‫تأليف‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪1427‬هـ ‪2006 -‬م‬
‫رقم اليداع‪9846/2005 :‬‬
‫الترقيم الدولى‪I.S.B.N :‬‬
‫‪1 - 58 – 6119 – 977‬‬
‫مركز السلم للتجهيز‬
‫الفني‬

‫عبد الحميد عمر‬
‫‪010696‬‬
‫‪2647‬‬

‫مؤسسة اقرأ‬

‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة – بجوار حديقة الفسطاط‬
‫محمول‪5224207/010 :‬‬
‫القاهرة ت‪5326610 :‬‬
‫‪www.iqraakotob.com‬‬
‫‪Email: info@iqraakotob.com‬‬

‫الهــــــــداء‬
‫إلى العلماء العاملين والدعاة المخلصين‪،‬‬
‫وطلب العلم المجتهدين‪ ،‬وأبناء المة الغيورين‬
‫أهدي هذا الكتاب‪ ،‬سائل ً المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬بأسمائه‬
‫صا‬
‫الحسنى وصفاته الُعلى أن يكون خال ً‬
‫لوجهه الكريم‬

‫من َ‬
‫قال تعالى‪َ + :‬‬
‫جو‬
‫كا َ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫لِ َ‬
‫م ْ‬
‫مل‬
‫ل َ‬
‫قاءَ َرب ّ ِ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ر ْ‬
‫ول َ ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫ك بِ ِ‬
‫ة َرب ّ ِ‬
‫عَبادَ ِ‬
‫صال ِ ً‬
‫َ َ‬
‫حا َ‬
‫ش ِ‬
‫دا" ]الكهف‪.[110 :‬‬
‫ح ً‬
‫أ َ‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المؤلف في سطور‬

‫علي محمد محمد الصلبي‬

‫ولد في مدينة بنغازي بليبيا عام ‪ 1383‬هـ ‪1963 /‬م‪.‬‬
‫حصل على درجة الجازة العالية »الليسانس« من كلية الدعوة‬
‫وأصول الدين من جامعة المدينة المنورة بتقدير ممتاز‪ ،‬وكان الول‬
‫على دفعته عام ‪1414‬هـ‪1993 /‬م‪.‬‬
‫نال درجة الماجستير من جامعة أم درمان السلمية‪ ،‬كلية أصول‬
‫الدين‪ ،‬قسم التفسير وعلوم القرآن‪ ،‬عام ‪ 1417‬هـ‪1996 /‬م‪.‬‬
‫نال درجة الدكتوراه في الدراسات السلمية‪.‬‬
‫صدرت له عدة كتب‪:‬‬
‫‪ -1‬من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -2‬الوسطية في القرآن الكريم »دار البيارق – دار النفائس«‪.‬‬
‫ سلسلة »صفحات من التاريخ السلمي في الشمال‬‫الفريقي«‪.‬‬
‫‪ -3‬صفحات من تاريخ ليبيا السلمي والشمال الفريقي »دار‬
‫البيارق«‪.‬‬
‫‪ -4‬عصر الدولتين الموية والعباسية وظهور فكر الخوارج »دار‬
‫البيارق«‪.‬‬
‫‪ -5‬الدولة العبيدية )الفاطمية( والرافضية »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -6‬فقه التمكين عند دولة المرابطين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -7‬دولة الموحدين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -8‬الدولة العثمانية‪ ..‬عوامل النهوض وأسباب السقوط »دار‬
‫التوزيع والنشر السلمية«‪.‬‬
‫‪ -9‬الحركة السنوسية في ليبيا »دار البيارق«‪.‬‬
‫أ‪ -‬المام محمد بن علي السنوسي ومنهجه في التأسيس‪.‬‬
‫ب‪ -‬محمد المهدي السنوي‪ ،‬وأحمد الشريف‪.‬‬
‫ج‪ -‬إدريس السنوسي‪ ،‬وعمر المختار‪.‬‬
‫‪ -10‬فقه التمكين في القرآن الكريم »دار الوفاء‪ ،‬دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -11‬السيرة النبوية‪ ..‬عرض وقائع وتحليل أحداث »دار التوزيع‬
‫والنشر السلمية«‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مقدمة‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا وسيئات أعمالنا‪ .‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل‬
‫هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬
‫دا عبده ورسوله‪.‬‬
‫محم ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫ق تُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قات ِ ِ‬
‫ها ال ِ‬
‫ه َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ ‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[102 :‬‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫وأن ُْتم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س‬
‫ذي َ‬
‫م ال ِ‬
‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫خلقكم ّ‬
‫س ات ّقوا َرب ّك ُ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫من ن ّف ٍ‬
‫خل َ‬
‫جال ً ك َِثيًرا‬
‫ما‬
‫ه‬
‫وب َ ّ‬
‫ها‬
‫ها َز‬
‫و َ‬
‫ساءً‬
‫وا ِ‬
‫ث ِ‬
‫ق ِ‬
‫حد َ ٍ‬
‫ر َ‬
‫و َ‬
‫ون ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ج َ‬
‫من ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫حا‬
‫ر‬
‫وال‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ت‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫الل‬
‫قوا‬
‫َ َ َ‬
‫وات ّ‬
‫ِ‬
‫ْ َ َ ِ ّ‬
‫َ َ ْ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِ ِ َ‬
‫َ‬
‫قيًبا" ]النساء‪.[1 :‬‬
‫َر ِ‬
‫َ‬
‫قوُلوا َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫دا ‪‬‬
‫نآ‬
‫س ِ‬
‫ها َ ال ّ ِ‬
‫دي ً‬
‫ول ً َ‬
‫ذي َ‬
‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫قوا الل َ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ه َُ‬
‫ه‬
‫وي َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫غ ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫ع الل َ‬
‫و َ‬
‫م ذُُنوب َك ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ح لََك ُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫من ي ُطِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[71 ،70 :‬‬
‫وًزا َ‬
‫ع ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ظي ً‬
‫سول ُ‬
‫ه فقدْ فاَز ف ْ‬
‫َ‬

‫أما بعد‪:‬‬
‫يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬لك‬
‫الحمد حتى ترضى‪ ،‬ولك الحمد إذا رضيت‪ ،‬ولك الحمد بعد الرضا‪.‬‬
‫كان شغفي بسيرة الصديق ‪ ‬منذ الطفولة‪ ،‬وكنت شديد الولع‬
‫بالقراءة والسماع لسيرته العطرة‪ ،‬ومضت اليام ومرت السنون‪،‬‬
‫وأكرمني الله تعالى بالدراسة في الجامعة السلمية بالمدينة‬
‫المنورة‪ ،‬وكان من ضمن المواد المقررة في مادة التاريخ السلمي‬
‫تاريخ الخلفاء الراشدين‪ ،‬وقد طلب الستاذ المحاضر أن ندرس كتاب‬
‫»البداية والنهاية« لبن كثير‪ ،‬و»الكامل« لبن الثير في ترجمة‬
‫ف بكتاب التاريخ السلمي للشيخ محمود شاكر‪،‬‬
‫الصديق‪ ،‬ولم يكت ِ‬
‫فكانت لتلك الرشادات أثر ‪-‬بعد توفيق الله تعالى‪ -‬للتعرف على‬
‫حقيقة شخصية الصديق وعصره‪ .‬وعندما سجلت بجامعة أم درمان‬
‫السلمية رسالة الدكتوراه وكان عنوانها‪) :‬فقه التمكين في القرآن‬
‫الكريم وأثره في تاريخ المة(‪ ،‬استقر البحث على ثلثة أبواب‪ :‬فقه‬
‫التمكين في القرآن الكريم‪ ،‬فقه التمكين في السيرة النبوية‪ ،‬فقه‬
‫التمكين عند الخلفاء الراشدين‪ ،‬وكانت أوراق البحث قد جاوزت‬
‫‪ 1200‬صفحة‪ ،‬فرأى الدكتور المشرف أن نكتفي بفقه التمكين في‬
‫دل الخطة على هذا الساس‪ ،‬وقدم مقترحه‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وع ّ‬
‫لمجلس الكلية فوافق على ذلك‪ ،‬وقال لي بعد المناقشة‪ :‬بإذن الله‬
‫تعالى تستطيع أن تخرج فقه التمكين في السيرة النبوية‪ ،‬وفقه‬
‫التمكين عند الخلفاء الراشدين كتًبا‪ ،‬لعل الله ينفع بها المسلمين‪.‬‬
‫وبتوفيق الله‪ ،‬وبسبب ما ساقه من أسباب‪ ,‬تطور كتاب فقه التمكين‬
‫في السيرة النبوية‪ ،‬وأصبح »السيرة النبوية‪ ..‬عرض وقائع وتحليل‬
‫أحداث«‪.‬‬
‫وهذا الكتاب الذي أقدم له الن »أبو بكر الصديق شخصيته‬
‫وعصره« يرجع الفضل في كتابته للمولى عز وجل‪ ،‬ثم للستاذ‬

‫‪5‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الدكتور المشرف على رسالة الدكتوراه‪ ،‬ومجموعة خيرة من‬
‫الدعاة والشيوخ والعلماء الذين شجعوني على الهتمام بدراسة‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬حتى إن أحدهم قال لي‪ :‬أصبحت هناك فجوة‬
‫كبيرة بين أبناء المسلمين وذلك العصر‪ ،‬وحدث خلط في ترتيب‬
‫الولويات؛ حيث صار الشباب يل ّمون بسير الدعاة والعلماء‬
‫والمصلحين أكثر من إلمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين‪ ،‬وأن ذلك‬
‫العصر غني بالجوانب السياسية والعلمية والخلقية والقتصادية‬
‫والفكرية والجهادية والفقهية التي نحن في أشد الحاجة إليها‪،‬‬
‫ونحتاج أن نتتبع مؤسسات الدولة السلمية‪ ،‬وكيف تطورت مع‬
‫مسيرة الزمن؛ كالمؤسسة القضائية والمالية ونظام الخلفة‬
‫والمؤسسة العسكرية وتعيين الولة‪ ،‬وما حدث من اجتهادات في‬
‫ذلك العصر عندما احتكت المة السلمية بالحضارة الفارسية‬
‫والرومانية‪ ،‬وطبيعة حركة الفتوحات السلمية‪.‬‬
‫كانت بداية هذا الكتاب فكرة أراد الله لها أن تصبح حقيقة‪ ،‬فأخذ الله‬
‫بيدي وسهل لي المور وذلل الصعاب‪ ،‬وأعانني على الوصول للمراجع‬
‫ما ّسيطر على مشاعري وتفكيري‬
‫والمصادر‪ ،‬وأصبح هذا العمل هَ‬
‫ولم ُ‬
‫ل‬
‫أبا‬
‫الليالي‬
‫له‬
‫فسهرت‬
‫الكبرى‪،‬‬
‫وأحاسيسي‪ ،‬فجعلته من أهدافي‬
‫ِ‬
‫بالعوائق ول الصعاب‪ ،‬والفضل لله تعالى الذي أعانني على ذلك‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫َ‬
‫وأظل أمضي غير مضطرب‬
‫الهول في دربي وفي هدفي‬
‫خوٍَر‬
‫ما كنت من نفسي على َ‬

‫ب‬
‫أو كنت من ربي على رِي َ ِ‬

‫ما في المنايا ما أحاذره‬

‫ب‬
‫الله ملُء القصد والَر ِ‬

‫إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر‪ ،‬وهي‬
‫متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع‪ ،‬سواء كانت تاريخية أو‬
‫حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية‪ ،‬فنحن في أشد الحاجة لجمعها‬
‫وترتيبها وتوثيقها وتحليلها؛ فتاريخ الخلفة إذا أحسن عرضه يغذي‬
‫الرواح ويهذب النفوس وينور العقول‪ ،‬ويشحذ الهمم‪ ،‬ويقدم‬
‫الدروس‪ ،‬ويسهل العَِبر وينضج الفكار‪ ،‬فنستفيد من ذلك في إعداد‬
‫الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة‪ ،‬ونتعرف على حياة وعصر‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ن‬
‫من قال الله‬
‫ن ِ‬
‫وُلو َ‬
‫قو َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ها ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫فيهم‪َ + :‬‬
‫ج ِ‬
‫ّ‬
‫ضوا‬
‫ر‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ح‬
‫إ‬
‫ب‬
‫هم‬
‫عو‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫َ‬
‫ْ ُ ْ َ َ َ ُ‬
‫ر َ ِ َ ّ َ ُ ُ‬
‫ُ‬
‫والن ْ َ‬
‫َ‬
‫ِ ِ ْ َ ٍ ّ ِ َ‬
‫صا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دا‬
‫ب‬
‫أ‬
‫ها‬
‫في‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ل‬
‫خا‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ت‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ري‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ت‬
‫نا‬
‫ج‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫أ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ً‬
‫ِ ِ َ ِ َ‬
‫َ ْ َ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ه َ‬
‫وْ ّ ُ ْ ْ َ ّ ٍ َ ْ ِ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ك ال َ‬
‫م" ]التوبة‪.[100 :‬‬
‫ع ِ‬
‫وُز ال َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫ل الله وال ّذين مع َ‬
‫سو ُ‬
‫عَلى‬
‫داءُ َ‬
‫هأ ِ‬
‫ش ّ‬
‫م َ‬
‫مدٌ ّر ُ‬
‫ِ َ ِ َ َ َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ْ وقال تعالى‪ُ + :‬‬
‫ّ‬
‫ال ك ُ ّ‬
‫دا" ]الفتح‪.[29 :‬‬
‫ج‬
‫س‬
‫عا‬
‫ك‬
‫ر‬
‫م‬
‫ه‬
‫را‬
‫ت‬
‫م‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ّ ً‬
‫ْ ُ ً‬
‫ر ُر َ‬
‫ح َ‬
‫ماءُ ب َي ْن َ ُ ْ َ‬
‫فا ِ‬
‫فيهم رسول الله ×‪» :‬خير أمتي القرن الذي بعثت‬
‫وقال‬
‫)‪(1‬‬
‫فيهم‪. «...‬‬
‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪.2534 :‬‬

‫)‪ (2‬شرح السنة للبغوي‪.215 ،1/214 ،‬‬

‫‪6‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وقال فيهم عبد الله بن مسعود‪» :‬من كان مستًنا فليستن بمن‬
‫قد مات؛ فإن الحي ل تؤمن عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب محمد كانوا‬
‫فا‪ .‬قوم‬
‫ما وأقلها تكل ً‬
‫والله أفضل هذه المة وأبّرها قلوبا وأعمقها عل ً‬
‫اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم‬
‫بما‪(1‬استطعتم من أخلقهم ودينهم‪ ،‬فإنهم كانوا‬
‫في آثارهم‪ ،‬وتمسكوا‬
‫)‬
‫على الهدي المستقيم«‪.‬‬
‫فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام السلم ونشره في مشارق‬
‫الرض ومغاربها‪ ،‬فعصرهم خير العصور‪ ،‬فهم الذين علموا المة‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ورووا لها السنن والثار عن رسول الله ×‪ ،‬فتاريخهم‬
‫هو الكنز الذي حفظ مدخرات المة في الفكر والثقافة والعلم‬
‫والجهاد وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والمم‪ ،‬فتجد‬
‫الجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في‬
‫الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد‪ ،‬وتعرف من خلله حقيقة‬
‫رسالتها ودورها في دنيا الناس‪ .‬وقد عرف العداء من اليهود‬
‫والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة‬
‫التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات‪ ،‬فعملوا على‬
‫تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الجيال فيه؛ فقد لعبت فيه‬
‫اليدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر؛‬
‫ففي الماضي تعرض تاريخنا السلمي للتحريف والتشويه على أيدي‬
‫اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا السلم وأبطنوا‬
‫الكفر‪ ،‬إذ رأوا أن كيد السلم على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله‪،‬‬
‫فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم السلم وتفتيت دولته‬
‫وتفريق أتباعه‪ ،‬وذلك عن طريق تزييف الخبار وترويج الشائعات‬
‫الكاذبة وتدبير الفتن ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ ،‬فقام‬
‫عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه بالدور الكبير في إشعال نار الفتنة‬
‫التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث‪ ،‬وكذلك إشعال المعركة بين‬
‫المسلمين في موقعة الجمل بعد أن كاد يتم الصلح بين الطرفين‪،‬‬
‫إلى غير ذلك من التحركات والمؤامرات التي قصد بها النيل من‬
‫السلم وأتباعه‪ ،‬هذا بالضافة إلى الروايات الضعيفة والموضوعة‬
‫الواردة في مصادر التاريخ السلمي ‪-‬وهي تشوه سيرة الصحابة‪-‬‬
‫كرواية التحكيم التي تتهم بعضهم بالخداع أو الغباء أو التعلق بالجاه‬
‫والسلطة‪ ،‬والهدف من وضع هذه الروايات الطعن في السلم‬
‫بطريقة غير مباشرة؛ لن السلم لم يؤده لنا إل الصحابة‪ ،‬والتشكيك‬
‫في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة السلم‪.‬‬
‫هذا وقد استغل المستشرقون هذه الروايات الموضوعة ومن‬
‫سار على نهجهم من أذنابهم ممن يتكلمون بلغتنا‪ ،‬فركزوا على‬
‫ما تسابقوا إلى اقتسامه ما‬
‫التوسع في البحث فيها؛ بل كانت مغن ً‬
‫أغراضهم للطعن في السلم والنيل من أعراض‬
‫دامت تخدم‬
‫الصحابة الكرام‪ (2).‬لقد قام العداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم‬
‫المنحرفة‪ ،‬وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج‬
‫المستوردة‪ ،‬فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما‬
‫كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫)( انظر‪ :‬مقدمة الستاذ سيد قطب لكتاب )خالد بن الوليد( للشيخ صادق‬
‫عرجون‪ ،‬ص ‪.5‬‬

‫‪7‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أعداء المة؛ وذلك لنهم ل يملكون تصورًا حقيقيًا لروح السلم‬
‫وطبيعته؛ حيث إن كتابة التاريخ السلمي تحتاج حتما إلى إدراك‬
‫طبيعة الفكرة السلمية ونظرتها إلى الحياة والحداث والشياء‪،‬‬
‫ووزنها للقيم التي عليها الناس‪ ،‬وتأثيرها في الرواح والفكار‬
‫وصياغتها للنفوس والشخصيات‪ ..‬ودراسة الشخصيات السلمية –‬
‫على وجه خاص‪ -‬تقتضي إدرا ً‬
‫كا كامل ً لطبيعة استجابة تلك‬
‫الشخصيات السلمية ليحاءات الفكرة السلمية‪ ،‬فإن طريقة‬
‫استجابة تلك الشخصيات لهذه اليحاءات مسألة هامة في صياغة‬
‫شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة‪ ،‬وتفاعلها مع الحداث‪ ،‬ولن‬
‫يدرك طبيعة الفكرة السلمية ول طريقة استجابة الشخصيات‬
‫السلمية لها إل كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه‪،‬‬
‫عن‪(1‬تلبس ضميره بها ل عن رصدها من‬
‫لكي يكون إدراكه لها ناشئًا‬
‫)‬
‫الخارج بالذهن المتجرد البارد‪.‬‬
‫وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين‬
‫والكتاب والدباء في تشويه صورة سلف هذه المة‪ ،‬وأظهروا‬
‫الصحابة بمظهر المتكالب على الدنيا وسفك الدماء للوصول إلى‬
‫الغايات التي ينشدونها من الستيلء على الحكم والتنكيل بخصومهم‪،‬‬
‫فتناولوا ذلك بعيدًا عن فهم حقيقة الجيل الذي تربى في مدرسة‬
‫المصطفى ×‪ ،‬وبعيدا عن تأثرهم بالسلم وعقيدته وأصوله‪ ،‬وبسبب‬
‫تلك الكتابات نشأ جيل ل يعرف عن تاريخه إل الحروب وسفك‬
‫الدماء والخداع والمكر والحيلة‪ ،‬وأصبحت صورة الصحابة ‪-‬رضوان‬
‫الله عليهم جميعًا‪ -‬مشوهة‪ ،‬مما جعل بعض المسلمين يرد تلك‬
‫مجرد أن تلك الباطيل مسطرة‬
‫الباطيل دون أن يعي الحقيقة؛ بل‬
‫)‪(2‬‬
‫في كتاب زيد أو عمرو من الك ُّتاب‪.‬‬
‫إن إعادة كتابة التاريخ السلمي بمنهج أهل السنة والجماعة‬
‫أصبح ضرورة ملحة لبناء المة‪ ،‬وقد بدأت أقلم الباحثين والك ُّتاب‬
‫تصيغ التاريخ من هذا المنظور‪ ،‬وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لن الله‬
‫حمى دينه وحمى أمته‪ ،‬فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه‬
‫ويصحح أخباره‪ ،‬ويكشف الستار عن الوضاعين والكذابين من ملفقي‬
‫الخبار‪ ،‬ويرجع الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة‬
‫والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير‬
‫الشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه‬
‫من‬
‫)‪(3‬‬
‫الملفقون‪.‬‬
‫ت على أصول منهج أهل السنة‪ ،‬فعكفت على المصادر‬
‫وقد ِ‬
‫سْر ُ‬
‫والمراجع القديمة والحديثة‪ ،‬ولم أعتمد في دراسة عصر الخلفاء‬
‫الراشدين على الطبري وابن الثير والذهبي وكتب التاريخ المشهورة‬
‫فقط؛ بل رجعت إلى كتب التفسير والحديث وشروحها وكتب‬
‫التراجم والجرح والتعديل وكتب الفقه‪ ،‬فوجدت فيها مادة تاريخية‬
‫غزيرة يصعب الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة‬
‫والمتداولة‪ ،‬وقد بدأت بالكتابة عن أبي بكر الصديق ‪ ‬متناول‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬أبو بكر ‪ ،‬محمد مال الله‪ ،‬ص ‪.16 ،15‬‬
‫)( انظر‪ :‬المنهج السلمي لكتابة التاريخ‪ ،‬د‪ .‬محمد المحزون‪ ،‬ص ‪.4‬‬

‫‪8‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫شخصيته وعصره‪ ،‬فهو سيد الخلفاء الراشدين‪ ،‬وقد حثنا رسول الله‬
‫× وأمرنا باتباع سنتهم والهتداء بهديهم‪ ،‬قال ×‪» :‬عليكم بسنتي‬
‫وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي«‪ (1).‬فأبو بكر ‪ ‬سيد‬
‫الصديقين وخير الصالحين بعد النبياء والمرسلين‪ ،‬فهو أفضل‬
‫أصحاب رسول الله × وأعلمهم وأشرفهم على الطلق‪ ،‬فقد قال‬
‫فيه رسول الله ×‪» :‬لو كنت متخ ً‬
‫ذا خليل ً لتخذت أبا بكر‪ ،‬ولكن أخي‬
‫الله × وفي عمر أيضا‪» :‬اقتدوا‬
‫وصاحبي« ‪ (2).‬وقد قال فيه رسول‬
‫)‪(3‬‬
‫بالذين من بعدي‪ :‬أبي بكر وعمر«‪ .‬وشهد له عمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنه‪ -‬بقوله‪ :‬أنت سيدنا وخيرنا‪ ،‬وأحبنا إلى رسول الله ×‪.‬‬‫بن( الحنفية‬
‫)‪ (4‬وقال عنه علي بن أبي طالب لما سأله ابنه محمد ا‬
‫)‪5‬‬
‫بقوله‪ :‬أي الناس خير بعد رسول الله ×؟ قال‪ :‬أبو بكر‪.‬‬
‫إن حياة أبي بكر ‪ ‬صفحة مشرقة من التاريخ السلمي الذي‬
‫حوِ تواريخ المم مجتمعة بعض ما‬
‫بهر كل تاريخ وََفاَقه‪ ،‬والذي لم ت َ ْ‬
‫حوى من الشرف والمجد والخلص والجهاد والدعوة لجل المبادئ‬
‫السامية‪ ،‬لذلك قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره في المراجع‬
‫والمصادر‪ ،‬واستخرجتها من بطون الكتب‪ ،‬وقمت بترتيبها وتنسيقها‬
‫وتوثيقها وتحليلها؛ لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء والعلماء‬
‫والساسة ورجال الفكر وقادة الجيوش وحكام المة وطلب العلم‪،‬‬
‫لعلهم يستفيدون منها في حياتهم‪ ،‬ويقتدون بها في أعمالهم‪،‬‬
‫فيكرمهم الله بالفوز في الدارين‪.‬‬
‫لقد تتبعت صفات الصديق وفضائله ومشاهده في ميادين الجهاد‬
‫مع رسول الله ×‪ ,‬وحياته في المجتمع المدني‪ ،‬ومواقفه العظيمة‬
‫بعد وفاة رسول الله ×‪ ،‬وكيف ثّبت الله به المة‪ ،‬وسلطت الضواء‬
‫على سقيفة بني ساعدة وما تم فيها من حوار ونقاش بين‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬ونسفت الشبهات والباطيل التي ألصقت بتاريخ‬
‫سقيفة بني ساعدة من قَِبل المستشرقين والروافض ومن سار على‬
‫نهجهم‪ ،‬وبينت موقف الصديق من إرسال جيش أسامة‪ ،‬وما في هذا‬
‫الحدث العظيم من دروس في الشورى والدعوة والحزم والقتداء‬
‫برسول الله ×‪ ،‬ورد الخلف إلى الكتاب والسنة‪ ،‬وآداب الجهاد‬
‫وصورته المشرقة التي تمثلت في تعاليم الصديق لجيش أسامة‬
‫رضي الله عنهم‪ .‬وقد قمت بتوضيح أحداث الردة فتحدثت عن‬
‫أسبابها وأصنافها وبدايتها في أواخر العصر النبوي‪ ،‬وموقف الصديق‬
‫منها في خلفته وخطته التي وضعها للقضاء عليها‪ ،‬وأساليبه التي‬
‫استخدمها في حروبه ضد المرتدين‪ .‬وقد وقفت مع مؤهلت الصديق‬
‫التي توفرت في شخصيته والتي استطاع بها ‪-‬بعد توفيق الله‪ -‬أن‬
‫يسحق حركة الردة‪.‬‬
‫وقد تحدثت عن عصره وكيف تحققت شروط التمكين وأسبابه‪،‬‬
‫وصفات جيل التمكين في ذلك العهد الذي قاده الصديق‪ ،‬وأشرت‬
‫إلى سياسة الصديق في محاربة التدخل الجنبي في دولته‪ ،‬وذكرت‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( سنن أبي داود‪ .4/201 ،‬والترمذي‪ ،5/44 ،‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3656 :‬‬
‫)‪ (1‬صحيح سنن الترمذي لللباني‪.3/200 ،‬‬
‫)‪ (3‬نفس المصدر‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3668 :‬‬
‫السابق‪ ،‬رقم‪.3671 :‬‬

‫‪9‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أهم نتائج أحداث الردة؛ من تمييز السلم عما عداه من تصورات‬
‫وأفكار وسلوك‪ ،‬وضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع‪ ،‬وتجهيز‬
‫الجزيرة قاعدة للفتوح السلمية‪ ،‬والعداد القيادي لحركة الفتوح‪،‬‬
‫والفقه الواقعي للردة‪ ،‬وسنة الله في إحاقة المكر السيئ بأهله‪،‬‬
‫واستقرار النظام الداري في الجزيرة‪.‬‬
‫وتكلمت عن فتوحات الصديق فبينت خطته في فتح العراق‪،‬‬
‫وسرت مع خالد في فتوحاته حتى ضم جنوب العراق وشماله‬
‫بمعاركه العظيمة التي ظهرت فيها بطولت نادرة من المثنى بن‬
‫حارثة والقعقاع بن عمر وخالد بن الوليد وجيوشهم المظفرة‪ ،‬فكانت‬
‫تلك المعارك الخطوة الولى لمعارك الفتوح الكبرى التي جاءت بعد‬
‫عصر الصديق‪ ،‬والتي أنارت تاريخ المة في مشوارها الطويل لنشر‬
‫دين الله والجهاد في سبيله‪ ..‬قال الشاعر‪:‬‬
‫عب ًَرا تضيء بأطيب القوال‬
‫فالقادسية ما يزال حديثها‬
‫ِ‬
‫تحكي مفاخرَنا وتذكر مجدنا‬

‫فتجيبها حطين بالمنوال‬

‫صفحات مجد في الخلود‬
‫سطورها‬
‫وكأنني بابن الوليد وجنده‬

‫دان الرجال لها بغير جدال‬
‫وبكل كف لمع النصال‬
‫فغدا يظّلل أطهر الطلل‬

‫نشروا على أرض الخليل‬
‫لواءهم‬
‫وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى‬

‫وأتى صلح الدين صوب شمال‬
‫لله بعد تسابق لقتال‬

‫يسعى إليهم‪ ،‬قد شروا‬
‫أرواحهم‬
‫فهم العزة في كتاب خالد‬

‫ما بعد قول الله من أقوال‬

‫هذا وقد حرصت على بيان وإظهار الرسائل التي كانت بين‬
‫الصديق وخالد بن الوليد وعياض بن غنم ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬المتعلقة‬
‫بفتوح العراق‪ ،‬وقد فصلت الخطوات التي سار عليها أبو بكر في‬
‫فتوحات الشام‪ ،‬فتحدثت عن عزمه في غزو الروم‪ ،‬ومشورته لكبار‬
‫الصحابة في جهادهم‪ ،‬وعن استنفارهم لهل اليمن‪ ،‬وخطته في‬
‫إرسال الجيوش‪ ،‬ووصاياه للقادة الذين بعثهم لفتح الشام ومتابعته‬
‫لهم وإمدادهم بالرجال والعتاد والتموين‪ ،‬ونقله لخالد من ميادين‬
‫العراق إلى قيادة جيوش الشام‪ ،‬وما تم في معركة أجنادين‬
‫واليرموك‪ ،‬واستخرجت من حركة الفتوحات بعض معالم الصديق في‬
‫سياسته الخارجية‪ ،‬من بذر هيبة الدولة في نفوس المم‪ ،‬ومواصلة‬
‫الجهاد الذي أمر به النبي ×‪ ،‬والعدل بين المم المفتوحة والرفق‬
‫بأهلها ورفع الكراه عنهم‪ ،‬وإزالة الحواجز البشرية بينهم وبين‬
‫الدعاة‪.‬‬
‫ووضحت بعض معالم التخطيط الحربي عند الصديق؛ في عدم‬
‫اليغال في بلد العدو حتى تدين للمسلمين‪ ،‬وعن قدرته في التعبئة‬

‫‪10‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وحشد القوات وتنظيم عملية المداد المستمرة وتحديد هدف‬
‫الحرب‪ ،‬وإعطائه الفضلية لمسارح العمليات‪ ،‬وعزله لميدان‬
‫المعركة‪ ،‬وتطويره لساليب القتال‪ ،‬وحرصه على سلمة خطوط‬
‫التصال بينه وبين قادة الجيوش‪ ،‬وبينت حقوق الله والقادة والجنود‬
‫من خلل وصاياه التي ألزم بها قادة حربه‪.‬‬
‫وتحدثت عن استخلفه لعمر‪ ،‬وعن أيامه الخيرة في هذه الحياة‬
‫الفانية‪ ،‬وعن آخر ما تكلم به َالصديق في هذه الدنيا بقول الله‬
‫ح ْ‬
‫و ّ‬
‫ن"‬
‫صال ِ ِ‬
‫وأل ْ ِ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ً‬
‫فِني ُ‬
‫قِني ِبال ّ‬
‫ما َ‬
‫تعالى‪+ :‬ت َ َ‬

‫]يوسف‪.[101 :‬‬

‫لقد حاولت في هذا الكتاب أن أبين كيف فهم الصديق السلم‬
‫وعاش به في دنيا الناس‪ ،‬وكيف أثر في مجريات المور في عصره‪،‬‬
‫وتحدثت عن جوانب شخصيته المتعددة؛ السياسية والعسكرية‬
‫والدارية‪ ،‬وعن حياته في المجتمع السلمي لما كان أحد رعاياه‪،‬‬
‫وبعد أن أصبح خليفة رسول الله‪ ،‬وركزت على دور أبي بكر الصديق‬
‫باعتباره رجل دولة مميز من الطراز النادر‪ ،‬وعن سياسته الداخلية‬
‫والخارجية وأساليبه الدارية‪ ،‬وعن مؤسسة القضاء كيف كانت بدايتها‬
‫في عصره لكي نستطيع متابعة التطورات التي حدثت لها ولغيرها‬
‫من مؤسسات الدولة عبر العصر الراشدي والتاريخ السلمي‪.‬‬
‫إن هذا الكتاب يبرهن على عظمة أبي بكر الصديق ‪ ،‬ويثبت‬
‫ما‬
‫ما بفكره‪ ،‬عظي ً‬
‫ما بعلمه‪ ,‬عظي ً‬
‫للقارئ بأنه كان عظيما بإيمانه‪ ،‬عظي ً‬
‫ما بآثاره‪ ،‬فقد جمع الصديق العظمة من‬
‫ما بخلقه‪ ،‬عظي ً‬
‫ببيانه‪ ،‬عظي ً‬
‫أطرافها‪ ،‬وكانت عظمته مستمدة من فهمه وتطبيقه للسلم‪ ،‬وصلته‬
‫بالله العظيمة‪ ،‬واتباعه الشديد لهدي الرسول ×‪.‬‬
‫من الئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى‬
‫إن أبا بكر ‪‬‬
‫الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة‪ ،‬فسيرته من أقوى مصادر‬
‫اليمان والعاطفة السلمية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فلذلك‬
‫اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي غير مدٍع‬
‫عصمة ول متبرئ من زلة‪ ،‬ووجه الله الكبير ل غيره قصدت وثوابه‬
‫أردت‪ ،‬وهو المسئول في المعونة عليه والنتفاع به‪ ،‬إنه طيب السماء‬
‫سميع الدعاء‪.‬‬
‫هذا وقد قمت بتقسيم هذا الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول‬
‫وخلصة‪ ،‬وهي كالتي‪:‬‬
‫المقدمة‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬أبو بكر الصديق ‪ ‬في مكة‪ ،‬ويشتمل على‬
‫خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته وأسرته‬
‫وحياته في الجاهلية‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬إسلمه ودعوته وابتلؤه وهجرته الولى‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬هجرته مع رسول الله إلى المدينة‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الصديق في ميادين الجهاد‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬الصديق في المجتمع المدني‪ ،‬وبعض‬

‫‪11‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫صفاته‪ ،‬وشيء من فضائله‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪ :‬وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‪،‬‬
‫ويشتمل على مبحثين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية‪.‬‬
‫الثالثجيش أسامة وجهاد الصديق لهل الردة‪ ،‬ويشتمل‬
‫‪:‬‬
‫الفصل‬
‫على خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬جيش أسامة ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬جهاد الصديق لهل الردة‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬الهجوم الشامل على المرتدين‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬مسيلمة الكذاب وبنو حنيفة‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬أهم العبر والدروس والفوائد من حروب‬
‫الردة‪.‬‬
‫الرابعفتوحات الصديق واستخلفه لعمر ووفاته‪ ،‬ويشتمل‬
‫‪:‬‬
‫الفصل‬
‫على أربعة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬فتوحات العراق‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬فتوحات الصديق بالشام‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬استخلف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته‪.‬‬
‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الجمعة بعد صلة العشاء‬
‫بتاريخ الخامس من شهر المحرم لعام ‪1422‬هـ‪ ،‬الموافق للثلثين‬
‫من مارس من عام ‪2001‬م‪ ،‬والفضل لله من قبل‬
‫ومن بعد‪.‬‬
‫وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولً حسنًا‪ ،‬وأن‬
‫يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫س ْ‬
‫س َ‬
‫ة َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ك‬
‫ح‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫م ٍ‬
‫س ِ‬
‫من ّر ْ‬
‫ك لَ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫فل َ ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫الل ُ‬
‫‪َ +‬‬
‫ها َ‬
‫ه ِللّنا ِ‬
‫فت َ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م" ]فاطر‪.[2 :‬‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ه‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫من‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫م‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ُ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫زيُز ال َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫كي ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ول يسعني في نهاية هذه المقدمة إل أن أقف بقلب خاشع منيب‬
‫بين يدي الله عز وجل‪ ،‬معترفًا بفضله وكرمه وجوده؛ فهو المتفضل‬
‫ن به‬
‫وهو المكرم وهو المعين وهو الموفق‪ ،‬فله الحمد على ما م ّ‬
‫ي أول وآخًرا‪ ،‬وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن‬
‫عل ّ‬
‫صا ولعباده نافًعا‪ ،‬وأن يثيبني على كل حرف‬
‫خال‬
‫لوجهه‬
‫عملي‬
‫يجعل‬
‫ً‬
‫كتبته ويجعله في ميزان حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني الذين أعانوني‬
‫بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع‪ ،‬ونرجو من كل‬
‫عفو ربه‬
‫إلى‬
‫العبد‬
‫مسلم يطلع على هذا الكتاب أن ل‬
‫الفقير َ‬
‫ينسىرب أ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫شك َُر‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫دعائه‪:‬‬
‫ورحمته ورضوانه من‬
‫ز ْ‬
‫ع َِني أ ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ومغفرتهال ِّتي أ َ‬
‫َ‬
‫مت َ َ‬
‫م َ‬
‫حا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ك‬
‫نأ ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وأ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫َ‬
‫نِ ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫وال ِدَ ّ‬
‫ْ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫ي َ‬
‫عَلى َ‬
‫ي َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن" ]النمل‪.[19 :‬‬
‫صال ِ ِ‬
‫في ِ‬
‫مت ِك ِ‬
‫وأدْ ِ‬
‫ت َْر َ‬
‫خلِني ب َِر ْ‬
‫حي َ‬
‫ح َ‬
‫عَباِدك ال ّ‬
‫ضاهُ َ‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪ ،‬أستغفرك‬
‫وأتوب إليك‪ .‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫الفقير إلى عفو ربه‬

‫‪12‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ومغفرته ورضوانه‬

‫علي محمد محمد‬
‫ص ّ‬
‫لبي‬
‫ال ّ‬

‫‪ 1422 / 1 / 5‬هـ‬

‫‪13‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الفصل الول‬

‫أبو بكر الصديق ‪ ‬في مكة‬
‫المبحث الول‬

‫اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفاته‬
‫وأسرته وحياته في الجاهلية‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه‪:‬‬
‫بن سعد بن‬
‫هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب‬
‫تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي)‪ (,2()1‬ويلتقي‬
‫مع النبي × في النسب في الجد السادس مرة بن كعب ويكنى‬
‫والجمع بكارة وأبكر‪،‬‬
‫ي من البل‪،‬‬
‫بأبي بكر‪ ،‬وهي من البكر وهو ال َ‬
‫فت ِ ّ‬
‫)‪(3‬‬
‫وقد سمت العرب بكًرا‪ ،‬وهو أبو قبيلة عظيمة‪.‬‬
‫ولقب أبو بكر ‪ ‬بألقاب عديدة‪ ،‬كلها تدل على سمو المكانة‪،‬‬
‫وعلو المنزلة وشرف الحسب‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العتيق‪:‬‬
‫لقبه به النبي ×‪ ،‬فقد قال له ×‪» :‬أنت عتيق الله من النار«‪،‬‬
‫فسمي عتيقا‪ (4).‬وفي رواية عائشة قالت‪ :‬دخل أبو بكر الصديق على‬
‫الله( ×‪» :‬أبشر‪ ،‬فأنت عتيق الله من‬
‫الله ×‪ ،‬فقال له رسول‬
‫رسول‬
‫)‪6‬‬
‫)‪(5‬‬
‫أسباب‬
‫المؤرخون‬
‫ذكر‬
‫وقد‬
‫ا‪.‬‬
‫عتيق‬
‫ً‬
‫سمي‬
‫يومئذ‬
‫فمن‬
‫‪.‬‬
‫النار«‬
‫ُ‬
‫قيل‪ :‬إنما سمي عتيقًا لجمال وجهه‪(9()7).‬وقيل‪:‬‬
‫فقد‬
‫اللقب‪،‬‬
‫لهذا‬
‫كثيرة‬
‫قديما في الخير‪ (8).‬وقيل‪ :‬سمي عتيقًا لعتاقة وجهه‪.‬‬
‫ً‬
‫لنه كان‬
‫م أبي بكر كان ل يعيش لها ولد‪ ،‬فلما ولدته استقبلت به‬
‫وقيل‪ :‬إن أ ّ‬
‫الكعبة وقالت‪ :‬اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي‪ (10).‬ول مانع‬
‫للجمع بين بعض هذه القوال؛ فأبو بكر جميل الوجه‪ ،‬حسن النسب‪،‬‬
‫سابقة إلى الخير‪ ،‬وهو عتيق الله من النار بفضل بشارة‬
‫صاحب يد‬
‫)‪(11‬‬
‫النبي × له‪.‬‬

‫ديق‪:‬‬
‫‪ -2‬الص ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)( الصابة لبن حجر‪ (2) .145 ،4/144 :‬سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي‬
‫السيد‪ ،‬ص ‪.27‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬علي الطنطاوي‪ ،‬ص ‪.46‬‬
‫)( الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪ ،15/280 ،‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( رواه الترمذي في المناقب‪ ،‬رقم‪ ،3679 :‬وصححه اللباني في السلسلة‪:‬‬
‫‪.1574‬‬
‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري‪ (7) .1/59 ،‬المعجم الكبير للطبراني‪،‬‬
‫‪.1/52‬‬
‫)‪ (9‬المعجم الكبير‪ ،1/53 :‬والصابة‪:‬‬
‫)( الصابة‪.1/146 ،‬‬
‫‪.1/146‬‬
‫)( الكني والسماء للدولبي‪ ،1/6 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪،‬‬
‫جمال الكومي‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪/‬يسري محمد هاني‪،‬‬
‫ص ‪.36‬‬

‫‪14‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لقبه به النبي ×‪ ،‬ففي حديث أنس ‪ ‬أنه قال‪ :‬إن النبي × صعد‬
‫بهم‪(1‬فقال‪» :‬اثبت أحد‪،‬‬
‫أحدا‪ ،‬وأبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬فرجف‬
‫)‬
‫فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان«‪.‬‬
‫وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ×‪ ،‬وفي هذا تروي أم‬
‫المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬فتقول‪ :‬لما أسري بالنبي × إلى‬
‫المسجد القصى‪ ،‬أصبح يتحدث الناس بذلك‪ ،‬فارتد ناس كانوا آمنوا‬
‫به وصدقوه‪ ،‬وسعى رجال إلى أبي بكر‪ ،‬فقالوا‪ :‬هل لك إلى‬
‫صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال‪ :‬وقد قال‬
‫ذلك؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬لئن قال ذلك فقد صدق‪ .‬قالوا‪ :‬أو تصدقه أنه‬
‫ذهب الليلة إلى بيت المقدس‪ ،‬وجاء قبل أن يصبح؟!! قال‪ :‬نعم‪ ،‬إني‬
‫لصدقه فيما هو أبعد من ذلك‪ ،‬أصدقه)‪(2‬بخبر السماء في غدوة أو‬
‫روحة‪ ،‬فلذلك سمي أبو بكر‪ :‬الصديق‪.‬‬
‫بالصديق‪(3‬لنه بادر إلى تصديق الرسول‬
‫وقد أجمعت المة على تسميته‬
‫أبدا‪).‬فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه‬
‫ولزمه الصدق فلم تقع منه هناة ً‬
‫‪×،‬‬
‫الشعراء‪ ،‬قال أبو محجن الثقفي‪:‬‬
‫سواك يسمى باسمه غير‬
‫سميت صديقا وكل مهاجر‬
‫و ُ‬
‫منكر‬
‫)‪(4‬‬
‫المشهر‬
‫سبقت إلى السلم والله‬
‫شاهد‬
‫وأنشد الصمعي)‪ (5‬فقال‪:‬‬
‫وأعلم أن ذاك من الصواب‬
‫ولكني أحب بكل قلبي‬
‫دا حسن الثواب‬
‫به أرجو غ ً‬

‫رسولَ الله والصديقَ حّبا‬

‫)‪(6‬‬

‫‪ -3‬الصاحب‪:‬‬

‫ف َ‬
‫صُروهُ َ‬
‫د‬
‫لقبه به الله َ‪-‬عز‬
‫ق ْ‬
‫وجل‪ -‬في القرآن الكريم‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ثا‬
‫روا‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ه إ ِذْ أ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ َ ُ‬
‫صَرهُ الل ُ‬
‫نَ ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ ِ‬
‫ف ِأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫نا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ح‬
‫صا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ر‬
‫غا‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال َ ِ ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ها‬
‫و‬
‫ر‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫د‬
‫نو‬
‫ج‬
‫ب‬
‫ه‬
‫د‬
‫ي‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫ُ ِ‬
‫ْ َ ْ ْ ْ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫كَ َ‬
‫زيٌز‬
‫ع‬
‫ه‬
‫والل‬
‫يا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫و‬
‫لى‬
‫ف‬
‫س‬
‫ال‬
‫روا‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫م"]التوبة‪.[40:‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫)‪(7‬‬
‫وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو بكر ‪‬‬
‫فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال‪ :‬قلت للنبي × وهو في الغار‪ :‬لو أن‬
‫أحدهم نظر إلى قدميه لبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي ×‪» :‬يا أبا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬باب فضل أبي بكر‪.5/11 ،‬‬
‫أخرجه الحاكم‪ ،63 ،3/62 ،‬وصححه وأقره الذهبي‪.‬‬
‫)‪ (6‬أسد الغابة‪.3/310 ،‬‬
‫الطبقات الكبرى‪.2/172 ،‬‬
‫هو عبد الملك بن قريب الباهلي‪ ،‬رواية العرب ونابغة الدنيا في الحفظ‪.‬‬
‫أبو بكر الصديق للطنطاوي‪ (2) .49 ،‬تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء‪ ،‬يسري‬

‫محمد هاني‪.39 ،‬‬

‫‪15‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬

‫بكر‪ ،‬ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟«‪.‬‬
‫ف َ‬
‫صُروهُ َ‬
‫ه‬
‫قال َالحافظ‬
‫صَر ُ‬
‫قد ْ ْ ن َ َ‬
‫ابن حجر ‪-‬رحمه الله‪+ :-‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر إ ِذْ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ثا‬
‫روا‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫في ال َ‬
‫ه إ ِذْ أ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ن إ ِذْ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫خَر َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ج ُ‬
‫الل ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫غا ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫عَنا" ]التوبة‪ [40 :‬فإن المراد‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ح‬
‫صا‬
‫ل لِ َ ِ ِ ِ‬
‫َ ْ َ ْ ِ)‪ّ(2‬‬
‫َ َ َ‬
‫كونه‪ (3‬كان معه في‬
‫في‬
‫والحاديث‬
‫‪،‬‬
‫منازع‬
‫بل‬
‫بكر‬
‫أبو‬
‫هنا‬
‫بصاحبه‬
‫)‬
‫الغار كثيرة شهيرة‪ ،‬ولم يشركه في المنقبة غيره‪.‬‬
‫‪ -4‬التقى‪:‬‬
‫لقبه به الله ‪-‬عز وجل‪ -‬في القرآن الكريم في قوله تعالى‪:‬‬
‫ها الت ْ َ‬
‫قى" ]الليل‪ ، [17 :‬وسيأتي بيان ذلك في حديثنا‬
‫سي ُ َ‬
‫جن ّب ُ َ‬
‫و َ‬
‫‪َ +‬‬
‫عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبو بكر ‪.‬‬
‫‪ -5‬الواه‪:‬‬
‫لقب أبو بكر بالواه‪ ،‬وهو لقب يدل على الخوف والوجل‬
‫والخشية من الله تعالى‪ ،‬فعن إبراهيم النخعي قال‪ :‬كان أبو بكر‬
‫)‪(4‬‬
‫يسمى بالواه لرأفته ورحمته‪.‬‬
‫قّية‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مولده وصفته ال ْ َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل‪ ،‬وإنما اختلفوا في‬
‫المدة التي كانت بعد عام الفيل‪ ،‬فبعضهم قال بثلث سنين‪ ،‬وبعضهم‬
‫ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر‪ ،‬وآخرون قالوا‬
‫)‪(5‬‬
‫بسنتين وأشهر‪ ،‬ولم يحددوا عدد الشهر‪.‬‬
‫وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز‬
‫في قومهما‪ ،‬مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس‪ ،‬عزيز المكانة في‬
‫)‪(6‬‬
‫قومه‪.‬‬
‫خْلقية‪ ،‬فقد كان يوصف بالبياض في اللون‪ ،‬والنحافة‬
‫وأما صفته ال َ‬
‫في البدن‪ ،‬وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم‪ :‬دخلت على أبي بكر‪،‬‬
‫فا‪ ،‬خفيف اللحم أبيض‪ (7).‬وقد وصفه أصحاب السير‬
‫وكان رجل نحي ً‬
‫من أفواه الرواة فقالوا‪ :‬إن أبا بكر ‪ ‬اتصف بأنه كان أبيض تخالطه‬
‫فا خفيف العارضين‪ ،‬أجنأ)‪ ،(8‬ل يستمسك‬
‫صفرة‪ ،‬حسن القامة‪ ،‬نحي ً‬
‫)‪(11‬‬
‫إزاره يسترخي عن حقويه)‪ (9‬رقيقا معروق الوجه)‪ ،(10‬غائر العينين ‪،‬‬
‫أقنى)‪ ،(12‬حمش الساقين)‪ ،(13‬ممحوص الفخذين)‪ ،(14‬كان ناتئ الجبهة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪11‬‬
‫‪12‬‬

‫‪13‬‬
‫‪14‬‬

‫)‪ (4‬الصابة في تمييز الصحابة‪،‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3653 :‬‬
‫‪.4/148‬‬
‫)‪ (6‬الطبقات الكبرى‪.3/171 ،‬‬
‫)( المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪ .29‬تاريخ الخلفاء‪ ،‬ص ‪.56‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد‪ ،3/188 ،‬إسناده صحيح‪ (4) .‬الجنأ‪ :‬ميل في الظهر‪.‬‬
‫)‪ (6‬المعروق‪ :‬هو قليل‬
‫)( حقويه‪ :‬الحقو هو معقد الزار‪ ،‬يعني الخصر‪.‬‬
‫اللحم‪.‬‬
‫)‪ (7‬غائر العينين‪ :‬دخلت في الرأس‪ (8) .‬أقنى واستقنى‪ :‬حفظ حياءه ولزمه‪.‬‬
‫)( حمش الساقين‪ :‬دقيق الساقين‪.‬‬
‫)( الممحوص‪ :‬هو الشديد الخلق في الفخذين‪ ،‬مع قلة اللحم بهما‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(2‬‬

‫عاري الشاجع)‪ ،(1‬ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬أسرته‪.‬‬
‫أما والده فهو عثمان بن عامر بن عمرو‪ ،‬يكنى بأبي قحافة‪،‬‬
‫أسلم يوم الفتح‪ ،‬وأقبل به الصديق على رسول الله × فقال‪» :‬يا‬
‫هو‪(3‬أولى أن يأتيك‬
‫أبا بكر‪ ،‬هل تركته حتى نأتيه«‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫وبايع‪(4‬رسول الله × ) ‪ ،‬ويروى أن‬
‫يا رسول الله‪ .‬فأسلم أبو قحافة‬
‫)‬
‫غيروا‬
‫»‬
‫بكر‪:‬‬
‫لبي‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫أبيه‬
‫بإسلم‬
‫رسول الله × هنأ أبا بكر‬
‫)‪(5‬‬
‫هذا من شعره«‪ ،‬فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة‪.‬‬
‫وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنه النبي × في توقير كبار‬
‫ذلك( قوله ×‪» :‬ليس منا من لم يوقر‬
‫السن واحترامهم‪ ،‬ويؤكد‬
‫)‪6‬‬
‫كبيرنا ويرحم صغيرنا«‪.‬‬
‫وأما والدة الصديق‪ :‬فهي سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب‬
‫بن سعد بن تيم‪ ،‬وكنيتها أم الخير‪ ،‬أسلمت مبكرًا‪ ،‬وسيأتي تفصيل‬
‫)‪(7‬‬
‫ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي × على الظهور بمكة‪.‬‬
‫وأما زوجاته‪ :‬فقد تزوج ‪ ‬من أربع نسوة‪ ،‬أنجبن له ثلثة ذكور‬
‫وثلث إناث‪ ،‬وهن على التوالي‪:‬‬
‫‪ -1‬قتيلة بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن مالك‪:‬‬
‫اختلف في إسلمها )‪ ،(8‬وهي والدة عبد الله وأسماء‪ ،‬وكان أبو‬
‫بكر طلقها في الجاهلية وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن إلى ابنتها‬
‫أسماء بنت أبي بكر بالمدينة‪ ،‬فأبت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها‪،‬‬
‫فأرسلت إلى عائشة تسأل النبي × فقال النبي ×‪» :‬لتدخلها‪،‬‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ولتقبل هديتها«‪ ،‬وأنزل الله ‪-‬عز وجل‪+ :-‬ل َ ي َن ْ َ‬
‫م الل ُ‬
‫هاك ُ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م يُ َ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫يا‬
‫د‬
‫من‬
‫كم‬
‫جو‬
‫م يُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ا َل ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫في ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ِ َ ِ ْ‬
‫ْ ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن َ‬
‫خ ِ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن"‬
‫طي‬
‫س‬
‫ق‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ي‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫طوا‬
‫س‬
‫ق‬
‫ت‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫رو‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ ْ ِ ْ ِ ّ‬
‫َ ُ ّ‬
‫ِ ِ َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫أن َ ّ‬
‫]الممتحنة‪ ،[8 :‬أي‪ :‬ل يمنعكم الله من البر والحسان وفعل الخير إلى‬
‫الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء الضعيفة‬
‫منهم؛ كصلة الرحم‪ ،‬ونفع الجار‪ ،‬والضيافة‪ ،‬ولم يخرجوكم من‬
‫دياركم‪ ،‬ول يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم؛ بأداء ما‬
‫لهم من الحق؛ كالوفاء لهم بالوعود‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وإيفاء أثمان‬
‫إن‪(9‬الله يحب العادلين ويرضى‬
‫المشتريات كاملة غير منقوصة‪.‬‬
‫)‬
‫عنهم‪ ،‬ويمقت الظالمين ويعاقبهم‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( الشاجع‪ :‬هو مفاصل الصابع‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬رقم‪ ،5895 :‬ومسلم‪ .2341 :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬مجدي السيد‪ ،‬ص‬
‫‪.32‬‬
‫)‪(14‬السيرة النبوية في ضوء المصادر‬
‫)( الصابة‪.4/375 ،‬‬
‫الصلية‪ ،‬ص ‪.577‬‬
‫)( الصابة‪ ،4/375 :‬الثغامة‪ :‬نبات يشبه به الشيب‪.‬‬
‫)‪ (1‬الترمذي‪ ،‬كتاب البر‪ ،‬باب ‪.15‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬
‫)‪ (3‬الطبقات لبن سعد‪.8/249 ،3/169 ،‬‬
‫)( تفسير المنير للزحيلي‪.28/135 ،‬‬

‫‪17‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -2‬أم رومان بنت عامر بن عويمر‪:‬‬
‫من بني كنانة بن خزيمة‪ ،‬مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة‬
‫بمكة‪ ،‬فتزوجها أبو بكر‪ ،‬وأسلمت قديمًا‪ ،‬وبايعت‪ ،‬وهاجرت إلى‬
‫المدينة‪ ،‬وهي والدة عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم‪ ،‬وتوفيت‬
‫)‪(1‬‬
‫في عهد النبي × بالمدينة سنة ست من الهجرة‪.‬‬

‫ميـس بن معبد بن الحارث‪:‬‬
‫‪ -3‬أسماء بنت ع ُ َ‬

‫أم عبد الله‪ ،‬من المهاجرات الوائل‪ ،‬أسلمت قديمً ا قبل‬
‫دخول دار الرقم‪ ،‬وبايعت الرسول × ‪ ،‬وهاجر بها زوجها جعفر‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬ثم هاجرت معه إلى المدينة‬
‫بن أبي طالب ‪‬‬
‫فاستشهد يوم مؤتة‪ ،‬وتزوجها الصديق فولدت له محمدا‪ .‬روى‬
‫عنها من الصحابة‪ :‬عمر‪ ،‬وأبو موسى‪ ،‬وعبد الله بن عباس‪،‬‬
‫وهو ابن اختها أم الفضل امرأة العباس‪ .‬وأمها هند بنت عوف‬
‫أصهار ا؛ فمن أصهارها‪ :‬رسول‬
‫ً‬
‫ابن زهير وكانت أكرم الناس‬
‫)‪(2‬‬
‫الله وحمزة والعباس وغيرهم‬

‫‪ -4‬حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير‪:‬‬
‫النصارية‪ ،‬الخزرجية وهي التي ولدت لبي بكر أم كلثوم بعد‬
‫)‪(3‬‬
‫وفاته‪ ،‬وقد أقام عندها الصديق بالسنح‪.‬‬
‫وأما أولد أبي بكر ‪ ‬فهم‪:‬‬

‫‪ -1‬عبد الرحمن بن أبي بكر‪:‬‬
‫أسن ولد أبي بكر‪ ،‬أسلم يوم الحديبية‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬وصحب‬
‫رسول الله × وقد اشتهر بالشجاعة‪ ،‬وله مواقف محمودة ومشهودة‬
‫)‪(4‬‬
‫بعد إسلمه‪.‬‬

‫‪ -2‬عبد الله بن أبي بكر‪:‬‬
‫صاحب الدور العظيم في الهجرة‪ ،‬فقد كان يبقى في النهار بين أهل‬
‫مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل إلى الغار لينقل هذه الخبار‬
‫بسهم‬
‫وأبيه‪ ،‬فإذا جاء الصبح عاد إلى مكة‪ .‬وقد أصيب‬
‫لرسول الله ×‬
‫)‪(5‬‬
‫يوم الطائف‪ ،‬فماطله حتى مات شهيدا بالمدينة في خلفة الصديق‪.‬‬

‫‪ -3‬محمد بن أبي بكر‪:‬‬
‫أمه أسماء بنت عميس‪ ،‬ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان‬
‫قريش‪ ،‬عاش في حجر علي بن أبي طالب‪ ،‬ووله مصر وبها قتل‪.‬‬

‫‪ -4‬أسماء بنت أبي بكر‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (2‬سير أعلم النبلء‪.2/282 ،‬‬
‫)‪ (1‬الصابة‪.8/391 ،‬‬
‫)( منازل بني الحارث بن الخزوج في عوالي المدينة‪ (4) .‬البداية والنهاية‪:‬‬
‫‪.6/346‬‬
‫)( نسب قريش‪ ،‬ص ‪.275‬‬
‫)( نسب قريش‪ :‬ص ‪ ،277‬الستيعاب‪ (2) .3/1366 :‬سير أعلم النبلء‪:‬‬
‫‪.2/287‬‬

‫‪18‬‬

‫)‪(6‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ذات النطاقين‪ ،‬أسن من عائشة‪ ،‬سماها رسول الله × ذات‬
‫النطاقين لنها صنعت لرسول الله × ولبيها سفرة لما هاجرا فلم‬
‫تجد ما تشدها به‪ ،‬فشقت نطاقها وشدت به السفرة‪ ،‬فسماها النبي‬
‫× بذلك‪ .‬وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت إلى المدينة وهي‬
‫حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة‪ ،‬فكان أول مولود في‬
‫السلم بعد الهجرة‪ ،‬بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء‪ ،‬ولم‬
‫ن‪ُ .‬روي لها عن الرسول × ستة وخمسون حديثا‪ ،‬روى‬
‫يسقط لها ِ‬
‫س ّ‬
‫بن‪(1‬أبي‬
‫الله‬
‫وعبد‬
‫وعروة‪،‬‬
‫الله‬
‫عبد‬
‫وأبناؤها‬
‫عباس‪،‬‬
‫بن‬
‫الله‬
‫عنها عبد‬
‫مليكة وغيرهم‪ ،‬وكانت جوادة منفقة‪ ،‬توفيت بمكة سنة ‪ 73‬هـ ) ‪.‬‬
‫ُ‬

‫‪ -5‬عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها‪:‬‬

‫الصديقة بنت الصديق‪ ،‬تزوجها رسول الله × وهي بنت ست‬
‫ستين‪ ،‬ودخل بها وهي بنت تسع سنين‪ ،‬وأعرس بها في شوال‪ ،‬وهي‬
‫كناها‪(2‬رسول الله × أم عبد الله‪ ،‬وكان حبه لها مثالً‬
‫أعلم النساء‪،‬‬
‫للزوجية الصالحة ) ‪.‬‬
‫كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين‬
‫عائشة يقول‪ :‬حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة رسول‬
‫الله ×‪ ،‬ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث )‪ ،(2210‬اتفق‬
‫حديثا‪ ،‬وانفرد البخاري‬
‫البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين‬
‫)‪(3‬‬
‫وعاشت ثلثًا‬
‫‪،‬‬
‫وستين‬
‫بأربعة وخمسين‪ ،‬وانفرد مسلم بتسعة‬
‫وستين سنة وأشهرًا‪ ،‬وتوفيت سنة ‪ 57‬هـ‪ ،‬ول ذرية لها )‪.(4‬‬
‫‪ -6‬أم كلثوم بنت أبي بكر‪:‬‬
‫أمها حبيبة بنت خارجة‪ ،‬قال أبو بكر لم المؤمنين عائشة حين‬
‫حضرته الوفاة‪ :‬إنما هما أخواك وأختاك‪ ،‬فقالت‪ :‬هذه أسماء قد‬
‫خارجة‪ ،‬قد ألقى في خلدي‬
‫عرفتها‪ ،‬فمن الخرى؟ قال‪ :‬ذو بطن بنت‬
‫أنها جارية‪ ،‬فكانت كما قال‪ :‬وولدت بعد موته‪ (5).‬تزوجها طلحة بن‬
‫عبيد الله وقتل عنها)‪(6‬يوم الجمل‪ ،‬وحجت بها عائشة في عدتها‬
‫فأخرجتها إلى مكة ‪.‬‬
‫هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالسلم‪ ،‬وقد‬
‫اختص بهذا الفضل أبو بكر ‪ ‬من بين الصحابة‪ ،‬وقد قال العلماء‪ :‬ل‬
‫يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله × إل آل‬
‫أبي بكر الصديق‪ ،‬وهم‪ :‬عبد الله بن الزبير‪ ،‬أمه أسماء بنت أبي بكر‬
‫وأيضا محمد بن عبد‬
‫بن أبي قحافة‪ ،‬فهؤلء الربعة صحابة متناسلون‪،‬‬
‫الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم )‪.(7‬‬
‫وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولده‪ ،‬وأدركوا النبي ×‬
‫وأدركه أيضا بنو أولده إل أبو بكر من جهة الرجال والنساء ‪-‬وقد‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)‪ (4‬سير أعلم النبلء‪:‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.34‬‬
‫‪.145 ،2/139‬‬
‫)( طبقات ابن سعد‪ ،58/58 :‬المنذر‪.4/5 :‬‬
‫)( الطبقات‪.2/195 :‬‬
‫)( نسب قريش‪ :‬ص ‪ ،278‬الصابة‪ ،8/466 :‬تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬ص ‪.35‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد رشيد رضا‪ :‬ص ‪.7‬‬

‫‪19‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بينت ذلك‪ -‬فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه‪ ،‬فهذا بيت الصديق‪ ،‬فأهله‬
‫أهل إيمان‪ ،‬ليس فيهم منافق ول يعرف في الصحابة مثل هذه لغير‬
‫بيت أبي بكر رضي الله عنهم‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬لليمان بيوت وللنفاق بيوت‪ ،‬فبيت أبي بكر من بيوت‬
‫من المهاجرين‪ ،‬وبيت بني النجار من بيوت اليمان من‬
‫اليمان‬
‫)‪(1‬‬
‫النصار‪.‬‬

‫خُلقي للصديق في المجتمع الجاهلي‪:‬‬
‫رابًعا‪ :‬الرصيد ال ْ ُ‬
‫كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم‬
‫وأحد رؤسائهم‪ ،‬وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور‬
‫السلم إلى عشرة رهط من عشرة أبطن؛ فالعباس ابن عبد‬
‫لمطلب من بني هاشم‪ ،‬وكان يسقي الحجيج في الجاهلية‪ ،‬وبقي له‬
‫ذلك في السلم‪ ،‬وأبو سفيان بن حرب من بني أمية‪ ،‬وكان عنده‬
‫العقاب )راية قريش(‪ ،‬فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو‬
‫وقدموه‪ ،‬والحارث بن عامر من بني نوفل‪ ،‬وكانت إليه الرفادة‪ ،‬وهي‬
‫ما تدخره قريش من أموالها‪ ،‬وترصد به منقطع السبيل‪ ,‬وعثمان بن‬
‫طلحة بن زمعة بن السود من بني أسد‪ ،‬وكانت إليه المشورة‪ ،‬فل‬
‫ُيجمع على أمر حتى يعرضوه عليه‪ ،‬فإن وافق ولهم عليه‪ ،‬وإل تخير‬
‫وكانوا له أعوانا‪ .‬وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الشناق‪،‬‬
‫وهي الديات والمغارم‪ ،‬فكان إذا حمل شيئا فسأل فيه قريشا‬
‫صدقوه‪ ،‬وأمضوا حمالة من نهض معه‪ ،‬وإن احتملها غيره خذلوه‪,‬‬
‫وخالد بن الوليد من بني مخزوم‪ ،‬وكانت إليه القبة والعنة‪ ،‬وأما‬
‫القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش‪،‬‬
‫وأما العنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب‪ ,‬وعمر بن‬
‫الخطاب من بني عدي‪ ،‬وكانت إليه السفارة في الجاهلية‪ ,‬وصفوان‬
‫والحارث بن قيس من‬
‫بن أمية من بني جمح‪ ،‬وكانت إليه الزلم‪،‬‬
‫بني سهم‪ ،‬وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم )‪.(2‬‬
‫لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفًا من أشراف‬
‫خيارهم‪ ،‬ويستعينون به فيما نابهم‪ ،‬وكانت له بمكة‬
‫قريش‪ ،‬وكان من‬
‫ضيافات ل يفعلها أحد )‪.(3‬‬
‫وقد اشتهر بعدة أمور‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العلم بالنساب‪ :‬فهو عالم من علماء النساب وأخبار‬
‫العرب‪ ،‬وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين‬
‫العرب‬
‫كعقيل بن أبي طالب وغيره‪ ،‬وكانت له مزية حببته إلى قلوب‬
‫وهي‪ :‬أنه لم يكن يعيب النساب‪ ،‬ول يذكر المثالب بخلف غيره)‪،(4‬‬
‫كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها‪ ،‬وبما فيها من خير‬
‫فقد‬
‫وشر‪ (5).‬وفي هذا تروي عائشة –رضي الله عنها‪ -‬أن رسول الله ×‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،1/280 :‬لمحمد مال الله‪ ،‬مستخرج من منهاج السنة لبن‬
‫تيمية‪.‬‬
‫)( أشهر مشاهير السلم‪.1/10 ،‬‬
‫)( نهاية الرب‪ ،19/10 :‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ ،‬يسري محمد‪ :‬ص ‪.42‬‬
‫)‪ (4‬الصابة‪.4/146 :‬‬
‫)( التهذيب‪.2/183 :‬‬

‫‪20‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫قال‪» :‬إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها« )‪.(1‬‬
‫بصرى من أرض الشام‬
‫را‪ ،‬ودخل ُ‬
‫‪ -2‬تجارته‪:‬كان في الجاهلية تاج ً‬
‫أربعين( ألف درهم‪ ،‬وكان‬
‫ماله‬
‫للتجارة‪ ،‬وارتحل بين البلدان‪ ،‬وكان رأس‬
‫عرف به في الجاهلية )‪. 2‬‬
‫ينفق من ماله بسخاء وكرم ُ‬
‫‪ -3‬موضع اللفة بين قومه وميل القلوب إليه‪ :‬فقد ذكر‬
‫ابن إسحاق في »السيرة« أنهم كانوا يحبونه ويألفونه‪ ،‬ويعترفون‬
‫له بالفضل العظيم والخلق الكريم‪ ،‬وكانوا يأتونه ويألفونه لغير‬
‫واحد من المر‪ :‬لعلمه وتجارته وحسن مجالسته‪ (3).‬وقد قال له‬
‫العشيرة‪ ،‬وتعين على‬
‫ابن الدغنة حين لقيه مهاجرا‪ :‬إنك لتزين‬
‫النوائب‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتفعل المعروف‪ (4).‬وقد علق ابن‬
‫حجر على قول ابن الدغنة فقال‪ :‬ومن أعظم مناقبه أن ابن‬
‫الدغنة سيد القارة لما ر ّ د عليه جواره بمكة وصفه بنظير ما‬
‫ي × لما بعث‪ ،‬فتوارد فيها نعت واحد من‬
‫وصفت به خديج ُة النب ّ‬
‫غاية في مدحه؛ لن صفات النبي‬
‫وهذه‬
‫ذلك‪،‬‬
‫غير أن يتواطأ على‬
‫× منذ نشأ كانت أكمل الصفات )‪.(5‬‬
‫‪4‬لم يشرب الخمر في الجاهلية‪:‬فقد كان أعف الناس في‬‫)‪(6‬‬
‫حتى إنه حرم على نفسه الخمر قبل السلم‪ ،‬فقد قالت‬
‫الجاهلية‬
‫‪،‬‬
‫السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬حرم أبو بكر الخمر على نفسه‪ ،‬فلم‬
‫يشربها في جاهلية ول في إسلم‪ ،‬وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده‬
‫في العذرة‪ ،‬ويدنيها من فيه‪ ،‬فإذا وجد ريحها صرفها عنه‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫إن هذا ل يدري ما يصنع‪ ،‬وهو يجد ريحها فحماها‪(7).‬وفي رواية لعائشة‪:‬‬
‫)‪(8‬‬
‫ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية‪.‬‬
‫وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟‬
‫م؟ قال‪ :‬كنت أصون عرضي‪ ،‬وأحفظ‬
‫بقوله‪ :‬أعوذ بالله‪ ،‬فقيل‪ :‬ول ِ َ‬
‫مروءتي‪ ،‬فإن من شرب الخمر كان مضيًعا لعرضه ومروءته )‪.(9‬‬
‫‪ -5‬ولم يسجد لصنم‪ :‬ولم يسجد الصديق ‪ ‬لصنم قط‪ ،‬قال‬
‫أبو بكر ‪ ‬في مجمع من أصحاب رسول الله ×‪ :‬ما سجدت لصنم‬
‫قط‪ ،‬وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي‬
‫إلى مخدع فيه الصنام‪ ،‬فقال لي‪ :‬هذه آلهتك الشم العوالي‪ ،‬وخلني‬
‫وذهب‪ ،‬فدنوت من الصنم وقلت‪ :‬إني جائع فأطعمني فلم ُيجبني‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬إني عارٍ فاكسني فلم يجبني‪ ،‬فألقيت عليه صخرة فخّر‬
‫لوجهه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫)( مسلم رقم‪ ،2490 :‬الطبراني في الكبير رقم‪.3582 :‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬على الطنطاوي‪ :‬ص ‪ ,66‬التاريخ السلمي‪ ،‬الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬محمود شاكر‪ :‬ص ‪.30‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.1/371 ،‬‬
‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬رقم‪.3905 :‬‬
‫)‪ (3‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.48 :‬‬
‫)( الصابة‪.4/174 :‬‬
‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي‪ :‬ص ‪ (6) ,(5) .34‬تاريخ الخلفاء‬
‫للسيوطي‪ :‬ص ‪.49‬‬
‫)( تاريخ الخلفاءـ للسيوطي‪:‬ـ ص ‪.49‬‬

‫‪21‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير وفطرته السليمة على‬
‫الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال‬
‫الجاهليين وأخلقهم التي تجانب الفطرة السليمة‪ ،‬وتتنافى مع العقل‬
‫الراجح والرجولة الصادقة‪ (1).‬فل عجب على من كانت هذه أخلقه أن‬
‫ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة‪ ،‬ويكون بعد إسلمه‬
‫أفضل رجل بعد رسول الله ×‪ ،‬فقد قال ×‪» :‬خياركم في‬
‫)‪(2‬‬
‫الجاهلية خياركم في السلم إذا فقهوا«‪.‬‬
‫وقد علق الستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال‪:‬‬
‫اللهم إن امرأ نشأ بين الوثان حيث ل دين زاجر‪ ،‬ول شرع للنفوس قائد‪،‬‬
‫وهذا مكانه من الفضيلة‪ ،‬واستمساكه بعرى العفة والمروءة‪ ...‬لجدير بأن‬
‫يتلقى السلم بملء الفؤاد‪ ،‬ويكون أول مؤمن بهادي العباد‪ ،‬مبادر‬
‫بإسلمه لرغام أنوف أهل الكبير والعناد‪ ،‬ممهد سبيل الهتداء بدين الله‬
‫الرذائل من نفوس المهتدين بهديه‪،‬‬
‫القويم‪ ،‬الذي يجتث أصول‬
‫المستمسكين بمتين سببه )‪.(3‬‬
‫لله در الصديق ‪ ،‬فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم‬
‫الرفيعة‪ ،‬والخلق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي‬
‫قبل السلم‪ ،‬وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم‬
‫الخلق والقيم والمثل‪ ،‬ولم ُيعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب‬
‫ول نقصه‬
‫ول استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين‪ ،‬ولم يكن له عندهم‬
‫عيب إل اليمان‬
‫بالله ورسوله )‪.(4‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري‪1/58 :‬؛ الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمود شاكر‪:‬‬
‫ص ‪.31‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪ (2) .43‬أشهر مشاهير‬
‫السلم‪.1/12 :‬‬
‫)( منهاج السنة لبن تيمية‪ ،289 ،4/288 :‬ونقل عن كتاب )أبو بكر الصديق‬
‫أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة(‪ ،‬لمحمد عبد الرحمن قاسم‪ :‬ص ‪.19 ،18‬‬

‫‪22‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثاني‬

‫إسلمه ودعوته وابتلؤه وهجرته الولى‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫كان إسلم أبي بكر ‪ ‬وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن‬
‫الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها‪ ،‬ويتفق‬
‫مع العقول الراجحة والبصائر النافذة‪ ،‬فقد كان بحكم عمله التجاري‬
‫كثير السفار‪ ،‬قطع الفيافي والصحاري‪ ،‬والمدن والقرى في الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وتنقل من شمالها إلى جنوبها‪ ،‬ومن شرقها إلى غربها‪،‬‬
‫وثيقا بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية‪،‬‬
‫ً‬
‫واتصل اتصالً‬
‫لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد‪ ،‬راية‬
‫النصات‬
‫وكان كثير‬
‫البحث عن الدين القويم)‪ ،(1‬فقد حدث عن نفسه فقال‪ :‬كنت جالسًا‬
‫بفناء الكعبة‪ ،‬وكان زيد بن عمرو بن ُنفيل قاعدا‪ ،‬فمر ابن أبي‬
‫الصلت‪ ،‬فقال‪ :‬كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال‪ :‬بخير‪ ،‬قال‪ :‬وهل‬
‫وجدت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫ما مضى في الحنيفية بور‬
‫كل دين يوم القيامة إل‬
‫أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم‪ ،‬قال‪ :‬ولم أكن سمعت‬
‫قبل ذلك بنبي ُينتظر ويبعث‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت أريد ورقة بن نوفل‬
‫وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر‪ -‬فاستوقفته‪ ،‬ثم‬‫قصصت عليه الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬نعم يا ابن أخي‪ ،‬إنا أهل الكتب‬
‫والعلوم‪ ،‬أل إن هذا النبي الذي ُينتظر من أوسط العرب نسبًا ‪-‬ولي‬
‫علم بالنسب‪ -‬وقومك أوسط العرب نسبًا‪ ،‬قلت‪ :‬يا عم وما يقول‬
‫يظلم‪ ،‬ول ُيظلم ول ُيظالم‪،‬‬
‫النبي؟ قال‪ :‬يقول ما قيل له؟ إل أنه ل‬
‫فلما ُبعث رسول الله × آمنت به وصدقته )‪ ،(3‬وكان يسمع ما يقوله‬
‫أمية بن أبي الصلت‪ ،‬في مثل قوله‪:‬‬
‫ما بعد غايتنا من رأس‬
‫أل نبي لنا منا فيخبرنا‬
‫مجرانا‬
‫والرافعون لدين الله أركانا‬
‫إني أعوذ بمن حج الحجيج له‬
‫لقد عايش أبو بكر هذه الفترة ببصيرة نافذة‪ ،‬وعقل نير‪ ،‬وفكر‬
‫متألق‪ ،‬وذهن وقاد‪ ،‬وذكاء حاد‪ ،‬وتأمل رزين مل عليه أقطار نفسه‪،‬‬
‫ولذلك حفظ الكثير من هذه الشعار‪ ،‬ومن تلك الخبار‪ :‬فعندما سأل‬
‫ما ‪-‬وفيهم أبو بكر الصديق‪ -‬قائل‪» :‬من‬
‫الرسول الكريم × أصحابه يو ً‬
‫منكم يحفظ كلم قس بن ساعدة في سوق عكاظ؟«‪،‬‬
‫فسكت الصحابة‪ ،‬ونطق الصديق قائل‪ :‬إني أحفظها يا رسول الله‪,‬‬
‫كنت حاضًرا يومها في سوق عكاظ‪ ،‬ومن فوق جمله الورق وقف‬
‫قس يقول‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اسمعوا وعوا‪ ،‬وإذا وعيتم فانتفعوا‪ ،‬إن من‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬د‪ :‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.6‬‬
‫)(‪ (3) ,‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.52‬‬

‫‪23‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عاش مات‪ ،‬ومن مات فات‪ ،‬وكل ما هو آت آت‪ .‬إن في السماء‬
‫لخبًرا‪ ،‬وإن في الرض لعِب ًَرا‪ ،‬مهاد موضوع‪ ،‬وسقف مرفوع‪ ،‬ونجوم‬
‫تمور‪ ،‬وبحار لن تغور‪ ،‬ليل داج‪ ،‬وسمات ذات أبراج!!‬
‫ُيقسم قس‪ :‬إن لله ديًنا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه‪.‬‬
‫ما لي أرى الناس يذهبون ول يرجعون‪ ،‬أرضوا بالمقام فأقاموا‪ ،‬أم‬
‫تركوا فناموا‪ ،‬ثم أنشد قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫من القرون لنا بصائره‬
‫في الذاهبين الولين‬
‫لما رأيت مواردًا‬

‫للموت ليس لها مصادره‬

‫ورأيت قومي نحوها‬

‫يسعى الكابر والصاغره‬

‫أيقنت أني ل محا‬

‫لة حيث صار القوم صائره‬

‫)‪(1‬‬

‫وبهذا الترتيب الممتاز‪ ،‬وبهذه الذاكرة الحديدية‪ ،‬وهي ذاكرة‬
‫المعاني‪ ،‬يقص الصديق ما قاله قس بن ساعدة على‬
‫استوعبت هذه‬
‫رسول الله وأصحابه )‪.(2‬‬
‫وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بحيرا الراهب )‪،(3‬‬
‫فقال له‪ :‬من أين أنت؟ قال‪ :‬من مكة‪ ،‬قال‪ :‬من أيها؟ قال‪ :‬من‬
‫قريش‪ ،‬قال‪ :‬فأي شيء أنت؟ قال‪ :‬تاجر‪ ،‬قال‪ :‬إن صدق الله رؤياك‪،‬‬
‫وزيره في حياته‪ ،‬وخليفته بعد‬
‫فإنه يبعث بنبي من قومك‪ ،‬تكون‬
‫موته‪ ،‬فأسر ذلك أبو بكر في نفسه )‪.(4‬‬
‫لقد كان إسلم الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار‪ ،‬وقد ساعده‬
‫على تلبية دعوة السلم معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي × في‬
‫الجاهلية‪ ،‬فعندما نزل الوحي على النبي ×وأخذ يدعو الفراد إلى الله‪،‬‬
‫‪ ‬فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة‬
‫وقع أول اختياره على الصديق ؛‬
‫بدماثة خلقه‪ ،‬وكريم سجاياه‪ ،‬كما يعرف أبو بكر النبي × بصدقه‪،‬‬
‫وأخلقه التي تمنعه من الكذب على الناس‪ ،‬فكيف يكذب على‬
‫وأمانته‬
‫)‪(5‬‬
‫الله؟‪.‬‬
‫فعندما فاتحه رسول الله × بدعوة الله وقال له‪...» :‬إني‬
‫رسول الله ونبيه‪ ،‬بعثني لبلغ رسالته‪ ،‬وأدعوك إلى الله‬
‫وحده‬
‫بالحق‪ ،‬فوالله إنه للحق‪ ،‬أدعوك يا أبا بكر إلى الله‬
‫ل شريك له‪ ،‬ول تعبد غيره‪ ،‬والموالة على طاعته«)‪.(6‬‬
‫فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر‪ ،‬وعاهد رسول الله‬
‫على نصرته‪ ،‬فقام بما تعهد‪ ،‬ولهذا قال رسول الله × في حقه‪» :‬إن‬
‫الله بعثني إليكم فقلتم‪ :‬كذبت وقال أبو بكر‪ :‬صدق‪،‬‬
‫وواساني بنفسه وماله‪ ،‬فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟«‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.9‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬ص ‪.8‬‬
‫)(‪ (4) ,‬الخلفاء الراشدون‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.34‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.44‬‬
‫)( البداية والنهاية‪ ،3/31 :‬ط‪ :‬دار المعرفة بيروت‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مرتين)‪.(1‬‬
‫وبذلك كان الصديق ‪ ‬أول من أسلم من الرجال الحرار‪ ،‬قال‬
‫إبراهيم النخعي‪ ،‬وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر‪:‬‬
‫أول من أسلم أبو بكر‪ ،‬وقال يوسف ابن يعقوب الماجشون‪ :‬أدركت‬
‫أبي ومشيختنا‪ :‬محمد بن المنكدر‪ ،‬وربيعة بن عبد الرحمن‪ ،‬وصالح‬
‫بن كيسان‪ ،‬وسعد بن إبراهيم‪ ،‬وعثمان بن محمد الخنس‪ ،‬وهم ل‬
‫يشكون أن أول القوم إسلما أبو بكر‪ (2).‬وعن ابن عباس ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬قال‪ :‬أول من صلى أبو بكر‪ ،‬ثم تمثل بأبيات حسان‪:‬‬
‫فاذكر أخاك أبا بكر بما فعل‬
‫وا من أخي‬
‫إذا تذكرت شج ً‬
‫ثقة‬
‫إل النبي وأوفاها بما حمل‬
‫خير البرية أتقاها وأعدلها‬
‫الرسل‬

‫الثاني التالي المحمود‬
‫مشهده‬
‫وثاني اثنين في الغار المنيف‬
‫وقد‬
‫وعاش حمدًا لمر الله متبًعا‬

‫)‪(3‬‬

‫طاف العدو به إذ صعد الجبل‬
‫بهدى صاحبه الماضي وما‬
‫انتقل‬

‫)‪(4‬‬

‫وكان حب رسول الله قد‬
‫علموا‬
‫هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلم الصديق‪ ،‬وهل كان ‪ ‬أول‬
‫من أسلم؛ فمنهم من جزم بذلك‪ ،‬ومنهم من جزم بأن علًيا أول من‬
‫أسلم‪ ،‬ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم‪ .‬وقد جمع المام‬
‫ابن كثير ‪-‬رحمه الله‪ -‬بين القوال جمًعا طيًبا فقال‪» :‬والجمع بين‬
‫القوال كلها‪ :‬أن خديجة أول من أسلم من النساء ‪-‬وقيل الرجال‬
‫أيضا‪ -‬وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة‪ ،‬وأول من أسلم من‬
‫الغلمان علي بن أبي طالب‪ ،‬فإنه كان صغيًرا دون البلوغ على‬
‫المشهور وهؤلء كانوا آنذاك أهل بيته ×‪ ،‬وأول من أسلم من الرجال‬
‫الحرار أبو بكر الصديق‪ ،‬وإسلمه كان أنفع من إسلم من تقدم‬
‫ما‪ ،‬وصاحب‬
‫ما‪ ،‬رئي ً‬
‫سا في قريش مكر ً‬
‫ذكرهم؛ إذ كان صدًرا معظ ً‬
‫مال وداعية إلى السلم‪ ،‬وكان محببا متآلفا يبذل المال في طاعة‬
‫الله ورسوله« ثم قال‪ :‬وقد أجاب أبو حنيفة ‪ ‬بالجمع بين هذه‬
‫القوال‪ ،‬فإن أول من أسلم من الرجال الحرار أبو بكر‪ ،‬ومن النساء‬
‫حارثة‪ ،‬ومن الغلمان علي بن أبي‬
‫خديجة‪ ،‬ومن الموالي زيد بن‬
‫طالب‪ ،‬رضي الله عنهم أجمعين )‪.(5‬‬
‫م السرور قلب النبي ×؛ حيث تقول أم‬
‫وبإسلم أبي بكر ع ّ‬
‫المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فلما فرغ من كلمه )أي النبي‬
‫×( أسلم أبو بكر‪ ،‬فانطلق رسول الله × من عنده‪ ،‬وما بين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي رقم‪.3661 :‬‬
‫صفة الصفوة‪1/237 :‬؛ أحمد فضائل الصحابة‪.3/206 :‬‬
‫ديوان حسان بن ثابت تحقيق وليد عرفات‪.1/17 :‬‬
‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.28 ،3/26 :‬‬
‫ديوان حسان‪.1/17 :‬‬

‫‪25‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلم أبي بكر )‪ .(1‬لقد كان أبو بكر‬
‫كنًزا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه‪ ،‬وكان من أحب قريش‬
‫لقريش‪ ،‬فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من‬
‫الموطئين أكنافا‪ ،‬من الذين يألفون ويؤلفون‪ ،‬والخلق السمح وحده‬
‫عنصر كاف للفة القوم‪ ،‬وهو الذي)‪(2‬قال فيه عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»أرحم أمتي بأمتي أبو بكر« ‪.‬‬
‫وعلم النساب عند العرب‪ ،‬وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم‪،‬‬
‫ولدى أبي بكر الصديق ‪ ‬النصيب الوفر منهما‪ ،‬وقريش تعترف‬
‫للصديق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها‪ ،‬وما فيه من خير‬
‫علما ل تجده‬
‫ً‬
‫وشر‪ ،‬فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه‬
‫عند غيره غزارة ووفرة وسعة‪ ،‬ومن أجل هذا كان الشباب النابهون‬
‫دائما‪ ،‬إنهم الصفوة الفكرية‬
‫ً‬
‫والفتيان الذكياء يرتادون مجلسه‬
‫المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم‪ ،‬وهذا جانب آخر من‬
‫جوانب عظمته‪.‬‬
‫وطبقة رجال العمال ورجال المال في مكة‪ ،‬هي كذلك من رواد‬
‫مجلس الصديق؛ فهو إن لم يكن التاجر الول في مكة‪ ،‬فهو من أشهر‬
‫صاده‪ ،‬ولطيبته وحسن خلقه تجد‬
‫تجارها‪ ،‬فأرباب المصالح هم كذلك قُ ّ‬
‫عوام الناس يرتادون بيته‪ ،‬فهو المضياف الدمث الخلق‪ ،‬الذي يفرح‬
‫طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند‬
‫بضيوفه‪ ،‬ويأنس بهم‪ ،‬فكل‬
‫)‪(3‬‬
‫الصديق رضوان الله عليه‪.‬‬
‫كان رصيده الدبي والعلمي والجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا‪،‬‬
‫ولذلك)‪(4‬عندما تحرك في دعوته للسلم استجاب له صفوة من خيرة‬
‫الخلق ‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬دعوته‪.‬‬

‫أسلم الصديق ‪ ‬وحمل الدعوة مع النبي ×‪ ،‬وتعلم من رسول‬
‫اليمان ل يكمل‬
‫الله × أن السلم دين العمل والدعوة والجهاد‪ ،‬وأن‬
‫حتى يهب المسلم نفسه وما يملك لله رب العالمين )‪ ،(5‬قال تعالى‪:‬‬
‫‪ُ +‬‬
‫ق ْ‬
‫ب‬
‫ما َِتي َ لل ِ‬
‫س ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ه َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ون ُ ُ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫حَيا ُ َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ي َ‬
‫كي َ‬
‫صل َِتي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن"‬
‫مي‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫نا‬
‫أ‬
‫و‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ب‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ري‬
‫ش‬
‫ل‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ُ َ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ ُ َ‬
‫ِ‬
‫]النعام‪ ،[163 ،162 :‬وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة‪،‬‬
‫وكثير البركة‪ ،‬أينما تحرك أّثر وحقق مكاسب عظيمة للسلم‪ ،‬وقد‬
‫ل‬
‫كان نموذجًا حّيا في تطبيقه لقول الله تعالى‪+ :‬ادْ ُ‬
‫ع إ َِلى َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ّ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ي‬
‫ه‬
‫تي‬
‫ل‬
‫با‬
‫ِ‬
‫وَِ‬
‫ك ِبال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫سن َ ِ‬
‫عظَ ِ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫جاِدل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫عن‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ن‬
‫م‬
‫ب‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ ِ َ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن" ]النحل‪.[125 :‬‬
‫هت َ ِ‬
‫دي َ‬
‫م ْ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫كان تحرك الصديق ‪ ‬في الدعوة إلى الله بوضوح صورة من‬
‫صور اليمان بهذا الدين‪ ،‬والستجابة لله ورسوله‪ ،‬صورة المؤمن‬
‫الذي ل يقر له قرار‪ ،‬ول يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)‪ (4‬اللباني في صحيح الجامع الصغير‪) :‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪.3/29 :‬‬
‫‪ (2/8‬ج ‪.3‬‬
‫)( انظر‪ :‬التربية القيادية للغضبان‪ (2) .1/115 ،‬نفس المصدر السابق‪:‬‬
‫‪.1/116‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.87‬‬

‫‪26‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫آمن به‪ ،‬دون أن تكون انطلقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما‬
‫للسلم إلى‬
‫تخمد وتذبل وتزول‪ ،‬وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته‬
‫أن توفاه الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز )‪.(1‬‬
‫كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق‬
‫في السلم‪ ،‬وهم‪ :‬الزبير بن العوام‪ ،‬وعثمان بن عفان‪ ،‬وطلحة بن‬
‫عبيد الله‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وعثمان بن مظعون‪ ،‬وأبو عبيدة بن‬
‫الجراح‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وأبو سلمة بن عبد السد‪ ،‬والرقم‬
‫ابن أبي الرقم رضي الله عنهم‪ .‬وجاء بهؤلء الصحابة الكرام فرادى‬
‫فأسلموا بين يدي رسول الله ×‪ ،‬فكانوا الدعامات الولى التي قام‬
‫دة الولى في تقوية جانب رسول الله‬
‫عليها صرح الدعوة‪ ،‬وكانوا العُ ّ‬
‫× وبهم أعزه الله وأيده‪ ،‬وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا‪،‬‬
‫رجالً ونساء‪ ،‬وكان كل من هؤلء الطلئع داعية إلى السلم‪ ،‬وأقبل‬
‫معهم‪ ،‬رعيل السابقين‪ ،‬الواحد والثنان‪ ،‬والجماعة القليلة‪ ،‬فكانوا‬
‫وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ول‬
‫على قلة عددهم كتيبة الدعوة‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫يلحق بهم لحق في تاريخ السلم‪.‬‬
‫اهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته‬
‫أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة‪ ،‬لقد كانت الصفات الحميدة‬
‫والخلل العظيمة والخلق الكريمة التي تجسدت في شخصية‬
‫عامل مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للسلم‪ ،‬فقد كان‬
‫ً‬
‫الصديق‬
‫رصيده الخلقي ضخمًا في قومه وكبيرًا في عشيرته‪ ،‬فقد كان رجلً‬
‫مؤلفا لقومه‪ ،‬محببًا لهم سهلً‪ ،‬أنسب قريش لقريش‪ ،‬بل كان فرد‬
‫ً‬
‫زمانه في هذا الفن‪ ،‬وكان رئيسًا مكرمًا سخيً )ا‪(3‬يبذل المال‪ ،‬وكانت له‬
‫بمكة ضيافات ل يفعلها أحد‪ ،‬وكان رجل بليغًا ‪.‬‬
‫إن هذه الخلق والصفات الحميدة ل بد منها للدعاة إلى الله‪،‬‬
‫وإل أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد ونفخة في رماد‪ ،‬وسيرة‬
‫الصديق وهي تفسر لنا فهمه للسلم وكيف عاش به في حياته حدى‬
‫بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الفراد إلى الله تعالى‪.‬‬

‫ثالًثا‪ :‬ابتلؤه‪:‬‬
‫إن سنة البتلء ماضية في الفراد والجماعات والشعوب والمم‬
‫والدول‪ ،‬وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام‪ ،‬وتحملوا‬
‫رضوان الله عليهم‪ -‬من البلء ما تنوء به الرواسي الشامخات‪،‬‬‫وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله‪ ،‬وبلغ بهم الجهد ما شاء الله‬
‫أن يبلغ‪ ،‬ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا البتلء‪ ،‬فلقد أوذي أبو‬
‫ب في المسجد الحرام‬
‫ضرِ َ‬
‫بكر ‪ ‬وحثي على رأسه التراب‪ ،‬و ُ‬
‫يعرف‪(4‬وجهه من أنفه‪ ،‬وحمل إلى بيته في ثوبه وهو‬
‫بالنعال‪ ،‬حتى ما‬
‫ما بين الحياة والموت) ‪ ،‬فقد روت عائشة ‪-‬رضي الله تعالى عنها‪-‬‬
‫أنه لما اجتمع أصحاب النبي × وكانوا ثمانية وثلثين رجلً ألح أبو بكر‬
‫‪ ‬على رسول الله × في الظهور‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا بكر إنا قليل‪،‬‬
‫فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله‪ ،‬وتفرق المسلمون في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( الوحي وتبليغ الرسالة‪ ،‬د‪/‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.62‬‬
‫)‪ (1‬محمد رسول الله‪ ،‬صادق عرجون‪.1/533 :‬‬
‫)( السيرة الحلبية‪.1/442 :‬‬
‫)( التمكين للمة السلمية‪ :‬ص ‪.243‬‬

‫‪27‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫نواحي المسجد ك ّ‬
‫ل رجل في عشيرته‪ ،‬وقام أبو بكر في الناس‬
‫خطيبا ورسول الله × جالس‪ ،‬فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى‬
‫ً‬
‫وإلى رسوله ×‪ ،‬وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين‪،‬‬
‫طئ أبو بكر وضرب‬
‫ً‬
‫فضربوه في نواحي المسجد‬
‫ضربا شديدًا‪ ،‬ووُ ِ‬
‫شديدا‪ ،‬ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين‬
‫ً‬
‫ضربا‬
‫ً‬
‫مخصوفتين وُيحرفهما لوجهه‪ ،‬ونزا على بطن أبي بكر ‪ ،‬حتى ما‬
‫ت المشركين‬
‫جل َ ِ‬
‫يعرف وجهه من أنفه‪ ،‬وجاءت بنو تيم يتعادون‪ ،‬فأ ْ‬
‫عن أبي بكر‪ ،‬وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ول‬
‫يشكون في موته‪ ،‬ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا‪ :‬والله‬
‫لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة‪ ،‬فرجعوا إلى أبي بكر فجعل‬
‫أبو قحافة »والده« وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب‪ ،‬فتكلم آخر‬
‫النهار فقال‪ :‬ما فعل رسول الله ×؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه‪،‬‬
‫وقالوا لمه أم الخير‪ :‬انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه‪ ،‬فلما‬
‫خلت به ألحت عليه‪ ،‬وجعل يقول‪ :‬ما فعل رسول الله ×؟ فقالت‪:‬‬
‫والله ما لي علم بصاحبك‪ ،‬فقال‪ :‬اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب‬
‫فاسأليها عنه‪ ،‬فخرجت حتى جاءت أم جميل‪ ،‬فقالت‪ :‬إن أبا بكر‬
‫يسألك عن محمد بن عبد الله‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أعرف أبا بكر ول محمد‬
‫بن عبد الله‪ ،‬وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫فا‪ ،‬فدنت أم جميل‪،‬‬
‫صريعا دن ً‬
‫ً‬
‫فمضت معها حتى وجدت أبا بكر‬
‫وأعلنت بالصياح وقالت‪ :‬والله إن قومًا نالوا منك لهل فسق وكفر‪،‬‬
‫إنني لرجو أن ينتقم الله لك منهم‪ ،‬قال‪ :‬فما فعل رسول الله ×؟‬
‫ساِلم‬
‫قالت‪ :‬هذه أمك تسمع‪ ،‬قال‪ :‬فل شيء عليك منها‪ ،‬قالت‪َ :‬‬
‫ي أن ل‬
‫َ‬
‫صاِلح‪ ،‬قال‪ :‬أين هو؟ قالت‪ :‬في دار الرقم‪ ،‬قال‪ :‬فإن لله عل ّ‬
‫أذوق طعاما ول أشرب شرابا أو آتي رسول الله ×‪ ،‬فأمهلتا حتى إذا‬
‫ج ُ‬
‫ل وسكن الناس‪ ،‬خرجتا به يتكئ عليهما‪ ،‬حتى أدخلتاه‬
‫هدأت الّر ْ‬
‫على رسول الله ×‪ ،‬فقال‪ :‬فأكب عليه رسول الله × فقّبله‪ ،‬وأكب‬
‫عليه المسلمون‪ ،‬ورقّ له رسول الله × رقة شديدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫بأبي وأمي يا رسول الله‪ ،‬ليس بي بأس إل ما نال الفاسق من‬
‫وجهي‪ ،‬وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله‪ ،‬وادع الله‬
‫بك‪(1‬من النار‪ ،‬قال‪ :‬فدعا لها رسول الله‬
‫لها عسى الله أن يستنقذها‬
‫×‪ ،‬ودعاها إلى الله فأسلمت ) ‪.‬‬
‫إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم‬
‫حريص على القتداء بهؤلء الصحب الكرام‪ ،‬ونحاول أن نستخرج‬
‫بعض هذه الدروس التي منها‪:‬‬
‫‪ -1‬حرص الصديق على إعلن السلم وإظهاره أمام الكفار‪،‬‬
‫وقد تحمل الذى العظيم‪ ،‬حتى‬
‫وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته‪،‬‬
‫إن قومه كانوا ل يشكون في موته‪ .‬لقد أ ُ ْ‬
‫شرب قلبه حب الله‬
‫ورسوله أكثر من نفسه‪ ،‬ولم يعد يهمه بعد إسلمه إل أن تعلو راية‬
‫التوحيد‪ ،‬ويرتفع النداء‪ :‬ل إله إل الله محمد رسول الله في أرجاء‬
‫مكة حتى لو كان الثمن حياته‪ ،‬وكاد أبو بكر فعل أن يدفع حياته ثمنًا‬
‫لعقيدته وإسلمه‪.‬‬
‫‪ -2‬إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة السلم وسط الطغيان‬
‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن كثير‪ ،441 -1/439 :‬البداية والنهاية‪.3/30 :‬‬

‫‪28‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الجاهلي‪ ،‬رغبة في إعلم الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته‬
‫القلوب رغم علمه بالذى الذي قد يتعرض له وصحبه‪ ،‬وما كان ذلك‬
‫إل لنه خرج من حظ نفسه‪.‬‬
‫‪ -3‬حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر وتغلب على حبه‬
‫م به كان أول ما سأل عنه‪ :‬ما فعل‬
‫لنفسه‪ ،‬بدليل أنه رغم ما أل َ ّ‬
‫رسول الله ×؟ قبل أن يطعم أو يشرب‪ ،‬وأقسم أنه لن يفعل حتى‬
‫يأتي رسو َ‬
‫عند‬
‫ل الله ×‪ ،‬وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ×‬
‫)‪(1‬‬
‫كل مسلم؛ أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذلك نفسه وماله ‪.‬‬
‫إن‪ -‬العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه‬
‫‪4‬‬
‫اختلف العقيدة‪ ،‬فهذه قبيلة أبي‬
‫مع‬
‫حتى‬
‫الفراد‬
‫مع‬
‫والتعامل‬
‫الحداث‬
‫بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر)‪.(2‬‬
‫‪ -5‬تظهر مواقف رائعة لم جميل بنت الخطاب‪ ،‬توضح لنا كيف‬
‫حب الدعوة والحرص عليها‪ ،‬وعلى الحركة لهذا الدين‪،‬‬
‫تربت على ُ‬
‫فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت‪ :‬ما أعرف أبا بكر‬
‫ول محمد بن عبد الله‪ ،‬فهذا تصرف حذر سليم؛ لن أم الخير لم تكن‬
‫ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلمها‪ ،‬ول تود أن تعلم به‬
‫ذات‪(3‬الوقت أخفت عنها مكان الرسول × مخافة أن‬
‫أم الخير‪ ،‬وفي‬
‫تكون عينًا لقريش ) ‪ ،‬وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن‬
‫تطمئن على سلمة الصديق‪ ،‬ولذلك عرضت على أم الخير أن‬
‫تصحبها إلى ابنها‪ ،‬وعندما وصلت إلى الصديق كانت أم جميل في‬
‫غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وأبلغت الصديق بأن رسول الله × سالم صالح)‪،(4‬‬
‫الناس عن دينهم في‬
‫ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن‬
‫خروج الثلثة عندما )هدأت الرجل وسكن الناس( )‪.(5‬‬
‫‪ -6‬يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول‬
‫الله ×‪ :‬هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله‬
‫لها عسى أن يستنقذها بك من النار‪ .‬إنه الخوف من عذاب الله‬
‫والرغبة في رضاه وجنته‪ ،‬ولقد دعا رسول الله × لم أبي بكر‬
‫بالهداية فاستجاب الله له‪ ،‬وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن‬
‫الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى‪ .‬ونلمس‬
‫رحمة الله بعباده ونلحظ من خلل الحدث )قانون المنحة بعد‬
‫المحنة(‪.‬‬
‫إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الذى والفتنة بعد‬
‫‪-7‬‬
‫نظرلصحبته الخاصة له‪ ،‬والتصاقه به‬
‫رسول الله ×أبا بكر الصديق ‪ ‬ا ً‬
‫في المواطن التي كان يتعرض فيها للذى من قومه‪ ،‬فينبري الصديق‬
‫مع‬
‫وفاديًإياه بنفسه‪ ،‬فيصيبه من أذى القوم وسفههم‪ ،‬هذا‬
‫مدافعا عنه ا‬
‫ً‬
‫أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والحسان)‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬د‪/‬جمال عبد الهادي‪ :‬ص ‪.132 ،131‬‬
‫محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬د‪ :‬سليمان السويكت‪ :‬ص ‪.79‬‬
‫السيرة النبوية‪ ..‬قراءة لجوانب الحذر والحماية‪ ،‬ص ‪.50‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.51 :‬‬
‫استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬د‪ :‬جمال عبد الهادي‪ ،‬ص ‪.132‬‬
‫محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬د‪ :‬سليمان السويكت‪ ،‬ص ‪.75‬‬

‫‪29‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫رابًعا‪ :‬دفاعه عن النبي ×‪:‬‬
‫من صفات الصديق التي تميز بها الجرأة والشجاعة‪ ،‬فقد كان ل‬
‫يهاب أحدًا في الحق‪ ،‬ول تأخذه لومة لئم في نصرة دين الله والعمل‬
‫له والدفاع عن رسوله ×‪ ،‬فعن عروة بن الزبير قال‪ :‬سألت ابن‬
‫عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ×‬
‫فقال‪ :‬بينما النبي × يصلي في حجر الكعبة‪ ،‬إذ أقبل عقبة بن أبي‬
‫بكر حتى‬
‫شديدا‪ ،‬فأقبل أبو‬
‫ً‬
‫معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا‬
‫أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي × )‪ (1‬وقال‪+ :‬أ َت َ ْ‬
‫جل َأن‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ن َر ُ‬
‫يَ ُ‬
‫قو َ‬
‫ه" ]غافر‪ ،[28 :‬وفي رواية أنس ‪ ‬أنه قال‪ :‬لقد‬
‫ي الل ُ‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫ضربوا رسول الله × مرة حتى غشي عليه‪ ،‬فقام)‪(2‬أبو بكر ‪ ‬فجعل‬
‫ينادي‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن يقول ربي الله؟! وفي حديث‬
‫أسماء‪ :‬فأتى الصريخ إلى أبي بكر‪ ،‬فقال‪ :‬أدرك صاحبك‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن‬
‫بكر‪ ،‬فرجع إلينا أبو بكر‬
‫يقول ربي الله‪ ،‬فلهوا عنه وأقبلوا على أبي‬
‫)‪(3‬‬
‫فجعل ل يمس شيئا من غدائره إل رجع معه‪.‬‬
‫وأما في حديث علي بن أبي طالب ‪ ‬فقد قام خطيبًا وقال‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ ،‬من أشجع الناس؟ فقالوا‪ :‬أنت يا أمير المؤمنين‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني‬
‫ما بارزني أحد إل انتصفت منه‪ ،‬ولكن هو أبو بكر‪ ،‬وإنا جعلنا لرسول‬
‫عريش فقلنا‪ :‬من يكون مع رسول الله × لئل يهوي عليه أحد‬
‫اً‬
‫الله ×‬
‫من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر شاهرًا بالسيف على‬
‫رأس رسول الله ‪×،‬ل يهوي إليه أحد إل أهوى إليه فهذا أشجع الناس‪.‬‬
‫ده‪ ،‬وهذا يتلتله‬
‫قال‪ :‬ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش‪ ،‬فهذا يحا ّ‬
‫واحدا‪ ،‬فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر‬
‫ً‬
‫ويقولون‪ :‬أنت جعلت اللهة إلهًا‬
‫يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا‪ ،‬وهو يقول‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن‬
‫يقول ربي الله‪ ،‬ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت‬
‫لحيته‪ ،‬ثم قال‪ :‬أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت‬
‫الرض( من‬
‫القوم‪ ،‬فقال علي‪ :‬فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء‬
‫مؤمن آل فرعون‪ ،‬ذاك رجل يكتم إيمانه‪ ،‬وهذا رجل أعلن إيمانه )‪. 4‬‬
‫هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل‪،‬‬
‫مله الصديق من‬
‫والهدى والضلل‪ ،‬واليمان والكفر‪ ،‬وتوضح ما تح ّ‬
‫اللم والعذاب في سبيل الله تعالى‪،‬كما تعطي ملمح واضحة عن‬
‫شخصيته الفذة‪ ،‬وشجاعته النادرة التي شهد له بها المام علي ‪‬‬
‫في خلفته‪ ،‬أي بعد عقود من الزمن‪ ،‬وقد تأثر علي ‪ ‬حتى بكى‬
‫وأبكى‪.‬‬
‫رسول الله ×‬
‫إن الصديق ‪ ‬أول من أوذي في سبيل الله بعد‬
‫وأول من دافع عن رسول الله‪ ،‬وأول من دعا إلى الله )‪ ،(5‬وكان‬
‫الذراع اليمنى لرسول الله ×‪ ،‬وتفرغ للدعوة وملزمة رسول الله‬
‫وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم؛‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري‪ ،‬رقم‪.3856 :‬‬
‫الصحيح المسند في فضائل الصحابة للعدوي‪ ،‬ص ‪.37‬‬
‫منهاج السنة‪ ،3/4 ،‬فتح الباري‪.7/169 :‬‬
‫البداية والنهاية‪.272 ،3/271 :‬‬
‫انظر‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد عبد الرحمن قاسم‪ ،‬ص ‪.32 -30 ،29‬‬

‫‪30‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فهذا أبو ذر ‪ ‬يقص لنا حديثه عن إسلمه‪ ،‬ففيه‪ ...» :‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫يا‪(1‬رسول الله في طعامه الليلة‪ ،‬وأنه أطعمه من زبيب‬
‫ائذن لي‬
‫)‬
‫الطائف«‪.‬‬
‫وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر‬
‫على نفسه‪ ،‬ول يستهين بخطر يصيب النبي × قل أو كثر حيثما رآه‬
‫واستطاع أن يذود عنه العادين عليه‪ ،‬وإنه ليراهم آخذين بتلبيبه‬
‫فيدخل بينهم وبينه‪ ،‬وهو يصيح بهم‪» :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن يقول‬
‫ربي الله؟« فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه‪ ،‬يجذبونه‬
‫من شعره فل)‪(2‬يدعونه إل‬
‫وهو صديع«‪.‬‬

‫سا‪ :‬إنفاقه الموال لتحرير المعذبين في الله‪:‬‬
‫خام ً‬

‫تضاعف أذى المشركين لرسول الله × ولصحابه مع انتشار‬
‫الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي‪ ،‬حتى وصل إلى ذروة العنف‬
‫وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين‪ ،‬فنكلت بهم لتفتنهم‬
‫عن عقيدتهم وإسلمهم‪ ،‬ولتجعلهم عبرة لغيرهم‪ ،‬ولتنفس عن حقدها‬
‫وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب‪ .‬وقد تعرض بلل ‪ ‬لعذاب‬
‫عظيم‪ ،‬ولم يكن لبلل ‪ ‬ظهر يسنده‪ ،‬ول عشيرة تحميه‪ ،‬ول سيوف‬
‫تذود عنه‪ ،‬ومثل هذا النسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل‬
‫ما من الرقام‪ ،‬فليس له دور في الحياة إل أن يخدم ويطيع ويباع‬
‫رق ً‬
‫ويشترى كالسائمة‪ ،‬أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر‪ ،‬أو‬
‫صاحب دعوة أو صاحب قضية‪ ،‬فهذه جريمة شنعاء في المجتمع‬
‫الجاهلي المكي تهز أركانه‪ ،‬وتزلزل أقدامه‪ ،‬ولكن الدعوة الجديدة‬
‫التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار‬
‫لمست‪(3‬قلب هذا العبد المرمي المنسي‪ ،‬فأخرجته إنسانًا جديدًا في‬
‫الحياة ) ‪ ،‬قد تفجرت معاني اليمان في أعماقه بعد أن آمن بهذا‬
‫الدين وانضم إلى محمد × وإخوانه في موكب اليمان العظيم‪.‬‬
‫وعندما علم سيده أمية بن خلف‪ ،‬راح يهدده تارة ويغريه أطوارا‪،‬‬
‫فما وجد عند بلل غير العزيمة وعدم الستعداد للعودة إلى الوراء‪..‬‬
‫عذابا‬
‫ً‬
‫إلى الكفر والجاهلية والضلل‪ ،‬فحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه‬
‫شديدا‪ ،‬فأخرجه إلى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه‬
‫ً‬
‫الطعام والشراب يومًا وليلة‪ ،‬ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال‬
‫المحرقة الملتهبة‪ ،‬ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها‬
‫فوق صدر بلل وهو مقيد اليدين‪ ،‬ثم قال له‪ :‬ل تزال هكذا حتى‬
‫تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللت والعزى‪ ،‬وأجاب بلل بكل صبر‬
‫وثبات‪ :‬أحد أحد‪ ،‬وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بللً بتلك‬
‫الطريقة البشعة )‪ ،(4‬فقصد الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن‬
‫خلف وقال له‪» :‬أل تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! قال‪:‬‬
‫أنت أفسدته فأنقذه مما ترى‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬أفعل‪ ،‬عندي غلم أسود‬
‫أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به‪ ،‬قال‪ :‬قد قبلت‪ ،‬فقال‪ :‬هو‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الفتح‪ ،7/213 :‬الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.156‬‬
‫عبقرية الصديق للعقاد‪ ،‬ص ‪ .87‬صديع‪ :‬المشقوق الثوب‪.‬‬
‫التربية القيادية‪.1/136 ،‬‬
‫عتيق العتقاء »أبو بكر الصديق«‪ ،‬محمود البغدادي‪ ،‬ص ‪.40 ،39‬‬

‫‪31‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬

‫وأخذه فأعتقه«‪.‬‬
‫لك‪ ،‬فأعطاه أبو بكر الصديق ‪ ‬غلمه ذلك‬
‫ذهبا )‪.(2‬‬
‫ً‬
‫رواية‪ :‬اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية‬
‫ما أصبر بلل وما أصلبه ‪ !‬فقد كان صادق السلم‪ ،‬طاهر‬
‫صُلب ولم تلن قناته أمام التحديات وأمام صنوف‬
‫القلب‪ ،‬ولذلك َ‬
‫العذاب‪ ،‬وكان صبره وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم‪ ،‬خاصة أنه كان‬
‫الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على السلم فلم‬
‫التوحيد بتحد ّ صارخ‪ ،‬وهانت‬
‫يوات الكفار فيما يريدون‪ ،‬مرددا كلمة‬
‫عليه نفسه في الله‪ ،‬وهان على قومه‪ (3).‬وبعد كل محنة منحة؛ فقد‬
‫تخلص بلل من العذاب والنكال‪ ،‬وتخلص من أسر العبودية‪ ،‬وعاش‬
‫مع رسول الله بقية حياته ملزمًا له‪ ،‬ومات راضيًا عنه‪.‬‬
‫واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين‪،‬‬
‫وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة السلمية‬
‫عم الدعوة بالمال‬
‫لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين‪ ،‬فد ّ‬
‫والرجال والفراد‪ ،‬فراح يشتري العبيد والماء والمملوكين من‬
‫المؤمنين والمؤمنات‪ ،‬منهم‪ :‬عامر بن فهيرة‪ ,‬شهد بدرا وأحدا‪ ،‬وقتل‬
‫يوم بئر معونة شهيدا‪ .‬وأم عبيس‪ ،‬وزنيرة‪ ،‬وأصيب بصرها حين‬
‫أعتقها‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬ما أذهب بصرها إل اللت والعزى‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫كذبوا‪ ،‬وبيت الله ما تضر اللت والعزى وما تنفعان‪ ،‬فرد الله بصرها‪.‬‬
‫)‪ (4‬وأعتق النهدية وبنتها‪ ،‬وكانتا لمرأة من بني عبد الدار‪ ،‬مر بهما‬
‫أبدا‪ ،‬فقال‬
‫وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها‪ ،‬وهي تقول‪ :‬ل أعتقكما ً‬
‫أبو بكر ‪ :‬حل )‪ (5‬يا أم فلن‪ .‬فقالت‪ :‬حل أنت‪ ،‬أفسدتهما فأعتقهما‪،‬‬
‫قال‪ :‬فبكم هما؟ قالت‪ :‬بكذا وكذا‪ ،‬وقالت‪ :‬قد أخذتهما وهما حرتان‪،‬‬
‫طحينها‪ ،‬قالتا‪ :‬أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال‪:‬‬
‫أرجعا إليها‬
‫وذلك إن شئتما )‪.(6‬‬
‫وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى السلم بين الصديق والجاريتين‬
‫حتى خاطبتاه خطاب الند للند‪ ،‬ل خطاب المسود للسيد‪ ،‬وتقبل‬
‫الصديق ‪-‬على شرفه وجللته في الجاهلية والسلم‪ -‬منهما ذلك‪ ،‬مع‬
‫أن له يدا عليهما بالعتق‪ ،‬وكيف صقل السلم الجاريتين حتى تخلقتا‬
‫بهذا الخلق الكريم‪ ،‬وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن‬
‫الحيوان والطير‪،‬‬
‫تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح‪ ،‬أو يأكله‬
‫ضل‪ -‬إل أن تفرغا منه‪ ،‬وترداه إليها )‪.(7‬‬
‫ولكنهما أبتا –تف ّ‬
‫مؤمّ )حي من بني عدي بن كعب( وكانت‬
‫ومر الصديق بجارية بني ل‬
‫مسلمة‪ ،‬وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك السلم‪ ،‬وهو يومئذ مشرك‬
‫يضربها‪ ،‬حتى إذالم ّ‬
‫أتركك إل عن مللة‪،‬‬
‫قال‪ :‬إني أعتذر إليك‪ ،‬إني لم‬
‫فتقول‪ :‬كذلك فعل الله بك‪ ،‬فابتاعها أبو بكر فأعتقها )‪.(8‬‬
‫هكذا كان واهب الحريات‪ ،‬ومحرر العبيد‪ ،‬شيخ السلم الوقور‪،‬‬
‫ف في قومه بأنه يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪ ،‬ويحمل‬
‫الذي عُرِ َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .1/394 ،‬التربية القيادية‪.1/140 ،‬‬
‫)( محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬ص ‪.92‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (5) .1/393 :‬حل‪ :‬تحللي من يمينك‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (7) .1/393 :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪:‬‬
‫‪.1/346‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.1/393 :‬‬

‫‪32‬‬

‫وفي‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الكل‪ ،‬ويقري الضيف‪ ،‬ويعين على نوائب الحق‪ ،‬ولم ينغمس في إثم‬
‫في جاهليته‪ ،‬أليف مألوف‪ ،‬يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء‬
‫والرقاء‪ ،‬أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد‪ ،‬وعتقهم لله‬
‫التشريعات السلمية المحببة في العتق‬
‫وفي الله قبل أن تنزل‬
‫والواعدة عليه أجزل الثواب )‪.(1‬‬
‫كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر ‪ ‬الذي يبذل هذا المال كله‬
‫لهؤلء المستضعفين‪ ،‬أما في نظر الصديق فهؤلء إخوانه في الدين‬
‫الجديد‪ ،‬فكل واحد من هؤلء ل يساويه عنده مشركو الرض‬
‫العناصر وغيرها تبني دولة التوحيد‪ ،‬وتصنع حضارة‬
‫وطغاتها‪ ،‬وبهذه‬
‫السلم الرائعة‪ (2).‬ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة ول‬
‫ها‪ ،‬ول دنيا‪ ،‬وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلل والكرام‪ .‬لقد قال‬
‫جا ً‬
‫ضعافا‪ ،‬فلو أنك إذا‬
‫ً‬
‫له أبوه ذات يوم‪ :‬يا بني‪ ،‬إني أراك تعتق رقابًا‬
‫جلدا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر ‪:‬‬
‫ً‬
‫فعلت أعتقت رجالً‬
‫يا أبت‪ ،‬إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل‪ .‬فل عجب إذا كان الله‬
‫شأن الصديق قرآنا يتلى إلى يوم القيامة‪ ،‬قال‬
‫أنزل في‬
‫سبحانه‬
‫من أ َ‬
‫فأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نى ‪‬‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ق‬
‫د‬
‫ص‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫قى‬
‫ت‬
‫وا‬
‫طى‬
‫ع‬
‫ما‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ َ ّ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫ّ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫نى‬
‫غ‬
‫ت‬
‫س‬
‫وا‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ب‬
‫من‬
‫ما‬
‫أ‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫رى‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ر‬
‫س‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ف َ‬
‫َ ّْ َ‬
‫سن ُي َ ّ ُ ُ‬
‫َ‬
‫ُ ْ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه إِ َ‬
‫ذا‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ني‬
‫غ‬
‫ي‬
‫ما‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫رى‬
‫س‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ر‬
‫س‬
‫ي‬
‫ن‬
‫س‬
‫ف‬
‫‪‬‬
‫نى‬
‫س‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ََ ُ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫ُ َُ َ ُ‬
‫َ َ ََ ّْ ُ ُ‬
‫ُ ْ َ‬
‫والولى ‪‬‬
‫دى ‪‬‬
‫خَرةَ‬
‫ن َ‬
‫ن ل ََنا ل َل ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫دى ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ت ََر َ ّ‬
‫علي َْنا لل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ش َ‬
‫َ‬
‫ها إ ِل ّ ال ْ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫‪‬‬
‫ظى‬
‫ل‬
‫ت‬
‫را‬
‫نا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫صل َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قى ‪ ‬ال ّ ِ‬
‫ذي ك َذّ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫فأن ْ ّ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫كى‬
‫ز‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ما‬
‫تي‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫‪‬‬
‫قى‬
‫ت‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ي‬
‫س‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫لى‬
‫و‬
‫ت‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫َ ُ‬
‫َ َ‬
‫ع َ‬
‫لى ‪‬‬
‫جَزى ‪ ‬إ ِل ّ اب ْت ِ َ‬
‫ه ال ْ‬
‫د ِ‬
‫ه َرب ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫م ٍ‬
‫عن ْدَهُ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫و ْ‬
‫ة تُ ْ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫ل َ‬
‫ع َ‬
‫غاءَ َ‬
‫ضى"]الليل‪.[21 – 5 :‬‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ف‬
‫و‬
‫س‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫ول َ َ ْ‬
‫َ‬
‫لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقا لماله فيما يرضي الله‬
‫ورسوله‪.‬‬
‫كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة السلمية الولى قمة من‬
‫قمم الخير والعطاء‪ ،‬وأصبح هؤلء العبيد بالسلم أصحاب عقيدة‬
‫وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها‪ ،‬ويجاهدون في سبيلها‪ ،‬وكان‬
‫إقدام أبي بكر ‪ ‬على شرائهم ثم عتقهم دليلً على عظمة هذا‬
‫الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق ‪ ،‬وما أحوج المسلمين‬
‫اليوم إلى أن يحيوا هذا المثل الرفيع‪ ،‬والمشاعر السامية؛ ليتم‬
‫التلحم والتعايش والتعاضد بين أبناء المة التي يتعرض أبناؤها للبادة‬
‫الشاملة من قَِبل أعداء العقيدة والدين‪.‬‬

‫سا‪ :‬هجرته الولى وموقف ابن الدغنة منها‪:‬‬
‫ساد ً‬

‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬لم أعقل أبوي قط إل وهما‬
‫يدينان الدين‪ ،‬ولم يمر علينا يوم إل يأتينا فيه رسول الله × طرفي‬
‫النهار )بكرة وعشية(‪ ،‬فلما ابتلي المسلمون‪ ،‬خرج أبو بكر مهاجرًا‬
‫نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة‬
‫)‪ (3‬فقال‪ :‬أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر‪ :‬أخرجني قومي فأريد أن‬
‫أسيح في الرض وأعبد ربي‪ ،‬قال ابن الدغنة‪ :‬فإن مثلك يا أبا بكر ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( السيرة النبوية لبي شهبة‪.1/345 :‬‬
‫)( التربية القيادية‪.1/342 :‬‬

‫‪33‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يخرج ول ُيخرج؛ إنك تكسب المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪،‬‬
‫وتقري الضيف‪ ،‬وُتعين على نوائب الحق‪ .‬فأنا لك جار‪ ،‬ارجع واعبد‬
‫ربك ببلدك‪ ،‬فرجع وارتحل معه ابن الدغنة‪ ،‬فطاف ابن الدغنة عشية‬
‫في أشراف قريش‪ ،‬فقال لهم‪ :‬إن أبا بكر ل يخرج مثله ول ُيخرج‪،‬‬
‫أتخرجون رجل يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪ ،‬ويحمل الكل‪ ،‬ويقري‬
‫الضيف‪ ،‬ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن‬
‫ص ّ‬
‫ل‬
‫الدغنة‪ ،‬وقالوا لبن الدغنة‪ :‬مر أبا بكر فليعبد ربه في داره‪ ،‬فلي ُ‬
‫ست َعِْلن به‪ ،‬فإنا نخشى أن‬
‫فيها وليقرأ ما شاء‪ ،‬ول يؤذينا بذلك ول ي َ ْ‬
‫يفتن نساءنا وأبناءنا‪ ،‬فقال ذلك ابن الدغنة لبي بكر‪ ،‬فلبث أبو بكر‬
‫بذلك يعبد ربه في داره‪ ،‬ول يستعلن بصلته ول يقرأ في غير داره‪،‬‬
‫ثم بدا لبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره‪ ،‬وكان يصلي فيه ويقرأ‬
‫القرآن‪ ،‬فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم‪ ،‬وهم يعجبون منه‬
‫وينظرون إليه‪.‬‬
‫وكان أبو بكر رجل ب ّ‬
‫كاء ل يملك عينه إذا قرأ القرآن‪ ،‬فأفزع ذلك‬
‫أشراف قريش من المشركين‪ ،‬فأرسلوا إلى ابن الدغنة‪ ،‬فقدم‬
‫عليهم فقالوا‪ :‬إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في‬
‫داره‪ ،‬فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره‪ ،‬فأعلن بالصلة‬
‫والقراءة فيه‪ ،‬وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه‪ ،‬فإن أحب‬
‫أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل‪ ،‬وإن أبى إل أن يعلن بذلك‬
‫فرك‪ ،‬ولسنا بمقرين‬
‫فسله أن يرد إليك ذمته‪ ،‬فإنا قد كرهنا أن ن ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫لبي بكر الستعلن‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر‬
‫فقال‪ :‬قد علمت الذي عاقدت لك عليه‪ ،‬فإما أن تقتصر على ذلك‬
‫ي ذمتي‪ ،‬فإني ل أحب أن تسمع العرب أني أخفرت‬
‫وإما أن ترجع إل ّ‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬فإني أرد إليك جوارك‪ ،‬وأرضى‬
‫له‪،‬‬
‫في رجل عقدت‬
‫بجوار الله عز وجل‪ (1).‬وحين خرج من جوار ابن الدغنة )يعني أبو‬
‫بكر( لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على‬
‫ترابا‪ ،‬فمر بأبي بكر الوليد ُ بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال‬
‫ً‬
‫رأسه‬
‫له أبو بكر ‪ :‬أل ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال‪ :‬أنت فعلت ذلك‬
‫بنفسك‪(2)،‬وهو يقول‪ :‬ربي ما أحلمك‪ ،‬أي ربي ما أحلمك‪ ،‬أي ربي ما‬
‫أحلمك‪.‬‬

‫وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬كان أبو بكر في عز من قومه قبل بعثة محمد ×‪ ،‬فها هو ابن‬
‫الدغنة يقول له‪ :‬مثلك يا أبا بكر ل يخرج ول ُيخرج‪ ،‬إنك تكسب‬
‫المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على‬
‫طلبا لجاه أو سلطان‪،‬‬
‫ً‬
‫نوائب الحق‪ .‬فأبو بكر لم يدخل في دين الله‬
‫وما دفعه إلى ذلك إل حب الله ورسوله × مهما يترتب على ذلك من‬
‫ابتلءات؛ أي أنه لم يكن له تطلعات سوى مرضاة الله تعالى‪ .‬إنه‬
‫والوطن والعشيرة ليعبد ربه؛ لنه حيل بينه‬
‫يريد أن يفارق الهل‬
‫وبين ذلك في وطنه )‪.(3‬‬
‫‪3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫ابن الدغنة‪ :‬قيل اسمه الحارث بن يزيد‪ ،‬وقيل‪ :‬مالك‪ ،‬وقيل‪ :‬ربيعة بن رفيع‪.‬‬
‫)(‬
‫والقارة‪ :‬قبيلة من بني الهون بن خزيمة‪.‬‬
‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.3/95 :‬‬
‫)( فتح الباري‪.7/274 :‬‬
‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪.134 :‬‬

‫‪34‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ن الكريم‪ ،‬ولذلك اهتم بحفظه‬
‫‪ -2‬إن زاد الصديق في دعوته القرآ ُ‬
‫وفهمه وفقهه والعمل به‪ ،‬وأكسبه الهتمام بالقرآن الكريم براعة في‬
‫قا في الفكار‪ ،‬وتسلسلً‬
‫تبليغ الدعوة‪ ،‬وروعة في السلوب‪ ،‬وعم ً‬
‫إليه‪ ،‬ومراعاة لحوال‬
‫عقليا في عرض الموضوع الذي يدعو‬
‫ً‬
‫السامعين‪ ،‬وقوة في البرهان والدليل )‪.(1‬‬
‫وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريم ويبكي عند تلوته‪ ،‬وهذا يدل‬
‫على رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله عز وجل‪ ،‬ومع معاني‬
‫اليات التي يتلوها‪ ،‬والبكاء مبعثه قوة التأثر؛ إما بحزن شديد أو فرح‬
‫غامر‪ ،‬والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى إلى الصراط‬
‫المستقيم‪ ،‬والشفاق من النحراف قليلً عن هذا الصراط‪ .‬وإذا كان‬
‫صاحب إحساس حي وفكر يقظ كأبي بكر ‪ ‬فإن هذا القرآن يذكر‬
‫بالحياة الخرة وما فيها من حساب وعقاب أو ثواب‪ ،‬فيظهر أثر ذلك‬
‫في خشوع الجسم وانسكاب العَب ََرات‪ ،‬وهذا المظهر يؤثر كثيرًا على‬
‫من شاهده‪ ،‬ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر‬
‫وخشوا على نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به فيدخلوا في السلم )‪.(2‬‬
‫لقد تربى الصديق على يدي رسول الله ×‪ ،‬وحفظ كتاب الله‬
‫تعالى وعمل به في حياته‪ ،‬وتأمل فيه كثيرًا‪ ،‬وكان ل يتحدث بغير‬
‫أرض تسعني أو‬
‫علم؛ فعندما سئل عن آية ل يعرفها أجاب بقوله‪ :‬أي‬
‫)‪(3‬‬
‫أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم ُيرد الله‪.‬‬
‫ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم‬
‫قوله‪ :‬إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم‬
‫هؤلء؟!( يعني‪ :‬حسنها‪ ،‬فيقول‬
‫سيئها‪ ،‬فيقول الرجل‪ :‬أين أنا من‬
‫قائل‪ :‬لست من هؤلء‪ ،‬يعني وهو منهم )‪. 4‬‬
‫استشكل عليه‬
‫وكان يسأل رسول الله ×‬
‫وتقدير أ َ‬
‫بأدبأ َ‬
‫فيمال َيس بأ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ما‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ما‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫واحترام‪ ،‬فلما نزل قوله‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫ول ِّيا‬
‫ن الل ِ‬
‫ه ِ‬
‫جَز ب ِ ِ‬
‫من ُ‬
‫سوءً ي ُ ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ل ُ‬
‫جد ْ ل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ب َ‬
‫ال ْك َِتا ِ‬
‫ول َ ي َ ِ‬
‫ه َ‬
‫دو ِ‬
‫ه َ‬
‫صيًرا" ]النساء‪ ،[123 :‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قد جاءت‬
‫ول َ ن َ ِ‬
‫َ‬
‫قاصمة الظهر‪ ،‬وأي َّنا لم‬
‫يعمل سوًءا؟ فقال‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ألست)‪(5‬تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست‬
‫تصيبك اللواء؟ فذلك مما تجزون به ‪.‬‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫وقد فسر الصديق بعض اليات‪ ،‬مثل قول الله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ل َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫َ‬
‫موا ت َت َن َّز ُ‬
‫فوا‬
‫ة أ َل ّ ت َ َ‬
‫مل َئ ِك َ ُ‬
‫قاُلوا َرب ّ َ‬
‫ما ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫قا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫نا الل َ ُ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن" ]فصلت‪ ،[30 :‬قال‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ك‬
‫تي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ل‬
‫با‬
‫روا‬
‫ش‬
‫ب‬
‫أ‬
‫و‬
‫نوا‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫م ُتو َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فيها‪ :‬فلم يلتفتوا عنه يمنة ول يسرة‪ ،‬فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه ل‬
‫بالحب ول بالخوف‪ ،‬ول بالرجاء ول بالسؤال ول بالتوكل عليه؛ بل ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪.88 :‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.20/209 ،19 :‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،117 :‬هذه الرواية فيها انقطاع‪.‬‬
‫)( الفتاوى لبن تيمية‪.6/212 ،‬‬
‫)( أحمد‪ ،1/11 :‬وقال الشيخ شاكر‪ :‬أسانيدها ضعاف‪ ،‬وهو صحيح بطرقه‬
‫وشواهده‪ ،‬انظر‪) :‬مسند المام أحمد(‪ ،‬رقم‪.68 :‬‬

‫‪35‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أنداد ول يحبون إل إياه؛ ل لطلب منفعة‪،‬‬
‫يحبون إل الله ول يحبون معه ا‪ً ،‬‬
‫كائنًمن كان‪ ،‬ول يسألون غيره‪ ،‬ول‬
‫غيره ا‬
‫ول لدفع مضرة‪ ،‬ول يخافون‬
‫يتشرفون بقلوبهم إلى غيره‪(1).‬وغير ذلك من اليات‪.‬‬
‫إن الدعاة إلى الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن‬
‫الكريم‪ ،‬يقرأونه ويتدبرونه ويستخرجون كنوزه ومعارفه للناس‪ ،‬وأن‬
‫يُ ْ‬
‫ظهروا للناس ما في القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي‪ ،‬وما‬
‫فيه من سبل إنقاذ النسانية المعذبة من مآسيها وحروبها‪ ،‬بأسلوب‬
‫يناسب العصر‪ ،‬ويكافئ ما وصل إليه الناس من تقدم في وسائل‬
‫الدعوة والدعاية‪ .‬ولقد أدرك أبو بكر ‪ ‬كيف تكون قراءة القرآن‬
‫المسجد على مل من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل‬
‫الكريم في‬
‫الدعوة إلى الله )‪.(2‬‬

‫سابًعا‪ :‬بين قبائل العرب في السواق‪:‬‬

‫قد علمنا أن الصديق ‪ ‬كان عالمًا بالنساب وله فيها الباع‬
‫الطويل؛ قال السيوطي ‪-‬رحمه الله تعالى‪ :-‬رأيت بخط الحافظ‬
‫الذهبي ‪-‬رحمه الله‪ -‬من كان فرد زمانه في فنه‪ ...‬أبو بكر في‬
‫النسب‪ (3).‬ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفياض وسيلة من‬
‫خَر ذلك في‬
‫وسائل الدعوة؛ ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يس ّ‬
‫كان‬
‫سواء‬
‫سبيل الله على اختلف التخصصات‪ ،‬وألوان المعرفة‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫علمه نظريًا أو تجريبيًا‪ ،‬أو كان ذا مهنة مهمة في حياة الناس‪.‬‬
‫وسوف نرى الصديق يصحبه رسول الله × عندما عرض نفسه‬
‫على قبائل العرب ودعاهم إلى الله‪ ،‬كيف وظف هذا العلم لدعوة‬
‫ها له القدرة على توصيل المعاني‬
‫الله؛ فقد كان الصديق خطيبًا مفو ً‬
‫بأحسن اللفاظ‪ ،‬وكان ‪ ‬يخطب عن النبي × في حضوره وغيبته‪،‬‬
‫فكان النبي × إذا خرج في الموسم يدعو )أي أبو بكر( الناس إلى‬
‫تمهيدا‪(5‬وتوطئة لما يبلغ الرسول‪ ،‬معونة له‪ ،‬ل تقدمًا بين‬
‫ً‬
‫متابعة كلمه‬
‫يدي الله ورسوله‪ ).‬وكان علمه في النسب ومعرفة أصول القبائل‬
‫مساعدا له على التعامل معها‪ ،‬فعن علي بن أبي طالب ‪ ‬قال‪ :‬لما‬
‫ً‬
‫أمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬نبيه × أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج‬
‫وأنا معه‪ ...‬إلى أن قال‪ :‬ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليه السكينة‬
‫والوقار‪ ،‬فتقدم أبو بكر فسلم‪ ،‬فقال‪ :‬من القوم؟ قالوا‪ :‬من بني‬
‫شيبان بن ثعلبة‪ ،‬فالتفت أبو بكر إلى رسول الله × وقال‪ :‬بأبي أنت‬
‫وأمي‪ ،‬ليس وراء هؤلء عذر من قومهم وهؤلء غرر الناس وفيهم‬
‫مفروق بن عمرو‪ ،‬وهانئ بن قبيصة‪ ،‬والمثنى بن حارثة والنعمان بن‬
‫شريك‪ ،‬وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم لسانًا وجمالً‪ ،‬وكان له‬
‫غديرتان تسقطان على تريبته‪ ،‬وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي‬
‫بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق‪ :‬إنا ل نزيد على‬
‫اللف ولن تغلب اللف من قلة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬وكيف المنعة فيكم‪،‬‬
‫غضبا حين نلقى‪ ،‬وأشد ما نكون‬
‫ً‬
‫فقال مفروق‪ :‬إنا لشد ما نكون‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الفتاوى‪.28/22 :‬‬
‫)( تاريخ الدعوة السلمية في عهد الخلفاء‪ ،‬ص ‪.95‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء‪ :‬ص ‪ ،100‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ :‬ص ‪.95‬‬
‫)‪ (5‬أبو بكر الصديق‪ ،‬لمحمد عبد الرحمن‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.96‬‬
‫قاسم‪ :‬ص ‪.92‬‬

‫‪36‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لقاء حين نغضب‪ ،‬وإنا لنؤثر الجياد على الولد والسلح على اللقاح‪،‬‬
‫والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى‪ .‬لعلك أخو قريش؟‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬إن كان بلغكم أن رسول الله × فها هو ذا‪ ،‬فقال‬
‫مفروق‪ :‬إلم تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ×‪» :‬أدعوكم‬
‫إلى شهادة أن ل إله إل الله وحده ل شريك له وأني عبد‬
‫الله ورسوله‪ ،‬وإلى أن تؤووني وتنصروني‪ ،‬فإن قري ً‬
‫شا‬
‫قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل‬
‫عن الحق‪ ،‬والله هو الغني الحميد«‪.‬‬
‫فقال مفروق‪ :‬وإلم تدعو أيضا يا أخا قريش‪ ،‬فوالله ما سمعت‬
‫كلما أحسن من هذا؟ فتل رسول الله × قوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫ق ْ‬
‫وا‬
‫َ ً‬
‫ل تَ َ‬
‫عال َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫د‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ل‬
‫با‬
‫و‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ه‬
‫ب‬
‫كوا‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ت‬
‫ل‬
‫أ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫م‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫ِ ِ‬
‫ْ‬
‫أت ْ ُ َ َ ّ َ َ ّ ُ ْ َ َ ْ ْ‬
‫ِ‬
‫َ ُِ ُ َ ِ َ ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م‬
‫ه‬
‫يا‬
‫إ‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ق‬
‫ز‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ل‬
‫م‬
‫إ‬
‫ن‬
‫م‬
‫كم‬
‫ٍ ّ ْ ُ َ ْ ُ‬
‫ول َدَ‬
‫إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ْ َ ُِ ّ ُ ْ‬
‫َ ّ ْ ِ ْ‬
‫قت ُلوا أ ْ‬
‫ساًنا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قت ُلوا‬
‫ن‬
‫ط‬
‫ب‬
‫ما‬
‫و‬
‫ها‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ظ‬
‫ما‬
‫ش‬
‫ح‬
‫وا‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫بوا‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ َ ِ ْ َ َ َ َ‬
‫َ َ ُ‬
‫َ ِ َ َ‬
‫َُ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫م‬
‫ك‬
‫صا‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫م‬
‫ر‬
‫ح‬
‫تي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ِ‬
‫ْ ِ ِ َ‬
‫َ ّ َ‬
‫ْ‬
‫ُ ِ ِ َ ّ ِ ْ َ ّ‬
‫ّ ُ َ‬
‫ن" ]النعام‪ ،[151 :‬فقال مفروق‪ :‬دعوت والله إلى مكارم‬
‫ع ِ‬
‫قلو َ‬
‫تَ ْ‬
‫الخلق ومحاسن العمال‪ ،‬ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك‪ ،‬ثم‬
‫رد المر إلى هانئ بن قبيصة فقال‪ :‬وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا‪،‬‬
‫فقال هانئ‪ :‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬وإني أرى أن ت َْرك ََنا‬
‫ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ول آخر لذل في‬
‫الرأي وقلة نظر في العاقبة‪ ،‬إن الزلة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد‬
‫عقدا‪ ،‬ولكن نرجع وترجع وننظر‪ ..‬ثم كأنه أحب أن‬
‫ً‬
‫على من وراءنا‬
‫يشركه المثنى بن حارثة فقال‪ :‬وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا‪،‬‬
‫فقال المثنى )وأسلم بعد ذلك(‪ :‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪،‬‬
‫والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك‪،‬‬
‫وإنا إنما نزلنا بين صيرين أحدهما اليمامة والخرى السمامة‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله ×‪» :‬وما هذا الصيران؟« فقال له‪ :‬أما أحدهما‬
‫فطفوف البر وأرض العرب‪ ،‬وأما الخر فأرض فارس وأنهار كسرى‪،‬‬
‫وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن ل نحدث حدًثا‪ ،‬ول نؤوي‬
‫محدثا‪ ،‬ولعل هذا المر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك‪ ،‬فأما ما‬
‫كان مما يلي بلد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول‪ ،‬وأما ما‬
‫كان يلي بلد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول‪،‬‬
‫فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»ما أسأتم في الرد؛ إذ أفصحتم بالصدق‪ ،‬وإن دين الله‬
‫عز وجل‪ -‬لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه‪.‬‬‫أرأيتم إن لم تلبثوا إل قليل ً حتى يورثكم الله تعالى‬
‫أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم‪ ،‬أتسبحون الله‬
‫وتقدسونه؟«‪ .‬فقال له النعمان بن شريك‪ :‬اللهم فَل َ َ‬
‫ك ذاك )‪.(1‬‬

‫وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ملزمة الصديق لرسول الله ×‪ ،‬وهذا جعله يفهم السلم‬
‫بشموله‪ ،‬وهيأه الله تعالى بأنه يصبح أعلم الصحابة بدين الله؛ فقد‬
‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية‪ ،145 -143 ،3/142 :‬وفيها زيادات ليست عند الصالحي في‬
‫سبيل الرشاد‪.597 ،2/596 :‬‬

‫‪37‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫تعلم من رسول الله × حقيقة السلم‪ ،‬وتربى على يديه في معرفة‬
‫معانيه‪ ،‬فاستوعب طبيعة الدعوة ومر بمراحلها المتعددة‪ ،‬واستفاد‬
‫من صحبته لرسول الله ×‪ ،‬وتشرب المنهج الرباني‪ ،‬فعرف المولى ‪-‬‬
‫عز وجل‪ -‬من خلله‪ ،‬وطبيعة الحياة‪ ،‬وحقيقة الكون‪ ،‬وسر الوجود‪،‬‬
‫وماذا بعد الموت‪ ،‬ومفهوم القضاء والقدر‪ ،‬وقصة الشيطان مع آدم‬
‫‪ ،‬وحقيقة الصراع بين الحق والباطل‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬واليمان‬
‫الكفر‪ .‬وحببت إليه العبادات؛ كقيام الليل‪ ،‬وذكر الله‪ ،‬وتلوة القرآن‪،‬‬
‫فسمت أخلقه‪ ،‬وتطهرت نفسه‪ ،‬وزكت روحه‪.‬‬
‫‪ -2‬وفي رفقته لرسول الله × عندما كان × يدعو القبائل‬
‫للسلم استفاد الكثير؛ فقد عرف أن النصرة التي كان يطلبها رسول‬
‫الله × لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل النصرة غير‬
‫مرتبطين بمعاهدات دولية تتناقض مع الدعوة ول يستطيعون التحرر‬
‫منها؛ وذلك لن احتضانهم للدعوة والحالة هذه ُيعرضها لخطر القضاء‬
‫عليها من قَِبل‬
‫الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات‪ ،‬والتي تجد في الدعوة‬
‫السلمية خطرًا عليها‬
‫وتهديدا لمصالحها)‪.(1‬‬
‫إن الحماية المشروطة أو الجزئية ل تحقق الهدف المقصود‪ ،‬فلن‬
‫يخوض بنو شيبان حرًبا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله‬
‫× وتسليمه‪ ،‬ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة رسول‬
‫الله × وأتباعه‪ ،‬وبذلك فشلت المباحثات )‪.(2‬‬
‫‪» -2‬إن دين الله لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه«‪ ،‬كان‬
‫هذا الرد من‬
‫النبي × على المثنى بن حارثة؛ حيث عرض على النبي حمايته على‬
‫مياه العرب دون‬
‫مياه الفرس‪ ،‬فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر‬
‫السلمي النبوي‬
‫)‪(3‬‬
‫الذي ل يسامى‪.‬‬
‫‪ -4‬كان موقف بني شيبان يتسم بالريحية والخلق والرجولة‪،‬‬
‫وينم عن تعظيم هذا‬
‫النبي ×‪ ،‬وعن وضوح في العرض‪ ،‬وتحديد مدى قدرة الحماية التي‬
‫يملكونها‪ ،‬وقد بينوا أن أمر الدعوة مما تكرهه الملوك‪ ،‬وقدر الله‬
‫لشيبان بعد عشر سنوات أو تزيد أن تحمل هي ابتداء عبء مواجهة‬
‫الملوك بعد أن أشرق قلبها بنور السلم‪ ،‬وكان المثنى بن حارثة‬
‫الشيباني صاحب حربهم وبطلهم المغوار الذي كان من ضمن قادة‬
‫الفتوح في خلفة الصديق‪ ،‬فكان وقومه من أجرأ المسلمين بعد‬
‫إسلمهم على قتال الفرس‪ ،‬بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس‬
‫ول يفكرون في قتالهم؛ بل إنهم ردوا دعوة النبي × بعد قناعتهم بها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( الجهاد والقتال في السياسة الشرعية‪ ،‬محمد هيكل‪.1/412 :‬‬
‫)( التحالف السياسي في السلم‪ ،‬منير الغضبان‪ :‬ص ‪.53‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.64‬‬

‫‪38‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لحتمال أن تلجئهم إلى قتال الفرس‪ ،‬المر الذي لم يكونوا يفكرون‬
‫به أبدا‪ ،‬وبهذا تعلم عظمة هذا الدين الذي رفع الله به المسلمين في‬
‫الرض( مع ما ينتظرون في أخراهم من‬
‫الدنيا؛ حيث جعلهم سادة‬
‫النعيم الدائم في جنات النعيم )‪. 1‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪ .3/69 :‬التربية القيادية‪.3/20 :‬‬

‫‪39‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثالث‬

‫هجرته مع رسول الله × إلى المدينة‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫اشتدت قريش في أذى المسلمين والنيل منهم؛ فمنهم من هاجر‬
‫إلى الحبشة مرة أو مرتين فرارًا بدينه‪ ،‬ثم كانت الهجرة إلى المدينة‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي × في الهجرة فقال له‪» :‬ل‬
‫تعجل‪ ،‬لعل الله يجعل لك صاحًبا« )‪ (1‬فكان أبو بكر يطمع أن يكون‬
‫في صحبة‬
‫النبي ×‪ .‬وهذه السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬تحدثنا عن هجرة‬
‫رسول الله × وأبيها ‪ ‬حيث قالت‪ :‬كان ل يخطئ رسول الله × أن‬
‫يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار‪ ،‬إما بكرة وإما عشية‪ ،‬حتى إذا‬
‫والخروج من‬
‫كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله × في الهجرة‪،‬‬
‫مكة من بين ظهري قومه‪ ،‬أتانا رسول الله × بالهاجرة )‪ ،(2‬في‬
‫ساعة كان ل يأتي فيها‪ ،‬قالت‪ :‬فلما رآه أبو بكر‪ ،‬قال‪ :‬ما جاء رسول‬
‫الله × هذه الساعة إل لمر حدث‪ ،‬قالت‪ :‬فلما دخل تأخر له أبو بكر‬
‫عن سريره فجلس رسول الله ×‪ ،‬وليس عند أبي بكر إل أنا وأختي‬
‫أسماء بنت أبي بكر‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أخرج عني من عندك«‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنما هما ابنتاي‪ ،‬وما ذاك فداك أبي وأمي!‬
‫فقال‪» :‬أنه قد أذن لي في الخروج والهجرة« ‪ ،‬قلت‪ :‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫الصحبة يا رسول الله؟ قال‪» :‬الصحبة« ‪ ،‬قالت فوالله ما شعرت‬
‫أحدا يبكي من الفرح‪ ،‬حتى رأيت أبا بكر يبكي‬
‫ً‬
‫قط قبل ذلك اليوم‬
‫يومئذ‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا نبي الله‪ ،‬إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا‪،‬‬
‫رجل من بني الديل بن بكر‪ ،‬وكانت‬
‫ً‬
‫فاستأجرا عبد الله بن أريقط‪,‬‬
‫على‬
‫يدلهما‬
‫ا‬
‫ً‬
‫مشرك‬
‫وكان‬
‫عمرو‪،‬‬
‫أمه امرأة من بني سهم بن‬
‫الطريق‪ ،‬فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما )‪.(3‬‬
‫وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل‬
‫مهمة‪ ،‬وفي ذلك الحديث‪ ...:‬قالت عائشة‪ :‬فبينما نحن يومًا جلوسًا‬
‫في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة‪ ،‬قال قائل لبي بكر‪ :‬هذا رسول‬
‫الله × متقنعًا )‪ ،(4‬في ساعة لم يكن يأتينا فيها‪ ،‬فقال رسول الله ×‬
‫ن عندك« فقال أبو بكر‪ :‬إنما هم أهلك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫لبي بكر‪» :‬أخرج َ‬
‫م ْ‬
‫»فإني قد أذن لي في الخروج« ‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬الصحبة بأبي أنت يا‬
‫رسول الله! قال رسول الله ×‪» :‬نعم« ‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فخذ بأبي‬
‫أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين‪ ،‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫»بالثمن« ‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فجهزناهما أحسن الجهاز‪ ،‬ووضعنا لهم‬
‫سفرة في جراب‪ ،‬فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها‬
‫النطاقين‪ ،‬ثم لحق‬
‫فربطت به على فم الجراب‪ ،‬فبذلك سميت ذات‬
‫رسول الله × وأبو بكر بغار في جبل ثور‪ ،‬فكمنا )‪ (5‬فيه ثلث ليالي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.107‬‬
‫الهاجرة‪ :‬نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو العصر‪.‬‬
‫متقنعا‪ :‬مغطيًا رأسه‪.‬‬
‫ً‬
‫السيرة النبوية لبن كثير‪(4) .234 ،2/233 :‬‬
‫كمنا فيه‪ :‬أي‪ :‬استترا واستخفيا‪ ،‬ومنه‪ :‬الكمين في الحرب‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلم شاب ثقف)‪ ،(1‬لقن )‪،(2‬‬
‫يبيت‬
‫)‪(3‬‬
‫عندهما‪(4‬بسحر‪ ،‬فيصبح مع قريش بمكة كبائت‪ ،‬فل‬
‫من‬
‫فيدلج‬
‫يسمع أمرا يكتادان ) به إل وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط‬
‫من( العشاء‪ ،‬فيبيتان في‬
‫الظلم‪ ،‬ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة‬
‫)وهو لبن منحهم ورضيفهما( )‪ (5‬ينعق )‪ 6‬بها عامر بن فهيرة‬
‫رسل‬
‫بغلس )‪ ،(7‬يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلث‪ ،‬واستأجر‬
‫بني عبد ابن‬
‫رسول الله × وأبو بكر رجلً من بني الديل وهو من‬
‫عدي هاديا خريتا )والخريت‪ :‬الماهر(‪ ،‬قد غمس حلفًا )‪ (8‬في آل‬
‫العاص بن وائل السهمي‪ ،‬وهو على دين كفار قريش‪ ،‬فأمناه فدفعا‬
‫إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعده غار ثور بعد ثلث‬
‫ليال براحلتيهما صبح ثلث‪ ،‬وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل‪،‬‬
‫فأخذ بهم‬
‫طريق السواحل)‪.(9‬‬
‫أحد حين خرج إل علي بن أبي طالب‪،‬‬
‫لم يعلم بخروج رسول الله ×‬
‫بكر‪ (،‬وجاء وقت الميعاد بين رسول الله × وأبي‬
‫وأبو بكر الصديق‪ ،‬وآل أبي‬
‫)‪10‬‬
‫‪ ‬فخرجا من خوخة‬
‫بكر ‪،‬‬
‫لبي بكر في ظهر بيته؛ وذلك للمعان في الستخفاء حتى ل تتبعهما‬
‫الليل على‬
‫قريش وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة‪ ،‬وقد اتعدا مع‬
‫ثلث ليال )‪ ،(11‬وقد‬
‫أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد‬
‫دعا النبي × عند خروجه من مكة إلى المدينة )‪ ،(12‬ووقف عند‬
‫وقال‪» :‬والله إنك لخير أرض الله‬
‫خروجه بالحزورة في سوق‬
‫مكة أني أ ُ‬
‫)‪(13‬‬
‫ت منك ما خرجت« ‪.‬‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ولول‬
‫وأحب أرض الله إلى الله‪،‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ ُ‬
‫ثم انطلق رسول الله وأبو بكر‪ ،‬والمشركون يحاولون أن يقتفوا‬
‫آثارهم حتى بلغوا الجبل –جبل ثور‪ -‬اختلط عليهم‪ ،‬فصعدوا الجبل‬
‫فمروا بالغار‪ ،‬فرأوا على بابه نسيج العنكبوت‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو دخل ها هنا‬
‫أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه )‪ ،(14‬وهذه من جنود الله ‪-‬عز‬
‫جُنودَ َرب ّ َ‬
‫و" ]المدثر‪.[31 :‬‬
‫ك إ ِل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫وجل‪َ + :-‬‬
‫وبالرغم من كل السباب التي اتخذها رسول الله × فإنه لم‬
‫يرتكن إليها مطلقًا‪ ،‬وإنما كان كامل الثقة في الله‪ ،‬عظيم الرجاء في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪13‬‬

‫‪14‬‬

‫)( ثقف‪ :‬ذو فطنة وذكاء‪ ،‬والمراد‪ :‬ثابت المعرفة بما يحتاج إليه‪ ،‬النهاية‪.1/216 :‬‬
‫)( لقن‪ :‬فهم حسن التلقي لما يسمعه‪ ،‬النهاية‪.4/266 :‬‬
‫)( يدلج‪ :‬أدلج إذا سار أول الليل‪ ،‬واّدلج بالتشديد‪ :‬إذا سار آخره‪.‬‬
‫)( يكتادان‪ :‬أي‪ :‬يطلب لهما فيه المكروه‪ ،‬وهو من الكيد‪.‬‬
‫)( الرضيف‪ :‬اللبن المرضوف‪ ،‬وهو الذي طرحت فيه الحجارة المحماة‪.‬‬
‫)( ينعق‪ :‬نعق بغنمه أي‪ :‬صاح بها وزجرها‪ ،‬القاموس المحيط‪.3/265 :‬‬
‫)( الغلس‪ :‬ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح‪ ،‬النهاية‪.3/377 :‬‬
‫حلفا‪ :‬أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به‪.‬‬
‫ً‬
‫)( غمس‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬باب هجرة النبي‪ ،‬ص ‪.395‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.334‬‬
‫)( خاتم النبيين لبي زهرة‪ ،1/659 :‬السيرة النبوية لبن كثير‪.2/234 :‬‬
‫)‪ (3‬الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪،‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن كثير‪.234 ،2/230 :‬‬
‫‪.‬‬
‫باب فضل مكة‪5/722:‬‬
‫)‪ (5‬الهجرة النبوية‬
‫)( مسند المام أحمد‪.1/348 :‬‬
‫المباركة‪ :‬ص ‪.72‬‬

‫‪41‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الدعاء بالصيغة التي علمه َالله إياها)‪ ،(1‬قال‬
‫نصره وتأييده‪ ،‬دائم‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫م‬
‫ني‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫أ‬
‫و‬
‫ق‬
‫د‬
‫ص‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫م‬
‫ني‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ ْ ِ‬
‫قل ّر ّ ْ ِ ِ‬
‫ُ َ َ‬
‫ُ ْ ْ َ ِ ْ ٍ َ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫صيًرا" ]السراء‪.[80 :‬‬
‫ن‬
‫نا‬
‫طا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ك‬
‫ن‬
‫د‬
‫ل‬
‫من‬
‫لي‬
‫عل‬
‫ج‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫وا ْ َ‬
‫ُ‬
‫ق َ‬
‫صد ْ ٍ‬
‫وفي هذه الية الكريمة دعاء ُيعلمه الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لنبيه ×‬
‫ليدعوه به‪ ،‬ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه‪ ،‬دعاء بصدق‬
‫المدخل وصدق المخرج‪ ،‬كناية عن صدق الرحلة كلها‪ ،‬بدئها وختامها‪،‬‬
‫أولها وآخرها‪ ،‬وما بين الول والخر‪ ،‬وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما‬
‫حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله‬
‫غيره‪ ،‬وللصدق كذلك ظلله؛ ظلل الثبات والطمئنان والنظافة‬
‫سل ْ َ‬
‫من ل ّدُن ْ َ‬
‫صيًرا"‪ ،‬قوة وهيبة‬
‫طاًنا ن ّ ِ‬
‫عل ّلي ِ‬
‫ج َ‬
‫وا ْ‬
‫ك ُ‬
‫والخلص‪َ + :‬‬
‫من‬
‫‪+‬‬
‫وكلمة‬
‫المشركين‪،‬‬
‫وقوة‬
‫الرض‬
‫سلطان‬
‫على‬
‫استعلى بهما‬
‫ِ‬
‫ل ّدُن ْ َ‬
‫ك" تصور القرب والتصال بالله والستمداد من عونه مباشرة‬
‫ماه‪.‬‬
‫واللجوء إلى ِ‬
‫ح َ‬
‫وصاحب الدعوة ل يمكن أن يستمد السلطان إل من الله‪ ،‬ول‬
‫يمكن أن يهاب إل بسلطان الله‪ ،‬ل يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي‬
‫جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله‪ ،‬والدعوة‬
‫ما‬
‫قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه‪ ،‬فيصبحون لها جندًا وخد ً‬
‫وخدمه‪،‬‬
‫فيفلحون‪ ،‬ولكنها هي ل تفلح إن كانت من جند السلطان‬
‫فهي من أمر الله‪ ،‬وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه )‪.(2‬‬
‫وعندما أحاط المشركون بالغار‪ ،‬وأصبح منهم رأي العين طمأن‬
‫الرسول × الصديق بمعية الله لهما‪ ،‬فعن أبي بكر الصديق ‪ ‬قال‪:‬‬
‫قدميه لبصرنا‪،‬‬
‫قلت للنبي × وأنا في الغار‪ :‬لو أن أحدهم نظر تحت‬
‫فقال‪» :‬ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟«)‪.(3‬‬
‫ف َ‬
‫صُروهُ َ‬
‫د‬
‫وسجل الحق َ‪-‬عز‬
‫ق ْ‬
‫وجل‪ -‬ذلك في قوله تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ثا‬
‫روا‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ه إ ِذْ أ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَر َ ُ‬
‫صَره ُ الل ُ‬
‫نَ ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ ِ‬
‫ف ِأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫نا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ح‬
‫صا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ر‬
‫غا‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال َ ِ ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫َ‬
‫فُروا‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ها‬
‫و‬
‫ر‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫د‬
‫نو‬
‫ج‬
‫ب‬
‫ه‬
‫د‬
‫ي‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كين َت َ َ ُ‬
‫ُ ِ‬
‫َ‬
‫ْ ْْ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫م" ]التوبة‪.[40 :‬‬
‫كي‬
‫ح‬
‫ز‬
‫زي‬
‫ع‬
‫ه‬
‫والل‬
‫يا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫و‬
‫لى‬
‫ف‬
‫س‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ال ّ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫وبعد ثلث ليال من دخول النبي × في الغار خرج رسول الله‬
‫× وصاحبه من الغار‪ ،‬وقد هدأ الطلب‪ ،‬ويئس المشركون من‬
‫الوصول إلى رسول الله‪ ،‬وقد قلنا‪ :‬إن رسول الله × وأبا بكر قد‬
‫رجل من بني الديل يسمى عبد الله بن أريقط‪ ،‬وكان‬
‫ً‬
‫استأجرا‬
‫مشرك ا وقد أمنا ُ ه فدفعا إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعداه غار ثور بعد ثلث‬
‫ً‬
‫فعل في الموعد المحدد‪ ،‬وسلك بهما‬
‫ً‬
‫ليال براحلتيهما‪ ،‬وقد جاءهما‬
‫قا غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار‬
‫طري ً‬
‫)‪(4‬‬
‫قريش‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( في ظلل القرآن‪.4/2247 :‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب مناقب المهاجرين‪ ،‬رقم‪،3653 :‬‬
‫ومسلم رقم‪.5381 :‬‬
‫)( المستفاد من قصص القرآن‪ ،‬عبد الكريم زيدان‪.2/101 :‬‬

‫‪42‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وفي أثناء الطريق إلى المدينة مر ّ النبي × بأم معبد )‪ (1‬في قديد )‪،(2‬‬
‫حيث مساكن خزاعة‪ ،‬وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى‬
‫كثير‪:‬‬
‫قصتها‪ ،‬وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير‪ ،‬وقال عنها ابن‬
‫ضا« )‪.(3‬‬
‫»‬
‫وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بع ً‬
‫وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي × حّيا أو‬
‫ميتا فله مائة‬
‫ً‬
‫ناقة‪ ،‬وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة‪،‬‬
‫وطمع سراقة بن‬
‫مالك بن جعشم في نيل المكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي‬
‫برسول الله × فأجهد نفسه لينال ذلك‪ ،‬ولكن الله بقدرته التي ل‬
‫يغلبها)‪(4‬غالب جعله يرجع مدافعًا عن رسول الله × بعد أن كان جاهدًا‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ×من مكة‪ ،‬كانوا‬
‫يفدون كل غداة إلى الحرة‪ ،‬فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة‪ ،‬فانقلبوا‬
‫أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على‬
‫بعدما‬
‫ً‬
‫يوم‬
‫ا‬
‫)‪(5‬‬
‫ينظر إليه‪ ،‬فبصر رسول الله ×وأصحابه مبيضين‬
‫لمر‬
‫آطامهم‬
‫من‬
‫أطم‬
‫)‪(7‬‬
‫فلم( يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته‪ :‬يا‬
‫السراب‬
‫‪،‬‬
‫)‪(6،‬يزول بهم‬
‫)‪8‬‬
‫معشر العرب هذا جدكمالذي تنتظرون‪ ،‬فثار المسلمون إلى السلح‬
‫حتى نزل بهم‬
‫فعدل بهم ذات اليمين‬
‫بظهر الحرة‪،‬‬
‫فتلقوا رسول الله ×‬
‫)‪(10‬‬
‫)‪(9‬‬
‫فقام أبو بكر‬
‫‪،‬‬
‫الول‬
‫ربيع‬
‫شهر‬
‫من‬
‫ثنين‬
‫ا‬
‫ال‬
‫يوم‬
‫في بني عوف‪ ،‬وذلك‬
‫حتى ظلل عليه بردائه‪ ،‬فعرف النا س رسول الله × عند ذلك )‪.(11‬‬
‫كان يوم وصول الرسول × وأبي بكر إلى المدينة يوم فرح‬
‫وابتهاج لم تَر المدينة يومًا مثله‪ ،‬ولبس الناس أحسن ملبسهم كأنهم‬
‫في يوم عيد‪ ،‬ولقد كان حقًا يوم عيد؛ لنه اليوم الذي انتقل فيه‬
‫السلم من ذلك الحيز الضيق في مكة إلى رحابة النطلق والنتشار‬
‫بهذه البقعة المباركة )المدينة(‪ ،‬ومنها إلى سائر بقائع الرض‪ .‬لقد‬
‫أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به‪ ،‬وبالشرف الذي‬
‫اختصهم الله به‪ ،‬فقد صارت بلدتهم موطًنا ليواء رسول الله‬
‫وصحابته المهاجرين‪ ،‬ثم لنصرة السلم‪ ،‬كما أصبحت موطنًا للنظام‬
‫السلمي العام التفصيلي بكل مقوماته‪ ،‬ولذلك خرج أهل المدينة‬
‫‪(12‬في فرح وابتهاج ويقولون‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬يا محمد يا رسول‬
‫يهللون‬
‫الله‪ ).‬وبعد هذا الستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في‬
‫تاريخ النسانية سار رسول الله × حتى نزل في دار أبي أيوب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫‪12‬‬

‫)( هي عاتكة بنت كعب الخزاعية‪.‬‬
‫)( وادي قديد يبعد عن الطريق المعبد حوالي ثمانية كيلو مترات‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.3/188 :‬‬
‫)( السيرة النبوية‪ ،‬عرض وقائع وتحليل أحداث‪.1/543 :‬‬
‫)‪ (3‬مبيضين‪ :‬عليهم ثياب بيض‪.‬‬
‫)( أطم‪ :‬كالحصن‪.‬‬
‫)( السراب‪ :‬أي يزول بهم السراب عن النظر بسبب عروضهم له‪.‬‬
‫)( جدكم‪ :‬حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه‪.‬‬
‫)( قال الحافظ ابن حجر‪ :‬هذا هو المعتمد‪ ،‬وشذ من قال‪ :‬الجمعة‪ ،‬الفتح‪:‬‬
‫‪.4/544‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪ (9) ,(8) .351‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص‬
‫‪.352‬‬
‫)‪ (10‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.354‬‬

‫‪43‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫النصاري ‪ ،(1) ‬ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي‬
‫النصاري‪.‬‬
‫وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات‪ ،‬فتغلب عليها‬
‫رسول الله × للوصول للمستقبل الباهر للمة والدولة السلمية‬
‫التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من‬
‫تغلبت على أقوى دولتين‬
‫اليمان والتقوى والحسان والعدل‪ ،‬بعد أن‬
‫كانتا تحكمان في العالم‪ ،‬وهما الفرس والروم )‪ ،(2‬وكان الصديق ‪‬‬
‫الساعد اليمن لرسول الله × منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ×‪ .‬وكان‬
‫ة وإيمانًا‪ ،‬يقينًا‬
‫أبو بكر ‪ ‬ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكم ً‬
‫ديقّية‪،‬‬
‫ً‬
‫وعزيمة‪ ،‬وتقوى‬
‫حا و ِ‬
‫ص ّ‬
‫وإخلصا‪ ،‬فإذا هذه الصحبة تثمر صل ً‬
‫وتصميما‪ ،‬إخلصًا وفهمًا‪ ،‬فوقف‬
‫ً‬
‫ذكرًا ويقظة‪ ،‬حّبا وصفاء‪ ،‬عزيمة‬
‫مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله × في سقيفة بني ساعدة‬
‫الردة‪ ،‬فأصلح ما‬
‫وغيرها من المواقف‪ ،‬وبعث جيش أسامة‪ ،‬وحروب‬
‫)‪(3‬‬
‫وم ما انحرف‪.‬‬
‫فسد وبنى ما ُ‬
‫هدم‪ ،‬وجمع ما تفرق‪ ،‬وق ّ‬
‫إن حادثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد‪،‬‬
‫منها‪:‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫صُروهُ َ‬
‫ه‬
‫ه إ ِذْ أ ْ‬
‫خَر َ‬
‫ج ُ‬
‫صَرهُ الل ُ‬
‫قد ْ ْ ن َ َ‬
‫ّ أول‪ :‬قال تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ح‬
‫صا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ر‬
‫غا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫ما‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ن إ ِذْ ُ َ ِ‬
‫َ ِ َ ِ ِ ِ‬
‫ال ِ‬
‫ِ ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫فُروا َثان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جُنوٍد‬
‫ب‬
‫ه‬
‫د‬
‫ي‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ن‬
‫كي‬
‫س‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ف‬
‫نا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫َ َ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫لَ َ ْ َ ْ ِ ّ‬
‫ُ َ ِ َ َ ُ َ ْ ِ َ ّ َ ُ ِ ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫و‬
‫لى‬
‫ف‬
‫س‬
‫ال‬
‫روا‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ِ‬
‫ها َ َ َ‬
‫ّ‬
‫ِ َ‬
‫َ ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫لّ ْ‬
‫ُ‬
‫م ت ََر ْ ْ‬
‫ْ‬
‫م" ]التوبة‪.[40 :‬‬
‫كي‬
‫ح‬
‫ز‬
‫زي‬
‫ع‬
‫ه‬
‫والل‬
‫يا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ ٌ َ ِ ٌ‬
‫ُ‬
‫ُ َ َ‬
‫ه َ‬
‫ففي هذه الية الكريمة دللة على أفضلية الصديق من سبعة‬
‫أوجه‪ ،‬ففي الية الكريمة من فضائل أبي بكر ‪:‬‬

‫‪ -1‬أن الكفار أخرجوه‪:‬‬
‫الكفار أخرجوا الرسول »ثاني اثنين«‪ ،‬فلزم أن يكونوا‬
‫أخرجوهما‪ ،‬وهذا هو الواقع‪.‬‬

‫‪ -2‬أنه صاحبه الوحيد‪:‬‬
‫الذي كان معه حين نصره الله؛ إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو‬
‫بكر‪ ،‬وكان ثاني اثنين الله ثالثهما‪.‬‬
‫ن"‪ ،‬ففي المواضع التي ل يكون مع النبي ×‬
‫قوله‪َ+ :‬ثان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫مع أكابر الصحابة إل واحد يكون هو ذلك الواحد؛ مثل سفره في‬
‫الهجرة‪ ،‬ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إل أبو بكر‪،‬‬
‫ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى السلم كان يكون معه‬
‫من أكابر الصحابة أبو بكر‪ ،‬وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره‬
‫باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ×‪.‬‬

‫‪ -3‬أنه صاحبه في الغار‪:‬‬
‫الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن‪ ،‬وقد أخرجا في‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (1‬انظر‪ :‬الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.355‬‬
‫)( في التاريخ السلمي‪ ،‬شوقي أبو خليل‪ ،‬ص ‪.226‬‬

‫‪44‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر ‪ ،‬قال‪ :‬نظرت إلى أقدام‬
‫المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬لو‬
‫أن أحدهم نظر إلى قدميه لبصرنا‪ .‬فقال ×‪» :‬يا أبا بكر‪ ،‬ما‬
‫ظنك باثنين الله ثالثهما«‪ (1).‬وهذا الحديث مع كونه مما اتفق‬
‫فلم يختلف في ذلك اثنان‬
‫أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول‪،‬‬
‫منهم‪ ،‬فهو مما دل القرآن على معناه )‪.(2‬‬

‫‪ -4‬أنه صاحبه المطلق‪:‬‬
‫قوله‪+ :‬إ ِذْ ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ه" ل يختص بمصاحبته في الغار؛ بل‬
‫صا ِ‬
‫حب ِ ِ‬
‫ل لِ َ‬
‫هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة‪ ،‬كما لم يشركه فيه غيره‬
‫فصار مختصا بالكملية من الصحبة‪ ،‬وهذا مما ل نزاع فيه بين أهل‬
‫قال من العلماء‪ :‬إن فضائل‬
‫العلم بأحوال النبي ×‪ ،‬ولهذا قال من‬
‫)‪(3‬‬
‫الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره‪.‬‬

‫‪ -5‬أنه المشفق عليه‪:‬‬

‫ن" يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محّبا‬
‫حَز ْ‬
‫قوله ‪+‬ل َ ت َ ْ‬
‫له‪ ،‬ناصًرا له حيث يحزن‪ ،‬وإنما يحزن النسان حال الخوف على من‬
‫يحبه‪ ،‬وكان حزنه على النبي × لئل يقتل ويذهب السلم‪ ،‬ولهذا لما‬
‫كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة‪ ،‬ووراءه تارة‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أذكر الرصد فأكون أمامك‪ ،‬وأذكر‬
‫فسأله النبي × عن‬
‫الطلب فأكون وراءك)‪ ،(4‬وفي رواية أحمد في كتاب »فضائل‬
‫الصحابة«‪ ...:‬فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه‪ ،‬فقال له‬
‫النبي ×‪» :‬ما لك؟« قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إذا كنت أمامك خشيت أن‬
‫تؤتى من وراءك‪ ،‬وإذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك‪ َ .‬قال‪:‬‬
‫مه‪..‬‬
‫لما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كما أنت حتى أقُ ّ‬
‫مه‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول‬
‫فلما رأى أبو بكر جحرًا في الغار فألقمها قد َ‬
‫الله‪ ،‬إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي )‪ .(5‬فلم يكن يرضى بمساواة‬
‫النبي؛ بل كان ل يرضى بأن يقتل رسول الله × وهو يعيش‪ ،‬كان‬
‫وماله‪ ،‬وهذا واجب على كل مؤمن‪،‬‬
‫يختار أن يفديه بنفسه وأهله‬
‫والصديق أقوم المؤمنين بذلك)‪.(6‬‬

‫‪ -6‬المشارك له في معية الختصاص‪:‬‬
‫عَنا" صريح في مشاركة الصديق للنبي × في‬
‫قوله‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق‪.‬‬
‫وهي تدل على أنه معهما بالنصر والتأييد‪ ،‬والعانة على عدوهما‪.‬‬
‫فيكون النبي × قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر ويعيننا‬
‫سل ََنا‬
‫عليهم‪ ،‬نصَر إكرام‬
‫صُر ُر ُ‬
‫ومحبة‪ ،‬كما قال الله تعالى‪+ :‬إ ِّنا ل ََنن ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫د" ]غافر‪:‬‬
‫ش‬
‫ال‬
‫م‬
‫قو‬
‫ي‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫و‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫ة‬
‫يا‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫ْ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ها ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫‪ .[51‬وهذا غاية المدح لبي بكر إذا دل على أنه ممن شهد له‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة رقم‪ ،3653 :‬مسلم رقم‪.1854 :‬‬
‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪،4/245 :‬‬
‫)( منهاج السنة‪.241 ،4/240 :‬‬
‫‪.252‬‬
‫)( أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ :‬ص ‪.43‬‬
‫)( منهاج السنة‪.263 ،4/262 :‬‬
‫)‪ (1‬منهاج السنة‪.4/263 :‬‬

‫‪45‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الرسول‬
‫باليمان المقتضي نصَر الله له مع رسوله في مثل هذا الحال التي‬
‫عامة‪(1‬الخلق إل‬
‫يخذل فيها‬
‫من نصره الله ) ‪.‬‬
‫وقال الدكتور عبد الكريم زيدان عن المعية في هذه الية‬
‫ه‬
‫الكريمة‪ :‬وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫ن‬
‫عَنا" أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ن" ]النحل‪[128 :‬؛ لن‬
‫ن ُ‬
‫ح ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫سُنو َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫هم ّ‬
‫ه َ‬
‫الل َ‬
‫وا َ‬
‫ق ْ‬
‫المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه‪ ،‬غير مقيدة بوصف هو عمل‬
‫برسوله( وصاحبه‪،‬‬
‫لهما‪ ،‬كوصف التقوى والحسان بل هي خاصة‬
‫كمقولة هذه المعية بالتأييد باليات وخوارق العادات )‪. 2‬‬

‫‪ -7‬أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر‪:‬‬

‫عل َيه َ‬
‫قال تعالى‪َ + :‬‬
‫فأ َن َْز َ‬
‫م‬
‫س ِ‬
‫وأي ّدَهُ ب ِ ُ‬
‫ه َ‬
‫جُنوٍد ل ّ ْ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫ل الل ُ‬
‫ه َ ْ ِ َ‬
‫ها" ]التوبة‪ ،[40 :‬فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد‬
‫و َ‬
‫ت ََر ْ‬
‫فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى‪ ،‬فلم يحتج‬
‫أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدللة الكلم والحال عليها‪ ،‬وإذا‬
‫علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال‬
‫لصاحبه فيها أعظم مما‬
‫السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس‬
‫لسائر الناس‪ ،‬وهذا من بلغة القرآن وحسن بيانه )‪.(3‬‬
‫ثانًيا‪ :‬فقه النبي × والصديق في التخطيط والخذ بالسباب‪:‬‬
‫إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الخذ‬
‫بالسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها‪ ،‬يدرك أن‬
‫التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله × كان قائمًا‪ ،‬وأن‬
‫التخطيط جزء من السنة النبوية‪ ،‬وهو جزء من التكليف اللهي في‬
‫كل ما طولب به المسلم‪ ،‬وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن‬
‫السنة‪(4،‬أمثال هؤلء مخطئون‬
‫التخطيط وإحكام المور ليسا من‬
‫ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين ) ‪.‬‬
‫فعندما حان وقت الهجرة للنبي × في التنفيذ نلحظ التي‪:‬‬
‫أ‪ -‬وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ما كان يكتنفها‬
‫من صعاب وعقبات‪ ،‬وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا‬
‫دراسة وافية‪ ،‬فمثلً‪:‬‬
‫‪ -1‬جاء × إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر؛ الوقت الذي ل‬
‫يخرج فيه أحد؛ بل من عادته لم يكن يأتي له‪ ،‬لماذا؟ حتى ل يراه‬
‫أحد‪.‬‬
‫‪ -2‬إخفاء شخصيته × أثناء مجيئه للصديق وجاء إلى بيت الصديق‬
‫ما؛ لن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه‬
‫متلث ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪.243 ،4/242 :‬‬
‫‪.2/100‬‬
‫)( منهاج السنة‪.4/272 :‬‬
‫)( الساس في السنة‪ ،‬سعيد حوى‪.3578 :‬‬

‫‪46‬‬

‫)‪ (3‬المستفاد من قصص القرآن‪:‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المتلثم )‪.(1‬‬
‫‪ -3‬أمر × أبا بكر أن يخرج من عنده‪ ،‬ولما تكلم لم ي ُِبن إل المر‬
‫بالهجرة دون‬
‫تحديد التجاه‪.‬‬
‫‪ -4‬وكان الخروج ليل ومن باب خلفي في بيت أبي بكر )‪.(2‬‬
‫‪ -5‬بلغ الحتياط مداه باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم‪ ،‬والستعانة‬
‫بذلك بخبير يعرف مسالك البادية‪ ،‬ومسارب الصحراء‪ ،‬وكان ذلك‬
‫الرسول‬
‫الخبير مشركًا ما دام على خلق ورزانة‪ ،‬وفيه دليل على أن‬
‫× كان ل يحجم على الستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها‪ (3).‬وقد‬
‫يبين الشيخ عبد الكريم زيدان أن القاعدة والصل عدم الستعانة‬
‫بغير المسلم في المور العامة‪ ،‬ولهذه القاعدة استثناء‪ ،‬وهو جواز‬
‫الستعانة بغير المسلم بشروط معينة‪ ،‬وهي‪ :‬تحقيق المصلحة أو‬
‫رجحانها بهذه الستعانة‪ ،‬وأن ل يكون ذلك على حساب الدعوة‬
‫ومعانيها‪ ،‬وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به‪ ،‬وأن ل تكون‬
‫هذه الستعانة مثار شبهة لفراد المسلمين‪ ،‬وأن تكون هناك حاجة‬
‫حقيقية لهذه الستعانة على وجه الستثناء‪ ،‬وإذا لم تتحقق لم تجز‬
‫الستعانة‪ (4).‬وقد كان الصديق ‪ ‬قد دعا أولده للسلم ونجح بفضل‬
‫الله في هذا الدور الكبير والخطير‪ ،‬وقام بتوظيف أسرته لخدمة‬
‫السلم ونجاح هجرة رسول الله ×‪ ،‬فوزع بين أولده المهام‬
‫الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة‪:‬‬

‫‪ -1‬دور عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما‪:‬‬
‫فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو‪،‬‬
‫لقد ربى عبد الله على حب دينه‪ ،‬والعمل لنصرته ببصيرة نافذة‬
‫وفطنة كاملة وذكاء متوقد‪ ،‬يدل على العناية الفائقة التي اتبعها‬
‫سيدنا أبو بكر في تربيته‪ .‬وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام‬
‫به خير قيام‪ ،‬وكان يتمثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع‬
‫أخبارهم وما يقولونه في نهارهم‪ ،‬ثم يأتي الغار إذا أمسى‪ ،‬فيحكي‬
‫للنبي × ولبيه الصديق ‪ ‬ما يدور بعقول أهل مكة وما يدبرونه‪،‬‬
‫واحدا من‬
‫ً‬
‫وقد أتقن عبد الله هذا الواجب بطريقة رائعة‪ ،‬فلم تأخذ‬
‫سا‪ ،‬حتى إذا اقترب‬
‫أهل مكة ريبة فيه‪ ،‬وكان يبيت عند‬
‫الغار حار ً‬
‫النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد )‪.(5‬‬

‫‪ -2‬دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما‪:‬‬
‫كان لسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة‪،‬‬
‫حيث قامتا عند قدوم النبي × إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز‬
‫طعام النبي × ولبيهما‪ ..‬تقول أم المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله‬
‫عنها‪ :-‬فجهزناهما )تقصد رسول الله × وأباها( أحسن الجهاز فصنعنا‬
‫لهما سفرة في جراب‪ ،‬فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( السيرة النبوية‪ ..‬قراءة لجوانب الحذر والحيطة‪ :‬ص ‪.141‬‬
‫)( معين السيرة للشامي‪ :‬ص ‪ (4) .147‬الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.361‬‬
‫)( المستفاد من قصص القرآن‪ (2) .145 ،2/144 :‬السيرة الحلبية‪،2/213 :‬‬
‫البداية والنهاية‪.3/182 :‬‬

‫‪47‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬

‫على فم الجراب‪ ،‬فلذلك سميت ذات النطاقين‪.‬‬

‫‪ -3‬دور أسماء في تحمل الذى وإخفاء أسرار المسلمين‪:‬‬
‫أظهرت أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬دور المسلمة الفاهمة لدينها‪،‬‬
‫المحافظة على أسرار الدعوة‪ ،‬المتحملة لتوابع ذلك من الذى‬
‫والتعنت‪ .‬فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول‪ :‬لما خرج رسول‬
‫الله × وأبو بكر ‪ ‬أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام‪،‬‬
‫فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬أين أبوك يا بنت‬
‫أبي بكر؟ قلت‪ :‬ل أدري والله أين أبي؟ قالت‪ :‬فرفع أبو جهل يده‬
‫فاحشً(ا خبيثًا‪ ،‬فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي‪ ،‬قالت‪ :‬ثم‬
‫وكان‬
‫انصرفوا‪. 2)..‬‬
‫فهذا درس من أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬تعلمه لنساء المسلمين‬
‫جيل بعد جيل‪ ،‬كيف تخفي أسرار المسلمين عن العداء‪ ،‬وكيف تقف‬
‫ً‬
‫صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم‪.‬‬

‫‪ -4‬دور أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في بث المان والطمأنينة‬
‫في البيت‪:‬‬
‫خرج أبو بكر ‪‬مع رسول الله ×ومعه ماله كله‪ ،‬وهو ما تبقى من‬
‫رأسماله‪ ،‬وكان خمسة آلف أو ستة آلف درهم‪ ،‬وجاء أبو قحافة ليتفقد‬
‫بيت ابنه ويطمئن على أولده‪ ،‬وقد ذهب بصره‪ ،‬فقال‪ :‬والله إني لراه‬
‫قد فجعكم بماله مع نفسه‪ ،‬قالت‪ :‬كل يا أبت‪ ،‬ضع يدك على هذا المال‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فوضع يده عليه‪ ،‬فقال‪ :‬ل بأس‪ ،‬إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن‪.‬‬
‫وفي هذا بلغ لكم‪.‬ل والله ما ترك لنا شيئًا‪ ،‬ولكني أردت أن أس ّ‬
‫كن‬
‫الشيخ بذلك )‪.(3‬‬
‫وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها‪ ،‬وسكن قلب جدها‬
‫الضرير من غير أن تكذب‪ ،‬فإن أباها قد ترك لهم حقا هذه الحجار التي‬
‫كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ‪ ،‬إل أنه قد ترك لهم معها إيمانا بالله ل‬
‫تزلزله الجبال‪ ،‬ول تحركه العواصف الهوج‪ ،‬ول يتأثر بقلة أو كثرة في‬
‫يقينوثقة به ل حد لهما‪ ،‬وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي‬
‫رثهم ا ً‬
‫المال‪ ،‬و ّ‬
‫مثال عّز أن‬
‫ً‬
‫المور‪ ،‬ول تلتفت إلى سفاسفها‪ ،‬فضرب بهم للبيت المسلم‬
‫يتكرر‪ ،‬وقل ّ أن يوجد نظيره‪.‬‬
‫لقد ضربت أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بهذه المواقف لنساء وبنات‬
‫س الحاجة إلى القتداء به‪ ،‬والنسج على‬
‫ن في أم ّ‬
‫المسلمين مثل ه ّ‬
‫منواله‪ ،‬وظلت أسماء مع أخواتها في مكة ل تشكو ضيقا‪ ،‬ول تظهر‬
‫حاجة‪ ،‬حتى بعث النبي × زيد بن حارثة وأبا رافع موله‪ ،‬وأعطاهما‬
‫بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة‪ ،‬فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم‬
‫ابنتيه‪ ،‬وسودة بنت زمعة زوجه‪ ،‬وأسامة بن زيد‪ ،‬وأمه بركة المكناة‬
‫عبد‪(4‬الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر‪ ،‬حتى‬
‫بأم أيمن‪ ،‬وخرج معهما‬
‫قدموا المدينة مصطحبين ) ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البداية والنهاية‪.3/184 :‬‬
‫الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.126‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام‪ ،2/102 :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫تاريخ الطبري‪ ،2/10 :‬الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.128‬‬

‫‪48‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -5‬دور عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ‪:‬‬
‫من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الكتراث‬
‫بأمره‪ ،‬لكن الدعاة الربانيين ل يفعلون ذلك‪ ،‬إنهم يبذلون جهدهم‬
‫لهداية من يلقونه‪ ،‬لذا أّدب الصديق ‪ ‬عامر بن فهيرة موله‬
‫وعلمه‪ ،‬فأضحى عامر جاهزًا لفداء السلم وخدمة الدين‪.‬‬
‫هامً في الهجرة‪ ،‬فكان يرعى‬
‫دورا ا‬
‫ً‬
‫وقد رسم له سيدنا أبو بكر ‪‬‬
‫الغنم مع رعيان مكة‪ ،‬لكن ل يلفت النظار لشيء‪ ،‬حتى إذا أمسى أراح‬
‫بغنم سيدنا أبي بكر على النبي ×فاحتلبا وذبحا‪ ،‬ثم يكمل عامر دور عبد‬
‫عائدا إلى‬
‫ً‬
‫الله بن أبي بكر حين يغدو من عنده رسول الله × وصاحبه‬
‫عبد الله ليعفي عليها‪ ،‬مما يعد ذكاء وفطنة في العداد‬
‫مكة‪ ،‬فيتتبع آثار‬
‫لنجاح الهجرة )‪.(1‬‬
‫وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتم المسلمون‬
‫بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها‪ ،‬ويعاملونهم على‬
‫كونهم ب َ َ‬
‫شًرا أولً‪ ،‬ثم يعلمونهم السلم‪ ،‬فلعل الله يجعل منهم من‬
‫يحمل هذا الدين كما ينبغي‪.‬‬
‫إن ما قام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة ×‬
‫في هجرته يدل على تدبير للمور على نحو رائع دقيق‪ ،‬واحتياط‬
‫للظروف بأسلوب حكيم‪ ،‬ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة‬
‫في مكانه المناسب‪ ،‬وسد ّ لجميع الثغرات‪ ،‬وتغطية بديعة لكل‬
‫مطالب الرحلة‪ ،‬واقتصار على العدد اللزم من الشخاص من غير‬
‫قويا‬
‫ً‬
‫أخذًا‬
‫زيادة ول إسراف‪ .‬لقد أخذ الرسول × بالسباب المعقولة‬
‫حسب استطاعته وقدرته‪ ،‬ومن ثم باتت عناية الله متوقعة )‪.(2‬‬
‫إن اتخاذ السباب أمر ضروري وواجب‪ ،‬ولكن ل يعني ذلك دائما‬
‫حصول النتيجة؛ ذلك لن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته‪ ،‬ومن هنا‬
‫كان التوكل أمرًا ضروريًا وهو من باب استكمال اتخاذ السباب‪.‬‬
‫إن رسول الله × أعد كل السباب واتخذ كل الوسائل‪ ،‬ولكنه في‬
‫ويستنصره‪(3‬أن يكلل سعيه بالنجاح‪ ،‬وهنا‬
‫الوقت نفسه مع الله يدعوه‬
‫يستجاب الدعاء‪ ،‬ويكلل العمل النجاح ) ‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬جندية الصديق الرفيعة وبكاؤه من الفرح‪:‬‬
‫تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ‪ ،‬فأبو بكر‬
‫‪ ‬عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله ×‪» :‬ل‬
‫تعجل‪ ،‬لعل الله يجعل لك صاحًبا«‪ ،‬فقد بدأ في العداد‬
‫والتخطيط للهجرة »فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما‬
‫إعداًدا لذلك«‪ .‬وفي رواية البخاري‪ :‬وعلف راحلتين كانتا عنده‪ ،‬ورق‬
‫السمر )وهو الخبط( أربعة أشهر‪ ،‬لقد كان يدرك بثاقب بصره ‪‬‬
‫قائدا( أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة‬
‫ً‬
‫)وهو الذي تربى ليكون‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.115‬‬
‫)( أضواء على الهجرة لتوفيق محمد‪ :‬ص ‪.397 -393‬‬
‫)( من معين السيرة‪ :‬ص ‪.148‬‬

‫‪49‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫خر أسرته لخدمة النبي‬
‫ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ورتب تموينها‪ ،‬وس ّ‬
‫×‪ ،‬وعندما جاء رسول الله × وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج‬
‫والهجرة بكى من شدة الفرح‪ ،‬وتقول عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في‬
‫أحدا يبكي من‬
‫ً‬
‫هذا الشأن‪ :‬فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن‬
‫الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ‪ ،‬إنها قمة الفرح البَ َ‬
‫شري‪ ،‬أن‬
‫يتحول الفرح إلى بكاء‪ ،‬ومما قال الشاعر عن هذا‪:‬‬
‫سيزورني فاستعبرت أجفاني‬
‫وََرد َ الكتاب من الحبيب بأنه‬
‫من فرط ما قد سرني‬
‫أبكاني‬
‫تبكين من فرح ومن أحزان‬

‫علي حتى إنني‬
‫ّ‬
‫غلب السرور‬

‫يا عين صار الدمع عندك‬
‫عادة‬
‫فالصديق ‪ ‬يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة‬
‫رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على القل‪ ،‬وهو الذي سيقدم‬
‫حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى ×‪ ،‬فأي فوز في هذا الوجود‬
‫ومن‬
‫يفوق هذا الفوز‪ ،‬أن ينفرد الصديق وحده من دون أهل الرض‬
‫)‪(1‬‬
‫دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة‪.‬‬
‫وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من‬
‫أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلًلما ينبغي أن يكون عليه جندي‬
‫الدعوة الصادق مع قائده المين‪ ،‬حين يحدق به الخطر‪ ,‬من خوف‬
‫وإشفاق على حياته‪ ،‬فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه‬
‫الموت‪ ،‬ولو كان كذلك لما رافق رسول الله ×في هذه الهجرة‬
‫الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع‬
‫الكريم‪ ،×(2‬وعلى‬
‫رسول الله ‪×،‬ولكنه كان يخشى على حياة الرسول‬
‫)‬
‫مستقبل السلم إن وقع الرسول ×في قبضة المشركين‪.‬‬
‫ويظهر الحس المني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي × في‬
‫مواقف كثيرة منها‪ ،‬حين أجاب السائل‪ :‬من هذا الرجل الذي بين‬
‫يديك؟ فقال‪ :‬هذا هاد ٍ يهديني السبيل‪ ،‬فظن السائل بأن الصديق‬
‫على حسن‬
‫يقصد الطريق‪ ،‬وإنما كان يقصد سبيل الخير‪ ،‬وهذا يدل‬
‫فرارا من الحرج أو الكذب‪ (3).‬وفي‬
‫ً‬
‫استخدام أبي بكر للمعاريض‬
‫إجابته للسائل تورية وتنفيذ‬
‫رسول الله ×؛ لن الهجرة كانت سّرا‪،‬‬
‫من‬
‫للتربية المنية التي تلقاها‬
‫وقد أقره الرسول × على ذلك )‪.(4‬‬
‫رابًعا‪ :‬فن قيادة الرواح وفن التعامل مع النفوس‪:‬‬
‫يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله‬
‫× في الهجرة‪ ،‬كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة‬
‫الحبيب المصطفى ×‪ ،‬وهذا الحب الرباني كان نابعا من القلب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (1‬التربية القيادية‪.192 ،2/191 :‬‬
‫)( السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي‪.71 :‬‬
‫)‪ (1‬الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.204‬‬
‫)( السيرة النبوية دروس وعبر‪ ،‬للسباعي‪ :‬ص ‪.68‬‬
‫فارس‪ :‬ص ‪.54‬‬

‫‪50‬‬

‫)‪ (2‬الهجرة النبوية‪ ،‬لبي‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وبإخلص‪ ،‬ولم يكن حب نفاق أو نابعًا من مصلحة دنيوية‪ ،‬أو رغبة‬
‫من منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع‪ .‬ومن أسباب هذا الحب لرسول‬
‫الله × صفاته القيادية الرشيدة‪ ،‬فهو يسهر ليناموا‪ ،‬ويتعب‬
‫ليستريحوا‪ ،‬ويجوع ليشبعوا‪ ،‬كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم‪ ،‬فمن‬
‫سلك سنن الرسول × مع صحابته‪ ،‬في حياته الخاصة والعامة‪،‬‬
‫وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم‪ ،‬وكان عمله لوجه الله‪ ،‬أصابه‬
‫الحب( إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة‬
‫هذا‬
‫السلم )‪. 1‬‬
‫وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهداوي عندما قال‪:‬‬
‫ظهرت عليه مواهب الفتاح‬
‫ن عبده‬
‫فإذا أحب الله باط َ‬
‫مال العباد عليه بالرواح‬

‫وإذا صفت لله نية مصلح‬

‫)‪(2‬‬

‫إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الرواح قبل كل‬
‫شيء‪ ،‬وتستطع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها‪ ،‬وعلى قدر‬
‫إحسان القيادة يكون إحسان الجنود‪ ،‬وعلى قدر البذل من القيادة‬
‫يكون الحب من الجنود‪ ،‬فقد كان × رحيمًا وشفوقًا بجنوده وأتباعه‪،‬‬
‫فهو لم يهاجر إل بعد أن هاجر معظم أصحابه‪ ،‬ولم يبق إل‬
‫المستضعفون والمفتونون‪ ،‬ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة )‪.(3‬‬
‫والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله ×كان لله‪ ،‬ومما يبين‬
‫الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي × مخلصًا لله‪،‬‬
‫وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه ل لله‪ ،‬فتقبل الله عمل أبي بكر‬
‫ه ي َت ََز ّ‬
‫ها الت ْ َ‬
‫ذي ي ُ ْ‬
‫كى ‪‬‬
‫قى ‪ ‬ال ّ ِ‬
‫سي ُ َ‬
‫جن ّب ُ َ‬
‫و َ‬
‫مال َ ُ‬
‫ؤِتي َ‬
‫وأنزل فيه قوله‪َ + :‬‬
‫ع َ‬
‫ّ‬
‫لى ‪‬‬
‫ج‬
‫و‬
‫ء‬
‫غا‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ل‬
‫إ‬
‫‪‬‬
‫زى‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ة‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫من‬
‫َ‬
‫ه َرب ّه ِ ال ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حدٍ ِ‬
‫َ ْ ِ‬
‫عن ْدَهُ ِ‬
‫ْ َ ٍ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ما ل َ‬
‫و ََ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫‪[21‬وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله‪ ،‬بل‬
‫ضى" ]الليل‪، -17 :‬‬
‫س‬
‫ف ي َْر َ‬
‫و َ‬
‫ول َ ْ‬
‫َ‬
‫أدخله النار؛ لنه كان مشركًا عاملًلغير الله‪ ،‬وأبو بكر لم يطلب أجره‬
‫ول من غيره‪ ،‬بل آمن به وأحبه وكله وأعانه‬
‫من الخلق‪ ،‬ل من النبي ×‬
‫وطالبًالجر من الله‪ ،‬ويبلغ عن الله أمره‬
‫ا‬
‫إلى الله‬
‫متقرب بذلك‬
‫اً‬
‫في الله‪،‬‬
‫ونهيه ووعده ووعيده )‪.(4‬‬

‫سا‪ :‬مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة‪:‬‬
‫خام ً‬
‫وأصحابه عن البلد المين تضحية عظيمة عبر‬
‫كانت هجرة النبي ×‬
‫إنك لخير أرض الله وأحب)‪(5‬أرض‬
‫والله‬
‫عنها النبي × بقوله‪» :‬‬
‫خرجت منك ما خرجت« ‪.‬‬
‫الله إلى الله‪ ،‬ولول أني أ ُ ْ‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬لما قدم رسول الله ×‬
‫المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى‪ ،‬وكان واديها يجري‬
‫نجل )يعني ماء آجنا( فأصاب أصحابه منها بلء وسقم‪ ،‬وصرف الله‬
‫ذلك عن نبيه‪ ،‬قالت‪ :‬فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلل في بيت‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الحركة السنوسية‪ ،‬للصلبي‪.2/7 :‬‬
‫السيرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.205‬‬
‫الفتاوى لبن تيمية‪.11/286 :‬‬
‫الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬باب فضل مكة‪ ،5/722 :‬رقم‪.3925 :‬‬

‫‪51‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫واحد‪ ،‬فأصابتهم الحمى‪ ،‬فاستأذنت رسول الله × عيادتهم فأذن‪،‬‬
‫فدخلت إليهم أعودهم ‪-‬وذلك قبل)‪(1‬أن يضرب علينا الحجاب‪ -‬وبهم ما‬
‫ل يعلمه إل الله من شدة الوعك ‪ ،‬فدنوت من أبي بكر فقلت‪ :‬يا‬
‫أبت‪ ،‬كيف تجدك؟ فقال‪:‬‬
‫والموت أدنى من شراك‬
‫كل امرئ مصبح في أهله‬
‫نعله‬
‫قالت‪ :‬فقلت‪ :‬والله ما يدري أبي ما يقول‪ ،‬ثم دنوت من عامر بن‬
‫فهيرة فقلت‪ :‬كيف تجدك يا عامر؟ فقال‪:‬‬
‫إن الجبان حتفه من فوقه‬
‫لقد وجدت الموت قبل ذوقه‬
‫كل امرئ مجاهد بطوقه‬

‫)‪(2‬‬

‫كالثور يحمي جلده بروقه‬

‫)‪(3‬‬

‫وكان بلل إذا‬
‫قالت‪ :‬قلت‪ :‬والله ما يدري عامر ما يقول‪ .‬قالت‪:‬‬
‫أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته )‪ ،(4‬ويقول‪:‬‬
‫بواد وحولي إذخر )‪ (5‬وجليل‬
‫أل ليت شعري هل أبيتن ليلة‬
‫وطفيل‬

‫وهل أرَِدن يوما مياه مجنة‬

‫)‪(6‬‬

‫قالت‪ :‬فأخبرت رسول الله × بذلك فقال‪» :‬اللهم حبب إلينا‬
‫المدينة كحبنا مكة أو أشد‪ ،‬اللهم وصححها وبارك لنا‬
‫ماها واجعلها بالجحفة« )‪.(7‬‬
‫في مدها وصاعها‪،‬وانقل ح ّ‬
‫وقد استجاب الله دعاء نبيه ×‪ ،‬وعوفي المسلمون بعدها من‬
‫الوافدين والمهاجرين‬
‫هذه الحمى‪ ،‬وغدت المدينة موطًنا ممتاًزا لكل‬
‫إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم )‪.(8‬‬
‫شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخى بين المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أقام المسجد‪،‬‬
‫وأبرم المعاهدة مع اليهود‪ ،‬وبدأت حركة السرايا‪ ،‬واهتم بالبناء‬
‫القتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫رضي الله عنه‪ -‬وزير صدق لرسول الله × ولزمه في كل أحواله‪،‬‬‫يغب عن مشهد من المشاهد‪ ،‬ولم يبخل بمشورة أو مال أو‬
‫ولم‬
‫)‪(9‬‬
‫رأي‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)‪ (4‬بطوقه‪ :‬بطاقته‪.‬‬

‫)( الوعك‪ :‬الحمى‪.‬‬
‫)‪ (5‬بروقه‪ :‬بقرنه‪.‬‬
‫)( عقيرته‪ :‬صوته‪.‬‬
‫)( إذخر‪ :‬نبات طيب الرائحة‪.‬‬
‫)( شامة وطفيل‪ :‬جبلن مشرفان على مجنة على بريد مكة‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الدعوات‪ ،‬باب الدعاء برفع الوباء والوجع‪ ،‬رقم‪.6372 :‬‬
‫)( التربية القيادية‪.2/310 :‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.121‬‬

‫‪52‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الرابع‬
‫الصديق في ميادين الجهاد‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبا بكر شهد مع النبي × بدًرا‬
‫دا‪ ،‬وثبت مع رسول الله × يوم‬
‫والمشاهد كلها‪ ،‬ولم يفته منها مشه ً‬
‫أحد حين انهزم)‪(1‬الناس‪ ،‬ودفع إليه النبي × رايته العظمى يوم تبوك‬
‫وكانت سوداء ‪.‬‬
‫الصديق ‪‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬ولم يختلف أهل السير في أن أبا بكر‬
‫لم يتخلف عن رسول الله × في مشهد من المشاهد كلها )‪.(2‬‬
‫وقال الزمخشري‪ :‬إنه )يعني أبا بكر ‪ (‬كان مضافًا لرسول الله‬
‫× إلى البد‪ ،‬فإنه صحبه صغيرًا وأنفق ماله كبيرًا‪ ،‬وحمله إلى المدينة‬
‫براحلته وزاده‪ ،‬ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته‪ ،‬وزّوجه ابنته‪ ،‬ولم‬
‫يزل ملزمًا له سفرًا)‪(3‬وحضرًا‪ ،‬فلما توفي دفنه في حجرة عائشة‬
‫أحب النساء إليه × ‪.‬‬
‫وعن سلمة بن الكوع‪ :‬غزوت مع النبي × سبع غزوات‪ ،‬وخرجت‬
‫يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا‬
‫فيما‬
‫أسامة )‪.(4‬‬
‫ومن خلل هذا المبحث سنحاول أن نتتبع حياة الصديق ‪‬‬
‫الجهادية مع النبي ×‪ ،‬لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه وماله ورأيه‬
‫في نصرة دين الله تعالى‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أبو بكر ‪ ‬في بدر الكبرى‪:‬‬
‫شارك الصديق في غزوة بدر‪ ،‬وكانت في العام الثاني من‬
‫الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة‪ ،‬من أهمها‪:‬‬

‫‪ -1‬مشورة الحرب‪:‬‬

‫لما بلغ النبي من نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال‬
‫في‪ (6‬المر )‪ ،(5‬فقام أبو بكر‬
‫النبي × استشار رسول الله × أصحابه‬
‫فقال وأحسن‪ ،‬ثم قام عمر فقال وأحسن ) ‪.‬‬
‫‪ -2‬دوره في الستطلع مع النبي ×‪:‬‬
‫قام النبي × ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين‪،‬‬
‫خا من العرب‪ ،‬فسأله‬
‫وبينما هما يتجولن في تلك المنطقة لقيا شي ً‬
‫رسول الله × عن جيش قريش وعن محمد × وأصحابه وما بلغه‬
‫من أخبارهم‪ ،‬فقال الشيخ‪ :‬ل أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‪،‬‬
‫فقال له رسول الله ×‪» :‬إذا أخبرتنا أخبرناك« فقال‪ :‬أو ذاك‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الطبقات الكبرى‪ ،1/124 :‬صفة الصفوة‪.1/242 :‬‬
‫)‪ (3‬خصائص العشرة الكرام البررة‪.41 :‬‬
‫أسد الغابة‪.3/318 :‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب بعث النبي أسامة‪ ،‬رقم‪.4270 :‬‬
‫)‪ (2‬السيرة النبوية لبن هشام‪.2/447 :‬‬
‫صحيح البخاري‪ ،‬رقم‪.3952 :‬‬

‫‪53‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫دا وأصحابه‬
‫بذاك؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬فقال الشيخ‪ :‬فإنه بلغني أن محم ً‬
‫خرجوا يوم كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان‬
‫كذا وكذا ‪ -‬للمكان الذي به جيش المسلمين‪ -‬وبلغني أن قري ً‬
‫شا‬
‫خرجوا يوم كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان‬
‫كذا وكذا ‪-‬للمكان الذي فيه جيش المشركين فعل‪ -‬ثم قال الشيخ‪:‬‬
‫لقد أخبرتكما عما أردتما‪ ،‬فأخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»نحن من ماء«‪ ،‬ثم انصرف النبي × وأبو بكر)‪(1‬عن الشيخ‪ ،‬وبقي‬
‫هذا الشيخ يقول‪ :‬ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟‬
‫وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي ×‪ ،‬وقد تعلم أبو‬
‫بكر من رسول‬
‫سا كثيرة‪.‬‬
‫الله × درو ً‬
‫‪ -3‬في حراسة النبي × في عريشه‪:‬‬
‫الصفوف للقتال‪ ،‬رجع إلى مقر القيادة‬
‫عندما رتب ×‬
‫وكان عبارة عن عريش على تل مشرف على ساحة القتال‪،‬‬
‫‪ ،‬وكانت ثلة من شباب النصار‬
‫وكان معه فيه أبو بكر ‪‬‬
‫)‪(2‬‬
‫بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله × ‪,‬‬
‫عن هذا الموقف فقال‪ :‬يا‬
‫وقد تحدث علي بن أبي طالب ‪‬‬
‫أيها الناس‪ ،‬من أشجع الناس؟ فقالوا‪ :‬أنت يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني ما بارزني أحد إل انتصفت منه‪،‬‬
‫ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله × عري ًشا‪ ،‬فقلنا‪:‬‬
‫لئل يهوي إليه أحد من‬
‫من يكون مع رسول الله ×‬
‫المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر شاه ًرا‬
‫إليه أحد من‬
‫بالسيف على رأس رسول الله × ‪ ،‬ل يهوي‬
‫)‪(3‬‬
‫المشركين إل أهوى إليه‪ ،‬فهذا أشجع الناس‪.‬‬

‫‪ -4‬الصديق يتلقى البشارة بالنصر‪ ،‬ويقاتل بجانب رسول‬
‫الله ×‪:‬‬
‫بعد الشروع في الخذ بالسباب اتجه رسول الله × إلى ربه‬
‫يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه‪» :‬اللهم أنجز‬
‫لي ما وعدتني‪ ،‬اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل‬
‫دا«‪ .‬وما زال × يدعو‬
‫السلم فل تعبد في الرض أب ً‬
‫ويستغيث حتى سقط رداؤه‪ ،‬فأخذه أبو بكر وَرّده على منكبيه وهو‬
‫يقول‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كفاك مناشدتكم ربك فإنه منجز لك ما وعدك‬
‫)‪(4‬‬
‫م َ‬
‫م"‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫وأنزل الله ‪-‬عز وجل‪+ :-‬إ ِذْ ت َ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫وفي رواية ابن عباس قال‪ :‬قال النبي × يوم بدر‪» :‬اللهم إني‬
‫أنشدك عهدك ووعدك‪ ،‬اللهم إن شئت لم تعبد« فأخذ أبو‬
‫م‬
‫هَز ُ‬
‫سي ُ ْ‬
‫بكر بيده‪ ،‬فقال‪ :‬حسبك الله‪ ،‬فخرج × وهو يقول‪َ + :‬‬
‫ن الدّب َُر"‪ (5).‬وقد خفق النبي × خفقة وهو في‬
‫وّلو َ‬
‫م ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ج ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫ع َ‬
‫العريش ثم انتبه فقال‪ :‬أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله‪ ،‬هذا جبريل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫)‪ (4‬نفس المصدر السابق‪.2/233 :‬‬

‫سيرة ابن هشام‪.2/228 :‬‬
‫البداية والنهاية‪.272 ،3/271 :‬‬
‫مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب المداد بالملئكة ببدر‪ ،‬رقم‪.1763 :‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب قصة بدر‪ ،‬رقم‪.3953 :‬‬

‫‪54‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫)يعني الغبار(‪ ،‬قال‪ :‬ثم‬
‫آخذ بعنان فرسه يقوده‪ ،‬على ثناياه النقع‬
‫خرج رسول الله × إلى الناس فحّرضهم )‪.(1‬‬
‫ما في التجرد‬
‫وقد تعلم الصديق من هذا الموقف در ً‬
‫سا ربانًيا مه ً‬
‫النفسي وحظها‪ ،‬والخلوص واللجوء لله وحده‪ ،‬والسجود والجثي بين‬
‫خا في‬
‫يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره‪ ،‬وبقي هذا المشهد راس ً‬
‫ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله × في تنفيذه في‬
‫مثل هذه الساعات وفي مثل هذه المواطن‪ ،‬ويبقى هذا المشهد‬
‫سا لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي ×‬
‫در ً‬
‫وصحابته الكرام‪.‬‬
‫ولما اشتد أوار المعركة وحمي وطيسها نزل رسول الله ×‬
‫يذكرون( الله تعالى‪ ،‬وقد‬
‫وحرض على القتال والناس على مصافهم‬
‫دا وكان بجانبه الصديق )‪، 2‬‬
‫قاتل × بنفسه قتال ً شدي ً‬
‫وقد ظهرت منه شجاعة وبسالة منقطعة النظير‪ ،‬وكان على استعداد‬
‫لمقاتلة كل كافر عنيد ولو كان ابنه‪ ،‬وقد شارك ابنه عبد الرحمن في‬
‫هذه المعركة مع المشركين‪ ،‬وكان من أشجع الشجعان بين العرب‪،‬‬
‫ما في قريش‪ ،‬فلما أسلم قال لبيه‪ :‬لقد أهدفت‬
‫ومن أنفذ الرماة سه ً‬
‫فملت( عنك ولم‬
‫بدر‪،‬‬
‫يوم‬
‫«‬
‫واضح‬
‫كهدف‬
‫أمامي‬
‫لي »أي ظهرت‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ل عنك )‪. 3‬‬
‫أقتلك‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬لو أهدفت لي لم أ ِ‬

‫‪ -5‬الصديق والسرى‪:‬‬
‫قال ابن عباس ‪ :‬فلما أسروا السارى قال رسول الله × لبي‬
‫بكر وعمر‪» :‬ما ترون في هؤلء السارى؟« فقال أبو بكر‪ :‬يا‬
‫نبي الله‪ ،‬هم بنو العم والعشيرة‪ ،‬أرى أن نأخذ منهم فدية فتكون لنا‬
‫قوة على الكفار‪ ،‬فعسى الله أن يهديهم إلى السلم‪ ،‬فقال رسول‬
‫الله ×‪» :‬ما ترى يا ابن الخطاب؟« قال‪ :‬ل والله‪ ،‬يا رسول الله‪،‬‬
‫ما أرى الذي يراه أبو بكر‪ ،‬ولكني أرى أن تمكننا منهم فنضرب‬
‫ن علّيا من عقيل فيضرب عنقه‪ ،‬وتمكنني من فلن‬
‫أعناقهم‪ ،‬فتمك ّ َ‬
‫»نسيًبا لعمر« فأضرب عنقه‪ ،‬فإن هؤلء أئمة الكفر وصناديدها‪،‬‬
‫فهوى رسول الله × إلى ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت‪ ،‬فلما كان‬
‫الغد جئت فإذا برسول الله × وأبو بكر قاعدين يبكيان‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك‪ ،‬فإن وجدت‬
‫بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫ي أصحابك من أخذهم الفداء‪ ،‬ولقد‬
‫»أبكي للذي عرض عل ّ‬
‫)شجرة قريبة‬
‫«‬
‫الشجرة‬
‫هذه‬
‫من‬
‫أدنى‬
‫ي عذابهم‬
‫عرض عل ّ‬
‫ي َأن ي َ ُ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ما‬
‫‪+‬‬
‫وجل‪:-‬‬
‫عز‬‫الله‬
‫وأنزل‬
‫(‪،‬‬
‫َمن النبي ×‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫كو َ‬
‫َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ما َ‬
‫سَرى" ]النفال‪ ،[67 :‬إلى قوله‪َ + :‬‬
‫لل طَي ًّبا"‬
‫ف‬
‫ك ُُلوا ِ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬
‫م ّ‬
‫]النفال‪ ،[69 :‬فأحل الله لهم الغنيمة )‪.(4‬‬
‫وفي رواية عن عبد الله بن مسعود ‪ ‬قال‪ :‬لما كان يوم بدر‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬ما تقولون في هؤلء السرى؟« فقال‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ ،2/457 :‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ :‬ص ‪.125‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.3/278 :‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص ‪ (2) .94‬مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫‪.1763‬‬

‫‪55‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫قهم واستأن بهم؛ لعل الله‬
‫أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قومك وأهلك است َب ْ ِ‬
‫أن يتوب عليهم‪ .‬وقال عمر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أخرجوك وكذبوك‪ ،‬قربهم‬
‫فاضرب أعناقهم‪ .‬وقال عبد الله بن رواحة‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬انظر‬
‫وادًيا كثير الحطب‪ ،‬فأدخلهم فيه ثم اضرب عليهم ناًرا‪ ،‬فقال‬
‫العباس‪ :‬قطعت رحمك‪ .‬فدخل رسول الله × ولم يرد عليهم شيئا‪،‬‬
‫فقال ناس‪ :‬يأخذ بقول أبي بكر‪ ،‬وقال ناس‪ :‬يأخذ بقول عمر‪ ،‬وقال‬
‫ناس‪ :‬يأخذ بقول‬
‫عبد الله بن رواحة‪ ،‬فخرج عليهم رسول الله × فقال‪» :‬إن الله‬
‫ليلّين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن‪ ،‬وإن الله ليشد‬
‫قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة‪ ،‬وإن مثلك يا أبا بكر‬
‫عَبادُ َ‬
‫م َ‬
‫فْر‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م ِ‬
‫كمثل عيسى َ‪ ‬إذ قال‪ِ+ :‬إن ت ُ َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫عذّب ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫م" ]المائدة‪ ،[118 :‬وإن َمثلك يا عمر‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ك أن َ‬
‫لَ ُ‬
‫كي ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ب ل ت َذَْر َ‬
‫ض ِ‬
‫ح ّر ّ‬
‫ل ُنو ٌ‬
‫م َ‬
‫كمثل نوح؛ إذ قال‪َ + :‬‬
‫على الْر ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫قال‪:‬‬
‫إذ‬
‫موسى‬
‫كمثل‬
‫مثلك‬
‫وإن‬
‫‪،‬‬
‫را" ]نوح‪[26 :‬‬
‫كا ِ‬
‫ري َ‬
‫ن دَّيا ً‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫وال‬
‫فْر َ‬
‫زين َ ً‬
‫ت ِ‬
‫ملئ ِ ِ‬
‫و َ‬
‫سى َرب َّنا إ ِن ّك آت َي ْ َ‬
‫مو َ‬
‫وأ ْ‬
‫و َ‬
‫ل ُ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫‪َ +‬‬
‫ه ِ‬
‫سِبيل ِ َ‬
‫عَلى‬
‫س َ‬
‫ضّلوا َ‬
‫َِ‬
‫ك َرب َّنا اطْ ِ‬
‫ة الدّن َْيا َرب َّنا ل ِي ُ ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫في ال ْ َ‬
‫عن َ‬
‫م ْْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ي‬
‫تى‬
‫ح‬
‫نوا‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ف‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫لو‬
‫ق‬
‫لى‬
‫ع‬
‫د‬
‫د‬
‫ش‬
‫وا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ذا َ‬
‫وا ال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫أ ََ ِ‬
‫م" ]يونس‪ .(1)[88 :‬كان النبي × إذا استشار أصحابه أول من‬
‫الِلي َ‬
‫يتكلم أبو بكر في الشورى‪ ،‬وربما تكلم غيره‪ ،‬وربما لم يتكلم غيره‬
‫فيعمل برأيه وحده‪ ،‬فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه‪.‬‬
‫)‪(2‬‬

‫ثانًيا‪ :‬في أحد وحمراء السد‪:‬‬
‫سا صعًبا؛ فقد تفرقوا من حول‬
‫في يوم أحد تلقى المسلمون در ً‬
‫النبي ×‪ ،‬وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان‪ ،‬وشاع أن الرسول ×‬
‫قتل‪ ،‬وكان رد الفعل على الصحابة متبايًنا‪ ،‬وكان الميدان فسيحًا‪،‬‬
‫وكل مشغول بنفسه‪ ،‬شق الصديق الصفوف‪ ،‬وكان أول من وصل‬
‫إلى رسول الله ×‪ ،‬واجتمع إلى رسول الله أبو بكر وأبو عبيدة بن‬
‫الجراح‪ ،‬وعلي‪ ،‬وطلحة‪ ،‬والزبير‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬والحارث بن‬
‫الصمة‪ ،‬وأبو دجانة‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وغيرهم‪ ...‬رضي الله‬
‫الشعب من جبل أحد في محاولة‬
‫عنهم‪ ،‬وقصدوا مع رسول الله ×‬
‫لسترداد قوتهم المادية والمعنوية )‪.(3‬‬
‫وكان الصديق إذا ذكر أحدً ا قال‪ :‬ذلك يوم كله لطلحة‪ ،‬ثم‬
‫أنشأ يحدث قال‪ :‬كنت أول من فاء يوم أحد‪ ،‬فرأيت رجل‬
‫يقاتل في سبيل الله دونه‪ ،‬قلت‪ :‬كن طلحة‪ ،‬حيث فاتني ما‬
‫فاتني‪ ،‬وكان بيني وبين المشركين رجل ل أعرفه‪ ،‬وأنا أقرب‬
‫منه‪ ،‬وهو يختطف المشي خطفً ا ل أخطفه‬
‫إلى رسول الله ×‬
‫فإذا هو أبو عبيدة‪ ،‬فانتهينا إلى رسول الله × وقد كسرت‬
‫رباعيته وشج وجهه‪ ،‬وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق‬
‫المغفر‪ ،‬قال رسول الله × ‪ » :‬عليكما صاحبكما ‪ -‬يريد‬
‫«‪ ،‬فلم نلتفت إلى قوله‪ ،‬قال‪ :‬ذهبت لنزع‬
‫طلحة ‪ -‬فقد نزف‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫)( مسند أحمد‪ ،1/373 :‬تفسير ابن كثير‪ (2) .2/325 :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد‬
‫مال الله‪ :‬ص ‪325‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪/‬عاطف لماضة‪ :‬ص ‪.27‬‬

‫‪56‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫من وجهه‪ ،‬فقال أبو عبيدة‪ :‬أقسم عليك بحقي لما تركتني‪،‬‬
‫فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله × ‪ ،‬فأرزم عليه بفيه‬
‫فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الخرى مع الحلقة‪،‬‬
‫فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هت ً ما‪ .‬فأصلحنا من شأن‬
‫‪ ،‬ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار‪ ،‬فإذا به‬
‫رسول الله ×‬
‫طعنة ورمية وضربة‪ ،‬وإذا قد قطعت‬
‫بين‬
‫من‬
‫وسبعون‬
‫بضع‬
‫إصبعه فأصلحنا من شأنه)‪.(1‬‬
‫وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان‬
‫عندما سأل وقال‪ :‬أفي القوم محمد؟ ثلث مرات‪ ،‬فنهاهم النبي‬
‫× أن يجيبوه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلث مرات‪،‬‬
‫فنهاهم النبي × أن يجيبوه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن الخطاب؟‬
‫ثلث مرات‪ ،‬ثم رجع إلى أصحابه فقال‪ :‬أما هؤلء فقد قتلوا )‪.(2‬‬
‫فهذا يدل على ظن‬
‫أبي سفيان زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة السلم وأساسه؛‬
‫رسول الله ×‬
‫وأبو بكر وعمر )‪.(3‬‬
‫وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين‬
‫ويستأصلوا شأفتهم‪ ،‬كان التخطيط النبوي الكريم قد سبقهم‬
‫وأبطل كيدهم‪ ،‬وأمر رسول الله × المسلمين مع ما بهم من‬
‫جراحات وقرح شديد للخروج من إثر المشركين‪ ،‬فاستجابوا لله‬
‫ولرسوله مع ما بهم من البلء وانطلقوا‪ ،‬فعن عائشة ‪-‬رضي الله‬
‫جا ُبوا‬
‫عنها‪ -‬قالت لعروة بن الزبير َفي قوله تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫ست َ َ‬
‫ن َا ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫س ُنوا‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ع ِ‬
‫ل َ ِ‬
‫لل ِ‬
‫ر ُ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ح ل ِل ّ ِ َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ر ُ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫ما أ َ‬
‫ق ْ‬
‫سو ِ‬
‫وال ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م" ]آل عمران‪ ، [172 :‬يا ابن أختي كان‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ج‬
‫أ‬
‫وا‬
‫ق‬
‫ت‬
‫وا‬
‫م‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ ٌ‬
‫ْ ٌ‬
‫من ْ ُ ْ َ ّ ْ‬
‫أبوك منهم‪ :‬الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله × ما أصاب‬
‫يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال‪» :‬من‬
‫في( إثرهم؟« فانتدب منهم سبعين رجل‪ :‬كان فيهم أبو بكر‬
‫يذهب‬
‫والزبير )‪. 4‬‬

‫ثالًثا‪ :‬في غزوة بين النضير وبني المصطلق وفي الخندق‬
‫وبني قريظة‪:‬‬
‫أ‪ -‬خرج النبي × إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين الذين‬
‫قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ؛ لن عمرًا لم‬
‫يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي ×‪ ،‬وكان بين بني النضير‬
‫وبني عامر حلف وعهد‪ ،‬فلما آتاهم النبي × قالوا‪ :‬نعم يا أبا القاسم‬
‫نعينك على ما أحببت‪ ،‬ثم خل بعضهم ببعض فقالوا‪ :‬إنكم لن تجدوا‬
‫الرجل على مثل حاله هذه‪ ،‬ورسول الله × إلى جنب جدار من‬
‫بيوتهم قاعد‪ ،‬قالوا‪ :‬فمن يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة‬
‫فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال‪ :‬أنا‬
‫لذلك‪ ،‬فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال‪ ،‬ورسول الله × في نفر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫منحة المعبود‪ ،2/19 :‬نقل عن تاريخ الدعوة السلمية‪ :‬ص ‪.130‬‬
‫الفتح‪ ،2/188 :‬الفتح‪.7/405 :‬‬
‫مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة‪ :‬ص ‪.28‬‬
‫مسلم‪ ،‬رقم‪.2418 :‬‬

‫‪57‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي‪ ،‬فأتى رسول الله × الخبر من‬
‫السماء مما أراد القوم‪ ،‬فقام وخرج إلى المدينة‪ ،‬فلما استلبث النبي‬
‫مقبل من المدينة فسألوه عنه‬
‫ً‬
‫أصحابه قاموا في طلبه‪ ،‬فرأوا رجلً‬
‫فقالوا‪ :‬رأيته داخلً المدينة‪ ،‬فأقبل أصحاب النبي × حتى انتهوا إليه‪،‬‬
‫فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به‪.‬‬
‫فبعث النبي × محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره‬
‫وبلده‪ ،‬فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم‬
‫بالنصر‪ ،‬فقويت نفوسهم‪ ،‬وحمى حيي بن أخطب‪ ،‬وبعثوا إلى رسول‬
‫الله × أنهم ل يخرجون‪ ،‬ونابذوه ينقض العهد‪ ،‬فعند ذلك أمر رسول‬
‫الله × الناس بالخروج إليهم‪ ،‬فحاصروهم خمس عشرة ليلة‬
‫فتحصنوا في الحصون‪ ،‬فأمر رسول الله × بقطع النخيل والتحريق‪،‬‬
‫لهم‪(1‬ما حملت البل من أموالهم إل الحلقة‪،‬‬
‫ثم أجلهم على أن‬
‫فنزلت سورة الحشر ) ‪.‬‬
‫ب‪ -‬بنو المصطلق‪:‬‬
‫أراد بنو المصطلق أن يغزوا المدينة‪ ،‬فخرج لهم رسول الله في‬
‫أصحابه‪ ،‬فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق‬
‫)ويقال‪ :‬إلى عمار بن ياسر(‪ ،‬وراية النصار إلى سعد ابن عبادة‪ ،‬ثم‬
‫أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا‪ :‬ل إله إل الله‬
‫تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم‪ ،‬فأبوا‪ ،‬فتراموا بالنبل‪ ،‬ثم أمر رسول‬
‫الله × المسلمين فحملوا حملة رجل واحد‪ ،‬فما أفلت منهم رجل‬
‫عشرة وأسر سائرهم‪ ،‬ولم يقتل من المسلمين‬
‫واحد‪ ،‬وقتل منهم‬
‫سوى رجل واحد )‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬في الخندق وبني قريظة‪:‬‬
‫كان الصديق في الغزوتين مرافقا للنبي ×‪ ،‬وكان يوم الخندق‬
‫يحمل التراب في ثيابه‪ ،‬وساهم مع الصحابة للسراع في إنجاز حفر‬
‫قياسي‪ ،‬مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في‬
‫الخندق في زمن‬
‫مواجهة المشركين )‪.(3‬‬

‫رابًعا‪ :‬في الحديبية‪:‬‬
‫خرج رسول الله × في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد‬
‫زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة‪،‬‬
‫وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه‪ ،‬وليعلم‬
‫الناس أنه إنما خرج زائرًا لتعظيم بيت الله الحرام‪ ،‬فبعث النبي ×‬
‫عينا له من خزاعة‪ ،‬فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده‬
‫ً‬
‫عن الكعبة‪ ،‬فقال‪» :‬أشيروا‬
‫ي أيها الناس«‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬خرجت عامدًا‬
‫عل ّ‬
‫لهذا البيت ل تريد‬
‫حربه أو قتل أحد‪ ،‬فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه‪ ،‬قال‪» :‬امضوا‬
‫على اسم الله«‪ ،‬وقد ثارت قريش وحلفوا أن ل يدخل الرسول ×‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب حديث بني النضير‪ ،5/217 :‬مغازي الواقدي‪:‬‬
‫‪ ،1/363‬البداية والنهاية‪.4/86 :‬‬
‫)‪ (3‬مواقف الصديق مع النبي في‬
‫)( البداية والنهاية‪.4/157 :‬‬
‫المدينة‪ :‬ص ‪.23‬‬

‫‪58‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مكة عنوة‪ ،‬ثم قامت المفاوضات بين أهل‬
‫× على إجابة أهل مكة على‬
‫مكة ورسول الله ×‪ ،‬وقد عزم النبي‬
‫طلبهم إن أرادوا شيئًا فيه صلة رحم )‪.(1‬‬

‫أ‪ -‬في المفاوضات‪:‬‬
‫جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي ×‪ ،‬وكان أول من أتى بديل‬
‫بن ورقاء من خزاعة‪ ،‬فلما علم بمقصد النبي × والمسلمين رجع‬
‫إلى أهل مكة‪ ،‬ثم جاء مكرز بن حفص ثم الحليس ابن علقمة ثم‬
‫عروة بن مسعود الثقفي‪ ،‬فدار هذا الحوار بين النبي × وعروة بن‬
‫مسعود الثقفي‪ ،‬واشترك في هذا الحوار أبو بكر ‪ ‬وبعض أصحابه‬
‫)‪.(2‬‬
‫قال عروة‪ :‬يا محمد‪ ،‬أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى‬
‫بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل‬
‫)أي‪ :‬خرجت رجال ونساء‪ ،‬صغارا وكبارا( قد لبسوا جلود النمور‬
‫يعاهدون الله أل تدخلها عليهم عنوة‪ ،‬وايم الله لكأني بهؤلء )يقصد‬
‫أصحاب النبي ×( قد انكشفوا عنك!!‪.‬‬
‫فقال أبو)‪(4‬بكر‪ :‬امصص بظر )‪ (3‬اللت ‪-‬وهي صنم ثقيف‪ -‬أنحن ن َفِّر‬
‫عنه وندعه؟ فقال‪ :‬من ذا؟ قالوا‪ :‬أبو بكر‪ ،‬قال‪ :‬أما والذي نفسي‬
‫بيده لول يد كانت لك عندي لم أجزك بها لجبتك‪ ،‬وكان الصديق قد‬
‫أحسن إليه قبل ذلك‪ ،‬فرعى حرمته ولم يجاوبه عن هذه الكلمة‪،‬‬
‫ولهذا قال من قال من العلماء‪ :‬إن هذا يدل على جواز التصريح‬
‫باسم العورة للحاجة والمصلحة‪ ،‬وليس من الفحش المنهي عنه )‪.(5‬‬
‫لقد حاول عروة بن مسعود أن يشن حرًبا نفسية على المسلمين‬
‫حتى يهزمهم معنويًا‪ ،‬ولذلك لوح بقوة المشركين العسكرية‪ ،‬معتمدا‬
‫على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش ل‬
‫محالة‪ ،‬وحاول أن يوقع الفتنة والرباك في صفوف المسلمين؛ وذلك‬
‫حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده‪ ،‬عندما قال للنبي ×‪:‬‬
‫خليقا أن يفروا ويدعوك‪ ،‬وكان رد الصديق‬
‫ً‬
‫أجمعت أوباشًا من الناس‬
‫ما ومؤثرا في معنويات عروة ونفسيته‪ ،‬فقد كان موقف الصديق‬
‫صار ً‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫نوا‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫فيها‪:‬‬
‫الله‬
‫قال‬
‫التي‬
‫اليمانية‬
‫العزة‬
‫غاية‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫فيَزُنوا وأ َن ْت ُم ال َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[139 :‬‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ح‬
‫ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫و َ‬
‫تَ ْ‬
‫مِني َ‬
‫ن ك ُن ُْتم ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬

‫ب‪ -‬موقفه من الصلح‪:‬‬

‫ولما توصل المشركون مع رسول الله × إلى الصلح بقيادة سهل‬
‫بن عمرو‪ ،‬أصغى الصديق إلى ما وافق عليه رسول الله × من طلب‬
‫المشركين‪ ،‬رغم ما قد يظهر للمرء أن في هذا الصلح بعض التجاوز‬
‫ليقينه أن النبي ل‬
‫أو الجحاف بالمسلمين‪ ،‬وسار على هدي النبي ×‬
‫ينطق عن الهوى‪ ،‬وأنه فعل لشيء أطلعه الله عليه )‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪ (4) .136‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.137‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب‬
‫ضع المرأة عند ختانها‪.‬‬
‫)( البظر‪ :‬ما تقطعه الخاتنة من ُب ْ‬
‫الشروط في الجهاد‪ ،‬رقم‪.2732 :‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ :‬ص ‪.350‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪.138 :‬‬

‫‪59‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلنًا‬
‫معارضته لهذه التفاقية‪ ،‬وقال لرسول الله ×‪ :‬ألست برسول الله؟‬
‫قال‪» :‬بلى« قال‪ :‬أو لسنا بالمسلمين؟ قال‪» :‬بلى« قال‪ :‬أو ليسوا‬
‫فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال‪:‬‬
‫بالمشركين؟ قال‪» :‬بلى« قال‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫وفي رواية‪» :‬أنا عبد الله‬
‫‪،‬‬
‫أعصيه«‬
‫»إني رسول الله ولست‬
‫ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني«)‪ ،(2‬قلت‪ :‬أو ليس كنت تحدثنا‬
‫أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال‪» :‬بلى‪ ,‬فأخبرتك أنا نأتيه هذا‬
‫العام؟«‪ .‬قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬فإنك آتيه ومطوف به« قال عمر‪ :‬فأتيت‬
‫أبا بكر فقلت له‪ :‬يا أبا بكر‪ :‬أليس برسول الله؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أو‬
‫لسنا بالمسلمين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أو ليسوا بالمشركين؟ قال‪ :‬بلى‪،‬‬
‫ناصحا الفاروق‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ‪-‬‬
‫رسول‬
‫أنه‬
‫أشهد‬
‫بأن يترك الحتجاج والمعارضة‪ :-‬الزم غرزه‪ ،‬فإني‬
‫)‪(3‬‬
‫الله‪ ،‬وأن الحق ما أمر به‪ ،‬ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله‪.‬‬
‫وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله ×‪ ،‬ولم يكن أبو بكر‬
‫يسمع جواب‬
‫النبي ×‪ ،‬فكان أبو بكر ‪ ‬أكمل موافقة لله وللنبي × من عمر‪ ،‬مع‬
‫المحدث؛ لن‬
‫أن عمر ‪ ‬محدث‪ ،‬ولكن مرتبة الصديق فوق مرتبة‬
‫الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله )‪.(4‬‬
‫وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيم الذي تم في‬
‫الحديبية‪ ،‬فقال‪ :‬ما كان فتح أعظم في السلم من فتح الحديبية‪،‬‬
‫ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه‪ ،‬والعباد‬
‫يعجلون‪ ،‬والله ل يعجل كعجلة العباد حتى يبلغ المور ما أراد‪ .‬لقد‬
‫قائما عند المنحر يقرب‬
‫ً‬
‫نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع‬
‫إلى رسول الله × ب َد ََنة‪ ،‬ورسول الله × ينحرها بيده‪ ،‬ودعا الحلق‬
‫فحلق رأسه‪ ،‬وأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره‪ ،‬وأراه يضعه على‬
‫عينه‪ ،‬وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب‪ » :‬بسم الله‬
‫ويأبى( أن يكتب محمد رسول الله ×‪ ،‬فحمدت‬
‫الرحمن الرحيم«‬
‫الله الذي هداه للسلم)‪. 5‬‬
‫رأيا وأكملهم عقلً )‪.(6‬‬
‫سد ّ الصحابة ً‬
‫لقد كان الصديق ‪ ‬أ َ‬
‫سا‪ :‬في غزوة خيبر‪ ،‬وسرية نجد وبني فزارة‪:‬‬
‫خام ً‬

‫أ‪ -‬في خيبر‪:‬‬

‫حصار ا على خيبر واستعد لقتالهم‪ ،‬فكان‬
‫ً‬
‫ضرب رسول الله ×‬
‫أول قائد يرسله × أبا بكر ‪ ‬إلى بعض حصون خيبر‪ ،‬فقاتل ثم‬
‫رجع‪ ،‬ولم يكن فتح‪ ،‬وقد جهد‪ ،‬ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم‬
‫دا رجل ً يحب الله ورسوله«‪،‬‬
‫يكن فتح‪ ،‬ثم قال‪» :‬لعطين الراية غ ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.3/136 :‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪3/346 :‬؛ تاريخ الطبري‪.2/364 :‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .3/346 :‬الفتاوى لبن تيمية‪.11/117 :‬‬
‫)( كنز العمال‪ ،30136 :‬نقل عن خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪:‬‬
‫‪.117‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.61 :‬‬

‫‪60‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فكان علي بن أبي طالب ‪ ، (1) ‬وأشار بعض أصحاب النبي ×‬
‫بقطع النخيل حتى يثخن في اليهود ورضي النبي × بذلك‪ ،‬فأسرع‬
‫المسلمون في قطعه‪ ،‬فذهب الصديق إلى النبي × وأشار عليه‬
‫بعدم قطع النخيل لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سواء‬
‫صلح ا‪ ،‬فقبل النبي × مشورة الصديق‪،‬‬
‫ً‬
‫فتحت خيبر عنوة أو‬
‫ونادى بالمسلمين‬
‫بالكف عن قطع النخيل فرفعوا أيديهم )‪.(2‬‬

‫ب‪ -‬في نجد‪:‬‬
‫أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬بعث‬
‫من‪(3‬هوازن‬
‫سا‬
‫رسول الله × أبا بكر إلى نجد وأ ّمره علينا‪ ،‬فبيتنا نا ً‬
‫فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات‪ ،‬وكان شعارنا‪ :‬أمت‪ ..‬أمت ) ‪.‬‬

‫ج‪ -‬في بني فزارة‪:‬‬
‫روى المام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيه‪ ،‬حدثني‬
‫أبي‪ ،‬قال‪ :‬خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره النبي × علينا‪،‬‬
‫فغزونا بني فزارة‪ ،‬فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا‪ ،‬فلما‬
‫ن مر‬
‫صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء َ‬
‫م ْ‬
‫قبلنا‪ ،‬قال سلمة‪ :‬ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء‬
‫نحو الجبل‪ ،‬فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل‪ ،‬قال‪ :‬فجئت بهم‬
‫أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء‪ ،‬وفيهم امرأة عليها قشع‬
‫من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب‪ ،‬قال‪ :‬فنفلني أبو بكر‪ ،‬فما‬
‫كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فلقيني رسول الله × في السوق فقال لي‪» :‬يا سلمة هب لي‬
‫المرأة« قال‪ :‬فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها‬
‫ثوبا‪ ،‬قال‪ :‬فسكت رسول الله‪ ،‬وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني‬
‫رسول الله في السوق فقال لي‪» :‬يا سلمة هب لي المرأة« قال‪:‬‬
‫فقلت‪ :‬والله يا رسول الله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول‬
‫وفي أيديهم أسارى‬
‫الله‪ ،‬قال‪ :‬فبعث بها رسول الله إلى أهل مكة‬
‫من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة )‪.(4‬‬
‫سا‪ :‬في عمرة القضاء وفي ذات السلسل‪:‬‬
‫ساد ً‬

‫أ‪ -‬في عمرة القضاء‪:‬‬
‫كان الصديق ‪ ‬ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسول الله ×‬
‫ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم التي صدهم المشركون عنها‬
‫)‪.(5‬‬

‫ب‪ -‬في سرية ذات السلسل‪:‬‬
‫قال رافع بن عمرو الطائي ‪ :‬بعث رسول الله × عمرو بن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( فتوح البلدان‪.1/26 :‬‬
‫)‪ (1‬المغازي للواقدي‪.2/644 :‬‬
‫)( الطبقات الكبرى‪ ،1/124 :‬وأبو داود‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب في البيات‪.3/43 :‬‬
‫)( أحمد‪4/430 :‬؛ الطبقات‪ (4) .4/164 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.142 :‬‬

‫‪61‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫العاص على جيش ذات السلسل )‪(2)،(1‬وبعث معه في ذلك الجيش أبا‬
‫سَراة أصحابه‪ ،‬فانطلقوا حتى نزلوا‬
‫بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬و َ‬
‫رجل‪(3‬دليل بالطريق‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما‬
‫إلى‬
‫ي‪ ،‬فقال عمرو‪ :‬انظروا‬
‫جبل ط َ ّ‬
‫نعلمه إل رافع بن عمرو‪ ،‬فإنه كان ربيل ) في الجاهلية‪ ،‬قال رافع‪:‬‬
‫المكان الذي كنا خرجنا منه‪ ،‬توسمت‬
‫فلما قضينا غزاتنا وانتهيت إلى‬
‫خّلها عليه بخلل )‪،(5‬‬
‫أبا بكر ‪ ،‬وكانت له عباءة فدكية )‪ ،(4‬فإذا ركب َ‬
‫وإذا نزل بسطها‪ ،‬فأتيته فقلت‪ :‬يا صاحب الخلل‪ ،‬إني توسمتك من‬
‫ي‬
‫بين أصحابك‪ ،‬فائتني بشيء إذا حفظته كنت مثلكم ول تطول عل ّ‬
‫فأنسى‪ ،‬فقال‪ :‬تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬تشهد أن ل‬
‫إله إل الله وأن محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬وتقيم الصلوات الخمس‪،‬‬
‫وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال‪ ،‬وتحج البيت‪ ،‬وتصوم رمضان‪ :‬هل‬
‫ن على اثنين‪ ،‬قلت‪ :‬وهل‬
‫مر ّ‬
‫حفظت؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬وأخرى‪ ،‬ل يؤ ّ‬
‫تكون المرة إل فيكم أهل المدر؟ )‪ (6‬فقال‪ :‬يوشك أن تفشو حتى‬
‫تبلغك ومن هو دونك‪ ،‬إن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لما بعث نبيه × دخل الناس‬
‫في السلم‪ ،‬فمنهم من دخل لله فهداه الله‪ ،‬ومنهم من أكرهه‬
‫فارةُ )‪ (7‬الله‪ ،‬إن الرجل إذا‬
‫خ َ‬
‫واذ الله وجيران الله و َ‬
‫السيف‪ ،‬فكلهم عُ ّ‬
‫من بعض انتقم الله‬
‫لبعضهم‬
‫يأخذ‬
‫فلم‬
‫بينهم‬
‫الناس‬
‫كان أميرًا فتظالم‬
‫شاة جاره فيظل ناتئ )‪ (8‬عضلته غضبًا‬
‫لتؤخذ‬
‫منكم‬
‫منه‪ ،‬إن الرجل‬
‫لجاره‪ ،‬والله من وراء جاره )‪.(9‬‬
‫ففي هذه النصيحة دروس وعبر لبناء المسلمين يقدمها الصحابي‬
‫الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على السلم وعلى يد رسول الله‬
‫×‪ ،‬من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬أهمية العبادات‪ :‬الصلة لنها عماد الدين‪ ،‬والزكاة والصوم‬
‫والحج‪.‬‬
‫‪ -2‬عدم طلب المارة »ول تكونن أميرًا« تمامًا كما أوصى رسول‬
‫»وإنها أمانة‪ ،‬وإنها يوم القيامة خزي وندامة‪،‬‬
‫الله × أبا ذر الغفاري‪:‬‬
‫إل من أخذها بحقها«‪ (10).‬ولذلك فإن أبا بكر الفاهم الواعي لكلم‬
‫حبيبه محمد × جاء في رواية‪ :‬وأنه من يك أميرًا فإنه أطول الناس‬
‫ومن ل يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس‬
‫حسابا‪ ،‬وأغلظهم عذابًا‪،‬‬
‫ً‬
‫حساًبا‪ ،‬وأهونهم عذابًا‪ (11).‬فهذا فهم الصديق لمقام المارة‪.‬‬
‫‪-3‬إن الله حرم الظلم على نفسه‪ ،‬ونهى عباده أن يتظالموا ‪-‬أن‬
‫كما‪(12‬نهى عن‬
‫بعضا‪ -‬لن الظلم ظلمات يوم القيامة‪،‬‬
‫ً‬
‫يظلم بعضهم‬
‫ظلم المؤمنين‪» :‬من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب«‪ ).‬وهم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬

‫)( ذات السلسل‪ :‬مكان وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام‪.‬‬
‫)‪ (3‬الربيل‪ :‬اللص يغزو وحده وي ُِغير على‬
‫)( سراة‪ :‬شرفاء أصحابه‪.‬‬
‫غيره‪.‬‬
‫)( منسوبة إلى فدك‪ ،‬وهي قرية من خيبر بينها وبين المدينة ست ليال‪.‬‬
‫)( خلها عليه بخلل‪ :‬أي جمع بين طرفيها بخلل من عود أو حديد‪.‬‬
‫)( المدر‪ :‬الطين اللزج المتماسك‪ ،‬والمقصود سكان البيوت المبنية‪.‬‬
‫)‪ (8‬الناتئ‪ :‬المرتفع والمنتفخ‪.‬‬
‫)( الخفارة‪ :‬الذمة والعهد والمان‪.‬‬
‫)( العضلة‪ :‬هي القطعة من اللحم الشديد‪ ،‬انظر‪ :‬مجمع الزوائد‪.5/202 :‬‬
‫)( مسلم‪ :‬كتاب المارة‪ ،‬رقم‪.1825 :‬‬
‫)‪ (3‬مسند أحمد‪:‬‬
‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.139 :‬‬
‫‪.6/256‬‬

‫‪62‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬

‫جيران الله‪ ،‬وهم عواذ الله‪ ،‬والله أحق أن يغضب لجيرانه‪.‬‬
‫‪ -4‬على عهد الصدر الول كان أمراء المة خيارها‪ ،‬وجاء وقت‬
‫فُ ُ‬
‫شوّ أمرها »المارة« وكثرت حتى نالها من ليس لها بأهل‪ .‬إن هذه‬
‫المارة ليسيرة‪ ،‬وقد أوشكت أن تفشو حتى ينالها من ليس لها‬
‫بأهل)‪.(2‬‬
‫‪-5‬وفي غزوة ذات السلسل ظهر موقف متميز للصديق في‬
‫على‬
‫احترام المراء‪ ،‬مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي‬
‫قوة هائلة‪ ،‬وقدرة متميزة في بناء الرجال‪ ،‬وتقديرهم واحترامهم )‪،(3‬‬
‫فعن عبد الله بن بريدة قال‪ :‬بعث رسول الله × عمرو بن العاص‬
‫في غزوة ذات السلسل وفيهم أبو بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن ل ينوروا نارا‪ ،‬فغضب‬
‫أن( الرسول × لم يستعمله‬
‫م أن يأتيه‪ ،‬فنهاه أبو بكر‪ ،‬وأخبره‬
‫عمر وه ّ‬
‫عليك إل لعلمه بالحرب‪ ،‬فهدأ عنه عمر ‪. 4) ‬‬
‫سابًعا‪ :‬في فتح مكة وحنين والطائف‪:‬‬

‫أ‪ -‬في فتح مكة ‪ 8‬هـ‪:‬‬
‫وسبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكر ابن إسحاق قال‪ :‬حدثني‬
‫الزهري‪ ,‬عن عروة بن الزبير‪ ,‬عن المسور بن مخرمة‪ ,‬ومروان بن‬
‫الحكم أنهما حدثاه جميًعا قال‪ :‬في صلح الحديبية أنه من شاء أن‬
‫يدخل في عقد محمد دخل‪ ,‬ومن شاء أن يدخل في عقد قريش‬
‫وعهدهم دخل‪ ,‬فتواثبت خزاعة وقالوا‪ :‬نحن ندخل في عقد محمد‬
‫وعهده‪ ,‬وتواثبت بنو بكر وقالوا‪ :‬نحن ندخل في عقد قريش‬
‫وعهدهم‪ ,‬فمكثوا في ذلك نحو السبعة أو الثمانية عشر شهًرا‪ ,‬ثم إن‬
‫بني بكر وثبوا على خزاعة ليل ً بماء يقال له الوتير –وهو قريب من‬
‫مكة‪ -‬وقالت قريش ما يعلم بنا محمد‪ ,‬وهذا الليل وما يرانا من أحد‬
‫فأعانوهم عليهم بالكراع والسلح وقاتلوهم معهم للضغن على‬
‫رسول الله ×‪ ,‬فقدم عمرو بن سالم إلى المدينة فأنشد رسول الله‬
‫× قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫حلف أبينا وأبيك التلدا‬
‫اللهم إني ناشد محمدا‬
‫وادع عباد الله يأتوا مددا‬

‫فانصر هداك الله نصرا‬
‫أعتدا‬
‫فقال النبي ×‪» :‬نصرت يا عمرو بن سالم« )‪.(5‬‬
‫وتجهز النبي × مع صحابته للخروج إلى مكة‪ ،‬وكتم الخبر‪ ،‬ودعا‬
‫الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسلم يفتح مكة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( استخلف أبي بكر‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.140 :‬‬
‫)‪ (6) ,(5‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪.382 :‬‬
‫)( الحاكم في المستدرك‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬وقال‬
‫الذهبي‪ :‬صحيح كتاب المغازي‪.3/42:‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.4/44 :‬‬

‫‪63‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وخافت قريش أن يعلم النبي × بما حدث‪ ،‬فخرج أبو سفيان من‬
‫مكة إلى رسول الله فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أشدد العقد‪ ،‬وزدنا في المدة‪،‬‬
‫فقال النبي ×‪» :‬ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟« فقال‪:‬‬
‫معاذ الله‪ ،‬نحن على عهدنا وصلحنا يوم الدية ل نغير ول نبدل‪ ،‬فخرج‬
‫من عند النبي × يقصد مقابلة الصحابة‬
‫عليهم الرضوان )‪.(1‬‬

‫‪ -1‬أبو بكر وأبو سفيان‪:‬‬
‫طلب أبو سفيان من أبي بكر ‪ ‬أن يجدد العقد ويزيدهم في‬
‫المدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬جواري في جوار رسول الله ×‪ ،‬والله لو‬
‫وجدت الذر تقاتلكم لعنتها عليكم‪ .‬وهنا تظهر فطنة الصديق وحنكته‬
‫السياسية ثم يظهر اليمان القوي بالحق الذي هو عليه‪ ،‬ويعلن أمام‬
‫أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحرب قريش بكل ما يمكن‪ ،‬ولو‬
‫وجد الذر تقاتل قريشًا لعانها عليها )‪.(2‬‬

‫‪ -2‬بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما‪:‬‬
‫دخل الصديق ‪ ‬على عائشة وهي تغربل حنطة‪ ،‬وقد أمرها‬
‫النبي × بأن تخفي ذلك‪ ..‬فقال لها أبو بكر‪ :‬يا بنية لم تصنعين هذا‬
‫الطعام؟ فسكتت‪ ،‬فقال‪ :‬أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫لعله يريد بني الصفر )أي الروم( فصمتت‪ ،‬فقال‪ :‬لعله يريد قريشا‪،‬‬
‫فصمتت‪ ،‬فدخل رسول الله × فقال الصديق له‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال‪» :‬نعم« قال‪ :‬لعلك تريد بني الصفر؟‬
‫قال‪» :‬ل« قال‪ :‬أتريد أهل نجد؟ قال‪» :‬ل«‪ ،‬قال‪ :‬فلعلك تريد‬
‫قريشا؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أليس بينك وبينهم‬
‫ً‬
‫مدة؟ قال‪» :‬ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟«‪.‬‬
‫وهنا سلم أبو بكر للنبي × وجهز نفسه ليكون مع القائد × في‬
‫وذهب مع رسول الله × المهاجرون والنصار‬
‫هذه المهمة الكبرى‪،‬‬
‫)‪(3‬‬
‫فلم يتخلف منهم أحد‪.‬‬

‫‪ -3‬الصديق في دخول مكة‪:‬‬
‫لما دخل النبي × مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى‬
‫النساء يلطمن وجوه الخيل‪ ،‬فابتسم إلى أبي بكر ‪ ‬وقال‪» :‬يا أبا‬
‫بكر كيف قال حسان؟« فأنشد أبو بكر‪:‬‬
‫َ‬
‫داُء‬
‫مَنا خيلنا إن لم تروها‬
‫تثير النقع موعدها ك َ‬
‫عَدِ ْ‬
‫عن أكتافها الس ُ‬
‫ل الظماء‬
‫)‪(4‬‬
‫خمرِ النساُء‬
‫ن بال ْ ُ‬
‫تلطمهُ ّ‬

‫ن السنة مصغيات‬
‫يباري َ‬
‫تظل جيادنا متم ّ‬
‫ت‬
‫ّ‬
‫طرا ٍ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( التاريخ السياسي والعسكري‪ ،‬د‪ .‬علي معطي‪ :‬ص ‪ ،365‬الطبري‪.3/43 :‬‬
‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪.145 :‬‬
‫)‪ (1‬مغازي الواقدي‪.2/796 :‬‬
‫)( الحاكم في المستدرك‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.3/72 :‬‬

‫‪64‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فقال النبي ×‪» :‬ادخلوها من حيث قال حسان« )‪ ،(1‬وقد‬
‫النعمة على الصديق في هذا الجو العظيم بإسلم أبيه أبي‬
‫تمت‬
‫قحافة )‪.(2‬‬

‫ب‪ -‬في حنين‪:‬‬
‫أخذ المسلمون يوم حنين درسًا قاسيًا؛ إذ لحقتهم هزيمة في أول‬
‫المعركة جعلتهم يفرون من هول المفاجأة‪ ،‬وكانوا كما قال المام‬
‫الطبري‪ :‬فانشمروا ل يلوي أحد على أحد‪ (3).‬وجعل رسول الله ×‬
‫ي‪ ،‬أنا رسول الله‪ ،‬أنا رسول الله‪،‬‬
‫يقول‪» :‬أين أيها الناس؟ هلموا إل ّ‬
‫أنا محمد بن عبد الله‪ ،‬يا معشر النصار أنا عبد الله ورسوله« ثم‬
‫نادى عمه العباس وكان جهوري الصوت‪ ،‬فقال له‪» :‬يا عباس ناد‪:‬‬
‫يا معشر النصار‪ ،‬يا أصحاب السمرة«‪ (4) .‬كان هذا هو حال‬
‫المسلمين في أول المعركة‪ ،‬النبي وحده لم يثبت معه أحد إل‬
‫قلة‪ ،‬ولم تكن الفئة التي صبرت مع النبي إل فئة من الصحابة‬
‫عزيز ا مؤزرًا‪.‬‬
‫ً‬
‫يتقدمهم الصديق ‪ ، ‬ثم نصرهم الله بعد ذلك نصرً ا‬

‫)‪(5‬‬

‫وكانت هناك بعض المواقف للصديق منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬فتوى الصديق بين رسول الله ×‪:‬‬
‫قال أبو قتادة‪ :‬لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من‬
‫المسلمين يقاتل رجل من المشركين‪ ,‬وآخر من المشركين يختله‬
‫من ورائه ليقتله‪ ،‬فأسرعت إلى الذي يختله‪ ،‬فرفع يده ليضربني‬
‫شديد ا حتى‬
‫ً‬
‫وأضرب يده فقطعتها‪ ،‬ثم أخذني فضمني ض ّما‬
‫تخوفت‪ ،‬ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته‪ ،‬وانهزم المسلمون‬
‫وانهزمت معهم‪ ،‬فإذا بعمر بن الخطاب في الناس‪ ،‬فقلت له‪ :‬ما‬
‫شأن الناس؟ قال‪ :‬أمر الله‪ ،‬ثم تراجع الناس إلى رسول الله‪،‬‬
‫فقال رسول الله‪» :‬من أقام بّينة على قتيل قتله فله سلبه« فقمت‬
‫أحد ا يشهد لي‪ ،‬فجلست‪ ،‬ثم بدا‬
‫ً‬
‫للتمس بينة على قتيلي فلم أ َر‬
‫لي فذكرت أمره لرسول الله × ‪ ،‬فقال رسول الله × رجل من‬
‫جلسائه‪ :‬سلح هذا القتيل الذي يذكر عندي‪ ،‬فأرضه منه‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر‪ :‬كل‪ ،‬ل يعطه )‪ (6‬أصيبغ من قريش ويدع )‪ (7‬أس ًدا من أسد الله‬
‫ي‪،‬‬
‫يقاتل عن الله‬
‫ورسوله × ‪ ،‬قال‪ :‬فقام رسول الله × فأداه إل ّ‬
‫ر ًفا )‪ ، (8‬فكان أول مال تأ ّثلته‬
‫خ َ‬
‫فاشتريت منه َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ ،3/72 :‬الطبري‪ (4) .3/42 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪:‬‬
‫ص ‪.147‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.3/74 :‬‬
‫)( مسلم‪ :‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب في غزوة حنين‪ ،‬رقم‪.1775 :‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪.43 :‬‬
‫)( ل يعطيه‪ :‬أي ل يعطيه رسو ُ‬
‫ل الله‪ ،‬قوله‪ :‬أصيبغ‪ ،‬نوع من الطيور شبه له‬
‫لعجزه وضعفه‪.‬‬
‫)( يدع‪ :‬يترك‪.‬‬
‫بستانا‪ ،‬أقام الثمر مقام الصل‪.‬‬
‫ً‬
‫)( خرًفا‪ :‬أي‪:‬‬

‫‪65‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫في السلم)‪.(1‬‬
‫إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في‬
‫حضور رسول الله ×‪ ،‬ثم يصدقه الرسول فيما قال‪ ،‬ويحكم بقوله‬
‫خصوصية شرف‪ ,‬لم تكن لحد غيره‪ (2).‬ونلحظ في الخبر السابق أن‬
‫أبا قتادة النصاري ‪ ‬حرص على سلمة أخيه المسلم وقتل ذلك‬
‫الكافر بعد جهد عظيم‪ ،‬كما أن موقف الصديق ‪ ‬فيه دللة على‬
‫حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه‪ ،‬ودليل على رسوخ إيمانه‬
‫يقينه‪ (،‬وتقديره لرابطة الخوة السلمية‪ ،‬وأنها بمنزلة رفيعة‬
‫وعمق‬
‫بالنسبة له )‪. 3‬‬
‫‪ -2‬الصديق وشعر عباس بن مرداس‪:‬‬
‫حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنين‪ ،‬قال‬
‫شعرا عاتب فيه رسول الله × حيث قال‪:‬‬
‫ب ِك َّري على المهر في الجرع‬
‫كانت نهابا تلفيتها‬
‫إذا هجع الناس لم أهجع‬

‫وإيقاظي القوم أن يرقدوا‬

‫)‪(4‬‬

‫بين عيينة والقرع‬
‫فلم ُأعط شيئا ولم أمنع‬

‫فأصبح نهبي ونهب العبيد‬
‫وقد كنت في الحرب ذا ُتدرأ‬

‫)‪(5‬‬

‫إل أفائل أعطيتها‬

‫عديد قوائمها الربع‬

‫وما كان حصن ول حابس‬

‫يفوقان شيخي في المجمع‬

‫وما كنت دون امرئ منهما‬

‫ومن تضع اليوم ل ي ُْرفَِع‬

‫)‪(6‬‬

‫فأعطوه‬
‫فقال رسول الله ×‪» :‬اذهبوا به‪ ،‬فأقطعوا عني لسانه«‪،‬‬
‫ضي‪ ،‬فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله × )‪.(7‬‬
‫حتى َر ِ‬
‫وأتى العباس رسول الله ×‪ ،‬فقال له رسول الله ×‪ :‬أنت القائل‪:‬‬
‫»فأصبح نهبي ونهب العبيد بين القرع وعيينة«؟ فقال أبو بكر‪ :‬بين‬
‫عيينة والقرع‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬هما واحد«‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫مَناهُ ال ّ‬
‫غي‬
‫ما َ‬
‫ما َينب َ ِ‬
‫ش ْ‬
‫و َ‬
‫عل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫عَر َ‬
‫َأشهد أنك كما قال الله تعالى‪َ + :‬‬
‫)‪(8‬‬
‫و ُ‬
‫ن" ]يس‪. [69 :‬‬
‫ن ُ‬
‫قْرآ ٌ‬
‫ه إِ ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ن ّ‬
‫ل ُ‬
‫و إ ِل ّ ِذك ٌْر َ‬
‫ه َ‬
‫ج‪ -‬في الطائف‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪.4322 :‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬لبي جعفر محب الدين‪.185 ،‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.8/26 :‬‬
‫)( العبيد‪ :‬اسم فرس عباس بن مرداس‪.‬‬
‫)( الفائل‪ :‬الصغار من البل‪ ،‬الواحد أفيل‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.4/147 :‬‬
‫)‪ (6‬السيرة النبوية لبن هشام‪.4/147 :‬‬

‫‪66‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫في حصار الطائف وقعت جراحات في أصحاب النبي × وشهادة‪،‬‬
‫ورفع رسول الله × عن أهل الطائف الحصار ورجع إلى المدينة‪،‬‬
‫وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة‬
‫عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما‪ ،‬رمي بسهم فتوفي منه‬
‫بالمدينة بعد وفاة النبي × )‪.(1‬‬
‫وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلمهم‪ ،‬فما إن ظهر‬
‫الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن‬
‫يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول ×‪ ،‬وفاز الصديق بتلك‬
‫البشارة )‪ ،(2‬وبعد أن أعلنوا إسلمهم وكتب لهم رسول الله × كتابهم‬
‫وأرادأن يؤمر عليهم أشار أبو بكر بعثمان بن أبي العاص وكان‬
‫سنا‪ ،‬فقال الصديق‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني رأيت هذا الغلم من‬
‫أحدثهم ً‬
‫)‪(3‬‬
‫أحرصهم على التفقه في السلم وتعلم القرآن‪ .‬فقد كان عثمان‬
‫بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة‪ ،‬عمد إلى رسول الله ×‬
‫فسأله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم‪ ،‬وكان‬
‫نائم عمد إلى أبي بكر‪ ،‬وكان يكتم ذلك عن‬
‫إذا وجد رسول الله × ا ً‬
‫أصحابه‪ ،‬فأعجب ذلك رسول الله × وعجب منه وأحبه)‪.(4‬‬
‫وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب ابنه كانت له‬
‫مقولة تدل على عظمة إيمانه‪ ،‬فعن القاسم بن محمد قال‪ :‬رمي‬
‫عبد الله بن أبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬بسهم يوم الطائف‪،‬‬
‫فانتفضت به بعد وفاة رسول الله × بأربعين ليلة‪ ،‬فمات‪ ،‬فقدم عليه‬
‫وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده‪ ،‬فأخرجه إليهم فقال‪ :‬هل‬
‫يعرف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعيد ابن عبيد‪ ،‬أخو بني عجلن‪:‬‬
‫هذا سهم أنا ب ََريُته ورشته )‪ (5‬وعقبته )‪ ،(6‬وأنا رميت به‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫‪ :‬فإن هذا السهم الذي قتل عبد الله بن أبي بكر‪ ،‬فالحمد لله الذي‬
‫أكرمه بيدك‪ ،‬ولم يهنك بيده فإنه أوسع لكما )‪.(7‬‬
‫ثامًنا‪ :‬في غزوة تبوك‪ ،‬وإمارة الحج‪ ،‬وفي حجة الوداع‪:‬‬
‫أ‪ -‬في تبوك‪ :‬خرج رسول الله × بجيش عظيم في غزوة تبوك‬
‫بلغ عدده ثلثين ألفًا‪ ،‬وكان يريد قتال الروم بالشام‪ ،‬وعندما تجمع‬
‫المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ×‪ ،‬اختار المراء‬
‫اللوية والرايات لهم‪ ،‬فأعطى لواءه العظم إلى أبي‬
‫والقادة وعقد‬
‫بكر الصديق ‪ (8) .‬وفي هذه الغزوات ظهرت بعض المواقف‬
‫للصديق منها‪:‬‬
‫‪1‬موقفه من وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين ‪ :‬قال‬‫عبد الله بن مسعود ‪:‬قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله × في‬
‫غزوة تبوك‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر‪ ،‬قال فاتبعتها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (1‬السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .4/147 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.152 :‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (4) .4/193 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.125 :‬‬
‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬المغازي‪.670 :‬‬
‫)‪ (7‬عقبته‪ :‬جذبته من عقبه‪.‬‬
‫)( رشته‪ :‬صنعت فيه الريش‪.‬‬
‫)( خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪ ،118 :‬والرواية فيها انقطاع‪.‬‬
‫)‪ (2‬صحيح السيرة النبوية‪.598 :‬‬
‫)( صفة الصفوة‪.1/243 :‬‬

‫‪67‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وأبو بكر وعمر‪ ،‬وإذا عبد الله ذو البجادين‬
‫أنظر إليها‪ ،‬فإذا رسول الله ×‬
‫المزني قد مات‪ ،‬وإذا هم قد حفروا له‪ ،‬ورسول الله في حضرته‪ ،‬وأبو‬
‫بكر وعمر يدليانه إليه‪ ،‬وهو يقول‪» :‬أدليا إلي ّ أخاكما«‪،‬فدلياه إليه‪ ،‬فلما‬
‫عنه«‪(1.‬قال‬
‫هيأه بشقه قال‪»:‬اللهم إني أمسيت راضيا ً عنه فارض‬
‫الراوي )عبد الله بن مسعود(‪ :‬يا ليتني كنت صاحب الحفرة ) ‪.‬‬
‫بسم الله‪ ،‬وعلى‬
‫وكان الصديق × إذا دخل الميت اللحد قال‪:‬‬
‫ملة رسول الله ×‪ ،‬وباليقين وبالبعث بعد الموت )‪.(2‬‬
‫‪ 2‬طلب الصديق من رسول الله ×الدعاء للمسلمين‪ :‬قال‬‫منزل وأصابنا‬
‫ً‬
‫عمر بن الخطاب‪ :‬خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد‪ ،‬فنزلنا‬
‫فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع‪ ،‬حتى إن الرجل لينحر بعيره‬
‫فيعتصر فرثه فيشربه‪ ،‬ثم يجعل ما بقي على كبده‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫خيرا‪ ،‬فادع الله‪،‬‬
‫ً‬
‫الصديق‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن الله قد عودك في الدعاء‬
‫؟«‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت‬
‫قال‪» :‬أتحب ذلك‬
‫ثم‬
‫ا‪-‬‬
‫ً‬
‫خفيف‬
‫ا‬
‫مطر‬
‫ً‬
‫أنزلت‬
‫أي‪:‬‬
‫فأطلت‪-‬‬‫مائها‬
‫لنزال‬
‫السماء أي‪ :‬تهيأت‬
‫سكبت‪ ،‬فملوا ما معهم‪ ،‬ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر)‪.(3‬‬
‫‪ -3‬نفقة الصديق في تبوك‪ :‬حث رسول الله × الصحابة في‬
‫غزوة تبوك على النفاق بسبب بعدها وكثرة المشركين فيها‪ ،‬ووعد‬
‫المنفقين بالجر العظيم من الله‪ ،‬فأنفق ك ّ‬
‫وكان‬
‫ل حسب مقدرته‪،‬‬
‫عثمان ‪ ‬صاحب القدح المعلى في النفاق في هذه الغزوة )‪.(4‬‬
‫وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر‬
‫بذلك‪ ،‬ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال‪ :‬أمرنا رسول‬
‫الله × يومًا أن نتصدق‪ ،‬فوافق ذلك مالً عندي‪ ،‬فقلت‪ :‬اليوم أسبق‬
‫أبا بكر إن سبقته يومًا‪ ،‬فجئت بنصف مالي‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»ما أبقيت لهلك؟« قلت‪ :‬مثله‪ .‬وأتى أبو بكر ‪ ‬بكل ما عنده‪ ،‬فقال‬
‫لهلك؟« قال‪ :‬أبقيت لهم الله ورسوله‪،‬‬
‫له رسول الله ×‪» :‬ما أبقيت‬
‫)‪(5‬‬
‫أبدا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ل أسابقك إلى شيء ً‬
‫كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحًا‪ ،‬ولكن‬
‫ل من المنافسة مطلقا ول ينظر‬
‫حال‬
‫الصديق ‪ ‬أفضل منه؛ لنه خا ٍ‬
‫إلى غيره )‪.(6‬‬
‫ب‪ -‬الصديق أمير الحج ‪ 9‬هـ‪ :‬كانت تربية المجتمع وبناء‬
‫الدولة في عصر النبي × مستمرة على جميع الصعدة والمجالت‬
‫العقائدية والقتصادية والجتماعية‪ ،‬والسياسية والعسكرية‬
‫والتعبدية‪ ،‬وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية‪،‬‬
‫وحجة عام ‪ 8‬هـ بعد الفتح كلف بها عتاب بن أسيد‪ ،‬ولم تكن قد‬
‫تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين )‪ ، (7‬فلما حل موسم‬
‫ج × ولكنه قال‪» :‬إنه يحضر البيت عراة مشركون‬
‫الحج أراد الح َ‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مصنف عبد الرزاق‪ ،3/497 :‬نقل عن موسوعة فقه الصديق‪.222 :‬‬
‫ابن حبان‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب غزوة تبوك‪.1707 :‬‬
‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪.615 :‬‬
‫سنن أبي داود‪ ،‬كتاب الزكاة‪ ،‬رقم‪ ،1678 :‬وحسنه اللباني‪.‬‬
‫الفتاوى لبن تيمية‪.73 ،10/72 :‬‬
‫دراسات في عهد النبوة‪ ،‬عماد الدين خليل‪.222 :‬‬

‫‪68‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يطوفون بالبيت‪ ،‬فل أحب أن أحج حتى ل يكون ذلك«‪ ،‬فأرسل النبي‬
‫× الصديق أميرً ا على الحج سنة تسع من الهجرة‪ ،‬فخرج أبو بكر‬
‫عليا‬
‫ً‬
‫الصديق بركب الحجيج‪ ،‬ونزلت سورة براءة فدعا النبي ×‬
‫‪ ، ‬وأمره أن يلحق بأبي بكر × ‪ ،‬فخرج على ناقة رسول الله ×‬
‫العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي حليفة‪ ،‬فلما رآه الصديق‬
‫قال له‪ :‬أمير أم مأمور؟ فقال‪ :‬بل مأمور‪ ،‬ثم سار‪ ،‬فأقام أبو بكر‬
‫للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية‪ ،‬وكان‬
‫الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات‬
‫الصحيحة‪ ،‬ل في شهر ذي القعدة كما قيل‪ ،‬وقد خطب الصديق‬
‫قبل التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم النحر‪ ،‬ويوم النفر الول فكان‬
‫يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم‪ ،‬ونحرهم‪ ،‬ونفرهم‪،‬‬
‫ورميهم للجمرات‪ ...‬إلخ‪ .‬وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل‬
‫موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة‪ ،‬ثم‬
‫ينادي في الناس بهذه المور الربعة‪» :‬ل يدخل الجنة إل مؤمن‪،‬‬
‫ول يطوف بالبيت عريان‪ ،‬ومن كان بينه وبين رسول الله عهد‬
‫فعهده إلى مدته‪ ،‬ول يحج بعد العام مشرك« )‪ .(1‬وقد أمر الصديق‬
‫رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب‬
‫أبا هريرة في‬
‫في إنجاز مهمته )‪.(2‬‬
‫عليا بإعلن نقض العهود على مسامع‬
‫ً‬
‫وفد كلف النبي ×‬
‫المشركين في موسم الحج‪ ،‬مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما‬
‫بينهم من عقد العهود ونقضها أن ل يتولى ذلك إل سيد القبيلة أو‬
‫رجل من رهطه‪ ،‬وهذا العرف ليس فيه منافاة للسلم‪ ،‬فلذلك تدارك‬
‫النبي × المر وأرسل عليّا بذلك‪ ،‬فهذا هو السبب في تكليف علي‬
‫‪ ‬بتبليغ صدر سورة براءة‪ ،‬ل ما زعمته الرافضة من أن ذلك‬
‫للشارة إلى أن علّيا ‪ ‬أحق بالخلفة من أبي بكر‪ ،‬وقد علق على‬
‫ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال‪ :‬ول أدري كيف غفلوا عن قول‬
‫له‪(4:‬أمير أم مأمور؟ )‪ (3‬وكيف يكون المأمور أحق بالخلفة‬
‫الصديق‬
‫من المير ) ‪.‬‬
‫وقد)‪(5‬كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة‬
‫الوداع‪ .‬لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الصنام قد انقضى‪،‬‬
‫وأن مرحلة جديدة قد بدأت‪ ،‬وما على الناس إل أن يستجيبوا لشرع‬
‫الله تعالى‪ ،‬فبعد هذا العلن الذي انتشر بين قبائل العرب في‬
‫انقضى‬
‫الجزيرة‪ ،‬أيقنت تلك القبائل أن المر جد‪ ،‬وأن عهد الوثنية قد‬
‫فعل‪ ،‬فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلمها ودخلوها في التوحيد )‪.(6‬‬
‫ً‬
‫ج‪ -‬في حجة الوداع‪:‬روى المام أحمد ‪‬بسنده إلى عبد الله بن‬
‫بكر قالت‪ :‬خرجنا مع رسول الله ×‬
‫الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي‬
‫× فجلست عائشة‬
‫حجاج حتى إذا أدركنا )العرج( )‪(7‬نزل رسول الله ‪،‬‬
‫ا‪ً ،‬‬
‫وزمالة أبي بكر مع غلم لبي بكر فجل س أبو بكر ينتظر أن‬
‫النبي ×‬
‫‪،‬‬
‫جنب‬
‫يطلع عليه‪ ،‬فطلع ولي س معه بعيره!! فقال‪ :‬أين بعيرك؟ فقال‪ :‬أضللته‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( صحيح السيرة النبوية‪.625 :‬‬
‫)( السيرة النبوية لبي شهبة‪ (3) .2/537 :‬صحيح السيرة النبوية‪.524 :‬‬
‫)(‪ (5) ,‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/540 :‬‬
‫)( قراءة سياسية للسيرة النبوية‪ ،‬قلعجي‪.283 :‬‬
‫)( العرج‪ :‬واد فحل من أودية الحجاز التهامية‪ ،‬معجم المعالم الجغرافية‪.202 :‬‬

‫‪69‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يضربه ورسول الله يبتسم‬
‫البارحة! فقال أبو بكر‪ :‬بعير واحد تضله! فطفق‬
‫ويقول‪» :‬انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع« )‪.(8‬‬

‫***‬

‫‪8‬‬

‫)( مسند أحمد‪.6/344 :‬‬

‫‪70‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الخامس‬

‫الصديق في المجتمع المدني‬
‫وبعض صفاته وشيء من فضائله‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر‪،‬‬
‫وتركت لنا نموذجًا حّيا لفهم السلم وتطبيقه في دنيا الناس‪ ،‬وقد‬
‫تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله × في‬
‫أحاديث كثيرة‪ ،‬وبّين فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله‬
‫عنهم أجمعين‪.‬‬

‫أول‪ :‬من مواقفه في المجتمع المدني‪:‬‬
‫‪ -1‬موقفه من )فنحاص( الحبر اليهودي‪:‬‬

‫واحد من ك ُّتاب السير والمفسرين أن أبا بكر ‪ ‬دخل‬
‫ذكر غير‬
‫بيت المدراس )‪ (1‬على يهود‪ ،‬فوجد منهم ناسا قد اجتمعوا إلى رجل‬
‫وكان من علمائهم وأحبارهم‪ ،‬ومعه حبر من‬
‫منهم يقال له فنحاص‪،‬‬
‫أحبارهم‪ ،‬يقال له أشيع )‪ ،(2‬فقال أبو بكر لفنحاص‪ :‬ويحك! اتق الله‬
‫وأسلم‪ ،‬فوالله إنك تعلم أن محمدًا لرسول الله‪ ،‬قد جاءكم بالحق‬
‫من عنده‪ ،‬تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والنجيل‪ .‬فقال فنحاص‬
‫لبي بكر‪ :‬والله يا أبا بكر‪ ،‬ما بنا إلى الله من فقر‪ ،‬وإنه إلينا لفقير‪،‬‬
‫وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا‪ ،‬وإنا عنه لغنياء وما هو عنا بغني‪،‬‬
‫ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم‪ ،‬ينهاكم عن‬
‫غنيا ما أعطانا الربا‪ .‬فغضب أبو بكر‪،‬‬
‫الربا ويعطيناه‪ ،‬ولو كان عنا ً‬
‫ضربا شديدًا‪ ،‬وقال‪ :‬والذي نفسي بيده لول‬
‫ً‬
‫فضرب وجه فنحاص‬
‫العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله‪ .‬فذهب فنحاص‬
‫إلى رسول الله ×‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬انظر ما صنع بي صاحبك‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله × لبي بكر‪» :‬ما حملك على ما صنعت؟« فقال أبو بكر‪:‬‬
‫عظيما‪ ،‬إنه يزعم أن الله فقير‬
‫ً‬
‫قول‬
‫ً‬
‫يا رسول الله‪ ،‬إن عدو الله قال‬
‫وأنهم أغنياء‪ ،‬فلما قال ذلك غضبت لله مما قال‪ ،‬وضربت وجهه‪،‬‬
‫فجحد ذلك فنحاص وقال‪ :‬ما قلت ذلك‪ ،‬فأنزل الله تعالى فيما قال‬
‫ه َ‬
‫فنحاص رّدا عليه وتصديقًا لبي بكر‪+ :‬ل َ َ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ع الل ُ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ق‬
‫و‬
‫لوا‬
‫قا‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ن‬
‫س‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫قا َُلوا إ ِ ّ‬
‫ون َ ْ‬
‫غن َِياءُ َ‬
‫ح ُ‬
‫ُ ُ‬
‫ُْ َ‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫قيٌر َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق" ]آل عمران‪:‬‬
‫ري‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫قوا‬
‫ذو‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ن‬
‫و‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ب‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫ِ ْ ِ َ ّ َ‬
‫َ ِ ِ‬
‫‪.[181‬‬
‫)‪(3‬‬
‫بلغه في ذلك من الغضب‬
‫الصديق ‪ ،‬وما‬
‫ونزل في أبي بكر‬
‫في أ َ‬
‫وال ِك ُ‬
‫وأ َن ْ ُ‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ّ‬
‫م َُ‬
‫م َ‬
‫ع ّ‬
‫ول َت َ ْ‬
‫س َ‬
‫سك ُ َْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تعالى‪+ :‬ل َ ْت ُب ْل َ ُ‬
‫قولهن ُ‬
‫ّ‬
‫شَر ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫كوا أ ً‬
‫ذى‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫توا‬
‫أو‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫عْزم ال ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ر" ]آل‬
‫مو‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫قوا‬
‫ت‬
‫ت‬
‫و‬
‫روا‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ت‬
‫إن‬
‫و‬
‫را‬
‫ثي‬
‫ِ ّ ِ‬
‫َ َ ّ‬
‫َ ْ ِ ُ‬
‫ُ ِ‬
‫كَ ِ ً َ ِ‬
‫ِ ْ َ ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( مكان يتلى فيه التوراة‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.559 ،1/558 :‬‬
‫)‪ (2‬الفتح‪ ،9/81 :‬الطبقات الكبرى‪:‬‬
‫)( تفسير القرطبي‪.4/295 :‬‬
‫‪.8/82‬‬

‫‪71‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عمران‪.[186 :‬‬

‫‪ -2‬حفظ سر النبي ×‪:‬‬
‫قال عمر بن الخطاب‪ :‬تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة‪،‬‬
‫بدر ا‪ ،‬فلقيت عثمان بن عفان فقلت‪ :‬إن شئت‬
‫ً‬
‫وكان ممن شهد‬
‫أنكحتك حفصة‪ ،‬فقال‪ :‬أنظر‪ ،‬ثم لقيني فقال‪ :‬قد بدا لي أن ل‬
‫أتزوج يومي هذا‪ ،‬فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت‪ ،‬فكنت‬
‫عليه أوجد مني على عثمان‪ ،‬فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله‬
‫ي حين‬
‫× فأنكحتها إياه‪ ،‬ثم لقيني أبو بكر فقال‪ :‬لعلك وجدت عل ّ‬
‫لم أرجع إليك؟ فقلت‪ :‬أجل‪ ،‬فقال‪ :‬إنه لم يمنعني أن أرجع إليك‬
‫إل أني علمت أن رسول الله × )‪(1‬قد ذكرها‪ ،‬فلم أكن لفشي سر‬
‫رسول الله × ولو تركها لنكحتها ‪.‬‬

‫‪ -3‬الصديق وآية صلة الجمعة‪:‬‬
‫قال جابر بن عبد الله‪ :‬بينما النبي ×يخطب يوم الجمعة‪ ،‬وقدمت‬
‫لم يبق معه إل اثنا‬
‫الله ×حتى‬
‫عير المدينة‪ ،‬فابتدرها أصحاب رسول‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ضوا‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ا‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫جا‬
‫ت‬
‫وا‬
‫أ‬
‫ر‬
‫ً‬
‫ْ ْ ً ْ ّ‬
‫ذا َ ْ ِ َ َ‬
‫عشر رجل‪ُ ،‬فنزلت هذه الية‪َ + :‬‬
‫ّ‬
‫وت ََركو َ‬
‫ما ُ‬
‫ك َ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ما ِ ْ َ‬
‫ْ ِ َ ِ َ‬
‫ِ ْ ٌ ّ َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ل َ‬
‫قائ ِ ً‬
‫ها َ‬
‫ن"‬
‫قي‬
‫ز‬
‫را‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ة‬
‫ر‬
‫جا‬
‫َ‬
‫ّ ِ ِ َ‬
‫ُ ْ ُ‬
‫الت ّ َ َ ِ َ‬
‫وقال‪ :‬في الثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله × أبو‬
‫‪[11‬‬
‫]الجمعة‪، :‬‬
‫بكر وعمر )‪.(2‬‬
‫‪ -4‬رسول الله × ينفي الخيلء عن أبي بكر‪:‬‬
‫قال عبد الله بن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫»من جر ثوبه خيلء لم ينظر الله إليه يوم القيامة«‪ .‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫أتعاهد ذلك منه‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫إن أحد شقي يسترخي إل أن‬
‫»إنك لست تصنع ذلك خيلء« )‪.(3‬‬

‫‪ -5‬الصديق وتحريه الحلل‪:‬‬
‫عن قيس ابن أبي حازم قال‪ :‬كان لبي بكر غلم‪ ،‬فكان إذا جاء‬
‫بغلته لم يأكل من غلته حتى يسأل‪ ،‬فإن كان شيًئا مما يحب أكل‪،‬‬
‫وإن كان شيًئا يكره لم يأكل‪ ،‬قال‪ :‬فنسي ليلة فأكل ولم يسأله‪ ،‬ثم‬
‫سأله‪(4‬فأخبره أنه من شيء كرهه‪ ،‬فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك‬
‫شيًئا) ‪.‬‬
‫فهذا مثال على ورع أبي بكر ‪‬؛ حيث كان يتحرى الحلل في‬
‫مطعمه ومشربه‪ ،‬ويتجنب الشبهات‪ ،‬وهذه الخصلة تدل على بلوغه‬
‫المطعم والمشرب‬
‫عليا في التقوى‪ .‬ول يخفى أهمية طيب‬
‫درجات ُ‬
‫والملبس في الدين‪ ،‬وعلقة ذلك بإجابة الدعاء )‪ ،(5‬كما في حديث‬
‫الشعث الغبر وفيه‪» :‬يمد يديه إلى السماء‪ :‬يا رب يا رب ومطعمه‬
‫حرام‪ ،‬ومشربه حرام‪ ،‬وملبسه حرام‪ ،‬و ُ‬
‫غذي بالحرام‪ ،‬فأنى ُيستجاب‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪ .15/300 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.863 :‬‬
‫البخاري رقم‪.3665 :‬‬
‫نقل عن التاريخ السلمي للحميدي‪.19/13 :‬‬
‫ً‬
‫الزهد للمام أحمد‪،110 :‬‬
‫التاريخ السلمي للحميدي‪ (3) .19/13 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.1015 :‬‬

‫‪72‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لذلك« )‪.(1‬‬

‫‪ -6‬أدخلني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما‪:‬‬
‫دخل أبو بكر الصديق ‪ ‬على النبي × فسمع صوت ابنته عائشة‬
‫عالًيا‪ ،‬فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال‪ :‬أراك ترفعين صوتك‬
‫على رسول الله‪ ،‬فجعل رسول الله يحجزه‪ ،‬وخرج أبو بكر مغضًبا‪،‬‬
‫فقال النبي × لعائشة حين خرج أبي بكر‪» :‬أرأيت كيف أنقذتك من‬
‫ما ثم استأذن على رسول الله فوجدهما‬
‫الرجل؟«‪ ،‬فمكث أبو بكر أيا ً‬
‫قد اصطلحا‪ ،‬فقال لهما‪ :‬أدخلني في)‪(2‬سلمكما‪ ،‬كما أدخلتماني في‬
‫حربكما‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬قد فعلنا« ‪.‬‬

‫‪ -7‬أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر‪:‬‬
‫دخل أبو بكر على عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في أيام العيد‪،‬‬
‫وعندها جاريتان من جواري النصار تغنيان‪ ،‬فقال أبو بكر ‪:‬‬
‫أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ×؟ وكان رسول الله ×‬
‫الكريم إلى الحائط‪ ،‬فقال‪» :‬يا أبا‬
‫ضا بوجهه عنهما‪ ،‬مقبل ً بوجهه‬
‫معر ً‬
‫دا‪ ،‬وهذا عيدنا« )‪.(3‬‬
‫عي‬
‫قوم‬
‫لكل‬
‫إن‬
‫بكر‪،‬‬
‫ً‬
‫ففي الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي × وأصحابه‬
‫الجتماع عليه‪ ،‬ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان‪ ،‬والنبي × أقر‬
‫الجواري عليه معلل ً ذلك بأنه يوم‬
‫كما جاء في‬
‫العياد‪،‬‬
‫في‬
‫اللعب‬
‫عيد‪ ،‬والصغار يرخص لهم في‬
‫)‪(4‬‬
‫الحديث‪» :‬ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة«‪.‬‬
‫وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة‬
‫استمع إلى ذلك‪،‬‬
‫يلعبن معها‪ ،‬وليس في حديث الجاريتين أن النبي ×‬
‫والمر والنهي إنما يتعلق بالستماع ل بمجرد السماع‪ (5).‬ومن هذا‬
‫كالجاريتين‬
‫نفهم أنه يرخص لمن صلح له اللعب أن يلعب في العياد‪،‬‬
‫الصغيرتين من النصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة )‪.(6‬‬

‫‪ -8‬إكرامه للضيوف‪:‬‬
‫قال عبد الرحمن بن أبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬أن أصحاب‬
‫سا فقراء‪ ،‬وأن رسول الله × قال مرة‪ :‬من كان‬
‫الصفة كانوا أنا ً‬
‫عنده طعام اثنين فليذهب بثالث‪ ،‬ومن كان عنده طعام أربعة‬
‫فليذهب بخامس‪ ،‬وإن أبا بكر جاء بثلث‪ ...‬وإن أبا بكر تعشى عند‬
‫رسول الله × فجاء بعد أن مضى من الليل ما شاء الله تعالى‪ ،‬قالت‬
‫له امرأته‪ :‬ما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت‪ :‬عن ضيفك‪ ،‬قال‪ :‬وما‬
‫وقد عرضوا عليهم فغلبوهم‪ .‬قال‪:‬‬
‫عشيتهم؟ قالت‪ :‬أبوا حتى تجيء‪،‬‬
‫فذهبت أنا فاختبأت‪ ،‬فقال‪ :‬يا غنثر )‪ (7‬فجدع وسب‪ ،‬وقال‪ :‬كلوا هنيًئا‬
‫دا‪ ،‬وحلف الضيف أن ل يطعمه حتى يطعم أبو‬
‫وقال‪ :‬والله ل أطعم أب ً‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)( أبو داود‪ ،‬رقم‪ ،4999 :‬ضعفه اللباني في ضعيف سنن أبي داود‪ .‬سيرة‬
‫الصديق‪ ،‬مجدي السيد‪.136 :‬‬
‫)( مسلم في صلة العيدين‪ ،‬رقم‪.892 :‬‬
‫)( الفتاوى‪ ،11/308 :‬مسند أحمد‪ 233 ،6/16 :‬عن عائشة‪.‬‬
‫)(‪ (3) ,‬نفس المصدر السابق‪.30/118 :‬‬
‫)( غنثر‪ :‬الثقيل الوخيم‪ ،‬وقيل الجاهل‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬هذه من الشيطان‪ ،‬قال‪ :‬فدعا بالطعام فأكل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إل َرَبا من أسفلها أكثر منها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك‪ ،‬فنظر إليها فإذا هي‬
‫كما هي وأكثر‪ ،‬فقال لمرأته‪ :‬يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت‪ :‬ل‬
‫وقرة عيني هي الن لكثر منها قبل ذلك بثلث مرات‪ ،‬فأكل أبو بكر‬
‫وقال‪ :‬إنما كان ذلك من الشيطان ‪-‬يعني يمينه‪ -‬ثم أكل منها لقمة ثم‬
‫حملها إلى رسول الله × فأصبحت عنده‪ ،‬وكان بيننا وبين القوم عقد‬
‫واحد منهم أناس الله‬
‫فمضى الجل فتفرقنا اثني عشر رجل‪ ،‬مع كل‬
‫أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين )‪.(1‬‬

‫وفي هذه القصة دروس وعبر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬حرص الصديق على تطبيق اليات القرآنية والحاديث النبوية‬
‫قّرب َ ُ َ‬
‫ف َ‬
‫تحث ْعلى إكرام الضيف‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫م‬
‫التي‬
‫ه ْ‬
‫ه إ ِلي ْ ِ‬
‫ل أ َل َ ت َأك ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وقول الرسول ×‪» :‬من كان يؤمن‬
‫‪.‬‬
‫ن" ]الذاريات‪[27 :‬‬
‫لو‬
‫قا‬
‫َ‬
‫بالله واليوم الخر‪ ،‬فليكرم ضيفه« )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬وفي هذه القصة كرامة للصديق؛ حيث جعل ل يأكل لقمة إل‬
‫َرَبا من أسفلها أكثر منها فشبعوا‪ ،‬وصارت أكثر مما هي قبل ذلك‪،‬‬
‫فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت‪ ،‬فرفعها إلى‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا‪ (3).‬وهذه‬
‫الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله × في جميع‬
‫أحواله‪ ،‬وهي تدل على مقام الولية للصديق‪ ،‬فأولياء الله هم‬
‫المقتدون بمحمد ×‪ ،‬فيفعلون ما أمر به وينتهون عما زجر‪ ،‬ويقتدون‬
‫به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه‪ ،‬فيؤيدهم بملئكته وروح منه‪ ،‬ويقذف‬
‫من أنواره‪ ،‬ولهم الكرامات التي يكرم الله بها‬
‫الله في قلوبهم‬
‫أولياءه المتقين )‪.(4‬‬
‫ج‪ -‬تقول السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬إن أبا بكر لم يحنث‬
‫في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين‪ ،‬فقال‪ :‬ل أحلف على‬
‫فرأيت غيرها خيًرا منها إل أتيت الذي هو خير وكفرت عن‬
‫يمين‬
‫)‪(5‬‬
‫فكان‪(6‬إذا حلف على شيء ورأى غيره خيًرا منه كفر وأتى‬
‫يميني‪.‬‬
‫الذي هو خير‪ ).‬وفي هذه القصة ما يدل على ذلك؛ حيث ترك يمينه‬
‫ما‪(7‬لضيوفه‬
‫الولى إكرا ً‬
‫وأكل معهم ) ‪.‬‬

‫‪ -9‬ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر‪:‬‬
‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬خرجنا مع رسول الله × في‬
‫بعض أسفاره‪ ،‬حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي‪،‬‬
‫فأقام رسول الله × على التماسه‪ ،‬وأقام الناس معه‪ ،‬وليس على‬
‫ماء وليس معهم ماء‪ ،‬فأتى الناس أبا بكر فقالوا‪ :‬أل ترى ما صنعت‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الشربة‪ ،‬رقم‪.2057 :‬‬
‫)‪ (1‬مسلم‪.3/1353 :‬‬
‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪.11/125 :‬‬
‫)( الفتاوى‪.11/135 :‬‬
‫)( سنن البيهقي‪ ،10/34 :‬نقل عن موسوعة )فقه أبي بكر(‪.240 :‬‬
‫)( مصنف ابن أبي شيبة‪ ،1/158 :‬نقل عن موسوعة فقه أبي بكر‪.240 :‬‬
‫)( موسوعة فقه أبي بكر‪.241 :‬‬

‫‪74‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عائشة؟ أقامت برسول الله × وبالناس معه وليسوا على ماء وليس‬
‫معهم ماء‪ ،‬فجاء أبو بكر ورسول الله × واضع رأسه على فخذي قد‬
‫نام‪ ،‬فقال‪ :‬حبست رسول الله × والناس‪ ،‬وليسوا على ماء وليس‬
‫معهم ماء‪ ،‬قلت‪ :‬فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول‪ ،‬وجعل يطعنني‬
‫بيده في خاصرتي فل يمنعني من التحرك إل مكان رسول الله ×‬
‫على فخذي‪ ،‬فنام رسول الله × حتى أصبح على غير ماء‪ ،‬فأنزل الله‬
‫آية التيمم‪َ + :‬‬
‫دا طَي ًّبا" ]النساء‪ .[43 :‬فقال أسيد بن‬
‫ص ِ‬
‫عي ً‬
‫م ُ‬
‫فت َي َ ّ‬
‫موا َ‬
‫فقالت عائشة‪ :‬فبعثنا‬
‫بكر‪،‬‬
‫أبي‬
‫آل‬
‫يا‬
‫بركتكم‬
‫بأول‬
‫حضير‪ :‬ما هي‬
‫البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته« )‪.(1‬‬
‫وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله‪،‬‬
‫وحساسيته الشديدة على أن ل يضايقه شيء‪ ،‬ول يقبل ذلك ولو كان‬
‫من أقرب الناس وأحبهم إلى رسول الله ×‪ ،‬كعائشة رضي الله‬
‫قدوة‪ (2‬للدعاة في الدب الجم مع النبي × ومع‬
‫عنها‪ ،‬فقد كان ‪‬‬
‫نفسه ومع المسلمين ) ‪.‬‬
‫ي × للصديق ‪:‬‬
‫‪ -10‬انتصار النب ّ‬
‫لقد ثبت من الحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي × كان‬
‫ينتصر لبي بكر وينهى الناس عن معارضته؛ فعن أبي الدرداء ‪‬‬
‫سا مع النبي × إذ أقبل أبو بكر آخ ً‬
‫ثوبه‪(3‬حتى‬
‫ذا بطرف‬
‫قال‪ :‬كنت جال ً‬
‫أبدى عن ركبته‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬أما صاحبكم فقد غامر«) ‪،‬‬
‫فسلم‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء‬
‫ي‪ ،‬فأقبلت‬
‫فأسرعت إليه ثم ندمت‪ ،‬فسألته أن يغفر لي فأبى عل ّ‬
‫إليك‪ ،‬فقال‪ :‬يغفر الله لك يا أبا بكر ثلثا‪ ،‬ثم إن عمر ندم فأتى منزل‬
‫أبي بكر فسأل‪ :‬أثم أبو بكر؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬فأتى النبي × فسلم عليه‪،‬‬
‫فجعل وجه رسول الله × يتمعر )‪ ،(4‬حتى أشفق أبو بكر ))‪ ((56‬فجثا على‬
‫ركبتيه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬والله أنا كنت أظلم مرتين ‪ ،‬فقال‬
‫بعثني( إليكم فقلتم‪ :‬كذبت‪ ،‬وقال أبو بكر‪ :‬صدق‪،‬‬
‫النبي ×‪» :‬إن الله‬
‫بنفسه وماله)‪، 7‬فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟« مرتين‪ .‬فما‬
‫وواساني‬
‫أوذي بعدها)‪.(8‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬الطبيعة البشرية‬
‫للصحابة وما يحدث بينهم من خلف‪ ،‬وسرعة رجوع المخطئ وطلب‬
‫المغفرة والصفح من أخيه‪ ،‬وتواد الصحابة فيما بينهم‪ ،‬ومكانة‬
‫الصديق الرفيعة عند رسول الله × ثم أصحابه‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫‪ -11‬قل‪ :‬غفر الله لك يا أبا بكر‪.‬‬
‫قال ربيعة السلمي ‪ :‬كنت أخدم النبي ×‪ ...‬وذكر حديثًا ثم‬
‫أرضا‪،‬‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬إن رسول الله × أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطى أبا بكر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم‪.3672 :‬‬
‫تاريخ الدعوة السلمية‪.403 ،402 :‬‬
‫غامر‪ :‬خاصم‪ .‬أي‪ :‬دخل في غمرة الخصومة‪.‬‬
‫يتمعر‪ :‬تذهب نضارته من الغضب‪ (5) .‬أن يكون لعمر من الرسول ما يكره‪.‬‬
‫لنه هو الذي بدأ‪.‬‬
‫المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء‪.‬‬
‫لما أظهره النبي × من تعظيمه‪ ،‬البخاري‪ ،‬رقم‪.3661 :‬‬

‫‪75‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة‪ ،‬فقلت أنا‪ :‬هي في حدي‪ ،‬وقال‬
‫أبو بكر‪ :‬هي في حدي‪ ،‬فكان بيني وبين أبي بكر كلم‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫كلمة كرهها‪ ،‬وندم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬لتقولن أو لستعدين عليك رسول‬
‫الله ×‪ ،‬فقلت‪ :‬ما أنا بفاعل‪ ،‬قال‪ :‬ورفض الرض )‪ ،(1‬وانطلق أبو بكر‬
‫‪ ‬إلى النبي ×‪ ،‬وانطلقت أتلوه‪ ،‬فجاء ناس من أسلم فقالوا لي‪:‬‬
‫رحم الله أبا بكر‪ ،‬في أي شيء يستعدي عليك رسول الله × وهو قد‬
‫قال لك ما قال؟ قلت‪ :‬أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق‪ ،‬هذا‬
‫ثاني اثنين‪ ،‬وهذا ذو شيبة المسلمين‪ ،‬إياكم ل يلتفت فيراكم‬
‫تنصروني عليه فيغضب‪ ،‬فيأتي رسول الله × فيغضب لغضبه‪،‬‬
‫فيغضب الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لغضبهما فيهلك ربيعة‪ ،‬قال‪ :‬ما تأمرنا؟ قال‪:‬‬
‫ارجعوا‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق أبو بكر ‪ ‬إلى رسول الله × فتتبعته وحدي‬
‫ي رأسه فقال‪ :‬يا‬
‫حتى أتى النبي × فحدثه الحديث كما كان‪ ،‬فرفع إل ّ‬
‫ربيعة‪ ،‬ما لك وللصديق؟ قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كان كذا‪ ..‬كان كذا‪،‬‬
‫قال لي كلمة كرهها فقال‪ :‬قل لي كما قلت حتى يكون قصاصا‬
‫فأبيت‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أجل فل ترد عليه‪ ،‬ولكن قل‪ :‬غفر الله‬
‫غفر‪(2‬الله لك يا أبا بكر‪ .‬قال الحسن البصري‪:‬‬
‫لك يا أبا بكر«‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫ولى أبو بكر ‪ ‬وهو يبكي ) ‪.‬‬
‫لله أي وجدان هذا الوجدان‪ ،‬وأي نفس تلك النفس!! بادرة بدرت‬
‫تناهيا‬
‫ً‬
‫ض إل اقتصاصه منها‪ ،‬وصفحه عنها‪،‬‬
‫منها لمسلم فلم تر َ‬
‫بالفضيلة‪ ،‬واستمساكًا بالدب‪ ،‬وشعورًا تمكن من الجوانح‪ ،‬وأخذ‬
‫ما يتململ‬
‫بمجامع القلوب‪ ،‬فكانت عنده زلة اللسان ‪-‬ولو صغيرة‪ -‬أل ً‬
‫منه الضمير فل يستريح إل بالقصاص منه‪ ،‬ورضا ذلك المسلم عنه‬
‫)‪.(3‬‬
‫كانت كلمة هينة‪ ،‬ولكنها أصابت من ربيعة موجعًا‪ ..‬فإذا أبو بكر‬
‫يزلزل من أجلها‪ ،‬ويأبى إل القصاص عليها‪ ،‬مع أنه يومئذ كان الرجل‬
‫الثاني في السلم بعد رسول الله ×‪ ،‬وهي كلمة ل يمكن أن تكون‬
‫أخلقه لم تسمح بهذا‪ ،‬ولم يؤثر عنه حتى‬
‫أبدا؛ لن‬
‫من ُفحش القول ً‬
‫في الجاهلية شيء من هذا )‪.(4‬‬
‫لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة ولهذا اشتكى لرسول الله‪،‬‬
‫وهذا أمر عجيب‪ ،‬فإن أبا بكر قد نسي أرضه ونسي قضية الخلف‪،‬‬
‫وشغل باله أمر تلك الكلمة لن حقوق العباد ل بد فيها من عفو‬
‫صاحب الحق‪ (5) .‬وفي هذا درس للشيوخ والعلماء الحكماء والدعاة‬
‫في كيفية معالجة الخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها‬
‫بالرجل‪.‬‬
‫وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول‬
‫الله × وهو الذي قال ما قال‪ ،‬ولم يعلموا ما عمله أبو بكر من‬
‫لزوم إنهاء قضايا الخصومات‪ ،‬وإزالة ما قد يعلق في القلوب من‬
‫الموجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه‬
‫الحساب يوم القيامة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( أي‪ :‬فارق أبو بكر الرض‪.‬‬
‫)‪ (3‬أشهر مشاهير السلم‪.1/88 :‬‬
‫)( مسند أحمد‪.59 ،4/58 :‬‬
‫)( خلفاء الرسول‪ ،‬خالد محمد خالد‪ (2) .103 :‬التاريخ السلمي‪.19/16 :‬‬

‫‪76‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وبالرغم مما ظهر من رضا ربيعة وتوجيه النبي × إلى عدم الرد‬
‫على أبي بكر‪ ،‬فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى‪ ،‬وهذا دليل‬
‫على قوة إيمانه‪ ،‬ورسوخ يقينه‪.‬‬
‫وأخيرًا موقف يذكر لربيعة بن كعب السلمي ‪ ،‬حيث قام‬
‫بإجلل أبي بكر ‪ ‬وأبى أن يرد عليه بالمثل‪ ،‬هذا من تقدير أهل‬
‫الفضل)‪(1‬والتقدم والمعرفة بحقهم‪ ،‬وهو دليل على قوة الدين ورجاحة‬
‫العقل ‪.‬‬

‫‪ -12‬مسابقته في الخيرات‪:‬‬
‫اتصف الصديق ‪ ‬بالخلق الحميدة‪ ،‬والصفات الرفيعة‬
‫ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة‪ ،‬وفي مكارم‬
‫الخلق أسوة‪ ،‬وكان حريصًا أشد الحرص على الخيرات‪ ،‬فقد أيقن‬
‫أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم قد يكون غير ممكن في الغد‪،‬‬
‫فاليوم عمل ول حساب‪ ،‬وغدًا حساب ول عمل‪ ،‬ولذلك كان من‬
‫المسارعين في الخيرات؛ فعن أبي هريرة ‪ ‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ما؟« قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن تبع‬
‫»من أصبح منكم اليوم صائ ً‬
‫منكم اليوم جنازة؟«‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن أطعم منكم‬
‫اليوم مسكيًنا؟«‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن عاد منكم اليوم‬
‫بكر‪(2:‬أنا‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما اجتمعن في‬
‫ضا؟«‪ .‬قال أبو‬
‫مري ً‬
‫امرئ إل دخل الجنة« ) ‪.‬‬

‫‪-13‬كظمه للغيظ‪:‬‬
‫قال أبو هريرة ‪ :‬إن رجلًشتم أبا بكر ورسول الله × جالس‪،‬‬
‫يعجب ويبتسم‪ ،‬فلما أكثر الرجل رد عليه أبو بكر بعض‬
‫فجعل النبي ×‬
‫وقام‪ ،‬فلحقه أبو بكر وقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كان‬
‫قوله‪ ،‬فغضب النبي ×‬
‫يشتمني وأنت جالس‪ ،‬فلما أكثر رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!!‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪»:‬إنه كان معك ملك يرد عنك‪ ،‬فلما رددت‬
‫عليه بعض قوله وقع الشيطان‪ ،‬فلم أكن لقعد مع الشيطان«‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫»يا أبا بكر‪ ،‬ثلث كلهن حق‪ :‬ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله‬
‫عز وجل‪ -‬إل أعز الله بها نصره‪ ،‬وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة‬‫كثرة‪ ،‬وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إل زاده‬
‫إل زاده الله بها‬
‫اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه‬
‫الله بها قلة«‪ (3).‬إن الصديق ‪‬‬
‫به يسكت هذا الرجل‪ ،‬فر ّ‬
‫غبه النبي ×في الحلم والناة‪ ،‬وأرشده إلى‬
‫ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ‪ ،‬فإن الحلم وكظم الغيظ مما‬
‫يزيد المرء ويجمله في أعين الناس‪ ،‬ويرفع قدره عند الله تعالى‪.‬‬
‫ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق ‪ ‬على عدم‬
‫إغضاب النبي × والمسارعة إلى إرضائه‪ ،‬وفي ذم الغضب للنفس‪،‬‬
‫والنهي عنه والتحذير منه‪ ،‬واعتزال النبياء للمجالس التي يحضرها‬
‫الشيطان‪ ،‬وبيان الفضل للمظلوم الصابر المحتسب للجر والثواب‪،‬‬
‫وفيه حث على العطايا‪ ،‬وصلة الرحام‪ ،‬وذم للمسألة وأهلها‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.19/16 :‬‬
‫)‪ (1‬صحيح مسلم‪ ،‬رقم‪.1028 :‬‬
‫)( الدر المنثور للسيوطي‪2/74 :‬؛ مجمع الزوائد‪ ،8/190 :‬حديث مرسل‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عرف بالحلم‬
‫وظل الصديق متمسكًا بالحلم وكظم الغيظ حتى ُ‬
‫والناة‪ ،‬ولين الجانب والرفق‪ ،‬وهذا ل يعني أن أبا بكر لم يكن‬
‫لله تعالى‪ ،‬فإذا رأى محارم الله قد انتهكت‬
‫يغضب‪ ،‬وإنما كان غضبه‬
‫غضبا شديدًا )‪.(1‬‬
‫ً‬
‫غضب لذلك‬
‫متأمل ومتفكرًا وعاملً بقوله تعالى‪:‬‬
‫ً‬
‫لقد عاش بعد رسول الله ×‬
‫ت‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ر ُ‬
‫عْر ُ‬
‫غ ِ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫فَر ٍ‬
‫و َ‬
‫وا ُ‬
‫ها ال ّ‬
‫ض َ‬
‫وَ َ‬
‫س َ‬
‫من ّ ّرب ّك ُ ْ‬
‫ة ّ‬
‫عوا إ َِلى ْ َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫‪َ +‬‬
‫سا ِ‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫سّرا ِ‬
‫ت ل ِل‬
‫والْر‬
‫ن ِ‬
‫ن ي ُن ْ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ض أُ ِ‬
‫ن ‪ ‬ال ِ‬
‫فقو َ‬
‫عد ّ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وال ْ‬
‫غي ْ َ‬
‫ن ال ْ‬
‫وال ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن‬
‫في‬
‫عا‬
‫ظ‬
‫مي‬
‫ظ‬
‫كا‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫را‬
‫ض‬
‫وال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫والل ُ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[134 -133 :‬‬
‫يُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫سِني َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫‪ -14‬بلى والله‪ ،‬إني أحب أن يغفر الله لي‪.‬‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬ي َُعول مسطح بن أثاثة‪ ،‬فلما قال في عائشة‬
‫أقسم بالله أبو بكر‬
‫رضي الله عنها‪ -‬ما قال )حديث الفك المشهور(‬‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لو‬
‫أو‬
‫ل‬
‫ت‬
‫أ‬
‫فلما أنزل الله ُ ‪-‬عز‬
‫أبدا‪،‬‬
‫أل ينفعه ً‬
‫ْ ِ‬
‫ول َ ْ ي َ َ ِ‬
‫وجل‪َ + :-‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫كي‬
‫سا‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫بى‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لي‬
‫أو‬
‫توا‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫أن‬
‫ة‬
‫ع‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ُ ُ‬
‫وال ّ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َ ِ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫بو‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫أ‬
‫حوا‬
‫ف‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫فوا‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫في‬
‫ن‬
‫ري‬
‫ج‬
‫ها‬
‫وال‬
‫م َ ِ ِ َ ِ‬
‫ُ ِ ّ َ‬
‫َ َ ْ ُ‬
‫ِ َ َ ْ‬
‫ُ‬
‫َ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م" ]النور‪ [22 :‬قال أبو بكر‪:‬‬
‫َأن ي ّ ْ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫غ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫والل ُ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫فَر الل ُ‬
‫م َ‬
‫والله إني أحب أن يغفر الله لي‪ .‬فرجع إلى النفقة التي كان ينفق‬
‫وقال‪ :‬والله ل أنزعها‬
‫عليه‬
‫)‪(2‬‬
‫أبدا‪.‬‬
‫منه ً‬
‫ولقد فهم الصديق من الية بأن على المؤمن التخلق بأخلق الله‪،‬‬
‫فالله يعفو عنه‬
‫فيعفو عن الهفوات والزلت والمزالق‪ ،‬فإن فعل‬
‫ن َأن‬
‫ويستر ذنوبه‪ ،‬وكما تدين تدان‪ ،‬والله سبحانه قال‪+ :‬أ َل َ ت ُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫م"أي‪ :‬كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا‬
‫يّ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫فَر الل ُ‬
‫لمن دونكم‪ (3).‬وكما أن في الية من حلف على شيء أل يفعله‪،‬‬
‫فرأى أن فعله أولى من تركه‪ ،‬أتاه وكفر عن يمينه‪ .‬وقال بعض‬
‫كتاب الله تعالى؛ من حيث لطف الله‬
‫العلماء‪ :‬هذه أرجى آية في‬
‫بالقذفة العصاة بهذا اللفظ )‪.(4‬‬
‫لقد دلت هذه الية على أن أبا بكر أفضل الناس عند النبي ×؛‬
‫لن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الية‪ ،‬دلت على علو شأنه‬
‫الرازي ُفي تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من‬
‫في الدين‪.‬‬
‫أورد ْ‬
‫ل أوُلو ال ْ َ‬
‫ة"منها‪ :‬أنه‬
‫ف ْ‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫س َ‬
‫وال ّ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ض ِ‬
‫ول َ ي َأت َ ِ‬
‫هذه الية‪َ + :‬‬
‫وصفه بأنه صاحب الفضل على الطلق من غير تقييد لذلك بشخص‬
‫دون شخص‪ ،‬والفضل يدخل فيه الفضال‪ ،‬وذلك يدخل على أنه ‪‬‬
‫فاضل على الطلق‪ ،‬وكان مفضل على الطلق‪ ،‬ومنها أنه لما‬
‫ً‬
‫كان‬
‫وصفه تعالى بأنه )أولو الفضل والسعة( بالجمع ل بالواحد وبالعموم‬
‫خاليً‪5‬ا( عن‬
‫ل بالخصوص على سبيل المدح‪ ،‬وجب أن يقال‪ :‬إنه كان‬
‫المعصية؛ لن الممدوح إلى هذا الحد ل يكون من أهل النار ) ‪.‬‬
‫‪ -15‬خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪.145 :‬‬
‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬رقم‪.4750 :‬‬
‫)(‪ (3) ,‬تفسير المنير‪.18/190 :‬‬
‫)( تفسير الرازي‪.18/351 :‬‬

‫‪78‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫خرج أبو بكر الصديق ‪ ‬للتجارة إلى بصرى ببلد الشام في عهد‬
‫النبي ×‪ ،‬ما منعه حبه لملزمة النبي × من)‪(1‬الذهاب للتجارة‪ ،‬ول منع‬
‫النبي × الصديق من ذلك مع شدة حبه له‪ .‬وفي هذا أهمية أن‬
‫يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال الناس‪ ،‬بل ويساهم‬
‫بهذا الرزق في إغاثة الملهوف‪ ،‬وفك العاني‪ ،‬ويسارع في أبواب‬
‫النفاق التي‬
‫يحبها الله‪.‬‬
‫‪ -16‬غيرة الصديق ‪ ‬وتزكية النبي × لزوجه‪:‬‬
‫نفرا من بني هاشم دخلوا‬
‫ً‬
‫قال عبد الله بن عمرو بن العاص‪ :‬إنّ‬
‫على أسماء بنت عميس‪ ،‬فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ‬
‫فرآهم‪ ،‬فكره ذلك‪ ،‬فذكر ذلك لرسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬إن الله تعالى قد‬
‫برأها من ذلك‪ ،‬ثم قام رسول الله × على المنبر فقال‪» :‬ل يدخل‬
‫)‪(2‬‬
‫رجل بعد يومي هذا على مغيبة إل ومعه رجل أو اثنان«‪.‬‬
‫‪ -17‬خوفه من الله تعالى‪:‬‬
‫عن أنس ‪‬قال‪ :‬خطبنا رسول الله ×خطبة ما سمعت مثلها قط‪،‬‬
‫فقال‪» :‬لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قلي ً‬
‫ل‪(3)،‬ولبكيتم كثيًرا« فغطى‬
‫أصحاب رسول الله ×وجوههم ولهم خنين ‪.‬‬
‫وقد كان الصديق ‪ ‬على جانب من الخوف والرجاء عظيم‪،‬‬
‫جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكمًا أو محكومًا‪ ،‬قائدًا أو‬
‫جنديا‪ ،‬يريد النجاح والفلح في الخرة‪ (4).‬فعن محمد بن سيرين قال‪:‬‬
‫ً‬
‫لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي × من أبي بكر‪ .‬وعن قيس‬
‫قال‪ :‬رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول‪ :‬هذا الذي أوردني‬
‫الموارد‪ (5).‬وقد قال أبو بكر ‪ : ‬ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)‪ ,(6‬وعن‬
‫ميمون بن مهران قال‪ :‬أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم‬
‫صيد َ من صيد ول عضدت من شجرة إل بما ضيعت من‬
‫قال‪ :‬ما )‪ِ(7‬‬
‫قال‪ :‬قال أبو بكر‪ :‬والله لوددت أني كنت‬
‫الحسن‬
‫وعن‬
‫التسبيح‪.‬‬
‫وتعضد‪ (8).‬وقال أبو بكر‪ :‬لوددت أن كنت شعرة‬
‫تؤكل‬
‫الشجرة‬
‫هذه‬
‫في جنب عبد مؤمن‪ (9).‬وكان ‪ ‬يتمثل بهذا البيت من الشعر‪:‬‬
‫)‪(10‬‬
‫ل تزال تنعي حبيًبا حتى‬
‫تكونه‬

‫ثانًيا‪ :‬من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫)( الفتح الباري‪ ،4/357 :‬نقل عن )الخلفة الراشدة والدولة الموية( من فتح‬
‫الباري‪.163 :‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬لبي جعفر أحمد الطبري‪.237 :‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التفسير‪ ،‬باب ل تسألوا عن أشياء‪.6/68 :‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ ،‬يسري محمد‪ (5) .369 :‬صفة الصفوة‪.2/253 :‬‬
‫)()الزهد( للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪.108 :‬‬
‫)‪ (9) ,(8‬نفس المصدر السابق‪.112 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪.110 :‬‬
‫)( المصدر السابق‪:‬ـ ‪.112‬‬

‫‪10‬‬

‫)‪ (1‬الزهد‪ ،‬للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪ (2) .108 :‬فضائل الصحابة‪ ،‬للمام‬
‫أحمد‪.1/173 :‬‬

‫‪79‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫إن شخصية الصديق ‪ ‬تعتبر شخصية قيادية‪ ،‬وقد اتصف ‪‬‬
‫بصفات القائد الرباني‪ ،‬ونجملها في أمور ونركز على بعضها‬
‫بالتفصيل‪ ،‬فمن أهم هذه الصفات‪ :‬سلمة المعتقد‪ ،‬والعلم الشرعي‪،‬‬
‫والثقة بالله‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والصدق‪ ،‬والكفاءة والشجاعة‪ ،‬والمروءة‪،‬‬
‫والزهد‪ ،‬وحب التضحية‪ ،‬وحسن اختياره لمعاونيه‪ ،‬والتواضع‪ ،‬وقبول‬
‫النصيحة‪ ،‬والحلم‪ ،‬والصبر‪ ،‬وعلو الهمة‪ ،‬والحزم‪ ،‬والرادة القوية‪،‬‬
‫والعدل‪ ،‬والقدرة على حل المشكلت‪ ،‬والقدرة على التعليم وإعداد‬
‫القادة‪ ،‬وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة‬
‫المكية في صحبته للنبي ×‪ ،‬وفي العهد المدني في غزواته مع‬
‫رسول الله وحياته في المجتمع‪ ،‬وظهر البعض الخر لما تسلم قيادة‬
‫الدولة وأصبح خليفة رسول الله ×؛ فقد استطاع بتوفيق الله تعالى‬
‫وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على‬
‫الدولة ويقمع حركة الردة‪ ،‬وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالمة نحو‬
‫أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة‪ ،‬ومن أهم تلك الصفات التي‬
‫نحاول تسليط الضواء عليها في هذا المبحث‪ :‬إيمانه بالله العظيم‪،‬‬
‫وعلمه الراسخ‪ ،‬وكثرة دعائه وتضرعه لله تعالى‪.‬‬

‫‪ -1‬عظمة إيمانه بالله تعالى‪:‬‬
‫كان إيمان الصديق بالله عظيمًا‪ ،‬فقد فهم حقيقة اليمان‬
‫وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه‪ ،‬وانعكست آثارها على‬
‫جوارحه‪ ،‬وعاش بتلك الثار في حياته‪ ،‬فتحلى بالخلق الرفيعة‪،‬‬
‫وتطهر من الخلق الوضيعة‪ ،‬وحرص على التمسك بشرع الله‬
‫والقتداء بهديه ×‪ ،‬وكان إيمانه بالله تعالى باعثًا له على الحركة‬
‫والهمة والنشاط والسعي‪ ،‬والجهد والمجاهدة‪ ،‬والجهاد والتربية‪،‬‬
‫والستعلء والعزة‪ ،‬وكان في قلبه من اليقين واليمان شيء عظيم ل‬
‫يساويه فيه أحد من الصحابة‪ .‬قال أبو بكر بن عياش‪(1):‬ما سبقهم أبو‬
‫بكر بكثرة صلة ول صيام ولكن بشيء وقر في قلبه‪ .‬ولهذا قيل‪:‬‬
‫لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الرض لرجح‪ ،‬كما في السنن عن‬
‫أبي بكرة عن النبي × قال‪» :‬هل رأى أحد منكم رؤيا؟« فقال رجل‪:‬‬
‫أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت‬
‫أنت بأبي بكر‪ ،‬ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر‪ ،‬ثم وزن عمر‬
‫رسول الله ×‪،‬‬
‫وعثمان فرجع عمر‪ ،‬ثم رفع الميزان‪ ،‬فاستاء لها‬
‫فقال‪» :‬خلفة نبوة‪ ،‬ثم يؤتى الله الملك من يشاء« )‪.(2‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬صلى رسول الله × صلة الصبح‪ ،‬ثم‬
‫أقبل على الناس فقال‪» :‬بينا رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها‬
‫التفتت إليه البقرة‪ ،‬فقالت‪ :‬إني لم أخلق لهذا‪ ،‬ولكني خلقت للحرث‪،‬‬
‫فقال الناس‪ :‬سبحان الله! )تعجًبا وفزعا( أبقرة تتكلم؟ فقال رسول‬
‫الله ×‪ :‬فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر‪ .‬قال أبو هريرة‪ :‬قال رسول‬
‫الله ×‪» :‬وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة‪،‬‬
‫فطلب حتى كأنه استنقذها منه‪ ،‬فقال له الذئب‪ :‬هذا استنقذتها مني‪،‬‬
‫فمن لها يوم السبع‪ ،‬يوم ل راعي لها غيري؟ فقال الناس‪ :‬سبحان‬
‫الله‪ ،‬ذئب يتكلم؟ قال ×‪ :‬فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر وما‬
‫‪1‬‬
‫)(‬

‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬أبو داود‪ ،‬رقم‪ ،4634 :‬الترمذي رقم‪.2288 :‬‬

‫‪80‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫هما ثم«‪ (1).‬ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه‬
‫وإخلصه للسلم أحبه النبي ×‪ ،‬وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند‬
‫النبي × على غيره من الصحابة‪.‬‬
‫فعن عمرو بن العاص ‪ :‬أن النبي × بعثه على جيش ذات‬
‫السلسل‪ ،‬قال‪ :‬فأتيته فقلت‪ :‬أي الناس أحب إليك؟ قال‪» :‬عائشة«‪،‬‬
‫قال‪» :‬أبوها«‪ ،‬قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪» :‬عمر بن‬
‫فقلت‪ :‬من الرجال؟‬
‫الخطاب«‪ .‬فعد رجالً )‪.(2‬‬
‫وبسبب هذا اليمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده‬
‫التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله‬
‫بالجنة‪ ،‬وأنه يدعى من جميع أبوابها‪ ،‬فعن أبي موسى الشعري أنه‬
‫توضأ في بيته ثم خرج‪ ،‬فقلت‪ :‬للزمن رسول الله × ولكونن معه‬
‫يومي هذا‪ .‬قال‪ :‬فجاء المسجد فسأل عن النبي × فقالوا‪ :‬خرج‬
‫أريس‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ووجه ها هنا‪ ،‬فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر‬
‫فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله × حاجته‬
‫فها‬
‫فتوضأ‪ ،‬فقمت إليه‪ ،‬فإذا هو جالس على بئر أريسٍ وتوسط قُ ّ‬
‫وكشف عن ساقيه ودلهما في البئر‪ ،‬فسلمت عليه ثم انصرفت‬
‫فجلست عند الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬لكونن بواب رسول الله × اليوم‪ ،‬فجاء‬
‫أبو بكر فدفع الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا‪ ،‬فقال‪ :‬أبو بكر‪ ،‬فقلت‪ :‬على‬
‫رسلك‪ ،‬ثم ذهبت فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هذا أبو بكر يستأذن‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫»ائذن له وبشره بالجنة«‪ ،‬فأقبلت حتى قلت لبي بكر‪ :‬ادخل‬
‫ورسول الله يبشرك بالجنة‪ ،‬فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول‬
‫ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ×‬
‫الله × معه في القف‬
‫)‪(3‬‬
‫وكشف عن ساقيه‪....‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول الله × قال‪» :‬من أنفق زوجين‬
‫من شيء من الشياء في سبيل الله دعي من أبواب )أي الجنة( يا‬
‫عبد الله هذا خير‪ ،‬فمن كان من أهل الصلة دعي من باب الصلة‪،‬‬
‫ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد‪ ،‬ومن كان من أهل‬
‫الصدقة دعي من باب الصدقة‪ ،‬ومن كان من أهل الصيام دعي من‬
‫باب الصيام وباب الريان«‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬ما على هذا الذي ُيدعى‬
‫من تلك البواب‬
‫من تلك البواب من ضرورة‪ ،‬وقال‪ :‬هل يدعى أحد‬
‫كلها؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر« )‪.(4‬‬

‫‪ -2‬علمه ‪:‬‬
‫)‪(5‬‬

‫كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له‪ .‬وقد اتفق‬
‫السنة على أن أبا بكر أعلم المة‪ ،‬وحكى الجماع على ذلك غير‬
‫أهل‬
‫واحد )‪ ،(6‬وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملزمته‬
‫ونهارا‪ ،‬وسفرًا وحضرًا‪ ،‬وكان‬
‫ً‬
‫اجتماعا به ليلً‬
‫ً‬
‫للنبي ×؛ فقد كان أدوم‬
‫يسمر عند النبي × بعد العشاء‪ ،‬يتحدث معه في أمور المسلمين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬رقم‪.2388 :‬‬
‫)( صحيح البخاري‪ ،‬رقم‪.3662 :‬‬
‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬رقم‪.3674 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪.3666 :‬‬
‫)‪ (4‬الفتاوى‪.13/127 :‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.559 :‬‬

‫‪81‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫دون غيره من أصحابه‪ ،‬وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو‬
‫غيره‪(1‬فيعمل برأيه‬
‫بكر في الشورى‪ ،‬وربما تكلم غيره وربما لم يتكلم‬
‫وحده‪ ،‬فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه‪ ) .‬وقد‬
‫استعمله النبي × على أول حجة حجت من مدينة النبي ×‪ ،‬وعلم‬
‫المناسك أدق ما في العبادات‪ ،‬ولول سعة علمه لم يستعمله‪ ،‬وكذلك‬
‫الصلة استخلفه عليها ولول علمه لم يستخلفه‪ ،‬ولم يستخلف غيره ل‬
‫في حج ول في صلة‪.‬‬
‫وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر‬
‫وهو أصح ما روي فيها)‪ ،(2‬وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابه ما‬
‫هو متقدم منسوخ‪ ،‬فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة‪ ،‬ولم يحفظ‬
‫له قول يخالف فيه نصًا‪ ،‬وهذا يدل على غاية البراعة والعلم‪ .‬وفي‬
‫لبي‪ (3‬بكر مسألة في الشريعة غلط فيها‪ ،‬وقد عرف‬
‫الجملة‪ :‬ل يعرف‬
‫لغيره مسائل كثيرة‪ ).‬وكان ‪ ‬يقضي ويفتي بحضرة النبي ×‬
‫ويقره‪ ،‬ولم تكن هذه المرتبة لغيره‪ ،‬وقد بينت ذلك في سلب أبي‬
‫قتادة بحنين‪ (4) .‬وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة‬
‫الرسول ×‪ ،‬فإن المة لم تختلف في وليته في مسألة إل فصلها هو‬
‫بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة‪ ،‬وذلك لكمال‬
‫علم الصديق وعدله‪ ،‬ومعرفته بالدلة التي تزيل النزاع‪ ،‬وكان إذا‬
‫أمرهم أطاعوه‪ ،‬كما بين لهم موت النبي × وتثبيتهم على اليمان‪ ،‬ثم‬
‫بين لهم موضع دفنه‪ ،‬وبين لهم ميراثه‪ ،‬وبين لهم قتال مانعي الزكاة‬
‫لما استراب فيه عمر‪ ،‬وبين لهم أن الخلفة في قريش‪ ،‬وتجهيز‬
‫عبدا خيره الله بين الدنيا والخرة هو‬
‫ً‬
‫جيش أسامة‪ ،‬وبين لهم أن‬
‫رسول الله × )‪ ،(5‬وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫ولقد رأى رسول الله × له رؤيا تدل على علمه؛ فعن عبد الله‬
‫سا مملوًءا‬
‫بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬رأيت كأني أعطيت عُ ّ‬
‫لبًنا‪ ،‬فشربت منه حتى تملت‪ ،‬فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد‬
‫واللحم‪ ،‬ففضلت منها فضلة‪ ،‬فأعطيتها أبا بكر«‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول‬
‫تملت‪(6‬منه‪ ،‬فضلت فضلة‬
‫الله‪ ،‬هذا علم أعطاكه الله حتى إذا‬
‫)‬
‫فأعطيتها أبا بكر‪ ،‬فقال ×‪» :‬قد أصبتم«‪.‬‬
‫وكان الصديق ‪ ‬يرى أن الرؤيا حق‪ ،‬وكان يجيد تأويلها‪ ،‬وكان‬
‫يقول إذا أصبح‪ :‬من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها‪ .‬وكان يقول‪ :‬لن‬
‫ي من كذا وكذا‪.‬‬
‫يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إل ّ‬
‫)‪(7‬‬
‫رجل أتى‬
‫ً‬
‫ومما عبره × من الرؤى ما يلي‪ :‬عن ابن عباس ‪ ‬أن‬
‫رسول الله فقال‪ :‬إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن‬
‫والعسل‪ ،‬فأرى الناس يتكففون منها‪ ،‬فالمستكثر والمستقل‪ ،‬وإذا‬
‫سبب واصل من الرض إلى السماء‪ ،‬فأراك أخذت به فعلوت‪ ،‬ثم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أبو بكر الصديق‪ :‬محمد مال الله‪ (6) .335 ،334 :‬البخاري‪ ،‬رقم‪.1448 :‬‬
‫أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪60 :‬‬
‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪.59 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.57 :‬‬
‫الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪.15/269 :‬‬
‫خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد عاشور‪ ،‬جمال الكومي‪.155 :‬‬

‫‪82‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫صل‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫أخذ به رجل آخر فانقطع‪ ،‬ثم وُ ِ‬
‫بأبي أنت‪ ،‬والله لتدعني فأعبرهما‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬اعبرها«‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أما الظلة فالسلم‪ ،‬وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن‪،‬‬
‫حلوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل‪ ،‬وأما السبب‬
‫الواصل من السماء إلى الرض فالحق الذي أنت عليه‪ ،‬تأخذ به‬
‫ُفيعليك الله‪ ،‬ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به‪ ،‬ثم يأخذ رجل آخر فيعلو‬
‫به‪ ،‬فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت‪ ،‬أصبت أم أخطأت؟ قال النبي‬
‫ضا«‪ ،‬قال‪ :‬فوالله لتحدثني بالذي‬
‫ضا وأخطأت بع ً‬
‫×‪» :‬أصبت بع ً‬
‫أخطأت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫»ل تقسم«‪.‬‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلثة‬
‫أقمار‪ ،‬فقصتها على أبي بكر ‪-‬وكان من أعبر الناس‪ -‬فقال‪ :‬إن‬
‫صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك من خير أهل)‪(2‬الرض ثلثة‪ ،‬فلما قبض‬
‫النبي × قال‪» :‬يا عائشة)‪(3‬هذا خير أقمارك«‪ .‬فقد كان الصديق ‪‬‬
‫أعبر هذه المة بعد نبيها ‪.‬‬
‫ومع كونه ‪ ‬من أعلم الصحابة إل أنه من أبعد الناس عن‬
‫ة‬
‫ه‬
‫ك‬
‫فا‬
‫و َ ِ َ ً‬
‫التكلف‪ ،‬فعن إبراهيم النخعي قال‪ :‬قرأ أبو بكر الصديق ‪َ +‬‬
‫َ‬
‫ب؟ فقيل‪ :‬كذا وكذا‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬إن‬
‫وأّبا" ]عبس‪ ،[31 :‬فقيل‪ :‬ما ال ّ‬
‫َ‬
‫التكلف‪(4،‬أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب‬
‫لهو‬
‫هذا‬
‫الله ما ل أعلم ) ‪.‬‬

‫‪ -3‬دعاؤه وشدة تضرعه‪:‬‬
‫إن الدعاء باب عظيم‪ ،‬فإن فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات‬
‫وانهالت عليه البركات‪ ،‬ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله‬
‫وكثرة الدعاء‪ .‬كما أن الدعاء من أعظم وأقوى َعوامل النصر على‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫م ادْ ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫ج ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ل َرب ّك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫العداء‪ ،‬قال ْتعالى‪َ + :‬‬
‫ُ‬
‫ن"‬
‫ري‬
‫خ‬
‫دا‬
‫م‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ن‬
‫لو‬
‫خ‬
‫د‬
‫ي‬
‫س‬
‫تي‬
‫د‬
‫با‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ست َكب ُِرو َ‬
‫ع ْ ِ َ َ ِ َ َ َ ْ‬
‫َ َ َ ّ َ َ ِ ِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ري‬
‫ق‬
‫ني‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ني‬
‫ع‬
‫دي‬
‫با‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ل‬
‫أ‬
‫س‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫[‬
‫‪60‬‬
‫]غافر‪:‬‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫ِ َ ِ‬
‫ِ ٌ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫ول ْي ُ ْ‬
‫ع إِ َ‬
‫مُنوا ِبي‬
‫ذا دَ َ‬
‫ب دَ ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫وةَ ال ّ‬
‫جي ُ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫أ َ ِّ‬
‫جيُبوا ِلي َ‬
‫عا ِ‬
‫ع َ‬
‫دا ِ‬
‫م ي َْر ُ‬
‫ن"‬
‫دو َ‬
‫ش ُ‬
‫ل َ‬
‫عل ُ‬
‫ه ْ‬
‫]البقرة‪.[186 :‬‬
‫ولقد لزم الصديق رسو َ‬
‫ل الله × ورأى كيف كان رسول الله‬
‫يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه‪ ،‬وقد حرص الصديق‬
‫على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله ×‪ ،‬وأن يكون دعاؤه‬
‫وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله ×‪ ،‬ويرتضيها؛ إذ‬
‫ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح‬
‫والصلة على النبي × صيًغا أخرى‪ ،‬مهما كانت في ظاهرها حسنة‬
‫الخير‪ ،‬والهادي إلى‬
‫اللفظ جيدة المعنى؛ لن رسول الله × هو معلم‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وهو أعرف بالفضل والكمل‪ (5).‬وقد جاء في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫)‪ (2‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.129 :‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب التعبير‪.7046 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.130 :‬‬
‫فتح الباري‪ ،13/285 :‬فيه انقطاع بين إبراهيم النخعي وأبي بكر‪.‬‬
‫أبو بكر الصديق‪ ،‬لعلي طنطاوي‪.207 :‬‬

‫‪83‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الصحيحين أن أبا بكر الصديق ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬علمني دعاًء‬
‫ما كثيًرا‬
‫أدعو به في صلتي‪ ،‬قال‪» :‬قل‪ :‬اللهم إني ظلمت نفسي ظل ً‬
‫أنت فاغفر لي مغفرة من عندك‪ ،‬وارحمني إنك‬
‫ول يغفر الذنوب إل‬
‫أنت الغفور الرحيم« )‪.(1‬‬
‫ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى‬
‫المغفرة‪ ،‬وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه ل يقدر على هذا المطلوب‬
‫غيره‪ ،‬وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه‪ ،‬وفيه بيان المقتضي‬
‫وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة‪ ،‬فهذا ونحوه أكمل أنواع‬
‫للجابة‪،‬‬
‫الطلب )‪.(2‬‬
‫وجاء في السنن عن أبي بكر ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬علمني‬
‫دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت‪ ،‬فقال‪» :‬قل‪ :‬اللهم فاطر‬
‫السماوات والرض‪ ،‬عالم الغيب والشهادة‪ ،‬رب كل شيء ومليكه‪ ،‬أشهد‬
‫أن ل إله إل أنت‪ ،‬أعوذ بك من شر نفسي‪ ،‬ومن شر الشيطان و َ‬
‫كه‪،‬‬
‫شَر ِ‬
‫أجره إلى مسلم‪ ،‬قله إذا أصبحت وإذا‬
‫وأن أقترف على نفسي سوًءا أو‬
‫)‪(3‬‬
‫أمسيت وإذا أخذت مضجعك«‪.‬‬
‫فقد تعلم الصديق من رسول الله × أنه ليس لحد أن يظن‬
‫استغناءه عن التوبة إلى الله والستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد‬
‫عَلى‬
‫ةَ َ‬
‫محتاج إلى ذلك َدائمًا‪ ،‬قال تعالى‪+َ :‬إ ِّنا َ َ‬
‫مان َ َ‬
‫عَر ْ‬
‫ضَنا ْال َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ش‬
‫أ‬
‫و‬
‫ها‬
‫ن‬
‫ل‬
‫م‬
‫ح‬
‫ي‬
‫أن‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫وا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فأب َي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫َ َ‬
‫جَبا ِ‬
‫ض َ‬
‫ت َ َ‬
‫م َ‬
‫والْر ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫لو‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ل‬
‫م‬
‫ح‬
‫و‬
‫ها‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من ْ َ َ َ َ‬
‫ْ ً‬
‫ِ َ ْ ِ ُ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ش‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ت‬
‫قا‬
‫ف‬
‫نا‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ن‬
‫قي‬
‫ف‬
‫نا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ب‬
‫ذ‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ل‬
‫‪‬‬
‫ل‬
‫هو‬
‫ج‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫كي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫ر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا ِ‬
‫كا َ‬
‫وي َُتو َ‬
‫مِني َ‬
‫وال ُ‬
‫عَلى ال ُ‬
‫ب الل ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ما" ]الحزاب‪ ،[73 ،72 :‬فالنسان ظالم جاهل‪ ،‬وغاية‬
‫فوًرا ّر ِ‬
‫حي ً‬
‫الل ُ‬
‫المؤمنين‬
‫والمؤمنات التوبة‪.‬‬
‫وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته‬
‫لهم‪ ،‬وثبت في الصحيحين عن النبي × أنه قال‪» :‬لن يدخل الجنة‬
‫أنت يا رسول الله؟ قال‪» :‬ول أنا إل أن‬
‫أحد بعمله«‪ ،‬قالوا‪ :‬ول‬
‫برحمته«‪ (4) .‬وهذا ل ينافي قوله تعالى‪+ :‬ك ُُلوا‬
‫يتغمدني‬
‫اللهِنيًئا بما أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وا ْ‬
‫ة" ]الحاقة‪،[24 :‬‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ل‬
‫س‬
‫ه‬
‫بوا‬
‫في الّيام ِ ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خال ِي َ ِ‬
‫شَر ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة‪ ،‬والقرآن أثبت باء السبب‪.‬‬
‫وقول من قال‪ :‬إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب‪ ،‬معناه‪ :‬أنه إذا‬
‫عبدا ألهمه التوبة والستغفار فلم يصر على الذنوب‪ ،‬ومن ظن‬
‫ً‬
‫أحب‬
‫أن الذنوب ل تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة‬
‫والئمة‪ ،‬فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره‪ ،‬ومن يعمل‬
‫وإجماع السلف‬
‫مثقال ذرة شرًا يره )‪.(5‬‬
‫كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى‪ ،‬شديد التضرع‪ ،‬كثير التوجه‬
‫لله‪ ،‬ل ينفك عن الدعاء في كل أحيانه‪ .‬وقد نقل إلينا بعض أدعيته‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مسلم‪ ،‬الذكر والدعاء‪ ،‬رقم‪ .2705 :‬البخاري‪ ،‬رقم‪.843 :‬‬
‫الفتاوى‪.9/146 :‬‬
‫أبو داود في الدب‪ ،‬رقم‪ .5067 :‬الترمذي في الدعوات‪ ،‬رقم‪.3529 :‬‬
‫البخاري في الرقاق‪ ،‬رقم‪.6463 :‬‬
‫الفتاوى‪.11/142 :‬‬

‫‪84‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وتضرعاته‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫أ‪ -‬أسألك تمام النعمة في الشياء كلها‪ ،‬والشكر لك عليها حتى‬
‫تكون إليه الخيرة‪ ,‬بجميع‬
‫ترضى‪ ،‬وبعد الرضا‪ ،‬والخيرة في جميع ما‬
‫ميسور المور كلها‪ ،‬ل بمعسورها يا كريم )‪.(1‬‬
‫ب‪ -‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في‬
‫تعطيني من الخير رضوانك‬
‫عاقبة الخير‪ .‬اللهم اجعل آخر ما‬
‫والدرجات الُعلى من جنات النعيم )‪.(2‬‬
‫اجعل خير عمري آخره‪ ،‬وخير‬
‫ج‪ -‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم‬
‫عملي خواتمه‪ ،‬وخير أيامي يوم ألقاك )‪.(3‬‬
‫وكان إذا سمع أحدا يمدحه من الناس يقول‪ :‬اللهم أنت أعلم من‬
‫د‪-‬‬
‫خيرًمما يظنون‪ ،‬واغفر لي‬
‫اجعلني ا‬
‫اللهم‬
‫منهم‪،‬‬
‫بنفسي‬
‫أعلم‬
‫وأنا‬
‫نفسي‪،‬‬
‫ما ل يعلمون‪ ،‬ول تؤاخذني بما يقولون )‪.(4‬‬
‫وهذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليه باليجاز‪،‬‬
‫وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاة النبي ×‪،‬‬
‫وكيف قام مقامًا لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه‪ ،‬ثم تربيته‬
‫العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله‬
‫×‪ ،‬فقد أحسن الجندية‪ ،‬وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده‬
‫العظيم عليه أفضل الصلة والسلم‪ ،‬فلما أصبح خليفة للمة استطاع‬
‫أن يقود سفينة السلم إلى شاطئ المان رغم العواصف الشديدة‪،‬‬
‫والمواج المتلطمة‪ ،‬والفتن المظلمة‪.‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( )الشكر( لبن أبي الدنيا‪ ،‬رقم‪ ،109 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪.39 :‬‬
‫)( خطب أبي بكر الصديق‪.139 :‬‬
‫)‪ (5‬أسد الغابة‪:‬‬
‫)( كنز العمال رقم‪ ،5030 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪.39 :‬‬
‫‪.3/324‬‬

‫‪85‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الفصل الثاني‬

‫وفاة الرسول ×‪ ،‬وسقيفة بني ساعدة‪ ،‬وجيش‬
‫أسامة‬
‫المبحث الول‬
‫وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬وفاة الرسول ×‪:‬‬
‫إن الرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض ما يكون مخبوءًا وراء‬
‫حجب الغيب بقدرة الله تعالى‪ ،‬والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث‬
‫صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان‪ ،‬والعقول‬
‫الذكية المستنيرة بنور اليمان لتدرك ما وراء اللفاظ والحداث من‬
‫الصفات الحظ الوفر‪،‬‬
‫إشارات وتلميحات‪ ،‬ولنبينا محمد × من هذه‬
‫)‪(1‬‬
‫وهو منها بالمحل الرفع الذي ل يسامى ول يطاول‪.‬‬
‫ولقد جاءت بعض اليات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي‬
‫×‪ ،‬وأنه كغيره من البشر‪ ،‬وسوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما‬
‫ذاقه من قبل إخوانه من النبياء‪ ،‬ولقد فهم × من بعض اليات‬
‫اقتراب أجله‪ ،‬وقد أشار × في طائفة من الحاديث الصحيحة إلى‬
‫اقتراب وفاته‪ ،‬منها ما هو صريح الدللة على الوفاة ومنها ما ليس‬
‫كذلك؛ حيث لم‬
‫يشعر ذلك منها إل الحاد من كبار الصحابة الجلء كأبي بكر والعباس‬
‫ومعاذ‬
‫رضي الله عنهم )‪.(2‬‬

‫مرض رسول الله × وبدء الشكوى‪:‬‬
‫رجع رسول الله × من حجة الوداع في ذي الحجة‪ ،‬فأقام‬
‫بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا من العام العاشر‪ ،‬فبدأ بتجهيز جيش‬
‫مر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة‪ ،‬وأمره أن يتوجه نحو‬
‫أسامة وأ ّ‬
‫البلقاء وفلسطين‪ ،‬فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والنصار‪ ،‬وكان‬
‫أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة‪ ،‬وتكلم البعض في تأميره وهو‬
‫مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والنصار‪ ،‬فلم يقبل‬
‫الرسول × طعنهم في إمارة أسامة )‪ ،(3‬فقال ×‪» :‬إن يطعنوا في‬
‫قا للمارة‪،‬‬
‫إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه‪ ،‬وايم الله إن كان لخلي ً‬
‫ي‬
‫إل‬
‫الناس‬
‫ي‪ ،‬وإن ابنه هذا لمن أحب‬
‫وإن‬
‫ّ‬
‫كان‪(4‬من أحب الناس إل ّ‬
‫)‬
‫بعده«‪.‬‬
‫وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدى رسول‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/587 :‬‬
‫انظر‪ :‬مرض النبي ووفاته‪ ،‬خالد أبو صالح‪.33 :‬‬
‫انظر‪ :‬السيرة النبوية الصحيحة‪.2/552 :‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬رقم‪.4469 :‬‬

‫‪86‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الله × شكواه الذي ُقبض فيه‪ ،‬وقد حدثت حوادث ما بين مرضه‬
‫ووفاته‪ ،‬منها‪ :‬زيارته قتلى أحد وصلته عليهم))‪ ،((21‬واستئذانه أن يمرض‬
‫في بيت عائشة‪ ،‬وشدة المرض الذي نزل به ‪ ،‬وأوصى × بإخراج‬
‫الوفد)‪ (3‬ونهى عن اتخاذ قبره‬
‫المشركين من جزيرة العرب وإجازة‬
‫)‪(5‬‬
‫وما ملكت‬
‫بالصلة‬
‫وأوصي‬
‫بالله‬
‫مسجدًا))‪ ،((64‬وأوصي بإحسان الظن‬
‫)‪(7‬‬
‫ين بأنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إل الرؤيا ‪ ،‬وأوصي‬
‫أيمانكم ‪ ،‬وب ّ‬
‫دا‬
‫بالنصار خيرًا)‪ (8‬وخطب × في أيام مرضه فقال‪» :‬إن الله خّير عب ً‬
‫بين الدنيا وبين ما عند الله‪ ،‬فاختار ذلك العبد ما عند الله«‪ ،‬فبكى أبو‬
‫بكر‪ ،‬فقال أبو سعيد الخدري ‪-‬رضي الله عنه‪ :-‬فعجبنا لبكائه أن يخبر‬
‫الرسول × عن خير‪ ،‬فكان رسول الله × هو المخير‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫ي صحبته وماله أبو‬
‫أعلمنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬إن أ َ‬
‫ن الناس عل ّ‬
‫م ّ‬
‫بكر‪ ،‬ولو كنت متخ ً‬
‫أخوة‬
‫ولكن‬
‫بكر‪،‬‬
‫أبا‬
‫لتخذت‬
‫ذا خليل ً غير ربي‬
‫)‪(9‬‬
‫السلم ومودته‪ .‬ل يبقين في المسجد باب إل باب أبي بكر« ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وكأن أبو بكر ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬فَِهم الرمز‬
‫الذي أشار به النبي × من قرينة ذكره ذلك في مرض موته‪،‬‬
‫فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى)‪ ،(10‬ولما اشتد المرض‬
‫بالنبي × وحضرته الصلة فأذّن بلل قال النبي ×‪» :‬مروا أبا بكر‬
‫فليصل«‪ ،‬فقيل‪ :‬إن أبا بكر رجل أسيف)‪ ،(11‬إذا قام مقامك لم يص ّ‬
‫ل‬
‫بالناس‪ ،‬وأعاد فأعادوا له الثالثة‪ ،‬فقال‪» :‬إنكن صواحب يوسف)‪، (12‬‬
‫مروا أبا بكر فليصل«‪ .‬فخرج أبو بكر فوجد النبي × في نفسه خفة‪،‬‬
‫فخرج يهادي بين رجلين‪ ،‬كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع‪،‬‬
‫فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي × أن مكانك‪ ،‬ثم أتي به حتى‬
‫جلس إلى جنبه‪ .‬قيل للعمش‪ :‬فكان النبي × يصلي بصلته والناس‬
‫يصلون بصلة أبي بكر‪ ،‬فقال برأسه‪ :‬نعم‪ (13).‬واستمر أبو بكر يصلي‬
‫بالمسلمين‪ ،‬حتى إذا كان يوم الثنين‪ ،‬وهم صفوف في صلة الفجر‪،‬‬
‫كشف النبي × ستر الحجرة ينظر إلى المسلمين وهم وقوف أمام‬
‫ربهم‪ ،‬ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده‪ ،‬وكيف نشأت أمة‬
‫تحافظ على الصلة‪ ،‬وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته‪ ،‬وقد قرت‬
‫عينه بهذا المنظر البهيج‪ ،‬وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع‬
‫قبله‪ ،‬واطمأن أن صلة هذه المة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة‬
‫دائمة ل تقطعها وفاة نبيها‪ ،‬فمليء من السرور ما الله به عليم‪،‬‬
‫)‪(14‬‬
‫واستنار وجهه وهو منير‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪13‬‬
‫‪14‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب الصلة على الشهيد‪ ،‬رقم‪.1344 :‬‬
‫)‪ (5‬البخاري‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪.695 :‬‬
‫‪.3053‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية ص ‪ .712‬البخاري‪ ،‬كتاب الصلة‪ ،‬رقم‪.435 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجنة‪ ،‬رقم‪.288 :‬‬
‫)( سنن ابن ماجة‪ ،‬كتاب الوصايا‪ ،901 – 2/900 :‬رقم‪.2697 :‬‬
‫)‪ (10‬البخاري‪ :‬كتاب مناقب النصار‪،‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الصلة‪.1/348 :‬‬
‫رقم‪.3799 :‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪ (12) .3654 :‬فتح الباري‪.7/16 :‬‬
‫)( أسيف‪ :‬من السف‪ ،‬وهو شدة الحزن‪ ،‬والمراد أنه رقيق القلب‪.‬‬
‫)( والمراد‪ :‬أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلف ما في الباطن‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الذان‪ ،‬رقم‪ (3) .712 :‬السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص ‪.401‬‬

‫‪87‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يقول الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ :-‬كشف النبي × ستر حجرة‬
‫عائشة ينظر إلينا وهو قائم‪ ،‬وكأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم‬
‫يضحك‪ ،‬فهممنا أن نفتتن من الفرح‪ ،‬وظننا أن النبي × خارج إلى‬
‫الصلة فأشار إلينا أن أتموا صلتكم‪ ،‬ودخل الحجرة وأرخى الستر)‪،(1‬‬
‫وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم‪ ،‬ودخل أبو بكر على ابنته‬
‫عائشة وقال‪ :‬ما أرى رسول الله إل قد أقلع عنه الوجع‪ ,‬وهذا يوم‬
‫سنح)‪ ،(2‬فركب على‬
‫بنت خارجة ‪-‬إحدى‬
‫زوجتيه‪ -‬وكانت تسكن بال ّ‬
‫)‪(3‬‬
‫فرسه وذهب إلى منزله ‪.‬‬
‫واشتدت سكرات الموت بالنبي ×‪ ،‬ودخل عليه أسامة بن زيد‬
‫وقد صمت فل يقدر على الكلم‪ ،‬فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم‬
‫يضعها على أسامة‪ ،‬فعرف أنه يدعو له‪ ،‬وأخذت السيدة عائشة‬
‫رسو َ‬
‫ل الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها)‪ ،(4‬ونحرها‪ ،‬فدخل‬
‫عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك‪ ،‬فجعل رسول الله ينظر إليه‪،‬‬
‫فقالت عائشة‪ :‬آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم‪ ،‬فأخذته من أخيها ثم‬
‫مضغته ولينته وناولته إياه‪ ،‬فاستاك به كأحسن ما يكون الستياك‪،‬‬
‫وكل ذلك وهو ل ينفك عن قوله‪» :‬في الرفيق العلى«‪ (5).‬وكان ×‬
‫بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء‪ ،‬فيمسح بها وجهه ويقول‪» :‬ل إله‬
‫إل الله‪ ...‬إن للموت سكرات« ثم نصب يده فجعل يقول‪» :‬في‬
‫الرفيق العلى«‪ ،‬حتى قبض ومالت يده‪ (6).‬وفي لفظ أن النبي ×‬
‫كان يقول‪» :‬اللهم أعني على سكرات الموت« )‪.(7‬‬
‫وفي رواية‪ :‬أن عائشة سمعت النبي × وأصغت إليه قبل أن‬
‫الظهر يقول‪» :‬اللهم اغفر لي وارحمني‪ ،‬وألحقني‬
‫يموت وهو مسند‬
‫بالرفيق العلى« )‪.(8‬‬
‫وقد ورد أن فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬واكرب أباه‪ ،‬فقال‬
‫لها‪» :‬ليس على أبيك كرب بعد اليوم«‪ ،‬فلما مات قالت‪ :‬يا أبتاه‪..‬‬
‫أجاب رّبا دعاه‪ ،‬يا أبتاه‪ ..‬جنة الفردوس مأواه‪ ،‬يا أبتاه‪ ..‬إلى جبريل‬
‫قالت لنس‪ :‬كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على‬
‫ننعاه‪ .‬فلما دفن ×‬
‫رسول الله × التراب )‪.(9‬‬
‫فارق رسول الله × الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب‪ ،‬ويرهبه‬
‫ملوك الدنيا‪ ،‬ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولدهم وأموالهم‪ ،‬وما ترك‬
‫شيئا‪ ،‬إل بغلته‬
‫ً‬
‫عند موته دينارًا ول درهمًا‪ ،‬ول عبدًا‪ ،‬ول أمة‪ ،‬ول‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (5) .4448 :‬السنح‪ :‬خارج المدينة‪ ،‬كان‬
‫للصديق مال فيه وبيت‪.‬‬
‫)( انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/593 :‬‬
‫)( السحر‪ :‬الرئة‪ .‬النحر‪ :‬الثغرة في أسفل العنق‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (2) .4437 :‬نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫‪.4449‬‬
‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب الجنائر‪ ،‬رقم‪ (4) .978 :‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫‪.4440‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (6) .4462 :‬نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫‪.4461‬‬

‫‪88‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫)‪(1‬‬

‫وأرضا جعلها صدقة‪.‬‬
‫ً‬
‫البيضاء‪ ،‬وسلحه‬
‫صاعا من شعير)‪،(2‬‬
‫ً‬
‫وتوفي × ودرعه مرهونة عند يهودي بثلثين‬
‫سنة إحدى‬
‫الول‬
‫وكان ذلك يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع‬
‫عشرة من الهجرة بعد الزوال)‪ ،(3‬وله ثلثة وستون سنة‪ (4).‬وكان أشد‬
‫اليام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين‪ ،‬ومحنة كبرى للبشرية‪،‬‬
‫كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس‪ (5).‬يقول أنس ‪:‬‬
‫المدينة‪(6‬أضاء منها كل شيء‪،‬‬
‫كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ×‬
‫فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء‪ ).‬وبكت أم أيمن‬
‫أن‪(7‬رسول الله‬
‫فقيل لها‪ :‬ما يبكيك على النبي؟ قالت‪ :‬إني قد علمت‬
‫× سيموت‪ ،‬ولكن إنما أبكي على الوحي الذي ُرِفع عنا ) ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها‪:‬‬
‫قال ابن رجب‪ :‬ولما توفي رسول الله × اضطرب المسلمون؛‬
‫ومنهم‬
‫فمنهم من دهش فخولط‪ ،‬ومنهم من أقعد فلم ُيطق القيام‪،‬‬
‫من اعتقل لسانه فلم يطق الكلم‪ ،‬ومنهم من أنكر موته بالكلية )‪.(8‬‬
‫قال القرطبي مبينًا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور‪:‬‬
‫من أعظم المصائب المصيبة في الدين‪ ..‬قال رسول الله ×‪» :‬إذا‬
‫)‪(9‬‬
‫أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنها أعظم المصائب«‪.‬‬
‫وصدق رسول الله ×؛ لن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب‬
‫بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي‪ ،‬وماتت النبوة‪،‬‬
‫وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك‪ ،‬وكان أول انقطاع‬
‫الخير وأول نقصانه )‪.(10‬‬
‫وقال ابن إسحاق‪ :‬ولما توفي رسول الله × عظمت به مصيبة‬
‫المسلمين‪ ،‬فكانت عائشة فيما بلغني تقول‪ :‬لما توفي النبي ×‬
‫ارتدت العرب‪ ،‬واشرأبت اليهودية والنصرانية‪ ،‬ونجم النفاق‪ ،‬وصار‬
‫المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم )‪.(11‬‬
‫وقال القاضي أبو بكر بن العربي‪ ... :‬واضطربت الحال‪ ،‬فكان‬
‫ي فاستخفى‬
‫موت النبي × قاصمة الظهر ومصيبة العمر‪ ،‬فأما عل ّ‬
‫في بيت فاطمة‪ ،‬وأما عثمان فسكت‪ ،‬وأما عمر فأهجر وقال‪ :‬ما‬
‫مات رسول الله‪ ،‬وإنما واعده ربه كما واعد موسى‪ ،‬وليرجعن رسول‬
‫الله‪ ،‬فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم)‪ ،(12‬ولما سمع أبو بكر الخبر‬
‫أقبل على فرس من مسكنه بالسنح‪ ،‬حتى نزل‪ ،‬فدخل المسجد‪ ،‬فلم‬
‫يكلم الناس‪ ،‬حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله × وهو‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫‪12‬‬

‫)( السيرة النبوية للندوي‪.403 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل‪.4/825 :‬‬
‫)( الترمذي‪ ،5/549 :‬رقم‪.3618 :‬‬
‫)( لطائف المعارف‪.114 :‬‬
‫‪.1106‬‬
‫)( تفسير القرطبي‪.2/176 :‬‬
‫)( العواصم من القواصم‪.38 :‬‬
‫‪.4452‬‬

‫)‪ (8‬البداية والنهاية‪.4/223 :‬‬
‫)‪ (10‬انظر‪ :‬السيرة النبوية للندوي‪.404 :‬‬
‫)‪ (12‬مسلم‪.4/1907 :‬‬
‫)‪ (2‬السلسلة الصحيحة لللباني‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫)‪ (4‬ابن هشام‪.4/323 :‬‬
‫)‪ (6‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪:‬‬

‫‪89‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مغ ّ‬
‫شى بثوب حبرة‪ ،‬فكشف عن وجهه‪ ،‬ثم أكب عليه فقبله وبكى‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬بأبي أنت وأمي‪ ،‬والله ل يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة‬
‫التي كتبت عليك فقد متها)‪ ،(1‬وخرج أبو بكر وعمر يتكلم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫اجلس يا عمر‪ ،‬وهو ماض في كلمه وفي ثورة غضبه‪ ،‬فقام أبو بكر‬
‫في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه‪:‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات‪ ،‬ومن كان‬
‫مدٌ إ ِل ّ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫يعبد الله فإن الله حي ل يموت‪ ،‬ثم تل َهذه الية‪َ َ + :‬‬
‫و ُ‬
‫لأ َ‬
‫من َ‬
‫ل َ‬
‫قت ِ َ‬
‫س ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ل‬
‫قد ْ َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ما َ‬
‫خل َ َ ْ‬
‫ه الّر ُ‬
‫َر ُ‬
‫فِإن ّ‬
‫تأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ان ْ َ‬
‫ضّر‬
‫على َ‬
‫ب َ‬
‫على أ ْ‬
‫م َ‬
‫ه فلن ي ّ ُ‬
‫ع ِ‬
‫قب َي ْ ِ‬
‫من ي َن ْقل ِ ْ‬
‫و َ‬
‫عقاب ِك ْ‬
‫قلب ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ً‬
‫ه ال ّ‬
‫ه َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ [144 :‬فنشج‬
‫س(ي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫و َ‬
‫زي الل ُ‬
‫الل َ‬
‫شي ْئا َ‬
‫شاك ِ ِ‬
‫ج ِ‬
‫الناس يبكون )‪. 2‬‬
‫قال عمر‪ :‬فوالله ما سمعت أبا بكر تلها‪ ،‬فهويت إلى الرض ما‬
‫تحملني قدماي‪ ،‬وعلمت أن رسول الله قد مات‪ (3).‬قال القرطبي‪:‬‬
‫هذه الية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته؛ فإن الشجاعة‬
‫والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب‪ ،‬ول مصيبة أعظم‬
‫من موت النبي ×‪ ،‬فظهرت شجاعته وعلمه‪ ،‬قال الناس‪ :‬لم يمت‬
‫رسول الله ×‪ ،‬منهم عمر‪ ،‬وخرس عثمان‪ ،‬واستخفى علي‪،‬‬
‫واضطرب المر‪ ،‬فكشفه الصديق بهذه الية حين قدومه من مسكنه‬
‫بالسنح )‪.(4‬‬
‫وبهذه الكلمات القلئل‪ ،‬واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج‬
‫الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعًا‬
‫جميل‪ ،‬فالله هو الحي وحده الذي ل يموت‪ ،‬وأنه وحده الذي يستحق‬
‫ً‬
‫)‪(5‬‬
‫العبادة‪ ،‬وأن السلم باق بعد موت محمد × ‪ ،‬كما جاء في رواية‬
‫من قول الصديق‪ :‬إن دين الله قائم‪ ،‬وإن كلمة الله تامة‪ ،‬وإن الله‬
‫ناصر من نصره‪ ،‬ومعز دينه‪ ،‬وإن كتاب الله بين أظهرنا‪ ،‬وهو النور‬
‫والشفاء‪ ،‬وبه هدى الله محمدًا × وفيه حلل الله وحرامه‪ ،‬والله ل‬
‫نبالي من أجلب علينا من خلق الله‪ .‬إن سيوف الله لمسلولة ما‬
‫وضعناها بعد‪ ،‬ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله‪ ،‬فل‬
‫يبغين أحد إل‬
‫على نفسه)‪.(6‬‬
‫شديد ا‪ ،‬ومن خللها‬
‫ً‬
‫كان موت محمد × مصيبة عظيمة‪ ،‬وابتلءً‬
‫وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للمة‪ ،‬فذ ل نظير له ول‬
‫مثيل )‪ ، (7‬فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ‬
‫الحقائق فيه‪ ،‬فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت‪ ،‬وفي ذلك‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪ (2) .3668 :‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪،‬‬
‫رقم‪.4454 :‬‬
‫)‪ (4‬استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬جمال عبد‬
‫)( تفسير القرطبي‪.4/22 :‬‬
‫الهادي‪.160 :‬‬

‫)( دلئل النبوة للبيهقي‪.7/218 :‬‬
‫‪.26 ،25‬‬

‫)‪ (6‬أبو بكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪:‬‬

‫‪90‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الموقف العصيب ظهرت حكمته ‪ ، ‬فانحاز بالناس إلى التوحيد‬
‫»من كان يعبد الله فإن الله حي ل يموت«‪ ،‬وما زال التوحيد في‬
‫طري ا‪ ،‬فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا‬
‫ً‬
‫ضا‬
‫قلوبهم غ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫إلى الحق‪.‬‬
‫تقول عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فوالله لكأن الناس لم يكونوا‬
‫يعلمون أن الله أنزل هذه الية حتى تلها أبو بكر ‪ ،‬فتلقاها منه‬
‫الناس‪ ،‬فما يسمع بشر إل يتلوها )‪.(2‬‬

‫ثالًثا‪ :‬سقيقة بني ساعدة‪:‬‬
‫لما علم الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬بوفاة رسول الله × اجتمع‬
‫النصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه‪ ،‬وهو يوم الاثنين‬
‫الثاني عشر من شهر ربيع الول من السنة الحادية عشرة للهجرة‪،‬‬
‫وتداولوا المر بينهم في اختيار من يلي الخلفة من بعده )‪.(3‬‬
‫والتف النصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة ‪ ، ‬ولما بلغ‬
‫خبر اجتماع النصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين‪ ،‬وهم‬
‫مجتمعون مع أبي بكر الصديق ‪ ‬لترشيح من يتولى الخلفة )‪،(4‬‬
‫قال المهاجرون لبعضهم‪ :‬انطلقوا بنا إلى إخواننا من النصار‪ ،‬فإن‬
‫نصيبا‪ (5).‬قال عمر ‪ : ‬فانطلقنا نريدهم‪ ،‬فلما‬
‫ً‬
‫لهم في هذا الحق‬
‫دنونا منهم لقينا منهم رجلين صالحين‪ ،‬فذكر ما تمال عليه القوم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا‪ :‬نريد إخواننا هؤلء‬
‫من النصار‪ ،‬فقال‪ :‬ل عليكم أن ل تقربوهم‪ ،‬اقضوا أمركم‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫والله لنأتينهم)‪ ، (6‬فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة‪،‬‬
‫فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ فقالوا‪ :‬هذا‬
‫قليل‬
‫ً‬
‫سعد بن عبادة‪ ،‬فقلت‪ :‬ما له؟ قالوا‪ :‬يوعك‪ .‬فلما جلسنا‬
‫تش ّ هد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما بعد‪،‬‬
‫فنحن أنصار الله وكتيبة السلم‪ ،‬وأنتم ‪-‬معشر المهاجرين‪ -‬رهط‪،‬‬
‫وقد دفت دافة من قومكم)‪ ، (7‬فإذا هم يريدون أن يختزلونا من‬
‫أصلنا وأن يحضن ونا من المر )‪ (8‬فلما سكت أردت أن أتكلم‬
‫وكنت قد ز ّورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي‬‫بكر‪ -‬وكنت أدا ري منه بعض الحد‪ ،‬فلما أردت أن أتكلم قال أبو‬
‫س ِ لك‪ ،‬فكرهت أن أغضبه‪ ،‬فتكلم أبو بكر‪ ،‬فكان هو‬
‫بكر‪ :‬على َر ْ‬
‫أحلم مني وأوقر‪ ،‬والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إل‬
‫قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت‪ ،‬فقال‪ :‬ما ذكرتم‬
‫فيكم من خير فأنتم له أهل‪ ،‬ولن يعرف هذا المر إل لهذا الحي‬
‫من قريش‪ ،‬هم أوسط العرب نسبا ودا ً را‪ ،‬وقد رضيت لكم هذين‬
‫الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ‪-‬فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ (2) .160 :‬البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬رقم‪،1241 :‬‬
‫‪.1242‬‬
‫)‪ (4‬عصر الخلفة الراشدة للعمري‪.40 :‬‬
‫)( التاريخ السلمي‪.9/21 :‬‬
‫)( عصر الخلفة الراشدة للعمري‪.40 :‬‬
‫)( الرجلن هما‪ :‬عويم بن ساعدة‪ ،‬ومعن بن عدي رضي الله عنهما‪.‬‬
‫)‪ (8‬أي‪ :‬يخرجونا من أمر الخلفة‪.‬‬
‫)( أي‪ :‬عدد قليل‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وهو جالس بيننا‪ -‬فلم أكره مما قال غيرها‪ ،‬والله أن أقدم‬
‫فتضرب عنقي ل يقربني ذلك من إثم أحب إل ّي من أن أتأمر على‬
‫قوم فيهم أبو بكر‪ ،‬اللهم إل أن تسول إل ّي نفسي عند الموت‬
‫شيئ ا ل أجده الن‪.‬‬
‫ً‬
‫)‪(1‬‬
‫جب ‪،‬‬
‫جذيلها المحكك‪ ،‬وعذيقها المر ّ‬
‫فقال قائل من النصار‪ :‬أنا ُ‬
‫منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش‪ ،‬فكثر اللغط‪ ،‬وارتفعت‬
‫فقلت‪ :‬ابسط يدك‪ ،‬فبايعته‬
‫الصوات‪ ،‬حتى فرقت من الختلف‬
‫وبايعه المهاجرين‪ ،‬ثم بايعته النصار )‪.(2‬‬
‫وفي رواية أحمد‪ ..»:‬فتكلم أبو بكر ‪ ‬فلم يترك شيئًا أنزل في‬
‫النصار ول ذكره رسول الله × من شأنهم إل وذكره‪ ،‬وقال‪ :‬ولقد‬
‫وادًيا وسلكت النصار‬
‫علمتم أن رسول الله × قال‪» :‬لو سلك الناس‬
‫وادًيا سلكت وادي النصار«‪ ،‬ولقد علمت يا سعد)‪ (3‬أن رسول الله ×‬
‫قال وأنت قاعد‪» :‬قريش ولة هذا المر‪ ،‬فَب َّر الناس تبع لبرهم‪،‬‬
‫تبع لفاجرهم«‪ ،‬فقال له سعد‪ :‬صدقت‪ ،‬نحن الوزراء‬
‫وفاجر الناس‬
‫وأنتم المراء )‪.(4‬‬
‫رابعا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة‪:‬‬

‫‪ -1‬الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على القناع‪:‬‬
‫من رواية المام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر ‪‬‬
‫أن يدخل إلى نفوس النصار فيقنعهم بما رآه هو الحق‪ ،‬من غير أن‬
‫يعرض المسلمين للفتنة‪ ،‬فأثنى على النصار ببيان ما جاء في‬
‫فضلهم من الكتاب والسنة‪ .‬والثناء على المخالف منهج إسلمي‬
‫يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه‪ ،‬وانتزاع بواعث الثرة‬
‫والنانية في نفسه؛ ليكون مهيأ لقبول الحق إذا تبين له‪ .‬وقد كان في‬
‫هدي النبي × الكثير من المثلة التي تدل على ذلك‪ ،‬ثم توصل أبو‬
‫بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرًا ل يعني أحقيتهم في‬
‫نص على أن المهاجرين من قريش هم‬
‫الخلفة؛ لن النبي × قد‬
‫المقدمون في هذا المر‪ (5).‬وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر‬
‫استدل على أمر الخلفة في قريش بوصية رسول الله ×‪» :‬بالنصار‬
‫خيًرا‪ ،‬وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم«‪ ،‬احتج به أبو‬
‫بكر على النصار قوله‪ :‬إن الله سمانا »الصادقين« وسماكم‬
‫ف َ‬
‫»المفلحين« إشارة إلى قوله تعالى‪+ :‬ل ِل ْ ُ‬
‫ن‬
‫قَرا ِ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ء ال ْ ُ‬
‫ها ِ‬
‫ج ِ‬
‫خرجوا من ديارهم َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م ي َب ْت َ ُ‬
‫نف ْ‬
‫وال ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ ِ ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ضل ّ‬
‫ه َْ‬
‫وأ ْ‬
‫م ََ‬
‫ِ َ ِ ِ ْ َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‪‬‬
‫ه أولئ ِك ُ‬
‫ر ْ‬
‫صاِدقو َ‬
‫صُرو َ‬
‫وَر ُ‬
‫ه ُ‬
‫سول ُ‬
‫ن الل َ‬
‫م ال ّ‬
‫وَين ُ‬
‫ه َ‬
‫واًنا َ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫جَر‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ن‬
‫ما‬
‫لي‬
‫وا‬
‫ر‬
‫دا‬
‫ال‬
‫ءوا‬
‫و‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ن َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫حُّبو َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫إ ِ َل َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ج ً‬
‫ن ِ‬
‫ر ِ‬
‫ؤث ُِرو َ‬
‫دو َ‬
‫حا َ‬
‫م َ‬
‫ص ُ‬
‫ج ُ‬
‫ول َ ي َ‬
‫ْ‬
‫م ّ‬
‫ة ّ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫في ُ‬
‫ِ‬
‫ما أوُتوا َ‬
‫َ‬
‫دو ِ‬
‫َ ِ‬
‫و َ‬
‫ح نَ ْ‬
‫لى أ َن ْ ُ‬
‫من ُيوقَ ُ‬
‫ه‬
‫س‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ص ٌ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫ش ّ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْْ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫ة َ‬
‫ول َ ْ‬
‫م َ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ِ‬
‫فُأول َئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن" ]الحشر‪ ،[9 ،8 :‬وقد أمركم أن تكونوا معنا‬
‫ك ُ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ال ُ‬
‫ه ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الجذيل‪ :‬عود ينصب للبل الجربى لتحتك به‪ ،‬والمحكك‪ :‬الذي يحتك به كثيرًا‪،‬‬
‫أراد‪ :‬أنه يستشفي برأيه‪ ،‬والعذيق‪ :‬أي النخلة أي‪ :‬الذي يعتمد عليه‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الحدود‪ ،‬رقم‪ (3) .6830:‬يعني سعد بن عبادة الخزرجى ‪.‬‬
‫)( مسند أحمد‪1/5 :‬؛ والخلفة والخلفاء البهنساوي‪.50 :‬‬
‫)‪ (2‬العواصم من القواصم‪.10 :‬‬
‫)( التاريخ السلمي‪.9/24 :‬‬

‫‪92‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫حيثما كنا فقال‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫من‪(1‬القوال المصيبة والدلة‬
‫ن" ]التوبة‪ ،[119 :‬إلى غير ذلك‬
‫صاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫ال ّ‬
‫)‬
‫القوية‪ ،‬فتذكرت النصار ذلك وانقادت إليه‪.‬‬
‫وبّين الصديق في خطابه أن من مؤهلت القوم الذين يرشحون‬
‫للخلفة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم‬
‫المور؛ حتى ل تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم‪ ،‬وأبان أن العرب ل‬
‫يعترفون بالسيادة إل للمسلمين من قريش‪ ،‬لكون النبي × منهم‪،‬‬
‫ولما استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم‪ .‬وبهذه‬
‫الكلمات النيرة التي قالها الصديق اقتنع النصار بأن يكونوا وزراء‬
‫مخلصين‪ ،‬كما كانوا في عهد النبي ×‪ ،‬وبذلك توحد‬
‫معينين وجنوًدا‬
‫ُ‬
‫صف المسلمين )‪.(2‬‬

‫‪ -2‬زهد عمر وأبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في الخلفة‬
‫وحرص الجميع على وحدة المة‪:‬‬
‫بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قدم عمر وأبا عبيدة‬
‫للخلفة‪ ،‬ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد‪ :‬فلم أكره مما قال‬
‫يقربني ذلك من إثم‬
‫غيرها‪ ،‬كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ل ُ‬
‫ي من أن أتامر على قوم فيهم أبو بكر )‪.(3‬‬
‫أحب إل ّ‬
‫وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلفة قال له‪ :‬ابسط‬
‫يدك يا أبا بكر‪ ،‬فبسط يده‪ ،‬قال‪ :‬فبايعته وبايعه المهاجرون والنصار‪،‬‬
‫وجاء في رواية قال عمر‪ ...»:‬يا معشر النصار‪ :‬ألستم تعلمون أن‬
‫رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس‪ ،‬فأيكم تطيب نفسه أن‬
‫يتقدم أبا بكر ‪‬؟ فقالت النصار‪ :‬نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر )‪.(4‬‬
‫وهذا ملحظ مهم وُّفق إليه عمر ‪ ،‬وقد اهتم بذلك النبي × في‬
‫مرض موته فأصر على إمامة أبي بكر‪ ،‬وهو من باب الشارة بأنه‬
‫أحق من غيره بالخلفة‪ .‬وكلم عمر في غاية الدب والتواضع والتجرد‬
‫من حظ النفس‪ ،‬ولقد ظهر زهد أبي بكر في المارة في خطبته التي‬
‫اعتذر فيها من قبول الخلفة حيث قال‪ :‬والله ما كنت حريصًا على‬
‫يوما ول ليلة قط‪ ،‬ول كنت فيها راغبًا‪ ،‬ول سألتها الله ‪-‬عز‬
‫ً‬
‫المارة‬
‫وجل‪ -‬في سر وعلنية‪ ،‬ولكني أشفقت من الفتنة‪ ،‬وما لي في‬
‫ول يد‬
‫عظيما ما لي به من طاقة‬
‫ً‬
‫المارة من راحة‪ ،‬ولكن قلدت أمرًا‬
‫إل بتقوية الله عز وجل‪ ،‬ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني )‪.(5‬‬
‫وقد ثبت أنه قال‪ :‬وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت‬
‫عنق( أحد الرجلين؛ أبي عبيدة أو عمر‪ ،‬فكان أمير المؤمنين‬
‫المر في‬
‫وكنت وزيرًا )‪ , 6‬وقد تكررت خطب أبي بكر في العتذار عن تولي‬
‫الخلفة وطلبه التنحي عنها‪ ،‬فقد قال‪ ...»:‬أيها الناس‪ :‬هذا أمركم‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.9/24 :‬‬
‫‪.6830‬‬

‫)‪ (4‬البخاري‪ ،‬كتاب المحاربين‪ ،‬رقم‪:‬‬

‫)( ا‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مسند أحمد‪ ،1/21 :‬وصحح إسناده أحمد شاكر‪ ،1/213 :‬رقم‪.133 :‬‬
‫)( المستدرك‪ ،3/66 :‬قال الحاكم‪ :‬حديث صحيح وأقره الذهبي‪.‬‬
‫)( النصار في العهد الراشد‪ ،‬حامد محمد الخليفة‪ ،‬ص ‪ .108‬تاريخ الخلفاء‬
‫للسيوطي‪ :‬ص ‪.91‬‬

‫‪93‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫إليكم تولوا من أحببتم على ذلك‪ ،‬وأكون كأحدكم‪ .‬فأجابه الناس‪:‬‬
‫قسما وحظًا‪ ،‬وأنت ثاني اثنين مع رسول الله ×‪ (1).‬وقد‬
‫ً‬
‫رضينا بك‬
‫قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلفته‪ ،‬واستحلفهم‬
‫على ذلك فقال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬أذكركم الله أيما رجل ندم على بيعتي‬
‫لما قام على رجليه‪ ،‬فقال على بن أبي طالب‪ ،‬ومعه السيف‪ ،‬فدنا‬
‫منه حتى وضع رجلً على عتبة المنبر والخرى على الحصى وقال‪:‬‬
‫والله ل نقيلك ول نستقيلك‪ ،‬قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك )‪(2‬؟‬
‫ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلفة والمسئولية بل‬
‫إنها روح العصر‪ .‬ومن هذه النصوص التي تم ذكرها يمكن القول‪ :‬إن‬
‫الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة ل يخرج عن هذا التجاه‪ ،‬بل‬
‫يؤكد حرص النصار على مستقبل الدعوة السلمية‪ ،‬واستعدادهم‬
‫المستمر للتضحية في سبيلها‪ ،‬فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا‬
‫سريعا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه السباب‪ ،‬وإل فإن نظرة‬
‫الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج‬
‫العلمي‪ ،‬والدراسة الموضوعية‪ ،‬بل كانت دراستهم متناقضة مع روح‬
‫ذلك العصر‪ ،‬وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من النصار‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين‬
‫والنصار كما زعمه بعضهم)‪ ،(3‬فكيف قبل النصار بتلك النتيجة وهم‬
‫أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلفة أبي بكر ونفروا‬
‫شرقًا وغربًا مجاهدين لتثبيت أركانها لو لم يكونوا‬
‫في جيوش الخلفة‬
‫متحمسين لنصرتها؟ )‪.(4‬‬
‫فالصواب اتضح من حرص النصار على تنفيذ سياسة الخلفة‬
‫والندفاع لمواجهة المرتدين‪ ،‬وأنه لم يتخلف أحد من النصار عن‬
‫بيعة أبي بكر فضلً عن غيرهم من‬
‫والنصار أكبر من تخيلت الذين‬
‫المسلمين‪ ،‬وأن أخوة المهاجرين‬
‫سطروا الخلف بينهم في رواياتهم)‪ (5‬المغرضة‪.‬‬

‫‪ -3‬سعد بن عبادة ‪ ‬وموقفه من خلفة الصديق‪:‬‬
‫إن سعد بن عبادة ‪ ‬قد بايع أبا بكر ‪ ‬بالخلفة في أعقاب‬
‫النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامة‬
‫الول في دعوى المارة وأذعن للصديق بالخلفة‪ ،‬وكان ابن عمه‬
‫بشير بن سعد النصاري أول من بايع الصديق ‪ ‬في اجتماع‬
‫السقيفة‪ ،‬ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات‪ ،‬ل بسيطة ول خطيرة‪،‬‬
‫ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلفة كما‬
‫زعم بعض كتاب التاريخ‪ ،‬ولكن الخوة السلمية ظلت كما هي‪ ،‬بل‬
‫توثقا كما يثبت ذلك النقل الصحيح‪ .‬ولم يثبت النقل الصحيح‬
‫ً‬
‫ازدادت‬
‫تآمرا حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لحتكار الحكم بعد وفاة‬
‫ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الخلفة الراشدة للعمري‪ :‬ص ‪.13‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.108‬‬
‫)( انظر‪ :‬السلم وأصول الحكم‪ ،‬محمد عمارة‪ :‬ص ‪.74 -71‬‬
‫)‪ (3،‬النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.109‬‬

‫‪94‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫رسول الله × )‪ ،(1‬فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك‪.‬‬
‫وقد حاول بعض الكتاب من المؤرخين أصحاب الهواء أن يجعلوا‬
‫من سعد بن عبادة ‪ ‬منافسًا للمهاجرين يسعى للخلفة بشّره‪،‬‬
‫ويدبر لها المؤامرات‪ ،‬ويستعمل في الوصول إليها ك ّ‬
‫ل أساليب‬
‫التفرقة بين المسلمين‪ .‬هذا الرجل‪ ،‬إذا راجعنا تاريخه وتتبعنا مسلكه‪،‬‬
‫وجدنا مواقفه مع الرسول × تجعله من الصفوة الخيار‪ ،‬الذين لم‬
‫تكن الدنيا أكبر همهم ول مبلغ علمهم؛ فهو النقيب في بيعة العقبة‬
‫الثانية‪ ،‬حتى لجأت قريش إلى تعقبه قرب مكة وربطوا يديه إلى‬
‫بن عدي‪،‬‬
‫عنقه وأدخلوه مكة أسيرًا حتى أنقذه منهم جبير بن مطعم‬
‫حيث كان يجيرهم في المدينة‪ .‬وهو من الذين شهدوا بدرا )‪ (2‬وحظى‬
‫بمقام أهل بدر ومنزلتهم عند الله‪ ،‬وكان من بيت جود وكرم وشهد‬
‫له ذلك رسول الله ×‪ ،‬وكان رسول الله × يعتمد عليه –بعد الله‪-‬‬
‫وعلى سعد بن معاذ كما في غزوة الخندق‪ ،‬عندما استشارهم في‬
‫إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن)‪(3‬الفزاري‪ ،‬فكان رد السعدين‬
‫يدل على عمق اليمان وكمال التضحية‪.‬‬
‫فمواقف سعد مشهورة ومعلومة‪ ،‬فهذا الصحابي الجليل صاحب‬
‫الماضي المجيد في خدمة السلم والصحبة الصادقة لرسول الله‪ ،‬ل‬
‫يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن ُيحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر‬
‫السقيفة لكي يحصل في غمارها هذه الفرقة على منصب الخلفة‪،‬‬
‫كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه –بعد‬
‫الحج‪(5‬بإفاضتهم)‪(4‬؛‬
‫بيعة أبي بكر‪ -‬كان ل يصلي بصلتهم ول يفيض في‬
‫كأنما انفصل سعد بن عبادة ‪ ‬عن جماعة المسلمين ) ‪ ،‬فهذا باطل‬
‫سعدا بايع‬
‫ً‬
‫ومحض افتراء‪ ،‬فقد ثبت من خلل الروايات الصحيحة أن‬
‫أبا بكر‪ ،‬فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة‪ ،‬فذكر فضل النصار وقال‪:‬‬
‫ولقد علمتم أن رسول الله قال‪» :‬لو سلك الناس وادًيا‪ ،‬وسلكت‬
‫النصار وادًيا أو شعًبا لسلكت وادي النصار أو شعب النصار« )‪ ،(6‬ثم‬
‫ذكر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة ل ترد‪ ،‬فقال‪ :‬ولقد علمت يا‬
‫سعد أن رسول الله × قال وأنت قاعد‪» :‬قريش ولة هذا المر‪ ،‬فبر‬
‫الناس تبع لبرهم‪ ،‬وفاجرهم تبع لفاجرهم«‪ .‬قال سعد‪ :‬صدقت‪ ،‬نحن‬
‫الوزراء وأنتم المراء )‪ ،(7‬فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد‪ (8).‬وبهذا‬
‫ثبت بيعة سعد بن عبادة‪ ،‬وبها يتحقق إجماع النصار على بيعة‬
‫الخليفة أبي بكر‪ ،‬ول يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة‪ ،‬بل‬
‫سيكون ذلك متناقضًا للواقع واتهامًا خطيرًا‪ ،‬أن ينسب لسيد النصار‬
‫العمل على شق عصا المسلمين‪ ،‬والتنكر لكل ما قدمه من نصرة‬
‫وجهاد وإيثار للمهاجرين‪ ،‬والطعن بإسلمه من خلل ما ينسب إليه‬
‫من قول‪ :‬ل أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي‪ ،‬وأخضب سنان‬
‫رمحي‪ ،‬وأضرب بسيفي‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( استخلف أبي بكر‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.53 -51 ،50 :‬‬
‫)( الستيعاب في معرفة الصحاب‪.2/594 :‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬سالم البهنساوي‪.48 :‬‬
‫)‪ (4،‬المصدر السابق‪.49 :‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التمني‪ ،‬رقم‪ (6) .7244 :‬مسند المام أحمد رقم‪،18 :‬‬
‫صحيح لغيره‪.‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.102‬‬

‫‪95‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بصلتهم ول يجمع بجامعتهم‪ ،‬ول يقضي بقضائهم‪ ،‬ول‬
‫فكان ل يصلي‬
‫يفيض بإفاضتهم )‪ (1‬أي‪ :‬في الحج‪.‬‬
‫إن هذه الرواية التي استغلت للطعن بوحدة المهاجرين والنصار‬
‫وصدق أخوتهم‪ ،‬ما هي إل رواية باطلة للسباب التالية‪:‬‬
‫أن الراوي صاحب هوى وهو »إخباري تالف ل يوثق به« )‪ ,(2‬ول‬
‫سيما في المسائل الخلفية‪.‬‬
‫قال الذهبي عن هذه الرواية‪ :‬وإسنادها كما ترى )‪(3‬؛ أي‪ :‬في غاية‬
‫الضعف أما متنها‬
‫وما‪(4‬في عنقه من بيعة على السمع‬
‫عبادة‪،‬‬
‫بن‬
‫سعد‬
‫سيرة‬
‫فهو يناقض‬
‫والطاعة‪ ،‬ولما روي عنه من فضائل ) ‪.‬‬

‫‪ -4‬ما يروى من خلف بين عمر والحباب بن المنذر‪:‬‬
‫أما ما يروي عن تنازع في السقيفة بين عمر والحباب بن المنذر‬
‫يغضب الحباب‬
‫السلمي النصاري‪ ،‬فالراجح أنه غير صحيح‪ ،‬وأن عمر لم ُ‬
‫بن المنذر منذ عهد رسول الله ‪×،‬فقد روى عن عمر قال‪ :‬فلما كان‬
‫الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلم؛ لنه كان بيني‬
‫حياة رسول الله ×فنهاني عنه‪ ،‬فحلفت أن ل أكلمه‬
‫وبينه منازعة في‬
‫أبدا )‪.(5‬‬
‫كلمة تسوؤه ً‬
‫عهد‬
‫كما أن ما يروى عن الحباب في هذه المنازعة مخالف لما ُ‬
‫عنه من حكمة‪ ،‬ومن حسن تأنيه للمور؛ إذ كان يلقب‪» :‬بذي الرأي«‬
‫)‪(7‬‬
‫)‪ (6‬في عهد رسول الله ×؛ وذلك لقبول مشورته في بدر وخيبر‪.‬‬
‫وأما قول الحباب بن المنذر‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬فقد سوغ ذلك‬
‫وأوضح أنه ل يقصد بذلك الوصول إلى المارة‪ ،‬فقال‪ :‬فإنا والله ما‬
‫ننفس عليكم هذا المر‪ ،‬ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم‬
‫وإخوانهم )‪ ،(8‬فقبل المهاجرون قوله وأقروا عذره ول سيما أنهم‬
‫شركاء في دماء من قتل من المشركين )‪.(9‬‬

‫‪ -5‬حديث الئمة من قريش وموقف النصار منه‪:‬‬
‫ورد حديث »الئمة من قريش« في الصحيحين وكتب‬
‫الحديث الخرى بألفاظ متعددة؛ ففي صحيح البخاري عن معاوية‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬إن هذا المر في قريش ل يعاديهم أحد إل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)‪ (4‬تاريخ الطبري‪.4/42 :‬‬
‫)( ميزان العتدال في نقد الرجال للذهبي‪ ،2/2992 :‬والراوي هو لوط بن يحيى‬
‫أبو مخنف متروك‪ ،‬ولم يعتد بأي مخنف ويعتبر بروايته ويعتمد عليها سوى‬
‫الشيعة‪ ،‬فقد كان من أعظم مؤرخي الشيعة على قول ابن القمي‪ .‬انظر‪:‬‬
‫مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري للدكتور يحيى اليحيى‪ :‬ص ‪.46 ،45‬‬
‫)‪ (4‬النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص‬
‫)( سير أعلم النبلء‪.1/277 :‬‬
‫‪.103 ،102‬‬
‫)‪ (6‬الستيعاب‪.1/316 :‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.100‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.100‬‬
‫)‪ (1‬النصار في العصر الراشدي‪.100 :‬‬
‫)‪ (3‬البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم‪.7139 :‬‬
‫)( المرجع السابق نفسه‪.100 :‬‬

‫‪96‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين«‪ (1) .‬وفي صحيح‬
‫مسلم‪» :‬ل يزال السلم عزيًزا بخلفاء كلهم من قريش«‪ (2).‬وعن‬
‫عبد الله بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬ل يزال هذا المر في‬
‫قريش ما بقي منهم اثنان«‪ (3).‬وقال رسول الله ×‪» :‬الناس تبع‬
‫)‪(4‬‬
‫لقريش في هذا الشأن‪ ،‬مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم«‪.‬‬
‫وعن بكير بن وهب الجزري قال‪ :‬قال لي أنس بن مالك النصاري‪:‬‬
‫حديثا ما أحدثه كل أحد‪ ،‬كنا في بيت من النصار فجاء النبي‬
‫ً‬
‫أحدثك‬
‫)‪(5‬‬
‫× حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب ‪ ،‬فقال‪» :‬الئمة من قريش‪ ،‬إن‬
‫قا مثل ذلك‪ ،‬ما إن استرحموا‬
‫قا‪ ،‬ولكم عليهم ح ً‬
‫لهم عليكم ح ً‬
‫فرحموا‪ ،‬وإن عاهدوا أوفوا‪ ،‬وإن حكموا عدلوا«‪ (6) .‬وفي »فتح‬
‫الباري« أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب‪ :‬المراء من قريش‪،‬‬
‫أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات‪ (7).‬فالحاديث في هذا‬
‫الباب كثيرة ل يكاد يخلو منها كتاب من كتب الحديث‪ ،‬وقد رويت‬
‫بألفاظ متعددة إل أنها متقاربة‪ ،‬تؤكد جميعها أن المرة المشروعة‬
‫في قريش‪ ،‬ويقصد بالمرة الخلفة فقط‪ ،‬أما ما سوى ذلك فتساوى‬
‫)‪(8‬‬
‫فيه جميع المسلمين‪.‬‬
‫وبمثل ما أوضحت الحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلفة في‬
‫قريش‪ ،‬فإنها حذرت من النقياد العمى لهم‪ ،‬وأن هذا المر فيهم ما‬
‫أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية‪ ،‬وكما جاء في حديث‬
‫أنس‪ :‬إن استرحموا فرحموا‪ ،‬وإن عاهدوا أوفوا‪ ،‬وإن حكموا عدلوا‪،‬‬
‫فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملئكة والناس أجمعين‪.‬‬
‫)‪ ،(9‬وبهذا حذرت الحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما‬
‫أنزل الله‪ ،‬فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط‪ ،‬فإنهم‬
‫سيصبحون خطرًا على المة‪ ،‬وحذرت الحاديث الشريفة من اتباعهم‬
‫على غير ما أنزل الله‪ ،‬ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم؛‬
‫لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير المة‪ ،‬قال‬
‫×‪»:‬إن هلك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش«‬
‫)‪ ،(10‬وعندما سئل ×‪ :‬فما تأمرنا؟ قال ×‪»:‬لو أن الناس اعتزلوهم«‬
‫)‪.(11‬‬
‫ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الئمة من قريش‪ ،‬وأن‬
‫النصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه السس‪ ،‬وهذا‬
‫ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله‪ » :‬على السمع والطاعة‪ ،‬والصبر‬
‫حا‬
‫على الثرة‪ ،‬وأن ل ينازعوا المر أهله‪ ،‬إل أن يروا كفرا بوا ً‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪ (5) .1821 :‬البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم‪.7140 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪.1818 :‬‬
‫)( الفتح الرباني للساعاتي‪ ،‬باب الخلفة‪:‬ج ‪5/23/65‬؛ ابن أبي شيبة‪.5/544 :‬‬
‫)‪ (10) ,(9‬النصار في العصر الراشدي‪:‬‬
‫)( المصنف لبي شيبة‪.5/544 :‬‬
‫‪.111‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪:‬ـ ‪.111‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)‪ (1‬مصنف ابن أبي شيبة‪.5/544 :‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الفتن رقم‪.7058 :‬‬
‫)( دلئل النبوة للبيهقي‪ ،6/464 :‬الحسان في تقريب صحيح ابن حبان رقم‪:‬‬
‫‪.6713‬‬

‫‪97‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عندهم من الله فيه برهان«‪ (1).‬فقد كان للنصار تصور تام عن‬
‫مسألة الخلفة‪ ،‬وأنها لم تكن مجهولة عندهم‪ ،‬وأن حديث »الئمة من‬
‫قريش« كان يرويه كثير منهم‪ ،‬وأن الذين ل يعلمونه سكتوا عندما‬
‫رواه لهم أبو بكر الصديق‪ ،‬ولهذا لم يراجعه أحد من النصار عندما‬
‫استشهد به‪ ،‬فأمر الخلفة تم بالتشاور والحتكام إلى النصوص‬
‫الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها‪ ،‬ولم يسمع عن أحد‬
‫مما يؤكد‬
‫من النصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا لنفسه بالخلفة‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫اقتناع النصار وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج‪.‬‬
‫وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال‪ :‬إن حديث الئمة من قريش‬
‫شعار رفعته قريش لستلب الخلفة من النصار‪ ،‬أو أنه رأي لبي‬
‫حديثا رواه عن الرسول‪ ،‬وإنما كان فكرًا سياسيًا قرشيًا‪،‬‬
‫ً‬
‫بكر وليس‬
‫كان شائعا في ذلك العصر‪ ،‬يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي‬
‫في ذلك الحين‪ .‬وعلى هذا فإن نسبة هذه الحاديث إلى أبي بكر‬
‫وأنها شعار لقريش‪ ،‬ما هي إل صورة من صور التشويه التي يتعرض‬
‫أساسا على‬
‫ً‬
‫لها تاريخ العصر الراشدي وصدر السلم‪ ،‬الذي قام‬
‫جهود المهاجرين والنصار ومن تبعهم بإحسان‪ ،‬وعلى روابط الخوة‬
‫المتينة بين المهاجرين والنصار‪ ،‬حتى قال فيهم أبو بكر‪ :‬نحن‬
‫والنصار كما قال القائل‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫تلقي الذين يلقون منا لملت‬
‫أبوْا أن يملونا ولو أن أمنا‬
‫َ‬
‫‪ -6‬الحاديث التي أشارة إلى خلفة أبي بكر ‪:‬‬
‫الحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلفة أبي بكر ‪‬‬
‫كثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدللة‪ ،‬إما على وجه التصريح أو‬
‫صارت معلومة من الدين بالضرورة‬
‫الشارة‪ ،‬ولشتهارها وتواترها‬
‫)‪(4‬‬
‫بحيث ل يسع أهل البدع إنكارها‪.‬‬
‫ومن تلك الحاديث‪:‬‬
‫ي × فأمرها أن ترجع‬
‫أ‪ -‬عن جبير بن مطعم قال‪ :‬أتت امرأة النب ّ‬
‫ولم‪(5‬أجدك –كأنها تقول الموت‪ -‬قال ×‪:‬‬
‫إليه‪ ،‬قالت‪ :‬أرأيت إن جئت‬
‫»إن لم تجديني فأتى أبا بكر« ) ‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬وفي الحديث أن مواعيد النبي × كانت على من‬
‫رد( على الشيعة في زعمهم أنه‬
‫يتولى الخلفة بعده تنجيزها‪ ،‬وفيه‬
‫نص على استخلف علي والعباس )‪. 6‬‬
‫جلوسا فقال‪» :‬إني ل أدري‬
‫ً‬
‫ب‪ -‬عن حذيفة قال‪ :‬كنا عند النبي ×‬
‫ما قدر بقائي فيكم‪ ،‬فاقتدوا بالذين من بعدي )وأشار إلى أبي بكر‬
‫‪ () 1‬البخاري‪ ،‬كتاب الفتن‪ ،‬رقم‪.7056 :‬‬
‫)‪ (5‬النصار في العصر الراشدي‪.116 :‬‬
‫‪ () 3‬النصار في العصر الراشدي‪ (2) .116 :‬عقيدة أهل السنة والجماعة في‬
‫الصحابة‪.2/539 :‬‬
‫‪ () 5‬مسلم‪ ،1857 ،4/1856 :‬البخاري رقم‪ (4) .3659 :‬فتح الباري‪.7/24 :‬‬
‫‪2‬‬

‫‪4‬‬

‫‪6‬‬

‫‪98‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وعمر(‪ ،‬وتمسكوا بعهد عمار‪ ،‬وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه« )‪.(1‬‬
‫فقوله ×‪» :‬اقتدوا بالذين من بعدي« أي‪ :‬بالخليفتين الذين‬
‫يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر‪ .‬وحث على القتداء بهما‬
‫لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما‪ ،‬وفي الحديث إشارة لمر الخلفة‬
‫)‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬عن أبي هريرة ‪ ‬عن رسول الله × قال‪» :‬بينما أنا نائم‬
‫أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس‪ ،‬فجاءني أبو بكر فأخذ‬
‫الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر‬
‫له‪ ،‬فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم)‪(3‬أر نزع رجل قط أقوى منه حتى‬
‫تولى الناس والحوض ملن يتفجر« ‪.‬‬
‫قال الشافعي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬رؤيا النبياء وحي‪ ،‬وقوله‪) :‬وفي نزعة‬
‫ضعف( قصر‬
‫مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لهل الردة عن الفتتاح والتزيد‬
‫عمر في‬
‫الذي بلغه‬
‫طول مدته)‪.(4‬‬
‫د‪ -‬قالت عائشة‪ :‬قال لي رسول الله × في مرضه‪» :‬ادعي لي‬
‫يتمنى متمن ويقول قائل‪:‬‬
‫با‪،‬فإني أخاف أن‬
‫أبا بكر‪ ,‬أخاك حتى أكتب كتا ً‬
‫أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا بكر« )‪.(5‬‬
‫دل هذا الحديث دللة واضحة على فضل الصديق ‪ ،‬حيث أخبر‬
‫النبي × بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق العلى‪ ،‬وأن‬
‫المسلمين يأبون عقد الخلفة لغيره ‪ ،‬وفي الحديث إشارة أنه‬
‫ذلك كما أخبر عليه الصلة والسلم‪ ،‬ثم‬
‫سيحصل نزاع‪ ،‬ووقع كل‬
‫اجتمعوا على أبي بكر ‪.(6) ‬‬
‫هـ‪ -‬عن عبيد الله بن عبد الله قال‪ :‬دخلت على عائشة فقلت لها‪:‬‬
‫قل النبي ×‬
‫أل تحدثيني عن مرض رسول الله ×؟ قالت‪ :‬بلى‪ ،‬ث ُ‬
‫قال‪:‬‬
‫الله‪.‬‬
‫رسول‬
‫فقال‪» :‬أصلى الناس؟« قلنا‪ :‬ل وهم ينتظرونك يا‬
‫)‪(8‬‬
‫»ضعوا لي ماء في المخضب« )‪ ،(7‬ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء‬
‫فأغمى عليه‪ ،‬ثم أفاق فقال‪» :‬أصلى الناس؟«‪ .‬قلنا‪ :‬ل وهم‬
‫ينتظرونك يا رسول الله‪ .‬فقال‪» :‬ضعوا لي ماء في المخضب«‪،‬‬
‫ففعلنا فاغتسل‪ ،‬ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال‪» :‬أصلى‬
‫الناس؟«‪ ،‬قلنا‪ :‬ل وهم ينتظرونك يا رسول الله! قالت‪ :‬والناس‬
‫عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله × لصلة العشاء الخرة‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فأرسل رسول الله × إلى أبي بكر أن يصلي بالناس‪ ،‬فأتاه‬
‫الرسول فقال‪ :‬إن رسول الله × يأمرك أن تصلي بالناس‪ ،‬فقال أبو‬
‫رجل رقيقًا‪ :‬يا عمر صل بالناس‪ .‬قال‪ :‬فقال عمر‪ :‬أنت‬
‫ً‬
‫بكر وكان‬
‫أحق بذلك‪ ،‬قالت‪ :‬فصلى بهم أبو بكر تلك اليام‪ ،‬ثم إن رسول الله‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫سلسلة الحاديث الصحيحة لللباني‪.236 – 3/233 :‬‬
‫تحفة الحوذي بشرح الترمذي‪ (7) .10/147 :‬مسلم‪.1852 ،4/1861 :‬‬
‫)‪ (2‬مسلم‪.4/1857 :‬‬
‫العتقاد للبيهقي‪.171 :‬‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/542 :‬‬
‫المخضب‪ :‬هي إجانة تغسل فيها الثياب‪.‬‬
‫ينوء‪ :‬أي‪ :‬يقوم وينهض‪ ،‬شرح النووي‪.4/136 :‬‬

‫‪99‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫× وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلة‬
‫الظهر وأبو بكر يصلي بالناس‪ ،‬فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ‬
‫إليه النبي × أن ل يتأخر‪ ،‬وقال لهما‪» :‬أجلساني إلى جنبه« فأجلساه‬
‫إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلة النبي ×‬
‫والناس يصلون بصلة أبي بكر والنبي × قاعد‪ .‬قال عبيد الله‪:‬‬
‫فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له‪ :‬أل أعرض عليك ما‬
‫حدثتني عائشة عن مرض رسول الله × فقال‪ :‬هات‪ ،‬فعرضت‬
‫مت لك الرجل الذي‬
‫حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا‪ ،‬غير أنه‬
‫قال‪ :‬أ َ‬
‫س ّ‬
‫كان مع العباس؟ قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ ،‬هو علي )‪.(1‬‬
‫هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة‪ ،‬منها‪ :‬فضيلة أبي بكر‬
‫الصديق ‪ ‬وترجيحه على جميع الصحابة ‪-‬رضوان الله عليهم‬
‫أجمعين‪ -‬وتفضيله‪ ،‬وتنبيه على أنه أحق بخلفة رسول الله × من‬
‫غيره‪ ،‬ومنها أن المام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة‬
‫استخلف من يصلي بهم‪ ،‬وأنه ل يستخلف إل أفضلهم‪ ،‬ومنها فضيلة‬
‫عمر بعد أبي بكر ‪‬؛ لن أبا بكر ‪ ‬لم يعدل إلى غيره )‪.(2‬‬
‫و‪ -‬قال عبد الله بن مسعود ‪ :‬لما قبض رسول الله × قالت‬
‫النصار‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬قال‪ :‬فأتاهم عمر ‪ ‬فقال‪ :‬يا معشر‬
‫النصار‪ ،‬ألستم تعلمون أن رسول الله × قد أمر أبا بكر أن يؤم‬
‫الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ‪‬؟ فقالت النصار‪:‬‬
‫نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر )‪.(3‬‬
‫ز‪ -‬روى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال‪ :‬قال علي‪ :‬لما قبض‬
‫النبي × نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي × قد قدم أبا بكر في الصلة‬
‫فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله × لديننا‪ ،‬فقدمنا أبا بكر )‪.(4‬‬
‫وقد علق أبو الحسن الشعري على تقديم رسول الله × لبي‬
‫بكر في الصلة فقال‪ :‬وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة في دين‬
‫السلم‪ .‬قال‪ :‬وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم‪ ،‬لما‬
‫ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله ×‬
‫قال‪» :‬يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله‪ ،‬فإن كانوا في القراءة سواء‬
‫فأعلمهم بالسنة‪ ،‬فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سّنا‪ ،‬فإن كانوا‬
‫ما«‪ .‬قال ابن كثير ‪-‬وهذا من كلم‬
‫في السن سواء فأقدمهم إسل ً‬
‫الشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب‪ :-‬ثم قد‬
‫اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ‪ ‬وأرضاه )‪.(5‬‬
‫هذا ولهل السنة قولن في إمامة أبي بكر ‪ ‬من حيث الشارة‬
‫إليها بالنص الخفي أو الجلي‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬إن إمامة أبي بكر ‪‬‬
‫ثابتة بالنص الخفي والشارة‪ ،‬وهذا القول ينسب إلى الحسن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪ .2/542 :‬مسلم رقم‪،418 :‬‬
‫البخاري رقم‪.687 :‬‬
‫)‪ (3‬المستدرك‪.3/67 :‬‬
‫)( شرح النووي‪.4/137 :‬‬
‫)‪ (5‬البداية والنهاية‪.5/265 :‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد‪.3/183 :‬‬

‫‪100‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫تعالى‪(2-‬وجماعة من أهل الحديث )‪ ،(1‬وهو رواية‬
‫البصري ‪-‬رحمه الله‬
‫عن المام أحمد بن حنبل ) رحمة الله عليه‪ ،‬واستدل أصحاب هذا‬
‫القول بتقديم النبي × له في الصلة وبأمره × بسد البواب إل باب‬
‫أبي بكر‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬إن خلفة)‪(3‬أبي بكر ‪ ‬ثابتة بالنص الجلي‬
‫طائفة من أهل الحديث ‪ ،‬وبه قال أبو محمد بن حزم‬
‫وهذا قول‬
‫)‪(4‬‬
‫الفريق بحديث المرأة التي قال لها‪» :‬إن‬
‫هذا‬
‫واستدل‬
‫‪،‬‬
‫الظاهري‬
‫لم تجديني فأتي أبا بكر« )‪ ،(5‬وبقوله لعائشة ‪-‬رضي الله عنها‪:-‬‬
‫»ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاًبا‪ ،‬فإني أخاف أن يتمنى‬
‫متمن ويقول قائل‪ :‬أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا بكر« )‪،(6‬‬
‫على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع‬
‫وحديث رؤياه × أنه‬
‫الدلو من يده ليروحه )‪.(7‬‬
‫والذي أميل إليه ويظهر لي من خلل البحث‪ :‬أن المصطفى ×‬
‫يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ‪ ،‬وإنما‬
‫دلهم عليه لعلم الله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬له بأن المسلمين سيختارونه‬
‫القرآن والسنة وفاق بها‬
‫لما له من الفضائل العالية التي ورد بها‬
‫غيره من جميع المة المحمدية ‪ ‬وأرضاه )‪.(8‬‬
‫قال ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ :-‬والتحقيق أن النبي × دل المسلمين‬
‫على استخلف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله‬
‫وأفعاله‪ ،‬وأخبر بخلفته إخبار رضى بذلك حامد له وعزم على أن‬
‫عهدا‪ ،‬ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب‬
‫ً‬
‫يكتب بذلك‬
‫اكتفاء بذلك‪ ...‬فلو كان التعيين مما يشتبه على المة لبينه رسول‬
‫بيانا قاطعًا للعذر‪ ،‬ولكن لما دلهم دللت متعددة على أن أبا‬
‫الله × ً‬
‫بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود‪ ،‬ولهذا قال عمر بن‬
‫الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والنصار‪:‬‬
‫وليس فيكم من تقطع إليه العناق مثل أبي بكر‪ ...‬إلى أن قال‪:‬‬
‫فخلفة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها‬
‫ورضا الله ورسوله × له بها‪ ،‬وانعقدت بمبايعة المسلمين له‬
‫واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله‬
‫ورسوله‪ ،‬فصارت ثابتة بالنص والجماع جميعًا‪ ،‬لكن النص دل على‬
‫رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها‪ ،‬وأم‬
‫المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها؛ لنه حينئذ كان‬
‫يكون طريق ثبوتها مجرد العهد‪ ،‬وأما إذا كان المسلمين قد اختاروه‬
‫من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله‬
‫دليل على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي‬
‫ً‬
‫ورسوله بذلك‪ ،‬كان‬
‫المسلمين به أنه أحقهم بالخلفة‪ ،‬فإن ذلك‬
‫علم‬
‫ما‬
‫بان بها عن غيره‬
‫ل يحتاج فيه إلى عهد خاص )‪.(9‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪:‬‬

‫)( منهاج السنة لبن تيمية‪.135 ،1/134 :‬‬
‫‪.1/134‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/547 :‬‬
‫)‪ (5‬مسلم‪.1857 ،4/1856 :‬‬
‫)( الفصل في الملل والهواء والنحل‪.4/107 :‬‬
‫)( مسلم‪ 4/1857 :‬حديث رقم‪ (7) .2387 :‬مسلم‪.1862 ،4/1861 :‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة‪.2/548 :‬‬
‫)( منهاج السنة‪141 – 1/139 :‬؛ مجمع الفتاوى‪.49 – 35/47 :‬‬

‫‪101‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -7‬انعقاد الجماع على خلفة الصديق ‪:‬‬
‫أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس‬
‫بالخلفة بعد النبي × أبو بكر الصديق ‪ ،‬لفضله وسابقته‪ ،‬ولتقديم‬
‫النبي × إياه في الصلوات على جميع الصحابة‪ .‬وقد فهم أصحاب‬
‫النبي × مراد المصطفى ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬من تقديمه في‬
‫الصلة‪ ،‬فأجمعوا على تقديمه في الخلفة ومتابعته ولم يتخلف منهم‬
‫أحد‪ ،‬ولم يكن الرب ‪-‬جل وعل‪ -‬ليجمعهم على ضللة‪ ،‬فبايعوه‬
‫)‪(1‬‬
‫طائعين وكانوا لوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه‪.‬‬
‫يوم مات رسول‬
‫فعندما سئل سعيد بن زيد‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال‪:‬‬
‫الله × كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة )‪ ،(2‬وقد نقل‬
‫جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من‬
‫أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر ‪ ‬أولى بالخلفة من كل أحد‬
‫)‪ ،(3‬وهذه بعض أقوال أهل العلم‪:‬‬
‫أ‪ -‬قال الخطيب البغدادي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬أجمع المهاجرون والنصار‬
‫على خلفة أبي بكر‪ ،‬قالوا له‪ :‬يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد‬
‫بعده خليفة‪ .‬وقيل‪ :‬إنه قبض النبي × عن ثلثين ألف مسلم ك ّ‬
‫ل قال‬
‫لبي بكر‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ورضوا به من بعده رضي الله عنهم‬
‫)‪.(4‬‬
‫ب‪ -‬وقال أبو الحسن الشعري‪ :‬أثنى الله ‪-‬عز وجل‪ -‬على‬
‫المهاجرين والنصار والسابقين إلى السلم‪ ،‬ونطق القرآن بمدح‬
‫المهاجرين والنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة‬
‫الرضوان‪ ،‬فقال عز وجل‪+ :‬ل َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ذ‬
‫ه َ‬
‫ؤ ِ‬
‫قدْ َر ِ‬
‫مِني َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ض َ‬
‫ع ِ‬
‫عون َ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ة" ]الفتح‪ [18 :‬قد أجمع هؤلء الذين أثنى‬
‫جَر ِ‬
‫ش َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ي َُباي ِ ُ‬
‫ح َ‬
‫عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ‪ ،‬وسموه خليفة‬
‫رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل‪ ،‬وكان أفضل‬
‫الجماعة‬
‫في جميع الخصال التي يستحق بها المامة في العلم والزهد‪ ،‬وقوة‬
‫وسياسة المة‪،‬‬
‫الرأي‬
‫وغير ذلك)‪.(5‬‬
‫ج‪ -‬وقال عبد الملك الجويني‪ :‬أما إمامة أبي بكر ‪ ‬فقد ثبتت‬
‫لحكمه‪.‬‬
‫بإجماع الصحابة‪ ،‬فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والنقياد‬
‫ي شراسًا )‪ ،(6‬وشماسًا )‪ (7‬في‬
‫وما تخرص به الروافض من إبداء عل ّ‬
‫عقد البيعة له كذب صريح‪ ،‬نعم لم يكن ‪ ‬في السقيفة‪ ،‬وكان‬
‫الله( ×‪ ،‬ثم دخل فيما‬
‫مستخليا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول‬
‫ً‬
‫دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على مل من الشهاد)‪. 8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/550 :‬‬
‫أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ ،‬إبراهيم شعوط‪.101 :‬‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/550 :‬‬
‫تاريخ بغداد‪.131 ،10/130 :‬‬
‫البانة عن أصول الديانة‪.66 :‬‬
‫الشراس‪ :‬شدة المعاملة‪ ،‬مختار الصحاح‪.346 :‬‬
‫وشماسا‪ :‬أي صعب الخلق‪ ،‬لسان العرب‪ (4) .6/111 :‬كتاب الرشاد‪.361 :‬‬

‫‪102‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫د‪ -‬وقال أبو بكر الباقلني في معرض ذكره للجماع على خلفة‬
‫الصديق ‪ :‬وكان ‪ ‬مفروض الطاعة لجماع المسلمين على‬
‫طاعته وإمامته وانقيادهم له‪ ،‬حتى قال أمير المؤمنين علي ‪ ‬مجيبًا‬
‫لقوله ‪ ‬لما قال‪ :‬أقيلوني فلست بخيركم‪ ،‬فقال‪ :‬ل نقيلك ول‬
‫نستقيلك‪ ،‬قدمك رسول الله × لديننا أل نرضاك لدنيانا‪ ،‬يعني بذلك‬
‫حين قدمه للمامة في الصلة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج‪،‬‬
‫إيمانا وأكملهم فهمًا‬
‫ً‬
‫وكان ‪ ‬أفضل المة وأرجحهم‬
‫فأمرك علينا‪.‬‬
‫وأوفرهم علمًا )‪.(1‬‬

‫‪ -8‬منصب الخلفة والخليفة‪:‬‬
‫الخلفة السلمية هي المنهج الذي اختارته المة السلمية‬
‫وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم تنظم من خلله أمورها وترعى‬
‫مصالحها‪ ،‬وقد ارتبطت نشأة الخلفة بحاجة المة لها واقتناعها بها‪،‬‬
‫ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ×‪.‬‬
‫يقول المام أبو الحسن الماوردي‪ :‬إن الله جلت قدرته ندب للمة‬
‫زعيما خلف به النبوة وحاط به الملة‪ ،‬وفوض إليه السياسة ليصدر‬
‫ً‬
‫التدبير عن دين مشروع‪ ،‬وتجتمع الكلمة على رأي متبوع‪ ،‬فكانت‬
‫العامة‬
‫أصل عليه استقرت قواعد الملة‪ ،‬وانتظمت به مصالح‬
‫ً‬
‫المامة‬
‫حتى استثبتت به المور العامة‪ ،‬وصدرت عنه الوليات الخاصة )‪.(2‬‬
‫لقد كان على المة السلمية أن تواجه الموقف الصعب الذي‬
‫نشأ عن انتقال‬
‫الرسول × إلى الرفيق العلى‪ ،‬وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة‬
‫أفرادها‪ ،‬أو‬
‫وأل تدع مجالً لنقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس‬
‫للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله × )‪.(3‬‬
‫ولما كانت الخلفة هي نظام حكم المسلمين‪ ،‬فقد استمدت‬
‫أصولها من دستور المسلمين؛ من القرآن الكريم ومن سنة النبي‬
‫×‪ (4).‬وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلفة السلمية فقالوا‬
‫)‪(5‬‬
‫بالشورى والبيعة وهما –أصلً‪ -‬قد أشير إليهما في القرآن الكريم ‪،‬‬
‫أحيانا يطلق عليه لفظ المامة أو المارة‪ .‬وقد أجمع‬
‫ً‬
‫ومنصب الخلفة‬
‫المسلمون على وجوب الخلفة‪ ،‬وأن تعيين الخليفة فرض على‬
‫المسلمين يرعى شئون المة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة‬
‫السلمية وعلى حماية الدين والمة بالجهاد‪ ،‬وعلى تطبيق الشريعة‬
‫وتوفير‪(6‬الحاجات الضرورية لكل‬
‫وحماية حقوق الناس ورفع المظالم‬
‫فرد‪ ،‬وهذا ثابت بالقرآن والسنة والجماع ) ‪.‬‬
‫وقد قال تعالى‪+ :‬يا أ َيها ال ّذين آمُنوا أ َطيعوا الله َ‬
‫عوا‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ِ ُ‬
‫َ ّ َ‬
‫ِ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ل ُ‬
‫ُ‬
‫م"‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ْ‬
‫ر ِ‬
‫الّر ُ‬
‫ْ‬
‫وأوِلي ال ْ‬
‫سو َ َ‬
‫م ِ‬
‫]النساء‪.[59 :‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫)( »النصاف فيما يجب اعتقاده ول يجوز الجهل به«‪.65 :‬‬
‫وتجدر الشارة إلي أن الذي ذكرت فيه النصوص التي فيها الشارة إلى خلفة‬
‫الصديق‪ ،‬اختصرتها من الكتاب القيم »عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‬
‫الكرام« للدكتور ناصر بن عائض حسن الشيخ‪.‬‬
‫)( الحكام السلطانية‪:‬ص ‪.3‬‬
‫)( عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬فتحية النبراوي‪:‬ص ‪.22‬‬
‫)( عصر الخلفاء الراشدين‪:‬ص ‪ (4) .23‬عصر الخلفاء الراشدين‪:‬ص ‪.23‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪:‬ص ‪ (6) .58‬ل حجة له في فعله ول تنفعه‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫في ا َ‬
‫عل َْنا َ‬
‫خِلي َ‬
‫ض‬
‫ك َ‬
‫ف ً‬
‫ة ِ‬
‫ج َ‬
‫ودُ إ ِّنا َ‬
‫وقال تعالى‪َ+ :‬يا َ‬
‫دا ْ ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ْ‬
‫ضل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عن‬
‫ي‬
‫ف‬
‫وى‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ك َ‬
‫ُ ِ‬
‫فا ْ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫َ َ‬
‫س ِ َ ّّ َ‬
‫َ ّ ِ ِ‬
‫ن الّنا ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫عن‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ض‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ َ ِ‬
‫َ‬
‫ِ ِ ّ‬
‫ٌ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫َ ِ ِ‬
‫َ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ب"‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫ما ن َ ُ‬
‫ديدُ ب ِ َ‬
‫سا ِ‬
‫سوا ي َ ْ‬

‫]ص‪.[26 :‬‬
‫دا من طاعة لقي الله يوم القيامة ل حجة له‬
‫وقال ×‪» :‬من خلع ي ً‬
‫)‪ ،(1‬ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية« )‪.(2‬‬
‫وأما الجماع فالصحابة ‪-‬رضوان الله عليهم‪ -‬لم ينتظروا حتى يتم‬
‫دفن الرسول ×‪ ،‬وتوافدوا للتفاق على إمام أو خليفة‪ ،‬وعلل أبو بكر‬
‫المانة وهو خوفه أن تكون فتنة )أي من عدم تعيين خليفة‬
‫قبول هذه‬
‫للمسلمين(‪ (3).‬قال الشهرستاني في ذلك‪ :‬ما دار في قلبه ول في‬
‫قلب أحد أنه يجوز خلو الرض من إمام‪ ،‬فدل ذلك كله على أن‬
‫الصحابة وهم الصدر الول كانوا عن بكرة أبيهم متفقين على أنه ل‬
‫إمام‪ ،‬فذلك الجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب‬
‫بد من‬
‫المام )‪.(4‬‬
‫أن الطمع في الرياسة‬
‫هذا وليس صحيحًا ما يروجه الحاقدون‬
‫سبب النشغال بالخلفة عن دفن النبي × )‪.(5‬‬
‫هذا وقد عرف ابن خلدون الخلفة‪ :‬هي حمل الكافة على‬
‫مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الخروية والدنيوية الراجعة‬
‫إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارهم بمصالح‬
‫الحقيقة‪(6‬خلفة عن صاحب الشرع في حراسة هذا‬
‫الخرة‪ ،‬فهي في‬
‫الدين وسياسة الدنيا به ) ‪.‬‬
‫وقد تحدث العلمة أبو الحسن الندوي عن شروط خلفة النبي ×‬
‫ومتطلباتها‪ ،‬وقد أثبت بالدلة والحجج من خلل سيرة الصديق بأن أبا‬
‫بكر كانت شروط خلفة النبي × متحققة فيه‪ ،‬ونذكر هذه الشروط‬
‫بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا‬
‫الكتاب متناثرة‪ ،‬فأهم هذه الشروط‪:‬‬
‫يمتاز بأنه ظل طوال حياته بعد السلم متمتعا بثقة رسول الله × به‬
‫أ‪-‬‬
‫وشهادته له‪ ،‬واستخلفه إياه في القيام ببعض أركان الدين الساسية‪ ،‬وفي‬
‫مهمات المور‪ ،‬والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة ل يستصحب فيها‬
‫النسان إل من يثق به كل الثقة‪ ،‬ويعتمد عليه كل العتماد‪.‬‬
‫ب‪ -‬يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه العاصير‬
‫والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه‪ ،‬وتحبط مساعي‬
‫صاحب رسالته‪ ،‬وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت‬
‫صحبتهم‪ ،‬ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات‪،‬‬
‫ويمثل دور خلفاء النبياء الصادقين الراسخين‪ ،‬ويكشف الغطاء عن‬
‫العيون‪ ،‬وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مسلم‪ ،3/1478 :‬رقم‪.1851 :‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪.59 :‬‬
‫)( الملل والنحل للشهرستاني‪ .7/83 :‬نظام الحكم‪ ،‬محمود الخالدي‪– 327 :‬‬
‫‪.248‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ (5) .49 :‬المقدمة‪.191 :‬‬

‫‪104‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ج‪ -‬يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق للسلم‪ ،‬ومعايشته له في‬
‫حياة النبي × على اختلف أطواره وألوانه من سلم وحرب‪ ،‬وخوف‬
‫وأمن‪ ،‬ووحدة واجتماع‪ ،‬وشدة ورخاء‪.‬‬
‫د‪ -‬يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان‬
‫عليه في عهد نبيه‪ ،‬غيرة أشد من غيرة الرجال على العراض‬
‫والكرامات‪ ،‬والزواج والمهات‪ ،‬والبنين والبنات‪ ،‬ل يحوله عن ذلك‬
‫خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم‬
‫إليه‪.‬‬
‫دقيقا كل الدقة وحريصًا أشد الحرص على تنفيذ رغبات‬
‫ً‬
‫هـ‪ -‬يكون‬
‫الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته‪ ،‬ل يحيد عن ذلك قيد شعرة‪،‬‬
‫أحدا‪ ،‬ول يخاف‬
‫ً‬
‫ول يساوم فيه‬
‫لومة لئم‪.‬‬
‫و‪ -‬يمتاز بالزهد فمتاع الدنيا والتمتع به‪ ،‬زهدًا ل يتصور فوقه إل‬
‫عند إمامه وهاديه سيد النبياء عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأن ل يخطر‬
‫بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورثته‪ ،‬كما‬
‫اعتادت ذلك السر الملوكية الحاكمة)‪(1‬في أقرب الدول والحكومات‬
‫من جزيرة العرب؛ كالروم والفرس ‪.‬‬
‫وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر ‪،‬‬
‫كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول × قبل الخلفة وبعد‬
‫ينكره‪ (2‬أو‬
‫الخلفة إلى أن توفاه الله تعالى‪ ،‬بحيث ل يسع منكرا أن‬
‫مشككا يشكك في صحته‪ ،‬فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر) ‪.‬‬
‫هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة‬
‫رشحوه للناس في اليوم الثاني‪ ،‬وبايعته المة‬
‫الصديق بيعة خاصة ثم‬
‫في المسجد البيعة العامة)‪.(3‬‬
‫وقد أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أن قيادة المة ل تقام إل بالختيار‪ ،‬وأن البيعة هي أصل من أصول‬
‫الختيار وشرعية القيادة‪ ،‬وأن الخلفة ل يتولها إل الصلب دينا والكفأ‬
‫إدارة‪ ،‬فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلمية وشخصية وأخلقية‪،‬‬
‫سبية أو القبلية‪ ،‬وإن إثارة‬
‫وأن الخلفة ل تدخل ضمن مبدأ الوراثة ّ‬
‫الن َ‬
‫واقعً يجب أخذه في‬
‫ا‬
‫»قريش« في سقيفة بني ساعدة باعتباره‬
‫متعارضا مع أصول‬
‫ً‬
‫الحسبان‪ ،‬ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن‬
‫السلم‪ ،‬وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة‬
‫المن النفسي السائد بين المسلمين؛ حيث ل هرج ول مرج‪ ،‬ول تكذيب‬
‫للنصوص التي تحكمهم‬
‫ول مؤامرات ول نقض للتفاق‪ ،‬ولكن تسليم‬
‫حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية )‪.(4‬‬
‫وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض المثلة التي‬
‫صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة‪،‬‬
‫حيث قال‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المرتضى‪ ،‬سيرة أبي الحسن علي بن أبي طالب‪.66 ،65 :‬‬
‫سيرة أبي الحسن علي بن أبي طالب‪.67 :‬‬
‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪.67 ،66 :‬‬
‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة للشجاع‪.256 ،‬‬

‫‪105‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫* أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن »نظام الحكم‬
‫تطبيقا لمبدأ الشورى الذي‬
‫ً‬
‫ودستور الدولة« يقرر بالشورى الحرة‪،‬‬
‫نص عليه القرآن‪ ،‬ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع‪ ،‬وسند هذا‬
‫الجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى؛ أي أن هذا الجماع‬
‫كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في السلم وهو‬
‫الشورى الملزمة‪ ،‬وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالجماع بعد وفاة‬
‫تأييدا وتطبيقًا لنصوص‬
‫ً‬
‫رسولنا ×‪ ،‬ثم إن هذا الجماع لم يكن إل‬
‫الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى‪.‬‬
‫* تقرر يوم السقيفة أيضا أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة‬
‫السلمية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى؛ أي‪ :‬بالبيعة الحرة‬
‫التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولية بالشروط والقيود التي يتضمنها‬
‫عقد البيعة الختيارية الحرة –الدستور في النظم المعاصرة‪ -‬وكان‬
‫هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الجماع‪ ،‬وكان قرارًا إجماعيًا‬
‫كالقرار السابق‪.‬‬
‫اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر‬
‫* تطبيقا للمبدأين السابقين‪ ،‬قرر‬
‫ليكون الخليفة الول للدولة السلمية )‪.(1‬‬
‫ثم إن هذا الترشيح لم يصبح نهائيًا إل بعد أن تمت له البيعة‬
‫العامة‪ ،‬أي‪ :‬موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد‬
‫الرسول ×‪ ،‬ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي‬
‫ألقاه )‪ ،(2‬وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( فقه الشورى والستشارة‪ ،‬د‪ :‬توفيق الشاوي‪.140 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪.142 :‬‬

‫‪106‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثاني‬
‫البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية‬
‫أول‪ :‬البيعة العامة‪:‬‬
‫بعد أن تمت بيعة أبي بكر ‪ ‬البيعة الخاصة في سقيفة بني‬
‫تأييد( أبي بكر‪،‬‬
‫ساعدة‪ ،‬كان لعمر ‪ ‬في اليوم التالي موقف في‬
‫وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة)‪ 1‬العامة‪ ،‬قال‬
‫أنس بن مالك‪ :‬لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو‬
‫بكر على المنبر‪ ،‬فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى‬
‫عليه بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إني كنت قلت لكم بالمس‬
‫ي‬
‫مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله‪ ،‬ول كانت عهدًا عهده إل ّ‬
‫رسول الله ×‪ ،‬ولكني قد كنت أرى أن رسول الله × سيدبر أمرنا –‬
‫يقول‪ :‬يكون آخرنا‪ -‬وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله‬
‫رسوله ×‪ ،‬فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له‪ ،‬وإن الله‬
‫قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ×‪ ،‬وثاني اثنين إذ‬
‫هما في الغار‪ ،‬فقوموا فبايعوه‪ ،‬فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة‬
‫السقيفة‪..‬‬
‫ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬أما بعد‪ :‬أيها الناس‪ ،‬فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم‪،‬‬
‫فإن أحسنت فأعين وني‪ ،‬وإن أسأت فقوموني‪ ،‬الصدق أمانة‬
‫والكذب خيانة‪ ،‬والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه‬
‫إن شاء الله‪ ،‬والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن‬
‫شاء الله‪ .‬ل يدع قوم الجهاد في سبيل الله إل خذلهم الله بالذل‪،‬‬
‫ول تشيع الفاحشة في قوم إل عمهم الله بالبلء‪ ،‬أطيعوني ما‬
‫ورسوله فل طاعة لي‬
‫أطعت الله ورسوله‪ ،‬فإذا عصيت الله‬
‫)‪(2‬‬
‫عليكم‪ ،‬قوموا إلى صلتكم يرحمكم الله‪.‬‬
‫وقال عمر لبي بكر يومئذ‪ :‬اصعد المنبر‪ ،‬فلم يزل به حتى صعد‬
‫المنبر‪(3‬فبايعه الناس‬
‫عامة) ‪.‬‬
‫وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب السلمية على‬
‫إيجازها‪ ،‬وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل‬
‫بين الحاكم والمحكوم‪ ،‬وركز على أن طاعة ولي المر مترتبة على‬
‫طاعة الله ورسوله‪ ،‬ونص على الجهاد في سبيل الله لهميته في‬
‫اجتناب الفاحشة لهمية ذلك في حماية المجتمع‬
‫إعزاز المة‪ ،‬وعلى‬
‫من النهيار والفساد‪ (4).‬من خلل الخطبة والحداث التي تمت بعد‬
‫وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملمح نظام الحكم‬
‫في بداية عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬والتي من أهمها‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬فتحية النبراوي‪.30 :‬‬
‫البداية والنهاية‪ ،306 ،6/305 :‬إسناد صحيح‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬الحكام‪ ،‬رقم‪.7219 :‬‬
‫)‪ (2‬المقدمة‪.209 :‬‬
‫التاريخ السلمي‪.9/28 :‬‬

‫‪107‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -1‬مفهوم البيعة‪:‬‬
‫عرف العلماء البيعة بتعاريف عدة‪ ،‬منها تعريف ابن خلدون‪ :‬العهد‬
‫لولي المر‪ (1).‬وعرفها بعضهم بقوله‪ :‬البيعة على التعاقد‬
‫على الطاعة‬
‫)‪(2‬‬
‫والميثاق والمعاقدة‬
‫العهد‬
‫أخذ‬
‫‪:‬‬
‫بأنها‬
‫كذلك‬
‫وعرفت‬
‫‪،‬‬
‫السلم‬
‫على‬
‫على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة‪ ،‬وإقامة ما أقامه‪ (3).‬وكان‬
‫المسلمون إذا بايعوا المير جعلوا أيديهم في يده؛ تأكيدًا للعهد‬
‫والولء‪ ،‬فأشبه ذلك الفعل البائع والمشتري‪ ،‬فسمي هذا الفعل بيعة‬
‫)‪.(4‬‬
‫ونتعلم من مبايعة المة للصديق بأن الحاكم في الدولة السلمية‬
‫إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد‪ ،‬وبايعته المة بعد‬
‫أن توفرت فيه الشروط المعتبرة‪ ،‬فيجب على المسلمين جميعًا‬
‫مبايعته والجتماع عليه‪ ،‬ونصرته على من يخرج عليه؛ حفاظًا على‬
‫المة( وتماسك بنيانها أمام العداء في داخل الدولة السلمية‬
‫وحدة‬
‫وخارجها )‪. 5‬‬
‫قال ×‪» :‬من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية« )‪،(6‬‬
‫على تركها‪،‬‬
‫فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد‬
‫فمن مات ولم يبايع عاش على الضلل ومات على الضلل )‪.(7‬‬
‫ما فأعطاه صفقة يده وثمرة‬
‫وقال رسول الله ×‪» :‬ومن بايع إما ً‬
‫قلبه فليطعه ما استطاع‪ ،‬فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر«‬
‫)‪.(8‬‬
‫فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به نتيجة الخروج على‬
‫لنه يطلب بيعة أخرى بالبيعة‬
‫المام‪ ،‬مما يدل على حرمة هذا الفعل؛‬
‫الولى التي هي فرض على المسلمين )‪.(9‬‬
‫والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة‪ ،‬وأما في‬
‫القاليم فقد يأخذها المام وقد يأخذها نواب المام‪ ،‬كما حدث في‬
‫بيعة الصديق ‪ ،‬فبيعة أهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة‪.‬‬
‫والذي تجب بيعتهم للمام هم أهل الحل والعقد‪ ،‬وأهل الختيار‬
‫من علماء المة وقادتها‪ ،‬وأهل الشورى وأمراء المصار‪ ،‬وأما سائر‬
‫الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلء‪ ،‬ول يمنع العامة‬
‫من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد‪ (10).‬وهناك من العلماء من قال‪:‬‬
‫مهامه كخليفة‬
‫ل بد من البيعة العامة؛ لن الصديق لم يباشر‬
‫للمسلمين إل بعد البيعة العامة من المسلمين )‪.(11‬‬
‫والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تم للصديق ل تعطى إل للمام‬
‫العظم في الدولة السلمية ول تعطى لغيره من الشخاص‪ ،‬سواء‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫)( جامع الصول في أحاديث الرسول‪.1/252 :‬‬
‫)( نظام الحكم في السلم‪ ،‬عارف أبو عيد‪.248 :‬‬
‫)(‪ (6) ,‬نفس المصدر السابق‪.250 :‬‬
‫)‪ (8‬نظام الحكم في السلم‪.250 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة‪ ،‬رقم‪.1851 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪.1852 :‬‬
‫)‪ (1‬نظام الحكم في السلم‪ (2) .253 :‬المصدر السابق‪.253 :‬‬
‫)( فقه الشورى‪ :‬د‪ .‬الشاوي‪439 :‬؛ عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪.30 :‬‬

‫‪108‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الدولة السلمية أو عند فقدها؛ لما يترتب على هذه البيعة‬
‫في ظل‬
‫)‪(1‬‬
‫من أحكام‪.‬‬
‫وخلصة القول‪ :‬إن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولء‬
‫والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى‪ ،‬وأنها‬
‫في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين‪ :‬المام من جهة وهو‬
‫الطرف الول‪ ،‬والمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني‪ ،‬فالمام‬
‫يبايع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة السلمية‬
‫عقيدة وشريعة ونظام حياة‪ ،‬والمة تبايع على الخضوع والسمع‬
‫والطاعة للمام في حدود الشريعة‪.‬‬
‫فالبيعة خصيصة من خصائص نظام الحكم في السلم تفرد به‬
‫عن غيره من النظم الخرى في القديم والحديث‪ ،‬ومفهومه أن‬
‫الحاكم والمة كليهما مقيد بما جاء به السلم من الحكام الشرعية‪،‬‬
‫ول يحق لحدهما سواء كان الحاكم أو المة ممثلة بأهل الحل والعقد‬
‫الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الحكام التي تصادم الكتاب‬
‫والسنة‪ ,‬أو القواعد العامة في الشريعة‪ ،‬ويعد مثل ذلك خروج على‬
‫السلم؛ بل إعلن الحرب على النظام العام للدولة السلمية‪ ،‬بل‬
‫أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة اليمان )‪ ،(2‬قال‬
‫مو َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ما َ‬
‫جَر‬
‫ك ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ش َ‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫ن َ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫موا‬
‫ما ق َ‬
‫دوا ِ‬
‫في أن ْف ِ‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫وي ُ َ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫سل ُ‬
‫م ّ‬
‫جا ّ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫م ل يَ ِ‬
‫ت َ‬
‫س ِ‬
‫ما" ]النساء‪.[65 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫سِلي ً‬
‫فهذا مفهوم البيعة من خلل عصر أبي بكر الصديق ‪.‬‬
‫‪ -2‬مصدر التشريع في دولة الصديق‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :‬أطيعوني ما أطعت الله ورسوله‪ ،‬فإن عصيت‬
‫الله ورسوله فل طاعة لي عليكم )‪ ،(3‬فمصدر التشريع عند الصديق‪:‬‬
‫أ‪ -‬القرآن الكريم‪:‬‬
‫قال تعالى‪+ :‬إ ِّنا أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫ق ل ِت َ ْ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫حك ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ما أ ََرا َ‬
‫ما" ]النساء‪.[105 :‬‬
‫ن َ‬
‫كن ل ّل ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫خائ ِِني َ‬
‫صي ً‬
‫ك الل ُ‬
‫س بِ َ‬
‫ه َ‬
‫الّنا ِ‬
‫فهو المصدر الول الذي يشتمل على جميع الحكام الشرعية‬
‫التي تتعلق بشئون الحياة‪ ،‬كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكامًا‬
‫قاطعة لصلح كل شعبة من شعب الحياة‪ ،‬كما بين القرآن الكريم‬
‫للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم‪.‬‬
‫ب‪ -‬السنة المطهرة‪:‬‬
‫هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور السلمي أصوله‪،‬‬
‫ومن خللها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لحكام القرآن‬
‫)‪.(4‬‬
‫إن دولة الصديق خضعت للشريعة‪ ،‬وأصبحت سيادة الشريعة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪.254 :‬‬
‫)( نظام الحكم في السلم‪ (2) .153 ،152 :‬البداية والنهاية‪.6/306 :‬‬
‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم للصلبي‪ :‬ص ‪.432‬‬

‫‪109‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫السلمية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون‪ ،‬وأعطيت لنا صورة‬
‫مضيئة مشرقة على أن الدولة السلمية دولة شريعة‪ ،‬خاضعة بكل‬
‫أجهزتها لحكام)‪(1‬هذه الشريعة‪ ،‬والحاكم فيها مقيد بأحكامها ل يتقدم‬
‫ول يتأخر عنها ‪.‬‬
‫ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة‪ ،‬الشريعة فوق الجميع‬
‫يخضع لها‬
‫الحاكم والمحكوم‪ ،‬ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من المة‬
‫بطاعة الله ورسوله؛‬
‫الله × قال‪» :‬ل طاعة في المعصية‪ ،‬إنما الطاعة في‬
‫لن رسول‬
‫المعروف« )‪.(2‬‬

‫‪ -3‬حق المة في مراقبة الحاكم ومحاسبته‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :‬فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني‬
‫فهذا الصديق يقر بحق المة وأفرادها في الرقابة على أعماله‬
‫ومحاسبته عليها؛ بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه‪ ،‬وإلزامه‬
‫بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي‪ (4),‬وقد أقر الصديق‬
‫في بداية خطابه للمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة‪ ،‬وأنه‬
‫ل يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛‬
‫لن عهد الرسالت والرسل المعصومين قد انتهى‪ ،‬وأن آخر رسول‬
‫كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه‪ ،‬وقد كانت له سلطة دينية‬
‫مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من‬
‫× أصبح‬
‫السماء‪ ،‬ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته ×‪ ،‬وبعد وفاته‬
‫الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض المة له )‪.(5‬‬
‫إن المة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على‬
‫المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم‪ ،‬فالواجب على الرعية‬
‫ُنصرة المام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور‬
‫الدين والجهاد‪ ،‬ومن نصرة المام أل يهان‪ ،‬ومن معاضدته أن ُيحترم‬
‫وأن ُيكرم‪ ،‬فقوامته على المة وقيادته لها لعلء كلمة الله تستوجب‬
‫ما لشرع الله الذي ينافح عند‬
‫إجلله وإكرامه وتبجيله‪ ،‬إجللً وإكرا ً‬
‫ويدافع عنه‪ ،‬قال رسول الله ×‪» :‬إن من إجلل الله تعالى‪ :‬إكرام‬
‫القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه‪،‬‬
‫ذي الشيبة المسلم‪ ،‬وحامل‬
‫وإكرام ذي السلطان المقسط«‪ (6).‬والمة واجب عليها أن تناصح‬
‫ولة أمورها‪ ،‬قال ×‪» :‬الدين النصيحة« ‪-‬ثلثا‪ -‬قال الصحابة‪ :‬لمن يا‬
‫رسول الله؟ قال‪» :‬لله ‪-‬عز وجل‪ -‬ولكتابه ولرسوله ولئمة‬
‫المسلمين وعامتهم«‪ (7).‬ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء‬
‫المة على الستقامة رهن باستقامة ولتها‪ ،‬ولذلك كان من واجبات‬
‫الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم‪.‬‬
‫)‪(3‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪ :‬ص ‪.227‬‬
‫)‪ (1‬البخاري رقم‪.7145 :‬‬
‫)‪ (4) ,(3‬فقه الشورى والستشارة‪:‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬
‫‪.441‬‬
‫)‪ (5‬صحيح سنن أبي داود رقم‪.3504 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب )اليمان(‪ ،‬باب )أن الدين نصيحة(‪ ،‬رقم‪.55 :‬‬

‫‪110‬‬

‫‪.‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق ‪،‬‬
‫وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية‪ ،‬تمد الحاكم‬
‫بالخطط‪ ،‬وتزوده بالمعلومات‪ ،‬وتشير عليه بما يحسن أن يقرره‪.‬‬
‫والشيء المحزن أن كثيرًا من الدول السلمية تعرض عن هذا‬
‫النظام الحكيم‪ ،‬فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم‪،‬‬
‫والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إل نتيجة لتسلط‬
‫بغيض‪» ،‬ودكتاتورية« لعينة أماتت في المة روح التناصح والشجاعة‪،‬‬
‫وبذرت فيها وزرعت بها الجبن والفزع إل من رحم ربي‪ ،‬وأما المة‬
‫بأسباب‪(1‬القوة‬
‫التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته وتأخذ‬
‫والتمكين في الرض‪ ،‬فتنطلق إلى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله ) ‪.‬‬

‫‪ -4‬إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :‬الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه‬
‫إن شاء الله‪ ،‬والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله‬
‫)‪.(2‬‬
‫إن من أهداف الحكم السلمي الحرص على إقامة قواعد النظام‬
‫السلمي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم‪ ،‬ومن أهم هذه‬
‫القواعد‪ :‬الشورى والعدل‪ ،‬والمساواة والحريات‪ .‬ففي خطاب‬
‫الصديق للمة أقر هذه المبادئ‪ ،‬فالشورى تظهر في طريقة اختياره‬
‫وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع‪ ,‬بمحضر من جمهور‬
‫المسلمين‪ ،‬وأما عدالته فتظهر في نص خطابه‪ ،‬ول شك أن العدل‬
‫في فكر أبي بكر هو عدل السلم‪ ،‬الذي هو الدعامة الرئيسية في‬
‫إقامة المجتمع السلمي والحكم السلمي‪ ،‬فل وجود للسلم في‬
‫مجتمع يسوده الظلم ول يعرف العدل‪.‬‬
‫إن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولً‪ ،‬ليست من‬
‫المور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو المير وهواه؛ بل إن‬
‫تعد من أقدس الواجبات‬
‫إقامة العدل بين الناس في الدين السلمي‬
‫وأهمها‪ ،‬وقد أجمعت المة على وجوب العدل)‪ ،(3‬قال الفخر الرازي‬
‫الله‪ :-‬أجمعوا على أن من كان حاكمًا وجب عليه أن يحكم‬
‫رحمه‬‫بالعدل )‪.(4‬‬
‫وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية‪ .‬إن من‬
‫أهداف دولة السلم إقامة المجتمع السلمي الذي تسود فيه قيم‬
‫العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه‪،‬‬
‫وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه‬
‫أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها‪ ،‬دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو‬
‫مال‪ ،‬وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق‬
‫ً‬
‫صاحب الحق من الوصول إلى حقه‪.‬‬
‫لقد أوجب السلم على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون‬
‫النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الجتماعية‪ ،‬فهو يعدل بين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪(2) .249‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬
‫)(‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪ (4) .455‬تفسير الرازي‪.10/141 :‬‬

‫‪111‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المتخاصمين ويحكم بالحق‪ ،‬ول يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء‬
‫عمال أو أصحاب عمل )‪ ،(1‬قال تعالى‪َ+ :‬يا‬
‫ً‬
‫َأو أعداء‪ ،‬أغنياء أو فقراء‪،‬‬
‫ْ‬
‫مُنوا ُ‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ط‬
‫س‬
‫ق‬
‫ل‬
‫با‬
‫ء‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ش‬
‫ه‬
‫لل‬
‫ن‬
‫مي‬
‫وا‬
‫ق‬
‫نوا‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫كو ُ‬
‫ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ّ َِ َ‬
‫ذي َ‬
‫أي ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫َ َ ُ ِ‬
‫َْ ِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ق‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫لوا‬
‫د‬
‫ع‬
‫ا‬
‫لوا‬
‫د‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ل‬
‫أ‬
‫لى‬
‫ع‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫ن‬
‫نآ‬
‫ش‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ْ‬
‫ج ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ ٍ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن" ]المائدة‪.[8 :‬‬
‫لو‬
‫م‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ر‬
‫بي‬
‫خ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫قوا‬
‫ت‬
‫وا‬
‫وى‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ِلل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ ِ ّ‬
‫ْ َ‬
‫ِ ٌ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬

‫لقد كان الصديق ‪ ‬قدوة في عدله‪ ،‬يأسر القلوب ويبهر اللباب‪،‬‬
‫فالعدل في نظره دعوة عملية للسلم فيه تفتح قلوب الناس‬
‫لليمان‪ .‬لقد عدل بين الناس في العطاء‪ ،‬وطلب منهم أن يكونوا‬
‫القصاص من نفسه في واقعة تدل على‬
‫عونا له في العدل‪ ،‬وعرض‬
‫ً‬
‫العدل والخوف من الله سبحانه )‪ ،(2‬فعن عبد الله بن عمرو بن‬
‫العاص ‪ :‬أن أبي بكر الصديق ‪ ‬قام يوم جمعة فقال‪ :‬إذا كنا‬
‫بالغداة فأحضروا صدقات البل نقسمها‪ ،‬ول يدخل علينا أحد إل بإذن‪،‬‬
‫فقالت امرأة لزوجها‪ :‬خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملً‪ ،‬فأتى‬
‫الرجل فوجد أبا بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قد دخل إلى البل‬
‫فدخل معهما‪ ،‬فالتفت أبو بكر فقال‪ :‬ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه‬
‫الخطام فضربه‪ ،‬فلما فرغ أبو بكر من قسم البل دعا الرجل‬
‫فأعطاه الخطام وقال‪ :‬استقد‪ ،‬فقال عمر‪ :‬والله ل يستقد ول تجعلها‬
‫سنة‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر‪ :‬أرضه‪،‬‬
‫بكر‪(3‬غلمه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير‬
‫فأمر أبو‬
‫فأرضاه بها ) ‪.‬‬
‫وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على‬
‫المة فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها السلم‪ ،‬وهي من المبادئ‬
‫التي تساهم في بناء المجتمع المسلم‪ ،‬وسبق به تشريعات وقوانين‬
‫تأكيدا لمبدأ المساواة‬
‫ً‬
‫العصر الحاضر‪ ،‬ومما َورد في القرآن الكريم‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫َ‬
‫وُأنَثى‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫من‬
‫كم‬
‫نا‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫ق َ‬
‫قول الله تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫ّ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ٍ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫عن‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ر‬
‫ك‬
‫أ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫فوا‬
‫ر‬
‫عا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ئ‬
‫با‬
‫ق َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ّ‬
‫َ َ ْ ِ َ‬
‫ش ُ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َْناك ُ ْ‬
‫ِ َ َ َ‬
‫عوًبا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خِبيٌر" ]الحجرات‪.[13 :‬‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫ك‬
‫قا‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫أ َت ْ‬
‫ْ ِ ّ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫إن الناس جميعًا في نظر السلم سواسية؛ الحاكم والمحكوم‪،‬‬
‫الرجال والنساء‪ ،‬العرب والعجم‪ ،‬البيض والسود‪ .‬لقد ألغى السلم‬
‫النسب أو الطبقة‪،‬‬
‫الفوارق بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو‬
‫والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء‪ (4).‬وجاءت‬
‫ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك؛ حيث يقول‪:‬‬
‫»وليت عليكم ولست بخيركم‪ ،‬فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت‬
‫حتى آخذ الحق منه‪ ،‬والضعيف‬
‫فقوموني‪ .‬القوي فيكم ضعيف عندي‬
‫)‪(5‬‬
‫فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه«‪.‬‬
‫وكان ‪‬ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل ما فيه سواسية‬
‫بين الناس؛ فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ‪ ،‬كان له بيت مال‬
‫نح ْمعروف‪ ،‬ليس يحرسه أحد‪ ،‬فقيل له‪ :‬أل تجعل على بيت المال‬
‫س‬
‫بال ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.459‬‬
‫تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء‪ :‬ص ‪.410‬‬
‫المصدر السابق‪ :‬ص ‪.411‬‬
‫فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.461 ،460‬‬
‫البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬

‫‪112‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫م؟ قال‪ :‬عليه قفل! وكان‬
‫من يحرسه؟ فقال‪ :‬ل يخاف عليه‪ ،‬قيل له‪ :‬ول ِ َ‬
‫شيئا‪ ،‬فلما تحول إلى المدينة حوله معه‬
‫ً‬
‫يبقى فيه‬
‫يعطي ما فيه حتى ل ُ‬
‫فجعله في الدار التي كان فيها‪ ،‬وقدم عليه مال من معدن من معادن‬
‫سليم في خلفته‪ ،‬فقدم عليه منه‬
‫ُ‬
‫جهينة‪ ،‬فكان كثيرًا‪ ،‬وانفتح معدن بني ُ‬
‫بصدقة‪ ،‬فكان يضع ذلك في بيت المال‪ ،‬فيقسمه بين الناس سويًا‪ ،‬بين‬
‫الحر والعبد‪ ،‬والذكر والنثى‪ ،‬والصغير والكبير على السواء‪ ،‬قالت‬
‫عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فأعطى َأول عام الحر ّ عشرة والمملوك‬
‫تها عشرة‪ ،‬ثم قسم في العام‬
‫مَ‬
‫عشرة‪ ،‬وأعطى المرأة عشرة‪ ،‬وأ َ‬
‫الثاني‪ ،‬فأعطاهم عشرين عشرين‪ ،‬فجاء ناس من المسلمين فقالوا‪ :‬يا‬
‫خليفة رسول الله‪ :‬إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس‪ ،‬ومن‬
‫الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم‪ ،‬فلو فضلت أهل السوابق‬
‫والقدم والفضل‪ .‬فقال‪ :‬أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما‬
‫أعرفني بذلك‪ ،‬وإنا ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه‪ ،‬وهذا معاش‪،‬‬
‫فالسوة فيه خير من الثرة‪(1).‬فقد كان توزيع العطاء في خلفته على‬
‫التسوية بين الناس‪ ،‬وقد ناظر الفاروق عمر أبا بكر في ذلك فقال‪:‬‬
‫أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين‪ ،‬وبين من أسلم‬
‫عام الفتح؟ فقال أبو بكر‪ :‬إنما عملوا لله‪ ،‬وإنما أجورهم على الله‪،‬‬
‫وإنما الدنيا بلغ للراكب‪.‬‬
‫ورغم أن عمر ‪ ‬غير في طريقة التوزيع فجعل التفضيل‬
‫بالسابقة إلى السلم‬
‫والجهاد إل أنه في نهاية خلفته قال‪ :‬لو استقبلت من أمري ما‬
‫استدبرت لرجعت إلى‬
‫طريقة أبي بكر فسويت بين الناس )‪.(2‬‬
‫وكان يشتري البل والخيل والسلح فيحمل في سبيل الله‪،‬‬
‫عاما قطائف )القطيفة‪ :‬كساء مخمل( أتى بهما من البادية‪،‬‬
‫ً‬
‫واشترى‬
‫ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء‪ ،‬وقد بلغ المال الذي ورد‬
‫على أبي بكر في خلفته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير )‪.(3‬‬
‫لقد اتبع أبو بكر ‪ ‬المنهج الرباني في إقرار العدل‪ ،‬وتحقيق‬
‫المساواة بين الناس‪ ،‬وراعى حقوق الضعفاء‪ ،‬فرأى أن يضع نفسه‬
‫في كفة هؤلء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد‬
‫وإرادة واعية ل تستذلها عوامل القوة الرضية تحت أقدام قومه‪،‬‬
‫ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته‪ ،‬ويحفظ لها دورها في‬
‫حراسة الملة والمة)‪.(4‬‬
‫لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية؛‬
‫فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم‪ ،‬ولهذا وضع الصديق‬
‫ْ‬
‫مُر‬
‫سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ء ِذي ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ء‬
‫شا ِ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫هى َ‬
‫ْ‬
‫وال ْ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫قْرَبى َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬لطنطاوي‪ ،‬ص ‪ .188 ،187‬ابن سعد‪.3/193 :‬‬
‫)( الحكام السلطانية للماوردي‪ :‬ص ‪ (2) .201‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص‬
‫‪.258‬‬
‫ديق‪ ،‬لهيكل باشا‪ :‬ص ‪.224‬‬
‫)( أبو بكر رجل الدولة‪46 :‬‬
‫)‪ (4‬الص ّ‬

‫‪113‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ن" ]النحل‪.[90 :‬‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ي يَ ِ‬
‫م ت َذَك ُّرو َ‬
‫م لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ن المسلمون إلى دينهم وحرية الدعوة‬
‫كان أبو بكر يريد أن يطمئ َ‬
‫إليه وإنما تتم الطمأنية للمسلمين ما قام الحاكم فيهم على أساس‬
‫من العدل المجرد عن الهوى‪.‬‬
‫والحكم على هذا الساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل‬
‫اعتبار شخصي‪ ،‬وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين‪ ،‬وقد كانت‬
‫نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات‪،‬‬
‫والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف‪ ،‬وحاجة‬
‫المجتمع‪ ،‬ويسمو بعدله على كل هوى‪ ،‬وينسى في سبيل ذلك نفسه‬
‫وأبناءه وأهله‪ ،‬ثم يتبع أمور الدولة جليلها ورقيقها‪ ،‬بكل ما أتاه الله‬
‫من يقظة وحذر )‪.(1‬‬
‫وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس؛ فالضعيف آمن‬
‫على حقه‪ ،‬وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل‪ ،‬فهو به‬
‫قوي ل يمنع حقه ول يضيع‪ ،‬والقوي حين يظلم يردعه الحق‪ ،‬وينتصف‬
‫منه للمظلوم‪ ،‬فل يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو‬
‫مكانة‪ ،‬وذلك هو العز الشامخ‪ ،‬والتمكين الكامل في الرض )‪.(2‬‬
‫وما أجمل ما قاله ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ :-‬إن الله ينصر الدولة‬
‫العادلة وإن كانت‬
‫كافرة‪ ،‬ول ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة‪ ...‬بالعدل تستصلح‬
‫الرجال‪،‬‬
‫وتستغزر الموال)‪.(3‬‬

‫‪ -5‬الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪»:‬الصدق أمانة والكذب خيانة«‪ (4).‬أعلن الصديق‬
‫‪ ‬مبدأ أساسيًا تقوم عليه خطته في قيادة المة‪ ،‬وهو‪ :‬أن الصدق‬
‫بين الحاكم والمة وهو أساس التعامل‪ ،‬وهذا المبدأ السياسي‬
‫الحكيم له الثر الهام في قوة المة؛ حيث ترسيخ جسور الثقة بينها‬
‫سياسي منطلق من دعوة السلم إلى‬
‫وبين حاكمها‪ ،‬إنه خلق‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫كوُنوا‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫الصدق‪ ،‬قال تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ن" ]التوبة‪ ،[119 :‬ومن التحذير منه كقول رسول الله‬
‫صاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫َ‬
‫ع ال ّ‬
‫×‪» :‬ثلثة ل يكلمهم الله يوم القيامة ول يزكيهم ول ينظر‬
‫إليهم ولهم عذاب أليم‪ :‬شيخ زان‪ ،‬وملك كذاب‪ ،‬وعائل‬
‫مستكبر« )‪.(5‬‬
‫فهذه الكلمات‪» :‬الصدق أمانة« اكتست بالمعاني‪ ،‬فكأن لها روحًا‬
‫تروح بها وتغدو بين الناس؛ تلهب الحماس‪ ،‬وتصنع المل‪» .‬والكذب‬
‫‪1‬‬
‫)(‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.246‬‬
‫)‪ (3‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬
‫)( السياسة الشرعية‪ :‬ص ‪.10‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقم‪.172 :‬‬

‫‪114‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫خيانة«‪ ،‬وهكذا يأبى أبو بكر إل أن يمس المعاني‪ ،‬فيسمي الشياء‬
‫بأسمائها‪ ،‬فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز‬
‫المة ثم يخدعها‪ ،‬فما أتعس حاكمًا يتعاطى الكذب فيسميه بغير‬
‫اسمه‪ ،‬لقد نعته الصديق بالخيانة‪ ،‬وأنه عدو أمته الول‪ ..‬وهل بعد‬
‫الخيانة من عداوة؟ حقًا ما زال الصديق يطل على الدنيا من موقفه‬
‫هذا فيرفع أقوامًا ويسقط آخرين!!‪.‬‬
‫وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم؛ إذ هم عدة المة‬
‫ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات اليام‪ ،‬ول شك أن من‬
‫رائدا في هذا‬
‫ً‬
‫تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان‬
‫الفن الرفيع؛ فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم‪ (1).‬إن شعوب‬
‫العالم اليوم تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم‬
‫والمحكوم‪ ،‬لكي تقاوم أساليب تزوير النتخابات وتلفيق التهم‪،‬‬
‫واستخدام العلم وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون‬
‫الحكام أو ينتقدونهم‪ ،‬ول بد من إشراف المة على التزام الحكام‬
‫مؤسساتها التي تساعدها على تقويم‬
‫بالصدق والمانة من خلل‬
‫ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا )‪ ،(2‬فتمنعهم من سرقة إرادتهم‬
‫وشرفهم وحريتهم وأموالهم‪.‬‬

‫‪ -6‬إعلن التمسك بالجهاد وإعداد المة لذلك‪:‬‬
‫أبو‪(3‬بكر ‪ :‬وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إل خذلهم‬
‫قال‬
‫الله بالذل) ‪ ،‬لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه‬
‫وقائده العظيم ×‪ ،‬تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك‬
‫واليمان‪ ،‬والضلل والهدى‪ ،‬والشر والخير‪ ،‬ولقد ذكرت مواقف‬
‫الصديق في غزوات الرسول ×‪ ،‬ولقد فهم الصديق ‪ ‬من حديث‬
‫رسول الله ×‪» :‬إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم‬
‫وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذل ً ل ينزعه حتى ترجعوا إلى‬
‫بالزرع‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫الجهاد‪ ،‬فلذلك جعل‬
‫تركت‬
‫إذا‬
‫بالذل‬
‫تصاب‬
‫المة‬
‫إن‬
‫دينكم«‪.‬‬
‫الصديق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته )‪ ،(5‬ولذلك حشد‬
‫طاقات المة من أجل الجهاد؛ لكي يرفع الظلم عن المظلومين‪،‬‬
‫ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين‪ ،‬ويعيد الحرية للمحرومين‪،‬‬
‫وينطلق بدعوة الله في آفاق الرض يزيل كل عائق ضدها‪.‬‬

‫‪ -7‬إعلن الحرب على الفواحش‪:‬‬
‫)‪ (6‬قال أبو بكر ‪ :‬ول تشيع الفاحشة في قوم إل عمهم الله بالبلء‬
‫‪ ،‬والصديق هنا يذكر المة بقول النبي ×‪» :‬لم تظهر الفاحشة في‬
‫الطاعون والوجاع التي لم‬
‫قوم قط حتى ُيعلنوا بها‪ ،‬إل فشا فيهم‬
‫تكن مضت في أسلفهم الذين مضوا‪ (7) .«...‬إن الفاحشة هي داء‬
‫المجتمع العضال الذي ل دواء له‪ ،‬وهي سبيل تحلله وضعفه حيث ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪ :‬ص ‪.37 ،36‬‬
‫)‪ (1‬فقه الشورى والستشارة‪ :‬ص ‪ (2) .442‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬
‫)‪ (3‬سنن أبي داود رقم‪ ،3462 :‬صححه اللباني‪.‬‬
‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.73‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬
‫)( صحيح اللباني‪ ،2/370 :‬رقم الحديث في ابن ماجه‪.4019 :‬‬

‫‪115‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫قداسة لشيء؛ فالمجتمع الفاحش ل يغار ويقر الدنية ويرضاها‪ ،‬إنه‬
‫وحال الناس أدل شاهد‪.‬‬
‫مجتمع الضعف والعار والوجاع والسقام‬
‫لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم المة وأخلقها )‪ ،(1‬فقد حرص في‬
‫سياسته على طهر المة ونقائها‪ ،‬وبعدها عن الفواحش ما ظهر منها‬
‫وما بطن‪ ،‬وهو ‪ ‬يريد بذلك أمة قوية ل تشغلها شهواتها‪ ،‬ول يضلها‬
‫شيطانها‪ ،‬لتعيش أمة منتجة تعطي الخير‪ ،‬وتقدم الفضل لكل الناس‪.‬‬
‫إن علقة الخلق بقيام الدولة وظهور الحضارة علقة ظاهرة‪،‬‬
‫فإن فسدت الخلق وخربت الذمم ضاعت المم‪ ،‬وعمها الفساد‬
‫والدمار‪ .‬والدارس لحياة المم السابقة والحضارات السالفة بعين‬
‫البصيرة يدرك كيف قامت حضارات على الخلق الكريمة والدين‬
‫الصحيح؛ كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما‬
‫السلم‪ ،‬والتي قامت في زمن ذي القرنين‪ ،‬وكثير من المم التي‬
‫التزمت بالقيم والخلق فظلت قوية طالما حافظت عليها‪ ،‬فلما دب‬
‫سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين‪ ،‬وبدلت نعمة)‪(2‬الله كفرًا‪،‬‬
‫وأحلت قومها دار البوار‪ ،‬فنزلت قوتها‪ ،‬وتلشت حضارتها‪.‬‬
‫إن الصديق ‪ ‬استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول‬
‫والفساد‪ ،‬والنغماس في‬
‫وزوالها‪ ،‬وفهم أن زوال الدول يكون‬
‫بالترفدَنا َ‬
‫ذا أ َ‬
‫هل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ن‬
‫أن‬
‫ر‬
‫إ‬
‫و‬
‫قْري َ ً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َالفواحش والموبقات قال تعالى‪ِ َ + :‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ها َ‬
‫ُ‬
‫ها‬
‫د‬
‫ف‬
‫ل‬
‫و‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ق‬
‫َ‬
‫مْرَنا َ‬
‫قوا ِ‬
‫مت َْر ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫في َ‬
‫ّ‬
‫ح ّ‬
‫مْرَنا ُ‬
‫أ َ‬
‫ْ‬
‫ميًرا" ]السراء‪ ،[16 :‬أي‪ :‬أمرناهم بالمر الشرعي من فعل‬
‫ت َدْ ِ‬
‫العذاب‬
‫عليهم‬
‫الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا‬
‫فحق ‪+‬أ َ‬
‫)‪(3‬‬
‫مْرَنا"‬
‫قراءة‪:‬‬
‫والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم‪ .‬وفي‬
‫ّ‬
‫بالتشديد أي‪ :‬جعلناهم أمراء‪ .‬والترف وإن كان كثرة المال‬
‫حالة نفسية ترفض الستقامة على‬
‫والسلطان من أسبابه‪ ،‬إل أنه‬
‫منهج الله وليس كل ثراء ترًفا )‪.(4‬‬
‫إن سياسية الصديق في حربه للفواحش حري بحكام المسلمين‬
‫أن يقتدوا به‪ ،‬فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على‬
‫الخلق القويمة؛ لنه حينئذ سيقود شعبًا أحس طعم الدمية‪ ،‬وجرى‬
‫في عروقه دم النسانية‪ ،‬وأما إن سُلب الحاكم الذكاء وصار من‬
‫الغبياء‪ ..‬أشاع الفاحشة في قومه‪ ،‬وعمل على حمايتها بالقوة‬
‫والقانون‪ ،‬وحارب القيم والخلق الحميدة‪ ،‬ودفع بقومه إلى‬
‫مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة والقطعان الهائمة‪ ،‬ل‬
‫الخادعة‪ ،‬فيصبحوا بعد ذلك أقزامًا‪ ،‬قد‬
‫هم لها إل المتاع والزينة‬
‫)‪(5‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫الله‬
‫قول‬
‫فيهم‬
‫ويصدق‬
‫والشهامة‪.‬‬
‫ودعوا الرجولة‬
‫ة يأ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ق‬
‫ز‬
‫ر‬
‫ها‬
‫تي‬
‫ن‬
‫ئ‬
‫م‬
‫ط‬
‫م‬
‫ة‬
‫ن‬
‫م‬
‫آ‬
‫ت‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ضَر َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ب الل ُ َ‬
‫‪َ +‬‬
‫َ ِ‬
‫فَأ َ‬
‫فرت ب ْأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َر َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫س‬
‫با‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ها‬
‫ق‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫الل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ف‬
‫ن‬
‫كا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫من‬
‫دا‬
‫غ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ ْ ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ال ْ‬
‫َ‬
‫ن" ]النحل‪.[112 :‬‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ف‬
‫و‬
‫خ‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ع‬
‫جو‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫عو َ‬
‫صن َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص‬

‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.66‬‬
‫‪.252‬‬
‫)( تفسير ابن كثير‪.5/85 :‬‬
‫)( منهج كتابة التاريخ السلمي‪ ،‬محمد هامل‪ :‬ص ‪.65‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.253‬‬

‫‪116‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ألقاه الصديق للمة‪ ،‬والذي رسم فيه سياسة الدولة‪ ،‬فحدد مسئولية‬
‫الحاكم ومدى العلقة بينه وبين المحكومين‪ ،‬وغير ذلك من القواعد‬
‫المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب‪ ،‬وهكذا قامت الخلفة‬
‫تحديدا عمليًا‪ ،‬وكان حرص المة‬
‫ً‬
‫السلمية‪ ،‬وتحدد مفهوم الحكم‬
‫على منصب الخلفة واختيار الخليفة على هذه الصورة‪ ،‬ومسارعة‬
‫الناس إلى الرضا بذلك‪ ,‬دليلً على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام‬
‫الذي أنشأه النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬واجب البقاء‪ ،‬وأن النبي ×‬
‫دينا وكتابًا يسيرون على هديه؛ فرضاء‬
‫وإن مات فإنه خلف فيهم ً‬
‫يومئذ يعبر عن إرادة الستمرار في ظل النظام الذي أنشأه‬
‫الناس‬
‫النبي × )‪.(1‬‬
‫زمنً ليس بكثير‪ ،‬وعين أبو‬
‫إن حكومة الصديق ‪‬تمتع بها المسلمين ا‬
‫بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية على مستوى أنظمة‬
‫ل ّ‪(2‬أن يجد‬
‫الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن؛ فهي حكومة شورية ق‬
‫طلب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة المم منها ) ‪ ،‬قادها‬
‫التلميذ النجب والذكى والعلم والعظم إيمانا للحبيب المصطفى ×‪،‬‬
‫أبو بكر ‪.‬‬
‫وقد بّين المام مالك بأنه ل يكون أحد إمامًا أبدًا إل على هذا‬
‫الشرط )‪(3‬؛ يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه‬
‫السياسي الول‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬إدارة الشئون الداخلية‪:‬‬

‫أراد الصديق ‪ ‬أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته‪ ،‬واتخذ من‬
‫أعوانا يساعدونه على ذلك‪ ،‬فجعل أبا عبيدة بن‬
‫ً‬
‫الصحابة الكرام‬
‫الجراح أمين هذه المة )وزير المالية(‪ ،‬فأسند إليه شئون بيت المال‪،‬‬
‫وتولى عمر بن الخطاب القضاء )وزارة العدل(‪ ،‬وباشر الصديق‬
‫أيضا‪ ،‬وتولى زيد بن ثابت الكتابة )وزير البريد‬
‫ً‬
‫القضاء بنفسه‬
‫والمواصلت()‪ (4‬وأحيانًا يكتب له من يكون حاضرا من الصحابة؛‬
‫كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم‪ .‬وأطلق‬
‫المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله‪ ،‬ورأى الصحابة‬
‫تاجرا يغدو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫رجل‬
‫ضرورة تفريغ الصديق للخلفة‪ ،‬فقد كان أبو بكر ‪‬‬
‫كل يوم إلى السوق‪ ،‬فيبيع ويبتاع‪ ،‬فلما استخلف أصبح غاديًا إلى‬
‫السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها‪ ،‬فلقيه عمر وأبو عبيدة فقال‪ :‬أين‬
‫تريد يا خليفة رسول الله؟ قال‪ :‬السوق‪ .‬قال‪ :‬تصنع ماذا وقد وليت‬
‫أمور المسلمين؟ قال‪ :‬فمن أين أطعم عيالي؟ فقال‪ :‬انطلق معنا‬
‫شيئا‪ ،‬فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة‪.‬‬
‫ً‬
‫حتى نفرض لك‬
‫)‪ (5‬وجاء في »الرياض النضرة« أن رزقه الذي فرضوه له خمسون‬
‫ومائتا دينار في السنة‪ ،‬وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها‪ ،‬فلم‬
‫يكن يكفيه ذلك ول عياله‪ ،‬قالوا‪ :‬وقد كان قد ألقي كل دينار ودرهم‬
‫عنده في بيت مال المسلمين‪ ،‬فخرج إلى البقيع فتصافق »بايع«‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫دراسات في الحضارة السلمية‪ ،‬أحمد إبراهيم الشريف‪ :‬ص ‪.210 ،209‬‬
‫أشهر مشاهير السلم في الحرب والسياسة‪ :‬ص ‪.120‬‬
‫تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص ‪.92‬‬
‫في التاريخ السلمي‪ ،‬د‪ :‬شوقي أبو خليل‪ ،‬ص ‪.218‬‬
‫الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ :‬ص ‪.291‬‬

‫‪117‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فجاء عمر ‪ ‬فإذا هو بنسوة جلوس‪ ،‬فقال‪ :‬ما شأنكن؟ قلن‪ :‬نريد‬
‫السوق فأخذه‬
‫خليفة رسول الله × يقضي بيننا‪ ،‬فانطلق فوجده في‬
‫بيده فقال‪ :‬تعا َ‬
‫ل ها هنا‪ .‬فقال‪ :‬ل حاجة لي في إمارتكم)‪ ،(1‬رزقتموني‬
‫ما ل يكفيني ول عيالي‪ .‬قال‪ :‬فإنا نزيدك‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬ثلثمائة دينار‬
‫حالهما‬
‫والشاة كلها‪ .‬قال عمر‪ :‬أما هذا فل‪ ،‬فجاء علي ‪ ‬وهما على‬
‫)‪(2‬‬
‫تلك‪ ،‬قال‪ :‬أكملها له‪ ،‬قال‪ :‬ترى ذلك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬قد فعلنا‪.‬‬
‫وانطلق أبو بكر ‪ ‬فصعد المنبر‪ ،‬واجتمع إليه الناس فقال‪ :‬أيها‬
‫الناس‪ ،‬إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها‬
‫دينار والشاة‪،‬‬
‫ورأسها وأكارعها‪ ،‬وإن عمر وعليا كمل لي ثلثمائة‬
‫)‪(3‬‬
‫أفرضيتم؟ قال المهاجرون‪ :‬اللهم نعم‪ ،‬قد رضينا‪.‬‬
‫وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولية الدين وأمانة‬
‫الحكم يفرضون لمامهم رزقًا يغتني به عن التجارة‪ ،‬بعد إذ صار‬
‫عامل للمة تملك منه الوقت والجهد والفكر‪ ،‬ومن ثم يقررون معنى‬
‫ً‬
‫في السلم بديعًا يفصل الذمة المالية للمة عن ذمة الحاكم‪.‬‬
‫هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إل في عهوده القريبة‪ ،‬إذا‬
‫ظلت راية )ما لقيصر لقيصر( مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها‬
‫أزمانا طويلة‪ .‬إن أصدق تعبير تقف به على دخول الذمة المالية‬
‫ً‬
‫للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر‪ :‬أنا‬
‫الدولة والدولة أنا‪ .‬لقد كان لويس تاجر غلل معروفًا يتجر في قوت‬
‫أحد في ذلك شيئًا من العار‪،‬‬
‫جوعا‪ ،‬ثم ل يرى‬
‫ً‬
‫أمته‪ ،‬وهي تتضور‬
‫)‪(4‬‬
‫أليس هو الصل والمة فرع عنه؟‪.‬‬
‫أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن‬
‫الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون‪ ،‬ويتصرفون‬
‫كما يريدون‪ ،‬كما أصبحت لهم نفقات مستورة ل حصر لها‪ ،‬وفوق هذا‬
‫فقد تكدست لهم الموال لكثرتها وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء‬
‫الشعوب المستضعفة‪ ،‬مع أنه قد ظهر أن هذه الموال مهما بلغت‪،‬‬
‫شيئا‪ ،‬ول تغني صاحبها شيئًا‪ ،‬فإن‬
‫ً‬
‫والعقارات مهما كثرت‪ ،‬فإنها ل تكفي‬
‫ليأوي إليها‪ ،‬هذا في‬
‫تقبله‬
‫أرضا‬
‫شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد‬
‫الدنيا‪ ،‬وأما في الخرة فالمر أشد والحساب عظيم )‪.(5‬‬
‫فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار‬
‫دولة السلم بعد وفاة الرسول ×‪ ،‬فما أجمل قوله ‪ :‬لقد علم‬
‫قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر‬
‫المسلمين‪ ،‬فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين‬
‫فيه)‪.(6‬‬
‫إن الصديق يؤكد معاني بديعة‪ ،‬فولية الدين ليست في حد ذاتها‬
‫لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل‬
‫ما‪ ،‬أما ما يفرض‬
‫مغن ً‬
‫المة عن أمر نفسه )‪.(7‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)‪ (5،4،‬المصدر السابق نفسه‪ :‬ص ‪.291‬‬
‫)‪ (2‬التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪ :‬ص‬
‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.35‬‬
‫‪.11‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب البيوع‪ ،‬باب كسب الرجل وعلمه‪ ،‬رقم‪.2070 :‬‬
‫)‪ (5‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.35‬‬

‫‪118‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين‬
‫البشرية تسعى في سلم التطور وتسعى‪ ،‬ثم إذا هي‬
‫الزمن‪ ،‬حتى إن‬
‫قابعة عند أقدامهم )‪.(1‬‬
‫سار الصديق في بناء دولة السلم بجد ونشاط واهتم بالبناء‬
‫الداخلي‪ ،‬ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الذي تركه‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب‪،‬‬
‫وأعطى للقضاء اهتمامًا خاصًا‪ ،‬وتابع أمر الولة‪ ،‬وسار على المنهج‬
‫النبوي الكريم في كل خطواته‪ ،‬وإليك شيء من التفصيل عن تلك‬
‫السياسة الرشيدة‪:‬‬

‫‪ -1‬الصديق في المجتمع‪:‬‬
‫عاش الصديق ‪ ‬بين المسلمين كخليفة لرسول الله ×‪ ،‬فكان ل‬
‫يترك فرصة تمر إل عّلم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر‪،‬‬
‫فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى واليمان‬
‫والخلق‪ ،‬فمن هذه المواقف‪:‬‬
‫أ‪ -‬حلبه للغنام‪ ,‬والعجوز العمياء‪ ،‬وزيارة أم أيمن‪:‬‬
‫كان قبل الخلفة يحلب للحي فلما بويع له بالخلفة قالت جارية من‬
‫الحي‪ :‬الن ل يحلب لنا »أغنام« دارنا‪ ،‬فسمعها أبو بكر فقال‪ :‬لعمري‬
‫خُ‬
‫لق كنت عليه‪،‬‬
‫لحلبنها لكم‪ ،‬وإني لرجو أل يغيرني ما دخلت فيه عن ُ‬
‫فكان يحلب لهن‪ ،‬وكن إذا أتينه بأغنامهن يقول‪ :‬أنضح أم ألبد؟ فإن‬
‫قالت‪ :‬انضح‪ ،‬باعد الناء من الضرع حتى تشتد الرغوة‪ ،‬وإن قالت‪ :‬ألبد‪،‬‬
‫سنح ستة أشهر ثم نزل‬
‫أدناه منه حتى)‪(2‬ل تكون له رغوة‪ ،‬فمكث كذلك بال ّ‬
‫إلى المدينة ‪.‬‬
‫ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلق أبي بكر الصديق ‪ ،‬فهذا‬
‫تواضع كبير من رجل كبير؛ كبير في سنه‪ ،‬وكبير في منزلته وجاهه‪،‬‬
‫حيث كان خليفة المسلمين‪ ،‬وكان حريصًا على أن ل تغير الخلفة‬
‫شيئا من معاملته للناس‪ ،‬وإن كان ذلك سيأخذ منه وقتًا هو بحاجة‬
‫ً‬
‫رضي الله‬‫الصحابة‬
‫تقدير‬
‫مقدار‬
‫على‬
‫يدلنا‬
‫العمل‬
‫هذا‬
‫أن‬
‫كما‬
‫إليه‪.‬‬
‫عنهم‪ -‬لعمال البر والحسان‪ ،‬وإن كلفتهم الجهد والوقت )‪.(3‬‬
‫هذا أبو بكر ‪ ‬غلب بعزيمته الصادقة وثباته العجيب الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وأخضعها لدين الله‪ ،‬ثم بعث بها فقاتلت تحت ألويته‬
‫الدولتين الكبريين على وجه الرض وغلبت عليها‪ .‬أبو بكر‪ ..‬يحلب‬
‫لجواري الحي أغنامهن‪ ،‬ويقول‪ :‬أرجو أن ل يغيرني ما دخلت فيه‪،‬‬
‫وليس الذي دخل فيه بالمر الهين‪ ،‬بل هو خلفة رسول الله‪ ،‬وسيادة‬
‫العرب‪ ،‬وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الرض الجبروت‬
‫الفارسي‪ ،‬والعظمة الرومانية‪ ،‬وتنشئ مكانهما صرح العدل‪ ،‬والعلم‬
‫والحضارة‪ ،‬ثم يرجو أل يغيره هذا كله‪ ،‬ول يمنعه من حلب أغنام‬
‫الحي )‪.(4‬‬
‫إن من ثمار اليمان بالله تعالى أخلقًا حميدة‪ ،‬منها خلق التواضع‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( ابن سعد في الطبقات‪ ،3/186 :‬وله شواهد‪ ،‬فإسناده حسن لغيره‪.‬‬
‫)( التاريخ السلمي‪.19/8 :‬‬
‫)( أبو بكر الصديق ‪ ،‬طنطاوي‪.186 :‬‬

‫‪119‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الذي تجسد في شخصية الصديق في هذا الموقف وفي غيره من‬
‫المواقف‪ ،‬وكان عندما يسقط خطام ناقته ينزل ليأخذه‪ ،‬فيقال له‪ :‬لو‬
‫شيئا‪.‬‬
‫ً‬
‫أمرتنا أن نناولكه‪ ،‬فيقول‪ :‬أمرنا رسول الله × أل نسأل الناس‬
‫)‪ (1‬لقد ترك لنا الصديق مثالً ح َّيا في فهم وتطبيق خلق التواضع‬
‫جُنودَهُ َ‬
‫المستمد من قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫في‬
‫فأ َ‬
‫م ِ‬
‫فن َب َذَْنا ُ‬
‫و ُ‬
‫ه ْ‬
‫خذَْناهُ ّ َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫ن" ]القصص‪ ،[40 :‬ومن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ال‬
‫ة‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ن َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فان ْظُْر ك َي ْ َ‬
‫ِ‬
‫كا َ‬
‫عا َ‬
‫َ‬
‫ال ْي َ ّ‬
‫مال‪ ،‬وما زاد الله عبدا بعفوّ إل عّزا‪،‬‬
‫قوله ×‪» :‬ما نقصت صدقة من‬
‫وما تواضع أحد لله إل رفعه الله«‪ (2).‬ولقد دفعه هذا الخلق إلى‬
‫خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء؛ فعن أبي‬
‫عجوزا كبيرة عمياء‬
‫ً‬
‫صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد‬
‫في بعض حواشي المدينة من الليل‪ ،‬فيسقي لها‪ ،‬ويقوم بأمرها‪،‬‬
‫فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت‪ ،‬فجاءها‬
‫يسبق‪(3‬إليها فرصده عمر‪ ،‬فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها‪،‬‬
‫غير مرة كيل‬
‫)‬
‫وهو يومئذ خليفة‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك ‪ ‬قال‪ :‬قال أبو بكر ‪ ‬بعد وفاة رسول الله‬
‫× لعمر‪ :‬انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ×‬
‫يزورها‪ ،‬فلما انتهيا إليها بكت‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما يبكيك؟ ما عند الله خير‬
‫لرسوله ×‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أبكي أن ل أكون أعلم أن ما عند الله خير‬
‫لرسوله × ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء‪ ،‬فهيجتهما‬
‫على البكاء‪ ،‬فجعل يبكيان معها )‪.(4‬‬
‫دا‪:‬‬
‫ب‪ -‬نصحه لمرأة نذرت أن ل تحدث أح ً‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬ينهى عن أعمال الجاهلية‪ ،‬والبتداع في الدين‪،‬‬
‫ويدعو إلى أعمال السلم‪ ،‬والتمسك بالسنة )‪ ،(5‬فعن قيس بن أبي‬
‫حازم‪ :‬دخل أبو بكر على امرأة من أحمس)‪ ,(6‬يقال لها زينب‪ ،‬فرآها‬
‫)‪(7‬‬
‫ل تتكلم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬ما لها ل تتكلم؟ قالوا‪ :‬نوت حجة مصمتة‬
‫فقال لها‪ :‬تكلمي‪ ،‬فإن هذا ل يحل )‪ ،(8‬هذا من عمل الجاهلية‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فتكلمت‪ ،‬فقالت‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬أنا امرؤ من المهاجرين‪ .‬قالت‪ :‬أي‬
‫المهاجرين؟ قال‪ :‬من قريش‪ .‬قالت‪ :‬من أي قريش أنت؟ قال‪ :‬إنك‬
‫لسئول‪ ،‬أنا أبو بكر‪ .‬قالت‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ما بقاؤنا على هذا‬
‫المر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال‪ :‬بقاؤكم عليه ما‬
‫استقامت به أئمتكم‪ .‬قالت‪ :‬وما الئمة؟ قال‪ :‬أما كان لقومك رؤوس‬
‫وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فهم أولئك على‬
‫الناس )‪.(9‬‬
‫قال الخطابي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬كان من سنة الجاهلية الصمت‪ ،‬فكان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪.8 :‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب البر والصلة والداب رقم‪.2588 :‬‬
‫)‪ (3‬مسلم‪ ،‬فضائل الصحبة‪ ،‬رقم‪.2454 :‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬طنطاوي‪.29 :‬‬
‫)( صحيح التوثيق في سيرة حياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪.140‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ ،‬وقيل الحمس‪ :‬المتشدد على نفسه في الدين‬
‫والورع‪.‬‬
‫)‪ (7‬أي‪ :‬ترك الكلم‪.‬‬
‫)( أي‪ :‬ساكتة‪.‬‬
‫)( البخاري رقم‪.3834 :‬‬

‫‪120‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أحدهم يعتكف اليوم والليلة ويصمت‪ ،‬فنهوا عن ذلك وأمروا بالنطق‬
‫بالخير‪ ،‬وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بأن من حلف أن ل‬
‫يتكلم استحب له أن يتكلم ول كفارة عليه‪ ،‬لن أبا بكر لم يأمرها‬
‫بالكفارة‪ ،‬وقياسه أن من نذر أن ل يتكلم لم ينعقد نذره؛ لن أبا بكر‬
‫أطلق أن ذلك ل يحل‪ ،‬وأنه من فعل الجاهلية‪ ،‬وأن السلم هدم‬
‫من‬
‫ذلك‪ ،‬ول يقول مثل هذا إل عن علم‬
‫النبي ×‪ ،‬فيكون من حكم المرفوع )‪.(1‬‬
‫وقال ابن حجر‪ :‬وأما الحاديث الواردة في الصمت وفضله فل‬
‫يعارض لختلف المقاصد في ذلك؛ فالصمت المرغب فيه‪ :‬ترك‬
‫الكلم بالباطل‪ ،‬وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك‪ ،‬والصمت‬
‫الحق( لمن يستطيعه‪ ،‬وكذا المباح‬
‫المنهي عنه ترك الكلم في‬
‫المستوي الطرفين‪ ،‬والله أعلم )‪. 2‬‬
‫ج‪ -‬اهتمامه بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪:‬‬
‫كان الصديق ‪ ‬يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬ويبين للناس‬
‫ما التبس عليهم من الفهم‪ ،‬فعن قيس بن أبي حازم قال‪ :‬سمعت أبا‬
‫بكر الصديق يقول‪» :‬يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ل يضركم من‬
‫ضل إذا اهتديتم‪ ،‬إني سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إن القوم إذا‬
‫رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب«‪ .‬وفي رواية‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ ،‬إنكم تقرءون هذه الية‪ ،‬وتضعونها على غير مواضعها‪ ،‬وإنا‬
‫سمعنا النبي × يقول‪» :‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على‬
‫بعقاب«‪ (3).‬قال النووي‪ :‬وأما قوله تعالى‪:‬‬
‫يديه‪َ ،‬أوشك أن يعمهم‬
‫اللهل َيك ُم أ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م"‪ .‬فليس مخالفًا لوجوب‬
‫ك‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ع‬
‫نوا‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫نآ َ‬
‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لن المذهب الصحيح عند‬
‫المحققين في معنى الية‪ :‬أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فل ُيضركم‬
‫خَرى"‬
‫وْزَر أ ْ‬
‫زُر َ‬
‫تقصير غيركم‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫زَرةٌ ِ‬
‫ول َ ت َ ِ‬
‫وا ِ‬
‫فإذا كان كذلك فمما كلف به المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫ولم( يمتثل المخاطب فل عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه‬
‫فإذا فعله‪،‬‬
‫)‪4‬‬
‫أدى ما عليه‪.‬‬
‫وكان ‪ ‬يحث الناس على الصواب‪ ،‬فعن ميمون بن مهران أن‬
‫فقال‪(5:‬السلم عليك يا خليفة رسول الله‪،‬‬
‫رجل سلم على أبي بكر‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬من بين هؤلء أجمعين؟ ) وكان ‪ ‬يترك السنة مخافة أن‬
‫يظن من ل علم له أنها فريضة أو واجبة‪ ،‬فعن حذيفة بن أسيد ‪ ‬أنه‬
‫قال‪ :‬رأيت أبا بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬وما)‪(6‬يضحيان مخافة أن‬
‫يستن بهما‪ .‬وفي رواية‪ :‬كراهية أن يقتدى بهما‪ .‬وكان يوصي ابنه‬
‫عبد الرحمن بحسن المعاملة لجيرانه‪ ،‬فقد قال له ذات يوم وهو‬
‫يخاصم جار له‪ :‬ل تماظ جارك؛ فإن هذا يبقى ويذهب الناس‪ (7).‬وكان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فتح الباري‪.7/150 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.7/151 :‬‬
‫حديث صحيح‪ ،‬سنن أبي داود‪ ،‬رقم‪.4338 :‬‬
‫عون المعبود شرح سنن أبي داود‪.11/329 :‬‬
‫الجامع لخلق الراوي وآداب السامع للخطيب‪ 1/172 :‬رقم‪.255 :‬‬
‫إسناده صحيح‪ ،‬أخرجه الطبراني في الكبير‪ ،‬رقم‪.3057 :‬‬
‫)‪ (5‬صفة الصفوة‪.1/258 :‬‬
‫الزهد لبن المبارك‪.1/551 :‬‬

‫‪121‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بارا بوالده‪ ،‬فلما اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة من الهجرة‪،‬‬
‫ً‬
‫دخل مكة ضحوة فأتى منزله‪ ،‬وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره‬
‫معه فتيان يحوشهم‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا ابنك فنهض قائمًا‪ ،‬وعجل أبو بكر‬
‫أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمة –ليقابل أباه في بر وطاعة‪،‬‬
‫وجاء الناس يسلمون عليه‪ ،‬فقال أبو قحافة‪ :‬يا عتيق‪ ،‬هؤلء المل‬
‫قوة‪(1‬إل بالله‪،‬‬
‫ن صحبتهم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا أبة ل حول ول‬
‫فأحس ْ‬
‫)‬
‫طوقت أمرًا عظيمًا ل قدرة لي به‪ ،‬ول يدان إل بالله‪.‬‬
‫وكان يهتم بالصلة والخشوع فيها ويحرص على حسن العبادة‪،‬‬
‫وكان ل يلتفت في صلته )‪ ،(2‬وكان أهل مكة يقولون‪ :‬أخذ ابن جريج‬
‫الصلة من عطاء‪ ،‬وأخذها عطاء من ابن الزبير‪ ،‬وأخذها ابن الزبير‬
‫من أبي بكر‪ ،‬وأخذها أبو بكر من النبي × )‪(3.‬وكان عبد الرزاق يقول‪:‬‬
‫ما رأيت أحدًا أحسن صلة من ابن جريج‪ ، .‬وعن أنس ‪ ‬قال‪:‬‬
‫صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه‪ ،‬فلما انصرف‬
‫رأينا أن‬
‫قال له عمر‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ما انصرفت حتى‬
‫)‪(4‬‬
‫الشمس قد طلعت‪ ،‬قال‪ :‬لو طلعت لم تجدنا غافلين‪.‬‬
‫وكان يحث الناس على الصبر في المصائب‪ ،‬ويقول لمن مات له‬
‫أحد‪ :‬ليس مع العزاء مصيبة ول مع الجزع فائدة‪ ،‬الموت أهون مما‬
‫قد َ رسول الله تصغر مصيبتكم‪ ،‬وعظم‬
‫مما بعده‪ ،‬اذكروا فَ ْ‬
‫قبله وأشد‬
‫)‪(5‬‬
‫وعزى‪(6‬عمر ‪ ‬عن طفل أصيب به فقال‪ :‬عوضك الله‬
‫أجركم‪.‬‬
‫الله‬
‫)‬
‫والمكر‬
‫والنكث‪،‬‬
‫البغي‪،‬‬
‫الناس‬
‫يحذر‬
‫‪‬‬
‫وكان‬
‫منك‪.‬‬
‫عوضه‬
‫ما‬
‫منه‬
‫)‪(7‬‬
‫ويقول‪ :‬ثلث من كن فيه كن عليه‪ :‬البغي‪ ،‬والنكث‪ ،‬والمكر‪.‬‬
‫وكان يعظ الناس ويذكرهم بالله‪ ،‬ومن مواعظه ‪ :‬الظلمات‬
‫سُرج خمس‪ :‬حب الدنيا ظلمة والسراج له التقوى‪ ،‬والذنب‬
‫خمس وال ّ‬
‫ظلمة والسراج له التوبة‪ ،‬والقبر ظلمة والسراج له ل إله إل الله‬
‫محمد رسول الله‪ ،‬والخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح‪،‬‬
‫والصراط ظلمة والسراج لها اليقين‪ (8).‬وكان ‪ ‬من خلل منبر‬
‫الجمعة يحث على الصدق والحياء‪ ،‬ويحث على العتبار والستعداد‬
‫للقدوم على الله ويحذر من الغرور‪.‬‬
‫فعن أوسط بن إسماعيل ‪-‬رحمه الله‪ -‬قال‪ :‬سمعت أبا بكر‬
‫الصديق ‪ ‬يخطب بعد وفاة رسول الله × بسنة‪ ،‬فقال‪ :‬قام فينا‬
‫رسول الله × مقامي هذا عام أول‪ ،‬ثم بكى أبو بكر ثم قال‪) :‬وفي‬
‫رواية‪ :‬ثم ذرفت عيناه فلم يستطع من العَب َْرة أن يتكلم(‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫»أيها الناس‪ :‬اسألوا لله العافية‪ ،‬فإنه لم يعط أحد خيرًا من العافية‬
‫بعد اليقين‪ ،‬وعليكم بالصدق فإنه مع البر‪ ،‬وهما في الجنة‪ .‬وإياكم‬
‫والكذب‪ ،‬فإنه مع الفجور‪ ،‬وهما في النار‪ .‬ول تقاطعوا ول تدابروا‪ ،‬ول‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( فضائل الصحابة للمام أحمد‪ (7) .1/254 :‬نفس المصدر السابق‪.1/255 :‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ :‬ص ‪.224‬‬
‫)‪ (1‬عيون الخبار‪.70 ،3/69 :‬‬
‫)( المصدر السابق‪.3/66 :‬‬
‫)( مجمع المثال للميداني‪.2/450 :‬‬
‫)( فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬قاسم عاشور‪ :‬ص ‪.29‬‬

‫‪122‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬

‫تباغضوا‪ ،‬ول تحاسدوا‪ ،‬وكونوا عباد الله إخوانا‪.‬‬

‫وقال الزبير بن العوام ‪ :‬إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس‪ :‬يا‬
‫معشر المسلمين‪ :‬استحيوا من الله عز وجل‪ ،‬فو الذي نفسي بيده‬
‫حين‪(2‬أذهب الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من‬
‫إني لظل‬
‫ربي عز وجل ) ‪.‬‬
‫وعن عبد الله بن حكيم قال‪ :‬خطبنا أبو بكر ‪ ‬فقال‪ :‬أما بعد‪:‬‬
‫فإني أوصيكم بتقوى الله‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو له أهل‪ ،‬وأن تخلطوا‬
‫الرغبة بالرهبة‪ ،‬وتجمعوا اللحاح بالمسألة‪ ،‬فإن الله أثنى على زكريا‬
‫م َ‬
‫ت‬
‫في ال ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫ن ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫عو َ‬
‫كاُنوا ي ُ َ‬
‫وأهل بيته فقال‪+ :‬إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫سا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عون ََنا َر َ‬
‫ن" ]النبياء‪ ،[90 :‬ثم‬
‫با‬
‫ه‬
‫وكاُنوا لَنا َ‬
‫وي َدْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫وَر َ‬
‫خا ِ‬
‫ً‬
‫عي َ‬
‫َ‬
‫غًبا َ‬
‫َ‬
‫اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم‪ ،‬وأخذ على ذلك‬
‫مواثيقكم‪ ،‬فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي‪ ،‬وهذا كتاب الله‬
‫فيكم ل تفنى عجائبه‪ ،‬ول يطفأ نوره‪ ،‬فصدقوا قوله‪ ،‬وانتصحوا كتابه‪،‬‬
‫واستوضئوا منه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة‪ ،‬ووكل بكم‬
‫الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون‪ ،‬ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون‬
‫وتروحون في أجل قد ُ‬
‫غيب عنكم علمه‪ ،‬فإن استطعتم أن تنقضي‬
‫الجال وأنتم في عمل لله فافعلوا‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك إل بالله‪،‬‬
‫فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم‪ ،‬فيردكم إلى أسوأ‬
‫أعمالكم‪ ،‬فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا‬
‫مثلهم‪ ،‬فالوحا الوحا )‪ ،(3‬ثم النجا النجا‪،‬‬
‫أنفسهم‪ ،‬فأنهاكم أن تكونوا‬
‫مّره )‪ (4‬سريع‪.‬‬
‫ً‬
‫فإن وراءكم طلبا‬
‫حثيثا َ‬
‫وفي رواية أخرى‪ :‬أين من تعرفون من إخوانكم ومن أصحابكم؟!‬
‫قد وردوا على ما قدموا‪ ،‬قدموا ما قدموا في أيام سلفهم‪ ،‬وحلوا فيه‬
‫بالشقوة أو السعادة‪ .‬أين الجبارون الذين بنوا المدائن‪ ،‬وحففوها‬
‫بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والبار‪ ،‬أين الوضاءة الحسنة‬
‫وجوههم‪ ،‬المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك؟ وأين الذين كانوا يعطون‬
‫الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر‪ ،‬فأصبحوا في‬
‫ظلمات القبور‪ ،‬ل خير في قول ل يراد به وجه الله‪ ،‬ول خير في مال‬
‫ل ينفق في سبيل الله‪ ،‬ول خير فيمن يغلب جهله حلمه‪ ،‬ول خير‬
‫فيمن يخاف في الله لومة لئم‪.‬‬
‫إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا‪،‬‬
‫ول يصرفه عن سوء إل بطاعته واتباع أمره‪ ،‬وإنه ل خير بخير بعده‬
‫النار‪ ،‬ول شر بشر بعده الجنة‪ ،‬واعلموا أنكم ما أخلفتم لله ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬فربكم أطعتم‪ ،‬وحقكم حفظتم‪ ،‬وأوصيكم بالله لفقركم‬
‫تستغفروه إنه‬
‫وفاقتكم أن تتقوه‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو أهله‪ ،‬وأن‬
‫كان غفارًا‪ .‬أقول قولي هذا‪ ،‬وأستغفر الله لي ولكم )‪.(5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الصديق‪ :‬ص ‪.179‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.182‬‬
‫)( الوحا الوحا‪ :‬السرعة السرعة‪ ،‬يقال‪ :‬توحيت أي‪ :‬أسرعت‪.‬‬
‫)( مره‪ :‬مروره‪.‬‬
‫)( إسناده حسن لغيره‪ ،‬مصنف ابن أبي شيبة‪7/144 :‬؛ صحيح التوثيق وحياة‬
‫الصديق‪ :‬ص ‪.181‬‬

‫‪123‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيعظ المسلمين‪ ،‬ويحثهم‬
‫على الخير‪ ،‬ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬فهذا غيض من‬
‫فيض‪ ،‬وقليل من كثير‪.‬‬

‫‪ -2‬القضاء في عهد الصديق‪:‬‬
‫يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته‬
‫بصلته بالعهد النبوي وقربه منه‪ ،‬فكان العهد الراشدي عامة‪ ،‬والجانب‬
‫القضائي خاصة‪ ،‬امتدادًا للقضاء في العهد النبوي‪ ،‬مع المحافظة‬
‫الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي‪ ،‬وتطبيقه‬
‫بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه‪.‬‬
‫وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين‪:‬‬
‫‪ -1‬المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء‪ ،‬والتقيد بما‬
‫جاء فيه‪ ،‬والسير في ركابه‪ ،‬والستمرار في اللتزام به‪.‬‬
‫دعائم الدولة‬
‫‪ -2‬وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ‬
‫السلمية الواسعة‪ ،‬ومواجهة المستجدات المتنوعة )‪.(1‬‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء‪ ،‬ولم تفصل‬
‫ولية القضاء عن الولية العامة في عهده‪ ،‬ولم يكن للقضاء ولية‬
‫خاصة مستقلة‪ ،‬كما كان المر في عهد رسول الله ×؛ إذ كان الناس‬
‫على مقربة من النبوة‪ ،‬يأخذون أنفسهم بهدى السلم‪ ،‬وتقوم حياتهم‬
‫على شريعته‪ ،‬وقلما توجد بينهم خصومة تذكر؛ ففي المدينة عهد أبو‬
‫بكر إلى عمر بالقضاء‪ ،‬ليستعين به في بعض القضية ولكن هذا لم‬
‫يعط لعمر صفة الستقلل بالقضاء‪ (2).‬وأقر أبو بكر ‪ ‬معظم القضاة‬
‫الله × واستمروا على ممارسة القضاء‬
‫والولة الذين عينهم رسول‬
‫والولية أو أحدهما في عهده )‪ ،(3‬وسوف نأتي على ذكر الولة‬
‫وأعمالهم بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما مصادر القضاء في عهد الصديق ‪ ‬هي‪:‬‬
‫‪ -1‬القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -2‬السنة النبوية‪ ،‬ويندرج فيها قضاء رسول الله ×‪.‬‬
‫‪ -3‬الجماع‪ ،‬باستشارة أهل العلم والفتوى‪.‬‬
‫والرأي‪ ،‬وذلك عند عدم وجود ما يحكم به من كتاب أو سنة‬
‫الجتهاد‬
‫‪-4‬‬
‫أو إجماع)‪.(4‬‬
‫فكان أبو بكر ‪ ‬إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى‪،‬‬
‫فإن وجد فيه ما يقضي به قضى‪ ،‬فإن لم يجد في كتاب الله نظر في‬
‫سنة رسول الله ×‪ ،‬فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به‪ ،‬فإن أعياه‬
‫ذلك سأل الناس‪ ،‬هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء‪ ،‬فربما‬
‫قام إليه القوم فيقولون‪ :‬قضى فيه بكذا أو بكذا‪ ،‬فيأخذ بقضاء‬
‫رسول الله ×‪ ،‬يقول عندئذ‪ :‬الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ القضاء في السلم للزحيلي‪ :‬ص ‪.84 ،83‬‬
‫وقائع ندوة النظم السلمية‪ ،‬أبو ظبي‪.1/366 :‬‬
‫تاريخ القضاء في السلم‪ :‬ص ‪.134‬‬
‫وقائع ندوة النظم السلمية‪.1/390 :‬‬

‫‪124‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المسلمين وعلماءهم فاستشارهم‪،‬‬
‫نبينا‪ .‬وإن أعياه ذلك دعا رؤوس‬
‫)‪(1‬‬
‫فإذا اجتمع رأيهم على المر قضى به‪.‬‬
‫ويظهر أن الصديق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل‬
‫الشورى على أمر؛ إذ ل يجوز للمام مخالفتهم‪ .‬وهذا ما حكى عنه‬
‫في القضاء‪ ،‬فإنه كان إذا اجتمع رأى المستشارين على المر‬
‫أرسل إليه خالد‬
‫قضى به وهذا ما أمر به عمرو بن العاص عندما‬
‫ا بن الوليد مددً ا حيث قال له‪ :‬شاورهم ول تخالفهم‪ (2).‬وكان ‪‬‬
‫يتثبت في قبول الخبار‪ ،‬فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت‬
‫إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال‪ :‬ما أجد لك في كتاب الله‬
‫شيئ ا‪ ،‬ثم سأل‬
‫ً‬
‫شيئ ا‪ ،‬وما علمت أن رسول الله × ذكر لك‬
‫ً‬
‫تعالى‬
‫الناس فقام المغيرة فقال‪ :‬حضرت رسول الله × يعطيها‬
‫هل( معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل‬
‫السدس‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫ذلك‪ ،‬فأنفذه لها أبو بكر ‪ 3).‬كان يرى أن القاضي ل يحكم‬
‫بعلمه الشخصي‪ ،‬إل إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم‪ ،‬فقد‬
‫على‪(4‬حد‪ ،‬لم أعاقبه‬
‫روى عن أبي بكر ‪ ‬أنه قال‪ :‬لو رأيت رجلً‬
‫)‬
‫حتى تقوم البينة عليه‪ ،‬أو يكون معي شاهد آخر‪.‬‬
‫وهذه بعض القضية التي صدرت في عهد أبي بكر ‪:‬‬
‫أ‪ -‬قضية قصاص‪:‬‬
‫قال علي بن ماجدة السهمي‪ :‬قاتلت رجلً‪ ،‬فقطعت بعض أذنه‪،‬‬
‫جا‪ ،‬فرفع شأننا إليه‪ ،‬فقال لعمر‪ :‬انظر هل بلغ أن‬
‫فقدم أبو بكر حا ّ‬
‫جام‪ ،‬فلما ذكر الحجام‪ ،‬قال أبو بكر‪:‬‬
‫بالح‬
‫ي‬
‫عل‬
‫نعم‪،‬‬
‫يتقص منه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن‬
‫أرجو‬
‫ما‪،‬‬
‫غل‬
‫لخالتي‬
‫وهبت‬
‫»إني‬
‫يقول‪:‬‬
‫×‬
‫الله‬
‫سمعت رسول‬
‫ً‬
‫ما‪ ،‬أو قصاًبا‪ ،‬أو صانًعا« )‪.(5‬‬
‫حجا‬
‫تجعله‬
‫أن‬
‫نهيتها‬
‫وإني‬
‫يبارك لها فيه‪،‬‬
‫ً‬

‫‪ -2‬نفقة الوالد على الولد‪:‬‬

‫‪ ‬فقال له رجل‪:‬‬
‫عن قيس بن حازم قال‪ :‬حضرت أبا بكر الصديق ‪،‬‬
‫يا خليفة رسول الله‪ ،‬هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫‪:‬إنما لك من ماله ما يكفيك‪ ،‬فقال‪ :‬يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬أليس‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬أنت ومالك لبيك؟« فقال أبو بكر ‪ :‬ارض بما‬
‫به‪ .‬ورواه غيره عن المنذر بن زياد‪ ،‬وقال فيه‪ :‬إنما يعني بذلك‬
‫رضي الله‬
‫النفقة )‪.(6‬‬

‫‪ -3‬الدفاع المشروع‪:‬‬
‫عن أبي مليكة عن جده أن رجلً عض يد رجل فأندر ثنيته )قلع‬
‫سنه(‪ ،‬فأهدرها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( موسوعة فقه أبي بكر الصديق‪ ،‬قلعجي‪ :‬ص ‪.155‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.156‬‬
‫)( تذكرة الحفاظ للذهبي‪.1/2 :‬‬
‫)( تراث الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬صبحي محمصاني‪ :‬ص ‪.186‬‬
‫)( أخبار القضاة لوكيع‪ ،2/102 :‬نقل عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ :‬ص ‪.136‬‬
‫)( السنن الكبرى‪ ،7/481 :‬نقل عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ ،136 :‬ضعيف جدا بل‬
‫قد تكون موضوعة‪ ،‬اللباني إرواء‪.3/329 :‬‬

‫‪125‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أبو بكر )‪.(1‬‬

‫‪ -4‬الحكم بالجلد‪:‬‬
‫روى المام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته‪ :‬أن أبا‬
‫بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها‪ ،‬ثم اعترف‬
‫بالزنا‪ ،‬ولم يكن أحصن‪ ،‬فأمر به أبو بكر فجلد الحد‪ ،‬ثم‬
‫على نفسه‬
‫)‪(2‬‬
‫نفى إلى فدك‪.‬‬
‫الجارية ولم ينفها لنها استكرهت‪ ،‬ثم‬
‫وفي رواية‪ :‬بأنه لم يجلد‬
‫زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها )‪.(3‬‬

‫‪ -5‬الحضانة للم ما لم تتزوج‪:‬‬
‫بن الخطاب امرأته النصارية ‪-‬أم ابنه عاصم‪ -‬فلقيها‬
‫طلق عمر‬
‫سر)‪ ،(4‬ولقيه قد ُفطم ومشي‪ ،‬فأخذ بيديه لينتزعه منها‪،‬‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫تحمله ب ِ ُ‬
‫ونازعها إياه حتى أوجع الغلم وبكى‪ ،‬وقال‪ :‬أنا أحق بابني منك‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ريحها وحجرها وفرشها‬
‫فاختصما إلى أبي بكر‪ ،‬فقضى لها به‪،‬‬
‫)‪(5‬‬
‫أعطف‬
‫هي‬
‫رواية‪:‬‬
‫وفي‬
‫‪،‬‬
‫لنفسه‬
‫خير له منك حتى يشب ويختار‬
‫وألطف وأرحم وأحن وأرأف‪ ،‬وهي أحق بولدها ما لم تتزوج)‪.(6‬‬
‫هذه بعض القضية والحكام التي حدثت في عهد الصديق ‪،‬‬
‫هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها‪:‬‬
‫امتدادا لصورة القضاء في‬
‫ً‬
‫‪ -1‬كان القضاء في عهد الصديق‬
‫العهد النبوي؛ باللتزام به‪ ،‬والتأسي بمنهجه‪ ،‬وانتشار التربية الدينية‪،‬‬
‫والرتباط باليمان والعقيدة والعتماد على الوازع الديني‪ ،‬والبساطة‬
‫في سير الدعوى واختصار الجراءات القضائية‪ ،‬وقلة الدعاوى‬
‫والخصومات‪.‬‬
‫‪ -2‬أصبحت الحكام القضائية في عصر الصديق موئل‬
‫الباحثين‪ ،‬ومحط النظار للفقهاء‪ ،‬وصارت الحكام القضائية مصدرًا‬
‫للحكام الشرعية‪ ،‬والجتهادات القضائية‪ ،‬والراء الفقهية في مختلف‬
‫العصور‪.‬‬
‫‪ -3‬مارس الصديق وبعض ولته النظر في المنازعات‪ ،‬وتولى‬
‫القضاء بجانب الولية‪.‬‬
‫‪ -4‬ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء‬
‫في العهد الراشدي‪ ،‬وصارت مصادر الحكام القضائية هي‪ :‬القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬والسنة الشريفة‪ ،‬والجماع‪ ،‬والقياس‪ ،‬والسوابق القضائية‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ القضاء للزحيلي‪.137 :‬‬
‫الموطأ‪ ،‬كتاب الحدود‪ ،‬رقم‪.848 :‬‬
‫مصنف عبد الرزاق‪ ،‬رقم‪.12796 :‬‬
‫محسر‪ :‬موضع بين مكة وعرفة‪ ،‬معجم البلدان‪.5/62 :‬‬
‫مصنف عبد الرزاق‪ ،7/54 :‬رقم‪.12601 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪ ،7/54 :‬رقم‪.12600 :‬‬

‫‪126‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫والرأي الجتهادي مع المشورة )‪.(1‬‬
‫هـ‪ -‬كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف‪،‬ونصرة‬
‫المظلوم‪ ،‬والمساواة بين الخصوم‪ ,‬وإقامة الحق والشرع على جميع‬
‫الناس‪ ،‬ولو كان الحكم على الخليفة أو المير أو الوالي‪ ،‬وكان‬
‫القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الحكام‪ ،‬إن لم ينفذها)‪(2‬الطراف‬
‫عا واختياًرا‪ ،‬وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوًرا ‪.‬‬
‫طو ً‬

‫‪ -3‬الولية على البلدان‪:‬‬
‫كان أبو بكر يستعمل الولة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم‬
‫بالولية العامة في الدارة والحكم والمامة‪ ،‬وجباية الصدقات‪ ،‬وسائر‬
‫أنواع الوليات‪ ،‬وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للمراء والولة‬
‫على البلدان‪ ،‬فيقتدي به في هذا العمل‪ ،‬ولهذا نجده قد‬
‫أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على وليتهم‪،‬‬
‫ولم يعزل أحدًا‬
‫منهم إل ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الول‪ ,‬ويرضاه‪،‬‬
‫كما حدث‬
‫)‪(3‬‬
‫لعمرو بن العاص‪.‬‬
‫وكانت مسئوليات الولة في عهد أبي بكر الصديق ‪ ‬بالدرجة‬
‫الولى امتدادًا لصلحياتهم في عصر الرسول ×‪ ،‬خصوصًا الولة‬
‫الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ×‪ ،‬ويمكن تلخيص أهم مسئوليات‬
‫الولة في عصر أبي بكر وهي‪:‬‬
‫أ‪ -‬إقامة الصلة وإمامة الناس‪ ،‬وهي المهمة الرئيسية لدى الولة‬
‫نظرا لما تحمله من معان دينية ودنيوية‪ ,‬سياسية واجتماعية‪ ،‬حيث‬
‫ً‬
‫الولة يأمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلة الجمعة‪ ،‬والمراء‬
‫دائما كانت توكل إليهم الصلة سواء كانوا أمراء على البلدان أم‬
‫ً‬
‫أمراء على الجناد‪.‬‬
‫ب‪ -‬الجهاد كان يقوم به أمراء الجناد في بلد الفتوح‪ ،‬فكانوا‬
‫يتولون أموره وما فيه من مهام مختلفة بأنفسهم‪ ،‬أو ينيبون غيرهم‬
‫في بعض المهام‪ ،‬كتقسيم الغنائم أو المحافظة على السرى‪ ،‬أو غير‬
‫ذلك‪ ،‬وكذلك ما يتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة العداء‬
‫وعقود المصالحة معهم وغيرها‪ ،‬ويتساوى في المهمات الجهادية‬
‫أمراء الجناد في الشام والعراق‪ ،‬وكذلك المراء في البلد التي‬
‫حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين ونجد‪ ،‬نظًرا لوجود تشابه في‬
‫العمليات الجهادية مع اختلف السباب الموجهة لهذه العمليات‪.‬‬
‫جـ‪ -‬إدارة شئون البلد المفتوحة‪ ،‬وتعيين القضاة والعمال عليها‬
‫من قبل المراء أنفسهم‪ ،‬وبإقرار من الخليفة أبي بكر‪ ،‬أو تعيين من‬
‫أبي بكر ‪ ‬عن طريق هؤلء العمال)‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ القضاء في السلم‪ :‬ص ‪.158 ،157‬‬
‫نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.160‬‬
‫الولية على البلدان‪ ،‬عبد العزيز إبراهيم العمري‪.1/55 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.1/59 :‬‬

‫‪127‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫د‪ -‬أخذ البيعة للخليفة‪ ،‬فقد قام الولة في اليمن وفي مكة‬
‫والطائف وغيرها بأخذ البيعة لبي بكر ‪ ‬من أهل البلد التي كانوا‬
‫يتولون عليها‪.‬‬
‫هـ‪ -‬كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولة أو إلى من يساعدهم‬
‫ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لخذ الزكاة من الغنياء وتوزيعها على‬
‫الفقراء‪ ،‬أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها‬
‫الشرعي‪ ،‬وهي امتداد لما قام به ولة الرسول × في هذا الخصوص‪.‬‬
‫و‪ -‬تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ×؛ حيث قام والي‬
‫الذي كان بين أهلها وبين الرسول × بناء على‬
‫نجران بتجديد العهد‬
‫طلب نصارى نجران )‪.(1‬‬
‫ز‪ -‬كانت من أهم مسئوليات الولة إقامة الحدود‪ ،‬وتأمين البلد‪،‬‬
‫هم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي‪ ،‬كما فعل المهاجر‬
‫بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم‬
‫الرسول ×‪ ،‬وفرحتا بوفاته‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في‬
‫جهاد الصديق‬
‫لهل الردة‪.‬‬
‫ح‪ -‬كان للولة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر‬
‫السلم في البلد التي يتولون عليها‪ ،‬وكان الكثير من هؤلء الولة‬
‫يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والحكام‪ ،‬وذلك عمل ً‬
‫بسنة الرسول ×‪ ،‬وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في‬
‫نظر الرسول × وخليفته أبي بكر‪ ،‬وقد اشتهر عن ولة أبي بكر ذلك‪،‬‬
‫حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على‬
‫حضرموت‪(2‬فيقول‪ :‬فلما أصبح زياد غدا يقرئ الناس كما كان يفعل‬
‫قبل ذلك ) ‪.‬‬
‫وبهذا التعليم كان للولة دور كبير في نشر السلم في ربوع‬
‫البلد التي يتولونها‪ ،‬وبهذا التعليم تثبت أقدام السلم سواء في البلد‬
‫المفتوحة الحديثة العهد بالسلم أو في البلد التي كانت مسلمة‬
‫وارتدت‪ ،‬وهي حديثة عهد بالردة‪ ،‬جاهلة بأحكام دينها‪ ،‬إضافة إلى‬
‫البلد المستقرة كمكة والطائف والمدينة‪ ،‬كان بها من يقرئ الناس‬
‫أو‪(3‬الخليفة نفسه‪ ،‬أو من يعينه الخليفة على التعليم‬
‫بأمر من الولة‬
‫في هذه البلدان ) ‪.‬‬
‫وقد كان الوالي هو المسئول مسئولية مباشرة عن إدارة القليم‬
‫الذي يتوله‪ ،‬وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف‬
‫أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله‪ ،‬ومن‬
‫ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول × على كندة‪ ،‬ثم أقره‬
‫أبو بكر بعد وفاة الرسول ×‪ ،‬ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة‬
‫نظرا لمرضه‪ ,‬فأرسل إلى »زياد بن لبيد« ليقوم عنه بعمله‬
‫ً‬
‫وتأخر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (1‬تاريخ الطبري‪.3/165 :‬‬
‫)( الولية على البلدان‪.1/60 :‬‬
‫)( نفس المصدر‪.1/61 :‬‬

‫‪128‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫حتى شفائه وقدومه‪ ،‬وقد أقر أبو بكر ذلك )‪ ،(1‬كذلك كان خالد أثناء‬
‫وليته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته‪.‬‬
‫وكان أبو بكر ‪ ‬يشاور الكثير من الصحابة قبل اختيار أحد من‬
‫المراء سواء على الجند أو على البلدان‪ ،‬ونجد في مقدمة‬
‫بكر في هذا المر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي‬
‫مستشاري أبي‬
‫طالب وغيرهما )‪ ،(2‬كما كان أبو بكر ‪ ‬يشاور الشخص الذي يريد‬
‫توليته قبل أن يعينه‪ ،‬وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص‬
‫من ولية إلى أخرى‪ ،‬كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص‬
‫من وليته التي وله عليها الرسول × إلى ولية جند فلسطين‪ ،‬فلم‬
‫يصدر أبو بكر قراره إل بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك‬
‫بكر( بين‬
‫)‪ ،(3‬كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أبي أمية الذي خيرة أبو‬
‫)‪4‬‬
‫اليمن أو حضرموت‪ ،‬فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها ‪.‬‬
‫ومن المور التي سار عليها أبو بكر ‪ ‬أنه كان يعمل بسنة النبي‬
‫× في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء‪،‬‬
‫كالطائف وبعض القبائل‪ ،‬وكان أبو بكر ‪ ‬عندما يريد أن يعين‬
‫شخصا على ولية يكتب للشخص المعين عهدًا له على المنطقة التي‬
‫ً‬
‫وله عليها‪ ،‬كما أنه في كثير من الحيان قد يحدد له طريقه إلى‬
‫خصوصا إذا كان التعيين مختصًا‬
‫ً‬
‫وليته وما يمر عليه من أماكن‪،‬‬
‫بمنطقة لم تفتح بعد‪ ،‬ولم تدخل ضمن سلطات الدولة‪ ،‬ويتضح ذلك‬
‫في حروب الردة‪ ،‬وفتوح الشام والعراق‪ ،‬وقام الصديق أحيانًا بضم‬
‫بعض الوليات إلى بعض‪ ،‬خصوصًا بعد النتهاء من قتال المرتدين؛‬
‫وكان واليًا على‬
‫فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد ابن لبيد البياضي‪،‬‬
‫حضرموت واستمر بعد ذلك واليًا لحضرموت وكندة )‪.(5‬‬
‫وكانت معاملة أبي بكر للولة تتسم بالحترام المتبادل الذي لم‬
‫تشبه شائبة‪ ،‬وأما عن التصالت بين الولية وبين الخليفة أبي بكر‬
‫‪ ،‬فقد كانت تجري بصفة دائمة‪ ،‬وكانت هذه التصالت تختص‬
‫بمصالح الولية ومهام العمل‪ ،‬فقد كان الولة كثيرًا ما يكتبون لبي‬
‫بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه‪ ،‬وكان أبو بكر يكتب لهم الجابة‬
‫عن استفساراتهم‪ ،‬أو يوجه لهم أوامره‪ ،‬وكانت الرسل تأتي بالخبار‬
‫من الولة‪ ,‬سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جهات حروب‬
‫المرتدين‪ .‬كذلك كان الولة يبعثون بأخبار ولياتهم من تلقاء أنفسهم‬
‫)‪ ،(6‬وكان الولة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسل أو عن طريق‬
‫التصال المباشر واللقاءات‪ ،‬وتتمثل هذه اللقاءات والتصالت‬
‫بالدرجة الولى بين ولة اليمن وحضرموت بعضهم مع بعض‪ ،‬وكذلك‬
‫الحال بالنسبة لولة الشام‪ ،‬الذين كانوا كثيرًا ما يجتمعون لتدارس‬
‫أمورهم العسكرية بالدرجة الولى‪ ،‬وكانت كثير من مراسلت أبي‬
‫بكر ‪ ‬تختص بحث الولة على الزهد في الدنيا وطلب الخرة‪،‬‬
‫عامة رسمية من‬
‫وكانت بعض هذه النصائح تصدر على شكل كتب‬
‫)‪(7‬‬
‫الخليفة نفسه إلى مختلف الولة وأمراء الجناد‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪5‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)‪ (2،3،4،‬الولية على البلدان‪.1/55 :‬‬
‫)( المصدر السابق‪.1/56 :‬‬
‫)‪ (2 ،‬الولية على البلدان‪.1/57 :‬‬

‫‪129‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫هذا وقد قسمت الدولة السلمية في عهد أبي بكر إلى عدة‬
‫وليات‪ ،‬وهذه أسماء الوليات والولة‪:‬‬
‫أ‪ -‬المدينة‪ :‬عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر ‪.‬‬
‫مكة‪ :‬وأميرها عتاب بن أسيد وهو الذي وله الرسول × واستمر‬
‫ب‪-‬‬
‫مدة حكم أبي بكر‪.‬‬
‫جـ‪ -‬الطائف‪ :‬وأميرها عثمان بن أبي العاص الثقفي‪ ،‬وله رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وأقره أبو بكر عليها‪.‬‬
‫صنعاء‪ :‬وأميرها المهاجر بن أبي أمية‪ ،‬وهو الذي فتحها ووليها بعد‬
‫د‪-‬‬
‫انتهاء أمر الردة‪.‬‬
‫هـ‪ -‬حضرموت‪ :‬وليها زياد بن لبيد‪.‬‬
‫و‪ -‬زبيد ورقع‪ :‬ووليها أبو موسى الشعري‪.‬‬
‫ز‪ -‬خولن‪ :‬ووليها يعلى بن أبي أمية‪.‬‬
‫ح‪ -‬الجند‪ :‬وأميرها معاذ بن جبل‪.‬‬
‫ط‪ -‬نجران‪ :‬ووليها جرير بن عبد الله البجلي‪.‬‬
‫ي‪ -‬جرش‪ :‬ووليها عبد الله بن ثور‪.‬‬
‫ك‪ -‬البحرين‪ :‬ووليها العلء بن الحضرمي‪.‬‬
‫ل‪ -‬العراق والشام‪ :‬كان أمراء الجند هم ولة المر فيها‪.‬‬
‫م‪ -‬عمان‪ :‬ووليها حذيفة بن محصن‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ن‪ -‬اليمامة‪ :‬ووليها سليط بن قيس ‪.‬‬
‫‪ -4‬موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلفة‬
‫الصديق‪:‬‬
‫وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬وكذا تأخر الزبير بن العوام‪ ،‬وجل هذه الخبار ليس‬
‫بصحيح إل ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬إن عليًا والزبير‬
‫ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ×)‪ ،(2‬فقد‬
‫كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب‬
‫واضحا فيما‬
‫ً‬
‫بأمر جهاز رسول الله × من تغسيل وتكفين‪ ،‬ويبدو ذلك‬
‫رواه الصحابي سالم بن عبيد ‪ ‬من أن أبا بكر قال لهل بيت النبي‪،‬‬
‫وعلى رأسهم علي‪ :‬عندكم صاحبكم‪ ،‬فأمرهم يغسلونه )‪.(3‬‬
‫وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول × وهو يوم الثلثاء‪ .‬قال أبو‬
‫سعيد الخدري‪ :‬لما صعد أبو بكر المنبر‪ ،‬نظر في وجوه القوم‪ ،‬فلم‬
‫ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬يا ابن عمة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( الدول العربية السلمية‪ ،‬منصور الحرابي‪ :‬ص ‪.97 ،96‬‬
‫)( صحيح التوثيق في سيرة الصديق‪ :‬ص ‪.98‬‬
‫)( صحيح التوثيق في سيرة الصديق‪ :‬ص ‪.98‬‬

‫‪130‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫رسول الله ×‪ ،‬وحواريه‪ ،‬أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال‬
‫الزبير‪ :‬ل تثريب عليك يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فقام الزبير‪ ،‬فبايع أبا‬
‫بكر‪ ،‬ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم‪ ،‬فلم ير علي بن أبي طالب‬
‫فدعا بعلي‪ ،‬فجاء‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬يا ابن عم رسول الله ×‪ ،‬وختنه‬
‫على ابنته‪ ،‬أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي‪ :‬ل تثريب‬
‫عليك يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فقام علي‪ ،‬فبايع أبا بكر )‪.(1‬‬
‫ومما يدل على أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن‬
‫المام »مسلم بن الحجاج« صاحب »الجامع الصحيح« الذي هو أصح‬
‫الكتب الحديثية بعد » صحيح البخاري « ذهب إلى شيخه المام‬
‫الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب صحيح ابن خزيمة‬
‫فسأله عن هذا الحديث‪ ،‬فكتب له ابن خزيمة الحديث‪ ،‬وقرأه عليه‪،‬‬
‫فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة‪:‬‬
‫هذا الحديث يساوي بدنة‪ ،‬فقال ابن خزيمة‪ :‬هذا الحديث ل يساوي‬
‫بدنة )‪ (2‬فقط‪،‬‬
‫)‪(3‬‬
‫إنه يساوي بدرة مال‪.‬‬
‫وعلق على هذا الحديث ابن كثير ‪-‬رحمه الله‪ -‬فقال‪ :‬هذا إسناد‬
‫صحيح محفوظ‪ ،‬وفيه فائدة جلية‪ ،‬وهي مبايعة علي بن أبي طالب‬
‫إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة‪ ،‬وهذا حق‪ ،‬فإن علي‬
‫الصديق في وقت من الوقات‪ ،‬ولم ينقطع‬
‫بن أبي طالب لم يفارق‬
‫في صلة من الصلوات خلفه )‪ ،(4‬وفي رواية حبيب بن أبي ثابت‪،‬‬
‫حيث قال‪ :‬كان علي بن أبي طالب في بيته‪ ،‬فأتاه رجل‪ ،‬فقال له‪ :‬قد‬
‫جلس أبو بكر للبيعة‪ ،‬فخرج علي إلى المسجد في قميص له‪ ،‬ما‬
‫فبايع‪(5‬أبا‬
‫عليه إزار ول رداء وهو متعجل‪ ،‬كراهة أن يبطئ عن البيعة‪،‬‬
‫بكر ثم جلس‪ ،‬وبعث في ردائه‪ ،‬فجاءوه به فلبسه فوق قميصه ) ‪،‬‬
‫وقد سأل عمرو بن حريث سعيد ابن زيد ‪ ،‬فقال له‪ :‬أَ َ‬
‫ت وفاة‬
‫شهِد ْ َ‬
‫رسول الله ×؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال له‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد‪:‬‬
‫يوم مات رسول الله ×‪ ،‬كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم‪ ،‬وليسوا‬
‫في جماعة‪ .‬قال‪ :‬هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ ،‬لم يخالفه إل‬
‫مرتد أو كاد أن يرتد‪ ،‬وقد أنقذ الله النصار‪ ،‬فجمعهم عليه وبايعوه‪.‬‬
‫المهاجرين عن بيعته؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لقد تتابع‬
‫قال‪ :‬هل قعد أحد من‬
‫المهاجرون على بيعته!! )‪.(6‬‬
‫وأما علي ‪ ‬فلم يفارق الصديق في وقت من الوقات‪ ،‬ولم‬
‫الجماعات‪ ،‬وكان يشاركه في المشورة‪،‬‬
‫ينقطع عنه في جماعة من‬
‫وفي تدبير أمور المسلمين )‪.(7‬‬
‫ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلم أن عليًا جدد بيعته بعد ستة‬
‫أشهر من البيعة الولى؛ أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وجاءت‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)( صححه ابن كثير في البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬
‫)( البدنة‪ :‬ناقة أو بقرة تنحر بمكة‪ ،‬ولعظمها وضخامتها سميت بدنة‪.‬‬
‫)( البدرة‪ :‬كيس فيه ألف أو عشرة آلف دينار‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه كنز ثمين‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬
‫)‪ (4،5،‬الخلفاء الراشدون للخالدي‪ :‬ص ‪.56‬‬

‫‪131‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫في هذه البيعة روايات صحيحة )‪.(1‬‬
‫وكان علي في خلفة أبي بكر عيبة نصح له‪ ،‬مرجحًا لما فيه‬
‫مصلحة للسلم والمسلمين على أي شيء آخر‪ ،‬ومن الدلئل‬
‫الساطعة على إخلصه لبي بكر ونصحه للسلم والمسلمين‪،‬‬
‫المسلمين ما‬
‫وحرصه على الحتفاظ ببقاء الخلفة واجتماع شمل‬
‫جاء من موقفه من توجه أبي بكر ‪ ‬بنفسه إلى ذي القصة )‪،(2‬‬
‫وعزمه على محاربة المرتدين‪ ،‬وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم‬
‫بنفسه‪ ،‬وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود السلمي‬
‫)‪ ،(3‬فعن ابن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬لما برز أبو بكر إلى ذي‬
‫القصة‪ ،‬واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫إلى أين يا خليفة رسول الله ×؟ أقول لك ما قال رسول الله × يوم‬
‫إلى( المدينة‪ ،‬فوالله لئن‬
‫م سيفك ول تفجعنا بنفسك‪ ،‬وارجع‬
‫أحد‪ :‬ل ّ‬
‫أبدا‪ ،‬فرجع )‪. 4‬‬
‫فجعنا بك ل يكون للسلم نظام ً‬
‫فلو كان علي ‪- ‬أعاذه الله من ذلك– لم ينشرح صدره لبي‬
‫بكر وقد بايعه على رغم من نفسه‪ ،‬فقد كانت هذه فرصة ذهبية‬
‫ينتهزها علي‪ ،‬فيترك أبا بكر وشأنه‪ ،‬لعله يحدث به حدث فيستريح‬
‫منه ويصفو الجو له‪ ،‬وإذا كان فوق ذلك –حاشاه عنه‪ -‬من كراهته له‬
‫به أحدًا يغتاله‪ ،‬كما يفعل الرجال‬
‫وحرصه على التخلص منه‪ ،‬أغرى‬
‫السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم )‪.(5‬‬
‫)‪(6‬‬
‫‪) -5‬إنا معشر النبياء ل ُنورث‪ ،‬ما تركنا صدقة(‪:‬‬
‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬إن فاطمة والعباس ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ :-‬أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله × وهما حينئذ‬
‫يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر‪ ،‬فقال لهما أبو بكر‪:‬‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة‪ ،‬إنما‬
‫سمعت رسول الله × يقول‪» :‬ل‬
‫يأكل آل محمد من هذا المال«‪ (7).‬وفي رواية‪ :‬قال أبو بكر‬
‫×‪(8‬يعمل به إل عملت به‪ ،‬فإني‬
‫‪»:‬لست تاركًا شيئًا كان رسول الله‬
‫أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ) ‪.‬‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬أن أزواج النبي ×‪ ،‬حين‬
‫توفي رسول الله ×‪ ،‬أردن أن يبعثن عثمان بن عفان ‪ ‬إلى أبي‬
‫فقالت عائشة‪ :‬أليس قد قال رسول الله ×‪» :‬ل‬
‫بكر يسأله ميراثهن‪،‬‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة« )‪ ،(9‬وعن أبي هريرة ‪ ‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ورثتي ديناًرا‪ ،‬ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي‬
‫»ل يقتسم‬
‫فهو صدقة« )‪.(10‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬
‫ذي القصة‪ :‬من المدينة على مراحل‪.‬‬
‫المرتضى‪ ..‬سيرة علي بن أبي طالب‪ :‬ص ‪ ،97‬للندوي‪.‬‬
‫البداية والنهاية‪.315 ،6/314 :‬‬
‫المرتضى سيرة علي بن أبي طالب‪ :‬ص ‪.97‬‬
‫)‪ (5‬البخاري رقم‪.6726 :‬‬
‫البخاري رقم‪.6725 :‬‬
‫مسلم رقم‪ 1759 :‬بصيغة أخرى وبنفس المعنى‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم‪ ،6730 :‬مسلم رقم‪.1758 :‬‬
‫البخاري رقم‪.6729 :‬‬

‫‪132‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وهذا ما فعله أبو بكر الصديق ‪ ‬مع فاطمة رضي الله عنها‪،‬‬
‫الصديق‪ :‬لست تاركًا شيئًا كان رسول‬
‫امتثال لقوله ×‪ :‬لذلك قال‬
‫ً‬
‫الله يعمل به إل عملت به )‪(2،) (1‬وقال‪ :‬والله ل أدع أمرًا رأيت رسول‬
‫الله × يصنعه فيه إل صنعته ‪.‬‬
‫وقد تركت فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬منازعته بعد احتجاجه‬
‫بالحديث وبيانه)‪(3‬لها‪ ،‬وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×‪.‬‬
‫قال ابن قتيبة ‪ :‬وأما منازعة فاطمة أبا بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في‬
‫ميراث النبي × فليس بمنكر؛ لنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫وظنت أنها ترثه كما يرث الولد آباءهم‪ ،‬فلما أخبرها بقوله كفت‪.‬‬
‫وقال القاضي عياض‪ :‬وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد‬
‫احتجاجه عليها بالحديث التسليم للجماع على قضية‪ ،‬وأنها لما بلغها‬
‫الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها‪ ،‬ثم لم يكن منها ول من ذريتها‬
‫ي الخلفة فلم يعدل بها عما فعله‬
‫بعد ذلك طلب ميراث‪ ،‬ثم ولي‬
‫عل ّ‬
‫أبو بكر وعمر رضي الله عنهم )‪.(5‬‬
‫وقال حماد بن إسحاق‪ :‬والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما‬
‫طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي × من أبي بكر ‪-‬رضي‬
‫الله عنهم جميعًا‪ -‬إنما هو الميراث‪ ،‬حتى أخبرهم أبو بكر والكابر من‬
‫أصحاب رسول الله × أنه قال‪» :‬ل نورث ما تركنا صدقة«‪.‬‬
‫فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق‪ ،‬ولو لم يقل رسول الله × ذلك كان‬
‫لبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله‬
‫عنهما‪ ،‬فآثروا أمر الله وأمر رسوله‪ ،‬ومنعوا عائشة وحفصة‪ ،‬ومن‬
‫لبي بكر وعمر أعظم‬
‫سواهما ذلك‪ ،‬ولو كان رسول يورث‪ ،‬لكان‬
‫الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد × )‪.(6‬‬
‫وأما ما ذكره عدد من الرواة في كون فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪-‬‬
‫جدا لعدة أدلة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت‪ ،‬فبعيد ً‬
‫‪ -1‬ما رواه البيهقي من طريق الشعبي‪ :‬أن أبا بكر عاد‬
‫أتحب( أن‬
‫فاطمة‪ ،‬فقال لها علي‪ :‬هذا أبي بكر يستأذن عليك‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫آذن له؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت )‪، 7‬‬
‫وبهذا يزول الشكال الوارد في تمادي فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬لهجر‬
‫أبي بكر الصديق ‪ ،‬كيف وهو)‪(8‬القائل‪ :‬والله لقرابة رسول الله ×‪،‬‬
‫واتباعا لمر‬
‫ً‬
‫أصل من قرابتي ‪ ،‬وما فعل إل امتثالً‬
‫ي أن‬
‫أحب إل ّ‬
‫رسول الله × )‪.(9‬‬

‫‪-2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫لقد انشغلت عن كل شيء يحزنها لفقدها أكرم الخلق‪،‬‬

‫)‪ (1‬مسلم رقم‪.1758 :‬‬
‫)( البخاري رقم‪.6726 :‬‬
‫)( عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت ‪ 276‬هـ )شذرات الذهب‪.(2/169 :‬‬
‫)( تأويل مختلف الحديث‪ :‬ص ‪ (5) .189‬شرح صحيح مسلم للنووي‪:‬‬
‫‪.12/318‬‬
‫)( البداية والنهاية‪ ،253 ،5/252 :‬وقال‪ :‬إسناده جيد قوي‪.‬‬
‫)( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ :‬ص ‪.109‬‬
‫)( البخاري رقم‪.4036 :‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ ،‬د‪ :‬سالم السحيمي‪ :‬ص ‪.291‬‬

‫‪133‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وهي مصيبة تزري بكل المصائب‪ ،‬كما أنها انشغلت بمرضها الذي‬
‫فضل عن‬
‫ً‬
‫ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشئون‪،‬‬
‫لقاء خليفة المسلمين المشغول –في كل لحظة من لحظاته‪ -‬بشئون‬
‫المة‪ ،‬وحروب الردة وغيرها‪ ،‬كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها‬
‫بأبيها؛ فقد أخبرها رسول الله × بأنها أول من يلحق به من أهله‪،‬‬
‫ومن كان في مثل علمها ل يخطر بباله أمور الدنيا‪ ،‬وما أحسن قول‬
‫المهلب الذي نقله العيني‪ :‬ولم يروِ أحد أنهما التقيا وامتنعا عن‬
‫التسليم‪ ،‬وإنما لزمت بيتها‪ ،‬فعبر الراوي عن ذلك بالهجران )‪.(1‬‬
‫هذا ومن الثابت تاريخيًا أن أبا بكر دام أيام خلفته يعطي أهل‬
‫البيت حقهم في فئ رسول الله × في المدينة‪ ،‬ومن أموال فدك‬
‫وخمس خيبر‪ ،‬إل أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث‪ ،‬عملً بما سمعه‬
‫من رسول الله ×‪ ،‬وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين‬
‫المشهور بمحمد الباقر‪ ،‬وعن زيد بن علي أنهما قال‪ :‬إنه لم يكن من‬
‫شيء من الجور أو الشطط‪ ،‬أو ما‬
‫أبي بكر فيما يختص بآبائهم‬
‫يشكونه من الحيف أو الظلم )‪.(2‬‬
‫ولما توفيت فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بعد رسول الله بستة أشهر‬
‫على الشهر‪ ،‬وقد كان صلوات الله وسلمه عليه عهد إليها أنها أول‬
‫لها مع ذلك‪» :‬أما ترضين أن تكوني سيدة‬
‫أهله لحوًقا به‪ ،‬وقال‬
‫)‪(3‬‬
‫نساء أهل الجنة« ‪ ،‬وذلك ليلة الثلثاء لثلث خلون من رمضان‬
‫سنة‬
‫إحدى عشرة‪.‬‬
‫عن مالك‪ ،‬عن جعفر بن محمد‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬علي بن‬
‫الحسين‪ ،‬قال‪ :‬ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء‪ ،‬فحضرها أبو بكر‬
‫وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬فلما ُوضعت لُيصلى‬
‫عليها‪ ،‬قال علي‪ :‬تقدم يا أبا بكر‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬وأنت شاهد يا أبا‬
‫الحسن؟ قال‪ :‬نعم تقدم‪ ،‬فو الله ل يصلي عليها غيرك‪ ،‬فصلى عليها‬
‫ليل‪ .‬وجاء في رواية‪ :‬صلى أبو بكر الصديق على‬
‫ً‬
‫أبو بكر‪ ،‬ودفنت‬
‫فاطمة بنت رسول الله × فكبر)‪(5‬عليها أربعًا )‪ ،(4‬وفي رواية مسلم‪،‬‬
‫صلى عليها علي بن أبي طالب ‪.‬‬
‫هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ×‬
‫بأعضاء أهل البيت صلة ودية تقديريه تليق به وبهم‪ ،‬وقد كانت هذه‬
‫المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي‪ ،‬فقد سمى علي أحد‬
‫أولده بأبي بكر )‪ ،(6‬وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمدًا بعد وفاة‬
‫للولية في خلفته حتى حسب عليه‪،‬‬
‫الصديق وكفله بالرعاية ورشحه‬
‫وانطلقت اللسنة بانتقاده من أجله )‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ :‬ص ‪.108‬‬
‫)( المرتضى‪ ،‬لبي الحسن الندوي‪ :‬ص ‪ ،91 ،90‬نقل عن نهج البلغة شرح أبي‬
‫الحديد‪.‬‬
‫)( المرتضى‪ ،‬للندوي‪ :‬ص ‪.94‬‬
‫)( المرتضى‪ ،‬للندوي‪ :‬ص ‪ ،94‬نقل عن الطبقات الكبرى‪.7/29 :‬‬
‫)( مسلم رقم‪.1759 :‬‬
‫)(‪ (4) ,‬المرتضى للندوي‪ :‬ص ‪.98‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪:‬ـ ص ‪.98‬‬

‫‪134‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫هذه بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق ‪ ،‬والتزم فيها‬
‫بمتابعة الرسول × بكل دقة وحرص‪ ،‬فرضي الله عنه وعن جميع‬
‫الصحابة الكرام الطيبين البرار‪.‬‬

‫***‬

‫‪135‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الفصل الثالث‬

‫جيش أسامة وجهاد الصديق لهل الردة‬
‫المبحث الول‬

‫جيــــــش أسامـــــة‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما‪:‬‬

‫كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة‬
‫العربية في عهد النبي ×‪ ،‬وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال‬
‫الجزيرة‪ ،‬وكان أمراء تلك المناطق ُيعينون من قبل الدولة الرومانية‬
‫وينصاعون لوامرها‪.‬‬
‫بعث النبي الكريم × الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق‪ ،‬وأرسل‬
‫دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى السلم )‪،(1‬‬
‫ولكنه عاند وأخذته العزة بالثم‪ ،‬وكانت خطة الرسول × واضحة‬
‫المعالم لهز هيبة الروم في نفوس العرب‪ ،‬ومن ثم تنطلق جيوش‬
‫المسلمين لفتح تلك الراضي‪ ،‬فأرسل × في العام الثامن للهجرة‬
‫جيشا واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة‪ ،‬واستشهد‬
‫ً‬
‫قادة الجيش على التوالي زيد بن حارثة‪ ،‬ثم جعفر بن أبي طالب‪ ،‬ثم‬
‫قيادة الجيش بعدهم خالد بن الوليد ‪‬‬
‫عبد الله بن رواحة ‪ ،‬وتولى‬
‫فعاد بالجيش إلى المدينة النبوية )‪.(2‬‬
‫للهجرة خرج رسول الله × بجيش عظيم إلى‬
‫وفي العام التاسع‬
‫الشام ووصل إلى تبوك)‪ ،(3‬ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ول‬
‫القبائل العربية وآثر حكام المدن الصلح على)‪(4‬الجزية وعاد الجيش‬
‫إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك‪ .‬وفي العام الحادي‬
‫وفيهم كبار‬
‫عشر ندب النبي × الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬وأمرّ عليهم أسامة رضي الله عنهم )‪ ،(5‬قال‬
‫الحافظ ابن حجر‪ :‬جاء أنه كان تجهيز جيش أسامة ‪ ‬يوم السبت‬
‫قبل موت النبي × بيومين‪ ،‬وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ×‪،‬‬
‫فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة ‪ ‬فقال‪» :‬سر‬
‫موضع( مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا‬
‫إلى‬
‫الجيش« )‪ 6‬وطعن بعض الناس في إمارة أسامة ‪ ‬فرد عليهم‬
‫رسول الله × فقال‪» :‬إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم‬
‫تطعنون في إمارة أبيه من قبل‪ ،‬وايم الله إن كان لخلي ً‬
‫قا‬
‫ي‪ ،‬وإن هذا لمن أحب‬
‫للمارة وإن كان‬
‫لمن أحب الناس إل ّ‬
‫)‪(7‬‬
‫ي بعده«‪.‬‬
‫الناس إل ّ‬
‫ومرض النبي × بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين واشتد‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)‪ (2‬السيرة النبوية الصحيحة للعمري‪:‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الوحي رقم‪.7 :‬‬
‫‪.470 -2/467‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل‪ (4) .4/4784 :‬السيرة النبوية الصحيحة‪.2/535 :‬‬
‫)( قصة بعث جيش أسامة‪ ،‬د‪ :‬فضل إلهي‪ ،‬ص ‪.8‬‬
‫)‪ (2‬البخاري كتاب المغازي رقم‪.4469 :‬‬
‫)( فتح الباري‪.8/152 :‬‬

‫‪136‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وجعه عليه الصلة والسلم فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكرًا‬
‫بالجرف )‪ (1‬ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم × )‪ ،(2‬وتغيرت‬
‫الحوال مع انتقال الرسول الكريم × إلى رحمة ربه‪ ،‬وصارت كما‬
‫تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بقولها‪ :‬لما‬
‫رسول‪(4‬الله × ارتدت العرب قاطبة واشرأب) )‪ (3(5‬النفاق‪ .‬والله‬
‫قبض‬
‫)‬
‫لهاضها ‪ ،‬وصار أصحاب‬
‫الراسيات‬
‫بالجبال‬
‫نزل‬
‫لو‬
‫ما‬
‫بي‬
‫نزل‬
‫قد‬
‫كأنهم معزي )‪ (6‬مطيرة في حش )‪ (7‬في ليلة مطيرة بأرض‬
‫×‬
‫محمد‬
‫)‪(9) (8‬‬
‫مسبعة‪.‬‬
‫رجل في اليوم الثالث من‬
‫ً‬
‫مر ‪‬‬
‫ولما تولى الخلفة الصديق أ ّ‬
‫وفّى رسول الله × أن ينادي في الناس‪ :‬ليتم بعث أسامة ‪ ،‬أل‬
‫ُ‬
‫مت َ َ‬
‫بالمدينة أحد من جند أسامة ‪ ‬إل خرج إلى عسكره‬
‫يبقين‬
‫ل‬
‫بالجرف )‪ ،(10‬ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ :‬إنما أنا مثلكم وإني ل أدري لعلكم تكلفونني ما كان رسول‬
‫الله × يطيق‪ ،‬إن الله اصطفى محمدًا على العالمين‪ ،‬وعصمه من‬
‫الفات‪ ،‬وإنما أنا متبع ولست بمبتدع‪ ،‬فإن استقمت فتابعوني وإن‬
‫زغت فقوموني‪ ،‬وإن رسول الله × قبض وليس أحد من هذه المة‬
‫يطلبه بمظلمة ‪-‬ضربة سوط فما دونها – وإن لي شيطانًا يعتريني‪،‬‬
‫فإذا أتاني فاجتنبوني‪ ،‬ل أؤثر في أشعاركم وأبشاركم وأنتم تغدون‬
‫وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه‪ ،‬فإن استطعتم أل يمضي‬
‫هذا الجل إل وأنتم في عمل صالح فافعلوا‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك إل‬
‫بالله‪ ،‬فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى‬
‫انقطاع العمال‪ ،‬فإن قومًا نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم‪،‬‬
‫فإياكم أن تكونوا أمثالهم‪ ،‬الجد الجد‪ ،‬والوحا الوحا‪ ،‬والنجاء النجاء‪،‬‬
‫مّره سريع‪ ,‬احذر الموت واعتبر بالباء‬
‫فإن وراءكم طالبًا حثيثًا‪َ ,‬‬
‫والبناء والخوان ول تغبطوا الحياء إل بما تغبطون به الموات )‪.(11‬‬
‫وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‪ :‬إن الله ل يقبل من‬
‫العمال إل ما أريد به وجهه‪ ،‬فأريدوا الله بأعمالكم‪ ،‬فإنما أخلصتم‬
‫لحين فقركم وحاجتكم‪ ,‬اعتبروا عباد الله بمن مات منكم‪ ،‬وتفكروا‬
‫فيمن كان قبلكم‪ ،‬أين كانوا أمس وأين هم اليوم‪ ،‬أين الجبارون‬
‫الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع‬
‫بهم الدهر وصاروا رميمًا‪ ،‬قد توالت عليهم العالت‪ ,‬الخبيثات‬
‫للخبيثين‪ ،‬والخبيثون للخبيثات‪ ,‬وأين الملوك الذين أثاروا الرض‬
‫وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كَل ً شيء إل أن الله ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات‪ ،‬ومضوا‬
‫والعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم‪ ،‬وبعثنا خلقا بعدهم‪ ،‬فإن نحن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫جْرف‪ :‬بالضم ثم السكون‪ ،‬موضع على ثلثة أميال من المدينة نحو الشام‪.‬‬
‫)( ا ل ْ ُ‬
‫)( السيرة النبوية الصحيحة‪ ،2/552 :‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪:‬‬
‫‪.685‬‬
‫)( اشرأب‪ :‬ارتفع وعل‪ .‬انظر‪ :‬النهاية في غريب الحديث‪.2/455 :‬‬
‫)( نزل »بي«‪ :‬وفي تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬نزل بأبي‪.102 :‬‬
‫)( لهاضها‪ :‬كسرها‪ .‬النهاية في غريب الحديث والثر‪.5/288 :‬‬
‫)( معزي‪ :‬المعز من الغنم خلف الضأن‪ ،‬وهو اسم جنس‪.‬‬
‫)‪ (10‬مسبعة‪ :‬أرض ذات سباع‪.‬‬
‫)( حش‪ :‬بستان‪.‬‬
‫)‪ (12‬نفس المصدر السابق‪.6/307 :‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/309 :‬‬
‫)( البداية والنهاية‪ ،6/307 :‬تاريخ الطبري‪ ،245 ،2/241 :‬ط‪ .‬الكتب العلمية‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫اعتبرنا بهم نجونا‪ ،‬وإن انحدرنا كنا مثلهم‪ .‬أين الوضاءة الحسنة‬
‫وجوههم المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا‪ ،‬وصار ما فرطوا فيه‬
‫حسرة عليهم‪ .‬أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط‪ ،‬وجعلوا‬
‫مساكنهم خاوية وهم‬
‫فيها العاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم‪ ،‬فتلك‬
‫ن أ َحد أ َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫س‬
‫ت‬
‫و‬
‫َ‬
‫ل تُ ِ‬
‫في ظلمات القبور‪َ + :‬‬
‫ٍ‬
‫س ِ‬
‫م ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ْ َ ُ ُ ْ‬
‫هم ّ‬
‫ح ّ‬
‫ْ‬
‫رك ًْزا" ]مريم‪ .[98 :‬أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم؟ قد انتهت‬
‫ِ‬
‫بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه‪ ،‬وأقاموا للشقاوة أو‬
‫السعادة بعد الموت‪ ،‬أل إن الله ل شريك له ليس بينه وبين أحد من‬
‫خلقه سبب يعطيه به خيًرا ول يصرف به عنه سوًءا إل بطاعته واتباع‬
‫يدرك‪(1‬إل بطاعته‪،‬‬
‫أمره‪ ،‬واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده ل‬
‫أما آن لحدكم أن تحسر عنه النار ول تبعد عنه الجنة ) ‪.‬‬

‫وفي هذه الخطبة دروس وعبر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬بيان طبيعة خليفة رسول الله × وأنه ليس خليفة عن الله بل‬
‫عن رسوله ×‪ ،‬وأنه بشر غير معصوم ل يطيق مقام رسول الله ×‬
‫وليس بمبتدع؛ أي أنه‬
‫بنبوته ورسالته‪ ،‬ولذلك فهو في سياسته متبع‬
‫على نهج النبي × في الحكم بالعدل والحسان )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬بيان واجب المة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه‬
‫وصلحه‪ ,‬وتقومه وتنصحه في غير ذلك؛ ليظل على الطريق متبعًا‬
‫غير مبتدع‪.‬‬
‫ج‪ -‬بيان أن النبي × عدل بين المة فلم يظلم أحدًا‪ ،‬ولذلك ليس‬
‫لحد عند النبي × مظلمة صغيرة أو كبيرة‪ ،‬ومعنى هذا أنه سوف‬
‫يسير على نفس النهج؛ ينشر العدل ويبتعد عن الظلم‪ ،‬ومن ثم على‬
‫المة أن تعينه على ذلك‪ ،‬وإذا رآه أحد غاضبًا فعليه أن يجتنبه حتى ل‬
‫يؤذي أحدًا فيخالف ما رآه في سياسة التباع )‪ (3‬للنبي ×‪ .‬والشيطان‬
‫الذي يعتري الصديق يعتري جميع بني آدم‪ ،‬فإنه ما من أحد إل وقد‬
‫وكل الله به قرينه من الملئكة وقرينه من الجن)‪ ،(4‬والشيطان يجري‬
‫من ابن آدم مجرى الدم‪ ،‬فقد قال رسول الله ×‪» :‬ما منكم من‬
‫أحد إل وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملئكة«‬
‫قالوا‪ :‬وإياك يا رسول الله؟ قال‪» :‬وإياي إل أن الله أعانني‬
‫عليه فأسلم فل يأمرني إل بخير«‪ (5).‬وقد جاء في الحديث‬
‫أيضا‪ :‬لما مر به بعض النصار وهو يتحدث مع صفية ليلً فقال‪:× :‬‬
‫ً‬
‫»على رسلكما‪ ،‬إنها صفية بنت حيي« فقال‪ :‬سبحان الله يا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬إن الشيطان يجري من النسان مجرى‬
‫ءا«‬
‫الدم وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما سو ً‬
‫ومقصود الصديق بذلك‪ :‬إني لست معصومًا كالرسول ×‪ ،‬وهذا‬
‫)‪،(6‬‬
‫)‪(7‬‬
‫حق ‪.‬‬
‫د‪ -‬حرص الصديق على وعظ المسلمين وتذكيرهم بالموت وحال‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( نفس المصدرين السابقين‪.‬‬
‫)(‪ (2) ,‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.432‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ :‬ص ‪ (4) .196‬مسلم رقم‪.2814 :‬‬
‫)( البخاري كتاب الخلق‪ ،‬رقم‪ (6) .3281 :‬أبو بكر الصديق محمد مال الله‪ :‬ص‬
‫‪.197‬‬

‫‪138‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الملوك الذين مضوا‪ ،‬وحثهم على العمل الصالح ليستعدوا للقاء الله‬
‫عز وجل‪ ،‬ويستقيموا في حياتهم على منهج الله تعالى )‪ ،(1‬وهنا نلحظ‬
‫توظيف الصديق لقوة البيان في خطبه وفي حديثه للمة‪ ،‬وقد كان‬
‫‪ ‬أفصح خطباء النبي ×‪ ،‬يقول عنه الستاذ العقاد‪ :‬أما كلمه فهو‬
‫من أرجح ما قيل في موازين الخلق والحكمة‪ ،‬وله من مواقع الكلم‬
‫أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها‪ ،‬فيغني القليل منها‬
‫عن الكثير‪ ،‬كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل‪ ،‬فحسبك‬
‫أن تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله‪:‬‬
‫»احرص على الموت ُتوهب لك الحياة« أو قوله‪» :‬أصدق الصدق‬
‫المانة‪ ،‬وأكذب الكذب الخيانة«‪» .‬الصبر نصف اليمان‪ ،‬واليقين‬
‫اليمان كله«‪ .‬فهي كلمات تتسم بالقصد والسداد كما تتسم بالبلغة‬
‫وحسن التعبير‪ ،‬وتنبي عن المعدن الذي نجمت منه فتغني عن‬
‫علمات التثقيف التي يستكثر منها المستكثرون؛ لن هذا الفهم‬
‫التثقيف‪ ،‬وكانت له × لباقة في‬
‫الصيل هو اللباب المقصود من‬
‫الخطاب إلى جانب البلغة في الكلم )‪.(2‬‬
‫ثانًيا‪ :‬ما تم بين الصديق والصحابة في أمر إنفاذ الجيش‪:‬‬
‫اقترح بعض الصحابة على الصديق ‪ ‬بأن يُبقي الجيش فقالوا‪:‬‬
‫إن هؤلء جل المسلمين‪ ،‬والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فليس‬
‫ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين‪ (3) .‬وأرسل أسامة من‬
‫معسكره من الجرف عمر بن الخطاب ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬إلى أبي‬
‫بكر يستأذنه أن يرجع بالناس وقال‪ :‬إن معي وجوه المسلمين‬
‫وجلتهم ول آمن على خليفة رسول الله × وحرم رسول الله ×‬
‫والمسلمين أن يتخطفهم المشركون)‪.(4‬‬
‫ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصر على أن تستمر الحملة العسكرية‬
‫في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والحوال والنتائج‪ ،‬ولم‬
‫يسترح أسامة وهيئة أركان حربه لصرار الخليفة على رأيه‪ ،‬وقد‬
‫بذلوا لدى الخليفة عدة محاولت كي يقنعوه بصواب فكرتهم‪ ،‬وعندما‬
‫كثر اللحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والنصار إلى اجتماع‬
‫في المجلس لمناقشة هذا المر معهم‪ ،‬وفي هذا الجتماع دار نقاش‬
‫طويل متشعب‪ ،‬وكان أشد المعارضين لستمرار حملة الشام عمر‬
‫بن الخطاب‪ ،‬مبديًا تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله‬
‫وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة العراب المرتدين‬
‫المشركين‪ ،‬وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة‬
‫وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصر على‬
‫تحريك جيش أسامة لغزو الروم‪ ،‬أمر بفض الجتماع الول )‪ (5‬بعد أن‬
‫سمع الصديق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لحدهم ما يقول‪،‬‬
‫وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم )‪،(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.423‬‬
‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.6/308 :‬‬
‫عبقرية الصديق‪ :‬ص ‪.139‬‬
‫الكامل‪ ،‬لبن الثير‪.2/226 :‬‬
‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ ،‬عز الدين التميمي‪ :‬ص ‪.83 ،82‬‬
‫ملمح الشورى في الدعوة السلمية‪ ،‬عدنان النحوي‪ :‬ص ‪.257‬‬

‫‪139‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد‪ ،‬وفي هذا الجتماع‬
‫طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله‬
‫× بنفسه‪ ،‬وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه‬
‫في احتلل المدينة من قبل العراب المرتدين‪ ،‬فقد وقف خطيبًا‬
‫)‪(1‬‬
‫قائل‪ :‬والذي نفس أبي بكر بيده‪ ،‬لو ظننت أن‬
‫ً‬
‫وخاطب الصحابة‬
‫السباع تخطفني لنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ×‪ ،‬ولو‬
‫لم يبق في القرى غيري لنفذته )‪.(2‬‬
‫نعم لقد كان أبو بكر مصيبًا فيما عزم عليه من بعث أسامة‬
‫مخالفًا بذلك رأي جميع المسلمين؛ لن في ذلك أمرًا من رسول الله‬
‫أثبتت اليام والحداث سلمة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم‬
‫× وقد‬
‫تنفيذه )‪.(3‬‬
‫رجل أقدم سنّ ا من أسامة يتولى أمر الجيش‪،‬‬
‫ً‬
‫وطلبت النصار‬
‫وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك‪ ،‬فقال عمر‬
‫سن ا من أسامة‪ ،  ،‬فوثب أبو‬
‫‪ : ‬فإن النصار تطلب رجلً أقدم ً‬
‫جالس ا فأخذ بلحية عمر ‪ ، ‬وقال له ثكلتك أمك‬
‫ً‬
‫بكر ‪ ‬وكان‬
‫وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله × وتأمرني أن‬
‫أنزعه )‪ ، (4‬فخرج عمر ‪ ‬إلى الناس فقالوا‪ :‬ما صنعت؟ فقال‪:‬‬
‫ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول‬
‫امضوا‬
‫الله × )‪.(5‬‬
‫ثم خرج أبو بكر الصديق ‪ ‬حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو‬
‫ماش وأسامة راكب‪ .‬وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر‬
‫رضي الله عنهم‪ -‬فقال له أسامة ‪ :‬يا خليفة رسول الله ×‪ :‬والله‬‫ي أن‬
‫لتركبن أو لنزلن‪ ،‬فقال‪ :‬والله ل‬
‫تنزل ووالله ل أركب‪ ،‬وما عل ّ‬
‫أغبر قدمي في سبيل الله ساعة )‪.(6‬‬
‫قال الصديق ‪ ‬لسامة ‪ :‬إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل‪.‬‬
‫ثم‬
‫فأذن له)‪ ،(7‬ثم توجه الصديق ‪ ‬إلى الجيش فقال‪ :‬يا أيها الناس‪،‬‬
‫قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني‪:‬‬
‫ل تخونوا ول ت ُِغلوا ول تغدروا ول تمّثلوا )‪ ،(8‬ول تقتلوا طفلً‬
‫صغيرا‪ ،‬ول شيخًا كبيرًا ول امرأة‪ ،‬ول تعقروا نخلً ول تحرقوه‪ ،‬ول‬
‫ً‬
‫تقطعوا شجرة مثمرة‪ ،‬ول تذبحوا شاة ول بقرة ول بعيرًا إل لمأكلة‪،‬‬
‫وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما‬
‫فرغوا أنفسهم له‪ ،‬وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها‬
‫شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها‪.‬‬
‫ً‬
‫ألوان الطعام فإذا أكلتم منه‬
‫وتلقون أقوامًا قد فحصوا )‪ (9‬أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪ (2) .83‬تاريخ الطبري‪.4/45 :‬‬
‫)( الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪ (4) .83‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)‪ (6‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)( ول تمثلوا‪ :‬يقال‪ :‬مثلت بالحيوان وأمثل به تمثيل‪ ،‬إذا قطعت أطرافه وشوهت‬
‫به‪.‬‬
‫)‪ (2‬فأخفقوهم‪ :‬من أخفق فلنًا أي‪:‬‬
‫)( فحصوا‪ :‬حلقوا‪.‬‬
‫صرعه‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫العصائب فأخفقوهم‬

‫)‪(1‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بالسيف خفقًا‪ .‬اندفعوا باسم الله )‪.(2‬‬

‫وأوصى الصديق أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬أن يفعل ما أمر به‬
‫قائل‪ :‬اصنع ما أمرك به نبي الله ×؛ ابدأ ببلد قضاعة‬
‫ً‬
‫النبي الكريم ×‬
‫ثم إيت آبل )‪ (3‬ول تقصرن في شيء من أمر رسول الله ×‪ ،‬ول‬
‫تعجلن لما خلفت عن عهده‪ (4).‬ومضى أسامة ‪ ‬بجيشه‪ ،‬وانتهى إلى‬
‫ما أمر به النبي × من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على‬
‫)‪(6‬‬
‫يوما‪.‬‬
‫ً‬
‫آبل فسلم وغنم )‪ ،(5‬وكان مسيرة ذاهبًا وقافلً أربعين‬
‫وقدم بنعي رسول الله على هرقل وإغارة أسامة في ناحية‬
‫أرضه خبر واحد‪ ،‬فقالت الروم‪ :‬ما بال هؤلء يموت صاحبهم ثم‬
‫أغاروا على أرضنا )‪(7‬؟ وقال العرب‪ :‬لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا‬
‫هذا الجيش )‪ ،(8‬فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه )‪.(9‬‬

‫ثالًثا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد من إنفاذ الصديق جيش‬
‫أسامة‪:‬‬
‫‪ -1‬الحوال تتغير وتتبدل والشدائد ل تشغل أهل اليمان‬
‫عن أمر الدين‪:‬‬
‫ما أشد التحول وأخطره‪ ،‬وما أسرعه كذلك! سبحان الله الذي‬
‫د" ]البروج‪+ ،[16 :‬ل َ‬
‫يقلب الحول كيفما يشاء‪َ + :‬‬
‫عا ٌ‬
‫ري ُ‬
‫فَّ‬
‫ل لّ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫سأ َ ُ‬
‫ن" ]النبياء‪ ،[23 :‬تأتي وفود العرب‬
‫لو‬
‫أ‬
‫س‬
‫ل َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م يُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع ّ‬
‫ل َ‬
‫مذعنة منقادة مطيعة وبهذه الكثرة‪ ،‬حتى سمي العام التاسع )عام‬
‫الوفود(‪ ،‬ثم‬
‫تنقلب الحوال فيخشى من أن تأتي القبائل العربية للغارة على‬
‫المدينة المنورة عاصمة السلم )‪ ،(10‬بل قد جاءت للغارة للقضاء‬
‫على ‪-‬حسب زعمها الباطل‪ -‬على السلم والمسلمين)‪ ،(11‬ول غرابة‬
‫في هذا فإن من سنن الله الثابتة في المم أن أيامها ل تبقى ثابتة‬
‫على حالة بل تتغير وتتبدل‪ ،‬وقد أخبر بذلك الذي يقلب اليام‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫س"‬
‫نا‬
‫ن ال‬
‫ّ‬
‫م نُ َ‬
‫ك الّيا ُ‬
‫ها ب َي ْ َ‬
‫ول ُ َ‬
‫ويصرفها ‪-‬عز وجل‪ -‬بقوله‪َ + :‬‬
‫دا ِ‬
‫ِ‬
‫]آل عمران‪.[140 :‬‬
‫قال الرازي في تفسيره‪ :‬والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين‬
‫الناس ل يدوم مسارها ول مضارها‪ ،‬فيوم يحصل فيه سرور له والغم‬
‫لعدوه‪ ،‬ويوم آخر بالعكس من ذلك ول يبقى شيء من أحوالها ول‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)‪ (4‬آبل‪ :‬منطقة في جنوب بلد الردن‬

‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫اليوم‪.‬‬
‫)(‪ (6) ,‬تاريخ الطبري‪.4/47 :‬‬
‫)( المصدر السابق‪4/47 :‬؛ تاريخ خليفة بن خياط‪.101 :‬‬
‫)( عهد الخلفاء الراشدين للذهبي‪ :‬ص ‪.20‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ ،‬د‪ :‬فضل إلهي‪ :‬ص ‪.14‬‬
‫)( الكامل لبن الثير‪.2/227 :‬‬
‫)‪ (2،‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.18‬‬

‫‪141‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يستقر أثر من آثارها )‪.(1‬‬
‫وجاءت صيغة المضارعة ُنداوُلها للدللة على تجدد سنة مداولة‬
‫اليام من المم واستمرارها‪ ،‬وفي هذا قال القاضي أبو السعود‪:‬‬
‫وصيغة المضارع الدالة على التجدد والستمرار لليذان بأن تلك‬
‫المداولة سنة مسلوكة بين المم)‪(3‬قاطبة سابقتها ولحقتها )‪ (2‬وقد‬
‫قيل‪ :‬اليام دول والحرب سجال ‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫سرّ‬
‫فيوم علينا ويوم لنا‬
‫ويوم ُنساء ويوم ن ُ َ‬
‫فالصديق يعلّم المة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن‬
‫ن‬
‫تصبر‪ ،‬فالنصر مع الصبر‪ ،‬وأن ل تيأس ول تقنط من رحمة الله‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن" ]العراف‪ ،[56 :‬وليتذكر‬
‫ح ِ‬
‫ت الل ِ‬
‫م ْ‬
‫ري ٌ‬
‫َر ْ‬
‫م َ‬
‫سِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ب ّ‬
‫ح َ‬
‫ق ِ‬
‫المسلم دائمًا أن الشدة مهما عظمت والمصيبة مهما اشتدت‬
‫وكبرت فإن من سنن الله الثابتة‪َ + :‬‬
‫ن‬
‫سًرا ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِ‬
‫سًرا" ]النشراح‪ ،[6 ،5 :‬وإن المسلم لمره عجيب في‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫هذه الدنيا‪ ،‬فقد بين رسول الله × ذلك في قوله‪» :‬عجًبا لمر‬
‫المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لحد إل للمؤمن‪ ،‬إن أصابته‬
‫سراء شكر فكان خيًرا له‪ ،‬وإن أصابته ضراء صبر فكان خيًرا له« )‪.(5‬‬
‫ومن الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة‪ :‬أن الشدائد‬
‫والمصائب مهما عظمت وكبرت ل تشغل أهل اليمان عن أمر‬
‫الدين‪ .‬إن وفاة الرسول الكريم × لم تشغل الصديق عن أمر الدين‪،‬‬
‫وأمر ببعث أسامة في ظروف حالكة مظلمة بالنسبة للمسلمين‪،‬‬
‫ولكن ما تعلمه الصديق من رسول الله من الهتمام بأمر الدين‬
‫مقدم على كل شيء‪ ،‬وبقي هذا المر حتى ارتحل من هذه الدنيا )‪.(6‬‬
‫‪ -2‬المسيرة الدعوية ل ترتبط بأحد ووجوب اتباع النبي ×‪:‬‬
‫وفي قضية إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬نجد أن الصديق ‪ ‬بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم‬
‫ولن تتوقف حتى بموت سيد الخلق وإمام النبياء وقائد المرسلين‬
‫×‪ ،‬وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى إنفاذ هذا الجيش‬
‫حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله × بخروج‬
‫جند أسامة ‪ ‬إلى عسكره بالجرف‪ ،‬وقد كان الصديق ‪ ‬قبل ذلك‬
‫ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل‬
‫قد بين في خطبته التي‬
‫)‪(7‬‬
‫الجهود لخدمة هذا الدين‪.‬‬
‫وقد جاء في رواية قوله‪ :‬فاتقوا الله أيها الناس‪ ،‬واعتصموا‬
‫بدينكم وتوكلوا على ربكم؛ فإن دين الله قائم وإن كلمة الله تامة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( تفسير الرازي‪ ،9/15 :‬تفسير القرطبي‪.4/218 :‬‬
‫)( تفسير أبي السعود‪2/89 :‬؛ روح المعاني لللوسي‪.4/68 :‬‬
‫)‪ (6‬تفسير القرطبي‪.4/218 :‬‬
‫)( روح المعاني لللوسي‪.4/68 :‬‬
‫)( مسلم‪.4/2295 :‬‬
‫)‪ (2‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.24‬‬
‫)‪ (3‬البداية والنهاية‪.214 ،5/213 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.27‬‬

‫‪142‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه‪ .‬والله‪ ,‬ل نبالي من أجلب علينا‬
‫من خلق الله‪ ،‬إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد‪ ،‬ولنجاهدن‬
‫من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله × فل يبغين أحد إل على نفسه‬
‫)‪.(1‬‬
‫ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة‬
‫رضي الله عنهما‪ :-‬أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي × في‬‫السراء والضراء‪ ،‬فقد بين الصديق من فعله أنه عاضّ على أوامر‬
‫النبي × بالنواجذ ومنفذها مهما كثرت المخاوف واشتدت المخاطر‪،‬‬
‫وقد تجلى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة ‪ ‬نظرًا لتغير‬
‫الحوال وتدهورها أجاب ‪ ‬بمقولته الخالدة‪ :‬والذي نفس أبي بكر‬
‫أسامة كما أمر به‬
‫بيده لو ظننت أن السباع تخطفتني لنفذت بعث‬
‫رسول الله ×‪ ،‬ولو لم يبق في القرى غيري لنفذته )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬ولما استأذنه أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في الرجوع بجيشه‬
‫من الجرف إلى المدينة خوفًا على الصديق وأهل المدينة لم يأذن‬
‫بقوله‪:‬‬
‫له‪ ،‬بل أبدى عزمه وتصميمه على تنفيذ قضاء النبي الكريم ×‬
‫لو خطفتني الكلب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله )‪،(3‬‬
‫ما‬
‫وجل‪:-‬‬
‫وقدم ‪ ‬بموقفه هذا صورة تطبيقية لقول الله‬
‫ّ‬
‫و َ‬
‫‪َ +‬‬
‫عزل ُه أ َ‬‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مًرا َأن‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ضى‬
‫ق‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ة‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ َ َ ُ‬
‫ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ٍ ْ َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ص‬
‫ع‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يَ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫ُ‬
‫ْ ْ ِ ْ َ َ‬
‫ُ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫نا"]الحزاب‪.[36 :‬‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ل‬
‫ض‬
‫مِبي ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ج‪ -‬وعندما طلب منه تعيين رجل أقدم سنّا من أسامة ‪ ‬أبدى‬
‫الشديد على الفاروق ‪ ‬بسبب جرأته على نقل مثل هذا‬
‫غضبه‬
‫)‪(4‬‬
‫وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله‬
‫أمك‬
‫ثكلتك‬
‫له‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫القتراح‬
‫رسول الله × وتأمرني أن أنزعه )‪.(5‬‬
‫د‪ -‬وتجلى اهتمام أبي بكر الصديق ‪ ‬باتباع النبي الكريم ×‬
‫وكذلك( في خروجه لتشييع الجيش ومشيه مع أسامة ‪ ‬الذي كان‬
‫راكبا)‪ ، 6‬ولقد كان الصديق ‪ ‬في عمله هذا مقتديًا بما فعله سيد‬
‫ً‬
‫وسلمه عليه مع معاذ‬
‫ربي‬
‫صلوات‬
‫الكريم‬
‫رسولنا‬
‫والخرين‬
‫الولين‬
‫ابن جبل ‪ ‬لما بعثه رسول الله × إلى اليمن )‪ ،(7‬فقد روى المام‬
‫أحمد عن معاذ بن جبل ‪ ‬قال‪ :‬لما بعثه رسول الله × إلى اليمن‬
‫الله‪ ×(8‬يوصيه ومعاذ ‪ ‬راكب‪ ،‬ورسول الله ×‬
‫خرج معه رسول‬
‫يمشي تحت راحلته ) ‪.‬‬
‫قال الشيخ أحمد البنا تعليقا على هذا الحديث‪ :‬وقد فعل ذلك أبو‬
‫بكر ‪ ‬بأسامة بن زيد ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬مع صغر سنه‪ ،‬فقد عقد له‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.4/45 :‬‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (3) .36‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬
‫)‪ (5‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص‬
‫)( المرجع السابق‪.4/46 :‬‬
‫‪.36‬‬
‫)( الفتح الرباني لترتيب مسند المام أحمد بن حنبل الشيباني‪.21/215 :‬‬

‫‪143‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫النبي × قبل وفاته لواء على جيش ولم يسافر إل بعد وفاة النبي ×‪،‬‬
‫ماشيًا وأسامة ‪ ‬راكبًا‪ ،‬اقتداء بما فعله‬
‫فشيعه أبو بكر ‪‬‬
‫النبي × بمعاذ ‪.(1) ‬‬
‫هـ‪ -‬وظهرت عناية أبي بكر الصديق ‪ ‬بالقتداء بالرسول الكريم‬
‫× أيضا في قيامه بتوصية الجيش عند توديعهم؛ حيث كان رسول‬
‫الله × يوصي الجيوش عند توديعهم‪ ،‬ولم يقتصر الصديق على هذا؛‬
‫جاء في وصيته لجيش أسامة كان مقتبسًا من وصايا‬
‫بل إن معظم ما‬
‫النبي × للجيوش )‪.(2‬‬
‫ولم يقف أبو بكر الصديق ‪ ‬في القتداء بالرسول الكريم ×‬
‫فيما قاله وفعله فحسب‪ ،‬بل أمر أمير الجيوش أسامة ‪ ‬بتنفيذ‬
‫أمره ×‪ ،‬ونهاه عن التقصير فيه )‪ ،(3‬فقد قال له ‪-‬رضي الله عنهما‪:-‬‬
‫اصنع ما أمرك به نبي الله ×‪ ،‬ابدأ ببلد قضاعة ثم إيت آبل‪ ،‬ول‬
‫تقصرن شيئًا من أمر رسول ُ الله × )‪ ،(4‬وفي رواية أخرى أنه قال‪:‬‬
‫امض يا أسامة للوجه الذي أمرت به‪ ،‬ثم اغز حيث أمرك رسول الله‬
‫× من ناحية فلسطين وعلى أهل مؤتة‪ ،‬فإن الله سيكفي ما تركت‪.‬‬
‫عند ابن الثير‪ :‬وأوصى أسامة ‪ ‬أن يفعل ما أمر به‬
‫)‪ (5‬وفي رواية‬
‫)‪(6‬‬
‫رسول الله × ‪.‬‬
‫لقد انقاد الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬لرأي الصديق وشرح الله‬
‫صدورهم لذلك‪ ،‬وتمسكوا بأمر الرسول الكريم ×‪ ،‬وبذلوا المستطاع‬
‫وألقى في قلوب‬
‫لتحقيقه‪ ،‬فنصرهم الله تعالى ورزقهم الغنائم‬
‫الناس هيبتهم‪ ،‬وكف عنهم كيد العداء وشرهم )‪.(7‬‬
‫وقد تحدث )توماس آرنولد( عن بعث جيش أسامة فقال‪ :‬بعد‬
‫وفاة محمد × أرسل أبو بكر ‪ ‬الجيش الذي كان النبي × قد عزم‬
‫على إرساله إلى مشارف الشام‪ ،‬على الرغم من معارضة بعض‬
‫المسلمين‪ ،‬بسبب الحالة المضطربة في بلد العرب إذ ذاك‪ ،‬فأسكت‬
‫ظننت أن السباع‬
‫احتجاجهم بقوله‪ :‬قضاء قضى به رسول الله‪ ،‬ولو‬
‫تخطفني لنفذت جيش أسامة ‪ ‬كما أمر النبي × )‪ ...(8‬ثم قال‪:‬‬
‫وكانت هذه هي أولى تلك السلسلة الرائعة من الحملت التي اجتاح‬
‫دولة‪(9‬فارس‬
‫العرب فيها سوريا وفارس وإفريقيا الشمالية‪ ،‬فقوضوا‬
‫القديمة‪ ،‬وجردوا المبراطورية الرومانية من أجمل ولياتها ) ‪.‬‬
‫وهكذا نرى الله تعالى قد ربط نصر المة وعزها باتباع النبي‬
‫الكريم ×‪ ،‬فمن أطاعه‬
‫فله النصر والتمكين ومن عصاه فله الذل والهوان‪ ،‬فسر حياة المة‬
‫في طاعتها لربها‬
‫واقتدائها بسنة نبيها × )‪.(10‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( بلوغ الماني‪.21/215 :‬‬
‫)‪ (2 ،1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.32‬‬
‫)‪ (3‬تاريخ الطبري‪.4/47 :‬‬
‫)( عهد الخلفة والخلفاء الراشدين للذهبي‪ :‬ص ‪.20‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫)(‪ (8) ,‬الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.63‬‬

‫‪144‬‬

‫)‪ (5‬الكامل‪.2/237 :‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -3‬حدوث الخلف بين المؤمنين ورده إلى الكتاب والسنة‪:‬‬
‫ومما نستفيد من هذه القصة أنه قد يحدث الخلف بين المؤمنين‬
‫الصادقين حول بعض المور؛ فقد اختلفت الراء حول إنفاذ جيش‬
‫أسامة ‪ ‬في تلك الظروف الصعبة‪ ،‬وقد تعددت القوال حول‬
‫إمارته‪ ،‬ولم يجرهم الخلف في الرأي إلى التباغض والتشاجر‬
‫والتقاطع‪ (1‬والتقاتل‪ ،‬ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح‬
‫والتدابر‬
‫فساده وبطلنه ) ‪ ،‬وعندما رد الصديق الخلف إلى ما ثبت من أمر‬
‫النبي × ببعث أسامة وبّين ‪ ‬أنه ما كان ليفرط فيما أمر به رسول‬
‫الله × مهما تغيرت الحوال وتبدلت‪ ،‬استجاب بقية الصحابة لحكم‬
‫النبي × بعدما وضحه لهم الصديق‪ ،‬كما أنه ل عبرة لرأي الغلبية إذا‬
‫كان مخالفًا للنص؛ فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا‬
‫للصديق‪ :‬إن العرب قد انتقضت عليك وإنك ل تصنع بتفريق الناس‬
‫شيئا )‪ ،(2‬فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة‬
‫ً‬
‫الذين هم خير البشر وجدوا على الرض بعد النبياء والرسل عليهم‬
‫السلم‪ ،‬لكن‬
‫مبينً‪(3‬ا أن أمر رسول الله × أجل وأكرم‬
‫لهم‬
‫يستجب‬
‫لم‬
‫الصديق ‪‬‬
‫وأوجب وألزم من رأيهم كلهم‪ ).‬وقد تجلت هذه الحقيقة في حادثة‬
‫وفاة النبي ×؛ حيث رأى عامة الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬وفيهم‬
‫عمر ‪ ‬أن النبي × لم يمت‪ ،‬ورأى عدد قليل من الصحابة ‪-‬رضي‬
‫بكر‬
‫الله عنهم‪ -‬أنه × قد مات؛ منهم أبو بكر ‪ ،‬وقد رأينا أن أبا‬
‫تمسك بالنص وبّين خطأ من قال‪ :‬إن رسول الله × لم يمت )‪.(4‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على رأي الكثرين حول وفاته ×‪:‬‬
‫فيؤخذ منه على أن القل عددا في)‪(5‬الجتهاد قد يصيب ويخطئ‬
‫الكثرية‪ ،‬فل يتعين الترجيح بالكثر ‪.‬‬
‫فخلصة الكلم أن مما نستفيده من قصة تنفيذ الصديق جيش‬
‫دليل على‬
‫ً‬
‫أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬أن تأييد الكثرة لرأي ليس‬
‫إصابته )‪ ،(6‬ومما يستفاد من هذه القصة انقياد المؤمنين وخضوعهم‬
‫للحق إذا اتضح لهم‪ ،‬فعندما ذكرهم الصديق أن النبي × قد أمر‬
‫بتنفيذ جيش أسامة وهو الذي عين أسامة أميرًا على الجيش‪ ،‬انقاد‬
‫للمر‬
‫أولئك البرار‬
‫النبوي الكريم )‪.(7‬‬

‫‪ -4‬جعل الدعوة مقرونة بالعمل‪ ،‬ومكانة الشباب في‬
‫خدمة السلم‪:‬‬
‫لما أصر أبو بكر ‪ ‬على إبقاء أسامة بن زيد ‪ ‬أميرا للجيش‬
‫حرصا على التمسك بما قرره رسول الله ×‪ ،‬لم يقتصر على‬
‫ً‬
‫الصرار على إمارته فحسب‪ ،‬بل قدم اعترافًا عمليًا بإمارته وقد‬
‫‪10‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (2) .39‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص‬
‫‪.48 ،47‬‬
‫)( تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬ص ‪ (4) .100‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص‬
‫‪.45 ،44‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (6) .45 ،44‬فتح الباري‪.8/146 :‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.46‬‬
‫)‪ (1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.52‬‬

‫‪145‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫تجلى ذلك في أمرين‪:‬‬
‫‪ -1‬مشى أبو بكر ‪ ‬مع أسامة ‪ ‬وهو راكب‪ ،‬وقد كان ابن‬
‫عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة‪ ،‬وكان الصديق ‪ ‬قد تجاوز‬
‫ستين سنة من عمره‪ ،‬وأصر على المشي مع أسامة ‪ ،‬كما أصر‬
‫على بقاء أسامة ‪ ‬راكبًا لما طلب منه أسامة ‪ ‬إما أن يركب هو‬
‫أو يأذن له بالنزول‪ ،‬فلم يوافق ‪ ‬ل على هذا ول على ذاك‪ ،‬وبهذا‬
‫قدم ‪ ‬باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة ‪ ‬إلى‬
‫العتراف بإمرة أسامة ‪ ‬ورفع الحرج عنها من صدورهم‪ ،‬وكأن‬
‫الصديق ‪ ‬بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول‪ :‬انظروا أيها‬
‫المسلمون أنا أبو بكر رغم كوني خليفة رسول الله × أمشي مع‬
‫إقرارا وتقديرًا لمارته؛ حيث أمره رسولنا الكريم‬
‫ً‬
‫أسامة وهو راكب‪،‬‬
‫صلوات‪(1‬ربي وسلمه عليه‪ -‬فكيف‬
‫العلى‬
‫وقائدنا‬
‫إمامنا العظم‬‫تجرأتم أنتم على النتقاد على إمارته ) ‪.‬‬
‫‪ -2‬كان أبو بكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنهما‪ -‬بالمدينة نظرا لحاجته إليه‪ ،‬لكنه لم يأمر بذلك بل‬‫مناسبا‪،‬‬
‫ً‬
‫استأذن من أسامه ‪ ‬في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك‬
‫وبهذا قدم الصديق ‪ ‬صورة تطبيقية أخرى لعترافه واحترامه‬
‫لمارة أسامة ‪ ،‬وفيها بل شك دعوة قوية للجيش إلى القرار‬
‫والنقياد لمارته‪.‬‬
‫وهذا الذي اهتم به الصديق ‪ ‬من جعل دعوته مقرونة بالعمل‬
‫أولئك الذين يأمرون‬
‫هو الذي‬
‫أمر به السلم‪ ،‬ووبخ)‪(2‬الرب ‪-‬عز وجل‪ْ َ -‬‬
‫س‬
‫بالبر‬
‫الناس‬
‫م َُرو َ‬
‫وينسون أنفسهم َ ‪ ،‬قال ُتعالى‪+ ْ :‬أت َأ ُ‬
‫ن الّنا ُ َ‬
‫بأ َ‬
‫ن أ َن ْ ُ‬
‫ن"‬
‫ع ِ‬
‫قلو َ‬
‫م ت َت ْلو َ‬
‫و َ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫ن الك َِتا َ‬
‫ف َ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫س ْ‬
‫ِبال ْب ِّر َ‬
‫]البقرة‪.[44 :‬‬
‫ومما يتجلى في هذه القصة كذلك منزلة الشباب العظيمة في‬
‫خدمة السلم؛ فقد عين رسول الله × الشاب أسامة بن زيد ‪-‬رضي‬
‫الله عنهما‪ -‬أميرا على الجيش المعد لقتال الروم ‪-‬القوة العظيمة‬
‫في زعم الناس في ذلك الوقت‪ -‬وكان عمره آنذاك عشرين سنة أو‬
‫ثماني عشرة سنة‪ ،‬وأقره أبو بكر الصديق ‪ ‬على منصبه رغم انتقاد‬
‫الناس‪ ،‬وعاد المير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت‬
‫إليه غانمًا ظافرًا‪ ،‬وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في‬
‫خدمة السلم‪ .‬ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة السلمية في‬
‫المرحلتين المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ما قام به‬
‫شباب السلم في خدمة القرآن والسنة‪ ،‬وإدارة أمور الدولة‪،‬‬
‫والمشاركة في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى )‪.(3‬‬

‫‪ -5‬صورة مشرقة من آداب الجهاد في السلم‪:‬‬
‫ومن فوائد قصة بعث أبي بكر ‪ ‬لجيش أسامة أنها تقدم لنا‬
‫صورة مشرقة للجهاد السلمي‪ ،‬وقد تجلت تلك الصورة في وصية‬
‫أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند توديعه إياهم‪ ،‬ولم يكن أبو بكر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪ (3 ،‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.66‬‬
‫)‪ (1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.70‬‬

‫‪146‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫حيث‬
‫الصديق ‪ ‬في وصاياه للجيوش إل مستنا بسنة المصطفى ×؛‬
‫كان عليه الصلة والسلم يوصي المراء والجيوش عند توديعهم )‪،(1‬‬
‫ومن خلل فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من‬
‫حروب المسلمين فهي دعوة إلى السلم‪،‬‬
‫فإذا ما رأت الشعوب جيشًا يلتزم بهذه الوصايا ل تملك إل الدخول‬
‫في دين الله‬
‫طواعية واختيارًا‪:‬‬
‫أ‪ -‬إنها ترى جيشًا ل يخون‪ ،‬بل يصون المانة ويفي بالعهد ول‬
‫يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق‪.‬‬
‫ب‪ -‬ترى جيشًا ل يمثل بالدميين؛ بل هو يحسن القتل كما يحسن‬
‫العفو‪ ،‬يحترم الطفل ويرحمه‪ ،‬ويبّر الشيخ الكبير ويكرمه‪ ،‬ويصون‬
‫المرأة ويحفظها‪.‬‬
‫ج‪ -‬ترى جيشًا ل يبدد ثروة البلد المفتوحة‪ ،‬بل تراه يحفظ النخيل‬
‫ول يحرقه‪ ،‬ول يقطع شجرة مثمرة‪ ،‬ول يدمر المزروعات أو يخرب‬
‫الحقول‪.‬‬
‫د‪ -‬وإذا ما حافظ على الثروة الدمية فلم يغدر ولم يخن ولم يغل‬
‫ولم يمثل بقتيل ولم يقتل طفلً ول شيخًا كبيرًا ول امرأة‪ ،‬وحافظ‬
‫نخل أو يقطع شجرة مثمرة‪ ،‬فهو‬
‫ً‬
‫على الثروة الزراعية فلم يعقر‬
‫يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فل يذبح شاة أو بقرة‬
‫أو بعيرًا إل للكل فقط‪ ،‬فهل تحافظ الجيوش المشركة على واحد‬
‫ودمار؟‬
‫من هذه الشياء‪ ،‬أم أنها تحول البلد التي تحاربها إلى خراب‬
‫والمثال قائم في العدوان الشيوعي الملحد على أفغانستان )‪ ،(2‬وفي‬
‫البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا‪ ،‬وفي كشمير من قبل‬
‫الهند على المسلمين‪ ،‬وفي الشيشان‪ ،‬وفي فلسطين من قبل‬
‫اليهود‪ ،‬أل ما أعظم الفرق بين هداية الله وضلل الملحدين‪.‬‬
‫هـ‪ -‬وهو جيش يحترم العقائد والديان السابقة عليه‪ ،‬فيحافظ‬
‫على العباد في صوامعهم ول يتعرض لهم بأذى‪ ...‬وتلك دعوة عملية‬
‫الرض فساًدا‬
‫تدل على سماحة السلم وعدالته‪ ،‬أما من يعيثون في‬
‫ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم )‪.(3‬‬
‫وما جاء في وصية الصديق ‪ ‬لم يكن كلمات قيلت بل طبقها‬
‫المسلمون في عصره وبعده )‪ (4‬وسنرى ذلك بإذن الله في فتوحاته‬
‫‪.‬‬

‫‪ -6‬أثر جيش أسامة على هيبة الدولة السلمية‪:‬‬
‫عاد جيش أسامة ظافرًا غانمًا بعدما أرهب الروم حتى قال لهم‬
‫هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته‪ :‬هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن‬
‫تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم‪ ،‬ثم‬
‫م‪ .‬قال أخوه »يناف«‪ :‬فابعث رباطًا )جندا‬
‫تخرج من ساعتها ولم تك ْل َ ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.80‬‬
‫)(‪ (2) ,‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.269‬‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.81‬‬

‫‪147‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مرابطين( تكون بالبلقاء‪ ،‬فبعث رباطًا واستعمل عليهم رجلً من‬
‫تقدمت البعوث إلى الشام في خلفة‬
‫أصحابه‪ ،‬فلم يزل مقيمًا حتى‬
‫)‪(1‬‬
‫بأجمعهم وقالوا‪:‬‬
‫الروم‬
‫تعجب‬
‫ثم‬
‫‪،‬‬
‫عنهما‬
‫أبي بكر وعمر رضي الله‬
‫)‪(2‬‬
‫ما بال هؤلء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟‪.‬‬
‫وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة‬
‫الدولة )‪ ،(3‬وعندما بلغ جيش أسامة الظافر إلى المدينة تلقاه أبو بكر‬
‫وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والنصار للقائه‪ ،‬وكلهم‬
‫خرج وتهلل‪ ،‬وتلقاه أهل المدينة بالعجاب والسرور والتقدير‪ ،‬ودخل‬
‫أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله × وصلى لله شكرًا على ما‬
‫أنعم به عليه وعلى المسلمين‪ ،‬وكان لهذه الغزوة أثر في حياة‬
‫في‪(4‬الثورة عليهم‪ ،‬وفي‬
‫المسلمين وفي حياة العرب الذين فكروا‬
‫حياة الروم الذين تمتد بلدهم على حدودهم ) ‪ ،‬فقد فعل هذا‬
‫الجيش بسمعته ما لم يفعله بقوته وعدده‪ ،‬فأحجم من المرتدين من‬
‫أقدم‪ ،‬وتفرق من اجتمع‪ ،‬وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب‬
‫وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال‪ ،‬وقبل أن يصنع‬
‫عليهم‪،‬‬
‫السلح )‪.(5‬‬
‫حقًا‪ ،‬لقد كان إرسال هذا الجيش نعمة على المسلمين‪ ،‬إذ‬
‫أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات‪ ،‬ولعل من آثار هذا‬
‫أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على‬
‫المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق‪ ،‬كل ذلك يؤكد أن أبا بكر‬
‫الزمات من بين جميع الباحثين عن الحل أثقبهم نظرًا‬
‫‪ ‬كان في‬
‫فهما )‪.(6‬‬
‫ً‬
‫وأعمقهم‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المغازي‪3/1124 :‬؛ طبقات ابن سعد‪.2/192 :‬‬
‫تهذيب ابن عساكر‪1/125 :‬؛ تاريخ ابن عساكر‪.1/439 :‬‬
‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.270‬‬
‫الصديق‪ ،‬لهيكل باشا‪ :‬ص ‪.107‬‬
‫عبقرية الصديق للعقاد‪ :‬ص ‪.109‬‬
‫حركة الردة‪ ،‬د‪ :‬علي العتوم‪ :‬ص ‪.167‬‬

‫‪148‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثاني‬
‫جهاد الصديق لهل الردة‬
‫أو ً‬
‫حا‪ ،‬وبعض اليات التي حذرت من الردة‪:‬‬
‫ل‪ :‬الردة اصطل ً‬
‫حا‪:‬‬
‫‪ -1‬الردة اصطل ً‬
‫عرف النووي الردة بأنها‪ :‬قطع السلم بنية أو قول كفر أو فعل‪،‬‬
‫سواء قاله استهزاء أو عناًدا أو اعتقادًا‪ ،‬فمن نفى الصانع أو الرسل‬
‫كذب رسولً أو حلل محرمًا بالجماع كالزنا وعكسه‪ ،‬أو نفى‬
‫أو ّ‬
‫وجوب مجمع عليه أو عكسه‪ ،‬أو عزم على الكفر أو تردد فيه كفر)‪.(1‬‬
‫وعرفها عليش المالكي)‪(2‬بأنها‪ :‬كفر المسلم بقول صريح أو لفظ‬
‫يقتضيه أو بفعل يتضمنه ‪.‬‬
‫د( بأنه‪ :‬كل من صح عنه أنه‬
‫ن حزم الظاهري )المرت َ‬
‫وعرف اب ُ‬
‫كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين السلم‪ ،‬ثم ثبت عنه أنه‬
‫ارتد عن السلم وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين‬
‫)‪.(3‬‬
‫ول َ‬
‫عثمان‬
‫وعرفه‬
‫الحنبلي‪ :‬بأنه لغة‪ :‬الراجع‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫َ‬
‫م" ]المائدة‪ ،[21 :‬وشرعًا‪ :‬من أتى بما يوجب‬
‫دوا َ‬
‫ت َْرت َ ّ‬
‫ر(ك ُ ْ‬
‫عَلى أدَْبا)‪ِ 4‬‬
‫الكفر بعد إسلمه ‪.‬‬
‫ومعنى هذا أن المرتد هو كل من أنكر معلومًا من الدين‬
‫والنبوة وموالة المؤمنين‪ ،‬أو أتى بقول أو‬
‫بالضرورة كالصلة والزكاة‬
‫)‪(5‬‬
‫تأويل غير الكفر‪.‬‬
‫ً‬
‫فعل ل يحتمل‬

‫‪ -2‬بعض اليات التي أشارت إلى المرتدين‪:‬‬
‫أطلق الله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬على المرتدين عن دينه عبارات‬
‫تشير إلى هذا المرتكس الوبيل الذي تحولوا إليه‪ ،‬منها الردة على‬
‫العقاب أو على الدبار والنقلب بالخسران وطمس الوجوه‪ ،‬ورد‬
‫اليدي في الفواه والرتياب والتردد واسوداد الوجوه )‪ ،(6‬قال تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫عوا ال ّ ِ‬
‫مُنوا ِإن ت ُ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫فُروا ي َُر ّ‬
‫طي ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫فت َن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ ،[149 :‬وقال تعالى‪َ+ :‬يا‬
‫قل ُِبوا َ‬
‫أَ ْ‬
‫خا ِ‬
‫ري َ‬
‫قاب ِ ّك ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫عكم‬
‫ما‬
‫ل‬
‫قا‬
‫د‬
‫ص‬
‫م‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫ما‬
‫ب‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫توا‬
‫أو‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫أي ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫عَلى أ َدبار َ َ‬
‫قبل َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ها‬
‫د‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ف‬
‫ها‬
‫جو‬
‫و‬
‫س‬
‫م‬
‫ط‬
‫ن‬
‫أن‬
‫من‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫و ن َل ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫عن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ها أ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫عول" ]النساء‪،[47 :‬‬
‫مُر الل ِ‬
‫سب ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫ف ُ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫ما ل َ َ‬
‫ب ال ّ‬
‫ه َ‬
‫نأ ْ‬
‫كَ َ‬
‫عّنا أ ْ‬
‫ت َ‬
‫وجاء في تفسير ابن كثير‪ :‬وطمسها أن تعمى وقوله‪ :‬فنردها على‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( محمد الزهري الغمراوي‪ ،‬شرح على متن المنهاج‪ ،‬لشرف الدين النووي‪ :‬ص‬
‫‪.519‬‬
‫)( أحكام المرتد للسامرائي‪ :‬ص ‪.44‬‬
‫)( المحلى‪ ،11/188 :‬المطبعة المنيرية ‪ 1352‬هـ‪.‬‬
‫)( أحكام المرتد للسامرائي‪ :‬ص ‪.44‬‬
‫)( حركة الردة‪ ،‬د‪ .‬علي العتوم‪ :‬ص ‪ .18‬وهو من أهم المراجع في بحث الردة‪.‬‬
‫)( حركة الردة‪ :‬ص ‪.18‬‬

‫‪149‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أدبارها أي‪ :‬تجعل لحدهم عينين من قفاه‪ ،‬وهذا أبلغ في العقوبة‬
‫والنكال‪ ،‬وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى‬
‫البيضاء إلى سبيل الضللة يهرعون‬
‫الباطل ورجوعهم عن المحجة‬
‫ويمشون القهقري على أدبارهم )‪.(1‬‬
‫وقال تعالى‪+ :‬يوم ت َبيض وجوه وت َسود وجوه َ َ‬
‫ن‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫فأ ّ‬
‫َ ََْ ْ َ ّ ُ ُ ٌ َ ْ َ ّ ُ ُ ٌ‬
‫ذو ُ‬
‫م َ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ف ُ‬
‫ما‬
‫جو ُ‬
‫ذا َ‬
‫قوا ال ْ َ‬
‫م بَ ْ‬
‫و ُ‬
‫ودّ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ا ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫عدَ ِإي َ‬
‫فْرت ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫تْ ُ‬
‫س َ‬
‫م ت َك ُ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[106 :‬‬
‫فُرو َ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫نقل القرطبي فيها جملة آراء منها رأي قتادة أنها في المرتدين‪ ،‬كما‬
‫لبي هريرة وقال عنه‪ :‬يستشهد به بأن الية في الردة وهو‪:‬‬
‫حديث‬
‫نقل ا ً‬
‫»يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض‬
‫فأقول‪ :‬يا رب أصحابي! فيقول‪:‬إنك ل علم لك ما أحدثوا بعدك‪ ،‬إنهم‬
‫ارتدوا على أدبارهم القهقري«‪(2).‬وفي رواية أخرى لهذا الحديث عن ابن‬
‫×‪» :‬يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات‬
‫عباس قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫اليمين فأقول‪ :‬أصحابي‪ ،‬فيقال‪ :‬إنك ل تدري ما أحدثوا بعدك‪ ،‬فأقول كما‬
‫دا ًما دمت فيهم‪ ،‬فلما توفيتني كنت‬
‫قال العبد الصالح‪ :‬وكنت عليهم شهي‬
‫عليهم‪ ،‬فيقال‪ :‬إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ‬
‫أنت الرقيب‬
‫)‪(3‬‬
‫فارقتهم«‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أسباب الردة وأصنافها‪:‬‬
‫إن الردة التي قامت بها القبائل بعد وفاة رسول الله × لها‬
‫أسباب‪ ،‬منها‪ :‬الصدمة بموت رسول الله ×‪ ،‬ورقة الدين والسقم في‬
‫فهم نصوصه‪ ،‬والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها‪ ،‬والتفلت من‬
‫النظام والخروج على السلطة الشرعية‪ ،‬والعصبية القبلية والطمع‬
‫الملك‪ ،‬والتكسب بالدين والشح بالمال‪ ،‬والتحاسد‪ ،‬والمؤثرات‬
‫في‬
‫الجنبية )‪ (4‬كدور اليهود والنصارى والمجوس‪ ،‬وسنتحدث عن كل‬
‫سبب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما أصنافها‪ :‬فمنهم من ترك السلم جملة وتفصيلً وعاد إلى‬
‫الوثنية وعبادة الصنام‪ ،‬ومنهم من ادعى النبوة‪ ،‬ومنهم من دعا إلى‬
‫ترك الصلة‪ ،‬ومنهم من بقي يعترف بالسلم ويقيم الصلة ولكنه‬
‫امتنع عن أداء زكاته‪ ،‬ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه‬
‫وانتظر على من‬
‫يمارس عاداته الجاهلية‪ ،‬ومنهم من تحير وتردد‬
‫تكون الدبرة‪ ،‬وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير )‪.(5‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬إن أهل الردة كانوا صنفين‪ :‬صنفًا ارتدوا عن‬
‫الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر‪ ،‬وهذه الفرقة طائفتان‪:‬‬
‫إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على‬
‫دعواه في النبوة‪ ،‬وأصحاب السود العنسي ومن كان من مستجيبيه‬
‫من أهل اليمن وغيرهم‪ ،‬وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( تفسير ابن كثير‪ ،508 ،1/507 :‬طبعة الحلبي‪.‬‬
‫)( تفسير القرطبي‪.4/166 :‬‬
‫)( الخصائص الكبرى للسيوطي‪.2/456 :‬‬
‫)( حركة الردة‪ ،‬على العتوم‪ 110 :‬إلى ‪.137‬‬
‫)(حركة الردة‪ ،‬على العتوم‪ :‬ص ‪ (2) .20‬شرح صحيح مسلم للنووي‪.1/202 :‬‬

‫‪150‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫محمد × مدعية النبوة لغيره‪ ،‬والطائفة الخرى ارتدوا عن الدين‬
‫وأنكروا الشرائع وتركوا الصلة والزكاة وغيرها من أمور الدين‬
‫وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية‪ ،‬والصنف الخر هم الذين‬
‫فرقوا بين الصلة والزكاة فأقروا بالصلة وأنكروا فرض الزكاة‬
‫ووجوب أدائها إلى المام )‪ ...(1‬وقد كان ضمن هؤلء المانعين للزكاة‬
‫من كان يسمح )بها( ول يمنعها إل أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك‪،‬‬
‫وقبضوا أيديهم على ذلك )‪.(2‬‬
‫وقريب من هذا التقسيم لصناف المرتدين تقسيم القاضي‬
‫عياض غير أنهم عنده ثلثة‪ :‬صنف عادوا إلى عبادة الوثان‪ ،‬وصنف‬
‫تبعوا مسيلمة والسود العنسي‪ ،‬وكل منهما ادعى النبوة‪ ،‬وصنف‬
‫ثالث استمروا على السلم ولكنهم جحدوا الزكاة‪ ،‬وتأولوا بأنها‬
‫خاصة بزمن النبي × )‪.(3‬‬
‫وقسم الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود المرتدين إلى‬
‫أربعة أصناف‪ :‬صنف عادوا إلى عبادة الوثان والصنام‪ ،‬وصنف اتبعوا‬
‫المتنبئين الكذبة السود العنسي ومسيلمة وسجاح‪ ،‬وصنف أنكروا‬
‫وجوب الزكاة وجحدوها‪ ،‬وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن‬
‫يدفعوها إلى أبي بكر )‪.(4‬‬
‫ثالًثا‪ :‬الردة أواخر عصر النبوة‪:‬‬
‫بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود‪،‬‬
‫وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول ×‬
‫ممثلة بزعمائها الذين قدموا عليه من أصقاعها المختلفة‪ ،‬وكانت‬
‫حركة الردة في هذه الثناء لما تستعلن بشكل واسع‪ ،‬حتى إذا كان‬
‫أواخر العام العاشر الهجري وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول‬
‫الله ×‪ ،‬ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس‪ ،‬بدأ‬
‫الجمر يتململ من تحت الرماد‪ ،‬وأخذت الفاعي تطل برؤوسها من‬
‫جحورها‪ ،‬وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج‪ ،‬فوثب السود‬
‫العنسي( باليمن‪ ،‬ومسيلمة الكذاب باليمامة‪ ،‬وطليحة السدي في بلد‬
‫قومه )‪ ، 5‬ولما كان أخطر متمردين على السلم وهما السود‬
‫العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان كما يبدو على المضي في طريق‬
‫ردتهما قدما دون أن يفكرا في الرجوع‪ ،‬وأنهما مشايعان بقوى‬
‫غفيرة وإمكانيات وفيرة فقد أرى الله نبيه × من أمرهما ما تقر به‬
‫عينه‪ ،‬ومن ثم ما تقر به عيون أمته من بعده‪ ،‬فقد قال يومًا وهو‬
‫يخطب الناس على منبره‪» :‬أيها الناس‪ ،‬إني قد أريت ليلة القدر ثم‬
‫أنسيتها‪ ،‬ورأيت أن في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما‬
‫فطارا‪ ،‬فأولتهما هذين الكذابين‪ :‬صاحب اليمن وصاحب اليمامة« )‪.(6‬‬
‫وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نفس المصدر السابق‪.1/203 :‬‬
‫فتح الباري‪.12/276 :‬‬
‫الحكم بغير ما أنزل الله‪ ،‬د‪ :‬عبد الرحمن المحمود‪ :‬ص ‪.239‬‬
‫حركة الردة‪ :‬ص ‪.65‬‬
‫مسند أحمد رقم‪ ،11407 :‬باقي مسند المكثرين‪ ،‬وأصله في الصحيحين‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فقالوا‪ :‬إن نفخه × لهما يدل على أنهما يقتلن بريحه لنه ل يغزوهما‬
‫بنفسه‪ ،‬وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دللة على كذبهما لن‬
‫شأنهما زخرف وتمويه‪ ،‬كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان؛‬
‫أمرهما‬
‫لن الساورة هم الملوك‪ ،‬ودل بكونهما يحيطان باليدين أن‬
‫)‪(1‬‬
‫يشتد على المسلمين فترة لكون السوار مضيقًا على الذراع‪.‬‬
‫وعبر الدكتور علي العتوم بقوله‪ ...»:‬بأن طيرانهما بالنفخ دللة‬
‫على ضعف كيدهما مهما تضاخم‪ ،‬فشأنهما زبد ل بد أن يؤول إلى‬
‫جفاء ما دام هذا الكيد مستمدًا من الشيطان فهو واهن ل محالة‪ ،‬إذ‬
‫أثرا بعد عين‪ ،‬وكونهما من‬
‫أقل هجمة مركزة في سبيل الله تحيلهما ً‬
‫ذهب دللة على أنهما يقصدان من عملهما الدنيا؛ لن الذهب رمز‬
‫لحطامها الذي يسعى المغترون بها خلفه‪ ،‬وأنها سوارن إشارة إلى‬
‫طريق الحاطة بهم من كل‬
‫محاولتهما الحاطة بكيان المسلمين عن‬
‫جانب‪ ،‬تمامًا كما يحيط السوار بالمعصم« )‪.(2‬‬
‫رابًعا‪ :‬موقف الصديق من المرتدين‪:‬‬
‫لما كانت الردة قام أبو بكر ‪ ‬في الناس خطيبًا فحمد الله‬
‫وأثنى عليه ثم قال‪ :‬الحمد لله الذي هدى فكفى‪ ،‬وأعطى فأعفى‪ .‬إن‬
‫الله بعث محمدًا × والعلم شريد‪ ،‬والسلم غريب طريد‪ ،‬قد رث‬
‫خَلق ثوبه وضل أهله منه‪ ،‬ومقت الله أهل الكتاب فل يعطيهم‬
‫حبله و َ‬
‫خيرا لخير عندهم‪ ،‬ول يصرف عنهم شّرا لشر عندهم‪ ،‬وقد غيروا‬
‫ً‬
‫كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه‪ ،‬والعرب المنون يحسبون أنهم في‬
‫دينا‪,‬‬
‫منعة من الله ل يعبدونه ول يدعونه‪ ،‬فأجهدهم عيشًا وأظلهم ً‬
‫في ظلف من الرض مع ما فيه من السحاب‪ ،‬فختمهم الله بمحمد‬
‫وجعلهم المة الوسطى‪ ،‬ونصرهم بمن اتبعهم‪ ،‬ونصرهم على غيرهم‪،‬‬
‫حتى قبض الله نبيه فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه‪،‬‬
‫ل َ‬
‫سو ٌ‬
‫ت‬
‫ق َدْ َ‬
‫م َ‬
‫خل َ ْ‬
‫مدٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫وَ َ‬
‫وأخذ بأيديهم‪ ،‬وبغى َهلكتهم‪َ + :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ع َ‬
‫ل ان ْ َ‬
‫و ُ‬
‫لأ َ‬
‫من َ‬
‫قت ِ َ‬
‫س ُ‬
‫م‬
‫أ‬
‫على أ ْ‬
‫م َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ما َ‬
‫ه الّر ُ‬
‫قاب ِك ْ‬
‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫فِإن ّ‬
‫تَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ي‬
‫س‬
‫و‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ر‬
‫ض‬
‫ي‬
‫لن‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ع‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫زي الل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ال ّ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[144 :‬‬
‫ري َ‬
‫شاك ِ ِ‬
‫إن من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم‪ ،‬ولم يكونوا‬
‫في دينهم –وإن رجعوا إليه‪ -‬أزهد منهم يومهم هذا‪ ،‬ولم تكونوا في‬
‫دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم‪ ،‬وقد‬
‫وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالً َ فهداه وعائلً فأغناه‪:‬‬
‫فأن َ‬
‫ر َ‬
‫ح ْ‬
‫ش َ‬
‫عَلى َ‬
‫ها" ]آل‬
‫م َ‬
‫فَر ٍ‬
‫فا ُ‬
‫من ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫قذَك ُ ْ‬
‫ة ّ‬
‫وك ُن ْت ُ ْ‬
‫‪َ +‬‬
‫ن الّنا ِ‬
‫عمران‪.[103 :‬‬
‫والله ل أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي‬
‫شهيدا من أهل الجنة‪ ،‬ويبقى من بقي‬
‫ً‬
‫لنا عهده‪ ،‬ويقتل من قتل منا‬
‫منها خليفته وذريته في أرضه‪ ،‬قضاء الله الحق‪ ،‬وقوله الذي ل خلف‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ن َآ َ‬
‫عدَ الل ُ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫م َ‬
‫َله‪َ + :‬‬
‫َ‬
‫ض" )‪] (3‬النور‪.[55 :‬‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ست َ ْ ِ ّ ُ ْ ِ‬
‫لي َ ْ‬
‫ْ ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( حركة الردة‪ ،‬للعتوم‪ :‬ص ‪.66‬‬
‫)( حركة الردة‪ :‬ص ‪.66‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/316 :‬‬

‫‪152‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وقد أشار بعض الصحابة ‪-‬ومنهم عمر‪ -‬على الصديق بأن يترك‬
‫من قلوبهم‪ ،‬ثم هم بعد‬
‫مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن اليمان‬
‫ذلك يزكون‪ ،‬فامتنع الصديق عن ذلك وأباه )‪.(1‬‬
‫فعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬لما توفي رسول الله × وكان أبو بكر‬
‫‪ ،‬وكفر من كفر من العرب‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬كيف نقاتل الناس وقد‬
‫يقولوا‪ :‬ل إله إل‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫الله‪ ،‬فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إل بحقه )‪ ،(2‬وحسابه‬
‫على الله«؟ فقال‪ :‬والله لقاتلن من فّرق)‪(3‬بين الصلة والزكاة‪ ،‬فإن‬
‫رسول‬
‫عناقا كانوا يؤدونها إلى‬
‫ً‬
‫الزكاة حق المال‪ ،‬والله لو منعوني‬
‫الله × لقاتلتهم على منعها‪ .‬وفي رواية‪ :‬والله لو منعوني عقال ً )‪،(4‬‬
‫عمر‪ :‬فوالله ما‬
‫كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه‪ .‬قال‬
‫هو إل أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق )‪ ،(5‬ثم قال‬
‫لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه المة جميعًا‬
‫عمر بعد ذلك‪ :‬والله‬
‫)‪(6‬‬
‫في قتال أهل الردة‪.‬‬
‫وبذلك يكون أبو بكر قد كشف لعمر ‪-‬وهو يناقشه‪ -‬عن ناحية‬
‫فقهية مهمة أجلها له وكانت قد غابت عنه‪ ،‬وهي أن جملة جاءت‬
‫في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدليل على‬
‫قول‬
‫وجوب محاربة من منع الزكاة حتى إن نطق بالشهادتين‪ ،‬هي‬
‫النبي ×‪» :‬فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إل بحقها«‪،(7).‬‬
‫ما وهو الرأي‬
‫ً‬
‫وفعل كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين رأيًا مله ً‬
‫الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة السلم والمسلمين‪ ،‬وأي موقف‬
‫غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية‪،‬‬
‫ولول الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ‬
‫وتحولت مسيرته ورجعت عقارب)‪(8‬الساعة إلى الوراء‪ ،‬ولعادت‬
‫الجاهلية تعيث في الرض فسادًا ‪.‬‬
‫لقد تجلى فهمه الدقيق للسلم وشدة غيرته على هذا الدين‬
‫وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها‬
‫جَنانه‪ ،‬وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة‬
‫لسانه ونطق بها َ‬
‫وكتابا حافلً‪ ،‬وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا‬
‫ً‬
‫الزكاة إلى بيت المال أو منعوها مطلقًا وأنكروا فرضيتها‪ :‬قد انقطع‬
‫الوحي وتم الدين‪ ،‬أينقص وأنا‬
‫حي؟ )‪ (9‬وفي رواية‪ :‬قال عمر‪ :‬فقلت‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬تألف‬
‫خوار في السلم‪،‬‬
‫الناس وارفق بهم‪ .‬فقال لي‪ :‬أجبار في الجاهلية‬
‫)‪(10‬‬
‫قد انقطع الوحي وتم الدين‪ ،‬أينقص وأنا حي؟‪.‬‬
‫لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين‪ ،‬وما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نفس المصدر السابق‪.6/315 :‬‬
‫)‪ (2‬عناًقا‪ :‬النثى من ولد المعز‪.‬‬
‫بحقه‪ :‬حق السلم‪.‬‬
‫عقال‪ :‬هو الحبل الذي يعقل به البعير‪.‬‬
‫ً‬
‫البخاري‪ ،‬رقم‪ ,1400 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.20 :‬‬
‫)‪ (6‬مسلم‪ ،‬رقم‪.21 :‬‬
‫حروب الردة‪ ،‬محمد أحمد باشميل‪ :‬ص ‪.24‬‬
‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪.86‬‬
‫المرتضى لبي الحسن الندوي‪ :‬ص ‪.70‬‬
‫مشكاة المصابيح‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬رقم‪.6034 :‬‬

‫‪153‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عزم على خوض الحرب إل بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح‪ ،‬إل‬
‫أنه كان سريع القرار حاسم الرأي‪ ،‬فلم يتردد لحظة واحدة بعد‬
‫سمة بارزة من سمات أبي بكر‬
‫ظهور الصواب له‪ ،‬وعدم التردد كان‬
‫–هذا الخليفة العظيم‪ -‬في حياته كلها )‪ ،(1‬ولقد اقتنع المسلمون‬
‫بصحة رأيه ورجعوا إلى قوله واستصوبوه‪.‬‬
‫لقد كان أبو بكر ‪ ‬أبعد الصحابة نظرًا وأحقهم فهمًا وأربطهم‬
‫جنانا وفي هذه الطامة العظيمة )‪ ،(2‬والمفاجأة المذهلة‪ ،‬ومن هنا أتى‬
‫ً‬
‫بن‪(3‬المسيب ‪-‬رحمه الله‪ :-‬وكان أفقههم ‪-‬يعني الصحابة‪-‬‬
‫سعيد‬
‫قول‬
‫رأيا ) ‪.‬‬
‫وأمثلهم ً‬
‫إن أبا بكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله؛ لنه فهم بإيمانه‬
‫الذي فاق إيمانهم جميعًا أن الزكاة ل تنفصل عن الشهادتين‪ ،‬فمن‬
‫أقر لله بالوحدانية ل بد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله‪ ،‬الذي‬
‫هو مال الله أصلً وأن ل إله إل الله بغير زكاة ل وزن لها في حياة‬
‫الشعوب‪ ،‬وأن السيف يشرع دفاعًا عن أدائها تمامًا كما يشرع دفاعًا‬
‫عن ل إله إل)‪(4‬الله‪ ،‬تمامًا هذه كتلك‪ .‬هذا هو السلم وغير هذا ليس‬
‫أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب‬
‫من السلم‪ .‬فقد توعد‬
‫الله ‪+‬أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ب‬
‫ن‬
‫نو‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ت‬
‫ف‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ويكفرون ببعض‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ض ال ْك َِتا ِ‬
‫ِ‬
‫َ ِ‬
‫من ْك ُ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ض َ‬
‫وت َك ْ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ي‬
‫ف‬
‫م إ ِل ّ ِ‬
‫ل ذَل ِ‬
‫جَزاءُ‬
‫ك َِ‬
‫فُرو َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫ن ب ِب َ ْ‬
‫خْز ٌ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ة الدّن َْيا‬
‫م ال ِ‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫دو َ‬
‫ن إ ِلى أشدّ ال َ‬
‫ة ي َُر ّ‬
‫وي َ‬
‫في ال َ‬
‫و َ‬
‫قَيا َ‬
‫عذا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن" ]البقرة‪.[85 :‬‬
‫ه بِ َ‬
‫ل َ‬
‫غا ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ع ّ‬
‫ما الل ُ‬
‫و َ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫كان موقف أبي بكر ‪ ‬الذي ل هوادة فيه ول مساومة فيه ول‬
‫موقفا ملهمًا من الله‪ ،‬يرجع الفضل الكبر ‪-‬بعد الله تعالى‪ -‬في‬
‫ً‬
‫تنازل‬
‫سلمة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته‪ ،‬وقد أقر الجميع‬
‫وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية‬
‫ف النبياء والرسل في‬
‫ومحاولة نقض عرى السلم عروة عروة‪ ،‬موق َ‬
‫عصورهم‪ ،‬وهذه خلفة النبوة التي أدى أبو بكر حقها‪ ،‬واستحق بها‬
‫ثناء المسلمين)‪(5‬ودعاءهم إلى أن يرث الله‬
‫الرض وأهلها ‪.‬‬
‫سا‪ :‬خطة الصديق لحماية المدينة‪:‬‬
‫خام ً‬
‫انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت‬
‫عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين‪:‬‬
‫‪ -1‬أن قضية منع الزكاة ل تقبل المفاوضة‪ ،‬وأن حكم السلم‬
‫فيها واضح‪ ،‬ولذلك ل أمل في تنازل خليفة المسلمين عن‬
‫عزمه ورأيه‪ ،‬وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه‬
‫بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪.87‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.165‬‬
‫البدء والتاريخ للمقدسي‪.5/153 :‬‬
‫حياة أبي بكر‪ ،‬محمود شلبي‪ :‬ص ‪.123‬‬
‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.280‬‬
‫المرتضى للنداوي‪ :‬ص ‪.72‬‬

‫‪154‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -2‬أنه ل بد من اغتنام فرصة ضعف المسلمين ‪-‬كما يظنون‪-‬‬
‫المدينة‪(1‬يسقط الحكم‬
‫وقلة عددهم لهجوم كاسح على‬
‫السلمي فيها ويقضى على هذا الدين ) ‪.‬‬
‫قرأ الصديق في وجوه القوم ما فيها من الغدر‪ ،‬ورأى فيها‬
‫الخسة وتفرس فيها اللؤم‪ ،‬فقال لصحابه‪ :‬إن الرض كافرة وقد رأى‬
‫أليل تؤتون أم نهارًا! وأدناهم منكم‬
‫ً‬
‫وفدهم منكم قلة‪ ،‬وإنكم ل تدرون‬
‫منهم ونوادعهم‪ ،‬وقد أبينا‬
‫نقبل‬
‫أن‬
‫على بريد‪ ،‬وقد كان القوم يأملون‬
‫عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا)‪ .(2‬ووضع الصديق خطته‬
‫على‬
‫الوجه التالي‪:‬‬
‫أ‪ -‬ألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد؛ حتى يكونوا على‬
‫أكمل استعداد للدفاع‪.‬‬
‫ب‪ -‬نظم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون‬
‫حولها‪ ،‬حتى يدفعوا أي غارة قادمة‪.‬‬
‫ج‪ -‬عين على الحرس أمراءهم‪ :‬علي بن أبي طالب‪ ،‬والزبير بن‬
‫العوام‪،‬‬
‫وقاص‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪،‬‬
‫أبي‬
‫بن‬
‫وسعد‬
‫الله‪،‬‬
‫عبيد‬
‫بن‬
‫وطلحة‬
‫وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم )‪.(3‬‬
‫د‪ -‬وبعث أبو بكر ‪ ‬إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت‬
‫على السلم من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم‬
‫بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلت المدينة بهم‪ ،‬وكانت‬
‫معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق)‪ ،(4‬ومما‬
‫يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق أن‬
‫جهينة وحدها قدمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم‬
‫الجهني مائة بعير لعانة‬
‫الظهر والخيل‪ ،‬وساق عمرو بن مرة‬
‫المسلمين‪ ،‬فوزعها أبو بكر في الناس )‪.(5‬‬
‫هـ‪ -‬ومن ابتعد عن المرتدين وأبطأ خطره حاربه بالكتب يبعث بها‬
‫إلى الولة المسلمين في أقاليمهم‪ ،‬كما كان رسول الله يفعل‪،‬‬
‫يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين ويأمر الناس للقيام معهم في‬
‫هذا المر‪ ،‬ومن أمثلة ذلك رسالته لهل اليمن حيث المرتدة من‬
‫جنود السود العنسي التي قال فيها‪» :‬أما بعد‪ ،‬فأعينوا البناء على‬
‫من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز‪ ،‬وجدوا معه؛ فإني قد‬
‫وليته«‪ (6).‬وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس‬
‫بزعامة فيروز يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على‬
‫رد‪(7‬الله كيدهم إلى نحورهم‪ ،‬وعادت اليمن‬
‫العصاة المارقين حتى‬
‫بالتدرج إلى جادة الحق ) ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (4‬تاريخ الطبري‪.4/64 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/64 :‬‬
‫)(‪ (2) ,‬الثابتون على السلم أيام فتنة الردة‪ ،‬د‪ :‬مهدي رزق الله‪ :‬ص ‪.21‬‬
‫)( الثابتونـ على السلمـ أيامـ فتنةـ الردة‪،‬ـ د‪:‬ـ مهدي رزق الله‪:‬ـ ص ‪.21‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( البدء والتاريخ للمقدسي‪ (4) .5/157 :‬حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.174‬‬

‫‪155‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫و‪ -‬وأما من قرب منهم من المدينة واشتد خطره كبني عبس‬
‫وذبيان فإنه لم ير بدّا من محاربتهم على الرغم من الظروف‬
‫القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله ×‪ ،‬فكان أن آوي‬
‫والعيال إلى الحصون والشعاب محافظة عليهم من غدر‬
‫الذراري‬
‫المرتدين)‪ ،(1‬واستعد للنزال بنفسه ورجاله‪.‬‬
‫سا‪ :‬فشل أهل الردة في غزو المدينة‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫بعد ثلثة أيام من رجوع وفود المرتدين طرقت بعض قبائل أسد‬
‫سي‬
‫وغطفان وعبس وذبيان وبكر المدين َ‬
‫ة ليلً وخلفوا بعضهم بذي ُ‬
‫ح َ‬
‫ليكونوا لهم ردءًا‪ ،‬وانتبه حرس النقاب لذلك‪ ،‬وأرسلوا للصديق‬
‫ن الزموا أماكنكم ففعلوا‪ ،‬وخرج في أهل‬
‫بالخبر‪ ،‬فأرسل إليهم أ ِ‬
‫المسلمون على‬
‫فأتبعهم‬
‫العدو‬
‫فانفش‬
‫إليهم‪،‬‬
‫المسجد على النواضح‬
‫فخرج‪(3‬عليهم الردء بأنحاء )‪ (2‬قد نفخوها‬
‫سى‬
‫ح‬
‫إبلهم‪ ،‬حتى بلغوا ذا ُ‬
‫َ‬
‫ثم دهدهوها ) بأرجلهم في وجوه البل فتدهده‬
‫وجعلوا فيها الحبال‬
‫كل نحي فى طوله )‪ ،(4‬فنفرت إبل المسلمين وهم عليها –ول تنفر‬
‫البل من شيء نفارها من النحاء‪ -‬فعاجت بهم ما يملكونها حتى‬
‫دخلت بهم المدينة فلم ُيصرع مسلم ولم ُيصب‪ (5).‬وقال عبد الله‬
‫الليثي‪ :‬وكانت بنو عبد مناة من المرتدة –وهم بنو ذبيان‪ -‬في ذلك‬
‫المر بذي القصة وبذي حسى‪:‬‬
‫فيا لعباد الله ما لبي بكر‬
‫أطعنا رسول الله ما كان‬
‫بيننا‬
‫وتلك لعمر الله قاصمة الظهر‬
‫أيورثها بكرا إذا مات‬
‫بعده‬
‫وهل خشيتم حس راغية البكر‬
‫فهل رددتم وفدنا بزمانه‬
‫م‬
‫وإن التي سالُوك ُ ُ‬
‫م‬
‫فمنعت ُ ُ‬
‫فظن القوم بالمسلمين الوهن‪ ،‬وبعثوا إلى أهل ذي القصة‬
‫بالخبر‪ ،‬فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبرهم وهم ل يشعرون‬
‫لمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬الذي أراده وأحب أن يبلغه فيهم‪ ،‬فبات أبو بكر‬
‫ليلته يتهيأ فعّبى الناس‪ ،‬ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي‪،‬‬
‫وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن‪،‬‬
‫وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب‪ ،‬فما طلع الفجر إل وهم‬
‫والعدو في صعيد واحد‪ ،‬فما سمعوا للمسلمين همسًا ول حسًا حتى‬
‫وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا أعجاز ليلتهم‪ ،‬فما ذر قرن الشمس‬
‫حتى ولوهم الدبار‪ ،‬وغلبوهم على عامة ظهرهم‪ ،‬وقتل حبال –أخو‬
‫طليحة السدي‪ -‬وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ‪-‬وكان أول‬
‫قرن في عدد‪ ،‬ورجع إلى المدينة‬
‫م َ‬
‫الفتح – ووضع بها النعمان بن ُ‬
‫فذل بها المشركون‪ ،‬فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من‬
‫المسلمين فقتلوهم كل قتلة‪ ،‬وفعل من وراءهم فعلهم‪ ،‬وعز‬
‫)‪(6‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.174‬‬
‫أي‪ :‬دفعوها‪.‬‬
‫أي‪ :‬في حبله‪.‬‬
‫تاريخ الطبري‪.4/65 :‬‬

‫رب‪.‬‬
‫)‪ (6‬النحاء‪ :‬هي القِ َ‬
‫)‪ (2‬تاريخ الطبري‪.4/65 :‬‬
‫)‪ (5) ,(4‬نفس المصدر السابق‪.4/66 :‬‬

‫‪156‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المشركين كل‬
‫المسلمون بوقعة أبي بكر‪ ،‬وحلف أبو بكر ليقتلن في‬
‫قتلة‪ ،‬وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة )‪.(1‬‬
‫وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي‪:‬‬
‫كما يسعى لموتته جلل‬
‫غداة سعي أبو بكر إليهم‬
‫أراح على نواهقها عليا‬

‫ومج لهن مهجته حبال‬

‫)‪(2‬‬

‫وصمم الصديق ‪ ‬على أن ينتقم للمسلمين الشهداء‪ ،‬وأن‬
‫يؤدب هؤلء الحاقدين‪ ،‬ونفذ قسمه وازداد المسلمون في بقية‬
‫وضعفا وهوانًا‪ ،‬وبدأت‬
‫ً‬
‫القبائل ثباتًا على دينهم‪ ،‬وازداد المشركون ذلً‬
‫صدقات القبائل تفد على المدينة فطرقت المدينة صدقات نفر‪:‬‬
‫صفوان ثم الزبرقان‪ ،‬ثم عدي‪ ،‬صفوان في أول الليل والثاني في‬
‫وسطه‪ ،‬والثالث )‪ (3‬في آخره‪ ،‬وفي ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال‬
‫زكاة ستة أحياء من العرب‪ ،‬وكان كلما طلع على المدينة أحد جباة‬
‫الزكاة قال الناس‪» :‬نذير« فيقول أبو بكر‪» :‬بل بشير«‪ ،‬وإذا بالقادم‬
‫يحمل معه صدقات قومه فيقول الناس لبي بكر‪ :‬طالما بشرتنا‬
‫بالخير )‪ ،(4‬وخلل هذه البشائر التي تحمل معها بعض العزاء وشيئًا‬
‫كل ما كان‬
‫من الثراء‪ ،‬عاد أسامة بن زيد بجيشه ظافرًا‪ ،‬وصنع‬
‫)‪(5‬‬
‫فاستخلفه أبو‬
‫‪،‬‬
‫الرسول قد أمره به وما أوصاه به أبو بكر الصديق‬
‫بكر على المدينة وقال له ولجنده‪ :‬أريحوا وأريحوا ظهركم )‪ ،(6‬ثم‬
‫خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على النقاب‬
‫على ذلك الظهر‪ ،‬فقال له المسلمون‪ :‬ننشدك الله يا خليفة رسول‬
‫الله أن ُتعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام‪ ،‬ومقامك‬
‫رجل( فإن أصيب أمرت آخر فقال‪ :‬ل والله ل‬
‫ً‬
‫أشد على العدو‪ ،‬فابعث‬
‫أفعل‪ ،‬ولواسينكم بنفسي )‪. 7‬‬
‫لقد ظهر معدن الصديق النفيس في محنة الردة على أجلى‬
‫صورة للقائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه‪ ،‬فالقائد في فهم‬
‫المسلمين قدوة في أعماله‪ ،‬فكان من آثاره هذه السياسة الصديقية‬
‫أن تقوى المسلمون وتشجعوا لحرب عدوهم واستجابوا لتطبيق‬
‫الوامر الصادرة إليهم من القيادة )‪ ،(8‬لقد خرج الصديق في تعبيته‬
‫إلى ذي حس وذي القصة‪ ,‬والنعمان‬
‫وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه‪ ،‬حتى نزل على أهل الّربذة‬
‫بالبرق فهزم الله الحارث‬
‫وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرًا‪ ،‬فطارت عبس وبنو بكر‪ ،‬وأقام أبو بكر‬
‫ً‬
‫على البرق أياما وقد غلب بنو ذبيان على البلد‪ .‬وقال‪ :‬حرام على‬
‫غلب أهل‬
‫ذبيان أن يتملكوا هذه البلد إذ غنمناها الله وأجلها‪ ،‬فما ُ‬
‫الردة ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه‪ ،‬وسامح الناس‬
‫جاءت بنو ثعلبة‪ ،‬وهي كانت منازلهم لينـزلوها فمنعوا منها فأتوه في‬
‫المدينة فقالوا‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدرـ السابق‪:‬ـ ‪.4/66‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪.4/67 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/66 :‬‬
‫)( الصديق أول الخلفاء للشرقاوي‪ :‬ص ‪ (4) .75‬تاريخ الطبري‪.4/37 :‬‬
‫)‪ (6‬حركة الردة‪ ،‬العتوم‪ :‬ص ‪.319‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪.4/67 :‬‬

‫‪157‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫نزول بلدنا؟! فقال‪ :‬كذبتم‪ ،‬ليست لكم ببلد ولكنها‬
‫علم نمنع من‬
‫ى )‪،(1‬‬
‫قذ‬
‫موهبى ون َ َ‬
‫َ‬
‫ولم ُيعتبهم )‪ ،(2‬وحمى البرق لخيول المسلمين‪ ،‬وأرعى سائر بلد‬
‫الربذة الناس على بني ثعلبة‪ ،‬ثم حماها كلها لصدقات المسلمين‬
‫لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات‪ ،‬وقال في يوم البرق‬
‫زياد بن حنظلة‪:‬‬
‫على ذبيان يلتهب التهابا‬
‫ويوم بالبارق قد شهدنا‬
‫ف‬
‫سو ٍ‬
‫أتيناهم بداهية َن ُ‬

‫)‪(3‬‬

‫مع الصديق إذ ترك العتابا‬

‫)‪(4‬‬

‫وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب‬
‫بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا‪ ،‬وما اضطربت أمور‬
‫المسلمين منذ زمن إل لنهم كانوا يعدون الرئاسة وسيلة للجاه وبابًا‬
‫لجلب المغانم ودرء المغارم‪ ،‬وإيثار للعافية والكتفاء بالكلمات تزجي‬
‫بعيدا عن المشاركة‬
‫ً‬
‫العمليات‪،‬‬
‫من وراء أجهزة العلم أو من غرف‬
‫مشاركة حقيقة في قضايا المة المختلفة )‪.(5‬‬
‫إن خروج الصديق ‪ ‬للجهاد ثلث مرات متتالية يعتبر تضحية‬
‫كبيرة وفدائية عالية‪ ،‬فقد ناشده المسلمون أن يبقى في المدينة‬
‫قائدا على الجيش فلم يقبل؛ بل قال‪ :‬ل والله ل أفعل‬
‫ً‬
‫ويبعث‬
‫ولواسينكم بنفسي‪ .‬وهذا يدل على تواضعه الجم واهتمامه الكبير‬
‫بمصلحة المة‪ ،‬وتجرده من حظ النفس‪ ،‬وقد أصبح بذلك قدوة‬
‫صالحة لغيره‪ ،‬فل شك أن خروجه للجهاد ثلث مرات متتاليات وهو‬
‫الشيخ الذي بلغ الستين من)‪(6‬عمره‪ ،‬قد أعطى بقية الصحابة دفعات‬
‫قوية من النشاط والحيوية ‪.‬‬
‫وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضرار بن الزور حينما أخبر‬
‫أحدا‬
‫ً‬
‫أبا بكر الصديق بخبر تجمع طليحة السدي قال‪ :‬فما رأيت‬
‫بحرب شعواء من أبي بكر‪ ،‬فجعلنا نخبره‬
‫ليس رسول الله – أمل‬‫ولكأنما نخبر بما له ول عليه )‪.(7‬‬
‫وهذا وصف بليغ لما كان يتصف به أبو بكر من اليقين الراسخ‬
‫والثقة التامة بوعد الله تعالى لوليائه بالنصر على العداء والتمكين‬
‫فق الصحابة بكبير عمل‪ ،‬وإنما فاقهم‬
‫في الرض‪ ،‬فأبو بكر لم ي َ ُ‬
‫بحيازة الدرجات العلى من اليقين‪ ،‬رضي الله عنهم أجمعين )‪.(8‬‬
‫وقد روى أنه لما قيل له‪ :‬لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها‬
‫وبالبحار لغاضها‪ ،‬وما نراك ضعفت‪ .‬فقال‪ :‬ما دخل قلبي رعب بعد‬
‫ليلة الغار‪ ،‬فإن النبي × لما رأى حزني قال‪ :‬ل عليك يا أبا بكر‪ ،‬فإن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫)( النقذ‪ :‬ما استنقذ من العداء‪.‬‬
‫)‪ (2‬أي‪ :‬شاقة‪.‬‬
‫قل عثرتهم‪.‬‬
‫)( أي‪ :‬لم ي ُ ِ‬
‫)( أي‪ :‬ترك إقالة العثرات؛ تاريخ الطبري‪.4/67 :‬‬
‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.321‬‬
‫)‪ (6 ،‬التاريخ السلمي للحميدي‪.9/48 :‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.9/48 :‬‬

‫‪158‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الله قد تكفل لهذا المر بالتمام)‪ ،(1‬فكان له ‪ ‬مع الشجاعة الطبيعية‬
‫شجاعة دينية وقوة يقينية في الله عز وجل وثقة بأن الله ينصره‬
‫والمؤمنين‪ ،‬وهذه الشجاعة ل تحصل إل لمن كان قوى القلب‪ ،‬وتزيد‬
‫بزيادة اليمان وتنقص بنقص ذلك‪ ،‬فقد كان)‪(2‬الصديق أقوى قلًبا من‬
‫جميع الصحابة ل يقاربه في ذلك أحد منهم ‪.‬‬

‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ :‬ص ‪ ،69‬وليس هذا بلفظ‬
‫نبوي‪.‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.70‬‬

‫‪159‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثالث‬
‫الهجوم الشامل على المرتدين‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫تعددت وسائل وطرق التصدي والمواجهة للمرتدين‪ ،‬فكان‬
‫للثابتين دور في مواجهة أقوامهم‪ ،‬فوقف بعض الثابتين في وجه‬
‫أقوامهم واعظين لهم ومنبهين إلى خطورة ما هم مقدمون عليه من‬
‫نقض ما يؤمنون به‪ ،‬وكانت الخطوة الولى بالكلمة‪ ،‬ولم تكن الكلمة‬
‫في يوم من اليام هي أضعف المواقف وإنما هي أقواها؛ لنها تستتبع‬
‫مواقف جادة لتحديد مصداقية الكلمة‪ ،‬وقد تؤدي الكلمة بصاحبها إلى‬
‫الذبح من أجل الشهادة للكلمة التي قالها؛ ففي كل قبيلة حصلت‬
‫فيها ردة كانت هناك بعض المواقف للذين انفعلت قلوبهم للحق‬
‫وتغذت به وعاشت عليه‪ ،‬هي التي رأت باطل ما يفعل كل قوم‪،‬‬
‫ولهذا وقفوا لهم بالمرصاد يحذرون أقوامهم من سوء المصير الذي‬
‫ينتظرهم‪ ،‬فما كان من قومهم إل أن وقفوا في وجوههم ساخرين‬
‫مستهزئين‪ ،‬ثم تمادوا إلى مطاردتهم وإخراجهم؛ بل وقتلهم في‬
‫بعضهم‪(1‬بالكلمة كعدي بن حاتم مع قومه‪،‬‬
‫بعض الحيان‪ ،‬ونجح‬
‫والجارود مع أهل البحرين ) ‪ ،‬وستري تفاصيل ذلك بإذن الله‪.‬‬
‫وعندما فشل بعض المسلمين في وعظ أقوامهم تحولوا إلى‬
‫تجمعات مسلمة ثابتة على إسلمها‪ ،‬واتخذت لها المواقف المناسبة‬
‫ضد أقوامهم المرتدين‪ ،‬وكثير من المواقف بدأت بالكلمة ثم انتهت‬
‫إلى العمل‪ ،‬كما حصل لمن ثبت من بني سليم؛ فقد حذرهم قومهم‬
‫فانقسموا إلى قسمين ثابت ومرتد‪ ،‬فتجمع الثابتون وصاروا يجالدون‬
‫قومهم المرتدين‪ ،‬وقام البناء في اليمن سًرا بتدبير قتل السود‬
‫العنسي –كما سيأتي تفصيله‪ -‬بعد أن كان موقفهم سلبّيا في بطش‬
‫السود العنسي‪ ،‬ووقف مسعود أو مسروق القيسي ابن عابس‬
‫الكندي ينصح الشعث بن قيس ويدعوه لعدم الردة‪ ،‬ودخل بينهما‬
‫حوار طويل وتحد متبادل‪ ،‬وهكذا صارت بعض المواقف سبًبا في‬
‫تسهيل( مهمة جيوش الدولة‬
‫إرجاع قومهم عن الردة‪ ،‬أو في‬
‫السلمية القادمة للقضاء على الردة )‪. 2‬‬
‫لقد اعتمدت سياسة الصديق في القضاء على الردة على الله‬
‫تعالى‪ ،‬ثم على ركائز قوية من القبائل والزعماء والفراد الذين انبثوا‬
‫في جميع أنحاء الجزيرة وثبتوا على إسلمهم‪ ،‬وقاموا بأدوار هامة‬
‫ورئيسية في القضاء على فتنة الردة‪ .‬ولقد أخطأ بعض الكتاب عندما‬
‫الدقة أو عدم‬
‫تناول فتنة الردة بشيء من التعميم أو عدم‬
‫الموضوعية أو سوء الفرض أو النظرة الجزئية )‪.(3‬‬
‫إن من الحقائق الساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة‬
‫لكل الناس كشمولها الجغرافي؛ بل إن هناك قادة وقبائل وأفراًدا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة للشجاع‪ :‬ص ‪.314 ،313‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪ ,314‬ولقد اعتمد الشجاع على كتاب الكلعي‬
‫الندلسي في الردة‪.‬‬
‫)( الثابتون على السلم أيام فتنة الردة‪ :‬ص ‪.4‬‬

‫‪160‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫دا تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي‬
‫وجماعات‪ ،‬وأفرا ً‬
‫ظهرت فيها الردة)‪ ،(1‬ولقد قام الدكتور مهدي رزق الله أحمد بدراسة‬
‫عميقة وأجاب عن سؤال طرحه وهو‪ :‬هل كانت الردة في عهد‬
‫الخليفة أبي بكر ‪ ‬شاملة لكل القبائل العربية والفراد والزعماء‬
‫الذين كانوا مسلمين‪ ،‬أم أن هذه الفتنة قد وقعت فيها بعض القبائل‬
‫وبعض الزعماء وبعض الفراد في مناطق جغرافية مختلفة؟ وبعد‬
‫ت إليها‬
‫البحث قال‪ :‬إن أول حقيقة تستخلص من المصادر التي أشر ُ‬
‫قا‪ :‬هي أنني لم أجد ما يدل على أن القبائل والزعماء والفراد‬
‫ساب ً‬
‫ارتدوا جميًعا عن السلم كما ذكر أولئك النفر الذين جعلناهم‬
‫قد‬
‫مثال)‪ ،(2‬بل وجدت أن الدولة السلمية اعتمدت على قاعدة صلبة‬
‫من الجماعات والقبائل والفراد الذين ثبتوا على السلم‪ ،‬وانبثوا في‬
‫دا قوًيا للسلم ودولته في قمع حركة‬
‫جميع أنحاء‬
‫الجزيرة‪ ،‬وكانوا سن ً‬
‫المرتدين منهم )‪.(3‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬المواجهة الرسمية من الدولة‪:‬‬

‫‪ -1‬وسيلة الحباط من الداخل‪:‬‬
‫كان رسول الله × قد استعمل هذه الوسيلة‪ ،‬فقام بمراسلة‬
‫وبعث الرسل إلى قبائل المتنبئين لتجميع الثابتين على السلم‪،‬‬
‫وليشكل بهم جماعة تحارب الردة‪ ،‬وسار الصديق ‪ ‬على نفس‬
‫المنهج‪ ،‬وحاول أن يحجم ويقضي على ما يمكن القضاء عليه من بؤر‬
‫المرتدين‪ ،‬وقام بالتوعية ضدها والتخذيل منها وتنفير الناس عنها‪،‬‬
‫دا‬
‫واستطاع أن يتصل بالثابتين على السلم وجعل منهم رصي ً‬
‫للجيوش المنظمة؛ فقد كان يعد المة لمواجهة منظمة مع المرتدين‬
‫بعد عودة جيش أسامة؛ فقد راسل الصديق زعماء الردة والثابتين‬
‫جيش‬
‫على السلم ليحقق بعض الهداف؛ ككسب الوقت حتى يرجع‬
‫أسامة‪ ،‬فكتب إلى من كتب إليهم رسو ُ‬
‫ل الله × باليمن وغيرها )‪(4‬؛‬
‫ليبذلوا جهدهم لدعوة الثابتين إلى السلم‪ ،‬وطلب من الثابتين‬
‫التجمع في مناطق حددها لهم حتى يأتيهم أمره‪ ،‬وكان هذا الترتيب‬
‫بداية للخطة العسكرية القادمة )‪ ,(5‬وقد حالف التوفيق بعض الثابتين‬
‫ومعهم‪ (6‬صدقاتهم؛ مثل عدي بن حاتم الطائي‪،‬‬
‫بالوصول إلى المدينة‬
‫)‬
‫والزبرقان بن بدر التميمي‪.‬‬
‫وتمكن الثابتون من إفشال حركة قيس بن مكشوح المرادي‬
‫وبعض التجمعات القبلية في تهامة وبلد السراة ونجران‪ ،‬وقد حققت‬
‫هذه الوسيلة بعض النتائج‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.19‬‬
‫)( التاريخ السياسي للدولة العربية للدكتور عبد المنعم ماجد‪ :‬ص ‪ .146‬التاريخ‬
‫السلمي العام –الجاهلية‪ :‬الدولة العربية‪ ،‬الدولة العباسية علي إبراهيم حسن‪:‬‬
‫‪129‬؛ تاريخ الدولة العربية‪ ،‬السيد عبد العزيز سالم‪:‬‬
‫ص ‪ .432‬جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمد السيد الوكيل‪ :‬ص‬
‫‪ .21‬الخلفاء الراشدون‪ ،‬محمد الخضري بك‪ :‬ص ‪ .21‬عصر الصديق‪ ،‬شبير أحمد‬
‫محمد علي الباكستاني‪ :‬ص ‪ .159‬ظاهرة الردة في المجتمع السلمي الول‪،‬‬
‫محمد بريغش‪ :‬ص ‪ .101 ،100‬الصديق أبو بكر‪ ،‬لمحمد حسين هيكل‪ :‬ص ‪.173‬‬
‫)( الثابتون على السلم أيام فتنة الردة‪ :‬ص ‪.19‬‬
‫)‪ (2 ،‬دراسات في عهد النبوة للشجاع‪ :‬ص ‪.319‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪ ،319‬نقل عن الكلعي‪ ،‬تاريخ الردة‪ :‬ص ‪.12 -10‬‬

‫‪161‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أ‪ -‬نجحت خطة الصديق في تحقيق حملت التوعية والدعاية‬
‫دا لتخاذ الوسيلة‬
‫والتعضيد للمسلمين والتخذيل لقوى المرتدين؛ تمهي ً‬
‫الخرى حينما تتوافر لها المكانات‪ ،‬وهي أداة الجيوش المنظمة‪.‬‬
‫ب‪ -‬أنها حققت أغراضها من حيث التربية وإعداد الثابتين على‬
‫السلم ليكونوا قواًدا في حركة الفتوح السلمية فيما بعد؛ كعدي بن‬
‫حاتم الطائي أحد قواد فتوح العراق‪.‬‬
‫ج‪ -‬تكوين قوى مسلمة مرابطة في بعض المراكز التي حددها‬
‫لهم الصديق لتنضم بعد ذلك إلى الجيوش القادمة‪.‬‬
‫د‪ -‬القضاء على بعض مناطق الردة ولو بمحدودية ضيقة‪ ،‬مثلما‬
‫حصل في جنوب الجزيرة العربية‪.‬‬

‫‪ -2‬إرسال الجيوش المنظمة‪:‬‬
‫ما‪ -‬من‬
‫لما وصل جيش أسامة بعد شهرين ‪-‬وقيل أربعين يو ً‬
‫مسيرهم واستراحوا‪ ،‬خرج أبو بكر الصديق بالصحابة ‪-‬رضي الله‬
‫عنهم‪ -‬إلى ذي القصة‪ ،‬وهي على مرحلة من المدينة؛ وذلك لقتال‬
‫المرتدين والمتمردين‪ ،‬فعرض عليه الصحابة أن يبعث غيره على‬
‫القيادة‪ ،‬وأن يرجع إلى المدينة ليتولى إدارة أمور المة‪ ،‬وألحوا عليه‬
‫بذلك‪ .‬ومما ُروي في هذا الموضوع ما قالته عائشة‪ :‬خرج أبي شاهًرا‬
‫سيفه راكًبا راحلته إلى وادي ذي القصة‪ ،‬فجاء علي بن أبي طالب‬
‫أين يا خليفة رسول الله؟ أقول‬
‫‪ ‬فأخذ بزمام راحلته‪ ،‬فقال‪ :‬إلى‬
‫)‪(1‬‬
‫بنفسك‪،‬‬
‫تفجعنا‬
‫ول‬
‫سيفك‬
‫م‬
‫ش‬
‫أحد‪:‬‬
‫لك ما قال رسول الله × يوم‬
‫ِ ْ‬
‫)‪(2‬‬
‫دا‪ ،‬فرجع‪.‬‬
‫أب‬
‫نظام‬
‫بعدك‬
‫للسلم‬
‫فو الله لئن أصبنا بك ل يكون‬
‫ً‬
‫بكر الجيش السلمي إلى أحد عشر لواء وجعل على‬
‫وقد قسم أبو‬
‫كل لواء أميًرا )‪ ,(3‬وأمر كل أمير جند باستنفار من مر به من‬
‫المسلمين التابعين من أهل القرى التي يمر بها وهم‪:‬‬
‫‪ -1‬جيش خالد بن الوليد إلى بني أسد‪ ،‬ثم إلى تميم‪ ،‬ثم إلى‬
‫اليمامة‪.‬‬
‫‪ -2‬جيش عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة في بني حنيفة‪ ،‬ثم‬
‫إلى عمان والمهرة‪ ،‬فحضرموت فاليمن‪.‬‬
‫‪ -3‬جيش ُ‬
‫حبيل بن حسنة إلى اليمامة في إثر عكرمة‪ ،‬ثم‬
‫شَر ْ‬
‫حضرموت‪.‬‬
‫‪ -4‬جيش ط َُرْيفة بن حاجر إلى بني سليم من هوازن‪.‬‬
‫‪ -5‬جيش عمرو بن العاص إلى قضاعة‪.‬‬
‫‪ -6‬جيش خالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام‪.‬‬
‫‪ -7‬جيش العلء بن الحضرمي إلى البحرين‪.‬‬
‫‪ -8‬جيش حذيفة بن محصن الغلفائي إلى عمان‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( يقصد قوله لبي بكر لما أراد أن يبارز ابنه عبد الرحمن‪» :‬شم سيفك وارجع‬
‫إلى مكانك«‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/319 :‬‬
‫)( التاريخ السلمي‪.9/49 :‬‬

‫‪162‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -9‬جيش عرفجة بن هرثمة إلى مهرة‪.‬‬
‫‪ -10‬جيش المهاجر بن أبي أمية إلى اليمن »صنعاء ثم‬
‫حضرموت«‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫‪ -11‬جيش سويد بن مقرن إلى تهامة اليمن ‪.‬‬
‫صة( مركز انطلق أو قاعدة تحرك‬
‫وهكذا اتخذت قرية )ذي ال َ‬
‫ق ّ‬
‫للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاة‬
‫عليها‪ .‬وتنبئ خطة الصديق ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬عن عبقرية فذة وخبرة‬
‫جغرافية دقيقة‪ (2) .‬ومن خلل تقسيم اللوية وتحديد المواقع يتضح‬
‫قا خبيًرا بالتضاريس والتجمعات‬
‫أن الصديق ‪ ‬كان جغرافًيا دقي ً‬
‫البشرية وخطوط مواصلت جزيرة العرب‪ ،‬فكأن الجزيرة العربية‬
‫حا نصب عينيه في غرفة عمليات مجهزة بأحدث‬
‫ما واض ً‬
‫صورت مجس ً‬
‫وسائل التقنية‪ ،‬فمن يتمعن تسيير الجيوش ووجهة كل منها‬
‫واجتماعها بعد تفرقها وتفرقها لتجتمع ثانية‪ ،‬يرى تغطية سليمة رائعة‬
‫صحيحة مثالية لجميع أرجاء الجزيرة مع دقة في التصال مع هذه‬
‫الجيوش‪ ،‬فأبو بكر في كل ساعة يعلم أين مواقع الجيوش ويعلم‬
‫دقائق أمورها وتحركاتها وما حققت‪ ،‬وما عليها في غد من واجبات‪.‬‬
‫والمراسلت دقيقة وسريعة تنقل أخبار الجبهات إلى مقر القيادة في‬
‫المدينة حيث الصديق‪ ،‬وكان على صلة مستمرة مع جيوشه كلها‪،‬‬
‫وبرز من المراسلين العسكريين ما بين الجبهات وبين مقر القيادة‪:‬‬
‫أبو خيثمة النجاري النصاري‪ ،‬وسلمة بن سلمة‪ ،‬وأبو برزة السلمي‪،‬‬
‫وسلمة بن وقش)‪.(3‬‬
‫وكانت الجيوش التي بعثها الصديق متماسكة‪ ،‬وهي أحد إنجازات‬
‫الدولة الهامة؛ إذ جمعت تلك الجيوش بين مهارات القيادة وبراعة‬
‫التنظيم فضل ً عن الخبرة في القتال؛ صهرتها العمال العسكرية في‬
‫حركة السرايا والغزوات التي تعدى بعضها شبه الجزيرة في زمن‬
‫النبي ×‪ ،‬فقد كان الجهاز العسكري لدى الصديق متفوًقا على كل‬
‫القوى العسكرية في الجزيرة)‪ ،(4‬وكان القائد العام لهذه الجيوش‬
‫سيف الله المسلول خالد بن الوليد صاحب العبقرية الفذة في‬
‫حروب الردة والفتوحات السلمية‪ .‬كان هذا التوزيع للجيوش وفق‬
‫خطة استراتيجية هامة‪ ،‬مفادها أن المرتدين ل زالوا متفرقين‪ ،‬كل‬
‫في بلده‪ ،‬ولم يحصل منهم تحزب ضد المسلمين بالنسبة للقبائل‬
‫الكبيرة المتباعدة في الماكن أو ً‬
‫ل؛ لن الوقت لم يكن كافًيا للقيام‬
‫ض على ارتدادهم إل ما يقرب من ثلثة‬
‫بعمل كهذا؛ حيث لم يم ِ‬
‫شهور‪ ،‬وثانًيا لنهم لم يدركوا خطر المسلمين عليهم وأنهم‬
‫باستطاعتهم أن يكتسحوهم جميعا في شهور معدودة‪ ،‬ولذلك أراد‬
‫الصديق أن يعاجلهم بضربات مفاجئة تقضي على شوكتهم وقوتهم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪ .4/86 :‬دراسات في عصر النبوة‪ :‬ص ‪.321‬‬
‫)( دراسات في عهد النبوة والخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.321‬‬
‫)( في التاريخ السلمي‪ ،‬شوقي أبو خليل‪ :‬ص ‪.227 ،226‬‬
‫)( من دولة عمر إلى دولة عبد الملك‪ ،‬إبراهيم بيضون‪ :‬ص ‪.28‬‬

‫‪163‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫قبل أن يجتمعوا في نصرة باطلهم)‪ ،(1‬فعاجلهم قبل استفحال‬
‫فتنتهم‪ ،‬ولم يترك لهم فرصة يطلون منها برؤوسهم ويمدون ألسنتهم‬
‫يلذعون بها الجسم السلمي‪ ،‬وبذلك طبق الحكمة القائلة‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫الذنب‬
‫ب الفعى‬
‫ن ذ َن َ َ‬
‫ل تقطع ْ‬
‫وترسلها‬
‫فقد أدرك حجم الحدث وأبعاده ومدى خطورته‪ ،‬وعلم أنه إن لم‬
‫يفعل كذلك فسيوشك الجمر أن ينتفض من تحت الرماد فيحرق‬
‫الخضر واليابس‪ ،‬كما قال الول‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫أرى تحت الرماد وميض نار‬
‫السياسي الماهر والعسكري المحنك الذي يقدر المور‪،‬‬
‫فقد كان ‪‬‬
‫ويضع لها الخطط المباشرة‪.‬‬
‫انطلقت اللوية التي عقدها الصديق ترفرف عليها أعلم التوحيد‪،‬‬
‫مصحوبة بدعوات خالصة من قلوب تعظم المولى عز وجل وتشربت‬
‫معاني اليمان‪ ،‬ومن حناجر لم تلهج إل بذكر الله تعالى‪ ،‬فاستجاب‬
‫الله ‪-‬جل وعل‪ -‬هذه الدعوات النقية‪ ،‬فأنزل عليهم نصره وأعلى بهم‬
‫وحمى بهم دينه‪ ،‬حتى دانت جزيرة العرب للسلم في شهور‬
‫كلمته‪،‬‬
‫معدودة)‪.(4‬‬
‫دا إلى قبائل العرب من‬
‫هذا وقد كتب أبو بكر الصديق كتاًبا واح ً‬
‫المرتدين والمتمردين فدعاهم للعودة إلى السلم وتطبيقه كامل ً كما‬
‫جاء من عند الله تعالى‪ ،‬ثم حذرهم من سوء العاقبة فيما لو ظلوا‬
‫على ما هم عليه في الدنيا والخرة‪ ،‬وكان قوًيا في إنذارهم‪ ،‬وهذا هو‬
‫المناسب لشدة انحرافهم وقوة تصلبهم في التمسك بباطلهم‪ ،‬فكان‬
‫ل بد من إنذار شديد يتبعه عمل جرئ قوي لزالة الطغيان الذي‬
‫عشش في أفكار زعماء تلك القبائل‪ ،‬والعصبية العمياء التي‬
‫سيطرت على أفكار أتباعهم )‪.(5‬‬

‫‪ -3‬نص الخطاب الذي أرسله للمرتدين والعهد الذي كتبه‬
‫للقادة‪:‬‬
‫بعد التنظيم الدقيق‪ ،‬وحسن العداد للجيوش السلمية التي عقد‬
‫لها الصديق اللوية نجد الدعوة البيانية القولية تطل لتقوم بدورها‬
‫ما ذا مضمون محدد سعى‬
‫وتدلي بدلوها؛ فقد حرر الصديق كتاًبا عا ً‬
‫إلى نشره على أوسع نطاق ممكن في أوساط من ثبتوا على‬
‫السلم ومن ارتدوا عنه جميًعا قبل تسيير قواته لمحاربة الردة‪،‬‬
‫وبعث رجال ً إلى محل القبائل‪ ،‬وأمرهم بقراءة كتابه في كل مجتمع‪،‬‬
‫وناشد من يصله مضمون الكتاب بتبليغه لمن لم يصل إليه‪ ،‬وحدد‬
‫الجمهور المخاطب به بأنه‪ :‬العامة والخاصة‪ ،‬من أقام على إسلمه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.9/51 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.313‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪.9/55 :‬‬

‫)‪ (2‬حركة الردة‪ ،‬للعتوم‪ :‬ص ‪.312‬‬
‫)‪ (4‬التاريخ السلمي‪.9/51 :‬‬

‫‪164‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أو رجع عنه‪ (1) .‬وهذا نص الكتاب الذي بعثه الصديق‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪ :‬من أبي بكر خليفة رسول الله × إلى‬
‫من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة‪ ،‬أقام على إسلمه أو رجع عنه‪:‬‬
‫سلم على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضللة والعمى‪،‬‬
‫فإني أحمد إليكم الله الذي ل إله إل هو‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله‬
‫دا عبده ورسوله‪ ،‬نقر بما جاء به ونكفر‬
‫وحده ل شريك له وأن محم ً‬
‫دا بالحق من‬
‫من أبى ونجاهده‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإن الله تعالى أرسل محم ً‬
‫جا منيًرا؛‬
‫عنده إلى خلقه بشيًرا ونذيًرا وداعًيا إلى الله بإذنه وسرا ً‬
‫الكافرين‪ ،‬فهدى الله بالحق من‬
‫لينذر من كان حًيا ويحق القول على‬
‫أجاب إليه وضرب رسول الله × بإذنه)‪ (2‬من أدبر عنه‪ ،‬حتى صار إلى‬
‫ه رسوَله × وقد نفذ لمر الله‬
‫السلم طو ً‬
‫عا وكر ً‬
‫ها‪ ،‬ثم توفى الل ُ‬
‫ونصح لمته وقضى الذي عليه‪ ،‬وكان الله قد بين له ذلك ولهل‬
‫السلم في الكتاب الذي أنزل‪ ،‬قال‪+ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ن"‬
‫مي ُّتو َ‬
‫مي ّ ٌ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ك َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ت‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ق‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫ل‬
‫إ‬
‫]الزمر‪ ،[30 :‬وقال‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫مد ٌ ِ َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫و ََ‬
‫للمؤمنين‪َ + :‬‬
‫عَلى أ َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫قا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ق‬
‫و‬
‫أ‬
‫ت‬
‫ما‬
‫إن‬
‫ف‬
‫أ‬
‫ل‬
‫س‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ه الّر ُ‬
‫ِ ْ‬
‫ْ ُ ْ‬
‫ّ ََ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ي‬
‫س‬
‫و‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ر‬
‫ض‬
‫ي‬
‫لن‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ع‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫من َ ْ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ّ ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ْ ِ‬
‫ال ّ‬
‫دا‬
‫دا فإن محم ً‬
‫ن" ]آل عمران‪ ،[144 :‬فمن كان إنما يعبد محم ً‬
‫ري َ‬
‫شاك ِ ِ‬
‫قد مات‪ ،‬ومن كان يعبد الله وحده ل شريك له فإن الله له‬
‫بالمرصاد‪ ،‬ول تأخذه سنة ول نوم‪ ،‬حافظ لمره منتقم من عدوه‬
‫بحزبه‪.‬‬
‫وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله‪ ،‬وما جاءكم به‬
‫نبيكم ‪×،‬وأن تهتدوا بهداه وأن تعتصموا بدين الله‪ ،‬فإن كل من لم‬
‫مبتلى‪ ،‬وكل من لم يعنه الله‬
‫يهده الله ضال‪ ،‬وكل من لم يعافه م ُ‬
‫يا‪ ،‬ومن أضله كان ضا ً‬
‫ل‪ ،‬قال الله‬
‫مخذول‪ ،‬فمن هداه الله كان مهتد ً‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ول ِّيا‬
‫من ي ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف ُ‬
‫من ي َ ْ‬
‫جدَ ل َ ُ‬
‫و َ‬
‫و ال ْ ُ‬
‫هد ِ الل ُ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫فَلن ت َ ِ‬
‫ه َ‬
‫هت َدِ َ‬
‫ه َ‬
‫‪[17‬ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به‪ ،‬ولم‬
‫دا" ]الكهف‪، :‬‬
‫مْر ِ‬
‫ش ً‬
‫ّ‬
‫يقبل منه في الخرة صرف ول عدل‪ .‬وقد بلغني رجوع من رجع منكم‬
‫را بالله وجهالة بأمره‬
‫عن دينه بعد أن أقر بالسلم وعمل به‬
‫اغترا ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫دوا‬
‫ج‬
‫س‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫م‬
‫ل‬
‫ل‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫وإجابة للشيطان‪ ،‬قال الله‬
‫َ ِ َ ِ ِ‬
‫َْ ُ ُ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫و ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ق‬
‫س‬
‫ف‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫كا‬
‫س‬
‫َ‬
‫ْ ْ ِ َ ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫س َ‬
‫َل َدَ َ‬
‫َ ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ِ ّ َ َ َ‬
‫دوا إ ِل ّ إ ِب ْ َِلي َ‬
‫أ َ‬
‫خ ُ‬
‫س‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫فت َت ّ ِ‬
‫ول َِياءَ ِ‬
‫من ُ‬
‫م لك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫وذُّري ّت َ ُ‬
‫ذون َ ُ‬
‫و َب ِئ ْ َ َ‬
‫عدُ ّ‬
‫دوِني َ‬
‫هأ ْ‬
‫ه َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ن‬
‫طا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ال‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫[‬
‫‪50‬‬
‫]الكهف‪:‬‬
‫"‬
‫ل‬
‫د‬
‫ب‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ِلل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫َ َ َ‬
‫ْ‬
‫نوا من ْأ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫حا‬
‫ص‬
‫كو‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ز‬
‫ح‬
‫عو‬
‫د‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫وا‬
‫د‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ذو‬
‫خ‬
‫ت‬
‫فا‬
‫و‬
‫د‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ ُ َ‬
‫ُ ّ ِ َ َ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ َ ِ‬
‫ع ُ ّ‬
‫ر" ]فاطر‪.[6 :‬‬
‫عي‬
‫س‬
‫ال‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫وإني بعثت إليكم فلًنا في جيش من المهاجرين والنصار‬
‫دا ول يقتله حتى يدعوه إلى‬
‫والتابعين بإحسان‪ ،‬وأمرته أل يقاتل أح ً‬
‫حا قبل منه‬
‫داعية الله‪ ،‬فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صال ً‬
‫وأعانه عليه‪ ،‬ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ثم ل يبقى على‬
‫أحد منهم قدر عليه‪ ،‬وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة‪ ،‬وأن يسبي‬
‫النساء والذراري ول يقبل من أحد إل السلم‪ ،‬فمن تبعه فهو خير له‬
‫ومن تركه فلن يعجز الله‪ .‬وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( الدور السياسي للصفوة في صدر السلم‪ ،‬السيد عمر‪ :‬ص ‪.262‬‬
‫)( بإذن الله تعالى‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫مجمع لكم والداعية الذان‪ :‬فإذا أذن المسلمين فأّذنوا كفوا عنهم‪،‬‬
‫أبوا‬
‫وإن لم يؤذنوا عاجلوهم‪ ،‬وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم‪ ،‬فإن‬
‫عاجلوهم‪ ،‬وإن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم )‪.(1‬‬
‫ونلحظ من خطاب أبي بكر أنه كان يدور حول‬
‫محورين‪:‬‬
‫أ‪ -‬بيان أساس مطالبة المرتدين بالعودة إلى السلم‪.‬‬
‫ب‪ -‬بيان عاقبة الصرار على الردة )‪.(2‬‬
‫وقد أكد الكتاب على عدة حقائق هي‪:‬‬
‫• أن الكتاب موجه إلى العامة والخاصة ليسمع الجميع‬
‫دعوة الله‪.‬‬
‫نا‪ ،‬ومن‬
‫• بيان أن الله بعث محم‬
‫دا ًبالحق‪ ،‬فمن أقر كان مؤم ً‬
‫را يجاهد ويقاتل‪.‬‬
‫أنكر كان كاف ً‬
‫دا بشر قد حق عليه قول الله‪+ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ت"‬
‫• بيان أن محم ً‬
‫مي ّ ٌ‬
‫ك َ‬
‫الله الحي الباقي‬
‫يعبد‬
‫وإنما‬
‫×‬
‫دا‬
‫محم‬
‫يعبد‬
‫وأن المؤمن ل‬
‫ً‬
‫دا‪ ،‬ولذلك ل عذر لمرتد )‪.(3‬‬
‫الذي ل يموت أب ً‬
‫• إن الرجوع عن السلم جهل بالحقيقة واستجابة لمر‬
‫قا‪ ،‬وهو ظلم عظيم‬
‫الشيطان‪ ،‬وهذا يعني أن يتخذ العدو صدي ً‬
‫للنفس السوية؛ إذ يقودها صاحبها بذلك إلى النار عن‬
‫طواعية‪.‬‬
‫• إن الصفوة المختارة من المسلمين وهم المهاجرون‬
‫والنصار وتابعوهم‪ ،‬هم الذين ينهضون لقتال المرتدين غيرة‬
‫منهم على دينهم وحفا ً‬
‫ظا عليه من أن يهان‪.‬‬
‫• إن من رجع إلى السلم‪ ،‬وأقّر بضلله‪ ،‬وكف عن قتال‬
‫المسلمين‪ ،‬وعمل من العمال ما يتطلبه دين الله‪ ،‬فهو من‬
‫مجتمع المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم‪.‬‬
‫• إن من يأبى الرجوع إلى صف المسلمين ويثبت على‬
‫ردته‪ ،‬إنما هو محارب ل بد من شن الغارة عليه‪ ،‬تقتله أو‬
‫تحرقه‪ ،‬وتسبي نساءه وذراريه‪ ،‬ولن يعجز الله بأية حال؛ لنه‬
‫أنى ذهب في ملكه‪.‬‬
‫المسلمين‬
‫• إن الشارة التي ينجو بها المرتدون من غارة‬
‫)‪(4‬‬
‫أن يعلن فيهم الذان وإل فالمعالجة بالقتال هي البديل‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الطبري‪.71 ،4/70 :‬‬
‫الدور السياسي للصفوة في صدر السلم‪ :‬ص ‪.262‬‬
‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.290‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.177 ،176‬‬

‫‪166‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وحتى ل يترك الخليفة المر للقادة والجند بغير انضباط كتب‬
‫دا يدعوهم فيه إلى اللتزام بمضمون‬
‫للقواد جميًعا كتاًبا واح ً‬
‫كتابه السابق‪ ،‬هذا نصه‪:‬‬
‫هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله × لفلن حين بعثه فيمن‬
‫بعثه لقتال من رجع عن السلم‪ ،‬وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع‬
‫في أمره كله‪ ،‬سره وعلنيته‪ ،‬وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من‬
‫تولى عنه ورجع عن السلم إلى أماني الشيطان‪ ،‬بعد أن يعذر إليهم‬
‫فيدعوهم بداعية السلم‪ ،‬فإن أجابوه أمسك عنهم‪ ،‬وإن لم يجيبوه‬
‫ن غارته عليهم حتى يقروا له‪ ،‬ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم‪،‬‬
‫ش ّ‬
‫فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم‪ ،‬ل وينظرهم ول يرد المسلمين‬
‫عن قتال عدوهم‪ ،‬فمن أجاب إلى أمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬وأقر له قبل‬
‫ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف‪ ،‬وإنما يتقبل من كفر بالله على‬
‫القرار بما جاء من عند الله‪ ،‬فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل‪،‬‬
‫جب داعية الله قتل‬
‫وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به‪ ،‬ومن لم ي ُ ِ‬
‫وقوتل حيث كان وحيث بلغ مرا َ‬
‫غمه‪ ،‬ل يقبل من أحد شيًئا أعطاه إل‬
‫السلم‪ ،‬فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه ومن أبى قاتله‪ ،‬فإن‬
‫أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلح والنيران‪ ،‬ثم قسم ما‬
‫أفاء الله عليهم إل الخمس فإنه يبلغناه‪ ،‬وأن يمنع أصحابه العجلة‬
‫وا حتى يعرفهم ويعلم ما هم ل يكونوا‬
‫والفساد وأل يدخل فيهم حش ً‬
‫عيوًنا‪ ,‬لئل يؤتى المسلمين من قبلهم‪ ،‬وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق‬
‫عن بعض‪،‬‬
‫بهم في السير والمنزل ويتفقدهم‪ ،‬ول يعجل بعضهم‬
‫ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول )‪.(1‬‬
‫وفي العهد الذي ألزم به قواده يظهر حرص الصحابة على إلزام‬
‫أمرائه في حرب الردة بتعليمات أساسية مكتوبة موحدة نصت‬
‫بوضوح ل يحتمل اللبس على حظر القتال قبل الدعوة إلى السلم‪،‬‬
‫والمساك عن قتال من يجيب‪ ،‬والحرص على إصلحهم‪ ،‬وحظر‬
‫مواصلة القتال بعد أن يقروا بالسلم والتحول عند هذه النقطة من‬
‫القتال إلى تعليمهم أصول السلم وتبصيرهم بما لهم من حقوق وما‬
‫عليهم من واجبات‪ ،‬وحظر المهادنة أو رد الجيش عن محاربة‬
‫المرتدين ما لم يفيئوا إلى أمر الله‪.‬‬
‫والتزم الجيش السلمي في التنفيذ مبدأ الدعوة قبل القتال‬
‫والمساك عن القتال بمجرد إجابة الدعوة؛ باعتبار أن الغاية الوحيدة‬
‫سا لتحقيق أقصى‬
‫هي عودة المرتدين إلى الذي خرجوا منه وتلم ً‬
‫درجة من التوافق في صفوف القوات السلمية التي نيط بها القضاء‬
‫على ظاهرة الردة‪.‬‬
‫أمضى الصديق هذا العهد مع أمراء الجيوش السلمية‪ ،‬يطلب‬
‫المستندة إليه‪،‬‬
‫من الجيش أن يكون سلوكه ذاته خير دعوة للمهمة‬
‫ما مع هدف واحد هو الدفاع عن السلم )‪.(2‬‬
‫وأن يتطابق تما ً‬
‫إن اقتداء أبي بكر ‪ ‬برسول الله × علمه فن القيادة‪ ،‬ونجاح‬
‫القائد في قيادته يتوقف على مدى نجاحه في جنديته‪ .‬ولقد كان أبو‬
‫صا في ولئه لرسول الله‬
‫بكر نعم الجندي في جيش المسلمين‪ ،‬مخل ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.72 ،71 /4 :‬‬

‫)‪ (2‬الدور السياسي للصفوة‪ :‬ص ‪.263‬‬

‫‪167‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫×‪ ،‬يطبق ما يقوله بحذافيره‪ ،‬مضحًيا في سبيله‪ ،‬لم يفر عنه في‬
‫معركة قط‪ .‬ونستطيع أن ندرك دقة آرائه القيادية وبعد مرماها من‬
‫لقواده( وخططه العامة التي رسمها لهم أثناء تحركهم لضرب‬
‫وصاياه‬
‫)‪1‬‬
‫قوات العدو‪.‬‬
‫لقد كانت أول وصية أوصاهم بها تتركز على النقاط التالية‪:‬‬
‫• أن يلزموا أنفسهم تقوى الله عز وجل ومراقبته في السر‬
‫والعلن‪ ،‬وهذا عين الصواب في هذه السياسة الرشيدة؛ لن‬
‫ن‬
‫القائد إذا ألزم نفسه تقوى الله ‪-‬عز وجل‪ -‬كان معه‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫نون" ]النحل‪:‬‬
‫س ُ‬
‫ن ُ‬
‫ح ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫هم ّ‬
‫ه َ‬
‫الل َ‬
‫وا َ‬
‫ق ْ‬
‫‪.[128‬‬
‫وإخلص النية لله سبحانه وتلك أخلق‬
‫• الجد والجتهاد‬
‫)‪(2‬‬
‫م‬
‫المنصورين الفائزين‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫ه ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫ن َ‬
‫دي َن ّ ُ‬
‫فيَنا ل َن َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫‪َ +‬‬
‫ن" ]العنكبوت‪.[69 :‬‬
‫ح ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫سِني َ‬
‫ُ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن الل َ‬
‫سب ُل ََنا َ‬

‫• أن ل يقبل من المرتدين إل السلم أو القتل؛ إذ ل مهادنة‬
‫في أمر العقيدة‪.‬‬
‫• تقسيم الغنائم بين الجند مع الحتفاظ بحق بيت المال‬
‫منها‪ ،‬وهو خمسها‪.‬‬
‫• أن ل يتعجلوا في التصرف حيال القضايا التي تواجههم‬
‫حتى ل تأتي حلولهم فجة‪.‬‬

‫• أن يحذروا من أن يدخل بينهم غريب ليس منهم‪ ،‬كيل‬
‫سا عليهم‪.‬‬
‫يكون جاسو ً‬
‫• أن يرفقوا بجندهم ويتفقدوهم في المسير والنزول‪ ،‬وأن‬
‫ل ينفرط بعضهم عن بعض‪.‬‬
‫• وأن يستوصوا بهؤلء الجند خيًرا في الصحبة )‪.(3‬‬
‫ويمكنا من خلل الدراسة أن نستخلص الخطة العامة بعد أن عقد‬
‫الصديق اللوية لقادة الجيوش‪ ،‬والتي تتخلص في النقاط التية‪:‬‬
‫أ‪ -‬ضمنت الخطة إحكام التعاون بين هذه الجيوش جميعها‪ ،‬بحيث‬
‫ل تعمل كأنها منفصلة تحت قيادة مستقلة‪ ،‬وإنما هي رغم تباعد‬
‫المكان جهاز واحد‪ ،‬وقد تتلقى ‪-‬أو يلتقي بعضها ببعض‪ -‬لتفترق‪ ،‬ثم‬
‫تفترق لتلتقي‪ ،‬كان ذلك والخليفة بالمدينة يدبر حركة القتال‬
‫ومعاركه‪.‬‬
‫ب‪ -‬احتفظ الصديق بقوة تحمي المدينة –عاصمة الخلفة‪-‬‬
‫واحتفظ بعدد من كبار الصحابة ليستشيرهم وليشاركوه في توجيه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.179‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪.292 ،291 :‬‬
‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.179‬‬

‫‪168‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫سياسة الدولة‪.‬‬
‫ج‪ -‬أدرك الصديق أن هناك جيو ً‬
‫شا من المسلمين داخل المناطق‬
‫التي شملتها حركة العصيان والردة‪ ،‬وقد حرص على هؤلء‬
‫المسلمين من أن يتعرضوا لنقمة المشركين‪ ،‬ولذلك فإنه أمر قادته‬
‫باستنفار من يمرون بهم من أهل القوة من المسلمين من جهة‪،‬‬
‫وبضرورة تخلف بعضهم لمنع بلدهم وحمايتها من جهة أخرى‪.‬‬
‫د‪ -‬طبق الخليفة مبدأ الحرب خدعة مع المرتدين‪ ،‬حتى أظهر أن‬
‫كانت تستهدف شيًئا آخر؛‬
‫الجيوش تنوي شيًئا‪ ،‬وهي في حقيقة المر‬
‫زيادة في الحيطة والحذر من اكتشاف خطته)‪ ،(1‬وهكذا تظهر الحنكة‬
‫السياسية والتجربة العملية والعلم الراسخ والفتح الرباني في قيادة‬
‫الصديق‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬القضاء على فتنة السود العنسي وطليحة السدي ومقتل‬
‫مالك بن نويرة‪:‬‬
‫‪-1‬القضاء على السود العنسي‪ ،‬وردة اليمن الثانية‪:‬‬
‫ما‬
‫اسمه‪:‬‬
‫عبهلة( بن كعب ويكنى بذي الخمار؛ لنه كان دائما معت ً‬
‫متخمًرا بخمار )‪ , 2‬ويعرف بالسود العنسي لسوداد في وجهه‪،‬‬
‫وتكمن قوة السود في ضخامة جسمه وقوته وشجاعته‪ ،‬واستخدم‬
‫ري قومه‬
‫الكهانة والسحر والخطابة البليغة‪ ،‬فقد كان كاهًنا مشعوًذا ي ُ ِ‬
‫ويسبي قلوب من سمع منطقه‪ ،‬واستخدم الموال للتأثير‬
‫العاجيب‪،‬‬
‫على الناس )‪.(3‬‬
‫أ‪ -‬السود العنسي في عهد الرسول ×‪:‬‬
‫وما أن انتشر خبر مرض رسول الله × بعد مقدمه من حجة‬
‫الوداع حتى ادعى السود العنسي النبوة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه أطلق على‬
‫نفسه )رحمان اليمن( كما تسمى مسيلمة )رحمان اليمامة()‪ ،(4‬وأنه‬
‫كان يدعي النبوة ول ينكر نبوة محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬وكان‬
‫يزعم أن ملكين يأتيانه بالوحي وهما‪ :‬سحيق وشقيق ‪-‬أو شريق)‪– (5‬‬
‫وكان قبل أن يظهر مخفًيا أمره يجمع حوله من يراه مناسًبا حتى‬
‫فاجأ الناس بظهوره )‪ (6‬وكان أول من تبعه‪ :‬أبناء قبيلته)‪(8‬وهم »عنس«‬
‫)‪ ،(7‬ثم كاتب زعماء قبيلة »مذحج« فتبعه العوام منهم ‪ ،‬وبعض‬
‫زعمائهم من طالبي الزعامة‪ ،‬وقد عمل على إثارة العصبية القبلية؛‬
‫لنه من »عنس« وهي بطن من بطون قبيلة »مذحج«‪ ،‬وقد راسله‬
‫بنو الحارث بن كعب من أهل نجران وهم يومئذ مسلمون‪ ،‬فطلبوا‬
‫منه أن يأتيهم في بلدهم‪ ،‬فجاءهم فاتبعوه لكونهم لم يسلموا رغبة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( البعاد السياسية لمفهوم المن في السلم‪ ،‬مصطفى محمود منجود‪ :‬ص‬
‫‪.169‬‬
‫)( الكامل في التاريخ‪.2/17 :‬‬
‫)( عصر الخلفة الراشدة للعمري‪ :‬ص ‪.364‬‬
‫)( اليمن في صدر السلم للشجاع‪ :‬ص ‪.256‬‬
‫)( البدء والتاريخ‪.5/154 :‬‬
‫)( اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.257‬‬
‫)( فتوح البلدان للبلذري‪.1/125 :‬‬
‫)( تاريخ الردة للكلعي‪ :‬ص ‪.152 ،151‬‬

‫‪169‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫سلَية« و»حكم بني سعد‬
‫م ْ‬
‫وتبعه أناس من »زبيد« و»أود« » َ‬
‫العشيرة«‪ ،‬ثم أقام بنجران بعض الوقت‪ ،‬وقوي أمره بعد أن انضم‬
‫إليه عمرو بن معديكرب الزبيدي وقيس بن مكشوح المرادي‪،‬‬
‫وتمكن من طرد فروة بن مسيك من مراد وعمرو بن حزم من‬
‫مئة‬
‫نجران‪ ،‬واستهوته فكرة السيطرة على صنعاء فخرج إليها بست‬
‫أو سبع مئة فارس معظمهم من بني الحارث بن كعب و»عنس«)‪.(1‬‬
‫فتقابل مع أهل صنعاء وعليهم »شهر بن باذان الفارسي«‪ ،‬وكان‬
‫قد أسلم مع أبيه في منطقة خارج صنعاء تسمى منطقة »شعوب«‪،‬‬
‫دا فقتل »شهر بن باذان« وانهزم أهل صنعاء أمام‬
‫فتقاتلوا قتال ً شدي ً‬
‫عليها( ونزل قصر »غمدان« بعد خمسة‬
‫فغلب‬
‫السود العنسي‪،‬‬
‫ما من ظهوره )‪. 2‬‬
‫وعشرين يو ً‬
‫بالسلم‪ ،‬فقد أخذ‬
‫وكان له مواقف بشعة في تعذيب المتمسكين‬
‫)‪(3‬‬
‫ولهذا( تعامل‬
‫‪،‬‬
‫وا‬
‫عض‬
‫وا‬
‫ً‬
‫أحد المسلمين ويسمى النعمان فقطعه عض ً‬
‫معه المسلمين الذين كانوا في المناطق التي يديرها بالتقية )‪. 4‬‬
‫أما بقية المسلمين خارج نطاق سيطرته فقد حاولوا التجمع‬
‫فكان‪(5‬فروة بن مسيك المرادي قد‬
‫وإعادة النتظام إلى صفوفهم‪،‬‬
‫انحاز إلى مكان يسمى »الحسية« ) ‪ ،‬وانضم إليه من انضم من‬
‫المسلمين‪ ،‬وكتب إلى رسول الله × بخبر السود العنسي‪ ،‬فكان‬
‫الشعري‪،‬‬
‫أول من أبلغ الرسول × بذلك‪ ،‬وانحاز كل من أبي موسى‬
‫ومعاذ بن جبل إلى حضرموت في جواء »السكاسك والسكون« )‪.(6‬‬
‫وقد راسل رسو ُ‬
‫ل الله × الثابتين على السلم لمواجهة ردة‬
‫السود‪ ،‬وأمرهم بالسعي للقضاء عليه إما مصادمة أو غيلة‪ ،‬ووجه‬
‫كتبه ورسله إلى بعض زعماء »حمير« و»همدان« بأن يتكاتفوا‬
‫ويتوحدوا ويساعدوا »البناء« )‪ (7‬ضد »السود العنسي«‪ ،‬فأرسل‬
‫ج َ‬
‫شيش الديلمي وداذويه‬
‫»وبر بن يخنس« إلى »فيروز الديلمي و ُ‬
‫الصطخري«‪ ،‬وبعث »جرير البجلي« إلى »ذي الكلع وذي ظليم«‬
‫الحميريين‪ ،‬وبعث »القرع بن عبد الله الحميري« إلى »ذي زود وذي‬
‫مران« الهمدانيين‪ ،‬وكذلك كتب إلى أهل نجران من العراب‬
‫الجهني«‬
‫وساكني الرض من غيرهم)‪ ،(8‬وبعث »الحارث بن عبد الله‬
‫)‪(9‬‬
‫إلى اليمن قبيل وفاته‪ ،‬فبلغته وفاة الرسول × وهو في اليمن ‪،‬‬
‫ولم تبين المصادر إلى أين بعث‪ ،‬إل أنه من الممكن أنه بعث إلى‬
‫بأن‬
‫»معاذ بن جبل«؛ لنه تلقى كتاًبا من رسول الله × يأمره فيه‬
‫يبعث الرجال لمجاولة ومصاولة »السود العنسي« للقضاء عليه )‪،(10‬‬
‫كما تلقى »أبو موسى الشعري« و»الطاهر بن أبي هالة« كتاًبا من‬
‫‪ () 1‬تاريخ الردة للكلعي‪ :‬ص ‪.152 ،151‬‬
‫‪ () 2‬البدء والتاريخ‪.229 /5 :‬‬
‫‪ () 3‬ابن سعد في الطبقات‪.5/535 :‬‬
‫‪ () 4‬اليمن في صدر السلم‪ ،‬للشجاع‪ :‬ص ‪.258‬‬
‫‪ () 5‬الحسية‪ :‬موضع باليمن‪ ،‬انظر‪ :‬ياقوت‪ :‬المعجم‪.1/112 :‬‬
‫‪ () 6‬تاريخ الطبري‪.50 ،49/ 4 :‬‬
‫‪ () 7‬اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.271‬‬
‫‪8‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/52 :‬‬
‫‪ () 9‬اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪ () .271‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.272‬‬

‫‪10‬‬

‫‪170‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫رسول الله ليواجهوا »السود« بالغيلة أو المصادمة )‪ ،(1‬وكان لهذا‬
‫العمل من جانب الرسول × أثر كبير‪ ،‬فقد تماسك من بعث إليهم‬
‫في حياته وبعد موته‪ ،‬فلم يعهد عنهم أنهم ارتدوا أو تزلزلوا‪ ،‬فقد‬
‫كتب زعماء »حمير« وزعماء »همدان« إلى البناء باذلين لهم العون‬
‫والمساعدة‪ ،‬وفي الوقت نفسه تجمع أهل »نجران« في مكان واحد‬
‫حركة من جانب »السود العنسي«‪ ،‬وحينئذ أيقن هذا‬
‫للتصدي لي‬
‫أنه إلى هلك )‪.(2‬‬
‫وظلت المكاتبات تتوالى بين »الهمدانيين« و »الحميريين« وبين‬
‫»معاذ بن جبل« وبعض الزعماء اليمنيين‪ ،‬ومن المحتمل أن بعض‬
‫وبين »فروة ابن مسيك«؛ لنه كان له‬
‫المكاتبات تمت بين »البناء«‬
‫دور في قتل السود العنسي )‪ ،(3‬ولكن كان أول من اعترض على‬
‫»العنسي« هو »عامر بن شهر الهمداني«‪.‬‬
‫وهكذا تجمعت كل قوى السلم في اليمن للقضاء على »السود‬
‫العنسي«‪ ،‬ويظهر أنهم كانوا مجمعين على أن يقوموا بمقتله‪،‬‬
‫لعلمهم أنه بمجرد أن يقتل لن يبقى لتباعه أي كيان فيسهل التخلص‬
‫منهم حينئذ‪ ،‬ولهذا وافقوا على خطة »البناء« بأن ل يقوموا بأي‬
‫شيء حتى يبرموا المر من داخلهم‪.‬‬
‫واستطاع »البناء« فيروز وداذويه أن يتفقا مع »قيس بن‬
‫مكشوح المرادي« ‪-‬وكان قائد جند العنسي‪ -‬للتخلص من‬
‫»السود العنسي«؛ لنه كان على خلف معه‪ ،‬ويخشى أن يتغير‬
‫عليه )‪ ، (4‬وقد ضموا إلى صفهم زوجة »السود العنسي« »آزاد‬
‫الفارسية« والتي كانت زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز‬
‫الفارسي‪ ،‬فقد اغتصبها كذاب اليمن بعد أن قتل زوجها‪ ،‬فهبت‬
‫لنقاذ دينها من براثن وحوش الجاهلية بكل عزم وتصميم‪ ،‬فدبرت‬
‫هذا‪(6‬الطاغية المتأّله‬
‫مع المسلمين المناوئين للسود خطة اغتيال‬
‫)‪ ، (5‬ومهدت لهم السبيل لقتله على فراش نومه ) ‪ ،‬وحينما قتل‬
‫برأسه‪ (7‬بين أصحابه فانتابهم الرهبة وعمهم‬
‫»السود« ألقى‬
‫الخوف‪ ،‬ففروا هاربين ) ‪.‬‬
‫ي × من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي‬
‫وأتى الخبر النب ّ‬
‫قتله( رجل مبارك من أهل بيت‬
‫البارحة‪،‬‬
‫العنسي‬
‫»قتل‬
‫ليبشرنا فقال‪:‬‬
‫مباركين« قيل‪ :‬ومن هو؟ قال‪» :‬فيروز« )‪. 8‬‬
‫وقد فصل خطة اغتيال السود العنسي الدكتور صلح الخالدي‬
‫الصحابة… عمليات جهادية خاصة تنفذها‬
‫في كتابه‪» :‬صور من جهاد‬
‫مجموعة خاصة من الصحابة« )‪ .(9‬وظل أمر »صنعاء« مشتركا بين‬
‫»فيروز وداذويه وقيس بن مكشوح« إلى أن جاء معاذ بن جبل إلى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.4/51 :‬‬
‫)‪ (6،‬اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪ (7) .272‬نفس المصدر السابق‪ ،‬ص ‪-272‬‬
‫‪.273‬‬
‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.309‬‬
‫)( اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.273‬‬
‫)( اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.273‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/55 :‬‬
‫)( صور من جهاد الصحابة للخالدي‪ :‬ص ‪.228 ،211‬‬

‫‪171‬‬

‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ولكنه لم يمكث إل ثلثة‬
‫صنعاء‪ ،‬فارتضوا أن يكون هو المير عليهم‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫أيام بهم حتى بلغهم خبر وفاة رسول الله ×‪.‬‬
‫وكانت تفاصيل مقتل »العنسي« قد خرجت من صنعاء فوصلت إلى‬
‫خرج جيش أسامة‪ ،‬وكان هذا أول فتح أتى أبا بكر‬
‫الصديق بعد أن‬
‫وهو في المدينة )‪.(2‬‬

‫ب‪ -‬وعّين أبو بكر »فيروز الديلمي« والًيا على صنعاء‬
‫وكتب إليه بذلك‪ ،‬ولم يو ّ‬
‫سا؛ لنه كان ممن مال السود‬
‫ل أبو بكر قي ً‬

‫أو رغبة في الزعامة‪ -‬وكان‬
‫صا ‪-‬عصبية لمذجح‬
‫العنسي وتابعه مخل ً‬
‫مبدأ أبي بكر عدم الستعانة بمن ارتد )‪ ،(3‬وجعل كل من داذويه‬
‫وجشيش وقيس بن مكشوح مساعدين لفيروز‪ ،‬فتغيرت نفس قيس‬
‫بن مكشوح المرادي فعمل على قتل زعماء البناء الثلثة‪ ،‬وقد تمكن‬
‫أو بإيعاز منه – فتنبه لذلك »فيروز«‬
‫من قتل »داذويه« ‪-‬سواء بنفسه‬
‫فهرب إلى أخواله في »خولن« )‪ ،(4‬فما كان من قيس إل أن أثارها‬
‫عصبية جنسية فحاول جمع زعماء بعض القبائل ضد »البناء« مدعًيا‬
‫أنهم متحكمون فيهم‪ ،‬وأنه يرى قتل رؤسائهم وإجلء بقيتهم‪ ،‬ولكن‬
‫أولئك الزعماء وقفوا على الحياد فلم ينحازوا إليه ول إلى البناء‪،‬‬
‫وقالوا له‪ :‬أنت صاحبهم وهم أصحابك‪ ،‬فلما يئس منهم عاد فكاتب‬
‫فلول »السود العنسي« سواء الذين بقوا متذبذبين بين صنعاء‬
‫ونجران أو ممن انحاز إلى لحج‪ ،‬فطلب منهم اللتقاء بهم ليكونوا‬
‫جميًعا على أمر واحد وهو نفي »البناء«‪ ،‬فلم يشعر أهل صنعاء إل‬
‫بتلك الفلول‪ ،‬ثم حرص »قيس« على تجميع »البناء«‬
‫وهم محاطون‬
‫دا لنفيهم )‪.(5‬‬
‫تمهي ً‬
‫وعندما وصل فيروز الديلمي إلى خولن كتب من هناك إلى أبي‬
‫بكر يخبره بما حصل من قيس‪ ،‬فما كان منه إل أن كتب إلى الزعماء‬
‫الذين كتب إليهم رسول الله ×‪ ،‬وكانت صيغة الكتاب واضحة‬
‫ناوأهم وحوطوهم‪ ،‬واسمعوا‬
‫صريحة وهي‪» :‬أعينوا البناء على من‬
‫دوا معه فإني قد وليته« )‪.(6‬‬
‫ج ّ‬
‫من فيروز‪ ،‬و ِ‬
‫كان الصديق في نهجه هذا يستهدف أمرين متلزمين‪:‬‬
‫• أنه جعله خطة حربية حيث كان جيش أسامة بن زيد قد خرج‬
‫إلى الشام‪ ،‬وكان الخليفة ينتظر عودته حتى يتسنى له مواجهة أعنف‬
‫موجات الردة في اليمامة والبحرين وعمان وتميم‪ ،‬وهي أشد وأعنف‬
‫من موجات الردة في اليمن التي اكتفى بمعالجة بعضها بالرسائل‬
‫والرسل‪.‬‬
‫• وأما الهدف الخر فهو إعطاء الفرصة لمن ثبت على السلم‬
‫لكي يبرهن على صدق إسلمه‪ ،‬ولكي يزداد ثباًتا واستمسا ً‬
‫كا بدينه ما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الطبري‪.4/56 :‬‬
‫البلذري‪ ،‬فتوح البلدان‪.1/127 :‬‬
‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.275‬‬
‫تاريخ الطبري‪.4/140 :‬‬
‫تاريخ الطبري‪4/140 :‬؛ اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.264‬‬
‫تاريخ الطبري‪.4/140 :‬‬

‫‪172‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫دام هو صاحب المسئولية والمتحمل لمانة إقرار السلم فيمن‬
‫الذين راسلهم رسول‬
‫حوله‪ ،‬خاصة أن من راسلهم أبو بكر كانوا هم‬
‫الله × من قبل‪ ،‬وقد ثبتوا وقاموا بما ُ‬
‫طلب منهم )‪ .(1‬وقام فيروز‬
‫بالتصال ببعض القبائل يستمدهم ويستنصرهم‪ ،‬وعلى رأس هؤلء‬
‫»بنو عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة«‪ ،‬ثم أرسل إلى قبيلة‬
‫»عك«( للغرض نفسه‪ .‬وكان أبو بكر قد أرسل إلى الطاهر بن أبي‬
‫هالة )‪ ، 2‬وإلى مسروق العكي ‪-‬وكانا بين عك والشعريين‪ -‬أن يمدا‬
‫البناء بالمعونة‪ ،‬فخرج كل من جهته وعملوا جميًعا للحيلولة دون‬
‫تنفيذ مخطط قيس وهو طرد البناء وإخراجهم من اليمن‪ ،‬فأنقذوهم‬
‫ثم تكتلوا وتوجهوا نحو صنعاء جميًعا فاصطدموا به حتى اضطر إلى‬
‫ترك صنعاء‪ ،‬وعاد إلى ما كان عليه أصحاب السود العنسي وهو‬
‫التذبذب بين نجران وصنعاء ولحج‪ ،‬إل أنه انضم إلى عمرو بن‬
‫للمرة الثانية إلى الهدوء‬
‫معديكرب الزبيدي‪ .‬وبهذا عادت صنعاء‬
‫والستقرار عن طريق الرسل والكتب )‪.(3‬‬
‫ج‪ -‬واستمر الصديق يتابع سياسة الحباط من الداخل‪ ،‬وهي ما‬
‫المؤرخون بقولهم‪» :‬ركوب من ارتد بمن لم يرتد وثبت‬
‫يعبر عنها‬
‫على السلم« )‪.(4‬‬
‫ففي ردة »تهامة اليمن« تم القضاء عليها بدون مجهود يذكر من‬
‫قبل الخليفة‪ ،‬فقد تولها المسلمون من أبناء تهامة مثل »مسروق«‬
‫العكي الذي قاتل المرتدين بقومه من عك‪ ،‬وكان على رأس من‬
‫قضى على ردة تهامة »الطاهر بن أبي هالة« الذي كان والًيا‬
‫)‪(5‬‬
‫للرسول × على جزء من تهامة‪ ،‬وهي موطن »عك والشعريين«‬
‫»عكاشة بن ثور« أن يقيم في »تهامة« ليجمع حوله‬
‫ثم أمر أبو بكر‬
‫حتى‪(7‬يأتيه أمره )‪ ،(6‬وأما بجيلة فإن أبا بكر رد جرير بن‬
‫أهلها‬
‫ن ثبت على السلم‬
‫عبد الله ) ‪ ،‬وأمره أن يستنفر ِ‬
‫ن قومه َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ويقاتل بهم من ارتد عن السلم‪ ،‬وأن يأتي خثعم فيقاتل من ارتد‬
‫منهم‪ ،‬فخرج جرير وفعل )ما‪ (8‬أمره به الصديق ‪ ،‬فلم يقم له أحد إل‬
‫نفر يسير فقتلهم وتتبعهم ‪.‬‬
‫وكان بعض »بني الحارث بن كعب« بنجران قد تابعوا السود‬
‫العنسي‪ ،‬وبعد وفاة رسول الله × بقوا مترددين فخرج إليهم‬
‫»مسروق العكي« وهو يزعم مقاتلتهم فدعاهم إلى السلم فأسلموا‬
‫استتباب( المور فلم يأته‬
‫من غير قتال‪ ،‬فأقام فيهم ليعمل على‬
‫»المهاجر بن أبي أمية« إل وقد ضبط نجران )‪. 9‬‬
‫وقد نجحت سياسة الحباط من الداخل‪ ،‬وتوجه الصديق بإرسال‬
‫الجيوش بعد عودة جيش أسامة‪.‬‬

‫د‪ -‬جيش عكرمة‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( اليمن في صدر السلم‪:‬ص ‪.275‬‬
‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪.4/142 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/144 :‬‬
‫)‪ ( 5،4،‬اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.277‬‬
‫)( البجلي‪ :‬يكنى أبو عمر‪ ،‬أسلم في السنة العاشرة من الهجرة‪.‬‬
‫)( الثابتون على السلم في أيام فتنة الردة‪ :‬ص ‪.42‬‬
‫)( تاريخ الردة للكلعي‪ :‬ص ‪.156‬‬

‫‪173‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫عمان‪ ،‬توجه نحو مهرة‬
‫بعد أن شارك في القضاء على ردة أهل‬
‫حسب أمر أبي بكر‪ ،‬وكان معه سبع مئة فارس )‪ ،(1‬فوق ما جمع‬
‫حوله من قبائل عمان‪ ،‬وحينما دخل مهرة وجدها مقسمة بين‬
‫زعيمين متناحرين‪ :‬أحدهما يسمى شخريت ويتمركز في السهل‬
‫الساحلي‪ ،‬وهو أقل الجمعين عدًدا وعدة‪ ،‬والخر يسمى المصبح‬
‫ونفوذه على المناطق المرتفعة وهو أكبر الجمعين‪ ،‬فدعاهما عكرمة‬
‫إلى السلم فاستجاب صاحب السهل الساحلي وأما الخر فقد اغتر‬
‫بجموعه فأبى‪ ،‬فصادمه عكرمة ومعه »شخريت« فلحقته الهزيمة‪،‬‬
‫وقتل ومعه الكثير من أصحابه‪ ،‬ثم أقام عكرمة فيهم يجمعهم ويقيم‬
‫شئونهم حتى جمعهم على الذي يجب‪ ،‬حيث بايعوا على السلم‬
‫وآمنوا واستقروا )‪ ،(2‬وكان قد تلقى كتاًبا من أبي بكر يأمره بالجتماع‬
‫مع المهاجر بن أبي أمية القادم من »صنعاء« ليتوجها معا إلى كندة‪،‬‬
‫فخرج من مهرة حتى نزل أبين وبقي هناك ينتظر المهاجر‪ ،‬وعمل‬
‫وهو هناك على جمع »النخع« وحمير وتثبيتهم على السلم )‪ ،(3‬وكان‬
‫لوصول عكرمة إلى أبين أثر على بقية فلول السود العنسي وعلى‬
‫رأسهم قيس بن المكشوح وعمر بن معد يكرب‪ ،‬فبعد هروب قيس‬
‫من صنعاء بقي متردًدا بينها وبين نجران‪ ،‬وكان »عمر بن معد‬
‫يكرب« قد انضوى إلى فلول العنسي التي أطلق عليها الفلول‬
‫اللحجية؛ لن وجهتهم كانت إلى لحج‪ ،‬فلما جاء عكرمة انضم قيس‬
‫إلى عمرو وقد اجتمعا للقتال ولكن ما لبث أن نشب الخلف بينهما‬
‫فتعايرا ففارق كل واحد الخر‪ ،‬فلما جاء المهاجر بن أبي أمية أسرع‬
‫عمرو لتسليم نفسه ولحقه قيس فأوثقهما المهاجر وبعث بهم إلى‬
‫اعتذر كل واحد منهما عن فعله فأطلقهما‬
‫أبي بكر‪ ،‬وبعد أن عاتبهما‬
‫ورجعا بعد أن تابا وأصلحا )‪.(4‬‬
‫وهكذا كان لقدوم عكرمة من المشرق دور في القضاء على‬
‫فلول المرتدين الموجودين في لحج سواء بالمواجهة من هذا الجيش‬
‫هم‪(5‬يواجهون جيشا آخر في الشمال‬
‫القادم‪ ،‬بينما‬
‫بقيادة المهاجر ) ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬جيش المهاجر بن أبي أمية للقضاء على ردة حضرموت‬
‫وكندة‪:‬‬
‫كان آخر من خرج من المدينة من الجيوش الحد عشر جيش‬
‫المهاجر بن أبي أمية وكان معه سرية من المهاجرين والنصار‪ ،‬فمر‬
‫على مكة فانضم إليه »خالد بن أسيد« –أخو »عتاب ابن أسيد«‪-‬‬
‫أمير مكة‪ ،‬ومر على الطائف فلحقه عبد الرحمن بن أبي العاص ومن‬
‫معه‪ ،‬ولما التقى »بجرير بن عبد الله البجلي« بنجران ضمه إليه‪،‬‬
‫وضم عكاشة بن ثور الذي جمع بعض أهل تهامة‪ ،‬ثم دخل في‬
‫جموعه »فروة بن مسيك المرادي« الذي كان في أطراف بلد‬
‫مذحج‪ ،‬ومر على بني الحارث بن كعب بنجران فوجد عليهم مسروق‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الردة للكلعي‪ :‬ص ‪.177‬‬
‫نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.155‬‬
‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.281‬‬
‫الطبقات لبن سعد‪.535 ،5/534 :‬‬
‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.282‬‬

‫‪174‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫العكي فضمه إليه )‪.(1‬‬
‫وفي نجران قسم جيشه إلى فرقتين‪ :‬فرقة تولت القضاء على‬
‫فلول »السود العنسي« المتناثرة بين نجران وصنعاء‪ ،‬وكان المهاجر‬
‫نفسه على هذه الفرقة‪ ،‬أما الفرقة الخرى فكان عليها أخوه »عبد‬
‫الله«‪ ،‬وكانت مهمتها تطهير منطقة تهامة اليمن من بقية المرتدين‬
‫)‪.(2‬‬
‫وحينما استقر المهاجر في صنعاء كتب إلى أبي بكر بما قام به‬
‫وبما استقر عليه وبقي ينتظر الرد منه‪ ،‬وفي الوقت نفسه كتب معاذ‬
‫بن جبل وبقية عمال اليمن الذين كانوا على عهد رسول الله ×‪- ،‬ما‬
‫عدا زياد بن لبيد‪ -‬إلى أبي بكر يستأذنونه بالعودة إلى المدينة‪،‬‬
‫فجاءت كتب أبي بكر مطلقة حق الختيار لمعاذ ومن معه من‬
‫العمال بالبقاء أو العودة‪ ،‬والستخلف على عمل كل من رجع‬
‫فرجعوا جميًعا )‪ ،(3‬وأما المهاجر فقد تلقى المر بالتوجه لملقاة‬
‫عكرمة وأن يسيرا مًعا إلى حضرموت لمعاونة زياد بن لبيد وإقراره‬
‫من الذين قاتلوا بين مكة‬
‫على ما هو عليه‪ ،‬وأمره أن يأذن لمن معه‬
‫واليمن في العودة إل أن يؤثر قوم الجهاد )‪.(4‬‬
‫كان زياد بن لبيد النصاري والًيا لرسول الله على كندة‬
‫دا وكان‬
‫ما شدي ً‬
‫بحضرموت‪ ،‬وأقره الصديق ‪ ‬على ذلك‪ ،‬وكان حاز ً‬
‫لحزمه وشدته سبب كبير في أن يتمرد عليه حارثة بن سراقة‪،‬‬
‫وخلصة ذلك ‪-‬كما يذكر الكلعي‪ -‬أن زياًدا أعطى من ضمن الصدقة‬
‫ناقة معينة لفتى من كندة على سبيل الخطأ‪ ،‬فلما أراد صاحبها‬
‫استبدالها بأخرى لم يقبل منه ذلك زياد‪ ،‬فاستنجد الفتى بزعيم لهم‬
‫هو حارثة بن سراقة‪ ،‬وعندما طلب ابن سراقة من زياد استبدال‬
‫الناقة أصر زياد على موقفه‪ ،‬فغضب ابن سراقة وأطلق الناقة عنوة‪،‬‬
‫فوقعت الفتنة بين أنصار زياد وأنصار ابن سراقة‪ ،‬ودارت الحرب‬
‫وانهزم ابن سراقة وقتل ملوك كندة الربعة وأسر زياد عدًدا من‬
‫جماعة ابن سراقة‪ ،‬واستنجد السرى وهم في طريقهم إلى المدينة‬
‫بالشعث بن قيس فنجدهم حمية وعبية‪ ،‬واتسعت رقعتها وتكاثر جمع‬
‫الشعث وحصروا المسلمين )‪ ،(5‬فأرسل زياد إلى المهاجر وعكرمة‬
‫يستعجلهما النجدة وكانا قد التقيا بمأرب‪ ،‬فما كان من المهاجر إل أن‬
‫ترك »عكرمة« إلى الجيش وأخذ أسرع الناس ‪-‬وغالبا من الفرسان–‬
‫ليكونا بجانب زياد‪ ،‬وقد استطاع أن يفك الحصار عنه فهربت كندة‬
‫إلى حصن من حصونها يسمى النجير‪ ،‬وكان لهذا الحصن ثلث طرق‬
‫ل رابع لها‪ ،‬فنزل زياد على إحداها والمهاجر على الثانية وبقيت‬
‫الثالثة تحت تصرف كندة‪ ،‬حتى قدم عكرمة فنزل عليها فحاصروهم‬
‫من جميع الجهات‪ ،‬ثم بعث »المهاجر« الطلئع إلى قبائل كندة‬
‫والمتفرقة في السهل والجبل يدعوهم إلى السلم ومن أبي قاتلوه‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الردة للكلعي‪ :‬ص ‪.58 -54‬‬
‫طبقات فقهاء اليمن‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫طبقات فقهاء اليمن‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.283‬‬
‫الكامل في التاريخ‪ ،2/49 :‬الثابتون على السلم‪ :‬ص ‪.66‬‬

‫‪175‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫ولم يبق إل في الحصن المحاصر )‪.(1‬‬
‫وكان جيشا زياد والمهاجر يزيدان على خمسة آلف رجل من‬
‫المهاجرين والنصار وغيرهم من القبائل‪ ،‬وقد عمل على التضييق‬
‫على من في الحصن حتى ضجوا بالشكوى إلى زعمائهم متبرمين‬
‫من الجوع‪ ،‬وفضلوا الموت بالسيف بدل ً من ذلك‪ ،‬فاتفق زعماؤهم‬
‫على أن يقوم الشعث بن قيس بطلب المان والنزول على حكم‬
‫المسلمين )‪ ،(2‬وبعد أن فوض الشعث من قومه لمفاوضة المسلمين‬
‫لم يوفق؛ لن الروايات تضافرت على أنه لم يطلب المان لجميع‬
‫من في الحصن‪ ،‬أو أنه لم يصر على ذلك ولم يطلبه إل لعدد تراوح‬
‫حسب الروايات بين السبعة والعشرة وكان الشرط هو فتح أبواب‬
‫حصن »النجير«‪ ،‬وكان من جراء ذلك أن قتل من »كندة« في‬
‫الحصن سبعمائة قتيل‪ ،‬فأشبه موقفهم موقف يهود بني قريظة )‪.(3‬‬
‫وتم القضاء على ردة كندة وعاد عكرمة بن أبي جهل ومعه‬
‫ضا‬
‫السبايا والخماس‪ ،‬وبرفقتهم الشعث بن قيس الذي صار مبغ ً‬
‫إلى قومه ول سيما نساؤهم لنهم عدوه سبب ذلتهم؛ ولنه عندما‬
‫صالح المسلمين كان أول ما بدأ به اسمه‪ ،‬فكانت نساء قومه‬
‫عرف النار‪ ،‬ومعناه بلغتهم‪ :‬الغادر )‪ ،(4‬ولما قدم الشعث‬
‫يسمينه ُ‬
‫على أبي بكر قال‪ :‬ماذا تراني أصنع بك فإنك قد فعلت ما علمت؟!‬
‫ي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت‬
‫ن عل ّ‬
‫قال‪ :‬تم ّ‬
‫وأسلمت‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة‪،‬‬
‫)‪(5‬‬
‫فكان بالمدينة حتى فتح العراق‪.‬‬
‫ي‬
‫وفي رواية جاء فيها‪ :‬فلما خشي أن يقع به قال‪ :‬أوتحتسب ف ّ‬
‫خير فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتقبل إسلمي‪ ،‬وتفعل بي مثل‬
‫ما فعلته بأمثالي وترد علي زوجتي ‪-‬وقد كان خطب أم فروة بنت‬
‫خرها إلى أن يقدم‬
‫أبي قحافة مقدمه على رسول الله × فزوجه‪ ،‬وأ ّ‬
‫الثانية فمات رسول الله ×‪ ،‬وفعل الشعث ما فعل فخشي أل ترد‬
‫عليه‪ -‬تجدني خير أهل بلدي لدين الله! فتجافى له عن دمه وقبل‬
‫خير‪ ،‬وخلي عن‬
‫منه ورد عليه أهله وقال‪ :‬انطلق فليبلغني عنك‬
‫القوم‪ ،‬فذهبوا وقسم أبو بكر في الناس الخمس )‪.(6‬‬

‫و‪ -‬دروس وعبر وفوائد‪:‬‬
‫المرأة بين الهدم والبناء‪:‬‬
‫في حروب الردة باليمن تظهر صورتان مختلفتان للنساء‪ :‬صورة‬
‫المرأة الطاهرة العفيفة التي تقف مع السلم وتحارب الرذيلة‪،‬‬
‫وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين النس والجن‪ ،‬فهذه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪ ،284‬تاريخ الطبري‪.4/152 :‬‬
‫تاريخ الطبري‪.3/152 :‬‬
‫اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪ 286‬تاريخ الردة‪ :‬ص ‪.167‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.107‬‬
‫تاريخ الطبري‪.4/155 :‬‬
‫تاريخ الطبري‪.4/155 :‬‬

‫‪176‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫»آزاد« الفارسية زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي؛ تقف‬
‫مع الصف السلمي بكل عزم وتصميم‪ ،‬وتدبر مع المسلمين خطة‬
‫محكمة لغتيال السود العنسي كذاب اليمن‪ ،‬فالمسلم في كل عصر‬
‫يكبر في )آزاد( المسلمة غيرتها على دينها‪ ،‬وينظر باستهجان إلى ما‬
‫جه قلم الدكتور محمد حسين هيكل عندما تحدث عن موقف آزاد‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫من كذاب اليمن‪ ،‬وحاول أن يرجع ما قامت به المرأة المسلمة آزاد‬
‫الفارسية إلى عصبية شهوانية‪ ،‬وذلك في قوله عن السود‪» :‬ولما‬
‫استغلظ أمره وأثخن في الرض استخف بقيس وبفيروز وجعل يرى‬
‫في الخيرين وفي سائر الفرس من تنطوي أضلعهم على المكر به‪،‬‬
‫وعرفت زوجته الفارسية ذلك منه‪ ،‬فثار في عروقها دم قومها‪،‬‬
‫وتحركت في نفسها عوامل الحقد على الكاهن القبيح قاتل زوجها‬
‫الشاب الفارسي الذي كانت تحبه من أعماق قلبها‪ ،‬ولقد استطاعت‬
‫بسجيتها النسوية أن تخفي ذلك عنه وأن تسخو في)‪(1‬البذل له من‬
‫أنوثتها سخاء جعله يركن إليها ويطمع في وفائها«‪.‬‬
‫مز بالفارسية المؤمنة آزاد‪ ،‬وكأنه يتهمها بالغدر‬
‫إنه أسلوب فيه ل َ ْ‬
‫لفارسيتها بالسود العربي‪ ،‬ويأخذ عليها هذا الصنيع الذي كانت تظهر‬
‫له فيه ما ل تخفي‪ ،‬إنه توجيه لحدث في غير محله‪ ،‬وهذه المرأة‬
‫جها المسلم وتزوجها غصًبا‪ ،‬وهي‬
‫الصالحة المسلمة قتل السود زو َ‬
‫شخصا‬
‫الله‬
‫خلق‬
‫ما‬
‫»والله‬
‫بقولها‪:‬‬
‫التي وصفت السود الكذاب‬
‫ي منه‪ ،‬ما يقوم لله على حق ول ينتهي عن محرم«‪ (2).‬وهي‬
‫أبغض إل ّ‬
‫فلول الله‬
‫العنسي‪،‬‬
‫السود‬
‫الطاغية‬
‫لهلك‬
‫سببا‬
‫تعالى‬
‫الله‬
‫جعلها‬
‫التي‬
‫ثم جهودها الميمونة ما استطاع فيروز وأصحابه قتل السود )‪،(3‬‬
‫فالذي حركها لذلك العمل العظيم الذي فيه حتفها وموتها هو حبها‬
‫لدينها وعقيدتها وإسلمها‪ ،‬وبغضها للسود العنسي الكذاب الذي أراد‬
‫أن يقضي على السلم في اليمن‪ ،‬فهذه صورة مشرقة مضيئة لما‬
‫قامت به المرأة المسلمة في اليمن من الجهاد من أجل دينها‪.‬‬
‫أما الصورة الكالحة المظلمة التي قامت به بعض بنات اليمن من‬
‫يهود أو من لف لفهن في حضرموت‪ ،‬فقد طرن فرحا بموت رسول‬
‫الله × فأقمن الليالي الحمراء مع المجان والفساق يشجعن على‬
‫الرذيلة ويزرين بالفضيلة‪ ،‬فقد رقص الشيطان فيها معهن وأتباعه‬
‫لنكوص الناس على السلم والدعوة إلى التمرد عليه وحرب‬
‫طرًبا‬
‫أهله )‪ ،(4‬لقد حّنت تلك البغايا إلى الجاهلية وما فيها من المنكرات‪،‬‬
‫وانجذبن إليها انجذاب الذباب إلى أكوام من القذار‪ ،‬فقد تعودن على‬
‫الفاحشة في حياتهن الجاهلية‪ ،‬فلما جاء السلم حجزتهن نظافته‬
‫عنها‪ ،‬فشعرن وكأنهن بسجن ضيق يكدن يختنقن فيه‪ ،‬ولذا ما إن‬
‫سمعن بموته × حتى أظهرن الشماتة فخضبن أيديهن بالحناء‪ ،‬وقمن‬
‫يضربن بالدفوف ويغنين فرحتهن؛ فقد تحقق لهن ما كن يتمنينه على‬
‫السلطة الجديدة‪ ،‬وكان معظمهن من علية القوم هناك وبعضهن‬
‫يهوديات‪ ،‬وقد كان لكل الطرفين ‪-‬أشراف القوم من العرب واليهود‪-‬‬
‫مصلحة في النتقاض على مبادئ السلم والنقضاض على كيانه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الصديق أبو بكر‪ :‬ص ‪.79‬‬
‫الكامل في التاريخ‪.2/310 :‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.308‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.119‬‬

‫‪177‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫لقد عرفت هذه الحركة في التاريخ بحركة البغايا وكن نيفا وعشرين‬
‫بغّيا متفرقات في قرى حضرموت‪ ،‬وأشهرهن هر بنت يامن اليهودية‬
‫التي ضرب المثل بها في الزنا‪ ،‬فقيل‪» :‬أزنى من هر«‪ .‬ويذكر التاريخ‬
‫أن الفساق كانوا يتناوبونها لهذا الغرض في الجاهلية‪ ،‬ولكن هؤلء‬
‫السواقط لم يتركن وشأنهن يفسدن في المجتمع كما يحلو لهن )‪،(1‬‬
‫فقد وصل الخبر إلى الصديق‪ ،‬وأرسل رجل من أهل اليمن إليه‬
‫هذه البيات‪:‬‬
‫ن أيّ مرام‬
‫أبلغ أبا بكر إذا ما جئته‬
‫أن البغايا ُر ْ‬
‫م َ‬
‫وخضبن أيديهن بالعُ ّ‬
‫لم‬

‫أظهرن من موت النبي‬
‫شماتة‬
‫فهن بصارم‬
‫فاقطع هديت أك ّ‬

‫غمام‬

‫)‪(2‬‬

‫)‪(3‬‬

‫فكتب أبو بكر ‪ ‬إلى عامله هناك المهاجر بن أبي أمية كتاًبا في‬
‫سْر إليهن‬
‫منتهى الحزم والصرامة جاء فيه‪» :‬فإذا جاءك كتابي هذا فَ ِ‬
‫بخيلك ورجلك حتى تقطع أيديهن‪ ،‬فإن دفعك عنهن دافع‪ ،‬فأعذر إليه‬
‫باتخاذ الحجة عليه‪ ،‬وأعلمه عظيم ما دخل فيه من الثم والعدوان‪،‬‬
‫فإن رجع فاقبل منه وإن أبى فنابذه على سواء‪ ،‬إن الله ل يهدي كيد‬
‫الخائنين…«‪ .‬فلما قرأ المهاجر الكتاب جمع خيله ورجله وسار إليهن‪،‬‬
‫فحال بينه وبينهن رجال من كندة وحضرموت فأعذر إليهم‪ ،‬فأبوا إل‬
‫النسوة فقطع‬
‫قتاله‪ ،‬ثم رجع عنه عامتهم‪ ،‬فقاتلهم فهزمهم وأخذ‬
‫أيديهن فمات عامتهن وهاجر بعضهن إلى الكوفة‪ (4) .‬لقد نلن‬
‫جزاءهن في محكمة السلم العادلة؛ إذ أخذهن عامل أبي بكر على‬
‫وطبق عليهن‬
‫تلك البلد‬
‫حد الحرابة)‪.(5‬‬
‫ونقلت الخبار للخليفة في امرأتين من بلد حضرموت تغنتا بهجاء‬
‫رسول الله × والمسلمين‪ ،‬وكان قد عاقبهما المهاجر بن أبي أمية‬
‫ض أبو بكر‪ ،‬وعدها‬
‫والي تلك البلد بقطع يديهما ونزع ثنيتيهما‪ ،‬فلم ير َ‬
‫عقوبة خفيفة في حق هاتين المجرمتين‪ ،‬وقد وجه إليه كتاًبا بهذا‬
‫الخصوص قال فيه بحق الناعقة بشتم صاحب الرسالة‪ :‬بلغني الذي‬
‫سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله ×‪ ،‬فلول‬
‫ما قد سبقتني فيها لمرتك بقتلها؛ لن حد النبياء ليس يشبه الحدود‪،‬‬
‫فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر‪.‬‬
‫)‪ (6‬وقال في الخرى‪ :‬بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء‬
‫المسلمين ونزعت ثنيتها‪ ،‬فإن كانت ممن تدعي السلم فأدب‬
‫وتقدمة دون المثلة‪ ،‬وإن كانت ذمية لعمري لما صفحت عنه من‬
‫الشرك أعظم‪ ،‬ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها‬
‫الدعة وإياك والمثلة في الناس؛ فإنها مأثم ومنفرة إل في‬
‫فاقبل‬
‫قصاص )‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.119‬‬
‫)( عيون الخبار‪.3/133 :‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.119‬‬
‫)‪ (2 ،‬تاريخ الطبري‪.4/157 :‬‬

‫)‪ (2‬العلم‪ :‬الحناء‪.‬‬
‫)‪ (4‬حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.184‬‬

‫‪178‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫من خطباء اليمان‪:‬‬
‫كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق‬
‫والدعوة إلى السلم وتحذير قومهم من خطورة الردة‪ ،‬ومن هؤلء كان‬
‫»مران بن ذي عمير الهمداني« أحد ملوك اليمن الذي كان قد أسلم‬
‫ممن أسلم من أهل اليمن‪ ،‬فلما ارتد الناس هناك وتكلم سفهاؤهم بما ل‬
‫خطي ًوقال لهم‪ :‬يا معشر همدان إنكم لم تقاتلوا‬
‫يليق وقف فيهم با‬
‫ولم يقاتلكم فأصبتم بذلك الحظ ولبستم به العافية‪ ،‬ولم‬
‫رسول الله ×‬
‫يعمكم بلعنة تفضح أوائلكم وتقطع دابرهم‪ ،‬وقد سبقكم قوم إلى‬
‫ما‪ً ،‬فإن تمسكتم لحقتم من سبقكم وإن أضعتموه‬
‫السلم وسبقتم قو‬
‫لحقكم من سبقتموه‪ ،‬فأجابوا إلى ما أحب‪ ،‬وأنشد أبياتا رثى فيها النبي‬
‫× يقول فيها‪:‬‬
‫ذاك مني على الرسول قليل‬
‫إن حزني على الرسول‬
‫طويل‬
‫)‪(1‬‬
‫وبكاء خديمه جبريل‬
‫بكت الرض والسماء عليه‬
‫وقام عبد الله بن مالك الرحبي وكان من أصحاب النبي ×‪ ،‬له‬
‫هجرة وفضل في دينه فاجتمع إليه همدان فقال‪ :‬يا معشر همدان‬
‫دا إنما عبدتم رب محمد وهو الحي الذي ل‬
‫إنكم لم تعبدوا محم ً‬
‫يموت‪ ،‬غير أنكم أطعتم رسوله بطاعة الله‪ ،‬واعلموا أنه استنقذكم‬
‫من النار‪ ،‬ولم يكن الله ليجمع أصحابه على ضللة‪ ،‬وذكر له خطبة‬
‫طويلة يقول فيها‪:‬‬
‫ل رب‬
‫لما مات يا ابن ال َ‬
‫لعمري لئن مات النبي محمد‬
‫قي ِ‬
‫محمد‬
‫)‪(3‬‬
‫منجد‬
‫دعاه إليه رّبه فأجابه‬
‫ووقف شرحبيل بن السمط وابنه في بني معاوية من كندة‬
‫عندما أطبقوا كلهم على منع الصدقة وقال لبني معاوية‪ :‬إنه لقبيح‬
‫بالحرار التنقل‪ ،‬إن الكرام ليلزمون الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا إلى‬
‫أوضح منها مخافة العار‪ ،‬فكيف النتقال من المر الحسن الجميل‬
‫والحق إلى الباطل القبيح؟ اللهم إنا ل نمالئ قومنا على ذلك‪ .‬وانتقل‬
‫ت القوم‬
‫ونزل معه زيد ومعهما امرؤ القيس بن عابس وقال له‪ :‬ب َي ّ ِ‬
‫ما من السكاسك والسكون قد انضموا إليهم وكذلك شذاذ‬
‫فإن أقوا ً‬
‫من حضرموت‪ ،‬فإن لم تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم‪،‬‬
‫فأجابهم إلى تبييت القوم فاجتمعوا وطوقوهم في محاجرهم‬
‫سا حول نيرانهم فأكبوا على بني عمرو وبني معاوية‬
‫فوجدوهم جلو ً‬
‫وفيهم العدد والشوكة من خمسة أوجه فأصابوا الملوك الربعة من‬
‫كندة وأختهم العمّردة وقتلوا فأكثروا‪ ،‬وهرب من أطاق الهرب وعاد‬
‫زياد بن لبيد بالموال والسبي)‪ ،(4‬فهذه بعض النماذج من أهل اليمان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الصابة في تمييز الصحابة‪ ،6/223 :‬رقم‪.8400 :‬‬
‫غوري‪ :‬نسبة إلى الغور‪ ،‬وهي أرض تهامة ما بين البحر والحجاز‪.‬‬
‫ديوان الردة للعتوم‪ :‬ص ‪81‬؛ منجد‪ :‬نسبة إلى نجد هي الرض المرتفعة‪.‬‬
‫الكامل في التاريخ‪.2/84 :‬‬

‫‪179‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫الذين كانت لهم مواقف تدل على عمق إيمانهم وشدة انتمائهم إلى‬
‫السلم فكانوا من خطباء اليمان‪.‬‬
‫كرامات الولياء‪:‬‬
‫عندما تمكن السود العنسي باليمن وتنبأ بالنبوة بعث إلى أبي‬
‫مسلم الخولني فلما جاء قال له‪ :‬أتشهد أني رسول الله؟ قال‪ :‬ما‬
‫دا رسول الله؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فردد ذلك‬
‫أسمع‪ .‬قال‪ :‬أتشهد أن محم ً‬
‫عليه‪ ،‬وفي كله يقول مثل قوله الول قال‪ :‬فأمر به فألقي في نار‬
‫عظيمة فلم تضره‪ ،‬فقيل له‪ :‬انفه عنك وإل أفسد عليك من اتبعك‪،‬‬
‫قال‪ :‬فأمر بالرحيل فأتى المدينة وقد قبض رسول الله ×‪ ،‬واستخلف‬
‫أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد‪ ،‬ودخل المسجد فقام‬
‫يصلي إلى سارية‪ ،‬وبصر به عمر بن الخطاب فقام إليه فقال‪ :‬ممن‬
‫الرجل؟ قال‪ :‬من أهل اليمن‪ ،‬قال‪ :‬ما فعل الرجل الذي أحرقه‬
‫الكذاب بالنار؟ قال‪ :‬ذاك عبد الله بن ثوب‪ ،‬قال‪ :‬أنشدك الله أنت‬
‫هو؟ قال‪ :‬اللهم نعم‪ .‬فأعتنقه عمر وبكى‪ ،‬ثم ذهب به فأجلسه فيما‬
‫بينه وبين أبي بكر وقال‪ :‬الحمد لله الذي لم يمتني)‪(1‬حتى أراني في‬
‫أمة محمد من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله‪.‬‬
‫فهذه كرامة لهذا العبد الصالح الذي التزم بحدود الله وأحب في‬
‫الله وأبغض في الله وتوكل على الله في كل شيء‪ ،‬وبذلك وفقه‬
‫والطمأنينة وأجرى الله على‬
‫الله في القول والعمل ورزقه‬
‫المن َ إن أ َ‬
‫تعالى‪+ :‬أ َ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ل‬
‫و‬
‫ل‬
‫يديه هذه الكرامة‪ ،‬قال‬
‫َ‬
‫و ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫قو‬
‫ت‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫و‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫نو‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حَز ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ع ْلي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دي َ‬
‫الب ُ ْ‬
‫ت‬
‫في ال ِ‬
‫و ِ‬
‫شَرى ِ‬
‫ما ِ‬
‫ة ل ت َب ْ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫في ال َ‬
‫ل ل ِكل ِ َ‬
‫ة ْالدّن َْيا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م" ]يونس‪.[64 -62 :‬‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫الل ِ‬
‫وُز ال َ‬
‫ظي ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫العفو عند الصديق‪:‬‬
‫كان لبي بكر ب ُْعد نظر وبصيرة نافذة ونظر بعواقب المور‪،‬‬
‫ولذلك كان يستعمل الحزم في محله والعفو عندما تقتضي إليه‬
‫صا على جمع شتات القبائل تحت راية السلم‪،‬‬
‫الحاجة‪ ،‬فقد كان حري ً‬
‫فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد‬
‫رجوعهم إلى الحق‪ ،‬فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم‬
‫سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم‪ ،‬واعترفت‬
‫القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم السلم‪ ،‬وأطاعوا خليفة رسول‬
‫الله رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع‬
‫زعماء هذه القبائل‪ ،‬بل اللين هنا والرفق أوفق‪ ،‬فرفع العقوبة عنهم‬
‫وألن القول لهم ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح السلم‬
‫والمسلمين )‪ ،(2‬فعفا عن زلتهم وأحسن إليهم‪ ،‬فقد فعل ذلك مع‬
‫قيس بن يغوث المرادي وعمرو بن معد يكرب‪ ،‬فقد كانا من صناديد‬
‫العرب وفرسانهم وأكثرهم شجاعة‪ ،‬فعز على أبي بكر أن يخسرهما‬
‫وحرص على أن يستخلصهما للسلم ويستنقذهما من التردد بين‬
‫السلم والردة‪ ،‬فقد قال أبو بكر لعمرو‪ :‬أما تخزى أنك كل يوم‬
‫مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت هذا الدين لرفعك الله‪ ،‬فقال عمرو‪ :‬ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( أسد الغابة‪6247 ،6/304 :‬؛ الستيعاب‪.4/1758 :‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.256‬‬

‫‪180‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫جرم لفعلن ولن أعود‪ .‬فأطلقه الصديق ولم يرتد عمرو بعدها قط‬
‫بل أسلم وحسن إسلمه ونصره الله‪ ،‬وأصبح له بلء عظيم في‬
‫الفتوحات‪ .‬وندم قيس على ما فعل‪ ،‬فعفا عنه الصديق‪ ،‬وكان للعفو‬
‫عن هذين البطلين من أبطال عرب اليمن آثاره العميقة والعريضة‪،‬‬
‫فقد تألف به الصديق قلوب أقوام قد عادوا إلى السلم بعد الردة‬
‫خوًفا أو طمًعا‪ .‬وعفا عن الشعث بن قيس‪ ،‬وبذلك أسر الصديق‬
‫للسلم‬
‫قلوبهم وامتلك أفئدتهم‪ ،‬فكانوا في مستقبل اليام نصًرا‬
‫وقوة للمسلمين وأصبحت لهم يد عظيمة في هذا المجال )‪.(1‬‬
‫وصية الصديق لعكرمة ومحاسبته لمعاذ‪:‬‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة‬
‫جل عكرمة فوافته بنو حنيفة فنكبوه‪،‬‬
‫وأتبعه شرحبيل بن حسنة ع ّ‬
‫فكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره‪ ،‬فكتب إليه أبو بكر‪:‬‬
‫يا ابن أم عكرمة ل أريّنك ول تراني على حالها‪ ،‬ل ترجع فتوهن‬
‫الناس‪ ،‬امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما‬
‫ض أنت ثم تسير وتسّير جندك‬
‫أهل عمان ومهرة‪ ،‬وإن شغل فام ِ‬
‫مررتم به‪ ،‬حتى تلتقوا أنتم والمهاجر ابن أبي أمية‬
‫تستبرئون ممن‬
‫باليمن وحضرموت )‪.(2‬‬
‫ونلحظ أن الصديق حينما وجه الجيوش لقتال المرتدين وجه إلى‬
‫مسيلمة الكذاب جيشين أحدهما بقيادة عكرمة بن أبي جهل والثاني‬
‫بقيادة شرحبيل بن حسنة‪ ،‬وهذا دليل على خبرة أبي بكر الدقيقة‬
‫بدرجات القوة عند العداء ومقدار مقدرتهم على الصمود‪ ،‬وحينما‬
‫تعجل عكرمة لحرب مسيلمة فنكب هو وجيشه أرسل إليه أبو بكر‬
‫يقول له‪» :‬ل أرينك ول تراني على حالها ل ترجع فتوهن الناس«‬
‫وهذا أيضا من خبرة أبي بكر الحربية فإن الروح المعنوية لها أثر كبير‬
‫في نتائج المعارك‪ ،‬فإذا قدم هؤلء المنهزمون فقابلوا الجيش‬
‫المتوجه لقتال العداء‪ ,‬فإن نفوس أفراد الجيش سيكون فيها شيء‬
‫صا فيما إذا روى لهم المنهزمون شيًئا عن‬
‫التخوف والضعف‪ ،‬خصو ً‬
‫ضخامة جيش العداء وقوته )‪ ،(3‬وقد كان البعد الحربي عند الصديق‬
‫حا باهًرا‪،‬‬
‫واضحا فأرسل عكرمة وجيشه إلى مناطق أخرى وحقق نجا ً‬
‫فارتفعت معنويته وجيشه‪.‬‬
‫وعندما رجع معاذ من اليمن إلى المدينة واستقبله الصديق وكان‬
‫من عاداته مراقبة عماله ومحاسبتهم بعد فراغهم‪ ،‬قال الصديق‬
‫فقال‪(4:‬أحسابان‪ :‬حساب الله وحساب منكم؟‬
‫لمعاذ‪ :‬ارفع حسابك‪،‬‬
‫دا ) ‪.‬‬
‫والله ل ألي لكم عمل ً أب ً‬
‫توحيد اليمن ووضوح السلم عند أهله وطاعتهم‬
‫للخليفة‪:‬‬
‫وبعد انتهاء حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية‬
‫عاصمتها المدينة المنورة‪ ،‬وقسم اليمن إلى أقسام إدارية ل وحدات‬
‫قبلية‪ ،‬فقد قسم إلى ثلثة أقسام إدارية‪ :‬صنعاء والجند وحضرموت‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.256‬‬
‫الكامل في التاريخ‪ ،2/34 :‬البداية والنهاية‪.6/334 :‬‬
‫التاريخ السلمي للحميدي‪.9/83 :‬‬
‫عيون الخبار‪.1/125 :‬‬

‫‪181‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫سا في الزعامة أو في التولية‪ ،‬ولم تعد‬
‫ولم تعد العصبية القبلية أسا ً‬
‫القبيلة سوى وحدة عسكرية ل سياسية‪ ،‬وأصبحت المقاييس‬
‫المعتبرة هي المقاييس اليمانية؛ التقوى والخلص والعمل الصالح‬
‫)‪.(1‬‬
‫وتخلصت اليمن من بقايا الشرك ومن جميع مظاهره ‪-‬شرك في‬
‫العتقاد أو شرك في القول أو شرك في الفعل‪ -‬تر ً‬
‫كا أو إتياًنا‪،‬‬
‫النبوة أرفع من أن يدعيها مدع عابث ويتخذها وسيلة إلى‬
‫وأدركوا أن‬
‫غرضه ورغبته‪ (2).‬وأيقنوا أن اليمان ل يلتقي مع المطامع‪ ،‬وأن‬
‫واللم والحسرات‪،‬‬
‫السلم ل يتفق مع الجاهلية‪ ،‬عرفوا ذلك بالدماء‬
‫الكثير )‪ ،(3‬ورجع من كان‬
‫فقتل من كل الطرفين الكثير وتعلم منهم‬
‫قد ارتد إلى السلم يرجو التكفير عما بدر )‪ ،(4‬وأذن لهم بالجهاد في‬
‫عصر الخليفة عمر بن الخطاب ‪ ،‬وقد برزت قيادات يمنية إسلمية‬
‫في الفتوحات قد تربت وانصهرت في أحداث الردة‪ ،‬وكانوا من‬
‫الثابتين على السلم؛ كجرير ابن عبد الله البجلي‪ ،‬وذي الكلع‬
‫الحميري‪ ،‬ومسعود بن العكي‪ ،‬وجرير بن عبد الله الحميري وغيرهم‪،‬‬
‫وكان لهذه القيادات أدوار بارزة في الفتوحات السلمية وفي‬
‫عمران مدن جديدة في الكوفة وفي البصرة والعراق والفسطاط‬
‫ضا شخصيات يمنية عينت في اليمن وغير اليمن‬
‫بمصر‪ ،‬وبرزت أي ً‬
‫وسعيد بن عبد الله العرج‪،‬‬
‫الحميد‪،‬‬
‫عبد‬
‫حشك‬
‫قضاة وولة مثل‪:‬‬
‫وشرحبيل بن السمط الكندي‪ ،‬وغيرهم )‪.(5‬‬
‫والتحم أهل اليمن بالدولة السلمية وبقيادتها سواء التي عليهم‬
‫مباشرة أو القيادة العامة »الخليفة« في المدينة‪ ،‬ولهذه حينما دعاهم‬
‫الخليفة للجهاد سارعوا طواعية ورغبة في الجهاد كما سيأتي تفصيله‬
‫بإذن الله تعالى‪ .‬لقد تربوا في أحداث الردة تربية كافية‬
‫ولذا ساد الهدوء والستقرار‬
‫جعلتهم موصولين بالقيادة واثقين بها‪،‬‬
‫وأصبحوا خير مدد للسلم والمسلمين )‪.(6‬‬
‫‪ -2‬القضاء على فتنة طليحة السدي‪:‬‬
‫طليحة السدي هو المتنبئ الثالث من المتنبئة الذين ظهروا في‬
‫السلم أواخر عهد رسول الله × بالحياة‪ ،‬وطليحة هذا هو طليحة بن‬
‫خويلد بن نوفل بن نضلة السدي‪ ،‬ولقد قدم مع وفد قومه أسد على‬
‫رسول الله × في عام الوفود سنة تسع للهجرة فسلموا عليه‪،‬‬
‫وقالوا له ممتنين‪ :‬جئناك نشهد أن ل إله إل الله وأنك عبده ورسوله‬
‫ونحن َلمن وراءنا‪ ،‬فأنزل الله ‪-‬عز وجل‪ -‬قوله‪:‬‬
‫ولم تبعث إلينا‬
‫ك أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫إ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نوا‬
‫م‬
‫ت‬
‫ل‬
‫قل‬
‫موا‬
‫ل‬
‫س‬
‫أ‬
‫ن‬
‫عل َي‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مّنو َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ ِ ْ َ ْ‬
‫ُ‬
‫ْ ُ‬
‫‪+‬ي َ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن"‬
‫قي‬
‫د‬
‫صا‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ك‬
‫إن‬
‫ن‬
‫ما‬
‫لي‬
‫ل‬
‫م‬
‫ك‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ُ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫الل ُ‬
‫ْ َ‬
‫ِ َ ِ ِ‬
‫]الحجرات‪ ،[17 :‬ولما عادوا ارتد طليحة وتنبأ)‪ ،(7‬وعسكر في سميراء‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)( اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.290‬‬
‫)( الخلفة الراشدة والخلفاء الراشدون‪ ،‬يوسف علي‪ :‬ص ‪.39‬‬
‫)( ظاهرة الردة‪ ،‬محمد بريغش‪ :‬ص ‪.159‬‬
‫)( اليمن في صدر السلم‪ :‬ص ‪.289‬‬
‫)‪ (5،‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.291‬‬
‫)‪ (2‬حروب الردة‪ ،‬لمحمد أحمد باشميل‪:‬‬
‫)( أسد الغابة‪.3/95 :‬‬
‫ص ‪.79‬‬

‫‪182‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫»منطقة في بلدهم«‪ ،‬واتبعه العوام واستكشف أمره »وأول ما‬
‫صدر عنه وكان سبًبا لضلل الناس أنه كان مع بعض قومه في سفر‬
‫فأعوزهم الماء وغلب العطش على الناس فقال‪ :‬اركبوا أعلل »اسم‬
‫فرسه« واضربوا أميال ً تجدوا بل ً‬
‫ل‪(1.‬ففعلوا فوجدوا الماء‪ ،‬فكان ذلك‬
‫سبب وقوع العراب في الفتنة« ) ‪.‬‬
‫ومن خزعبلته أنه رفع السجود من الصلة‪ ،‬وكان يزعم أن‬
‫الوحي يأتيه من السماء‪ ،‬ومن أسجاعه التي ادعى أنه يوحى له بها‬
‫قوله‪» :‬والحمام واليمام والصرد الصوام قد صمن قلبكم بأعوام‬
‫ليبلغن ملكنا العراق والشام« )‪ (2‬وغرته نفسه واشتد أمره وقوت‬
‫شوكته‪ ،‬فبعث رسول الله × ضرار بن الزور السدي لمقاتلته لما‬
‫سمع من أمره‪ ،‬ولكن ضرار لم يكن له به قَِبل؛ وذلك لتعاظم قوته‬
‫سيما بعد أن آمن به الحليفان‪:‬‬
‫مع الزمن‪ ،‬ول‬
‫)‪(3‬‬
‫أسد وغطفان‪.‬‬
‫وتقول عنه دائرة المعارف السلمية‪ :‬ويروي عنه أنه كان يرتجل‬
‫الشعر ويخطب عفو الساعة في ميدان القتال‪ ...‬ويبدو أنه كان مثال ً‬
‫حقا للزعيم القبلي الجاهلي‪ .‬وقد اجتمعت فيه صفات العراف‬
‫والشاعر والخطيب والمقاتل‪ (4).‬ويشم من هذا النص رائحة المدح‬
‫المبطن لطليحة من قبل هذه الموسوعة الشهيرة‪ ،‬فهو في نظرها‬
‫الزعيم القبلي المثال‪ ،‬يرتجل الشعر والخطابة‪ ،‬وهما أهم ما كان‬
‫يحرص عليه العربي آنذاك‪ ،‬ول يستغرب هذا التجاه من هذه‬
‫الموسوعة التي جعلت من اللمز في السلم ديدنها‪ ،‬سواء أعرفت‬
‫أن طليحة عاد فأسلم وحسن إسلمه أم لم تعرف‪.‬‬
‫وتوفي رسول الله ولم يحسم أمر طليحة )‪ (5‬وتولى الخلفة‬
‫الصديق ‪ ،‬وعقد اللوية للجيوش والمراء للقضاء على المرتدين‪،‬‬
‫وكان من ضمنهم طليحة‪ ،‬ووجه إليه الصديق جي ً‬
‫شا بقيادة خالد بن‬
‫الوليد‪.‬‬
‫روى المام أحمد‪ … :‬أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد‬
‫على قتال أهل الردة قال‪ :‬سمعت رسول الله يقول‪ :‬ن ِْعم عبد الله‬
‫وأخو العشيرة خالد بن الوليد‪ ،‬سيف من سيوف الله‪ ،‬سله الله على‬
‫الكفار والمنافقين«)‪ ،(6‬ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه‬
‫الصديق‪ ،‬واعده أن سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من المراء‪،‬‬
‫وأظهروا ذلك ليرعبوا العراب‪ ،‬وأمره أن يذهب أول ً إلى طليحة‬
‫السدي‪ ،‬ثم يذهب بعده إلى بني تميم‪ ،‬وكان طليحة بن خويلد في‬
‫قومه بني أسد وفي غطفان‪ ،‬وانضم إليهم بنو عبس وذبيان‪ ،‬وبعث‬
‫ما منهم‬
‫إلى بني َ‬
‫جديلة والغوث من طيء يستدعيهم إليه‪ ،‬فبعثوا أقوا ً‬
‫بين أيديهم ليلحقوهم على أثرهم سريًعا‪ .‬وكان الصديق قد بعث‬
‫عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد وقال له‪ :‬أدرك قومك ل يلحقوا‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫)‪ (4‬أسد الغابة‪.3/95 :‬‬
‫البداية والنهاية‪.6/323 :‬‬
‫دائرة المعارف السلمية مادة »طليحة(‪ ،‬نقل عن حركة الردة‪ :‬ص ‪.78‬‬
‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.78‬‬
‫مسند أحمد‪ ،1/173 :‬وقال الشيخ أحمد شاكر‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫‪183‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بطليحة فيكون دمارهم‪ ،‬فذهب عدي إلى قومه بني طيء فأمرهم‬
‫أن يبايعوا الصديق )‪ ،(1‬وأن يراجعوا أمر الله فقالوا‪ :‬ل نبايع أبا‬
‫صيل )‪ (2‬أبدا ‪-‬يعنون أبا بكر ‪ -‬فقال‪ :‬والله ليأتينكم جيشه فل‬
‫ال َ‬
‫ف ِ‬
‫يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الكبر‪ ،‬ولم يزل عدي‬
‫يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لنوا‪ ،‬وجاء خالد في الجنود‬
‫وعلى مقدمة النصار الذين معه‪ :‬ثابت بن قيس بن شماس‪ ،‬وبعث‬
‫بين يديه ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن طليعة‪ ،‬فتلقاهما حيال‬
‫ابن أخي طليحة‪ -‬فقتله‪ ،‬فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخوه سلمة‪،‬‬‫فلما وجدوا ثابًتا وعكاشة تبارزوا وحمل طليحة على عكاشة فقتله‬
‫وقتل سلمة ثابت بن أقرم‪ ،‬وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين‪،‬‬
‫فشق ذلك على المسلمين‪ ،‬ومال خالد إلى بني طيء فخرج إليه‬
‫عدي بن حاتم فقال‪ :‬أنظرني ثلثة‪ ،‬فإنهم يخشون إن تابعوك أن‬
‫يقتل طليحة من سار إليه منهم‪ ،‬وهذا أحب إليك من أن يعجلهم إلى‬
‫النار‪ ،‬فلما كان بعد ثلث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع‬
‫الحق‪ ،‬فانضافوا إلى جيش خالد‪ ،‬وقصد خالد بني جديلة فقال له‪ :‬يا‬
‫)‪(3‬‬
‫ما حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ الغوث‬
‫خالد أجلني أيا ً‬
‫فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه فجاء بإسلمهم ولحق‬
‫بالمسلمين منهم ألف راكب‪ ،‬فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة‬
‫على قومه ‪.(4) ‬‬
‫خة والقضاء على بني أسد‪:‬‬
‫أ‪ -‬معركة ب َُزا َ‬
‫ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى وعَّبي جيشه هنالك‪ ،‬والتقى‬
‫مع طليحة السدي بمكان يقال له‪» :‬بزاخة« ووفقت أحياء كثيرة من‬
‫العراب ينظرون على من تكون الدائرة‪ ،‬وجاء طليحة فيمن معه من‬
‫قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم‪ ،‬وقد حضر معه عيينة بن‬
‫حصن في سبعمائة من قومه بنى فزارة واصطف الناس وجلس‬
‫فا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم‪،‬‬
‫طليحة ملت ً‬
‫وجعل عيينة يقاتل حتى إذا ضجر من القتال جاء إلى طليحة وهو‬
‫ملتف في كسائه وقال له‪ :‬أجاءك جبريل؟ فيقول‪ :‬ل‪ ،‬فيرجع فيقاتل‪.‬‬
‫ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك‪ ،‬فلما كان في‬
‫الثالثة قال له‪ :‬هل جاءك جبريل؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فما قال لك؟ قال‪:‬‬
‫قال لي‪ :‬إن لك رحا كرحاه وحديًثا ل تنساه‪ ،‬قال‪ :‬يقول عيينة‪ :‬أظن‬
‫أنه قد علم الله سيكون لك حديث ل تنساه‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا بني فزارة‬
‫م وانهزم الناس عن طليحة‪ ،‬فلما جاءه المسلمون‬
‫انصرفوا وانهز َ‬
‫ركب على فرس كان قد أعدها له وأركب امرأته النوار على بعير له‪،‬‬
‫انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه‪ ،‬وقد قتل الله طائفة ممن كان‬
‫ثم‬
‫معه )‪.(5‬‬
‫وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( ترتيب وتهذيب كتاب البداية والنهاية‪ ،‬خلفة أبي بكر‪ ،‬د‪ :‬محمد بن صامل‬
‫السلمي‪:‬ص ‪.101‬‬
‫)( الفصيل‪ :‬ولد الناقة‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية‪ :‬تهذيب محمد السلمي‪ :‬ص ‪.102‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/322 :‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.2/322 :‬‬

‫‪184‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه‪ :‬ليزدك ما أنعم الله‬
‫خي ًواتق الله في أمرك‪ ،‬فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم‬
‫به را‬
‫في أمرك ول تلن ول تظفر بأحد من المشركين قتل من‬
‫ج‬
‫د‬
‫محسنون‪.‬‬
‫ِ ّ‬
‫صعد عنها ويصوب‬
‫المسلمين إل نكلت به‪ ،‬فأقام خالد ببزاخة شهر ي ُ َ‬
‫ويرجع إليها في طلب الذي وصاه الصديق‪ ،‬فجعل يتردد في طلب هؤلء‬
‫يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين‬
‫را‬
‫شه ً‬
‫ارتدوا‪ ،‬فمنهم من حرقه بالنار ومنهم من رضخه بالحجارة‪ ،‬ومنهم من‬
‫شواهق الجبال‪ ،‬كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من‬
‫رمى به من‬
‫مرتدة العرب )‪.(1‬‬
‫ب‪ -‬وفد بني أسد وغطفان إلى الصديق وحكمه عليهم‪:‬‬
‫لما قدم وفد بزاخة –أسد وغطفان‪ -‬على أبي بكر يسألونه الصلح‬
‫خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو خطة مخزية‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا خليفة‬
‫رسول الله‪ ،‬أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما الخطة المخزية؟‬
‫ما تتبعون أذناب البل‬
‫قال‪ :‬تؤخذ منكم الحلقة والك َُراع وتتركون أقوا ً‬
‫ري الله خليفة نبيه والمؤمنين أمًرا يعذرونكم به‪ ،‬وتودون ما‬
‫حتى ي ُ ِ‬
‫أصبتم منا ول نودي ما أصبنا منكم‪ ،‬وتشهدون أن قتلنا في الجنة‬
‫وأن قتلكم في النار‪ ،،‬وتدون قتلنا ول ندى قتلكم‪ ،‬فقال عمر‪ :‬أما‬
‫أمر( الله ل ديات لهم‪ ،‬فامتنع‬
‫قولك تدون قتلنا فإن قتلنا قتلوا على‬
‫عمر‪ ،‬وقال عمر في الثاني‪ :‬نعم ما رأيت)‪. 2‬‬
‫زمل‪:‬‬
‫ج‪ -‬قصة أم ِ‬
‫كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الضلل من أصحاب طليحة من‬
‫يقال لها‪ :‬أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة‬
‫بني غطفان إلى امرأة‬
‫فر )‪ (3‬وكانت من سيدات العرب كأمها أم قرفة‬
‫في مكان يسمى ظ َ َ‬
‫)‪ ،(4‬وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولدها وعزة قبيلتها‬
‫وبيتها‪ ،‬فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد فهاجوا لذلك‪ ،‬وناشب‬
‫إليهم آخرون من بني سليم وطيء وهوازن وأسد فصاروا جي ً‬
‫شا‬
‫فا‪ ،‬وتفحل أمر هذه المرأة فلما سمع بهم خالد ابن الوليد سار‬
‫كثي ً‬
‫دا وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال‬
‫إليهم واقتتلوا قتال ً شدي ً‬
‫لعزها‪ ،‬فهزمهم خالد‬
‫له‪» :‬من نخسه فله مائة من البل« وذلك‬
‫وعقر جملها وقتلها‪ ،‬وبعث بالفتح إلى الصديق )‪.(5‬‬

‫د‪ -‬دروس وعبر وفوائد‪:‬‬
‫ثقة الصديق بالله‪ ،‬وخبرته الحربية‪:‬‬
‫قول الصديق لعدي بن حاتم‪ :‬أدرك قومك ل يلحقوا بطليحة‬
‫فيكون دمارهم‪ .‬فيه مثال على قوة يقين أبي بكر ‪ ‬وثقته بنصر‬
‫الله‪ ،‬فقد حكم على نتيجة المعركة مع طيء قبل الدخول فيها‪ ،‬وفي‬
‫دا ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬بأن يبدأ بحرب قبيلة طيء مع‬
‫أمر أبي بكر خال ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نفس المصدر السابق‪.2/233 :‬‬
‫البداية والنهاية‪.2/233 :‬‬
‫ظفر‪ :‬اسم موضع قرب الحوأب في طريق البصرة إلى المدينة‪.‬‬
‫البداية والنهاية‪.6/323 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.6/323 :‬‬

‫‪185‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أنها أبعد من تجمع طليحة خطة حربية ناجحة‪ ،‬وذلك ليحول دون‬
‫انضمام طيء إلى طليحة‪ ،‬وليضطر من انضم إليها منهم إلى التخلي‬
‫عنه للدفاع عن قبيلتهم‪ ،‬ثم في إظهار أبي بكر أنه خارج جهة خيبر‬
‫دا ببلد طيء تخطيط حربي بارع وذلك لرهاب تلك القبيلة‬
‫ليلقي خال ً‬
‫والقبائل المجاورة‪ ،‬وتظهر براعة الصديق في اختيار الرجال أن‬
‫التي لها ما بعدها أبا سليمان خالد بن الوليد الذي‬
‫اختار لهذه المهمة‬
‫)‪(1‬‬
‫لم تنتكس له راية‪.‬‬
‫وفي خطاب الصديق لخالد بعد انتهاء معركة بزاخة فوائد منها‪:‬‬
‫الدعاء لخالد الذي يفهم منه الثناء عليه بإحسان‪ ،‬كما يتضمن أمره‬
‫بتقوى الله وذلك فيه العصمة من الوقوع في الزلل واتباع الهوى‪،‬‬
‫كما أمره بالجد والحزم مع العداء؛ لنهم ما زالوا في فورة‬
‫طغيانهم‪ ،‬وهذا موقف قوى يدل على حزم الصديق ‪ ‬وبصيرته‬
‫النافذة‪ ،‬فهناك قبائل ل تزال متحيرة ومترددة بين الحق والباطل‪،‬‬
‫والهدى والضلل‪ ،‬والخير والشر‪ ،‬واليمان والكفر‪ ،‬بحاجة إلى تأديب‬
‫وردع حتى يزول طغيانهم‪ ،‬فالموقف من أبي بكر يقتضي أعلى‬
‫درجات القوة والحزم والسرعة‪ ،‬فكانت منه القوة في محل القوة‪،‬‬
‫كما كان منه اللين في محل اللين‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫موضع الندى‬
‫ووضع الندى في موضع‬
‫السيف للندى‬
‫وفي موقف الصديق في عدم قبول استسلم هؤلء المحاربين‬
‫وعدم قبول الصلح إل بحرب مجلية أو خطة مخزية إظهار عزة‬
‫السلم وهيبة دولته‪ ،‬فكانت شروطه في الصلح قوية وكان من‬
‫أشدها عليهم مصادرة أسلحتهم وخيولهم‪ ،‬وكان هذا الشرط مؤقًتا‬
‫بظهور صدق توبتهم وخضوعهم لدولة السلم‪ ،‬وقد كان ل بد منه‬
‫عدم‪(3‬عودتهم إلى التمرد‬
‫لضمان‬
‫مرة أخرى ) ‪.‬‬
‫نصح عدي بن حاتم لقومه والحرب النفسية التي شنها‬
‫عليهم‪:‬‬
‫قومه طئ فدعاهم للرجوع للسلم فقالوا‪ :‬ل‬
‫قدم عدي على‬
‫دا )‪ ،(4‬فقال‪ :‬لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم‬
‫نبايع أبا الفصيل أب ً‬
‫ولتكننه بالفحل الكبر فشأنكم به‪ ،‬فقالوا له‪ :‬فاستقبل الجيش‬
‫فنهنهه )‪ (5‬عنا حتى نستخرج من لحق بالبزاخة منا‪ ،‬فإنا إن خالفنا‬
‫دا وهو‬
‫طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم‪ ،‬فاستقبل عدي خال ً‬
‫بالسنح فقال‪ :‬يا خالد أمسك عني ثلًثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل‬
‫تضرب بهم عدوك‪ ،‬وذلك خير من أن تعجلهم إلى النار وتتشاغل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫التاريخ السلمي للحميدي‪.63 – 9/60 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.65 ،9/64 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.9/66 :‬‬
‫يريدون بذلك أبا بكر ‪ ،‬والبكر والفصيل‪ :‬اسمان لولد الناقة‪.‬‬
‫أي‪ :‬ادفعه وكفه‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫بهم‪ ،‬ففعل‪ ،‬فعاد عدي بإسلمهم إلى خالد‪ (1).‬فهذا موقف استطاع‬
‫فيه عدي أن يقنع قبيلته بفرعيها بني الغوث وبني جديلة بالتخلي عن‬
‫معسكر طليحة والنضمام إلى جيش خالد بن الوليد‪ ،‬وهذا تحول‬
‫مهم في تقرير نتائج معركة بزاخة الحاسمة‪ ،‬فهذا موقف عظيم‬
‫يسجل لعدي ‪ ‬إلى جانب موقفه الول حينما قدم على الصديق‬
‫بصدقات قومه‪ ،‬وكان المسلمون بأمس الحاجة إلى المال آنذاك‪،‬‬
‫ولقد كان إسلمه من أول يوم إسلم رجل العلم والفهم‪ ،‬فكان عن‬
‫قا من انتصار السلم والمسلمين في‬
‫قناعة واختيار‪ ،‬وكان واث ً‬
‫النهاية‪ ،‬كما بشره بذلك النبي × يوم إسلمه‪ ،‬فكان ليمانه القوي‬
‫أثر في إقناع قومه في العدول عما توجهوا إليه من مناصرة أعداء‬
‫السلم‪ ،‬ولم تكن قناعتهم إلى حد الحياد والنتظار حتى يروا لمن‬
‫ألف وخمسمائة إلى جيش المسلمين‪،‬‬
‫تكون الدائرة‪ ،‬بل انضم منهم‬
‫مما يدل على مبلغ أثره فيهم‪ (2).‬وجاء في رواية‪ :‬أن قومه طلبوا من‬
‫سا لن بني أسد حلفاؤهم‪ ،‬فقال لهم خالد‪ :‬والله‬
‫خالد بأن يقاتلوا قي ً‬
‫ما قيس بأوهن الشوكتين‪ ،‬اصمدوا إلى أي القبيلتين أحببتم‪ ،‬فقال‬
‫عدي‪ :‬لو ترك هذا الدين أسرتي الدنى فالدنى من قومي لجاهدتهم‬
‫عليه‪ ،‬فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لحلفهم! ل لعمر الله ل أفعل‪.‬‬
‫فقال له خالد‪ :‬إن جهاد الفريقين جميًعا جهاد‪ ،‬ل نخالف رأي‬
‫ض)‪(3‬إلى أحد الفريقين وامض بهم إلى القوم الذين هم‬
‫أصحابك‪ ،‬ام ِ‬
‫لقتالهم أنشط‪.‬‬
‫وفي إنكار عدي على قومه دليل على قوة إيمانه وغزارة علمه؛‬
‫بعيدين عنه في النسب‪ ،‬وتبرأ من‬
‫حيث والى أولياء الله وإن كانوا‬
‫أعداء الله وإن كانوا من أقاربه‪ (4).‬كما تظهر خبرة خالد بن الوليد‬
‫الحربية حينما أمر عدًيا بأن ل يخالف قومه في تمنعهن في مواجهة‬
‫وأن يوجههم إلى الوجه الجهادي الذي يكونون فيه‬
‫حلفائهم بني أسد‪،‬‬
‫أنشط على القتال )‪.(5‬‬
‫لقد كان الدور الذي قام به عدي في دعوة قبيلته إلى النضمام‬
‫ما‪ ،‬فكان دخول طئ في جيش خالد أول‬
‫إلى جيش المسلمين عظي ً‬
‫وهن أصيب به العداء؛ لن قبيلة طئ من أقوى قبائل جزيرة العرب‪،‬‬
‫وممن كانت القبائل تحسب لها حساًبا وتنظر إليها باعتبارها على‬
‫درجة من القوة بحيث كانت مرهوبة الجانب عزيزة في بلدها‪،‬‬
‫تتقرب إليها جاراتها بالتحالف معها‪ .‬لقد التقى الجمعان بعد أن دب‬
‫الوهن في نفوس العداء‪ ،‬فكتب الله النصر لجيش المسلمين‪،‬‬
‫فسرعان ما طفقوا يقتلون ويأسرون حتى أبادوا جميع أعدائهم‬
‫وهرب قائدهم طليحة على فرسه‪ ،‬ولم يسلم منهم إل من استسلم‬
‫أو هرب‪ ،‬وبعد هذه الوقعة انتشر الضعف في نفوس المرتدين من‬
‫قبائل الجزيرة فأصبح الجيش السلمي ل يجد عناء في هزيمة من‬
‫تجمع منهم في أماكن أخرى )‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.9/57 :‬‬
‫)( تاريخ الطبري‪.4/75 :‬‬

‫)‪ (2‬المصدر السابق‪.9/61 :‬‬
‫)‪ (5) ,(4‬التاريخ السلمي‪.9/61 :‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪:‬ـ ‪.9/61‬‬

‫‪6‬‬

‫)( الحرب النفسية من منظور إسلمي‪ ،‬د‪ :‬أحمد نوفل‪.144 ،2/143 :‬‬

‫‪187‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أسباب هزيمة طليحة بن خويلد السدي‪:‬‬
‫كانت هناك مجموعة من السباب ساهمت في هزيمة طليحة‬
‫السدي‪ ،‬منها‪:‬‬
‫إن المسلمين كانوا يقاتلون مدفوعين بعقيدة راسخة ويقين‬
‫بنصر الله وحب في الشهادة‪ ،‬فكان حب الموت في سبيل الله‬
‫حا معنو ًيا فتا ًكا‪ ،‬فكان خالد يرسل للمرتدين هذه الكلمات‬
‫تعالى سل ً‬
‫)‪(1‬‬
‫القلئل‪ :‬لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة‪ .‬ولقد‬
‫عرف العدو نفسه من خلل تعامله مع قوات المسلمين في‬
‫المعارك التي خاضوها معه صدقهم في تنفيذ هذا المبدأ‪ ،‬فقد سأل‬
‫طليحة السدي قومه لما انهزموا في موقعة بزاخة مع جيش خالد‬
‫بشيء كبير من الحنق والتعجب‪» :‬ويلكم ما يهزمكم؟« فقال رجل‬
‫منهم‪ :‬أنا أخبركم‪ ،‬إنه ليس رجل »منا« إل وهو يحب أن يموت قبله‬
‫صاحبه‪ ،‬وإنا نلقي أقوا ًما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه )‪.(2‬‬
‫كان لنضمام طئ أثره في تقوية المسلمين وإضعاف أعدائهم‪،‬‬
‫كما كان مقتل الصحابيين عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم قد زاد‬
‫من غيظ المسلمين ودفعهم إلى قتال أعدائهم‪ ،‬كما كان لتورية أبي‬
‫بكر الصديق تأثير على طئ في عدم التعاون مع حلفائها وبقائها في‬
‫مواضعها الصلية‪ ،‬وأما التورية المشار إليها فإن الصديق أوهم الناس‬
‫أنه متوجه إلى خيبر بدل ً من الجهة الصلية التي حددت للجيش‪ ،‬كما‬
‫سا كما أرادت شجعها على‬
‫كان لفساح المجال لطئ كي تقاتل قي ً‬
‫الستقلل في الحرب؛ إذ لو أصر خالد على أن يقاتلوا حلفاءهم من‬
‫بني أسد كما أراد عدي بن حاتم لقصرت طئ في حربها أيما تقصير‬
‫)‪ ،(3‬وغير ذلك من السباب‪.‬‬
‫من نتائج معركة بزاخة‪:‬‬
‫القضاء على قوة أحد الدعياء القوياء وعودة فريق كبير من‬
‫العرب إلى حظيرة السلم‪ ،‬فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة‬
‫يقولون‪ :‬ندخل فيما خرجنا منه‪ ،‬فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل‬
‫بزاخة من أسد وغطفان وطئ قبلهم‪ ،‬وأعطوه بأيديهم على السلم‪،‬‬
‫ولم يقبل أحد من أسد ول غطفان ول هوازن ول سليم ول طيء إل‬
‫أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل السلم في حال‬
‫ردتهم‪ ،،‬فأتوه بهم… فمثل خالد ابن الوليد بالذين عدوا على السلم‬
‫فأحرقهم بالنيران‪ ،‬ورضخهم بالحجارة ورمى بهم في الجبال‬
‫ونكسهم في البار‪ ،‬وخرقهم بالنبال‪ ،‬وبعث بقرة بن هيبرة والسارى‪،‬‬
‫وكتب إلى أبي بكر‪ :‬إن بني عامرة أقبلت بعد إعراض ودخلت في‬
‫السلم بعد تربص‪ ،‬وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيًئا‬
‫حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين فقتلتهم كل قتلة وبعثت إليك‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.289‬‬
‫)( تاريخ الخمسين للديار بكري‪ ،2/207 :‬نقل عن حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.289‬‬
‫)( خالد بن الوليد‪ ،‬شيت خطاب‪ :‬ص ‪ ،97 ،96‬نقل عن حروب الردة‪ :‬أحمد‬
‫سعيد‪ :‬ص ‪.124‬‬

‫‪188‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫)‪(1‬‬

‫بقرة وأصحابه‪.‬‬
‫وكان عيينة بن حصن من بين السرى فأمر خالد بشد وثاقه‬
‫تنكيل به‪ ،‬وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه إزراء عليه وإرهاًبا‬
‫لسواه‪ ،‬فلما دخل المدينة على هيئته تلقاه صبيان المدينة‬
‫مستهزئين‪ ،‬وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين‪» :‬أي عدو الله‪،‬‬
‫ارتددت عن السلم!!« فيقول‪ :‬والله ما كنت آمنت قط‪ .‬وجيء به‬
‫إلى خليفة رسول الله ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها‪ ،‬وأمر‬
‫حا واعتذر عما كان منه‬
‫بفك يديه ثم استتابه‪،‬‬
‫فأعلن عيينة توبة نصو ً‬
‫وأسلم وحسن إسلمه )‪.(2‬‬
‫ومضى طليحة حتى نزل كلب)‪ (3‬على النقع فأسلم‪ ،‬ولم يزل‬
‫ما في كلب حتى مات أبو بكر‪ .‬وكان إسلمه هنالك حين بلغه أن‬
‫مقي ً‬
‫دا وغطفان وعامًرا قد أسلموا‪ ،‬ثم خرج نحو مكة معتمرا في‬
‫أس ً‬
‫هذا طليحة‪،‬‬
‫بكر‪:‬‬
‫لبي‬
‫فقيل‬
‫المدينة‬
‫بجنبات‬
‫ومر‬
‫بكر‬
‫أبي‬
‫إمارة‬
‫فقال‪ :‬ما أصنع به‪ ،‬خلوا عنه فقد هداه الله للسلم‪ (4) .‬وقد جاء عند‬
‫ضا وذهب إلى‬
‫ابن كثير‪ :‬وأما طليحة فإنه راجع السلم بعد ذلك أي ً‬
‫مكة معتمًرا أيام الصديق‪ ،‬واستحيا أن يواجهه مدة حياته‪ ،‬وقد منع‬
‫الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون ذلك من باب الحتياط لمر المة؛ لن من كان له‬
‫سوابق في الضلل والكيد للمسلمين ل يؤمن أن يكون رجوعه من‬
‫باب الستسلم لقوة المسلمين‪ ،‬فأبو بكر ‪ ‬من الئمة الذين‬
‫يرسمون للناس خط سيرهم‪ ،‬ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم‪،‬‬
‫الحتياط‪(5‬لما فيه صالح المة وإن كان في ذلك‬
‫فهو لذلك يأخذ بمبدأ‬
‫وضع من شأن بعض الفراد‪ ).‬وهذا درس عظيم تتعلمه المة في‬
‫عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في اللحاد ثم ظهر منهم‬
‫العود إلى اللتزام بالدين‪.‬‬
‫إن وضع الثقة الكاملة بهؤلء وإسناد العمال القيادية لهم قد جر‬
‫على المة أحياًنا ويلت كثيرة‪ ،‬وأوصلها إلى مآزق خطيرة‪ ،‬على أن‬
‫أخذ الحذر من مثل هؤلء ل يعني اتهامهم في دينهم ول نزع الثقة‬
‫بالكلية‪ ،‬وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال‬
‫منهم‬
‫هؤلء )‪.(6‬‬
‫إلى عمر للبيعة حين استخلف‬
‫هذا وقد حسن إسلم طليحة وأتى‬
‫وقال له عمر‪ :‬أنت قاتل عكاشة وثابت )‪ ،(7‬والله ل أحبك أبدا‪ ،‬فقال‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬ما تهتم من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهّني‬
‫بأيديهما! فبايعه عمر ثم قال له‪ :‬يا خدع ما بقي من كهانتك؟ قال‪:‬‬
‫نفختان بالكير‪ ،‬ثم رجع إلى دار قومه فأقام بها حتى خرج‬
‫نفخة أو‬
‫حا ولم يغمض )‪ (9‬عليه فيه وقال‬
‫إلى العراق)‪ ،(8‬وقد كان إسلمه صحي ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫)‪ (2‬الصديق أول الخلفاء‪ :‬ص ‪.87‬‬
‫)‪ (4‬التاريخ السلمي‪.9/95 :‬‬

‫تاريخ الطبري‪.4/82 :‬‬
‫أي‪ :‬نزل في قبيلة كلب‪.‬‬
‫التاريخ السلمي‪.9/76 :‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.9/76 :‬‬
‫عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم رضي الله عنهما‪.‬‬
‫التاريخ السلمي‪ ،9/59 :‬تاريخ الطبري‪.4/81 :‬‬
‫يطعن فيه‪.‬‬

‫‪189‬‬

‫أبو بكر الصديق‬

‫‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫يعتذر ويذكر ما كان منه‪:‬‬
‫ندمت على ما كان من قتل‬
‫ثابت‬
‫وأعظم من هاتين عندي‬
‫مصيبة‬
‫مة‬
‫وتركي بلدي والحوادث َ‬
‫ج ّ‬

‫رجوعي عن السلم فعل‬
‫التعمد‬
‫ما كنت غير مطّرد‬
‫طري ً‬
‫دا وقِد ْ ً‬

‫فهل يقبل الصديق أنى‬
‫مراجع‬
‫وأني من بعد الضللة شاهد‬

‫ث‬
‫ط بما أحدثت من حد ٍ‬
‫ومع ٍ‬
‫يدي‬
‫شهادة حق لست فيها بملحد‬

‫وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد‬

‫ذليل وأن الدين دين محمد‬

‫بأن إله الناس ربي وأنني‬

‫)‪(1‬‬

‫هـ‪ -‬قصة الفجاءة‪:‬‬
‫واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عمير بن خفاف من‬
‫بني سليم‪ ،‬قاله ابن إسحاق‪ .‬وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع‬
‫في المدينة‪ ،‬وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم‪ ،‬وسأل منه أن‬
‫شا يقاتل به أهل الردة فجهز معه جي ً‬
‫يجهز معه جي ً‬
‫شا‪ ،‬فلما سار‬
‫جعل ل يمر بمسلم ول مرتد إل قتله وأخذ ماله‪ ،‬فلما سمع الصديق‬
‫بعث وراءه جي ً‬
‫شا فرده‪،‬‬
‫البقيع‪(3)،‬فجمعت يداه إلى قفاه‬
‫إلى‬
‫به‬
‫بعث‬
‫منه‬
‫فلما أمكنه الله‬
‫وألقي في النار فحرقه وهو مقموط)‪ ، (2‬وكان الذي ألقى القبض‬
‫عليه طريفة بن حاجز‪ ،‬وهذا يظهر)‪(4‬لنا دور مسلمي سليم في محاربة‬
‫المفسدين في الرض والمرتدين ‪.‬‬
‫يكون‪(5‬ارتكب في‬
‫وهذه العقوبة بسبب غدر الفجاءة‪ ،‬أو لنه قد‬
‫ضحاياه من المسلمين جريمة الحراق مرة أو مرات ) ‪.‬‬
‫و‪ -‬ما قاله حسان فيمن قال ل نطيع أبا الفصيل‬
‫)يعنون أبا بكر(‪:‬‬
‫أن الفصيل عليه ليس بعار‬
‫ما البكر إل كالفصيل وقد‬
‫ترى‬
‫ركبان مكة معشر النصار‬
‫ج الحجيج لبيته‬
‫ح‬
‫وما‬
‫إنا‬
‫ّ‬
‫فري جماجمكم بكل مهّند‬
‫نَ ْ‬
‫حتى ت ُك َّنوه بفحل هنيدة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫اليسار‬

‫)‪(8‬‬

‫)‪(7‬‬

‫دار‬
‫يحمي الطروقة بازل ه ّ‬

‫)‪(9‬‬

‫)( ديوان الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.86‬‬
‫)‪ (2‬ترتيب وتهذيب البداية‬
‫)( أي‪ :‬شدت يداه ورجله كهيئة المهاد للطفل‪.‬‬
‫والنهاية‪ :‬ص ‪.106‬‬
‫)‪ (4‬حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.185‬‬
‫)( الثابتون على السلم‪ :‬ص ‪.27‬‬
‫)( القدار‪ :‬الجزار‪.‬‬
‫)( المبادئ‪ :‬الظواهر‪ ،‬وهي مفاصل الجزور وما عليها من اللحم‪ ،‬جمع بدء‪.‬‬
‫اليسار‪ :‬جمع يسر وهو الجزور‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -3‬سجاح وبنو تميم ومقتل مالك بن نويرة اليربوعي‪:‬‬
‫كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة؛ منهم من ارتد ومنع‬
‫الزكاة‪ ،‬ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق‪ ،‬ومنهم من‬
‫توقف لينظر في أمره‪ ،‬فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث‬
‫بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة وهي من نصارى العرب‪،‬‬
‫وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم‪ ،‬وقد عزموا‬
‫على غزو أبي بكر الصديق‪ ،‬فلما مرت ببلد بني تميم دعتهم إلى‬
‫أمرها فاستجاب لها عامتهم‪ ،‬وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة‬
‫التميمي وعطارد بن حاجب وجماعة من سادات أمراء بني تميم‪،‬‬
‫وتخلف آخرون منهم عنها‪ ،‬ثم اصطلحوا على أن ل حرب بينهم‪ ،‬إل‬
‫أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عزمها وحرضها على بني‬
‫يربوع‪ ،‬ثم اتفق الجميع على قتال الناس وقالوا‪ :‬بمن نبدأ؟ فقالت‬
‫فيما‪(1‬تسجعه‪ :‬أعدوا الركاب‪ ،‬واستعدوا للنهاب‪ ،‬ثم أغيروا على‬
‫لهم‬
‫الرباب ) فليس دونها حجاب‪ .‬ثم استطاع بنو تميم إقناعهم بقصد‬
‫اليمامة لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب فهابه قومها‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫إنه قد استفحل أمره وعظم‪ ،‬فقالت لهم فيما تقوله‪ :‬عليكم باليمامة‬
‫دفوا دفيف الحمامة‪ ،‬فإنها غزوة صرامة ل تلحقكم بعدها ملمة‪،‬‬
‫فعملوا لحرب مسيلمة فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلده‪،‬‬
‫وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال‪ ،‬وقد ساعده عكرمة بن أبي‬
‫جهل بجنود المسلمين وهم نازلون ببعض بلده ينتظرون قدوم خالد‪،‬‬
‫فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الرض الذي كان‬
‫لقريش لو عدلت‪ ،‬فقد رده الله عليك فحباك به‪ ،‬وراسلها ليجتمع بها‬
‫في طائفة من قومه‪ ،‬فركب إليها في أربعين من قومه‪ ،‬وجاء إليها‬
‫فاجتمعا في خيمة‪ ،‬فلما خل بها وعرض عليها ما عرض من نصف‬
‫الرض وقبلت ذلك‪ ،‬قال مسيلمة‪ :‬سمع الله لمن سمع‪ ،‬وأطعمه‬
‫بالخير إذا طمع‪ ،‬ول يزال أمره في كل ما يسر مجتمع‪ ،‬ثم قال لها‪:‬‬
‫قالت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟‬
‫فقالوا‪ :‬أ َ‬
‫صد ََقك؟‬
‫وأقامت عنده ثلثة أيام ثم رجعت إلى قومها‪،‬‬
‫ْ‬
‫فقالت‪ :‬لم يصدقني شيًئا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير‬
‫ي مؤذنك فبعثته‬
‫ص َ‬
‫ص َ‬
‫داق‪ ،‬فبعثت إليه تسأله َ‬
‫َ‬
‫داًقا‪ ،‬فقال‪ :‬أرسلي إل ّ‬
‫إليه وهو شيث بن ربعي الرياحي‪ ،‬فقال‪ :‬ناد في قومك أن مسيلمة‬
‫بن حبيب رسو َ‬
‫ل الله قد وضع عنكم صلتين مما أتاكم به محمد‬
‫)يعني صلة الفجر وصلة العشاء الخرة( فكان هذا صداقها عليه‪ ،‬ثم‬
‫انثنت سجاح راجعة إلى بلدها‪ ،‬وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض‬
‫اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعدما قبضت من مسيلمة نصف‬
‫فأقامت في قومها بني تغلب إلى زمان معاوية فأجلهم‬
‫خراج أرضه‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫منها عام الجماعة‪.‬‬
‫كان مالك قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة‪ ،‬فلما‬
‫ما‬
‫اتصلت بمسيلمة ثم ترحلت إلى بلدها ندم مالك بن نويرة على‬
‫كان من أمره وتلوم في شأنه وهو نازل بمكان يقال له‪ :‬البطاح )‪،(3‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪ (8‬ديوان الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.137‬‬
‫)( هنيدة‪ :‬اسم لمئة ناقة من البل‪.‬‬
‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.6/326 :‬‬
‫)( الرباب‪ :‬فرع من بني تميم‪.‬‬
‫)( البطاح‪ :‬ماء من ديار بني أسد بأرض نجد‪ (2) .‬البداية والنهاية‪.6/327 :‬‬

‫‪191‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫فقصده خالد بجنوده وتأخرت عنه النصار وقالوا‪ :‬إنا قد قضينا ما‬
‫أمرنا به الصديق‪ ،‬فقال لهم خالد‪ :‬إن هذا أمر ل بد من فعله وفرصة‬
‫ي ترد‬
‫ل بد من انتهازها‪ ،‬وإنه لم يأتني فيها كتاب وأنا المير وإل ّ‬
‫الخبار‪ ،‬ولست بالذي أجبركم على المسير وأنا قاصد البطاح‪ ،‬فسار‬
‫يومين ثم لحقه رسول النصار يطلبون منه النتظار فلحقوا به‪ ،‬فلما‬
‫وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة بث خالد السرايا في البطاح‬
‫يدعون الناس‪ ،‬فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة‪ ،‬وبذلوا‬
‫الزكوات إل ما كان من مالك بن نويرة‪ ،‬فإنه متحير في أمره متنح‬
‫عن الناس‪ ،‬فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه‪ ،‬واختلفت‬
‫السرية فيهم فشهد أبو قتادة الحارث بن ربعي النصاري أنهم أقاموا‬
‫الصلة‪ ،‬وقالوا آخرون‪ :‬إنهم لم يؤذنوا ول صلوا‪ ،‬فيقال‪ :‬إن السارى‬
‫باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد‪ ،‬فنادى منادي خالد‪ :‬أن أدفئوا‬
‫أسراكم‪ ،‬فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم وقتل ضرار بن الزور‬
‫مالك بن نويرة‪ ،‬فلما سمع خالد الواعية خرج وقد فرغوا منهم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إذا أراد الله أمًرا أصابه‪ ،‬ويقال‪ :‬بل استدعى خالد مالك بن‬
‫نويرة فأّنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح وعلى منعه الزكاة‬
‫وقال‪ :‬ألم تعلم أنها قرينة الصلة؟ فقال مالك‪ :‬إن صاحبكم كان‬
‫يزعم ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه‪،‬‬
‫فضربت عنقه‪ .‬وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاول في‬
‫ذلك‪ ،‬حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق وتكلم عمر مع أبي‬
‫قا‪ ،‬فقال أبو‬
‫قتادة في خالد وقال للصديق‪ :‬اعزله فإن في سيفه ره ً‬
‫فا سله الله على الكفار‪ .‬وجاء متمم بن نويرة‬
‫بكر‪ :‬ل أشيم سي ً‬
‫وينشد‪(1‬الصديق ما‬
‫يساعده‬
‫وعمر‬
‫دا‬
‫خال‬
‫الصديق‬
‫فجعل يشكو إلى‬
‫ً‬
‫قال في أخيه من المراثي‪ ،‬فوداه الصديق من عنده ) ‪.‬‬
‫دروس وعبر وفوائد‪:‬‬
‫أ‪ -‬من ثبت على السلم من بني تميم‪:‬‬
‫لم يرتد عن السلم كل قبائل أو كل أفراد أو كل رؤساء بني‬
‫تميم‪ ،‬كما حاول أن يصور ذلك بعض من المؤرخين المحدثين‪،‬‬
‫والحقيقة أنه لقوة إسلم وثبات بعض بطون وأفراد ورؤساء بني‬
‫تميم‪ ،‬فقد استطاع مالك بن نويرة إقناع سجاح التميمية بقتالهم قبل‬
‫قتالها أبا بكر الصديق‪ ،‬وعندما واجهت مسلمي تميم تلقت على‬
‫أيديهم هزيمة نكراء فعدلت بعدها عن الذهاب إلى المدينة‪ ،‬وتوجهت‬
‫إلى اليمامة‪ ،‬وقد تضافرت الروايات التاريخية لتؤكد هذه الحقيقة‬
‫التي ذكرناها )‪ ،(2‬بل إن التدقيق في الروايات يبين أن من ثبت على‬
‫السلم من بني تميم كان أكثر من المترددين والمرتدين‪ ،‬وتعكس‬
‫بعض الروايات دور قبيلة الرباب بصفة خاصة في الوقوف في وجه‬
‫المرتدين‪ ،‬ولذلك استحقت من سجاح وجماعتها الحرب‪.‬‬
‫وتشير بعض الروايات إلى المواجهة العظيمة التي وقعت بين‬
‫الرباب وسجاح وانتهت أخيًرا بالصلح عندما فشلت سجاح في‬
‫إخضاع مسلمي تميم‪ ،‬وإلى ندم قيس بن عاصم على متابعة‬
‫المرتدين‪ ،‬وسوقه صدقات قومه إلى المدينة وكانت الدائرة على‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬الثابتون على السلم‪ :‬ص ‪.44‬‬

‫‪192‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫سجاح وجماعتها )‪.(1‬‬
‫ب‪-‬خالد ومقتل مالك بن نويرة‪:‬‬
‫اختلفت الراء في مقتل مالك بن نويرة اختلًفا كثيًرا‪ :‬أقتل‬
‫ما؟ وقام الدكتور على‬
‫ما أم مستح ً‬
‫قا؛ أي أكافًرا قتل أم مسل ً‬
‫مظلو ً‬
‫العتوم بتحقيق هذه المسألة في كتابه »حركة الردة« وتعرض الشيخ‬
‫كتابه »نقد علمي لكتاب السلم‬
‫محمد الطاهر بن عاشور في‬
‫)‪(2‬‬
‫محمد زاهد الكوثري‬
‫الشيخ‬
‫وقام‬
‫‪،‬‬
‫القضية‬
‫وأصول الحكم« لهذه‬
‫بالدفاع عن خالد في كتابه )مقالت الكوثري( )‪ ،(3‬وغير ذلك من‬
‫الباحثين‪ ،‬واخترت من بين من بحث هذا الموضوع ما ذهب إليه‬
‫قا علمًيا متميًزا‪ ،‬واهتم‬
‫الدكتور على العتوم؛ لنه حقق المسألة تحقي ً‬
‫ما لم أجده ‪-‬على حسب اطلعي‪ -‬عند أحد من‬
‫بأحداث الردة اهتما ً‬
‫الباحثين المعاصرين‪ ،‬وخرج بنتيجة أوافقه عليها‪ :‬أن الذي أردى مالكا‬
‫كبره وتردده؛ فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب وإل لما ماطل هذه‬
‫المماطلة في التبعية للقائم بأمر السلم بعد رسول الله ×‪ ،‬وفي‬
‫تأدية حق بيت مال المسلمين المتمثل بالزكاة‪ .‬وفي تصوري أن‬
‫الرجل كان يحرص على زعامته ويناكف ‪-‬في الوقت نفسه‪ -‬بعض‬
‫أقربائه من زعماء بني تميم الذين وضعوا عصا الطاعة للدولة‬
‫السلمية‪ ،‬وأدوا ما عليهم لها من واجبات‪ ،‬وقد كانت أفعاله وأقواله‬
‫على السواء تؤيد هذا التصور‪ ،‬فارتداده ووقوفه بجانب سجاح‬
‫وتفريقه إبل الصدقة على قومه‪ ،‬بل ومنعهم من أدائها لبي بكر‬
‫وعدم إصاخته لنصائح أقربائه المسلمين في تمرده‪ ،‬كل ذلك يدينه‬
‫ويجعل منه رجل أقرب إلى الكفر منه إلى السلم‪.‬‬
‫ولو لم يكن مما يحتج به على مالك إل منعه للزكاة لكفى ذلك‬
‫مسو ً‬
‫غا لدانته‪ ،‬وهذا المنع مؤكد عند القدمين؛ فقد جاء في‬
‫دا‬
‫خال‬
‫أن‬
‫عليه‪:‬‬
‫والمجمع‬
‫قوله‪:‬‬
‫سلم‬
‫لبن‬
‫الشعراء«‬
‫فحول‬
‫»طبقات‬
‫ً‬
‫ده‪ ،‬وإن مالكا سمح بالصلة والتوى بالزكاة‪ (4) .‬جاء في‬
‫حاوره ورا ّ‬
‫»شرح النووي لصحيح مسلم« قوله عن المرتدين‪ :‬كان في ضمن‬
‫هؤلء من يسمح بالزكاة ول يمنعها إل أن رؤساءهم صدوهم عن‬
‫ذلك‪ ،‬وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع‪ ،‬فإنهم قد جمعوا‬
‫صدقاتهم وأرادوا)‪(5‬أن يبعثوها إلى أبي بكر ‪ ‬فمنعهم مالك بن نويرة‬
‫من ذلك وفّرقها ‪.‬‬
‫ج‪ -‬زواج خالد بأم تميم‪:‬‬
‫أم تميم هي ليلى بنت سنان المنهال زوج مالك بن نويرة‪ ،‬وهذا‬
‫الزواج حدث حوله جدل كثير‪ ،‬واتهم من لهم أغراض خالدا ً بعدة تهم ل‬
‫تصح ول تثبت أمام البحث العلمي النزيه‪.‬‬
‫دا بأنه تزوج أم تميم فور‬
‫وخلصة القصة‪ :‬فهناك من اتهم خال ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.48‬‬
‫)( نقد علمي لكتاب السلم وأصول الحكم‪ :‬ص ‪.33‬‬
‫)( مقالت الكوثري‪ :‬ص ‪ ،312‬نقل عن )الخلفاء الراشدون( للذهبي‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫)( طبقات فحول الشعراء‪ ،‬تحقيق محمود شاكر‪ :‬ص ‪.172‬‬
‫)( شرح النووي على صحيح مسلم‪.1/203 :‬‬

‫‪193‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫وقوعها في يده لعدم صبره على جمالها ولهواه السابق فيها‪ ،‬وبذلك‬
‫حا‪ ،‬فهذا القول مستحدث ل يعتد‬
‫يكون زواجه منها –حاشا لله – سفا ً‬
‫به )‪(1‬؛ إذ خلت المصادر القديمة من الشارة إليه‪ ،‬بل هي على خلفه‬
‫في نصوصها الصريحة‪ ،‬يذكر الماوردي أن الذي جعل خالد يقوم على‬
‫قتل مالك هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه‪ ،‬وبذلك فسد عقد‬
‫المناكحة بينه وبين أم تميم )‪ ،(2‬وحكم نساء المرتدين إذا لحقن بدار‬
‫)‪(3‬‬
‫الحرب أن يسبين ول يقتلن‪ ،‬كما يشير إلى ذلك المام السرخسي‪.‬‬
‫فلما صارت أم تميم في السبي اصطفاها خالد لنفسه‪ ،‬فلما حلت‬
‫)‪(4‬‬
‫بنى بها‪.‬‬
‫دا‬
‫ويعلق الشيخ أحمد شاكر على هذه المسألة بقوله‪ :‬إن خال ً‬
‫أخذها هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية؛ إذ أن السبية ل عدة عليها‪،‬‬
‫وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حامل ً قبل أن‬
‫تضع حملها‪ ،‬وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة ثم دخل‬
‫بها‪ ،‬وهو عمل مشروع جائز ل مغمز فيه ول مطعن إل أن أعداءه‬
‫والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم فانتهزوها‪ ،‬وذهبوا‬
‫دا قتله من أجل امرأته‪.‬‬
‫يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم وأن خال ً‬
‫)‪ (5‬وقد اتهم خالد بأنه في زواجه هذا خالف تقاليد العرب‪ ،‬فقد قال‬
‫العقاد‪ :‬قتل خالد مال َ‬
‫ك بن نويرة وبنى بامرأته في ميدان القتال على‬
‫غير ما تألفه العرب في جاهلية وإسلم‪ ،‬وعلى غير ما يألفه‬
‫المسلمون وتأمر به الشريعة‪ (6).‬فهذا القول بعيد عن الصحة؛ فقد‬
‫كان يحصل كثيًرا في حياة العرب قبل السلم إثر حروبهم‬
‫وانتصاراتهم على أعدائهم أن يتزوجوا من السبايا‪ ،‬وكانوا يفخرون‬
‫بذلك‪ ،‬ولذلك كثر فيهم أولد السبايا‪ ،‬وهذا حاتم الطائي يقول‪:‬‬
‫وماأنكحونا طائعين بناتهم‬

‫ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا‬

‫وكائن ترى فينا من ابن سبية‬

‫إذا لقي البطال يطعنهم‬
‫شزرا‬
‫)‪(7‬‬
‫حمرا‬

‫ويأخذ رايات الطعان بكفه‬

‫حا وسلك إليه‬
‫وأما من الناحية الشرعية فقد أتى خالد أمرًا مبا ً‬
‫سبيل مشروعة أتاه من هو أفضل منه‪ ،‬فإذا كان قد أخذ عليه زواجه‬
‫إبان الحرب أو في أعقابها‪ ،‬فإن رسول الله × تزوج بجويرية بنت‬
‫الحارث المصطلقية إثر غزوة المريسيع‪ ،‬وقد كانت في سبايا بني‬
‫المصطلق فقضى عنها كتابتها وتزوجها‪ ،‬وكان بها طابع يمن وبركة‬
‫على قومها؛ إذ أعتق لهذا الزواج مائة رجل من أسراهم لنهم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫)( ما قاله الجنرال الباكستاني أكرم‪ :‬ففي نفس الليلة تزوجها خالد‪ :‬ص ‪198‬‬
‫كتابه )سيف الله خالد(‪.‬‬
‫)( الحكام السلطانية‪ :‬ص ‪ ،47‬نقل عن حركة الردة‪ :‬ص ‪.229‬‬
‫)( المبسوط‪ ،10/111 :‬نقل عن حركة الردة‪ :‬ص ‪.229‬‬
‫)( البداية والنهاية‪.6/326 :‬‬
‫)‪ (2‬عبقرية الصديق‪ :‬ص ‪.70‬‬
‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.230‬‬
‫)( العقد الفريد لبن عبد ربه‪ (4) .7/123 :‬سيرة ابن هشام‪.295 -2/290 :‬‬

‫‪194‬‬

‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫شخصيته وعصره‬

‫أصبحوا أصهاًرا لرسول)‪(1‬الله ×‪ ،‬وكان من آثاره المباركة كذلك إسلم‬
‫أبيها الحارث بن ضرار‪ .‬كما أنه عليه الصلة والسلم تزوج بصفية‬
‫حيي‪(2‬بن أخطب إثر غزوة خيبر وبنى بها في خيبر أو ببعض‬
‫بنت‬
‫)‬
‫رسول الله × السوة الحسنة فقد توارى‬
‫كان‬
‫وإذا‬
‫‪،‬‬
‫الطريق‬
‫)‪(3‬‬
‫العتاب وانقطع الملم‪.‬‬
‫ودفاع الدكتور محمد حسين هيكل عن خالد اتبع فيه منهجية غير‬
‫مقبولة؛ لنه ينبغي لنا أن ل نغض الطرف عن مخالفات خالد على‬
‫حساب السلم‪ ،‬فخالد وغيره محكوم بالشرع الذي يعلو ول يعلى‬
‫عليه‪ ،‬وإن تنزيه الشخاص ل يساوي تشويه المنهج بأية حال‪ ،‬فقد‬
‫قال الدكتور هيكل‪ :‬وما التزوج من امرأة على خلف تقاليد العرب‬
‫بل ما الدخول بها قبل أن يتم تطهيرها إذا وقع ذلك من فاتح غزا‬
‫فحق له بحكم الغزو أن تكون له سبايا يصبحن ملك يمينه!! إن‬
‫من‬
‫التزمت في تطبيق التشريع ل ينبغي أن يتناول النوابغ العظماء‬
‫)‪(4‬‬
‫أمثال خالد‪ ،‬وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر‪.‬‬
‫ورد الشيخ أحمد شاكر بهذا الخصوص فقال‪ :‬لشد ما أخشى أن‬
‫يكون المؤلف تأثر بما قرأ من أخبار نابليون وغيره من ملوك أوربا في‬
‫مباذلهم وإسفافهم‪ ،‬وبما كتب الكاتبون من الفرنج في العتذار عنهم‬
‫لتخفيف آثامهم بما كان لهم من عظمة وبما أسدوا إلى أممهم من فتوح‬
‫وأياد‪ ،‬حتى يظن بالمسلمين الولين أنهم أمثال هؤلء فيقول‪ :‬إن التزمت‬
‫يتناول النوابغ العظماء من أمثال خالد‪،‬‬
‫في تطبيق التشريع ل يجب أن‬
‫وهذا قول يهدم كل دين وخلق )‪.(5‬‬
‫د‪ -‬دعم الصديق للقيادة الميدانية‪:‬‬
‫كان بعض رجال من جيش خالد قد شهدوا أن القوم أذنوا حين‬
‫سمعوا أذان المسلمين‪ ،‬وأنهم بذلك قد حقنوا دماءهم‪ ،‬وأن قتلهم ل‬
‫يحل‪ ،‬ومن أولئك القوم أبو قتادة ‪ ،‬فأكبر القوم وزاد ذلك عنده أنه‬
‫رأى خالد بن الوليد قد تزوج امرأة مالك بن نويرة ففارق أبو قتادة‬
‫دا فيما خالف فيه‪ ،‬فرأى‬
‫دا‪ ،‬وقدم على أبي بكر