‫‪1‬‬

‫ّ‬
‫ة‬
‫ري َ‬
‫ط‬
‫ال‬
‫ق ُ‬
‫ِ‬
‫ق َ‬
‫ة‬
‫الن ّ ْ‬
‫شب َن ْد ِي ّ ُ‬

‫ها‬
‫ضَر َ‬
‫حا ِ‬
‫ما ِ‬
‫ضيَها وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ب َي ْ َ‬

‫***‬

‫تأليف‬
‫فريد الدين آيدن‬
‫‪Feriduddin AYDIN‬‬
‫البريد اللكتروني للمؤّلف‬
‫‪ferid@maktoob.com‬‬

‫إسطنبول ‪1997 -‬‬

‫مُ َ‬
‫ر‬
‫م ُ‬
‫ة الّنا ِ‬
‫قدّ َ‬
‫ش ِ‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫‪2‬‬

‫م بين د ّ‬
‫ة في‬
‫م ً‬
‫فتيه دراس ً‬
‫إ ّ‬
‫ة ها ّ‬
‫ن هذا الكتاب يض ّ‬
‫ق الصوفّية‪ .‬لقد بذل‬
‫ة من ال ِ‬
‫معرض فرق ٍ‬
‫فَر ِ‬
‫مة‪،‬‬
‫دا بال ً‬
‫المؤّلف جه ً‬
‫غا في سبيل هذه المه ّ‬
‫قق المن ّ‬
‫فانطلق بعزيمة الباحث المد ّ‬
‫ظم في‬
‫ن هذا الميدان‪َ .‬‬
‫أعماله‪ .‬ل غرو إّنه من ُ‬
‫فن َذََر‬
‫فْر َ‬
‫سا ِ‬
‫من وراء هدفه أغلى أّيامه منذ عنفوان شبابه‬
‫ل‪ ،‬ويطارد المصادر‪،‬‬
‫وهو يتباحث من غير َ‬
‫مل َ ٍ‬
‫جل ويسهر‬
‫سق ويس ّ‬
‫ويجمع الوثائق‪ ،‬ويطالع وين ّ‬
‫س ْ‬
‫ر‬
‫عليها‪ ،‬حّتى أثمر سعيه المتواصل عن هذا ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫الجليل‪ .‬ك ّ‬
‫ب‬
‫م َ‬
‫ل ذلك ليكشف ال َ‬
‫ة عن أه ّ‬
‫عت َ َ‬
‫م سب ٍ‬
‫ت بالمسلمين منذ‬
‫من تلك السباب اّلتي أحاط ْ‬
‫ت دون ت َ َ‬
‫عْر َ‬
‫ن َ‬
‫م‪ ،‬و َ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫ه ِ‬
‫قدّ ِ‬
‫ف َ‬
‫م‪ ،‬وحال ْ‬
‫قل َت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ش ّ‬
‫قرو ٍ‬
‫م ِ‬
‫ال ْك َِثيَر من جمال السلم‪.‬‬
‫ة ما ت ُ َ‬
‫تُ َ‬
‫ت‬
‫س ُ‬
‫م من معلوما ٍ‬
‫قدّ ُ‬
‫قدّ ُ‬
‫م هذه الدَّرا َ‬
‫وث ّ َ‬
‫ة مع ذكر مصادرها‬
‫ق ٍ‬
‫م ٍ‬
‫تفصيلي ّ ٍ‬
‫و ُ‬
‫من َظّ َ‬
‫ة ُ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫ت لك ّ‬
‫ل‬
‫ة إلى أرقام ِ الصفحا ِ‬
‫والشار ِ‬
‫لن ّ‬
‫ص منقو ٍ‬
‫ها‪ .‬وذلك تسهيل ً للباحثين‬
‫منها‪ ،‬وأحياًنا مع ت َْر َ‬
‫مت ِ َ‬
‫ج َ‬
‫مهم عند مراجعتها‪.‬‬
‫ل العلم ِ في مها ّ‬
‫ورجا ِ‬
‫ة إلى جماهير‬
‫ليس الهدف من تقديم هذه الدراس ِ‬
‫م من واقع‬
‫مهم عن حد ٍ‬
‫ث ها ّ‬
‫المسلمين إل ّ إِعل َ‬
‫تاريخهم‪ ،‬غفلوا أو تغافلوا عن حقيقتها؛‬
‫ي رصين‪،‬‬
‫ه من خلل بح ٍ‬
‫ليستبصروا نتائ َ‬
‫ج ُ‬
‫ث علم ّ‬
‫ة؛ وليتم ّ‬
‫كنوا بذلك من مقارنة‬
‫ق مضبوط ٍ‬
‫ووثائ ِ َ‬
‫ّ‬
‫السلم الذي نفهمه من الكتاب والسّنة‪ ،‬مع‬
‫مت َطَّر َ‬
‫ع ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫عب َْر‬
‫السلم اّلذي ا ْ‬
‫ة َ‬
‫ف ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫قل ِّيا ُ‬
‫ت ال ْ ُ‬
‫قت ْ ُ‬
‫عصور ال ّ‬
‫ي منه العبرةَ ك ّ‬
‫ل‬
‫ظلم‪ .‬عسى أ ْ‬
‫ن يستوح َ‬
‫ني ّ‬
‫ن‬
‫طلع عليها من أهل اليمان والخلص؛ وأ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة بعد‬
‫مة السلم ثاني ً‬
‫ل المسئولي ّ َ‬
‫ة لحياء أ ّ‬
‫يتح ّ‬
‫ء الراشدين‪.‬‬
‫ر الخلفا ِ‬
‫أ ْ‬
‫ن اختف ْ‬
‫ت بمقت ِ‬
‫ل آخ ِ‬
‫ن يبارك في خطوات ك ّ‬
‫ل‬
‫ونتضّرع إليه تعالى أ ْ‬
‫مؤمن مخلص يسعى إلى تحقيق هذه الغاية‬
‫ءا ِبال ْ َ‬
‫م؛‬
‫العظمى بد ً‬
‫هم ِ الصحيح مع العلم التا ّ‬
‫ف ْ‬

‫‪3‬‬

‫ن من أراد عمل ً يتقّرب به إلى الله تعالى مما‬
‫بأ ّ‬
‫ه فهو مردودٌ ووبا ٌ‬
‫لم ي ُ َ‬
‫ل على‬
‫شّر ْ‬
‫ه الله ورسول ُ ُ‬
‫ع ُ‬
‫صاحبه‪ .‬هذا وت ُ َ‬
‫ه‬
‫قدّ ُ‬
‫م مؤ ّ‬
‫سستنا شكَرهُ وتقديَر ُ‬
‫ة الشيخ فريد الدين بن‬
‫ب فضيل ِ‬
‫لمؤل ّ ِ‬
‫ف هذا الكتا ِ‬
‫مد الهاشمي المعروف‬
‫صلح بن عبد الله بن مح ّ‬
‫بلقبه الخاص‪ Feriduddin AYDIN :‬في تركيا؛ وبالله‬
‫التوفيق‪.‬‬

‫عَبر‬
‫ال ْ ِ‬

‫للطباعة‬
‫والنشر‬

‫مُ َ‬
‫م َ‬
‫ؤّلف‬
‫م ُ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫قدّ َ‬

‫‪‬‬

‫ب العالمين والصلة والسلم على‬
‫الحمد لله ر ّ‬
‫مد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫سّيدنا مح ّ‬

‫‪4‬‬

‫ن كثيًرا من المسلمين ‪ -‬وحّتى العلماءَ‬
‫إ ّ‬
‫َ‬
‫والباحثين ‪ ،-‬ت َن َ ّ‬
‫ة النقشبندّية‬
‫م الطريق ُ‬
‫كر ْ‬
‫تل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر َ‬
‫ن َ‬
‫عب َْر ال ْ ُ‬
‫ت‬
‫َ‬
‫هم المعلوما ِ‬
‫م ْ‬
‫فت ُ ُ‬
‫فَلم تتعدّ َ‬
‫قُرو ِ‬
‫ع ِ‬
‫حو َ‬
‫ه‬
‫المحدود َ‬
‫ت البسيط َ‬
‫ل َ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ة‪ ،‬والملحظا ِ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ة‪ ،‬غالبها ل تّتصف بالعلمّية والواقعّية‪،‬‬
‫حل َ ِ‬
‫الن ّ ْ‬
‫بالرغم من انتشار هذه الطريقة بين عشرات‬
‫المليين من الناس في الشرق الوسط‪.‬‬
‫ها‪ .‬لّني‬
‫لم أستغرب هذه الحقيقةَ منذ َ‬
‫مت ُ َ‬
‫عل ِ ْ‬
‫ة واسعة‬
‫ة ذات شهر ٍ‬
‫ت في أسر ٍ‬
‫ت ونشأ ُ‬
‫ولد ُ‬
‫ر من هذه‬
‫ع كبي ٍ‬
‫النطا ِ‬
‫ق‪ ،‬تتمّتع بالزعامة لقطا ٍ‬
‫ن‬
‫ت على علم ٍ بأ ّ‬
‫الطائفة الصوفّية‪ .‬وبالتالي كن ُ‬
‫ي لعقائدها‪ ،‬ل‬
‫جانًبا خا ّ‬
‫صا من التفسير الروحان ّ‬
‫دا من شيوخها‬
‫يقف عليه أحدٌ بسهول ٍ‬
‫ة؛ إل ّ عد ً‬
‫ملَزمين بعهوٍد‬
‫ت مخصوص ٍ‬
‫المتمّتعين بصفا ٍ‬
‫ة‪ ،‬و ُ‬
‫ّ‬
‫سل َ ُ‬
‫م الذين‬
‫ة مستور ٍ‬
‫باطني ّ ٍ‬
‫ف ُ‬
‫ة‪ ،‬أخذها عليهم أ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫م َ‬
‫ة هذه الطائفة‪ ،‬وهم قليلون ج ّ‬
‫ز ّ‬
‫قلدوهم أ ِ‬
‫ت تفاوًتا كبيًرا واختلفًا كثيًرا بين‬
‫ما وجد ُ‬
‫فل ّ‬
‫ة‪ ،‬وتأ ّ‬
‫ن‬
‫ه الفرق ِ‬
‫خ هذ ِ‬
‫معتقدا ِ‬
‫ت من أ ّ‬
‫كد ُ‬
‫ت شيو ِ‬
‫ر‬
‫المشهورين منهم يتواطئون علي إخفاء شط ٍ‬
‫ه عن بقّية الشيوخ‪،‬‬
‫مان ِ ِ‬
‫ِ‬
‫وك ِت ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ما في صدورهم‪َ ...‬‬
‫فضل ً عن جماعة المريدين من ال ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫مي ّ ِ‬
‫طبقة العا ّ‬
‫ت أش ّ‬
‫ت لي‬
‫ص ً‬
‫ة عندما ث َب َ َ‬
‫بدأ ُ‬
‫ك في أمرهم؛ وخا ّ‬
‫َ‬
‫م يطعنون في ك ّ‬
‫ن يحارب‬
‫وَرأي ْت ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫بالّتحقيق‪َ ،‬‬
‫عقيدةَ ال ّ‬
‫ف‬
‫ك‪ ،‬ويعادونه‪ ،‬ويقفون منه موق َ‬
‫شر ِ‬
‫ن من الكافر‪ ،‬أو ربما بالعكس‪ ،‬زادني‬
‫المؤم ِ‬
‫ش ّ‬
‫ال ّ‬
‫ك فيهم وتضاعف مع الّزمان حّتى دفعني‬
‫ة ما توارى خلف‬
‫ت باحًثا حقيق َ‬
‫المُر أ ْ‬
‫ن انطلق ُ‬
‫ة‬
‫ر خطير ٍ‬
‫الصورة الظاهرة لهذه الفرقة من أمو ٍ‬
‫ل يمكن ال ّ‬
‫ق عادية‪،‬‬
‫طلع عليها ل ْ‬
‫ي بطرائ ِ َ‬
‫جن َب ِ ّ‬
‫َ‬
‫سب َ ِ َ‬
‫م‪ .‬تؤ ّ‬
‫عَلى‬
‫كد َ‬
‫جان ِ ُ‬
‫هم أ َ‬
‫ب ِبالن ّ ْ‬
‫س ك ُل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫والّنا ُ‬
‫ة إ ِلي ْ ِ‬
‫وط ُ ُ‬
‫وَثائ ِ ُ‬
‫قي َ‬
‫هم‪...‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫قو ُ‬
‫ق ُ‬
‫هم َ‬
‫ة َ‬

‫‪5‬‬

‫ن مشاهير‬
‫ولهذا‪ ،‬أرى المناسب َ‬
‫ة للشارة إلى أ ّ‬
‫الباحثين في الطريقة النقشبندّية وهم بالتحديد‪:‬‬
‫الستاذ الدكتور حميد آلغار‪ ،‬والستاذ الدكتور‬
‫ه‪ ،‬والستاذ الدكتور شريف‬
‫من ّ ْ‬
‫بطرس أبو َ‬
‫ماردين‪ ،‬والشيخ عبد الرحمن الدمشقّيه؛ لم‬
‫يقفوا على كثير من جوانب هذه الطريقة‪،‬‬
‫بالقدر اّلذي تم ّ‬
‫ت أَنا بعون الله من الحاطة‬
‫كن ُ‬
‫دها‪ ،‬واّتجاهاِتها‪،‬‬
‫ت تاري َ‬
‫خها‪ ،‬وعقائ َ‬
‫بها‪ .‬فدرس ُ‬
‫وراِتها بعمق ومن خلل وثائقها والّتصال‬
‫وتط ّ‬
‫ر إلى‬
‫ة وجرأ ٍ‬
‫بصناديدها المعاصرين بحكم ٍ‬
‫ة وصب ٍ‬
‫ت من هذه الدراسة بعد ثلثة‬
‫ما شاء الله أ ْ‬
‫ن فرغ ُ‬
‫ما‪.‬‬
‫وعشرين عا ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ف ِ‬
‫خ ب ِأ ّ‬
‫و ْ‬
‫سب ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫حدَ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ن واقع ِإي َ‬
‫ه َ‬
‫مان ِ َ‬
‫ي الراس ِ‬
‫ري َ‬
‫مت َ َ‬
‫لَ َ‬
‫ت‬
‫مَنـّزهٌ َ‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫ع ْ‬
‫س َ‬
‫و ُ‬
‫فّردٌ ِبال ْك َ َ‬
‫ه ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ل َ‬
‫ما ِ‬
‫ش ِ‬
‫ب‬
‫ع تَ َ‬
‫صي ِ‬
‫وا ِ‬
‫ص ِ‬
‫و ِ‬
‫في آ َ‬
‫م ْ‬
‫دا ِ‬
‫خ ّ‬
‫ن َ‬
‫النقص والزوال‪َ ،‬‬
‫ق ِ‬
‫خل َ َ‬
‫ري َ‬
‫ة‬
‫ف ُ‬
‫ي ال ْ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ما آل َ ْ‬
‫ة النقشبندّية ل ِ َ‬
‫ت إ ِل َ ّ‬
‫الطّ ِ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫طائ ِ َ‬
‫مى َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫زين ِي ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫فت َْرةً ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ن الّز َ‬
‫عظ ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫ك تحت‬
‫الخالدّية ِ‬
‫سُلو ِ‬
‫ها‪ ،‬ب َ ْ‬
‫وال ّ‬
‫عدَ اتمام ِ ال ّ‬
‫من ْ َ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫َ‬
‫وإ ْ‬
‫نأ َ‬
‫َر َ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫في َ‬
‫مِني ِ‬
‫ر ِ‬
‫قاب َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قا َ‬
‫ة َ‬
‫ذا اْلمنصب َ‬
‫قَرا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫فْر َ‬
‫ها‪،‬‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫وأَبا ِ‬
‫ق ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ت ِ‬
‫ما ت َب َّرأ ُ‬
‫طيل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ول َ ّ‬
‫ة َ‬
‫بذلك‪َ ،‬‬
‫ن أقو َ‬
‫ة عسى‬
‫ل كلم ً‬
‫يأ ْ‬
‫َراي ُ‬
‫ت من الواجب الحتم ّ‬
‫و َ‬
‫ل‬
‫ن ُين ِ‬
‫الله تعالى أ ْ‬
‫ق َ‬
‫قذَ ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ها َ‬
‫ع في أوحا ِ‬
‫ن َ‬
‫ال ّ‬
‫ك هذه‬
‫ط ِ‬
‫ك وال ّ‬
‫ل‪ ،‬بالنخرا ِ‬
‫في سل ِ‬
‫شْر ِ‬
‫ضل َ ِ‬
‫ن أَبى‬
‫ما َ‬
‫الطريق ِ‬
‫وم ْ‬
‫و َ‬
‫عَلى الرسول إل ّ البلغ‪َ ،‬‬
‫ة؛ َ‬
‫َ‬
‫وَبال‪.‬‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه الوزُر وال ْ َ‬
‫ن‬
‫ة‪ِ ،‬‬
‫وبهذه المناسب ِ‬
‫من الجدير بالشارة إلى أ ّ‬
‫ف‬
‫ب ل ينحصر في حدوِد التعري ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫وى هذا الكتا ِ‬
‫حت َ َ‬
‫بالطريقة النقشبندّية َ‬
‫دى أحياًنا‬
‫فحسب‪ ،‬بل يتع ّ‬
‫ة عضوّية‬
‫ة لها علق ٌ‬
‫ة جانبي ّ ٍ‬
‫ت دقيق ٍ‬
‫إلى تفصيل ٍ‬
‫عا‬
‫ة فيها أنوا ً‬
‫ت هذه الطريق ُ‬
‫بالساح ِ‬
‫ة اّلتي ترك ْ‬
‫ع‬
‫ت بها عقلي ّ ُ‬
‫من تأثيراِتها فتغّير ْ‬
‫ة المجتم ِ‬
‫ه إلى السلم ِ والمسلمين‪ .‬فإذن‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫ون َظَْرت ُ ُ‬
‫قيدَت ُ ُ‬
‫ه َ‬

‫‪6‬‬

‫ث‬
‫ت وبحو ٍ‬
‫لهذا العمل دوٌر كبيٌر في دعم دراسا ٍ‬
‫قد يقوم بها رجا ُ‬
‫ل العلم ِ في المستقبل‪،‬‬
‫ة التركّية‬
‫ة منها ما سوف يتناول الساح َ‬
‫ص ٍ‬
‫وبخا ّ‬
‫ة‬
‫ة وسياسي ّ ٍ‬
‫ة وتاريخي ّ ٍ‬
‫ت إجتماعي ّ ٍ‬
‫ها ٍ‬
‫ج َ‬
‫وا ِ‬
‫من َ‬
‫ع‬
‫ما بأ ّ‬
‫ن الواق َ‬
‫ِبعكوسها ومستج ّ‬
‫دات ِ َ‬
‫ها المختلفة‪ ،‬عل ً‬
‫ث على هذه‬
‫س والباح ُ‬
‫الباِديءَ اّلذي ي َل ْ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫دار ُ‬
‫ة الولى‪ ،‬ليس هو هذا الت ّّياَر‬
‫و ْ‬
‫هل َ ِ‬
‫الساح ِ‬
‫ة في ال ْ َ‬
‫ة النقشبندّية‬
‫ي مباشر ً‬
‫ن الطريق َ‬
‫صو ِ‬
‫ة؛ ل ّ‬
‫ال ّ‬
‫في ّ‬
‫َ‬
‫ب ِطُ ُ‬
‫ت‬
‫مي ّ ِ‬
‫ها الن ّظا ِ‬
‫عاِلي ِ‬
‫قو ِ‬
‫ها وت َ َ‬
‫ة ليس ْ‬
‫ها وهيئت ِ َ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ة‪ .‬بل ك ّ‬
‫ل هذه الّنواحي‬
‫صور ِ‬
‫ِ‬
‫ي اّلتي في ال ّ‬
‫ه َ‬
‫ق الت ّ َ‬
‫كاَيا‬
‫ة‪ ،‬مستور ٌ‬
‫خفي ّ ٌ‬
‫ة‪ ،‬ومحصورةٌ في نطا ِ‬
‫ت والخليا‪ .‬وإّنما المّيزات الملموسة من‬
‫والبيوتا ِ‬
‫ي‪ ،‬هي الملمح اّلتي‬
‫واقع حيا ِ‬
‫ة الشع ِ‬
‫ب الترك ّ‬
‫ت ول تزال تنعكس عن تعاليم هذه‬
‫انعكس ْ‬
‫ة وتوجيهاتها‪.‬‬
‫الطريق ِ‬
‫ت‬
‫ب على خمس ِ‬
‫ت الكتا َ‬
‫ل‪ .‬بدأ ُ‬
‫فقد رت ّب ْ ُ‬
‫ة فصو ٍ‬
‫ورات‬
‫بنقل ما تي ّ‬
‫سر من تاريخ هذه الفرقة والتّط ّ‬
‫ة إلى أخرى‪،‬‬
‫ت في تعاليمها من مرحل ٍ‬
‫اّلتي حدث ْ‬
‫دها‬
‫ت عقائ َ‬
‫ول؛ وشرح ُ‬
‫وذلك في الفصل ال ّ‬
‫عب َْر ال ْ ُ‬
‫وط ُ ُ‬
‫ن من‬
‫ها َ‬
‫ح ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫دث َ ْ‬
‫ت لَ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫س َ‬
‫قو َ‬
‫و َ‬
‫قُرو ِ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ومناسك‪ ،‬وذلك في الفصل الثاني؛‬
‫آدا ٍ‬
‫ب وأركا ٍ‬
‫ت‬
‫م ومصطلحا ٍ‬
‫و ِ‬
‫ض َ‬
‫ع ْ‬
‫وذكر ُ‬
‫ت لَ َ‬
‫ها من مفاهي َ‬
‫ت َ‬
‫ما ُ‬
‫م رجاِلها‬
‫م ٍ‬
‫ة‪ ،‬في الفصل الثالث؛ ونقل ُ‬
‫ت تراج َ‬
‫ها ّ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ها على الحياة‬
‫ت ُ‬
‫وأث ْب َ ّ‬
‫س َ‬
‫كو َ‬
‫في الفصل الرابع؛ َ‬
‫ت مختلفة‬
‫الجتماعّية وما تم ّ‬
‫خض عنها من تأثيرا ٍ‬
‫على عقلّية المجتمع وثقافته وسلوكه ضمن‬
‫ص‬
‫ب أَ ِ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ض َ‬
‫ت إَلى الكتا ِ‬
‫خيًرا ن ّ‬
‫الفصل الخامس؛ َ‬
‫م ال ُ‬
‫ر ت َل َ ّ‬
‫تَ ْ‬
‫ة‬
‫مك ّ ِ‬
‫قرى اْلكائ ِن َ ِ‬
‫ن جامع ِ‬
‫ه ِ‬
‫ةأ ّ‬
‫م ْ‬
‫ة بِ َ‬
‫قي ْت ُ ُ‬
‫ري ٍ‬
‫ق ِ‬
‫المكّرمة‪ ،‬ي ُ َ‬
‫ها العلماءُ بعد‬
‫م ً‬
‫م نتائ ِ َ‬
‫قدّ ُ‬
‫ة أث ْب َت َ َ‬
‫ج ها ّ‬
‫ة لهذا العمل‪ .‬ثم أتبعُتها بفهارس‬
‫ة دقيق ٍ‬
‫مراجع ٍ‬
‫ول منها‪ ،‬لسماء العلم؛ والثاني‬
‫غني ّ ٍ‬
‫ة‪ :‬ال ّ‬
‫صة‬
‫للمصطلحات والمفاهيم والتعبيرات الخا ّ‬
‫المبعثرة في ثنايا الكتاب‪ ،‬مع ذكر أرقام‬

‫‪7‬‬

‫ت فيها كل ّ على حدة؛‬
‫الصفحات اّلتي وردَ ْ‬
‫ن والمناطق؛‬
‫والثالث‪ ،‬لسماء الماكن من ال ْ ُ‬
‫مدُ ِ‬
‫والرابع‪ ،‬للمراجع اّلتي ا ّ‬
‫ت عليها‪ ،‬سواء‬
‫طلع ُ‬
‫ت منها أو َلم أ َن ْ ُ‬
‫ل‪ .‬ك ّ‬
‫ق ْ‬
‫ب‬
‫م َ‬
‫نقل ُ‬
‫ل منها ُ‬
‫عدّ ب ِت َْرِتي ٍ‬
‫عا في‬
‫ج ِ‬
‫س ً‬
‫دا ول ا ّ‬
‫ت جه ً‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫دخر ُ‬
‫ي‪ .‬وما ألو ُ‬
‫و ْ‬
‫ُ‬
‫ت ُ‬
‫م ّ‬
‫ركوب ك ّ‬
‫ل للحصول على أدنى‬
‫ص ْ‬
‫ع ٍٍ‬
‫ل َ‬
‫وذَُلو ٍ‬
‫ب َ‬
‫ت على كثير‬
‫وثيق ٍ‬
‫ت بهذه الفرقة‪ ،‬فوقف ُ‬
‫ة تم ّ‬
‫ن معرفتي بالّلغتين الفارسّية‬
‫ص ً‬
‫ة وأ ّ‬
‫منها؛ خا ّ‬
‫والتركّية أ ْ‬
‫غن َت ِْني عن الحاجة إلى غيري في‬
‫ما‬
‫ون َ ٌ‬
‫ة ب ِت ِل ْك ُ َ‬
‫دراسة وثائقهم اّلتي غالبها ُ‬
‫مدَ ّ‬
‫ن الكثرّية العظمى للنقشبندّيين هم‬
‫الّلغتين‪ .‬ل ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫من َ‬
‫ر عربي ّ ٍ‬
‫عَنا ِ‬
‫صَر غي ِ‬
‫في احتما َ‬
‫ء الثقيل‬
‫ل اْلعب ِ‬
‫ت لله تعالى ِ‬
‫احتسب ُ‬
‫وه‪ .‬ولم يكن‬
‫لهذه الدراس ِ‬
‫ة الها ّ‬
‫مة راجًيا عف َ‬
‫ي‬
‫قصدي من هذا القدام ِ إل ّ إظهاَر ما قد ب َ ِ‬
‫ق َ‬
‫ة‬
‫ر خطير ٍ‬
‫خافًيا على غالب المسلمين من أمو ٍ‬
‫ت إلى السلم‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫ت باسم ال ّ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ن وُنسب ْ‬
‫دث َ ْ‬
‫اُ ْ‬
‫دي ِ‬
‫َ َ‬
‫مة ليروا فيها‬
‫ت عر َ‬
‫فأَردْ ُ‬
‫ضها على علماء هذه ال ّ‬
‫رأَيهم‪ ،‬وليتم ّ‬
‫ما‬
‫ح الفاس ِ‬
‫دم ّ‬
‫كنوا بذلك من تصحي ِ‬
‫فْر َ‬
‫عت َ َ‬
‫ة‪ ،‬وظّنوه من‬
‫ا ْ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ق ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫هوٌر ِ‬
‫قدَهُ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ج ْ‬
‫عقائد السلم‪.‬‬
‫ي‬
‫ت هذه الدراس َ‬
‫وقد أجري ُ‬
‫ة بأسلوب نقد ّ‬
‫ت عن‬
‫ي‪ .‬وهذا ل يعني أّني ضرب ُ‬
‫وتحليل ّ‬
‫َ‬
‫ت من‬
‫الموضوعّية صف ً‬
‫حا‪ .‬يبرهن على ذلك ما نال ْ‬
‫ة‬
‫ة من العلما ِ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫ى نُ ْ‬
‫ص ً‬
‫خب َ ٍ‬
‫ب َلد َ‬
‫ل والعجا ِ‬
‫خا ّ‬
‫القبو ِ‬
‫مد نافع المصطفى ‪-‬‬
‫منهم الفاضل ال ْ‬
‫سَتاذ مح ّ‬
‫ّ‬
‫عضو الهيئة التدريسّية بجامعة الشارقة ‪ ،-‬الذي‬
‫من ّ‬
‫ب‬
‫ة َ‬
‫خال ِي َ ً‬
‫قح ً‬
‫ج َ‬
‫مَرا َ‬
‫قا َ‬
‫عت ِ َ‬
‫ها‪ .‬فجاءت ُ‬
‫م بِ ُ‬
‫ة من العيو ِ‬
‫خ َ‬
‫ة بفضله‪ .‬كذلك الستاذ الشيخ‬
‫طا ِ‬
‫وال ْ‬
‫ء الّلغوي ّ ِ‬
‫لطف الله بن عبد العظيم خوجه‪ ،‬رئيس قسم‬
‫م ال ُ‬
‫قَرى‪ ،‬فلهما‬
‫العقيدة السلمّية بجامعة أ ّ‬
‫زي ُ‬
‫ال ّ‬
‫ل‪ ،‬وجزاهما الله تعالى خيًرا‪.‬‬
‫شك ُْر ال ْ َ‬
‫ج ِ‬

‫‪8‬‬

‫ة‬
‫ة والجهودُ المبذول ُ‬
‫ت تلك المسيرةُ الطويل ُ‬
‫فانته ْ‬
‫س ْ‬
‫ر‬
‫هكذا بتوفيق الله تعالى وأثمَر ْ‬
‫ت بهذا ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫ن يجدَ فيه‬
‫ئ‪ .‬عسى أ ْ‬
‫اّلذي بين يدي القار ِ‬
‫الباحثون ورجا ُ‬
‫ل العلم ضال َّتهم‪ ،‬كما أرجو الله‬
‫ئ به ك ّ‬
‫ل‬
‫ر يستض ُ‬
‫تعالى أ ْ‬
‫ن يجعل منه بصي َ‬
‫ص نو ٍ‬
‫ع َ‬
‫ده عن سبيل الله وهو ل‬
‫ن واجه َ‬
‫قب ً‬
‫ة تص ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫يقصد إل الهداية والحق‪.‬‬
‫والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‪.‬‬
‫فريد الدين‬
‫آيدن‬
‫‪Feriduddin‬‬
‫‪AYDIN‬‬

‫إسطنبول‪/.‬يوني‬
‫و‪1997/‬م‪.‬‬

‫ول‬
‫الفصل ال ّ‬
‫وُرها‪،‬‬
‫* النقشبندّية؛ ظهوُرها‪ ،‬وتط ّ‬
‫رها‪.‬‬
‫ومناط ُ‬
‫ق انتشا ِ‬
‫ت على ظهور‬
‫* أهم السباب اّلتي عمل ْ‬
‫الطريقة النقشبندّية‪.‬‬
‫‪----------------------------‬‬‫* السبب‬
‫الول‪...........................................................................................................‬‬
‫‪.....................‬‬

‫‪9‬‬

‫* السبب‬
‫الثاني‪.........................................................................................................‬‬
‫‪........................‬‬

‫* السبب‬
‫الثالث‪.........................................................................................................‬‬

‫‪.....................‬‬

‫* السبب‬
‫الرابع‪..........................................................................................................‬‬

‫‪.....................‬‬

‫* السبب‬
‫الخامس‪....................................................................................................‬‬

‫‪........................‬‬

‫* السبب‬
‫السادس‪....................................................................................................‬‬

‫‪.......................‬‬

‫* التغّيرات اّلتي طرأت على هذه الطريقة‬
‫ية‪...................................................................‬‬
‫الترك ّ‬
‫* المناطق اّلتي انتشرت فيها الطريقة‬
‫ية ودواعي انتشارها ‪....................................‬‬
‫النقشبند ّ‬

‫الفصل الول‬
‫وُرها‪،‬‬
‫* النقشبندّية؛ ظهوُرها‪ ،‬وتط ّ‬
‫رها‪.‬‬
‫ومناط ُ‬
‫ق انتشا ِ‬
‫ة ُتنسب إلى رجل‬
‫ة صوفي ّ ُ‬
‫النقشبندّية طريق ٌ‬
‫ي المولود عام ‪717‬‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫اسمه مح ّ‬
‫من الهجرة‪ ،‬والمتوفى سنة ‪791‬هـ‪ .‬وسيأتي ذكره‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫بالتفصيل في الفصل الرابع إ ْ‬

‫‪10‬‬

‫ب‬
‫ي مرك ّ ٌ‬
‫أما لفظ «نقشبند» فهو مصطل ٌ‬
‫ح فارس ّ‬
‫ة؛ وهي «نقش»‬
‫من كلمتين‪ :‬إحداهما عربي ٌ‬
‫ء وسكون‬
‫ة‪ ،‬وهي «بند» )بفتح البا ِ‬
‫والثانية فارسي ٌ‬
‫الّنون والدال(‪.‬‬
‫سام‬
‫ق اسم «نقشبند» على الر ّ‬
‫وكان يُطْل َ ُ‬
‫والن ّ‬
‫قاش اّلذي يعمل الوشي والنمنمة على‬
‫ة‬
‫القمشة في الّلهجة التركّية القديمة‪ .‬والمناسب ُ‬
‫في أخذ هذه الكلمة وإطلقها على هذه النحلة‬
‫ة‪ .‬ذلك‪ ،‬يزعمون أّنهم يسعون إلى نقش‬
‫واضح ٌ‬
‫محبة الله في قلوبهم بالذكر المتواصل‬
‫ّ‬
‫والسلوك المأثور من سادتهم‪ ،‬ولربما هذا اللقب‬
‫ُ‬
‫ي في حياته‪،‬‬
‫مد الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫لم يكن قد أطلق على مح ّ‬
‫ه كانت مشهورةً بهذا السم‪ .‬ذلك من‬
‫ول طريقت ُ ُ‬
‫ق الصوفّية أّنها غير مستقرة‪.‬‬
‫مّيزات الطُر ِ‬
‫دل‬
‫فتت ّ‬
‫غير أسماؤها من ب ُْر َ‬
‫ه ٍ‬
‫ة إلى أخرى‪ .‬وتتب ّ‬
‫آدابها وأركانها على حسب ما يرى ك ُب ََرا ُ‬
‫ها‪،‬‬
‫ؤ َ‬
‫ث‬
‫غ ّ‬
‫وهي شبيهة بالسيل الجارف اّلذي يحمل ال َ‬
‫عب َْر مسيله‪ ،‬كما سيأتي تفصيل هذه‬
‫والسمين َ‬
‫الطبيعة لل ّ‬
‫ة وللنقشبندّية‬
‫م ً‬
‫طرق الصوفّية عا ّ‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫صة في بابه إ ْ‬
‫خا ّ‬
‫***‬

‫ب اّلتي لها أثر على‬
‫* أه ّ‬
‫م السبا ِ‬
‫ظهورالطريقة النقشبندّية‬
‫لش ّ‬
‫وف لم يكن شيًئا‬
‫ك في أ ّ‬
‫ن مفهمو َ‬
‫م الّتص ّ‬
‫مذكوًرا في عهد الرسول ‪ ،‬ول في عهد‬
‫الصحابة رضي الله عنهم‪ .‬فلم نجد في ما ورد‬
‫عن النبيّ ‪ ،‬أّنه نطق بكلمة التصوف ول‬
‫ّ‬
‫ق الصوفّية‬
‫ما بقّية مصطلحا ِ‬
‫صحابته‪ .‬أ ّ‬
‫ت الطَرائ ِ ِ‬
‫وأْر َ‬
‫م ُ‬
‫ها الفلسفّية مثل‬
‫وآ َ‬
‫قول َت ُ َ‬
‫كان ُ َ‬
‫داب ُ َ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬

‫‪11‬‬

‫ج َ‬
‫ة‪ ،1‬والّلطائف‬
‫ة والختم ال ْ ُ‬
‫گان ِي ّ ِ‬
‫الّراب ِطَ ِ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫الروحانية‪ ،‬وتعداد ألفاظ الورد بالحصى أو‬
‫بالمسبحة وبكميات معينة‪ ،‬وحبس الن َ‬
‫س أثناء‬
‫ف ِ‬
‫الذكر‪ ،‬والمبادئ الحد عشر‪ ،‬وفكرة وحدة‬
‫الوجود ووحدة الشهود وما إليها‪ ،‬فإن رسول‬
‫ن يكون قد أشار إلى شيء‬
‫الله ‪ ‬يستحيل أ ْ‬
‫منها‪ .‬وفي هذا برهان قاطع على براءة السلم‬
‫وف‪ ،‬كما يد ّ‬
‫ن الصلة المزعومة‬
‫ل على أ ّ‬
‫من التص ّ‬
‫وف والسلم ل تقوم على أساس من‬
‫بين التص ّ‬
‫الصحة‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫ص ّ‬
‫جة‬
‫ف ِ‬
‫ة فل ح ّ‬
‫وف بأهل ال ّ‬
‫أما اّلذين ربطوا التص ّ‬
‫مد‬
‫لهم في إثبات ما ا ّ‬
‫دعوه بتاًتا‪ .‬فمنهم من تع ّ‬
‫ّ‬
‫وى‪ ،‬ومنهم من اغتّر‬
‫ع َ‬
‫ه ً‬
‫س‪َ ،‬‬
‫وات َّبا ِ‬
‫ذلك عن حظ نف ٍ‬
‫بغيره عن جهل فاخطأ‪ ،‬ولم تكن دعواهم في‬
‫سا من الزهد‬
‫ذلك إل أ ْ‬
‫وف أسا ً‬
‫ن يجعلوا للّتص ّ‬
‫والتقوى‪ .‬وهما روح السلم ومخه‪ ،‬إل أّنه شّتان‬
‫عد‬
‫وف والزهد والتقوى‪ ،‬وما بينهما ب ُ ْ‬
‫بين التص ّ‬
‫السماء عن الرض‪.‬‬

‫ج َ‬
‫عاِلم‪.‬‬
‫‪ُ 1‬‬
‫ن‪ :‬كلمة فارسّية‪ ،‬جمع‪ ،‬مفردها‪ :‬خواجه‪ .‬معناها‪ :‬الشيخ وال ْ َ‬
‫وا َ‬
‫گا ِ‬
‫خ َ‬

‫‪2‬‬

‫وف وماهيته ومنشاءه واشتقاق هذا المصطلح‪ ،‬راجع‬
‫ل مختلف ٍ‬
‫ة في تعريف التص ّ‬
‫للطلع على ما ورد من أقوا ٍ‬

‫المصادر التي ذكرها‪:‬‬
‫ي النيسابوري‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪/‬‬
‫* أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشير ّ‬
‫‪ .138‬الطبعة ‪ .2‬القاهرة‪1959 /‬م‪.‬‬
‫* أبو يحيى زكريا النصاري‪ ،‬منتخبات )هامش الرسالة القشيرّية( ص‪.8 /‬‬
‫* أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي‪ ،‬تلبيس إبليس ص‪ .161 /‬مكتبة الشرق الجديد‪ ،‬بغداد بل تاريخ‪.‬‬
‫* عبد الرحمن الوكيل‪ ،‬هذه هي الصوفّية )الكتاب بتمامه(‪ .‬دار الكتب العلمّية‪ ،‬بيروت‪1984-‬م‪.‬‬
‫* الدكتور مروان إبراهيم القيسي‪ ،‬معالم الهدى إلى فهم السلم ص‪ .98-65 /‬مكتبة الغرباء إسطنبول‪1992-‬م‪.‬‬
‫* سميح عاطف الزين‪ ،‬الصوفّية في نظر السلم ص‪) .29-14/‬والكتاب بتمامه على وجه العموم(‪ .‬دار الكتب‬
‫اللبناني‪ -‬المصري‪1985/‬م‪.‬‬
‫* عبد القادر بن حبيب الله السندي‪ ،‬التصوف في ميزان البحث والتحقيق ص‪ .43-31 /‬مكتبة ابن القيم‪ ،‬المدينة‬
‫المنورة ‪1990 -‬م‪.‬‬
‫مد أسعد الصاحب(؛ النسخة المطبوعة‬
‫مد صالح بن أحمد الغرسي‪ ،‬مقدمة كتاب بغية الواجد )لجامعه مح ّ‬
‫* مح ّ‬
‫عام ‪ .1985‬قزلتبه – ماردين‪.‬‬
‫*‬

‫‪Dr. Selcuk Eraydin Tasavvuf ve Tarikaklar Pg. 36, 53 Istanbul-1994‬‬

‫*‪Prof. Dr. Fuad Koprulu, Turk Edebiyatinda Ilk Mutasavviflar Pd. 16. Ankara-1993‬‬

‫‪12‬‬

‫ما وحديًثا‪ ،‬وبذل‬
‫لقد طال الجدل بين العلماء قدي ً‬
‫غا في مسألة اشتقاق كلمة‬
‫دا بال ً‬
‫الباحثون جه ً‬
‫غني‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫وف ومصدر هذه الحياة الروحانية م ّ‬
‫التص ّ‬
‫ذلك عن إضافة كلم آخر إلى ما قد كتبوه‬
‫وصّنفوه في هذا الباب‪ ،‬إل ّ ما سوف يقتضي‬
‫ذكره بالقدر ال ّ‬
‫لزم في مواطنه‪َ .‬‬
‫فيكفي التركيز‬
‫م السباب اّلتي قد‬
‫في هذا الفصل على أه ّ‬
‫ت السبي َ‬
‫ت‬
‫ملئم ٍ‬
‫ل لوجود ظرو ٍ‬
‫ة أولدَ ْ‬
‫هدَ ْ‬
‫م ّ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ة النقشبندّية‪ ،‬وذلك على سبيل اليجاز‪.‬‬
‫الطريق َ‬
‫ول منها‪ ،‬يرجع إلى حدث عظيم‬
‫* السبب ال ّ‬
‫ولون قبل أربعمائة‬
‫شاهده آباء التراك ال ّ‬
‫ما من تأسيس هذه الطريقة على‬
‫وخمسين عا ً‬
‫دين‬
‫ي لل ّ‬
‫أيدي أحفادهم‪ .‬أل وهو اعتناقهم التقليد ّ‬
‫ي وتصّرفهم فيه‪.‬‬
‫السلم ّ‬
‫ث َ‬
‫ه‬
‫إذن ينبغي أول ً ْ‬
‫حدَ ِ‬
‫ع إلى هذا ال ْ َ‬
‫أن نرج َ‬
‫ول َ ُ‬
‫فن َت ََنا َ‬
‫ث المد ّ‬
‫ه اّلتي‬
‫ر الباح ِ‬
‫ق حّتى تتَبلور لنا نتائ ُ‬
‫ج ُ‬
‫بنظ ِ‬
‫ق ِ‬
‫عت َ َ‬
‫ر‬
‫ت خطير ٍ‬
‫دا ٍ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫أسفر ْ‬
‫ق ُ‬
‫ة وظهو ِ‬
‫ت عن اختل ِ‬
‫ة على السلم‪ .‬ولكن تبّناها رجا ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫ت غريب ٍ‬
‫نزعا ٍ‬
‫ل‪ ،‬واعتن َ‬
‫وتشّربْتها عقو ٌ‬
‫ف‪،‬‬
‫ت وطوائ ُ‬
‫قْتها جماعا ٌ‬
‫ة من الناس‬
‫ف مؤّلف ٌ‬
‫واحتسب في الدفاع عنها آل ٌ‬
‫عب َْر الجيال من هذا الشعب‪.‬‬
‫َ‬
‫لقد ورد في المصادر اّلتي صّنفها علماءُ التراك‬
‫بال ّ‬
‫ن السلم انتشر بين صفوف اّلذين‬
‫ذات؛ أ ّ‬
‫ولين بغير الوجه اّلذي‬
‫اعتنقوه من آبائهم ال ّ‬
‫انتشر بين غيرهم من الشعوب والمم‪ .‬فاختلف‬
‫َ‬
‫ب‬
‫دين بعكس ما أدركه العر ُ‬
‫م لهذا ال ّ‬
‫م ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫وقوه وتعاطوه عقيدةً وسلو ً‬
‫كا‪ .‬وهذا‬
‫وعِلموه وتذ ّ‬
‫أمر جدير بالبحث الدقيق في جوانبه اّلتي لم‬
‫يتو ّ‬
‫خب ََرا ِ‬
‫قف عليها كثيٌر من علما ِ‬
‫خو ُ‬
‫ء علم ِ‬
‫ء التاري ِ‬
‫الجتماع‪ .‬لقد كان اعتناقُ التراك للسلم أمًرا‬
‫غريًبا من ُ َ َ‬
‫ة‪.‬‬
‫ق العاطفة‪ ،‬وليس عن روي ّ ٍ‬
‫من ْطل ِ‬
‫ن الجديد عن‬
‫يبرهن على ذلك إقبالهم على ال ّ‬
‫دي ِ‬

‫‪13‬‬

‫ن‬
‫ه‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫س‪ ،‬دون أ ْ‬
‫ن يتح ّ‬
‫م ُ‬
‫سسوا معال ِ َ‬
‫طيبة نف ٍ‬
‫ة‬
‫ة طباعهم‪ ،‬وبساط َ‬
‫ف لغتهم‪ ،‬وسذاج َ‬
‫اختل َ‬
‫ذ ليتأ ّ‬
‫كدوا من أحكام‬
‫عقولهم لم تسمح لهم يومئ ٍ‬
‫م‬
‫ه التي يحدّدُ موق َ‬
‫ف العب ِ‬
‫ن وضوابط ِ‬
‫هذا ال ّ‬
‫د أما َ‬
‫دي ِ‬
‫مب ْدَأ ِ التوقيفية‪ .‬ولكّنهم لمسوا‬
‫س َ‬
‫رّبه على أسا ِ‬
‫ة على‬
‫ب من رياض الجن ّ ِ‬
‫م يه ّ‬
‫السل َ‬
‫م وكأّنه نسي ٌ‬
‫ن المسافر في‬
‫ن بها اطمئنا َ‬
‫نفسهم لتطمئ ّ‬
‫ر للتسلية‬
‫لحظات نزول ِ ِ‬
‫ر‪ ،‬فاستقبلوه كمصد ٍ‬
‫ه العاب ِ ِ‬
‫ء والبتهال والتصال بأرواح‬
‫عا ِ‬
‫والعزاء والدّ َ‬
‫ى امتزج بعقائدهم‬
‫الباء‪ .‬فما ل َب ِ َ‬
‫ث هذا ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن حت ّ‬
‫س‬
‫ول إلى طرائق صوفي ٍ‬
‫القديمة‪ ،‬فتح ّ‬
‫ة وطقو ٍ‬
‫ْ‬
‫ر‬
‫م وأل َ‬
‫ة وحلقا ِ‬
‫ز وشعوذ ٍ‬
‫روحاني ٍ‬
‫مائ ِ َ‬
‫ة وت َ َ‬
‫ت ذك ٍ‬
‫غا ٍ‬
‫د‪ ،‬وخرافات وأساطير ما‬
‫ة من مجوس الهن ِ‬
‫موروث ٍ‬
‫أنزل الله بها من سلطان‪ .‬فنشأت الطريقة‬
‫ورات‪،‬‬
‫ة تم ّ‬
‫النقشبندّية كنتيج ٍ‬
‫خضت عن هذه التط ّ‬
‫حّتى َ‬
‫م عن حقيقة‬
‫م عن السلم وأبعدَت ْ ُ‬
‫صل َت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫ن‬
‫حو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫اليمان بالله وتوحيده‪ .‬ولهذا حار ال ُ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ورجا ُ‬
‫ل الرشاِد في مكافحة الفساد والبدع التي‬
‫انتشرت بين التراك والطوائف التابعة لهم من‬
‫الكراد والظاظا والشراكسة والبوشناق والقلية‬
‫العربّية في العصر الحاضر‪ ،‬من جّراء الطريقة‬
‫ن الصلح يتو ّ‬
‫ة‬
‫قف على معرف ِ‬
‫النقشبندّية‪ .‬ل ّ‬
‫ب الفساِد وجذوره وطرق انتشاره وضروب‬
‫أسبا ِ‬
‫كفاحه‪ ...‬وإّنما بهذا الّنوع من المعرفة يتم ّ‬
‫كن‬
‫ري َِته و َ‬
‫ه‪ .‬فما دام‬
‫م ِ‬
‫ح من كش ِ‬
‫ع ِ‬
‫ف ِ‬
‫مصل ِ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه وتع ِ‬
‫مة‬
‫م ِ‬
‫المعروفون ب ِ ِ‬
‫ة العلم والقائمون بمه ّ‬
‫س َ‬
‫ء أنفسهم يجهلون‬
‫الدعوة والرشاد؛ مادام هؤل ِ‬
‫ي خل َ‬
‫ل الزمنة‬
‫مسيرةَ فساد شعبهم العقد ّ‬
‫ن تكون لهم قدرة على‬
‫التاريخية‪ ،‬إذن فل ُيعقل أ ْ‬
‫تصحيح ما قد فسد من عقائد بني قومهم ولو‬
‫بذلوا قصارى جهودهم بمجّرد النكير على البدع‬
‫والباطيل‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫ة‬
‫ل العلم ِ عن كيفي ِ‬
‫نعم‪ ،‬لقد غفل كثيٌر من رجا ِ‬
‫ن‬
‫م ِلحقيق ِ‬
‫ة هذا ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫دي ِ‬
‫اسلم ِ التراك‪ ،‬ومدى ادراك ِ ِ‬
‫ن كانوا قبل‬
‫ول أمرهم معه‪ ،‬وعلى أ ّ‬
‫في أ ّ‬
‫ي دي ٍ‬
‫عل ِ َ‬
‫ت من دياناتهم‬
‫ذلك‪ ،‬وهل َ‬
‫ت بهم معتقدا ٌ‬
‫ق ْ‬
‫ت أثًرا في طوائفهم التي دخلت‬
‫السابقة وأبق ْ‬
‫تحت حكمهم وسلطانهم وما إلى ذلك من‬
‫أمور‪...‬‬
‫ن الغالبّية العظمى‬
‫لقد ثبت بالدلئل القاطعة أ ّ‬
‫ولين اّلذين أسلموا من هؤلء القوم لم‬
‫من ال ّ‬
‫ر‪،‬‬
‫وي ٍ‬
‫سا َ‬
‫يدخلوا َ‬
‫ة‪ ،‬ولم يتل ّ‬
‫حت َ ُ‬
‫ه عن ر ّ‬
‫مسوه بتدب ّ ٍ‬
‫قوا تعاليمه بتع ّ‬
‫ولم يتل ّ‬
‫ن‪ .‬وإّنما أقبلوا‬
‫ل وإمعا ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫عليه إقبا َ‬
‫ل القطيع الظمآن على الماء العذب‬
‫الفرات وقد أضناه العطش‪ ،‬فما كاد يرتوي من‬
‫جا؛‬
‫حا أجا ً‬
‫ده الراعي فسقاه مل ً‬
‫زلله حّتى ص ّ‬
‫ن قبائل التراك على كثرة عددها‬
‫وهذا يعني أ ّ‬
‫ول أمرها‪ ،‬فجاء‬
‫أقبلت على السلم في أ ّ‬
‫دا أعمى لمن كان يرأسهم‬
‫إسلمهم تقلي ً‬
‫عمهم‪ .‬فما زال كثيٌر منهم يتقّلب بين ما‬
‫ويتـز ّ‬
‫ة‬
‫ت برهمي ٍ‬
‫ة ونزعا ٍ‬
‫ت شاماني ٍ‬
‫ورثه من معتقدا ٍ‬
‫ن التراك‬
‫ة ومزدكي ٍ‬
‫وتقاليدَ مانوي ٍ‬
‫ة‪ .‬ذلك ل ّ‬
‫يمتازون بشدة النقياد إلى ملوكهم وزعمائهم‬
‫في ك ّ‬
‫ل دهر‪ ،‬سواء أكانوا على الحق أم على‬
‫ة فيهم إلى يومنا‬
‫الباطل‪ .‬فلم تتغّير هذه الخصل ُ‬
‫هذا‪ .‬مما يد ّ‬
‫سكهم بزعيمهم اّلذي‬
‫ل على ذلك تم ّ‬
‫ت‬
‫شارك في القضاء علي الدولة العثمانّية ذا ِ‬
‫ال ّ‬
‫رب ْ َ‬
‫ة السلم‬
‫ق َ‬
‫ي‪ .‬فأراد أ ْ‬
‫طابع السلم ّ‬
‫ن يخلع ِ‬
‫ة فيه على‬
‫من أعناقهم‪ ،‬فلم يزدهم ذلك إل محب ّ ً‬
‫الرغم من اعتزازهم بالسلم؛ مع علمهم بأّنه‬
‫ينحدر من سللة خزرّية تشّربت العقيدةَ اليهودّية‬
‫ت‬
‫ي الصل فبات ْ‬
‫منذ قرون‪ .‬ولكن ما دام أّنه ترك ّ‬
‫ه َ‬
‫ها كما قد اّتخذوا‬
‫وي ّ ً‬
‫م بِ ِ‬
‫ِ‬
‫ة حّتى اّتخذوه إل ً‬
‫صل َت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ق ِ‬
‫خهم آلهة من دون الله‪.‬‬
‫شيو َ‬

‫‪15‬‬

‫ول‬
‫نعم إنّ التراك استقبلوا السلم في أ ّ‬
‫ما أسلم ملكهم‬
‫أمرهم طّيي ً‬
‫ة به نفوسهم؛ فل ّ‬
‫‪3‬‬
‫صُتوك ُبو ْ‬
‫غراخان )ت‪ 348 .‬هـ‪ (.‬ملك الدولة‬
‫ال َ‬
‫ى بعبد الكريم‪ .‬دخلوا‬
‫قَرا َ‬
‫خان ِي ّ ِ‬
‫ة التركّية‪ ،‬وت َ َ‬
‫سم ّ‬
‫جا‪ ،‬وأسلموا عن بكرة‬
‫معه في دين الله أفوا ً‬
‫أبيهم‪.‬‬
‫ت غفيرةٌ من مختلف‬
‫هذا‪ ،‬وقد أسلمتْ جماعا ٌ‬
‫سب ِ ْ‬
‫م‬
‫الجناس البشرّية َ‬
‫ق ُ‬
‫عب َْر التاريخ‪ ،‬إل ّ أّنه لم ت َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫مة بتمامها في الدخول إلى حظيرة السلم‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ولم تظفر بهذا الفضل والشرف العظيم غير‬
‫ول أمرهم‪،‬‬
‫التراك اّلذين اعتنقوا السلم في أ ّ‬
‫جاًنا في نفوسهم‪،‬‬
‫ذ َ‬
‫م يومئ ٍ‬
‫هي َ َ‬
‫لب ّ‬
‫د وقد أثار السل ُ‬
‫ة انسحبوا‬
‫ت في جميع مجالت حياتهم حرك ٌ‬
‫ودب ّ ْ‬
‫معها إلى منعطفات خرجوا بذلك عن الخ ّ‬
‫ط‬
‫ن يشعروا بخطورة‬
‫ي المستقيم دون أ ْ‬
‫السلم ّ‬
‫المر؛ لّنهم كانوا يومئذ في بداية الطريق‪،‬‬
‫ن الجديد كعادتهم في‬
‫ينظرون إلى هذا ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫ن‬
‫النظر إلى دينهم القديم بفروق بسيطة‪ .‬ثم إ ّ‬
‫ذلك التد ّ‬
‫ي إلى هدي‬
‫م والندفا َ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ف َ‬
‫ع ال ْك ُل ّ ّ‬
‫عا ِ‬
‫ة في الوهلة الولى‬
‫السلم‪ ،‬لم يترك لهم فرص ً‬
‫ن الحنيف إل ّ قلة منهم‪.‬‬
‫ليتدّبروا حقيقة ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫ة‬
‫فيبدو أّنهم قد اعتنقوا السلم على همجي ٍ‬
‫ة من العقلّية المتخّلفة والجهل‬
‫وسطحي ٍ‬
‫المتف ّ‬
‫شي بين جمهورهم وهذا أفضى إلى‬
‫التشّبث بما كانوا عليه في سابقهم من رواسب‬
‫الشرك ومخّلفات الوثنّية وتقاليد الكفرة من‬
‫آبائهم الولين‪.‬‬
‫وَلين من التراك‬
‫ل ّ‬
‫ما ُنقارن بين السابقين ال ّ‬
‫ومشركي قريش في موقفهم من الدعوة‬
‫دا كبيًرا بين الفريقين‬
‫السلمّية الولى نجد ُبع ً‬
‫‪3‬‬

‫‪Meydan Larousse 11/31, 12/34 İstanbul-1969‬‬

‫‪16‬‬

‫ن التراك أقبلوا على السلم‬
‫في ذلك‪ .‬فإ ّ‬
‫ول تبشير تل ّ‬
‫ةل‬
‫قوه من دعا ٍ‬
‫كالسيل العارم منذ أ ّ‬
‫شهرة لهم في سج ّ‬
‫ل التاريخ‪ .‬بينما الكتب حافلة‬
‫بما ابتلى به رسول الله ‪ ‬من المحنة والذى‬
‫على يد قومه اّلذين وقفوا في وجه السلم‬
‫و الّلدود‪ .‬واستعملوا العنف والشدة‬
‫وقوف العد ّ‬
‫ضد أصحابه‪ ،‬وأذاقوهم ألوانا من التعذيب‬
‫ن أكثرهم في نهاية المطاف‬
‫والنكال‪ .‬ولك ّ‬
‫ما‬
‫أسلموا لله وأقاموا حدوده واتخذوا دينه نظا ً‬
‫لحياتهم؛ وضربوا من البسالة والبطولة والفداء‬
‫في سبيله أمثال ً لم يدانيهم فيها قوم ل قبلهم‬
‫ول بعدهم‪.‬‬
‫م عن حقيقته ولم‬
‫ولهذا‪ ،‬تشّربت العر ُ‬
‫ب السل َ‬
‫ن حّتى يومنا هذا‪ ،‬على‬
‫يتغّير تفسيرهم للدّي ِ‬
‫ح ّ‬
‫س َ‬
‫ه زعمائهم فيما‬
‫ف ِ‬
‫كا ِ‬
‫الرغم من ضللة ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫اقتبسوه من المم الكافرة لشعوبهم من‬
‫ة‪.‬‬
‫ة فاسد ٍ‬
‫ة وأنظم ٍ‬
‫سياسات ضال ّ ٍ‬
‫جة‬
‫أما التراك‪ ،‬فيبدو أنهم في غمرة تلك الضّ ّ‬
‫م على أثر‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫اّلتي ثار ْ‬
‫ه ْ‬
‫جت َ َ‬
‫ت في صفوف ُ‬
‫ع ِ‬
‫جهة إليهم لم يف َ‬
‫طنوا إلى حقيقة ما‬
‫الدعوة المو ّ‬
‫ب‬
‫يهتف به السلم من التوحيد الخالص لله ر ّ‬
‫ن‬
‫ن كسائر الديان‪ ،‬وإ ْ‬
‫العالمين‪ .‬فظّنوا أّنه ِدي ٌ‬
‫صة اّلتي أعجبتهم‬
‫كان يمتاز ببعض تعاليمه الخا ّ‬
‫ت مع طبيعتهم‪ .‬كالطهارة وصلة‬
‫واتفق ْ‬
‫ما‬
‫الجماعة‪ .‬ل ّ‬
‫ن التراك أشدّ الناس اهتما ً‬
‫ما في الحياة الجتماعّية‪،‬‬
‫بالنظافة وأفضلهم نظا ً‬
‫فتأّثروا بضوابط السلم وقوانينه وتشريعاته‪،‬‬
‫جدانياته‪ .‬ولهذا‪ ،‬لم‬
‫قبل أ ْ‬
‫و ْ‬
‫ن يتأّثروا بعقائده و ُ‬
‫موا بمسائل التوحيد في الخطوة الولى من‬
‫يهت ّ‬
‫ْ‬
‫وا بما شرعه السلم من‬
‫إسلمهم‪ ،‬وإنما الت َ َ‬
‫ه ْ‬
‫صلة الجمعة والجماعة والطهارة وطاعة أولي‬
‫المر‪ ،‬وآداب المعاشرة وما أشبه ذلك من أمور‬

‫‪17‬‬

‫ص بتنظيم الحياة الجتماعّية‬
‫العبادة‪ ،‬وما يخت ّ‬
‫والعلقات البشرية‪.‬‬
‫ولون‬
‫وبهذا‪ ،‬يتبين لنا أّنه ل ّ‬
‫ما غفل المسلمون ال ّ‬
‫من التراك عن حقيقة توحيد الله تبارك وتعالى‬
‫ب السلم ومفتاح الخلص ووسيلة النجاة‬
‫)وهو ل ُ ّ‬
‫والسعادة في الدارين(‪ .‬وبذلوا اهتمامهم فيما‬
‫ة‬
‫دوا صل ً‬
‫ج ُ‬
‫و َ‬
‫يظهر من ال ّ‬
‫دين ويّتفق مع طبيعتهم‪َ ،‬‬
‫بين هذه المور وبين ما كانوا عليه في سابق‬
‫ن اسمه «ال ّ‬
‫ة»‬
‫مان ِي ّ ُ‬
‫شا َ‬
‫أمرهم؛ لّنهم كانوا على دي ٍ‬
‫فكانوا يعتقدون في رهبانهم أّنهم ينفعون‬
‫ويضّرون من دون الله‪ ،‬ويشفعون لهم عند‬
‫الرواح اللهّية المهيمنة ويتصّرفون عنها في‬
‫ملون ويتف ّ‬
‫كرون في‬
‫الكون‪ .‬وكذلك كانوا يتأ ّ‬
‫حكمة الله على أساليب الديانة البوذّية‬
‫والبرهمّية‪.‬‬
‫ة‬
‫فما كان منهم إل ّ ْ‬
‫ق صوفي ً‬
‫أن استحدثوا طرائ َ‬
‫دا وأذكاًرا مّزجوا فيها بين‬
‫ورّتبوا لها آداًبا وأورا ً‬
‫أمور أخذوها من السلم‪ .‬مثل كلمة التوحيد‪،‬‬
‫واسم الجللة‪ ،‬والتحميد‪ ،‬والتسبيح‪ ،‬والتكبير‪...‬‬
‫وأخرى ورثوها من دياناتهم السابقة من‬
‫الشامانّية والبوذّية والزرادشتّية والمزدكّية‬
‫ب وثنّية مثل‪«:‬‬
‫والمانوّية‪ 4‬وورثوا منها رواس َ‬
‫س َ‬
‫م‪ ،‬ون َظَْرب َْر َ‬
‫ن‪ ...‬إلخ»‬
‫قدَ ْ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫م‪ ،‬و َ‬
‫وط َ ْ‬
‫و ْ‬
‫فْردَْر َ‬
‫ه ُ‬
‫ها بتفسيراتهم‬
‫ن أت ْ َ‬
‫مو َ‬
‫فخلطوا هذا بذاك بعد أ ْ‬
‫خ ُ‬
‫ر‬
‫الشاذ ِ‬
‫ة الغريبة‪ ،‬ورّتبوها ودَ ّ‬
‫ونوها في أسفا ٍ‬
‫د؛‬
‫ة من الداب والدعاء والتعب ّ ِ‬
‫وأقاموها على هيئ ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جه‪،‬‬
‫خت ْم ِ ال ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫جگان ِي ّ ِ‬
‫كالّراب ِطَ ِ‬
‫ة‪ ،‬والتو ّ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫والسلوك والرهبنة‪ ...‬فكانت من أهم نتائجها‬
‫الطريقة التقشبندية‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪Ahmet Yaşar OCAK, Menâkibnâmeler, s.10‬‬

‫‪18‬‬

‫* السبب الثاني في ظهور هذه الطريقة‪ :‬هو‬
‫الخلفّيات التاريخية والجتماعّية السائدة في‬
‫الفترة والمنطقة الّلتين نشأت فيهما هذه‬
‫الحركة الصوفّية‪.‬‬
‫لش ّ‬
‫ن الحداث متسلسلة من الماضي‬
‫ك في أ ّ‬
‫أن يكون ِلما َ‬
‫ْ‬
‫إلى الحاضر فالمستقبل‪ .‬فلبدّ إذن‬
‫ت‬
‫وقع في سالف العصور آثاٌر وعواق ُ‬
‫ب انعكس ْ‬
‫ث أص ٌ‬
‫ن يكون لك ّ‬
‫ل‬
‫ل حد ٍ‬
‫على ما تلها‪ .‬أو لبدّ أ ْ‬
‫سّنة الحياة‪.‬‬
‫وسبب؛ بل أسباب يرجع إليها‪ .‬وهذه ُ‬
‫ث من‬
‫فما دامت الطريقة النقشبندّية هي حد ٌ‬
‫ل العقو َ‬
‫ع أشغ َ‬
‫ل والضمائَر‬
‫مة‪ ،‬وواق ٌ‬
‫الحداث الها ّ‬
‫ن‪ ،‬إذن لبدّ من‬
‫منذ حقبة تقرب من سبعة قرو ٍ‬
‫ن نتناولها‪ ،‬فنعود بها إلي أّيام نشوئها من خلل‬
‫أ ْ‬
‫الحلقات المتسلسلة اّلتي تربط حاضَرها‬
‫بماضيها‪ ،‬وأن نتباحث في الوقت ذاته بظروف‬
‫المنطقة اّلتي عاش فيها التراك قبل دخولهم‬
‫في السلم وبعده‪.‬‬
‫إن المنطقة اّلتي كان يسكنها آباء التراك‬
‫ّ‬
‫ة( تبدأ من تخوم الهند‬
‫هَياطِل َ ُ‬
‫الولون )وهم ال َ‬
‫شر ً‬
‫ضفاف‬
‫قا‪ ،‬وتنتهي عند ِ‬
‫بحيرة آرَا ْ‬
‫ل على امتداد الساحة الواقعة بين‬
‫م هذه‬
‫سْيحون و َ‬
‫النهرين الشهيرين َ‬
‫جْيحون‪ .‬تض ّ‬
‫خاَرى‬
‫دا من المدن العريقة‪ ،‬مثل ب ُ َ‬
‫المنطق ُ‬
‫ة عد ً‬
‫وسمرقند وطاشكند وفرغانة‪ ،‬وأجزاءً من بلد‬
‫م‪.‬‬
‫ُ‬
‫رز ْ‬
‫خ َ‬
‫وا ِ‬
‫أما تاريخ المنطقة‪ ،‬فيشوبه غموض حّتى ميلد‬
‫م التراك قبل السلم قد‬
‫عيسى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن أّيا َ‬
‫ت من الحركات العلمّية والثقافّية والحضارية‪.‬‬
‫خل ْ‬
‫ة بين أيدي الباحثين‬
‫وبذا كانت المصادر شحيح ً‬
‫دهم بما كان عليه التراك في تلك‬
‫ولم تم ّ‬
‫القرون الخالية‪ .‬ولم يؤّرخ لهم قوم بالقدر اّلذي‬

‫‪19‬‬

‫كتب عنهم علماء العرب المسلمين كأحمد بن‬
‫يحيى بن جابر بن داود البلذري‪ 5‬وأبي جعفر‬
‫مد بن جرير الطبري‪6‬وابن الثير عّز الدين أبي‬
‫مح ّ‬
‫‪7‬‬
‫الحسن على بن أبي الكرم الشيباني وأبي‬
‫الفداء اسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن‬
‫كثير‪ 8‬وغيرهم‪ .‬ولع ّ‬
‫ي فريديريك‬
‫ل العال ِ َ‬
‫م الروس ّ‬
‫ف‪ 9‬قد أولى الحياةَ الدينّية عند‬
‫م َرادُْلو ْ‬
‫ول ْ َ‬
‫هل ْ ْ‬
‫ِ‬
‫ي‬
‫التراك في جاهليتهم بحديث واسع أكثر من أ ّ‬
‫باحث آخر‪.‬‬
‫فقد ثبت من خلل ما عثر عليه الباحثون وما‬
‫ن التراك قد اعتنقوا ديًنا‬
‫ُ‬
‫شرحه‬
‫علماء التاريخ أ ّ‬
‫عب َْر تاريخهم‪ .‬وكّلما وجدوا مسا ً‬
‫غا‬
‫بعد دين َ‬
‫دلوا دينهم نزحوا من ساحته ‪ -‬وهم يحملون‬
‫ليب ّ‬
‫ج ّ‬
‫ل آثاره ‪ -‬وركنوا إلى دين آخر فخلطوا بينهما‪،‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫فتقلبوا هكذا في أمواج الديانات والمعتقدات‬
‫بصرف النظر عما بينها من التناقض والتضارب‬
‫ءا من‬
‫حّتى وجدوا أنفسهم في رحاب السلم بد ً‬
‫ول من الهجرة النبوية‪.‬‬
‫النصف الثاني للقرن ال ّ‬
‫فلم يكن تعاملهم مع السلم مختلفا عن‬
‫ما من‬
‫تعاملهم مع دياناتهم السابقة‪ .‬فحملوا ج ّ‬
‫معت َ‬
‫قداتهم الوثنّية‪ ،‬وتقاليدهم الموروثة من عهد‬
‫ن شاء الله‬
‫الجاهلّية الولى‪ ،‬كما سوف نشرحه إ ْ‬
‫عب َْر الفصول التالية‪.‬‬
‫تعالى َ‬
‫دسون موتاهم في القرون‬
‫لقد كان التراك يق ّ‬
‫الولى من جاهليتهم‪ ،‬ويعبدونهم‪ .‬نشأ هذا‬
‫‪5‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪ . 1/322:‬بيروت‪.1993/‬‬

‫‪6‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/190‬‬

‫‪7‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/523‬‬

‫‪8‬‬

‫المصدر السابق ‪.1/373‬‬

‫‪9‬‬

‫‪Friedrich Wilhelm Radlof:‬‬

‫مستشرق روسي من أصل آلماني‪ .‬ولد في برلين‪ ،‬و مات في بيتروجراد ‪ . Petrograd‬تخرج من جامعة برلين‪،‬‬
‫وحاز شهادة الدكتوراه في العلوم الفلسفّية من جامعة جينا عام ‪1858‬م‪ .‬على أثر نجاحه في تأليف رسالة تحت‬
‫عنوان‪) :‬أثر الدين في مجتمعات آسيا ‪ (Ubar Den Einfluss der Religion auf die Worker Aslens‬لـه بحوث و مؤّلفات عدة‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫صة‬
‫ن اسمه الشامانية‪ ،‬خا ّ‬
‫العتقاد وهم على دي ٍ‬
‫ن‬
‫ن‪ .‬والشاما ُ‬
‫دسون الشاما َ‬
‫فإّنهم كانوا يق ّ‬
‫س عند النصارى فكانوا‬
‫عندهم كالعزيز أو ال ِ‬
‫ق ّ‬
‫دي ِ‬
‫ن الشامان يعلم الغيب ويتصرف في‬
‫يعتقدون أ ّ‬
‫و؛ َ‬
‫س ُ‬
‫في َُنـّز ُ‬
‫ح متى‬
‫ل اْلغي َ‬
‫ث‪ ،‬وي ُْر ِ‬
‫ل الريا َ‬
‫أحوال الج ّ‬
‫ب والهوا َ‬
‫ل‬
‫شاء‪ ،‬ويمنع الفات‪ ،‬أو يسّلط المصائ َ‬
‫على من يشاء‪.‬‬
‫ضا في‬
‫ومن جملة ما كانوا يعتقدونه أي ً‬
‫في َت َل َ ّ‬
‫شامانيهم‪ :‬أّنهم يّتصلون بإله السماء َ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫ن يكون لـه ح ّ‬
‫ظ من‬
‫ما من أراد أ ْ‬
‫ي‪ .‬أ ّ‬
‫منه الوح َ‬
‫س‬
‫ح إلى خلو ٍ‬
‫هذه المكانة بينهم‪ ،‬نز َ‬
‫ة ومار َ‬
‫ن‬
‫ح شاما َ‬
‫الرياضة على الطريقة الصوفّية فأصب َ‬
‫س من لعنته وينظرون إليه‬
‫بعد مدة‪ ،‬يحذر النا ُ‬
‫م‬
‫ما ارتدّ هؤلء القو ُ‬
‫نظرة الجلل والتوقير‪ .‬فل ّ‬
‫س ً‬
‫كا‬
‫عن الشامانية إلى البوذّية‪ ،‬ازدادوا تم ّ‬
‫دا برهبانهم في الدين الجديد‪ ،‬ذلك أّنهم‬
‫واعتقا ً‬
‫كنوا عن طريق الترجمة من ال ّ‬
‫تم ّ‬
‫طلع على‬
‫مناقب رهبان البوذّية وما قيل فيهم من كرامات‬
‫م هائ ٌ‬
‫ل‬
‫مع في عقولهم ُركا ٌ‬
‫ومعجزات وآثار‪ .‬فتج ّ‬
‫من الساطير التي تم ّ‬
‫كنت من ديانتهم‪،‬‬
‫واستيقنتها أنفسهم‪ ،‬حّتى إذا أسلموا وجدوا‬
‫ضاّلتهم المنشودة فيما سمعوا من معجزات‬
‫منطل ً‬
‫قا ليصبغوا ما‬
‫الرسول ‪ ،‬فاّتخذوا منها ُ‬
‫في قلوبهم من رواسب الشرك بصبغة السلم‪.‬‬
‫ن اعتقدوا في بعض الصالحين كما‬
‫فلم يلبثوا أ ْ‬
‫كانوا يعتقدون في شامانيهم ورهبانهم ساب ً‬
‫قا‬
‫من بركات وكرامات وخوارق؛ فأقاموا على‬
‫أضرحتهم ُبنياًنا لم يعهده المسلمون قبل إسلم‬
‫التراك‪.‬‬
‫ي في القرآن‬
‫َ‬
‫ثم حّرفوا‬
‫مفهوم لفظ ِ‬
‫ة الول ّ‬
‫ي‬
‫بتفسير لم يرد عن السلف الصالح‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ن الول ّ‬
‫ليس هو اّلذي يتصّرف في قدر الله‪ ،‬وينوب عنه‬

‫‪21‬‬

‫في إدارة الكون‪ ،‬ويعلم الغيب‪ ،‬وينـّزل الغيث‪،‬‬
‫ويمنع الفات‪ ،‬أو يسّلط العذاب على من يشاء‬
‫كما يزعمون‪ .‬وإّنما أولياء الله‪ ،‬هم اّلذين قال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫هل َ‬
‫ف َ‬
‫و ٌ‬
‫وِليا َءَ الل ِ‬
‫تعالى فيهم‪} :‬أل َ إ ّ‬
‫عل َي ْ‬
‫ه ْ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ‬
‫‪10‬‬
‫وكا َُنوا ي َت ّ ُ‬
‫ن‪{ .‬‬
‫ول َ ُ‬
‫قو َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن * اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫ولكّنهم حّرفوا المعنى بتأويلتهم وتفسيراتهم‬
‫اّلتي بنوها على معت َ‬
‫قداتهم الموروثة من العهد‬
‫ي‪ .‬وهكذا نشأت معظم الطرق الصوفّية‬
‫الوثن ّ‬
‫ّ‬
‫ة للسباب التي ما زلنا‬
‫على يد التراك كنتيج ٍ‬
‫مها‪ ،‬تلك الخلفيات‬
‫نواصل شرحها‪ .‬ومن أه ّ‬
‫التاريخية اّلتي تراكمت في عقلية هؤلء القوم‪،‬‬
‫ت على المفاهيم‬
‫ت َ‬
‫عب َْر أطواره حّتى طغ ْ‬
‫وانحدر ْ‬
‫وهت‬
‫ة متطّرف ٍ‬
‫ت باطني ٍ‬
‫القرآنية بتفسيرا ٍ‬
‫ة‪ ،‬فش ّ‬
‫محّياها‪ ،‬وأذهبت الكثيَر من جمالها وطلقتها و‬
‫واقعيتها‪.‬‬
‫* السبب الثالث في ظهور الطريقة النقشبندّية‪:‬‬
‫عدُ المسافة بين مراكز الحكم والعلم وبين‬
‫هو ب ُ ْ‬
‫المنطقة اّلتي نشأت وانتشرت فيها الطريقة‪.‬‬
‫م جذوَر الشرك وأزاحه عن‬
‫ما انتـزع السل ُ‬
‫ل ّ‬
‫ت أنواُر التوحيد‬
‫مهبط الوحي واللهام‪ ،‬وبدأ ْ‬
‫ُتشرق من الحرمين على أطراف الجزيرة‬
‫ل الحكمة وتد ّ‬
‫ت مناه ُ‬
‫ت من‬
‫فق ْ‬
‫العربّية‪ ،‬فنبع ْ‬
‫ت على صفحات الكتب‬
‫صدور أئمة السلف وانصب ّ ْ‬
‫ن سادت‬
‫بمداد العلماء من التابعين؛ فلم يلبث أ ْ‬
‫دولة العلم في بلد اليمن والعراق والشام‬
‫دة أق ّ‬
‫ل من خمسين سنة بعد‬
‫ومصر في م ّ‬
‫الهجرة النبوّية‪ .‬وفي أثر ذلك أصبحت ك ّ‬
‫ة‬
‫ل منطق ٍ‬
‫من هذه البلد مركًزا للعلوم والفنون السلمّية‪.‬‬
‫داء على الك ّ‬
‫فار‬
‫ولقد كان المسلمون الوائل أش ّ‬
‫والمشركين ومن كان على نهجهم من‬
‫‪10‬‬

‫سورة يونس‪.63 ،62 /‬‬

‫‪22‬‬

‫المستحدثين في الدين والمتلعبين بنصوصه من‬
‫ن يكون أهل‬
‫عدُ أ ْ‬
‫خلل تأويلت ماكرة‪ .‬ول ُيست َب ْ َ‬
‫الح ّ‬
‫ل والعقد منهم قد أحبطوا أّية بدعة قد‬
‫ظهرت في أّيامهم بسرعة وعنف‪ .‬فهكذا كانوا‬
‫ي‪ ،‬وكذلك في المرحلة‬
‫حّتى في العهد المو ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ .‬إذ يبرهن على ذلك‬
‫الولى من العهد العباس ّ‬
‫موقف الخليفة المقتدر من حسين بن منصور‬
‫الح ّ‬
‫ما علم أّنه زنديق يترّبص بالسلم ليعبث‬
‫لج ل ّ‬
‫به ثأًرا لدين آبائه المجوس اّلذين قضى عليهم‬
‫‪11‬‬
‫المسلمون‪ ،‬فأمر به ف ُ‬
‫قت ِ َ‬
‫ل‪.‬‬
‫ت‬
‫ْ‬
‫وما‬
‫ت به فئا ٌ‬
‫أن اّتسعت أرض السلم‪ ،‬ودان ْ‬
‫ت ُر ْ‬
‫ق سليم ٍ من أهالي المناطق‬
‫ش ٍ‬
‫غيُر ذا ِ‬
‫د وذو ٍ‬
‫النائية عن مراكز الحكم والعلم والحضارة‬
‫ة بعد فتح خراسان وبلد ماوراء‬
‫السلمّية وخاص ً‬
‫النهر؛ سرعان ما بدأ النحراف عن الخ ّ‬
‫ط‬
‫ف‬
‫ب هذا النحرا ُ‬
‫م‪ ،‬وصار ي َدُ ّ‬
‫السلم ّ‬
‫ي المستقي ِ‬
‫ة ت ُذَك ُّرهم‬
‫وينتشر بين الناس كّلما وجدوا هرطق ً‬
‫ت إليها ن ُ ُ‬
‫م ظًنا منهم أّنها‬
‫بماضيهم نزع ْ‬
‫س ُ‬
‫فو ُ‬
‫ه ْ‬
‫ة يومئذ‬
‫دول ُ‬
‫من صميم السلم‪ .‬وربما لم تكن ال ّ‬
‫تتمّتع بالقدرة والهيمنة الكافية لكبح جماح‬
‫د المسافة‬
‫ع ِ‬
‫المبتدعين والمستحدثين بسبب ب ُ ْ‬
‫بين مراكز الحكم وبين تلك المناطق المترامية‬
‫م‬
‫القاصية؛ أوربما لم يكن لصحاب السلط ِ‬
‫ة اهتما ٌ‬
‫ب‬
‫م ِ‬
‫ر تعالي ِ‬
‫بسلم ِ‬
‫ه على الكتا ِ‬
‫ن‪ ،‬وقص ِ‬
‫ة الدي ِ‬
‫ة كما فهمها سلفنا‬
‫هَر ِ‬
‫م‪ ،‬والسن ّ ِ‬
‫مط ّ‬
‫ة ال ُ‬
‫الكري ِ‬
‫ح رضوان الله عنهم‪.‬‬
‫الصال ُ‬

‫‪11‬‬

‫صته في المراجع التي ذكرها‪:‬‬
‫راجع ق ّ‬

‫* عمر رضاء كحالة‪ ،‬معجم المؤلفين‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪ . 1/645 :‬بيروت ‪1993 -‬م‪.‬‬
‫* أنور الجندي‪ ،‬المؤامرة على السلم ص‪ .174 ،57 /‬دار العتصام‪ ،‬الطبعة الثانية‪ .‬القاهر‪1978 -‬م‪.‬‬
‫ورة ‪-‬‬
‫وف ص‪ .716 ،636/‬مكتبة ابن القيم الطبعة الولى‪ .‬المدينة المن ّ‬
‫* عبد القادر حبيب الله السندي‪ ،‬التص ّ‬
‫‪1990‬م‪.‬‬
‫* سميح عاطف الزين‪ ،‬الصوفّية في نظر السلم ص‪ .307 /‬دار الكتب اللبنانية‪ ،‬الطبعة الثانية‪ .‬بيروت ‪1985 -‬م‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫ضا من الدواعي اّلتي أسفرت عن انتشار‬
‫فهذه أي ً‬
‫ة غريبةٍ عن السلم تحت ستار‬
‫ة روحاني ّ ٍ‬
‫حيا ٍ‬
‫الزهد والستغناء عن الدنيا‪ ،‬وممارسة الرياضة‬
‫والتق ّ‬
‫ع‬
‫ورت الوضا ُ‬
‫شف ولبس المسوح‪ .‬ثم تط ّ‬
‫ّ‬
‫ق الصوفّية في‬
‫حّتى ظهر عددٌ كبيٌر من الطَرائ ِ ِ‬
‫القرون التالية‪ ،‬وانتشر بعضها على ساحات‬
‫ت‬
‫واسعة فأقبل عليها جمهور من الناس وطاش ْ‬
‫ة أو عجًزا أو‬
‫ة العلما ِ‬
‫ما مخاف ً‬
‫حكم ُ‬
‫ء في وجهها‪ ،‬إ ّ‬
‫جه ً‬
‫ن َ‬
‫ة هذه المنظمات‬
‫ت صول ُ‬
‫ل؛ إلى أ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ت ُ‬
‫ها‪ .‬وغلبت على العاقل‬
‫الصوفّية وتضاعف ْ‬
‫وت ُ َ‬
‫ق ّ‬
‫والغافل محب ُّتها بالرغم من نبوغ شخصّيات من‬
‫أهل العلم والفضل في تلك المناطق من أمثال‪:‬‬
‫مد‬
‫ي‪ ،‬إسماعيل بن إبراهيم بن مح ّ‬
‫المام الهرو ّ‬
‫‪12‬‬
‫مد بن‬
‫ي بن مح ّ‬
‫بن عبد الرحمن القّراب ‪ ،‬وعل ّ‬
‫‪13‬‬
‫مد بن‬
‫مة مح ّ‬
‫ي ‪ ،‬وشمس الئ ّ‬
‫الحسين البزدو ّ‬
‫‪14‬‬
‫ي ‪ ،‬وأبي حفص عمر‬
‫أحمد بن أبي بكر السرخس ّ‬
‫ي‪ ،15‬والمام الرازي فخر الدين‬
‫بن مح ّ‬
‫مد النسف ّ‬
‫‪16‬‬
‫ّ‬
‫ي ‪،‬‬
‫ي البكر ّ‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عمر بن الحسين التيم ّ‬
‫والع ّ‬
‫لمة مسعود بن عمر بن عبد الله‬
‫ي‪ 17‬وغيرهم‪.‬‬
‫التفتازان ّ‬
‫ث من أسباب‬
‫ب ثال ٌ‬
‫فيبدو هكذا بوضوح‪ ،‬سب ٌ‬
‫ء‬
‫وَرا ِ‬
‫ظهور الطريقة النقشبندّية في بلد « َ‬
‫ما َ‬
‫ر»‪ ،‬ولكّنها كانت محصورة في تلك المناطق‬
‫الن ّ ْ‬
‫ه ِ‬
‫ن اعتنقها التراك‬
‫طوال سنوات عديدة؛ إلى أ ْ‬
‫ن كان تحت حكمهم من الكراد‬
‫م ْ‬
‫العثمانّيون و َ‬
‫ة من حثالة العرب اّلذين يقطنون في‬
‫والقل ّ ِ‬
‫المنطقة الكردّية‪ .‬وذلك بعد الحملة اّلتي قام بها‬
‫‪12‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪ 1/356 :‬ترجمته‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/501‬‬

‫‪14‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/52‬‬

‫‪15‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/571‬‬

‫‪16‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/558‬‬

‫‪17‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/849‬‬

‫‪24‬‬

‫ي‪ 18‬لنشر هذه الطريقة في لباس‬
‫خالد البغداد ّ‬
‫ة‬
‫جديد وباستيحا ٍ‬
‫ء من الديانات الهندّية‪ ،‬وبمساعد ٍ‬
‫ودعم ٍ من السلطة العليا للدولة العثمانّية كما‬
‫ن شاء الله‬
‫سنشرحه في نهاية الفصل الرابع إ ْ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫ة‬
‫ت التصوفي ِ‬
‫ر النـزعا ِ‬
‫* السبب الرابع في انتشا ِ‬
‫صة في‬
‫م ً‬
‫عا ّ‬
‫ر الطريقة النقشبندّية خا ّ‬
‫ة وظهو ِ‬
‫ُ‬
‫م بلغة القرآن كما هي‬
‫بلد التراك هو جهل ُ‬
‫ه ْ‬
‫الحالة نفسها بالنسبة للكراد وغيرهم من سائر‬
‫العناصر العجمية‪.‬‬
‫أسلم التراك وهم ل يفهمون شيًئا من القرآن‬
‫لختلف الّلغة‪ .‬ويبدو أّنهم تلقّوا الضرورات من‬
‫الدين عن طريق الترجمة في الخطوة الولى‬
‫وٌر‬
‫ما الترجمة وإ ْ‬
‫من إسلمهم‪ .‬أ ّ‬
‫ن كان لها أثٌر ودَ ْ‬
‫في تبليغ الرسالت‪ ،‬إل ّ أّنها قد ل تفي بالحاجة‬
‫ن َ‬
‫م المعاني‬
‫صة لتفصيل المور الدقيقة ل ّ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫خا ّ‬
‫ة‬
‫مي ّ ً‬
‫المقصودة في مثل هذه الحوال يزداد أه ّ‬
‫قف على ك َ َ‬
‫ويتو ّ‬
‫حة الترجمة‪.‬‬
‫فاءَ ِ‬
‫ة المترجم وص ّ‬
‫ة‬
‫فإذا كان المترجم قاصًرا‪ ،‬أو غيَر ذي مهار ٍ‬
‫ة بأخطاء‪،‬‬
‫مته جاءت الترجمة مشوب ً‬
‫حنك ٍ‬
‫و ُ‬
‫ة في مه ّ‬
‫ة بغموض؛ فتع ّ‬
‫قد المر على المخاطب‪.‬‬
‫ومعيوب ً‬
‫هذا‪ ،‬ول ندري هل كانت الترجمة يومئذ وافية‬
‫مة التبليغ والقيام بأعمال التعليم أم ل‪،‬‬
‫لداء مه ّ‬
‫ّ‬
‫ن تعليم مسائل التوحيد للنسان الذي‬
‫ص ً‬
‫ة فا ّ‬
‫خا ّ‬
‫عاش في ظلمات الشرك طوال عمره‪ ،‬وفوق‬
‫د‬
‫ذلك يجهل لغة الرسول ‪‬؛ فا ّ‬
‫ن تعليمه من أش ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫المور صعوبة وتعقي ً‬
‫ن التراك يختلفون عن كافة‬
‫وإلى جانب هذا‪ ،‬فا ّ‬
‫السلبي من اللغات‬
‫ّ‬
‫المجتمعات بموقفهم‬
‫الجنبّية؛ فتجاوز المر إلى لغتهم؛ حّتى أصبحت‬
‫‪18‬‬

‫المصدر السابق ‪.1/667‬‬

‫‪25‬‬

‫هي ن َ ْ‬
‫ها بعد إهمالهم إّياها وتلعبهم بها‬
‫س َ‬
‫ف ُ‬
‫دهر‪ .‬ول يزالون يعانون شتات‬
‫ُ‬
‫ض ً‬
‫عْر َ‬
‫ة لنكبات ال ّ‬
‫ب هذا‬
‫شملها إلى اليوم‪ .‬وربما يرجع سب ُ‬
‫ة فيهم من‬
‫ة الراسخ ِ‬
‫الموقف إلى الروح العسكري ّ ِ‬
‫ما بأّنهم‬
‫قديم الزمان‪ .‬فإ ّ‬
‫ن التراك يعتـّزون دائ ً‬
‫م مقاتلون‪ ،‬وبأّنهم لم يخضعوا لسيادة قوم‬
‫قو ٌ‬
‫ن تفاخَرهم بأمجاِدهم‬
‫آخرين عبر تاريخهم‪ .‬فإ ّ‬
‫ة قد‬
‫ة دائم ٍ‬
‫وتشاغَلهم بذكريات أّيام ِ عّزهم بصور ٍ‬
‫جعلهم يحتقرون بقّية الشعوب وما يمّيزها عنهم‬
‫من صفات القومّية كالّلغة والدين وبعض‬
‫التقاليد‪.‬‬
‫مون‬
‫وإنما هذا الموقف هو اّلذي جعلهم ل يهت ّ‬
‫حَرى ل َ‬
‫بالّلغة العربّية من قديم الزمان؛ أو ِبال َ ْ‬
‫ي َل َ ّ‬
‫ب‪ .‬وإّنما‬
‫ع ِ‬
‫عن ْدَ ال ْ َ‬
‫ون َ َ‬
‫عَر ِ‬
‫ق ْ‬
‫ها بالسلوب المت ّب َ ِ‬
‫ْ‬
‫صُروا على حفظ قواعد الصرف والنحو‪،‬‬
‫قت َ َ‬
‫ن‬
‫فاّتخذوا العربّية لغ َ‬
‫ة القراء ِ‬
‫ة لنصوص ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫فحسب‪ ،‬دون الكتابة والحوار‪ .‬ويجري تسميتها بـ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ن» على لسان المعتـّزين منهم‬
‫«ل ُ َ‬
‫غ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ة بالشعب العربي‪.‬‬
‫ص ِ‬
‫بالسلم تناسًيا لصلتها الخا ّ‬
‫ن‬
‫ة غريب ٌ‬
‫فقد أسفر عن هذا الشعور نتيج ٌ‬
‫ة وهي أ ّ‬
‫دسون‬
‫ي يق ّ‬
‫أكثر المقّرين منهم بالنتماء السلم ّ‬
‫الّلغة العربّية فل يرون من السهل مزاول ََتها‪ ،‬أو‬
‫ن!‬
‫من المور الجائزة لغير رجال ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫لهذا‪ ،‬قام بعض الجهلة منهم المنتحلين ِ‬
‫س َ‬
‫ن واختلقوا‬
‫العلم‪ ،‬فتص ّ‬
‫دوا للعبث بمسائل الدّي ِ‬
‫ة‪ ،‬لجهل‬
‫أنوا ً‬
‫ع‪ .‬فانتشرت بسهول ٍ‬
‫عا من الب ِدَ ِ‬
‫المجتمع بلغة القرآن‪ .‬لّنه لم ينتبه كثير من‬
‫ت‬
‫الناس‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫ن هذه المور المستحدثة ل تم ّ‬
‫ة إلى السلم‪ ،‬أو أنها مستورثة من‬
‫بصل ٍ‬
‫الشامانية والبرهمية والمزدكية والمانوية‬
‫وغيرها من أديانهم السابقة فزادت هذه‬
‫س إقبال ً عليها‬
‫الخزعبل ُ‬
‫ت انتشاًرا‪ ،‬وازداد النا ُ‬

‫‪26‬‬

‫ض الصوفّية‪ .‬فوجدوا فيها‬
‫إلى أ ْ‬
‫ن استغّلها بع ُ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫ذا ِ‬
‫ه َ‬
‫قو َ‬
‫ضالتهم‪ ،‬ورتبوا على أساسها طََرائ ِ َ‬
‫شّتى مثل‪ :‬البكتاشّية‪ ،‬والبنجرّية‪ ،‬والبيرمّية‪،‬‬
‫والحروفّية‪ ،‬والخفيفّية‪ ،‬والخلوتّية‪ ،‬والجراحّية‪ ،‬و‬
‫ال ْگ ُْلـ َ‬
‫عا من صنع‬
‫ما هي جمي ً‬
‫شن ِّية‪ ،‬والروشنّية‪ ،‬م ّ‬
‫التراك كما يبدو من أسماِئها التركّية‪ ،‬إلى جانب‬
‫ت من جملتها‬
‫سستها أعجام الفرس فجاء ْ‬
‫ما أ ّ‬
‫الطريقة النقشبندّية‪.‬‬
‫ق الصوفّية‪،‬‬
‫* السبب الخامس في ظهور الطُر ِ‬
‫ت في‬
‫ومنها النقشبندّية‪ :‬هي الفتن اّلتي حدث ْ‬
‫ت‬
‫ت على النفوس حّتى نشأ ْ‬
‫عصر الصحابة وأّثر ْ‬
‫ة‬
‫ب باطني ّ ٌ‬
‫من جّرائها بعد القرون ِ‬
‫فَرقٌ وأحزا ٌ‬
‫ة عديدةٌ ك ّ‬
‫ب بما لديهم‬
‫ب غالي ٌ‬
‫ومذاه ُ‬
‫ل حز ٍ‬
‫فرحون‪.‬‬
‫الفتنة الولى والكبرى في تاريخ المسلمين‬
‫ك هي مقتل الخليفة الراشد عثمان بن‬
‫لش ّ َ‬
‫ع ّ‬
‫فان رضي الله عنه‪ .‬ثم تليها الحروب اّلتي‬
‫ي بن أبي طالب رضي الله عنه‬
‫جرت بين عل ّ‬
‫ي‬
‫وبين ومعاوية بن أبي سفيان؛ ثم اغتيال عل ّ‬
‫بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين رضوان‬
‫الله عليهم أجمعين‪.‬‬
‫ف‬
‫دخل الشقاق بدواعي هذه الفتن صفو َ‬
‫المسلمين وهم من الطبقة الولى من أمّة‬
‫السلم‪ .‬بيد أّنهم لم يختلفوا يومئذ إل في‬
‫المسائل السياسّية والجتهادّية بالستناد إلى‬
‫الكتاب والسـّنة‪ ،‬تجمعهم العقيدة الحنيفة إذ‬
‫ق‬
‫ذاك‪ ،‬مهما تفّرقت كلمتهم؛ فانقسموا إلى ِ‬
‫فَر ٍ‬
‫هاد اّلذين توّرعوا‬
‫ث‪ :‬الشيعة‪ ،‬والخوارج‪ ،‬والز ّ‬
‫ثل ٍ‬
‫ح الله وعكفوا على‬
‫وصبروا‪ ،‬واستأنسوا ب َِر ْ‬
‫و ِ‬
‫ما وقع فيه غيرهم من الطمع‬
‫العبادة هربا ً م ّ‬
‫والفتتان بحطام هذه الدنيا ومل ّ‬
‫ذاتها ومناصبها؛‬
‫قّر ويعترف بهذه الحقيقة أحد أعلم‬
‫كما ي ُ ِ‬

‫‪27‬‬

‫الصوفّية في عصرنا السيد محمود أبو الفيض‬
‫ما سبب شيوع التصوف‬
‫المنوفي إذ يقول‪« :‬وأ ّ‬
‫ما حصل الخلف على‬
‫في السلمّية‪ ،‬فهو أّنه ل ّ‬
‫ة‪ ،‬ثم الخلف‬
‫الخلفة‬
‫ي ومعاوي َ‬
‫والنـزاع بين عل ّ‬
‫ُ‬
‫ة وبين العباسّيين؛ قد صارت الخلفة‬
‫مي ّ َ‬
‫بين بني أ َ‬
‫مل ً‬
‫ضا وسلطاًنا يتنافس عليه أهل‬
‫كا عضو ً‬
‫دنيا ومتاعها الزائل‪،‬‬
‫النفوس الضعيفة المحّبة لل ّ‬
‫تر ّ‬
‫ع البقّية المخلصة الباقية من الصحابة‬
‫ف َ‬
‫والتابعين عن إيثار ما يفنى على ما يبقى‪،‬‬
‫ورجعوا إلى أنفسهم عاكفين على مدارسة‬
‫‪19‬‬
‫الكتاب الكريم‪».‬‬
‫وإذا كان لموقف ك ّ‬
‫ة من هذه الفرق‬
‫ل قرف ٍ‬
‫من جاء‬
‫ت غالي ٌ‬
‫الثل ِ‬
‫ث شأ ٌ‬
‫ن انطلقت منه فئا ٌ‬
‫ةم ّ‬
‫ةك ّ‬
‫ر قد تشّبهوا‬
‫ن صوفي َ‬
‫بعدها فإ ّ‬
‫ل عص ٍ‬
‫بالزاهدين السابقين من أمثال‪ :‬أبي عبد الله‬
‫‪20‬‬
‫ي ؛‬
‫سفيان بن سعيد بن مسروق الثور ّ‬
‫ي الكوف ّ‬
‫ي‬
‫وعبد الله ابن المبارك المروز ّ‬
‫ي وهو ترك ّ‬
‫الصل‪21‬؛ والفضيل ابن عياض بن مسعود‬
‫ي‪22‬؛وأبي محفوظ معروف بن‬
‫ي اليربوع ّ‬
‫التميم ّ‬
‫ي‪23‬؛ وأبي نصر بشر بن الحارث بن‬
‫فيروز الكرخ ّ‬
‫‪24‬‬
‫ي ؛ وأبي‬
‫ي بن عبد الرحمن المروز ّ‬
‫ي الحاف ّ‬
‫عل ّ‬
‫‪25‬‬
‫ي ابن المغّلس الس َ‬
‫ي ؛ وأبي‬
‫الحسن َ‬
‫ر ّ‬
‫قط ّ‬
‫س ِ‬
‫مد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى‬
‫مح ّ‬
‫‪19‬‬

‫السيد محمود أبو الفيض المنوفي‪ ،‬معالم الطريق إلى الله ص‪ .49 /‬دار نهضة مصر للطبع و النشر‪ .‬القاهرة‬

‫‪1969 -‬م‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/271‬‬

‫‪22‬‬

‫راجع ترجمته في العلم‪ ،‬خير الدين زركلي ‪ .5/153‬دار العلم للمليين الطبعة ‪ .11‬بيروت ‪1995 -‬م‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫المصدر السابق ‪.7/269‬‬

‫‪24‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/54‬‬

‫‪25‬‬

‫راجع ترجمته في وفيات العيان‪ ،‬لبن خّلكان‪ ،‬تحقيق الدكتور حسان عباس ‪ .2/357‬دار الصادر‪ .‬بيروت ‪-‬‬

‫‪1978‬م‪.‬‬

‫‪1/771‬‬

‫‪28‬‬

‫ي‪ّ26‬؛ ومن كان على نهجهم من الورع‬
‫الت ْ‬
‫ر ّ‬
‫ست َ ِ‬
‫والتقوى رحمة الله عليهم أجمعين‪.‬‬
‫ب هؤلء الصالحين‬
‫أنتحل صوفية العراق مذه َ‬
‫بعدهم في القرن الثاني من الهجرة‪ .‬وصوفيةُ‬
‫ة من العنصر‬
‫ل مجوسي ّ ٍ‬
‫ق جّلهم من أصو ٍ‬
‫العرا ِ‬
‫ة لهم في حقيقة المر‬
‫ي‪ ،‬ل صل َ‬
‫الفارس ّ‬
‫بالزاهدين المذكورين ساب ً‬
‫قا‪ ،‬وإّنما انتحلوا‬
‫أسلوبهم في العراض عن الدنيا بظاهرهم وهم‬
‫ضا خطيرةً في باطنهم‪ .‬دفعتهم‬
‫ن أغرا ً‬
‫يت َب َّنو َ‬
‫س‬
‫النـزعة الشعوبّية إلى هدم ال ّ‬
‫ن الحنيف بد ّ‬
‫دي ِ‬
‫سموم الشرك في العقيدة السلمّية‪ ،‬ولكن‬
‫ب أكثر خبًثا ومكًرا ودهاءً وهو السلوب‬
‫بأسلو ٍ‬
‫ي بخلف ما كان عليه الزنادقة من‬
‫الصوف ّ‬
‫الشعراء والدباء ذوي الصول الفارسّية بإيقاع‬
‫الفتنة بين المسلمين وتشكيكهم‪ ،‬عن طريق‬
‫ة ظاهرة المعالم‪ .‬كعبد الله ابن‬
‫ت فلسفي ٍ‬
‫تصورا ٍ‬
‫‪27‬‬
‫المق ّ‬
‫مر بن المثّنى‪28‬؛وأّبان‬
‫فع ؛ وأبي عبيدة مع ّ‬
‫‪29‬‬
‫بن عبد الحميد بن لحق بن عفير الر ّ‬
‫قاشي ؛‬
‫ول بن‬
‫واس الحسن بن هناء بن عبد ال ّ‬
‫وأبي ن ّ‬
‫هَية إسماعيل بن قاسم بن‬
‫عَتا ِ‬
‫صباح‪30‬؛ وأبي ال َ‬
‫سويد بن كيسان‪ .31‬كان هولء الشعوبيون‬
‫وراتهم بخلف الصوفّية‪.‬‬
‫مجاهرين بأفكارهم وتص ّ‬
‫ة اّلتي كانت أعماُلهم‬
‫ن السّري ّ َ‬
‫ما الصوفي ّ ُ‬
‫ة‪ ،‬فإ ّ‬
‫أ ّ‬
‫يش ّ‬
‫ك‬
‫تتوارى بقنا ِ‬
‫ن من أ ّ‬
‫عها‪ ،‬تجعُلهم في أما ٍ‬
‫قد يثوُر حوَلهم؛ بل غالب الناس كانوا‬
‫يع ّ‬
‫دونهم من أصحاب الفضائل‬
‫ظمونهم ويع ّ‬
‫والكرامات لما يرون من إعراضهم عن زينة‬
‫‪26‬‬

‫المصدر السابق ‪.2/429‬‬

‫‪27‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/901‬‬

‫‪29‬‬

‫المصدر السابق ‪.1/7‬‬

‫‪30‬‬

‫المصدر السابق ‪.1/596‬‬

‫‪31‬‬

‫المصدر السابق ‪.1/374‬‬

‫‪2/31‬‬

‫‪29‬‬

‫ه كانت‬
‫ن كراهي َ‬
‫عم ِ الل ِ‬
‫الحياة الدنيا وطّيباتها‪ .‬ل ّ‬
‫ة نِ َ‬
‫هي القسطاس اّلذي ي ُ َ‬
‫س به مستوى‬
‫قي ّ ُ‬
‫م النا ُ‬
‫ي يومئذِ‪..‬‬
‫الفضيلة والسم ّ‬
‫ي والخلق ّ‬
‫و الروح ّ‬
‫ة العراق منذ بداية ظهورهم‬
‫هكذا استطاع صوفيّ ُ‬
‫ن ينجحوا في تشويه الوجه المشرق للسلم‬
‫أ ْ‬
‫ساس‪ ،‬على حين غفلة من‬
‫بهذا السلوب الد ّ‬
‫ن يومئذ من‬
‫المسلمين اّلذين هجمت عليهم الفت ُ‬
‫ك ّ‬
‫ط من الفوضى‬
‫ل حدب وصوب وهم في وس ٍ‬
‫ب على‬
‫حَياك َ ُ‬
‫من أمرهم‪ .‬فاستمّرت ِ‬
‫وال ْك َ ِ‬
‫ة الدّ َ‬
‫ذ ِ‬
‫ل َ‬
‫ج ِ‬
‫د وهم برآء من‬
‫لسان السابقين من أهل الّز ْ‬
‫ه ِ‬
‫الصوفّية وضللتهم‪ ،‬حّتى أسلم التراك‪.‬‬
‫ح ْ‬
‫ة بينهم من أهل‬
‫فما لَب ِ َ‬
‫وي ّ ٌ‬
‫ت جماع ٌ‬
‫ثأ ْ‬
‫ة َ‬
‫ن ب ََرَز ْ‬
‫ش ِ‬
‫ر»‪ .‬فزادوا على هذه‬
‫وَرا ِ‬
‫ُ‬
‫سا َ‬
‫ء الن ّ ْ‬
‫خَرا َ‬
‫ن وبلد « َ‬
‫ما َ‬
‫ه ِ‬
‫ور‬
‫جه السما ُ‬
‫جل ِّيا ِ‬
‫ت ما تم ّ‬
‫الكاذيب والدّ َ‬
‫ع‪ .‬ثم تط ّ‬
‫ن من فنون التحريف والتبديل والتضليل‪،‬‬
‫منها ف ّ‬
‫وهو ما يسمى بمناقب الولياء‪.‬‬
‫ة‬
‫في ّ ُ‬
‫صو ِ‬
‫و َ‬
‫م ِ‬
‫ة من المور اله ّ‬
‫ض َ‬
‫دا َ‬
‫ع ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫وأخطر مَا َ‬
‫ة» اّلتي اختلقها‬
‫ن الحنيف‪ :‬بدع ُ‬
‫سل َ ِ‬
‫سل ْ ِ‬
‫لل ّ‬
‫ة «ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫بعضهم في عصور الظلم‪ ،‬وربما ليجعل منها‬
‫ب والنتماءَ إلى الصحابة‬
‫صل ً‬
‫دعي بها النتسا َ‬
‫ةي ّ‬
‫والتابعين ليستغ ّ‬
‫ج‬
‫ل بها ضمائر الناس وليتدّر َ‬
‫بمساعدتهم إلى تحقيق ما هو من ورائه‪.‬‬
‫فسيأتي َ‬
‫ضا‬
‫ن شاء الله تعالى‪ .‬وهي أي ً‬
‫ها إ ْ‬
‫شْر ُ‬
‫ح َ‬
‫ع َزَناِد َ‬
‫ة‬
‫في ّ ُ‬
‫صو ِ‬
‫ق ِ‬
‫ِ‬
‫ع َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م‪ .‬اغتّر بهم ال ّ‬
‫ن ُ‬
‫ج ِ‬
‫صن ْ ِ‬
‫م‪.‬‬
‫والمشعوذون من قدماء التراك ل ِ َ‬
‫ج ْ‬
‫ه ْ‬
‫هل ِ ِ‬
‫* السبب السادس في ظهور الطريقة‬
‫ة المتخ ّ‬
‫ة‬
‫في َ ُ‬
‫عي النفسي ّ ُ‬
‫دوا ِ‬
‫النقشبندّية‪ :‬هي ال ّ‬
‫ي اّلذي طالما‬
‫للتراك من وراء الصراع التاريخ ّ‬
‫يجري بينهم وبين العرب على احتكار السلم‬
‫واستغلله في كسب المصالح السياسّية‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫ن‬
‫م مّيزات التراك‪ ،‬أّنهم ل ي ُذْ ِ‬
‫عُنو َ‬
‫إ ّ‬
‫ن من أه ّ‬
‫ن ليس من قومهم‪ .‬ول ينقادون إلى‬
‫م ْ‬
‫لسيادة َ‬
‫وا على الن ِ َ‬
‫ة‬
‫ف ِ‬
‫ي‪ .‬وكأّنهم قد ُ‬
‫جِبل ُ‬
‫رئاسة أجنب ّ‬
‫ب الرياسة والسياسة‪ .‬قد يختلفون‬
‫والحمي ّ ِ‬
‫ح ّ‬
‫و ُ‬
‫ة َ‬
‫فيما بينهم أشدّ الختلف‪ .‬ولكن سرعان ما‬
‫يلت ّ‬
‫ي من بينهم‪ ،‬وينهضون‬
‫فون حول الرجل القو ّ‬
‫و نهوض الرجل الواحد‪.‬‬
‫بأمره في وجه العد ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫قّر منهم بالنتما ِ‬
‫م ِ‬
‫والغريب‪ ،‬أ ّ‬
‫ن ال ُ‬
‫ء السلم ّ‬
‫ينتصر للكافر والفاسق من بني جلدته في وجه‬
‫ي من غير قومه أو من غير حزبه‪.‬‬
‫المؤمن التق ّ‬
‫ت‬
‫يبرهن على هذه الحقيق ِ‬
‫ه الحكوما ُ‬
‫ة ما أخذت ْ ُ‬
‫معتـّزين‬
‫التركّية من ال ُ ْ‬
‫هب َ ِ‬
‫ة في سياستها ضدّ ال ُ‬
‫بالسلم في الداخل والخارج وباستمرار‪ .‬ومن‬
‫مها بمساعدة‬
‫س هذه السياس ِ‬
‫ة‪ ،‬قيا ُ‬
‫آخر عكو ِ‬
‫المنش ّ‬
‫قين من العناضر ذات الصول التركّية في‬
‫‪32‬‬
‫ة )طالبان( السلمّية عام‬
‫أفغانستان ضدّ حكوم ِ‬
‫ة التركّية لم تقم بدعم التراك‬
‫ن الحكوم َ‬
‫‪2001‬م‪ .‬إ ّ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫جّرِد ماكانت حكوم ُ‬
‫م َ‬
‫الزبك في أفغانستان ل ِ ُ‬
‫ف في‬
‫ف والتطّر َ‬
‫س َ‬
‫)طالبان( تمارس التع ّ‬
‫ل من ُ َ َ‬
‫ق العصبّية‬
‫سياستها‪ ،‬بل كان ردّ فع ٍ‬
‫منطل ِ‬
‫ة ضدّ خصومهم‬
‫التركّية انتصاًرا للتراك الفاغن ِ‬
‫البشتون‪.‬‬
‫هذه الخصلة جعلتهم ينافسون العرب في‬
‫السياسة والسيادة‪ ،‬ويصارعونهم على السلطة‬
‫ن التراك‬
‫في الوهلة الولى من إسلمهم‪ .‬غير أ ّ‬
‫ع َ‬
‫قب ََتين في وجه‬
‫ما أمام َ‬
‫قد وجدوا أنفسهم دائ ً‬
‫العرب‪.‬‬
‫ن العربّية‬
‫العقبة الولى‪ :‬هي الّلغة العربّية‪ .‬ل ّ‬
‫عت َن َ َ‬
‫ت‬
‫غلبت على جميع لغات الشعوب اّلتي ا ْ‬
‫ق ِ‬
‫م بحكم كونها لغة القرآن والعلم‬
‫السل َ‬
‫والحضارة‪ .‬فلم يستقم اعوجاج الّلغة التركّية‬
‫ُ‬
‫ة الجامعات السلمّية ذوات الطابع‬
‫ها جماع ٌ‬
‫ة من طلب ِ‬
‫ة الفغاني ِ‬
‫ق على الحكوم ِ‬
‫ة اّلتي شك ّل َت ْ َ‬
‫م أطل ِ َ‬
‫‪ 32‬طالبان‪ :‬إس ٌ‬
‫ن‪.‬‬
‫د ْ‬
‫عم ٍ من الو ّ‬
‫القديم والمتخّلف في باكستان‪ ،‬وذلك ب ِ َ‬
‫هابّيي َ‬

‫‪31‬‬

‫تحت هذه الغلبة على امتداد تاريخ التراك‬
‫ن‬
‫ما زادت الّلغ ُ‬
‫ص ً‬
‫ة الفارسّية ِ‬
‫م ْ‬
‫ةل ّ‬
‫المسلمين وخا ّ‬
‫ها آَثاَر‬
‫ت ِ‬
‫حي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ها على الّلغة التركّية وَزا َ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫العربّية‪َ ،‬‬
‫ت‬
‫ت التركّية أ َ‬
‫قدَ ِ‬
‫ها حّتى اختنق ْ‬
‫مي ّت َ َ‬
‫ه ّ‬
‫ت‪ ،‬بل إلى لغات مختلفة‪.‬‬
‫ت إلى لهجا ٍ‬
‫وتفرق ْ‬
‫م‬
‫ويشهد اليوم على هذه الحقيقة استخدا ُ‬
‫الترجمة في الحوار بين رؤساء بعض الدول‬
‫التركّية في الملتقيات والجتماعات الدولية‪ .‬مثل‬
‫تركيا وكازاخستان‪ .‬كما ل تّتفق أبجدّيات هذه‬
‫الدول بخلف العرب‪ .‬فإّنهم بالرغم من شتات‬
‫شملهم والشقاق اّلذي بينهم على الصعيد‬
‫ة‬
‫ي‪ ،‬ما زالوا يتكّلمون بلغ ٍ‬
‫ي والدول ّ‬
‫السياس ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة واحد ً‬
‫ة‪ ،‬ويستخدمون أبجدي ّ ً‬
‫واحد ٍ‬
‫ن هذه‬
‫وإذ نعود إلى موضوع النقشبندّية‪ ،‬فإ ّ‬
‫سسها التراك قبل سبعة قرون قي‬
‫الطريقة أ ّ‬
‫خاَرى‪ ،‬وهي عاصمة وطنهم القديم‪ .‬ول‬
‫مدينة ب ُ َ‬
‫ش ّ‬
‫ة أخرى للسلم‪،‬‬
‫سسوها لتكون نسخ ً‬
‫ك أّنهم أ ّ‬
‫ليتمّيزوا بها عن العرب والفرس في عبادة الله‪.‬‬
‫فاّتخذوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه رمًزا‬
‫ض‬
‫لطريقتهم‪ ،‬كي ُيلمحوا بذلك أّنهم على نقي ٍ‬
‫ة‬
‫للفرس الشيعة‪ ،‬كما اّتخذوا الّلغة الفارسّية ك َل ُ َ‬
‫غ ِ‬
‫م ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫ق لِ َ‬
‫ر لُ َ‬
‫العبادة في هذ ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫ق ِ‬
‫م وعدم ِ‬
‫غت ِ ِ‬
‫خت َل ِ‬
‫دي ِ‬
‫ست ِ ْ‬
‫جاءَ به‬
‫صا ِ‬
‫م ِ‬
‫ها بالكفاءَ ِ‬
‫ما َ‬
‫ةل ْ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫ز َ‬
‫ات ّ َ‬
‫قَبا ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫مي ّ ٍ‬
‫عال َ ِ‬
‫فا ِ‬
‫ن ِ‬
‫القرآ ُ‬
‫ة‪ .‬ووضعوا لهذا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫هي َ‬
‫ن َ‬
‫دي ِ‬
‫آدابا ً ومباد َ‬
‫ما عن أركان العبادة‬
‫ئ تختلف تما ً‬
‫هة‬
‫والدعاء في السلم‪ ،‬ب ُ ْ‬
‫غي َ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫و ْ‬
‫ج َ‬
‫ن يستقّلوا ب ُ‬
‫نظرهم إلى السلم بخلف ما يفهمه العرب‪.‬‬
‫أما العقبة الثانية‪ :‬اّلتي يعانيها التراك هو‬
‫يل‬
‫ن َ‬
‫عال َ ِ‬
‫ن‪ .‬ومع أ ّ‬
‫ن السل َ‬
‫م ِدي ٌ‬
‫م ّ‬
‫مفهوم الديّ ِ‬
‫ّ‬
‫جُروا به أو‬
‫يجوز أ ْ‬
‫ص أو قو ٌ‬
‫ن يستغل ُ‬
‫ه شخ ٌ‬
‫م ل ِي َُتا ِ‬
‫ه‬
‫ة‪ ،‬كما لم يفك ّْر ب ِ ِ‬
‫ص ٍ‬
‫ل ِي ُطَب ّ ُ‬
‫ل خا ّ‬
‫عوهُ في أشكا ٍ‬
‫ب‪ - ،‬ولم يتم ّ‬
‫ن‬
‫كنوا من ذلك لو أرادوا أ ْ‬
‫عَر ُ‬
‫ال ْ َ‬

‫‪32‬‬

‫يحصروه في نطاق قومّيتهم ‪ -‬إل ّ أّنهم كانوا ول‬
‫ما لمعاني القرآن‪ ،‬ول َ‬
‫يزالون أكثَر َ‬
‫و أّنه‬
‫ف ْ‬
‫ه ً‬
‫غْر َ‬
‫ت‬
‫ما التراك وت ُّبا ُ‬
‫م من أقلّيا ٍ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫نزل بلغتهم‪ .‬أ ّ‬
‫ة فإّنهم ل يفهمونه إل عن طريق الترجمة‬
‫عجمي ٍ‬
‫الكتابّية أو بالستماع إلى علمائهم‪ .‬ول ش ّ‬
‫ك أن‬
‫ما على أحاسيسهم‪،‬‬
‫لِ َ‬
‫ن العقبتين تأثيًرا عظي ً‬
‫هات َي ْ ِ‬
‫ن يكون‬
‫عدُ أ ْ‬
‫م‪ .‬ول ُيست َب ْ َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وإن لم يجهر به عا ّ‬
‫م بدافع هذين المرين‬
‫في باطنهم ما قد ي ُِثيُر ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫ة قوي ّ ٍ‬
‫حّتى يتخّلصوا من تأثير العرب بلغ ٍ‬
‫ة وِدي ٍ‬
‫ست َ َ‬
‫ق ّ‬
‫ف‬
‫ن مختل ٍ‬
‫م ْ‬
‫ل دونما ارتداٍد عن السلم‪ ،‬ولك ْ‬
‫ُ‬
‫عن إسلم العرب!‬
‫ة لَ‬
‫ة بصور ٍ‬
‫ن على هذه الحقيق ِ‬
‫لقد قام البرها ُ‬
‫ل ُيع ّ‬
‫ش ّ‬
‫ل لل ّ‬
‫مجا َ‬
‫ظمه‬
‫ك فيها‪ ،‬وذلك باعتراف َر ُ‬
‫ج ٍ‬
‫س في تركيا اسمه فتح الله جولن‪،‬‬
‫مليي ُ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن»‬
‫ل له ن ُ ِ‬
‫شَر في صحيفة «الّز َ‬
‫ما ِ‬
‫أدلى في مقا ٍ‬
‫عَر َ‬
‫ت الدّن َْيا‬
‫ف الواحد‪َ :‬‬
‫جاءَ ِ‬
‫ف ِ‬
‫في ِ‬
‫ه بالحر ِ‬
‫التركّية‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫فَلم ي َ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ي ال ْب َ َ‬
‫عا‬
‫ري ّ ُ‬
‫ق َ‬
‫ع َ‬
‫ب وال ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫سل َ َ‬
‫ة(‪« :‬إ ْ‬
‫)أ ْ‬
‫عَر ِ‬
‫ش ِ‬
‫ج ِ‬
‫عَلى‬
‫ف َ‬
‫ع ال ِ ْ‬
‫عّر ُ‬
‫و ِ‬
‫ب ِ‬
‫ست َت َ َ‬
‫ع َ‬
‫ق َ‬
‫ها َ‬
‫ول َك ِن ّ َ‬
‫من ْ َ‬
‫َ‬
‫جا ِ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫‪33‬‬
‫َ‬
‫ها»‪.‬‬
‫و َ‬
‫ف يُ ْ‬
‫سل َم ِ الت َْرا ِ‬
‫جب ُ َ‬
‫و َ‬
‫إ ْ‬
‫ع ِ‬
‫س ْ‬
‫ك َ‬
‫لش ّ‬
‫ن التراك ) ونعني بهم بقايا‬
‫ك أي ً‬
‫ضا أ ّ‬
‫العثمانّيين من أصحاب السيادة في تركيا اليوم(‬
‫قد عملوا الكثيَر لتحرير لغتهم من قيود العربّية‬
‫والفارسّية‪ ،‬ولكن لم يتم ّ‬
‫كنوا من ذلك‪ .‬كما لم‬
‫يتم ّ‬
‫ن‬
‫كنوا من توفير أسباب الستقرار لها‪ .‬فا ّ‬
‫ق الصوفّية هي في الواقع من نتائج‬
‫ظهوَر الطُّر ِ‬
‫من ْطَل َ َ‬
‫س‬
‫قا ِ‬
‫هذه ال ُ‬
‫ت العصبّية والعرقّية‪ ،‬وانعكا ٌ‬
‫صة الطريقة‬
‫ة وعنصري ّ ٍ‬
‫ض قومي ّ ٍ‬
‫ة‪ .‬خا ّ‬
‫لغرا ٍ‬
‫ن في ثنايا آدابها ومعاملة أتباعها‬
‫النقشبندّية‪ ،‬فإ ّ‬
‫ة‬
‫ئ عن حقيق ِ‬
‫م ت ُْنب ُ‬
‫وانتمائهم أمارا ٍ‬
‫م َ‬
‫عال ِ َ‬
‫تو َ‬
‫ي للترجمة أعله‪:‬‬
‫‪ 33‬الن ّ‬
‫ص الّترك ِ ّ‬

‫‪Dünya şimdiye dek Arap ve Acem Müslümanlığını tanıdı ve sevmedi. Artık Türk‬‬

‫‪.Müslümanlığını tanıyacak ve sevecek‬‬
‫م ْ‬
‫ل للكاتب‬
‫ُ‬
‫قت َب َ ٌ‬
‫س من صحيفة «الّزمان» التركّية الصادرة بتاريخ‪/07 :‬يناير‪ ،2005/‬الجمعة‪ ،‬الصفحة‪17 :‬؛ ضمن مقا ٍ‬
‫حسين ُ‬
‫جا‬
‫كول َْر َ‬

‫‪33‬‬

‫من ْطَل َ َ‬
‫ها العصبّية‬
‫ت هذه الطائفة وأغرا ِ‬
‫قا ِ‬
‫ض َ‬
‫ة على أهل البصيرة‪.‬‬
‫ر خافي ٍ‬
‫ر غي ِ‬
‫القومّية في صو ٍ‬
‫د‬
‫ولربما هي من أقدم أسبابها؛ وفي ذلك شواه ُ‬
‫ة‪ ،‬حسبنا الستدلل بواحد منها‪:‬‬
‫عديد ٌ‬
‫‪34‬‬

‫ي‬
‫مد بن مح ّ‬
‫نقل عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫بطريق الرواية عمن ُتنسب إليه الطريقة‬
‫‪35‬‬
‫ي ‪.‬‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫النقشبندّية وهو مح ّ‬
‫دس‬
‫ت ليل ً‬
‫م آتا ق ّ‬
‫ة فرأي ُ‬
‫َنقل أّنه قال‪« :‬نم ُ‬
‫ت الحكي َ‬
‫ك وهو يوصي‬
‫سره‪ .‬وكان من أكابر مشائخ الت ّْر ِ‬
‫بي دروي ً‬
‫ش‬
‫ت بَ ِ‬
‫قي َ ْ‬
‫ما انتبه ُ‬
‫شا‪ .‬فل ّ‬
‫ت صورةُ الدروي ِ‬
‫ت‬
‫في مخي َّلتي‪ .‬وكانت لي جدةٌ صالح ٌ‬
‫ة فقصص ُ‬
‫ت‪ :‬سيكون لك يا ولدي‬
‫عليها هذه الرؤيا‪ ،‬فقال ْ‬
‫‪36‬‬
‫ب»‬
‫ك نصي ٌ‬
‫من مشائخ الت ّْر ِ‬
‫ت‬
‫ّ‬
‫عب ُّر عن حقيق ِ‬
‫إن هذه الكلمات‪ ،‬ت ُ َ‬
‫ة ما قد تبن ّ ْ‬
‫ة‬
‫ة التركّية َ‬
‫هذه الطريق ُ‬
‫عب َْر تاريخها بصور ٍ‬
‫ة‪ ،‬وقد تح ّ‬
‫ع‬
‫مل ّ‬
‫خص ٍ‬
‫قق ذلك‪ .‬وهو أن المجتم َ‬
‫ه في السلم منذ‬
‫ي قد حدّدَ وجه َ‬
‫ة نظر ِ‬
‫الترك ّ‬
‫ل في تعاليم‬
‫القديم بتفسيره الباطني المتمث ّ ِ‬
‫ي على وجه الخصوص‬
‫هذا المذهب الصوف ّ‬
‫ه منهم‪،‬‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ه الل ُ‬
‫م ُ‬
‫ص َ‬
‫ي )إل ّ َ‬
‫ع َ‬
‫وبموقفه العصب ّ‬
‫ما هم!(‪.‬‬
‫وقليل ّ‬
‫***‬

‫َ‬
‫ه‬
‫* الت ّ َ‬
‫ت َ‬
‫عَلى َ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ت ال ِّتي طََرأ ْ‬
‫غي َّرا ُ‬
‫ري َ‬
‫ة‬
‫ق ِ‬
‫الطّ ِ‬
‫ن تكون الطريقة النقشبندّية قد‬
‫عدُ أ ْ‬
‫إّنه ُيست َب ْ َ‬
‫مد بهاء الدين‬
‫اشتهرت بهذا السم في حياة مح ّ‬
‫‪34‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪.2/310 :‬‬

‫‪35‬‬

‫راجع ترجمته في الفصل الرابع‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أج ّ‬
‫لء النقشبندّية ص‪ .129 /‬القاهرة ‪-‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪ 1308‬هـ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫ق‬
‫الب ُ َ‬
‫ب إليه الطريق ُ‬
‫ن الطر َ‬
‫ة‪ .‬ل ّ‬
‫س ُ‬
‫ي اّلذي ت ُن ْ َ‬
‫خار ّ‬
‫سسيها بعد‬
‫الصوفي ّ َ‬
‫ة إنما ُتدعى بأسماء مؤ ّ‬
‫ة‪ .‬وهذا ُيعت َب َُر من جملة الشارات‬
‫موتهم عاد ً‬
‫ة طرأت على‬
‫ت عديد ٍ‬
‫اّلتي ُتنبئ عن تغّيرا ٍ‬
‫الطريقة النقشبندّية‪ ،‬وتد ّ‬
‫ل في الوقت ذاته على‬
‫ة‪ ،‬ل‬
‫ص ً‬
‫م ً‬
‫ن الطرقَ الصوفي ّ َ‬
‫أ ّ‬
‫ة عا ّ‬
‫ة والنقشبندّية خا ّ‬
‫ص من‬
‫تقوم آداُبها وأركاُنها وطقو ُ‬
‫سها على نصو ٍ‬
‫ل ومباد ُ‬
‫ن كانت لها أصو ٌ‬
‫ئ‪،‬‬
‫وإ ْ‬
‫الكتاب والسّنة‪ .‬بل َ‬
‫ع‬
‫فإّنها في الحقيقة ليست إل ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ُ‬
‫صن ْ ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ها على‬
‫ضو َ‬
‫ر ُ‬
‫ن اّلذين استطاعوا أ ْ‬
‫الّرو َ‬
‫حان ِّيي َ‬
‫ف ِ‬
‫أتباعهم بحكم شهرتهم‪ .‬ثم اقتنع بها المريدون‬
‫ن حولهم فاّتخذوها مناس َ‬
‫ك لهم‪،‬‬
‫والمفتتنون ِ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫ع الناس أّنها‬
‫ن َر َ‬
‫ن معشٌر ِ‬
‫م ْ‬
‫وعملوا بها حّتى ظ ّ‬
‫عا ِ‬
‫ن‪.‬‬
‫ن من صميم ال ّ‬
‫ض أو سن ٌ‬
‫فرائ ُ‬
‫دي ِ‬
‫جا ٌ‬
‫ل‬
‫ثم لم يلبث أنْ توّلى رئاس َ‬
‫ر َ‬
‫ة الطريقة ِ‬
‫ه‬
‫روحانّيون آخرون‪ ،‬زادوا على ما اختلق ُ‬
‫ن من الداب والشروط‪ .‬فزادوا عليها‬
‫السابقو َ‬
‫ت لهم أنفسهم‬
‫تارة‪ ،‬وحذفوا منها تارة إذا زّين ْ‬
‫ذلك‪ .‬وهكذا جرت عادتهم من القديم إلى اليوم‪.‬‬
‫ج‬
‫فكان لهذه الداب أثٌر كبيٌر ِ‬
‫س ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫في نفو ِ‬
‫مل ْت َ ّ‬
‫حو َ‬
‫ت في‬
‫ن َ‬
‫ل شيوخ النقشبندّية بما اثار ْ‬
‫في َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫عواطفهم من ال ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ريق ِ‬
‫ش ْ‬
‫ق إلى هذه الطّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ودَ َ‬
‫د من‬
‫م إلى ب ّ‬
‫ث الدّ َ‬
‫ب مزي ٍ‬
‫عاي َ ِ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ة لَ َ‬
‫عت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫جْز ِ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن من‬
‫س إليها‪ .‬فكلما استفاد الّروحانّيو َ‬
‫الّنا ِ‬
‫ة وتح ّ‬
‫ققوا‬
‫حن ْك َ ً‬
‫حصيل ِ‬
‫ة ما ابتدعوه‪ ،‬ازدادوا بذلك ُ‬
‫من أّنهم كّلما أشغلوا العقو َ‬
‫ل بتكثيف الطقوس‬
‫و ُ‬
‫ة‬
‫والك َْثا‬
‫هَر ً‬
‫ة ومحب ّ ً‬
‫ب ازدادوا هيب ً‬
‫ر ِ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ن الدا ِ‬
‫ة َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫ة‬
‫ول َ َ‬
‫وذَ َ‬
‫ق ِ‬
‫ت ِ‬
‫م‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫م َ‬
‫هب َ ْ‬
‫صيت ُ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ه ْ‬
‫حا َ‬
‫ر الطّ ِ‬
‫وي ِ‬
‫ة ت َطْ ِ‬
‫هكذا َ‬
‫ها‬
‫َ‬
‫ت مجراها من فتر ٍ‬
‫غي َّر ْ‬
‫ست ْ َ‬
‫ة إلى أخرى‪ ،‬وك َ َ‬
‫ت بها إلى ما هي عليها‬
‫دا َ‬
‫سا جدي ً‬
‫حّتى وصل ْ‬
‫لبا ً‬
‫اليوم‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫وجدير بالشارة أّنه ل يتأّتى ذلك إل لمن يمتاز‬
‫بالمهارة والّلباقة في إقناع النفوس ويملك‬
‫زمام اللف فيتم ّ‬
‫كن من إلقاء هيبته ومحّبته في‬
‫قلوبهم‪ ،‬بحيث ل يجدون مسا ً‬
‫غا ليتساءلوا عن‬
‫حقيقة هذه المستحدثات والبدع؛ وهل لها‬
‫ن ِلبعض شيوخ‬
‫أساس من الدين أم ل؟ إذ أ ّ‬
‫الطريقة فنوًنا من الحيل يسحرون بها حّتى‬
‫عقول العلماء‪ ،‬فضل ً عن الجهلء؛ كما قد نجحوا‬
‫ي‪ 37‬بالرغم‬
‫في الستيلء على الشريف الجرجان ّ‬
‫وكذلك ابن عابدين‬
‫من باعه الطويل في العلوم‪َ ،‬‬
‫ن هذه الصفة ل تشمل‬
‫م(‪ ،‬إل ّ أ ّ‬
‫)فقيه بلد الشا ِ‬
‫ضا آخر منهم لم‬
‫ن بع ً‬
‫جميع شيوخ الصوفّية‪ .‬بل إ ّ‬
‫وروها لحظة‬
‫يعرفوا الخدعة في حياتهم ولم يتص ّ‬
‫ي‬
‫ ليس ذلك ل ِ َ‬‫ما فيهم من السمو الروح ّ‬
‫ة‪ ،‬والسلوك الرفيع‪ ،‬بل –‬
‫ق العالي ِ‬
‫والخل ِ‬
‫ي»‬
‫مونه «العش َ‬
‫لستغراقهم فيما يس ّ‬
‫ق الله ّ‬
‫ن رآهم من‬
‫م ْ‬
‫وربما هي حالة من الجنون‪ .‬لذلك َ‬
‫ن ذوي العاطفة‪ ،‬أعجب بهم‪ ،‬واغتّر‬
‫الجهلة‪ ،‬أو ِ‬
‫م ْ‬
‫بما هم فيه من الغياب والتق ّ‬
‫شف‪ ،‬والعزلة عن‬
‫ن‬
‫س‪ ،‬والشعوذة‪ ،‬وإهمال أمور الدنيا‪ .‬فظ ّ‬
‫النا ِ‬
‫صته‪،‬‬
‫جبون بهم أّنهم أولياء الله وخا ّ‬
‫المع ِ‬
‫ع ّ‬
‫فة والقناعة وعّزة النفس‪،‬‬
‫ووصفوهم بال ِ‬
‫فبالغوا في توقيرهم وتعظيمهم‪ ،‬حّتى أسندوا‬
‫إليهم ما لم يكن فيهم من الفضائل والبركة‬
‫والكرامة‪ .‬ك ّ‬
‫ل ذلك من جهل الناس بمفهوم‬
‫والت ّ ْ‬
‫ما في الحقيقة فليس لهما‬
‫الّز ْ‬
‫ه ِ‬
‫وى‪ .‬أ ّ‬
‫ق َ‬
‫د َ‬
‫صلة بالعزلة من الناس‪ ،‬وإهمال أمور الدنيا‪،‬‬
‫ت الجنون اّلتي يصفها العامة بالستغراق‬
‫وحال ِ‬
‫صة فان أكثر شيوخ الطريقة‬
‫ي‪ .‬خا ّ‬
‫والعشق الله ّ‬
‫النقشبندّية يّتصفون بالطبيعة الجامدة‪ ،‬والصمت‬
‫الطويل‪ ،‬والمسكنة والطأطأة‪ .‬تلك عادتهم‬
‫تسري فيهم عبر الجيال خل ً‬
‫ن‬
‫فا عن سلف‪ .‬ل ّ‬
‫صته‬
‫ن يختار لـه خليف ً‬
‫من أراد منهم أ ْ‬
‫ة من بين خا ّ‬
‫‪37‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪.2/515 :‬‬

‫‪36‬‬

‫ما من‬
‫آثر منهم المتمّيز بالصفات المذكورة‪ .‬أ ّ‬
‫كان على نقيض تلك الصفات فل ح ّ‬
‫ظ لـه من‬
‫هذه الفرصة غالًبا‪ .‬وهذا ما قد أفضى إلى‬
‫اغترار كثير من جهلة الناس بالمظاهر التقليدّية‬
‫ت‬
‫س ْ‬
‫للشيوخ النقشبندّية‪ .‬فهابوهم حّتى ال ْت َب َ َ‬
‫عليهم تلك الصورة الجامدة بالوقار والسكينة‪.‬‬
‫س عليهم الحق بالباطل لستسلمهم‬
‫كما َ ال ْت َب َ َ‬
‫ل ما َ‬
‫لهذا التأثير‪ ،‬واقتناعهم بك ّ‬
‫م من‬
‫قَر َ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫س ْ‬
‫م‪ .‬وهذا ما زاد في‬
‫هفوات الشيوخ و ُ‬
‫خَز ْ‬
‫ه ْ‬
‫عب َل َت ِ ِ‬
‫ن حّتى تصّرفوا في أمور‬
‫جرأة الّرو َ‬
‫حان ِّيي َ‬
‫طريقتهم بالذات‪ ،‬كما تصّرفوا في تعاليم‬
‫السلم بالتأويل والتحريف‪.‬‬
‫ومما يؤ ّ‬
‫ن الطريقة النقشبندّية تعّرضت‬
‫كد أ ّ‬
‫للعبث )– وكل ما فيها لون من ألوان العبث ‪،-‬‬
‫فزيدت فيها شعارات ومقولت وتفسيرات‬
‫ددت فيها هرطقات وبدع ومستحدثات مع‬
‫وتع ّ‬
‫ء‬
‫ة إلى أخرى بأسما ٍ‬
‫مت من ُبره ٍ‬
‫الزمان(؛ أنها تس ّ‬
‫ة كما يشهد على ذلك رج ٌ‬
‫ل من أكابر‬
‫مختلف ٍ‬
‫مد بن عبد الله‬
‫المتأ ّ‬
‫خرين لهذه الطريقة وهو مح ّ‬
‫ي‪ 38‬مؤّلف كتاب «البهجة السنّية في آداب‬
‫الخان ّ‬
‫ف بهذه‬
‫قّر المؤل ّ ُ‬
‫الطريقة النقشبندّية»‪ .‬ي ُ ِ‬
‫ب‬
‫الحقيقة مستدل ّ بعبارة نقلها من كتا ِ‬
‫«الحديقة الندّية في آداب الطريقة النقشبندّية»‬
‫مد بن سليمان بن مراد بن عبد‬
‫لمؤّلفه مح ّ‬
‫ي‪ 39‬جاء في مسته ّ‬
‫ل هذا‬
‫ي البغداد ّ‬
‫الرحمن العبيد ّ‬
‫ن ألقاب السلسلة تختلف‬
‫المقطع‪ « :‬اعلم أ ّ‬
‫‪40‬‬
‫باختلف القرون‪...‬إلخ» فبلغ ما ذكره المؤلفان‬
‫عب َْر القرون إلى‬
‫من هذه اللقاب اّلتي اختلفت َ‬
‫‪38‬‬

‫المصدر السابق ‪.3/460‬‬

‫‪39‬‬

‫المصدر السابق‬

‫‪3/331‬‬

‫‪40‬‬

‫راجع المصادر التية‪:‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪ .12 /‬طبعة مصر ‪ 1241 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبدلله الخان ّ‬
‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية ص‪ .23 ،22 /‬مكتبة الحقيقة‪ ،‬إسطنبول‪-‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫‪.1992‬‬

‫‪37‬‬

‫ة‪،‬‬
‫ة أسما ٍ‬
‫قي ّ ُ‬
‫دي ِ‬
‫ء متباين ٍ‬
‫ثماني ِ‬
‫ص ّ‬
‫ة وهي‪ :‬ال ّ‬
‫ج َ‬
‫والطّي ْ ُ‬
‫والنقشبندّية‪،‬‬
‫وال ْ ُ‬
‫گان ِي ّ ُ‬
‫ري ّ ُ‬
‫وا َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫خ َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫فو ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫والخالدّية‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ظ‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ية‪،‬‬
‫دد‬
‫والمج‬
‫ة‪،‬‬
‫ي‬
‫ر‬
‫را‬
‫ح‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ُ‬
‫ّ ّ‬
‫ْ َ ِ ّ‬
‫َ َ‬
‫َ ِ ّ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ومن اختلق بعض الشيوخ في هذه الطريقة‪:‬‬
‫ة من المفاهيم والمعت َ‬
‫قدات‬
‫أنهم استحدثوا جمل ً‬
‫اّلتي جعلت من هذه الطريقة ديًنا مستقل ً عن‬
‫ج َ‬
‫ة‪،‬‬
‫م ال ْ ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫گان ِي ّ ُ‬
‫وا َ‬
‫خت ْ ُ‬
‫خ َ‬
‫السلم‪ ،‬وهي الرابطة‪َ ،‬‬
‫س الن ّ َ‬
‫ة ال ّ‬
‫س(‪ ،‬وعدّ الوراد‬
‫وبدع ُ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫ر) َ‬
‫ذك ِ‬
‫ف ِ‬
‫حب ْ ِ‬
‫ة‪ ،‬وملحظة الصورة‬
‫بالحصى وبإعداٍد معين ٍ‬
‫الفتوغرافية لشيخ الطريقة‪ ،‬والتصال بموتى‬
‫‪41‬‬
‫ض من‬
‫مونه «الو ِ‬
‫الروحانّيين ما يس ّ‬
‫سية» وبع ٌ‬
‫‪42‬‬
‫ت‬
‫ورا ٌ‬
‫آداب المريد مع شيخه عندهم ‪.‬وتص ّ‬
‫ة استورثوها من الديان السالفة‪،‬‬
‫فلسفي ٌ‬
‫عب َْر القرون؛ كفكرة‬
‫فقّرروها شيًئا فشيًئا َ‬
‫«وحدة الوجود» و«وحدة الشهود» والحلول‬
‫ص ٌ‬
‫ل‬
‫والتحاد والفناء والبقاء؛ وغيره كثير ومف ّ‬
‫ر وتحليلها‬
‫في كتبهم كما سيأتي شرح هذه المو ِ‬
‫ن شاء الله‪.‬‬
‫في الفصول التية إ ْ‬
‫وك ّ‬
‫ل ذلك‪ ،‬وضعوه لتمكين هيبة الشيخ في‬
‫نفوس الناس من المريدين وغيرهم‪ ،‬لتذ ّ‬
‫ل لـه‬
‫رقابهم‪ ،‬وتخشع لعظمته قلوبهم؛ على أّنه ينوب‬
‫عن الله في أرضه‪ ،‬ويتصّرف في ملكه وخلقه‪،‬‬
‫م ل يكادون‬
‫حّتى أصبح كثير من الجهلة العوا ّ‬
‫وط ويمارس‬
‫ن الشيخ أي ً‬
‫دقون أ ّ‬
‫يص ّ‬
‫ضا يبول ويتغ ّ‬
‫الجنس كأحد من الناس‪.‬‬
‫***‬

‫ي‪ ،‬عدد ‪ .1‬ص‪ .725 ،723 ،709 /‬بغداد ‪-‬‬
‫ي‪ ،‬مجلة المجمع العلمي الكرد ّ‬
‫ي‪ ،‬مولنا خالد النقشبند ّ‬
‫* عباس العّزاو ّ‬
‫‪.1973‬‬

‫‪41‬‬

‫راجع الفصل الثالث‪ ،‬باب الويسية‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫راجع الفصل الثاني‪ ،‬باب آداب المريد مع شيخه‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫* المناطق اّلتي انتشرت فيها الطريقة‬
‫النقشبندّية ودواعي انتشارها‪.‬‬
‫ي‬
‫َ‬
‫ن هذه الطريقة لم‬
‫إ ّ‬
‫تحظ باهتما َ‬
‫م الناس من أ ّ‬
‫ت من‬
‫ب في أرض السلم بالقدر اّلذي نال ْ‬
‫شع ٍ‬
‫القبال بين التراك‪ .‬ول عجب أنهم مختلقوها‬
‫ومؤّيدوها منذ البداية إلى اليوم‪ .‬فانتشرت في‬
‫م‪ ،‬واستحكم فيها‬
‫المناطق اّلتي قام فيها ُ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫حك ْ ُ‬
‫سل ْ َ‬
‫م بعد انهيار الدولة العّباسية وظهور‬
‫طان ُ ُ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫السلجقة التراك على مسرح التاريخ‪.‬‬
‫يقول الشيخ قسيم الك ُ ْ‬
‫دها‬
‫ي في رسالة أع ّ‬
‫فَرو ّ‬
‫بالّلغة التركّية تحت عنوان «النقشبندّية ظهورها‬
‫وانتشارها»‪ 43‬وكان الشيخ قسيم هذا‪ ،‬من أعلم‬
‫مث َ ّ‬
‫ن ومن أشهر مشائخ هذه الطائفة في‬
‫ق ِ‬
‫في َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن القدماء من‬
‫تركيا‪ .‬يقول في افتتاحية كتابه‪« :‬إ ّ‬
‫شيوخ النقشبندّية كانوا من أهالي تركستان وما‬
‫ت هذه المنطقة‬
‫وراء النهر‪ .‬ولذلك تسّربت عادا ُ‬
‫دها إلى الطريقة النقشبندّية»‪.‬‬
‫وتقالي ُ‬
‫فإذا أنعمنا النظَر في هذا المقال وجدنا فيه‬
‫ث نِ َ‬
‫ة بالدراسة والتحليل‪.‬‬
‫ثل َ‬
‫ة وجدير ٍ‬
‫م ٍ‬
‫قا ٍ‬
‫ط ها ّ‬
‫النقطة الولى‪ :‬كون الطليعة من رجال هذه‬
‫النحلة قد ظهروا في منطقة تركستان وهو‬
‫ي للتراك‪.‬‬
‫الموطن الصل ّ‬
‫ت الكثيَر‬
‫ص ِ‬
‫والنقطة الثانية‪ :‬أ ّ‬
‫ن الطريقة قد امت ّ‬
‫ة‬
‫ع ِ‬
‫من مخّلفات الديان والعادات والتقاليد المت ّب َ َ‬
‫عب َْر القرون‪.‬‬
‫في هذه المناطق َ‬

‫‪43‬‬

‫‪Kasım Kufralı, Nakşibendiliğin Kuruluşu ve Yayılışı (Intiodaction) Türkiyat Enst. no. 337 Istanbul-1949‬‬

‫‪39‬‬

‫ن الطريقة قد انتشرت في‬
‫والنقطة الثالثة‪ :‬أ ّ‬
‫سها بحكم‬
‫ة نف ِ‬
‫ة المنطق ِ‬
‫الوهلة الولى على ساح ِ‬
‫ها في تلك النواحي‪.‬‬
‫س ِ‬
‫س َ‬
‫ظهور مؤ ّ‬
‫إ ً‬
‫ن الطريقة النقشبندّية‬
‫ْ‬
‫ذا‪ ،‬نستطيع‬
‫أن نقول إ ّ‬
‫ي‬
‫قد بدأت في تو ّ‬
‫سعها من الموطن الصل ّ‬
‫للتراك منذ أّيام ظهورها‪ .‬ثم انتشرت في ك ّ‬
‫ل‬
‫ة من بلد ما وراء‬
‫ساحة قام عليها حكمهم بداي ً‬
‫سان‪ ،‬فمروًرا بالمناطق الهندّية‪ .‬ثم‬
‫النهر‪ ،‬و ُ‬
‫خَرا َ‬
‫ة‬
‫ل مّر ٍ‬
‫و ِ‬
‫بعد تقدّم ِ السلجقة إلى الناضول ل ّ‬
‫ها إلى هذه الرض اّلتي‬
‫ت الطريق ُ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ة وج َ‬
‫م َ‬
‫يَ ّ‬
‫إستقّر الترا ُ‬
‫ة‬
‫ك فيها وأقاموا عليها الدول َ‬
‫ة بني سلجوق‪.‬‬
‫ت دول ُ‬
‫العثمانّية بعد أ ْ‬
‫ن زال ْ‬
‫ن‬
‫جاء في بعض المصادر للباحثين التراك أ ّ‬
‫ة‬
‫ول مر ٍ‬
‫الشيخ عبد الله اللهي هو اّلذي قام ل ّ‬
‫بنشر الطريقة النقشبندّية في المملكة العثمانّية‬
‫ما بين ‪1512-1481‬م‪ .‬وقام بمحاولة التأليف بين‬
‫الطريقة النقشبندّية والطريقة الملمّية وعاش‬
‫في عهد السلطان بايزيد الثاني بن السلطان‬
‫حي ْدَْر َباَبا في نشر هذه‬
‫م تابعه َ‬
‫مد الفاتح‪ ،‬ث ّ‬
‫مح ّ‬
‫م السلطان سليمان القانوني‪ .‬مع‬
‫الطريقة أّيا َ‬
‫هذا يقول الدكتور رشاد أونگوران‪« ،‬لقد كان من‬
‫ن الطريقة‬
‫المعروف ‪ -‬إلى الونة الخيرة ‪ :-‬أ ّ‬
‫ة‬
‫النقشبندّية دخلت منطق َ‬
‫ول مر ٍ‬
‫ة آناضول ل ّ‬
‫ضا؛‬
‫مل ّ إلهي‪ 44،‬كما كان من المعروف أي ً‬
‫على يد ُ‬
‫ة للنقشبندّيين في هذه الساحة هي‬
‫ول تكي ٍ‬
‫أ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫و من ضواحي مدينة‬
‫ت في ِ‬
‫اّلتي ُبني ْ‬
‫سيما ْ‬
‫ن حسين حسام الدين أفندي‬
‫دا ِ‬
‫هّية؛ إل ّ أ ّ‬
‫الك ُ َ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫ل في تاريخه أ ّ‬
‫المعروف بعبدي ذاده قد س ّ‬
‫ة للنقشبندّيين في البلد العثمانّية هي‬
‫ول تكي ٍ‬
‫أ ّ‬
‫ت في مدينة آماسيا عام ‪1405-1404‬م‪.‬‬
‫اّلتي ُبني ْ‬
‫‪44‬‬

‫ة الحرار في الفصل الرابع‪ ،‬الحلقة الثامنة عشرة من سلسلة‬
‫هو خليفة عبيد الله الحرار‪ .‬راجع ترجم َ‬

‫الطريقة النقشبندّية‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫باسم تكّية محمود شلبي؛ واحت ّ‬
‫ب‬
‫ل منص َ‬
‫ة في هذه التكية الخواجه ركن‬
‫ول مر ٍ‬
‫المشيخة ل ّ‬
‫ي اّلذي كان من خلفاء شاه‬
‫الدين محمود الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫‪45‬‬
‫نقشبند»‬
‫على الرغم من دقّة أسلوب الباحث رشاد‬
‫دعي فيها ما‬
‫ت لـه ي ّ‬
‫أونگوران‪ ،‬فقد وردت كلما ٌ‬
‫دي إلى الش ّ‬
‫ك من حقيقة ك ّ‬
‫ل ما جاء على‬
‫يؤ ّ‬
‫لسانه حول الطريقة النقشبندّية‪ .‬وهذه كلماته‪:‬‬
‫سسها الشيخ‬
‫«إ ّ‬
‫ن الطريقة النقشبندّية اّلتي أ ّ‬
‫بهاء الدين نقشبند‪ ،‬لها سلس ُ‬
‫ل‪ ،‬تتصل عن‬
‫‪46‬‬
‫ي»‬
‫ر وعل ّ‬
‫طريقها بأبي بك ٍ‬
‫دعاء الجريء إلى‬
‫يستند الدكتور رشاد في هذا ال ّ‬
‫د‬
‫ع من كتب المتأ ّ‬
‫أربع ِ‬
‫خرين؛ وهي في ح ّ‬
‫ة مراج َ‬
‫ة من القيمة العلمّية في مثل هذا‬
‫ذاِتها خالي ٌ‬
‫السناد‪ .‬وبالنسبة لمزعمة «سلسلة السادات»‪،‬‬
‫ن شاء الله‬
‫فسنشرحها في بداية الفصل الرابع إ ْ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫ة‬
‫ورد في «موسوعة إسطنبول»‪ - 47‬ماد ِ‬
‫ب في‬
‫ن هذه الطريق َ‬
‫النقشبندّية ‪ -‬أ ّ‬
‫ت تد ّ‬
‫ة بدأ ْ‬
‫ي منذ أواخر عهد‬
‫صفوف المجتمع العثمان ّ‬
‫مد الفاتح‪ .‬واستقى َ‬
‫ه‬
‫ب هذ ِ‬
‫كات ِ ُ‬
‫السلطان مح ّ‬
‫ب اسمه‪Otman Baba:‬‬
‫المادّ ِ‬
‫ة أكرم إيشن‪ ،‬من كتا ٍ‬
‫‪ .Velâyetnâmesi‬وأفاد فيه أّنه كانت للنقشبندّيين‬
‫ي )وهي‬
‫في تلك المرحلة تكي ّ ٌ‬
‫ة بمدينة آقْ َ‬
‫سَرا ْ‬
‫ة من مدينة‬
‫في أواسط آناضول على مقرب ٍ‬
‫ي‬
‫قونية(؛ ولكنه يعترف في الوقت ذاته بعدم أ ّ‬
‫شا َ‬
‫معلومات ت ُذَك ُّر الن ّ َ‬
‫ت الولى للطائفة‬
‫طا ِ‬
‫النقشبندّية على الساحة العثمانّية‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫‪Dr. Reşat Öngören, XVI. Asırda Anadolu’da Tasavvuf: TDV. İSAM. TEZ 297.7‬‬

‫‪46‬‬

‫المصدر السابق ص‪.88/‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Dünden Bugüne İstanbul Ansiklopedisi‬‬

‫‪41‬‬

‫ن السلطان‬
‫كذلك ورد في نفس الموسوعة أ ّ‬
‫ّ‬
‫م بالنقشبندّيين الذين‬
‫مدًا الفاتح «إّنما اهت ّ‬
‫مح ّ‬
‫م‪ ،‬وقام‬
‫ه‪ ،‬وتوّلى ِ‬
‫ج مملكت ِ ِ‬
‫كانوا يومئذ خار َ‬
‫ماي َت َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫بدعوة بعض مشاهيرهم من أمثال نور الدين عبد‬
‫الرحمن الجامي وعبيد الله الحرار‪ ،‬ليتم ّ‬
‫كن بذلك‬
‫من الوقوف أمام تهديدات الشيعة اليرانيين‪»...‬‬
‫ن التراك‪.‬‬
‫وَردْ ً‬
‫عا لنتشار عقائدهم بين ال ّ‬
‫سن ّّيي َ‬
‫َ‬
‫قُر من الشيعة‬
‫ي المحت ِ‬
‫كما يبدو موقفه السلب ّ‬
‫م‬
‫ده «با يزيد»‪ ،‬ذلك ل ِي ُ ِ‬
‫من تسميته ول َ‬
‫غيظَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح مشاعرهم!‬
‫جَر َ‬
‫وي َ ْ‬
‫َ‬
‫نفهم من عبارات الكاتب أكرم إيشن في هذه‬
‫ن الطريقة النقشبندّية لم تتجاوز‬
‫الموسوعة أ ّ‬
‫حدود العاصمة العثمانّية )اسطنبول( في‬
‫مراحلها الولى وحّتى ظهور الخالدّيين‪ .‬ومهما‬
‫و َ‬
‫ء من آثار هذا الت ّّيار‬
‫ل شي ٍ‬
‫ت‪ ،‬فإ ّ‬
‫كان ْ‬
‫نأ ّ‬
‫ي بمدينة إسطنبول تعود إلى جهود عبد‬
‫الصوف ّ‬
‫الله اللهي وخلفائه الخمسة وهم‪ :‬أحمد‬
‫ولطف الله السكوبي‪،‬‬
‫الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫وعابد شلبي‪َ ،‬‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫ومصلح الدين الطويل‪...‬‬
‫وبدر الدين بابا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ب هذه‬
‫لقد استطاع مصلح الدين الطويل أ ْ‬
‫حب ّ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ة إلى السلطان أبي يزيد بن السلطان‬
‫الطريق َ‬
‫ف فيما بعد بلقب‬
‫مد الفاتح اّلذي ُ‬
‫ر َ‬
‫مح ّ‬
‫ع ِ‬
‫ي»؛ وبذل عابد شلبي‬
‫ي أبي يزيد ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫«الصوف ّ‬
‫جهودَهُ في سبيل التأليف بين الطريقَتين‬
‫ن ترسي َ‬
‫خ دعائم‬
‫وي ّ ِ‬
‫ة‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫النقشبندّية َ‬
‫ول َ ِ‬
‫الطريقة النقشبندّية الحرارية بمدينة إسطنبول‬
‫في تلك المرحلة إنما تح ّ‬
‫ي‬
‫قق بجهود أحمد الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫عت َب َُر من أبرز خلفاء عبد الله اللهي‪ .‬وهو‬
‫اّلذي ي ُ ْ‬
‫أصل ً زميله ورفيقه اّلذي سافر معه إلى سمرقند‬
‫وانخرط في سلك هذه الفرقة معه؛ ولكن يبدو‬
‫ن عبيد الله الحرار قد أخضعه لوامر عبد الله‬
‫أ ّ‬
‫ي عندما كّلفهما بنشر طريقته في‬
‫الله ّ‬

‫‪42‬‬

‫ي على‬
‫إسطنبول‪ .‬فلما عزم عبد الله الله ّ‬
‫السفر إلى المناطق الغربّية من المملكة‬
‫العثمانّية لنشر الطريقة استخلفه في‬
‫إسطنبول‪.‬‬
‫دخلت الطريقة النقشبندّية في لباس جديد‬
‫ددّية» إلى إسطنبول بدللة‬
‫وتحت اسم «المج ّ‬
‫رجل مشلول الساقين اسمه مراد بن علي بن‬
‫ُ‬
‫ي‪.‬‬
‫ي؛ كان من خلفاء معصوم الفاروق ّ‬
‫داود الْزب ًك ِ ّ‬
‫على الرغم من الشلل اّلذي كان قد أصابه منذ‬
‫م العواصم‬
‫ت طويل ٍ‬
‫طفولته قام برحل ٍ‬
‫ة وطاف أه ّ‬
‫ية مات في إسطنبول عام ‪1720‬‬
‫من البلد السلم ّ‬
‫من الميلد‪.‬‬
‫***‬
‫ما دواعي انتشار هذه الطريقة؛ فهي أمور‬
‫أ ّ‬
‫ن هذه‬
‫مها‪ ،‬أ ّ‬
‫مثيرة للستغراب ج ّ‬
‫دا؛ فمن أه ّ‬
‫ق الصوفّية بآدابها‬
‫النحلة تتمّيز من سائر ال ِ‬
‫فَر ِ‬
‫وأركانها وطقوسها اّلتي َ‬
‫ق ّ‬
‫سه‬
‫ل من يملك نف َ‬
‫من موالِتها بعد ممارسته لهذه الداب‪ .‬لّنها‬
‫تبعث في قلب المبتدئ شو ً‬
‫صة إذا‬
‫قا لحدّ لـه‪ ،‬خا ّ‬
‫كان قليل الثقافة‪ ،‬عاطفّيا‪ ،‬ضعيف المنطق‪،‬‬
‫ة؛ كما إذا كان‬
‫متخّلف العقلّية‪ ،‬أو يعاني مشكل ً‬
‫درات‪ ،‬أو‬
‫مدْ ِ‬
‫مني الكحول والمخ ّ‬
‫مهجوًرا‪ ،‬أو من ُ‬
‫أصابته نكبة؛ سرعان ما ينجذب إلى هذه‬
‫الطريقة ويجد في رحابها ما يسّليه ويخفف من‬
‫كربه وآلمه‪ .‬فينخرط في سلكهم‪ .‬ومنهم من‬
‫تأخذه الحيرة والعجاب‪ ،‬فينبهر بما يشهد من‬
‫توقير المريدين وإجللهم لشيخ الطائفة‬
‫وتفانيهم في سبيله واستعدادهم الكيد لتحقيق‬
‫ة منه‪ ،‬فيتابع أنفاسه عندما‬
‫أوامره بأدنى إشار ٍ‬
‫يقابل شيخ الجماعة وهو ي ُ ْ‬
‫قب ِ ُ‬
‫صة‬
‫ل في هيئته الخا ّ‬
‫ر‪ ،‬كأّنه يهبط من‬
‫سا ِ‬
‫ي ال ّ‬
‫ومظهره «الّنوَران ّ‬
‫ح ِ‬
‫ة من الّنور الخضر يتلل في‬
‫السماء بأجنح ٍ‬

‫‪43‬‬

‫موكب من الملئكة‪ ،‬فيتجّلى في صورة لطيفة‬
‫م َ‬
‫ة لك ّ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫د من جمهور أولئك‬
‫ل واح ٍ‬
‫س ٍ‬
‫عان ِي ّ ٍ‬
‫ش َ‬
‫ش ْ‬
‫قدّ َ‬
‫ة ُ‬
‫الحا ّ‬
‫ه» المفتتنين به من فقراء‬
‫فين من حول ِ ِ‬
‫العلم والمعرفة الحيارى‪،‬‬
‫لذا‪ ،‬لم ينضم إلى هذه الطائفة أحد من أصحاب‬
‫الشخصية الهزيلة والرأي الضعيف‪ ،‬إل ورضي‬
‫بالخضوع والعبودية والتذّلل والفناء لشيوخها‪.‬‬
‫ه من‬
‫ورهم ول قلب ُ‬
‫فل يكاد ذهن ُ‬
‫ه يخلو من تص ّ‬
‫ه من ذكرهم‪ ،‬فينبهر لعظمتهم‬
‫محّبتهم‪ ،‬ول لسان ُ‬
‫ه حّتى يراهم في درجة النبياء‬
‫الموهومة عقل ُ ُ‬
‫م‪ ،‬ويقشعّر جلده عند‬
‫والمرسلين وُيق ِ‬
‫ه ْ‬
‫م ِبها َ‬
‫س ُ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ذكر أسمائهم مع يقينه الكامل بهم أّنهم ينوبون‬
‫عن الله في أرضه ويتصّرفون في ملكه وخلقه‪.‬‬
‫تعالى رّبنا عما يصفه الفاسقون‪.‬‬
‫ومن أسباب انتشارها‪ ،‬جه ُ‬
‫مة التراك ومن‬
‫ل عا ّ‬
‫ة العرب اّلذين يقطنون‬
‫يليهم من الكراد‪ ،‬وحثال ِ‬
‫في المنطقة الجنوبيّة من تركيا‪ .‬جهُلهم بلغة‬
‫القرآن‪ ،‬وجهُلهم بحقيقة التوحيد ومخاطر‬
‫الشرك‪.‬‬
‫ومن أسباب انتشارها‪ ،‬العصبّية القومّية اّلتي‬
‫تتمّثل في احتقار ك ّ‬
‫ة‬
‫صل َ ٍ‬
‫ت إلى العرب ب ِ ِ‬
‫ل ما يم ّ‬
‫ت‬
‫ة للدّ َ‬
‫ن َ‬
‫عاَيا ِ‬
‫ه؛ كنتيج ٍ‬
‫ر أو اتجا ٍ‬
‫عادَ ٍ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ة أو مظه ٍ‬
‫ّ‬
‫دامة التي قام ول يزال يقوم بها‬
‫الكثيرة اله ّ‬
‫ما‪ ،‬مما‬
‫يهود سالونيك منذ مائة وخمسين عا ً‬
‫جع كثيًرا من رجال السياسة والمث ّ‬
‫قفين على‬
‫ش ّ‬
‫إثارة تتريك الدين السلمي بين الفينة والخرى‪،‬‬
‫ن السلم اّلذي تدين به‬
‫وتضليل الناس بأ ّ‬
‫ت‪ ،‬ل‬
‫ة السن ّي ّ ُ‬
‫الكثري ُ‬
‫ي بح ٌ‬
‫ة إنما هو دي ٌ‬
‫ن عرب ّ‬
‫ي‪.48‬‬
‫يفهمه ول يطمئن إليه أبناء الشعب الترك ّ‬

‫‪ 48‬أنظر‪:‬‬

‫الهامش‪32/‬‬

‫‪44‬‬

‫إن هذه المؤامرات الخطيرة في الحقيقة وإن لم‬
‫ّ‬
‫تكن للنقشبندّيين بها علقة مباشرة‪ ،‬ولكن‬
‫حَياك َِتهَا‪ ،‬يستغّلون‬
‫اّلذين يبذلون جهودهم في ِ‬
‫ما في اكتساب القوة والهيمنة‬
‫هذه الطائفة دائ ً‬
‫لتوجيه الشعب وترويضه على سبل المروق‪،‬‬
‫ما‪.‬‬
‫وسلخه عن السلم تما ً‬
‫دا كبيًرا من الشخصّيات‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫ن عد ً‬
‫السياسّية ورؤساء الحزاب‪ ،‬يستعرضون مكرهم‬
‫في مواسم النتخابات لستمالة مشائخ الطريقة‬
‫النقشبندّية كي ينالوا مساعدتهم وتأييدهم في‬
‫اغتصاب الحكم واحتلل المناصب؛ وليتم ّ‬
‫كنوا‬
‫بذلك من توجيه الشعب وترويضه واستخدامه ضدّ‬
‫السلم والمسلمين‪ .‬لّنهم ل يجدون لتحقيق‬
‫ل إل عند‬
‫ل ورجا ٍ‬
‫أهدافهم ما يحتاجون إليه من ما ٍ‬
‫شيوخ الطريقة النقشبندّية‪ .‬ولهذا يعملون على‬
‫ن يمكن التعاون معه من هؤلء‬
‫صي ِ‬
‫ة ِ‬
‫إشاع ِ‬
‫م ْ‬
‫ت َ‬
‫الشيوخ‪ .‬ول يتكّلف الجانبان من ثمن هذا‬
‫التعاون‪ ،‬سوى ما ينفقه السياسيون في سبيل‬
‫ة للشيخ‪ ،‬فيتواطأ معهم عدد من رجال‬
‫الدّ َ‬
‫عاي َ ِ‬
‫العمل الثرياء‪ُ ،‬يذيعون شهرته في المجالس‬
‫والمحافل بوسائل مختلفة‪ .‬ويستخدمون في‬
‫م من رجال الخطابة والكتابة‪.‬‬
‫هذه الحملة ب ُل َ َ‬
‫غائ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فما يلبث حّتى تزدحم القوافل في الطرق‬
‫ف الساق بالساق في‬
‫ه وتلت ّ‬
‫المؤدية إلى تكي ّت ِ ِ‬
‫سباق التبرك بتقبيل «اليد المباركة الناعمة اّلتي‬
‫ل عظم فيها» ‪ -‬على حدّ زعمهم ‪.-‬‬
‫خا في‬
‫م شي ً‬
‫فبحكم الطبع‪ ،‬ل يزور أحد من العوا ّ‬
‫تلك الزحمة اّلتي يرى فيها آل ً‬
‫هف ك ّ‬
‫ل واحد‬
‫فا يتل ّ‬
‫عل ِ َ‬
‫ت به نفسه‪،‬‬
‫س يده بشفتيه إل َ‬
‫ق ْ‬
‫منهم ليم ّ‬
‫ت إليه عواطفه‪ ،‬وامتل بمحبته قلبه‪ ،‬فكاد‬
‫ونزع ْ‬
‫ت ُيصيبه‪.‬‬
‫ن يسجد لـه لول مخاف َ‬
‫ة مق ٍ‬
‫أ ْ‬

‫‪45‬‬

‫يرجع السبب في ذلك إلى ما ذكرنا آنفا من‬
‫المظاهر الخ ّ‬
‫لبة الج ّ‬
‫ذابة اّلتي يتراءى الشيخ فيها‬
‫للّناس من اللّباس والحشم والجماهير الملت ّ‬
‫فة‬
‫حوله بالضافة إلى ما يفعله من طأطأة الرأس‬
‫وقّلة الكلم‪ ،‬والزهد المتصّنع وكثرة العبادة‬
‫والداب اّلتي يفرضها على المريد‪.‬‬
‫فقد انتبه سلطين التراك‪ ،‬ورجالت السياسة‬
‫صة في المرحلة الخيرة من الحكم‬
‫منهم خا ّ‬
‫ن الطريقة النقشبندّية تّتصف بسحر‬
‫يأ ّ‬
‫العثمان ّ‬
‫وجاذبّية في جلب قلوب الناس وتسخيرهم‪.‬‬
‫م خلفاء بني عثمان بمشائخ هذه‬
‫ولهذا قد اهت ّ‬
‫الطائفة بداية من السلطان محمود الثاني‪ .‬وقد‬
‫تابعهم في هذه السياسة رجال السلطة‬
‫ى هذا‬
‫ي‪ .‬فأد ّ‬
‫اليهودّية أيضا في العهد الجمهور ّ‬
‫الهتمام إلى انتشار الطريقة على ساحات‬
‫شاسعة من البلد‪.‬‬
‫ت بهذه الطريقة فترات زادت في بعضها‬
‫ّ‬
‫وإذا‬
‫مر ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صا‬
‫نشاطا وانتشاًرا وفي بعضها انحطاطا وتقل ً‬
‫فقد بسطت سلطانها اليوم على أرض تركيا‬
‫ل جه َ‬
‫وهي تستغ ّ‬
‫ص رجال‬
‫ل الناس وحر َ‬
‫دد العقيدة الح ّ‬
‫ة‬
‫قة‪ ،‬والقل َ‬
‫السياسة‪ ،‬كما ته ّ‬
‫ة من أبناء هذه الديار‪.‬‬
‫المؤمن َ‬
‫***‬

‫‪46‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫ة النقشبندّية‪،‬‬
‫ب الطريق ِ‬
‫* آدا ُ‬
‫ها‪ ،‬ومّيزاُتها‪.‬‬
‫صاِدُر َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫‪------------------------‬‬‫ه‬
‫ُ‬
‫*‬
‫د مع شيخ ِ‬
‫ب المري ِ‬
‫ب المشيخ ِ‬
‫ة‪ ،‬وآدا ُ‬
‫البيعة وآدا ُ‬
‫ة منها‪.........‬‬
‫عند النقشبندّيين‪ ،‬والغاي ُ‬
‫ر‬
‫* آدا ُ‬
‫ب الذّك ْ ِ‬
‫عندهم‪........................................................................................................‬‬
‫‪.........‬‬

‫* الذّكُر بلسان‬
‫القلب‪.........................................................................................................‬‬

‫‪..........‬‬

‫*‬
‫الرابطة‪.....................................................................................................‬‬

‫‪......................................‬‬

‫* شرو ُ‬
‫ط الرابطة وصورة‬
‫أدائها‪..................................................................................................‬‬
‫و ُ‬
‫ن أحدث‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫*أ ّ‬
‫الرابطة‪.....................................................................................................‬‬

‫‪........‬‬

‫ة من‬
‫* الغاي ُ‬
‫الرابطة‪.....................................................................................................‬‬

‫‪....................‬‬

‫ة المخ ّ‬
‫ل بآداب‬
‫* عقوب ُ‬
‫الرابطة‪.....................................................................................................‬‬

‫‪.‬‬

‫ة استدللهم في إثبات‬
‫* أسلوُبهم وطريق ُ‬
‫دفاع عنها‪ ،‬وما قيل‬
‫الرابطة‪ ،‬ومقالتهم في ال ّ‬
‫في‬
‫دها‪..........................................................................................................‬‬
‫ر ّ‬
‫‪.....................................‬‬
‫م ما ُ‬
‫كتب في مسألة‬
‫* ِ‬
‫م ْ‬
‫ن أه ّ‬
‫الرابطة‪..........................................................................................‬‬

‫‪47‬‬

‫ن آدابهم‪ :‬ال ّ‬
‫ف‬
‫* ِ‬
‫س الّلطائ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذكُر على أسا ِ‬
‫الخمس‪.................................................................‬‬
‫ى عندهم « َ‬
‫سّري ّ ُ‬
‫* الحلق ُ‬
‫ة ال ّ‬
‫ة اّلتي ُتس ّ‬
‫م َ‬
‫خت ْم ِ‬
‫واج َ‬
‫ن» ‪.......................................................‬‬
‫ُ‬
‫كا ْ‬
‫خ َ‬
‫ة‬
‫ت الفارسّية في الطريق ِ‬
‫* المصطلحا ُ‬
‫رها‪....................................................‬‬
‫النقشبندّية وأسرا ُ‬

‫* مباد ُ‬
‫ئ الطريقة النقشبندّية‬
‫ءا‬
‫بالفارسّية‪ ،‬وهي أحد عشر مبد ً‬
‫ش‬
‫‪ُ .1‬‬
‫هو ْ‬
‫م‪............................................................................................................‬‬
‫دَْردَ ْ‬
‫‪.........‬‬
‫َ‬
‫‪ .2‬ن َظْر ب َْر‬
‫َ‬
‫م‪..............................................................................................................‬‬
‫قدَ ْ‬
‫‪.......‬‬

‫س َ‬
‫فْر‬
‫‪َ .3‬‬
‫ن‪......................................................................................................‬‬
‫وط َ ْ‬
‫دَْر َ‬
‫‪.............‬‬
‫وت دَْر‬
‫‪ْ .4‬‬
‫خل َ ْ‬
‫َ‬
‫ن‪.........................................................................................................‬‬
‫أن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫د‬
‫‪َ .5‬يا ْ‬
‫د‪................................................................................................................‬‬
‫ك َْر ْ‬
‫‪...........‬‬

‫‪َ .6‬باْز‬
‫كَ ْ‬
‫ت‪...........................................................................................................‬‬
‫ش ْ‬
‫‪...........‬‬
‫‪ .7‬ن ِ َ‬
‫ه‬
‫كا ْ‬
‫دا ْ‬
‫ت‪.........................................................................................................‬‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫‪...........‬‬

‫‪َ .8‬يادْ‬
‫دَا ْ ْ‬
‫شت‪.........................................................................................................‬‬

‫‪...............‬‬

‫‪48‬‬

‫و ُ‬
‫ف‬
‫قو ِ‬
‫‪ُ .9‬‬
‫ني‪.........................................................................................................‬‬
‫ما ِ‬
‫َز َ‬

‫‪.........‬‬

‫و ُ‬
‫ف‬
‫قو ِ‬
‫‪ُ .10‬‬
‫دي‪..........................................................................................................‬‬
‫َ‬
‫عدَ ِ‬

‫‪..‬‬

‫و ُ‬
‫ف‬
‫قو ِ‬
‫‪ُ .11‬‬
‫َ‬
‫بي‪... ........................................................................................................‬‬
‫قل ْ ِ‬
‫‪...‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫ة النقشبندّية‪،‬‬
‫ب الطريق ِ‬
‫* آدا ُ‬
‫ها‪ ،‬ومّيزاُتها‪.‬‬
‫صاِدُر َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ة تَ َ‬
‫ت َ‬
‫عَلى هذه الطريق ِ‬
‫واستمّر ْ‬
‫غي َّرا ٌ‬
‫طََرأ ْ‬
‫ت َ‬
‫ة خلل القرون السبعة الماضية‪،‬‬
‫فيها الستحال ُ‬
‫َ‬
‫ولون من‬
‫ذ َ‬
‫ح ِ‬
‫زيدَ فيها و ُ‬
‫ف منها ما لم يعرفه ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫موها آداًبا وأركاًنا على حساب السلم‪.‬‬
‫رس ّ‬
‫أمو ٍ‬
‫ْ‬
‫سل َ ُ‬
‫م‪ .‬وهذا من‬
‫وقد أل َ‬
‫ف ُ‬
‫ض ما أقّرهُ أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫وا بع َ‬
‫غ ْ‬
‫ت منه سائُر‬
‫طبيعة التصوف اّلذي انبثق ْ‬
‫المن ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ب الغالي ِ‬
‫ت الباطني ّ ِ‬
‫ظما ِ‬
‫ة‪ ،‬والمذاه ِ‬
‫ت الرهابّية‪،‬‬
‫ة والتنظيما ِ‬
‫ت الباحي ِ‬
‫والجماعا ِ‬
‫ة أرادوا هدم السلم وإثارة الفتن‬
‫ت زنادق ً‬
‫وفرخ ْ‬
‫بين صفوف المسلمين‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫ة الفارسّية‬
‫ة النقشبندّية الّلغ َ‬
‫ت الطريق ُ‬
‫اتّخذ ْ‬
‫ن‬
‫كأدا ٍ‬
‫دعاء والعبادة؛ ول غرابة في ذلك‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ة لل ّ‬
‫قدماء التراك كانوا يسكنون بلد ما وراء النهر‬
‫وهي مجاورة للمنطقة اليرانية اّلتي تحول بينها‬
‫وبين بلد العرب‪ ،‬فتأّثروا بثقافة الفرس‬
‫دة‪:‬‬
‫وحضارتهم تأث ًّرا بال ً‬
‫غا لسباب ع ّ‬
‫أن ال ْ ُ‬
‫س كانوا قد أسلموا قبلهم؛ ومنها‬
‫ّ‬
‫منها‪،‬‬
‫فْر َ‬
‫ي يمتاز بحضارة عريقة‪ ،‬بينما‬
‫أ ّ‬
‫ن الشع َ‬
‫ب الفارس ّ‬
‫د‬
‫التراك لم تكن لهم ثقاف ٌ‬
‫ح ُ‬
‫و ّ‬
‫ة ول حضارةٌ ت ُ َ‬
‫صفوفهم‪ ،‬وتجمع كلمتهم‪ ،‬وهم قوم ل أبجدية‬
‫ة تنتقل من‬
‫وي ّ ً‬
‫له‪ ,‬بل كانوا قبائل متفرق ً‬
‫ة بد ِ‬
‫عا للظروف المناخّية‪،‬‬
‫مكان إلى مكان آخر تب ً‬
‫يعيشون تحت خيام ٍ من ِلباٍد‪ ،‬ويتتّبعون المراعي‬
‫لنعامهم‪ .‬كانت قبائل التراك في القرون‬
‫ة واحدةٌ ول‬
‫دا‪ ،‬ل تجمعهم لغ ٌ‬
‫الوسطى متمايزةً ج ّ‬
‫د‪ ،‬ولذلك كانوا أسوأ حال ً من عرب‬
‫ن واح ٌ‬
‫دي ٌ‬
‫ل‪ .‬ولقد كانت‬
‫الجاهلّية في النـزاع والقتا ِ‬
‫ما‬
‫الحرو ُ‬
‫ب سجال ً بينهم حّتى بعد إسلمهم‪ .‬فل ّ‬
‫م تأّثروا فوًرا بالثقافة الفارسّية‬
‫اعتنقوا السل َ‬
‫ن جمع السلم بين‬
‫وحضارتها بحكم الجوار بعد أ ْ‬
‫صفوفهم وجعل منهم مجتمعا قوّيا‪ .‬غلبت بذلك‬
‫ة الفارسّية على لغتهم الصلّية حّتى صارت‬
‫الّلغ ُ‬
‫‪49‬‬
‫دولة السلجوقية التركّية‬
‫ة الرسمي َ‬
‫هي الّلغ َ‬
‫ة لل ّ‬
‫فقد ورد في كتب رجال النقشبندّية ما يبرهن‬
‫على إقرارهم هذه الّلغة‪ .‬منها ما جاء في كتاب‬
‫مد بن عبد الله‬
‫«البهجة السنّية» لمؤلفه مح ّ‬
‫ل مقاطعه ‪« :‬وأكثر كلم‬
‫و ِ‬
‫ي‪ .‬إذ يقول في أ ّ‬
‫الخان ّ‬
‫‪49‬‬

‫ن التراك قد أخذوا الكثير من تعاليم السلم بوساطة‬
‫يقول الستاذ العلمة الدكتور فؤاد كوبرولو‪« :‬إ ّ‬

‫أعجام الفرس‪ ،‬وليس من العرب مباشرة»‪ .‬وهذا نص كلمه بالّلغة التركّية‪:‬‬
‫‪Türkler, İslâmiyetin birçok unsurlarını doğrudan doğruya Araplardan dağil, Acemler vasıtasıyla aldılar. Türk Edebiyatında İlk‬‬

‫‪.Mutasavvıflar, Edition 8.Pg. 21. Department of Religius Affairs, Ankara-1993‬‬
‫ولهمية ما في هذا النص فقد نقله الباحث عمر دميرجان نقل حرفّيا إلى ثنايا كتابه اّلذي ألفه حول دراسة‬
‫اللغات الجنبّية في تركيا تحت عنوان‪. Dünden Bugüne Türkiye’de Yabancı Dil :‬‬

‫‪50‬‬

‫ب من الّلغة الفارسّية»‪.‬‬
‫أهل الطريقة معّر ٌ‬
‫بينما لغة السلم هي العربّية بقرينة كونها لغة‬
‫القرآن قال الله تعالى‪ } :‬ن ََز َ‬
‫ن*‬
‫ح ا ْل َ ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫مي ُ‬
‫ك ل ِت َ ُ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ي‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫من ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫ن* ب ِل ِ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ن ْال ُ‬
‫سا ٍ‬
‫عَرب ِ ّ‬
‫ذ ِ‬
‫‪51‬‬
‫ه‬
‫ذي ي ُل ْ ِ‬
‫ن إ ِل َي ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫سا ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن‪ {.‬وقال تعالى‪} :‬ل ِ َ‬
‫ُ‬
‫مِبي ٍ‬
‫‪52‬‬
‫ه َ‬
‫مب ٌِين‪ {.‬وقال تعالى‪:‬‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫أَ ْ‬
‫و َ‬
‫ج ِ‬
‫سا ٌ‬
‫ع َ‬
‫ذا ل ِ َ‬
‫ي ُ‬
‫ي َ‬
‫عَرب ِ ّ‬
‫ّ‬
‫}ك َذَل ِ َ‬
‫صّر ْ‬
‫ك أ َن َْزل َْناهُ ُ‬
‫ن‬
‫قْرآًنا َ‬
‫فَنا ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫عَرب ِّيا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫‪53‬‬
‫م ِذك ًْرا‪{.‬‬
‫د ُ‬
‫و ِ‬
‫ح ِ‬
‫عي ِ‬
‫و َ‬
‫و يُ ْ‬
‫د لَ َ‬
‫ث لَ ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م ي َّتق ُ‬
‫ْال َ‬
‫‪50‬‬

‫ن‬
‫هذا‪ ،‬وفى كتاب الله آيات أخرى تبرهن على أ ّ‬
‫لغة السلم هي العربّية‪ .‬كما يجب على أهل‬
‫العلم وضع مصطلحاتهم باللغة العربّية في ك ّ‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ص ً‬
‫ة ما يم ّ‬
‫مجالت الحياة المختلفة‪ ،‬وخا ّ‬
‫لمسائل الدين بوشيجة‪ .‬وهي لغة الرسول ‪‬‬
‫و َ‬
‫ن يُ َ‬
‫د‬
‫شا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ق الرس ُ‬
‫في الوقت ذاته‪َ } .‬‬
‫ق ِ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ول ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وي َت ّب ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫غي َْر َ‬
‫ن له ْال ُ‬
‫مِني َ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫ل ْال ُ‬
‫َ‬
‫ن نُ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫دى َ‬
‫‪54‬‬
‫صيًرا‪{.‬‬
‫م ِ‬
‫صل ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫ساءَ ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫هن ّ َ‬
‫َ‬
‫ون ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وّلى َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ومع هذا‪ ،‬فان قدماء النقشبندّية قد اصطلحوا‬
‫ن‬
‫لمناسكهم أسماء غريبة كما سنشرحها فريًبا إ ْ‬
‫شاء الله تعالى؛ تلك السماء اّلتي وضعوها على‬
‫غير سبيل المؤمنين اختل ً‬
‫قا من تلقاء أنفسهم‬
‫ة وحناًنا واشتيا ً‬
‫قا إلى ما كان عليه‬
‫ونزع ً‬
‫دا لمن كانوا‬
‫أسلفهم قبل السلم؛ وربما تقلي ً‬
‫يجاورونهم من رهبان البرهمية‪ ،‬إعجاًبا‬
‫بخشوعهم في ذكر الله‪ .‬لن رهبان البرهمية‬
‫ر كما‬
‫يضربون مثال ً عجيًبا من الخشوع أثناء الذّك ْ ِ‬
‫عا‬
‫أّنهم أزهد الناس في الدنيا وأقّلهم طم ً‬
‫‪50‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪ .3 /‬طبعة مصر ‪1241 -‬هـ‪.‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫‪51‬‬

‫سورة الشعراء‪.195 ،194 ،193 /‬‬

‫‪52‬‬

‫سورة النحل‪.103/‬‬

‫‪53‬‬

‫سورة طه‪.113 /‬‬

‫‪54‬‬

‫سورة النساء‪.115 /‬‬

‫‪51‬‬

‫وأطولهم صبًرا على الجوع والرياضات الشا ّ‬
‫قة‬
‫المنصوصة في الديانة البرهمية‪.‬‬
‫***‬
‫ن لّلطريقة النقشبندّية آداًبا غريبة وأركاًنا‬
‫إ ّ‬
‫عجيبة يختلط فيها الحق بالباطل‪ ،‬ويلتبس فيها‬
‫المعاني على الغافل والجاهل‪ ،‬بل على العالم‬
‫ر ُ‬
‫ها إل من‬
‫ها ول مصادَر َ‬
‫ك مقاصدَ َ‬
‫والعاقل‪ ،‬ول ُيد ِ‬
‫و ّ‬
‫فقه الله للهداية واليمان الصادق ورزقه‬
‫ه المستنقعات اّلتي استقى منها‬
‫المعرفة ب ِك ُن ْ ِ‬
‫مة هذه الطريقة‪.‬‬
‫أئ ّ‬
‫ما هذه الداب‪ ،‬فإنها تنحصر في ثلثة أبواب‬
‫أ ّ‬
‫رئيسة‪ :‬آداب المشيخة‪ ،‬وآداب المريد مع شيخه‪،‬‬
‫ر‪ .‬إل ّ أّنهم يشترطون البيعة قبل ك ّ‬
‫ل‬
‫وآداب الذّك ْ ِ‬
‫شيء‪ .‬وهي الركن العظم عندهم‪.‬‬
‫***‬

‫ب‬
‫* البيع ُ‬
‫ب المشيخ ِ‬
‫ة‪ ،‬وآدا ُ‬
‫ة‪ ،‬وآدا ُ‬
‫المريد مع شيخه عند النقشبندّية‪،‬‬
‫ة منها‪.‬‬
‫والغاي ُ‬
‫البيعة أو المبايعة‪ .‬معناها‪ :‬المعاقدة والمعاهدة‪.‬‬
‫فيرونها شر ً‬
‫طا ل مناص منه لمن يريد الدخول‬
‫في الطريقة‪ .‬وبذلك يكون المريد قد أعطى‬
‫قا غلي ً‬
‫ميثا ّ‬
‫دا لنفسه‬
‫ظا للشّيخ اّلذي اّتخذه مرش ً‬
‫ل ما يأمره به َ‬
‫فيلتـزم القيام بعده بك ّ‬
‫ن‬
‫شي ْ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫خ ُ‬
‫‪55‬‬
‫ما‪.‬‬
‫يفعل‪ ،‬وإن كان حرا ً‬
‫‪55‬‬

‫للطلع على أقوالهم في موضوع انقياد المريد للشيخ بصورة مطلقة‪ ،‬راجع المصادر التية‪:‬‬

‫‪52‬‬

‫ومن الغريب إّنه ل يقتصر هذا الشرط على مريد‬
‫الطريقة فحسب‪ .‬بل يجب على ك ّ‬
‫ن يبايع‬
‫ل أح ٍ‬
‫دأ ْ‬
‫ن العبد‪ ،‬بينه وبين‬
‫شي ً‬
‫ما‪« .‬ل ّ‬
‫خا‪ ،‬ويستسلم له تما ً‬
‫ربه حجاب يمنعه من الستفاضة» )حسب‬
‫ي‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫اعتقادهم‪ (.‬يقول مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫في هذه المسألة‪« :‬فالشيخ العارف الواصل‬
‫ه اّلذي يدخل منه‬
‫وسيل ُ‬
‫ة المريد إلى الله‪ ،‬وباب ُ ُ‬
‫على الله‪ .‬فمن ل شيخ له يرشده فمرشده‬
‫الشيطان ‪»56‬‬
‫نك ّ‬
‫ل من لم ينخرط في سلكهم‬
‫ومعنى هذا؛ أ ّ‬
‫ولم يستسلم لشيخ من مشائخهم فهو تابع‬
‫ل ومض ّ‬
‫شيطان‪ .‬أي إّنه ضا ّ‬
‫لل ّ‬
‫دون خروج‬
‫ل‪ ،‬كما يع ّ‬
‫جا من السلم‪.‬‬
‫المريد من عهد الشيخ خرو ً‬
‫فهذا رأيهم في جميع المسلمين وإن ك ّ‬
‫ذبوا ذلك‬
‫ن النسان ل محالة‬
‫ن غرضهم هو أ ّ‬
‫ودافعوا بأ ّ‬
‫يحتاج إلى من يعّلمه الضروريات من الدين‬
‫الحق من الباطل وليمّيز‬
‫ّ‬
‫والدنيا حّتى يتبّين له‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .528 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .20 /‬مكتبة الحقيقة‪.‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫إسطنبول ‪1992 -‬م‪.‬‬
‫ي‪ ،‬مكاتيب شريفة‪ :‬المكتوب السادس عشر‪ ،‬ص‪ .33 /‬مكتبة الحقيقة‪ .‬إسطنبول ‪-‬‬
‫* غلم علي عبد الله الدهلو ّ‬
‫‪1992‬م‪.‬‬
‫* نعمة الله بن عمر‪ ،‬الرسالة المدنية ص‪ 20 /‬مخطوطة دمشق ‪ 1213 -‬هـ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫راجع موضوع ضرورة النتساب إلى شيخ من شيوخ الطريقة في اعتقاد النقشبندّيين ضمن المصادر التالية‪:‬‬

‫* نعمة الله بن عمر‪ ،‬الرسالة المدنية ص‪ 26 /‬مخطوطة دمشق ‪ 1213 -‬هـ‪.‬‬
‫* أحمد البقاعي‪ ،‬رسالة في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪ .36 /‬مخطوطة ‪ 1249‬هـ‪.‬‬
‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية ص‪ .39 /‬مخطوطة‪ .‬بغداد‪1234/‬هـ‪ .‬مستنسخة من قبل مكتبة‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫الحقيقة‪ .‬إسطنبول‪1992-‬م‪.‬‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬جامع الصول ص‪ .116 ،61 /‬ط‪ 1276 .‬هـ‪.‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫* أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ 4 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .525 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬المنتخبات‪ ،‬المكتوب‬
‫ي السرهند ّ‬
‫* أحمد الفاروق ّ‬

‫رقم‪61/‬‬

‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .12 /‬مكتبة الحقيقة‪.‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫إسطنبول ‪1992 -‬م‪.‬‬
‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة‪ :‬رحمي سرين( ص‪ 133 /‬إسطنبول‪1994-‬م‪.‬‬
‫*‬

‫‪A. Faruk Meyan, Şah-ı Nakşibend. Pg. 35 Çile Publishing İstanbul-1970‬‬

‫‪53‬‬

‫بين الحلل والحرام فيعمل المعروف ويجتنب‬
‫ن دفاعهم بمثل هذا السلوب ل‬
‫المنكر‪ .‬فا ّ‬
‫ما‬
‫يطابق ما يقصدونه من مفهوم البيعة‪ .‬وأ ّ‬
‫المرشد عندهم في الحقيقة ليس هو الستاذ‬
‫ب‬
‫ه والعقيدةَ والفنو َ‬
‫ن ويهذّ ُ‬
‫م الفق َ‬
‫اّلذي يعل ّ ُ‬
‫ق‪ .‬بل إّنما هو ‪-‬على حد قولهم‪« -‬العارف‬
‫الخل َ‬
‫بالله والواصل إلى الله‪ ».‬وما أكثر وصفهم‬
‫لشيوخهم بهذه الكلمات‪ .‬مع أّنه لم يرد في‬
‫ن العبد‬
‫الكتاب ول في سّنة رسوله ‪ ‬ما يفيد أ ّ‬
‫ن‬
‫مأمور ومكل ّ ٌ‬
‫ف بمعرفة الله‪ ،‬أو يمكنه أو يجوُز أ ْ‬
‫يعرف الله حق معرفته‪ ،‬أو يصل إليه وصول ً في‬
‫و ُ‬
‫د‬
‫م ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ق ِ‬
‫منتهى الغاية‪ .‬بل قال الله تعالى‪َ } :‬‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ها{‪ 57‬إ ً‬
‫ذا فان معرفة‬
‫م آَيات ِ ِ‬
‫لل ِ‬
‫فت َ ْ‬
‫فون َ َ‬
‫ه َ‬
‫ريك ُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫سي ُ ِ‬
‫النسان تنحصر في حدود رؤيته ليات الله دون‬
‫ن وصول‬
‫ن تتجاوز إلى ذات الله سبحانه‪ .‬كما أ ّ‬
‫أ ْ‬
‫وا‬
‫النسان إليه محال‪ .‬تعالى رّبنا عن ذلك عل ّ‬
‫ف بعبادة الله‬
‫ما النسان مأمور ومكل ّ ٌ‬
‫كبيًرا‪ .‬وإن ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خل ْ‬
‫ن‬
‫ما َ‬
‫ق ُ‬
‫ج ّ‬
‫و َ‬
‫ت ال ِ‬
‫تعالى كما قال سبحانه‪َ } :‬‬
‫‪58‬‬
‫ن{‬
‫عب ُ ُ‬
‫س إ ِل ّ ل ِي َ ْ‬
‫وا ْل ِن ْ َ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫مع هذا البيان الواضح بشهادة آيات الله‪ ،‬فان‬
‫ة الصوفّية بما فيهم النقشبندّيون‪ ،‬يعتقدون‬
‫عامّ َ‬
‫«المعرفة بالله» أمًرا جائًزا للنسان‪ ،‬وأنه بإمكان‬
‫ه؛ فيشترطون لذلك‬
‫ن يتعّرف إلى ذات الل ِ‬
‫العبد أ ْ‬
‫خا ويأخذ‬
‫ن يبايع شي ً‬
‫أموًرا يمارسه المريد بعد أ ْ‬
‫منه الميثاق اّلذي سموه «البيعة»‪.‬‬
‫م مسائل الفقه‬
‫ما مسألة البيعة‪ ،‬فإّنها من أه ّ‬
‫أ ّ‬
‫ف‬
‫ي تتعلّق بنصب إمام ٍ للمسلمين‪ ،‬مّتص ٍ‬
‫السلم ّ‬
‫بالسلم والعقل والذكورة والبلوغ والشجاعة‬
‫والكفاءة وسلمة العضاء؛ يقوم بمصالحهم‬
‫وتنظيم أمورهم‪ ،‬وبإقامة العدل وتنفيذ الحكام‬
‫‪57‬‬

‫سورة النمل‪.93/‬‬

‫‪58‬‬

‫سورة الذاريات‪.56/‬‬

‫‪54‬‬

‫بإنصاف المظلومين‪ ،‬والدفاع عن أرض السلم‬
‫عرض المسلمين بميثاق يتعهدون على أساسه‬
‫و ِ‬
‫ن ُيطيعوه في حكمه ويناصروه في دفاعه‬
‫أ ْ‬
‫َ‬
‫تطبي ً‬
‫ن‬
‫قا لما جاء في كلمه تعالى } َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫سو َ‬
‫ر‬
‫مُنوا أ ِ‬
‫طي ُ‬
‫طي ُ‬
‫عوا الر ُ‬
‫وأوِلي ال ْ‬
‫عوا الل َ‬
‫آ َ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫ء َ‬
‫م َ‬
‫في َ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫ن ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫وه إ َِلى الل ِ‬
‫ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫فُردّ ُ‬
‫ش ْ‬
‫ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫ر‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫والّر ُ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫والي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫سو ِ‬
‫خ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫‪59‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ويل‪{.‬‬
‫ذَل ِك َ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫خي ٌْر َ‬
‫ن ت َأ ِ‬
‫ولوا هذا المفهوم بما‬
‫أما النقشبندّية فقد تأ ّ‬
‫يتعارض والنصوص القرآنية‪ .‬فقد جعلوا منها‬
‫ميثا ً‬
‫قا يتعاقد على أساسه مريد الطريقة مع‬
‫شيخ الطائفة على أنْ يقوم بك ّ‬
‫ل ما يأمره ولو‬
‫ما‪.‬‬
‫كان حرا ً‬
‫ة رج ٌ‬
‫ل‬
‫ن عبثوا بمفهوم البيع ِ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ويأتي على رأ ِ‬
‫ي اسمه أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه‬
‫د‬
‫هن‬
‫ِ ّ‬
‫ة في تفخيم هذا‬
‫ت الصوفي ُ‬
‫ال ّ‬
‫دين‪ .‬فقد بالغ ْ‬
‫ىل ّ‬
‫ي الله‬
‫الروحاني الهن ِ‬
‫د ّ‬
‫قبوه بشاه ول ّ‬
‫ي حت ّ‬
‫ه‪ :‬القول‬
‫ال ّ‬
‫ما ُ‬
‫ب له‪ ،‬س ّ‬
‫دهلو ّ‬
‫ي‪ .‬يقول في ثنايا كتا ٍ‬
‫ل‪:‬‬
‫الجميل في بيان سوا ِ‬
‫ء ال ّ‬
‫سبي ِ‬
‫ء‪،‬‬
‫ن البيعة أقسام‪ :‬منها بيعة الخلفا ِ‬
‫قأ ّ‬
‫«فالح ّ‬
‫ك بحبل التقوى‪ ،‬ومنها بيعة‬
‫س ِ‬
‫ومنها بيعة التم ّ‬
‫ة والجهاد‪ ،‬ومنها بيعة التوّثق في الجهاد‪.‬‬
‫الهجر ِ‬
‫ء‪.‬‬
‫ة في زمن الخلفا ِ‬
‫مت ُْروك َ ً‬
‫وكانت بيعة السلم ِ َ‬
‫َ‬
‫ن دخو َ‬
‫ل الّناس‬
‫ما في زمن الّراشدين منهم‪ ،‬فل ّ‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫في السلم ِ في أّيامهم كان غالًبا بالقه ِ‬
‫عا‬
‫ن ول طو ً‬
‫ف‪ ،‬ل بالتألي ِ‬
‫والسي ِ‬
‫ف وإظهار البرها ِ‬
‫َ‬
‫م كانوا في‬
‫ول َرغب ً‬
‫ما في غيرهم‪ ،‬فلن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ة‪ .‬وأ ّ‬
‫س َ‬
‫ة َ‬
‫ن‪.‬‬
‫ق ً‬
‫م ً‬
‫مو َ‬
‫ن ِبإقامة ال ّ‬
‫ف َ‬
‫ة ل يهت ّ‬
‫ر ظَل َ َ‬
‫الكث ِ‬
‫سن ِ‬
‫وكذل َ‬
‫ة‪.‬‬
‫مت ُْروك َ ً‬
‫س ِ‬
‫م ّ‬
‫ك بحبل التقوى كانت َ‬
‫ك بيعة الت ّ َ‬
‫ما في زمن الخلفاء الّراشدين‪ ،‬فلكثرة الصحابة‬
‫أ ّ‬
‫‪59‬‬

‫سورة النساء‪.59/‬‬

‫‪55‬‬

‫َ‬
‫ي‬
‫وت َأ ّ‬
‫اّلذي َ‬
‫ي ‪َ ‬‬
‫ن استناروا بصحبة النب ّ‬
‫دبوا ف ِ‬
‫ف َ‬
‫خل َ‬
‫حضرته‪َ ،‬‬
‫ء‪» ...‬‬
‫فا ِ‬
‫ة ال ُ‬
‫ن إلى بيع ِ‬
‫حَتاجو َ‬
‫كانوا ل َ ي َ ْ‬

‫‪60‬‬

‫ي سبي َ‬
‫ة‬
‫ة البيع ِ‬
‫ي مسأل ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫يّتخذ ال ّ‬
‫دهلو ّ‬
‫دخو ِ‬
‫لف ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ة‬
‫وي َ ِ‬
‫سرًبا ومكًرا من خلل هذه الصيغة ال ُ‬
‫ملت َ ِ‬
‫المارجة‪ ،‬وي َُراو ُ‬
‫ن‬
‫صل ً‬
‫ق ِ‬
‫غ بهذه العفعف ِ‬
‫ة بي َ‬
‫ة ليختل َ‬
‫ف‬
‫ما صدر من الرسول ‪ ‬من المر بالمعرو ِ‬
‫ه شيوخ‬
‫ر وبين ما يأمر ب ِ ِ‬
‫ي عن المنك ِ‬
‫والّنه ِ‬
‫م‬
‫النقشبندّية من تعاليم البوذّية والبرهمي ِ‬
‫ة؛ ث ّ‬
‫ن الرسو َ‬
‫ه‬
‫م ‪ ،‬إنما كا َ‬
‫يتناسى أ ّ‬
‫ن أصحاب ُ ُ‬
‫ل الكري َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ص ً‬
‫جن ّدَ ُ‬
‫ى أموَر ُ‬
‫ة ل ِي ُ َ‬
‫ي َُباي ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عون ُ‬
‫هم‪ ،‬وخا ّ‬
‫ه ليتول َ‬
‫ص َ‬
‫سا َيمَتاُز ب ِ َ‬
‫شخصيِته السياسّية‬
‫فت ِ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ه رئي ً‬
‫ة‪ .‬وأين هذه الصفات للشيوخ‬
‫ة والروحي ِ‬
‫والعسكري ِ‬
‫النقشبندّية؟ فهل ُيتصور لعاقل أن يقارن بين‬
‫خ‬
‫ة العظيم ِ‬
‫هذه الشخصية العالمي ِ‬
‫وبين أ ّ‬
‫ة َ‬
‫ي شي ٍ‬
‫ن المعزولين‬
‫من شيوخ النقشبندّية الخاملي َ‬
‫البعيدين عن ك ّ‬
‫ة ونشاطاِتها‪.‬‬
‫ل مجالت الحيا ِ‬
‫ه ُ‬
‫ة‬
‫ؤل َ ِ‬
‫ة‪ ،‬وقو ٌ‬
‫ة سياسي ٌ‬
‫سل ْطَ ٌ‬
‫ء المساكين ُ‬
‫وهل ل ِ َ‬
‫يستخدمونها في تنفيذ الحكام‪ ،‬وإنصاف‬
‫ى يجوز مبايعتهم؟ وهل استطاع‬
‫المظلومين حت ّ‬
‫أحد منهم حتى اليوم أن يمنع الكفار والمنافقين‬
‫من الظلم والقهر والقتل والبادة ضد‬
‫ن‬
‫ن يكو ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن هؤل ِ الشيوخ‪ ،‬و َ‬
‫المسلمين؟!!! ت َُرى َ‬
‫س فيوّلوهم‬
‫يَ ْ‬
‫عت َدّ بهم حتى يبايعهم النا ُ‬
‫أموَرهم؟!‬
‫س‬
‫فإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ي يتع ّ‬
‫دهلو ّ‬
‫مد فيما سبق من كلماته ليد ّ‬
‫دا‪ ،‬وأبعد‬
‫ت به صل ً‬
‫ة أب ً‬
‫في مفهوم البيعة ما ل يم ّ‬
‫من ذل َ‬
‫ة أجمع عليها‬
‫ة عظيم ً‬
‫ك فإنه يكتم حقيق ً‬
‫ر‬
‫علماءُ التاريخ‪ :‬وهي انعقاد مبايع ِ‬
‫ة جمهو ِ‬
‫ة للخلفاء الراشدين‪ .‬نعم لم يتو ّ‬
‫م‬
‫ل أحدُ ُ‬
‫الصحاب ِ‬
‫ه ْ‬
‫ة له‬
‫أمَر المسلمين إل ّ بعد مبايعة جمهور الصحاب ِ‬
‫‪ 60‬أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين )شاه عبد الله الدهلوي(‪ ،‬القول الجميل في بيان سواء السبيل‪ :‬قونية‬
‫– ‪ .2001‬التصال‪(0332) 251 76 22 :‬‬

‫‪56‬‬

‫ب(‪ .‬إ ً‬
‫ذا فقد‬
‫)وإن تأخر ْ‬
‫ت عنها جماعة منهم لسبا ٍ‬
‫ر بشهادة البراهين‬
‫جاء ال ّ‬
‫دهلو ّ‬
‫ي بكذ ٍ‬
‫ب ظاه ٍ‬
‫ة حين قا َ‬
‫ل‪« :‬فلكثرة الصحابة اّلذين‬
‫التاريخي ِ‬
‫دبوا في حضرته‪،‬‬
‫ي ‪ ‬وتأ ّ‬
‫استناروا بصحبة النب ّ‬
‫‪61‬‬
‫ء‪» .‬‬
‫ن إلى بيعة الخلفا ِ‬
‫فكانوا ل يحتاجو َ‬
‫***‬
‫ي باًبا في‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫لقد أفرد مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫كتابه «تنوير القلوب» يشتمل على اثنين‬
‫وعشرين شر ً‬
‫طا يجب أن تتو ّ‬
‫در‬
‫فر فيمن يتص ّ‬
‫لخذ العهد على المريدين وقبولهم في الطريقة‬
‫النقشبندّية‪ .‬ومن هذه الشروط ما ينسجم مع‬
‫روح السلم ويقع موقع القبول عند المسلمين‪.‬‬
‫ما بما‬
‫كقوله في الشرط الول «أن يكون عال ً‬
‫يحتاج إليه المريدون من الفقه والعقائد بقدر ما‬
‫يزيل الشبه اّلتي تعرض للمريد في البداية‬
‫ليستغنى به عن سؤال غيره ‪»62‬‬
‫ولع ّ‬
‫ل كثيرًا من الناس يقتنعون بمثل هذا المقال‬
‫اّلذي ل تخلو عبارات شيوخ هذه الطريقة منها؛‬
‫ن غايتهم ل تتجاوز إجماع أهل العلم‬
‫يقيًنا بأ ّ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ُيعل ّ ُ‬
‫والبصيرة في حاجة النسان إلى َ‬
‫ه بالطرق المتعارف عليها‪ .‬إل أّنك‬
‫ه وي ُ َ‬
‫هذّب ُ ُ‬
‫وي َدَّرب ُ ُ‬
‫ت ما ينطوي عليه‬
‫ت كلماِتهم واستقصي َ‬
‫إذا تابع َ‬
‫م‪ ،‬ظهرت لك حقيقة‬
‫ض المقاطع من ِ‬
‫ه ْ‬
‫بع ُ‬
‫عَباَرات ِ ِ‬
‫ما يقصدون من وراء ذلك مما قد سّنها لهم‬
‫م اّلذين وقعت عظمتهم في قلوب‬
‫ه ْ‬
‫بعض ك ُب ََرائ ِ ِ‬
‫مة حّتى أذعنت لهم‪ ،‬بحيث لم يش ّ‬
‫ك أحد في‬
‫العا ّ‬
‫و مكانتهم عند‬
‫صدقهم وأمانتهم وورعهم وعل ّ‬
‫‪61‬‬

‫ها آن ِ ً‬
‫ت اّلتي ن َ َ‬
‫ى )القول الجميل في بيان سواء السبيل(‪،‬‬
‫قل َْنا َ‬
‫وقد تكو ُ‬
‫ن العبارا ُ‬
‫فا من الكتا ِ‬
‫ب المسم ّ‬

‫ه اّلذي‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫ص ً‬
‫موضوع ً‬
‫ة في طَب ْ ِ‬
‫ن مؤل ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه‪ .‬ل ّ‬
‫ذًبا وُزوًرا علي ِ‬
‫وك َ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ري ٍ‬
‫ض ل ِت َ ْ‬
‫ن هذا الكتا َ‬
‫خا ّ‬
‫ب قد تعّر َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ة على لسا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف شني ٍ‬
‫ة ُ‬
‫ي وما ابتكره‬
‫تول ّ َ‬
‫ض التراك في مدين ِ‬
‫ي الله ال ّ‬
‫دهلو ّ‬
‫ها بع ُ‬
‫ي عند المام ول ّ‬
‫قون َْيا التركّية بعنوان )الفكر السلم ّ‬
‫هْرت‬
‫ه واسم ِ المطبع ِ‬
‫ب الناشر عن تسجيل اسم ِ‬
‫ي(‪ .‬وقد تهّر َ‬
‫ر في الكتاب‪ .‬وإّنما ظَ َ‬
‫من العمل النموذج ّ‬
‫ر الّنش ِ‬
‫ة ودا ِ‬
‫م َ‬
‫ة هذا الّتحريف حين ُ‬
‫ة حول‬
‫لنا حقيق ُ‬
‫ع َ‬
‫ي في الرابطة‪) .‬لمزيد من المعرف ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ٍ‬
‫ن كلم ِ ال ّ‬
‫قطِ َ‬
‫جئ َْنا بحذ ِ‬
‫م ْ‬
‫و ّ‬
‫ها ّ‬
‫ف َ‬
‫ف ِ‬
‫دهل ّ‬
‫ي ومعارضوه(‬
‫هذا التحريف‪ ،‬راجع المبحث‪ :‬خالد البغداد ّ‬

‫‪62‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة ع ّ‬
‫لم الغيوب‪ ،‬ص‪ .506 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪57‬‬

‫ف من شيوخ‬
‫الله رجما بالغيب؛ فاّتبعهم الخل ُ‬
‫دا صر ً‬
‫فا‪ .‬وأقوى دليل على‬
‫هذه الطريقة تقلي ً‬
‫هذا الواقع الخطير قول المؤّلف وهو يشرح‬
‫الشرط الرابع عشر من آداب المشيخة ‪ -‬وهذا‬
‫نصه‪« :‬يجب عليه أن يمنع المريدين عن التكّلم‬
‫‪63‬‬
‫ة»‬
‫مع غير إخوانهم إل لضرور ٍ‬
‫والغرض من قوله «غير إخوانهم» هم اّلذين‬
‫ليسوا من أتباعه؛ سواء أكانوا من المنتسبين‬
‫إلى غيره من مشائخ الطرق الصوفّية أم كانوا‬
‫ممن لم يدخلوا في سلك الطريقة أصل‪.‬‬
‫ومن أين لشيخ الطريقة أن يفرض سلطانه على‬
‫م في إرادة‬
‫ست َب ِدّ ب ِ َ‬
‫س في ْ‬
‫ها‪ ،‬فيتحك ّ َ‬
‫جماعةٍ من النا ِ‬
‫م من الحديث مع غيرهم؟ من‬
‫أفراِدها وي ُ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫حّر َ‬
‫أين له هذا التح ّ‬
‫جته في‬
‫كم أو الوصاية؟ وما ح ّ‬
‫ذلك من الكتاب والسّنة؟ وأين هذا الكلم من‬
‫خوةٌ َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫حوا ب َي ْ َ‬
‫ما ال ْ ُ‬
‫قوله تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫فأ ْ‬
‫ن إِ ْ َ‬
‫‪64‬‬
‫وات ّ ُ‬
‫ن{ فهل من‬
‫أَ َ‬
‫مو َ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫قوا الله ل َ َ‬
‫ح ُ‬
‫عل ّك ْ ْ‬
‫وي ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خ َ‬
‫مقتضى الصلح أن يمنع شيخ الطريقة أتباعه‬
‫ن ليس من جماعته من‬
‫م ْ‬
‫من التكلم مع َ‬
‫المسلمين‪ ،‬أم إّنه من دواعي الشقاق وتفريق‬
‫ذات بين المسلمين؟ ألم يقل رسول الله ‪:‬‬
‫م ْ‬
‫مث َ ُ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫وادّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وت ََرا ُ‬
‫مِني َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫« َ‬
‫م َ‬
‫في ت َ َ‬
‫م ِ‬
‫شت َ َ‬
‫ذا ا ْ‬
‫مث َ ُ‬
‫د إِ َ‬
‫و‬
‫ف‬
‫ه ُ‬
‫عاطُ ِ‬
‫ع ْ‬
‫كى ِ‬
‫س ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫ج َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ض ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫‪65‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫فهل‬
‫مى»‬
‫دا َ‬
‫س ِ‬
‫وال ُ‬
‫سائ ُِر ال َ‬
‫تَ َ‬
‫د ِبالس َ‬
‫ج َ‬
‫عى له َ‬
‫ح ّ‬
‫ر َ‬
‫ه ِ‬
‫يمكن ذلك إذا منع شيخ الطريقة أتباعه من‬
‫مجالسة الناس ومعاشرتهم‪ ،‬بل وحّتى من‬
‫التكل ّم ِ معهم؟ إ ً‬
‫ذا فما السبيل لقيام الناس‬
‫بالتعاون فيما بينهم امتثال ً لقوله تعالى‪:‬‬
‫والت ْ‬
‫عَلى‬
‫وُنوا َ‬
‫وُنوا َ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عا َ‬
‫وى َ‬
‫ق َ‬
‫عَلى ال ْب ِّر َ‬
‫عا َ‬
‫} َ‬
‫‪63‬‬

‫المصدر السابق ص‪.526 /‬‬

‫‪64‬‬

‫سورة الحجرات‪.10/‬‬

‫‪65‬‬

‫ي‪ ،‬رقم الحديث‪5552 :‬؛ مسلم‪ ،‬رقم الحديث‪:‬‬
‫الب ُ َ‬
‫خار ّ‬

‫‪4686‬‬

‫‪58‬‬

‫ن{‪ 66‬إذا منع ك ّ‬
‫ل شيخ جماعته من‬
‫وال ْ ُ‬
‫وا ِ‬
‫عدْ َ‬
‫ا ْل ِث ْم ِ َ‬
‫التكل ّم ِ مع غير إخوانهم؟‬
‫يظهر من ك ّ‬
‫ن شيوخ الطريقة‬
‫ل هذا‪ :‬أ ّ‬
‫النقشبندّية قد ألغوا المؤاخاة اّلتي عقدها الله‬
‫بين المؤمنين فضربوها بعرض الحائط بإقرار‬
‫ي عليهم‪ :‬بأّنه يجب على شيخ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬
‫ن يمنع المريدين من التكل ّم ِ مع غير‬
‫الطريقة أ ْ‬
‫ن جماعة ك ّ‬
‫ة‬
‫خ إخو ٌ‬
‫إخوانهم‪ .‬وهذا يعني‪ ،‬أ ّ‬
‫ل شي ٍ‬
‫ما من سواهم‪ ،‬فانهم أجانب‪.‬‬
‫فيما بينهم؛ أ ّ‬
‫ي مقالته في سرد شروط المشيخة‪،‬‬
‫يتابع الكرد ّ‬
‫فيقول في الشرط الرابع عشر‪« :‬أن يجع َ‬
‫ل له‬
‫دا من مريديه‬
‫ن أح ً‬
‫خلوة ينفرد بها وحده‪ ،‬ول يمك ّ َ‬
‫‪67‬‬
‫يقول‬
‫صا عنده»‬
‫م ْ‬
‫أن يدخلها إل ّ َ‬
‫صي ً‬
‫ن كان خ ّ‬
‫دا‬
‫ن مري ً‬
‫في الشرط السادس عشر‪« :‬أن ل يمك ّ َ‬
‫من أن ي ّ‬
‫طلع على حركة من حركاته أصل‪ ،‬ول‬
‫يعرف له سّرا‪ ،‬ول يقف له على نوم ول طعام‬
‫ن المريد إذا وقف‬
‫ول شراب ول غير ذلك‪ .‬فا ّ‬
‫على شيء من ذلك ربما نقصت عنده حرمة‬
‫‪68‬‬
‫الشيخ»‬
‫إ ً‬
‫ن الغاية من وراء‬
‫ذا يّتضح من هذه التوجيهات أ ّ‬
‫ما ُيضمره شيوخ النقشبندّية بهذه الداب‪ ،‬ليس‬
‫إل إلقاء الهيبة في نفوس الجمهور وتسخير‬
‫‪66‬سورة المائدة‪.2/‬‬

‫‪67‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة ع ّ‬
‫لم الغيوب‪ ،‬ص‪ .526 ،506 /‬طبعة مصر‪1384 /‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫طبعة مصر‪1384/‬هـ‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫المصدر السابق ص‪ .526 /‬لمزيد من المعرفة حول أقوالهم في آداب المشيخة‪ ،‬راجع المصادر التالية‪:‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .28 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة ع ّ‬
‫لم الغيوب‪ ،‬ص‪ 524 /‬طبعة مصر‪ 1384 /‬هـ‪ ..‬طبعة مصر‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫‪1384‬هـ‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .9 /‬مكتبة الحقيقة‪.‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫إسطنبول ‪1992 -‬م‪.‬‬
‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة‪ :‬رحمي سرين( ص‪ .13 /‬إسطنبول‪1994 -‬م‪.‬‬
‫*‬

‫‪Dr. İrfan Gündüz, Ahmed Ziyaüddin Gümüşhanevî. Pg. 237-246 İstanbul-1984‬‬

‫‪59‬‬

‫قلوبهم‪ ،‬وليشتغل الناس بذكرهم‪ ،‬ولتخضع‬
‫ل الرقاب لعظمتهم‪ .‬وليس أد ّ‬
‫وتذ ّ‬
‫ل على هذا‪ ،‬ما‬
‫جاء في فصل آداب المريد مع شيخه من كلم‬
‫المؤّلف نفسه إذ يقول‪:‬‬
‫مها أن‬
‫مات‪ ،‬وأعظ ُ‬
‫«واقتصرنا على بعض المه ّ‬
‫ه‪ ،‬ويع ّ‬
‫و ّ‬
‫ظمه ظاهًرا وباطًنا‬
‫قَر المريدُ شي َ‬
‫خ ُ‬
‫يُ َ‬
‫دا أّنه ل يحصل مقصوده إل ّ على يده‪ .‬وإذا‬
‫معت ِ‬
‫ق ً‬
‫تشّتت نظره إلى شيخ آخر‪ ،‬حّرمه من شيخه‪،‬‬
‫ما‬
‫وانسدّ عليه الفيض‪ .‬ومنها أن يكون مستسل ً‬
‫دا راضًيا بتصّرفات الشيخ‪ ،‬يخدمه بالمال‬
‫منقا ً‬
‫ن جوهر الرادة والمحّبة ل يتبّين إل‬
‫والبدن‪ .‬ل ّ‬
‫بهذا الطريق‪ .‬ووزن الصدق والخلص ل يعلم إل‬
‫بهذا الميزان‪ .‬ومنها أن ل يعترض عليه فيما‬
‫ما‪ .‬ول يقول‪ :‬لم‬
‫فعله‪ ،‬ولو كان ظاهره حرا ً‬
‫م؟ ل يفلح‬
‫فعلت كذا؟ ل ّ‬
‫ن من قال لشيخه‪ :‬ل ِ َ‬
‫‪69‬‬
‫دا‪...‬إلخ‪.‬‬
‫أب ً‬
‫جل المؤّلف نقل ً عن بعضهم شعًرا في‬
‫ثم يس ّ‬
‫هذا الصدد‪ ،‬ومطلعه‪:‬‬
‫«وكن عنده كالمّيت عند مغسل * يقّلبه ما شاء‬
‫‪70‬‬
‫وهو مطاوع»‬
‫نعم هكذا ينصح شيوخ الطريقة النقشبندّية‪.‬‬
‫ن موق َ‬
‫فهم من‬
‫وبهذا القرار والعتراف يتبّين أ ّ‬
‫المريد ليس كموقف الستاذ المعّلم من تلميذه‪.‬‬
‫إذ يبذل الستاذ لل ّ‬
‫طالب من حصيلة علمه‪ ،‬ويلقّنه‬
‫د‪ ،‬ويشرح له ما يخفى عليه من غريب‬
‫القواع َ‬
‫الموضوع لدروسه‪ ،‬ويبسط له من دقائق‬
‫مسائلها‪ .‬ويقوم بح ّ‬
‫دا‬
‫ل عويصاتها وهو ل يألو جه ً‬
‫مل المش ّ‬
‫صا‬
‫ق َ‬
‫في الجابة على سؤاله‪ ،‬ويتح ّ‬
‫ة حر ً‬
‫‪69‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب‪ ،‬ص‪ .528 /‬طبعة مصر‪ 1384/‬هـ‪ ..‬طبعة‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫مصر‪ 1384/‬هـ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫المصدر السابق ص‪.528 /‬‬

‫‪60‬‬

‫منه على تعليمه وتأديبه وتهذيبه ليح ّ‬
‫ل محله في‬
‫ة في وجوه‬
‫حّر ِ‬
‫ق بإرادت ِ ِ‬
‫ه ال ُ‬
‫إرشاد الناس‪ ،‬ولينطل َ‬
‫ن‬
‫الخير مستنيًرا ومنيًرا بالعلم والمعرفة‪ .‬ولك ّ‬
‫شيوخ النقشبندّية يريدون أن يصّبوا المريدَ في‬
‫قالب هذه الطائفة ويصهروه في بوتقتها‬
‫مونه‬
‫لُيد ِ‬
‫خلوه تحت رقابتهم المطلقة بما يس ّ‬
‫ضا‬
‫عّر ً‬
‫م َ‬
‫آدا َ‬
‫ب الطريقة‪ .‬فيصبح المريد بذلك ُ‬
‫ل‬
‫للستغلل بشخصيته وبكل ما يملك من ما ٍ‬
‫ل ل يمكن‬
‫وجا ٍ‬
‫ه؛ وقد ُيستخدَ ُ‬
‫م في تحقيق آما ٍ‬
‫ضبطها وتحديدها‪ .‬ول يخفى دور المريدين بعد‬
‫تسخيرهم في نشر الطريقة‪ ،‬وإذاعة شهرة شيخ‬
‫الجماعة وإلقاء هيبته وعظمته في قلوب الناس‬
‫وبسط سلطانه على المجتمع‪.‬‬
‫ومن شاء أن يتأ ّ‬
‫كد من هذا الواقع فله أن يزور‬
‫‪71‬‬
‫ت‬
‫تكي ً‬
‫ي بي ٍ‬
‫ة من تكاياهم ثم يقارن بينها وبين أ ّ‬
‫من بيوت العلم‪.‬‬
‫***‬

‫* آداب الذكر عند النقشبندّية‪.‬‬
‫ء في الذهن‬
‫الذّك ُْر في الّلغة‪ :‬هو استحضاُر شي ٍ‬
‫ق به‪ .‬وهو تحريك‬
‫معهوٍد فيما سبق؛ أو النط ُ‬
‫‪71‬‬

‫مل‬
‫التكّية‪ :‬قيل أصله «التكيئة»؛ من وكأ‪-‬يكأ‪ .‬كوطأ‪-‬يطأ‪ .‬جمعها‪ :‬تكايا‪ .‬ومنه اتكأ ‪-‬على شئ‪ -‬أي اعتمد وتح ّ‬

‫عصاي‪ :‬أ َت َوك ّأ ُ‬
‫ء‪ :‬أي نصب له مّتكًأ‪ .‬ومنه تو ّ‬
‫كأ‪ .‬كما جاء في الية الكريمة‪َ } :‬‬
‫قا َ‬
‫عليه‪ .‬و أوكأ إيكا ً‬
‫ل ِ‬
‫ي َ َ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬

‫َ‬
‫ها‪20){...‬‬
‫عل َي ْ َ‬

‫ن مصطلح التكّية‪ ،‬وضعها الصوفّية انطل ً‬
‫قا من هذا المعنى؛ بعد أن استوحاه الواضع من الكلمة‬
‫‪ .(/18‬يغلب أ ّ‬
‫ص‪ ،‬تجتمع فيه الصوفّية‪ .‬وهي‬
‫ن مفهوم التكّية‪ .‬يشمل هذا المعنى أي ً‬
‫ضا‪ .‬ول ّ‬
‫المذكورة‪ .‬ل ّ‬
‫ن التكّية مكان خا ّ‬
‫مّتكأ لهم‪ .‬إذ يأوون إليها‪ .‬و يقومون بإجراء حفلتهم و طقوسهم فيها‪ .‬هذه الكلمة شائعة بين صوفية‬
‫بمنزلة ال ُ‬
‫التراك‪ .‬يقابلها كلمة «الرباط» بين صوفية العرب‪ ،‬وكلمة «خانقاه» بين صوفية الفرس والهند‪ .‬ظهرت التكايا‬
‫بعد عصر السلف الصالح مع بداية النحراف عن التوحيد الخالص‪ ،‬بدافع تقليد العجام اّلذين اعتنقوا السلم‬
‫وراتهم‪ .‬وابتدعوا ما ليس منه‪ .‬فظهرت التكايا على غرار الصوامع اّلتي يتعبد فيها‬
‫بدون روية‪ .‬فطّبعوه بتص ّ‬
‫معات كبيرة من المباني والمرافق‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وأصبحت مج ّ‬
‫الرهبان‪ .‬كانت التكايا قد تط ّ‬
‫ورت في أواخر العهد العثمان ّ‬
‫دا من الغرف و الحجرات‪ .‬منها الصحن الرئيس اّلذي فيه المحراب و مقام الشيخ‪ ،‬والمحفل المفصول‬
‫م عد ً‬
‫تض ّ‬
‫ن عدد التكايا الموجودة فقط بإسطنبول في‬
‫بالشّباك‪ .‬وهو القفص اّلذي يجلس فيه السلطان أثناء الحفلة‪ .‬إ ّ‬
‫ة‪ .‬وكان يقوم بتنظيم شؤون التكايا على مستوى المملكة‬
‫عهد السلطان عبد الحميد‪ ،‬كان قد بلغ ‪ 311‬تكي ّ ً‬
‫ُ‬
‫ي بعنوان «المجلس العلى لمشائخ الطرق الصوفّية»‪ .‬ثم ألغي هذا المجلس وجميع التكايا‬
‫العثمانّية مرجع روحان ّ‬
‫ي يوم ‪ .30‬نوفمبر‪1925 .‬م‪ .‬بقانون رقم‪.677/‬‬
‫والزوايا في بداية العهد الجمهور ّ‬

‫‪61‬‬

‫ض‪.‬‬
‫الّلسان لداء المنطوق به ولو بصو ٍ‬
‫ت خاف ٍ‬
‫وفي الصطلح‪ :‬هو ترديدُ أسم ٍ من أسمائه‬
‫ء من القرآن‬
‫تعالى أو النداءُ به‪ ،‬أو قراءةُ شي ٍ‬
‫ي كسائر‬
‫ت معّين ٍ‬
‫الكريم في أوقا ٍ‬
‫ة‪ .‬والذكر توقيف ّ‬
‫ت‪ ،‬ل يجوز إل ّ بالكيفية اّلتي وردت في‬
‫العبادا ِ‬
‫السّنة‪ .‬وضوابطها منصوصة في آثار السلف‬
‫ح‪.‬‬
‫الصال ِ‬
‫جب منه‬
‫ما عند النقشبندّية فله تعري ٌ‬
‫ف يتع ّ‬
‫أ ّ‬
‫ر‬
‫العاقل المنصف العارف بمعنى كلمة الذّك ْ ِ‬
‫ومفهومها‪ .‬وله آداب يستغربها ك ّ‬
‫ل من له علم‬
‫بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ‪ .‬وإنما‬
‫جة يعتمدون‬
‫ابتدعوها من تلقاء أنفسهم دونما ح ّ‬
‫عليها‪ ،‬وقد استوحاها بعض كبرائهم من الديان‬
‫خرون منهم على أثر‬
‫القديمة‪ ،‬فبناها المتأ ّ‬
‫ن الله أمر بالذكر على هذه‬
‫سادتهم‪ ،‬زعموا أ ّ‬
‫الصورة المزّيفة‪.‬‬
‫***‬

‫* الذكر بلسان القلب عند النقشبندّية‬
‫يقول أحد رؤسائهم ‪-‬وهو يشرح كيفية الذكر‬
‫ن له اثنين وعشرين أدًبا؛ يقول‬
‫عندهم‪ -‬ويزعم أ ّ‬
‫في سياق كلمه‪:‬‬
‫«‪ -‬الثالث عشر‪ :‬تغميض العينين‪ ،‬وإْلصاق الّلسان‬
‫بسقف الحلق‪ ،‬والسنان بالسنان‪ ،‬والشفة‬
‫بالشفة‪ ،‬وإطلق الن َ َ‬
‫س على حاله‪».‬؛‬
‫ف ِ‬
‫«‪ -‬الرابع عشر‪ :‬ذكر الله الله‪ ...‬بلسان القلب‬
‫س نَ َ‬
‫س‬
‫الخيال ّ‬
‫ف ٍ‬
‫ش ول حب ِ‬
‫ي فقط‪ ،‬بل ملحظة نق ٍ‬
‫أصل‪ .‬أعني أن يتخّيل لقلبه لساًنا يقول الله‬
‫الله‪ ...‬وهو يسمع‪».‬؛‬

‫‪62‬‬

‫مى هذا السم‬
‫«‪ -‬الخامس عشر‪ :‬استحضار مس ّ‬
‫دس‪ ،‬وهو الذات العلّية اللهّية في القلب »‬
‫المق ّ‬
‫نعم هذه كانت ن ُب ْذَةً من آداب الذكر عند هذه‬
‫الطائفة‪ .‬والله سبحانه برئ من ذلك‪ .‬إذ يقول‬
‫س َ‬
‫واذْك ُْر َرب ّ َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫عا‬
‫ضّر ً‬
‫ك ِ‬
‫ك تَ َ‬
‫ف ِ‬
‫تبارك وتعالى‪َ } :‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خي َ‬
‫و َ‬
‫ل‪،‬‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ف ً‬
‫و ِ‬
‫ر ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ج ْ‬
‫م َ‬
‫وْال َ‬
‫صا ِ‬
‫و َ‬
‫غدُ ّ‬
‫ق ْ‬
‫ة َ‬
‫ه ِ‬
‫‪73‬‬
‫ن{ فتبّين أّنه ل يتم الذكر‬
‫ن ال ْ َ‬
‫غا ِ‬
‫ن ِ‬
‫فِلي َ‬
‫م َ‬
‫ول َ ت َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫إل بالقول‪ .‬أي بإخراج الحروف من مخارجها مع‬
‫ع الذاكُر ن َ ْ‬
‫ه‪ .‬وإل ّ بطل‬
‫س ِ‬
‫صو ٍ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ت أدناه أن ي ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫الحكم بالقول‪ ،‬واختفت الحكمة‪ ،‬واقتصر المر‬
‫والت ّ َ‬
‫ن المراد من‬
‫ر؛ مع أ ّ‬
‫على مجّرد الت ّ َ‬
‫ر َ‬
‫ص ّ‬
‫فك ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫الية الكريمة هو القول دون الجهر‪ ،‬وليس‬
‫والت ّ َ‬
‫فك ُّر؛ وإن كان المطلوب من ال ّ‬
‫ر‬
‫الت ّ َ‬
‫وُر َ‬
‫ص ّ‬
‫ذاك ِ ِ‬
‫مل ً في معنى ك ّ‬
‫ة‬
‫ل كلم ٍ‬
‫أن يكون حاضر القلب متأ ّ‬
‫يذكرها‪ .‬وفي هذا الباب يقول المام النووي‬
‫ن الذكار المشروعة في‬
‫رحمه الله‪« :‬اعلم أ ّ‬
‫ب‬
‫حب ّ ً‬
‫الصلة وغيرها واجب ً‬
‫س ُ‬
‫ة‪ ،‬ل ي ُ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ة كانت أو ُ‬
‫ه حّتى يتل ّ‬
‫فظ به بحيث‬
‫عت َدّ ب ِ ِ‬
‫شيء منها ول ي ُ ْ‬
‫سه إذا كان صحيح السمع ل عارض له»‬
‫ُيس ِ‬
‫م َ‬
‫ع نف َ‬
‫‪72‬‬

‫‪74‬‬

‫إ ً‬
‫فك ُْر شيءٌ آخر‪ .‬وقد جمع‬
‫وال ْ ِ‬
‫ذا‪ ،‬فالذّك ُْر شيءٌ َ‬
‫ة وهو‬
‫ة واحد ٍ‬
‫الله بين هذين المفهومين في آي ٍ‬
‫مثا ٌ‬
‫م لمن‬
‫ل رائ ٌ‬
‫ي‪ ،‬وإفحا ٌ‬
‫ع من العجاز القرآن ّ‬
‫عمي قلبه فاْلتبس عليه المران‪ .‬وبّين سبحانه‬
‫وتعالى الفرقَ بينهما في مضمون قوله‪:‬‬

‫‪72‬‬

‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .3 /‬مكتبة‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫الحقيقة‪ .‬إسطنبول – ‪1992‬م‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫سورة العراف‪.205/‬‬

‫‪74‬‬

‫ي )‪676-631‬هـ‪ ،(.‬الذكار المنتخبة من كلم سيد‬
‫محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النوو ّ‬
‫ي الدمشق ّ‬

‫البرار ص‪14 /‬؛ مع مختصر شرح بن ع ّ‬
‫لن‪ .‬دار العربّية للطباعة والنشر‪ .‬بيروت‪.‬؛ نسخة أخرى بعنوان‪ :‬حلية‬
‫البرار و شعار الخيار في تلخيص الدعوات والذكار المستحّبة في الليل والنهار المعروف بالذكار النواوية‪ ،‬ص‪/‬‬
‫‪ .42‬تحقيق علي الشربجي وقاسم النوري‪ .‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬الطبعة الولى بيروت‪1992 -‬م‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫ت ْ َ‬
‫خل ْ‬
‫ل‬
‫وا ْ‬
‫في َ‬
‫ن ِ‬
‫«إ ِ ّ‬
‫خت ِل َ ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫ف الل ّي ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫وا ِ َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن الله‬
‫ر لَيا ٍ‬
‫ن ي َذْك ُُرو َ‬
‫والن ّ َ‬
‫ب* اّلذي َ‬
‫ت لوِلي ا ْلل َْبا ِ‬
‫َ‬
‫ها ِ‬
‫خل ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫في‬
‫ن‬
‫رو‬
‫ك‬
‫ف‬
‫ت‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫نو‬
‫ج‬
‫لى‬
‫ع‬
‫و‬
‫دا‬
‫عو‬
‫ق‬
‫و‬
‫ما‬
‫يا‬
‫ق‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ُ ُ ِ ِ ْ َ َ َ‬
‫ُ‬
‫ِ َ ً َ ُ ً َ‬
‫ِ‬
‫‪75‬‬
‫ت ْ َ‬
‫ْ‬
‫ما الذّكُر بالقول «دون‬
‫ال ّ‬
‫ض» أ ّ‬
‫س َ‬
‫وا ِ َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫الجهر»‪ ،‬ففيه تعظيم لجنابه تعالى‪ .‬إذ يعلم الله‬
‫ما يجول في خلد النسان وما ينطق به لسانه‬
‫سّرا كان أو جهًرا‪ .‬وكذلك فيه اجتناب من‬
‫السمعة والرياء‪.‬‬
‫وما جاء في الية المذكورة من قوله «ودون‬
‫ر‬
‫الجهر» فليس معناه تعطيل الّلسان من الذّك ْ ِ‬
‫وإنما فيه توضيح لوصف طريقة الذكر وذلك أن‬
‫ل يكون جهًرا ول خفاءً بل يكون دون الجهر‪،‬‬
‫وفوق الخفاء‪.‬‬
‫ر‬
‫أ ّ‬
‫ما ما استحدثته النقشبندّية من بدعة الذّك ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ن فيها سّرا ل يكاد يطلع على حقيقته‬
‫ي فا ّ‬
‫القلب ّ‬
‫أحدٌ من متأخري مشائخ هذه الطائفة لجهلهم‬
‫ت‪،‬‬
‫وت َب َدّل َ ٍ‬
‫ت له طريقتهم من استحال ٍ‬
‫بما تعّرض ْ‬
‫ت َ‬
‫ت من الديان والفلسفات من أفكار‬
‫وما استوح ْ‬
‫وتفسيرات‪ ،‬وما تسّرب إليها مع الزمان من‬
‫مصطلحات دخيلة وتعبيرات غريبة‪.‬‬
‫أن الطريقة النقشبندّية قفزت إلى الهند‬
‫ّ‬
‫ذلك‬
‫ت من‬
‫ي‪ ،‬فاستوح ْ‬
‫في القرن العاشر الهجر ّ‬
‫ت في بلد‬
‫الديانة البرهمية والبوذية بعد أن نشأ ْ‬
‫ت هناك بالشامانية‬
‫ما وراء النهر وتأث َّر ْ‬
‫ن‬
‫صة فإ ّ‬
‫والمزدكية‪ ،‬والمانوية في سابقها خا ّ‬
‫مد الباقي‬
‫رجال هذه الطائفة‪ ،‬بد ً‬
‫ءا من مح ّ‬
‫ي‬
‫م ْ‬
‫ن بعده إلى عبد الله الدهلو ّ‬
‫يو َ‬
‫الكاُبل ّ‬
‫المعروف بشاه غلم علي‪ ،‬كّلهم من أهل الهند‪،‬‬
‫ن بالرهبنة الهندية بإقرار‬
‫وكّلهم متأث ُّرو َ‬
‫مشاهيرهم‪ .‬ومنهم قسيم الك ُ ْ‬
‫ي‪ .‬إذ ينقل لنا‬
‫فَرو ّ‬
‫‪75‬‬

‫سورة آل عمران‪.191 ،190/‬‬

‫‪64‬‬

‫ي الشهير بين أهل‬
‫صورةً جلي ّ ً‬
‫ة من حياة الروحان ّ‬
‫هذه النحلة‪ ،‬شمس الدين حبيب الله ميرزا مظهر‬
‫جاَنان‪ .‬وهو من الطبقة الثانية عشرة بعد‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫جا ِ‬
‫ي مؤسس هذه الطريقة‪.‬‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫مح ّ‬
‫يقول الك ُ ْ‬
‫ي‪« :‬إّنه كان يقتصر على التغ ّ‬
‫ذي‬
‫فَرو ّ‬
‫عشب والثمرات‪ ،‬ويعيش في أماكن خالية‬
‫من ال ُ‬
‫‪76‬‬
‫من البشر‪ ،‬ول يرتدي إل قميصا»‬
‫إ ً‬
‫ن هذا الرجل لم يكن على‬
‫ذا يتبّين لنا بوضوح أ ّ‬
‫مد ‪ ،‬بل كان على سّنة بوذا الراهب‬
‫سّنة مح ّ‬
‫سس الديانة البوذّية‪.‬‬
‫مؤ ّ‬
‫وإذا كانت حياة رجال هذه الطائفة صورةً من‬
‫ن‬
‫حياة رهبان البرهمية والبوذية‪ ،‬فل محالة أ ّ‬
‫د‬
‫عقائدهم وعباداتهم أيضا كانت ِ‬
‫ق عقائ ِ‬
‫طب ْ َ‬
‫صة بعد‬
‫ن وعباداتهم ومناسكهم‪ ،‬خا ّ‬
‫أولئك الرهبا ِ‬
‫ت من الدلئل القاطعة على‬
‫أن قامت عشرا ٌ‬
‫ر في الطريقة‬
‫ذلك‪ .‬فثبت أ ّ‬
‫ن موضوع الذّك ْ ِ‬
‫النقشبندّية‪ ،‬وإن كان يتناول اسم ذات الله‬
‫ن أسلوب‬
‫تبارك وتعالى أو كلمة التوحيد؛ إل أ ّ‬
‫ر فيها مأخوذ من الديانة البوذّية‬
‫أداء الذّك ْ ِ‬
‫ة(‬
‫ة )أي الُيو ِ‬
‫غي ّ ِ‬
‫جوك ِي ّ ِ‬
‫والبرهمية على الطريقة ال ْ ُ‬
‫ن شاء الله‬
‫كما سيأتي شرحه في باب الرابطة إ ْ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫تدعو المناسبة هنا )وقبل النتقال إلى مسألة‬
‫ر‬
‫الرابطة( أن نتطّرق ثاني ً‬
‫ة إلى موضوع الذّك ْ ِ‬
‫ي عند النقشبندّية مع «حبس الن َ‬
‫س» وهي‬
‫القلب ّ‬
‫ف ِ‬
‫دا‪.‬‬
‫مة ج ّ‬
‫نقطة ها ّ‬
‫فعندما نعود إلى المصدر السابق أي إلى كتاب‬
‫)السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية( لديب‬
‫ي‪ ،‬نجد‬
‫الطائفة عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫أنفسنا أمام ذلك التعريف الغريب نفسه لل ّ‬
‫ذكر‬
‫‪76‬‬

‫‪Kasım Kufralı, Nakşibendiliğin Kuruluşu ve Yayılışı (Intiodaction) Türkiyat Enst. no. 337 Istanbul-1949‬‬

‫‪65‬‬

‫ي مع إضافة شروط أخرى أشدّ غرابة من‬
‫القلب ّ‬
‫الشروط السابقة‪.‬‬
‫ي في تعريف هذا الشكل‬
‫يباشر عبد المجيد الخان ّ‬
‫ي فيقول‪:‬‬
‫ر القلب ّ‬
‫من الذِّك ْ ِ‬
‫ت‪ .‬والمرادُ ِبالن ّ ْ‬
‫«الثاني‪ِ ،‬ذك ُْر الن ّ ْ‬
‫ي‬
‫والث َْبا ِ‬
‫ي َ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫ت ‪ ،‬كلمة التوحيد )ل إله إل الله (‪ .‬وهذا‬
‫والث َْبا ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الذكر المبارك يعلمه المرشد للمريد بعد ذكر‬
‫ذات بالّلطائف والّتم ّ‬
‫اسم ال ّ‬
‫كن من سلطان‬
‫ول؛ غير أّنه بعد‬
‫ه‪ ،‬هي آدا ُ‬
‫ر‪ .‬وآ َ‬
‫داب ُ ُ‬
‫ر ال ّ‬
‫ب الذّك ْ ِ‬
‫الذّك ْ ِ‬
‫ول‪،‬‬
‫أن يلصق الّلسان والسنان والشفة كال ّ‬
‫يحبس الن ّ َ‬
‫س تحت سّرته ويتخّيل منها نقش )ل(‬
‫ف َ‬
‫دة إلى منتها دماغه‪ ،‬ويتخّيل من دماغه نقش‬
‫ممت ّ‬
‫دة إلى كتفه اليمن‪ ،‬ويتخّيل من كتفه‬
‫)إله( ممت ّ‬
‫اليمن نقش )إل الله( ماّرا بها على الّلطائف‬
‫الخمس ضارًبا بلفظ الجللة على القلب منف ّ‬
‫ذا‬
‫إلى قعره بقوة يتأّثر بحرارتها جميع البدن مع‬
‫ملحظة معنى هذه الجملة‪ .‬وهو أّنه ل مقصود إل‬
‫ذات الله تعالى‪ .‬وينفي بشق النفي جميع‬
‫المحدثات اللهّية‪ .‬وينظرها بنظر الفناء ويثبت‬
‫بشق الثبات ذات الحق تعالى‪ .‬وينظره بنظر‬
‫مد‬
‫البقاء‪ .‬ويقول في آخرها بلسان القلب )مح ّ‬
‫رسول الله(‪ .‬ويقصد بها أّنه مّتبع له ويكّررها‬
‫ه‪ ،‬وُيطلق ن َ َ‬
‫وة ن َ َ‬
‫ه من فمه‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف َ‬
‫س ُ‬
‫على قدر ق ّ‬
‫مى عند ساداتنا‬
‫على الوتر من العدد‪ .‬وهو المس ّ‬
‫‪77‬‬
‫و ُ‬
‫ي»‬
‫قو ِ‬
‫ف العدد ّ‬
‫بال ْ ُ‬
‫ي‬
‫كان هذا تعري ُ‬
‫ف عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫لل ّ‬
‫ي عند النقشبندّية‪ ،‬دون أن يكون لهم‬
‫ذكر القلب ّ‬
‫‪77‬‬

‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪.33-32/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫مكتبة الحقيقة‪ .‬إسطنبول – ‪1992‬م‪.‬‬
‫ي»‪ ،‬مصطلح من مصطلحات النقشبندّية‪ .‬وهو اسم ركن من أركان السلوك عندهم‪ ،‬و عددها أحد‬
‫«الوقوف العدد ّ‬
‫ن شاء الله تعالى في باب «مبادئ الطريقة النقشبندّية بالفارسّية» في نهاية‬
‫عشر ركًنا‪ .‬سيأتي شرحها قريًبا إ ْ‬
‫هذا الفصل‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫ة هذا الشكل من الذكر مع‬
‫سندٌ ُيثِبتون به صل َ‬
‫القرآن والسّنة‪.‬‬
‫ولكن ما دام المؤّلف يرشد الناس إلى ذكر الله‬
‫بهذه الكلمات «وذكر الله أفضل ك ّ‬
‫ل شيء» إذن‬
‫فل غرابة فيها عند أي إنسان ساذج جاهل بهذا‬
‫س وتأثيراتها‪،‬‬
‫ق الد ّ‬
‫السلوب الماكر‪ ،‬ول بطُُر ِ‬
‫ة مع‬
‫وه ٍ‬
‫ل مش ّ‬
‫ر وأشكا ٍ‬
‫واستحالة المور إلى صو ٍ‬
‫الزمان؛ وكيف يلتبس الحق بالباطل على الناس‬
‫من حين إلى آخر‪.‬‬
‫ة الناس هذا‬
‫نعم قد ل يستغرب كثير من جهل ِ‬
‫ي المدّلس ول يقدُّرون خطورته‬
‫التعريف الدجل ّ‬
‫ن اليهود والنصارى والمجوس أيضا يذكرون‬
‫«ل ّ‬
‫الله ويحّبونه ويعبدونه كالمسلين» فما عسى‬
‫الغرابة في هذا التعريف؟‬
‫ولكن أهل اليمان الصادق والتوحيد الخالص‬
‫والعلم الغزير لبدّ وأن يستغربوه ويتسائلوا عن‬
‫«حبس الن ّ َ‬
‫صة أثناء الذكر‪ .‬هذا ومن‬
‫س» خا ّ‬
‫ف ِ‬
‫ن علماء‬
‫دا‪ ،‬أ ّ‬
‫الهمية بمكان‪ ،‬ومن الغرابة ج ّ‬
‫المسلمين لم ينتبهوا إلى هذه الهرطقة مع أنها‬
‫قديمة‪ 78‬في عقائد الطائفة النقشبندّية‪ .‬يدل‬
‫عب َْر عصور‬
‫ذلك على غفلة كثير من أهل العلم َ‬
‫عث ُْر على شيء عن هذه المسألة‬
‫الظلم‪ .‬فلم ن َ ْ‬
‫ه‬
‫في مؤّلفاتهم ومصّنفاتهم سوى ما قد س ّ‬
‫جل َ ُ‬
‫الع ّ‬
‫ي بإيجاز في ثنايا الجزء‬
‫لمة أبو الحسن الندو ّ‬
‫الثالث من كتابه «رجال الفكر والدعوة في‬
‫ع منه وهو يشرح‬
‫السلم»‪ .‬إذ يقول في مقط ٍ‬
‫التطورات اّلتي حدثت في الطرق الصوفّية‬
‫المنتشرة على الساحة الهندية وخاصة الطريقة‬
‫عْيها؛ فيقول‪« :‬وينتمي الفرع‬
‫الشطارية وفر َ‬
‫ي‪-‬‬
‫وام الجنبور ّ‬
‫الثاني إلى شيخ علي بن ق ّ‬
‫‪78‬‬

‫علي بن الحسين الواعظ الكاشفي البيهقي‪ ،‬رشحات عين الحياة ص‪ .41/‬صاري كز‪ ،‬إسطنبول‪1291-‬هـ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫المعروف بشيخ علي عاشقان السرائي ميري ‪-‬‬
‫بينه وبين الشيخ عبد الله الش ّ‬
‫طاري واسطتان‪.‬‬
‫ري َ‬
‫م «يوكا»‬
‫ق ُ‬
‫ت َ‬
‫مّر ٍ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ة تَ َ‬
‫مَز َ‬
‫ج ْ‬
‫عاِلي َ‬
‫ل َ‬
‫قد َ‬
‫و ِ‬
‫ةل ّ‬
‫ه الطّ ِ‬
‫ض‬
‫وا ْ‬
‫ت ِ‬
‫وَلى ب َ ْ‬
‫ِبالت ّ َ‬
‫خَتاَر ْ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ن ال ُ‬
‫عاِليم ِ الصوفّية‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ول َ ّ‬
‫س الن ّ َ‬
‫ه‬
‫ت َ‬
‫الّرَيا َ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ضا ِ‬
‫و َ‬
‫وَرا َ‬
‫قن َ ْ‬
‫حب ْ َ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫د‪َ ،‬‬
‫وال ْ‬
‫ت َ‬
‫ف ِ‬
‫ت إَلى‬
‫ما َ‬
‫سال ِ ِ‬
‫ري ِ‬
‫الت ّ َ‬
‫م ْ‬
‫وال ّ‬
‫كي َ‬
‫دي َ‬
‫ض ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫عاِلي َ‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫ري َ‬
‫ء» وقد جاءت تفاصيل‬
‫مَيا ِ‬
‫ة« ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ال ّ‬
‫س ْ‬
‫عل ْ َ‬
‫الطّ ِ‬
‫هذه الوراد وشروح الرياضات الخاصة في‬
‫الرسالة الش ّ‬
‫طارية اّلتي أّلفها الشيخ بهاء الدين‬
‫النصاري القادري‪ .‬وتوجد قصيدةٌ لل ّ‬
‫مد‬
‫شيخ مح ّ‬
‫الش ّ‬
‫طاري في كتابه «كليد مخازن» ـ مفتاح‬
‫م‬
‫الخزاين ـ تفيد عقيدةَ وحد ِ‬
‫ة الوجوِد‪ ،‬وعد َ‬
‫الت ّ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬
‫وال ِْبي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ق ب َي ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫ة َ‬
‫د َ‬
‫ف ِ‬
‫سل ِم ِ‬
‫ري ِ‬
‫‪79‬‬
‫ي»‬
‫وال ْب ََر ْ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫م ّ‬
‫ع آخر من كتابه المذكور‪:‬‬
‫يقول الندو ّ‬
‫ي قي مقط ٍ‬
‫«وهنا في الهند ‪-‬اّلتي كانت منذ آلف السنين‬
‫سك والرهبانية‪ -‬واجه الصوفّية‬
‫مركز اليوك‪ ،‬والتن ّ‬
‫الواردون من الخارج‪ ،‬اليوكّيين المحّنكين‬
‫المرتاضين اّلذين كانوا ضاعفوا قوة نفوسهم‬
‫ومتخّيلتهم عن طريق حبس النفاس والتأملت‬
‫وفة‬
‫اليوكّية المعروفة لديهم‪ .‬فتعّلم بعض المتص ّ‬
‫‪80‬‬
‫المسـلمين منـهم هذا الفن»‬

‫‪79‬‬

‫ي‪ ،‬رجال الفكر والدعوة في السلم ص‪ .28 ،3/27 /‬دار القلم للنشر‬
‫أبو الحسن علي الحسني الندو ّ‬

‫والتوزيع‪ ،‬الطبعة الثانية‪ .‬الكويت‪1994-‬م‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫المصدر السابق ص‪.217/‬‬

‫‪68‬‬

‫أن مسألة «حبس الن ّ َ‬
‫س‪ »81‬تحتاج إلى شيء‬
‫إل ّ ّ‬
‫ف ِ‬
‫صا‬
‫من التوضيح هنا بمناسبة المقام‪ ،‬تمحي ً‬
‫يش ّ‬
‫ك قد ُيخات ِ ُ‬
‫ل ذهن‬
‫للموضوع‪ ،‬وإجلءً ل ّ‬
‫الباحث عن حقيقة هذه النحلة‪.‬‬
‫ن النسان قد اكتشف ببحوثه‬
‫من المعلوم أ ّ‬
‫وتحّرياته وتجاربه منذ الماضي السحيق إلى‬
‫اليوم آل ً‬
‫فا من أساليب المعالجة لزماته‪ .‬ول‬
‫ش ّ‬
‫قق أهدا ً‬
‫ك في أّنه قد ح ّ‬
‫ة يتمّتع بما‬
‫فا عملق ً‬
‫دمت له في العصر الحاضر من السرعة‬
‫ق ّ‬
‫والرفاهية والرخاء‪ .‬إل أّنه مع هذا قد وجد نفسه‬
‫ة من الحداث اّلتي هي في‬
‫ة هائل ٍ‬
‫ج ٍ‬
‫في وس ِ‬
‫طض ّ‬
‫الحقيقة صنيعة يديه‪ .‬وهو أمام هذه العاصفة‬
‫ة واض ّ‬
‫ب‬
‫ة شديد ٍ‬
‫ب‪ ،‬ومعانا ٍ‬
‫في ارتبا ٍ‬
‫طرا ٍ‬
‫ك غري ٍ‬
‫ب ل يدري كيف ينجو من وطئته‪.‬‬
‫رهي ٍ‬
‫اهتدى إليه العق ُ‬
‫ي من‬
‫َ‬
‫ومن جملة ما‬
‫ل البشر ّ‬
‫مة تطبيقات‬
‫ب توفير الطمأنينة والهدوء‪ ،‬ث ّ‬
‫أسالي ِ‬
‫ل وأشكال من الرياضة‬
‫غريبة من الط ّ‬
‫ب البدي ِ‬
‫الذهنية‪ ،‬اكتشفها رهبان الديانات الهندية في‬
‫القرون الماضية من خلل ممارساتهم وتجاربهم‬
‫عب َْر َ‬
‫ت طويلة من التق ّ‬
‫شف والنزواء‬
‫َ‬
‫فت ََرا ٍ‬
‫مل والتركيز‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬فأضفوا عليها‬
‫والتأ ّ‬
‫ة من التصوف والروحانية؛ وذلك على سبيل‬
‫صبغ ً‬
‫المحاولة للّتصال بما وراء الطبيعة‪ ،‬حّتى غدت‬
‫تلك الممارسات من الداب والركان في‬
‫‪81‬‬

‫لمزيد من المعرفة في مسألة «حبس الن َ‬
‫فس والذكر القلبي» راجع المصادر التية‪:‬‬

‫* علي بن الحسين الواعظ الكاشفي البيهقي‪ ،‬رشحات عين الحياة ص‪ .41/‬صاري كز‪ ،‬إسطنبول‪1291 -‬هـ‪.‬‬
‫ي‪ ،‬الرسالة الخالدّية ص‪) .67 /‬ترجمة‪ :‬شريف أحمد بن علي؛ النسخة المتداولة بين أتباع محمود‬
‫* خالد البغداد ّ‬
‫أسطى عثمان أوغلو في إسطنبول(‬
‫* نعمة الله بن عمر‪ ،‬الرسالة المدنية ص‪ .48 /‬مخطوطة دمشق ‪ 1213 -‬هـ‪.‬‬
‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .48 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية ص‪ .81 /‬مكتبة الحقيقة‪ ،‬إسطنبول‪.1992 -‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب‪ ،‬ص‪ .514 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .33 /‬مكتبة‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫الحقيقة‪ .‬إسطنبول‪1992 -‬م‪.‬‬
‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة‪ :‬رحمي سرين( ص‪ .48-39 ،26 ،13 /‬إسطنبول‪1994-‬م‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫عت َ َ‬
‫د‪.‬‬
‫الديانات البرهمية‪ ،‬وا ْ‬
‫قدَ َ‬
‫س الهن ِ‬
‫ها مجو ُ‬
‫‪82‬‬
‫وقد اختلف فيها‬
‫ت أخيًرا «اليوغا»‬
‫مي َ ْ‬
‫و ُ‬
‫س ّ‬
‫ن‪ ،‬أم أشكا ٌ‬
‫ة من‬
‫دث ٌ‬
‫ل مستح َ‬
‫الناس‪ :‬هل أنها دي ٌ‬
‫الرياضة الذهنية والنفسية‪ ،‬منها «حبس‬
‫الن ّ َ‬
‫س»؛ وما عسى الحكمة والفائدة في حبس‬
‫ف ِ‬
‫الن ّ َ‬
‫س؟ وهو في الحقيقة إحراج البدن وإرغامه‬
‫ف ِ‬
‫ن هذا‬
‫على فعل يخالف طبيعته‪ .‬ل جرم أ ّ‬
‫ن في‬
‫السؤال يخامر النسان بحكم الطبع‪ .‬ل ّ‬
‫حبس الن َ‬
‫س مضايقة على الرئتين وإخناق لهما‬
‫ف ِ‬
‫مة تقومان بها في سبيل‬
‫وتعطيل لوظيفة ها ّ‬
‫استمرار الحياة‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫«اليوغا» بتعبير أهله‪« :‬هي رياضة جسدية نفسية فكرية؛ فيها يخضع النسان جسده بوظائفه الرادية‬

‫عا وال ّ‬
‫ب مسّير الكون العظيم‪.‬‬
‫لإرادية بالسيطرة العصبّية إلى محض إرادته‪ .‬وبواسطتها تتصل روحه بروح الر ّ‬
‫طب ً‬
‫فهي‪ - ،‬أي اليوغا ‪ -‬إذن )صلة الوصل( بين النسان وخالقه‪ .‬وأصل الكلمة من الّلغة السنسكريتّية الهندية‬
‫القديمة؛ و تعني هذا المعنى»‪ .‬هذا التعريف مقتبس من كتاب «اليوغا» للمؤل ّ َ‬
‫فْين‪ :‬المستشرق ج‪ .‬توندريو‪ ،‬و ب‪.‬‬
‫منا‬
‫دمة نفس الكتاب‪« :‬فاليوغا طريقة مدهشة ت ُ َ‬
‫ريال‪ .‬مكتبة المعارف‪ .‬بيروت‪1988-‬م‪ .‬يقول المؤّلفان في مق ّ‬
‫عل ّ ُ‬
‫َ‬
‫سُبنا التركيز وحسن التفكير‪...‬إلخ‪».‬‬
‫ن اكتساب الصبر والهدوء والسيطرة‪ ،‬والمراقبة الذاتية‪ ،‬و ُتك ِ‬
‫ف ّ‬
‫ونة بالحروف ال ّ‬
‫لتينية ورد على شكل «اْليو َ‬
‫غا»‪ yoga‬؛‬
‫إ ّ‬
‫ن الضبط الشائع لهذه الكلمة في جميع المصادر المد ّ‬
‫وفة من العرب‬
‫ى «يوكي» أو «يوكين»‪ .‬أما في كتب الباحثين والمتص ّ‬
‫واّلذي يمارس هذه الرياضة يسم ّ‬
‫ف من الضبط‪ .‬مثل‪« :‬الجوك» و «اليوك» و«اليوكا»‪ .‬وردت هكذا‬
‫والمستعربين‪ ،‬فقد جاءت هذه الكلمة على اختل ٍ‬
‫في بعض أعمال الع ّ‬
‫ي‪ .‬وجاءت هذه الكلمة علي شكل «اليوغا» في ترجمة إلياس أيوب‬
‫لمة أبي الحسن الندو ّ‬
‫للكتاب اّلذي ألفه ج‪ .‬توندريو و ب‪ .‬ريال‪ .‬تحت عنوان‪ .The Yoga :‬والممارس لهذه الرياضة‪ ،‬فقد جاء التعبير عنه‬
‫مختل ً‬
‫ضا‪ .‬مثل «الجوكي» وجمعه «الجوكية»؛ كما وردت التسمية بهم على هذا الشكل في رسالة الشيخ‬
‫فا أي ً‬
‫ي؛ و كذلك «اليوك» و«اليوكية» و «اليوكّيون‪-‬‬
‫ي اّلذي طعن بها في خالد البغداد ّ‬
‫معروف النودهي البرزنج ّ‬
‫ما الصيغة الشائعة للمفرد هي «اليوغي»‪ .‬وجمعها «اليوغية‪-‬اليوغّيون‪-‬‬
‫اليوكّيين» هي صيغ الجمع لـ «اليوكي»؛ أ ّ‬
‫اليوغّيين»؛ واسم هذه الرياضة «اليوغا»‪ .‬و للطاع على مواقع هذه الكلمة في المصّنفات راجع المصادر التية‪:‬‬
‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .6 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫مد مطيع الحافظ‪-‬نزار أباظة‪ ،‬علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ص‪ .304 /‬دار الفكر‬
‫* مح ّ‬
‫المعاصر؛ بيروت‪..‬‬
‫*‬

‫‪TDV İSAM. 922.97 HAFT.T. 29819-1 İstanbul-1949‬‬

‫ورة( ضمن مجموعة الزمرد‬
‫* أحمد البقاعي‪ ،‬رسالة في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪ .33 /‬مخطوطة )مص ّ‬
‫العنقاء‪.‬‬
‫*‬

‫‪TDV. İSAM. 297-7 NİM. Z 46644‬‬

‫* أبو الحسن الندوة‪ ،‬رجال الفكر والدعوة في السلم‪.217 ،‍168 ،42 ،3/27 .‬‬
‫*‬

‫‪Hüseyin Hilmi Işık, Vahhabiye Nasihat Pg. 105. Edition II. İstanbul-1970‬‬

‫*‪(Erich Fromm. Zen Budhism and psycoanalyses (All of them‬‬
‫* ‪(Sir James Bolevard, Meditation )All of them‬‬
‫* منير بعلبكي‪ ،‬موسوعة المورد )إنجليزي‪-‬عربي(‪ .10/187 ،‬دار العلم للمليين؛ الطبعة الثانية‪ .‬بيروت‪1992-‬م‬
‫*‪Feriduddin Aydın, Tarikatta Rabıta ve Nakşibendilik. Pg. 269. Edition II. Süleymaniye Fondation. İstanbul-2000‬‬

‫‪70‬‬

‫ن المر ليس في هذا المستوى من البساطة‬
‫إل ّ أ ّ‬
‫ن «حبس‬
‫مة‪ .‬بل إ ّ‬
‫والسطحية كما تظّنه العا ّ‬
‫الن ّ َ‬
‫س» وبالحرى «المراقبة على عمل‬
‫ف ِ‬
‫الت ّن َ ّ‬
‫ي‬
‫س» من وجهة نظر الطب النفس ّ‬
‫ف ِ‬
‫ة في‬
‫دا وخطوةٌ أساسي ٌ‬
‫مج ً‬
‫ي‪ ،‬هو أمر ها ّ‬
‫الجسد ّ‬
‫ة‬
‫تمرينات «اليوغا» اّلتي هي في حدّ ذاتها رياض ٌ‬
‫ة يمارسها كثير من الناس بصورة‬
‫ة ونفسي ٌ‬
‫ذهني ٌ‬
‫ة أو‬
‫ة ديني ٍ‬
‫ق صف ٍ‬
‫عقلنية صرفة دونما إلحا ِ‬
‫ة بها‪ .‬ذلك للّتخّلص من الضطرابات‬
‫روحاني ٍ‬
‫النفسية‪ ،‬ولتوفير الطمأنينة والهدوء والصحة‬
‫وض النسان على‬
‫البدنّية والعقلّية كما أّنها تر ّ‬
‫الصبر والسيطرة على العصاب بصورة طبيعّية‬
‫قد أقّرها علماء الطب المعاصر‪.‬‬
‫يقول شخصيتان من خبراء هذا الفن في وصف‬
‫نمط من أنماط هذه الرياضة‪:‬‬
‫«إّنه شكل ل يبحث عنه إل ّ القليل من الناس‬
‫وهو يتطّلب شرو ً‬
‫صة من الحياة‪ .‬ول يدركه‬
‫طا خا ّ‬
‫إل المتصوفون العظام؟ ‪» 83‬‬
‫يجب هنا أن ل نتغافل عما يتداعى هذا التوضيح‬
‫اّلذي انطلق قدماء النقشبندّيين من منهله في‬
‫حقيقة المر فبنوا على جذور هذه الفكرة شطًرا‬
‫من تعاليمهم‪ .‬وجعلوا ما استقوا منها أدبًا من‬
‫ن له‬
‫ي‪ ،‬وزعموا أ ّ‬
‫ر القلب ّ‬
‫آداب طريقتهم في الذّك ْ ِ‬
‫سا من الكتاب والسّنة وذلك بهتان عظيم‪.‬‬
‫أسا ً‬
‫إن «حبس الن ّ َ‬
‫س» في مصطلح النقشبندّيين‬
‫ّ‬
‫ف ِ‬
‫س داخل الرئتين َ‬
‫معناه إمساك الن ّ َ‬
‫قدَْر لحظات‬
‫ف ِ‬
‫وهو «الت ّن َ ّ‬
‫ي» الموزون المتواقت بعينه‬
‫س ال ُْيو ِ‬
‫ف ُ‬
‫غ ّ‬
‫في الصل والمنشأ كما يقول المستشرق ج‪.‬‬
‫توندريو وزميله ‪-‬عالم الن ّ ْ‬
‫س‪ -‬ب‪ .‬ريال‪:‬‬
‫ف ِ‬
‫‪83‬‬

‫«اليوغا»‪ ،‬ج‪ .‬توندريو‪-‬ب‪ .‬ريال؛ تعريب‪ :‬إلياس أيوب ص‪ .29 /‬مكتبة المعارف بيروت‪.1988 -‬‬

‫‪71‬‬

‫«ول بد ِللت ّن َ ّ‬
‫ي من أهمّية في احتفاظ‬
‫س ال ُْيو ِ‬
‫غ ّ‬
‫ف ِ‬
‫‪84‬‬
‫هواء الشهيق داخل الّرّئتين لفترة معينة»‬
‫وإليك وصفه على لسانهما ـ بشرط أن تتذكّر‬
‫الن ما نقلناه سال ً‬
‫فا من كتاب «السعادة البدّية‬
‫فيما جاء به النقشبندّية» لديب هذه الفرقة‪ ،‬عبد‬
‫ي؛ حّتى تتم ّ‬
‫كن‬
‫مد بن مح ّ‬
‫المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫س‬
‫مة بين « َ‬
‫من الوقوف على المشابهة التا ّ‬
‫حب ْ ِ‬
‫ي وبين «الت ّن َ ّ‬
‫الن ّ َ‬
‫س‬
‫ر النقشبند ّ‬
‫س» في الذّك ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫ي بالمقارنة بينهما‪.‬‬
‫ال ُْيو ِ‬
‫ي» الهند ّ‬
‫ي البرهم ّ‬
‫غ ّ‬
‫يقول الباحثان‪:‬‬
‫ن‪ .‬اشهق‬
‫ي الذَّرا َ‬
‫س منتص َ‬
‫«إجل ِ ْ‬
‫ب الجسم ِ متدل ّ َ‬
‫عي ْ ِ‬
‫ر َ‬
‫ك على طريق الهواء )حسبما ورد‬
‫ز فك ِ‬
‫مع تركي ِ‬
‫دة ثانيتين‪ ،‬أو‬
‫أعله( إحتفظ بهواء الشهيق لم ّ‬
‫سّر ومّيزة هذه‬
‫ثلث ثواني على القل‪ .‬وهذا هو ِ‬
‫الطريقة عن سابقها‪ .‬ل حظ بأّنك تصبح أثناء هذا‬
‫الحتفاظ متوت ًّرا‪ .‬فترتفع كتفاك وي َن ْ َ‬
‫شدّ جسمك‪.‬‬
‫جا من النف‬
‫خ‪ .‬ا ِْز ِ‬
‫فْر الهواءَ خار ً‬
‫جّر ْ‬
‫ب واست َْر ِ‬
‫دة ثانيتين أو‬
‫ما‪ .‬احتفظ برّئتيك فارغتين لم ّ‬
‫دو ً‬
‫ثلثة‪ .‬ثم أعد الكّرة من جديد بالشهيق الواعي‪.‬‬
‫صة أن تدرك‬
‫هذا التمرين يسمح لك بصورة خا ّ‬
‫الفكرة‪ ،‬ولم يبق لك سوى التنفيذ حوالي عشر‬
‫‪85‬‬
‫مرات يومًيا»‬
‫ءا من‬
‫أليس هذا اّلذي جعله النقشبندّيون مبد ً‬
‫ة‬
‫دا ومكابر ً‬
‫مبادئ ذكرهم؟ وهل يكتمونه عنا ً‬
‫وا بذلك في عداد المشركين من‬
‫حّتى ل ي َدْ ُ‬
‫خل ُ‬
‫د؟ كل‬
‫ر وقص ٍ‬
‫ي واختيا ٍ‬
‫اليوغية الهندوس عن وع ٍ‬
‫د‪ ،‬لو سمع‬
‫والله! ولكن الجهل قد بلغ بهم إلى ح ّ‬
‫جب‬
‫منك غوثهم العظم كلمة «اليوغا» لتع ّ‬
‫ن أّنها اسم لنوع من‬
‫واستغرب؛ ولربما ظ ّ‬
‫‪84‬‬

‫المصدر السابق ص‪.47 /‬‬

‫‪85‬‬

‫المصدر السابق ص‪.49 ،48 /‬‬

‫‪72‬‬

‫الوحش أو النبات‪ ،‬أو العقاقير )كما حدث ذلك‬
‫دا‬
‫ت أح ً‬
‫أثناء حوار مع أحد شيوخهم(‪ .‬ولو سأل َ‬
‫منهم عن معاني كلمات‪:‬‬
‫ها من‬
‫‪ ,Nirvana, Meditation Trence, Mantra‬وما شاك َل َ َ‬
‫صا عينيه‬
‫مصطلحات مجوس الهند‪ ،‬لرأيته شاخ ً‬
‫ق َ‬
‫ت؛ ولكّنه يكاد ي ُْزل ِ ُ‬
‫د‬
‫ك بنظره الحا ّ‬
‫ه َ‬
‫إليك وقد ب ُ ِ‬
‫ة بالحقد‪،‬‬
‫ة مشوب ٍ‬
‫ت من حير ٍ‬
‫وقد خّيم عليه صم ٌ‬
‫عب ُّر عما في ضميره من تساؤلت وأحاسيس‬
‫تُ َ‬
‫غريبة‪ ،‬وهواجس مع ّ‬
‫دة‪ ،‬وتصورات وأفكار؛ حّتى‬
‫ق َ‬
‫هو بال ّ‬
‫ذات ل يدري كيف يتخّلص من المأزق اّلذي‬
‫انحبس فيه أمام هذا السؤال الطارئ بسبب‬
‫جهله معاني هذه الكلمات التافهة أو ربما طأطأ‬
‫رأسه وكأّنه يستشير الشياطين ليستوحي منهم‬
‫أخبث ما في قاموسهم من كلمات الشتم‬
‫والّلعن والته ّ‬
‫ما‬
‫كم ليقذفك بها بعد قليل انتقا ً‬
‫ة للنار اّلتي تتو ّ‬
‫قد في‬
‫منك على سؤالك؛ وتهدئ ً‬
‫صدره غضًبا عليك!‬
‫إ ً‬
‫ذا كيف بشيوخ النقشبندّية مع هذا الجهل أن‬
‫يتح ّ‬
‫ققوا مما تسّرب إلى طريقتهم من تعاليم‬
‫عب َْر القرون؟‬
‫الديانة البرهمية َ‬
‫س الن ّ َ‬
‫ط‬
‫س» أو المراقبة عليها بشرو ٍ‬
‫أما « َ‬
‫حب ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ي‬
‫ددها‪ ،‬وأقّرها علماء الط ّ‬
‫ح ّ‬
‫ي الجسد ّ‬
‫ب النفس ّ‬
‫بعد دراسات وبحوث وتجارب كما هو منصوص‬
‫في مصّنفاتهم فإّنه حقيقة عقلنّية تجربّية‬
‫وعلمّية ثابتة بالبراهين‪ ،‬ول صلة بين هذه‬
‫ي من‬
‫الحقيقة مباشرة وبين الجانب الروحان ّ‬
‫ت إلى‬
‫ي كما ل يعقل أن تم ّ‬
‫الدين السلم ّ‬
‫ء‪.‬‬
‫وف بشي ٍ‬
‫التص ّ‬
‫أما تطبيق هذه الطريقة العلمّية لغراض صحّية‪،‬‬
‫ن الحديث عنه ليس من اختصاص بحثنا‪ ،‬وإنما‬
‫فإ ّ‬
‫ن هذه‬
‫ي‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫هو موضوع الط ّ‬
‫ي الجسد ّ‬
‫ب النفس ّ‬

‫‪73‬‬

‫الظاهرة الغريبة اّلتي انتشرت في الونة‬
‫الخيرة‪ ،‬ترجع في الصل إلى تعاليم الديانتين‬
‫الوثنيتين‪ :‬البوذّية والهندوسية‪ .‬وهي من‬
‫ل ذات الصلة الوثيقة بالصهيونية‪،‬‬
‫العما ِ‬
‫ط من الرياضة البدنّية‬
‫ل وأنما ٍ‬
‫ُتستعرض في أشكا ٍ‬
‫عا لها‬
‫والروحية‪ ،‬وقد افتتحت منظمة اليوجا فر ً‬
‫في القاهرة عام ‪ ،1975‬وكان يقوم بالتدريب به‬
‫شاب من الفليبين وفتاة أمريكية‪ ،‬وقد استطاع‬
‫الثنان أن يجذبا إلى مقّر هذه المنظمة عددا من‬
‫الشباب الجامعي للتدريب على اليوجا والعداد‬
‫للقيام بنشاط اجتماعي لتوعية أهالي القرى‬
‫والمدن‪ .‬وفى ‪ 16/7/1975‬قبض رجال المن على‬
‫الفتى والفتاة بعد أن اّتضح قيامهما بنشاط‬
‫ديني وسياسي والدعوة لتمييع الديان‬
‫ن هذه‬
‫والنتقاص من القيم الروحية‪ ،‬واّتضح أ ّ‬
‫ولها جهات صهيونية وأّنها فرع‬
‫المنظمة تم ّ‬
‫لمن ّ‬
‫ة مركزها الرئيسي في إسرائيل‪.‬‬
‫ظم ٍ‬
‫س الن ّ َ‬
‫س»‬
‫ولكن ينبغي هنا التأكّيد على أ ّ‬
‫ن« َ‬
‫حب ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫ليس هو المر الوحيد اّلذي استقاه قدماء‬
‫النقشبندّية من تعاليم اليوغية البرهمية؛ بل‬
‫ه من غير‬
‫تركيُز الفكر على جسم ٍ بعينه أو ت َ َ‬
‫خي ّل ُ ُ‬
‫اتصال‪ ،‬أيضا هو من المور اّلتي أخذتها الطائفة‬
‫النقشبندّية من تقاليد الهندوس دون أدنى ش ّ‬
‫ك‪،‬‬
‫وهو المعب ُّر عنه عندهم باستحضار صورة الشيخ‬
‫ح في عقائدهم باسم‬
‫في الخيال‪ ،‬والمصطل ُ‬
‫«الرابطة»‬
‫***‬

‫ة‪.‬‬
‫* الّراب ِطَ ُ‬
‫وما أدراك ما الرابطة! أل إّنها لفتنة عظيمة‬
‫انفجرت في العراق فنشبت بشرارة طارت إليها‬

‫‪74‬‬

‫ي من مدينة‬
‫من الهند بعد عودة خالد البغداد ّ‬
‫دلهي عام ‪1226‬هـ‪.‬‬
‫كان قد سافر إليها من العراق سنة ‪1225‬هـ‪ .‬إل ّ‬
‫ي سفر‬
‫ة لم تكن صدف ً‬
‫ن هذه الّرحل َ‬
‫أ ّ‬
‫ة ول َ كأ ّ‬
‫ة بمكان‪ ،‬أّنها وقعت في‬
‫مي ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫عَتاد‪ ،‬بل ومن اله ّ‬
‫ُ‬
‫ء النجليز على الساحة الهندية‬
‫ة استيل ِ‬
‫مرحل ِ‬
‫دق‬
‫حيث يأبى دماغ الرجل المسلم الواعي أن يص ّ‬
‫د‬
‫بمصادفة هذا المر دون برنامج سابق! فعا َ‬
‫ة من‬
‫ة وآرا ٍ‬
‫ة مستوحا ٍ‬
‫ء غريب ٍ‬
‫ر جديد ٍ‬
‫البغداِد ّ‬
‫ي بأفكا ٍ‬
‫ث النقشبندّية على‬
‫ة‪ .‬فبدأ يب ّ‬
‫البوذّية والبرهمي ِ‬
‫أساسها باسم الطريقة الخالدّية‪ .‬وابتدع لها ركًنا‬
‫ماها «الرابطة»‪ ،‬بعد أن لم تكن الرابطة شيًئا‬
‫س ّ‬
‫عا في الطرق الصوفّية‬
‫معهودا ول مسمو ً‬
‫المنتشرة بين المجتمعات العجمية في المملكة‬
‫جة في مختلف أنحاء البلد‬
‫العثمانّية‪ .‬فأثار ض ّ‬
‫س معها من‬
‫بهذه البدعة الخطيرة‪ ،‬وما د ّ‬
‫مستحدثات منكرة لم يكن القصد منها في‬
‫صة‬
‫الحقيقة إل ضرب السلم من أساسه‪ .‬فالق ّ‬
‫ي‬
‫طويلة سنشرحها في ترجمة خالد البغداد ّ‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫ضمن الفصل الرابع إ ْ‬
‫ي فهي من أعظم‬
‫ما الرابطة في عقيدة البغداد ّ‬
‫أ ّ‬
‫الركان في الطريقة اّلتي استحدثها بعنوان‬
‫«الخالدّية» إذ يغضب أشدّ الغضب على من‬
‫وصفها بالبدعة فيقول‪:‬‬
‫«إ ّّ‬
‫دون‬
‫ن بعض الغافلين عن أسرار حق اليقين يع ّ‬
‫الرابطة بدعة في الطريق ويزعمون أّنها شيء‬
‫ليس لها أصل ول حقيقة‪ .‬ك ّ‬
‫ل! إنها أصل من‬
‫أصول طريقتنا العلّية النقشبندّية‪ .‬بل هي أعظم‬
‫م بالكتاب العزيز‬
‫سك التا ّ‬
‫أسباب الوصول بعد التم ّ‬
‫‪86‬‬
‫وسّنة الرسول»‬
‫‪86‬‬

‫ص هذه الرسالة ضمن المصادر التي ذكرها‪:‬‬
‫ورد ن ّ‬

‫‪75‬‬

‫جاءت هذه الكلمات في مسته ّ‬
‫ة بعثها إلى‬
‫ل رسال ٍ‬
‫من‬
‫مد أسعد أفندي السطنبولي‪ ،‬إذا ص ّ‬
‫حم ّ‬
‫مح ّ‬
‫أسندها إليه‪ .‬فقد عبث المؤّلف في هذه الرسالة‬
‫ت‬
‫ت ومصطلحا ٍ‬
‫بالمفاهيم‪ ،‬فجمع فيها بين كلما ٍ‬
‫شّتى؛ وآرء متباينة ومتناقضة وهو يحاول أن‬
‫ة‪ .‬وذلك من‬
‫صل َ ً‬
‫يجعل بين طريقته وبين السلم ِ‬
‫أساليب الباطنية‪ .‬لنهم يتعّرضون في ك ّ‬
‫ر‬
‫ل عص ٍ‬
‫ة من علماء المسلمين‪ ،‬فإذا عجزوا‬
‫ت عنيف ٍ‬
‫لهجما ٍ‬
‫َ‬
‫جأوا إلى مدّ الجسور بين‬
‫عن مقاومتهم ل َ‬
‫جتهم‪.‬‬
‫مذاهبهم وبين السلم ليبّرروا بها ح ّ‬
‫ما على من عدّ الرابطة‬
‫فقد ش ّ‬
‫ي هجو ً‬
‫ن البغداد ّ‬
‫ة‪ ،‬ثم دافع عنها بقوله‪« :‬ك ّ‬
‫ل‪ ،‬إّنها أصل من‬
‫بدع ً‬
‫ي صاد ً‬
‫قا‬
‫أصول طريقتنا‪...‬إلخ»‪ .‬قد يكون البغداد ّ‬
‫في هذا المقطع من كلمه‪ .‬لّنه ما يسمى‬
‫«الطريقة»‪ ،‬فإنها من صنع الصوفّية بجميع‬
‫ة أداِئها‪.‬‬
‫مبادي ِ‬
‫سها وصور ِ‬
‫ءها وفلسفِتها وطقو ِ‬
‫ل أخرى من البدع‬
‫إذن ل غرابة في إضافة أشكا ٍ‬
‫إلى مبادئ الطريقة وأصولها متى شاء زعيمها‬
‫اّلذي ُيذعن له جمهوُر المريدين‪.‬‬
‫ما قوله «بل هي أعظم أسباب الوصول‪...‬إلخ»‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ة على السلم‪،‬‬
‫فإنها جرأةٌ على الله وجناي ٌ‬
‫م على كتاب الله وسّنة رسوله! ‪.‬‬
‫وبهتا ٌ‬
‫ن عظي ٌ‬
‫نعم‪ ،‬يجوز عقلً أن تكون الرابطة أصل ً من أصول‬
‫الطريقة النقشبندّية‪ .‬إذ هي في الحقيقة ديانة‬
‫سها‪،‬‬
‫مستقّلة بأصوِلها وآداِبها وأركاِنها وطقو ِ‬
‫مد مطيع الحافظ‪-‬نزار أباظة‪ ،‬علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ص‪ .313 /‬دار الفكر‬
‫* مح ّ‬
‫المعاصر؛ بيروت‬
‫هابُيون )مجموعة فيها خمس رسائل‪ ،‬من منشورات ‪ .(Işık Kitabevi‬الرسالة الخيرة منها‪.‬‬
‫* علماء المسلمين والو ّ‬
‫إسطنبول‪1978 -‬م‪.‬‬
‫ول ص‪ .44 /‬جمعها عبد الكريم البياري المدرس‪ ،‬منشورات المجمع العلمي‬
‫* رسالة تذكار الرجال‪ ،‬الجزء ال ّ‬
‫الكرماني‪ ،‬مكتبة الحقيقة إسطنبول‪1992-‬م‪) .‬هذه الرسالة منضمة إلى رسالة أخرى اسمها مكاتيب شريفة لعبد‬
‫ي‪ ،‬كلتاهما بين دفتين في مجلد واحد‪(.‬‬
‫الله الدهلو ّ‬
‫* كذلك نسخة منها موجودة بهامش كتاب الرشحات مع شرحها باللغة التركّية‪ ،‬طبعة صاري كز‪ /‬إسطنبول‪-‬‬
‫‪1291‬هـ‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫ت من خارجها بصبغة من السلم‪ .‬إذن‬
‫ولكن طُل ِي َ ْ‬
‫فل مانع من أن يضيف إليها الروحانيون ما طاب‬
‫ل أو يلغوا منها شيًئا‪.‬‬
‫لهم من آدا ٍ‬
‫ب وأصو ٍ‬
‫ة نظر السلم في‬
‫ما محاول ُ‬
‫ه ِ‬
‫و ْ‬
‫ج َ‬
‫ة البغداد ّ‬
‫أ ّ‬
‫ي من ُ‬
‫قوله‪« :‬بل هي أعظم أسباب الوصول‪...‬إلخ»‬
‫ص‪ .‬وقد اعتاد رجال الطرق‬
‫فا ّ‬
‫ن ذلك رأي ُ ُ‬
‫ه الخا ّ‬
‫ن‬
‫ما‪ .‬وغايتهم منها‪ :‬أ ّ‬
‫الصوفّية هذا السلو َ‬
‫ب قدي ً‬
‫المريد إذا استسلم لشيخه بكمال النقياِد وسلك‬
‫قا للخ ّ‬
‫وف ً‬
‫وف‪،‬‬
‫ص عليها فلسف ُ‬
‫طة اّلتي ت َن ُ ّ‬
‫ة التص ّ‬
‫ظَ َ‬
‫فَر بالوصول إلى الله ! بينما الكتاب والسّنة‪ ،‬ل‬
‫نجد فيهما شيئا يؤ ّ‬
‫كد على وصول العبد إلى الله‬
‫ه على آداب الصوفّية واشتراكه في‬
‫بسلوك ِ ِ‬
‫طقوسهم‪ .‬بل اّلذي يظفر به العبد ويحظى من‬
‫ه‬
‫الفوز )بالعمل الصالح( هو رحم ُ‬
‫ة الله ومغفرت ُ ُ‬
‫مها كما قال‬
‫ن والجن ّ ُ‬
‫ه والجُر الحس ُ‬
‫ة ونعي ُ‬
‫ورضوان ُ‬
‫في‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫تعالى‪} :‬اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫جُروا َ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأن ْ ُ‬
‫د‬
‫مأ ْ‬
‫ج ً‬
‫ة ِ‬
‫ف ِ‬
‫عن ْ َ‬
‫م دََر َ‬
‫َ‬
‫عظ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل الله ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن * ي ُب َ ّ‬
‫ة‬
‫شُر ُ‬
‫الله أولئ ِك ُ‬
‫م ٍ‬
‫م الفائ ُِزو َ‬
‫م ب َِر ْ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫م*‬
‫م ِ‬
‫ها ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ْ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫قي ٌ‬
‫م ُ‬
‫عي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪87‬‬
‫م{‬
‫َ‬
‫جٌر َ‬
‫ن الله ِ‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫خال ِ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫عن ْدَهُ أ ْ‬
‫ها أب َ ً‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫ظي ٌ‬
‫مُلوا‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫عدَ الله اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫وقال تعالى‪َ } :‬‬
‫َ‬
‫‪88‬‬
‫م{ وقال‬
‫م ْ‬
‫جٌر َ‬
‫غ ِ‬
‫ع ِ‬
‫حا ِ‬
‫وأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ال ّ‬
‫فَرةٌ َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫صال ِ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ن اّلذي َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫مُنوا َ‬
‫ح ّ‬
‫و‬
‫م* َ‬
‫و ْ‬
‫و ُ‬
‫ن ِ‬
‫عدَ الل ِ‬
‫خال ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫جّنا ٌ‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫ت َنعي ِ ٌ‬
‫ه َ‬
‫قا‪َ ،‬‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫‪89‬‬
‫م{‬
‫عزي ُِز ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫حكي ِ ُ‬
‫ت كثيرةٌ غيرها تبرهن‬
‫ب الل ِ‬
‫ه آيا ٌ‬
‫هذا‪ ،‬وفي كتا ِ‬
‫ه‬
‫ه وجن ّت ِ ِ‬
‫ه ورضوان ِ‬
‫ة الل ِ‬
‫ن الفوَز برحم ِ‬
‫على أ ّ‬
‫ه إّنما يتو ّ‬
‫ح اّلذي ورد‬
‫ق ُ‬
‫م ِ‬
‫ونعي ِ‬
‫ف على ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ل ال ّ‬
‫م ِ‬
‫صال ِ ِ‬
‫ة‬
‫سن ّ ِ‬
‫ق أدائ ِ ِ‬
‫البيا ُ‬
‫ه في الكتاب وال ّ‬
‫ن عن طرائ ِ ِ‬
‫‪87‬‬

‫سورة التوبة‪.22 ،20/‬‬

‫‪88‬‬

‫سورة‬

‫‪89‬‬

‫سورة لقمان‪.9 ،8/‬‬

‫المائدة‪9/،‬‬

‫‪77‬‬

‫ت‬
‫ل والتو ِ‬
‫ن بفضل هذه اليا ِ‬
‫قيف‪ .‬ويتبي ّ ُ‬
‫بالتفصي ِ‬
‫ة‬
‫مى بـ «الّراب ِطَ ِ‬
‫وبكل وضوح‪ :‬أ ّ‬
‫ن ما ُيس ّ‬
‫النقشبندّية» ليس من العمل الصالح في شيء‪.‬‬
‫ثم المراد من مفهوم «العمل الصالح» في‬
‫ح في منتهى الوضوح من خلل ما‬
‫السلم ِ واض ٌ‬
‫جاء في اليات القرآنية والحاديث النبوية‪ .‬وهي‬
‫ة‬
‫ج والزكا ِ‬
‫أداءُ الفرائض من الصل ِ‬
‫ة والصوم ِ والح ّ‬
‫ل‬
‫ن والنواف ِ‬
‫والجهاِد وما يّتصل بها من السن ِ‬
‫ت؛ وكذلك تزكية النفس النسانية‬
‫والصدقا ِ‬
‫ي‬
‫ك ال ْ ِ‬
‫ة الحسن ِ‬
‫سيَر ِ‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫ل وال ّ‬
‫ة َ‬
‫بالفضائ ِ‬
‫مَثال ِ ّ‬
‫د‪ ،‬والع ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ف ِ‬
‫ة‪ ،‬والّزه ِ‬
‫ر‪ ،‬والقناع ِ‬
‫ع‪ ،‬كالصب ِ‬
‫الرفي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫جْرأ ِ‬
‫والحيط ِ‬
‫ح ّ‬
‫و ُ‬
‫ي وال ُ‬
‫ة‪ ،‬والت ّب َ ّ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ر‪ ،‬والوع ِ‬
‫ص ِ‬
‫ب الن ّ َ‬
‫ّ‬
‫ص َ‬
‫ظا َ‬
‫ر‬
‫فا ِ‬
‫ريَر ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫و ُ‬
‫ء ال ّ‬
‫و َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ة‪ ،‬وتوقي ِ‬
‫س ِ‬
‫التعل ِ‬
‫ر‬
‫ص َ‬
‫م ِ‬
‫ب من المؤمنين‪ ،‬والّر ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي الشي ِ‬
‫ة ِبال ّ‬
‫غا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ف َ‬
‫ش َ‬
‫ع َ‬
‫وال ّ‬
‫ق الله‬
‫فا ِ‬
‫ة على َ‬
‫مْر َ‬
‫وال ّ‬
‫ق ِ‬
‫ض َ‬
‫وال َ‬
‫ضى‪َ ،‬‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫خل ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫واللطا َ‬
‫ة‬
‫ف ِ‬
‫من سائر النس والحياء ‪-‬بشروطها‪َ -‬‬
‫ت‬
‫وال ْ ِ‬
‫ة‪ ،‬وتشمي ِ‬
‫ب في المعامل ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫جان ِ ِ‬
‫حل ْم ِ َ‬
‫َ‬
‫وِلي ِ‬
‫ه‪،‬‬
‫الوج‬
‫ة‬
‫وبشاش‬
‫م‪،‬‬
‫السل‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫وإفشا‬
‫س‪،‬‬
‫العاط‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ة المحزونين‪،‬‬
‫ة المغمومين‪ ،‬وتعزي ِ‬
‫ومواسا ِ‬
‫وتسلي ِ‬
‫ة المهمومين‪ ،‬والحسا ِ‬
‫ن بالجوِد والكرم ِ‬
‫ّ‬
‫ن مع‬
‫والفتدا ِ‬
‫ء؛ والتحلي بالد ِ‬
‫ر‪ ،‬والتعاو ِ‬
‫ب والوقا ِ‬
‫ء‬
‫ة المؤمنين في السّرا ِ‬
‫د‪ ،‬ومشارك ِ‬
‫أهل التوحي ِ‬
‫ء‪ ،‬ومساعدِتهم على تحقيق ك ّ‬
‫ف‬
‫والضّرا ِ‬
‫ل هد ٍ‬
‫ع صفو َ‬
‫د‬
‫ه ُ‬
‫م وحدةَ المسلمين‪ ،‬ويجم ُ‬
‫يخد ُ‬
‫فهم ويم ّ‬
‫السبي َ‬
‫ة الجتماعّية‬
‫ة والعدال ِ‬
‫ر الحّري ّ ِ‬
‫ل لتوفي ِ‬
‫ة‬
‫دو ِ‬
‫ة والسعاد ِ‬
‫ء والطمأنين ِ‬
‫ه ُ‬
‫سل ْم ِ وال ْ ُ‬
‫ن وال ّ‬
‫والم ِ‬
‫ر على وجه البسيطة‪..‬‬
‫والرخا ِ‬
‫ء والزدها ِ‬
‫هذه كّلها‪ ،‬هي المراد بها من كلمة «العمل‬
‫الصالح» الواردة في مواطن كثيرة من القرآن‬
‫ة يضيق المقام من‬
‫غ مختلف ٍ‬
‫الكريم وعلى ِ‬
‫صي َ ٍ‬
‫حصرها‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫ما قيام العبد بإجراء مراسم النقشبندّية على‬
‫أ ّ‬
‫ش‬
‫وفق ما ورد في شرح مصطلحاتهم « ُ‬
‫هو ْ‬
‫س َ‬
‫م‪ ،‬و ن َظَْرب َْر َ‬
‫ت‬
‫ن‪ ،‬و َ‬
‫و ْ‬
‫قدَ ْ‬
‫دَْردَ ْ‬
‫م‪ ،‬و َ‬
‫وط َ ْ‬
‫خل ْ َ‬
‫فْردَْر َ‬
‫َ‬
‫ن‪ ...‬إلخ» بقصد العبادة فإّنه خروج على‬
‫م ْ‬
‫دَْرأْنج َ‬
‫السلم ل جرم‪ ،‬وتحريف لدين الله!‬
‫ي وخلط في‬
‫ومن جملة ما عبث به البغداد ّ‬
‫ة‬
‫ة موهوم ً‬
‫عباراته المذكورة أيضا‪ :‬إّنه اختلق صل ً‬
‫بين الرابطة وبين كتاب الله وسّنة رسوله ‪.‬‬
‫فحاشا لله‪ ،‬أن يكون في كتابه‪ ،‬أو في سّنة‬
‫رسوله ‪ ‬أدنى شيء يشير إلى رابطة الباطنّية‪.‬‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫بل كتاب الله برئ من هذه الفرية‪ } .‬ل َ ي َأِتي ِ‬
‫زي ٌ‬
‫ال َْباطِ ُ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ف ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ه ت َن ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ب َي ْ‪ِ90‬‬
‫د{‪.‬‬
‫مي ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫كيم ٍ َ‬
‫َ‬
‫ة لنشوب فتنة الرابطة منذ أن‬
‫كانت هذه خلص ٌ‬
‫أصبحت ركًنا من أركان هذه النحلة بعد عودة‬
‫وٌر كبيٌر‬
‫خالد البغداد ّ‬
‫ي من بلد الهند‪ ،‬فشوهد تط ّ‬
‫ي في عقائد الطائفة النقشبندّية‬
‫وتغي ٌّر جذر ّ‬
‫عقب هذا الحدث كما أثار خل ً‬
‫عا‬
‫فا كبيًرا ونزا ً‬
‫دا بين هذه الفرقة‪ ،‬وبين رجال الطريقة‬
‫شدي ً‬
‫ضا فرقة من الفرق الباطنّية‪.‬‬
‫القادرية‪ .‬وهي أي ً‬
‫أما تعريف الرابطة‪ ،‬فقد جاء في الرسالة‬
‫ي‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫المذكورة نف ِ‬
‫سها لخالد البغداد ّ‬
‫«إذ هي في الطريقة عبارة عن استمداد المريد‬
‫من روحانّية شيخه الكامل الفاني في الله بكثرة‬
‫دب‪ ،‬ويستفيض منه في الغيبة‬
‫رعاية صورته ليتأ ّ‬
‫م له باستحضاره الحضور والنور‬
‫كالحضور‪ .‬ويت ّ‬
‫‪91‬‬
‫وينزجر بسببها من سفاسف المور»‬
‫‪90‬‬

‫صلت‪.42/‬‬
‫سورة ف ّ‬

‫‪91‬‬

‫هابُيون ‪-‬مجموعة فيها خمس‬
‫ي‪ ،‬رسالة في تحقيق الرابطة )ضمن كتاب‪ :‬علماء المسلمين والو ّ‬
‫خالد البغداد ّ‬

‫رسائل‪ ،‬من منشورات إيشيك كتاب أوي(‪ .‬الرسالة الخيرة منها‪ .‬إسطنبول‪1978-‬م‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫ث‬
‫ي ثل ُ‬
‫لقد ورد في هذا المقطع من كلم البغداد ّ‬
‫م الرابطة إل ّ بها عند‬
‫ط خطير ٍ‬
‫نقا ٍ‬
‫ة ل تت ّ‬
‫ُ‬
‫وُلها‪ :‬أن يستمدّ المريد من روحانّية‬
‫النقشبندّية‪ :‬أ ّ‬
‫شيخه؛ وثانيها‪ :‬أن يكون الشيخ فانيا في الله‬
‫)؟!(؛ وثالثها‪ :‬أن يستحضر المريدُ صورةَ الشيخ‬
‫في ذهنه‪ .‬وهكذا تظهر خطورة هذه العقيدة‬
‫دعي أصحابها أّنهم‬
‫صة عندما ي ّ‬
‫بتمام معناها؛ خا ّ‬
‫مسلمون!‬
‫***‬

‫* شرو ُ‬
‫ءها‪.‬‬
‫ط الرابطة وصورةُ أدا ِ‬

‫ة في رسائ َ‬
‫ل مختلفة‬
‫ت متفرّق ٌ‬
‫فقد جاءت تعريفا ٌ‬
‫خري شيوخ النقشبندّية حول شروط الرابطة‬
‫لمتأ ّ‬
‫ن كان عددٌ منهم قد‬
‫وصورة أدائها‪ .‬فالحقيقة‪ ،‬وإ ْ‬
‫ي ومن سار‬
‫ونوا آدا َ‬
‫ب طريقِتهم‪ ،‬كخالد البغداد ّ‬
‫د ّ‬
‫ي‬
‫د الل ِ‬
‫ن عب ِ‬
‫ل مح ّ‬
‫على أثره من أمثا ِ‬
‫ه الخان ّ‬
‫مد ب ِ‬
‫ي‪ ،‬ومحمد‬
‫د المجي ِ‬
‫ه عب ِ‬
‫وحفيد ِ‬
‫ن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫دب ِ‬
‫عُثر‬
‫ي‪ ،‬وجماع ٍ‬
‫ة من الترك؛ إل ّ أّننا لم ن َ ْ‬
‫ن الكرد ّ‬
‫أمي ِ‬
‫م بين دفتيه‬
‫ب يض ّ‬
‫لحد منهم حّتى الن على كتا ٍ‬
‫خ َ‬
‫ة منذ‬
‫ع ما أ ُدْ ِ‬
‫ه الطائف ِ‬
‫ة هذ ِ‬
‫ل في عقيد ِ‬
‫جمي َ‬
‫َ‬
‫بدايتها إلى اليوم‪ .‬ولهذا نجد شروط الرابطة‬
‫ة في رسائ َ‬
‫ة‬
‫وصورةَ أداِئها متفرق ً‬
‫ل مختلف ٍ‬
‫جمعناها في هذا الباب‪ .‬وهو دلي ٌ‬
‫ن‬
‫ل آخُر على أ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ك ّ‬
‫ض هيمنَته على‬
‫ل من أراد من الشيوخ أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ف ِ‬
‫ة جاء بشيء جديد‪ .‬وهكذا‬
‫ة من هذه النحل ِ‬
‫جماع ٍ‬
‫استمّرت مسيرةُ هذه الطريقة ومصيُر أهِلها‬
‫على أيديهم‪ ،‬يتصّرفون في توجيههم‪ ،‬وفي آداب‬
‫ما ت َل َ ّ‬
‫وهُ من ساداتهم؛ يزيدون فيها تارة‪،‬‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ما ل يستقّر المر‬
‫وينقصون منها تارة أخرى‪ ،‬م ّ‬
‫معهم حّتى يتمكن أحد من جمع مبتدعاتهم في‬
‫كاتب واحد‪.‬‬
‫***‬

‫‪80‬‬

‫خلصة ما قيل في صورة أداء الرابطة‬
‫وشروطها‪:‬‬
‫خا فانًيا في‬
‫ن المريدُ قد بايع «شي ً‬
‫ن يكو َ‬
‫أوّلها‪ :‬أ ْ‬
‫الله» ‪-‬على حدّ قولهم‪ -‬وقد وقعوا هنا في‬
‫ن المريد‬
‫تلفيق شديد ينافيه العقل السليم‪ .‬إذ أ ّ‬
‫خا ليبايعه‪ ،‬فهو ما زال جاهل ً‬
‫اّلذي يقصد شي ً‬
‫بأمور الطريقة عندهم‪ .‬إذن فكيف به أن يتأ ّ‬
‫كد‬
‫خ اّلذي قصده قد َ‬
‫ن الشي َ‬
‫ي في الله؟!‬
‫من أ ّ‬
‫فن ِ َ‬
‫ب‬
‫فضل ً عن أ ّ‬
‫ن مثل هذه الهرطقة حر ٌ‬
‫علىالحنيفية‪.‬‬
‫ضطرب المتذبذب في‬
‫هذا هو أسلوبهم الم ّ‬
‫ختلق الداب‬
‫في ا ْ‬
‫ما و ِ‬
‫الصياغة والتعبير عمو ً‬
‫ري َ‬
‫صة‪ُ .‬يطلقون الكلمة على‬
‫ه ْ‬
‫م خا ّ‬
‫والركان ل ِطَ ِ‬
‫قت ِ ِ‬
‫ما سوف ي ّ‬
‫طلع عليها‬
‫عواهنها بصرف النظر ع ّ‬
‫ما‬
‫أهل العلم والخبرة فيفتضح أمرهم؛ وذلك إ ّ‬
‫ّ‬
‫س والله أعلم بما‬
‫ل أو إ ّ‬
‫عن جه ٍ‬
‫ما عن حظ نف ٍ‬
‫في صدورهم‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬أن يكون المريد طاهًرا من الحدث الكبر‬
‫والصغر‪ .‬وإّنما اشترط من اشترط منهم‬
‫س من‬
‫الطهارة مكًرا‪ ،‬ليواري هذه البدعة بلبا ٍ‬
‫شعار السلم‪ ،‬وهو الوضوء‪ ،‬ولتكتسب الرابطة‬
‫ة‪ ،‬وصورةً من صور العبادة‪،‬‬
‫ة شرعي ً‬
‫بذلك صف ً‬
‫يش ّ‬
‫ب في مشاعر المسلمين‬
‫ك قد يد ّ‬
‫تفادًيا ل ّ‬
‫د‬
‫وتضليل ً للغافلين‪ .‬على الرغم من أّنه لم يتص ّ‬
‫ي‬
‫أحدهم قائل بأّنها عبادة إل ّ رجل من أصل ترك ّ‬
‫اسمه مصطفى فوزي‪ .‬وهو من أتباع أحمد ضياء‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ 92.‬قال في بيت من‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫رسالته المنظومة بالّلغة التركّية تحت عنوان‬
‫«إثبات المسالك في رابطة السالك» ومآله‬
‫‪92‬‬

‫راجع ترجمتهما بالتفصيل في المصدر‬

‫‪.Eserleri‬‬

‫التالي‪Dr. İrfan Gündüz, Ahmed Ziyaüddin Gümüşhanevî, Hayatı ve :‬‬

‫‪81‬‬

‫بالعربّية‪« :‬الرابطة فريضة من جملة الفرائض‬
‫ها أربعة وخمسون فريضة‪ ،‬وهي دليل‬
‫اّلتي َ‬
‫عدَدُ َ‬
‫‪93‬‬
‫العاشقين»‬
‫وثالثها‪ :‬أن يكون الباب مغلقا‪ .‬يستدّلون في ذلك‬
‫ث‪ 94.‬وحقيقة المر ليس كذلك؛ وإّنما‬
‫بحدي ٍ‬
‫ن البرهمية اّلذين‬
‫ابتدعوا هذا الشرط أسوة ب ُِر ْ‬
‫هَبا ِ‬
‫مل والتركيز‪.‬‬
‫ينـزعون إلى الخلوات استعدا ً‬
‫دا لّلتأ ّ‬
‫َ‬
‫ة كالصلة‬
‫ما بأن العبادة في السلم َ‬
‫علن ِي ّ ٌ‬
‫عل ً‬
‫ج والزكاة والضحية والجهاد‬
‫والصوم والح ّ‬
‫ة‬
‫ة بالغ ً‬
‫ن في ذلك لحكم ً‬
‫بمختلف أشكالها‪ .‬وإ ّ‬
‫ما وتهذيًبا للجمهور‪.‬‬
‫سا و ِ‬
‫ودرو ً‬
‫عب ًَرا وتعلي ً‬
‫ما إغلق الباب‪ ،‬فإّنه من أمر البرهمية‬
‫أ ّ‬
‫ة سلو ٌ‬
‫ي متطّرف‪،‬‬
‫ة‪ .‬والرهباني ّ ُ‬
‫والرهباني ّ َ‬
‫ك روحان ّ‬
‫وجمود‪ ،‬وخمول وعزلة وتق ّ‬
‫شف‪ .‬لها أشكال‬
‫داها‬
‫متباينة من الرياضة الذهنّية والبدنّية؛ مؤ ّ‬
‫مها اّلتي‬
‫ة ونضرِتها وجماِلها ونعي ِ‬
‫الكراهّية للحيا ِ‬
‫خلقها الله ليتمّتع بها عباده بوجوه مشروعة‪ .‬ول‬
‫ة إلى السلم‪ .‬وإّنما السلم‬
‫ت الرهبانّية بصل ٍ‬
‫تم ّ‬
‫ة؛ وسلو ٌ‬
‫ك‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫م حيا ٍٍ‬
‫ي‪ ،‬ونظا ُ‬
‫عل َن ِ ّ‬
‫دين حنيف‪ ،‬رّبان ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة‪ ،‬وطهار ٌ‬
‫ع؛ وعباد ٌ‬
‫ة‪ ،‬وسياس ٌ‬
‫ة‪ ،‬وفضيل ٌ‬
‫رفي ٌ‬
‫ة‪ ،‬ونوٌر‬
‫م‪ ،‬وبح ٌ‬
‫ة‪ ،‬وهداي ٌ‬
‫ث‪ ،‬ومعرف ٌ‬
‫ودراس ٌ‬
‫ة‪ ،‬وعل ٌ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ‬
‫ر ِ‬
‫ه ِ‬
‫من وحيه تعالى‪} .‬ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫دي الله ل ُِنو ِ‬
‫والله بك ّ‬
‫مَثا َ‬
‫ء‬
‫ل شي ٍ‬
‫وي َ ْ‬
‫ر ُ‬
‫ب الله ْال ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ض ِ‬
‫ل للّنا ِ‬
‫‪95‬‬
‫م‪{.‬‬
‫َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫‪93‬‬

‫ي للبيت المذكور باللهجة العثمانّية و بالحروف العربّية‪« :‬أللي درت فرضدن بريدر رابطه * أهل‬
‫الن ّ‬
‫ص الترك ّ‬

‫عشقك رهبريدر رابطه‪ ».‬مقتبس من رسالة إثبات المسالك في رابطة السالك لناظمها مصطفى فوزي‪ ،‬ص‪/‬‬
‫و ٌ‬
‫و ٌ‬
‫غ‬
‫غ بالعربّية وفيه من السجع‪ ،‬بينما محتوا ُ‬
‫ه مص ّ‬
‫‪ .19‬إسطنبول‪1324 -‬هـ‪ .‬ومن الغريب أن اسم الرسالة مص ّ‬
‫بالتركّية‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫ج َ‬
‫ن»‪ .‬قال‪« :‬إغلق الباب‪.‬‬
‫ي في فصل «ختم ال ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫جاء في تنوير القلوب لمحمد أمين الكرد ّ‬
‫خ َ‬
‫ي الربل ّ‬

‫ويعضده حديث الحاكم عن يعلى بن شداد‪ ،‬قال‪ :‬هل فيكم رجل غريب؟ قلنا ل يا رسول الله! فأمر بغلق الباب و‬
‫قال ارفعوا أيديكم»‪ .‬ص‪.521 /‬‬

‫‪95‬‬

‫سورة النور‪.35/‬‬

‫‪82‬‬

‫كيُز» فما هو بشيء في السلم؛ وليس‬
‫أما «الت ّْر ِ‬
‫له أدنى علقة بما جاء في مواطن كثيرة من‬
‫م‬
‫القرآن الكريم كقوله تعـالى } ل َ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ت َت َ َ‬
‫ن‪{.‬‬
‫فك ُّرو َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫ن‪ {.‬وقوله تعالى } ل َ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ما «راب ِطَ ِ‬
‫وأ َ‬
‫وما في هذا المعنى‪َ ...‬‬
‫النقشبندّية»‪ ،‬إّنما هو نوع من تمارين «اليوغا»‪،‬‬
‫س‬
‫كما سبق البحث عنه في موضوع « َ‬
‫حب ْ ِ‬
‫الن ّ َ‬
‫ز »‪،‬‬
‫ما ما يتعلق بمفهوم «الت ّْر ِ‬
‫س»‪ .‬وأ ّ‬
‫كي ِ‬
‫ف ِ‬
‫فيقول المؤّلفان‪ :‬المستشرق ج‪ .‬توندريو‪ ،‬وعالم‬
‫النفس‪ ،‬ب‪ .‬رئال في كتابهما «اليوغا»‪.‬‬
‫كيُز‪ :‬وهو تثبيت الفكر على نقطة واحدة‪،‬‬
‫« الت ّْر ِ‬
‫أو شيء‪ ،‬أو فكرة‪ ،‬أو عن المطلق»‪ .‬ويقولن‬
‫ضا‪« :‬هو مقدرتك على تثبيت الفكر على نقطة‬
‫أي ً‬
‫‪96‬‬
‫صة معّينة»‬
‫خا ّ‬
‫ن التركيز‪ ،‬ليس شكل ً من أشكال‬
‫فتبيّن بهذا أ ّ‬
‫العبادة؛ ول فيه طلب لمرضاة الله تعالى بمحض‬
‫وحى من الديانات‬
‫م ْ‬
‫هذا المعنى‪ ،‬وإن كان ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ي‬
‫الهندّية‪ .‬وإنما هو بمجّرد فعله تمري ٌ‬
‫ن ذهن ّ‬
‫ي غايته‪ :‬السيطرة على العصاب‪ ،‬ليتح ّ‬
‫كم‬
‫عقلن ّ‬
‫النسان بها على نفسه‪ ،‬فيقودها إلى ما فيه‬
‫نل‬
‫صلحه‪ .‬وقد تكون فيه مصالح كثيرة ‪ -‬على أ ْ‬
‫دى هذا الحد غايته‪ -‬كترويح الذهن‪ ،‬وإجلء‬
‫يتع ّ‬
‫الهموم والغموم‪ ،‬ورفع العباء عن العقل‬
‫صة وفي عصرنا اّلذي تعاني نفسّية‬
‫والجسم‪ ،‬خا ّ‬
‫مرة للعصاب‬
‫النسان في ظروفه القاهرة المد ّ‬
‫ث‬
‫من جّراء ما يشاهد‪ ،‬أو يقرع سمعه من أحدا ٍ‬
‫ة‪ ،‬وقلق َ‬
‫ت وضجيج‪ .‬فقد شاع‬
‫ل واضطرابا ٍ‬
‫دامي ٍ‬
‫درات‬
‫بين الناس استعمال العقاقير والمخ ّ‬
‫والكحول؛ وانهمكوا في الّلهو والمجون والدعارة‬
‫ن النسان المعاصر‬
‫كنتيجة لهذه السباب‪ .‬ل ّ‬
‫وة اليمان‬
‫التعيس اّلذي لم يعد يحظى من ق ّ‬
‫‪96‬‬

‫ج‪ .‬توندريو‪ -‬ب‪ .‬رئال‪« ،‬اليوغا»‪ ،‬ص‪ .36 ،30 /‬تعريب‪ :‬إلياس أيوب‪ .‬مكتبة المعارف بيروت‪1988-‬م‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫ه برّبه‬
‫ه وثقت ُ ُ‬
‫بالله واليوم الخر‪ ،‬فقد ضعفت صلت ُ ُ‬
‫وتلشت معنوّياته‪ ،‬وبالتالي أصبح في دوامة‬
‫عمياء تساوره الهواجس‪ ،‬وينتابه القلق‪ ،‬وتزدحم‬
‫أفكار رهيبة في ذهنه‪.‬‬
‫ص من مشاكله النفسية‪،‬‬
‫فإذا كان مراده الخل َ‬
‫والقضاءَ على ما يعاني من التوّتر والرق‬
‫والخوف والقلق‪ ،‬كح ّ‬
‫ي؛ ل نجد في السلم‬
‫ل طب ّ ّ‬
‫ما يمنعه من القيام بتمارين رياضية ل تتعارض‬
‫ل من أشكالها مع شيء من تعاليم‬
‫في شك ٍ‬
‫السلم‪.‬‬
‫ولكن شيوخ النقشبندّية قد جاوزوا به هذا الحدّ‬
‫إلى تثبيت الفكر على صورة الشيخ‪ .‬فجعلوا منه‬
‫شر ً‬
‫طا أساسّيا للّرابطة‪.‬‬
‫ن رأى منهم إغلقَ الباب أقرب إلى‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫أ َ‬
‫الخلص في العبادة‪ ،‬فانهم أصل ل يعبدون الله‬
‫ة‪ -‬بل موقفهم‬
‫وحده ‪-‬وإن نفوا هذا التهام بشدّ ٍ‬
‫ص‪ ،‬يظهر من‬
‫ل َ‬
‫خا ّ‬
‫من مشائخهم يتمّيز بإجل ٍ‬
‫خلل ما يصفونهم ويرابطونهم في صورة من‬
‫الشراك بالله‪.‬‬
‫م الخلص لله سبحانه إل ّ بالتوحيد‬
‫هذا‪ ،‬ول يت ّ‬
‫اْلخالص ونفي جميع النداد‪ .‬إذ ل إخلص مع‬
‫ن الخلص ل يتو ّ‬
‫قف على السرار‬
‫مإ ّ‬
‫الشراك‪ .‬ث ّ‬
‫في العبادة‪ ،‬وإل ّ وجب حظر العلن في سائر‬
‫الطاعات وذلك مخالف لل ّ‬
‫ر‬
‫شرع‪ ،‬إل في أمو ٍ‬
‫دق‪ ،‬تفادًيا لطلب‬
‫صة ونادر ٍ‬
‫وع والتص ّ‬
‫خا ّ‬
‫ة‪ ،‬كالتط ّ‬
‫ب على سائر‬
‫ح ُ‬
‫س َ‬
‫السمعة والرياء‪ .‬وهذا ل ي ُ ْ‬
‫العبادات‪.‬‬
‫ورابعها‪ :‬أن يختار المريد محل ّ تغلب فيه الظلمة‬
‫صة‪،‬‬
‫إذا كان الوقت نهاًرا‪ .‬أو يع ّ‬
‫ده بصورة خا ّ‬

‫‪84‬‬

‫ح‬
‫ذ أو إطفا ِ‬
‫ر على النواف ِ‬
‫كإسدا ِ‬
‫ل الستائ ِ‬
‫ء المصابي ِ‬
‫إذا كان الوقت لي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وخامسها‪ :‬أن يغمض المريد عينيه أثناء الرابطة‪.‬‬
‫سه في ك ّ‬
‫ر‬
‫سها ‪ :‬أن يراق َ‬
‫ب أنفا َ‬
‫وساد ُ‬
‫ل زفي ٍ‬
‫وشهيق‪.‬‬
‫عـها‪ :‬أن ل يتحّرك من مكانه‪.‬‬
‫وسابِ ُ‬
‫ه في خياله‬
‫مُنـها ‪ :‬أن يستحضر صورةَ شي ِ‬
‫خ ِ‬
‫وثا ِ‬
‫على المنوال اّلذي سبق في موضوع التركيز‪.‬‬
‫وعلى هذا الشرط مدارها‪.‬‬
‫عها‪ :‬أن يستمدّ من روحانية شيخه‪ .‬والمريد‬
‫وتا ِ‬
‫س ُ‬
‫م بأداء الرابطة لشيخه في معظم أوقاته‪.‬‬
‫مل َْز ٌ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫هدّدٌ بانقطاع البركة عنه!‬
‫م َ‬
‫وإل فهو ُ‬
‫ن جميع هذه المور مستوحاة من الديانات‬
‫فإ ّ‬
‫ب ذكرناه آنفا‪.‬‬
‫الهندية ما عدا الشرط الثاني لسب ٍ‬
‫***‬

‫ن أحدث الرابطة‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ول َ‬
‫*أ ّ‬
‫ور هذا الشك َ‬
‫ص لربط‬
‫إ ّ‬
‫م ْ‬
‫ول َ‬
‫ل المخصو َ‬
‫ن تص ّ‬
‫نأ ّ‬
‫المريد بالشيخ في الطريقة النقشبندّية‪ .‬هو عبيد‬
‫ة من هذه الطائفة‬
‫الله الحرار وإن كانت جماع ٌ‬
‫دعي أّنها مأثورة عن أبي بكر الصديق رضي‬
‫ت ّ‬
‫الله عنه‪ .‬فل نعثر على اسم من نطق بهذه‬
‫الكلمة قبل الروحاني المعروف بـ «الحرار»‬
‫وذلك‪ ،‬ورد بحث الرابطة مرتين في كتاب‬
‫ن الحرار أوصى بها‬
‫الرشحات‪ 97.‬جاء فيهما أ ّ‬
‫فحسب‪ .‬ولم يزد المؤّلف على ذلك مما يدل على‬
‫ما»‬
‫أ ّ‬
‫ما ول «ركنا عظي ً‬
‫ن الرابطة لم تكن أمًرا ها ً‬
‫‪97‬‬

‫علي بن الحسين الواعظ الكاشفي البيهقي‪ ،‬رشحات عين الحياة ص‪ .360 ،354 /‬صاري كز‪ ،‬إسطنبول‪-‬‬

‫‪1291‬هـ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫من أركان هذه الطريقة يومئذ كما يد ّ‬
‫ن‬
‫ل على أ ّ‬
‫ة بعد أن‬
‫ص ً‬
‫ورت مع الزمان وخا ّ‬
‫هذه الفكرة تط ّ‬
‫قفزت الطريقة النقشبندّية إلى الهند في عهد‬
‫ي‪ .‬ثم بعد ذلك تناولها شيوخ‬
‫الباقي بالله الكاُبل ّ‬
‫هذه الطائفة اّلذين نشأوا في تلك البلد‪ ،‬وبنوها‬
‫على أسس مستوحاة من البرهمية والبوذية‬
‫ن الرابطة لم تكن‬
‫المنتشرتين في الهند‪ .‬إل أ ّ‬
‫ضا إذ لم يتناولها إل ّ‬
‫ما في عهدهم أي ً‬
‫أمًرا ها ّ‬
‫ي‬
‫ي السرهند ّ‬
‫رجلن منهم‪ .‬أحدهما أحمدُ الفاروق ّ‬
‫ف بين أتباع هذه النحلة بـ «المام‬
‫المعرو ُ‬
‫ي»‪ .‬فقد جاء في رسالة فارسية له‪ ،‬بعثها‬
‫الرّبان ّ‬
‫إلى شخص اسمه أشرف الكاُبلي‪ ،‬جاء فيها‪:‬‬
‫جهة إلى خواجه أشرف‬
‫«إ ّ‬
‫ن هذه الرسالة مو ّ‬
‫ن الرابطة أنفع للمريد من‬
‫الكابلي في بيان أ ّ‬
‫ت في‬
‫ما اّلتي كتبها الصدقاء‪ ،‬فقد نظر ُ‬
‫الذكر‪ .‬أ ّ‬
‫مضمونها‪ ،‬وا ّ‬
‫طلعت على الحوال المسطورة‬
‫ن رابطة الشيخ لك ّ‬
‫ل مريد بل‬
‫فيها‪ .‬واعلموا أ ّ‬
‫مة بين‬
‫تكّلف ول تصّنع هي دللة على مناسب ٍ‬
‫ة تا ّ‬
‫المرشد والمريد‪ .‬وهي سبب للفادة والستفادة‬
‫ول طريق للوصول أقرب من طريق الرابطة‪.‬‬
‫ومن سلكها فهو سعيد‪».‬‬
‫«لقد ورد في كتاب الفقرات لخواجه أحرار‪...‬‬
‫إّنه قال‪ :‬القول هنا باعتبار النفع‪ .‬يعني ظ ّ‬
‫ل‬
‫المرشد أنفع للمريد من أن يشتغل المريد بذكر‬
‫‪98‬‬
‫الله‪...‬إلخ»‬

‫‪98‬‬

‫مد أشرف كابلي‬
‫ي بالّلغة الفارسّية للرسالة المذكورة ورقمها‪« : .187 :‬بخواجة مح ّ‬
‫و هذا الن ّ‬
‫ص الصل ّ‬

‫صدور يافته؛ در بيان آنكه طريق رابطه‪ ،‬أقرب طرق موصله است‪ .‬و در بيان آنكه رابطه نافع تر است مريدرا از‬
‫ذكر كفتن‪ .‬أو كتابت كه بيارانرا نوشته بودند بنظر در آيد‪ .‬أحوال مسطورة م ّ‬
‫طلع كشت‪ .‬بداند كه حصول رابطهء‬
‫مل علمت مناسبت تام است در ميان بير و مريد كه سبب افاده و استفاده‬
‫شيخ هرمريدرا بي تكّلف و بي تع ّ‬
‫است‪ .‬و هيج طريقي اقرب بوصول از طريق رابطه نيست‪ .‬تا كدام دولتمندرا بان سعادت مستعد سازند‪.‬‬
‫حضرت خواجه أحرار… در فقرات مي آرند كه سايهء رهبر به است از ذكر حق‪ .‬به كفتن باعتبار نفع است‪ .‬يعني‬
‫سايهء رهبر نافع تر است مريدرا از ذكر كفتن‪...‬إلخ»‪ .‬نسخة كراتشي‪.‬ص‪ 1392 .301/‬هـ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫إ ً‬
‫ي‬
‫ذا يّتضح لنا أ ّ‬
‫ن الرابطة لم تكن في عهد الرّبان ّ‬
‫ما‬
‫ركًنا من أركان الطريقة النقشبندّية؛ فضل ً ع ّ‬
‫ي هو اّلذي وضع لها‬
‫قبله‪ .‬وإّنما خالد البغداد ّ‬
‫تعري ً‬
‫ن جاء‬
‫صا‪ ،‬وزاد على هذا التعريف م َ‬
‫فا خا ّ‬
‫بعده من خلفائه كما وضعوا لها شرو ً‬
‫طا ورّتبوها‬
‫على هيئة من النسك حّتى اعتقدها جماعة من‬
‫أتباعهم أّنها شكل من أشكال العبادة‪ .‬وسعى‬
‫كثير منهم لدائها والدفاع عنها تقّرًبا إلى الله‪،‬‬
‫وهم يجهلون أّنه ل يتقّرب العبد إلى الله إل بما‬
‫جاء في كتاب الله وسّنة رسوله ‪ ‬من أشكال‬
‫ن الكتب المنـزلة قبل‬
‫العبادات كما يجهلون أ ّ‬
‫مد ‪ ‬إّنما حّرفها اليهود والنصارى‬
‫سّيدنا مح ّ‬
‫قدْ َ‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫ق ِ‬
‫كا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ري ٌ‬
‫بأمثال هذه البدع } َ‬
‫ف ِ‬
‫ع َ‬
‫حّر ُ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫م الل ِ‬
‫عو َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م يُ َ‬
‫م ُ‬
‫ن ك َل َ َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫قُلو ُ‬
‫د َ‬
‫فون َ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ن{ وقد قال الله تعالى فيهم‪:‬‬
‫و ُ‬
‫ملو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م يَ ُ‬
‫} َ‬
‫وي ٌ‬
‫ن‬
‫ب ب ِأي ْ ِ‬
‫ل لل ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن ي َك ْت ُُبو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫ذي َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫دي ِ‬
‫قِلي ً‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫مًنا َ‬
‫وي ْ ٌ‬
‫د الله ل ِي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫شت َُروا ب ِ ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ثَ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وي ْ ٌ‬
‫ما‬
‫م ِ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ما ك َت َب َ ْ‬
‫لل ُ‬
‫لَ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫دي ِ‬
‫‪99‬‬
‫ن{‬
‫ي َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫أما الرجل الثاني اّلذي تناول الرابطة بعد عبيد‬
‫الله الحرار‪ ،‬هو تاج الدين بن زكريا بن سلطان‬
‫ي‪ .‬جاءت في‬
‫الهند ّ‬
‫ي زميل أحمد الفاروق ّ‬
‫ع َ َ‬
‫ت مختصرةٌ حول الرابطة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن له عبارا ٌ‬
‫جالت َي ْ ِ‬
‫منهما الرسالة المعروفة بـ«التاجية»‪ .‬قال في‬
‫مقطع منها‪:‬‬
‫«الطريقة الثانية‪ :‬طريقة الرابطة بالشيخ اّلذي‬
‫وصل إلى مقام المشاهدة وتح ّ‬
‫قق بالتجّليات‬
‫ن رؤيته بمقتضى ‪-‬هم اّلذين إذا رأوا‬
‫الذاتّية‪ .‬فإ ّ‬
‫ذكر الله‪ -‬تفيد فائدة الذكر‪ .‬وصحبته بموجب ‪-‬هم‬
‫سر‬
‫جلساء الله‪ -‬ينتج صحبة المذكور‪ ،‬وإذا تي ّ‬
‫صحبة مثل هذا العزيز‪ ،‬ورأيت أثره في نفسك‪،‬‬
‫‪99‬‬

‫سورة البقرة‪.79-75/‬‬

‫‪87‬‬

‫فينبغي لك أن تحفظ ذلك الثر اّلذي تشاهد فيك‬
‫بقدر المكان‪ .‬وإن حصل لك ببركة ذلك الثر‪.‬‬
‫هكذا تفعل مرة بعد أخرى‪ ،‬متى تصير تلك‬
‫الكيفية ملكة لك‪ .‬وإن لم يظهر من صحبة ذلك‬
‫العزيز أثر‪ ،‬ولكن حصلت به محبة وانجذاب‪،‬‬
‫فينبغي أن تحفظ صورته في الخيال وتتوجه‬
‫ي‪ ،‬حّتى تحصل لك الغيبة والفناء‬
‫للقلب الصنبور ّ‬
‫عن النفس‪ .‬وإن وقفت عن الترقي‪ ،‬فينبغي أن‬
‫تجعل صورة الشيخ على كتفك اليمن في خيالك‬
‫دا‪ .‬وتأتي‬
‫وتعتبر من كتفك إلى قلبك أمًرا ممت ّ‬
‫بالشيخ على ذلك المر الممّتد وتجعله في قلبك‬
‫‪100‬‬
‫فإّنه يرجى لك بذلك حصول الغيبة والفناء»‬
‫***‬
‫ونه تحت عنوان‬
‫وقال تاج الدين بن زكريا فيما د ّ‬
‫«آداب المشيخة والمريدين»‪« :‬فطريق الرابطة‬
‫وهي رابطة القلب مع الشيخ‪ :-‬فرؤيته‬‫بمقتضى ‪-‬اّلذين إذا ُ‬
‫ذكر الله‪ -‬تحصل لهم الفائدة‬
‫كما تحصل الفائدة من الذكر بموجب ‪-‬هم جلساء‬
‫ن الشيخ كالميزاب‪ ،‬ينـزل الفيض من‬
‫الله‪ -‬ل ّ‬
‫ن وجد الفتور في الرابطة‪،‬‬
‫بحره المحيط‪ .‬وإ ْ‬
‫فيحفظ صورة شيخه في خياله بموجب ‪-‬المرء‬
‫مع من أحب‪ -‬فيحفظ الصورة‪ ،‬يتحقق ويّتصف‬
‫‪101‬‬
‫ل الشيخ كما كان له»‬
‫المريد بأوصا ِ‬
‫ف وأحوا ِ‬
‫عدُ هذا الحدّ من‬
‫هكذا يبدو أن الرابطة لم ت َ ْ‬
‫ت‬
‫ة عام ٍ على مو ِ‬
‫ي ثلثمائ ِ‬
‫م ِ‬
‫ر إل بعد ُ‬
‫الت ّطَ ّ‬
‫ض ّ‬
‫و ِ‬
‫ل من نطق بهذه الكلمة‪،‬‬
‫د الل ِ‬
‫عبي ِ‬
‫و ِ‬
‫ه الحرار؛ أ ّ‬
‫ة‬
‫ط ِ‬
‫عدّ ٍ‬
‫ي فبناها على شرو ٍ‬
‫حّتى جاء خالد البغداد ّ‬
‫ذكرناها آنفا؛ وجعل منها «أصل ً من أصول‬
‫‪100‬‬
‫‪101‬‬

‫ي‪ ،‬الرسالة التاجية‪ .‬مكتبة جامعة إسطنبول‪ -‬خزانة الثار النادرة‪،‬‬
‫تاج الدين بن زكريا الهند ّ‬

‫رقم‪3640 /‬‬

‫ي قد جاءت في منتهى الركاكة و التكّلف؛ تد ّ‬
‫ل‬
‫من المصدر السابق أي ً‬
‫ضا؛ إل ّ أ ّ‬
‫ن عبارات هذا الشيخ الهند ّ‬

‫على قريحته العجمية و طبعه الجلف و ح ّ‬
‫ن الخلط و العبث‬
‫ظه التافه من العلم‪ .‬و بالتالي يبرهن على أ ّ‬
‫والتحريف اّلذي تعّرضت له المفاهيم السلمّية الصيلة‪ ،‬إنما هي صنيعة أصحاب تلك الطبيعة الغليظة اّلتي لم‬
‫يتم ّ‬
‫ت‬
‫ع وهرطقا ٍ‬
‫كنوا بسببها من المعرفة الصحيحة بحقيقة السلم حّتى دفعتهم أهواؤهم إلى اختلق بد ٍ‬
‫دا‪ ،‬والله أعلم بنّياتهم‪.‬‬
‫سوها إلى الدين الحنيف جهل ً أو قص ً‬
‫استقوها من عقائد أهل الشرك ‪ .‬فد ّ‬

‫‪88‬‬

‫ه‬
‫الطريقة النقشبندّية»؛ كما يبدو في الوقت ذات ِ ِ‬
‫ة الجا ّ‬
‫ر‬
‫ة الخالي ِ‬
‫ف ِ‬
‫كيك َ ِ‬
‫من هذه العبارات الّر ِ‬
‫ة من آثا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ن شيو َ‬
‫ة كانوا ول‬
‫خ هذه الطائف ِ‬
‫سِليم ِ أ ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫ذو ِ‬
‫ف والب َ‬
‫ة‬
‫لغ ِ‬
‫يزالو َ‬
‫ر ِ‬
‫ن ِبمْنأى عن العلم ِ والمعا ِ‬
‫والث ّ َ‬
‫ة‪...‬‬
‫قا ِ‬
‫ف ِ‬
‫***‬

‫* الغاية من الرابطة‬
‫الرابطة من حيث الغاية ليست إل ّ وسيلة‬
‫لترويض المريد على تبعية الشيخ بك ّ‬
‫ل ما يملك‬
‫من نفس ومال ومقدرة‪ .‬ويؤ ّ‬
‫كد على هذه‬
‫الحقيقة ما قد ورد في مقولت شيوخ الطريقة‬
‫من ترغيب المريد على الستسلم المطلق‬
‫لل ّ‬
‫ن طاعة المرشد عند هذه الطائفة‪،‬‬
‫شيخ‪ .‬بل وإ ّ‬
‫م آداب المريد مع شيخه‪ .‬وقد جعلوها‬
‫من أه ّ‬
‫شر ً‬
‫ضا على ك ّ‬
‫ل من ينخرط في سلكهم‬
‫طا مفرو ً‬
‫مر ذكره في باب «البيعة»‪ .‬كذلك رابطة‬
‫كما ّ‬
‫ن( أفض ُ‬
‫ل‬
‫الشيخ )أي استحضار صورته في الذّ ْ‬
‫ه ِ‬
‫من ذكر الله عندهم‪ ،‬كما ورد في فقرات‬
‫الحرار‪.‬‬
‫إ ً‬
‫ذا يجب هنا التفريق بين كلمتي «البيعة» و‬
‫سا َ‬
‫غ للّتباع في «آداب المريد‬
‫«الّتباع» إذ ل م َ‬
‫مع شيخه» وإّنما المطلوب من المريد أن يكون‬
‫ن المت ِّبع يتماشى مع المت َّبع‬
‫ت َب َ ِ‬
‫عا ل ّ‬
‫مت ّب ِ ً‬
‫عّيا وليس ُ‬
‫ر وتع ّ‬
‫ل بعد‬
‫ق ٍ‬
‫ي ويوافقه عن فك ٍ‬
‫عن وع ٍ‬
‫ب‪ ،‬وبحثه في‬
‫استكشاف العلل ومقارنته السبا َ‬
‫المقدمات؛ ليستخلص النتائج منها بالحكم‬
‫ن‬
‫والتصديق وهذا من صفات المؤمنين المتسّنني َ‬
‫بالنبياء عليهم الصلة والسلم؛ كأصحاب سّيدنا‬
‫ما‬
‫مد ‪ ،‬ورضوان الله عليهم أجمعين‪ .‬أ ّ‬
‫مح ّ‬
‫ي فليس أمره كذلك‪ .‬وإّنما هو‬
‫النسان التَبع ّ‬
‫مسلوب الرادة‪ ،‬مضطّر ل خيار له‪ ،‬ول علم له‬

‫‪89‬‬

‫سلب منه‪ .‬ول ّ‬
‫هدٌ‬
‫كنه ليس كمن هو مضط َ‬
‫بما قد ُ‬
‫مقهوٌر ومكَرهٌ على فعل شئ أو تركه؛ ول مثل‬
‫من تح ّ‬
‫كم فيه ظالم ل طاقة له به؛ ول كمن هو‬
‫ع بشخص لحسنه وجماله؛ ولكّنه مغ ّ‬
‫ف ٌ‬
‫ل‬
‫مول ّ ٌ‬
‫جا ٌ‬
‫ل من ورائه‪ ،‬فألقى عليه‬
‫مطبو ٌ‬
‫هد ّ‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫جذَب َ ُ‬
‫تخ ّ‬
‫ة‬
‫ت ماكر ٍ‬
‫ة ودعوا ٍ‬
‫لب ٍ‬
‫محب َّته وهيبَته بدعايا ٍ‬
‫ة كما يفعله بعض شيوخ الصوفّية‬
‫و ِ‬
‫ل شيطاني ٍ‬
‫حي َ ٍ‬
‫من طأطأة الرأس‪ ،‬والتصنع في الّلباس والكلم‪،‬‬
‫َ‬
‫ة ومناس َ‬
‫ة مثل‬
‫ك دخيل ٍ‬
‫ر المريدين بأوراٍد غريب ٍ‬
‫وأ ْ‬
‫م ِ‬
‫ي والمسبحة‪ ،‬وبكميات معينة‬
‫ح ِ‬
‫عدّ الذكار بال ْ ُ‬
‫ص ّ‬
‫ن ل ِْلكثرة والحجم تأثيًرا‬
‫ددها لهم‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫يح ّ‬
‫ما على نفسية النسان الجاهل‪ .‬إّنه يو ّ‬
‫قر‬
‫عظي ً‬
‫صة إذا كانت فوقها عمامة‬
‫ة الضخم َ‬
‫الهام َ‬
‫ة‪ ،‬خا ّ‬
‫م‪ ،‬وينجرف من‬
‫من لفائف مك ّ‬
‫دسة؛ يتهّيب الزحا َ‬
‫ب؛ ل رأي له يستق ّ‬
‫ل‬
‫ما ذَن َ ٌ‬
‫وراء الدهماء وهو دو ً‬
‫به؛ وهو رمز الحماقة في التصفيق عندما يص ّ‬
‫فق‬
‫الناس‪ ،‬وإن كان ل يدري لماذا يص ّ‬
‫فقون‪ ،‬ولماذا‬
‫ن الرابطة‬
‫يطّبلون! ولهذا يجوز أن نقول إ ّ‬
‫مة‬
‫وسيل ٌ‬
‫صة لصطياد هذا النوع من العا ّ‬
‫ة خا ّ‬
‫ه بالشيخ بحيث ل يكاد ينف ّ‬
‫ن رآه‬
‫وَرب ْطِ ِ‬
‫ك منه‪ .‬وإ ْ‬
‫‪102‬‬
‫ويطيعه في معصية الله مع أّنه‬
‫يرتكب الحرام‪،‬‬
‫«ل َ َ‬
‫ي‬
‫ةف‬
‫ما الطا َ‬
‫طا َ‬
‫ع ُ‬
‫ع َ‬
‫ة الل ِ‬
‫صي َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫ه‪ ،‬إن ّ َ‬
‫ي َ‬
‫ةف ِ‬
‫‪ِ 103‬‬
‫ف»‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫***‬

‫* عقوبة المخ ّ‬
‫ل بآداب الرابطة عند‬
‫النقشبندّية‪.‬‬
‫تتمّيز الطريقة النقشبندّية بين سائر طرائق‬
‫الصوفّية بنظامها وآدابها اّلتي ساعدتها على‬
‫عب َْر‬
‫سع والنتشار في صفوف مليين الناس َ‬
‫التو ّ‬
‫القرون‪ .‬وهي كفيلة بقيامها ودوامها حّتى هذه‬
‫‪102‬‬

‫راجع موضوع البيعة‬

‫‪103‬‬

‫عن علي ابن أبي طالب‪ .‬رواه مسلم‪ .‬رقم الحديث‪.3423 :‬‬

‫‪90‬‬

‫الساعة بحكم هيمنتها على القلوب وترسيخ‬
‫عقائدها في قريرة النفوس‪ .‬ويعود السبب‬
‫ي في ذلك إلى الداب اّلتي تقوم عليها‬
‫الساس ّ‬
‫ف المريد من الشيخ‬
‫علق ُ‬
‫ة الخلف بالسلف وموق ُ‬
‫في هذا المذهب الخطير‪.‬‬
‫لقد سبق الكلم في باب تعريف الرابطة‬
‫ن المريد يجب عليه أن يكون على‬
‫وشروطها‪ ،‬بأ ّ‬
‫صلة دائمة مع شيخه بأداء الرابطة له‪« .‬وإل‬
‫ددا‬
‫انقطعت البركة عنه» فهو يرى نفسه مه ّ‬
‫بذلك إذا فتر باله عن شيخه ولو لحظة‪ .‬هذا من‬
‫جملة اعتقادهم في مسألة الرابطة‪ .‬وقد أحدث‬
‫خرين من شيوخ هذه الطائفة شر ً‬
‫طا‬
‫بعض المتأ ّ‬
‫آخر في الطريقة ليتأ ّ‬
‫كد به صلة المريد بالشيخ‬
‫أكثر مما هي في البداية‪ .‬وذلك أن يحم َ‬
‫د‬
‫ل المري ُ‬
‫ه معه‪.‬‬
‫نسخ ً‬
‫ة من الصورة الفوتوغرافية لشيخ ِ‬
‫ة‪ .‬وهم أتباع سليمان‬
‫فينظر إليها كّلما وجد فرص ً‬
‫مي ُ‬
‫ن‪ ،‬وأتباع المل ّ عبد الحكيم‬
‫طوُنا ُ‬
‫ِ‬
‫حل ْ ِ‬
‫خا ْ‬
‫‪104‬‬
‫ي‪.‬‬
‫الِبلواِنس ّ‬
‫وإذا كانت الرابطة من أعظم أركان الطريقة‬
‫ن القاعدة الساسّية فيها‬
‫النقشبندّية‪ ،‬فا ّ‬
‫)بالنسبة للخليفة المأذون( أن ل يأمر المريدين‬
‫برابطة نفسه‪ ،‬إذا كان شيخه ل يزال على قيد‬
‫طائفتين منتشر في تركيا‪ .‬لل ّ‬
‫ل من ال ّ‬
‫‪ 104‬ك ّ‬
‫ة وعلى‬
‫ة مراكز ضخمة معمورة في المدن الرئيسي ّ ِ‬
‫طائفة السليماني ّ ِ‬
‫ك حول معتقداتهم ويؤ ّ‬
‫ما يزيل الشكو َ‬
‫ة الغافلين‬
‫كد ثق َ‬
‫ص ً‬
‫مو َ‬
‫ة‪ ،‬وهذا م ّ‬
‫رأسها إسطنبول‪ .‬يهت ّ‬
‫ن خا ّ‬
‫ن بتحفيظ القرآ ِ‬
‫ي في مدينة آديامان ‪ .Adıyaman‬وهي‬
‫ما جماع ُ‬
‫دِليسي(‪ ،‬فلهم مركٌز رئي ِ‬
‫وان ِ ِ‬
‫سي )الب َ ْ‬
‫بهم‪ .‬وأ ّ‬
‫ة عبد الحكيم الب ْل ْ َ‬
‫س ّ‬
‫ة ِإلى‬
‫د ينتشرون في أنحا ِ‬
‫دعو ِ‬
‫ة الواقع ِ‬
‫مدينة سميصات القديم ِ‬
‫ء تركيا لل ّ‬
‫ب شرقي تركيا‪ .‬لهم وفو ٌ‬
‫ة على جنو ِ‬
‫ة في ماله أو‬
‫ب ماكر ٌ‬
‫ن أصابته نكب ٌ‬
‫ص ً‬
‫النخرا ِ‬
‫ط في صفوفهم‪ .‬ولهم أسالي ُ‬
‫م ْ‬
‫ة بِ َ‬
‫ة في نشر دعوتهم‪ ،‬يهت ّ‬
‫مون خا ّ‬
‫ة‬
‫ع ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ن في محاوراتهم الّتبشيري ّ ِ‬
‫ت وُيكث ُِر َ‬
‫ت في البيو ِ‬
‫ن جلسا ٍ‬
‫دو َ‬
‫عمله أو قريبه‪ ،‬وهو في حاج ٍ‬
‫ق ُ‬
‫ه‪ .‬ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫غيث ُ ُ‬
‫ة إلى َ‬
‫جهون دعوَتهم ‪-‬‬
‫ص ً‬
‫دعو َ‬
‫جيب َ ِ‬
‫ما ِ‬
‫غ‪ .‬يو ّ‬
‫ن أّنها صدرت عن شيخهم وبطريق غسل ال ّ‬
‫ة اّلتي ي ّ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ة من ذكر ال ْك ََرا َ‬
‫ع ِ‬
‫خا ّ‬
‫دما ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫س من المغ ّ‬
‫م َ‬
‫ع‬
‫ت نفسي ّ ٍ‬
‫ة والذين يعانون من حال ٍ‬
‫ن والجهل ِ‬
‫ل ‪ -‬إلى حثال ِ‬
‫مون ب ِ َ‬
‫فلي َ‬
‫ج ْ‬
‫ة‪ .‬إّنما يهت ّ‬
‫في ال ُ‬
‫و ِ‬
‫قام ِ ال ّ‬
‫م ِ‬
‫ة النا ِ‬
‫ة ذل َ‬
‫و ً‬
‫س‬
‫وَثان ًِيا‪ :‬ليحا ِ‬
‫ة يريدون بها أ ّ‬
‫ء صور ٍ‬
‫ل‪ :‬لسهول ِ‬
‫ت البسيط ِ‬
‫ن في هذه المستويا ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ك؛ َ‬
‫س‪ ،‬أ ّ‬
‫ة من النا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ذ ما‬
‫و َ‬
‫وَثال ًِثا‪ :‬إّنه غوث العالمين يتصّرف في ملك الل ِ‬
‫فيكشف الغموم عن البائسين‪َ ...‬‬
‫يتهافتون على شيخهم؛ َ‬
‫ل لعتقاِد المث ّ‬
‫يفتح المجا َ‬
‫ة اسمها المنـزل على‬
‫ة! لهذه الطائف ُ‬
‫ق ِ‬
‫ة مركز بقري ٍ‬
‫ن بهم في الّنهاي ِ‬
‫ن والمتفّتحي َ‬
‫في َ‬
‫ن لهذه ال ّ‬
‫شا َ‬
‫ح َ‬
‫ساحة‬
‫ة خطور ٌ‬
‫ش َ‬
‫ة بالغ ٌ‬
‫طائف ِ‬
‫مّية بمكان أ ّ‬
‫د دُ ُ‬
‫ة ته ّ‬
‫ة السلم ِ في ال ّ‬
‫مقربة من مدينة آديامان‪ .‬ومن اله ّ‬
‫التركّية‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫َ‬
‫ن‬
‫الحياة‪ .‬بل يجب عليه أن يأمرهم برابط ِ‬
‫ن أِذ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫له بالخلفة‪.‬‬
‫من‬
‫ب هذه القاعدةَ فإّنه ي ُ َ‬
‫أما إذا خالف النائ ُ‬
‫عدّ م ّ‬
‫م عليه َ‬
‫ه ِبالطّْرِد من‬
‫شي ْ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫نقض العه َ‬
‫خ ُ‬
‫حك ُ ُ‬
‫د‪َ .‬‬
‫ُ‬
‫د‬
‫الطريقة‪ .‬وهو أشدّ عقوب ً‬
‫ة عندهم‪ .‬ل ّ‬
‫ر َ‬
‫ن من ط ِ‬
‫دا من باب‬
‫عدّ كذلك مطرو ً‬
‫من الطريقة‪ ،‬فإّنه ي ُ َ‬
‫الله ومن باب رسوله في اعتقادهم؛ فيتبّرؤن‬
‫وناتهم ما يفيد أنهم‬
‫منه‪ ،‬وإ ْ‬
‫ردْ في مد ّ‬
‫ن لم ي َ ِ‬
‫يحكمون عليه بالكفر‪.‬‬
‫وبهذا يفتضح سّر آخر من أسرارهم بأنهم‬
‫يتقّلبون في أمواج من التعارض والتناقض‬
‫وتزداد الش ّ‬
‫ن‬
‫قة بذلك بينهم وبين السلم‪ .‬ل ّ‬
‫المسلم ل يجوز له أن يتبّرأ من المسلم ما لم‬
‫يجده قد خلع رقبة السلم من عنقه‪.‬‬
‫أما الطرد في الطريقة النقشبندّية‪ ،‬كما شرحناه‬
‫فيما أصدرنا تحت عنوان‪« :‬موقف ابن عابدين‬
‫‪105‬‬
‫م‬
‫من الصوفّية والتصوف»‬
‫فإنه موضوع ها ّ‬
‫وعقوبة شديدة عند هذه الطائفة‪.‬‬
‫ن اّلذي أحدث هذه القاعدة هو خالد‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫ي‪ .‬فقد جاء فيما كتبه بعض النقشبندّيين‪،‬‬
‫البغداد ّ‬
‫‪106‬‬
‫إذ كان‬
‫ي‪،‬‬
‫دا طرد عبد الو ّ‬
‫أ ّ‬
‫ن خال ً‬
‫هاب السوس ّ‬
‫هاب‬
‫نائًبا عنه في مدينة إسطنبول‪ .‬لن عبد الو ّ‬
‫أمر المريدين برابطة صورته‪ ،‬فأصبح بذلك‬
‫سا لمن يستخدمه‪ .‬بينما كان يجب عليه‬
‫مناف ً‬
‫حسب آداب الطريقة أن يأمرهم برابطة خالد‬
‫ي اّلذي أحدث قاعدة الطرد‪ ،‬كما أحدث‬
‫البغداد ّ‬
‫ً‬
‫ور النـزاع‬
‫لّلرابطة شروطا وآداًبا خا ّ‬
‫صة‪ .‬فتط ّ‬
‫‪105‬‬

‫رسالة تحليلية و انتقادية رددنا فيها على ما جاء في رسالة «س ّ‬
‫ي لنصرة مولنا خالد‬
‫ل الحسام الهند ّ‬

‫ي» للمؤّلف المذكور‪.‬‬
‫النقشبند ّ‬

‫‪106‬‬

‫ي‪ ،‬و أسلوب تعامله معهم»‪ ،‬في نهاية الفصل الرابع‪.‬‬
‫راجع موضوع «خلفاء خالد البغداد ّ‬

‫‪92‬‬

‫بينهما إلى حدود خطيرة‪ .‬كما سنشرحه في‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫نهاية الفصل الرابع إ ْ‬
‫كذلك نائبه اّلذي كان قد أرسله إلى داغستان‬
‫ن‬
‫دا أ ّ‬
‫وهو إسماعيل الشيرواني‪ -‬لما بلغ خال ً‬‫خليفَته هذا يأمر المريدين برابطة نفسه )بدل‬
‫جه‬
‫أن يأمَرهم باستحضار صورة شيخه ‪-‬خالد‪ ،(-‬و ّ‬
‫دده فيه‪ .‬فقد ن َ َ‬
‫ة من‬
‫ه جماع ٌ‬
‫إليه كتاًبا يه ّ‬
‫قل َت ْ ُ‬
‫صه الكامل ضمن ما جرت به‬
‫النقشبندّيين بن ّ‬
‫أقلمهم من رسائ َ‬
‫ونوها في شؤون‬
‫لد ّ‬
‫طريقتهم‪.‬‬
‫لش ّ‬
‫ن الطريقة النقشبندّية قد اكتسبت‬
‫كأ ّ‬
‫ة بهذه الضوابط اّلتي هي بمنـزلة نصوص‬
‫مناع ً‬
‫من كتاب الله عندهم‪ .‬إذ لها حرمة عظيمة في‬
‫ل‬
‫اعتقادهم‪ ،‬كما لها إمكان التنفيذ من ِ‬
‫قب َ ِ‬
‫مشائخهم في ك ّ‬
‫ل ساحة انتشروا فيها‪.‬‬
‫***‬

‫* استدللهم في إثبات الرابطة‬
‫ومقالتهم في الدفاع عنها وما قيل‬
‫في‬
‫دها‪.‬‬
‫ر ّ‬

‫ن يدافعوا عن‬
‫لقد حاول عدد من مشائخهم أ ّ‬
‫الرابطة‪ ،‬فبذلوا ما عندهم من جهود‪ ،‬وأفرغوا ما‬
‫َ‬
‫وا‬
‫يملكون من طاقة تندهش منها العقول‪ .‬ذلك أب َ ْ‬
‫إل ّ يكون لها أساس من الكتاب والسـّنة؛ فضاق‬
‫بهم المر حّتى استدّلوا بآيتين كريمتين من‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫كتاب الله‪ ،‬وهي قوله تعالى }َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ات ّ ُ‬
‫ة‪ 107{.‬وقوله‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫قوا الل َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫تعالى‪َ} :‬يا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫‪107‬‬

‫سورة المائدة‪.35/‬‬

‫‪93‬‬

‫‪108‬‬

‫ن‪{.‬‬
‫الصاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫‪109‬‬
‫ب»‬
‫أح ّ‬

‫وأ َْتبعوهما بحديث «المرء مع من‬

‫بهذا السلوب الغريب أرادوا أن ُيثبتوا الرابطة‬
‫ويجعلوها شكل ً من أشكال العبادة في السلم‪.‬‬
‫ولكن فشلوا في محاولتهم‪ .‬وقام عليهم الدليل‬
‫من خلل ما استدلوا به‪ .‬إذ ل نجد بين طبقات‬
‫دا أشار إلى‬
‫سرين من علماء السلم أح ً‬
‫المف ّ‬
‫ّ‬
‫ن هذه‬
‫الرابطة )وبشكلها الذي رسمها ُر ْ‬
‫هَبا ُ‬
‫ة( في تفسير اليتين المذكورتين‪ ،‬ول‬
‫النحل ِ‬
‫ة من أحاديث‬
‫ة واحد ٍ‬
‫مَز إليها بكلم ٍ‬
‫محدًّثا َر َ‬
‫الرسول ‪.‬‬
‫ق نفسه‬
‫حدَ ُ‬
‫م لم ي ُْر ِ‬
‫فيبدو وبكل وضوح أ ّ‬
‫نأ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫د من تفاسير علماء‬
‫ر واح ٍ‬
‫حّتى بمراجعة مصد ٍ‬
‫السلم ليتأ ّ‬
‫كد من معنى اليتين المذكورتين‪.‬‬
‫ما انصرافهم عن مراجعة كتب التفسير على‬
‫أ ّ‬
‫كثرة عددها‪ ،‬فليس من علمة ثقتهم بما عندهم‪،‬‬
‫ولت لهم أنفسهم فحسب‪،‬‬
‫أو لعجابهم بما س ّ‬
‫بل يبرهن ذلك على مبلغهم من العلم بطرق‬
‫ن من استد ّ‬
‫ل بآية كريمة وجب عليه‬
‫الستدلل‪ .‬ل ّ‬
‫في الخطوة الولى أن يتأ ّ‬
‫كد من سبب نزولها‪.‬‬
‫ثم يترّتب عليه أن يتحّرى المناسبة بينها وبين‬
‫الموضوع اّلذي يربطه بها‪.‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫إ ّ‬
‫ن الية الكريمة } َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مة لما قبلها‪ .‬وهو‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِلي ْ ِ‬
‫ة‪ {.‬هي تت ّ‬
‫ه ال َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫رُبو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ما َ‬
‫جَزاءُ الذي َ‬
‫ن الل َ‬
‫قوله تعالى } إ ِن ّ َ‬
‫حا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نف ِ ْ‬
‫ن يُ َ‬
‫ض َ‬
‫قت ُّلوا‬
‫دا‪ ،‬أ ْ‬
‫و َ‬
‫سا ً‬
‫س َ‬
‫ف َ‬
‫وي َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ي الْر َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫و تُ َ‬
‫ف‪،‬‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫د ِ‬
‫ع أي ْ ِ‬
‫خل َ ٍ‬
‫وأْر ُ‬
‫قط َ‬
‫جل ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و يُ َ‬
‫م َ‬
‫صلُبوا‪ ،‬أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ض‪ .‬ذَل ِ َ‬
‫و ي ُن ْ َ‬
‫ي الدن َْيا‪.‬‬
‫م ِ‬
‫وا ِ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م َ‬
‫خْز ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ف ْ‬
‫أ ْ‬
‫يف ِ‬
‫ن الْر ِ‬
‫ع َ‬
‫ن َتاُبوا‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫ي ْال ِ‬
‫ع ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫م * إ ِل ّ اّلذي َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫مف ِ‬
‫‪108‬‬
‫‪109‬‬

‫سورة التوبة‪.119 / ،‬‬
‫مت ّ َ‬
‫ي‪ ،‬رقم الحديث‪5702 /‬؛ مسلم‪ ،‬رقم الحديث‪.4779 /‬‬
‫فق عليه‪ .‬الب ُ َ‬
‫خار ّ‬

‫‪94‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫دُروا َ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ن تَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫فا ْ‬
‫ق ِ‬
‫ِ‬
‫موا أ ّ‬
‫لأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الل َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪110‬‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫م‪{.‬‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ن هذه‬
‫فقد ورد في عدٍد من مصادر التفسير بأ ّ‬
‫اليات نزلت في المشركين‪ ،‬وليس فيها أدنى‬
‫ت برابطة النقشبندّيين‪ .‬فالعجب العجب‬
‫م ّ‬
‫دللة ت َ ُ‬
‫ما من‬
‫من أمر هذه الطائفة‪ ،‬أّنهم كّلما وجدوا عال ً‬
‫علماء السلم يستد ّ‬
‫ن‬
‫ٍ‬
‫ل‬
‫ة على ِ‬
‫بآية كريم ٍ‬
‫شْر ِ‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫ل الزندقة‬
‫ي ّ‬
‫دعي أّنه مؤمن وهو يتمّرغ في أوحا ِ‬
‫ن‬
‫ك بالل ِ‬
‫ه على مرأى من الناس‪ُ ،‬‬
‫والشرا ِ‬
‫ج ّ‬
‫عوا بالدفاع عن‬
‫م‪ ،‬وثاروا عليه‪ ،‬وتصن ّ‬
‫ُ‬
‫جُنون ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ة منه على‬
‫ة الكريم ِ‬
‫ل هذه الي ِ‬
‫أنفسهم‪ :‬أ ّ‬
‫ن« َ‬
‫ح ْ‬
‫حدين زور وافتراء وتلبيس»؛ وكيف‬
‫عوام المو ّ‬
‫بهم أّنهم قد تشّبثوا بآية كريمة نزلت في‬
‫المشركين فاستدّلوا بها في إثبات رابطتهم‬
‫؟!!‪ 111‬لقد روى‬
‫وليس بينهما أدنى قرينة ‍‬
‫ي ومسلم في سبب نزول الية المذكورة‬
‫الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك‪:‬‬
‫قل َب َ َ‬
‫آنفا «من حديث أِبي ِ‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫ة عن أَنس ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ن نَ َ‬
‫ه‬
‫موا َ‬
‫ن ُ‬
‫مان ِي َ ً‬
‫ل الل ِ‬
‫ق ِ‬
‫فًرا ِ‬
‫أ ّ‬
‫عَلى َر ُ‬
‫م ْ‬
‫د ُ‬
‫ل ثَ َ‬
‫سو ِ‬
‫عك ْ ٍ‬
‫س َ‬
‫لمِ؛ َ‬
‫موا‪ 112‬ا ْل َْرضَ‪،‬‬
‫و َ‬
‫عوهُ َ‬
‫وَباي َ ُ‬
‫فا ْ‬
‫عَلى ال ِ ْ‬
‫خ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫وا ذَل ِ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ه‬
‫س ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫تأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك إ َِلى َر ُ‬
‫م ُ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫سا ُ‬
‫ق َ‬
‫سو ِ‬
‫شك َ ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫‪َ .َ‬‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫ل أل َ ت َ ْ‬
‫عيَنا ِ‬
‫ع َرا ِ‬
‫في إ ِب ِل ِ ِ‬
‫جو َ‬
‫م َ‬
‫خُر ُ‬
‫ن َ‬
‫فت ُصيبون من أ َبوال ِها َ‬
‫ها؟ َ‬
‫قاُلوا ب ََلى‪.‬‬
‫وأل َْبان ِ َ‬
‫َ ِ ُ َ ِ ْ ْ َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫جوا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫حوا‪،‬‬
‫ف َ‬
‫رُبوا ِ‬
‫ص ّ‬
‫خَر ُ‬
‫وأل َْبان ِ َ‬
‫وال ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ها َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫‪113‬‬
‫غ ذَل ِ َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫م‪.‬‬
‫ع‬
‫فب َل َ َ‬
‫قت َُلوا الرا ِ‬
‫دوا الن َ‬
‫وأطَْر ُ‬
‫ع َ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫في آَثارهمْ‪ُ َ ،‬‬
‫ل الله ‪َ َ .‬‬
‫ر ُ‬
‫س َ‬
‫سو َ‬
‫كوا‪.‬‬
‫ل ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫فأدْ‬
‫فأْر َ‬
‫َر ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫همْ‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫وأْر ُ‬
‫قط ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫جل ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فأ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫دي ِ‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫جيءَ ب ِ ِ‬
‫‪110‬‬

‫سورة المائدة‪.34 ،33/‬‬

‫‪111‬‬

‫هابّيين‪ ،‬راجع كتاب شواهد‬
‫للطلع على نحو هذه المشاجرة بين الطراف المتنازعة من النقشبندّيين والو ّ‬

‫الحق لمؤّلفه يوسف بن إسماعيل النبهاني‪ :‬الباب الثالث‪) .‬الرسالة الثانية من مجموع الكتيبات المطبوعة‬
‫هابُيون( مكتبة إيشيك طباعات متكررة‪/‬إسطنبول‪.‬‬
‫بعنوان‪ :‬علماء المسلمين والو ّ‬

‫‪112‬‬

‫أي استثقلوا الرض‪ ،‬فلم يوافق هواؤها أبدانهم‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫أى استاقوها غصًبا‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫م ن ُب ِ ُ‬
‫س حّتى‬
‫ت أَ ْ‬
‫ذوا ِ‬
‫س ِ‬
‫مَر ْ‬
‫عي ُن ُ ُ‬
‫و ُ‬
‫في الش ْ‬
‫هم؛ْ ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫‪114‬‬
‫ماُتوا»‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما الية الثانية وهي قوله تعالى‪َ } :‬يا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫أ ّ‬
‫‪115‬‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫فقد‬
‫ن{‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫آ َ‬
‫ه َ‬
‫ة وما قبلها نزلت‬
‫ن هذه الي َ‬
‫أجمع العلماء على أ ّ‬
‫ب ما‬
‫في غزوة تبوك‪ ،‬حيث ل يغيب على ذي ل ُ ّ‬
‫من هذه اليات من توبة الله سبحانه على‬
‫تتض ّ‬
‫ّ‬
‫النبي والمهاجرين الذين اّتبعوه في ساعة‬
‫خّلفوا‪ .‬وهم‬
‫العسرة‪ ،‬وكذلك على الثلثة اّلذين ُ‬
‫مَراَرةُ بن الربيع العامري‪،‬‬
‫كعب بن مالك‪ ،‬و ُ‬
‫وهلل بن أمّية الواقفي‪.‬‬
‫ي ذي علم بكتاب‬
‫نعم هذه الحقائق ل تغيب عن أ ّ‬
‫الله تعالى‪ ،‬ولكن غابت عن شيوخ النقشبندّية‪.‬‬
‫ول نقول أّنهم أرادوا بذلك أن يحّرفوا كتاب الله‬
‫ما وعدواًنا‪ ،‬فتواطؤا فيما بينهم على تأويل‬
‫ظل ً‬
‫هذه الية في إثبات الرابطة؛ ولكن نقول‪ :‬إّنهم‬
‫توّرطوا في هذا المأزق اغتراًرا بمن افترى على‬
‫قت َ َ‬
‫الله كذًبا‪ .‬وا ْ‬
‫ما‪،‬‬
‫ن تَ َ‬
‫م ْ‬
‫مدَ بهتاًنا عظي ً‬
‫ع ّ‬
‫وا أث ََر َ‬
‫ف ْ‬
‫ولت له نفسه أن يستد ّ‬
‫ل بهذه الية الكريمة‬
‫فس ّ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫قل ّدَةَ ِ‬
‫لي ُل ْ ِ‬
‫قت َب َ َ‬
‫م ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ق تلك الهرطقة ال ْ ُ‬
‫ص َ‬
‫ة َ‬
‫ة الهند بعقيدة المسلمين‪ .‬وهذا من‬
‫حَر ِ‬
‫س َ‬
‫عقيدة َ‬
‫غبائهم وإعجابهم بمن أصبح مح ّ‬
‫ل الثقة منهم‬
‫عوهُ وخالفوا‬
‫ِ‬
‫في ِ‬
‫ب الله! فات ّب َ ُ‬
‫ه حتى ولو حّرف كتا َ‬
‫الجمهور بهذا الرأي السقيم في تفسير اليتين‬
‫المذكورتين‪ ،‬وش ّ‬
‫ذوا بذلك عن الجماعة أّيما‬
‫شذوذ!‬
‫ما علماء السلم فقد جاءت نظرتهم منسجمة‬
‫أ ّ‬
‫متقاربة في تفسيرهما من حيث الصل وإن‬

‫‪114‬‬

‫مسلم‪ ،‬رقم‬

‫‪115‬‬

‫سورة التوبة‪.119/‬‬

‫الحديث‪4779 /‬‬

‫‪96‬‬

‫ت‬
‫اختلفت ألفاظهم كما ستتبّين من عبارا ٍ‬
‫نقلناها من تصانيف عدد منهم تمحيصا للمر‪:‬‬
‫مد بن جرير الطبري في‬
‫قال أبو جعفر مح ّ‬
‫تفسير الية الخامسة والثلثين من سورة‬
‫المائدة‪:‬‬
‫ة{ يقول‪ :‬اطلبوا القرابة‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫} َ‬
‫إليه بالعمل بما يرضيه‪ ،‬والوسيلة هي الفعيلة‪.‬‬
‫ت إلى فلن بكذا أي‬
‫سل ُ‬
‫من قول القائل تو ّ‬
‫ت إليه‪ .‬ومنها قول عنترة‪:‬‬
‫بمعنى تقّرب ُ‬
‫ن الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك‬
‫«إ ّ‬
‫ضبي»‬
‫حلي وتخ ّ‬
‫تك ّ‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشرة بعد المائة‬
‫و ُ‬
‫كوُنوا‬
‫من سورة التوبة‪« :‬وإّنما معنى الكلم } َ‬
‫ن{ في الخرة باتقاء الله في الدنيا‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫)‪َ (...‬‬
‫ن‬
‫سَرهُ من أهل التأويل بأ ْ‬
‫ف ّ‬
‫ف ّ‬
‫م ْ‬
‫سَر ذلك َ‬
‫قال معناه‪ :‬كونوا مع أبي بكر وعمر أو مع النبي‬
‫‪ ‬والمهاجرين رحمة الله عليهم‪».‬‬
‫«حدثنا ابن وكيع عن يزيد بن أسلم عن نافع‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫قال‪ :‬قيل للّثلثة اّلذين ُ‬
‫خّلفوا } َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫مد‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قينَ‪ {.‬مح ّ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫آ َ‬
‫ه َ‬
‫‪116‬‬
‫وأصحابه»‬
‫ومن هؤلء المفسرين صاحب الكشاف أبو‬
‫القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري؛‬
‫قال في تفسير الية الخامسة والثلثين من‬
‫سورة المائدة‪:‬‬
‫«الوسيلة‪ :‬ك ّ‬
‫سل به‪ .‬أي ُيتقرب من‬
‫ل ما يتو ّ‬
‫ت لما‬
‫قرابة أو صنيعة أو غير ذلك‪ .‬فاسُتعير ْ‬
‫‪116‬‬

‫مد بن جرير الطبري‪ ،‬جامع البيان في تفسير القرآن‪.‬‬
‫أبو جعفر مح ّ‬

‫‪97‬‬

‫سل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات‬
‫ُيتو ّ‬
‫وترك المعاصي‪».‬‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشرة بعد المائة‬
‫ن{‪...‬وهم اّلذين‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫من سورة التوبة‪َ }« :‬‬
‫قي ِ‬
‫ّ‬
‫صدقوا في دين الله قول ً وعمل ً أو الذين صدقوا‬
‫في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله على‬
‫صدَ ُ‬
‫رجا ٌ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫عا َ‬
‫ه ُ‬
‫دوا الل َ‬
‫قوا َ‬
‫ل َ‬
‫الطاعة من قوله } ِ‬
‫َ‬
‫ه‪ .{.‬وقيل هم الثلثة‪ .‬أي كونوا مثل هؤلء‬
‫َ‬
‫عَلي ِ‬
‫‪117‬‬
‫في صدقهم ونياتهم»‬
‫ومن أعلم المفسرين أبي عبد الله فخر الدين‬
‫ي‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عمر بن الحسن بن الحسين اّلتيم ّ‬
‫ي الرازي؛ قال في تفسير الية الخامسة‬
‫البكر ّ‬
‫والثلثين من سورة المائدة «كونوا مّتقين عن‬
‫معاصي الله متوسّلين إلى الله بطاعات الله‪».‬‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشرة بعد المائة‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا‬
‫من سورة التوبة‪َ}« :‬يا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و ُ‬
‫ن{ يعني مع الرسول‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫الل َ‬
‫ه َ‬
‫وأصحابه في الغزوات؛ ول تكونوا متخّلفين عنها‬
‫‪118‬‬
‫وجالسين مع المنافقين في البيوت»‬
‫مد بن أحمد بن أبي بكر‬
‫ومن كبار المف ّ‬
‫سرين مح ّ‬
‫بن فرج النصاري الخزرجي الندلسي؛ قال في‬
‫تفسير الية الخامسة والثلثين من سورة‬
‫المائدة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫«قوله تعالى‪َ} :‬يا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ة{ الوسيلة‪ :‬هي القربة؛ عن‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫َ‬
‫أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء و‬
‫‪117‬‬

‫أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري‪ ،‬الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل‪ ،‬وعيون القاويل‬

‫في وجوه التأويل‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫فخر الدين الرازي‪ ،‬تفسير مفاتيح الغيب‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫السدي وابن زيد وعبد الله بن كثير‪ ،‬وهي فعيلة‬
‫ت إليه أي تقّربت‪ .‬قال عنترة‪»:‬‬
‫سل ُ‬
‫من تو ّ‬
‫ن الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك‬
‫«إ ّ‬
‫ضبي»‬
‫حلي وتخ ّ‬
‫تك ّ‬
‫والجمع الوسائل قال‪:‬‬
‫عدنا ِلوصلنا * وعاد التصافي‬
‫«إذا غفل الواشون ُ‬
‫بيننا والوسائل»‬
‫ت‪ .‬وهما‬
‫ت أسأل‪ .‬أي طلب ُ‬
‫ويقال‪ :‬منه سل ُ‬
‫يتساولن‪ .‬أي يطلب ك ّ‬
‫ل واحد من صاحبه؛‬
‫فالصل الطلب؛ والوسيلة القربة اّلتي ينبغي أن‬
‫يطلب بها‪ .‬والوسيلة درجة في الجنة وهي اّلتي‬
‫جاء في الحديث الصحيح بها في قوله ‪« :‬فمن‬
‫سأ َ‬
‫ل لي الوسيلة حّلت له الشفاعة»‬
‫وقال المصنف أيضا في تفسير الية السابعة‬
‫والخمسين من سورة السراء وهي قوله تعالى‪:‬‬
‫غو َ َ‬
‫} ُأؤل َئ ِ َ‬
‫ة‪{...‬‬
‫ن ي َب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ك اّلذي َ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫ن أسلموا‪ ،‬وكانوا ُيعَبدون‪.‬‬
‫« قال‪ :‬نفر من الج ّ‬
‫فبقي اّلذين كانوا َيعُبدون على عبادتهم‪ ،‬وقد‬
‫س‬
‫أسلم النفر من الج ّ‬
‫ن‪ ،‬فاسلم الجّنيون‪ ،‬والن ُ‬
‫ُ‬
‫ن ل يشعرون؛ فنـزلت } أؤل َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫دو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫اّلذين كانوا ي َ ْ‬
‫غو َ َ‬
‫ة‪»{...‬‬
‫ن ي َب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫اّلذي َ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشر بعد المائة‬
‫من سورة التوبة‪:‬‬
‫دثنا‬
‫دثنا أبو معاوية ح ّ‬
‫«قال المام أحمد‪ :‬ح ّ‬
‫العمش عن شقيق‪ ،‬عن عبد الله‪ ،‬وهو ابن‬
‫مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله ‪:‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫}َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ن{ أي أصدقوا وألزموا الصدق تكونوا‬
‫الصاِد ِ‬
‫قي َ‬

‫‪99‬‬

‫جا‬
‫من أهله‪ ،‬وتنجوا من المهالك‪ ،‬ويجعل لكم فر ً‬
‫َ‬
‫ة‪،‬‬
‫وي َ َ‬
‫م َ‬
‫جا‪ .‬وقال المام أحمد‪َ ،‬‬
‫ومخر ً‬
‫حدّث ََنا أُبو ُ‬
‫عا ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫د الله ‪-‬هو ابن‬
‫ن َ‬
‫ق َ‬
‫ش َ‬
‫حدّث ََنا ال ْ‬
‫ش ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ع ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫قي ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل َ‬
‫مسعود‪َ -‬‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫ل الله ‪َ :َ‬‬
‫ل َر ُ‬
‫علي ْك ْ‬
‫دقِ‪َ .‬‬
‫ن ال ْب ِّر‬
‫ه ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ِبالص ْ‬
‫ن الصدْقَ ي َ ْ‬
‫دي إ َِلى ال ْب ِّر‪َ ،‬‬
‫ج ُ‬
‫ما ي ََزا ُ‬
‫حّرى‬
‫ه ِ‬
‫وي َت َ َ‬
‫ل الر ُ‬
‫دي إ َِلى ال ْ َ‬
‫يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫صدُقُ َ‬
‫جّنةِ‪َ ،‬‬
‫دي ً‬
‫م‬
‫ب ِ‬
‫ه ِ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫ص ّ‬
‫الصدْقَ حّتى ي ُك ْت َ َ‬
‫وإ ِّياك ُ ْ‬
‫قا َ‬
‫دي إ َِلى ال ْ ُ‬
‫ب َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ن ال ْك َ ِ‬
‫وال ْك َ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ف ُ‬
‫ذ َ‬
‫ذ َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫جو ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ج‬
‫الر‬
‫ل‬
‫زا‬
‫ي‬
‫ما‬
‫و‬
‫ر‬
‫النا‬
‫لى‬
‫إ‬
‫دي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ر‬
‫جو‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ُ َ َ ْ ِ‬
‫ِ َ َ َ َ‬
‫َ ِ ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫عن ْدَ الله ك َ ّ‬
‫ذاًبا‪ .‬أخرجاه‬
‫ب ِ‬
‫حّرى ال ْك َ ِ‬
‫ب حّتى ي ُك ْت َ َ‬
‫ذ َ‬
‫وي َت َ َ‬
‫َ‬
‫‪119‬‬
‫في الصحيحين»‬
‫ومن هؤلء المفسرين‪ ،‬أبو سعيد ناصر الدين عبد‬
‫الله بن عمر البيضاوي؛ قال في تفسير الية‬
‫َ‬
‫ها‬
‫الخامسة والثلثين من سورة المائدة‪َ }« :‬يا أي ّ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ة { أي‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ى منه من فعل‬
‫ما تتو ّ‬
‫سلون إلى قرابه والزلف َ‬
‫الطاعات وترك المعاصي‪ .‬من وسل إلى كذا‪ ،‬إذا‬
‫تقّرب إليه‪ ،‬وفي الحديث‪ :‬الوسيلة منـزلة في‬
‫الجّنة»‪.‬‬
‫قال المصّنف في تفسير الية السابعة‬
‫والخمسين من سورة السراء وهي قوله تعالى‪:‬‬
‫غو َ َ‬
‫}ُأؤل َئ ِ َ‬
‫م‬
‫ن ي َب ْت َ ُ‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫عو َ‬
‫ك اّلذي َ‬
‫ه ُ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫ة‪« {...‬هؤلء اللهة يبتغون إلى الله‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫القربة بالطاعة ‪-‬أيهم أقرب‪ -‬بدل من واو‬
‫يبتغون‪ .‬أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله‬
‫ن‬
‫جو َ‬
‫وي َْر ُ‬
‫تعالى الوسيلة‪ ،‬فكيف بغير القرب! } َ‬
‫خا ُ‬
‫ع َ‬
‫ه{ كسائر العباد‪ .‬فكيف‬
‫وي َ َ‬
‫ن َ‬
‫فو َ‬
‫َر ْ‬
‫ذاب َ ُ‬
‫مت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫تزعمون أنهم آلهة؟!»‬
‫وقال البيضاوي في تفسير الية التاسعة عشر‬
‫َ‬
‫ن‬
‫بعد المائة من سورة التوبة؛ «}َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫‪119‬‬

‫مد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح النصاري الخزرجي الندلسي‪ ،‬الجامع لحكام القرآن المعروف‬
‫مح ّ‬

‫بتفسير القرطبي‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫آ َ‬
‫ه{ فيما ليرضاه } َ‬
‫ة وقول ً وعمل ً»‬
‫ن{ أي في دين الله ني ً‬
‫الصاِد ِ‬
‫قي َ‬

‫‪120‬‬

‫ومنهم أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود‬
‫النسفي؛ قال في تفسير الية الخامسة‬
‫ه‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫غوا إ ِل َي ْ َ‬
‫والثلثين من سورة المائدة‪َ }« :‬‬
‫ة{ هي ك ّ‬
‫سل به‪ ،‬أي ُيقترب من‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ل ما ُيتو ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫قرابة أو صنيعة‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬فاسُتعيرت لما‬
‫ُيتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات‬
‫وترك السيئات‪».‬‬
‫وقال في تفسير الية السابعة والخمسين من‬
‫غو َ َ‬
‫ة{‬
‫سورة السراء‪}« :‬ي َب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫ن آلهتهم أؤلئك يبتغون الوسيلة‪ ،‬وهي‬
‫يعني أ ّ‬
‫َ‬
‫م( بدل من واو‬
‫القربة إلى الله عز وجل‪) .‬أي ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫يبتغون‪ .‬و)أي( موصولة‪ .‬أي يبتغي من هو أقرب‬
‫منهم الوسيلة إلى الله‪ ،‬فكيف بغير القرب! أو‬
‫ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون‪ .‬فكأنه‬
‫قيل‪ :‬يحرصون أّيهم يكون أقرب إلى الله وذلك‬
‫بالطاعة وازدياد الخير‪».‬‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشرة بعد المائة‬
‫من سورة التوبة‪:‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪ {.‬في إيمانهم دون المنافقين؛ أو مع‬
‫الصاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اّلذين لم يتخلفوا؛ أو مع الذين صدقوا في دين‬
‫الله نية وقول ً وعم ً‬
‫ل‪ .‬والية تد ّ‬
‫ن الجماع‬
‫ل على أ ّ‬
‫جة‪ ،‬لّنه أمر بالكون مع الصادقين‪ .‬فلزم قبول‬
‫ح ّ‬
‫‪121‬‬
‫قولهم»‬

‫‪120‬‬

‫أبو سعيد ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي‪ ،‬أنوار التنزيل وأسرار التأويل‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي‪ ،‬مدارك التنزيل و حقائق التأويل‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫مد بن إبراهيم‬
‫ومنهم علء الدين علي بن مح ّ‬
‫الشحي المعروف بالخازن‪ .‬قال في تفسير الية‬
‫الخامسة والثلثين من سورة المائدة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه{‬
‫«قوله عز وجل }َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫أي خافوا الله بترك المنهيات؛ } َ‬
‫ة{ اطلبوا إليه القرب بطاعته والعمل بما‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن مجامع التكاليف‬
‫يرضى وإنما قلنا ذلك‪ ،‬ل ّ‬
‫محصورة في نوعين ل ثالث لهما‪ .‬أحد النوعين‬
‫ترك المنهيات‪ ،‬وإليه الشارة بقوله ‪-‬ا ِت ّ ُ‬
‫ه‪-‬؛‬
‫قوا الل َ‬
‫والثاني التقرب إلى الله بالطاعات‪ .‬وإليه‬
‫ة‪ -‬والوسيلة‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫الشارة بقوله ‪َ -‬‬
‫فعيلة من وسل إليه إذا تقّرب إليه ومنه قول‬
‫الشاعر‪»:‬‬
‫ن الرجال لهم إليك وسيلة( أي قربة‪ .‬وقيل‬
‫«)إ ّ‬
‫معنى الوسيلة المحّبة‪ .‬أي تحّببوا إلى الله عّز‬
‫وج ّ‬
‫ل‪».‬‬
‫وقال الخازن في تفسير الية السابعة‬
‫والخمسين من سورة السراء‪:‬‬
‫«قال تعالى‪ُ } :‬أؤل َئ ِ َ‬
‫ن{ أي اّلذين‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫عو َ‬
‫ك اّلذي َ‬
‫غو َ َ‬
‫م‬
‫يدعونهم المشركون آلهة‪} :‬ي َب ْت َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫ة العليا‪ .‬قال ابن‬
‫ة والدرج َ‬
‫ة‪ {...‬أي القرب َ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫عباس‪ :‬هم عيسى‪ ،‬وأمه‪ ،‬وعزير‪ ،‬والملئكة‪،‬‬
‫والشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬والنجوم‪ .‬وقال عبد الله ابن‬
‫مسعود‪ :‬نزلت هذه الية في نفر من العرب كانوا‬
‫ن‪ ،‬ويعلم النس بذلك‬
‫يعبدون نفًرا من الج ّ‬
‫سكوا بعبادتهم‪ .‬فعّيرهم الله وأنزل هذه‬
‫فتم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مأ ْ‬
‫ب { معناه‬
‫قَر ُ‬
‫الية‪ .‬وقوله تعالى } أي ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ينظرون أّيهم أقرب إلى الله‪ ،‬فيتوسلون به‪.‬‬
‫وقيل أّيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله‪،‬‬
‫ويتقّرب إليه بالعمل الصالح وازدياد الخير‬
‫والطاعة‪».‬‬

‫‪102‬‬

‫وقال المصنف في تفسير الية التاسعة عشرة‬
‫بعد المائة من سورة التوبة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه{‬
‫قوا الل َ‬
‫«قوله عز وجل }َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫يعني في مخالفة أمر الرسول ‪َ } .‬‬
‫دق النبي ‪‬‬
‫الصاِد ِ‬
‫ن { يعني مع من ص ّ‬
‫قي َ‬
‫وأصحابه في الغزوات ول تكونوا مع المتخلفين‬
‫من المنافقين اّلذين قعدوا في البيوت وتركوا‬
‫‪122‬‬
‫الغزو»‬
‫ول عليهم أبي‬
‫ومن مشاهير المفسرين المع ّ‬
‫الفداء عماد الدين الحافظ إسماعيل بن عمر بن‬
‫كثير؛ قال في تفسير الية الخامسة والثلثين‬
‫من سورة المائدة‪:‬‬
‫«يقول تعالى آمًرا عباده المؤمنين بتقواه‪ .‬وهي‬
‫إذا قرنت بالطاعة‪ ،‬كان المراد بها النكفاف عن‬
‫المحارم وترك المنهيات‪ .‬وقد قال بعدها‪:‬‬
‫ة‪ {.‬قال سفيان الثوري‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫} َ‬
‫عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس‪ :‬أي القربة‪.‬‬
‫وكذا قال مجاهد‪ ،‬وأبو وائل‪ ،‬والحسن وقتادة‪،‬‬
‫ي وابن زيد‪».‬‬
‫وعبد الله بن كثير‪ ،‬والسد ّ‬
‫قال قتادة‪ :‬أي تقربوا إليه بطاعته‪ ،‬والعمل بما‬
‫يرضيه‪ .‬وقرأ ابن زيد‪ُ} :‬أؤل َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ن ي َدْ ُ‬
‫عو َ‬
‫ك اّلذي َ‬
‫غو َ َ‬
‫ة‪ {...‬وهذا اّلذي قاله‬
‫ي َب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫مة ل خلف بين المفسرين فيه وأنشد‬
‫هؤلء الئ ّ‬
‫ابن جرير عليه قول الشاعر‪:‬‬
‫عدنا لوصلنا * وعاد التصافي‬
‫«إذا غفل الواشون ُ‬
‫بيننا والوسائل‪».‬‬

‫‪122‬‬

‫مد بن إبراهيم الشحي المعروف بالخازن‪ُ ،‬لباب التأويل ومعاني التنزيل‪.‬‬
‫علء الدين على مح ّ‬

‫‪103‬‬

‫«والوسيلة‪ :‬هي اّلتي ُيتوصل بها إلى تحصيل‬
‫م على أعلى منـزلة‬
‫ضا َ‬
‫المقصود‪ .‬والوسيلة أي ً‬
‫عل َ ٌ‬
‫في الجنة وهي منـزلة رسول الله ‪».‬‬
‫وقال ابن كثير في تفسير الية السابعة‬
‫والخمسين من سورة السراء‪:‬‬
‫«عن ابن مسعود في قوله‪ُ } :‬أؤل َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ك اّلذي َ‬
‫غو َ َ‬
‫ة‪ {...‬قال نزلت‬
‫ن ي َب ْت َ ُ‬
‫ي َدْ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫عو َ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن إ ِلى َرب ّ ِ‬
‫ن‪،‬‬
‫في نفر من العرب كانوا يعبدون نفًرا من الج ّ‬
‫مل‬
‫عب ُ ُ‬
‫فأسلم الجنّيون والنس اّلذين كانوا ي َ ْ‬
‫دون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫يشعرون بإسلمهم‪ ،‬فنـزلت هذه الية‪».‬‬
‫قال المصّنف في تفسير الية التاسعة عشرة‬
‫بعد المائة من سورة التوبة بعد أن نقل حديًثا‬
‫عا من طرف كعب‬
‫ول ً عن المام أحمد مرفو ً‬
‫مط ّ‬
‫عَلى‬
‫و َ‬
‫بن مالك اّلذي نزلت فيه ومن معه الية } َ‬
‫خل ّ ُ‬
‫فوا‪...‬إلخ { قال عبد الله ابن‬
‫ن ُ‬
‫الث َل َث َ ِ‬
‫ة اّلذي َ‬
‫و ُ‬
‫عمر‪)« :‬ا ِت ّ ُ‬
‫ن( مع‬
‫صاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫ع ال ّ‬
‫قوا الله َ‬
‫‪123‬‬
‫مد ‪ ‬وأصحابه»‬
‫مح ّ‬
‫مد‬
‫ومن علماء التفسير أبو طاهر مجد الدين مح ّ‬
‫مد بن إبراهيم الشيرازي‬
‫بن يعقوب بن مح ّ‬
‫الفيروزآبادي قال في تفسير الية الخامسة‬
‫والثلثين من سورة المائدة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫«}َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ة{ الدرجة الرفيعة‪ .‬ويقال اطلبوا إليه‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫القرب في الدرجات‪ ،‬والعمال الصالحات‪».‬‬
‫وقال في تفسير الية التاسعة عشرة بعد المائة‬
‫من سورة التوبة‪:‬‬

‫‪123‬‬

‫أبو الفداء عماد الدين الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير‪ ،‬تفسير القرآن العظيم‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه { أطيعوا الله‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫و ُ‬
‫ن { مع أبي‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫فيما أمركم } َ‬
‫بكر وعمر وأصحابهما في الجلوس والخروج‬
‫‪124‬‬
‫بالجهاد»‬
‫ومن مشاهير علماء الترك في فن التفسير‬
‫مد بن مصطفى المعروف بابي‬
‫مد بن مح ّ‬
‫مح ّ‬
‫السعود العمادي قال في تفسير الية الخامسة‬
‫والثلثين من سورة المائدة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ما ُ‬
‫م‬
‫ذكر ِ‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫عظ َ ُ‬
‫قوا الله { ل َ ّ‬
‫نآ َ‬
‫مهما‪ ،‬وأشير في‬
‫شان القتل والفساد وب ُي ّ َ‬
‫ن حك ُ‬
‫تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب من‬
‫جنايته‪ ،‬أمر المؤمنين بأن يّتقوه تعالى في ك ّ‬
‫ل‬
‫ما يأتون وما يذرون بترك ما يجب اّتقاؤه من‬
‫المعاصي اّلتي من جملتها ما ذكر من القتل‬
‫والفساد‪ ،‬وبفعل الطاعات اّلتي من زمرتها‬
‫السعي في إحياء النفوس‪ ،‬ودفع الفساد‬
‫والمسارعة إلى التوبة والستغفار‪« .‬وابتغوا» أي‬
‫اطلبوا لنفسكم «إليه» أي إلى ثوابه والزلفى‬
‫منه‪« ،‬الوسيلة» هي فعيلة بمعنى ماُيتوسل به‬
‫وُيتقّرب إلى الله تعالى من فعل الطاعات‪،‬‬
‫وترك المعاصي‪ ،‬من وسل إلى كذا‪ ،‬أي تقّرب‬
‫ء‪....‬إلخ»‬
‫إليه بشي ٍ‬
‫ي في تفسير الية التاسعة عشرة‬
‫وقال العماد ّ‬
‫بعد المائة من سورة التوبة‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا { خطاب عام يندرج فيه‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ولّيا‪ .‬وقيل لمن تخّلف عليه من‬
‫التائبون اندرا ً‬
‫جا أ ّ‬
‫صة ‪-‬اتقوا الله‪-‬في‬
‫الطلقاء عن غزوة تبوك خا ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملة مع‬
‫ولّيا؛‬
‫رسول الله ‪ ‬في أمر المغازي دخول ً أ ّ‬
‫‪124‬‬

‫مد بن إبراهيم الشيرازي الفيروزآبادي‪ ،‬تنوير المقباس في‬
‫مد بن يعقوب بن مح ّ‬
‫أبو طاهر مجد الدين مح ّ‬

‫تفسير ابن عباس‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫و ُ‬
‫ن{ في إيمانهم وعهودهم‪،‬‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫} َ‬
‫ة وقول ً وعم ً‬
‫ل؛ أو في ك ّ‬
‫ل‬
‫أو في دين الله ني ً‬
‫‪125‬‬
‫شأن من الشؤون»‬
‫مة‬
‫ومن مصادر التفسير المعتمدة عند عا ّ‬
‫م‪،‬‬
‫المسلمين وحّتى عند النقشبندّية أنف ِ‬
‫ه ْ‬
‫س ِ‬
‫مد بن أحمد‬
‫تفسير الجللين‪ :‬جلل الدين مح ّ‬
‫المحّلي‪ ،‬وجلل الدين عبد الرحمن بن أبي بكر‬
‫السيوطي‪ .‬جاء في تفسير الية الخامسة‬
‫صه‪:‬‬
‫والثلثين من سورة المائدة بإيجاز وهذا ن ّ‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا الله { أي خافوا‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عقابه بأن تطيعوه ‪-‬وابتغوا‪ -‬اطلبوا ‪-‬إليه‬
‫الوسيلة‪ -‬ما ي ُ َ‬
‫م إليه من طاعته‪».‬‬
‫قّرب ُك ُ ْ‬
‫أما الية التاسعة عشرة بعد المائة من سورة‬
‫ص التالي‪:‬‬
‫التوبة فقد جاء تفسيرها بالن ّ ّ‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا الله { بترك معاصيه‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫و ُ‬
‫ن{ في اليمان والعهود‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫} َ‬
‫‪126‬‬
‫بأن تلزموا الصدق»‬
‫وقد جاء في تفسير هيئة من الشيعة المامّية‬
‫تحت إشراف آية الله ناصر مكارم شيرازي نحو‬
‫سّنة في تفسير‬
‫سرون من أهل ال ّ‬
‫ما قال المف ّ‬
‫سر تعريبه من‬
‫اليتين المذكورتين‪ .‬وهذا ما تي ّ‬
‫عباراتهم ‪-‬بالّلغة الفارسّية‪ -‬لتفسير الية‬
‫الخامسة والثلثين من سورة المائدة ‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫واب ْت َ ُ‬
‫غوا إ ِل َي ْ ِ‬
‫«}َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ة للّتقّرب إلى الله‬
‫ة{ أي اّتخذوا وسيل ً‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن ‪-‬الوسيلة‪ -‬في الية‬
‫واختاروها‪ (...) .‬إ ّ‬
‫ن‬
‫المذكورة أعله لها معان كثيرة وواسعة‪ .‬فإ ّ‬
‫ك ّ‬
‫دس‬
‫ل سعي باعث للّتقّرب إلى الباب المق ّ‬
‫‪125‬‬

‫أبو السعود العمادي‪ ،‬إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫جلل الدين المحّلي و جلل الدين السيوطي‪ ،‬تفسير الجللين‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫م منه فهو‬
‫للّر ّ‬
‫ما اله ّ‬
‫ب تشمله الوسيلة‪ .‬أ ّ‬
‫اليمان بالله ورسوله الكرم‪ ،‬وكذلك ك ّ‬
‫ل عمل‬
‫جميل وخير‪».‬‬
‫وقالوا في تفسير الية التاسعة عشرة بعد‬
‫المائة من سورة التوبة بإيجاز‪:‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫«} َيا أي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ن { اجتنبوا عن مخالفة أمر الله وكونوا‬
‫الصاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫‪127‬‬
‫مع الصادقين»‬
‫ثم ورد في تفسيرهم تفصي ٌ‬
‫ل عن أهل الصدق‪،‬‬
‫وأّنه يجب ملزمتهم‪.‬‬
‫كانت هذه ُنبذة من تفسير العلماء البارزين في‬
‫ن من عناصر مختلفة‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫هذا الف ّ‬
‫اختلف لغاتهم الصلية‪ ،‬ومذاهبهم ومواطنهم‪،‬‬
‫ن الوسيلة الواردة في‬
‫فقد أجمعوا على أ ّ‬
‫سورتي المائدة والسراء هي ك ّ‬
‫ل عمل يقّرب‬
‫العبدَ إلى الله من فعل الخيرات وترك المعاصي‪.‬‬
‫ولم يربط أحد منهم ول من غيرهم من علماء‬
‫التفسير‪ ،‬ول من علماء الحديث بين كلمة‬
‫الوسيلة وبين مفهوم الرابطة المعهودة بأدنى‬
‫صلة‪ ،‬كما هي الحال بالنسبة لقوله تعالى‪:‬‬
‫و ُ‬
‫ن { الوارد في سورة‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫} َ‬
‫التوبة‪ .‬كذلك جاء في تفسير العلماء له على‬
‫ض ما جاء في تأويلت النقشبندّيين اّلذين‬
‫نقي ِ‬
‫دوا الجسر بين رابطتهم‬
‫دا بالغة ليم ّ‬
‫بذلوا جهو ً‬
‫المستوحاة من البرهمية‪ ،‬وبين آيات الله بطرق‬
‫ملتوية يستحيل أن يوافق عليها أهل العلم‬
‫والبصيرة‪.‬‬
‫ن بين الصوفية‬
‫ن الخل َ‬
‫ه الباحثو َ‬
‫إ ّ‬
‫ف الذي أثب َت َ ُ‬
‫ة لم‬
‫وعلما ِ‬
‫ما وحديًثا‪ ،‬في الحقيق ِ‬
‫ء السلم ِ قدي ً‬
‫ض؛ بل‬
‫ر هامشي ٍ‬
‫ة كما يظن ّ ُ‬
‫ه البع ُ‬
‫يقتصر على إمو ٍ‬
‫‪127‬‬

‫تفسير نمونه‪ ،‬بإشراف آية الله ناصر مكارم شيرازي‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫ءا‬
‫ت بد ً‬
‫ة في جميع الوجها ِ‬
‫تجاوز إلى حدوٍد بعيد ٍ‬
‫ر في ذات الله تعالى وانسيا ً‬
‫قا إلى‬
‫من الّنظ ِ‬
‫ة وإلى تأويل‬
‫ن والحيا ِ‬
‫التعبير عن أسرار الكو ِ‬
‫صة‪،‬‬
‫آيات القرآن من محكماتها ومتشابهاتها خا ّ‬
‫كما سبق في تفسير اليتين المذكورتين‪ .‬فقد‬
‫ي‬
‫ابتدعوا طريق ً‬
‫ن ُ‬
‫س ّ‬
‫ة خا ّ‬
‫صة في تفسير القرآ ِ‬
‫م َ‬
‫ي‪ ،‬فاّتسعوا بذلك في تأويل‬
‫بالتفسير الشار ّ‬
‫ة‬
‫م ِ‬
‫اليا ِ‬
‫ت إلى حدود خرجوا بها عن إجماع أئ ّ‬
‫ّ‬
‫ة ما‬
‫ح ِ‬
‫التفسير‪ .‬ذلك ليستدلوا بها على ص ّ‬
‫ست َ َ‬
‫وهُ من‬
‫ت شاذّ ٍ‬
‫اختلقوه من معتقدا ٍ‬
‫ة‪ ،‬وما ا ْ‬
‫ق ْ‬
‫ة‬
‫ت غريب ٍ‬
‫ر وفلسفا ٍ‬
‫مستنقعات الديان من أفكا ٍ‬
‫كّلما أشارت لهم أنفسهم؛ كقراءتهم «ك ّ‬
‫ل‬
‫ل َ‬
‫ه تعالى «إّنا ك ّ‬
‫َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ي ٍ‬
‫ع‪ -‬في قول ِ ِ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ء» ‪-‬بالرف ِ‬
‫قَناهُ ب ِ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ة فكر ِ‬
‫ح ِ‬
‫ر»‪ ،‬ليستدّلوا بذلك على ص ّ‬
‫قدَ ٍ‬
‫ه هو ك ّ‬
‫ء‬
‫ل شي ٍ‬
‫«وحدة الوجود»‪ ،‬وليقولوا «إ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫ن» ‪.‬‬
‫في هذا الكو ِ‬
‫خري هذه الفرقة‬
‫لقد جرت أقلم طائفة من متأ ّ‬
‫في إثبات الرابطة وهم فريقان‪ :‬فريق منهم‬
‫ت‪ ،‬دون غيرها‬
‫أفردوا الرابطة وحدها في ُ‬
‫عجال ٍ‬
‫ة؛ وفريق منهم تناولوا‬
‫ث هذه النحل ِ‬
‫من مباح ِ‬
‫ر من الموضوع‪ ،‬وتطّرقوا إلى ما‬
‫الرابطة كشط ٍ‬
‫بدا لهم من شّتى مسائل التصوف على‬
‫اختلفها‪.‬‬
‫***‬

‫ب في مسألة الرابطة‬
‫م ما ك ُت ِ َ‬
‫* من أه ّ‬

‫‪108‬‬

‫ما اّلذين أفردوا الرابطة واقتصروا عليها‪ ،‬فقد‬
‫أ ّ‬
‫ت‪.‬‬
‫ع ُ‬
‫عجال ٍ‬
‫عثرنا لهم على تس ِ‬
‫‪128‬‬

‫منها‪ ،‬رسالة في تحقيق الرابطة‪.‬‬

‫ن هذه الرسالة خطاب‬
‫لقد سبق فيما ذكرنا أ ّ‬
‫ي بالّلغة العربّية وبعثها إلى‬
‫كتبها خالد البغداد ّ‬
‫ح السناد‪ .‬وهو‬
‫أحد مريديه في إسطنبول إذا ص ّ‬
‫مد أسعد أفندي نقيب الشراف ورئيس‬
‫السيد مح ّ‬
‫سس مكتبة آياصوفيا‪.‬‬
‫هيئة المعارف يومئذ‪ ،‬ومؤ ّ‬
‫ة الرابطة بهذه الرسالة‬
‫ف مشكل َ‬
‫فقد أثاَر المؤل ّ ُ‬
‫ن وذكٌر في أوساط‬
‫على حين لم يكن لها شأ ٌ‬
‫ن ورد شيء قليل منها‬
‫الصوفّية حّتى أّيامه‪ ،‬وإ ْ‬
‫ي‪،‬‬
‫في الرسالة التاجية لتاج الدين بن زكريا الهند ّ‬
‫ن المؤّلف لم يزد شيًئا في‬
‫وعلى الرغم من أ ّ‬
‫تعريف الرابطة على ما جاء في التاجية إل ّ أّنه‬
‫ي من‬
‫دا بال ً‬
‫قد بذل جه ً‬
‫غا في إثباتها بنق ٍ‬
‫ل عشوائ ّ‬
‫ن سبق من الرجال من أمثال‬
‫م ْ‬
‫أقوال َ‬
‫ي‪،‬‬
‫الزمخشري‪ ،‬والمام أكمل الدين‪ ،‬والغزال ّ‬
‫والسهروردي‪ ،‬والشهاب بن حجر‪ ،‬والجلل‬
‫السيوطي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬فقد اختار من أقوال هؤلء‬
‫ما أعجبه‪ ،‬واستد ّ‬
‫ل بها على شرعية الرابطة دون‬
‫أن تكون بينهما أدنى مناسبة أو قرينة‪ .‬مما يدل‬
‫ذلك على خبطه في عمياء‪ ،‬كما يثير الش ّ‬
‫ك في‬
‫ن هذه الرسالة قد تكون من صنع من أسندها‬
‫أ ّ‬
‫ي لغراض ل نعلم حقيقتها؛‬
‫إلى خالد البغداد ّ‬
‫س فيها من أباطيله مال ُيستساغ لمثال‬
‫فد ّ‬
‫ي لنه لم يكن جاهل إلى هذا الدرك من‬
‫البغداد ّ‬
‫العمى والضلل‪.‬‬
‫دد شيًئا‬
‫وعلى الرغم من أ ّ‬
‫ن المؤّلف لم يح ّ‬
‫ط للّرابطة ول ذكر شيًئا لداء صورتها في‬
‫كشرو ٍ‬
‫‪128‬‬

‫ت هذه الرسالة ضمنها‪ ،‬راجع الهامش‬
‫للطلع على المصادر اّلتي ن ُ ِ‬
‫قل َ ْ‬

‫رقم‪85/‬‬

‫‪109‬‬

‫ن جاء بعده من‬
‫م ْ‬
‫هذه الرسالة‪ ،‬فقد اختلقها َ‬
‫خلفائه‪.‬‬
‫ونه النقشبندّيون في هذا‬
‫من جملة ما د ّ‬
‫الموضوع‪ ،‬كتاب «الرحمة الهابطة في ذكر اسم‬
‫ي‪ .‬قال‬
‫الذات والرابطة»‪ .‬كتبه الحسي ُ‬
‫ن الدوسر ّ‬
‫في مستهّله‪:‬‬
‫ما بعد‪ ،‬فهذه الرسالة‪ ،‬قد أّلفُتها سنة سبع‬
‫«أ ّ‬
‫ت نسبَتها إلى غيري‬
‫وثلثين ومائتين وألف‪ .‬ووري ُ‬
‫ض َ‬
‫ه‪ ،‬والعمال بالنيات»‬
‫صدْت ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ِلغر ٍ‬
‫ة‬
‫ي من خلل هذه الكلمات بحقيق ٍ‬
‫يعترف الدوسر ّ‬
‫تبوح بحقائق أخرى رهيبة عن هذه الطائفة‬
‫ن من وقع َنظَُرهُ على هذه‬
‫وأغراضها‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ن يتساء َ‬
‫ل في‬
‫العبارات‪،‬‬
‫ي‪ ،‬لبدّ وأ ْ‬
‫فقرأها بوع ٍ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ي حّتى استباح الكذ َ‬
‫ما أ ْ‬
‫جبَر الدوسر ّ‬
‫نفسه ع ّ‬
‫ه فترةً من‬
‫ه فاسندَ هذه الرسال َ‬
‫ة إلى غير ِ‬
‫لنفس ِ‬
‫م رجع عن هذا السناد‪ ،‬وهو اّلذي أّلفها‬
‫نث ّ‬
‫الّز َ‬
‫م ِ‬
‫بإقراره‪.‬‬
‫نعم ما اّلذي أجبره على هذا التـزوير‪ ،‬حّتى تنك َّر‬
‫وورى نسب َ‬
‫ة كتابه إلى غير ِ‬
‫ه‪ ،‬مع أّنه من أقدم ِ‬
‫ي اّلذي يع ّ‬
‫ظمهم النقشبندّيون‬
‫ُ‬
‫خلفاء خالد البغداد ّ‬
‫دونهم من‬
‫م النبيا ِ‬
‫ء والمرسلين‪ ،‬ويع ّ‬
‫تعظي َ‬
‫أصحاب الفضائل والخلق السامية والصدق‬
‫ن هذه‬
‫والمانة والبركة والكرامات! أم ت ُب َْر ِ‬
‫ه ُ‬
‫ن الرابطة لم‬
‫دامغ ُ‬
‫الحقيق ُ‬
‫ة في واقع المر‪ ،‬أ ّ‬
‫ة ال ّ‬
‫دا في المجتمع السلمي حّتى‬
‫تكن شيًئا معهو ً‬
‫جاء بها خالدٌ من ديار الهند؛ فبدأ هو وخلفاؤه‬
‫سون النبض حول أحاسيس المسلمين‪،‬‬
‫يج ّ‬
‫ويتحّركون بحيطة‪ ،‬وبخطوات مرحلية لتطبيع‬
‫المشاعر وترويض النفوس‪ ،‬محاذرين من أن‬
‫ة‪.‬‬
‫يتعّرضوا لردوٍد عنيف ٍ‬

‫‪110‬‬

‫ب‪،‬‬
‫ه هذا على سبع ِ‬
‫ي كتاب َ ُ‬
‫رّتب الدوسر ّ‬
‫ة أبوا ٍ‬
‫س‬
‫ب الثال َ‬
‫ث والراب َ‬
‫ص منها البا َ‬
‫ع والخام َ‬
‫وخ ّ‬
‫س بالرابطة‪ .‬ثم ت َ َ‬
‫م‬
‫ف وعب َ‬
‫س َ‬
‫فل ْ َ‬
‫ث وهاج َ‬
‫والساد َ‬
‫وحاو َ‬
‫ح ما هو بصدده راعًنا فيها من‬
‫ل في شر ِ‬
‫ُ َ َ‬
‫ك ومغتاظ؛ كأنه‬
‫مْرت َب ِ ٍ‬
‫ن متطّر ٍ‬
‫فو ُ‬
‫ق إنسا ٍ‬
‫من ْطل ِ‬
‫ما تذبذب‬
‫ب المعارضين لمشربه‪ِ ،‬‬
‫يصرخ‪ ،‬ويس ّ‬
‫م ّ‬
‫ه‪ .‬كقوله «أقول‬
‫من جّرائ ِ‬
‫م ُ‬
‫ه‪ ،‬وتفّرق مرا ُ‬
‫م ُ‬
‫ه كل ُ‬
‫لم يقل أحد من أهل التصوف بوجوب الرابطة‬
‫‪129‬‬
‫ول باستحبابها ل ِ َ‬
‫ها»‬
‫ذات ِ َ‬
‫ما زعم مصطفى‬
‫فجاء كلمه تكذيًبا واض ً‬
‫حا ل ِ َ‬
‫فوزي في كتابه «إثبات المسالك في رابط‬
‫ن الرابطة فريضة من جملة‬
‫السالك»‪« :‬أ ّ‬
‫عا وخمسين‬
‫الفرائض اّلتي يبلغ عددها أرب ً‬
‫فريضة‪».‬‬
‫ي‪« :‬نحن ل نستد ّ‬
‫ل للّرابطة من‬
‫ثم قال الدوسر ّ‬
‫ن قّلدناه من العلماء كاف واف‬
‫م ْ‬
‫دليل‪ .‬ودليل َ‬
‫ي‬
‫بالمقصود‪ .‬فالنكار متو ّ‬
‫جه إلى الجنيد والجيل ّ‬
‫والدسوقي ونحوهم اّلذين قّرروا الرابطة‬
‫‪130‬‬
‫بكيفيتها»‬
‫ي بهذه الكلمات من منطق‬
‫لقد انطلق الدوسر ّ‬
‫رخيص «ليصطاد عصفورين بطلقة واحدة» كما‬
‫ض‬
‫ي‪ .‬ذلك لُيثير المعتر َ‬
‫قيل في المثل الترك ّ‬
‫ي فيدفعه إلى مستنقعات الصوفّية حّتى‬
‫الغب ّ‬
‫يتمّرغ في أوحالها فيتباحث عما إذا سبق من‬
‫ن تكّلموا بشيء في‬
‫ي والدسوقي أ ْ‬
‫الجنيد والجيل ّ‬
‫رابطة النقشبندّية ثم يعود صفر اليدين‪.‬‬
‫ن مثل هذه المحاولة‪ ،‬ل يغني شيًئا عن الشاك‬
‫إ ّ‬
‫ن‬
‫في أمرهم‪ ،‬إل ّ الخسارة في العمر‪ .‬ل ّ‬
‫‪129‬‬

‫ي‪ ،‬الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات و الرابطة‪ ،‬بهامش معّرب المكتوبات للّرّباني‪:‬‬
‫حسين الدوسر ّ‬

‫‪.5‬‬

‫‪Fazilet Publishing-İstanbul‬‬

‫‪130‬‬

‫المصدر السابق‪.1/129 ،‬‬

‫‪1/22‬‬

‫‪111‬‬

‫ي لو كان واث ً‬
‫قا من نفسه لما غادر‬
‫الدوسر ّ‬
‫صغيرةً ول كبيرةً إل ّ أحصاها من أقوال أولئك‬
‫الثلثة ونقلها؛ مع أّنها ل تقوم مقام دليل على‬
‫ة الرابة إطل ً‬
‫قا‪.‬‬
‫ب ِدْ ِ‬
‫عي ّ ِ‬
‫ن الرابطة‬
‫ي‪« :‬إ ّ‬
‫وفي الباب الرابع قال الدوسر ّ‬
‫من جملة الوسائل الموصلة إلى الحضور في‬
‫عبادة الله‪ ،‬والوسائل لها حكم المقاصد‪».‬‬
‫ثم بعد إسهاب وإطناب في امتداح الرابطة أتى‬
‫بإجابة على سؤال مفروض‪ .‬وهو قوله‪:‬‬
‫ن قال الخ المنكر ـ تاب الله عليه ـ‪ :‬قد‬
‫«فا ْ‬
‫ّ‬
‫ن الرابطة تعلق القلب‪.‬‬
‫عرفنا على هذا القول‪ ،‬أ ّ‬
‫ب في الله واجب ومحّبة‬
‫وهذا القول يمنعه‪ .‬والح ّ‬
‫ن استحضاَر‬
‫الصالحين ثابتة؛ لكن من أين لكم أ ّ‬
‫ل في الذهن ولو كان من الصالحين‬
‫صور ِ‬
‫ة رج ٍ‬
‫تحص ُ‬
‫ن استحضاركم‬
‫ب كّلها‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل به هذه المطال ُ‬
‫بسبب تعّلق القلب‪ ،‬وأّنه جائز؟»‬
‫ول قولك‪»:‬‬
‫«والجواب عن هذا من وجوه‪ :‬ال ّ‬
‫«ـ من أين لكم استحضار صورة رجل في الذهن‬
‫تحصل به هذه المطالب كّلها؟»‬
‫ن هذه المطالب تحصل لنا بما ذكرناه‪،‬‬
‫«أقول‪ :‬إ ّ‬
‫دها باستغراقك في معبودك‬
‫ت لك أضدا ُ‬
‫كما حصل َ ْ‬
‫اّلذي نّبهناك عليه‪ .‬ولكّنها تعمى القلوب اّلتي‬
‫في الصدور‪».‬‬
‫ي فتتطاير من‬
‫هكذا يظهر ما في ضمير الدوسر ّ‬
‫كلماته شرارات الغضب على ك ّ‬
‫ل من يتساءل عن‬
‫ف‬
‫رابطته‪ ،‬بإزاء ما في أسلوبه من مجازف ٍ‬
‫ة وتكل ّ ٍ‬
‫ة وعجرفة وتمييع‪ .‬فيجعل من هذه‬
‫و ُ‬
‫عنجهي ٍ‬
‫ل من يش ّ‬
‫ة يتطاول بها إلى ك ّ‬
‫ك في‬
‫الرسالة لعن ً‬
‫علقة الرابطة بالسلم‪ ،‬أو ربما تعود عليه‬

‫‪112‬‬

‫ة من ك ّ‬
‫ة‬
‫ل من ُيلقى نظر ً‬
‫سها نقم ً‬
‫الرسالة نف ُ‬
‫فيها‪.‬‬
‫وَري ْ َ‬
‫ها «تبصرة‬
‫ومن هذه ال ُ‬
‫قا ٌ‬
‫وان ُ َ‬
‫ت عُن ْ َ‬
‫عجالت‪ُ ،‬‬
‫‪131‬‬
‫ودها رجل‬
‫الفاصلين عن أصول الواصلين»‬
‫س ّ‬
‫عدْ َ‬
‫ه‪ ،‬يد ّ‬
‫ل على ذلك ما تبعثرت على هذه‬
‫لم ي َ ُ‬
‫قدَْر ُ‬
‫ج‬
‫طو َ‬
‫ة وخل ٍ‬
‫ة وهفو ٍ‬
‫الوريقات من عجم ٍ‬
‫هْر ٍ‬
‫واضطراب‪.‬‬
‫دي ـ وتلجلج‬
‫تخّبط كاتبها التعيس ـ سليمان ُز ْ‬
‫ه ِ‬
‫ت من كلمات ل‬
‫فيما قذف على هذه الصفحا ِ‬
‫ت ََراب ُ َ‬
‫ول َ نسق‪ ،‬واسته ّ‬
‫ل‬
‫ط بينها ول نظا َ‬
‫م َ‬
‫المسكين بالعتاب والّنكير على الطاعن في‬
‫ما ل وجود له في‬
‫الرابطة‪ .‬وربما تخّيل خص ً‬
‫ل ذلك يد ّ‬
‫الحقيقة‪ .‬ك ّ‬
‫ه هذه‬
‫ت بِ ِ‬
‫ل على ما اب ْت ُل ِي َ ْ‬
‫ر وارتباك‪ .‬وما‬
‫ب وفزع وذُ ْ‬
‫الطائفة من ُر ْ‬
‫ع ٍ‬
‫ع ٍ‬
‫ف يتوقعون بسببه في‬
‫استولى عليهم من خو ٍ‬
‫ك ّ‬
‫ة أن يداهم المسلمون وهم مستغرقون‬
‫ل لحظ ٍ‬
‫في رابطتهم!‬
‫نقل الرجل قس ً‬
‫طا كبيًرا من رسالة الرابطة‬
‫ي‪ .‬ثم نقل اليتين المذكورتين وهو‬
‫للبغداد ّ‬
‫يحاول مستميًتا لثبات الرابطة على أساسهما‬
‫بتعبيره اّلذي نسجه من تركيبات متنافرة‪،‬‬
‫ق ل يتفق مع قواعد الّلغة العربّية وآدابها‪،‬‬
‫وسيا ٍ‬
‫مع ّ‬
‫ت دون ظهور ما‬
‫ه ركيك ً‬
‫قدةً حال ْ‬
‫ة ُ‬
‫فجاءت كلمات ُ ُ‬
‫ه‬
‫ى أسلوب ُ ُ‬
‫هو بصدده لغرابة الستعمال؛ وأضف َ‬
‫ضا على كلمه‪ ،‬مع غلظته وقسوته‬
‫الوعُر غمو ً‬
‫ت‬
‫ج ٍ‬
‫في لّلهج ِ‬
‫ولت إلى ح ّ‬
‫ة قامت عليه فدل ّ ْ‬
‫ه فتح ّ‬
‫على ما هو أهله‪.‬‬
‫***‬
‫‪131‬‬

‫مة مع لفيف آخر من أمثالها لنفس الشخص‪ /‬طبعت في إسطنبول‪ .‬وفي نهاية بعض‬
‫هي شبه رسالة منض ّ‬

‫هذه الوريقات أنها كتبت عام ‪ 1289 -1288‬هـ‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫م‬
‫ومن هذه الرسائل الغريبة أي ً‬
‫ضا‪ ،‬كتا ٌ‬
‫ب منظو ٌ‬
‫ة التركّية اسمه «إثبات المسالك في رابطة‬
‫بالّلغ ِ‬
‫‪132‬‬
‫ل‪.‬‬
‫السالك»‬
‫يشتمل على ‪ 1123‬ب َي ًْتا من الّر َ‬
‫م ِ‬
‫كتبه شاعٌر ن َ ْ‬
‫ق َ‬
‫ي من جماعة أحمد ضياء‬
‫شب َن ْ ِ‬
‫د ّ‬
‫مو ْ‬
‫ي في إسطنبول؛ اسمه‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫‪133‬‬
‫ب بعد‬
‫مصطفى فوزي‬
‫وَرت ّب َ ُ‬
‫ه على ثمانية أبوا ٍ‬
‫َ‬
‫توطئة وجيزة استه ّ‬
‫ل بها‪.‬‬
‫يمتاز هذا ال ّ‬
‫عُر بدفاعه الشديد عن الرابطة‬
‫شا ِ‬
‫وبتأكيده على أّنها من جملة الفرائض‪ .‬زعم ذلك‬
‫في البيت الثامن من كلماته الواردة ضمن الباب‬
‫السادس تحت عنوان «بيان رابطة المرشد»‬
‫وانفرد برأيه هذا‪ ،‬عن جميع النقشبندّيين؛ بحيث‬
‫لم يتصدّ أحدٌ من رجال الطائفة ل َ َ‬
‫ه‬
‫ول َ ب َ ْ‬
‫عدَ ُ‬
‫قب ْل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫دعوى‪.‬‬
‫بمثل هذا ال ّ‬
‫ينتمي هذا الرجل إلى أحمد ضياء الدين‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬كما ذكرنا آنفا‪ .‬وهو من الطبقة‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫الثانية بعده‪ .‬أخذ العهدَ من حسن حلمي بن عبد‬
‫الله القسطموني‪ 134‬اّلذي هو من خلفاء‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ .‬فانخرط بذلك في سلك‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫ن حسن‬
‫الخالديّين‪ .‬ول بد هنا من التنبيه على أ ّ‬
‫حلمي المذكور‪ ،‬ليس هو حسن حلمي بن علي‪،‬‬
‫ن كليهما‬
‫ه ِ‬
‫د الشيخ َزا ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ما بأ ّ‬
‫ي؛ عل ً‬
‫ر ّ‬
‫د ال ْك َ ْ‬
‫َ‬
‫وث َ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ي‪.‬‬
‫موش َ‬
‫و ّ‬
‫منتسبان إلى أحمد ضياء الدين الگ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫م أحدهما‬
‫وقد يلتبس على بعض الباحثين اس ُ‬
‫بالخر‪.‬‬
‫لل ّ‬
‫شاعر مصطفى فوزي صحبة مع الشيخ زاهد‬
‫ي الشهير بتصانيفه وبلهجته القاسية‬
‫الكوثر ّ‬
‫وتطاوله على العلماء‪.‬‬
‫‪132‬‬
‫‪133‬‬

‫هي رسالة في سبعين صفحة‪ ،‬ألفاظها تركية‪ ،‬مطبوعة بالحروف العربّية سنة ‪ 1324‬هـ‪.‬‬
‫راجع ترجمته في الكتاب التي‬

‫ذكره‪Dr. İrfan Gündüz, Gümüşhanevî Ahmed Ziyaüddin, Hayatı ve Eserleri-:‬‬

‫‪Postscript no.I Seha Publishing Istanbul-1994‬‬

‫‪134‬‬

‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪ .145 ،144 /‬كذلك راجع إرغام المريد للكوثري ص‪.100 /‬‬

‫‪114‬‬

‫***‬
‫ها رجل اسمه عبد‬
‫ةأ َ‬
‫ت‪ ،‬رسال ٌ‬
‫عدّ َ‬
‫جال َ ِ‬
‫ع َ‬
‫ومن هذه ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ية عام ‪1342‬‬
‫وا ِ‬
‫ي‪ ،‬كتبها بالّلغة الترك ّ‬
‫الحكيم الْر َ‬
‫س ّ‬
‫‪135‬‬
‫ة‬
‫هـ‪.‬‬
‫ب الرابطة وصور ِ‬
‫م ْ‬
‫ن أل َ ّ‬
‫وهو ثاني َ‬
‫م بآدا ِ‬
‫م شرحها‪ ،‬وخلط‬
‫ي‪ .‬ث ّ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫أداِئها بعد مح ّ‬
‫ما خلط في طي هذه الرسالة أكثر من ك ّ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫سبقه ومن جاء بعده‪.‬‬
‫ي في مسته ّ‬
‫ل رسالته بعد ما أورد‬
‫قال الرواس ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه‬
‫الية الكريمة‪َ} :‬يا أي ّ َ‬
‫ها الذي َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫و ُ‬
‫ن{ قال بالحرف الواحد‪:‬‬
‫ع الصاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫َ‬
‫«الرابطة طريق مستقل للوصول إلى الله» ثم‬
‫قال على سبيل التعريف لها‪« :‬الرابطة هي ربط‬
‫ل إلى مقام‬
‫ل مك ّ‬
‫ل واص ٍ‬
‫م ٍ‬
‫ن كام ٍ‬
‫القلب بإنسا ٍ‬
‫المشاهدة متح ّ‬
‫ق بالصفات اللهّية الذاتّية‪ .‬وهي‬
‫ق ٍ‬
‫عبارة عن حفظ صورة ذلك الشخص في خزانة‬
‫‪136‬‬
‫الخيال بحضوره وغيابه»‬
‫ه‪ ،‬اسمه سعيد‪،‬‬
‫دي ِ‬
‫ري ِ‬
‫ها إلى أح ِ‬
‫وفي رسال ٍ‬
‫ة بَ َ‬
‫عث َ َ‬
‫د ُ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫وا ِ‬
‫ي بمسألة الرابطة فيها اهتما ً‬
‫اهت ّ‬
‫م الْر َ‬
‫س ّ‬
‫عّر َ‬
‫غا‪َ .‬‬
‫ها‪ ،‬وشرح أركاَنها‪ ،‬وصورةَ أداِئها‪،‬‬
‫بال ً‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫ع‬
‫و َ‬
‫وفوائ َ‬
‫مدّت َ َ‬
‫حدّدَ ُ‬
‫دها؛ وقارنها مع الذكر‪َ ،‬‬
‫ها ب ُِرب ْ ِ‬
‫‪137‬‬
‫دا‬
‫ة من الزمن‪.‬‬
‫ساع ٍ‬
‫سي ْ َ‬
‫بينما يقول الشيخ َ‬
‫َ‬
‫‪138‬‬
‫حدّ ل ِذَل ِ َ‬
‫قي َ‬
‫وأ َ‬
‫ت»‬
‫ه َ‬
‫س دَ ِ‬
‫قا ٍ‬
‫ي‪« :‬ل َ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫قل ّ ُ‬
‫ر ّ‬
‫م ُ‬
‫ك‪َ .‬‬
‫جَز ِ‬
‫ي سماها‬
‫وردت هذه الكلمات في رسالة للجزر ّ‬
‫ضابطة في الرابطة» كما سيأتي بيانها‪.‬‬
‫«ال ّ‬
‫‪135‬‬

‫ماها «رابطهء شريفه رسالسي» وهي مطبوعة بالحروف العربّية‪ .‬نسخة منها موجودة في مكتبة‬
‫س ّ‬

‫بايزيد‪ .‬إسطنبول‪ 1342-‬هـ‪ ،.‬تحت رقم‪ُ .243435/‬‬
‫طبعت أخيًرا بالحروف ال ّ‬
‫لتينّية‪ ،‬بعد أن نقلها الشاعر نجيب‬
‫فاضل قيصاكوراك‪ ،‬إلى اللهجة التركّية المعاصرة‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫ي بالّلغة التركّية‪« :‬رابطه‪ :‬صفات‬
‫التزمنا الترجمة الحرفية في تعريب هذه اللفاظ‪ .‬وهذا ن ّ‬
‫صها الصل ّ‬

‫إلهيهء ذاتيه إله متح ّ‬
‫قق‪ ،‬مقام مشاهده يه واصل بر كامل و مكمل إله ربط قلب أيليوب‪ ،‬حضور و غيابنده أو‬
‫ذاتك صورتني خزانهء خيالده حفظ إيتمكدن عبارتدر»‪ .‬ص‪.14 /‬‬

‫‪137‬‬

‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪.11 /‬‬

‫‪138‬‬

‫سعيد سيدا الجزري‪ ،‬الضابطة في الرابطة‪ .‬ص‪.6 /‬‬

‫‪115‬‬

‫ي‪،‬‬
‫ومن أه ّ‬
‫م ما ورد في رسالة الرابطة للرواس ّ‬
‫ل في رابطة المريد لل ّ‬
‫أقوا ٌ‬
‫ن هذه‬
‫شيخ الميت‪ .‬ل ّ‬
‫ن الشيخ إذا مات أصبح طلي ً‬
‫قا‬
‫الطائفة تعتقد «أ ّ‬
‫من قيود الجسد‪ ،‬كالسيف المسلول من غمده‪.‬‬
‫عا للمريد» ‪ 139‬وفي‬
‫وبذلك ازداد تأثيًرا‪ ،‬وازداد نف ً‬
‫ي عن أبي الحسن‬
‫هذا الباب نقل الرواس ّ‬
‫‪141‬‬
‫الشاذّلي‪140،‬يستد ّ‬
‫ت‬
‫ل بأقواله‪.‬‬
‫ويحاول إثبا َ‬
‫الرابطة بها‪.‬‬
‫***‬
‫خرين من‬
‫د المتأ ّ‬
‫ومن هذه الرسائل‪ُ ،‬‬
‫عجال ٌ‬
‫ة لح ِ‬
‫شيوخ الكراد اسمه سعيد بن عمر الزنجاني‪.‬‬
‫ة إلى‬
‫ي نسب ً‬
‫دا ال ْ َ‬
‫سي ْ َ‬
‫اشتهر باسم الشيخ َ‬
‫ر ّ‬
‫جَز ِ‬
‫جزيرة ابن عمر‪.‬‬
‫ل من‬
‫عجالة إجاب ً‬
‫إّنه كتب هذه ال ُ‬
‫ة على سؤا ٍ‬
‫مد شريف‪ ،‬يستفسره‬
‫شخص اسمه المل ّ مح ّ‬
‫الرابطة‪ .‬وهذا دليل يؤ ّ‬
‫ن كثيًرا من‬
‫كد على أ ّ‬
‫المللي )وهم علماء الكراد‪ (142‬ل يزالون‬
‫يجهلون أمَر الرابطة بل ويش ّ‬
‫ن هذه‬
‫كون فيها؛ وأ ّ‬
‫الهرطقة ل ُيقّرها ول يعتدّ بها أحد سوى‬
‫ن كثًيرا من الناس يسمعونها‬
‫النقشبندّيين؛ وأ ّ‬
‫مد‬
‫ل مر ٍ‬
‫ة كما نفهم من استفسار المل ّ مح ّ‬
‫و ِ‬
‫ل ّ‬
‫ي في‬
‫شريف‪ ،‬على الرغم من رعونة ال ْ َ‬
‫جَزَر ّ‬
‫محاولة إقناعه إذ يقول‪:‬‬
‫ن أمَر الرابطة‬
‫«اعلم يا أخي أسعدك الله‪ ،‬أ ّ‬
‫ر مذكوٌر‬
‫الشريفة مشهور وسّرها في الّزب ُ ِ‬
‫ومسطوٌر‪ .‬ولكن نذكر ُنبذة من ذلك اطمئناًنا‬
‫‪139‬‬
‫‪140‬‬

‫ي‪ ،‬وتصّرف المّيت‪ .‬من الفصل الثالث‬
‫للمزيد من المعرفة حول هذا المعتقد‪ ،‬راجع موضوع‪ :‬الولية‪ ،‬والول ّ‬
‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪ .2/467 :‬بيروت ‪-‬‬

‫ضا‪ :‬التصوف‪ ،‬عبد القادر السندي ص‪-327 /‬‬
‫‪ 1993‬وكذلك فيه أسماء مصادر أخرى وردت فيها ترجمته‪ .‬راجع أي ً‬
‫ورة‪1960-‬م‪.‬‬
‫‪ .409‬مكتبة ابن القيم‪ ،‬المدينة المن ّ‬

‫‪141‬‬

‫ي‪ ،‬رابطهء شريفه رسالسي ص‪ .19 /‬مكتبة بايزيد‪ ،‬إسطنبول‪ 1342-‬هـ‪.‬‬
‫عبد الحكيم الرواس ّ‬

‫رقم‪243435/‬‬

‫م ّ‬
‫م َ‬
‫ة بمعنى ال ّ‬
‫شيخ في اللغة‬
‫ل‪ ،‬وهي صف ٌ‬
‫ن في اللغة الكردية والفارسي ِ‬
‫ي‪ :‬جم ُ‬
‫ة ت ُطْل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫‪َ 142‬‬
‫ق عل َ‬
‫لل ِ‬
‫ى رجال الدي ِ‬
‫العربّية‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫للقلب‪ ،‬واستئصال ً للّريب‪ ،‬ناقلين من كتاب نور‬
‫الهداية والعرفان»‬
‫أما كتاب نور الهداية والعرفان‪ ،‬هذا اّلذي‬
‫مد أسعد‬
‫استقى منه ال ْ َ‬
‫ي‪ ،‬فقد أّلفه مح ّ‬
‫ر ّ‬
‫جَز ِ‬
‫دا‬
‫ي كتبه ر ً‬
‫صاحب‪ ،‬وهو ابن أخي خالد البغداد ّ‬
‫ي‪ ،‬وقد‬
‫مد صديق خان بن الحسن الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫على مح ّ‬
‫ي إلى هذه‬
‫تطّرق الباح ُ‬
‫ي عباس العّزاو ّ‬
‫ث العراق ّ‬
‫المسألة فقال‪:‬‬
‫ديق خان بن الحسن‬
‫مد ص ّ‬
‫«هاجم السيد مح ّ‬
‫ة بهوبال في الهند‬
‫الحسيني الب ُ َ‬
‫ي أميُر مملك ِ‬
‫خار ّ‬
‫دى للّردّ عليه وعلى‬
‫ه(‪ .‬فتص ّ‬
‫)الرابطة والّتو ّ‬
‫ج َ‬
‫مد أسعد صاحب ذاده في كتابه ‪-‬نور‬
‫أمثال ِ ِ‬
‫ه مح ّ‬
‫الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫م تألي َ‬
‫ه في دمشق‪ ،‬في أول‬
‫ال ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪ .‬أت َ ّ‬
‫خ َ‬
‫م طبعه في المطبعة‬
‫المحّرم سنة ‪ 1305‬هـ‪ .‬وت ّ‬
‫العلمّية بالقاهرة في شهر رمضان سنة ‪ 1311‬هـ»‬

‫‪143‬‬

‫ي حول الكتاب‬
‫كانت هذه كلمات عّباس العّزاو ّ‬
‫صة طويلة‬
‫المذكور‪ .‬بيد أ ّ‬
‫ن لنا مع هذا الكتاب ق ّ‬
‫نختصرها لتكون عبرة ُ‬
‫لولي اللباب‪.‬‬
‫ما اقتضتْ‬
‫فخلصتها‪ :‬أن دراسة هذه البدعة ل ّ‬
‫ة عدٍد من المصادر المتو ّ‬
‫ة اّلتي لها‬
‫مراجع َ‬
‫فر ِ‬
‫علقة بموضوعنا‪ ،‬وعثرنا على اسم هذا الكتاب‬
‫في مواطن كثيرة من كتب النقشبندّية كما كّنا‬
‫نسمعه أحياًنا من خلل حديثهم‪ ،‬قمنا بالسعي‬
‫في طلبه سعًيا حثيًثا؛ ولكن لم نعثر حّتى على‬
‫عب َْر‬
‫نسخة واحدة منها‪ ،‬على الرغم من تباحثنا َ‬
‫سلسلة المكتبات الرسمية والخاصة بكافة أنحاء‬
‫تركيا‪ ،‬وما أكثرها!‬
‫‪143‬‬

‫ي‪ ،‬عدد ‪ .1‬ص‪ .717 /‬بغداد‬
‫ي‪ ،‬مجلة المجمع العلمي الكرد ّ‬
‫ي‪ ،‬مولنا خالد النقشبند ّ‬
‫عباس العّزاو ّ‬

‫‪117‬‬

‫ثم لجأنا في آخر المطاف إلى الشيخ عمر‬
‫ي اّلذي‬
‫دا ال ْ َ‬
‫سي ْ َ‬
‫فاروق أفندي‪ ،‬نجل الشيخ َ‬
‫ر ّ‬
‫جَز ِ‬
‫د هذا‬
‫ج ِ‬
‫استقى من الكتاب المذكور‪ .‬فلم ي ُ ْ‬
‫جدْ تفسيًرا‬
‫التصال أي ً‬
‫ضا بنتيج ٍ‬
‫ة؛ كما لم ن َ ِ‬
‫غز‪،‬‬
‫للستغراب اّلذي أحاط بمشاعرنا أمام هذا الل ّ ْ‬
‫ض عند‬
‫ن مؤل ّ َ‬
‫إل ّ ما قيل‪ :‬أ ّ‬
‫ف هذا الكتاب مرفو ٌ‬
‫ة من النقشبندّيين في تركيا‪ .‬فما عثروا‬
‫طائف ٍ‬
‫على شيء من آثاره إل محوه وأفنوه بسرعة‪.‬‬
‫ذلك «لّنه كان متمّيزا عن سائر شيوخ هذه‬
‫ي وأسلوبه العصراني‪».‬‬
‫الطائفة بتفكيره العلم ّ‬
‫وهذا يتعارض مع العقلّية النقشبندّية الجامدة!‬
‫في الحقيقة عثرنا على سلسلة من مقالته‬
‫ت‬
‫اّلتي ن ُ ِ‬
‫ت في جريدة الّرأي العام‪ ،‬وطُب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫شَر ْ‬
‫سنة ‪ 1334‬هـ‪ 144.‬يتطّرق في هذه المقالت إلى‬
‫ت شّتى‪ ،‬ل يكاد القارئ يشعر بأدنى‬
‫موضوعا ٍ‬
‫ت شي ٌ‬
‫خ‬
‫ب هذه المقال ِ‬
‫أمارة بين ألفاظه أ ّ‬
‫ن كات َ‬
‫ي‪ ،‬إل سطوره الخيرة اّلتي ختم بها‬
‫نقشبند ّ‬
‫جادة طريقة السادة‬
‫ه؛ وهي قوله‪« :‬خادم س ّ‬
‫م ُ‬
‫كل َ‬
‫النقشبندّية‪ ،‬والقائم مقام الحضرة الخالدّية‬
‫‪145‬‬
‫ددّية بدمشق الشام‪ :‬اسعد صاحب»‬
‫المج ّ‬
‫ن من جانب آخر‪ُ ،‬تنبئ هذه الكلمات بصورة‬
‫ولك ّ‬
‫جلّية عن مدى إعجاب هذا الرجل بنفسه‬
‫س من التواضع! وربما‬
‫وتعاظمه وتل ّ‬
‫ونه في لبا ٍ‬
‫السبب اّلذي أثار المنافسة بينه وبين بقّية‬
‫روؤس النقشبندّية هو موقفه هذا؛ كما جاء في‬
‫ف في‬
‫ة للباحث ‪ David Dean Commins‬أّنه طََر ٌ‬
‫دراس ٍ‬
‫‪146‬‬
‫مَنا َ‬
‫ة‪.‬‬
‫س ِ‬
‫ف َ‬
‫هذه ال ْ ُ‬
‫‪144‬‬

‫مقالت أسعد صاحب‪ ،‬مكتبة السليمانية خزانة جلل أوكتان رقم‪ 292 /‬إسطنبول‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪.1/351 ،3/129 :‬‬

‫بيروت ‪ 1993 -‬وكذلك فيه أسماء مصادر أخرى وردت فيها ترجمته‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫‪.......David Dean Commins, İslamic Reform Politic And Social Change in Late Ottoman Syria / New York- 1990‬‬

‫‪118‬‬

‫كتاب «نور الهداية والعرفان»‪ ،‬تسود على‬
‫أسلوبه محاولة جدلية لثبات الرابطة‪ ،‬وهذا‬
‫يخالف مبادئ الصوفّية اّلتي تقوم على التقليد‬
‫المحض والت ّ‬
‫طفل والستسلم للّروحانيين‬
‫السابقين‪ ،‬والتقّيد بمقولتهم – مع ما فيه من‬
‫ن‬
‫ة صريح ٍ‬
‫مخالف ٍ‬
‫ما بأ ّ‬
‫ة للكتاب والسـّنة‪ -‬عل ً‬
‫النقشبندّيين وإن كانوا يهاجمون من ل‬
‫يوافقهم‪ ،‬إل أّنهم يح ّ‬
‫ذرون الطريقة الجدلية في‬
‫مناظرة الخصوم والمعارضين أشدّ الحذر‪ ،‬خو ً‬
‫فا‬
‫ن‬
‫ور الجدال‪ .‬وإل ّ فا ّ‬
‫من أن تفتضح أسرارهم بتط ّ‬
‫تركيا في الحقيقة هي جّنة النقشبندّيين‪ .‬لهم‬
‫سسات إعلمية ضخمة في هذا البلد‪ ،‬تقوم‬
‫مؤ ّ‬
‫ة من كتب الطائفة‬
‫ت عظيم ٍ‬
‫بنشر وتوزيع كميا ٍ‬
‫ع عن‬
‫فها‪ ،‬وب ّ‬
‫ومجلِتها وصح ِ‬
‫ث عقائ ِ‬
‫دها‪ ،‬والدفا ِ‬
‫سمعتها‪ .‬لذا ل يجوز عقل ً أن يرفض‬
‫النقشبندّيون كتاًبا يعاضدهم ويؤ ّ‬
‫ة‬
‫كد على صح ّ‬
‫ها‪ ،‬غير ما‬
‫صدْ ِ‬
‫ب لم نتأكد من ِ‬
‫دعواهم‪ ،‬لول أسبا ٌ‬
‫ق َ‬
‫نقلناه منها‪.‬‬
‫ل هذه‪ ،‬في الحقيقة ما هي إل ّ مؤ ّ‬
‫وك ّ‬
‫شرات تنبئ‬
‫ما تتوارى به الطائفة النقشبندّية من غموض‬
‫ع ّ‬
‫مر ضدّ غيرها من أسرار وأفكار‬
‫وكتمان‪ ،‬وما ت ُ ْ‬
‫ض ِ‬
‫ل َ أمان من عواقبها!‬
‫ي َن ْ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ي ما ينقل من هذا الكاتب ومن‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ر ّ‬
‫جَز ِ‬
‫ي في إثبات الرابطة حّتى ينتهي‬
‫رسال ٍ‬
‫ة للبغداد ّ‬
‫من عجالته «الضابطة في الرابطة» على طريقة‬
‫أسلفه من الحشوية؛ ول يأتي بشيء من تلقاء‬
‫نفسه إل ّ كلمات في سطور معدودة‪ .‬وبذلك‬
‫يفتح باًبا لل ّ‬
‫ة‬
‫شك على نفسه‪ ،‬بالّرغم من غزار ِ‬
‫ه‬
‫د وبا ِ‬
‫ل في الفق ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه بالعقائ ِ‬
‫علم ِ‬
‫ه الطوي ِ‬
‫ون‬
‫ه الجامع ِ‬
‫ي ومعرفت ِ ِ‬
‫ة بالدا ِ‬
‫ب‪ ،‬وما د ّ‬
‫السلم ّ‬
‫س طوال عمره‪.‬‬
‫س ودَّر َ‬
‫فيها ودََر َ‬
‫***‬

‫‪119‬‬

‫دها بالّلغة التركّية‬
‫ومن هذه الرسائل‪ ،‬عجال ٌ‬
‫ة أع ّ‬
‫‪147‬‬
‫بجامعة مرمرا في‬
‫أحدُ أساتذة كلية اللهيات‬
‫سماها‪:‬‬
‫إسطنبول‪ ،‬اسمه عرفان جندوز‪ .‬ف ّ‬
‫‪ Tasavvufi Bir Terim Olarak Râbita‬أي‪ ،‬الرابطة‬
‫‪148‬‬
‫ي‪ .‬إل ّ أّنها غير مطبوعة‪.‬‬
‫ح تصوف ّ‬
‫كمصطل ٍ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫في‬
‫سو َ‬
‫فظ َ ٌ‬
‫خ ٌ‬
‫ة ِ‬
‫كاتب ِ‬
‫ة عَلى الل َ ِ‬
‫و ِ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ي َ‬
‫ة َ‬
‫) َ‬
‫ه َ‬
‫صة(‬
‫مكتبتي الخا ّ‬
‫ت شرعية الرابطة‬
‫حاول المؤّلف فيها إثبا َ‬
‫بمبّررات منطقية وبأسلوب معاصر‪ .‬فاستهل‬
‫بكلم مفاده‪:‬‬
‫ة‬
‫ن في هذا الموضوع شيًئا يظهر كخاصي ّ ٍ‬
‫«إ ّ‬
‫ة بين الثقافات‪ .‬يجوز انطل ً‬
‫قا منها ـ أن‬
‫مشترك ٍ‬
‫ة وأصول ً في‬
‫ضا طريق ً‬
‫ن للمسلمين أي ً‬
‫يقال‪ :‬إ ّ‬
‫ما على هيئة‬
‫هذا الباب‪ ،‬وأّنهم رّتبوا لها نظا ً‬
‫‪149‬‬
‫الرابطة»‬
‫ف‬
‫ن اْلمؤل ّ َ‬
‫يتبيّن من هذه المحاولة بوضوح‪ ،‬أ ّ‬
‫يُ َ‬
‫ب الرابطة إلى عقل النسان المعاصر في‬
‫قّر ُ‬
‫د‪ .‬وذلك على حدّ قوله‪« :‬هي الخاصّية‬
‫ف جدي ٍ‬
‫غل ٍ‬
‫المشتركة بين الثقافات المتباينة‪ ».‬وكأّنه يقول‪:‬‬
‫مهما اختلف الناس في عقائدهم فإّنهم ل محالة‬
‫قي َم ٍ متشابهة ويشتركون في أسس‬
‫يلتقون في ِ‬
‫متجانسة‪ .‬فالرابطة إذن هي معدودة من تلك‬
‫ة المشتركة‪ ،‬يلتقي بها المسلمون‬
‫ال ْ ِ‬
‫قي َم ِ النساني ِ‬
‫مع بقّية المجتمعات اّلتي ل تدين بالسلم!‬
‫ن المؤلف يرى‬
‫يظهر من هذه المحاولة بصراح ٍ‬
‫ةأ ّ‬
‫‪147‬‬

‫كلمة «كلّية اللهّيات» تسمية ماكرة أطلقها ح ّ‬
‫كام النظام العلماني على كليات العلوم السلمّية في‬

‫مدها النظام لتحريف القيم السلمّية وعزل‬
‫جامعات تركيا‪ .‬و هي حلقة من سلسلة المؤامرات اّلتي يتع ّ‬
‫قا للخ ّ‬
‫المسلمين التراك عن الحركة السلمّية العالمية وف ً‬
‫طة السياسّية اّلتي رسمها يهود سالونيك‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫نسختها الصلية موجودة في خزانتي‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫صه بالّلغة‬
‫التزمنا الترجمة الحرفية في تعريب هذا المقطع من كلم الدكتور عرفان جندوز‪ .‬وهذا ن ّ‬

‫التركّية‪:‬‬

‫‪Kültürlerarası ortak bir özellik gibi gözüken bu konuda müslümanların da bir yolu ve bir usûlü bulunduğu ve bunu da‬‬

‫‪.rabıta şeklinde sistemleştirdikleri söylenebilir‬‬

‫‪120‬‬

‫ما يدعو المسلمين إلى المشاركة مع غير‬
‫عت َ َ‬
‫دها من‬
‫قداِتهم‪ ،‬ويع ّ‬
‫م ْ‬
‫المسلمين في بعض ُ‬
‫جا‬
‫ال ِ‬
‫قَيم النسانية المشتركة‪ ،‬وإن كان ذلك خرو ً‬
‫على السلم‬
‫ويسترسل المؤّلف على نحو هذا السلوب‪ ،‬غير‬
‫ة‪ ،‬فيأبى إل ّ أن يعترف‬
‫أّنه يعود إلى ضميره بره ً‬
‫ئ عن الرابطة إّنما هي‬
‫بأن «المصادر اّلتي ت ُن ْب ِ ُ‬
‫دا»‪.‬‬
‫ِ‬
‫ع اليدي في الماضي القريب ج ّ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫صِني ِ‬
‫ن هذا العتراف لهو أقوى البراهين اّلتي تقوم‬
‫إ ّ‬
‫على المتطّرفين من رجال هذه الطريقة اّلذين‬
‫ل يتوّرعون عن الستدلل بكتاب الله وسّنة‬
‫سوها في‬
‫رسوله على أصالة هذه البدعة ليدُ ّ‬
‫السلم!‬
‫***‬
‫وآخر ما صدر في موضوع الرابطة‪ ،‬كتا ٌ‬
‫ب أعدّهُ‬
‫ص من ُبسطاء النقشبندّيين بالتعاون‬
‫أربع ُ‬
‫ة أشخا ٍ‬
‫ف‬
‫فيما بينهم‪ .‬كتبوه بالّلغ ِ‬
‫حُرو ِ‬
‫وبال ْ ُ‬
‫ة التركّية َ‬
‫ة العربّية‪ ،‬وطبعوه‬
‫ة لّنهم يجهلون الّلغ َ‬
‫الل ِّتين ِي ّ ِ‬
‫تحت عنوان‪ Kur’an ve Sünnet Işığında Râbıta :‬أي‬
‫ل في ضوء القرآن والسّنة» إل ّ‬
‫س ُ‬
‫و ّ‬
‫«الرابطة والت ّ َ‬
‫ت َ‬
‫ة‬
‫شاذّ ٍ‬
‫ت وتفسيرا ٍ‬
‫ما من هفوا ٍ‬
‫م ركا ً‬
‫أّنه يض ّ‬
‫وت َأ ْ‬
‫ب عنها في َ‬
‫ة‬
‫ة‪ ،‬تم ّ‬
‫م ٍ‬
‫جل ِي ّ ٍ‬
‫ويل َ ٍ‬
‫ض الكتا ُ‬
‫ت دَ َ‬
‫قت َ َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت عدٍد‬
‫س من َ‬
‫هذََياَنا ِ‬
‫من الباطيل‪ .‬أكث َُرهُ ُ‬
‫مقت َب َ ٌ‬
‫من مللي المنطقة الكردّية‪ .‬فهو بهيئته ليس‬
‫في الحقيقة إل خلي ً‬
‫طا من سؤر متشّيخي‬
‫ون في‬
‫الكراد‪ ،‬أكثر من أن يو َ‬
‫صف بتأليف مدَ ّ‬
‫ضوء الكتاب والسّنة‪.‬‬
‫ف‪،‬‬
‫ف هؤلء المنتحلين صف َ‬
‫ن َ‬
‫ل التألي ِ‬
‫هْر ِ‬
‫ومِ ْ‬
‫ة أه ِ‬
‫ي مع أولئك المللي فأنزلوه‬
‫أّنهم ذكروا الغزال ّ‬
‫ي من‬
‫إلى دركهم‪ ,‬وع ّ‬
‫دوا أبا علي الفارمد ّ‬

‫‪121‬‬

‫النقشبندّيين‪ .‬مع أّنه قد مات قبل تأسيس هذه‬
‫الطريقة بثلثمائة عام!‬
‫***‬
‫ر من تفاصيل‬
‫أ ّ‬
‫ما اّلذين تناولوا الرابطة كشط ٍ‬
‫آداب الطريقة النقشبندّية‪ .‬فقد عثرنا على نحو‬
‫‪150‬‬
‫ثلثين رسالة لهم‪ ،‬أقدمها كتاب الرشحات‪.‬‬
‫ن اْلحسين الواع ُ‬
‫ي‬
‫يب ُ‬
‫ظ الكاشف ّ‬
‫أّلفه عل ّ‬
‫ِ‬
‫عدو في هذا الكتاب‬
‫ي إل ّ أ ّ‬
‫ن الرابطة ل ت َ ْ‬
‫البيهق ّ‬
‫دا؛ أوصى بها عبيدُ الله‬
‫ة بسيط ٍ‬
‫عن وصي ّ ٍ‬
‫ةج ّ‬
‫ف الرشحات‪ ،‬كما ل نجد لها تعري ً‬
‫م َ‬
‫فا‬
‫ؤل ّ َ‬
‫الحراُر‪ُ ،‬‬
‫ول تفصيل ً في هذا الكتاب‪.‬‬
‫ثم تليه من حيث القدمّية رسالتان لتاج الدين‬
‫ب‬
‫ّ‬
‫ي وقد‬
‫مر ذكرهما‪ .‬وكذلك خطا ٌ‬
‫بن زكريا الهند ّ‬
‫ه إلى شخص‬
‫يو ّ‬
‫ج َ‬
‫ه ُ‬
‫ي السرهند ّ‬
‫لحمد الفاروق ّ‬
‫صه‬
‫اسمه أشرف الكابلي‪ .‬مّر ذكره أي ً‬
‫ضا بن ّ‬
‫‪151‬‬
‫الكامل‪.‬‬
‫ن‬
‫ما بقّية الرسائل المذكورة للفريق الثاني‪ ،‬فا ّ‬
‫أ ّ‬
‫كّلها مسطورةٌ بعد هذه الربعة‪ .‬وهي على سبيل‬
‫الجمال‪:‬‬
‫‪ (1‬شرح السلسلة المرادّية للدرويش أحمد‬
‫‪152‬‬
‫ونة بالعربّية‪.‬‬
‫الطربزوني‪ ،‬مد ّ‬
‫‪ (2‬الرسالة المدنّية‪ ،‬كتبها نعمة الله بن عمر‪،‬‬
‫ة من‬
‫بالّلغة العربّية أي ً‬
‫ن مجموع ٍ‬
‫ضا‪ .‬وهي ضم َ‬
‫‪150‬‬

‫ضبطه‪« :‬رشحات عين الحيات»‪ .‬أّلفه ‪-‬بالّلغة الفارسّية‪ -‬علي بن الحسين الواعظ الكاشفي البيهقي‪).‬‬

‫ي –اللهجة العثمانّية‪ -‬قاضي مدينة إزمير في عهد السلطان مراد بن‬
‫‪1533 -1462‬م‪(.‬؛ ترجمه إلى الّلغة الترك ّ‬
‫مت الترجمة عام‬
‫مد الشريف العباسي‪ .‬ت ّ‬
‫مد المعروف بن مح ّ‬
‫ي‪ .‬واسم المترجم‪ :‬مح ّ‬
‫السلطان سليم العثمان ّ‬

‫‪993‬‬

‫هـ‪ .‬وقد طبع هذا الكتاب بالحروف العربّية في إسطنبول عام ‪1291‬هـ‪ .‬وهو مذكور في كشف الظنون ‪ .1/903‬و‬
‫ونوه في آدابهم‪ .‬كما هو المصدر الساسي اّلذي تعتمد عليه‬
‫الرشحات كتاب تق ّ‬
‫ول كتاب د ّ‬
‫دسه النقشبندّية‪ .‬وهو أ ّ‬
‫هذه الديانة الصوفّية‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫راجع الهامش رقم‪.97/‬‬

‫‪152‬‬

‫جلة تحت رقم‪ 721/‬بمكتبة السليمانية‪-‬إسطنبول )خزانة كججي ذاده(‬
‫هي رسالة مخطوطة مس ّ‬

‫‪122‬‬

‫مثيلتها بين د ّ‬
‫فتين تحت عنوان «الزمرد‬
‫‪153‬‬
‫العنقاء»‪.‬‬
‫‪ (3‬ترجمة الرسالة الخالدّية المنسوبة إلى خالد‬
‫ي‪ ،‬ترجمها إلى الّلغة التركّية )بالّلهجة‬
‫البغداد ّ‬
‫‪154‬‬
‫العثمانّية( رجل اسمه شريف أحمد بن علي‪.‬‬
‫‪ (4‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية‬
‫مد بن سليمان‬
‫والبهجة الخالدّية‪ .‬كتبها مح ّ‬
‫ي بالعربّية‪ .‬وهو من خلفاء خالد‬
‫البغداد ّ‬
‫‪155‬‬
‫ي‪.‬‬
‫البغداد ّ‬
‫ة في آداب الطريقة النقشبندّية كتبها‬
‫‪ (5‬رسال ٌ‬
‫ضا ضمن‬
‫بالعربّية أحمد خليل البقاعي‪ .‬وهي أي ً‬
‫مجموعة «الزمرد العنقاء»‬
‫‪ (6‬صحيفة الصفا لهل الوفاء‪ .‬كتبها بالعربّية‬
‫دي‪ ،‬ولكّنه فاشل لجهله‬
‫رجل اسمه سليمان ُز ْ‬
‫ه ِ‬
‫ضاد‪.‬‬
‫بلغة ال ّ‬
‫مسلكين لنفس‬
‫‪ (7‬نهجة السالكين وبهجة ال ُ‬
‫وَري ْ َ‬
‫ة من‬
‫ت خالي ٌ‬
‫قا ٌ‬
‫الشخص المذكور‪ .‬وهي ُ‬
‫القيمة العلمّية‪.‬‬
‫‪ (8‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪،‬‬
‫ي‪ .‬وهو‬
‫كتبها بالعربّية مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي‪ .‬لها نسخ منتشرة في‬
‫من خلفاء خالد البغداد ّ‬
‫صة‪.‬‬
‫المكتبات الرسمّية والخا ّ‬
‫‪153‬‬

‫نسخة منها موجودة في خزانتي‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫جلة تحت رقم‪ .278/‬بمكتبة السليمانية‪-‬إسطنبول )خزانة‪ :‬دوجوملو‬
‫لها شروح كثيرة‪ .‬منها نسخة مس ّ‬

‫ونة بالّلغة العربّية‪.‬‬
‫ل لهذه الرسالة على رغم ما يزعمه النقشبندّيون أ ّ‬
‫ن أصلها مد ّ‬
‫بابا(لم نقف على أص ٍ‬

‫‪155‬‬

‫ي‬
‫ورد البحث عن هذا الكتاب فبي مصادر عديدة‪ .‬منها على وجه الخصوص‪ :‬رسالة أّلفها عباس العّزاو ّ‬

‫ول‪ .‬بغداد‪1973-‬م‪.‬‬
‫ي» وهي مطبوعة ضمن مجّلة المجمع العلمي الكرد ّ‬
‫بعنون «مولنا خالد النقشبند ّ‬
‫ي ‪-‬العدد ال ّ‬
‫تناول المؤّلف الكتاب المذكور في الصفحة رقم‪ .708 :‬و ‪ . 723‬من هذه الرسالة و الحديقة الندّية هي من جملة‬
‫ة للنقشبندّيين مركزها في إسطنبول؛ يرأسها عقيد متقاعد‬
‫ة ضخم ٌ‬
‫سس ٌ‬
‫الكتب اّلتي تهتم بطب ِ‬
‫رها مؤ ّ‬
‫عها ونش ِ‬
‫مدسوس في صفوفهم من قبل النظام الحاكم‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫‪ (9‬السعادة البدّية فيما جاء به النقشبندّية كتبها‬
‫ي‬
‫مد بن مح ّ‬
‫بالعربّية عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫مد بن عبد‬
‫ت هذه الرسالة إلى ج ّ‬
‫وقد ُنسب ْ‬
‫ده مح ّ‬
‫‪156‬‬
‫ي وذلك خطأ‪.‬‬
‫الله الخان ّ‬
‫ة بالّلغة التركّية‬
‫‪ (10‬الرسالة القدسّية‪ .‬منظوم ٌ‬
‫‪157‬‬
‫نظمه شخص‬
‫العثمانّية‪ .‬تتأّلف من ‪ 1328‬بيًتا‪.‬‬
‫اسمه عصمت غريب الله‪ .‬وهو من أتباع عبد الله‬
‫الم ّ‬
‫ب الله‬
‫ي‪ .‬كان غري ُ‬
‫كي‪ ،‬خليفة خالد البغداد ّ‬
‫هذا‪ ،‬رجل ً خام ً‬
‫ء‪ .‬تنتمي‬
‫عَرف عن حياته شي ٌ‬
‫ل؛ ل ي ُ ُ‬
‫ي إسطنبول‪.‬‬
‫ة معروف ٌ‬
‫إليه جماع ٌ‬
‫م ِ‬
‫ة ِبالت َّز ّ‬
‫تف ُ‬
‫يرأسها حالّيا رجل اسمه محمود أسطى عثمان‬
‫أغلوا‪.‬‬
‫‪ (11‬المجد التالد‪ 158‬كتبها بالعربّية إبراهيم‬
‫ع ّ‬
‫شاق في إثبات الرابطة‬
‫الفصيح‪ ،‬وله تحفة ال ْ ُ‬
‫مس‬
‫أي ً‬
‫ي‪ .‬فقد تح ّ‬
‫ضا‪ .‬وهو من خلفاء خالد البغداد ّ‬
‫الفصيح في هذه المحاولة فقال‪ :‬كتبُتها في‬
‫إثبات الرابطة اّلتي هي من أعظم أركان‬
‫الطريقة الصوفّية ومدار أمرهم‪ (...) .‬مقتصًرا‬
‫‪156‬‬

‫أصدرت مكتبة الحقيقة هذه الرسالة بطريقة التصوير ضمن مجموعة أخرى من مثيلتها )وهي الحديقة‬

‫ي؛ و الحجج البينات في ثبوت الستعانة بالموات‪،‬‬
‫الندّية في الطريقة النقشبندّية‪ ،‬لمحمد بن سليمان البغداد ّ‬
‫هاب؛ …( ومكتبة‬
‫مد البلخي؛ ومجامع الحقائق في أصول الحنفية‪ ،‬لشخص غير مشهور اسمه عبد الو ّ‬
‫لعلي مح ّ‬
‫ي إسمه ‪ ،Hüseyin Hilmi Işık‬دسه‬
‫الحقيقة هي إحدى المؤ ّ‬
‫سسات اّلتي يديرها عقيد متقاعد من العنصر الترك ّ‬
‫النظام الحاكم بين صفوف النقشبندّيين لتوجيههم والتمكن من السيطرة عليهم‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫تتوّلى طبع هذه الرسالة و نشرها جماعة متعصبة من النقشبندّيين‪ .‬غالبهم من سللت حديثة العهد‬

‫بالسلم من بقايا الشعب الب ُن ْ ُ‬
‫ي اليوناني من أهالي مدينة طربزون و ضواحيها اّلذين اعتنقوا السلم دون‬
‫طس ّ‬
‫ت‬
‫ي‪ .‬اتخذوا من مسجد إسماعيل آغا بإسطنبول مقًرا و مركًزا‪ .‬طُب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫روّية في عهد السلطان مح ّ‬
‫مد الثاني العثمان ّ‬
‫هذه الرسالة أخيًرا بعد الستنساخ من مخطوطة مع ترجمة الرسالة الخالدّية ضمن مجّلد واحد‪ ،‬تتداولها أفراد‬
‫الجماعة المذكورة‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫نسخة من رسالة «المجد التالد في مناقب الشيخ خالد» موجودة في المكتبة السليمانية بإسطنبول؛‬

‫جلة تحت رقم‪ ،1161/4 :‬بخزانة إسماعيل حقي إزميرلي‪ .‬كتبه إبراهيم الفصيح‪ .‬و هو من خلفاء خالد‬
‫مس ّ‬
‫ي‪ .‬قامت مكتبة الحقيقة بنشرها ضمن مجموعة من رسائل المتأخرين من شيوخ النقشبندّية في مجّلد‬
‫البغداد ّ‬
‫ي‬
‫واحد تحت عنوان «مكاتيب شريفة» عام ‪1992‬م‪ .‬وقد ورد أي ً‬
‫ضا اسم هذه الرسالة في بحوث عباس العّزاو ّ‬
‫ي إلى رسالة تحفة الع ّ‬
‫شاق في الصفحة‪ 718 :‬من‬
‫ي ص‪ .725 /‬كما تطّرق العّزاو ّ‬
‫ضمن مجّلة المجمع العلمي الكرد ّ‬
‫جلة‬
‫نفس المصدر‪ .‬وهي أي ً‬
‫ضا من تأليف إبراهيم الفصيح‪ .‬لهذه الرسالة نسخة أخرى في المكتبة السليمانية مس ّ‬
‫تحت رقم‪ 896/‬بخزانة إزمير‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫دالة على‬
‫فيها على بيان الدّلة الشرعّية ال ّ‬
‫وجودها في السّنة النبوّية»‪.‬‬
‫‪ (12‬جامع الصول‪ ،‬كتبها بالعربّية أحمد ضياء‬
‫مو ْ‬
‫وي وهو خليفة أحمد بن‬
‫ش َ‬
‫الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫ي‪ .‬أكثُر‬
‫ي من خلفاء خالد البغداد ّ‬
‫سليمان الرواد ّ‬
‫‪159‬‬
‫عجمة‪.‬‬
‫ه خالص ٌ‬
‫عبارات ِ ِ‬
‫ة من آثار ال ُ‬
‫‪ (13‬رسالة المشغولّية‪ 160.‬كتبه شخص اسمه أحمد‬
‫ددي‪ .‬لكّنه غير معروف في الوساط‬
‫سعيد المج ّ‬
‫العلمّية وحّتى بين الصوفّية‪ .‬ترجم هذه الرسالة‬
‫إلى العربّية رجل من مدينة مغنيسيا التركّية‬
‫ضا شبه مجهول‪،‬‬
‫اسمه علي نائلي‪ .‬غير أنها أي ً‬
‫وحّتى لغة التأليف مجهولة‪.‬‬
‫‪ (14‬تنوير القلوب في معاملة ع ّ‬
‫لم الغيوب‪ .‬كتبه‬
‫ي‪ .‬أّلفه‬
‫بالّلغ ِ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫ة العربّية مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫ول في فقه الشافعية‪ ،‬والثاني‬
‫من قسمين‪ .‬ال ّ‬
‫‪161‬‬
‫في مسائل التصوف‪ ،‬والطريقة النقشبندّية‪.‬‬
‫‪162‬‬
‫ي المشهوُر‬
‫‪ (15‬إرغام المريد‪.‬‬
‫كتبه زاهدُ الكوثر ّ‬
‫حا على‬
‫بتصانيفه وهجماته على العلماء؛ كتبه شر ً‬
‫النظم اّلذي أنشأه ساب ً‬
‫قا بعنوان «النظم العتيد‬
‫سل المريد»‪ .‬تطّرق المؤّلف إلى موضوع‬
‫لتو ّ‬
‫الرابطة في الصفحة ‪ 65‬من كتابه المذكور‪.‬‬
‫‪159‬‬

‫مو ْ‬
‫دها الدكتور عرفان‬
‫ش َ‬
‫وي أع ّ‬
‫ورد البحث عن كتاب جامع الصول في دراسة ضخمة حول شخصية ال ْك ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬

‫ل دار السخاء للنشر عام ‪1984‬م‪ .‬في إسطنبول‪.‬‬
‫م طبعها ونشرها من ِ‬
‫جندوز‪ .‬و ت ّ‬
‫قب َ ِ‬

‫‪160‬‬

‫نسخة من هذه الرسالة موجودة في مكتبة جامعة إسطنبول تحت‬

‫‪161‬‬

‫ة؛‬
‫مون بهذا الكتاب؛ وهو شبه مرفوض عندهم‪ .‬مع إّنه أفضل الكتب صياغ ً‬
‫إ ّ‬
‫ن النقشبندّيين التراك ل يهت ّ‬

‫رقم‪85253 /‬‬

‫ن المؤّلف‬
‫ما هذا الموق ُ‬
‫ن له سببين‪ :‬أحدهما أ ّ‬
‫ي للنقشبندّيين التراك‪ ،‬فا ّ‬
‫وعباراته سلسة مستساغة‪ .‬أ ّ‬
‫ف السلب ِ ّ‬
‫ي الصل وعربي النشأة؛ وهم يكرهون الكراد والعرب )إل ّ قليل منهم‪ ،‬و هم أهل التوحيد الخالص(‪ .‬وسوف‬
‫كرد ّ‬
‫ن شاء الله تعالى‪ .‬والسبب الثاني لهذا الموقف السلبي‪ ،‬هو‬
‫نشرح أسباب هذه الكراهية في الفصل الخامس إ ْ‬
‫صبون لمذهب أبي حنيفة رضي الله عنه‪ ،‬إلى حد جعلوا من‬
‫ما بأ ّ‬
‫أ ّ‬
‫ي المذهب؛ عل ً‬
‫ن التراك يتع ّ‬
‫ن المؤّلف شافع ّ‬
‫صة‪.‬‬
‫هذا المذهب ديًنا مستقل عندهم‪ .‬يعتزون به تمايًزا عن العرب خا ّ‬

‫‪162‬‬

‫سسة وقفية للنقشبندّيين في إسطنبول عام ‪1996‬م‪ .‬يشرف عليها‬
‫قامت بطبع هذه الرسالة و نشرها مؤ ّ‬

‫ي‪ ،‬ضمن مجّلد واحد ‪.‬تقوم بتوزيعها مكتبة‬
‫عقيد متقاعد‪ .‬وهي مع كتاب البهجة السنّية لمحمد بن عبد الله الخان ّ‬
‫الحقيقة‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫مد‬
‫‪ (16‬مقاصد الطالبين‪ .‬كتبه شخص اسمه مح ّ‬
‫م‬
‫رائف عام ‪ 1888‬م‪ .‬بالّلهجة العثمانّية‪ ،‬وقد ت ّ‬
‫نقله أخيًرا إلى الّلهجة التركّية المعاصرة‪ .‬وله‬
‫س ٌ‬
‫ة بالحروف اللتنّية‪.‬‬
‫خ مطبوع ٌ‬
‫نُ َ‬
‫‪ (17‬الرسالة السعدّية لل ّ‬
‫ي‪ .‬وهو‬
‫شيخ أسعد الربل ّ‬
‫ي خليفة طه اله ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫كار ّ‬
‫مأذون من طه الحرير ّ‬
‫‪163‬‬
‫كتب شطًرا منها بالعربّية‪ ،‬وشطًرا بالتركّية‪.‬‬
‫ه‬
‫ي‪ .‬هي مراسلت ُ ُ‬
‫‪ (18‬مكتوبات أسعد الربل ّ‬
‫وخطاباته الكتابّية اّلتي بعث بها إلى أتباعه‪ .‬يبلغ‬
‫عددها ‪ 156‬رسالة‪ ،‬تتبلور من خللها العقلّية‬
‫ي؛ إذ لم يهتم‬
‫المتخّلفة لهذا الشيخ النقشبند ّ‬
‫بقضية من قضايا المسلمين في ك ّ‬
‫ل هذه‬
‫الرسائل‪ .‬وبلغت الغفلة منه عما كان يجري في‬
‫أّيامه إلى حدّ لم يشعر بصراخ الداهية اّلتي كانت‬
‫ضا مع الطليعة‬
‫وشيكة الوقوع‪ ،‬حّتى ذهب هو أي ً‬
‫ه في نهاية‬
‫ض ِ‬
‫الولى َ‬
‫حي ّت َ َ‬
‫ها‪ ،‬كما سنشرح عاقبت َ ُ‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫الفصل الرابع إ ْ‬
‫جاءت في بعض هذه الرسائل توضيحات له حول‬
‫آداب الطريقة النقشبندّية؛ كالرابطة والّلطائف‬
‫والذكر وما إليها؛ وجاء في عدد منها تفسيراته‬
‫لرؤيا بعض مريديه‪.‬‬
‫مد‬
‫‪ (19‬الخلق التصوفية‪ 164.‬سلسلة أع ّ‬
‫دها مح ّ‬
‫كوت ْ ُ‬
‫زاهد ُ‬
‫كو بالّلغة التركّية‪ ،‬وهي مطبوعة‬
‫بالحروف ال ّ‬
‫لتنّية‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫جلة تحت رقم ‪.438/13‬‬
‫نسخة من هذه الرسالة موجودة في مكتبة جامعة إسطنبول‪ ،‬مس ّ‬

‫‪164‬‬

‫تطّرق المؤّلف إلى موضوع الرابطة في المجّلد الثاني ص‪ 275-271 /‬من هذه السلسلة‪ .‬تقوم بطبع ونشر‬

‫سسة للنشر بعنوان‪:‬دار السخاء في إسطنبول‪.‬‬
‫هذه الكتب مؤ ّ‬

‫‪126‬‬

‫مو ْ‬
‫ي‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫‪ (20‬ترجمة أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫دها الدكتور عرفان جندوز بالّلغة‬
‫دراسة أع ّ‬
‫التركّية‪.‬‬
‫ون بالّلغة التركّية اسمه‬
‫‪ (21‬كتاب مد ّ‬
‫‪ .Nakşibendiyye Prensipleri‬ورد على الغلف أّنه ُنقل‬
‫إلى التركّية بقلم مفتي متقاعد اسمه رحمي‬
‫ي للكتاب ‪Risâle-i‬‬
‫سرين؛ وأ ّ‬
‫ن السم الصل ّ‬
‫ّ‬
‫ن مسألة‬
‫‪ .Bahâiyye‬ومؤلفه علي قدري‪ .‬غير أ ّ‬
‫ن عملّية إجراء التعديل على‬
‫الترجمة غامضة‪ .‬ل ّ‬
‫ضا تعتبر عند بعض التراك‬
‫الّلهجة العثمانّية أي ً‬
‫عا من الترجمة‪ .‬ولذلك لم نتأ ّ‬
‫كد‬
‫المعاصرين نو ً‬
‫ونه المؤّلف بالّلغة العربّية )وهذا بعيد‬
‫عما إذا د ّ‬
‫الحتمال(؛ أم كتبه بالّلهجة العثمانّية‪ .‬قد ُ‬
‫طبع‬
‫هذا الكتاب في إسطنبول عام ‪1994‬م‪ .‬يتأّلف من‬
‫دمة‬
‫‪ 293‬صفحة‪ ،‬وقد رّتبه المؤّلف على مق ّ‬
‫وخمسة فصول‪ .‬ورد في الصفحات ‪ 56-54‬شرح‬
‫في مسألة الرابطة‪.‬‬
‫‪Tarikat-i‬‬

‫‪ (22‬روح الفرقان‪ .‬كتاب غريب أقدم على صياغته‬
‫عدد من النقشبندّيين وعلى رأسهم رجل اسمه‬
‫دوا فيه لتفسير‬
‫محمود أسطى عثمان أوغلو‪ .‬تص ّ‬
‫ت‬
‫ئ وتأويل ٍ‬
‫ت أثار ْ‬
‫ي جر ٍ‬
‫القرآن بأسلوب باطن ّ‬
‫ونوه‬
‫جمهوَر المسلمين في تركيا عام ‪1992‬م‪ .‬د ّ‬
‫ن معرفتهم بالعربّية قاصرة‬
‫بالّلغة التركّية‪ ،‬ل ّ‬
‫ما التعبير‬
‫على قراءة نصوص معّينة فحسب‪ .‬أ ّ‬
‫ما‪.‬‬
‫فإّنهم عاجزون عنه تما ّ‬
‫لقد استدّلوا في هذا التفسير الغريب بآيات‬
‫كريمة على إثبات رابطة النقشبندّية‪ .‬وتصّرفوا‬
‫في تأويل كلم الله حسبما بدا لهم في مواطن‬
‫و ّ‬
‫ع أن‬
‫ق ُ‬
‫كثيرة من هذا الكتاب الخطير اّلذي ي ُت َ َ‬
‫مة المسلين إذا ما‬
‫ُيثيَر ضج ً‬
‫ة في صفوف عا ّ‬
‫ُترجم إلى العربّية أو شاع ما فيه‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫فت نظَر‬
‫ن هذه الرسائل والكتب ليست مما ُيل ِ‬
‫إ ّ‬
‫العلماء والمثقّفين؛ ول لمحتوياتها قيمة في‬
‫ديوان العلم أو في ميزان العقل‪ ،‬بل ذكرنا‬
‫أسماءها بالختصار علي سبيل المساعدة‬
‫مة موسوعات أخرى غيرها‪ ،‬وردت‬
‫للباحثين‪ .‬وث ّ‬
‫في سطور قليلة منها تعريفات وجيزة للّرابطة‪،‬‬
‫مع الشارة إلى أّنها من كلم الصوفّية وآرائهم‪،‬‬
‫وتأويلتهم‪.‬‬
‫***‬

‫* من الداب عند النقشبندّية‪ :‬الذكر‬
‫على أساس الّلطائف الخمس‪.‬‬
‫ص في آداب الذكر عند‬
‫ح مل ّ‬
‫لقد سبق توضي ٌ‬
‫خ ٌ‬
‫النقشبندّية مع التنبيه في البداية بأّنها أمور‬
‫يستغربها ك ّ‬
‫ل من له علم بكتاب الله تعالى وسّنة‬
‫رسوله ‪ ،‬ويفزع من خطورتها ومن جرأة من‬
‫استقاها من مستنقعات الشرك وألصقها بعقائد‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫إلى جانب هذه الداب‪ ،‬فقد اختلق كبراؤهم‬
‫ت‬
‫ت أخرى غريب ً‬
‫مَيا ٍ‬
‫مصطلحا ٍ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ة أطلقوها على ُ‬
‫بالّلطائف‪ .‬زعموا أّنها موجودة وموّزعة في بنية‬
‫ن لم نعثر على قرينة تبرهن‬
‫مُلو َ‬
‫البشر وحَ ّ‬
‫ها معا ٍ‬
‫على وجودها في جسد النسان‪ ،‬إل ّ القلب‪ .‬كما‬
‫لم نجد لها قرينة بالذكر في الكتاب والسّنة‬
‫س في‬
‫سوى القلب أي ً‬
‫ضا‪ .‬وهذه الّلطائف خم ٌ‬
‫اعتقادهم كما جاء في عدد من كتبهم‪ ،‬منها‬
‫ي إذ يقول‪.‬‬
‫تنوير القلوب لمحمد أمين الكرد ّ‬
‫ب‪ .‬وهو تحت الثدي‬
‫ول تلك الّلطائف‪ ،‬القل ُ‬
‫«وأ ّ‬
‫اليسر بقدر إصبعين مائل ً إلى الجنب على شكل‬
‫الصنوبر‪ .‬وهو تحت قدم آدم ‪‬؛ ونوره أصفر‪.‬‬
‫فإذا خرج نور تلك الّلطيفة من حذاء كتفه وعل‪،‬‬

‫‪128‬‬

‫أو حصل فيه اختلج‪ ،‬أو حركة قوية فيل ّ‬
‫قن‬
‫بلطيفة الروح وهي تحت الثدي اليمن بإصبعين‬
‫مائل ً إلى الصدر‪ ،‬وهي تحت قدم نوح وإبراهيم‬
‫عليهما السلم‪ .‬ونورهما أحمر‪ .‬فالذكر في‬
‫الروح والوقوف في القلب‪ .‬فإذا وقعت الحركة‬
‫فيها واشتعلت‪ ،‬فيل ّ‬
‫قن بلطيفة السر‪ ،‬وهي فوق‬
‫الثدي اليسر بإصبعين مائل ً إلى الصدر‪ ،‬وهي‬
‫تحت قدم موسى ‪ ،‬ونورهما أبيض‪ .‬ويكون‬
‫الذكر فيها‪ ،‬والوقوف في القلب فإذا اشتعلت‬
‫ضا فليل ّ‬
‫ي‪ ،‬وهي فوق الثدي‬
‫قن بلطيفة ال ِ َ‬
‫خ ِ‬
‫أي ً‬
‫ف ّ‬
‫اليمن بإصبعين مائل ً إلى الصدر‪ ،‬وهي تحت قدم‬
‫ضا‬
‫عيسى ‪ ،‬ونورها أسود‪ .‬فإذا اشتعلت أي ً‬
‫خ َ‬
‫فليل ّ‬
‫فى‪ .‬وهي في وسط الصدر؛‬
‫قن بلطيفة ال ْ‬
‫مد ‪ .‬ونورها أخضر‪.‬‬
‫وهي تحت قدم نبينا مح ّ‬
‫‪165‬‬
‫فليشتغل بها كما تقدم»‬
‫إن من ي ّ‬
‫مل فيها‪،‬‬
‫ّ‬
‫طلع على هذه الكلمات ويتأ ّ‬
‫لبدّ أن يتساءل عن مصدر هذه القاويل إذا كان‬
‫يشعر بمسئولية ما يترتب عليه في وجه ك ّ‬
‫ل من‬
‫سّنة‪ ،‬ويأتي ما شاء من‬
‫يريد أن يعبث بالكتاب وال ّ‬
‫تلقاء نفسه أو ينقل رواسب الشرك من‬
‫الديانات والفلسفات فينسبها إلى السلم باسم‬
‫ما منه أنها‬
‫الدين‪ ،‬ثم يدّرب الناس على فعلها زع ً‬
‫ذكر الله! أليس اليهود والنصارى والصابئة‬
‫والمجوس والهندوس وسائر المشركين يعبدون‬
‫الله ؟ إذن ما الفرق بين المسلم والمشرك إذا‬
‫أراد المسلم أن يعبد الله كما شاءت له نفسه‪،‬‬
‫ه الرسول ‪‬؟! أل َ‬
‫وليس كما رسمه الله له و َ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫رب ْ َ‬
‫ة السلم من عنقه إذا‬
‫ق َ‬
‫يكون المسلم قد خلع ِ‬
‫‪165‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .514-513 /‬طبعة مصر – ‪.1384‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫لمزيد من المعرفة حول مسألة اللطائف عند النقشبندّيين راجع المصادر التالية‪:‬‬
‫‪Dr. İrfan Gündüz, Gümüşhanevî Ahmed Ziyaüddin Pg. 183-205. Muhammed Es’ad Erbilî, Mektubât 257-403 Erkam Publishing,‬‬

‫‪* İstanbul-1993‬‬
‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة‪ :‬رحمي سرين( ص‪ .37 /‬إسطنبول‪1994 -‬م‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫ن لنفسه عبادةً لم ترد عن رسول الله ‪.‬‬
‫س ّ‬
‫صة الذكر عند النقشبندّية على أساس هذه‬
‫خا ّ‬
‫جب عندما‬
‫الّلطائف الخمس‪ ،‬فا ّ‬
‫ن النسان يتع ّ‬
‫ي ّ‬
‫طلع على صورة أدائها‪.‬‬
‫أما خطورة هذه البدعة فإنها ل ش ّ‬
‫ك تزداد عندما‬
‫دا بها ذكر‬
‫نجدها ممزوجة بكلمة التوحيد ومقصو ً‬
‫ن رسائلهم‪.‬‬
‫الله تعالى كما تظهر فيما ورد ضم َ‬
‫هل ُيعقل أن النقشبندّيين أنفسهم يستطيعون‬
‫ل هذه اللغاز فضل ً عن غيرهم؟ ولع ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل السر‬
‫في اشتهار بعض السحرة والمشعوذين منهم‬
‫بصفة أولياء الله بين عوام الناس يكمن في‬
‫مثل هذه اللفاظ الخرافية المختلقة‪.‬‬
‫أن القدام‬
‫ّ‬
‫ول يفوتنا الشارة هنا بالمناسبة إلى‬
‫على التصّرف في مبادئ الطريقة أمر ل يملكه‬
‫ي شيخ من شيوخ هذه الفرقة إل ّ من غلبت‬
‫أ ّ‬
‫ي والطبقة‬
‫شهرته على أمثاله‪ .‬كخالد البغداد ّ‬
‫الولى من خلفائه‪ .‬وإّنما الكلمة النافذة لل ّ‬
‫شيخ‬
‫متهم‪ .‬لّنه بمنـزلة المجتهد‬
‫المشت َ َ‬
‫ر بين عا ّ‬
‫ه ِ‬
‫ن مصدر الشرف‬
‫عندهم‪ .‬ولهذا نكتشف أ ّ‬
‫والمكانة والكرامة والبركات إّنما هي الشهرة‬
‫الغالبة في هذه الطريقة‪ .‬فمن ملكها ملك أمر‬
‫ي شيخ من‬
‫الطائفة كّله‪ .‬وإل ّ ليس بإمكان أ ّ‬
‫شيوخ النقشبندّية أن يقوم بوضع مثل هذه‬
‫اللفاظ من تلقاء نفسه إل أن يكون قد سيطر‬
‫على دماغه أحد من أ َ‬
‫ر هذه الفرقة اّلذين‬
‫كاب ِ ِ‬
‫نسجوا لهم ألواًنا من الساطير بأمثال تلك‬
‫الحيل نفسها على يد من سبقهم‪ .‬وهكذا‬
‫سلف بالطاعة العمياء‪.‬‬
‫بالتسلسل خضع الخلف لل ّ‬
‫واعتقد اللحقون بالسابقين ما يعتقد النصارى‬
‫في رهبانهم أّنهم ينوبون عن الله في مغفرة‬
‫ن شيوخهم‬
‫الثام‪ .‬بل ازدادوا على النصارى أ ّ‬
‫يتصرفون في ملك الله وملكوته وكتابه وكلمه‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫ن هذه العقيدة تنبت في قلب ك ّ‬
‫ل نقشبندي‬
‫إ ّ‬
‫نحو شيخه وتتحول إلى إيمان راسخ ل يشوبه‬
‫م ول ش ّ‬
‫ك‪ .‬ولهذا ل يستغرب ما يأمره به‬
‫و ْ‬
‫ه ٌ‬
‫َ‬
‫شيخه إطل ً‬
‫قا ولو استبدل دينه ك ّ‬
‫ل يوم بدين‬
‫جديد!‬
‫***‬

‫وا َ َ‬
‫ي‬
‫* الختم ال ُ‬
‫خ َ‬
‫جگان ِ ّ‬
‫وكذلك من طقوس هذه الطائفة أّنهم يقيمون‬
‫مونها « َ‬
‫ة سري ّ ً‬
‫حلق ً‬
‫ة في أوقات معّينة يس ّ‬
‫خت ْم ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن»‪- :‬كما يترجمها‬
‫ن» وكلمة « ُ‬
‫ُ‬
‫جگا ْ‬
‫جگا ْ‬
‫وا َ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ع َ‬
‫ه»‬
‫ي لـ « ُ‬
‫ر ِ‬
‫وا َ‬
‫م ٌ‬
‫ي‪َ « -‬‬
‫ج ْ‬
‫ج ْ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬
‫خ َ‬
‫س ّ‬
‫فا ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫ها‬
‫م أل ِ ٍ‬
‫ي بِ َ‬
‫وإن ّ َ‬
‫و ثُ ّ‬
‫و‪َ ،‬‬
‫وا ُ‬
‫قَرأ ال ْ َ‬
‫ف‪َ .‬‬
‫بِ َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫وا ٍ‬
‫‪166‬‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫عَنى ال ّ‬
‫خ»‬
‫وال ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫خوا َ‬
‫م ّ‬
‫ه بِ َ‬
‫ج ْ‬
‫خيم ِ ال ْ َ‬
‫د‪َ .‬‬
‫شي ْ ِ‬
‫وأما رأيهم واعتقادهم المتعّلقان بهذه الحفلة‬
‫وآدابها على لسانهم‪ ،‬فيقول في ذلك عبد‬
‫ن لهذا الختم‬
‫ي «اعلم أ ّ‬
‫المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ول أ ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫ن ل يحضر فيه أ ْ‬
‫المبارك شرطين‪ :‬ال ّ‬
‫خ ّ‬
‫ل‬
‫ي‪ ،‬ليس داخل ً في طريقتنا ل ِئ َل ّ ي ُ ِ‬
‫ول أجنب ّ‬
‫نِ َ‬
‫ن يغلق الباب‪ .‬وله آدابها‪ .‬منها‬
‫ه‪ .‬الثاني‪ :‬أ ْ‬
‫م ُ‬
‫ظا َ‬
‫سا وعشرين‬
‫تغميض العينين؛ والستغفار خم ً‬
‫ة؛ والجلوس متوّر ً‬
‫كا عكس توّرك الصلة كما‬
‫مر ً‬
‫دم؛ وملحظة الرابطة الشريفة التي بيانها‪.‬‬
‫تق ّ‬
‫وأركانه قراءة الفاتحة سبع مرات؛ ثم الصلة‬
‫ي مائة مرة؛ ثم قراءة «ألم نشرح»‬
‫على النب ّ‬
‫ة؛ ثم سورة الخلص ألف مرة‬
‫عا وسبعين مر ً‬
‫تس ً‬
‫ضا؛ ثم يهدي ثواب ذلك‬
‫وواحدة؛ ثم الفاتحة أي ً‬
‫إلى صحيفة النبي ‪ ‬وإلى آله وأصحابه والولياء‬
‫‪167‬‬
‫والمشائخ الكرام»‬
‫‪166‬‬
‫‪167‬‬

‫المصدر السابق ص‪.520 /‬‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية ص‪/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪15‬‬

‫‪131‬‬

‫كذلك ورد مثل هذا الكلم في بعض وريقاتٍ‬
‫من عاشوا بعد خالد‬
‫مت َأ َ ّ‬
‫ري هذه الطائفة م ّ‬
‫لِ ُ‬
‫خ ِ‬
‫ي فاقتبس بعضهم من بعض كما يبدو‪.‬‬
‫البغداد ّ‬
‫ويستدّلون على شرعية هذه الحفلة بحديث كما‬
‫مر في باب الرابطة‪.‬‬
‫ن حقيقة هذه الحفلة ليست كما يشرحها‬
‫إل ّ أ ّ‬
‫النقشبندّيون في مثل ما سجلناه آنفا من‬
‫عباراتهم‪ .‬بل هي شكل من تقاليد الباطنّية‪،‬‬
‫ت بظاهرها في حدود هذا الرمز‪ .‬إذ من‬
‫بَ ِ‬
‫قي َ ْ‬
‫‪168‬‬
‫أن إغل َ‬
‫ة‬
‫قهم للباب‬
‫ّ‬
‫الواضح البّين‬
‫عاد ٌ‬
‫استورثوها من قدمائهم من رؤوس الباطنية‬
‫اّلذين كانوا يقومون بعقد اجتماعات سرّية‬
‫لضرب المسلمين وإفساد عقيدتهم‪ ،‬وهدم‬
‫دولتهم ولكّنهم وضعوا لها آداًبا من الذكر‬
‫والتلوة والصلوات‪ ،‬تقّية وحذًرا من أن تفتضح‬
‫ة قد تقوم بها سلطات‬
‫أسرارهم إثر مداهم ٍ‬
‫ن اختفت المقاصد مع‬
‫المسلمين‪ .‬ثم شاء الله أ ْ‬
‫الزمان‪ ،‬وبقيت الداب على هيئتها بعد أن‬
‫تعرضت الطريقة النقشبندّية لستحالت‬
‫وتغّيرات عديدة على حسب اتجاه الروحانيّين‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ة الطريقة‪ ،‬وهم من‬
‫م ُ‬
‫ز ّ‬
‫الذين آلت إليهم أخيرا أ ِ‬
‫أهل التق ّ‬
‫شف والعزلة والرهبنة‪ .‬يجهلون ما مّرت‬
‫دلت‪.‬‬
‫بها طريقتهم َ‬
‫ن التب ّ‬
‫عب َْر القرون من ألوا ِ‬
‫دعي‬
‫دي بهم حّتى ي ّ‬
‫إّنما هذا الجهل هو اّلذي يؤ ّ‬
‫ن عقائدهم وعاداتهم‬
‫المعاصرون من أئمتهم‪ ،‬أ ّ‬
‫وحفلتهم متواترة من لدن رسول الله ‪ ،‬وهم‬
‫ن طريقتهم تتمّيز عن‬
‫غافلون بذلك عن أ ّ‬
‫ها‪.‬‬
‫السلم حّتى ب ِل ُ َ‬
‫غت ِ َ‬
‫ي في مقالته السابقة آن ً‬
‫ن كلمة‬
‫فا أ ّ‬
‫يذكر الكرد ّ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫«خواجه» فارسّية‪ .‬وهذا ي ُن ِب ِئ َُنا مرةً أخرى بأ ّ‬
‫صة في مناسكها‪،‬‬
‫للفرقة النقشبندّية ل ُ َ‬
‫غت ُ َ‬
‫ها الخا ّ‬
‫‪168‬‬

‫راجع الهامش رقم‪.89/‬‬

‫‪132‬‬

‫ما للمسلمين‬
‫ودعائها‪ ،‬وطقو ِ‬
‫سها‪ ...‬تختلف ع ّ‬
‫سب َ َ‬
‫ت الشارة إليها في بداية الفصل‬
‫ق ْ‬
‫كما َ‬
‫الثاني‪ .‬إذ يعترف بهذه الحقيقة كثير من‬
‫ي‪،‬‬
‫رجالهم‪ .‬ومنهم مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ص‬
‫ل خا ّ‬
‫يتطّرق إلى هذه المسألة في فص ٍ‬
‫فيقول‪:‬‬
‫ن للقوم مصطلحات لبدّ لسالكي طريقتهم‬
‫«إ ّ‬
‫ل بمضمونها‪ .‬ولما‬
‫من ضبطها ومعرفتها والعم ِ‬
‫كانت هذه الطريقة الشريفة قد ظهرت في بلد‬
‫«ما وراء النهر» واشتهرت فيها‪ ،‬وكان أعّزة تلك‬
‫البلد يتكّلمون بالفارسّية جرى أكثر تلك‬
‫المصطلحات على لسانهم بتلك الّلغة» ‪.‬‬
‫***‬

‫* المصطلحات الفارسّية في الطريقة‬
‫النقشبندّية وأسرارها‪.‬‬
‫ي في سرد هذه المصطلحات‬
‫ثم يشرع الخان ّ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ة بالّلغة الفارسّية‪ ،‬وهي‬
‫م ْ‬
‫ة والموضوع ِ‬
‫ق ِ‬
‫ال ُ‬
‫ى طريقتهم‪ .‬وقبل أن ندخل في بيان‬
‫مبن َ‬
‫المقاصد الحقيقية للنقشبندّيين من هذه‬
‫ء ما أكّنه صناديدُ الطائفة‬
‫المصطلحات‪ ،‬وإفشا ِ‬
‫ض‪ ،‬وما يترّبصون من وراء‬
‫في بطونهم من أغرا ٍ‬
‫صة‪ ،‬يجب أن نؤ ّ‬
‫ع ما‬
‫كد على أ ّ‬
‫ن جمي َ‬
‫الرابطة خا ّ‬
‫أحدثه النقشبندّيون باسم الذكر وما أقّروه من‬
‫ب وشرائ َ‬
‫ك‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫ط في ال ّ‬
‫أوراٍد وآدا ٍ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ي‪ ،‬كّلها تختلف اختل ً‬
‫فا كبيًرا عن أذكار‬
‫الّرو َ‬
‫حان ِ ّ‬
‫ي ‪ ،‬ونوافله الشريفة ومناسكه الطّيبة‬
‫النب ّ‬
‫ل‬
‫ر ِ‬
‫الطاهرة‪ .‬إذ لم يكن بين دعائ ِ ِ‬
‫ه وأشكا ِ‬
‫ه وأذكا ِ‬
‫ه النقشبندّية من‬
‫ما ا ْ‬
‫د ِ‬
‫عب ّ ِ‬
‫تَ َ‬
‫ختلقت ُ‬
‫م ّ‬
‫ه شيءٌ ّ‬
‫َ‬
‫جگان ِّية‪ ،‬والستمداِد من‬
‫الرابطة‪ ،‬والختم ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫أرواح الموتى وأمثاِلها‪ .‬وإّنما حياته الروحية ‪‬‬

‫‪133‬‬

‫مشرقة‪ ،‬واضحة‪ ،‬وبّينة؛ كحياته في أمور دنياه‪،‬‬
‫مضبوطة في كتب الرجال بروايات الثقاة‪،‬‬
‫عب َْر الجيال بين المسلمين‪.‬‬
‫ومتواترة َ‬
‫ب «الذكار» للمام‬
‫على سبيل المثال فان كتا َ‬
‫الجليل محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف‬
‫ت من أزاهير دعائه‬
‫الدين النووي‪ ،‬حافل ٌ‬
‫ة بباقا ٍ‬
‫ه‬
‫ه ومناسك ِ‬
‫ة ونوافل ِ‬
‫ة وأذكاره العاطر ِ‬
‫الطّيب ِ‬
‫ة مع روح القرآن الكريم‪.‬‬
‫ة المنسجم ِ‬
‫الشريف ِ‬
‫فإننا ل نجد في هذا الكتاب القّيم ول فيما سبقه‬
‫كـ« عمل اليوم والليلة» للمام أبي عبد الرحمن‬
‫سائي وكتاب «عمل اليوم والليلة» للمام أبي‬
‫الن ّ‬
‫مد بن إسحاق السني‪ .‬ل نجد‬
‫بكر أحمد بن مح ّ‬
‫في هذه المصادر شيًئا اسمه الرابطة‪ .‬ول نجد‬
‫فيها ما تفعله الفرقة النقشبندّية من الحفلت‬
‫ج َ‬
‫گان ِّية»‬
‫السرية المعروفة بينهم بـ «الختم ال ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫ول ما تعتقده من «الستمداد بالروحانية»‬
‫و«الستغاثة بالموتى» والتعّبد على أسلوب‬
‫الهنادك بالتق ّ‬
‫شف والرهبنة‪ .‬فحاشا لرسول الله‬
‫ما كان يعمله رهبان‬
‫م ّ‬
‫‪ ‬أن يكون قد عمل شيّئا ّ‬
‫المجوس والنصارى من أشكال العبادات‬
‫والنسك‪.‬‬

‫* مباني الطريقة النقشبندّية‪.‬‬
‫ن الطريقة‬
‫ن كثًيرا من الناس يعتقدون أ ّ‬
‫إ ّ‬
‫ة»‬
‫سن ّي ّ َ‬
‫سن ّي ّ ٌ‬
‫ة؛ ولكن «ال ّ‬
‫النقشبندّية طريقة ُ‬
‫ض الكلمّيين‬
‫المعروفة والمنتشَرة اّلتي جعل بع ُ‬
‫ي‬
‫منها مصطل ً‬
‫حا أطلقوه على السواد السلم ّ‬
‫دعي‬
‫العظم ليمّيزوه عن بقّية الفرق اّلتي ت ّ‬
‫سها ل‬
‫السلم؛ نعم هذه السّنية التقليدّية نف ّ‬
‫سّنة في الحقيقة‪ ،‬ول توافق السلم‬
‫تمّثل ال ّ‬
‫الخالص؛ بل تختلف عنه بكثير من جوانبها؛‬
‫ن‬
‫سّنة‪ ،‬فضل ً عن أ ّ‬
‫وتتضارب مع روح الكتاب وال ّ‬

‫‪134‬‬

‫بين الطريقة النقشبندّية والسلم مقارعة‬
‫مت أدنى مقارنة‬
‫شديدة تتراءى بوضوح إذا ما ت ّ‬
‫بينهما‪.‬‬
‫أن بعض الروحانّيين قد أصّروا‬
‫ّ‬
‫هذا بالرغم من‬
‫ن الطريقة النقشبندّية هي السلم نفسه‪،‬‬
‫على أ ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫وفي هذا يقول مح ّ‬
‫مد بن عبد لله الخان ّ‬
‫«اعلم أّيها الطالب لمعرفة الله تعال ‪ -‬و ّ‬
‫فقنا‬
‫ن معت َ‬
‫دس‬
‫الله وإياك ‪ -‬أ ّ‬
‫قدَ سادات َِنا النقشبندّية ق ّ‬
‫الله أسرارهم الزكّية‪ ،‬هو معت َ‬
‫سّنة‬
‫قدُ أهل ال ّ‬
‫والجماعة‪ .‬ومبنى طريقتهم على حفظ أحكام‬
‫هرة» ‪ 169‬بينما هذه الكلمات عيُنها‬
‫الشريعة المط ّ‬
‫دعيه بأشدّ ما‬
‫ق بها‪ ،‬وتفضحه فيما ي ّ‬
‫ت ُك َذّ ُ‬
‫ب الناط َ‬
‫يقوم الدليل على صاحبه‪ .‬ذلك إّنه قد أتى بصيغة‬
‫دس الله‬
‫غريبة من الدعاء في عباراته‪ .‬وهي «ق ّ‬
‫ء يبرهن‬
‫أسرارهم» إذ ل نعثر على أدنى شي ٍ‬
‫ن رسو َ‬
‫دا من أصحابه قد‬
‫على أ ّ‬
‫ل الله ‪ ،‬أو أح ً‬
‫نطق بمثل هذه الصيغة في دعائه‪ .‬بل هذا من‬
‫أسلوب الغلة والباطنية‪ .‬فإّنهم يع ّ‬
‫ظمون‬
‫مشائخهم‪ .‬وربما تكون هذه العادة قد شاعت‬
‫ن‬
‫صتهم مع الزمان بتأثير النصارى‪ .‬ل ّ‬
‫بين خا ّ‬
‫دسون رهبانهم ويصفونهم‬
‫المسيحّيين يق ّ‬
‫بالقداسة‪.‬‬
‫وما أد ّ‬
‫ن الطريقة النقشبندّية تتعارض‬
‫ل على أ ّ‬
‫م َ‬
‫مع السلم بك ّ‬
‫ماِتها ومفاهيمها؛ من‬
‫و َ‬
‫ل ُ‬
‫ق ّ‬
‫اعترافاتهم اّلتي تتمّثل في ك ّ‬
‫جلوها‬
‫ل كلمة س ّ‬
‫على سبيل التعريف والتوضيح لمصطلحاتهم‪.‬‬
‫منها مثل ً قول بعضهم‪« :‬ومبنى هذه الطريقة‬
‫العلّية على العمل بإحدى عشرة كلمة فارسّية‪:‬‬
‫ثمانية منها مأثورة عن حضرة الشيخ عبد الخالق‬
‫م‪ ،‬ن َظَْر ب َْر َ‬
‫م‪،‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫ي‪ .‬وهي‪ُ :‬‬
‫غ ْ‬
‫قدَ ْ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫‪169‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ 3 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫‪135‬‬

‫َ‬
‫س َ‬
‫د‪َ ،‬باْز‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ن‪َ ،‬يادْ ك َْر ْ‬
‫ت دَْرأن ْ ُ‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وط َ ْ‬
‫ج َ‬
‫خل ْ َ‬
‫فْر دَْر َ‬
‫‪170‬‬
‫َ‬
‫دا ْ‬
‫دا ْ‬
‫كَ ْ‬
‫ت»‬
‫ت‪َ ،‬يادْ َ‬
‫ت‪ ،‬ن ِكاهْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن مبادئ‬
‫متهم أ ّ‬
‫نعم هكذا يظهر بإقرار أئ ّ‬
‫طريقتهم كانت في البداية ثمانية‪ .‬ثم أضاف إليه‬
‫ة أخرى فصار‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫ي ثلث ً‬
‫خار ّ‬
‫مح ّ‬
‫حا‪ .‬وهي تركيبات‬
‫بعدها أحد عشر مصطل ً‬
‫ضرورة‪.‬‬
‫فارسّية‪ ،‬فيها أجزاء عربّية لل ّ‬
‫فقد ذكر بعضهم هذه المصطلحات على غير‬
‫الترتيب اّلذي جاء في تنوير القلوب‪ ،‬ومنهم‬
‫ي وحفيده عبد المجيد بن‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد لله الخان ّ‬
‫ي؛ ولكن ترتيب الحفيد‬
‫مد بن مح ّ‬
‫مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ده‪ .‬إذ أورد‬
‫أي ً‬
‫ما لترتيب ج ّ‬
‫ضا لم يأت موافقا تما ً‬
‫الحفيد كلمة «ن َظَْر ب َْر َ‬
‫دم» في المرتبة الرابعة؛‬
‫ق َ‬
‫م» في المرتبة الخامسة في تعداد‬
‫و« ُ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫المصطلحات المذكورة‪ .‬بينما كان جده قد جعل‬
‫م» هي الرابعة‪ .‬و«ن َظَْر ب َْر َ‬
‫م» هي‬
‫« ُ‬
‫قدَ ْ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫‪171‬‬
‫الخامسة‪.‬‬
‫ول نقصد الستدلل بهذا الخلف البسيط علي‬
‫ل‬
‫بطلن دعواهم ما دام كّلهم يّتفقون في أص ٍ‬
‫ت طريقتهم على أساسه‪ .‬كما تظهر‬
‫ل ب ُن ِي َ ْ‬
‫باط ٍ‬
‫هذه الحقيقة إلى العيان بوضوح بعد استكشاف‬
‫المقاصد البعيدة اّلتي أكّنها قدماء الطائفة في‬
‫ي شروحهم لهذه المصطلحات‪.‬‬
‫ط ّ‬
‫‪170‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .507-506 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫ورد تعداد هذه المباني الحد عشر في المصادر التالية من كتبهم بما فيها المصدر السابق‪:‬‬
‫* علي بن الحسين الواعظ‪ ،‬رشحات عين الحيات ص‪41-32 /‬؛‬

‫*‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ 54-50 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ؛‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪117-112 /‬؛‬
‫مد بن مح ّ‬
‫*عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫‪Dr. İrfan Gündüz, Ahmed Zıyâüddîn, Hayatı ve Eserleri. Pg. 234-236 Seha Publishing Istanbul-1984‬‬
‫‪Dr. Selcuk Eraydin, Tasavvuf ve Tarikatlar, Pg. 376-380. Istanbul-1994‬‬
‫‪Faruk Meyan, Sah-i Naksibend Pg. 69-78 Cile Publishing Istanbul‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة‪ :‬رحمي سرين( ص‪ .93-77 /‬إسطنبول‪1994-‬م‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .52-50 /‬طبعة مصر ‪-‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.117-112 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫‪1319‬هـ‪.‬؛ عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪136‬‬

‫***‬
‫ي في شرح هذه المصطلحات‪:‬‬
‫يقول الكرد ّ‬
‫م»‪ :‬فمعناه حف ُ‬
‫ظ الن ّ َ‬
‫س عن‬
‫ما « ُ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫«أ ّ‬
‫هو ْ‬
‫ف ِ‬
‫ن قلبه‬
‫الغفلة عند دخوله وخروجه وبينهما‪ .‬ليكو َ‬
‫ل نَ َ‬
‫نك ّ‬
‫س‬
‫حاضًرا مع الله في جميع النفاس‪ .‬ل َ ّ‬
‫ف ٍ‬
‫ي موصول‪ .‬وك ّ‬
‫ل‬
‫يدخل ويخرج بالحضور فهو ح ّ‬
‫نَ َ‬
‫س يدخل ويخرج بالغفلة فهو مّيت مقطوع‬
‫ف‬
‫ٍ‬
‫‪172‬‬
‫عن الله»‬
‫لقد يبدو من ظاهر هذه الكلمات أّنها موافقة‬
‫ث على‬
‫للحق في الوهلة الولى؛ إذ فيها ح ّ‬
‫د‬
‫صحوة القلب‪ ،‬ونكير على الغفلة إلى ح ّ‬
‫يستطيبه المؤمن‪ .‬ولكن بعد إمعان الفكر في‬
‫شكل هذا التركيب وأسلوب تفسيره‪ ،‬ل يخفى‬
‫ن هذه الصيغة‬
‫على العالم الماهر بروح الكلمات أ ّ‬
‫ة في ثنايا‬
‫سْتها الزنادق ُ‬
‫ئ عن ضلل ٍ‬
‫ماكرةٌ ت ُْنب ُ‬
‫تد ّ‬
‫ت من عقائد‬
‫تلك اللفاظ‪ ،‬مع احتفاظها بمخّلفا ٍ‬
‫ة والبوذية‪ .‬والحال هذه‪ ،‬فقد أنذرنا الله‬
‫البراهم ِ‬
‫تعالى عن الغفلة بأشدّ وأبلغ ما يّتعظ به‬
‫س َ‬
‫واذْك ُْر َرب ّ َ‬
‫ي نَ ْ‬
‫ك‬
‫ف ِ‬
‫النسان‪ ،‬فقال سبحانه‪َ } :‬‬
‫كف ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وخي ِ َ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ضّر ً‬
‫ف ً‬
‫تَ َ‬
‫ر ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ج ْ‬
‫م َ‬
‫غدُ ّ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ة َ‬
‫عا َ‬
‫ِ‬
‫‪173‬‬
‫ْ‬
‫كما نهانا‬
‫ن{‬
‫ن ال َ‬
‫غا ِ‬
‫ن ِ‬
‫فِلي َ‬
‫م َ‬
‫ول َ ت َك ُ ْ‬
‫وْال َ‬
‫ل َ‬
‫ص ِ‬
‫َ‬
‫سبحانه عن طاعة صاحب القلب الغافل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫فل َْنا َ‬
‫غ َ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫وات ّب َ َ‬
‫ول َ ت ُطِ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫وا ُ‬
‫قل ْب َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫رَنا َ‬
‫} َ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫َ‬
‫‪174‬‬
‫ً‬
‫و َ‬
‫مُرهُ ُ‬
‫وفي مواطن أخرى كثيرة‬
‫فُرطا‪{.‬‬
‫كا َ‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫من كتاب الله ورد التشنيع بالغافلين‪ ،‬مما يؤكدّ‬
‫ن بالقرآن‪ ،‬والمحظو َ‬
‫ظ بمعرفة معانيه‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ن المؤم َ‬
‫ب على تلوته‪ ،‬والمستنيَر بهديه‪ ،‬لن‬
‫والمواظ َ‬
‫م»‪ ،‬ليكون حاضر‬
‫يفتقر إلى كلمة « ُ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫‪172‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .506 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪173‬‬

‫سورة العراف‪.205/‬‬

‫‪174‬‬

‫سورة الكهف‪.28/‬‬

‫‪137‬‬

‫القلب مع الله؛ ولن يلتفت إلى هذه الكلمة اّلتي‬
‫ظاهرها خير من باطنها لسباب‪:‬‬
‫ن واضع هذا المصطلح )حسب إسنادهم(‬
‫منها‪ :‬أ ّ‬
‫ة عن‬
‫ت المّ ُ‬
‫ليس من علماء المسلمين اّلذين أعلن ْ‬
‫مة الربعة المجتهدين ومن جاء‬
‫ثقتها بهم‪ .‬كالئ ّ‬
‫خرين؛ من‬
‫دمين والمتأ ّ‬
‫ِ‬
‫ن بعدهم من المتق ّ‬
‫م ْ‬
‫ي‪ ،‬ومسلم بن‬
‫مد بن إسماعيل الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫أمثال مح ّ‬
‫ي‪ ،‬ومحمد بن الطيب‬
‫ي النيسابور ّ‬
‫الحجاج القشير ّ‬
‫ي وغيرهم رحمة الله‬
‫ي‪ ،‬والمام النوو ّ‬
‫الباقلن ّ‬
‫خاَرى‬
‫عليهم أجمعين؛ بل كان صوفّيا مات في ب ُ َ‬
‫ةل‬
‫ة خيالي ّ ً‬
‫عام ‪ 575‬من الهجرة‪ .‬وقد يكون شخصي ّ ً‬
‫ة لوجوده‪.‬‬
‫حقيق َ‬
‫ومن هذه السباب‪ :‬النحراف عن مسلك السلف‬
‫ن جميع العلماء سواءً‬
‫الصالح في الصول‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫ّ‬
‫دثين‪ ،‬حّتى المدلسين‬
‫الفقهاءَ منهم والمح ّ‬
‫ع‬
‫والز ّ‬
‫هاد والمعاصرين لهم‪ ،‬لم يختاروا وض َ‬
‫مصطلحاِتهم إل ّ بالّلغة العربّية‪ ،‬بخلف‬
‫دعون السير علي نهجهم‪.‬‬
‫النقشبندّيين اّلذين ي ّ‬
‫ي مث ً‬
‫ه‬
‫فالقشير ُّ‬
‫ل‪ ،‬مع أ ّ‬
‫ن الطائفة النقشبندّية ت َ ُ‬
‫عدّ ُ‬
‫من كبار الصوفّية وتبالغ في تعظيمه‪ ،‬وتستقي‬
‫من آثاره في كثير من المناسبات‪ ،‬نعم هذا‬
‫ي لم نعثر على شئ في رسالته من هذه‬
‫القشير ّ‬
‫المصطلحات الفارسّية الغريبة‪ .‬فقد ورد في‬
‫رسالته الشهيرة من شّتى مصطلحات الصوفّية‬
‫كالقبض‪ ،‬والبسط‪ ،‬والجمع‪ ،‬والفرق‪ ،‬والفناء‪،‬‬
‫والبقاء‪ ،‬والغيبة‪ ،‬والحضور‪ ،‬والصحو‪ ،‬والسكر‪،‬‬
‫سّر والّتجّلي‪ ،‬والمحاضرة‬
‫والذوق‪ ،‬والشرب‪ ،‬وال ّ‬
‫والمكاشفة والمشاهدة‪ ،‬ولّلوائح‪ ،‬والطوالع‪،‬‬
‫والّلوامع‪ ،‬والمجاهدة‪ ،‬والخلوة‪ ،‬والعزلة‪،‬‬
‫وة‪ ،‬والولية‪ ،‬والمعرفة‪ ،‬والمحّبة‪ ،‬والشوق‬
‫والفت ّ‬
‫وغيرها مما يضيق المكان عن استيعابها‪ ،‬ولكن‬
‫دا من تلك اّلتي‬
‫حا واح ً‬
‫ل نجد فيها حّتى مصطل ً‬

‫‪138‬‬

‫م‪،‬‬
‫وضعتها زنادقة العجم كقولهم‪ُ « :‬‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫س َ‬
‫ن َظَْر ب َْر َ‬
‫ت‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫و ْ‬
‫قدَ ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫وط َ ْ‬
‫خل ْ َ‬
‫فْر دَْر َ‬
‫َ‬
‫ن‪...‬إلخ‪».‬‬
‫دَْرأن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫ش ّ‬
‫وكذلك من السباب المثيرة لل ّ‬
‫ك فيما يحتويه‬
‫م»‪ ،‬بل وما تبدو من علمات‬
‫مصطلح « ُ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫هو ْ‬
‫الخطورة فيما ي ُ ْ‬
‫صدُ من هذا التركيب‪ ،‬أّنه رمز‬
‫ق َ‬
‫لمرحلة من مراحل الرياضة النفسية والوجدانّية‬
‫على طريقة المجوس البرهمية والبوذية؛ يقتنع‬
‫السالك بعد كمال هذه الرياضة بالتحاد‪ ،‬وينسلخ‬
‫ة بعد‬
‫ما كما ستبدو هذه الحقيق ُ‬
‫من التوحيد تما ً‬
‫دراسة البقّية من هذه المصطلحات‪ ،‬وإظهار ما‬
‫تتواري خلفها من أغراض مدسوسة‪.‬‬
‫صة‬
‫أ ّ‬
‫ما خلصة ما ُيقصد من هذه الرياضة الخا ّ‬
‫نك ّ‬
‫ف(‪ ،‬فما‬
‫)وإ ْ‬
‫دوها بعن ٍ‬
‫ذبها النقشبندّيون ور ّ‬
‫ل حّتى‬
‫هي في الحقيقة إل ّ محاولةٌ لتمهي ِ‬
‫د السبي ِ‬
‫قّر السال ُ‬
‫ن‬
‫يَ ِ‬
‫س ِ‬
‫ك في نف ِ‬
‫ه عند نهاية المطاف‪ :‬أ ّ‬
‫ل فيه‪ ،‬أو هو ح ّ‬
‫الله قد ح ّ‬
‫ما‬
‫ل في الله ‪-‬سبحانه ع ّ‬
‫دمة لعقيدة‬
‫يصفه الفاسقون‪ -‬وذلك ليس إل ّ مق ّ‬
‫ة إدماج‬
‫وحدة الوجود كما يبرهن على هذه الخطّ ِ‬
‫ظ‬
‫ج من ألفا ٍ‬
‫الباطل في قلب الحق ضم َ‬
‫ن مزي ٍ‬
‫رق ّ‬
‫ل‬
‫وارد ٍ‬
‫ة في شرح هذا المصطلح بأسلو ٍ‬
‫ب ماك ٍ‬
‫ة فيها‪ ،‬وهي‬
‫من ينتبه إلى الخطورة الكامن ِ‬
‫عقيدة «الفناء في الله»‬
‫إ ً‬
‫ي من‬
‫ذا فلنعد مرةً أخرى إلى ما س ّ‬
‫جله الكرد ّ‬
‫صا لما نتو ّ‬
‫قع فيه من‬
‫ر لهذا المصطلح تمحي ً‬
‫تفسي ٍ‬
‫مقاصد خفية تتعارض مع ظاهره‪.‬‬
‫ي‪« ،‬فمعناه‪ :‬حف ُ‬
‫ظ الن ّ َ‬
‫س عن‬
‫يقول الكرد ّ‬
‫ف ِ‬
‫ه‬
‫الغفلة عند دخوله وخروجه وبينهما‪ ،‬ليكون قلب ُ ُ‬
‫حاضًرا مع الله‪».‬‬

‫‪139‬‬

‫ح ّ‬
‫ن الغفلة عن الله مقبوحة‪ ،‬وقد سبقت‬
‫قا‪ ،‬إ ّ‬
‫الشارة إليها آن ً‬
‫فا بشهادة اليات البّينات من‬
‫كتاب الله عّز وج ّ‬
‫ل؛ ولكن الجتناب عنها‪ ،‬هل‬
‫ينبغي أن يكون بهذه الطريقة‪ ،‬أم للسلم في‬
‫صة؟‬
‫ذلك طريقته الخا ّ‬
‫فإذا طلبنا الجواب عن هذا السؤال وجدناه‬
‫ة في مواطن كثيرة من كتاب الله‬
‫ة وجزال ٍ‬
‫بصراح ٍ‬
‫العزيز‪.‬‬
‫منها على سبيل المثال قوله تعالى } َ‬
‫ى‬
‫فان ْظُْر ِإل َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه ك َي ْ َ‬
‫ة الل ِ‬
‫م ِ‬
‫ها؛ إ ّ‬
‫ض بَ ْ‬
‫ف يُ ْ‬
‫ر َر ْ‬
‫وت ِ َ‬
‫عدَ َ‬
‫ح َ‬
‫حِيي ا ْلْر َ‬
‫م ْ‬
‫آَثا ِ‬
‫‪175‬‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ّ‬
‫ديٌر{‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫ق ِ‬
‫م ْ‬
‫حيي ال ْ َ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ه َ‬
‫وَتى َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫قد أمر الله في هذه الية الكريمة بالنظر إلى‬
‫آثار رحمته تحذيًرا عن الغفلة‪ ،‬وترغيًبا في‬
‫ن على ذلك ليعتبر بما‬
‫حضور القلب؛ وح ّ‬
‫ث النسا َ‬
‫خلقه الله وأبدعه‪ ،‬وأّنه كيف يحيي الرض بعد‬
‫موتها بقدرته تعالى حّتى يلين قلبه‪ ،‬وتتأثر‬
‫عاطفته‪ ،‬وليثبت على إيمانه بأّنه الخالق البار ُ‬
‫ئ‬
‫ء‪.‬‬
‫ي ٌ‬
‫الواحد الفرد الصمد اّلذي ليس كمثله ش ْ‬
‫مماتها‬
‫ن الغاية من كلمة « ُ‬
‫ش دَْردَ ْ‬
‫ولك ّ‬
‫م»‪ ،‬ومت ّ‬
‫هو ْ‬
‫ليست هذه بتاًتا‪ .‬بل الغرض الحقيقي المكنون‬
‫في عمق هذه الكلمة إّنما هي ترسيخ عقيدة‬
‫«وحدة الوجود» في قلب سالك الطريقة‬
‫بترويضه من خلل تمرينات جوكية‪ .‬وهي كثيرة‬
‫ة‪ ،‬أقدمها‬
‫ت مختلف ٍ‬
‫ة بلغا ٍ‬
‫ب عديد ٍ‬
‫مشروحة في كت ٍ‬
‫ي باتانجالي )‬
‫كتاب «ال ّ‬
‫سطَْراَيات» للّراهب الهند ّ‬
‫‪ .(Patanjali‬لّنه لم يرد في كتاب الله ول في سّنة‬
‫ل نَ َ‬
‫رسوله ‪ ‬أمٌر مفروض بمراقبة ك ّ‬
‫س‪ ،‬ول‬
‫ف ٍ‬
‫ن حضور القلب مع الله موقوف على‬
‫ن فيما أ ّ‬
‫بيا ٌ‬
‫ة‬
‫مثل هذه المراقب ِ‬
‫‪175‬‬

‫سورة‬

‫الروم‪50/‬‬

‫‪140‬‬

‫وبالخلصة فمن أرهق نفسه بمقارنة آداب‬
‫النقشبندّية مع أمثالها الموجودة في الديانات‬
‫مة بينهما «وكفى‬
‫الهندية‪ ،‬وجد المطابقة التا ّ‬
‫الله المؤمنين القتال‪».‬‬
‫ما «ن َظَْر ب َْر َ‬
‫ن السالك‪ ،‬يجب‬
‫دم»‪ :‬فمعناه أ ّ‬
‫ق َ‬
‫«أ ّ‬
‫عليه أن ل ينظر في حال مشيه إل ّ إلى قدميه؛‬
‫ن النظَر إلى‬
‫ول في حال قعوده إل ّ بين يديه‪ .‬فا ّ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ه ويمنعه مما‬
‫ف ِ‬
‫سدُ عليه حال َ ُ‬
‫ش واللوا ِ‬
‫النقو ِ‬
‫ن الذاكر المبتدئ إذا تعّلق نظُره‬
‫هو بسبيله‪ .‬ل ّ‬
‫صرات اشتغل قلبه بالتفرقة الحاصلة من‬
‫بالمب َ‬
‫وته على حفظ‬
‫النظر إلى المب َ‬
‫صرات لعدم ق ّ‬
‫‪176‬‬
‫القلب‪».‬‬
‫ي أحد‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫كانت هذه ألفاظ مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫ة إلى حدّ ل يقبل‬
‫رؤوس النقشبندّية وهي واضح ٌ‬
‫ت‬
‫ن وراء هذه اللفاظ غايا ٍ‬
‫ن ِ‬
‫التأويل‪ ،‬إل ّ أ ّ‬
‫م ْ‬
‫س خطيرةً ل يتم ّ‬
‫ن كشف‬
‫مشبوه ً‬
‫كن ِ‬
‫م ْ‬
‫ة‪ ،‬ودسائ َ‬
‫ن أنار الله قلَبه بهدي القرآن‬
‫م ْ‬
‫الستار عنها إل ّ َ‬
‫ن‬
‫ن ما جاء في هذه العبارات ِ‬
‫سّنة‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫وال ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ل ينظر في حال‬
‫نصيحة المريد المبتدئ «أ ْ‬
‫مشيه إل ّ إلى قدميه ول في حال قـعوده إل ّ بين‬
‫من شيًئا مما جاء في قوله تعالى‬
‫يديه» ل يتض ّ‬
‫َ ‪177‬‬
‫وا ْ‬
‫م ْ‬
‫بل ل علقة بين‬
‫شي ِك{‬
‫ق ِ‬
‫ي َ‬
‫} َ‬
‫صدْ ف ِ‬
‫ن القصد في هذه الية الكريمة‪ ،‬هو‬
‫المرين‪ .‬إذ أ ّ‬
‫شي ِ َ‬
‫وا ْ‬
‫م ْ‬
‫ك{‪:‬‬
‫ق ِ‬
‫ي َ‬
‫القتصاد‪ .‬قال ابن كثير‪َ } :‬‬
‫صدْ ف ِ‬
‫دا ليس بالبطيء المتبّثط‪،‬‬
‫«أي امش مشًيا مقتص ً‬
‫ول بالسريع المفرط؛ بل عدل ً وس ً‬
‫طا بين بين‪».‬‬
‫ة‪ ،‬إحبا ً‬
‫مد‬
‫دمنا هذه المقارن َ‬
‫إّنما ق ّ‬
‫طا لما قد يتع ّ‬
‫ع إلى الستدلل بهذه الية الكريمة‬
‫أحدهم فيسر ُ‬
‫ق كما هو دأبهم‪.‬‬
‫لتبرير باطله بالح ّ‬
‫‪176‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .506 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪177‬‬

‫سورة لقمان‪.19/‬‬

‫‪141‬‬

‫ن هذا المصطلح ليس إل ّ‬
‫ي ِ‬
‫م ْ‬
‫أ ّ‬
‫ما الغرض الصل ّ‬
‫ئ على الخنوع والذ ّ‬
‫ل‬
‫ترويض السالك المبتد ِ‬
‫سدّ عليه أبواب اليقظة‬
‫والمسكنة؛ حّتى ي َن ْ َ‬
‫والوعي‪ ،‬فيتقّبل ك ّ‬
‫ه دون‬
‫ل ما يأمره شي ُ‬
‫خ ُ‬
‫دا مطيعا ً ل‬
‫ح في النهاية عب ً‬
‫صب ِ َ‬
‫ض؛ في ُ ْ‬
‫اعترا ٍ‬
‫ف‬
‫ن كّلفه باقتحام حرم ٍ‬
‫دا؛ وإ ْ‬
‫ة‪ ،‬أو اقترا ِ‬
‫يخالفه أب ً‬
‫ة؛ كما سبق الحديث عنه في باب آداب‬
‫جريم ٍ‬
‫المريد مع شيخه‪.‬‬
‫ن إصرار النسان على إثبات‬
‫وبجانب هذا‪ ،‬فإ ّ‬
‫ب‬
‫نظره أمامه‪ ،‬لم يرد إل ّ في الصلة‪ .‬وهو مطلو ٌ‬
‫ما في غيرهما من حالت‬
‫أي ً‬
‫ضا أثناء الدعاء‪ .‬أ ّ‬
‫ر من أمور‬
‫النسان‪ ،‬وخا ّ‬
‫صة إذا كان مشغول ً بأم ٍ‬
‫ما يكون في حال السير‬
‫دنياه فل‪ .‬ل ّ‬
‫ن النسان إ ّ‬
‫يتن ّ‬
‫ة يريد تحقيقها؛ أو‬
‫ن إلى آخر لغاي ٍ‬
‫قل من مكا ٍ‬
‫سا مع أصحابه أو شركائه أو أهله في‬
‫يكون جال ً‬
‫غالب الوقات‪ .‬و في كلتا الحاّلتين ينبغي‬
‫ة عند ك ّ‬
‫ل‬
‫ت مختلف ٍ‬
‫ت إلى جها ٍ‬
‫للنسان أ ْ‬
‫ن يلتف َ‬
‫ء؛ ليتأ ّ‬
‫كد‬
‫ة أو ضو ٍ‬
‫ت أو حرك ٍ‬
‫د‪ ،‬من صو ٍ‬
‫ث جدي ٍ‬
‫حد ٍ‬
‫ف ال ّ‬
‫ن‬
‫ما يجرى حوله؛ وليّتخذ الموق َ‬
‫لزم ِ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫ن‬
‫حيط ٍ‬
‫ة أو استعداٍد على حسب ما يقتضي‪ .‬ولك ّ‬
‫ن إثبات‬
‫اّلذي يخفى على غالبّية الناس هنا‪ ،‬أ ّ‬
‫ر إلى أقرب مكان من الرض نحو المام في‬
‫النظ ِ‬
‫حاّلتي المشي والقعود بصورة متواصلة‪ ،‬لهي‬
‫م الشروط لصلة «اليوغا» في الديانات‬
‫من أه ّ‬
‫الهندية‪ .‬وفي ذلك مقاصد‪ :‬منها ترويض النسان‬
‫على الذّلة والمسكنة‪ .‬وهما من الفضائل في‬
‫ة بوذا الحكيم‬
‫الديانة البوذّية اّلتي تستمدّ من حيا ِ‬
‫ة‬
‫‪ .Buddha‬و«ُيقال إّنه رأى وهو في التاسع ِ‬
‫فا‪ ،‬ورجل ً‬
‫ل مّرة‪ ،‬عجوًزا خر ً‬
‫و ِ‬
‫والعشرين‪ ،‬ول ّ‬
‫ضا‪ ،‬وناس ً‬
‫ح ً‬
‫ه‬
‫ل‪ ،‬وجث ّ َ‬
‫مري ً‬
‫كا متر ّ‬
‫مْيت‪ .‬فهال َت ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫مظاهر الحياة هذه اّلتي لم تقع عليها عيناه من‬
‫سك‪ .‬ولكّنه ما لبث‬
‫قبل‪ ،‬فانسلخ عن ماضيه وتن ّ‬
‫أن ا ّ‬
‫سك‬
‫طرح‪ ،‬بعد س ّ‬
‫ت سنوات‪ ،‬حياة التن ّ‬

‫‪142‬‬

‫مفضي‬
‫مل العميق ال ُ‬
‫الصارم‪ ،‬واستغرق في التأ ّ‬
‫ر‪ .‬وسرعان ما اجتمع حوله عددٌ من‬
‫إلى الت ّن َ ّ‬
‫و ِ‬
‫المريدين كانوا نواة جماعة «الرهبان‬
‫سسها»‬
‫ولين» اّلتي أ ّ‬
‫المتس ّ‬
‫ن هذه العبارات المنقولة من موسوعة المورد‬
‫إ ّ‬
‫لمنير البعلبكي‪ ،‬تدّلنا إلى طبيعة الرهبنة الهندية‬
‫ها من الهمال‪،‬‬
‫ساِلكي ِ َ‬
‫على تمام ِ حقيقِتها‪ ،‬وما ل ِ َ‬
‫مل العميق الذي يقتضي‬
‫ر‪ ،‬والتأ ّ‬
‫وإسقاط التدبي ِ‬
‫ة طوال ساعات‬
‫ة معّيـن َ ٍ‬
‫إثبات النظر على نقط ٍ‬
‫مديدة‪ ...‬وهذا لش ّ‬
‫ه‬
‫ك استخفا ٌ‬
‫ة الل ِ‬
‫ف ظاهٌر بسن ّ ِ‬
‫ول هما الذّلة‬
‫ما بأ ّ‬
‫تعالى‪ .‬عل ً‬
‫ن الرهبنة والتس ّ‬
‫والمسكنة بعينهما‪ ،‬وهما من العقوبات اّلتي أخذ‬
‫الله بها بني إسرائيل عند ما استبدلوا اّلذي هو‬
‫ت َ َ‬
‫ة‬
‫م الذل ّ ُ‬
‫و ُ‬
‫رب َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫أدنى باّلذي هو خير‪َ } .‬‬
‫ض ِ‬
‫علي ْ‪ِ178‬‬
‫وَبا ُ‬
‫ه‪{.‬‬
‫ؤا ب ِ َ‬
‫سك َن َ ُ‬
‫غ َ‬
‫ن الل ِ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ض ٍ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫هذا‪ ،‬ومن المعجزات الكامنة في هذه الية‬
‫ي قد حكم‬
‫الكريمة‪ ،‬أ ّ‬
‫ن المجتمع الهند ّ‬
‫ي‪-‬البرهم ّ‬
‫بالذات على نفسه بالذلة والمسكنة جزاءً بما‬
‫ن هذا المجتمع‬
‫وقع فيه من الشرك البواح‪ .‬ل ّ‬
‫يتمّيز من جميع أصناف المشركين في العالم‬
‫عدّ من أشد مظاهر المقاومة‬
‫بتقاليده اّلتي ت ُ َ‬
‫للفطرة النسانّية السليمة‪ .‬إذن فأولى بمن‬
‫تشّبه بهم‪ ،‬أن يأحذهم الله تعالى بنفس‬
‫العقوبة‪.‬‬
‫ن من وراء هذه‬
‫م ُ‬
‫كذلك من المقاصد اّلتي تك ُ‬
‫الرياضة الهندية المتمّثلة في إثبات النظر‪ ،‬هو‬
‫داه‪ :‬النصراف من هموم الدنيا‬
‫«التركيز»‪ .‬ومؤ ّ‬
‫قها؛ وف ً‬
‫صا من متاعبها ومشا ّ‬
‫قا‬
‫والخرة‪ ،‬تخل ّ ً‬
‫لتعاليم «بوذا الراهب اّلذي صدمته مشكلة آلم‬
‫البشرّية‪ ،‬فقّرر أن يقطع صلَته بالماضي ويبحث‬
‫‪178‬‬

‫سورة البقرة‪.61/،‬‬

‫‪143‬‬

‫مل»‪« 179‬وكان بوذا‬
‫عن الحقيقة السامية في التأ ّ‬
‫ن التخّلص‬
‫ن اللم ينجم عن الرغبة‪ .‬وأ ّ‬
‫يعتقد أ ّ‬
‫ي النبيل(‬
‫من الرغبة يأتي بانتهاج )الطريق الثمان ّ‬
‫اّلذي يتمّثل بالسيرة الحسنة‪ ،‬والفعل الحسن‪،‬‬
‫نا ‪Nirvana‬‬
‫وأّنه من الممكن نتيج ً‬
‫ة لذلك بلوغ النيْرفا َ َ‬
‫‪180‬‬
‫‪ .‬وهي حال من السعادة القصوى‪».‬‬
‫ما السعادة القصوى )أي النيْرفا ََنا( تلك اّلتي‬
‫وأ ّ‬
‫دث عنها البوذّيون ويسعون من‬
‫طالما تتح ّ‬
‫وراءها؛ إّنما هو «الفناء في الله» بعينه عند‬
‫الصوفّية‪.‬‬
‫إ ً‬
‫ح‬
‫ة جلي ّ ٍ‬
‫ذا يّتضح لنا بصور ٍ‬
‫ةأ ّ‬
‫ن مصطل َ‬
‫َ‬
‫«ن َظْرب َْر َ‬
‫م» وما يشتمل عليها من المعاني‬
‫قدَ ْ‬
‫س من البوذّية دون ش ّ‬
‫م ْ‬
‫ك‪.‬‬
‫الفلسفّية‪ ،‬هو ُ‬
‫قت َب َ ٌ‬
‫ن السلم بريءٌ من هذه الهرطقة؛ كما يبرهن‬
‫وأ ّ‬
‫ي ‪ ،‬وحياة أصحابه عليهم‬
‫على ذلك حياة النب ّ‬
‫م‬
‫الرضوان‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ن رسول الله ‪ ‬قد قام بمها ّ‬
‫وأعمال عجز العلماء والمؤّرخون عن حصرها‪.‬‬
‫ش‪ ،‬واحت ّ‬
‫س‬
‫ل منص َ‬
‫فقد قاد الجيو َ‬
‫و ِ‬
‫بأ ّ‬
‫ل رئي ٍ‬
‫للدولة السلمّية‪ ،‬وراسل الملو َ‬
‫و‪،‬‬
‫ك‪ ،‬وهادن العد ّ‬
‫ت‪ ،‬وقضى بين الناس‪،‬‬
‫وأبرم العقودَ والمعاهدا ِ‬
‫وحكم بالعقوبات‪ ،‬وأمر بتنفيذها إلى غير ذلك‬
‫من المور اّلتي تستوجب الحركة والنتباه‬
‫واللتفات إلى حيث يقتضي‪ .‬ك ّ‬
‫ل ذلك يبرهن‬
‫ن مقولة «ن َظَْرب َْر َ‬
‫ة‬
‫ة دخيل ٌ‬
‫م» بدع ٌ‬
‫على أ ّ‬
‫قدَ ْ‬

‫‪179‬‬

‫موسوعة بهجة المعرفة‪ ،‬المجموعة الثانية‪ .3/135 ،‬للطلع على أقوالهم الواردة حول مفهوم العزلة عند‬

‫النقشبندّيين راجع المصادر التالية‪:‬‬
‫ي النيسابوري‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪.54 /‬‬
‫أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشير ّ‬
‫الطبعة الثانية القاهرة ـ ‪1959‬م‪.‬‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬جامع الصول ص‪ .110 /‬ط‪ 1276 .‬هـ‪.‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫* أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫* علي قدري‪ ،‬الرسالة البهائية )ترجمة إلى الّلغة التركّية‪ :‬رحمي سرين( ص‪ .22 /‬إسطنبول‪1994 -‬م‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫المصدر السابق ص‪.136 /‬‬

‫‪144‬‬

‫استقوها من رهبان البوذّية والبرهمية‪« .‬ومن‬
‫‪181‬‬
‫تشّبه بقوم فهو منهم»‪.‬‬
‫ن»‪- ،‬وهو المبدأ الثالث لل ّ‬
‫س َ‬
‫طريقة‬
‫ما « َ‬
‫وط َ ْ‬
‫أ ّ‬
‫فْردَْر َ‬
‫ي‬
‫النقشبندّية‪ -‬فيقول مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫في تفسير هذا المصطلح‪« :‬فالمعنى المراد بها‬
‫ن يكون سفر السالك من عالم الخلق‬
‫إّنه ينبغي أ ْ‬
‫‪182‬‬
‫ق سبحانه وتعالى»‬
‫إلى جناب الح ّ‬
‫ي طري ً‬
‫قا ملتوًيا باختيار هذه‬
‫لقد سلك الخان ّ‬
‫الكلمات ليستعرض بها من فنون لباقته في‬
‫ن‬
‫التعمية‪ .‬بيد أّنه ل يعزب عن العقول النّيرة «أ ّ‬
‫السفر من عالم الخلق إلى جناب الحق» عقيدة‬
‫ن‬
‫باطلة‪« ،‬ما أنزل الله بها من سلطان»‪ .‬ل ّ‬
‫قولهـم «السفر من عالم الخلق» يعني الخروج‬
‫هر من الطبيعة المخلوقية‪،‬‬
‫والنـزوح والتط ّ‬
‫والتدّرج إلى مقام الخالقية‪ ،‬والندماج في الله!‬
‫وهذا هو المقصود بعينه من كلمتهم «الفناء في‬
‫الله»‪ .‬ولكن جاءت هذه الكلمة في صيغة جديدة‬
‫كما هو دأبهم‪.‬‬
‫ي كلمة‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫هذا وقد تناول مح ّ‬
‫س َ‬
‫ة؛‬
‫سرها بصيغة أكثر مرون ً‬
‫ن»‪ ،‬وف ّ‬
‫« َ‬
‫وط َ ْ‬
‫فْردَْر َ‬
‫ي ردّ قد يواجهون من جّراء ما‬
‫وربما تفادًيا ل ّ‬
‫ي لهذه الكلمة من عقيدة‬
‫يحتمله تفسير الخان ّ‬
‫وحدة الوجود‪ ،‬والوصول إلى الله‪ ،‬و«الفناء في‬
‫الله»‪.‬‬
‫ي «فمعناه النتقال من الصفات‬
‫فقال الكرد ّ‬
‫البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية‬
‫الفاضلة‪».‬‬

‫‪181‬‬

‫أبو داود‪-‬لباس‪ -‬رقم الحديث‪3512 :‬؛ مسند الكثيرين من الصحابى‪ ،‬رقم الحديث‪.4868 :‬‬

‫‪182‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .52 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫‪145‬‬

‫ن هذه الكلمات جاءت على خلف ما ذهب‬
‫غير أ ّ‬
‫ي؛ وهذه من تناقضات النقشبندّية‪ .‬وما‬
‫إليه الخان ّ‬
‫أكثر من تكذيب أحدهم للخر‪ .‬وهي من أعظم‬
‫الحجج القائمة عليهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ن»‪ :‬فمعناه «الخلوة في‬
‫ما « َ‬
‫ت دَْرأن ْ ُ‬
‫و ْ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫وأ ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫الجلوة» على حسب تعبيرهم‪ .‬وهو المبدأ الرابع‬
‫ي في‬
‫للطريقة النقشبندّية‪ .‬فقد راوغ الخان ّ‬
‫تفسير هذا المصطلح المشبوه‪ ،‬وتفّنن في‬
‫تحميل المعاني السامية عليه‪ .‬فقد جاء في‬
‫ول؛‬
‫مقطع من كلمه «أ ّ‬
‫ن الخلوة نوعان‪ :‬ال ّ‬
‫الخلوة من حيث الظاهر‪ .‬وهي اختلء السالك‬
‫ل عن الناس‪ ،‬وقعوده فيه؛ ليحصل‬
‫في بي ٍ‬
‫ت خا ٍ‬
‫له ال ّ‬
‫ع في عالم الملكوت‪ ،‬والشهودُ في‬
‫طل ُ‬
‫ن‬
‫س الظاهرة إ ْ‬
‫عالم الجبروت‪ .‬ل ّ‬
‫ن الحوا ّ‬
‫ة‬
‫س الباطن ُ‬
‫احتبس ْ‬
‫ت عن أحكامها؛ انطلقت الحوا ّ‬
‫ة آيات الملكوت‪ ،‬ومكاشفة أسرار‬
‫لمطالع ِ‬
‫الجبروت‪ .‬والنوع الثاني؛ الخلوة من حيث‬
‫الباطن‪ .‬وهي كون الباطن في مشاهدة أسرار‬
‫ق‪ ،‬والظاهر في معاملة الخلق بحيث ل‬
‫الح ّ‬
‫ه معاملة الظاهر عن مشاهدة الباطن‪.‬‬
‫ُتش ِ‬
‫غل ُ ُ‬
‫فيكون الكائن البائن‪ .‬وهذه هي الخلوة في‬
‫جا ٌ‬
‫ل‬
‫الحقيقة كما أشار إليه تعالى في قوله‪} :‬‬
‫ر َ‬
‫‪ِ 183‬‬
‫ْ‬
‫ه‪»{.‬‬
‫ع َ‬
‫ر الل ِ‬
‫ول َ ب َي ْ ٌ‬
‫م تِ َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫جاَرةٌ َ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫هي ِ‬
‫ل َ ت ُل ِ‬
‫هكذا استد ّ‬
‫ي في النهاية بكلم الله تعالى‬
‫ل الخان ّ‬
‫ن الية المذكورة ل علقة لها‬
‫في غير مورده‪ .‬ل ّ‬
‫إطل ً‬
‫قا «بمن يختلي في بيت خال عن الناس‬
‫ويقعد فيه ليحصل له الطلع في عالم‬
‫فل َ ي ُظْ‬
‫ه تعالى يقول‪َ } ،‬‬
‫عَلى‬
‫هُر َ‬
‫الملكوت»‪ .‬والل ُ‬
‫‪ِ 184‬‬
‫غيب َ‬
‫وقد‬
‫ل‪{.‬‬
‫ن اْرت َ َ‬
‫ضى ِ‬
‫َ ْ ِ ِ‬
‫ح ً‬
‫هأ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫دا إ ِل ّ َ‬
‫سو ٍ‬
‫مد ‪‬‬
‫ُ‬
‫خِتم ْ‬
‫ت الرسالة في جنس البشر بمح ّ‬
‫‪183‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .53 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫‪184‬‬

‫سورة الجن‪.27 ،26/‬‬

‫‪146‬‬

‫ما اّلذين أشار الله إليهم في الية المذكورة‬
‫أ ّ‬
‫ّ‬
‫س ُ‬
‫ه المكلفون‬
‫ه المناءُ على سّر ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫فإنما هم ُر ُ‬
‫ب‬
‫س ُ‬
‫بتبليغ رسالته‪ ،‬وليس أولئك الكهنة اّلذين َتن ْ ُ‬
‫ع الكرامات والخوارق‪.‬‬
‫ة أنوا َ‬
‫إليهم الصوفي ّ ُ‬
‫د»‪ :‬وهو خامس المباني‬
‫ما لفظ «َيادْك َْر ْ‬
‫وأ ّ‬
‫ي‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫للطريقة النقشبندّية‪ .‬فيقول مح ّ‬
‫في تفسيره لهذا المصطلح‪« :‬فمعناه تكرار‬
‫الذكر على الدوام‪ ،‬سواء باسم الذات أو النفي‬
‫والثبات»‪ 185‬ل ش ّ‬
‫ن ذكر الله أفضل‬
‫ك فيما أ ّ‬
‫فاذْ ُ‬
‫العمال‪ .‬وقد قال تعالى‪َ } :‬‬
‫ي‬
‫كر ُ‬
‫ون ِ‬
‫َ‬
‫‪186‬‬
‫ك َ‬
‫واذْك ُْر َرب ّ َ‬
‫كثي ًِرا‬
‫م‪{.‬‬
‫أذْك ُْرك ُ ْ‬
‫وقال تعالى‪َ } :‬‬
‫وال ِْبكاْر‪ 187{.‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ع ِ‬
‫ح ِبال ْ َ‬
‫سب ّ ْ‬
‫و َ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫ش ّ‬
‫‪188‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫وت َب َت ّ ْ‬
‫وقال‬
‫ه ت َْبتي ِل‪{.‬‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫را ْ‬
‫س َ‬
‫م َرب ّك َ‬
‫} َ‬
‫واذْك ِ‬
‫َ‬
‫‪189‬‬
‫ن ال ُ‬
‫ب‪{.‬‬
‫ر الل ِ‬
‫تعالى‪ } :‬أل َ ب ِ ِ‬
‫و ُ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ه ت َطْ َ‬
‫قل ُ‬
‫ذك ْ ْ ِ‬
‫ث على‬
‫وجاءت في القرآن الكريم آيات أخرى تح ّ‬
‫ذكر الله‪.‬‬
‫ن الغرض من الذكر في الطريقة النقشبندّية‬
‫إل ّ أ ّ‬
‫ما هو المقصود في القرآن اختل ً‬
‫فا‬
‫يختلف ع ّ‬
‫كبيًرا‪ .‬ول ي َ ْ‬
‫ن إلى هذا الختلف إل ّ من رزقه‬
‫فط َ ُ‬
‫الله المعرفة الواسعة بعقائد مجوس الهند‪،‬‬
‫دى تأثيره على الطريقة النقشبندّية في‬
‫م َ‬
‫وب ِ َ‬
‫مسألة الذكر‪.‬‬
‫ن الذكر في السلم بك ّ‬
‫ي‬
‫ل ّ‬
‫ل معناه اللغو ّ‬
‫ّ‬
‫ي‪ ،‬ليس هو الذكر الذي ي َ ْ‬
‫صدُ به‬
‫ق ُ‬
‫والصطلح ّ‬
‫َ‬
‫ن الذكر في السلم‬
‫د»‪ .‬فا ّ‬
‫ح «َيادْك َْر ْ‬
‫واض ُ‬
‫ع مصطل ِ‬
‫هو الصلة المفروضة والمسنونة‪ ،‬وتلوة‬
‫‪185‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .507 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪186‬‬

‫سورة البقرة‪.152 /‬‬

‫‪187‬‬

‫سورة البقرة‪.152 /‬‬

‫‪188‬‬

‫سورة‬

‫مل‪8/‬‬
‫مز ّ‬

‫‪189‬‬

‫سورة‬

‫الرعد‪78/‬‬

‫‪147‬‬

‫ي ‪‬؛ وقد ُيطلق‬
‫القرآن‪ ،‬والدعاء المأثور عن النب ّ‬
‫على أوراد معروفة بترديد أسمائه تعالى الواردة‬
‫في القرآن الكريم وغيرها من تسبيح وتحميد‬
‫وتهليل وتكبير وما إلى ذلك‪ .‬ولكن بالعداد اّلتي‬
‫سّنة الصحيحة‪.‬‬
‫وردت في ال ّ‬
‫فالمقصود بهذا الذكر‪ ،‬ليس إل ّ توحيد الله تبارك‬
‫وتعالى وتنـزيهه من ك ّ‬
‫ل مال يليق بشأنه‬
‫سبحانه‪ ،‬والقرار بالعبودية له وحده‪.‬‬
‫ما الذكر في الطريقة النقشبندّية بمعناه‬
‫أ ّ‬
‫الحقيقي‪ ،‬فليس هذا اّلذي عددناه‪ ،‬ول الغرض‬
‫الحقيقي هو توحيد الله أو العبودية له؛ بل‬
‫ي اّلذي ل يعرفه إل ّ الروحانّيون‬
‫المقصودُ الصل ّ‬
‫منهم‪ ،‬هو طلب «المعرفة بالله» ومحاولة‬
‫الوصول إليه‪ ،‬كما هو في الديانة البوذّية‪ .‬تعالى‬
‫ن المعتـنقين‬
‫وا كبيًرا‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫رّبنا عن ذلك عل ّ‬
‫ن الله‬
‫ي يعتقدون «أ ّ‬
‫لشعبة من هذا الدين الوثن ّ‬
‫يح ّ‬
‫ة يختارها من صور أفراد‬
‫ي صور ٍ‬
‫ل في أ ّ‬
‫هرها»‪ 190‬ولهم أوراد وأذكار‬
‫ملها ويط ّ‬
‫النسان ليك ّ‬
‫ددونها بأعداد كبيرة ت ُ َ‬
‫قدُّر باللف طلًبا لتلك‬
‫ير ّ‬
‫الغاية مع القيام بعمل التركيز على َ‬
‫ن‪.‬‬
‫ي ٍ‬
‫ش ْ‬
‫ء معي ّ ٍ‬
‫فقد ا ّ‬
‫طلع بعض رجال الدراسة والبحث على هذه‬
‫ما‬
‫الرياضة البوذّية‪-‬البرهمية‪ .‬يقول أحدهم‪« :‬أ ّ‬
‫عن ترويض نفوسهم‪ ،‬والتح ّ‬
‫كم بقواهم العقلّية‪،‬‬
‫فهم يمارسون بالضافة إلى تلك الرياضات‬
‫طر ً‬
‫قا شّتى مثل قطع العلئق والروابط‬
‫ي‪ ،‬والخلوة الطويلة في مكان مقفر‪،‬‬
‫المجتمع ّ‬
‫وحبس الشهيق في الصدر وتحديق النظر في‬
‫ء ثابت ل تبارحه العين‪ ،‬وترديد كلمة معّينة‬
‫ي ٍ‬
‫ش ْ‬
‫د‪ ،‬وحصر الذهن في موضوع معّين‬
‫على نغم واح ٍ‬
‫داه الفكر‪ ...‬إلى غير ذلك من الممارسات‬
‫ل يتع ّ‬
‫‪190‬‬

‫عبد القادر بن شيبة الحمد‪ ،‬الديان والفرق والمذاهب المعاصرة‪ ،‬ص‪.76 /‬‬

‫‪148‬‬

‫صلون بها إلى طرد كا ّ‬
‫فة‬
‫والتجارب اّلتي يتو ّ‬
‫المؤّثرات والمشاغل عن الذهان‪ ،‬وإخراج‬
‫الطاقات البدنّية والعقلّية عن وظائفها‬
‫الساسّية وتجميعها لحساب غرض واحد‪ :‬وهو‬
‫م للناس في ك ّ‬
‫ل شيء‪،‬‬
‫الخروج عن المظهر العا ّ‬
‫واختراق القوانين المألوفة للحياة الطبيعّية؛‬
‫والعجيب في أمر هؤلء السحرة اّلذين يّتبعون‬
‫تلك الرياضات البدنّية الشا ّ‬
‫قة والنتحارات‬
‫ن أحدهم يصير بعدها وكأنه‬
‫الذهنّية المتكّررة‪ ،‬أ ّ‬
‫قد تلشت فيه حدود الشياء‪ ،‬وتساوت في نظره‬
‫ب ول يكره‪ ،‬ول يعرف ول‬
‫الضداد؛ فهو ل يح ّ‬
‫ُينكر‪ ،‬ول يسّر ول يحزن‪ ،‬وهو يذهل عن نفسه‬
‫حّتى ل يشعر بما يصدر عنه من انفعالت أو‬
‫يدخل عليه من مؤّثرات؛ ولع ّ‬
‫ل بفعل ذلك تتوّلد‬
‫عنده القدرة على التيان بأعمال السحر أو‬
‫التخييل أو التنويم‪ ،‬فيراه الناس قادًرا على أن‬
‫دئ السد الغاضب بنظره‪ ،‬ويلعب النمر‬
‫يه ّ‬
‫الجائع فل يأكله‪ ،‬ويختفي عن أنظار المشاهدين‬
‫وهو في وسطهم يحادثهم ويسائلهم‪ ،‬ويقرأ‬
‫هم البسطاء أّنه‬
‫الفكار في الذهان حّتى يتو ّ‬
‫‪191‬‬
‫يرى البعيد ويعلم الغيب‪»...‬‬
‫فقد اقتبس قدماء النقشبندّية هذه الظاهرة من‬
‫ملوها‬
‫مصوها مصطلح «َيادْك َْر ْ‬
‫د» وح ّ‬
‫البوذّية‪ ،‬وق ّ‬
‫معنى الذكر‪ ،‬وجعلوها ركًنا من أركان طريقتهم‪.‬‬
‫لذا يستحيل على الجهلة بطبائع الديان منهم أن‬
‫ة الشيوخ‬
‫ص ً‬
‫يكتشفوا سّر هذا القتباس‪ ،‬وخا ّ‬
‫المعاصرين من التراك والكراد لهذه الطائفة‬
‫ن‬
‫أغلبهم جهلة ل ثقافة لهم‪ ،‬فل يتأّتى لحدهم أ ْ‬
‫يقارن بين الديان والمعتقدات‪ ،‬فيكشف ما‬
‫تسّرب من بعضها إلى بعض‪ ،‬وما طغى بعضها‬
‫ة وأشكال‬
‫ت متباين ٍ‬
‫على بعض‪ ،‬تجّلى بمعتقدا ٍ‬
‫مختلفة عبر القرون‪ .‬ومع ذلك ل ُيفّرق شيوخهم‬
‫‪191‬‬

‫سميح عاطف الزين‪ ،‬الصوفّية في نظر السلم‪ ،‬ص‪.155 /‬‬

‫‪149‬‬

‫ول‬
‫بين «العبادة لله» و«المعرفة بالله»‪ .‬بينما ال ّ‬
‫ن‬
‫منهما‪ ،‬هو مراد الل ِ‬
‫ه اّلذي خلق النس والج ّ‬
‫صل‬
‫لجله‪ .‬أ ّ‬
‫ما الثاني فهو مستحيل بمعنى التو ّ‬
‫إلى المعرفة بذات الله‪.‬‬
‫***‬
‫ن من الوراد المعروفة في الديانة الهندية أربع‬
‫إ ّ‬
‫ة‪ ،‬وهي‪Om, :‬‬
‫دسة في اعتقاد الهنادك ِ‬
‫كلمات مق ّ‬
‫هبانهم‬
‫ددها دراويشهم وُر ْ‬
‫‪ .mani, padme, hum‬ير ّ‬
‫در باللف‪ ،‬بحيث‬
‫بأعداد كبيرة ومحددة تق ّ‬
‫يغيبون عن أنفسهم بتأثير التكرار‪ .‬وأحياًنا تظهر‬
‫منهم أفعال غريبة وأطوار عجيبة وخوارق للعادة‬
‫يتأّثر بها الناظرون ويندهش منها المشاهدون‪.‬‬
‫ر‪ ،‬وسحق الزجاج بالسنان‬
‫كالمشي على الجم ِ‬
‫وابتلع ُ‬
‫ح أوغيره‪...‬‬
‫فَتات ِ َ‬
‫ها‪ ،‬وطعن الجسم ِ ب ُِرم ٍ‬
‫فقد شاعت هذه الشكال من الشعوذة بين‬
‫ة المنتسبين منهم إلى‬
‫الصوفّية أي ً‬
‫ص ٍ‬
‫ضا‪ ،‬وبخا ّ‬
‫الطريقة القادرّية والرفاعّية‪.‬‬
‫ما حال الغياب‪ ،‬فإنها كذلك تعرض لبسطاء‬
‫أ ّ‬
‫النقشبندّية بعد تكرارهم للوراد اّلتي يكّلفهم‬
‫خهم فيغيبون عن أنفسهم مدّةً ويظّنون‬
‫بها شي ُ‬
‫ن الله قد ح ّ‬
‫مون هذه‬
‫بعد الصحوة أ ّ‬
‫ل فيهم‪ ،‬ويس ّ‬
‫الحالة «الفناء في الله»‪ .‬فتتمّثل هذه البدع بك ّ‬
‫ل‬
‫د »‪.‬‬
‫ما سبق الحديث عنه في كلمة «َيادْك َْر ْ‬
‫***‬
‫ما لفظ «َباْزك َ ْ‬
‫ت»‪ :‬فمعناه في الّلغة‬
‫ش ْ‬
‫أ ّ‬
‫د» ‪.‬‬
‫ممات «َيادْك َْر ْ‬
‫الفارسّية‪ ،‬الرجوع‪ .‬فهو من مت ّ‬
‫يقصد النقشبندّيون بهذا المصطلح رجوع الذاكر‬
‫إلى المناجاة بعد إطلق الن َ‬
‫س‪ .‬لّنهم يحبسون‬
‫ف ِ‬
‫الن َ‬
‫س أثناء رياضة «اليوغا» كما تفعله اليوغّية‬
‫ف َ‬
‫ل رؤوس هذه‬
‫ن من ِ‬
‫اثناء صلة «اليوغا»‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫حي َ ِ‬
‫الطائفة‪ ،‬أّنهم قد سّنوا نداءً يستأنف بها الذاكر‬
‫رياضته من جديد‪ .‬وهي قولهم‪« :‬إَلهي أنت‬

‫‪150‬‬

‫مقصودي ورضاك مطلوبي»‪ .‬فقد مزجوا هذه‬
‫الصيغة في آدابهم‪ ،‬تحسيًنا لها‪ ،‬وليجعلوا منها‬
‫سبًبا بين بدعتهم والسلم؛ وليضفوا عليها‬
‫سربال الوراد الشرعّية‪ ،‬تعمية على المغ ّ‬
‫فلين‪.‬‬
‫ن جميع المصطلحات بما فيها‬
‫أما في الحقيقة‪ ،‬أ ّ‬
‫ت إلى السلم بصلة؛ ل لف ً‬
‫«َباْزك َ ْ‬
‫ظا‬
‫ت»‪ ،‬ل تم ّ‬
‫ش ْ‬
‫ى‪ .‬كما يتبّين ذلك من الغراض‬
‫ول معن ً‬
‫المقصودة من هذه اللفاظ والمعاني الكامنة‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫س ُ‬
‫قت َب َ َ‬
‫صة إذا ُنزعت منها المفاهيم ال ُ‬
‫فيها؛ خا ّ‬
‫من السلم‪.‬‬
‫***‬
‫ما لفظ «ن ِ َ‬
‫دا ْ‬
‫ي في‬
‫كا ْ‬
‫ه َ‬
‫شت»‪ :‬فمعناه الّلغو ّ‬
‫أ ّ‬
‫القاموس الفارسي‪ :‬الحراسة والحفظ‪ .‬وعند‬
‫النقشبندّيين‪ :‬هو «أن يحفظ المريد قلبه من‬
‫ة»‪ 192.‬يقصدون بذلك في‬
‫الخواطر ولو لحظ ً‬
‫ظاهر كلمهم الحتراز من الغفلة‪ .‬والحقيقة غير‬
‫ٌ‬
‫ن كلمة «ن ِ َ‬
‫دا ْ‬
‫م في‬
‫كا ْ‬
‫ذلك‪ .‬فا ّ‬
‫ه َ‬
‫شت» مبدأ ها ّ‬
‫العقيدة النقشبندّية‪ .‬وفي الوقت ذاته هو من‬
‫مة اّلتي يتو ّ‬
‫قف عليها «التركيز»‬
‫الشروط المه ّ‬
‫لداء رياضة «اليوغا»‪ .‬إذ ل يمكن إطل ً‬
‫ن‬
‫قا أ ْ‬
‫يح ّ‬
‫م إل ّ بمراعاة‬
‫قق النسا ُ‬
‫ن حالة التركيز التا ّ‬
‫خمسة أمور‪ ،‬وبالتزام ٍ دقيق‪.‬‬
‫الول منها‪ :‬الجلوس على هيئة معّينة‪ ،‬وهو‬
‫الشكل المعروف بـ«الّلوطوس »‪ Lotus‬عند‬
‫الجوكية «اليوغية»‪ .‬في مقابلة «الجلوس على‬
‫عكس التوّرك في الصلة»‪ 193‬عند النقشبندّية‪.‬‬
‫‪192‬‬
‫‪193‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .507 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬
‫راجع المصادر التالية لمزيد من المعرفة حول هذا الشكل من الجلوس‪:‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪.38 /‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫* أحمد البقاعي‪ ،‬رسالة في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪.42 /‬‬
‫* سليمان زهدي‪ ،‬المجموعة الخالدّية ص‪.4 /‬‬
‫*سليمان زهدي‪ ،‬نهجة السالكين ص‪.30 /‬‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية ص‪.12 /‬‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪151‬‬

‫والثاني‪ :‬الن َ‬
‫ي‪.‬‬
‫س الموزو ُ‬
‫ف ُ‬
‫ع طبيع ّ‬
‫ن بإيقا ٍ‬
‫والثالث‪ :‬تثبيت الفكر على شيء بعينه‪ .‬والرابع‪:‬‬
‫س من‬
‫السترخاءُ التا ّ‬
‫م‪ .‬والخامس‪ :‬منع الحوا ّ‬
‫ة فيه‬
‫ن ل حرك َ‬
‫التذبذب‪ .‬وذلك بالبتعاِد إلى مكا ٍ‬
‫ن‬
‫ت ول ضيا َ‬
‫ء‪ .‬وقد استوحى النقشبندّيو َ‬
‫ول صو َ‬
‫الشروط السالفة من «اليوغا»‪ ،‬وعليها بنوا‬
‫أسس طريقتهم‪ ،‬ومنها «ن ِ َ‬
‫دا ْ‬
‫شت»؛ وهو في‬
‫كا ْ‬
‫ه َ‬
‫مقابلة الشرط الثالث المذكور آن ً‬
‫فا‪ .‬أي «تثبيت‬
‫ن» حّتى تتح ّ‬
‫ة‬
‫ق بذلك حال ُ‬
‫ق َ‬
‫الفكر على شيء معي ّ ٍ‬
‫مى‬
‫ور إلى حالة أخرى تس ّ‬
‫التركيز ومنها تتط ّ‬
‫«الغيبوبة الواقعة وراء الخبرة البشرية =‬
‫‪ ».Transcendental absence‬وهي «الجذبة» عند‬
‫النقشبندّية‪.‬‬
‫دا ْ‬
‫ت»‪ :‬وهو المبدأ الثامن‬
‫ما لفظ «َيادْ َ‬
‫ش ْ‬
‫أ ّ‬
‫للطريقة النقشبندّية وآخر الكلمات الثمانية اّلتي‬
‫ي؛ فمعناه على‬
‫ق ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫وضعها عبدُ الخال ِ‬
‫جه الصرف‬
‫ي‪ :‬هو «التو ّ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫لسان مح ّ‬
‫المجّرد عن اللفاظ إلى مشاهدة أنوار الذات‬
‫م‬
‫ق إّنه ل يستقيم إل ّ بعد الفناء التا ّ‬
‫الحدّية‪ ،‬والح ّ‬
‫والبقاء السابغ»‬
‫ذا ‪ -‬بعد هذا القدر من ال ّ‬
‫إ ً‬
‫طلع على الجانب‬
‫دا أن‬
‫المستور لهذه الطريقة ‪ ،-‬من البساطة ج ّ‬
‫يظ ّ‬
‫ن متسائل ً عما إذا كان النقشبندّيون‬
‫ل النسا ُ‬
‫يريدون بهذه الرياضة عبادةَ لله‪ :‬إقراًرا بأّنه‬
‫الواحد الحد الفرد الصمد اّلذي ليس كمثله‬
‫ء؛ وحاشاه أن يح ّ‬
‫ل في شيء من خلقه؛ أم‬
‫ي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫يسعون للفناء فيه‪ ،‬والوصول إليه‪ ،‬والنصهار‬
‫في ذاته‪ ،‬والتحاد معه؟!!‬
‫إّنما هذه العقيدة هي خلصة ما جاء به‬
‫ة من أمثال حسين بن منصور‬
‫ن الزنادق ُ‬
‫حُلول ِّيو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫الح ّ‬
‫لج‪ ،‬وفريد الدين العطار‪ ،‬ومحي الدين بن‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬جامع الصول ص‪.146 /‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫* أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬

‫‪152‬‬

‫عربي‪ ،‬وعبد الحق بن إبراهيم بن سبعين‬
‫المرسي‪ ،‬وسليمان بن على بن عبد الله‬
‫التلمساني‪ ،‬والحسين بن علي بن هود‪ ،‬وعبد‬
‫ن على شاكلتهم من زنادقة‬
‫م ْ‬
‫يو َ‬
‫الكريم الجيل ّ‬
‫ن الله عين ك ّ‬
‫ل‬
‫العرب والعجم‪ .‬فقد زعموا أ ّ‬
‫شيء؛ وهو هذه المخلوقات على كثرتها‬
‫واختلف أنواعها وأجناسها وألوانها وأحجامها‬
‫س‬
‫ومعانيها ومبانيها وأصولها وفروعها من إن ٍ‬
‫ر‬
‫ن ونبا ٍ‬
‫ن وملئك ٍ‬
‫وج ّ‬
‫ة وحيوا ٍ‬
‫ر وصغي ٍ‬
‫ت وجماٍد وكبي ٍ‬
‫س‪.‬‬
‫ورط ٍ‬
‫س وطاه ٍ‬
‫ر ونج ٍ‬
‫ب وياب ٍ‬
‫صتهم ل يختلفون عن‬
‫إ ّ‬
‫ن قدماء النقشبندّيين وخا ّ‬
‫هؤلء في هذا العتقاد‪ .‬ولكن ل يصل إلى ذلك‬
‫ب‬
‫المستوى أحدٌ )في رأيهم( إل ّ إذا التـزم آدا َ‬
‫ك وفق المصطلحات الحد عشر‪.‬‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫فمتى تدّرج المريدُ في هذه المراتب وبلغ إلى‬
‫منتهى المنازل وتح ّ‬
‫دا ْ‬
‫ت »‪،‬‬
‫ققت فيه حالة «َيادْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ه قد ح ّ‬
‫ل‬
‫أصبح فانًيا في الله وتأكد من أ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫فيه‪ ،‬وأّنه جزءٌ منه‪ ،‬وأّنه ك ّ‬
‫ل شيء‪ .‬تعالى الله‬
‫وا كبيًرا‪.‬‬
‫عن ذلك عل ّ‬
‫ن دافع‬
‫نعم هذه هي حقيقة مرادهم‪ ،‬وإ ْ‬
‫خرون المعاصرون من شيوخ النقشبندّية‬
‫المتأ ّ‬
‫عن ساداتهم بأّنهم لم يقصدوا ذلك‪ .‬بلى‪ ،‬إّنهم‬
‫على هذا العتقاد؛ وتشهد عليهم مراسلتهم‬
‫جلها أسلفهم بالذات‪،‬‬
‫صة وأخبارهم اّلتي س ّ‬
‫الخا ّ‬
‫ة‪ .‬منها ما قد فشت‬
‫ونقلوها عنهم صراح ً‬
‫أسراُرها وافتضح‪ ،‬ومنها ما لم تزل تحت ستار‬
‫متهم‬
‫ما جهل عا ّ‬
‫صهم‪ .‬أ ّ‬
‫الكتمان في ذ ّ‬
‫مة خوا ّ‬
‫ب سوف نشرحها في‬
‫بهذه الحقائق فله أسبا ٌ‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫الفصل الرابع إ ْ‬
‫***‬
‫س‬
‫ما المباني الثلثة الخيرة اّلتي وضعها مؤ ّ‬
‫أ ّ‬
‫س ُ‬
‫ول‬
‫هذه الطريقة مح ّ‬
‫مد بهاء الدين نقشبند؛ فال ّ‬

‫‪153‬‬

‫ي»‪ .‬وجاء تفسيره‬
‫منها‪ :‬هو «الوقو ُ‬
‫ف الزمان ّ‬
‫ي «إّنه ينبغي‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫على لسان مح ّ‬
‫يك ّ‬
‫ل ساعتين أو ثلث‪ ،‬أن‬
‫م ِ‬
‫لل ّ‬
‫سالك بعد ُ‬
‫ض ّ‬
‫ت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين‬
‫يلتف َ‬
‫‪194‬‬
‫الساعتين أو الثلث‪».‬‬
‫ن هذه المراقبة النفسّية امتداد للحالت‬
‫لشك أ ّ‬
‫ي(‬
‫اّلتي يمّر بها السالك )أي المريدُ النقشبند ّ‬
‫عبر الرياضه الصوفية وسلوكها وف ً‬
‫قا لما سبق‬
‫ه من آداب هذه الطريقة كما ي ُ ْ‬
‫م من‬
‫شر ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ُ‬
‫ح ُ‬
‫ي لهذا المصطلح‪ .‬ويعني هذا إّنه‬
‫تعريف الكرد ّ‬
‫ن يتأ ّ‬
‫كد من‬
‫لبدّ للدرويش القائم بهذه الرياضة أ ْ‬
‫نفسه في نهاية ك ّ‬
‫ت‪،‬‬
‫ث ساعا ٍ‬
‫ل ساعتين أو ثل ِ‬
‫هل تح ّ‬
‫قق له الفناء في الله والبقاء بالله‪ ،‬أم ل‬
‫ه‬
‫يزال في ريب من ذلك‪ ،‬ول يكاد يجد نف َ‬
‫س ُ‬
‫ة‪ .‬فإذا وجد أّنه لم يقتنع بعد‪،‬‬
‫سا بالبشري ّ ِ‬
‫متلب ّ ً‬
‫قّر في‬
‫وجب عليه أن يواصل رياضته حّتى ي َ ِ‬
‫ن الله موجود في ك ّ‬
‫ل ذّرة من الكائنات‪،‬‬
‫نفسه أ ّ‬
‫ل فيه وأصبح السال ُ‬
‫وبالتالي فيكون قد ح ّ‬
‫ك هو‬
‫الفاني في الله والباقي به‪ .‬هذا من أصول‬
‫ن كتموا ذلك عند غيرهم واحتاطوا‬
‫اعتقادهم وإ ْ‬
‫م منهم‪.‬‬
‫عند العوا ّ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫و ُ‬
‫ي »‪،‬‬
‫قو ُ‬
‫قو ُ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫عدَِد ّ‬
‫أ ّ‬
‫ي» و «ال ْ ُ‬
‫ما «ال ْ ُ‬
‫قل ْب ِ ّ‬
‫ي»‪ .‬إذ على‬
‫ممات «الوقو ُ‬
‫فإّنهما من مت ّ‬
‫ف الزمان ّ‬
‫السالك أن يحافظ على عدد الوتر في الذكر‬
‫ن‬
‫بالنفي والثبات َ‬
‫ما بأ ّ‬
‫عب َْر مراحل الرياضة‪ .‬عل ً‬
‫ي من هذا الذكر ليس إل ّ تحقيق‬
‫الغرض الصل ّ‬
‫حالت نفسية معّينة‪ .‬وهي «التركيز‬
‫الفزيولوجي»‪ = Consantration physiologic‬ومنه‬
‫ور إلى حالة «الغيبوبة»‪Transcendental absance‬‬
‫التط ّ‬
‫ّ‬
‫ما بالصبغة التي‬
‫=‪.‬ل ّ‬
‫ن السالك إّنما يتطّبع تما ً‬
‫‪194‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .507 /‬طبعة مصر ‪ 1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪154‬‬

‫ه عندما يكون قد تدّرج إلى هذه‬
‫يريدها شي ُ‬
‫خ ُ‬
‫الحالة النفسية في نهاية المطاف‪.‬‬
‫داها إذل ُ‬
‫ك ّ‬
‫ل‬
‫ل هذه المقولت المشبوهة‪ ،‬مؤ ّ‬
‫ن‪ ،‬وإلحاق الضمور بعّزته‪ ،‬وتحويله‬
‫كرامة النسا ِ‬
‫ة على الطاعة العمياء‪ .‬وليس‬
‫مدَّرب َ ٍ‬
‫إلى بهيم ٍ‬
‫ة ُ‬
‫ع‬
‫ما أمر به السل ُ‬
‫فيها شيءٌ م ّ‬
‫م من التواض ِ‬
‫والحترام والطمئنان والمروءة والسكينة‬
‫ملنا غاية ما في هذه المقولت‬
‫والوقار‪ .‬وإذا تأ ّ‬
‫من التوجيه على لسان شيوخ النقشبندّية‪ ،‬وجدنا‬
‫الصواب منها ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة‬
‫ح عبارة وأفضلها وأوجزها‪ ،‬وفي‬
‫رسوله ‪ ‬بأفص ِ‬
‫أساليب القرآن من تمام البيان والتحقيق ما‬
‫ليس في هذه المقولت وغيرها مثله‪ .‬قال‬
‫ك بال ْحق َ‬
‫ول َ ي َأ ُْتون َ َ‬
‫ن‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ل إ ِل ّ ِ‬
‫جئ َْنا َ ِ َ ّ َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫تعالى‪َ :‬‬
‫ً ‪195‬‬
‫تَ ْ‬
‫سيرا‪.‬‬
‫ف ِ‬
‫***‬

‫‪ 195‬سورة‬

‫الفرقان‪33/‬‬

‫‪155‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫* مفاهيم‪ ،‬ومصطلحات‪ ،‬ومعتقدات‬
‫أخرى عند هذه الطائفة‪.‬‬
‫‪-----------------------‬‬‫*‬
‫وف‪....................................................................................................‬‬
‫التص ّ‬

‫‪.....................................‬‬

‫سي ُْر‬
‫* ال ّ‬
‫سُلو ُ‬
‫ك‪..................................................................................................‬‬
‫وال ّ‬
‫َ‬

‫‪..........................‬‬

‫* العشق‬
‫ي‪........................................................................................................‬‬
‫الله ّ‬
‫‪..........................‬‬
‫* المعرفة‬
‫بالله‪.............................................................................................................‬‬

‫‪..........................‬‬

‫* الفناء‬
‫والبقاء‪.......................................................................................................‬‬

‫‪..........................‬‬

‫* وحدة‬
‫الوجود‪........................................................................................................‬‬

‫‪........................‬‬

‫* وحدة‬
‫الشهود‪......................................................................................................‬‬

‫‪.........................‬‬

‫ي‪ ،‬وتصّرف‬
‫* الولية‪ ،‬والول ّ‬
‫يت‪................................................................................................‬‬
‫الم ّ‬
‫* المكاشفة واللهام‪ ،‬وعلم‬
‫الغيب‪..................................................................................................‬‬
‫*‬
‫ُ‬
‫ة‪...................................................................................................‬‬
‫سي ّ ُ‬
‫وي ْ ِ‬
‫ال َ‬
‫‪......................................‬‬

‫* الكرامة‪،‬‬
‫والمناقب‪.................................................................................................‬‬

‫‪........................‬‬

‫‪156‬‬

‫سل في معتقد النقشبندّية وما‬
‫* مفهوم التو ّ‬
‫ر ّ‬
‫كبوا عليه من أمور‪..............................................‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫ت ومعت َ َ‬
‫ت‬
‫قدا ٌ‬
‫م ومصطلحا ٌ‬
‫* مفاهي ُ‬
‫أخرى عند هذه الطائفة‪.‬‬
‫ة‪) ،‬بما فيها الطريقة‬
‫م ً‬
‫ق الصوفي ّ َ‬
‫إ ّ‬
‫ة عا ّ‬
‫ن الطَّرائ ِ َ‬
‫ّ‬
‫ة‪ ،‬بل‬
‫ه سّري ّ ٍ‬
‫ن أصل ً منظما ٌ‬
‫النقشبندّية( ه ّ‬
‫ت شب ُ‬
‫ت ‪ -‬في حقيقة المر ‪-‬‬
‫ن مشبوه ٌ‬
‫ن أديا ٌ‬
‫ة نشأ ْ‬
‫ه ّ‬
‫لضرب السلم من الداخل على يد زنادقة‬
‫متن ّ‬
‫كرين بلباس الزهد والع ّ‬
‫فة والخلص‪ .‬لهذا‪،‬‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫كّلما تع ّ‬
‫مقنا في البحث من وراء حقيقة الطَرائ ِ ِ‬
‫م ُركام ٍ من مخّلفات‬
‫و َ‬
‫جدَْنا أنفسنا أما َ‬
‫الصوفّية َ‬
‫الديان والفلسفات تتمّثل في مفهوم التصوف‪.‬‬
‫***‬

‫وف‪:‬‬
‫* التص ّ‬
‫وف‪ ،‬فإّنه ن َ َ‬
‫م تتزاحم فيه أفكاٌر‬
‫مظْل ِ ٌ‬
‫ق ُ‬
‫ف ٌ‬
‫أ ّ‬
‫ما التص ّ‬
‫ة‬
‫ت خطير ٌ‬
‫ة وعقائدُ غريب ٌ‬
‫غامض ٌ‬
‫ة وتأويل ٌ‬
‫ة وألفا ٌ‬
‫ع ّ‬
‫ة‬
‫قدَةٌ وأساطيُر عجيب ٌ‬
‫ت دخيل ٌ‬
‫م َ‬
‫وفلسفا ٌ‬
‫ظ ُ‬
‫ّ‬
‫ت من كتب‬
‫ت رهيب ٌ‬
‫دا ٍ‬
‫جل َ‬
‫ت في م َ‬
‫ة تراكم ْ‬
‫وحكايا ٌ‬
‫ؤل ّ َ‬
‫فم َ‬
‫ة من أصحاب‬
‫ف ٍ‬
‫الصوفي ّ ِ‬
‫ت بين آل ٍ‬
‫ة وانتشر ْ‬
‫ة والمغ ّ‬
‫فلين اّلذين لم يفطنوا‬
‫النفوس الضعيف ِ‬

‫‪157‬‬

‫إلى ما فيه من أخطار على السلم والمسلمين‬
‫م ْ َ‬
‫ق‪.‬‬
‫ضم َ‬
‫ن ذلك المزيج الباطني ال ُ‬
‫خت َل ِ‬
‫ن يُ ْ‬
‫وف ل يعني الزهد‬
‫دا أ ّ‬
‫«ينبغي أ ْ‬
‫م جي ّ ً‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ن التص ّ‬
‫في الدنيا أو تزكية النفس وتصفيتها‪ ،‬وإّنما هو‬
‫فلسفة كاملة شاملة وعقيدة لها معالمها‬
‫ول من‬
‫الخا ّ‬
‫وفة هم أ ّ‬
‫صة بها‪ .‬ولم يكن المتص ّ‬
‫ف واخترعوه‪ ،‬بل هو فكرة‬
‫و َ‬
‫ابتدعوا التص ّ‬
‫دا‪ ،‬كان لها أتباعها في اليونان‬
‫فلسفّية قديمة ج ّ‬
‫والهند والصين والفارس‪ .‬وكان في البوذّية‬
‫وفتها‬
‫ة واليهودّية والنصراني ّ ِ‬
‫والهندوسي ّ ِ‬
‫ة متص ّ‬
‫وف بين المسلمين‬
‫الخا ّ‬
‫صة بها‪ .‬ولم يوجد التص ّ‬
‫إل ّ بعد ترجمة كتب الفرس واليونان والهنود إلى‬
‫س لعقائد الصوفّية يجد لها أصل‬
‫العربّية‪ .‬والدار ُ‬
‫في الديانات السماوّية والوضعّية الخرى‪ .‬فوحدة‬
‫ة‪،‬‬
‫دة من الهندوسي ِ‬
‫وفة مستم ّ‬
‫الوجود عند المتص ّ‬
‫والحلو ُ‬
‫ل والفناءُ في ذات الله مستمدّ من‬
‫النصرانّية اّلتي ُتؤمن بحلول ذات عيسى البشرّية‬
‫مدّية‬
‫بالذات اللهّية‪ .‬وكذلك عقيدةُ الحقيق ِ‬
‫ة المح ّ‬
‫ة حول عيسى‬
‫ه للّنصراني ّ ِ‬
‫ر مشاب ٍ‬
‫مأخوذةٌ من تص ّ‬
‫و ٍ‬
‫‪196‬‬
‫ومكانته في الدنيا‪»...‬‬
‫ف إلى‬
‫لقد اختلف الباحثون في ردّ كلم ِ‬
‫و ِ‬
‫ة التص ّ‬
‫ة‪ ،‬وك ّ‬
‫ب‬
‫ل متباين ٍ‬
‫لح ّ‬
‫ى على حس ِ‬
‫أصو ٍ‬
‫مَلها معن ً‬
‫ه؛ و َ‬
‫غ َ‬
‫ف َ‬
‫ي‬
‫ه وظن ّ ِ‬
‫رأي ِ ِ‬
‫ل جمي ُ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫م عن أصِلها الحقيق ّ‬
‫ع في نهاية البحث‬
‫كما سنفضحهم بالدليل القاط ِ‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫إ ْ‬
‫ء‬
‫ق من الصفا ِ‬
‫و َ‬
‫ق منهم‪ :‬أ ّ‬
‫ف مشت ّ‬
‫زعم فري ٌ‬
‫ن التص ّ‬
‫ة‬
‫و‪ .‬فقد وقعوا بهذا الزعم ِ في ورط ٍ‬
‫أو الصف ِ‬
‫ن الص َ‬
‫ل‬
‫ت عن جهلهم بالّلغة العربّية؛ إذ أ ّ‬
‫كشف ْ‬
‫ء‬
‫و والفا ِ‬
‫ف يترك ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫ي للّتص ّ‬
‫الثلث ّ‬
‫ب من الصاِد والوا ِ‬
‫ف(‪ ،‬بينما الص ُ‬
‫و‬
‫صفا ِ‬
‫و َ‬
‫ي لل ّ‬
‫) َ‬
‫ص َ‬
‫ل الثلث ّ‬
‫ء أو الصف ِ‬
‫‪196‬‬

‫الدكتور مروان إبراهيم القيسي‪ ،‬معالم الهدى إلى فهم السلم ص‪66 ،65 /‬؛ الدكتور إسماعيل العربي‪،‬‬

‫معجم الفرق والمذاهي السىمية‪.‬‬

‫ص‪88/‬‬

‫‪158‬‬

‫ص َ‬
‫و(‪ .‬وبهذا قد‬
‫ب من الصاِد والفا ِ‬
‫يترك ّ ُ‬
‫و) َ‬
‫ف َ‬
‫ء والوا ِ‬
‫ر برأيهم وهم‬
‫افتضحوا إلى حدّ ل مجال للعتبا ِ‬
‫ل‪.‬‬
‫ب هذا المستوى من السطحي ِ‬
‫أصحا ُ‬
‫ة والجه ِ‬
‫ف» تعودُ إلى‬
‫ق منهم‪ :‬إ ّ‬
‫و ِ‬
‫وقال فري ٌ‬
‫ن كلمة «التص ّ‬
‫ّ‬
‫ص ّ‬
‫ة‬
‫ة من فقرا ِ‬
‫ة» التي كانت جماع ٌ‬
‫ء الصحاب ِ‬
‫ف ِ‬
‫«ال ّ‬
‫يأوون إليها؛ بينما الرب ُ‬
‫ط بين هاتين الكلمتين‬
‫ة‬
‫ه‪ .‬فالمناسب ُ‬
‫ه من الوجو ِ‬
‫ز بوج ٍ‬
‫غيُر جائ ٍ‬
‫وف» )إذا‬
‫ة ممنوع ٌ‬
‫الشتقاقي ُ‬
‫ة‪ .‬ل ّ‬
‫ن «التص ّ‬
‫ة إطل ً‬
‫قا كما‬
‫ة عربي ً‬
‫فرضناه كلم ً‬
‫ة وهي غيُر عربي ٍ‬
‫ع(‪،‬‬
‫ح في نهاية البح ِ‬
‫سيّتض ُ‬
‫ث بالدليل القاط ٍ‬
‫ء‬
‫و والفا ِ‬
‫ي يترك ّ ُ‬
‫فأصل ُ ُ‬
‫ه الثلث ِ ّ‬
‫ب من الصاِد والوا ِ‬
‫ص ّ‬
‫ة»‪،‬‬
‫و َ‬
‫ف ِ‬
‫ف(‪ .‬أ ّ‬
‫ي لكلمة «ال ّ‬
‫) َ‬
‫ص َ‬
‫ما الصل الثلث ِ ّ‬
‫ص َ‬
‫ع ً‬
‫ف(‪.‬‬
‫ب من الصاِد والفا ِ‬
‫ف َ‬
‫ء مض ّ‬
‫فإّنه يترك ّ ُ‬
‫فا ) َ‬
‫ف بين الكلمتين ظاهٌر ل يترك المجا َ‬
‫ي‬
‫فالخل ُ‬
‫لل ِ‬
‫ة‪.‬‬
‫مناقش ِ‬
‫ة بين المفهومين من حيث المعنى‪،‬‬
‫ثم المناسب ُ‬
‫ح اختلفت‬
‫ممنوع ٌ‬
‫ة أي ً‬
‫ضا‪ .‬ل ّ‬
‫وف» مصطل ٌ‬
‫ن «التص ّ‬
‫س عن‬
‫ه وشر ِ‬
‫الراءُ في تعري ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه‪ ،‬وعجز النا ُ‬
‫ص ّ‬
‫ة»‪ ،‬فإّنها‬
‫ف ُ‬
‫فهم ِ حقيقت ِ ِ‬
‫ه حّتى اليوم‪ .‬أ ّ‬
‫ما «ال ّ‬
‫كانت بيًتا بسي ً‬
‫طا مسقو ً‬
‫ل يسكن‬
‫فا بقضبان النخ ِ‬
‫ب رسول الله ‪‬‬
‫فيه الضعفاءُ من أصحا ِ‬
‫ص ّ‬
‫ة‬
‫ة ممنوع ٌ‬
‫ثم المناسب ُ‬
‫ف ِ‬
‫ة بين الصوفي ّ ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫ة وأه ِ‬
‫ة يعيشون ويتعّبدون على‬
‫ن الصوفي ّ َ‬
‫أي ً‬
‫ضا‪ .‬ل ّ‬
‫ة‪ ،‬ولبس‬
‫ع‪ ،‬والرهبن ِ‬
‫س بالجو ِ‬
‫أساس قهر النف ِ‬
‫ح‪ ،‬وترديد الوراِد على الطريقة البوذّية‪،‬‬
‫المسو ِ‬
‫ع‬
‫ورابط ِ‬
‫خ‪ ،‬وحلقات الذكر‪ ،‬والسما ِ‬
‫ة الشي ِ‬
‫دون في ك ّ‬
‫ل ذلك بمبدأ‬
‫ص‪ ...‬ل يعت ّ‬
‫والرق ِ‬
‫ب‬
‫«التوقيفي ِ‬
‫ة» في السلم‪ .‬بينما كان أصحا ُ‬
‫ص ّ‬
‫ة كّلهم يقتدون برسول الله ‪ ‬في سيرهم‬
‫ف ِ‬
‫ال ّ‬
‫وسلوكهم وكلمهم‪ ،‬وتعّبدهم وأخلقهم‬
‫وتعاملهم‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫ق من‬
‫ق آخُر‪ :‬إ ّ‬
‫و ِ‬
‫ف مشت ّ‬
‫وقال فري ٌ‬
‫ن أصل التص ّ‬
‫ة‬
‫ل رفضوا زين َ‬
‫الصو ِ‬
‫ف اّلذي كان منه لباس رجا ٍ‬
‫الدنيا ومل ّ‬
‫ع‬
‫س بالتوا ُ‬
‫ذاِتها‪ ،‬وعرفهم النا ُ‬
‫ض ِ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة في أمر الخر ِ‬
‫ة والستقام ِ‬
‫والقناع ِ‬
‫ن الرب َ‬
‫ف بهذه‬
‫إ ّ‬
‫و ِ‬
‫ي الصو ِ‬
‫ف والتص ّ‬
‫ط بين كلمت َ ِ‬
‫ة‬
‫ع والقناع َ‬
‫ة واهي ٌ‬
‫ن التوا ُ‬
‫المناسب ِ‬
‫دا‪ .‬ل ّ‬
‫ض َ‬
‫ةج ّ‬
‫ة ل يتو ّ‬
‫ف‪ ،‬ول‬
‫والستقام َ‬
‫ق ُ‬
‫ف على لبس الصو ِ‬
‫ن؛ بل الخلقُ في السلم ِ‬
‫على لبس القط ِ‬
‫سلو ٌ‬
‫ك متكام ٌ‬
‫سّنة‪.‬‬
‫دده الكتا ُ‬
‫ل قد ح ّ‬
‫ب وال ّ‬
‫ة‬
‫ة منقول ٌ‬
‫ف‪ ،‬فإّنها في الحقيق ِ‬
‫و ِ‬
‫أ ّ‬
‫ما كلمة التص ّ‬
‫ة‪ .‬وضب ُ‬
‫ة)‬
‫طها‪ :‬الثيوصوفي ُ‬
‫من الّلغة اليوناني ِ‬
‫ضا‬
‫ة‪ .‬لّنها أي ً‬
‫ر كلمة الفلسف ِ‬
‫‪ ،(Theosophy‬على غرا ِ‬
‫ة‪ ،‬وضب ُ‬
‫ة )‪ ،(Philosophy‬كما‬
‫طها‪ :‬الفيلسوفي ُ‬
‫يوناني ٌ‬
‫جاء في موسوعة المورد لمؤّلفه منير البعلبكي‪.‬‬
‫ف‪:‬‬
‫يقول المؤل ّ ُ‬
‫م‪ :‬معرفة الله‬
‫صدُ بالثيوصوفي ِ‬
‫ة بالمعنى العا ّ‬
‫«ُيق َ‬
‫ي‪،‬‬
‫ي أو التأ ّ‬
‫مل الفلسف ّ‬
‫من طريق الكشف الصوف ّ‬
‫ل‬
‫ي والتأ ّ‬
‫م ِ‬
‫أو من طريق الكشف الصوف ّ‬
‫ة‬
‫عا‪ .‬وهي بهذا المعنى ظاهرةٌ قديم ٌ‬
‫يم ً‬
‫الفلسف ّ‬
‫فها»‪.‬‬
‫ن على اختل ِ‬
‫عرفتها الديا ُ‬
‫ة اّلذين بنوا‬
‫د الواهي ِ‬
‫ب الساني ِ‬
‫هكذا افتضح أصحا ُ‬
‫ت‬
‫آرا َ‬
‫وف‪ ،‬على اجتهادا ٍ‬
‫ءهم في مسأل ِ‬
‫ة أصل التص ّ‬
‫ت ل تقوم على برهان من‬
‫ت وفرضّيا ٍ‬
‫ونظرّيا ٍ‬
‫ت؛ ربما‬
‫ي ثاب ٍ‬
‫ب وال ّ‬
‫الكتا ِ‬
‫سّنة‪ ،‬ول على دلي ِ‬
‫ل علم ّ‬
‫د‬
‫م بالديان‪ ،‬وال ِ‬
‫ة ِ‬
‫ق والعقائ ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫لقل ّ ِ‬
‫ه ْ‬
‫فَر ِ‬
‫م ِ‬
‫ة وما‬
‫ة الستحال ِ‬
‫م بظاهر ِ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫ه ْ‬
‫وراِتها‪َ ،‬‬
‫وتط ّ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ن‪،‬‬
‫ت من التحري ِ‬
‫يتعّرض له المعتقدا ُ‬
‫ف مع الّزما ِ‬
‫وكذل ِ َ‬
‫م بالّلغات الجنبّية‪.‬‬
‫ك َ‬
‫ج ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫لقد نشأت الطريقة النقشبندّية كسائر الطَرائ ِ ِ‬
‫دهليز وتغ ّ‬
‫ذت من مستنقعات‬
‫الصوفّية في هذا ال ّ‬

‫‪160‬‬

‫ل إلى‬
‫ورت َ‬
‫عب َْر القرون من شك ٍ‬
‫وف فتط ّ‬
‫التص ّ‬
‫ن؛ كّلما زيد فيها‬
‫ن إلى لو ٍ‬
‫ل‪ ،‬وتغّيرت من لو ٍ‬
‫شك ٍ‬
‫ي منها‪ .‬فحملت من ُ‬
‫ء عدٍد من الديان‪،‬‬
‫غَثا ِ‬
‫أو أ ُل ْ ِ‬
‫غ َ‬
‫وجرفت من قاذوراِتها على امتداد مجراها في‬
‫ن‬
‫ي بعد إسلمهم إلى أ ْ‬
‫تاريخ الشعب الترك ّ‬
‫ف من عقائد الهنود‬
‫امتلت حاويُتها بأصنا ٍ‬
‫ة‬
‫والنصارى واليهود؛ وإن استنكر هذه الحقيق َ‬
‫ف‬
‫ة وعفاريُتها بملمة ومعاتبة و ُ‬
‫صناديدُ الطائف ِ‬
‫عن ٍ‬
‫وردود‪ .‬وما أد ّ‬
‫ل على تحريفهم للسلم ما قد‬
‫عت َ َ‬
‫ت‬
‫دا ٍ‬
‫م ومصطلحا ٍ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫تو ُ‬
‫نسبوا إليه من مفاهي َ‬
‫ة إلى السلم في واقع المر‪.‬‬
‫ت بصل ٍ‬
‫دخيل ٍ‬
‫ة ل تم ّ‬
‫ه‬
‫وقد حان الوقت وناسب المقام لشرح ما تبن ّت ْ ُ‬
‫ض وما اختل َ‬
‫م‬
‫ه من مفاهي َ‬
‫قت ْ ُ‬
‫النقشبندّية من أغرا ٍ‬
‫ة من‬
‫سها سلسل ً‬
‫ت على أسا ِ‬
‫باطني ّ ٍ‬
‫ة أخرى‪ ،‬فأقام ْ‬
‫ن تعتمد على تلك المفاهيم‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫آدا ٍ‬
‫ب وأركا ٍ‬
‫سُلو ُ‬
‫ة‬
‫ي‪ ،‬والمعرف ُ‬
‫وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ك‪ ،‬والعش ُ‬
‫سي ُْر َ‬
‫ق الله ّ‬
‫ة‬
‫ء‪ ،‬و وحدةُ الوجوِد‪ ،‬و وحد ُ‬
‫ه‪ ،‬والفناءُ والبقا ُ‬
‫بالل ِ‬
‫ت‪،‬‬
‫الشهوِد‪ ،‬والولي ُ‬
‫ي‪ ،‬وتصّر ُ‬
‫ف المي ّ ِ‬
‫ة‪ ،‬والول ّ‬
‫ُ‬
‫ب‪،‬‬
‫ة‪ ،‬والكرام ُ‬
‫سي ّ ُ‬
‫وي ْ ِ‬
‫ة‪ ،‬والمناق ُ‬
‫واللها ُ‬
‫م‪ ،‬وال َ‬
‫س قبورهم‪،‬‬
‫والستغاث ُ‬
‫ة بالموتى‪ ،‬وتقدي ُ‬
‫وزيارُتها‪ ،‬والت ّب َّر ُ‬
‫س ُ‬
‫ها‪.‬‬
‫ل بِ َ‬
‫ها‪ ،‬والتو ّ‬
‫ك بِ َ‬
‫***‬

‫سُلو ُ‬
‫ك‪.‬‬
‫سيُر وال ّ‬
‫* ال ّ‬
‫سُلو ُ‬
‫م عند‬
‫ك‪ ،‬فهو مصطلح ها ّ‬
‫وال ّ‬
‫ما ال ّ‬
‫أ ّ‬
‫سي ُْر َ‬
‫دا منهما بقصد‬
‫النقشبندّية‪ .‬وقد يذكرون واح ً‬
‫الجمع بينهما كما اختاره أحمد ضياء الدين‬
‫‪197‬‬
‫مو ْ‬
‫ي‪.‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬

‫‪197‬‬

‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬جامع الصول ص‪.107 /‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬

‫‪161‬‬

‫قال السيد محمود أبو الفيض المنوفي ‪ -‬وهو‬
‫وفة وأعلمهم في عصرنا ‪ -‬قال‬
‫أحد أدباء المتص ّ‬
‫في كتابه المعروف بعنوان «معالم الطريق إلى‬
‫الله»‪:‬‬
‫«معنى سلوك الطريق‪ ،‬التح ّ‬
‫قق بمقامات اليقين‬
‫وأحوال القرب من الله عّز وج ّ‬
‫ل بالعلم والعمل‬
‫والمقام والحال سلو ً‬
‫خ عارف‬
‫كا على يد شي ٍ‬
‫بمعالم الطريق ومفاوزه‪ ،‬فيد ّ‬
‫سالك على‬
‫ل ال ّ‬
‫سبيل القرب إلى الله بما يرشده إليه من‬
‫ال ّ‬
‫‪198‬‬
‫أنواع الّرياضة والذكر والخلوة وغير ذلك‪».‬‬
‫ك‬
‫سُلو ِ‬
‫هذا هو المراد العا ّ‬
‫وال ّ‬
‫م الظّاهر من ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ما عند النقشبندّية فينحصر‬
‫وف‪ .‬أ ّ‬
‫في التص ّ‬
‫سلوك في الخلوة‪ .‬وقد أفردها بعضهم في‬
‫ال ّ‬
‫ل مستق ّ‬
‫ي‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬
‫ل كمحمد أمين الكرد ّ‬
‫فص ٍ‬
‫«اعلم أّنه ل يمكن الوصول إلى معرفة الصول‬
‫وتنوير القلوب لمشاهدة المحبوب إل ّ بالخلوة‬
‫صا لمن أراد إرشادَ عباِد الله إلى‬
‫خصو ً‬
‫المقصود‪».‬‬
‫ي هنا مّرة أخرى أّنهم‬
‫يتبيّن من كلم الكرد ّ‬
‫ب‬
‫يختلفون مع جمهور المسلمين في معاملة ر ّ‬
‫العالمين‪ .‬ذلك أّنهم ل يقصدون عبادةَ الله‬
‫بشهادة هذا القرار‪ .‬وإّنما يريدون الوصو َ‬
‫ل إليه‬
‫ه‪ .‬وعلى الّرغم من هذا‬
‫ويبتغون مشاهدت َ ُ‬
‫التصريح فا ّّ‬
‫ن فري ً‬
‫قا منهم ُيخفون ما في‬
‫صدورهم‪ ،‬وفري ً‬
‫ي‬
‫قا يجهلون الغرض الحقيق ّ‬
‫مُرهُ ُ‬
‫ما ُ‬
‫م اّلذين لهم الهيمنة على‬
‫ؤ ُ‬
‫اّلذي ي ُ ْ‬
‫ض ِ‬
‫ه ْ‬
‫قدَ َ‬
‫مة النقشبندّيين‪ .‬أل وهو الحلول‬
‫نفوس عا ّ‬
‫والّتحاد‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫السيد محمود أبو الفيض المنوفي‪ ،‬معالم الطريق إلى الله ص‪ .299 /‬دار النهضة‪-‬القاهرة‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫ب‬
‫ولهم في هذه المسيرة طرقٌ ملتوي ٌ‬
‫ة وآدا ٌ‬
‫ة‪ ،‬أحدثوا لها‬
‫مشبوه ٌ‬
‫ت هندي ٍ‬
‫ة تتمّثل في رياضا ٍ‬
‫ه‪ ،‬بحيث ل ينتبه‬
‫أغلف ً‬
‫ة من مفاهيم السلم و ِ‬
‫م ِ‬
‫قي َ ِ‬
‫ن َ‬
‫ت عليه‬
‫ه أو غلب ْ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫صَر عل ُ‬
‫إلى مقاصدهم َ‬
‫ق ُ‬
‫الثقة فيهم بما يشاهد في مظاهرهم من‬
‫السّكينة والوقار والورع والصلح‪.‬‬
‫دعون أّنهم‬
‫ونها )خلوة( ي ّ‬
‫وهذه الرياضة اّلتي يسم ّ‬
‫إّنما يمارسونها أسوةً بالرسول ‪ ‬في أحواله‬
‫ُ‬
‫ي ‪ ‬يخلو‬
‫قبيل ِبعثته‪ .‬ويقولون‪« :‬وقد كان النب ّ‬
‫بغار حراء حّتى جاءه المر بالدعوة»‪ 199‬ويتناسون‬
‫دا من‬
‫أّنه ‪ ‬لم يفعل ذلك بعد البعثة‪ ،‬ول أمر أح ً‬
‫أصحابه بالخلوة )اّلتي تختلف عن العتكاف(‪.‬‬
‫وجدانّيا‬
‫وإّنما كانت َ‬
‫ه قبل البعثة اندفا ً‬
‫وات ُ ُ‬
‫عا ُ‬
‫خل َ َ‬
‫دا لما سوف‬
‫ق من الله واستعدا ً‬
‫ينساق معه بتوفي ٍ‬
‫ة‬
‫وة؛ وأّنها كانت حال ً‬
‫يتح ّ‬
‫مله من أعباء النب ّ‬
‫صة به دون غيره‪ ،‬اقتضت في بداية‬
‫استثنائي ً‬
‫ة خا ّ‬
‫أمره‪.‬‬
‫ما اّلذي يريده النقشبندّيون‪ ،‬فليس إل ّ استغلل‬
‫أ ّ‬
‫مفهوم الخلوة بهذه الذريعة‪ ،‬ليتم ّ‬
‫كنوا بها من‬
‫م شعارات هنديّة إلى شعائر السلم تحت‬
‫ض ّ‬
‫سحرة‬
‫ستار العبادة والتقّرب إلى الله بتقليد ال ّ‬
‫والمشعوذين من الجوكية )اليوغية( والفقراء‬
‫الهنود‪.‬‬
‫وللخلوة عندهم عشرون شر ً‬
‫ة في‬
‫طا مشروح ً‬
‫ء من‬
‫جة لهم في إثباتها بشي ٍ‬
‫كتبهم‪ 200.‬ل ح ّ‬
‫كتاب الله‪ ،‬ول من سّنة رسوله ‪.‬‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫وقد باح‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫بالسّر المقصود من ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ض المعاصرين منهم‪ ،‬وخاصة جماعة غالية من‬
‫بع ُ‬
‫هذه الطائفة في إسطنبول‪ .‬وذلك لما وجدوا‬
‫‪199‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪.493 /‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪200‬‬

‫المصدر السابق ص‪.493 /‬‬

‫‪163‬‬

‫دوا لتفسير‬
‫مة المسلمين في شغل عنهم فتص ّ‬
‫عا ّ‬
‫ي‪ ،‬أصدروه بالّلغة‬
‫كتاب الله بأسلو ٍ‬
‫ب باطن ّ‬
‫التركّية تحت عنوان «روح الفرقان» عام ‪1992‬م‪،.‬‬
‫ك‪.‬‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫وتطّرقوا فيه إلى ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ومن جملة ما جرت به أقلمهم بهذا التفسير‬
‫الشا ّ‬
‫عّرًبا(‪:‬‬
‫م َ‬
‫ذ‪ ،‬قولهم ) ُ‬
‫«إّنه بعد ما يضمح ّ‬
‫ع ما سوى الله من نظر‬
‫ل جمي ُ‬
‫سالك بفضل المولى وكرمه بحيث ل يكاد يرى‬
‫ال ّ‬
‫ما كان أو صورةً ‪-‬‬
‫غير الله شيًئا أجنبّيا ‪ -‬ا ْ‬
‫س ً‬
‫ح ّ‬
‫ق له الفناءُ في الله‪ ،‬أي النصهاُر في ذاته‪.‬‬
‫تَ َ‬
‫ق َ‬
‫ت بذلك الدولة‪ ،‬وانتهت الطريقة‪ ،‬واكتمل‬
‫وحصل ْ‬
‫م ْ‬
‫ة المعنوية نحو‬
‫شي َ ُ‬
‫سير إلى الله )أي ال ِ‬
‫ال ّ‬
‫‪201‬‬
‫المولى(»‬
‫ة من كلمهم في‬
‫في ّ ٌ‬
‫م ٌ‬
‫حْر ِ‬
‫ة ل ِن ُب ْذَ ٍ‬
‫ة َ‬
‫كانت هذه تََر َ‬
‫ج َ‬
‫ك‪ ،‬ول يحتاج إلى تعليق‪.‬‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫تفسير ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ة ما ينبغي أن يؤ ّ‬
‫كد في الّنهاية عما يتعّلق‬
‫وخلص ُ‬
‫بهذا التفسير الجريء‪ ،‬أّنهم يختلفون عن‬
‫المسلمين بعقيدتهم في ذات الله أكثر من‬
‫اختلف الّنصارى عن المسلمين في هذه‬
‫العقيدة‪.‬‬
‫***‬

‫ي‬
‫* العش ُ‬
‫ق الله ّ‬
‫م مباحث‬
‫ي‪ ،‬فهو من أه ّ‬
‫أ ّ‬
‫ما العشق الله ّ‬
‫ما‬
‫مهم حوله نثًرا ونظ ً‬
‫صوفّية‪ .‬فقد جرى كل ُ‬
‫ال ّ‬
‫‪202‬‬
‫مل ّ‬
‫كما في تائّية عمر بن الفارض‪،‬‬
‫وديوان ال ُ‬
‫‪201‬‬

‫م ستة أشخاص من النقشبندّيين التراك ص‪ .2/63 /‬دار سراج إسطنبول‬
‫د ُ‬
‫روح الفرقان‪ ،‬بقلم جماع ٍ‬
‫ة عد ُ‬
‫ه ْ‬

‫ـ ‪1992‬م‪ .‬وهذا نص عبارتهم بالّلغة التركّية‪:‬‬
‫)‪Mevlanın fazl-u keremiyle masiva (Allah Teala’nın dışındaki her şey) salikin nazarından tamamen kalkıp gayriyi (yabancıları‬‬
‫‪görmekten isim ve resim kalmayınca muhakkak fenafillâh (Allah-u Teala’da eriyip gitmek) tabir edilen devlet hasıl olmuş ve‬‬
‫‪tarikat hali sona ermiş olur. Ve böylece seyr-i ilallah, mevlaya doğru olan manevi yürüyüş tamamlanmış olur.‬‬

‫‪164‬‬

‫‪203‬‬

‫ي‪ ،‬وأشعار رابعة العدوّية‪.‬‬
‫أحمد الجزري الكرد ّ‬
‫ما‬
‫وقد كثر ْ‬
‫ت في هذه المسألة هذياناتهم قدي ً‬
‫ول ً‬
‫وحديًثا‪ .‬غير أ ّ‬
‫مت َ َ‬
‫ن هذا التعبير لم يكن شيًئا ُ‬
‫دا َ‬
‫ة‬
‫ت هذه الفكر ُ‬
‫بين قدماء النقشبندّية‪ ،‬فانتشر ْ‬
‫َ‬
‫د غير بعيد‪ ،‬وربما بتأثير‬
‫م ٍ‬
‫في أوساطهم منذ أ َ‬
‫نك ّ‬
‫ل ما يقوله شيخ‬
‫بعض الشيوخ منهم‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ة‬
‫طريقة‪ ،‬ويختلقه من تلقاء نفسه ل ُيعدّ ب ِدْ َ‬
‫ع ً‬
‫ت أقواله مع نصوص الكتاب‬
‫عندهم‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن تعارض ْ‬
‫ّ‬
‫ن شيخ الطريقة ل ينحصر مجاله في‬
‫سّنة؛ ول ّ‬
‫وال ّ‬
‫ه في‬
‫مت ُ ُ‬
‫حدود اختصاص معّين‪ ،‬ول تقتصر مه ّ‬
‫نطاق الجتهاد والتفسير والتأويل فحسب‪ .‬بل‬
‫‪204‬‬
‫هو في اعتقاد ال ّ‬
‫طائفة «وكيل الله ونائبه»‬
‫وه بما يبدو له‪ .‬إذن فله‬
‫يتصّرف كيف يشاء‪ ،‬ويتف ّ‬
‫ئ ال ّ‬
‫طريقة وآداِبها وأركاِنها‬
‫ضي َ‬
‫أن ي ُ ِ‬
‫ف إلى مباد ِ‬
‫ْ‬
‫ي منها ما يشاء‪.‬‬
‫ن ي ُل ِ‬
‫وطقو ِ‬
‫سها ما يشاء‪ ،‬أو أ ْ‬
‫غ َ‬
‫وهذا ما جعل ال ّ‬
‫طريقة تتغّير فيها أمور بين‬
‫الفينة والخرى‪.‬‬
‫ي فصل ً في اْلمحّبة‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫فقد أفرد مح ّ‬
‫ع منه‪:‬‬
‫والشوق والوجد‪ .‬وقال في مقط ٍ‬
‫م‬
‫«اعلم أ ّ‬
‫ن المحّبين على ثلثة أقسام‪ :‬عوا ّ‬
‫م فمحّبتهم‬
‫ص‪ .‬فأما العوا ّ‬
‫ص الخوا ّ‬
‫ص‪ ،‬وخوا ّ‬
‫وخوا ّ‬
‫و ُ‬
‫ص فمحّبتهم‬
‫ر إحسانه‪ ،‬وأما الخوا ّ‬
‫له تعالى ل ِ ُ‬
‫فو ِ‬
‫ص‪،‬‬
‫خالصة عن الشوائب‪ .‬وأ ّ‬
‫ص الخوا ّ‬
‫ما خوا ّ‬
‫ّ‬
‫فمحّبتهم عبارة عن التع ّ‬
‫شق الذي به ينمحي‬
‫‪205‬‬
‫العاشق عند تجّلي نور معشوقه‪».‬‬

‫‪202‬‬

‫راجع ترجمته في معجم المؤلفين‪ ،‬عمر رضاء كحالة‪ ،‬مؤسسة الرسالة الطبعة الولى‪ .2/568 :‬بيروت –‬

‫‪1993‬م‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫راجع ترجمتها في العلم‪ ،‬خير الدين زركلي‪ ،‬الطبعة ‪ .11‬ص‪ .3/10 /‬دار العلم للمليين‪ .‬كذلك فيه أسماء‬

‫مصادر ورد فيها ترجمتها‪.‬‬

‫‪204‬‬
‫‪205‬‬

‫تفسير «روح الفرقان» بالّلغة التركّية لجماعة من النقشبندّيين التراك ص‪ .2/74 /‬إسطنبوا ـ ‪1992‬م‪.‬‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪.487/‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪165‬‬

‫ن‬
‫لقد يظهر من خلل هذه الكلمات أ ّ‬
‫النقشبندّيين اكتشفوا أخيًرا أسلوًبا ثانًيا لتفسيرِ‬
‫ل والتحاِد‪.‬‬
‫ما يعتقدونه من وحدة الوجوِد والحلو ِ‬
‫ي»‪ .‬لّنهم يقصدون بذلك‬
‫أل وهو «العشق الله ّ‬
‫وا كبيًرا‪.‬‬
‫النصهاَر في ذاته تعالى عن ذلك عل ّ‬
‫ن تَ َ‬
‫إ ّ‬
‫وٌر جديدٌ‬
‫شب ّث َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م بمثل هذه الفكرة ت َطَ ّ‬
‫م مزاياهم‬
‫ب‪ .‬ل ّ‬
‫وغري ٌ‬
‫ن النقشبندّيين‪ ،‬من أه ّ‬
‫ي بالتركيز على‬
‫صم ُ‬
‫ت والتأ ّ‬
‫ال ّ‬
‫مل والذكر القلب ّ‬
‫ديانة البوذّية ‪-‬‬
‫أسلوب الجوكّية )اليوغّية( في ال ّ‬
‫البرهمّية‪ .‬وأّنهم لم يلتفتوا منذ القديم إلى‬
‫الشعار والغزل كما قد اّتخذوا موق ً‬
‫ضا‬
‫فا معار ً‬
‫ن الحركة من‬
‫سماع َ‬
‫عب َْر تاريخهم‪ .‬ل ّ‬
‫للرقص وال ّ‬
‫ز‪ .‬وإل ّ ليست معارضتهم‬
‫أكبر موانع الت ّْر ِ‬
‫كي ِ‬
‫َ َ‬
‫ي صحيح في‬
‫ق إسلم ّ‬
‫للرقص والسماع من منطل ٍ‬
‫حقيقة المر‪.‬‬
‫ما تعبير العشق في كون النسان أن يعشق‬
‫أ ّ‬
‫الله‪ ،‬فقد كان من ضللت القدمين من متصوّفة‬
‫وهون به في غزلهم‪ .‬ولم يعبأ‬
‫العراق‪ .‬كانوا يتف ّ‬
‫ة شأنهم وقّلة‬
‫بهم علماء السلم يومئذ ل ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫خ ّ‬
‫عددهم‪ .‬ولكن هذه الفكرة قد أصبحت اليوم‬
‫خطًرا على العقيدة السلمّية بعد أن ت َب َّناها‬
‫ما بأن العشق في الّلغة يفيد‬
‫النقشبندّيون‪ .‬عل ً‬
‫معنى الشتياق إلى الجنس المقابل بقصد‬
‫سّنة ما‬
‫النكاح والجماع‪ .‬ولم يرد في الكتاب وال ّ‬
‫ن العبد يجوز له أن يعشق الله‪ .‬بل ورد‬
‫يفيد أ ّ‬
‫فيهما الترغيب في محّبة الله ومحّبة رسوله ‪.‬‬
‫إذ قال الله تعالى‪ُ } :‬‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫م تُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫‪206‬‬
‫َ‬
‫م‪{.‬‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ي يُ ْ‬
‫فات ّب ِ ُ‬
‫م ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫عون ِ‬
‫سبيل الذي طرقه النقشبندّيون في‬
‫ورغم ال ّ‬
‫ن‬
‫ي»‪ ،‬فإّنه لم ي ُ ْ‬
‫تأويلهم لمفهمو «العشق الله ّ‬
‫غ ِ‬
‫‪206‬‬

‫سورة آل عمرن‪.31/‬‬

‫‪166‬‬

‫صُتهم ويجهله‬
‫عنهم في الوقوع فيما يكتمه خا ّ‬
‫ة بهذا التأويل ال ّ‬
‫شا ّ‬
‫ذ‬
‫مُتهم من نزعات باطني ّ ٍ‬
‫عا ّ‬
‫ن كلمة العشق تختلف اختل ً‬
‫فا‬
‫لمفهوم العشق‪ .‬ل ّ‬
‫ة في التعبير عن‬
‫ما تفيد كلم ُ‬
‫ة المحب ّ ِ‬
‫كبيرا ً ع ّ‬
‫ة بمعناها المتعاَرف‬
‫ن المحب ّ َ‬
‫عواطف النسان‪ .‬فا ّ‬
‫ي نبيل‪ ،‬ل يشوبه ميل َ‬
‫ي‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫هو إحساس عاطف ّ‬
‫ه ِ‬
‫وابتذا ٌ‬
‫ما مفهوم العشق‪ ،‬فانه ينبئ‬
‫ي‪ .‬وأ ّ‬
‫ل جسد ّ‬
‫س َ‬
‫ة تثور في‬
‫ةو َ‬
‫وي ّ ٍٍ‬
‫ت آثم ٍ‬
‫عن نزعا ٍ‬
‫ش َ‬
‫ج َ‬
‫وا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه ِ‬
‫ة‬
‫ة بالغرام والهيام‪ ،‬والمشتاق ِ‬
‫هف ِ‬
‫النفوس المتل ّ‬
‫إلى إشباع الرغبات الجنسية وما يتصل بها‪.‬‬
‫ما على وصف الله‬
‫ولقد دأب شعراءُ الصوفّية دائ ً‬
‫بصفات المرأة الجميلة الفّتانة؛ يحملونها عليه‬
‫يخ ّ‬
‫لب‪ ،‬يفتتن به‬
‫أّنه يتجّلى في جما ٍ‬
‫ل غزل ّ‬
‫العاشقون؛ ويتخّيلونه في صورة من النوثة‬
‫بشعور تتل ّ‬
‫ظى إليها نفوسهم وهي تراودهم عن‬
‫نفوسهم‪ .‬حاشا لله!!!‬
‫بينما نجد النقشبندّيين على درجة من الفراط‬
‫والمبالغة بأولئك الشعراء المبتذلين من الصوفّية‬
‫ويشاركونهم في العقيدة والموقف بإقرارهم‬
‫ي» على غرار ابن‬
‫لمفهوم «العشق الله ّ‬
‫مل ّ الجزري وأمثالهما‪.‬‬
‫الفارض وال ُ‬
‫***‬

‫ه‬
‫* المعرفة بالل ِ‬

‫ما فكرة «المعرفة بالله» عند الصوفّية‪ ،‬فهي‬
‫وأ ّ‬
‫ورت‬
‫عقيدة خطيرة تبّناها القدمون منهم؛ ثم تط ّ‬
‫منها سائر عقائد القوم‪ .‬إ ً‬
‫ذا فهي بمنـزلة‬
‫القاعدة الساسية لها‪.‬‬
‫ي في هذه المسألة باًبا وهو‬
‫فقد أفرد القشير ّ‬
‫مهم‪ .‬قال في رسالته‬
‫من قدما ِ‬
‫ة وأعل ِ‬
‫ء الصوفي ّ ِ‬
‫المشهورة‪:‬‬

‫‪167‬‬

‫ف‬
‫ن َ‬
‫«وعند هؤلء القوم المعرفة‪ :‬صف ُ‬
‫عَر َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫دق الله‬
‫ق سبحانه بأسمائه وصفاته‪ ،‬ثم ص ّ‬
‫الح ّ‬
‫في معاملته‪ .‬ثم تن ّ‬
‫قى عن أخلقه الرديئة‬
‫‪207‬‬
‫وآفاته‪»...‬‬
‫ن هذا التعريف ل يتعارض‬
‫من الهمية بمكان‪ ،‬أ ّ‬
‫ي تحّيل‬
‫مع العقيدة السلمّية لو ل أ ّ‬
‫ن القشير ّ‬
‫ن جعلها تعري ً‬
‫فا لمفهوم‬
‫في إيراد هذه العبارة أ ْ‬
‫«المعرفة بالله»‪ .‬بل كان أولى به أن يقول‬
‫ف‬
‫ن أيقن بالحق سبحانه و َ‬
‫«اليمان‪ :‬صف ُ‬
‫عَر َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫دق الله في معاملته‪».‬‬
‫أسماءه وصفاته‪ ،‬ثم ص ّ‬
‫ن الصوفّية قد حّرفوا عقائد‬
‫حأ ّ‬
‫هكذا يتبّين بوضو ٍ‬
‫ةق ّ‬
‫ل من انتبه إليها في‬
‫السلم ب ِ ِ‬
‫ل دقيق ٍ‬
‫حي َ ٍ‬
‫وروها‬
‫أيّامها‪ .‬وبذلك سنحت لهم الفرصة فط ّ‬
‫ت المفاهيم‬
‫ج عبر القرون حّتى التبس ْ‬
‫بتدّر ٍ‬
‫الدخيلة والعقائد الخطيرة بالمفاهيم القرآنية‬
‫س‬
‫على عوا ّ‬
‫م المسلمين فانحدر من هذا اللتبا ِ‬
‫ت‬
‫ون ْ‬
‫ركا ُ‬
‫ن فتك ّ‬
‫ل على كّر الزما ِ‬
‫ع والباطي ِ‬
‫م البد ِ‬
‫منها جبا ٌ‬
‫ل عجز المسلمون في هذا العصر عن‬
‫التخّلص منها‪.‬‬
‫ن مقولة «المعرفة بالله»‬
‫ما في الحقيقة‪ ،‬فا ّ‬
‫أ ّ‬
‫ليست من السلم في شيء‪ ،‬ول ورد في‬
‫سّنة ما يؤ ّ‬
‫ده‬
‫ه عبا َ‬
‫الكتاب وال ّ‬
‫كد ذلك‪ .‬بل دعا الل ُ‬
‫أن يؤمنوا به قبل ك ّ‬
‫ت في ذلك‬
‫ل شيء‪ .‬واليا ُ‬
‫ة‪ .‬ثم أمرهم بالعمل الصالح والتقوى‪ .‬إذ لم‬
‫كثير ٌ‬
‫يرد في القرآن أمر بـ «المعرفة بالله» على‬
‫الطلق‪ .‬بينما المر باليمان ورد فيه أكثر من‬
‫ه‬
‫سول ِ ِ‬
‫مُنوا ِبالل ِ‬
‫أن ُيحصى‪ .‬كقوله تعالى }فآ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫‪208‬‬
‫خِبيٌر‪{.‬‬
‫ن َ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ُ‬
‫ر اّلذي أن َْزل َْناهُ َ‬
‫والن ُ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫‪207‬‬

‫ي النيسابوري‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪/‬‬
‫أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشير ّ‬

‫‪ .154‬الطبعة الثانية القاهرة ـ ‪1959‬م‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫سورة التغابن‪.8/‬‬

‫‪168‬‬

‫ولم يقتصر المر في توجيه الدعوة للكافرين‬
‫إلى اليمان فحسب‪ ،‬بل قد أمر الله المؤمنين‬
‫كذلك أن يؤمنوا به )وإن كان ذلك من باب تكميل‬
‫الكامل وليس من باب تحصيل الحاصل( فقد‬
‫َ‬
‫ه‬
‫مُنوا ِبالل ِ‬
‫مُنوا آ ِ‬
‫قال سبحانه‪} :‬ي َأي ّ َ‬
‫ها اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ب اّلذي ن َّز َ‬
‫ب‬
‫ل َ‬
‫سول ِ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫عَلى َر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ي َك ُ‬
‫ن َ‬
‫الذي أن َْز َ‬
‫ه‬
‫ملئ ِكت ِ ِ‬
‫فْر ِبالل ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫قْبلُ‪َ ،‬‬
‫‪209‬‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫ض ّ‬
‫دا‪{.‬‬
‫ل َ‬
‫قدْ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫ضل َل ً َبعي ِ ً‬
‫وُر ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ة إلى اليمان كثيرةٌ وفي‬
‫دعو ِ‬
‫هكذا فاليات في ال ّ‬
‫ت في‬
‫هذا القدر كفاي ٌ‬
‫ة‪ .‬كذلك وردت آيات بّينا ٌ‬
‫ه سبحانه‪.‬‬
‫ة الل ِ‬
‫دعوة إلى عباد ِ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫سا ْ‬
‫قال تعالى‪َ :‬يا أي ّ َ‬
‫وا َرب ّك ُ ُ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫عُبد ُ‬
‫م اّلذ ِ‬
‫ن َ‬
‫خل َ َ‬
‫ن‪) .‬بقرة‪/‬‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫و َ‬
‫م لَ َ‬
‫م ْ‬
‫واّلذي ِ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫م ت َّتق ُ‬
‫م َ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫ه‬
‫وا ْ‬
‫وا ب ِ ِ‬
‫وا الل َ‬
‫رك ُ‬
‫ه َ‬
‫عُبد ُ‬
‫‪ .(21‬وقال تعالى‪َ :‬‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫شي ًْئا‪) ...‬نساء‪ .(36/‬وقال تعالى‪َ :‬يا أي ّ َ‬
‫ها الذي ِ َ‬
‫وا ْ‬
‫وا‬
‫وا ْ‬
‫ف َ‬
‫س ُ‬
‫وا ْ‬
‫وا َرب ّك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫عل ُ‬
‫م َ‬
‫عُبد ُ‬
‫وا َ‬
‫جد ُ‬
‫وا َ‬
‫وا اْركع ُ‬
‫من ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن‪) .‬الحج‪(77/‬‬
‫ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫خي َْر ل َ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫فِلح ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫ي َ‬
‫س َر ِ‬
‫ما أ ّ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ه َ‬
‫ي الل ُ‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫وقد ُر ِ‬
‫عّبا ٍ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫سو َ‬
‫عا ً‬
‫عَلى‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ذا َر ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫م َ‬
‫ما ب َ َ‬
‫َر ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ث ُ‬
‫ه ‪ ‬لَ ّ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ب َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ن َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫وم ٍ أ ْ‬
‫قدَ ُ‬
‫فل ْي َك ُ ْ‬
‫ال ْي َ َ‬
‫ل ك َِتا ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ق ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫عَر ُ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫ذا َ‬
‫ما ت َدْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫عو ُ‬
‫عَبادَةُ الل ِ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫فوا الل َ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫قدْ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫م َ‬
‫فأ َ ْ‬
‫ض َ‬
‫خب ِْر ُ‬
‫وا ٍ‬
‫مأ ّ‬
‫عل َي ْ‬
‫خ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫فَر َ‬
‫صل َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عُلوا َ‬
‫ذا َ‬
‫م َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫فأ ْ‬
‫خب ِْر ُ‬
‫ول َي ْل َت ِ‬
‫ِ‬
‫و ِ‬
‫مأ ّ‬
‫ف َ‬
‫ن الل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫في ي َ ْ‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫م َز َ‬
‫َ‬
‫عَلى‬
‫وت َُردّ َ‬
‫ض َ‬
‫كاةً ِ‬
‫عل َي ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫فَر َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وال ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ذا أ َ َ‬
‫ها َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ُ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‬
‫ف ُ‬
‫طا ُ‬
‫خذْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫عوا ب ِ َ‬
‫وقّ ك ََرائ ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وت َ َ‬
‫م َ‬
‫قَرائ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ي(‬
‫س )رواه الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫أ ْ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫ما قوله ‪َ « ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه»‪ ،‬معناه فإذا‬
‫ذا َ‬
‫وا الل َ‬
‫أ ّ‬
‫عَرف ُ‬
‫عرفوه بصفاته التي جاءت في كتابه العزيز‪،‬‬
‫ه‪.‬‬
‫ه ذات ِ ِ‬
‫ه‪ ،‬وليس الّتعّرف إلى ك ُن ْ ِ‬
‫نب ِ‬
‫وهو اليما ُ‬
‫‪209‬‬

‫سورة النساء‪.136 /‬‬

‫‪169‬‬

‫وهنا يتبادر إلى الذهن أن ُيطَرح سؤا ٌ‬
‫م‪،‬‬
‫ل ها ّ‬
‫ه عبادَهُ لليمان به عن طريق‬
‫وهو‪ :‬لماذا دعا الل ُ‬
‫ة له‬
‫النظر إلى آثاره والمعرفة بصفاته والعباد ِ‬
‫فحسب‪ ،‬ولم يكّلفهم بالتعّرف إلى ذاته ؟‬
‫ن المسلمين استيقظوا من غفلتهم‬
‫لو أ ّ‬
‫ر ُ‬
‫كوا ما لم يدركه أسلفهم في‬
‫واستطاعوا أن يُدْ ِ‬
‫عصور الظلم من أسباب النحراف‪ ،‬وطرحوا‬
‫حّتى هذا السؤال البسيط مرة واحدة فحسب؛‬
‫لصطدموا بحقائق مدهشة اختفت عنهم؛ أدناها‬
‫ة حّتى بين صفوف‬
‫أنهم قد أصبحوا اليوم قل ّ ً‬
‫المصّلين في مساجدهم‪ .‬لنهم إنما يعبدون الله‬
‫تصديقا ً لما جاء من عنده وإقراًرا بالعبودية له؛‬
‫بينما تختلف الغاية في محاولة الخرين من‬
‫العبادة تمام الختلف‪ .‬لنهم ل يعبدون الله إل ّ‬
‫ليتعّرفوا على ذاته وليحّلوا فيه‪ .‬تعالى َرب َّنا عن‬
‫وا كبيًرا‪.‬‬
‫ذلك عل ّ‬
‫نعم كيف تجوز المعرفة بذات الله؟ كيف يجوز‬
‫ي‪،‬‬
‫ي البد ّ‬
‫للنسان أن يحيط الله الخالق الزل ّ‬
‫ن بِ َ‬
‫ث ومخلوق؟‪ ...‬هل‬
‫ل وجوده حاد ٌ‬
‫كا ِ‬
‫والنسا ُ‬
‫م ِ‬
‫يجوز أن يّتسع عقل النسان المخلوق العاجز‬
‫ب العّزة بذاته؟ وما‬
‫المحدود حّتى يستوعب ر ّ‬
‫دعي ذلك من المنقول والمعقول؟ ألم‬
‫دليل من ي ّ‬
‫ه رسول الله ‪ ‬عن التف ّ‬
‫كر في ذات الله تبارك‬
‫ي َن ْ َ‬
‫‪210‬‬
‫ه‬
‫وتعالى؟‬
‫ن النسان عاجٌز عن الحاطة ب ِك ُن ْ ِ‬
‫ل ّ‬
‫ه عّز وج ّ‬
‫َ‬
‫ل‪ .‬وإنما هذا العجز هو ذلك الحاجز‬
‫ذات ِ ِ‬
‫ب اّلذي يعترض سبي َ‬
‫س‪،‬‬
‫ن الت ّ ِ‬
‫الّر ِ‬
‫هي ُ‬
‫ل النسا ِ‬
‫عي ِ‬
‫ف في وجهه على مدى حياته‪ ،‬ل يبرح أمامه‬
‫ويق ُ‬
‫في ك ّ‬
‫ل لحظة‪ .‬تلك هي المشكلة العظمى اّلتي‬
‫ن‪ ،‬بل وأسرار‬
‫م ُ‬
‫ت َك ْ ُ‬
‫ر واليما ِ‬
‫ن فيها أسراُر الكف ِ‬
‫ن النسان لو‬
‫الكون والحياة بتمامها‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫‪210‬‬

‫ي وأبو نعيم عن عبد الله بن سلم‪ .‬قال خرج رسول الله ‪ ‬على أناس من‬
‫روى أحمد مرفو ً‬
‫عا والطبران ّ‬

‫كر في خلق الله‪ .‬قال ل تتف ّ‬
‫كرون؟ قالوا نتف ّ‬
‫كرون في خلق الله‪ .‬فقال لهم فيم كنتم تتف ّ‬
‫أصحابه وهم يتف ّ‬
‫كروا‬
‫في الله‪ ،‬وتف ّ‬
‫كروا في خلق الله‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫ل للّتح ّ‬
‫ق من ذات الله‬
‫استطاع أن يجد أدنى سبي ٍ‬
‫ق ِ‬
‫سبحانه عن طريق المشاهدة أو التجربة‪ ،‬لما‬
‫اضطّر أن يواجه أعباء الحياة والممات بك ّ‬
‫ل‬
‫ت‬
‫مرارتها‪ .‬ولكن الله تعالى يقول } َ‬
‫و َ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫خل َ َ‬
‫م ْ‬
‫وال ْحيَاة ل ِيبل ُوك ُم أ َيك ُ َ‬
‫‪211‬‬
‫وإنما‬
‫ملً‪{.‬‬
‫ن َ‬
‫مأ ْ‬
‫َ َ َ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ع َ‬
‫َ ْ َ ْ ّ ْ‬
‫يتو ّ‬
‫ول ً وقبل ك ّ‬
‫ل شيء ـ على‬
‫قف حسن العمل ـ أ ّ‬
‫اليمان بالغيب‪ .‬وهو اليمان بذات الله تعالى‬
‫في حدود المعرفة بصفاته‪ ،‬وبالنظر إلى خلقه‬
‫دى المُر إلى المعرفة ب ِ َ‬
‫ه‪،‬‬
‫ذات ِ ِ‬
‫وآثاره دون أن يتع ّ‬
‫ول َ‬
‫وهي محال‪ .‬كذلك قال الله تعالى‪َ } :‬‬
‫‪212‬‬
‫ما َ‬
‫إ ً‬
‫ذا‬
‫ء‪{.‬‬
‫ون بشي ٍ‬
‫شا َ‬
‫ن ِ‬
‫يُ ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫ءْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ه إل ّ ب ِ َ‬
‫حيطُ َ‬
‫فكيف بالنسان أن يتم ّ‬
‫كن من الحاطة بذات الله‬
‫ن‬
‫وهو ل يحيط بشي ٍ‬
‫ء من علمه إل ّ بما شاء! ل ّ‬
‫علقة المؤمن بالله ل تعدو عن التسليم المحض‬
‫م‬
‫له تعالى؛ وهي منحصرة في حدود اليقين التا ّ‬
‫به والعبادة الخالصة له فحسب‪.‬‬
‫ن اّلذين يرون معرفة الله من‬
‫هذا ويتبّين جلّيا بأ ّ‬
‫دعون أّنها قد تحققت‬
‫المور الجائزة والممكنة‪ ،‬ي ّ‬
‫لبعض ساداتهم‪ .‬إذ يخلعون عليهم صفة العارف‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن‬
‫ة تَ ْ‬
‫م ً‬
‫وا ِ‬
‫ج ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫بالله } ك َب َُر ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ه ِ‬
‫يَ ُ‬
‫ذًبا‪ 213{.‬يتبّين أّنه قد بلغ الحمق‬
‫ن إ ِل ّ ك َ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫والغباء بهم إلى درجة‪ ،‬أّنهم يدرسون عقائد‬
‫ب‬
‫المسلمين في مدارسهم ويتداولون ك ُت ُ َ‬
‫أعلمنا؛ كشرح العقيدة الطحاوية للمام أبي‬
‫ي‪ ،‬وكتاب‬
‫مد بن سلمة الزد ّ‬
‫جعفر أحمد بن مح ّ‬
‫مد‬
‫مد بن مح ّ‬
‫التوحيد للمام أبي منصور مح ّ‬
‫ي‪ ،‬وكتاب التمهيد من تصانيف أبي بكر‬
‫الماتريد ّ‬
‫ي ورسالة العقائد‬
‫مح ّ‬
‫مد بن الطيب الباقلن ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫النسفية لبي حفص عمر بن مح ّ‬
‫مد الّنسف ّ‬
‫وشرح العقائد الّنسفية للع ّ‬
‫دين‬
‫لمة سعد ال ّ‬
‫‪211‬‬

‫سورة الملك‪.2/‬‬

‫‪212‬‬

‫سورة البقرة‪.255 /‬‬

‫‪213‬‬

‫سورة الكهف‪.5/‬‬

‫‪171‬‬

‫ي‪ .‬ومع هذا‪ ،‬ل ينتبهون‬
‫مسعود بن عمر التفتازان ّ‬
‫ن اليمان ينافي عقيدة «المعرفة بذات‬
‫إلى أ ّ‬
‫ض‬
‫الله»‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ن الله سبحانه وتعالى «ليس ب ِ َ‬
‫عَر ٍ‬
‫ور ول محدود‪ ».‬كما‬
‫و َ‬
‫سم ٍ ول َ‬
‫ج ْ‬
‫ول ِ‬
‫ر ول مص ّ‬
‫ج ْ‬
‫ه ٍ‬
‫ن‬
‫ورد في العقائد النسفية‪ .‬وخلصة هذا‪ :‬أ ّ‬
‫د‪،‬‬
‫النسان المخلوق الحادث العاجز والمحدو َ‬
‫ف إلى ذاته‬
‫يستحيل عليه أن يحيط بالله‪ ،‬ويتعّر َ‬
‫ي اّلذي ليس بمحدود‪.‬‬
‫ي البد ّ‬
‫الزل ّ‬
‫ن الصوفّية قد خبطوا في تناقض شديد إلى‬
‫إ ّ‬
‫درجة أنّهم يدرسون كتب المسلمين ويدّرسونها‬
‫ويحفظون منها‪ ،‬ثم يعتقدون ما يجعلهم في‬
‫دقوا ما‬
‫مقام ٍ بين الصدق والكذب‪ ،‬بحيث إذا ص ّ‬
‫قد درسوا من كتب المسلمين‪ ،‬شهدوا على‬
‫أنفسهم بالكذب في مصطلحهم ومعتقدهم بما‬
‫ة‪،‬‬
‫دقوا هذه الفري َ‬
‫موه «المعرفة بالله»؛ وإذا ص ّ‬
‫س ّ‬
‫أصبحوا من المك ّ‬
‫ذبين ِلما َ درسوا من عقائد‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ضا قد توّرطوا في هذا‬
‫ن النقشبندّيين أي ً‬
‫هكذا فإ ّ‬
‫عا لبقّية الصوفّية‪ .‬والدليل عليهم‪ ،‬أّنهم‬
‫المأزق تب ً‬
‫ن من وصف ساداتهم بـ«العارف بالله»‪.‬‬
‫ي ُك ْث ُِرو َ‬
‫***‬

‫ء‪.‬‬
‫* الفناءُ والبقا ُ‬
‫صة منهم‬
‫وأ ّ‬
‫ما «الفناء والبقاء» في عقيدة الخا ّ‬
‫متهم‪ ،‬فإّنها بمنـزلة الحلقة الخيرة بعد‬
‫دون عا ّ‬
‫ورون أّنهم يلتقون فيها‬
‫«المعرفة بالله»‪ .‬ويتص ّ‬
‫بذات الله «لّنهم قد عرفوا الله حق معرفته‪،‬‬
‫قوا بذلك أن ينصهروا فيه فيتح ّ‬
‫فاستح ّ‬
‫قق‬
‫البقاء»‪ ،‬حاشا لله!!! وذلك بعد المرور بجميع‬
‫ك؛ من البيعة والخلوة‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫مراحل ال ّ‬
‫ر َ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ي والرابطة ومراعاة‬
‫وممارسة الذكر الخف ّ‬
‫ب‬
‫«المباني الحد عشر» وما يتصل بها من آدا ٍ‬

‫‪172‬‬

‫ن سبق شرحها في الفصل الثاني‪ .‬إل ّ أّنهم‬
‫وأركا ٍ‬
‫خو ً‬
‫فا‬
‫ة الفنا ِ‬
‫ء بهذا الوضوح َ‬
‫سّر عقيد ِ‬
‫ل ُيفشون ِ‬
‫ر المسلمين وردوِد فعلهم‪ .‬بل‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ن استنكا ِ‬
‫ة وأمثالها‬
‫يمضغون الكلم في هذه المسأل ِ‬
‫احتيا ً‬
‫ة‪ ،‬وُيخفون ما في صدورهم حّتى‬
‫طا وتقي ّ ً‬
‫مهم فضل ً عن المسلمين‪.‬‬
‫عن عوا ّ‬
‫ء بالله» ليس‬
‫ء في الله والبقا ِ‬
‫ن فكرة «الفنا ِ‬
‫إ ّ‬
‫ّ‬
‫أمًرا حديًثا عند الصوفّية‪ .‬بل تكلم به القدمون‬
‫ء قد‬
‫ن عقيدة الفنا ِ‬
‫ي‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫منهم كالقشير ّ‬
‫ن النقشبندّيين قد‬
‫صة‪ .‬فا ّ‬
‫ور ْ‬
‫ت عند هؤلء خا ّ‬
‫تط ّ‬
‫ّ‬
‫ولوها بل حّرفوها عن معناها الذي أراده‬
‫أ ّ‬
‫السابقون‪.‬‬
‫ي «أشار‬
‫وعلى سبيل المثال فقد قال القشير ّ‬
‫ء إلى سقوط الوصاف المذمومة‪،‬‬
‫القوم بالفنا ِ‬
‫ء إلى قيام الوصاف‬
‫وأشاروا بالبقا ِ‬
‫‪214‬‬
‫المحمودة»‬
‫ق أرادوا به باط ً‬
‫ن إسقاط‬
‫ل‪ .‬إذ أ ّ‬
‫إ ّ‬
‫ن هذه كلمة ح ّ‬
‫الوصاف المذمومة وإبقاء الوصاف المحمودة‬
‫صى بهما السلم‪ ،‬ولكنهم لجأوا إلى‬
‫قد و ّ‬
‫ء»‬
‫س عند ما أطلقوا اسم «الفنا ِ‬
‫اللتوا ِ‬
‫ء والتلبي ِ‬
‫على إسقاط الوصاف المذمومة؛ وأطلقوا كذلك‬
‫ة‪.‬‬
‫ء» على إبقا ِ‬
‫اسم «البقا ِ‬
‫ء الوصاف المحمود ِ‬
‫ع باًبا‪ ،‬استغّله‬
‫لّنهم فتحوا بهذا المصطلح المبت َدَ ِ‬
‫أخل ُ‬
‫ة‬
‫فهم فأدخلوا منه سيل ً من رموز الزندق ِ‬
‫ل كما مّرت الشارةُ إليها‪ ،‬وهى تنحصر‬
‫والضل ِ‬
‫صتهم‪ .‬والدليل‬
‫في عقيدة التحاد مع الله عند خا ّ‬
‫على ذلك نعتهم لساداتهم بصفة «الفاني في‬
‫الله والباقي بالله»‪ .‬بينما لم يرد عن رسول الله‬
‫صا‬
‫‪ ‬ول عن أحد من الصحابة أّنه وصف شخ ً‬
‫بهذا النعت‪.‬‬
‫‪214‬‬

‫ي النيسابوري‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪/‬‬
‫أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشير ّ‬

‫‪ .39‬الطبعة الثانية القاهرة ـ ‪1959‬م‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫ور والتحريف في هذا‬
‫لقد تظهر أمارات التط ّ‬
‫ولون؛‬
‫المفهوم أي ً‬
‫ضا بعد أن اختلقها قدماؤهم ال ّ‬
‫وروا الكثيَر مما وضعها‬
‫كما قد حّرفوا وط ّ‬
‫ن‬
‫ساداُتهم على مدى تاريخ النقشبندّية‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫القدمين منهم عند ما جاؤوا بهذه الزندقة لم‬
‫يزيدوا على أّنها تر ُ‬
‫ك الوصاف الذميمة والبقاءُ‬
‫ن هذا البيان لم‬
‫ما بأ ّ‬
‫على الوصاف الحميدة‪ .‬عل ً‬
‫ن‬
‫يكن حافًزا مثيًرا لنتباه المسلمين يومئ ٍ‬
‫ذ‪ .‬ل ّ‬
‫ب عن الوصاف الزميمة والبقاءَ على‬
‫الجتنا َ‬
‫ي‬
‫الوصاف الحميدة شيء مرغوب فيه‪ ،‬وإن ُ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫ن المسلمين لما سكتوا عن‬
‫بالفناء والبقاء‪ .‬غير أ ّ‬
‫ن ورائها‬
‫ن ِ‬
‫هذه التسمية الشاذة؛ ولم يتوقعوا أ ّ‬
‫م ْ‬
‫حيلة سوف تعود بعواقب وخيمة‪ ،‬يتخذها‬
‫ء عقائد أخرى باطلة على‬
‫خرون ذريعة لبنا ِ‬
‫المتأ ّ‬
‫ور المر حّتى زعم‬
‫أساس مفهوم الفنا ِ‬
‫ء‪ ،‬فتط ّ‬
‫ن الفناء هو أن يتخّلص العبد من غائلة‬
‫بعضهم «أ ّ‬
‫ن الفناء هو غياب‬
‫ما سوى الله‪ .‬ومعنى ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الفناء‬
‫الصفات البشرية في صفات الحق‪ ،‬كما أ ّ‬
‫في الرسـول‪ ،‬هو غياب الصفات النسـانية في‬
‫ضا‬
‫ن صفات الرسول أي ً‬
‫صفات الرسول‪ 215».‬ل ّ‬
‫صفات إلهية عندهم‪.‬‬
‫ي‬
‫إ ّ‬
‫ن هذه الكلمات في الحقيقة ل تحتاج إلى أ ّ‬
‫تعليق ول توضيح ول تفسير‪ .‬ولقد زاد‬
‫المتأخّرون من تطوير هذه الزندقة حّتى‬
‫‪215‬‬

‫‪…Dr. Selçuk Eraydın, Tasavvuf ve Tarikatlar Pg. 197 İstanbul-1994‬‬

‫وهذا نص كلمه‬

‫يا‪Allah’ta fani olmak: beşeri sıfatların, Hakk’ın sıfatlarında kaybollması; Resul’de fani olmak ise insanî:‬‬
‫حرف ً‬

‫‪.sıfatların peygamber’in sıfatlarında kaybolması demektir‬‬
‫لمزيد من المعرفة حول مفهوم الفناء في اعتقاد النقشبندّية راجع المصادر التالية‪:‬‬
‫* نعمة الله بن عمر‪ ،‬الرسالة المدنية ص‪ .43 /‬مخطوطة دمشق ‪ 1213 -‬هـ‪) .‬الرسالة الثانية من مجموعة «الزمرد‬
‫العنقاء»(‬

‫‪TDV. İSAM. 297. 7‬‬

‫* أحمد البقاعي‪ ،‬رسالة في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪) .51 /‬الرسالة الثانية من مجموعة «الزمرد العنقاء»(‬
‫‪.46644‬‬

‫‪TDV. İSAM. 297. 7‬‬

‫م ستة أشخاص من النقشبندّيين التراك ص‪ .2/63 /‬دار سراج إسطنبول ـ‬
‫د ُ‬
‫* روح الفرقان‪ ،‬بقلم جماع ٍ‬
‫ة عد ُ‬
‫ه ْ‬
‫‪1992‬م‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫قسموها على ثلث مراتب‪ :‬الفناء في الشيخ‪،‬‬
‫والفناء في الرسول‪ ،‬والفناء في الله‪ .‬قال نعمة‬
‫الله بن عمر حول هذه الهرطقة‪ ،‬وهو من‬
‫ي‪ .‬قال في كتابه «الرسالة‬
‫معاصري خالد البغداد ّ‬
‫المدنّية»‪ 216‬في باب الرابطة‪:‬‬
‫ت مجّردَ ذكر القلب‪ ،‬ل يعدل عليه‬
‫مل َ‬
‫«وإذا تأ ّ‬
‫شيء‪ .‬فهذه النعمة تحصل بالمحبة بين المريد‬
‫ن الفناء في الشيخ‬
‫وشيخه من الجانبين‪ .‬ل ّ‬
‫ء في الرسول؛ والفناء في الرسول‬
‫دمة الفنا ِ‬
‫مق ّ‬
‫‪217‬‬
‫مقدمة الفناء في الله والبقاء بالله‪».‬‬
‫ورت الطريقة النقشبندّية واستمّرت‬
‫هكذا تط ّ‬
‫في مسيرتها بين تبديل وتحريف وزيادة‬
‫ونقصان واقتباس وتكييف وتأويل وتقليد‬
‫وتعطيل على يد شيوخ هذه الطائفة إلى أن‬
‫ء‬
‫ألبسوها كسوة من هذا التأويل الخطير للفنا ِ‬
‫ء الصوفّية‪.‬‬
‫ء خلفا ً لمن وضعهما من قدما ِ‬
‫والبقا ِ‬
‫وبهذا السلوب اّلذي يد ّ‬
‫ل على عدم استقرار‬
‫دهم‬
‫الطريقة النقشبندّية‪ ،‬كتموا تارةً مقصو َ‬
‫وا به‬
‫ي من هذين المفهومين‪ ،‬وتارةً َباح ُ‬
‫الحقيق ّ‬
‫مد أمين‬
‫كما جاء في المواهب السرمدّية لمح ّ‬
‫ي‪ ،‬وهذا‬
‫الكرد ّ‬
‫ي نقل ً عن أحمد الفاروق ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫ه‪:‬‬
‫ص كلم ِ‬
‫ن ّ‬
‫ء كما قال أرباب التوحيد‬
‫ت الله عين الشيا ِ‬
‫«وجد ُ‬
‫ت الله‬
‫ي من متأخري الصوفّية‪ .‬ثم وجد ُ‬
‫الوجود ّ‬
‫في الشياء من غير حلول ول سريان‪ .‬ثم ترقيت‬
‫ت‬
‫في البقا ِ‬
‫ء‪ .‬وهو ثاني قدم في الولية‪ .‬فوجد ُ‬
‫ه عينها‪ ،‬بل عين‬
‫الشياءَ ثانًيا‪ .‬فوجد ُ‬
‫ت الل َ‬
‫‪216‬‬

‫أصدر كتابه بهذه التسمية على سبيل النتقاد لبن عربي في تسميته كتاًبا له بعنوان «الفتوحات‬

‫المكية»‪ .‬فثبت بهذا مرة أخرى أن النقشبندّيين على اختلف في كثير من حديثهم‪ ،‬وعباراته‪ ،‬ومواقفهم؛ وأنهم‬
‫عا وقلوبهم شّتى‪.‬‬
‫وامة خطيرة من التعارض والتناقض والتلفيق والتضارب‪ .‬تحسبهم جمي ً‬
‫في د ّ‬

‫‪217‬‬

‫نعمة الله بن عمر‪ ،‬الرسالة المدنية ص‪) .43 /‬الزمرد العنقاء(‬

‫‪TDV. İSAM. 297. 7 46644‬‬

‫‪175‬‬

‫ء بل في‬
‫ه تعالى في الشيا ِ‬
‫نفسي‪ .‬ثم وجدت ُ ُ‬
‫‪218‬‬
‫ء بل مع نفسي‪».‬‬
‫نفسي؛ ثم مع الشيا ِ‬
‫ونته‬
‫كذلك جاء من نحو هذا في كتاب خطير د ّ‬
‫جماعة من النفشبنديين بالّلغة التركّية تحت‬
‫‪219‬‬
‫عنوان «تفسير روح الفرقان»‬
‫***‬

‫* وحدة الوجوِد‪.‬‬
‫ي‬
‫ما فكرة «وحدة الوجود» فإّنها مذه ٌ‬
‫أ ّ‬
‫ب فلسف ّ‬
‫قديم‪ .‬قالت بها جماعة من قدماء فلسفة‬
‫اليونان‪ .‬وهم؛ بارمينيديس‪ ،‬وزنون‪ ،‬وأفلطون‪،‬‬
‫وبلوتينوس‪ ،‬وطائفة الرواقيين‪ .‬ثم اغتّر بهذه‬
‫وفة؛ كحسين بن‬
‫الفكرة واعتنقها بعض المتص ّ‬
‫منصور الح ّ‬
‫لج‪ ،‬ومحي الدين بن عربي‪ ،‬وسليمان‬
‫بن على بن عبد الله التلمساني‪ ،‬وابن الفارض‪،‬‬
‫ي‪،‬‬
‫وفريد الدين العطار‪ ،‬وعبد الكريم الجيل ّ‬
‫ن على شاكلتهم‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ويونس أمراه التركماني و َ‬
‫نك ّ‬
‫ل‬
‫ل‪ :‬بأ ّ‬
‫تتمّثل فكرة وحدةُ الوجوِد في القو ِ‬
‫وأّنه‬
‫شيء في الكون ليس إل ّ أجزاءً من الله‪َ ،‬‬
‫ليس ثمة فرق بين ما هو خالق وما هو مخلوق‪.‬‬
‫ل أصحاب هذه العقيدة )وهم ج ّ‬
‫يستد ّ‬
‫ة(‬
‫ل الصو ِ‬
‫في ّ ِ‬
‫َ‬
‫‪220‬‬
‫وا َ‬
‫بقوله تعالى‪َ } :‬‬
‫ه‪{.‬‬
‫ه الل ِ‬
‫و ْ‬
‫ج ُ‬
‫فث َ ّ‬
‫فأي ْن َ َ‬
‫م َ‬
‫ول ّ ُ‬
‫ما ت ُ َ‬
‫نك ّ‬
‫ل شيء في السماوات والرض‬
‫يعنون بذلك أ ّ‬
‫ب‬
‫ي وملئك ٍ‬
‫ة ودوا ّ‬
‫ي وجن ّ ّ‬
‫ر‪ ،‬وإنس ّ‬
‫ر وكبي ٍ‬
‫من صغي ٍ‬
‫س‪ ،‬إّنما‬
‫ونبا ٍ‬
‫ت وجماٍد ورط ٍ‬
‫س وطاه ٍ‬
‫ر ونج ٍ‬
‫ب وياب ٍ‬
‫ة من الذات اللهّية؛‬
‫هي جميعا ً أجزاءٌ متفّرق ٌ‬
‫ه‬
‫وأنوا ٌ‬
‫ه وجلل ِ‬
‫س من سحر ِ‬
‫ع وألوا ٌ‬
‫ن وعكو ٌ‬
‫ه؛ وهو عينها وحقيقتها؛ وليس في‬
‫وجمال ِ‬
‫‪218‬‬

‫ي الربلى‪ ،‬المواهب السرمدية ص‪.182 /‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪219‬‬

‫التفسير المذكور ص‪.2/63 /‬‬

‫‪220‬‬

‫سورة‬

‫البقرة‪115 /‬‬

‫‪176‬‬

‫ه‬
‫الوجود إل الله‪ .‬بهذه العقيدة يتناولون قول َ ُ‬
‫‪221‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ن‪{.‬‬
‫وال ِ‬
‫تعالى} ُ‬
‫والظا ِ‬
‫وال َْباطِ ُ‬
‫هُر َ‬
‫خُر َ‬
‫ل َ‬
‫و ال ّ‬
‫ه َ‬
‫عت َ َ‬
‫ن‬
‫د ِ‬
‫ق ِ‬
‫م‪:‬أ ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ولونها ويقصدون بهذا في ُ‬
‫ويتأ ّ‬
‫مها‪،‬‬
‫الله هو هذه الشياء والعيان والكائنات بتما ِ‬
‫مها‬
‫مها وأحجا ِ‬
‫وهيئاِتها وأشكاِلها وأبعاِدها وأجسا ِ‬
‫ة‪ .‬ومن‬
‫ة و وحدةٌ في كثر ٍ‬
‫وهي كثرةٌ في وحد ٍ‬
‫ذلك قول عمر بن الفارض‪:‬‬
‫دد في المرائي * وبه تـحّير ك ّ‬
‫ل رائي‬
‫ه تع ّ‬
‫وج ٌ‬
‫فالكــائنات بأمره * موج على صفحات ماء‬
‫فالمر أمر واحـد * فيه التـقارب والتـنائي‪.‬‬
‫ق‬
‫ويقول محي الدين بن عربي « أل ترى الح ّ‬
‫يظهر بصفات المحدثات‪ ،‬وأخبر بذلك عن نفسه‪،‬‬
‫م؛ أل ترى المخلوق‬
‫وبصفات النقص وبصفات الذ ّ‬
‫ولها إلى آخرها‪ ،‬كّلها‬
‫يظهر بصفات الحق من أ ّ‬
‫‪222‬‬
‫ق له كما هي صفات المحدثات حق للحق»‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ي بالموضوع‬
‫ة لما سبق‪ .‬وقد ُ‬
‫كانت هذه خلص ٌ‬
‫عن ِ َ‬
‫أهل البحث واختلفوا فيه بين رادّ ومدافع‪ .‬ففي‬
‫ن ردّ عليهم‪ ،‬الع ّ‬
‫لمة علي القاري‪ .‬له‬
‫دم ِ‬
‫مق ّ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫رسالة قّيمة بعنوان «الردّ علي القائلين بوحدة‬
‫ع على‬
‫الوجود»‪ 223.‬وممن تناول هذا الموضو َ‬
‫ص اسمه عمر فريد كام‪.‬‬
‫سبيل الدفاع عنه‪ ،‬شخ ٌ‬
‫‪224‬‬
‫له «رسالة وحدة الوجود» بالّلغة التركّية ‪ .‬وقد‬
‫ي في‬
‫تطّرق إلى هذا البحث أبو الحسن الندو ّ‬

‫‪221‬‬

‫سورة الحديد‪.3/‬‬

‫‪222‬‬

‫محي الدين بن عربي‪ ،‬فصوص الحكم ص‪.80 /‬‬

‫‪223‬‬

‫تحقيق على رضا بن عبد الله بن علي رضا‪ ،‬مكتبة مركز البحوث السلمّية ـ إسطنبول‪.‬‬

‫‪TDV. İSAM.297.7‬‬

‫‪ALİ-R‬‬

‫‪224‬‬

‫تحقيق الستاذ المساعد أدهم جبه جي أغلو‪ ،‬منشورات رئاسة الشؤون الدينّية رقم‪ .324/91 :‬أنقره‪-‬‬

‫‪1994‬م‪ .‬تناول المؤّلف هذه العقيدة مقارًنا بين تعريف الصوفّية وتعريف الفلسفة لعقيدة وحدة الوجود المعّبر‬
‫عنها بكلمة ‪ .Pantheisme‬بيد إّنه تبّنى في النهاية رأي الصوفّية فيها ووصفهم بأهل العرفان فأصبح هو الخر‬
‫مدافعا من وراء عقيدة وحدة الوجود‪ ،‬ولكن بصيغة تنزيهية لجنابه تعالى‪) .‬ص‪.(121-115 /‬‬

‫‪177‬‬

‫المجّلد الثاني من كتابه المعروف «رجال الفكر‬
‫‪225‬‬
‫والدعوة في السلم»‬
‫ن‬
‫ما موقف النقشبندّيين من هذه المسألة‪ ،‬فا ّ‬
‫أ ّ‬
‫مهم وإجلَلهم للوجوديين والحلوليين يدل‬
‫تعظي َ‬
‫على استحسانهم لفكرة وحدة الوجود والحلول‬
‫والتحاد‪ .‬إذ ل يكاد أحد منهم يرضى بما ورد عن‬
‫ء من الطعن في الحلّج‪ ،‬وابن عربي‬
‫العلما ِ‬
‫وغيرهما من الوجوديين والحلوليين‪ .‬بل‬
‫يتعاطون حديَثهم في مجالسهم مع الحترام‬
‫دونهم‬
‫والتوقير لشأنهم‪ ،‬ويطالعون كتَبهم‪ ،‬ويع ّ‬
‫من أهل الفيوضات الرّبانّية والكرامة والبركة؛‬
‫ويقولون عن الح ّ‬
‫لج إّنه شهيد‪ ،‬ويصفون ابن‬
‫عربي بـ«الشيخ الكبر»‪.‬‬
‫منه‬
‫والغلب أ ّ‬
‫ن ذلك ناشيء عن جهلهم بما تتض ّ‬
‫ة وإلحاد في‬
‫عقيدةُ وحدة الوجود من زندق ٍ‬
‫صفات الحق سبحانه بما يستحيل عليه‪ ،‬إلى‬
‫سخافات يتجافى لسان المؤمن عن النطق بها‪.‬‬
‫لن شيوخ النقشبندّية ‪ -‬في حقيقة المر‪ -‬هم‬
‫أبعد الناس عن ساحة العلم والمعرفة‪ ،‬وأكثرهم‬
‫خمو ً‬
‫صًبا‪ ،‬كما سنشرح أحوالهم‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وأشدهم تع ّ‬
‫ة عن‬
‫ت شافي ً‬
‫ونبّين سلوكهم‪ ،‬وننقل معلوما ٍ‬
‫ن‬
‫مستوياتهم وشخصّياتهم في الفصل الرابع إ ْ‬
‫شاء الله تعالى‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وإن لم يكن للنقشبندّيين إلمام كبير بعقيدة‬
‫ة‪ ،‬ولكّنهم يدخلون في عداد‬
‫وحدة الوجود مباشر ً‬
‫قّر بهذه العقيدة على أق ّ‬
‫ل تقدير؛ وذلك‬
‫ن يُ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫لسباب ثلثة‪:‬‬
‫و ّ‬
‫ن ذهب هذا المذهب كما‬
‫م ْ‬
‫قرون َ‬
‫ولها‪ :‬أّنهم ي ُ َ‬
‫أ ّ‬
‫سبق الحديث عنه آنفا‪.‬‬
‫‪225‬‬

‫دار القلم‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬الكويت‪1994 -‬م‪ .‬ص‪.258 ،251 ،248 ،239 ،217 ،170 ،118 ،31 ،30 /‬‬

‫‪178‬‬

‫ن كثيًرا من عقائدهم منبثقة من‬
‫وثانيها‪ :‬أ ّ‬
‫الديانة البوذّية اّلتي تعتمد على عبادة‬
‫ي يعبد الشجر والحجر والقرد‬
‫المخلوقات‪ .‬فالبوذ ّ‬
‫ه الشي َ‬
‫دسه‬
‫خ ويق ّ‬
‫ي يؤل ّ ُ‬
‫والبقر‪ .‬وكذلك النقشبند ّ‬
‫جا‬
‫في حياته وبعد مماته إلى درجة ل يراه محتا ً‬
‫ها‬
‫من َّز ً‬
‫إلى رحمة الله؛ بل يراه مستغنًيا عنها و ُ‬
‫من أن يدعو له بالمغفرة‪ ،‬بأن يقول «رحمه‬
‫الله» أو «رحمة الله عليه» إن كان قد مات‪.‬‬
‫ولكن يقول « َ‬
‫ده جزءً من‬
‫ه ِ‬
‫ه»‪ .‬إذ يع ّ‬
‫سّر ُ‬
‫س الل ُ‬
‫قدّ َ‬
‫الله‪ .‬يد ّ‬
‫ل على اعتقادهم هذا‪ ،‬ما نقله إبراهيم‬
‫الفصيح في مسته ّ‬
‫ل كتابه «تحفة العشاق» إّنه‬
‫«قال القاضي عياض في الباب الرابع من‬
‫القسم الثاني في الشفاء نقل ً عن أبي بكر‬
‫ي‬
‫ي‪ :‬أ ّ‬
‫القشير ّ‬
‫ن الصلة من الله لمن دون النب ّ‬
‫ة؛ وقال الشارح الشهاب‪ :‬أي طلب أن‬
‫رحم ٌ‬
‫ي فمرحوم بأعلى أنواع‬
‫يرحمه الله‪ .‬وأما النب ّ‬
‫الرحمة‪ ،‬فهو غير محتاج لن ُيدعى له بها‪».‬‬
‫ة للنقشبندّيين‬
‫ت في موسوع ٍ‬
‫وقد جاءت عبارا ٌ‬
‫ضمن ترجمة طه اله ّ‬
‫حمون‬
‫ي تفيد أنّهم يتر ّ‬
‫كار ّ‬
‫ن‬
‫على من ل يزال في قيود نفسه‪ ،‬ويق ّ‬
‫م ْ‬
‫دسون َ‬
‫كان قد حظي بالنجاة من قيودها على حسب‬
‫زعمهم‪ .‬كذلك ك ّ‬
‫دس‬
‫ل شيء يّتصل به فهو مق ّ‬
‫عندهم؛ حّتى كلبه وق ّ‬
‫وحّتى مخاطه‬
‫طه‪ ،‬بل َ‬
‫ما يعّبر المريد عن محّبته‬
‫وبوله وفضلته! وكثيًرا ّ‬
‫ب‬
‫وصداقته وتفانيه لشيخه بقوله «أَنا ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ك ِل َ ِ‬
‫‪226‬‬
‫ي بالذات‪.‬‬
‫ت»‬
‫دا ِ‬
‫سا َ‬
‫ال ّ‬
‫هذا لفظ خالد البغداد ّ‬
‫ي!!‬
‫فما بالك بالمريد البدوي البدائ ّ‬
‫ء والنصهار في‬
‫كذلك يعتقد النقشبندّيون بالفنا ِ‬
‫ن المخلوق يح ّ‬
‫ل فيه‪،‬‬
‫الذات اللهّية‪ .‬ومعنى ذلك أ ّ‬
‫أو هو يح ّ‬
‫ل في المخلوق‪ .‬إ ً‬
‫ذا يجوز عندهم أن‬
‫‪226‬‬
‫ص‪/‬‬

‫ي»‬
‫ي في نصرة مولنا خالد النقشبند ّ‬
‫مد أمين بن عمر بن عبد العزيز )ابن عابدين(‪« ،‬سل الحسا الهند ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪37‬‬

‫‪179‬‬

‫تكون الشياء أجزاءً منه؛ أو أن يكون هو هذه‬
‫الجزاء المتفّرقة في الكون‪ .‬تعالى الله عن ذلك‬
‫وا كبيًرا‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫لج‬
‫ي‪ .‬وهي أ ّ‬
‫وثالثها‪ :‬سب ٌ‬
‫ي وعصب ّ‬
‫ب تاريخ ّ‬
‫ة‬
‫ن دول َ‬
‫ب‪ ،‬ويرى أ ّ‬
‫ي الصل يكره العر َ‬
‫كان فارس ّ‬
‫ت على أيديهم‪ .‬فكان شعوبّيا‬
‫آبائ ِ ِ‬
‫ه انقرض ْ‬
‫ه‬
‫صب لقومه المجوس‪ ،‬حّتى دفعته أغرا ُ‬
‫ض ُ‬
‫يتع ّ‬
‫ة على الدولة‬
‫النفسي ُ‬
‫ة وحقدُهُ على إشعال ثور ٍ‬
‫ش َ‬
‫ت‬
‫ة بها‪ ،‬إلى أن ك ُ ِ‬
‫دا للطاح ِ‬
‫العّباسية‪ ،‬إستعدا ً‬
‫ف ْ‬
‫ه التى كان يحيكها وُيخفيها من‬
‫أسراُرهُ ومؤامرات ُ ُ‬
‫ة‪ ،‬ف ُ‬
‫قتل‪.‬‬
‫ة متصّنع ٍ‬
‫ة صوفي ٍ‬
‫وراء حيا ٍ‬
‫كذلك النقشبندّيون )التراك على وجه‬
‫ن جميع‬
‫ب‪ ،‬ويعتقدون أ ّ‬
‫الخصوص( يكرهون العر َ‬
‫هابّيون وعصاةٌ خارجون على الدولة‬
‫العرب و ّ‬
‫دسة» في اعتقادهم‪ .‬ذلك‬
‫العثمانّية «المق ّ‬
‫دى إلى نتائج خطيرة‪.‬‬
‫صبهم القومي اّلذي أ ّ‬
‫لتع ّ‬
‫ي اليوم قد‬
‫منها أن الغلبّية من العنصر الترك ّ‬
‫أصيبت بمر ّ‬
‫كب النقص‪ ،‬لغلبة الّلغة العربّية على‬
‫ة تقرب من ألف سنة‪ .‬وهم‬
‫حقب ٍ‬
‫لغتهم عبر ُ‬
‫يبحثون في الونة الخيرة عن سبيل التخّلص‬
‫من هذا التأثير‪ .‬ويرى الكثير من المارقين من‬
‫ن الخروج من هذا المأزق ل‬
‫أبناء هذا الشعب «أ ّ‬
‫يمكن إل ّ أن يح ّ‬
‫ي ربقة السلم‬
‫ل المجتم ُ‬
‫ع الترك ّ‬
‫دى جموع‬
‫ما»‪ .‬وإذا كان اليوم تتح ّ‬
‫من عنقه تما ً‬
‫غفيرة من ملحدة التراك بهذه الفكرة الخطيرة‬
‫ي اّلذي‬
‫عن ج ّ‬
‫د‪ ،‬واستعداٍد‪ ،‬فان للتع ّ‬
‫صب القوم ّ‬
‫ء هذه‬
‫أثاره النقشبندّيون تأثيًرا كبيًرا في إبدا ِ‬
‫صب هو القاسم‬
‫الجرأة والغطرسة‪ .‬وهذا التع ّ‬
‫المشترك بينهم وبين الح ّ‬
‫لج‪ .‬وفي هذا دلئل‬
‫ن الصلة‬
‫كثيرة‪ .‬فقد أفتى شيخ لهم أخيًرا «بأ ّ‬
‫ي‪ ،‬ول يجوز‬
‫ة عند القتدا ِ‬
‫باطل ٌ‬
‫ء بإمام و ّ‬
‫هاب ّ‬
‫هابّيون!» فزجر‬
‫القتداء بأئمة الحرمين؛ لّنهم و ّ‬

‫‪180‬‬

‫مريديه عن ذلك وألزمهم بإعادة الصلة إذا‬
‫ي في ديار‬
‫اضطّر أحدهم أن يقتدي بإمام ٍ عرب ّ‬
‫الحجاز‪.‬‬
‫ي هذا على معظم‬
‫وقد أّثر موقفهم السلب ّ‬
‫ي‪ ،‬بحيث ل يكاد أحد منهم يشعر‬
‫الشعب الترك ّ‬
‫في نفسه بمحبّة العرب إل ّ قّلة‪ ،‬ول يدور حديث‬
‫العرب في مجلس من مجالس النقشبندّية‬
‫التراك إل ّ وضربوا مثال ً من قذارتهم وخيانتهم‬
‫دونها‬
‫دسونها ويع ّ‬
‫للدولة العثمانّية‪ .‬لنهم يق ّ‬
‫ها دون بقّية‬
‫وَرث َت ُ َ‬
‫صانعة أمجادهم على أنهم َ‬
‫ملون قسطاً‬
‫العناصر من المسلمين‪ .‬ولهذا يح ّ‬
‫كبيًرا من مسؤولية سقوطها على العرب اّلذين‬
‫عملوا على استقللهم وانفصلوا عن الدولة‬
‫العثمانّية بعد الحرب العالمّية الولى؛ كما‬
‫دون زيارة‬
‫دسون أضرحة سلطينها‪ ،‬ويع ّ‬
‫يق ّ‬
‫قبورهم من ال ُ‬
‫عا من‬
‫قُرَبات‪ .‬إذ يعتبرونهم جمي ً‬
‫أولياء الله الصالحين‪) .‬أى من أولئك الولياء‬
‫صة‪(.‬‬
‫الموصوفين في عقيدتهم الخا ّ‬
‫كذلك يو ّ‬
‫قرون ابن عربي بسبب المصاهرة‪ .‬لّنه‬
‫أقام في مدينة قونية‪ .‬وهي من كبريات مدن‬
‫وج من والدة صدر الدين‬
‫تركيا منذ القديم‪ .‬وتز ّ‬
‫وي اّلتي كانت أرملة‪ .‬والصدر ال ُ‬
‫ال ُ‬
‫ي‪ ،‬من‬
‫و ّ‬
‫قن َ ِ‬
‫قن َ ِ‬
‫وفة التراك‪ ،‬اّلذين تفخر بهم‬
‫مشاهير متص ّ‬
‫النقشبندّية‪ .‬وهو ممن شرح فصوص الحكم‪،‬‬
‫ونحى منحى مؤّلفه‪.‬‬
‫تتا ّ‬
‫صبون للحلّج‬
‫كد الشارة هنا إلى أ ّ‬
‫ن اّلذين يتع ّ‬
‫ي‬
‫وابن عربي وابن عطاء الله السكندر ّ‬
‫وأمثالهم‪ ،‬إنما يدافعون عنهم وعن أفكارهم‬
‫لسببين رئيسّيين‪.‬‬
‫ولهما‪ :‬أن فري ً‬
‫حرين في‬
‫ب المتب ّ‬
‫قا من العر ِ‬
‫أ ّ‬
‫الّلغة العربّية وآدابها اّلذين أصبحوا من فحولها‪،‬‬

‫‪181‬‬

‫ة من ُأدباء الصوفّية وشعراَئهم‪،‬‬
‫قد غبطوا طائف ً‬
‫سوا‬
‫وافتتنوا بسحر ما نسجته أقلمهم‪ ،‬وأح ّ‬
‫بتأثير بالغ في نفوسهم‪ ،‬فانهمكوا في مطالعة‬
‫ء الصوفّية حّتى خطفت أبصاَرهم‬
‫تصانيف هؤل ِ‬
‫ي البارع‪ ،‬وحارت عقولهم في‬
‫لمع ُ‬
‫ة جمالها الدب ّ‬
‫عمق معانيها النابعة من حكمة فلسفة الغريق‪،‬‬
‫ت‬
‫فاهتّزت نفوسهم لهديرها ونبراتها‪ ،‬وحن ّ ْ‬
‫عواطفهم وفارت ل ّ‬
‫طراد أبوابها وحسن‬
‫ء عباراتها‬
‫تراكيبها الموزونة المرصوفة في بنا ِ‬
‫ي‪،‬‬
‫وهم قّلة‪ .‬كجلل الدين عبد الرحمن السيوط ّ‬
‫هاب الشعراني‪ ،‬وعبد الغني‬
‫وعبد الو ّ‬
‫‪227‬‬
‫ي‪.‬‬
‫النابلس ّ‬
‫ة العرب‪ ،‬وعلى رأسهم‬
‫َ‬
‫ذلك أن‬
‫مشاهير صوفي ّ ِ‬
‫ابن عربي‪ ،‬قد انتقوا ألفا ً‬
‫ظا من قاموس هذه‬
‫الّلغة كأّنهم استخرجوا الجواهر من بحورها‪.‬‬
‫بخ ّ‬
‫ر‪ ،‬نظموا‬
‫ر‪ ،‬وأسلو ٍ‬
‫فكتبوا ببيا ٍ‬
‫لب فاخ ٍ‬
‫ن زاخ ٍ‬
‫يواقيت الكلم في جيد السطور‪ ،‬ونثروا من درر‬
‫الكلمات على الصفحات؛ فجاء تعبيرهم ناط ً‬
‫قا‬
‫ة وخيالتها‪.‬‬
‫ورات النفس البشري ّ ِ‬
‫عن أروع تص ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫فاستطاعوا بذلك أن يد ّ‬
‫سوا الس َ‬
‫م في العس ِ‬
‫ولت لهم أنفسهم؛ فنفذوا إلى أعماق‬
‫كما س ّ‬
‫س‬
‫ب مريض ٍ‬
‫قلو ٍ‬
‫ة‪ ،‬وتسّربوا إلى قرارة نفو ٍ‬
‫ت شهرُتهم‬
‫ة حّتى شا َ‬
‫ضعيف ٍ‬
‫ع صيُتهم‪ ،‬وبلغ ْ‬
‫ن هؤلء‬
‫الفا َ‬
‫ن جمهوٌر من الناس أ ّ‬
‫ق‪ ،‬فظ ّ‬
‫صته‪ ،‬آتاهم الله‬
‫الصوفّية هم أحّباء الله وخا ّ‬
‫الحكمة بهذه البلغة اّلتي تبهر العقول‪ .‬فلم يكد‬
‫أحدٌ قادًرا بعد ذلك على إحباط ما أذاعوا من‬
‫‪227‬‬

‫مسوا في الدفاع عنه‪ ،‬فصّنف‬
‫إ ّ‬
‫ن هؤلء الثلثة اّلذين غلبتهم العاطفة في مدح ابن عربي‪ ،‬فقد تح ّ‬

‫ي كتاًبا في ذلك تحت عنوان «تبرئة الغبي عن طعن ابن عربي»‪ ،‬ولكن يبدو إّنه قد رجع من رأيه في‬
‫السيوط ّ‬
‫ي فقد أطنب في مدحه لبن‬
‫هذا الدفاع حسبما أثبته بعض المعاصرين من أهل البحث والتحقيق‪ .‬أ ّ‬
‫ما الشعران ّ‬
‫عربي بذكر مآثره ما يقوم مقام الدفاع عن عقيدته ضمن كتابه اّلذي سماه «الكبريت الحمر في بيان علوم‬
‫دى بحماس بالغ للدفاع عنه في كتابه اّلذي سماه «الراد‬
‫الشيخ الكبر»‪ .‬وكذلك عبد الغني النابلسي‪ ،‬قد تص ّ‬
‫ء الثلثة اّلذين جرفتهم العاطفة إلى‬
‫المتين على منتقض العارف بالله محي الدين » وثم عدد آخر من أمثال هؤل ِ‬
‫درين من التراك في عجالة له‪.‬‬
‫هذه الساحة‪ ،‬فقد جمع أسمائهم بعض المتص ّ‬

‫‪182‬‬

‫وه‪ ،‬فغدا‬
‫وه في صورة الح ّ‬
‫ق المش ّ‬
‫الباطل المن ّ‬
‫هذا العجاب والعتقاد بهم أمًرا متصل ًّبا في‬
‫ُ‬
‫س عاطفّيين في ك ّ‬
‫ر‬
‫ل عص ٍ‬
‫ضمير معش ٍ‬
‫ر من أنا ٍ‬
‫عب َْر الجيال حّتى اليوم‪.‬‬
‫تسلسل َ‬
‫س َ‬
‫ن فري ً‬
‫ء‬
‫طا ِ‬
‫وثاني هذين السببين‪ :‬أ ّ‬
‫قا آخر من ب ُ َ‬
‫المتعّلمين المتطّبعين بالتقليد المحض‬
‫والمحرومين من الذوق والنظر والعتبار‪،‬‬
‫ول من‬
‫ت أقل ُ‬
‫انخدعوا بما حاك ْ‬
‫م الفريق ال ّ‬
‫وهوا به من‬
‫عبارات الدفاع عن الزنادقة‪ ،‬وما تف ّ‬
‫ح لهم‪ ،‬وما أطنبوا في مناقبهم ومآثرهم‬
‫مدائ َ‬
‫َ‬
‫المخت َل َ‬
‫ء عليهم والعجاب‬
‫ة‪ ،‬وما بالغوا في الثنا ِ‬
‫ق ِ‬
‫سهم وصاروا لهم من‬
‫بهم‪ .‬فاستيقن ْ‬
‫ت أنف ُ‬
‫التابعين‪ .‬وغالب هؤلء المقّلدين هم الشيوخ‬
‫الجهلة للطائفة النقشبندّية‪.‬‬
‫ن فكرة «وحدة الوجود»‬
‫بالضافة إلى هذا‪ ،‬فا ّ‬
‫لها جاذبّية شديدة في سحر العقول وتشويش‬
‫العواطف وتخدير الدمغة‪ ،‬فينساق من وراء‬
‫أحلمها التائهون في دياجي الشبهات‪ ،‬ويلهث‬
‫ن هذه‬
‫المتحّيرون نحو سرابها فيحسبون أ ّ‬
‫ي انصّبت‬
‫الفكرة حكمة منبثقة من الوحي الله ّ‬
‫على قلوب هؤلء الصوفّية من ملكوت الله‪ .‬فل‬
‫يتو ّ‬
‫ء فيه‬
‫ن كانوا قد نطقوا بشي ٍ‬
‫قعون منهم أ ْ‬
‫ه‪ ،‬لما في قلوبهم من عظمة أولئك‬
‫معصية الل ِ‬
‫الزنادقة‪ ،‬حّتى لو وجدوا في عباراتهم من ألفاظ‬
‫الكفر واللحاد‪ ،‬ترى المنبهرين بهم من‬
‫ن هذه اللفاظ‬
‫النقشبندّيين يدافعون عنهم‪ :‬أ ّ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫فيها ِ‬
‫ه‪ ،‬أو صدر ْ‬
‫ن ل يدركها إل ّ أهل ُ‬
‫حك َ ٌ‬
‫م ومعا ٍ‬
‫ة من السكر ل يفهمها ول يقدُّرها‬
‫منهم في حال ٍ‬
‫غيرهم!‬
‫ن‬
‫ولكن بالرغم من هذا الدفاع الواله‪ ،‬فا ّ‬
‫ألفا َ‬
‫ةك ّ‬
‫ل‬
‫دهم واضح ٌ‬
‫ظهم مفهوم ٌ‬
‫ة ومقاص َ‬
‫الوضوح كقول الح ّ‬
‫لج‪:‬‬

‫‪183‬‬

‫ن أهوى أنا * نحن روحـان‬
‫م ْ‬
‫أنا مَ ْ‬
‫ن أهوى و َ‬
‫حللـنا بدنا‪.‬‬
‫ه‬
‫ه * وإذا أبصـرَتـ ُ‬
‫فإذا أبصرَتني أبصـرتـ ُ‬
‫‪228‬‬
‫أبصـرَتنا‪.‬‬
‫ن العارف من يرى‬
‫ومنها ما قال ابن عربي؛ «فا ّ‬
‫نك ّ‬
‫ق في ك ّ‬
‫ل شيء‪».‬‬
‫ل شيء؛ بل يراه عي َ‬
‫الح ّ‬
‫وقد فّرط في جنب الله بكلم صريح ل مجال‬
‫ول والخر والظاهر‬
‫للتأويل فيه‪ .‬فقال «فهو ال ّ‬
‫ن في‬
‫ما ظَ َ‬
‫ما ب َطَ َ‬
‫هَر‪ ،‬وعي ُ‬
‫والباطن‪ ،‬فهو عي ُ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫م من يراه غيره‪ ،‬وما ثم من‬
‫حال ظهوره‪ ،‬وما ث ّ‬
‫يبطن عنه؛ فهو ظاهر لنفسه‪ ،‬باطن عنه‪ .‬وهو‬
‫ء‬
‫مى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسما ِ‬
‫المس ّ‬
‫‪230‬‬
‫المحدثات‪».‬‬

‫‪229‬‬

‫ولما عرض كتاب «فصوص الحكم» على سليمان‬
‫ي وقيل‬
‫بن علي بن عبد الله التلمساني الصوف ّ‬
‫له‪ -« :‬ك ّ‬
‫ل ما في هذا الكتاب يخالف القرآن!»‬
‫أجاب بقوله‪ -« :‬القرآن كّله شرك‪ ،‬وإنما التوحيد‬
‫في قولنا»‪.‬‬
‫ي عن ابن عربى وعن فكرة‬
‫هكذا دافع التلمسان ّ‬
‫ما قيل له‪-« :‬‬
‫وحدة الوجود في الوقت ذاته‪ .‬ول ّ‬
‫فما الفرق بين أختي وزوجتي؟»‪.‬‬

‫‪228‬‬

‫الحسين بن منصور الحلج‪ ،‬طواسين ص‪) .34 /‬نقل ً من كتاب اسمه «هذه هي الصوفّية»‪ ،‬للشيخ عبد‬

‫الرحمن الوكيل ص‪ .53 /‬دار الكتب العلمّية‪ ،‬بيروت‪1984 -‬م‪(.‬‬

‫‪229‬‬

‫سّنة»‬
‫ي في ضوء الكتاب وال ّ‬
‫محي الدين بن عربي فصوص الحكم ص‪) .192 /‬نقل من كتاب؛ «الفكر الصوف ّ‬

‫للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ص‪ .75 /‬مكتبة ابن تيمية الكويت‪ ،‬الطبعة الثانية(‬

‫‪230‬‬

‫سّنة» للشيخ عبد‬
‫ي في ضوء الكتاب وال ّ‬
‫المصدر السابق ص‪) .77 ،76 /‬نقل من كتاب؛ «الفكر الصوف ّ‬

‫الرحمن عبد الخالق ص‪ .83 /‬مكتبة ابن تيمية الكويت‪ ،‬الطبعة الثانية(‬

‫‪184‬‬

‫قال‪ -« :‬ل فرق عندنا‪ ،‬ولكن هؤلء المحجوبون‬
‫‪231‬‬
‫قالوا حرام‪ ،‬قلنا حرام عليكم‪».‬‬
‫كانت هذه عدد من الدلئل الواضحات على‬
‫عقيدة وحدة الوجود‪ .‬وهي قطرة من بحر‪ .‬وما‬
‫ص رزقه الله العقل والبصيرة والمعرفة‬
‫من شخ ٍ‬
‫بالّلغة العربّية إذ ي ّ‬
‫طلع على هذه العبارات‪ ،‬فل‬
‫يش ّ‬
‫ن عقيدة وحدة الوجود ليست إل ّ كما‬
‫ك في أ ّ‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫«وما الكلب والخنزير إل ّ إلهنا * وما الله إل ّ‬
‫‪232‬‬
‫راهب في كنيسة»‬
‫ن ما جاء في كتب الصوفّية من‬
‫لذا من زعم أ ّ‬
‫أمثال هذه العبارات‪ ،‬إّنما هي كلمات صدرت‬
‫ي‪ ،‬ل‬
‫ر وغلب ٍ‬
‫ق الله ّ‬
‫منهم في حالة سك ٍ‬
‫ة من العش ِ‬
‫يقف على حقيقتها إل ّ أهلها؛ فقد شهد على‬
‫مُرهُ من الحرب على الله‬
‫نفسه أّنه كاتم لما ي ُ ْ‬
‫ض ِ‬
‫كما يفعله قدماء الروحانّيين من النقشبندّية عن‬
‫د‪ ،‬فيتبعهم بقّية الشيوخ وآلف من المريدين‬
‫قص ٍ‬
‫دا بهم في هذا العتذار‪.‬‬
‫الجهلة تقلي ً‬
‫ضا يدخلون في عداد‬
‫ن النقشبندّيين أي ً‬
‫لهذا‪ ،‬فا ّ‬
‫الوجودّيين بالتأكيد؛ لحسن ظّنهم بابن عربي‬
‫وأمثاله‪ .‬يد ّ‬
‫ل على ذلك تعظيمهم لهذه الطائفة‬
‫وثناؤهم عليها في مواطن كثيرة من حديثهم‪،‬‬
‫ن اشتهر منهم بالعلم والثقافة‪ .‬وقلي ٌ‬
‫ل‬
‫م ْ‬
‫صة َ‬
‫خا ّ‬
‫ماهم!‬
‫ّ‬

‫‪231‬‬

‫وف في ميزان البحث والتحقيق» للمؤّلف‬
‫صالح المقبلى‪ ،‬ال َ‬
‫عَلم الشامخ ص‪ .569 /‬نقل ً من كتاب «التص ّ‬

‫عبد القادر سندي ص‪(.439/‬‬

‫‪232‬‬

‫مد بهاء الدين بن عبد الغني بن حسن بن إبراهيم البيطار‪ .‬تكملة النفحات القدسية في شرح‬
‫مح ّ‬

‫الصلوات العظيمة الدريسية؛ نقل من كتاب «هذه هي الصوفّية» للشيخ عبد الرحمن الوكيل ص‪64 /‬؛ وكتاب‬
‫سّنة»‪ ،‬للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ص‪153 /‬؛ )على إّنه من كلم فريد‬
‫ي في ضوء الكتاب وال ّ‬
‫«الفكر الصوف ّ‬
‫الدين العطار(؛ وكتاب‪ :‬معالم الهدى إلى فهم السلم‪ ،‬للدكتور مروان إبراهيم القيسي‪ .‬ص‪.69 /‬‬

‫‪185‬‬

‫لم ينج أحد منهم من هذا التأثير‪ ،‬لرسوخ نزعة‬
‫التقليد العمى فيهم‪ ،‬فلم تكن محّبتهم أو‬
‫دا بمن اعتقدوا فيه‪.‬‬
‫كراهيتهم لشي ٍ‬
‫ء إل ّ تقلي ً‬
‫ما يبالغون في إظهار‬
‫لذلك تجدهم دائ ً‬
‫أحاسيسهم سواء في محّبتهم أو في بغضهم‬
‫صبي‬
‫وكراهّيتهم‪ .‬كزاهد الكوثر ّ‬
‫ي‪ .‬وهو من متع ّ‬
‫حا من عباراته في‬
‫هذه النحلة كما يبدو ذلك واض ً‬
‫ك ّ‬
‫ه‬
‫ونه وصّنفه‪ .‬فقد انعكس إعجاب ُ ُ‬
‫ل ما قد د ّ‬
‫ه في مواطن كثيرة من‬
‫بنفسه واغتراُرهُ بعلم ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫ه‬
‫ديات ِ‬
‫ة ولهجته القاسي ِ‬
‫لذع ِ‬
‫كلمات ِ ِ‬
‫ة وتح ّ‬
‫ه على أهل العلم واحتقاره لهم‪ .‬ل يخلو‬
‫وهجمات ِ‬
‫م‪ ،‬أو طعن‬
‫كتاب من كتبه إل ّ وفيه استخفا ٌ‬
‫ف بعال ٍ‬
‫ل من أهل المعرفة والجتهاِد‪ .‬وربما كان‬
‫في رج ٍ‬
‫ف المتنافَر من أهل التوحيد في‬
‫اّتخاذه الموق َ‬
‫ً‬
‫ك ّ‬
‫ة‪،‬انتقاما منهم‪ ،‬ليشفي بذلك غليله‬
‫ل مناسب ٍ‬
‫وليستريح من كبته بسبب كتمانه لما كان يعتقده‬
‫من فكرة وحدة الوجود‪ .‬يبرهن على هذه‬
‫جله أبو الفضل بن عبد الله‬
‫الحقيقة ما قد س ّ‬
‫ال ُ‬
‫دمته لكتاب «الردّ على القائلين‬
‫ي في مق ّ‬
‫قنو ّ‬
‫بوحدة الوجود» تأليف علي بن سلطان القاري‪.‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫شيَر‬
‫م أن أ ِ‬
‫ي هذا التقدي َ‬
‫ه َ‬
‫«ويحسن بي قبل أن أن ْ ِ‬
‫ه‬
‫إلى شي ٍ‬
‫ر ِ‬
‫م الباحث في ترجم ِ‬
‫ء يه ّ‬
‫ة جهم ّ‬
‫ي عص ِ‬
‫صته مع مصطفى‬
‫ء علما ِ‬
‫وسو ِ‬
‫د ِ‬
‫ء بل ِ‬
‫ه الكوثر ّ‬
‫ي وق ّ‬
‫صبري‪ ،‬وذلك أّنه جرت بينهما من الخصومة‬
‫العلمّية ما يجدر أن ُيكَتب في كتاب مستق ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫ولكّني سأذكر من ذلك نب ً‬
‫ذا لعّله لم يشر إليها‬
‫كاتب قبلي ما علمت‪»:‬‬
‫ي‪ ،‬وهو كاتب‬
‫«فقد أخبرني الستاذ أمين القدس ّ‬
‫ي ُيبطن‬
‫ي يتقن العربّية أ ّ‬
‫ن الكوثر ّ‬
‫وباحث قونو ّ‬
‫ة يوم‬
‫ص ٍ‬
‫اعتقادَ مذهب أهل وحدة الوجود‪ ،‬وبخا ّ‬
‫هاجر إلى مصر‪ ،‬فبلغ بي العجب يومئذ غايته؛ إذ‬

‫‪186‬‬

‫ي أّنه حامل لواء التنـزيه‬
‫المعروف عن الكوثر ّ‬
‫بزعمه‪ ،‬فكيف يقول بمذهب الوحدة وهو أشنع‬
‫التجسيم‪ ،‬وأخبث التمثيل؟! وقال لي‪ :‬إّنه سمع‬
‫ي‪ ،‬وهو من علماء‬
‫ذلك من خاله علي القدس ّ‬
‫ك اّلذين هاجروا إلى دمشق‪ ،‬وإنه جرت‬
‫الت ّْر ِ‬
‫ي في وحدة‬
‫مناظرة بين الكوثر ّ‬
‫ي القدس ّ‬
‫ي وعل ّ‬
‫ي ينكرها‪ ،‬حّتى‬
‫الوجود‪ ،‬الكوثر ّ‬
‫ي يؤّيدها والقدس ّ‬
‫ي في‬
‫ي للكوثر ّ‬
‫كان من آخر ما قاله القدس ّ‬
‫المجلس‪ :‬أنت تقول بقول أهل الوحدة‪ ،‬فأنا‬
‫أستأذنك لذهب إلى بيت الخلء لقضي حاجتي‪،‬‬
‫ي وعرف مقصده‪ ،‬وقال أمين‪ :‬إن‬
‫فغضب الكوثر ّ‬
‫من أدلة اعتناقه هذا المذهب كتابه )إرغام‬
‫المريد( في التصوف‪ ،‬فطلبت الكتاب وقرأته‪،‬‬
‫فرأيت من الطامة ما ينضم إلى سجله المحترق‬
‫وفة وخرافاتهم‬
‫تجه ً‬
‫ما فيه من تصديق بدع المتص ّ‬
‫وتقديس مشائخهم ما شئت‪».‬‬
‫***‬

‫* وحدة الشهوِد‬
‫ضا بدعة‬
‫ما فكرة «وحدة الشهود»‪ ،‬فهي أي ً‬
‫وأ ّ‬
‫ول‬
‫فلسفّية مماثلة لهرطقة «وحدة الوجود»‪ .‬أ ّ‬
‫ن قدماء النقشبندّية‪ ،‬هو أحمد‬
‫ن قال بها ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ي المعروف بين أتباعه بـ‬
‫ي السرهند ّ‬
‫الفاروق ّ‬
‫ي»‪ .‬أثار هذه الفكرة فتذّرع بها‬
‫«المام الرّبان ّ‬
‫للّردّ على عقيدة «وحدة الوجود» على حسب ما‬
‫دعى المفتتنون به‪ .‬يبدو أّنهم قد حاولوا بذلك‬
‫ا ّ‬
‫ر ُ‬
‫ه من‬
‫سا َ‬
‫ؤا َ‬
‫ما أصاب اب َ‬
‫ن عربي وأمَثال َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫حت َ ُ‬
‫أن ي ُب ْ ِ‬
‫الوجودّيين من الطعن بالتكفير واللحاد‪ ،‬حّتى ل‬
‫يتعّرض هو الخر لتشنيغ أهل التوحيد‪ .‬بينما‬
‫ت أخرى ل تق ّ‬
‫ل‬
‫ي أي ً‬
‫ضا تخّبط في متاها ٍ‬
‫الفاروق ّ‬
‫ن‬
‫خطرا ً عما وقع فيه الوجودّيون قبله‪ .‬إذ أ ّ‬

‫‪187‬‬

‫ة بين المغتّرين به‪،‬‬
‫ه الشهيرةَ المتداول َ‬
‫رسائل َ ُ‬
‫ة بعنوان «المكتوبات» شاهدةٌ على ما‬
‫والمعروف َ‬
‫س من أنواع البدع في عقائد‬
‫قد ب ّ‬
‫ث ود ّ‬
‫المسلمين بهذه الرسائل‪ ،‬وهي أصل ً مستوحاة‬
‫من ديانات مجوس الهند‪ ،‬كما سنشرحها في‬
‫ن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫ترجمته إ ْ‬
‫ن بعض المغ ّ‬
‫ة‪:‬‬
‫د َ‬
‫عاي َ ِ‬
‫فلين قد انخدعوا ب ِ ِ‬
‫والغريب‪ ،‬أ ّ‬
‫ة عن العقيدة‬
‫ة دفاعي ٌ‬
‫ن «وحدة الشهود» صيغ ٌ‬
‫أ ّ‬
‫الحنيفة ضدّ هرطقة «وحدة الوجود»‪ .‬بينما هي‬
‫نفسها هرطقة أخرى وبدعة غالية ليست من‬
‫ن كلمة «وحدة الشهود»‬
‫السلم في شيء‪ .‬إذ أ ّ‬
‫ة‬
‫ض‪ ،‬حّتى لو كان المراد به «وحد َ‬
‫تعبٌير غام ٌ‬
‫ن النقشبندّيين‬
‫ي صفة؟ فا ّ‬
‫المشهود»؛ ولكن بأ ّ‬
‫ن وحدة‬
‫لم يذكروا شيًئا بوضوح ُيبّين لنا أ ّ‬
‫ة‬
‫الشهود يعني‪ :‬وحدة جميع الشيا ِ‬
‫ء المشهود ِ‬
‫على صفة المخلوقية لله الخالق الواحد المنـّزه‬
‫عن المشابهة بالمشهود‪.‬‬
‫فقد قال رجل من كبرائهم في صدد هذه‬
‫ي‪،‬‬
‫العقيدة «أ ّ‬
‫ن الممكن في التوحيد الشهود ّ‬
‫‪233‬‬
‫ولكن إذا‬
‫ق سبحانه»‪.‬‬
‫مرآةٌ لشهود ذات الح ّ‬
‫ن وجود المخلوق‬
‫كان مراده من هذه الصيغة‪ :‬أ ّ‬
‫يد ّ‬
‫ل على وجود الخالق‪ ،‬فلماذا لم يعّبر عن‬
‫مقصوده هكذا بوضوح على طريقة علماء‬
‫السلم‪ ،‬ولم يقتبس آية مناسبة للموضوع‪ ،‬مثل‬
‫كقوله تعالى‪} :‬أ َ َ‬
‫ف‬
‫ل ك َي ْ َ‬
‫فل َ ي َن ْظُُرو َ‬
‫ى ال ِب ْ ِ‬
‫ن ِإل َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ه بذلك السلوب‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫ت‪...‬إلخ‪{.‬؛ ولكن صاغ عبارت َ ُ‬
‫ساس الغامض على طريقة الروحانّيين؟!!!‬
‫الد ّ‬
‫ن عقيدة «وحدة الشهود» في حقيقة المر‬
‫ل ّ‬
‫ت إل ّ نسخة أخرى من عقيدة «وحدة‬
‫ليس ْ‬
‫د‪،‬‬
‫س جدي ٍ‬
‫الوجود»‪ .‬ولكنهم جاؤا بها في لبا ٍ‬
‫‪233‬‬

‫ي‪ ،‬مكاتيب شريفه )بالّلغة الفارسّية( ص‪ .174 /‬مكتبة الحقيقة إسطنبول‪-‬‬
‫غلم علي عبد الله الدهلو ّ‬

‫‪1992‬م‪ .‬وهذا نص كلمه بالفارسّية‪« :‬در توحيد شهودي‪ ،‬وجود ممكن آينهء شهود حق سبحانه مي شود»‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫وتكّلفوا أخيًرا هذه الصيغة الماكرة في الدعاية‬
‫لها بعد أن فشلوا في محاولة دعوتهم لعقيدة‬
‫ق بالباطل‬
‫«وحدة الوجود»‪ .‬وذلك لُيلِبسوا الح ّ‬
‫س َ‬
‫ة أخري في بداية المر‪ ،‬إلى‬
‫طا ِ‬
‫ء بحيل ٍ‬
‫على الب ُ َ‬
‫ن تتح ّ‬
‫قق لهم الهيمنة على دماغ من ينخرط‬
‫حي ٍ‬
‫في سلكهم ويعتنق عقيدتهم بعد مرحلة من‬
‫الرياضة‪ .‬وهذا دأبهم في الصطياد الباطني‬
‫ي هذه العقيدة اّلتي ابتدعها‬
‫يشرح السرهند ّ‬
‫بقوله‪« :‬إّنما يتح ّ‬
‫ء‬
‫ي بالفنا ِ‬
‫قق التوحيد الشهود ّ‬
‫وبنسيان ما سوى الله‪ ،‬فيستطيع السالك أن‬
‫دم من البداية إلى النهاية دون أن يظهر له‬
‫يتق ّ‬
‫شيء من العلوم والمعارف المتعّلقة بالتوحيد‬
‫‪234‬‬
‫ي؛ بل يحتمل أن ُينكر هذه العلوم»‪.‬‬
‫الوجوِد ّ‬
‫ن هذه العبارة المنقولة من إحدى رسائل‬
‫إ ّ‬
‫ّ‬
‫ي التي يَُردّ بها على عقيدة «وحدة‬
‫الفاروق ّ‬
‫الوجود»‪ ،‬فيها كفاية عن حقيقة وحدة الشهود‬
‫ي‬
‫في الوقت ذاته‪ ،‬وكذلك عن معتقدات الفاروق ّ‬
‫ة وتفصي ً‬
‫ل‪ ،‬وهو من أكابر الن ّ ْ‬
‫ق َ‬
‫ن‪ .‬إذ‬
‫جمل ً‬
‫شب َن ْ ِ‬
‫دّيي َ‬
‫ء في الله‪،‬‬
‫قّر بعقيدة الفنا ِ‬
‫م ِ‬
‫يبدو فيها واض ً‬
‫حا أّنه ُ‬
‫ن ماكر وأسلوب خطير من‬
‫م بالسلوك‪ .‬وهو ف ّ‬
‫ث ّ‬
‫مة والن ّ ْ‬
‫ق َ‬
‫صة‬
‫شب َن ْ ِ‬
‫دّيي َ‬
‫وفة عا ّ‬
‫ن خا ّ‬
‫أساليب المتص ّ‬
‫ئ على أفكارهم واتجاهاتهم‪..‬‬
‫لترويض المبتد ِ‬
‫ن مقولة «وحدة الشهود»‪ ،‬في الحقيقة تعبير‬
‫إ ّ‬
‫دخيل مثل كلمة «وحدة الوجود»‪ .‬ل صلة لها‬
‫بمفهوم السلم‪ .‬إذ لم يرد عن رسول الله ‪،‬‬
‫ول عن الصحابة‪ ،‬ول عن التابعين لهم بإحسان؛‬
‫ن الغرض‬
‫أّنهم نطقوا بمثل هذا التعبير‪ .‬ثم إ ّ‬
‫ي من هذا التعبير ل يبدو بسهولة‪ .‬وهو‬
‫الحقيق ّ‬
‫‪234‬‬

‫ي‪ ،‬المكتوبات )الرسالة رقم‪ (.272 /‬ص‪ .505 /‬باكستان‪1392 -‬هـ‪ .‬النسخة الفارسّية‬
‫ي السرهند ّ‬
‫أحمد الفاروق ّ‬

‫اّلتي أعيدت طبعها في تركيا‪ .‬مكتبة إيشك‪ .‬إسطنبول‪1977-‬م‪ .‬راجع المصادر التية لمزيد من المعرفة حول‬
‫ي»‪:‬‬
‫ي فيما اختلقه باسم «التوحيد الشهود ّ‬
‫عقيدة السرهند ّ‬
‫; )‪Dr. Selçuk Eraydın, Tasavvuf ve Tarikatlar Pg. 295. İstanbul-1994 ; A. F. Serhindi, Mektubât (Translation: Abdulkadir Akçiçek‬‬

‫‪.V/2. Letter No. 314‬‬

‫‪189‬‬

‫وش فيه المتأمل‪ .‬بينما السلم‬
‫كلم غامض‪ .‬يتش ّ‬
‫ي فضل ً‬
‫ومفاهيمه واضحة جلّية‪ ،‬تتب ّ‬
‫دى حّتى للم ّ‬
‫عن العالم؛ كما قال تعالى‪َ } :‬‬
‫ت‬
‫م ْالَيا ِ‬
‫قدْ ب َي ّّنا ل َك ُ ُ‬
‫ن‪{.‬؛‪ 235‬وقال تعالى‪َ } ،‬‬
‫م‬
‫ع ِ‬
‫و َ‬
‫إ ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫قدْ ب َي ّّنا ل َك ُ ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫قل ُ‬
‫‪236‬‬
‫وقال تعالى‪} ،‬ك َذَل ِ َ‬
‫ك‬
‫ونَ‪{.‬؛‬
‫ع ِ‬
‫ْالَيا ِ‬
‫م تَ ْ‬
‫ت لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قل ُ‬
‫ون‪{.‬؛‪ 237‬وقال‬
‫ع ِ‬
‫م آَيات ِ ِ‬
‫م تَ ْ‬
‫ه لَ َ‬
‫ي ُب َي ّ ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫قل ُ‬
‫تعالى‪} ،‬ك َذَل ِ َ‬
‫م‬
‫م ْالَيا ِ‬
‫ت لَ َ‬
‫ك ي ُب َي ّ ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ه ل َك ُ ُ‬
‫ن الل ُ‬
‫ف ّ‬
‫ونَ‪{.‬؛‪ 238‬وقال تعالى‪} ،‬ك َذَل ِ َ‬
‫ت َت َ َ‬
‫ه‬
‫ك ي ُب َي ّ ُ‬
‫ن الل ُ‬
‫كر ُ‬
‫ن‪{.‬؛‪ 239‬وقال تعالى‪،‬‬
‫م آَيات ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه لَ َ‬
‫مت ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫هَتد ُ‬
‫‪240‬‬
‫ة للمّتقين‪{.‬؛‬
‫ى وموعظ ٌ‬
‫}هذا بيا ٌ‬
‫ن للناس وهد ً‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ب ت ِب َْياًنا ل ِك ُ ّ‬
‫ل‬
‫وقال تعالى‪} ،‬ون َّزل َْنا َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫‪241‬‬
‫وب ُ ْ‬
‫ن‪{.‬؛‬
‫م ً‬
‫و ُ‬
‫وَر ْ‬
‫م ْ‬
‫سِلمي ِ َ‬
‫ى ل ِل ْ ُ‬
‫شر َ‬
‫ح َ‬
‫هد ً‬
‫ة َ‬
‫ى َ‬
‫شيء َ‬
‫وقال تعالى‪} ،‬ك َذَل ِ َ‬
‫ت لِ َ‬
‫ك نُ َ‬
‫صل ْالَيا ِ‬
‫ف ّ‬
‫ق ْ‬
‫وم ٍ‬
‫‪242‬‬
‫ف ّ‬
‫ول َ َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫سْرَنا‬
‫ونَ‪{.‬؛‬
‫قدْ ي َ ّ‬
‫وقال تعالى‪َ } ،‬‬
‫كر ُ‬
‫‪243‬‬
‫ن َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر‪{.‬‬
‫ل ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ن ُ‬
‫مدّك ِ ٍ‬
‫ما ب ُ َ َ‬
‫ض من‬
‫أ ّ‬
‫سطاءُ النقشبندّية فانهم على نقي ٍ‬
‫هذه الصراحة ال ّ‬
‫لئحة في ك ّ‬
‫ة من القرآن‬
‫ل آي ٍ‬
‫الكريم‪ .‬يأتون بكلم غامض ربما ل يفهمونه‬
‫بالذات‪ .‬لّنهم ل يدرون ماذا يقصدون به؛ ولّنهم‬
‫ة من غير تع ّ‬
‫كثيًرا ما ي ُطْل ِ ُ‬
‫ما‬
‫ن الكلم َ‬
‫قو َ‬
‫قل‪ ،‬إ ّ‬
‫م‬
‫ل مزدوج‪ :‬وهو الجهل المركب اّلذي ل عل َ‬
‫لجه ٍ‬
‫ما بسبب التقليد‬
‫لصاحبه بجهل نفسه‪ ،‬أو إ ّ‬
‫العمى اّلذي قد يتعّرض له حّتى الرجل العالم‬
‫لثقته الشديدة بمن يقّلده كموقفهم من‬
‫‪235‬‬

‫سورة أل عمران‪.118/‬‬

‫‪236‬‬

‫سورة الحديد‪.17/‬‬

‫‪237‬‬

‫سورة البقرة‪.242 /‬‬

‫‪238‬‬

‫سورة البقرة‪.266 /‬‬

‫‪239‬‬

‫سورة آل‬

‫‪240‬‬

‫سورة آل عمران‪.138/‬‬

‫‪241‬‬

‫سورة‬

‫النحل‪89/‬‬

‫‪242‬‬

‫سورة‬

‫يونس‪24/‬‬

‫‪243‬‬

‫سورة القمر‪.40 ،32 ،22 ،17/‬‬

‫عمران‪103./‬‬

‫‪190‬‬

‫الوجوديين‪ .‬نراهم يبتدعون فكرة «وحدة‬
‫الشهود» لكي ل يتوّرطوا فيما وقع فيه ابن‬
‫ه من الوجودّيين؛ ثم نراهم على‬
‫عربي وأمثال ُ ُ‬
‫ة من الجلل والتعظيم لهم‪.‬‬
‫أشدّ هيئ ٍ‬
‫س َ‬
‫طاءُ‬
‫في الحقيقة‪ ،‬إ ّ‬
‫ن جميع النقشبندّيين هم بُ َ‬
‫الصوفّية وحثالتهم‪ .‬لذا‪ ،‬هم أق ّ‬
‫ل الفرق‬
‫صًبا‪ .‬يبهرون‬
‫الباطنية مرون ً‬
‫دهم تقلي ً‬
‫ة‪ ،‬وأش ّ‬
‫دا وتع ّ‬
‫ق من صناديدهم‪.‬‬
‫س كلمة ينطق بها متحزل ٌ‬
‫بأخ ّ‬
‫ولونها‪ ،‬ويشرحونها‪ ،‬ويحشدون في بطنها‬
‫فيتأ ّ‬
‫جب النسان من محاولتهم‪.‬‬
‫تفسيرات غريبة يتع ّ‬
‫ن‬
‫هذه التبعّية هي اّلتي دفعتهم من ورا ِ‬
‫ء كاه ٍ‬
‫ن بدعته اّلتي زّينها لهم باسم‬
‫ي‪ ،‬فظّنوا أ ّ‬
‫هند ّ‬
‫ه الخالق عن صفات‬
‫«وحدة الشهود» تعني تنـزي َ‬
‫ن‬
‫المخلوق‪ .‬بينما هذه التبعية تتجاوز حدودَ حس ِ‬
‫ن الوجوديين‬
‫ن إلى تقلي ٍ‬
‫د ل مبّرَر له‪ .‬إذ أ ّ‬
‫الظ ّ‬
‫والشهوديين لو أخلصوا لله في تنـزيهه سبحانه‬
‫عما يصفون‪ ،‬لتقّيدوا بحدوِد ما قال تعالى عن‬
‫ه‬
‫نفسه‪ ،‬وما ذكر من صفاته؛ كقوله جّلت عظمت ُ ُ‬
‫ول َ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫م ل َ ت َأ ْ ُ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ه إل ّ ُ‬
‫خذُهُ ِ‬
‫و ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ه ل َ إل َ َ‬
‫}الل ُ‬
‫ة َ‬
‫قي ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫‪244‬‬
‫ق‬
‫م‪.{...‬‬
‫و اّلذي َ‬
‫و َ‬
‫و ٌ‬
‫خل َ َ‬
‫ه َ‬
‫وقوله تعالى } َ‬
‫نَ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ن‬
‫وا ِ‬
‫ض ِبال َ‬
‫و َ‬
‫ل كُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫الس َ‬
‫والْر َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ق‪َ ،‬‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م ي ُن ْ َ‬
‫ن‪َ .‬‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ي‬
‫و ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ول ُ ُ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ق َ‬
‫ق ْ‬
‫فَيك ُ‬
‫خف ِ‬
‫م‬
‫م ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫هادَ ِ‬
‫و ال ْ َ‬
‫والش َ‬
‫حكي ِ ُ‬
‫ر عا َل ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫ب َ‬
‫الصو ِ‬
‫َ‬
‫‪245‬‬
‫ُ‬
‫ن لَ‬
‫وقوله تعالى }أ َ‬
‫خبي ُِر‪.{.‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ق كَ َ‬
‫خل ُ‬
‫ف َ‬
‫ن‪ 246.{.‬وقوله تعالى } َ‬
‫ق أَ َ‬
‫فاطُِر‬
‫يَ ْ‬
‫فل َ ت َذَك َّرو َ‬
‫خل ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أن ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫جا‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬
‫وا ِ‬
‫وا ً‬
‫ج َ‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫الس َ‬
‫م أْز َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫ي َذَْر ُ‬
‫ع‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫س كَ ِ‬
‫في ِ‬
‫و السمي ِ ُ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ه‪ ،‬لي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ه شيء‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬
‫ط‬
‫وا ِ‬
‫ض ي َب ْ ُ‬
‫قالي ِدُ الس َ‬
‫ال َْبصي ُِر* له َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫‪244‬‬

‫سورة البقرة‪.255 /‬‬

‫‪245‬‬

‫سورة‬

‫‪246‬‬

‫سورة النحل‪.17/‬‬

‫النعام‪73/‬‬

‫‪191‬‬

‫وي َ ْ‬
‫دُر‪ ،‬إّنه بك ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫ل شيء‬
‫ق ِ‬
‫م ْ‬
‫الرْزقَ ل ِ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫‪247‬‬
‫م‪.{.‬‬
‫َ‬
‫علي ِ ٌ‬
‫ن النقشبندّيين اقتنعوا بهذه اليات‬
‫نعم لو أ ّ‬
‫البّينات ‪ -‬وما أكثرها في كتاب الله ‪ -‬لكفتهم‬
‫مؤنة القول بـ «وحدة الشهود» في محاولتهم‬
‫لتنـزيه الخالق عن صفات المخلوق‪ .‬ولكن‬
‫غرضهم في حقيقة المر ليس تنـزيه الله‬
‫سبحانه عما ل يليق بشأنه تعالى‪ .‬ولّنهم لو‬
‫ي‬
‫دعائهم‪ :‬أ ّ‬
‫كانوا صادقين في ا ّ‬
‫ن أحمد الفاروق ّ‬
‫دى بهذه المقولة‪ ،‬ليردّ على ابن عربي؛‬
‫إنما تص ّ‬
‫لما ثبتوا على تعظيمهم للوجوديين بعد ذلك‬
‫ومنهم ابن عربي‪ ،‬ولنبذوا ما أضّلهم به سادتهم‬
‫وكبراؤهم من عقائد البراهمة وتقاليد اليوغّيين؛‬
‫ولدخلوا صفوف أهل التوحيد وأخلصوا لهم‪،‬‬
‫وساندوهم في جهادهم ضدّ الفرق الضاّلة‬
‫والمتطّرفين والزنادقة والمشركين‪.‬‬
‫***‬

‫ي في معتقد‬
‫* الولي ُ‬
‫ة والول ّ‬
‫النقشبندّيين‪.‬‬
‫ي‪-‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مفهوم الولي ِ‬
‫إ ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ة َ‬
‫ي ‪ -‬بالوصف الصوف ّ‬
‫ول ِ ّ‬
‫دا؛ أثارها الروحانّيون منذ‬
‫مسأل ٌ‬
‫ة خطيرةٌ ج ّ‬
‫عصور‪ .‬وقد نسجوا حولها ما نسجوا من أنواع‬
‫الساطير في بطون الكتب مال يتم ّ‬
‫كن النسان‬
‫من إحصائها‪.‬‬
‫ة من كتاب الله العزيز بالتحديد‪،‬‬
‫فقد تشّبثوا بآي ٍ‬
‫ما أرادوا‬
‫فتناولوها بالتأويل على سبيل الثبات ل ِ َ‬
‫َ‬
‫من وراء هذا المفهوم‪ .‬وهي قوله تعالى‪} :‬أل َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫م‬
‫ه لَ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫ول َِياءَ الل ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ َ‬
‫نأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪247‬‬

‫سورة الشورى‪.12 ،11/‬‬

‫‪192‬‬

‫ة‬
‫ن معنى هذه الية الكريمة واضح ٌ‬
‫ن‪ 248.{.‬إ ّ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫حَزن ُ‬
‫ح أو‬
‫جلي ٌ‬
‫ة في الحقيقة؛ ل يحتاج إلى أ ّ‬
‫ي شر ٍ‬
‫ي في‬
‫تفسير‪ .‬فقد بّين الله سبحانه صفا ِ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫و َ‬
‫وا‬
‫آيتين بعدها‪ .‬قال تعالى }اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫كان ُ‬
‫وا َ‬
‫من ُ‬
‫م ال ْب ُ ْ‬
‫ي‬
‫حَيا ِ‬
‫و َ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ن* ل َ ُ‬
‫شر َ‬
‫ه ُ‬
‫ة الدن َْيا َ‬
‫ي َّتق ُ‬
‫وف ِ‬
‫ىف ِ‬
‫ه‪ ،‬ذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ة ل َ ت َْبدي ِ َ‬
‫وُز‬
‫ك َ‬
‫ال ِ‬
‫ت الل ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫‪249‬‬
‫م‪.{.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫عظي ِ ُ‬
‫ر آخَر‬
‫ُ‬
‫لذا لم يجد‬
‫علماء السلم ِ ضرورةَ أ ّ‬
‫ي تفسي ٍ‬
‫بعد هاتين اليتين غالًبا‪ ،‬لكمال وضوحها وتبادرها‬
‫ما من أبى منهم إل ّ ليقول‬
‫إلى الذّ ْ‬
‫ن بسهول ٍ‬
‫ة‪ .‬أ ّ‬
‫ه ِ‬
‫ءا‬
‫ن ُيعيدَ الي َ‬
‫ة نفسها‪ ،‬أو جز ً‬
‫شيًئا‪ ،‬فقد اضطر أ ْ‬
‫منها؛ ‪ -‬كما فعل ابن كثير رحمه الله ‪ -‬ولكن‬
‫ئ على فهم معنى‬
‫ليس ذلك مساعدةً منه للقار ِ‬
‫عا لمن قد يهمس‬
‫وَردْ ً‬
‫الي ِ‬
‫ة؛ بل تأكي ً‬
‫دا لشأنها‪َ ،‬‬
‫إليه الشيطان ليوقعه في العبث بها وتأويلها بما‬
‫ل تتحمل‪َ َ } .‬‬
‫قل ُ‬
‫غ َ‬
‫ي ُ‬
‫ن‬
‫نف‬
‫م َزي ْ ٌ‬
‫و َ‬
‫ما اّلذي َ‬
‫ه ْ‬
‫فأ ّ‬
‫ّ‬
‫وب ِ‬
‫في َت ِّبع ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫‪250‬‬
‫ْ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ه‪.{.‬‬
‫واب ْت ِ َ‬
‫ه اب ْت ِ َ‬
‫غاءَ ال ِ‬
‫وي ِل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاب َ َ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫غاءَ ت َأ ِ‬
‫لذا قال ابن كثير ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬وربما ليس بقصد‬
‫التفسير‪ ،‬بل تفاديا ً ل ّ َ‬
‫س قد يتوّرط فيه‬
‫ي لب ْ ٍ‬
‫ها على تأويلت المشعوذين‬
‫قاصر الفهم‪ ،‬وتنبي ً‬
‫من الصوفّية قال‪:‬‬
‫«يخبر تعالى أولياءَهُ ‪ -‬وهم اّلذين آمنوا وكانوا‬
‫سر رّبهم؛ فك ُ ّ‬
‫ن كان تقّيا‪ ،‬كان‬
‫يّتقون ‪ -‬كما ف ّ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ف عليهم فيما يستقبلون من‬
‫ولّيا؛ وأّنه ل خو ٌ‬
‫م‬
‫وَرائ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫أهوال القيامة‪ ،‬ول هم يحزنون على ما َ‬
‫‪251‬‬
‫في الدنيا‪».‬‬
‫‪248‬‬

‫سورة يونس‪.62/‬‬

‫‪249‬‬

‫سورة يونس‪.64 ،63/‬‬

‫‪250‬‬

‫سورة آل‬

‫‪251‬‬

‫أبو الفداء إسماعيل عماد الدين بن عمر بن كثير القرشي‪ ،‬تفسير القرآن العظيم ‪ .4/213‬دار قهرمان‬

‫عمران‪7/‬‬

‫إسطنبول‪1984-‬م‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫نعم كان هذا معنى الية في حقيقة المر‪ .‬غير‬
‫ة النقشبندّيين لم‬
‫ص ً‬
‫أ ّ‬
‫ن عا ّ‬
‫مة الصوفّية وخا ّ‬
‫يتوّرعوا عن تحريف معنى هذه الية الجليلة على‬
‫ة‬
‫ي شخصي ً‬
‫وروا ل ِل ْ َ‬
‫الرغم من وضوحها‪ .‬بل تص ّ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ة كما سنشرحها في باب الكرامة‬
‫أسطوري ً‬
‫عندهم‪.‬‬
‫ن الولياء في اعتقاد النقشبندّيين ليسوا هم‬
‫إ ّ‬
‫اّلذين وصفهم الله بأربعة نعوت فحسب‪ ،‬في‬
‫تلك اليات النفة الذكر‪ .‬بل هم رجا ٌ‬
‫ةل‬
‫ل عمالق ٌ‬
‫ْ‬
‫ج َ‬
‫ر ُ‬
‫ع ُ‬
‫ة َ‬
‫ل ال ْب َ َ‬
‫قو ُ‬
‫م‪.‬‬
‫ك ُ‬
‫لل َ‬
‫سَراَر ُ‬
‫و َ‬
‫رأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ش ِ‬
‫ُتد ِ‬
‫شأن ِ ِ‬
‫م‪« .‬فالملئكة‬
‫س ّ‬
‫م ِ‬
‫الكائنا ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫خَرةٌ ل ِ َ‬
‫ت بأسرها ُ‬
‫شيئ َت ِ ِ‬
‫ش‬
‫تهبط إليهم بالطعام والشراب؛ والوحو ُ‬
‫ْ‬
‫طيءُ رؤوسها لهم‪،‬‬
‫والكواسُر تخافهم وت ُطَأ ِ‬
‫ض تُ ْ‬
‫ى لهم‪ ،‬فيطوفون في أرجائها‬
‫طو َ‬
‫والر ُ‬
‫‪252‬‬
‫بمثل لمح البصر‪».‬‬
‫ي أقرب إلى‬
‫صو ِ‬
‫هكذا‪ ،‬فإ ّ‬
‫وَر ال ّ‬
‫ن الت ّ َ‬
‫ي ل ِل ْ َ‬
‫ص ّ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ف ّ‬
‫الخيال المحّلق‪ ،‬بل قد يتجاوزه‪ .‬فل حقيقة لهذا‬
‫عا‪ .‬لن الخيا َ‬
‫ل ل حدودَ له‪ .‬يسرح‬
‫التصور طب ً‬
‫و له‪ ،‬وقد يعتادُ على‬
‫النسا ُ‬
‫ن فيه ويحل ُ‬
‫م ما يحل ُ‬
‫ض نَ ْ‬
‫دق‬
‫ف ِ‬
‫ذلك‪ ،‬وعندها يغدو َر ِ‬
‫ي‪ ،‬فيص ّ‬
‫هين َ‬
‫س ّ‬
‫مَر ٍ‬
‫ك ّ‬
‫ل ما يجول في خاطره من وساوس النفس‬
‫ض فيه‬
‫ووحي الشياطين‪ .‬ومتى بلغ هذا المر ُ‬
‫ش ّ‬
‫ه‪ ،‬صار لي َ ُ‬
‫ك في صحة شيء من تلك‬
‫مبل َ‬
‫غ ُ‬
‫ّ‬
‫الساطير التي نسجتها الصوفّية؛ بطلت عندئذ‬
‫ة الله في نظره‪ .‬فانه في هذه الحالة سواء‬
‫سن ّ ُ‬
‫زعم أّنه مؤمن بالله أو كافر أو مشرك‪ ،‬يعاني‬
‫ة في عقيدته وسلوكه وآرائه‬
‫ة غريب ً‬
‫ازدواجي ً‬
‫وأعماله‪ .‬وبالتالي ل يكاد يعبأ بالنسان المّتصف‬
‫باليمان والتقوى‪) .‬وهما من صفات أولياء الله(‪.‬‬
‫ي‪-‬ل‬
‫ل ّ‬
‫ن اليمان والتقوى ‪ -‬بالمنظور القرآن ّ‬
‫‪252‬‬

‫ي على حسب‬
‫ف شخصي َ‬
‫ف المؤل ّ ُ‬
‫ص َ‬
‫و َ‬
‫سميح عاطف الزين‪ ،‬الصوفّية في نظر السلم ص‪).157 /‬إنما َ‬
‫ة الول ّ‬

‫عقيدة الصوفّية‪ ،‬أراد أن يفضحهم بالكشف عن عقيدتهم حول هذا المفهوم‪(.‬‬

‫‪194‬‬

‫ن اليمان‬
‫صة فا ّ‬
‫يكاد يمّثل شيًئا في اعتباره‪ .‬خا ّ‬
‫بالله يستوجب القيام بأمور ينافي إيمان‬
‫ي كالمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫الصوف ّ‬
‫وإقامة حدود الله على أرضه‪ ،‬والجهاد في‬
‫ر‬
‫ي‪ ،‬فا ّ‬
‫ن إيمانه يأمره ِبال ّ‬
‫سبيله‪ ...‬أ ّ‬
‫ما الصوف ّ‬
‫سي ْ ِ‬
‫والت ّ َ‬
‫ق ّ‬
‫ف‪،‬‬
‫ك ال ُْيو ِ‬
‫عْزل َ ِ‬
‫ش ِ‬
‫وال ْ ُ‬
‫سُلو ِ‬
‫وال ّ‬
‫ة َ‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ي‪-‬البرهم ّ‬
‫غ ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ل الذي يسمونه الفناءَ والبقاءَ‬
‫وال ِ‬
‫ع ِ‬
‫والت ّ ْ‬
‫غَيا ِ‬
‫طي ِ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫إلى غير ذلك مما ل مساس له بالسلم‪.‬‬
‫ي اّلذي وصفه الله‬
‫لهذا‪ ،‬فا ّ‬
‫ن شخصيّة ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫باليمان والتقوى‪ ،‬وأنه ل يخاف ول يحزن؛‬
‫تختلف اختل ً‬
‫فا كبيًرا عن تلك الشخصّية اّلتي‬
‫ة‬
‫ة عام ً‬
‫تّتصف بالولية في عقيدة الصوفي ّ ِ‬
‫صة‪ .‬لنه يستحيل في عقيدتهم‬
‫والنقشبندّية خا ّ‬
‫د‬
‫المزدوج ِ‬
‫ة أن يكو َ‬
‫سي َّر الوحي َ‬
‫م َ‬
‫ه هو ال ُ‬
‫ن الل ُ‬
‫ن هم ينطقون بكلمة‬
‫للكائنات بأجمعها؛ وإ ْ‬
‫ة في‬
‫ن هذا النطق عادةٌ تقليدي ّ ٌ‬
‫التوحيد‪ .‬فا ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫م‪ .‬وربما هي وسيلة ِللت ّ ِ‬
‫قي ّ ِ‬
‫ه ْ‬
‫خا ّ‬
‫صتهم َ‬
‫وك ُب ََرائ ِ ِ‬
‫ن َ‬
‫م على ازدواجية العقيدة عند‬
‫والبرها ُ‬
‫قائ ِ ٌ‬
‫ش ّ‬
‫النقشبندّيين‪ِ« :‬بأنهم ل ي َ ُ‬
‫في‬
‫ة ِ‬
‫ن قيد نمل ٍ‬
‫كو َ‬
‫استقلل أوليائهم عن الله‪ ،‬ول في استغنائهم‬
‫َ‬
‫ه»‪.‬‬
‫و ُ‬
‫جَزاءٌ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫و ِ‬
‫عنه بتصّرفاتهم في ال ْك َ ْ‬
‫ق‬
‫وي َْرُز ُ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ن ك ُل ّ ِ‬
‫ويعتقدون «أ ّ‬
‫م يُ ْ‬
‫مي ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫حِيي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫على ك ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫وي َ ْ‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫غ ِ‬
‫عذّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫وي ُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫فُر ُ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ش ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ق ِ‬
‫م بأن تقتصَر صفا ُ‬
‫س ُ‬
‫ض نفو ُ‬
‫ه ْ‬
‫ديٌر!»‪ .‬لذا لم تر َ‬
‫ي على عدم الخوف والحزن وعلى كونه‬
‫ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ة‬
‫ت ذاتي ّ ٍ‬
‫وها بخلع صفا ٍ‬
‫مؤمًنا تقّيا فحسب‪ ،‬بل ت َ َ‬
‫عدّ ْ‬
‫ة على أوليائهم‪ ،‬ونسبة القدرة الخارقة‬
‫إلهي ّ ٍ‬
‫ي عند النقشبندّية‬
‫إليهم‪ .‬ومعنى ذلك أ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫«هو وكي ُ‬
‫م‬
‫ه القائ ُ‬
‫ل الله في أرضه‪ ،‬وخليفت ُ ُ‬
‫‪253‬‬
‫ة‬
‫بالتصّرف عنه‪».‬‬
‫ر لجماع ٍ‬
‫كما جاء في تفسي ٍ‬
‫منهم في إسطنبول‪ .‬وإنما أرادوا بهذه المقولة‪:‬‬
‫‪253‬‬

‫محمود أسطى عثمان أوغلو وعدد من بطانته‪ ،‬تفسير «روح الفرقان )بالّلغة التركّية» ص‪ .2/74 /‬مكتبة‬

‫سراج‪ ،‬إسطنبول‪1992-‬م‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫ك الله كما يشاء‪ .‬وقد‬
‫ي يتصّر ُ‬
‫أ ّ‬
‫مل ْ ِ‬
‫ف في ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫أنشد بعضهم بالّلغة التركّية أبياًتا ل تترك مجال ً‬
‫ش ّ‬
‫لل ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫ك فيما يقصدونه من ورا ِ‬
‫ء مفهوم ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ه من كلمات هذا الشاعر‬
‫وإليك ما تي ّ‬
‫سر لنا تعريب ُ ُ‬
‫ما‪:‬‬
‫ي نظْ ً‬
‫الصوف ّ‬
‫ة وبعدها؛‬
‫ي له التـصّر ُ‬
‫ف في الحيا ِ‬
‫إ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫إّياك قو َ‬
‫ت‪.‬‬
‫عن ّ ِ‬
‫م َ‬
‫مغتّر‪ - :‬إّنه مّيــ ٌ‬
‫د ال ْ ُ‬
‫ل ُ‬
‫ه؛‬
‫ف ِ‬
‫مك َث ّ ُ‬
‫مدُ ُ‬
‫غ ْ‬
‫الروح سيف الله والبدن ال ْ ُ‬
‫‪254‬‬
‫فالصارم المسلول أنش ُ‬
‫ت‪.‬‬
‫م َ‬
‫مدُ بي ّ ٌ‬
‫غ ّ‬
‫ط‪ ،‬وال ُ‬
‫ش ّ‬
‫نعم ل ي ُ‬
‫ن هذه‬
‫كون قيدَ نمل ٍ‬
‫ة فيما جاء ضم َ‬
‫ي في معتقدهم إذا مات‬
‫البيات‪ .‬ذلك أ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫دورات الجسم الكثيف‪،‬‬
‫ه من ك ُ ُ‬
‫ت رو ُ‬
‫خلص ْ‬
‫ح ُ‬
‫دا‬
‫ت من قيودها‪ ،‬وغدت أكثَر استعدا ً‬
‫وتحرر ْ‬
‫وقدرةً على تنفيذ ما تريده‪ .‬لذلك يضربون لها‬
‫المثال بالسيف المسلول‪.‬‬
‫ت مل ّ‬
‫ة في هذه المسألة‪ .‬قد‬
‫فق ٌ‬
‫ولهم عبارا ٌ‬
‫ق والباطل‪ .‬يقول بعضهم‬
‫مّزجوا فيها بين الح ّ‬
‫«فمذهب أهل الحق‪:‬أّنه تبقى الكرامة بعد الموت‬
‫‪255‬‬
‫ن النبوة ل تنقطع بعد الموت‪».‬‬
‫كما أ ّ‬
‫ه َ‬
‫ل )وهو‬
‫لقد ن َ ِ‬
‫ع بهذه اللفاظ أو َ‬
‫ي المتنطّ ُ‬
‫س َ‬
‫ج ِ‬
‫ة‬
‫ه للتشبيه بين الكرام ِ‬
‫أقرب للجهل(‪ :‬إّنه ل وج َ‬
‫ة؛ ول بين الكرامة واليمان إطل ً‬
‫قا‪ .‬وإّنما‬
‫و ِ‬
‫والن ّب ُ ّ‬
‫للت ّ ْ‬
‫ة‪ ،‬وكذلك بين‬
‫و ِ‬
‫شِبي ِ‬
‫ه وج ٌ‬
‫والن ّب ُ ّ‬
‫ه بين الولية َ‬
‫ة‬
‫ة ذاتي ّ ٌ‬
‫وةَ صف ٌ‬
‫الكرامة والمعجزة‪ .‬ل ّ‬
‫ن الن ّب ُ ّ‬
‫ة كالمعجزة )وهي‬
‫ة فعلي ّ ً‬
‫كالولية؛ وليست صف ً‬
‫‪254‬‬

‫ي بالّلغة التركّية للبيات المذكورة المعّربة‪:‬‬
‫هذا هو الن ّ‬
‫ص الصل ّ‬
‫‪İki cihanda tasarruf ehlidir çünkü veli‬‬
‫‪Deme kim bu mürdedir bunda nice derman ola‬‬
‫‪Rûh şemşîr-i Hudâdır ten ğilâf olmuş ona‬‬
‫‪Ta ki a'lâ kâr eder bir tîğ kim üryan ola‬‬
‫‪Ahmet Yasar Ocak, Menâkibnâmeler Pg. 7 . Ankara-1992‬‬

‫‪255‬‬

‫قَبل مكتبة‬
‫سل بالمقابر ص‪ .15 /‬فشاور‪1965 /‬م‪ .‬أعيد طبعه من ِ‬
‫حمد الله الداجوي‪ ،‬البصائر لمنكري التو ّ‬

‫الحقيقة في إسطنبول‪1989 -‬م‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫ما الكرامة )بمعنى الخوارق‬
‫و ِ‬
‫ة(‪ .‬أ ّ‬
‫من براهين الن ّب ُ ّ‬
‫حسب اعتقاد الصوفّية(‪ ،‬فإنها صفة فعلّية‬
‫ة )وهي‬
‫ة ذاتي ّ ً‬
‫كالمعجزة‪ ،‬وليست صف ً‬
‫ة كالولي ِ‬
‫سبب الكرامة‪ ،‬أي سبب حدوث الخوارق على يد‬
‫ن مفهوم الكرامة‬
‫ي في معتقدهم أي ً‬
‫ضا(‪ .‬ول ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫مث ّ ُ‬
‫ل‬
‫في مصطلحهم يشتمل على الخوارق اّلتي ت ُ َ‬
‫ة‪ .‬فهي‬
‫ة الذاتي ّ َ‬
‫الصفة الفعلّية وليست الصف َ‬
‫ي‪،‬‬
‫ي عندهم كالمعجزة للّنب ّ‬
‫بالنسبة للول ِ ّ‬
‫وكالسحر بالنسبة للساحر‪ .‬إ ً‬
‫ذا فكيف يجوز‬
‫ة؟!‬
‫و ِ‬
‫والن ّب ُ ّ‬
‫التشبيه بين الكرامة َ‬
‫لش ّ‬
‫ه من‬
‫ك يظهر مستوى هذا الصوف ّ ِ‬
‫ي ونصيب ُ ُ‬
‫العلم بوضوح‪ ،‬من خلل تلك المقارنة الواهية‪.‬‬
‫ن جماهير أهل العلم والمعرفة لو‬
‫لهذا‪ ،‬فإ ّ‬
‫جة على ك ّ‬
‫دعاه‬
‫ل ما ا ّ‬
‫اجتمعوا ليقيموا الح ّ‬
‫الصوفّية‪ ،‬لعجزوا عن إحصائها‪ ،‬فضل ً عن دحضها‬
‫وإحباطها‪ .‬وهذا من أكبر السباب اّلتي تفسح‬
‫جرأة فُترِديهم‬
‫ت في نفوسهم ال ُ‬
‫لهم المجال وت ُن ْب ِ ُ‬
‫ي والتمادي‪.‬‬
‫في الغ ّ‬
‫صة ُيدافعون‬
‫م ً‬
‫إ ّ‬
‫ن الصوفّية عا ّ‬
‫ة والنقشبندّيين خا ّ‬
‫ي والولية بإصرار‪،‬‬
‫عن عقيدتهم في مسألة الْ َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫ويلجئون إلى تأويل اليات والحاديث كي‬
‫تستقيم لستدللهم وحجاجهم‪ .‬فقد أظهر‬
‫َ‬
‫ن‬
‫بع ُ‬
‫جْرأ ٍ‬
‫دعى أ ّ‬
‫ة حيث ا ّ‬
‫ه في الولية ب ِ ُ‬
‫ضهم عقيدت َ ُ‬
‫‪256‬‬
‫إنهم ل يختلفون‬
‫وة‪.‬‬
‫الولية أفضل من النب ّ‬
‫ن شيوخهم يحتاطون‬
‫أصل ً في هذه العقيدة‪ .‬ولك ّ‬
‫صة إذا كان‬
‫في إظهار هذا المعتقد الخطير‪ ،‬خا ّ‬
‫عندهم أحد من المسلمين!‬

‫‪256‬‬

‫ي والولية‪ ،‬راجع المصادر التية‪:‬‬
‫د من المعرف ِ‬
‫لمزي ٍ‬
‫ة حول اعتقادهم في مسألة الول ّ‬
‫‪Hasan Lutfi Sususd, Menâkib-i Evliya Pg. 163 (Terms part) Ist.-195‬‬
‫‪Dr. Selcuk Eraydin Tasavvuf ve Tarikaklar Pg. 90-95 Istanbul-1994‬‬
‫‪Grogp Of Naacshabandis, Ruh’ul-Furkan 2/63 Istanbul-1992‬‬
‫‪Ali Kadri, Tarikat-i Kaksebekdiyye 154-159 Pamuk Publis. Istanbul-1994‬‬

‫‪197‬‬

‫ور‬
‫ربما لجأ النقشبندّيون التراك إلى هذا التص ّ‬
‫الرهيب‪ ،‬ليتم ّ‬
‫ن‬
‫دي على أ ّ‬
‫كنوا بذلك من التح ّ‬
‫ت؛ ليتخّلصوا‬
‫منهم أولياء‪ ،‬يفوقون النبياء بدرجا ٍ‬
‫بذلك من تبعية العرب في الدين والثقافة‪.‬‬
‫جّتهم في تعظيم كبرائهم والدعاية‬
‫وليبّرروا ح ّ‬
‫ة منهم العم َ‬
‫عك ّ‬
‫ل على‬
‫ل جماع ٍ‬
‫لهم‪ ،‬ولتستطي َ‬
‫ف بقّية‬
‫ه إلى أن تعتر َ‬
‫تصعيد شي ِ‬
‫خها وتفخيم ِ‬
‫ق الباطنية به‪ ،‬فيدخ َ‬
‫مه في قائمة‬
‫ال ْ ِ‬
‫ل اس ُ‬
‫فَر ِ‬
‫أولياء الصوفّية‪ .‬ولهذا ليس من المور الخفّية‬
‫نك ّ‬
‫د لبدّ يعتقد‬
‫ل مري ٍ‬
‫)كما ورد بقلم بعضهم(‪« ،‬أ ّ‬
‫‪257‬‬
‫ما بالغيب؛ وبالرغم‬
‫الولية في شيخه»‪.‬‬
‫رج ً‬
‫ْ‬
‫من ان ْت ِ َ‬
‫ي في‬
‫فا ِ‬
‫ء الطلع على وجود صفة ال َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫‪258‬‬
‫ص بعينه‪ ،‬مت ّ َ‬
‫وهذا‬
‫ق عليه عند قدمائهم‪.‬‬
‫ف ٌ‬
‫شخ ٍ‬
‫ء‪،‬‬
‫عا في عميا َ‬
‫برهان أخر على تخّبطهم جمي ً‬
‫وتقّلبهم في أمواج من التلفيق والتناقض‬
‫والتضارب مع أنفسهم‪.‬‬
‫يتكّلفون ك ّ‬
‫ل هذه المحاولة مع ما فيها من‬
‫ن‬
‫دعوا في النهاية أ ّ‬
‫المسؤولية العظيمة‪ ،‬لي ّ‬
‫شيخهم قطب الفرد‪ ،‬وغوث الزمان‪ ،‬وغياث‬
‫ن‬
‫الخلئق‪ ،‬تظهر على يده ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذ ٌ‬
‫سمعت من الخوارق‪ ،‬وأّنه لو أراد أن يقّلب‬
‫م َ‬
‫شى على البحر لما‬
‫الجبال ذهًبا لفعل‪ ،‬وأّنه إ ْ‬
‫ن َ‬
‫عا على‬
‫ه شيء من البلل‪ ،‬وأّنه لو دَ َ‬
‫أصاب نعل َ ُ‬
‫قوم ٍ لجعل الله عاليهم سافلهم‪ .‬وأّنه يحضر‬
‫الصلة في الوقات الخمس بالمسجد الحرام في‬
‫الحين اّلذي هو في بلده‪ ،‬ولو كان بينه وبين‬
‫عدُ المشرق والمغرب‪ ،‬وأنه يحضر جبهة‬
‫الحرم ب ُ ْ‬
‫القتال في طليعة جيوش السلم ينصرهم على‬
‫وهم‪ ،‬وكيت وكيت!‬
‫عد ّ‬

‫‪257‬‬

‫ب من الكتاب الصادر بعنوان‪:‬‬
‫س ومعّر ٌ‬
‫مقت َب َ ٌ‬

‫‪258‬‬

‫المصدر السابق والصفحة المذكورة‪.‬‬

‫‪Dr. Selcuk Eraydin Tasavvuf ve Tarikaklar Pg. 93 Istanbul-199‬‬

‫‪198‬‬

‫م‬
‫يبرهن على هذه الحقيقة ما ي َُردّدُهُ عوا ّ‬
‫ه ِد َ‬
‫النقشبندّية من الكراد بلغتهم « َ‬
‫ه‬
‫كاَر ْ‬
‫م ْ‬
‫خ َ‬
‫شي ْ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه‪».‬؛ ذلك‬
‫ه ْ‬
‫ز َ‬
‫هن ّ ِ‬
‫مَيا ْ‬
‫جّنتُِيو َ‬
‫ل َ‬
‫ج َ‬
‫فْرقْ ب ِك َ ْ‬
‫ُ‬
‫صو ِ‬
‫ن ِ‬
‫يعني‪ :‬أّنه باستطاعة شيخنا أن يمّيز بين نعال‬
‫ر‪ .‬أي له علم بالغيب في‬
‫أهل الجن ّ ِ‬
‫ة وأهل النا ِ‬
‫هذا التمييز حّتى ولو لم يعاين أصحاب النعال‪.‬‬
‫ن المفتتنين بك ّ‬
‫ل شيخ من شيوخ النقشبندّية‬
‫إ ّ‬
‫يحاولون بمثل هذا التعبير ليذكروا من صفاته‬
‫اّلتي ل يمتاز بها شيخ آخر‪ ،‬اعتزاًزا به‪ .‬وهكذا‬
‫ور الحديث بين‬
‫تجري المنافسة‪ ،‬وأحياًنا يتط ّ‬
‫الجماعات التابعة لشيوخ هذه الطائفة بالسلوب‬
‫دي إلى مضاعفات من الخصومة‬
‫نفسه‪ ،‬فيؤ ّ‬
‫ء‪..‬‬
‫والبغض والشحنا ِ‬
‫إن هذه المنافسة قد أورثت النقشبندّيين‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫وع ً‬
‫ت غريب ً‬
‫معتقدا ٍ‬
‫ة حول مفهو َ‬
‫ي ال َ‬
‫ة ومتن ّ‬
‫ول ِ ّ‬
‫م ِ‬
‫والولية‪ ،‬وفي النظر إلى شخصية شيخ‬
‫الطريقة‪ .‬فإّنهم مختلفون في فهم هذه‬
‫المسائل‪ ،‬وكذلك مواقفهم وتعاملهم مع‬
‫مشايخهم بهذا السبب يختلف اختل ً‬
‫فا بارًزا من‬
‫دسون مشايخهم‬
‫جماع ٍ‬
‫ة إلى أخرى؛ بعضهم يق ّ‬
‫ويع ّ‬
‫ه‪ ،‬وربما يعتقدون‬
‫ظمونهم تعظيم العبد لرب ّ ِ‬
‫ة الكراد من هذه‬
‫فيهم جز ً‬
‫ص ٍ‬
‫ءا من اللهّية؛ وبخا ّ‬
‫ة يحلفون برؤوس مشايخهم وبقبورهم‬
‫النحل ِ‬
‫وكذلك بأنسابهم‪ .‬فيقولون‪:‬‬
‫ُ‬
‫ي َ‬
‫شي ْ ْ‬
‫ة مولنا الشيخ‪.‬‬
‫م ِبهام ِ‬
‫خ»‪ .‬أي أق ِ‬
‫«ب ِ َ‬
‫س ُ‬
‫سر ِ‬
‫ي شيخ»‪ .‬أي أقسم بنسب مولنا‬
‫ويقولون «ب ِ َ‬
‫جد ّ‬
‫مب ََتا َ‬
‫شي ْ ْ‬
‫خ» ‪.‬‬
‫الشيخ؛ أو أقسم بآبائ ِ‬
‫ه‪ .‬ويقولون «ب ِك ُ ْ‬
‫ة اّلتي على ضريح مولنا الشيخ‪.‬‬
‫أي أقسم بالقب ّ ِ‬
‫ة أّنه إذا مات شيخ من‬
‫ذلك من عاداتهم الشائع ِ‬
‫مشايخهم أقاموا على قبره ُ‬
‫ة ‪ -‬إل ّ من أوصى‬
‫قب ّ ً‬
‫مر ّ‬
‫كبوا على لحده‬
‫ما هم ‪ -‬ث ّ‬
‫بخلفه‪ ،‬وقليل ّ‬
‫صندو ً‬
‫قا من الخشب‪ ،‬فزّينوه بالقمشة‪ ،‬وجعلوه‬

‫‪199‬‬

‫دون إليه الرحال‪ ،‬ويتبّركون به‪،‬‬
‫مزارا ً يش ّ‬
‫ويحملون إليه مجانينهم ومرضاهم استشفاءً به‪،‬‬
‫ت‬
‫كبقّية الطوائف من الصوفّية‪ .‬ولبعض جماعا ٍ‬
‫ت أخرى؛ كالضرب على الدفوف‪،‬‬
‫منهم عادا ٌ‬
‫والتغّني بمناقب الشيخ أمام الموكب أثناءَ تشييع‬
‫ة‪ .‬وهي بدعة‬
‫ه من المصّلى إلى المقبر ِ‬
‫جنازت ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫د‬
‫س ِ‬
‫اعتادها النقشبندّيون من سكان مدينة ِ‬
‫عر ْ‬
‫الواقعة بأقصى جنوب شرقي تركيا‪.‬‬
‫وكذلك من صيغ القسم عند الكراد النقشبندّيين‬
‫ُ‬
‫خا َ‬
‫شي ْ‬
‫خ»‪ 259‬أي ُأقسم بموقده‪،‬‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫قولهم «ب ِأ ْ‬
‫)كناية عن أسرته(‪ .‬وربما يستمدّ هذا ال َ‬
‫م من‬
‫ق َ‬
‫س ُ‬
‫عقائد أسلفهم اّلذين كانوا عليها في العهد‬
‫سا‪ ،‬يعبدون النار‬
‫ي‪ .‬ل ّ‬
‫ن الكراد كانوا مجو ً‬
‫الوثن ّ‬
‫عا للفرس؛‬
‫دسون مواقدها قبل السلم تب ً‬
‫ويق ّ‬
‫ت‬
‫سها إلى ما بعد السلم‪ ،‬وأخذ ْ‬
‫فتسّرب ْ‬
‫ت عكو ُ‬
‫سا ل يفطن لحقيقته إل ّ قليل من‬
‫سا ً‬
‫طابعا ً د ّ‬
‫أهل العلم والبحث‪.‬‬
‫ي وصفاته‬
‫كانت هذه نبذة من مّيزات الولِ ّ‬
‫والخوارق المزعومة عن أولياء الصوفّية‬
‫وموقفهم من شيوخهم‪ .‬وليت شعري من رأى‬
‫دا ‪ ،-‬لع ّ‬
‫ل ظهر منه‬
‫صا واح ً‬
‫منهم بعينه ‪ -‬ولو شخ ً‬
‫مّرةً واحدةً شيء من هذه المزاعم!‬
‫وعند ما نتساءل‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫‪259‬‬

‫م‪ ،‬في معتقد التراك‬
‫إ ّ‬
‫ن كلمة )أوجاخ‪ ،‬أو أوجاق( معناها في الّلغة التركّية‪ :‬موقد النار‪ .‬وهو مصطلح ها ّ‬

‫وعاداتهم وتقاليدهم‪ .‬جاءت في ذلك شروح للباحثين وأهل الدراسة‪ .‬منها ما ورد في موسوعة‬

‫‪Meydan‬‬

‫‪Larousse‬المجّلد التاسع ص‪ .462-458 /‬ورد فيها شرح طويل بالّلغة التركّية حول هذا المصطلح‪ .‬وهذا تعريب‬
‫ة منها‪« :‬الموقد يحت ّ‬
‫ة‪ .‬وهو ملجأ منيع‪ ،‬لتقترب منه الرواح المتمّردة‬
‫م ِ‬
‫ت يسير ٍ‬
‫عبارا ٍ‬
‫ما في معتقد العا ّ‬
‫ل مكاًنا ها ّ‬
‫ة اّلتي ي ُ ْ‬
‫ما هذا المعتقد‪ ،‬فهو امتداد لعهد‬
‫فَز ُ‬
‫ة والقوى الخبيث ُ‬
‫والجن ّ ُ‬
‫ع من سوئها‪ ،‬على حسب معتقد الناس‪ .‬أ ّ‬
‫ة‬
‫العبادة للنار»‪ .‬من هذه العبارات أي ً‬
‫ة الطريقة البكتاشي ِ‬
‫ص ٍ‬
‫ضا‪« :‬يعتقد أهل الطرق الصوفّية بأجمعها‪ ،‬وبخا ّ‬
‫ي المنعوت )آتش باشي(‬
‫ة يعتقدون بأ ّ‬
‫والمولوي ِ‬
‫ن الموقد رمز للميمنة والبركة‪ .‬وُيعتبر جانب الموقد مقام الول ّ‬
‫ةك ّ‬
‫سا‬
‫أي رئيس النار‪ .‬وإّنما تتم مباشرة العمل في التكي ّ ِ‬
‫ل يوم ٍ بالبتهال إلى الموقد‪ .‬وُيعتبر حجُر الموقد أسا ً‬
‫ل هذا الحجر إذا كان خالًيا من الغبار‪ .‬أو ي ُ َ‬
‫س منها‪ .‬وي ُ َ‬
‫قب ّ ُ‬
‫قب ّ ُ‬
‫ل اليد عنها بعد مسها إذا كان‬
‫ة والمكا َ‬
‫للتكي ّ ِ‬
‫ن القد َ‬
‫ي حّتى زمن السلطان محمود‬
‫مغب ًّرا»‪ .‬كما ل يخفى على من له إلمام بالتاريخ‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الجيش في العهد العثمان ّ‬
‫ة إلى الطريقة البكتاشية اّلتي ُيعت ََبر‬
‫مى «ينكي جري أوجاغي» أى «موقد جيش النكشارية» نسب ً‬
‫الثاني كان يس ّ‬
‫سا كما مّر‪.‬‬
‫موقد النار عند أهلها مكاًنا مق ّ‬
‫د ً‬

‫‪200‬‬

‫ف َ َ‬
‫م‬
‫ـ هل الولياء‪ ،‬هم اّلذين }ل َ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ونَ‪ .{.‬كما‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن * اّلذي َ‬
‫نآ َ‬
‫وا ي َّتق ُ‬
‫كان ُ‬
‫وا َ‬
‫من ُ‬
‫حَزن ُ‬
‫وصفهم الله تعالى في كتابه؛ أم هم اّلذين‬
‫خل ِ ُ‬
‫قوا لذلك!‬
‫ب إليهم إظهار الخوارق كأّنهم ُ‬
‫س ُ‬
‫ُتن َ‬
‫كما وصفهم أتباعهم؟!‬
‫ةك ّ‬
‫ل فرٍد من هذه الطائفة عن إجابة‬
‫تختلف إجاب ُ‬
‫ش‬
‫الخر عند مثل هذا السؤال‪ ،‬بحيث ي َدْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ق‬
‫النسان من أمرهم ول يستطيع أن يجدَ الّتفا َ‬
‫بين ما يقول اثنان منهم فضل ً عن الّتفاق بين‬
‫ق المتشابهة في الظاهر‪ .‬وهذا ما جعل‬
‫هذه ال ِ‬
‫فَر ِ‬
‫ت والتح ّ‬
‫ق من معتقدات الصوفّية أمًرا‬
‫الثبا َ‬
‫ق َ‬
‫مستحيل ً على الباحثين وأهل الدراسة والتنقيب‪.‬‬
‫ولع ّ‬
‫ل اختلف رجال البحث في تحليل قضايا‬
‫الصوفّية‪ .‬ناشيء عن هذه الفوضى السائدة في‬
‫وفة‪.‬‬
‫عالم المتص ّ‬
‫وبالخلصة‪ ،‬يبدو وبك ّ‬
‫ن الولية في‬
‫ل وضوح أ ّ‬
‫ة اّلتي‬
‫ة الذاتي َ‬
‫ت هي الصف َ‬
‫اعتقاد الصوفّية ليس ْ‬
‫ي بما أّنه ل‬
‫ُيكرم الله بها عب َ‬
‫ده المؤمن التق ّ‬
‫ة‬
‫ة عندهم هي صف ٌ‬
‫يخاف ول يحزن‪ .‬بل الولي ُ‬
‫ت شا ّ‬
‫ة‬
‫ق ٍ‬
‫ت ورياضا ٍ‬
‫ن بعد مجاهدا ٍ‬
‫يكتسبها النسا ُ‬
‫بتعذيب النفس والجوع والسهر والصمت والعزلة‬
‫إلى أن يتح ّ‬
‫قق له الفناء ثم البقاء‪ ،‬فيكون بذلك‬
‫ت‬
‫ز َ‬
‫ع ْ‬
‫من أصحاب النفوس الفاضلة حّتى إذا ن ُ ِ‬
‫ه من بدنه صار من «المدّبرات أمًرا» أي‬
‫رو ُ‬
‫ح ُ‬
‫‪260‬‬
‫«ملحقة بالملئكة‪ ،‬أو تصلح هي لتكون مدّبرة»‬
‫ن للولياء بعد‬
‫«فقد ظهر من هذه العبارات أ ّ‬
‫ي»‪ 261‬عند الصوفّية‪.‬‬
‫الوفاة مدد روحان ّ‬
‫‪260‬‬

‫قَبل مكتبة‬
‫سل بالمقابر ص‪ .43 /‬فشاور‪1965 -‬م‪ .‬أعيد طبعه من ِ‬
‫حمد الله الداجوي‪ ،‬البصائر لمنكري التو ّ‬

‫الحقيقة في إسطنبول‪1989-‬م‪.‬‬

‫‪261‬‬

‫عا بدل أن‬
‫ن مرفو ً‬
‫المصدر السابق ص‪) .16 /‬قد أخطأ المؤل ّ ُ‬
‫ف في إعراب هذه الكلمات‪ ،‬فقد جاء إسم أ ّ‬

‫دا روحانّيا (‬
‫يكون منصوًبا‪ .‬والصحيح هو‪ :‬أ ّ‬
‫ن للولياء بعد الوفاة مد ً‬

‫‪201‬‬

‫لم تكتف الطائفة بهذا القدر‪ ،‬بل أفرط بعضهم‬
‫في جنب الله وفي جنب رسوله ‪ ،‬حّتى ت َ َ‬
‫و َ‬
‫ل‬
‫ق ّ‬
‫على لسانه بأّنه قال « إذا تحّيرتم في المور‪،‬‬
‫فاستعينوا بأهل القبور»‪ 262.‬نقلوه على أّنه‬
‫وَردَ ب ِل َ ْ‬
‫ه في الصفحة الثانية‬
‫حدي ٌ‬
‫فظ ِ ِ‬
‫ث‪ ،‬كما َ‬
‫والثمانين من المجّلد الثاني لتفسير «روح‬
‫الفرقان»؛ بينما أنكر بعضهم الخر على من‬
‫أسنده إلى رسول الله ‪ ،‬ورماه بسخافة‬
‫العقل‪ .‬ومن جملة ما س ّ‬
‫ة‬
‫ضا‪ :‬محاول ُ‬
‫فه بعضهم بع ً‬
‫وفة بلد الهند‪.‬‬
‫حم ِ‬
‫د الله الداجو ّ‬
‫ي وهو من متص ّ‬
‫ي عن شهاب الدين محمود بن عبد‬
‫نقل الداجو ّ‬
‫الله اللوسي مقطعا ً في هذا الصدد‪ .‬قال فيه‬
‫م‬
‫«وكذا في َ‬
‫ها على النفوس الفاضلة إيها ُ‬
‫مل ِ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن الولياء‬
‫ح ِ‬
‫ة ما يزعمه سخفة العقول من أ ّ‬
‫ص ّ‬
‫يتصّرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ‬
‫الغريق والنصر على العداء وغير ذلك مما يكون‬
‫في عالم الكون والفساد على معنى أّنه تعالى‬
‫ص ذلك بخمسة‬
‫م ْ‬
‫وض إليهم ذلك‪ .‬ومنهم َ‬
‫نخ ّ‬
‫ف ّ‬
‫ء والك ّ‬
‫د‬
‫من الوليا ِ‬
‫ل جهل‪ ،‬وإن كان الثاني أش ّ‬
‫‪263‬‬
‫جه ً‬
‫ل‪».‬‬
‫هكذا أقوالهم وحكاياتهم ونقولتهم تتناقض‬
‫وتتضارب وتتذبذب في اضطراب بين الفراط‬
‫والتفريط‪ ،‬في كثير من المواطن وإن ظهرت‬
‫في صورة الحق في بعض الحيان لقصور النظر‬
‫ي والولية‪.‬‬
‫فيها؛ كما في مسألة الولِ ّ‬
‫***‬

‫* المكاشفة واللهام وعلم الغيب في‬
‫اعتقاد النقشبندّيين‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫ما ُينكر فيه على المستد ّ‬
‫ل بالحديث‬
‫المصدر السابق ص‪) .15 /‬نقل أحمد الداجوي عن اللوسّيي كل ً‬

‫ي(‬
‫المفترى‪ ،‬ث ّ‬
‫م قال الداجوي‪ :‬هذا الكلم يشير إلى ضللة اللوس ّ‬

‫‪263‬‬

‫المصدر السابق ص‪.44 /‬‬

‫‪202‬‬

‫ن من جملة الصفات التي يعتقدها النقشبندّيون‬
‫إ ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫م ِ‬
‫في شيوخهم على سيبل تمييزهم من العا ّ‬
‫م الغيب‪ .‬فقد أفردوا في كتبهم أبواًبا بعنوان‬
‫عل ُ‬
‫ن مناقب شيوخهم ما ل‬
‫الكرامات؛ وذكروا ضم َ‬
‫ت واللهاما ِ‬
‫ص المكاشفا ِ‬
‫ت وعلم ِ‬
‫ُيحصى من قص ِ‬
‫حاُر منها العقول‪ .‬منها كتاب «الحدائق‬
‫ب‪ ،‬ت َ َ‬
‫الغي ِ‬
‫ء النقشبندّية» لرجل من‬
‫الوردّية في حقائق أجل ّ ِ‬
‫مد‬
‫متأخري هذه الزمرة‪ .‬اسمه عبد المجيد بن مح ّ‬
‫ي‪ .‬لقد نقل في ثنايا كتابه أفظع‬
‫بن مح ّ‬
‫مد الخان ِ ّ‬
‫ن من أساطيَر‬
‫وره النسا ُ‬
‫ما يمكن أن يتص ّ‬
‫عب َْر تاريخهم‪.‬يقول في‬
‫اختلقها النقشبندّيون َ‬
‫ي المعروف بين‬
‫صدد كرامات أحمد الفاروق ّ‬
‫ي »‪:‬‬
‫النقشبندّيين بـ «المام الرّبان ِ ّ‬
‫صه الله تعالى بفضيلة نشر العلوم‬
‫«لقد خ ّ‬
‫ة‪».‬‬
‫الدينّية‪ ،‬والكشف عن أسرار العلوم الل ّدُن ّي ّ ِ‬

‫‪264‬‬

‫ة‪ ،‬هي اّلتي يقصد بها الصوفّية‬
‫والعلوم الل ّدُن ّي ّ ُ‬
‫ي بينها وبين العلوم‬
‫عل َ‬
‫م الغيب‪ .‬لذا‪ ،‬مّيز الخان ِ ّ‬
‫ة من قلب‬
‫م السلمّية النابع ُ‬
‫الدينّية‪ .‬وهي العلو ُ‬
‫ي‪،‬‬
‫القرآن العظيم‪ ،‬المستمدّةُ من الوحي الله ّ‬
‫د‬
‫والمعروف ُ‬
‫دماِتها وتفاصيِلها‪ :‬من توحي ٍ‬
‫ة بمق ّ‬
‫ّ‬
‫ق بها‪.‬‬
‫ر وحدي ٍ‬
‫وفق ٍ‬
‫ث وما يتعل ُ‬
‫ه وتفسي ٍ‬
‫ة‬
‫ن النقشبندّيين يحتقرون هذه العلوم الشريف َ‬
‫إ ّ‬
‫ه‬
‫كسائر الصوفّية؛ ويف ّ‬
‫مو ُ‬
‫ضلون عليها ما س ّ‬
‫ق‬
‫ة‪ .‬وهي في اعتقادهم إشرا ٌ‬
‫بالعلوم الل ّدُن ّي ّ ِ‬
‫عْر َ‬
‫ي ُيفيض على قلب‬
‫و ِ‬
‫ج َ‬
‫و ْ‬
‫ُرو ُ‬
‫و ُ‬
‫ي َ‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫دان ِ ّ‬
‫فان ِ ّ‬
‫حان ِ ّ‬
‫ي عن طريق‬
‫ك من عند الله بإلقا ٍ‬
‫سال ِ ِ‬
‫ال ّ‬
‫ء رّبان ِ ّ‬
‫اللهام‪ .‬ويتفلسفون في تحقير العلوم الدينّية‬
‫س والعقل‬
‫المعت ِ‬
‫ي ‪ -‬على الح ّ‬
‫مدة ‪ -‬بجانبها الكسب ّ‬
‫ن مجّرد‬
‫والتجربة والنظر والقياس‪ .‬يزعمون أ ّ‬
‫دي إلى‬
‫مَيات ل تؤ ّ‬
‫المعرفة عن طريق هذه المس ّ‬
‫‪264‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.181/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪203‬‬

‫ة‬
‫ة وإدراك الحقيق ِ‬
‫كنه أسرار الكون والحيا ِ‬
‫ة‪ .‬فيبلغ تحقيرهم للعلوم‬
‫ة من وراء الطبيع ِ‬
‫الخفي ِ‬
‫القرآنية إلى حدود السخرية بها؛ كما جاء في‬
‫نفس المصدر المذكور آن ً‬
‫مد‬
‫فا ضم َ‬
‫ن ترجمة مح ّ‬
‫ة في‬
‫خ هذه الطائف ِ‬
‫ي أح ِ‬
‫زاهد السمرقند ّ‬
‫د شيو ِ‬
‫خا‬
‫ة اتصاله بعبيد الله الحرار اّلذي نصبه شي ً‬
‫قص ِ‬
‫على أن يكون خل ً‬
‫فا من بعده على أتباعه‪ .‬يقول‬
‫ه‪:‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ي نقل ً عن ُ‬
‫خان ِ ّ‬
‫ما وصلنا إلى قرية َ‬
‫ما‬
‫ما ْ‬
‫ن‪ ،‬أقمنا فيها أّيا ً‬
‫شادْ َ‬
‫«فل ّ‬
‫دة الحّر‪ .‬فبينما نحن كذلك إذ حضر إلينا‬
‫من ش ّ‬
‫ت العصر فذهبنا‬
‫سي ّدَُنا الشيخ رضي الله عنه وق َ‬
‫َ‬
‫ت من‬
‫لزيارته‪ .‬فسألني من أين أنت؟ فقل ُ‬
‫مْر َ‬
‫دثنا أجمل الحديث‪ .‬وذكر‬
‫قْند‪ .‬فطفق يح ّ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫خل َ‬
‫دا‪.‬‬
‫م ِ‬
‫ل كل ِ‬
‫دا فر ً‬
‫ه في سّري فر ً‬
‫ه جمي َ‬
‫ع ما أكننت ُ ُ‬
‫‪265‬‬
‫ما‬
‫هَرا َ‬
‫حّتى أخبرني عن سبب سفري إلى َ‬
‫ة ‪ .‬فل ّ‬
‫ّ‬
‫ت ذلك تعّلق قلبي به ك ّ‬
‫م قال لي‪:‬‬
‫وجد ُ‬
‫ق‪ .‬ث ّ‬
‫ل تعل ٍ‬
‫صودُ َ‬
‫م ْ‬
‫سٌر هنا‪.‬‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫ك طَل َ َ‬
‫عل ْم ِ فهو متي ّ‬
‫إن كان َ‬
‫ق ُ‬
‫ر إل ّ وقد ا ّ‬
‫فتي ّ‬
‫طلع عليه هذا‬
‫قن ُ‬
‫ت أّنه ما من خاط ٍ‬
‫ما‬
‫ولم يخرج من قلبي محّبة السفر إلى هراة‪ .‬فل ّ‬
‫ف بذلك قال لي أحد أتباعه إّنه مشغول‬
‫ش َ‬
‫كو ِ‬
‫بالكتابة‪ ،‬فترّبص قلي ً‬
‫ما فرغ قام من مقامه‬
‫ل‪ .‬فل ّ‬
‫م قال‪ - :‬أخبرني بجلّية أمرك‪ ،‬هل‬
‫وأقبل نحوي ث ّ‬
‫مرادك من هراة تحصيل الطريق أو العلم ؟‬
‫ت‪ .‬فقال له رفيقي‪- :‬‬
‫ت من جللته وسك ّ‬
‫فدهش ُ‬
‫بل الغالب عليه الطريق‪ ،‬وإّنما جعل العلم‬
‫سم وقال‪ - :‬إن كان كذلك فهو أفضل‬
‫تست ًّرا‪ .‬فتب ّ‬
‫وأحسن»‪.266‬‬
‫ن النظَر فيها‪ ،‬وجد‬
‫إ ّ‬
‫ن أمع َ‬
‫م ْ‬
‫ن هذه العبارات‪َ ،‬‬
‫ة‬
‫ت من أساطير هذه الطائف ِ‬
‫ه عن مجّلدا ٍ‬
‫أّنها ُتغني ِ ِ‬
‫خا َ‬
‫خَرا َ‬
‫خها للعقل‪،‬‬
‫س َ‬
‫وَ ُ‬
‫ر شيو ِ‬
‫فات ِ َ‬
‫و َ‬
‫فات ِ َ‬
‫ها َ‬
‫ها؛ واحتقا ِ‬
‫ة في أفغانستان‪.‬‬
‫هَرا ُ‬
‫ة‪ :‬مدين ٌ‬
‫‪َ 265‬‬

‫‪266‬‬

‫المصدر السابق ص‪.175/‬‬

‫‪204‬‬

‫هرة‪ .‬ول‬
‫وسخريتهم من العلم والشريعة المط ّ‬
‫ة كبرائهم من‬
‫ن غاي َ‬
‫يعزب عن الباحث المحّنك‪ ،‬أ ّ‬
‫مدّية في بعض المواطن‬
‫مدحهم للشريعة المح ّ‬
‫من كلمهم‪ ،‬ليست إل ّ وسيلة دعائّية يلجؤون‬
‫إليها على سبيل الحيطة‪ ،‬تفادًيا لما يتو ّ‬
‫قعون من‬
‫ردوٍد داخ َ‬
‫صة فإّنهم‬
‫ل الطائفة وخار َ‬
‫جها‪ .‬خا ّ‬
‫ق َ‬
‫وان ْت ِ َ‬
‫يحذرون ت َي َ ّ‬
‫ء اّلذين توّرطوا‬
‫ة العلما ِ‬
‫ض َ‬
‫فا َ‬
‫ظ َ‬
‫بالنخراط في صفوفهم دون علم ٍ بحقيقة‬
‫تعاليم هذه الطريقة وفلسفتها!‬
‫ْ‬
‫لقد‬
‫ي في مسأل ِ‬
‫بلغت مجازفات الخان ِ ّ‬
‫ة اللهام ِ‬
‫ء‬
‫ة إلى حدوِد الزدرا ِ‬
‫ب والمكاشف ِ‬
‫وعلم ِ الغي ِ‬
‫ل‪ ،‬فاسترس َ‬
‫ل في سرد «كرامات مشائخه»‬
‫بالعق ِ‬
‫ليخلع بها أنما ً‬
‫ء والمدح على‬
‫طا من آيات الثنا ِ‬
‫ي‪ .‬وهو أحد‬
‫مد زاهد السمرقند ّ‬
‫ل اسمه مح ّ‬
‫رج ٍ‬
‫ي ُ‬
‫ه‬
‫قدَْرت َ ُ‬
‫رؤوس هذه الطائفة‪ .‬ثم استخدم الخان ّ‬
‫ة في تنميق عباراته وتنسيق كلماته فقال‪:‬‬
‫الدبي ّ َ‬
‫«فهو المفرد العلم في العلم والقلم اّلذي قام‬
‫ء السرار والمداد‪ ،‬وتدبير دولة إرشاد‬
‫بأعبا ِ‬
‫ة‬
‫ن شّيد باللهامات الصادق ِ‬
‫م ْ‬
‫العباد‪ .‬فتبارك َ‬
‫‪267‬‬
‫ه »‪.‬‬
‫ه‪ ،‬وسدّدَ بالكرامات الخارق ِ‬
‫ة أمَر ُ‬
‫قدَر ُ‬
‫ن جميع شيوخهم ي ّ‬
‫طلعون‬
‫هكذا في اعتقادهم أ ّ‬
‫على الغيب‪ ،‬ويعلمون ما في الصدور بالكشف‬
‫واللهام‪.‬‬
‫ما اللهام‪ ،‬فهو في الحقيقة مفهوم غامض‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ي حوله؛ وامتنع‬
‫احتاط العلماءُ في إبدا ِ‬
‫ء الرأ ِ‬
‫الكثير منهم عن الخوض فيه‪ .‬جاء تعريفه في‬
‫ة يمكن الجمع بينها تقريًبا‪ :‬أّنه‬
‫المعاجم بخلص ٍ‬
‫ن أمًرا يبعثه على‬
‫إلقاءٌ من الله في نفس النسا ِ‬
‫ي شيء في روعه‬
‫ل الشي ِ‬
‫ه‪ .‬كأنه أ ُل ْ ِ‬
‫ء أو ترك ِ‬
‫فع ِ‬
‫ق َ‬
‫‪267‬‬

‫المصدر السابق ص‪.174/‬‬

‫‪205‬‬

‫فالتهمه‪ .‬وكلمة «ألهمه الله» أي ل ّ‬
‫قنه إّياه؛‬
‫و«ألهمه شيًئا» أي أوعزه إليه وأوحاه‪.‬‬
‫ي في حاشيته‬
‫مد ال ْك َ ْ‬
‫قال مصطفى بن مح ّ‬
‫ست َل ّ ّ‬
‫على شرح العقائد للع ّ‬
‫لمة سعد الدين مسعود بن‬
‫ي‬
‫عمر التفتازاني تفسيًرا لقول النسف ّ‬
‫ما نقل‬
‫«واللها ُ‬
‫ق؛ قال إحتراًزا ع ّ‬
‫م عند أهل الح ّ‬
‫وفة وبعض الرافضة أّنه من‬
‫عن بعض المتص ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫أسباب العلم مستدلين بقوله تعالى } َ‬
‫ها‬
‫م َ‬
‫فأل َ‬
‫ه َ‬
‫و تَ ْ‬
‫ُ‬
‫ن المراد‬
‫وا َ‬
‫وَر َ‬
‫ها{‪ 268‬والجواب‪ ،‬أ ّ‬
‫ق َ‬
‫ها َ‬
‫فج ُ‬
‫ب‪ ،‬أو بدللة‬
‫إعلمها بإرسال الر ُ‬
‫ل وإنزال الك ُت ُ ِ‬
‫س ِ‬
‫العقل»‪.‬‬
‫ن علماء‬
‫فقد اّتضح من هذه العبارات مرةً أخرى أ ّ‬
‫السلم في ك ّ‬
‫ر قد ح ّ‬
‫ذروا المسلمين عن‬
‫ل عص ٍ‬
‫وفة والرافضة‪.‬‬
‫الغترار بتأويلت المتص ّ‬
‫***‬

‫ة‬
‫* الويسي ّ ُ‬
‫ب ومثيٌر‪،‬‬
‫ح غري ٌ‬
‫ما الويسية‪ :‬فإنّها مصطل ٌ‬
‫أ ّ‬
‫اختلقها النقشبندّيون ليّتخذوه ضرًبا آخر من‬
‫دا‬
‫دعوى علم الغيب لشيوخهم‪ .‬يزعمون أ ّ‬
‫ن عد ً‬
‫من قدمائهم تل ّ‬
‫ن‬
‫مهم من روحاني ِ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫قوا علو َ‬
‫ُ‬
‫ة» فيقولون‬
‫سي ّ ِ‬
‫وي ْ ِ‬
‫ماتوا قبلهم؛ ويصفونهم بـ «ال َ‬
‫ُ‬
‫لك ّ‬
‫ل منهم «شي ٌ‬
‫س‬
‫ي» نسب ً‬
‫ة إلى أ َ‬
‫خ أويس ّ‬
‫وي ْ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ي‪ .‬وهو «أويس بن عامر بن جزء بن مالك‬
‫قَرن ِ ّ‬
‫ي‪ ،‬من بني قرن بن ردمان بن ناجية ابن‬
‫القرن ّ‬
‫دمين من سادات‬
‫ساك العّباد المق ّ‬
‫مراد‪ ،‬أحد الن ّ‬
‫التابعين‪ .‬أصله من اليمن يسكن القفار والرمال‪،‬‬
‫ي ‪ ‬ولم يره‪ .‬فوفد على عمر‬
‫وأدرك حياة النب ّ‬
‫بن الخ ّ‬
‫طاب؛ ثم سكن الكوفة وشهد وقعة ص ّ‬
‫فين‬
‫جح الكثيرون أّنه‬
‫ي رضي الله عنه‪ .‬وير ّ‬
‫مع عل ّ‬
‫‪268‬سورة الشمس‪.8/‬‬

‫‪206‬‬

‫‪269‬‬
‫ُ‬
‫قت ِ َ‬
‫ي‬
‫ل فيها» ‪ .‬قيل إّنه كان يتش ّ‬
‫وقُ لزيارة النب ّ‬
‫‪ .‬فلم يستطع إليه سبيل‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬زعم‬
‫النقشبندّيون أّنه تل ّ‬
‫ما‬
‫قى عن رسول الله ‪ ‬علو ً‬
‫ة‬
‫بظهر الغيب‪ .‬فاّتخذوا من هذه المزعمة ذريع ً‬
‫ليختلقوا بها ما اشتهته نفوسهم بوضع هذه‬
‫ُ‬
‫ة»‪.‬‬
‫سي ّ ِ‬
‫وي ْ ِ‬
‫السطورة المتمّثلة في كلم ِ‬
‫ة‪« :‬ال َ‬

‫ي في هذا‬
‫يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫الصدد‪:‬‬
‫ن المام بهاء الدين الشاه نقشبند‪ ،‬أخ َ‬
‫ذ‬
‫«اعلم أ ّ‬
‫ي عن روحانّية الشيخ عبد الخالق‬
‫الذكَر الخف ّ‬
‫ي )‪ (...‬ولم يجتمع معه في عالم‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫ن بين المام بهاء الدين والمام عبد‬
‫الجسام‪ .‬ل ّ‬
‫ي )‪ (...‬خمس وسائط من رجال‬
‫الخالق ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫السلسلة العلّية كما مّر آن ً‬
‫فا‪ .‬وكذلك الشيخ أبو‬
‫خَر َ‬
‫دم ذكره أخذ الطريقة‬
‫الحسن ال ْ َ‬
‫ي المتق ّ‬
‫قان ِ ّ‬
‫ة المام أبي يزيد طيفور بن‬
‫المرضّية عن روحاني ّ ِ‬
‫ي )‪(...‬؛ وذلك في ظهوره له‬
‫عيسى البسطام ّ‬
‫ن الروحانّيات‬
‫في عالم السير إلى الله تعالى‪ .‬فا ّ‬
‫تجتمع في ذلك كاجتماعهم في المنام‪ ،‬وبعد‬
‫م ال ّ‬
‫لهوت الخارج من عالم‬
‫الممات‪ .‬وهو عال َ ُ‬
‫ق كّلهم ‪ -‬الحياء‬
‫الجسام والرواح‪ .‬الخل ُ‬
‫ن يدّبر الله‬
‫م ْ‬
‫والموات ‪ -‬في ذلك العالم‪ .‬منهم َ‬
‫ما في عال َم ِ الجسام وهم الحياء؛ ومنهم‬
‫له جس ً‬
‫من ل يدّبر الله له شيًئا من الجسام‪ ،‬وهم‬
‫الموات‪ .‬ومن لم ُين َ‬
‫و‬
‫فخ فيه الروح مما لم ي ُ َ‬
‫س ّ‬
‫ما كان هذا الحذ من الروحانّيات‪،‬‬
‫ه‪ .‬ول ّ‬
‫م ُ‬
‫جس ُ‬
‫ي لم يجتمع‬
‫نّبهنا عليه‪ .‬ل ّ‬
‫ن أبا الحسن الخرقان ّ‬
‫ن بينه‬
‫ي )‪ .(...‬ل ّ‬
‫بجسمانية أبي يزيد البسطام ّ‬
‫ن أبا يزيد تو ّ‬
‫في سنة إحدى‬
‫دا‪ .‬فا ّ‬
‫وبينه زمًنا بعي ً‬
‫وسّتين ومائتين‪ .‬وقيل أربع وسّتين ومائتين‪.‬‬
‫ضا‬
‫وأبوالحسن ولد بعده بكثير‪ .‬وأبو يزيد )‪ (...‬أي ً‬
‫‪269‬‬

‫خير الدين زركلي‪ ،‬العلم‬

‫‪2/32‬‬

‫‪207‬‬

‫س خرقة الطريق ظاهًرا وباطًنا من روحانية‬
‫ل َب ِ َ‬
‫دم‬
‫المام جعفر الصادق رضي الله عنه كما تق ّ‬
‫في الشيخ أبي الحسن‪ .‬وما اشتهر بين بعض‬
‫د )‪(...‬‬
‫أهل الطريق من ِ‬
‫خ أبي يزي ٍ‬
‫م ِ‬
‫خدْ َ‬
‫ة الشي ِ‬
‫ن‬
‫للمام جعفَر ‪ ‬وصحبت ِ ِ‬
‫ه له‪ ،‬غير صحيح‪ .‬ل ّ‬
‫ق رضي الله عنه‪ ،‬قبل‬
‫ر الصاد ِ‬
‫وفاة المام ِ جعف ِ‬
‫ولدة الشيخ أبي يزيد )‪ (...‬وك ّ‬
‫ن أخذ من‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ُ‬
‫سّيا» في اصطلح‬
‫وي ْ ٍ‬
‫الروحانّيات‪ ،‬يس ّ‬
‫مى «أ ُ‬
‫‪270‬‬
‫ساداتنا النقشبندّية‪».‬‬
‫من أنعم النظر في هذه العبارات‪ ،‬وفي ضوء‬
‫اليمان والعلم بكتاب الله وسّنة رسوله ‪ ،‬حار‬
‫لجرأة شيوخ هذه الزمرة على الله تعالى‪ ،‬كيف‬
‫ي َت َ َ‬
‫ن على الدين بهذا القدر من التحّرر من‬
‫وُلو َ‬
‫ق ّ‬
‫سّنة وهما بين أيدينا‪ .‬ليت‬
‫ضوابط الكتاب وال ّ‬
‫ن كانوا صادقين مع أنفسهم في القول‬
‫شعري إ ْ‬
‫بهذه المعتقدات الغريبة؛ وهل يتمّتع أحدهم‬
‫ه في تلك‬
‫ه ووعي َ ُ‬
‫بالفطرة السليمة أو يملك عقل َ ُ‬
‫وه بمثل هذه الكلمات؟ أليس‬
‫اللحظة اّلتي يتف ّ‬
‫عا في إشعار‬
‫من العجيب أّنهم ل ي َدّ ِ‬
‫خُرو َ‬
‫س ً‬
‫و ْ‬
‫ن ُ‬
‫سكهم بكتاب الله وسّنه رسوله ‪ ‬ول‬
‫الناس بتم ّ‬
‫يتف ّ‬
‫ما إذا صدر عن رسول الله ‪‬‬
‫كرون لحظ ً‬
‫ةع ّ‬
‫أّنه أوصى الحياءَ بأن يتل ّ‬
‫قوا علومهم من‬
‫الموات؟ ومن ذا اّلذي يعلم شيًئا من أحوالهم‬
‫سوى الله؟‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫ما أن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ت بِ ُ‬
‫و َ‬
‫قال الله تبارك وتعالى } َ‬
‫م ٍ‬
‫ي ال ْ ُ‬
‫ر‪ 271.{.‬وقال رسول الله ‪« ‬إذا مات‬
‫قب ُ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫ة‪ :‬إل ّ من‬
‫النسان انقطع عنه عمله إل ّ من ثلث ٍ‬
‫ة‪ ،‬أو علم ٍ ُينت َ َ‬
‫ح يدعو‬
‫ه‪ ,‬أو ول ٍ‬
‫ع بِ ِ‬
‫ة جاري ٍ‬
‫صدق ٍ‬
‫ف ُ‬
‫د صال ٍ‬
‫‪270‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪9 /‬؛ كذلك راجع‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫الصفحة ‪ 128‬من نفس المصدر‪.‬‬

‫‪271‬‬

‫سورة الفاطر‪.22/‬‬

‫‪208‬‬

‫له‪ 272».‬فإذا كان عمل النسان ينقطع بموته‬
‫ت من‬
‫ما إل ّ من هذه الشياء الثلثة اّلتي ليس ْ‬
‫تما ً‬
‫ة؛ فكيف‬
‫نتيجة فعله المباشر‪ ،‬وإّنما هي بالواسط ِ‬
‫م َ‬
‫ه‪‬‬
‫غي َْرهُ بعد موته كما في حيات ِ ِ‬
‫به أ ْ‬
‫ن يُ َ‬
‫عل ّ َ‬
‫ن النقشبندّيين لم يتو ّ‬
‫قفوا عند هذه الحدود‪،‬‬
‫ولك ّ‬
‫وراتهم وخيالتهم‪ ،‬كما سوف‬
‫بل ل حدود لتص ّ‬
‫عب َْر متابعتنا‬
‫حا َ‬
‫تتبلور أمام عيوننا أكثر وضو ً‬
‫ة‬
‫لدراسة بقّية معتقداتهم حول مفهوم الكرام ِ‬
‫ل والتبّرك بالقبور والستمداد من‬
‫والتو ّ‬
‫س ِ‬
‫‪273‬‬
‫الموتى‪.‬‬
‫***‬

‫* مفهوم الكرامة في معتقد‬
‫النقشبندّيين‪.‬‬
‫إن قس ً‬
‫طا كبيرا ً من نشاطات الطريقة‬
‫ة‬
‫ت بهلواني ٍ‬
‫ق حكايا ٍ‬
‫النقشبندّية يتمّثل في اختل ِ‬
‫ن‬
‫وأساطيَر عجيب ٍ‬
‫ونوها بعنوان الكرامات ضم َ‬
‫ةد ّ‬
‫ة في بطون‬
‫مناقب أوليائهم‪ .‬وهي مشحون ٌ‬
‫م‪ ،‬لم ي ّ‬
‫طلع عليها كثير من علماء المسلمين‬
‫ه ْ‬
‫ك ُت ُب ِ ِ‬
‫ما‬
‫اّلذين لم يعاصروهم أو لم يجاوروهم‪ .‬أ ّ‬
‫ضا‬
‫المتأ ّ‬
‫ن كثيًرا منهم أي ً‬
‫خرون من أهل العلم‪ ،‬فا ّ‬
‫م لهم بهذا الجانب من الطريقة‬
‫ل عل َ‬
‫النقشبندّية‪ .‬ذلك لّنهم لم يعبؤا بهذه الطائفة‬
‫فا‪َ .‬‬
‫ة واستنكا ً‬
‫ولم يخالطوا شيوخها أ َن َ َ‬
‫و‬
‫ف َ‬
‫ف ً‬
‫خل َ الج ّ‬
‫ت‬
‫بذلك لصحاب القلم من هذه النحلة وسنح ْ‬
‫ة حّتى نسجوا ما طاب لهم من‬
‫لهم الفرص ُ‬
‫‪272‬‬

‫مسلم ـ الوصية‪.‬‬

‫‪273‬‬

‫لمزيد من المعرفة حول هذا العتقاد راجع المصادر التية‪:‬‬

‫ي‪ ،‬رسالة في تحقيق الّرابطة )آخر رسالة من مجموع الكتيبات المطبوعة بعنوان‪« :‬علماء‬
‫* خالد البغداد ّ‬
‫هابُيون»( ص‪ .11 ،6 ،3 /‬مكتبة إيشك طباعات متكررة‪ .‬إسطنبول‪.‬‬
‫المسلمين والو ّ‬
‫* أحمد البقاعي‪ ،‬رسالة في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪) .10 /‬الرسالة الثانية من مجموعة «الزمرد العنقاء»(‬
‫‪TDV. İSAM. 297.7 NIM.Z 46644‬‬

‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية‪ .‬ص‪.23 ،14 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫سل بأهل المقابر‪) .‬الكتاب بعموم مضمونه(‬
‫* حمد الله الداجوي‪ ،‬البصائر لمنكري التو ّ‬

‫‪209‬‬

‫أفانين القصص السطورية‪ ،‬وحشدوا ما‬
‫استطاعوا منها في طّيات كتبهم على سبيل‬
‫التنويه بعظمة أسلفهم ومكانتهم عند الله‪ .‬وقد‬
‫تأّثر بهذه الكتب كثير من المتعلمين والمللي‬
‫وجماهير من العوام اّلذين وجدوا في حكايات‬
‫الشيوخ ما تنبهر بها عقولهم البسيطة الساذجة‪.‬‬
‫ولربما سرى ذلك التأثير إلى عدد من متأخري‬
‫ن ظّنهم بهذه الطريقة‬
‫الفقهاء فأظهروا حس َ‬
‫ْ‬
‫ي ال َ‬
‫ري‪ ،‬وغيرهما‪،‬‬
‫و َ‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫عل ِ ّ‬
‫مثل ابن حجر الهيتم ّ‬
‫قا ِ‬
‫ر يكتمها كبار زعماء‬
‫لما خفي عليهم من أمو ٍ‬
‫وَنها حّتى لمن يليهم من‬
‫النقشبندّية ول ي ُْبد ُ‬
‫شيوخ الطائفة اّلذين هم من الدرجة الثانية؛‬
‫ورات والتغّيرات اّلتي حدثت في‬
‫خا ّ‬
‫صة التط ّ‬
‫عب َْر المرحلة الخيرة على يد‬
‫عقائدها وآدابها َ‬
‫ي وبطانته‪ ،‬لم يعلمها السابقون‪ .‬ثم‬
‫خالد البغداد ّ‬
‫خ النقشبندّية أقوا َ‬
‫اّتخذ شيو ُ‬
‫ل بعض أولئك‬
‫ة في الدفاع عن طريقتهم؛ ومنهم‬
‫ج ً‬
‫السابقين ح ّ‬
‫ي‪ ،‬فقد نقل عبارةً من‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي في الصفحة الثامنة‬
‫فتاوي ابن حجر الهيتم ّ‬
‫من كتابه البهجة السنّية جاء فيها‪« :‬وذكر الع ّ‬
‫لمة‬
‫حر الشيخ ابن حجر الهيتمي الم ّ‬
‫كي رحمه‬
‫المتب ّ‬
‫الله تعالى في خاتمة الفتاوى الطريقة العلية‬
‫النقشبندّية مستطردا ً من بحث آخر معّبرا ً عنها‬
‫بقوله‪ :‬الطريقة العلية السالمة من كدورات‬
‫جهلة الصوفّية‪ ،‬وهي الطريقة النقشبندّية‪».‬‬
‫ع‬
‫من كتبهم اّلتي حشدوا بين طيّاتها أنوا َ‬
‫الساطير باسم الكرامات‪« :‬الحدائق الوردّية في‬
‫حقائق الج ّ‬
‫لء النقشبندّية»‪ ،‬لعبد المجيد بن‬
‫ي؛ وكتاب «المواهب‬
‫مد بن مح ّ‬
‫مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫السرمدية في مناقب السادات النقشبندّية»‪،‬‬
‫ي؛ و«جامع كرامات‬
‫لمحمد أمين الكرد ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫ي؛‬
‫الولياء»ِ‪ ،‬ليوسف بن إسماعيل النبهان ّ‬
‫و«النوار القدسية في مناقب النقشبندّية»‬

‫‪210‬‬

‫لمؤّلفه ياسين بن إبراهيم السنهوتي وغيرها‪.‬‬
‫فقد نسجوا على صفحات هذه الكتب ما ُيثير‬
‫لم ْ‬
‫غيرةَ ك ّ‬
‫د‬
‫ع ُ‬
‫ن بالله واليوم الخر‪ ،‬ول ُيست َب ْ َ‬
‫ؤم ٍ‬
‫ن يحترم العقل‬
‫م ْ‬
‫س الموقف منها َ‬
‫أن يّتخذ نف َ‬
‫ضا‪.‬‬
‫من غير المسلمين أي ً‬
‫ما الكرامة في حقيقتها‪ ،‬فهي ك ّ‬
‫م‬
‫ح ٍ‬
‫ل ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫أ ّ‬
‫ة ُيك ِ‬
‫ي ليكافئه بها على‬
‫الل ُ‬
‫ه بها عبدَهُ المؤمن التق ّ‬
‫سعيه المقبول؛ أو ليجعلها وسيلة الهداية لبعض‬
‫ن الكرامة‪،‬‬
‫عباده وعبرةً لولي اللباب‪ .‬غير أ ّ‬
‫ة بسّنة الله‪ ،‬كما لم تكن‬
‫ن تكون مخل ّ ً‬
‫يستحيل أ ْ‬
‫ّ‬
‫ن نواميس‬
‫معجزات النبيا ِ‬
‫ة ومبطل ً‬
‫ء مخل ً‬
‫ة لها‪ .‬ل ّ‬
‫الكون والحياة كّلها جارية على نسق وا ّ‬
‫طراد‬
‫وضعها الله سبحانه على شكل مترابط ومتكامل‬
‫ل يتم نظامها وبقاؤها إل ّ بهذا الترابط‬
‫والتكامل؛ بحيث إذا بطل قانون واحد من تلك‬
‫القوانين اخت ّ‬
‫سادَ الفوضى‬
‫ل نظا ُ‬
‫م العالمين و َ‬
‫ن‬
‫على الكائنات بأسرها وقامت الساعة‪ .‬كما أ ّ‬
‫ر منه‬
‫المعجزةَ والكرام َ‬
‫ة من تقديره تعالى‪ ،‬وبتدبي ٍ‬
‫تتح ّ‬
‫ققان‪ ،‬وبقدرته وهيمنته تتأثران على نفوس‬
‫ت له الهداية إلى الصراط المستقيم؛‬
‫ن ك ُت ِب َ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫‪274‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه ت َْبدي ِل‪.{.‬‬
‫ة الل ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫جدَ ل ِ ُ‬
‫ول ْ‬
‫ن تَ ِ‬
‫} َ‬
‫ث‬
‫ن الكرامة مع ندرة وقوعها في صورة حد ٍ‬
‫إ ّ‬
‫دى بها‬
‫ق للعاد ِ‬
‫ي ليتح ّ‬
‫ة قد يستعرضها الول ّ‬
‫خار ٍ‬
‫المنكرين والملحدين على أّنه صادقٌ في دعوته‬
‫ي اّلذي يتبعه ما عسى أن يهتدوا‬
‫إلى شريعة النب ّ‬
‫ي من‬
‫لليمان بالله واليوم الخر وما جاء به النب ّ‬
‫ن الكرامة ل ينبغي‬
‫عند الله‪ .‬وهذا يبرهن على أ ّ‬
‫إظهاُرها للمؤمنين؛ كما ل مساغ للحتجاج بها‬
‫في وجههم؛ لّنهم مؤمنون بجميع ما يؤمن به‬
‫ن القصدَ لتحصيل الحاصل‬
‫ب الكرامة؛ ول ّ‬
‫صاح ُ‬
‫لغو‪.‬‬
‫‪274‬‬

‫سورة الحزاب‪62/‬؛ سورة‬

‫الفتح‪23/‬‬

‫‪211‬‬

‫ن الكرامة في اعتقاد النقشبندّيين ليست هي‬
‫إ ّ‬
‫ّ‬
‫ي‬
‫ح ُ‬
‫ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫م بها عبدَهُ المؤم َ‬
‫ن التق ّ‬
‫ة الله التي ُيك ِ‬
‫ليكافئه على سعيه المقبول‪ ،‬أو ليجعلها وسيلة‬
‫الهداية لبعض عباده الضالين‪ .‬بل هي عندهم‬
‫أنما ٌ‬
‫ن من قبيل السحر؛‬
‫ط من الخوارق وألوا ٌ‬
‫ن شيوخ الطريقة ُيظهرونها‪ ،‬فيتمّيزون‬
‫دعون أ ّ‬
‫ي ّ‬
‫س على أّنهم من أولياء الله‪،‬‬
‫بها عن سائر النا ِ‬
‫ن‬
‫صة عباد ِ‬
‫ه المصطفين‪ .‬كما يعتقدون أ ّ‬
‫ومن خا ّ‬
‫شيوخهم يتصّرفون بها في ملك الله‪ ،‬تؤّيدُهم‬
‫على دعواهم تلك العما ُ‬
‫ة اّلتي تصدر‬
‫ل الخارق ُ‬
‫ء‪ ،‬والطيران في‬
‫عنهم‪ .‬كالمشي على الما ِ‬
‫ة في لمح‬
‫الهوا ِ‬
‫ء‪ ،‬وقطع المسافات الشاسع ِ‬
‫ر‪ ،‬وتحقيق النصر للجيوش وغيرها مما ل‬
‫البص ِ‬
‫يمكن حصره‪.‬‬
‫ن هذه القاويل‪ ،‬لم تتعدّ حدودَ الزعم‬
‫ولك ّ‬
‫م َ‬
‫د‬
‫شا َ‬
‫ه ٍ‬
‫ع ُ‬
‫المحض‪ ،‬ولم يتح ّ‬
‫ول شيء منها إلى واق ٍ‬
‫ة دامغة على ك ّ‬
‫ل من توّرط‬
‫ج ٌ‬
‫حّتى الن‪ .‬وذلك ح ّ‬
‫فاستسلم لهذا العتقاد الباطل؛ سواء أكانت‬
‫ة في اعتبارهم أم ل‪ .‬فليس‬
‫جة تّتسم بقيم ٍ‬
‫الح ّ‬
‫وراء بيان الله ورسوله بيان‪ ،‬ول قرية بعد‬
‫عبادان‪.‬‬
‫ب‬
‫ت المناسب ُ‬
‫لقد دع ْ‬
‫ة هنا أن ننقل من ك ُت ُ ِ‬
‫ما كتبوه بعنوان الكرامات‬
‫النقشبندّيين أمثل ً‬
‫ة مِ ّ‬
‫وأسندوها إلى شيوخهم؛ ننقلها ليتأك ّدَ القار ُ‬
‫ئ‬
‫وراتهم‪ ،‬وموقفهم‬
‫من مدى خيالتهم وتص ّ‬
‫ف من العقل والحقائق العلمّية‪،‬‬
‫المستخ ّ‬
‫واستهزائهم بسّنة الله اّلتي خلق الحياة‬
‫والممات والكون والفساد على أساسها‪.‬‬
‫ي‪-‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫وهو أديب النقشبندّيين وداهيتهم ‪ -‬إذ يترّنم‬
‫مد بهاء‬
‫جع ِ‬
‫بمدائحه المس ّ‬
‫ة لمام طريقتهم مح ّ‬

‫‪212‬‬

‫الدين المعروف بينهم بـ«شاه نقشبند»‪ .‬يقول‬
‫قدسّية ز ّ‬
‫سا إل ّ بأنفاسه ال ُ‬
‫«لم يدع ن َ ْ‬
‫كاها‪ ،‬ول‬
‫ف ً‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫م ٍ‬
‫ناَر ِ‬
‫مدّية أذكاها‪ ،‬ول ظُل ْ َ‬
‫ة إل ّ بأسراره المح ّ‬
‫ه ّ‬
‫ر‬
‫ة أخفاها‪ ،‬ول شبه َ‬
‫ل إل ّ بأنواره البهائي ّ ِ‬
‫جه ٍ‬
‫ة خاط ٍ‬
‫ت‬
‫ت كريما ٍ‬
‫ة نفاها‪ ،‬إلى كراما ٍ‬
‫إل ّ ببراهينه الجلي ّ ِ‬
‫ت من القلوب مواَتها‬
‫ت عظيما ٍ‬
‫وآيا ٍ‬
‫ت طالما أحي ْ‬
‫ت‬
‫ي التصّرفا ِ‬
‫ت الروا َ‬
‫وآت ْ‬
‫ح أقواَتها‪ ،‬ارتضع ثد َ‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫الغوثي ِ‬
‫ة وهو في المهد صبّيا‪ ،‬وتضلع من رحي ِ‬
‫ْ‬
‫مختوم ِ العلوم ِ الختمية بأكواب الرثية‪ ،‬فلو لم‬
‫‪275‬‬
‫وةُ لكان نبّيأ»‬
‫تُ ْ‬
‫خت َم ِ النب ُ ّ‬
‫سس‬
‫ي في معرض ترجمته لمؤ ّ‬
‫هكذا يقول الخان ّ‬
‫طريقتهم‪ ،‬وهكذا يعتقد في هذا الشخص اّلذي‬
‫ربما ليس لوجوده أثر من الحقيقة؛ أو قد يكون‬
‫شا بسي ً‬
‫دروي ً‬
‫طا لم يلتفت إليه أحد في حياته‬
‫عب َْر‬
‫و َ‬
‫أصل؛ ثمّ َ‬
‫ي من الشهرة مع الزمان َ‬
‫حظ ِ َ‬
‫ث‬
‫ن رمًزا ل ِب َ ّ‬
‫حذْل ِ ِ‬
‫مت َ َ‬
‫قي َ‬
‫ض ال ْ ُ‬
‫ن بعد أن اّتخذه بع ُ‬
‫قرو ٍ‬
‫ه‬
‫معتقداته بين السفلة والرعاع‪ ،‬فن ُ ِ‬
‫ت َ‬
‫س َ‬
‫ج ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ف من‬
‫ه آل ٌ‬
‫سجل ّ ٌ‬
‫مت ْ ُ‬
‫ت من الساطير حّتى عظّ َ‬
‫د‬
‫ف‪ ،‬لم يكن عبدُ المجي ِ‬
‫صْر ِ‬
‫الناس بالتقليد ال ّ‬
‫م‪.‬‬
‫خَر ُ‬
‫يآ ِ‬
‫ه ْ‬
‫الخان ّ‬
‫ي في سرد مناقبه فيقول‪:‬‬
‫يواصل الخان ّ‬
‫ح َ‬
‫ن الشي َ‬
‫خ تاج الدين‬
‫سي ّدَُنا علءُ الدين‪ :‬أ ّ‬
‫«و َ‬
‫كى َ‬
‫ب الحضرة البهائية‪ ،‬كان إذا أرسله‬
‫أحدَ أصحا ِ‬
‫‪276‬‬
‫الشي ُ‬
‫إلى‬
‫خ إلى حاجة من قصر العرفان‬
‫ة قليلة‪ .‬وذلك إّنه كان إذا غاب‬
‫بُ َ‬
‫خاَرى‪ ،‬يعود ببره ٍ‬
‫ء‪ .‬قال‬
‫عن أعين المريدين يطير في الهوا ِ‬
‫‪275‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.125 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪276‬‬

‫ي على ما يزعمه النقشبندّيون؛ وهي‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫قصر العرفان‪ ،‬اسم للقرية اّلتي ولد فيها مح ّ‬

‫خاَرى‪ ،‬لتتعدى المسافة بينهما عن حمس كيلومترات؛ وليس قصًرا بمعنى البناية الفخمة‬
‫على مقربة من مدينة ب ُ َ‬
‫جله في الصفحة ‪ .34‬زيل رقم‪ 1/‬من دراسته «النقشبندّية»‪.‬‬
‫كما ظّنه عبد الرحمن دمشقية‪ .‬فقد أخطأ فيما س ّ‬
‫دار طيبة‪ ،‬الرياض‪1984-‬م‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫ت على‬
‫ر إلى ب ُ َ‬
‫خاَرى‪ ،‬فذهب ُ‬
‫وأرسلني يو ً‬
‫ما في أم ٍ‬
‫ت الشيخ في طريقي‪ .‬فرآني‬
‫هذه الكيفية فوجد ُ‬
‫على هذه الحالة‪ ،‬فسلبها مّني؛ فلم أقدر بعد‬
‫‪277‬‬
‫دا»‬
‫ذلك أن أفعلها أب ً‬
‫ي في صدد كرامات هذا الشيخ‬
‫يستطرد الخان ّ‬
‫قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ن الشيخ سافر إلى خوارزم‪ ،‬وفي خدمته‬
‫«ثم إ ّ‬
‫ما بلغا نهر حرام‪ ،‬أمره أن‬
‫الشيخ شادي‪ .‬فل ّ‬
‫ء؛ فخاف الشيخ شادي‪ .‬فأمره‬
‫يمشي على الما ِ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة‪ ،‬فلم يفعل‪ .‬فنظر إليه نظرةً عظيم ً‬
‫غير مّر ٍ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫ه ً‬
‫غاب بها عن نفسه ب ُْر َ‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫م ُ‬
‫قدَ َ‬
‫ة‪ .‬فل ّ‬
‫ما أفاقَ َ‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫على وجه الما ِ‬
‫شى والشيخ خلفه‪ .‬فل ّ‬
‫و َ‬
‫ء َ‬
‫ل شيءٌ من خ ّ‬
‫جاوزاه‪ ،‬قال ان ْظُْر هل ابت ّ‬
‫فك أو‬
‫ل؟ فنظر‪ ،‬فلم يجد فيه بلل ً أصل بقدرة الله‬
‫‪278‬‬
‫تعالى‪».‬‬
‫ي‬
‫ي السرهند ّ‬
‫ي عن أحمد الفاروق ّ‬
‫وينقل الخان ّ‬
‫ي»‬
‫المشهور بين النقشبندّيين بـ«المام الرّبان ّ‬
‫ن يدخلون‬
‫إّنه قال «أطلعني الله على أسما ِ‬
‫م ْ‬
‫ء َ‬
‫ء إلى يوم‬
‫في سلسلتنا من الرجال والنسا ِ‬
‫ن نسبتي هذه تبقى بوساطة أولدي‬
‫القيامة؛ وأ ّ‬
‫ي سيكون‬
‫إلى يوم القيامة حّتى أ ّ‬
‫ن الما َ‬
‫م المهد ّ‬
‫‪279‬‬
‫على هذه النسبة الشريفة‪».‬‬
‫ء‬
‫ضا «أطلعني الله على قبور النبيا ِ‬
‫وقال أي ً‬
‫المبعوثين إلى أرض الهند بحيث أرى أنواًرا‬
‫‪280‬‬
‫ة من قبورهم‪».‬‬
‫ساطع ً‬

‫‪277‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.139 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪278‬‬

‫المصدر السابق‪.140 /‬‬

‫‪279‬‬

‫المصدر السابق‪.182 /‬‬

‫‪280‬‬

‫المصدر السابق‪.182 /‬‬

‫‪214‬‬

‫ن هذا الشيخ «نظر مرةً إلى‬
‫يأ ّ‬
‫وُيس ّ‬
‫جل الخان ّ‬
‫ي إلى وقت‬
‫السما ِ‬
‫ء وهي ت ُ ْ‬
‫مطُِر‪ ،‬فقال لها أقلع ِ‬
‫‪281‬‬
‫كذا‪ ،‬فحبس المطر إلى ذلك الوقت‪».‬‬
‫ضا عن البن الكبر للسرهندي‪،‬‬
‫وينقل المؤّلف أي ً‬
‫مد سعيد أّنه قال‪« :‬كثيًرا ما كان يخبرني‬
‫مح ّ‬
‫الشيخ بالمر‪ ،‬خيًرا كان أو شّرا قبل وقوعه‪،‬‬
‫‪282‬‬
‫فيقع كما يقول‪ ،‬بل تفاوت أصل‪».‬‬
‫ن هذا الشيخ اّلذي كان م ّ‬
‫عا على السرائر‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫طل ً‬
‫ّ‬
‫وعالمًا بمغيبات المور‪ ،‬والذي «كان يخبر ابنه‬
‫بالمر خيًرا كان أو شّرا قبل وقوعه فيقع»‬
‫ي؛ ليت‬
‫)على َ‬
‫حدّ اعتقادهم(‪ ،‬كما ينقل الخان ّ‬
‫شعري لماذا لم يهتم بمستقبل المسلمين‪ ،‬ولم‬
‫ة من‬
‫ُيخبرهم بما سوف يلقونه على أيدي الظلم ِ‬
‫ع وإبادة؟! فهل ّ‬
‫واضطهاٍد وإرها ٍ‬
‫ر َ‬
‫استعما ٍ‬
‫ب وقم ٍ‬
‫ّ‬
‫مة السلم بالحروب التي اندلعت بعده‪،‬‬
‫أخبر أ ّ‬
‫حّتى يأخذوا حذرهم ول يذهبوا ضحية ما دارت‬
‫عليهم رحاها وُأزهقت المليين من الرواح‬
‫البريئة!‬
‫إّنهم بحكم طبيعتهم لن يسكتوا عن هذه‬
‫ة‪ ،‬ولربما تراهم يلجؤن إلى الكتاب‬
‫ج ِ‬
‫المحا ّ‬
‫سّنة في الحين اّلذي يضربونهما بعرض‬
‫وال ّ‬
‫‪281‬‬

‫المصدر‬

‫‪282‬‬

‫المصدر السابق‪ .182 /‬لمزيد من الطلع على أقوالهم حول مفهوم الكرامة‪ ،‬راجع المصادر التالية‪:‬‬

‫السابق‪182 /‬‬

‫ي النيسابوري‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪.173 /‬‬
‫* أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشير ّ‬
‫الطبعة الثانية‪ .‬القاهرة ـ ‪1959‬م‪.‬‬
‫مو ْ‬
‫ي‪ ،‬جامع الصول ص‪ .166 /‬ط‪ 1276 .‬هـ‪.‬‬
‫ش َ‬
‫و ّ‬
‫* أحمد ضياء الدين ال ْگ ُ ُ‬
‫خان َ ِ‬
‫هابّية ص‪ .32 /‬الطبعة الثالثة‪ ،‬مكتبة الحقيقة‬
‫ي‪ ،‬المنحة الوهبية في رد الو ّ‬
‫* داوود بن سليمالن البغداد ّ‬
‫إسطنبول‪1994-‬م‪.‬‬
‫ء )الكتاب بتمامه(‪.‬‬
‫* يوسف بن إسماعيل النبهاني‪ ،‬جامع كرامات الوليا ِ‬
‫* مصطفى أبو سيف الحمامي‪ ،‬غوث العباد ببيان الرشاد ص‪ .296-289 /‬بشاور‪ 1385 -‬هـ‪) .‬مطبوع مع كتاب‬
‫البصائر لمؤلفه حمد الله الداجوي‪ ،‬ضمن مجلد واحد‪(.‬‬
‫ي‪ ،‬الرسالة الخالدّية ص‪) .75 /‬ترجمة‪ :‬شريف أحمد بن علي؛ النسخة المتداولة بين أتباع محمود‬
‫* خالد البغداد ّ‬
‫أسطى عثمان أوغلوفي إسطنبول‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫هم البريء‪:‬‬
‫الحائط‪ ،‬وهم ير ّ‬
‫دون في محاولة المت ّ َ‬
‫ع ما قاله‬
‫أ ّ‬
‫ب لله‪ .‬ويتناسون بذلك جمي َ‬
‫ن الغي َ‬
‫ي وغيره من شيوخهم من‬
‫إمامهم السرهند ّ‬
‫دعوى علم الغيب!‬
‫***‬

‫* حقيقة مفهوم الغيب‪.‬‬
‫م ومع ّ‬
‫قد‪ ،‬ومشكلة‬
‫أما الغيب‪ ،‬فاّنه مفهوم ها ّ‬
‫ت عقو َ‬
‫ل البشر منذ القديم‪ .‬لقد‬
‫عظيمة أشغل ْ‬
‫دار الجدال حول الغيبّيات بمختلف أساليبه بين‬
‫وفة‪،‬‬
‫العلماء والفلسفة والكلميّين والمتص ّ‬
‫فأعيت فيها مذاهبهم‪.‬‬
‫الغيب في الّلغة هو عكس الشهادة؛ وهو المر‬
‫ي‬
‫ي وليس العدم‪ .‬فا ّ‬
‫ن العدم مفهوم فلسف ّ‬
‫الخف ّ‬
‫أخر‪.‬‬
‫ويختلف الغيب إلى قسمين رئيسيّين باختلف‬
‫ول منهما‪ ،‬الغيب الممتنع أو المطلق‪.‬‬
‫ماهيته‪ .‬ال ّ‬
‫ى‬
‫وهو ما يستحيل إدراكه على العقل البشر ّ‬
‫خب َِر عن قرائنه‪ .‬كالروح‪،‬‬
‫ي‪ ،‬أو أ ُ ْ‬
‫ما‪ ،‬وإن ُ‬
‫س ّ‬
‫تما ً‬
‫م َ‬
‫وأحوال ما بعد الموت‪ ،‬وأشراط الساعة وقيامها‪،‬‬
‫وحياة الخرة؛ بالضافة إلى ك ّ‬
‫ل ما هو مستغرق‬
‫مى هذه‬
‫في علم الله وحده على انفراد‪ .‬وتس ّ‬
‫المور بـ «حقائق ما وراء الطبيعة = »‪.Metaphysic‬‬
‫تلك اّلتي ل سبيل إلى اليمان بها إل ّ عن طريق‬
‫ر ُ‬
‫ك‬
‫ما أنزل الله على رسله من الوحي‪ .‬ول ي ُدْ ِ‬
‫ميات الغيبّية‬
‫النسا ُ‬
‫ن شيًئا من حقيقة هذه المس ّ‬
‫ْ‬
‫هَر‬
‫في هذه الحياة الدنيا إل ّ ما شاء الله أ ْ‬
‫ن ي ُظ ِ‬
‫فل َ‬
‫ب َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عليها طائف ً‬
‫ة من عباده‪ .‬وهو}عا َل ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ي ُظْ‬
‫ى َ‬
‫ن‬
‫هُر َ‬
‫ى ِ‬
‫غي ْب ِ ِ‬
‫ح ً‬
‫هأ َ‬
‫م ْ‬
‫دا إ ِل ّ َ‬
‫ن اْرَتض َ‬
‫عل َ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ل‪ 283{.‬وهم المكّلفون من الملئكة والبشر‬
‫و ٍ‬
‫َرس ُ‬
‫‪283‬‬

‫سورة الجن‪.26/‬‬

‫‪216‬‬

‫صة دون غيرهم من بقّية النس والملئكة‬
‫خا ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫وعموم الج ّ‬
‫ما النوع الثاني من المور الغيبيّة‪ ،‬فهو اّلذي‬
‫أ ّ‬
‫ي‪ ،‬ولكن‬
‫يجوز إدراكه ببداهة العقل البشر ّ‬
‫ه‬
‫ص ِ‬
‫ة اّلتي لها ضوابطها‪ .‬إل ّ ما ت ُك ِن ّ ُ‬
‫بوسائلها الخا ّ‬
‫‪284‬‬
‫م بِ َ‬
‫وكذلك‬
‫ر‪{.‬؛‬
‫ه َ‬
‫ذا ِ‬
‫علي ِ ٌ‬
‫والل ُ‬
‫ت الصد ُ‬
‫الصدور } َ‬
‫و ِ‬
‫ى‬
‫ما هو آ ٍ‬
‫و َ‬
‫ت؛ فا ّ‬
‫ن َ‬
‫ول ُ‬
‫وَيق ُ‬
‫ن علمه عند الله } َ‬
‫مت َ‬
‫‪285‬‬
‫ه َ‬
‫ى‬
‫ن‪{.‬‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫عدُ إ ِ ْ‬
‫صاِدقي ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ول ُ‬
‫وَيق ُ‬
‫} َ‬
‫ذا ال ْ َ‬
‫مت َ‬
‫‪286‬‬
‫ذا ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ن‪{.‬‬
‫َ‬
‫ح إِ ْ‬
‫فت ْ ُ‬
‫ول َ ّ‬
‫صاِدقي ِ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ول َ َتق ُ‬
‫} َ‬
‫َ‬
‫‪287‬‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫ي َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ع ٌ‬
‫لِ َ‬
‫ه‪{...‬‬
‫ي ٍ‬
‫فا ِ‬
‫دا إ ِل ّ أ ْ‬
‫غ ً‬
‫شاءَ الل ُ‬
‫ش ْ‬
‫ءْ إ ِن ّ ِ‬
‫ب َ‬
‫ى نَ ْ‬
‫ما َ‬
‫ي‬
‫ذا ت َك ْ ِ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫غ ً‬
‫س ُ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫در ِ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫ف ٌ‬
‫دا َ‬
‫} َ‬
‫در ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪288‬‬
‫نَ ْ‬
‫خبي ٌِر‪{.‬‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ت إِ ّ‬
‫و ُ‬
‫علي ِ ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫س ب ِأ ّ‬
‫ف ٌ‬
‫ض َتم ُ‬
‫ي أْر ٍ‬
‫مي بقّية الغيبّيات في هذا الكون‬
‫ويمكن أ ْ‬
‫ن نس ّ‬
‫ي بـ «الحقائق الطبيعية المجهولة» إذ هي‬
‫المادّ ّ‬
‫خاضعة لنواميس الكون وما يتبعها من قوانين‬
‫المنطق والعلوم التجربّية‪ ،‬دون أية علقة‬
‫ة بها‪ .‬وإّنما يتم ّ‬
‫ك‬
‫هان َ ِ‬
‫كن النسان من إدرا ِ‬
‫للك َ َ‬
‫شيء على حقيقته إذا ملك الوسيلة اّلتي ت ُ َ‬
‫ب‬
‫قّر ُ‬
‫و ُ‬
‫ل إلى‬
‫ل من مجهو ٍ‬
‫ذلك الشيءَ إلى ذهنه؛ فيتح ّ‬
‫معلوم‪ .‬ولكن ليست ك ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ل هذه الوسائل ميسور ً‬
‫ة‪ .‬بل كثير منها صعب المنال‪،‬‬
‫مع أّنها ممكن ٌ‬
‫ضا‪ .‬فيتع ّ‬
‫قد‬
‫وبعضها داخل في المجهولت أي ً‬
‫المر هنا‪ ،‬وتشتدّ الزمة على بعض الناس عندما‬
‫ة وأمثالها وهم يجهلون‬
‫ض أمواُلهم للسرق ِ‬
‫تتعّر ُ‬
‫الفاعل‪ ،‬فيلجؤن إلى السحرة والمشعوذين‬
‫وشيوخ الطرائق الصوفّية للكشف عن ضاّلتهم‪.‬‬
‫ه ُ‬
‫قهم‪ .‬وأحياًنا‬
‫فيكّلفهم ذلك مال ً ووقًتا‪ ،‬وُير ِ‬
‫عا برجال المن في إثبات الجرائم‬
‫يضيق المر ذر ً‬
‫ع ُ‬
‫فهم تلك الجهزة الفّنية‬
‫س ِ‬
‫والجنايات‪ ،‬فل تكاد ت ُ ْ‬
‫‪284‬‬

‫سورة التغابن‪.4/‬؛ سورة الملك‪.13/‬‬

‫‪ 285‬سورة النمل‪.71/‬؛ سورة سبأ‪.29/‬؛ سورة ياسين‪.48/‬؛ سورة الملك‪.25/‬‬
‫‪ 286‬سورة السجدة‪.28/‬‬
‫‪ 287‬سورة الكهف‪.24 ،23/‬‬

‫‪288‬‬

‫سورة لقمان‪.34/‬‬

‫‪217‬‬

‫اّلتي يستخدمونها للكشف عن أسرار المجرمين؛‬
‫ة إلى‬
‫ه الوحشي ِ‬
‫ط غرائز ِ‬
‫فيندفع بعضهم بضغو ِ‬
‫استعمال العنف والتعذيب لنتشال العترافات‬
‫ة‪.‬‬
‫ق قسري ّ ٍ‬
‫من المّتهمين بطر ٍ‬
‫ك ّ‬
‫ل ذلك ناشيء عن جهلهم بأساليب الوصول‬
‫إلى المجهول اّلذي يطاردونه‪ .‬وقد يكون بسبب‬
‫ء ممكن في حد ذاته‪،‬‬
‫عجزهم عن العلم بشي ٍ‬
‫ص عليهم‪ .‬وكّلما دام العجز عن اكتشاف‬
‫مستع ٍ‬
‫الوسائل‪ ،‬امتنع العلم بالمجهول‪ .‬وهذه القضايا‬
‫مرتبطة أصل ً بقانون السببّية؛ وهو في تسلسل‬
‫دائم ومع ّ‬
‫نك ّ‬
‫م‬
‫ل شي ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫د‪ .‬ل ّ‬
‫ء في هذا الكون قائ ٌ‬
‫ج إليه‪ .‬فالمحتاج إليه هو‬
‫بشي ٍ‬
‫ء آخر‪ ،‬محتا ٌ‬
‫ة في اصطلح الكلمّيين‬
‫مى عل ً‬
‫السبب؛ ‪ -‬وقد يس ّ‬
‫ما المحتاج فهو المعلول‪.‬‬
‫ وأ ّ‬‫وعلى هذا النسق والنظام تجري الحداث‬
‫د‪،‬‬
‫ب‪ ،‬وتوال ٍ‬
‫ض‪ ،‬وتناس ٍ‬
‫وتتفاعل الشياء بين تناق ٍ‬
‫ب‬
‫ص؛ إلى غير ذلك من التقل ّ ِ‬
‫وتكاث ٍ‬
‫ر‪ ،‬وتناق ٍ‬
‫ور‪ .‬وهي آيات‬
‫دد والتقا ُ‬
‫والتغّير والتج ّ‬
‫دم والتط ّ‬
‫ة على قدرة الخالق البارئ العظيم‪،‬‬
‫ت دال ّ ٍ‬
‫في آيا ٍ‬
‫ه اّلذي‬
‫ع الل ِ‬
‫صن ْ َ‬
‫وعجائب تجّلياته‪ ،‬وحسن إبداعه } ُ‬
‫‪289‬‬
‫ما ت َ ْ‬
‫أ َت ْ َ‬
‫نك ّ‬
‫ن‪{.‬‬
‫ل شيء إّنه َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ق َ‬
‫خبي ٌِر ب ِ َ‬
‫عل ُ‬
‫ة‬
‫ن النقشبندّيين نراهم غير مقتنعين‪ ،‬ل ِبسن ّ ِ‬
‫ولك ّ‬
‫ة‪ ،‬ول‬
‫ه اّلتي أقامها سبحانه على أساس ال ْ ِ‬
‫عل ّي ّ ِ‬
‫الل ِ‬
‫‪290‬‬
‫بالنصوص القرآنية اّلتي ت ُن ْب ِ ُ‬
‫ؤنا بقانون السببيّة‬
‫في الحين اّلذي تؤ ّ‬
‫كد على أن الغيب لله وحده‪.‬‬
‫ن الساطير ‪ -‬اّلتي حشدوها في طّيات كتبهم‬
‫فا ّ‬
‫‪289‬‬

‫سورة النمل‪.88/‬‬

‫‪290‬‬

‫راجع اليات التية‪:‬‬

‫* سورة‬

‫يوسف‪68/‬‬

‫* سورة الكهف‪.92 ،89 ،85 ،84 ،65/‬‬
‫* سورة النبياء ‪.8‬‬
‫* سورة العلق‪.5/‬‬

‫‪218‬‬

‫عل ْم ِ الغيب‬
‫ة ِ‬
‫على سبيل الكرامة لشيوخهم ونسب ِ‬
‫إليهم ‪ ،-‬شاهدةٌ على موقفهم المتناقض مع ما‬
‫جاء في كتاب الله من انفراده تعالى وحده بعلم‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫كا َ‬
‫ه ل ِي ُطْل ِ َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫و َ‬
‫الغيب كقوله سبحانه } َ‬
‫ن‬
‫جَتب‬
‫ى ال ْ َ‬
‫َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن ُر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫عل َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫‪291‬‬
‫وقوله تعالى } ُ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫يَ َ‬
‫ي‬
‫شاء‪{.‬‬
‫م ِ‬
‫ل ل َك َ ْ‬
‫ل ل َ أق ُ‬
‫عْند ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ي‬
‫م ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ول َ أ ْ‬
‫ن الل ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫خَزائ ِ ُ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ول َ أق ُ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫م إ ِن ّ ِ‬
‫َ‬
‫‪292‬‬
‫مل َ ٌ‬
‫وقوله تعالى‬
‫ي‪{.‬‬
‫ك؛ إ ِ ْ‬
‫ن أت ّب ِ ُ‬
‫ع إ ِل ّ َ‬
‫َ‬
‫ما ي ُ‬
‫ى إ ِل َ ّ‬
‫وح َ‬
‫‪293‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫و‪{...‬‬
‫ح ال َ‬
‫ها إل ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫ب ل َ يَ ْ‬
‫فات ِ ُ‬
‫م َ‬
‫عل ُ‬
‫عن ْدَهُ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫} َ‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ي نَ ْ‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫وقوله تعالى} ُ‬
‫ق ْ‬
‫ضّرا‬
‫ول َ َ‬
‫ف ً‬
‫ل لَ أ ْ‬
‫عا َ‬
‫فس ِ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫م ال ْ َ‬
‫تأ ْ‬
‫غي ْ َ‬
‫ست َك ْث َْر ُ‬
‫و ك ُن ْ ُ‬
‫ب لَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ما شاء الله‪َ ،‬‬
‫ن أ ََنا إ ِل ّ َنذي ٌِر‬
‫سن‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫ء‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫خي ْ‬
‫م ّ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫ي الس ُ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪294‬‬
‫وَبشي ٌِر ل ِ َ‬
‫وم ٍ ي ُ ْ‬
‫وقوله تعالى‬
‫ن‪{.‬‬
‫ؤ ِ‬
‫و َ‬
‫من َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ة‪ ،‬فقل إ ِّنما ال َ‬
‫زل َ‬
‫ه آي َ ٌ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫غي ْ ُ‬
‫نل ْ‬
‫ول ُ‬
‫وَيق ُ‬
‫} َ‬
‫ول أن ْ ِ‬
‫‪295‬‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫ن‪{.‬‬
‫من ْت َ ِ‬
‫م ِ‬
‫فان ْت َ ِ‬
‫لل ِ‬
‫م َ‬
‫ظري ِ َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ُ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫ظر ُ‬
‫وا إ ِن ّ ِ‬
‫وقوله تعالى} ُ‬
‫ق ْ‬
‫ت‬
‫نف‬
‫وا ِ‬
‫ل ل َ يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ي الس َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن‬
‫وال َْر‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ن أّيا َ‬
‫و َ‬
‫ش ُ‬
‫غي ْ َ‬
‫و َ‬
‫ب إ ِل ّ الل ُ‬
‫عر ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫‪296‬‬
‫ن‪{.‬‬
‫و‬
‫عث‬
‫ب‬
‫يُ ْ َ ُ َ‬
‫دا من أهل العلم والبحث يتساءلون‬
‫د وأ ّ‬
‫ن عد ً‬
‫لب ّ‬
‫في أنفسهم عن الحكمة المكنونة في الغيب؛ أي‬
‫ع َ‬
‫ة الغيب‬
‫ي من وجود َ‬
‫قب َ ِ‬
‫ما هو القصد الحقيق ّ‬
‫ر من‬
‫ع كثي ٍ‬
‫أمام النسان تمنعه من العلم بواق ِ‬
‫ء والحداث ل يكاد يتجاوزها‪ ،‬وهو في‬
‫الشيا ِ‬
‫ة على كّر العصور إلى‬
‫ل وحير ٍ‬
‫ق وجه ٍ‬
‫تساؤ ٍ‬
‫ل وقل ٍ‬
‫ت‬
‫هذا اليوم اّلذي يتمّتع فيه باستخدام آل ٍ‬
‫ة رهيبة السرعة في التصال‬
‫وأجهز ٍ‬
‫‪291‬‬

‫سورة أل عمران‪.179/‬‬

‫‪292‬‬

‫سورة النعام‪.50/‬‬

‫‪293‬‬

‫سورة النعام‪.59/‬‬

‫‪294‬‬

‫سورة العراف‪.188/‬‬

‫‪295‬‬

‫سورة يونس‪.20/‬‬

‫‪296‬‬

‫سورة النمل‪.65/‬‬

‫‪219‬‬

‫والمواصلت؛ ول يكاد يتم ّ‬
‫كن من أن يزعزع هذه‬
‫د‪.‬‬
‫العقبة من مكانها بع ُ‬
‫ة‪ :‬لو‬
‫لقد فات هؤل ِ‬
‫ة قليل ً‬
‫ء أن يلحظوا بره ً‬
‫ف لهم ما سيلقونه في مستقبلهم من‬
‫ش َ‬
‫كُ ِ‬
‫ط‬
‫وها ومّرها على هيئة شري ٍ‬
‫جميع الحداث‪ ،‬حل ِ‬
‫ي‪ .‬فما عسى كان أمرهم وهم يشاهدون‬
‫سينمائ ّ‬
‫ب‬
‫فيها أنفسهم تتقّلب من نعيم ٍ إلى عذا ٍ‬
‫وبالعكس! وما رأي ُ َ‬
‫ب‬
‫ك فيما لو كان قد ُر ِ‬
‫ع الحجا ُ‬
‫ف َ‬
‫عن َ‬
‫ذ مسب ً‬
‫قا جميع‬
‫ت يومئ ٍ‬
‫ك وأنت مراهق‪ ،‬فشاهد َ‬
‫ما سوف يمّر بك في حيات ِ َ‬
‫ك من الوقائع حّتى‬
‫ت فيها؟!‬
‫آخر لحظ ٍ‬
‫ة أن َ‬
‫هل تريد أن تختبر نفسك كما لو ا ّ‬
‫ت إلى‬
‫طلع َ‬
‫ت بالتأكيد مثل ً أّنك بعد‬
‫مستقبلك بتمامه‪ ،‬فعلم َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ب رئيس الدولة‬
‫عشرين سن ً‬
‫ة سوف تحتل منص َ‬
‫ل فتذهب‬
‫ثم لم تلبث تتعرض لمؤامرة اغتيا ٍ‬
‫ما في المعتقل‪،‬‬
‫ضحيتها بعد أن تقضي أعوا ً‬
‫ما تحت التعذيب؛ هل تتم ّ‬
‫كن بعد العلم بهذا‬
‫وأّيا ً‬
‫ّ‬
‫المستقبل الغريب الذي ينتظرك‪ ،‬أن تملك‬
‫شعوَرك فتستمّر في مسيرة حياتك بصورة‬
‫عا بما‬
‫عادي ٍ‬
‫ة؟ فما بالك بالناس لو علم كلهم جمي ً‬
‫سوف يلقونه من نعيم وعذاب‪ ،‬ومكاسب‬
‫ء! أل يقتضي ذلك أن‬
‫وخسارات‪ ،‬وسعادة وشقا ِ‬
‫يعيش ك ّ‬
‫ل فرد من بني البشر بعد العلم‬
‫بمستقبله في ارتباك وخوف وذعر وفزع؟‪..‬‬
‫وهل يشهد بعد ذلك عالم البشر إل الفوضى‬
‫والجنون والخراب والدمار؟!‬
‫ن هذه الفرضّيات تقودنا إلى فهم شيء من‬
‫إ ّ‬
‫الحكمة المكنونة من حقيقة الغيب‪ .‬وذلك برهان‬
‫ن الغيب لله وحده دون غيره؛ كما‬
‫عظيم على أ ّ‬
‫جة دامغة على ك ّ‬
‫ل من اعتقد علم الغيب‬
‫هي ح ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫في أولياء الصوفي ّ ِ‬
‫***‬

‫‪220‬‬

‫ل في معت َ َ‬
‫د‬
‫ق ِ‬
‫و ّ‬
‫س ِ‬
‫* مفهوم الت َ‬
‫النقشبندّيين وما ر ّ‬
‫كبوا عليه من ُأمور‪.‬‬
‫ء‬
‫سك النسان بشي ٍ‬
‫سل لغ ً‬
‫ة‪ :‬هو أن يتم ّ‬
‫التو ّ‬
‫ه؛ فيكون ذلك الشيءُ‬
‫يبتغي به الوصول إلى غايت ِ‬
‫مى الوسيلة‪.‬‬
‫هو اّلذي يس ّ‬
‫وفي اصطلح علماء التوحيد والتفسير‪ :‬هي‬
‫ة إلى الله‪ .‬وهو اليمان الصادق والعمل‬
‫القرب ُ‬
‫الصالح‪ .‬هذا هو المراد من لفظ الوسيلة‪ ،‬كما‬
‫ة في بابه‪ 297.‬من خلل‬
‫ة واضح ٍ‬
‫أثبتنا ذلك بأدل ّ ٍ‬
‫ء‪.‬‬
‫تفسيرات منقولة لعدد من مشاهير العلما ِ‬
‫ن‬
‫يمكن إضافة أضعاف هذه النماذج اّلتي ت ُب َْر ِ‬
‫ه ُ‬
‫ء على تفسير مفهوم الوسيلة‬
‫على اّتفاق العلما ِ‬
‫ن‬
‫سل في اليتين المذكورتين كما ت ُب َْر ِ‬
‫والتو ّ‬
‫ه ُ‬
‫ى‪،‬‬
‫على حصر معنى الوسيلة في القربة والزلف َ‬
‫سل منحصر في التقّرب إلى الله‬
‫وأ ّ‬
‫ن التو ّ‬
‫باليمان الصادق والعمل الصالح فحسب‪.‬‬
‫ن النقشبندّيين ل يقتنعون بهذه البراهين؛‬
‫غير أ ّ‬
‫ء السلم وعلومهم‪ .‬وتشهد‬
‫لستخفافهم بعلما ِ‬
‫ء؛ كقول‬
‫على ذلك هفواتهم في احتقار العلما ِ‬
‫ي‪:‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫مح ّ‬
‫ء العلماء اّلذين ت َْر ُ‬
‫ة بعضهم‬
‫«وهؤل ِ‬
‫م َ‬
‫خا َل َطَ ِ‬
‫ك ُ‬
‫ب للفتح على القلب في طريق الله تعالى‪،‬‬
‫موج ٌ‬
‫هم المتف ّ‬
‫دمنا ذكرهم قبل ذكر‬
‫قهة اّلذين ق ّ‬
‫ء‪ .‬وهم موجودون في ك ّ‬
‫ل زمان من عصر‬
‫الفقها ِ‬
‫ي‪ ،‬بل من قبله إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫المام الشافع ّ‬
‫ن لم يكن لهم نصيب‬
‫خذلهم الله تعالى وأذّلهم‪ ،‬إ ْ‬
‫‪298‬‬
‫ة‪».‬‬
‫في اْلهداية والتوب ِ‬
‫‪297‬‬

‫راجع الهوامش من رقم‪ 104 /‬إلى ‪.115‬‬

‫‪298‬‬

‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية والبهجة الخالدّية ص‪) .97 ،96 /‬أعيد‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫مح ّ‬

‫ل مكتبة الحقيقة‪ .‬إسطنبول‪.1992-‬‬
‫طبعه من ِ‬
‫قب َ ِ‬

‫‪221‬‬

‫ب جام غضبه على «المتف ّ‬
‫قهة»‪ .‬يقصد‬
‫هكذا يص ّ‬
‫ة أخرى‬
‫بهم اّلذين ل يوافقونهم‪ ،‬ويستثني طائف ً‬
‫ميها «الفقهاء» وهم المتواطؤن معهم على‬
‫يس ّ‬
‫ة‪ ،‬وتحريفهم للمفاهيم القرآنية‪.‬‬
‫تأويلتهم الشاذّ ِ‬
‫لع ّ‬
‫ن النقشبندّيين‬
‫ب هذه العداو ِ‬
‫ة‪ ،‬هو أ ّ‬
‫ل سب َ‬
‫ي‬
‫سك العلما ِ‬
‫يجدون في تم ّ‬
‫ء بالفقه السلم ّ‬
‫ة كبيرةً أمام‬
‫سّنة‪ ،‬عقب ً‬
‫وبنصوص الكتاب وال ّ‬
‫قي َم ِ الدين الحنيف‬
‫محاولتهم في العبث ب ِ ِ‬
‫ومفاهيمه‪ .‬إذ ل يتناولون آيات الله ليّتبعوا ما‬
‫ة كما مّر‬
‫تشابه منها‪ ،‬إل ّ اصطدموا بهذه العقب ِ‬
‫ء لكلمة «الوسيلة»‪.‬‬
‫في تفسير العلما ِ‬
‫يبدو أّنهم سوف يصّرون في عنادهم كسائر‬
‫أتباع الفرق الباطنية‪ ،‬على الرغم من أّنهم‬
‫َ‬
‫دا‬
‫ة شديدةً من علما ِ‬
‫سيلقون معارض ً‬
‫ء السلم أب َ ً‬
‫ما داموا يتشّبثون بك ّ‬
‫ل ما قد وضعها أسلفهم‬
‫ل غريبة للّتعّبد‪ .‬مثل «الّرابطة»‪،‬‬
‫من أشكا ٍ‬
‫ج َ‬
‫ة»‪ ،‬وممارسة «الركان الحد‬
‫و«الختم ال ُ‬
‫گان ِي ّ ِ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫ة‬
‫ة‪ ،‬وأدعي ٍ‬
‫عشر» وغيرها من أوراد مزخرف ٍ‬
‫ة؛ يدندنون بها‬
‫ر مبتدَ َ‬
‫ع ٍ‬
‫ة مستحدث ٍ‬
‫منفوخ ٍ‬
‫ة‪ ،‬وأذكا ٍ‬
‫على غرار «المانترا »‪ mantra‬في الديانات‬
‫الهندية‪ .‬بل وقد يتشّبثون بوسائل أخرى على‬
‫هذا السلوب العناد ّ ّ‬
‫س‬
‫ي الذي أبعد الكثيَر من النا ِ‬
‫ة السلم‪ ،‬كما شرعوا لنفسهم‬
‫عن ساح ِ‬
‫رهم‪ ،‬والتب َّر َ‬
‫س َ‬
‫ك بها‪،‬‬
‫ل بالموا ِ‬
‫التو ّ‬
‫ت وقبو ِ‬
‫فزعموا أّنهم لم يقصدوا بك ّ‬
‫ه‬
‫ل ما ذُك َِر إل ّ وج َ‬
‫ه الله ل يجوز إل ّ باّتباع ما‬
‫ب وج ِ‬
‫الل ِ‬
‫ه‪ .‬مع أ ّ‬
‫ن طل َ‬
‫ه من أشكال السعى‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫قد رسمه الله َ‬
‫سك‬
‫ر التعّبد والتن ّ‬
‫والعمل‪ ،‬دون غيرها من ُ‬
‫ص َ‬
‫و ِ‬
‫والرهبانّية اّلتي ابتدعها اليهود والنصارى‬
‫والمجوس‪.‬‬
‫ن عموم الضللة ‪-‬‬
‫هذا وجدير بالشار ِ‬
‫ة إلى أ ّ‬
‫صة في المسائل العتقادّية ‪ -‬ينشأ من‬
‫خا ّ‬

‫‪222‬‬

‫التأويل أكثر من التعطيل‪ .‬وهما من أسباب‬
‫التحريف‪ .‬وأثر الجهل فيهما أكثر بأضعاف من‬
‫ن الجاه َ‬
‫د‬
‫م ِ‬
‫مد‪ .‬وأ ّ‬
‫ل تاب ٌ‬
‫ع للمتع ّ‬
‫أثر القصد والتع ّ‬
‫ة‪ .‬وما أكثر‬
‫ه بالتقليد العمى عاد ً‬
‫ه وعملئ ِ‬
‫وبطانت ِ‬
‫أبناء الجهل في ك ّ‬
‫ل أرض! بذلك يستفحل المر‪.‬‬
‫ة يصطادونهم بك ّ‬
‫ة‪ .‬فيتفاقم‬
‫ن الدجاجل َ‬
‫ل سهول ٍ‬
‫ل ّ‬
‫الشّر بسبب انسحاب جماهير البسطاء من‬
‫ة‪.‬‬
‫جرأ ً‬
‫وةً و ُ‬
‫ورائهم؛ فيزدادون بهم ق ّ‬
‫ومن العواقب الوخيمة لجهل النسان‪ ،‬وتبعّيته‬
‫بالتقليد العمى فيما يتعّلق بموقفه من الله‪ :‬أّنه‬
‫س‬
‫ق َ‬
‫يشعر بضع ٍ‬
‫م ُ‬
‫عظ ّ َ‬
‫ه النا ُ‬
‫غ أمام مخلو ٍ‬
‫ف بال ٍ‬
‫مل َ ً‬
‫ذا يلجا إليه‬
‫حّتى جعلوا منه إل ً‬
‫ها؛ فيراه َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ل ِي ُن َ ّ‬
‫ها‬
‫ها‪ ،‬وليجير َ‬
‫ه الت ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫س بِ ِ‬
‫ة كرب َ َ‬
‫عي َ‬
‫هع ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫جو ِ‬
‫ها؛ وليفّر إلى َ‬
‫و َ‬
‫ء إ ِل َي ْ ِ‬
‫ِبالل ّ ُ‬
‫ذا ال ّ‬
‫ه من عد ّ‬
‫صن َم ِ‬
‫ب منه الفرج كلما ضاق به‬
‫كّلما استوحش‪ ،‬ويطل َ‬
‫ه‪،‬‬
‫المر ذر ً‬
‫و إليه كّلما اشتدّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ه وآل ُ‬
‫حْزن ُ ُ‬
‫عا‪ ،‬ويشك َ‬
‫وليتسّلى به إ ِ َ‬
‫م‪.‬‬
‫ذا دا َ‬
‫ه الهمو ُ‬
‫مت ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ة هذا العتقاد الفاسد‬
‫ت بين الناس فتن ُ‬
‫وإّنما فش ْ‬
‫بسبب ذلك الضعف الناشيء من الجهل بحقيقة‬
‫ة‬
‫ت عديد ٍ‬
‫مد ‪ ‬من آيا ٍ‬
‫ما أنزل الله على سيدنا مح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في المشركين كقوله تعالى } ُ‬
‫ن‬
‫م إِ ْ‬
‫قل أَرأي ْت َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ذاب الله أ َ َ‬
‫أ ََتا ُ‬
‫ة‪ ،‬أ َ‬
‫ه‬
‫سا َ‬
‫كم َ‬
‫ع ُ‬
‫غي َْر الل ِ‬
‫ع َ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫و أت َت ْك ُ ُ‬
‫ِ ْ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ن إِ ْ‬
‫و َ‬
‫ن * بل إّياهُ ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صاِدقي ِ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫دع ُ‬
‫دع ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ما‬
‫ش ُ‬
‫ن إ ِلي ْ ِ‬
‫في َك ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ه إِ ْ‬
‫و َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫س ْ‬
‫شاءَ َ‬
‫دع ُ‬
‫َ‬
‫‪299‬‬
‫ن ما َ ل َ‬
‫وقوله تعالى }أي ُ ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ن‪{.‬‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫رك ُ‬
‫رك ُ‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ه ْْ‬
‫ق َ‬
‫م‬
‫م يُ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫و ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫خل ُ ُ‬
‫سَتطِيع ُ‬
‫ن* َ‬
‫خَلق ُ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫َ‬
‫‪300‬‬
‫ول َ أن ْ ُ‬
‫وقوله تعالى‬
‫ن‪{.‬‬
‫و َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َن ْ ُ‬
‫نَ ْ‬
‫صر ُ‬
‫صًرا َ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫ض ّ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ضّر ف‬
‫ر َ‬
‫م ال ّ‬
‫و َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ي ال ْب َ ْ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫ذا َ‬
‫دع ُ‬
‫} َ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫مو َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ن‬
‫ى ال ْب َّر أ ْ‬
‫عَر ْ‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫ما ن َ ّ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫جاك ُ ْ‬
‫فل َ ّ‬
‫إ ِّيا ُ‬
‫م ِإل َ‬
‫‪299‬‬

‫سورة النعام‪.41 ،40/‬‬

‫‪300‬‬

‫سورة العراف‪.192 ،191/‬‬

‫‪223‬‬

‫َ‬
‫‪301‬‬
‫َ‬
‫ب‬
‫وًرا‪{.‬‬
‫س ُ‬
‫ر َ‬
‫وقوله تعالى } َيا أي ّ َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫كف ُ‬
‫ض ِ‬
‫ل َ‬
‫مث َ ٌ‬
‫ه‬
‫ن الل ِ‬
‫ن ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫و َ‬
‫وا له‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ن تَ ْ‬
‫فا ْ‬
‫م ْ‬
‫ن اّلذي َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ند ُ‬
‫دع ُ‬
‫مع ُ‬
‫م‬
‫ن يَ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وا ْ‬
‫سل ُب ْ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫لَ ْ‬
‫ه ُ‬
‫جت َ َ‬
‫وا له؛ َ‬
‫مع ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫وا ذَُباًبا َ‬
‫خُلق ُ‬
‫ف ال ّ‬
‫ب َ‬
‫ب‬
‫ع َ‬
‫ست َن ْ ِ‬
‫ه؛ َ‬
‫وهُ ِ‬
‫طال ِ ُ‬
‫ض ُ‬
‫الذَّبا ُ‬
‫شي ًْئا ل َ ي َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫قذ ُ‬
‫‪302‬‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ب‪{.‬‬
‫و َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫و ُ‬
‫واّلذي َ‬
‫وال ْ َ‬
‫دع ُ‬
‫وقوله تعالى } َ‬
‫طل ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م لَ‬
‫ه‬
‫و‬
‫دع‬
‫ت‬
‫ن‬
‫إ‬
‫*‬
‫ر‬
‫ي‬
‫طم‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫و‬
‫لك‬
‫م‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫و‬
‫د‬
‫ن‬
‫م‬
‫ُ ِ ِ َ َ ْ ِ ُ َ ِ ْ ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ِ ْ َ ْ ُ ُ ْ‬
‫ِ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‪،‬‬
‫ن دُ َ‬
‫س ِ‬
‫و َ‬
‫ست َ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫وا لك ْ‬
‫وا َ‬
‫عائ َك ْ‬
‫س َ‬
‫جاب ُ‬
‫مع ُ‬
‫ول ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫مع ُ‬
‫ؤ َ‬
‫ة ي َك ْ ُ‬
‫ول َ ي ُن َب ّ ُ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ل‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫شْرك ِك ُ ْ‬
‫قَيا َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫فر ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫َ‬
‫‪303‬‬
‫ر‪{.‬‬
‫ي‬
‫خب‬
‫َ‬
‫ِ ٍ‬
‫ة عند ما‬
‫يدافع النقشبندّيون عن أنفسهم بشدّ ٍ‬
‫ُتتلى هذه اليات على مسامعهم‪ ،‬فيثورون غضًبا‬
‫واستنكاًرا بأّنها نزلت في المشركين‪ .‬نعم‪ ،‬ولكن‬
‫ن دون الله إل ّ‬
‫دا ِ‬
‫و أح ً‬
‫أل يعلمون أّنه ل ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫دع ُ‬
‫مشرك؟! أفل يكونون قد شهدوا على أنفسهم‬
‫ب‬
‫مد الكذ َ‬
‫بهذا الذنب العظيم؛ إذ يص ّ‬
‫دقون من تع ّ‬
‫ي ‪ .‬فزعم أّنه قال «إذا تحّيرتم‬
‫على لسان النب ّ‬
‫في المور‪ ،‬فاستعينوا بأهل القبور‪».‬‬
‫مد زاهد‬
‫ب أّلفه مح ّ‬
‫وردت هذه الكلمات في كتا ٍ‬
‫ة من النقشبندّيين في‬
‫كوتكو‪ ،‬شيخ جماع ٍ‬
‫ن‬
‫إسطنبول‪ 304.‬فما دامت هذه الطائفة تعتقد أ ّ‬
‫شيخ الطريقة وكيل عن الله‪ ،‬كما ورد ذلك في‬
‫‪305‬‬
‫ة أخرى منهم؛‬
‫تفسير «روح الفرقان» لجماع ٍ‬
‫ع‬
‫ما دام هذا اعتقادهم في شيوخهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن جمي َ‬
‫ما بالغيب ‪-‬‬
‫ه ‪ -‬رج ً‬
‫صت ُ ُ‬
‫شيوخهم أولياء الله وخا ّ‬
‫إذن فل مانع عندهم من أن يطلب المريدُ قضاءَ‬

‫‪301‬‬

‫سورة السراء‪.67/‬‬

‫‪302‬‬

‫سورة الحج‪.73/‬‬

‫‪303‬‬

‫سورة الفاطر‪.14/‬‬

‫‪304‬‬

‫‪.M. Zahid Kotku, Tasavvufi Ahlak 2/277.Seha Pub. Ist-1982‬‬

‫‪305‬‬

‫م ستة أشخاص من النقشبندّيين التراك ص‪ .2/74 /‬دار سراج إسطنبول ـ‬
‫د ُ‬
‫روح الفرقان‪ ،‬بقلم جماع ٍ‬
‫ة عد ُ‬
‫ه ْ‬

‫‪1992‬م‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫ه من شيخه فضل ً عن أن‬
‫ه‪ ،‬ومغفرةَ ذنوب ِ ِ‬
‫حاجت ِ‬
‫ل به إلى الله في ك ّ‬
‫س َ‬
‫ل سؤاله‪.‬‬
‫يتو ّ‬
‫ما موقف بعضهم في الدفاع عن النقشبندّية‬
‫أ ّ‬
‫في هذا المعتقد كما نقل يوسف بن إسماعيل‬
‫ي‪ 306‬عن شيخ آخر على شاكلته «إّنه يجوز‬
‫النبهان ّ‬
‫‪307‬‬
‫فإنما هو‬
‫سل بأهل الخير والصلح»‬
‫التو ّ‬
‫ة «ول‬
‫هدُ بها السبيل ليقول في النهاي ِ‬
‫محاولة يم ّ‬
‫ن‬
‫ص‪ ،‬أ ّ‬
‫ي من العوا ّ‬
‫يظ ّ‬
‫ن عا ّ‬
‫م فضل ً عن الخوا ّ‬
‫م ّ‬
‫ث شيًئا في الكون‪،‬‬
‫د ُ‬
‫ح ِ‬
‫نحو سّيدي أحمد البدوي ي ُ ْ‬
‫ن رتبتهم تقصر عن السؤال من‬
‫وإّنما يرون أ ّ‬
‫سلون بمن ذكر تبّر ً‬
‫كا بهم كما ل‬
‫الله تعالى فيتو ّ‬
‫‪308‬‬
‫يخفى‪».‬‬
‫ن كل ّ من أحمد البدوي وأمثاله‬
‫هكذا يقولون‪ .‬ل ّ‬
‫ة عندهم؛ ليش ّ‬
‫ك في‬
‫من الشيوخ مستجاب الدعو ِ‬
‫نك ّ‬
‫ن اشتهر بينهم‬
‫ذلك أحد منهم؛ ول ّ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫بالولية ‪ -‬مهما كانت طريقة هذا الشتهار ‪ -‬حّتى‬
‫ولو بوساطة المافيا‪ ،‬أو باستغلل رجال‬
‫ن الله يستجيب دعوته‬
‫السياسة والتجارة ‪ -‬لبدّ وأ ّ‬
‫في اعتقادهم‪.‬‬
‫دونه من‬
‫ما إذا قيل لهم‪ - :‬أ ّ‬
‫ن الفلن اّلذي تع ّ‬
‫أ ّ‬
‫أولياء الله‪ ،‬وتع ّ‬
‫سلون بجاهه‪ ،‬فما‬
‫ظمونه‪ ،‬وتتو ّ‬
‫حة اعتقادكم هذا فيه‪ ،‬وكيف‬
‫دليلكم على ص ّ‬
‫دهم‬
‫تعلمون أ ّ‬
‫ن الله ل يردّ دعوته؟ فيكون ر ّ‬
‫عني ً‬
‫ي‪:‬‬
‫ن َرك ِ َ‬
‫م ْ‬
‫فا وبلهجة َ‬
‫ب رأسه؛ كقول الخليل ّ‬
‫«ول ُينكر ذلك إل ّ من ابتلى بالحرمان‪ ،‬أو سوء‬
‫‪309‬‬
‫العقيدة نعوذ بالله!»‬
‫‪306‬‬

‫راجع ترجمته في العلم‪ ،‬خير الدين زركلي ‪ .8/218‬دار العلم للمليين طبعة ‪ .11‬بيروت‪1995-‬م‪.‬‬

‫‪307‬‬

‫يوسف بن إسماعيل النبهاني‪ ،‬شواهد الحق ص‪) .142 /‬الرسالة الثانية من مجموع الكتيبات المطبوعة‬

‫هابُيون»( مكتبة إيشك طباعات متكررة‪ .‬إسطنبول‪.‬‬
‫بعنوان‪« :‬علماء المسلمين والو ّ‬

‫‪308‬‬

‫المصدر‬

‫‪309‬‬

‫المصدر السابق ‪.142‬‬

‫السابق‪142 /‬‬

‫‪225‬‬

‫ي‬
‫ي والمنهج النقشبند ّ‬
‫هذا هو المنطق الصوف ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عند ك ّ‬
‫ض‬
‫ل موق ٍ‬
‫ف‪ .‬ومن هذا ال ُ‬
‫ق فقد خا َ‬
‫من ْطل ِ‬
‫ي مثار الدفاع‬
‫أديبهم يوسف بن إسماعيل النبهان ّ‬
‫سل الفاسد والستغاثة والتبّرك‬
‫عن التو ّ‬
‫ه‪ :‬شواهد الحق‪،‬‬
‫بالمخلوق حّيا ومي ًّتا‪ ،‬وذلك بكتاب َي ْ ِ‬
‫وجامع كرامات الولياء‪ .‬فحشد فيهما ما زّينت له‬
‫ث والسمين حّتى اشتهر بالشعوذة‬
‫نفسه من الغ ّ‬
‫والتن ّ‬
‫طع وإثارة الخرافات‪.‬‬
‫***‬

‫الفصل الرابع‬
‫ه النقشبندّية‬
‫مي ِ‬
‫* حقيقة ما ُتس ّ‬
‫ج َ‬
‫ن»‪ ،‬وأسماءُ اّلذين‬
‫«سلسلة ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫دسة في‬
‫هم بمنـزلة حلقاتها المق ّ‬
‫اعتقاد هذه الطائفة‪.‬‬
‫* مزعمة «سلسلة السادات»‪.‬‬
‫* الروحانّيون في هذه الطريقة‬
‫المعروفون بـ «رجال السلسلة»‪.‬‬
‫* شخصّياتهم‪ ،‬ومستوياتهم العلمّية‬
‫والجتماعّية‪ ،‬وترجمة أحوالهم‬
‫بالتفصيل‪.‬‬
‫‪---------------------------------‬‬‫ديق رضي الله‬
‫‪.1‬أبو بكر الص ّ‬
‫عنه‪...................................................................................................‬‬

‫‪226‬‬

‫‪.2‬سلمان الفارسي رضي الله‬
‫عنه‪....................................................................................................‬‬
‫ديق رضي الله‬
‫مد بن أبي بكر الص ّ‬
‫‪.3‬قاسم بن مح ّ‬
‫عنهم‪...............................................................‬‬
‫مد الباقر رضي الله‬
‫‪.4‬جعفر الصادق بن مح ّ‬
‫عنهما‪.........................................................................‬‬
‫‪.5‬أبو يزيد‬
‫ي‪..............................................................................................‬‬
‫البسطام‬
‫‪ّ ..........................‬‬
‫‪.6‬أبو الحسن‬
‫ي‪.................................................................................................‬‬
‫الخرقان‬
‫‪ّ ......................‬‬
‫‪.7‬أبو علي‬
‫ي‪.................................................................................................‬‬
‫الفارمد ّ‬
‫‪.......................‬‬

‫‪.8‬أبو يعقوب يوسف‬
‫ي‪..................................................................................................‬‬
‫الهمدان ّ‬
‫‪.......‬‬
‫‪.9‬عبد الخالق‬
‫ي‪...............................................................................................‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬

‫‪.....................‬‬

‫‪.10‬عارف‬
‫الّري َ َ‬
‫وگري‪...................................................................................................‬‬
‫ِ‬
‫‪.......................‬‬
‫‪.11‬محمود‬
‫جيْر َ‬
‫ي‪.......................................................................................‬‬
‫ف ْ‬
‫غن َ‬
‫و ّ‬
‫الن ْ ِ‬
‫‪ِ ............................‬‬
‫‪.12‬علي‬
‫ي‪...................................................................................................‬‬
‫الّرا ِ‬
‫مَتن ّ‬
‫‪..............................‬‬
‫مد َباَبا‬
‫‪.13‬مح ّ‬
‫ي‪...............................................................................................‬‬
‫ماس‬
‫الس ّ‬
‫‪ّ .......................‬‬
‫‪.14‬أمير ك ُل َ ْ‬
‫ل بن‬
‫حمزة‪...........................................................................................................‬‬
‫‪............‬‬

‫ي المعروف بـ «شاه‬
‫مد بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫‪ .15‬مح ّ‬
‫نقشبند»‪......................................................‬‬

‫‪227‬‬

‫مد علء الدين‬
‫‪ .16‬مح ّ‬
‫الع ّ‬
‫طار‪........................................................................................................‬‬
‫‪..‬‬

‫‪ .17‬يعقوب‬
‫ي‪.....................................................................................................‬‬
‫الﭽر ِ‬
‫خ ّ‬

‫‪...............‬‬

‫‪ .18‬ناصر الدين عبيد الله‬
‫الحرار‪...................................................................................................‬‬
‫مد زاهد‬
‫‪ .19‬مح ّ‬
‫ي‪.................................................................................................‬‬
‫ال ْب َدَ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ش ّ‬

‫‪...............‬‬

‫مد‬
‫‪ .20‬درويش مح ّ‬
‫ي‪...........................................................................................‬‬
‫السمرقند ّ‬
‫‪.............‬‬
‫ْ‬
‫گي‬
‫مد ال ُ‬
‫ج ِ‬
‫وا َ‬
‫‪ .21‬مح ّ‬
‫خ َ‬
‫گيّ‪..................................................................................................‬‬
‫مﮑ َن َ ِ‬
‫ال ْ‬
‫‪....‬‬

‫مد باقي بالله‬
‫‪ .22‬مح ّ‬
‫ي‪......................................................................................................‬‬
‫الكا‬
‫‪ُ.........‬بل ّ‬
‫ي المعروف بـ‬
‫ي السرهند ّ‬
‫‪ .23‬أحمد الفاروق ّ‬
‫ي»‪..................................................‬‬
‫«المام الرّبان ّ‬
‫مد معصوم‬
‫‪ .24‬مح ّ‬
‫ي‪................................................................................................‬‬
‫الفاروق ّ‬
‫‪...........‬‬
‫مد سيف الدين‬
‫‪ .25‬مح ّ‬
‫ي‪................................................................................................‬‬
‫‪..‬الفاروق ّ‬
‫مد‬
‫‪ .26‬نور مح ّ‬
‫ي‪...................................................................................................‬‬
‫ال ْب َدَ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫‪............‬‬
‫ن‬
‫‪ .27‬شمس الدين حبيب الله ِ‬
‫هر َ‬
‫مظ ْ َ‬
‫مي ْْرَزا َ‬
‫جا ِ‬
‫ن‪...............................................................‬‬
‫جاَنا ْ‬
‫َ‬
‫‪ .28‬غلم علي عبد الله‬
‫ي‪...............................................................................................‬‬
‫الدّ ْ‬
‫و ّ‬
‫هل َ ِ‬
‫ي المعروف بين النقشبندّيين بـ‬
‫‪ .29‬خالد البغداد ّ‬
‫«ذي الجناحين »‪.....................................‬‬

‫‪228‬‬

‫ي‬
‫* خالد البغداد ّ‬
‫ومعارضوه‪...............................................................................................‬‬
‫‪..............‬‬

‫ي وأسلوب تعامله‬
‫* خلفاء البغداد ّ‬
‫معهم‪........................................................................................‬‬
‫* ممّيزات الشخصّية لشيوخ الطريقة النقشبندّية‬
‫ية‪..............‬‬
‫ومستوياتهم العلمّية والثقاف ّ‬

‫الفصل الرابع‬
‫ميه النقشبندّية‬
‫* حقيقة ما تس ّ‬
‫ج َ‬
‫ن» وأسماء رجالها‬
‫«سلسلة ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫* مزعمة «سلسلة السادات»؛‬
‫* الروحانّيون في هذه الطريقة؛‬
‫أسماؤهم‪ ،‬وشخصّياتهم‪ ،‬ومستوياتهم‬
‫ية‪.‬‬
‫العلمّية والجتماع ّ‬
‫‪----------------------------------‬‬‫ميه النقشبندّية‬
‫* حقيقة ما تس ّ‬
‫ج َ‬
‫ن»‪ ،‬أو«السلسلة‬
‫«سلسلة ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫الذهبّية»‬
‫ع معتقداِتهم‬
‫يزعم النقشبندّيون أ ّ‬
‫ن جمي َ‬
‫دهم مأثورةٌ عن رسول الله ‪،‬‬
‫ب تعب ّ ِ‬
‫وأسالي َ‬
‫وعن أصحابه والسلف الصالح عليهم الرضوان‪.‬‬
‫د‬
‫ي ‪ -‬أح ُ‬
‫كما ي ّ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫دعي ذلك مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬

‫‪229‬‬

‫ن طريقة‬
‫ه الطائف ِ‬
‫س هذ ِ‬
‫ة ‪ -‬فيقول «إ ّ‬
‫رؤو ِ‬
‫سّنة‬
‫السادة النقشبندّية هو معتقد أهل ال ّ‬
‫والجماعة‪ .‬وهي طريقة الصحابة رضي الله‬
‫عنهم على أصلها‪ ،‬لم يزيدوا فيها‪ ،‬ولم ينقصوا‬
‫‪310‬‬
‫منها‪».‬‬
‫ن شيوخهم‬
‫دعاء أ ّ‬
‫هكذا يقولون ليتذّرعوا بهذا ال ّ‬
‫إّنما تل ّ‬
‫قوا هذه الصناف الدخيلة من المعتقدات‬
‫والشكال الغريبة من الطقوس والعبادات؛ إّنما‬
‫ة‪،‬‬
‫ضا عن بعض‪ ،‬وطبق ً‬
‫تلقوها بع ً‬
‫ة عن طبق ٍ‬
‫ي ‪) ‬على زعمهم(‪.‬‬
‫متسلس َل ً بالتصاعد إلى النب ّ‬
‫ي ‪ ‬هو اّلذي ل ّ‬
‫ة أبا‬
‫ي َدّ ُ‬
‫قن الطريق َ‬
‫نأ ّ‬
‫عو َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ت منه‬
‫ول مّر ٍ‬
‫م تسلسل ْ‬
‫ة! ث ّ‬
‫ر رضي الله عنه ل ّ‬
‫بك ٍ‬
‫بالتدريج حّتى وصلت إلى شيخهم اّلذي يلزمونه‬
‫في الوقت الحاضر‪ ،‬كما سنعرض من مقولتهم‬
‫في ذلك اقتبسناها من مصادرهم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ن هذه الدعوى اّلتي ل حقيقة لها في ميزان‬
‫إ ّ‬
‫العلم ول في ميزان السلم‪ ،‬يعتقدها ك ّ‬
‫ع‬
‫لم ُ‬
‫ول ِ ٍ‬
‫دا‪ .‬وكثير منهم‬
‫دا أكي ً‬
‫بتعاليم هذه الطريقة اعتقا ً‬
‫يحفظون أسماء كبرائهم بالتسلسل المذكور في‬
‫مونها بـ «سلسلة‬
‫مصادر هذه الطائفة‪ ،‬ويس ّ‬
‫السادات»؛ وكذلك بـ «السلسلة الذهبّية»‪.‬‬
‫***‬

‫* مزعمة «سلسلة السادات»‬

‫ي‪،‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ت أسماء سادات سلسلة الطريقة الجليلة؛‬
‫«سمع ُ‬
‫وقُ للوقوف على تراجم أحوالهم‬
‫جعل ُ‬
‫ت أتش ّ‬
‫‪310‬‬

‫تجد نفس العبارة في المصادر التالية‪:‬‬

‫* خالد البغدادي‪ ،‬رسالة في تحقيق الّرابطة‪ ،‬ص‪) 13/‬راجع‪ :‬عباس العّزاوي‪ ،‬مولنا خالد النقشبندي‪ ،‬مجّلة‬
‫ي‪ ،‬ص‪(708/‬‬
‫المجمع العلمي الكرد ّ‬
‫ي الربلي‪ ،‬المواهب السرمدية ص‪.3 /‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪. 3/‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪. 3. /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪230‬‬

‫ة‬
‫ة‪ .‬وإذ لم أرها مجتمع ً‬
‫دسة مدّةً غيَر قليل ٍ‬
‫المق ّ‬
‫ن أكثرهم من‬
‫بالّلغة العربّية في كتاب واحد‪ .‬ل ّ‬
‫ت وأنا‬
‫م ُ‬
‫بلد الفرس والهند وتلك المعاهد‪ .‬عز ْ‬
‫َ‬
‫ف‪ .‬على أن‬
‫ف‪ ،‬سنة ثلث وثلثمائة وأل ٍ‬
‫للعزم ب ِأل ِ ٍ‬
‫ع أحوا َ‬
‫ن‬
‫أجم َ‬
‫ن ترجموه؛ وأخد َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م بالترجمة َ‬
‫ل َ‬
‫ما بسّيدي‬
‫لم يخدموه‪ ،‬بادًئا بالمبدأ الفياض‪ ،‬وخات ً‬
‫‪311‬‬
‫الوالد‪».‬‬
‫ي نظرةً على هذه العبارات‬
‫إ ّ‬
‫ن من ُيلق ِ‬
‫خَر َ‬
‫ة‪ ،‬ل يخفى عليه ما قد اعترف صاحُبها‪،‬‬
‫مَز ْ‬
‫ف ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫وما أقّر وشهد على نفسه بالذات وبلسانه‬
‫وقلمه‪ ،‬حّتى قال‪ :‬إّنه سمع «أسماء ساداته ولم‬
‫ن‬
‫يرها مجتمع ً‬
‫ب واحد‪ ،‬ل ّ‬
‫ة بالّلغة العربّية في كتا ٍ‬
‫ن هذا‬
‫ما بأ ّ‬
‫أكثرهم من بلد الفرس والهند»‪ .‬عل ً‬
‫الرجل من أكبر شيوخ النقشبندّية في أّيامه اّلتي‬
‫عاشها ما بين ‪1900-1847‬م‪ .‬من الميلد‪ .‬وهذا مع‬
‫ة في بلد الشام‪.‬‬
‫ة نقشبندّية شهير ٍ‬
‫أّنه من أسر ٍ‬
‫ز‬
‫ن هذا العترا ُ‬
‫ف الرهي ُ‬
‫أل يبره ُ‬
‫ب من رج ٍ‬
‫ل بار ٍ‬
‫ن هذه السماء‬
‫بين أساطين هذه النحلة‪ ،‬على «أ ّ‬
‫ة عليه ‪ -‬وعلى النقشبندّيين‬
‫مازالت غريب ً‬
‫بأسرهم فضل عن جمهور المسلمين‪-‬؛ وغيَر‬
‫د»؟! إ ً‬
‫ذا‬
‫ب واح ٍ‬
‫مجتمع ٍ‬
‫ة بالّلغة العربّية في كتا ٍ‬
‫ة من الصوفّية المجهولين‬
‫صب َ ِ‬
‫فكيف بهذه ال ُ‬
‫ع ْ‬
‫الخاملين أن يكونوا قد لبسوا الخرقة‪ ،‬وأخذوا‬
‫العهد خل ً‬
‫فا عن سلف؛ وما عسى دليل‬
‫النقشبندّيين بعد هذا العتراف الصريح أن يكون‬
‫ة‪،‬‬
‫هؤل ِ‬
‫ت الدخيل َ‬
‫ء قد نقلوا تلك المعتقدا ِ‬
‫َ‬
‫ب المختل َ‬
‫والمباد َ‬
‫قة من لدن رسول الله‬
‫ئ والدا َ‬
‫عب َْر هذه السلسلة المزعومة؟! ثم كيف‬
‫‪َ ‬‬
‫بهؤلء الدراويش المساكين أن يكونوا بمنـزلة‬
‫دثين‬
‫أولئك العلماء من سائر الطبقات؛ من المح ّ‬
‫‪311‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.2 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪231‬‬

‫سرين واللغويين والطباء‬
‫والفقهاء والمف ّ‬
‫والرياضيين والدباء والحكماء اّلذين شاع‬
‫صيتهم‪ ،‬وبلغت الفاقَ شهرُتهم‪ ،‬بما كتبوا‬
‫وصنفوا وأّلفوا ودرسوا وارشدوا حّتى امتلت‬
‫ة‪ ،‬وانتشرت‬
‫مكتبات العالم بآثارهم القّيم ِ‬
‫معارفهم في أرجاء المعمورة‪ ،‬كما تبرهن على‬
‫ة‬
‫ت هائل ٍ‬
‫ورا ٍ‬
‫هذه الحقيقة ما نشهده اليوم من تط ّ‬
‫في حضارة العصر الحاضر اّلتي هي من امتداد‬
‫ة من‬
‫س لمع ٍ‬
‫علومهم وتأثير جهودهم؛ وعكو ٍ‬
‫ة ذكائهم ودهائـهم‪ .‬فأين أولئك اّلذين‬
‫ع ِ‬
‫أش ّ‬
‫ي «للوقوف على تراجم أحوالهم‬
‫يتش ّ‬
‫وف الخان ّ‬
‫دسة»! أين بهم من هؤلء الفحول‪ ،‬ومن‬
‫المق ّ‬
‫مة؟ وما عساها قد‬
‫الئمة المجتهدين أعاظم ال ّ‬
‫عملت تلك الشرذمة العاطلة من صوفية الفرس‬
‫مة السلم ومستقبلها ياترى؟!‬
‫والهند لجل أ ّ‬
‫سوف ن ّ‬
‫ن شاء الله على قائمة أسماء‬
‫طلع إ ْ‬
‫هؤلء الشيوخ اّلذين ُتع ّ‬
‫ظمهم النقشبندّية‪،‬‬
‫م من اّلذين اصطفاهم الله على العالمين‬
‫عدّ ُ‬
‫وت َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م أن يّتص َ‬
‫ل بأرواح البعض‬
‫حّتى «استطا َ‬
‫ع ُ‬
‫ع بَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫الخر في عالم ال ّ‬
‫م‬
‫ى منه العلو َ‬
‫لهوت‪ ،‬ويتلق ّ‬
‫ه‬
‫والوامَر» )على حدّ قولهم(؛ فينص َ‬
‫ب نف َ‬
‫س ُ‬
‫خا على النقشبندّية‪ .‬سوف ن ّ‬
‫طلع على‬
‫شي ً‬
‫أسمائهم وصفاتهم وشخصّياتهم وصراعهم مع‬
‫منافسيهم‪ ،‬ونصيبهم من العلم والهداية؛ كما‬
‫سوف ن ّ‬
‫طلع على تصّرفات ك ّ‬
‫ل منهم في هذه‬
‫ن شاء الله‬
‫الطريقة‪ ،‬وذلك في البواب التية إ ْ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫ي‪« ،‬ينبغي‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫يقول مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫خهم ورجا َ‬
‫ل‬
‫للمريدين أن يعرفوا نسب َ‬
‫ة شي ِ‬
‫ي ‪ .‬لّنهم‬
‫السلسل ِ‬
‫ة كّلها من مرشدهم إلى النب ّ‬
‫إذا أرادوا أن يطلبوا المدد من روحانيتهم‪ ،‬وكان‬
‫حا حصل لهم المدد من‬
‫انتسابهم إليهم صحي ً‬

‫‪232‬‬

‫ه إلى الحضرة‬
‫روحانيتهم‪ .‬فمن لم تّتصل سلسلت ُ ُ‬
‫النبوية‪ ،‬فإّنه مقطوع الفيض‪ ،‬ولم يكن وارًثا‬
‫‪312‬‬
‫لرسول الله ‪».‬‬
‫ي‬
‫كان هذا هو نموذ ً‬
‫جا آخر للمنطق الصوف ّ‬
‫ّ‬
‫ي تعليق‪،‬‬
‫ي الغريب الذي ل يحتاج إلى أ ّ‬
‫النقشبند ّ‬
‫واّلذي تبدو من خلله نظرتهم إلى شخصية‬
‫الرسول ‪ ،‬وقسطاسهم في تحديد الوراثة له‪.‬‬
‫ما أسماء رجال هذه السلسلة المزعومة‪ ،‬فقد‬
‫أ ّ‬
‫ي على سبيل‬
‫ذكرها عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫الجمال فقال‪:‬‬
‫«وهي السلسلة المّتصلة من أبي الرواح الكبر‪،‬‬
‫الرؤوف الرحيم البّر‪ ،‬سّيدنا رسول الله ‪ ،‬إلى‬
‫حضرة الصديق العظم؛ إلى سّيدنا سلمان‬
‫ي؛ إلى سّيدنا القاسم حفيد أبي بكر‬
‫الفارس ّ‬
‫ديق؛ إلى سّيدنا جعفر الصادق؛ إلى سّيدنا‬
‫الص ّ‬
‫ي؛ إلى سّيدنا أبي الحسن‬
‫أبي يزيد البسطام ّ‬
‫ي؛ إلى‬
‫ي؛ إلى سّيدنا أبي علي الفارمد ّ‬
‫الخرقان ّ‬
‫ي؛ إلى سّيدنا عبد الخالق‬
‫سّيدنا يوسف الهمدان ّ‬
‫َ‬
‫ري؛ إلى‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫ي؛ إلى سّيدنا عارف الّريَوگ ِ‬
‫جيْر َ‬
‫ي‬
‫ف ْ‬
‫و ّ‬
‫سّيدنا محمود الن ْ ِ‬
‫ي؛ إلى سّيدنا عل ّ‬
‫غن َ ِ‬
‫ميْر ك ُل َ ْ‬
‫ل؛ إلى سّيدنا‬
‫ي؛ إلى سّيدنا ال ْ ِ‬
‫الّرا ِ‬
‫مت َن ِ ّ‬
‫‪313‬‬
‫مد بهاء‬
‫ي؛‬
‫مد َباَبا َ‬
‫إلى سّيدنا مح ّ‬
‫س ّ‬
‫مح ّ‬
‫ماس ّ‬
‫الدين ـ الشاه النقشبند؛ إلى سّيدنا علء الدين‬
‫ي؛ إلى سّيدنا‬
‫العطار؛ إلى سّيدنا يعقوب الﭽر ِ‬
‫خ ّ‬
‫مد الزاهد؛ إلى‬
‫عبيد الله الحرار؛ إلى سّيدنا مح ّ‬
‫ي‬
‫سّيدنا الدرويش مح ّ‬
‫مد؛ إلى سّيدنا الخواجك ّ‬
‫َ‬
‫مد الباقي بالله؛‬
‫مك َن َ ِ‬
‫گيّ؛ إلى سّيدنا مح ّ‬
‫مد ال ْ‬
‫مح ّ‬
‫ي؛ إلى‬
‫ي السرهند ّ‬
‫إلى سّيدنا أحمد الفاروق ّ‬
‫مد المعصوم؛ إلى سّيدنا سيف الدين؛‬
‫سّيدنا مح ّ‬
‫‪312‬‬

‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪ .500 /‬طبعة مصر‪1384 -‬هـ‪.‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪313‬‬

‫ي‪ ،‬يجب ذكره قبل المير كلل‪ .‬ويغلب أن‬
‫ن هذا الترتيب فيه خطأ بسيط‪ .‬وهو أ ّ‬
‫إ ّ‬
‫ن محمدا البابا السماس ّ‬

‫هذا الخطأ جاء في الطباعة وليس من المؤّلف‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫ي؛ إلى سّيدنا حبيب‬
‫إلى سّيدنا نور مح ّ‬
‫مد ال ْب َدَ َ‬
‫وان ّ‬
‫ي؛ إلى‬
‫الله مظهر؛ إلى سّيدنا عبد الله الدهلو ّ‬
‫مد‬
‫ي؛ إلى سّيدنا الجد مح ّ‬
‫سّيدنا خالد العثمان ّ‬
‫‪314‬‬
‫ي»‪.‬‬
‫ي؛ إلى سّيدنا الوالد مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫الخان ّ‬
‫ن طريقَتهم هكذا‬
‫ما َز ْ‬
‫م النقشبندّيين بأ ّ‬
‫ع ُ‬
‫أ ّ‬
‫ت إليهم من لدن رسول الله ‪ ‬إلى آخر‬
‫تسلسل ْ‬
‫شيوخهم في ك ّ‬
‫د‬
‫ل عصر‪ ،‬فإّنه كلم باطل ل ُيعت ّ‬
‫ق النظر فيه‪ .‬فقد وردت على‬
‫به‪ ،‬ول يستح ّ‬
‫ت شبه اعتراف‬
‫لسان بعض شيوخهم بالذات كلما ٌ‬
‫بهذه المزعمة‪ .‬أل وهو الشيخ قسيم الك ُ ْ‬
‫ي‪،‬‬
‫فَرو ّ‬
‫ل مكاًنا مرمو ً‬
‫اّلذي احت ّ‬
‫ة من‬
‫ع كبير ٍ‬
‫قا بين جمو ٍ‬
‫ة‪ ،‬وقضى حياته‬
‫النقشبندّيين‪ ،‬ونال شهرةً واسع ً‬
‫ي من‬
‫ث علمي ّ ٍ‬
‫ت وبحو ٍ‬
‫في دراسا ٍ‬
‫ة بجانب ما َ‬
‫حظ ِ َ‬
‫المكانة بين رجالت السياسة والثقافة طوال‬
‫خمسين عاما ً في تركيا‪.‬‬
‫يقول الك ُ ْ‬
‫ي في رسالته اّلتي حصل بها على‬
‫فَرو ّ‬
‫شهادة الدكتوراه عام ‪1949‬م‪ .‬بجامعة إسطنبول‪،‬‬
‫ة بين‬
‫سلسل ِ‬
‫م الساني ِ‬
‫يقول‪ « ،‬إ ّ‬
‫ن أقد َ‬
‫د لل ّ‬
‫‪315‬‬
‫ذلك يعني‬
‫دي‪».‬‬
‫الصوفّية‪ ،‬هو إسنادُ جعفر ال ْ ُ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ن سلسلتهم منقطعة السانيد قبله‪ .‬هذا‪ ،‬إذا‬
‫أ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ة‬
‫كان الغرض من إسناد ال ُ‬
‫ي هو السلسل َ‬
‫خل ِ‬
‫د ّ‬
‫ض النظر عن سلسل بقّية‬
‫صة بغ ّ‬
‫النقشبندّية خا ّ‬
‫‪314‬‬

‫هذه السلسلة واردة في عدد من كتب الفرقة الخالدّية من النقشبندّيين‪ .‬نقلناها مما عثرنا عليها من تلك‬

‫الكتب؛ وهذه أسماؤها‪ ،‬مع أرقام الصحف اّلتي وردت فيها «السلسلة»‪:‬‬
‫ي‪ ،‬ديوان شعره؛ البيات‪707-703 :‬؛ ‪.1205 -1153‬‬
‫* خالد البغداد ّ‬
‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية ص‪.9-7 /‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.6 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ي‪ ،‬السعادة البدية فيما جاء به النقشبندّية ص‪.6-3 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪.502 -.500 /‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ة إلى كتاب البهجة السنّية لمحمد بن عبد الله‬
‫م ٌ‬
‫ي‪ ،‬إرغام المريد )بتمامه(‪ .‬هذه الرساله‪ ،‬منض ّ‬
‫* زاهد الكوثر ّ‬
‫ل مكتبة الحقيقة‪ .‬إسطنبول‪1992-‬م‪.‬‬
‫م استنساخهما وطبعهما بين دفتين من ِ‬
‫ي في مجّلد واحد؛ ت ّ‬
‫قب َ ِ‬
‫الخان ّ‬

‫‪315‬‬

‫مد بن إسحاق النديم‪،‬‬
‫مد بن إسحاق بن مح ّ‬
‫ص مقاله بالّلغة التركّية على حسب ما نقله من مح ّ‬
‫هذا ن ّ‬

‫الفهرست ص‪.183 /‬‬
‫‪Sufiler arasında görülen en eski isnad (silsile) Cafer el-Huldî (Öl.348)’nin isnadıdır.‬‬
‫‪Kasım Kufralı, Nakşibendiliğin Kuruluşu ve Yayılışı. Postscript. İstanbul-1949 Türkiyat Enstitüsü No. 337.‬‬

‫‪234‬‬

‫ما‪ .‬فيّتفق‬
‫الطرق الصوفي ّ ِ‬
‫ة‪ .‬وقد يكون الغرض عا ّ‬
‫إ ً‬
‫ة‪.‬‬
‫ذا جميعهم على هذه المزعم ِ‬
‫وعلى الرغم من هذا العتراف‪ ،‬فإّنه ل يستقيم‬
‫ن الطريقة النقشبندّية‬
‫ي‪ .‬إذ أ ّ‬
‫مع الواقع التاريخ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ي‪.‬‬
‫ت بعدُ في أّيام جعفر ال ُ‬
‫خل ِ‬
‫ون ْ‬
‫د ّ‬
‫لم تكن قد تك ّ‬
‫ح من قسيم الك ُ ْ‬
‫ي‬
‫وذلك أي ً‬
‫فَرو ّ‬
‫ضا بإقرا ٍ‬
‫ر صري ٍ‬
‫ه إذ يقول‪:‬‬
‫س ِ‬
‫نف ِ‬
‫ن تاري َ‬
‫خ التأسيس للطريقة النقشبندّية قد‬
‫«بما أ ّ‬
‫ة‪ ،‬أنها‬
‫ه بالعتماد على المصادر الموجود ِ‬
‫م إثبات ُ ُ‬
‫ت ّ‬
‫‪316‬‬
‫ن‬
‫ونت في عهد الغزنوّيين؛‬
‫فقد ثبت أ ّ‬
‫قد تك ّ‬
‫ي منذ حكم‬
‫ت طاب ِ َ‬
‫الطريقة إّنما اكتسب ْ‬
‫عها الحقيق ّ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫ورات التي مّر ْ‬
‫هذه السللة‪ .‬ولذا أصبح ْ‬
‫ت التط ّ‬
‫بها الطريقة منذ البداية حّتى عهد يوسف‬
‫‪317‬‬
‫ي للدراسة‪».‬‬
‫ي هي الموضو ُ‬
‫ع الساس ّ‬
‫الهمدان ّ‬
‫هكذا انقشع الظلم عن أسرارهم بإقرارهم‬
‫ة من أعلم‬
‫واعترافهم على لسان شخصي ٍ‬
‫وك َ َ‬
‫فى‬
‫رجالتهم المشهورين في العصر الحاضر‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫قَتا َ‬
‫ل‪.‬‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫الل ُ‬
‫***‬

‫* الروحانّيون‪.‬‬
‫الروحانّيون في هذه الطريقة المعروفون‬
‫بـ«رجال السلسلة»؛ شخصّياتهم‪ ،‬ومستوياُتهم‬
‫‪316‬‬

‫حا في سياسته‪ .‬بايع الخليفة‬
‫سسها محمود بن سبوك تكين )‪1030 -970‬م‪ .(.‬كان جريًئا ناج ً‬
‫الدولة الغزنوية أ ّ‬

‫سع‬
‫ي القادر بالله‪ ،‬فأقّره على ملكه‪ .‬انتصر على ملوك الهند )‪986‬م‪(.‬؛ ثم على ملك الدولة السامانية؛ فو ّ‬
‫العّباس ّ‬
‫ور الحركات‬
‫نطاق بلده‪ .‬اهت ّ‬
‫م بحماية السّنية التقليدّية في مواجهة نشاطات الشيعة؛ فأتاحت الفرصة بذلك لتط ّ‬
‫سّنية التقليدّية‪ .‬وطغت الّلغة الفارسّية في عهده على الّلغة التركّية حّتى‬
‫ي لل ّ‬
‫الصوفّية اّلتي هي الجانب الروح ّ‬
‫ل‪ .‬راجع ترجمته في المصادر التي‬
‫تدهورت هذه الثانية‪ ،‬على الرغم من أ ّ‬
‫ن محمو ً‬
‫دا الغزنو ّ‬
‫ي الص ِ‬
‫ي كان ترك ّ‬
‫ذكرها‪:‬‬
‫* موسوعة ميدان لروس التركّية )مادة محمود غزنلى( ‪.8/242‬‬
‫* محمود شاكر‪ ،‬التاريخ السلمي ‪.6/190‬؛ ترجمة فريد الدين آيدن ‪.5/154‬‬

‫‪317‬‬

‫‪.(Kasım Kufralı, Nakşibendiliğin Kuruluşu ve Yayılışı. (İntroduction‬‬
‫‪Türkiyat Enstitüsü No. 337. İstanbul-19449‬‬

‫‪235‬‬

‫العلمّية والجتماعّية‪ ،‬ومعت َ‬
‫قداُتهم‪ ،‬واتجاهاُتهم‪،‬‬
‫ة أحواِلهم بالتفصيل‪.‬‬
‫وترجم ُ‬
‫ن من أصول الطريقة النقشبندّية‪ ،‬أخذُ العهد‬
‫إ ّ‬
‫على المريد؛ أى إدخاُله في سلك هذه المنظمة‬
‫م شيخ الطريقة في‬
‫الصوفّية‪ .‬وهو من أكبر مها ّ‬
‫ك ّ‬
‫م منذ أن شرعوا‬
‫ة ينشرون فيها دَ ْ‬
‫ل بقع ٍ‬
‫وت َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫دعي‬
‫هذا المبدأ لمذهبهم‪ .‬وعلى هذا الساس ي ّ‬
‫ك ّ‬
‫خ َ‬
‫ذ‬
‫دى لمشيخة هذه الطريقة إّنه أ َ‬
‫ن تص ّ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ة كما يقول‬
‫الجازةَ والّر ْ‬
‫ص َ‬
‫م ِ‬
‫ة للقيام بهذه المه ّ‬
‫خ َ‬
‫ي‪:‬‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬
‫ي الربل ّ‬
‫جه ثم‬
‫ت بأخذ العهد والجازة بالتو ّ‬
‫«قد تشّرف ُ‬
‫ما في‬
‫بالرشاد وتلقين الذكر بعد السلوك أعوا ً‬
‫الطريقة النقشبندّية عن القطب الرشد والغوث‬
‫المجد شيخنا وأستاذنا الشيخ عمر‪ ...‬إلخ»؛‬
‫دد أسماء رجال السلسلة اّلذين ذكرناهم‬
‫ويع ّ‬
‫د بالتصعيد على غرار‬
‫دا بعد واح ٍ‬
‫ددهم واح ً‬
‫أنفًا؛ يع ّ‬
‫دثين‪ ،‬حّتى ينتهي إلى‬
‫سلسلة الرواة عند المح ّ‬
‫ديق رضي الله عنه‪ ،‬فيقول‪،‬‬
‫اسم أبي بكر الص ّ‬
‫‪318‬‬
‫ي ‪» .‬‬
‫«وهو عن النب ّ‬
‫يظهر اعتقادهم من خلل هذه الصيغة بصورة‬
‫س‬
‫واضحة‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الرسول ‪ ،‬هو اّلذي بنى أسا َ‬
‫طريقتهم‪ ،‬ون َ َ‬
‫ف َ‬
‫ما‬
‫خ سّرها في روع أبي بكر }إ ِذْ ُ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ه‬
‫ي ال ْ َ‬
‫صا ِ‬
‫حب ِ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫ه ل َ تَ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ر‪ ،‬إ ِذْ َيق ُ‬
‫غا ِ‬
‫ف ِ‬
‫‪319‬‬
‫كما يؤ ّ‬
‫كد ما جاء في الحدائق الوردّية‬
‫عَنا{‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ي‪ ،‬أّنهم على هذا‬
‫لعبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ش ّ‬
‫المعتقد من غير َ‬
‫ي‪:‬‬
‫ك‪ .‬إذ يقول الخان ّ‬
‫ه َ‬
‫ول من إمام المم‬
‫سَرى َ‬
‫ذا ال ّ‬
‫م َ‬
‫«ث ُ ّ‬
‫سّر‪ ،‬وتح ّ‬
‫ن عليه في‬
‫رسول الله ‪ ‬إلى خليفت ِ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ ،‬و َ‬
‫و ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫‪318‬‬

‫مد بن سليمان‬
‫ي الربلي‪ ،‬تنوير القلوب في معاملة علم الغيوب ص‪502-501/‬؛ كذا مح ّ‬
‫مد أمين الكرد ّ‬
‫مح ّ‬

‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية ص‪.9-7 /‬‬
‫البغداد ّ‬

‫‪319‬‬

‫سورة التوبة‪.40/‬‬

‫‪236‬‬

‫ول‪ ،‬سّيد سادات الطريقة‬
‫الدين والدنيا المع ّ‬
‫‪320‬‬
‫المام أبي بكر الصديق رضي الله عنه»‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬ما دام هو‬
‫د وأن نتساءل هنا‪ :‬أ ّ‬
‫لب ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫ع‬
‫و َ‬
‫س الطريق ِ‬
‫ض َ‬
‫اّلذي قد ب ََنى أ َ‬
‫سا َ‬
‫ة النقشبندّية‪ ،‬و َ‬
‫ة الولى لتكوينها ‪ -‬على حدّ زعمهم‬
‫الل ّب ِن َ َ‬
‫واعتقادهم ‪ -‬فهل ثبت عنه ‪ ‬أّنه قد نطق حّتى‬
‫وف ولو مرةً واحدةً في حياته‬
‫بكلمة التص ّ‬
‫ث‬
‫ض النظر عن أن يكون قد تحدّ َ‬
‫الشريف ِ‬
‫ة‪ ،‬بغ ّ‬
‫صة‬
‫ة عام ً‬
‫ه الصوفي ّ ُ‬
‫ما ابتدعت ْ ُ‬
‫ع ّ‬
‫ة والنقشبندّية خا ّ‬
‫ت ومباد َ‬
‫ر‬
‫ز ومصطلحا ٍ‬
‫ئ وآدا ٍ‬
‫ب وأذكا ٍ‬
‫من رمو ٍ‬
‫ن ركام ٍ من الكتب!‬
‫م‪ ،‬حشوا بها بطو َ‬
‫ومفاهي َ‬
‫وهل شهد شاهدٌ من أهل العلم والثقة واليمان‬
‫ن رسول الله ‪ ‬قد تكّلم‬
‫والخلق والخلص‪ ،‬أ ّ‬
‫عن الطريقة النقشبندّية أو عن أدنى شيء من‬
‫أصولها وآدابها؛ كـ«الّرابطة»‪ ،‬و«الختم‬
‫ج َ‬
‫س‬
‫ال ُ‬
‫گان ِي ّ ِ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫ة»‪ ،‬وعدّ الوراد بالحصى‪ ،‬والجلو ِ‬
‫س التوّرك في الصلة‪ ،‬والستمداِد من‬
‫بعك ِ‬
‫ك بقبورهم؛ وهل ورد‬
‫روحانية الموتى‪ ،‬والتبّر ِ‬
‫شيءٌ من مصطلحاتهم الفارسّية ولو في حديث‬
‫واحد من تلك الحاديث الموضوعة المكذوبة على‬
‫لسان الرسول ‪ ،‬فضل ً عن الصحاح؟!‬
‫إ ً‬
‫دعون – بدون‬
‫جة النقشبندّيين فيما ي ّ‬
‫ذا فما ح ّ‬
‫ن سّر طريقتهم قد انتقل من رسول‬
‫مل ‪ :-‬أ ّ‬
‫تأ ّ‬
‫الله ‪ ‬إلى خليفته أبي بكر الصديق؟ ولماذا‬
‫يجعلون أبا بكر هو الحلقة الولى من سلسلتهم‪،‬‬
‫ي ‪‬؟ أم يحذرون من‬
‫فيحتاطون أن يبدأوا بالنب ّ‬
‫مت!‬
‫ل متـز ّ‬
‫ي خام ٍ‬
‫أن ينـزلوا به منـزلة صوف ّ‬
‫ة‬
‫ف بما ينافي جلل َ‬
‫ص َ‬
‫حاشا رسولِ الله ‪ ‬أن يو َ‬
‫ه؛ بل «كان خلقه القرآن‪ 321».‬وقد خاطبه‬
‫قدر ِ‬
‫‪320‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.88 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪321‬‬

‫عن عائشة رضي الله عنها‪ ،‬رواه مسلم‪ .‬رقم الحديث‪.1233 /‬‬

‫‪237‬‬

‫ى ُ ُ‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫م‪{.‬‬
‫ق َ‬
‫ك لَ َ‬
‫الله تعالى بقوله } َ‬
‫عل َ‬
‫عظي ِ ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫وكتاب الله بين أيدينا؛ وهو العروة الوثقى‪،‬‬
‫والحبل المتين‪ ،‬والبرهان المؤّيد‪ ،‬والشاهد‬
‫سد اّلذي يخبرنا من خلل إعجازه وتصويره‬
‫المج ّ‬
‫ي على مدى‬
‫وإيجازه وتفصيله وعكوسه النوران ّ‬
‫مته‬
‫كرامة الرسول ‪ ،‬وشرفه العظيم ومه ّ‬
‫العالية‪ ،‬ورسالته الخالدة‪ ،‬وقلبه الطاهر وسلوكه‬
‫ي الرفيع‪ ،‬وشخصيته الفذة اّلتي ملت‬
‫الرّبان ّ‬
‫ر ل تسعها‬
‫ر وأطوا ٍ‬
‫ر وأنوا ٍ‬
‫ر وآثا ٍ‬
‫العالمين بأخبا ٍ‬
‫ة؛ ول تدنو من ساحل بحره المحيط‬
‫كتب الصوفي ّ ِ‬
‫ن ال ْ ِ ْ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫عقولهم‪} .‬ذَل ِ َ‬
‫و‬
‫مب ْل َ ُ‬
‫ك ُ‬
‫م ِ‬
‫م‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫غ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫عل َ ِ‬
‫ض ّ‬
‫ن‬
‫وأ ْ‬
‫ل َ‬
‫أَ ْ‬
‫و ُ‬
‫ن َ‬
‫سبي ِل ِ ِ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫م بِ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫‪323‬‬
‫ى‪{.‬‬
‫ا ْ‬
‫هَتد َ‬
‫‪322‬‬

‫م تسليماته ‪-‬‬
‫فهو ‪ -‬عليه أفضل صلوات الله وأت ّ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ئك ّ‬
‫في الحقيقة بر ٌ‬
‫و‬
‫ن ُ‬
‫كو َ‬
‫ل البراءة من أ ْ‬
‫ه َ‬
‫ذي نفخ سّر الطريقة النقشبندّية في روع أبي‬
‫ال ّ ِ‬
‫دق هذه‬
‫ديق رضي الله عنه‪ .‬ول يكاد يص ّ‬
‫بكر الص ّ‬
‫المقولة أحد ا ّ‬
‫ة‬
‫طلع على شيء من سيرته الطيب ِ‬
‫صة‬
‫وعرف مضمو َ‬
‫ن النبوة ومفهو َ‬
‫م الرسالة؛ خا ّ‬
‫ي‬
‫فا ّ‬
‫م ً‬
‫دا ‪ ‬هو أفضل النوع البشر ّ‬
‫ن سّيدنا مح ّ‬
‫وأعظمه وأكرمه؛ اصطفاه الله لحمل آخر‬
‫عل َْنا َ‬
‫ى َ‬
‫ن‬
‫ك َ‬
‫ة ِ‬
‫ع ٍ‬
‫شري ِ َ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫رسالته فقال له‪} :‬ث ُ ّ‬
‫عل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن لَ‬
‫ر َ‬
‫عأ ْ‬
‫ول َ ت َت ّب ِ ْ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫واءَ اّلذي َ‬
‫ال ْ‬
‫ه َ‬
‫عها‪َ ،‬‬
‫م ِ‬
‫ن‪ 324{.‬فهو ‪ -‬ل ش ّ‬
‫ك ‪ -‬أج ّ‬
‫ل من أن يفهمه‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫عَلم ُ‬
‫الطائشون المفتتنون بعقائد الهنود‪ ،‬المتربصون‬
‫في ك ّ‬
‫معترك بذريعة النتساب إليه‪.‬‬
‫ل ُ‬
‫***‬

‫‪322‬‬

‫سورة القلم‪.4/‬‬

‫‪323‬‬

‫سورة النجم‪.30/‬‬

‫‪324‬‬

‫سورة الجاثية‪.18/‬‬

‫‪238‬‬

‫سلسلة أسماء اّلذين يزعم‬
‫ن طريقتهم انحدرت‬
‫النقشبندّيون أ ّ‬
‫بوساطتهم‪.‬‬
‫* الحلقة الولى من هذه السلسلة‪:‬‬
‫ديق رضي‬
‫يتشبّث النقشبندّيون بأبي بكر الص ّ‬
‫الله عنه‪ ،‬على أّنه هو الحلقة الولى من سلسلة‬
‫ن أ َل ْ َ‬
‫ب السلسلة تختلف‬
‫رجالهم؛ ويزعمون « أ ّ‬
‫قا َ‬
‫مى‬
‫باختلف القرون»‪ 325‬وأ ّ‬
‫ن طريقَتهم كانت تس ّ‬
‫ري َ‬
‫ة‬
‫ة» في مرحلتها الولى‪ ،‬بداي ً‬
‫قي ّ َ‬
‫ق َ‬
‫دي ِ‬
‫ص ّ‬
‫ة ال ّ‬
‫«الطّ ِ‬
‫من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى‬
‫ي‪ .‬وهو الحلقة الخامسة‬
‫عهد أبي يزيد البسطام ّ‬
‫من هذه السلسلة عندهم‪.‬‬
‫ض؛ ل‬
‫ّ‬
‫ما هذه التسمية‪ ،‬ل‬
‫شك في أّنها وض ٌ‬
‫أ ّ‬
‫ع مح ٌ‬
‫ديق‪.‬‬
‫برهان لهم في إسنادها إلى أبي بكر الص ّ‬
‫ن‬
‫ة أو ديني ٌ‬
‫ة علمي ٌ‬
‫ول في نسبتها إليه قيم ٌ‬
‫ة‪ .‬ل ّ‬
‫ة‬
‫ر في حياة الصحاب ِ‬
‫وف لم يكن له أ ّ‬
‫التص ّ‬
‫ي أث ٍ‬
‫رضوان الله عليهم أجمعين‪ .‬وإّنما كانوا في‬
‫سلوكهم وتعّبدهم‪ ،‬وسعيهم ومعاشهم في جميع‬
‫مجالت الحياة يقتدون برسول الله ‪‬؛‬
‫ويسيرون على هديه ل محالة‪ .‬وكانوا كما‬
‫وصفهم الله في آخر سورة الفتح بقوله تعالى‬
‫}واّلذين مع َ‬
‫ى ال ْك ُ ّ‬
‫م‬
‫داءُ َ‬
‫هأ ِ‬
‫ر ُر َ‬
‫ش ّ‬
‫ماءُ ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫َ‬
‫عل َ‬
‫فا ِ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ت ََرا ُ‬
‫نف ْ‬
‫ن الل ِ‬
‫ضل ِ‬
‫و َ‬
‫ج ً‬
‫س ّ‬
‫م ُرك ً‬
‫عا ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫دا‪ ،‬ي َب َْتغ ُ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫و‬
‫ما ُ‬
‫ر ْ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وانًا‪ ،‬سي ِ َ‬
‫وج ُ‬
‫ي ُ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ن أث َ ِ‬
‫مف ِ‬
‫ِ‬
‫ه ِ‬
‫‪326‬‬
‫ّ‬
‫ضا } َ‬
‫ن‬
‫وِد‪{.‬‬
‫ويقول سبحانه فيهم أي ً‬
‫فالذي َ‬
‫السج ُ‬
‫وَر اّلذي‬
‫و َ‬
‫وا ب ِ ِ‬
‫آ َ‬
‫ون َ َ‬
‫وا الن ُ‬
‫وات َّبع ُ‬
‫وهُ َ‬
‫صر ُ‬
‫وهُ َ‬
‫عّزر ُ‬
‫ه َ‬
‫من ُ‬
‫‪325‬‬

‫راجع المصادر التية‪:‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية‪ ،‬ص‪ .12 /‬طبعة مصر ‪1319 -‬هـ‪.‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية ص‪ .21 /‬مكتبة الحقيقة‪ ،‬إسطنبول‪.1992 -‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫* مح ّ‬
‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.8 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫* عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪326‬‬

‫سورة الفتح‪.29/‬‬

‫‪239‬‬

‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ز َ‬
‫ن‪ 327{.‬ويقول‬
‫ك ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ع ُ‬
‫ل َ‬
‫فِلح ُ‬
‫هأ ُ‬
‫أن ْ ِ‬
‫ن‬
‫تعالى فيهم أي ً‬
‫ما َ‬
‫واّلذي َ‬
‫والي ِ َ‬
‫وا الداَر َ‬
‫وؤ ُ‬
‫ن ت َب َ ّ‬
‫ضا } َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ي‬
‫ن َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ي َ ِ‬
‫جد ُ‬
‫م َ‬
‫حب ّ ُ‬
‫نف ِ‬
‫جَر إ ِلي ْ ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ُ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ى‬
‫ن َ‬
‫ج ً‬
‫ة ِ‬
‫ر ِ‬
‫و َ‬
‫حا َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫ؤِثر ُ‬
‫وا‪َ ،‬‬
‫ما أوت ُ‬
‫صد ُ‬
‫عل َ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫‪328‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كانت حياتهم‬
‫ة‪{.‬‬
‫م َ‬
‫ص ٌ‬
‫أن ْف ِ‬
‫و كا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫ول ْ‬
‫م َ‬
‫ن بِ ِ‬
‫س ِ‬
‫ددةً بضوابط الوحي وإرشادات‬
‫الروحّية مح ّ‬
‫د‬
‫ن أح ِ‬
‫دهم أن يزي َ‬
‫الرسول ‪‬؛ فلم يكن من شأ ِ‬
‫ي منه شيًئا أصل‪ .‬فقد‬
‫في دين الله شيًئا‪ ،‬أو ُيل ِ‬
‫غ َ‬
‫مث ّ َ‬
‫ت من تلك القصيدة‬
‫م في بي ٍ‬
‫ل التزامهم التا ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫غّنى بها أه ُ‬
‫ع‬
‫المشهورة التي ت َ َ‬
‫ل المدينة يوم طل َ‬
‫ال ْب َدُْر عليهم من ثنّيات الوداع‪ .‬وهذا قولهم‪:‬‬
‫م أَ ْ‬
‫مين‪،‬‬
‫عا َ‬
‫مَنا اْلـي َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫هـدَْنا َ‬
‫وت َ َ‬
‫و َ‬
‫قسـ ْ‬
‫عا ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خذَْنا الصدْقَ ِدين‪.‬‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ما‬
‫و‬
‫ي‬
‫د‬
‫ه‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫خو‬
‫ن‬
‫ن‬
‫َ ْ َ َ ْ ً َ ّ َ‬
‫لَ ْ َ ُ َ‬
‫ومن الحجج الدامغة على النقشبندّيين‪ ،‬عجُزهم‬
‫ديق قد‬
‫ل على أ ّ‬
‫ن أبا بكر الص ّ‬
‫عن إقامة أدنى دلي ٍ‬
‫وف» ولو مرةً واحدةً على‬
‫نطق بكلمة «التص ّ‬
‫مدى حياته؛ فضل ً عما إذا كان له علم‬
‫بالنقشبندّية وعقائدها وتعاليمها وطقوسها‪.‬‬
‫ديق رضي الله عنه‪ ،‬فإنها‬
‫ما حياة أبي بكر الص ّ‬
‫أ ّ‬
‫ة عن الشرح لكثرة ما في بطون الكتب من‬
‫غني ّ ٌ‬
‫سيرته الطّيبة الحسنة‪ ،‬وشهرته الواسعة بزهده‬
‫ة وشجاعته وافتدائه في‬
‫وتقواه وبطولته الخالد ِ‬
‫سبيل الله‪ ،‬وعقله الراجح في السياسة‬
‫ولين في‬
‫والتعامل‪ .‬وهو من السابقين ال ّ‬
‫ب رسو َ‬
‫ة في‬
‫ص ِ‬
‫ق وأمان ٍ‬
‫ح َ‬
‫السلم‪َ .‬‬
‫ل الله ‪ ‬بصد ٍ‬
‫جميع المواقف‪ ،‬وآزره ونصره وذاقَ ألواًنا من‬
‫العذاب على ذلك‪ ،‬وشهد معه المشاهد كّلها‪،‬‬
‫وثبت في صفوف القتال بجانبه‪ ،‬واحت ّ‬
‫مه‬
‫ل مقا َ‬
‫في القيادة والرياسة للمة بعد وفاته‪ .‬هذا هو‬
‫‪327‬‬

‫سورة العراف‪.157 /‬‬

‫‪328‬‬

‫سورة الحشر‪.9/‬‬

‫‪240‬‬

‫ي الجليل رضي الله‬
‫أبو بكر الص ّ‬
‫ديق الصحاب ّ‬
‫تعالى عنه‪.‬‬
‫فإّنه بر ٌ‬
‫وره النسان على هيئة‬
‫ئ من أن يتص ّ‬
‫ْ‬
‫ع على نفسه‪.‬‬
‫صو ِ‬
‫د صام ٍ‬
‫ي جام ٍ‬
‫مطَأطِ ٍ‬
‫ت ُ‬
‫ف ّ‬
‫ئ ومقب ّ ٍ‬
‫ي‬
‫بل إّنه بصفته رئيس الدولة السلمّية بعد النب ّ‬
‫ه‬
‫ة ونشا ٍ‬
‫ة دائب ٍ‬
‫‪ ،‬كان في حرك ٍ‬
‫ط مستمّر‪ .‬حمل َت ْ ُ‬
‫ض‬
‫ه العظيم ُ‬
‫ه العالي ُ‬
‫ة ومسؤولي ّت ُ ُ‬
‫مت ُ ُ‬
‫مه ّ‬
‫ة أن يخو َ‬
‫ُ‬
‫ة الستقبال‬
‫مثار الحداث‪ ،‬وأن يكون على أ ْ‬
‫هب َ ِ‬
‫ر قد يحدث‪ .‬لذا فهو بعيد ك ّ‬
‫ل البعد عما‬
‫ل ّ‬
‫ي تط ّ‬
‫و ٍ‬
‫وره النقشبندّيون من الشخصية الصوفّية‬
‫يتص ّ‬
‫فيه‪ .‬في الحقيقة ليس بينه وبين تلك الشخصية‬
‫المختل َ َ‬
‫ة‬
‫ة وجه من المشابهة؛ ول وجود لصل ٍ‬
‫ق ِ‬
‫م‬
‫تربط بينه وبين النقشبندّيين؛ ول يتع ّ‬
‫دى زع ُ‬
‫ة في نسبتهم إليه عن زعم‬
‫خ هذه الطائف ِ‬
‫شيو ِ‬
‫ي‬
‫الرافضة في نسبتهم إلى أمير المؤمنين عل ّ‬
‫م‬
‫مث َل ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫بن أبي طالب كّرم الله تعالى وجهه‪َ .‬‬
‫هابّيين في‬
‫ل الو ّ‬
‫في هذا النتماء المزعوم ك َ َ‬
‫مث َ ِ‬
‫انتمائهم إلى المام الجليل أحمد بن حنبل رضي‬
‫الله عنه وإلى الع ّ‬
‫ي عليه‬
‫لم ِ‬
‫ة ابن تيمية الحران ّ‬
‫ة أبعد الناس‬
‫الرحمة والرضوان‪ ،‬وهم في الحقيق ِ‬
‫عنهما‪‬‬
‫***‬

‫* الحلقة الثانية من سلسلتهم‪.‬‬

‫ي رضي الله‬
‫عدّ النقشبندّيون سلما َ‬
‫يَ ُ‬
‫ن الفارس ّ‬
‫ة من سلسلة ساداتهم‪.‬‬
‫ة الثاني َ‬
‫عنه هو الحلق َ‬
‫وهذه من مّيزات الفرق الباطنية‪ .‬فك ّ‬
‫ة‬
‫ل فرق ٍ‬
‫ة من‬
‫دعي النسب َ‬
‫ة بارز ٍ‬
‫ة إلى شخصي ٍ‬
‫ما ت ّ‬
‫منها إ ّ‬
‫ي الطاهرين‪،‬‬
‫الصحابة‪ ،‬أو إلى آل بيت النب ّ‬
‫ة حقيقتها ومكائدها‪.‬‬
‫ة الزائف ِ‬
‫لتخفي بهذه النسب ِ‬
‫ي في الحدائق‬
‫يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫م تل ّ‬
‫قى سّر هذه النسبة الشريفة منه‬
‫الوردّية «ث ّ‬

‫‪241‬‬

‫ديق ( سّيدنا سلمان‬
‫)أي من أبي بكر الص ّ‬
‫ي رضي الله عنه‪».‬‬
‫الفارس ّ‬
‫صة حياته العجيبة وما‬
‫ي في ق ّ‬
‫استرسل الخان ّ‬
‫كان عليه قبل السلم وكيف اعتنق المسيحية‬
‫بعد أن كان مجوسّيا في شبابه‪ .‬وذكر ما ذكر من‬
‫أيّام إقامته عند عدٍد من القساوسة في الشام‬
‫مه‬
‫ص إسل َ‬
‫والموصل ونصيبين والع ّ‬
‫مورية؛ ثم ق ّ‬
‫وبقّية حياته في السلم بالتفصيل؛ نقل من‬
‫رواية أبي الفرج «بسنده إلى ابن عباس رضي‬
‫الله عنهما‪ 329».‬حّتى إذا أقترب من نهاية كلمه‬
‫قال «ثم تو ّ‬
‫ت‬
‫في رضي الله عنه‪ ،‬وذلك سنة س ّ‬
‫ع وثلثين في داء البطن في‬
‫وثلثين‪ ،‬أو أرب ٍ‬
‫المدائن في خلفة عثمان رضي الله عنه؛ وعمره‬
‫ول‪،‬‬
‫مائتان أو ثلثمائة وخمسون سن ً‬
‫ة‪ .‬أ ّ‬
‫ما ال ّ‬
‫‪330‬‬
‫ولم يذكر لنا‬
‫ول‪».‬‬
‫فعليه عند المؤّرخين المع ّ‬
‫أسماء هؤلء المؤّرخين‪ .‬ول ش ّ‬
‫ن هذا‬
‫ك في أ ّ‬
‫القول ل يستقيم‪ ،‬إذ فيه مبالغة يستغربها أهل‬
‫ي لم‬
‫العلم والخبرة‪ ،‬كما نستغرب نحن ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الخان ّ‬
‫يذكر شيًئا حول تل ّ‬
‫قي هذا السر اّلذي سرى إلى‬
‫ديق‪ ،‬وكيف‬
‫ي من أبي بكر الص ّ‬
‫سلمان الفارس ّ‬
‫أصبح نقشبندّيا أو صوفّيا؛ بعد أن كان صحابّيا‬
‫جلي ً‬
‫ل‪ ،‬وربما لم يسمع في ك ّ‬
‫ل حياته الطويلة من‬
‫وف‪ ،‬فضل ً عن النقشبندّية‬
‫أح ٍ‬
‫د ن َطَ َ‬
‫ق بكلمة التص ّ‬
‫ومصطلحاتها الفارسّية على الرغم من أّنه كان‬
‫ي الصل! وهل كان يتعّبد على أساس‬
‫فارس ّ‬
‫ج َ‬
‫گان ِّية‪ ،‬وعدّ الوراد‬
‫الّرابطة‪ ،‬والختم ال ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫بالحصى؛ وهل كان يعلم شيًئا حول عقيدة الفناء‬
‫والبقاء والويسية وما إلى ذلك من تعاليم‬
‫النقشبندّية وفلسفتها وطقوسها‪...‬‬

‫‪329‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.94 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪330‬‬

‫المصدر السابق‪.96/‬‬

‫‪242‬‬

‫ي‬
‫يتبّين من هذا أي ً‬
‫ضا‪ ،‬أ ّ‬
‫ن نسبة سلمان الفارس ّ‬
‫إلى هذه السلسلة باطلة؛ ل برهان لهم في‬
‫إثباتها بصورة قطعية‪.‬‬
‫***‬

‫* الحلقة الثالثة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ن القاسم‬
‫ورد في عدٍد من كتابات النقشبندّيين أ ّ‬
‫ديق‪ ،‬هو الحلقة الثالثة‬
‫مد بن أبي بكر الص ّ‬
‫بن مح ّ‬
‫من سلسلة ساداتهم‪ .‬ويعتقدون «أّنه تل ّ‬
‫قى سّر‬
‫ي‪ .‬وهذا يعني‬
‫هذه النسبة» من سلمان الفارس ّ‬
‫عدّ من‬
‫ر آخر‪ :‬أ ّ‬
‫ن القاسم رضي الله عنه ي ُ َ‬
‫بتعبي ٍ‬
‫ها‬
‫الصوفّية‪ .‬بينما تشهد الوثائق أّنه كان فقي ً‬
‫جليل ً من أولئك السبعة المشهورين بالعلم‬
‫والفضل‪331.‬ولم يتم ّ‬
‫كن النقشبندّيون من‬
‫ن يكون القاسم قد‬
‫ي دليل على أ ْ‬
‫الستناد إلى أ ّ‬
‫انخرط في صفوف من ّ‬
‫ة‪ ،‬كما لم‬
‫ة سّري ٍ‬
‫ة باطني ّ ٍ‬
‫ظم ٍ‬
‫تكن الطريقة النقشبندّية قد خرجت في عهده‬
‫د‪ .‬ول نجد في كتبهم أّنه أقّر‬
‫ز الوجود بع ُ‬
‫إلى َ‬
‫حي ّ ِ‬
‫شيًئا من تعاليمهم ومصطلحاتهم وطقوسهم بما‬
‫فيها «السلسلة»‪ .‬وهذا أمر في منتهى الغرابة‪.‬‬
‫مد النقشبندّيون الغضاء عن نسبة شيء‬
‫لذا تع ّ‬
‫من تعاليمهم إليه‪ .‬بل اقتصروا على مدحه أّنه‬
‫جة‬
‫ي الفقيه الورع الزاهد الح ّ‬
‫«العالم المفت ّ‬
‫النبيه‪...‬إلخ‪ 332».‬وهذا ل يختلف فيه معهم أحد‬
‫سّنة‬
‫من أرباب البحث والخبرة بين أهل ال ّ‬
‫والجماعة‪.‬‬

‫‪331‬‬

‫ديق؛ وخارجة بن‬
‫مد بن أبي بكر الص ّ‬
‫الفقهاء السبعة المشهورون بين سادات التابعين هم‪ :‬القاسم بن مح ّ‬

‫زيد بن ثابت النصاري؛ وسعيد بن المسّيب؛ وعروة بن الزبير؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود‬
‫)وعتبة هو أخو عبد الله بن مسعود الصحابي(؛ وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ) والحرث بن‬
‫ضا(؛ وسليمان بن يسار‪.‬‬
‫هشام‪ ،‬أخو أبي جهل‪ .‬هو صحابي أي ً‬

‫‪332‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.96 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪243‬‬

‫مد في وفيات‬
‫وردت ترجمة القاسم بن مح ّ‬
‫العيان لبن خّلكان‪ 333‬كما وردت في مصادر‬
‫ُ‬
‫و من ك ّ‬
‫د‬
‫ل ما أسن َ‬
‫أخرى‪ ،‬وهي خالية تمام الخل ّ‬
‫إليه من أّنه تل ّ‬
‫وف من‬
‫قى سّر الطريقة أو التص ّ‬
‫ي وما يتبع هذا السناد من‬
‫سلمان الفارس ّ‬
‫احتمالت أخرى؛ كالتعّبد على أساس الّرابطة‪،‬‬
‫ج َ‬
‫گان ِّية‪ ،‬والتمرينات اليوغية وما‬
‫والختم ال ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫إليها‪.‬‬

‫* الحلقة الرابعة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ن‬
‫يعتقد النقشبندّيون‪ :‬أ ّ‬
‫ن الما َ‬
‫م جعفَر الصادقَ ب َ‬
‫مد الباقر هو الحلقة الرابعة من سلسلتهم؛‬
‫مح ّ‬
‫ي‬
‫كما أشار إلى ذلك عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ة ‪ -‬أي‬
‫ة الشريف ِ‬
‫سّر هذه النسب ِ‬
‫سَرى ِ‬
‫م َ‬
‫بقوله «ث ُ ّ‬
‫مد ‪ -‬إلى شبله سّيدنا جعفر‬
‫من القاسم بن مح ّ‬
‫ف‬
‫الصادق‪ 334».‬ويبالغون في تعظيمه بأوصا ٍ‬
‫شب ْ ُ‬
‫ة واليمان‪ .‬وال ّ‬
‫م‬
‫يستبشعها أهل المروء ِ‬
‫ل اس ٌ‬
‫ي بمثل هذا‬
‫ق على ولد الس ِ‬
‫د‪ .‬ت َن َطّ َ‬
‫ي ُطْل َ ُ‬
‫ع الخان ِ ّ‬
‫ة‬
‫ها إلى اْلقرابة الرحمي ّ ِ‬
‫ي تنوي ً‬
‫الستعمال المجاز ّ‬
‫مد بن‬
‫مد الباقر وقاسم بن مح ّ‬
‫َبين جعفر بن مح ّ‬
‫ص ّّ‬
‫م‬
‫ق‪ .‬ذلك ل ّ‬
‫ه هي‪ :‬أ ُ‬
‫م ُ‬
‫ن جعفر‪ ،‬أ َ‬
‫أبي بكر ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫مد بن أبي بكر‬
‫فروة بن ُ‬
‫ت القاسم بن مح ّ‬
‫ُ‬
‫ه ‪ -‬هي‬
‫ه من ِ‬
‫ل أم ِ‬
‫م َ‬
‫ها ‪-‬أي جدت ُ ُ‬
‫وأ ّ‬
‫قب َ ِ‬
‫الصديق‪َ .‬‬
‫ت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق‬
‫أسماءُ بن ُ‬
‫ه‬
‫رضي الله عنهم أجمعين ‪ ،‬فإذا كان هذا أصل ُ ُ‬
‫ل‬
‫ص ّ‬
‫دي ُ‬
‫وال ّ‬
‫ق جدهُ من الجهتين فل يتصوُر في مث ِ‬
‫ه من‬
‫ه وقرب ِ‬
‫ن هو في دين ِ‬
‫م ْ‬
‫مد ‪-‬وهو َ‬
‫جعفر بن مح ّ‬
‫‪333‬‬

‫مد بن أبي بكر بن خّلكان‪ ،‬وفيات العيان وأنباء أبناء الزمان؛ ‪.4/59‬‬
‫أبو العباس شمس الدين أحمد بن مح ّ‬

‫تحقيق الدكتور إحسان عّباس‪ ،‬بيروت‪1978-‬م‪ .‬كذلك وردت ترجمته في المصادر التالية‪ :‬طبقات ابن سعد‪.5/187 ،‬‬
‫بيروت‪1963-‬م‪.‬؛ أبو نعيم الصفهاني‪ ،‬حّلية الولياء‪ .183/‬بيروت‪1967 -‬م‪.‬؛ أبن حجر العسقلني‪ ،‬تهذيب التهذيب‪،‬‬
‫‪ ./333‬حيدرآباد‪1325 -‬هـ‪.‬؛ ابن العماد‪ ،‬شذرات الذهب‪ .1/135 ،‬بيروت‪1979 -‬م‪.‬؛ خير الدين زركلى‪ ،‬العلم‪.5/181 ،‬‬
‫بيروت‪1995-‬م‪.‬‬

‫‪334‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.37 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪8‬‬

‫‪244‬‬

‫فّيا‬
‫ة‪ -‬أن يكون رجل ً صو ِ‬
‫ة النبوّية الشريف ِ‬
‫ح ِ‬
‫دو َ‬
‫ال ّ‬
‫د‬
‫س الهن ِ‬
‫نقشبندّيا يتعب ّدُ على أسلو ِ‬
‫ب مجو ِ‬
‫َ‬
‫جگان ِّية‪ ،‬وعدّ الوراد‬
‫ة والختم ال ُ‬
‫بطريق الرابط ِ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫بالحصى وأمثالها من أشكال مناسك الباطنّية‬
‫الح ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫شاشي َ‬
‫ه المزخر َ‬
‫ي طري َ‬
‫ه‬
‫ف َ‬
‫ة وكلمات ِ ِ‬
‫قت َ َ‬
‫يواصل الخان ّ‬
‫مد بقوله‬
‫ع َ‬
‫ج َ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫ة في وصف جعفر بن مح ّ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ديقية‪،‬‬
‫وَر َ‬
‫و ِ‬
‫ة والص ّ‬
‫قا َ‬
‫ث َ‬
‫م النب ُ ّ‬
‫«ناهيك بإمام ٍ َ‬
‫ت في طلعته أنوار العلوم والمعارف‬
‫فازدهر ْ‬
‫‪335‬‬
‫الحقيقية‪».‬‬
‫لش ّ‬
‫ة أهل السلم يذكرون هذه‬
‫م َ‬
‫كأ ّ‬
‫ن عا ّ‬
‫الشخصّية الكريمة بالثناء عليه والرحمة له من‬
‫ن‬
‫الله‪ ،‬وينظرون إليه بعين التوقير والجلل‪ .‬ولك ّ‬
‫أه َ‬
‫ل العلم والبحث لم يعثروا على أدنى شيء‬
‫ق‬
‫يبرهن على إنتمائه إلى فرق ٍ‬
‫ة من الفَر ِ‬
‫وف‬
‫الصوفي ّ ِ‬
‫ة‪ .‬ول أثب َ‬
‫ت أحدٌ أّنه تكّلم في التص ّ‬
‫ه‬
‫ومصطلحاته؛ أو تعب ّدَ على نحو ما يتعّبد ب ِ ِ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫كترديد لفظة الجلل خمسة آلف‬
‫النقشبندّيو َ‬
‫مّرة يومّيا‪ ،‬أو إجراءها على القلب بدون تل ّ‬
‫ظ‬
‫ف ٍ‬
‫ة‪...‬إلخ‪.‬‬
‫بها‪ ،‬أو التركيز على جسم ٍ أو صور ٍ‬
‫أن المام جعفر الصادق رضي الله‬
‫ّ‬
‫في الحقيقة‬
‫ما‬
‫عنه‪ ،‬لم يرد في ترجمته أّنه كان يعلم شيًئا ع ّ‬
‫ر وما‬
‫يمارس النقشبندّيون من هذه المو ِ‬
‫ة؛ كالويسّية‪،‬‬
‫اختلقوها من مفاهيم دجلي ّ ٍ‬
‫ة‬
‫والفناء‪ ،‬والبقاء‪ ،‬والستمداد من روحاني ّ ِ‬
‫ص‬
‫ع وخرافات وقص ٍ‬
‫الشيوخ‪ ،‬وما إلى ذلك من ب ِدَ ٍ‬
‫م‬
‫بهلوانّية باسم الكرامات على كثرة ما قد ت ُُر ّ‬
‫ج َ‬
‫‪336‬‬
‫ه‪.‬‬
‫لَ ُ‬
‫‪335‬‬
‫‪336‬‬

‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪.37 /‬‬
‫المصادر اّلتي وردت فيها ترجمة المام جعفر الصادق‪ :‬أبو نعيم الصفهاني‪ ،‬حلية الولياء ‪ .3/192‬بيروت‪-‬‬

‫مد بن سعد‪ ،‬طبقات ‪ .5/187‬بيروت‪-‬‬
‫‪1967‬م‪.‬؛ شمس الدين سامي‪ ،‬قاموس العلم ‪ .3/820‬إسطنبول‪1306 -‬هـ‪.‬؛ مح ّ‬
‫‪1960‬م‪.‬؛ الحافظ الذهبي‪ ،‬تذكرة الح ّ‬
‫فاظ ‪ .1/166‬حيدرآباد‪1956-‬م‪.‬؛ مؤمن الشبلنجي‪ ،‬نور البصار ص‪.60 /‬‬

‫‪245‬‬

‫***‬

‫* الحلقة الخامسة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ن أبا يزيد طيفور بن عيسى‬
‫يزعم النقشبندّيون أ ّ‬
‫ي هو الرجل‬
‫بن آدم بن سروشان البسطام ّ‬
‫الخامس من سلسلتهم‪ .‬وبسطام‪« ،‬يقال انها‬
‫‪337‬‬
‫ول بلد خراسان من جهة العراق وقومس‪».‬‬
‫أ ّ‬
‫‪338‬‬
‫ن‬
‫ده مجوسّيا ثم أسلم»‬
‫ويغلب أ ّ‬
‫«كان ج ّ‬
‫ّ‬
‫الخلط والتذبذب الذي يظهر في مقاطع من‬
‫ن‬
‫كلمه يبرهن على تأثير أسلفه المجوس‪ .‬ل ّ‬
‫تأثير المعتقدات والعادات والتقاليد قد يستمّر‬
‫ت من‬
‫عبر حياة السرة ويتسّرب إلى طبقا ٍ‬
‫ة‬
‫ت جديد ً‬
‫أجيالها؛ ولو اعتنق الحفادُ معتقدا ٍ‬
‫تختلف عما كان عليه آباؤهم الوّلون‪.‬‬
‫وقد يكون أستاذه أبو علي السندي‪ 339‬هو اّلذي‬
‫ض الباحثين يرمونه بالزندقة‪.‬‬
‫أوقعه فيما جعل بع ُ‬
‫ومن هؤلء الباحثين‪ ،‬عبد القادر بن حبيب الله‬
‫ي‪ .‬فقد نقل عن طبقات الولياء لبن‬
‫السند ّ‬
‫مل ّ‬
‫ي؛ ينتقده‬
‫قن مقاطع من مقولت البسطام ّ‬
‫تارةً بالمخالفة الصريحة لسّنة رسول الله ‪‬؛‬
‫ة‬
‫ة؛‪ 340‬وتار ً‬
‫سكه بالرهبن ِ‬
‫وتارة يشّنع عليه تم ّ‬
‫يحمل قوله على الكفر واللحاد والزندقة؛‬
‫واستقى من «البداية إلى النهاية» للمام ابن‬
‫القاهرة‪1948-‬م‪.‬؛ ابن خّلكان‪ ،‬وفيات العيان ‪ .1/327‬بيروت‪1978-‬م‪.‬؛ ابن عماد شذرات الذهب ‪ .1/220‬بيروت‪-‬‬
‫‪1979‬م‪.‬؛ عمر رضاء كحالة‪ ،‬معجم المؤلفين ‪ .3/145‬بيروت‪1957-‬م‪.‬؛ خير الدين زركلي‪ ،‬العلم ‪ .2/126‬بيروت‪-‬‬
‫‪.1995‬‬

‫‪337‬‬
‫‪338‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.105 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫مد بن أبي بكر بن خّلكان‪ ،‬وفيات العيان وأنباء أبناء الزمان؛ ‪.2/531‬‬
‫أبو العباس شمس الدين أحمد بن مح ّ‬

‫تحقيق الدكتور إحسان عّباس‪ ،‬بيروت‪1978-‬م‪.‬‬

‫‪339‬‬

‫أبو علي السندي رجل ل ذكر له في الوساط العلمّية‪ .‬ورد اسمه في المراجع التالية ضمن كلمات عابرة‪:‬‬

‫ي ص‪.101 /‬؛ موسوعة ميدان ل روس‬
‫الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية‪-‬عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ي‪.‬؛‬
‫التركّية‪ ،‬مادة‪ :‬بايزيد البسطام ّ‬

‫‪2/219‬‬

‫‪Ferit Aydın, Tarikatta Rabıta ve Nakşibendilik Edition II. Pg. 148 Süleymaniye Fondation İst,-2000 Yaşar Nuri Öztürk, Tasavvuf‬‬
‫‪ve Ruhi Hayat. Pg.44 İstanbul-1989‬‬

‫‪340‬‬

‫وف في ميزان البحث والتحقيق ص‪.224/‬‬
‫عبد القادر بن حبيب الله السندي‪ ،‬التص ّ‬

‫‪246‬‬

‫كثير‪ ،‬ومن «الميزان» للمام الذهبي‪ .‬حيث ينقل‬
‫ي‬
‫بعضهم عن بعضهم في هذه المصادر أّنه « ُ‬
‫حك ِ َ‬
‫ولها‬
‫ي شطحا ٌ‬
‫ت ناقصات‪ .‬وقد تأ ّ‬
‫عن البسطام ّ‬
‫كثير من الفقهاء والصوفّية‪ ،‬وحملوها على‬
‫ة‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إّنه قال ذلك في‬
‫محامل بعيد ٍ‬
‫دعه‬
‫نب ّ‬
‫م ْ‬
‫حال الصطلم والغيبة‪ .‬ومن العلماء َ‬
‫وخ ّ‬
‫طأه‪ ،‬وجعل ذلك من أكبر البدع‪ ،‬إّنه تد ّ‬
‫ل على‬
‫د َ‬
‫اعتقاد َ‬
‫ن في القلب‪ ،‬ظهر في أوقاته‬
‫كا ِ‬
‫س ٍ‬
‫فا ِ‬
‫م ٍ‬
‫‪341‬‬
‫والله أعلم‪».‬‬
‫يعتقد النقشبندّيون فيه إّنه سلطان العارفين‪،‬‬
‫وينقلون عنه أّنه قال‪« :‬سبحاني ما أعظم‬
‫‪342‬‬
‫شْاني‪».‬‬
‫ي «كان أبو يزيد‬
‫يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ي يشير عن نفسه أّنه قطب‬
‫البسطام ّ‬
‫‪343‬‬
‫ن له مقولة تبرهن على حسن‬
‫الوقت‪».‬‬
‫غير أ ّ‬
‫اعتقاده وكمال معرفته ومتانة أسلوبه على‬
‫طريقة أهل العلم في توضيحه لمعنى التكبير‪.‬‬
‫ح ‪« -‬إّنه سمع رجل ً يكّبر‪.‬‬
‫فقد قيل عنه ‪ -‬إذا ص ّ‬
‫فقال‪:‬‬
‫«‪ -‬ما معنى الله أكبر؟ قال‪:‬‬
‫ الله أكبر من ك ّ‬‫ن سواه‪ .‬فقال أبو يزيد‪:‬‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ ليس معه شيء فيكون أكبر منه! قال‪:‬‬‫‪ -‬فما معناه؟ قال‪:‬‬

‫‪341‬‬
‫‪342‬‬
‫‪343‬‬

‫المصدر السابق ص‪.232/‬‬
‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.99/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص‪.98/‬‬

‫‪247‬‬

‫ معناه‪ :‬الله أكبر من أن يقاس بالناس‪ ،‬أو يدخل‬‫‪344‬‬
‫س‪».‬‬
‫تحت القياس‪ ،‬أو يدركه الحوا ّ‬
‫لع ّ‬
‫سّنة‬
‫ل أقواله الموافقة لحدود الكتاب وال ّ‬
‫ت عنه قبل أن يفارق العلماء ويّتصل‬
‫وَردَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫بالصوفّية‪ .‬وعلى الرغم من ك ّ‬
‫سن ِدَ إليه من‬
‫ل ما أ ْ‬
‫ع أّنه‬
‫الح ّ‬
‫ق والباطل لم يثبت عنه بدلي ٍ‬
‫ل قاط ٍ‬
‫دعى الويسّية‪ ،‬ول أّنه تعّبد على أساليب‬
‫ا ّ‬
‫النقشبندّية؛ كالعمل بالّرابطة‪ ،‬والختم‬
‫ج َ‬
‫گان ِّية‪ ،‬وتعداد الذكر بالحصى وأمثالها‪ ...‬ولو‬
‫ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫كان قد عمل ذلك‪ ،‬وثبت عنه‪ ،‬لذكروه في كتبهم‬
‫جة‪ .‬كما لم يثبت عنه شيء‬
‫بالذات على سبيل الح ّ‬
‫يد ّ‬
‫ل على إّنه أقّر سلسلة الطريقة‪ .‬ولكن‬
‫ي التربية‪ .‬فإّنه رّبته‬
‫المؤّلف يقول «وهو أويس ّ‬
‫روحانية سّيدنا جعفر الصادق‪ .‬ووصل إليه هذا‬
‫سّر الجلي ُ‬
‫ن‬
‫دمنا ‪ -‬ل ّ‬
‫ل منه بالروحانّية ‪ -‬كما ق ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن وأربعين‬
‫سّيدنا جعفر‪ ،‬كانت وفاته سنة ثما ٍ‬
‫ومائة‪ .‬وهي قبل ولدة أبي يزيد بنحو أربعين‬
‫نك ّ‬
‫ن رّبته روحانية أحد‬
‫سن ً‬
‫مإ ّ‬
‫ة كما رأي َ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ت‪ .‬ث ّ‬
‫ة لسّيدنا أويس‬
‫ي؛ نسب ً‬
‫السادات‪ ،‬يقال له أويس ّ‬
‫سيد التابعين‪ .‬فإّنه على القول بوجوده‬
‫القرني‪ّ ،‬‬
‫وهو الصحيح المؤّيد بالدلة المعتبرة والكشف‬
‫الصريح؛ رّبته روحانية سّيد العالمين‬
‫ْ‬
‫ي اختلقه بعض‬
‫بالخصوص‪ 345».‬يبدو أ ّ‬
‫ن هذا الرأ َ‬
‫النقشبندّيين على حساب الخرين دون علمهم‪،‬‬
‫ل على لسان ك ّ‬
‫و َ‬
‫ل من جعفر الصادق وأبي‬
‫فتق ّ‬
‫ي في دعوى هذه النسبة بينهما‪.‬‬
‫يزيد البسطام ّ‬
‫‪344‬‬

‫المصدر السابق ص‪.100/‬‬

‫‪345‬‬

‫ي في المصادر التي ذكرها‪ :‬أبو عبد الرحمن‬
‫المصدر السابق ص‪ .105 /‬وردت ترجمة أبي يزيد البسطام ّ‬

‫السّلمي‪ ،‬طبقات الصوفّية ص‪ .67 /‬القاهرة‪1969-‬م‪.‬؛ أبو نعيم الصفهاني‪ ،‬حلية الولياء‪ .10/33 .‬بيروت‪1967 -‬م‪.‬؛‬
‫ي‪ ،‬الرسالة القشيرّية ص‪ .14/‬القاهرة‪1959 -‬م‪.‬؛ أبو الفرج إبن الجوزي‪ ،‬صفات الصفوة ‪.4/89‬‬
‫أبو القاسم القشير ّ‬
‫مد بن أبي بكر بن خّلكان‪ ،‬وفيات العيان وأنباء أبناء‬
‫حيدرآباد‪1355-‬هـ‪.‬؛ أبو العباس شمس الدين أحمد بن مح ّ‬
‫مد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي‪،‬‬
‫الزمان؛ ‪ .2/531‬تحقيق الدكتور إحسان عّباس‪ ،‬بيروت‪1978 -‬م‪.‬؛ مح ّ‬
‫ميزان العتدال في نقد الرجال‪ .481/‬القاهرة‪1963 -‬م‪.‬؛ عبد الله بن أسعد اليافعي‪ ،‬مرآت الجنان وعبرة اليقظان‬
‫‪ .2/173‬حيدرآباد‪1339-‬هـ‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫ي اّلذي‬
‫وهذا برها ٌ‬
‫ن قاط ٌ‬
‫ع على المستوى الخلق ّ‬
‫يتمّيز به أفراد هذه الطائفه‪ ،‬حّتى المتعّلمون‬
‫منهم‪.‬‬
‫ت‬
‫يزعم النقشبندّيون‪ :‬أ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن طريقتهم تس ّ‬
‫ة من عهد أبي يزيد‬
‫بـ«الطيفورية» بداي ً‬
‫ي؛‬
‫ي إلى زمن عبد الخالق ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫البسطام ّ‬
‫ة‬
‫ن هذه التسمي َ‬
‫نسب ً‬
‫ة إلى اسمه )طيفور(‪ .‬بيد أ ّ‬
‫ّ‬
‫وث ّ َ‬
‫ن كل ّ من هذين اللقبين‪:‬‬
‫ق ٍ‬
‫ة‪ .‬إذْ أ ّ‬
‫غير ُ‬
‫م َ‬
‫ن تراجم‬
‫«الص ّ‬
‫ديقّية» و«الطيفورية»‪ ،‬لم يرد ضم َ‬
‫ما‬
‫الشخصيتين المقصودتين بهما على الطلق‪ .‬أ ّ‬
‫التقدير‪ ،‬بأّنهما كانا على أدنى شيء من العلم‬
‫بنسبة الطريقة النقشبندّية إليهما أو نطقا‬
‫ن ذلك‬
‫بهذين الّلقبين‪ ،‬أو حّتى سمعا بهما‪ ،‬فا ّ‬
‫باطل إطلقًا؛ لن يمل َ‬
‫ك أحدٌ من عقلء‬
‫النقشبندّية الجرأةَ على الدفاع عن هذه الدعوى‬
‫الواهية إل ّ الجاهل منهم !‬
‫لقد ثبت هكذا واّتضح مرةً أخرى وبهذه الصراحة‪،‬‬
‫أّنهم قد أضافوا إلى تعاليم الدين مال ُيحصى من‬
‫ت وعقائدَ اقتبسوها من‬
‫م ومصطلحا ٍ‬
‫مفاهي َ‬
‫ة ل صلة لها بالسلم؛ كما قد ألغوا‬
‫ت مختلف ٍ‬
‫ديانا ٍ‬
‫ة من أصوله وأبطلوها؛ وخالفوا مبدأ‬
‫مبادئ هام ً‬
‫التوقيفية في السلم‪ ،‬وتصّرفوا فيه بدون‬
‫ت‬
‫حدود‪ .‬كذلك ابتدعوا أسماءَ جديد ً‬
‫ة‪ ،‬ومصطلحا ٍ‬
‫ما وجدوا لذلك مسا ً‬
‫ء‬
‫غا من تلقا ِ‬
‫غريب ً‬
‫ة ك ُل ّ َ‬
‫ولوا على بعضهم البعض؛ بل وحّتى‬
‫أنفسهم‪ .‬وتق ّ‬
‫ي ‪ ،‬ومن يليه من الصحابة والتابعين‬
‫على النب ّ‬
‫ة‬
‫م الطريق َ‬
‫سَناِد ِ‬
‫رضوان الله عليهم أجمعين؛ كإ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م‪:‬‬
‫النقشبندّية إلى الصحابة والتابعين؛ وادّ َ‬
‫ه ْ‬
‫عائ ِ ِ‬
‫ل‬
‫«إ ّ‬
‫ن طريقة السادة النقشبندّية هو معتقدُ أه ِ‬
‫ة‪ .‬وهي طريقة الصحابة رضي‬
‫ة والجماع ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ال ّ‬

‫‪249‬‬

‫الله عنهم على أصلها‪ ،‬لم يزيدوا فيها‪ ،‬ولم‬
‫‪346‬‬
‫ينقصوا منها‪».‬‬
‫ة‬
‫ٍ‬
‫وامة خطير ٍ‬
‫هكذا فقد دخل النقشبندّيون في د ّ‬
‫ت العقو ُ‬
‫ل من أمرهم‪.‬‬
‫حار ْ‬
‫***‬

‫* الحلقة السادسة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ن أبا الحسن على بن أبي‬
‫تزعم النقشبندّية أ ّ‬
‫خَر َ‬
‫ي هو الحلقة السادسة من‬
‫جعفر ال ْ َ‬
‫قان ِ ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫سلسلتهم‪ .‬يقول عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫م تل ّ‬
‫دنا‬
‫ة من سي ِ‬
‫ة الشريف ِ‬
‫ى سّر هذه النسب ِ‬
‫«ث ّ‬
‫ق َ‬
‫ن‬
‫أبي يزيد أي ً‬
‫ضا بالروحانّية‪ ،‬سي ّ ُ‬
‫دنا أبو الحس ِ‬
‫‪347‬‬
‫خَر َ‬
‫ه‬
‫ي»‬
‫ال ْ َ‬
‫ي التربية‪َ ،‬رب ّت ْ ُ‬
‫«وهو أويس ّ‬
‫قان ِ ّ‬
‫‪348‬‬
‫ي»‬
‫روحاني ُ‬
‫ة سي ّ َ‬
‫دنا أبي يزيد البسطام ّ‬
‫ة لتظهر‬
‫ص َ‬
‫ينقلون عنه أّنه قال‪« :‬أطلب الق ّ‬
‫‪349‬‬
‫هذه الكلمة‬
‫الدموع‪ .‬فإن الله يحب الباكين‪».‬‬
‫وا َ‬
‫ت ُذَك ُّرنا بقوله تعالى } َ‬
‫وا‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ول ْي َْبك ُ‬
‫قلي ِل ً َ‬
‫حك ُ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ن‪ 350{.‬وذلك إذا كان‬
‫وا ي َك ْ ِ‬
‫و َ‬
‫كثي ًِرا َ‬
‫جَزاءً ب ِ َ‬
‫سب ُ‬
‫كان ُ‬
‫صة ما ل يتعارض مع الروح‬
‫غرضه من الق ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫القرآن ّ‬
‫ضا أّنه قال «ك ّ‬
‫ل شيء يطلب‬
‫وينقلون عنه أي ً‬
‫ه‪ ،‬فالقرآن أحسن منه؛ فل تطلبوا‬
‫العبدُ به الل َ‬
‫الله إل به»‪ .‬وهذه كلمة حق‪ .‬فيبدو من هذه‬
‫خَر َ‬
‫ي كان‬
‫ن ال ْ َ‬
‫المقولت‪ ،‬أ ّ‬
‫قان ِ ّ‬
‫ن الشيخ أبا الحس ِ‬
‫‪346‬‬

‫راجع الهامش رقم‪.301/‬‬

‫‪347‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.105/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪348‬‬

‫المصدر السابق ص‪.106/‬‬

‫‪349‬‬

‫المصدر السابق ص‪.105/‬‬

‫‪350‬‬

‫سورة التوبة‪.82/‬‬

‫‪250‬‬

‫ن تصفه النقشبندّية‬
‫م ْ‬
‫رجل ً من الصالحين بخلف َ‬
‫من الشيوخ الروحانّيين‪ .‬ويحتمل أنهم قد طمعوا‬
‫ه إلى أسماء‬
‫في استغلل شهرته فأضافوا ا ْ‬
‫م ُ‬
‫س َ‬
‫مشائخهم دون أن تكون له علقة بهذه الطريقة‪.‬‬
‫ن الطريقة النقشبندّية لم يكن لها وجود في‬
‫إذ أ ّ‬
‫ي كأبي يزيد‬
‫زمانه‪ .‬ويغلب أّنه من أص ٍ‬
‫ل فارس ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫البسطام ّ‬
‫ن‬
‫ن ال ْ َ‬
‫قيل إّنه عاصر السلطا َ‬
‫ي محمودَ ب ْ َ‬
‫و ّ‬
‫غْزن َ ِ‬
‫ه‪ .‬إل ّ أّنه غير‬
‫سب ُك ْت َ ِ‬
‫ُ‬
‫ه وتوقيَر ُ‬
‫كين‪ ،‬ونال محب ّت َ ُ‬
‫سَير العلم‬
‫ة لِ ِ‬
‫معت َب ََر ِ‬
‫مذكور في المصادر ال ْ ُ‬
‫ي في‬
‫وتراجم الرجال‪ .‬ولم يذكره القشير ّ‬
‫ن العلم وهو معاصره‪ .‬وقد ذكر‬
‫رسالته ضم َ‬
‫خَر َ‬
‫ي في اعتقاد‬
‫ي؛ )وهو شيخ ال ْ َ‬
‫قان ِ ّ‬
‫البسطام ّ‬
‫ص ٍ‬
‫ة فإ ّ‬
‫النقشبندّيين(‪ .‬وبخا ّ‬
‫ن أبا القاسم ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ق َ‬
‫مد‬
‫ي هو أستاذ أبي علي الفضل مح ّ‬
‫ر ّ‬
‫شي ْ ِ‬
‫دعي النقشبندّيون أّنه تتلمذ‬
‫ي اّلذي ي ّ‬
‫الفارمد ّ‬
‫ي في الوقت ذاته‪،‬‬
‫على أبي الحسن ال ْ َ‬
‫خَرقان ِ ّ‬
‫ه في الطريقة!‬
‫وصار خليفت َ ُ‬
‫ّ‬
‫ك ّ‬
‫ض‬
‫ل هذه ال ُ‬
‫معطَيات التي تبرهن على تعار ٍ‬
‫ب في أقوال النقشبندّيين ودعواهم في‬
‫رهي ٍ‬
‫ة‬
‫نسبة طريقتهم إلى أشخاص‪ ،‬لم تكن فكر ُ‬
‫النقشبندّية ول شيءٌ من تعاليمها موجودةً في‬
‫عهدهم‪ ،‬تد ّ‬
‫ل في الوقت ذاته على أّنه لو كان‬
‫خَر َ‬
‫ي‪ ،‬لذكره‬
‫لبي الحسن ال َ َ‬
‫ي وجودٌ حقيق ّ‬
‫قان ِ ّ‬
‫ن تراجم العلم‪ ،‬وعلى رأسهم‬
‫المصّنفون ضم َ‬
‫ي‪.‬‬
‫القشير ّ‬
‫خت َل َ ً‬
‫ةل‬
‫م ْ‬
‫ة خيالي ّ ٍ‬
‫قا لشخصي ّ ٍ‬
‫ما ُ‬
‫لذا قد يكون هذا اس ً‬
‫حقيقة لها‪ .‬وهذا يؤ ّ‬
‫ضا على مدى زعم‬
‫كد أي ً‬
‫ة هذه‬
‫ح ِ‬
‫النقشبندّيين في دعواهم عن ص ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫السلسل ِ‬
‫***‬

‫‪251‬‬

‫* الحلقة السابعة من سلسلتهم‪.‬‬
‫مد‬
‫يزعم النقشبندّيون أ ّ‬
‫ي الفضل بن مح ّ‬
‫ن أبا عل ّ‬
‫السابعة من سلسلتهم‪،‬‬
‫ُ‬
‫ي هو الحلقةُ‬
‫الفارمد ّ‬
‫وأّنه «تل ّ‬
‫ى سّر هذه النسبة من أبي الحسن‬
‫ق َ‬
‫‪351‬‬
‫ي‪».‬‬
‫الخرقان ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫ص ِ‬
‫ح َ‬
‫ب القشير ّ‬
‫ورد في بعض المصادر «أّنه َ‬
‫‪352‬‬
‫متْ له‬
‫رجَ َ‬
‫َت ْ‬
‫ي»‬
‫ج ُ‬
‫وأخذ عنه ح ّ‬
‫ة السلم الغزال ّ‬
‫جماعةٌ من المصّنفين‪ .‬منهم؛ تاج الدين‬
‫مد بن‬
‫ِ‬
‫السبكي‪ 353،‬وعبد الحيّ‬
‫بن أحمد بنِ مح ّ‬
‫‪355‬‬
‫العماد العكبريّ الحنبليّ‪ 354،‬وياقوت الحموي‪،‬‬
‫مد بن عبد الكريم بن عبد الواحد‬
‫وعلي بن مح ّ‬
‫‪356‬‬
‫الشيباني الجزري المعروف بابن الثير‪.‬‬
‫ي هو عربي‬
‫ّ‬
‫ن أبا‬
‫يغلب الظن أ ّ‬
‫علي الفارمد ّ‬
‫ي‪ .‬بيد أّنه‬
‫الصل كأستاذه أبي القاسم القشير ّ‬
‫تشّربَ العقيدةَ الصوفّيةَ بدافع نشأته في‬
‫منطقة خراسان اّلتي كانت ملتقى الجموع‬
‫للعقائد الوثنّية منذ القديم‪ .‬إل ّ أّننا ل نعثر على‬
‫ة وعن‬
‫ل يبرهن على إقراره بهذه السلسل ِ‬
‫أ ّ‬
‫ي دلي ٍ‬
‫ها‬
‫تعّبده على ِ‬
‫ر النقشبندّية‪ .‬قيل إّنه كان وجي ً‬
‫غَرا ِ‬
‫ي حسن بن على المعروف‬
‫عند الوزير السلجوق ّ‬
‫بـ«نظام الملك»‪ ،‬ولكن ابن خّلكان ل يذكره حيث‬
‫ي عند‬
‫يذكر مكان َ‬
‫ة شيخه أبي القاسم القشير ّ‬
‫‪357‬‬
‫نظام الملك‪.‬‬
‫‪351‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.106/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪352‬‬

‫المصدر السابق ص‪.71/‬‬

‫‪353‬‬

‫تاج الدين السبكي‪ ،‬طبقات الشافعية ‪ .5/304‬القاهرة‪.1964 -‬‬

‫‪354‬‬

‫إبن العماد‪ ،‬شذرات الذهب في اخبار من ذهب ‪ .3/355‬بيروت‪1969 -‬م‪.‬‬

‫‪355‬‬

‫ياقوت الحموي‪ ،‬معجم البلدان ‪ .3/829‬القاهرة‪1325 -‬هـ‪.‬‬

‫‪356‬‬

‫إبن الثير‪ ،‬اللباب في تهذيب النساب ‪ .2/191‬القاهرة‪ 1359 -‬هـ‪.‬‬

‫‪357‬‬

‫مد بن أبي بكر بن خّلكان‪ ،‬وفيات العيان وأنباء أبناء الزمان؛ ‪.2/129‬‬
‫أبو العباس شمس الدين أحمد بن مح ّ‬

‫تحقيق الدكتور إحسان عّباس‪ ،‬بيروت‪1978-‬م‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫***‬

‫* الحلقة الثامنة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ة يمّثلها في اعتقاد النقشبندّيين رج ٌ‬
‫ل‬
‫هذه الحلق ُ‬
‫ِ‬
‫بن‬
‫َ‬
‫يوسف‬
‫ِ‬
‫بن‬
‫َ‬
‫وب‬
‫ه أبو يعقوبَ يوسفُ بنُ أيّ‬
‫سمُ ُ‬
‫ا ْ‬
‫سّر هذهِ‬
‫ِ‬
‫يَ‪ .‬يزعمون أّنه أخذ ِ‬
‫الحسين الهمدان ّ‬
‫مد‬
‫ِ‬
‫ي الفضلِ بنِ مح ّ‬
‫الطريقة من أبي عل ّ‬
‫مد‬
‫يِ‪ .‬فيكون بذلك معاصًرا لمحمّد بن مح ّ‬
‫الفارمد ّ‬
‫احًبا لنفس الستاذ اّلذي أخذ عنه‬
‫ص ِ‬
‫م َ‬
‫ي‪ ،‬وَ ُ‬
‫الغزال ّ‬
‫ر على ما ُيثْبِ ُ‬
‫ت‬
‫عثُ ُ‬
‫ي‪ ،‬مع ذلك ل نَ ْ‬
‫الغزال ّ ُ‬
‫ب يبعث الشكو َ‬
‫ك فيما‬
‫عهُ َ‬
‫ْ‬
‫اجِتمَا َ‬
‫ما‪ ..‬وهذا أمٌر غري ٌ‬
‫أورده بعضُ النقشبندّيين من ترجمةِ هذا الرجلِ‪.‬‬
‫ن شأنهم‪ :‬أّنهم يحرصون على إشاعةِ‬
‫م ْ‬
‫ذلك‪ِ ،‬‬
‫فضائل مشائخهم بك ّ‬
‫دا‬
‫ِ‬
‫ل وسيلةٍ‪ .‬ول يألون جه ً‬
‫عاليات‪،‬‬
‫ٍ‬
‫في إسناد ما ليس فيهم من صفاتٍ‬
‫ويبحثون عن أدنى قرينة تجمع بين شيوخهم‬
‫ء‪ .‬ول يقصدون من ذلك إل ّ‬
‫وبين مشاهير العلما ِ‬
‫العم َ‬
‫ة لرجالهم‪.‬‬
‫ق الشهر ِ‬
‫ع نطا ِ‬
‫ل على توسي ِ‬
‫يِ لظهر‬
‫يُ قد اجتمع بالغزال ّ‬
‫هذا‪ ،‬فلو كان الهمدان ّ‬
‫ي‬
‫ذلك بوضوح من خلل التراجم‪ - .‬ل ّ‬
‫ن الهمدان ّ‬
‫يِ على حدّ قول‬
‫أي ً‬
‫ضا من تلمذةِ الفارمد ّ‬
‫ة لمباهاتهم‪.‬‬
‫ن ‪ -‬ولكان ذلك وسيل ً‬
‫النقشبندي ّي َ‬
‫ة بذلك ليزيدوا من‬
‫لنهم يملكون الفرص َ‬
‫مبالغتهم في المدح والثناء على هذا الرجل‬
‫ي اّلذي مل الفاقَ بشهرته‪‬‬
‫صل َت ِ ِ‬
‫بمجّرد ِ‬
‫ه بالغزال ّ‬
‫يَ إجتمع به وهو‬
‫وقيل أ ّ‬
‫ن الشيخ عبدَ القادرِ الجيل ّ‬
‫ن هذا الحتمالَ‬
‫ب يدرس في النظامية‪ .‬إ ّ‬
‫شا ّ‬
‫ُينبؤَُنا عن ضعف ما قد نسجه النقشبندّيون حول‬
‫ة ل يمكن‬
‫ص خياليّ ٍ‬
‫ي من حكايا ٍ‬
‫ت وأقاصي َ‬
‫الهمدان ّ‬
‫ة من خللها‪ .‬كما جاءت‬
‫أن تظهَر الحقيق ُ‬
‫ي‪ .‬فقد‬
‫تلفيقات بين كلمات المترجمين للهمدان ّ‬
‫ورد في الحدائق الوردّية «أّنه تف ّ‬
‫قه علي مذهب‬

‫‪253‬‬

‫ص أّرخ‬
‫ي»‪ 358.‬مع هذا ي ّ‬
‫دعي شخ ٌ‬
‫المام الشافع ّ‬
‫لرجال هذه الطريقة «أّنه كان على مذهب المام‬
‫العظم»‪ 359.‬أي على مذهب المام أبي حنيفة‬
‫‪360‬‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫يقول الستاذ فؤاد كوبرولو )باللّغة التركّية وقد‬
‫ي‪ ،‬فإّنه كان‬
‫عّربناه كما يلي(‪« :‬أ ّ‬
‫ما الهمدان ّ‬
‫أزهري الّلون‪ ،‬أشقرَ اللّحية‪ ،‬رجل ً‬
‫ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫َ‬
‫طويل القام ِ‬
‫ر ّ‬
‫نحي ً‬
‫م‬
‫ف مُ َ‬
‫فا‪ ،‬يكتسي ثوًبا من صو ٍ‬
‫ع‪ .‬ل يهت ّ‬
‫قَ ٍ‬
‫قك ّ‬
‫ل ما‬
‫ف ُ‬
‫دد على الملوك‪ُ .‬ينْ ِ‬
‫بأمور الدنيا ولم يتر ّ‬
‫د شيًئا‪ ،‬ولم تكن‬
‫ل‪ .‬لم يقبل من أح ٍ‬
‫يصيب من ما ٍ‬
‫له معرفة بالّلغة التركّية‪ (...) .‬يصنع العقاقير‬
‫لتهدئة اللم ومعالجة الجراح‪ ،‬ويكتب التمائم‬
‫لل ّ‬
‫ضا‪:‬‬
‫مى‪ 361».‬ويقول المؤّلف أي ً‬
‫شفاء من الح ّ‬
‫يَ‪ ،‬اّلذي ينتمي إلى‬
‫َ‬
‫ن الشيخَ‬
‫«إ ّ‬
‫يوسف الهمدان ّ‬
‫ة اعتنقتْ السلمَ منذ‬
‫ة همدانّيةٍ مجوسي ٍ‬
‫أسر ٍ‬
‫وفة‬
‫ثلثة أجيال‪ ،‬لم يكن من أولئك المتص ّ‬
‫العاجم اّلذين عملوا على تأليف العقائد الهنديّة‬
‫وراتهم المطلقة من‬
‫مع العقائد السلمّية بتص ّ‬
‫مِ ً‬
‫قا في العلوم الشرعّية‪،‬‬
‫العنان‪ .‬ولكّنه كان مَُتعَ ّ‬
‫‪358‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.107 /‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪359‬‬

‫حسن لطفي ششود‪ ،‬مناقب الولياء )بالّلغة التركّية( ص‪ .7 /‬مكتبة صلح بيليجي‪ .‬إسطنبول‪1958-‬م‪.‬‬

‫‪360‬‬

‫ن أبا حنيفة أفضل الئمة‪ ،‬كما سوف نشرح هذا العتقاد في بداية الفصل‬
‫ن معظم التراك يعتقدون أ ّ‬
‫إ ّ‬

‫ما بالغيب‪ ،‬ول برهان لهم في ذلك‪ .‬لّنه لم‬
‫الخامس إ ْ‬
‫ن شاء الله تعالى‪ .‬وي ّ‬
‫ي الصل رج ً‬
‫دعي الكثير منهم‪ :‬إّنه ترك ّ‬
‫يرد عن أبي حنيفة رضي الله عنه إّنه تكّلم بكلمة تركّية‪ ،‬أو كتب لف ً‬
‫ظا بهذه الّلغة‪ .‬بل الشائع إّنه فارسي الصل‪.‬‬
‫ن ضاب ً‬
‫طا عسكرّيا‬
‫دعا ٍ‬
‫ء أشدّ غراب ً‬
‫ة منه‪ ،‬عثرنا عليه ‪ ،‬فرأينا بحكم المناسبة أن نذكره‪ .‬وذلك‪ :‬أ ّ‬
‫جب ِ‬
‫نإ ّ‬
‫و ل نتع ّ‬
‫م ْ‬
‫دا ‪ ‬ينحدر من سللة‬
‫ي برتبة جنرال ُيدعى فاروق جوانترك‪ ،‬يقول في كتاب له‪« :‬إ ّ‬
‫ن محم ً‬
‫في الجيش الترك ّ‬
‫ي الصل‪ .‬هاجر من مدينة أورفا )الواقعة بجنوب تركيا(‬
‫إبراهيم النبي عليه السلم‪ .‬أ ّ‬
‫ما إبراهيم الخليل‪ ،‬فاّنه ترك ّ‬
‫ن الرسول‬
‫إلى بلد العرب هارًبا من ظلم نمرود‪ .‬وبنى الكعبة مع ولده إسماعيل‪ .‬هذه حقيقة تاريخية‪ .‬ولهذا فا ّ‬
‫ي‪ ».‬وفيما يلي نص هذه الترجمة بالّلغة التركّية‪:‬‬
‫عليه السلم ينتمي إلى أصل ترك ّ‬
‫‪Hz. Muhammed, Hz. İbrahim’in neslinden gelir. Hz. İbrahim ise Urfa’dan Zalim Nemrud Elinden kaçıp Arabistan’a yerleşir. Oğlu‬‬
‫‪İsmail ile Mekke Şehrini kuran bir Türk olduğu tarihi hakikatlardandır.‬‬
‫‪Orgeneral Faruk Güventürk, Din Işığı Altında Nurculuğun İçyüzü Pg. 69 Ankara-1993‬‬

‫‪361‬‬

‫‪Prof. Dr. Fuad Köprülü, Türk Edebiyatında İLk Mutasavvıflar, Pg. 69 Ankara-1993‬‬

‫‪254‬‬

‫ضل الكتابَ‬
‫ما بالحديث‪ .‬ولهذا كان يف ّ‬
‫وكان عال ً‬
‫‪362‬‬
‫سّنةَ على ك ّ‬
‫ل شيء‪».‬‬
‫وال ّ‬
‫ي من‬
‫هذه النقولت تبرهن على شخصيّة الهمدان ّ‬
‫ه وبك ّ‬
‫ك ّ‬
‫ي‬
‫ل وج ٍ‬
‫ح حيث ل يحتاج إلى أ ّ‬
‫ل وضو ٍ‬
‫تعليق آخر‪ .‬وعلى الرغم من كثرة الحكايات‬
‫المنسوجة حول هذا الرجل‪ ،‬فإّنه لم يرد عنه أّنه‬
‫ة من‬
‫ٍ‬
‫تكّلم‬
‫بشيء يوهم أساليبَ التعّبد المبتدَ َ‬
‫ع ِ‬
‫ه في‬
‫ِ‬
‫ل الطائفة النقشبندّية‪ .‬وجاءت ترجمت ُ ُ‬
‫قب َ ِ‬
‫‪363‬‬
‫عدد من المصّنفات‪.‬‬
‫***‬

‫* الحلقة التاسعة من السلسلة‬
‫النقشبندّية‬

‫ن‬
‫ورد في مصادر المتا ّ‬
‫خرين من هذه النحل ِ‬
‫ة‪ :‬أ ّ‬
‫التاسعة من سلسلتهم هو عبد الخالق‬
‫َ‬
‫الحلقةَ‬
‫ي الَنشأةِ بين‬
‫ول رجلٍ ترك ّ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫ي‪ .‬وهو أ ّ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫قدماء هذه السلسلة‪ .‬وهو اّلذي أحدث ثمانيةَ‬
‫ن للطريقة كما مّر في باب «مبادئ‬
‫أركا ٍ‬
‫الطريقة النقشبندّية» من الفصل الثاني‪ .‬قال‬
‫ي في هذا الصدد‪:‬‬
‫مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬
‫«ومن تلك المصطلحات‪ :‬الكلمات القدسية‬
‫المأثورة من حضرة الخواجة عبد الخالق‬
‫ي‪ ،‬وهي إحدَى عشرةَ كلمةً‪ .‬وعليها‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫مْبنَى طريقة السادات النقشبندّية»‪ 364.‬وعدّ كل ًّ‬
‫َ‬
‫على حدة كما نقلناها من مصادرهم فيما سبق‪.‬‬

‫‪362‬‬

‫المصدر السابق ص‪.115/‬‬

‫‪363‬‬

‫ي‪ :‬خير الدين زركلي‪ ،‬العلم ‪.8/220‬؛ إبن العماد‪ ،‬شذرات الذهب‬
‫المراجع اّلتي وردت فيها ترجمة الهمدان ّ‬

‫مد‬
‫في أخبار من ذهب ‪.4/110‬؛ يوسف بن إسماعيل النبهاني‪ ،‬جامع كرامات الولياء ‪.2/289‬؛ عبد المجيد بن مح ّ‬
‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ‪.106 .‬؛ علي بن حسين الواعظ‪.‬؛ رشحات )بالّلغة‬
‫الخان ّ‬
‫العثمانّية( ص‪/‬‬

‫‪364‬‬

‫‪17‬‬

‫ي‪ ،‬البهجة السنّية في آداب الطريقة النقشبندّية ص‪.50/‬‬
‫* مح ّ‬
‫مد بن عبد الله الخان ّ‬

‫‪255‬‬

‫جاء في تراجم النقشبندّيين لعبد الخالق‬
‫وان ‪ -‬وهي‬
‫جدُ َ‬
‫ي أّنه ولد في قرية غُ ْ‬
‫الْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫ن نسبه يّتصل‬
‫على مقربة من مدينة ب ُ َ‬
‫خاَرى ‪ -‬وأ ّ‬
‫ن والده‬
‫بالمام مالك بن أنس رضي الله عنه؛ وأ ّ‬
‫الشيخ عبد الجميل كان من س ّ‬
‫كان مدينة ملطية‬
‫)الواقعة اليوم في شرقي تركيا(‪.‬ثم سافر إلى‬
‫خاَرى‪ .‬بينما نحن ل نعثر على ترجمةٍ له في‬
‫بُ َ‬
‫التصانيف المعتبرة‪ .‬وهذا ما يزيد من الشكوك‬
‫حول ك ّ‬
‫صة فيما ورد أّنه درس‬
‫ل ما قيل عنه خا ّ‬
‫تفسير القرآن العظيم عند الشيخ صدر الدين‬
‫ن ما ورد عنه من البدع يثير الوهم‬
‫الب ُ َ‬
‫ي‪ .‬ل ّ‬
‫خار ّ‬
‫ح قول من زعم أّنه‬
‫حول جهله بالسلم إذا ص ّ‬
‫اّلذي وضع المصطلحات الثمانية‪ .‬وتؤ ّ‬
‫كد ذلك‬
‫روايات غريبة أخرى وردت عنه‪.‬‬
‫ت اثنين وعشرين سنة‬
‫ما بلغ ُ‬
‫منها «إّنه قال‪ :‬ل ّ‬
‫ي بتربيتي‪».‬‬
‫أوصى الخضر ‪ ‬الغوث الهمدان ّ‬

‫‪365‬‬

‫ورد في مواطن أخرى من تراجم النقشبندّيين‬
‫له أّنه «جاء الخضر ‪ ‬إليه‪ ،‬فقال له أنت ولدي‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫ي؛ وهو‬
‫قنه الوقوف العدد ّ‬
‫ي وعّلمه الذكر الخف ّ‬
‫أّنه أمره أن يغمس في الماء ويذكر بقلبه‪ :‬ل إله‬
‫مد رسول الله‪ .‬ففعل كما أمره‪ .‬ودام‬
‫إل ّ الله مح ّ‬
‫‪365‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.111/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫ي‪ ،‬تبرهن على مدى‬
‫إن «أسطورة الخضر» اّلتي وردت على لسانه ضمن مناقبه المنقولة بقلم عبد المجيد الخان ّ‬
‫ة من حلقات‬
‫ة هام ً‬
‫خرافية ما اختلقه القصاصون من شيوخ النقشبندّية حول اسم هذا الرجل ليجعلوه حلق ً‬
‫سلسلتهم‪ .‬أما هذه السطورة‪ ،‬فهي مشهورة و متكررة في كتب الصوفّية‪ .‬يقول عبد الرحمن عبد الخالق‪:‬‬
‫مد بن على بن الحسين الترمزي المسمى بالحكيم‬
‫«يبدو أ ّ‬
‫ول من افترى القصة الصوفّية للخضر هو مح ّ‬
‫نأ ّ‬
‫ول الخضر إلى قصة‬
‫ي‪ .»(134/‬ويقول أي ً‬
‫ضا‪« :‬لقد تح ّ‬
‫والمتوفي في أواخر القرن الثالث الهجري ) الفكر الصوف ّ‬
‫ل مكان‪ ،‬ويلتقي بالصدقاء والخلن في ك ّ‬
‫مونه بالسوبرمان اّلذي يطير في ك ّ‬
‫ل‬
‫خرافية كبيرة أشبه بقصة ما يس ّ‬
‫البلدان‪ ،‬ويشرع للناس ما شاء من عبادات وقربات‪ ،‬ويل ّ‬
‫قن الذكار و ينشيء الطرق الصوفّية‪ ،‬ويعمد الولياء‬
‫والقطاب‪ ،‬ويولي من يشاء ويعزل من يشاء»‪) .‬المصدر السابق(‪ .‬ويقول سميح عاطف الزين‪« :‬الخضر‪ ،‬فهو‬
‫عندهم إمام الولياء والسالكين‪ ،‬يلتقي به الشيوخ عياًنا كما يزعمون‪ ،‬ويتل ّ‬
‫قون عنه السرار‪ ،‬لّنه لم يمت‪ ،‬ولن‬
‫يموت إلى آخر الزمان؛ وهو يقيم بالمسجد القصى‪ ،‬ويطوف بالكوان‪ ،‬ويحضر في ك ّ‬
‫ل مكان‪ ،‬ولذلك فهو يلقى‬
‫ي أحمد ياشار‬
‫الصوفّية عند ذكره‪ :‬عليه السلم!!» )الصوفّية في نظر السلم‪ .(169/‬كذلك قد أشار الباحث الترك ّ‬
‫ن هذه السطورة مستوحاة من المسيحية‪.Menâkibnâmeler/ 73. 74 .‬‬
‫أوجاك إلى أ ّ‬

‫‪256‬‬

‫عليه فحصل له الفتح العظيم‪ ،‬والجذبةُ‬
‫‪366‬‬
‫القّيوميةُ»‪.‬‬
‫ن السلم بعيد ك ّ‬
‫د عن مثل‬
‫ل الُبع ِ‬
‫ل شكّ في أ ّ‬
‫شك في أّنها‬
‫ّ‬
‫هذه الهرطقة اليوغية؛ كما ل‬
‫شعبذة من تمرينات رهبان البرهمّية‪ ،‬أثارها‬
‫ة أولى لتمهيد السبيل إلى وضع ما‬
‫الرجل كخطو ٍ‬
‫أشارت له نفسه من تلك المصطلحات البرهمية‪،‬‬
‫حت الروايات‬
‫سها في عقائد السلم )إذا ص ّ‬
‫ود ّ‬
‫إّنه اّلذي وضعها(‪ .‬وقد تعاقبت بعدها ألوانٌ‬
‫متباينةٌ من أفانين الشعبذة لرجال هذه الطائفة‬
‫همْ بها إلى أن وجد‬
‫من أمثاله‪ .‬فامتلت كُُتبُ ُ‬
‫ة خطيرةً في‬
‫المسلمون اليوم هذه الطائفة عقب ً‬
‫صة على الساحة التركّية حيث ل‬
‫وجه السلم‪ ،‬خا ّ‬
‫قبل لهم بها!‬
‫يطَلق على هذا الرجل أسم «رئيس‬
‫ج َ‬
‫ن»‪ 367‬أي رئيس شيوخ هذه الطريقة‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن طريقتهم أ َ‬
‫ويقول النقشبندّيون أ ّ‬
‫خذَ ْ‬
‫ت اس َ‬
‫ج َ‬
‫مد‬
‫« ُ‬
‫گان ِّية» بداي ً‬
‫وا َ‬
‫ة من عهده حّتى زمن مح ّ‬
‫خ َ‬
‫ي المعروف عندهم بـ «شاه‬
‫بهاء الدين الب ُ َ‬
‫خار ّ‬
‫ج َ‬
‫ن» فارسية‪ .‬وهي‬
‫نقشبند»‪ .‬وكلمة «ال ُ‬
‫گا ْ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫جمع خواجه «بتفخيم الخاء المفتوحة‪ .‬وت ُْر َ‬
‫س ُ‬
‫‪368‬‬
‫بالواو ول ت ُ ْ‬
‫قرْأ‪ ،‬وإّنما هي علمة التفخيم»‪.‬‬
‫ومن الحكايات السطورية اّلتي نسجتها‬
‫ة‬
‫دتها طائف ٌ‬
‫النقشبندّية‪ :‬ما جاء في موسوعة أع ّ‬
‫ة من هذه النحلة يطلق عليهم اسم »‪The‬‬
‫تركي ٌ‬
‫‪ «Modernist Naacshabandis‬أى النقشبندّيين‬
‫ن‬
‫العصرانّيين‪ .‬ورد في موضع من موسوعتهم «أ ّ‬
‫ي كان يصّلي الصلوات‬
‫ق ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫عبدَ الخال ِ‬
‫‪366‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪367‬‬

‫ي‪ ،‬الحديقة الندّية في الطريقة النقشبندّية ص‪.50 /‬‬
‫مد بن سليمان البغداد ّ‬
‫مح ّ‬

‫‪368‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.111/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪257‬‬

‫الخمس في المسجد الحرام‪ ،‬ويرجع في لمح‬
‫‪369‬‬
‫خاَرى‪».‬‬
‫البصر إلى مدينة ب ُ َ‬
‫دة مصطلحات فارسية أخرى قد دخلت‬
‫يبدو أ ّ‬
‫نع ّ‬
‫في قاموس النقشبندّية بجهود هذا الرجل‪ .‬منها‬
‫كلمة «خانقاه»‪ .‬يقول في ذلك عبد المجيد بن‬
‫ن ترجمة عبد الخالق‬
‫ي ضم َ‬
‫مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫دة أعوام‪،‬‬
‫م سافر إلى الشام‪ ،‬وأقام بها م ّ‬
‫«ث ّ‬
‫م خانقاه‪ .‬وهي كلمة فارسية بسكون‬
‫وبنى ث َ ّ‬
‫‪370‬‬
‫النون بمعنى الزاوية»‪.‬‬
‫ُ‬
‫هذا على الرغم من ك ّ‬
‫ق‬
‫ل ما أسند إليه من ح ّ‬
‫ت عنه‬
‫ي لم تَْثبُ ْ‬
‫ق ال ْ ُ‬
‫وباطل فإ ّ‬
‫غ ْ‬
‫ن عبدَ الخال َ‬
‫جدُ َ‬
‫وان ِ ّ‬
‫َ‬
‫جگان ِّيةَ‪،‬‬
‫َ‬
‫رابطة والختمَ ُ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫أدنى إشارة توهم ال ّ‬
‫صى‪ ،‬والقولَ بسلسلة‬
‫بالحَ َ‬
‫وتعدادَ الذكر ْ‬
‫ث في الطريقة من‬
‫د َ‬
‫الروحانّيين؛ عدا ما ُأحْ ِ‬
‫فارسية ترمز إلى الركان اّلتي‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مصطلحات‬
‫ول مرة‪.‬‬
‫أقامها ل ّ‬
‫ه لهذه المصطلحات الغريبة في‬
‫إل ّ أ ّ‬
‫ن إحداث َ ُ‬
‫س مناس َ‬
‫ة يبرهن بك ّ‬
‫ن‬
‫ك ديني ٍ‬
‫ل وضوح على أ ّ‬
‫لبا ِ‬
‫ت من البداية‬
‫الطريقة النقشبندّية قد أخذ ْ‬
‫ت وعقائدَ شّتى‪،‬‬
‫ت وديانا ٍ‬
‫تستقي من فلسفا ٍ‬
‫عب َْر تاريخها على هذا المنوال‪.‬‬
‫وأّنها قد استمرّ ْ‬
‫ت َ‬
‫***‬

‫* الحلقة العاشرة من سلسلتهم‪.‬‬
‫ن‬
‫جاء في موسوع ٍ‬
‫ة النقشبندّيين العصرانّيين‪ ،‬أ ّ‬
‫َ‬
‫عار ً‬
‫ري هو الحلقةُ العاشرةُ من‬
‫فا الّريَوگ ِ‬
‫ن التصانيف المعتبرة لتراجم‬
‫سلسلتهم‪ .‬إل ّ أ ّ‬
‫‪369‬‬

‫‪İslâm Alimleri Ansiklopedisi 5/344‬‬

‫‪370‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.111/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪258‬‬

‫ن هذا السم‪ .‬وقد ل يتجاوز هذا‬
‫م ْ‬
‫الرجال خالي ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ن عبد المجيد بن‬
‫السم عن شخصية خيالية‪ .‬ل ّ‬
‫ي اّلذي أفرغ طاقته في‬
‫مد بن مح ّ‬
‫مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫جمع معلومات حول رجال السلسلة‪ ،‬حّتى هو‬
‫بالذات عجز عن المعرفة بتاريخ ولدة هذا الرجل‬
‫وتاريخ وفاته‪ .‬فسطوُرهُ شاهدةٌ على هذا العجز‪.‬‬
‫ما استه ّ‬
‫ل بخلع آيات الثناء والمدح على‬
‫لّنه ل َ ّ‬
‫ف ظهر‬
‫هذه الشخصية الغامضة فقال‪« :‬عار ٌ‬
‫ه‪ .‬فأشرقتْ بعد الغروب شمس‬
‫ق فَ ْ‬
‫ص ِ‬
‫أنواُر َ‬
‫ر ِ‬
‫ج ِ‬
‫اد ِ‬
‫‪371‬‬
‫م قال «ولد سنة‪»...‬‬
‫المعارف في عصره» ث ّ‬
‫ولم يذكر شيًئا بعده؛ فلم يؤّرخ لولدته ول‬
‫لموته‪ .‬كما تؤ ّ‬
‫ه الخيرةُ على هذا‬
‫كد كلماتُ ُ‬
‫دة خلفاء‪ .‬ولم أقف‬
‫الغموض؛ إذ يقول‪« :‬وله ع ّ‬
‫لهم على أسماء»‪ 372.‬فكيف به أن يقف على‬
‫مناقبه وأحواله وأطوار حياته بالتفصيل إذا صح‬
‫له وجود حقيقي ما دام لم يقف حّتى على اسم‬
‫من أسماء خلفائه! فعلى الرغم من هذه‬
‫المناقضة والتعارض‪ ،‬ومن هذا العجز اّلذي‬
‫ي وما تتوارى فيه‬
‫نلمسه من خلل كلمات الخان ّ‬
‫ة من غموض‪ ،‬يحاول المؤّلف‬
‫هذه الشخصي ُ‬
‫ة فيقول‪« :‬أصله من‬
‫ة حقيقي ً‬
‫ليجعل منه شخصي ً‬
‫مستغر ً‬
‫قا في تحصيل علم‬
‫ِ‬
‫خاَرى‪ .‬وكان‬
‫بُ َ‬
‫‪373‬‬
‫فلقي الشيخ مرة في السوق‪ ،‬قد‬
‫الظاهر‪.‬‬
‫‪374‬‬
‫فقال له أنا أحمل عنك‪.‬‬
‫ما وحمله‬
‫اشترى لح ً‬
‫‪371‬‬

‫المصدر السابق ص‪.119 /‬‬

‫‪372‬‬

‫المصدر السابق ص‪.119/‬‬

‫‪373‬‬

‫سّنة النبوية‪ .‬وإنما يستعملون‬
‫يطلقون إسم «علم الظاهر» على العلوم المنبثقة من القرآن الكريم وال ّ‬

‫هذه التسمية على سبيل الستحقار لهذه العلوم الشريفة وأهلها‪ .‬وتبرهن على هذا‪ ،‬تسميتهم للفقهاء‬
‫ي»‪.‬‬
‫سرين بـ«علماء الرسوم»‪ .‬لّنهم ي ّ‬
‫والمح ّ‬
‫دثين والمف ّ‬
‫ما آخر يس ّ‬
‫دعون عل ً‬
‫مونه «علم الباطن» أو «العلم الّلدن ّ ّ‬
‫ة»‪.‬‬
‫ولهذا تدخل الطريقة النقشبندّية في عداد «ال ْ ِ‬
‫ق ال َْباطِن ِي ّ ِ‬
‫فَر ِ‬

‫‪374‬‬

‫ن‬
‫ن شي ً‬
‫ما وحمله‪ »...‬ل ّ‬
‫ى «أ ّ‬
‫من غرائب هذه الطريقة أ ْ‬
‫خا من شيوخهم خرج إلى السوق واشترى لح ً‬
‫ن ي ُْرو َ‬

‫ك ّ‬
‫ن يخرج‬
‫خ من شيوخهم اليوم يتمّتع بشهرة وجاه يحسده الملوك عليهما‪ .‬وهذا إلى درجة‪ :‬إّنه لو أراد أ ْ‬
‫ل شي ٍ‬
‫ددته بطانته دون‬
‫ة عنيف ٍ‬
‫بمثل هذه الحاجة إلى السوق لصطدم بمقاوم ٍ‬
‫ة من رجال حاشيته المقربين‪ .‬ولربما ه ّ‬
‫د من مريديه العادّيين فضل ً عن غيرهم‪ .‬وذلك خو ً‬
‫ن‬
‫فا على زوال جاهه وشهرته‪ .‬ل ّ‬
‫أ ْ‬
‫ن يشعر بهذا النـزاع أح ٌ‬
‫ن لمصالحهم‪ ،‬يو ّ‬
‫ة‪ .‬وهذا‬
‫ق عادي ٍ‬
‫فر لهم إمكانات يستحيل عليهم أ ّ‬
‫عظمة شيخهم ضما ٌ‬
‫ن يحظوا شيئا منها بطر ٍ‬
‫يجعلهم أن يحرصوا على محافظة هذه العظمة؛ بل وأن يبذلوا ما لديهم من ك ّ‬
‫ن‬
‫ة لشاعة صيته‪ .‬ل ّ‬
‫ل وسيل ٍ‬

‫‪259‬‬

‫ما وصل إلى بيته‪ ،‬الت َ َ‬
‫ت إليه‬
‫ف َ‬
‫فأعطاه إّياه‪ .‬فل ّ‬
‫ة حّتى آكل الطعام معك‪.‬‬
‫وقال له تأتي بعد ساع ٍ‬
‫فلما انصرف‪ ،‬لم يجد في قلبه ميل ً للعلم‪ .‬بل‬
‫وجد متصّر ً‬
‫فا لخدمة الشيخ‪ .‬فعاد إليه في‬
‫الوقت‪ ،‬فتقّبله‪ .‬وقال له أنت ولدي‪ .‬وعّلمه‬
‫الطريق‪ .‬فاشتغل به وترك الذهاب إلى أستاذه‪.‬‬
‫فكان كّلما رآه أستاذه عّنفه وشتمه على ترك‬
‫العلم‪ ،‬وأمره بالحضور إلى المدرسة وهو ُيقِبل‬
‫ن اقترف أستاذُهُ ذات‬
‫ول يجيبه بشي ٍ‬
‫ء‪ .‬فاّتفق أ ْ‬
‫ما التقيا في النهار‬
‫ليل ٍ‬
‫ة كبيرةً من الكبائر‪ .‬فل ّ‬
‫أطال لسانه عليه على العادة‪ .‬فقال له‪ - :‬يا‬
‫ت في الليلة كذا وكذا من الفسق‪،‬‬
‫سّيدي كن َ‬
‫ق‪ .‬فخجل الستاذ‬
‫والن تمنعني عن طريق الح ّ‬
‫ما؛ وعَِلمَ مراتب الصوفّية وأحوالهم‪.‬‬
‫خجل ً عظي ً‬
‫وحضر عند الشيخ عبد الخالق في الحال وتاب‬
‫‪375‬‬
‫وأخذ طريقته وصار من المقبولين لديه»‪.‬‬
‫ي بهذه الكلمات ليؤ ّ‬
‫ن هذا‬
‫كد على أ ّ‬
‫يحاول الخان ّ‬
‫الرجل كان يعلم الغيب وي ّ‬
‫طلع على عورات‬
‫الناس في ظلمات الليل ويعلم ما يصنعون وهم‬
‫ما ح ّ‬
‫ط من‬
‫في بيوتهم‪ .‬غير أ ّ‬
‫ي غفل ع ّ‬
‫ن الخان ّ‬
‫ما انصرف لم‬
‫شأن هذا الرجل عند ما قال‪« :‬فل ّ‬
‫يجد في قلبه ميل ً للعلم )‪ (...‬وترك الذهاب إلى‬
‫أستاذه»‪ 376.‬أى أعرض عن دراسة العلم وانهمك‬
‫في تقليد الصوفّية‪.‬‬
‫كانت هذه خلصة من قصة الحلقة العاشرة من‬
‫سلسلة النقشبندّيين على لسانهم بالذات!‬
‫***‬
‫ما إذا كان ُ‬
‫ما ُ‬
‫ولون من أهل‬
‫ق َ‬
‫د َ‬
‫مصالحهم تنمو وتزداد كلما يّتسع نطاق هيمنته‪ ،‬وتتقلص بتقّلصه‪ .‬أ ّ‬
‫ؤهم ال ّ‬
‫التواضع‪ ،‬كما ينقلون في تراجمهم؛ فقد أصبح المعاصرون منهم على خلف أسلفهم بما يتمّتعون من الرخاء‬
‫خرة وقصور وحشم وخدم وشهرة يغتبطها الملوك‪.‬‬
‫والعيش الرغيد؛ وما يملكون من ثروات طائلة‪ ،‬وأموال مد ّ‬
‫وهذا من أكبر البراهين على تناقضهم مع أنفسهم‪.‬‬

‫‪375‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.118/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬

‫‪376‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫* الحلقة الحادية عشرة من السلسلة‬
‫النقشبندّية‪.‬‬
‫ن الحلقة الحادية عشرة من‬
‫ورد في مصادرهم أ ّ‬
‫يُ‪.‬‬
‫ير َ‬
‫ج ْ‬
‫سلسلتهم هو محمود النِ ِ‬
‫فغَْنو ّ‬
‫خاَرى‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ى»‬
‫ير َ‬
‫ج ْ‬
‫إن ِ‬
‫و« ِ‬
‫َ‬
‫قرية من ضواحي مدينة ب ُ َ‬
‫فغْن َ‬
‫يسته ّ‬
‫ي ترجمته‬
‫ل عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫بالمدائح كعادته في ترجمة سائر شيوخ‬
‫جعة‪:‬‬
‫الطريقة‪ .‬وهذه صيغ ٌ‬
‫ة من كلماته المس ّ‬
‫جرت من بين أصابعه مياهُ الحكمةِ‪،‬‬
‫ْ‬
‫«مرشدٌ تف ّ‬
‫مة‬
‫أنعم الله تعالى بوجوده على قلوب هذه ال ّ‬
‫‪377‬‬
‫م رحمة»‪.‬‬
‫)‪ (...‬فهو أعظم نعمة وأع ّ‬
‫ثم يقول «كان مع جللة قدره يشتغل بصنعة‬
‫البناء‪ .‬فلما أقيم مقام سّيدنا الشيخ عارف‪،‬‬
‫انقطع لهداية الخلق إلى الحق‪ ،‬وقد عدل إلى‬
‫ي منذ مرض أستاذه لمقتضى ُ ُ‬
‫ق‬
‫الذكر الجهر ّ‬
‫خل ِ‬
‫‪378‬‬
‫الوقت والخلق»‪.‬‬
‫فعلى الرغم من هذا التن ّ‬
‫طع اّلذي استعرضه‬
‫وه بمدى تواضع هذا الشيخ اّلذي «كان‬
‫ي لين ّ‬
‫الخان ّ‬
‫مع جللة قدره يشتغل بصنعة البناء»؛ على‬
‫ي ذي‬
‫الرغم من هذه المحاولة‪ ،‬ل يكاد َي ْ‬
‫قتَِنعُ أ ّ‬
‫ي كانت له مكانة مرموقة‪ ،‬وأّنه‬
‫ل‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الفغنو ّ‬
‫عق ٍ‬
‫صة العلم واشتغل‬
‫كان من العلماء فترك ِ‬
‫من َ ّ‬
‫ي سبب معقول!‬
‫بصنعة البناء تواض ً‬
‫عا‪ ،‬أو ل ّ‬
‫الجهري اّلذي يجهله كثيرٌ من الناس‪،‬‬
‫ّ‬
‫ما الذكر‬
‫أ ّ‬
‫سل ّ َ‬
‫ط الضوءُ‬
‫فيناسب هنا وبهذا المقتضى أ ْ‬
‫ن يُ َ‬
‫على هذا النوع من الذكر بأّنه مخالف للكتاب‬
‫سّنة‪ .‬لّنهم يجتمعون في أوقات معّينة‪،‬‬
‫وال ّ‬
‫‪377‬‬
‫‪378‬‬

‫ي‪ ،‬الحدائق الوردّية في حقائق أجلء النقشبندّية ص‪.119/‬‬
‫مد بن مح ّ‬
‫عبد المجيد بن مح ّ‬
‫مد الخان ّ‬
‫المصدر السابق ص‪.119 /‬‬

‫‪261‬‬

‫ة في التكايا‪،‬‬
‫ت استعراضيّ ً‬
‫ويقيمون حلقا ٍ‬
‫يرفعون أصواتهم ويترّنمون بترديد لفظة الجلل‬
‫ف‬
‫ر ُ‬
‫أو كلمة التوحيد بإيقاعات ونغمات خا ّ‬
‫صة؛ ُيش ِ‬
‫جههم‬
‫عليهم شيخهم أو من ينوب عنه‪ ،‬فيو ّ‬
‫بالنتقال من صيغة إلى أخرى‪ ،‬فيستمّر الذكر‬
‫ى‬
‫على هذا المنوال مدّةً غير قصيرة؛ وقد ُيغش َ‬
‫على بعضهم بدافع ثوران العاطفة‪ ،‬أو بسبب‬
‫دة ا ُ‬
‫لكسيجين في الوعية الدموية‬
‫تراكم ما ّ‬
‫نتيجة السرعة في توالي الشهيق والزفير‪.‬‬
‫ي كسائر شيوخ هذه‬
‫ينحد