‫تاريخ الخلفاء الراشدين )‪(4‬‬

‫سيرة أمير المؤمنين‬
‫علي بن أبي طالب ‪‬‬
‫شخصيته وعصره‬
‫دراسة شاملة‬
‫تأليف‬

‫علي محمد محمد الصلبي‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬
‫الطبعة الولى للناشر‬
‫‪1426‬هـ ‪2005 -‬م‬
‫رقم اليداع‪9849/2005 :‬‬
‫الترقيم الدولي‪I.S.B.N :‬‬
‫‪1- 61 – 6119 -977‬‬

‫مركز السلم‬
‫للتجهيز الفنى‬

‫عبد الحميد عمر‬

‫‪010696‬‬
‫‪2647‬‬

‫مؤسسة اقرأ‬

‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة – بجوار حديقة الفسطاط‬
‫القاهرة ت‪ 5326610 :‬محمول‪5224207/010 :‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪3‬‬

‫الهداء‬

‫إلى كل مسلم‬
‫حريص على إعزاز‬
‫دين الله تعالى أهدى‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬سائل ً‬
‫المولى عز وجل‬
‫بأسمائه الحسنى‪،‬‬
‫وصفاته العلى‪ ،‬أن‬
‫صا لوجهه‬
‫يكون خال ً‬
‫الكريم‪ .‬قال تعالى‬
‫من َ‬
‫‪َ +‬‬
‫جو‬
‫ف‬
‫كا َ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫لِ َ‬
‫م ْ‬
‫ل‬
‫قاءَ َرب ّ ِ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫صال ِ ً‬
‫ع َ‬
‫مل ً ْ َ‬
‫حا َ‬
‫ي َُ ْ‬
‫ه‬
‫رك ب ِ ِ‬
‫ة َرب ّ ِ‬
‫عَبادَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫دا" ]الكهف‪.[110:‬‬
‫ح ً‬
‫أ َ‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪4‬‬

‫المقدمة‬

‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل‬
‫إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬
‫فل‬
‫محمهادى له‪ ،‬وأشهد أن ل َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ق‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ً‬
‫ذي َ‬
‫دا عبده ورسوله ‪َ+‬يا َ أي ّ َ‬
‫ح ّ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ت َُ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪َ+ .[102 :‬يا‬
‫وأن ْ ُ‬
‫قات ِ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫موت ُ ّ‬
‫سل ِ َ ُ‬
‫تم ّ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ن إ ِل ّ ُ َ‬
‫ه َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫من‬
‫كم‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫قوا‬
‫ت‬
‫ا‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫َ‬
‫وا ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حد َ ٍ‬
‫ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫ّ‬
‫َ ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ٍ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫وات ّ ُ‬
‫قوا‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ن‬
‫و‬
‫را‬
‫ثي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫جا‬
‫ر‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ث‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫و‬
‫ها‬
‫ج‬
‫و‬
‫ز‬
‫ها‬
‫ن‬
‫م‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ َ‬
‫ً َ َ ََ ُ َ‬
‫ْ ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ُ َ ِ‬
‫ّ‬
‫قيًبا"‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ت‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ها‬
‫الل‬
‫ن َ‬
‫م َر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫َ‬
‫والْر َ‬
‫حا َ‬
‫َ‬
‫ع ُلي ْك ْ‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول ً‬
‫قولوا َ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ها ا َل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫]النساء‪َ+ .[1:‬يا أي ّ َ‬
‫قوا َ الل َ‬
‫نَ آ َ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫نو‬
‫ذ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ما‬
‫مأ ْ‬
‫س ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫دي ً‬
‫َ‬
‫ْ ُ َ ْ َ َ‬
‫ع َ‬
‫ح ل َك ُ ْ‬
‫دا ‪ ‬ي ُ َ ْ‬
‫ْ َ َ ْ ِ ْ‬
‫ُ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[71 ،70:‬‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫زا‬
‫و‬
‫ف‬
‫ز‬
‫فا‬
‫د‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ْ ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫الل َ َ َ ُ‬
‫ِ ً‬
‫ُ‬
‫يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬ولك‬
‫الحمد حتى ترضى‪ ،‬ولك الحمد إذا رضيت‪ ،‬ولك الحمد بعد الرضا‪ ،‬أما‬
‫بعد‪..‬‬
‫هذا الكتاب الرابع في دراسة عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬فقد صدرت‬
‫عدة كتب عن الصديق والفاروق وذي النورين‪ ،‬وقد سميت هذا‬
‫ى بن أبى طالب‪ ،‬شخصيته‬
‫الكتاب‪»:‬سيرة أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى من الميلد‬
‫عل‬
‫المؤمنين‬
‫أمير‬
‫عن‬
‫وعصره«‪ ،‬ويتحدث هذا الكتاب‬
‫ّ‬
‫حتى الستشهاد‪ ،‬فيبدأ بالحديث عن اسمه ونسبه ولقبه ومولده‬
‫وأسرته وقبيلته‪ ،‬وإسلمه‪ ،‬وأهم أعماله في مكة‪ ،‬وعن هجرته‪،‬‬
‫ومعايشته للقرآن الكريم وأثرها عليه في حياته‪ ،‬وعن تصوره عن‬
‫الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر‪ ،‬وعن مكانة‬
‫القرآن الكريم عنده‪ ،‬وما نزل فيه من القرآن الكريم‪ ،‬وعن الصول‬
‫ى في استنباط الحكام‬
‫والسس التي سار عليها أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى‬
‫عل‬
‫المؤمنين‬
‫أمير‬
‫تفسير‬
‫من القرآن الكريم وفهم معانيه‪ ،‬وعن‬
‫ّ‬
‫لبعض اليات الكريمة‪ ،‬وعن ملزمته لرسول الله × منذ طفولته‪،‬‬
‫ومعرفته العميقة بمقام النبوة وكيفية التعامل معه‪ ،‬فقد أوضح‬
‫صا على تعليم الناس وحثهم على‬
‫معالمه بأقواله وأفعاله‪ ،‬وكان حري ً‬
‫القتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته‪ .‬فبّين وجوب‬
‫طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها‪ ،‬وأوضح دلئل نبوة‬
‫الرسول × وفضله وبعض حقوقه على أمته×‪ .‬ويجد القارئ الكريم‬
‫ى للسنة النبوية المطهرة‪ ،‬ويتحدث‬
‫نماذج من اتباع أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى من الصحابة‬
‫الكتاب عن أسماء بعض الرواة عن أمير المؤمنين عل ّ‬
‫والتابعين وأهل بيته‪.‬‬
‫وينتقل الكتاب بالقارئ إلى حياة أمير المؤمنين في المدينة في‬
‫ى من السيدة‬
‫عهد النبي × فيتكلم عن زواج أمير المؤمنين عل ّ‬
‫فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وما في هذا الزواج من دروس وعبر في‬
‫المهر والجهاز‪ ،‬والزفاف والمعيشة والزهد‪ ،‬وصدق لهجة السيدة‬
‫فاطمة وسيادتها في الدنيا والخرة‪ ،‬وترجمت للحسن والحسين‬
‫رضي الله عنهما ترجمة مختصرة‪ ،‬وبينت فضلهما وما ورد فيهما من‬
‫أحاديث عن رسول الله ×‪ ،‬وتكلمت عن مفهوم أهل البيت عند أهل‬
‫السنة‪ ،‬وما يخصهم من أحكام‪ ،‬كتحريم الزكاة عليهم‪ ،‬وكونهم ل‬
‫يرثون رسول الله ×‪ ،‬وحقهم في خمس الخمس في الغنيمة‬
‫والفيء‪ ،‬والصلة عليهم مع النبي ×‪ ،‬ووجوب محبتهم واحترامهم‬
‫ومودتهم‪ ،‬وبينت مواقف أمير المؤمنين في سرايا رسول الله‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪5‬‬

‫وغزواته‪ ،‬كبدر وأحد والخندق‪ ،‬وبنى قريظة‪ ،‬والحديبية وخيبر‪ ،‬وفتح‬
‫ى على المدينة في‬
‫مكة‪ ،‬وغزوة حنين‪ ،‬وعن استخلف النبي × لعل ّ‬
‫ى رضي الله عنه‬
‫غزوة تبوك ‪8‬هـ وحج أبى بكر بالناس‪ ،‬ودور عل ّ‬
‫العلمى‪ ،‬ووفد قد نصارى نجران وآية المباهلة‪ ،‬وإرسال النبي ×‬
‫علًيا داعًيا وقاضًيا لليمن‪ ،‬وأقضيته التي حكم بها في اليمن السعيد‬
‫ى في حجة الوداع‪ ،‬وقصة الكتاب الذي هم‬
‫الحبيب‪ ،‬ومواقف عل ّ‬
‫النبي × بكتابته في مرض موته‪ ،‬وعن العلقة بالخلفاء الراشدين‪،‬‬
‫ومكانته في دولة الخلفة الراشدة‪ ،‬فتكلمت عن مبايعته لبى بكر‬
‫بالخلفة ومساندته له في حروب الردة‪ ،‬وتقديمه وتفضيله للصديق‪،‬‬
‫وإقتدائه به في الصلوات وقبول الهدايا منه‪ ،‬وأشرت إلى العلقة بين‬
‫الصديق والسيدة فاطمة وقصة ميراث النبي ×‪ ،‬ورددت على‬
‫الشبهات الرافضية حول قصة الميراث ونسفت حججهم وأدلتهم‬
‫بالبراهين القاطعة والدلة الناصعة‪ ،‬وكشفت الستار عن رواياتهم‬
‫الضعيفة والموضوعة‪ ،‬وأثبت محبة السيدة فاطمة للحق والتزامها‬
‫بالشريعة‪ ،‬واحترامها لخليفة رسول الله أبى بكر‪ ،‬وتسامحها معه‪،‬‬
‫واحترام أهل البيت للصديق والمصاهرات المتبادلة بين آل الصديق‬
‫وأهل البيت‪ ،‬ومحبتهم له وتسمية أولدهم عليه‪ ،‬وتحدثت عن‬
‫ى في عهد الفاروق في المور القضائية‪ ،‬والتنظيمات‬
‫مساهمات عل ّ‬
‫ى على المدينة مراًرا‪،‬‬
‫لعل‬
‫عمر‬
‫واستخلف‬
‫والدارية‬
‫المالية‬
‫ّ‬
‫ومشاورته له في أمور الجهاد وشئون الدولة‪ ،‬وعن العلقة الحميمة‬
‫المتينة بين الفاروق وأهل البيت‪ ،‬وزواج عمر من أم كلثوم بنت على‬
‫بن أبى طالب‪ ،‬وحقيقة هذا الزواج الميمون المبارك‪ ،‬وتركت الحجج‬
‫الدامغة‪ ،‬والبراهين الساطعة تنسف الكاذيب من جذورها فتركتها‬
‫فا‪ ،‬وأخذت الحقائق التاريخية ترسم لنا حقيقة المحبة‬
‫عا صفص ً‬
‫قا ً‬
‫والمودة بين الصحابة الكرام‪ ،‬كما جاءت في القرآن الكريم‪،‬‬
‫ووضحت بيعة على لعثمان رضي الله عنه ورددت على الكاذيب‬
‫التي ألصقت بها‪ ،‬وتحدثت عن جهوده في دعم دولة ذي النورين‪،‬‬
‫ودفاعة عنه أمام الغوغاء‪ ،‬ومواقفة في فتنة مقتلة في بدايتها‪ ،‬وأثناء‬
‫الحصار‪ ،‬وبعد استشهاده‪ ،‬وتحدثت عن المصاهرة بين آل عثمان‪،‬‬
‫ى في الخلفاء الراشدين الذين سبقوه‪ ،‬والتي تدل‬
‫وأتيت بأقوال عل ّ‬
‫على محبتهم واحترامهم ومودتهم‪ ،‬والبراءة ممن يسبهم ويشتمهم‬
‫وإقامة حد المفتري على من يسب الشيخين‪ ،‬ول يتمالك القارئ‬
‫المسلم نفسه من البكاء وهو يتأمل في أقوال أمير المؤمنين في‬
‫الخلفاء وتعامله مع ذلك الجيل القرآني الفريد وساداته الكرام‪ .‬قال‬
‫الشاعر‪.‬‬
‫وأسأل عنهم من لقيت وهم معى‬
‫ومن عجب أنى أحن إليهم‬
‫وتطلبهم عينى وهم في‬
‫سوادها‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫إنى أحب أبا حفص وشيعته‬

‫ويشتاقهم قلبى وهم بين‬
‫أضلعى‬
‫قا صاحب الغار‬
‫كما أحب عتي ً‬

‫ما رضيت بقتل الشيخ في‬
‫ما‬
‫وقد رضيت علًيا قدوة وعل ً‬
‫الدار‬
‫ى بهذا القول من عار‬
‫كل الصحابة سادتى ومعتقدى‬
‫فهل عل ّ‬
‫ى بالخلفة وكيف تمت‪ ،‬وعن أحقيته‬
‫هذا وقد تحدثت عن بيعة عل ّ‬
‫عا بدون‬
‫بها‪ ،‬وإجماع الصحابة على ذلك‪ ،‬وبيعة طلحة والزبير له طو ً‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪6‬‬

‫ضغط أو إكراه‪ ،‬وانعقاد الجماع على خلفته‪ ،‬وشروط أمير المؤمنين‬
‫في بيعته‪ ،‬أول خطبة له‪ ،‬وأهل الحل والعقد في دولته‪ ،‬وشيء من‬
‫فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه‪ ،‬وتوسعت في الحديث عن‬
‫صفاته‪ ،‬فبينت علمه الواسع وفقهة الغزير‪ ،‬وزهده‪ ،‬وتواضعة‪ ،‬وكرمه‬
‫وجوده‪ ،‬وحياءه‪ ،‬وشدة عبوديته‪ ،‬وصبره‪ ،‬وإخلصه‪ ،‬وشكره لله‪،‬‬
‫ودعاء الخاشع‪ ،‬وعن المرجعية العليا لدولته‪ ،‬وسيرها على كتاب الله‬
‫وسنة رسول ×‪ ،‬والقتداء بالخلفاء الراشدين الذين سبقوه‪ ،‬وعن‬
‫حق المة في الرقابة على الحكام‪ ،‬والشورى‪ ،‬والعدل والمساواة‪،‬‬
‫والحريات‪ ،‬وعن حياته في المجتمع واهتمامه بالمر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪ ،‬ودعوته للتوحيد ومحاربته للشرك‪ ،‬وتعريفه‬
‫الناس بأسماء الله وصفاته‪ ،‬وبنعم الله المستوجبة لشكره‪ ،‬وحرصه‬
‫على محو آثار الجاهلية‪ ،‬وحرصه على بطلن العتقاد بالكواكب‪،‬‬
‫وإحراقة لمن غلوا فيه وادعوا فيه اللوهية‪ ،‬وحديثه عن كيفية بداية‬
‫اليمان في القلب وتعريفه للتقوى‪ ،‬ومفقهوم القضاء والقدر‪ ،‬وكيف‬
‫يحاسب الله العباد على كثرة عددهم‪.‬‬
‫ونقلت شيًئا من خطبة ومواعظة‪ ،‬وما ينسب إليه من شعر‪ ،‬أو‬
‫يتمثل به في مناسبات عديدة‪ ،‬واخترت مجموعة قيمة من حكمه‬
‫التي سارت مضرب المثل بين الناس‪ ،‬وتكلمت عن حديثه عن‬
‫صفات خيار العباد‪ ،‬وعن تطوع النبي ×‪ ،‬ووصف الصحابة الكرام‪،‬‬
‫وتحذيره من المراض الخطيرة التي تصيب القلوب‪ ،‬كطول المل‬
‫واتباع الهوى‪ ،‬والرياء‪ ،‬والعجب‪ ،‬وعن اهتمامه بترشيد السواق‪،‬‬
‫ومحاربته للبدع‪ ،‬والعمال التي تخالف الشرع في أوساط الناس‪،‬‬
‫وتحدثت عن المؤسسات التي في دولته‪ ،‬كالمالية‪ ،‬والقضائية‪،‬‬
‫ومؤسسة الولة‪ ،‬وعن الخطة القضائية والتشريعية في عهد الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬والمصادر التي اعتمدها الصحابة في ذلك العهد‪ ،‬وعن‬
‫ميزات القضاء في عهد الراشدين‪ ،‬وعن أشهر قضاة أمير المؤمنين‬
‫على‪ ،‬وعن أسلوبه القضائي‪ ،‬ونظرته للحكام الصادرة قبله‪،‬‬
‫والمؤهلين للقضاء‪ ،‬ومجانية الحصول على الحكم‪ ،‬وعن اجتهاداته‬
‫الفقهية في العبادات‪ ،‬والمعاملت المالية‪ ،‬والحدود والقصاص‬
‫والجنايات‪ .‬وأشرت إلى مسألة حجية قول الصحابى والخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬وبينت في حديثى عن مؤسسة الولة‪ ،‬وأقاليم الدولة في‬
‫عهده وما وقع في كل إقليم‪ ،‬من أمور جسام‪ ،‬وتكلمت عن منجهه‬
‫في تعيين الولة‪ ،‬ومراقبته لعماله وبعض توجيهاته‪ ،‬والصلحيات‬
‫الممنوحة للولة‪..‬من تعيين وزراء مع كل وال في كل أقليم‪،‬‬
‫وتشكيل مجالس الشورى وإنشاء الجيوش في كل ولية‪ ،‬وترسيم‬
‫السياسة الخارجية في مجال الحرب والسلم والحفاظ على المن‬
‫الداخلي وتشكيل الجهاز القضائي في كل ولية‪ ،‬والنفقات المالية‪،‬‬
‫والعمال التابعين لكل ولية ومتابعتهم ودور العرفاء والنقباء في‬
‫تثبيت نظام الوليات‪ ،‬ووضحت بعض المفاهيم الدارية من أقوال‬
‫أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ ،‬كتأكيده على العنصر النساني‪،‬‬
‫وعامل الخبرة والعلم‪ ،‬والعلقة بين الرئيس المرءوس‪ ،‬ومكافحة‬
‫الجمود‪ ،‬والرقابة الواعية‪ ،‬والضبط‪ ،‬والمشاركة في صنع القرار‪،‬‬
‫وحسن الختيار لدى الوالى والضمانات المادية والنفسية لموظفى‬
‫الدولة‪ ،‬ومرافقة ذوي الخبرة‪ ،‬ومفهوم الدارة البوية‪ ،‬وكون‬
‫التوظيف يتم عبر الضوابط وليس الروابط الشخصية‪ ،‬ثم انتقلت إلى‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬فتحدثت عن معركة‬
‫المشاكل الداخلية في عهد عل ّ‬
‫الجمل مبتدًئا بالحداث التي سبقتها وعن أثر التنظيم السبئي في‬
‫اندلعها‪ ،‬ودور عبد الله بن سبأ في إذكاء الفتن الداخلية‪ ،‬وعن‬
‫اختلف الصحابة في الطريقة التي يؤخذ بها القصاص من قتلة‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪7‬‬

‫عثمان‪ ،‬وعن موقف السيدة عائشة أم المؤمنين‪ ،‬وطلحة والزبير‬
‫ومعاوية بن أبى سفيان ومن كان معهم في السراع بالقصاص من‬
‫قتلة عثمان‪ ،‬وبينت موقف معتزلى الفتنة‪ ،‬كسعد بن أبى وقاص‬
‫وعبد الله بن عمر‪ ،‬ومحمد بن مسلمة‪ ،‬وأبى موسى الشعرى‪،‬‬
‫وعمران بن حصين وأسامة بن زيد ومن سار عن نهجهم‪ ،‬وتكلمت‬
‫عن موقف المتريثين في تنفيذ القصاص حتى تستقر الحوال‪ ،‬كأمير‬
‫ى‪ ،‬وعن محاولت الصلح قبل اندلع معركة الجمل‪،‬‬
‫المؤمنين عل ّ‬
‫وعن نشوب القتال‪ ،‬وجولته الولى والثانية‪ ،‬واستشهاد طلحة‬
‫ى‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬وعن موقف عل ّ‬
‫والزبير‪ ،‬ومبايعة أهل البصرة لعل ّ‬
‫رضي الله عنه من أم المؤمنين عائشة وكيف عاملها واحترمها‬
‫وقدرها وردها إلى المدينة معززة مكرمة‪ ،‬وأشرت إلى فضائلها‬
‫وشيء من سيرتها‪ ،‬كما ترجمت للزبير وطلحة رضي الله عنهما‬
‫لكونهما من الشخصيات المؤثرة في عهد النبوة والخلفة الراشدة‬
‫عا عن الحق‬
‫ى‪ ،‬ودافعت عنهما دفا ً‬
‫وفي عهد ُأمير المؤمنين عل ّ‬
‫ظلما‪ ،‬فبينت فضلهما ومكانتهما في السلم‪ ،‬ورددت على‬
‫لكونهما‬
‫الشبهات والكاذيب التي ألصقت بهما من خلل إثبات الحقائق‬
‫الناصعة‪ ،‬والحجج الدامغة‪ ،‬وصفاتهما الرفيعة‪ ،‬وأخلقهما الكريمة‪،‬‬
‫بحيث يخرج القارئ المسلم بمعرفة حقيقية ل لبس فيها ول غموض‪،‬‬
‫لهذه الشخصيات الفذة‪ ،‬فل يتأثر بالروايات الضعيفة‪ ،‬ول القصص‬
‫الموضوعة التي وضعها مؤرخو الشيعة الرافضة‪ ،‬والتي شوهت ثقافة‬
‫الناس عن هذه الشخصيات العظيمة‪ ،‬فالحديث عن ترجمة عائشة‪،‬‬
‫أو طلحة والزبير‪ ،‬أو غيرهم من كبار الصحابة‪ ،‬الذين ساهموا في‬
‫ى رضي الله عنه‬
‫الحداث التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ينسجم مع منهجي في دراسة شخصية أمير المؤمنين وعصره‪،‬‬
‫ما في طرحى بمنهج‬
‫والشخصيات التي أثرت في ذلك العهد ملتز ً‬
‫أهل السنة والجماعة جملة وتفصي ً‬
‫عا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬أصول ً وفرو ً‬
‫قال الشاعر أبو محمد القحطانى‪:‬‬
‫وسعيدهم وبعابد الرحمن‬
‫أكرم بطلحة والزبير وسعدهم‬
‫وأبى عبيدة ذى الديانة‬
‫والتقى‬
‫قل خير قول في صحابة‬
‫أحمد‬
‫دع ما جرى بين الصحابة في‬
‫الوغى‬
‫فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم‬

‫وكلهما في الحشر مرحومان‬

‫والله يوم الحشر ينزع كل ما‬

‫تحوى صدورهم من الضغان‬

‫ل تركنن إلى الروافض إنهم‬
‫لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد‬

‫شتموا الصحابة دون ما‬
‫برهان‬
‫وودادهم فرض على النسان‬

‫حب الصحابة والقرابة سنة‬

‫ألقى بها ربى إذا أحياني‬

‫ضا‪:‬‬
‫وقال أي ً‬

‫وامدح جماعة بيعة الرضوان‬
‫وامدح جميع الل والنسوان‬
‫بسيوفهم يوم التقى الجمعان‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪8‬‬
‫من كل إنس ناطق أو جان‬

‫إن الروافض شر من وطئ‬
‫الحصى‬
‫مدحوا النبي وخونوا أصحابه‬

‫ورموهم بالظلم والعدوان‬

‫حبوا قرابته وسبوا صحبه‬

‫جدلن عند الله منتقصان‬

‫فكأنما آل النبي وصحبه‬

‫روح يضم جميعها جسدان‬

‫فئتان عقدهما شريعة أحمد‬

‫بأبى وأمي ذانك الفئتان‬
‫وهما بدين الله قائمتان‬

‫فئتان سالكتان في سبيل‬
‫الهدى‬
‫هذا وقد تحدثت عن معركة صفين‪ ،‬ودوافع معاوية رضى الله عنه‬
‫ى رضي الله‬
‫في عدم البيعة‪ ،‬والمراسلت التي تمت بينه وبين عل ّ‬
‫عنه‪ ،‬ومحاولتع الصلح‪ ،‬ونشوب القتال‪ ،‬والدعوة إلى التحكيم‪،‬‬
‫ومقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه وأثره على المسلمين‪ ،‬وعن‬
‫المعاملة الكريمة من الطرفين أثناء الحرب والمواجهة‪ ،‬ومعاملة‬
‫السرى‪ ،‬وعدد القتلى‪ ،‬وترحم أمير المؤمنين على رضي الله عنه‬
‫على قتلى الطرفين‪ ،‬ونهيه عن شتم معاوية ولعن أهل الشام‪ ،‬ثم‬
‫تكلمت عن قصة التحكيم‪ ،‬فترجمت ليسرة أبى موسى الشعرى‬
‫وعمرو بن العاص رضي الله عنهما‪ ،‬وبينت بطلن الكاذيب والقصص‬
‫الواهية‪ ،‬والموضوعة التي ألصقت بهما في حادثة التحكيم‪ ،‬وأشرت‬
‫إلى كيفية الستفادة من قصة التحكيم في فض النزاعات بين الدول‬
‫السلمية‪ .‬وركزت على موقف أهل السنة من تلك الحروب‪ ،‬وحذرت‬
‫من بعض الكتب التي شوهت تاريخ الصحابة بالظلم والعدوان‪،‬‬
‫ككتاب المامة والسياسة المنسوب زوًرا لبن قتيبة‪ ،‬وكتاب الغاني‬
‫للصفهاني‪ ،‬وتاريخ اليعقوبي‪ ،‬والمسعودي وغيرهم من الكتب‬
‫المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة‪ ،‬وبينت دور المستشرقين‬
‫في تحريف التاريخ السلمي وتزويره وتشويهه‪ ،‬وكيف استفادوا من‬
‫كتب الشيعة الروافض‪ ،‬وكيف أسسوا مدرسة معارضة ساهمت في‬
‫تلويث الفكار‪ ،‬وتحريف الوقائع وطمس الحقائق‪ ،‬وتوسيع النقاط‬
‫السوداء في تاريخنا مع المبالغة والتهويل تحت شعارات براقة‪،‬‬
‫كالبحث العلمي النزيه‪ ،‬والواقعية‪ ،‬والموضوعية والحياد‪ ،‬وتبنى تلك‬
‫الفكار التدميرية مجموعة من أبناء المسلمين؛ ينتمون للسلم‪ ،‬ل‬
‫يحسنون فهمه‪ ،‬ول عرضه‪ ،‬ول العمل به‪ ،‬ول الدفاع عنه‪ ،‬بل تورطوا‬
‫في شباك أعداء السلم الذين يعملون على تشويه تاريخ هذه المة‬
‫وحضارتها التي صنعها دينها العظيم‪.‬‬
‫هذا وقد قمت بدراسة موضوعية علمية في الفصل الخير عن‬
‫الخوارج والشيعة الرافضة‪ ،‬فبينت نشأة الخوارج وعرفت بهم‪،‬‬
‫وذكرت الحاديث النبوية التي تضمنت ذمهم‪ ،‬وانحيازهم إلى حروراء‪،‬‬
‫ومناظرة ابن عباس لهم‪ ،‬وسياسة أمير المؤمنين في التعامل معهم‪،‬‬
‫وأسباب مقاتلته لهم‪ ،‬ونشوب القتال معهم‪ ،‬وقصة ذي الثدية أو‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬ووقفت مع‬
‫المخدج‪ ،‬وأثر مقتله على جيش عل ّ‬
‫ى في معاركة في‬
‫عل‬
‫المؤمنين‬
‫أمير‬
‫الحكام الفقهية التي اجتهد فيها‬
‫ّ‬
‫الجمل وصفين ومع الخوارج‪ ،‬وكيف اعتمد عليها الفقهاء فيما بعد‪،‬‬
‫ودونوها في كتبهم بما يعرف بأحكام فقه البغاة‪ ،‬وأشرت إلى أهم‬
‫ى‪ ،‬كالغلو في الدين‪،‬‬
‫صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين عل ّ‬
‫والجهل به‪ ،‬وشق عصا الطاعة‪ ،‬والتكفير بالذنوب واستحلل دماء‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪9‬‬

‫المسلمين وأموالهم‪ ،‬والطعن والتضليل‪ ،‬وسوء الظن‪ ،‬والشدة على‬
‫المسلمين‪ ،‬وناقشت بعض الراء العتقادية للخوارج‪ ،‬كتكفير صاحب‬
‫الكبيرة‪ ،‬ورأيهم في المامة‪ ،‬وطعنهم في بعض الصحابة وتكفيرهم‬
‫لعثمان وعلى رضي الله عنهما‪ ،‬وتطرقت لسباب انحراف الخوارج‬
‫ونزعاتهم في العصر الحديث‪ ،‬كالجهل بالعلوم الشرعية بسبب‬
‫العراض عن العلماء‪ ،‬والقراءة من الكتب بدون معلم‪ ،‬وغلوهم في‬
‫ذم التقليد‪ ،‬وتخلى كثير من العلماء عن القيام بواجبهم‪ ،‬وشيوع‬
‫الظلم والتحاكم للقوانين الوضعية‪ ،‬وانتشار الفساد بين الناس‪،‬‬
‫وعدم تزكية النفوس‪ ،‬وأشرت إلى أهم مظاهر غلوهم‪ ،‬كالتشدد في‬
‫الدين على النفس والتعسير على الخرين‪ ،‬والتعالم والغرور‪،‬‬
‫والستبداد بالرأي وتجهيل الخرين‪ ،‬والطعن في العلماء العاملين‪،‬‬
‫وسوء الظن‪ ،‬والشدة والعنف مع الخرين‪ ،‬وتكفير المسلمين‪.‬‬
‫وتكلمت عن فرقة الشيعة الرافضة‪ ،‬فبينت معنى الشيعة في‬
‫اللغة والصطلح‪ ،‬ومعنى الرفض في اللغة والصطلح‪ ،‬وسبب‬
‫تسميتهم بالرافضة‪ ،‬ونشأتهم ودور اليهود في ذلك‪ ،‬والمراحل التي‬
‫مر بها الشيعة‪ ،‬وأهم عقائد الشيعة الرافضة‪ ،‬وموقف أمير المؤمنين‬
‫وعلماء أهل البيت من تلك العقائد المنسوبة إليهم‪ ،‬كعقيدة المامة‬
‫وحكم من جحدها‪ ،‬والعصمة ومناقشة أدلتهم على العصمة وبيان‬
‫بطلنها‪ ،‬وكذلك أدلتهم على النص من القرآن الكريم؛ كآية التطهير‪،‬‬
‫والمباهلة‪ ،‬والولية‪ ،‬وأدلتهم المزعومة من السنة‪ ،‬كخطبة غدير خم‪،‬‬
‫وحديث‪» :‬أنت منى كمنزلة هارون من موسى«‪ ،‬وبيان‬
‫الحاديث الضعيفة والموضوعة التي استدلوا بها على المامة‪،‬‬
‫ى بابها‪ ،‬وألحقت‬
‫كحديث الطائر‪ ،‬وحديث الدار‪ ،‬وأنا مدينة العلم وعل ّ‬
‫سا للحاديث الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها الشيعة‬
‫بالكتاب فهر ً‬
‫الرافضة لتحذير المسلمين من الوقوع في حبائلهم‪ ،‬وبينت حقيقة‬
‫التوحيد عند الشيعة الرافضة‪ ،‬وكيف حرفوا نصوص التوحيد وجعلوها‬
‫في ولية الئمة‪ ،‬وجعلوا المامة أصل قبول العمال‪ ،‬واعتقادهم أن‬
‫الئمة هم الواسطة بين الله وخلقه‪ ،‬وقولهم ل هداية للناس إل‬
‫بالئمة‪ ،‬ول يقبل الدعاء إل بأسماء الئمة‪ ،‬وكون الحج إلى المشاهد‬
‫الشيعية أعظم عندهم من الحج إلى بيت الله‪ ،‬وكون المام عندهم‬
‫يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء‪ ،‬وأن الدنيا والخرة للمام يتصرف‬
‫فيهما كيف يشاء‪ ،‬وإسناد الحوادث الكونية إلى الئمة‪ ،‬وقولهم‪ :‬إن‬
‫الئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه ل يخفى عليهم شيء‪،‬‬
‫وغلوهم في الثبات‪ ،‬وحقيقة التعطيل عندهم‪ ،‬ومسألة خلق القرآن‪،‬‬
‫ومسألة رؤية الله عز وجل في الخرة‪ ،‬وتفضيلهم الئمة على النبياء‬
‫والرسل‪ ،‬وموقفهم من القرآن الكريم واعتقاد بعض علمائهم‬
‫بتحريف كتاب الله عز وجل والرد عليهم‪ ،‬وموقف الشيعة الرافضة‬
‫من الصحابة الكرام والسنة النبوية المطهرة‪ ،‬ومفهوم التقية عند‬
‫القوم‪ ،‬وعقيدة المهدي المنتظر عندهم‪ ،‬والرجعة‪ ،‬وقولهم بالبداء‬
‫على الله سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد بينت موقف أمير المؤمنين على بن‬
‫أبى طالب وأئمة أهل البيت الطهار‪ ،‬وعلماء أهل السنة من تلك‬
‫العقائد الفاسدة والمنحرفة عن كتاب الله تعالى‪ ،‬والتزمت في‬
‫مناقشتي بالدب والبتعاد عن السب والشتم‪ ،‬ومناقشة القوم من‬
‫خلل أصولهم وكتبهم المعتمدة‪ ،‬والحرص على بيان الحقيقة لمحبى‬
‫ى رضي‬
‫أهل البيت من الشيعة ودعوتهم بالقتداء بأمير المؤمنين عل ّ‬
‫الله عنه‪ ،‬وتحذيرهم من المندسين تحت عباءة أهل البيت لغرض‬
‫إفساد عقائد الناس وإبعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ×‪،‬‬
‫كما أن هناكم رغبة صادقة مخلصة لتعريف الجمهور العريض من‬
‫أهل السنة بحقيقة هؤلء الشيعة الرافضة‪ ،‬فالقضية لها وجودها‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬

‫وآثارها بين الشعوب في أفريقيا‪ ،‬وآسيا وأوروبا والمريكتين‪ ،‬ودعاة‬
‫التشيع الرافض نشطون في دعوتهم المنحرفة يبذلون في سبيلها‬
‫الغالي والنفيس‪ ،‬ويتحالفون مع خصوم السلم الصحيح لضربه‬
‫والقضاء عليه‪ ،‬وتشويه منهجه‪ ،‬وهذا ليس بجديد‪ ،‬وأهل السنة‪ -‬إل‬
‫من رحم الله – في استرخاء عجيب‪ ،‬ونوم عميق وغفلة عما يراد‬
‫بهم‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬إن الصراع السنى الشيعي الرافضى قد عفا‬
‫عليه الزمن‪ ،‬وهذا الكلم عار من الحقيقة‪ ،‬ودليل على الجهل‪ ،‬وفي‬
‫طياته خداع لجمهور المسلمين العريض‪ ،‬باسم التقريب وتوحيد‬
‫الصف السلمي‪.‬‬
‫إن المنهج الصحيح للتقريب هو أن يقوم علماء أهل السنة بجهد‬
‫كبير لنشر اعتقادهم الصحيح المنبثق من كتاب الله وسنة رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وبيان صحته وتميزه عن مذهب أهل البدع‪ ،‬فأهل السنة‬
‫والجماعة هم المتبعون لما كان عليه رسول الله× وأصحابه‬
‫ونسبتهم إلى سنة الرسول × التي حث على التمسك بها بقوله ×‪:‬‬
‫»فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي‪،‬‬
‫تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ«)‪،(1‬وحذر من مخالفتها‬
‫وإياكم‪ (2‬ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل محدثة بدعة وكل‬
‫بقوله‪» :‬‬
‫بدعة ضللة«) ‪ ،‬وقوله‪» :‬من رغب عن سنتي فليس مني«‪,‬‬
‫وهذا بخلف غيرهم من أهل الهواء والبدع الذين سلكوا مسالك لم‬
‫يكن عليها الرسول ×‪ ،‬فأهل السنة ظهرت عقيدتهم بظهور بعثته ×‪-‬‬
‫وهي محفوظة بحفظ الله لها في كتابه وسنة رسول ×‪ ،‬وأهل‬
‫الهواء ولدت عقائدتهم بعد زمنه ×‪ ،‬ومنها ما كان في آخر عهد‬
‫الصحابة‪ ،‬ومنها كان بعد ذلك‪ ،‬والرسول × أخبر من عاش من‬
‫والختلف فقال‪» :‬وإنه من يعش‬
‫أصحابه سيدرك هذا التفرق‬
‫منكم فسيرى اختل ً‬
‫فا كثيًرا«)‪ ,(3‬ثم أرشد إلى سلوك الصراط‬
‫المستقيم‪ ،‬وهو أتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين‪ ،‬وحذر من‬
‫محدثات المور‪ ،‬وأخبر بأنها ضلل‪ ،‬وليس من المعقول ول المقبول‬
‫أن ُيحجب حق وهدى عن الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬ويدخر لناس‬
‫يجيئون بعدهم‪ ،‬فإن تلك البدع المحدثة كلها شر‪ ،‬ولو كان في شيء‬
‫منها خير لسبق إليه الصحابة‪ ،‬لكن ابُتلى به كثير ممن جاء بعدهم‬
‫ممن انحرفوا عما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬وقد قال‬
‫المام مالك رحمه الله‪» :‬لن يصلح آخر هذه المة إل بما صلح‬
‫به أولها«‪ ،‬ولذا فإن أهل السنة ينتسبون إلى السنة وغيرهم‬
‫بنتسبون إلى نحلهم الباطلة‪ ،‬أو إلى أسماء أشخاص معينين‪.‬‬
‫إن المنهج الصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل‬
‫وتقريب الشيعة إلى كتاب الله وسنة رسوله×‪ ،‬وفهم السلم‬
‫الصحيح من خلل علماء أهل السنة‪ ،‬وعلى رأسهم فقهاء وعلماء‬
‫أهل البيت‪ ،‬كأمير المؤمنين على رضي الله عنه وأبنائه وأحفاده‪ ،‬كما‬
‫أنه ينبغي التنويه‪ ،‬وتشجيع الصوات الصلحية الشيعية الصادقة‬
‫واحترامها وتقديرها والوقوف معها في نصيحة أقوامها‪ ،‬كالذي قال‬
‫به السيد حسين الموسوى في كتابه القيم‪» :‬لله ثم للتاريخ‪،‬‬
‫كشف السرار وتبرئه الئمة الطهار« وكالجهد العلمي الذي‬
‫قام به السيد أحمد الكاتب مشكوًرا في كتابه »تطور الفكر‬
‫السياسي الشيعي من الشورى إلى ولية الفقيه«‪ ،‬وعلينا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( سلسلة الحاديث الصحيحة )‪.(648 ،2/647‬‬
‫)( مسلم )‪.(2/592‬‬
‫)( سلسلة الحاديث الصحيحة )‪.(648 ،2/647‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬

‫أن نقف مع كل محب صادق لهل البيت مقتفًيا آثارهم الصحيحة‬
‫وهديهم الجميل في إرشاد الناس لكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ونعاملهم بكل احترام وتقدير‪ ،‬ونأخذ بأيديهم نحو‬
‫شواطئ المان‪ ،‬ونحثهم على إعمال العقل‪ ،‬وتحريره من أغلله‪،‬‬
‫وإزاحة الركام الثقيل من الباطيل التي على الفطرة حتى تأخذ‬
‫العقول النيرة‪ ،‬والفطرة السليمة مجالها في الوصول للحقيقة التي‬
‫لها نور ساطع وبريق لمع ل تخفيه الغيوم‪.‬‬
‫وعلى علماء أهل السنة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي‬
‫الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة وأن يترفقوا معهم‪ ،‬وقد يكون من‬
‫تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي ل خلف فيها‪ ،‬أو‬
‫نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب‪ ،‬أو نصرهم إذا كانوا في نزاع‬
‫مع الكافر أو الظالم لهم‪ ،‬وفق فقه السياسة الشرعية الخاضعة‬
‫للمصالح والمفاسد‪ ،‬إل أن هذا الصل في التعاون وحسن العلقة‬
‫ما ليشمل من يأتي من الشيعة‬
‫وهدوء البحث ل يمكن أن يطرد دائ ً‬
‫الرافضة بغلو قد يكون في السكوت عنه تحريك الغوغاء والدهماء‪،‬‬
‫بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد القوال الشاذة في كل‬
‫الحوال‪ ،‬والحد المميز بين الطائفتين؛ الولى التي نترفق معها في‬
‫الكلم‪ ،‬والثانية التي نغلظ لها الكلم‪ ،‬إنما يكون كامًنا في مدى‬
‫اعتماد القائل على نص شرعي تتكون منه شبهة‪ ،‬أو على تأويل قد‬
‫تميل إليه بعض الذهان‪ ،‬وأما من يتبع غرائب النقول عن المجاهيل‬
‫والمتأخرين ومن ل تاويل له‪ ،‬فالنكار منا تجاهه أولى‪ ،‬وربما كان‬
‫الغلظ في إنكار بدعته أوجب‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫تدعو إلى الشحناء والشنآن‬
‫واحذر مجادلة الرجال فإنها‬
‫وإذا اضطررت إلى الجدال‬
‫ولم تجد‬
‫عا سابًغا‬
‫فاجعل كتاب الله در ً‬
‫جنة‬
‫والسنة البيضاء دونك ُ‬
‫واثبت بصبرك تحت ألوية‬
‫الهدى‬
‫واطعن برمح الحق كل معاند‬

‫بك مهرًبا وتلقت الصفان‬
‫والشرع سيفك وابد في‬
‫الميدان‬
‫واركب جواد العزم في‬
‫الجولن‬
‫فالصبر أوثق عدة النسان‬
‫لله در الفارس الطعان‬
‫متجرًدا لله غير جبان‬

‫واحمل بسيف الصدق حملة‬
‫مخلص‬
‫كما أن علماء أهل السنة وأهل الحل والعقد منهم في‬
‫المجتمعات الطائفية لهم دور كبير في قيادة المسلمين نحو الخير‪.‬‬
‫فهم الذين يقدرون المواقف السياسية والتحالفات الحزبية مع‬
‫الطوائف الخرى وفق فقه المصالح والمفاسد الذي تضبطه قواعد‬
‫السياسة الشرعية‪ ،‬وهذا ل يمنع العلماء والدعاة من تعليم‬
‫المسلمين أصول منهج أهل السنة وتربيتهم عليه ودعوة الناس إليه‪،‬‬
‫والتحذير من العقائد الفاسدة المندسة في أوساط المسلمين حتى‬
‫ل يتأثروا بها‪ ،‬والتي يجتهد دعاتها في نشرها بالليل والنهار‪ ،‬والسر‬
‫والعلن بدون ملل ول كلل‪ ،‬ولنا أسوة حسنة في رسول الله ×‬
‫إبان هجرته للمدينة عندما عقد المعاهدات مع اليهود التي تؤمن لهم‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬

‫حياة كريمة في ظل الدولة السلمية‪ ،‬وكان القرآن الكريم في نفس‬
‫الوقت يتحدث عن عقائد اليهود وتاريخهم وأخلقهم حتى يتعرف‬
‫المسلمون على حقيقة الشخصية اليهودية فل ينخدعون بها‪ ،‬وعندما‬
‫غدر اليهود كان الصف السلمي محصًنا ضد هذه الطائفة‪.‬‬
‫إن الدارس لحركة التاريخ السلمي‪ ،‬كمرحلة الحروب الصليبية‬
‫في عهد نور الدين وصلح الدين‪ ،‬وزمن العثمانيين في عهد السلطان‬
‫محمد الفاتح وغيره‪ ،‬المربطين في عصر يوسف بن تاشفين‪ ،‬يلحظ‬
‫أن عوامل النهوض‪ ،‬وأسباب النصر كثيرة منها‪ :‬صفاء العقيدة‪،‬‬
‫ووضوح المنهج‪ ،‬وتحكيم شرع الله في الدولة‪ ،‬ووجود القيادة الربانية‬
‫التي تنظر بنور الله‪ ،‬وقدرتها على التعامل مع سنن الله في تربية‬
‫المم‪ ،‬وبناء الدول وسقوطها‪ ،‬ومعرفة علل المجتمعات‪ ،‬وأطوار‬
‫المم‪ ،‬وأسرار التاريخ‪ ،‬ومخططات العداء من الصليبيين واليهود‬
‫والملحدة والفرق الباطنية‪ ،‬والمبتدعة‪ ،‬وإعطاء كل عامل حقه‬
‫الطبيعي في التعامل معه‪ ،‬فقضايا فقه النهوض‪ ،‬والمشاريع‬
‫النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة ل يستطيع استيعابها إلمن‬
‫فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسول ×‪ ،‬وارتبط بالفقه الراشدي‬
‫المحفوظ عن سلفنا العظيم‪ ،‬فعلم معالمه وخصائصه وأسباب‬
‫وجوده وعوامل زواله‪ ،‬واستفاد من التاريخ السلمي وتجارب‬
‫النهوض‪ ،‬فأيقن أن هذه المة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية لربها‬
‫ونبيها ×‪ ،‬وعلم أن الهزائم العسكرية عرض يزول‪ ،‬أما الهزائم‬
‫الثقافية فجرح مميت‪ ،‬والثقافة الصحيحة تبني النسان المسلم‬
‫والسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة على قواعدها‬
‫المتينة من كتاب الله وسنة رسوله × وهدى الخلفاء الراشدين ومن‬
‫سار على نهجهم‪ ،‬وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت‬
‫صرح السلم إلى يومنا هذا‪ -‬بعد توفيق الله وحفظه‪.‬‬
‫فعلينا أن نعمل لهذا الدين‪ ،‬وسعادتنا ليست باقتطاف الثمر‬
‫العاجل‪ ،‬وإنما في الشعور بتوفيق الله والمل في رضاه‪ .‬إننى في‬
‫دراستي لعهد الخلفة الراشدة حاولت أن أنتقى الكلمات وأصف‬
‫السطر والجمل لتجلية عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬من خلل الروايات‬
‫الصحيحة‪ ،‬لكي يستفيد أبناء المسلمين من تلك الحقبة العلم الغزير‬
‫والفقة الدقيق‪ ،‬وشمولية فهم السلم‪ ،‬فلعل الله سبحانه أن يبارك‬
‫في هذا الجهد وينتفع به أولئك الدعاة الذين ل نعرف أسماءهم‪،‬‬
‫ولكن سيرى التاريخ آثارهم وسيقيلون العالم السلمي من عثرته‬
‫وينهضون به من كبوته‪ ،‬أولئك الربانيون المتجردون الذين عرفوا‬
‫الحق واستشعروا السعادة في نصرته‪ ،‬وتعصبوا له‪ ،‬ودافعوا عنه‪،‬‬
‫ووقفوا بجابنه على رقة الحال وقلة النصير‪ .‬فأخذ الله بأيديهم‬
‫لصدقهم وإخلصهم ومتابعتهم للنبي ×‪ ،‬وأولئك العلماء‪ ،‬وطلب‬
‫العلم الذين توزن مداد أقلمهم بدماء الشهداء‪ ،‬وأولئك التجار الذين‬
‫يقفون خلف موكب الدعوة بأموالهم وثرواتهم وأنفسهم ولسان‬
‫ش ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫من‬
‫كوًرا ‪ ‬إ ِّنا ن َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ف ِ‬
‫ريدُ ِ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫جَزاءً َ‬
‫حالهم يقول‪+ :‬ل َ ن ُ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ريًرا" ]النسان‪ [10 ،9:‬وأولئك الجنود‬
‫ط‬
‫م‬
‫ق‬
‫سا‬
‫ما َ‬
‫عُبو ً‬
‫ْ‬
‫و ً‬
‫ّرب َّنا ي َ ْ‬
‫ِ‬
‫دا أعلم شامخة في رُبى الخلد‪.‬‬
‫غ‬
‫ولكنهم‬
‫الدنيا‬
‫هذه‬
‫في‬
‫المجهولون‬
‫ً‬
‫إن العواصف العاتية تهب بعنف تريد اجتياح إسلمنا وديننا وعقيدتنا‬
‫من جذورها‪ ،‬وجهود خصوم السلم من الصليبية واليهودية والعلمانية‬
‫والباطنية والمبتدعة تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والدب‬
‫والسياسة وتريد تشويه تاريخنا فعندما نكون أمة بدون تاريخ‪ ،‬فلن‬
‫نكون أمة صالحة‪ .‬فما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم‬
‫يصنع رجال ً على تراخي العصور؟ فهل يمكننا أن نستلهم من‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬

‫الدروس والعبر من تاريخنا‪ ،‬ما يخزى أعداء الله ويرد كيدهم في‬
‫نحورهم‪ ،‬وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا؟‬
‫إن النسانية تترنح في هذه الونة الكالحة من التاريخ لبعدها عن‬
‫منهج الله تعالى‪ ،‬والدواء عند المسلمين وحدهم‪ ،‬فهل ينصفون‬
‫أنفسهم‪ ،‬وينقذون الخرين؟ قال الشاعر‪:‬‬
‫قرب الحبيب وما إليه وصول‬
‫ومن العجائب والعجائب جمة‬
‫والماء فوق ظهورها محمول‬

‫كالعيس في البيداء يقتلها‬
‫الظما‬
‫فهل من عودة إلى السلم‪ ،‬تزكي السرائر‪ ،‬وتبني الخلق‪،‬‬
‫وتصلنا بالقرآن الكريم‪ ،‬وتشعرنا بشرف النتماء إلى محمد ودينه‪،‬‬
‫وضرورة العمل بدعوته وسنة خلفائه الراشدين‪ ،‬أبى بكر وعمر‬
‫وعثمان وعلى وسائر أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين‪،‬‬
‫ونكون حلقه موصولة في دعم رسالة الحبيب × التي استوعبت‬
‫الزمن كله‪.‬‬
‫وقبل الحديث عن المصادر والمراجع التي تعاملت معها‪ ،‬لبد من‬
‫العتراف بأن هذا الجهد‪ ،‬لول توفيق الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم جهود‬
‫علماء أهل السنة وطلب العلم‪ ،‬ممن ساروا على منهجهم‪ ،‬ما‬
‫استطعت أن أبحر في هذا البحر العميق‪ ،‬ولذلك أقرر بأنني استفدت‬
‫من الرسائل العلمية التي طبعت والتي لم تنشر‪ ،‬من حيث المادة‬
‫والمنهج‪ ،‬والحكم على الروايات‪ ،‬والرجوع إلى المصادر الحديثة‪،‬‬
‫والتاريخية وغيرها مع محاولة التطوير والستفادة من جهود الخرين‬
‫في البناء‪ ،‬وأخص بالذكر الدكتور أكرم ضياء العمري الذي أشرف‬
‫وناقش الكثير من هذه الرسائل في هذا المجال‪ ،‬فقد استفدت من‬
‫كتبه‪ ،‬كالسيرة النبوية الصحيحة‪ ،‬وعصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ومن‬
‫الرسائل التي أشرف عليها‪ ،‬كرسالة الدكتور يحيى اليحيى »الخلفة‬
‫الراشدة والدولة الموية من فتح الباري جمعا ً وتوثيًقا« ورسالة الستاذ‬
‫عبد العزيز المقبل في خلفة أبى بكر الصديق رضي الله عنه من خلل‬
‫كتب السنة والتاريخ دراسة نقدية للرويات باستثناء حروب الردة‪,‬‬
‫ورسالة الدكتور عبد العزيز بن محمد الفريح في تحقيق كتاب »محض‬
‫الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب« ليوسف بن‬
‫الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي الحنبلي‪ ،‬ورسالة الدكتور‬
‫محمد عبد الله الغبان في فتنة مقتل عثمان بن عفان‪ ،‬ورسالة عبد‬
‫الحميد على ناصر في خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫الرسائل الجامعية التي أشرف عليها أساتذة آخرون‪ ،‬كرسالة د‪ .‬محمد‬
‫أمحزون في تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري‬
‫والمحدثين‪ ،‬ورسالة سلمان العودة‪ ،‬عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث‬
‫الفتنة في صدر السلم‪ ،‬ورسالة الستاذة أسماء محمد أحمد زيادة‪،‬‬
‫دور المرأة السياسي في عهد النبي × والخلفاء الراشدين‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من الرسائل الجامعية‪ ،‬فالفضل لله سبحانه وتعالى ثم لساتذتي‬
‫وإخواني الذين مهدوا لي الطريق‪ ،‬فلهم منى الدعاء بظهر الغيب بأن‬
‫يتقبل الله جهودهم وتكون في ميزان حسناتهم يوم ل ينفع مال ول‬
‫بنون إل من أتى الله بقلب سليم‪.‬‬
‫أما المصادر التي في هذه الدراسة المتعلقة بعهد الخلفة‬
‫الراشدة فقد بدات‪:‬‬
‫‪ -1‬كتب الحديث‪ :‬وقد بدات بالكتب السنة؛ صحيحي البخاري‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬

‫ومسلم وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجة‪ ،‬ثم موطأ‬
‫دا لستخراج المادة التاريخية‪ ،‬التي لها‬
‫مالك ومسند أحمد‪ ،‬فبذلت جه ً‬
‫علقة بعهد الخلفة الراشدة ثم جمعت مادة تاريخية من مصنف عبد‬
‫الرزاق وابن أبى شيبة ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي‬
‫وسنن سعيد بن منصور‪ ،‬ومسند الحميدي والطيالسي‪ ،‬ومجمع‬
‫الزوائد وكشف الستار عن زوائد البزار‪ ،‬وموارد الظمآن إلى زوائد‬
‫ابن حبان‪ ،‬ولم أغفل المعجم الكبير للطبراني وسنن الدار قطني‪،‬‬
‫واستفدت من جهود المحققين لما سبق ذكره من كتب الحديث في‬
‫الحكم على الروايات‪.‬‬
‫‪ -2‬كتب شروح الحديث‪:‬وأهمها فتح الباري لبن حجر‪ ،‬وشرح‬
‫النووي على صحيح مسلم ففيهما مادة تاريخية ل يستهان بها‪ ،‬كما‬
‫أن تعليقات ابن حجر والنووي على بعض الحداث التاريخية ذات‬
‫أهمية تاريخية‪.‬‬
‫‪ -3‬كتب التفسير‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬تفسير الطبري‪ ،‬والقرطبي‪،‬‬
‫وابن كثير‪ ،‬وأهتم بتعليقاتهم أكثر من الروايات التي نقلوها حيث إن‬
‫معظمها ذكر في كتب الحديث والتاريخ‪.‬‬
‫‪ -4‬كتب العقائد‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬منهاج السنة النبوية‪ ،‬لبن‬
‫تيمية‪ ،‬وهذا الكتاب استفدت منه فائدة عظيمة‪ ،‬وشرح الطحاوية‪،‬‬
‫والبانة في أصول الديانة‪ ،‬والعتقاد للبيهقي‪ ،‬والشريعة للجرى‬
‫وغيرها من كتب العقائد‪ ،‬حيث نقلت منها أقوال السلف فيما يتعلق‬
‫بالخلفاء الراشدين‪ ،‬ومكانة الصحابة رضي الله عنهم‪.‬‬
‫‪ -5‬كتب الفقه‪ :‬وأهمها المغنى لبن قدامة‪ ،‬والمجموع للنووي‪،‬‬
‫وبداية المجتهد لبن رشد وغيرها من كتب الفقه‪ ،‬حيث استفدت منها‬
‫في المسائل الفقهية والقضائية التي اجتهد فيها الخلفاء الراشدون‪.‬‬
‫‪ -6‬كتب الدب‪ :‬حيث استخرجت منها بعض البيات المنسوبة‬
‫للخلفاء الراشدين أو تمثلوا بها‪ ،‬أو استمعوا إليها‪ ،‬ولكون كتب الدب‬
‫ليس لها أسانيد وفيها الغث والسمين‪ ،‬لذلك كان اختياري للبيات‬
‫الشعرية التي تنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله × وأخلق ذلك‬
‫الجيل الفريد‪ ،‬ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬عيون الخبار لبن قتيبة‪ ،‬والدب‬
‫السلمي في عهد النبوة لنايف معروف‪.‬‬
‫‪ -7‬كتب الزهد والرقائق‪ :‬واستخرجت منها أقوال الخلفاء‬
‫الراشدين في هذا العلم ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬عدة الصابرين‬
‫وذخيرة الشاكرين لبن القيم‪ ،‬ومدارج السالكين لبن القيم‪ ،‬مختصر‬
‫منهاج القاصدين لحمد بن عبد الرحمن المقدسى‪ ،‬وغيرها من‬
‫الكتب‪.‬‬
‫‪ -8‬كتب الفرق والمذاهب‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬الفصل في المل‬
‫والهواء والنحل‪ ،‬لبى محمد بن حزم الظاهري‪ ،‬وأصول مذهب‬
‫الشيعة المامية الثنى عشرية د‪ .‬ناصر القفاري‪.‬‬
‫‪ -9‬كتب في أنظمة الحكم‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬نظام الحكومة‬
‫السلمية للكتاني‪ :‬المسمى التراتيب الدارية‪ ،‬ونظام الحكم في‬
‫الشريعة والتاريخ السلمي‪ ،‬لظافر القاسمي‪.‬‬
‫‪ -10‬كتب في التراجم‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬سير أعلم النبلء‬
‫للذهبي‪ ،‬شذرات الذهب في أخبار من ذهب‪ ،‬لعبد الحي الحنبلي‪،‬‬
‫أسد الغابة‪ ،‬لبن الثير‪ ،‬سير السلف لبى القاسم الصفهاني‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬

‫‪ -11‬كتب في الجرح والتعديل‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬تهذيب الكمال‬
‫في أسماء الرجال‪ ،‬للحافظ المزى‪ ،‬والجرح والتعديل‪ ،‬لبن أبى‬
‫حاتم‪ ،‬الثقات لبن حبان‪ ،‬الكامل في ضعفاء الرجال لبن عدى‪.‬‬
‫‪ -12‬كتب التاريخ‪ :‬وأهمها تاريخ الطبري‪ ،‬وهذا الكتاب نقل إلينا‬
‫الروايات الصحيحة والضعيفة والموضوعة بأسانيدها‪ ،‬وفيما يتعلق‬
‫بالعقيدة والحكام الشرعية والحداث التي تتعلق بالصحابة‪ ،‬لبد من‬
‫خضوع الروايات للجرح والتعديل وبيان الروايات الشيعية الرافضية‪،‬‬
‫والكذابين والمجاهيل‪ ،‬وقد استفدت في هذا الشأن من كتاب‬
‫استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ‬
‫الطبري‪ ،‬لخالد الغيث‪ ،‬ومرويات أبى مخنف في تاريخ الطبري‪،‬‬
‫للدكتور يحيى إبراهيم اليحيى‪ ،‬وأثر التشيع على الروايات التاريخية‬
‫د‪ .‬عبد العزيز نور ولي‪ ،‬ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬البداية والنهاية لبن‬
‫كثير‪ ،‬وغيرها من الكتب التاريخية‪.‬‬

‫هذا أهم المصادر التي رجعت إليها مع كم كبير‬
‫من المراجع الحديثة المتنوعة‪.‬‬
‫هذا وقد تشددت في تصحيح الروايات أو الحكم عليها فيما يتعلق‬
‫بالعقائد والحكام والصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬وفي هذا الشأن ما أنا‬
‫إل ناقل لقوال العلماء المتخصصين في هذا العلم‪ ،‬فالفضل لله ثم‬
‫لهم‪ ،‬واجتهدت في تصوير الحدث التاريخي من الروايات الصحيحة‬
‫فقدمتها وأخذت بالحسنة ولم أهمل الروايات الضعيفة‪ ،‬فقد أفدت‬
‫منها في إكمال الصورة التي ل تسدها الروايات الصحيحة والحسنة‬
‫بما يتوافق مع روح ذلك العصر‪ ،‬لكن فيما ل يتعلق بعقيدة أو شريعة‪،‬‬
‫ودخلت في مناقشات لشبهات وافتراءات الرافضة والمستشرقين‬
‫وبعض الكتاب المعاصرين‪ ،‬وقد حرصت على طرح منهج أهل السنة‬
‫صا في عهد‬
‫فيما يتعلق بالعهد الراشدي والرد على الشبهات‪ ،‬خصو ً‬
‫دت أفكار كثيرة من بعض‬
‫عثمان وعلى رضي الله عنهما‪ ،‬وقد ج ّ‬
‫الخوة العزاء حول دراسة عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬والعزم ماض بإذن‬
‫الله على تطويرها‪ ،‬بما يلئم ذلك العصر الزاهر ونسأل الله تعالى‬
‫السداد والتوفيق‪.‬‬
‫هذا وقد أفردت خامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬الحسن بن على بن‬
‫أبى طالب بدراسة خاصة نظًرا لهمية اجتهاداته في فقه السياسة‬
‫الشرعية وفقه المصالح والمفاسد‪ ،‬وما كان يملكه من رؤية إصلحية‬
‫توجت بتنازله عن الخلفة لمعاوية رضي الله عنه‪ ،‬وما تعرض له أثناء‬
‫اتخاذه الخطوات التنفيذية لتلك الرؤية من عوائق ومصائب‪ ،‬وما‬
‫تميزت به شخصيته الفذة من قدرة على امتلك مشروع إصلحي‬
‫وعزم على التنفيذ كان سبًبا في توحيد المة وتحقيق نبوءة النبي ×‬
‫في قوله‪» :‬ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين‬
‫من المسلمين«‪،‬وبتنازل الحسن بن على عن الخلفة ومبايعته‬
‫معاوية رضوان الله عليهم أجمعين تنتهي بذلك فترة خلفة النبوة‬
‫وهي ثلثون سنة‪ ،‬والحجة في ذلك قول رسول الله ×‪» :‬خلفة‬
‫ثلثون سنة‪ ،‬ثم يؤتي الله الملك‪ ،‬أو ملكة من‬
‫النبوة‬
‫)‪(1‬‬
‫×‪» :‬الخلفة في أمتى ثلثون سنة‪ ،‬ثم‬
‫وقوله‬
‫‪،‬‬
‫«‬
‫يشاء‬
‫ملك بعد ذلك« )‪،(2‬وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال‪ :‬وإنما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( صحيح سنن أبى داود )‪ (3/879‬لللباني‪.‬‬
‫)( سنن الترمذي مع شرح الحوذي )‪ (397 -6/395‬قال الترمذي‪ :‬هذا حديث‬
‫حسن‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬

‫كملت الثلثون بخلفة الحسن بن على‪ ،‬فإنه نزل على الخلفة‬
‫لمعاوية في ربيع الول من سنة إحدى وأربعين‪ ،‬وذلك كمال ثلثين‬
‫سنة من موت رسول الله ×‪ ،‬فإنه توفى في ربيع الول سنة إحدى‬
‫الهجرة‪ ،‬وهذا من دلئل النبوة صلوات الله وسلمه عليه‬
‫عشرة من‬
‫ما)‪ .(1‬وبذلك يكون الحسن بن على رضي الله عنه‬
‫وسلم تسلي ً‬
‫خامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬وبإذن الله تعالى سوف يكون مع كتاب‬
‫الحسن بن على خلصات مهمة فيما يتعلق بدراسة عهد الخلفة‬
‫الراشدة من معالمها وخصائصها‪ ،‬وأسباب زوالها‪ ،‬ونظام حكمها‬
‫وصفات جيلها‪ ،‬وقادتها ودستورها‪ ،‬وإدارة الزمات فيها‪ ،‬واستنباط‬
‫قوانين وسنن للنهوض‪ ،‬ومكانة المرأة في العهد الراشدي‪،‬‬
‫ومؤسسات الدولة‪ ،‬وفقه القدوم على الله عند ذلك الجيل‪.‬‬
‫ى من‬
‫هذا وقد حرصت على تناول شخصية أمير المؤمنين عل ّ‬
‫جوانبها المتنوعة‪ ،‬فحياته صفحة مشرقة في تاريخ المة‪ ،‬وهو من‬
‫الئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وأقوالهم وأفعالهم في هذه‬
‫الحياة‪ ،‬فسيرته من أقوى مصادر اليمان‪ ،‬والعاطفة السلمية‬
‫الصحيحة‪ ،‬والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فنتعلم منه فقهه في التعامل‬
‫مع السنن وحسن توجيهها‪ ،‬وكيف نعيش مع القرآن الكريم ونهتدي‬
‫بهديه ونقتدي برسول الله ×‪ ،‬وأهمية الخوف من الله والخلص له‬
‫وابتغاء ما عنده في نجاح العبد في الدارين‪ ،‬وأثر هذه المعاني في‬
‫حياة المة السلمية ونهوضها وقيامها بدورها الحضاري المنشود‪،‬‬
‫فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي‪،‬‬
‫غير مدع عصمة‪ ،‬ول متبرئ من زلة‪ ،‬ووجه الله الكريم ل غيره‬
‫قصدت‪ ،‬وثوابه أردت‪ ،‬وهو المسئول في المعونة عليه‪ ،‬والنتفاع به‪،‬‬
‫إنه طيب السماء‬
‫وسميع الدعاء‪.‬‬
‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الواحدة إل‬
‫خمس دقائق ظهًرا بتاريخ ‪17‬ربيع الخر ‪1424‬هـ ‪ -‬الموافق ‪7‬يونيو‬
‫‪2003‬م‪ ،‬والفضل لله من قبل ومن بعد‪ ،‬وأسأله سبحانه وتعالى‬
‫صا‬
‫بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خال ً‬
‫ولعباده نافًعا‪ ،‬وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان‬
‫حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل‬
‫إتمام هذا الجهد المتواضع‪ ،‬ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا‬
‫ربه ومغفرته ورحمته‬
‫عفو‬
‫الفقير إلى‬
‫الكتاب أل ينسى العبد‬
‫َ‬
‫‪+‬رب أ َ‬
‫مت َ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ك ال ِّتي‬
‫و‬
‫َورضوانه من دعائه‪:‬‬
‫ز ْ‬
‫ع َِني َأ ْ‬
‫شك َُر ن ِ ْ‬
‫ّ‬
‫ع َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ي‬
‫عَلى‬
‫نأ ْ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫حا ت َْر َ‬
‫وأ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫أن ْ َ َ‬
‫م َْ‬
‫ضا ُ‬
‫ع َ‬
‫وال ِدَ ّ‬
‫ع ْ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي َ‬
‫عل َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫‪.‬وقال‬
‫"‬
‫ن‬
‫حي‬
‫ل‬
‫صا‬
‫ال‬
‫ك‬
‫د‬
‫با‬
‫ع‬
‫في‬
‫ك‬
‫ت‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ني‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فل َ‬
‫س ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫يَ ْ‬
‫ي‬
‫ما‬
‫و‬
‫ها‬
‫ل‬
‫ك‬
‫س‬
‫م‬
‫م‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ة‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫من‬
‫س‬
‫نا‬
‫لل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ َ‬
‫ُْْ‬
‫َْ‬
‫َُ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫س َ‬
‫م"‪ .‬وصلي الله على‬
‫و ُ‬
‫ح ِ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫مْر ِ‬
‫زيُز ال َ‬
‫و ال َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫كي ُ‬
‫لل ُ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ع ِ‬
‫سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم‪.‬‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل أله إل أنت‪ ،‬أستغفرك‬
‫وأتوب إليك‪ ،‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته‬
‫ورضوانه‬
‫صلبي‬
‫على محمد ال ّ‬
‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(8/16‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪17‬‬

‫الفصل الول‬
‫على بن أبى طالب رضي الله عنه بمكة‬
‫المبحث الول‬
‫اسمه ونسبه وكنيته وصفته وأسرته‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اسمه وكنيته ولقبه‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫‪ -1‬اسمه ونسبه‪ :‬هو على بن أبى طالب )عبد مناف( بن عبد‬
‫المطلب‪ ،‬ويقال له شيبة الحمد )‪ (2‬بن هاشم بن عبد مناف بن قصى‬
‫بن كلب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن‬
‫خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان)‪,(3‬‬
‫فهو ابن عم رسول الله × ويلتقي معه في جده الول عبد المطلب‬
‫بن هاشم‪ ،‬وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي ×‪ ،‬وكان اسم‬
‫على ّ عند مولوده أسد‪ ،‬سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها‬
‫أسد بن هاشم‪ ،‬ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫)‪(4‬‬
‫كليث غابات كريه المنظرة‬
‫أنا الذي سمتني أمي حيدرة‬
‫)‪.(6‬‬

‫وكان أبو طالب غائًبا فلما عاد‪ ،‬لم يعجبه هذا السم وسماه علًيا‬

‫‪ -2‬كنيته‪ :‬أبو الحسن‪ ،‬نسبه إلى أبنه الكبر الحسن وهو من ولد‬
‫ضا بأبى تراب‪ ،‬كنية كناه بها‬
‫فاطمة بنت رسول الله ×‪ ،‬ويكنى أي ً‬
‫النبي ×‪ ،‬وكان يفرح إذا نودي بها‪ ،‬وسبب ذلك أن الرسول × جاء‬
‫أين ابن‬
‫بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد علًيا في البيت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)‪(7‬‬
‫عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل‬
‫عندي‪ ،‬فقال × لنسان‪ :‬انظر أين هو؟ فجاء فقال‪ :‬يا رسول الله هو‬
‫في المسجد راقد‪ ،‬فجاء رسول الله × وهو مضطجع وقد سقط‬
‫وأصابه‪(8‬تراب‪ ،‬فجعل رسول الله × يمسحه عنه‬
‫رداءه عن شقه‬
‫)‬
‫إل‬
‫سماه‬
‫ما‬
‫والله‬
‫البخاري‪:‬‬
‫رواية‬
‫ومن‬
‫‪,‬‬
‫تراب‬
‫ويقول‪(9:‬قم أبا‬
‫كناه‪ :‬أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى )‪,(10‬‬
‫النبي ) ‪ ,‬ومن‬
‫)‪(11‬‬
‫‪.‬‬
‫وأبو السبطين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)( أبو طالب اسمه عبد مناف‪.‬‬
‫)( عبد المطلب اسمه شيبة الحمد‪ ،‬الستيعاب )‪.(3/1089‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪ ،(3/19‬صفة الصفوة )‪ ،(1/308‬البداية والنهاية )‪،(7/333‬‬
‫الصابة )‪ ,(1/507‬الستيعاب )‪ ,(10891‬المنتظم )‪ ,(5/66‬المعجم الكبير‬
‫للطبراني )‪.(1/50‬‬
‫)( حيدرة‪ :‬من أسماء السد‪.‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬ص )‪.(617‬‬
‫)( غريب الحديث للخطابي )‪ ،(2/170‬خلفة على ّ بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد بن‬
‫على ناصر فقيهي ص )‪.(18‬‬
‫)( من قال يقيل فالقيلولة‪ :‬الظهيرة‪ ،‬وتكون بمعنى النوم في الظهيرة‪ ،‬اللسان )‬
‫‪.(11/577‬‬
‫)( مسلم في صحيحه رقم )‪.(2409‬‬
‫)( البخاري في صحيحه رقم )‪.(3280 ،3703 ،441‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(7/223‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ ،(4/16‬والسبطان‪ :‬الحسن والحسين‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪18‬‬

‫‪ -3‬لقبه‪ :‬أمير المؤمنين‪ ،‬ورابع الخلفاء الراشدين )‪.(1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مولده‪:‬‬
‫اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولدته‪ ،‬فقد ذكر‬
‫عشرة‬
‫الحسن البصري أن ولدته قبل البعثة بخمس عشرة أو ست‬
‫إسحاق أن ولدته قبل البعثة بعشر سنين )‪,(3‬‬
‫سنة )‪ ,(2‬وذكر ابن‬
‫)‪(4‬‬
‫ورجح ابن حجر قوله ‪ ,‬وذكر الباقر محمد بن على قولين‪ :‬الول‪:‬‬
‫كالذي ذكره بن إسحاق‪ ،‬ورجحه ابن حجر‪ ،‬وهو أنه ولد قبل البعثة‬
‫بعشر سنين )‪ ,(5‬وأما الثاني‪ :‬فيذكر أنه ولذ قبل البعثة بخمس سنين‬
‫وابن إسحاق فيكون مولده على‬
‫)‪ ,(6‬وقد ملت إلى قول ابن حجر‬
‫)‪(7‬‬
‫التحقيق قبل البعثة بعشر سنين ‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي )‪ ,(8‬أن علًيا أول من ولد من بنى هاشم في جوف‬
‫الكعبة‪(9)،‬وأما الحاكم فقال‪ :‬إن الخبار تواترت أن علًيا ولد في جوف‬
‫الكعبة ‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬السرة وأثرها في العقاب‪:‬‬
‫لقد دل علم التشريح‪ ،‬وهو دراسة التركيب الجسدي‪ ،‬ولعم‬
‫النفس‪ ،‬وعلم الخلق‪ ،‬وعلم الجتماع‪ ،‬على تأثير الدم والسللت‬
‫في أخلق الجيال وصلحياتها ومواهبها‪ ،‬وطاقاتها‪ ،‬إلى حد معين‪ ،‬في‬
‫أكثر الحوال‪ ،‬وذلك عن ثلث طرق‪:‬‬
‫)أ( القيم والمثل التي مازال آباء هذه السرة وأجدادها يؤمنون‬
‫بها أشد اليمان ويحافظون عليها‪ ،‬أو يحاولون أن يحافظوا عليها أشد‬
‫المحافظة‪ ،‬ويتنبلون لها ويمجدون‪ ،‬ويعتبرون من جار عليها من أبناء‬
‫السرة‪ ،‬أو خالفها وحاد عنها شارًدا غريًبا‪ ،‬ويرون في ذلك غضاضة‪،‬‬
‫وسقوط همة وقلة مروءة‪ ،‬وعقوًقا للباء وإساءة إليهم ل تغتفر في‬
‫قوانين هذه السرة العرفية المتوارثة‪.‬‬
‫)ب( حكايات الباء وعظماء السرة في البطولة والفتوة‬
‫والفروسية‪ ،‬والشهامة‪ ،‬والنفة والباء‪ ،‬والجود والسخاء‪ ،‬وحماية‬
‫المظلومين والضعفاء‪ ،‬تتناقلها الجيال وتتباهى بها‪ ،‬وذلك في سن‬
‫مبكرة‪ ،‬ومن أيام الصبا إلى سن الشباب والكهولة‪ ،‬فتؤثر في تكوين‬
‫عقليتها ومشاعرها‪ ،‬وتعيين المقاييس للعظة والرجولة‪ ،‬والبر بالباء‪،‬‬
‫وتبرير شهرة السرة والسللة‪.‬‬
‫)ج( تأثير الدم الموروث في أعضاء السرة كابًرا عن كابر‪ ،‬في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ :‬ص )‪ ،(376‬البداية والنهاية )‪ ،(7/223‬خلصة تهذيب‬
‫الكمال )‪.(25012‬‬
‫)( المعجم الكبير للطبراني )‪ (1/54‬رقم ‪163‬بسند مرسل‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية )‪(1/262‬دون إسناد‪.‬‬
‫)( الصابة )‪(2/501‬ترجمة على‪.‬‬
‫)( المعجم الكبير اللطبراني )‪ (1/53‬رقم ‪165‬إسناده حسن‪.‬‬
‫)( المصدر السابق )‪ (1/53‬رقم ‪166‬إسناده حسن إلى محمد الباقر حيث‬
‫أرسلها‪.‬‬
‫)( فتح الباري )‪ ،(7/174‬والصابة )‪.(2/507‬‬
‫)( صاحب أخبار مكة‪ ،‬حقق الكتاب عبد الملك بن دهيش‪.‬‬
‫)( المستدرك على الصحيحين )‪ (3/483‬دون إسناد‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪19‬‬

‫أسرة حافظت على أنسابها وأصالتها‪ ،‬وذلك ما أيده علم السللت)‪,(1‬‬
‫وهذا ليس على إطلقه‪ ،‬وقاعدة مطردة‪ ،‬ل تقبل استثناء‪ ،‬ول شذوًذا‬
‫ديل ً‬
‫كالسنن اللهية التي قال الله عنها ‪َ +‬‬
‫ه ت َب ْ ِ‬
‫ت الل ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫فَلن ت َ ِ‬
‫ويل ً" ]فاطر‪ ،[43:‬وإلى ذلك أشار النبي‬
‫ت الل ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ه تَ ْ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫وَلن ت َ ِ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫× في قوله‪» :‬الناس معادن كمعادن الفضة والذهب‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫فقهوا« ‪،‬‬
‫خيارهم في الجاهلية خيارهم في السلم إذا‬
‫وقوله ×‪» :‬من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه« )‪ ,(3‬وليس‬
‫في ذلك من تقديس الدم الموروث الدائم‪ ،‬وتركيز الرئاسة الدينية‬
‫والزعامة الروحية العلمية في أسرة معينة‪ ،‬واحتكارها لقيادة امة‪،‬‬
‫دينًيا وروحًيا وعلمًيا بشكل دائم‪ ،‬وهو الذي عانى منه العالم القديم –‬
‫قبل السلم – فساًدا اجتماعًيا وخلقًيا جارًفا‪ ،‬واستبداًدا فظيًعا‪،‬‬
‫واستغل ً‬
‫ل مادًيا شنيًعا‪ ،‬تزخر به كتب التاريخ وشهادات المؤرخين‬
‫للمبراطوريتين الرومية والساسانية‪ ،‬والمجتمعين الغريقي والهندي‬
‫)‪ ,(4‬وغيرها من الجاهليات‪ ،‬ولذلك يحسن بنا أن نشير إلى وضع‬
‫السرة والسللة‪ -‬اللتين ولد ونشأ فيهما أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب رضي الله عنه – العرقي والجتماعي‪ ،‬وما كانتا تمتازان به‬
‫من خصائص وأعراف‪ ،‬وتقاليد وتراث خلقي ونفسي‪ ،‬وكيف كان‬
‫العرب ينظرون)‪(5‬إليهما ويقرون لهما بالفضل‪ ،‬ونبدأ في ذلك بقريش‪،‬‬
‫ثم ببنى هاشم ‪.‬‬
‫‪ -1‬قبيلة قريش‪:‬أقر العرب كلهم بعلو نسب قريش‪ ،‬وسيادتها‪،‬‬
‫وفصاحة لغتها‪ ،‬ونصاعة بيانها‪ ،‬وكرم أخلقها وشجاعتها وفتوتها‪،‬‬
‫وذهب ذلك مثل ً ل يقبل نقا ً‬
‫شا ول جدال ً )‪,(6‬وكانوا حلفاء متآلفين‬
‫متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم الخليل عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫ولم يكونوا كالعراب الذين ل يوقرهم دين‪ ،‬ول يزينهم أدب‪ ،‬وكانوا‬
‫يحبون أولدهم‪ ،‬ويحجون البيت‪ ،‬ويقيمون المناسك‪ ،‬ويكفنون‬
‫موتاهم‪ ،‬ويغتسلون من الجنابة‪ ،‬ويتبرءون من الهرابذة )‪,(7‬ويتباعدون‬
‫دا‬
‫عن المناكح من البنت وبنت البنت والخت وبنت الخت‪ ،‬غيرة وبع ً‬
‫صنيعهم‪(8‬وحسن اختيارهم‪ ،‬وكانوا‬
‫من المجوسية‪ ،‬ونزل القرآن بتأكيد‬
‫يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلًثا ) ‪ ،‬ومما زاد شرفهم أنهم‬
‫في ذلك‪ ،‬ول‬
‫كانوا يتزوجون من أي قبيلة شاءوا‪ ،‬ول شرط عليهم‬
‫)‪(9‬‬
‫دينهم‪،‬‬
‫على‬
‫سا‬
‫يزوجون أح ً‬
‫دا حتى يشترطوا عليه أن يكون متحم ً‬
‫يرون ذلك ل يحل لهم ول يجوز لشرفهم‪ ،‬حتى يدان إليهم وينقاد)‪.(10‬‬
‫‪ -2‬بنو هاشم‪:‬أما بنو هاشم فكانوا واسطة العقد في قريش‪ ،‬وإذا‬
‫قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم – وهو‬
‫‪1‬‬

‫)( المرتضى سيرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬لبى الحسن الندوى ص‬
‫‪.20-19‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/539‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم‪ .‬ك الذكر والدعاء والتوبة‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(20‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فيما يتعلق بخصائص ومزايا العرب ينظر إلى السيرة النبوية للندوى‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص)‪.(74‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الهرابذة‪ :‬قوام بيت النار‪ ،‬فارسى معرب وقيل‪ :‬عظماء الهند أو علماؤهم‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب )‪ (1/243‬لللوسى‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫سا‪ :‬التحمس‪ :‬التشدد في الدين‪.‬‬
‫)( متحم ً‬
‫‪10‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪ ،(22‬بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب )‪.(1/243‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪20‬‬

‫دا – استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلء من‬
‫قليل من كثير ج ً‬
‫مشاعر النسانية الكريمة‪ ،‬والعتدال في كل شيء‪ ،‬ورجاحة العقل‪،‬‬
‫وقوة اليمان بما للبيت من مكانة عند الله‪ ،‬والبعد عن الظلم‬
‫ومكابرة الحق‪ ،‬وعلو الهمة‪ ،‬والعطف على الضيف والمظلوم‪،‬‬
‫والسخاء‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬وما تشتمل عليه كلمة )الفروسية( عند العرب‬
‫من معان كريمة وخلل حميدة‪ ،‬والسيرة التي تليق بأجداد الرسول‬
‫الكريم×‪ ،‬تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم‬
‫في زمن الفترة‪ ،‬وسايروا أبناء قومهم في‬
‫الخلق‪ ،‬غير أنهم عاشوا‬
‫عقائد الجاهلية‪ ،‬وعباداتها )‪ (1‬ولم يصل بنو هاشم إلى هذه المكانة‬
‫في مجتمعهم إل بالتضحية والعطاء والبذل وخدمة الناس‪.‬‬
‫طالب‬
‫ى بن أبى‬
‫‪ -3‬عبد المطلب بن هاشم‪:‬جد الرسول × وعل ّ‬
‫رضي الله عنه‪ :‬ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة )‪,(2‬‬
‫بعد عمه المطلب‪ ،‬فأقامهما للناس‪ ،‬وأقام لقومه ما كان آباؤه‬
‫قومه شرًفا لم يبلغه‬
‫يقيمون قبله لقومهم من أمرهم‪ ،‬وشرف في‬
‫أحد من آبائه‪ ،‬وأحبه قومه وعظم خطره فيهم )‪.(3‬‬
‫ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش‪ ،‬ولم يكن سيد مكة‬
‫الوحيد المطاع‪ ،‬كما كان ُقصى‪ ،‬إذا كان في مكة رجال كانوا أكثر‬
‫منه مال وسلطاًنا‪ ،‬إنما كان وجيه قومه‪ ،‬لنه كان يتولى السقاية‬
‫والرفادة‪ ،‬وبئر زمزم‪ ،‬فهي وجاهة ذات صلة بالبيت )‪ ,(4‬ويتجلى إيمان‬
‫عبد المطلب بأن لهذا البيت مكانة عند الله‪ ،‬وأنه حاميه ومانعه‪،‬‬
‫وتتجلى نفسية سيد قريش السامية‪ ،‬وشخصيته القوية الشامخة في‬
‫حديث دار بينه وبين أبرهة ملك الحبشة‪ ،‬وقد غزا مكة وأراد أن يهين‬
‫البيت ويقضى على مكانته‪ ،‬وقد أصاب لعبد المطلب مائتى بعير‪،‬‬
‫فاستأذن له عليه‪ ،‬وقد أعظمه أبرهة ونزل له عن سريره فأجلسه‬
‫ى الملك مائتى بعير‬
‫معه‪ ،‬وسأله عن حاجته‪ ،‬فقال‪ :‬حاجتي أن يرد عل ّ‬
‫أصابها لي‪ .‬فلما قال له ذلك زهد فيه الملك وتفادته عينه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫أتكلمني في مائتى بعير أصبتها لك‪ ،‬وتترك بيًتا هو دينك ودين آبائك‪،‬‬
‫قد جئت لهدمه‪ ،‬ل تكلمني فيه؟! قال عبد المطلب‪ :‬إني أنا رب‬
‫البل‪ ،‬وإن للبيت رًبا سيمنعه‪ ،‬قال‪ :‬ما كان يمتنع مني‪ ،‬قال‪ :‬أنت‬
‫وذاك )‪ ,(5‬وقد كان ما قاله عبد المطلب‪ ،‬فحمى رب البيت بيته‪،‬‬
‫وجعل كيد أبرهة وجيشه في تضليل‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫وأْر َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ل ‪َ ‬‬
‫طَي ًْرا أ ََباِبي َ‬
‫م‬
‫هم ب ِ ِ‬
‫من ِ‬
‫جاَر ٍ‬
‫ل ‪ ‬ت َْر ِ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫س ّ‬
‫ح َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ة ّ‬
‫جي ٍ‬
‫مي ِ‬
‫مأ ْ ُ‬
‫ل" ]الفيل‪.[5-3:‬‬
‫ص ٍ‬
‫كَ َ‬
‫ف ّ‬
‫ع ْ‬
‫كو ِ‬
‫وكان عبد المطلب يأمر أولده بترك الظلم والبغي‪ ،‬ويحثهم على‬
‫مكارم الخلق وينهاهم عن دنيئات المور )‪،(6‬ومات عبد المطلب بعد‬
‫أن جاوز الثمانين‪ ،‬وعمر الرسول ثماني سنين‪ ،‬ومعنى ذلك أنه توفى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب لللوسى )‪.(1/243‬‬
‫)( الرفادة‪ :‬إطعام الحجاج في أيام الموسم حتى يتفرقوا‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/142‬‬
‫)( المفصل في تاريخ العرب قبل السلم‪ ،‬جواد على )‪ ،(4/58‬المرتضى‪ :‬ص)‬
‫‪.(22‬‬
‫)( سيرة ابن هشام )‪ (1/49‬المرتضي‪ :‬ص )‪.(23‬‬
‫)( بلوغ الرب في معرفة احوال العرب )‪.(1/324‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪21‬‬

‫)‪(1‬‬
‫ما كثيرة‬
‫حوالي سنة ‪578‬‬
‫للميلد ‪ ,‬وذكر أنه لم تقم بمكة سوق أيا ً‬
‫)‪(2‬‬
‫لوفاة عبد المطلب ‪.‬‬
‫‪ -4‬أبو طالب والد على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬أبو‬
‫دا‪ ،‬فإذا خرج خرج‬
‫طالب ل مال له‪ ،‬كان يحب ابن أخيه حًبا شدي ً‬
‫معه‪ ،‬فقد كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله × بعد جده‪،‬‬
‫فكان إليه ومعه )‪ ,(3‬وعندما أعلن رسول الله × الدعوة إلى الله‬
‫وصدع بها وقف أبو طالب بجانب رسول الله × وصمم على‬
‫دا ومكًرا‪،‬‬
‫ما وحس ً‬
‫مناصرته وعدم خذلنه‪ ،‬فاشتد ذلك على قريش غ ً‬
‫وإن المرء ليسمع عجًبا ويقف مذهول ً أمام مروءة أبى طالب مع‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن اخيه محمد‬
‫×‪ ،‬بل واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بنى هاشم‪ ،‬وبنى‬
‫عا لرسول الله‬
‫المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت‪ ،‬دفا ً‬
‫دا ×‬
‫×‪ ،‬مسلمهم ومشركهم على السواء )‪ ,(4‬وأجار ابن أخيه محم ً‬
‫إجارة مفتوحة ل تقبل التردد والحجام‪ ،‬ولما رأى أبو طالب من‬
‫قومه ما سره من جهدهم معه‪ ،‬وحدبهم عليه‪ ،‬جعل يمدحهم ويذكر‬
‫قديمهم‪ ،‬وفضل رسول الله فيهم‪ ،‬ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم‬
‫وليحبوا معه على أمره )‪ (5‬فقال‪:‬‬
‫فعبد مناف سرها وصميمها‬
‫ما قريش‬
‫إذا اجتمعت يو ً‬
‫لمفخر‬
‫ففي هاشم أشرافها وقديمها‬
‫وإن حصلت أشراف عبد‬
‫منافها‬
‫هو المصطفى من سرها‬
‫دا‬
‫يو‬
‫فخرت‬
‫وإن‬
‫ما فإن محم ً‬
‫ً‬
‫وكريمها‬
‫علينا فلم تظفر وطاشت‬
‫تداعت قريش غثها وسمينها‬
‫حلومها‬
‫صْعر الخدود‬
‫ما ل نقر ظلمة‬
‫وكنا قدي ً‬
‫إذا ما ثنوا ُ‬
‫نقيمها‬
‫ولما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه‪ ،‬قال‬
‫قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة‪ ،‬وبمكانة منها‪ ،‬وتودد فيها أشراف‬
‫قومه‪ ،‬وهو على ذلك يخبرهم في ذلك من شعره‪ ،‬أنه غير مسلم‬
‫دا حتى يهلك دونه فقال‪:‬‬
‫رسول الله ×‪ ،‬ول تاركه لشيء أب ً‬
‫وقد قطعوا كل العرى‬
‫ولما رأيت القوم ل ود فيهم‬
‫والوسائل‬
‫وقد طاوعوا أمر العدو‬
‫وقد صارحونا بالعداوة والذى‬
‫المزايل‬
‫يعضون غي ً‬
‫ظا خلفنا بالنامل‬
‫وقد حالفوا قوما علينا أظنة‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المفصل في تاريخ العرب قبل السلم )‪.(4/78‬‬
‫أنساب الشراف للبلذرى )‪.(1/78‬‬
‫المرتضى ص )‪،(24‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/179‬‬
‫فقه السيرة النبوية للغضبان ص)‪.(184‬‬
‫السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للصلبي )‪.(1/158‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪22‬‬
‫وأبيض عضب من تراث‬
‫المقاول‬
‫وأمسكت من أثوابه بالوصائل‬

‫صبرت لهم نفسي بسمراء‬
‫سمحة‬
‫وأحضرت عند البيت رهطى‬
‫وإخوتي‬
‫وتعوذ بالبيت وبك المقدسات التي فيه‪ ،‬وأقسم بالبيت بأنه لن‬
‫دا ولو سالت الدماء أنهاًرا‪ ،‬واشتدت المعارك مع بطون‬
‫يسلم محم ً‬
‫قريش‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ولما نطاعن دونه ونناضل‬
‫كذبتم وبيت الله ن ُْبزى‬
‫دا‬
‫محم ً‬
‫)‪(3‬‬
‫ونذهل عن أبنائنا والحلئل‬
‫وُنسلمه )‪ (2‬حتى نصرع حوله‬
‫وينهض قوم في الحديد إليكم‬

‫الصلصل‬

‫)‪(4‬‬

‫واستمر أبو طالب في مناصرة ابن أخيه واستطاع أن يغزو‬
‫المجتمع القرشي بقصائده الضخمة التي هزت كيانه هًزا‪ ،‬ولما تغلغل‬
‫السلم في قلوب أبناء بعض القبائل‪ ،‬اجتمعت قريش فائتمروا بينهم‬
‫أن يكتبوا كتاًبا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب‪ ،‬على أل‬
‫ينكحوا إليهم ول ينكحوهم‪ ،‬ول يبيعوهم شيًئا ول يبتاعوا منهم‪ ،‬وكتبوا‬
‫صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة‪ ،‬وتواثقوا على ذلك‪ ،‬وانحازت بنو‬
‫هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه )‪ ,(5‬وذلك‬
‫في محرم سنة سبع من النبوة ومكث بنو هاشم على ذلك نحو ثلث‬
‫سنوات ل يصل إليهم شيء إل سًرا‪ ،‬ثم كان ما كان من أكل الرضة‬
‫للصحيفة‪ ،‬وإخبار النبي × أبا طالب بذلك‪ ،‬وتمزيق الصحيفة‪ ،‬وبطلن‬
‫ما فيها )‪ ,(6‬ومات أبو طالب في النصف من شوال في السنة‬
‫العاشرة من النبوة‪ ،‬وهو ابن بضع وثمانين سنة‪ ،‬ولم يسلم أبو طالب‬
‫)‪ ,(7‬وهو العام الذي ماتت في خديجة زوج النبي ×‪ ،‬وتتابعت على‬
‫رسول الله × المصائب‪ ،‬وسمى هذا العام بعام الحزن )‪.(8‬‬
‫‪ -5‬أم أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬هي‬
‫‪(10‬عبد‬
‫الصحابية الجليلة السيدة الفاضلة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن‬
‫مناف بن قصى الهاشمية )‪,(9‬وهي أول هاشمية ولدت هاشمًيا ) ‪,‬‬
‫وقد حظيت برعاية النبي × حينما كفله عمه أبو طالب بناء على‬
‫ما بعد أمة تقوم على شئونه‬
‫وصية أبيه عبد المطلب‪ ،‬فكانت له أ ً‬
‫‪1‬‬

‫)( ن ُْبزى‪ :‬أي نسلمه ونغلب‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أي كذبتم أن نسلمه قبل أن نصرع حوله‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الحلئل‪ :‬الزوجات‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الصلصل‪ :‬المزادات لها صلصلة بالماء‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(351 ،1/350‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪ ،(377 -1/373‬المرتضى‪ :‬ص)‪ ،(26‬وقد فصلت ذلك في‬
‫كتابي السيرة النبوية‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( بلوغ الرب )‪.(1/324‬‬
‫‪8‬‬
‫)( السيرة لبن هشام )‪ (46 ،1/45‬المرتضى‪ :‬ص)‪.(26‬‬
‫‪9‬‬
‫)( نسب قريش‪ :‬ص)‪ (40‬فضائل الصحابة )‪.(685 /2‬‬
‫‪10‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪.(685 /2‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪23‬‬

‫وترعي أموره ما استطاعت إلى ذلك سبيل‪ ،‬وقد قضى الحبيب‬
‫المصطفى قرابة عقدين من حياته في كنفها‪ ،‬وقد استجابت لدعوة‬
‫السلم وأصبحت من السابقات الوليات وصارت من صفوة النساء‬
‫ممن أخذن المكانة العليا في ساحة الفضيلة‪ ،‬وكانت رضي الله عنها‬
‫مثال ً للرأفة والرحمة في معاملة الزهراء رضي الله عنها‪ ،‬إذ كانت‬
‫تقوم بمساعدتها بًرا بها وبوالدها ×‪ ،‬وروى عن أمير المؤمنين على‬
‫رضي الله عنه أنه قال‪ :‬قلت لمي‪ :‬أكفي فاطمة بنت رسول الله‬
‫سقاية الماء والذهاب في الحاجة‪ ،‬وتكفيك هي الطحن والعجن‬
‫)‪.(1‬كما أن صلتها بالنبي × أضافت إلى شخصيتها مكرمة حفظ‬
‫الحديث وروايته‪ ،‬فقد روت عن النبي × مجموعة من الحاديث‪ ،‬وقد‬
‫ويخصها بالهدية‪ ،‬فقد أورد‬
‫كانت لها مكانة كبرى عند رسول الله‬
‫×‪ ،‬قال‪ُ :‬‬
‫إلى( رسول الله‬
‫أهدى‬
‫عنه‬
‫ابن حجر بالصابة أن علًيا رضي الله‬
‫مًرا بين الفواطم« )‪ . 2‬فشققتها‬
‫حلة إستبرق فقال‪» :‬اجعلها ُ‬
‫خ ُ‬
‫أربعة أخمرة‪ ،‬خماًرا لفاطمة بنت رسول الله ×‪ ،‬وخماًرا لفاطمة‬
‫عنها‪ ،‬وخماًرا لفاطمة بنت حمزة رضي الله‬
‫بنت أسد رضي الله‬
‫عنها‪ ،‬ولم يذكر الرابعة)‪.(3‬‬
‫ولقد كان حظ السيدة فاطمة مبار ً‬
‫كا في حياتها وعند وفاتها‪،‬‬
‫وحظيت بالتكريم إذ توفيت في حياة الحبيب المصطفى × )‪ ,(4‬وأما‬
‫ما روى عن أنس في دفنها فهو واه ضعيف شديد الضعف ول يتقوى‬
‫من طرقه الخرى التي جاءت لنها كلها ضعيفة‪ ،‬فعن أنس بن مالك‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬لما ماتت فاطمة بنت أسد أم على رضي الله‬
‫عنها دخل عليها رسول الله × فجلس عند رأسها فقال‪ :‬رحمك‬
‫الله يا أمي‪ ،‬كنت أمي بعد أمي‪ ،‬تجوعين وتشبعيننى‪،‬‬
‫وتعرين وتكسيننى‪ ،‬وتمنعين نفسك طيبا وتطعميننى‪،‬‬
‫تريدين بذلك وجه الله والدار الخرة‪ ،‬ثم أمر أن تغسل ثلًثا‬
‫ثلًثا‪ ،‬فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده‪ ،‬ثم خلع‬
‫رسول الله قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه‪ ،‬ثم دعا رسول‬
‫ما‬
‫الله أسامة بن زيد وأبا أيوب النصاري وعمر بن الخطاب وغل ً‬
‫أسود يحفرون‪ ،‬فحفروا قبرها‪ ،‬فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ×‬
‫بيده وأخرج ترابه بيده‪ ،‬فلما فرغ دخل رسول الله × فاضطجع فيه‬
‫وقال‪»:‬الله الذي يحيى ويميت وهو حي ل يموت اغفر‬
‫لمي فاطمة بنت أسد ولقتها حجتها ووسع عليها مدخلها‬
‫بحق نبيك والنبياء الذين من قبلي‪ .‬فإنك أرحم‬
‫وكبر‪(5‬عليها أربًعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر‬
‫الراحمين«‬
‫رضي الله عنهما ) ‪.‬‬
‫وقد احتج من احتج )‪ (6‬بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات‪،‬‬
‫وقد قام الستاذ أبو عبد الرحمن جبلن بن خضر العروسى في‬
‫رسالته لمرحلة الماجستير بتتبع طرق الحديث وبين ضعفها وبطلنها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مجمع الزوائد )‪ (8/356‬رجال السند رجال الصحيح‪.‬‬
‫)( سنن ابن ماجة‪ ،‬ك اللباس رقم ‪.3596‬‬
‫)( الصابة )‪ (8/27‬رقم ‪.1153‬‬
‫)( أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬أحمد السيد‪ :‬ص)‪.(24‬‬
‫)( السلسلة الضعيفة لللباني )‪(1/32‬رقم ‪.23‬‬
‫)( السمهودي في وفاء الوفاء )‪ ،(4/1373‬والكوثري في محق التقول‪ :‬ص )‬
‫‪ ،(391 -379‬والبوطي في السلفية مرحلة‪ ،(155)،‬والعلوي في مفاهيم‪ :‬ص )‬
‫‪(65‬نقل عن الدعاء ومنزلته من العقيدة‪ ،‬جبلن بن خضر‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪24‬‬

‫)‪,(1‬ووضح أن الحديث قد روى من خمسة طرق‪ :‬ثلثة موصولة‪،‬‬
‫ومرسلتان‪ ،‬فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف‪،‬‬
‫ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إل في طريق واحدة‪ ،‬وهي طريق‬
‫أنس‪ ،‬فهذه الحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لن الكل ضعيف‬
‫فيعل بعضه البعض ول يزيدها إل وهنا وضعفا‪ ،‬وأما من ناحية المتن‬
‫فهو منقوض من عدة وجوه‪:‬‬
‫ إن في هذا الحديث مبالغة وإطراء وتجاوًزا للمألوف في ذلك‬‫العهد النبوي‪.‬‬
‫ هذا الحديث يخالف هدية وسننه في غسل جنازة المرأة‪ ،‬وذلك‬‫في أمور منها‪:‬‬
‫ سكبه بيده الشريفة لم يرد إل في هذه القصة‪ ،‬وأما الذي ورد‬‫في غسل بنته زينب أنه أمرهم بالغسل‪ ،‬ولم يسكب بنفسه‪ ،‬فقد‬
‫روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أن أم عطية قالت‪:‬‬
‫دخل علينا النبي × ونحن نغسل ابنته فقال‪» :‬اغسلنها ثلًثا أو‬
‫سا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر‪ ،‬واجعلن‬
‫خم ً‬
‫فرغنا‬
‫وقالت‪:‬فلما‬
‫«‬
‫فآذننى‬
‫فرغتن‬
‫فإذا‬
‫را‪،‬‬
‫كافو‬
‫الخرة‬
‫في‬
‫ً‬
‫ألقى إلينا حقوه فقال‪» :‬أشعرنها إياه«‪ ،‬ولم يزد على ذلك )‪.(2‬‬
‫ إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والضطجاع فيه كلها لم‬‫فا هديه المشهور عنه وهو‬
‫تعهد إل في هذا الحديث الضعيف‪ ،‬مخال ً‬
‫من المبالغة والطراء‪.‬‬
‫ ثم لفظ الدعاء الذي بدأ بلفظة الغيبة ثم الخطاب بعيد عن‬‫أسلوبه المعهود في الدعوات المأثورات »اللهم أنت‪ «...‬ولم نر في‬
‫غير هذا الدعاء »الله الذي‪.«...‬‬
‫ ومما يدل على ضعفه أن الراوى اعترف بأن النبي × لم يفعل‬‫الفعال إل في هذه المرة‪ ،‬ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره‪،‬‬
‫هذه‬
‫وهيهات )‪.(3‬‬
‫ى بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬كان لبي طالب‬
‫‪ -6‬إخوة عل ّ‬
‫أربعة أبناء‪ ،‬وهم‪ :‬طالب‪ ،‬وهو الذي تكنى به‪ ،‬وعقيل‪ ،‬وجعفر‪ ،‬وعلى‪،‬‬
‫وبنتان هما‪ :‬أم هانئ‪ ،‬وجمانة‪ ،‬وكلهم من فاطمة بنت أسد‪ ،‬وكان بين‬
‫كل واحد منهم وبين أخيه عشر سنوات‪ ،‬فطالب كان أكبر من عقيل‬
‫بعشر سنوات‪ ،‬وكذلك الشأن مع جعفر وعلى‪ ،‬فكان جعفر أكبر من‬
‫على بعشر سنوات )‪ ,(4‬وهذه نبذة مختصرة عن إخوة على رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬
‫)أ( طالب بن أبى طالب‪:‬هلك طالب مشر ً‬
‫كا بعد غزوة بدر‪ ،‬وقيل‬
‫إنه ذهب فلم يرجع‪ ،‬ولم يدر له موضع ول خبر‪ ،‬وهو أحد الذين تاهوا‬
‫في الرض‪ ،‬وكان محًبا لرسول الله ×‪ ،‬وله فيه مدائح‪ ،‬وكان خرج‬
‫ها‪ ،‬وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة‬
‫إلى بدر كر ً‬
‫فقالوا‪ :‬والله يا بنى هاشم لقد عرفنا‪ -‬وإن خرجتم معنا‪ -‬أن هواكم‬
‫مع محمد‪ ،‬فرجع طالب إلى مكة مع من رجع‪ ،‬وقال شعًرا وقصيدة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(الدعاء ومنزلته من العقيدة السلمية‪ :‬ص)‪.(798 -794‬‬
‫)( الدعاء ومنزلته من العقيدة السلمية‪ :‬ص )‪.(799‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(798 -794‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(223 /7‬المرتضى‪ :‬ص )‪.(26‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪25‬‬

‫ثناء على النبي × وبكى فيها أصحاب قليب بدر )‪.(1‬‬
‫)ب( عقيل بن أبى طالب‪:‬فكان يكنى أبا يزيد‪ ،‬تأخر إسلمه إلى‬
‫عام الفتح‪ ،‬وقيل أسلم بعد الحديبية‪ ،‬وهاجر في أول سنة ثمان‪،‬‬
‫وكان أسر يوم بدر ففداه عمه العباس‪ ،‬وقع ذكره في الصحيح في‬
‫مواضع‪ ،‬وشهد غزوة مؤته‪ ،‬ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين‪ ،‬لنه‬
‫ضا‪ ،‬أشار إلى ذلك ابن سعد‪ ،‬لكن روى الزبير بن بكار‬
‫كان مري ً‬
‫بسنده إلى الحسن بن على أن عقيل كان ممن ثبت يوم حنين ومات‬
‫البخاري الصغر بسند صحيح أنه)‪(3‬مات‬
‫في خلفة معاوية‪ ،‬وفي تاريخ‬
‫في أول خلفة يزيد قبل الحرة )‪,(2‬وعمره ست وتسعون سنة ‪.‬‬
‫)ج( جعفر بن أبى طالب‪ :‬فهو أحد السابقين إلى السلم وكان‬
‫يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم‪ ،‬ويحدثهم ويحدثونه‪ ،‬وهاجر‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه‪ ،‬ولقد تحدثت عنه‬
‫وتحليل أحداث‪ ،‬واستشهد‬
‫في كتابي السيرة النبوية‪..‬عرض وقائع‬
‫بمؤتة من أرض الشام مقبل ً غير مدبر )‪.(4‬‬
‫)د( أم هانئ بنت أبى طالب‪ :‬ابنه عم النبي ×‪ ،‬قيل اسمها‬
‫فاختة‪ ،‬وقيل اسمها فاطمة وقيل هند‪ ،‬والول أشهر‪ ،‬وكانت زوج‬
‫هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي‪ ،‬وكان له منها عمرو‪ ،‬وبه كان‬
‫يكنى‪ ،‬وفي فتح مكة أجارت أم هانئ رجلين من بنى مخزوم‪ ،‬وقال‬
‫لها‬
‫أجرت يا أم هانئ‪.‬وروت أم هانئ عن النبي‬
‫من‬
‫أجرنا‬
‫×‪:‬‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫الستة وغيرها)‪ ,(5‬قال الترمذي وغيره‪ :‬عاشت بعد على‬
‫× في الكتب‬
‫رضي الله عنه )‪.(6‬‬
‫)هـ( جمانة بنت أبى طالب‪ :‬هي أم عبد الله بن أبى سفيان بن‬
‫الحارث بن عبد المطلب‪ ،‬ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة‬
‫بنت أسد‪ ،‬وأفردها في باب بنات عم النبي ×‪ ،‬وقال‪ :‬ولدت لبى‬
‫ابنه‪(7‬جعفر بن أبى سفيان‪ ،‬وأطعمها رسول الله‬
‫سفيان بن الحارث‬
‫من خيبر ثلثين وسقا ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬أزواجه وأولده‪ :‬ولد له من فاطمة )‪ (8‬بنت رسول الله ×‪:‬‬
‫الحسن والحسين )وسيأتي الحديث عنهما مفصل(‪...‬وزينب الكبرى‬
‫وأم كلثوم الكبرى‪ ،‬وولد له من خولة بنت جعفر ابن قيس بن‬
‫مسلمة‪ ،‬محمد الكبر )محمد ابن الحنفية(‪ُ،‬وولد له من ليلى بنت‬
‫من بنى تميم‪ ،‬عبيد الله وأبو بكر‪ ،‬وولد له من أم‬
‫مسعود بن خالد‬
‫البنين بنت حزام )‪ (9‬بن خالد بن جعفر بن ربيعة‪ :‬العباس الكبر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬وجعفر الكبر‪ ،‬وبعد الله‪ ،‬وولد له من أسماء بنت عميس‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( الجوهرة في نسب النبي وأصحابه من المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(23‬‬
‫)( الصابة في تميز الصحابة )‪.(2/494‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(24‬‬
‫)( المرتضى‪ :‬ص)‪.(25‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(27‬‬
‫)( الصابة في تمييز الصحابة )‪.(318 ،9/317‬‬
‫)( الصابة )‪ ،(260 ،4/259‬المرتضى‪:‬ص )‪.(27‬‬
‫)( هى أول زوجة تزوجها على بن أبى طالب ولم يتزوج عليها حتى ماتت‪.‬‬
‫)(‪ (4) ,‬البداية والنهاية )‪.(7/332‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪26‬‬

‫وولد له من الصهباء )‪ ,(2‬عمر الكبر‬
‫الخثعمية‪ :‬يحيى وعون )‪,(1‬‬
‫)‪(3‬‬
‫ورقية‪ ،‬وولد له من أمامة بنت العاص بن الربيع‪ ،‬محمد الوسط‪،‬‬
‫وولد له من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي‪ ،‬أم الحسن‪،‬‬
‫ورملة الكبرى‪ ،‬وولد له من أمهات أولد‪ ،‬محمد الصغر‪ ،‬وأم هانئ‬
‫وميمونة‪ ،‬وزينب الصغرى‪ ،‬ورملة الصغرى‪ ،‬وأم كلثوم الصغرى‪،‬‬
‫وفاطمة‪ ،‬وأمامة‪ ،‬وخديجة‪ ،‬وأم الكرام‪ ،‬وأم سلمة‪ ،‬وأم جعفر‪ ،‬جمانة‬
‫ونفيسة‪ ،‬وولد له من محياة بنت أمرئ القيس‪ ،‬ابنة هلكت وهي‬
‫جارية‪(4.‬قال ابن سعد‪ :‬لم يصح لنا من ولد على رضي الله عن غير‬
‫هؤلء) ‪ ,‬وجميع ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه لصلبه أربعة‬
‫عشر ذكًرا‪ ،‬وتسع عشرة امرأة‪ ،‬وقيل‪ :‬سبع عشرة امرأة‪ ،‬وكان‬
‫والحسين‪ ،‬ومحمد ابن الحنفية‪،‬‬
‫النسل من ولده لخمسة‪ ،‬الحسن‬
‫والعباس ابن الكلبية‪ ،‬وعمر ابن التغلبية )‪,(5‬وسيأتي الحديث عن‬
‫السيدة فاطمة وذريتها‪ ،‬الحسن والحسين‪ ،‬وأم كلثوم في ثنايا هذا‬
‫الكتاب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫خلقية‪:‬يقول ابن عبد البر رحمه الله‪ :‬وأحسن ما‬
‫‪ -8‬صفاته ال َ‬
‫رأيت في صفة على‬
‫رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو‪ ،‬أدعج‬
‫العينين‪ ،‬حسن الوجه‪ ،‬كأنه القمر ليلة البدر حسًنا‪ ،‬ضخم البطن‪،‬‬
‫دا( )‪ (6‬أغيد‪ ،‬كان عنقه إبريق فضة‪،‬‬
‫عريض المنكبين‪ ،‬شئن الكفين )عَت َ ً‬
‫أصلع ليس في رأسه شعر إل من خلفه‪ ،‬كبير اللحية‪ ،‬لمنكبه مشاش‬
‫كمشاش السبع الضارى‪ ،‬ل يتبين عضده من ساعده‪ ،‬قد أدمجت‬
‫جا‪ ،‬إذا مسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس‪،‬‬
‫دم ً‬
‫الساعد واليد وإذا مشى للحرب‬
‫شديد‬
‫هو‪،‬‬
‫ما‬
‫السمن‬
‫إلى‬
‫وهو‬
‫هرول‪ ،‬ثابت الجنان‪ ،‬قوى شجاع )‪.(7‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫إسلمه وأهم أعماله في مكة قبل الهجرة‬

‫أول‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫ى بن أبى طالب وما صنع‬
‫كان من نعمة الله عز وجل على عل ّ‬
‫الله له وأراد به من الخير أن قري ً‬
‫شا أصابتهم أزمة شديدة‪ ،‬وكان أبو‬
‫طالب ذا عيال كثيرة‪ ،‬فقال رسول الله × للعباس عمه – وكان من‬
‫أيسر بنى هاشم‪ :-‬يا عباس‪ ،‬إن أخاك أبا طالب كثير العيال‪،‬‬
‫وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الزمة‪ ،‬فانطلق بنا‬
‫دا‪،‬‬
‫دا وتأخذ واح ً‬
‫فلنخفف عنه عياله‪ ،‬آخذ من بيته واح ً‬
‫فنكفيهما عنه‪،‬فقال العباس‪ :‬نعم‪ ..‬فانطلق حتى أتيا أبا طالب‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس‬
‫ما هم فيه‪ ،‬فقال لهما‪ :‬إن تركتما لي عقيل ً فاصنعا ما شئتما‪ ،‬فأخذ‬
‫رسول الله × علًيا فضمه إليه‪ ،‬وأخذ العباس جعفًرا رضي الله عنه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( البداية والنهايةـ ) ‪.(7/332‬‬

‫)( وهى أم حبيب بنت ربيعة بن بجير‪ ،‬من سبي عين التمر في عهد الصديق‪.‬‬
‫)( وأمها زينب بنت رسول الله ×‪.‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪.(3/20‬‬
‫)( الطبقات )‪ ،(20 ،3/19‬البداية والنهاية )‪ (333 -7/331‬منهج على بن أبى‬
‫طالب في الدعوة إلى الله‪ ،‬سليمان العبد‪ :‬ص )‪.(31 ،30 ،29‬‬
‫)(العتد‪ :‬الشديد التام الخلق‪.‬‬
‫)(الستيعاب في معرفة الصحاب )‪.(3/1123‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪27‬‬

‫فضمه إليه‪ ،‬فلم يزل على بن أبى طالب رضي الله عنه مع رسول‬
‫به وصدقه‪ ،‬ولم يزل‬
‫ى‪ ،‬فأقر‬
‫الله × حتى بعثه الله نبًيا‪ ،‬فاتبعه عل ّ‬
‫جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه )‪.(1‬‬
‫ونلحظ أن رسول الله × أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمه‬
‫أبى طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب‪ ،‬فكان هذا من‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬إذ رباه وأدبه الذي‬
‫أكبر نعم الله عز وجل على عل ّ‬
‫أدبه الله‪ ،‬عز وجل‪ ،‬وحفظه وعصمه ورعاه‪ ،‬والذي كان خلقه‬
‫ى رضي الله عنه‪،‬‬
‫القرآن‪ ،‬فانعكس هذا الخلق القرآني على عل ّ‬
‫وكفى بتربية النبي × تربية لعلى رضي الله عنه‪ ،‬فقد نشأ في بيت‬
‫السلم وتعرف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته‪ ،‬وذلك قبل‬
‫أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار‬
‫يشدون أزرها وينطلقون بها في دنيا الناس‪ ،‬ويخرجونهم من‬
‫الظلمات إلى النور‪ ،‬وقد اختلف العلماء فيمن آمن بعد السيدة‬
‫خديجة بنت خويلد أم المؤمنين‪ ،‬هل هو أبو بكر الصديق أم على‬
‫رضي الله عنهما؟ والذي أميل إليه من بين أقوال العلماء‪ ،‬أن أول‬
‫من أسلم من الرجال الحرار أبو بكر‪ ،‬ومن الصبيان على‪ ،‬ومن‬
‫آمن على الطلق‪ ،‬ومن الموالي زيد‬
‫النساء خديجة‪ ،‬وهي أول من‬
‫بن حارثة رضوان الله عليهم )‪ ,(2‬وبهذا يكون أمير المؤمنين أول‬
‫ما‪.‬‬
‫الصغار إسل ً‬
‫ثانًيا‪ :‬كيف أسلم على؟‬
‫روى ابن إسحاق أن على بن أبى طالب رضي الله عنه جاء إلى‬
‫النبي × بعد إسلم خديجة رضي الله عنها‪ ،‬فوجدهما يصليان‪ ،‬فقال‬
‫على‪ :‬ما هذا يا محمد؟ فقال النبي ×‪»:‬دين الله الذي اصطفاه‬
‫لنفسه‪ ،‬وبعث به رسله‪ ،‬فأدعوك إلى الله وحد وإلى‬
‫عبادته‪ ،‬وتكفر باللت والعزى« فقال له على‪ :‬هذا أمر لم‬
‫أسمع به من قبل اليوم‪ ،‬فلست بقاض أمًرا حتى أحدث أبا طالب‪،‬‬
‫فكره رسول الله × أن يفشى عليه سره‪ ،‬قبل أن يستعلن أمره‪،‬‬
‫فقال له‪» :‬يا على إذا لم تسلم فاكتم«‪ ،‬فمكث على تلك الليلة‪،‬‬
‫ثم إن الله أوقع في قلب على السلم‪ ،‬فأصبح غادًيا إلى رسول الله‬
‫ى يا محمد؟ فقال له رسول الله‬
‫×‪ ،‬حتى جاءه فقال‪ :‬ما عرضت عل ّ‬
‫×‪ :‬تشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وتكفر‬
‫ى وأسلم‪ ،‬ومكث‬
‫باللت والعزى‪ ،‬وتبرأ من النداد‪ ،‬ففعل عل ّ‬
‫ى يأتيه على خوف من أبى طالب‪ ،‬وكتم على إسلمه ولم يظهر‬
‫عل ّ‬
‫به)‪.(3‬‬
‫ثالًثا‪ :‬بين على رضي الله عنه وأبى طالب‪:‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله × كان‬
‫إذا حضرت الصلة خرج إلى شعاب مكة‪ ،‬وخرج معه على بن أبى‬
‫طالب مستخفًيا من أبيه أبى طالب‪ ،‬ومن جميع أعمامه وسائر‬
‫قومه‪ ،‬يصليان الصلوات فيها‪ ،‬فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء‬
‫ما وهما يصليان‪ ،‬فقال‬
‫الله أن يمكثا‪ ،‬ثم إن أبا طالب عثر عليهما يو ً‬
‫لرسول الله ×‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬ما هذا الدين الذي تدين به‪ ،‬قال‪» :‬أي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( السيرة النبوية )‪ (1/246‬لبن هشام‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(28 -3/26‬الوائل من الصحابة وذوو الفضل منهم والنجابة‪،‬‬
‫رضوان جامع‬
‫ص )‪.(23‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(3/4‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪28‬‬

‫عم‪ ،‬هذا دين الله ودين ملئكته ودين رسله ودين أبينا‬
‫إبراهيم«‪،‬أو كما قال ×‪» :‬بعثني رسول إلى العباد وأنت –‬
‫أي عم – أحق من بذلت له النصيحة‪ ،‬ودعوته إلى الهدى‪،‬‬
‫وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه«‪،‬أو كما قال‪ .‬فقال أبو‬
‫طالب‪ :‬أي ابن أخي‪ ،‬إني ل أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا‬
‫عليه‪ ،‬ولكن والله ل ُيخلص إليك )‪ (1‬بشيء تكرهه ما بقيت‪ ،‬ذكروا أنه‬
‫قال لعلى‪:‬أي بنى‪ ،‬ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال‪ :‬يا أبت آمنت‬
‫واتبعته‪،‬‬
‫بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به‪ ،‬وصليت معه لله‬
‫فزعموا أنه قال له‪ :‬أما إنه لم يدعك إل إلى خير فالزمه )‪.(2‬‬
‫رابًعا‪ :‬هل كسر على رضي الله عنه الصنام مع رسول الله‬
‫في مكة؟‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬انطلقت أنا والنبي × حتى أتينا‬
‫عن عل ّ‬
‫الكعبة‪ ،‬فقال لي رسول الله × )اجلس( وصعد على منكبي‪،‬‬
‫فا‪ ،‬فنزل‪ ،‬وجلس لي نبي الله ×‬
‫فذهبت لنهض به‪ ،‬فرأى مني ضع ً‬
‫قال‪ :‬اصعد على منكبي‪ ،‬قال‪ :‬فصعدت على منكبيه‪ ،‬قال‪ :‬فنهض‬
‫ى إني لو شئت لنلت أفق السماء‪ ،‬حتى‬
‫بي‪ ،‬قال‪ :‬فإنه يخيل إل ّ‬
‫صعدت على البيت‪ ،‬وعليه تمثال صفر أو نحاس‪ ،‬فجعلت أزاوله عن‬
‫يمينه وعن شماله‪ ،‬وبين يديه ومن خلفه‪ ،‬حتى إذا استمكنت منه قال‬
‫لي رسول الله × »اقذف به«‪ ،‬فقذفت فانكسر كما تتكسر‬
‫القوارير‪ ،‬ثم نزلت‪ ،‬فانظلقت أنا ورسول)‪(3‬الله × نستبق حتى توارينا‬
‫بالبيوت‪ ،‬خشية أن يلقانا أحد من الناس ‪,‬وهذا الحديث إسناده‬
‫ضعيف‪ ،‬وبالتالي ل يمكن أن يبني عليه حكم كما زعم بعض الناس‪،‬‬
‫ويبقى الصل الثابت في الفترة المكية‪ ،‬في منع النبي × للصحابة‬
‫لستخدام القوة مع الخصوم أو العتداء على أصنامهم وأوثانهم‬
‫بالقوة‪ ،‬وقد قام رسول الله × بتطهير مكة في عام الفتح من‬
‫الوثان وأرسل السرايا بعد ذلك الفتح العظيم لهدم وتطهير الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬من مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على إزالتها‬
‫وإبطالها‪.‬‬
‫سا‪ :‬هل دفن على رضي الله عنه أبا طالب بإرشاد رسول‬
‫خام ً‬
‫الله؟‬
‫عن على رضي الله عنه‪ :‬أنه أتى النبي × فقال‪ :‬إن أبا طالب‬
‫مات‪ ،‬فقال له النبي ×‪ :‬اذهب فواره‪ ،‬فقال‪ :‬أنه مات مشر ً‬
‫كا‪ .‬فقال‪:‬‬
‫فواره‪ ،‬قال‪ :‬فلما واريته رجعت إلى النبي ×‪ ،‬فقال لي‪:‬‬
‫اذهب‬
‫اغتسل )‪ .(4‬وجاء في رواية‪ :‬اذهب فاغتسل ثم ل تحدث شيًئا‬
‫حتى تأتينى‪ ،‬قال‪ :‬فاغتسلت ثم أتيته‪ ،‬قال‪ :‬فدعا لي بدعوات ما‬
‫الرحمن‬
‫يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها‪ ،‬قال الراوى عبد‬
‫ى رضي الله عنه إذا غسل ميًتا اغتسل )‪.(5‬‬
‫السلمي‪ :‬وكان عل ّ‬
‫ى ّرضي الله عن ودوره في إيصال‬
‫سا‪ :‬الحس المنى عند عل‬
‫ساد ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫)( ل ُيخلص إليك‪ :‬ل يصل إليك‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(1/246‬المرتضى‪ :‬ص)‪.(35‬‬
‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثة رقم )‪ (644‬إسناده ضعيف‪ ،‬وصحح الحاكم‬
‫إسناده واستدرك عليه الذهبي فقال‪ :‬إسناده ضعيف ومتنه منكر‪ ،‬وقد قام أحمد‬
‫ميرين البلوشي في رسالته التي حقق فيها خصائص أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب بالحكم على رجال السند وحكم عليه بالضعف‪ ،‬خصائص على بن أبى‬
‫طالب‪ :‬ص )‪ ،(136 ،135‬وقد صحح الحديث أحمد شاكر )‪.(58 /2‬‬
‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثية رقم )‪ (759‬إسناده ضعيف‪ ،‬وفي الموسوعة‬
‫تفصيل مفيد في الحكم على رجال السند‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪29‬‬

‫أبى ذر رضي الله عنه لرسول الله ×‪:‬‬
‫إن من معالم المرحلة المكية‪ ،‬الكتمان والسرية‪ ،‬حتى عن أقرب‬
‫الناس‪ ،‬وكانت الوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية‬
‫واضحة وصارمة‪ ،‬وقد قام على رضي الله عنه بدور عظيم في أخذ‬
‫أبى ذر إلى مقر الرسول ×‪ ،‬فقد كان رضي الله عنه منكًرا لحال‬
‫الجاهلية‪ ،‬ويأبى عبادة الصنام‪ ،‬وينكر على من يشرك بالله‪ ،‬وكان‬
‫يصلى لله قبل إسلمه‪ ,‬بثلث سنوات‪ ،‬دون أن يخص قبلة بعينها‬
‫بالتوجه‪ ،‬ويظهر أنه كان على نهج الحناف‪ ،‬ولما سمع بالنبي × قدم‬
‫إلى مكة‪ ،‬وكره أن يسأل عنه‪ ،‬حتى أدركه الليل‪ ،‬فاضطجع فرآه‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬فعرف أنه غريب‪ ،‬فاستضافه ولم يسأله عن‬
‫عل ّ‬
‫حا إلى المسجد الحرام‪ ،‬فمكث حتى أمسى فرآه‬
‫صبا‬
‫غادر‬
‫ثم‬
‫شيء‪،‬‬
‫ً‬
‫على فاستضافه لليلة ثانية‪ ،‬وحدث مثل ذلك الليلة الثالثة‪ ،‬ثم سأله‬
‫عن سبب قدومه‪ ،‬فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة‬
‫ى‪ :‬فإنه حق‪ ،‬وهو رسول الله‪ ،‬فإذا أصبحت‬
‫الرسول ×‪ ،‬فقال له عل ّ‬
‫فاتبعني‪ ،‬فإني إن رأيت شيًئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء‪،‬‬
‫فإن مضيت فاتبعني‪ ،‬فتبعه وقابل الرسول ×‪ ،‬واستمع إلى قوله‪،‬‬
‫فأسلم‪ ،‬فقال له النبي ×‪»:‬ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى‬
‫يأتيك أمري«‪ ،‬فقال‪ :‬والذي نفسي بيده لصرخن بين ظهرانيهم‬
‫فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته‪ :‬أشهد أن ل إله إل الله‪،‬‬
‫دا رسول الله‪ ،‬فثار القوم حتى أضجعوه فأتى العباس بن‬
‫وأن محم ً‬
‫غفار والتعرض لتجارتهم‪ ،‬التي تمر‬
‫انتقام‬
‫من‬
‫فحذرهم‬
‫المطلب‪،‬‬
‫عبد‬
‫بديارهم إلى الشام‪ ،‬فأنقذه منهم )‪ ,(1‬وكان أبو ذر قبل مجيئة قد‬
‫أرسل أخاه‪ ،‬ليعلم له علم النبي × ويسمع من قوله ثم يأتيه‪،‬‬
‫فانطلق الخ حتى قدمه‪ ،‬وسمع من قوله‪ ،‬ثم رجع إلى أبى ذر‪ ،‬فقال‬
‫ما ما هو بالشعر‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬
‫له‪ :‬رأيته يأمر بمكارم الخلق‪ ،‬وكل ً‬
‫شفيتني )‪ (2‬مما أردت‪ ،‬وعزم على الذهاب بنفسه لرسول الله ×‪،‬‬
‫أخوه( له‪ :‬كن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له‬
‫فقال‬
‫وتجهموا )‪. 3‬‬

‫ومن الدروس والعبر والفوائد من هذه الحادثة‪:‬‬
‫‪ -1‬التأني والتريث في الحصول على المعلومة‪:‬‬
‫حيث يعرف أبو ذر رضي الله عنه كراهية قريش لكل من‬
‫يخاطب الرسول ×‪ ،‬وهذا التأني تصرف أمنى‪ ،‬تقتضيه حساسية‬
‫الموقف‪ ،‬فلو سأل عنه لعلمت به قريش‪ ،‬وبالتالي قد يتعرض للذى‬
‫والطرد ويخسر الوصول إلى هدفه الذي من أجله ترك مضارب‬
‫قومه وتحمل في سبيله مصاعب ومشاق السفر‪.‬‬
‫‪ -2‬الحتياط والحذر قبل النطق بالمعلومة‪:‬‬
‫حين سأل على رضي الله عنه أبا ذر رضي الله عنه عن أمر‬
‫وسبب مجيئة إلى مكة‪ ،‬لم يخبره بالرغم من أنه استضافه ثلثة أيام‬
‫إمعاًنا في الحذر‪ ،‬فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه‪ ،‬وفي‬
‫‪5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( الصحيح المسند في فضائل الصحابة‪ :‬ص )‪ ،(188‬وقال مصطفى العدوي‪:‬‬
‫حسن بمجموع طرقه‪ ،‬وجاء بشواهد للحديث‪.‬‬
‫)( صحيح البخاري )فتح الباري( )‪.(7/173‬‬
‫)( ما شفيتني مما أردت‪ :‬ما بلغني غرضي وأزلت عني همي‪.‬‬
‫)( مسلم )‪ (4/1923‬رقمه )‪ ،(2473‬صحيح السيرة النبوية‪ ،‬إبراهيم العلى‪ :‬ص)‬
‫‪ ،(83‬السيرة النبوية الصحيحة للعمرى )‪،(1/145‬شنفوا‪ :‬أي أبغضوه‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪30‬‬

‫الوقت ذاته يرشده‪ ،‬فهذا غاية في الحتياط وتم ما أراده‪.‬‬
‫‪ -3‬التغطية المنية للتحرك‪:‬‬
‫التفاق بين على وأبى ذر رضي الله عنهما على إشارة‪ ،‬أو حركة‬
‫معينة‪ ،‬كأنه يصلح نعله‪ ،‬أو كأنه يريق الماء‪ ،‬وذلك عندما يرى على‬
‫رضي الله عنه من يترصدهما أو يراقبهما‪ ،‬فهذه تغطية أمنية‬
‫لتحركهما تجاه المقر )دار الرقم(‪ ،‬هذا إلى جانب أن أبا ذر كان‬
‫يسير على مسافة من على فيعد هذا الموقف احتيا ً‬
‫طا‪ ،‬وتحسًبا لكل‬
‫طارئ قد يحدث أثناء الحركة‪.‬‬
‫‪ -4‬تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب المنية‪ ،‬وتوافر‬
‫الحس المنى لديهم‪ :‬وتغلغله في نفوسهم‪ ،‬حتى أصبح سمة مميزة‬
‫لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة‪ ،‬فأتت تحركاتهم منظمة‬
‫ومدروسة‪ ،‬فما أحوجنا لمثل هذا الحس الذي كان عند الصحابة‪ ،‬بعد‬
‫أن أصبح للمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الدول‬
‫والحضارات‪ ،‬وضعف وقوة المم والشعوب‪ ،‬والجماعات‬
‫والمؤسسات والمنظمات‪ ،‬وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته‬
‫المتقدمة‪ ،‬وأساليبه ووسائله المتطورة‪ ،‬وأجهزته المستقلة‪،‬‬
‫وميزانياته ذات الرقام الكبيرة‪ ،‬وأضحت المعلومات عامة‪،‬‬
‫والمعلومات المنية تباع بأغلى الثمان‪ ،‬ويضحى في سبيل الحصول‬
‫عليها بالنفس إذا لزم المر‪ ،‬وما دام المر كذلك فعلى المسلمين‬
‫حتى ل تصبح قضايانا مستباحة للعداء‪،‬‬
‫الهتمام بالنواحي المنية‬
‫وأسرارنا في متناول أيديهم)‪.(1‬‬
‫سابًعا‪ :‬على رضي الله عنه مع رسول الله × في طوافه على‬
‫القبائل‪ ،‬وعرضه للدعوة عليها‪ ،‬وحضوره المفاوضات مع بنى‬
‫شيبان‪:‬‬
‫عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس‪ :‬حدثني على بن‬
‫أبى طالب‪ ،‬قال‪ :‬لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل‬
‫العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من‬
‫مجالس العرب‪ ،‬فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫ما في كل خير‪ ،‬وكان رجل ً نسابة‪ ..‬إلى أن قال‪ :‬ثم دفعنا إلى‬
‫مقد ً‬
‫مجلس آخر‪ ،‬عليه السكينة والوقار‪ ،‬فتقدم أبو بكر فسلم فقال‪ :‬من‬
‫القوم؟ قالوا‪ :‬شيبان بن ثعلبة‪ ،‬فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ×‪،‬‬
‫وقال‪ :‬بأبى وأمي‪ ،‬هؤلء غَُرر الناس‪ ،‬وفيهم مفروق قد غلبهم لساًنا‬
‫وجما ً‬
‫ل‪ ،‬وكانت له غديرتان تسقطان على ترِي َب َْته‪ ،‬وكان أدنى القوم‬
‫سا من أبى بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬كيف العدد فكيم؟ فقال مفروق‪:‬‬
‫مجل ً‬
‫إنا لنزيد على اللف ولن ُتغلب ألف من قلة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬وكيف‬
‫المنعة فيكم؟ فقال مفروق‪ :‬إنا لشد ما نكون غضًبا حين نلقى‪،‬‬
‫وأشد ما نكون لقاء حين نغضب‪ ،‬وإنا لنؤثر الجياد على الولد‪،‬‬
‫والسلح على اللقاح‪ ،‬والنصر من عند الله‪ ،‬يديلنا مرة‪ ،‬ويديل علينا‬
‫مرة أخرى‪ ،‬لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر‪ :‬إن كان بلغكم أنه‬
‫رسول الله فها هو ذا‪ .‬فقال مفروق‪ ،‬إلم تدعونا يا أخا قريش؟‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬أدعوكم إلى شهادة أن ل إله إل الله‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬وأني عبد الله ورسوله‪ ،‬وإلى أن‬
‫تؤووني وتنصروني‪ ،‬فإن قري ً‬
‫شا قد تظاهرت على الله‪،‬‬
‫وكذبت رسوله‪ ،‬واستغنت بالباطل عن الحق‪ ،‬والله هو‬
‫‪1‬‬

‫)( دروس في الكتمان‪ ،‬محمود شيت خطاب‪:‬ص)‪ ،(9‬السيرة النبوية عرض وقائع‬
‫صلبي )‪.(1/171‬‬
‫وتحليل أحداث لل ّ‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪31‬‬

‫ضا يا أخا قريش؟‬
‫الغني الحميد«‪ ،‬فقال مفروق‪ :‬وإلم تدعو أي ً‬
‫هذا‪ ،‬فتل رسول الله × ‪ُ +‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ما أحسن‬
‫فوالله‬
‫ما سمعت كل ً‬
‫من ُم أ َ‬
‫وا أ َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫شي ًْئا‬
‫ش‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫م‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ت‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫كوا ب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫تَ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫عال َ ْ ْ‬
‫َْ َ ُ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ل‬
‫م‬
‫إ‬
‫ن‬
‫م‬
‫كم‬
‫د‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫لوا‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫نا‬
‫سا‬
‫ح‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫د‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ل‬
‫با‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ق نّ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫و ِ‬
‫ْ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ق َك ُ‬
‫قَرُبوا ال َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ن َْرُز ُ‬
‫ما‬
‫ف‬
‫م‬
‫ه‬
‫م‬
‫وا ِ‬
‫وإ ِّيا ُ‬
‫هَر ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ما ظَ َْ‬
‫و َ‬
‫ش َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ح َ‬
‫ها ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قت ُُلوا الن ّ ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م‬
‫ه إ ِل ّ ِبال َ‬
‫س ال ِّتي َ‬
‫حّر َ‬
‫ب َطَ َ‬
‫ق ذَل ِك ْ‬
‫ح ّ‬
‫م الل ُ‬
‫ف ُ َ‬
‫نُ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن" ]النعام‪.[151:‬‬
‫لو‬
‫ق‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫م‬
‫ك‬
‫ْ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫صا ْ ِ ِ َ‬
‫و ّ‬
‫َ‬
‫فقال مفروق‪ :‬دعوت والله إلى مكارم الخلق‪ ،‬ومحاسن‬
‫العمال‪ ،‬ولقد أفك قوم كذبوك‪ ،‬وظاهروا عليك‪ ،‬ثم رد المر إلى‬
‫هانئ بن قبيصة فقال‪ :‬وهذا هانئ شيخنا‪ ،‬وصاحب ديننا‪ ،‬فقال هانئ‪:‬‬
‫قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬وإني أرى تركنا ديننا‪ ،‬واتباعنا دينك‬
‫لمجلس جلست إلينا‪ ،‬ل أول له ول آخر لذل في الرأي‪ ،‬وقلة نظر‬
‫في العاقبة‪ .‬إن الزلة مع العجلة‪ ،‬وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا‬
‫دا‪ ،‬ولكن نرجع وترجع‪ ،‬وننظر‪ ،‬ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن‬
‫عق ً‬
‫حارثة‪ ،‬فقال‪ :‬وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا‪ ،‬فقال المثنى‪-‬‬
‫وأسلم بعد ذلك ‪:-‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬والجواب فيه‬
‫جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك‪ ،‬وإنا إنما نزلنا‬
‫سمامة‪ ،‬فقال له رسول الله‬
‫ن‪ ،‬أحدهما اليمامة‪ ،‬والخر ال ّ‬
‫بين َ‬
‫صَري َي َ ْ‬
‫×‪» :‬ما هذان الصريان؟«‪ ،‬قال‪ :‬أنهار كسرى‪ ،‬ومياه العرب‪ ،‬فأما‬
‫ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير‬
‫مقبول‪ ،‬وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أل نحدث حدًثا‪،‬‬
‫ول نؤوى محدًثا‪ ،‬وإني أرى هذا المر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش‬
‫مما تكرهه الملوك‪ ،‬فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه‬
‫العرب‪ ،‬فعلنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما أسأتم في الرد‪ ،‬إذا‬
‫أفصحتم بالصدق‪ ،‬وإن دين الله عز وجل لن ينصره إل من‬
‫حاطه من جميع جوانبه‪ ،‬أرأيتم إن تلبثوا إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬حتى‬
‫يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم‪ ،‬ويفرشكم نساءهم‪،‬‬
‫أتسبحون الله وتقدسونه«‪ ،‬فقال النعمان بن شريك‪ :‬اللهم فلك‬
‫ذاك )‪.(1‬‬
‫وهذا الحديث فيه دروس وعبر وفوائد تعلمها على بن أبى طالب‬
‫رضي الله عنه منها‪:‬‬
‫‪ -1‬تعلم على رضي الله عنه‪ ،‬أن النبي × رفض أن يعطى القوى‬
‫المستعدة لتقديم نصرتها‪ ،‬أية ضمانات بأن يكون لشخاص شيء من‬
‫الحكم والسلطان على سبيل الثمن‪ ،‬أو المكافأة لما يقدمونه من‬
‫نصرة وتأييد للدعوة السلمية‪ ،‬وذلك لن الدعوة السلمية إنما هي‬
‫دعوة إلى الله‪ ،‬فالشرط الساسي فيمن يؤمن بها ويستعد لنصرتها‬
‫أن يكون الخلص لله‪ ،‬ونشدان رضاه هما الغاية التي يسعى إليها‬
‫من النصرة والتضحية وليس طمًعا في نفوذ أو رغبة في سلطان‪،‬‬
‫وذلك لن الغاية التي يضعها النسان للشيء هي التي تكيف نشاط‬
‫النسان في السعي إليه‪ ،‬فلبد إذن من أن تتجرد الغاية المستهدفة‬
‫من وراء نصرة الدعوة‪ ،‬عن أي مصلحة مادية لضمان دوام التأييد‬
‫لها‪ ،‬وضمان المحافظة عليها من أي انحراف‪ ،‬وضمان أقصى ما‬
‫يمكن من بذل الدعم لها‪ ،‬وتقديم التضحيات في سبيلها )‪ ،(2‬فيجب‬
‫على كل من يريد أن يلتزم بالجماعة التي تدعو إلى الله أل يشترط‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)(البداية والنهاية )‪ ،(145 ،143 ،3/142‬البيهقي دلئل النبوة‪ ،‬إسناده حسن‬
‫ونقل عنه ابن كثير‪.‬‬
‫)(الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(1/421‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪32‬‬

‫ضا من أعراض الدنيا؛ لن هذه الدعوة لله والمر‬
‫عليها منصًبا‪ ،‬أو عر ً‬
‫لله يضعه حيث يشاء‪ ،‬والداخل في أمر الدعوة إنما يريد ابتغاء وجه‬
‫الله‪ ،‬والعمل من أجل رفع رايته‪ ،‬أما إذا كان المنصب هو همه‬
‫الشاغل فهذه علمة خطيرة تنبئ عن دخن في نية صاحبها )‪,(1‬لذلك‬
‫قال يحيى بن معاذ الرازي‪ :‬ل يفلح من شممت منه رائحة الرياسة‬
‫)‪.(2‬‬
‫‪ -2‬وتعلم على رضي الله عنه من رسول الله × أن صفة النصرة‬
‫التي كان يطلبها رسول الله لدعوته من زعماء القبائل أن تكون غير‬
‫مرتبطة بمعاهدات دولية‪ ،‬تتناقض مع الدعوة‪ ،‬ول يستطيعون التحرر‬
‫منها‪ ،‬وذلك لن احتضانهم للدعوة والحالة هذه يعرضها لخطر القضاء‬
‫عليها من قبل الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات‪ ،‬والتي تجد‬
‫دا لمصالحها )‪ ،(3‬إن الحماية‬
‫في الدعوة السلمية خطًرا عليها وتهدي ً‬
‫المشروطة أو الجزئية ل تحقق الهدف المقصود‪ ،‬فلن يخوض بنو‬
‫لو( أراد القبض على رسول الله × وأتباعه‪،‬‬
‫شيبان حرًبا ضد كسرى‪،‬‬
‫وبذلك فشلت المباحثات )‪. 4‬‬
‫‪ -3‬إن دين الله لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه‪ ،‬كان‬
‫هذا الرد من النبي × على المثنى بن حارثة‪ ،‬حين عرض على النبي‬
‫× حمايته على مياه العرب‪ ،‬دون مياه الفرس‪ ،‬فمن يسبر أغوار‬
‫السياسة البعيدة ير ُبعد النظر السلمي النبوي الذي ل يسامى )‪.(5‬‬
‫‪4‬لمس على رضي الله عنه أثر السلم على المثنى وقومه بعد‬‫أن أسلموا‪ ،‬وكيف تحملت قبيلة بنى شيبان عبء مواجهة الفرس‪،‬‬
‫وكان المثنى بن حارثة – فيما بعد‪ -‬من قادة فتح العراق في عهد‬
‫الصديق رضي الله عنه‪ ،‬فقد أكسبهم اليمان بهذا الدين جرأة على‬
‫قتال الفرس‪.‬‬
‫هذه بعض المفاهيم والدروس والعبر التي استفادها على رضي‬
‫الله عنه من رسول الله عند مفاوضاته لزعماء بنى شيبان‪.‬‬
‫ثامًنا‪ :‬تقديمه نفسه فداء للنبي ×‪:‬‬
‫عندمات اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة‪ ،‬وأجمعوا على قتل‬
‫النبي × والتخلص منه‪ ،‬أعلم الله نبيه × بذلك‪ ،‬وكان النبي × أحكم‬
‫خلق الله‪ ،‬فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه‬
‫يخرج عليهم‪ ،‬فأمر على بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في‬
‫فراشه تلك الليلة‪ ،‬ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله ×‬
‫والعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع‬
‫البقاء في هذا البيت هو يعلم أن العداء ل يفرقون بينه وبين‬
‫مضجعه؟ إنه ل يفعل ذلك إل أبطال الرجال‬
‫الرسول الله × في‬
‫وشجعانهم بفضل الله )‪ – (6‬تعالى‪ ،-‬وقد أمره النبي × أن يقيم بمكة‬
‫ما حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها‬
‫أيا ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(وقفات تربوية من السيرة النبوية‪ ،‬عبد الحميد البللي‪ :‬ص)‪.(72‬‬
‫)( صفة الصفوة )‪.(4/94‬‬
‫)( الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(1/421‬‬
‫)( التحالف السياسي في السلم‪ ،‬منير الغضبان‪ :‬ص)‪.(35‬‬
‫)( التحالف السياسي في السلم‪ :‬ص)‪.(64‬‬
‫)( الحكمة في الدعوة إلى الله للقحطاني‪ :‬ص)‪.(235‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪33‬‬

‫من أعدائه كاملة غير منقوصة‪ ،‬وهذا من أعظم العدل‪ ،‬وأداء المانة‬
‫)‪ ,(1‬وقد جاء في رواية‪ :‬أن رسول الله × قال له‪ :‬نم في فراشي‪،‬‬
‫ج ببردي هذا الخضري‪ ،‬فنم فيه‪ ،‬فإنه لن يخلص إليك‬
‫س ّ‬
‫وت َ َ‬
‫شيء تكرهه منهم )‪ .(2‬وقال ابن حجر‪ ،‬وذكر موسى بن عقبة عن‬
‫ى على فراش رسول الله يوارى عنه‪،‬‬
‫ابن شهاب قال‪ :‬فرقد عل ّ‬
‫وباتت قريش تختلف‪ ،‬وتأتمر‪ ،‬أيهم يهجم على صاحب الفراش‬
‫أصبحوا فإذا هم بعلى‪ ،‬فسألوه‪ ،‬فقال‪ :‬ل علم لي‪،‬‬
‫فيوثقه‪ ،‬حتى‬
‫)‪(3‬‬
‫علًيا قد شرى نفسه تلك‬
‫إن‬
‫عباس‪:‬‬
‫ابن‬
‫وعن‬
‫‪,‬‬
‫فر‬
‫قد‬
‫فعلموا أنه‬
‫الليلة حين لبس ثوب النبي‪ ،‬ثم نام مكانه )‪ ,(4‬وفي على وإخوانه من‬
‫الصحابة المجاهدين الذين يبتغون رضوان الله والدار الخرة نزل‬
‫ري ن َ ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ت‬
‫ه اب ْت ِ َ‬
‫مْر َ‬
‫ضا ِ‬
‫و ِ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫غاءَ َ‬
‫س ُ‬
‫س َ‬
‫قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ش ِ‬
‫ن ال ّْنا ِ‬
‫عَباِد" ]البقرة‪.[207 :‬‬
‫ف ِبال ِ‬
‫ه َرءُو ٌ‬
‫الل ِ‬
‫والل ُ‬
‫ه َ‬
‫وفي هذا الموقف دروس وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إن خطة الهجرة كما رسمها رسول الله × كانت تتطلب أن‬
‫يأخذ مكانه في البيت رجل تشغل حركته داخل الدار أنظار‬
‫المحاصرين لها من مشركي قريش‪ ،‬وتخدعهم بعض الوقت عن‬
‫رسول الله ×‪ ،‬حتى يكون وصاحبه أبو بكر قد جاوزوا منطقة‬
‫مخرج‬
‫الخطر )‪.(5‬‬
‫‪2‬في تلبية على رضي الله عنه لمر النبي × مثل للجندي‬‫الصادق‪ ،‬المخلص لدعوة السلم‪ ،‬حيث فدى قائده بحياته‪ ،‬ففي سلمة‬
‫القائد سلمة الدعوة‪ ،‬وفي هلكه خذلنها‪ ،‬ووهنها‪ ،‬فما فعله على رضي‬
‫الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول × يعتبر تضحية‬
‫غالية‪ ،‬إذ كان من المحتمل أن تهوى سيوف فتيان قريش على رأس‬
‫لم يبال بذلك‪ ،‬فحسبه‬
‫يا ًرضي الله عنه‬
‫على رضي الله عنه‪ ،‬ولكن عل‬
‫أن يسلم رسول الله نبي المة‪ ،‬وقائد الدعوة )‪.(6‬‬
‫في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله × مع محاربتهم له‪،‬‬
‫ ‪3‬‬‫وتصميمهم على قتله‪ ،‬دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا‬
‫واقعين فيه‪ ،‬ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه‪ ،‬ويزعمون أنه ساحر‪ ،‬أو‬
‫مجنون‪ ،‬أو كذاب‪ ،‬لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة‬
‫وصد ًفكانوا ل يضعون حوائجهم‪ ،‬ول أموالهم التي يخافون عليها إل‬
‫قا‪،‬‬
‫عنده‪ ،‬وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في‬
‫صدقه‪ ،‬وإنما بسبب تكبرهم)‪(7‬واستعلئهم على الحق‪ ،‬الذي جاء به‪ ،‬وخوًفا‬
‫على زعامتهم وطغيانهم ‪,‬وصدق الله العظيم‪َ + :‬‬
‫ه‬
‫قدْ ن َ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫علَّ ُ‬
‫م ل َ ي ُك َذُّبون َ َ‬
‫حُزن ُ َ‬
‫ن َ‬
‫ذي ي َ ُ‬
‫ن‬
‫ن الظال ِ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫مي َ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ن" ]النعام‪.[33:‬‬
‫دو‬
‫ح‬
‫ج‬
‫ي‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ت‬
‫يا‬
‫ِبآ َ ِ‬
‫ِ َ ْ َ ُ َ‬
‫‪ -4‬وفي أمر الرسول× لعلى‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬بتأدية هذه‬
‫المانات لصحابها في مكة‪ ،‬على الرغم من هذه الظروف الشديدة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الطبقات الكبرى )‪ ،(3/22‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص)‪.(166‬‬
‫السيرة لبن هشام )‪ ،(2/91‬فتح الباري )‪.(7/236‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/237‬‬
‫فضائل الصحابة رقم )‪ (1168‬إسناده حسن‪.‬‬
‫خلفاء الرسول‪ :‬ص)‪ ،(36‬العشرة المبشرون بالجنة محمد صالح‪.‬‬
‫السيرة النبوية للسباعي‪ :‬ص)‪.(345‬‬
‫فقه السيرة للبوطي‪ :‬ص)‪.(153‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪34‬‬

‫التي كان من المفروض أن يكتنفها الضطراب‪ ،‬بحيث ل يتجه التفكير‬
‫إل إلى إنجاح خطة هجرته فقط‪ ،‬على الرغم من ذلك فإن الرسول‬
‫ولو‪(1‬كان‬
‫× ما كان لينسى أو ينشغل عن رد المانات إلى أهلها‪ ،‬حتى‬
‫في أصعب الظروف التي تنسي النسان نفسه فضل ً عن غيره ) ‪،‬‬
‫ويؤذيه؛ لن‬
‫فقد أبى أن يخون من ائتمنه ولو كان عدًوا يحرض عليه‪،‬‬
‫خيانة المانة من صفات المنافقين‪ ،‬ويتنزه عنها المؤمنون )‪.(2‬‬
‫‪ -5‬هذا الحديث العظيم فيه دللة قاطعة على شجاعة على رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬فإنه يعلم وهو يقوم بتنفيذ ما أمر به أنه معرض لخطر‬
‫عظيم‪ ،‬فقد يقتحمون عليه داره ويقتلونه دون أن يتثبتوا من هويته‪،‬‬
‫وقد يباغتونه وهو خارج في الصباح من غير أن يتبينوا من هو‪ ،‬والقوم‬
‫يتربصون به طوال الليل يترقبون هذه اللحظة وقد بلغ منهم الجهد‬
‫كل مبلغ‪ ،‬فأصبحوا غير قادرين على التأكد من شخصية الخارج من‬
‫الدار‪ ،‬أهو محمد × أم رجل آخر؟ لبد أن ذلك كله قد دار في عقل‬
‫على لكنه بادر وسعد بالتنفيذ فهو أو ً‬
‫ل‪ :‬يحب الله ورسوله حًبا ملك‬
‫عليه قلبه‪ ،‬فجعل سلمة رسول الله × هدفه السمى ولو كلفه ذلك‬
‫ما‬
‫التضحية بحياته‪ ،‬ثانًيا‪ :‬هي عملية لبد منها لكي يخرج الرسول سال ً‬
‫من تدبير العداء حتى يتمكن من نشر السلم في كل مكان‪ ،‬فالمر‬
‫إذن يتعلق بمصلحة السلم أول ً وثانًيا‪ ،‬وقد نام على رضي الله عنه‬
‫في فراش رسول الله × مع كل هذه التوقعات‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫عمق إيمانه بقضاء الله وقدره‪ ،‬فهو بحق مؤمن بقوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫قل‬
‫ه‬
‫و َ‬
‫ه ل ََنا ُ‬
‫عَلى الل ِ‬
‫ّلن ي ّ ِ‬
‫ما ك َت َ َ‬
‫و َ‬
‫ب الل ُ‬
‫صيب ََنا إ ِل ّ َ‬
‫ول ََنا َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن" ]التوبة‪ .[51:‬وإننا لنلمح في اختيار رسول‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫وك ّ ِ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫الله × لعلى‪ -‬ليقوم بهذا الدور الخطير‪ -‬ثقة تامة ل تعدلها ثقة‪،‬‬
‫واطمئناًنا إلى قدرات خاصة امتاز بها على قد ل تتوافر في غيره‪،‬‬
‫فإنه لم يتردد حين دعاه الرسول × لينام على فراشه‪ ،‬وهو يعلم أنه‬
‫ليس وراء ذلك إل الموت الذي أعد له المشركون أشجع فتيان‬
‫قريش ولم يسمح لنفسه‬
‫أن يفكر في العاقبة؛ لنه يعلم أنه حين يكون فداء لرسول الله ينال‬
‫بذلك شرًفا ل يناله‬
‫)‪(3‬‬
‫بغير هذا الطريق ‪.‬‬

‫تاسًعا‪ :‬هجرته‪:‬‬
‫لما أصبح على‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬قام عن فراشه‪ ،‬فعرفه القوم‬
‫وتأكدوا من نجاة رسول الله ×‪ ،‬فقالوا لعلى‪ :‬أين صاحبك؟ قال‪ :‬ل‬
‫أدري‪ ،‬أو رقيًبا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج‪ .‬وضاق القوم‬
‫بتلك الجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم‪،‬‬
‫وقد عموا عنه فلم يروه‪ ،‬فانتهروا علًيا وضربوه‪ ،‬وأخذوه إلى‬
‫المسجد فحبسوه هناك ساعة‪ ،‬ثم تركوه )‪ ,(4‬وتحمل على ما نزل به‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص)‪.(364‬‬
‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ :‬ص)‪.(423‬‬
‫المصدر السابق نفسه‪ :‬ص)‪.(426‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(2/374‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪35‬‬

‫في سبيل الله‪ ،‬وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل‬
‫أذى نزل به‪ ،‬ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله ×‪ ،‬وانطلق‬
‫على في مكة يجوب شوارعها باحًثا عن أصحاب الودائع التي خلفه‬
‫رسول الله من أجلها‪ ،‬وردها إلى أصحابها‪ ،‬وظل يرد هذه المانات‬
‫حتى برئت منها ذمة رسول الله ×‪ ،‬وهناك تأهب للخروج ليلحق‬
‫برسول الله × بعد ثلث ليال قضاهن في مكة )‪.(5‬‬
‫بالنهار فإذا جن عليه الليل سار‬
‫وكان على في أثناء هجرته يكمن‬
‫حتى قدم المدينة‪ ،‬وقد تفطرت قدماه )‪ ,(1‬وهكذا يكون على رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬قد لقى في هجرته من الشدة ما لقى‪ ،‬فلم تكن له راحلة‬
‫يمتطيها‪ ،‬ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي‬
‫مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة‪ ،‬ولو‬
‫أضفنا إلى ذلك أنه – رضي الله عنه – قد قطع الطريق على قدميه‬
‫دون أن يكون معه رفيق يؤنسه‪ ،‬لعلمنا مقدار ما تحمله من قسوة‬
‫الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله – عز وجل – وأنه في نهاية‬
‫المطاف سيلحق برسول الله ×‪ ،‬ويستمتع بجواره أمًنا مطمئًنا في‬
‫ى يقطع الطريق ويصل إلى المدينة حتى نزل‬
‫المدينة‪ ،‬ولم يكد عل ّ‬
‫بن عوف على كلثوم بن الهدم‪ ،‬حيث كان ينزل‬
‫في بنى عمرو‬
‫رسول الله × )‪ ,(2‬وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫ما‪.‬‬
‫طالب – رضي الله عنه – تضحية وفداء وتحمل ً وشجاعة وإقدا ً‬
‫وقد لحظ سيدنا على مدة إقامته بقباء امرأة مسلمة ل زوج لها‪،‬‬
‫ورأى إنساًنا يأتيها من جوف الليل‪ ،‬فيضرب عليها بابها‪ ،‬فتخرج إليه‪،‬‬
‫فيعطيها شيًئا معه‪ ،‬فتأخذه‪ ،‬ولنستمع إليه رضي الله عنه وهو يحدثنا‬
‫بالقصة حيث قال‪ :‬فاستربت بشأنه‪ ،‬فقلت لها‪ :‬يا أمة الله‪ ،‬من هذا‬
‫الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه‪ ،‬فيعطيك شيًئا ل‬
‫أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة‪ ،‬ل زوج لك؟ قالت‪ :‬هذا سهل بن‬
‫حنيف بن وهب‪ ،‬قد عرف أني امرأة ل أحد لي‪ ،‬فإذا أمسى عدا على‬
‫أوثان قومه فكسرها‪ ،‬ثم جاءني بها فقال‪ :‬احتطبي بهذا‪ ,‬فكان على‬
‫رضي الله يؤثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حتى هلك عنده بالعراق‬
‫)‪.(3‬ونلحظ صفة النباهة واليقظة التي لبد للمسلم أن يتحلى بها ول‬
‫يكون غافل ً عما يدور حوله‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ ،(2/382‬البداية والنهاية )‪ ،(7/335‬جولة تاريخية‪ :‬ص)‪.(424‬‬
‫)( الكامل )‪.(2/106‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪ ،(3/22‬السيرة لبن هشام )‪ ،(2/129‬ذكره ابن إسحاق‬
‫بدون إسناده جولة تاريخية‪.(425) :‬‬
‫)( محمد رسول الله‪ ،‬صادق عرجون )‪.(2/421‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪36‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫معايشة أمير المؤمنين على للقرآن الكريم‬
‫وأثرها عليه في حياته‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تصوره عن الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء‬
‫والقدر‪:‬‬
‫كان المنهج التربوي الذي تربي عليه على بن أبى طالب رضي‬
‫الله عنه هو نفسه الذي خضع له كل الخلفاء الراشدين‪ ،‬والصحابة‬
‫الكرام‪ ،‬فقد تربوا على القرآن الكريم‪ ،‬وكان المربي سيد الخلق‬
‫دا ×‪ ،‬فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر‬
‫أجمعين محم ً‬
‫التلقى وتفرده‪ ،‬وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج‪ ،‬مع ما‬
‫يوحي إليه المولي عز وجل من الحكمة‪ ،‬ولقد تربي الفرد المسلم‪،‬‬
‫والسرة المسلمة‪ ،‬والجماعة المسلمة على العقائد والعبادات‬
‫والمعاملت والخلق التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ×‪،‬‬
‫ولقد كانت لليات الكريمة التي سمعها على من رسول الله مباشرة‬
‫أثرها في صياغة شخصيته السلمية‪ ،‬فقد طهرت قلبه‪ ،‬وزكت نفسه‪،‬‬
‫فتحول إلى إنسان جديد بقيمه‬
‫ونورت عقله‪ ،‬وتفاعلت معها روحه‪،‬‬
‫ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته )‪.(1‬‬
‫فقد عرف على رضي الله عنه من خلل القرآن الكريم والتربية‬
‫النبوية الراشدة من هو اللة الذي يجب أن يعبده‪ ،‬وكان النبي ×‬
‫يغرس في نفسه معاني تلك اليات العظيمة‪ ،‬فقد حرص × أن يربي‬
‫أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم‪ ،‬مدر ً‬
‫كا أن‬
‫هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفي النفوس‪،‬‬
‫وتستقيم الفطرة‪ ،‬فأصبحت نظرة على رضي الله عنه إلى الله‬
‫والكون والحياة والنار‪ ،‬والقضاء والقدر‪ ،‬وحقيقة النسان‪ ،‬وصراعه‬
‫مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدى النبي ×‪.‬‬
‫فالله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص‪ ،‬موصوف بالكمالت‬
‫التي ل تتناهى‪ ،‬فهو »واحد ل شريك له ولم يتخذ صاحبة ول‬
‫دا«‪.‬‬
‫ول ً‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫شيء‬
‫وأنه سبحانه خالق‬
‫ومدبره‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫م الل ُ‬
‫ن َرب ّك ُ‬
‫ومالكه ست ّة أ َ‬
‫كلوال َ‬
‫ُ‬
‫وى‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫م‬
‫ث‬
‫م‬
‫يا‬
‫في‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ق ال ّ‬
‫ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫ما َ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫س‬
‫ش يُ ْ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫ه َ‬
‫عَلى ال َ‬
‫شي اللي ْل الن ّ َ َ‬
‫والش ْ‬
‫هاَر ي َ َطل َب ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حِثي ْثا َ‬
‫عْر ِ‬
‫ْ‬
‫مُر ت ََباَر َ‬
‫َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ك‬
‫وال‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ت‬
‫را‬
‫خ‬
‫س‬
‫م‬
‫م‬
‫جو‬
‫ن‬
‫وال‬
‫ق‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مَر َ ّ ُ َ ُ َ َ ٍ ِ ْ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫ن" ]العراف‪.[54 :‬‬
‫عال َ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫مي َ‬
‫الل ُ‬
‫وأنه تعالى مصدر كل نعمة في هذا الوجود‪ ،‬دقت أو عظمت‪،‬‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫ة َ‬
‫م إِ َ‬
‫م‬
‫ن الل ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ٍ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫ذا َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ع َ‬
‫كم ّ‬
‫ظهرت أو َخفيت‪َ + َ ،‬‬
‫ضّر َ‬
‫ن" ]النحل‪.[53:‬‬
‫ال ّ‬
‫فإ ِلي ْ ِ‬
‫جأُرو َ‬
‫ه تَ ْ‬
‫وأن علمه محيط بكل شيء‪ ،‬فل تخفي عليه خافية في الرض ول‬
‫في السماء‪ ،‬ول ما يخفي النسان وما يعلن‪ ،‬وأنه سبحانه يقيد على‬
‫النسان أعماله بواسطة ملئكته‪ ،‬في كتاب ل يترك كبيرة ول صغيرة‬
‫إل أحصاها‪ ،‬وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب‬
‫ف ُ‬
‫من َ‬
‫د" ]ق‪.[18:‬‬
‫ب َ‬
‫ه َر ِ‬
‫ما ي َل ْ ِ‬
‫ل إ ِل ّ ل َدَي ْ ِ‬
‫ظ ِ‬
‫عِتي ٌ‬
‫قي ٌ‬
‫‪َ +‬‬
‫و ٍ‬
‫ق ْ‬
‫وأنه سبحانه يبتلي عباده بأمور تخالف ما يحبون وما يهوون‬
‫‪1‬‬

‫صلبي )‪.(1/145‬‬
‫)( السيرة النبوية لل ّ‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪37‬‬

‫ليعرف الناس معادنهم‪ ،‬ومن منهم يرضى بقضاء الله وقدره‪ ،‬ويسلم‬
‫له ظاهًرا وباطًنا‪ ،‬فيكون جديًرا بالخلفة والمامة والسيادة‪ ،‬ومن‬
‫ذي‬
‫شيًئا‪،‬‬
‫منهم يغضب ويسخط فل يساوى‬
‫ول ُيسند إليه شيء ‪+‬ال ّ ِ‬
‫م أَ‬
‫م أَ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫وك ُ‬
‫ً‬
‫زيُز‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫ك‬
‫ي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫خ ْل َ َ‬
‫َ َ‬
‫حَياةَ ل ِي َب ْل ُ َ‬
‫ت َ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫غ ُ‬
‫فوُر" ]الملك‪.[2:‬‬
‫ال َ‬
‫وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه ولذ بحماه ونزل‬
‫ذي ن َّز َ‬
‫ل‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫على حكمة في كل ما يأتي وما يذر‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ي الل ُ‬
‫ن َ‬
‫ول ِي ّ َ‬
‫ن" ]العراف‪ ،[196 :‬وأنه سبحانه‬
‫صال ِ ِ‬
‫و ُ‬
‫ال ْك َِتا َ‬
‫حي َ‬
‫وّلى ال ّ‬
‫و ي َت َ َ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫وتعالى حقه على العباد أن يعبدوه ويوحدوه ول يشركوا به شيًئا‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن" ]الزمر‪.[66 :‬‬
‫فا ْ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كن ّ‬
‫ل الل َ‬
‫عب ُدْ َ‬
‫‪+‬ب َ ِ‬
‫شاك ِ ِ‬
‫للعبادة وهذا حق الله على العباد‪ ،‬كما قال‬
‫وأنه وحده المستحق‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫فُر َأن ي ُ ْ‬
‫ك‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫دو َ‬
‫تعلى‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫ما ُ‬
‫فُر َ‬
‫ن الل َ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫من ي ّ َ‬
‫ما"‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ما‬
‫ث‬
‫إ‬
‫رى‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ا‬
‫د‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ه‬
‫بالل‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ ً‬
‫ِ ً‬
‫شاءُ َ َ‬
‫لِ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫]النساء‪.[48 :‬‬
‫وأنه)‪(1‬سبحانه حدد مضمون هذه العبودية‪ ،‬وهذا التوحيد في القرآن‬
‫الكريم ‪.‬‬
‫َ وأما نظرته للكون فقد استمدها من قول الله تعالى‪ُ + :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ل َت َك ْ ُ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ع‬
‫ذي َ‬
‫ض ِ‬
‫ن ِبال ّ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ج َ‬
‫وت َ ْ‬
‫مي ْ‬
‫َ ُ‬
‫و َ‬
‫خل َ َ‬
‫أ َئن ّك ُ ْ‬
‫ق الْر َ‬
‫ن َ‬
‫في ي َ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ق‬
‫و‬
‫ف‬
‫من‬
‫ي‬
‫س‬
‫وا‬
‫ر‬
‫ها‬
‫في‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫دا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ ّ‬
‫دا ً‬
‫أن َ‬
‫ْ َ‬
‫ََ َ َ َ َ‬
‫فيها َ أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س‬
‫م‬
‫يا‬
‫أ‬
‫ة‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ر‬
‫أ‬
‫في‬
‫ها‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ق‬
‫ر‬
‫د‬
‫ق‬
‫و‬
‫ها‬
‫في‬
‫ك‬
‫ر‬
‫با‬
‫واءً‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ٍ َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫و َ َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن َ‬
‫ُ‬
‫قا َ‬
‫ها‬
‫ه‬
‫و‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫لى‬
‫إ‬
‫وى‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫م‬
‫ث‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫لي‬
‫ئ‬
‫سا‬
‫ّلل‬
‫ي دُ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫خا ٌ‬
‫ل لَ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن ‪َ َ‬‬
‫ها َ َ‬
‫ن‬
‫و ً‬
‫ضا ُ‬
‫ق َ‬
‫قال ََتا أت َي َْنا طائ ِ ِ‬
‫و ك َْر ً‬
‫ه ّ‬
‫عي َ‬
‫عا أ ْ‬
‫ض ائ ْت َِيا طَ ْ‬
‫َ‬
‫ول ِلْر ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ها‬
‫ما ٍ‬
‫وأ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫في‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ما‬
‫س‬
‫ع‬
‫ب‬
‫س‬
‫مَر َ‬
‫حى ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في كل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ء أ ْْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ف ً‬
‫ظا ذَل ِ َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ز‬
‫و ِ‬
‫ق ِ‬
‫ديُر ال َ‬
‫صاِبي َ‬
‫و َْزي ّّنا ال ّ‬
‫ماءَ الدّن َْيا ب ِ َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫عِليم ِ" ]فصلت‪.[12 -9 :‬‬
‫ال َ‬
‫وأما هذه الحياة فمهما طالت فهي إلى زوال‪ ،‬وأن متاعها مهما‬
‫مث َ َ‬
‫ة‬
‫عظم فإنه‬
‫قليل حقير‪ ،‬قال تعالى‪+:‬ا ْ‬
‫حَيا ِ‬
‫ل ال ْ َ َ‬
‫ر ْ‬
‫ب َل َ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ض ِ‬
‫ء أَ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ت‬
‫با‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ط‬
‫ل‬
‫ت‬
‫خ‬
‫فا‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫ٍ‬
‫ما‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ َ‬
‫ُ‬
‫ال َدّن َْيا ك َ َ‬
‫ِ‬
‫ُُ ّ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫كا‬
‫و‬
‫ح‬
‫ريا‬
‫ال‬
‫ه‬
‫رو‬
‫ذ‬
‫ت‬
‫ما‬
‫شي‬
‫ه‬
‫ح‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫صب َ َ‬
‫ُ‬
‫ُ ْ ُ‬
‫ْ ً‬
‫فأ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫ة‬
‫يا‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ن‬
‫زي‬
‫ن‬
‫نو‬
‫ب‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ا‬
‫‪‬‬
‫را‬
‫د‬
‫ت‬
‫ق‬
‫م‬
‫ُ‬
‫وال َْبا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قَيا ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫مل ً" ]الكهف‪،[46 ،45 :‬‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫خي ٌْر ِ‬
‫عن ْدَ َرب ّ‬
‫صال ِ َ‬
‫حا ُ‬
‫خي ٌْر أ َ‬
‫ال ّ‬
‫واًبا َ‬
‫ك ثَ َ‬
‫فعّرف الله تعالى النسان المسلم حقيقة الحياة‪ ،‬وأنها ليست دار‬
‫كرامة‪ ،‬وأن الخرة خير وأبقى‪ ،‬وهى تهدي من تمكن حب الله‬
‫ورسوله من قلبه على أن يقدم رضا الله ورسوله على ما سواه‪ ،‬ولو‬
‫كان الثمن الدنيا وما فيها‪ .‬وقد عبر عن هذه الحقيقة أمير المؤمنين‬
‫ى تشوقت‪،‬‬
‫على عندما قال‪» :‬يا دنيا غُ ّ‬
‫ى تعرضت أم إل ّ‬
‫رى غيري‪ ،‬إل ّ‬
‫ً‬
‫قصير‪ ،‬وخطرك‬
‫هيهات هيهات‪ ،‬قد باينتك ثلثا ل رجعة فيها‪ ،‬فعمرك‬
‫قليل‪ ،‬أه من قلة الزاد‪ ،‬وبعد السفر‪ ،‬ووحشة الطريق )‪« (2‬‬
‫وأما نظرته إلى الجنة فقد استمدها من خلل اليات الكريمة‬
‫جا َ‬
‫م‬
‫فى ُ‬
‫التي وصفتها فأصبح حاله ممن قال الله فيهم ‪ +‬ت َت َ َ‬
‫جُنوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫و ً‬
‫م‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ق‬
‫ز‬
‫ر‬
‫م َ‬
‫ع ي َدْ ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫عو َ‬
‫م ً‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫ما َ َ َ َ ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫وطَ َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ضا ِ‬
‫عا َ‬
‫فا َ‬
‫جَِ‬
‫ع ِ‬
‫خ أ ُْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ع‬
‫أ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ق‬
‫من‬
‫هم‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ف‬
‫خ‬
‫ما‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫قو‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫يُ‬
‫َ ُ‬
‫ّ‬
‫ٌ ّ‬
‫ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ُ ٍ‬
‫َ‬
‫ن" ]السجدة‪.[17 ،16 :‬‬
‫ع‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ء‬
‫زا‬
‫ج‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫مُلو َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( منهج الرسول في غرس الروح الجهادية‪.(16-10) :‬‬
‫)( الستيعاب )‪.(3/1108‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪38‬‬

‫وأما تصوره للنار فقد استمده من القرآن الكريم‪ ،‬فأصبح هذا‬
‫عا له في حياته عن أي انحراف عن شريعة الله‪ ،‬فيرى‬
‫التصور راد ً‬
‫المتتبع لسيرة أمير المؤمنين على رضي الله عنه عمق استيعابه‬
‫لفقه القدوم على الله عز وجل‪ ،‬وشده خوفه من عذاب الله وعقابه‪،‬‬
‫وسيتضح كثير من هذه المعالم في هذا الكتاب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما مفهوم القضاء والقدر فقد استمده من كتاب الله وتعليم‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فقد رسخ مفهوم القضاء والقدر في قلبه‪ ،‬واستوعب‬
‫مراتبه من كتاب الله تعالى‪ ،‬فكان ْعلى يقين بأن علم الله محيط‬
‫ما ت َ ُ‬
‫ول َ‬
‫من ُ‬
‫في َ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ت َت ُْلو ِ‬
‫كو ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫قْرآ ٍ‬
‫ن َ‬
‫ش ُأ ٍ‬
‫بكل ُشيء ‪َ +‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫و‬
‫ه‬
‫في‬
‫ن‬
‫ضو‬
‫في‬
‫ت‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫دا‬
‫هو‬
‫ش‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ل‬
‫م‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫ملو َ‬
‫تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ِ َ َ‬
‫ْ ْ‬
‫ع َ‬
‫ُ ًَ ِ‬
‫ن َ َ ٍ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ء‬
‫ما ِ‬
‫س‬
‫ال‬
‫في‬
‫ل‬
‫و‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ث‬
‫م‬
‫من‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫عن‬
‫ب‬
‫ز‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ َ‬
‫ْ ِ َ‬
‫َ ّ َ َ ِْ ّ‬
‫ّ‬
‫ي َو ْل َ أ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن" ]يونس‪،[61:‬‬
‫بي‬
‫م‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫في‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ك‬
‫أ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫من‬
‫ر‬
‫غ‬
‫ص‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ٍ ّ ِ ٍ‬
‫وَتى‬
‫نَ ن ُ ْ‬
‫وأن الله قد كتب كل شيء كائن ‪ +‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫حِيي ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫ل َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ي ٍ‬
‫صي َْناهُ ِ‬
‫وآَثاَر ُ‬
‫ءأ ْ‬
‫ون َك ْت ُ ُ‬
‫في إ ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫قد ّ ُ‬
‫ب َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫موا َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫مام ٍ‬
‫ن" ]يس‪.[12:‬‬
‫ّ‬
‫مِبي ٍ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ما كا َ‬
‫ه ل ِي ُ ْ‬
‫جَز ُ‬
‫ن الل ُ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫وأن مشيئة الله نافذة وقدرته َ تامة ‪َ َ +‬‬
‫ه َ‬
‫من َ‬
‫ما‬
‫ر‬
‫ي ٍ‬
‫ن َ‬
‫ول ِ‬
‫ء ِ‬
‫وا ِ‬
‫ِ‬
‫كا َ‬
‫في ال ّ‬
‫عِلي ً‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ش ْ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م لَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫الل‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫‪+‬‬
‫شيء‬
‫كل‬
‫خالق‬
‫الله‬
‫وأن‬
‫‪،‬‬
‫[‬
‫‪44‬‬
‫]فاطر‪:‬‬
‫"‬
‫ديًرا‬
‫ق ِ‬
‫ُ َ ّ ْ‬
‫َِ ُ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫على ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫فا ْ‬
‫و ُ‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫إ ِل َ َ‬
‫ه َ‬
‫دوهُ َ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫كي ٌ‬
‫ل" ]النعام‪.[102:‬‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫وقد ترتب على الفهم الصحيح والعتقاد الراسخ في قلبه لحقيقة‬
‫القضاء والقدر‪ ،‬ثمار نافعة ومفيدة‪ ،‬ظهرت في حياته‪ ،‬وسنراها بإذن‬
‫الله تعالى في هذا الكتاب‪ ،‬وعرف من خلل القرآن الكريم حقيقة‬
‫نفسه وبنى النسان‪ ،‬وأن حقيقة النسان ترجع إلى أصلين‪ :‬الصل‬
‫حين سواه ونفخ فيه الروح‪،‬‬
‫البعيد وهو الخلقة الولى من طين‪،‬‬
‫ذي‬
‫َوالصل القريب وهو خلقه من‬
‫نطفة )‪ ،(1‬فقال تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫خل َ َ‬
‫ل َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫م‬
‫ي ٍ‬
‫وب َدَأ َ َ‬
‫ء َ‬
‫من ِ‬
‫ن ِ‬
‫أ ْ‬
‫ق ال ِن ْ َ‬
‫س َ‬
‫ح َ‬
‫ن ‪ ‬ثُ ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫ق ُ‬
‫سا ِ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫طي ٍَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ون َف َ‬
‫ه‬
‫ه‬
‫وا‬
‫س‬
‫م‬
‫ث‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫هي‬
‫م‬
‫ء‬
‫ٍ‬
‫ما‬
‫من‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ل‬
‫س‬
‫من‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫في ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ ُ‬
‫ّ َ َ ّ ُ َ‬
‫ّ َِ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫لي‬
‫ق‬
‫ة‬
‫د‬
‫ئ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ر‬
‫صا‬
‫ب‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ع‬
‫م‬
‫س‬
‫ال‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ه‬
‫ح‬
‫رو‬
‫من‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫تَ ْ‬
‫ن" ]السجدة‪ ،[9 -7 :‬وعرف أن هذا النسان خلقه الله بيده‪،‬‬
‫شك ُُرو َ‬
‫وأكرمه بالصورة الحسنة والقامة المعتدلة‪ ،‬ومنحه العقل والنطق‬
‫والتمييز‪ ،‬وسخر الله له ما في السماء والرض‪ ،‬وفضله على كثير‬
‫من خلقه‪ ،‬وكرمه بإرسال الرسل له‪ ،‬وأن من أروع مظاهر تكريم‬
‫المولى عز وجل سبحانه للنسان أن جعله أهل ً لحبه ورضائه ويكون‬
‫ذلك باتباع النبي × الذي دعا الناس إلى السلم لكي يحيوا حياة‬
‫بالنعيم ُالمقيم في الخرة‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬‬
‫طيبة في الدنيا‬
‫ويظفرواذَك َر أ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ة‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫و أن َْثى‬
‫من‬
‫حا‬
‫ل‬
‫صا‬
‫حَيا ً‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه َ‬
‫فل َن ُ ْ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫م ْ‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن" ]النحل‪:‬‬
‫لو‬
‫م‬
‫ع‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ب‬
‫هم‬
‫ر‬
‫ج‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ز‬
‫ج‬
‫ن‬
‫طَي ّب َ ً‬
‫ُ‬
‫ول َ َ ْ ِ َ ّ ُ ْ ْ َ ُ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫ِ ْ َ ِ َ‬
‫ة َ‬
‫‪.[97‬‬
‫وعرف أمير المؤمنين على رضي الله عنه حقيقة الصراع بين‬
‫النسان والشيطان‪ ،‬وأن هذا العدو يأتي للنسان من بين يديه ومن‬
‫خلفه‪ ،‬وعن يمينه وعن شماله‪ ،‬يوسوس له بالمعصية‪ ،‬يستثير فيه‬
‫كوامن الشهوات‪ ،‬فكان مستعيًنا بالله على عدوه إبليس منتصًرا‬
‫عليه في حياته‪ ،‬كما سنرى في سيرته‪ ،‬وتعلم من قصة آدم مع‬
‫الشيطان في القرآن الكريم‪ ،‬أن آدم هو أصل البشر‪ ،‬وأن جوهر‬
‫‪1‬‬

‫)( أصول التربية للنحلوى‪ :‬ص)‪.(31‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪39‬‬

‫السلم الطاعة المطلقة لله‪ ،‬وأن النسان له قابلية للوقوع في‬
‫الخطيئة‪ ،‬وتعلم من خطيئة آدم ضرورة توكل المسلم على ربه‪،‬‬
‫وأهمية التوبة والستغفار في حياة المؤمن‪ ،‬وضرورة الحتراز من‬
‫الحسد والكبر وتقديم مرضاة الله سبحانه وتعالى على كل ما سواه‪،‬‬
‫إخوانه من الصحابة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫وأهمية التخاطب بأحسن الكلم‬
‫مع َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن َينَز ُ‬
‫عَباِدي ي َ ُ‬
‫و ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫غ‬
‫قل ل ّ ِ‬
‫قوُلوا ال ِّتي ِ‬
‫طا َ‬
‫ن إِ ّ‬
‫يأ ْ‬
‫س ُ‬
‫ح َ‬
‫‪َ +‬‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مِبيًنا" ]السراء‪.[53 :‬‬
‫وا‬
‫د‬
‫ع‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ن‬
‫طا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ال‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ْ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫ُ ّ ّ‬
‫َ ِ ِْ َ ِ‬
‫وسار على منهج رسول الله في تزكية أصحابه لرواحهم‪ ،‬وتطهير‬
‫قلوبهم بأنواع العبادات‪ ،‬وتربيتهم على التخلق بأخلق القرآن الكريم‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مكانة القرآن الكريم عنده‪:‬‬
‫عاش أمير المؤمنين على رضي الله عنه حياته مع القرآن تلوة‬
‫وحف ً‬
‫من قرأ القرآن فمات فدخل النار‬
‫ما وعمل‪ ً ،‬وكان يقول‪» :‬‬
‫ظا وفه ً‬
‫)‪(1‬‬
‫وكان يقول‪» :‬طوبي لهؤلء‬
‫وا«‬
‫هز‬
‫الله‬
‫آيات‬
‫يتخذ‬
‫كان‬
‫ممن‬
‫فهو‬
‫ً‬
‫كانوا أحب الناس إلى رسول الله ׫)‪ (،2‬وكان يقول‪» :‬ما كنت أرى‬
‫أح ًيعقل ينام قبل أن يقرأ اليات الثلث الواخر من سورة البقرة«‬
‫دا‬
‫أي أهل القرآن وقال يصف القرآن الكريم ويبين عظيم قدره‪:‬‬
‫)‪,(3‬‬
‫»كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم مما بينكم‪ ،‬هو‬
‫الفصل ليس بالهزل‪ ،‬من تركه من جبار قصمه الله‪ ،‬ومن ابتغى الهدى‬
‫في غيره أضله الله‪ ،‬وهو الحبل المتين وهو الذكر الحكيم‪ ،‬وهو‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وهو الذي ل تزيغ به الهواء ول تلتبس به اللسن‪،‬‬
‫ول تنقضي عجائبه‪ ،‬ول يشبع منه العلماء‪ ،‬من قال به صدق‪ ،‬ومن عمل‬
‫هدى إلى صراط‬
‫به أجر‪،‬‬
‫ومن( حكم به عدل‪ ،‬ومن دعا إليه ُ‬
‫مستقيم«)‪. 4‬‬
‫ولشدة اهتمام أمير المؤمنين على بالقرآن حصل على علم كبير‬
‫به وبعلومه‪ ،‬فقد روى عنه أنه قال‪» :‬والله ما نزلت آية إل وقد‬
‫وعلى من نزلت‪ ،‬إن ربي وهب لي‬
‫علمت فيم نزلت‪ ،‬وأين نزلت‪،‬‬
‫قا«)‪ ,(5‬وقد قال رضي الله عنه‪:‬‬
‫قلًبا عقول ً ولساًنا صادًقا ناط ً‬
‫ليس‪(6‬من آية إل وقد عرفت بليل نزلت‬
‫»سلوني عن كتاب الله‪ ،‬فإنه‬
‫أم نهار‪ ،‬وفي سهل أم في جبل« ) ‪ ،‬ويرى ابن عبد البر أن علًيا‬
‫رضي الله عنه كان ممن جمع القرآن الكريم على عهد رسول الله‬
‫وهو حى )‪ ،(7‬وقد قال في آخر عهده‪» :‬سلوني قبل أن تفقدوني«)‪.(8‬‬
‫وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة‪ ،‬وكان رضي الله عنه‬
‫بالعراق‪ ،‬فكان من حرصه على تعليم الناس القرآن الكريم والهدى‬
‫النبوي الشريف في قوم كثر فيهم الجهل ول يعرفون الكثير من‬
‫أحكام الدين‪ ،‬فكان رضي الله عنه يحرص على تعليمهم وإرشادهم‬
‫للحق‪ ،‬فقد كان أعلم أهل زمانه‪ ،‬وهذا نموذج للعالم الرباني الذي‬
‫يحرص على تعليم الناس الخير وتربيتهم عليه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المستطرف )‪ ،(1/29‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(375‬‬
‫التبيان في آداب حملة القرآن‪ :‬ص)‪ ،(46‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(390‬‬
‫التبيان في آداب حملة القرآن‪ :‬ص)‪ ،(66‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(387‬‬
‫ى‪.‬‬
‫فضائل القرآن لبن كثير‪:‬ص )‪ (15‬موقوف على أمير المؤمنين عل ّ‬
‫الطبقات لبن سعد )‪ ،(2/338‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص)‪.(152‬‬
‫الصواعق المحرقة )‪ ،(2/375‬الطبقات )‪.(2/338‬‬
‫الستيعاب )‪ (3/1130‬وجمع القرآن الكريم أي حفظه عن ظهر قلب‪.‬‬
‫منهاج السنة )‪.(58 ،8/57‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪40‬‬

‫ثالًثا‪ :‬ما نزل فيه من القرآن الكريم‪:‬‬
‫كان القرآن الكريم ينزل على رسول الله يعالج أحداًثا واقعية‬
‫حصلت في المجتمع النبوي الكريم‪ ،‬فيثنى على عمل ما‪ ،‬ويشيد‬
‫بأقوام‪ ،‬ويحذر من آخرين‪ ،‬وينبه على بعض الخطاء‪ ،‬وقد نزلت بعض‬
‫اليات التي خلدت بعض المآثر لمير المؤمنين وبعض الصحابة رضي‬
‫الله عنهم أجمعين‪.‬‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫نا ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ِ‬
‫‪ -1‬منها قول تعالى‪َ + :‬‬
‫ه ْ‬
‫ص ُ‬
‫ص َ‬
‫خت َ َ‬
‫خ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ذا ِ‬
‫في ََرب ّ ِ‬
‫فُروا ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫و‬
‫ف‬
‫من‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ر‬
‫نا‬
‫من‬
‫ب‬
‫يا‬
‫ث‬
‫م‬
‫ه‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فال ّ ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫قط ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫ت لَ ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ ُ ْ ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫د ‪‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫طو‬
‫ب‬
‫في‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ص‬
‫ي‬
‫‪‬‬
‫م‬
‫مي‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫ؤو‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫جلو ُ‬
‫وال ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ ُ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ُ‬
‫قامع من ُ حديد ْ ‪ُ ‬ك ُل ِّ َ َ‬
‫ول َ‬
‫ن‬
‫هم‬
‫دوا َأن ي َ ْ‬
‫ها ِ‬
‫جوا ِ‬
‫م َ ِ ُ ِ ْ َ ِ ٍ‬
‫خُر ُ‬
‫ما أَرا ُ‬
‫م ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ذو ُ‬
‫خ ُ‬
‫ع َ‬
‫و ُ‬
‫ل‬
‫قوا َ‬
‫ه ي ُدْ ِ‬
‫دوا ِ‬
‫مأ ِ‬
‫ق ‪ ‬إِ ّ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫عي ُ‬
‫في َ‬
‫ن الل َ‬
‫غّ ّ‬
‫ها ُ َ‬
‫ح ِ‬
‫ري ِ‬
‫ها‬
‫ت‬
‫ح‬
‫ت‬
‫من‬
‫ري‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ت‬
‫نا‬
‫ج‬
‫ت‬
‫حا‬
‫ل‬
‫صا‬
‫ال‬
‫لوا‬
‫م‬
‫ع‬
‫و‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا ِ َ َ ُ‬
‫َ َ ِ‬
‫ّ َ ِ َ ِ َ ّ ٍ َ ْ ِ ُ ُِ َ ْ ِ َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫با‬
‫ل‬
‫و‬
‫ؤا‬
‫ل‬
‫ؤ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫من‬
‫ر‬
‫و‬
‫سا‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ها‬
‫في‬
‫ن‬
‫و‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ ِ َ ِ‬
‫هاُر ي ُ َ ْ َ‬
‫َ ِ ْ‬
‫الن ْ َ‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬
‫ٍ َ‬
‫ريٌر" ]الحج‪.[23 -19 :‬‬
‫ح‬
‫ها‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫ِ‬
‫روى البخاري بسنده عن على بن أبى طالب أنه قال‪» :‬أنا أول‬
‫من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة«‪ ،‬وقال قيس بن‬
‫ه َ‬
‫م" قال‪:‬‬
‫نا ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ِ‬
‫عبادة‪ :‬فيهم نزلت ‪َ +‬‬
‫ه ْ‬
‫ص ُ‬
‫ص َ‬
‫خت َ َ‬
‫خ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ذا ِ‬
‫في َرب ّ ِ‬
‫وأبو‪(1‬عبيدة بن الحارث وشيبة‬
‫وعلى‬
‫حمزة‬
‫بدر‪،‬‬
‫هم الذين تبارزا يوم‬
‫بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ) ‪.‬‬
‫ج َ‬
‫‪ -2‬وهو أحد من نزل فيهم قول الله تعالى‪َ + :‬‬
‫ه‬
‫ك ِ‬
‫في ِ‬
‫حا ّ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫جاءَ َ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫ق ْ‬
‫ع أ َب َْناءََنا‬
‫وا َ ن َدْ ُ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫ل تَ َ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫م َ‬
‫د َ‬
‫عال َ ْ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ن‬
‫م‬
‫ث‬
‫م‬
‫ك‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫نا‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ن‬
‫و‬
‫نا‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ن‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ء‬
‫نا‬
‫ب‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ .[61 :‬وذلك في‬
‫ه َ‬
‫ت الل ِ‬
‫عل ل ّ ْ‬
‫ج َ‬
‫فن َ ْ‬
‫عن َ َ‬
‫كاِذِبي َ‬
‫وفد نجران حينما جادلهم النبي × في عيسى ابن مريم‪ ،‬وأنه عبد‬
‫الله ورسوله‪ ،‬وكلمته ألقاها إلى أمه الطاهرة‪ ،‬فأجابته‪ ،‬وكذبهم في‬
‫أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلثة‪ ،‬ودعاهم إلى السلم‪ ،‬فأبوها‬
‫سعد بن أبي وقاص قال‪ :‬ولما‬
‫عامر‬
‫فدعاهم إلى المباهلة‪،‬‬
‫بن َ‬
‫فعن ُ َ‬
‫ف ُ‬
‫نزلت‪َ + :‬‬
‫ق ْ‬
‫م" دعا رسول الله‬
‫وا ن َدْ‬
‫ل تَ َ‬
‫وأب َْناءَك ُ ْ‬
‫ع أب َْناءََنا َ‬
‫عال َ ْ‬
‫وفاطمة‪ ،‬وحسًنا وحسيًنا رضي الله عنهم فقال‪ :‬اللهم هؤلء‬
‫علًيا‪،‬‬
‫أهلي )‪.(2‬‬
‫‪3‬مواقفة القرآن له في كون الجهاد أفضل من عمارة المسجد‬‫الحرام‪:‬ففي الصحيح أن رجل ًقال‪ :‬ل أبالي أل أعمل عمل ًبعد السلم‬
‫إل أن أعمر المسجد الحرام‪ ،‬فقال على بن أبى طالب‪» :‬الجهاد في‬
‫سبيل الله أفضل من هذا كله«‪ ،‬فقال عمر بن الخطاب »ل ترفعوا‬
‫أصواتكم عند منبر رسول الله ×‪ ،‬ولكن َإذا قضيت الصلة سألته عن‬
‫س َ‬
‫ج‬
‫قاي َ َ‬
‫م ِ‬
‫حا ّ‬
‫ة ال ْ َ َ‬
‫ج َ‬
‫ذلك‪ ،‬فسأله‪ ،‬فأنزل الله هذه الية‪ + :‬أ َ‬
‫عل ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫د‬
‫جا َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ِبالل ِ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫جدِ ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫حَرام ِ ك َ َ‬
‫ماَرةَ ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫س ِ‬
‫ر َ‬
‫وال َي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫خ ْ َِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫دي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن‬
‫وو‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ل‬
‫سِبي‬
‫في‬
‫ِ‬
‫َ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫َ ْ َ ُ َ ِ ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫ِ‬
‫ال ّ‬
‫ه‬
‫دوا ُ ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ل الل ِ‬
‫ن ‪ َ ‬ال ّ ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫نآ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫روا َ‬
‫ج ُ‬
‫م َُنوا َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫أو‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ة‬
‫ج‬
‫ر‬
‫د‬
‫م‬
‫ظ‬
‫ع‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ ْ‬
‫ب ِأْ ْ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫م َ ِ ْ َ‬
‫ّ‬
‫ال َ‬
‫ن ‪ ‬ي ُب َ ّ‬
‫م‬
‫ر ْ‬
‫شُر ُ‬
‫جّنا ٍ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫م ب َِر ْ‬
‫تل ُ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫م َةٍ ّ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫و ََ‬
‫جٌر‬
‫م‪َ ‬‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ها ن َ ِ‬
‫ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫دا إ ِ ّ‬
‫عن ْدَهُ أ ْ‬
‫ها أب َ ً‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫في َ‬
‫ن الل َ‬
‫قي ٌ‬
‫م ّ‬
‫عي ٌ‬
‫م" ]التوبة‪[.22-19 :‬فبين لهم أن اليمان والجهاد أفضل من عمارة‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ٌ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( البخاري رقم )‪.(3965‬‬
‫)( مسلم )‪.(1/171) ،425 (4/1871‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪41‬‬

‫المسجد الحرام والحج والطواف ومن الحسان إلى الحجاج )‪.(1‬‬
‫أمة محمد ×‪ :‬عن على رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬لما‬
‫‪ -4‬شفقته على َ‬
‫سو َ‬
‫مُنوا إ ِ َ‬
‫ل‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذا َنا َ‬
‫م الّر ُ‬
‫ذي َ‬
‫نزلت هذه الية‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫جي ْت ُ ُ‬
‫نآ َ‬
‫صد َ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ة" ]المجادلة‪ [12:‬قال النبي ×‬
‫ق ً‬
‫ي نَ ْ‬
‫موا ب َي ْ َ‬
‫واك ُ ْ‬
‫ن ي َدَ ْ‬
‫قد ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫لعلى‪ :‬مرهم أن يتصدقوا‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬بكم؟ قال‪:‬‬
‫بدينار‪ ،‬قال‪ :‬ل يطيقونه‪ .‬قال‪ :‬بنصف دينار‪.‬قال‪ :‬ل يطيقونه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫بشعيرة َ )‪ ،(2‬قال‪َ :‬فقال النبي × لعلى‪ :‬إنك لزهيد‪,‬‬
‫فبكم؟‬
‫قال‪:‬الله‪+ :‬أ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ك‬
‫وا‬
‫ج‬
‫ن‬
‫ي‬
‫د‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫موا‬
‫د‬
‫ق‬
‫ت‬
‫أن‬
‫م‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ش‬
‫أ‬
‫فأنزل‬
‫قال‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة‬
‫لوا‬
‫ع‬
‫ف‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ت‬
‫قا‬
‫صل َ َ‬
‫ه َ‬
‫فأ َ ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫وَتا َ‬
‫َ‬
‫صد َ‬
‫قي ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ب الل ُ‬
‫ْ‬
‫موا ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َِ‬
‫ة)"‪](3‬المجادلة‪ .[12:‬قال‪ :‬فكان على يقول‪ :‬فبي خفف الله‬
‫وآُتوا الّز‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫عن هذه المة ‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬تبليغه تفسير رسول الله لبعض آيات القرآن الكريم‪:‬‬
‫استفاد على رضي الله عنه من تفسير رسول الله ×‪ ،‬وبلغ ما‬
‫تعلم من رسول الله للناس وإليك بعض المثلة على ذلك‪:‬‬
‫قك ُ َ‬
‫ن" ]الواقعة‪:‬‬
‫م ت ُك َذُّبو َ‬
‫عُلو َ‬
‫ج َ‬
‫وت َ ْ‬
‫م أن ّك ُ ْ‬
‫رْز َ ْ‬
‫)أ( قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ن ِ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫‪+‬‬
‫قال‪:‬‬
‫×‬
‫النبي‬
‫عن‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫‪ :[82‬عن َعلى رضي‬
‫علو َ‬
‫ج َ‬
‫وت َ ْ‬
‫َ‬
‫رْز َ‬
‫مطرنا بنوء كذا‬
‫م ت ُك َذُّبو)‪َ (4‬‬
‫ن" قال‪ :‬شكركم أنكم تكذبون‪ُ ،‬‬
‫م أن ّك ُ ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫وكذا‪ ،‬بنجم كذا وكذا ‪.‬‬
‫)ب( فكل ميسر لما خلق له‪:‬عن على – رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬كنا‬
‫في جنازة في بقيع الغرقد‪ ،‬فأتانا رسول الله × فقعد وقعدنا حوله‪،‬‬
‫ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته‪ ،‬ثم قال‪» :‬ما منكم من‬
‫أحد‪ ،‬من نفس منفوسة إل وقد كتب الله مكانها من الجنة‬
‫والنار‪ ،‬أل وقد كتبت شقية أو سعيدة«‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا رسول‬
‫الله‪ ،‬أفل نتكل على كتابنا وندع العمل‪ ،‬من كان من أهل السعادة‬
‫فسيصير إلى عمل أهل السعادة‪ ،‬ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير‬
‫إلى عمل أهل الشقاوة‪ ،‬فقال‪» :‬اعملوا فكل ميسر‪ ،‬أما أهل‬
‫السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة‪ ،‬وأما أهل‬
‫فسييسرون إلى عمل أهل الشقاوة«‪ ،‬ثم قرأ‬
‫الشقاوةمن أ َ‬
‫‪َ َ +‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ر‬
‫س‬
‫ي‬
‫ن‬
‫س‬
‫ف‬
‫‪‬‬
‫نى‬
‫س‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ق‬
‫د‬
‫ص‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫قى‬
‫ت‬
‫وا‬
‫طى‬
‫ع‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ َ ّ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫ما َ ْ‬
‫َ َ ّ ُ ُ‬
‫فأ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خ َ‬
‫نى ‪‬‬
‫ست َ ْ‬
‫س َ‬
‫من )ب َ‪ِ (5‬‬
‫ب ِبال ُ‬
‫وك َذّ َ‬
‫ح ْ‬
‫وا ْ‬
‫ل ِل ْي ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫و ْأ ّ‬
‫غَنى ‪َ ‬‬
‫ل َ‬
‫سَرى ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫سَرى" ‪] :‬الليل‪ [،10 -5 :‬وفي رواية‪ :‬أفل نتكل على‬
‫سُرهُ ل ِل ُ‬
‫ع ْ‬
‫سن ُي َ ّ‬
‫ف َ‬
‫كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير إلى عمل‬
‫السعادة‪ ،‬ومن كان من أهل الشقاوة سيصير إلى عمل أهل‬
‫أهل‬
‫الشقاوة)‪.(6‬‬
‫وفي رواية في الصحيحين عن على قال‪ :‬كان رسول الله × ذات‬
‫يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال‪» :‬ما منكم من‬
‫نفس إل وقد علم منزلها من الجنة والنار« فقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( الفتاوى )‪.(8/166‬‬
‫)( بشعيرة‪ :‬وزن شعيرة من ذهب‪.‬‬
‫)( رواء الترمذي رقم ‪3297‬وقال‪ :‬حسن غريب وضعفه اللباني في ضعيف‬
‫موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان‪ :‬ص )‪.(128 ،127‬‬
‫)( الموسوعة الحديثية رقم ‪849‬حسن لغيره‪.‬‬
‫)( البخاري رقم)‪.(1362‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(6605‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪42‬‬

‫فقال‪ :‬ل‪..‬اعملوا‪ ،‬فكل ميسر‬
‫م نعمل؟‪ ،‬أو ل‬
‫الله ِفل َ‬
‫نتكل؟‪ ،‬من أ َ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫قى‬
‫ت‬
‫وا‬
‫طى‬
‫ع‬
‫ما‬
‫‪+‬‬
‫قرأ‪:‬‬
‫ثم‬
‫له‬
‫خلق‬
‫لما‬
‫ْ‬
‫صد ّ َ‬
‫ّ‬
‫ّ ْ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ِبال ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫غَنى‬
‫وا‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ب‬
‫من‬
‫ما‬
‫أ‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫رى‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ر‬
‫س‬
‫ي‬
‫ن‬
‫س‬
‫ف‬
‫‪‬‬
‫نى‬
‫س‬
‫ح‬
‫ست َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ّ‬
‫ّ ُ ُ‬
‫ْ َ‬
‫َ )‪(1‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سَنى ‪َ ‬‬
‫سَرى" ]الليل‪.[10-5 :‬‬
‫سُرهُ ل ِل ُ‬
‫ب ِبال ُ‬
‫و كذ ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫سن ُي َ ّ‬
‫ف َ‬
‫ح ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫فقد أخبر النبي × في هذه الحاديث وغيرها بما دل عليه القرآن‬
‫الكريم من أن الله – سبحانه وتعالى – تقدم علمه وكتابه وقضاؤه‬
‫بما سيصير إليه العباد من السعادة)‪(2‬والشقاوة كما تقدم علمه وكتابه‬
‫بغير ذلك من أحوال العباد وغيرهم ‪ ،‬قد بين النبي × أن ذلك ل‬
‫ينافي وجود العمال التي بها تكون السعادة أو الشقاوة‪ ،‬وأن من‬
‫كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة‪ ،‬ومن كان من‬
‫أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬وقد نهي أن يتكل‬
‫النسان على القدر السابق ويدع العمل‪ ،‬ولهذا كان من اتكل على‬
‫القدر السابق وترك ما أمر به من العمال هو من الخسرين أعما ً‬
‫ل‪،‬‬
‫الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا‪ ،‬وكان تركهم لما يجب عليهم من‬
‫العمل من جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬فإن‬
‫أهل السعادة هم الذين يعملون المأمور ويتركون المحظور‪ ،‬فمن‬
‫ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل المحظور متكل ً على القدر‪،‬‬
‫كان من جملة أهل الشقاوة والميسرين لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬وهذا‬
‫طالب رضي‬
‫الجواب الذي أجاب به النبي × وتعلمه على بن أبى‬
‫الله عنه وأصحاب النبي في غاية السداد والستقامة )‪.(3‬‬
‫سا‪ :‬الصول والسس التي سار عليها أمير المؤمنين على‬
‫خام ً‬
‫في استنباط الحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه‪:‬‬
‫كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه على مبلغ كبير من العلم‬
‫بالقرآن وعلومه‪ ،‬وقد جعله هذا العلم بالقرآن يعتقد أن القرآن فيه‬
‫إما صراحة أو ضمًنا‪ ،‬فكان يقول بصدد ذلك‪:‬‬
‫جميع الحكام الشرعية‬
‫»إن الله لم يك نسًيا« )‪ ,(4‬ولذلك كان كثيًرا ما يحتج بالقرآن ويتلو‬
‫الية التي يستند إليها لبيان الحكم الشرعي وكانت طريقته في‬
‫الستنباط كالتي‪:‬‬
‫‪ -1‬اللتزام بظاهر القرآن الكريم‪ :‬كان أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه يلتزم أحياًنا بظاهر القرآن الكريم حين ل يرى قرينة تقتضي‬
‫َصرفه عن ظاهره‪ ،‬فإنه كان يتوضأ لكل صلة ويقرأ هذه الية‪َ+ :‬يا‬
‫ة فا ْ‬
‫ذا ُ‬
‫مُنوا إ ِ َ‬
‫سُلوا‬
‫غ ِ‬
‫صل َ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫أي ّ َ‬
‫مت ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫نآ َ‬
‫م إ َِلى ال ّ‬
‫ُ‬
‫م‪] (5)"...‬المائدة‪[6:‬؛ لن ظاهرها يدل على الوضوء عند إرادة‬
‫ك‬
‫ه‬
‫جو‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫الصلة كل مرة‪ ،‬وأوجب الصوم على المقيم إذا أدركه الصوم ثم‬
‫سافر‪ ،‬فقال‪ :‬من أدركه الصوم وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم؛ لن‬
‫هَر َ‬
‫الله تعالى قال‪َ + :‬‬
‫م ال ّ‬
‫من َ‬
‫ه" ]البقرة‪:‬‬
‫هد َ ِ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫ص ْ‬
‫من ْك ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫فل ْي َ ُ‬
‫ش ِ‬
‫‪ ،(6) [185‬ورأى عدم تحريم إرضاع الكبير؛ لنه ليس ضمن حولي‬
‫الرضاعة‪ ،‬حيث روى عنه أنه قال في‬
‫الرضاعة استناًدا إلى ظاهر‬
‫آيةضعن أ َ‬
‫مل َْ‬
‫ول َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫كا‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ح‬
‫ن‬
‫ه‬
‫د‬
‫ل‬
‫و‬
‫ر‬
‫ي‬
‫قوله‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وال ِ َ‬
‫دا ُ‬
‫ْ َ ْ َ ّ َ ْ‬
‫ت ُ ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫تعالى‪َ + َ :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن أَ‬
‫ة" ]البقرة‪ ،[233 :‬الرضاعة سنتان فما‬
‫ت‬
‫ي‬
‫أن‬
‫د‬
‫را‬
‫ضا َ‬
‫ع َ‬
‫م الّر َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫لِ َ‬
‫م ْ َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم )‪ ،(6605‬الفتاوى )‪.(8/165‬‬
‫الفتاوى )‪.(8/166‬‬
‫مصنف عبد الرزاق )‪.(1744‬‬
‫المصدر السابق )‪.(1744‬‬
‫تفسير القرطبي )‪.(2/80‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/45‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪43‬‬

‫كان من رضاع في الحولين حرم‪ ،‬وما كان بعد الحولين فل يحرم )‪،(1‬‬
‫وحمل القرآن الكريم على ظاهره في مكان آخر حيث حكم ببراءة‬
‫ستة أشهر من زواجها‪ ،‬فجمع بين‬
‫امرأة اتهمت بالزنا لنها ولدت‬
‫بعدن أ َ‬
‫مل َ‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن"‬
‫ي‬
‫كا‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ح‬
‫ن‬
‫ه‬
‫د‬
‫ل‬
‫و‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ت ي ُْر‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وال ِ َ‬
‫دا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫هًرا"‬
‫و ِ‬
‫ه ثلثو َ‬
‫و َ‬
‫ش ْ‬
‫صال ُ‬
‫مل ُ‬
‫ح ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫]البقرة‪ [233:‬وقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫]الحقاف‪ .[15:‬فقال‪ :‬الحمل ستة أشهر والفصال أربعة وعشرون‬
‫شهًرا)‪ ،(2‬أي أنه طرح مدة الرضاعة وهي السنتان من مجموع مدة‬
‫ثلثون‪(3‬شهًرا فبقيت ستة أشهر‪ ،‬فجمع بين‬
‫الرضاعة والحمل وهي‬
‫ظاهر كلتا اليتين وحكم بهما) ‪.‬‬
‫‪ -2‬حمل المجمل على المفسر‪ :‬المجمل هو ما خفي مراده‬
‫ببيان( يرجى)‪ ،(4‬والمفسر‪ :‬هو ما ظهر المراد منه‬
‫بحيث ل يدرك إل‬
‫دون الحاجة إلى بيان)‪, 5‬وقد حمل مجمل القرآن في قوله تعالى‪:‬‬
‫ة" ]المائدة‪ [95:‬على مفسره في مواضع أخرى‪،‬‬
‫هدًْيا َبال ِ َ‬
‫‪َ +‬‬
‫عب َ ِ‬
‫غ ال ْك َ ْ‬
‫حيث ورد أنه سأل رجل عليا عن الهدى مما هو؟ فقال‪ :‬من الثمانية‬
‫أزواج‪ ،‬فكأن الرجل شك‪ ،‬فقال له على‪َ :‬أتقرأ القرآن؟ قال‪َ :‬نعم‪،‬‬
‫و ُ‬
‫فوا‬
‫قال‪:‬‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫سمعت َ قول الله تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا أ ْ‬
‫فهل أ ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫عام ِ" ]المائدة‪.[1:‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫هي‬
‫ب‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ح‬
‫د‬
‫قو‬
‫ع‬
‫م ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ة الن ْ َ‬
‫َ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫فْر ً‬
‫ما‬
‫شا ك‬
‫مول ً‬
‫لوا ِ‬
‫و ِ‬
‫عام ِ َ‬
‫ن الن ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫ح ُ‬
‫ة َ‬
‫فهل ُسمعته يقول‪َ + :‬‬
‫ضأ ْ‬
‫َرَز َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫‪+‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫الله‬
‫فسمعت‬
‫قال‪:‬‬
‫م" ]الحج‪[34:‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫قك ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫و ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫حّر َ‬
‫م َ‬
‫نأ ّ‬
‫ن اَل َ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫م أم ِ الن ْثي َي ْ ِ‬
‫ن قل آل ُذ َكَري ْ ِ‬
‫ز َ اثن َي ْ َ ِ‬
‫ا ْ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫ن ن َب ُّئوِني ب ِ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ه أْر َ‬
‫حا ُ‬
‫مل ْ‬
‫عل ْم ٍ ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫شت َ َ‬
‫م ال ْن ْثي َي ْ ِ‬
‫ن " ]النعام‪ .[144 ،143 :‬قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫صاِد ِ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫َ‬
‫ن ال ِب ْ ِ‬
‫ن ‪َ ‬‬
‫ل اثن َي ْ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ال‬
‫لوا‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ل‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ي‬
‫أ‬
‫يا‬
‫‪+‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫الله‬
‫سمعت‬
‫فهل‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫صي ْدَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ة" ]المائدة‪.[95:‬‬
‫هدًْيا َبال ِ َ‬
‫م" إلى قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫عب َ ِ‬
‫غ ال ْك َ ْ‬
‫م ُ‬
‫حُر ٌ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ى؟ قال‪ :‬هدًيا بالغ‬
‫عل‬
‫فماذا‬
‫يا‬
‫ظب‬
‫فقتلت‬
‫قال‪:‬‬
‫نعم‪،‬‬
‫الرجل‪:‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫)‪(6‬‬
‫الكعبة ‪.‬‬
‫‪ -3‬حمل المطلق على المقيد في القرآن الكريم‪ :‬المطلق‪ :‬هو‬
‫ما دل على الماهية بل قيد‪ ،‬والمقيد هو ما قيد لفظا بأي قيد)‪ ,(7‬ولقد‬
‫حمل أمير المؤمنين على مطلق القرآن على مقيده في استنباط‬
‫الحكم‪ ،‬إذ حمل مطلق المر بالقطع في آية السرقة على مقيده في‬
‫آية المحاربة بعدم القطع إل مرتين‪ ،‬وعدم قطع أكثر من يد ورجل‬
‫عند تكرار السرقة‪ ،‬فإذا سرق مرة قطعت يده اليمنى‪ ،‬وإذا سرق‬
‫قطعت رجله اليسرى عند على‪ ،‬فإن زاد وسرق مرة ثالثة ورابعة لم‬
‫يزد على ذلك‪ ،‬ويعزره بدل القطع لنه حمل قوله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫فا ْ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫ما" ]المائدة‪ [38:‬على‬
‫ه‬
‫ق ُ‬
‫عوا أي ْ ِ‬
‫دي َ‬
‫قط َ ُ‬
‫ُ‬
‫وال ّ‬
‫‪+‬ال ّ‬
‫َ‬
‫رق ُ َ‬
‫سا ِ‬
‫سا ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫سوَل‬
‫وَر‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫بو‬
‫ر‬
‫حا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ء‬
‫زا‬
‫ج‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪+‬‬
‫المحاربة‬
‫آية‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في ِال َ‬
‫و تُ َ‬
‫ض َ‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ن‬
‫و‬
‫ع‬
‫س‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫قط ّ َ‬
‫دا أن ي ُ‬
‫سا ً‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ْ‬
‫و يُ َ‬
‫صل ُّبوا أ ْ‬
‫قت ُّلوا أ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ويي َديهم َ‬
‫ف" ]المائدة‪ .[33 :‬وقال‪ :‬إن الله لم يزد‬
‫ن ِ‬
‫خل َ ٍ‬
‫وأْر ُ‬
‫م ْ‬
‫جل ُ ُ‬
‫هم ّ‬
‫أ ْ ِ ِ ْ َ‬
‫على قطع يد ورجل في آية المحاربة‪ ،‬ولذلك كان يعاقب مثل هذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المجموع للنووي )‪.(8/213‬‬
‫مصنف عبد الرزاق )‪ ،(12443‬فقه المام على )‪.(1/41‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/46‬‬
‫مرآة الصول في شرح مرقاة الوصول‪ :‬ص)‪.(197‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(191‬‬
‫الدار المنثور )‪.(3/13‬‬
‫جمع الجوامع بشرح المحلى )‪ ،(2/79‬فقه المام على )‪.(1/47‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪44‬‬

‫بالسجن)‪ .(1‬فعن الشعبي قال‪ :‬كان على ل يقطع إل اليد والرجل‪،‬‬
‫كان يقول‪ :‬إني لستحيى من‬
‫سجن ونكل‪ ،‬وإنه‬
‫وإن سرق بعد ذلك ُ‬
‫دا يأكل بها ويستنجى)‪.(2‬‬
‫الله أن ل أدع له ي ً‬
‫بالناسخ والمنسوخ‪ :‬النسخ‪ ،‬هو رفع الحكم الشرعي‬
‫‪ -4‬العلم‬
‫)‪(3‬‬
‫لحد أن‬
‫يجوز‬
‫ول‬
‫الئمة‪:‬‬
‫قال‬
‫الزركشي‪:‬‬
‫ويقول‬
‫‪,‬‬
‫متأخر‬
‫بخطاب‬
‫يفسر كتاب الله إل بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ)‪ ,(4‬وعلى‬
‫هذا المعنى يؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه‪،‬‬
‫صا بقوله‪ :‬أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫وذلك عندما عاتب قا ّ‬
‫قال‪ :‬هلكت وأهلكت)‪.(5‬‬
‫‪ -5‬النظر في لغة العرب‪:‬ومن منهج أمير المؤمنين على في فهم‬
‫القرآن الكريم النظر في لغة َ العرب‪ ،‬كما فهم من قوله تعالى‪:‬‬
‫ة ُ‬
‫ن ب ِأن ْ ُ‬
‫مطَل ّ َ‬
‫ء" ]البقرة‪ [228:‬أن‬
‫قُرو ٍ‬
‫ن ث َل َث َ َ‬
‫ف ِ‬
‫قا ُ‬
‫ه ّ‬
‫ص َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ت ي َت ََرب ّ ْ‬
‫‪َ +‬‬
‫س ِ‬
‫المراد)‪(6‬بالقراء الحيض‪ ،‬فل تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة‬
‫المطلقة‪ :‬ل تحل لزوجها‬
‫الثالثة ‪ ،‬لذا قال على رضي الله عنه عن‬
‫الرجعة عليه حتى تغتسل من الحيضة الثالثة)‪ (7‬والقروء في كلم‬
‫ضا الطهر‪ ،‬وأقرأت المرأة‪:‬‬
‫العرب جمع قرء‪ ،‬وهو‬
‫الحيض‪ ،‬والقرء أي ً‬
‫حاضت‪ ،‬وأقرأت‪ :‬اط ّّهرت)‪.(8‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫ست ُ ُ‬
‫و لَ َ‬
‫ومن ذلك فهمه رضي الله عنه من قوله تعالى‪+ :‬أ ْ‬
‫اللمس هو الجماع فقد قال‪ :‬اللمس هو‬
‫ساءَ" ]النساء‪،[43 :‬‬
‫الن ّ َ‬
‫)‪(9‬‬
‫وحمل الناس المس في قوله تعالى‪:‬‬
‫‪،‬‬
‫عنه‬
‫كنى‬
‫الله‬
‫ولكن‬
‫الجماع‪،‬‬
‫َ‬
‫قد ْ َ‬
‫و َ‬
‫من َ‬
‫وِإن طَل ّ ْ‬
‫ن‬
‫فَر ْ‬
‫سو ُ‬
‫مو ُ‬
‫ن ِ‬
‫ه ّ‬
‫م لَ ُ‬
‫ه ّ‬
‫م ّ‬
‫ه ّ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫ل أن ت َ َ‬
‫قت ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫‪َ +‬‬
‫َ‬
‫فقال‪ (:‬المراد بالمس هنا‬
‫الخلوة‪،‬‬
‫على‬
‫ة" ]البقرة‪[237:‬‬
‫ض‬
‫ري‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫)‪11‬‬
‫)‪(10‬‬
‫وقد( قال‪ :‬إذا أرخى ستًرا‬
‫‪,‬‬
‫بالخلوة‬
‫كله‬
‫الصداق‬
‫فأوجب‬
‫‪,‬‬
‫الخلوة‬
‫على امرأته وأغلق باًبا وجب الصداق والعدة)‪. 12‬‬
‫‪ -6‬فهم النص بنص آخر‪:‬ومن ذلك ما فهمه أمير المؤمنين على‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫كا ِ‬
‫ج َ‬
‫وَلن ي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫ل الل ُ‬
‫رضي الله عنه من قوله‪َ + :‬‬
‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫سِبيل ً" ]النساء‪ [141:‬أن ذلك يكون يوم القيامة‪ ،‬اعتماًدا‬
‫ؤ ِ‬
‫ن َ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ة"‬
‫م ال ِ‬
‫م ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫و َ‬
‫قَيا َ‬
‫م ب َي ْن َك ْ‬
‫حك ُ‬
‫على قوله سبحانه وتعالى‪+ :‬فالل ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫]النساء‪ .[141:‬وذلك لما جاءه رجل يسأله كيف هذه الية‪َ+‬لن ي َ ْ‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫سِبيل ً" فقال على رضي الله‬
‫ن َ‬
‫كا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن َ‬
‫مِني َ‬
‫ري َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫الل ُ‬
‫ف ِ‬
‫عنه‪ :‬ادنه‪ ،‬فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين‬
‫‪1‬‬

‫)(‬
‫‪2‬‬
‫)(‬
‫‪3‬‬
‫)(‬
‫‪4‬‬
‫)(‬
‫‪5‬‬
‫)(‬
‫‪6‬‬
‫)(‬
‫‪7‬‬
‫)(‬
‫‪8‬‬
‫)(‬
‫‪9‬‬
‫)(‬
‫‪10‬‬
‫)(‬
‫‪11‬‬
‫)(‬
‫‪12‬‬
‫)(‬

‫فقه المام على )‪ ،(1/47‬مصنف عبد الرزاق ‪.21874‬‬
‫مصنف عبد الرزاق ‪ ،18764‬فقه المام على )‪.(2/818‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/48‬‬
‫البرهان في علوم القرآن )‪.(2/29‬‬
‫أبو خيثمة‪ ،‬ك العلم ص)‪ (31‬تحقيق اللباني وقال‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(1/271‬‬
‫الدر المنثور )‪.(1/234‬‬
‫الصحاح للجوهري )‪ (1/64‬مادة )قرأ(‪.‬‬
‫فقه المام على )‪ ،(1/48‬الفصول في الصول للجصاص )‪.(1/203‬‬
‫الفصول في الصول)‪.(1/202‬‬
‫فقه المام على )‪ (1/48‬أي خلوة الرجل بزوجته‪.‬‬
‫مصنف بن أبى شيبة )‪ ،(4/334‬فقه المام على )‪.(2/531‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪45‬‬

‫)‪(1‬‬
‫س ْ‬
‫ف‬
‫ق ِ‬
‫وال ّ‬
‫على المؤمنين سبيل ً ‪ ،‬ومنه ما فهمه من قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫مْر ُ‬
‫ع" ]الطور‪ [5:‬بأنه السماء لما رواه ابن جرير وذكره ابن كثير‬
‫فو‬
‫ال ْ َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫مْر ُ‬
‫س ْ‬
‫ع" يعني السماء‪ .‬قال سفيان‪ :‬ثم‬
‫ق ِ‬
‫وال ّ‬
‫ف ال َ‬
‫عن على ‪َ ْ +‬‬
‫فو ِ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ها‬
‫ظا‬
‫فو‬
‫ح‬
‫م‬
‫فا‬
‫ق‬
‫س‬
‫ء‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫نا‬
‫عل‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ن آَيات ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تل‪َ +...‬‬
‫ن" ]النبياء‪.[32:‬‬
‫ر ُ‬
‫ضو َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫على‬
‫فظوا َ‬
‫حا ِ‬
‫ضا ما فهمه من قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ومن ذلك أي ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ن" ]البقرة‪:‬‬
‫طى‬
‫س‬
‫و‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ص‬
‫موا لل ِ‬
‫ِ‬
‫وا ِ‬
‫قان ِِتي َ‬
‫ْ‬
‫قو ُ‬
‫وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت َ‬
‫صل َ َ‬
‫دا في ذلك على‬
‫‪ ،[238‬أن الصلة الوسطى هي صلة العصر‪ ،‬معتم ً‬
‫الصلة‬
‫نص من حديث رسول الله × يوم الحزاب‪»:‬شغلونا عن‬
‫الوسطى صلة العصر‪ ،‬مل الله بيوتهم وقبورهم ناًرا«)‪،(2‬‬
‫جت َن ُِبوا‬
‫ضا ما ورد في فهمه لقوله تعالى‪ِ+ :‬إن ت َ ْ‬
‫ومن هذا الباب أي ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خل ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫كم‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ن‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫س‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن‬
‫مد ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما ت ُن ْ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ك ََبائ َِر َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ه ْ‬
‫ما" ]النساء‪ .[31:‬فعن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه قال‪ :‬إني لفى‬
‫ري ً‬
‫كَ ِ‬
‫هذا المسجد – مسجد الكوفة‪ -‬وعلى رضي الله عنه يخطب الناس‬
‫على المنبر يقول‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬الكبائر سبع‪ ،‬فأصاخ الناس‪ ،‬فأعادها‬
‫ثلث مرات‪ ،‬ثم قال‪ :‬لم ل تسألوني عنها؟ قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين ما‬
‫هي؟ قال‪» :‬الشراك بالله‪ ،‬وقتل النفس التي حرم الله‪ ،‬وقذف‬
‫اليتيم‪ ،‬وأكل الربا‪ ،‬والفرار يوم الزحف‪،‬‬
‫المحصنة‪(3،‬وأكل مال‬
‫)‪(4‬‬
‫حديث رسول الله‬
‫على‬
‫مبني‬
‫الفهم‬
‫وهذا‬
‫‪.‬‬
‫الهجرة‬
‫والتعرب ) بعد‬
‫)‪(5‬‬
‫× الذي قال فيه‪» :‬اجتنبوا السبع الموبقات« ‪.‬قالوا‪ :‬يا رسول‬
‫الله وما هن؟ قال‪» :‬الشرك بالله‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس‬
‫التي حرم الله إل بالحق‪ ،‬وأكل الربا‪ ،‬وأكل مال اليتيم‪،‬‬
‫والتولي يوم الزحف‪ ،‬وقذف المحصنات المؤمنات‬
‫الغافلت«)‪ ،(6‬وهذا يدخل ضمن منهج أمير المؤمنين على في‬
‫تفسير القرآن الكريم بالسنة‪.‬‬
‫‪ -7‬السؤال عن مشكله‪ :‬ومن منهج أمير المؤمنين على رضي الله‬
‫ذلك‬
‫عنه في فهم القرآن الكريم سؤاله عما أشكل عليه فيه‪ ،‬ومن‬
‫وأ َ َ‬
‫ن‬
‫سؤاله لرسول الله × عن يوم الحج الكبر في‬
‫ذا ٌ‬
‫قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫سول ِ ِ َ‬
‫ج الك ْ‬
‫‪.[(3‬‬
‫]التوبة‪:‬‬
‫"‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ن الل ِ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫س يَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ه إ ِلى الّنا ِ‬
‫فقد قال‪ :‬سألت النبي × عن يوم الحج الكبر فقال‪ :‬يوم النحر)‪، 7‬‬
‫وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا المنهج‬
‫فيما يرويه عن رسول الله ×‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنا نزل بنا‬
‫تأمرنا‪ ،‬قال‪ :‬شاوروا الفقهاء‬
‫أمر ليس فيه بيان أمر ونهي‪ ،‬فما‬
‫والعابدين‪ ،‬ول تمضوا فيه خاصة)‪.(8‬‬
‫‪ -8‬العلم بمناسبة اليات‪:‬إن العلم بالمناسبة التي نزلت فيها‬
‫اليات‪ ،‬والسبب الداعي لذلك؛ يفيد في إدراك معنى الية‪ ،‬واستنباط‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( تفسير ابن جرير‪ ،‬إسناده صحيح‪.(9/327) ،‬‬
‫)( مسلم )‪.(1/437‬‬
‫)( أن يهاجر الرجل‪ ،‬حتى إذا وقع سهمه في الفئ‪ ،‬ووجب عليه الجهاد‪ ،‬خلع ذلك‬
‫من عنقه‪ ،‬فرجع أعرابًيا كما كان‪.‬‬
‫)( تفسير الطبري )‪.(5/25‬‬
‫)( الموبقات‪ :‬جمع موبقة وهي المهلكة‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الوصايا رقم )‪.(2766‬‬
‫)( سنن الترمذي رقم )‪(970‬وصححه اللباني )‪.(1/282‬‬
‫)( تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬ص)‪ ،(66‬منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى‬
‫الله‪ :‬ص)‪.(78‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪46‬‬

‫الحكم)‪(1‬منها‪ ،‬لن بيان النزول طريق قوى في فهم معاني الكتاب‬
‫العزيز ‪ ،‬ولقد بلغ أمير المؤمنين على رضي الله عنه مبلًغا في‬
‫العلم بأسباب نزول اليات‪ ،‬كما يقول عن نفسه حاًثا على سؤاله‬
‫كتاب الله تعالى‪،‬‬
‫عن كتاب الله‪» :‬سلوني‪ ،‬سلوني‪ ،‬سلوني عن‬
‫فوالله‪ ،‬ما من آية إل وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار)‪ «(2‬وفي‬
‫والله ما أنزلت آية إل وقد علمت فيم نزلت‪ ،‬وأين‬
‫رواية‪»:‬‬
‫نزلت«)‪.(3‬‬
‫‪:‬العام‪ ،‬هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له‬
‫‪ -9‬تخصيص العام‬
‫حصر()‪،(4‬وقاعدة العموم‪ ،‬كل لفظ عام‬
‫غير‬
‫من‬
‫واحدة‬
‫بوضع واحد دفعه‬
‫)‪5‬‬
‫الشارع ما يدل‬
‫من‬
‫يرد‬
‫وقد‬
‫‪،‬‬
‫التخصيص‬
‫يرد‬
‫حتى‬
‫باق على عمومه‬
‫على قصر العام على بعض أفراده وهذا هو تخصيص العام)‪.(6‬‬
‫وقد ورد عن على رضي الله عنه ما يفيد قوله بتخصيص العموم‪،‬‬
‫فقد سئل رضي الله عنه عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم‬
‫أراد أن يطأ الخرى قال‪ :‬ل‪..‬حتى يخرجهما من ملكه)‪ ،(7‬وعن ابن‬
‫الكواء سأل علًيا عن الجمع بين الختين فقال‪ :‬حرمتهما آية وأحلتهما‬
‫آية أخرى‪ ،‬ولست أفعل أنا ول أهلي)‪ .(8‬وقصد أمير المؤمنين على‬
‫بالية التي حرمتهما هي قوله وتعالى‪َ + :‬‬
‫ن‬
‫وأ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫عوا ب َي ْ َ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫عَلى‬
‫ن" ]النساء‪[23:‬‬
‫ا َل ُ ْ‬
‫وبالتي أحلتهما هي قوله تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َ‬
‫خت َي ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن"‬
‫مُلو ِ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫مي َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫مان ُ ُ‬
‫غي ُْر َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫وا ِ‬
‫مأ ْ‬
‫أْز َ‬
‫ج ِ‬
‫]المؤمنون‪ [6:‬فهاتان اليتان بينهما عموم وخصوص‪ ،‬إذ خصص عموم‬
‫التمتع بملك اليمين بخصوص عدم جواز الجمع بين الختين)‪.(9‬‬
‫ومنها أنه حكم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بأن تعتد‬
‫أبعد الجلين‪ ،‬فقال‪ :‬عدتها أبعد الجلين)‪ ،(10‬أي أنه خص عموم اليتين‬
‫َ‬
‫ن ب ِأ َن ْ ُ‬
‫و ّ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫ن ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫وي َذَُرو َ‬
‫و َ‬
‫وا ً‬
‫ه ّ‬
‫ص َ‬
‫ذي َ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫جا ُي َت ََرب ّ ْ‬
‫ن أْز َ‬
‫م َ‬
‫ف ْ‬
‫ن ي ُت َ َ‬
‫َ‪َ +‬‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ح‬
‫ال‬
‫ت‬
‫ل‬
‫أو‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫[‬
‫‪234‬‬
‫]البقرة‪:‬‬
‫"‬
‫را‬
‫ش‬
‫ع‬
‫و‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ش‬
‫أ‬
‫ة‬
‫ع‬
‫أرب‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ٍ َ‬
‫أ َ ْج َل ُهن َ‬
‫َ‬
‫ن" ]الطلق‪ ،[4:‬فالحامل المتوفي عنها‬
‫ه‬
‫ل‬
‫م‬
‫ح‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ي‬
‫أن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ ُ ّ‬
‫زوجها إذا وضعت حملها قبل الربعة الشهر والعشرة اليام فإنها‬
‫تكمل المدة ول تعمل بعموم الية الثانية؛ لن الولى تخصصها‪ ،‬وإن‬
‫أكملت المدة فل تنقضي عدتها إل بوضع الحمل؛ لن عموم الية‬
‫الولى مخصص بالثانية‪ ،‬فكل من اليتين عام في وجه‪ ،‬وخاص في‬
‫وجه آخر‪ ،‬تخصص إحداهما الخرى عند على‪ ،‬ولعله عمل بالحتياط‬
‫‪1‬‬

‫)(‬
‫‪2‬‬
‫)(‬
‫‪3‬‬
‫)(‬
‫‪4‬‬
‫)(‬
‫‪5‬‬
‫)(‬
‫‪6‬‬
‫)(‬
‫‪7‬‬
‫)(‬
‫‪8‬‬
‫)(‬
‫‪9‬‬
‫)(‬
‫‪10‬‬
‫)(‬

‫المصدر السابق‪ :‬ص)‪.(79‬‬
‫الصابة )‪.(2/50‬‬
‫الطبقات )‪.(2/338‬‬
‫جديع‪ :‬ص)‪.(262‬‬
‫تيسير علم أصول الفقه‪ ،‬عبد الله ال ُ‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(269‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(269‬‬
‫فقه المام على )‪(1/560‬نقل ً عن مصنف ابن أبى شيبة‪.‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(2/560‬‬
‫الحكام للمدى )‪ ،(2/445‬روضة الناظر )‪.(2/129‬‬
‫الفصول في الصول للجصاص )‪.(6/106‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪47‬‬

‫جمًعا بين اليتين)‪ ،(1‬ولكن الراجح أن عدتها وضع الحمل في كلتا‬
‫الحالتين‪ ،‬فقد صح عن عبد الله بن عتبة أن سبيعة بنت الحارث‬
‫أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة‪ ،‬وكان ممن شهد بدًرا‪ ،‬فتوفى‬
‫عنها في حجة الوداع وهي حامل‪ ،‬فلم تنشب أن وضعت حملها بعد‬
‫وفاته‪ ،‬فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو‬
‫السنابل‪ ،‬فقال لها‪ ،‬مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك‬
‫والله ما أنت بنكاح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر‪ .‬قالت سبيعة‪:‬‬
‫ى ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله‬
‫فلما قال لي ذلك جمعت عل ّ‬
‫× فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي‬
‫وأمرني بالتزوج إن بدا لي)‪.(2‬‬
‫بلوغه حديث سبيعة وإل فل يخالف‬
‫ولعل علًيا قال بذلك لعدم‬
‫ى الصحيح الثابت عن النبي × )‪.(3‬‬
‫عل ّ‬
‫‪ -10‬معرفة عادات العرب ومن حولهم‪:‬ولمعرفة طبيعة وعادات‬
‫العرب ومن حولهم من اليهود والنصاري وقت نزول القرآن دور كبير‬
‫في فهم القرآن الكريم‪ ،‬وعلى رضي الله عنه عاش في ذلك‬
‫الزمان‪ ،‬وعرف الكثير من العادات التي نهى عنها القرآن‪ ،‬أو تلك‬
‫التي أقرها‪ ،‬ومن أمثلة هذا الفهم ما رواه ابن أبى حاتم‪ :‬لما نافر ابن‬
‫ى‬
‫وائل أبا الفرزدق‪ ،‬فعقر كل واحد منهما مائة من البل‪ ،‬فخرج عل ّ‬
‫على بغلة رسول الله × البيضاء وهو ينادي‪» :‬يا أيها الناس ل تأكلوا‬
‫من لحومها‪ ،‬فإنها أهل بها لغير الله« فعلي رضي الله عنه عرف من‬
‫عادات العرب في وقته أن مثل هذه المنافرة ليست لله وإنما هي‬
‫للشيطان‪ ،‬فذلك نهى عنها مستدل ً‬
‫م‬
‫ت)‪َ (4‬‬
‫بقوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫حّر َ‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه"‬
‫ل لِ َ‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ر الل ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫والدّ ُ‬
‫و َ‬
‫ح ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫زي ِ‬
‫خن ْ ِ‬
‫]المائدة‪.[3:‬‬
‫‪ -11‬قوة الفهم وسعة الدراك‪ :‬وقوة الفهم وسعة الدراك من‬
‫المزايا التي امتاز واشتهر بها على رضي الله عنه‪ ،‬والمثلة التي تدل‬
‫دا نذكر منها ما رواه ابن جرير قال‪ :‬نادي رجل من‬
‫على هذا كثيرة ج ً‬
‫ول َ َ‬
‫د‬
‫الفجر‪،‬‬
‫صلة‬
‫في‬
‫وهو‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫ُالخوارج علًيا‬
‫ق ْ‬
‫فقال‪ََ + :‬‬
‫ك ل َئ ِن أ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ط‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لى‬
‫إ‬
‫و‬
‫ك‬
‫ِ‬
‫أو ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ح ُ ََ‬
‫ي إ ِل َ َي ْ َ ُ َ ِ‬
‫ن" ]الزمر‪ ،[65:‬فأجابه على رضي‬
‫ري‬
‫س‬
‫خا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ل‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫ع‬
‫و‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ص‬
‫فا‬
‫‪+‬‬
‫الصلة‬
‫في‬
‫وهو‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ ِ ْ ِ‬
‫فن ّ َ‬
‫خ ّ‬
‫ن" ]الروم‪.(5) [60:‬‬
‫ن ل َ ُيو ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫يَ ْ‬
‫هذه بعض الصول والسس التي سار عليها أمير المؤمنين على‬
‫رضي الله عنه في استنباط الحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه‪،‬‬
‫وهي ترشد محبيه وأبناء المسلمين المخلصين في كيفية التعامل مع‬
‫كتاب الله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫سا‪ :‬تفسير أمير المؤمنين على لبعض اليات الكريمة‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫‪ -1‬الذاريات‪ :‬عن الثوري عن حبيب بن أبى صابت عن أبى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( فقه المام على )‪.(1/50‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(1484‬‬
‫)( فقه المام على )‪.(2/617‬‬
‫)( تفسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬فهد بن عبد العزيز الفاضل‪ ،‬رسالة‬
‫علمية جامعية لم تنشر )‪.(1/30‬‬
‫)(تفسير الطبري )‪.(21/59‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪48‬‬

‫الطفيل قال‪ :‬سمعت ابن الكواء يسأل على بن أبى طالب عن‬
‫الذاريات ذرًوا قال‪ :‬الرياح‪ ،‬وعن الحاملت وقًرا‪ ،‬قال‪ :‬السحاب‪،‬‬
‫الجاريات يسًرا‪ ،‬قال‪ :‬السفن‪ ،‬وعن المدبرات أمًرا قال‪:‬‬
‫وعن‬
‫الملئكة)‪ ،(1‬وصححه الحاكم من وجه آخر عن أبى الطفيل‪.‬‬
‫وقد أطنب الطبري في تخريج طرقه إلى على )‪ ،(2‬وأخرجه عبد‬
‫الرزاق من وجه آخر عن أبى الطفيل قال‪ :‬شهدت علًيا وهو يخطب‬
‫وهو يقول‪ :‬سلوني‪..‬وسلوني عن كتاب الله‪ ،‬فوالله ما من آية إل وأنا‬
‫أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل‪ .‬فقال ابن‬
‫الكواء‪ -‬وأنا بينه وبين على وهو خلفي – فقال‪ :‬ما الذاريات ذرًوا؟‬
‫وقال فيه‪ :‬ويلك سل تفقًها ول تسأل تعنًتا وفيه سؤال عن‬
‫فذكر مثله‬
‫أشياء غير هذا)‪.(3‬‬
‫فل َ أ ُ ْ‬
‫‪ -2‬قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫س" ]التكوير‪ :[15:‬روى سعيد‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫ق ِ‬
‫س ُ‬
‫خن ّ ِ‬
‫حسن‪(4‬عن على قال‪ :‬هن الكواكب تكنس بالليل‬
‫بن منصور بإسناد‬
‫وتخنس بالنهار فل ترى) ‪.‬‬
‫‪ -3‬بكاء الرض على العبد الصالح‪:‬قال على رضي الله عنه‪ :‬إذا‬
‫مات العبد الصالح بكي عليه مصله من الرض ومصعد عمله َ من‬
‫ت َ َ‬
‫السماء والرض‪ ،‬ثم قرأ ‪َ +‬‬
‫ض‬
‫ما ب َك َ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫ف َ‬
‫والْر ُ‬
‫ماءُ َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن" ]الدخان‪.[29:‬‬
‫ري َ‬
‫كاُنوا ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫من ْظَ ِ‬
‫‪ -4‬الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم‪:‬سئل أمير‬
‫في‬
‫م ِ‬
‫ن ُ‬
‫المؤمنين على رضي الله عنه عن قوله تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫الخشوع في القلب‪ ،‬وأن‬
‫ن" ]المؤمنون‪ ،[2:‬قال‪:‬‬
‫م َ‬
‫خا ِ‬
‫عو َ‬
‫ش ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫صل َت ِ ِ‬
‫)‪(5‬‬
‫ُتلين كنفك للمرء المسلم ول تلتفت في صلتك ‪.‬‬
‫‪ -5‬خليلن مؤمنان‪ ،‬وخليلن كافران‪:‬س ئل أمير المؤمنين رضي‬
‫ض‬
‫ع ُ‬
‫الله عنه عن قول الله تعالى‪+ :‬ال ِ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫م ل ِب َ ْ‬
‫ذ بَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫خل ّءُ ي َ ْ‬
‫ع ٍ‬
‫ن" ]الزخرف‪ .[67:‬قال‪ :‬خليلن مؤمنان وخليلن‬
‫َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫قي َ‬
‫و إ ِل ّ ال ْ ُ‬
‫عد ُ ّ‬
‫كافران‪ ،‬فمات أحد المؤمنين‪ ،‬فبشر بالجنة فذكر خليله المؤمن‪،‬‬
‫ن خليلي فلًنا كان يأمرني بالخير وينهاني عن‬
‫قال‪ :‬فيقول‪ :‬يا رب! إ ّ‬
‫الشر‪ ،‬فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك‪ ،‬ويخبرني أني ملقيك‪ ،‬فل‬
‫ُتضله بعدي واهده كما هداني‪ ،‬وأكرمه كما أكرمني‪ ،‬فإذا مات جمع‬
‫ن كل واحد منكما على صاحبه‬
‫بينهما في الجنة‪ ،‬ويقال لهما‪ :‬ل ِي ُث ْ ِ‬
‫فيقول‪ :‬اللهم كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر‪ ،‬فيأمرني‬
‫بطاعتك وطاعة رسولك‪ ،‬وُيخبرني أني ملقيك‪ ،‬فنعم الخ والخليل‬
‫والصاحب‪ ،‬قال‪ :‬ثم يموت أحد الكافرين‪ُ ،‬فيبشر بالنار‪ ،‬فيذكر خليله‪،‬‬
‫م خليلي فلن كان يأمرني بالشر‪ ،‬وينهاني عن الخير‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬الله ّ‬
‫م‬
‫الله‬
‫ملقيك‪،‬‬
‫غير‬
‫أني‬
‫ويخبرني‬
‫رسولك‪،‬‬
‫ومعصية‬
‫بمعصيتك‬
‫ويأمرني‬
‫ّ‬
‫فأضله كما أضّلني‪ ،‬فإذا مات جمع بينهما في النار‪ ،‬فيقال ل ُْيثن كل‬
‫م كان يأمرني بالشر‬
‫واحد منكما على صاحبه قال فيقول‪ :‬الله ّ‬
‫ومعصية رسولك‪ ،‬ويخبرني أني‬
‫وينهاني عن الخير ويأمرني بمعصيتك‬
‫غير ملقيك‪ ،‬فبئس الخ والخليل والصاحب)‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ :‬ص )‪.(486‬‬
‫)( الدر المنثور )‪ ،(7/614‬تفسير الطبري )‪.(188 -185 /26‬‬
‫)(الخلفة الراشدة‪ ،‬اليحيى‪ :‬ص)‪.(486‬‬
‫)( الخلفة الراشدة‪ ،‬اليحيى‪ :‬ص)‪ ،(487‬الفتح )‪.(8/563‬‬
‫)( الزهد لبن المبارك‪ :‬ص)‪ (403‬رقم )‪.(1148‬‬
‫)( الزهد لبن المبارك رقم)‪.(368‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪49‬‬

‫عنه‪ :‬الزهد كله‬
‫‪ -6‬الزهد بين كلمتين من القرآن‪ :‬قال رضي الله‬
‫ل َ ت َأ ْ‬
‫عَلى‬
‫س‬
‫وا َ‬
‫بين كلمتين من القرآن الكريم‪ :‬قال سبحانه‪+ :‬ل ِك َي ْ‬
‫َ ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ما َ‬
‫م" ]الحديد‪ .[23:‬ومن)‪(1‬لم ييأس‬
‫فَر ُ‬
‫ما آَتاك ُ ْ‬
‫حوا ب ِ َ‬
‫فات َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫على الماضي‪ ،‬ولم يفرح بالتي فقد أخذ الزهد بطرفيه ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمير المؤمنين على رضي الله عنه وتدبره في الصلة‪:‬بّين‬
‫أمير المؤمنين رضي الله عن استحباب المصلي إذا مر بآية رحمة أن‬
‫يسأل الله تعالى منها‪ ،‬وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله تعالى‪،‬‬
‫فعن عبد خير الهمداني قال‪ :‬سمعت على بن أبى طالب قرأ في‬
‫م َرب ّ َ‬
‫عَلى" فقال‪ :‬سبحان ربي العلى)‪.(2‬‬
‫ك ال ْ‬
‫حا ْ‬
‫صلة ‪َ +‬‬
‫س َ‬
‫سب ّ ِ‬
‫وعن حجر بن قيس المدري قال‪ :‬بت عند أمير المؤمنين على بن‬
‫َأبى َطالب‪ ،‬فسمعته وهو َ َيصلى من الليل َيقرأ بهذه الية‪+ :‬‬
‫خل ُ َ ُ‬
‫أ َ‬
‫ن" قال‪:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َت َ ْ‬
‫قو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ه أم ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫قون َ ُ‬
‫ن ‪ ‬أأن ْت ُ ْ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫فَرأي ُْتم ّ‬
‫خال ِأ َأُ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫ثو‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ما‬
‫تم‬
‫ي‬
‫أ‬
‫ر‬
‫ف‬
‫أ‬
‫‪+‬‬
‫قرأ‬
‫ثم‬
‫ثا‪،‬‬
‫ثل‬
‫رب‬
‫يا‬
‫أنت‬
‫بل‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ ُ‬
‫عون َ َ‬
‫أنت يا رب ثلًثا‪ ،‬ثم قرأ‬
‫قال‪ َ :‬بل‬
‫ن"‪،‬‬
‫ر ُ‬
‫عو َ‬
‫م نَ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ت َْز ََر ُ َ ُ‬
‫ن ّالّزا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‪+‬أ َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ز‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫مو‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫أ‬
‫أ‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫بو‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ت‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ء‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فَرأي ْت ُ ُ‬
‫َُ ِ‬
‫َ‬
‫ز ُ‬
‫ْ‬
‫قال‪ :‬بل َأنت ْيا رب ثلًثا‪ ،‬ثم َقرأ ‪+‬أ َ َ‬
‫م‬
‫"‬
‫ن‬
‫لو‬
‫من‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫أ ْ‬
‫ُ‬
‫فَرأي ْت ُ ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ََ‬
‫م( َ‬
‫م أن ْ َ‬
‫ن‬
‫الّناَر ال ِّتي ُتوُرو َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ش َ‬
‫ها أ ْ‬
‫ح ُ‬
‫جَرت َ َ‬
‫شأت ُ )‪ْ3‬‬
‫ن ‪ ‬أأن ْت ُ ْ‬
‫ن" قال‪ :‬بل أنت يا رب ثلًثا ‪.‬‬
‫من ْ ِ‬
‫شُئو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫م ل َ َين َ‬
‫ما ٌ‬
‫ن أَتى‬
‫‪-8‬‬
‫ول َ ب َُنو َ‬
‫ف ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ن ‪ ‬إ ِل ّ َ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫قوله تعالى‪ + :‬ي َ ْ‬
‫ه بِ َ‬
‫سِليم ٍ" ]الشعراء‪ .[89 ،88:‬قال على رضي الله عنه‪:‬‬
‫ب َ‬
‫الل َ‬
‫قل ْ ٍ‬
‫الدنيا‪ ،‬والعمل الصالح حرث الخرة‪ ،‬وقد‬
‫حرث‬
‫والبنون‬
‫المال‬
‫يجمعهما الله لقوام)‪.(4‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( رسالة المسترشدين‪ :‬ص)‪ ،(224‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(376‬‬
‫)( المحلى )‪ ،(4/118‬السنن الصغرى )‪.(1/146‬‬
‫)( الدر المنثور للسيوطي )‪.(23 ،8/22‬‬
‫)( تفسير أمير المؤمنين على‪ ،‬لفهد بن عبد العزيز الفاضل )‪ (2/661‬رسالة‬
‫جامعية لم تنشر‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪50‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫ملزمته لرسول الله ×‬
‫دا من المكيين الذين قرأوا وكتبوا‬
‫كان على رضي الله عنه واح ً‬
‫في مجتمعهم المي‪ ،‬وهذا دليل على حبه للعلم وشغفه به منذ‬
‫صغره‪ ،‬وقد وفقه الله تعالى أن يعيش منذ طفولته في بيت رسول‬
‫الله ×‪ ،‬فتربي على يديه وزادت عناية رسول الله به بعد إسلمه‪،‬‬
‫فكان رسول الله × الرافد القوى الذي أثر في شخصيته وصقل‬
‫مواهبه وفجر طاقته‪ ،‬وهذب نفسه‪ ،‬وطهر قلبه ونور عقله‪ ،‬وأحيا‬
‫صا‬
‫روحه‪ ،‬فقد لزم رسول الله × في مكة والمدينة‪ ،‬وقد كان حري ً‬
‫على التتلمذ على يدي رسول الله ×‪ ،‬الذي كان يربي أصحابه على‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فقد كان هو الينبوع المتدفق الذي استمد منه على‬
‫رضي الله عنه علمه وتربيته وثقافته‪ ،‬وقد كان النبي × تنزل عليه‬
‫اليات منجمة على حسب الوقائع والحداث‪ ،‬وكان يقرؤها على‬
‫أصحابه الذين وقفوا على معانيها وتعمقوا في فهمها‪ ،‬وتأثروا‬
‫بمبادئها‪ ،‬وكان له أعمق الثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم‬
‫دا من الذين تأثروا‬
‫وأرواحهم‪ ،‬كما كان على رضي الله عنه واح ً‬
‫بالتربية القرآنية على يدي رسول الله× وتشّرب تعاليمه وتوجيهاته‬
‫النبوية‪ ،‬وقد اهتم على رضي الله عنه منذ أسلم بحفظ القرآن‬
‫ما للرسول × يتلقى عنه ما أنزل‬
‫الكريم وفهمه وتأمله‪ ،‬وظل ملز ً‬
‫عليه حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره‪ ،‬لقد حصل على رضي الله‬
‫عنه ببركة صحبته لرسول الله × وتربيته على يديه خيًرا كثيًرا‪،‬‬
‫وأصبح من الخلفاء الراشدين فيما بعد‪ ،‬فقد حرص على التبحر في‬
‫الهدى النبوي الحكيم في غزواته وسلمه‪ ،‬وأصبح لعلي رضي الله‬
‫عنه علم واسع ومعرفة غزيرة بالسنة النبوية المطهرة‪ ،‬فقد استمد‬
‫ما وتربية ومعرفة بمقاصد هذا الدين العظيم‪ ،‬وقد‬
‫من رسول الله عل ً‬
‫جمع بين رسول الله وبين على حب شديد‪ ،‬والحب عامل مهم في‬
‫تهيئة مناخ علمي ممتاز بين المعلم وتلميذه‪ ،‬يأتي بخير النتائج‬
‫العلمية‪ ،‬والثقافية‪ ،‬لما له من عطاء متجدد‪ ،‬وعلى رضي الله عنه قد‬
‫ما‪ ،‬وتعلق فؤاده به‪ ،‬وقدم نفسه فداء له‪،‬‬
‫أحب رسول الله × حًبا ج ً‬
‫وتضحية في سبيل نشر دعوته‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أمير المؤمنين ومقام النبوة‪:‬‬
‫أوجب الله سبحانه وتعالى على الثقلين – النس والجن – الذين‬
‫أدركتهم رسالة النبي ×‪ ،‬أن يؤمنوا بالنبي × وبما جاء به‪ ،‬كما‬
‫شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز‪ ،‬كما أكد الله وجوب اليمان‬
‫بنبيه بأن جعله مقترًنا باليمان به سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة‬
‫من القرآن الكريم منها‪:‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫سو ُ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫ل الل ِ‬
‫س إ ِ َّني َر ُ‬
‫ل َيا أي ّ َ‬
‫ه إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حِيي‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫وا ِ‬
‫عا ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫و يُ ْ‬
‫مي ً‬
‫َ‬
‫ملك ال ّ‬
‫ض ل إ ِل ّ َ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫ذي ل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ُ ِ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫بالل‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫بالل‬
‫نوا‬
‫م‬
‫فآ‬
‫مي‬
‫ت َ ِ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ َ َ ُ ِ ِ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ ِ ُ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ ِ ّ‬
‫ن" ]العراف‪.[158 :‬‬
‫مات ِ ِ‬
‫دو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫عوهُ ل َ َ‬
‫وات ّب ِ ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫وك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وقال×‪» :‬والذي نفس محمد بيده‪ ،‬ل يسمع بي أحد من‬
‫يموت ولم يؤمن بالذي‬
‫هذه المة يهودي ول نصراني ثم‬
‫أرسلت به إل كان من أصحاب النار«)‪ ،(1‬وقد أجمعت المة‬
‫على وجوب اليمان بالنبي ×‪ ،‬كما أجمعت كذلك على أن كل من‬
‫‪1‬‬

‫)( مسلم )‪ (1/93‬كتاب اليمان‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪51‬‬

‫قامت عليه الحجة برسالة محمد × من النس والجن فلم يؤمن به‬
‫استحق عقاب الله تعالى‪ ،‬كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين‬
‫بعث إليهم الرسول‪ ،‬وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين‬
‫المسلمين وسائر طوائف المسلمين من أهل‬
‫لهم بإحسان وأئمة‬
‫السنة والجماعة وغيرهم)‪.(1‬‬
‫وقد أعطى أمير المؤمنين على رضي الله عنه مقام النبوة حقه‬
‫وأوضح معالمه بأقواله وأفعاله‪ ،‬وكان يحرص على تعليم الناس‬
‫وحثهم على القتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته‪،‬‬
‫بهدى( نبيكم ×‪ ،‬فإنه أفضل‬
‫ومن أقواله في هذا المعنى‪ :‬واقتدوا‬
‫الهدى واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن)‪. 2‬‬
‫‪ -1‬وجوب طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها‪ :‬تربي‬
‫ممن قرأ‬
‫ى على وجوب طاعة رسول الله ×‪ ،‬فهو‬
‫أمير المؤمنين عل ّ‬
‫قد ْ أ َ َ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫سو َ‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫الله‬
‫وحفظ وفهم قوله‬
‫طا َ‬
‫ّ ُ‬
‫َ ْ ُ ِ ِ‬
‫ه" ]النساء‪ ،[80:‬فهذه الية ضمن سلسلة من اليات ربطت بين‬
‫الل َ‬
‫طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة الرسول ×‪ ،‬فقد جعل الله طاعته‬
‫جا في‬
‫دا‪ ،‬وجعل المر بطاعة رسوله مندر ً‬
‫وطاعة رسوله شيًئا واح ً‬
‫المر بطاعته سبحانه وتعالى‪ ،‬وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته‬
‫سبحانه‪(3‬ل تتحقق إل بطاعة الرسول×‪ ،‬واليات الواردة بهذا المعنى‬
‫كثيرة‪ ) ،‬وقد تربى أمير المؤمنين على يدي رسول الله ×‪ ،‬وعلم‬
‫منه وجوب طاعته وامتثال أمره واتباع ما جاء به والسير على سنته‬
‫والقتداء به في كل ما جاء به عن ربه عز وجل‪ ،‬وأحاديثه× في هذا‬
‫المجال أعطت للمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما‬
‫فيها واستناروا بها‪ ،‬فقد تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا‬
‫بإذن الله تعالى‪ ،‬وقد امتازت الحاديث في هذا الشأن بكثرتها وتنوع‬
‫عباراتها وتعدد أساليبها واشتمال بعضها على المثلة التي ضربها‬
‫رسول الله × لمته في هذا الشأن‪ ،‬ومما ل شكل فيه أن هذه‬
‫حا وبياًنا‪ ،‬بحيث إنها لم تدع مجال ً‬
‫دا وتوضي ً‬
‫المميزات زادت المر توكي ً‬
‫لمتأول يؤولها أو محرف يغير معناها بهواه ورأيه الفاسد‪ ،‬وهذه‬
‫الحاديث على تنوع عباراتها وتعدد أساليبها اتحدت جميعها في‬
‫مضمون واحد وهو التأكيد على وجوب طاعته×‪ ،‬واتباع ما جاء به من‬
‫الترغيب في ذلك إضافة إلى التحذير من مخالفته‪ ،‬وتحريم معصيته‬
‫وبيان الوعيد الشديد في ذلك)‪ ،(4‬فمن هذه الحاديث قوله ×‪» :‬كل‬
‫أمتى يدخلون الجنة إل من أبى« قالوا‪ :‬يا رسول الله ومن‬
‫يأبى؟ قال‪» :‬من أطاعني دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاني فقد‬
‫أبى«)‪ ,(5‬طاعة الرسول × هى النقياد لسنته‪ ،‬مع رفض قول كل‬
‫الحتيال في‬
‫من قال شيًئا في دين الله عز وجل بخلف سنته‪ ،‬دون‬
‫دفع السنن بالتأويلت المضمحلة والمخترعات الداحضة)‪.(6‬‬
‫وقد كان أمير المؤمنين على من أحرص الصحابة على طاعة‬
‫رسول الله×‪ ،‬فقد قال رضي الله عنه‪» :‬ما كنت لدع سنة النبي ×‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫حقوق النبي على أمته في ضوء الكتاب والسنة )‪.(1/72‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬
‫حقوق النبي على أمته )‪.(1/74‬‬
‫حقوق النبي على أمته )‪.(1/86‬‬
‫البخاري رقم )‪.(7280‬‬
‫صحيح ابن حبان )‪.(1/153‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪52‬‬

‫ى‪ ،‬ولكني‬
‫لقول أحد«)‪ ،(1‬وقال أي ً‬
‫ضا‪» :‬أل إني لست بنبي ول يوحى إل ّ‬
‫استطعت«‪.‬وهو نموذج فريد‬
‫أعمل بكتاب الله وسنة محمد × ما‬
‫بالتمسك بالسنة واللتزام بها والدعوة لها)‪ ،(2‬ومن هذا المفهوم‬
‫والتصور الواضح لهمية طاعة الرسول × واتباع سنته انطلقت‬
‫أفعال أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ .‬وكان رضي الله عنه‬
‫يعتني بالسنة ويتحرى ويتثبت في روايتها وفي أخذها رضي الله عنه‪،‬‬
‫عن رسول الله×‪ ،‬فلئن أخّر‬
‫فقد قال رضي الله عنه‪» :‬إذا حدثتكم‬
‫ى من أكذب عليه«)‪ ,(3‬وقال رضي الله عنه‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫من السماء أ َ‬
‫ب إل ّ‬
‫ً‬
‫بما‪(4‬شاء منه‪،‬‬
‫الله‬
‫نفعني‬
‫ثا‬
‫حدي‬
‫×‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫من‬
‫سمعت‬
‫»كنت إذا‬
‫وإذا حدثني عنه غيري استحلفته‪ ،‬فإذا حلف لي صدقته«) ‪.‬‬
‫وكان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يحارب ما يناقض‬
‫التباع‪ ،‬فقد قال رضي الله عنه‪» :‬لو كان الدين بالرأي لكان أسفل‬
‫الخف أولى بالمسح من أعله«‪.‬‬
‫‪ -2‬حديث أمير المؤمنين على رضي الله عنه عن دلئل نبوة‬
‫ضا من دلئل‬
‫الرسول ×‪ :‬بّين أمير المؤمنين على رضي الله عنه بع ً‬
‫نبوة النبي × منها ما يلي‪:‬‬
‫)أ( بركة دعائه‪ :‬مرض على رضي الله عنه مرة فأتاه النبي ×‬
‫وهو يقول‪ :‬اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحنى‪ ،‬وإن كان متأخًرا‬
‫فارفعني‪ ،‬وإن كان البلء فصبرني‪ .‬فقال له رسول الله ×‪ :‬ما قلت؟‬
‫فأعاد عليه‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :،‬اللهم اشفه‪ ،‬اللهم عافه«‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬قم‪ .‬فقمت‪ ،‬فما عاد لي ذلك الوجع بعده)‪,(5‬وسيأتي الحديث‬
‫بإذن الله تعالى عن دعاء رسول الله له في خيبر‪.‬‬
‫)ب( إخباره بما فتح الله على نبيه من أمور الغيب‪:‬‬
‫قال على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬إذا حدثتكم عن رسول الله‬
‫ى من أن أكذب عليه‪ ،‬وإذا حدثتكم‬
‫× فلئن أخر من السماء أحب إل ّ‬
‫فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة«)‪ ,(6‬سمعت رسول الله ×‬
‫يقول‪» :‬يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء السنان‪ ،‬سفهاء‬
‫الحلم‪ ،‬يقولون من قول خير البرية‪ ،‬يمرقون من‬
‫السلم كما يمرق السهم من الرمية‪ ،‬ل يجاوز إيمانهم‬
‫حناجرهم‪ ،‬فأينما لقيتموهم فاقتلوهم‪ ،‬فإن في فتلهم‬
‫أجًرا لمن قتلهم يوم القيامة«)‪ ،(7‬وسيأتي شرح هذا الحديث‬
‫وغيره عند حديثنا عن الخوارج وموقف أمير المؤمنين على منهم‬
‫بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫)ج( النصر بالرعب‪ :‬ومن دلئل النبوة التي حدثنا بها على‬
‫رضي الله عنه ما رواه عن رسول الله × حيث قال‪» :‬أعطيت ما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(3/421‬‬
‫)( الشفا للقاضي عياض )‪.(2/556‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(6/158‬‬
‫)( سنن ابن ماجة رقم )‪.(1395‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ ،(2/151‬تحقيق أحمد شاكر إسناده صحيح‪.‬‬
‫)(منهج على في الدعوة إلى الله‪ ،‬ص )‪ ,(117‬فتح الباري )‪.(6/158‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك المناقب )‪ (1/281‬والقوم المذكورون هم الخوارج الذين قاتلهم‬
‫على بن أبى طالب في خلفته‪ ،‬وسيأتي الحديث عنهم بالتفصيل بإذن الله‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪53‬‬

‫لم يعط أحد من النبياء‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول الله ما هو؟ قال‪:‬‬
‫نصرت بالرعب‪ ،‬وأعطيت مفاتيح الرض‪ ،‬وسميت أحمد‪،‬‬
‫وجعل التراب لي طهوًرا وجعلت أمتى خير المم«)‪.(1‬‬
‫)د( خاتم النبوة‪ :‬وضح على رضي الله عنه من جملة وصفه‬
‫لرسول الله × وجود دللة من أبرز الدلئل الحسية على نبوته ×‬
‫حيث يقول‪ :‬بين كتفيه خاتم النبوة )‪ .(2‬وهذه العلمة كان أهل الكتاب‬
‫يعرفونه بها‪ ،‬وهى شيء بارز أحمر عند كتفه اليسر‪ ،‬قدره إذا ُقلل‬
‫قدر بيضة الحمامة‪ ،‬وإذا كبر جمع اليد)‪.(3‬‬
‫)هـ( سلم الجبال على النبي ×‪ :‬أخبر أمير المؤمنين على‬
‫بن أبى طالب رضي الله عنه عن هذه الدللة حيث قال‪ :‬كنت مع‬
‫النبي × بمكة‪ ،‬فخرجنا في بعض نواحيها‪ ،‬فما استقبله جبل‪ ،‬ول‬
‫شجر‪ ،‬إل وهو يقول‪ :‬السلم عليك يا رسول الله)‪.(4‬‬
‫‪ -3‬الترغيب في هدى النبي ×‪:‬كان أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه يرغب المسلمين في لزوم هدى النبي ×‪ ،‬فقد قال في‬
‫خطبة له في الربذة)‪» :(5‬الزموا دينكم واهتدوا بهدى نبيكم‪ ،‬واتبعوا‬
‫سنته‪ ،‬واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن‪ ،‬فما عرفه القرآن‬
‫فالزموه‪ ،‬وما أنكره فردوه«)‪ ،(6‬وبعد رجوع أمير المؤمنين على بن‬
‫أبى طالب رضي الله عنه من قتال الخوارج خطب أصحابه خطبة‬
‫بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر‪ ،‬وقد ضمن هذه الخطبة‬
‫المر بالتزام هدى النبي × والترغيب فيه‪ ،‬حيث يقول‪» :‬واقتدوا‬
‫بهدى نبيكم ×‪ ،‬فإنه أفضل الهدى‪ ،‬واستنوا بسنته فإنها أفضل‬
‫السنن«)‪ ،(7‬ولم تشغل الفتن الداخلية أمير المؤمنين علًيا رضي الله‬
‫حصلت في عهده‪ ،‬عن دعوة أصحابه إلى كل خير‪ ،‬ونهيهم‬
‫عنه والتي‬
‫عن كل شر)‪ ،(8‬وتحذيرهم من البدع‪ ،‬ومن قوله في هذا الشأن‪» :‬إن‬
‫عوازم المور أفضلها‪ ،‬وإن محدثاتها شرارها‪ ،‬وكل محدثة بدعة‪ ،‬وكل‬
‫مبتدع‪ ،‬ومن ابتدع فقد ضيع‪ ،‬وما أحدث محدث بدعة إل ترك‬
‫محدث‬
‫بها سنة«)‪.(9‬‬
‫‪ -4‬بيان فضله وبعض حقوقه على أمته ×‪ :‬بّين أمير المؤمنين‬
‫على بن أبى طالب رضي الله عنه في معرض حديثه للمسلمين‬
‫فضائل النبي× ومما قاله في هذا المجال‪» :‬فكان مما أكرم الله به‬
‫دا‬
‫عز وجل هذه المة‪ ،‬وخصهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محم ً‬
‫×‪ ،‬فعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة لكيما يهتدوا‪،‬‬
‫وجمعهم لكيما ل يتفرقوا‪ ،‬وزكاهم لكيما يتطهروا‪ ،‬ورفههم لكيما ل‬
‫يجوروا‪ ،‬فلما قضى من ذلك ما عليه‪ ،‬قبضه الله عز وجل صلوات‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري‪ .‬رقم )‪.(335‬‬
‫مصنف ابن أبى شيبة )‪ ،(11/513‬البخاري‪ ،‬كتاب المناقب‪.‬‬
‫فتح الباري )‪.(563 -6/561‬‬
‫سنن الترمذي‪ ،‬ك المناقب )‪ ،(5/93‬المستدرك )‪ (2/620‬صحيح السناد‪.‬‬
‫من قرى المدينة على ثلثة أميال‪ ،‬معجم البلدان )‪.(3/24‬‬
‫البداية والنهاية )‪ ،(7/246‬تاريخ الطبري‪.‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪54‬‬

‫الله عليه ورحمته وبركاته«)‪ .(1‬وإليك بعض حقوقه×‪:‬‬
‫)أ( وجوب الصدق عنه والتحذير من الكذب عليه‪ :‬حذر‬
‫أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه من الكذب على‬
‫رسول الله‪ ،‬فعن ربعي بن حراش قال‪ :‬سمعت على بن أبى طالب‬
‫ى فليلج‬
‫يقول‪ :‬قال النبي ×‪» :‬ل تكذبوا على ّ فإنه من كذب عل ّ‬
‫«‪ ،‬وحذر أمير المؤمنين على رضي الله عنه من نقل الكذب‪ -‬وهو‬
‫النار‬
‫يعلم أنه كذب – فيما يرويه عن النبي × قال‪» :‬من)‪(2‬حدث عني‬
‫ثا ً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين« ‪.‬‬
‫حدي‬
‫)ب( البعد عن أسباب تكذبيه‪ :‬أرشد أمير المؤمنين على‬
‫بن أبى طالب رضي الله عنه الناس إلى البعد عن المر الذي يكون‬
‫سبًبا في تكذيب رسول الله ×‪ ،‬كتحديث الناس بما ل تدركه عقولهم‬
‫من أقوال رسول الله ×‪ ،‬فقد قال‪(3») :‬حدثوا الناس بما يعرفون‪،‬‬
‫أتحبون أن يكذب الله ورسوله« ‪ ,‬ومعنى الحديث‪ :‬بما‬
‫يعرفون‪ :‬أي يفهمون‪ ،‬وفيه دليل على أن المتشابه ل ينبغي أن يذكر‬
‫عند العامة‪ ،‬وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في‬
‫الحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان‪ ،‬ومالك في أحاديث‬
‫الصفات‪ ،‬وأبو يوسف في الغرائب‪ ،‬ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم‬
‫عنه في الجرابين‪ ،‬وأن المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة‪،‬‬
‫وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة وظاهره في‬
‫غير مراد‪ ،‬فالمساك عنه عند من يخشى عليه الخذ بظاهره‬
‫الصل‬
‫مطلوب)‪.(4‬‬
‫)ج( إحسان الظن بحديث رسول الله ×‪ :‬قال أمير‬
‫دثتم عن رسول الله × حديًثا‬
‫المؤمنين على رضي الله عنه‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫إذا‪ُ (5‬‬
‫فظنوا به هو أهناه وأهداه وأتقاه) ‪.‬‬
‫ن‬
‫)د(‬
‫مل َئ ِ‬
‫صّلو َ‬
‫عليه‪ :‬قال تعالى‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫ك َت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن الل َ‬
‫ه يُ َ‬
‫ه َ‬
‫الصلة َ‬
‫)‪(6‬‬
‫ّ‬
‫موا‬
‫ي‬
‫صّلوا َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫و َ‬
‫ذي َ‬
‫َيا أي ّ َ‬
‫سل ُ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ه َ‬
‫عَلى الن ّب ِ ّ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[56:‬‬
‫تَ ْ‬
‫سِلي ً‬
‫وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى بمنزلة عبده ونبيه في المل‬
‫العلى‪ ،‬بأنه يثنى عليه عند الملئكة المقربين‪ ،‬وأن الملئكة تصلى‬
‫عليه‪،‬‬
‫عليه‪ ،‬ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلة والتسليم‬
‫ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلي جميًعا)‪،(7‬‬
‫ويؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا الحق‬
‫لرسول الله × بوصف من لم يص ّ‬
‫ل على رسول الله عند سماع‬
‫الله‪ ،×(8‬حيث قال‪» :‬البخيل‬
‫رسول‬
‫ذكره بالبخل‪ ،‬فيما يرويه عن‬
‫ى«) ‪.‬‬
‫الذي ذكرت عنده فلم يصل عل ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/262‬‬
‫صحيح سنن ابن ماجة )‪ (1/13‬قال اللباني‪ :‬صحيح‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك العلم )‪.(1/46‬‬
‫ما دون قوم‪.‬‬
‫فتح الباري )‪ (1/425‬باب من خص بالعلم قو ً‬
‫مسند أحمد )‪ (2/211‬أحمد شاكر‪ ،‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫صلة الله تعالى‪ :‬ثناؤه عليه عند الملئكة‪ ،‬وصلة الملئكة‪ :‬الدعاء‪.‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪ ،(3/508‬منهج على بن أبى طالب في الدعوة‪ :‬ص)‪.(129‬‬
‫صحيح سنن الترمذي )‪ (3/177‬صحيح‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪55‬‬

‫ل ِإن َ‬
‫)هـ( محبته لرسول الله ×‪ :‬قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫شيرقت ُك ُْم وأ َ‬
‫خوان ُك ُم َ‬
‫وأ َب َْنا ُ‬
‫آَبا ُ‬
‫وا ٌ‬
‫ل‬
‫م‬
‫و َ‬
‫وا ُ‬
‫جك ُ ْ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ْ َ ْ َ‬
‫ع ِ َ‬
‫م َ‬
‫وأ َْز َ‬
‫ْ َ‬
‫وإ ِ ْ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ا ْ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ن‬
‫و‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ك‬
‫سا‬
‫م‬
‫و‬
‫ها‬
‫د‬
‫سا‬
‫ك‬
‫ن‬
‫و‬
‫ش‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ة‬
‫ر‬
‫جا‬
‫ت‬
‫و‬
‫ها‬
‫مو‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ْ‬
‫قت َ َ ُ ُ َ َ ِ َ َ ٌ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َ َ َ َ ِ ُ َ ْ َ ْ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صوا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫في‬
‫د‬
‫ها‬
‫ج‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫م‬
‫كم‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ّ َ َ ِ َ َ ُ ِ ِ َ ِ َ ٍ ِ‬
‫أ َ ّ ِ ْْ‬
‫َ ِ ِْ ِ َ َ ّ ُ‬
‫م ال َ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ن"‬
‫س ِ‬
‫فا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ر ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قي َ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫والل ُ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫ي الل ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫حّتى ي َأت ِ َ‬
‫م ِ‬
‫]التوبة‪ .[24 :‬فالية نصت على وجوب محبة الله ورسوله‪ ،‬وأن تلك‬
‫يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب‪ ،‬ول خلف في ذلك‬
‫المحبة‬
‫)‪(1‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫عوِني‬
‫ب‬
‫ت‬
‫فا‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫بو‬
‫ح‬
‫ت‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ك‬
‫إن‬
‫ل‬
‫ق‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫‪،‬‬
‫المة‬
‫بين‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ َ‬
‫ِ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م" ]آل‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫فو‬
‫غ‬
‫ه‬
‫والل‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫نو‬
‫ذ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ب‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ َ َ‬
‫يُ ْ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ح ِ ْ ُ‬
‫ٌ ّ‬
‫َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫عمران‪ .[31:‬ففي هذه الية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ×‪،‬‬
‫لن الله تبارك وتعالى قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو‬
‫أتباع النبي ×‪ ،‬وهذا التباع ل يتحقق ول يكون إل بعد اليمان بالنبي‬
‫×‪ ،‬واليمان به لبد من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ×‪،‬‬
‫فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله × قال‪» :‬فوالذي‬
‫بيده ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده‬
‫نفسي‬
‫ووالده«)‪ (2‬ومما ل ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه× كان أتم‬
‫وأوفر‪ ،‬ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة‪ ،‬وهم بقدره × ومنزلته أعلم‬
‫وأعرف من غيرهم‪ ،‬فبالتالي كان حبهم له× أشد وأكبر)‪ ،(3‬وقد سئل‬
‫أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ :‬كيف كان حبكم لرسول الله ×؟‬
‫قال‪ :‬كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولدنا وآبائنا وأمهاتنا ومن‬
‫الماء البارد على الظمأ)‪ ،(4‬وهذه الخصوصية المطلقة ليست لحد‬
‫غير رسول الله ×‪.‬‬
‫‪ -5‬المعرفة الدقيقة الشاملة لملمح الشخصية النبوية‪ :‬لقد‬
‫ساعدت الصلة السرية‪ ،‬والمعايشة الطويلة القريبة‪ ،‬والتتبع الدقيق‬
‫لما خص الله به نبيه من نفسية نبوية‪ ،‬ومكارم أخلق وميول‬
‫واتجاهات‪ ،‬أمير المؤمنين علًيا رضي الله عنه على معرفته الدقيقة‬
‫الشاملة للشخصية النبوية وخصائصها والقدرة على وصفها‪ ،‬والتنويه‬
‫ذلك فيما روى عنه من‬
‫بجوانب دقيقة في سيرته وخلقه‪ ،‬يلحظ‬
‫وصف رسول الله وحليته وخلقه وسلوكه)‪.(5‬‬
‫خ ْ‬
‫الله( عنه‪» :‬كان‬
‫قال أمير المؤمنين على رضي‬
‫لقه‪:‬‬
‫)أ( بيان َ‬
‫)‪6‬‬
‫والقدمين‪،‬‬
‫الكفين‬
‫شثن‬
‫بالقصير‪،‬‬
‫ول‬
‫بالطويل‬
‫ليس‬
‫رسول الله ×‬
‫إذا‪(10‬مشى‬
‫سُربة)‪,(7‬ضخم الكراديس)‪،(8‬‬
‫م‬
‫ال‬
‫طويل‬
‫حمرة‪،‬‬
‫وجهه‬
‫مشرب‬
‫ْ ْ‬
‫تكّفأ تكّف ً‬
‫ؤا‪ ،‬كأنما ينحط من صبب)‪،(9‬لم أر قبله ول بعد مثله×) ‪ ،‬وعن‬
‫محمد بن على عن أبيه قال‪ :‬كان رسول الله × ضخم الرأس‪ ،‬عظيم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( تفسير القرطبي )‪.(8/95‬‬
‫)( البخاري رقم ‪4‬فتح الباري )‪.(1/58‬‬
‫)( حقوق النبي على أمته )‪.(1/314‬‬
‫)( الشفا )‪ (2/568‬للقاضي عياض‪.‬‬
‫)( المرتضى‪ :‬ص )‪.(43 -39‬‬
‫)( أي خشن الكفين غليظهما‪ :‬الصحاح للجوهري )‪.(5/214‬‬
‫)( الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة‪.‬‬
‫)( ال ُ‬
‫كردوس‪ :‬كل عظم تام ضخم فهو كردوس‪ ،‬وكل عظمين التقيا في مفصل‬
‫فهو كردوس‪ ،‬وأراد على أنه × ضخم العضاء‪.‬‬
‫)( الصبب هو الموضع المنحدر‪ ،‬وهذه الصفة من المشي تعني أن النبي × كان‬
‫قوًيا‪ ،‬فإذا مشى فكأنما يمشي على صدور قدميه من القوة‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪56‬‬

‫)‪(2‬‬
‫)‪(1‬‬
‫مشرب العينين بحمرة‪،‬‬
‫العينين‪ ،‬هَ ِ‬
‫دب الشفار – قال حسن ‪ :‬الشفار‪ُ -‬‬
‫والقدمين‪ ،‬إذا مشى تكفأ كأنما‬
‫الكفين‬
‫شثن‬
‫اللون‪،‬‬
‫أزهر‬
‫كث اللحية‪،‬‬
‫يمشي في صعد‪ ،‬وإذا التفت التفت جميًعا)‪،(3‬وعند الترمذي عن محمد‬
‫من ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه قال‪ :‬كان على رضي الله‬
‫وصف النبي × قال‪» :‬لم يكن بالطويل الممغط)‪(6,)(4‬ول بالقصير‬
‫عنه إذا‬
‫بالجعد القطط )‪ ،(8‬ول‬
‫يكن‬
‫ولم‬
‫القوم‪،‬‬
‫من‬
‫ربعة‬
‫وكان‬
‫المتردد)‪،(5‬‬
‫دا رجل‪ ً ،‬ولم يكن بالمطهم)‪(7‬ول بالمكلثم ‪ ،‬وكان في‬
‫بالسبط‪ ،‬كان جع ً‬
‫والقدمين‪ ،‬إذا مشى تقلع‪،‬‬
‫الكفين‬
‫شثن‬
‫مشرب‪،‬‬
‫الوجه تدوير‪ ،‬أبيض‬
‫كأنما يمشي في صبب‪ ،‬وإذا التفت التف)‪ (9‬مًعا‪.‬‬
‫»كما أن على بن أبى طالب رضي الله عنه بين صفة من صفات‬
‫×( بعد موته‪ ،‬وأمًرا لم يعرفه غيره – ربما من كان‬
‫جسد النبي‬
‫)‪10‬‬
‫فجعلت أنظر ما‬
‫×‪،‬‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫غسلت‬
‫يقول‪:‬‬
‫حيث‬
‫–‬
‫معه‬
‫يغسله‬
‫يكون من الميت فلم أر شيًئا‪ ،‬وكان طيًبا حًيا وميًتا ×)‪ ،(11‬وكان على‬
‫الله عنه يقول وهو يغسله‪ :‬بأبى أنت وأمي‪ ،‬ما أطيبك حًيا‬
‫رضي‬
‫وميًتا)‪.(12‬‬
‫قه‪ :‬تحدث أمير المءمنين على رضي الله عنه‬
‫)ب( بيان ُ‬
‫خل ُ ِ‬
‫فا‪ ،‬وأشرحهم صدًرا‬
‫‪(13‬الناس ك ً‬
‫أجود‬
‫»كان‬
‫فقال‪:‬‬
‫×‪،‬‬
‫عن أخلق النبي‬
‫وأصدق الناس لهجة‪ ،‬وألينهم عريكة) ‪ ،‬وأكرمهم عشرة‪ ،‬من رآه‬
‫بديهة هابه‪ ،‬ومن خالطه معرفة أحبه‪ ،‬يقول ناعته‪ :‬لم أر قبله ول‬
‫بعده مثله«)‪ ،(14‬وأخبرنا عن شجاعة الرسول ×‪ ،‬وقوة بأسه‪ ،‬وأن‬
‫ضا وقوة بأسهم التي سطرتها‬
‫علًيا ومن كان معه مع شجاعتهم أي ً‬
‫أخبار المغازي‪ ،‬كانوا إذا اشتدت الحرب يلوذون برسول الله ×‪،‬‬
‫فيقول على رضي الله عنه‪» :‬لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول‬
‫سا«)‪،(15‬‬
‫الله ×‪ ،‬وهو أقربنا إلى العدو‪ ،‬وكان من أشد الناس يومئذ بأ ً‬

‫‪10‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪13‬‬
‫‪14‬‬
‫‪15‬‬

‫)( مسند أحمد ‪ 1/96‬برقم )‪(746‬ط‪ /‬الرسالة – إسناده صحيح‪ ،‬صححه اللباني‬
‫في صحيح سنن الترمذي‪.‬‬
‫)( هى حروف الجفان وأصول منابت الشعر في الجفن التي تلتقي عند‬
‫التغميض‪.‬‬
‫)( حسن بن موسى الراوى عن حماد عبد الله بن محمد بن عقيل بن محمد بن‬
‫على‪.‬‬
‫)( مسند أحمد ‪ 1/89‬برقم )‪ (684‬ط‪ /‬الرسالة‪ -‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( الممغط‪ :‬الذاهب طو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫)( المتردد‪ :‬الداخل بعضه في بعض قصًرا‪.‬‬
‫)( القطط‪ :‬الشديد الجعودة‪.‬‬
‫)( المطهم‪ :‬البادن الكثير اللحم‪.‬‬
‫)( المكلثم‪ :‬الممتلئ لحم الخدين والوجه‪.‬‬
‫)( سنن الترمذي‪ ،‬ك المناقب )‪ (5/599‬حسن غريب إسناده غير متصل‪.‬‬
‫)( كالعباس والفضل وقثم بن عباس يقلبونه‪.‬‬
‫)( صحيح سنن ابن ماجة لللباني )‪ ،(1/247‬الحاكم في المستدرك )‪(3/59‬‬
‫واللفظ له صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(2/662‬‬
‫سا‪ ،‬انظر منهج على بن أبى‬
‫)( العريكة‪:‬‬
‫الطبيعة‪ ،‬وفلن لين العريكة‪ :‬إذا كان سل ً‬
‫طالب ص ‪.110‬‬
‫)( وهو تتمة للحديث السابق‪.‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/64‬تحقيق أحمد شاكر‪ ،‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪57‬‬

‫م اتقينا‬
‫م القو َ‬
‫وفي رواية أخرى‪ :‬كنا إذا احمر البأس‪ ،‬ولقي القو ُ‬
‫برسول الله×‪ ،‬فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)‪ ،(1‬وبين على‬
‫رضي الله عنه من أخلق رسول الله × من الرحمة والكرم‪،‬‬
‫والشجاعة والتواضع‪ ،‬ما ورد في وصفه لرسول الله × لليهود الذين‬
‫طلبوا منه ذلك حيث يقول‪ :‬كان أرحم الناس بالناس؛ لليتيم كالب‬
‫فا‪ ،‬وأصبحهم‬
‫الرحيم‪ ،‬واللرملة كالكريم‪ ،‬أشجع الناس‪ ،‬وأبذلهم ك ً‬
‫اللبن‪(2،‬ووساده الدم‬
‫وجًها‪ ،‬لباسه العباء وطعامه خبز الشعير‪ ،‬وإدامه‬
‫غيلن مرمل بالشريف) ‪ ،‬كان له‬
‫محشو بليف النخل‪ ،‬سريره أم‬
‫)‪(3‬‬
‫والخرى العقاب‪(6)،‬وكان سيفه ذا‬
‫‪،‬‬
‫السحاب‬
‫عمامتان إحداهما تدعي‬
‫الفقار)‪ ،(4‬ورايته الغراء)‪(7‬وناقته العضباء)‪ ،(5‬وبغلته دلدل ‪ ،‬وحماره‬
‫الحمد‪ (،‬وكان يعقل‬
‫يعفور‪ ،‬وفرسه مرتجز ‪ ،‬وشاتهن بركة‪ ،‬ولواؤه‬
‫البعير ويعلف الناضح)‪ ،(8‬ويرقع الثوب‪ ،‬ويخصف النعل)‪. 9‬‬
‫‪ -6‬نماذج من اتباع أمير المؤمنين للسنة‪ :‬كان أمير المؤمنين‬
‫على شديد الحرص على القتداء بالنبي ×‪ ،‬وحياته العملية خير دليل‬
‫على ذلك‪ ،‬وهذه بعض المثلة المتنوعة التي كان يتبع فيها النبي ول‬
‫يفرق بين صغيرة ول كبيرة‪:‬‬
‫ دعاء الركوب على الدواب‪ :‬عن عبد الرزاق‪ :‬أخبرني من شهد‬‫علًيا حين ركب‪ ،‬فلما وضع رجله في الركاب‪ ،‬قال‪ :‬بسم الله‪ ،‬فلما‬
‫استوى قال‪ :‬الحمد لله‪ ،‬سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له‬
‫مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون‪ ،‬ثم حمد ثلًثا وكبر ثلًثا‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫اللهم ل إله إل أنت‪ ،‬ظلمت نفسي فاغفر لي‪ ،‬إنه ل يغفر الذنوب إل‬
‫أنت‪ ،‬ثم ضحك‪ ،‬قال‪ ،‬فقيل‪ :‬ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال‪:‬‬
‫رأيت النبي × فعل مثل ما فعلت‪ ،‬وقال مثل ما قلت‪ ،‬ثم ضحك‪،‬‬
‫فقلنا‪ :‬ما يضحك يا نبي الله؟ قال‪ :‬العبد – أو قال‪ :‬عجبت للعبد‪-‬‬
‫إذا قال‪ :‬ل إله إل أنت ظلمت نفسي فاغفر لي‪ ،‬إنه ل‬
‫يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬يعلم أنه ل يغفر الذنوب إل هو)‪.(10‬‬
‫دا‪:‬عن عطاء بن السائب عن زادان‪ :‬أن‬
‫ما‪ ،‬وقاع ً‬
‫ الشرب قائ ً‬‫ما‪ ،‬فنظر إليه الناس كأنهم أنكروه‪،‬‬
‫طالب‬
‫على بن أبى‬
‫شرب قائ ً‬
‫)‪(11‬‬
‫يشرب‬
‫×‬
‫النبي‬
‫رأيت‬
‫فقد‬
‫ما‪،‬‬
‫قائ‬
‫أشرب‬
‫إن‬
‫تنظرون؟‬
‫فقال‪ :‬ما‬
‫ً‬
‫دا)‪.(12‬‬
‫دا‪ ،‬فقد رأيت النبي × يشرب قاع ً‬
‫ما‪ ،‬وإن أشرب قاع ً‬
‫قائ ً‬
‫‪1‬‬

‫)( مسند أحمد )‪ (2/343‬وقال المحقق‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( قال ابن القيم في زاد المعاد‪ :‬كان رسول الله × ينام على الفرش تارة‪،‬‬
‫وعلى النطع تارة‪ ،‬وعلى الحصير تارة‪ ،‬وعلى الرض تارة‪ ،‬وعلى السرير تارة‬
‫بين رماله‪ ،‬وتارة على كساء أسود )‪ (1/155‬زاد المعاد‪ :‬السرير المرمل‪ :‬أي‬
‫المنسوج‪ ،‬لسان العرب )‪.(11/295‬‬
‫‪3‬‬
‫)( وهى العمامة التي كساها علًيا )زاد المعاد ‪.(1/135‬‬
‫‪4‬‬
‫)( للرسول تسعة أسياف منها ذو الفقار تنفله يوم بدر )زاد المعاد ‪.(1/130‬‬
‫‪5‬‬
‫)( وهى غير القصواء المشهورة والعضباء هي التي كانت ل تسبق‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( بغلة شهباء أهداها له المقوقس وله غيرها )زاد المعاد ‪.(1/134‬‬
‫‪7‬‬
‫)( زاد المعاد )‪ (1/133‬ملك سبعة من الخيل‪ ،‬متفق عليها‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الناضح‪ :‬البعير الذي يستسقى عليه الماء )لسان العرب ‪.(2/619‬‬
‫‪9‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة )‪.(2/163‬‬
‫‪10‬‬
‫)( مسند أحمد الموسوعة الحديثة رقم ‪930‬حسن لغيره‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫)( في رواية‪ :‬ما تنكرون‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫)( مسند أحمد رقم ‪1128‬إسناده حسن‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪58‬‬

‫ى وضوء‬
‫ تعليم وضوء رسول الله ×‪ :‬عن عبد خير‪ :‬علمنا عل ّ‬‫رسول الله ×‪ ،‬فصب الغلم على يديه حتى أنقاهما‪ ،‬ثم أدخل يده‬
‫في الركوة‪ ،‬فمضمض واستنشق‪ ،‬وغسل وجهه ثلًثا ثلًثا‪ ،‬وذراعيه‬
‫إلى المرفقين ثلًثا ثلًثا‪ ،‬ثم أدخل يده في الركوة فغمز أسفلها بيده‬
‫ثم أخرجها فمسح بها الخرى‪ ،‬ثم مسح بكفيه رأسه مرة‪ ،‬ثم غسل‬
‫اغترف هُّنية من ماء بكفه فشربه‪،‬‬
‫رجليه إلى الكعبين ثلًثا ثلًثا‪ ،‬ثم‬
‫ضا)‪.(1‬‬
‫يتو‬
‫ثم قال‪ :‬هكذا كان رسول الله‬
‫ً‬
‫ نهى رسول الله × لعلي عن أشياء‪ :‬عن عبد الله بن حنين عن‬‫أبيه‪ ،‬قال‪ :‬سمعت على ابن أبى طالب يقول‪ :‬نهاني رسول الله ×‬
‫س والمعصفر‪ ،‬وقراءة القرآن وأنا‬
‫عن تختم الذهب‪ ،‬وعن ُلبس ال َ‬
‫ق ّ‬
‫راكع‪ ،‬وكساني حلة من سيراء فخرجت فيها‪ ،‬فقال‪ :‬يا على‪ ،‬إني لم‬
‫أكسكها لتلبسها‪ ،‬قال‪ :‬فرجعت بها إلى فاطمة‪ ،‬فأعطيتها ناحيتها‬
‫فأخذت بها لتطويها معي‪ ،‬فشققتها بثنتين قال‪ :‬فقالت‪ :‬تربت يداك يا‬
‫فقلت لها‪ :‬نهاني رسول الله ×‬
‫ابن أبى طالب‪ ،‬ماذا صنعت؟ قال‪:‬‬
‫عن لبسها‪ ،‬فالبسي واكسي نساءك)‪.(2‬‬
‫ الذنوب والمغفرة‪ :‬عن على رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬‫الله ×‪» :‬من أذنب في الدنيا ذنًبا فعوقب به‪ ،‬فالله أعدل‬
‫من أن يثني عقوبته على عبده‪ ،‬ومن أذنب ذنًبا في الدنيا‬
‫وعفا عنه‪ ،‬فالله أكرم من أن يعود في‬
‫فستر الله عليه‪،‬‬
‫شيء قد عفا عنه«)‪.(3‬‬
‫ إنما الطاعة في المعروف‪:‬عن على رضي الله عنه‪ :‬أن رسول‬‫شا‪ ،‬وأمر عليهم رج ً‬
‫الله × بعث جي ً‬
‫ل‪ ،‬فأوقد ناًرا‪ ،‬فقال‪ :‬ادخولها!‬
‫فأراد ناس أن يدخلوها‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬إنما فررنا منها‪ ،‬فذكر ذلك‬
‫لرسول الله×‪ ،‬فقال للذين أرادوا أن يدخلوها‪» :‬لو دخلتموها لم‬
‫نا‪ (4،‬وقال‪:‬‬
‫تزالوا فيها إلى يوم القيامة«‪ .‬وقال للخرين قول ً حس ً‬
‫)‬
‫ل طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف ‪،‬‬
‫والحديث يبين بأن الطاعة للحكام مقيدة بطاعة الله ورسوله‪،‬‬
‫والطاعة المطلقة ليست لحد إل لله ورسوله×‪.‬‬
‫ ل يأتي على الناس مائة سنة وعلى الرض عين تطرف‪ :‬دخل‬‫ى بن أبى طالب‪ ،‬فقال‬
‫أبو مسعود عقبة بن عمرو النصاري على عل ّ‬
‫ى‪ :‬أنت الذي تقول‪ »:‬ل يأتي على الناس مائة سنة‬
‫له عل ّ‬
‫ى اليوم«‪ ،‬والله إن‬
‫ح‬
‫هو‬
‫ممن‬
‫تطرف‬
‫عين‬
‫الرض‬
‫وعلى‬
‫ّ‬
‫رخاء هذه المة بعد مائة عام)‪.(5‬‬
‫ دعاء الرسول × لهل المدينة بالبركة‪ :‬عن على بن أبى طالب‬‫رضي الله عنه‪ ،‬أنه قال‪ :‬خرجنا مع رسول الله ×‪ ،‬حتى إذا كنا‬
‫سقيا التي كانت لسعد بن أبى وقاص‪ ،‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫بالحرة بال ّ‬
‫وضوء«‪ ،‬فلما توضأ قام فاستقبل القبلة‪ ،‬ثم كبر‪ ،‬ثم‬
‫»ائتوني ب َ‬
‫قال‪» :‬اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعا لهل مكة‬
‫بالبركة‪ ،‬وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لهل المدينة‬
‫مدهم وصاعهم مثل ما باركت لهل‬
‫أن تبارك لهم في ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مسند أحمد الموسوعة الحديثة رقم ‪ ،876‬صحيح لغيره‪ ،‬إسناده حسن‪.‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 710‬إسناده حسن‪.‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 1365‬إسناد حسن‪.‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪ 724‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 714‬إسناده قوى‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪59‬‬

‫مكة‪ ،‬مع البركة بركتين«)‪.(1‬‬
‫ دعاء الكرب‪ :‬عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال‪:‬‬‫»علمني رسول الله × إذا نزل بي كرب أن أقول‪ :‬ل إله إل الله‬
‫الحليم الكريم‪ ،‬سبحان الله‪ ،‬وتبارك الله رب العرش العظيم‪،‬‬
‫والحمد لله رب العالمين«)‪ .(2‬والحديث يرشد إلى ضرورة التعلق‬
‫بالله وحده والعتماد عليه واللتجاء إليه‪ ،‬فل يكشف الكرب إل هو‬
‫سبحانه‪ ،‬ول يجيب المضطر إذا دعاه إل الذي خلقه‪ ،‬فل ملجأ من الله‬
‫إل إليه‪ ،‬ففيه إرشاد وتعليم إلى كل مسلم بأن يعتمد على الله في‬
‫كل أحواله وشأنه‪.‬‬
‫ى شيًئا كتمه الناس‪ :‬عن أبى الطفيل قال‪ :‬قلنا لعلي‪:‬‬
‫ ما أسر إل ّ‬‫ى شيًئا‬
‫إل‬
‫أسر‬
‫ما‬
‫فقال‪:‬‬
‫×‪.‬‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫إليك‬
‫أسره‬
‫أخبرنا بشيء‬
‫ّ‬
‫كتمه الناس‪ ،‬ولكن سمعته يقول‪ :‬لعن الله من ذبح لغير الله‪،‬‬
‫ولعن الله من آوى محدًثا‪ ،‬ولعن الله من لعن والديه‪،‬‬
‫ولعن الله من غّير تخوم الرض‪ ,‬يعني المنار)‪ ،(3‬ففي قوله ×‪:‬‬
‫لعن الله‪ :‬اللعن من الله‪ :‬الطرد والبعاد عن رحمة الله‪ ،‬قوله‪ :‬من‬
‫ذبح لغير الله‪ :‬يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي أو ملك‪ ،‬أو‬
‫جنى أو غيرهم‪ ،‬فلو كانت هذه المور هينة في دين الله لما وصلت‬
‫إلى درجة يستحق فاعلها اللعن من‬
‫رسول الله ×‪.‬‬
‫ إن الله رفيق يحب الرفق‪:‬عن على بن أبى طالب رضي الله‬‫الرفق‪،‬‬
‫عنه قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬إن الله رفيق يحب‬
‫ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف«)‪.(4‬‬
‫ تعجيل الصدقة)‪ (5‬قبل أن تحل‪:‬عن على أن العباس بن عبد‬‫المطلب)‪(6‬سأل النبي × في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له‬
‫في ذلك ‪.‬‬
‫عنه‪ (7،‬قال‪ :‬كان‬
‫ العشر الواخر من رمضان‪:‬عن على رضي الله‬‫رسول الله يوقظ أهله في العشر الواخر‪ ،‬ويرفع المئزر) ‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬الرواة عن على بن أبى طالب رضي الله عنه‪:‬‬

‫كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه أعلم الصحابة بالسنة في‬
‫عهده‪ ،‬إذ روى أنه ذكر على عند عائشة‪ ،‬فقالت‪ :‬أما أنه أعلم من‬
‫السنة )‪ ،(8‬ومع ذلك فقد روى عن النبي × خمسمائة وستة‬
‫بقي في‬
‫ثمانين حديًثا)‪ ،(9‬وهو أقل مما رواه بعض الصحابة عن النبي ×‬
‫لسباب منها‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المصدر نفسه رقم ‪ 936‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 701‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 855‬إسناده قوى‪.‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪902‬حديث حسن الشواهد‪.‬‬
‫تعجيل الصدقة‪ :‬أي تعجيل الزكاة‪.‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪822‬إسناده حسن‪.‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪1116‬إسناده حسن )‪.(3/195‬‬
‫الطبقات )‪.(2/338‬‬
‫تاريخ الخلفاء ص ‪.171‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪60‬‬

‫‪ -1‬انشغاله بالقضاء والمارة والحروب التي جعلته ل يتفرغ للفتيا‬
‫وعقد حلقات الدروس التي كانت سبًبا في انتشار عمل بعض‬
‫الصحابة‪ ،‬كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس‪.‬‬
‫‪ -2‬ظهور أهل الهواء والبدع من الذين أفرطوا فيه والذين‬
‫فرطوا به كان سبًبا في كثرة الكذب عليه‪ ،‬لذلك بذل العلماء‬
‫جهدهم في معرفة صحة الطرق الموصلة إليه‪.‬‬
‫‪ -3‬كثرة الفتن في زمانه وانشغال بعض الناس بها حال دون ثقته‬
‫علمه‪ ،‬إذا ُروى عنه أنه قال‪ :‬إن‬
‫رضي الله عنه بمن يضع فيه‬
‫ما لو أصبت له حملة)‪.(1‬‬
‫هاهنا عل ً‬
‫وقد لحظنا في منهج أمير المؤمنين في الرواية وقبول الحديث‬
‫ما يأتي‪:‬‬
‫لقوله ×‪:‬‬
‫‪ -1‬الحذر من الكذب على النبي × إذ هو أحد الرواة‬
‫دا فليتبوأ مقعده من النار«)‪.(2‬‬
‫ى متعم ً‬
‫»من كذب عل ّ‬
‫‪ -2‬الستيثاق من الرواية فإنه كان يحلف الراوى عليها‪ ،‬فقد روى‬
‫أنه قال‪ :‬كنت إذا سمعت من رسول الله × حديًثا نفعني الله بما‬
‫أن‪(3‬ينفعني منه‪ ،‬وكان إذا حدثني غيره استحلفته‪ ،‬فإذا حلف‬
‫شاء‬
‫صدقته) ‪.‬‬
‫‪ -3‬عدم رواية المنكر والشاذ من الحديث‪ ،‬إذ ورد عنه أنه قال‪:‬‬
‫الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون‪ ،‬أتريدون أن يكذب الله‬
‫حدثوا‬
‫ورسوله)‪ ،(4‬وقد روى على رضي الله عنه عن أبى بكر وعمر‬
‫والمقداد بن السود وزوجته فاطمة‪.‬‬
‫وروى عن على خلق كثير من الصحابة والتابعين وأهل بيته‪ ،‬فمن‬
‫أشهر من روى عنه من الصحابة‪:‬‬
‫‪ -1‬أبو أمامة إياس بن ثعلبة النصاري‪ :‬من بنى حارثة‪ ،‬وهو ابن‬
‫أحاديث‪ ،‬وهو الذي أمره‬
‫أخت أبى بردة‪ ،‬له عن النبي × ثلثة‬
‫الرسول × أن يقيم على أمه يوم بدر)‪.(5‬‬
‫‪ -2‬أبو رافع القبطي مولى رسول الله × يقال اسمه إبراهيم‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬سنان‪ ،‬وقيل‪ :‬يسار‪ ،‬قال ابن عبد البر‪ :‬أشهر ما قيل‬
‫اسمه أسلم‪ ،‬مات في عهد على بن أبى طالب سنة‬
‫في‬
‫‪40‬هـ)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة النصاري‪،‬‬
‫مع رسول الله × وهو ابن خمس عشرة سنة توفى سنة‬
‫خرج‬
‫‪74‬هـ)‪.(7‬‬
‫‪ -4‬جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فقه المام على )‪ (1/3‬نقل عن أعلم الموقعين‪.‬‬
‫صحيح سنن ابن ماجة )‪ (1/13‬وقال اللباني‪ :‬صحيح‪.‬‬
‫سنن ابن ماجة رقم ‪1395‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك العلم )‪.(1/46‬‬
‫الستيعاب )‪ (1/1601‬أي يقيم على خدمة أمه‪.‬‬
‫سير أعلم النبلء )‪.(2/16‬‬
‫الستيعاب )‪.(4/1671‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪61‬‬

‫كعب النصاري السلمى‪ ،‬شهد صفين مع على وتوفى ‪78‬هـ‪،‬‬
‫وكان من الحفاظ للسنن‪.‬‬
‫‪ -5‬جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري السوائي حليف‬
‫بني زهرة‪ ،‬وأمه خالدة بنت أبى وقاص‪ ،‬يكنى‪ :‬أبا عبد الله‪،‬‬
‫رسول‪ (1‬الله أكثر من ألفى مرة‪ ،‬نزل الكوفة‬
‫قال‪ :‬صليت مع‬
‫وتوفى بها سنة ‪74‬هـ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان قيل‪ :‬كنيته أبو عمر‪،‬‬
‫وقيل أبو عامر‪ ،‬مات بالكوفة سنة ‪66‬هـ‪ ،‬وقيل ‪68‬هـ‪.‬‬
‫‪ -7‬عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ابن أخي على‪ ،‬ولد بأرض‬
‫أول‪ (2‬مولود في السلم توفى سنة ‪80‬هـ‪ ،‬وهو‬
‫الحبشة‪ ،‬وهو‬
‫ابن تسعين سنة) ‪.‬‬
‫‪ -8‬عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى‪ ،‬أسلم مع أبيه‬
‫يبلغ الحلم‪ ,‬توفى في مكة‪ ،‬سنة ‪63‬هــ‪،‬وهو ابن أربع‬
‫قبل أن‬
‫وثمانين)‪.(3‬‬
‫‪ -9‬عبد الله بن مسعود بن)‪(4‬غافل بن وائل الهذلي من أوائل‬
‫المسلمين توفى ‪32‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -10‬عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومي يكنى أبا‬
‫له‬
‫سعيد‪ ،‬رأى النبي × وسمع منه ومسح على رأسه ودعا‬
‫بالبركة‪ ،‬نزل الكوفة وكان له قدر وشرف‪ ،‬مات سنة ‪85‬هـ)‪.(5‬‬
‫ من روى عنه من أهل بيته‪ :‬روى عنه من أهل بيته كل من‪:‬‬‫‪ -1‬ولده الحسن بن على سبط رسول الله ×‪.‬‬
‫سبط‪(6‬رسول الله × قتل يوم‬
‫‪ -2‬ولده الحسين بن على‬
‫عاشوراء سنة ‪61‬هـ وهو ابن ‪56‬سنة ) ‪.‬‬
‫‪ -3‬ولده محمد بن على بن أبى طالب أبو القاسم المدني‬
‫المعروف بابن الحنفية‪ ،‬نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس من‬
‫حا يكنى أبا‬
‫بنى حنيفة‪ ،‬قال العجلي‪ :‬تابعي ثقة كان رجل ً صال ً‬
‫عمر ومات سنة ‪ ،73‬وقيل ‪ ،80‬وقيل ‪،81‬‬
‫القاسم‪ ،‬ولد في ولية‬
‫وقيل ‪ ،82‬وقيل ‪93‬هـ)‪.(7‬‬
‫محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ذكره ابن‬
‫‪ -4‬حفيده‬
‫حبان في الثقات)‪.(8‬‬
‫‪ -5‬حفيده على بن الحسين بن على بن أبى طالب‬
‫الملقب بزين العابدين من سادات التابعين‪ ،‬وأمه سلفة بنت يزدجرد‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( الستيعاب )‪.(1/219‬‬
‫)( الصابة )‪.(4/276‬‬
‫)( وفيات العيان )‪.(2/236‬‬
‫)( الستيعاب )‪.(2/988‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(3/1672‬‬
‫)( تهذيب التهذيب )‪.(2/357‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(2/306‬‬
‫)(المصدر السابق )‪.(2/82‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪62‬‬

‫آخر ملوك فارس‪ ،‬أرسل عن جده على بن أبى طالب‪ .‬قال العجلي‪:‬‬
‫مدني‪(1‬تابعي ثقة‪ ،‬توفى سنة ‪94‬هـ‪ ،‬وكان عمره ثمان وخمسين‬
‫سنة) ‪.‬‬
‫‪ -6‬ابن أخته جعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن‬
‫عائد بن عمران بن مخزوم وأمه أم هانئ بنت أبى طالب‪ ،‬ولد على‬
‫خراسان‪ ،‬وسكن الكوفة‪ ،‬قال العجلي‪:‬‬
‫عهد النبي × وله صحبة‪ ،‬ولي‬
‫مدني تابعي ثقة روى عن على )‪.(2‬‬
‫‪ -7‬سريته أم موسى‪ ،‬قيل اسمها فاختة‪ ،‬وقيل حبيبة‪ ،‬قال‬
‫الدارقطني‪ :‬حديثها مستقيم‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كوفية تابعية ثقة)‪.(3‬‬
‫ أشهر من روى عن على من التابعين‪:‬‬‫‪ -1‬أبو السود الدؤلي البصري‪ ،‬القاضي‪ ،‬اسمه ظالم بن عمرو‬
‫بن سفيان‪ ،‬ويقال اسمه عمرو بن عثمان‪ ،‬ويقال عثمان بن عمرو‪،‬‬
‫معين‬
‫أسلم على عهد النبي × وقاتل مع على يوم الجمل‪ ،‬وثقه ابن‬
‫والعجلي وغيرهما‪ ،‬وتوفى في ولية عبيد الله بن زياد سنة ‪.(4)69‬‬
‫‪ 2‬أبو بردة بن موسى الشعريالفقيه‪ ،‬واسمه الحارث‪ ،‬وقيل‬‫عامر‪ ،‬وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كان على‬
‫بن سلم‬
‫قضاء الكوفة بعد شريح‪ ،‬روى عن أبيه وعلى وحذيفة وعبد الله‬
‫وعائشة وغيرهم‪ ،‬قيل‪ :‬مات سنة ‪ 83‬وقيل ‪ ،104‬وقيل ‪107‬هـ)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬أبو عبد الرحمن السلمى عبد الله بن حبيب بن ربيعة‪ ،‬أبو عبد‬
‫الرحمن السلمى الكوفي القارئ‪ ،‬ولبيه صحبة‪ ،‬وثقه العجلي‬
‫والنسائي وأبو داود‪ ،‬روى عن عمر وعثمان وعلى وسعد‪ ،‬وخالد بن‬
‫هـ‪ ،‬وقيل‬
‫الوليد وابن مسعود وحذيفة وغيرهم‪ ،‬قيل مات سنة ‪72‬‬
‫‪ ،85‬وهو ابن خمس وثمانين سنة‪ ،‬شهد مع على صفين)‪.(6‬‬
‫‪ -4‬زر بن حبيش بن حبابة بن أوس السدي أبو مريم‪ ،‬ويقال أبو‬
‫أنه ثقة‪ ،‬مات سنة ‪81‬هــ‪ ،‬وقيل ‪82‬‬
‫مطرف الكوفي‪ ،‬ذكر ابن معين‬
‫وقيل ‪ 83‬وهو ابن مائة وعشرين)‪.(7‬‬
‫‪ -5‬زيد بن وهب الجهنى من قضاعة‪ ،‬يكنى أبا سليمان‪ ،‬من أجلة‬
‫التابعين وثقاتهم متفق على الحتجاج به‪ ،‬وثقه ابن)‪(8‬معين وغيره‪،‬‬
‫ومات قبل سنة تسعين أو بعدها من ولية الحجاج ‪.‬‬
‫‪6‬سويد غفلة بن عوسجة بن عامريكنى أبا أمية‪ ،‬رحل إلى رسول‬‫يا‪ ،‬مات‬
‫الله ×‪ ،‬وقد قبض فلم يره‪ ،‬صحب أبا‬
‫بكر‪ (9‬وعمر وعثمان وعل ً‬
‫سنة ‪ 81‬أو ‪82‬هـ وكان عمره ‪128‬سنة) ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تهذيب التهذيب )‪ ،(12/481‬لسان الميزان )‪.(7/533‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(12/10/11‬‬
‫المصدر السابق )‪.(12/19‬‬
‫المصدر السابق )‪.(5/184‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(6/103‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/103‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/67‬‬
‫طبقات بن سعد )‪.(6/127‬‬
‫تهديب التهذيب‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪63‬‬

‫‪ -7‬شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي ابن‬
‫وهو من كبار أصحاب على‪ ،‬قتل مع‬
‫المقدام الكوفي‪ ،‬أدرك ولم ير‪،‬‬
‫أبى بكرة بسجستان سنة ‪78‬هـ)‪.(1‬‬
‫‪ -8‬عامر بن شرحبيل بن عبد‪ ،‬وقيل عامر بن عبد الله بن‬
‫شرحبيل الشعبي والحميري أبو عمرو الكوفي من شعب همدان‪،‬‬
‫روى عنه أنه قال‪ :‬أدركت خمسمائة من الصحابة‪ ،‬وعن الحسن‪،‬‬
‫قال‪ :‬كان والله كثير العلم‪ ،‬عظيم الحلم‪ ،‬قديم السلم من السلم‬
‫بمكان‪ ،‬وعن مكحول قال‪ :‬ما رأيت أفقه منه‪ .‬قال ابن عيينة‪ ،‬كانت‬
‫الناس تقول بعد الصحابة ابن عباس في زمانه‪ ،‬والشعبي في زمانه‪،‬‬
‫والثوري في زمانه‪ ،‬ولد لست خلت من خلفة عمر ومات‬
‫سنة ‪109‬هـ‪.‬‬
‫‪ -9‬عبد خير بن يزيد ويقال ابن بجيد بن جوى بن عبد عمرو بن‬
‫عبد يعرب بن الصائد الهمداني أبو عمارة الكوفي‪ ،‬أدرك الجاهلية‪،‬‬
‫في( ثقات التابعين‪،‬‬
‫قال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة‪ ،‬وذكر ابن حبان‬
‫قيل‪ :‬عاش مائة وعشرين سنة‪ ،‬وقتل في صفين)‪. 2‬‬
‫‪ -10‬عبد الرحمن بن أبى ليلى واسمه يسار ويقال بلل‪ ،‬ويقال‬
‫داود بن بلل بن بليل ابن أصحبة بن الجلح الحريش النصاري‬
‫الوسى‪ ،‬ولد لست بقين من خلفة عمر‪ ،‬روى عنه أنه قال‪ :‬أدركت‬
‫معين والعجلي‪ .‬قيل إنهم‬
‫عشرين ومائة من النصار‪ ،‬وثقه ابن‬
‫أصيب سنة ‪71‬هـ وقيل ‪ 82‬بالجماجم)‪.(3‬‬
‫‪ -11‬عبيدة السلماني وهو عبيدة بن عمرو‪ ،‬ويقال ابن قيس‬
‫عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي‪ ،‬أسلم قبل وفاة النبي ×‬
‫أعلمهم بالقضاء وكان‬
‫بسنتين ولم يلقه‪ ،‬قال الشعبي‪ :‬كان شريح‬
‫عبيدة يوازيه‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة)‪.(4‬‬
‫‪ -12‬عبد الله بن سلمة بن سلمة المرادي الكوفي‪ ،‬صاحب على‪،‬‬
‫كنيته أبو العالية‪ ،‬قال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة‪ ،‬قال البخاري‪ :‬ل‬
‫عمرو‪(5‬بن مرة‪ :‬يعرف وينكر‪ ،‬كان قد كبر‪،‬‬
‫يتابع في حديثه‪ ،‬وعن‬
‫وقال يعقول بن شيبة‪ :‬ثقة) ‪.‬‬
‫‪ -13‬عبد الله بن شقيق العقيلي‪ ،‬وكنيته أبو عبد الرحمن ويقال‬
‫أبو محمد البصري‪ ،‬تابعي من أهل البصرة‪ ،‬ذكره ابن سعد في‬
‫الطبقة الولى‪ ،‬وعن ابن معين أنه ثقة من خيار المسلمين ل يطعن‬
‫وروى أنه كان مستجاب الدعوة‪ ،‬مات بعد المائة وقيل‬
‫في حديثه‪،‬‬
‫سنة ‪108‬هـ)‪.(6‬‬
‫‪ -14‬علقمة بن قيس النخعي وهو علقمة بن قيس بن عبد الله‬
‫بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي‪ ،‬ولد في حياة الرسول ×‪ ،‬وعن‬
‫أحمد‪ :‬ثقة من أهل الخير‪ ،‬وعن ابن معين‪ :‬روى أنه قرأ القرآن في‬
‫ليلة‪ ،‬مات سنة ‪ ،62‬وقيل ‪ ،61‬قال ابن سعد‪ :‬كان ثقة كثير الحديث‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المصدر السابق )‪.(6/124‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/124‬‬
‫ميزان العتدال )‪.(20/584‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪ (6/90‬تهذيب التهذيب )‪.(7/85‬‬
‫ميزان العتدال )‪ (2/409‬تهذيب التهذيب )‪.(5/542‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(5/253‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪64‬‬

‫‪ -15‬عمر بن سعيد النخعي الصهباني‪ ،‬أبو يحيى الكوفي‪ ،‬عن ابن‬
‫في حد‬
‫معين‪:‬ثقة‪ ،‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬له حديث عن على‬
‫شارب الخمر‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬مات سنة ‪ ،115‬وقيل ‪107‬هـ)‪.(1‬‬
‫‪ -16‬هانئ بن هانئ الهمذاني الكوفي‪ ،‬قال النسائي‪ :‬ليس به‬
‫بأس‪ ،‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬وقيل كان يتشيع‪ ،‬قال ابن‬
‫المديني‪ :‬مجهول‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬كان منكر الحديث‪ ،‬وعن الشافعي‪:‬‬
‫سعد في‬
‫أهل الحديث ل ينسبون حديثه لجهالة حاله‪ ،‬ذكره ابن‬
‫الطبقات الولى في الكوفة‪ ،‬قال الذهبي‪ :‬ليس به بأس)‪.(2‬‬
‫‪ -17‬يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي‪ ،‬وعن يحيى بن‬
‫معين‪ :‬ثقة ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬كان ثقة وكان‬
‫إنه‪(3‬أدرك الجاهلية‪ ،‬روى عن عمر وعلى وأبى ذر‬
‫عريف قومه‪ ،‬يقال‬
‫وابن مسعود وحذيفة) ‪.‬‬
‫هذا إشارات عابرة عن الرواة عن على رضي الله عنه‪ ،‬لمن أراد‬
‫المزيد‪ ،‬فليراجع رسالة الدكتور أحمد محمد طه »فقه المام على بن أبى‬
‫طالب« المقدمة في جامعة بغداد ولم تنتشر حتى الن‪.‬‬
‫المبحث الخامس‬
‫أهم أعمال على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫ما بين الهجرة والحزاب‬
‫شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخي بين المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أقام المسجد‪،‬‬
‫وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا‪ ،‬واهتم بالبناء‬
‫القتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد‪ ،‬وكان على رضي‬
‫ذا لوامره‪ ،‬متتلم ً‬
‫ما له في كل أحواله‪ ،‬منف ً‬
‫ذا على هدية‪.‬‬
‫الله عنه ملز ً‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬حركة السرايا‪:‬‬
‫بمجرد الستقرار الذي حصل للمسلمين بقيادة الرسول × في‬
‫المدينة بدأت حركة السرايا التي استهدفت بسط هيبة الدولة في‬
‫الداخل والخارج‪ ،‬وكسب بعض القبائل وتحجيم دور العراب‪ ،‬وتربية‬
‫الصحابة على العداد القتالي للغزوات الكبرى‪ ،‬وحركة الفتوحات‬
‫ميدان لصناعة القادة عملًيا‪ ،‬وقد شارك في هذه السرايا أمير‬
‫المؤمنين على رضي الله عنه التي حدثت قبل بدر وما بعدها‪ ،‬وأما‬
‫التي شارك فيها قبل غزوة بدر الكبرى فمنها‪:‬‬
‫‪ -1‬غزوة العشيرة)‪ :(4‬وفيها غزا × قري ً‬
‫شا‪ ،‬واستعمل على المدينة‬
‫أبا سلمة بن عبد السد‪ ،‬وسميت هذه الغزوة بغزوة العشيرة‪ ،‬فأقام‬
‫بها جمادي الولى وليالي من جمادي الخرة‪ ،‬وادع فيها بنى مدلج‬
‫دا‪ ،‬وذلك‬
‫وحلفاءهم من بنى ضمرة‪ ،‬ثم رجع إلى المدينة‪ ،‬ولم يلق كي ً‬
‫أن العير التي خرج لها قد مضت ذلك بأيام ذاهبة إلى الشام)‪,(5‬‬
‫فساحلت على البحر‪ ،‬وبلغ قري ً‬
‫شا خبرها فخرجوا يمنعونها‪ ،‬فلقوا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المصدر السابق )‪ ،(8/146‬سير أعلم النبلء )‪.(4/443‬‬
‫الكاشف للذهبي )‪.(3/218‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/280‬‬
‫ناحية من نواحي ينبع بين مكة والمدينة‪.‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(2/10‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪65‬‬

‫رسول الله × ووقعت عزوة بدر الكبرى)‪ ,(1‬وقد حدثنا عمار بن ياسر‬
‫عن مشاركته وعلى رضي الله عنهما في تلك الغزوة‪ ،‬فعن عمار ابن‬
‫ياسر قال‪ :‬كنت أنا وعلى رفيقين في غزوة ذى العشيرة‪ ،‬فلما نزلها‬
‫سا من بنى مدلج يعملون في عين‬
‫رسول الله × وأقام بها رأينا نا ً‬
‫لهم في نخل‪ ،‬فقال لي على‪ :‬يا أبا اليقظان هل لك أن تأتي هؤلء‬
‫فتنظر كيف يعملون؟ فجئناهم‪ ،‬فنظرنا إلى عملهم ساعة‪ ،‬ثم غشينا‬
‫النوم‪ ،‬فانطلقت أنا وعلى‪ ،‬فاضطجعنا في صور من النخل‪ ،‬في‬
‫دقعاء)‪ (2‬من التراب فنمنا‪ ،‬فوالله ما أهبّنا إل رسول الله × يحركنا‬
‫برجله‪ ،‬وقد تتربنا من تلك الدقعاء‪ ،‬فيومئذ قال رسول الله × لعلي‪:‬‬
‫يا أبا تراب‪ ،‬لما رأى عليه التراب قال‪» :‬أل أحدثكما بأشقى‬
‫الناس رجلين؟« فقلنا‪ :‬بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬أحيمر ثمود‬
‫الذي عقر الناقة والذي يضربك يا على على هذه ]يعنى‬
‫قرنه[ حتى ت َُبل منه هذه ]يعنى لحيته[« )‪,(3‬وقد تكرر نداء رسول‬
‫الله لعلي بأبي تراب وسيأتي الحديث عنه‪.‬‬
‫‪ -2‬غزوة بدر الولى‪ :‬سببها‪ :‬أن كرز بن جابر الفهري‪ ،‬قد أغار‬
‫سْرح)‪ (4‬المدينة ونهب بعض البل والمواشي‪ ،‬فخرج رسول الله‬
‫على َ‬
‫بدر‪ ،‬وفاته‬
‫ناحية‬
‫من‬
‫»سفوان«‬
‫له‬
‫يقال‬
‫يا‬
‫واد‬
‫بلغ‬
‫حتى‬
‫طلبه‪،‬‬
‫× في‬
‫ً‬
‫كرز بن جابر‪ ،‬فلم يدركه‪ ،‬فرجع رسول الله × إلى المدينة)‪ ,(5‬وقد‬
‫الحبيب المصطفى أمير المؤمنين علًيا رضي الله عنه لواءه‬
‫أعطى‬
‫البيض)‪.(6‬وتعتبر حركة السرايا بداية الجهاد القتالي ضد أعداء‬
‫الدعوة‪ ،‬مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها رسول‬
‫الله × ضد المشركين ظهرت جلًيا سنة التدافع التي تعامل معها‬
‫النبي × وأصحابه ومن بينهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪،‬‬
‫دا بالتمكين لهذا الدين‪ ،‬وقد أشار الله‬
‫وهذه السنة متعلقة تعل ً‬
‫قا وطي ً‬
‫قوله تعالى‪+ :‬‬
‫في‬
‫عليها‬
‫التنصيص‬
‫وجاء‬
‫العزيز‬
‫تعالى إليها في كتابه‬
‫َ‬
‫ض لَ َ‬
‫ول َ دَ ْ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫ض‬
‫ع‬
‫ب‬
‫س‬
‫نا‬
‫ه ال‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سد َ ِ‬
‫ع الل ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ف َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ت الْر ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ض َ‬
‫ول َ ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن" ]البقرة‪ ،[َ 251:‬وفي قوله تعالى‪+ :‬‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ذو‬
‫ه‬
‫الل‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ق إ ِل ّ أن ي َ ُ‬
‫ه‬
‫هم ب ِ َ‬
‫ن أُ ْ‬
‫ر ِ‬
‫جوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ر َ‬
‫ر ُ‬
‫ذي َ‬
‫قوُلوا َرب َّنا الل ُ‬
‫ح ّ‬
‫غي ْ ِ‬
‫من ِدَيا ِ‬
‫خ ِ‬
‫ّ‬
‫ول َ دَ ْ‬
‫ع‬
‫ع َ‬
‫وا ِ‬
‫ع الل ِ‬
‫وب ِي َ ٌ‬
‫م ُ‬
‫م ب ِب َ ْ‬
‫س بَ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ضل ُ‬
‫ض ُ‬
‫هد ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫ه الّنا َ‬
‫ع َ‬
‫صَ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫َ‬
‫ع ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫سا‬
‫م‬
‫و‬
‫ت‬
‫صل‬
‫و‬
‫جدُ ي ُذْكُر ِ‬
‫م الل ِ‬
‫صَر ّ‬
‫وا ٌ‬
‫في َ‬
‫َ‬
‫ن الل ُ‬
‫ها اس ُ‬
‫َ‬
‫ولَين ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ه كِثيًرا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه لَ َ‬
‫زيٌز" ]الحج‪.[40:‬‬
‫ي َ‬
‫صُرهُ إ ِ ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫من َين ُ‬
‫ع ِ‬
‫ق ِ‬
‫ثانًيا‪ :‬غزوة بدر‪:‬‬
‫‪ -1‬قال النووي رحمه الله‪ :‬وأجمع أهل التواريخ على شهوده‬
‫المشاهد غير تبوك‪ ،‬قالوا‪ :‬وأعطاه النبي × اللواء في‬
‫بدًرا‪ ،‬وسائر‬
‫مواطن كثيرة)‪.(7‬‬
‫كان على بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المجاهدين الذين‬
‫شاركوا في غزوة بدر‪ ،‬ولنتركه يقص علينا خبر هذه الغزوة‪ ،‬فعن‬
‫حارثة بن مضرب بن على أبى طالب رضي الله عنه قال‪ :‬وكان‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المصدر نفسه )‪.(2/11‬‬
‫الدقعاء‪ :‬الرض التي لنبات فيها‪ ،‬القاموس)‪.(3/22‬‬
‫فضائل الصحابة )‪ (2/855‬رقم ‪1172‬إسناده حسن‪.‬‬
‫السرح‪ :‬البل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة‪.‬‬
‫سيرة ابن هشام )‪.(2/601‬‬
‫تاريخ السلم للذهبي )‪ ،(2/48‬على بن أبى طالب للرفاعي‪ :‬ص)‪.(89‬‬
‫تهذيب السماء واللغات )‪.(1/245‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪66‬‬

‫النبي × يتخّبر عن بدر‪ ،‬فلما بلغنا أن المشركين قد‬
‫أقبلوا‪ ،‬سار رسول الله × إلى بدر‪ ،‬وبدر بئر‪ ،‬فسبقنا المشركين‬
‫إليها‪ ،‬فوجدنا فيها رجلين منهم‪ ،‬رجل ً من قريش ومولى لعقبة بن‬
‫أبى معيط‪ ،‬فأما القرشي فانقلب‪ ،‬وأما مولى عقبة فأخذناه‪ ،‬فجعلنا‬
‫نقول له‪ :‬كم القوم؟ فيقول‪ :‬هم والله كثير عددهم‪ ،‬شديد بأسهم‪،‬‬
‫فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي ×‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬كم القوم؟ قال‪ :‬هم والله كثير عددهم‪ ،‬شديد بأسهم‪،‬‬
‫فجهد النبي × أن يخبره كم هم‪ ،‬فأبى‪ ،‬ثم إن النبي× سأله‪» :‬كم‬
‫ينحرون من الجزر«‪ ،‬فقال‪ :‬عشًرا كل يوم‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»القوم ألف‪ ،‬كل جزور لمئة وتبعها«‪ ،‬ثم إنه أصابنا من الليل‬
‫طش من مطر‪ ،‬فأنطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها‪ ،‬من‬
‫المطر‪ ،‬وبات رسول الله× يدعو ربه عز وجل يقول‪» :‬اللهم إنك‬
‫إن تهلك هذه الفئة ل تعبد«‪ ،‬قال‪ :‬فلما طلع نادى‪ :‬الصلة عباد‬
‫الله‪ ،‬فجاء الناس‪ ،‬من تحت الشجرة والحجف‪ ،‬فصلى بنا رسول الله‬
‫×‪ ،‬وحرض على القتال‪ ،‬ثم قال‪ :‬إن جمع قريش تحت هذه‬
‫صلع الحمراء من الجبل‪ .‬فلما دنا القوم منا وصاففناهم‪ ،‬إذا‬
‫ال ّ‬
‫رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫×‪ :‬يا على ناد حمزة‪ .‬وكان أقربهم من المشركين‪ :‬من صاحب‬
‫الجمل الحمر‪ ،‬وماذا يقول لهم‪ ،‬ثم قال رسول الله ×‪» :‬إن يكن‬
‫في القوم أحد يأمر بخير‪ ،‬فعسى أن يكون صاحب الجمل‬
‫الحمر«‪ ،‬فجاء حمزة فقال‪ :‬هو عتبة بن ربيعة‪ ،‬وهو ينهي عن‬
‫ما مستميتين ل تصلون إليهم‬
‫القتال‪ ،‬ويقول لهم‪ :‬يا قوم إني أرى قو ً‬
‫جُبن عتبة بن‬
‫وفيكم خير‪ ،‬يا قوم اعصبوها اليوم برأسي‪ ،‬وقولوا‪َ :‬‬
‫ربيعة‪ ،‬وقد علمتم أني لست بأجبنكم‪ ،‬قال‪ ،‬فسمع ذلك أبو جهل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لعضضته‪ ،‬قد ملئت‬
‫فر إسته؟ ستعلم‬
‫مص ّ‬
‫رئتك وجوفك رعًبا‪ .‬قال عتبة‪ :‬إياى ُتعّير يا ُ‬
‫اليوم أينا الجبان‪ .‬قال‪ :‬فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬من يبارز؟ فخرج فتية من النصار ستة‪ ،‬فقال عتبة‪ :‬ل نريد‬
‫هؤلء‪ ،‬ولكن يبارزنا من بنى عمنا‪ ،‬من بنى عبد المطلب‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله ×‪» :‬قم يا على‪ ،‬قم يا حمزة‪ ،‬وقم يا عبيدة بن‬
‫الحارث بن المطلب«‪ .‬فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابنى ربيعة‪،‬‬
‫والوليد بن عتبة‪ ،‬وجرح عبيدة‪ ،‬فقتلنا منهم سبعين‪ ،‬وأسرنا سبعين‪،‬‬
‫فجاء رجل من النصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيًرا‪ ،‬فقال‬
‫العباس‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن هذا والله ما أسرني‪ ،‬لقد أسرني رجل‬
‫أجلح‪ ،‬من أحسن الناس وجًها‪ ،‬على فرس أبلق‪ ،‬ما أراه في القوم‪.‬‬
‫فقال النصاري‪ :‬أنا أسرته يا رسول الله‪ .‬فقال‪ :‬اسكت فقد أيدك‬
‫على‪ :‬فأسرنا من بنى عبد المطلب‪:‬‬
‫الله تعالى بملك كريم‪.‬فقال‬
‫العباس وعقي ً‬
‫ل‪ ،‬ونوفل بن الحارث)‪ ،(1‬ومن وصف على رضي الله‬
‫سا وعبًرا وفوائد كثيرة يمكن الرجوع إليها‬
‫عنه لغزوة بدر نلحظ درو ً‬
‫في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث‪.‬‬
‫‪ -2‬ما قيل من أشعار في بطولة على ببدر‪ :‬كان لواء المشركين‬
‫يوم بدر مع طلحة فقتله على رضي الله عنه‪ ،‬فقال الحجاج بن علط‬
‫السلمي في ذلك‪:‬‬
‫أعنى ابن فاطمة المعم‬
‫لله أي مذنب عن حربه‬
‫المخول‬
‫تركت طليحة للجبين مجندل‬
‫جادت يداك له بعاجل طعنة‬
‫‪1‬‬

‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثية رقم ‪ 948‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫وشددت شدة باسل‬
‫فكشفتهم‬
‫وعللت سيفك بالدماء ولم‬
‫تكن‬

‫‪67‬‬
‫بالحق إذ يهوون أخول أخول‬
‫لترده حران حتى ينهل‬

‫)‪(1‬‬

‫ثالًثا‪ :‬زواج على من فاطمة رضي الله عنهما‪:‬‬

‫ولد آدم رسول الله×‪ ،‬وأمها‬
‫هي فاطمة بنت إمام المتقين سيد‬
‫خديجة بنت خويلد‪ ،‬كانت تكنى بأم أبيها)‪ ,(2‬و ُ‬
‫لدت رضي الله عنها قبل‬
‫البعثة سنة خمسة وثلثين من مولد النبي × )‪ ,(3‬زوجها النبي × على‬
‫بن أبى طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر‪ ،‬وولدت له الحسن‬
‫وكانت وفاتها بعد وفاة النبي × بستة أشهر‬
‫والحسين وأم كلثوم‪،‬‬
‫فرضى الله عنها وأرضاها)‪.(4‬‬
‫خطبت‬
‫‪ -1‬مهرها وجهازها‪:‬قال على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ُ :‬‬
‫فاطمة إلى رسول الله × فقالت مولة لي‪ :‬هل علمت أن فاطمة قد‬
‫خطبت إلى رسول الله ×؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قالت‪ :‬فقد خطبت‪ ،‬فما يمنعك أن‬
‫تأتي رسول الله × فيزوجك‪ .‬فقلت‪ :‬وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت‪:‬‬
‫إنك إن جئت رسول الله × زوجك‪ .‬قال‪ :‬فوالله ما زالت ترجينى حتى‬
‫دخلت على رسول الله ×‪ ،‬فلما أن قعدت بين يديه أفحمت‪ ،‬فوالله ما‬
‫استطعت أن أتكلم جللة وهيبة‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما جاء بك؟‬
‫ألك حاجة؟« فسكت فقال‪:‬لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فقال‪:‬وهل عندك من شيء تستحلها؟ فقلت‪ :‬ل والله يا‬
‫رسول الله‪ ،‬فقال‪:‬ما فعلت درع سلحتكها؟فوالذي نفس على بيده‬
‫إنها لحطمية ما قيمتها أربعمائة درهم‪ ،‬فقلت‪ :‬عندي‪ ،‬فقال‪ :‬قد‬
‫بها فإنها كانت لصداق‬
‫بها فاستحلها ‪،‬‬
‫زوجتكها‪ ،‬فابعث إليها‬
‫)‪(5‬‬
‫رسول()‪(9‬الله × فاطمة في‬
‫جهز‬
‫وقد‬
‫‪,‬‬
‫×‬
‫فاطمة بنت رسول الله‬
‫خميل)‪,(6‬وقربة ووسادة أدم)‪(7‬حشوها إذخر)‪, 8‬وقد جاء في روايات‬
‫الشيعة‪ ،‬فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم‬
‫من عثمان بن عفان‪ ،‬فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال‪ :‬يا‬
‫أبا الحسن‪ ،‬ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قال‪ :‬فإن هذا الدرع هدية مني إليك‪ ،‬فأخذت الدرع والدراهم‬
‫والدراهم بين يديه‪ ،‬وأخبرته بما‬
‫وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع‬
‫كان من أمر عثمان‪ ،‬فدعا له النبي بخير)‪.(10‬‬
‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/379‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ ،(5/520‬الصابة )‪.(4/365‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(8/26‬‬
‫‪4‬‬
‫)( حلية الولياء )‪ ،(43 ،2/39‬سير أعلم النبلء )‪ ،(134 ،2/118‬العقيدة في‬
‫أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ ,‬د‪ .‬سليمان السحيمي‪ :‬ص )‪.(132‬‬
‫‪5‬‬
‫)( دلئل النبوة للبيهقي )‪ (3/160‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( خميل‪ :‬قطيفة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الدم‪ :‬الجلد‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( إذخر‪ :‬نبات‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪ :‬ص )‪ ،(667‬مسند فاطمة الزهراء‪ ،‬وما ورد في فضلها‬
‫للسيوطي تحقيق فؤاد أحمد زمرلي‪ :‬ص)‪.(189‬‬
‫‪10‬‬
‫)( كشف الغمة للريلي )‪ ،(1/359‬بحار النوار للمجلسي‪ :‬ص)‪ (39‬نقل ً عن‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(138 ،137‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪68‬‬

‫زفافهاقالت أسماء بنت عميس‪ :‬كنت في زفاف فاطمة بنت‬
‫‪:‬‬
‫‪-2‬‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فلما أصبحنا جاء النبي × إلى الباب فقال‪ :‬يا أم أيمن‬
‫أخي فقالت‪ :‬هو أخوك وتنكحه؟ قال‪:‬نعم يا أم أيمن‪،‬‬
‫‪،‬‬
‫أدعي لي‬
‫قالت‪ :‬فجاء على فنضح النبي × عليه من الماء ودعا له ثم قال‪ :‬ادعي‬
‫فاطمةقالت‪ :‬فجاءت تعثر من الحياء‪ ،‬فقال لها رسول الله ×‪:‬‬
‫‪،‬‬
‫إلى‬
‫ى قالت‪ :‬ونضح النبي ×‬
‫اسكتي فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إل ّ‪،‬‬
‫دا بين‬
‫عليها من الماء ودعا لها‪ ،‬قالت‪ :‬ثم رجع رسول الله × فرأى سوا ً‬
‫يديه‪ ،‬فقال‪ :‬من هذا؟ فقلت‪ :‬أنا‪ ،‬قال‪ :‬أسماء؟ قلت نعم‪ ،‬قال‪ :‬أسماء‬
‫في زفاف بنت رسول الله‬
‫بنت عميس؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬جئت‬
‫له قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قالت‪ :‬فدعا لي)‪.(1‬‬
‫تكرمة ؟‬
‫‪ -3‬وليمة العرس‪ :‬عن بريدة قال‪ :‬لما خطب على فاطمة‪ ،‬قال‬
‫رسول الله ×‪ :‬إنه لبد للعرس)‪ (2‬من وليمة‪ ،‬قال‪ :‬فقال سعد‪ :‬على‬
‫كبش‪ ،‬وجمع له رهط من النصار آصًعا من ذرة‪ ،‬فلما كان ليلة البناء‪،‬‬
‫قال‪ :‬يا على ل تحدث شيًئا حتى تلقاني‪ ،‬فدعا النبي × بماء فتوضأ‬
‫اللهم بارك فيهما وبارك‬
‫ى‪ ،‬فقال‪» :‬‬
‫منه ثم أفرغه على عل ّ‬
‫عليهما‪ ،‬وبارك في شبلهما«)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬معيشة على وفاطمة رضي الله عنهما‪ :‬كانت معيشة على‬
‫وفاطمة‪ ،‬وهما أحب الناس إلى رسول الله ×‪ ،‬معيشة زهد وتقشف‪،‬‬
‫وصبر وجهد‪ ،‬فقد أخرج هناد من عطاء‪ ،‬وقال‪ :‬نبئت أن علًيا رضي‬
‫ما ليس عندنا شيء‪ ،‬ول عند النبي ×‪،‬‬
‫الله عنه قال‪ :‬مكثنا أيا ً‬
‫فخرجت فإذا أن بدينار مطروح على الطريق‪ ،‬فمكثت هنيهة أؤامر‬
‫نفسي في)‪(4‬أخذه أو تركه‪ ،‬ثم أخذته لما بنا من الجهد‪ ،‬فأعطيت به‬
‫قا‪ ،‬ثم أتيت به فاطمة فقلت‪ :‬اعجني‬
‫الضفاطين ‪ ,‬فاشتريت به دقي ً‬
‫واخبزي‪ ،‬فجعلت تعجن وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد‬
‫الذي بها‪ -‬ثم خبزت‪ ،‬فأتيت النبي × فأخبرته‪ ،‬فقال‪» :‬كلوه فإنه‬
‫رزق رزقكموه الله عز وجل«)‪ ,(5‬وعن الشعبي‪ ،‬قال‪ :‬قال على‬
‫رضي الله عنه‪ :‬تزوجت فاطمة بنت محمد رسول الله × ومالي ولها‬
‫كبش ننام عليه بالليل‪ ،‬ونعلف عليه ناضحنا بالنهار‪،‬‬
‫فراش غير جلد‬
‫ومالي خادم غيرها)‪ ,(6‬وعن مجاهد قال على‪ :‬جعت مرة بالمدينة‬
‫بامرأة‬
‫المدينة‪ ،‬فإذا‬
‫العمل في عوالي‬
‫دا‪ ،‬فخرجت أطلب‬
‫جو ً‬
‫عا شدي ً‬
‫)‪(9‬‬
‫)‪(8‬‬
‫َ )‪(7‬‬
‫كل ذنوب‬
‫فقاطعتها‬
‫فأيتتها‬
‫‪,‬‬
‫له‬
‫ب‬
‫تريد‬
‫فظننتها‬
‫را‪،‬‬
‫مد‬
‫جمعت‬
‫قد‬
‫ً‬
‫)‬
‫‪ (10‬ثم أتيت‬
‫يداي‬
‫مجلت‬
‫حتى‬
‫با‪،‬‬
‫ذنو‬
‫عشر‬
‫ستة‬
‫فمددت‬
‫تمرة‪،‬‬
‫على‬
‫ً‬
‫الماء فأصبت منه‪ ،‬ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها)‪ ,(11‬فعدت لي‬
‫‪1‬‬

‫)(‬
‫‪2‬‬
‫)(‬
‫‪3‬‬
‫)(‬
‫‪4‬‬
‫)(‬
‫‪5‬‬
‫)(‬
‫‪6‬‬
‫)(‬
‫‪7‬‬
‫)(‬
‫‪8‬‬
‫)(‬
‫‪9‬‬
‫)(‬
‫‪10‬‬
‫)(‬
‫‪11‬‬
‫)(‬

‫فضائل الصحابة )‪ (2/955‬رقم ‪342‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫للعرس‪ :‬أي للعروس‪.‬‬
‫المعجم الكبير للطبراني ‪ ،1153‬فضائل الصحابة )‪ (2/858‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫الضفاطون‪ :‬الحمالون والمكارون الذين يحملون الدقيق من الخارج‪.‬‬
‫كنز العمال )‪ ،(7/328‬المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(21‬‬
‫كنز العمال )‪ ،(7/133‬المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(41‬‬
‫المدر‪ :‬يعني الطين اليابس‪ ،‬تريد بله‪ :‬يعنى الماء‪.‬‬
‫فقاطعتها‪ :‬أي‪ :‬اتفقت معها على أجرة‪.‬‬
‫ذنوب‪ :‬دلو‪.‬‬
‫مجلت‪ :‬تورمت من العمل‪.‬‬
‫يعنى بسطهما وضمهما‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪69‬‬

‫ست عشرة تمرة‪ ،‬فأتيت النبي ×‪ ،‬فأخبرته‪ ،‬فأكل معي منها)‪ .(1‬في‬
‫هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه في المدينة‪ ،‬ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في‬
‫مواجهة الشدائد‪ ،‬حيث خرج على رضي الله عنه وعمل بيديه‬
‫للكسب المشروع‪ ،‬ولم يجلس منتظًرا ما تجود به أيدي المحسنين‪،‬‬
‫وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو‬
‫يعاني من شدة الجوع ما يضعف قوته‪ ،‬وصورة أخرى من إيثار الحبة‬
‫والوفاء لهم‪ ،‬فهو على ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من‬
‫العمل‪(2‬الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي ×‬
‫ذلك‬
‫فأكل معه) ‪.‬‬
‫‪ -5‬زهد السيدة فاطمة وصبرها‪ :‬كانت حياتها في غاية البساطة‬
‫بعيدة عن التعقيد‪ ،‬وهى إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده)‪,(3‬‬
‫وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول‬
‫ما من السبى‪ ،‬قال على‬
‫الله × منها عندما طلبت منه أن‬
‫يعطيها خاد ً‬
‫)‪(4‬‬
‫لقد‪(5‬اشتكيت صدري‪،‬‬
‫حتى‬
‫‪،‬‬
‫سنوت‬
‫لفاطمة ذات يوم‪ :‬والله لقد‬
‫قال‪ :‬وجاء الله أباك بسبى فاذهبي فاستخدميه) ‪ ,‬فقالت‪ :‬أنا والله‬
‫طحنت حتى مجلت يداي‪ ،‬فأتيت النبي × فقال‪ :‬ما جاء بك أي‬
‫بنية‪ .‬قالت‪ :‬جئت لسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال‬
‫على‪ :‬ما فعلت؟ قالت‪ :‬استحييت أن أسأله‪ ،‬فأتينا جميًعا‪ ،‬فقال على‪:‬‬
‫سنوت حتى اشتكيت صدري‪ ،‬وقالت فاطمة‪:‬‬
‫يا رسول الله والله لقد‬
‫قد طحنت حتى مجلت يداي)‪ ,(6‬وقد جاءك الله بسبى وسعة‬
‫فأخدمنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪ :‬والله ل أعطيكما وأدع أهل‬
‫الصفة تطوى)‪ (7‬بطونهم‪ ،‬ل أجد ما أنفق عليهم‪ ،‬ولكني‬
‫أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم‪ ،‬فرجعا فأتاهما النبي × وقد دخل‬
‫في قطيفتها إذا غطت رءوسهما تكشف أقدامهما‪ ،‬وإذا غطيا‬
‫أقدامهما تكشفت رءوسهما‪ ،‬فثارا‪ ،‬فقال‪ :‬مكانكما‪ ،،‬ثم قال‪ :‬أل‬
‫أخبركما بخير مما سألتماني؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬فقال‪ :‬كلمات‬
‫علمنيهن جبريل عليه السلم‪ ،‬فقال‪» :‬تسبحان في دبر كل‬
‫صلة عشًرا‪ ،‬وتحمدان عشًرا‪ ،‬وتكبران عشًرا‪ ،‬وإذا أويتما‬
‫إلى فراشكما فسبحا ثلثا وثلثين‪ ،‬واحمدا ثلًثا وثلثين‬
‫عا وثلثين«)‪ ,(8‬وفي القصة السالفة بعض القيم المهمة‬
‫وكبرا أرب ً‬
‫منها‪:‬‬
‫إن هذه الحادثة تبين لنا كيف أدار النبي × الزمة القتصادية التي‬
‫مرت بدولة الرسول في المدينة‪ ،‬وذلك من خلل ترتيبه للولويات‪،‬‬
‫فسد جوع أهل الصفة ضرورة‪ ،‬وأما حاجة على وفاطمة للخادم‬
‫ليست بمرتبة احتياج أهل الصفة‪ ،‬فقدم رسول الله أهل الصفة‬
‫عليهم‪ ،‬وكانت وسائل رسول الله ×في حل الزمة القتصادية كثيرة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( صفة الصفوة )‪ ،(1/320‬الموسوعة الحديثية مسند أحمد ‪ ،1135‬إسناده‬
‫ضعيف لنقطاعه‪.‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي)‪.(50 ،19/49‬‬
‫)( انظر‪ :‬معين السيرة ص ‪255‬للشامي‪.‬‬
‫)( سنوت‪ :‬استقيت‪.‬‬
‫ما‪.‬‬
‫)( أي أسأليه خاد ً‬
‫ي )‪ ،(2/99‬مسلم رقم )‪ (2727‬البخاري رقم )‪.(3705‬‬
‫)( السيرة النبوية لل ّ‬
‫صلب ّ‬
‫)( تطوي‪ :‬طوى من الجوع فهو طاو‪ :‬خالي البطن جائع لم يأكل‪.‬‬
‫)( البخاري‪ :‬رقم )‪ ،(3705‬مسلم رقم )‪.(2727‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪70‬‬

‫ولقد تأثر على‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬بهذه التربية النبوية‪ ،‬ويمر الزمن‬
‫بالفتى على فيصبح خليفة المسلمين‪ ،‬فإذا به من آثار هذه التربية‬
‫يترفع عن الدنيا وزخارفها وبيده كنوز الرض وخيراتها‪ ،‬لن ذكر الله‬
‫يمل قلبه ويغمر وجوده‪ ،‬ولقد حافظ على وصية رسول الله × له‪،‬‬
‫علمنيهن‪ ،‬فسأله‬
‫وقد حدثنا عن ذلك فقال‪ :‬فوالله ما تركتهن منذ‬
‫أحد الصحابة‪ :‬ول ليلة صفين؟ فقال‪ :‬ول ليلة صفين)‪.(1‬‬
‫‪ -6‬إنما أنفسنا بيد الله‪ ،‬فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا‪ :‬عن علي بن أبى‬
‫ى رسول الله × وعلى فاطمة‬
‫طالب رضي الله عنه قال‪ :‬دخل عل ّ‬
‫من الليل‪ ،‬فأيقظنا للصلة‪ ،‬قال‪ :‬ثم رجع إلى بيته فصلى هويا من‬
‫سا‪ ،‬قال‪ :‬فرجع إلينا فأيقظنا وقال‪ :‬قوما‬
‫الليل‪ ،‬قال‪ :‬فلم يسمع لنا ح ً‬
‫عرك عيني‪ ,‬وأقول‪ :‬إنا والله ما نصلي إل‬
‫فصليا‪ ،‬قال‪ :‬فجلست وأنا أ ْ‬
‫ما كتب لنا‪ ،‬إنما أنفسنا بيد الله‪ ،‬فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا‪ ،‬قال‪ :‬فولى‬
‫رسول الله × وهو يقول‪ ،‬ويضرب بيده على فخذه‪» :‬ما نصلى إل‬
‫و َ‬
‫ن أ َك ْث ََر‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ما كتب لنا‪ ،‬ما نصلى إل ما كتب لنا ‪َ +‬‬
‫َ‬
‫جدَل ً"« ]الكهف‪ .[54:‬وهذا فيه تجرد علي رضي الله عنه‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫ش ْ‬
‫قا به رضي الله‬
‫للحق وحرصه على نشر العلم ولو كان المر متعل ً‬
‫عنه‪ ،‬وهذه قيمة كبرى يتعلمها المسلمون من أمير المؤمنين على‪،‬‬
‫ما بأن صلة الليل لم تكن واجبة‪.‬‬
‫ولو أراد لكتم الحديث‪ ،‬عل ً‬
‫رابًعا‪ :‬ولداها الحسن والحسين رضي الله عنهما‪:‬‬
‫‪-1‬الحسن بن على بن أبى طالب الهاشمي‪:‬‬
‫سبط رسول الله × وريحانته في الدنيا‪ ،‬وأحد سيدي شباب أهل‬
‫الجنة‪ ،‬أمه فاطمة الزهراء‪ ،‬ولد للنصف من رمضان سنة ‪3‬هـ وقيل‬
‫في شعبان‪ ،‬وقيل في سنة أربع أو خمس)‪ .(2‬وقد توفى عام ‪50‬هـ‪.‬‬
‫وقد اخترت في كتابي السيرة النبوية بأنه ولد في العام الرابع‬
‫للهجرة)‪.(3‬‬
‫هذا وقد سماه رسول الله × حسًنا‪ ،‬قال على رضي الله عنه‪:‬‬
‫لما ولد الحسن سميته حرًبا‪ ،‬فجاء رسول الله × فقال‪ :‬أروني‬
‫ابنى‪ .‬ما سميتموه؟قلت‪ :‬حرًبا‪ ،‬قال ×‪ :‬بل هو حسن)‪ (4‬وهكذا‬
‫غير × ذلك السم الحاد باسم جميل يدخل السرور والبهجة على‬
‫القلوب‪ ،‬فحمل المولود الجديد اسمه الجميل‪ ،‬وحمله × بين يديه‬
‫وقبله‪.‬‬
‫وهذا أبو رافع يخبرنا عن فعل رسول الله ×‪ ،‬يقول‪ :‬رأيت النبي‬
‫× أذن في أذني الحسن حين ولدته فاطمة بالصلة)‪.(5‬‬
‫وحدثنا أبو رافع عن عقيقة الحسن فقال‪ :‬لما ولدت فاطمة حسًنا‬
‫قالت‪ :‬أل أعق عن ابنى بدم )بكبشين( قال ×‪ :‬ل ولكن احلقي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( مسلم )‪.(4/2092‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ ،(2/970‬حلية الولياء )‪.(2/35‬‬
‫)( السيرة النبوية للصلبي )‪ ،(2/199‬شذرات الذهب )‪.(1/10‬‬
‫)( البخاري في الدب )‪.(286‬‬
‫)( سنن أبى داود رقم ‪5105‬إسناده ضعيف حكم عليه الشيخ عثمان الخميس‪,‬‬
‫عن رسالته للماجستير المتعلقة بالحاديث الخاصة بالحسن والحسين‪ :‬ص)‪.(80‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪71‬‬

‫رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين‬
‫سا من أصحاب رسول الله ×‬
‫والوفاض‪ ،‬وكان الوفاض نا ً‬
‫محتاجين في المسجد أو الصفة ففعلت ذلك)‪.(1‬‬
‫هذا وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل الحسن بن علي رضي‬
‫الله عنه منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‪ :‬رأيت الحسن بن‬
‫ى على عاتق الني × وهو يقول‪» :‬اللهم إني أحبه فأحبه«)‪.(2‬‬
‫عل ّ‬
‫ب‪ -‬وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي × أنه قال‬
‫للحسن‪» :‬اللهم إني أحبه‪ ،‬فأحبه واحبب من يحبه«)‪.(3‬‬
‫أنه‪(4‬كان‬
‫ج‪ -‬وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ×‬
‫يأخذه والحسن ويقول‪» :‬اللهم إني أحبهما فأحبهما« ) ‪.‬‬
‫د‪ -‬عن أبى بكرة رضي الله عنهما قال‪ :‬سمعت النبي × على‬
‫المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول‪:‬‬
‫»ابنى هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من‬
‫المسلمين«)‪ .(5‬فإخبار النبي × بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة‬
‫وميزة شريفة له رضي الله عنه وأرضاه‪ ،‬وقد تحققت نبوءة جده ×‪،‬‬
‫فأصلح على يديه بين المسلمين وحقن دماءهم‪ ،‬حيث نزل عن حقه‬
‫في الخلفة لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬وكان ذلك في سنة‬
‫إحدى وأربعين‪ ،‬وكانت خلفته رضي الله عنه ستة أشهر وسمى هذا‬
‫النبي × يقوله‪» :‬لعل الله أن‬
‫العام عام الجماعة‪ ،‬وهذا ما أخبر به‬
‫يصلح به بين فئتين عظيمتين«)‪.(6‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬فالحديث فيه علم من إعلم النبوة‪ ،‬ومنقبة‬
‫للحسن بن على‪ ،‬فإنه ترك الملك ل لقلة ول لذلة ول لعلة‪،‬بل لرغبة‬
‫لما رآه من حقن دماء المسلمين‪ ،‬فراعى أمر الدين‬
‫فيما عند الله‬
‫ومصلحة المة)‪ ,(7‬وسيأتي الحديث بإذن الله عن تنازل الحسن‬
‫بالخلفة لمعاوية عند حديثنا في عهده في كتاب مستقل‪.‬‬
‫هـ‪ -‬وعن سعيد المقبري)‪ ,(8‬قال‪ :‬كنا مع أبى هريرة رضي الله‬
‫عنه فجاء الحسن بن على ابن أبى طالب علينا فسلم فرددنا عليه‬
‫السلم ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا‪ :‬يا أبا هريرة هذا الحسن بن‬
‫على)‪(9‬قد سلم علينا فلحقه وقال‪ :‬عليك السلم يا سيدي ثم قال‪ :‬إنه‬
‫سيد ‪.‬‬
‫و‪ -‬ومنها مشابهته رضي الله عنه للنبي في الخلق‪ ،‬فقد روى‬
‫البخاري بإسناده إلى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬لم يكن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الطبقات )‪ (1/233‬إسناده ضعيف‪.‬‬
‫البخاري رقم ‪.3749‬‬
‫مسلم ‪.2421‬‬
‫البخاري‪.3747 :‬‬
‫البخاري رقم ‪.3746‬‬
‫البداية والنهاية )‪ ،(8/20‬سير أعلم النبلء )‪.(145 ،3/144‬‬
‫فتح الباري )‪.(13/66‬‬
‫هو‪ :‬كيسان المدني مولى أم شريك‪ ،‬ثقة ثبت مات سنة ‪ ،10‬التقريب ‪.463‬‬
‫المستدرك‪ ،‬ك معرفة الصحابة )‪ (3/169‬صحيح السناد ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪72‬‬

‫أحد أشبه بالنبي × من الحسن بن على )‪.(1‬‬
‫ضا بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال‪ :‬رأيت أبا بكر‬
‫ز‪ -‬وروى أي ً‬
‫الحسن وهو يقول‪ :‬بأبى شبيه بالنبي ليس‬
‫حمل‬
‫وقد‬
‫رضي الله عنه‬
‫)‪(2‬‬
‫جده‬
‫شبه‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫فكونه‬
‫‪,‬‬
‫يضحك‬
‫وعلى‬
‫شبيًها بعلي‪،‬‬
‫المصطفى × في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬الحسين بن على رضي الله عنه‪:‬‬
‫هو أبو عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب‪ ،‬سبط رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وريحانته ومحبوبه‪ ،‬ابن بنت رسول الله‪ ،‬فاطمة رضي الله‬
‫عنها‪ ،‬كان مولده سنة ‪4‬هـ‪ ،‬وقيل غير ذلك‪ ،‬ومات رضي الله عنه‬
‫إحدى وستين‬
‫دا‪ ،‬في يوم عاشوراء من شهر المحرم سنة‬
‫قتيل ً شهي ً‬
‫هجرية بكربلء من أرض العراق‪ ،‬فرضي الله عنه وأرضاه)‪ ,(4‬وقد‬
‫وردت في مناقبة وفضائله أحاديث كثيرة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ما رواه أحمد بإسناده إلى يعلي العامرى رضي الله عنه أنه‬
‫خرج مع رسول الله × ‪-‬يعني إلى طعام دعوا له‪ -‬قال‪ :‬فاستمثل‬
‫رسول الله × أمام القوم‪ ،‬وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول‬
‫الله × أن يأخذه فطفق الصبي يفر هنا مرة وها هنا مرة‪ ،‬فجعل‬
‫النبي × يضاحكه حتى أخذه قال‪ :‬فوضع إحدى يديه تحت قفاه‬
‫والخرى تحت ذقنه ووضع فاه وقبله وقال‪» :‬حسين مني وأنا من‬
‫حسين‪ ،‬اللهم أحب من أحب حسيًنا‪ ،‬حسين سبط من‬
‫السباط«)‪ ,(5‬وفي ذلك منقبة ظاهرة للحسين رضي الله عنه‪ ،‬إذا‬
‫حث على محبته وكانه × علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين‬
‫القوم فخصه بالذكر‪ ،‬وأكد على وجوب المحبة وحرمة التعرض‬
‫فإن‬
‫والمحاربة‪ ،‬وأكد ذلك بقوله‪» :‬أحب الله من أحب حسيًنا«‬
‫محبته تؤدي لمحبة الرسول ومحبة الرسول × من محبة الله«)‪.(6‬‬
‫ب‪ -‬ومنها ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله‬
‫عنه قال‪ُ :‬أتى عبيد الله ابن زياد)‪ (7‬برأس الحسين عليه السلم فجعل‬
‫فقال أنس‪ :‬كان‬
‫في طست‪ ،‬فجعل ينكت وقال في حسنه شيًئا‪،‬‬
‫أشبههم برسول الله × وكان مخضوًبا بالوسمة)‪.(9)(8‬‬
‫ضا قال‪ :‬لما أتى عبيد الله بن‬
‫ج‪ -‬وفي رواية أخرى عن أنس أي ً‬
‫زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول‪ :‬لقد كان‬
‫لسوءنك‪ ،‬إني رأيت رسول الله يلثم‬
‫أحسبه قال جميل ً فقلت‪ :‬والله‬
‫حيث يقع قضيبك‪ .‬قال‪ :‬فانقبض)‪ .(10‬فالحديثان يدلن على فضل‬
‫الحسين رضي الله عنه‪ ,‬وأنه كان أشبه أهل البيت به‪ ،‬ولكن قد يرد‬
‫‪1‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬ك الفضائل رقم ‪.3752‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3750‬‬
‫‪3‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت‪ ،‬ص)‪.(147‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(8/152‬الصابة )‪.(334 -1/331‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فضائل الصحابة رقم ‪ ،1361‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( تحفة الحوذى )‪.(10/279‬‬
‫‪7‬‬
‫)( ُقتل عبيد الله عام ‪76‬هـ‪ ،‬العلم )‪.(4/193‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الوسمة بكسر السين وقد تسكن‪ :‬نبت‪ ،‬وقيل شجر باليمن يخضب بورقه‬
‫الشعر‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3748‬‬
‫‪10‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (2/985‬رقم ‪1397‬إسناده حسن‪ ،‬مجمع الزوائد )‪.(9/195‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪73‬‬

‫إشكال ول سيما أنه قد تقدم في فضائل الحسن‪ ،‬أنه لم يكن أحد‬
‫أشبه برسول الله × من الحسن بن على‪ ،‬فيحدث التعارض‪ ،‬وقد‬
‫أزال الشكال والتعارض ابن حجر رحمه الله حيث جمع بينهما فقال‪:‬‬
‫ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في‬
‫حياة الحسن لنه يومئذ كان أشد شبًها بالنبي × من أخيه الحسين‪،‬‬
‫وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من‬
‫سياقه‪ ،‬أو المراد بمن فضل الحسين عليه في الشبه ما عدا الحسن‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون كل منهما أشد شبًها في بعض أعضائه‪ ،‬فقد روى‬
‫الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن على قال‪ :‬الحسن‬
‫بين‪ (1‬الرأس إلى الصدر‪ ،‬والحسين أشبه النبي × ما‬
‫أشبه النبي × ما‬
‫كان أسفل من ذلك) ‪ ,‬فهذه بعض الحاديث الواردة في الحسين‬
‫رضي الله عنه وأرضاه‪.‬‬
‫‪ -3‬ما ورد من أحاديث في مناقب مشتركة بين الحسن والحسين‬
‫رضي الله عنهما‪:‬‬
‫أ‪ -‬ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر أنه قد سأله رجل من‬
‫رم يقتل الذباب‪ ،‬فقال رضي الله عنه‪ :‬أهل العراق‬
‫العراق عن المح ِ‬
‫يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن)‪(2‬ابنة رسول الله × وقال النبي‬
‫×‪»:‬هما ريحانتاي من الدنيا« ‪.‬‬
‫وحباني به‪ ،‬لن‬
‫قال ابن حجر‪ :‬والمعنى أنهما مما أكرمني الله‬
‫الولد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين)‪.(3‬‬
‫ب‪ -‬عن أبى هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ومن أبغضهما فقد‬
‫»من أحبهما فقد أحبني‪،‬‬
‫أبغضني«‪.‬يعني حسًنا وحسيًنا)‪.(4‬‬
‫ج‪ -‬وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رسول الله ×‬
‫أبصر حسًنا وحسيًنا فقال‪» :‬اللهم إني أحبهما فأحبهما«)‪.(5‬‬
‫رسول الله ×‪:‬‬
‫د‪ -‬عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن‬
‫»الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة«)‪.(6‬‬
‫هـ‪ -‬عن عبد الله بن بريدة قال‪ :‬سمعت أبى بريدة يقول‪ :‬كان‬
‫رسول الله × يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان‬
‫أحمران يمشيان ويعثران‪ ،‬فنزل رسول الله × من على المنبر‬
‫ما‬
‫فوضعهما بين يديه‪ ،‬ثم قال‪ :‬صدق الله ورسوله ‪+‬إ ِن ّ َ‬
‫فحملهمام َ‬
‫َ‬
‫ة" نظرت إلى هذين الصبيين‬
‫فت ْن َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫ول َدُك ُ ْ‬
‫أ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫وال ُك ُ ْ َ‬
‫م َ‬
‫ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى‬
‫يمشيان‬
‫ورفعتهما)‪.(7‬‬
‫و‪ -‬عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول‬
‫الله × كان يعوذ الحسن والحسين‪» :‬أعيذكما بكلمات الله‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فضائل الصحابة رقم ‪1366‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫البخاري رقم ‪.3753‬‬
‫فتح الباري )‪.(10/427‬‬
‫صحيح سنن أبى داود )‪ ،(2/29‬فضائل الصحابة رقم ‪.1359‬‬
‫صحيح سنن الترمذي )‪ ،(3/226‬سنن الترمذي رقم ‪.3782‬‬
‫مجمع الزوائد )‪ ،(9/184‬وصححه اللباني في الحاديث الصحيحة )‪.(2/448‬‬
‫فضائل الصحابة رقم ‪1358‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪74‬‬

‫التامة من كل شيطان وهامة‪ ،‬ومن كل عين لمة‪ ،‬هكذا‬
‫كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق«)‪.(1‬وهذا الحديث‬
‫ل يتعارض مع ما رواه سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سمعت النبي × يقول‪» :‬ل هامة«)‪(3()2‬وما رواه أبو هريرة عن رسول‬
‫الله × في قوله‪(4») :‬ل هام‪ ،‬لهام« ‪ ,‬وقوله ×‪» :‬ل عدوى ول‬
‫صفر ول هامة« ‪ ,‬فقد أجاب أبو جعفر الطحاوى بقوله‪ :‬ففي‬
‫هذه الحاديث نفيه الهامة ونفي وجودها‪ ،‬فكيف يجوز أن يعوذهما‬
‫من معدوم؟ فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه‪ :‬أن الهامة‬
‫التي عوذهما × منها هو هوام الرض التي يخاف غوائلها‪ ،‬والهامة‬
‫التي نفاها هي خلفها‪ ،‬وهي )ما‪ (5‬كانت العرب تقوله في موتها‪ ،‬فمن‬
‫ذلك ما رثى به لبيد أخاه أربد بقوله‪:‬‬
‫م غيُر أصداء وهام‬
‫فليس الناس بعدك في نقير‬
‫ولهُ ْ‬
‫ي‪:‬‬
‫ومن ذلك قول أبى داود الياد ّ‬
‫فلهم في صدى المقابر هام‬
‫سّلط الموت والمنون عليهم‬
‫ُ‬
‫فنفى رسول الله × ذلك كما في حديث أبى هريرة الذي رويناه‪،‬‬
‫وأما الهامة التي عوذ منها حسًنا وحسيًنا‪ ،‬فهي موجودة وهي هوام‬
‫الميم‪ ،‬والهامة التي نفاه مخففة‬
‫الرض المخوفة وهي مشددة‬
‫الميم‪ ،‬فليست منها في شيء)‪.(6‬‬
‫سا‪ :‬حديث الكساء ومفهوم أهل البيت‪:‬‬
‫خام ً‬
‫)‪(7‬‬
‫حديث الكساء روته عائشة رضي الله عنها ‪ ,‬قالت‪ :‬خرج النبي‬
‫× غداة وعليه مرط مرحل »وهو الكساء« فأدخل عليا وفاطمة‬
‫ه‬
‫والحسن والحسين رضي َالله عنهم‪ ،‬ثم‬
‫ريدُ‬
‫الل‪ُ(8‬‬
‫قال‪+ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما ي ُ ْ ِ‬
‫)‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫هيًرا"‬
‫ط‬
‫ت‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ط‬
‫ي‬
‫و‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫سأ ْ‬
‫ل ال ْب َي ْ ِ‬
‫ل ِي ُذْ ِ‬
‫ُ‬
‫م الّر ْ‬
‫ه َ‬
‫ّ َ ْ‬
‫عنك ُ ُ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫]الحزاب‪.[33:‬‬
‫وهذا يبين لنا من كذب أن الصحابة يكتمون فضائل على‪ ،‬فهذه‬
‫التي يدعون أنها تبغض علًيا هى التي تروى هذا الفضل لعلي‬
‫عائشة‬
‫وفاطمة)‪.(9‬‬
‫الكريمة كله لزواج َالنبي × حيث بدأ بهن‬
‫إن الخطاب في‬
‫الياتيا أ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ت‬
‫كن‬
‫إن‬
‫ك‬
‫ج‬
‫وا‬
‫ز‬
‫ل‬
‫قل‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وختم بهن‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ َ ُِ ِ‬
‫فت َعالِ َي ّن أ ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫ها‬
‫ت‬
‫ن‬
‫زي‬
‫و‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫حَياةَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ردْ َ‬
‫سّر ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫حك ُ ّ‬
‫وأ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫تُ ِ‬
‫َ ِ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫داَر‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ت‬
‫كن‬
‫إن‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫ل‬
‫مي‬
‫ج‬
‫حا‬
‫را‬
‫س‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ردْ َ‬
‫وال ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ر ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫سول ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ه َ‬
‫و ََ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫خَرةَ َ‬
‫ما ‪َ ‬يا‬
‫جًرا َ‬
‫هأ َ‬
‫ال َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ت ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ح ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫منك ُ ّ‬
‫ظي ً‬
‫عدّ ل ِل ْ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم ‪.3371‬‬
‫صحيح ابن حبان رقم ‪ 6127‬إسناده قوى‪ ،‬الطبراني ‪.11764‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪ (7/328‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫مسلم رقم )‪.(2220‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪.(7/329‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪.(7/330‬‬
‫مسلم رقم )‪ (2408‬فضائل الصحابة‪.‬‬
‫مسلم رقم )‪(2167‬ك الزكاة‪.‬‬
‫حقبة من التاريخ ص )‪.(187‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪75‬‬

‫ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح َ‬
‫ها‬
‫ضا َ‬
‫ع ْ‬
‫ة يُ َ‬
‫فا ِ‬
‫مب َي ّن َ ٍ‬
‫ش ٍ‬
‫ت ِ‬
‫من ي َأ ِ‬
‫ف لَ َ‬
‫منك ُ ّ‬
‫نِ ْ َ‬
‫ة ّ‬
‫ي َ‬
‫ساءَ الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫را‬
‫سي‬
‫ي‬
‫ه‬
‫الل‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫كا‬
‫و‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ف‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ال َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ ً‬
‫ْ ْ ِ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ها‬
‫ر‬
‫ج‬
‫أ‬
‫ها‬
‫ت‬
‫ؤ‬
‫ن‬
‫حا‬
‫ل‬
‫صا‬
‫ل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ت‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫لل‬
‫ن‬
‫ك‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫منَ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫َ َّ َ ِ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يل‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ء‬
‫سا‬
‫ن‬
‫يا‬
‫‪‬‬
‫ما‬
‫ري‬
‫ك‬
‫قا‬
‫ز‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ل‬
‫نا‬
‫د‬
‫ت‬
‫ع‬
‫أ‬
‫و‬
‫ْ‬
‫ست ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ٍ‬
‫ْ‬
‫ن كأ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫َِ‬
‫ل َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ن ات ّ ِ َ‬
‫في‬
‫و‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ءإ‬
‫سا ِ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫ذي ِ‬
‫خ َ‬
‫ع ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ض ْ‬
‫ع َ‬
‫قي ْ ْت ُ ّ‬
‫ال ْن ّ َ‬
‫في َطْ َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ول َ‬
‫و َ‬
‫عُرو ً‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫قلب ِ ِ‬
‫قْر َ‬
‫مُ ْ‬
‫في ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫قل َ‬
‫ول ً ّ‬
‫ه َ‬
‫مَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫فا َ‪َ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ز َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ال‬
‫ن‬
‫تي‬
‫وآ‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ق‬
‫أ‬
‫و‬
‫لى‬
‫لو‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫جا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ب‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫َ ِ ِ ّ ِ‬
‫ّ‬
‫تَ َ َ ّ ْ َ َ َ ّ َ‬
‫َ ِ َ‬
‫َ ِ ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫س‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ال‬
‫م‬
‫ك‬
‫عن‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫د‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وأطِ ْ‬
‫ع َْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن الل َ َ َ َ ُ ُ ُ ِ َ ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫في‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫وا‬
‫‪‬‬
‫را‬
‫هي‬
‫ط‬
‫ت‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ط‬
‫ي‬
‫و‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ما ي ُت َْلى ِ‬
‫َ‬
‫أَ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ه َ‬
‫طي ً‬
‫خِبيًرا"‬
‫فا َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫ن لَ ِ‬
‫م ِ‬
‫ت الل ِ‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ة إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ه َ‬
‫]الحزاب‪ ،[34 -28 :‬فالخطاب كله لزواج النبي × ومعهن المر‬
‫والنهي والوعد والوعيد‪ ،‬لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي‬
‫تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بضمير المذكر لنه‬
‫إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب الذكر‪ ،‬حيث تناول أهل البيت كلهم‪،‬‬
‫وعلى فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أخص من غيرهم‬
‫بذلك‪ ،‬لذلك خصهم النبي × بالدعاء لهم‪ ،‬كما أن أهل بيت النبي ×‬
‫يتعدى علًيا والحسن والحسين وفاطمة إلى غيرهم كما في حديث‬
‫زيد بن أرقم‪ ،‬وأنه لما قيل له‪ :‬نساؤه من أهل بيته؟ قال‪ :‬نساؤه من‬
‫أهل بيته‪ ،‬ولكن أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهم آل على وآل‬
‫جعفر وآل عقيل وآل العباس)‪ ,(1‬وإذا اتسع مفهوم أهل بيت النبي ×‬
‫ضا علًيا وفاطمة‬
‫إلى أكثر من ذلك فهم نساؤه بدليل الية‪ ،‬ويشمل أي ً‬
‫والحسن والحسين‪ ،‬كحديث الكساء‪ ،‬وبحديث زيد بن أرقم‪ ،‬وآل‬
‫بن‪ (2‬أبى‬
‫عباس بن عبد المطلب‪ ،‬وآل عقيل بن أبى طالب‪ ،‬وآل جعفر‬
‫طالب بدليل حديث زيد بن أرقم‪ ,‬وآل الحارث بن عبد المطلب) ‪,‬‬
‫وسيأتي الحديث عن الية الكريمة مفصل ً عند مناقشتنا للشيعة بإذن‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫سا‪ :‬ما يخص آل رسول الله × من الحكام‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫‪ -1‬تحرم عليهم الزكاة‪:‬لحديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي‬
‫× قال‪(3») :‬إن الصدقة ل تنبغي لل محمد‪ ،‬إنما هي أوساخ‬
‫الناس« ‪.‬‬
‫لحديث أبى بكر قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫‪ -2‬ل يرثون رسول الله ×‪:‬‬
‫×‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة«)‪ .(4‬وقد روى هذا الحديث أبو‬
‫بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن‬
‫هريرة‪(5‬كما نص‬
‫عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي × وأبو‬
‫على ذلك ابن تيمية وهى ثابتة عنهم في الصحاح والمسانيد) ‪.‬‬
‫خمس الخمس في الغنيمة)‪َ (6‬والفيئ)‪ :(7‬قال تعالى‪:‬‬
‫‪-3‬‬
‫عل َلهم َ‬
‫ما َ‬
‫ء َ‬
‫من َ‬
‫ل‬
‫ي ٍ‬
‫ه ُ‬
‫ن لل ِ‬
‫فأ ّ‬
‫وِللّر ُ‬
‫م َ‬
‫س ُ‬
‫خ ُ‬
‫مُتم ّ‬
‫غن ِ ْ‬
‫موا أن ّ َ‬
‫وا ْ ُ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫‪َ +‬‬
‫ش ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( مسلم رقم ‪.107‬‬
‫)( مسلم ك الزكاة رقم ‪.167‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1072‬‬
‫)( البخاري رقم ‪3093‬مسلم ‪.1757‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ ،(4/195‬البداية والنهاية )‪.(5/252‬‬
‫)( ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب‪،‬‬
‫النهاية )‪.(3/389‬‬
‫)( ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ول جهاد‪ ،‬النهاية )‬
‫‪.(3/482‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪76‬‬

‫ذي ال ْ ُ‬
‫م‬
‫وا َل ْي َ َ‬
‫سا ِ‬
‫ول ِ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫ل ِإن ْ ك ُن ْت ُ ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫تا َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫مى َ َ‬
‫قْرَبى َ‬
‫َ‬
‫واب ْ ْ ُِ‬
‫كي ِ‬
‫ْ‬
‫م الت َ َ‬
‫َ‬
‫قى‬
‫و‬
‫ي‬
‫ن‬
‫قا‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫نا‬
‫د‬
‫ب‬
‫ع‬
‫لى‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ز‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ما‬
‫و‬
‫ه‬
‫بالل‬
‫م‬
‫ت‬
‫آ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫من ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ َ ْ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ديٌر" ]النفال‪.[41:‬‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ن‬
‫عا‬
‫م‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ا‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ما أ َ‬
‫قَرى‬
‫ه َ‬
‫نأ ْ‬
‫ه ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫مْ ْ‬
‫عَلى ْ َر ُ‬
‫فاءَ ْ الل ُ‬
‫ّوقال تعالى‪َ + :‬‬
‫ه ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ب‬
‫وا‬
‫ن‬
‫كي‬
‫سا‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫مى‬
‫تا‬
‫ي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫بى‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فل ِل ِ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َ‬
‫وِللّر ُ‬
‫َ َ َ‬
‫ل َ‬
‫سو َ ِ‬
‫ه َ‬
‫ِ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م" ]الحشر‪.[7:‬‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫يا‬
‫ن‬
‫غ‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ة‬
‫ل‬
‫دو‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫بي‬
‫س‬
‫ال‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫‪ -4‬الصلة عليهم مع النبي ×‪:‬عن كعب بن عجرة قال‪ :‬سألنا‬
‫رسول الله × فقلنا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كيف الصلة عليكم أهل البيت؟‬
‫فإن الله قد علمنا كيف نسلم‪ ،‬قال‪» :‬قولوا‪ :‬اللهم صل على‬
‫محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل‬
‫إبراهيم إنك حميد مجيد‪ .‬اللهم بارك على محمد وعلى‬
‫كما‪ (1‬باركت على إبراهيم على آل إبراهيم إنك‬
‫آل محمد‬
‫حميد مجيد«) ‪.‬‬
‫‪ -5‬لهم مودة خاصة‪:‬ويتمثل هذا فيما رواه زيد بن أرقم عن النبي‬
‫أذكركم الله في أهل‬
‫×‪» :‬أذكركم الله في أهل بيتي‪،‬‬
‫بيتي‪ ،‬أذكركم الله في أهل بيتي«)‪.(2‬‬
‫قال القرطبي‪:‬وهذه الوصية‪ ،‬وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب‬
‫احترام أهله وتوقيرهم ومحبتهم‪ ،‬وجوب الفروض المؤكدة التي ل‬
‫عذر لحد في التخلف عنها)‪ ,(3‬وقد فهم وصية النبي × بأهل بيته حق‬
‫الفهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه‪ ،‬فأحبهم وأكرمهم‪ ،‬ودعا الناس‬
‫بإسناده( إلى أبى بكر رضي‬
‫إلى إكرامهم ومحبتهم‪ ،‬فقد روى البخاري‬
‫دا × في أهل بيته)‪. 4‬‬
‫الله عنه‪ ،‬أنه قال‪ :‬ارقبوا محم ً‬
‫فهذا خطاب من الصديق رضي الله عنه ووصية منه للناس في‬
‫حفظ حقوق آل بيت النبي ×‪ ،‬فالمراقبة للشيء المحافظة عليه‪،‬‬
‫ومعنى قول الصديق‪ :‬احفظوه فيهم فل تؤذوهم ول تسيئوا)‪(6‬إليهم)‪,(5‬‬
‫وقال النووي‪ :‬ومعنى »ارقبوا«‪ :‬راعوه واحترموه وأكرموه ‪ ,‬وقد‬
‫أكد رضي الله عنه تلك الحقوق بما قاله لعلي رضي الله عنه‪ :‬والذي‬
‫ى أن أصل من‬
‫نفسي بيده لقرابة رسول الله × أحب إل ّ‬
‫قرابتي)‪.(7‬ومحبة أهل البيت من أصول أهل السنة والجماعة‪ ،‬يقول‬
‫يحبون أهل بيت‬
‫ابن تيمية‪ :‬وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم‬
‫النبي × ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله × )‪ ,(8‬وقال‬
‫القاضي عياض‪ :‬إن من علمات محبته × محبته لمن أحب النبي ×‪،‬‬
‫ومن هو بسببه من آل بيته‪ ،‬وصحابته من المهاجرين والنصار‬
‫رضوان الله عليهم أجمعين‪ ،‬فمن أحب شيًئا أحب من يحبه)‪ ,(9‬وقال‬
‫ابن كثير‪ :‬ول ننكر الوصاية بأهل البيت والمر بالحسان إليهم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم ‪ ،3370‬مسلم رقم ‪.406‬‬
‫مسلم رقم ‪.2408‬‬
‫فتح القدير للمناوي )‪.(3/14‬‬
‫البخاري رقم ‪.713‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(7/97‬‬
‫العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ :‬ص)‪.(175‬‬
‫البخاري رقم ‪.3712‬‬
‫محموع الفتاوى )‪.(3/407‬‬
‫الشفاء )‪.(2/573‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪77‬‬

‫واحترامهم وإكرامهم‪ ،‬فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد‬
‫على وجه الرض فخًرا‪ ،‬وحسًبا ونسًبا‪ ،‬ول سيما إذا كانوا متبعين‬
‫للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية‪ ،‬فكانوا من أهل الحق كما‬
‫سلفهم كالعباس وبنيه‪ ،‬وعلى وأهل بيته وذريته رضي الله‬
‫كان عليه‬
‫عنهم أجمعين)‪.(1‬‬
‫سابًعا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة أحد‪:‬‬
‫في غزوة أحد بدأ القتال بمبارزة بين علي بن أبي طالب رضي‬
‫الله عنه وطلحة بن عثمان‪ ,‬وكان بيده لواء المشركين‪ ,‬وطلب‬
‫المبارزة مراًرا‪ ,‬فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال‬
‫له علي‪ :‬والذي نفسي بيده ل أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى‬
‫النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة‪ ,‬فضربه علي‪ ,‬فقطع رجله فوقع‬
‫على الرض فانكشفت عورته فقال‪ :‬يا ابن عمي أنشدك الله‬
‫والرحم! فرجع عنه ولم يجهز عليه‪ ,‬فكبر رسول الله وقال لعلي‬
‫قال‪ (:‬إن ابن عمي ناشدني الرحم‬
‫بعض أصحابه‪ :‬أفل أجهزت عليه؟‬
‫حين انكشفت عورته فاستحييت منه)‪ . 2‬وكان رضي الله عنه بعد‬
‫اللتحام في ميمنة الجيش‪ ,‬وأخذ الراية بعد مقتل مصعب بن عمير‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫قا كثيًرا‪ ,‬رغم ما أصاب‬
‫في هذه المعركة قتل من المشركين خل ً‬
‫الشدة في هذه الغزوة‪ ,‬إضافة إلى بلئه في الدفاع‬
‫المسلمين من‬
‫)‪(3‬‬
‫عنه( هو الذي أخذ بيد‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫علي‬
‫وكان‬
‫‪,‬‬
‫×‬
‫الله‬
‫عن رسول‬
‫رسول الله × حينما وقع في الحفرة يوم أحد)‪ , 4‬لقد استشهد في‬
‫تلك الغزوة عدد كبير من خيرة المهاجرين والنصار‪ ,‬وتركت حزًنا‬
‫قا في نفس الرسول ×‪ ,‬كما أصاب العدو من الرسول الكريم‪,‬‬
‫عمي ً‬
‫فأدموا وجهه الشريف‪ ,‬فقامت ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي‬
‫وإيقاف الدم الذي كان‬
‫طالب رضي الله عنهما بمداواة جراحه‪,‬‬
‫ينزف على وجهه ولحيته عليه الصلة والسلم)‪.(5‬‬
‫وظهرت شجاعة علي رضي الله عنه في تلك المعركة‪ ,‬فعندما‬
‫ي‪ ,‬رأى أن الحياة ل خير فيها‬
‫أشيع أن الرسول × قتل‪ ,‬وافتقده عل ّ‬
‫جفن سيفه‪ ,‬وحمل على القوم حتى أفرجوا له‪ ,‬فإذا‬
‫بعده‪ ,‬فكسر‬
‫)‪(6‬‬
‫ودافع( عنه دفاع البطال‪ ,‬وقد أصابته‬
‫معه‬
‫فثبت‬
‫‪,‬‬
‫×‬
‫برسول الله‬
‫ست عشرة ضربة في ذلك اليوم)‪. 7‬‬
‫وبعد انسحاب جيش المشركين من أرض المعركة أرسل رسول‬
‫الله × علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد الغزوة مباشرة‪ ,‬وذلك‬
‫لمعرفة اتجاه العدو‪ ,‬فقال له‪» :‬اخرج في آثار القوم وانظر‬
‫ماذا يصنعون وما يريدون‪ ,‬فإن كانوا قد جنبوا الخيل‬
‫وامتطوا البل فإنهم يريدون مكة‪ ,‬وإن ركبوا الخيل‬
‫وساقوا البل فهم يريدون المدينة‪ ,‬والذي نفسي بيده إن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( تفسير القرآن العظيم )‪.(4/113‬‬
‫)( السيرة الحلبية )‪.(2/498،497‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(7/224‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/89‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.4075‬‬
‫)( مسلم شرح النووي )‪.(12/148‬‬
‫)( مسند أبى يعلي )‪ (416 ،1/415‬إسناده حسن‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪،‬‬
‫عبد الحميد فقيهي ص)‪.(39‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪78‬‬

‫أرادوها لسيرن إليهم فيها ثم لناجزنهم«‪ ,‬قال علي‪:‬‬
‫أثرهم أنظر ماذا يصنعون‪ ,‬فجنبوا الخيل وامتطوا البل‬
‫فخرجت في‬
‫إلى‪(2‬مكة)‪ ,(1‬فخرج علي رضي الله عنه‪ ،‬وأخبر رسول الله×‬
‫ووجهوا‬
‫بخبر القوم) ‪،‬وفي هذا الخبر عدة دروس وعبر منها‪:‬‬
‫ شجاعة النبي ×‪ ،‬حيث كان داخل صفوف المشركين ولم يصل‬‫إليه سيدنا على إل بعد جهد جهيد‪ ،‬فوجد رسول الله × في قلب‬
‫العدو يقاتلهم حتى أصيب بعدة جروح‪.‬‬
‫ يقظة الرسول ×‪ ،‬ومراقبته الدقيقة لتحركات العدو‪ ،‬وقدرته ×‬‫على تقدير المور‪ ،‬وتحليل تصرفات الخصم وفهم ما يترتب عليها‬
‫من قرارات‪.‬‬
‫ ظهور قوته المعنوية العالية‪ ،‬ويظهر ذلك في استعداده لمقاتلة‬‫المشركين لو أرادوا المدينة‪.‬‬
‫ وفيه ثقة النبي × بعلي رضي الله عنه ومعرفته بمعادن‬‫الرجال‪.‬‬
‫ المروءة ومكارم الخلق عند على عندما رجع عن خصمه بعدما‬‫انكشفت عورته وإقرار رسول الله × له‪ ،‬وهذا العمل يعلمنا قيمة‬
‫التعامل‪ ،‬وكيف تكون الخلق حتى مع الخصم وحتى في ساحة‬
‫المعركة‪.‬‬
‫ وجوب التضحية في سبيل الله وأنه بهذه الروح ينتصر السلم‬‫في الحياة وينال الشهيد الجنة‪ ،‬وهذا ما أثبته لنا بعض المهاجرين‬
‫والنصار في هذه المعركة وغيرها‪.‬‬
‫ وجوب الخذ بالسباب‪ ،‬وظهر هذا عندما وضع رسول الله ×‬‫بعض الصحابة على جبل أحد‪ ،‬فعصوه ونزلوا وكان هذا من أسباب‬
‫الهزيمة‪.‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬لن هذا الجيش لو أبصره ما‬
‫ وفيه شجاعة على‬‫تورع عن محاولة قتله)‪.(3‬‬
‫ثامًنا‪ :‬على رضي الله عنه في غزوة بني النضير‪:‬‬
‫يرى المحققون من المؤرخين أن غزوة بنى النضير كانت بعد‬
‫أحد في ربيع الول من السنة الرابعة من الهجرة‪ ،‬وقد رد ابن القيم‬
‫على من زعم أن غزوة بنى النضير بعد بدر بستة أشهر بقوله‪ :‬وزعم‬
‫محمد بن شهاب الزهري‪ :‬أن غزوة بنى النضير كانت بعد بدر بستة‬
‫أشهر‪ ،‬وهذا وهم منه أو غلط عليه‪ ،‬بل الذي ل شك فيه أنها بعد أحد‪،‬‬
‫والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بنى قينقاع‪ ،‬وقريظة بعد‬
‫الخندق‪ ،‬وخيبر بعد الحديبية)‪ ,(4‬وقال ابن العربي‪ :‬والصحيح أنها بعد‬
‫ُأحد)‪ ،(5‬وإلى هذا الرأي ذهب ابن كثير)‪ ,(6‬ففي هذه الغزوة فقد‬
‫الصحابة على بن أبى طالب رضي الله عنه ذات ليلة‪ ،‬فقال النبي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( مسند أبى يعلي )‪ (416 ،1/415‬إسناده حسن‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪،‬‬
‫عبد الحميد فقيهي ص)‪.(39‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(4/41‬‬
‫صلبي )‪ ،(2/145‬غزوة أحد لبى فارس‪ :‬ص)‪.(96 ،95‬‬
‫)( السيرة النبوية لل ّ‬
‫)( زاد المعاد )‪.(3/249‬‬
‫)( أحكام القرآن لبن العربي )‪.(4/1765‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪79‬‬

‫×‪» :‬إنه في بعض شأنكم«‪ ،‬فعن قليل جاء برأس عَْزوَ َ‬
‫ك‪ ،‬وقد‬
‫كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرة من المسلمين‪،‬‬
‫عا رامًيا‪ ،‬فشد عليه على رضي الله عنه فقتله‪ ،‬وفر‬
‫وكان شجا ً‬
‫اليهود)‪.(1‬‬
‫تاسًعا‪ :‬على رضي الله عنه في غزوة حمراء السد‪:‬‬
‫تعتبر هذه الغزوة مكملة لغزوة أحد‪ ،‬فقد عاد المسلمون من أحد‬
‫مساء السبت الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة‪،‬‬
‫ن مؤذن‬
‫وما أن أصبح الصباح وخرج الناس من صلة الفجر إل وأذ ّ‬
‫رسول الله × بالتهيؤ على جناح السرعة لمطاردة العدو‪ ،‬وأل يخرج‬
‫ُ‬
‫دا‪ ،‬فاستجاب الناس لنداء رسول الله ×‬
‫ح ً‬
‫من الناس إل من شهد أ ُ‬
‫مع ما بهم من جراحات وتعب‪ ،‬وكان في مقدمتهم رسول الله ×‪،‬‬
‫دا إل‬
‫ح ً‬
‫ى بالخروج معه‪ ،‬ول لحد لم يشهد ُأ ُ‬
‫ولم يسمح لعبد الله بن أب ّ‬
‫حد‪،‬‬
‫أ‬
‫في‬
‫أبوه‬
‫استشهد‬
‫الذي‬
‫حرام‬
‫بن‬
‫جابر بن عبد الله بن عمرو‬
‫ُ‬
‫وكان قد منعه من الشتراك في بدر وأحد ليبقى عند أخواته البنات‪،‬‬
‫وخرج الجيش وفي مقدمتهم رسول الله ×‪ ،‬ويحمل اللواء‪ ،‬لواء أحد‬
‫ى بن أبى طالب)‪ ,(2‬وصل المسلمون بقيادة رسولهم‬
‫نفسه عل‬
‫الكريم × ّإلى حمراء السد التي تبعد عن المدينة ثلثة عشر مي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫حيث ح ّ‬
‫طوا الرحال فيها‪ ،‬وقد أدهشت هذه الحركة اليهود والمنافقين‬
‫لما فيها من جرأة وشجاعة‪ ،‬وأيقنوا أن الروح المعنوية عالية‪ ،‬وأنهم‬
‫هزموا لما عملوا على مطاردة قريش)‪ ,(3‬كما أن في خروج النبي‬
‫لو ُ‬
‫× إلى حمراء السد إشارة نبوية إلى أهمية استعمال الحرب‬
‫النفسية للتأثير على معنويات الخصوم‪ ،‬فخرج × بجنوده إلى حمراء‬
‫السد ومكث فيها ثلثة أيام‪ ،‬وأمر بإيقاد النيران‪ ،‬فكانت تشاهد من‬
‫مكان بعيد وملت الرجاء بأنوارها حتى خيل لقريش أن جيش‬
‫المسلمين ذو عدد كبير ل طاقة لهم به‪ ،‬فانصرفوا وقد مل الرعب‬
‫أفئدتهم)‪.(4‬‬
‫قال ابن سعيد‪ :‬ومضى رسول الله × بأصحابه حتى عسكروا‬
‫بحمراء السد‪ ،‬وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار‬
‫حتى ترى من المكان البعيد‪ ،‬وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في‬
‫كل وجه فكبت الله تعالى بذلك عدوهم)‪ ,(5‬وقد أشار القرآن الكريم‬
‫إلى هذه الحرب الباردة وسجلها المولى عز وجل في كتابه في‬
‫ل‬
‫جاُبوا لل ِ‬
‫معرض الثناء َعلى الصحابة‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫ست َ َ‬
‫والّر ُ‬
‫ن اَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سو َ ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫جٌر‬
‫سُنوا ِ‬
‫ح ل ِل ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫وا أ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫قْر ُ‬
‫من ب َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫ما ّ أ َ‬
‫وات ّق ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫م ‪ ‬ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫س إِ ّ‬
‫م ُ‬
‫س قد ْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫عوا ْ لك ْ‬
‫ج َ‬
‫ه ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م الّنا ُ ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫كي ُ‬
‫خ َ‬
‫ل‬
‫فا ْ‬
‫فَزادَ ُ‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫ون ِ ْ‬
‫قالوا َ‬
‫ح ْ‬
‫ع َ‬
‫سب َُنا الل ُ‬
‫م ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م ال َ‬
‫ه َ‬
‫ماًنا َ‬
‫ش ْ‬
‫‪6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( حديث القرآن عن الغزوات )‪.(1/254‬‬
‫)( إمتاع السماع للمقريزي )‪.(1/180‬‬
‫ُ‬
‫)( وقد حمل على رضي الله عنه لواء رسول الله × في غزوة الكدر لبنى سليم‬
‫بعد عودته إلى المدينة بسبع ليال من غزوة بدر‪.‬‬
‫)( على بن أبى طالب‪ ،‬أحمد السيد الرفاعي ص ‪ ،10-1‬تاريخ السلم للذهبي‪،‬‬
‫المغازى ص ‪.226‬‬
‫)( غزوة أحد لبى فارس‪ :‬ص)‪.(51‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(2/49‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪80‬‬

‫و َ‬
‫فان ْ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫سوءٌ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ِ‬
‫م ٍ‬
‫قل َُبوا ب ِن ِ ْ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل لّ ْ‬
‫ة ّ‬
‫ع َ‬
‫ض ٍ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪‬‬
‫م‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ذو‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫وا‬
‫ض‬
‫ر‬
‫عوا‬
‫ب‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وات ّ َ ُ َ ِ‬
‫ٍ‬
‫ف أَ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ال ّ‬
‫ن ِإن ك ُن ُْتم‬
‫فو‬
‫خا‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫فو‬
‫خا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ل‬
‫و‬
‫و‬
‫خ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫شي ْطا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[175 -172 :‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ّ‬
‫عاشًرا‪ :‬على رضي الله عنه وموقفه من حادثة الفك‪:‬‬
‫ورد حديث الفك الذي اتهم فيه المنافقون عائشة رضي الله‬
‫عنها به‪ ،‬أن رسول الله × استدعى علًيا وأسامة واستشارهما في‬
‫فراق أهله‪ ،‬لما كثر القول وأقلق النبي ×‪ ،‬واستلبث الوحي‪ ،‬فأما‬
‫أسامة‪ ،‬فأشار عليه بالذي يعلم من براءتها‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‬
‫أهلك‪ ،‬ول نعلم إل خيًرا‪ ،‬وأما على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير‪ ،‬وإن‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫تسأل الجارية تصدقك)‪ , (1‬قالت‪ :‬فدعا رسول الله × بريرة فقال‪:‬‬
‫يريبك؟قالت بريرة‪ :‬ل والذي‬
‫أي َبرَيرة هل رأيت من شيء َ‬
‫)‪(2‬‬
‫أكثر من أنها جارية‬
‫عليها‬
‫أغمصه‬
‫بعثك بالحق إن رأيت عليها أمًرا‬
‫الداجن)‪ (3‬فتأكله‪ ،‬فقام‬
‫تي‬
‫أ‬
‫فت‬
‫أهلها‪،‬‬
‫حديثة السن تنام عن عجين‬
‫رسول الله‪ ،‬فاستعذر)‪ (4‬يومئذ من عبد الله بن ُأبى ابن سَلول قالت‪:‬‬
‫فقال رسول الله × وهو على المنبر‪ :‬فوالله ما علمت على‬
‫أهلي إل خيًرا‪ ،‬ولقد ذكروا رجل ً)‪(6),(5‬ما علمت عليه إل خيًرا‪،‬‬
‫ى‬
‫وما كان يدخل على أهلي إل معي ‪ .‬إن الكلم الذي قاله عل ّ‬
‫إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي ×‪ ،‬لما رأى عنده من القلق والغم‬
‫بسبب القول الذي قيل‪ .‬وكان شديد الغيرة‪ ،‬فرأى على رضي الله‬
‫عنه في بادئ المر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها‬
‫فيمكن رجعتها‪ ،‬ويستفاد منه ارتكاب أخف‬
‫إلى أن تتحقق براءتها‪،‬‬
‫الضررين لذهاب أشدهما)‪ ,(7‬وقال النووي‪ :‬رأى على أن ذلك هو‬
‫المصلحة في حق النبي ×‪ ،‬واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه‪ ،‬فبذل‬
‫جهده في النصيحة‪ ،‬لرادة راحة خاطره ×)‪ ,(8‬كما أن عليا رضي الله‬
‫عنه لم ينل عائشة – رضي الله عنها‪ -‬بأدنى كلمة يفهم منها أنه‬
‫عّرض بأخلقها‪ ،‬أو تناولها بسوء)‪ ,(9‬بل كان رأيه خيًرا لها‪ ،‬فهو يقول‬
‫إن أردت أن ترتاح من المشكلة فإن غيرها كثير‪ ،‬وإن أردت الوصول‬
‫للحقيقة‪ ،‬فاسأل الجارية توصلك إليها‪ ،‬وهي براءة عائشة‪ ،‬ثم بعد‬
‫ذلك خطب رسول الله الناس وبين براءة عائشة‪ ،‬وخطورة من‬
‫ما وزوًرا‪ ،‬وقد بدت نصيحة على وأسامة بن‬
‫يخوض في عرضه ظل ً‬
‫‪(10‬الله عنها‪ ،‬فقد ازداد‬
‫رضي‬
‫عائشة‬
‫صالح‬
‫زيد مًعا إيجابيتين‪ ،‬وفي‬
‫النبي × قناعة بما علم من خير في أهله) ‪.‬‬
‫وعلى القارئ الكريم أن يحذر من الروايات الباطلة ساقطة العتبار‬
‫‪1‬‬

‫)(‬
‫‪2‬‬
‫)(‬
‫‪3‬‬
‫)(‬
‫‪4‬‬
‫)(‬
‫‪5‬‬
‫)(‬
‫‪6‬‬
‫)(‬
‫‪7‬‬
‫)(‬
‫‪8‬‬
‫)(‬
‫‪9‬‬
‫)(‬
‫‪10‬‬
‫)(‬

‫البخاري رقم ‪.4750‬‬
‫أغمصه‪ :‬أي أعيبها به وأطعن بها عليه‪.‬‬
‫الداجن‪ :‬هى الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم‪.‬‬
‫فاستعذر‪ :‬أي قال‪ :‬من يقوم بعذري إن عاقبته على سوء صنيعه‪.‬‬
‫هو صفوان بن المعطل السلمى‪.‬‬
‫البخاري رقم ‪.4750‬‬
‫دور المرأة السياسي أسماء محمد زيادة‪ :‬ص)‪.(462‬‬
‫صحيح مسلم بشرح النووي )‪.(5/634‬‬
‫دور المرأة السياسي‪ :‬ص)‪.(462‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(463‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪81‬‬

‫التي تزعم بإساءة على إلى عائشة في أمر الفك‪ ،‬والتي بنى عليها‬
‫بعض الباحثين بأن ذلك جعل عائشة تغضب من على رضي الله عنه‬
‫را‪(ً 1‬بقتل عثمان‪ ،‬وتخرج عليه مؤلبة عليه العداد‬
‫زو‬
‫وتحقد عليه وتتهمه‬
‫)‬
‫إبراهيم حسن‬
‫على‬
‫الباحثين‪،‬‬
‫هؤلء‬
‫أمثال‬
‫ومن‬
‫‪,‬‬
‫المسلمين‬
‫الهائلة من‬
‫في التاريخ السلمي العام‪ ،‬وطه حسين في كتابه‪ :‬على وبنوه)‪,(2‬‬
‫وغيرهم‪ ،‬سوف نتحدث عن العلقة المتينة بين أم المؤمنين عائشة‬
‫وعلى – بإذن الله – عند حديثنا عن موقعة الجمل‪ ،‬لقد كانت قصة الفك‬
‫حلقة من سلسلة فنون اليذاء والمحن التي لقيها رسول الله × من‬
‫أعداء الدين‪ ،‬وكان من لطف الله تعالى بنبيه وبالمؤمنين أن كشف الله‬
‫زيفها وبطلنها‪ ،‬وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من‬
‫هذه الفرية‪ ،‬وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في‬
‫الدروس لتكون عبرة‬
‫حياتهم مثل هذه الفرية‪ ،‬فقد انقطع الوحي‪ ،‬وبقيت‬
‫وعظة للجيال إلى أن يرث الله الرض ومن عليها)‪,(3‬وقد تحدثت في‬
‫أحداث« عن الدروس والعبر‬
‫كتابي »السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل‬
‫والداب والحكام التي تؤخذ من حادثة الفك)‪.(4‬‬
‫المبحث السادس‬
‫أهم أعمال علي رضي الله عنه‬
‫ما بين الحزاب إلى وفاة النبي ×‬
‫أو ًَ‬
‫ل‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة الحزاب‪:‬‬
‫كان موقف أمير المؤمنين على رضي الله عنه في الحزاب‬
‫بطولّيا رائًعا ينم عن مدى رسوخ العقيدة في قلوب أصحاب النبي‬
‫×‪ ،‬والدعوة إليها‪ ،‬والموت في سبيلها‪ ،‬والبراءة ممن خالفها‪ ،‬قال‬
‫ابن إسحاق‪ :‬وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين بعد‬
‫أن اقتحمت خيل المشركين ثغرة في الخندق حتى أخذوا عليهم‬
‫الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم‪ ،‬وأقبلتن الفرسان تعدو نحوهم‪،‬‬
‫وكان ُ عمرو بن عبد وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح‪ ،‬فلم يشهد‬
‫ما ُليَرى مكانه فلما وقف‬
‫يوم أحد‪ ،‬فلما كان يوم الخندق خرج معل ً‬
‫هو وخيله قال‪ :‬من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب فقال له‪ :‬يا‬
‫عمرو‪ ،‬إنك قد كنت عاهدت الله أل يدعوك رجل من قريش إلى أحد‬
‫خلتين إل أخذتها منه‪ ،‬قال له‪ :‬أجل‪ ،‬قال له على‪ :‬فإني أدعوك إلى‬
‫الله وإلى رسوله وإلى السلم‪ ،‬قال‪ :‬ل حاجة لي بذلك‪ ،‬قال‪ :‬فإني‬
‫م يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن‬
‫أدعوك إلى الّنزل‪ ،‬فقال له‪ :‬ل ِ َ‬
‫أقتلك‪ ،‬قال له على‪ :‬لكني والله أحب أن أقتلك‪ ،‬فحمى عمرو عند‬
‫ى‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬فاقتحم عن فرسه‪ ،‬فعقرها‪ ،‬وضرب وجهه‪ ،‬ثم أقبل على عل ّ‬
‫فتنازل وتجاول فقتله على رضي)‪(5‬الله عنه‪ ،‬وخرجت خيلهم منهزمة‪،‬‬
‫حتى اقتحمت من الخندق هاربة ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن كثير ما رواه البيهقي في دلئل النبوة من أشعار‬
‫قالها عمرو بن عبد ود وعلي رضي الله عنه‪ ،‬فقد قال عمرو لما‬
‫خرج للمبارزة‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫ص ّ‬
‫لبي )‪.(2/926‬‬
‫من أراد التوسع في حادثة الفك فليراجع السيرة النبوية لل ّ‬
‫خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد فقيهي‪ :‬ص )‪.(54‬‬
‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(440‬‬
‫السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث )‪.(255 -243 /2‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/348‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫ت من النداء‬
‫ولقد بح ْ‬
‫ح ُ‬

‫‪82‬‬
‫َلجمعِِهم هل من مبارز؟‬
‫موقف القرن المناجز‬

‫جع‬
‫ن المش ّ‬
‫ووقفت ِإذ َ‬
‫جب ُ َ‬
‫ولذاك إني لم أ ُ‬
‫كن‬

‫عا قبل الَهزاهِْز‬
‫متسر ً‬

‫إن الشجاعة في الفتى‬

‫والجود من خير الغرائ ِْز‬

‫فعندما خرج له على رضي الله عنه‪:‬‬
‫صوت َ‬
‫ك غير عاجز‬
‫ن فقد أتاك‬
‫مجي ُ‬
‫ل ت َعْ َ‬
‫ُ‬
‫ب َ‬
‫جل ّ‬
‫في نية وبصيرة‬

‫جى ك ّ‬
‫ل فائز‬
‫من ْ َ‬
‫والصدق َ‬

‫جو أن أقيم‬
‫إني لر ُ‬

‫عليك نائحة الجنائز‬

‫من ضربة نجلء يبقى‬

‫ذكرها عند الهزائز‬

‫)‪(1‬‬

‫ولما قتل على رضي الله عنه عمرو بن عبد ود ذكروا أنه قال‬
‫من الشعر‪:‬‬
‫ى وعنهم أخروا أصحابي‬
‫ى تفتحم الفوارس هكذا‬
‫عن ّ‬
‫أعل ّ‬
‫اليوم يمنعني الفراَر حفيظتي‬

‫بنابي‬

‫)‪(2‬‬

‫وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو‪ ،‬فقال حسان‬
‫بن ثابت‪:‬‬
‫ك عَ ْ‬
‫لعل ّ َ‬
‫ل‬
‫م لم ت ْ‬
‫فّر وألقى لنا رمحه‬
‫كر ُ‬
‫فع ِ‬
‫ووليت تعدو كعدو ال ّ‬
‫ور عن المعدل‬
‫ظليم‬
‫ما أن يح ّ‬
‫سا‬
‫ولم تلوِ ظهرك مستأن ً‬

‫عل‬
‫كان قفاك قفا فَْر َ‬

‫)‪(3‬‬

‫وبعد مقتل عمرو بن عبد ود بعث المشركون إلى رسول الله ×‬
‫يشترون جيفته بعشرة آلف‪ ،‬فقال‪ :‬ادفعوا إليهم جيفتهم‪ ،‬فإنه خبيث‬
‫الجيفة‪ ،‬خبيث الدية‪ ،‬فلم يقبل منهم شيًئا‪.‬‬
‫وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فالحلل حلل والحرام حرام‪ ،‬إنها مقاييس السلم في الحلل‬
‫والحرام‪ ،‬فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد‬
‫المبررات لكل الربا وما شابهه؟ )‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نجلء‪ :‬واسعة‪ ،‬الهزائز‪ :‬الحروب الشدائد‪.‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(4/106‬‬
‫الفرعل‪ :‬صغار الضباع‪.‬‬
‫معين السيرة للشامي‪ :‬ص)‪.(94‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪83‬‬

‫ثانًيا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة بنى قريظة‪:‬‬
‫وكان فيها رضي الله عنه حامل راية رسول الله × في‬
‫المقدمة)‪ ,(1‬إلى أن حكم فيها سعد ابن معاذ‪ ،‬وكان في بادئ المر‬
‫ى بن أبى طالب صاح‬
‫لم ينزلوا على حكمه‪ ،‬قال ابن هشام‪ :‬إن عل ّ‬
‫وهم محاصرو بنى قريظة‪ :‬يا كتيبة اليمان‪ ،‬وتقدم هو والزبير بن‬
‫العوام‪ ،‬وقال‪ :‬والله لذوقن ما ذاق حمزة‪ ،‬أو لقتحمن حصونهم‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ)‪ ،(2‬وهكذا أنزل الله‬
‫تعالى الرعب والخوف في قلوب أعداء العقيدة والدين‪ ،‬على لسان‬
‫ذاك التقى النقي لما آتاه الله من حب الستبسال والموت في سبيل‬
‫عزة دين الله تعالى‪ ،‬وقد نادى كتيبته بأحب السماء التي ينادي بها‬
‫الله تعالى عباده أل وهو نداء اليمان الذي يتجلى فيه صدق العتقاد‪،‬‬
‫وصلح العمل‪ ،‬وحب الجهاد في سبيله تعالى)‪.(3‬‬
‫عنه‪(4‬أن تقتل مقاتلتهم‪ ،‬وأن‬
‫ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله‬
‫)‬
‫الذين‬
‫من‬
‫فكان‬
‫‪,‬‬
‫الموال‬
‫تسبى النساء والذرية‪ ،‬وأن تقسم‬
‫يباشرون القتل على بن أبى طالب والزبير رضي الله عنهما)‪.(5‬‬

‫ثالًثا‪ :‬علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة‬
‫الرضوان‪:‬‬
‫في غزوة الحديبية وقبل الصلح‪ ،‬خرج بعض العبيد )الرقاء( من‬
‫مكة إلى رسول الله ×‪ ،‬فكتب إليه مواليهم بإرجاعهم‪ ،‬فرفض‬
‫رسول الله × أن يرجعهم وقال‪» :‬يا معشر قريش لتنتهن أو‬
‫ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين‪،‬‬
‫قد امتحن الله قلبه على اليمان«‪ ،‬فسأله الصحابة بتلهف‪ :‬من‬
‫هو يا رسول الله؟ وكلهم يرجو أن يفوز هو بهذه الشهادة العظيمة‬
‫الله ×‪ ،‬فقال ×‪ :‬هو خاصف النعل‪ ،‬وكان قد أعطى‬
‫من رسول‬
‫علًيا بخصفها)‪ ,(6‬وّلما َتم الصلح بين المسلمين ومشركي قريش‪،‬‬
‫كتب على كتاًبا بينهم قال‪ :‬فكتب‪ :‬محمد رسول الله‪ ،‬فقال‬
‫المشركون‪ :‬ل تكتب محمد رسول الله‪ ،‬لو كنت رسول الله لم‬
‫نقاتلك‪ .‬فقال لعلي‪ :‬امحه قال‪ :‬ما أنا بالذي أمحوه‪ ،‬فمحاه رسول‬
‫على‪(8‬أن يدخل هو وأصحابه ثلثة أيام‪ ،‬ول‬
‫فصالحهم‬
‫الله × بيده‬
‫)‬
‫)‪(7‬‬
‫عن‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫على‬
‫امتنع‬
‫وقد‬
‫‪,‬‬
‫السلح‬
‫بان‬
‫بجل‬
‫يدخلها إل‬
‫ّ‬
‫محو كلمة )رسول الله( بدافع محبته لرسول الله × وتعظيمه)‪.(9‬‬
‫وقد طعن الروافض الغلة في موقف الصحابة وعمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنهم في الحديبية‪ ،‬وذكروا من مراجعة عمر للنبي × في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/258‬‬
‫)( البخاري رقم ‪ ،1421‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(263 /3‬‬
‫)( الخليفتان عثمان وعلى بين السنة والشيعة‪ ،‬أنور عيسى‪ :‬ص)‪.(78‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(3/263‬البخاري رقم ‪.4121‬‬
‫)( إمتاع السماع للمقريزي )‪.(1/247‬‬
‫)( مرويات غزوة الحديبية‪ ،‬حافظ الحكمي‪ :‬ص )‪ ،(183‬والحديث صحيح بمجموع‬
‫طرقه‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد على ناصر‪ :‬ص)‪.(30‬‬
‫)( الجلّبان‪ :‬شبه جراب من الدم يوضع فيه السيف المغمور‪.‬‬
‫)( مسلم )‪ ،(3/1409‬خصائص على للنسائي‪ ،‬تحقيق أحمد البلوشي‪ :‬ص )‬
‫‪.(203‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(274 -262‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪84‬‬

‫أمر الصلح‪ ،‬وكذلك تأخر الصحابة في بداية المر عن النحر والحلق‬
‫حتى نحر رسول الله× وحلق‪ ،‬ول مطعن في شيء من هذا في‬
‫أصحاب رسول الله × ل عمر ول غيره من الصحابة الذين شهدوا‬
‫الحديبية‪ ،‬وبيان ذلك أن الرسول × كان قد رأى في المنام أنه دخل‬
‫مكة وطاف بالبيت‪ ،‬فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة‪ ،‬فلما ساروا‬
‫معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا‬
‫عامهم‪(1‬هذا‪ ،‬ثم يعودوا‬
‫العام‪ ،‬فلما وقع أمر الصلح‪ ،‬وفيه أن يرجعوا‬
‫العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله ×) ‪ ,‬فجعل عمر‪-‬‬
‫رضي الله عنه – على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه‬
‫يسأل رسول× ويراجعه في المر‪ ،‬ولم تكن أسئلته التي سألها‬
‫رسول الله لشك في صدق الرسول ×‪ ،‬أو اعتراض عليه‪ ،‬لكن كان‬
‫مستفصل ً عما كان متقرًرا لديه‪ ،‬من إنهم سيدخلون مكة ويطوفون‬
‫بالبيت‪ ،‬وأراد بذلك أن يحفز رسول الله × على دخول مكة‪ ،‬وعدم‬
‫إلى‪(2‬المدينة‪ ،‬لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام‬
‫الرجوع‬
‫للمشركين) ‪.‬‬
‫قال النووي‪:‬قال العلماء‪ :‬لم يكن سؤال عمر – رضي الله عنه –‬
‫وكلمه المذكور ش ً‬
‫كا بل طلًبا لكشف ما خفي عليه‪ ،‬وحًثا على إذلل‬
‫عرف( من خلقه‪ -‬رضي الله عنه – وقوته‬
‫كما‬
‫السلم‪،‬‬
‫الكفار وظهور‬
‫في نصر الدين وإذلل المبطلين)‪ , 3‬فعمر – رضي الله عنه – كان في‬
‫دا حمله على هذا شدته في الحق‪ ،‬وقوته في نصرة الدين‪،‬‬
‫هذا مجته ً‬
‫والغيرة عليه‪ ،‬مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله × من‬
‫المشورة وإبداء الرأي امتثال ً لمر الله تعالى‪َ + :‬‬
‫م‬
‫ف َ‬
‫فا ْ‬
‫ع ُ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ر" ]آل عمران‪ ،[159 :‬وقد كان‬
‫ست َ ْ‬
‫م ِ‬
‫وْر ُ‬
‫غ ِ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫في ال ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫شا ِ‬
‫كثيًرا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم‪ ،‬كما استشارهم يوم بدر في‬
‫الذهاب إلى العير‪ ،‬وأخذ بمشورتهم‪ ،‬وشاورهم يوم أحد في أن يقعد‬
‫في المدينة‪ ،‬أو يخرج للعدو‪ ،‬فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج‬
‫إليهم‪ ،‬وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الحزاب بثلث ثمار‬
‫المدينة عامئذ فأبى عليه السعدان )سعد بن معاذ‪ ،‬وسعد بن عبادة(‬
‫فترك ذلك‪ ،‬وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين‪،‬‬
‫فقال‪(4‬أبو بكر‪ :‬إنا لم نجئ لقتال‪ ،‬وإنما جئنا معتمرين‪ ،‬فأجابه إلى ما‬
‫قال) ‪ .‬وفي حوادث كثيرة يطول ذكرها‪ ،‬فقد كان عمر‪ -‬رضي الله‬
‫عنه‪ -‬يطمع أن يأخذ رسول الله × برأيه في مناجزة قريش وقتالهم‪،‬‬
‫ولهذا راجعه في ذلك‪ ،‬وراجع أبا بكر‪ ،‬فلما رأى اتفاقهما أمسك عن‬
‫وترك رأيه‪ ،‬فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته‬
‫ذلك‬
‫وصدقه)‪.(5‬‬
‫أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله ×‬
‫وحلق‪ ،‬فليس معصية لمر رسول الله ×‪ ،‬وقد ذكر العلماء له عدة‬
‫توجيهات‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬قيل‪ :‬كأنهم توقفوا لحتمال أن يكون المر‬
‫بذلك للندب‪ ،‬أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور‪ ،‬أو‬
‫تخصيصه بالذن بدخولهم مكة ذلك العام لتمام نسكهم‪ ،‬وسوغ لهم‬
‫ذلك لنه كان زمان وقوع النسخ‪ ،‬ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال‬
‫فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم‪ ،‬مع ظهور‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البداية والنهاية )‪ ،(4/170‬تاريخ الطبري )‪.(2/635‬‬
‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(264‬‬
‫شرح صحيح مسلم )‪.(12/141‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪ (1/420‬عند تفسير قوله‪» :‬وشاورهم في المر«‪.‬‬
‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(226‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪85‬‬

‫قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم‪ ،‬وقضاء نسكهم‬
‫بالقهر والغلبة‪ ،‬أو أخروا المتثال لعتقادهم أن المر المطلق ل‬
‫يقتضي الفور‪ ،‬ويحتمل مجموع هذه المور لمجموعهم)‪ ,(1‬وجاء في‬
‫بعض الروايات أن الرسول × لما رأى عدم امتثالهم دخل على أم‬
‫سلمة فذكر لها ذلك فقالت‪ :‬يا رسول الله ل تكلمهم فإنهم دخلهم‬
‫أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح‬
‫ورجوعهم بغير فتح)‪ ,(2‬فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري‪ :‬أن‬
‫دا منهم كلمة حتى تنحر بدنك‪ ،‬وتدعو حالقك‬
‫أخرج ثم ل تكلم أح ً‬
‫فعل ذلك‪ ،‬نحر بدنه‪ ،‬ودعا‬
‫حتى‬
‫منهم‬
‫دا‬
‫أح‬
‫يكلم‬
‫فيحلقك‪ ،‬فخرج لم‬
‫ً‬
‫حالقه فحلقه‪ ،‬فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا)‪ ,(3‬قال ابن حجر‪ :‬ويحتمل‬
‫أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي × أمرهم‬
‫ذا بالرخصة في حقهم‪ ،‬وأنه يستمر على الحرام أخ ً‬
‫بالتحلل أخ ً‬
‫ذا‬
‫بالعزيمة في حق نفسه‪ ،‬فأشارت عليه أن يتحلل لينتفى عنهم هذا‬
‫الحتمال‪ ،‬وعرف النبي × صواب ما أشارت به ففعله‪..‬ونظير هذا ما‬
‫وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان‪ ،‬فلما‬
‫استمروا( على المتناع‪ ،‬تناول القدح فشرب‪ ،‬فلما رأوه شرب‬
‫شربوا)‪. 4‬‬
‫وهذا الوجه حسن‪ ،‬وهو اللئق بمقام أصحاب النبي ×‪ ،‬فلما‬
‫أمرهم النبي × بالتحلل ولم يفعل‪ ،‬ظنوا أن الذي حمله على هذا هو‬
‫الشفقة عليهم‪ ،‬كما كانت سيرته معهم‪ ،‬فكأنهم – رضي الله عنهم –‬
‫آثروا التأسى به على ما رخص لهم فيه من التحلل‪ ،‬ثم لما رأوه قد‬
‫تحلل أيقنوا أن هذا هو الفضل في حقهم‪ ،‬فبادروا إليه‪ ،‬وهذا مثل ما‬
‫حصل منهم في الحج مع النبي × لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا‬
‫أمرهم أن يحلوا‪ ،‬وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة‪ ،‬فكبر ذلك‬
‫عليهم لتعظيمهم لنسكهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر‬
‫من المنى‪ ،‬فلما علم بذلك الرسول × وكان لم يتحلل‪ ،‬قال لهم‪:‬‬
‫»أيها الناس أحلوا فلول الهدى الذي معي فعلت كما‬
‫«قال جابر‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬راوى الحديث‪ :‬فحللنا وسمعنا‬
‫فعلتم‬
‫)‪(5‬‬
‫× على الخير‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫أصحاب‬
‫حرص‬
‫من‬
‫كله‬
‫وهذا‬
‫‪,‬‬
‫وأطعنا‬
‫والرغبة في التأسى برسول الله × التأسى الكامل)‪.(6‬‬
‫إن موقف النبي × في سكوته على عمر رضي الله عنه عندما‬
‫عارضه على الصلح يعطي قيمة كبرى بأنه على القيادات السلمية‬
‫من حكام وعلماء ودعاة أن يتحلوا بسعة الصدر وحسن الستماع‬
‫للرأي الخر‪ .‬وإعطاء المجال لكل ذي رأي أن يعبر عن رأيه بما‬
‫يخدم المصلحة العامة‪ ،‬ل أن يفتح السجون ويكمم الفواه‪ .‬إن النبي‬
‫× في صلح الحديبية بين أن حرية إبداء الرأي مكفولة في المجتمع‬
‫السلمي‪ ،‬وأن للفرد في المجتمع المسلم الحرية في التعبير عن‬
‫دا لموقف حاكم من الحكام أو خليفة من‬
‫رأيه‪ ،‬ولو كان هذا الرأي نق ً‬
‫الخلفاء‪ ،‬فمن حق الفرد المسلم أن يبين وجهة نظره في جو من‬
‫المن دون إرهاب أو تسلط يخنق حرية الكلمة والفكر‪ ،‬وإذا كان هذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك الشروط ‪.2732‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك العتصام رقم ‪.7367‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪ ،(268‬وهذا من أفضل الكتب في الرد على‬
‫بعض شبهات الروافض‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪86‬‬

‫موقف رسول الله × مع عمر‪ ،‬فمعارضة رئيس الدولة – من باب‬
‫أولى – في رأي من الراء وموقف من المواقف ليست بحد ذاتها‬
‫جريمة تستوجب العقاب‪ ،‬ويغيب صاحبها في غياهب السجون)‪ ,(1‬كما‬
‫أن الهدى النبوي الكريم يعلمنا كيف يربي أصحابه من خلل‬
‫الحداث‪ .‬ولقد نال على رضي الله عنه في الحديبية مع من حضر‬
‫من أصحاب رسول الله‪ ،‬رضا الله عز وجل ونزل فيهم قوله تعالى‪:‬‬
‫عون َ َ‬
‫‪ +‬لَ َ‬
‫م ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫ة"‬
‫ه َ‬
‫جَر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قدْ َر ِ‬
‫ش َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ن إ ِذْ ي َُباي ِ ُ‬
‫ح َ‬
‫مِني َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ض َ‬
‫ع ِ‬
‫وقال رسول الله ×‪» :‬لن يدخل أحد النار بايع تحت‬
‫‪،‬‬
‫]الفتح‪[18:‬‬
‫الشجرة«)‪ ,(2‬وقد نال على رضي الله عنه وإخوانه مثل أبى بكر‬
‫ما وشرًفا عالًيا‪ ،‬فقد قال‬
‫ما عظي ً‬
‫وعمر وغيرهما من قبل في بدر وسا ً‬
‫اطلع على أهل‬
‫الله‬
‫لعل‬
‫يدريك‬
‫رسول الله في أهل بدر‪» :‬وما‬
‫بدر فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم«)‪.(3‬‬
‫رابًعا‪ :‬عمرة القضاء ‪7‬هـ وعلى رضي الله عنه‪ ،‬وحضانة ابنة‬
‫حمزة رضي الله عنهما‪:‬‬
‫ما‪ ،‬فعادت‬
‫لقد تغيرت النفوس والعقول بتأثير السلم تغيًرا عظي ً‬
‫البنت‪ -‬التي كان يتعير بها أشراف العرب‪ ،‬وجرت عادة وأدها في‬
‫دا في البنات – حبيبة يتنافس في‬
‫بعض القبائل فراًرا من العار‪ ،‬وزه ً‬
‫المسلمون‪ ،‬وكانوا سواسية‪ ،‬ول يرجح بعضهم على بعض إل‬
‫تربيتها‬
‫بفضل أو حق)‪ ,(4‬فلما أراد النبي × الخروج من مكة‪ ،‬تبعته ابنة‬
‫حمزة تنادي‪ :‬يا عم‪ ،‬فتناولها على‪ ،‬فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي‬
‫الله عنها‪ :‬دونك ابنة عمك‪ ،‬فاختصم فيها على وزيد وجعفر‪ .‬قال‬
‫على‪ :‬أنا أخذتها وهي بنت عمي‪ ،‬وقال جعفر‪ :‬هى ابنة عمي وخالتها‬
‫تحتي‪ ،‬وقال زيد‪ :‬ابنة أخي‪ ،‬فقضي بها النبي × لخالتها وقال‪ :‬الخالة‬
‫بمنزلة الم‪ ،‬وقال لعلي‪ :‬أنت مني وأنا منك‪ ،‬وقال لجعفر‪:‬‬
‫أشبهت خلقي وخلقى‪ ،‬وقال لزيد‪ :‬أنت أخونا ومولنا‪،‬وقال‬
‫لرسول الله ×‪ :‬أل تتزوج بنت حمزة‪ .‬قال‪ :‬إنها ابنة أخي من‬
‫على‬
‫الرضاعة)‪.(5‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر وأحكام وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬الخالة بمنزلة الم‪.‬‬
‫‪ -2‬الخالة تقدم على غيرها في الحضانة إذا لم يوجد البوان‪.‬‬
‫‪ -3‬تزكية رسول الله × لجعفر بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫ووصفه له بقوله‪ :‬أشبهت خلقي وخلقي‪.‬‬
‫‪ -4‬منقبة زيد بن حارثة‪ :‬يقول له الرسول‪ :‬أنت أخونا ومولنا‪،‬‬
‫خا لحمزة بن عبد المطلب‪ ،‬فقد آخي الرسول × بينهما‪،‬‬
‫لنه كان أ ً‬
‫وهو باجتهاده يريد أن يكون عليه ما على الخ الشقيق من واجبات‪،‬‬
‫والواجب أن يكون ولًيا على بنت حمزة رضي الله عنه‪.‬‬
‫‪ -5‬زواج المرأة ل يسقط حقها في الحضانة‪ :‬لقد حكم النبي ×‬
‫إلى زوجة جعفر بالحضانة وعمتها صفية بنت عبد المطلب حية‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫غزوة الحديبية لبى فارس‪ :‬ص )‪.(135 ،134‬‬
‫البخاري رقم ‪ ،4840‬مسلم ‪.1856‬‬
‫البخاري رقم ‪ ،3983‬مسلم ‪.2494‬‬
‫السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص )‪.(321‬‬
‫البخاري رقم ‪.4251‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪87‬‬

‫موجودة‪.‬‬
‫‪ -6‬لبد من موافقة الزوج على حضانة زوجته لبنة أختها‪ ،‬لن‬
‫الزوجة محتبسة لمصلحته ومنفعته‪ ،‬والحضانة قد تفوت هذه‬
‫المصلحة جزئًيا‪ ،‬فلبد من استئذانه‪ ،‬ونلحظ هنا أن جعفر بن أبى‬
‫طالب قد طالب بحضانة بنت عمه حمزة لخالتها وهى زوجة له‪ ،‬فدل‬
‫على رضاه بذلك‪.‬‬
‫خا له في الرضاعة‪،‬‬
‫‪ -7‬إن الطفل إذا رضع مع عمه يصبح أ ً‬
‫وتصبح بناته كلهن بنات أخيه من الرضاعة‪ ،‬فيحرم عليه نكاحهن)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة خيبر ‪7‬هـ‪:‬‬
‫خام ً‬
‫)‪(2‬‬
‫أنها كانت في المحرم من السنة السابعة‬
‫ذكر ابن إسحاق ‪,‬‬
‫)‪(3‬‬
‫السنة‬
‫من‬
‫الول‬
‫ربيع‬
‫أو‬
‫صفر‬
‫في‬
‫كانت‬
‫أنها‬
‫الواقدى‬
‫للهجرة‪ ،‬وذكر‬
‫)‪(4‬‬
‫السابعة للهجرة‪ ،‬بعد العودة من غزوة الحديبية‪ ،‬وذهب ابن سعد‬
‫الزهري ومالك‪:‬‬
‫إلى أنها في جمادى الولى سنة سبع‪ ،‬وقال المامان‬
‫السادسة)‪ (5‬وقد رجح ابن حجر)‪ (6‬قول ابن‬
‫إنها في محرم من السنة‬
‫إسحاق على قول الواقدى)‪ ,(7‬وفي هذه الغزوة تجلت بطولة أمير‬
‫المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬ومكانته عند الله وعند رسوله‪ ،‬وما‬
‫قدر الله من فتح هذه المستعمرة اليهودية‪(8)،‬ذات الهمية العسكرية‬
‫الستراتيجية على يده في مظهر جلى رائع ‪ ,‬فقد كانت خيبر‬
‫عا حصينة‪ ،‬وقاعدة حربية لليهود‪ ،‬آخر‬
‫مستعمرة يهودية تتضمن قل ً‬
‫معقل من معاقلهم في جزيرة العرب‪ ،‬وكانوا يتربصون بالمسلمين‬
‫الدوائر‪ ،‬ويتآمرون مع يهود المدينة وخارجها لغزو المدينة‪ ،‬فأراد‬
‫رسول الله × أن يستريح منهم‪ ،‬ويأمن من جهتهم‪ ،‬وكانت في‬
‫الشمال الشرقي للمدينة على بعد سبعين ميل ً منها)‪ ,(9‬توجه رسول‬
‫فا وأربعمائة‪ ،‬ونازل حصون خيبر‪،‬‬
‫الله × بجيشه إلى خيبر‪ ،‬وكانوا أل ً‬
‫واستعصى حصن القموص على المسلمين‪،‬‬
‫وبدأ يفتحها حصًنا حصًنا‪،‬‬
‫دا)‪ ,(10‬فقال رسول الله ×‪» :‬لعطين‬
‫وكان على بن أبى طالب رم ً‬
‫دا رجل ً يفتح الله على يديه‪ ،‬يحب الله‬
‫هذه الراية غ ً‬
‫)‪(11‬‬
‫ورسوله ويحبه الله ورسوله«‪ ،‬فبات الناس يدوكون ليلتهم‬
‫أيهم ُيعطاها؟ فلما أصبح الناس‪ ،‬غدوا على رسول الله × كلهم‬
‫ى بن أبى طالب؟ فقيل‪ :‬هو يا‬
‫يرجون أن يعطاها‪ ،‬فقال‪ :‬أين عل ّ‬
‫رسول الله يشتكي عينيه‪ .‬قال‪ :‬فأرسلوا إليه‪ ،‬فأتى به‪ ،‬فبصق‬
‫رسول الله في عينيه‪ ،‬ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع‪،‬‬
‫فأعطاه الراية‪ ،‬فقال على‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( زاد المعاد )‪ ،(375 ،2/374‬صلح الحديبية لبى فارس‪ :‬ص )‪.(287 ،286‬‬
‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/455‬‬
‫‪3‬‬
‫)( المغازى )‪.(2/634‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الطبقات )‪.(2/106‬‬
‫‪5‬‬
‫)( تاريخ دمشق )‪.(1/33‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الفتح )‪ (16/41‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(500‬‬
‫‪7‬‬
‫)( السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(500‬‬
‫‪8‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(52‬‬
‫‪9‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪.(52) :‬‬
‫‪10‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(53‬‬
‫‪11‬‬
‫)(أي‪ :‬بات الناس في اختلط واختلف‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪88‬‬

‫فقال‪» :‬انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم‪ ،‬ثم ادعهم‬
‫إلى السلم‪ ،‬وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه‪،‬‬
‫دا خير لك من أن يكون‬
‫فوالله لن يهدي الله بك رجل ً واح ً‬
‫عم«)‪ (1‬فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر‪ ،‬وكان من‬
‫مر الن ّ َ‬
‫لك ُ‬
‫ح ْ‬
‫صور بطولته فيها أن خرج له مرحب ملكهم‬
‫وهو يقول‪:‬‬
‫مجرب‬
‫قد علمت خيبر أني مرحب‬
‫شاكي السلح بطل ُ‬
‫ب‬
‫إذا الحروب أقبلت ت َل َهّ ُ‬

‫فقال على‪:‬‬
‫كليث غابات كريه المنظرة‬
‫أنا الذي سمتني أمي حيدرة‬
‫ُأوفيهم بالصاع كيل السندرة‬
‫فضرب رأس مرحب فقتله‪ ،‬ثم كان الفتح على يديه)‪.(2‬‬
‫وفي موقف على في غزوة خيبر دروس وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬فضيلة عظيمة ومنقبة ظاهرة لمير المؤمنين على رضي الله‬
‫عنه‪:‬حيث شهد له النبي × بالمحبة في قوله‪» :‬يحب الله ورسوله‬
‫ويحبه الله ورسوله« وقال ابن حجر في معنى أن علًيا يحب الله‬
‫ورسوله أراد بذلك وجوب المحبة‪ ،‬وإل فكل مسلم يشترك مع على‬
‫في مطلق هذه الصفة‪ .‬وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م تُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫عوِني ي ُ ْ‬
‫فات ّب ِ ُ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫إلى‬
‫أشار‬
‫فكأنه‬
‫[‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫عمران‪:‬‬
‫]آل‬
‫"‬
‫م‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫فو‬
‫غ‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ٌ ّ ِ ٌ‬
‫ُ‬
‫ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫أن علًيا تام التباع لرسول الله × حتى اتصف بصفة محبة الله له)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬بركة دعائه ×‪ :‬حيث استجاب الله لدعاء رسوله × وقد قال‬
‫ت منذ تفل النبي× في عيني)‪ ,(4‬كما أن‬
‫على رضي الله عنه‪ :‬ما َر ِ‬
‫مد ْ ُ‬
‫علًيا رضي الله عنه مرض مرة‪ ،‬فأتاه النبي × وهو يقول‪ :‬اللهم إن‬
‫كان أجلي قد حضر فأرحني‪ ،‬وإن كان متأخًرا فارفعني‪ ،‬وإن كان‬
‫البلء فصبرني‪ ،‬فقال له رسول الله ×‪ :‬ما قلت؟ فأعاد عليه‪ ،‬فقال‬
‫اللهم عافه«‪ ،‬ثم قال‪ :‬قم‪.‬‬
‫رسول الله ×‪» :‬اللهم اشفه‪،‬‬
‫فقمت‪ ،‬فما عاد لي ذلك الوجع بعده)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬ل علقة بين هذا الحديث وإمامة علي رضي الله عنه‪:‬ذهب‬
‫الروافض إلى أن علًيا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي ×‪،‬‬
‫واستدلوا بمجموعة من الحاديث تدل على فضله ول تدل على‬
‫إمامته‪ ،‬منها هذا الحديث وزادوا فيه زيادات باطلة ل تصح عند علماء‬
‫الحديث‪ ،‬كما أنه ل ملزمة بين كونه محًبا لله ورسوله ومحبوًبا لهما‬
‫ما بل فضل أص ً‬
‫ل‪ .‬على أنه ل يلزم من إثباتهما له‬
‫وبين كونه إما ً‬
‫نفيهما عن غيره‪ ،‬كيف وقد قال الله تعالى في حق أبى بكر ورفقائه‪:‬‬
‫ن‬
‫وي ُ ِ‬
‫‪+‬ي ُ ِ‬
‫ه" ]المائدة‪ ،[54:‬وقال في حق أهل بدر‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫حب ّ ُ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مسلم رقم ‪.2406‬‬
‫مسلم )‪ (3/1441‬رقم ‪.1807‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/72‬‬
‫مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪589‬إسناده حسن‪.‬‬
‫مسند أحمد )‪ (2/151‬صححه أحمد شاكر‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪89‬‬

‫َ‬
‫ص ّ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫سِبيل ِ ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫م ب ُن َْيا ٌ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫ح ّ‬
‫فا ك َأن ّ ُ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫الل َ‬
‫ه َ‬
‫ص" ]الصف‪ ،[4:‬ول شك أن من يحبه الله يحبه رسوله‪ ،‬ومن‬
‫صو‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫مْر ُ‬
‫يحب الله من المؤمنين يحب َرسوله‪ ،‬وقال في شأن أهل مسجد‬
‫جا ٌ‬
‫ب‬
‫ه يُ ِ‬
‫ل يّ ِ‬
‫قباء‪ِ + :‬‬
‫في ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ح ّ‬
‫ر َ‬
‫ن أن ي َت َطَ ّ‬
‫والل ُ‬
‫هُروا َ‬
‫ه ِ‬
‫من أحب الناس إليك؟ قال‪:‬‬
‫سئل‪:‬‬
‫[‪.‬ولما‬
‫‪108‬‬
‫]التوبة‪:‬‬
‫"‬
‫ن‬
‫ري‬
‫َ‬
‫مطّ ّ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫عائشة‪ .‬قيل‪ :‬ومن الرجال؟ قال‪ :‬أبوها ‪.‬وإنما نص على المحبة‬
‫غيره لنكتة دقيقة تحصل‬
‫والمحبوبية في حق على مع وجودهما في‬
‫من ضمن قوله‪» :‬يفتتح الله على يديه«)‪ .(2‬وهي أنه لو ذكر‬
‫مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد في‬
‫قوله×‪» :‬إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر«‪ .‬فأزال ذلك‬
‫التوهم بإثبات هاتين الصفتين له‪ ،‬فصار المقصود من تخصيص‬
‫مضمون »يفتح الله على يديه« وما ذكر من الصفات لزالة ذلك‬
‫الوهم)‪.(3‬‬
‫ى في فتح‬
‫‪ -4‬وهناك مجموعة من الفوائد من حديث فضل عل ّ‬
‫خيبر منها‪:‬‬
‫ فضل الصحابة في انشغالهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة‬‫الفتح‪ ،‬لنهم انشغلوا عنها بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله‪،‬‬
‫ويحبه الله ورسوله‪ ،‬واليمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها‬
‫ن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين كلهم‬
‫ومنعها عمن سعى‪ ،‬ل ّ‬
‫يرجون أن ُيعطاها ولم يعطوها‪ ،‬وعلى بن أبى طالب مريض‪ ،‬ولم‬
‫يسع لها‪ ،‬ومع ذلك أعطى الراية‪.‬‬
‫ الدب في قوله‪ :‬على رسلك‪ ،‬ووجهه أنه أمره بالتمهل وعدم‬‫التسرع‪ ،‬والدعوة إلى السلم قبل القتال‪ ،‬والدعوة بالحكمة‪ ،‬تؤخذ‬
‫من قوله‪ :‬أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه‪،‬‬
‫لن من الحكمة أن تتم الدعوة‪ ،‬وذلك بأن تأمره بالسلم أو ً‬
‫ل‪ ،‬ثم‬
‫تخبره بما يجب عليه من حق الله‪ ،‬ول يكفي أن تأمره بالسلم لنه‬
‫قد يطبق هذا السلم الذي أمرته به‪ ،‬وقد ل يطبقه‪ ،‬بل لبد من‬
‫تعاهده حتى ل يرجع إلى الكفر‪ .‬والمعرفة بحق الله في السلم‬
‫تؤخذ من قوله×‪» :‬وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله‬
‫تعالى فيه«‪.‬‬
‫ ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد‪ ،‬لقوله ×‪» :‬لن يهدى‬‫دا خير لك من حمر النعم« أي‪ :‬خير لك من‬
‫الله بك رجل ً واح ً‬
‫كل ما يستحسن في الدنيا‪ ،‬وليس المعنى كما قال بعضهم‪ :‬خير لك‬
‫من أن تتصدق بنعم حمر‪.‬‬
‫ الحلف على الفتيا لقوله × »فوالله لن يهدى الله‪...‬إلخ فأقسم‬‫يستقسم‪ ،‬والفائدة‪ :‬هى حثه على أن يهدى الله به‬
‫النبي × وهو لم ُ‬
‫ثلثة مواضع من‬
‫وفي‬
‫بالحلف‬
‫رسوله‬
‫الله‬
‫أمر‬
‫والتوكيد عليه‪ .‬وقد‬
‫ك أَ‬
‫ست َن ْب ُِئون َ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫إي‬
‫ل‬
‫ق‬
‫و‬
‫ه‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ي‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫قوله‬
‫في‬
‫القرآن الكريم‪،‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫روا َأن‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ع‬
‫ز‬
‫‪+‬‬
‫قوله‪:‬‬
‫وفي‬
‫[‪،‬‬
‫‪53‬‬
‫]يونس‪:‬‬
‫"‬
‫ق‬
‫ح‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه لَ َ ّ‬
‫وَرّبي إ ِن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ع ُ‬
‫ْ‬
‫ن" ]التغابن‪.[7 :‬وفي قوله تعالى‪:‬‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ل‬
‫بي‬
‫ر‬
‫و‬
‫لى‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ثوا‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّلن ي ُب ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫قا َ‬
‫وَرّبي‬
‫سا َ‬
‫ع ُ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫روا ل َ ت َأِتيَنا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ل ب ََلى َ‬
‫ف ُ‬
‫‪َْ +‬‬
‫سم مصلحة ابتداء‪ ،‬أو جواًبا‬
‫م" ]سبأ‪ ،[3:‬فإذا كان هناك في الَق َ‬
‫ل َت َأت ِي َن ّك ُ ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬فتح الباري )‪.(7/22‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.(2406‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪(70‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪90‬‬

‫لسؤال جاز وربما يكون مطلوًبا)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬علي رضي الله عنه في فتح مكة وغزوة حنين ‪8‬هـ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫نقضت قريش صلحها مع رسول الله × بمساندتها بنى بكر على‬
‫خزاعة حليف المسلمين‪ ،‬ودعمتهم بالخيل والسلح والرجال‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله‪» :‬نصرت يا عمرو بن سالم‪ ،‬ل نصرني الله إن‬
‫من( السماء قال‪» :‬إن‬
‫لم أنصر بنى كعب«ولما عرض السحاب‬
‫هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب«)‪ 2‬وقد جاء عمرو بن‬
‫سالم إلى المدينة وأنشد قصيدة بين يدي رسول الله × جاء فيها‪:‬‬
‫حلف أبينا وأبيه التلدا‬
‫دا‬
‫يا رب إني ناشد محم ً‬
‫دا‬
‫دا‪ ،‬وكنا ول ً‬
‫قد كنتم ول ً‬

‫ُثمت أسلمنا فلم ننزع يدا‬

‫فانصر هداك الله نصًرا أعتدا‬

‫وادع عباد الله ياتوا مددا‬

‫فيهم رسول الله قد تجردا‬

‫إن سيم خسفا وجهه تربدا‬

‫إلى أن قال‪:‬‬
‫دا‬
‫وزعموا أن لست أدعو أح ً‬

‫وهم أذل وأقل عددا‬

‫دا‬
‫هم بيتونا بالوتير هج ً‬

‫وقتلونا ُر ّ‬
‫كعا وسجدا‬

‫وبعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة‬
‫أمده‪ ،‬وعندما وصل إلى المدينة دخل على رسول الله × يعرض‬
‫حاجته‪ ،‬أعرض عنه النبي × ولم يجبه‪ ،‬فاستعان بكبار الصحابة أمثال‬
‫أبى بكر وعمر وعثمان وعلى حتى يتوسطوا بينه وبين رسول الله‬
‫×‪ ،‬فأبوا جميًعا‪ ،‬فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي‬
‫اتفاق أو عهد)‪ ,(3‬وكانت لعلي رضي الله عنه في فتح مكة مواقف‬
‫متعددة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إحباط محاولة تجسس لصالح قريش‪ :‬عن حسن بن محمد‬
‫بن على بن عبيد الله ابن أبى رافع أنه سمع علًيا يقول‪ :‬بعثني‬
‫رسول الله × أنا والزبير والمقداد فقال‪» :‬انطلقوا حتى تأتوا‬
‫ن بها ظعينة معها كتاب فخذوه‬
‫روضة خاخ‪ ،‬فإ ّ‬
‫منها«‪.‬فانطلقنا ت ََعادى بنا خي ُْلنا حتى أتينا الروضة‪ ،‬فإذا نحن‬
‫الكتاب‪ ،‬قالت‪ :‬ما معي من كتاب‪ .‬قلنا‬
‫بالظعينة‪ ،‬قلنا‪ :‬أخرجي‬
‫ن)‪ (4‬الثياب قال‪ :‬فأخرجت الكتاب من‬
‫نلقي‬
‫ن الكتاب أو ل ُ‬
‫ّ‬
‫لُتخرج ّ‬
‫عقاصها‪ ،‬فأخذنا الكتاب‪ ،‬فأتينا به رسول الله ×‪ ،‬فإذا فيه‪ :‬من‬
‫حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة‪ ،‬يخبرهم ببعض‬
‫أمر رسول الله ×‪ ،‬فقال رسول الله‪ :‬يا حاطب ما هذا؟قال‪ :‬ل‬
‫فسها‪،‬‬
‫قا في قريش‪ ،‬ولم أكن من أن ُ‬
‫ص ً‬
‫ى‪ ،‬إني كنت أمرأ ُ‬
‫مل ْ َ‬
‫تعجل عل ّ‬
‫وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫القول المفيد على كتاب التوحيد‪ ،‬لمحمد صالح )‪.(142 ،1/141‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(4/278‬‬
‫التاريخ السياسي والعسكري د‪ .‬على معطي‪ :‬ص)‪.(365‬‬
‫في رواية‪ :‬أو لنقلبن‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪91‬‬

‫دا يحمون بها‬
‫فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أّتخذ فيهم ي ً‬
‫ضا بالكفر‬
‫قرابتي‪ ،‬وما فعلت ذلك كفًرا‪ ،‬ول ارتداًدا عن ديني ول ر ً‬
‫فقال رسول الله‪» :‬إنه قد صدقكم« فقال عمر‪:‬‬
‫بعد السلم‬
‫ُ‬
‫َدعني أضرب عُُنق هذا المنافق‪ .‬فقال‪» :‬إنه قد شهد بدًرا‪ ،‬وما‬
‫ل الله قد ا ّ‬
‫يدريك لع ّ‬
‫ع)‪(1‬إلى أهل بدر فقال‪ :‬اعملوا ما‬
‫طل َ‬
‫شئتم‪ ،‬فقد غفرت لكم« ‪.‬‬
‫جْرنا من أجرت يا أم هانئ‪ :‬قالت أم هانئ بنت أبى طالب –‬
‫‪ -2‬أ َ‬
‫أخت على رضي الله عنهما‪ :-‬لما نزل رسول الله × بأعلي مكة فر‬
‫هبيرة بن أبى‬
‫ى رجلن من أحمائى‪ ،‬من بنى مخزوم‪ ،‬وكانت عند ُ‬
‫إل ّ‬
‫ى على بن أبى طالب أخي‪،‬‬
‫عل‬
‫فدخل‬
‫قالت‪:‬‬
‫المخزومي‪،‬‬
‫وهب‬
‫ّ‬
‫فقال‪ :‬والله لقتلنهما‪ ،‬فأغلقت عليهما باب بيتي‪ ،‬ثم جئت رسول الله‬
‫× وهو بأعلى مكة‪ ،‬فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لثر العجين‪،‬‬
‫وفاطمة ابنته تستره بثوبه‪ ،‬فلما اغتسل أخذ ثوبه‪ ،‬فتوشح به‪ ،‬ثم‬
‫ى فقال‪ :‬مرحًبا‬
‫صلى ًثماني ركعات من الضحى‪ ،‬ثم انصرف إل ّ‬
‫على‪،‬‬
‫وخبر‬
‫الرجلين‬
‫وأهل يا أم هانئ ما جاء بك؟ فأخبرته خبر‬
‫فقال‪ :‬قد أجرنا من أجرت وأ ًّ‬
‫مّنا من أمنت‪ ،‬فل يقتلهما)‪,(2‬‬
‫وبناء على ما تقدم‪ ،‬فإن تأمين المسلم للكافر من أهل الحرب‬
‫م فل يجوز للمسلمين أن يتعرضوا له بشيء‪..‬‬
‫يجعله في أمان‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫وحتى ُيصان حقّ التأمين هذا من أي ضرر يمكن أن يلحق‬
‫م‪ْ(3‬عطي‬
‫بالمسلمين من جّرائه – فقد شرط الفقهاء لصحّته أن يتجّرد َ ُ‬
‫خُلو ذلك المان الممنوح من أّية مفسدة) ‪ ,‬أو‬
‫مة‪ ،‬وي َ ْ‬
‫المان من الّته َ‬
‫يرفع المر إلى ولي المر ليرى رأيه فيه‪.‬‬
‫‪ -3‬مقتل الحويرث بن نقيد بن وهب‪ :‬في هذا الفتح العظيم‪ ،‬كان‬
‫النبي × قد عهد إلى أمرائه أل يقاتلوا إل من قاتلهم‪ ،‬غير أنه أهدر‬
‫ماهم‪ ،‬وإن وجدوا تحت أستار الكعبة‪ ،‬منهم الحويرث بن‬
‫د َ‬
‫م نفر س ّ‬
‫يؤذي النبي × بمكة‪ ،‬ولما تحمل العباس‬
‫ممن‬
‫كان‬
‫وهب‪،‬‬
‫بن‬
‫نقيذ‬
‫هما عليه‬
‫بفاطمة وأم كلثوم‪ ،‬نخس)‪ (4‬بهما الحويرث الجمل الذي‬
‫)‪(5‬‬
‫ى قتله ‪.‬‬
‫فسقطتا على الرض‪ ،‬فلما أهدر دمه وظفر به عل ّ‬
‫‪ -4‬علي رضي الله عنه في مهمة إصلحية‪:‬أرسله الرسول ×‬
‫إلى بنى جذيمة‪ ،‬ليتلفى خطأ خالد بن الوليد في قتل بعضهم‪ ،‬وذلك‬
‫دا في السنة الثامنة للهجرة عقب فتح مكة‪،‬‬
‫أن الرسول × بعث خال ً‬
‫إلى بنى جذيمة يدعوهم إلى السلم فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬صبأنا‪ ،‬فأخذ خالد يقتل منهم ويأسر‪ ..‬فلما بلغ رسول الله ×‬
‫ما صنع خالد‪ ،‬رفع يديه فقال‪ :‬اللهم إني أبرأ إليك مما صنع‪،‬‬
‫مرتين)‪ ,(6‬فبعث الرسول × علًيا إليهم‪ ،‬لينظر في أمرهم وبعث معه‬
‫ى بمهمته خير قيام‪ ،‬فودى قتيلهم وعوضهم عما‬
‫بمال‪ ،‬فقام عل ّ‬
‫أصيب في الدماء والموال حتى أنه ليدي ميلغة)‪ (7‬الكلب‪ ،‬ولما انتهى‬
‫من ذلك كله‪ ،‬سألهم‪ :‬هل بقى لكم بقية من دم أو مال لم يود‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫إسناده صحيح‪ ،‬الموسوعة الحديثية مسند أحمد رقم ‪.600‬‬
‫صحيح السيرة‪ :‬ص )‪.(527‬‬
‫الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(3/1051‬‬
‫نخس الدابة‪ :‬هيجها‪.‬‬
‫فتح الباري )‪ ،(8/11‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(59 ،4/58‬‬
‫البخاري رقم )‪.(4339‬‬
‫ميلغة‪ :‬اسم آلة‪ ،‬والفعل »يلغ« بمعنى يشرب‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪92‬‬

‫إليكم؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال‪،‬‬
‫إحتيا ً‬
‫ولما رجع إلى‬
‫طا لرسول الله × مما ليعلم ول تعلمون‪ ،‬ففعل‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫رسول الله × وأخبره بالخبر قال‪» :‬أصبت وأحسنت« ‪ .‬وبهذه‬
‫ما وحمل ً‬
‫المهمة الجليلة الموفقة‪ ،‬أزال على ‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬ه ّ‬
‫أثقل الرسول ×)‪ ,(2‬وبهذا الهدى النبوي الحكيم)‪(3‬واسى النبي× بنى‬
‫جذيمة‪ ،‬وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن ‪ ,‬وكان قتل خالد‬
‫لبنى جذيمة تأول ً‬
‫منه واجتهاًدا خاطًئا‪ ،‬وذلك بدليل أن الرسول × لم‬
‫يعاقبه على فعله)‪ , (4‬ولم يعزله‪.‬‬
‫‪ -5‬على رضي الله عنه في غزوة حنين‪ :‬من أعماله الجهادية‬
‫التي تتسم بالشجاعة وتدل على الخبرة في القتال ما كان في غزوة‬
‫حنين في العام الثامن من الهجرة‪ ،‬فقد ثبت مع الرسول ×‪ ،‬مع من‬
‫ثبت معه من المهاجرين والنصار‪ ،‬وكان في جيش هوازن رجل على‬
‫جمل أحمر بيده راية سوداء‪ ،‬إذا أدرك طعن برمحه‪ ،‬وإذا فاته الناس‬
‫رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه‪ ،‬فأدرك على بعبقريته الحربية‪،‬‬
‫وتجربته الطويلة‪ ،‬أن لهذا الرجل عامل ً مؤثًرا في حماس هوازن‬
‫وشدتها‪ ،‬فاتجه على بن أبى طالب‪ -‬رضي الله عنه – ورجل من‬
‫وقتله‪ ،‬فما كانت إل‬
‫النصار نحوه واستطاعا إسقاطه من على جمله‬
‫ساعة حتى انهزموا وولوا الدبار وانتصر المسلمون)‪.(5‬‬
‫‪ -6‬سرية علي رضي الله عنه لهدم الصنم الفلس في بلد‬
‫طئ‪:‬بعد أن طهر النبي × البيت الحرام من الوثان التي كانت فيه‪،‬‬
‫حا طويل ً من‬
‫كان لبد من هدم البيوت التي كانت معالم للجاهلية رد ً‬
‫الزمن)‪ ,(6‬فكانت سرايا رسول الله × تترى لتطهير الجزيرة منها‪،‬‬
‫فكانت من نصيب على رضي الله عنه صنم الفلس في بلد طئ‪،‬‬
‫ففي ربيع الخر خرجت سرية على بن أبى طالب إلى الفلس – صنم‬
‫لطئ – ليهدمه‪ ،‬وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من النصار‪ ،‬على‬
‫سا‪ ،‬ومع راية سوداء ولواء أبيض‪ ،‬فشنوا‬
‫مائة بعير وخمسين فر ً‬
‫الغارة على محلة آل حاتم – حاتم الطائى الذي ضرب المثل بجوده‬
‫والنعم‬
‫– مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه‪ ،‬وملوا أيديهم من السبى‬
‫والشاء‪،‬وفي السبى أخت عدى بن حاتم‪ ،‬وهرب عدى إلى الشام)‪.(7‬‬
‫سابًعا‪ :‬استخلف النبي × لعلي على المدينة في غزوة تبوك‬
‫‪9‬هـ‪:‬كان في رجب سنة تسع من الهجرة غزوة تبوك‪ ،‬وكانت لها‬
‫أهمية كبيرة في السيرة النبوية‪ ،‬وتحققت منها غايات كانت بعيدة‬
‫في‪(8‬نفوس المسلمين والعرب‪ ،‬ومجرى الحوادث في تاريخ‬
‫الثر‬
‫السلم) ‪ ,‬واستعمل رسول الله × على المدينة علًيا‪ ،‬فوجد‬
‫المنافقون فرصة للتنفيس عما بداخلهم من حقد ونفاق‪ ،‬فأخذوا‬
‫يتكلمون في على رضي الله عنه بما يسئ إليه‪ ،‬فمن ذلك قولهم‪ :‬ما‬
‫تركه إل لثقله عليه‪ ،‬وهذا العمل والقول السيئ منهم في حقه علمة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(73 ،4/72‬إسناده ضعيف وله شواهد‪.‬‬
‫خلفة على بن أبى طالب‪ :‬ص )‪.(46‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(3/465‬‬
‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص)‪.(579‬‬
‫مسند أبى يعلى)‪ (3/388‬حسن السناد‪ ،‬الصحيح المسند‪ :‬ص )‪ (141‬للعدوي‪.‬‬
‫معين السيرة‪ :‬ص )‪.(694‬‬
‫تاريخ السلم للذهبي‪ :‬ص )‪.(624‬‬
‫المرتضى للندوي‪.(55) :‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪93‬‬

‫بارزة واضحة على نفاقهم‪ ،‬ففي الحديث الصحيح أن علًيا رضي الله‬
‫عنه قال‪» :‬والذي فلق الحبة‪ ،‬وبرأ النسمة‪ ،‬إنه لعهد النبي المي ×‬
‫أن ل يحبني إل مؤمن ول يبغضني إل منافق«)‪ .(1‬عند ذلك أدرك على‬
‫الجيش‪ ،‬وأراد الغزو معهم قائ ً‬
‫ل‪ :‬يا رسول الله أتخلفني في الصبيان‬
‫تكون مني بمنزلة‬
‫والنساء‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أل ترضى أن‬
‫هارون من موسى‪ ،‬غير أنه ل نبي بعدي«)‪.(2‬‬
‫ثامًنا‪ :‬علي رضي الله عنه ودوره العلمي في حجة أبى بكر‬
‫بالناس ‪9‬هـ‪:‬‬
‫كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عهد النبي × مستمرة على‬
‫كل الصعدة والمجالت العقائدية‪ ،‬والقتصادية‪ ،‬والجتماعية‪،‬‬
‫والسياسية‪ ،‬والعسكرية‪ ،‬والتعبدية‪ ،‬وكانت فريضة الحج لم تمارس‬
‫في السنوات الماضية‪ ،‬فحجة عام ‪8‬هـ بعد الفتح كلف بها عتاب)‪(3‬بن‬
‫أسيد‪ ،‬ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين ‪,‬‬
‫× الحج ولكنه قال‪ :‬إنه يحضر البيت عراة‬
‫فلما حل موسم الحج أراد‬
‫مشركون يطوفون بالبيت )‪ , (4‬فل أحب أن أحج‪ .‬وكان ذلك في‬
‫سنة ‪9‬هـ فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة‪ ،‬وساقوا معهم‬
‫الهدي)‪ ,(5‬فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا‬
‫النبي × علًيا رضي الله عنه وأمره أن يلحق بأبى بكر الصديق‪،‬‬
‫فخرج على ناقة رسول الله × العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر‬
‫بذى الحليفة‪ ،‬فلما رآه الصديق قال له‪ :‬أمير أم مأمور؟ فقال‪ :‬بل‬
‫مأمور‪ ،‬ثم سارا‪ ،‬فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانو‬
‫عليها في الجاهلية‪ ،‬وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت‬
‫على ذلك الروايات الصحيحة ل في شهر ذي القعدة كما قيل‪ ،‬وقد‬
‫خطب الصديق قبل التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم النحر‪ ،‬ويوم النفر‬
‫الول‪ ،‬فكان يعرف الناس مناسكهم‪ :‬في وقوفهم وإفاضتهم‪،‬‬
‫ونحرهم‪ ،‬ونفرهم‪ ،‬ورميهم للجمرات‪ ..‬إلخ‪ ،‬وعلى يخلفه في كل‬
‫موقف من هذه المواقف‪ ،‬فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم‬
‫ينادي في الناس بهذه المور الربعة‪ ،‬ل يدخل في الجنة إل نفس‬
‫عهد‬
‫مؤمنة‪ ،‬ول يطوف بالبيت عريان‪ ،‬ومن كان بينه وبين النبي ×‬
‫فعهده إلى مدته‪ ،‬ول يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا)‪,(6‬‬
‫وقد أمر الصديق ره ً‬
‫آخر من الصحابة لمساعدة على بن أبى‬
‫طا‬
‫طالب في إنجاز مهمته)‪.(7‬‬
‫نهائية‪(8‬مع الوثنية‬
‫إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة‬
‫وأتباعها‪ ،‬حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم) ‪.‬‬
‫هدّتم‬
‫ن َ‬
‫عا َ‬
‫ه َ إ َِلى ا َل ّ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ِ‬
‫ذي َ‬
‫وَر َ ُ‬
‫م َ‬
‫قال تعالى‪ + :‬ب ََراءَةٌ ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن ‪َ ‬‬
‫ةأ ْ‬
‫م ْ‬
‫موا‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫حوا‬
‫سي‬
‫وا َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫ر ِ‬
‫ض أْرب َ َ‬
‫ُ‬
‫ش ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫عل ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫َّ‬
‫ر َ‬
‫ْ‬
‫ه ٍ‬
‫ش ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ذا‬
‫أ‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫ري‬
‫ف‬
‫كا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫زي‬
‫خ‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ع‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫ِ َ ّ‬
‫ِ ِ َ‬
‫أن ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ ُ ِ‬
‫غ ْ ُ ُ ْ ِ ِ‬
‫‪1‬‬

‫)( مسلم رقم ‪.78‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.2404‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية لبى شبهة )‪ ،(2/536‬دراسات في عهد البنوة‪ :‬ص)‪.(22‬‬
‫‪4‬‬
‫)( نضرة النعيم )‪ ،(1/98‬البطقات الكبرى )‪.(2/168‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(8/82‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مسند المام أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪594‬حديث صحيح‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/537‬‬
‫‪8‬‬
‫)( نضرة النعيم )‪.(1/399‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪94‬‬

‫من الله ورسول ِه إَلى الّناس يوم ال ْحج الك ْب َ‬
‫ريءٌ‬
‫رأ ّ‬
‫َ ّ‬
‫ِ َ ْ َ‬
‫ّ َ ْ ِ َ َ ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ه بَ ِ‬
‫َ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫وِإن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ر ِ‬
‫ف ُ‬
‫و ََر ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ّ ْ‬
‫فِإن ت ُب ْت ُ ْ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فُروا‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ب‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ع‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫أ‬
‫موا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫فا‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ول ْ‬
‫َ‬
‫تَ َ‬
‫ِ‬
‫ُ ُ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ب أِليم ٍ" ]التوبة‪.[3-1:‬‬
‫بِ َ‬
‫ذا ٍ‬
‫وقد أمهل المعاهدون لجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم‪ ،‬قال‬
‫م َين ُ‬
‫م َْ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫عا َ‬
‫ر ِ‬
‫تعالى‪+ :‬إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫كي َ‬
‫مَ َ‬
‫ذي َ‬
‫صو َك ُ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫نَ ثُ ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫هدّتم ّ‬
‫ق ُ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫م يُ َ‬
‫ُ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫م إ ِلى‬
‫م َ‬
‫هُروا َ‬
‫هد َ ُ‬
‫ظا ِ‬
‫ح ً‬
‫مأ َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فأت ِ ّ‬
‫عل ْي ْك ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫موا إ ِلي ْ ِ‬
‫ن" ]التوبة‪.[4:‬‬
‫ت‬
‫د‬
‫م‬
‫مت ّ ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ّ‬
‫قي َ‬
‫ب ال ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫كما أمهل من ل عهد له من المشركين إلى انسلخ الشهر‬
‫الحرم‪ ،‬حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين‪ ،‬قال‬
‫فا ْ‬
‫م َ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫م ْ‬
‫خ ال ْ‬
‫سل َ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫هُر ال ْ ُ‬
‫حُر ُ‬
‫كي َ‬
‫ش ُ‬
‫ذا ان َ‬
‫قت ُُلوا ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫دوا‬
‫ع‬
‫ق‬
‫وا‬
‫م‬
‫ه‬
‫رو‬
‫ص‬
‫ح‬
‫وا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ذو‬
‫خ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫مو‬
‫ت‬
‫حي ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ُّ ْ‬
‫ُ ْ َ ْ ُ ُ ُ ْ‬
‫جد ّ ُ ُ ْ‬
‫ث َ‬
‫بوا و َأ َ‬
‫وا ال َّز َ‬
‫َ‬
‫كاةَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خلوا‬
‫ت‬
‫وآ‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ال‬
‫موا‬
‫قا‬
‫تا‬
‫إن‬
‫ف‬
‫د‬
‫ص‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مْر َ ٍ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م" ]التوبة‪.[5:‬‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫يا ًبإعلن نقض العهود على مسامع المشركين‬
‫وقد كلف النبي × عل‬
‫في موسم الحج‪ ،‬مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد‬
‫العهود ونقضها‪ ،‬أل يتولى ذلك إل سيد القبيلة أو رجل من رهطه‪ ،‬وهذا‬
‫العرف ليس فيه منافاة للسلم‪ ،‬فلذلك تدارك النبي × المر وأرسل‬
‫عل ًبذلك‪ ،‬فهذا هو السبب في تكليف على بتبليغ صدر سورة براءة ل‬
‫يا‬
‫ما زعمته الرافضة من أن ذلك للشارة إلى أن عليا ً أحق بالخلفة من‬
‫أبى بكر‪ ،‬وقد علق الدكتور محمد أبو)‪(1‬شهبة فقال‪ :‬ول أدري كيف غفلوا‬
‫عن قول الصديق‪ :‬أمير أم مأمور؟ وكيف يكون المأمور أحق‬
‫بالخلفة من المير)‪,(2‬وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة‬
‫الكبرى وهي حجة الوداع‪ ،‬لقد أعلن في حجة أبى بكر أن عهد الصنام‬
‫قد انقضى‪ ،‬وأن مرحلة جديدة قد بدأت‪ ،‬وما على الناس إل أن‬
‫يستجيبوا لشرع الله تعالى‪ ،‬فبعد هذا العلن الذي انتشر بين قبائل‬
‫العرب في الجزيرة‪ ،‬أيقنت تلك القبائل أن المر جد‪ ،‬وأن عهد الوثنية‬
‫ل‪ً ،‬فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلمها ودخولها في‬
‫انقضى فع‬
‫قد‬
‫التوحيد)‪.(3‬‬
‫تاسًعا‪ :‬علي رضي الله عنه ووفد نصاري نجران‪ ،‬وآية المباهلة‬
‫‪9‬هـ‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫كتب رسول الله × إلى نجران كتاًبا قال فيه‪» :‬أما بعد‪،‬‬
‫فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد‪ ،‬وأدعوكم‬
‫إلى ولية الله من ولية العباد‪ ،‬فإن أبيتم فالجزية‪ .‬فإن‬
‫أبيتم آذنتكم بحرب‪ .‬والسلم«)‪ (5‬فلما أتى السقف الكتاب‪ ،‬جمع‬
‫الناس وقرأه عليهم‪ ،‬وسألهم عن الرأي فيه؟ فقرروا أن يرسلوا إليه‬
‫دا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم‪ ،‬وقيل‪ :‬ستين راكًبا‪ ،‬منهم‬
‫وف ً‬
‫ثلثة نفر يؤول إليهم أمرهم‪ :‬العاقب‪ ،‬وهو أميرهم وصاحب‬
‫مشورتهم والذين يصدرون عن رأيه‪ ،‬والسيد وهو صاحب رحلتهم‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪ ،(2/540‬صحيح السيرة‪ :‬ص)‪.(624‬‬
‫السيرة النبويةن لبى شهبة )‪.(2/540‬‬
‫قراءة سياسية للسيرة النبوية‪ :‬ص )‪.(283‬‬
‫نجران بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن‪.‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/48‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪95‬‬

‫وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم)‪ ,(1‬ولما جاء وفد‬
‫نصاري نجران إلى رسول الله × بالمدينة‪ ،‬وضعوا ثياب السفر‬
‫عنهم‪ ،‬ولبسوا حلل ً لهم يجرونها من الحبرة‪ ،‬وخواتيم الذهب‪ ،‬ثم‬
‫انطلقوا حتى أتوا رسول الله ×‪ ،‬فسلموا عليه‪ ،‬فلم يرد عليهم‬
‫السلم‪ ،‬وتصدوا لكلمه طوي ً‬
‫ل‪ ،‬فلم يكلمهم‪ ،‬وعليهم تلك الحلل‬
‫والخواتيم الذهب‪ ،‬فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن‬
‫بن عوف‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬وكانا على معرفة لهم‪ ،‬كانا يخرجان‬
‫العير في الجاهلية إلى نجران‪ ،‬فيشتري لهما من برها وثمرها وذرتها‪،‬‬
‫فوجدوهما في ناس من النصار في مجلس‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا عثمان‪ ،‬ويا‬
‫عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب‪ ،‬فأقبلنا مجيبين له‪ ،‬فسلمنا‬
‫عليه‪ ،‬فلم يرد علينا سلمنا‪ ،‬وتصدينا لكلمه نهاًرا طوي ً‬
‫ل‪ ،‬فأعيانا أن‬
‫يكلمنا‪ ،‬فما الرأي منكما‪ ،‬أنعود؟‬
‫فقال لعلي بن أبى طالب وهو في القوم‪ :‬ما ترى يا أبا الحسن‬
‫في هؤلء القوم؟ قال‪ :‬أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم‪،‬‬
‫ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يأتوا إليه‪ ،‬ففعل الوفد ذلك‪ ،‬فوضعوا حللهم‬
‫وخواتيمهم‪ ،‬ثم عادوا إلى رسول الله × فسلموا عليه‪ ،‬فرد سلمهم‪،‬‬
‫ثم سألهم وسألوه فلم تزل بهم وبه المسألة)‪ .(2‬وقالوا لرسول الله‬
‫×‪:‬كنا مسلمين قبلكم‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬يمنعكم من السلم‬
‫ثلث‪ :‬عبادتكم الصليب‪ ،‬وأكلكم الخنزير‪ ،‬وزعمكم أن لله‬
‫دا«)‪ (3‬وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم‪ ،‬والنبي يتلو عليهم القرآن‬
‫ول ً‬
‫ويقرع باطلهم بالحجة‪ ،‬وكان مما قالوه لرسول الله ×‪ :‬ما لك تشتم‬
‫صاحبنا وتقول‪ :‬إنه عبد الله‪ ،‬فقال‪» :‬أجل إنه عبد الله ورسوله‬
‫وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول«‪ ،‬فغضبوا وقالوا‪ :‬هل‬
‫رأيت إنساًنا قط من غير أب‪ ،‬فإن كنت صادًقا فأرنا مثله؟ فأنزل‬
‫مث َ َ‬
‫ه‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫الله في الرد عليهم قوله سبحانه‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫عي َ‬
‫ن َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫خل َ َ‬
‫قا َ‬
‫ق‬
‫م َ‬
‫ه ِ‬
‫في َكو ُ‬
‫ن ‪ ‬ال َ‬
‫ل آدَ َ‬
‫ه كُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ق ُ‬
‫كَ َ‬
‫من ت َُرا ٍ‬
‫مث َ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ّرب ّك َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ .[60 ،59 :‬فكانت‬
‫ِ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫من ال ُ‬
‫فل ت َكن ّ‬
‫مت َ ِ‬
‫حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه)‪ ,(4‬فلما لم ُتجد معهم‬
‫المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة)‪ ,(5‬امتثال ً‬
‫ن ال ْ ِ ْ‬
‫جاءَ َ‬
‫ج َ‬
‫لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ك ِ‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫حا ّ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫مَ ْ‬
‫د َ‬
‫ف َ‬
‫علم ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫وا ن َدْ ُ‬
‫ل تَ َ‬
‫ون ِ َ‬
‫ون ِ َ‬
‫ساءَك ْ‬
‫وأب َْناءَك ْ‬
‫ساءََنا َ‬
‫م َ‬
‫ع أب َْناءََنا َ‬
‫عال َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫على‬
‫ه َ‬
‫ت الل ِ‬
‫عل ل ْ‬
‫ج َ‬
‫ل فن َ ْ‬
‫عن َ َ‬
‫سَنا وأن ْف َ‬
‫وأن ْف َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫سك ْ‬
‫َ‬
‫م ن َب ْت َ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[61:‬‬
‫كاِذِبي َ‬
‫وخرج النبي × ومعه الحسن والحسين وفاطمة وقال‪» :‬وإذا أنا‬
‫منوا«)‪ .(6‬فائتمروا فيما بينهم‪ ،‬فخافوا الهلك لعلمهم أنه‬
‫دعوت فأ ّ‬
‫قا‪ ،‬وأنه ما باهل قوم نبًيا إل هلكوا‪ ،‬فأبوا أن يلعنوه وقالوا‪:‬‬
‫نبى ح ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المصدر نفسه )‪ ،(5/48‬السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬
‫زاد المعاد )‪.(638 -3/629‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/633‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/633‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪96‬‬

‫احكم علينا بما أحببت‪ ،‬فصالحهم على ألفي حلة‪ ،‬ألف في رجب‬
‫وألف في صفر)‪.(1‬‬
‫عاشًرا‪ :‬علي رضي الله عنه داعًيا وقاضًيا في اليمن ‪10‬هـ‪:‬‬
‫بعد فتح مكة استجابت القبائل العربية بالجزيرة إلى السلم‪،‬‬
‫وكان رسول الله × يرسل الدعاة إلى القبائل التي لم تستجب بعد‪،‬‬
‫فأرسل علًيا رضي الله عنه إلى همدان باليمن‪ ،‬وهذا البراء بن عازب‬
‫– رضي الله عنه‪ -‬يحدثنا عما حدث في ذهابه مع على رضي الله عنه‬
‫لليمن فيقول‪..:‬فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر‪ ،‬فجمعوا‬
‫دا ثم تقدم بين‬
‫له‪ ،‬فصلى على بنا الفجر‪ ،‬فلما فرغ‪ ،‬صفنا ص ً‬
‫فا واح ً‬
‫أيدينا‪ ،‬فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ×‪،‬‬
‫فأسلمت همدان كلها في يوم واحد‪ ،‬وكتب بذلك إلى رسول الله ×‪،‬‬
‫دا‪ ،‬وقال‪» :‬السلم على همدان‪ ،‬السلم‬
‫فلما قرأ كتابه‬
‫خر( ساج ً‬
‫)‪2‬‬
‫صا على الجبهة‬
‫حري‬
‫×‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫كان‬
‫لقد‬
‫‪,‬‬
‫«‬
‫همدان‬
‫على‬
‫ً‬
‫الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في السلم‪ ،‬وظهر هذا‬
‫الهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد‬
‫الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة‪،‬‬
‫مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصل ً وبعيد‬
‫المدى‪ ،‬وكانت سرايا رسول الله × تساند هذا النشاط الدعوي‬
‫السلمى‪ ،‬حيث بعث خالد بن الوليد ثم على بن أبى طالب رضي الله‬
‫في‬
‫عنهما‪ ،‬فقد كان × يركز على مفاصل القوى‪ ،‬ومراكز التأثير‬
‫المجتمعات وبناء الدول ومارس هذا الفقه العظيم في حياته)‪.(3‬‬
‫هذا وقد أمر رسول الله × علًيا بأن يقضي بين الناس في اليمن‪،‬‬
‫وهذا على رضي الله عنه يحدثنا بنفسه حيث قال‪ :‬بعثني رسول الله‬
‫× إلى اليمن‪ ،‬فقلت له‪ :‬يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني‬
‫وأنا حدث ل أبصر القضاء‪ ،‬قال‪ :‬فوضع يده على صدري‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫»اللهم ثبت لسانه واهد قلبه‪ ،‬يا على إذا جلس إليك‬
‫الخصمان فل تقض بينهما حتى تسمع الخر‪ ،‬ما سمعت‬
‫القضاء«‪ ،‬قال‪ :‬فما‬
‫من الول‪ ،‬فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك‬
‫اختلف على قضاء بعد‪ ،‬أو ما أشكل على قضاء بعد)‪.(4‬‬
‫لقد احتاج اليمنيون بعد انتشار السلم في بلدهم من يفقههم‬
‫في أمور دينهم‪ ،‬ويعلمهم ويقضي بينهم بحكم الله عز وجل‪ ،‬فبعث‬
‫رسول الله × عدًدا من الصحابة إلى أرجاء اليمن منهم معاذ وأبو‬
‫موسى الشعري‪ ،‬وكان من أفضلهم على بن أبى طالب رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬وقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث والفقه مجموعة من‬
‫القضايا التي حكم فيها على رضي الله عنه وهو باليمن منها‪:‬‬
‫‪ 1‬قضاؤه في الربعة الذين تدافعوا عند ُزبية)‪ (5‬للسد‪:‬عن حنش‬‫عنه‪ (6‬قال‪ :‬بعثني رسول الله × إلى اليمن فانتهينا‬
‫عن على رضي الله‬
‫إلى قوم قد بنوا ُزب َْية) للسد‪ ،‬فبينما هم كذلك يتدافعون؛ إذا سقط‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬
‫زاد المعاد )‪ (3/622‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫السيرة النبوية للصلبي )‪ ،(3/596‬الفقه السياسي للوثائق‪ :‬ص)‪.(231‬‬
‫فضائل الصحابة )‪ (2/871‬إسناده حسن رقم ‪.1995‬‬
‫الزبية‪ :‬حفرة تحفر للسد‪ ،‬ول تحفر إل في مكان عال من الرض‪.‬‬
‫الحفرة في الرض‪ :‬القاموس )‪ ،(4/340‬تاج العروس )‪.(1016‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪97‬‬

‫رجل فتعلق بآخر‪ ،‬ثم تعلق رجل بآخر‪ (1) ،‬حتى صاروا فيه أربعة‬
‫بة فقتله‪ ،‬وماتوا من جراحتهم‬
‫حر ْ‬
‫حهم السد؟‪ ،‬فانتدب له رجل ب ِ َ‬
‫جر َ‬
‫فَ َ‬
‫إلى أولياء الخر‪ ،‬فأخرجوا السلح ليقتتلوا‪،‬‬
‫الول‬
‫أولياء‬
‫فقام‬
‫كلهم‪،‬‬
‫فأتاهم على على تفيئة)‪(2‬ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ×‬
‫حي‪ ،‬إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء‪ ،‬وإل حجز بعضكم‬
‫عدا‬
‫عن بعض‪ ،‬حتى تأتوا النبي × فيكون هو الذي يقضي بينكم‪ ،‬فمن َ‬
‫بعد ذلك فل حق له‪ ،‬اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية‬
‫وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة‪ ،‬فللول الربع لنه أهلك من‬
‫فوقه‪ ،‬وللثاني ثلث الدية‪ ،‬وللثالث نصف الدية‪ ،‬وللرابع الدية كاملة‬
‫صوا عليه‬
‫فأبوا أن يرضوا‪ ،‬فأتوا النبي × وهو عند مقام إبراهيم فق ّ‬
‫فقال( رجل من القوم‪ :‬إن‬
‫القصة‪ ،‬فقال‪ :‬أنا أقضي بينكمواحتبي‪،‬‬
‫صوا عليه فأجازه رسول الله ×)‪. 3‬‬
‫عل ً‬
‫يا قضى فق ّ‬
‫‪ -2‬ثلثة وقعوا على امرأة في طهر‪ :‬عن زيد بن الرقم أنه قال‪:‬‬
‫أتى على بثلثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد‪ ،‬فسأل‬
‫اثنين‪ :‬أتقران لهذا بالولد؟ قال‪ :‬ل حتى سألهم جميًعا‪ ،‬فجعل كلما‬
‫بينهم‪ ،‬فألحق الولد بالذي صارت عليه‬
‫سأل اثنين‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬فأقرع‬
‫الدية)‪ ،(4‬قال‪ :‬فذكر ذلك لنبي الله ×‬
‫القرعة‪ ،‬وجعل عليه ثلثى‬
‫حا‬
‫فضحك حتى بدت نواجذه)‪ ,(5‬وكان ضحك رسول الله × فر ً‬
‫وسروًرا بتوفيق الله تعالى علًيا للصواب‪.‬‬
‫النفر‬
‫ولذلك أقره على ذلك)‪ ,(6‬ويحتمل أن ما حصل من أولئك‬
‫)‪(7‬‬
‫إنما كان قبل إسلمهم‪ ،‬لن فعلهم محرم في دين الله تعالى ‪.‬‬
‫الحادي عشر‪ :‬علي رضي الله عنه في حجة الوداع‪:‬‬
‫ى رضي الله عنه رسول الله × في حجة الوداع‪ ،‬ونحر‬
‫أدرك عل ّ‬
‫رسول الله ثلًثا وستين بدنة بيده‪ ،‬وكان عدد هذا الذي نحره عدد‬
‫ى عمره‪ ،‬ثم أمسك‪ ،‬وأمر علًيا أن ينحر ما بقى من المائة‪ ،‬ففعل‬
‫سن ّ‬
‫وأكمل العدد‪ ،‬وقد وصف لنا على رضي الله عنه بعض المناسك في‬
‫حجته مع رسول الله ×‪ ،‬فعن على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬أن‬
‫مردف أسامة بن زيد‪ ،‬فقال‪» :‬هذا‬
‫النبي × وقف بعرفة وهو ُ‬
‫ق‪ ،‬وجعل الناس‬
‫الموقف وكل عرفة موقف«‪ ،‬ثم دفع يسير العَن َ َ‬
‫يضربون يميًنا وشما ً‬
‫ل‪ ،‬وهو يلتفت ويقول‪» :‬السكينة أيها الناس‪،‬‬
‫السكينة أيها الناس« حتى جاء المزدلفة‪ ،‬وجمع بين الصلتين‪ ،‬ثم‬
‫ح‪ ،‬وأردف الفضل بن العباس‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫وقف بالمزدلفة‪ ،‬فوقف على قَُز َ‬
‫»هذا الموقف‪ ،‬وكل المزدلفة موقف«ثم دفع وجعل يسير‬
‫ق‪ ،‬والناس يضربون يميًنا وشما ً‬
‫ل‪ ،‬وهو يلتفت ويقول‪:‬‬
‫العَن َ َ‬
‫محسًرا فقرع‬
‫سكينة‪ ،‬ال ّ‬
‫»ال ّ‬
‫سكينة‪ ،‬أيها الناس« حتى جاء ُ‬
‫سْيره الول‪ ،‬حتى رمى الجمرة‪،‬‬
‫راحلته فخّبت‪ ،‬حتى خرج‪ ،‬ثم عاد ل َ‬
‫ّ‬
‫حر‪ ،‬ثم جاءت‬
‫ن‬
‫م‬
‫منى‬
‫ل‬
‫وك‬
‫حر فقال‪ :‬هذا المنحر‪،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ثم جاء المن َ ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (2/900‬رقم ‪1239‬إسناده حسن‪.‬‬
‫)( تفيئة ذلك‪ :‬أي أثره‪ ،‬النهاية )‪.(3/483‬‬
‫)( فضائل الصحابة رقم ‪1239‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى الله‪ :‬ص)‪.(87‬‬
‫)( نواجذه‪ :‬جمع ناجذ‪ :‬آخر الضراس‪ ،‬وللنسان أربعة نواجذ‪ ،‬وهناك رواية أخرى‬
‫في فضائل الصحابة رقم ‪1095‬إسناده حسن لغيره‪.‬‬
‫)( سنن النسائي )‪ (66/182‬حاشية السندي‪.‬‬
‫)( منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى الله‪ :‬ص)‪.(88‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪98‬‬

‫م‪ ،‬فقالت‪ ،‬إن أبى شيخ كبير‪ ،‬وقد أفند‪ ،‬وأدركته‬
‫امرأة شابة من َ‬
‫خثعَ َ‬
‫فريضة الله في الحج‪ ،‬ول يستطيع أداءها‪ُ ،‬فيجزئ عنه أن أؤديها‬
‫عنه؟ قال رسول الله ×‪ :‬نعم‪ ،‬وجعل يصرف وجه الفضل بن‬
‫العباس عنها‪ .‬ثم أتاه رجل آخر‪ ،‬فقال‪ :‬إني رميت الجمرة وأفضت‬
‫ت ولم أحلق‪ .‬قال‪ :‬فل حرج‪ ،‬فاحْلق‪.‬ثم أتاه رجل آخر‪،‬‬
‫ولبس ُ‬
‫فقال‪ :‬إني رميت وحلقت ولبست ولم أنحر‪ .‬فقال‪ :‬ل حرج فانحر‪.‬‬
‫جل من ماء زمزم‪ ،‬فشرب منه‬
‫س ْ‬
‫ثم أفاض رسول الله ×‪ ،‬فدعا ب َ‬
‫وتوضأ‪ ،‬ثم قال‪ :‬انزعوا)‪ (1‬يا بنى عبد المطلب‪ ،‬فلول أن‬
‫ت‪.‬قال العباس‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني رأيتك‬
‫تُ ْ‬
‫غَلبوا عليها ل َن ََز ْ‬
‫ع ُ‬
‫ما شاًبا‪ ،‬وجارية‬
‫إني‬
‫قال‪:‬‬
‫أخيك؟‬
‫ابن‬
‫وجه‬
‫تصرف‬
‫رأيت غل ً‬
‫شابة فخشيت عليهما الشيطان)‪.(2‬وقد كان على رضي الله‬
‫عنه يعلن على الناس ما أمره به النبي ×‪ ،‬فعن عمرو بن سليم عن‬
‫أمه قالت‪ :‬بينما نحن بمنى إذا على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫وشرب‪ ،‬فل‬
‫يقول‪ :‬إن رسول الله × قال‪» :‬إن هذه أيام أكل‬
‫يصومها أحد«‪ ،‬واّتبع الناس على جمله يصرخ بذلك)‪.(3‬‬
‫الثاني عشر‪ :‬تشرفه بغسل النبي × ودفنه‪:‬‬
‫لما توفى النبي × كان على ممن باشر غسله مع الفضل بن‬
‫العباس وأسامة بن زيد)‪ .(4‬وقال على رضي الله عنه‪ :‬غسلت رسول‬
‫شيًئا وكان طيًبا حًيا‬
‫الله ×‪ ،‬فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر‬
‫وميًتا)‪ ,(5‬وقال‪ :‬بأبى الطيب‪ ،‬طبت حًيا وطبت ميًتا)‪ ,(6‬وكان على‬
‫رضي الله عنه من ضمن من نزل في قبر رسول الله × وباشروا‬
‫هو‪(7‬والفضل بن عباس‪ ،‬وقثم بن عباس‪ ،‬وشقران مولى رسول‬
‫دفنه‬
‫الله ×) ‪ ,‬لقد كان نبأ وقاة رسول الله × على الصحابة الكرام‬
‫كالصاعقه لشدة حبهم له وما تعوّدوه من العيش في كنفه‪ ،‬عيش‬
‫البناء في حجر الباء بل أكثر من ذلك‪ ،‬وكان حظ أهل البيت‬
‫والسرة الهاشمية – وعلى رأسها فاطمة بنت رسول الله × وعلى‬
‫بن أبى طالب – أوفر وأكثر بطبيعة الحال‪ ،‬وبحكم الفطرة السليمة‬
‫والقرابة القريبة‪ ،‬وما يمتازون به من رقة الشعور‪ ،‬وقوة العاطفة‪،‬‬
‫ولكن‪(8‬احتملوه بقوة إيمانهم والرضا بقضاء الله‬
‫وشدة الحب‬
‫والستسلم لمره) ‪.‬‬
‫م النبي × بكتابته في مرض‬
‫الثالث عشر‪ :‬قصة الكتاب الذي ه ّ‬
‫موته‪:‬‬
‫ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس – رضي الله‬
‫حضر رسول الله × وفي البيت رجال فقال‬
‫عنهما – أنه قال‪ :‬لما ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( المرتضى للندوي ص ‪ ،57‬وقد جاء في رواية البخاري أن النبي × نحر سبع‬
‫ما رقم ‪ ،1712‬وكلف علًيا بالشراف على قسمتها وهي مائة رقم‬
‫بدن‬
‫بيده قيا ً‬
‫النزع‪ :‬استخراج الماء من زمزم لسقي الحجيج‪.‬‬
‫‪.1718‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/9‬الموسوعة الحديثية رقم ‪564‬إسناده حسن‪.‬‬
‫)( الموسوعة الحديثية رقم ‪567‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( أبو داود )‪ (3/213‬عن الشعبي مرسل ً رقم ‪3209‬صححه اللباني في أحكام‬
‫الجنائز‪ :‬ص)‪.(51‬‬
‫)( سنن ابن ماجة )‪ (1/362‬رقم ‪ 1467‬صححه اللباني في أحكام الجنائز‪ :‬ص )‬
‫‪.(50‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(4/321‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(4/321‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص )‪.(59‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪99‬‬

‫النبي ×‪»:‬هلموا أكتب لكم كتاًبا ل تضلوا بعده«‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬إن رسول الله × قد غلبه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا‬
‫كتاب الله‪ ،‬فاختلف أهل البيت واختصموا‪ ،‬فمنهم من يقول‪ :‬قربوا‬
‫يكتب لكم كتاًبا ل تضلوا بعده‪ ،‬ومنهم من يقول غير ذلك‪ ،‬فلما أكثروا‬
‫اللغو والختلف قال رسول الله ×‪ :‬قوموا‪ .‬قال عبد الله‪ :‬فكان ابن‬
‫ما( حال بين رسول الله × وبين‬
‫عباس يقول‪ :‬إن الرزية كل الرزية‬
‫أن يكتب الكتاب لختلفهم ولغطهم)‪ , 1‬وفي رواية أخرى عن ابن‬
‫عباس – رضي الله عنهما – قال‪ :‬يوم الخميس وما يوم الخميس‪،‬‬
‫اشتد برسول الله × وجعه‪ ،‬فقال‪ :‬ائتوني أكتب لكم كتاًبا لن‬
‫دا‪ ،‬فتنازعوا‪ ،‬ول ينبغي عند نبي نزاع‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما‬
‫تضلوا بعده أب ً‬
‫شأنه؟ أهجر‪ ،‬استفهموه‪ ،‬فذهبوا يرددون عليه فقال‪ :‬دعوني‪،‬‬
‫فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه‪ ،‬وأوصاهم بثلث‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخرجوا المشركين من جزيرة العرب‪ ،‬وأجيزوا الوفود‬
‫بنحو ما كنت أجيزهم‪،‬وسكت عن الثالث‪ ،‬أو قال‪ :‬فنسيها)‪,(2‬‬
‫وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على‬
‫أصحاب رسول الله‪ ،‬وأما ما ذكره الروافض من مطاعن فباطلة‬
‫ما عن بعضها ومن هذه‬
‫معلومة الفساد‪ ،‬وقد أجاب العلماء قدي ً‬
‫الردود‪:‬‬
‫‪ -1‬اختلف الصحابة ثابت‪ ،‬وكان سببه اختلفهم في فهم قول‬
‫الرسول × ومراده ل عصيانه‪ ،‬قال القرطبي صاحب المفهم‪ :‬وسبب‬
‫ذلك كله إنما حمل عليه الجتهاد المسوغ‪ ،‬والقصد الصالح‪ ،‬وكل‬
‫أحدهما مصيب‪ ،‬والخر غير مأثوم بل مأجور كما‬
‫مجتهد مصيب‪ ،‬أو‬
‫)‪(3‬‬
‫لم‪(4‬يعنفهم ول ذمهم بل‬
‫×‬
‫النبي‬
‫أن‬
‫ذكر‬
‫ثم‬
‫‪،‬‬
‫الصول‬
‫قررناه في‬
‫قال للجميع‪ :‬دعوني فالذي أنا فيه خير ) ‪ ،‬وهو نحو ما جرى‬
‫لهم يوم الحزاب حيث قال لهم الرسول ×‪» :‬ل يصلين أحد‬
‫العصر إل في بنى قريظة«)‪ ,(5‬فتخوف ناس فوات الوقت‪،‬؟‬
‫وقال آخرون‪ :‬ل نصلي إل حيث أمرنا رسول‬
‫فصلوا دون بنى قريظة‪،‬‬
‫الله فما عنف أحد الفريقين)‪.(6‬‬
‫‪ -2‬وأما ما ادعاه الروافض من أن اختلف الصحابة وما ترتب‬
‫عليه من عدم كتابة النبي × لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم المة‬
‫من العصمة‪ ،‬فهذا باطل لنه يعني أن الرسول × قد ترك تبليغ ما‬
‫فيه عصمتها من الضلل‪ ،‬ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلف أصحابه‬
‫ذلك‪ ،‬وأنه بهذا مخالف لمر ربه في قوله‪َ+ :‬يا‬
‫َعنده حتى مات‬
‫علىما أ ُ‬
‫ّ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ل َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ز َ‬
‫سو ُ‬
‫ما‬
‫ن‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ك ِ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ها الّر ُ‬
‫أي ّ َ‬
‫ف َ‬
‫وِإن ل ّ ْ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫س" ]المائدة‪ .[67:‬وإذا‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ص‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ه‬
‫ب َل ّ ْ‬
‫ّ‬
‫غ َ‬
‫ِ َ‬
‫ر َ‬
‫ُ َ ْ ِ ُ‬
‫سال َت َ ُ َ‬
‫ت ِ‬
‫ِ‬
‫ها بتزكية ربه له في قوله‪+ :‬‬
‫كان الرسول × مبرأ‬
‫ذلك ومنز ً‬
‫منن أ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫لَ َ‬
‫ٌ‬
‫ص‬
‫ري‬
‫ح‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ز‬
‫زي‬
‫ع‬
‫م‬
‫ك‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫سو‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قد ْ َ‬
‫ّ ْ‬
‫م َر ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جاءَك ُ ْ ْ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م" ]التوبة‪ ،[128:‬فوصفه‬
‫َ‬
‫ف ّر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫حي ٌ‬
‫م ِبال ُ‬
‫علي ْك ْ‬
‫بالحرص على أمته‪ ،‬أي على هدايتهم‪ ،‬ووصول النفع الدنيوى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم ‪.4432‬‬
‫البخاري رقم ‪.4431‬‬
‫المفهم لما أشكل‪ ،‬تلخيص كتاب مسلم )‪.(4/559‬‬
‫البخاري رقم ‪.4431‬‬
‫البخاري رقم ‪.4119‬‬
‫المفهم )‪.(4/559‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪0‬‬

‫والخروى لهم‪ ،‬ذكره ابن كثير في تفسيره)‪ ،(1‬وإذا كان هذا المر‬
‫ما بالضطرار من دين السلم عند الخاص والعام‪ ،‬ل يشك فيه‬
‫معلو ً‬
‫من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان‪ ،‬وأن هذا الرسول الكريم قد‬
‫بلغ كل ما أمر به‪ ،‬وكان أحرص ما يكون على أمته‪ ،‬بما هو متواتر‬
‫ما يقيًنا ل‬
‫من جهاده وتضحيته‪ ،‬وأخباره الدالة على ذلك‪ ،‬علمنا عل ً‬
‫يشوبه أدنى شك‪ ،‬أنه لو كان المر كما يذكر الروافض من الوصف‬
‫لهذا الكتاب من أن به عصمة المة من الضلل في دينها‪ ،‬ورفع‬
‫الفرقة‪ ،‬والختلف فيما بينها إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬لما ساغ في دين‬
‫ول عقل أن يؤخر رسول الله كتابه إلى ذلك الوقت الضيق‪ ،‬ولو‬
‫أخره ما كان ليتركه لمجرد اختلف أصحابه)‪ ,(2‬ول يتصور أن النبي ×‬
‫يترك أمر ربه‪ ،‬ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده‬
‫لمصلحة رآها‪ ،‬فما الذي يمنعه من أن يكتبه بعد ذلك‪ ،‬وقد ثبت أنه‬
‫عاش بعد ذلك عدة أيام‪ ،‬فقد كانت وفاته – عليه الصلة والسلم –‬
‫في( رواية أنس في الصحيحين)‪,(3‬‬
‫حا به‬
‫يوم الثنين على ما جاء مصر ً‬
‫وحادثة الكتاب يوم الخميس بالتفاق)‪ , 4‬وقد ثبت باتفاق السنة‬
‫والرافضة‪ ،‬أن رسول الله لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات‪ ،‬علمنا أنه‬
‫ليس من الدين الذي أمر بتبليغه لما دل عليه القرآن من أن الله قد‬
‫عليه قبل ذلك في حجة الوداع‪:‬‬
‫ولمته الدين‪،‬‬
‫أكمل له‬
‫فأنزلم وأ َ‬
‫م أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫ضي‬
‫ر‬
‫و‬
‫تي‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫م‬
‫م‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ن‬
‫دي‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ل‬
‫م‬
‫ك‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ َ ْ ُ‬
‫َ ُ‬
‫ْ ْ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ‪ُ +‬ال ْي َ ْ‬
‫م ِديًنا" ]المائدة‪ ،[3:‬قال ابن تيمية‪ :‬ولم تكن كتابة‬
‫ل‬
‫سل َ َ‬
‫ما ِ ْ‬
‫لك ُ‬
‫الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت‪ ،‬إذ لو‬
‫مصلحة‬
‫كان كذلك لما ترك × ما أمره الله به‪ ،‬لكن ذلك مما رأه‬
‫لدفع النزاع في خلفة أبى بكر‪ ،‬ورأى أن الخلف لبد أن يقع)‪,(5‬‬
‫وقال في موضع آخر‪ :‬وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله ×‬
‫يريد أن يكتبه‪ ،‬فقد جاء مبيًنا كما في الصحيحين عن عائشة – رضي‬
‫الله عنه‪ -‬قالت‪ :‬قال رسول الله × في مرضه‪» :‬ادعي لي أباك‬
‫وأخاك حتى أكتب كتاًبا‪ ،‬فإني أخاف أن يتمنى متمن‬
‫ويقول قائل‪ :‬أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا‬
‫بكر«)‪ ,(6‬إلى أن قال بعد ذكر روايات الحديث‪ :‬والنبي × قد عزم‬
‫على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة‪ ،‬فلما رأى أن الشك قد‬
‫وقع‪ ،‬علم أن الكتاب ل يرفع الشك‪ ،‬فلم يبق فيه فائدة‪ ،‬وعلم أن‬
‫يجمعهم‪(7‬على ما عزم عليه كما قال‪ :‬ويأبى الله والمؤمنون‬
‫الله‬
‫إل أبا بكر) ‪.‬وأما قوله في الحديث‪» :‬لن تضلوا بعدي« فيقول‬
‫الدهلوى في توجيهه‪ :‬فإن قيل‪ :‬لو لم يكن ما يكتب أمًرا دينًيا فلم‬
‫قال‪ :‬لن تضلوا بعدي؟قلنا‪ :‬للضلل معان‪ ،‬والمراد به هنا عدم‬
‫الخطأ في تدبير الملك‪ ،‬وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب‪،‬‬
‫وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزه‪ ،‬وتجهيز أسامة‪) ،‬ل‪(8‬الضللة والغواية‬
‫عن الدين وهو ما فعله أبو بكر والصحابة من بعده ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( تفسير ابن كثير )‪.(2/404‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪ ،(251‬النتصار للصحب والل ص )‪-228‬‬
‫‪.(229‬‬
‫)( البخاري رقم )‪ ،(4448‬ومسلم رقم )‪.(419‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(229‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(6/316‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(2387‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(25 ،6/23‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪.(251‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -3‬وأما معنى قول ابن عباس‪ :‬إن الرزية كل الرزية ما حال بين‬
‫رسول الله × وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب)‪ ,(1‬فكما قال ابن تيمية‬
‫في معناه‪ :‬يقتضي أن الحائل كان رزية‪ ،‬وهو رزية في حق من شك‬
‫لزال‬
‫في خلفة الصديق‪ ،‬واشتبه عليه المر‪ ،‬فإنه لو كان هناك كتاب‬
‫الشك‪ ،‬فأما من علم أن خلفته حق فل رزية في حقه ولله الحمد)‪.(2‬‬
‫ويوضح ذلك أن ابن عباس – رضي الله عنه – ما قال ذلك إل بعد‬
‫والبدع‪ ،‬من الخوارج والروافض‪ ،‬نص على هذا ابن‬
‫ظهور أهل الهواء‬
‫تيمية)‪ ,(3‬وابن حجر)‪.(4‬‬
‫‪ -4‬وأما ادعاؤهم أن النبي × أراد بذلك الكتاب أن ينص على‬
‫خلفة على – رضي الله عنه – وزعم بعض الروافض أنه ليس هناك‬
‫تفسير معقول غيره‪ ،‬فهذا الدعاء باطل‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪ :‬ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلفة على فهو‬
‫ضال باتفاق عامة الناس‪ ،‬من علماء السنة والشيعة‪ ،‬أما أهل السنة‬
‫فمتفقون على تفضيل أبى بكر وتقديمه‪ ،‬وأما القائلون بأن علًيا كان‬
‫صا جلًيا‬
‫مستح ً‬
‫قا للمامة فيقولون‪ :‬إنه قد نص على إمامته)‪(5‬قبل ذلك ن ً‬
‫ظاهًرا معروًفا‪ ،‬وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى الكتاب ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأما طعن الروافض على عمر – رضي الله عنه – وزعمهم‬
‫بأنه قد اتهم رسول الله × بأنه ل يعى ما يقول‪ :‬وقال‪» :‬إنه يهجر«‬
‫ولم يمتثل قوله‪ ،‬قال‪» :‬عندكم كتاب الله«‪» ،‬حسبنا كتاب الله«‬
‫فجوابه‪ :‬أن ما ادعاه أول ً بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه ل‬
‫يعى ما يقول فهذا باطل‪ ،‬وذلك أن هذه اللفظة )أهجر( ل تثبت عن‬
‫عمر – رضي الله عنه – أص ً‬
‫ل‪ ،‬وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من‬
‫الواردة‪(6‬في الصحيحين قائلها‪ ،‬وإنما الثابت‬
‫غير أن تعين الروايات‬
‫فيها»فقالوا‪ :‬ما شأنه أهجر«) ‪ ,‬هكذا بصيغة الجمع دون الفراد‪،‬‬
‫ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلم عمر‪ ،‬قال‬
‫ابن حجر‪ :‬ويظهر لي ترجيح ثالث الحتمالت‪ ،‬التي ذكرها القرطبي‪،‬‬
‫وكان يعهد أن‬
‫ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في السلم‪،‬‬
‫من اشتد عليه الوجع‪ ،‬قد يشتغل به عن تحرير ما يريد)‪ ,(7‬وقال‬
‫هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر‬
‫الدهلوى‪ :‬من أين يثبت قائل‬
‫الروايات )قالوا( بصيغة الجمع)‪.(8‬‬
‫إن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الستفهام‬
‫هكذا)أهجر؟( وهذا بخلف ما جاء في بعض الروايات بلفظ )هجر‪،‬‬
‫ويهجر( فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون وشراح الحديث‪،‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم )‪.(4432‬‬
‫منهاج السنة )‪.(6/25‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/316‬‬
‫فتح الباري )‪.(1/209‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(6/25‬النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(283 ،282 ،281‬‬
‫البخاري رقم )‪.(4431‬‬
‫فتح الباري )‪.(8/133‬‬
‫مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪.(250‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪2‬‬

‫فقد‬
‫منهم القاضي عياض)‪ ,(1‬والقرطبي)‪ ,(2‬والنووي)‪ ,(3‬وابن حجر)‪,(4‬‬
‫)‪(5‬‬
‫نصوا أن الستفهام جاء في سبيل النكار على من قال‪ :‬ل تكتبوا ‪,‬‬
‫قال القرطبي بعد أن ذكر الدلة على عصمة النبي × من الخطأ في‬
‫التبليغ في كل أحواله‪ ،‬وتقرر ذلك عند الصحابة‪ ،‬وعلى هذا يستحيل أن‬
‫يكون قولهم )أهجر(‪ ،‬لشك عرض لهم في صحة قوله‪ ،‬زمن مرضه‪،‬‬
‫وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه النكار على من توقف في إحضار‬
‫الكتف والدواة‪ ،‬وتلكأ عنه‪ ،‬فكأنه يقول لمن توقف‪ :‬كيف تتوقف؟ أتظن‬
‫نا؟ فدع التوقف)‪(6‬وقرب الكتف‪ ،‬فإنه يقول الحق ل الهجر‪،‬‬
‫أنه قال هذيا ً‬
‫وهذا أحسن ما يحمل عليه ‪,‬وهذا يدل على اتفاق الصحابة على‬
‫استحالة الهجر على رسول الله ×‪ ،‬حيث إن قائليها أوردوها على سبيل‬
‫الملزم‪ ،‬الذي ل يشك في المخالف‪ ،‬وبه تبطل دعوى الروافض‬
‫النكار‬
‫من أصلها)‪.(7‬‬
‫‪6‬أما ادعاؤهم من معارضة عمر لرسول الله × بقوله‪ :‬عندكم‬‫كتاب الله‪ ،‬حسبنا كتاب الله‪ ،‬وأنه لم يمتثل أمر رسول الله × فيما‬
‫أراد من كتابة الكتاب‪ ،‬فالرد على هذه الشبهة الواهية‪ ،‬أن عمر – رضي‬
‫الله عنه – ومن كان على رأيه من الصحابة‪ ،‬ظهر لهم أن أمر الرسول‬
‫بكتابة الكتاب ليس على الوجوب‪ ،‬وأنه من باب الرشاد إلى الصلح‪،‬‬
‫وقد نبه على هذا القاضي عياض)‪ ,(8‬والقرطبي)‪ ,(9‬والنووي)‪ (10‬وابن‬
‫حجر)‪,(11‬ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر – رضي الله عنه –‬
‫وذلك بترك الرسول × كتابة الكتب‪ ،‬ولو كان واجبا ً لم يتركه لختلفهم‪،‬‬
‫لنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف‪ ،‬ولهذا عد هذا من موافقات‬
‫عمر)‪,(12‬كما أن قول عمر – رضي الله عنه‪ :‬حسبنا كتاب الله‪ ،‬رد على‬
‫من نازعه ل على أمر النبي ×‪ ،‬وهذا ظاهر من قوله‪ :‬عندكم كتاب‬
‫الله‪ ،‬فإن المخاطب جمع‪ ،‬وهم المخالفون لعمر – رضي الله عنه – في‬
‫رأيه‪ ،‬كما أن عمر – رضي الله عنه – كان بعيد النظر‪ ،‬ثاقب البصيرة‪،‬‬
‫سديد الرأي‪ ،‬وقد رأى أن الولى ترك كتابة الكتاب‪ ،‬بعد أن تقرر عنده‬
‫أن المر به ليس على الوجوب‪ ،‬وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء‬
‫في توجيهها‪ ،‬أقول‪ :‬منها شفقته على رسول الله مما يلحقه من كتابة‬
‫الكتاب مع شدة المرض‪ ،‬ويشهد لهذا قوله‪ :‬إن رسول الله قد غلبه‬
‫‪1‬‬

‫)( الشفا )‪.(2/886‬‬
‫‪2‬‬
‫)( المفهم )‪.(4/559‬‬
‫‪3‬‬
‫)( شرح صحيح مسلم )‪.(11/93‬‬
‫‪4‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(8/133‬‬
‫‪5‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(228‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المفهم )‪.(4/559‬‬
‫‪7‬‬
‫)( النتصار للصحب ولل‪ :‬ص )‪،(28‬وهذا المرجع من أحسن ما أطلعت عليه في‬
‫الرد على هذه الشبهة‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الشفا )‪.(2/887‬‬
‫‪9‬‬
‫)( المفهم )‪.(2/559‬‬
‫‪10‬‬
‫)( شرح النووي )‪.(11/91‬‬
‫‪11‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/209‬‬
‫‪12‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/209‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪3‬‬

‫الوجع‪ ،‬فكره أن يتكلف رسول الله ما يشق ويثقل عليه)‪ ,(1‬مع‬
‫ما َ‬
‫من َ‬
‫ء" ]النعام‪:‬‬
‫ي ٍ‬
‫فّرطَْنا ِ‬
‫ب ِ‬
‫استحضار قوله تعالى‪ّ + :‬‬
‫في ال ْك َِتا ِ‬
‫ش ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫يٍء" ]النحل‪.[89:‬‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫نا‬
‫‪ .[38‬وقوله تعالى‪ + :‬ت ِب َْيا‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫قال النووي‪ :‬وأما كلم عمر‪ -‬رضي الله عنه – فقد اتفق العلماء‬
‫المتكلمون في شرح الحديث‪ ،‬على أنه من دلئل فقه عمر‪ ،‬وفضائله‬
‫ودقيق نظره)‪.(2‬‬
‫دا في موقفه من كتابة‬
‫كما أن عمر – رضي الله عنه – كان مجته ً‬
‫الكتاب‪ ،‬والمجتهد في الدين معذور على كل‪ ،‬بل مأجور لقول النبي‬
‫×‪» :‬إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا‬
‫حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر«)‪ ,(3‬فكيف وقد كان اجتهاد عمر‬
‫بحضور رسول الله × فلم يؤثمه ولم يذمه به‪ ،‬بل وافقه على ما‬
‫أراد من ترك الكتاب‪ ،‬وبهذا يظهر بطلن طعن الروافض على‬
‫الصحابة في هذه الحادثة‪ ،‬وينكشف زيف ما قالوه في حقهم)‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( الشفا )‪.(2/888‬‬
‫)( شرح النووي على صحيح مسلم )‪ ،(11/90‬النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‬
‫‪.(292 ،291 ،290 ،289‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(7352‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(295 ،294‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪4‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الخلفاء الراشدين‬
‫المبحث الول‬
‫علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الصديق‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬مبايعة علي لبى بكر بالخلفة رضي الله عنهما‪:‬‬
‫وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق‪ ،‬وكذا‬
‫ج ّ‬
‫ل هذه الخبار ليست بصحيحة‪ ،‬وقد جاءت‬
‫تأخر الزبير بن العوام‪ ،‬و ُ‬
‫روايات صحيحة السند تفيد بأن علًيا والزبير – رضي الله عنهما‪ -‬بايعا‬
‫الصديق في أول المر‪ ،‬فعن أبى سعيد الخدري‪ -‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫قال‪ :‬لما توفى رسول الله × قام خطباء النصار‪..‬فذكر بيعة‬
‫السقيفة)‪ ,(1‬ثم قال‪ :‬ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر‬
‫في وجوه القوم فلم ير علًيا‪ ،‬فسأل عنه‪ ،‬فقام أناس من النصار‪،‬‬
‫فأتوا به‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬ابن عم رسول الله × وختنه أردت أن تشق‬
‫عصا المسلمين‪ ،‬فقال‪ :‬ل تثريب يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فبايعه‪ ،‬ثم‬
‫مة‬
‫لم ير الزبير بن العوام‪ ،‬فسأل عنه حتى جاءوا به‪ ،‬فقال‪ :‬ابن ع ّ‬
‫عصا( المسلمين‪ ،‬فقال مثل‬
‫رسول الله × وحواريه‪ ،‬أردت أن تشق‬
‫قوله‪ :‬ل تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه)‪ . 2‬ومما يدل على أهمية‬
‫حديث أبى سعيد الخدري الصحيح أن المام مسلم بن الحجاج‬
‫صاحب الجامع الصحيح‪ -‬الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح‬
‫البخاري – ذهب إلى شيخة الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة –‬
‫صاحب صحيح ابن خزيمة‪ -‬فسأله عن هذا الحديث‪ ،‬فكتب له ابن‬
‫هذا‬
‫خزيمة الحديث‪ ،‬وقرأه عليه‪ ،‬فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫ابن خزيمة‪ :‬هذا الحديث ل يساوى بدنة‬
‫الحديث يساوى بدنة‪ ،‬فقال‬
‫فقط‪ ،‬إنه يساوى بدرة مال)‪ ,(4‬وعلق على هذا الحديث ابن كثير –‬
‫رحمه الله – فقال‪ :‬هذا إسناد صحيح محفوظ‪ ،‬وفيه فائدة جليلة‪،‬‬
‫وهي مبايعة على بن أبى طالب‪ ،‬إما في أول يوم‪ ،‬أو في الثاني من‬
‫الوفاة‪ ،‬وهذان حق‪ ،‬فإن على بن أبى طالب لم يفارق الصديق في‬
‫وقت من الوقات‪ ،‬ولم ينقطع عن صلة من الصلوات خلفه)‪ ,(5‬وفي‬
‫رواية حبيب بن أبى ثابت‪ ،‬حيث قال‪ :‬كان على بن أبى طالب في‬
‫ى إلى‬
‫بيته‪ ،‬فأتاه رجل‪ ،‬فقال له‪ :‬قد جلس أبو بكر للبيعة‪ ،‬فخرج عل ّ‬
‫جل‪ ،‬كراهة أن‬
‫المسجد في قميص له‪ ،‬ما عليه إزار ول رداء‪ ،‬وهو متع ّ‬
‫أبا بكر‪ ،‬ثم جلس‪ ،‬وبعث إلى ردائه فجاءوه‬
‫يبطئ عن البيعة‪ ،‬فبايع‬
‫به‪ ،‬فلبسه فوق قميصه)‪ .(6‬وقد سأل عمرو بن حريث سيعد بن زيد‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فقال له‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد‪ :‬يوم مات‬
‫رسول الله ×‪ ،‬كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم‪ ،‬وليسوا في‬
‫جماعة‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لم يخالف إل مرتد‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مجمع الزوائد )‪ (5/183‬رجاله رجال الصحبيح )البداية والنهاية ‪ ،(5/281‬قال‬
‫بن كثير‪ :‬هذا إسناد صحيح محفوظ‪.‬‬
‫)( المستدرك )‪ ،(3/76‬السنن الكبرى )‪ (8/143‬بإسنادين صحيحين‪.‬‬
‫)( البدنة‪ :‬ناقة أو بقرة تنحر بمكة ولعظمها وضخامتها سميت بدنة‪.‬‬
‫)( البدرة‪ :‬كيس فيه ألف أو عشرة آلف دينار‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه كنز ثمين‪.‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/239‬‬
‫)( الطبري )‪ (3/207‬والثر مرسل وفي السناد سيف بن عمر متروك‪ ،‬وعبد‬
‫العزيز بن سياه صدوق يتشيع‪ ،‬التقريب )‪.(357‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪5‬‬

‫أو كاد أن يرتد‪ ،‬وقد أنقذ الله النصار‪ ،‬فجمعهم عليه وبايعوه‪ .‬قال‪:‬‬
‫هل قعد أحد من المهاجرين عن بيتعه؟ قال سعيد‪ :‬ل لقد تتابع‬
‫المهاجرون على بيعته)‪ ,(1‬وكان مما قال على – رضي الله عنه – لبن‬
‫الكواء وقيس بن عباد حينما قدم البصرة وسأله عن مسيره قال‪:‬‬
‫»لو كان عندي من‬
‫النبي × عند في ذلك ما تركت أخا بنى تيم بن مرة وعمر بن‬
‫الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما ولو لم أجد إل بردى هذا‪،‬‬
‫ولكن رسول الله × لم يقتل قتل ً ولم يمت فجأة‪ ،‬مكث في مرضه‬
‫ما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلة‪ ،‬فيأمر أبا بكر فيصلى‬
‫أيا ً‬
‫بالناس‪ ،‬وهو يرى مكاني‪ ،‬ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه‬
‫عن أبى بكر فأبى وغضب وقال‪» :‬أنتن صواحب يوسف مروا‬
‫أبا بكر فليصل بالناس« فلما قبض الله نبيه ونظرنا في أمورنا‪،‬‬
‫فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله‪ ,‬وكانت الصلة أصل السلم‪ ,‬وهي‬
‫أعظم المور وقوام الدين‪ ،‬فبايعنا أبو بكر‪ ،‬وكان لذلك أه ً‬
‫ل‪ ،‬ولم‬
‫يختلف عليه منا اثنان‪ ،‬ولم يشهد بعضنا على بعض‪ ،‬ولم نقطع منه‬
‫البراءة‪ ،‬فأديت إلى أبى بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في‬
‫آخذ( إذا أعطاني‪ ،‬وأغزو إذا أغزاني‪ ،‬وأضرب بين يديه‬
‫جنوده‪ ،‬وكنت‬
‫الحدود بسوطى)‪. 2‬‬
‫وكان مما قال في خطبته على منبر الكوفة في ثنائه على أبى بكر‬
‫وعمر‪» :‬فأعطي المسلمون البيعة طائعين‪ ،‬فكان أول من سبق في‬
‫ذلك من ولد عبد المطلب أنا«)‪,(3‬وجاءت روايات أشارت إلى مبايعة‬
‫على لبى بكر‪ -‬رضي الله عنهما – في أول المر وإن لم تصرح بذلك‪،‬‬
‫فعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال‪ :‬إن عبد الرحمن بن‬
‫عوف كان مع عمر بن الخطاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ثم قام أبو بكر‬
‫صا على المارة‬
‫فخطب الناس‪ ،‬واعتذر إليهم وقال‪» :‬والله ما كنت حري ً‬
‫با‪ ،‬ول سألتها الله عز وجل في سر‬
‫يوما ً ول ليلة قط‪ ،‬ول كنت فيها راغ ً‬
‫ول علنية‪ ،‬ولكنى أشفقت من الفتنة‪ ،‬وما لي في المارة من راحة‪،‬‬
‫ما ً ما لي به من طاقة ولبد إل بتقوية الله عز‬
‫را عظي‬
‫ولكن قلدت أم ً‬
‫وجل‪ ،‬ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم«‪ ،‬فقل المهاجرون‬
‫منه ما قال‪ ،‬وما اعتذر به‪ .‬قال على رضي الله عنه والزبير‪» :‬ما غضبنا‬
‫إل لنا قد أخرنا عن المشاورة‪ ،‬وأنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد‬
‫رسول الله ×‪ ،‬إنه لصاحب الغار‪ ،‬وثاني اثنين‪ ،‬وإنا لنعلم بشرفه‪،‬‬
‫وكبره‪ ،‬ولقد أمره رسول الله × بالصلة بالناس وهو حي«)‪ .(4‬وعن‬
‫قيس العبدي قال‪» :‬شهدت خطبة على يوم البصرة قال‪ :‬فحمد الله‬
‫وأثنى عليه وذكر النبي × وما عالج من الناس‪ ،‬ثم قبضه الله عز وجل‬
‫إليه‪ ،‬ثم رأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر‪ -‬رضي الله عنه – فبايعوا‬
‫ورضيت‪(5،‬وفعل‬
‫وعاهدوا وسلموا‪ ،‬وبايعت وعاهدت وسلمت‪ ،‬ورضوا‬
‫من الخير وجاهد حتى قبضه الله عز وجل‪ ،‬رحمة الله عليه«) ‪.‬‬
‫إن علًيا رضي الله عنه لم يفارق الصديق في وقت من الوقات‬
‫ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات‪ ،‬وكان يشاركه في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ (3/207‬إسناد الخبر ضعيف‪ ،‬أنظر خلفة أبى بكر الصديق‪،‬‬
‫عبد العزيز سليمان‪ :‬ص)‪.(66‬‬
‫)( تاريخ السلم‪ ،‬عهد الخلفة الراشدة‪ :‬ص )‪ (389‬إسناده ضعيف خلفة أبي‬
‫بكر الصديق‪ ،‬عبد العزيز سليمان‪ :‬ص )‪.(65‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ (167 ،4/166‬خلفة أبي بكر‪ :‬ص)‪.(66‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ (6/341‬إسناده جيد‪ ،‬خلفة أبي بكر‪ :‬ص )‪.(67‬‬
‫)( السنة‪ ،‬عبد الله بن أحمد )‪ (2/563‬رجال السناد ثقات‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪6‬‬

‫المشورة‪ ،‬وفي تدبير أمور المسلمين‪ .‬ويرى ابن كثير ومجموعة من‬
‫أهل العلم أن علًيا جدد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الولى أي بعد‬
‫فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وجاءت في هذه البيعة روايات‬
‫وفاة‬
‫)‪(1‬‬
‫الرواة أن علًيا‬
‫بعض‬
‫اعتقد‬
‫الثانية‬
‫البيعة‬
‫وقعت‬
‫لما‬
‫ولكن‬
‫‪.‬‬
‫صحيحة‬
‫لم يبايع قبلها‪ ،‬فنفى ذلك والمثبت مقدم على النافي)‪.(2‬‬
‫وهناك كتاب اسمه »المام على جدل الحقيقة والمسلمين‬
‫الوصية والشورى« لمحمود محمد العلى زعم صاحبه بأنه يبحث‬
‫وينشد الحقيقة‪ ،‬ولكن صاحبه لم يتخلص من المنهج الشيعي‬
‫م في العسل‪ ،‬ولذلك وجب التنبيه‪،‬‬
‫الرافضي في الطرح ووضع الس ّ‬
‫وقد تعرض لبيعة على رضي الله عنه‪ ،‬وزعم بأن أحقية على رضي‬
‫الله عنه بالخلفة قائمة على الوصية‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬علي رضي الله عنه ومساندته لبى بكر في حروب الردة‪:‬‬
‫كان علي رضي الله عنه لبى بكر رضي الله عنه عيبة)‪ (3‬نصح له‪،‬‬
‫حا لما فيه مصلحة للسلم والمسلمين على أي شيء آخر‪ ،‬ومن‬
‫مرج ً‬
‫الدلئل الساطعة على إخلصه لبى بكر ونصحه للسلم والمسلمين‬
‫وحرصه على الحتفاظ ببقاء الخلفة واجتماع شمل المسلمين ما‬
‫جاء من موقفه من توجه أبى بكر رضي الله عنه بنفسه إلى ذي‬
‫القصة‪ ،‬وعزمه على محاربة المرتدين‪ ،‬وقيادته للتحركات العسكرية‬
‫ضدهم بنفسه‪ ،‬وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود‬
‫السلمي)‪ ,(4‬فعن ابن عمر‪ ،‬رضي الله عنه يقول‪» :‬أقول لك ما قال‬
‫رسول الله × يوم أحد‪ :‬لم سيفك ول تفجعنا بنفسك‪ ،‬وارجع إلى‬
‫)‪(5‬‬
‫دا«‪ ،‬فرجع‬
‫المدينة‪ ،‬فوالله لئن فجعنا بك ل يكون للسلم نظام أب ً‬
‫فلو كان على رضي الله عنه – أعاذه الله من ذلك – لم ينشرح‬
‫ما من نفسه‪ ،‬فقد كانت هذه‬
‫صدره لبى بكر وقد بايعه على رغ ً‬
‫فرصة ذهبية ينتهزها على‪ ،‬فيترك أبا بكر وشأنه‪ ،‬لعله يحدث به حدث‬
‫فيستريح منه ويصفو الجو له‪ ،‬وإذا كان فوق ذلك – حشاه الله – من‬
‫دا يغتاله‪ ،‬كما‬
‫كراهته له‪ ،‬وحرصه على التخلص منه‪ ،‬أغرى به أح ً‬
‫يفعل الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم)‪ ,(6‬وقد كان رأي علي‬
‫رضي الله عنه مقاتلة المرتدين‪ ،‬وقال لبى بكر لما قال لعلي‪ :‬ما‬
‫تقول يا أبا الحسن؟ قال‪ :‬أقول‪ :‬إنك إن تركت شيًئا مما كان أخذه‬
‫سنة( الرسول‪ ،‬فقال‪ :‬أما لئن‬
‫منهم رسول الله فأنت على خلف‬
‫قلت ذاك لقاتلنهم وإن منعوني عقال ً)‪. 7‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تقديم علي رضي الله عنه لبى بكر‪:‬‬
‫تواترت الخبار عن على رضي الله عنه في تفضيله وتقديمه لبى‬
‫بكر رضي الله عنه‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬عن محمد ابن الحنفية قال‪ :‬قلت لبى‪ :‬أي الناس خير بعد‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(5/49‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/49‬‬
‫)( العيبة‪ :‬وعاء من خوص ونحوه ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين‪ ،‬ووعاء‬
‫من أدم ونحوه يكون فيه المتاع‪.‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص )‪.(97‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(315 ،6/314‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(97‬‬
‫)( المختصر من كتب الموافقة بين أهل البيت والصحابة للزمخشرى‪ :‬ص )‪،(48‬‬
‫الرياض النضرة‪ :‬ص )‪.(670‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪7‬‬

‫وخشيت أن‬
‫رسول الله ×؟ قال‪ :‬أبو بكر‪ ،‬قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬عمر‪،‬‬
‫يقول عثمان قلت‪ :‬ثم أنت؟ قال‪ :‬ما أنا إل رجل من المسلمين)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬عن على رضي الله عنه قال‪ :‬أل أخبركم بخير هذه المة بعد‬
‫نبيها‪(2:‬أبو بكر‪ .‬ثم قال‪ :‬أل أخبركم بخير هذه المة بعد أبى بكر‪:‬‬
‫عمر) ‪.‬‬
‫‪ -3‬عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال‪:‬قيل لعلي بن أبي طالب‬
‫رضي الله عنه‪ :‬أل تستخلف علينا؟ قال‪ :‬ما استخلف رسول الله ×‬
‫فسيجمعهم بعدي على‬
‫فأستخلف‪ ،‬ولكن إن يرد الله بالناس خيًرا‬
‫خيرهم‪ ،‬كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)‪.(3‬‬
‫رضي( الله عنه‪:‬ل يفضلنى أحد على أبى بكر وعمر‬
‫‪ -4‬وقال علي‬
‫إل جلدته حد المفترى)‪. 4‬‬
‫‪ -5‬قول علي لبى سفيان رضي الله عنهما‪:‬إنا وجدنا أبا بكر لها‬
‫أه ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وهناك آثار يستأنس بها في إيضاح العلقة الطيبة بين على وأبى‬
‫بكر منها‪:‬‬
‫)أ( عن عقبة بن الحارث قال‪:‬خرجت مع أبى بكر الصديق من‬
‫صلة العصر بعد وفاة النبي × بليال وعلى يمشى إلى جنبه‪ ،‬فمر‬
‫بحسن بن على يلعب مع غلمان‪ ،‬فاحتملهن على رقبته وهو يقول‪:‬‬
‫ليس شبيًها بعلي‬
‫بأبى يشبه النبي‬
‫قال‪ :‬وعلى يضحك)‪.(5‬‬
‫عنه قال‪» :‬من فارق الجماعة شبًرا‪،‬‬
‫)ب( وعن على رضي الله‬
‫فقد نزع ربقة السلم من عنقه)‪ «(6‬فهل كان على يفعل ذلك؟ كان‬
‫رضي الله عنه يكره الختلف ويحرص على الجماعة‪ .‬قال القرطبي‪:‬‬
‫من تأمل ما دار بين أبى بكر وعلى من المعاتبة ومن العتذار‪ ،‬وما‬
‫تضمن ذلك من التفاق عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الخر‪،‬‬
‫وأن قلوبهم كانت متفقة على الحترام والمحبة‪ ،‬وإن كان الطبع‬
‫البشري قد يغلب أحياًنا‪ ،‬لكن الديانة ترد بذلك – والله الموفق‪.(7)-‬‬
‫وأما ما قيل من تخلف الزبير بن العوام عن البيعة لبى بكر‪ ،‬فإنه‬
‫مبايعته‬
‫لم يرد من طريق صحيح‪ ،‬بل ورد ما ينفي هذا القول‪ ،‬ويثبت‬
‫في أول المر‪ ،‬وذلك في أثر أبى سعيد الصحيح وغيره من الثار)‪.(8‬‬
‫)ج( قال ابن تيمية‪:‬وقد تواترت عن أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب رضي الله عنه أنه قال‪» :‬خير المة بعد نبيها أبو بكر ثم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( البخاري‪.‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (127 ،110 ،1/106‬صحح أحمد شاكر معظم طرق الحاديث‪.‬‬
‫)( المستدرك )‪ (3/79‬صحيح السناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/83‬في سنده ضعف‪.‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/170‬إسناده صحيح تحقيق أحمد شاكر‪.‬‬
‫)( مصنف ابن أبى شيبة )‪ (15/24‬من مرسل أبى طاق الزدي وهو صدوق‬
‫ورجال السناد ثقات‪ ،‬خلفة أبي بكر الصديق‪ :‬ص)‪.(80‬‬
‫)( فتح البارى )‪.(7/495‬‬
‫)( خلفة أبى بكر الصديق‪ ،‬عبد العزيز سليمان‪ :‬ص )‪.(81‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪8‬‬

‫عمر«‪ ،‬وقد روى هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين‬
‫»ل أوتى بأحد يفضلني على أبى بكر وعمر‬
‫قا‪ ،‬وعنه أنه يقول‪:‬‬
‫طري ً‬
‫ضا‪ :‬ولم يقل قط أني أحق بهذا –‬
‫إل جلدته حد المفترى«)‪ .(1‬وقال أي ً‬
‫أي الخلفة – من أبى بكر ول قاله أحد من بعينه أن فلًنا أحق بهذا‬
‫المر من أبى بكر‪ ،‬وإنما قال من فيه أثر لجاهلية عربية أو فارسية‬
‫إن بيت الرسول أحق بالولية لن العرب في جاهليتها كانت تقدم‬
‫يقدمون أهل بيت الملك‪ ،‬فنقل عمن‬
‫أهل الرؤساء‪ ،‬وكذلك الفرس‬
‫نقل عنه كلم يشير به إلى هذا)‪.(2‬‬
‫)د( تسمية أبى بكر بالصديق وشهادة على له بالسّباق‬
‫يا رضي الله‬
‫والشجاعة‪:‬عن يحيى بن حكيم ابن سعد قال‪ :‬سمعت عل ً‬
‫عنه يحلف‪ :‬لله أنزل اسم أبى بكر من السماء‪ ،‬الصديق)‪ ,(3‬وعن‬
‫صلة بن زفر العبسى قال‪ :‬كان أبو بكر إذا ذكر عند على قال‪:‬‬
‫تذكرون والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إل سبقنا‬
‫السّباق‬
‫إليه أبو بكر)‪ ,(4‬وعن محمد بن عقيل بن أبى طالب قال‪ :‬خطبنا على‬
‫فقال‪ :‬أيها الناس من أشجع الناس؟ قلنا‪ :‬أنت يا أمير المؤمنين‪ .‬قال‬
‫ذاك أبو بكر الصديق إنه لما كان في يوم بدر وضعنا لرسول الله‬
‫العريش)‪ (5‬فقلنا‪ :‬من يقم عنده ل يدنو إليه أحد من المشركين؟ فما‬
‫قام عليه إل أبو بكر‪ ،‬وإنه كان شاهًرا السيف على رأسه كلما دنا‬
‫رأيت( رسول الله وأخذته‬
‫إليه أحد هوى إليه أبو بكر بالسيف‪ ،‬ولقد‬
‫قريش عند الكعبة فجعلوا يتعتعونه ويترترونه)‪ 6‬ويقول‪ :‬أنت الذي‬
‫دا‪ ،‬فوالله ما دنا إليه إل أبو بكر ولبي بكر يومئذ‬
‫جعلت اللهة إلًها واح ً‬
‫ضفيرتان)‪ ,(7‬فأقبل يجأ)‪ (8‬هذا‪ ،‬ويدفع هذا‪ ،‬ويقول‪ :‬ويلكم أتقتلون رجل ً‬
‫أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم‪ ..‬وقطعت إحدى‬
‫ضفيرتي أبى بكر‪ ،‬فقال على لصحابه‪ :‬ناشدتكم الله أي الرجلين‬
‫خير‪ ،‬مؤمن آل فرعون أم أبو بكر؟ فأمسك القوم‪ ،‬فقال على‪ :‬والله‬
‫رجل كتم إيمانه‬
‫ليوم من أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون‪ ،‬ذلك‬
‫فأثنى الله عليه‪ ،‬وهذا أبو بكر بذل نفسه ودمه لله)‪.(9‬‬
‫رابًعا‪ :‬اقتداء على بالصديق في الصلوات وقبول الهدايا منه‪:‬‬
‫إن علًيا رضي الله عنه كان راضًيا بخلفة الصديق ومشار ً‬
‫كا له‬
‫الهدايا رافًعا إليه الشكاوي‪ ،‬مصلًيا‬
‫في معاملته وقضاياه‪ ،‬قابل ً منه‬
‫)‪(10‬‬
‫ضا من بغضه ‪ ,‬وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء‬
‫خلفه‪ ،‬محًبا له‪ ،‬مبغ ً‬
‫وأصحاب النبي × ومن تبعهم بهديهم‪ ،‬وسلك مسلكهم‪،‬‬
‫الراشدين‪،‬‬
‫ونهج منهجهم)‪ ,(11‬فهذا اليعقوبي الشيعي الغالي في تاريخه يذكر أيام‬
‫خلفة الصديق فيقول‪ :‬وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة‬
‫‪1‬‬

‫)(‬
‫‪2‬‬
‫)(‬
‫‪3‬‬
‫)(‬
‫‪4‬‬
‫)(‬
‫‪5‬‬
‫)(‬
‫‪6‬‬
‫)(‬
‫‪7‬‬
‫)(‬
‫‪8‬‬
‫)(‬
‫‪9‬‬
‫)(‬
‫‪10‬‬
‫)(‬
‫‪11‬‬
‫)(‬

‫منهاج السنة )‪.(3/162‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(3/26‬مرويات أبى مخنف‪ :‬ص)‪.(309‬‬
‫المعجم الكبير للطبراني )‪ (1/95‬رجاله ثقات قاله الحافظ في الفتح‪.‬‬
‫الطبراني في الوسط )‪ (208 ،7/207‬إسناده ضعيف‪.‬‬
‫عرش‪.‬‬
‫العريش‪ :‬ما يستظل به وجمعه عروش و ُ‬
‫يترترونه‪ :‬الترترة‪ :‬تحريك الشيء‪.‬‬
‫ضفيرتان‪ :‬عقيصتان‪.‬‬
‫يجأ‪ :‬الوجأ‪ :‬اللكز‪.‬‬
‫المستدرك )‪ (3/67‬صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاء ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ ،‬إحسان إلهي ظهير‪ :‬ص)‪.(69‬‬
‫الشيعة وأهل البيت إحسان إلهي ظهير‪ :‬ص )‪.(69‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪10‬‬
‫‪9‬‬

‫من أصحاب رسول الله ×‪ ،‬فقدموا وأخروا فاستشار على بن أبى‬
‫طالب فأشار أن يفعل‪ ،‬فقال‪ :‬إن فعلت ظفرت؟ فقال‪ :‬بشرت‬
‫بخير‪ ،‬فقام أبو بكر في الناس خطيًبا‪ ،‬وأمرهم أن يتجهزوا إلى‬
‫الروم‪ ،‬وفي رواية‪ :‬سأل الصديق علًيا كيف ومن أين تبشر؟ قال‪:‬‬
‫من النبي × حيث سمعته يبشر بتلك البشارة‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن‪ ،‬سرك الله)‪.(1‬‬
‫ضا‪ :‬وكان ممن يؤخذ عنهم الفقه في أيام أبى‬
‫ويقول اليعقوبي أي ً‬
‫الخطاب ومعاذ بن جبل وأبى بن‬
‫ابن‬
‫وعمر‬
‫بكر على بن أبى طالب‬
‫كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود)‪ ,(2‬فقدم علًيا على جميع‬
‫أصحابه‪ ،‬وهذا)‪(3‬دليل واضح على تعاملهم مع بعضهم وتقديمهم علًيا‬
‫في المشورة والقضاء‪ ،‬فعندما كتب خالد بن الوليد إلى أبى بكر‬
‫بقوله له‪ :‬أنه وجد رجل ً في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح‬
‫المرأة‪ ،‬فجمع أبو بكر لذلك أصحاب رسول الله × منهم على‪ ،‬فقال‬
‫على‪ :‬إن هذا ذنب لم يعمل به إل أمة واحدة)‪ ,(4‬ففعل الله بهم ما قد‬
‫علمتم‪ ،‬أرى أن تحرقه بالنار‪ ،‬فاجتمع رأي أصحاب رسول الله أن‬
‫يحرق بالنار‪ ،‬فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار)‪ (5‬وكان على رضي الله‬
‫عنه يمتثل أوامر الصديق؛ فعندما جاء وفد من الكفار إلى المدينة‪،‬‬
‫فا وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد‬
‫ورأوا بالمسلمين ضع ً‬
‫واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة‪ ،‬وأحس منهم الصديق‬
‫خطًرا على عاصمة‬
‫السلم والمسلمين‪ ،‬أمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس‬
‫على أنقابها يبيتون بالجيوش‪ ،‬وأمر علًيا والزبير وطلحة وعبد الله بن‬
‫يرأسوا هؤلء الحراس‪ ،‬وبقوا كذلك‬
‫مسعود أن‬
‫حتى أمنوا منهم)‪.(6‬‬
‫وللتعامل الموجود بينهم وللتعاطف والتواد والوئام الكامل كان‬
‫على وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول × يتقبل الهدايا‬
‫والتحف‪ ،‬دأب الخوة المتساوين فيما بينهم والمتحابين كما قبل‬
‫الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر‪ ،‬وولدت له عمر‬
‫ضا منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت‬
‫ورقية)‪ ,(7‬وأي ً‬
‫مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولده بعد الحسن‬
‫والحسين وهو محمد ابن الحنفية‪ ،‬وكانت خولة من سبى أهل الردة‬
‫وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد ابن الحنفية)‪ ,(8‬يقول المام‬
‫الجوينى عن بيعة الصحابة لبى بكر‪ :‬وقد اندرجوا تحت الطاعة عن‬
‫بكرة أبيهم لبى بكر – رضي الله عنه – وكان على رضي الله عنه‬
‫سامًعا لمره‪ ،‬وبايع أبا بكر على مل من الشهاد‪ ،‬ونهض إلى غزو بنى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ اليعقوبي )‪ (133 ،132 /2‬نقل ً عن الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(70‬‬
‫المصدر السابق )‪(2/138‬نقل ً عن الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(70‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(70‬‬
‫أل وهى أمة لوط عليه السلم‪.‬‬
‫المغنى والشرح الكبير )‪ (12/220‬المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪.(51‬‬
‫تاريخ الطبري )‪ ،(4/64‬الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(71‬‬
‫الطبقات )‪ ،(3/20‬البداية والنهاية )‪.(333 -7/331‬‬
‫الطبقات )‪.(3/20‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪0‬‬

‫حنيفة)‪.(1‬‬
‫ووردت روايات عديدة في قبوله هو وأولده الهدايا المالية‪،‬‬
‫والخمس‪ ،‬وأموال الفئ من الصديق رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬وكان‬
‫على هو القاسم والمتولى في عهده على الخمس والفئ‪ ،‬وكانت‬
‫هذه الموال بيد على‪ ،‬ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين‪ ،‬ثم‬
‫الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن)‪ ,(2‬وكان على رضي الله عنه‬
‫يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق‪ ،‬راضًيا بإمامته‪،‬‬
‫ومظهًرا للناس اتفاقه ووئامه معه)‪ ,(3‬وكان على رضي الله عنه‬
‫يروى عن أبى بكر بعض أحاديث رسول الله ×‪ ،‬فعن أسماء بنت‬
‫الحكم الفزاري قالت‪ :‬سمعت علًيا رضي الله عنه يقول‪ :‬كنت إذا‬
‫ما نفعني الله به‪ ،‬وكان إذا حدثني عنه‬
‫سمعت من رسول الله عل ً‬
‫غيري استحلفته فإذا حلف صدقته‪ ،‬وحدثني أبو بكر‪ -‬وصدق أبو بكر‬
‫– قال‪ :‬سمعت رسول الله × يقول‪» :‬ما من عبد مسلم يذنب‬
‫ذنًبا ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين ثم‬
‫يستغفر الله إل غفر الله له«)‪ (4‬ولما قبض رسول الله ×‬
‫اختلف أصحابه فقالوا‪ :‬ادفنوه في البقيع)‪ ,(5‬وقال آخرون‪ :‬ادفنوه في‬
‫موضع الجنائز‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬ادفنوه في مقابل أصحابه‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر‪ :‬أخروا فإنه ل ينبغي رفع الصوت عند النبي حًيا ول ميًتا‪ ،‬فقال‬
‫على رضي الله عنه‪» :‬أبو بكر مؤتمن على ما جاء به«‪ .‬قال أبو بكر‪:‬‬
‫ى رسول أنه ليس من نبي يموت إل دفن حيث ُيقبض«)‪,(6‬‬
‫»عهد إل ّ‬
‫وشهد على رضي الله عنه للصديق عن عظيم أجره في المصاحف‪،‬‬
‫فعن عبد خير قال‪ :‬سمعت علًيا يقول‪» :‬أعظم الناس أجًرا في‬
‫المصاحف‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬هو أول من جمع بين اللوحين«)‪.(7‬‬
‫سا‪ :‬الصديق والسيدة فاطمة وميراث النبي ×‪:‬‬
‫خام ً‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬إن فاطمة والعباس – رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬أتيا أبا بكر‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬يلتمسان ميراثهما من رسول‬
‫الله × وهما يطلبان أرضه من فدك‪ ،‬وسهمه من خيبر‪ ،‬فقال لهما‬
‫أبو بكر‪ :‬إني سمعت رسول الله يقول‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما تركنا‬
‫صدقة‪ ،‬إنما يأكل آل محمد × من هذا المال«)‪ (8‬وفي رواية‬
‫قال أبو بكر رضي الله عنه‪....‬لست تار ً‬
‫كا شيًئا كان رسول الله ×‬
‫ً‬
‫يعمل به إل عملت به‪ ،‬فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن‬
‫أزيغ)‪ .(9‬وعن عائشة ‪ -‬رضي الله عنها – قالت‪ :‬إن أزواج النبي ×‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( الرشاد للجوينى‪ :‬ص )‪ (428‬نقل ً عن أصول مذهب الشيعة المامية الثنى‬
‫عشرية للقفاري )‪.(1/85‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(72‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(72‬‬
‫)( مسند أحمد رقم ‪.47‬‬
‫)( البقيع‪ :‬مقبرة أهل المدينة وهي داخل المدينة‪.‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/8‬إسناده ضعيف قاله أحمد شاكر‪ ،‬وقال ابن حجر في الفتح‬
‫)‪ (1/631‬إسناده صحيح لكنه موقوف‪.‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪.(44‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6726‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1759‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪1‬‬

‫حين توفى الرسول الله‪ ،‬أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله‬
‫عنه إلى أبى بكر‪ ،‬ليسألنه ميراثهن من النبي ×‪ ،‬فقالت عائشة‬
‫لهن‪ :‬أليس قد قال رسول الله ×‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما‬
‫رضي الله عنها‬
‫تركناه صدقة«)‪ (1‬وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫ما‪(2‬تركت بعد نفقة‬
‫الله ×‪» :‬ل يقتسم ورثتى ديناًرا‪،‬‬
‫نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة«) ‪.‬‬
‫وهذا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة رضي‬
‫الله عنها امتثال ً لقوله ×‪ ،‬لذلك قال الصديق‪» :‬لست تار ً‬
‫كا شيًئا كان‬
‫به«()‪ (3‬وقال‪» :‬والله ل أدع أمًرا‬
‫رسول الله × يعمل به إل عملت‬
‫رأيت رسول الله يصنعه إل صنعته«)‪. 4‬‬
‫وقد تركت فاطمة رضي الله عنه منازعته بعد احتجاجه بالحديث‬
‫وبيانه‪(5‬لها‪ ،‬وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×‪ ،‬قال ابن‬
‫قتيبة) ‪ :‬وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنها في ميراث‬
‫النبي× فليس بمنكر‪ ،‬لنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×‪ ،‬وظنت‬
‫أنها ترثه كما يرث الولد آباءهم‪ ،‬فلمان أخبرها بقوله كفت)‪ ,(6‬وقد‬
‫وا مفر ً‬
‫طا مجانبين الحق‬
‫غل الرافضة في قصة ميراث النبي غل ً‬
‫والصواب‪ ،‬معرضين متجاهلين ما ورد من نصوص صحيحة في أنه ×‬
‫ل يورث‪ ،‬وجعلوا ذلك من أصول الخلف بين الصحابة وآل البيت‪-‬‬
‫رضي الله عنهم أجمعين – وامتداًدا لمر الخلفة‪ ،‬فاتهموا الصحابة‪-‬‬
‫رضوان الله عليهم‪ -‬بإيقاع الظلم والجور على آل البيت‪ ،‬ول سيما‬
‫أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رضي الله عنهما – الذين غصبا‬
‫الخلفة من آل البيت كما في زعمهم‪ ،‬وأضافوا إلى ذلك غصب‬
‫أموال آل البيت‪ ،‬وغصب ما فرض الله لهم من حقوق مالية‪ ،‬ويعتبر‬
‫الرافضة قضية فدك‪ ،‬ومنع فاطمة من إرثها من أهم القضايا‪ ،‬التي‬
‫تواطأ عليها الصحابة بعد غصب الصديق رضي الله عنه للخلفة منهم‬
‫الناس( إلى آل البيت بسبب هذا‬
‫على حد تعبيرهم‪ ،‬وذلك حتى ل يميل‬
‫المال فيجتمعوا عليه ويخلعوه من الخلفة)‪. 7‬‬
‫والمتتبع لكتب الرافضة في هذه المسألة يجد أنها تنصب على إنكار‬
‫نحن معاشر النبياء ل نورث ما تركناه‬
‫رسول الله ×‪» :‬‬
‫حديث‬
‫)‪(8‬‬
‫واستقطاب الدلة لمحاولة إبطاله‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬
‫صدقة«‬
‫‪ -1‬زعمهم أن هذا الحديث وضعه أبو بكر الصديق‪ -‬رضي الله‬
‫عنه‪:-‬وفي ذلك يقول الحلى‪ :‬إن فاطمة لم تقبل بحديث اخترعه أبو‬
‫ضا‪ :‬والتجأ في ذلك إلى‬
‫بكر من قوله‪ :‬ما تركناه صدقة‪ .‬وقال أي ً‬
‫رواية انفرد بها)‪ .(9‬وقال المجلسى بعد أن نص على أن أبا بكر وعمر‬
‫أخذا فد ً‬
‫كا‪ :‬ولجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة‪ :‬نحن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( البخاري رقم ‪ ،6730‬مسلم رقم ‪.1758‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6729‬‬
‫)( مسلم ‪.1758‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6726‬‬
‫)( شذرات الذهب )‪.(2/169‬‬
‫)( تأويل مختلف الحديث‪ :‬ص ‪.19/1‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ :‬ص )‪.(435‬‬
‫)( مسلم ‪.1758‬‬
‫)( منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة )‪ (4/193‬نقل ً عن العقيدة في أهل‬
‫البيت‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪2‬‬

‫معاشر النبياء ل نورث‪ ،‬ما تركناه صدقة)‪ (1‬ويقول الخميني في ذلك‪:‬‬
‫المنسوب إلى النبي ل صحة له‪ ،‬وأنه قيل من أجل‬
‫نقول إن الحديث‬
‫استئصال ذرية النبي)‪.(2‬‬
‫ويجاب على ذلك‪ :‬بأن هذا القول كذب محض وافتراء واضح‪ ،‬إذ‬
‫هذه الرواية لم ينفرد بها أبو بكر رضي الله عنه بل إن قوله ×‪» :‬ل‬
‫نورث ما تركناه فهو صدقة«‪ ،‬رواه عنه أبو بكر وعثمان وعلى‬
‫وطلحة‪ ،‬والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد‬
‫وأزواج النبي × وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله‬
‫المطلب‬
‫عنهم أجمعين)‪ (3‬وفي ذلك يقول ابن تيمية‪ :‬والرواية عن هؤلء ثابتة‬
‫في الصحاح والمسانيد‪ ،‬ومشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث‪ ،‬فقول‬
‫القائل‪(4):‬إن أبا بكر انفرد بالرواية يدل على فرط جهله أو تعمده‬
‫الكذب ‪.‬‬
‫وقال ابن كثير بعد ذكره لمن روى الحديث‪» :‬وأن هذا الزعم من‬
‫الرافضة باطل‪ ،‬ولو تفرد بروايته الصديق‪ -‬رضي الله عنه )‪ (–5‬لوجب‬
‫على جميع أهل الرض قبول روايته والنقياد له في ذلك« ‪ ,‬وقد‬
‫قال الدكتور سليمان بن رجاء السحيمي صاحب الكتاب القيم‬
‫»العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط«‪ :‬ويؤيد هذا ما جاء‬
‫من كتب الرافضة عن المام جعفر الصادق المام الخامس‬
‫المعصوم عندهم فيما رواه الكليني والصفار والمفيد أنه قال‪ :‬قال‬
‫ما سلك الله به‬
‫رسول الله ×‪» :‬من سلك طري ً‬
‫قا يطلب منه عل ً‬
‫قا إلى الجنة‪ ،‬والعلماء أمناء‪ ،‬والتقياء حصون‪ ،‬والوصياء سادة‪،‬‬
‫طري ً‬
‫وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر‪،‬‬
‫ما‪ ،‬ولكن ورثوا‬
‫وأن العلماء ورثة النبياء لم يورثوا ديناًرا ول دره ً‬
‫العلم‪ ،‬فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)‪ (6‬وفي رواية‪» :‬إن العلماء ورثة‬
‫ما ول ديناًرا‪ ،‬وإنما أورثوا‬
‫النبياء‪ ،‬وذلك ان النبياء لم يورثوا دره ً‬
‫أحاديث من أحاديثهم«)‪ .(7‬وما أرث منك يا رسول الله؟ قال‪» :‬ما‬
‫أورث النبيون«‪.‬‬
‫م‬
‫زعمهم أن هذا الحديث‬
‫‪-2‬‬
‫لقوله تعالى‪ُ + :‬يو ِ‬
‫صيك ُ ُ‬
‫في أ َ‬
‫مخالف ا ُ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن )"‪](8‬النساء‪[11:‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ث‬
‫لن‬
‫ظ‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫لل‬
‫م‬
‫ك‬
‫د‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫الل ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صا بالمة دونه ×؟ ‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬ولم يجعل الله ذلك خا ً‬
‫والحقيقة أن الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب‪ ،‬وليس فيه‬
‫ما يوجب كون النبي × من المخاطبين بها)‪ ,(9‬فهو × ل يقاس بأحد‬
‫من البشر‪ ،‬فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم‪ ،‬ولن الله حرم عليه‬
‫خص بأشياء لم ُيخص بها أحد غيره ×‪،‬‬
‫صدقة الفرض والتطوع‪ ،‬و ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( حق اليقين‪ :‬ص )‪ (191‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(443‬‬
‫)( كشف السرار للخميني‪ :‬ص )‪ (133 -132‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت‪.‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(444‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(4/199‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/250‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪.(34 -1/32‬‬
‫(‬
‫‪11‬‬
‫‪،‬‬
‫‪10‬‬
‫)‬
‫ص‬
‫للصفار‪:‬‬
‫الدرجات‬
‫وبصائر‬
‫(‪،‬‬
‫)( المصدر السابق )‪34 -1/32‬‬
‫وانظر‪ :‬علم اليقين للكاشاني )‪ (748 ،2/747‬نقل ً‬
‫والختصاص للمفيد‪ :‬ص)‪(4‬‬
‫عن العقيدة لهل البيت‪ :‬ص)‪.(444‬‬
‫)( منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ‪.4/194‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ (195 ،4/494‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(445‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪3‬‬

‫ومما خصه الله به‪ ،‬هو وإخوانه من النبياء عليهم السلم كونهم ل‬
‫يورثون‪ ،‬وذلك صيانة من الله لهم لئل يكون ذلك شبهة لمن يقدح‬
‫في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوها لورثتهم‪ ،‬أما بقية البشر فل‬
‫نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك‪ ،‬كما صان الله تعالى نبينا × عن الخط‬
‫والشعر)‪(1‬صيانة لنبوته عن الشبة وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه‬
‫الصيانة ‪.‬‬
‫وقال ابن كثير في رده على استدلل الرافضة بالية‪ :‬إن رسول‬
‫خص من بين النبياء بأحكام ل يشاركونه فيها‪..‬فلو قدر أن‬
‫الله × قد ُ‬
‫الصحابة‪،‬‬
‫رواه‬
‫ما‬
‫لكان‬
‫كذلك‪،‬‬
‫المر‬
‫وليس‬
‫يورثون‪،‬‬
‫النبياء‬
‫غيره من‬
‫وعلى رأسهم أبو بكر‪ ،‬مبيًنا لتخصصه بهذا الحكم دون من سواه)‪.(2‬‬
‫وبهذا يتبين بطلن استدللهم بمخالفة الحديث‪.‬‬
‫‪ -3‬زعمهم أن منع الرث والستدلل بهذا الحديث مخالف‬
‫د" ]النمل‪ ،[16:‬ومخالف لما‬
‫ر َ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ث ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫دا ُ‬
‫و َ‬
‫لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫و ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ت‬
‫ف‬
‫خ‬
‫ني‬
‫إ‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫السلم‪:‬‬
‫عليه‬
‫زكريا‬
‫نبيه‬
‫حكاه الله عن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ ّ َ َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫كان َت امرأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يا ‪‬‬
‫ك‬
‫ن‬
‫د‬
‫ل‬
‫من‬
‫لي‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ف‬
‫را‬
‫ق‬
‫عا‬
‫تي‬
‫و‬
‫َ‬
‫ول ِّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ َ‬
‫وَراِئي َ‬
‫من َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ضّيا" ]مريم‪،5 :‬‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫وا‬
‫ب‬
‫قو‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ل‬
‫آ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ث‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ي‬
‫و‬
‫ني‬
‫ث‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ب َر ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ ْ َ ُ َ ّ‬
‫ِ َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ ِ‬
‫يَ ِ‬
‫‪.[6‬‬
‫حيث قالوا‪ :‬إن الميراث يقتضي الموال وما)‪(3‬في معناه‪ ،‬وليس‬
‫لحد أن يقول إن المراد بالية العلم دون المال ‪.‬‬
‫ويجاب على ذلك بما يلي‪ :‬إن الرث اسم جنس يدخل تحته‬
‫العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع‬
‫أنواع‪ ،‬فيستعمل في إرث‬
‫م أَ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫صط َ َ‬
‫ْ‬
‫النتقال‪ .‬قال تعالى‪+ :‬ث ُ‬
‫ن‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫نا‬
‫ث‬
‫ر‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ ْ‬
‫ْ َ‬
‫تعالى‪ُ + :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪‬‬
‫وا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫أو‬
‫وقال‬
‫عَباِدَنا" ]فاطر‪،[32:‬‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫رُثو َ‬
‫ُ‬
‫َ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن" ]المؤمنون‪،10:‬‬
‫د‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ثو‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫س ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ْ ْ‬
‫ِ‬
‫‪ [11‬وغير ذلك من اليات الواردة في هذا الشان‪ ،‬وإذا كان كذلك‬
‫ث‬
‫ر ُ‬
‫ر َ‬
‫ما ُ‬
‫ن َ‬
‫ث ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫رث ُِني َ‬
‫دا ُ‬
‫و َ‬
‫فقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫وي َ ِ‬
‫ودَ" وقوله‪+ :‬ي َ ِ‬
‫و ِ‬
‫ع ُ‬
‫ب" إنما يدل على جنس الرث‪ ،‬ول يدل على إرث‬
‫ِ‬
‫قو َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫نآ ِ‬
‫المال‪ ،‬وذلك أن داود عليه السلم كان له أولد كثيرون غير سليمان‬
‫فل يختص سليمان بماله فدل على أن المراد بهذا الرث إرث العلم‬
‫والنبوة ونحو ذلك‪ ،‬ل إرث المال‪ ،‬والية سيقت في بيان مدح‬
‫سليمان وما خصه الله به من النعمة‪ ،‬وحصر الرث في المال ل مدح‬
‫فيه‪ ،‬إذ إن إرث المال من المور العادية المشتركة بين الناس‪،‬‬
‫ع ُ‬
‫ب" ليس المراد‬
‫ر ُ‬
‫ث ِ‬
‫قو َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫نآ ِ‬
‫رث ُِني َ‬
‫وي َ ِ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪+ :‬ي َ ِ‬
‫به إرث المال لنه ل يرث آل يعقوب شيًئا)‪(4‬من أموالهم‪ ،‬وإنما يرث‬
‫ذلك منهم أولدهم وسائر ورثتهم لو ورثوا ‪.‬‬
‫خ ْ‬
‫وَراِئي" ]مريم‪[5:‬‬
‫وإ ِّني ِ‬
‫ي ِ‬
‫ف ُ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫من َ‬
‫م َ‬
‫كما أن قوله‪َ + :‬‬
‫وال ِ َ‬
‫ل يدل على أن الرث إرث مال‪ ،‬لن زكريا لم يخف أن يأخذوا ماله‬
‫من بعده إذا مات‪ ،‬فإن هذا ليس بمخوف‪ ،‬وزكريا عليه السلم لم‬
‫يعرف له مال‪ ،‬بل كان تجاًرا يأكل من كسب يده كما في صحيح‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( منهاج السنة‪ :‬ص )‪ ،(195 ،194‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص )‪.(445‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(5/254‬العقيدة في أهل البيت‪:‬ص )‪.(446‬‬
‫)( منهاج الكرامة‪ :‬ص)‪ (109‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت وغيرها من الكتب‬
‫كالطرائف لبن »آووس« )‪.(347‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(224 -4/222‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪4‬‬

‫دا يرث‬
‫مسلم)‪ ،(1‬ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ول ً‬
‫أن المراد بالوراثة في هاتين اليتين وراثة‬
‫عنه ماله‪ ،‬قدل على‬
‫النبوة‪ ،‬والقيام مقامه)‪.(2‬‬
‫يقول القرطبي في تفسيره للية‪ :‬وعليه فلم يسل من يرث‬
‫ماله‪ ،‬لن النبياء ل تورث‪ ،‬وهذ هو الصحيح من القولين في تأويل‬
‫الية‪ ،‬وأنه عليه الصلة والسلم أراد وراثة العلم والنبوة ل وراثة‬
‫المال لما ثبت عن النبي × أنه قال‪» :‬إنا معشر النبياء ل‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة«)‪ ,(3‬وهذا الحديث يدخل في التفسير‬
‫د" وعبارة عن قول‬
‫ر َ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ث ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫دا ُ‬
‫و َ‬
‫المسند لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫و ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫زكريا ‪َ +‬‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ر ُ‬
‫ي‬
‫و‬
‫ني‬
‫ث‬
‫ر‬
‫ي‬
‫‪‬‬
‫يا‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ن‬
‫د‬
‫من ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ث ِ‬
‫ب ِلي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫نآ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ع ُ‬
‫ضّيا" وتخصيص للعموم في ذلك‪ ،‬وإن‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫وا‬
‫ب َ ْ َ ُ َ ّ َ ِ‬
‫قو َ‬
‫يَ ْ‬
‫سليمان لم يرث من داود مال ً خلفه داود بعده‪ .‬وإنما ورث منه‬
‫من( آل يعقوب‪ ،‬وهكذا قال أهل‬
‫الحكمة والعلم‪ ،‬وكذلك ورث يحيى‬
‫العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض)‪. 4‬‬
‫ومما تجدر الشارة إليه أن الرافضة خالفوا ما استدلوا به على‬
‫وجوب الميراث‪ ،‬وذلك أنهم حصروا ميراثه × في فاطمة – رضي‬
‫الله عنه – فزعموا أنه لم يرث النبي × إل هي‪ ،‬فأخرجوا أزواجه‬
‫وعصبته مخالفين عموم اليات التي استدلوا بها‪ ،‬فقد روى الصدوق‬
‫بسنده عن أبى جعفر الباقر قوله‪ :‬ل والله ما ورث رسول الله ×‬
‫وما( كان آخذ‬
‫العباس ول على‪ ،‬ول ورثته إل فاطمة عليها السلم‪،‬‬
‫على عليه السلم السلح وغيره إل إنه قضى عنه دينه)‪ . 5‬وروى‬
‫ضا قوله‪ :‬وورث‬
‫الكليني والصدوق والطوسى بأسانيدهم إلى الباقر أي ً‬
‫السلم من رسول الله × علمه‪ ،‬وورثت فاطمة عليها‬
‫على عليه‬
‫السلم تركته)‪ ,(6‬بل وأخرجوا فاطمة من ذلك‪ ،‬حيث زعموا أن‬
‫النساء ل يرثن العقار‪ ،‬فقد بوب الكليني في كتابه الكافي باًبا‬
‫بعنوان‪ :‬إن النساء ل يرثن من العقار شيًئا‪ ،‬وساق تحته روايات منها‪:‬‬
‫جعفر الصادق إنه قال‪ :‬النساء ل يرثن من الرض ول من‬
‫عن أبي‬
‫العقار شيًئا)‪.(7‬‬
‫روى الصدوق بسنده إلى ميسر قال‪:‬سألته – يقصد الصادق –‬
‫عن النساء ما لهن في الميراث‪ ،‬فقال‪ :‬أما الرض والعقارات فل‬
‫ميراث فيه)‪ ,(8‬وبهذا يتبين عدم استحقاق فاطمة – رضي الله عنها –‬
‫من الميراث‪ ،‬بدون الستدلل بحديث‪ :‬نحن معاشر النبياء ل‬
‫شيًئا‬
‫نورث)‪ ,(9‬فما دامت المرأة ل ترث العقار والرض‪ ،‬فكيف كان‬
‫لفاطمة أن تسأل فدك – على حسب قولهم‪ -‬وهي عقار ل ريب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( مسلم رقم ‪.2379‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ ،(4/225‬البداية والنهاية )‪ ،(5/253‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص‬
‫)‪.(448‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1758‬‬
‫)( تفسير القرطبي )‪.(45 -11/35‬‬
‫)( من ل يحضره الفقيه )‪ ،(191 ،4/190‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص )‪.(451‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪ ،(7/137‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(451‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪ ،(7/137‬العقيدةن في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(451‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(89‬‬
‫)( مسلم ‪.1768‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪5‬‬

‫فيه)‪ ,(1‬وهذا دليل كذبهم وتناقضهم فضل ً عن جهلهم)‪.(2‬‬
‫وأما ما زعموه من كون الصديق – رضي الله عنه – سأل فاطمة‬
‫أن تحضر شهوًدا‪ ،‬فأحضرت علًيا وأم أيمن فلم يقبل شهادتهما‪ ،‬فهو‬
‫من الكذب البين الواضح‪ ،‬قال حماد بن إسحاق‪ :‬فأما ما يحكيه قوم‬
‫أن فاطمة عليها السلم طلبت فدك‪ ،‬وذكرت أن رسول الله ×‬
‫أقطعها إياها‪ ،‬وشهد لها على عليه السلم فلم يقبل أبو بكر شهادته‬
‫لنه زوجها‪ ،‬فهذا أمر ل أصل له)‪(3‬ول تثبت به رواية أنها ادعت ذلك‪،‬‬
‫وإنما هو أمر مفتعل ل ثبت فيه ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن السنة والجماع قد دل على أن النبي × ل يورث‪:‬قال ابن‬
‫تيمية‪ :‬كون النبي × ل يورث ثبت بالسنة المقطوع بها‪ ،‬وبإجماع‬
‫الصحابة‪ ،‬وكل منها دليل قطعي‪ ،‬فل يعارض ذلك بما يظن أنه عموم‪،‬‬
‫ما فهو مخصوص‪ ،‬لن ذلك لو كان دليل ً لما كان إل‬
‫وإن كان عمو ً‬
‫ظنًيا فل يعارض القطعي‪ ،‬إذ الظنى ل يعارض القطعي‪ ،‬وذلك أن هذا‬
‫الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس‪ ،‬وليس فيهم‬
‫من ينكره‪ ،‬بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق‪ ،‬ولهذا لم يصر أحد من‬
‫م على طلب الميراث‪ ،‬بل‬
‫أزواجه على طلب الميراث‪ ،‬ول أصّر الع ّ‬
‫لما طلب من ذلك شيًئا فأخبر بقول النبي × رجع عن طلبه‪ ،‬واستمر‬
‫على عهد الخلفاء الراشدين إلى على‪ ،‬فلم يغير شيًئا‬
‫المر على ذلك‬
‫)‪(4‬‬
‫ى( بعد ذي‬
‫)عل‬
‫الخلفة‬
‫تولى‬
‫قد‬
‫تيمية‪:‬‬
‫ابن‬
‫قال‬
‫‪.‬‬
‫تركة‬
‫ول قسم له‬
‫ّ‬
‫النورين عثمان‪ ،‬وصار فدك وغيرها تحت حكمه‪ ،‬ولم يعط منها شيًئا‬
‫لحد من أولد فاطمة ول من زوجات النبي × ول ولد العباس‪ ،‬فلو‬
‫ما وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية‬
‫كان ظل ً‬
‫وجيوشه‪ ،‬أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك)‪(5‬من الشر العظيم‬
‫ول يعطي هؤلء قليل ً من المال‪ ،‬وأمره أهون بكثير ‪.‬‬
‫وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو‬
‫العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل‬
‫ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال‪ :‬وقد روينا عن السفاح أنه خطب‬
‫ما فقام رجل من آل على – رضي الله عنه – قال‪ :‬إنا من أولد‬
‫يو ً‬
‫على – رضي الله عنه – فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين أعنى على من‬
‫ظلمني‪ .‬قال‪ :‬ومن ظلمك؟ قال‪ :‬أنا من أولد على – رضي الله عنه‬
‫– والذي ظلمني أبو بكر – رضي الله عنه – حين أخذ فدك من‬
‫فاطمة‪ ،‬وقال‪ :‬ودام على ظلمكم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬ومن قام عبده؟‬
‫قال‪ :‬عمر – رضي الله عنه – قال‪ :‬ودام على ظلمكم‪ .‬قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪ :‬ومن قام بعده؟ قال عثمان – رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬ودام على‬
‫قال‪ :‬ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا‬
‫ظلمكم؟ قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ينظر مكاًنا يهرب منه)‪.(6‬‬
‫وبتصويب أبي بكر – رضي الله عنه – في اجتهاده صّرح بعض‬
‫أولد على من فاطمة – رضي الله عنهما‪ -‬على ما روى البيهقي‬
‫بسنده عن فضيل بن مرزوق قال‪ :‬قال زيد بن على ابن الحسين بن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(98‬‬
‫العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(452‬‬
‫منهاج السنة )‪.(238 -4/236‬‬
‫المصدر السابق )‪.(4/220‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/347‬‬
‫تلبيس إبليس‪ :‬ص )‪.(135‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪6‬‬

‫طالب‪ :‬أما لو كنت مكان أبي بكر‪ ،‬لحكمت بما حكم به‬
‫على بن أبى‬
‫أبو بكر في فدك)‪ ,(1‬كما نقل أبو العباس القرطبي اتفاق أهل البيت‬
‫بدًءا بعلي – رضي الله عنه – ومن جاء بعده من أولده‪ ،‬ثم أولد‬
‫العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله‪ ،‬إنهم ما كانوا يرون‬
‫تملكها‪ ،‬إنما كانوا ينفقونها في سبيل الله‪ ،‬قال‪ -‬رحمه الله‪ :-‬إن علًيا‬
‫لما ولى الخلفة ولم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر وعمر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬ولم يتعرض لتملكها‪ ،‬ول لقسمة شيء منها‪ ،‬بل كان‬
‫يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها‪ ،‬ثم كانت بيد‬
‫حسن بن على‪ ،‬ثم بيد حسين بن على‪ ،‬ثم بيد على بن الحسين‪ ،‬ثم‬
‫بيد الحسين بن الحسن‪ ،‬ثم بيد زيد بن الحسين‪ ،‬ثم بيد عبد الله بن‬
‫الحسين‪ ،‬ثم تولها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في‬
‫صحيحه‪ ،‬وهؤلء كبراء أهل البيت –ر ضي الله عنهم‪ -‬وهم معتمدون‬
‫عند الشيعة وأئمتهم‪ ،‬لم يرو عن واحد منهم أنه تملكها ول ورثها ول‬
‫قا لخذها على أو أحد من‬
‫يقوله الشيعة ح ً‬
‫ورثت عنه‪ ،‬فلو كان ما‬
‫أهل بيته لما ظفروا بها)‪.(2‬‬
‫ى( الخلفة بعد ذى النورين عثمان‪،‬‬
‫وقال ابن تيمية‪ :‬قد تولى )عل ّ‬
‫وصارت فدك وغيرها تحت حكمه‪ ،‬ولم يعط منها شيًئا لحد من أولد‬
‫ما‬
‫فاطمة‪ ،‬ول من زوجات النبي ×‪ ،‬ول ولد العباس‪ ،‬فلو كان ظل ً‬
‫وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه‪،‬‬
‫الشر( العظيم‪ ،‬ول‬
‫أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من‬
‫يعطي هؤلء قليل ً من المال‪ ،‬وأمره أهون بكثير؟ )‪. 3‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل‪،‬‬
‫لم‪ (4‬يحيطوا بعلمه‪ ،‬ولما يأتهم‬
‫وتكلفوا ما لعلم لهم به‪ ،‬وكذبوا بما‬
‫تأويله‪ ،‬وأدخلوا أنفسهم فيما ل يعنيهم) ‪ ,‬فلو تفهموا المور على ما‬
‫هي عليه لعرفوا للصديق فضله وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل‬
‫أحد قبوله‪ ،‬ولكنهم طائفة مخذولة‪ ،‬وفرقة مرذولة‪ ،‬يتمسكون‬
‫بالمتشابهة‪ ،‬ويتركون المور المقررة عند أئمة السلم من الصحابة‬
‫في( سائر العصار‬
‫والتابعين من بعدهم من العلماء المعتبرين‬
‫والمصار‪ ،‬رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين)‪. 5‬‬
‫‪ -5‬تسامح السيدة فاطمة مع أبي بكر‪ :‬وقد ثبت عن فاطمة –‬
‫رضي الله عنها‪ -‬أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك‪ ،‬وماتت وهي‬
‫راضية عنه‪ ،‬على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال‪ :‬لما‬
‫مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها‪ ،‬فقال على‪ :‬يا‬
‫فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت‪ :‬أتحب أن آذن له؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فأذنت له فدخل عليها يترضاها‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما تركت الدار‬
‫الله‪ ،‬ومرضاة رسوله‪،‬‬
‫والمال‪ ،‬والهل والعشيرة‪ ،‬إل ابتغاء مرضاة‬
‫ضاها حتى رضيت)‪ (6‬قال ابن كثير‪ :‬وهذا‬
‫ومرضاتكم أهل البيت‪ ،‬ثم تر ّ‬
‫والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من على‪ ،‬أو ممن‬
‫إسناد جيد قوى‬
‫سمعه من على)‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ المدينة لبن شبة )‪ ،(1/200‬البداية والنهاية )‪.(5/253‬‬
‫المفهم للقرطبي )‪.(3/564‬‬
‫منهاج السنة )‪.(6/347‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/253‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(5/251‬‬
‫السنن الكبرى للبيهقي )‪.(6/301‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/253‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪7‬‬

‫وبهذا تندحض مطاعن الرافضة على أبي بكر التي يعلقونها على‬
‫غضب فاطمة عليه‪ ،‬فلئن كانت غضبت على أبى بكر في بداية المر‬
‫دا‬
‫فقد رضيت عنه بعد ذلك وماتت وهى راضية عنه‪ ،‬ول يسع أح ً‬
‫صادًقا في محبته لها‪ ،‬إل أن يرضي عمن رضيت عنه)‪ ,(1‬ول يعارض‬
‫هذا ما ثبت في حديث عائشة‪ :‬إنما يأكل آل محمد × من هذا المال‪،‬‬
‫وإني والله ل أغير شيًئا من صدقة رسول الله × عن حالها التي‬
‫كانت عليها في عهد رسول الله ×‪ ،‬ولعملن فيها بما عمل به رسول‬
‫الله ×‪ ،‬فأبي أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيًئا‪ ،‬فوجدت فاطمة‬
‫على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت)‪ .(2‬فإن هذا‬
‫بحسب علم عائشة – رضي الله عنها – رواية الحديث‪ ،‬وفي حديث‬
‫الشعبي زيادة علم‪ ،‬وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلمها له ورضاها‬
‫عنه‪ ،‬فعائشة – رضي الله عنها – نفت والشعبي أثبت‪ ،‬ومعلوم لدى‬
‫العلماء أن قول المثبت مقدم على قول النافي‪ ،‬لن احتمال الثبوت‬
‫صا في مثل هذه المسألة‪ ،‬فإن عيادة‬
‫حصل بغير علم النافي‪ ،‬خصو ً‬
‫أبي بكر لفاطمة – رضي الله عنها‪ -‬ليست من الحداث الكبيرة التي‬
‫تشيع في الناس‪ ،‬ويطلع عليها الجميع‪ ،‬وإنما هي من المور العادية‬
‫التي تخفي على من لم يشهدها‪ ،‬والتي ل يعبأ بنقلها لعدم الحاجة‬
‫لذكرها‪ ،‬على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة – رضي الله عنها –‬
‫لم تتعمد هجر أبي بكر – رضي الله عنه – أص ً‬
‫ل‪ ،‬ومثلها ينزه عن ذلك‬
‫النبي × عن الهجر فوق ثلث‪ ،‬وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة‬
‫لنهي‬
‫لذلك)‪ ,(3‬قال القرطبي صاحب المفهم في سياق شرحه لحديث‬
‫عائشة المتقدم‪ :‬ثم إنها )أي فاطمة( لم تلتق بأبي بكر لشغلها‬
‫بمصيبتها برسول الله × ولملزمتها بيتها‪ ،‬فعبر الراوى عن ذلك‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬ل يحل لمسلم أن يهجر‬
‫بالهجران‪ ،‬وإل فقد‬
‫أخاه فوق ثلث«)‪ ,(4‬وهى أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم‪،‬‬
‫وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله ×‪ ،‬وكيف ل)‪(5‬تكون كذلك وهي‬
‫بضعة من رسول الله × وسيدة نساء أهل الجنة ‪.‬‬
‫وقال النووي‪ :‬وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ‪ -‬رضي‬
‫الله عنه‪ -‬فمعناه انقباضها عن لقائه‪ ،‬وليس هذا من الهجران‬
‫المحرم‪ ،‬الذي هو ترك السلم والعراض عند اللقاء‪ ،‬وقوله في هذا‬
‫الحديث‪) :‬فلم تكلمه( يعنى في هذا المر‪ ،‬أو لنقباضها لم تطلب منه‬
‫حاجة ول اضطرت إلى لقائه فتكلمه‪ ،‬ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم‬
‫تسلم عليه ول كلمته)‪ ,(6‬لقد انشغلت فاطمة – رضي الله عنها – عن‬
‫كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق‪ ،‬وهي مصيبة تزرى بكل‬
‫المصائب‪ ،‬كما أنها أنشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أية‬
‫مشاركة في أي شأن من الشئون فضل ً عن لقاء خليفة المسلمين‬
‫المشغول – لكل لحظة من لحظاته – بشئون المة‪ ،‬وحروب الردة‬
‫لحوقها بأبيها‪ ،‬فقد أخبرها رسول‬
‫وغيرها‪ ،‬كما أنها كانت تعلم بقرب‬
‫الله × بأنها أول من يلحق به من أهله)‪ ,(7‬ومن كان في مثل علمها‬
‫ل يخطر بباله أمور الدنيا‪ ،‬وما أحسن قول المهلب الذي نقله العينى‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(434‬‬
‫البخاري رقم ‪4240‬رقم ‪.175‬‬
‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(434‬‬
‫البخاري رقم ‪.6077‬‬
‫المفهم )‪.(12/73‬‬
‫شرح صحيح مسلم )‪.(12/73‬‬
‫مسلم رقم ‪.2450‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪8‬‬

‫وامتنعا عن التسليم‪ ،‬إنما لزمت بيتها‪ ،‬فعبر‬
‫ولم يرو أحد أنهما التقيا‬
‫الراوى عن ذلك بالهجران)‪.(1‬‬
‫ومما يدل على أن العلقة كانت وطيدة بين الصديق والسيدة‬
‫فاطمة إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت‬
‫تمرض فاطمة بنت النبي ×‪ ،‬ورضي الله عنها‪ ،‬في مرض موتها‪،‬‬
‫وكانت معها حتى النفاس الخيرة‪ ،‬وشاركت في غسلها وترحيلها‬
‫إلى مثواها‪ ،‬وكان على رضي الله عنه يمرضها بنفسه وتعينه على‬
‫ذلك أسماء بنت عميس‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬وقد وصتها بوصايا في‬
‫كفنها ودفنها وتشييع جنازتها‪ ،‬فعملت أسماء بها)‪ ,(2‬فقد قالت السيدة‬
‫فاطمة لسماء‪ :‬إني قد استقبحت ما ُيصنع بالنساء‪ ،‬إنه يطرح على‬
‫المرأة الثوب فيصفها‪ ،‬فقالت أسماء‪ :‬يا بنت رسول الله ×‪ ،‬أل أريك‬
‫شيًئا رأيته بأرض الحبشة‪ ،‬فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت‬
‫عليها ثوًبا‪ ،‬فقال فاطمة‪ :‬ما أحسن هذا وأجمله! به تعرف المرأة من‬
‫الرجال)‪ .(3‬وعن ابن عبد البر‪ :‬أن فاطمة رضي الله عنها أول من‬
‫غطى نعشها في السلم‪ ،‬ثم زينب بنت جحش‪ ،‬وكان الصديق دائم‬
‫التصال بعلي من ناحية ليسأله عن أحوال بنت النبي × خلف ما‬
‫يزعمه القوم‪ ،‬فمرضت )أي فاطمة رضي الله عنها( وكان على‬
‫يصلي في المسجد الصلوات الخمس‪ ،‬فلما صلى قال له أبو بكر‬
‫وعمر‪ :‬كيف بنت رسول الله؟ ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء‬
‫حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها‪ ،‬ولما قبضت‬
‫فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء‪،‬‬
‫ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله ×‪ ،‬فأقبل أبو بكر وعمر‬
‫يعزيان علًيا ويقولن‪ :‬يا أبا الحسن‪ ،‬ل تسبقنا بالصلة على ابنة‬
‫رسول الله)‪ ,(4‬وقد توفيت ليلة الثلثاء لثلث خلون من رمضان سنة‬
‫إحدى عشرة‪ ،‬روى ابن مالك بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده‬
‫على بن الحسين‪ ،‬قال‪ :‬ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء فحضرها‬
‫أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله‬
‫عنهم‪ ،‬فلما وضعت ليصلي عليها‪ ،‬قال على‪ :‬تقدم يا أبا بكر‪ ،‬قال أبو‬
‫بكر رضي الله عنه‪ :‬وأنت يا أبا الحسن؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فوالله ل يصلي‬
‫عليها غيرك‪ ،‬فصلى عليها أبو بكر رضي الله عنه ودفنت لي ً‬
‫ل‪ .‬وجاء‬
‫في رواية‪ :‬صلى أبو بكر رضي الله عنه على فاطمة بنت رسول الله‬
‫× فكبر عليها أربًعا)‪ ,(5‬وفي رواية مسلم‪ :‬صلى عليها على بن أبي‬
‫طالب وهي الرواية الراجحة)‪.(6‬‬
‫ولقد أجاد وأفاد محمد إقبال في قصيدته العصماء )فاطمة‬
‫الزهراء( فقال‪:‬‬
‫بقيت على طول المدى‬
‫ب المسيح بنى لمريم سيرة‬
‫س ُ‬
‫نَ َ‬
‫ذكراها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ :‬ص)‪.(108‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(77‬‬
‫الستيعاب )‪.(4/378‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪ ،(77‬كتاب سليم بن قيس‪ :‬ص )‪.(255‬‬
‫المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪ (68‬في سنده ضعف‪.‬‬
‫مسلم رقم ‪.1759‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪11‬‬
‫‪9‬‬

‫والمجد يشرف من ثلث مطالع‬

‫في مهد فاطمة فما أعلها‬

‫هي بنت من؟ هي زوج من؟‬
‫هي أم من؟ منمن من؟‬
‫هي ومضة من نور عين‬
‫المصطفى‬
‫من أيقظ الفطر النيام بروحه‬

‫من ذا يداني في الفخار أباها‬
‫هادي الشعوب إذا تروم‬
‫هداها‬
‫وكأنه بعد البلى أحياها‬

‫وأعاد تاريخ الحياة جديدة‬

‫حلها‬
‫مثل العرائس في جديد ُ‬

‫هى أسوة للمهات وقدوة‬

‫يترسم القمر المنير خطاها‬
‫ورأت رضا الزوج الكريم‬
‫رضاها‬

‫جعلت من الصبر الجميل‬
‫غذاءها‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫وحدود شرعته ونحن فداها‬
‫لول وقوفي عند شرع‬
‫المصطفى‬
‫)‪(1‬‬
‫ثراها‬
‫لمضيت للتطواف حول‬
‫ضريحها‬
‫سا‪ :‬مصاهرات بين الصديق وأهل البيت وتسمية أهل البيت‬
‫ساد ً‬
‫بعض أبنائهم‬
‫باسم أبي بكر‪:‬‬
‫كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله × بأعضاء أهل‬
‫البيت‪ ،‬صلة ودية تقديرية تليق به وبهم‪ ،‬كانت هذه المودة والثقة‬
‫متبادلة‪ ،‬وكانت من المتانة بحيث ل يتصور معها التباعد والختلف مهما‬
‫نسج المسامرون الساطير والباطيل‪ ،‬فالصديقة عائشة بنت الصديق‬
‫بنت أبي بكر كانت زوجة النبي ×‪ ،‬ومن أحب الناس إليه مهما احترق‬
‫الحساد ونقم المخالفون‪ ،‬فإنها حقيقة ثابتة وهي طاهرة مطهرة بشهادة‬
‫القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون‪ ،‬ثم أسماء بنت عميس‬
‫التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق على‪ ،‬فمات عنها وتزوجها‬
‫ولما مات‬
‫دا ًالذي وله على مصر‪،‬‬
‫الصديق‪ ،‬وولدت له ولدا ً سماه محم‬
‫أبو بكر تزوجها على بن أبي طالب فولدت له ولدا ً سماه يحيى)‪.(2‬‬
‫وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر‪ -‬المام الخامس عند‬
‫الروافض وحفيد على رضي الله عنه ‪ ،-‬وقد نقل الستاذ إحسان إلهي‬
‫ظهير من كتب الروافض ما يثبت التلحم والمصاهرة بين بيت النبوة‬
‫وبيت الصديق‪ ،‬فقد أثبت أن قاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر‪،‬‬
‫وعلى بن الحسين بن على أبي طالب حفيد على كانا ابني خالة‪ ،‬فأم‬
‫قاسم بن محمد وعلى بن الحسين هما بنتا يزدجرد بن شهريار – بن‬
‫كسرى‪ -‬اللتان كانتا من سبى الفرس في عهد عمر رضي الله عنه‪،‬‬
‫وتوسع إحسان إلهي ظهير في إثبات المصاهرات وعلقات المودة‬
‫والتراحم المتبادل بين أهل البيت وبيت الصديق)‪,(3‬وكان من حب أهل‬
‫البيت للصديق والتواد ما بينهم أنهم سموا أبناءهم بأسماء أبي بكر رضي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( الدوحة النبوية‪ :‬ص)‪.(63 ،62‬‬
‫سلمى‪:‬‬
‫لل‬
‫والنهاية‬
‫البداية‬
‫كتاب‬
‫وتهذيب‬
‫وترتيب‬
‫)( خلفة على بن أبي طالب‪،‬‬
‫ّ‬
‫ص)‪.(22‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(83-78‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪0‬‬

‫الله عنه‪ ،‬فأولهم على بن أبي طالب حيث سمى أحد أبنائه أبا بكر‪ ،‬وهذا‬
‫دليل على حب ومؤاخاه وإعظام وتقدير على للصديق رضي الله‬
‫عنهما‪،‬والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلفة‬
‫والمامة‪ ،‬بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة‪ ،‬وهل يوجد في الشيعة‬
‫اليوم المتزعمين حب على وأولده رجل يسمى بهذا السم‪ ،‬وهل هم‬
‫موالون له أم مخالفون؟ وعلى رضي الله عنه لم يسم بهذا ابنه إل تيمنا‬
‫وإظها ًله المحبة والوفاء وحتى بعد وفاته‪ ،‬وإل فل يوجد في‬
‫را‬
‫بالصديق‬
‫بنى هاشم رجل قبل على سمى ابنه بهذا السم‪ ،‬ثم لم يقتصر على ّ بهذا‬
‫ضا‬
‫التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق بل بعده بنوه أي ً‬
‫مشوا مشيه ونهجوا نهجه‪ ،‬فالحسن والحسين‪ ،‬سميا كل واحد منهما أحد‬
‫بأبي‪(1‬بكر‪ ،‬فقد ذكر ذلك اليعقوبي والمسعودي وهما من مؤرخي‬
‫أولدهما‬
‫واستمر أهل البيت يسمون من أسماء أولدهم بأبي بكر‪،‬‬
‫الروافض) ‪,‬‬
‫فقد سمى ابن أخي على بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عبد الله بن‬
‫جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمى أحد أبنائه باسم أبي بكر‪ ،‬وهذه‬
‫الروافض اليوم‬
‫من إحدى علئم الحب والود بين القوم خلف ما يزعمه‬
‫من العداوة والبغضاء والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم)‪.(2‬‬
‫سابًعا‪ :‬علي رضي الله عنه في وفاة الصديق‪:‬‬
‫كان علي رضي الله عنه من ضمن من استشارهم الصديق فيمن‬
‫الخلفة من بعده‪ ،‬وكان رأي علىأن يتولى الخلفة بعد الصديق‬
‫يتولى‬
‫الفاروق)‪.(3‬‬
‫ولما حان الرحيل ونزل الموت بأبي بكر‪ ،‬كان آخر ما َتكلم به‬
‫ح ْ‬
‫و ّ‬
‫قِني‬
‫وأل ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ً‬
‫ني ُ‬
‫ما َ‬
‫الصديق في هذه الدنيا قوله تعالى‪+ :‬ت َ َ‬
‫[‪.‬وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق‬
‫ن" ]يوسف‪101:‬‬
‫صال ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫ِبال ّ‬
‫ما أكثر باكيا ً وباكية من ذلك‬
‫ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول × يو ً‬
‫يا‪ ،‬مسترجًعا‬
‫المساء الحزين‪ ،‬وأقبل على بن أبي طالب مسر ً‬
‫عا‪ ،‬باك ً‬
‫ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال‪:‬‬
‫رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله × وأنيسه ومستراحه‬
‫ما‪ ،‬وأخلصهم‬
‫وثقته وموضع سره ومشاورته‪ ،‬وكنت أول القوم إسل ً‬
‫يقيًنا‪ ،‬وأشدهم لله تقوى‪ ،‬وأخوفهم لله‪ ،‬وأعظمهم غناء في دين الله‬
‫عز وجل‪ ،‬وأحوطهم على رسول الله ×‪ ،‬وأحدبهم على السلم‪،‬‬
‫وأحسنهم صحبة‪ ،‬وأكثرهم مناقب‪ ،‬وأفضلهم سوابق‪ ،‬وأرفعهم درجة‪،‬‬
‫وأقربهم وسيلة‪ ،‬وأشبههم برسول الله هدًيا وسمًتا‪ ،‬وأشرفهم منزلة‪،‬‬
‫وأرفعهم عنده‪ ،‬وأكرمهم عليه‪ ،‬فجزاك الله عن رسول الله وعن‬
‫السلم أفضل الجزاء‪ ،‬صدقت رسول الله حين كذبه الناس‪ ،‬وكنت‬
‫قا فقال‪+ :‬‬
‫عنده بمنزلة السمع والبصر‪ ،‬سماك ُ الله في تنزيله صدي ً‬
‫ه أول َئ ِ َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫ن" ]الزمر‪:‬‬
‫ك ُ‬
‫صدّقَ ب ِ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫جاءَ ِبال ّ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫صد ْ ِ‬
‫‪ ،[33‬واستيه حين بخلوا‪ ،‬وقمت معه على المكاره حين قعدوا‪،‬‬
‫وصحبته في الشدة أكرم الصحبة‪ ،‬ثاني اثنين صاحبه في الغار‪،‬‬
‫والمنزل عليه السكينة‪ ،‬ورفيقه في الهجرة‪ ،‬وخليفته في دين الله‬
‫وأمته‪ ،‬أحسن الخلفة حين ارتدوا‪ ،‬فقمت بالمر ما لم يقم به خليفة‬
‫نبي‪ ،‬ونهضت حين وهن أصحابه‪ ،‬وبرزت حين استكانوا‪ ،‬وقويت حين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تاريخ اليعقوبي )‪ ،(2/228‬النتيجة والشراف‪ :‬ص )‪.(82‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪ ،(83‬الد ّّر المنثور من تراث أهل البيت والصحابة‪،‬‬
‫السيد علء الدين المد ُّرسي ص )‪ ،(44 -38‬رحماء بينهم‪ ،‬صالح بن عبد الله‬
‫الدرويش‪.‬‬
‫)( الكامل لبن الثير )‪ ،(2/79‬المختصر من كتاب الموافقة للزمخشرى‪ :‬ص )‬
‫‪.(100 -70‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪1‬‬

‫ضعفوا‪ ،‬ولزمت منهاج رسول الله × إذ وهنوا‪ ،‬وكنت كما قال رسول‬
‫فا في بدنك قوًيا في أمر الله‪ ،‬متواضًعا في نفسك‬
‫الله × ضعي ً‬
‫ما عند الله تعالى‪ ،‬جليل ً في أعين الناس كبيًرا في أنفسهم‪ ،‬لم‬
‫عظي ً‬
‫يكن لحدهم فيك مغمز‪ ،‬ول لقائل فيك مهمز‪ ،‬ول لمخلوق عندك‬
‫هوادة‪ ،‬الضعيف عندك قوى عزيز حتى تأخذ بحقه‪ ،‬القريب والبعيد‬
‫عندك سواء‪ ،‬وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عز وجل‬
‫وأتقاهم‪...‬شأنك الحق والصدق‪ ،‬والرفق‪ ،‬قولك حكم وحتم‪ ،‬أمرك‬
‫حلم وحزم‪ ،‬ورأيك علم وعزم‪ ،‬اعتدل بك الدين‪ ،‬وقوى بك اليمان‪،‬‬
‫دا‪ ،‬وأتعبت من بعدك‬
‫وظهر أمر الله‪ ،‬فسبقت – والله – سب ً‬
‫قا بعي ً‬
‫دا‪ ،‬وفزت بالخير فوًزا مبيًنا‪ ،‬فإنا لله وإنا إليه راجعون‪،‬‬
‫إتعاًبا شدي ً‬
‫رضينا عن الله عز وجل قضاءه وسلمنا له أمره‪ ،‬والله لن يصاب‬
‫دا‪ ،‬كنت للدين عًزا‪ ،‬وحرًزا‬
‫المسلمون بعد رسول الله بمثلك أب ً‬
‫فا‪ ،‬فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ×‪ ،‬ول حرمنا أجرك‪ ،‬ول‬
‫وكه ً‬
‫الناس حتى قضى كلمه‪ ،‬ثم بكوا حتى علت‬
‫فسكت‬
‫بعدك‪،‬‬
‫أضلنا‬
‫أصواتهم وقالوا‪ :‬صدقت)‪.(1‬‬
‫وجاء في رواية‪ :‬أن علًيا قال عندما دخل على أبي بكر بعدما‬
‫ى من هذا‬
‫سجى‪:‬‬
‫ُ‬
‫ما‪(2‬أحد أحب أن ألقى الله بصحيفته أحب إل ّ‬
‫المسجى) ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( التبصرة لبن الجوزي )‪ (479 -1/477‬نقل ً عن أصحاب الرسول )‪.(1/108‬‬
‫)( تاريخ الذهبي‪ ،‬عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص )‪.(120‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪2‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫علي رضي الله عنه في عهد الفاروق‬
‫وا بارًزا في مجلس شورى الدولة‬
‫كان علي رضي الله عنه عض ً‬
‫العمرية‪ ،‬بل كان هو المستشار الول‪ ،‬فقد كان عمر رضي الله عنه‬
‫وفقهه‪ ،‬وحكمته‪ ،‬وكان رأيه فيه حسًنا‪ ،‬فقد ثبت‬
‫يعرف لعلي فضله‪،‬‬
‫قوله فيه‪ :‬أقضانا على)‪ ,(1‬وقال ابن الجوزي‪ :‬كان أبو بكر وعمر‬
‫يشاورانه‪ ،‬وكان عمر يقول‪ :‬أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو‬
‫الحسن)‪ ,(2‬وقال مسروق‪ :‬كان الناس يأخذون عن ستة‪ :‬عمر وعلى‬
‫وعبد الله وأبي موسى وزيد بن ثابت‪ ،‬وأبي بن كعب وقال‪ :‬شاممت‬
‫أصحاب محمد × فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر‪ :‬عمر وعلى‬
‫وعبد الله وأبي الدرداء وأبي بن كعب وزيد بن ثابت‪ ،‬ثم شاممت‬
‫هؤلء( الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين منهم‪ :‬إلى على‪ ،‬وعبد‬
‫ضا‪ :‬انتهى العلم إلى ثلثة‪ ،‬عالم بالمدينة‪ ،‬وعالم‬
‫الله)‪ , 3‬وقال أي ً‬
‫بالشام‪ ،‬وعالم بالعراق‪ ،‬فعالم المدينة على بن أبي طالب‪ ،‬وعالم‬
‫الكوفة عبد الله بن مسعود‪ ،‬وعالم الشام أبو الدرداء‪ ،‬فإذا التقوا‬
‫سأل عالم الشام وعالم العراق‪ ،‬عالم المدينة ولم يسألهما)‪ ,(4‬فكان‬
‫على من هؤلء المقربين‪ ،‬يشد من أزر أخيه‪ ،‬ول يبخل عليه برأيه‪،‬‬
‫ويجتهد معه في إيجاد حلول للقضايا‪ ،‬التي لم يرد فيها نص‪ ،‬وفي‬
‫تنظيم أمور الدولة الفتية‪ ،‬والشواهد على ذلك كثيرة‪ ،‬نذكر منها‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬في المور القضائية‪:‬‬
‫‪ -1‬امرأة تعتريها نوبات من الجنون‪ :‬عن أبي ظبيان الجنبي‪ :‬أن‬
‫عمر بن الخطاب أتى بامرأة قد زنت‪ ،‬فأمر برجمها‪ ،‬فذهبوا بها‬
‫ليرجموها‪ ،‬فلقيهم على رضي الله عنه‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذه؟ قالوا‪ :‬زنت‬
‫فأمر عمر برجمها‪ ،‬فانتزعها على من أيديهم وردهم‪ ،‬فرجعوا إلى‬
‫ى إل‬
‫عمر‪ ،‬فقال‪ :‬ما ردكم؟ قالوا‪ :‬ردنا على‪ ،‬قال‪ :‬ما فعل هذا عل ّ‬
‫لشيء قد علمه‪ ،‬فأرسل إلى على‪ ،‬فجاء وهو شبه المغضب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ت هؤلء؟ قال‪ :‬أما سمعت النبي × »يقول‪ :‬رفع القلم‬
‫مالك َرد َد ْ َ‬
‫عن ثلثة‪ :‬عن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن الصغير حتى‬
‫ى‪ :‬فإن‬
‫يكبر‪ ،‬وعن المبتلي حتى يعقل؟« قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال عل ّ‬
‫مبتلة بنى فلن‪ ،‬فلعله أتاها وهو بها‪ ،‬فقال عمر‪ :‬ل أدرى‪ ،‬فلم‬
‫هذه‬
‫يرجمها)‪ ,(5‬فقد كان عمر ل يعلم أنه مجنونة‪.‬‬
‫‪ -2‬مضاعفة الحد لمن شرب الخمر‪ :‬أخذ عمر برأي على رضي‬
‫الله عنهما في مضاعفة الحد لمن شرب الخمر‪ ،‬وذلك لنتشار شرب‬
‫الخمر وخاصة في البلد المفتوحة‪ ،‬وهي حديثة العهد بالسلم‪،‬‬
‫ى على عمر رضي الله عنهما بأن يجلد فيها ثمانين‪ ،‬كأخف‬
‫فأشار عل ّ‬
‫الحدود‪ ،‬وعلل ذلك بقوله‪ :‬نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى‪،‬‬
‫وعلى المفتري ثمانون)‪ ،(6‬وقد ثبت عن على رضي الله عنه أنه قال‪:‬‬
‫دا على أحد‪ ،‬فيموت‪ ،‬وأجد في نفسي‪ ،‬إل صاحب‬
‫ما كنت أقيم ح ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الستيعاب في معرفة الصحاب‪:‬ص )‪ ،(1102‬المعرفة والتاريخ )‪.(1/481‬‬
‫)( فضائل الصحابة رقم ‪1100‬إسناده ضعيف‪.‬‬
‫)( علل الحديث ومعرفة الرجال‪ ..‬على بن المديني‪ :‬ص )‪ (43 ،42‬نقل عن‬
‫خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ :‬ص )‪ ،(70‬البخاري رقم ‪.4481‬‬
‫)( المعرفة والتاريخ للفسوى )‪.(1/444‬‬
‫)( مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪1328‬صحيح لغيره‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪(1‬‬

‫الخمر‪ ،‬فإنه لو مات وديته‪ ،‬وذلك لن رسول الله × لم يسنه‪.‬‬
‫وأّول البيهقي قوله‪) :‬لم يسنه( زيادة على الربعين‪ ،‬أو لم يسنه‬
‫بالسياط وقد سنه بالنعال وأطراف الثياب مقدار أربعين والله‬
‫أعلم)‪ ,(2‬وقد استنبط الفقهاء من أفعال الخلفاء الراشدين مقدار‬
‫الحد في الخمر‪ ،‬على قول مالك والثوري وأبي حنيفة ومن تبعهم‬
‫ثمانون‪ ،‬لجماع الصحابة‪ ،‬ومن قال إن الحد أربعون‪ :‬أبو بكر‪،‬‬
‫والشافعي‪ ،‬وقول لحمد‪ ،‬وتحمل الزيادة على ذلك من عمر‪ ،‬رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬على أنها تعزيز يجوز فعله إذا رآه المام‪ ،‬وهذا هو القول‬
‫الصحيح للشافعي)‪ ,(3‬وهذا الرأي مال إليه ابن تيمية أيضا وقال‪..:‬فأما‬
‫مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب‪ ،‬فتكفي الربعون)‪.(4‬‬
‫‪ -3‬ل سلطان لك على ما في بطنها‪ :‬أتى عمر رضي الله بامرأة‬
‫حامل فسألها عمر فاعترفت بالفجور‪ ،‬فأمر بها عمر ترجم‪ ،‬فلقيها‬
‫ى فقال‪ :‬ما بال هذه؟ فقالوا‪ :‬أمر بها‪ ،‬أمير المؤمنين أن ترجم‪،‬‬
‫عل ّ‬
‫فردها على فقال‪ :‬أأمرت بها أن ترجم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬اعترفت عندي‬
‫بالفجور! قال‪ :‬هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟‬
‫قال على‪ :‬فلعلك انتهرتها)‪ ,(5‬أو أخفتها؟ قال‪ :‬قد كان ذاك‪ ،‬قال‪ :‬أو‬
‫ما سمعت النبي × يقول‪» :‬لحد على معترف بعد بلء‪ ،‬أنه من‬
‫قيدت أو حبست أو تهددت فل إقرار له« فخلى عمر سبيلها‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬عجزت النساء أن تلد مثل على بن أبي طالب‪ ،‬لول على‬
‫لهلك عمر)‪.(6‬‬
‫وقد علق ابن تيمية على هذه القصة‪ :‬إن هذه القصة إن كانت‬
‫صحيحة‪ ،‬فل تخلو من أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل‪ ،‬فأخبره على‬
‫بحملها‪ ،‬ول ريب أن الصل عدم العلم‪ ،‬والمام إذا لم يعلم أن‬
‫المستحقة للقتل أو الرجم حامل‪ ،‬فعرفه بعض الناس بحالها‪ ،‬كان‬
‫هذا من جملة إخباره بأحوال الناس‪ ...‬إلى أن قال عن عمر‪ ،‬يعطي‬
‫الحقوق ويقيم الحدود ويحكم بين الناس كلهم‪ ،‬وفي زمنه انتشر‬
‫ما يقضي ويفتي‬
‫السلم وظهر ظهوًرا لم يكن قبله مثله‪ ،‬وهو دائ ً‬
‫مائة‬
‫من‬
‫قضية‬
‫ولول كثرة علمه لم يطق ذلك‪،‬ن فإذا خفيت عليه‬
‫)‪(7‬‬
‫ألف قضية ثم عرفها أو كان نسيها فذكرها فأي عيب في ذلك؟‬
‫وكان رده هذا في سياق رده على الروافض‪.‬‬
‫‪ -4‬ردوا الجهالت إلى السنة‪:‬أتى عمر بامرأة أنكحت في عدتها‬
‫ففرق بينهما وجعل صداقها في بيت المال وقال‪ :‬ل أجيز مهًرا رد‬
‫دا‪ ،‬فبلغ ذلك علًيا فقال‪ :‬وإن كانوا جهلوا‬
‫نكاحه‪ ،‬وقال‪ :‬ل تجتمعان أب ً‬
‫‪6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( إرواء الغليل لللباني )‪ (47 ،8/46‬قال إسناده ضعيف‪ ،‬وحقق هذا الثر عبد‬
‫الحميد على في رسالته )خلفة على بن أبى طالب( ملحق ‪.30‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(12/66‬‬
‫)( السنن الكبرى )‪.(8/322‬‬
‫)( المغنى )‪.(8/307‬‬
‫)( الفتاوى )‪ (337 /336 /28‬منهاج السنة )‪ ،(6/83‬خلفة على بن أبي طالب‪،‬‬
‫عبد الحميد على ص )‪.(73‬‬
‫)( انتهرتها‪ :‬زجرتها‪.‬‬
‫)( سنن سعيد بن منصور )‪ (2/69‬رقم ‪ ،2083‬المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص‬
‫)‪.(131‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(6/42‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪4‬‬

‫السنة لها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما‪ ،‬فإذا انقضت‬
‫الناس فقال‪ :‬ردوا‬
‫عدتها فهو خاطب من الخطاب‪ ،‬فخطب عمر‬
‫الجهالت إلى السنة‪ ،‬ورجع عمر إلى قول على)‪.(1‬‬
‫‪ -5‬هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي‪ :‬قال جعفر‬
‫بن محمد‪ :‬أتى عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشاب من النصار‬
‫وكانت تهواه‪ ،‬فلما لم يساعدها احتالت عليه‪ ،‬فأخذت بيضة‪ ،‬فألقت‬
‫صفارها‪ ،‬وصبت البياض على ثوبها وبين فخذها ثم جاءت إلى عمر‬
‫صارخة‪ ،‬فقالت‪ :‬هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي‪،‬‬
‫وهذا أثر فعاله‪ ،‬فسأل عمر النساء فقلن له‪ :‬إن ببدنها وثوبها أثر‬
‫المنى‪ ،‬فهم بعقوبة الشاب‪ ،‬فجعل يستغيث ويقول‪ :‬يا أمير المؤمنين‬
‫تثبت في أمرى‪ ،‬فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها‪ ،‬فقد راودتني‬
‫عن نفسي فاعتصمت‪ ،‬فقال عمر‪ :‬يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما‪،‬‬
‫فنظر على إلى ما على الثوب‪ ،‬ثم دعا بماء حار شديد الغليان‪ ،‬فصب‬
‫ثم أخذه واشتمه‪ ،‬وذاقه‪ ،‬فعرف طعم‬
‫على الثوب فجمد ذلك البياض‬
‫البيض‪ ،‬وزجر المرأة فاعترفت)‪.(2‬‬
‫ونستخلص من هذه الواقعة بعض الدروس‪:‬‬
‫)أ( أن وسائل الثبات في القضاء السلمي كانت تشمل القرار‬
‫والشهادة واليمين والنكول‪ ..‬وتتسع لتشمل المارات والفراسة‪.‬‬
‫)ب( اهتمام عمر بمشاورة كبار الصحابة في النوازل‪ ،‬وعلى‬
‫الخصوص على‪ ،‬رضي الله عنهما الذي كانت منزلته عنده متميزة)‪.(3‬‬
‫ثانًيا‪ :‬علي رضي الله عنه والتنظيمات المالية والدارية‬
‫العمرية‪:‬‬
‫‪ -1‬في المور المالية‪:‬‬
‫)أ( نفقات الخليفة‪ :‬لما ولي عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد‬
‫أبي بكر مكث زماًنا‪ ،‬ل يأكل من بيت المال شيًئا حتى دخلت عليه‬
‫في ذلك خصاصة‪ ،‬ولم يعد يكفيه ما يربحه من تجارته‪ ،‬لنه اشتغل‬
‫عنها بأمور الرعية‪ ،‬فأرسل إلى أصحاب رسول الله ×‪ ،‬فاستشارهم‬
‫في ذلك فقال‪ :‬قد شغلت نفسي في هذا المر فما يصلح لي فيه؟‬
‫فقال عثمان بن عفان‪ :‬كل وأطعم‪ ،‬وقال ذلك سعيد بن زيد بن‬
‫عمرو بن نفيل‪ ،‬وقال عمر لعلي‪ :‬ما تقول أنت في ذلك؟ قال‪ :‬غداء‬
‫وعشاء‪ ،‬فأخذ عمر بذلك‪ ،‬وقد بين عمر حظه من بيت المال فقال‪:‬‬
‫قيم‪ (4‬اليتيم‪ ،‬إن استغنيت عنه‬
‫إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة‬
‫تركت‪ ،‬وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف) ‪.‬‬
‫)ب( رأي علي في أرض السواد بالعراق‪:‬لما فتحت أرض السواد‬
‫بالعراق عنوة‪ ،‬أشار عدد من الصحابة – رضوان الله عليهم‪ -‬على‬
‫عمر بتقسيمهم بين الفاتحين‪ ،‬ولكن لسعة الرض وجودتها‪ ،‬ونظرة‬
‫عمر البعيدة لمن سيأتي بعد ذلك‪ ،‬لم يطمئن عمر لتقسيمها‪،‬‬
‫قا لرأي الخليفة عمر أل‬
‫فاستشار علًيا في ذلك فكان رأيه مواف ً‬
‫تقسم فأخذ برأيه وقال‪ :‬لول آخر المسلمين ما فتحت قرية إل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫المغنى والشرح الكبير )‪.(67 ،11/66‬‬
‫الطرق الحكمية لبن القيم‪ :‬ص )‪.(48‬‬
‫الجتهاد في الفقه السلمي‪ ،‬عبد السلم السليماني‪ :‬ص )‪.(145‬‬
‫الخلفة الراشدة‪ ،‬سنده صحيح‪ ،‬د‪ .‬يحيى‪ :‬ص )‪.(270‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪5‬‬

‫قسمتها بين أهلها‪ ،‬كما قسم النبي × خيبر)‪.(1‬‬
‫)ج( ل جرم لتقسمنه‪:‬أتى عمر بمال فقسمه بين المسلمين‪،‬‬
‫وفضلت منه فضله‪ ،‬فاستشار فيها الصحابة‪ ،‬فقالوا له‪ :‬لو تركته‬
‫لنائبة إن كانت‪ ،‬وفي القوم على ساكت‪ ،‬فأراد عمر أن يسمع رأي‬
‫على في ذلك‪ ،‬فذكره على بحديث مال البحرين حين جاء إلى النبي‬
‫لتقسمنه‪ ،‬فقسمه‬
‫×‪ ،‬وأنه قسمه كله‪ ،‬فقال عمر لعلي‪ :‬ل جرم‬
‫على)‪ ,(2‬ويبدو أن هذا كان قبل تقسيم الدواوين)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬علي رضي الله عنه والمور الدارية‪:‬‬
‫خا رسمًيا ثابًتا‬
‫عندما احتاج عمر رضي الله عنه أن يضع تاري ً‬
‫لتنظيم أمور الدولة وضبطها‪ ،‬جمع الناس وسألهم‪ :‬من أي يوم نكتب‬
‫التاريخ؟ فقال على رضي الله عنه‪ :‬من يوم هاجر رسول الله ×‬
‫وترك أرض الشرك‪ ،‬ففعله عمر)‪ ,(4‬وقد كان عمر – رضي الله عنه –‬
‫يراه من أفضل من يقود الناسن فقد ورد عنه أنه كان يناجي رجل ً‬
‫من النصار‪ ،‬فقال‪ :‬من تحدثون أنه يستخلف من بعدي؟ فعد‬
‫أنتم‪(5‬من على؟‬
‫النصاري المهاجرين ولم يذكر علًيا‪ ،‬فقال عمر‪ :‬فأين‬
‫فوالله لو استخلفتموه‪ ،‬لقامكم على الحق وإن كرهتموه) ‪ .‬وقال‬
‫رضي الله عنهما – بعد أن طعن‪ :‬إن ولوها‬
‫لبنه عبد الله بن عمر‪-‬‬
‫الجلح سلك بهم الطريق)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬استخلف عمر علًيا على المدينة مراًرا‪:‬‬
‫)أ( استخلفه حين خرج عمر إلى ماء صراء فعسكر فيه‪:‬وذلك‬
‫للمسلمين‪ ،‬فجمع عمر‬
‫قبيل القادسية وكان الفرس قد حشدوا‬
‫الناس فاستشارهم فكلهم أشار عليه بالميسر)‪.(7‬‬
‫)ب( استخلفه عند نزول عمر بالجابية‪:‬وذلك حين نزل عمرو بن‬
‫العاص أجنادين‪ ،‬فكتب إليه أرطبون الروم‪ ،‬والله ل تفتح من‬
‫فلسطين شيًئا بعد أجنادين‪ ،‬فارجع ل تغر‪ ،‬وإنما صاحب الفتح رجل‬
‫يعلمه‪ (8‬أن الفتح‬
‫اسمه على ثلثة أحرف‪ ،‬فعلم عمرو أنه عمر‪ ،‬فكتب‬
‫مدخر له‪ ،‬فنادى له الناس‪ ،‬واستخلف على بن أبي طالب) ‪.‬‬
‫)ج( استخلف على حين حج عمر بأزواج النبي ×‪:‬وهى آخر حجة‬
‫حجها بالناس كانت سنة ثلث وعشرين من الهجرة‪ ،‬وكان مع أمهات‬
‫أولياؤهن ممن ل يحتجبن منه‪ ،‬وخلف على المدينة على بن‬
‫المؤمنين‬
‫أبي طالب)‪.(9‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( الموال‪ ،‬القاسم بن سلم‪ :‬ص )‪ ،(57‬خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد‬
‫على‪ :‬ص )‪.(75‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/49‬إسناده ضعيف لنقطاعه‪.‬‬
‫)( خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ :‬ص )‪.(75‬‬
‫)( التاريخ الكبير للبخاري )‪.(1/9‬‬
‫)( خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ :‬ص)‪ ،(76‬قيل إن الرواية‬
‫مرسلة‪.‬‬
‫)( بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث‪ ،‬تحقيق حسين أحمد )‪ (3/741‬صحيح‬
‫السناد‪ ،‬خلفة على بن أبي طالب‪ :‬ص )‪.(76‬‬
‫)( المنتظم )‪.(4/192‬‬
‫)( المنتظم )‪.(4/192‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪ ،(4/327‬الفتح )‪.(4/87‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪6‬‬

‫ثالًثا‪ :‬استشارة عمر لعلي رضي الله عنهما في أمور الجهاد‬
‫وشئون الدولة‪:‬‬
‫كان علي رضي الله عنه المستشار الول لعمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنهما‪ ،‬وكان عمر يستشيره في المور الكبيرة منها‬
‫والصغيرة‪ ،‬وقد استشاره حين فتح المسلمون بيت المقدس‪ ،‬وحين‬
‫فتحت المدائن‪ ،‬وعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند وقتال الفرس‪،‬‬
‫يخرج لقتال الروم‪ ،‬وفي وضع التقويم الهجري وغير‬
‫وحين أراد أن‬
‫ذلك من المور)‪ ,(1‬وكان على رضي الله عنه طيلة حياة عمر‬
‫فا عليه‪ ،‬وكان عمر يحب علًيا‬
‫حا لعمر‪ ،‬محًبا له خائ ً‬
‫مستشاًرا ناص ً‬
‫وكانت بينهما مودة ومحبة وثقة متبادلة‪ ،‬ومع ذلك يأبي أعداء السلم‬
‫إل أن يزوروا التاريخ‪ ،‬ويقصوا بعض الروايات التي تناسب أمزجتهم‬
‫ومشاربهم ليصورا لنا فترة الخلفاء الراشدين عبارة عن أن كل واحد‬
‫الدوائر لينقض عليه‪ ،‬وكل أمورهم كانت‬
‫منهم كان يتربص بالخر‬
‫تجري من وراء الكواليس)‪.(2‬‬
‫إن من أبرز ما يلحظه المتأمل في خلفة عمر تلك الخصوصية‬
‫في العلقة‪ ،‬وذلك التعاون المتميز الصافي‪ ،‬بين عمر وعلى‪ ،‬رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬فقد كان على هو المستشار الول لعمر في سائر‬
‫ى عمر رأًيا إل واتجه عمر إلى‬
‫القضايا والمشكلت‪ ،‬وما اقترح عل ّ‬
‫قناعة‪ ،‬وكان على رضي الله عنه يمحضه النصح في كل‬
‫تنفيذه عن‬
‫شئونه وأحواله)‪ ,(3‬فمثل ً عندما تجمع الفرس بنهاوند في جمع عظيم‬
‫لحرب المسلمين جمع عمر‪ -‬رضي الله عنه – الناس واستشارهم‬
‫في المسير إليهم بنفسه‪ ،‬فأشار عليه عامة الناس بذلك‪ ،‬فقام إليه‬
‫على – رضي الله عنه‪ -‬فقال‪ :‬أما بعد‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬فإنك إن‬
‫أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم‪ ،‬وإنك‬
‫إن أشخصت أهل اليمن إلى ذراريهم من يمنهم سارت الحبشة إلى‬
‫ذراريهم‪ ،‬وإنك إن أشخصت من هذه الرض انتقضت عليك العرب‬
‫من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين‬
‫يديك من العورات والعيالت‪ ،‬أقرر هؤلء في أمصارهم‪ ،‬واكتب إلى‬
‫أهل البصرة‪ ،‬فليتفرقوا ثلث فرق‪ ،‬فرقة في حرمهم وذراريهم‪،‬‬
‫وفرقة في أهل عهدهم حتى ل ينتقضوا‪ ،‬ولتسر فرقة إلى إخوانهم‬
‫دا قالوا‪ :‬هذا أمير‬
‫بالكوفة مدًدا لهم‪.‬إن العاجم إن ينظروا إليك غ ً‬
‫العرب وأصلها‪ ،‬فكان ذلك أشد لكلبهم عليك‪ ،‬وأما ما ذكرت من‬
‫مسير القوم‪ ،‬فإن الله هو أكره لمسيرهم منك‪ ،‬وهو أقدر على تغيير‬
‫بالكثرة‪ (4‬ولكن‬
‫ما يكره‪ ،‬وأما عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى‬
‫بالنصر‪ ،‬فقال عمر‪ :‬هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه) ‪.‬‬
‫كانت نصيحة على نصيحة المحب لعمر الغيور عليه‪ ،‬والضنين أل‬
‫يذهب‪ ،‬وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه‪،‬‬
‫وحذره من أنه إذا ذهب‪ ،‬فلسوف ينشأ وراءه من الثغرات ما هو‬
‫أخطر من العدو الذي سيواجهه‪ ،‬أرأيت لو أن رسول الله × أعلن أن‬
‫الخلفة من بعده لعلي‪ ،‬أفكان لعلي أن يرغب عن أمر رسول الله ×‬
‫هذا‪ ،‬وأن يؤيد المستلبين لحقه بل لواجبه في الخلفة بمثل هذا‬
‫التعاون المخلص البناء؟ بل أفكان للصحابة‪ ،‬رضوان الله عليهم‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫على بن أبي طالب مستشار أمين للخلفاء الراشدين‪ :‬ص)‪.(99‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(138‬‬
‫فقه السيرة النبوية للبوطي‪ :‬ص ‪.529‬‬
‫تاريخ الطبري)‪ ،(3/480‬تحقيق مواقف الصحابة )‪.(2/94‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪7‬‬

‫كلهم أن يضيعوا أمر رسول الله ×؟ بل أفكان من المتصور أن‬
‫يجمعوا وفي مقدمتهم على رضوان الله عليه على ذلك؟ بوسعنا أن‬
‫نعلم إذن بكل بداهة‪ ،‬أن المسلمين إلى هذا العهد – نهاية عهد عمر‬
‫أي‬
‫– بل إلى نهاية عهد على كانوا جماعة واحدة‪ ،‬ولم يكن في ذهن‬
‫من المسلمين أي إشكال بشأن الخلفة‪ ،‬أو شأن من هو أحق بها)‪.(1‬‬
‫إن كثرة مشاورة عمر لعلي‪ ،‬رضي الله عنهما‪ ،‬وغيره من‬
‫الصحابة‪ ،‬ل يعني هذا أنه دونهم في الفقه والعلم‪ ،‬فقد بينت‬
‫الحاديث الصحيحة التي تدل على علو علمه‪ ،‬واكتمال دينه‪ ،‬ولكن‬
‫إيمانه وحبه للشورى‪ ،‬وتعويده للحكام فيما بعد على المشاورة‪،‬‬
‫فإن علًيا رضي الله عنه كان‬
‫وعدم الستبداد بالمر والراي‪ ،‬وإل‬
‫كثيًرا ما يرجع عن رأيه إلى رأي عمر)‪ ,(2‬فقد جاء عن عائشة‪ ،‬رضي‬
‫الله عنها‪ ،‬في معرض حديثها عن عمر قولها‪ :‬وقد كان على رضي‬
‫الله عنه يتابع عمر بن الخطاب‪ ،‬فيما يذهب إليه ويراه‪ ،‬مع كثرة‬
‫يشاورني عمر في‬
‫استشارته علًيا‪ ،‬حتى قال على رضي الله عنه‪:‬‬
‫كذا‪ ،‬فرأيت كذا‪ ،‬ورأي هو كذا‪ ،‬فلم أر إل متابعة عمر)‪.(3‬‬
‫رابًعا‪ :‬علي رضي الله عنه وأولده وعلقتهم بعمر رضي الله‬
‫عنهم‪:‬‬
‫كان عمر رضي الله عنه شديد الكرام لل رسول الله ×‬
‫وإيثارهم على أبنائه وأسرته‪ ،‬تذكر من ذلك بعض المواقف‪:‬‬
‫‪ -1‬أنت أحق بالذن من عبد الله بن عمر‪ :‬جاء فيما رواه الحسين‬
‫بن على رضي الله عنه‪ :‬أن عمر قال لي ذات يوم‪ :‬أي بنى لو جعلت‬
‫ما وهو خال بمعاوية‪ ،‬وابن عمر بالباب لم‬
‫تأتينا وتغشانا؟ فجئت يو ً‬
‫يؤذن له‪ ،‬فرجعت فلقيني بعد‪ ،‬فقال‪ :‬يا بنى لم أرك أتيتنا؟ قلت‪:‬‬
‫جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع‪ ،‬فرجعت‪ ،‬فقال‪ :‬أنت‬
‫إنما أنت في رءوسنا ما ترى‪:‬‬
‫أحق بالذن من عبد الله بن عمر‪،‬م‬
‫الله‪ ،‬ثم أنتم‪ ،‬ووضع يده على رأسه)‪.(4‬‬
‫‪ -2‬والله ما هنأ لي ما كسوتكم‪ :‬روى ابن سعد عن جعفر بن‬
‫محمد الباقر عن أبيه على ابن الحسين‪ ،‬قال‪ :‬قدم على عمر حلل‬
‫من اليمن‪ ،‬فكسا الناس فراحوا في الحلل‪ ،‬وهو بين القبر والمنبر‬
‫جالس‪ ،‬والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون له‪ ،‬فخرج الحسن‬
‫والحسين من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنها يتخطيان الناس‪،‬‬
‫ليس عليها من تلك الحلل شيء‪ ،‬وعمر قاطب صار بين عينيه‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬والله ما هنأ لي ما كسوتكم‪ ،‬قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬كسوت‬
‫رعيتك فأحسنت‪ ،‬قال‪ :‬من أجل الغلمين يتخطيان الناس وليس‬
‫عليهما من شيء كبرت عنهما وصغرا عنها‪ ،‬ثم كتب إلى والي اليمن‬
‫جل‪ ،‬فبعث إليه بحلتين‬
‫أن ابعث‬
‫بحلتين لحسن وحسين‪ ،‬وع ّ‬
‫فكساهما)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬تقديم بنى هاشم في العطاء‪ :‬عن أبي جعفر أنه لما أراد أن‬
‫سا من أصحاب النبي ×‪،‬‬
‫يفرض للناس بعدما فتح الله عليه‪ ،‬وجمع نا ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فقه السيرة للبوطي‪ :‬ص)‪.(295‬‬
‫خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ :‬ص)‪.(77‬‬
‫المامة والرد على الرافضة للصبهاني‪ :‬ص)‪.(295‬‬
‫المرتضى‪ :‬ص )‪ ،(1418‬كنز العمال )‪ ،(7/105‬الصابة )‪.(1/133‬‬
‫المرتضى‪ :‬ص )‪ ،(118‬الصابة )‪.(1/106‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪8‬‬

‫فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه‪ :‬ابدأ بنفسك‪ ،‬فقال‪ :‬ل‬
‫والله بالقرب من رسول الله ×‪ ،‬ومن بنى هاشم رهط رسول الله‬
‫×‪ ،‬وفرض للعباس‪ ،‬ثم لعلي‪ ،‬حتى والى بين خمس قبائل‪ ،‬حتى‬
‫انتهى إلى بنى عدى بن كعب‪ ،‬فكتب‪ :‬من شهد بدًرا من بنى هاشم‪،‬‬
‫را من بنى أمية بن عبد شمس‪ ،‬ثم القرب فالقرب‪،‬‬
‫ثم من شهد بد ً‬
‫ففرض العطيات لهم وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول‬
‫الله)‪.(1‬‬
‫‪ -4‬كساني هذا الثوب أخي وخليلي‪ :‬خرج على وعليه برد عدني‬
‫فقال‪ :‬كساني هذا الثوب أخي وخليلي وصفيى وصديقي أمير‬
‫المؤمنين عمر)‪ .(2‬وفي رواية عن أبي السفر قال‪ :‬رُئي على على بن‬
‫أبي طالب رضي الله عنه برد كان يكثر لبسه قال‪ :‬فقيل‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬إن هذا كسانيه‬
‫وصفيى عمر بن الخطاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ناصح الله فنصحه‪،‬‬
‫خليلي‬
‫ثم بكى)‪.(3‬‬
‫‪ -5‬أقطاع ينبع‪ :‬أقطع عمر بن الخطاب علًيا ينبع‪ ،‬ثم اشترى على‬
‫إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عيًنا‪ ،‬فبينما هم يعملون فيها إذ‬
‫تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتى على وبشر فتصدق بها‬
‫على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله ليوم تبيض وجوه وتسود‬
‫وجوه‪ ،‬ليصرف الله تعالى بها وجهه عن النار ويصرف النار عن‬
‫وجهه‪ ،‬وكتب في صدقته‪ :‬هذا ما أمر به على بن أبي طالب وقضى‬
‫في ماله‪ :‬إني تصدقت بينبع ووادي القرى والذنية وراعة في سبيل‬
‫الله ووجهه‪ ،‬أبتغى مرضاة الله‪ ،‬ينفق منها في كل منفعة في سبيل‬
‫الله ووجهه‪ ،‬وفي الحرب والسلم والجنود وذوى الرحم القريب‬
‫والبعيد‪ ،‬ل يباع ول يوهب ول يورث حًيا أنا أو ميًتا‪ ،‬أبتغى بذلك وجه‬
‫الله والدار الخرة‪ ،‬ول أبتغى إل الله عز وجل‪ ،‬فإنه يقبلها وهو يرثها‬
‫خير الوارثين‪ ،‬فذلك الذي قضيت فيها بينى وبين الله عز‬
‫وهو‬
‫وجل)‪.(4‬‬
‫‪ -6‬لتقولن يا أبا حسن‪:‬اجتمع عند عمر جماعة من قريش فيهم‬
‫على فتذكروا الشرف‪ ،‬وعلى ساكت فقال عمر‪ :‬مالك يا أبا الحسن‬
‫ساكًتا؟ فكأن علًيا كره الكلم‪ ،‬فقال عمر‪ :‬لتقولن يا أبا الحسن‪،‬‬
‫فقال على‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫الهام‬
‫في كل معترك تزيل سيوفنا‬
‫الله أكرمنا بنصر نبيه‬

‫وبنا أعز شرائع السلم‬

‫ويزورنا جبريل في أبياتنا‬

‫بفرائض السلم والحكام‬

‫)‪(6‬‬

‫‪ -7‬حوار بين أمير المؤمنين عمر وعلى حول الرؤيا‪ :‬قال عمر بن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( الخراج لبي يوسف‪ :‬ص )‪ ،(25 ،24‬المرتضى‪ :‬ص )‪.(118‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص ‪.140‬‬
‫)( المصنف لبن أبي شيبة )‪ (12/29‬رقم ‪12047‬نقل عن الشريعة للجرى )‬
‫‪ (5/2327‬إسناده حسن‪.‬‬
‫)( المحلى )‪ ،(6/180‬مصنف عبد الرزاق )‪ (10/375‬فقه على‪ ،‬قلعجي‪ :‬ص )‬
‫‪.(626‬‬
‫)( فراخ الهام‪ :‬فراخ الرأس على التشبيه‪.‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص)‪.(138‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪12‬‬
‫‪9‬‬

‫الخطاب – رضي الله عنه – لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه‪:‬‬
‫أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال‪،‬‬
‫فتكون رؤياه كأخذ اليد‪ ،‬ويرى الرجل الشيء‪ ،‬فل تكون رؤياه شيًئا‪،‬‬
‫على‪(1‬بين أبي طالب‪ :‬أفل َأخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن‬
‫فقال‬
‫فى الن ْ ُ‬
‫و ّ‬
‫م‬
‫الله يقول) ‪+ :‬الل‬
‫س ِ‬
‫ه ي َت َ‬
‫وت ِ َ‬
‫حي َ‬
‫وال ِّتي ل َ ْ‬
‫ن ََ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫ها ْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ك ال ِّتي َ‬
‫ها َ‬
‫س ُ‬
‫ل‬
‫ضى َ‬
‫ق َ‬
‫ت ِ‬
‫وي ُْر ِ‬
‫م ِ‬
‫مَنا َ ِ‬
‫و َ‬
‫مُ ْ‬
‫علي ْ َ‬
‫م َ‬
‫ها ال َ‬
‫في ُ ْ‬
‫في َ‬
‫تَ ُ‬
‫ت َ‬
‫م ْ‬
‫مى" ]الزمر‪.[42 :‬‬
‫س‬
‫م‬
‫ال ْ‬
‫خَرى إ َِلى أ َ‬
‫ل ّ َ ّ‬
‫ج ٍ‬
‫سا‪ :‬زواج عمر من أم كلثوم بنت على بن أبي طالب‪:‬‬
‫خام ً‬
‫زوج على بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته من فاطمة بنت‬
‫النبي × من الفاروق حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه بما‬
‫يطلب‪ ،‬وثقة فيه وإقراًرا لفضله ومناقبة‪ ،‬واعتراًفا بمحاسنه وجمال‬
‫سيرته‪ ،‬وإظهاًرا بأن بينهم من العلقات الوطيدة الطيبة والصلت‬
‫المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء المة المجيدة‪،‬‬
‫المحكمة‬
‫ويرغم أنوفهم)‪ ,(2‬فقد كان عمر يكن لهل البيت محبة خاصة ل يكنها‬
‫لغيرهم لقرابتهم من رسول الله ×‪ ،‬ولما أوصى به رسول الله ×‬
‫من إكرام أهل البيت ورعاية حقوقهم‪ ،‬فمن هذا الباعث خطب عمر‬
‫أم كلثوم ابنة على وفاطمة رضوان الله عليهم وتودد إليه في ذلك‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ :‬فوالله ما على الراض رجل يرصد من حسن صحبتها ما أرصد‪،‬‬
‫فقال على‪ :‬قد فعلت‪ ،‬فأقبل عمر إلى المهاجرين‪ ،‬وهو مسرور قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫رفئوني‪..‬ثم ذكر أن سبب زواجه منها ما سمعه من النبي ×‪» :‬كل‬
‫سبب ونسب منقطع يوم القيامة إل ما كان من سببي‬
‫ونسبي«‪ ،‬فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله × سبب)‪ ,(3‬ولقد‬
‫أقر بهذا الزواج كل أهل التاريخ والنساب وجميع محدثي الشيعة‬
‫وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم‪،‬‬
‫ولقد أورد الشيخ إحسان إلهي ظهير روايات بخصوص ذلك في كتابه‬
‫الشيعة والسنة)‪ ,(4‬ولقد ذكر هذا الزواج علماء أهل السنة في التاريخ‬
‫ذكروا( هذا الزواج‪:‬‬
‫العلماء الذين‬
‫عليه‪ ،‬ومن‬
‫وأجمعت‪(5‬مصادرهم‬
‫)‪8‬‬
‫)‪(7‬‬
‫)‪(6‬‬
‫والدياربكرى)‪,(9‬‬
‫الجوزي‬
‫وابن‬
‫‪,‬‬
‫والذهبي‬
‫‪,‬‬
‫كثير‬
‫وابن‬
‫الطبري) ‪,‬‬
‫)‪(11‬‬
‫)‪(10‬‬
‫وقد ذكر هذا الزواج في كتب التراجم‪ ،‬كابن حجر ‪ ,‬وابن‬
‫سعد)‪ ,(12‬وأسد الغابة‪ ،‬وقد قام الستاذ أبو معاذ السماعيلي في‬
‫كتابه زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت على بن أبي طالب‬
‫‪1‬‬

‫)( الفتاوى )‪.(271 ،5/270‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(105‬‬
‫‪3‬‬
‫)( إسناده حسن‪ ،‬أخرجه الحاكم في المستدرك )‪ (3/142‬صحيح السناد ولم‬
‫يخرجاه‪ ،‬وقال الذهبي متعقًبا‪ :‬منقطع‪ ،‬وأورده الهيثمي في )مجمع الزائد‬
‫‪ (9/173‬وقال‪ :‬رواه الطبراني في الكبير والوسط ورجالهما رجال الصحيح غير‬
‫الحسن بن سهل وهو ثقة‪ ،‬وهناك من ضعفه‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(105‬‬
‫‪5‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/28‬‬
‫‪6‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/220‬‬
‫‪7‬‬
‫)( تاريخ السلم عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص)‪.(166‬‬
‫‪8‬‬
‫)( المنتظم )‪.(4/131‬‬
‫‪9‬‬
‫)( تاريخ الخميس نقل عن زواج عمر من أم كلثوم لبي معاذ‪ :‬ص )‪.(19‬‬
‫‪10‬‬
‫)( الصابة لبن حجر‪ :‬ص )‪ (276‬كتاب الكنى وكتاب النساء‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫)( الصابة لبن حجر‪ :‬ص )‪ (276‬كتاب الكنى وكتاب النساء‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫)( أسد الغابة )‪.(7/425‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪0‬‬

‫رضي الله عنهما حقيقة وليس افتراء‪ ،‬بتتبع مراجع مصادر الشيعة‬
‫وأهل السنة فيما يتعلق بهذا الزواج ورد على الشبهات التي ألصقت‬
‫بهذا الزواج الميمون‪ ،‬وقد ذكرت شيًئا من سيرتها ومواقفها في‬
‫حياتها في عهد الفاروق في كتابي )فصل الخطاب في سيرة أمير‬
‫المؤمنين عمر بن الخطاب‪ ،‬شخصيته وعصره(‪.‬‬
‫هذا وقد ولدت أم كلثوم بنت على من عمر رضي الله عنه ابنة‬
‫دا‪ ،‬وقد روى أصحاب زيد أن زيد بن‬
‫دا سمته زي ً‬
‫سميت )رقية( وول ً‬
‫عمر حضر مشاجرة في قوم من بنى عدى بن كعب ليل فخرج إليهم‬
‫زيد بن عمر ليصلحهم فأصابته ضربة شجت رأسه ومات من فوره‪،‬‬
‫وحزنت أمه لقتله ووقعت مغشًيا عليها من الحزن فماتت من‬
‫ساعتها‪ ،‬ودفنت أم كلثوم وابنها زيد بن عمر في وقت واحد‪ ،‬وصلى‬
‫عمر بن الخطاب‪ ،‬قدمه الحسن ابن على بن أبي‬
‫عليهم عبد الله بن‬
‫طالب وصلى خلفه)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬يا بنت رسول الله ما أحد من الخلق أحب إلينا من‬
‫ساد ً‬
‫أبيك‪ ،‬وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك‪:‬‬
‫عن أسلم العدوي قال‪ :‬لما بويع لبي بكر بعد النبي × كان على‬
‫والزبير بن العوام يدخلن على فاطمة فيشاورانها‪ ،‬فبلغ عمر‪ ،‬فدخل‬
‫على فاطمة فقال‪ :‬يا بنت رسول الله ما أحد من الخلق أحب إلينا‬
‫من أبيك‪ ،‬وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك‪ ،‬وكلمها‪ ،‬فدخل‬
‫على والزبير على فاطمة فقالت‪ :‬انصرفا راشدين‪ ،‬فما رجعا إليها‬
‫حتى بايعا)‪ ,(2‬وهذا هو الثابت الصحيح والذي مع صحة سنده ينسجم‬
‫مع روح ذلك الجيل وتزكية الله له‪ .‬وقد زاد الروافض في هذه‬
‫وبهتاًنا وزوًرا‪ ،‬وقالوا إن عمر قال‪ :‬إذا اجتمع‬
‫الرواية واختلفوا‬
‫إفكا ُ‬
‫ن عليهم هذا البيت‪ ،‬لنهم أرادوا شق‬
‫لحرق‬
‫ان‬
‫النفر‬
‫عندك هؤلء‬
‫ّ‬
‫عصا المسلمين بتأخرهم عن البيعة‪ ،‬ثم خرج عنها‪ ،‬فلم يلبث أن‬
‫عادوا إليها‪ ،‬فقالت لهم‪ :‬تعلمون أن عمر جاءني وحلف بالله لئن أنتم‬
‫عدتم إلى هذا البيت ليحرقنه عليكم‪ ،‬وايم الله إنه ليصدقن فيما‬
‫ى ففعلوا ذلك‪ ،‬ولم يرجعوا‬
‫حلف عليه‪ ،‬فانصرفوا عني فل ترجعوا إل ّ‬
‫إليها إل بعدما بايعوا)‪ .(3‬وهذه القصة لم تثبت عن عمر رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬ودعوى أن عمر رضي الله عنه هم بإحراق بيت فاطمة‪ ،‬من‬
‫أوردها مع أكاذيب‬
‫أكاذيب الرافضة‪ ،‬أعداء صحابة رسول الله‪ ،‬وقد‬
‫)‪(4‬‬
‫جابر‬
‫عن‬
‫‪,‬‬
‫المامة‬
‫أخرى الطبري الطبرسى في كتابه دلئل‬
‫)‪(5‬‬
‫كذاب باتفاق أئمة الحديث كما في الميزان‬
‫الجعفي‪ ،‬وهو رافضي‬
‫للذهبي‪ ،‬وتهذيب التهذيب)‪ ,(6‬وزعم بعض الروافض أن عمر ضرب‬
‫فاطمة حتى أسقط ولدها محسًنا وهو في بطنها‪ ،‬وهذه من الكاذيب‬
‫الرافضة التي ل أساس لها من الصحة‪ ،‬وما علموا أنهم يطعنون في‬
‫باتهامه بالجبن والسكوت عن عمر وهو‬
‫على رضي الله عنه‪ ،‬وذلك‬
‫من أشجع أصحاب النبي × )‪ ,(7‬بل إن بعض كتب الروافض أنكر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أسد الغابة )‪ ،(7/45‬ونساء أهل البيت‪ ،‬منصور عبد الحكيم‪ :‬ص)‪.(186 ،185‬‬
‫أخرجه ابن أبي شيبة‪ :‬المصنف )‪ (14/567‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫عقائد الثلثة والسبعين فرقة لبي محمد اليمني )‪.(1/140‬‬
‫دلئل المامة‪ :‬ص )‪ (26‬نقل ً عن عقائد الثلثة والسبعين )‪.(1/140‬‬
‫الميزان للذهبي )‪.(1/279‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(2/47‬‬
‫حقبة من التاريخ‪ :‬ص)‪.(224‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪1‬‬

‫)‪(1‬‬
‫ما بأن محسًنا ولد في حياة النبي ×‬
‫صحة هذا الهذيان والزور عل ً‬
‫كما ثبت ذلك بالرواية الصحيحة‪.‬‬
‫سابًعا‪ :‬الخلف بين العباس وعلى وحكم عمر رضي الله عنهم‬
‫بينهما‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫قال مالك بن أوس‪ :‬بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار ‪,‬‬
‫إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني‪ ،‬فقال‪ :‬أجب أمير المؤمنين‪،‬‬
‫)‪(3‬‬
‫فانطلقت معه حتى دخلت على عمر‪ ،‬فإذا هو جالس على رمال‬
‫سرير ليس بينه وبينه فراش‪ ،‬متكئ على وسادة من أدم‪ ،‬فسلمت‬
‫عليه ثم جلست‪ ،‬فقال‪ :‬يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات‪،‬‬
‫وقد أمرت فيهم برضخ‪ ،‬فاقبضه فاقسمه بينهم‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين لو أمرت به غيري‪ ،‬قال‪ :‬اقبضه أيها المرء‪ ،‬فبينما أنا جالس‬
‫عنده أتاه حاجبه يرفأ‪ ،‬فقال‪ :‬هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن‬
‫عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬يستأذنونك؟ قال‪ :‬نعم فأذن لهم‬
‫فدخلوا فسلموا وجلسوا‪ ،‬ثم جلس يرفأ يسيًرا‪ ،‬ثم قال‪ :‬هل لك في‬
‫ى وعباس؟ قال‪ :‬نعم فأذن لهما فدخل فسلما فجلسا‪ ،‬فقال‬
‫عل ّ‬
‫عباس‪ :‬يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا‪ ،‬وهما يختصمان فيما‬
‫أفاء الله على رسوله × من مال بنى النضير‪ ،‬فقال الرهط – عثمان‬
‫وأصحابه‪) :-‬يا‪(4‬أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الخر قال‬
‫عمر‪ :‬تيدكم ‪ ,‬أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والرض هل‬
‫تعلمون أن رسول الله × قال‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما تركناه‬
‫صدقة«‪،‬يريد رسول الله × نفسه؟ قال الرهط‪ :‬قد قال ذلك‪،‬‬
‫ى‪ ،‬وعباس‪ ،‬فقال‪ :‬أنشدكما بالله أتعلمان أن‬
‫فأقبل عمر على عل ّ‬
‫رسول الله × قد قال ذلك؟ قال‪ :‬قد قال ذلك‪ ،‬قال عمر‪ :‬فإني‬
‫رسوله × في هذا الفئ‬
‫أحدثكم عن هذا المر‪ ،‬إن الله قد خص‬
‫ما أ َ َ‬
‫ه‬
‫دا غيره‪ ،‬ثم قرأ‪+ :‬‬
‫بشيء‬
‫ه َ‬
‫سول ِ ِ‬
‫يعطه أح ً‬
‫عَلى َر ُ‬
‫فاءَ الل َُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫لمما أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ل‬
‫و‬
‫ب‬
‫كا‬
‫ر‬
‫ل‬
‫و‬
‫ل‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ج‬
‫و‬
‫ف‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ َ ِ ّ‬
‫ْ ِ ِ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ‬
‫هّ ْ ُ َ َ ْ َ َ ْ‬
‫ْ ٍ َ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ديٌر"‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫والل‬
‫ء‬
‫شا‬
‫ي‬
‫من‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ل‬
‫س‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫يُ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ُ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫]الحشر‪ .[6:‬فكانت هذه خالصة لرسول الله × ووالله ما احتازها‬
‫دونكم‪ ،‬ول أستأثر بها عليكم‪ ،‬قد أعطاكموها‪ ،‬وبثها فيكم‪ ،‬حتى بقى‬
‫منها هذا المال‪ ،‬فكان رسول الله × ينفق على أهله نفقة سنتهم من‬
‫هذا المال‪ ،‬ثم يأخذ ما بقى فيجعله مال الله‪ ،‬فعمل رسول الله ×‬
‫بذلك حياته‪ ،‬أنشدكما بالله‪ ،‬هل تعلمان ذلك؟ قال عمر‪ :‬ثم توفى‬
‫الله نبيه × فقال أبو بكر‪ :‬أنا ولي رسول الله ×‪ ،‬والله يعلم أنه فيها‬
‫ي أبي‬
‫لصادق بار راشد تابع للحق‪ ،‬ثم توفى الله أبا بكر‪ ،‬فكنت أنا ول ّ‬
‫بكر فقبضتها سنتين من إمارتي‪ ،‬أعمل فيها بما عمل رسول الله ×‬
‫وما عمل فيها أبو بكر‪ ،‬والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع‬
‫للحق‪ ،‬ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركم واحد‪ ،‬جئتنى يا‬
‫عباس‪ ،‬تسألني نصيبك من ابن أخيك‪ ،‬وجاءني هذا »يريد علًيا« يريد‬
‫نصيب امرأته من أبيها‪ ،‬فقلت لكما‪ :‬إن رسول الله قال‪» :‬ل نورث‪،‬‬
‫ما تركناه صدقة« فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت‪ :‬إن شئتما‬
‫دفعتها إليكما‪ ،‬على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملن فيها بما‬
‫عمل فيها رسول الله × وما عمل أبو بكر‪ ،‬وبما عملت فيها منذ‬
‫وليتها‪ ،‬فقلتما‪ :‬ادفعها إلينا‪ ،‬فبذلك دفعتها إليكما فأنشدكم بالله هل‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص)‪.(252‬‬
‫متع النهار‪ :‬ارتفع قبل الزوال‪.‬‬
‫المراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف‪.‬‬
‫التيد‪ :‬الرفق‪ ،‬يقال‪:‬تيدك هذا‪ ،‬أي اتئد‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪2‬‬

‫دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط‪:‬نعم‪ ،‬ثم أقبل على على وعباس‬
‫فقال‪ :‬أنشدكم بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فتلتمسان مني غير ذلك‪ ،‬فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والرض‪ ،‬ل‬
‫ى‪ ،‬فإني‬
‫أقضي‬
‫فيها‪(1‬قضاء غير ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها إل ّ‬
‫أكفيكماها) ‪.‬‬
‫ثامًنا‪ :‬ترشيح عمر علًيا للخلفة مع أهل الشورى وما قاله على‬
‫في عمر بعد استشهاده‪:‬‬
‫‪ -1‬ترشيح على مع أهل الشورى‪:‬لما ُ‬
‫طعن عمر رضي الله عنه‬
‫وظن أنه سيفارق الحياة‪ ،‬وأخذ المسلمون يدخلون عليه‪ ،‬ويقولون‬
‫ص يا أمير المؤمنين‪ ،‬استخلف‪ ،‬فقال‪ :‬ما أجد أحق بهذا المر‬
‫له‪ :‬أو ِ‬
‫عنهم‬
‫وهو‬
‫×‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫توفى‬
‫الذين‬
‫الرهط‪-‬‬
‫أو‬
‫–‬
‫النفر‬
‫هؤلء‬
‫من‬
‫الرحمن)‪,(2‬‬
‫وعبد‬
‫دا‬
‫وسع‬
‫وطلحة‬
‫والزبير‬
‫وعثمان‪،‬‬
‫يا‪،‬‬
‫عل‬
‫فسمى‬
‫راض‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثم دعا خاصتهم وهم عبد الرحمن‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلى فوعظهم)‪ ,(3‬إن‬
‫عمر رضي الله عنه إمام وعليه أن يستخلف الصلح للمسلمين‪،‬‬
‫فاجتهد في ذلك ورأى أن الستة الذين توفى رسول الله × وهو‬
‫عنهم راض أحق من غيرهم‪ ،‬وهو كما رأى‪ ،‬فإنه لم يقل أحد أن‬
‫دا منهم‪،‬‬
‫غيرهم أحق منهم‪ ،‬وجعل التعيين إليهم خوًفا أن يعين واح ً‬
‫ويكون غيره أصلح لهم‪ ،‬فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان‬
‫دا منهم‪ ،‬وهذا‬
‫التعيين‪ ،‬وقال‪ :‬المر في التعيين إلى الستة يعينون أح ً‬
‫هوى له رضي الله عنه‪ ،‬وهو نموذج واقعي‬
‫اجتهاد إمام عادل ناصح‬
‫تعالى‪ :‬ل‪+‬وأ َ‬
‫ُ‬
‫م" ]الشورى‪[38:‬‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫رى‬
‫شو‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫لتطبيق قول الله‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫َ ْ ُ ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ر" ]آل عمران‪ ،[159 :‬فكان ما فعله‬
‫م‬
‫ال‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫وْر ْ‬
‫وقال‪َ + :‬‬
‫ْ ِ‬
‫شا ِ‬
‫من الشورى مصلحة)‪.(4‬‬
‫إن الفاروق رضي الله عنه رأى المر في الستة متقارًبا فإنهم‬
‫وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض‪ ،‬فلذلك المفضول مزية‬
‫دا فقد يحصل بوليته نوع‬
‫أخرى ليست للخر‪ ،‬ورأى أنه إذا عين واح ً‬
‫ً‬
‫من الخلل فيكون منسوًبا إليه‪ ،‬فترك التعيين خوفا من الله تعالى‪،‬‬
‫وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا المر منهم فجمع بين المصلحتين‪ ،‬بين‬
‫تعيينهم إذ ل أحق منهم‪ ،‬وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من‬
‫التقصير‪ ،‬والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب‬
‫المكان‪ ،‬فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة)‪ ،(5‬ول يقال إنه‬
‫بجعله المر شورى بين الستة قد خالف به من تقدمه كما هو زعم‬
‫الشيعة الرافضة‪ ،‬لن الخلف نوعان‪ ،‬خلف تضاد وخلف تنوع‪ ،‬وما‬
‫فعله عمر – رضي الله عنه – من النوع الثاني)‪ ,(6‬وقد أقره على‬
‫دا عارضه‪ ،‬وقد بسطت ما ابتكره‬
‫اجتهاده كل الصحابة ولم نسمع أح ً‬
‫عمر من طريقة جديدة في اختيار الخليفة من بعده في كتابي فصل‬
‫الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته‬
‫وعصره‪ ،‬فمن أراد التوسع فليرجع إليه مشكوًرا‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البخاري رقم ‪ ،3094‬مسلم ‪1757‬واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/142‬‬
‫البخاري رقم ‪.3700‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(164 -3/162‬المنتقى‪ :‬ص )‪.(364 -362‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(164 -3/162‬المنتقى‪ :‬ص)‪.(364 -362‬‬
‫عقيدة أهل السنة )‪.(2/1042‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -2‬ما قاله على في عمر بعد استشهاده‪ :‬قال ابن عباس كما هو‬
‫في صحيح البخاري‪ :‬وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون‬
‫ويصلون‪ ،‬قبل أن يرفع‪ ،‬وأنا فيهم‪ ،‬فلم يرعنى إل رجل آخذ منكبي‪،‬‬
‫دا‬
‫إذا على بن أبي طالب‪ ،‬فترحم على عمر وقال‪ :‬ما خلفت أح ً‬
‫أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك‪ ،‬وايم الله إن كنت لظن أن‬
‫يجعلك الله مع صاحبيك‪ ،‬وحسبت أني كنت كثيًرا ما أسمع النبي ×‬
‫يقول‪ :‬ذهبت أنا وأبو بكر وعمر‪ ،‬ودخلت أنا وأبو بكر وعمر‪ ،‬وخرجت‬
‫أنا وأبو بكر وعمر)‪.(1‬‬
‫‪ -3‬قول على في عمر‪ :‬إن عمر كان رشيد المر‪ :‬وها هو حرصه‬
‫على عدم مخالفته بعد وفاته‪ :‬عن عبد خير قال‪ :‬كنت قريًبا من على‬
‫حيث جاء أهل نجران قال‪ :‬قلت‪ :‬فإن كان راًدا على عمر شيًئا‬
‫فاليوم‪ ،‬قال‪ :‬فسلموا واصطفوا بين يديه‪ ،‬قال‪ :‬ثم أدخل بعضهم يده‬
‫في كمه فأخرج كتاًبا فوضعه في يد على‪ ،‬قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫خطك بيمينك وإملء رسول الله × عليك‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت علًيا وقد‬
‫جرت الدموع على خده قال‪ :‬ثم رفع رأسه إليهم فقال‪ :‬يا أهل‬
‫نجران‪ ،‬إن هذا لخر كتاب كتبته بين يدي رسول الله ×‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫فأعطنا ما فيه‪ ،‬قال‪ :‬سأخبركم عن ذاك؛ إن الذي أخذه عمر لم‬
‫يأخذه لنفسه‪ ،‬إنما أخذه بجماعة من المسلمين‪ ،‬وكان الذي أخذه‬
‫أعطاكم والله ل أرد شيًئا مما صنعه عمر إن عمر‬
‫منكم خيًرا مما‬
‫)‪(2‬‬
‫الفقهاء عليها قولهم‪ :‬ل يرد‬
‫أصل‬
‫الحادثة‬
‫وهذه‬
‫‪,‬‬
‫المر‬
‫كان رشيد‬
‫القاضي اجتهاد قضاء من قبله عند على)‪ ,(3‬وروى عنه أنه قال‪:‬‬
‫كما( كنتم تقضون حتى تكونوا جماعة‪ ،‬فإني أخشى‬
‫اقضوا‬
‫)‪4‬‬
‫قول جمهور الفقهاء)‪ ,(5‬وقد قال على‪ :‬ما كنت لحل‬
‫وهو‬
‫‪,‬‬
‫الختلف‬
‫عقدة شدها عمر)‪.(6‬‬
‫‪ -4‬إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله‪ ،‬فأنا أكرهه لذلك‪ :‬لما‬
‫فرغ على من وقعة الجمل‪ ،‬ودخل البصرة‪ ،‬وشيع أم المؤمنين‬
‫عائشة لما أردات الرجوع إلى مكة‪ ،‬سار من البصرة إلى الكوفة‪،‬‬
‫فدخلها يوم الثنين‪ ،‬لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست‬
‫وثلثين‪ ،‬فقيل له‪ :‬انزل بالقصر البيض‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪ ،‬إن عمر بن‬
‫فأنا أكرهه لذلك‪ ،‬فنزل في الرحبة وصلى‬
‫الخطاب كان يكره نزوله‬
‫في الجامع العظم ركعتين)‪.(7‬‬
‫‪ 5‬حب أهل البيت لعمر رضي الله عنه‪:‬إن من دللة محبة أهل‬‫البيت الفاروق – رضي الله عنه – تسمية أبنائهم باسمه‪ ،‬حًبا وإعجاًبا‬
‫را ً لما أتى به من الفعال الطيبة والمكارم العظيمة‪،‬‬
‫بشخصيته‪ ،‬وتقدي‬
‫را بالصلت والودية‬
‫ولما قدم إلى السلم من الخدمات الجليلة‪ ،‬وإقرا ً‬
‫الوطيدة التي تربطه بأهل بيت النبوة والرحم‪ ،‬والصهر القائم بينه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬رقم ‪.3685‬‬
‫)( معجم البلدان )‪ ،(5/269‬والمختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪ ،(139‬فقه‬
‫المام على )‪ (2/813‬نقل عن السنن للبيهقي‪ ،‬إسناده مرسل‪ ،‬الجرى )‬
‫‪ (4/1777‬إسناده مرسل‪.‬‬
‫)( فقه المام على )‪.(2/813‬‬
‫)( مصنف عبد الرزاق )‪ (10/329‬نقل ً عن فقه المام على )‪.(2/813‬‬
‫)( فقه المام على )‪.(2/813‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة‪ :‬ص )‪ (140‬إسناده‬
‫منقطع‪ ،‬ابن أبي شيبة في المصنف )‪ (12/33‬رقم ‪.12054‬‬
‫)( تاريخ الخلفة الراشدة‪ ،‬محمد كنعان‪ :‬ص )‪.(383‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪4‬‬

‫المؤمنين( على بن أبي طالب‬
‫وبينهم‪ ،‬فأول من سمى ابنه باسمه أمير‬
‫سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية عمر)‪ , 1‬وقد جاء في كتاب‬
‫صاحب الفضول‪ ،‬حتى ذكر أولد على بن أبي طالب‪ :‬وعمر من‬
‫التغلبية‪ ،‬وهى الصهباء بنت ربيعة من السبى الذي أغار عليهم خالد بن‬
‫سا وثمانين سنة فحاز‬
‫مر عمر هذا حتى بلغ خم ً‬
‫الوليد بعين التمر‪ ،‬وع ّ‬
‫نصف ميراث على رضي الله عنه‪ ،‬وذلك أن جميع إخوانه وأشقائه وهم‬
‫مع الحسين رضي الله عنه‬
‫عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله‬
‫– يعني أنه لم يقتل معهم – بالطف فورثهم)‪ ,(2‬هذا وتبعه حسن في‬
‫الحب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم فسمى أحد أبنائه عمر‬
‫ذلك‬
‫)‪(3‬‬
‫الحسين ابنه‬
‫بعد‬
‫ومن‬
‫عمر‪،‬‬
‫سمى‬
‫على‬
‫بن‬
‫الحسين‬
‫وكذلك‬
‫‪,‬‬
‫ضا‬
‫أي‬
‫ً‬
‫)‪(4‬‬
‫وكذلك‬
‫‪,‬‬
‫عمر‬
‫باسم‬
‫أبنائه‬
‫أحد‬
‫سمى‬
‫العابدين‬
‫بزين‬
‫الملقب‬
‫على‬
‫موسى بن جعفر الملقب بالكاظم سمى أحد أبنائه باسم عمر)‪,(5‬‬
‫فهؤلء الئمة من أهل البيت الذين ساروا على هدى النبي × ومعالم‬
‫منهج أهل السنة والجماعة بسيرتهم العطرة يظهرون لعمر الفاروق ما‬
‫يكنونه في صدورهم من حبهم وولئهم له بعد وفاته بمدة‪ ،‬وقد جرى‬
‫هذا السم وكذلك أبو بكر وعثمان في ذرية أهل البيت ممن ساروا‬
‫على مذهب الحق وهو منهج أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا‪ ،‬ونجد‬
‫أسماء الصحابة وأمهات المؤمنين في البيوت الهاشمية التي التزمت‬
‫بالكتاب والسنة‪ ،‬فقد سموا طلحة‪ ،‬وعبد الرحمن وعائشة وأم سلمة‬
‫ونحن ندعو الشيعة اليوم إلى القتداء بعلي والحسن والحسين وسائر‬
‫بعض أبنائهم وبناتهم بأسماء الخلفاء‬
‫الئمة من آل البيت‪ ،‬فيسمون‬
‫الراشدين‪ ،‬وأمهات المؤمنين )‪ ,(6‬نرجو ذلك‪.‬‬
‫‪ -6‬عمر بن الخطاب جعله الله سبًبا في ذرية الحسين بن على‬
‫بن أبي طالب‪:‬أعطى – عمر بن الخطاب‪ -‬رضي الله عنه – للحسين‬
‫بن على رضي الله عنهم من غنائم الفرس ابنة يزدجرد ملك‬
‫من‬
‫يبق‬
‫الفرس‪ ،‬فولدت له زين العابدين على بن الحسين الذي لم‬
‫أبناء الحسين غيره‪ ،‬وكل ذرية الحسين تناسلوا منه وينسبون إليه)‪,(7‬‬
‫فليحذر الذين يسبون عمر بن الخطاب ممن ينتسبون إلى الحسين‪،‬‬
‫فلوله بعد الله لما كان لهم وجود)‪ ,(8‬كما أن عمر – رضي الله عنه –‬
‫أعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فكان عديل ً للحسين‪ ،‬وأنجبت له‬
‫القاسم( بن محمد بن أبي بكر‪،‬‬
‫القاسم بن محمد بن أبي بكر فكان‬
‫وعلى بن الحسين زين العابدين ابنى خالة)‪. 9‬‬
‫‪ -7‬قول عبد الله بن الحسن بن على بن أبي طالب في عمر)‪:(10‬‬
‫‪1‬‬

‫)( تاريخ اليعقوبي )‪ ،(2/213‬الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(133‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الفصول المهمة‪ :‬ص )‪ ،(143‬الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(133‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(133‬‬
‫‪4‬‬
‫)( االمصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(134‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(135‬‬
‫‪6‬‬
‫)( اذهبوا فأنتم الرافضة‪ ،‬عبد العزيز الزبير‪ :‬ص )‪.(230‬‬
‫‪7‬‬
‫)( ًعمدة الطالب في أنساب أبي طالب‪ ،‬الفصل الثاني عنوان )عقب الحسين(‬
‫نقل عن‪ :‬اذهبوا فأنتم الرافضة‪ :‬ص )‪.(232‬‬
‫‪8‬‬
‫)( اذهبوا فأنتم الرافضة ص )‪.(232‬‬
‫‪9‬‬
‫)( سير أعلم النبلء )‪.(6/256‬‬
‫‪10‬‬
‫)( هو عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن أبي طالب‪- ,‬أبو محمد‬
‫الهاشمي كان ذا هيبة ولسان وشرف‪ ،‬وكانت له منزلة عند عمر بن عبد العزيز‪،‬‬
‫توفى سنة ‪145‬هـ‪ ،‬العلم للزركلي )‪ ،(4/207‬تاريخ بغداد )‪.(9/431‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪5‬‬

‫عن حفص بن قيس‪ ،‬قال‪ :‬سألت عبد الله بن الحسن عن المسح‬
‫على الخفين‪ ،‬فقال‪ :‬امسح‪ ،‬فقد مسح عمر بن الخطاب‪ ،‬رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬إنما أسألك أنت تمسح؟ قال‪ :‬ذاك أعجز لك‪،‬‬
‫أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي‪ ،‬فعمر كان خيًرا مني ومن ملء‬
‫سا يزعمون أن هذا منكم تقية‪،‬‬
‫الرض‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا محمد‪ ،‬فإن نا ً‬
‫قال‪ :‬فقال لي – ونحن بين القبر والمنبر‪ :-‬اللهم إن هذا قولي في‬
‫ى قول أحد بعدي‪ .‬ثم قال‪ :‬من هذا‬
‫السر والعلنية‪ ،‬فل تسمعن عل ّ‬
‫الذي يزعم أن علًيا رضي الله عنه كان مقهوًرا‪ ،‬وأن رسول الله ×‬
‫ى ومنقصة أن يزعم أن‬
‫أمره بأمر ولم ينفذه؟ وكفى بإزراء‬
‫على عل ّ‬
‫رسول الله × أمره بأمر ولم ينفذه)‪.(1‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫على رضي الله عنه في عهد عثمان بن عفان‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬بيعة على لعثمان رضي الله عنه‪:‬‬

‫لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه‬
‫– حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة العلى إلى‬
‫الجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬وقيل أنهم‬
‫اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس‪،‬‬
‫ليقضوا في أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين – بعد وفاة‬
‫بتوفيق الله إلى‬
‫عمر ‪ ،-‬وقد تكلم القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا‬
‫كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين)‪ ,(2‬وقد أشرف‬
‫على تنفيذ عملية الشورى واختيار الخليفة عبد الرحمن بن عوف‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وحقق رضي الله عنه أول مظهر من مظاهر‬
‫الشورى المنظمة في اختيار من يتحمل أعباء الخلفة ويسوس أمور‬
‫والصبر والحزم وحسن التدريب‬
‫المسلمين‪ ،‬فهو قد اصطنع من الناة‬
‫ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى))‪ ,((34‬وقاد ركب الشورى‬
‫بمهارة وتجرد‪ ،‬مما يستحق أعظم التقدير ‪ ,‬قال الذهبي‪ :‬ومن‬
‫أفضل أعمال عبد الرحمن عزل نفسه من المر وقت الشورى‪،‬‬
‫واختياره للمة من أشار به أهل الحل والعقد‪ ،‬فنهض في ذلك أتم‬
‫نهوض على جمع المة على عثمان‪ ،‬ولو كان محابًيا فيها لخذها‬
‫لنفسه‪ ،‬أو لولها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي‬
‫وقاص)‪ ,(5‬وقد تم التفاق على بيعة عثمان بعد صلة صبح يوم البيعة‬
‫اليوم الخير من شهر ذى الحجة ‪23‬هـ‪6/‬نوفمبر ‪644‬م‪ ،‬وكان صهيب‬
‫الرومي المام إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وقد اعتم بالعمامة‬
‫التي عممه بها رسول الله ×‪ ،‬وكان قد اجتمع رجال الشورى عند‬
‫المنبر‪ ،‬فأرسل إلى من كان حاضًرا من المهاجرين والنصار وأمراء‬
‫الجناد‪ ،‬منهم‪ :‬معاوية أمير الشام‪ ،‬وعمير بن سعد أمير حمص‪،‬‬
‫وعمرو بن العاص أمير مصر‪ ،‬وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر‬
‫وصاحبوه إلى المدينة)‪ ,(6‬وجاء في رواية البخاري‪ :‬فلما صلى الناس‬
‫الصبح‪ ،‬واجتمع أولئك الرهط عند المنبر‪ ،‬فأرسل إلى من كان حاضًرا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( النهي عن سب الصحاب وما فيه من الثم والعقاب لمحمد عبد الواحد‬
‫المقدسي‪ :‬ص)‪.(57‬‬
‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬لصادق عرجون‪ :‬ص)‪.(62،63‬‬
‫)( المصدر نفسه ص‪.(71 ،70) :‬‬
‫)( مجلة البحوث السلمية العدد ‪ :10‬ص)‪.(255‬‬
‫)( سير أعلم النبلء )‪.(1/86‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪6‬‬

‫من المهاجرين والنصار‪ ،‬وأرسل إلى أمراء الجناد وكانوا وافوا تلك‬
‫الحجة مع عمر‪ ،‬فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال‪ :‬أما بعد‪ ،‬يا‬
‫الناس‪ ،‬فلم أرهم يعدلون بعثمان‪ ،‬فل‬
‫على إني قد نظرت في أمر‬
‫تجعل على نفسك سبيل ً فقال‪ (1) :‬أبايعك على سنة الله‬
‫بعده‪ ،‬فبايعه الناس المهاجرون والنصار‬
‫ورسوله والخليفتين من‬
‫)‪(2‬‬
‫والبيان‬
‫التمهيد‬
‫صاحب‬
‫رواية‬
‫في‬
‫وجاء‬
‫‪,‬‬
‫والمسلمون‬
‫وأمراء الجناد‬
‫أن على بن أبي طالب أول من بايع بعد عبد الرحمن بن عوف)‪.(3‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أباطيل رافضية دست في قصة الشورى‪:‬‬
‫هناك أباطيل رافضية دست في التاريخ السلمي في قصة‬
‫الشورى وتولية عثمان الخلفة‪ ،‬وقد تلقفها المستشرقون وقاموا‬
‫بتوسيع نشرها‪ ،‬وتأثر بها الكثير من المؤرخين والمفكرين المحدثين‪،‬‬
‫ولم يمحصوا الروايات ويحققوا في سندها ومتنها‪ ،‬فانتشرت بين‬
‫المسلمين‪ ،‬لقد اهتم مؤرخو الشيعة الرافضة بقصة الشورى وتولية‬
‫عثمان بن عفان الخلفة ودسوا فيها الباطيل والكاذيب‪ ،‬وألف‬
‫خاصة‪ ،‬فقد ألف أبو مخنف كتاب الشورى‪ ،‬وكذلك‬
‫جماعة منهم كتًبا‬
‫)‪(4‬‬
‫طريق‬
‫من‬
‫روايات‬
‫تسع‬
‫سعد‬
‫ابن‬
‫ونقل‬
‫‪,‬‬
‫بابويه‬
‫ابن عقدة‪ ،‬وابن‬
‫الواقدى في خبر الشورى وبيعة عثمان وتاريخ توليه للخلفة)‪,(5‬‬
‫ورواية من طريق عبيد الله بن موسى تضمنت مقتل عمر وحصره‬
‫وعثمان إذا تولى أحدهما‬
‫للشورى في الستة ووصيته لكل من على‬
‫المر)‪ ,(6‬وقد نقل البلذرى خبر‬
‫أمر الخلفة‪ ،‬ووصيته لصهيب في هذا‬
‫)‪(7‬‬
‫الكلبي منها ما‬
‫هشام‬
‫وعن‬
‫‪,‬‬
‫مخنف‬
‫الشورى وبيعة عثمان عن أبي‬
‫مخنف ومنها ما تفرد به)‪ ,(8‬وعن الواقدي)‪ ,(9‬وعن عبيد‬
‫نقله عن أبي‬
‫)‪(10‬‬
‫واعتمد الطبري في هذه القصة على عدة روايات‬
‫‪,‬‬
‫موسى‬
‫الله بن‬
‫)‪(11‬‬
‫بعض( أحداث قصة‬
‫الحديد‬
‫أبي‬
‫ابن‬
‫ونقل‬
‫‪,‬‬
‫مخنف‬
‫أبي‬
‫رواية‬
‫منها‬
‫العزيز الجوهري)‪ , 12‬وأشار إلى‬
‫عبد‬
‫بن‬
‫أحمد‬
‫طريق‬
‫من‬
‫الشورى‬
‫نقله عن كتاب )الشورى( للواقدي)‪ ,(13‬وقد تضمنت الروايات‬
‫الشيعية الرافضة عدة أمور مدسوسة ليس لها دليل من الصحة‪،‬‬
‫وهى‪:‬‬
‫‪ -1‬اتهام الصحابة بالمحاباة في أمر المسلمين‪ :‬اتهمت‬
‫‪6‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪13‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫شهيد الدار‪ :‬ص )‪.(37‬‬
‫قوله‪ :‬فقال‪ :‬أي عبد الرحمن مخاطًبا عثمان‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك الحكام‪ ،‬رقم ‪.7207‬‬
‫التمهيد والبيان ص)‪.(26‬‬
‫الذريعة إلى تصانيف الشيعة )‪.(14/246‬‬
‫الطبقات الكبرى )‪.(3/67) ،(63 /3‬‬
‫الطبقات الكبرى )‪.(3/67) ،(3/63‬‬
‫أنساب الشراف )‪.(19 ،5/18‬‬
‫أنساب الشراف )‪.(19 ،5/18‬‬
‫أنساب الشراف )‪.(19 ،5/18‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(5/6‬‬
‫أثر التشيع على الروايات التاريخية‪ :‬ص)‪.(321‬‬
‫شرح نهج البلغة )‪.(58 ،50 ،9/49‬‬
‫المصدر السابق )‪.(9/15‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪7‬‬

‫الروايات الشيعية الرافضية الصحابة بالمحاباة في أمر المسلمين‪،‬‬
‫ى بأن يقوم عبد الرحمن باختيار الخليفة‪ ،‬فقد ورد عند‬
‫وعدم رضا عل ّ‬
‫أبي مخنف وهشام الكلبي عن أبيه وأحمد الجوهري أن عمر جعل‬
‫ترجيح الكفتين إذا تساوتا بعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وأن علًيا أحس بأن‬
‫الخلفة قد ذهبت منه‪ ،‬لن عبد الرحمن سيقدم عثمان للمصاهرة‬
‫التي بينهما)‪ ,(1‬وقد نفى ابن تيمية أي ارتباط في النسب القريب بين‬
‫خا لعثمان ول ابن‬
‫عثمان وعبد الرحمن فقال‪ :‬إن عبد الرحمن ليس أ ً‬
‫عمه ول من قبيلته أص ً‬
‫ل‪ ،‬بل هذا من بنى زهرة وهذا من بنى أمية‪،‬‬
‫وبنو زهرة إلى بنى هاشم أكثر ميل ً منهم إلى بنى أمية‪ ،‬فإن بنى‬
‫زهرة أخوال النبي ×‪ ،‬ومنهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي‬
‫وقاص الذي قال له النبي ×‪ :‬هذا خالي‪ ،‬فليرني امرؤ خاله )‪،(2‬‬
‫فإن النبي × لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجرى‪ ،‬ول بين أنصاري‬
‫وأنصاري‪ ،‬وإنما آخي بين المهاجرين والنصار‪ ،‬فآخي بين عبد‬
‫الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع النصاري))‪ ,((34‬وحديثه مشهور ثابت‬
‫في الصحاح وغيرها‪ ،‬يعرفه أهل العلم بذلك ‪ ,‬وقد بنت الروايات‬
‫الشيعية الرافضية محاباة عبد الرحمن لعثمان للمصاهرة التي كانت‬
‫بينهما‪ ،‬متناسية أن قوة النسب أقوى من المصاهرة من جهة‪ ،‬ومن‬
‫جهة أخرى تناسوا طبيعة العلقة بين المؤمنين في الجيل الول وأنها‬
‫ل تقوم على نسب ول مصاهرة‪ ،‬وأما كيفية المصاهرة‪ ،‬التي كانت‬
‫أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت‬
‫بين عبد الرحمن وعثمان فهي‬
‫عقبة بن أبي معيط أخت الوليد)‪.(5‬‬
‫‪ -2‬حزب أموى وحزب هاشمي‪ :‬أشارت رواية أبي مخنف إلى‬
‫وقوع مشادة بين بنى هاشم وبنى أمية أثناء المبايعة وهذا غير‬
‫صحيح‪ ،‬ولم يرد ذلك برواية صحيحة ول ضعيفة)‪ ,(6‬وقد انساق بعض‬
‫المؤرخين خلف الروايات الشيعية الرافضية لحاجة في نفوسهم مع‬
‫دا ومتًنا من جهة وثبوت روايات صحيحة تناقض ما ذهبوا‬
‫بطلنها سن ً‬
‫إليه من جهة أخرى‪ ،‬وبنوا تحليلتهم الخاطئة على تلك الروايات‪،‬‬
‫فصورا تشاور أصحاب الرسول × في تحديد الخليفة الجديد بصورة‬
‫الخلف العشائرى وأن الناس قد انقسموا إلى حزبين؛ حزب أموى‬
‫وحزب هاشمى‪ ،‬وهو تصور موهوم واستنتاج مردود ل دليل عليه‪ ،‬إذ‬
‫ليس نابًعا من ذلك الجو الذي كان يعيشه أصحاب رسول الله ×‬
‫حينما كان يقف المهاجرى مع النصارى ضد أبيه وأخيه وابن عمه‬
‫وبنى عشيرته‪ ،‬وليس نابًعا من تصور هؤلء الصحب وهم يضحون‬
‫بكل شيء من حطام الدنيا في سبيل أن يسلم لهم دينهم‪ ،‬ول من‬
‫المعرفة الصحيحة لهؤلء النخبة من المبشرين بالجنة‪ ،‬فالحداث‬
‫الكثيرة التي رويت عن هؤلء تثبت أن هؤلء كانوا أكبر بكثير من أن‬
‫ينطلقوا من هذه الزاوية الضيقة في معالجة أمورهم‪ ،‬فليست‬
‫تمثيل ً عائلًيا أو عشائرًيا‪ ،‬فهم أهل شورى لمكانتهم في‬
‫القضية‬
‫السلم)‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫أثر التشيع على الروايات التاريخية‪ :‬ص )‪.(322‬‬
‫صحيح سنن الترمذي )‪ (3/220‬رقم ‪.4018‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك مناقب النصار رقم ‪.3780‬‬
‫منهاج السنة النبوية )‪.(272 ،6/271‬‬
‫الطبقات الكبرى )‪.(3/127‬‬
‫مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري‪ :‬ص)‪.(178 ،177‬‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬أمين القضاة ص ‪.79 ،78‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪8‬‬

‫‪ -3‬أكاذيب نسبت زوًرا وبهتاًنا لعلي رضي الله عنه‪ :‬قال ابن‬
‫كثير‪ :‬وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال ل‬
‫يعرفون أن علًيا قال لعبد الرحمن‪ :‬خدعتني‪ ،‬وإنك إنما وليته لنه‬
‫صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه‪ ،‬وأنه تلكأ حتى قال عبد‬
‫عون َ َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ه‬
‫الل‬
‫و َ‬
‫ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫َالرحمن‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ه ي َ َدُ‬
‫ما ي َُباي ِ ُ‬
‫ن ي َُباي ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل َ‬
‫ك إ ِن ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫ب‬
‫فى‬
‫و‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ث‬
‫ُ‬
‫ك‬
‫ين‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ث‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ن‬
‫من‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫أي ْ ِ‬
‫ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫َ َ ْ ْ‬
‫ِ‬
‫دي ِ‬
‫ؤ ِ َتيه َ أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما" ]الفتح‪ ،[10:‬إلى غير‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫را‬
‫ج‬
‫ي‬
‫س‬
‫ف‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫د‬
‫ه‬
‫عا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ذلك من الخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح‪ ،‬فهي مردودة على‬
‫قائليها وناقليها والله أعلم‪ ،‬والمظنون من الصحابة خلف ما يتوهم‬
‫الذين ل تمييز عندهم بين صحيح‬
‫قصاص‬
‫كثير من الرافضة وأغبياء ال ُ‬
‫الخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها )‪.(1‬‬
‫ثالًثا‪ :‬المفاضلة بين عثمان وعلى رضي الله عنهما‪:‬‬
‫الذي عليه أهل السنة أن من قدم علًيا على أبي بكر وعمر فإنه‬
‫مبتدع‪ ،‬ومن قدم علًيا على عثمان فإنه مخطئ ول يضللونه‪ ،‬ول‬
‫ضال‬
‫يبدعونه)‪ ,(2‬وإن كان بعض أهل العلم قد تكلم بشدة على من قدم‬
‫عليا على عثمان بأنه قال‪ :‬من قدم علًيا على عثمان فقد زعم أن‬
‫ى‬
‫أصحاب‬
‫رسول‪(3‬الله × خانوا المانة حيث اختاروا عثمان على عل ّ‬
‫رضي الله عنه) ‪ ,‬وقد قال ابن تيمية‪ :‬استقر أمر أهل السنة على‬
‫تقديم عثمان‪ ،‬وأن كانت هذه المسألة – مسألة عثمان وعلى –‬
‫ليست من الصول التي يضلل المخالف فيها عن جمهور أهل السنة‪،‬‬
‫لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلفة‪ ،‬وذلك‬
‫أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله × أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم‬
‫عثمان‪ ،‬ثم)‪(4‬على‪ ،‬ومن طعن في خلفة هؤلء الئمة فهو أضل من‬
‫ى على‬
‫حمار أهله ‪ ,‬وذكر أقوال أهل العلم في مسألة تفضيل عل ّ‬
‫عثمان‪ :‬فقال‪ :‬فيها روايتان‪ :‬إحداهما‪ ،‬ل يسوغ ذلك‪ ،‬فمن فضل علًيا‬
‫على عثمان خرج من السنة إلى البدعة‪ ،‬لمخالفته لجماع الصحابة‪،‬‬
‫ولهذا قيل‪ :‬من قدم علًيا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين‬
‫والنصار‪ ،‬يروى ذلك عن غير واحد‪ ،‬منهم أيوب السختياني وأحمد بن‬
‫والدارقطني‪ ،‬الثانية‪ :‬ل يبدع من قدم علًيا‪ ،‬لتقارب حال عثمان‬
‫حنبل‬
‫وعلى)‪.(5‬‬
‫رابًعا‪ :‬على رضي الله عنه يقيم الحدود ويستشار في شئون‬
‫دولة عثمان رضي الله عنه‪:‬‬
‫‪ -1‬إقامة على للحدود في عهد عثمان رضي الله عنهما‪ :‬عن‬
‫حصين بن المنذر‪ ،‬قال‪ :‬شهدت عثمان بن عفان‪ ،‬وأتى بالوليد فشهد‬
‫عليه رجلن أحدهما حمران أنه شرب الخمر‪ ،‬وشهد آخر أنه لم يتقيأ‪،‬‬
‫فقال عثمان‪ :‬إنه لم يتقيأ حتى شربها‪ ،‬فقال‪ :‬يا على قم فاجلده‬
‫فقال على‪ :‬قم يا حسن فاجلده‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬و ّ‬
‫ل حارها من تولى‬
‫قارها)‪ ,(6‬فكأنه وجد عليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/152‬‬
‫مجموعة الفتاوى )‪.(102 ،3/101‬‬
‫حقبة من التاريخ لعثمان الخميس‪ :‬ص )‪.(66‬‬
‫مجموعة الفتاوى )‪.(102 ،3/101‬‬
‫المصدر السابق )‪.(4/267‬‬
‫أي‪ :‬و ّ‬
‫ل بشدتها وأوساخها من ولي هنيئها ولذاتها‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪13‬‬
‫‪9‬‬

‫فجلده وعلى يعد‪ ،‬حتى بلغ أربعين فقال‪ :‬أمسك‪ ،‬ثم قال‪ :‬جلد النبي‬
‫× أربعين‪ ،‬وأبو بكر أربعين‪ ،‬وعمر ثمانين‪ ،‬وكل سنة‪ ،‬وهذا أحب‬
‫ى)‪ .(1‬ويؤخذ من هذا الحديث أن علًيا رضي الله عنه كان قريًبا من‬
‫إل ّ‬
‫عثمان ومعيًنا له على طاعة الله‪ ،‬وكان على رضي الله عنه يقول‬
‫في معرض دفاعه عن عثمان رًدا على من يعيب على عثمان بفعل‬
‫المنسوب للوليد‪ :‬إنكم ما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل‬
‫ردءه)‪ ,(2‬ما ذنب عثمان في رجل قد)‪(3‬ضربه بفعله وعزله عن عمله‪،‬‬
‫وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا ‪.‬‬
‫‪ -2‬استشارة عثمان لعلي وكبار الصحابة في فتح إفريقية‪ :‬جاء‬
‫في رياض النفوس أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان جاءه من واليه‬
‫على مصر »عبد الله بن سعد« أن المسلمين يغيرون على أطراف‬
‫إفريقية فيصيبون من عدوهم‪ ،‬وأنهم قريبون من حوز المسلمين‪،‬‬
‫فأعرب عثمان بن عفان رضي الله عنه‪ -‬على إثر ذلك‪ -‬للمسور بن‬
‫مخرمة عن رغبته في بعث الجيوش لغزو إفريقية‪ ،‬جاء في هذا‬
‫الصدد ما نصه‪ :‬فما رأيك يا ابن مخرمة؟ قلت‪ :‬اغزهم‪ ،‬قال‪ :‬أجمع‬
‫اليوم الكابر من أصحاب رسول الله‪ ،‬وأستشيرهم‪ ،‬فما أجمعوا عليه‬
‫فعلته‪ ،‬أو ما أجمع عليه أكثرهم فعلته‪..‬رأيت علًيا‪ ،‬وطلحة والزبير‬
‫والعباس‪ ،‬وذكر رجا ً‬
‫ل‪ ،‬فخل بكل واحد منهم في المسجد‪ ،‬ثم دعا أبا‬
‫العور »سعيد بن زيد« فقال له عثمان‪ :‬لم كرهت‪ -‬يا أبا العور –‬
‫من بعثة الجيوش إلى إفريقية؟ فقال له‪ :‬سمعت »عمر« يقول‪ :‬ل‬
‫دا من المسلمين ما حملت عيناي الماء فل أرى لك خلف‬
‫أغزيها أح ً‬
‫عمر‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬والله ما نخافهم وإنهم لراضون أن يقروا في‬
‫مواضعهم‪ ،‬فل يغزون‪ ،‬فلم يختلف عليه أحد ممن شاوره غيره‪ ،‬ثم‬
‫إفريقية‪ ،‬فخرج بعض الصحابة‬
‫خطب الناس‪ ،‬وندبهم إلى الغزو‪ ،‬إلى‬
‫منهم عبد الله بن الزبير‪ ،‬وأبو ذر الغفاري)‪.(4‬‬
‫‪ -3‬رأي على في جمع عثمان الناس على قراءة واحدة‪ :‬جمع‬
‫عثمان رضي الله عنه المهاجرين والنصار وشاورهم في المر‪،‬‬
‫وفيهم أعيان الصحابة وفي طليعتهم على بن أبي طالب رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬وعرض عثمان رضي الله عنه هذه المعضلة على صفوة المة‬
‫وقادتها الهادين المهديين‪ ،‬ودارسهم أمرها ودارسوه‪ ،‬وناقشهم فيها‬
‫وناقشوه‪ ،‬حتى عرف رأيهم وعرفوا رأيه‪ ،‬وظهر الناس في أرجاء‬
‫الرض ما انعقد عليه إجماعهم‪ ،‬فلم يعرف قط يومئذ لهم مخالف‪،‬‬
‫القرآن الذي يخفي على آحاد‬
‫ول عرف عند أحد نكير‪ ،‬وليس شأن‬
‫المة فضل ً عن علمائها وأئمتها البارزين)‪ (5‬أن عثمان – رضي الله‬
‫عنه‪ -‬لم يبتدع في جمعه للمصحف‪ ،‬بل سبقه إلى ذلك أبو بكر‬
‫الصديق – رضي الله عنه – كما أنه لم يضع ذلك من قبل نفسه إنما‬
‫فعله عن مشورة للصحابة‪ ،‬رضي الله عنهم‪ ،‬وأعجبهم هذا الفعل‬
‫ضا‪ :‬قد أحسن – أي في فعله في‬
‫وقالوا‪ :‬نعم ما رأيت‪ ،‬وقالوا أي ً‬
‫المصاحف)‪ ,(6‬وقد أدرك مصعب بن سعد صحابة النبي × حين‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫شرح النووي على صحيح مسلم ك الحدود )‪.(11/216‬‬
‫الردء هو العون‪ :‬تاريخ الطبري )‪.(5/278‬‬
‫تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة )‪.(1/421‬‬
‫رياض النفوس )‪ (9 -1/8‬الجهاد والقتال‪ ،‬هيكل )‪.(1/556‬‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص)‪.(175‬‬
‫فتنة مقتل عثمان )‪.(1/78‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪0‬‬

‫مشق)‪ (1‬عثمان المصاحف فرآهم قد أعجبوا بهذا الفعل منه)‪ ,(2‬وكان‬
‫على رضي الله عنه ينهي من يعيب على عثمان – رضي الله عنه –‬
‫بذلك ويقول‪ :‬يا أيها الناس ل تغلوا في عثمان‪ ،‬ول تقولوا له إل خيًرا‪،‬‬
‫فوالله ما فعل الذي فعل‪ -‬أي في المصاحف – إل عن مل منا جميًعا؛‬
‫أي الصحابة‪..‬والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل)‪ ,(3‬وجاء في رواية‬
‫أخرى عن على قوله‪ :‬لما اختلف الناس في القرآن وبلغ ذلك عثمان‬
‫جمعنا أصحاب رسول الله واستشارنا في جمع الناس على قراءة‪،‬‬
‫على( ذلك‪ ،‬وقال بعد ذلك‪ :‬لو وليت الذي ولى‪،‬‬
‫فأجمع رأينا مع رأيه‬
‫لصنعت مثل الذي صنع)‪. 4‬‬
‫سا‪ :‬موقف على رضي الله عنه في فتنة عثمان رضي الله‬
‫خام ً‬
‫عنه‪:‬‬
‫كانت هناك أسباب متنوعة ومتداخلة ساهمت في فتنة مقتل‬
‫عثمان رضي الله عنه‪ ،‬كالرخاء وأثره في المجتمع‪ ،‬وطبيعة التحول‬
‫الجتماعي‪ ،‬ومجئ عثمان بعد عمر رضي الله عنهما‪ ،‬وخروج كبار‬
‫الصحابة من المدينة‪ ،‬والعصبية الجاهلية‪ ،‬وتآمر الحاقدين‪ ،‬والتدبير‬
‫المحكم لثارة المآخذ ضد عثمان‪ ،‬واستخدام الوسائل والساليب‬
‫المهيجة للناس‪ ،‬وأثر السبئية في أحداث الفتنة‪ ،‬وقد فصلت‬
‫وشرحت تلك السباب في كتابي »تيسير الكريم المنان في سيرة‬
‫عثمان بن عفان‪..‬شخصيته وعصره«‪.‬‬
‫لقد استخدم أعداء السلم في فتنة مقتل عثمان الساليب‬
‫والوسائل المهيجة للناس‪ ،‬من إشاعة الراجيف حيث ترددت كلمة‬
‫الشاعة والذاعة كثيًرا‪ ،‬والتحريض‪ ،‬والمناظرة والمجادلة للخليفة‬
‫أمام الناس‪ ،‬والطعن على الولة‪ ،‬واستخدام تزوير الكتب واختلقها‬
‫على لسان الصحابة‪ ،‬رضي الله عنهم‪ ،‬عائشة وعلى وطلحة والزبير‪،‬‬
‫والشاعة بأن على بن أبي طالب رضي الله عنه الحق بالخلفة‪،‬‬
‫وأنه الوصى بعد رسول الله ×‪،‬م وتنظيم فرق في كل من البصرة‬
‫والكوفة ومصر‪ ،‬أربع فرق من كل مصر مما يدل على التدبير‬
‫جاءوا إل بدعوة الصحابة‪،‬‬
‫المسبق‪ ،‬وأوهموا أهل المدينة أنهم ما‬
‫وصعدوا الحداث حتى وصلت إلى القتل)‪ ,(5‬وإلى جوار هذه الوسائل‪،‬‬
‫استخدموا مجموعة من الشعارات منها‪ ،‬التكبير‪ ،‬ومنها أن هذا ضد‬
‫المظالم‪ ،‬ومنها أنهم ل يقومون إل بالمر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر‪ ،‬ومنها المطالبة باستبدال الولة وعزلهم‪ ،‬ثم تطورت‬
‫المطالبة إلى خلع عثمان‪ ،‬إلى أن تمادوا في جرأتهم وطالبوا بل‬
‫سارعوا إلى قتل الخليفة‪ ،‬وخاصة حينما وصلهم الخبر بأن أهل‬
‫المحموم لتضيق‬
‫المصار قادمون لنصرة الخليفة‪ ،‬فزادهم حماسهم‬
‫الخناق على الخليفة‪ ،‬والتشوق إلى قتله بأي وسيلة)‪.(6‬‬
‫كان التنظيم السبئي بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي خلف تلكم‬
‫الحداث والتي بعدها‪ ،‬وسيأتي الحديث عنه بإذن الله‪ ،‬وعن عثمان‬
‫الذي هز مقتله العالم السلمي وأثر في كثير من الحداث إلى يومنا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مشق‪ :‬أحرق )لسان العرب ‪.(10/344‬‬
‫)( التاريخ الصغير للبخاري )‪ (1/94‬إسناده حسن لغيره‪.‬‬
‫)( فتح الباري )‪ (9/18‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( سنن أبي داود‪ ،‬ك المصاحف‪ ،‬ص )‪ (30 ،29‬إسناده صحيح‪ ،‬خلفة على بن‬
‫أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ ،‬ص )‪.(80‬‬
‫)( دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬ص )‪.(410‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص)‪.(402‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪1‬‬

‫هذا‪.‬‬
‫‪ -1‬موقف على رضي الله عنه في بداية الفتنة‪:‬استمر على –‬
‫رضي الله عنه – في طريقته المعهوده مع الخلفاء‪ ،‬وهى السمع‬
‫والطاعة والدلء بالمشورة والنصح‪ ،‬وقد عبر بنفسه عن مدى طاعته‬
‫أمره‪(1‬ولو كان شاًقا بقوله‪ :‬لو سيرني عثمان‬
‫للخليفة عثمان والتزام‬
‫إلى صرار لسمعت وأطعت) ‪ ,‬وعندما نزل المتمردون في ذى‬
‫فا‪ ،‬أرسل إليهم‬
‫المروة قبل مقتل عثمان بما يقارب شهًرا ونص ً‬
‫عثمان علًيا ورجل آخر لم تسمه الروايات والتقى بهم على رضي‬
‫لهم‪ (2:‬تعطون كتاب الله‪ ،‬وتعتبون من كل ما سخطتم‪،‬‬
‫الله عنه فقال‬
‫فوافقوا على ذلك) ‪ ,‬وفي رواية أنهم شادوه مرتين أو ثلًثا‪ ،‬ثم‬
‫قالوا‪ :‬ابن عم رسول الله ×‪ ،‬ورسول أمير المؤمنين يعرض عليكم‬
‫كتاب الله فقبلوا)‪ ,(3‬فاصطلحوا على خمس‪ :‬على أن المنفي يقلب‪،‬‬
‫والمحروم يعطى‪ ،‬ويوفر الفئ‪ ،‬ويعدل في القسم‪ ،‬ويستعمل ذو‬
‫كتاب‪ ،‬أن يرد ابن عامر على البصرة‪،‬‬
‫المانة والقوة‪ ،‬وكتبوا ذلك في‬
‫)‪(4‬‬
‫رضي‬
‫–‬
‫عثمان‬
‫اصطلح‬
‫وهكذا‬
‫‪,‬‬
‫الكوفة‬
‫وأن يبقى أبو موسى على‬
‫الله عنه – مع كل وفد على حدة ثم انصرفت الوفود إلى ديارها)‪,(5‬‬
‫وبعد هذا الصلح وعودة أهل المصار جميًعا راضين تبين لمشعلي‬
‫الفتنة أن خطتهم قد فشلت‪ ،‬وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق‪ ،‬لذا‬
‫خططوا تخطي ً‬
‫طا آخر‪ -‬يذكي الفتنة ويحييها‪ -‬يقتضي تدمير ما جرى‬
‫من صلح بين أهل المصار‪ ،‬وعثمان رضي الله عنه‪ ،‬وبرز ذلك فيما‬
‫يأتي‪:‬‬
‫في أثناء طريق عودة أهل مصر‪ ،‬رأوا راكًبا على جمل يتعرض‬
‫لهم‪ ،‬ويفارقهم فكأنه يقول‪ :‬خذوني‪ ،‬فقبضوا عليه‪ ،‬وقالوا له‪ :‬مالك؟‬
‫فقال‪ :‬أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر‪ ،‬ففتشوه فإذا هم‬
‫بكتاب على لسان عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ففتحوا الكتاب فإذا فيه‬
‫أو( قتلهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم‪ ،‬فرجعوا إلى المدينة‬
‫أمر بصلبهم‬
‫حتى وصلوها)‪ ، 6‬ونفي عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬أن يكون كتب هذا‬
‫الكتاب‪ ،‬وقال لهم‪ :‬إنهما اثنتان‪ :‬أن تقيموا رجلين من المسلمين أو‬
‫يمين بالله الذي ل إله إل هو ما كتبت ول أمللت‪ ،‬ول علمت‪ ،‬وقد‬
‫يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم‪ ،‬فلم يصدقوه)‪ ,(7‬وهو‬
‫الصادق البار لغاية في نفوسهم‪ ،‬وهذا الكتاب الذي زعم هؤلء‬
‫المتمردون البغاة المنحرفون أنه من عثمان وعليه خاتمه يحمله‬
‫غلمه على واحد من إبل الصدقة إلى عامله بمصر ابن أبي سرح‪،‬‬
‫الخارجين( هو كتاب مزور مكذوب على لسان‬
‫يأمر فيه بقتل هؤلء‬
‫عثمان وذلك لعدة أمور منها)‪ : 8‬كيف علم العراقيون بالمر وقد‬
‫اتجهوا إلى بلدهم‪ ،‬وفصلتهم عن المصريين – الذين أمسكوا بالكتاب‬
‫المزعوم‪ -‬مسافة شاسعة‪ ،‬فالعراقيون في الشرق والمصريون في‬
‫الغرب‪ ،‬ومع ذلك عادوا جميًعا في آن واحد‪ ،‬كأنما كانوا على ميعاد؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫مصنف ابن أبي شيبة )‪ (15/225‬سنده صحيح‪.‬‬
‫تاريخ دمشق ترجمة عثمان ص )‪ ،(338‬تاريخ خليفة‪ ،‬ص )‪.(169‬‬
‫فتنة مقتل عثمان )‪.(1/129‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(1/129‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(1/329‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(5/379‬‬
‫فتنة مقتل عثمان )‪ ،(5/132‬البداية والنهاية )‪.(7/191‬‬
‫تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان للصلبي‪ ،‬ص )‪.(410‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪2‬‬

‫ل يعقل هذا إل إذا كان الذين زوروا الكتاب واستأجروا راكًبا ليحمله‬
‫ويمثل الدور في البويب أمام المصريين‪ ،‬قد استأجروا راكًبا آخر‬
‫انطلق إلى العراقيين ليخبرهم بأن المصريين قد اكتشفوا كتاًبا بعث‬
‫فيه عثمان لقتل المنحرفين المصريين‪ ،‬وهذا ما احتج به على بن أبي‬
‫طالب رضي الله عنه فقد قال‪ :‬كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل‬
‫مراحل ثم طويتم نحونا)‪ ,(1‬بل‬
‫البصرة بما لقى أهل مصر‪ ،‬وقد سرتم‬
‫إن علًيا يجزم‪ :‬هذا والله أمر أبرم بالمدينة)‪.(2‬‬
‫إن هذا الكتاب المشئوم ليس أول كتاب يزوره هؤلء المجرمون‪،‬‬
‫بل زوروا كتًبا على لسان أمهات المؤمنين‪ ،‬وكذلك على لسان على‬
‫وطلحة والزبير‪ ،‬فهذه عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ُ ،‬تتهم بأنها كتبت إلى‬
‫الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول‪ :‬ل والذي آمن به‬
‫الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى‬
‫المؤمنون وكفر به‬
‫هذا)‪ ,(3‬ويعقب العمش فيقول‪ :‬فكانوا يرون أنه‬
‫جلست مجلسى‬
‫كتب على لسانها)‪ ,(4‬ويتهم الوافدون علًيا بأنه كتب إليهم أن يقدموا‬
‫عليه بالمدينة‪ ،‬فينكر ذلك عليهم ويقسم‪ :‬والله ما كتبت إليكم‬
‫كتابا)‪ ,(5‬كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى أهل المصار‬
‫يأمرونهم بالقدوم إليهم‪ ،‬فدين محمد قد فسد وترك‪ ،‬والجهاد في‬
‫المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة)‪ ,(6‬ويعلق ابن كثير على‬
‫هذا الخبر قائ ً‬
‫ل‪ :‬وهذا كذب على الصحابة‪ ،‬وإنما كتبت كتب مزورة‬
‫عليهم‪ ،‬فقد كتب من جهة على وطلحة والزبير إلى الخوارج‪ -‬قتلة‬
‫عثمان‪ -‬كتب مزورة عليهم أنكروها‪ ،‬وكذلك زور هذا الكتاب على‬
‫عثمان أيضا‪ ،‬فإنه لم يأمر به‪ ،‬ولم يعلم به)‪ ,(7‬ويؤكد كلم ابن كثير ما‬
‫رواه الطبري وخليفة من استنكار كبار الصحابة‪(8)-‬على وعائشة‬
‫والزبير‪ -‬أنفسهم لهذه الكتب في أصح الروايات ‪ .‬إن اليدى‬
‫المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان أولئك الصحابة هى‬
‫نفسها التي أوقدت نار الفتن من أولها إلى آخرها‪ ،‬ورتبت ذلك‬
‫الفساد العريض‪ ،‬وهى التي زورت وروجت على عثمان تلك‬
‫الباطيل‪ ،‬وأنه فعل وفعل‪ ،‬ولقنتها للناس‪ ،‬حتى قبلها الرعاع‪ ،‬ثم‬
‫زورت على لسان عثمان ذلك الكتاب‪ ،‬ليذهب عثمان ضحية إلى ربه‬
‫دا‪ ،‬ولم يكن عثمان الشهيد هو المجني عليه وحده في‬
‫دا سعي ً‬
‫شهي ً‬
‫هذه المؤامرة السبئية اليهودية‪ ،‬بل السلم نفسه كان مجنًيا عليه‬
‫قبل ذلك‪ ،‬ثم التاريخ المشوه المحرف‪ ،‬والجيال السلمية التي‬
‫ها هى كذلك ممن جنى عليهم الخبيث اليهودي‪،‬‬
‫تلقت تاريخها مشو ً‬
‫وأعوانه من أصحاب المطامع والشهوات والحقد الدفين‪ ،‬أما آن‬
‫للجيال السلمية أن تعرف تاريخها الحق‪ ،‬وسير رجالتها العظام؟‬
‫بل ألم يأن لمن يكتب في هذا العصر من المسلمين أن يخاف الله‬
‫ول يتجرأ على تجريح البرياء قبل أن يحقق ويدقق حتى ل يسقط‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/359‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(5/359‬‬
‫تحقيق موافق الصحابة )‪.(1/334‬‬
‫تاريخ خليفة بن خياط‪ ،‬ص )‪.(169‬‬
‫تحقيق مواقف الصحابة )‪ ،(1/335‬البداية والنهاية )‪.(7/191‬‬
‫تحقيق مواقف الصحابة )‪ (1/335‬البداية والنهاية )‪.(7/175‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/175‬‬
‫تحقيق مواقف الصحابة )‪.(1/335‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪3‬‬

‫كما سقط غيره)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬موقف على رضي الله عنه أثناء الحصار‪ :‬اشتد الحصار على‬
‫عثمان رضي الله عنه‪ ،‬حتى منع من أن يحضر للصلة في المسجد‪،‬‬
‫وكان صابًرا على هذه البلوى التي أصابته كما أمره رسول الله ×‬
‫بذلك‪ ،‬وكان مع إيمانه القوى بالقضاء والقدر‪ ،‬يحاول أن يجد حل ً‬
‫لهذه المصيبة‪ ،‬فنراه تارة يخطب الناس عن حرمة دم المسلم‪ ،‬وأنه‬
‫ل يحل سفكه إل بحقه‪،‬ن وتارة يتحدث في الناس ويظهر فضائله‬
‫وخدماته الجليلة في السلم‪ ،‬ويستشهد على ذلك ببقية العشرة‬
‫رضوان الله عليهم‪ (2) ،‬وكأنه يقول‪ :‬من هذا عمله وفضله هل من‬
‫الممكن أن يطمع بالدنيا ويقدمها على الخرة؟ وهل يعقل أن يخون‬
‫المانة ويعبث بأموال المة ودمائها وهو يعرف عاقبة ذلك عند الله‬
‫وهو الذي تربى على عين النبي × والذي شهد له وزكاه وكذلك‬
‫أفاضل الصحابة‪ ،‬أهكذا تكون معاملته؟!‪.‬‬
‫سيطرة الثوار على المدينة حتى أنهم ليصلون بالناس‬
‫واشتدت‬
‫في أغلب الوقات)‪ ,(3‬وحينما أدرك الصحابة أن المر ليس كما‬
‫حسبوا‪ ،‬وخشوا من حدوث ما ل يحمد عقباه‪ ،‬وقد بلغهم أن القوم‬
‫عنه‪ ،‬ويخرجوا الغوغاء عن‬
‫يريدون قتله‪ ،‬فعرضوا عليه أن يدافعوا‬
‫المدينة‪ ،‬إل أنه رفض أن يراق دم بسببه)‪ ,(4‬وأرسل كبار الصحابة‬
‫أبناءهم دون استشارة عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ومن هؤلء الحسن بن‬
‫بن الزبير حيث تذكر بعض الروايات‬
‫على رضي الله عنهما‪ ،‬وعبد الله‬
‫حا من الدار)‪ ,(5‬كما جرح غير الحسن‪ ،‬عبد الله‬
‫حمل جري ً‬
‫ان الحسن ُ‬
‫الحكم‪ ،‬كما كان معهم‬
‫بن‬
‫ومروان‬
‫حاطب‪،‬‬
‫بن‬
‫ومحمد‬
‫بن الزبير‪،‬‬
‫الحسين بن على وابن عمر رضي الله عنهما)‪ ,(6‬وقد كان على من‬
‫أدفع الناس عن عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬وشهد له بذلك مروان بن‬
‫الحكم)‪ ,(7‬أقرب الناس إلى عثمان رضي الله عنه‪ ،‬وألصقهم به في‬
‫تلك المحنة القاسية الليمة‪ ،‬وقد أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد‬
‫الله‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬أن علًيا أرسل إلى عثمان فقال‪ :‬إن معي‬
‫خمسمائة دارع‪ ،‬فأذن لي‪ ،‬فأمنعك من القوم‪ ،‬فإنك لم تحدث شيًئا‬
‫يستحل به دمك‪ ،‬فقال‪ :‬جزيت خيًرا‪ ،‬ما أحب أن يهراق دم في‬
‫سببي)‪ ,(8‬وقد وردت روايات عديدة تفيد وقوفه بجانب عثمان‪ ،‬رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬أثناء الحصار‪ ،‬فمن ذلك‪ :‬أن الثائرين منعوا عن عثمان‬
‫الماء حتى كاد أهله أن يموتوا عط ً‬
‫شا‪ ،‬فأرسل على رضي الله عنه‬
‫إليه بثلث قرب مملوءة ماء‪ ،‬فما كادت تصل)‪(9‬إليه‪ ،‬وجرح بسببها عدة‬
‫من موالي بني هاشم وبنى أمية حتى وصلت ‪ ,‬ولقد تسارعت‬
‫الحداث فوثب الغوغاء على عثمان وقتلوه‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬وأرضاه‪،‬‬
‫ووصل الخبر إلى الصحابة وأكثرهم في المسجد‪ ،‬فذهبت عقولهم‪،‬‬
‫وقال على لبنائه وأبناء إخوانه‪ :‬كيف قتل عثمان وأنتم على الباب؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫عثمان بن عفان الخليفة الشاكر الصابر‪ ،‬ص )‪.(229 ،228‬‬
‫خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على‪ ،‬ص )‪.(85‬‬
‫سير أعلم النبلء )‪.(3/515‬‬
‫فتنة مقتل عثمان )‪ ،(1/167‬المسند )‪ (1/396‬أحمد شاكر‪.‬‬
‫الطبقات لبن سعد )‪ (8/128‬بسند صحيح‪.‬‬
‫تاريخ خليفة‪ ،‬ص )‪.(174‬‬
‫تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬الخلفاء الراشدون‪ ،‬ص )‪ (461 ،460‬إسناده قوى‪.‬‬
‫تاريخ دمشق‪ ،‬ص)‪.(403‬‬
‫أنساب الشراف للبلذرى )‪.(5/67‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪4‬‬

‫ولطم الحسن‪ ،‬وكان قد جرح)‪ (1‬وضرب صدر الحسين‪ ،‬وشتم ابن‬
‫الزبير وابن طلحة‪ ،‬وخرج غضبان إلى منزله ويقول‪ :‬تًبا لكم سائر‬
‫الدهر‪ ،‬اللهم إني أبرأ إليك من دمه أن أكون قتلت أو مالت على‬
‫حا وشورى‪ ،‬سمًعا‬
‫قتله)‪ ,(2‬وهكذا كان موقف على رضي الله عنه‪ ،‬نص ً‬
‫وطاعة‪ ،‬وقفة قوية بجانبه أثناء الفتنة‪ ،‬ومن أدفع الناس عنه‪ ،‬ولم‬
‫يذكره بسوء قط‪ ،‬يحاول الصلح وسد الخرق بين الخليفة‬
‫والخارجين عليه‪ ،‬لكن المر فوق طاقته‪ ،‬وخارج إرادته‪ ،‬إنها إرادة‬
‫وجل أن يفوز أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه‬
‫الله عز‬
‫بالشهادة)‪.(3‬‬
‫‪ -3‬المصاهرات بين آل على وآل عثمان رضي الله عنه‪ :‬لم يكن‬
‫بين بنى هاشم وبنى أمية من المباغضة والعداوة والمنافرة التي‬
‫اخترعها وابتكرها أعداء السلم والمسلمين ونسجوا الساطير‬
‫والقصص حولها‪ ،‬ولقد اتضح لكل منصف أن بنى أمية مع بنى هاشم‬
‫علقتهم فيما بينهم علقة أبناء العمومة والخوان والخلن‪ ،‬فهم من‬
‫أقرب الناس فيما بينهم‪ ،‬يتبادلون الحب والتقدير والحترام‪،‬‬
‫ويتقاسمون الهموم واللم والحزان‪ ،‬فبنوا أمية وبنو هاشم كلهم‬
‫أبناء أب واحد‪ ،‬وأحفاد جد واحد‪ ،‬وأغصان شجرة واحدة قبل السلم‬
‫وبعد السلم‪ ،‬وكلهم استقوا من عين واحدة ومنبع صاف واحد‪،‬‬
‫وأخذوا الثمار من دين الله الحنيف الذي جاء به رسول الله الصادق‬
‫والمرسلين‪ ،‬ولقد كان بين أبي‬
‫المين‪ ،‬المعلم‪ ،‬المربي‪ ،‬خاتم النبياء‬
‫سفيان وبين العباس صداقة يضرب بها المثال)‪ ,(4‬كما كانت بينهم‬
‫المصاهرات قبل السلم وبعده‪ ،‬فلقد زوج رسول الله × بناته الثلث‬
‫من الربعة من بنى أمية؛ من أبي العاص بن الربيع وهو من بنى‬
‫أمية‪ ،‬ومن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية‪ ،‬وهو مع ذلك ابن‬
‫بنت عمة رسول الله × التي ولدت مع والد رسول الله عليه الصلة‬
‫والسلم عبد الله بن عبد المطلب توءمين أروى بنت كريز بن حبيب‬
‫بن عبد شمس وهى أم عثمان وأمها أم حكيم وهى البيضاء بنت عبد‬
‫المطلب عمة النبي ×‪ ،‬هذا ولقد تزوج بعد عثمان بن عفان‪ ،‬رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬من بنى هاشم ابنه أبان بن عثمان‪ ،‬وكانت عنده أم كلثوم‬
‫بنت عبد الله بن جعفر )الطيار( بن أبي طالب شقيق على رضي‬
‫الله عنهما)‪ ,(5‬وحفيدة على‪ ،‬وبنت الحسين سكينة كانت متزوجة من‬
‫حفيد عثمان زيد بن عمرو بن عثمان‪ ،‬رضي الله عنهم أجمعين‪،‬‬
‫وحفيدة على الثانية وابنة الحسين فاطمة كانت متزوجة من حفيد‬
‫عثمان الخر‪ ،‬محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان‪،‬‬
‫وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد بنى أمية متزوجة من سيد بنى‬
‫هاشم وسيد ولد آدم رسول الله الصادق المين كما هو معروف‪ ،‬كما‬
‫نوفل ابن‬
‫أن هند بنت أبي سفيان كانت متزوجة من الحارث بن‬
‫دا)‪.(6‬‬
‫الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فولدت له ابنه محم ً‬
‫وتزوجت لبابة بنت عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب‪ ،‬العباس‬
‫بن على بن أبي طالب‪ ،‬ثم خلف عليها الوليد بن عتبة )ابن أخي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫ابن أبي عاصم‪ ،‬الحاد والثماني )‪ (1/125‬نقل عن خلفة على‪ ،‬ص)‪.(87‬‬
‫مصنف ابن أبي شيبة )‪ (15/209‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫خلفة على بن أبي طالب‪ ،‬عبد الحميد على ص)‪.(87‬‬
‫الشيعة وأهل البيت ص )‪.(141‬‬
‫المعارف للدينورى‪ ،‬ص )‪ ،(86‬الشيعة وأهل البيت ص )‪.(141‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪ ،(5/15‬الصابة )‪.(59 ،3/58‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪5‬‬

‫معاوية( ابن أبي سفيان)‪ ,(1‬وتزوجت رملة بنت محمد بن جعفر‪-‬‬
‫عبد الملك )الموى(‬
‫الطيار – بن أبي طالب سليمان بن هشام بن‬
‫)‪(2‬‬
‫كذلك تزوجت ابنة‬
‫‪,‬‬
‫سفيان‬
‫ثم أبا القاسم بن وليد بن عتبة بن أبي‬
‫على بن أبي طالب رملة من ابن مروان بن الحكم)‪ (3‬بن أبي العاص‬
‫بن أمية‪ ،‬فقد كانت رملة بنت على عند أبي الهياج‪ ..‬ثم خلف عليها‬
‫معاوية بن مروان بن الحكم بن أبي العاص)‪ ,(4‬وتزوجت حفيدة على‬
‫بن أبي طالب من حفيد مروان بن الحكم‪ ،‬فنفيسة بنت زيد بن‬
‫الملك بن‬
‫الحسن بن على بن أبي طالب تزوجها الوليد بن عبد‬
‫)‪(5‬‬
‫وقد‬
‫‪,‬‬
‫عباس‬
‫مروان فتوفيت عنده‪ ،‬وأمها لبابة بنت عبد الله بن‬
‫اكتفيت ببيان بعض منها‪ ،‬وفيها كفاية لمن أراد الحق والتبصر)‪.(6‬‬
‫سا‪ :‬من أقوال على في الخلفاء الراشدين‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫إن خلفة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم قد أجمع‬
‫على صحتها وانعقادها الصحابة الكرام‪ ،‬ومن طعن في أحد منهم فقد‬
‫خالف قول الله تعالى‪:‬‬
‫سو َ‬
‫من ي ُ َ‬
‫ع‬
‫شا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫وي َت ّب ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫ق الّر ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫د َ‬
‫و َ‬
‫دى َ‬
‫‪َ +‬‬
‫ق ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫ء‬
‫سا‬
‫و‬
‫م‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ن‬
‫و‬
‫لى‬
‫و‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ني‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫َ ُ ْ ِ ِ َ َ ّ َ َ َ َ ْ‬
‫غي َْر َ‬
‫ل ال ْ ُ ِ ِ َ ُ َ ِ َ َ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫صيًرا" ]النساء‪،[115:‬وقول النبي ×‪» :‬عليكم بسنتي وسنة‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫الخلفاء الراشدين المهديين‪ ،‬عضوا عليها بالنواجذ« فهم‬
‫أبو بكر وعمر وعثمان وعلى‪ ،‬رضي الله عنهم ومن اتبعهم‬
‫بإحسان)‪ ,(7‬وما أحسن ما قاله أيوب السختيانى في هذا المقام حيث‬
‫قال‪ :‬من أحب أبا بكر فقد أقام الدين‪ ،‬ومن أحب عمر فقد أوضح‬
‫السبيل ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله عز وجل‪ ،‬ومن أحب‬
‫علًيا فقد استمسك بالعروة)‪(8‬الوثقى‪ ،‬ومن أحسن القول في أصحاب‬
‫محمد فقد برئ من النفاق ‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫قا صاحب‬
‫كما رضيت عتي ً‬
‫ما‬
‫إني رضيت علًيا قدوة عل ً‬
‫الغار‬
‫وما رضيت بقتل الشيخ في‬
‫وقد رضيت أبا حفص وشيعته‬
‫الدار‬
‫ى بهذا القول من عار‬
‫كل الصحابة عندي قدوة علم‬
‫فهل عل ّ‬
‫)‪(9‬‬
‫إل لوجهك أعتقني من النار‬
‫إن كنت تعلم أني ل أحبهم‬
‫هذا وقد جاءت الدلة القاطعة والبراهين الساطعة في العلقة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نسب قريش‪ ،‬ص )‪ ،(123‬الشيعة وأهل البيت‪ ،‬ص )‪.(143‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ ،‬ص )‪.(143‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ ،‬ص )‪.(143‬‬
‫جمهرة أنساب العرب ص )‪ ،(87‬نسب قريش‪ ،‬ص )‪.(45‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(5/234‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ ،‬ص)‪.(144‬‬
‫الشريعة للجرى )‪.(4/1768‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(1773 ،4/1772‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(5/2536‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪6‬‬

‫المتميزة بين على والخلفاء الراشدين‪ ،‬رضي الله عنهم‪ ،‬وقد تم‬
‫توضيح ذلك في الصفحات الماضية‪ ،‬وهذه بعض الدلة نضيفها إلى ما‬
‫سبق من براهين ساطعة على مكانة الخلفاء الراشدين عند أمير‬
‫المؤمنين على رضي الله عنه‪.‬‬
‫‪ -1‬سيدا كهول أهل الجنة وشبابها‪ :‬عن على رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫كنت عند النبي ×‪ ،‬فأقبل أبو بكر وعمر‪ ،‬فقال‪ :‬يا على‪ ،‬هذان‬
‫سيدا كهول)‪(1‬أهل الجنة‪ ،‬وشبابها‪ ،‬بعد النبيين‬
‫والمرسلين ‪.‬‬
‫ما أضمر لهما إل الذي أتمنى المضى عليه‪ :‬عن سويد‬
‫بن غفلة‪ ،‬قال‪ :‬مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر‬
‫ى فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬مررت بنفر من أصحابك‬
‫فدخلت على عل ّ‬
‫فا يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له من المة أهل‪ ،‬فلول‬
‫آن ً‬
‫ى‪:‬‬
‫عل‬
‫فقال‬
‫ذلك‬
‫على‬
‫تجرءوا‬
‫ما‬
‫عليه‬
‫أعلنوا‬
‫ما‬
‫مثل‬
‫على‬
‫مر‬
‫ض‬
‫ت‬
‫أنك‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ما أضمر لهما إل الذي أتمنى المضى عليه‪ ،‬لعن الله من أضمر لهما‬
‫ضا على يدي حتى‬
‫إل الحسن الجميل‪ ،‬ثم نهض دامع العين يبكي‪ ،‬قاب ً‬
‫ضا على لحيته‬
‫دخل المسجد‪ ،‬فصعد المنبر وجلس عليه متمكًنا قاب ً‬
‫ينظر فيها وهى بيضاء‪ ،‬حتى اجتمع له الناس‪ ،‬ثم قام فخطب خطبة‬
‫موجزة بليغة‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما بال قوم يذكرون سيدي قريش وأبوى‬
‫معاقب‪ ،‬أل والذي فلق‬
‫ى‪ ،‬وعلى ما قالوا ُ‬
‫المسلمين؟ أنا مما قالوا بر ّ‬
‫الحبة وبرأ النسمة‪ ،‬ل يحبهما إل مؤمن تقي‪ ،‬ول يبغضهما إل فاجر‬
‫ردي‪ ،‬صحبا رسول الله على الصدق والوفاء‪ ،‬يأمران وينهيان وما‬
‫يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله‪ ،‬ول كان رسول الله يرى‬
‫دا‪ ،‬قضي رسول الله × وهو عنهما‬
‫بمثل رأيهما‪ ،‬ول يحب كحبهما أح ً‬
‫راضون‪ (،‬أمر رسول الله أبا بكر‬
‫راض‪ ،‬ومضيا والمؤمنون عنهما‬
‫لصلة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام)‪ 2‬في حياة رسول الله ×‪،‬‬
‫فلما قبض الله تعالى نبيه × واختار له ما عنده‪ ،‬وله المؤمنون‬
‫أمرهم‪ ،‬وقضوا إليه الزكاة‪ ،‬لنهما مقرونان‪ ،‬ثم أعطوه البيعة طائعين‬
‫غير كارهين‪ ،‬أنا أول من سن ذلك من بنى عبد المطلب‪ ،‬وهو لذلك‬
‫كاره يود أن أحدنا كفاه ذلك‪ ،‬وكان والله خير من بقى‪ ،‬أرحمه رحمة‪،‬‬
‫ما‪..‬فسار فينا سيرة‬
‫وأرأفه رأفة‪ ،‬وأثبته ور ً‬
‫عا‪ ،‬وأقدمه سًنا وإسل ً‬
‫رسول الله × حتى مضى على ذلك‪ ،‬ثم ولى عمر المر من بعده‪،‬‬
‫فمنهم من رضي‪ ،‬ومنهم من كره‪ ،‬فلم يفارق الدنيا حتى رضي به‬
‫كرهه‪ (3،‬فأقام المر على منهاج النبي × وصاحبه‪ ،‬يتبع آثارهما‬
‫من كان‬
‫)‬
‫ما‪ ،‬وللمظلومين عوًنا‬
‫رحي‬
‫قا‬
‫ً‬
‫رفي‬
‫والله‬
‫وكان‬
‫أمه‪،‬‬
‫الفصيل‬
‫كتباع‬
‫ً‬
‫ما وناصًرا‪ ،‬ل يخاف في الله لومة لئم‪ ،‬ضرب الله بالحق على‬
‫راح ً‬
‫لسانه‪ ،‬وجعل الصدق من شأنه‪ ،‬حتى كنا نظن أن مل ً‬
‫كا ينطق على‬
‫ما‪ ،‬ألقى‬
‫لسانه‪ ،‬أعز الله بإسلم السلم‪ ،‬وجعل هجرته للدين قوا ً‬
‫الله تعالى له في قلوب المنافقين الرهبة‪ ،‬وفي قلوب المؤمنين‬
‫المحبة‪..‬إلى أن قال‪ :‬فمن لكم بمثلهما – رحمة الله عليهما‪ -‬ورزقنا‬
‫ب‬
‫المضى على سبيلهما‪ ،‬فإنه ل يبلغ مبلغهما إل باتباع آثارهما والح ّ‬
‫لهما‪ ،‬أل فمن أحبنى فُليحبهما‪ ،‬ومن لم يحبهما فقد أبغضني‪ ،‬وأنا منه‬
‫برئ‪ ،‬ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد‬
‫العقوبة‪ ،‬ولكن ل ينبغي أن أعاقب قبل التقدم‪ ،‬أل فمن أتيت به‬
‫يقول هذا بعد اليوم‪ ،‬فإن عليه ما على المفترى‪ ،‬أل وخير هذه المة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪602‬حديث صحيح وهذا إسناد حسن‪.‬‬
‫)( في الصل سبعة‪ ،‬وورد تصويبها في الهامش‪.‬‬
‫)( الفصيل ولد الناقة إذا ُفصل عن أمه‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪7‬‬

‫نبيها‪ :‬أبو بكر وعمر‪ ،‬ولو شئت سميت الثالث‪ ،‬وأستغفر الله لي‬
‫بعد‬
‫ولكم)‪.(1‬‬
‫‪ -3‬هذا عثمان بن على سميته بعثمان بن عفان‪:‬عن أبي سعيد‬
‫الخدري‪ :‬نظرت إلى غلم أيفع)‪ ,(2‬له ذؤابة)‪ (3‬وجمة)‪ , (4‬والله يعلم أني‬
‫منه حينئذ لفي شك‪ ،‬ما أدري غلم هو أم جارية‪ ،‬فمررنا بأحسن منه‬
‫وهو جالس إلى جنب على فقلت‪ :‬عافاك الله‪ ،‬من هذا الفتى إلى‬
‫جانبك؟ قال‪ :‬هذا عثمان بن على سميته بعثمان بن عفان‪ ،‬وقد‬
‫الله‪ ،‬وقد‬
‫سميت بعمر بن الخطاب‪ ،‬وسميت بعباس عم رسول‬
‫ومحسن)‪ (5‬فإنما‬
‫سميت بخير البرية محمد‪ ،‬فأما حسن وحسين‬
‫سماهم رسول الله وعقّ عنهم وحلق رءوسهم)‪ ,(6‬وتصدق وزنها‬
‫وأمر بهم‬
‫فسموا وختنوا)‪ ,(7‬فقد ولدوا في عهده عليه الصلة والسلم ورسول‬
‫الله هو الذي سماهم وعق عنهم‪.‬‬
‫‪ -4‬أبو بكر وعمر وعثمان‪ ،‬رضي الله عنهم‪ ،‬كان لهم بالنبي‬
‫اختصاص عظيم‪:‬قد عرف بالتواتر الذي ل يخفي على العامة‬
‫والخاصة أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي‬
‫صا به‪ ،‬وصحبة له‬
‫× اختصاص عظيم‪ ،‬وكانوا من أعظم الناس اختصا ً‬
‫وقربة إليه‪ ،‬وقد صاهرهم كلهم وكان يحبهم ويثني عليهم‪ ،‬وحينئذ‬
‫فإما أن يكونوا على الستقامة ظاهًرا وباطًنا في حياته وبعد موته‪،‬‬
‫وإما أن يكونوا بخلف ذلك في حياته‪ ،‬أو بعد موته‪ ،‬فإن كانوا علىغير‬
‫الستقامة مع هذا القرب فأحد المرين لزم‪ ،‬إما عدم علمه‬
‫بأحوالهم‪ ،‬أو مداهنته لهم‪ ،‬وأيهما كان فهو من أعظم القدح في‬
‫الرسول × كما قيل‪:‬‬
‫وإن كنت تدري‬
‫فإن كنت ل تدري فتلك مصيبة‬
‫فالمصيبة أعظم‬
‫وإن كانوا انحرفوا بعد الستقامة فهذا خذلن من الله للرسول‬
‫في خواص أمته‪ ،‬وأكابر أصحابه‪ ،‬ومن وعد أن يظهر دينه على الدين‬
‫كله‪ ،‬فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما‬
‫يقدح به الرافضة في الرسول × كما قال المام مالك وغيره‪ :‬إنما‬
‫أراد هؤلء الرافضة الطعن في الرسول × ليقول القائل‪ :‬رجل كان‬
‫أصحابه صالحين‪ ،‬ولهذا‬
‫حا لكان‬
‫له أصحاب سوء‪ ،‬ولو كان رجل ً صال ً‬
‫قال أهل العلم‪ :‬إن الرافضة دسيسة الزندقة)‪.(8‬‬
‫‪ -5‬ما يترتب عليه من مذهب الرافضة من تكفير الصحابة‪:‬إن‬
‫مذهب الرافضة في تكفير الصحابة يترتب عليه تكفير أمير المؤمنين‬
‫لتخليه عن القيام بأمر الله‪ ،‬ويلزم عليه إسقاط تواتر الشريعة‪ ،‬بل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( النهي عن سب الصحاب وما فيه من الثم والعقاب‪ ،‬ص )‪ ،(43‬شرح أصول‬
‫اعتقاد أهل السنة لللكائى رقم )‪.(4456‬‬
‫)( أيفع‪ :‬شارف الحتلم‪.‬‬
‫)( الذؤابة‪ :‬هى الشعر المضفور من شعر الرأس‪.‬‬
‫)( الجمة من شعر الرأس‪ :‬ما سقط على المنكبين‪.‬‬
‫)( مسند أحمد )‪(2/115‬رقم )‪ (769‬قال أحمد شاكر‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة‪ ،‬ص )‪.(141‬‬
‫)( وختنوا‪ :‬الختن للرجال‪ ،‬والخفض للنساء‪ ،‬المختصر من كتاب الموافقة‪ ،‬ص )‬
‫‪.(141‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ ،(4/123‬أصول مذهب الشيعة )‪.(2/931‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪8‬‬

‫بطلنها ما دام نقلتها مرتدين‪ ،‬ويؤدي إلى القدح في القرآن العظيم‪،‬‬
‫لنه وصلنا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وإخوانهم‪ ،‬وهذا هو‬
‫هدف واضع هذه المقالة‪ ،‬ولذلك قال أبو زرعة‪ :‬إذا رأيت الرجل‬
‫دا من أصحاب رسول الله × فاعلم أنه زنديق‪ ،‬وذلك أن‬
‫ينتقص أح ً‬
‫الرسول × حق والقرآن حق‪ ،‬وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن‬
‫أصحاب رسول الله ×‪ ،‬وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬والجرح بهم أولى وهم زنادقة)‪ ,(1‬ولذلك اعترفت‬
‫كتب الشيعة أن الذي وضع هذه المقالة هو ابن سبأ فقالت‪ :‬إنه أول‬
‫وعثمان والصحابة‪ ،‬وتبرأ منهم‪،‬‬
‫من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر‬
‫وادعى أن علًيا عليه السلم أمره بذلك)‪.(2‬‬
‫‪ -6‬قرائن عملية وأدلة واقعية على حقيقة العلقة بين على‬
‫والخلفاء الراشدين‪ :‬قامت القرائن العملية والدلة الواقعية من‬
‫سيرة أمير المؤمنين على في علقته مع إخوانه أبي بكر وعمر‬
‫وعثمان مما اشتهر وذاع نقله‪ ،‬وقد نقلنا منه الكثير فيما مضى ما‬
‫يثبت المحبة الصادقة والخاء الحميم بين هذه الطليعة المختارة‪،‬‬
‫والصفوة من جيل الصحابة‪ ،‬رضوان الله عليهم‪ ،‬وتأتي في مقدمة‬
‫والقرائن تزويج أمير المؤمنين على ابنته أم كلثوم لمير‬
‫هذه الدلة‬
‫المؤمنين عمر)‪ ,(3‬فإذا كان عمر فاروق هذه المة قد صار عند‬
‫الشيعة الروافض أشد كفًرا من إبليس‪ ،‬أفل يرجعون إلى عقولهم‬
‫ويتدبرون فساد ما ينتهي إليه مذهبهم؟ إذ لو كان أبو بكر وعمر‪،‬‬
‫رضي الله عنهما‪ ،‬كافرين كما يفترون لكان على بتزويجه ابنته أم‬
‫ضا بنته‬
‫كلثوم الكبرى من عمر‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬كافًرا أو فاس ً‬
‫قا معر ً‬
‫للزنا‪ ،‬لن وطء الكافر للمسلمة زنا محض)‪ ,(4‬والعاقل المنصف‬
‫البريء من الغرض‪ ،‬الصادق في محبته للنبي × وأهل بيته واتباعه‬
‫لهم ل يملك إل الذعان لهذه الحقيقة‪ ،‬حقيقة الولء والحب بين‬
‫الخلفاء الربعة‪ ،‬رضوان الله عليهم‪ ،‬ولذلك لما قيل لمعز الدولة‬
‫أحمد بن بويه‪ -‬وكان رافضًيا يشتم صحابة رسول الله – إن علًيا‪-‬‬
‫رضي الله عنه – زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب‪ ،‬استعظم‬
‫ذلك وقال‪ :‬ما علمت بهذا‪ ،‬وتاب وتصدق بأكثر)‪(5‬ماله وأعتق مماليكه‬
‫ورد كثيًرا من المظالم وبكى حتى غشى عليه ‪ ,‬لشعوره بعظم‬
‫الذي( أمضاه ينهش في أعراض هؤلء‬
‫جرمه فيما سلف من عمره‪،‬‬
‫الطهار مغتًرا بشبهات الروافض)‪ , 6‬وقد حاول شيوخ الشيعة‬
‫فوضعوا روايات مكذوبة على‬
‫الروافض إبطال مفعول هذا الدليل‬
‫لسان الئمة تقول‪ :‬ذلك فرج غصبناه)‪ ,(7‬فزادوا الطين بلة‪ ،‬حتى‬
‫صوروا أمير المؤمنين في صورة »الديوث« الذي ل ينافح عن‬
‫عرضه‪ ،‬ويقر الفاحشة في أهله‪ ،‬وهل يتصور مثل هذا في حق أمير‬
‫المؤمنين على بطل السلم؟ إن أدنى العرب ليبذل نفسه دون‬
‫عرضه‪ ،‬ويقتل دون حرمه‪ ،‬فضل عن بنى هاشم الذين هم سادات‬
‫العرب وأعلها نسًبا وأعظمها مروءة وحمية‪ ،‬فكيف يثبتون لمير‬
‫المؤمنين وابنته حفيدة رسول الله × مثل هذه المنقصة الشنيعة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الكفاية‪ ،‬ص )‪.(49‬‬
‫المقالت والفرق للقمى ص )‪ (20‬نقل عن أصول مذهب الشيعة )‪.(2/933‬‬
‫أصول مذهب الشيعة )‪.(2/932‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(2/932‬‬
‫المنتظم )‪.(39 ،7/38‬‬
‫أصول مذهب الشيعة )‪.(2/937‬‬
‫فروع الكافي )‪ ،(2/10‬أصول مذهب الشيعة )‪.(2/937‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪14‬‬
‫‪9‬‬

‫الصنديد‪ (،‬ليث بنى غالب‪ ،‬أسد الله في‬
‫وهو الشجاع‬
‫المشارق والمغارب)‪. 1‬‬
‫ويبدو أن بعضهم لم يعجبه هذا التوجيه‪ ،‬فرام التخلص من هذا‬
‫حيث‪ (2‬زعم أن أم كلثوم لم تكن بنت‬
‫الدليل بمنطق أغرب وأعجب‪،‬‬
‫على ولكنها جنية تصورت بصورتها) ‪ ,‬فأتوا بما يستخف به أصحاب‬
‫العقول ويستطيع كل من أراد أن يدعي على من يكرهه بأنه جني أو‬
‫جنية‪ ،‬وهكذا يعيش الناس في الخرافات وتضيع الحقيقة‪.‬‬
‫ومن القرائن أيضا علقات القربى القائمة بينهم‪ ،‬ووشائج الصلة‪،‬‬
‫وكذلك مظاهر المحبة‪ ،‬حتى إن علًيا والحسن والحسين‪ -‬كما مر‬
‫معنا‪ -‬يسمون بعض أولدهم باسم أبي بكر وعمر‪ ،‬وهل يطيق أحد أن‬
‫ها له؟ وهل يطيق أن‬
‫يسمى أولده بأسماء أشد أعدائه كفًرا وكر ً‬
‫أعدائه تتردد في أرجاء بيته يرددها مع أهله في يومه‬
‫يسمع أسماء‬
‫مرات وكرات)‪.(3‬‬
‫إن أمير المؤمنين علًيا – رضي الله عنه – ل يحفظ عنه الصحابة‬
‫ومن تبعهم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إل محبة أبي‬
‫بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم – في حياتهم‪ ،‬وفي خلفتهم‬
‫وبعد وفاتهم‪ ،‬فأما في خلفتهم فسامع لهم مطيع‪ ،‬يحبهم ويحبونه‪،‬‬
‫ويعظم قدرهم ويعظمون قدره‪ ،‬صادق في محبتهم‪ ،‬مخلص في‬
‫الطاعة لهم‪ ،‬يجاهد من يجاهدون‪ ،‬ويحب ما يحبون‪ ،‬ويكره ما‬
‫فيشير مشورة ناصح مشفق محب‪،‬‬
‫يكرهون يستشيرونه في النوازل‬
‫فكثير من سيرتهم بمشورة جرت)‪ ,(4‬وهم يبادلونه نفس الشعور‬
‫ويقال‪ ،‬إنه ل يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلى إل في قلوب‬
‫أتقياء هذه المة)‪ ,(5‬وقال سفيان الثوري‪ :‬ل)‪(6‬يجتمع حب عثمان وعلى‬
‫رضي الله عنهما إل في قلوب نبلء الرجال ‪ ,‬وقال أنس بن مالك‪:‬‬
‫قالوا‪ :‬إن حب عثمان وعلى رضي الله عنهما ل يجتمعان في قلب‬
‫مؤمن‪ ،‬كذبوا فقد جمع الله عز وجل حبهما بحمد الله في قلوبنا)‪.(7‬‬
‫سابًعا‪ :‬وصف لصحاب النبي × في القرآن الكريم‪:‬‬
‫ل الله وال ّذين مع َ‬
‫سو ُ‬
‫عَلى‬
‫داءُ َ‬
‫هأ ِ‬
‫ش ّ‬
‫م َ‬
‫مدٌ ّر ُ‬
‫ِ َ ِ َ َ َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ْ قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ال ك ُ ّ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ن‬
‫غو‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ي‬
‫دا‬
‫ج‬
‫س‬
‫عا‬
‫ك‬
‫ر‬
‫م‬
‫ه‬
‫را‬
‫ت‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ر ُر َ‬
‫ّ َ‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫ْ ُ‬
‫ماءُ ب َي ْ ُ ْ َ‬
‫فا ِ‬
‫هم من أ َ‬
‫جوِد ذَل ِ َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫س‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ه‬
‫جو‬
‫و‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ما‬
‫سي‬
‫نا‬
‫وا‬
‫ض‬
‫ر‬
‫و‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الل ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫ه َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مث َل ُ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ز‬
‫ك‬
‫ل‬
‫جي‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫و‬
‫ة‬
‫را‬
‫و‬
‫ت‬
‫ال‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ع أَ ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫خَر َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫شطْأ َُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َْ َ‬
‫ِ‬
‫ْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫غيظ‬
‫على‬
‫غلظ فا‬
‫فآَزَرهُ فا‬
‫ست َ ْ‬
‫ب الّزّرا َ‬
‫وى َ‬
‫ع ل ِي َ ِ‬
‫سو ِ‬
‫ست َ‬
‫ق ِ‬
‫ج ُ‬
‫ه يُ ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫م ال ْك ُ ّ‬
‫هم‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ت ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عدَ الل ُ‬
‫ه ُ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫مُنوا َ‬
‫فاَر َ‬
‫بِ ِ‬
‫وأ َ‬
‫ما" ]الفتح‪.[29:‬‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫را‬
‫ج‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫م‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ ْ ً‬
‫َ‬
‫ومن المناسب أن أختم هذا الفصل بهذه الية الكريمة لتكون دليل ً‬
‫على ما ذكرته من المحبة والرحمة والتعاون بين الخلفاء الراشدين‬
‫والصحابة الكرام‪ ،‬فهذه الية تضمنت ذكر منزلة رسول الله × بالثناء‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( مؤتمر النجف للسويدي‪ ،‬ص )‪ (86‬نقل ً عن أصول مذهب الشيعة )‪.(2/937‬‬
‫)( النوار النعمانية )‪ (84 ،1/83‬نقل ً عن أصول مذهب الشيعة )‪.(2/938‬‬
‫)( أصول مذهب الشيعة )‪.(2/938‬‬
‫)(الشريعة للجرى )‪.(5/2312‬‬
‫)(الشريعة للجرى )‪.(5/2312‬‬
‫)(حلية الولياء )‪.(7/32‬‬
‫)(الشريعة للجرى )‪(5/2315‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪0‬‬

‫ثم ثنى الله تعالى فيها بالثناء على سائر الصحابة‪ ،‬رضوان الله عليهم‬
‫أجمعين‪ ،‬فذكر تعالى أن صفاتهم الشدة والغلظة على أهل الكفر‪ ،‬كما‬
‫وصفهم بالتراحم والتعاطف فيما بينهم‪ ،‬ووصفهم بأنهم يكثرون من‬
‫العمال الصالحة المقرونة بالخلص وسعة الرجاء‪ ،‬وفي مقدمة تلك‬
‫العمال الصالحة إكثارهم من الصلة ابتغاء الحصول على فضل من الله‬
‫آثار ذلك تظهر على وجوههم‬
‫ورضوان‪ ،‬كما بين – سبحانه –‬
‫أن َ‬
‫جوِد"والسيما أي العلمة‪،‬‬
‫م ِ‬
‫ما ُ‬
‫جو ِ‬
‫‪ِ +‬‬
‫س ُ‬
‫و ُ‬
‫ن أث َرِ ال ّ‬
‫م ْ‬
‫هم ّ‬
‫ه ْ‬
‫سي َ‬
‫في ُ‬
‫ه ِ‬
‫وقد قيل بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة‪ ،‬قاله الحسن وسعيد‬
‫بن جبير وهى رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما‪ ،‬ورواية أخرى عنه‬
‫ضا‪:‬‬
‫وعن مجاهد‪ :‬السيماء في)‪(1‬الدنيا هو السمت الحسن »وعن مجاهد أي ً‬
‫هو الخشوع والتواضع« ‪.‬‬
‫السمت‬
‫وهذه القوال ل منافاة بينها؛ إذ يمكن أن يكون في الدنيا هو‬
‫الذي ينشأ عن التواضع والخشوع‪ ،‬وفي الخرة يكون في جباههم نور)‪،(2‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬فالصحابة – رضي الله عنهم – خلصت نياتهم وحسنت‬
‫أعمالهم‪ ،‬فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم‪ ،‬وقال مالك‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ :‬بلغني أن النصاري كانوا إذا رأوا الصحابة‪ ،‬رضي الله‬
‫عنهم ‪-‬الذين فتحوا الشام‪ -‬يقولون‪ :‬والله لهؤلء خير من الحواريين فيما‬
‫بلغنا‪ ،‬وصدقوا في ذلك‪ ،‬فإن هذه المة معظمة في الكتب المتقدمة‬
‫وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ×‪ ،‬وقد نوه الله – تبارك وتعالى‬
‫– بذكرهم في الكتب المنزلة والخبار المتداولة‪ ،‬ولهذا قال – سبحانه –‬
‫ل‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫مث َل ُ ُ‬
‫مث َل ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ههنا‪َ َ + :‬‬
‫في ال ِن ْ ِ‬
‫جي ِ‬
‫ة" ثم قال‪َ + :‬‬
‫في َ الت ّ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه"أي‪ :‬شده وقواه‬
‫ر‬
‫ز‬
‫فآ‬
‫‪+‬‬
‫فراخه‬
‫أي‪:‬‬
‫"‬
‫ه‬
‫أ‬
‫ط‬
‫ش‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫عأ َ َ‬
‫َ ُ‬
‫ُ‬
‫ك ََز َْر ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ق‬
‫سو‬
‫لى‬
‫ع‬
‫وى‬
‫ت‬
‫س‬
‫فا‬
‫‪+‬‬
‫وطال‬
‫شب‬
‫أي‪:‬‬
‫"‬
‫ظ‬
‫ل‬
‫غ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ج ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫‪+‬فا ْ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫أي فكذلك أصحاب رسول الله × آزروه وأيدوه ونصروه‪ ,‬فهم‬
‫ع"‬
‫الّزّرا َ‬
‫معه كالشطء مع الزرع ‪+‬ل ِي َ ِ َ‬
‫م ال ْك ُ ّ‬
‫فاَر"ومن هذه الية انتزع‬
‫ه ُ‬
‫غيظ ب ِ ِ‬
‫المام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه تكفير الروافض الذين‬
‫يبغضون الصحابة رضي الله عنهم‪ ,‬قال‪ :‬لنهم يغيظونه‪ ,‬ومن غاظه‬
‫الصحابة رضي الله عنهم‪ ,‬فهو كافر لهذه الية‪ ,‬ووافقه طائفة من‬
‫مُنوا‬
‫و َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عد َ الل ُ‬
‫العلماء ُعلى ذلك‪ ..‬ثم قال تبارك وتعالى‪َ ً + ..‬‬
‫ً‬
‫ما‪ ،‬ووعد الله‬
‫كري‬
‫قا‬
‫ورز‬
‫هم" أي‪ :‬ثواًبا جزيل‬
‫و َ‬
‫ت ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ً‬
‫ملوا ال ّ‬
‫َ‬
‫حق وصدق ل يخلف ول يبدل‪ ،‬وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله‬
‫عنهم فهو في حكمهم ولهم الفضل والسبق والكمال الذي ل يلحقهم فيه‬
‫أحد من هذه المة رضي الله عنهم وأرضاهم‪ ،‬وجعل جنات الفردوس‬
‫مأواهم وقد فعل)‪(3‬وفي قوله‪ -‬سبحانه– في حق الصحابة الكرام رضي‬
‫الله عنهم ‪+‬ل ِي َ ِ َ‬
‫م ال ْك ُ ّ‬
‫وعيد‬
‫فاَر"أخطر حكم وأغلظ تهديد وأشد‬
‫ه ُ‬
‫غيظ ب ِ ِ‬
‫)‪(4‬‬
‫في حق من غيظ بأصحاب رسول الله ×‪ ،‬أو كان في قلبه غل لهم ‪،‬‬
‫مُلوا‬
‫وأماقوله تعالى في‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫ع ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عد َ الل ُ‬
‫نوا َ‬
‫الية‪َ + :‬‬
‫ختامرةً َ‬
‫ما"فيها وعد من الله تعالى‬
‫م ْ‬
‫جًرا َ‬
‫غ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ت ِ‬
‫حا ِ‬
‫وأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ظي ً‬
‫هم ّ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫الصالحات من أمة‬
‫وعمل‬
‫آمن‬
‫من‬
‫كل‬
‫وكذلك‬
‫بالجنة‪،‬‬
‫الصحابة‬
‫لجميع‬
‫الجابة؛ إذ هذا الوعد لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة)‪,(5‬وكلمة »منهم«‬
‫في الية السابقة‪» :‬من« لبيان الجنس وليست للتبعيض‪ ،‬قال ابن تيمية‪:‬‬
‫ل ريب إن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫تفسير الطبري )‪ ،(111 ،26/110‬تفسير القرطبي )‪.(294 ،16/293‬‬
‫تفسير الطبري )‪.(26/112‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(6/365‬‬
‫قبس من هدى السلم‪ ،‬عبد المحسن العباد‪ ،‬ص )‪.(86‬‬
‫عقيدة أهل السنة في الصحابة )‪.(1/76‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪1‬‬

‫والرحمة بينهم والركوع والسجود بيتغون فضل ًمن الله ورضواًنا‪،‬‬
‫والسيماء في وجوههم من أثر السجود وأنهم يبتدئون من ضعف إلى‬
‫كمال القوة والعتدال كالزرع‪ ،‬والوعد لهم بالمغفرة والجر العظيم ليس‬
‫على مجرد هذه الصفات‪ ،‬بل على اليمان والعمل الصالح‪ ،‬فذكر ما به‬
‫يستحقون الوعد‪ ،‬وإن كانوا كلهم بهذه الصفة‪ ،‬ولول ذكر ذلك لكان يظن‬
‫أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة‪ ،‬ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء‬
‫الحكم إذا علق باسم‬
‫بخلف ما إذا ذكر اليمان والعمل الصالح‪ ،‬فإن‬
‫مشتق مناسب كان ما منه الشتقاق سبب الحكم)‪.(1‬‬
‫إن ما ذكرته في هذا الفصل ينسجم كلًيا مع حديث القرآن‬
‫صا بين‬
‫الكريم عن الرحمة بين الصحابة والشدة على الكفار‪ ،‬وخصو ً‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬فهم السادة الكرام‪ ،‬وعلية القوم‪ ،‬وقادة المة‬
‫بعد وفاة نبيها‪ ،‬فالحذر من الروايات الضعيفة والقصص الموضوعة‬
‫التي اختلقها أعداء المة ليشوهوا به تاريخ صدر السلم‪ ،‬أنصدق‬
‫الروايات الكاذبة والقصص الواهية التي تصور العداء بين الخلفاء‬
‫الراشدين أم نصدق كتاب ربنا وما جاء في حقهم على لسان نبينا‬
‫وما يوافقه مما دونه العلماء الثقات من أهل السنة والجماعة؟‬
‫َ‬
‫م لَ‬
‫ف ْ‬
‫و َأن َ‬
‫ن ُ‬
‫ض‬
‫ه‬
‫قُلوب‬
‫قال‬
‫ما ِ‬
‫وأ َل ّ َ‬
‫ف ب َي ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫في الْر ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ ُ‬
‫ما أ َل ّ َ‬
‫زيٌز‬
‫ه َ‬
‫ه أل ّ َ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫َ‬
‫ف ْ‬
‫ف ب َي ْن َ ُ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ت ب َي ْ َ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫عا ّ‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫م" ]النفال‪ ،[63:‬فهذا وصف القرآن الكريم لحقيقة اللفة بين‬
‫كي‬
‫ح‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫قلوب الصحابة‪ ،‬فهي منحة ربانية ونعمة أعطاها الله لذلك الجيل‬
‫الطاهر ل دخل لبشر فيها‪ ،‬وبّين القرآن الكريم أن اللفة بين‬
‫الصحابة نعمة من الله تعالى امتن بها على رسول الله ×‪ ،‬وهذا‬
‫التصوير القرآني لحقيقة الصحابة ينسجم مع الروايات الصحيحة التي‬
‫تبين محبة الصحابة والمودة بينهم‪ ،‬وبذلك يفتضح أمر الذين وضعوا‬
‫الروايات المكذوبة والموضوعة‪ ،‬والية تشمل كل من سار على هدى‬
‫عباس‪(2:‬قرابة الرحم‬
‫القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين‪ ،‬قال ابن‬
‫تقطع‪ ،‬ومنة المنعم تكفر‪ ،‬ولم نر مثل تقارب القلوب) ‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫وبلوت ما وصلوا من السباب‬
‫ولقد صحبت الناس ثم‬
‫خبرتهم‬
‫)‪(3‬‬
‫وإذا المودة أقرب السباب‬
‫فإذا القرابة ل تقرب قاطًعا‬
‫الفصل الثالث‬
‫بيعة على رضي الله عنه‬
‫وأهم صفاته وحياته في المجتمع‬
‫المبحث الول‬
‫بيعة على رضي الله عنه‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬كيف تمت بيعة على رضي الله عنه‪:‬‬
‫تمت بيعة على رضي الله عنه بالخلفة بطريقة الختيار وذلك بعد‬
‫أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬على‬
‫أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الفاق‪ ،‬ومن أمصار‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( منهاج السنة )‪.(1/158‬‬
‫)( الدر المنثور في تفسير المأثور )‪.(4/100‬‬
‫)( الدر المنثور في تفسير المأثور )‪.(4/100‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪2‬‬

‫مختلفة‪ ،‬وقبائل متباينة ل سابقة لهم‪ ،‬ول أثر خير في الدنيا‪ ،‬فبعد أن‬
‫يوم‪(1‬الجمعة لثماني عشرة‬
‫ما وزوًرا وعدواًنا‪،‬‬
‫قتلوه رضي الله عنه ظل ً‬
‫ليلة مضت من ذى الحجة سنة خمس وثلثين) ‪ .‬قام كل من بقى‬
‫بالمدينة من أصحاب رسول الله × بمبايعة على رضي الله عنه‬
‫بالخلفة‪ ،‬وذلك لنه لم يكن أحد أفضل منه على الطلق في ذلك‬
‫الوقت‪ ،‬فلم يدع المامة لنفسه أحد بعد عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ولم‬
‫صا عليها‪ ،‬ولذلك لم يقبلها إل‬
‫يكن أبو السبطين‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬حري ً‬
‫بعد إلحاح شديد ممن بقى من الصحابة بالمدينة‪ ،‬وخوًفا من ازدياد‬
‫الفتن وانشارها‪ ،‬ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك‬
‫الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون‬
‫على السلم كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه‪ ،‬لفسقهم‬
‫الكيفية التي تم بها اختيار‬
‫ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى‪ ،‬وقد روى‬
‫على رضي الله عنه للخلفة بعض أهل العلم)‪ ,(2‬فقد روى أبو بكر‬
‫الخلل بإسناده إلى محمد ابن الحنفية قال‪ :‬كنت مع على رحمه الله‬
‫وعثمان محصر قال‪ :‬فأتاه رجل فقال‪ :‬إن أمير المؤمنين مقتول‬
‫الساعة‪ ،‬قال‪ :‬فقام على رحمه الله‪ ،‬قال محمد‪ :‬فأخذت بوسطه‬
‫تخوًفا عليه فقال‪ :‬خ ّ‬
‫ل ل أم لك‪ ،‬قال‪ :‬فأتى على الدار‪ ،‬وقد قتل‬
‫الرجل رحمه الله‪ ،‬فأتى داره فدخلها فأغلق بابه‪ ،‬فأتاه الناس‬
‫فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا‪ :‬إن هذا قد قتل‪ ،‬ولبد للناس‬
‫دا أحق بها منك‪ ،‬فقال لهم على‪ :‬ل تريدوني‬
‫من خليفة ول نعلم أح ً‬
‫دا‬
‫فإني لكم وزيًرا خير مني لكم أميًرا‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل والله ل نعلم أح ً‬
‫ى فإن بيعتي ل تكون سًرا‪ ،‬ولكن‬
‫أحق بها منك‪ ،‬قال‪ :‬فإن أبيتم عل ّ‬
‫أخرج إلى المسجد‪ ,‬فبايعه الناس)‪ ,(3‬وفي رواية أخرى عن سالم ابن‬
‫أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية‪ :‬فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا‪:‬‬
‫دا أحق بها‬
‫إن هذا الرجل قد قتل ولبد للناس من إمام ول نجد أح ً‬
‫منك أقدم مشاهد‪ ،‬ول أقرب من رسول الله × فقال على‪ :‬ل تفعلوا‬
‫فإني لكم وزيًرا خير مني أميًرا‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل والله ما نحن بفاعلين‬
‫حتى نبايعك‪ ،‬قال‪ :‬ففي المسجد فإنه ينبغي لبيعتي أل تكون خفيا ول‬
‫تكون إل عن رضا المسلمين‪ ،‬قال‪ :‬فقال سالم بن أبي الجعد‪ :‬فقال‬
‫عبد الله بن عباس‪ :‬فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب‬
‫فلما دخل المسجد جاء المهاجرون‬
‫عليه‪ ،‬وأبى هو إل المسجد‪،‬‬
‫والنصار فبايعوا وبايع الناس)‪.(4‬‬
‫ومن هذه الثار الصحيحة بعض الدروس والعبر والفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬نصرة على بن أبي طالب رضي الله عنه لعثمان رضي الله‬
‫عنه ودفاعه عنه‪ ،‬وهذا متواتر عن على رضي الله عنه‪ ،‬بل كان أكثر‬
‫عا عن عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬جاء ذلك بأسانيد كثيرة‪،‬‬
‫الناس دفا ً‬
‫ما( كان في القوم أدفع عن‬
‫قال‪:‬‬
‫حيث‬
‫الحكم‬
‫بن‬
‫مروان‬
‫وشهد بذلك‬
‫صاحبنا من صاحبكم يعني علًيا عن عثمان)‪. 5‬‬
‫‪ -2‬زهد على رضي الله عنه في الخلفة وعدم طلبه لها أو طمعه‬
‫فيها‪ ،‬واعتزاله في بيته حتى جاءه الصحابة يطلبون البيعة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(3/31‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام )‪.(2/677‬‬
‫)( كتاب السنة لبي بكر الخلل‪ ،‬ص)‪.(425‬‬
‫)( الخلل في السنة‪ ،‬ص)‪ (416‬رجال السناد ثقات‪.‬‬
‫)( بيعة على بن أبي طالب مالك الخالدى‪ ،‬ص )‪ (2‬نقل على تاريخ الذهبي عهد‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص )‪ (460‬إسناده قوى‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -3‬إجماع الصحابة من المهاجرين والنصار والناس عامة في‬
‫المدينة على بيعته‪ ،‬ويدخل في هؤلء أهل الحل والعقد‪ ،‬وهم الذين‬
‫قصدوا علًيا وطلبوا منه أن يوافق على البيعة‪ ،‬وألحوا عليه حتى‬
‫قبلها‪ ،‬وليس للغوغاء وقتلة عثمان كما في بعض الروايات الضعيفة‬
‫والموضوعة‪.‬‬
‫‪ -4‬إن علًيا كان أحق الناس بالخلفة يومئذ‪ ،‬ويدل على ذلك قصد‬
‫الصحابة له‪ ،‬وإلحاحهم عليه‪ ،‬ليقبل البيعة‪ ،‬وتصريحهم بأنهم ل‬
‫يعلمون أحق منه بالخلفة يومئذ‪.‬‬
‫في تولية‬
‫‪ -5‬أهمية الخلفة‪ ،‬ولذلك رأينا أن الصحابة أسرعوا‬
‫على‪ ،‬وكان يقول‪ :‬لول الخشية على دين الله لم أجبهم)‪.(1‬‬
‫‪ -6‬إن الشبهة التي أدخلوها على بيعة على‪ ،‬كون الخوارج الذين‬
‫حاصروا عثمان‪ ،‬وشارك بعضهم في قتله‪ ،‬كانوا في المدينة‪ ،‬وأنهم‬
‫أول من بدءوا بالبيعة وأن طلحة والزبير بايعا مكرهين‪ ،‬وهذه أقاويل‬
‫المؤرخين‪ ،‬ل تقوم على أساس وليس لها سند صحيح‪ ،‬والصحيح أنه‬
‫لم يجد الناس بعد أبي بكر وعغمر وعثمان كالرابع قدًرا وعلما وتقى‬
‫قا وجهاًدا‪ ،‬فعزم عليه المهاجرون والنصار‪ ،‬ورأي ذلك‬
‫وديًنا‪ ،‬وسب ً‬
‫ضا عليه‪ ،‬فانقاد إليه‪ ،‬ولول السراع بعقد البيعة لعلي‪ ،‬لدى ذلك‬
‫فر ً‬
‫إلى فتن واختلفات في جميع القطار السلمية‪ ،‬فكان من مصلحة‬
‫المسلمين أن يقبل على البيعة مهما كانت الظروف المحيطة‬
‫بها‪،‬ولم يتخلف عن على أحد من الصحابة الذين كانوا بالمدينة‪ ،‬وقد‬
‫خلط الناس بين تخلف الصحابة عن المسير معه إلى البصرة وبين‬
‫البيعة؛ أما البيعة فلم يتخلف أحد عنها‪ ،‬وأما المسير معه فتخلفوا‬
‫عنه لنها كانت مسألة اجتهادية)‪ ,(2‬كما أن علًيا لم يلزمهم بالخروج‬
‫معه كما سيأتي التفصيل بإذن الله عند حديثنا عن موقعة الجمل‪.‬‬
‫‪ -7‬لبد من الحذر من مبالغات الخباريين التي تزعم أن المدينة‬
‫بقيت خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقى بن حرب‬
‫يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالمر فل يجدونه)‪ (3‬ن وتزعم أن‬
‫ى فرفضه‪ ،‬وأن خوارج‬
‫الغوغاء من مصر عرضت المر على عل ّ‬
‫الكوفة عرضوا الخلفة على الزبير‪ ،‬فل يجدونه‪ ،‬ومن جاء من البصرة‬
‫عرضوا على)‪(4‬طلحة البيعة‪ ،‬فهذا ل يثبت أمام الروايات الصحيحة‪ ،‬ول‬
‫يصح إسناده ‪ ,‬كما أن المعروف تمكن الصحابة من المدينة‬
‫وقدرتهم على القضاء على الغوغاء لول طلب عثمان‪ ،‬رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬بالكف عن استخدام القوة ضدهم‪ .‬وقد فصلت ذلك في كتابي‬
‫تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان‪ ،‬والصحيح أن بيعة‬
‫على كانت عن طواعية واختيار من المسلمين وليس لهل الفتنة‬
‫)‪(5‬‬
‫دور في مبايعة على‪ ،‬وإنما كل من كان من الصحابة في المدينة‬
‫هم الذين اختاروا أمير المؤمنين علًيا‪.‬‬
‫الروايات الصحيحة والشواهد في بيعة على إحدى‬
‫‪ -8‬بلغت‬
‫عشرة رواية)‪ ,(6‬كما سيأتي تفصيل بعضها بإذن الله‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫فتح البارى )‪ (13/75‬إسناده صحيح‪ ،‬بيعة على‪ ،‬ص)‪.(105‬‬
‫المدينة النبوية‪ ،‬محمد شراب )‪.(2/311‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(4/432‬‬
‫استشهاد عثمان ووقعة الجمل د‪.‬خالد الغيث‪ ،‬ص ‪.140-136‬‬
‫استشهاد عثمان ص )‪.(240‬‬
‫بيعة على بن أبي طالب‪ ،‬ص )‪.(122‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪4‬‬

‫ثانًيا‪ :‬أحقية على بالخلفة‪:‬‬
‫إن أحق الناس بالخلفة بعد أبي بكر وعمر وعثمان‪ ،‬رضي الله‬
‫عنهم‪ ،‬هو على بن أبي طالب رضي الله عنه‪ ،‬وهذا معتقد أهل السنة‬
‫والجماعة‪ ،‬وهذا ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في‬
‫شأن ترتيب الخلفة الراشدة‪ ،‬وقد ورد اليماء إلى أحقية خلفة على‬
‫رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها‪:‬‬
‫مُلوا‬
‫‪ -1‬قال‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫عدَ الل ُ‬
‫م ََ‬
‫تعالى‪َ + :‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫حا ِ َ َ ْ‬
‫َ‬
‫َُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ْ ّ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ضى‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ا‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫دي‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ك‬
‫م‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ ْ‬
‫َ ُ ُ‬
‫ّ ُ ْ‬
‫من َ ِ ْ َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مًنا" ]النور‪ ،[55:‬ووجه الستدلل بها‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ف‬
‫و‬
‫خ‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫من‬
‫هم‬
‫ن‬
‫ل‬
‫د‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ ِ ْ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫على حقيقة خلفة على رضي الله عنه أنه أحد المستخلفين في‬
‫الرض الذين مكن الله لهم دينهم‪.‬‬
‫‪ -2‬قوله ×‪» :‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين‬
‫)‪(1‬‬
‫المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ«‬
‫ووجه الدللة في هذا الحديث على أحقية خلفة على رضي الله عنه‬
‫أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن‬
‫المنكر وحافظوا على حدود الله وأقاموا الصلة وآتوا الزكاة وساروا‬
‫بسيرة رسول الله × في العدل وإقامة الحق‪.‬‬
‫خلفة النبوة ثلثون سنة ثم يؤتي الله الملك‬
‫‪ -3‬قوله ×‪» :‬‬
‫من يشاء«)‪,(2‬وفي هذا الحديث إشارة إلى أحقية على رضي الله عنه‬
‫النبوة‪(3‬التي حددها‬
‫حيث إن خلفته كانت آخر الثلثين من مدة خلفة‬
‫)‬
‫أحمد بن‬
‫قال‬
‫‪,‬‬
‫العلم‬
‫النبي × في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل‬
‫حنبل‪ :‬حديث سفينة في الخلفة صحيح‪ ،‬إليه أذهب في الخلفاء)‪ ,(4‬وقال‬
‫عبد الله بن أحمد‪ :‬قلت لبي‪ :‬إن قوما ً يقولون إنه ليس بخليفة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫هذا قول سوء رديء فقال‪ :‬أصحاب رسول الله كانوا يقولون له‪ :‬يا‬
‫أمير( المؤمنين أفنكذبهم؟ وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إل خليفة؟‬
‫)‪. 5‬‬
‫ وقال ابن تيمية في حديث سفينة‪:‬وهو حديث مشهور من رواية‬‫حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد‬
‫بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ×‪ ،‬رواه أهل السنن كأبي‬
‫داود وغيره‪ ،‬واعتمد عليه المام أحمد وغيره في تقرير خلفة‬
‫الخلفاء الراشدين الربعة‪ ،‬وثبته أحمد واستدل به على من توقف‬
‫في خلفة على من أجل افتراق الناس عليه‪ ،‬حتى قال أحمد‪ :‬من لم‬
‫في( الخلفة فهو أضل من حمار أهله ونهى‬
‫يربع بعلي‬
‫عن مناكحته)‪. 6‬‬
‫‪:‬ونثبت الخلفة بعد عثمان لعلي رضي الله‬
‫وقال شارح الطحاوية‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( سنن أبي داود )‪ ،(4/201‬الترمذي )‪ (5/44‬حسن صحيح‪.‬‬
‫)( صحيح ابن حبان رقم ‪ ،6657‬الطبراني في الكبير ‪ ،6442‬السلسلة الصحيحة‬
‫لللباني )‪.(749 -1/742‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(2/686‬‬
‫)( السنة لعبد الله بن حنبل‪ ،‬ص )‪.(235‬‬
‫)( السنة لعبد الله بن حنبل‪ ،‬ص )‪ ،(235‬عقيدة أهل السنة في الصحابة )‬
‫‪.(2/686‬‬
‫)( هذه الرسالة بالمكتبة الظاهرية بخطه في مسودته نقل عن عقيدة أهل السنة‬
‫والجماعة )‪.(2/286‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪5‬‬

‫يا صار إماما ً حًقا واجب الطاعة‪،‬‬
‫عنهما لما قتل عثمان وبايع الناس عل ً‬
‫وهو الخليفة في زمانه خلفة نبوة‪ ،‬كما دل عليه حديث سفينة أنه قال‪:‬‬
‫خلفة النبوة ثلثون سنة ثم يؤتي الله‬
‫×‪»(1:‬‬
‫قال رسول الله‬
‫ملكه من يشاء«) ‪.‬‬
‫‪ -4‬عن عكرمة قال لي ابن عباس ولبنه على‪ :‬انطلقا إلى أبي‬
‫سعيد فاسمعا من حديثه‪ ،‬فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه‪ ،‬فأخذ‬
‫رداءه فاحتبى‪ ،‬ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال‪:‬‬
‫لبنة‪ (2‬لبنة وعمار لبنتين‪ ،‬فرأي النبي × ينفض التراب عنه‬
‫كنا نحمل‬
‫)‬
‫الجنة‬
‫إلى‬
‫يدعوهم‬
‫الباغية‪،‬‬
‫الفئة‬
‫تقتله‬
‫عمار‬
‫ويح‬
‫ويقول‪:‬‬
‫ويدعونه إلى النار‪ ،‬قال‪ :‬يقول عمار‪ :‬أعوذ بالله من الفتن)‪,(3‬‬
‫قال( لعمار حين جعل يحفر الخندق‬
‫وفي رواية مسلم عن أبي سعيد‬
‫يمسح رأسه ويقول‪ :‬بؤسى)‪ 4‬ابن سمية تقتلك فئة‬
‫وجعل‬
‫باغية))‪.((65‬قال ابن تيمية بعد ذكره لقوله × تقتل عمار الفئة‬
‫الباغية ‪:‬وهذا يدل على صحة إمامة على ووجوب طاعته وأن‬
‫الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار‬
‫وإن كان متأو ً‬
‫ل‪ ،‬أو باغ بل تأويل‪ ،‬وهو أصح القولين لصحابنا وهو‬
‫الحكم بتخطئة من قاتل علًيا‪ ،‬وهو مذهب الئمة الفقهاء الذين فرعوا‬
‫على ذلك قتال البغاة المتأولين قال‪ ،‬وعندما أنكر يحيى بن معين‬
‫على الشافعي استدلله بسيرة على في قتال البغاة المتأولين قال‪:‬‬
‫أيجعل طلحة والزبير مًعا بغاة؟ رد عليه المام أحمد فقال‪ :‬ويحك‬
‫وأي شيء يسعه أن يصنع في هذا المقام يعني‪ :‬إن لم يقتد بسيرة‬
‫على في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال‬
‫البغاة( – إلى أن قال – ولم يتردد أحمد ول أحد من أئمة السنة في‬
‫ذلك)‪ . 7‬فلو قال قائل‪ :‬إن قتل عمار كان بصفين‪ ،‬وهو مع على‪،‬‬
‫والذين قتلوه مع معاوية‪ ،‬وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز‬
‫عليهم الدعاء إلى النار‪ ،‬فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى‬
‫الجنة وهم مجتهدون ل لوم عليهم في اتباع ظنونهم‪ ،‬فالمراد بالدعاء‬
‫إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة المام‪ ،‬وكذلك كان عمار‬
‫يدعوهم إلى طاعة على‪ ،‬وهو المام الواجب الطاعة إذ ذاك‪ ،‬وكانوا‬
‫يدعون إلى خلف ذلك لكونهم معذورين للتأويل الذي ظهر‬
‫هم‬
‫لهم)‪.(8‬‬
‫قال النووى بعد قوله×‪ :‬بؤسى ابن سمية تقتلك فئة‬
‫باغية)‪ ,(9‬قال العلماء‪ :‬هذا الحديث حجة ظاهرة في أن علًيا رضي‬
‫قا مصيًبا‪ ،‬والطائفة الخرى بغاة‪ ،‬لكنهم مجتهدون‪،‬‬
‫الله عنه كان مح ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( شارح الطحاوية‪ ،‬ص )‪ ،(545‬السلسلة الصحيحة )‪.(749 -1/742‬‬
‫)( ويح كلمة رحمة تقال لمن وقع في هلكة ل يستحقها‪ ،‬والويح‪ :‬ترحم‪ ،‬غريب‬
‫الحديث لبن الجوزي )‪ ،(2/486‬لطائف في غريب الحديث )‪ ،(4/85‬النهاية في‬
‫غريب الحديث )‪.(5/235‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(447‬‬
‫)( كأنه ترحم له من الشدة التي يقع فيها‪.‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(2235‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(2235‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(438 ،4/437‬‬
‫)( فتح البارى )‪.(1/542‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(2235‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪6‬‬

‫فل إثم عليهم لذلك‪..‬وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله × من أوجه‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن عماًرا يموت قتيل‪ ،‬وأنه يقتله مسلمون‪ ،‬وأنهم بغاة‪ ،‬وأن‬
‫الصحابة يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها‪ ،‬وكل هذا وقع‬
‫وسلم على رسوله الذي ل ينطق عن‬
‫مثل فلق الصبح‪ ،‬صلى الله‬
‫الهوى إن هو إل وحي يوحى)‪.(1‬‬
‫‪ -5‬عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫ولى‬
‫×‪» :‬تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أ ْ‬
‫الطائفتين بالحق«وفيه أيضا‪ :‬أنه قال‪ :‬تكون في أمتى‬
‫فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولهم‬
‫بالحق‪ ،‬وجاء بلفظ‪ :‬قال‪ :‬تمرق مارقة في فرقة من الناس‬
‫يخرجون‬
‫فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق‪ .‬وجاء بلفظ‪:‬‬
‫على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق)‪,(2‬‬
‫فقوله ×‪ :‬على حين فرقة – بضم الفاء – أي‪ :‬في وقت افتراق‬
‫المسلمين‪ ،‬وهو الفتراق الذي كان بين‬
‫الناس أي‪ :‬افتراق يقع بين‬
‫على ومعاوية رضي الله عنهما)‪ ,(3‬والمراد بالفرقة المارقة هم أهل‬
‫النهروان كانوا في معسكر على رضي الله عنه في حرب صفين‪،‬‬
‫فلما اتفق على ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا‪ :‬إن علًيا‬
‫ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسى رهان‪ ،‬فكفر معاوية بقتال على‬
‫ثم كفر على بتحكيم الحكمين‪ ،‬وكفروا طلحة والزبير‪ ،‬فقتلتهم‬
‫الطائفة الذين كانوا مع على‪ ،‬وقد شهد النبي × أن الطائفة التي‬
‫تقاتلهم أقرب إلى الحق‪ ،‬وهذه شهادة من النبي × لعلي وأصحابه‬
‫بالحق‪ ،‬وهذا من معجزات النبي × لكونه أخبر بما يكون‪ ،‬فكان على‬
‫دللة واضحة على صحة خلفة على رضي الله عنه‬
‫ما قال‪ ،‬وفيه‬
‫وخطأ من خالفه)‪.(4‬‬
‫ثالًثا‪ :‬بيعة طلحة والزبير رضي الله عنهما‪:‬‬
‫عن أبي بشير العابدى قال‪ :‬كنت بالمدينة حين قتل عثمان‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬واجتمع المهاجرون والنصار فيهم طلحة والزبير‬
‫فأتوا علًيا‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا أبا الحسن هلم نبايعك‪ ،‬فقال‪ :‬ل حاجة لي في‬
‫معكم‪ ،‬فمن اخترتم فقد رضيت به‪..‬فاختاروا‪ ،‬فقالوا والله‬
‫أمركم‪ ،‬أنا‬
‫)‪(5‬‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫–‬
‫لعلي‬
‫البيعة‬
‫تمام‬
‫وفيها‬
‫الرواية‬
‫‪.‬إلخ‬
‫‪.‬‬
‫غيرك‬
‫ما نختار‬
‫عنه – والروايات في هذا كثيرة ذكر بعضها ابن جرير في تاريخه)‪,(6‬‬
‫وهى دالة على مبايعة الصحابة‪ -‬رضي الله عنهم – لعلي رضي الله‬
‫حا‬
‫عنه‪ ،‬واتفاقهم على بيعته بمن فيهم طلحة والزبير‪ ،‬كما جاء مصر ً‬
‫به في الرواية السابقة‪ ،‬وأما ما جاء في بعض الروايات من أن طلحة‬
‫بايعا‪(7‬مكرهين‪ ،‬فهذا ل يثبت بنقل صحيح‪ ،‬والروايات الصحيحة‬
‫والزبير‬
‫على خلفه) ‪ ,‬فقد روى الطبري عن عوف بن أبي جميلة قال‪ :‬أما‬
‫أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين يقول‪ :‬إن علًيا جاء فقال‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( شرح النووى على صحيح مسلم )‪.(41 ،18/40‬‬
‫)( هذه الحاديث في صحيح مسلم )‪.(746 ،2/745‬‬
‫)( شرح النووى على صحيح مسلم )‪.(7/166‬‬
‫)( منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لبن قدمة‪ ،‬ص )‪ (76 ،75‬نقل‬
‫عن عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(2/683‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪ (5/449‬إسناد الرواية حسن لغيره‪ ،‬حملة رسالة السلم‬
‫الولون‪ ،‬محب الدين الخطيب‪ ،‬ص )‪.(57‬‬
‫)( انظر‪ :‬تاريخ الطبري )‪ (450 -5/448‬وقد قام بجمع هذه الروايات ودرسها‬
‫الدكتور محمد أمحزون‪ ،‬تحقيق مواقف الصحابة )‪.(75 -2/59‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ ،‬ص )‪.(236‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪7‬‬

‫أنت أحق‪ ،،‬وأنت‬
‫لطلحة‪ :‬ابسط يدك يا طلحة لبايعك‪ .‬فقال طلحة‪:‬‬
‫ى يده فبايعه)‪ ,(1‬وعن عبد‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬فابسط يدك‪ ,‬فبسط عل ّ‬
‫خير الخيوانى أنه قام إلى أبي موسى فقال‪ :‬يا أبا موسى هل كان‬
‫هذان الرجلن – يعنى طلحة والزبير – ممن بايع علًيا؟ قال‪:‬‬
‫نعم)‪,(2‬كما نص على بطلن ما يدعي من أنهما بايعا مكرهين‪ ،‬المام‬
‫المحقق ابن العربي وذكر أن هذا مما ل يليق بهما‪ ،‬ول بعلي‪ ،‬قال‪-‬‬
‫رحمه الله‪ :-‬فإن قيل بايعا مكرهين »أي طلحة والزبير«‪ ،‬قلنا‪ :‬حاشا‬
‫لله أن يكرها‪ ،‬لهما ولمن بايعهما ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك‪ ،‬لن‬
‫واحد واثنين تنعقد البيعة بهما وتتم‪ ،‬وهذا اجتهاد مرود‪ ،‬ومن بايع بعد‬
‫عا‪ ،‬ولو لم يبايعا ما أثر‬
‫ذلك فهو لزم له‪ ،‬وهو مكره على ذلك شر ً‬
‫ذلك فيهما‪ ،‬ول في بيعة المام‪ ،‬وأما من قال‪ :‬يد شلء وأمر ل يتم)‪,(3‬‬
‫فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع ولم يكن كذلك‪ ،‬فإن‬
‫قيل فقد قال طلحة‪ :‬بايعت واللج على قفي! قلنا‪ :‬اخترع هذا‬
‫لغة‪)(4‬قفي(‪ ،‬كما يجعل في‬
‫الحديث من أراد أن يجعل في )القفا(‬
‫)الهوى( )هوي( وتلك لغة هذيل ل قريش) ‪ ,‬فكانت كذبة لم تدبر‪،‬‬
‫دا شلت في‬
‫وأما قوله‪) :‬يد شلء( لو صح فل متعلق لهم فيه‪ ،‬فإن ي ً‬
‫كل مكروه‪ ،‬وقد‬
‫وقاية رسول الله × يتم لها كل أمر‪ ،‬ويتوقى بها من‬
‫تم المر على وجهه‪ ،‬ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه)‪(6.)(5‬إن الروايات‬
‫التي تقول بأن طلحة والزبير أكرهوا على البيعة باطلة ‪ ,‬وهناك‬
‫بيعتهما لعلي رضي الله‬
‫روايات صحيحة أشارت – كما ذكرت – إلى‬
‫عنهم‪ ،‬وهناك رواية صحيحة أوردها ابن حجر)‪ ,(7‬عن طريق الحنف‬
‫بن قيس وفيها أن عائشة وطلحة والزبير‪ ،‬رضوان الله عليهم‪ ،‬قد‬
‫رضي( الله عنه بعدما استشارهم فيمن‬
‫أمروا الحنف بمبايعة على‬
‫يبايع بعد عثمان رضي الله عنه)‪. 8‬‬
‫إن سابقة على – رضي الله عنه – وفضله‪ ،‬والتزامه بأحكام‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وتمسكه الشديد بالعمل بهما‪ ،‬وتعهده في خطبه‬
‫بتطبيق الوامر والنواهي الشرعية‪ ،‬ما كان ليفتح لحد باب الطعن‬
‫في وليته على المسلمين‪ ،‬ويمكن القول إن علًيا كان أقوى‬
‫المرشحين للمامة بعد مقتل عمر – رضي الله عنه – فالفاروق عينه‬
‫في الستة الذين أشار بهم‪ ،‬وهو واحد منهم‪ ،‬على أن الربعة من‬
‫رجال الشورى‪ ،‬وهم عبد الرحمن‪ ،‬وسعد‪ ،‬وطلحة والزبير بتنازلهم‬
‫حا أمام الثنين‪ ،‬فلم‬
‫عن حقهم فيها له ولعثمان تركوا المجال مفتو ً‬
‫يبق إل هو وعثمان‪ ،‬وهذا إجماع من أهل الشورى على أنه لول‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ (5/456‬النتصار للصحب والل‪ ،‬ص)‪.(236‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/517‬‬
‫)( إشارة إلى ما جاء في بعض الروايات‪ :‬أن أول من بايع علًيا طلحة – رضي‬
‫الله عنهما‪ -‬وكان بيده اليمنى شلل‪ ،‬لما وقى بها رسول الله × يوم أحد‪ ،‬فقال‬
‫رجل في القوم‪ :‬أول يد بايعت أمير المؤمنين شلء ل يتم هذا المر‪ ،‬تاريخ‬
‫الطبري )‪ ،(5/457‬البداية والنهاية )‪.(7/237‬‬
‫)( وقبل لغة طيء‪ :‬ذكره ابن الثير في النهاية )‪ (4/94‬وكذلك اللج ليس من لغة‬
‫قريش بل من لغة طيء‪ ،‬قال ابن الثير‪ :‬هو بالضم‪ :‬السيف بلغة طيء‪ ،‬النهاية )‬
‫‪ (4/234‬وقيل‪ :‬هو السيف بلغة هذيل وطوائف من اليمن‪ ،‬لسان العرب )‬
‫‪.(2/354‬‬
‫)( العواصم من القواصم ص )‪.(149 ،148‬‬
‫)( استشهاد عثمان ص )‪.(141‬‬
‫)( فتح البارى )‪.(13/38‬‬
‫)( استشهاد عثمان‪ ،‬ص)‪ ،(141‬المصنف لبن أبي شيبة )‪ ،(11/118‬ورجاله‬
‫رجال الصحيح عدا عمر بن جاوان مقبول وصححه ابن حجر في فتح البارى )‬
‫‪.(57 -34/13‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪8‬‬

‫عثمان لكانت لعلي‪ ،‬وبعد موت عثمان‪ ،‬وقد قدمه ورجحه أهل دار‬
‫قا للخلفة‪ ،‬على أنه لم يكن أحد من أصحاب‬
‫الهجرة صار مستح ً‬
‫رسول الله × الموجودين في ذلك الحين أحق بالخلفة منه‪ -‬رضي‬
‫م رسول‬
‫الله عنه – فهو من السابقين والمهاجرين الولين‪ ،‬وابن ع ّ‬
‫الله‪ ،‬وصهره‪ ،‬بالضافة إلى ذلك له من القدرة والكفاءة ما ل ينكر‪،‬‬
‫وله من الشجاعة والقدام والذكاء والعقلية القضائية النادرة‪ ،‬والحزم‬
‫في المواقف‪ ،‬والصلبة في الحق‪ ،‬وبعد نظره في تصريف المور‪،‬‬
‫المرشح الوحيد لمامة المسلمين‬
‫فكل هذه العوامل تجعله بل منازع‬
‫في تلك الفترة الحساسة من حياتهم)‪ ،(1‬ومع هذا كله فإن خلفته‬
‫صحت بعدما انعقد إجماع المهاجرين والنصار عليه ومبايعتهم له‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬انعقاد الجماع على خلفة على رضي الله عنه‪:‬‬
‫انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على أن علًيا رضي الله عنه‬
‫كان متعيًنا للخلفة بعد عثمان رضي الله عنه لبيعة المهاجرين‬
‫والنصار له‪ ،‬لما رأوا لفضله على من بقى من الصحابة‪ ،‬وأنه أقدمهم‬
‫سا‬
‫ما‪ ،‬وأقربهم بالنبي × نسًبا‪ ،‬وأشجعهم نف ً‬
‫ما‪ ،‬وأوفرهم عل ً‬
‫إسل ً‬
‫وأحبهم إلى الله ورسوله‪ ،‬وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق‪،‬‬
‫وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة‪ ،‬وأشبههم برسول الله ÷× هدًيا‬
‫وسمًتا‪ ،‬فكان رضي الله عنه متعيًنا للخلفة دون غيره‪ ،‬وقد قام من‬
‫بقى من أصحاب النبي × بالمدينة بعقد البيعة له بالخلفة بالجماع‪،‬‬
‫قا وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج‬
‫ما ح ً‬
‫فكان حينئذ إما ً‬
‫عليه ومخالته‪ ،‬وقد نقل الجماع على خلفته كثير من أهل العلم‬
‫منهم‪:‬‬
‫‪ -1‬نقل محمد بن سعد‪ :‬إجماع من له قدم صدق وسابقة في‬
‫الدين ممن بقى من أصحاب النبي × بالمدينة على بيعة على رضي‬
‫الله عنه حيث قال‪ :‬وبويع لعلي بن أبي طالب رحمه الله بالمدينة‬
‫الغد من يوم قتل عثمان بالخلفة‪ ،‬بايعه طلحة والزبير‪ ،‬وسعد بن‬
‫أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل‪ ،‬وعمار بن ياسر‪،‬‬
‫وأسامة بن زيد‪ ،‬وسهل بن حنيف‪ ،‬وأبو أيوب النصارى‪ ،‬ومحمد بن‬
‫مسلمة‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬وخزيمة بن)‪(2‬ثابت وجميع من كان بالمدينة‬
‫من أصحاب رسول الله × وغيرهم ‪.‬‬
‫‪ -2‬وذكر ابن قدامة رحمه الله‪ ،‬أن المام أحمد‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬روى‬
‫بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال‪ :‬كنت‬
‫عند الحسن فكأن رجل ً انتقص أبا موسى باتباعه علًيا‪ ،‬فغضب‬
‫عثمان فاجتمع‬
‫الحسن ثم قال‪ :‬سبحان الله قتل أمير المؤمنين‬
‫الناس على خيرهم فبايعوه أفَُيلم أبو موسى باتباعه)‪.(3‬‬
‫‪ -3‬وقال أبو الحسن الشعرى‪ :‬ونثبت إمامة على بعد عثمان‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد‬
‫لنه لم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته‪ ،‬وقد اجتمع على‬
‫فضله وعدله‪ ،‬وأن امتناعه عن دعوى المر لنفسه في وقت الخلفاء‬
‫قا لعلمه أن ذلك وقت قيامه‪ ،‬ثم لما صار المر إليه أظهر‬
‫قبله كان ح ً‬
‫وأعلن‪ ،‬ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد‪ ،‬كما مضى من‬
‫قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد؛ متبعين لكتاب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة )‪.(92 ،2/91‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪.(3/31‬‬
‫)( منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين‪ :‬ص )‪ (78 ،77‬نقل عن عقيدة‬
‫أهل السنة في الصحابة )‪.(2/689‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪15‬‬
‫‪9‬‬

‫وسنة‪ (1‬نبيهم هؤلء الربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي‬
‫ربهم‬
‫الله عنهم) ‪.‬‬
‫‪ -4‬وقال أبو نعيم الصبهاني‪:‬فلما اختلف الصحابة كان على الذين‬
‫سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في السلم الذين‬
‫اتفقت المة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬ل‬
‫يتنازعون فيهم ول يختلفون فيمن أولى بالمر من الجماعة الذين‬
‫شهد لهم رسول الله بالجنة في العشرة ممن توفى وهو عنهم‬
‫راض‪ ،‬فسلم من بقى من العشرة المر لعلي رضي الله عنه ولم‬
‫ينكر أنه من أكمل المة ذكًرا وأرفعهم قدًرا‪ ،‬لقديم سابقته وتقدمه‬
‫في الفضل والعلم‪ ،‬وشهوده المشاهد الكريمة‪ ،‬يحبه الله ورسوله‪،‬‬
‫ويحب الله ورسوله‪ ،‬ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون‪ ،‬لم يضع‬
‫عا‬
‫منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله × بل ازداد به ارتفا ً‬
‫لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه؛ إذ كان ذلك موجوًدا في‬
‫النبياء والرسل عليهم السلم‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬ت ِل ْ َ‬
‫ل َ‬
‫س ُ‬
‫ضل َْنا‬
‫ف ّ‬
‫ك الّر ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫د"‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ف‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫َ ُ ِ ُ‬
‫ه يَ َ‬
‫عَلى ب َ ْ‬
‫بَ ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ض ُ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ْ‬
‫ض" إلى قوله ‪َ +‬‬
‫ع ٍ‬
‫]البقرة‪ ،[253:‬فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو‬
‫دونه‪ ،‬فكل الرسل صفوة الله – عز وجل – وخيرته من خلقه‪ ،‬فتولى‬
‫دا آخ ً‬
‫ذا في سيره بمنهاج الرسول‪-‬‬
‫ى أمر المسلمين عادل ً زاه ً‬
‫عل ّ‬
‫عليه الصلة والسلم‪ -‬وأصحابه رضي الله عنهم حتى قبضه الله عز‬
‫دا هادًيا مهدًيا‪ ،‬سلك بهم السبيل المستبين والصراط‬
‫وجل –‬
‫شهي( ً‬
‫المستقيم)‪. 2‬‬
‫‪ -5‬وقال أبو منصور البغدادي‪:‬أجمع أهل الحق والعدل على صحة‬
‫على رضي الله عنه وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان رضي‬
‫إمامة‬
‫الله عنه)‪.(3‬‬
‫‪ -6‬وقال الزهرى‪ :‬وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل‪ ،‬وكان‬
‫أفضل من بقى من الصحابة‪ ،‬فلم يكن أحد أحق بالخلفة منه‪ ،‬ثم لم‬
‫جرت له بيعة‪ ،‬وبايعه مع‬
‫يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى‬
‫سائر الناس من بقى من أصحاب الشورى)‪.(4‬‬
‫‪ -7‬وقال عبد الله الجوينى‪ :‬وأما عمر وعثمان وعلي‪ -‬رضوان الله‬
‫عليهم – فسبيل إثبات إمامتهم وإجماعهم لشرائط المامة كسبيل‬
‫إثبات إمامة أبي بكر‪ ،‬ومرجع كل قاطع في المامة إلى الخبر‬
‫المتواتر والجماع‪..‬ول اكثرات بقول من يقول‪ :‬لم يحصل إجماع على‬
‫رضي‪(5‬الله عنه‪ ،‬فإن المامة لم تجحد له وإنما هاجت‬
‫إمامة علي‬
‫الفتن لمور أخر) ‪.‬‬
‫‪ -8‬وقال أبو عبد الله بن بطة‪ :‬كانت بيعة على – رحمه الله –‬
‫بيعة اجتماع ورحمة‪ ،‬لم يدع إلى نفسه‪ ،‬ولم يجبرهم على بيعته‬
‫بسيفه‪ ،‬ولم يغلبهم بعشيرته‪ ،‬ولقد شرف الخلفة بنفسه‪ ،‬وزانها‬
‫بشرفه‪ ،‬وكساها حلة البهاء بعدله ورفعها بعلو قدره‪ ،‬ولقد أباها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( البانة عن أصول الديانة‪ ،(78) ،‬مقالت السلميين )‪.(1/346‬‬
‫)( كتاب المامة والرد على الرافضة‪ ،‬ص )‪.(361 ،360‬‬
‫)( كتاب أصول الدين‪ ،‬ص )‪.(287 ،286‬‬
‫)( العتقاد‪ ،‬ص )‪.(193‬‬
‫)( كتاب الرشاد إلى قواطع الدلة في أصول العتقاد‪ ،‬ص )‪ (363 ،362‬يقصد‬
‫القصاص من قتلة عثمان‪.‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪0‬‬

‫فأجبروه‪ ،‬وتقاعس عنها فأكرهوه)‪.(1‬‬
‫‪ -9‬وقال الغزالي‪ :‬وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر‪ ،‬ثم نص أبو‬
‫بكر على عمر‪ ،‬ثم أجمعوا بعده على عثمان‪ ،‬ثم على علي رضي الله‬
‫عنهم‪ ،‬وليس يظن منهم الخيانة في دين الله – تعالى – لغرض من‬
‫الغراض‪ ،‬وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على‬
‫مراتبهم في الفضل‪ ،‬ومن هنا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في‬
‫فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة‬
‫الفضل‪ ،‬ثم بحثوا عن الخبار‬
‫وأهل الجماع في هذا الترتيب)‪.(2‬‬
‫‪ -10‬قال أبو بكر بن العربي‪ :‬فلما قضى الله من أمره ما قضى‪،‬‬
‫ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق ل يترك الناس سدى‪ ،‬وأن‬
‫الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه‪ ،‬ولم يكن‬
‫ما وتقى وديًنا‪ ،‬فانعقدت له البيعة ولول‬
‫بعد الثلثة كالرابع قدًرا وعل ً‬
‫السراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الوباش مال يرقع‬
‫ضا عليه‬
‫خرقة‪،‬‬
‫ولكن عزم عليه المهاجرون والنصار‪ ،‬ورأى ذلك فر ً‬
‫فانقاد إليه)‪.(3‬‬
‫‪ -11‬وقال ابن تيمية‪:‬واتفق أصحاب رسول الله × على بيعة‬
‫عثمان بعد عمر‪ ،‬وثبت عن النبي × أنه قال‪» :‬عليكم بسنتي‬
‫وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها‬
‫بالنواجذ‪ ،‬وإياكم ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل‬
‫وعضوا عليها‬
‫)‪(4‬‬
‫بدعة ضللة«‪.‬‬
‫فكان أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه آخر‬
‫الخلفاء الراشدين المهديين‪ ،‬وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء‬
‫والجناد على أن يقولوا‪ :‬أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم‬
‫والعباد والمراء‬
‫عثمان‪ ،‬ثم على)‪.(5‬‬
‫‪ -12‬وقال ابن حجر‪ :‬وكانت بيعة على بالخلفة عقب قتل عثمان‬
‫في أوائل ذى الحجة سنة خمس وثلثين‪ ،‬فبايعه المهاجرون والنصار‬
‫الفاق‪ ،‬فأذعنوا كلهم إل معاوية في‬
‫وكل من حضر‪ ،‬وكتب بيعته إلى‬
‫أهل الشام فكان بينهما بعد ما كان)‪ ,(6‬والذي نستفيده من هذه‬
‫النقول المتقدمة للجماع أن خلفة على رضي الله عنه محل إجماع‬
‫على أحقيتها وصحتها في وقت زمانها‪ ،‬وذلك بعد قتل عثمان‪ -‬رضي‬
‫رضي الله عنه‪،‬‬
‫الله عنه – حيث لم يبق على الرض أحق بها منه‬
‫فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها)‪.(7‬‬
‫وقد اعترض بعض الناس على الجماع على خلفة على رضي‬
‫الله عنه من وجوه‪:‬‬
‫‪ -1‬تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫لوامع النوار البهية للسفارينى )‪ ،(2/346‬عقيدة أهل السنة )‪.(2/692‬‬
‫القتصاد في العتقاد‪ ،‬ص )‪.(154‬‬
‫العواصم من القواصم‪ ،‬ص)‪.(142‬‬
‫سنن أبي داود )‪ ،(4/201‬الترمذي )‪ (5/44‬حسن صحيح‪.‬‬
‫الوصية الكبرى‪ ،‬ص )‪.(23‬‬
‫فتح البارى )‪.(7/72‬‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/693‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪1‬‬

‫بن( مسلمة‪ ،‬وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من‬
‫ومحمد‬
‫نظرائهم)‪. 1‬‬
‫‪ -2‬إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬أن أهل الشام؛ معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه)‪..(3‬‬
‫وهذه العتراضات ل تأثير لها على الجماع المذكور‪ ،‬ول توجب‬
‫معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه‪:‬‬
‫الوجه الول‪ :‬أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته‬
‫دعوة غير صحيحة إذ أن بيعته لم يتخلف أحد عنها‪ ،‬وأما نصرته‬
‫كانت مسألة اجتهادية‪ ،‬فاجتهد‬
‫فتخلف عنها قوم منهم من ُذكر لنها‬
‫كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره)‪ ,(4‬وأما ما قاله ابن خلدون‪ :‬إن‬
‫الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في المصار‪ ،‬فلم يشهدوا‬
‫بيعة على‪ ،‬والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى‬
‫يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد وسعيد وابن عمر‪..‬إلخ)‪ ,(5‬ما‬
‫أما( سعد بن أبي وقاص‬
‫ذكر فهذا مبالغة من ابن خلدون رحمه الله‪،‬‬
‫فقد نقل بيعته ابن سعد‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬والذهبي)‪ 6‬وغيرهم‪ ،‬وكذلك‬
‫البقية قد بايعوا كما ذكرنا الجماع في ذلك فيمن حضر من الصحابة‬
‫في المدينة‪ ،‬على أن ابن خلدون نفسه نقل اتفاق أهل العصر الثاني‬
‫من بعد الصحابة في المدينة على انعقاد بيعة على ولزومها‬
‫للمسلمين أجمعين‪ ،‬وقد نقلت ما قاله ابن خلدون لن كثيًرا من‬
‫الكتاب والباحثين اعتمدوا عليه فيما بعد‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن عقد الخلفة ونصب إمام واجب لبد منه‪ ،‬ووقف‬
‫ذلك على حضور جميع المة واتفاقهم مستحيل متعذر‪ ،‬فل يجوز‬
‫اشتراطه لفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللزم من‬
‫انتفائه)‪.(7‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬أن الجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة‬
‫الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من النصار مع غيبة على وعثمان‬
‫وغيرهما من الصحابة‪ ،‬وكذلك حصل الجماع على خلفة على بمبايعة‬
‫سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وعمار ومن حضرهم‬
‫من البدريين وغيرهم من الصحابة‪ ،‬ول يضر هذا الجماع من غاب‬
‫عن البيعة أو لم يبايع من غيرهم رضي الله عنهم جميًعا‪ ،‬قال‬
‫البصرى‪(8:‬والله ما كانت بيعة على إل كبيعة أبي بكر وعمر‬
‫الحسن‬
‫رضي الله عنهم) ‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان‪ :‬هذا‬
‫ل يصح في شرط البيعة وإنما يبايعونه على الحكم بالحق‪ ،‬وهو أن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( العواصم من القواصم ص ‪.147 -146‬‬
‫)( المصدر السابق ص ‪.145‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/695‬‬
‫)( التمهيد للباقلنى ص ‪ ،234 -233‬العواصم من القواصم ص ‪.147‬‬
‫)( المقدمة ص ‪.214‬‬
‫)( الطبقات )‪ ،(3/31‬الثقات )‪ (2/268‬دول السلم )‪ ،(1/14‬عبد الله بن سبأ‬
‫وأثره في أحداث الفتنة في صدر السلم ص ‪.172 ،171‬‬
‫)( منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص )‪ (77 ،76‬نقل عن عقيدة‬
‫أهل السنة‪.‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة )‪.(2/696‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪2‬‬

‫يحضر الطالب للدم‪ ،‬ويحضر المطلوب وتقع الدعوى‪ ،‬ويكون‬
‫الجواب‪ ،‬وتقوم البينة ويقع الحكم)‪ (1‬بعد ذلك‪ .‬وأما الروايات التي‬
‫تزعم أن طلحة والزبير وبعض الصحابة‪ ،‬رضوان الله عليهم‪ ،‬قد‬
‫لعلي‪(2‬إقامة الحدود‪ ،‬فهذا الخبر على ضعف‬
‫اشترطوا في بيعتهم‬
‫سنده فإن في متنه مقال) ‪ ,‬وفي ذلك يقول ابن العربى‪ :‬فإن قيل‬
‫بايعوه)‪(3‬على أن يقتل قتلة عثمان‪ ،‬قلنا‪ :‬هذا ل يصح في شرطه‬
‫البيعة ‪.‬‬
‫الوجه الخامس‪ :‬أن معاوية – رضي الله عنه – لم يقاتل علًيا على‬
‫الخلفة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد‬
‫الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في‬
‫اجتهاده ولكنه كان مخطئا في اجتهاده ذلك‪ ،‬فله أجر الجتهاد‬
‫فقط)‪ .(4‬وقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلفه مع على – رضي الله‬
‫عنه – كان في قتل قتلة عثمان ولم ينازعه في الخلفة‪ ،‬بل كان يقر‬
‫له بذلك‪ ،‬فعن أبي مسلم الخولنى أنه جاء وأناس معه إلى معاوية‬
‫وقالوا‪ :‬أنت تنازع علًيا‪ ،‬هل أنت مثله؟ فقال‪ :‬ل والله‪ ،‬إني لعلم أنه‬
‫أفضل مني‪ ،‬وأحق بالمر مني‪ ،‬ولكن ألستم تعلمون أن عثمان ُقتل‬
‫ى‬
‫مظلو ً‬
‫ما‪ ،‬وأنا ابن عمه والطالب بدمه فأتوه فقولوا له‪ :‬فليدفع إل ّ‬
‫قتلة عثمان وأسلم له‪ ،‬فأتوا علًيا فكلموه فلم يدفعهم إليه)‪ ,(5‬ويروي‬
‫ابن كثير من طرق ابن ديزيل بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة –‬
‫رضي الله عنهما‪ :-‬أنهما دخل على معاوية فقال له‪ :‬يا معاوية علم‬
‫ما‪ ،‬وأقرب‬
‫تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسل ً‬
‫منك إلى رسول الله × وأحق بهذا المر منك‪ ،‬فقال‪ :‬أقاتله على دم‬
‫فقول له‪ :‬فليقدنا من قتلة عثمان‪،‬‬
‫عثمان‪ ،‬وأنه آوى قتلته‪ ،‬فاذهبا إليه‬
‫ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام)‪.(6‬‬
‫والروايات في هذا كثيرة ومشهورة بين العلماء)‪ ,(7‬وهى دالة‬
‫الخلفة‪ .‬ولهذا‬
‫على عدم منازعة معاوية لعلي‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬في‬
‫نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها)‪ ,(8‬ويقول‬
‫إمام الحرمين الجوينى‪ :‬إن معاوية وإن قاتل علًيا فإنه ل ينكر إمامته‪،‬‬
‫لنفسه‪ ،‬وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظًنا منه أنه مصيب‬
‫ول يدعيها‬
‫وكان مخطًئا)‪ ,(9‬ويقول ابن حجر الهيثمى‪ :‬ومن اعتقاد أهل السنة‬
‫والجماعة أن ما جرى بين على ومعاوية – رضي الله عنهما‪ -‬من‬
‫الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلفة للجماع على‬
‫أحقيتها لعلي كما مر‪ ،‬فلم تهج الفتنة بسببها‪ ،‬وإنما هاجت بسبب أن‬
‫معاوية ومن معه طلبوا من على تسليم قتلة عثمان إليهم‪ ،‬لكون‬
‫معاوية ابن عمه فامتنع على)‪ ,(10‬وسوف نبين موقف على رضي الله‬
‫‪1‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة )‪.(2/696‬‬
‫‪2‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(460 ،5/459‬‬
‫‪3‬‬
‫)( العواصم من القواصم‪ ،‬ص)‪.(150‬‬
‫‪4‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة )‪.(2/696‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/265‬تحقيق مواقف الصحابة )‪.(2/147‬‬
‫‪6‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/270‬النتصار للصحب والل‪ ،‬ص )‪.(239‬‬
‫‪7‬‬
‫)( البداية والنهاية لبن كثير )‪ (270 -7/268‬وقد جمع هذه الروايات الدكتور‬
‫محمد أمحزون في كتابه‪ :‬تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة )‪.(150 -2/146‬‬
‫‪8‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ ،‬ص )‪.(239‬‬
‫‪9‬‬
‫)( لمعة الدلة في عقائد أهل السنة والجماعة‪ ،‬ص)‪.(115‬‬
‫‪10‬‬
‫)( الصواعق المحرقة نقل عن النتصار للصحب ولل‪ ،‬ص )‪.(239‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪3‬‬

‫عنه من عدم تسليم قتلة عثمان في حينه‪ ،‬وإنما الشاهد هنا هو‬
‫ضا على شخص على‪ .‬ويقول‬
‫إثبات عدم مبايعة معاوية ليس اعترا ً‬
‫ابن تيمية‪ :‬ومعاوية لم يدع الخلفة‪ ،‬ولم يبايع له بها حين قاتل علًيا‪،‬‬
‫ولم يقاتل على أنه خليفة‪ ،‬ول أنه يستحق الخلفة ويقرون له بذلك‪،‬‬
‫وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه‪ ..‬وكل فرقة من‬
‫المتشيعين)‪ (1‬مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفًئا لعلي بالخلفة‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلف على‪ -‬رضي الله عنه‪،-‬‬
‫وسابقته‪ (2‬وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله كانت‬
‫فإن فضل على‬
‫)‬
‫رضي الله‬
‫يا‪-‬‬
‫عل‬
‫ينازع‬
‫لم‬
‫أنه‬
‫بهذا‬
‫فثبت‬
‫‪,‬‬
‫معروفة‬
‫عندهم ظاهرة‬
‫ً‬
‫عنه‪ -‬أحد في الخلفة‪ ،‬ل من الذين خالفوه‪ ،‬ول من غيرهم)‪ ,(3‬فهذه‬
‫القوال عن هؤلء العلماء كلها في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة‬
‫في ترتيب الخلفة الراشدة‪ ،‬فلبد من الذود عنها والتبشير وتربية‬
‫الجيال عليها‪ ،‬والعتزاز والفتخار في النتساب إليها‪.‬‬
‫سا‪:‬شروط أمير المؤمنين على رضي الله عنه في بيعته‬
‫خام ً‬
‫وأول خطبة خطبها رضي الله عنه‪:‬‬
‫جاء في بعض الروايات أن أمير المؤمنين علًيا رضي الله عنه‬
‫اشترط في بيعته أموًرا منها‪ ،‬أن تكون البيعة في مل وليس في‬
‫خفية‪ ،‬وفي المسجد‪ ،‬وعن رضا المسلمين‪ ،‬وأنه يدير أمرهم كما‬
‫ويعلمه‪ ،‬فوافقوه وتواعدوا صباح اليوم التالي في المسجد‬
‫يراه‬
‫)‪(4‬‬
‫ً‬
‫ما‪ ،‬فقد خرج أمير المؤمنين وقد‬
‫وحاس‬
‫ل‬
‫حاف‬
‫ما‬
‫يو‬
‫وكان‬
‫‪,‬‬
‫للبيعة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫لبس ملبسه كاملة‪..‬ثم بعد الحمد والثناء على الله بين للناس‬
‫ها لمركم‪ ،‬فأبيتم إل‬
‫المحاولت التي بذلت معه وقال‪ :‬إني كنت كار ً‬
‫أن أكون عليكم‪ ،‬أل وإنه ليس لي أمر دونكم‪ ،‬أل)‪(5‬إن مفاتيح مالكم‬
‫معي‪ ،‬أل وأنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم ‪ ,‬ثم قال‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ :‬إن هذا أمركم ليس لحد فيه حق إل من أمرتم‪ ،‬وقد افترقنا‬
‫بالمس على أمر‪ ،‬فإن شئتم قعدت لكم‪ ،‬وإل فل أجد على أحد‪ ،‬ثم‬
‫رفع صوته قائ ً‬
‫ل‪ (:‬رضيتم؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬الله اشهد عليهم‪ ،‬وأقبل‬
‫الناس يبايعونه)‪ , 6‬وبعد أداء البيعة قال أمير المؤمنين‪ :‬أيها الناس‪:‬‬
‫إنكم يايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي‪ ،‬فإذا بايعتموني فل خيار‬
‫وعلى المام الستقامة وعلى الرعية التسليم‪ ،‬وهذه بيعة‬
‫ى‪،‬‬
‫لكم عل ّ‬
‫عامة‪ ..‬إلخ)‪ ,(7‬ومما مضى دروس وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬مبدأ الشورى‪ :‬إن البيعة للخليفة الرابع على رضي الله عنه‬
‫لم تختلف من حيث مبدأ الشورى عن مثيلتها السابقة بالرغم من‬
‫الزمة التي ألمت بالمة‪ ،‬والحوال المدلهمة والمشكلت المتتابعة‪،‬‬
‫فلم تتم البيعة على أساس عشائرى‪ ،‬أسرى‪ ،‬أو قبلي‪ ،‬أو على‬
‫أساس عهد ووصية من رسول الله ×‪ ،‬ولو وجد شيء من هذا‬
‫القبيل لما حصل هذا الحوار الطويل‪ ،‬ولما رفض أمير المؤمنين‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( أي المتشيعين لعثمان أو على – رضي الله عنهما – وقد كان المطالبون بدم‬
‫عثمان – رضي الله عنه – قد انضموا إلى معاوية وما كانوا يفضلونه على علي‪-‬‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(73 ،35/72‬‬
‫)( النتصار للحصب والل‪ ،‬ص)‪.(241‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪ ،(5/448‬دراسات في عهد النبوة‪ ،‬ص)‪.(281‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/449‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/449‬‬
‫)( دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬ص)‪.(282‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪4‬‬

‫ولكان أول من يطالب بحقه‪ .‬بينما كان الناس هم الذين يدفعونه إلى‬
‫صا‬
‫البيعة دفًعا ويلحون عليه في الطلب إلحا ً‬
‫حا‪ ،‬وهو يروغ منهم متخل ً‬
‫لعله يحدث ما يمنعه من ذلك إلى أن قبل على كره منه‪ ،‬ولم‬
‫يطالبوه بهذا على أساس وصية من رسول الله له‪ -‬ولو وجدوا شيًئا‬
‫من ذلك لما ترددوا في تنفيذه‪ -‬ول على أساس أنه من عبد مناف‪،‬‬
‫أو لنه من قريش فحسب‪ ،‬بل لنه من السابقين ومن العشرة‬
‫المبشرين بالجنة‪ ،‬ولنه الثاني بعد عثمان في اختيار الناس لهما عند‬
‫تطبيق عملية الشورى بعد مقتل عمر بن الخطاب‪ ،‬فكان عبد‬
‫الرحمن بن عوف ل يشير عليه أحد بتنصيب عثمان خليفة بعد عمر‬
‫لو لم يكن عثمان موجوًدا فمن تختار؟ فيقول‪ :‬على رضي‬
‫إل سأله‬
‫الله عنه)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬أهل الحل والعقد في عهد أمير المؤمنين على‪ :‬كان أهل‬
‫الحل والعقد عند استخلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم‬
‫بقية العشرة المبشرين ورؤساء بطون الوس والخزرج‪ ،‬وكان هؤلء‬
‫من أهل المدينة‪ ،‬لنهم هم السابقون الراسخون في العلم‬
‫واليمان)‪ ،(2‬وكان على رضي الله عنه يرى أن أمر اختيار الخلفة‬
‫لمن كان باقيا في المدينة من المهاجرين والنصار وأهل الحل‬
‫والعقد من أهل بدر‪ ،‬وأصحاب الشورى‪ ،‬إل أن الحسن بن على‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬كان يرى ضرورة مراعاة المور المستجدة في‬
‫تركيبة المجتمع السلمي‪ ،‬وقد بدا ذلك في هذا الحوار بين الحسن‬
‫بن على وأبيه على بن أبي طالب رضي الله عنهما‪ ،‬قال الحسن‪ :‬قد‬
‫دا بمضيعة ل ناصر لك‪ ،‬فقال على‪ :‬إنك ما‬
‫أمرتك فعصيتني فتقتل غ ً‬
‫زلت تحن حنين الجارية‪ ،‬وما الذي أمرتنى فعصيتك؟ قال‪ :‬أمرتك‬
‫يوم أحيط بعثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬أن تخرج من المدينة فُيقتل‬
‫يوم قتل أل تبايع حتى يأتيك وفود أهل المصار‬
‫ولست بها‪ ،‬ثم أمرتك‬
‫والعرب وبيعة كل مصر)‪..(3‬وكان جواب على رضي الله عنه‪ :‬وأما‬
‫قولك ل تبايع حتى تأتي بيعة المصار فإن المر أمر أهل المدينة‬
‫وكرهنا أن يضيع هذا المر)‪ ,(4‬على أن علًيا رضي الله عنه‪ ،‬كان يرى‬
‫أن البيعة تجوز في غير أهل المدينة من المهاجرين والنصار‪ ،‬ولكنه‬
‫كان يكره أن يتحول ذلك عنهم إلى غيرهم‪ ،‬أو أن يشركهم فيه‬
‫عا ان ُيحدث بعد رسول الله × وخلفائه شيًئا يبتعد‬
‫غيرهم ت ً‬
‫قى وور ً‬
‫به عن نهجم وسبيلهم‪ ،‬أو أنه كان يرى أن الوقت ما زال مبكًرا على‬
‫إشراك غير المهاجرين والنصار في أمور اختيار الحاكم المسلم‪،‬‬
‫ولذلك فإنه كان يكره أن يضيع هذا المر من المهاجرين والنصار)‪,(5‬‬
‫والدليل على ذلك أنه رضي الله عنه عرض عليه أهل الكوفة بيعة‬
‫الحسن قال‪ :‬ل أنهاكم ول آمركم‪ ،‬وهذا فيه تجويز لغير أهل المدينة‬
‫في اختيار الحاكم‪.‬‬
‫ونستفيد من الحوار الذي حدث بين الحسن بن على وأبيه رضي‬
‫الله عنهما أموًرا منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬احترام الرأي في النقاش من الجانبين‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬ص)‪.(282‬‬
‫الخلفة بين التنظير والتطبيق‪ ،‬محمود المرادوى‪ ،‬ص )‪.(288‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/245‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/245‬‬
‫الخلفة بين التنظير والتطبيق‪ ،‬ص )‪.(294 ،293‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪5‬‬

‫ب‪ -‬لطف المعاملة من أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي‬
‫الله عنه لولده‪.‬‬
‫ج‪ -‬صراحة الولد مع والده وإبداء كل ما يراه صواًبا في موضوع‬
‫النقاش‪.‬‬
‫د‪ -‬حسن الستماع للطرف الثاني‪ ،‬حيث استمع أمير المؤمنين‬
‫على بن أبي طالب رضي الله عنه‪ ،‬من ابنه الحسن جميع ما‬
‫عنده من الحجج‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫دا علمًيا ‪.‬‬
‫هـ تفنيد الحجج واحدة بعد الخرى تفني ً‬
‫‪ -3‬الحرص على أن ل يظل منصب الخليفة شاغًرا‪:‬‬
‫ى رضي الله عنه‬
‫لقد عزم المهاجرون والنصارً بالمدينة على عل ّ‬
‫كا لخطر فساد أمر المة واختلف‬
‫ما عنه‪ ،‬تدار‬
‫أن يقبل الخلفة رغ ً‬
‫الناس‪ ،‬فقبل وحرص على زحزحة الغوغاء خطوة أخرى إلى الوراء‪،‬‬
‫بأن اشترط أن تكون البيعة له علنية في المسجد‪ ،‬وبذلك يظل أهل‬
‫الذين يعقدون المامة‪ ،‬أما العامة فموضعهم هو‪:‬‬
‫الحل والعقد هم‬
‫البيعة العلنية العامة)‪ ,(2‬وحرص على تأكيد هذا المبدأ من فوق‬
‫المنبر‪(3،‬بقوله‪ :‬أيها الناس إن هذا أمركم ليس لحد فيه حق إل من‬
‫أمرتم) ‪.‬‬
‫‪ -4‬الرد على بعض الكتب المعاصرة التي تحدثت عن بيعة على‬
‫رضي الله عنه‪ :‬يقول العقاد‪ -‬وهو يتكلم عن اختيار الخليفة بعد مقتل‬
‫عثمان‪:-‬وهذا الخبر‪ -‬على وجازته‪ -‬قد حصر لنا أسماء جميع‬
‫المرشحين للخلفة بالمدينة بعد مقتل عثمان‪ ،‬وربما كان أشدهم‬
‫ى بعد ذلك‪ ،‬فقد‬
‫طلًبا لها طلحة والزبير اللذين أعلنا الحرب على عل ّ‬
‫كانا يمهدان لها في حياة عثمان‪ ،‬ويحسبان أن قري ً‬
‫شا قد أجمعت‬
‫أمرها أل يتولها هاشمى‪ ،‬وأن علًيا وشيك ان يذاد عنها بعد عثمان‬
‫كما ذيد عنها قبله‪ ،‬وكانت السيدة عائشة تؤثر أن تؤول الخلفة إلى‬
‫واحد من هذين‪ ،‬أو إلى عبد الله بن الزبير‪ ،‬لن طلحة من قبيلة تيم‪،‬‬
‫وفي تأييد السيدة عائشة لواحد منهم‬
‫والزبير زوج أختها أسماء‪،‬‬
‫مدعاة أمل كبير في النجاح)‪.(4‬‬
‫وقال في موضع آخر‪:‬فمما ل شك فيه أن المام أنكر إجحا ً‬
‫فا أصابه‬
‫في تخطيه بالبيعة إلى غيره بعد وفاة ابن عمه صلوات الله عليه‪ ،‬وأنه‬
‫فرع من‬
‫كان يرى أن قرابته من النبي مزية ترشحه للخلفة بعده‪ ،‬لنها‬
‫النبوة على اعتقاده‪ ،‬وهم شجرة النبوة ومحط الرسالة‪ ،‬كما قال)‪.(5‬‬
‫وقال‪ :‬فمن المعلوم أن علًيا كان يرى أنه أحق بالخلفة من‬
‫مدفوعا عن حقه هذا منذ انتقل النبي عليه‬
‫سابقيه‪ ،‬وأنه لم يزل‬
‫السلم إلى الرفيق العلى)‪ ,(6‬وغير ذلك من الطامات والكاذيب‬
‫والفك المبين التي تورط فيها العقاد بسبب الروايات الموضوعة‪،‬‬
‫وسار على منهجه خالد محمد خالد في كتابه خلفاء الرسول ونقل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫منهج على بن أبي طالب في الدعوة إلى الله‪ ،‬ص )‪.(228 ،227‬‬
‫الدور السياسي للصفوة في صدر السلم‪ ،‬السيد عمر‪ ،‬ص)‪.(72‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(5/449‬‬
‫عبقرية على‪ ،‬ص)‪.(84‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص )‪.(148‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص)‪.(181‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪6‬‬

‫ما مفترى‪ ،‬ذكر فيه أن أبا بكر وعمر قد اغتصبا الخلفة‬
‫عن على)‪(1‬كل ً‬
‫أبي‬
‫ابن‬
‫على‬
‫كتابه‬
‫في‬
‫البيطار‬
‫خالد‬
‫الصواب‬
‫وجانب‬
‫من على ‪,‬‬
‫طالب‪ ،‬عندما علق على موقف السيدة فاطمة من ميراث أبيها)‪,(2‬‬
‫وموقف على من خلفة أبي بكر‪ ،‬وهذا مثال لفيلق طويل ل ينتهي‬
‫خاض هذه المعمعة وخبط فيها والتي تدعي أن علًيا – رضي الله عنه‬
‫– ذيد عن الخلفة بعد عثمان كما ذيد عنها قبله‪ ،‬وأن الصحابة كانوا‬
‫يتآمرون لنيل الخلفة بدافع العصبية ضد بنى هاشم‪ ،‬أو لمطامع‬
‫دنيوية‪ ،‬وأن عليا أنكر إجحاًفا أصابه في تخطيه بالبيعة إلى غيره بعد‬
‫وفاة النبي ×‪ ،‬وأنه كان يرى أنه أحق بالخلفة من سابقيه‪ ،‬وأن‬
‫مره حيًنا واستخلفه حيًنا آخر‪،‬‬
‫النبي × مّهد لخلفته وحببه للناس بما أ ّ‬
‫وأن ليس ثمة علقة حميمة بين المام وبين الصحابة‪ ،‬وأنه غفر‬
‫ديق بعد وفاة‬
‫للشيخين تعديهما عليه بأخذ الخلفة‪ ،‬وأنه بايع الص ّ‬
‫فاطمة‪ ،‬وكل هذا بهتان وزور‪ ،‬وكذب وافتراء يأباه الحق والعدل‬
‫والنصاف‪ ،‬وينكره التاريخ الصحيح‪ ،‬ويكذبه الكلم الصريح الذي صدر‬
‫عن علي نفسه الذي سبق ذكره‪ ،‬فقد اعترف على بأفضلية الخلفاء‪،‬‬
‫حينما كان هو الخليفة‪ ،‬فكان يعلن ذلك على المنبر ويتوعد من‬
‫يفضله عليهم بالعقاب‪ ،‬وهذا ثابت بالسانيد الصحيحة‪ ،‬وكان لهم‬
‫ناصًرا ومعيًنا‪ ،‬وعلقته بهم وطيدة وشيجة ل تؤثر في رسوخها‬
‫العواصف الهوج)‪ (3‬التي يثيرها من تورط في الروايات الضعيفة‬
‫والخبار الموضوعة من الكتاب الذين ذكرنا بعض نقولهم على سبيل‬
‫المثال ل الحصر والسبب الذي أسقطهم في هذه الهوة هو جهلهم‬
‫بمنهج أهل السنة والجماعة في كتابة التاريخ‪ ،‬وبعدهم عن التمييز‬
‫بين المصادر الصحيحة والمصادر الساقطة‪ ،‬وعدم تفريقهم بين‬
‫الروايات الصحيحة والروايات الضعيفة والموضوعة والعتماد على‬
‫الموضوعات في تحليلتهم‪.‬‬
‫‪ -5‬أول خطبة خطبها على رضي الله عنه‪ :‬قال أمير المؤمنين‬
‫على رضي الله عنه في أول خطبة خطبها حين تولى الخلفة‪ :‬إن‬
‫الله عز وجل أنزل كتاًبا هادًيا‪ ،‬بّين فيه الخير والشر‪ ،‬فخذوا بالخير‬
‫ودعوا الشر‪ ،‬الفرائض أدوها إلى الله )سبحانه( يؤدكم إلى الجنة‪ ،‬إن‬
‫حرم كلها‪،‬‬
‫ضل حرمة المسلم على ال ُ‬
‫ما غير مجهولة وف ّ‬
‫الله حرم ُ‬
‫حَر ً‬
‫وشد ّ بالخلص والتوحيد المسلمين‪ ،‬والمسلم من سلم المسلمون‬
‫من لسانه ويده إل بالحق‪ ،‬ل يحل أذى المسلم إل بما يجب‪ ،‬بادروا‬
‫أمر العامة‪ ،...‬فإن الناس أمامكم وأن من خلفكم الساعة تحدوكم‪،‬‬
‫تخففوا تلحقوا‪ ،‬فإنما ينتظر الناس أخراهم‪ ،‬اتقوا الله في عباده‬
‫وبلده‪ ،‬إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم‪ ،‬أطيعوا الله عز‬
‫رأيتم الشر فدعوه‬
‫تعصوه‪ ،‬وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا‬
‫وجل‬
‫ولروا إذْ أ َ‬
‫في ال َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫‪2‬‬
‫ض")‪] (4‬النفال‪:‬‬
‫ر‬
‫ن‬
‫فو‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫لي‬
‫ق‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫وا‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫‪َ +‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪.[6‬‬
‫ولما كانت بيعة على جاءت بعد فتنة عمياء ذهب ضحيتها خليفة‬
‫المسلمين السابق‪ ،‬فقد دعا المسلمين إلى الخير ونبذ الشّر‪ ،‬وبين‬
‫لهم أن حرمة المسلمن فوق كل الحرمات‪ ،‬فل يجوز أذاه في حال‬
‫من الحوال‪ ،‬ثم ذكرهم بالموت والخرة وحثهم على التقوى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫خلفاء الرسول‪ ،‬ص )‪.(527 ،526‬‬
‫على بن أبي طالب‪ :‬خالد البيطار‪ ،‬ص )‪.(84‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص )‪.(130‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(459 ،5/458‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪7‬‬

‫والطاعة والعمل الصالح)‪.(1‬‬
‫وقد جاءت محاور الخطبة حول جانب العقيدة‪ ،‬والعبادة‪،‬‬
‫والخلق‪ ،‬واهتمت ببعض مقاصد الشريعة‪ ،‬ولو شئنا أن نلخص خطته‬
‫التي يريد أن يرسمها للناس لقلنا‪ :‬يريد أن يقول لهم‪ :‬ارجعوا إلى‬
‫العهد الذي كنتم عليه أيام رسول الله)‪ ,(2‬والخلفاء الراشدين الذين‬
‫سبقوه‪ ،‬وقد أشار أمير المؤمنين في حكمه وبلغه إلى النهج الذي‬
‫سيقبلون به عهد الخلفة الجديد بقوله‪ :‬إذا رأيتم الخير فخذوا به‪،‬‬
‫وإذا رأيتم الشر فدعوه‪.‬‬
‫وختم بالية الكريمة التي كانوا في حاجة إلى استحضارها‪،‬‬
‫ليقارنوا بها بين ما كانوا عليه قبل السلم وبعد السلم‪ -‬إلى أمد‬
‫ضعة والخمول حتى كانوا كقطعة لحم‬
‫بعيد‪ -‬من القلة والضعف وال ّ‬
‫على كف يتخطفها الطير‪ ،‬ثم ما صاروا إليه من القوة والسعة‬
‫سلم‪ ،‬والرخاء والثراء‪ ،‬وما أكرمهم به عليهم من الن َِعم‬
‫والمن وال ّ‬
‫حصاتهم وخفقت راياتهم ودان لهم‬
‫فطّنت‬
‫العباد والبلد)‪.(3‬‬
‫‪ -6‬الترادف بين ألفاظ‪ :‬المام والخليفة وأمير المؤمنين‪ :‬قال‬
‫النووى‪ :‬يجوز أن يقال للمام‪ :‬الخليفة والمام وأمير المؤمنين)‪,(4‬‬
‫وقال ابن خلدون‪ :‬وإذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن‬
‫صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا‪ ،‬به تسمى خلفة‬
‫وإمامة‪ ،‬والقائم به خليفة وإمام)‪ ,(5‬ويعرف ابن منظور الخلفة بأنها‬
‫المارة)‪ ,(6‬ويفسر أبو زهرة الترادف بين لفظي الخلفة وهى المامة‬
‫الكبرى وسميت خلفة لن الذي يتولها ويكون الحاكم العظم‬
‫للمسلمين يخلف النبي × في إدارة شئونهم‪ ،‬وتسمى إمامة‪ ،‬لن‬
‫ما‪ ،‬ولن طاعته واجبة‪ ،‬ولن الناس كانوا‬
‫الخليفة كان يسمى إما ً‬
‫يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم)‪ ,(7‬كما فسر الستاذ‬
‫محمد المبارك سبب اختيار هذه اللفاظ‪ ،‬المام والخلية وأمير‬
‫المؤمنين بأنه‪ :‬ابتعاًدا بالمفهوم السلمي للدولة ورياستها عن‬
‫النظام الملكي بمفهومه القديم عند المم الخرى من الفرس‬
‫والرومان المختلف اختلًفا أساسًيا عن المفهوم السلمي)‪ ,(8‬الجديد‬
‫هذا وقد كان الخلفاء ا ُ‬
‫لول ُيلقبون بالخلفاء كما يلقبون بالئمة‪ ،‬ومنذ‬
‫خلفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – استعمل المسلمون لقب‬
‫»أمير المؤمنين«‪.‬‬
‫ولقد ورد لفظ »إمام« في القرآن الكريم في أكثر من موضع‬
‫عل ُكَ‬
‫جا ِ‬
‫بمعنى الزعيم أو الدليل أو الرئيس‪ ،‬قال الله تعالى‪+ :‬إ ِّني َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫الدب السلمي‪ ،‬نايف معروف‪ ،‬ص )‪.(57‬‬
‫الخلفاء الراشدين للنجار‪ ،‬ص )‪.(378‬‬
‫المرتضى للندوى‪ ،‬ص)‪.(141 ،140‬‬
‫روضة الطالبين )‪.(10/49‬‬
‫المقدمة‪ ،‬ص )‪.(190‬‬
‫لسان العرب )‪.(9/83‬‬
‫تاريخ المذاهب لبي زهرة‪ ،‬ص )‪.(21‬‬
‫نظام السلم )الحكم والدولة(‪ ،‬ص )‪.(61‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪8‬‬

‫من ذُّري ِّتي َ‬
‫ما َ‬
‫ل ل َ ي ََنا ُ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫دي‬
‫ل َ‬
‫ه ِ‬
‫و ِ‬
‫ع ْ‬
‫ما ً‬
‫س إِ َ‬
‫ل َ‬
‫ِللّنا ّ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن" ]البقرة‪ ،[124:‬أي جاعلك قدوة يؤتم به ‪ ,‬وقال تعالى‬
‫الظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫عل َْنا ل ِل ْ‬
‫ما" ]الفرقان‪ ،[74:‬أي يقتدون بنا في أمر‬
‫ما‬
‫ن ِإ‬
‫قي‬
‫مت‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ج َ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫‪َ +‬‬
‫ل أُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م" ]السراء‪:‬‬
‫م‬
‫ما‬
‫إ‬
‫ب‬
‫س‬
‫نا‬
‫ك‬
‫عو‬
‫د‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫الدين‪،‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ٍ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫‪ ،[71‬أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين‪ ،‬وقيل‪ :‬بكتاب‬
‫أعمالهم التي قدموها)‪ ،(2‬وورد لفظ المام في مواطن كثيرة من‬
‫ما‪ ،‬فأعطاه‬
‫السنة النبية منها قول رسول الله ×‪» :‬من بايع إما ً‬
‫صفقة يده‪ ،‬وثمرة قلبه‪ ،‬فليعطه إن استطاع‪ ،‬فإن جاء‬
‫آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر«)‪ ,(3‬وقوله ×‪» :‬تلزم جماعة‬
‫المسلمين وإمامهم«)‪ (4‬وقوله‪» :‬سبعة يظلهم في ظله يوم‬
‫ل ظل إل ظله إمام عادل‪.(5) «...‬‬
‫ومن الملحظ أن لفظ المامة يغلب استعماله عند أهل السنة‬
‫في مباحثهم العقدية والفقهية بينما يغلب استعمالهم لفظ )الخلفة(‬
‫في كتاباتهم التاريخية‪ ،‬ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن هذه‬
‫المباحث‪ -‬خاصة العقدية‪ -‬قد كتبت للرد على المبتدعة في هذا الباب‬
‫كالشيعة الروافض والخوارج)‪ ,(6‬فالشيعة الروافض يستخدمون لفظ‬
‫المام دون الخلفة ويعتبرونها أحد أركان اليمان عندهم‪ ،‬ويفرقون‬
‫بين المامة والخلفة‪ ،‬فهم يعتبرون المامة رئاسة دين‪ ،‬والخلفة‬
‫رئاسة دولة)‪ .(7‬ويريدون من ذلك إثبات أن علًيا رضي الله عنه كان‬
‫إماما زمن خلفة الثلثة الذين سبقوه)‪ ,(8‬وقال ابن خلدون‪ :‬إن‬
‫الشيعة خصوا علًيا باسم المام نعًتا له بالمامة التي هى أخت‬
‫ضا بمذهبهم في أنه أحق بإمامة الصلة من أبي‬
‫الخلفة‪ ،‬وتعري ً‬
‫بكر)‪.(9‬‬
‫إن هذه اللقاب‪ :‬الخليفة‪ ،‬المام‪ ،‬أمير المؤمنين‪ ،‬ليست من‬
‫المور التعبدية‪ ،‬وإنما هى مصطلحات وجدت بعد وفاة الرسول ×‬
‫واصطلح الناس عليها‪ ،‬وقد أطلق المسلمون غير هذه اللقاب في‬
‫وقت لحق كلقب المير‪ ،‬كما كان الحال في الندلس‪ ،‬وكذلك لقب‬
‫السلطان‪ ،‬كما تسمى بذلك الحكام في الدولة السلمية‪ ،‬بلقب من‬
‫هذه اللقاب‪ ،‬إذ إن المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون‬
‫ورئيسهم خاضعين للتشريع السلمي عقيدة وشريعة‪ ،‬بغض النظر‬
‫عن اللقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس‪ ،‬سواء كان لقبه‬
‫الخليفة أم أمير المؤمنين أم رئيس الدولة أم رئيس الجمهورية‪،‬‬
‫فيمكن إطلق أحد هذه اللقاب أو غيرها‪ ،‬وهذا يرجع إلى ما يتعارف‬
‫عليه الناس‪ ،‬وإكان الفضل اللتزام باللقاب السابقة‪ ،‬لما لها من‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬
‫)(‬

‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬عارف خليل‪ ،‬ص )‪.(80‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص)‪.(81‬‬
‫صحيح مسلم بشرح النووى )‪.(12/233‬‬
‫صحيح مسلم بشرح النووى )‪.(12/237‬‬
‫فتح البارى )‪.(3/293‬‬
‫المامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدميجى‪ ،‬ص)‪.(36‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص)‪.(36‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص)‪.(36‬‬
‫نظام الحكم‪ ،‬عارف خليل‪ ،‬ص )‪.(81‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪16‬‬
‫‪9‬‬

‫مفهوم سياسي متميز عن المفاهيم المختلفة عند المم الخرى‪،‬‬
‫من معان دوت عبر التاريخ على أنها رمز للحضارة‬
‫ولما لها‬
‫السلمية)‪.(1‬‬
‫أيهما أصح عند ذكر أمير المؤمنين على‪ :‬هل نقول رضي الله عنه‬
‫ ‪7‬‬‫السلم إن الصل عند ذكر الصحابة الترضي‬
‫؟‬
‫أم كرم الله وجهه أم عليه‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫وُلو َ‬
‫قو َ‬
‫عنهم جميعا ً‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ها ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫كما قال تعالى‪َ + :‬‬
‫ج ِ‬
‫ّ‬
‫ضوا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ح‬
‫إ‬
‫ب‬
‫هم‬
‫عو‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫َ‬
‫وَر ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫والن ْ َ‬
‫َ‬
‫ٍ ّ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِِ‬
‫صا ِ‬
‫ه" ]التوبة‪.[100:‬‬
‫َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫عون َ َ‬
‫وقال تعالى‪ + :‬ل َ َ‬
‫م ْ‬
‫ك‬
‫ه َ‬
‫ؤ ِ‬
‫قدْ َر ِ‬
‫ن إ ِذْ ي َُباي ِ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ض َ‬
‫ع ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ة" ]الفتح‪ [18:‬لذلك اصطلح أهل السنة على الترضي‬
‫جَر ِ‬
‫ش َ‬
‫تَ ْ‬
‫ح َ‬
‫صحابي يجري ذكره أو يروى عنه الحديث‪ ،‬فُيقال مث ً‬
‫ل‪ :‬عن‬
‫على كل‬
‫أبي بكر – رضي الله عنه – ولم يستعمل السلم – فيما أعلم – عند‬
‫المسلمين فيما بينهم‪ ،‬كما تعالى‪:‬‬
‫ذكر أحد منهم‪ ،‬مع أن السلم‬
‫تحيةَلى أ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م ب ُُيوًتا َ‬
‫‪َ +‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫د‬
‫م‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ح‬
‫ت‬
‫م‬
‫ك‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ع‬
‫موا‬
‫ذا دَ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ ْ‬
‫ف َ‬
‫ْ‬
‫سل ّ ُ‬
‫خل ْت ُ ْ‬
‫مَباَرك َ‬
‫على هذا فالترضي أفضل من السلم‪ ،‬قال‬
‫‪،‬‬
‫[‬
‫‪61‬‬
‫]النور‪:‬‬
‫"‬
‫ة‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ه أ َك ْب َُر" ]التوبة‪ ،[72:‬وأخبر النبي × أن‬
‫ض‬
‫ر‬
‫و‬
‫‪+‬‬
‫تعالى‬
‫ْ‬
‫ن الل ِ‬
‫وا ٌ‬
‫م َ‬
‫ن ّ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫يقول لهل الجنة‪» :‬أحل عليكم رضواني فل أسخط‬
‫الله تعالى‬
‫)‪(2‬‬
‫دا« ‪ ،‬ولكن اصطلح العلماء على أن السلم يختص‬
‫عليكم أب ً‬
‫ن" ]الصافات‪،[181:‬‬
‫بالنبياء لقوله‬
‫م َ‬
‫سل َ ٌ‬
‫سِلي َ‬
‫مْر َ‬
‫و َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫تعالى‪َ +َ :‬‬
‫َ‬
‫ولما( ورد في حق‬
‫‪،‬‬
‫د" ]مريم‪[15:‬‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ولقوله‪َ + :‬‬
‫على »أنت منى بمنزلة هارون من موسى«)‪ ، 3‬أخذ الغلة‬
‫كالرافضة يستعملون في حق أمير المؤمنين على‪ :‬عليه السلم‪ ،‬أو‬
‫كرم الله)‪(4‬وجهه‪ ،‬ول شك أنه أهل لذلك‪ ،‬لكن يشركه في ذلك جميع‬
‫الصحابة ‪ ,‬وقد وقع هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب ومن‬
‫بعض علماء أهل السنة أن يفرد على – رضي الله عنه‪ -‬بأن يقال‪:‬‬
‫وإن‬
‫عليه السلم من دون سائر الصحابة‪ ،‬أو كرم الله وجهه‪ ،‬وهذا‬
‫حا لكن ينبغي أن يساوى بين الصحابة في ذلك)‪.(5‬‬
‫كان معناه صحي ً‬
‫المبحث الثاني‬
‫شيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه‬
‫قال المام أحمد‪ ،‬وإسماعيل القاضي‪ ،‬والنسائى‪ ،‬وأبو على‬
‫يرد في حق أحد من الصحابة بالسانيد الجياد أكثر‬
‫النيسابورى‪ :‬لم‬
‫مما جاء في على)‪ ,(6‬وقال الحافظ ابن حجر‪ :‬وكان السبب في ذلك‬
‫أنه تأخر‪ ،‬أي آخر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ووقع الختلف في زمانه وخرج‬
‫من خرج عليه‪ ،‬فكان ذلك سبًبا لنتشار مناقبه من كثرة من كان‬
‫يبينها من الصحابة رًدا على من خالفه‪ ،‬فاحتاج أهل السنة إلى بث‬
‫فضائله‪ ،‬فكثر الناقل لذلك‪ ،‬وإل فالذين في نفس المر أن لكل من‬
‫الربعة من الفضائل‪ ،‬إذا حرر بميزان العدل ل يخرج عن قول أهل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص )‪.(82‬‬
‫)( مشكاة المصابيح للبغوى )‪.(3/88‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(2404‬‬
‫)( فتاوى في التوحيد‪ ،‬عبد الله بن جبرين‪ ،‬ص )‪.(37‬‬
‫)( الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية‪ ،‬ص )‪ (26‬في الحاشية من تعليق‬
‫المحقق أحمد التويجرى‪.‬‬
‫)( فتح البارى )‪.(7/71‬‬

‫على بن أبي طالب‬
‫شخصيته وعصره‬

‫‪17‬‬
‫‪0‬‬

‫أنه أقرب‬
‫السنة والجماعة أصل ً)‪ ,(1‬وقال ابن كثير‪ :‬من فضائله‬
‫)‪(2‬‬
‫العشرة المشهود لهم بالجنة إلى رسول الله × نسًبا ‪ ,‬وقد ذكرت‬
‫ما‬
‫كثيًرا من فضائله فيما مضى من البحث كل في موضعه‪ ،‬وإتما ً‬
‫للفائدة نشير إلى مزيد من الفضائل لعلي رضي الله عنه منها‪:‬‬
‫* عن زر رضي الله عنه قال‪ :‬قال على‪ :‬والذي فلق الحبة وبرأ‬
‫ى‪» :‬أن ل يحبنى إل مؤمن ول‬
‫النسمة إنه لعهد النبي‬
‫المي × إل ّ‬
‫يبغضني إل منافق«)‪.(3‬‬
‫سأل رجل البراء وأنا أسمع قال‪ :‬أشهد على‬
‫* عن أبي إسحاق‪:‬‬
‫بدًرا؟ قال‪ :‬بارز وظاهر)‪.(4‬‬
‫* عن أبي هريرة أن رسول الله × كان على حراء هو وأبو بكر‬
‫فقال‪ (5‬رسول‬
‫وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير‪ ،‬فتحركت الصخرة‬
‫الله ×‪» :‬اهدأ فما عليك إل نبي أو صديق أو شهيد«) ‪.‬‬
‫* قال سعيد بن زيد‪ :‬سمعت رسول الله × يقول‪»:‬النبي في‬
‫الجنة‪ ،‬وأبو بكر في الجنة‪ ،‬وعمر في الجنة‪ ،‬وعثمان في‬
‫الجنة‪ ،‬وعلى في الجنة‪ ،‬وطلحة في الجنة‪ ،‬والزبير في‬
‫الجنة‪ ،‬وسعد في‬
‫الجنة‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف في‬
‫الجنة‪ ،‬ولو شئت أن أسمي العاشر«)‪.(6‬‬
‫عنها‪ :‬سمعت رسول الله × يقول‪:‬‬
‫* قالت أم سلمة رضي الله‬
‫»من سب علًيا فقد سبنى«)‪.(7‬‬
‫* جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان‪ ،‬فذكر محاسن‬
‫عمله‪ ،‬قال‪ :‬لع ّ‬