِ َك َك َ‬
‫األن َْعا ِم َب ْل ُه ْم َأ َض ُّل ُأ ْو َلـئِ َك ُه ُم ا ْلغَ ِاف ُلونَ ﴾ [األعراف‪.)1(»]179:‬‬
‫((( الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬القرآن في اإلسالم‪ ،‬تعريب‪ :‬الشيخ أحمد وهبي‪ ،‬دار الوالء‪،‬‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1422 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪ 35‬ـ‪.36 ‬‬
‫‪234‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫وهذه النظرية ترتكز على ركيزتين أساسيتين‪:‬‬

‫الركيزة األولى‪ :‬أنّ‬
‫النص القرآني ي ّتسم باإلحكام واإلتقان‪ ،‬والشمولية‬
‫ّ‬
‫نص آخر‪ ،‬والمعاني القرآنية في‬
‫والعمق‪ ،‬والمرونة والحيوية‪ ،‬بما ال يتوفّر في ّ‬
‫أي ّ‬
‫ٍ‬
‫طبيعي‪ ،‬ألنّه نص إلهي يم ّثل الرسالة الخاتمة‪،‬‬
‫أمر‬
‫وتوالد‬
‫تدف ٍّق دائمٍ‬
‫مستمر‪ ،‬وهذا ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومن الطبيعي أنّه «ك ّلما ارتفع مستوى المعرفة لدى المتك ّلم‪ ،‬وازداد علمه وثقافته‪،‬‬
‫ارتفعت معاني كالمه‪ ،‬وكثرت مدلوالت ألفاظه‪ .‬فالباحثون في تفسير القوانين‬
‫ونصوص االتفاقيات‪ ،‬يعتمدون ً‬
‫مبدأ قطعي ًا‪ ،‬وهو أنّ واضعي القوانين وكاتبي‬
‫حد ًا ّ‬
‫يتعمقوا في‬
‫يمكن‬
‫االتفاقيات‪ ،‬بلغوا من الخبرة والثقافة ّ‬
‫المفسرين من أن ّ‬
‫ّ‬
‫صادر عن العليم الخبير الذي‬
‫معاني كلماتهم»(‪ .)1‬وعليه‪ ،‬فالكالم اإللهي‪ ،‬بما أنّه‬
‫ٌ‬
‫ونور ال‬
‫ونبع ال ينقطع‪،‬‬
‫﴿و ِس َع ُك َّل َش ْي ٍء ِع ْل ًما﴾ [طه‪ ،]98:‬فهو ٌ‬
‫َ‬
‫كنـز ال ينفد‪ٌ ،‬‬
‫ٌ‬
‫ويتفكر فيه ما وسعه‪ ،‬باذ ً‬
‫ّ‬
‫ال الجهد‬
‫يتدبر‬
‫يخبو‪ ،‬وللقارئ أو المستمع لكالم الله أن ّ‬
‫وتلمس أبعاده‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فلن يبلغ الغاية‪ ،‬فنحن أمام «بح ٍر‬
‫في اكتشاف أعماقه‪ّ ،‬‬
‫ال يدرك قعره»‪.‬‬
‫والتعرف‬
‫الركيزة الثانية‪ :‬إنّ االستلهام من هدي القرآن‪ ،‬واالغتراف من معينه‪،‬‬
‫ّ‬
‫إلى مضامينه‪ ،‬يتفاوت تبع ًا لتفاوت أفهام ال ّناس واختالف مداركهم(‪ّ ،)2‬‬
‫فكل‬
‫﴿أن َْز َل ِم َن الس َم ِ‬
‫يغترف حسب طاقته‪ ،‬ويستقي مقدار ما يسع إناؤه‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬‬
‫اء‬
‫َّ‬
‫َ ِ‬
‫النص القرآني‬
‫تدبر اإلنسان في ّ‬
‫َم ًاء َف َسا َل ْت أ ْود َي ٌة بِ َقدَ ِر َها﴾ [الرعد‪ ،]17:‬وك ّلما ّ‬
‫استزاد واستفاد أكثر‪ ،‬وانفتحت أمامه ٌ‬
‫آفاق جديدة‪ ،‬وك ّلما قرأه قراء ًة واعي ًة في‬
‫ضوء المعطيات الواقعية‪ ،‬وفي ضوء الخبرات اإلنسانية المتراكمة‪ ،‬آخذ ًا بنظر‬

‫(( ( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد موسى‪ ،‬أبجدية الحوار «محاضرات وأبحاث»‪ ،‬إعداد‪ :‬حسين شرف الدين‪،‬‬
‫مركز اإلمام الصدر لألبحاث والدراسات‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1997 ،2‬م‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫((( أنظر‪ :‬المنتظري‪ ،‬الشيخ حسين علي‪ ،‬نهاية األصول‪ ،‬تقرير ًا لبحوث السيد حسين البروجردي‪،‬‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ص‪ .65‬وربما كان البروجردي من أوائل القائلين بهذه النظرية‪.‬‬
‫‪235‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫االعتبار أنّه كالم رب العالمين وليس كالم ًا بشري ًا‪ ،‬فإنّه سوف يشعر بغزارة‬
‫ومستجداته‪ ،‬تفتح فضاءات جديدة أمام‬
‫المعاني وتدفّقها‪ ،‬فإنّ معطيات الواقع‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫جامعة‪ :‬إنّ هناك عالق ًة‬
‫وبعبارة‬
‫النص‪ ،‬لجهة تكشّ ف معانيه ومضامينه ومقاصده‪.‬‬
‫ّ‬
‫وتوجهه‪ ،‬فإنّ‬
‫بالنص تضيء الواقع‬
‫النص والواقع‪ ،‬وكما أنّ المعرفة‬
‫ّ‬
‫وطيد ًة بين ّ‬
‫ّ‬
‫المعرفة بالواقع بدورها تفتح مغلقات النص وتُظهر مكنوناته‪ ،‬ما يسمح باالستزادة‬
‫المستمرة من معينه وهديه‪.‬‬

‫البطون وتقادم الزمان‬

‫تطور العلوم وتراكم‬
‫وفي ضوء ذلك‪ ،‬ي ّتضح أنّ تقادم الزمان‪ ،‬وما يرافقه من ّ‬
‫النص القرآني‪ ،‬وتحويل باطنه إلى‬
‫كبير في إبراز مكنونات‬
‫ّ‬
‫الخبرات‪ ،‬له ٌ‬
‫دور ٌ‬
‫يفسره الزمان»‪ ،‬أو ما ورد‬
‫ظاهر‪ ،‬وهذا معنى ما ورد عن ابن عباس‪ ،‬أنّ «القرآن ّ‬
‫حي ال يموت‪ ،‬وأنّه‬
‫في الروايات عن األئمة من أهل البيت ‪ ،R‬من أنّ القرآن ٌّ‬
‫«إن القرآن‬
‫يجري كما يجري الليل وال ّنهار‪ ،‬ففي الخبر عن اإلمام الصادق‪ّ :Q‬‬
‫حي لم يمت‪ ،‬وإنّه يجري كما يجري الليل والنهار‪ ،‬وكما يجري الشمس والقمر‪،‬‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا» ‪.‬‬

‫حي ٌة ال‬
‫وفي الحديث عن أبي جعفر‪ّ :Q‬‬
‫حي ال يموت‪ ،‬واآلية ّ‬
‫«إن القرآن ٌّ‬
‫تموت‪ ،‬فلو كانت اآلية إذا نزلت في قو ٍم ماتوا ماتت اآلية‪ ،‬لمات القرآن‪ ،‬ولكن‬
‫هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»(‪.)2‬‬

‫تتكشف ّ‬
‫كل أعماقها‬
‫تنص بعض األحاديث‪ ،‬على أنّ بعض اآليات لن َّ‬
‫وهكذا ّ‬
‫متعمقين‪ ،‬يرعف بهم الزمان‪ ،‬وتجود بهم األيام‪ ،‬ففي‬
‫إال على يدي قو ٍم متبصرين ّ‬
‫الخبر عن اإلمام زين العابدين‪ ،Q‬وقد سئل عن التوحيد؟‬
‫(( ( المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،35‬ص‪.404‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،35‬ص‪.403‬‬
‫‪236‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫عز ّ‬
‫متعمقون‪ ،‬فأنزل ﴿ ُق ْل‬
‫قال‪ّ :‬‬
‫«إن الله ّ‬
‫وجل علم أنّه يكون في آخر الزمان ٌ‬
‫أقوام ّ‬
‫﴿و ُه َو َع ِل ٌيم﴾‬
‫ُه َو الل ُه َأ َحدٌ ﴾ [االخالص‪ ،]1:‬واآليات من سورة الحديد إلى قوله َ‬
‫[الحديد‪.)1(»]6:‬‬

‫التأويل‪ :‬أداة استنباط‬

‫وتطور المعارف اإلنسانية دور ًا أساسي ًا في تكشّ ف‬
‫وكما أنّ لتقدم الزمان‬
‫ّ‬
‫النص القرآني وأعماقه‪ ،‬فإنّ‬
‫التدبر‪ ،‬أو قل التأويل‪ ،‬يلعب هو اآلخر دور ًا‬
‫بطون ّ‬
‫ّ‬
‫أساسي ًا في بلوغ هذه األعماق وتظهيرها‪ .‬إذ ًا‪ ،‬هنا يأتي دور التأويل‪ ‬ـ‪ ‬بمعناه‬
‫المتجددة‪ ،‬ومن هنا نفهم ما‬
‫غوي‪ ‬ـ‪ ‬كجهد تفسيري يحاول تفسير اآلية بمآالتها‬
‫ّ‬
‫ال ّل ّ‬
‫جاء في بعض الروايات‪ ،‬من أنّ «بطنه تأويله»‪ ،‬كما أنّ «ظهره تنـزيله»(‪ ،)2‬وهكذا‬
‫َ‬
‫نفهم اعتبار بعض العلماء‬
‫التأويل أحد األقوال في تفسير البطون(‪.)3‬‬
‫إنّنا نفهم ذلك‪ ،‬على الرغم من أنّ التأويل في حقيقته ليس بطن ًا‪ ،‬وإنّما هو أداة‬
‫النص واستنطاقه وبلوغ أعماقه‪.‬‬
‫اكتشاف واستنباط‪ .‬التأويل هو االجتهاد في فهم ّ‬

‫نظرية جامعة‬

‫المتقدمة‬
‫إنّ هذه النظرية ـ أعني نظرية األعماق ـ تستوعب مجمل النظريات‬
‫ّ‬
‫في تفسير الباطن‪ ،‬كنظرية اإليحاءات أو اللوازم ـ على فرض صحتها ـ كما أنّها‬
‫تستوعب نظري ًة أخرى‪ ،‬وهي تفسير الباطن بالمواعظ المستفادة من القصص‬
‫واألمثال القرآنية‪،‬‬
‫فالقصة هي الظاهر‪ ،‬والموعظة المستفادة منها هي الباطن(‪.)4‬‬
‫ّ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫الكليني‪ ،‬محمد بن يعقوب‪ ،‬الكافي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.91‬‬
‫المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،89‬ص‪.97‬‬
‫الرضي‪ ،‬محمد بن الحسين الموسوي‪ ،‬المجازات النبوية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.51‬‬
‫المصدر نفسه‪.‬‬
‫‪237‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫وفي ضوء هذه النظرية الجامعة‪ ،‬ي ّتضح أيض ًا ما جاء في الرواية عن اإلمام‬
‫الباقر‪ ،Q‬حيث شرح الظاهر والباطن بالقول‪« :‬ظهره الذين نزل فيهم‬
‫القرآن‪ ،‬وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم‪ ،‬يجري فيهم ما نزل في أولئك»(‪،)1‬‬
‫فما تطرحه هذه الروايات وتلك األقوال‪ ،‬هو مصاديق للبطون أو األعماق‬
‫القرآنية‪.‬‬

‫عالقة الباطن بالظاهر‬

‫يبقى أنّه كيف نفهم عالقة الباطن بالظاهر؟ وهل إنّ البطون هي امتداد لعالم‬
‫الظاهر وانعكاس له‪ ،‬أو إنّها من سنخ الحقائق األجنبية والبعيدة عن اللفظ‪ ،‬وإن‬
‫كان يرمز إليها بطريقة ما؟‬

‫ٍ‬
‫متعددة بعيدة عن المعنى‬
‫معان باطنية‬
‫الصحيح هو األول‪ ،‬فليس للكلمة‬
‫ّ‬
‫متنوعة‪ ،‬وال سبيل‬
‫اللغوي‪ ،‬وإنّما هو معنى واحد ذو أعماق ّ‬
‫متعددة وإيحاءات ّ‬
‫التعرف إلى البطون‪،‬‬
‫إليها إال من خالل الظاهر‪ّ ،‬‬
‫وأما تجاوز الظاهر في محاولة ّ‬
‫فإنّه ّ‬
‫النص‪ ،‬ما قد ُيوقع صاحبه في‬
‫يشكل انحراف ًا وخروج ًا على قواعد قراءة‬
‫ّ‬
‫متاهات الباطنية وشطحاتهم التأويلية التي ال ضابط لها‪ ،‬بل هي أقرب إلى األوهام‬
‫والتخيالت‪ .‬إنّ فهم العالقة بين الباطن والظاهر‪ ،‬هو ضابط اإليقاع الذي يحول‬
‫ّ‬
‫دون تس ّلل األفكار الباطنية التي يسعى أصحابها إلى التف ّلت من ظاهر الشريعة‬
‫وأطرها‪ ،‬تحت غطاء مقولة شرعية‪ ،‬وهي مقولة ابتناء القرآن على ثنائية الظاهر‬
‫والباطن‪.‬‬
‫فالظاهر‪ ‬ـ‪ ‬إذ ًا‪ ‬ـ‪ ‬هو جسر العبور إلى الباطن‪ّ ،‬أما االحتمال الذي أورده األخوند‬
‫ٍ‬
‫عالقة بين باطن اللفظ وظاهره‪ ،‬وأنّ‬
‫الخراساني وهو احتمال يقضي بنفي أية‬

‫((( الصدوق‪ ،‬محمد بن الحسين (ت ‪381‬هـ)‪ ،‬معاني األخبار‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي أكبر الغفاري‪ ،‬مؤسسة‬
‫النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪1361 ،‬هـ ش‪ ،‬ص‪.259‬‬
‫‪238‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ٌ‬
‫احتمال‬
‫البطون مرادة في أنفسها حال استعمال اللفظ في المعنى (‪ ،)1‬فهو‬
‫مرفوض‪ ،‬باعتبار أنّ نفي العالقة بين الباطن والظاهر‪ ،‬هو في حقيقته نفي للباطن‪،‬‬
‫ألي شيء إذا كان أجنبي ًا عن اللفظ وال عالقة له به؟!‬
‫إذ هو ٌ‬
‫باطن ّ‬
‫سجلها العلماء على كالم المحقق الخراساني(‪.)2‬‬
‫إلى مالحظات أخرى ّ‬

‫(( ( الخراساني‪ ،‬محمد كاظم (ت ‪1328‬هـ)‪ ،‬كفاية األصول‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪.38‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الفياض‪ ،‬الشيخ إسحاق‪ ،‬محاضرات في أصول الفقه‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.239‬‬
‫‪239‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪3‬‬
‫التأويل‬
‫منهج ًا وضوابط‬

‫بد من‬
‫هل يمكن اعتماد منهج التأويل في تفسير النصوص الدينية‪ ،‬أم ال ّ‬
‫الجمود على الظاهر؟ وإذا كان التأويل مشروع ًا‪ ،‬فما هي ضوابطه وشروطه؟ وما‬
‫هي مساحته وحدوده؟ هذه األسئلة وسواها‪ ،‬نحاول اإلجابة عنها فيما يأتي‪.‬‬

‫المدلول ال ّلغوي للتأويل‬

‫التأويل لغ ًة‪ :‬هو التفسير بالمآل‪ ،‬وقد ورد في الكتاب والس َّنة بهذا المعنى‪،‬‬
‫(‪)1‬‬
‫األول‪ :‬أي الرجوع إلى األصل‪،‬‬
‫يقول الراغب األصفهاني ‪« :‬التأويل من ْ‬
‫رد الشيء إلى الغاية المرادة‬
‫ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه‪ ،‬وذلك هو ّ‬
‫الله َوالر ِ‬
‫ْ‬
‫منه‪ِ ،‬ع ْلم ًا كان أو فع ً‬
‫اس ُخونَ‬
‫ال‪ ،‬ففي العلم نحو‪َ :‬‬
‫﴿و َما َي ْع َل ُم تَأ ِوي َل ُه إِلاَّ ُ َّ‬
‫ِفي ِ‬
‫﴿ه ْل َي ْن ُظ ُرونَ إِلاَّ ت َْأ ِوي َل ُه َي ْو َم َي ْأتِي‬
‫الع ْل ِم﴾ [آل عمران‪ ،]7:‬وفي الفعل‪َ :‬‬
‫ْ‬
‫وثمة‬
‫تَأ ِوي ُل ُه‪[ ﴾..‬األعراف‪ ،]53:‬أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه‪ّ ،»..‬‬
‫آيات أخرى استخدمت لفظ التأويل بمعناه اللغوي المشار إليه(‪ .)2‬وبهذا‬
‫«إن فيكم‬
‫المعنى ورد أيض ًا في الس ّنة‪ ،‬ففي الحديث عن رسول الله‪ّ :P‬‬
‫(( ( األصفهاني‪ ،‬الحسين بن محمد (ت ‪502‬هـ)‪ ،‬المفردات في غريب القرآن‪ ،‬دفتر نشر‬
‫الكتاب‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1404 ،2‬هـ‪ ،‬ص ‪.31‬‬
‫((( راجع‪ :‬سورة يوسف‪ :‬اآلية ‪.100 ،36 ،6‬‬
‫‪240‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ٍ‬
‫واحد من‬
‫فتشوف غير‬
‫من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنـزيله»‪،‬‬
‫ّ‬
‫الصحابة ليكون هو المعني بذلك‪ ،‬لك ّنه‪ P‬أشار إلى علي‪.)1(Q‬‬

‫وتبدله‬
‫تطور المعنى ّ‬
‫ّ‬

‫والذي حصل مع لفظ التأويل‪ ،‬أنّه ـ كما هو الحال في كثي ٍر من الكلمات ـ لم‬
‫ّ‬
‫أول تغيير جوهري‬
‫يحافظ على معناه اللغوي‪ ،‬بل طرأ عليه التغيير والتبديل‪.‬‬
‫ولعل ّ‬
‫عرض للكلمة‪ ،‬هو استخدامها بما يرادف االجتهاد‪ ،‬في محاولة لتبرير مخالفات‬
‫بعض الصحابة أو غيرهم للكتاب والس ّنة‪ ،‬فقد كان العذر التخفيفي الذي ُي َ‬
‫عطى‬
‫تأول فأخطأ»‪ ،‬وعلى سبيل‬
‫لمن ارتكب مخالف ًة ما لمنطوق القرآن أو فحواه‪« :‬أنّه ّ‬
‫َ‬
‫مالك بن نويرة‪ ،‬وسبى زوجته‪ ،‬جاء خالد إلى‬
‫خالد بن الوليد‬
‫لما َق َت َل‬
‫ُ‬
‫المثال‪ّ ،‬‬
‫تأولت»‪ ،‬فاقتنع الخليفة بهذا‬
‫الخليفة أبي بكر معتذر ًا عن فعله هذا بالقول‪« :‬إنّي ّ‬
‫الحد على خالد‪ ،‬فدافع‬
‫وأصر على إقامة‬
‫لكن عمر بن الخطاب لم يقنع‪،‬‬
‫ّ‬
‫العذر‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫عنه أبو بكر قائ ً‬
‫تأول فأخطأ»(‪.)2‬‬
‫ال‪« :‬ما كنت ألرجمه‪ ،‬فإنّه ّ‬

‫حول الكلمة إلى مصطلح‬
‫تطو ٍر آخر لمعنى (التأويل)‪ ‬ـ‪ ‬وهو‬
‫التطور الذي ّ‬
‫ّ‬
‫وفي ّ‬
‫معروف لدى علماء المسلمين‪ ‬ـ‪ ‬أصبحت تعني‪« :‬حمل ال ّلفظ على خالف‬
‫استقر هذا االصطالح في األذهان‪ ،‬مع أنّه ـ بالتأكيد ـ اصطالح‬
‫ظاهره»‪ ،‬وقد‬
‫ّ‬
‫(‪)3‬‬
‫التنبه إلى االصطالحات الموضوعة على‬
‫حادث ‪ .‬وقد أشرنا سابق ًا إلى ضرورة ُّ‬
‫خالف المعنى العرفي واللغوي؛ ألنّ الغفلة عن ذلك قد تخلق إرباك ًا وتشويش ًا‪،‬‬
‫وتتسبب في ضياع الحقيقة لدى األشخاص الذين َأنِسوا بالمصطلح الجديد‪،‬‬
‫ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬ابن حنبل‪ ،‬أحمد‪ ،‬مسند أحمد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.33‬‬
‫((( أنظر‪ :‬المتقي الهندي‪ ،‬علي بن حسام‪ ،‬كنز العمال‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪.619‬‬
‫صرح بذلك‪ :‬الخوئي‪ ،‬أبو القاسم‪ ،‬البيان في تفسير القرآن‪ ،‬دار الزهراء بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪،4‬‬
‫((( ‬
‫َّ‬
‫‪1975‬م‪ ،‬ص‪ ،224‬والطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬الميزان في تفسير القرآن‪ ،‬الطبعة‬
‫الخامسة‪ ،‬مؤسسة األعلمي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪1983 ،‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.7‬‬
‫‪241‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫يتوجهوا إلى المعنى اللغوي‪.‬‬
‫وأصبح هو المتبادر إلى أذهانهم‪ ،‬ونسوا أو لم ّ‬

‫وربما وقع بعض العلماء ضحايا هذا االلتباس‪ ،‬كما هو حال الجرجاني في‬
‫كتابه (التعريفات)‪ ،‬حيث قال‪« :‬التأويل في الشرع‪ :‬صرف اللفظ عن معناه الظاهر‬
‫إلى‪ ،)1( »..‬فترى أنّه أسبغ على التعريف المذكور لبوس ًا شرعي ًا‪ ،‬مع أنّ الشرع ليس‬
‫خاص بالنسبة إلى لفظ التأويل‪ ،‬وإنّما استخدمه بمعناه اللغوي‬
‫لديه اصطالح‬
‫ّ‬
‫المتشرعة‪،‬‬
‫كما ذكرنا‪ .‬أجل‪ ،‬ما ذكره من التعريف‪ ،‬هو اصطالح علماء الشرع أو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ولعل مقصوده ذلك‪.‬‬
‫وليس الشرع نفسه‪،‬‬

‫الحاجة إلى التأويل‬

‫الملح في المقام‪ ،‬وهو‪ :‬ما‬
‫المقدمة الضرورية‪ ،‬نأتي إلى السؤال‬
‫باتضاح هذه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النص عن ظاهره؟ وما‬
‫وجه الحاجة إلى التأويل بالمعنى المصطلح‪ ،‬أعني صرف ّ‬
‫هو الدليل على مشروعيته؟‬

‫الحقيقة أنّ فكرة التأويل هذه ابتدعها العقل اإلسالمي‪ ،‬بهدف إيجاد ّ‬
‫حل‬
‫لمشكلة التنافي بين العقل والنقل‪ ،‬أو بين األدلة القطعية وما ينافيها من ظواهر‬
‫(‪)2‬‬
‫النص بما ال يتنافى ومعطيات العقل‪ ،‬وبذلك‬
‫يتم تأويل‬
‫ّ‬
‫النصوص ‪ ،‬حيث ّ‬
‫سجل االتجاه التأويلي الذي تب ّناه فرسان العقالنية في اإلسالم ـ أعني الشيعة‬
‫ّ‬
‫النص أو محاكمته‪ ،‬ومن‬
‫والمعتزلة(‪ )3‬ـ انتصار ًا‬
‫لمرجعية العقل‪ ،‬سواء في تفسير ّ‬
‫ّ‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الجرجاني‪ ،‬الشريف علي بن محمد الحسيني (ت ‪816‬هـ)‪ ،‬كتاب التعريفات‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫الدكتور محمد عبد الرحمن المرعشلي‪ ،‬دار النفائس‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪ ،2003 ،1‬ص‪.112‬‬
‫((( أنظر على سبيل المثال‪ :‬الرازي‪ ،‬محمد بن عمر المعروف بالفخر الرازي‪( ،‬ت ‪606‬هـ)‪ ،‬التفسير‬
‫الكبير دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪ ،3‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪170‬؛ والمرتضى‪ ،‬علي‬
‫بن الحسين‪ ،‬رسائل الشريف المرتضى‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬دار القرآن الكريم‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1405‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.121 ،113‬‬
‫((( يطلق البعض على المعتزلة أنّهم فرسان العقالنية اإلسالمية (عمارة‪ ،‬الدكتور محمد‪ ،‬مقام العقل‬
‫‪242‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫المرجح أن يكون لحال الجمود والحرفية والشكالنية الذي تعاملت به بعض‬
‫ّ‬
‫المدارس اإلسالمية إزاء ظواهر النصوص‪ ،‬أثر قوي في تعزيز االتجاه العقلي‬
‫التأويلي‪ ،‬والعكس قد يكون صحيح ًا أيض ًا‪ ،‬كما يرى الشهرستاني في تأكيده‬
‫أنّ توغّ ل المعتزلة في علم الكالم وقولهم بالقدر ونفي الصفات وخلق القرآن‪،‬‬
‫أوجد ارتباك ًا عند «السلف من أصحاب الحديث»‪ ،‬فحاروا في «تقرير مذهب‬
‫أهل الس ّنة» إزاء متشابهات القرآن والحديث‪ ،‬فتوقف جماعة‪ ‬ـ‪ ‬منهم أحمد بن‬
‫حنبل وداود بن علي األصفهاني‪ ‬ـ‪ ‬عن الخوض في تفسير المتشابه‪ ،‬وآمنوا به على‬
‫ظاهره‪ ،‬رافضين الدخول في تأويله(‪ ،)1‬بل إنّ اإلمام أحمد على ما يذكر ابن تيمية‪،‬‬
‫قد أ ّلف كتاب ًا في الر ّد على أهل التأويل سماه‪« :‬الر ّد على الزنادقة والجهمية فيما‬
‫ّ‬
‫شكت فيه من متشابه القرآن»‪ ،‬وتأولته على غير تأويله‪ ،‬فعاب عليهم أحمد‪ ‬ـ‪ ‬كما‬

‫يقول ابن تيمية‪ ‬ـ‪ ‬أنّهم «يفسرون القرآن بغير ما هو معناه»(‪ ،)2‬وهذا النحو من‬
‫التأويل‪ ،‬رأى فيه ابن تيمية نوع ًا من تحريف الكلم عن مواضعه‪.‬‬

‫اإلفراط والتفريط‬

‫إزاء الموقف السلبي الذي ا ّتسمت به المدرسة الظاهرية في رفضها ّ‬
‫لكل‬
‫ّ‬
‫ثمة مدرس ًة أخرى مقابلة فتحت باب‬
‫أشكال التأويل‬
‫وتخطي الظاهر‪ ،‬فإنّ ّ‬
‫المتصوفة الذين‬
‫حد الشطط‪ ،‬كما هو الحال عند‬
‫التأويل على مصراعيه إلى ّ‬
‫ّ‬
‫اعتنوا ـ كما يقول الطباطبائي ـ باآليات األنفسية‪ ،‬وأهملوا الظاهر وآياته‬
‫ٍ‬
‫اآلفاقية‪ ،‬فاقتصروا على التأويل وأهملوا التنـزيل‪ ،‬واستد ّلوا ّ‬
‫شيء على‬
‫بكل‬

‫في اإلسالم‪ ،‬نهضة مصر‪ ،‬ط‪2009 ،2‬م‪ ،‬ص‪ ،)22‬وقد سبقه ابن تيمية إلى ذلك‪ ،‬حيث وصفهم بـ‬
‫(فرسان الكالم) (ابن تيمية‪ ،‬أحمد بن عبد الحليم (ت ‪728‬هـ)‪ ،‬نقض المنطق‪ ،‬تصحيح‪ :‬محمد‬
‫تم تغييب المدرسة‬
‫حامد الفقي‪ ،‬مكتبة السنة المحمدية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪ )10‬وقد ّ‬
‫الشيعية عن هذا الحقل‪ ،‬مع أنّ للعقل لدى هذه المدرسة مكانة خاصة‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫(( ( الشهرستاني‪ ،‬محمد بن عبد الكريم‪ ،‬الملل والنحل‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.146‬‬
‫((( ابن تيمية‪ ،‬نقض المنطق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.58‬‬
‫‪243‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٍ‬
‫ّ‬
‫مجرئين ـ بذلك ـ ال ّناس على التأويل‪ ،‬ح ّتى آل األمر إلى تفسير‬
‫شيء‪،‬‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫الجمل وعلم الحروف(‪.)1‬‬
‫اآليات بحساب ُ‬

‫ويمكن لنا تصنيف الموقفين المذكورين ضمن دائرتي اإلفراط والتفريط‪ ،‬ما‬
‫يعني رفضهما مع ًا‪.‬‬

‫مع الرافضين للتأويل‬

‫ّأما الموقف السلبي الرافض لمبدأ التأويل‪ ،‬فهو يفتقر إلى الدليل؛ ألنّ ما‬
‫ّ‬
‫ولعل عمدة‬
‫الم ّدعى‪،‬‬
‫تمسكوا به لذلك‪ ،‬هو‬
‫مجرد شبهات ال تنهض إلثبات ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دليلهم على ذلك‪:‬‬

‫﴿ه َو ا َّل ِذي َأن َْز َل َع َلي َك ِ‬
‫ات ُه َّن ُأ ُّم‬
‫ات ُم ْح َك َم ٌ‬
‫اب ِم ْن ُه َآ َي ٌ‬
‫‪ 1‬ـ‪  ‬قوله تعالى‪ُ :‬‬
‫الك َت َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫الك َت ِ‬
‫ين ِفي ُق ُلوبِ ِه ْم زَ ْيغٌ َف َي َّتبِ ُعونَ َما ت ََشا َب َه ِم ْن ُه ْابتِغَ َاء‬
‫اب َو ُأ َخ ُر ُم َت َشابِ َه ٌ‬
‫ات َف َأ َّما ا َّل ِذ َ‬
‫الف ْت َن ِة َوابتِغَ َاء ت َْأ ِو ِيل ِه َو َما َيع َلم ت َْأ ِوي َل ُه إِلاَّ الل ُه َوالر ِ‬
‫ِ‬
‫اس ُخونَ ِفي ِ‬
‫الع ْل ِم َي ُقو ُلونَ َآ َم َّنا بِ ِه‬
‫ْ‬
‫ْ ُ‬
‫َّ‬
‫ُك ٌّل ِم ْن ِع ْن ِد َر ِّب َنا َو َما َي َّذ َّكر إِلاَّ ُأو ُلو َ‬
‫األ ْل َب ِ‬
‫اب﴾ [آل عمران‪.]7:‬‬
‫ُ‬

‫و ُيالحظ‪ :‬أنّ هذه اآلية ال تمنع من تأويل المتشابه إال لمن كان في قلبه زيغٌ ‪،‬‬
‫نصت اآلية على أنّه‬
‫و َيق ُ‬
‫ْص ُد من تأويله إثارة الفتنة دون الرجوع إلى المحكم الذي ّ‬
‫ّأم الكتاب‪ ،‬مما هو ظاهر في كونه مرجع ًا في تفسير المتشابه وفهمه‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ‪  ‬إنّ التأويل محال على الله سبحانه‪« ،‬ألنه إذا تكلم بالكالم الذي يفهم منه‬
‫معنى‪ ،‬وأعاده مرات كثيرة‪ ،‬وخاطب به الخلق ك ّلهم‪ ،‬وفيهم الذكي والبليد والفقيه‬
‫ّ‬
‫ويتفكروا فيه‬
‫وغير الفقيه‪ ،‬وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه‬
‫ثم أوجب أنْ ال يعتقدوا بهذا الخطاب شيئ ًا من ظاهره‪ ،‬ألنّ‬
‫ويعتقدوا بموجبه‪ّ ،‬‬
‫خفي ًا يستنبطه أفراد الناس ُّ‬
‫هناك دلي ً‬
‫يدل على أنه لم ُيرد ظاهره‪ ،‬كان هذا تدليس ًا‬
‫ال ّ‬
‫((( الطباطبائي‪ ،‬محمد حسين‪ ،‬تفسير الميزان‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.7‬‬
‫‪244‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫وتلبيس ًا‪ ،‬وكان نقيض البيان وضد الهدى‪ ،‬وهو باأللغاز واألحاجي أشبه منه‬
‫بالهدى والبيان‪ ،‬فكيف إذا كانت داللة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات‬
‫كثيرة من داللة ذلك الدليل الخفي على أنَّ الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان‬
‫ذلك الخفي شبه ًة ليس لها حقيقة!»(‪.)1‬‬

‫مشرع ًا على مصراعيه‪ ،‬وإنّما ُيلجأ إليه‬
‫و ُيالحظ عليه‪ :‬إنّ باب التأويل ليس َّ‬
‫في موارد خاصة مضبوطة‪ ،‬ما يمنع اللبس أو التدليس أو اختالل أسس التفهيم‬
‫والتفاهم‪ ،‬والموارد المقصودة هي حاالت التعارض بين ظاهر النص وحكم‬
‫العقل القطعي‪ ،‬والعقل يشكل حج ًة في فهم النص بإقرار صاحب النص نفسه‪،‬‬
‫من خالل دعوته المتكررة إلى التعقل والتدبر في آياته وكلماته‪ .‬إنّ تكرار األمر‬
‫بالتدبر في اآليات(‪ )2‬يختزن في ثناياه دعو ًة إلى عدم االستسالم للظهورات‬
‫الب ْدوية‪ ،‬ما يعني أنّ‬
‫التدبر الكافي فيه‪ ،‬هو مخالفة‬
‫التسرع في اعتماد الظهور قبل ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫للظهور نفسه ومقاصد صاحبه‪.‬‬

‫تقدم‪ :‬إنّ رفض مبدأ التأويل ليس فقط يفتقر إلى الدليل‪ ،‬بل‬
‫ونضيف إلى ما ّ‬
‫قائم على خالفه‪ ،‬أعني أنّه قائم على رفض الجمود على ظاهر اآليات‬
‫إنّ الدليل ٌ‬
‫المتشابهة‪ .‬يقول الطباطبائي في الر ّد على هؤالء‪« :‬والعقل ّ‬
‫يخطئهم في ذلك‪،‬‬
‫تحرض ّ‬
‫كل التحريض على التدبر‬
‫والكتاب والس َّنة ال يصدقانهم‪ ،‬فآيات الكتاب ّ‬
‫في آيات الله‪ ،‬وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر‬
‫والنظر فيها‪ ،‬واالحتجاج بالحجج العقلية‪ ،‬ومتفرقات الس َّنة المتواترة معنى‬
‫توافقها‪ ،‬وال معنى لألمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة»(‪.)3‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الشعراني‪ ،‬الميراز أبو الحسن‪ ،‬التعليقة على شرح أصول الكافي للمازندراني‪ ،‬الطبعة‬
‫األولى‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪2000 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،4‬ص ‪.73‬‬

‫((( قال تعالى‪َ :‬‬
‫﴿أ َف اَل َي َتدَ َّب ُرونَ ا ْل ُق ْر َآنَ َأ ْم َع َلى ُق ُل ٍ‬
‫وب َأ ْق َفا ُل َها﴾ [سورة محمد‪ ،]24 :‬وراجع‪[ :‬سورة النساء‪.]82 :‬‬

‫((( الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬تفسير الميزان‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،8‬ص‪.153‬‬
‫‪245‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ور ّب ٍ‬
‫قائل يسأل‪ :‬لماذا ُوجد المتشابه في القرآن؟ ألم يكن األجدى أن تكون‬
‫ُ‬
‫آياته بأجمعها محكم ًة ِّبين ًة واضحة الداللة؟‬

‫ومبررات(‪،)1‬‬
‫والجواب‪ :‬إنّ العلماء ذكروا لوقوع المتشابه في القرآن ّ‬
‫عدة فوائد ّ‬
‫ّ‬
‫لعل أقربها إلى الصواب‪ :‬أنّ بعض المطالب الغيبية العالية المضمون‪ ،‬والحقائق‬
‫المجردة‪ ،‬قد تضيق اللغة‪ ‬ـ‪ ‬في محدودية ألفاظها وتراكيبها‪ ‬ـ‪ ‬عن إيفائها حقّها في‬
‫التعبير‪ ،‬أو أنّ أفهام العامة ال تستطيع استيعاب تلك المعاني واإلحاطة بها‪ ،‬ما‬
‫يبين تلك المعاني بألفاظ مجملة متشابهة‪ ،‬تستوعب العامة‬
‫يح ّتم على الحكيم أنْ ِّ‬
‫منها ما يتناسب عقولها‪ ،‬ويبقى المجال مفتوح ًا أمام الخاصة ليصلوا بالتدبر‬
‫والتأمل إلى غور النص وعمقه الحقيقي‪.‬‬

‫ضوابط وموازين‬

‫هذا الكالم ال يعني ـ بطبيعة الحال ـ تسويغ فكرة التأويل على إطالقها‪ ،‬واستباحة‬
‫الخروج على الظاهر دون موازين أو ضوابط؛ ألنّ ذلك يساوق هدم اإلسالم‪ ،‬ولطالما‬
‫تسللت الباطنية إلى اإلسالم تحت ستار التأويل الذي يقترب في بعض اتجاهاته‬
‫من التحريف والتالعب بآيات الله واتخاذها هزو ًا‪ ،‬ما ّ‬
‫شكل غطا ًء مخادع ًا ّ‬
‫لكل‬
‫األئمة من أهل البيت‪ R‬هذا‬
‫محاوالت التف ّلت من الشريعة وضوابطها‪ ،‬وقد واجه ّ‬
‫االتجاه‪ ،‬وحاربوا رموزه دون هوادة‪ ،‬كما هو معلوم لمن راجع تاريخهم وسيرتهم‬
‫عبر الحديث التالي عن هذا المعنى بكلمة جامعة‪ ،‬فقد سئل اإلمام‬
‫وأقوالهم‪ ،‬وقد ّ‬
‫الصادق‪ ،Q‬أنه قد روي عنكم أنّ الخمر والميسر واألنصاب واألزالم رجال؟‬
‫فقال‪« :Q‬ما كان الله ليخاطب خَ ْل َقه بما ال يعقلون»(‪.)2‬‬
‫(( ( نقل الفخر الرازي عن العلماء‪ ،‬أنهم ذكروا في «فوائد المتشابهات» وجوه ًا خمسة‪ ،‬أقواها هو‬
‫مما أشرنا إليه أعاله‪ .‬أنظر‪ :‬الرازي‪ ،‬محمد بن عمر (ت ‪606‬هـ)‪،‬‬
‫الوجه الخامس‪ ،‬وهو قريب ّ‬
‫التفسير الكبير‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،7‬ص‪.172‬‬
‫((( رواه العياشي عن هشام‪ ،‬رفعه عن أبي عبد الله‪ .Q‬أنظر‪ :‬العياشي‪ ،‬محمد بن مسعود (ت‬
‫‪246‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫إنّ هذا االتجاه التأويلي المفرط في تجاوز ظواهر النصوص‪ ،‬ليس عيبه أو‬
‫خلله الوحيد هو في افتقاره إلى الدليل‪ ،‬وأنّه أقرب إلى التخمين والقول بغير‬
‫ثمة إشكا ً‬
‫ال آخر يواجهه‪ ،‬وهو عدم وجود معيار واضح ومنطقي‬
‫علم‪ ،‬بل إنَّ ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫تنبه أبو حامد الغزالي‬
‫في التفسيرات التي يتبناها أصحاب هذا االتجاه‪ ،‬وقد ّ‬
‫المؤولة اعتراض ًا مفاده أنّ باإلمكان مقابلة تأويالتهم‬
‫إلى هذا األمر‪ ،‬فأورد على‬
‫ّ‬
‫عدة أمثلة‪.‬‬
‫الفاسدة بتأويالت معاكسة‪ ،‬و َذ َك َر لذلك ّ‬

‫إنّ الكالم المنقول عن اإلمام الصادق‪« :Q‬ما كان الله ليخاطب خلقه بما‬
‫ال يعقلون»‪ ،‬يشير إلى ضابط أساسي من ضوابط التأويل‪ ،‬وهو ضرورة انسجامه‬
‫فكل تأويل ّ‬
‫النص‪ّ ،‬‬
‫يشكل خروج ًا على قواعد‬
‫مع قواعد اللغة وضوابط قراءة‬
‫ّ‬
‫النص القرآني‪ ،‬هو‬
‫اللغة في الكناية والمجاز واالستعارة‪ ،‬وال ينسجم مع بالغة ّ‬
‫تأويل مرفوض‪ ،‬بل قد يعتبر طرح ًا للقرآن ومصداق ًا لهجرانه الذي سيشكو منه‬
‫﴿و َق َ‬
‫الر ُس ُ‬
‫ول َيا َر ِّب إِ َّن َق ْو ِمي‬
‫النبي‪ P‬يوم القيامة كما ّ‬
‫يحدثنا القرآن الكريم‪َ :‬‬
‫ال َّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ورا﴾ [الفرقان‪.]30 :‬‬
‫ا َّت َخ ُذوا َه َذا ا ْل ُق ْرآنَ َم ْه ُج ً‬
‫األهمية‪ ‬ـ‪ ‬بالدرجة األولى‪ ،‬وهو أنْ «ال‬
‫وثمة ضابط أو ميزان آخر يأتي‪ ‬ـ‪ ‬في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(‪)2‬‬
‫يخرج التأويل عن حدود المنطق والعقل» ‪ ،‬كما هو الحال في بعض تأويالت‬
‫السر‪،‬‬
‫الباطنية وشطحاتهم التفسيرية‪ ،‬كتأويلهم الصوم باإلمساك عن كشف ّ‬

‫السيد هاشم الرسولي المحالتي‪ ،‬المكتبة العلمية اإلسالمية‪،‬‬
‫‪320‬هـ)‪ ،‬تفسير العياشي‪ ،‬تحقيق‪ّ :‬‬
‫طهران ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،341‬ورواه أيض ًا الكشي أيض ًا عن جعفر بن أحمد عن‬
‫الشجاعي عن الحمادي‪ ،‬رفعه إلى أبي عبد الله‪ ،Q‬أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن الحسن (ت‬
‫‪460‬هـ)‪ ،‬اختيار معرفة الرجال‪ ،‬الطبعة غير محددة‪ ،‬مؤسسة آل البيت‪ R‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪ ،578‬وعنه‪ :‬المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،24‬ص‪.300‬‬
‫(( ( الغزالي‪ ،‬أبو حامد‪( ،‬ت ‪505‬هـ)‪ ،‬فضائح الباطنية‪ ،‬المكتبة العصرية‪ ،‬صيدا ـ بيروت‪ ،‬ال‪.‬ط‪،‬‬
‫ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.64‬‬
‫((( الحسني‪ ،‬السيد هاشم معروف‪ ،‬دراسات في الحديث والمحدثين‪ ،‬دار التعارف‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪،‬‬
‫ط‪1978 ،2‬م‪ ،‬ص‪.293‬‬
‫‪247‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫والصلوات الخمس بأنّها أد ّلة على األصول األربعة وعلى اإلمام‪ ،‬والكعبة‪:‬‬
‫بالنبي‪ ،‬والباب‪ :‬بعلي‪ ،‬والصفا‪ :‬بالنبي‪ ،‬والمروة‪ :‬بعلي‪ ،‬والتلبية‪ :‬بإجابة الداعي‪،‬‬
‫التبري‬
‫والطواف سبع ًا‪ :‬هو الطواف بمحمد إلى تمام األئمة السبعة‪ ،‬والطهور هو ّ‬
‫ّ‬
‫والتنظف من اعتقاد ّ‬
‫كل مذهب سوى متابعة اإلمام‪ ،‬والتيمم‪ :‬األخذ من المأذون‬
‫إلى أن يشاهد الداعي أو اإلمام(‪ ،)1‬إلى غير ذلك من التفسيرات الباطنية للشعائر‬
‫مما ال يرتكز على قاعدة عقلية أو شرعية أو لغوية‪.‬‬
‫والعبادات‪ّ ،‬‬

‫وخالصة القول‪ :‬إنّ التأويل خالف القاعدة‪ ،‬فال يلتجئ إليه اعتباط ًا أو تعسف ًا‪،‬‬
‫ٍ‬
‫لسبب من‬
‫وإنّما يصار إليه في حال الضرورة‪ ،‬وهي عدم إمكان االلتزام بالظاهر‬
‫األسباب‪ ،‬والضرورة وإن ح ّتمت التأويل‪ ،‬لك ّنها ال تعني التف ّلت من الضوابط‬
‫وفتح المجال أمام المخيلة الخصبة لتسبح في متاهات التأويل وأغواره‪ ،‬ولذلك‬
‫يتحرك‪ ‬ـ‪ ‬أعني التأويل‪ ‬ـ‪ ‬وفق قواعد اللغة وضوابطها‪ ،‬وهذا ما ال نجد‬
‫ال ّ‬
‫بد من أن ّ‬
‫له مبرر ًا في الكثير من الموارد التي اعتمد فيها التأويل‪ ،‬حيث نالحظ أنّ باإلمكان‬
‫النص‪ ‬ـ‪ ‬بالقراءة الواعية‬
‫التماس معانيها المعقولة‪ ‬ـ‪ ‬دون الجمود على حرفية‬
‫ّ‬
‫يتضمنه من قرائن لفظية‬
‫الخاص وما‬
‫المتأنية التي ال تفصل اآليات ال عن سياقها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يفسر بعضه بعض ًا‪،‬‬
‫أو مقامية‪ ،‬وال عن سياقها القرآني ّ‬
‫العام‪ ،‬على قاعدة أنّ القرآن ّ‬
‫والمبين هو المرجع للمجمل‪.‬‬
‫وأنّ المحكم هو المرجع للمتشابه‪،‬‬
‫ّ‬
‫وإنّنا نالحظ أنّ ما يطرحه البعض على أنّه تأويل لبعض اآليات أو الروايات‪،‬‬
‫هو في حقيقته ليس من التأويل في شيء‪ ،‬وإنّما يقتضيه الظاهر‪ ،‬وتساعد عليه‬
‫لعده تأوي ً‬
‫أمر قد يقع فيه‬
‫القرائن السياقية‪ ،‬فال موجب ّ‬
‫ال‪ ،‬وال ننكر أنّ هذا ٌ‬
‫تعدد األفهام واختالف األنظار(‪ ،)2‬كما أنّه قد يقع االختالف‬
‫االختالف نتيجة ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬الغزالي‪ ،‬أبو حامد‪ ،‬محمد بن محمد (ت ‪505‬هـ)‪ ،‬فضائح الباطنية‪ ،‬المكتبة العصرية‪،‬‬
‫صيدا‪ ،‬بيروت‪ ،‬ال‪.‬ت‪2005 ،‬م‪ ،‬ص‪ ،63‬ومعرفة التأويل‪ ،‬محمد هادي‪ ،‬المجمع العالمي‬
‫للتقريب بين المذاهب‪ ،‬طهران ـ إيران‪ ،‬ط‪2006 ،1‬م‪ ،‬ص‪.43‬‬
‫ِ‬
‫﴿و ُجو ٌه َي ْو َمئِ ٍذ ن ِ‬
‫َاض َر ٌة * إِ َلى َر ِّب َها نَاظ َرةٌ﴾ [سورة القيامة‪22 :‬ـ‬
‫((( كما وقع ذلك في تفسير قوله تعالى‪ُ :‬‬
‫‪248‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫في التأويل وصحته‪ ‬ـ‪ ‬لدى القائلين بشرعية التأويل‪ ‬ـ‪ ‬بسبب اختالف األنظار‬
‫في تمامية الدليل القطعي الموجب للتأويل‪ ،‬فمن يرى تمامية الدليل‪ ،‬يلجأ إلى‬
‫ارتكاب التأويل‪ ،‬ومن يرى عدم تماميته يتمسك بظواهر النصوص(‪)1‬؛ إنّنا ال ننكر‬
‫ذلك‪َ ،‬ب ْيد أنّنا نالحظ أنّ تجريد اآليات القرآنية وال سيما الواردة في صفات الله‬
‫معنى مغاير ًا للمعنى السياقي‪.‬‬
‫تعالى من سياقها القرآني الخاص والعام قد أعطاها ً‬
‫﴿و َجاء َر ُّب َك َوا ْل َم َل ُك َص ّف ًا َص ّف ًا﴾‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬عندما نقرأ قوله تعالى‪َ :‬‬
‫[الفجر ‪ ]22‬أو قوله تعالى‪َ ﴿ :‬يدُ ال َّل ِه َف ْو َق َأ ْي ِدي ِه ْم﴾ [الفتح ‪ ،]10‬أو قوله تعالى‪:‬‬
‫‪ ،]23‬حيث التزم المعتزلة وغيرهم بتأويل النظر فيها وحمله على معنى االنتظار‪ ،‬وهو خالف‬
‫الظاهر‪( .‬راجع‪ :‬الفضلي‪ ،‬الشيخ عبد الهادي‪ ،‬خالصة علم الكالم‪ ،‬الطبعة غير محددة‪ ،‬مؤسسة‬
‫ممن يرى شرعية‬
‫دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪ ،)251 ،239‬بينما ذهب آخر ّ‬
‫التأويل إلى أنه ال داعي الرتكاب التأويل في اآلية‪ ،‬استناد ًا إلى أنّ تفسير النظر بمعنى االنتظار‬
‫ليس مخالف ًا للظاهر‪ ،‬بل هو منسجم مع سياق اآليات‪ ،‬وتؤيده القرائن المختلفة‪( .‬أنظر‪:‬‬
‫السبحاني‪ ،‬الشيخ جعفر‪ ،‬محاضرات في اإللهيات‪ ،‬تلخيص‪ :‬الشيخ علي الرباني الگلبيكاني‪،‬‬
‫مؤسسة الصادق‪ ،Q‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1423 ،5‬هـ‪ ،‬ص ‪ 146‬ـ‪.)147 ‬‬
‫األول‪ :‬عالم الذر وما ورد فيه من األخبار‪ ،‬ففي حين أخذ بعض العلماء بهذه‬
‫((( نذكر لذلك مثالين‪ّ :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫﴿وإِ ْذ أ َخ َذ َر ُّب َك م ْن َبني آ َد َم م ْن ُظ ُهو ِره ْم ُذ ِّر َّي َت ُه ْم َوأشْ َهدَ ُه ْم‬
‫األخبار الواردة في تفسير قوله تعالى‪َ :‬‬
‫َ ِ َ‬
‫أصر الشريف المرتضى على‬
‫َع َلى أن ُْفس ِه ْم أ َل ْس ُت بِ َر ِّب ُك ْم‪[ ﴾...‬سورة األعراف‪ :‬اآلية ‪ّ ،]172‬‬
‫رفض هذه األخبار‪ ،‬بحجة منافاتها لألد ّلة القاطعة في (أنّ الله ال يك ّلف إال البالغين الكاملي‬
‫العقول‪ ،‬وال يخاطب إال من يفهم عند الخطاب‪( )...‬المرتضى‪ ،‬السيد علي بن الحسين‪ ،‬رسائل‬
‫الشريف المرتضى‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.)113‬‬
‫الثاني‪ :‬قضية الرجعة‪ ،‬ففي حين ذهب غالبية علماء اإلمامية إلى تفسيرها بأنّ الله يعيد أشخاص ًا من‬
‫(عجل الله فرجه) «وال يرجع إال من علت درجته في اإليمان أو‬
‫الموتى عند ظهور المهدي ّ‬
‫من بلغ الغاية من الفساد» (المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا (ت ‪1381‬هـ)‪ ،‬عقائد اإلمامية‪ ،‬تقديم‬
‫الدكتور حامد حفني داوود‪ ،‬انتشارات أنصاريان‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص ‪ ،)80‬ومستند‬
‫هؤالء في ذلك هو األخبار وبعض الظواهر القرآنية‪ .‬في المقابل‪ ،‬ذهب بعض اإلمامية أو من‬
‫أسماهم المرتضى بشذاذ اإلمامية إلى تأويل الرجعة برجوع دولة الحق في أيام القائم| من دون‬
‫رجوع األجساد (المرتضى‪ ،‬علي بن الحسين‪ ،‬رسائل الشريف المرتضى‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫صحة هذه التأويالت أو بطالنها مجال آخر‪.‬‬
‫ص‪ ،)125‬ولمعرفة ّ‬
‫‪249‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫ٍ‬
‫يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ‪ 22‬ـ‪ ،]23  ‬أو غيرها من آيات‬
‫﴿وجوه‬
‫العقائدية وبعيد ًا عن‬
‫الكالمية واالستدالالت‬
‫الصفات في سياق االحتجاجات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خيل إلينا أنّ هذه اآليات تُثبت اليد أو الوجه لله سبحانه‬
‫سياقها القرآني فسوف ُي َّ‬
‫وتعالى‪ ،‬مع أننا لو قرأناها في سياقها القرآني فلن تكون دالة على التجسيم والتشبيه‬
‫إطالق ًا‪ ،‬األمر الذي يح ّتم علينا بادئ ذي بدء معاودة قراءة اآليات في سياقها ال‬
‫الكالمية‪ .‬إنّ اقتطاع اآليات من سياقها القرآني أوقعنا في‬
‫في سياق االحتجاجات‬
‫ّ‬
‫مشكلة مزدوجة‪ ،‬فهو من جهة دفع بالبعض للجمود على الظاهر واالنتصار له‬
‫ولو كان على خالف ما يقتضيه حكم العقل‪ ،‬فوقع هذا البعض في ورطة التجسيم‬
‫والتشبيه‪ ،‬ومن جهة أخرى فإنّه دفع بالبعض اآلخر إلى التزام التأويل واالنتصار‬
‫للعقل على حساب الظاهر ما أ ّدى إلى افتقاد النص القرآني لبالغته‪ ،‬وال أبالغ إذا‬
‫والمؤولة) قد وقعا في محذور «تحريف» القرآن‬
‫(المجسمة‬
‫قلت‪ :‬إنّ الطرفين مع ًا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وإبعاده عن مقصده؛ ألنّ الجمود على ظاهر اآليات المقتطعة من سياقها كما فعل‬
‫المجسمة هو نوع تحريف للقرآن الكريم‪ ،‬وربما ينطبق عليه عنوان َ‬
‫﴿أ َف ُت ْؤ ِم ُنونَ‬
‫ِّ‬
‫اب َوت َْك ُف ُرونَ بِ َب ْع ٍ‬
‫بِ َب ْع ِ‬
‫ض ا ْل ِك َت ِ‬
‫ض﴾ [البقرة ‪ ،]85‬كما أنّ اللجوء إلى إبطال ظهور‬
‫هذه اآليات قبل إعادة قراءتها في سياقها هو اآلخر نوع تحريف للقرآن‪ ،‬بل جرأة‬
‫مبرر لذلك‪.‬‬
‫على ر ّده دونما ّ‬

‫وال تفوتنا‪ ‬ـ‪ ‬أخير ًا‪ ‬ـ‪ ‬اإلشارة إلى أنّ التأويل المشروع ال يبرز كظاهرة في‬
‫المجال التشريعي‪ ،‬أو ما يعرف بآيات األحكام‪ ،‬وإنّما نطاقه ومجاله الرحب هو‬
‫ّ‬
‫ولعل الوجه في ذلك‪ ،‬هو أنّ آيات العقائد المتصلة‬
‫اآليات العقائدية ونظائرها‪.‬‬
‫بالمبدأ والمعاد‪ ،‬هي في غالبيتها ذات مضامين غيبية تجريدية غاية في اللطف‬
‫والدقة‪ ،‬ما يجعلها مستعصي ًة على البيان الوافي‪ ،‬فيتم التعبير عنها بأسلوب‬
‫بياني تقريبي متناسب مع الفهم العام‪ .‬وهذا األسلوب وإنْ كان ُي َق ِّر ُب الفكرة‬
‫إلى الذهن‪ ،‬لك ّنه قد يوقع أيض ًا في االلتباس‪ ،‬لعدم وفاء اللغة للتعبير عن بعض‬
‫‪250‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫المضامين المجردة‪ .‬من هنا تبرز الحاجة إلى التأويل وصرف الكالم عن ظاهره‬
‫السر في اعتماد أسلوب الرمزية في التعبير‬
‫غير المالئم لدالئل العقول‪ ،‬وهذا هو ّ‬
‫كما سيأتي‪ ،‬وهذا بخالف آيات األحكام والتشريع‪ ،‬فإنّ مضامينها يمكن إدراكها‬
‫ٍ‬
‫بياني كأسلوب آيات العقائد‪ ،‬وهو ما ينفي‬
‫تفهمها‪ ،‬فال تحتاج إلى‬
‫أو ّ‬
‫أسلوب ّ‬
‫الحاجة إلى التأويل بلحاظها‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫‪4‬‬
‫مبدأ الرمزية‬
‫النص الديني‬
‫في تفسير ّ‬

‫النص واستكناه معناه‬
‫عملية قراءة ّ‬
‫يم ّثل االعتماد على الظهور حجر الزاوية في ّ‬
‫مستقر وقائم على األخذ بالظواهر الكتابية‬
‫لدى عقالء البشر كا ّف ًة‪ .‬فالبناء العقالئي‬
‫ّ‬
‫ويحاج بعضهم بعض ًا وفق ما يظهر‬
‫أو الشفاهية‪ ،‬وال ّناس يتخاطبون ويتحاورون‬
‫ّ‬
‫لهم من الكالم‪ ،‬وكذلك يقرأون الوصايا والتقارير والوثائق في ضوء ذلك‪ .‬والله‬
‫سيد العقالء وخالقهم‪ ،‬لم يخترع طريق ًة خاص ًة يخاطب بها خلقه‪،‬‬
‫سبحانه‪ ،‬وهو ّ‬
‫وإنّما ك ّلمهم بال ّلغة نفسها التي يفهمونها ويتخاطبون بها‪ ،‬وال يكاد يختلف في‬
‫فسروا كالم الله على أساس ما يستظهرونه‬
‫ذلك اثنان من علماء المسلمين‪ ،‬ولذا ّ‬
‫ثمة تح ّفظ ـ كما‬
‫منه‪ ،‬وبنوا منظومتهم التشريعية والفكرية على هذا األساس‪ .‬نعم‪ّ ،‬‬
‫حجية الظهور في خصوص القضايا االعتقادية‪ ،‬باعتبار أنّ األخيرة‬
‫سلف ـ حول‬
‫ّ‬
‫تتط ّلب أدل ًة وبراهين يقيني ًة‪ ،‬وهو ما ال يوفّره الظهور‪ ،‬وإن كان يمكن تجاوز هذا‬
‫التح ّفظ بافتراض أنّ تضافر الظهورات العقدية في مجال معين‪ ،‬أو احتفافه بالقرائن‬
‫السياقية أو غيرها‪ ،‬يساعد على حصول اليقين أو االطمئنان‪.‬‬

‫االتجاه الرمزي‬

‫ثمة اتجاه ًا فكري ًا رفض االعتماد على مبدأ الظهور في تفسير النصوص‬
‫إال أنّ ّ‬
‫ظنيته‪ ،‬بل ألنّ الظهور ح ّتى لو كان قطعي ًا‪ ،‬فهو غير مراد لقائله‪،‬‬
‫الدينية‪ ،‬ال بسبب ّ‬
‫‪252‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ٍ‬
‫النص‪،‬‬
‫معان أخرى بعيدة عن حرفية‬
‫مجرد إشارات رمزية تشير إلى‬
‫ّ‬
‫وإنّما هو ّ‬
‫وقد برز هذا االتجاه في أوروبا في عصر التنوير وما سبقه‪ ،‬وتب ّناه رموز هذا‬
‫أهم العقائد‬
‫العصر من أمثال باروخ سبينوزا (‪ 1632‬ـ ‪ )1677‬الذي قام بتأويل ّ‬
‫المسيحية الكاثوليكية على أساس رمزي‪ .‬فقيامة المسيح بعد الموت‪ ،‬لم تكن‪ ‬ـ‪ ‬في‬
‫وتجس ُد الله في المسيح هو على سبيل الرمز‬
‫نظره‪ ‬ـ‪ ‬جسدي ًة‪ ،‬وإنّما رمزية أو روحية‪،‬‬
‫ُّ‬
‫أيض ًا‪ِ ،‬‬
‫المقدس‪ ،‬حيث يفترض أنّ جسم المسيح ودمه‬
‫وقل األمر عينه بشأن القربان‬
‫َّ‬
‫(‪)1‬‬
‫موجودان في الخبز والخمر الذي يعطيه الكاهن للمص ّلين في نهاية القداس‪،‬‬
‫فاستحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه ليست حقيقي ًة كما كانت عليه عقيدة‬
‫المسيحيين‪ ،‬وإنّما هي ـ كما جرى عليه اإلصالح البروتستانتي ـ استحالة مجازية‬
‫ومجرد رمز وتذكار(‪.)2‬‬

‫بد من أن‬
‫ويعتقد بعض المثقفين العرب والمسلمين‪ ،‬أنّ هذا االتجاه الرمزي ال ّ‬
‫يمتد إلى التراث اإلسالمي‪ ،‬وأنّ خشبة خالص األمة اإلسالمية هي في التعامل‬
‫ّ‬
‫الرمزي مع آيات القرآن‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن السنة النبوية‪.‬‬

‫يقول روجيه غارودي‪ :‬إنّ‬
‫الرمزية هي «الشرط األساسي للتخ ّلص من مساوئ‬
‫ّ‬
‫الحرفية التي قحلتها دوغماتيكية عشرة قرون من التفسير‪ .‬يجب عدم الخلط بين‬
‫ّ‬
‫رمز ّ‬
‫يدل على معنى شامل‪ ،‬وما هو كالم تاريخي يجيب مباشرة على مسألة‬
‫ما هو ٌ‬
‫محددة»(‪.)3‬‬

‫(( ( أنظر‪ :‬صالح‪ ،‬هاشم‪ ،‬مدخل إلى التنوير األوروبي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.206‬‬
‫((( راجع‪ :‬أرسالن‪ ،‬األمير شكيب‪ ،‬لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟‪ ،‬دار القلم‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫ط‪2009 ،2‬م‪ ،‬ص‪.97‬‬
‫((( غارودي‪ ،‬روجيه‪ ،‬اإلسالم الحي‪ ،‬ترجمة‪ :‬دالل ّبواب ظاهر ومحمد كامل ضاهر‪ ،‬دار البيروني‪،‬‬
‫بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان‪ ،‬ط‪2005 ،2‬م‪ ،‬ص‪.61‬‬
‫‪253‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫مالحظات على مبدأ الرمزية‬

‫والحقيقة أنّ اعتماد مبدأ الرمزية في التعامل مع النصوص اإلسالمية ال يخلو‬
‫أهمها‪ :‬أنّ اعتماد الرمزية دون ضوابط‪ ،‬يختزن دعو ًة ضمني ًة‬
‫من مالحظات‪ّ ،‬‬
‫يؤسس‬
‫للتعامل مع القرآن على أنّه كتاب ألغاز وأسرار‪ ،‬وهذا األمر ّإما أن ّ‬
‫وإما أن يفتح باب‬
‫لنشوء طبقة كهنوتية خاصة تحتكر تفسير النصوص وشرحها‪ّ ،‬‬
‫لعامة ال ّناس دون قيود‪ ،‬ما يفضي إلى التالعب بالنصوص‬
‫التأويل على مصراعيه ّ‬
‫وتفسيرها بنحو مزاجي‪ ،‬وبما يؤ ّدي إلى ضياع الحقيقة ومسخ صورة اإلسالم‪.‬‬
‫ومن ٍ‬
‫عد منافي ًا‬
‫جهة أخرى‪ ،‬فإنّ مبدأ الترميز إذا لم ينطلق من أسس مبرهنة فإنّه قد ُي ُّ‬
‫المستمر الذي ال يقبل التأويل أو الجدل في أنّه (بيان) أو‬
‫لصريح القرآن وتأكيده‬
‫ّ‬
‫(تبيـان) و(نـور) و(هـدى) و(ال ريـب فيـه) و(ال اختـالف)‪ ...‬قـال سبحانـه‪:‬‬
‫ِ ِ‬
‫الس اَل ِم‬
‫اب ُمبِ ٌ‬
‫ُور َو ِك َت ٌ‬
‫﴿ َق ْد َج َاء ُك ْم ِم َن ال َّل ِه ن ٌ‬
‫ين * َي ْهدي بِه ال َّل ُه َم ِن ا َّت َب َع ِر ْض َوا َن ُه ُس ُب َل َّ‬
‫الظ ُل َم ِ‬
‫َو ُي ْخ ِر ُج ُه ْم ِم َن ُّ‬
‫ات إِ َلى ال ُّنو ِر بِإِ ْذنِ ِه﴾ [المائدة‪ 15:‬ـ‪ ،]16 ‬على أنّ أكثر من‬
‫نددت باليهود‪ ،‬ألنّهم حرفوا كالم الله عن مواضعه‪ِ :‬‬
‫ين َه ُادوا‬
‫آية قرآنية ّ‬
‫﴿م َن ا َّل ِذ َ‬
‫ّ‬
‫اض ِع ِه َو َي ُقو ُلونَ َس ِمع َنا َو َع َصي َنا َواس َمع َغير ُمس َم ٍع َو َر ِ‬
‫ُي َحر ُفونَ ا ْل َك ِل َم َع ْن َم َو ِ‬
‫اع َنا َل ًّيا‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫ْ‬
‫ْ ْ َْ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫بِ َأ ْل ِس َنتِ ِه ْم َو َط ْع ًنا ِفي الدِّ ِ‬
‫اس َم ْع َوان ُْظ ْر َنا َل َكانَ َخ ْي ًرا‬
‫ين َو َل ْو أن َُّه ْم َقا ُلوا َسم ْع َنا َوأ َط ْع َنا َو ْ‬
‫َل ُه ْم َو َأ ْق َو َم َو َل ِك ْن َل َع َن ُه ُم ال َّل ُه بِ ُك ْف ِر ِه ْم َف اَل ُي ْؤ ِم ُنونَ إِلاَّ َق ِل اًيل﴾ [النساء‪ .]46:‬فإنّ‬
‫ٍ‬
‫تحريف للكلم عن مواضعه‪ ،‬وفي‬
‫الترميز في بعض صوره العشوائية‪ ،‬ليس سوى‬
‫السياق نفسه تأتي اآليات التي تنهى عن اتباع المتشابه من اآليات ابتغاء الفتنة‬
‫وابتغاء تأويله وحرفه عن معانيه‪ ،‬وهل لذلك من معنى سوى رفض محاوالت‬
‫التأويل‪ ،‬وأنّ الله سبحانه لم يعتمد لغة األلغاز في مخاطبة خلقه‪ ،‬وإنّما خاطبهم‬
‫﴿و َما َأ ْر َس ْل َنا ِم ْن َر ُس ٍ‬
‫ول‬
‫باألسلوب البياني نفسه الذي يتخاطبون به؟ قال تعالى‪َ :‬‬
‫إِلاَّ بِ ِلس ِ ِ ِ‬
‫نسجل هذه المالحظات‪ ،‬فال نريد إعطاء أحد ح ّق ًا‬
‫ان َق ْومه﴾‪ .‬إنّنا إذ ّ‬
‫َ‬
‫حصري ًا في تفسير القرآن‪ ،‬أو اعتبار القراءة السائدة لكالم الله هي القراءة النهائية‪،‬‬
‫‪254‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ويمكننا الجزم أنّه ال يوجد قراءة ناجزة ونهائية للقرآن‪ ،‬وإنّما نظرنا هو إلى المنهج‬
‫المعتمد في القراءة‪.‬‬

‫الرمزية ونظريتا التأويل والبطون‬

‫وقد يمكن إيجاد ٍ‬
‫إسالمي لفكرة الرمزية باالستشهاد لها‪ّ ،‬إما بما ورد‬
‫سند‬
‫ّ‬
‫في المأثور من أنّ للقرآن‪ ‬ـ‪ ‬وراء ظاهره‪ ‬ـ‪ ‬باطن ًا بل سبعة بطون‪ ،‬أو بمبدأ التأويل‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫المعترف به من بعض المدارس‬
‫ّ‬

‫إال أنّ حديث البطون وإن كان مطروح ًا ومقبو ً‬
‫الكالمية‪،‬‬
‫ال لدى بعض المدارس‬
‫ّ‬
‫لك ّنه يختلف عن فكرة الرمزية‪ ،‬باعتبار أنّ الترميز هو محاولة نفي وتف ّلت من‬
‫الظاهر‪ّ ،‬أما فكرة الباطن ـ لدى القائلين بها ـ فهي ال تلغي الظاهر‪ ،‬بل تسير معه‬
‫بنحو موا ٍز‪،‬كما أسلفنا في الحديث السابق‪.‬‬
‫إسالمي ًا ـ إلى فكرة الرمزية؛ ألنّ التأويل‬
‫وأما التأويل‪ ،‬فهو المبدأ األقرب ـ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وفق االصطالح المعروف‪ ،‬معناه صرف الكالم عن ظاهره‪ ،‬وتحميله معنى ال‬
‫يساعد عليه التبادر العرفي‪ .‬وهذا ما يرومه القائل بالرمزية‪ ،‬ولذا ذكر في معاني‬
‫الرمزية أنها‪« :‬تأويل العقائد أو المذاهب القديمة تأوي ً‬
‫ال رمزي ًا»(‪.)1‬‬

‫ثمة فارق ًا قد يذكر بين مبدأي الرمزية والتأويل‪ ،‬فالتأويل‬
‫لكن مع ذلك‪ ،‬فإنّ ّ‬
‫بد‬
‫يتضمن االعتراف‬
‫بمرجعية الظهور وكونه يختزن الحقيقة‪ ،‬غاية ما هناك‪ ،‬أنّه ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من رفع اليد عن الظهور في حاالت تعارضه مع العقل‪ ،‬وعدم إمكان األخذ به مع‬
‫الرمزية‪ ،‬فهو ـ في بعض تفسيراته ـ يرتكز على قاعدة‬
‫االحتفاظ بظاهره‪ّ ،‬أما مبدأ‬
‫ّ‬
‫مرجعية الظهور‪ ،‬وافتراض أنّه ـ أعني الظهور ـ ليس سوى ّ‬
‫مؤشر رمزي‬
‫إنكار‬
‫ّ‬
‫الحقيقي المختفي والمتواري خلف الكلمات‪.‬‬
‫للمعنى‬
‫ّ‬
‫((( صليبا‪ ،‬الدكتور جميل‪ ،‬المعجم الفلسفي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.621‬‬
‫‪255‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫التأمل يقودنا إلى اإلقرار بوجود رابط منطقي بين المصطلحات‬
‫ومع ذلك فإنَّ ّ‬
‫الثالثة‪( :‬الرمزية‪ ،‬التأويل‪ ،‬الباطن) وتوضيح ذلك‪ :‬أنّ الرمزية هي طريقة تعبير‬
‫«الرمزي‪ symbolique ،‬المنسوب إلى الرمز‪ ،‬كالكتابة الرمزية أو التمثيل الرمزي‪،‬‬
‫أو التفكير الرمزي»(‪ ،)1‬وأما التأويل‪ ،‬فهو ممارسة في فهم النص بعيد ًا عن معناه‬
‫ومصب هذه الممارسة التأويلية هو النصوص المرمزة أو المتشابهة‪،‬‬
‫الظاهر‪،‬‬
‫ُّ‬
‫عملية التأويل هي البطون‪،‬‬
‫والنتيجة التي يتم الكشف عنها والتوصل إليها بعد‬
‫ّ‬
‫وبذلك يتضح أنّ الحديث عن التأويل ال ينفك عن الحديث عن مبدأ الرمزية‪،‬‬
‫وكذا مبدأ البطون‪.‬‬

‫مورد الرمزية ومحلها‬

‫في ضوء هذا الترابط بين الرمزية والتأويل‪ ،‬يمكننا القول‪ :‬إنّه حيث قبلنا‬
‫مبدأ التأويل وقبلنا بمشروعيته‪ ،‬فإنّ ذلك يعني االعتراف الضمني بمبدأ الرمزية‬
‫وقبولها ضمن ضوابط ومعايير محددة‪ ،‬وفي نطاق خاص‪ .‬والنطاق المقصود هو‪:‬‬
‫دائرة القضايا الغيبية التي ال تدرك العقول كنهها وتضيق اللغة في التعبير عنها(‪.)2‬‬
‫بد من استبعاد‬
‫وتوضيح ًا لذلك أقول‪ :‬إنّه وفيما يرتبط بالقضايا التشريعية‪ ،‬ال ّ‬
‫منطق الترميز والتأويل عن نصوصها‪ ،‬وإنّما ُيفترض تنـزيلها على الفهم العرفي‪،‬‬
‫(( ( المصدر السابق‪.‬‬
‫((( يبرر العلماء استخدام بعض التعبيرات الواردة في الكتاب أو الس َّنة‪ ،‬بأنّ «ضيق التعبير»ألجأ‬
‫التغير وتجدد الحال‪،‬‬
‫إليها‪ ،‬يقول المجلسي في شأن األلفاظ الواردة في حقه تعالى‪ ،‬والدالة على ّ‬
‫التجرد من الزمان‪ ،‬ووضعوا‬
‫بأنّ سبب استخدامها ّإما «ضيق العبارة‪ ،‬فإنّ أهل اللغة ال يفهمون‬
‫ُّ‬
‫التجرد عن الزمان صعب‬
‫األلفاظ للمعاني المتعارفة بينهم‪ ،‬وإما لتفهيم عامة الناس‪ ،‬فإنّ تصور‬
‫ّ‬
‫يحتاج إلى لطف قريحة» (المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،54‬ص ‪)286‬‬
‫وراجع أيض ًا المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪ ،300‬وربما يعتذر عن استخدام بعض العلماء لبعض‬
‫التعابير بضيق العبارة أيض ًا‪ ،‬أنظر‪ :‬الطباطبائي‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬نهاية الحكمة‪ ،‬مؤسسة النشر‬
‫السيد أبو القاسم‪ ،‬أجود التقريرات‪،‬‬
‫اإلسالمي قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪1417 ،14‬هـ‪ ،‬ص ‪ ،27‬والخوئي‪ِّ ،‬‬
‫مؤسسة مطبوعاتي ديني‪ ،‬قم إيران‪ ،‬ط‪ 1369 ،2‬هـ‪.‬ش‪.‬‬
‫‪256‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ثمة مجال للتشكيك‬
‫بعيد ًا عن القراءة العقلية الهندسية‪ ،‬أو التأويل الرمزي‪ .‬أجل‪ّ ،‬‬
‫في إطالق هذه النصوص من زاوية أخرى خارجة عن نطاق حديثنا‪ ،‬بل إنّ بعض‬
‫الباحثين يدعو إلى قراءة النصوص التشريعية قراء ًة تاريخي ًة تسمح بوضع أحكام‬
‫الشريعة‪ ،‬سواء المرتبطة بالحدود أو بفقه المرأة أو قضايا الطهارة كالتيمم‪ ...‬في‬
‫بد من تجاوزها في الشكل‪ ،‬ألنها ال‬
‫نطاق تاريخي له ظروفه الموضوعية التي ال ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫نسجل تحفظنا على‬
‫تناسب عصرنا‪ ،‬مع التمسك بالروح والجوهر ‪ .‬ونحن إذ ّ‬
‫هذه الدعوة‪ ،‬ال نرى في المقام ضرور ًة للبحث فيها‪ ،‬لخروج ذلك عن موضوع‬
‫الكتاب‪ .‬في المقابل‪ ،‬فإنَّ ثمة اتجاه ًا مقبو ً‬
‫ال يرى إمكانية اعتماد لغة الرمز في‬
‫القضايا العقدية ذات المضامين الغيبية‪ ،‬ألنّ طبيعتها تفرض استخدام لغة تناسب‬
‫النص‬
‫تجردها ودقة معانيها‬
‫وعلو مضامينها‪ ،‬وهذا سيترك تأثيره على عملية قراءة ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النص التشريعي‪،‬‬
‫واستنطاقه‪ ،‬وعدم التعامل معه بالتسامح عينه الذي يتعامل به مع ّ‬
‫وقد ألمح اإلمام الخميني إلى ذلك في بعض كلماته‪ ،‬عندما أشار إلى أنّ سنخ‬
‫الروايات الواردة في المعارف ـ بشأن كفر بعض الفئات ـ مغاير لما ورد منها في‬
‫الفقه(‪.)2‬‬
‫والنص العقدي‪ ،‬ليس‬
‫النص التشريعي‬
‫ّ‬
‫إنّ هذه الدعوة إلى ضرورة التفريق بين ّ‬
‫تعمد استخدام أسلوبين بيانيين للتعبير عن مراده‪،‬‬
‫مر ّدها إلى أنّ صاحب النص ّ‬
‫بل مر ّدها إلى وجود اختالف جوهري بين طبيعة المطالب العقدية واألخرى‬
‫النص خطاب ًا واستنطاق ًا‪.‬‬
‫التشريعية‪ ،‬وهو تباين يفرض نفسه على ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬غارودي‪ ،‬روجيه‪ ،‬اإلسالم‪ ،‬ترجمة‪ :‬وجيه أسعد‪ ،‬دار عطية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1997 ،2‬ص ‪95‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬
‫((( الخميني‪ ،‬السيد روح الله‪ ،‬كتاب الطهارة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،3‬ص‪.321‬‬
‫‪257‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫المبررات والشواهد‬
‫ّ‬

‫المبررات التي تفرض اعتماد هذه اللغة في النصوص الدينية؟‬
‫لكن‪ ،‬ما هي‬
‫ّ‬
‫مبرر لذلك‪.‬‬
‫يمكن أن يذكر أكثر من ّ‬

‫‪ 1‬ـ‪  ‬إنّ بعض المفاهيم العقدية هي عبار ٌة عن مضامين غيبية ال طريق إلى‬
‫وأما العقل‪ ،‬فال طريق له إليها‪ ،‬بل قد ال‬
‫معرفتها وإثباتها إال من خالل الوحي‪ّ .‬‬
‫التجرد الذي ينعكس على اللغة‬
‫تجردها‪ .‬هذا‬
‫ّ‬
‫يستطيع إدراكها على حقيقتها بسبب ّ‬
‫حق المعرفة؛ فهل يستطيع‬
‫أيض ًا‪ ،‬فتعجز عن إظهارها على حقيقتها والتعريف بها ّ‬
‫الحجة الناصعة على وجود الله‪ ،‬أن يدرك ـ مث ً‬
‫ال ـ حقيقة‬
‫العقل البشري‪ ،‬وهو‬
‫ّ‬
‫الذات اإللهية وكنهها؟ وهل ت ّتسع اللغة للتعبير عـن هذه الحقيقة؟ بالتأكيد إنّ‬
‫متيسر‪ ،‬وكمـا ورد في بعـض الروايات عن اإلمـام الباقر‪ّ :Q‬‬
‫«كل‬
‫ذلك غير ّ‬
‫ٌ‬
‫ما ميزتموه بأوهامكم في ّ‬
‫مصنوع مثلكم‪ ،‬مردود إليكم»(‪.)1‬‬
‫مخلوق‬
‫أدق معانيه‪،‬‬
‫ٌ‬
‫وكثير ًا ما يتردد على ألسنة بعض العرفاء البيت التالي‪:‬‬

‫أال إنّ ثوب ًا خيط من نسج تسعة وعشرين حرف ًا عن معاليه قاصر‬

‫(‪)2‬‬

‫ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي‪ ،‬مشير ًا إلى استحالة التعرف التام إلى كنه‬
‫الذات اإللهية وحقيقتها‪:‬‬
‫ف��ي��ك ي��ا أع��ج��وب��ة ال��ك��ون‬

‫غ�����دا ال���ف���ك���ر ك��ل��ي�لا‬

‫ح����ي����رت ذوي‬
‫أن�����ت‬
‫ّ‬
‫ك��� ّل���م���ا أق������دم ف��ك��ري‬

‫ال��ل��ب وب��ل��ب��ل��ت العقوال‬

‫ف����ر ميال‬
‫ف��ي��ك ش���ب���ر ًا‬
‫ّ‬

‫(( ( المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،66‬ص‪.292‬‬
‫((( أنظر على سبيل المثال‪ ،‬الخميني‪ ،‬السيد روح الله‪ ،‬مصباح الهداية إلى الخالفة والوالية‪ ،‬مؤسسة‬
‫تنظيم ونشر آثار اإلمام الخميني‪ ،‬إيران‪ ،‬ط‪1373 ،2‬هـ ش‪ ،‬ص‪.14‬‬
‫‪258‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫ن���اك���ص��� ًا ي��خ��ب��ط ف��ي‬

‫عميـــاء ال يــهــدي السبيال‬

‫(‪)1‬‬

‫ٍ‬
‫متجردة من هذا القبيل‪ ،‬تعجز العقول عن‬
‫معان عقدية‬
‫إنّه‪ ،‬وأمام وجود‬
‫ّ‬
‫مفر من التعبير عنها‬
‫إدراكها على حقيقتها‪ ،‬وتعجز اللغة عن اإلحاطة بها‪ ،‬فال ّ‬
‫بطريقة اإلشارات الرمزية‪ ،‬مع االستفادة من ّ‬
‫كل أساليب اللغة في الكناية والمجاز‬
‫واالستعارة‪ ،‬بهدف تقريب الفكرة إلى األذهان‪.‬‬

‫ويذكر الفيض الكاشاني مثا ً‬
‫مما يكون «في نفسه‬
‫ال آخر لهذا النوع من القضايا‪ّ ،‬‬
‫دقيق ًا َي ِك ُّل أكثر األفهام عن دركه‪ ،‬فيختص بدركه الخواص»‪ ،‬والمثال هو الروح‪،‬‬
‫ِ‬
‫تظن‬
‫تصور كنهه‪ ،‬وال ّ‬
‫فإنّ سرها « مما َيك ّل األفهام عن دركه‪ ،‬ويقصر األوهام عن ّ‬
‫أنّ ذلك لم يكن مكشوف ًا لرسول الله‪ ،P‬فإنّ من لم يعرف الروح‪ ،‬فكأنه لم‬
‫(‪)2‬‬
‫يعرف نفسه‪ ،‬فكيف يعرف ربه!»‬

‫والمبرر الثاني الذي يذكره البعض العتماد مبدأ الرمزية وإخفاء بعض‬
‫‪ 2‬ـ‪ ‬‬
‫ّ‬
‫مضر ًا بشريحة كبيرة من الناس‬
‫الحقائق‪ ،‬أن يكون اإلفصاح عن هذه الحقائق‬
‫ّ‬
‫حد انحرافهم عن الدين انحراف ًا عقدي ًا أو سلوكي ًا‪ ،‬يقول الفيض‬
‫ضرر ًا قد يبلغ َّ‬
‫والصديقون عن ذكرها‪،‬‬
‫الكاشاني‪« :‬القسم الثاني من الخفيات التي يمتنع األنبياء‬
‫ّ‬
‫ما هو مفهوم في نفسه ال ُّ‬
‫يضر بأكثر المستمعين وال‬
‫يكل الفهم عنه‪،‬‬
‫ّ‬
‫ولكن ذكره ّ‬
‫وسر القدر الذي منع أهل العلم به عن إفشائه من هذا‬
‫يضر باألنبياء والصديقين‪ّ ،‬‬
‫القسم‪ ،‬وال يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضر ًا ببعض الخلق‪ ،‬كما يضر نور‬
‫بالج ْعل‪.)3(»...‬‬
‫الشمس بأبصار الخفافيش‪ ،‬وكما يضر رياح الورد ُ‬

‫(( ( المدائني‪ ،‬عبد الحميد بن أبي الحديد (ت ‪656‬هـ)‪ ،‬شرح نهج البالغة‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد أبو الفضل‬
‫إبراهيم‪ ،‬دار إحياء الكتب العربية‪ ،‬ط‪1959 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،13‬ص‪.15‬‬
‫((( الكاشاني‪ ،‬محمد محسن ت ‪1091‬هـ‪ ،‬المحجة البيضاء في تهذيب األحياء‪ ،‬مؤسسة النشر‬
‫اإلسالمي‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪ ،‬ط‪ ،2‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.270‬‬
‫((( المصدر نفسه ج‪ ،1‬ص ‪.271‬‬
‫‪259‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫والمبرر الثالث العتماد الرمزية‪ ،‬سواء في اللغة الدينية أو غيرها‪ :‬أنّ للغة‬
‫‪ 3‬ـ‪ ‬‬
‫ّ‬
‫خاص ًا في القلوب‪ ،‬فيعتمدها المتك ّلم بهدف إثارة حفيظة المتلقي‪،‬‬
‫الرمز وقع ًا ّ‬
‫لالهتمام بالنص وعدم إهماله‪ .‬يقول الكاشاني‪ M‬في بيان األسرار التي‬
‫يكتمها العلماء‪« :‬ومنها‪ :‬ما يكون بحيث لو ذكر صريح ًا َل ُف ِهم ولم يكن فيه ضرر‪،‬‬
‫ولكن ُيك ّنى عنه على سبيل االستعارة والرمز‪ ،‬ليكون وقعه في قلب المستمع‬
‫أغلب‪ ،‬وله مصلحة في أن ّ‬
‫يعظم وقع ذلك األمر في قلبه‪ ،‬كما لو قال قائل‪ :‬رأيت‬
‫وبث الحكمة إلى‬
‫الدر في أعناق الخنازير‪ ،‬وك َّنى به عن إنشاء العلم ّ‬
‫فالن ًا يق ِّلد ّ‬
‫غير أهلها‪ ،‬فالمستمع قد يسبق إلى فهم ظاهره‪ ،‬والمحقّق إذا نظر وعلم أنّ ذلك‬
‫در‪ ،‬وال كان في موضعه خنـزير‪ّ ،‬‬
‫السر والباطن‪،‬‬
‫اإلنسان لم يكن معه ّ‬
‫تفطن لدرك ّ‬
‫فيتفاوت الناس بذلك»(‪.)1‬‬
‫وربما نالحظ على ذلك‪ :‬أنّ اعتماد الشعراء ـ مث ً‬
‫ال ـ للغة الرمز بوقعها‬
‫ّ‬
‫الخاص بهدف إثارة المتلقي‪ ،‬أمر مفهوم وحاصل‪ّ ،‬أما الشارع‪ ،‬فإنّ اعتماده‬
‫ّ‬
‫نصه الديني الذي يراد به مخاطبة عامة الناس تحقيق ًا للهدف‬
‫هذه اللغة في ّ‬
‫المذكور‪ ،‬فغير مفهوم‪ ،‬ألنّه مع إمكان تحقيق الغرض المذكور‪ ،‬وهو تحفيز‬
‫المتلقي لالهتمام بالنص وشحنه ـ أقصد النص ـ بما يثير العناية بالبيان السلس‬
‫دون حاجة إلى الترميز والتلغيز‪ ،‬تمام ًا كما هو الحال في النص القرآني‪ ،‬فإنّه‬
‫ويهز المشاعر‪ ،‬فال تبقى حاجة إلى‬
‫مع وضوحه وسالسته‪ ،‬يمتلك القلوب‬
‫ّ‬
‫اعتماد الرمزية‪ ،‬والتي قد يصاحبها إيقاع المتلقي العادي باللبس أو الحيرة في‬
‫تفسير النص‪.‬‬

‫((( الكاشاني‪ ،‬محمد محسن‪ ،‬الحقائق في محاسن األخالق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.47‬‬
‫‪260‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫عينات من النصوص الرمزية‬
‫ّ‬

‫تم تناولها في النصوص‬
‫وباإلمكان ذكر ّ‬
‫عدة أمثلة للمفاهيم التي ُي ّ‬
‫رجح أنّه ّ‬
‫بطريقة رمزية‪:‬‬

‫وارد في القرآن الكريـم‪ ،‬كمـا فـي قوله تعالـى‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ‪ ‬مفهوم العـرش‪ :‬وهـو ٌ‬
‫﴿الر ْح َم ُن َع َلى ا ْل َع ْر ِ‬
‫اس َت َوى﴾ [طه‪ ،]5:‬فإنّ األخذ بظاهر اآلية‪ ،‬يفرض علينا‬
‫ش ْ‬
‫َّ‬
‫(‪)1‬‬
‫القول بالتجسيم‪ ،‬ولذا اختار‬
‫المنـزهة ‪ ،‬أنّ االستواء على العرش يرمز إلى‬
‫ّ‬
‫اإلحاطة الكاملة بالخلق والسلطة الدائمة على الملك‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ‪ ‬اللوح المحفوظ‪ :‬الوارد في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ب ْل ُه َو ُق ْر َآنٌ َم ِجيدٌ * ِفي َل ْوحٍ‬
‫َم ْح ُف ٍ‬
‫وظ﴾ [البروج‪ ،]22:‬فإنّه ليس لوح ًا مادي ًا بالمعنى المتعارف لدينا‪ ،‬ح ّتى لو‬
‫قيل ـ كما عن ابن عباس ـ بأنّ سعته ما بين المشرق والمغرب‪ ،‬ألنّ الماديات‬
‫ٍ‬
‫متناه‪ ،‬ولذا‬
‫مهما تعاظم حجمها‪ ،‬فهي متناهية الحدود‪ ،‬بينما علمه سبحانه غير‬
‫فاألرجح أنّ يكون اللوح تعبير ًا رمزي ًا عن العلم اإللهي اللاّ متناهي واللاّ متغير‪،‬‬
‫(أم الكتاب)‪.‬‬
‫ونحوه مصطلح ّ‬

‫‪ 3‬ـ‪ ‬ويقرب من ذلك ما ذهب إليه األخوند الخراساني‪ ،‬من أنّ (الجامعة) أو‬
‫األئمة‪ ،R‬كما ورد في األخبار‪ ،‬ال يراد‬
‫(الجفر) أو (الصحيفة) التي يتوارثها ّ‬
‫بها معانيها الحرفية‪ ،‬وإنّما «عقل اإلمام المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي‬
‫عليه‪ ،‬لتمام صفاته»(‪ .)2‬إنّ رأي األخوند هذا‪ ،‬ومع صرف النظر عن مدى دقته‪،‬‬
‫يشير إلى أنّ فكرة الرمزية ليست غريب ًة عن كالم العلماء‪.‬‬
‫(( ( الطوسي‪ ،‬الشيخ محمد بن الحسن (ت ‪460‬هـ)‪ ،‬التبيان‪ ،‬مكتب اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1409 ،1‬هـ‪ ،‬جج‪ ،7‬ص‪159‬؛ والزمخشري‪ ،‬محمود بن عمر (ت ‪ ،)538‬الكشاف عن حقائق‬
‫التـنزيل وعيون األقاويل‪ ،‬شركة مصطفى البابي الحلبي‪ ،‬مصر‪ ،‬ال‪.‬ط‪1966 ،‬م‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.530‬‬
‫(اآلخند)‪ ،‬فوائد األصول‪ ،‬وزارة اإلرشاد‪ ،‬إيران‪ ،‬ص‪،1407‬‬
‫((( الخراساني‪ ،‬الشيخ محمد كاظم‬
‫ُ‬
‫ص‪.124‬‬
‫‪261‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫أمر رمزي‪ ،‬وكذا الميزان(‪ ،)1‬ويلمح‬
‫‪ 4‬ـ‪ ‬ويرى الفيض الكاشاني أنّ الصراط ٌ‬
‫الشيخ جعفر كاشف الغطاء‪ ،‬إلى وجود احتمال الرمزية في ّ‬
‫كل من الميزان‬
‫والصراط‪ ،‬قال‪« :M‬وحيث تجب عليه معرفة الميزان‪ ،‬ال تجب عليه معرفة أنّه‬
‫دقيق‪ ،‬أو هو عبار ٌة‬
‫ميزان معنوي‪ ،‬أو له ك ّفتان‪ ،‬وال تلزم معرفة أنّ الصراط‬
‫جسم ٌ‬
‫ٌ‬
‫عن االستقامة المعنوية على خالف التحقيق‪ ،‬والغرض أنّه ال تشترط في تحقق‬
‫اإلسالم معرفة أنّهما من األجسام‪ ،‬وإن كانت الجسمية هي األوفق باالعتبار‪،‬‬
‫وربما وجب القول بها عم ً‬
‫ال بظاهر األخبار»(‪.)2‬‬

‫هذا ولكن الملاّ صدرا رفض رفض ًا قاطع ًا أن يكون الميزان أمر ًا حسي ًا‪ ،‬معتبر ًا‬
‫العامية»‬
‫والس ّنة على المعاني‬
‫أنّ إصرار أهل الظاهر على «حمل ألفاظ الكتاب ُّ‬
‫ّ‬
‫ناتج عن «جمود قرائحهم على التجسيم‪ ،‬وعدم تجاوز أذهانهم عن حدود‬
‫والجسمانيات‪ ،‬ولو تأملوا قلي ً‬
‫وجردوا حقيقة‬
‫األجسام‬
‫ّ‬
‫ال في نفس معنى الميزان‪ّ ،‬‬
‫والخصوصيات لعلموا أنّ حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون‬
‫معناه عن الزوائد‬
‫ّ‬
‫مما له شكل مخصوص‪ ،‬أو صورة جسمانية»(‪.)3‬‬
‫البتة ّ‬
‫وممن استظهر الرمزية في الصراط أيض ًا‪ ،‬السيد محمد حسين فضل الله‪،‬‬
‫ّ‬
‫يقول‪M‬‬
‫تعبر عن شيء مادي‪ ،‬فلم يرد في القرآن‬
‫‪« :‬والظاهر أنّ الكلمة ال ّ‬

‫يعبر عن المنهج الذي يسلكه‬
‫الحديث عن الصراط إال بالطريق والخط الذي ِّ‬
‫الخيرة أو الشريرة في الحياة‪ ،‬وبذلك يكون الحديث عن الد ّقة‬
‫اإلنسان إلى غاياته ّ‬
‫في تصوير الصراط في اآلخرة‪ ،‬كناية عن الدقة في التمييز بين خط االستقامة‬

‫(( ( الكاشاني‪ ،‬محمد محسن‪ ،‬الحقائق في محاسن األخالق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.48‬‬
‫((( كاشف الغطاء‪ ،‬الشيخ جعفر (ت ‪1228‬هـ)‪ ،‬كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء‪ ،‬تحقيق‪:‬‬
‫مكتب اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬مكتب اإلعالم اإلسالمي‪ ،‬مشهد ـ إيران‪ ،‬ط‪1422 ،1‬هـ‪ ،‬ج‪،1‬‬
‫ص‪.60‬‬
‫((( الشيرازي‪ ،‬صدر الدين محمد‪ ،‬الحكمة المتعالية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ 9‬ص‪.262‬‬
‫‪262‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬دور اللّغة في االجتهاد الكالمي‬

‫الحد الفاصل بينهما‪ ،‬وأخذ بالحق‬
‫وخط االنحراف‪ ،‬فمن استطاع أن يعرف‬
‫ّ‬
‫الخالص من الباطل‪ ،‬سار إلى الجنة‪ ،‬ومن اختلف عليه األمر وأخذ بالباطل‪ ،‬سار‬
‫إلى النار(‪..)1‬‬

‫‪ 5‬ـ‪ ‬ومن األمثلة التي يذكرها الفيض الكاشاني‪ :‬ما ورد في الحديث‪« :‬أما‬
‫يحول الله رأسه رأس حمار»(‪ ،)2‬حيث‬
‫يخشى الذي يرفع رأسه قبل اإلمام‪ ،‬أن ّ‬
‫يرى أنّ «ذلك من حيث الصورة لم يكن وال يكون‪ ،‬ولكن من حيث المعنى‬
‫وخاصيته هي البالدة والحمق‪ ،‬وهو المقصود دون‬
‫هو كائن‪ ،‬إذ حقيقة الحمار‬
‫ّ‬
‫الشكل الذي هو قالب المعنى‪ ،‬إذ من غاية الحمق أن يجمع بين االقتداء وبين‬
‫التقدم‪ ،‬فإنّهما متناقضان‪ ،‬وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي‬
‫تتضمن عين المعنى أو مثله»(‪.)3‬‬

‫‪ 6‬ـ‪ ‬ومثال آخر يذكره الكاشاني أيض ًا‪ ،‬هو ما ورد في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف َق َ‬
‫ال َل َها‬
‫َولِ أْ َ‬
‫ل ْر ِ‬
‫ين﴾ [فصلت‪ ،]11:‬فإنّه تمثيل لتأثير‬
‫ض اِئْتِ َيا َط ْو ًعا َأ ْو َك ْر ًها َقا َل َتا َأت َْي َنا َطائِ ِع َ‬
‫قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها‪ ،‬بأمر المطاع وإجابة المطيع والطائع‪.‬‬

‫‪ 7‬ـ‪ ‬والمثال األخير الذي يذكره الكاشاني‪ :‬ما جاء في قوله تعالى‪﴿ :‬إِن ََّما َق ْو ُل َنا‬
‫لِ َشي ٍء إِ َذا َأ َر ْد َنا ُه َأ ْن َن ُق َ‬
‫ول َل ُه ُك ْن َف َي ُكونُ ﴾ [النمل‪ ،]40:‬حيث يرى أنّ القول هنا هو‬
‫ْ‬
‫نوع من الكالم الباطني من دون حرف وصوت(‪.)4‬‬

‫‪ 8‬ـ‪  ‬ومن أمثلة ذلك أيض ًا‪ ،‬ما ورد في األحاديث التي يصطلح عليها بأحاديث‬
‫الطينة‪ ،‬ومفادها‪ :‬أنّ الطينة التي خلق منها األنبياء واألئمة‪ R‬ومواليهم تختلف‬
‫((( ‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫فضل الله‪ ،‬السيد محمد حسين‪ ،‬مع الشيخ المفيد في تصحيح االعتقاد‪ ،‬مجلة المعارج‪ ،‬المجلد‬
‫السادس‪ ،‬السنة الثامنة‪ ،‬األعداد ‪ 28‬ـ‪ ،31 ‬آب ـ أيلول تشرين أول‪ ،1997 ،‬ص‪.368‬‬
‫النيسابوري‪ ،‬مسلم‪ ،‬صحيح مسلم‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.29‬‬
‫الكاشاني‪ ،‬الحقائق في محاسن األخالق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.47‬‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪.48‬‬
‫‪263‬‬

‫الباب األوّ ل‪ :‬االجتهاد الكالمي المبرّ رات‪ ،‬المناهج‪ ،‬المرتكزات‬

‫والفساق وناصبو العداء ألهل البيت‪،R‬‬
‫عن الطينة التي خلق منها الكافرون‬
‫ّ‬
‫فطينة الصنف األول مأخوذة من عليين أو من أرض طيبة أو من الماء العذب‪،‬‬
‫بينما طينة الصنف الثاني هي من سجين أو من أرض خبيثة وسخة ٍ‬
‫وماء أجاجٍ أو‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫من طينة خبال من‬
‫حماء مسنون(‪ ،)1‬وحيث إنّ ظاهر هذه األخبار ال ينسجم مع‬
‫قواعد العدلية‪ ،‬ألنّها ّ‬
‫وج ٌه قهر ًا إلى مصير‬
‫تدل على أنّ اإلنسان بمقتضى طينته ُم َّ‬
‫من السعادة أو الشقاء ال مفر له منه‪ ،‬فقد ذكر بعض العلماء احتما ً‬
‫ال في وجه‬
‫تأويلها وهو‪« :‬أنّ مضامين أحاديث الطينة معان كنائية وهي تعبير عن اختالف‬
‫الناس في استعدادهم لقبول الحق أو رفضه واتباع الهوى أو اجتنابه‪ ،‬وهذا أمر ال‬
‫عصي القياد على‬
‫تصوره وفي سلوكه‪،‬‬
‫ريب فيه‪ ،‬فبعض الناس قريب من الحق في ّ‬
‫ُّ‬
‫الضد من ذلك‪ ،‬وبعضهم‬
‫المؤثرات أن تقوده أو تنحرف به‪ ،‬وبعض الناس على‬
‫ّ‬
‫متوسطون بين بين‪ ،‬على درجات مختلفة أو متفاوتة‪ ،‬وواضح أنّ هذا االختالف‬
‫بين الناس في االستعداد ال يوجب جبر ًا وال يسلب اختيار ًا وال يسقط التكليف‬
‫عن اإلنسان مهما كان استعداده‪ ،‬ومهما كان قربه من الحق أو بعده عنه»(‪ ،)2‬وقد‬
‫تطرقت إلى هذا الموضوع بشكل أكثر تفصي ً‬
‫ال في كتاب «هل الجنة للمسلمين‬
‫ُ‬
‫وحدهم؟» فليراجع‪.‬‬

‫لكن‬
‫إنّ هذه النماذج‪ ،‬أو بعضها على األقل‪ ،‬قد تكون قابل ًة للنقاش أو الرفض‪ّ ،‬‬
‫غرضنا من ذكرها اإلشارة إلى وجود فكرة الرمزية‪ ،‬وانتشار األخذ بها عند علماء‬
‫المسلمين‪.‬‬

‫(( ( الروايات بذلك مستفيضة وبعضها صحيح السند‪ ،‬وهي مروية في «الكافي» للكليني‪ ،‬وفي‬
‫«علل الشرائع» للصدوق‪ ،‬وفي «المحاسن» للبرقي‪ ،‬وقد جمعها المجلسي في بحار األنوار ج‪5‬‬
‫ص‪ 225‬وما بعدها‪.‬‬
‫((( زين الدين‪ ،‬الشيخ محمد أمين‪ ،‬بين السائل والفقيه‪ ،‬األميرة للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪ ‬‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪2008 ،1‬م‪ ،‬ص‪.36‬‬
‫‪264‬‬

‫الباب الثاني‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫الديني‬
‫‪ 2‬الفصل األول‪ :‬اإلدراك‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬الفصل الثالث‪ :‬اإلدراك الوجداني‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 4‬الفصل الرابع‪ :‬اإلدراك الحسي‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫ّ‬
‫الشك في العقائد‪ :‬أنحاؤه ومعالجاته‬
‫‪ 5‬الفصل الخامس‪:‬‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪265‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫تمهيد‬

‫مصادر االستنباط العقائدي‬

‫مخصص للبحث في مصادر االستنباط العقائدي‪ ،‬ودورها في عملية‬
‫هذا الباب‬
‫ّ‬
‫متعددة ومتنوعة‪،‬‬
‫شرعيتها‪ .‬وبما أنّ هذه المصادر‬
‫اإلثبات وحدودها‪ ،‬ومستند‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بد من أن نص ّنفها تصنيف ًا منهجي ًا يمنع التداخل بين أنواعها‪ ،‬والتصنيفات‬
‫فال ّ‬
‫المطروحة‪ ،‬أو التي يمكن طرحها في المقام‪ ،‬هي التالية‪:‬‬
‫التصنيف األول‪ :‬وهو تصنيف يرتكز على مالحظة درجة الكشف التي‬
‫تستفاد من هذه المصادر‪ ،‬وبهذا االعتبار يمكن تصنيفها إلى‪ :‬مصادر االستنباط‬
‫الوجداني‪ ،‬ومصادر االستنباط التعبدي‪ ،‬وقد اعتمد بعض األعالم هذا التصنيف‬
‫في أصول الفقه(‪.)1‬‬

‫لكن هذا التصنيف ال يصح تعميمه وإسراؤه إلى المجال العقائدي‪ ،‬والوجه‬
‫في ذلك‪ :‬أنّ االستنباط العقائدي ال قيمة له إن لم يكن الدليل منتج ًا لليقين‪ ،‬وال‬
‫مجال للتعبد في قضايا االعتقاد‪ ‬ـ‪ ‬كما سلف‪ ‬ـ‪ ‬خالف ًا للمسائل الفقهية‪ ،‬حيث إنّ‬
‫المطلوب فيها هو االلتزام العملي‪ ،‬وهو ال يتو ّقف على حصول اليقين‪ ،‬ولذا ال‬
‫ظني ًا‪ ،‬شرط قيام الدليل القطعي على حجيته‪.‬‬
‫مانع أن يكون دليل اإلثبات الفقهي ّ‬

‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬الحلقة الثانية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.119‬‬
‫‪267‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫بد من أن يكون‬
‫ّأما العقائد‪ ،‬فحيث إنّ المطلوب فيها عقد القلب واإلذعان‪ ،‬فال ّ‬
‫ٍ‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ التدين‬
‫والظن ال يوفّر اإلذعان وال عقد القلب‪،‬‬
‫مستندها قطعي ًا‪،‬‬
‫ّ‬
‫باألصول إنّما هو من آثار العلم(‪.)1‬‬

‫التصنيف الثاني‪ :‬وهو يرتكز على مالحظة متع ّلق المعرفة ومعروضها‪ ،‬فإنّ‬
‫المعرفة تار ًة تتعلق بالطبيعة (العالم المادي)‪ ،‬وأخرى تتعلق بما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫وأما‬
‫فإذا أريد‬
‫التعرف إلى الطبيعة‪ ،‬فالطريق إلى ذلك هو المشاهدة والتجربة‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫إذا أريد التعرف إلى ما وراء الطبيعة‪ ،‬فالطريق إلى ذلك هو العقل والوحي‪ .‬يقول‬
‫الشيخ محمد جواد مغنية‬
‫«أما‬
‫ّ‬
‫متحدث ًا عن مصدر المعرفة عند اإلمام علي‪ّ :Q‬‬
‫أهل األديان‪ ،‬وفي طليعتهم اإلمام‪ ،‬فإنّهم يؤمنون بمبادئ ثالثة للوجود‪ :‬الله‪،‬‬
‫الروح والمادة‪ّ ،‬‬
‫ومتميز عن اآلخر‪ ،‬رغم تع ّلق الروح‬
‫وكل واحد منها مستقل‬
‫ّ‬
‫بالما ّدة‪ ،‬وافتقارهما إلى الله الموجود بالذات‪ .‬وعليه‪ ،‬فإنّ طرق المعرفة عند‬
‫بتعدد الموجودات الثالثة‪ ،‬كل في حدوده وضمن دائرته‪ ،‬فطريق‬
‫اإلمام َّ‬
‫تتعدد ّ‬
‫المعرفة إلى أشياء الطبيعة التي نلمسها المشاهدة والتجربة‪ ،‬والطريق إلى معرفة‬
‫ٍ‬
‫كسبيل إلى‬
‫ما وراء الطبيعة العقل‪ ،‬ومتى أثبتناه بالعقل‪ ،‬استطعنا أن نعتمد الوحي‬
‫معرفة األمور الدينية»(‪.)2‬‬
‫ولكن‪ ،‬من الواضح أنّ هذا التصنيف يتناول مصادر المعرفة البشرية بشكل‬
‫عام‪ ،‬بينما محل الكالم هو في مصادر المعرفة الدينية االعتقادية‪ ،‬ولذا فهو‬
‫تصنيف ال يخدم وال ينفع في ّ‬
‫محل البحث‪.‬‬

‫التصنيف الثالث‪ :‬وهو يرتكز على مالحظة مصدر المعرفة في كيان اإلنسان‪،‬‬
‫فإنّ المعارف والعلوم ّإما أن تكون حاصل ًة عن طريق العقل‪ ،‬أو عن طريق القلب‬
‫(( ( أنظر‪ :‬مغنية الشيخ محمد جواد‪ ،‬فلسفات إسالمية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ ،148‬نقل ذلك عن الشيخ‬
‫األنصاري‪.‬‬
‫((( المصدر نفسه‪ ،‬ص‪.681‬‬
‫‪268‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫والوجدان‪ ،‬أو عن طريق الحواس‪ ،‬فهذه الطرق الثالث تعتبر منافذ المعرفة في‬
‫داخل كيان اإلنسان‪ ،‬وبواسطتها يحصل على كل معلوماته ومعارفه(‪.)1‬‬

‫جامع وال مانع‪ّ ،‬أما‬
‫إال أنّ هذا التصنيف أيض ًا ال يخلو من إشكال‪ ،‬ألنّه غير‬
‫ٍ‬
‫ألهم مصدر إثباتي في المجال العقدي‪ ،‬وهو‬
‫عدم جامعيته‪ ،‬فباعتبار عدم شموله ّ‬
‫الحس‪ ،‬وهو ليس مصدر ًا في اإلثبات‬
‫وأما عدم مانعيته‪ ،‬فالشتماله على‬
‫الوحي‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫العقائدي‪.‬‬

‫يوجه التصنيف المذكور ويدافع عن جامعيته ومانعيته‪ّ ،‬أما‬
‫اللهم إال أن ّ‬
‫األولى‪ :‬فباعتبار أنّ الوحي يمكن إدراجه في اإلدراك الحاصل عن طريق القلب‪،‬‬
‫*ع َلى َق ْلبِ َك لِ َت ُكونَ ِم َن ا ْل ُم ِ‬
‫ِ‬
‫ين﴾ [الشعراء‬
‫ين َ‬
‫نذ ِر َ‬
‫وح الأْ َ ِم ُ‬
‫الر ُ‬
‫قال تعالى‪َ ﴿ :‬ن َز َل بِه ُّ‬
‫وأما الثانية‪ :‬فباعتبار أنّ‬
‫للحس دور ًا معين ًا‪ ‬ـ‪ ‬ولو كان جزئي ًا‪ ‬ـ‪ ‬في‬
‫‪ 193‬ـ‪ّ .]194  ‬‬
‫ّ‬
‫اإلثبات العقائدي‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬

‫لكن‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬يبقى أن يقال بشأن الجامعية‪ :‬بأنّ القلب هو وسيلة‬
‫وطريق لتلقي الوحي والمعارف اإللهية‪ ،‬وليس مصدر ًا إلنتاج تلك المعارف‪،‬‬
‫فالوحي هو المصدر‪ ،‬وهو مصدر من خارج كيان اإلنسان‪ ،‬بينما القلب هو آلة‬
‫التلقي فقط‪.‬‬
‫تقدم من مالحظات حول التصنيفات المذكورة لمصادر المعرفة‬
‫وفي ضوء ما ّ‬
‫الدينية االعتقادية‪ ،‬فإنّا نستقرب التصنيف التالي لها‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ‪ ‬المصادر الخارجة عن كيان اإلنسان‪ ،‬من حيث منشأها ومنبعها األساس‬
‫ولكنه يتلقاها ويتفاعل معها‪ ،‬ومثاله الواضح‪ :‬الوحي بما يشمل الكتاب والس ّنة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ‪ ‬المصادر الم ّتصلة بكيان اإلنسان‪ ،‬كالعقل‪ ،‬والفطرة‪.‬‬

‫((( أنظر‪ :‬الريشهري‪ ،‬الشيخ محمدي‪ ،‬مباني المعرفة‪ ،‬دار المرتضى‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1993 ،2‬م‪،‬‬
‫ص‪.161‬‬
‫‪269‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫والفصول اآلتية تتك َّفل بالبحث عن حجية المصادر المشار إليها بصنفيها‪.‬‬

‫المشار إليها‪،‬‬
‫وسوف ي ّتضح من خالل البحوث اآلتية‪ ،‬أنّ مصادر االستنباط ُ‬
‫ليست في مستوى واحد من اإلثبات والطريقية‪ .‬فبعضها مصادر إثبات عامة‬
‫تصلح لالحتجاج بها على اآلخرين‪ ،‬فض ً‬
‫عمن قام عنده الطريق‪ ،‬كما هو الحال‬
‫ال َّ‬
‫الدينية‪،‬‬
‫شخصية للمعرفة‬
‫في مرجعية العقل والوحي‪ ،‬وبعضها اآلخر هو مصادر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حتج بها على اآلخر‪ ،‬وإنّما هي مصدر‬
‫وال يمكن تحويلها إلى وسيلة إثبات عامة ُي ّ‬
‫عند من قام عنده الطريق‪ ،‬كما هو الحال في العرفان‪ ،‬فإنّه على فرض االعتراف‬
‫بكونه مصدر ًا للمعرفة العقيدية‪ ،‬فإنه يبقى تجرب ًة شخصي ًة ال يمكن تعميم نتائجها‬
‫على اآلخرين‪ ،‬أو تحويلها إلى وسيلة إثبات عامة‪ ،‬إ ّ‬
‫مر اآلخرون بتجربة‬
‫ال إذا ّ‬
‫العارف نفسه‪ .‬والكالم عينه قد ُيقال بشأن الفطرة‪ ،‬فحال العرفان والفطرة حال‬
‫العلم‪ ،‬فكما أنّه طريق عند العالِم نفسه دون سواه‪ ،‬فإنّهما طريقان لدى العارف‬
‫نفسه وصاحب الفطرة(‪ )1‬دون سواهما‪.‬‬

‫األمة إلى معارف األئمة‪ ،R‬مؤسسة‬
‫((( الخراساني‪ ،‬الشيخ محمد جواد‪( ،‬ت ‪1398‬هـ)‪ ،‬هداية ّ‬
‫البعثة‪ ،‬قم‪ ‬ـ‪ ‬إيران‪1416 ،‬هـ‪ ،‬ص‪.30‬‬
‫‪270‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫الفصل األول‬

‫اإلدراك العقلي‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪1‬‬
‫موقعية العقل في التجربة الدينية‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 2‬دور العقل في إنتاج المعرفة الدينية‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 3‬حجية العقل‪ :‬معايير وضوابط‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫والنص‪ :‬عالقة تكامل ال تقابل‬
‫‪ 4‬العقل‬
‫ّ‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪271‬‬

 

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫‪1‬‬
‫موقعية العقل‬
‫في التجربة الدينية‬

‫جزئية في أوساط المسلمين تنظر بسلبية إلى‬
‫على الرغم من ظهور مواقف‬
‫ّ‬
‫إلمكانية إدراك العقل حسن‬
‫العقل‪ ،‬كما هو الحال في الموقف األشعري الرافض‬
‫ّ‬
‫المتشدد لبعض أخبارية الشيعة في رفض اعتماد‬
‫األفعال أو قبحها‪ ،‬أو الموقف‬
‫ّ‬
‫العقل في الحقل التشريعي‪ ،‬ح ّتى لو كان قطعي ًا‪ ،‬على الرغم من ذلك ك ّله‪ ،‬فإنّ‬
‫ثمة فريق ًا كبير ًا من المسلمين‪ّ ،‬‬
‫خاصة ودور مرجعي‬
‫ظل محتفظ ًا للعقل بمكانة ّ‬
‫في بناء المعرفة الدينية‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن غيرها‪.‬‬

‫الدينية‬
‫النص الديني والتجربة‬
‫العقل بين ّ‬
‫ّ‬

‫وإنّ مقارن ًة سريع ًة بين تجربة المسلمين التاريخية وتجربة غيرهم من أتباع‬
‫سائر األديان‪ّ ،‬‬
‫تؤكد القيمة الكبيرة التي أوالها اإلسالم للعقل‪ ،‬حيث لم ُيعهد‬
‫السماوية التي سبقت اإلسالم‪ ،‬اعتمدت العقل في إيمانها‬
‫أنّ شريع ًة من الشرائع ّ‬
‫وتدينها وبنائها العقدي‪ ،‬كما هو الحال في اإلسالم‪ .‬فال النصوص الدينية في‬
‫ّ‬
‫الكتب السماوية المتداولة لدى غير المسلمين تساعد على إعطاء مكانة مميزة‬
‫للعقل في المعرفة الدينية‪ ،‬وال التجربة الدينية التاريخية لغير المسلمين تساعد‬
‫على تقديم صورة ناصعة ومتفائلة إزاء العقل‪ ،‬كيف‪ ،‬وتجربة الكنيسة في القرون‬
‫‪273‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫الوسطى القاتمة والمريرة مع حركة العقل والعلم‪ ،‬ال تزال محفور ًة في ذاكرة‬
‫العقل الغربي وغيره إلى يومنا هذا‪ .‬وفي الوقت الذي شاع لدى علماء الالهوت‬
‫المسيحيين وضع اإليمان في ّ‬
‫صريح كالم‬
‫خط مواز ومقابل للعقل‪ ،‬كما هو‬
‫ٌ‬
‫القديس (‪ 1033( )Anselme‬ـ‪ )1109 ‬رئيس أساقفة أنتربري‪« :‬يجب أن‬
‫تعتقد أو ً‬
‫ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما‬
‫ال بما يعرض على قلبك بدون نظر‪ّ ،‬‬
‫ٍ‬
‫اعتقدت‪ ،‬فليس اإليمان في‬
‫حاجة إلى نظر عقل»(‪ ،)1‬ويذهب البابا غريغوريوس‬
‫يصرح بأنّه «لن تكون لإليمان أي قيمة إذا كان بحاجة‬
‫التاسع أبعد من ذلك‪ ،‬عندما ّ‬
‫إلى العقل‬
‫وندد‬
‫البشري من أجل مساعدته»(‪ ،)2‬نجد أنّ اإلسالم قد انحاز للعقل ّ‬
‫ّ‬
‫اب‬
‫بالذين ال يستخدمون عقولهم وطاقاتهم وحواسهم‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬إِ َّن َش َّر َّ‬
‫الد َو ِّ‬
‫اإليمانية‬
‫ين َال َي ْع ِق ُلونَ ﴾ [األنفال ‪ ،]22‬وبنى منظومته‬
‫الص ُّم ا ْل ُب ْك ُم ا َّل ِذ َ‬
‫ِعندَ ال ّل ِه ُّ‬
‫ّ‬
‫والعقدية على أساس المنطق والبرهان‪ ،‬ولسان حاله ومقاله دوم ًا‪ُ ﴿ :‬ق ْل َهاتُوا‬
‫ُبر َها َن ُكم إِ ْن ُك ْن ُتم َص ِ‬
‫الحجة بين الله وعباده‪،‬‬
‫ين﴾ [البقرة‪ .]111:‬فالعقل هو‬
‫اد ِق َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫النبوة‬
‫وهو دليل معرفة الله ووحدانيته وعلمه وقدرته وحياته‪ ..‬كما أنّه دليل إثبات ّ‬
‫ويوم المعاد‪ ..‬إلى غير ذلك من العقائد‪.‬‬
‫باختصار‪ :‬إنّ «األصل األول لإلسالم»‪ ،‬واألساس الذي ُبني عليه هذا الدين‬
‫هو «النظر العقلي»‪ ،‬فهو «وسيلة اإليمان الصحيح»(‪ ،)3‬وال يحتاج المرء إلى‬
‫كبير عناء ليدرك ويكتشف انتصار القرآن للعقل والتعقّل والعقالء‪ ،‬فاآليات التي‬
‫تمتدح عمل العقل كثيرة‪ ،‬من قبيل قوله تعالى‪َ :‬‬
‫﴿أ َف َل ْم َي ِس ُيروا ِفي الأْ َ ْر ِ‬
‫ض َف َت ُكونَ‬
‫وب َي ْع ِق ُلونَ بِ َها َأ ْو َآ َذانٌ َي ْس َم ُعونَ بِ َها َفإِن ََّها لاَ ت َْع َمى الأْ َ ْب َص ُار َو َل ِك ْن ت َْع َمى‬
‫َل ُه ْم ُق ُل ٌ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬عمارة‪ ،‬الدكتور محمد‪ ،‬العرب والتحدي‪ ،‬ضمن سلسلة عالم المعرفة‪ ،‬المجلس الوطني‬
‫للثقافة والفنون واآلداب‪ ،‬الكويت‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،1980 ،‬ص‪.102‬‬
‫((( أنظر‪ :‬صالح‪ ،‬هاشم‪ ،‬مدخل إلى التنوير األوروبي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.53‬‬
‫((( عبده‪ ،‬الشيخ محمد‪ ،‬اإلسالم بين العلم والمدنية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.76‬‬
‫‪274‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫﴿و َقا ُلوا‬
‫ا ْل ُق ُل ُ‬
‫الصدُ و ِر﴾ [الحج‪ ،]46:‬أو قوله حكاي ًة عن أهل ال ّنار‪َ :‬‬
‫وب ا َّلتِي ِفي ُّ‬
‫َل ْو ُك َّنا َن ْس َم ُع َأ ْو َن ْع ِق ُل َما ُك َّنا ِفي َأ ْص َح ِ‬
‫الس ِعي ِر﴾ [البقرة‪ ...]10:‬وإلى مصطلح‬
‫اب َّ‬
‫ٌ‬
‫مرادفة له‪ ،‬كمصطلح (اللب) و(النهية)‪ ،‬وردت‬
‫ثمة مصطلحات أخرى‬
‫العقل‪ّ ،‬‬
‫في القرآن في سياق المدح‪ ،‬ونحو ذلك آيات ّ‬
‫والتدبر واالعتبار‪...‬‬
‫والتأمل‬
‫التفكر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫هذا في الكتاب‪.‬‬

‫الحجة بين الله وخلقه‪،‬‬
‫السنة‪ ،‬فحديثها عن العقل وامتداحها له‪ ،‬واعتباره‬
‫ّ‬
‫ّأما ّ‬
‫حديث مستفيض ومعروف‪..‬‬

‫بد من اإلقرار بأنّ تجربة المسلمين مع العقل لم تكن ناصعة نصوع‬
‫أجل‪ ،‬ال ّ‬
‫مد ًا وجزر ًا‪ ،‬فقد طلعت علينا بعض الفرق‬
‫النصوص المذكورة‪ ،‬وإنّما شهدت ّ‬
‫مرجعية العقل‪ ،‬ونفي قدرته‬
‫خضم العراك الفكري الكالمي‪ ،‬برفض‬
‫اإلسالمية في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫على اكتشاف حسن األشياء أو قبحها‪ ،‬كما ستأتي اإلشارة إليه‪ .‬وهذا في الحقيقة‬
‫اإلسالمي مقت ً‬
‫مرجعية‬
‫ال؛ ألنّ إنكار‬
‫م ّثل إحدى النكسات التي أصابت من العقل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العقل أو قدرته على اكتشاف ُحسن األشياء أو ُقبحها‪ ،‬أو إنكار حجيته على ّ‬
‫أقل‬
‫تقدير‪ ،‬كانت له نتائج سلبية كثيرة‪ ،‬فمن جهة‪ ،‬نرى أنّ ذلك أ ّثر سلب ًا في حيوية علم‬
‫وشغل المسلمون في جدل لم ِ‬
‫الكالم‪ُ ،‬‬
‫تنته فصوله إلى اليوم حول عالقة العقل‬
‫شرعية الحسن والقبح أو عقليتهما‪ ،‬وهو ٌ‬
‫ٌ‬
‫مستنـزف للطاقات‬
‫جدل‬
‫بالنقل‪ ،‬وحول‬
‫ّ‬
‫في بعض وجوهه‪ ،‬ومانع أو حائل ـ ولو جزئي ًا ـ دون البناء والتأسيس على مبدأ‬
‫(الحسن والقبح العقليين)‪ ،‬بغية االنطالق إلى فضاءات جديدة تستهدي العقل‬
‫وتسترشده‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنّ ذلك أسهم في تعزيز االتجاه الظاهري الذي‬
‫َج َمد أصحابه على النص(‪ )1‬وظواهره‪ ،‬وهو ما أوقعهم في التجسيم أو التشبيه‪.‬‬
‫((( روي عن أحمد بن حنبل أنّه قال‪« :‬ال نتعدى القرآن والحديث» (أنظر‪ :‬الفضلي‪ ،‬الشيخ عبد‬
‫الهادي‪ ،‬خالصة علم الكالم‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ ،241‬ينقل ذلك عن الكوكب المنير‪ ،‬ج‪،2‬‬
‫ص‪.)352‬‬
‫‪275‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫لكن الشيء اإليجابي الذي يبعث على التفاؤل‪ ،‬هو أنَّ هذا الموقف السلبي لم‬
‫ّ‬
‫عصي ًا على التعطيل‪ ،‬ولذا ّ‬
‫ظل‬
‫اإلسالمي تمام ًا‪ ،‬بل بقي هذا العقل‬
‫يعطل العقل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مرجعية‬
‫حد معين حارس ًا أمين ًا ومدافع ًا مخلص ًا عن‬
‫الفكر اإلمامي والمعتزلي إلى ٍّ‬
‫ّ‬
‫العقل‪ ،‬وقدرته على اكتشاف حسن األشياء وقبحها‪ ،‬وكونه ميزان ًا للتكليف‪،‬‬
‫وللثواب والعقاب أيض ًا‪.‬‬

‫اإلسالمية‬
‫والعقالنية‬
‫علم الكالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫تتبدى فيه عالقة المعارف اإلسالمية بالعقل‪،‬‬
‫وربما كان الميدان األبرز الذي َّ‬
‫هو علم الكالم‪ ،‬وليس مبالغ ًة القول‪ :‬إنّه أكثر العلوم اإلسالمية التصاق ًا بالعقل‪ .‬فإنّ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫مركزي ًا في إثبات العقائد‬
‫يحتل دور ًا‬
‫قائمة على البرهان العقلي الذي‬
‫ُبنية هذا العلم‬
‫ّ‬
‫المحوري للعقل‪ ،‬لما وجدت أو ّ‬
‫تشكلت معرفة كالمية‪.‬‬
‫الدور‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ولوال هذا ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تم إثباتها‬
‫أهم المعتقدات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬يظهر بوضوح أنّه قد ّ‬
‫وبنظرة سريعة وخاطفة على ّ‬
‫ّ‬
‫العقلية‪ ،‬بل إنّ بعضها ال سبيل إلى إثباته بغير العقل‪ ،‬كمـا هـو الحـال فـي‬
‫بالبراهين‬
‫ّ‬
‫يتقوم بهما اإلسالم‪ ،‬وهما‪ :‬اإليمان بالله‪ ،‬واإليمان برسوله‪،P‬‬
‫العقيدتين ّ‬
‫األم اللتين ّ‬
‫وهكذا الحال في مسائل دينية أخرى‪ ،‬من قبيل‪( :‬وجوب إطاعة الله)‪ ،‬فإنّ هذه القضية‬
‫وأمثالها من القضايا‪ ،‬تعتمد على حكم العقل وال دور للشرع فيها‪ ،‬وإال لزم التسلسل‪،‬‬
‫وأما سائر العقائد‪ :‬كاالعتقاد بالمعاد أو اإلمامة أو العصمة أو غيرها من أصول العقائد‬
‫ّ‬
‫أو فروعها‪ ،‬فإنّها ال تستغني في إثباتها عن العقل‪ ،‬وإن أمكن إثباتها عن طريق الوحي‬
‫أيض ًا‪ .‬أجل‪ ،‬إنّ بعض قضايا اإليمان الغيبية‪ ،‬قد انفردت بأنّه ال طريق إلثباتها إال من‬
‫خالل الوحي‪ ،‬كما سيأتي بيان ذلك‪.‬‬
‫وربما يؤخذ على عقل المتك ّلم‪ ،‬أنّه ٌ‬
‫دفاعي تبريري يدافع عن العقيدة‬
‫عقل‬
‫ّ‬
‫ٌّ‬
‫المتحرر‬
‫ويحرسها‪ ،‬وال يستطيع الخروج على مس ّلماتها‪ ،‬خالف ًا لعقل الفيلسوف‬
‫ّ‬
‫من ّأية قيود‪.‬‬
‫‪276‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫ولكن يمكن التعليق على ذلك‪ :‬بأنّ المتك ّلم إذا كان ينطلق في دفاعه عن العقيدة‬
‫من موقع اإلخالص واإليمان الذي ساقه عقله إليه‪ ،‬فهو ينسجم مع نفسه وقناعاته‬
‫العقلية‪ ،‬وال يضيره والحال هذه‪ ،‬أن يوسم عقله بأنّه تبريري أو دفاعي‪ .‬نقول هذا‬
‫ّ‬
‫مع اإلشارة إلى أننا‪ ‬ـ‪ ‬في هذا المقام‪ ‬ـ‪ ‬لسنا بصدد المفاضلة بين المدرسة الكالمية‬
‫الفلسفية وترجيح األولى على الثانية أو العكس‪ ،‬فهذا له مجال آخر‪.‬‬
‫والمدرسة‬
‫ّ‬

‫العقل وقواعد العقائد‬

‫وتتبدى عالقة علم الكالم الوطيدة بالعقل‪ ،‬مضاف ًا إلى ما سلف‪ ،‬في ابتنائه‬
‫َّ‬
‫ٍ‬
‫العقلية‪ ،‬ال أقصد بهذه القواعد فقط المس َّلمات‬
‫جملة من القواعد والركائز‬
‫على‬
‫ّ‬
‫والدينية‪ ،‬من قبيل‬
‫والبديهيات التي ترتكز عليها مختلف المعارف البشرية‬
‫ّ‬
‫استحالة اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما‪ ،‬وكذا استحالة الدور والتسلسل‪،‬‬
‫ّ‬
‫وشكلت إطار ًا‬
‫الكليات التي أنتجها العقل الكالمي‪،‬‬
‫بل أقصد بها أيض ًا‪ ،‬تلك‬
‫ّ‬
‫أهم هذه القواعد‪( :‬وجوب شكر المنعم)‪،‬‬
‫موجه ًا ومميز ًا لعلم الكالم‪ ،‬وإليك ّ‬
‫(وجوب دفع الضرر المحتمل)‪( ،‬قبح العقاب بال بيان)‪ُ ( ،‬قبح التكليف بما ال‬
‫يطاق أو بغير المقدور أو بالمحال) (قاعدة اللطف)‪( ،‬قاعدة وجوب األصلح)‪،‬‬
‫الكلية المبثوثة في‬
‫(قاعدة التحسين والتقبيح العقليين)‪ ،‬إلى غير ذلك من القواعد‬
‫ّ‬
‫ثنايا المباحث الكالمية‪ ،‬والتي يمكن درج بعضها في قاعدة التحسين والتقبيح‬
‫وأما النقاشات التي طالت بعض هذه القواعد أو المالحظات التي‬
‫العقليين‪ّ ،‬‬
‫تغير من االستنتاج حول عالقة (الكالم) بالعقل شيئ ًا‪.‬‬
‫ّ‬
‫سجلت عليها‪ ،‬فإنّها ال ّ‬

‫والعملي‬
‫النظري‬
‫العقل‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫تم تصنيفه في كلمات علماء الكالم‬
‫وتجدر اإلشارة إلى أنّ العقل المنتج قد ّ‬
‫العملي‪ .‬ومن الواضح أنّه ليس هناك عقالن‬
‫وغيرهم إلى‪ :‬العقل النظري‪ ،‬والعقل‬
‫ّ‬
‫‪277‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫لدى اإلنسان‪ ،‬وإنّما هو ٌ‬
‫عقل واحدٌ ‪ ،‬ولذا فالتقسيم المذكور إنّما هو بلحاظ‬
‫مما ينبغي أن ُيعلم‪ ،‬فيصطلح‬
‫مدركات العقل وموطنه‪ .‬فإن كان ما يدركه العقل هو ّ‬
‫مما ينبغي أن ُيعمل‪ ،‬فيصطلح عليه بالعقل‬
‫عليه بالعقل‬
‫ّ‬
‫النظري‪ ،‬وإن كان ما يدركه ّ‬
‫عما يدرك‬
‫فرق بعض األعالم(‪ )1‬بينهما‪ ،‬بأنّ المراد‬
‫ّ‬
‫باألول عبارة ّ‬
‫العملي‪ .‬وقد َّ‬
‫ّ‬
‫الواقع بنحو ليس له اقتضاء التأثير مباشر ًة في مقام العمل‪ ،‬وإنّما يقتضي التأثير‬
‫العملي بالواسطة‪ ،‬من قبيل إدراك العقل لوجود الله‪ ،‬فإنّه يؤ ّثر في مقام العمل‬
‫وأما الثاني‪ ،‬فهو عبار ٌة عن إدراكه ما‬
‫بتوسط إدراكه ّ‬
‫حق المولوية له سبحانه‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫بشكل مباش ٍر‪ ،‬وهو إدراكه الحسن والقبح‪.‬‬
‫يستتبع التأثير في العمل‬

‫((( الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬مباحث األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس الشهيد محمد باقر الصدر‪ ،‬الطبعة‬
‫الثانية‪ ،‬دار البشير‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1426 ،2‬هـ‪ ،‬ج‪ ،1‬ق‪ ،2‬ص‪.396‬‬
‫‪278‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫‪2‬‬
‫دور العقل‬
‫في إنتاج المعرفة الدينية‬

‫حجية العقل في المجال االعتقادي(‪ )1‬من المس َّلمات والواضحات‬
‫تعتبر‬
‫ّ‬
‫لدى المسلمين‪ ،‬ولم تشهد تحفظ ًا أو رفض ًا‪ ،‬فيما عدا موقف بعض أهل الظاهر‬
‫غالبية المدارس‬
‫التطرق إليه‪ .‬وال يقتصر األمر لدى‬
‫مما يأتي‬
‫واألخباريين‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اإلسالمية على اعتبار العقل أص ً‬
‫ال من أصول االستنباط الكالمي‪ ،‬بل يتعداه إلى‬
‫ّ‬
‫اعتباره مستند ًا ودلي ً‬
‫حجية غيره من األصول المنتجة‪ ،‬فحجية الكتاب‬
‫ال على‬
‫ّ‬
‫(الوحي)‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬مستندها هو العقل دون سواه‪ ،‬وال يمكن أن تكون حجية‬
‫الوحي ذاتية ومعتمدة على الوحي نفسه‪ ،‬فهذا دور‪ ،‬وهو مستحيل‪ ،‬ما يعني أنّ‬
‫العقل هو ّأم الحجج ومرجعها جميع ًا‪ ،‬وال يمكن بناء منهج معرفي ال يكون‬
‫العقل أساسه ومستنده‪ُّ .‬‬
‫فكل المناهج ال تستغني عن العقل‪ّ ،‬أما المنهج العقلي‬
‫عما‬
‫نفسه‪ ،‬فال يحتاج إلى تلك المناهج في إثبات حجيته‪ ،‬كما سي ّتضح بالدليل ّ‬
‫قليل‪ ،‬ومن هنا تعرف الخلل الحاصل فيما ُيتحدث به‪ ‬ـ‪ ‬عادة‪ ‬ـ‪ ‬عن هذه الثنائية‬
‫الحادة‪ ،‬والتقابل المطلق بين المنهج العقلي والمنهج النقلي‪ ،‬أو بين المنهج‬
‫العقلي والمنهج العرفاني‪.‬‬
‫((( ذكر بعض األعالم أنّ العقل هو «المرجع الوحيد في أصول الدين وفي بعض الفروع التي ال يمكن‬
‫المقدس أن يصدر حكمه فيها‪ ،‬كأوامر اإلطاعة واالنقسامات الالحقة للتكاليف‪»...‬‬
‫للشارع‬
‫ّ‬
‫العامة للفقه المقارن‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.)299‬‬
‫(الحكيم‪ ،‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول ّ‬
‫‪279‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫نبين الموقف من مرجعية العقل في إنتاج المعرفة‬
‫وتوضيح ًا لما تقدم‪ ،‬فإنّنا ّ‬
‫الدينية من خالل النقاط التالية‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬الدليل على حجية مدركات العقل‬

‫ربما تكون محاولة االستمرار في الدفاع عن حجية العقل إلى يومنا هذا‪،‬‬
‫واالستدالل على مرجعيته‪ ،‬أمر ًا مستغرب ًا‪ ،‬ألن المفترض أن تكون القضية قد‬
‫أصبحت من البديهيات‪ ،‬بل هي كذلك حق ًا‪ ،‬حتى أنّ من يناقش في حجية الدليل‬
‫العقلي‪ ،‬تراه يستخدم العقل وأدواته في مناقشاته‪ ،‬فهو ممن يسعى إلى إبطال‬
‫حجية العقل بالعقل‪ ،‬ومعلوم أنّ ما يلزم من وجوده عدمه محال‪.‬‬
‫حجية العقل‬
‫وبصرف النظر عن بداهة المسألة‪ ،‬فلو أننا أردنا البرهنة على‬
‫ّ‬
‫ومرجعيته‪ ،‬فبإمكاننا االستدالل على ذلك بأحد وجهين‪:‬‬

‫األول‪ :‬إنّ مورد النظر حول حجية الدليل العقلي هو فيما إذا كان قطعي ًا‪،‬‬
‫الوجه ّ‬
‫ذاتية غير قابلة‬
‫حجية القطع‪ ،‬وهي‬
‫حجيته من‬
‫وإذا كان كذلك فهو يكتسب‬
‫حجية ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ظني ًا‪ ،‬فهو بحاجة إلى ما ّ‬
‫يدل على‬
‫للجعل واالعتبار‪ّ ،‬‬
‫وأما إن كان الدليل العقلي ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫حجيته‪ ،‬وال دليل على‬
‫مر في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حجية الظنون العقلية كغيرها من الظنون‪ ،‬كما ّ‬
‫البحوث السابقة‪.‬‬

‫الوجه الثاني‪ :‬إنّ اإلدراك العقلي تار ًة يكون بديهي ًا‪ ،‬وأخرى غير بديهي‪ ،‬ونقصد‬
‫ٍ‬
‫جملة من المعارف الضرورية التي تذعن‬
‫باإلدراك البديهي‪ :‬ما كان معتمد ًا على‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫صحتها‪ ،‬أو تشعر بالحاجة‬
‫تلقائي‪ ،‬دون أن تُطالب‬
‫بشكل‬
‫بها ال ّنفس‬
‫بدليل على ّ‬
‫ٍّ‬
‫إلى ذلك‪ ،‬من قبيل إدراكنا أنّ‬
‫الضدين ال يجتمعان‪ ،‬وأنّ الواحد نصف االثنين‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وأنّ‬
‫التأمل‬
‫الكل أكبر من الجزء‪ّ ،‬أما اإلدراك غير البديهي‪ ،‬فهو ما كان محتاج ًا إلى ّ‬

‫((( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬دروس في علم األصول‪ ،‬الحلقة الثالثة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.430‬‬
‫‪280‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫والنظر‪ ،‬وتحتاج ال ّنفس لإلذعان به إلى أن تستند إلى معلومات سابقة بديهية‪،‬‬
‫وذلك من قبيل إدراكنا أنّ المعلول يزول بزوال ع ّلته‪.‬‬

‫حجيته؛ ألنّ بداهته‬
‫فإذا كان اإلدراك العقلي بديهي ًا‪ ،‬فال يحتاج إلى ما ُيثبت‬
‫ّ‬
‫تغني عن االستدالل عليه‪ ،‬والتشكيك في ذلك مر ّده إلى السفسطة ليس إال‪.‬‬

‫حجيته يكون من خالل إرجاع‬
‫وأما إذا كان غير بديهي‪ ،‬فالطريق إلى إثبات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األولية‪ ،‬أي إنّ القضايا‬
‫العقلية‬
‫القضايا النظرية إلى البديهيات أو المعلومات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تستمد حجيتها وتُضمن صحتها‪ ،‬من خالل إرجاعها إلى البديهيات‪،‬‬
‫النظرية إنّما‬
‫ُّ‬
‫والحجة وفق المنطق األرسطي‪ ،‬هي‪ :‬القياس‪،‬‬
‫وذلك بتوسط حجة إثباتية‪.‬‬
‫ّ‬
‫أو االستقراء‪ ،‬أو التمثيل؛ واألخيران غير مرضيين عند المناطقة‪ ،‬ما لم يرجعا‬
‫لفاعلية‬
‫لكن منطق االستقراء يخالف المنطق األرسطي في رفضه‬
‫إلى القياس‪ّ .‬‬
‫ّ‬
‫وإنتاجية االستقراء‪ ،‬ويرى‪ ‬ـ‪ ‬أي منطق االستقراء‪ ‬ـ‪ ‬أنّ حساب االحتماالت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫بشكل رياضي‪ ،‬فإنّ االحتمال ال‬
‫الشك ال‬
‫وتجميع القرائن‪ ،‬يفيد اليقين‪ ،‬وينفي‬
‫البشري‪ ،‬ألنّ اإلنسان‬
‫عملي ًا من الذهن‬
‫ُينفى رياضي ًا بتجميع القرائن‪ ،‬وإنّما ينفيه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قد خلق بنح ٍو ال يعتني ذهنه باالحتماالت الضئيلة(‪.)1‬‬

‫وخالصة القول‪ :‬إنَّ‬
‫العقلية النظرية هي أنها منتجة‬
‫الحجة في إثبات القضايا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫العقلي‪ ،‬ألنّ‬
‫حجية‬
‫حجة اإلدراك‬
‫مجال‬
‫ثمة‬
‫للشك في ّ‬
‫لليقين‪ ،‬ومعه‪ ،‬فال يبقى ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سيما على المبنى المشهور القائل‪:‬‬
‫اليقين تنجيز ًا وتعذير ًا ثابتة‪،‬‬
‫والشك فيها‪ ،‬وال ّ‬
‫ٍ‬
‫الحجية الزم ذاتي للقطع وال ّ‬
‫إنّ‬
‫يتصرف فيها رفع ًا‬
‫ألحد أن‬
‫تنفك عنه‪ ،‬وال يمكن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أو وضع ًا‪.‬‬

‫((( أنظر‪ :‬الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬مباحث األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس الشهيد الصدر‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ج‪ ،1‬ص‪ 416‬ـ ‪.417‬‬
‫‪281‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫العقلي‬
‫ثاني ًا‪« :‬حجج» معارضي المنهج‬
‫ّ‬

‫العقلي حج ًة مقنع ًة أو مستند ًا وجيه ًا‪ ،‬وإنّما هي‬
‫ال نعرف لمناهضي المنهج‬
‫ّ‬
‫حجية العقل‪ ،‬إن كان‬
‫مجرد أوهام وشبهات ال تستقيم أمام النقد‪ ،‬ألنّ «إنكار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لحجية‬
‫رافع‬
‫تم‪ ‬ـ‪ ‬فهو ٌ‬
‫عن طريق العقل‪ ،‬لزم من وجوده عدمه‪ ،‬ألنّ اإلنكار‪ ‬ـ‪ ‬لو ّ‬
‫ّ‬
‫للدليلية عليه وال على غيره‪ ،‬وإن كان من غير العقل‪،‬‬
‫العقل‪ ،‬فال يصلح العقل‬
‫ّ‬
‫حجية الدليل؟ فإن كان من غير العقل لزم التسلسل‪ ،‬وإن كان‬
‫فما هو المستند في‬
‫ّ‬
‫من العقل لزم من وجوده عدمه‪ ،‬النتهائه إلى إنكار حجيته أيض ًا‪ ،‬لفرض قيامه‬
‫باآلخرة على إنكار ثبوت الحجية»(‪.)1‬‬

‫ومع صرف النظر عن هذا البيان المتين إلسقاط حجج مناهضي العقل‪ ،‬فإننا‬
‫نتطرق بشكل موجز إلى دراسة بعض الوجوه التي ذكرت أو يمكن أن تذكر‬
‫ّ‬
‫حجية العقل‪ .‬ومن رام التفصيل في هذا المقام‪ ،‬فبإمكانه الرجوع‬
‫للتشكيك في‬
‫ّ‬
‫إلى ما ّ‬
‫سطره علماء اإلسالم في تفنيد شبهات منكري حجية العقل وتزييفها‪.)2( .‬‬

‫‪ 1‬ـ‪ ‬خطأ العقل في استنتاجاته‬
‫ّ‬
‫حج ٍة تذكر في المقام لمناهضي المنهج العقلي‪ ،‬هي دعوى كثرة‬
‫ولعل أبرز ّ‬
‫العقلية‪ .‬وهناك صنفان من ال ّناس تب َّنيا هذه الدعوى‪،‬‬
‫وقوع الخطأ في االستنتاجات‬
‫ّ‬
‫رغم أنّهما على طرفي نقيض‪ ،‬وهما‪ :‬األخباريون من علماء المسلمين‪ ،‬وبعض‬
‫الفالسفة الماديين‪.‬‬
‫ّأما األخباريون‪ ،‬فقد الحظوا ـ كما يقرر أبرز رموزهم األمين اإلسترآبادي(‪ )3‬ـ‬
‫العقلية‪ ،‬باستثناء جملة من فروع الرياضيات وعلم‬
‫كثرة شيوع الخطأ في المدركات‬
‫ّ‬

‫(( ( الحكيم‪ ،‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول العامة للفقه المقارن‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.299‬‬
‫((( أنظر الهوامش الالحقة‪.‬‬
‫((( أنظر‪ :‬االسترابادى‪ ،‬المولى محمد أمين (ت ‪1023‬هـ)‪ ،‬الفوائد المدنية‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪،‬‬
‫قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1426 ،2‬هـ‪ ،‬ص ‪.256‬‬
‫‪282‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫ٍ‬
‫قريبة‬
‫حسية أو‬
‫الحساب والهندسة‪ ،‬على اعتبار أنّ هذه العلوم تعتمد على مواد‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫حسي ًة‬
‫وأما ما عداها من العلوم العقلية النظرية‪ ،‬فإنّ موا َّدها ليست‬
‫من‬
‫الحس ‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تجرد الروح وبقاء ال ّنفس بعد فناء البدن‪ ،‬وحدوث‬
‫وال قريب ًة من‬
‫ّ‬
‫الحس‪ ،‬من قبيل ّ‬
‫العالم‪ ،‬إلى غير ذلك من القضايا التي ترتبط بما وراء الطبيعة‪ ،‬األمر الذي يجعلها‬
‫بعيد ًة عن متناول العقل‪.‬‬

‫الحسية‪ ،‬واعتبر‬
‫وأما االتجاه التجريبـي في الفلسفة الغربية‪ ،‬فإنّه اعتمد التجربة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫محصور بها‪ ،‬فهؤالء يقولون‪« :‬الحواس الظاهرة والمتخيلة‬
‫أنّ مصدر المعرفة‬
‫ٌ‬
‫يسمى العقل‪ ،‬إن هو إال جملة أفعال ترجع‬
‫هي وسائلنا الوحيدة للمعرفة‪ ،‬وأنّ ما ّ‬
‫إليها»(‪ ،)2‬ح ّتى أنّ أبده البديهيات‪ ،‬كقولنا‪ّ :‬‬
‫الكل أعظم من الجزء‪ ،‬والواحد نصف‬
‫االثنين‪ ،‬إنّما تُعرف عن طريق التجربة‬
‫خاص ًة(‪.)3‬‬
‫اإلنسانية عام ًة‪ ،‬أو تجربة الفرد ّ‬
‫ّ‬
‫وخالصة األمر‪ :‬أنّ‬
‫عقلية ضرورية سابقة على‬
‫التجريبـيين ال يعترفون بمعارف ّ‬
‫ّ‬
‫األساس الوحيدَ للحكم الصحيح‪ ،‬والمقياس العام‬
‫التجربة(‪ ،)4‬ويعتبرون التجربة‬
‫َ‬

‫((( ‬

‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫الحسية‬
‫ومن الغريب أنّ السيد البروجردي‪ ،‬كما ينقل عنه الشهيد مطهري‪ ،‬كان يرى أنّ النـزعة‬
‫ّ‬
‫الحسية التي كانت سائد ًة‬
‫التي ظهرت في فكر األخباريين‪ ،‬تسربت إليه من النـزعة التجريبية‬
‫ّ‬
‫في الفلسفة األوروبية ورفضت المدركات العقلية‪( .‬مطهري‪ ،‬مرتضى(الشهيد)‪ ،‬االجتهاد في‬
‫اإلسالم‪ ،‬من سلسلة‪ :‬محاضرات في الدين واالجتماع‪ ،‬ترجمة‪ :‬جعفر صادق الخليلي‪ ،‬مؤسسة‬
‫البعثة‪ ،‬طهران‪ ،‬ص‪ .)15‬وقد الحظ الشهيد الصدر أنّ االتجاه التجريبي في الفلسفة الغربية متأخر‬
‫المحدث اإلسترآبادي‪ ،‬فإنّ األخير كان يعيش في بدايات القرن الحادي عشر‬
‫زمان ًا عن عصر‬
‫ّ‬
‫الهجري‪ ،‬بينما النـزعة التجريبية المشار إليها ظهرت في الغرب أواخر القرن الثاني عشر (أنظر‪،‬‬
‫الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬المعالم الجديدة لألصول‪ ،‬مطبعة النجف األشرف‪ ،‬العراق‪ ،‬ط‪،2‬‬
‫‪1975‬م‪ ،‬ص‪50‬؛ والهاشمي‪ ،‬السيد محمود‪ ،‬بحوث في علم األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس السيد‬
‫الشهيد محمد باقر الصدر‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬مركز الغدير‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،1997 ،2‬ج‪ ،4‬ص‪.)125‬‬
‫كرم‪ ،‬األستاذ يوسف‪ ،‬العقل والوجود (‪1886‬ـ ‪1959‬م) مطابع دار المعارف‪ ‬ـ‪ ‬مصر ‪1964‬م‪.‬‬
‫أنظر‪ :‬الحائري‪ ،‬السيد كاظم‪ ،‬مباحث األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس الشهيد محمد باقر الصدر‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.405‬‬
‫أنظر‪ :‬صليبا‪ ،‬الدكتور جميل‪ ،‬المعجم الفلسفي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.245‬‬
‫‪283‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫في ّ‬
‫كل مجال من المجاالت‪ ،‬وح ّتى تلك األحكام التي ا ّدعى المذهب العقلي‬
‫بد من إخضاعها للمقياس التجريبـي واالعتراف بها‬
‫أنّها معارف ضرورية‪ ،‬ال ّ‬
‫تحدده التجربة(‪.)1‬‬
‫بمقدار ما ّ‬

‫مالحظات وتأ ّمالت‬

‫ويمكن أن يسجل على االتجاهين الحسيين المذكورين ـ اتجاه الحركة‬
‫األخبارية مم ّثل ًة باإلسترآبادي‪ ،‬واتجاه المذهب التجريبـي في الفلسفة الغربية ـ‬
‫جملة مالحظات‪:‬‬

‫المالحظة األولى‪ :‬إنّ وقوع الخطأ في النتائج النظرية العقلية ال ينكر‪ ،‬إال‬
‫بالحد الذي ُيفقد البراهين العقلية قيمتها اإلثباتية‪ ،‬ويزعزع الثقة بها أو‬
‫أنّه ليس‬
‫ّ‬
‫يسقطها من االعتبار‪ ،‬وإ ّ‬
‫ال‪ ،‬فإنّ الخطأ أيض ًا واقع في التجربة نفسها باعتراف‬
‫التجريبـيين أنفسهم‪ ،‬فهم رغم إيمانهم بأنّ التجربة هي مصدر المعرفة‪ ،‬ال‬
‫ينكرون قابليتها للخطأ‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فهم ال يلتزمون بسقوط المنهج التجريبـي‬
‫عن االعتبار؛ وإال لما تب ّنوا المذهب المذكور‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإنّ المنهج النقلي أيض ًا‬
‫النص‪ ،‬أو في توثيقه‪،‬‬
‫ال يخلو من خطأ في بعض االستنتاجات‪ ،‬إما لخطأ في فهم ّ‬
‫فهل يلتزم األخباريون نتيجة ذلك بسقوط المنهج النقلي عن االعتبار؟ بالتأكيد‬
‫ال‪ ،‬وإال‪ ،‬لما تب ّنوا ذلك المنهج‪ ،‬وعليه‪ ،‬فليكن المنهج العقلي كذلك‪ .‬باختصار‪:‬‬
‫إنّ خطأ االستنتاج والتطبيق ال يعني خطأ المنهج ذاته‪.‬‬
‫المالحظة الثانية‪ :‬وهي مالحظة موجهة إلى خصوص التجريبـيين‪ ،‬ومفادها‪:‬‬
‫أنّ القاعدة التي تعتبر ركيزة المنهج التجريبـي‪ ،‬وهي «أنّ التجربة هي المقياس في‬

‫((( أنظر‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬فلسفتنا‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1425 ،3‬هـ‪،‬‬
‫ص‪ ،67‬وأيض ًا‪ :‬الشيرازي‪ ،‬الشيخ ناصر مكارم‪ ،‬نفحات القرآن‪ ،‬مؤسسة أبي صالح‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪.130‬‬
‫‪284‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫تمييز الحقائق»‪ ،‬إنْ كانت ً‬
‫الرئيسية‪،‬‬
‫خطأ‪ ،‬سقط المذهب المذكور بانهيار قاعدته‬
‫ّ‬
‫صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبـيين يؤمنون‬
‫وإن كانت صواب ًا‪ّ ،‬‬
‫بصواب هذه القاعدة‪ ،‬فإن كانوا قد ّ‬
‫تأكدوا من صوابها بال تجربة‪ ،‬فهذا يعني أنّها‬
‫قضية بديهية‪ ،‬وأنّ اإلنسان يملك حقائق وراء عالم التجربة‪ ،‬وإن كانوا قد ّ‬
‫تأكدوا‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫مستحيل‪ ،‬ألنّ التجربة ال ّ‬
‫أمر‬
‫تؤكد قيمة نفسها(‪.)1‬‬
‫من صوابها بتجربة سابقة‪ ،‬فهو ٌ‬

‫موجهة إلى خصوص األخباريين والمحدِّ ثين‪،‬‬
‫المالحظة الثالثة‪ :‬وهي مالحظة ّ‬
‫حجة‪ ،‬بسبب كونه‬
‫وحاصلها‪ :‬أنّ الدليل العقلي إنْ لم يكن منتج ًا لليقين وال هو ّ‬
‫الحجية بخصوص البيان الشرعي‪،‬‬
‫في معرض الخطأ‪ ،‬وبالتالي ينحصر مصدر‬
‫ّ‬
‫وحجية أقواله‪ ،‬أليس عن‬
‫فلنا أن نسألهم‪ :‬وكيف ثبت لكم أصل وجود الشارع‬
‫ّ‬
‫طريق العقل؟‬
‫ٍ‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ الحركة األخبارية‪ ،‬كما يذكر الشهيد الصدر‪ ،‬قد وقعت في‬

‫نظر كثير من ناقديها في التناقض‪ ،‬ألنّها في الوقت الذي شجبت العقل في ميدان‬
‫التشريع والفقه‪ ،‬نراها ظ ّلت متمسك ًة به‪ ‬ـ‪ ‬أي بالعقل‪ ‬ـ‪ ‬إلثبات العقائد الدينية‪ ،‬ألنّ‬
‫إثبات الصانع والدين‪ ،‬ال يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي‪ ،‬بل يجب أن‬
‫يكون عن طريق العقل(‪.)2‬‬
‫اللهم إ ّ‬
‫ال أن يقال بإمكانية الفصل بين الحقل التشريعي والحقل االعتقادي‪،‬‬
‫وااللتزام بحجية العقل في المجال الثاني دون األول‪ ،‬وهذا ما لفت إليه الشهيد‬
‫األصولية العالية‪ ،‬حيث إنّه قد ّبرر كالم األخباريين‪ ،‬على اعتبار‬
‫الصدر في بحوثه‬
‫ّ‬
‫كاشفية الدليل العقلي جمل ًة وتفصي ً‬
‫ال‪ ،‬بل خصوص األدلة‬
‫أنّهم ليسوا بصدد إنكار‬
‫ّ‬
‫العقلية ذات الطابع النظري التجريدي المستعمل في علمي الكالم والفلسفة‬
‫والحس‪،‬‬
‫واألصول أحيان ًا‪ ،‬أي إنهم ينكرون العقل النظري القبلي‪ ‬ـ‪ ‬قبل التجربة‬
‫ّ‬

‫(( ( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬فلسفتنا‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.68‬‬
‫((( الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬المعالم الجديدة لألصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.51‬‬
‫‪285‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫الدين‪ ،‬ألنّ قضايا‬
‫وبقطع ال ّنظر عنها‪ ‬ـ‪ ‬ومثل هذا العقل ال ُيحتاج إليه في أصول ّ‬
‫أصول الدين والعقيدة ال ّ‬
‫تقل في وضوحها وحقّانيتها عن القضايا التجريبـية‪،‬‬
‫مقدمة الفتاوى الواضحة‪ ‬ـ‪ ‬تملك رصيد ًا من‬
‫ألنّها‪ ‬ـ‪ ‬كما ّأكد ذلك‪ M‬في ّ‬
‫حد سائر القضايا االستقرائية التجريبـية‪ ،‬وإن‬
‫الدليل الحسي واالستقرائي على ّ‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫ثمة مالحظات‬
‫كان يمكن االستدالل عليها باألد ّلة‬
‫العقلية النظرية أيض ًا ‪ .‬أجل‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫الصدر‪ M‬على مدعى األخباريين‪ ،‬فلتراجع(‪.)2‬‬
‫أخرى سجلها السيد ّ‬

‫وفي كل األحوال‪ ،‬فإنّ‬
‫األخباريين في نظرتهم إلى العقل ومجال عمله‪ ،‬ال‬
‫ّ‬
‫يمثِّلون اتجاه ًا واحد ًا‪ ،‬بل إنّه في الوقت الذي نجد ا ّتجاه ًا متطرف ًا في رفض‬
‫األدلة العقلية‪ ،‬حتى في المجال العقدي(‪ ،)3‬نرى اتجاه ًا آخر معتد ً‬
‫صر على‬
‫ال ُي ُّ‬
‫حجية العقل في المجال االعتقادي ورفضه في المجال الفقهي‪ ،‬وعلى رأس هذا‬
‫االتجاه‪ ،‬يأتي‬
‫المحدث الكبير الحر العاملي(‪.)4‬‬
‫ّ‬
‫‪ 2‬ـ‪  ‬قصور العقل عن اإللمام بالمعاني الغيبية‬

‫يتمسك بها مناهضو المنهج العقلي‪ ،‬هي أنّ العقل‬
‫والذريعة األخرى التي قد َّ‬
‫ليس كثير الخطأ في االستنتاجات فحسب‪ ،‬بل إنّه قاصر‪ ‬ـ‪ ‬أساس ًا‪ ‬ـ‪ ‬عن اإللمام‬
‫بالحقائق الغيبية واألبحاث السماوية‪« ،‬وينحصر اكتشاف أخبار السماء عن طريق‬
‫((( ‬
‫(( (‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫الهاشمي‪ ،‬السيد محمود‪ ،‬بحوث في علم األصول‪ ،‬تقرير ًا لدروس الشهيد محمد باقر الصدر‪،‬‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.126‬‬
‫م‪.‬ن‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.127‬‬
‫من رموز هذا االتجاه‪ ،‬المحدِّ ث السيد نعمة الله الجزائري‪ ،‬على ما ينقل عنه الشيخ يوسف‬
‫البحراني في الدرر النجفية (راجع‪ :‬الصدر‪ ،‬السيد محمد باقر‪ ،‬المعالم الجديدة‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ص ‪.)43‬‬
‫يعتقد الحر العاملي بوجوب العمل باألدلة العقلية في إثبات األدلة السمعية‪ ،‬ألن االستدالل على‬
‫حجية السمع بالسمع دوري‪ ،‬كما ويعتقد بحجية العقل في أمهات القضايا العقدية‪ ،‬وفي موارد‬
‫أخرى‪( .‬راجع للتوسع حول ذلك‪ :‬الخشن‪ ،‬حسين‪ ،‬الحر العاملي‪ ،‬موسوعة الحديث والفقه‬
‫واألدب‪ ،‬دار المالك‪ ،‬ييروت‪ ‬ـ‪ ‬لبنان‪ ،‬ط‪2009 ،1‬م‪ ،‬ص ‪ 113‬ـ ‪.)114‬‬
‫‪286‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫السماء ذاتها‪ ،‬فنحن ال نعرف شيئ ًا عن الله وصفاته الثبوتية والسلبية‪ ،‬وما هي‬
‫الصفة التي يمكن نسبتها إليه أو التي يمكن نفيها عنه‪ ،‬وال يمكن أن نعرف ذلك‪،‬‬
‫فنحن في الواقع ال يمكننا بمجرد عقولنا معرفة وجود موجود ال خالق له‪ ،‬وال‬
‫يمكن بعقولنا أن نفهم أنّ الله واحد أو متعدد‪ ،‬بسيط أو مركب‪.)1( »..‬‬
‫ونالحظ على ذلك‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬إننا ال ننكر دور الوحي في الكشف عن الحقائق السماوية أو كثير منها‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ال أنّ طريق الوحي‪ ،‬في الوقت الذي ال ينافي وجود طريق آخر في هذا المجال‪،‬‬
‫وهو طريق العقل‪ ،‬فإنه‪ ‬ـ‪ ‬أعني الوحي‪ ‬ـ‪ ‬بحاجة إلى طريق العقل؛ ألنّ حجية‬
‫الوحي ال تثبت عن طريق الوحي نفسه‪ ،‬حذر ًا من الدور‪ ،‬وإنّما هي بحاجة إلى‬
‫تصديق العقل وإمضائه‪ ،‬فالعقل هو أساس حجية الوحي كما أسلفنا‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬إنّ الوحي نفسه ّ‬
‫يؤكد مرجعية العقل ودوره في اكتشاف الحقائق السماوية‬
‫ٍ‬
‫دعوات صريحة إلى ضرورة اعتماد العقل‬
‫تضمنه من‬
‫وفهمها‪ ،‬إن من خالل ما َّ‬
‫واتخاذه حج ًة‪ ،‬كما سلف في البحث عن المنهج التعددي في البناء العقيدي‪،‬‬
‫الضمنية إلى ذلك‪ ،‬والتي نلحظها في النصوص القرآنية‬
‫أو من خالل الدعوات‬
‫ّ‬
‫قدمت المفاهيم العقدية بطريقة مبرهنة تعتمد أسلوب‬
‫والروائية المتعددة التي ّ‬
‫االستدالل العقلي‪ ،‬ولم تطرحها بطريقة تعبدية تلقينية‪ ،‬وهذا ما ذكرنا شواهده‬
‫سابق ًا في حديثنا عن خصائص الخطاب القرآني‪.‬‬

‫ثالث ًا‪ :‬إنّ العقل‪ ‬ـ‪ ‬كما يرى الشهيد المطهري‪ ‬ـ‪ ‬هو طريق سماوي كما الوحي‪،‬‬
‫وعليه‪ ،‬فال مانع من اعتماده للتعرف إلى القضايا السماوية الغيبية‪ .‬يقول‪:M‬‬
‫المميزة التي‬
‫ولكن‪ ...‬القوة‬
‫«صحيح أن خبر السماء يجب سماعه من السماء‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫((( أشار إلى هذه الحجة‪ :‬مطهري‪ ،‬الشهيد مرتضى‪ ،‬أصول الفلسفة والمنهج الواقعي‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬
‫ج‪ ،2‬ص‪.525‬‬
‫‪287‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫يتمتع بها اإلنسان (القوة العاقلة)‪ ،‬قوة سماوية وليست أرضي ًة‪ ،‬كما جاء في‬
‫األحاديث «إن الله ّ‬
‫ركب طينة آدم من طينة الحيوان وطينة المالئكة»‪ .‬ومن هنا‪ ،‬ال‬
‫يتعرف اإلنسان بهذه القوة السماوية على بعض الحقائق السماوية»(‪.)1‬‬
‫مانع من أن ّ‬

‫إ ّ‬
‫ال أنّ هذه المالحظة ال تخلو من تأمل‪ ،‬ألنّ ألصحاب هذه الذريعة أن يطالبوا‬
‫بالدليل على سماوية العقل‪ ،‬بالمعنى الذي يعطيه العصمة المطلقة‪ ،‬كما هو‬
‫الحال في الوحي‪ .‬ثم على فرض سماويته‪ ،‬فإنّ المشكلة ال تندفع أو تحل‪ ،‬ألنّ‬
‫سماوية العقل المحاط في هذه النشأة بأسوار المادة والجسد‪ ،‬ال تعني قدرته على‬
‫ّ‬
‫اإلحاطة التامة بالحقائق السماوية‪ ،‬وال تنفي‪ ‬ـ‪ ‬بنظر هؤالء‪ ‬ـ‪ ‬قصوره عن إدراك‬
‫المغيبات‪ ،‬كيف‪ ،‬ونحن نعرف أنّ المالئكة‪ ،‬وهم عقل محض‪ ،‬عجزوا عن معرفة‬
‫األسماء التي عرضها الله عليهم(‪ ،)2‬ولهذا‪ ،‬فإنّ مجرد افتراض سماوية العقل ال‬
‫ّ‬
‫يحل المشكلة‪ ،‬وإنما الذي يحلها هو توفّر الدليل على حجية العقل ومرجعيته في‬
‫اكتشاف الحقائق السماوية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ‪  ‬التجربة خاضعة للقياس دون األفكار العقلية‬

‫ُّ‬
‫والحس‪ ،‬بأنّ‬
‫ويستدل التجريبـيون لنفي أية مرجعية أخرى خارج نطاق التجربة‬
‫ّ‬
‫التجربة تم ّثل المقياس الطبيعي الذي ِّ‬
‫يمكن اإلنسان من معرفة الحق والباطل‪ ،‬ألنّ‬
‫يتعرف نتيجة التجربة في حالتي النجاح والفشل‪ ،‬فإذا نجحت انطلقت‬
‫من الممكن أن ّ‬
‫الحياة معها‪ ،‬وإذا فشلت فال تتكرر‪ ،‬ألنّ الخطأ ال يغري بمعاودة التجربة من جديد‪،‬‬
‫حسية قابلة‬
‫أما األفكار العقلية‪ ،‬فال يمكن ّ‬
‫تلمس مدى الحق والباطل فيها بطريقة َّ‬
‫للمالحظة والتأمل‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فال يمكن أن ّ‬
‫تشكل مرتكز ًا أو قاعد ًة للمعرفة(‪.)3‬‬
‫(( ( المصدر السابق‪.‬‬
‫((( أنظر‪ :‬سورة البقرة‪ :‬اآليتان‪ 30 :‬ـ‪.31 ‬‬
‫السيد محمد حسين‪ ،‬من وحي القرآن‪ ،‬دار الزهراء‪ ،‬بيروت ـ‬
‫((( أنظرحول هذا الدليل‪ :‬فضل الله‪ِّ ،‬‬
‫لبنان‪ ،‬ط‪ ،1‬ال‪.‬ت‪ ،‬الحلقة األولى‪ ،‬ص‪ ،34‬تفسير اآلية ‪ 3‬من سورة البقرة‪.‬‬
‫‪288‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫و ُيالحظ عليه‪:‬‬

‫الحس‬
‫أو ًال‪ :‬إنّ هذا الدليل هو دليل عقلي‪ ،‬ألنّهم قالوا‪ :‬لو لم نعتمد على‬
‫ّ‬
‫والتجربة أساس ًا للمعرفة‪ ،‬لما كان لدينا مقياس دقيق للحق والباطل‪ .‬ومن‬
‫الواضح أنّ هذا االستنتاج هو استنتاج عقلي وليس خاضع ًا للتجربة‪ ،‬ما يعني أنّهم‬
‫يحاولون إبطال الدليل العقلي بالدليل العقلي‪ ،‬وهو ما يتضمن اعتراف ًا بوجود‬
‫ٍ‬
‫دليل صالحٍ لتكوين القناعات غير التجربة‪.‬‬

‫ثاني ًا‪« :‬إنّ‬
‫الحس والتجربة ال يصلحان أساس ًا للمعرفة بشكل عام من دون‬
‫ّ‬
‫ضم المقدمات العقلية‪ ،‬ألنّ التجرية محدودة بزمان ومكان معينين‪ ،‬فال تنتج إ ّ‬
‫ال‬
‫يمد التجربة‬
‫النتائج المحدودة بحجم التجربة‪ ..‬ولكن المنطق العقلي هو الذي ّ‬
‫إلى المجال الواسع الذي يتجاوز الظروف الطارئة من الزمان والمكان»(‪.)1‬‬

‫إنّنا بهذا الكالم‪ ،‬ال نريد نفي دور التجربة أو الحس في بناء المعرفة‪ ،‬وإنّما‬
‫نريد‪ ،‬من جهة‪ ،‬نفي انحصار المعرفة بالمنهج التجريبـي‪ ،‬ونريد من ٍ‬
‫جهة أخرى‬
‫تأكيد عدم استغناء التجربة في ّ‬
‫كل نتائجها عن العقل‪ ،‬وسيأتي في الفصل الرابع‬
‫مزيد توضيح لدور الحس في بناء المعرفة االعتقادية‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ‪ ‬دين الله ال يصاب بالعقول‬

‫ّ‬
‫وربما‬
‫العقلي بما ورد في األخبار‪ ،‬من قبيل الحديث‬
‫استدل مناهضو(‪ )2‬المنهج‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«إن دين الله ال ُيصاب بالعقول»‪ .‬ودين الله الذي ال تناله العقول‪ ،‬شامل‬
‫القائل‪ّ :‬‬
‫حد سواء‪ ،‬ومعنى ذلك‪ ،‬أنّ العقل ال يصلح مصدر ًا‬
‫للشريعة والعقيدة على ٍّ‬
‫لالستنباط الشرعي والكالمي مع ًا‪.‬‬
‫(( ( المصدر السابق‪ ،‬الح ْلقة األولى‪ ،‬ص‪.35‬‬
‫((( ألمح إلى ذلك الشيخ محمد رضا المظفر‪ ،‬في كتابه أصول الفقه‪ ،‬مؤسسة النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ‬
‫إيران‪ ،‬ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.270‬‬
‫‪289‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫حجية‬
‫ويالحظ على ذلك‪ :‬أنّ الحجج النقلية ال يمكن االستناد إليها في نفي‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حجيتها‪ ،‬فإذا أبطل ُ‬
‫العقل‪ ،‬يكون بذلك قد نسف أساس‬
‫النقل‬
‫العقل‪ ،‬ألنّه أساس‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫صح سند ًا‪ ‬ـ‪ ‬فهو بصدد‬
‫حجيته‪ .‬هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنّ الحديث‪ ‬ـ‪ ‬لو ّ‬
‫ّ‬
‫حجية أحكام‬
‫النهي عن ا ّتباع العقول الناقصة والظنية‪ ،‬وال داللة فيه على عدم‬
‫ّ‬
‫نص الحديث كام ً‬
‫ال‪ ،‬كيما ي ّتضح لك صحة ما نقول‪ :‬يقول‬
‫العقل‬
‫القطعية‪ ،‬وإليك ّ‬
‫ّ‬
‫«إن دين الله ال ُيصاب بالعقول‬
‫اإلمام زين العابدين‪ Q‬ـ فيما روي عنه ـ‪ّ :‬‬
‫الناقصة واآلراء الباطلة والمقاييس الفاسدة»(‪.)1‬‬
‫وأما أن ُيقال‪ :‬إنّ وصف العقول بـ»الناقصة» هو قيد توضيحي‪ ،‬وليس احترازي ًا‪،‬‬
‫ما يعني أن العقول بطبيعتها ناقصة‪ ،‬فال يمكن االستناد إليها في إنتاج المعرفة‪.‬‬

‫فجوابه‪ :‬إنّ ذلك احتمال مخالف ألصالة احترازية القيود‪ ،‬وال ُيساعد عليه‬
‫السياق‪ ،‬حيث نلحظ عناي ًة في تحشيد األوصاف‪ ،‬فكما وصفت العقول بـ‬
‫«الناقصة»‪ ،‬وصفت اآلراء بـ «الباطلة»‪ ،‬والمقاييس بـ «الفاسدة»‪ ،‬ومن المعلوم‬
‫أن اآلراء ليست دائم ًا باطلة‪ ،‬وال المقاييس دائم ًا فاسدة‪.‬‬
‫ٍ ٍ‬
‫مجرد خبر واحد‪ ،‬وسيأتينا‬
‫ومن جهة ثالثة‪ :‬فإنّ الحديث ـ لو ّ‬
‫تمت داللته ـ هو ّ‬
‫الحق ًا أنّ خبر الواحد ال يصلح لإلثبات العقيدي‪ ،‬ولو في مورد تفصيلي جزئي‪،‬‬
‫مرجعيته من رأس؟!‬
‫حجية العقل ونسف‬
‫فكيف يصلح لنفي‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫((( الصدوق‪ ،‬محمد بن علي بن الحسين (ت ‪381‬هـ)‪ ،‬كمال الدين وتمام النعمة‪ ،‬الطبعة غير محددة‪ ،‬مؤسسة‬
‫النشر اإلسالمي‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ .324‬والجدير بالتنبيه‪ ،‬أنّ المشهور على ألسنة األصوليين والوارد في‬
‫«إن دين الله ال ُيصاب بالعقول»‪( .‬راجع‬
‫مصنفاتهم في نقل الحديث‪ ،‬هو االقتصار على الفقرة التالية فحسب‪ّ :‬‬
‫على سبيل المثال‪ :‬األنصاري‪ ،‬الشيخ مرتضى‪ ،‬فرائد األصول‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪521 ،62 ،61‬؛ والحكيم‪،‬‬
‫السيد محسن‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬حقائق األصول ج‪ 2‬ص‪220‬؛ والبهسودي‪ ،‬الشيخ محمد سرور‪ ،‬مصباح األصول‪،‬‬
‫تقرير ًا لدروس السيد الخوئي‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪ )...55 ،26‬وهو اختصار ّ‬
‫مخل أو موهم‪ ،‬حتى لو كان نظر المختصر إلى‬
‫تم حذفه كما جرت العادة بذلك‪ ،‬بينما لو أردفت كلمة العقول بوصف (الناقصة) الوارد في الحديث‪،‬‬
‫معلومية ما ّ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫خاص‪ ،‬وهو‬
‫محدود في إطار‬
‫السلبي من العقل ليس مطلقا‪ ،‬وإنّما هو‬
‫فسوف يرتفع الوهم‪ ،‬وي ّتضح أنّ الموقف‬
‫ٌ‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬
‫الظنية فقط‪.‬‬
‫العقول ّ‬
‫‪290‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫‪ 5‬ـ‪  ‬عليكم بدين العجائز‬

‫حجية العقل‪ :‬الحديث المنسوب إلى‬
‫ومما قد ُيتمسك به من الروايات لنفي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(‪)1‬‬
‫رسول الله‪« :P‬عليكم بدين العجائز» ‪ ،‬فإنّ هذه المقولة «أضحت مستمسك ًا‬
‫لدى منكري‬
‫التعمق والتفكير في المعارف الغيبية وقضايا ما وراء الطبيعة»(‪،)2‬‬
‫ّ‬
‫التمسك بدين العجائز‪ ،‬ليس لها وجه مفهوم إال أن يكون‬
‫باعتبار أنّ الدعوة إلى‬
‫ّ‬
‫التعمق في الدين وقضايا العقيدة‪ ،‬استناد ًا إلى األد ّلة العقلية غير‬
‫المقصود بها نفي ّ‬
‫المفهومة لدى العجائز‪.‬‬

‫إال أنّ هذا االستدالل‪ ‬ـ‪ ‬مضاف ًا إلى ابتالئه بالمالحظتين األولى والثالثة‬
‫الواردتين على سابقه‪ ‬ـ‪ ‬هو من أوهن الوجوه التي تذكر في المقام‪ ،‬ألنّ مستنده لم‬
‫يثبت أنّه رواية أص ً‬
‫ال‪ ،‬فإنّه‪ ،‬وعلى الرغم من شهرة الكالم المذكور‪« :‬عليكم بدين‬
‫النبي‪ P‬إرسال المس َّلمات(‪ ،)3‬إ ّ‬
‫ال أنّا لم نعثر عليه‬
‫العجائز»‪ ،‬وإرسال نسبته إلى ّ‬
‫منسوب ًا إليه‪ P‬في المصادر الحديثية لدى الفريقين‪ .‬قال اآلمدي‪« :‬لم يثبت ولم‬
‫يصح»(‪ ،)4‬بل ُذكر في عداد الموضوعات(‪ ،)5‬ونسبه بعضهم إلى سفيان الثوري في‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫تعليق له على مناظرة جرت في محضره بين امرأة عجوز ورجل من المعتزلة‪ ،‬فقد‬
‫كان الرجل المعتزلي ّ‬
‫يؤكد أنّ بين الكفر واإليمان منـزلة‪ ،‬كما هو معتقد المعتزلة‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬
‫((( ‬

‫ثم ر ّد‬
‫أورده الفخر الرازي في تفسيره‪ ،‬في سياق األد ّلة على أنّ االشتغال بعلم الكالم بدعة‪ّ ،‬‬
‫االستدالل به‪( ،‬التفسير الكبير‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.)95‬‬
‫مطهري‪ ،‬الشهيد مرتضى‪ ،‬أصول الفلسفة والمنهج الواقعي‪ ،‬ترجمة‪ :‬عمار أبو رغيف‪ ،‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ال‪.‬ط‪ ،‬ال‪.‬ت‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.535‬‬
‫راجع على سبيل المثال‪ :‬الفخر الرازي‪ ،‬التفسير الكبير‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪ ،95‬وشبر‪ ،‬السيد‬
‫الحق اليقين‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.33‬‬
‫عبد الله‪،‬‬
‫ّ‬
‫اآلمدي‪ ،‬علي بن محمد (ت ‪631‬هـ)‪ ،‬اإلحكام في أصول األحكام‪ ،‬تحيق‪ :‬عبد الرزاق عفيفي‪،‬‬
‫المكتب اإلسالمي‪( ،‬مالحظة‪ :‬الطبعة األولى‪ ،‬الرياض‪ ،‬ط‪1387 ،2‬هـ)‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪.225‬‬
‫العجلوني‪ ،‬إسماعيل بن محمد (ت ‪1162‬هـ)‪ ،‬كشف الخفاء ومزيل اإللباس عما اشتهر من‬
‫األحاديث على ألسنة الناس‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1998 ،2‬ج‪ ،1‬ص‪.71‬‬
‫‪291‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫﴿ه َو‬
‫في المنـزلة بين المنـزلتين‪ ،‬فر ّدت عليه عجوز قائل ًة‪ :‬إنّ الله تعالى يقول‪ُ :‬‬
‫ا َّل ِذي َخ َل َق ُك ْم َف ِم ْن ُك ْم َك ِاف ٌر َو ِم ْن ُك ْم ُم ْؤ ِم ٌن﴾ [التغابن‪ ،]2:‬فسمع سفيان كالمها فقال‪:‬‬
‫«عليكم بدين العجائز»(‪ .)1‬وفيما يبدو‪ ،‬فإنّ سفيان الثوري‪ ‬ـ‪ ‬ومع أنّ الحديث يدور‬
‫العقلية في‬
‫حول مسألة عقدية‪ ‬ـ‪ ‬ليس بصدد االعتراض على اعتماد االستدالالت‬
‫ّ‬
‫مجال إثبات العقائد‪ ،‬وإنّما هو بصدد امتداح تلك العجوز على فهمها ووعيها‬
‫القرآني‪ ،‬مما لم يتنبه إليه رجل من علماء المعتزلة‪.‬‬
‫تقدم من أنّ هذه المقولة لم يثبت أنّها من كالم المعصوم‪ ،‬وما‬
‫وبمالحظة ما ّ‬
‫ٍ‬
‫سياق خاص لهذه المقولة‪ ،‬فال تبقى ثمة حاجة أو ضرورة لتفسير المقولة‬
‫ُعلم من‬
‫والتعبد في الفروع‪ ،‬ال في األصول‪،‬‬
‫المذكورة بأنها ناظرة إلى ضرورة التسليم‬
‫ّ‬
‫ففي الفروع علينا االنقياد التعبدي كما تفعل العجائز‪ ،‬بخالف األصول‪ ،‬فإنّها‬
‫مبنية على النظر واالجتهاد‪ .‬وأبعد من هذا التفسير‪ ،‬ما نقل عن جالل الدين‬
‫الرومي من تفسير تلك المقولة‪ ،‬بأنّ «المقصود هو سلوك سبيل العجز والمسكنة‬
‫في طريق الله‪ ،‬حيث إنّ االنكسار والعجز هو الثروة في هذا الطريق»(‪.)2‬‬

‫والوجه في ضعف هذين التفسيرين‪ ،‬هو في مخالفتهما للظاهر؛ أما األول‬
‫ٍ‬
‫بمسألة هي من أمهات المسائل العقدية‪ ،‬عنيت‬
‫فواضح‪ ،‬ألنّ سياق المقولة يرتبط‬
‫بذلك مسألة المنـزلة بين المنـزلتين‪ّ ،‬أما الثاني‪ ،‬فألنه ال ينسجم أيض ًا مع السياق‪،‬‬
‫ٍ‬
‫وال مع ظاهر المقولة نفسها إ ّ‬
‫بضرب من التك ّلف‪.‬‬
‫ال‬

‫سد باب العقل‬
‫ربما استفاد بعضهم منها أنّها تدعو إلى ّ‬
‫وهناك روايات أخرى ّ‬

‫(( ( أنظر‪ :‬المجلسي‪ ،‬المولى محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،66‬ص‪136‬؛ والبهائي‪،‬‬
‫الشيخ محمد بن الحسين الجبعي العاملي (ت ‪1030‬هـ)‪ ،‬زبدة األصول‪ ،‬تحقيق‪ :‬السيد علي‬
‫جبار الگلباغي ماسولة‪ ،‬قم ـ إيران ‪1425‬هـ‪ ،،‬ط‪ ،1‬ص ‪.317‬‬
‫((( أنظر حول هذين التفسيرين‪ :‬مطهري‪ ،‬الشهيد مرتضى‪ ،‬أصول الفلسفة والمنهج الواقعي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.536‬‬
‫‪292‬‬

‫في مجال المعرفة الدينية بعد معرفة اإلمام(‪.)1‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫وقد ع ّلق السيد الطباطبائي على هذا الكالم الذي نسبه إلى األخباريين وكثير‬
‫من غيرهم بالقول‪« :‬وهو من أعجب الخطأ‪ ،‬ولو أبطل حكم العقل بعد معرفة‬
‫اإلمام‪ ،‬كان فيه إبطال التوحيد والنبوة واإلمامة وسائر المعارف الدينية! وكيف‬
‫ثم يبطل بها حكمه وتصدق النتيجة بعينها؟! ولو أريد‬
‫يمكن أن ينتج العقل نتيجة ّ‬
‫سد بابه‪،‬‬
‫ثم ُي ُّ‬
‫ـ والكالم للطبطبائي ـ بذلك أنّ حكم العقل صادق ح ّتى ينتج ذلك‪ّ ،‬‬
‫كان معناه تبعية العقل في حكمه للنقل‪ ،‬وهو أفحش فساد ًا!‬
‫فالحق (يضيف الطباطبائي)‪ :‬أنّ المراد من جميع هذه األخبار‪ ،‬النهي عن‬
‫ّ‬
‫المموهة‬
‫المقدمات الحقّة من‬
‫اتباع العقليات فيما ال يقدر الباحث على تمييز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الباطلة»(‪.)2‬‬

‫والخالصة‪ :‬أنّ الوجوه التي ُذكرت إلبطال حجية العقل ومرجعيته المعرفية‬
‫هي وجوه واهية وضعيفة وال يمكن التعويل عليها‪ ،‬وسيأتي في ثنايا الفقرة التالية‬
‫وجه آخر ٍ‬
‫ٌ‬
‫وضعيف أيض ًا‪.‬‬
‫واه‬

‫ُ‬
‫والقبح؟‬
‫الحسن‬
‫العقل‬
‫ثالث ًا‪ :‬هل ُيدرك‬
‫َ‬
‫َ‬

‫هل يمكن للعقل أن يدرك حسن األشياء أو قبحها‪ ،‬أم أنّه عاجز عن ذلك‬
‫ويحتاج إلى مساعدة الشرع؟ هذا التساؤل قد شغل العقل الكالمي طوي ً‬
‫ال‪ ،‬وقد‬
‫تم بحثه فيما عرف بقاعدة الحسن والقبح‪ ،‬ونحن نكتفي بإلقاء نظرة عابرة على‬
‫ّ‬
‫هذه القاعدة‪ ،‬ألنّ الحديث التفصيلي في بيان جهاتها ومجاالتها‪ ،‬يحتاج هو‬
‫خاصة أو ٍ‬
‫كتب مستق ّلة أو‬
‫اآلخر إلى م ّت ٍ‬
‫سع كبي ٍر‪ ،‬وقد بحثها األعالم في رسائل ّ‬
‫الكالمية‪.‬‬
‫في ثنايا الكتب‬
‫ّ‬
‫(( ( المجلسي‪ ،‬محمد باقر‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.314‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الطباطبائي في تعليقته على بحار األنوار ج‪ ،2‬ص‪.314‬‬
‫‪293‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫ومحور الحديث بشأن هذه القاعدة هو‪ :‬أنّ الحسن‪ ‬ـ‪ ‬بمعنى ما ينبغي أن‬
‫ويستحق فاعله‬
‫ويستحق فاعله المدح‪ ‬ـ‪ ‬والقبح‪ ‬ـ‪ ‬بمعنى ما ينبغي أن يترك‬
‫ُيفعل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شرعيان؟‬
‫عقليان أم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الذم‪ ‬ـ‪ ‬هل هما ّ‬

‫ذاتي ًا‬
‫أصر العدلية (الشيعة والمعتزلة) على أنّ لألفعال ُحسن ًا أو ُقبح ًا ّ‬
‫ففي حين ّ‬
‫قبل ورود الشرع‪ ،‬وأنّ بإمكان العقل أن يدرك ذلك‪ ،‬فالعدل‪ ‬ـ‪ ‬مث ً‬
‫ال‪ ‬ـ‪ ‬حسن في‬
‫قبيح في ذاته‪ ،‬وبمقدور العقل أن يدرك حسن ذاك وقبح هذا‪ ،‬فإنّ‬
‫ذاته‪ ،‬والظلم ٌ‬
‫ذاتي‪ ،‬وإنّما منشأ‬
‫األشاعرة‪ ‬ـ‪ ‬في المقابل‪ ‬ـ‪ ‬أنكروا أن يكون للفعل ُح ٌ‬
‫سن أو ُق ٌ‬
‫بح ٌّ‬
‫الشرعي‬
‫حسن‪ ،‬لورود األمر‬
‫الحسن أو القبح عندهم هو ورود الشرع‪ ،‬فالعدل‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫قبيح لورود النهي عنه‪ ،‬فمقياس الحسن والقبح عندهم هو الشرع ال‬
‫به‪ ،‬والظلم ٌ‬
‫العقل‪ ،‬فلو أن الشرع عكس األمر‪ ،‬فنهى عن العدل‪ ،‬لصار العدل قبيح ًا‪ ،‬ولو أنّه‬
‫أمر بالظلم ألصبح حسن ًا! قال ابن حزم‪« :‬إنّ ّ‬
‫كل ما فعله الله تعالى من تكليف ما‬
‫ال يطاق وتعذيبه عليها وخلقه الكفر والظلم في الكافر والظالم وإقراره ّ‬
‫كل ذلك‪،‬‬
‫ثم تعذيبهما عليه وخلقه الكفر وغضبه منه وسخطه إياه كل ذلك من الله تعالى‬
‫حكمة وعدل وحق‪ ،‬وممن دونه تعالى سفه وظلم وباطل ﴿ال ُي ْس َأ ُل َع َّما َي ْف َع ُل‬
‫َو ُه ْم ُي ْس َأ ُلونَ ﴾ [األنبياء ‪.)1(]23‬‬

‫النظرية‪ ،‬وتفنيد الشبهات واألد ّلة التي‬
‫تصدى علماء العدلية إلبطال هذه‬
‫وقد ّ‬
‫ّ‬
‫ساقها األشاعرة إلثباتها‪ّ ،‬‬
‫فأكدوا‪ ‬ـ‪ ‬أعني العدلية‪ ‬ـ‪ ‬بالحجج الدامغة‪ ،‬أنّ بمقدور‬
‫ّ‬
‫ولعل خير هذه الحجج هو‪:‬‬
‫ويتلمس ُحسن األشياء أو قبحها‪،‬‬
‫العقل أن يدرك‬
‫ّ‬
‫عد إنكاره مكابر ًة واضحة‪ ،‬على أنّه لوال‬
‫قضاء الوجدان والبداهة بذلك‪ ،‬بحيث ُي ّ‬

‫((( ابن حزم‪ ،‬محمد علي بن أحمد الظاهري (ت ‪456‬هـ)‪ ،‬الفصل في الملل واألهواء والنحل‪،‬‬
‫دار صادر‪ ،‬بيروت‪ ‬ـ‪  ‬لبنان (مأخوذة عن الطبعة المصرية من المطبعة األدبية سنة ‪1317‬هـ) ج‪3‬‬
‫ص‪ ،71‬وانظر‪ :‬مدكور‪ ،‬محمد سالم‪ ،‬مباحث الحكم عند األصوليين‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،168‬نق ً‬
‫ال عن‪:‬‬
‫الحكيم‪ .‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول العامة للفقه المقارن‪ ،‬مؤسسة أهل البيت‪ ،R‬قم ـ إيران‪،‬‬
‫ط‪1979 ،2‬م‪ ،‬ص‪.284‬‬
‫‪294‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫إدراك العقل لحسن األشياء أو قبحها‪ ،‬لما ثبت الشرع نفسه وال النبوات‪ ،‬إذ إنّ‬
‫وتنـزهه وأنبيائه‬
‫الطريق إلثبات النبوات يتو ّقف على إثبات صدق الله تعالى‬
‫ّ‬
‫تنـزهه تعالى أيض ًا عن إظهار المعجزة على يد الكاذبين‬
‫عن الكذب‪ ،‬وكذلك ّ‬
‫بتوسط حكم العقل القاضي بقبح‬
‫من ّ‬
‫النبوة‪ ،‬وال طريق إلثبات ذلك إال ّ‬
‫مدعي ّ‬
‫الكذب عليه تعالى‪ ،‬وقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫البراهين المتينة التي ذكرت إلثبات الحسن والقبح العقليين(‪.)1‬‬

‫العقل ليس حاكم ًا على الله‬

‫عقليين‪،‬‬
‫وفي سياق تأكيدهم شرعية الحسن والقبح في مقابل القول بكونهما ّ‬
‫أي دو ٍر للعقل في إدراك حسن األفعال أو قبحها‪ ،‬ومستندهم في‬
‫رفض األشاعرة ّ‬
‫عدة وجوه ضعيفة‪ ،‬وقد ف ّندها علماء العدلية وأثبتوا وهنها وبطالنها(‪،)2‬‬
‫ذلك‪ّ :‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫واحد‪ ،‬ألنّه ّ‬
‫يشكل وجه ًا أو دلي ً‬
‫ال‬
‫وجه‬
‫أتطرق إلى‬
‫ّ‬
‫ويهمني من تلك الوجوه أن ّ‬
‫معين‪،‬‬
‫لرفض االعتماد على العقل في مجال البناء العقدي ولو في نطاق ّ‬
‫وخالصته‪ :‬أنّ العقل لو كان هو المرجع في ُحسن األفعال أو قبحها‪ ،‬بما في ذلك‬
‫ومقرر ًا له ما‬
‫أفعال الله سبحانه‪ ،‬فإنّ معنى ذلك أن يغدو العقل حاكم ًا على الله‬
‫ّ‬
‫ينبغي أن يفعل وما ال ينبغي‪.‬‬
‫قال األسفرائيني (ت ‪471‬هـ)‪« :‬إنّ من زعم أنّ العقل ّ‬
‫يدل على وجوب شيء‪،‬‬

‫(( ( أنظر‪ :‬السبحاني‪ ،‬الشيخ جعفر‪ ،‬رسالة في التحسين والتقبيح‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪ 61‬وما بعدها؛‬
‫والحكيم‪ ،‬السيد محمد تقي‪ ،‬األصول العامة للفقه المقارن‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.295‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الحلي‪ ،‬يوسف بن المطهر (العالمة الحلي) (ت ‪726‬هـ)‪ ،‬كشف المراد في شرح تجريد‬
‫االعتقاد‪ ،‬تعليق‪ :‬السيد إبراهيم الزنجاني‪ ،‬مؤسسة األعلمي‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1979 ،1‬م‪ ،‬ص‬
‫المحصل‪ ،‬تحقيق‪،‬‬
‫‪ .329‬والحظ حول أدلة األشاعرة‪ :‬الرازي‪ ،‬محمد بن عمر (ت ‪ ،)606‬كتاب‬
‫ّ‬
‫الدكتور حسين أتاي‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬مكتبة دار التراث‪ ،‬مصر ـ القاهرة‪ ،‬ال‪.‬ط‪1991 ،‬م‪ ،‬ص‪478‬‬
‫وما بعدها‪ ،‬وانظر حول أدلة األشاعرة وتفنيدها‪ :‬السبحاني‪ ،‬الشيخ جعفر‪ ،‬رسالة في التحسين‬
‫والتقبيح‪ ،‬مؤسسة اإلمام الصادق‪ ،Q‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪1420 ،1‬هـ‪ ،‬ص‪ 61‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪295‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫يفضي به األمر إلى إثبات الوجوب على الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ألنّهم يقولون‪ :‬إذا‬
‫شكر العبد الله‪ ،‬وجب على الله الثواب‪ ،‬ثم ال يزال الوجوب دائر ًا بينهما‪ ،‬وذلك‬
‫وأي ٍ‬
‫توجه الوجوب عليه! وال واجب إال‬
‫يؤدي إلى ما ال يتناهى‪ُّ ،‬‬
‫عقل يقبل ّ‬
‫بموجب‪ ،‬وليس فوقه سبحانه موجب»(‪.)1‬‬

‫ٌ‬
‫كاشف‪ ،‬وليس حاكم ًا‬
‫وفي الجواب على ذلك‪ ،‬قال العدلية‪ :‬إنّ العقل في المقام‬
‫على الله‪ ،‬فبإدراك العقل حسن األفعال أو قبحها‪ ،‬فهو ال يحكم على الله بلزوم‬
‫اتباع ما هو حسن واجتناب ما هو قبيح‪ ،‬وإنّما ينكشف له ـ أي للعقل ـ نتيجة علمه‬
‫بحكمة الله وعدالته‪ ،‬أنّه تعالى ُي ْل ِز ُم نفسه باتباع الحسن واجتناب القبيح‪ ،‬فهو قد‬
‫كتب ذلك على نفسه‪ ،‬ولم يكتبه أو يفرضه أحدٌ عليه‪ ،‬وهذا ما تشهد به العديد من‬
‫ِ ِ‬
‫اآليات القرآنية‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ :‬‬
‫الر ْح َم َة﴾ [األنعام‪،]12:‬‬
‫﴿ك َت َب َع َلى َن ْفسه َّ‬
‫وقوله سبحانه‪﴿ :‬إِ َّن َع َل ْي َنا َل ْل ُهدَ ى﴾ [الليل‪ ،]12:‬فقد أخبر سبحانه «أنّ الهدى‬
‫ِ‬
‫السبِ ِ‬
‫يل﴾ [النحل‪ ،]9:‬إلى‬
‫واجب عليه»(‪ ،)2‬ونحوه قوله تعالى‪َ :‬‬
‫ٌ‬
‫﴿و َع َلى ال َّله َق ْصدُ َّ‬
‫غير ذلك من اآليات الدا ّلة على وجوب أفعال على الله كتبها على نفسه وألزمها‬
‫ٍ‬
‫شيء على الله وإلزام نفسه به‪ ،‬مر ّده إلى مالئمة‬
‫بها‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬فإنّ وجوب‬
‫ذلك لصفاته الكمالية من العدل والحكمة ونحوهما(‪.)3‬‬
‫العدلية تعابير من قبيل «يجب على الله»‪،‬‬
‫صحيح أنّه قد يرد في كلمات علماء‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫إال أنّ المقصود بالوجوب ما ذكرناه‪ ،‬وقد خلط األشاعرة بين الوجوب في‬
‫ٍ‬
‫واحد من علماء‬
‫اصطالح الفقهاء‪ ،‬والوجوب في مصطلح المتك ّلمين‪ ،‬مع أنّ غير‬
‫العدلية ّنبهوا إلى اختالف المصطلحين‪ ،‬وأنّ المقصود بالوجوب في علم الكالم‬

‫(( ( األسفرائيني‪ ،‬طاهر بن محمد‪ ،‬التبصير في الدين‪ ،‬عالم الكتب‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1983 ،1‬ص ‪.171‬‬
‫السادس)‪ ،‬تفسير مجمع البيان‪ ،‬مؤسسة األعلمي‪،‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الطبرسي‪ ،‬الفضل بن الحسن (القرن ّ‬
‫بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1995 ،1‬م‪ ،‬ج‪ ،10‬ص‪.502‬‬
‫((( أنظر‪ :‬الگلبيگاني‪ ،‬الشيخ علي الرباني‪ ،‬مبادئ علم الكالم‪ ،‬قم ـ إيران‪ ،‬ط‪ ،1‬ال‪.‬ت‪ ،‬ص‪.75‬‬
‫‪296‬‬

‫الفصل األول‪ :‬اإلدراك العقلي‬

‫هو ما أوجبه الله على نفسه‪ .‬قال المحقق الطوسي في ر ّده على الرازي‪:‬‬

‫«وليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي‪ ،‬كما هو المصطلح عند الفقهاء‪،‬‬
‫الذم‪ ،‬كما أنّ القبيح‬
‫بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث‬
‫ّ‬
‫يستحق تاركه ّ‬
‫الذم‪ ،‬والكالم فيه هو الكالم في الحسن‬
‫بمعنى كون الفعل بحيث‬
‫ّ‬
‫يستحق فاعله ّ‬
‫والقبح بعينهما‪ ،‬والعالم القادر الغني ال يترك الواجب الحسن ضرورة»(‪.)1‬‬
‫وتجدر اإلشارة أخير ًا إلى أنّ الكالم في قاعدة التحسين والتقبيح طويل‬
‫جد ًا‪ ،‬ويشتمل على عدة أبحاث‪ ،‬من قبيل‪ :‬معاني الحسن والقبح وأقسامهما‪،‬‬
‫أسباب حكم العقل بهما‪ ،‬المالزمة بين حكم العقل وحكم الشرع‪ ،‬ثمرات القول‬
‫بالتحسين والتقبيح‪ ،‬إلى غير ذلك من األبحاث التي قد تشهد اختالفات داخل‬
‫المدرسة الواحدة‪ ،‬كاختالف العدلية بأنّ الحسن والقبح ذاتيان أو هما بالوجوه‬
‫واالعتبارات‪ ،‬إلى غير ذلك من وجوه االختالف(‪.)2‬‬

‫وموجه ًا‬
‫رابع ًا‪ :‬العقل مرشد ًا‬
‫ّ‬

‫ٌ‬
‫بحث‬
‫تقدم‪ ،‬ي ّتضح أنّ البحث في حسن األشياء أو قبحها‪ ،‬هو‬
‫في ضوء ما ّ‬
‫متفرع ًا عليه‪ ،‬ما يجعل أصل العدل ـ مث ً‬
‫ال ـ باعتباره أحد‬
‫ٌ‬
‫سابق على ّ‬
‫الدين‪ ،‬وليس ّ‬
‫العملي‪ ،‬أص ً‬
‫للعملية االجتهادية العقدية‬
‫موجه ًا ومرشد ًا‬
‫أبرز مدركات العقل‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واألهم من ذلك‪ ،‬أنّه يغدو أص ً‬
‫ال حاكم ًا على النصوص الدينية‪ ،‬وليس‬
‫والفقهية‪،‬‬
‫ّ‬
‫العقلي‬
‫بنص ديني يتنافى والحكم‬
‫محكوم ًا لها‪ ،‬فال يمكن والحال هذه‪ ،‬التسليم ٍّ‬
‫ّ‬
‫القاضي بحسن العدل وقبح الظلم‪.‬‬
‫المحصل أو‬
‫(( ( أنظر‪ :‬الطوسي‪ ،‬محمد بن محمد المعروف بالخواجة نصير الدين الطوسي‪ ،‬تلخيص‬
‫ّ‬
‫نقد المحصل‪ ،‬دار األضواء‪ ،‬بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪1405 ،2‬هـ‪ ،‬ص‪.342‬‬
‫((( أنظر‪ :‬المظفر‪ ،‬الشيخ محمد رضا‪ ،‬أصول الفقه‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬دار التعارف بيروت ـ لبنان‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪1983‬م‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ 202‬ـ‪.216 ‬‬
‫‪297‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬أدوات االجتهاد الكالمي‬

‫والملحوظ أنّ مرجعية العقل في إثبات الحسن أو القبح‪ ،‬لم تغادر اإلطار‬
‫العملية التي حرصت على‬
‫يتبدى بوضوح في الممارسة‬
‫النظري إال لمام ًا‪ ،‬كما ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وربما ّبرر بعضهم‬
‫كف يد العقل وإقصائه عن تحديد مفردات الحسن والقبح‪ّ ،‬‬

‫محدد‬
‫ذلك‪ ،‬على أساس أنّ العقل وإنْ كانت وظيفته اإلدراك‪« ،‬إال أن إدراكه‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ناحية‪ ،‬وال تعنى كثير ًا بمجاالت التطبيق‬
‫الكليات من‬
‫خاصة ال تتجاوز‬
‫بحدود ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫الجزئية من‬
‫والقضايا‬
‫ناحية أخرى»(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫أي‬
‫صح هذا الكالم عن نفي ّ‬
‫والمالحظة التي ّ‬
‫نس