‫الكتاب ‪ :‬جامع البيان في تأويل القرآن‬

‫المؤلف ‪ :‬محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الملي‪ ،‬أبو‬
‫جعفر الطبري‪،‬‬
‫] ‪ 310 - 224‬هـ [‬
‫المحقق ‪ :‬أحمد محمد شاكر‬
‫الناشر ‪ :‬مؤسسة الرسالة‬
‫الطبعة ‪ :‬الولى ‪ 1420 ،‬هـ ‪ 2000 -‬م‬
‫عدد الجزاء ‪24 :‬‬
‫مصدر الكتاب ‪ :‬موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف‬
‫الشريف‬
‫‪www.qurancomplex.com‬‬
‫] ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ‪ ،‬والصفحات مذيلة بحواشي‬
‫أحمد ومحمود شاكر [‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫بركة من الله وأمر‬
‫ك يوم ِ الدين‬
‫مل ِ ِ‬
‫ن الرحيم َ‬
‫الحمد لله رب العالمين الرحم ِ‬
‫ت والنوَر‪.‬‬
‫ض وجعل الظلما ِ‬
‫والحمد لله الذي خلق السموا ِ‬
‫ت والر َ‬
‫والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ‪ ،‬ولم يجع ْ‬
‫جا‪.‬‬
‫ل له ِ‬
‫عوَ ً‬
‫ض ‪ ،‬وله الحمد في الخرة ‪ ،‬وهو‬
‫والحمد لله الذي له ما في السموا ِ‬
‫ت والر ِ‬
‫م الخبيُر‪.‬‬
‫الحكي ُ‬
‫ن هدانا الله‪.‬‬
‫والحمد لله الذي هدانا لهذا ‪ ،‬وما كّنا لنهتديَ لول أ ْ‬
‫وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولنا محمدٍ ‪ ،‬رسول الله وخيرته من‬
‫خلقه ‪ ،‬خاتم النبيين ‪ ،‬وأشرف المرسلين‪.‬‬
‫ن إلى يوم الدين‪.‬‬
‫وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بِإحسا ٍ‬
‫فل عن ذكره الغافلون‪.‬‬
‫" فصّلى الله على نبّينا كّلما ذكره الذاكرون ‪ ،‬وغ َ َ‬
‫ّ‬
‫وصلى الله عليه في الّولين والخرين‪ .‬أفض َ‬
‫ل وأكثَر وأزكى ما صلى على أحدٍ‬
‫ل ما ز ّ‬
‫من خلقه‪ .‬وز ّ‬
‫كانا وإياكم بالصلة عليه ‪ ،‬أفض َ‬
‫دا من أمته بصلته‬
‫كى أح ً‬
‫عليه ‪ ،‬والسلم عليه ورحمة الله وبركاته " )‪(1‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬اقتباس من كلم الشافعي ‪ ،‬في كتابه )الرسالة( ‪ ،‬رقم ‪ ، 39‬بتحقيقنا‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فإن هذا التفسير الجليل ‪ ،‬باكورة عمل عظيم ‪ ،‬تقوم به )دار المعارف بمصر(‬
‫ت لنا من آثار سلفنا‬
‫‪ ،‬لحياء )ُتراث السلم( ‪ ،‬وإخراج نفائس الكنوز‪ .‬التي بقي ْ‬
‫الصالح ‪ ،‬وعلمائنا الفذاذ‪ .‬الذين خدموا ديَنهم ‪ ،‬وعُُنوا بكتاب رّبهم ‪ ،‬وسّنة‬
‫مْعشاَر‬
‫ظ لغتهم ‪ ،‬بما لم تصنعه أم ٌ‬
‫ة من المم ‪ ،‬ولم يبلغْ غيُرهم ِ‬
‫نبّيهم ‪ ،‬وحف ِ‬
‫ما وّفقهم الله إليه‪.‬‬

‫فكان أ َوّ َ‬
‫ب )تفسير الطبري(‪.‬‬
‫ل ما اخترنا ‪ ،‬باكورةً لهذا المشروع الخطير ‪ :‬كتا ُ‬
‫وما بي من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية ‪ ،‬وما فيه من مزايا يندر َأن توجد َ في‬
‫فه‬
‫ره‪ .‬وهو أعظم تفسير رأيناه ‪ ،‬وأعله وأثبُته‪ .‬استحقّ به مؤل ُ‬
‫تفسيرٍ غي ِ‬
‫سرين(‪.‬‬
‫المف‬
‫م‬
‫)إما‬
‫مى‬
‫يس‬
‫ة أن‬
‫الحج ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫مه ‪ ،‬عن علم ٍ بما يكتن ُ‬
‫ت أخشى القدا َ‬
‫م على الضطلع بِإخراجه وأعْظ ِ ُ‬
‫وكن ُ‬
‫ت ‪ ،‬وعن خبرةٍ بالكتاب دهًرا‬
‫ت ‪ ،‬وما يقوم دوَنه من عقبا ٍ‬
‫ذلك من صعوبا ٍ‬
‫ة أو تزيد‪.‬‬
‫طويل أربعين سن ً‬
‫وى من عزمي ‪ ،‬وشد ّ من أْزري ‪ ،‬أخي الصغر ‪ ،‬الستاذ محمود‬
‫لول أ ْ‬
‫نق ّ‬
‫محمد شاكر‪ .‬وهو ‪ -‬فيما أعلم ‪ -‬خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء ‪ ،‬وأن‬
‫دا غيَره له أهل‪.‬‬
‫يقوم بهذا العمل حقّ القيام ‪ ،‬أو قريًبا من ذلك‪ .‬ل أعرف أح ً‬
‫ُ‬
‫ي عليه‪ .‬ولكني أقّر بما أعلم ‪ ،‬وأشهد بما‬
‫وما أريد أن أشهد َ لخي أو أْثن َ‬
‫َ‬
‫ست َْيقن‪.‬‬
‫أ ْ‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫َ‬
‫ض العبء ‪ ،‬بالتعاون معه في‬
‫وقد أَبى أخي السيد محمود إل أن ي ُل ْ ِ‬
‫ي بع َ‬
‫ي عل ّ‬
‫ق َ‬
‫ده ‪ -‬عم ٌ‬
‫ل‬
‫مراجعة الكتاب ‪ ،‬وبتخريج أحاديثه ‪ ،‬ود َْرس أسانيده‪ .‬وهذا ‪ -‬وح َ‬
‫ت ‪ ،‬متوكل على‬
‫ت وعمل ُ‬
‫ي عنه ‪ ،‬فقبل ُ‬
‫فوقَ مقدوري‪ .‬ولكّني لم أستطع التخل َ‬
‫الله ‪ ،‬مستعيًنا به‪.‬‬
‫وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد ‪ ،‬والرعاية والتوفيق‪ .‬إنه سميع الدعاء‪.‬‬
‫كتبه‬
‫أحمد محمد شاكر‬
‫عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة ‪ 4‬جمادى الخرة سنة ‪1374‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ّ‬
‫ن الّرحيم ِ‬
‫ِبسم ِ اللهِ الّرحم ِ‬
‫ن عََلى عَب ْدِهِ ل ِي َ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫} ت ََباَر َ‬
‫ذي نز َ‬
‫ك‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ذيًرا * ال ّ ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫ن ل ِل َْعال َ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫فْرَقا َ‬
‫ه ُ‬
‫ذي ل َ ُ‬
‫مي َ‬
‫ري ٌ‬
‫خل َقَ ك ُ ّ‬
‫ه َ‬
‫ل‬
‫ك وَ َ‬
‫م ي َت ّ ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫مل ْ ِ‬
‫خذ ْ وَل َ ً‬
‫ال ّ‬
‫ك ِفي ال ْ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫دا وَل َ ْ‬
‫ض وَل َ ْ‬
‫س َ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ش ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫خ ُ‬
‫َ‬
‫ن َول‬
‫خل ُ‬
‫خل ُ‬
‫قد َّره ُ ت َ ْ‬
‫يٍء ف َ‬
‫م يُ ْ‬
‫ة ل يَ ْ‬
‫ديًرا * َوات ّ َ‬
‫ن ُدون ِهِ آل ِهَ ً‬
‫ذوا ِ‬
‫ق ِ‬
‫قو َ‬
‫قو َ‬
‫شي ْئا وَهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫شوًرا * وََقا َ‬
‫حَياة ً َول ن ُ ُ‬
‫ل‬
‫ول‬
‫تا‬
‫و‬
‫م‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ل‬
‫م‬
‫ي‬
‫ول‬
‫عا‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ول‬
‫را‬
‫ض‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ل‬
‫م‬
‫َ ْ ِ ِ ْ َ ّ َ َ ً َ َ ْ ِ‬
‫يَ ْ ِ‬
‫َ َ ًْ َ َ‬
‫َ‬
‫ذا ِإل إ ِفْ ٌ‬
‫ن هَ َ‬
‫ما‬
‫ن فَ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫مآ َ‬
‫ك افْت ََراه ُ وَأ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫خُرو َ‬
‫فُروا إ ِ ْ‬
‫ه عَل َي ْهِ قَوْ ٌ‬
‫جاُءوا ظ ُل ْ ً‬
‫عان َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صيل * قُ ْ‬
‫ل‬
‫مَلى عَل َي ْهِ ب ُك َْرةً وَأ ِ‬
‫سا ِ‬
‫وَُزوًرا * وََقاُلوا أ َ‬
‫ي تُ ْ‬
‫ن اك ْت َت َب ََها فَهِ َ‬
‫طيُر الوِّلي َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ما {‬
‫ن غَ ُ‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫سّر ِفي ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫حي ً‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ذي ي َعْل َ ُ‬
‫أنزل َ ُ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫***‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫} قُ ْ‬
‫ل هَ َ‬
‫ن‬
‫ذا ال ُ‬
‫ن ي َأُتوا ب ِ ِ‬
‫معَ ِ‬
‫ن ل َ ي َأُتو َ‬
‫ن عَلى أ ْ‬
‫نا ْ‬
‫س َوال ِ‬
‫جت َ َ‬
‫ت الن ْ ُ‬
‫قْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫ج ّ‬
‫ل لئ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ِفي هَ َ‬
‫ن‬
‫ذا ال ُ‬
‫ض ظِهيًرا * وَل َ‬
‫ن ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ن ب َعْ ُ‬
‫مث ْل ِهِ وَلوْ كا َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫قد ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫صّرفَْنا ِللّنا ِ‬
‫م ل ِب َعْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫كُ ّ‬
‫فوًرا {‬
‫س ِإل ك ُ‬
‫ل َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫ل فَأَبى أكث َُر الّنا ِ‬
‫***‬
‫َ‬
‫والحمد لله الذي أرس َ‬
‫ن‬
‫دا صلى الله عليه وسلم بالهُ َ‬
‫ل رسوله محم ً‬
‫دى وِدي ِ‬
‫) ‪(1/8‬‬

‫م ْ‬
‫ما ِفي‬
‫سب ّ ُ‬
‫شركو َ‬
‫الحقّ لي ُظ ْهَِره عََلى ال ّ‬
‫ن‪ } .‬ي ُ َ‬
‫ح ل ِل ّهِ َ‬
‫دين ك ُّله وَل َوْ ك َرِهَ ال ْ ُ‬
‫ث ِفي‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ذي ب َعَ َ‬
‫كيم ِ * هُوَ ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫زيزِ ال ْ َ‬
‫ق ّ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ال ّ‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫س ال ْعَ ِ‬
‫دو ِ‬
‫ما ِفي الْر ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ب َوال ِ‬
‫سول ِ‬
‫ة وَإ ِ ْ‬
‫م الك َِتا َ‬
‫ن َر ُ‬
‫حك َ‬
‫مهُ ُ‬
‫م وَي ُعَل ُ‬
‫م آَيات ِهِ وَي َُزكيهِ ْ‬
‫م ي َت ْلو عَلي ْهِ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫مّيي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫زيُز‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫قوا‬
‫ُ‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ل‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫ري‬
‫خ‬
‫وآ‬
‫*‬
‫ن‬
‫بي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ضل‬
‫في‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫نوا‬
‫ِ‬
‫كا ُ‬
‫َ َ ِ َ ِ ُْ ْ ّ َ َ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫ِِ ْ َ ُ َ َ ِ‬
‫َ ٍ ُ ِ ٍ‬
‫م * ذ َل ِ َ‬
‫ض ُ‬
‫ن يَ َ‬
‫ظيم ِ {‬
‫ه ُذو ال ْ َ‬
‫ل ال ْعَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف ْ‬
‫ك فَ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫شاُء َوالل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ ي ُؤِْتيهِ َ‬
‫كي ُ‬
‫ض ِ‬
‫م ْ‬
‫***‬
‫ُ‬
‫سَتهديك ‪ ،‬ونعوذ ُ برضا َ‬
‫م إ ِّنا نبرأ إليك من ك ُ ّ‬
‫ك‬
‫ل َ‬
‫ل وقوّةٍ ‪ ،‬ونسَتعينك ون َ ْ‬
‫الل ّهُ ّ‬
‫حو ْ ٍ‬
‫ب الّرحيم‪ .‬رّبنا َول‬
‫وا ُ‬
‫حمنا وت ْ‬
‫ضِبك ‪ ،‬فاغفر َلنا واْر َ‬
‫من غَ َ‬
‫ب علينا إّنك أن ْ َ‬
‫ت الت ّ ّ‬
‫َ‬
‫شي ًَعا ك ُ ّ‬
‫حون‪.‬‬
‫ل ِ‬
‫تجعلَنا من الذين فّرُقوا ِديَنهم َوكاُنوا ِ‬
‫م فَرِ ُ‬
‫ما لد َي ْهِ ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫حْز ٍ‬
‫***‬
‫ت علينا ‪ :‬أن نكون‬
‫م اجعلنا مسل ِ‬
‫ن لك ‪َ ،‬واِفين لك بالميثاق الذي أخذ َ‬
‫الل ّهُ ّ‬
‫مي َ‬
‫طك المستقيم ‪ ،‬صرا َ‬
‫م اهدنا صرا َ‬
‫سط ُ‬
‫ط‬
‫وامين بال ِ‬
‫ق ْ‬
‫شَهداَء على الناس ‪ ،‬اللهُ ّ‬
‫ق ّ‬
‫ديقين وال ّ‬
‫شَهداء ‪ ،‬الذين قالوا رّبنا الله‬
‫ص ّ‬
‫الذين أنعمت عليهم من النبّيين وال ّ‬
‫جبُروِته الجَبابرة ‪،‬‬
‫ثم استقاموا ‪ ،‬وعلموا أنك أنت الجّباُر الذي َ‬
‫تل َ‬
‫خ َ‬
‫ضع ْ‬
‫ْ‬
‫ت لعّزته الملو ُ‬
‫خ َ‬
‫سطوِته ذُوو‬
‫عّزة ‪ ،‬و َ‬
‫ك ال ِ‬
‫شعت لمَهابة َ‬
‫والعزيُز الذي ذل ّ ْ‬
‫مُنوا‬
‫ي باٍغ ول ظ ُْلم س ّ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ت الل ّ ُ‬
‫فاٍح ظالم ‪ } :‬ي ُث َب ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫المهابة ‪ ،‬فلم ُيرهِْبهم بغ ُ‬
‫ل الل ُّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فعَ ُ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ي‬
‫و‬
‫ة‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ال‬
‫في‬
‫و‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ِ َ ِ َُ ِ‬
‫حَياةِ ّ ْ َ َ ِ‬
‫ل الّثاب ِ ِ‬
‫ت ِفي ال ْ َ‬
‫ُ‬
‫ِ ِ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ما ي َ َ‬
‫ه‬
‫شاُء { } َول ت ْ‬
‫ح َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫سب َ ّ‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ل ال ّ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫م ل ِي َوْم ٍ ت َ ْ‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫ما ي ُؤَ ّ‬
‫مو َ‬
‫صاُر * ُ‬
‫خُرهُ ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫غاِفل عَ ّ‬
‫ص ِفيهِ الب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫مهْط ِِعي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫واٌء {‬
‫م ْ‬
‫قن ِِعي ُرُءو ِ‬
‫م وَأفْئ ِد َت ُهُ ْ‬
‫م طْرفُهُ ْ‬
‫م ل َ ي َْرت َد ّ إ ِلي ْهِ ْ‬
‫سهِ ْ‬
‫ُ‬
‫م هَ َ‬
‫***‬
‫مده برحمتك ‪ ،‬واجعله‬
‫الل ُّهم اغفر لبي جعفر محمد بن جرير الطبري ‪ ،‬وتغ ّ‬
‫منا ‪ -‬من الذين‬
‫من السابقين المقّربين في جّنات النعيم ‪ ،‬فقد كان ‪ -‬ما عَل ِ ْ‬
‫متاع هذه الحياةِ‬
‫مًنا قليل من َ‬
‫ب َّينوا كتاَبك للناس ولم يكتموه ‪ ،‬ولم يشت َُروا به ث َ َ‬
‫قك ‪ ،‬وذاُدوا عن سنة نّبيك ؛ ومن‬
‫الدنيا ؛ ومن الذين أد ّْوا ما لزمهم من ح ّ‬
‫ملوا ‪،‬‬
‫ف من بعدهم علم ما َ‬
‫ملوهم أمان َ‬
‫الذين وّرثوا الخل َ َ‬
‫ة ما َ‬
‫علموا ‪ ،‬و َ‬
‫ح َ‬
‫ح ّ‬
‫ضحوا عن دينك ‪ ،‬وذّبوا عن‬
‫وخلُعوا لك النداد َ ‪ ،‬وك َ‬
‫فروا بالطاغو ِ‬
‫ت ‪ ،‬ون َ َ‬
‫م بميثاقك آخذون ‪ ،‬وعلى عهدك محافظون ‪،‬‬
‫وه‬
‫بنا‬
‫ر‬
‫وا إليك ّ‬
‫شريعتك ‪ ،‬وأف َ‬
‫ْ‬
‫ض ْ‬
‫م عنا وعنهم ‪ ،‬واغفر لَنا ولهم ‪،‬‬
‫حمَتك ويخاُفون عذاَبك‪ .‬فاع ُ‬
‫يرجون َر ْ‬
‫ف الله ّ‬
‫وارحمنا وارحمهم ‪ ،‬أنت مولَنا فانصرَنا على القوم ِ الكافرين‪.‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫ن قرأ القرآن ولم يعلم‬
‫كان أبو جعفر رضي الله عنه يقول ‪ " :‬إ ِّني لعج ُ‬
‫ب َ‬
‫مم ْ‬
‫تأويَله ‪ ،‬كيف يلتذ ّ بقراءته ؟ " ‪ .‬ومنذ هداني الله إلى الشتغال بطلب العلم ‪،‬‬
‫ت‬
‫وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه ‪ :‬كتاب التفسير ‪ ،‬وكتاب التاريخ‪ .‬فقرأ ُ‬
‫تفسيره صغيًرا وكبيًرا ‪ ،‬وما قرأُته مّرةً إل وأنا أسمعُ صوته يتخ ّ‬
‫ي‬
‫طى إل ّ‬
‫القرون ‪ :‬إني لعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله ‪ ،‬كيف يلتذ ّ بقراءته ؟‬
‫ت أجد ُ في تفسيره مصداقَ قوله رضي الله عنه‪.‬‬
‫فكن ُ‬
‫) ‪(1/10‬‬

‫قة في قراءِته ما أجد‪.‬‬
‫ت أجد ُ من المش ّ‬
‫بيد أني كن ُ‬
‫عد أطراف‬
‫كان يستوقفني في القراءةِ ‪ ،‬كثرة ُ ال ُ‬
‫صول في عبارته ‪ ،‬وتبا ُ‬
‫ف ُ‬
‫ً‬
‫مل‪ .‬فل يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلثا‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫ج َ‬
‫جا من العبارة غيَر الذي انتهج أبو جعفر ‪ ،‬ولكن‬
‫نه‬
‫نا‬
‫ألف‬
‫ننا‬
‫أ‬
‫ذلك‬
‫سبب‬
‫وكان‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن‪.‬‬
‫أبي‬
‫عبارته‬
‫عل‬
‫يج‬
‫أن‬
‫ق‬
‫خلي‬
‫‪،‬‬
‫ب‬
‫الكتا‬
‫في‬
‫الترقيم‬
‫من‬
‫قليل‬
‫ضا أن‬
‫َ‬
‫تبّين لي أي ً‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ت بعد ُ إلى قراءِتها ‪،‬‬
‫ت ذلك في أنحاٍء متفرقة من نسختي ‪ ،‬وعد ُ‬
‫فلما فعل ُ‬
‫ت كتب التفسير ‪،‬‬
‫وجدُتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المش ّ‬
‫قة‪ .‬ولما راجع ُ‬
‫ضهم ينق ُ‬
‫ن لي أن‬
‫ل عَْنه ‪ ،‬فينس ُ‬
‫ت بع َ‬
‫وجد ُ‬
‫ب إليه ما لم أجده في كتابه ‪ ،‬فتبي ّ َ‬
‫ي قراءتها‪ .‬يقرؤها القارئ ‪ ،‬فرّبما‬
‫سبب ذلك هو هذه الجمل التي ش ّ‬
‫قت عل ّ‬
‫ب‪ .‬فتمّنيت يومئذ ٍ أن ينشر هذا الكتاب‬
‫مراد َ أبي جعفرٍ ‪ ،‬ورّبما أصا َ‬
‫أخطأ ُ‬
‫الجلي ُ‬
‫ة ‪ ،‬حتى تسُهل قراءُتها على طالب‬
‫ل نشرةً صحيحة مح ّ‬
‫ققة مرّقم ً‬
‫مَراد أبي جعفر‪.‬‬
‫العلم ‪ ،‬وحتى تجّنبه كثيًرا من الّزلل في فهم ُ‬
‫ن فيه خطأ‬
‫ن تبّين لي على الزمن أن ما طبع من تفسير أبي جعفر ‪ ،‬كا َ‬
‫ولك ْ‬
‫ت التفاسير القديمة التي تنق ُ‬
‫ل عَْنه ‪،‬‬
‫كثير وتصحي ٌ‬
‫ف وتحريف ‪ ،‬ولما راجع ُ‬
‫ّ‬
‫ت أن‬
‫وجدُتهم يتخطو َ‬
‫ن بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة ‪ ،‬فعلم ُ‬
‫َ‬
‫بض ْ‬
‫م ل يكاد ُ‬
‫التصحيف قديم في النسخ المخطوطة‪ .‬ول غرو ‪ ،‬فهو كتا ٌ‬
‫خ ٌ‬
‫يسُلم ك ّ‬
‫م ‪ ،‬وهو سقم‬
‫ل الصواب لناسخه‪ .‬وكان للذين طبعوه عذٌر قائ ٌ‬
‫مخطوطاته التي سلمت من الضياع ‪ ،‬وضخامة الكتاب ‪ ،‬واحتياجه إلى‬
‫صر بمواضع‬
‫مراجعة مئات من الكتب ‪ ،‬مع الصْبر على المشقة والب َ َ‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫فسي أن أن ُ‬
‫ب ‪ ،‬حتى أؤّدي بعض حقّ الله‬
‫ت في ن َ ْ‬
‫ال َ‬
‫شر هذا الكتا َ‬
‫خَلل‪ .‬فأضمر ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب ل يؤّدي عبد ٌ من‬
‫ي ‪ ،‬وأشكُر به نعم ً‬
‫ة أنالها ‪ -‬أَنا لَها غيُر مستحقّ ‪ -‬من ر ٍ‬
‫عل ّ‬
‫جب عليه أن يؤّدي‬
‫عباده شكَر نعمة ماضيةٍ من نعمه ‪ ،‬إل بنْعمة منه حادثةٍ تو ِ‬
‫شكرها ‪ ،‬هي إقداُره على شكر النعمة التي سلفت ؛ كما قال الشافعي رضي‬
‫الله عنه‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫م ‪ ،‬وأنا مستهلك فيما ل ي ُْغني عّني شيئا يوم‬
‫وتصّرم الّزمن ‪ ،‬وتفانت الّيا ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن العاِدين ‪ ،‬وظلم الظالمين ‪،‬‬
‫ب العالمين‪ .‬حّتى أيقظِني عدوا ُ‬
‫يقوم الناس لر ّ‬
‫م على طبع هذا التفسير المام ِ ‪،‬‬
‫وطغيا ُ‬
‫ن الجبابرة المتكّبرين ‪ ،‬فعقدت العز َ‬
‫ب العالمين ‪ ،‬ملك يوم الدين‪.‬‬
‫ر‬
‫إلى‬
‫به‬
‫ب‬
‫ّ‬
‫أتقّر ُ‬
‫ت بما في نفسي إلى أخي الكبر السيد أحمد محمد شاكر ‪ -‬أطال الله‬
‫وأفضي ُ‬
‫بقاءه ‪ ،‬وأقبسني من علمه ‪ -‬فرأى أن تنشره " دار المعارف " ‪ ،‬باكورةَ‬
‫دتها‬
‫دت الدار عُ ّ‬
‫أعمالها في نشر )ُتراث السلم(‪ .‬ولم يمض إل قليل حتى أع ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫لنشر هذا الكتاب الضخم ‪ ،‬مشكورةً على ما بذلته في إحياء الكتاب العرب ّ‬
‫ب أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في‬
‫وكنت أح ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل صغيرةٍ وكبيرة ‪ ،‬ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله‪ .‬وليَته فََعل ‪ ،‬حتى‬
‫ب‬
‫أستفيد من علمهِ وهدايته ‪ ،‬وأتجن ّ َ‬
‫ب ما أخاف من الخطإ والزلل ‪ ،‬في كتا ٍ‬
‫ت هذا الكتاب من أّوله إلى‬
‫قال فيه أبو عمر الزاهد ‪ ،‬غلم ثعلب ‪ " :‬قابل ُ‬
‫قق‬
‫ت فيه حرًفا خطأ ً في نحو أو لغة " ‪ .‬وأّنى لمثلي أن يح ّ‬
‫آخره ‪ ،‬فما وجد ُ‬
‫كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر!‬
‫) ‪(1/12‬‬

‫ف ما ُأوتي أسلُفهم من‬
‫ن ُأوتوا من العجز والتهاون ‪َ ،‬أضعا َ‬
‫ونحن أهل زما ِ‬
‫الجد ّ والقدرة!‬
‫دا ‪ ،‬فيتكّلم عن‬
‫فتفضل أخي أن ينظ َُر في أسانيد أبي جعفر ‪ ،‬وهي كثيرة ج ّ‬
‫ث يتطلب التحقيق ذلك ‪ ،‬ثم يخّرج جميع ما فيه من أحاديث‬
‫بعض رجالها ‪ ،‬حي ُ‬
‫غا ن َ َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فإن وجد َ بعد ذلك فرا ً‬
‫ظر في عملي‬
‫وقني ِبها ‪ ،‬وكم له عندي‬
‫وراجعه واستدرك عليه‪ .‬فشكر ُ‬
‫ت له هذه اليد َ التي ط ّ‬
‫من يد ٍ ل َ أملك جزاَءها ‪ ،‬عْند الله جزاؤها وجزاُء ك ّ‬
‫ف‪ .‬وحسُبه من‬
‫ل معرو ٍ‬
‫خطايَ صغيًرا ‪ ،‬وأعانني كبيًرا‪.‬‬
‫دد ُ‬
‫معروف أّنه س ّ‬
‫ص الكتاب ‪ ،‬وضبطه ‪ ،‬ومقابلته على ما بين أيدينا من‬
‫ت تصحي َ‬
‫وتولي ُ‬
‫حن ّ‬
‫مخطوطاته ومطبوعاته ‪ ،‬ومراجعته على كتب التفسير التي نقلت عنه‪.‬‬
‫ت شواهده من الشعر‪.‬‬
‫ت عليه ‪ ،‬وبّينت ما استغلقَ من عبارته ‪ ،‬وشرح ُ‬
‫وعّلق ُ‬
‫جْهدي في ترقيمه وتفصيله‪ .‬فك ّ‬
‫ن فمن‬
‫ت ُ‬
‫وبذل ُ‬
‫ل ما كان في ذلك من إحسا ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ل فمّني ومن عجزي ‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫الله ‪ ،‬وكل ما فيه من َزل ٍ‬
‫َ‬
‫مْنها‬
‫جد ‪ ،‬والذي ِ‬
‫والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبري ‪ ،‬ل تكاد ُ ُتو َ‬
‫في دار الكتب أجزاٌء مفردة من الجزء الّول ‪ ،‬والجزء السادس عشر ‪ ،‬ومنها‬
‫دا ضاع منها الجزء الثاني‬
‫مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجل ّ ً‬
‫ح‬
‫والثالث ‪ ،‬وهي قديم ً‬
‫ة غير معروفة التاريخ‪ .‬وهي على ما فيها تكاد ُ تكون أص ّ‬
‫النسخ‪ .‬وهي محفوظة بالدار برقم ‪ 100 :‬تفسير‪.‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ما لنشر هذا الكتاب‪ .‬أما سائر المخطوطات فهي سقيمة رديئة ‪ ،‬لم‬
‫فجعلتها أ ّ‬
‫ضل عن أنها قطع صغيرة منه‪.‬‬
‫تنفع في كثير ول قليل ‪ ،‬ف ْ‬
‫جا آخر في تصحيح هذا التفسير ‪ ،‬وذلك بمراجعة ما فيه من الثار‬
‫ت نه ً‬
‫فنهج ُ‬
‫على كتاب " الدّر المنثور " للسيوطي ‪ " ،‬وفتح القدير " للشوكاني ‪ ،‬فهما‬
‫يكثران النقل عن تفسير أبي جعفر‪ .‬أما ابن كثير في تفسيره ‪ ،‬فإنه لم‬
‫صه في مواضع‬
‫يقتصر على نقل الثار ‪ ،‬بل نقل بعض كلم أبي جعفر بن َ ّ‬
‫متفرقة ‪ ،‬وكذلك نقل أبو حيان والقرطبي في مواضع قليلة من تفسيريهما‪.‬‬
‫ت المطبوع والمخطوط من تفسير أبي جعفر على هذه الكتب‪ .‬وكنت‬
‫فقابل ُ‬
‫في هذا الجزء الّول من التفسير أذكر مرجع ك ّ‬
‫ل أثرٍ في هذه الكتب ‪ ،‬ثم‬
‫ت أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى ‪ ،‬فبدأت منذ الجزء الثاني أغفل‬
‫وجد ُ‬
‫ذكر المراجع ‪ِ ،‬إل عند الختلف ‪ ،‬أو التصحيح ‪ ،‬أو غير ذلك مما يوجب بيان‬
‫المراجع‪.‬‬
‫ّ‬
‫ما في التفسير من الثار ‪ ،‬على سائر الكتب التي هي مظنة‬
‫ت كثيًرا م ّ‬
‫وراجع ُ‬
‫سه ‪ ،‬ومن في طبقته من أصحاب الكتب‬
‫صة تاريخ الطبري ن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫لروايتها ‪ ،‬وبخا ّ‬
‫ت أن أحّرر أكثرها في الطبري‬
‫التي تروي الثار بالسانيد‪ .‬وبذلك استطع ُ‬
‫تحريًرا أرجو أن يكون حسًنا مقبول‪.‬‬
‫مجاز‬
‫ما ما تكّلم فيه من النحو واللغة ‪ ،‬فقد راجعته على أصوله ‪ ،‬من ذلك " َ‬
‫أ ّ‬
‫من يذكر أقوال‬
‫القرآن " لبي عبيدة ‪ " ،‬ومعاني القرآن " للفراء ‪ ،‬وغيرهما م ّ‬
‫أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين‪.‬‬
‫ب ‪ ،‬ونسبت‬
‫وأما شواه ُ‬
‫ت ما استطع ُ‬
‫ده فقد تتبع ُ‬
‫ت منها في دواوين العر ِ‬

‫) ‪(1/14‬‬
‫ج إلى تحقيق من‬
‫ما لم يكن منها منسوًبا ‪ ،‬وشرحُتها ‪ ،‬وحققت ما َيحتا ُ‬
‫قصائدها ‪ ،‬مختصًرا في ذلك ما استطعت‪.‬‬
‫ن كثيًرا ممن نقل عن الطبري ‪ ،‬رّبما أخطأ‬
‫ت في أثناء مراجعاتي أ ّ‬
‫وقد رأي ُ‬
‫ض عبارته‪.‬‬
‫مَراد الطبري ‪ ،‬فاعترض عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫في فهم ُ‬
‫ما استغلقَ عليه بع ُ‬
‫ض ما بدا لي خل َ‬
‫ب ذلك استيَعاًبا مخافة‬
‫ل التعليق ‪ ،‬ولم أستو ِ‬
‫ع ْ‬
‫فقيدت بع َ‬
‫ت عليه من ذلك في الجزء الّول ‪ ،‬ولكني‬
‫الطالة ‪ ،‬وتركت كثيًرا مما وقف ُ‬
‫ن أستدِرك ما فاتني من ذلك في الجزاء الباقية من التفسير إن شاء‬
‫أرجو أ ْ‬
‫الله رب َّنا سبحانه‪.‬‬
‫ما استعمله‬
‫ت عليه من اصطلح النحاة القدماء وغيرهم ‪ ،‬م ّ‬
‫ت ما وقف ُ‬
‫وبّين ُ‬
‫فه النحاة ُ وغيرهم في اصطلحهم ‪ ،‬بعد ذلك ‪ ،‬إلى اصطلح‬
‫الطبري ‪ ،‬وخال َ‬
‫ن أبّين ذلك فيما يأتي‬
‫دث‪ .‬ورّبما فاتني من ذلك شيٌء ‪ ،‬ولكني أرجو أ ْ‬
‫سَتح َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫صا بالمصطلحات ‪ ،‬في آخر ك ّ‬
‫ل جزٍء ‪،‬‬
‫خا‬
‫سا‬
‫فهر‬
‫ت‬
‫وضع‬
‫وقد‬
‫الجزاء‪.‬‬
‫من‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م عليه من الصطلح في موضع ‪،‬‬
‫ه‬
‫استب‬
‫ما‬
‫د‬
‫يج‬
‫أن‬
‫سر لطالب ذلك‬
‫َ‬
‫حتى يتي ّ‬
‫َ َ‬
‫في جزٍء آخر من الكتاب‪.‬‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ت‪،‬‬
‫ب أن أبّين ما انفرد َ به الطبريّ من القول في تأويل بعض اليا ِ‬
‫ت أح ّ‬
‫وكن ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ذلك سبًبا في‬
‫وأشرح ما أغ َ‬
‫ت أن يكو َ‬
‫فله المف ّ‬
‫سرون غيُره ‪ ،‬ولكني خف ُ‬
‫َ‬
‫زيادة الكتاب طول على طوله ؛ مع أني أَرى أن هذا أمٌر يكشف عن كتاب‬
‫قه في‬
‫سر ‪ ،‬وبمنهجه الذي اشت ّ‬
‫الطبري ‪ ،‬ويزيدنا معرفة بالطبري المف ّ‬
‫ص هو على‬
‫حر‬
‫ما‬
‫فأغفلوا‬
‫‪،‬‬
‫بعده‬
‫سرون من‬
‫التفسير ‪ ،‬ولم اختلف المف ّ‬
‫َ‬
‫بيانه ؟‬
‫ُ‬
‫ت المتتابعة‬
‫سّهل على قارئ كتابه ‪ ،‬فأجعل في آخرِ اليا ِ‬
‫ب أي ً‬
‫ت أح ّ‬
‫ضا أن أ َ‬
‫وكن ُ‬
‫َ‬
‫ت‪.‬‬
‫مل ّ‬
‫ت من الصفحا ِ‬
‫معُ ما تفّرق في عشرا ٍ‬
‫صا يج َ‬
‫التي انتهى من تفسيرها ‪ُ ،‬‬
‫خ ً‬
‫ه ‪ ،‬كانوا‬
‫ما ‪ ،‬ورأيت المف ّ‬
‫سرين الذين نقلوا عَن ْ ُ‬
‫ت نفسي قدي ً‬
‫وذلك أني رأي ُ‬
‫ما قبلها ‪ ،‬أو كانوا يقرأونه متفّرًقا‪.‬‬
‫يقرأون القطعة من التفسير مفصول ً‬
‫ةع ّ‬
‫ْ‬
‫خلط في معرفة‬
‫ت سبًبا في كثيرٍ من ال َ‬
‫وهذه القراءة ُ ‪ ،‬كما تبّين لي ‪ ،‬كان ْ‬
‫ْ‬
‫ل إليه لم يقلها‪ .‬لّنه لما خاف التكرار لطول‬
‫ُ‬
‫مَرادِ الطبري ‪ ،‬وفي نسبة أقوا ٍ‬
‫َ‬
‫ة منه بأّنه قد أبان‬
‫ضع على ما ل ب ُد ّ منه ‪ ،‬ث َ‬
‫ق ً‬
‫صر في بعض الموا ِ‬
‫ب ‪ ،‬اقت َ‬
‫الكتا ِ‬
‫فيما مضى من كتابه عن نهجه في تفسير اليات المتصلة المعاني‪ .‬والقارئ‬
‫فل عن هذا التراُبط بين الية التي‬
‫ت ‪ ،‬رّبما غ َ َ‬
‫مس لمعنى آيةٍ من اليا ِ‬
‫الملت ِ‬
‫ن يّتصل كل التصال ببيانه عن‬
‫يقرؤها ‪ ،‬واليات التي سبقَ للطبري فيها بيا ٌ‬
‫ً‬
‫هذه الية‪ .‬ولكني حين بدأت أفعل ذلك ‪ ،‬وجدت المر شاقا عسيًرا ‪ ،‬وأنه‬
‫د‬
‫ن‪ .‬وهذا شيٌء يزي ُ‬
‫يحتا ُ‬
‫ض ما مضى ‪ ،‬وإلى ِإطالةٍ في البيا ِ‬
‫ج ِإلى تكرار بع ِ‬
‫التفسيَر طول وضخامة‪.‬‬
‫ب على الطبري أنه ح َ‬
‫ه‬
‫شد َ في كتاب ِ ِ‬
‫ت أن كثيًرا من العلماء كان يعي ُ‬
‫ما رأي ُ‬
‫ول ّ‬
‫كثيًرا من الرواية عن السالفين ‪ ،‬الذين قرأوا الك ُُتب ‪ ،‬وذكروا في معاني‬
‫فْين ‪ :‬الّتوراة والنجيل ‪-‬‬
‫ن ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتاب َْين السال ِ َ‬
‫القرآ ِ‬
‫ة‬
‫ت رواي ً‬
‫ت أن أكشف عن طريقة الطبري في الستدلل بهذه الروايا ِ‬
‫أحبب ُ‬

‫جعل هذه‬
‫رواي ً‬
‫س في فهم مقصده ‪ ،‬وأّنه لم ي َ ْ‬
‫ة ‪ ،‬وأبّين كيف أخطأ النا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ة على كتاب الله الذي ل يأتيه الباطل من يديه ول من‬
‫الروايات قط مهيمن ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ت أن أبّين عند كل روايةٍ مقالة الطبريّ في ِإسناِدها ‪ ،‬وأنه إسناد ٌ‬
‫خلفه‪ .‬وأحبب ُ‬
‫ة في دين الله ‪ ،‬ول في تفسير كتابه ‪،‬‬
‫ج‬
‫ح ّ ٌ‬
‫ل َ تقوم به ُ‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ل بال ّ‬
‫شعر القديم ‪ ،‬على فهم معنى‬
‫وأن استدلله بها كان يقوم مقام الستدل ِ‬
‫ت في هذا الجزء ‪، 454 : 1‬‬
‫ق جملة‪ .‬وقد علق ُ‬
‫كلمة ‪ ،‬أو للدللة على سيا ِ‬
‫ن عن نهج للطبري في الستدلل بهذه‬
‫‪ 458‬وغيرهما من المواضع تعلي ً‬
‫قا يبي ُ‬
‫دا ‪ ،‬اعتماًدا على هذا التعليق‪.‬‬
‫ن كثيرة ج ّ‬
‫الثار ‪ ،‬وترك ُ‬
‫ت التعليقَ في أماك َ‬
‫سر " بعد الفراغ من‬
‫ت أن أد َع َ ذلك حتى أكتب كتاًبا عن " الطبري المف ّ‬
‫ورأي ُ‬
‫َ‬
‫ت هناك أشياء كثيرةً ‪ ،‬ينبغي بياُنها ‪ ،‬عن نهج‬
‫طبع هذا التفسير‪ .‬لني رأي ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫الطبري في تفسيره‪ .‬ورأيتني يجد ّ لي ك ّ‬
‫ل يوم جديد ٌ في معرفة نهجه ‪ ،‬كلما‬
‫فا لطريقته‪ .‬فاسأل الله أن يعنيني أن أفرد َ له كتاًبا‬
‫ة بكتابه ‪ ،‬وإل ً‬
‫ت معرف ً‬
‫زد ُ‬
‫جة في موضع موضٍع ‪ ،‬على‬
‫في الكلم عن أسلوبه في التفسير ‪ ،‬مع بيان الح ّ‬
‫دث‬
‫ح‬
‫كان‬
‫‪،‬‬
‫قال‬
‫كما‬
‫‪،‬‬
‫فإنه‬
‫م الله أبا جعفر ‪،‬‬
‫ّ‬
‫ما تبّين لي من أسلوبه فيه‪ .‬ورح َ‬
‫ن على‬
‫ي ‪ ،‬واستخار الله في عمله ‪ ،‬وسأله العو َ‬
‫نفسه بهذا التفسيرِ وهو صب ّ‬
‫ث سنين قبل أن يعمله ‪ ،‬فأعانه الله سبحانه‪ .‬ثم لما أراد أن‬
‫ما نواه ‪ ،‬ثل َ‬
‫يملي تفسيره قال لصحابه ‪ :‬أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا ‪ :‬كم يكون‬
‫ما تفَنى فيه العماُر قبل‬
‫قدُره ؟ فقال ‪ :‬ثلثون ألف ورقة‪ .‬فقالوا ‪ :‬هذا م ّ‬
‫ة‪ .‬فكان هذا الختصار سبًبا في تركه‬
‫تمامه! فاختصره لهم في ثلثة آلف ورق ٍ‬
‫دا لمن يتتّبع‬
‫نج ّ‬
‫البيا َ‬
‫نع ّ‬
‫ن في بيانه عند كل آية‪ .‬وهذا الختصاُر بي ّ ٌ‬
‫ما نجتهد نح ُ‬
‫هذا التفسيَر من أوِله ِإلى آخره‪.‬‬
‫ُ‬
‫ة للتفسير‪ .‬ولكّني‬
‫م ً‬
‫ت أن أكتب ترجم ً‬
‫ة للطبري أ ْ‬
‫جعَلها مقد ّ َ‬
‫ت رأي ُ‬
‫هذا وقد كن ُ‬
‫سر لي‬
‫وجدت الكتابة عن تفسيره في هذه الترجمة ‪ ،‬لن تتي ّ‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫جه في‬
‫ما استبهم من منها ِ‬
‫إل بعد الفراغ من كتابه ‪ ،‬وكشف النقاب ع ّ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ل ما‬
‫فجمع‬
‫‪،‬‬
‫للطبري‬
‫ة‬
‫ترجم‬
‫ت عن ذلك ‪ ،‬وقلت أجمع‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫تفسيره‪ .‬فأعرض ُ‬
‫في الكتب المطبوعة والمخطوطة من ترجمة وأخبار ‪ ،‬وما قيل في تصانيفه‬
‫ة في صدر هذا‬
‫ن ترجم ً‬
‫وتعدادها ‪ ،‬فإذا هي قد تجاوزت ما يمكن أن يكو َ‬
‫ج قريًبا بعون الله‬
‫ما بنفسه ‪ ،‬سوف يخر ُ‬
‫ت أن أفردها كتاًبا قائ ً‬
‫التفسير ‪ ،‬فآثر ُ‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫ّ‬
‫عها حتى أفرغ َ من الكتاب ك ُله ‪ ،‬فأصدرها‬
‫س ‪ ،‬فإ ِّني كنت أريد ُ أن أد َ‬
‫أ ّ‬
‫ما الفهار ُ‬
‫ّ‬
‫س ‪ ،‬وحاجتي أَنا ‪ ،‬إلى‬
‫ب كبيٌر ‪ ،‬وحاج ُ‬
‫في مجلدا ٍ‬
‫ت مستقلة ‪ ،‬ولكن الكتا َ‬
‫ة النا ِ‬
‫ُ‬
‫جل فأفرد بعض‬
‫ت أن أتع ّ‬
‫مراجعة بعضه على بعض ‪ ،‬وربط أّوله بآخره أوجب ْ‬
‫سا لليات التي استد ّ‬
‫الفهارس مع ك ُ ّ‬
‫ل بها في غير‬
‫ل جزء‪ .‬فجعلت فهر ً‬
‫موضعها من التفسير‪ .‬فقد تبّين لي أّنه رّبما ذكر في تفسير الية في هذا‬
‫الموضع ‪ ،‬قول في الية لم يذكُره في موضعها من تفسير السورة التي هي‬
‫منها‪.‬‬

‫سا ثانًيا للفاظ اللغة ‪ ،‬لنه كثير الحالة على ما مضى في كتابه ‪،‬‬
‫وأفردت فهر ً‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫وليكون هذا الفهرس مرجًعا لكل اللَغة التي رواها الطبري ‪ ،‬وكثير منها م ّ‬
‫لم يرد في المعاجم ‪ ،‬أو جاء بيانه عن معانيها أجود َ من بيان أصحاب‬
‫س ل َ ب ُد ّ أن يتم عند ك ُ ّ‬
‫ي شيٌء‬
‫المعاجم‪ .‬وهو فهر ٌ‬
‫ل جزء ‪ ،‬حتى ل َ يسقط عل ّ‬
‫من لغة الطبري‪.‬‬
‫سا ثالًثا لمباحث العربّية ‪ ،‬لّنه كثيًرا ما يحي ُ‬
‫ضع ‪،‬‬
‫ل على هذه الموا ِ‬
‫وأفردت فهر ً‬
‫ما تبّينُته وأنا أعمل في هذا التفسير‪ .‬وزدت‬
‫ول ّ‬
‫ن فيها نفًعا عظي ً‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫سُهل على‬
‫س غيرها ‪ ،‬لي ْ‬
‫فهر ً‬
‫سا رابًعا للمصطلحات القديمة التي استحدث النا ُ‬
‫ُ‬
‫سرها عند ك ّ‬
‫ل موضع‬
‫قارئ كتابه أن يجد تفسيرها في موضعها ‪ ،‬فِإني لم أف ّ‬
‫سا ‪ ،‬هو ردوده على‬
‫سا خام ً‬
‫ت فيه ‪ ،‬لكثرة تكرارها في الكتاب‪ .‬وفهر ً‬
‫ذكر ْ‬
‫الفرق وأصحاب الهواِء‪.‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫سا للرجال الذي تكلم عنهم أخي السيد أحمد في‬
‫سا ساد ً‬
‫ت فهر ً‬
‫وأفرد ُ‬
‫ُ‬
‫قق إسناًدا‬
‫المواضع المتفرقة من التفسير ‪ ،‬حتى يسهل على من يريد أن يح ّ‬
‫أن يجد ضاّلته‪ .‬فإ ِّنه حفظه الله ‪ ،‬لم يلتزم الكتابة على الرجال عند ك ُ ّ‬
‫ل ِإسناٍد‪.‬‬
‫س ل َ ب ُد ّ منه مع ك ُ ّ‬
‫ل جزٍء حتى ل َ تتكّرر الكتابة على الرجال في‬
‫وهذا فهر ٌ‬
‫مواضع مختلفة من الكتاب ‪ ،‬ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير‪.‬‬
‫أما الفهرس العام للكتاب ‪ ،‬فقد اقتصرت فيه على ذِك ْرِ ما سوى ذلك ‪ ،‬ولم‬
‫أذكر فيه بدأه في تفسير ك ُ ّ‬
‫ن آيات المصحف مرقمة ‪ ،‬وأثبتنا أرقام‬
‫ل آية ‪ ،‬ل ّ‬
‫اليات في رأس الصفحات‪ .‬فمن التمس تفسير آية ‪ ،‬فليستخرج رقمها من‬
‫ب رقمها في تفسير الطبري من رؤوس الصفحات‪.‬‬
‫المصحف ‪ ،‬وليطل ْ‬
‫***‬
‫هَ‬
‫ل جزٍء ‪ ،‬فإني سأجع ُ‬
‫سا مع ك ّ‬
‫صَنع للشعر فهر ً‬
‫لل ُ‬
‫هذا ‪ ،‬وقد ترك ُ‬
‫ت أن أ ْ‬
‫ب ‪ ،‬على نمط اخترُته لصناعته‪.‬‬
‫فهر ً‬
‫سا مفرًدا بعد تمام طبع الكتا ِ‬
‫مة ‪ ،‬فستكون بعد تمام الكتاب كله‪ .‬وهي تشتمل‬
‫ما فهارس الكتاب عا ّ‬
‫وأ ّ‬
‫قا في اختياره وعمله‪.‬‬
‫جو أن أكون موف ً‬
‫فهارس أسانيد الطبري ‪ ،‬على طراز أر ُ‬
‫س المعاني ‪،‬‬
‫ثم فهرس العلم ‪ ،‬وفهرس الماكن ‪ ،‬وفهر ُ‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫والفهارس الجامعة لما أفردُته من الفهارس مع ك ّ‬
‫ل جزء‪ .‬وهذا شيٌء ل َ ب ُد ّ‬
‫سر على‬
‫منه ‪ ،‬لضبط ما في التفسير من مناحي العلم المختلفة ‪ ،‬وليتي ّ‬
‫الطالب أن يجد ب ُْغيته حيث شاء من كتاب الطبري ‪ ،‬لّنه كثير الحالة في‬
‫كتابه على ما مضى منه‪.‬‬
‫***‬
‫ت أن أجعَ َ‬
‫ل‬
‫ت الصوا َ‬
‫ت ‪ ،‬وأرد ُ‬
‫ب ما استطع ُ‬
‫ت جهدي ‪ ،‬وتحّري ُ‬
‫وبعد ‪ ،‬فقد بذل ُ‬
‫ْ‬
‫ة‪ .‬ولكن كيف‬
‫ب المام ِ في التفسير ‪ُ ،‬زل َ‬
‫فى ِإلى اللهِ خالص ً‬
‫نشَر هذا الكتا ِ‬
‫ه! فأسأ ُ‬
‫يخُلص في زماننا عم ٌ‬
‫ل الله أن يتقّبل مني ما‬
‫ل من شائبة تشوب ُ‬
‫مدني‬
‫ت فيه ‪ ،‬وأن يغفر لي ما خالطه ِ‬
‫ن أمرِ هذه الدنيا ‪ ،‬وأن يتغ ّ‬
‫أخلص ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فعُ ما ٌ‬
‫م‪ .‬وأضرع إليه‬
‫ه بِ َ‬
‫م ل ي َن ْ َ‬
‫ل َول ب َُنو َ‬
‫برحمته ي َوْ َ‬
‫ب َ‬
‫ن أَتى الل َ‬
‫ن ‪ ،‬إل َ‬
‫قل ٍ‬
‫م ْ‬
‫سِلي ٍ‬

‫ب‬
‫سب َ ُ‬
‫أن يغفر ل ََنا ولخواِننا ال ّ ِ‬
‫ن الحمد ُ لله ر ّ‬
‫ن َ‬
‫وانا أ ِ‬
‫قوَنا باليمان ‪ ،‬وآخُر د َعْ َ‬
‫ذي َ‬
‫العالمين‪ .‬محمود محمد شاكر‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫بركة من الله وأمر‬
‫ّ‬
‫قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ست وثلثمئة ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ح َ‬
‫صمت العقو َ‬
‫حججه )‬
‫كمه ‪ ،‬و َ‬
‫ل لطائ ُ‬
‫ب بدائعُ ِ‬
‫ف ُ‬
‫جت اللبا َ‬
‫ح ّ‬
‫الحمد لله الذي َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫صْنعه ‪ ،‬و َ‬
‫‪ (1‬وقطعت عذَر الملحدين عجائ ُ‬
‫هتف ْ‬
‫ب ُ‬
‫ن ألس ُ‬
‫ت في أسماع العالمي َ‬
‫َ‬
‫ل له معادل )‪ (2‬ول مث َ‬
‫عد ْ َ‬
‫ل‬
‫أدّلته ‪ ،‬شاهدةٌ أنه الله الذي ل َ إله إل هو ‪ ،‬الذي ل ِ‬
‫له مماثل ‪ ،‬ول شري َ‬
‫ة ول‬
‫هر ‪ ،‬ول َولد َ له ول والد ‪ ،‬ولم يكن له صاحب ٌ‬
‫مظا ِ‬
‫ك له ُ‬
‫وا أحد ٌ ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ‪ ،‬والعزيز الذي ذلت‬
‫كف ً‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫ن له جمي ُ‬
‫لعّزته الملوك العّزة ‪ ،‬وخشعت لمهابة سطوته ذ َُوو المهابة ‪ ،‬وأذع َ‬
‫ها ‪ ،‬كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ‪:‬‬
‫الخلق بالطاعة طوْ ً‬
‫عا وَك َْر ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِبالغُد ُّو‬
‫ض طو ْ ً‬
‫عا وَكْر ً‬
‫ها وَ ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫س ُ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫} وَل ِل ّهِ ي َ ْ‬
‫ظللهُ ْ‬
‫س َ‬
‫جد ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫ل { ]سورة الرعد ‪ .[15 :‬فكل موجود إلى َوحدانيته داع ‪ ،‬وكل‬
‫َوال َ‬
‫صا ِ‬
‫سمهم به من آثار الصنعة ‪ ،‬من نقص وزيادة‬
‫محسوس إلى ُربوبيته هاد ‪ ،‬بما و َ‬
‫ن‬
‫‪ ،‬وعجز وحاجة ‪ ،‬وتصرف في عاهات عارضة ‪ ،‬ومقارنة أحداث لزمة ‪ ،‬لتكو َ‬
‫له الحجة البالغة‪.‬‬
‫ّ‬
‫ت به من ذلك أدلُته ‪ ،‬وأكد ما استنارت في القلوب منه‬
‫ثم أْردف ما شهد ْ‬
‫ل ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ‪ ،‬دعاة ً إلى ما اتضحت لديهم‬
‫بهجته ‪ ،‬برس ٍ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ج ٌ‬
‫ة ب َعْد َ‬
‫ح ّ‬
‫س عَلى اللهِ ُ‬
‫حته ‪ ،‬وثبتت في العقول حجته ‪ } ،‬ل َِئل ي َكو َ‬
‫ص ّ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ل { ]سورة النساء ‪[165 :‬‬
‫الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬حاجه يحاجه ‪ :‬نازعه الحجة ‪ ،‬وحجه يحجه ‪ :‬غلبه على حجته‪ .‬وخاصمه ‪:‬‬
‫جادله بالحجة والبرهان ‪ ،‬وخصمه ‪ :‬غلبه وظهرت حجته على حجته‪ .‬واللطائف‬
‫‪ :‬جمع لطيفة ‪ ،‬وكل شيء دقيق محكم وغامض خفي ‪ ،‬يحتاج إلى الرفق‬
‫والتأني في إدراكه ‪ ،‬فهو لطيف‪.‬‬
‫)‪ (2‬العدل )بكسر العين وفتحها وسكون الدال( والعديل ‪ :‬النظير والمثيل‪.‬‬
‫وعادله ‪ :‬ساواه وماثله‪.‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫وليذ ّ ّ‬
‫ونه ‪ ،‬وأبانهم من سائر خلقه ‪ ،‬بما دل‬
‫كر أولو النهي والحلم‪ .‬فأم ّ‬
‫دهم بع ْ‬
‫به على صدقهم من الدلة ‪ ،‬وأيدهم به من الحجج البالغة والي المعجزة ‪ ،‬لئل‬
‫ْ‬
‫م ي َأ ْك ُ ُ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫ذا ِإل ب َ َ‬
‫ما هَ َ‬
‫ب‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫شٌر ِ‬
‫شَر ُ‬
‫ما ت َأك ُُلو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫يقول القائل منهم )‪َ } (1‬‬
‫شربون * ول َئ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م بَ َ‬
‫ن { ]سورة‬
‫م إ ًِذا ل َ‬
‫خا ِ‬
‫شًرا ِ‬
‫ِ‬
‫سُرو َ‬
‫ما ت َ ْ َ ُ َ‬
‫م إ ِن ّك ْ‬
‫مث ْلك ْ‬
‫ن أط َعْت ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫َ ْ‬
‫المؤمنون ‪ [34 - 33 :‬فجعلهم سفراَء بينه وبين خلقه ‪ ،‬وأمناءه على وحيه ‪،‬‬
‫واختصهم بفضله ‪ ،‬واصطفاهم برسالته ‪ ،‬ثم جعلهم ‪ -‬فيما خصهم به من‬
‫مفترقة ‪،‬‬
‫ن به عليهم من كراماته ‪ -‬مرات َ‬
‫ب مختلفة ‪ ،‬ومنازل ُ‬
‫مواهبه ‪ ،‬وم ّ‬
‫ورفع بعضهم فوق بعض درجات ‪ ،‬متفاضلت متباينات‪ .‬فكّرم بعضهم بالتكليم‬

‫صه بإحياء الموتى ‪ ،‬وإبراء أولى‬
‫والنجوى ‪ ،‬وأّيد بعضهم بُروح القدس ‪ ،‬وخ ّ‬
‫دا صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬من الدرجات‬
‫ضل نبينا محم ً‬
‫العاهة والعمى ‪ ،‬وف ّ‬
‫بالعليا ‪ ،‬ومن المراتب بالُعظمى‪ .‬فحباه من أقسام كرامته بالقسم الفضل )‬
‫وة بالحظ الجَزل ‪ ،‬ومن التباع والصحاب بالنصيب‬
‫‪ (2‬وخصه من درجات النب ّ‬
‫دا ‪ ،‬وعصمه‬
‫الوفر‪ .‬وابتعثه بالدعوة التامة ‪ ،‬والرسالة العامة ‪ ،‬وحاطه وحي ً‬
‫دين ‪،‬‬
‫دا ‪ ،‬من كل جبار عاند ‪ ،‬وكل شيطان مارد )‪ (3‬حتى أظهر به ال ّ‬
‫فري ً‬
‫محق به منار ال ّ‬
‫شرك‪ .‬وزهق به‬
‫وأوضح به السبيل ‪ ،‬وأنهج به معالم الحق ‪ ،‬وَ َ‬
‫ل ‪ ،‬واضمحل به الضل ُ‬
‫الباط ُ‬
‫خد َع ُ الشيطان وعبادةُ الصنام والوثان )‪(4‬‬
‫لو ُ‬
‫مّر‬
‫مؤي ً‬
‫دا بدللة على اليام باقية ‪ ،‬وعلى الدهور والزمان ثابتة ‪ ،‬وعلى َ‬
‫الشهور والسنين دائمة ‪ ،‬يزداد ضياؤها على كّر الدهور إشراًقا ‪ ،‬وعلى مّر‬
‫الليالي واليام‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوع ‪ " :‬القائل فيهم " ‪ ،‬ومثل هذا التبديل كثير في المطبوع ‪،‬‬
‫سأغفل منه ما شئت لكثرته ‪ ،‬وطلبا للختصار في التعليق بما ل غناء فيه‪.‬‬
‫)‪ (2‬القسام ‪ :‬جمع قسم )بكسر فسكون( ‪ ،‬وهو الحظ والنصيب من الخير‪.‬‬
‫)‪ (3‬الجبار العنيد والعاند ‪ :‬الذي جار ومال عن طريق الحق ‪ ،‬ثم عتا وطغا‬
‫وجاوز قدره‪ .‬والمارد ‪ :‬الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية ‪ ،‬فتطاول عتوا‬
‫وتجبًرا‪.‬‬
‫)‪ (4‬في المخطوطة ‪ " :‬وجدع " بالجيم مضمومة ‪ ،‬من جدع النف ‪ ،‬وهو‬
‫قطعها ‪ ،‬كناية عن الذلل‪ .‬ول أظنها جيدة هنا‪ .‬والخدع جمع خدعة )بضم‬
‫فسكون( ‪ :‬وهي ما يخدع به من المكر والختل‪.‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫صى من الله له بها دون سائر رسله )‪ - (1‬الذين قهرتهم‬
‫ائتلًقا ‪ِ ،‬‬
‫صي َ‬
‫خ ّ‬
‫ّ‬
‫ت بعدهم منهم الثار ‪ ،‬وأخملت‬
‫الجبابرة ‪ ،‬واستذلتهم المم الفاجرة ‪ ،‬فتع ّ‬
‫ف ْ‬
‫مْرسل إلى أمة دون أمة ‪،‬‬
‫ذكرهم الليالي واليام ‪ -‬ودون من كان منهم ُ‬
‫صة دون عامةٍ ‪ ،‬وجماعة دون كاّفة‪.‬‬
‫وخا ّ‬
‫فالحمد ُ لله الذي كرمنا بتصديقه ‪ ،‬وشّرفنا باّتباعه ‪ ،‬وجعلنا من أهل القرار‬
‫واليمان به وبما دعا إليه وجاء به ‪ ،‬صلى الله عليه وعلى آله وسلم ‪ ،‬أزكى‬
‫صلواته ‪ ،‬وأفض َ‬
‫م تحياته‪.‬‬
‫ل سلمه ‪ ،‬وأت ّ‬
‫ص الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه‬
‫ثم أما بعد )‪ (2‬فإ ّ‬
‫ن من جسيم ما خ ّ‬
‫وسلم من الفضيلة ‪ ،‬وشّرفهم به على سائر المم من المنازل الرفيعة ‪،‬‬
‫وحباهم به من الكرامة السنية ‪ ،‬حف َ‬
‫ظه ما حفظ عليهم ‪ -‬ج ّ‬
‫ل ذكره وتقدست‬
‫أسماؤه ‪ -‬من وحيه وتنزيله ‪ ،‬الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله‬
‫ة بالغة‬
‫ة واضحة ‪ ،‬وحج ً‬
‫عليه وسلم دللة ‪ ،‬وعلى ما خصه به من الكرامة علم ً‬
‫حد ‪،‬‬
‫مل ِ‬
‫صل به بينهم وبين كل جاحد و ُ‬
‫‪ ،‬أبانه به من كل كاذب ومفترٍ ‪ ،‬وف َ‬
‫وفَرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين‬
‫جّنها وإنسها وصغيرها وكبيرها ‪ ،‬على أن يأتوا بسورة من مثله‬
‫أقطارها ‪ ،‬من ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جى الظلم‬
‫لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيًرا )‪ . (3‬فجعله لهم في د ُ َ‬
‫دف ال ّ‬
‫ضلة المسالك دليل‬
‫شَبه شهاًبا لمًعا )‪ (4‬وفي م َ‬
‫س َ‬
‫نوًرا ساطًعا ‪ ،‬وفي ُ‬
‫ّ‬
‫سب ُلَ‬
‫هادًيا ‪ ،‬وإلى سبل النجاة والحق حادًيا ‪ } ،‬ي َهْ ِ‬
‫ن ات ّب َعَ رِ ْ‬
‫ه ُ‬
‫وان َ ُ‬
‫ه َ‬
‫دي ب ِهِ الل ُ‬
‫ض َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ط‬
‫سلم ِ وَي ُ ْ‬
‫صَرا ٍ‬
‫م إ ِلى ِ‬
‫ت إ َِلى الّنورِ ب ِإ ِذ ْن ِهِ وَي َهْ ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ديهِ ْ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫جهُ ْ‬
‫م َ‬

‫قيم ٍ { ]سورة المائدة ‪ .[16 :‬حرسه بعين‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫__________‬
‫صا " ‪ ،‬وهو تصرف من الطابعين‪ .‬خصه بالشيء‬
‫)‪ (1‬في المطبوع ‪ " :‬تخصي ً‬
‫يخصه خصا وخصوصية )بفتح الخاء وضمها( وخصيصى ‪ :‬أفرده به دون غيره‪.‬‬
‫جا على ما ألفوا‬
‫)‪ (2‬حذف الطابعون قوله ‪ " :‬ثم " ‪ ،‬ليجعلوا كلم الطبري دار ً‬
‫من الكلم‪.‬‬
‫)‪ (3‬يضمن ما جاء في سورة البقرة ‪ ، 23 :‬ويونس ‪ ، 38 :‬والسراء ‪.88 :‬‬
‫)‪ (4‬السدف ‪ :‬جمع سدفة ‪ ،‬وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء ‪ ،‬تكون‬
‫في أول الليل وآخره ‪ ،‬ما بين الظلمة إلى الشفق ‪ ،‬وما بين الفجر إلى‬
‫الصلة‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫منه ل َ تنام ‪ ،‬وحاطه بُركن منه ل َ يضام ‪ ،‬ل َ ت َِهي على اليام دعائمه ‪ ،‬ول تبيد‬
‫جة تابعه )‪ (1‬ول يضل‬
‫على طول الزمان معالمه ‪ ،‬ول يجوز عن قصد المح ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وى ‪،‬‬
‫صاحبه‪ .‬من اتبعه فاز وهُ ِ‬
‫عن ُ‬
‫سُبل الهدى ُ‬
‫م َ‬
‫دى ‪ ،‬ومن حاد عنه ضل وغ َ‬
‫فهو موئلهم الذي إليه عند الختلف ي َِئلون ‪ ،‬ومعقلهم الذي إليه في النوازل‬
‫يعقلون )‪ (2‬وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ‪ ،‬وحكمة ربهم‬
‫صل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ‪ ،‬وعن الرضى به‬
‫التي إليها يحتكمون ‪ ،‬وف ْ‬
‫يصدرون ‪ ،‬وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون‪.‬‬
‫ح َ‬
‫مَتشابهه ‪ ،‬وحلله وحرامه ‪،‬‬
‫م ْ‬
‫كمه و ُ‬
‫اللهم فوفقنا لصابة صواب القول في ُ‬
‫سره ‪ ،‬وناسخه ومنسوخه ‪ ،‬وظاهره وباطنه ‪،‬‬
‫مله ومف ّ‬
‫صه ‪ ،‬ومج َ‬
‫وعا ّ‬
‫مه وخا ّ‬
‫م ْ‬
‫كله‪ .‬وألهمنا التمسك به والعتصام بمحكمه ‪ ،‬والثبات‬
‫ش ِ‬
‫وتأويل آية وتفسير ُ‬
‫ت به علينا من حفظه‬
‫على التسليم لمتشابهه‪ .‬وأوزعنا الشكر على ما أنعم َ‬
‫والعلم بحدوده‪ .‬إنك سميع الدعاء قريب الجابة‪ .‬وصلى الله على محمد النبي‬
‫وآله وسلم تسليما‪.‬‬
‫رفت إلى علمه العناية ‪ ،‬وب ُِلغت‬
‫اعلموا عباد َ الله ‪ ،‬رحمكم الله ‪ ،‬أن أحقّ ما ُ‬
‫ص ِ‬
‫ضى ‪ ،‬وللعالم به إلى سبيل‬
‫في معرفته الغاية ‪ ،‬ما كان لله في العلم به ر ً‬
‫ب الله الذي ل ريب فيه ‪ ،‬وتنزيله‬
‫الرشاد هدى ‪ ،‬وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتا ُ‬
‫ى الجر تاليه ‪ ،‬الذي ل يأتيه‬
‫الذي ل ِ‬
‫مْرية فيه ‪ ،‬الفائُز بجزيل الذخر وسن ّ‬
‫ٌ‬
‫حميد )‪. (3‬‬
‫حكيم‬
‫من‬
‫ل‬
‫تنزي‬
‫‪،‬‬
‫خلفه‬
‫من‬
‫ول‬
‫يديه‬
‫بين‬
‫من‬
‫الباطل‬
‫َ‬
‫ونحن ‪ -‬في شرح تأويله ‪ ،‬وبيان ما فيه من معانيه ‪ -‬منشئون إن شاء الله‬
‫عًبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه ‪ ،‬جامًعا ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك ‪ ،‬كتاًبا مستو ِ‬
‫سائر الكتب‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬المحجة ‪ :‬الطريق‪ .‬والقصد ‪ :‬استقامة الطريق وسهولته‪.‬‬
‫)‪ (2‬وأل يئل وأل ووؤول ‪ :‬لجأ طلًبا للنجاة‪ .‬والموئل ‪ :‬الملجأ والمنجى‪.‬‬
‫والمعقل ‪ :‬الحصن المنيع في رأس الجبل ‪ ،‬وعقل إليه يعقل عقل وعقول ‪:‬‬
‫لجأ إليه وامتنع به‪ .‬وفي المطبوعة " يعتقلون " ‪ ،‬وفي المخطوطة مثلها غير‬
‫منقوطة‪ .‬ولم أجد " اعتقل " بمعنى عقل‪ .‬وإن صحت في قياس العربية‪.‬‬
‫)‪ (3‬تضمين آية سورة فصلت ‪. 42 :‬‬
‫) ‪(1/6‬‬

‫غيره في ذلك كافًيا‪ .‬ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة‬
‫عَلل كل‬
‫مبّينو ِ‬
‫ه‪ .‬و ُ‬
‫فيما اتفقت عليه منه )‪ (1‬واختلفها فيما اختلفت فيه من ُ‬
‫ضحو الصحيح لدينا من ذلك ‪ ،‬بأوجز ما أمكن من‬
‫مو َ ّ‬
‫مذهب من مذاهبهم ‪ ،‬و ُ‬
‫اليجاز في ذلك ‪ ،‬وأخصر ما أمكن من الختصار فيه‪.‬‬
‫والله نسأ ُ‬
‫خطه‪ .‬وصلى‬
‫مسا ِ‬
‫ل عونه وتوفيقه لما يقرب من م َ‬
‫حاب ّهِ ‪ ،‬ويْبعد من َ‬
‫ما كثيًرا‪.‬‬
‫صفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسلي ً‬
‫الله على َ‬
‫وأو ُ‬
‫ة بها أولى‬
‫ة عن السباب التي البداي ُ‬
‫قيل في ذلك ‪ :‬البان ُ‬
‫ل ما نبدأ به من ال ِ‬
‫ن عما في آي القرآن من‬
‫حرى‪ .‬وذلك ‪ :‬البيا ُ‬
‫‪ ،‬وتقديمها قبل ما عداها أ ْ‬
‫ّ‬
‫ة العلوم العربية ‪،‬‬
‫المعاني التي من قَِبلها يدخل اللْبس على من لم يعان رياض َ‬
‫سن السليقية الطبيعية‪.‬‬
‫ولم تستحكم معرفُته بتصاريف وجوه منطق الل ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة " عليه المة " ‪ ،‬وهو تصرف ل خير فيه‪ .‬والهاء في " منه‬
‫" راجعة إلى كتاب الله‪.‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫)القو ُ‬
‫ن نزل‬
‫ن عن اتفاق معاني آي القرآن ‪ ،‬ومعاني من ِ‬
‫طق َ‬
‫م ْ‬
‫ل في البيا ِ‬
‫دللة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو‬
‫جه البيان ‪ -‬وال ّ‬
‫بلسانه القرآن من وَ ْ‬
‫ن سائَر‬
‫ضل المعَنى الذي به َباَين القرآ ُ‬
‫الحكمة البالغة ‪ -‬مع البانةِ عن ف ْ‬
‫الكلم(‬
‫قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ ‪ ،‬رحمه الله ‪:‬‬
‫مّنته على خلقه ‪ ،‬ما‬
‫إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده ‪ ،‬وجسيم ِ‬
‫صدورهم ُيبينون ‪ ،‬وبه على عزائم‬
‫منحهم من فَ ْ‬
‫ضل البيان الذي به عن ضمائر ُ‬
‫ّ‬
‫نفوسهم ي َد ُّلون ‪ ،‬فذ َلل به منهم اللسن )‪ (1‬وسّهل به عليهم المستصعب‪.‬‬
‫صلون ‪،‬‬
‫سّبحون ويق ّ‬
‫فب ِهِ إياه ي ُوَ ّ‬
‫حدون ‪ ،‬وإّياه به ي َ‬
‫دسون ‪ ،‬وإلى حاجاتهم به يتو ّ‬
‫وبه بينهم يَتحاوُرون ‪ ،‬فيتعارفون ويتعاملون‪.‬‬
‫ثم جعلهم ‪ ،‬ج ّ‬
‫ت ‪ ،‬ورفع بعضهم فوق‬
‫ل ذكره ‪ -‬فيما منحهم من ذلك ‪ -‬طبقا ٍ‬
‫حم ٍ )‪ (2‬عن‬
‫ذب ‪ ،‬وم ْ‬
‫مهْ ِ‬
‫بعض درجا ٍ‬
‫ف َ‬
‫ن خطيب م ْ‬
‫ق اللسان ُ‬
‫ت ‪ :‬فب َي ْ َ‬
‫سِهب ‪ ،‬وذ َل ِ ِ‬
‫ى عن ضمير قلبه ل يعَبر‪ .‬وجعل أعلهم فيه ُرتبة ‪،‬‬
‫وع‬
‫‪،‬‬
‫يبين‬
‫نفسه ل ُ‬
‫َ ّ‬
‫ة ‪ ،‬أبلَغهم فيما أراد َ به َبل ً‬
‫غا ‪ ،‬وأبيَنهم عن نفسه به بياَنا‪ .‬ثم‬
‫وأرفعهم فيه درج ً‬
‫ي كتابه فض َ‬
‫ل ما حباهم به من البيان ‪ ،‬على من‬
‫عّرفهم في تنزيله ومحكم آ ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ذلل الشيء ‪ :‬لينه وسهله ونفى عنه جفوته وصعوبته‪.‬‬
‫)‪ (2‬أسهب الرجل ‪ :‬أكثر الكلم ‪ ،‬فإذا أكثر الكلم في خطأ قالوا ‪ :‬رجل‬
‫مسهب )بفتح الهاء( ‪ ،‬وإذا أكثر وأصاب فهو مسهب )بكسر الهاء(‪ .‬وذلق‬
‫اللسان ‪ :‬فصيح طليق ل يتوقف‪ .‬وقوله " مهذب " ‪ :‬من أهذب الطائر في‬
‫طيرانه ‪ ،‬والفرس في عدوه ‪ ،‬والمتكلم في كلمه ‪ :‬أسرع وتابع ‪ ،‬وفي حديث‬
‫ب الركوع " أي يسرع فيه ويتابعه‪ .‬يقال ‪ :‬كلمنى فلن‬
‫أبي ذر " فجعل يهذ ُ‬
‫فأفحمته ‪ :‬أسكته فلم يطق جواًبا وانقطع ‪ ،‬فهو مفحم‪ .‬وفي المطبوعة "‬
‫ومعجم عن نفسه‪" ..‬‬
‫) ‪(1/8‬‬

‫ضلهم به عليه من ذى الب َ َ‬
‫جم اللسان )‪ (1‬فقال تعالى ذكُره ‪:‬‬
‫ف ّ‬
‫مست َعْ ِ‬
‫كم وال ُ‬
‫شأ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن { ]سورة الزخرف ‪:‬‬
‫بي‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫م‬
‫صا‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ِ َ ِ َ ُ َ ِ‬
‫ِ‬
‫}أ َ َ ْ َُ‬
‫ِ َ ِ ُْ ُ ِ ٍ‬
‫ن فض َ‬
‫ل أهل البيان‬
‫ح إذا لذوي الفهام ‪ ،‬وتبين لولي اللباب ‪ ،‬أ ّ‬
‫ض َ‬
‫‪ .[18‬فقد وَ َ‬
‫على أهل الب َ َ‬
‫كم والمستعجم ِ اللسان ‪ ،‬بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة‬
‫ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ‪ ،‬واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه‪.‬‬
‫ل المفضو َ‬
‫ن الفاض ُ‬
‫ل في ذلك ‪،‬‬
‫فإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ -‬وكان المعنى الذي به باي َ‬
‫ضل إبانة ذى البيان ‪ ،‬عما‬
‫فصار به فاضل والخُر مفضول هو ما وصفنا من ف ْ‬
‫ت الغايات‬
‫م اللسان ‪ ،‬وكان ذلك مختل َ‬
‫ف القدار ‪ ،‬متفاو َ‬
‫صر عنه المستعج ُ‬
‫ق ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة ‪ ،‬وأسنى مراتبه مرتب ً‬
‫والنهايات ‪ -‬فل شك أن أعلى منازل البيان درج ً‬
‫مِبين عن نفسه ‪ ،‬وأبيُنه عن مراد قائله ‪ ،‬وأقرُبه من فهم‬
‫أبلُغه في حاجة ال ُ‬
‫سع النام ‪ ،‬وعجز عن أن يأتي‬
‫سامعه‪ .‬فإن تجاوز ذلك المقدار ‪ ،‬وارتفع عن وُ ْ‬
‫ة‬
‫ما لرسل الواحد القهار ‪ -‬كما كان حج ً‬
‫بمثله جميعُ العباد ‪ ،‬كان حج ً‬
‫ة وعَل َ ً‬
‫ما لها إحياُء الموتى وإبراُء البرص وذوي العمى ‪ ،‬بارتفاع ذلك عن مقادير‬
‫وعَل َ ً‬
‫علج المعالجين ‪ ،‬إلى ما يعجز‬
‫ب المتطببين )‪ (2‬وأرفع مراتب ِ‬
‫أعلى منازل ط ّ‬
‫ة وعَل ًَ‬
‫ما قطعُ مسافة شهرين في‬
‫حج‬
‫لها‬
‫كان‬
‫وكالذي‬
‫مين‪.‬‬
‫ً‬
‫عنه جميع العال َ ِ‬
‫الليلة الواحدة ‪ ،‬بارتفاع ذلك عن ُوسع النام ‪ ،‬وتع ّ‬
‫ذر مثله على جميع العباد ‪،‬‬
‫وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ‪ ،‬ولليسير منه فاعلين‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ول حكمة‬
‫فنا من ذلك كالذي وص ْ‬
‫فإذ ْ كان ما وص ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ل بيان أب ْي َ ُ‬
‫فنا ‪ ،‬فبي ّ ٌ‬
‫دى به‬
‫م أشر ُ‬
‫ف ‪ -‬من بيان ومنطق تح ّ‬
‫أبلغُ ‪ ،‬ول منطقَ أعلى ‪ ،‬ول كل َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬كل من ل يقدر على الكلم فهو أعجم ومستعجم‪ .‬استعجمت عليه قراءته‬
‫‪ :‬التبست عليه فلم يتهيأ له أن يمضي فيها ‪ ،‬فسكت وانقطع عن القراءة‪.‬‬
‫)‪ (2‬مقادير ‪ :‬جمع مقدار ‪ ،‬وهو القوة ‪ ،‬ومثله القدر والقدرة والمقدرة‪.‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫امرؤ قو ً‬
‫ما في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلغة ‪ ،‬وقي ِ‬
‫ل الشعرِ‬
‫صاحة ‪ ،‬والسجع والكهانة ‪ ،‬على كل خطيب منهم وبليغ )‪ (1‬وشاعر منهم‬
‫والف َ‬
‫ّ‬
‫صر بعقولهم )‪ (2‬وتبرأ‬
‫وق‬
‫‪،‬‬
‫أحلمهم‬
‫فه‬
‫ّ‬
‫فس‬
‫‬‫وكهانة‬
‫سجع‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وك‬
‫‪،‬‬
‫وفصيح‬
‫ّ‬
‫من دينهم ‪ ،‬ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ‪ ،‬والقرار بأنه‬
‫رسو ٌ‬
‫جَته على‬
‫دق مقالته ‪ ،‬وح ّ‬
‫ل إليهم من ربهم‪ .‬وأخبرهم أن دللته على ص ْ‬
‫وته ‪ -‬ما أتاهم به من البيان ‪ ،‬والحكمة والفرقان ‪ ،‬بلسان مثل‬
‫حقيقة نب ّ‬
‫ي منطقهم‪ .‬ثم أنبأ جميعهم أنهم عن‬
‫ألسنتهم ‪ ،‬ومنطق موافقةٍ معانيه معان َ‬
‫ة‪ .‬فأقّر جميُعهم بالعجز ‪،‬‬
‫جَزة ‪ ،‬ومن القدرة عليه ن َ‬
‫ص ٌ‬
‫أن يأتوا بمثل بعضه عَ َ‬
‫ق َ‬
‫وأذعنوا له بالتصديق ‪ ،‬وشهدوا على أنفسهم بالنقص‪ .‬إل من تجاهل منهم‬
‫وتعامى ‪ ،‬واستكبر وتعاشى ‪ ،‬فحاول تكّلف ما قد علم أنه عنه عاجز ‪ ،‬ورام ما‬
‫ي‬
‫قد تيقن أنه عليه غير قادر‪ .‬فأبدى من ضعف عقله ما كان مستتًرا ‪ ،‬ومن ِ‬
‫ع ّ‬
‫جُز عنه الضعيف الخرق ‪ ،‬والجاهل‬
‫صوًنا ‪ ،‬فأتى بما ل يع ِ‬
‫لسانه ما كان م ُ‬
‫الحمق ‪ ،‬فقال ‪ " :‬والطاحنات طحًنا ‪ ،‬والعاجنات عجًنا ‪ ،‬فالخابزات خبًزا ‪،‬‬
‫ة‬
‫والثاردات ث َْرًدا ‪ ،‬واللقمات ل َ ْ‬
‫ما " ! )‪ (3‬ونحو ذلك من الحماقات المشبه ِ‬
‫ق ً‬
‫دعواه الكاذبة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن منازل درجات الكلم ‪ ،‬بما وصفنا قبل‬
‫فإذ ْ كان تفا ُ‬
‫ضل مراتب البيان ‪ ،‬وتباي ُ ُ‬

‫م الحلماء ‪،‬‬
‫م الحكماء ‪ ،‬وأحل َ‬
‫ وكان الله تعالى ذكُره وتقدست أسماؤه ‪ ،‬أحك َ‬‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬كل خطيب‪ " ..‬بحذف " على " ‪ ،‬وفي المخطوطة "‬
‫على خطيب‪ " ..‬بحذف " كل " ‪ .‬وكلتاهما ل يستقيم بها كلم‪ .‬والصواب ما‬
‫أثبتناه‪ .‬وأراد الطبري أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلغة‪ ...‬على كل خطيب‬
‫منهم وبليغ " ‪ .‬يعني أن الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫بالقرآن من العرب ‪ ،‬كانوا رؤساء البيان والبلغة على كل مبين وبليغ من‬
‫سائر العرب‪.‬‬
‫)‪ (2‬سفه أحلمهم ‪ :‬نسبهم إلى السفه ‪ ،‬وهو خفة الحلم واضطراب الرأي‬
‫وضعفه ‪ ،‬وهو باب من الجهل‪ .‬وفي المطبوعة ‪ " :‬وقصر معقولهم "‬
‫والمعقول مصدر كالعقل ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما لفلن معقول ‪ ،‬أي ما له عقل‪ .‬وكأنه‬
‫أراد بقوله " قصر " ‪ :‬نسبهم إلى قصر العقل وقلته‪ .‬وأما قوله " قصر‬
‫بعقولهم " ‪ ،‬فكأنه ضمن " قصر " معنى استخف بها ‪ ،‬فعداه بالباء ‪ ،‬أي عاب‬
‫عقولهم واستقصرها واستخف بها‪ .‬وأنا في شك من صواب هذا الحرف‪.‬‬
‫)‪ (3‬من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله‪ .‬انظر تاريخ الطبري ‪245 : 3‬‬
‫وسواه‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ن البيان بياُنه ‪ ،‬وأفض َ‬
‫ضل بيانه‬
‫ل الكلم كلمه ‪ ،‬وأن قدَر ف ْ‬
‫ كان معلو ً‬‫ما أن أبي َ‬
‫‪،‬ج ّ‬
‫ل ذكره ‪ ،‬على بيان جميع خلقه ‪ ،‬كفضله على جميع عباده‪.‬‬
‫ب غيره بما ل يفهمه‬
‫ن خاط َ‬
‫فإذ ْ كان كذلك ‪ -‬وكان غيَر مبين مّنا عن نفسه َ‬
‫م ْ‬
‫دا من‬
‫ب جل ذكره أح ٌ‬
‫ما أنه غير جائز أن يخاط َ‬
‫عنه المخاطب ‪ -‬كان معلو ً‬
‫ب ‪ ،‬ول يرس َ‬
‫ل إلى أحد منهم رسول برسالة إل‬
‫خلقه إل بما يفهمه المخاط َ ُ‬
‫س َ‬
‫س ُ‬
‫ل إليه ‪ ،‬إن لم يفهم‬
‫ل إليه‪ .‬لن المخاطب والمر َ‬
‫ن يفهمه المر َ‬
‫ن وبيا ٍ‬
‫بلسا ٍ‬
‫ه ‪ -‬قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة‬
‫ما خوطب به وأرسل به إليه ‪ ،‬فحال ُ‬
‫ة شيًئا كان به قبل ذلك‬
‫ب والرسال ُ‬
‫ده الخطا ُ‬
‫ده ‪ -‬سواٌء ‪ ،‬إذ لم يف ْ‬
‫إليه وبع َ‬
‫ة ل توجب‬
‫جاهل‪ .‬والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطاًبا أو يرسل رسال ً‬
‫خوطب أو أرسلت إليه ‪ ،‬لن ذلك فينا من فعل أهل النقص‬
‫فائدة لمن ُ‬
‫ل‪ .‬ولذلك قال جل ثناؤه في محكم‬
‫والعبث ‪ ،‬والله تعالى عن ذلك ُ‬
‫مَتعا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م { ]سورة إبراهيم‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ل‬
‫ب‬
‫إل‬
‫ل‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫سو ٍ ِ ِ ِ َ ِ ْ ِ ِ ِ ُ َ ّ َ ُ ْ‬
‫تنزيله ‪ } :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ما أنزل َْنا عَل َي ْ َ‬
‫ب ِإل‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫‪ .[4 :‬وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ‪ } :‬وَ َ‬
‫ن { ]سورة النحل ‪:‬‬
‫ة لِ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ذي ا ْ‬
‫م ً‬
‫قوْم ٍ ي ُؤْ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫دى وََر ْ‬
‫فوا ِفيهِ وَهُ ً‬
‫ح َ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫دى إليه جاهل‪.‬‬
‫ن بما ي ُهْ َ‬
‫ن كا َ‬
‫‪ .[64‬فغير جائز أن يكو َ‬
‫ن به مهتدًيا ‪ ،‬م ْ‬
‫دللة ‪ -‬أن ك ّ‬
‫ل رسول لله جل ثناؤه أرسله‬
‫فقد تبين إًذا ‪ -‬بما عليه دللنا من ال ّ‬
‫إلى قوم ‪ ،‬فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل كتاب أنزله على نبي ‪،‬‬
‫ورسالة أرسلها إلى أمة ‪ ،‬فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه‪ .‬فاتضح‬
‫بما قلنا ووصفنا ‪ ،‬أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬بلسان محمد صلى الله عليه وسلم‪ .‬وإذ ْ كان لسان محمد صلى الله‬
‫ضا نطق محكم تنزيل ربنا‬
‫ي‪ .‬وبذلك أي ً‬
‫ن أن القرآن عرب ّ‬
‫عليه وسلم عربّيا ‪ ،‬فبي ّ ٌ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن { ]سورة يوسف ‪:‬‬
‫م ت َعْ ِ‬
‫قلو َ‬
‫‪ ،‬فقال جل ذكره ‪ } :‬إ ِّنا أنزلَناهُ قْرآًنا عََرب ِّيا لعَلك ْ‬
‫ه‬
‫‪ .[2‬وقال ‪ } :‬وَإ ِن ّ ُ‬

‫) ‪(1/11‬‬
‫ك ل ِت َ ُ‬
‫ن * عََلى قَل ْب ِ َ‬
‫ن * نز َ‬
‫ل ََتنزي ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ح ال ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫كو َ‬
‫ل ب ِهِ الّرو ُ‬
‫ل َر ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫من ْذِِري َ‬
‫م َ‬
‫مي ُ‬
‫مي َ‬
‫ن { ]سورة الشعراء ‪.[195 - 192 :‬‬
‫* ب ِل ِ َ‬
‫ي ُ‬
‫ن عََرب ِ ّ‬
‫سا ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ة ما قلنا ‪ -‬بما عليه استشهدنا من الشواهد ‪ ،‬ودللنا‬
‫ة صح ُ‬
‫وإذ ْ كانت واضح ً‬
‫ب أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا‬
‫عليه من الدلئل ‪ -‬فالواج ُ‬
‫ة ‪ ،‬وظاهُره لظاهر‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬لمعاني كلم العرب موافق ً‬
‫ض َ‬
‫ل بها سائَر الكلم‬
‫ب الله بالفضيلة التي ف َ‬
‫ما ‪ ،‬وإن باينه كتا ُ‬
‫كلمها ملئ ً‬
‫ه‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫والبيان ‪ ،‬بما قد تق ّ‬
‫فَنا ُ‬
‫دم وَ ْ‬
‫فإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ ،‬فبّين ‪ -‬إذ ْ كان موجوًدا في كلم العرب اليجاُز والختصاُر‬
‫‪ ،‬والجتزاُء بالخفاء من الظهار ‪ ،‬وبالقلة من الكثار في بعض الحوال ‪،‬‬
‫واستعما ُ‬
‫ل الطالة والكثار ‪ ،‬والترداد والتكرار ‪ ،‬وإظهاُر المعاني بالسماء دون‬
‫ص في المراد‬
‫الكناية عنها ‪ ،‬والسرار في بعض الوقات ‪ ،‬والخبُر عن الخا ّ‬
‫ص الظاهر ‪ ،‬وعن الكناية والمراد ُ‬
‫م الظاهر ‪ ،‬وعن العا ّ‬
‫بالعا ّ‬
‫م في المراد بالخا ّ‬
‫منه المصّرح ‪ ،‬وعن الصفة والمراد ُ الموصوف ‪ ،‬وعن الموصوف والمراد ُ‬
‫دم ‪،‬‬
‫م ما هو في المعنى مؤخر ‪ ،‬وتأخيُر ما هو في المعنى مق ّ‬
‫الصفة ‪ ،‬وتقدي ُ‬
‫والكتفاُء ببعض من بعض ‪ ،‬وبما يظهر عما يحذف ‪ ،‬وإظهاُر ما حظه الحذف ‪-‬‬
‫)‪ (1‬أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫من ذلك ‪ ،‬في ك ّ‬
‫مْثل وشبيًها‪.‬‬
‫ل ذلك له نظيًرا ‪ ،‬وله ِ‬
‫وة‪.‬‬
‫ونحن ُ‬
‫ن وق ّ‬
‫مب َّينو جميع ذلك في أماكنه ‪ ،‬إن شاء الله ذلك وأمد ّ منه بعو ٍ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬قوله ‪ " :‬أن يكون‪ " ..‬مبتدأ قوله " فبين " ‪ ،‬وما بينهما اعتراض طويل ؛‬
‫دا ‪ ،‬حتى كأنه لم يكن يخشى على قارئ أن يسوء فهمه‬
‫وهذا دأب الطبري أب ً‬
‫أو تكل فطنته‪.‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫القول في الب ََيان عن الحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب‬
‫وألفاظ غيرها من بعض أجناس المم‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬إن سألنا سائل فقال ‪ :‬إنك ذكرت أنه غيُر جائز أن يخاطب‬
‫دا من خلقه إل بما يفهمه ‪ ،‬وأن يرسل إليه رسالة إل‬
‫الله تعالى ذكرهُ أح ً‬
‫باللسان الذي يفقهه‪..‬‬
‫ّ‬
‫حكام‬
‫حميد الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫‪ - 1‬فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد ُبن ُ‬
‫سْلم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عْبسة ‪ ،‬عن أبي إسحاق ‪ ،‬عن أبي الحوص عن أبي‬
‫بن َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مت ِهِ { ]سورة الحديد ‪ ، [28 :‬قال ‪ :‬الكفلن ‪:‬‬
‫م كِ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ن َر ْ‬
‫ح َ‬
‫موسى ‪ } :‬ي ُؤْت ِك ْ‬
‫م ْ‬
‫فلي ْ ِ‬
‫ضعفان من الجر ‪ ،‬بلسان الحبشة )‪. (1‬‬
‫عنبسة ‪ ،‬عن أبي‬
‫عن‬
‫‪،‬‬
‫حكام‬
‫حدثنا‬
‫مْيد ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ - 2‬وفيما حدثكم به ابن ُ‬
‫ح َ‬
‫ل { ]سورة‬
‫شئ َ َ‬
‫ن َنا ِ‬
‫إسحاق ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫ة الل ّي ْ ِ‬
‫م الرج ُ‬
‫ل من الليل قالوا ‪َ :‬نشأ )‪. (2‬‬
‫المزمل ‪ [6 :‬قال ‪ :‬بلسان الحبشة إذا قا َ‬
‫دثنا حكام ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عنبسة ‪ ،‬عن‬
‫دثكم به ابن حميد قال ‪ :‬ح ّ‬
‫‪ - 3‬وفيما ح ّ‬
‫َ‬
‫جَبا ُ‬
‫ه { قال ‪ :‬سّبحي ‪ ،‬بلسان‬
‫معَ ُ‬
‫ل أوِّبي َ‬
‫أبي إسحاق ‪ ،‬عن أبي ميسرة ‪َ } :‬يا ِ‬
‫الحبشة )‪ (3‬؟‬

‫دثكم " فقد حدثونا به‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وكل ما قلنا في هذا الكتاب " ح ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 1‬يأتي بهذا السناد في تفسير سورة الحديد ‪ 28 :‬وفي إسناده‬
‫هناك خطأ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 2‬يأتي بإسناده في تفسير سورة المزمل ‪6 :‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 3‬يأتي بإسناده في تفسير سورة سبأ ‪10 :‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫خداش الزديّ ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سلم ابن‬
‫دثكم به محمد بن خالد بن ِ‬
‫‪ - 4‬وفيما ح ّ‬
‫قتيبة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد ‪ ،‬عن يوسف بن مهران ‪،‬‬
‫سوََرةٍ {‬
‫ت ِ‬
‫ن قَ ْ‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل عن قوله ‪ } :‬فَّر ْ‬
‫م ْ‬
‫]سورة المدثر ‪ [51 :‬قال ‪ :‬هو بالعربية السد ‪ ،‬وبالفارسية شار ‪ ،‬وبالنبطية‬
‫أريا ‪ ،‬وبالحبشية قسورة )‪. (1‬‬
‫مى ‪ ،‬عن جعفر بن أبي‬
‫‪ - 5‬وفيما حدثكم به ابن حميد قال ‪ :‬ح ّ‬
‫دثنا يعقوب الق ّ‬
‫جَبير قال ‪ :‬قالت قريش ‪ :‬لول أنزل هذا القرآن‬
‫المغيرة ‪ ،‬عن سعيد بن ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫م‬
‫ج‬
‫ع‬
‫أ‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ت‬
‫يا‬
‫آ‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ف‬
‫ول‬
‫ل‬
‫لوا‬
‫قا‬
‫َ‬
‫ل‬
‫}‬
‫‪:‬‬
‫ذكره‬
‫تعالى‬
‫الله‬
‫أعجمّيا وعربّيا ؟ فأنزل‬
‫ّ ْ َ ُ ُ‬
‫ْ َ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫ي قُ ْ‬
‫فاٌء { ]سورة فصلت ‪ [44 :‬فأنزل الله‬
‫ش َ‬
‫دى وَ ِ‬
‫ل هُوَ ل ِل ّ ِ‬
‫مُنوا هُ ً‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫وَعََرب ِ ّ‬
‫ل { ]سورة‬
‫بعد هذه الية في القرآن بكل لسان فيه‪ِ } .‬‬
‫ن ِ‬
‫جاَرةً ِ‬
‫س ّ‬
‫ح َ‬
‫جي ٍ‬
‫م ْ‬
‫هود ‪ ، 82 :‬وسورة الحجر ‪ [74 :‬قال ‪ :‬فارسية أعربت " سنك وكل )‪. (2‬‬
‫‪ - 6‬وفيما حدثكم به محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬حدثنا إسرائيل ‪ ،‬عن أبي إسحاق ‪ ،‬عن أبي ميسرة ‪ ،‬قال ‪ :‬في القرآن‬
‫من كل لسان )‪. (3‬‬
‫وفيما أشبه ذلك من الخبار التي يطو ُ‬
‫ل بذكرها الكتاب ‪ ،‬مما يدل على أن‬
‫فيه من غير لسان العرب ؟‬
‫ن الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا ‪ -‬من أجل أنهم‬
‫قيل له ‪ :‬إ ّ‬
‫ما ‪ ،‬ول كان ذاك‬
‫لم يقولوا ‪ :‬هذه الحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كل ً‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 4‬يأتي بإسناده في تفسير سورة المدثر ‪51 :‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 5‬يأتي بإسناده في تفسير سورة فصلت ‪ .44 :‬ونص الخبر هناك‬
‫‪ " :‬فأنزل الله بعد هذه الية كل لسان فيه‪ " ..‬وهي أجود‪ .‬وفي الدر المنثور‬
‫‪ " : 367 : 5‬وأنزل الله تعالى بعد هذه الية فيه بكل لسان‪ .‬حجارة‪ . " ..‬ثم‬
‫يأتي بإسناده مختصًرا في تفسير سورة هود ‪ .82 :‬وانظر سائر ما روى في "‬
‫سجيل " في تفسير سورة الفيل ‪ . 4 :‬وقوله " حجارة من سجيل " ‪ ..‬كلم‬
‫مستأنف ‪ ،‬ضربه مثل لما جاء في القرآن من اللسنة الخرى‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 6‬لم أجده في مكان آخر بعد‪ .‬وهو في الدر المنثور ‪367 : 5‬‬
‫وفيه ‪ " :‬بكل لسان " ‪.‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫ة قبل مجيء الفرقان‬
‫لها منط ً‬
‫قا قبل نزول القرآن ‪ ،‬ول كانت بها العرب عارف ً‬
‫ً‬
‫خلفا )‪ . (1‬وإنما قال بعضهم ‪ :‬حرف كذا بلسان‬
‫‪ -‬فيكون ذلك قول لقولنا ِ‬

‫ف كذا بلسان العجم معناه كذا‪ .‬ولم نستنكر أن‬
‫الحبشة معناه ُ كذا ‪ ،‬وحر ُ‬
‫يكون من الكلم ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس المم المختلفة اللسن‬
‫بمعنى واحد ‪ ،‬فكيف بجنسين منها ؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد‬
‫علمناه من اللسن المختلفة ‪ ،‬وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم‬
‫م ّ‬
‫ل تعداده ‪ ،‬كرهنا إطالة‬
‫والقْرطاس ‪ ،‬وغير ذلك ‪ -‬مما يتعب إحصاؤه ُوي ِ‬
‫الكتاب بذكره ‪ -‬مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى‪ .‬ولع ّ‬
‫ل‬
‫ذلك كذلك في سائر اللسن التي نجهل منطقها ول نعرف كلمها‪.‬‬
‫فلو أن قائل قال ‪ -‬فيما ذكرنا من الشياء التي عدْدنا وأخب ِْرنا اتفاَقه في‬
‫ه ذلك مما سكتنا عن ذكره ‪: -‬‬
‫اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ‪ ،‬وما أشب َ‬
‫ذلك كله فارسي ل عربي ‪ ،‬أو ذلك كله عربي ل فارسي ‪ ،‬أو قال ‪ :‬بعضه‬
‫عربي وبعضه فارسي ‪ ،‬أو قال ‪ :‬كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى‬
‫العجم فنطقوا به ‪ ،‬أو قال ‪ :‬كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى‬
‫ب ليست بأولى أن تكون كان‬
‫العرب فأعربته ‪ -‬كان مستجَهل )‪ (2‬لن العر َ‬
‫ج أصل ذلك منها إلى العجم ‪ ،‬ول العجم أحقّ أن تكون كان مخرج أصل‬
‫مخر ُ‬
‫ذلك منها إلى العرب ‪ ،‬إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجوًدا‬
‫في الجنسين‪.‬‬
‫وإذ ْ كان ذلك موجوًدا على ما وصفنا في الجنسين ‪ ،‬فليس أحد ُ الجنسين أولى‬
‫بأن يكون أص ُ‬
‫دعي أن مخرج‬
‫ل ذلك كان من عنده من الجنس الخر‪ .‬والم ّ‬
‫صل إلى‬
‫صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الخر ‪ ،‬مد ٍّع أمًرا ل يو َ‬
‫حته إل بخبر يوجب العلم ‪ ،‬ويزيل الش ّ‬
‫ك ‪ ،‬ويقطع العذَر صحُته‪.‬‬
‫حقيقة ص ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬خلف ‪ :‬مخالف ‪ ،‬وسيكثر مجيئها في كلم الطبري‪.‬‬
‫)‪ (2‬قوله ‪ " :‬كان مستجهل " ‪ ،‬جواب قوله ‪ " :‬لو أن قائل قال‪ . " ..‬والفصل‬
‫في عبارة الطبري يكون أطول من هذا ‪ ،‬كما سيمر بك‪ .‬واستجهل فلًنا ‪:‬‬
‫عده جاهل ‪ ،‬أو وجده جاهل‪ .‬والجهل هنا ‪ :‬فساد الرأي واضطرابه ‪ ،‬لنه مبني‬
‫على التحكم المحض ‪ ،‬كما ترى في رد الطبري‪.‬‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫مى ‪ :‬عربّيا أعجمّيا ‪ ،‬أو حبشّيا عربّيا ‪ ،‬إذ‬
‫بل الصواب في ذلك عندنا ‪ :‬أن يس ّ‬
‫متان له مستعملتين ‪ -‬في بيانها ومنطقها ‪ -‬استعما َ‬
‫ل سائر منطقها‬
‫كانت ال ّ‬
‫وبيانها‪ .‬فليس غيُر ذلك من كلم ك ّ‬
‫ل أمة منهما ‪ ،‬بأولى أن يكون إليها منسوًبا‬
‫ منه )‪. (1‬‬‫فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها ‪،‬‬
‫ل سائرِ منطقهم ‪ ،‬فسبي ُ‬
‫وُوجد ذلك مستعمل في كل جنس منها استعما َ‬
‫ل‬
‫إضافته إلى كل جنس منها ‪ ،‬سبي ُ‬
‫ل ما وصفنا ‪ -‬من الدرهم والدينار والدواة‬
‫والقلم ‪ ،‬التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها باللفاظ الواحدة والمعنى‬
‫الواحد ‪ ،‬في أنه مستحقّ إضافته إلى كل جنس من تلك الجناس ‪ -‬اجتماعٌ‬
‫ن )‪. (2‬‬
‫واقترا ٌ‬
‫وذلك هو معنى من روينا عنه القو َ‬
‫ل في الحرف التي مضت في صدر هذا‬
‫ض‬
‫ض ذلك إلى لسان الحبشة ‪ ،‬ونسبة بعضهم بع َ‬
‫الباب ‪ ،‬من نسبة بعضهم بع َ‬
‫ن من‬
‫ض ذلك إلى لسان الروم‪ .‬ل ّ‬
‫ذلك إلى لسان الفرس ‪ ،‬ونسبة بعضهم بع َ‬
‫ف ‪ -‬بنسبته إياه إلى ما نسبه‬
‫نسب شيًئا من ذلك إلى ما نسبه إليه ‪ ،‬لم ين ِ‬

‫ي ‪ ،‬نفى ذلك أن يكون‬
‫إليه ‪ -‬أن يكون عربّيا ‪ ،‬ول من قال منهم ‪ :‬هو عرب ّ‬
‫ة إلى من هو من كلمه من سائر أجناس المم غيرها‪ .‬وإنما‬
‫مستح ّ‬
‫قا النسب َ‬
‫يكون الثبات دليل على النفي ‪ ،‬فيما ل يجوز اجتماعه من المعاني ‪ ،‬كقول‬
‫القائل ‪ :‬فلن قائم ‪ ،‬فيكون بذلك من قوله دال على أنه غير قاعد ‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫ما ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى‪.‬‬
‫مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما‪ .‬فأ ّ‬
‫م فلًنا ‪ ،‬فليس في تثبيت القيام له ما د ّ‬
‫ل‬
‫وذلك كقول القائل فلن قائم مكل ّ ٌ‬
‫على نفي كلم آخر ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬قوله " منه " ‪ ،‬متعلق بقوله " بأولى " ‪ ،‬أي " بأولى منه‪" ..‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " باجتماع وافتراق " ‪ .‬وأراد الطبري بقوله " اجتماع‬
‫واقتران " أي أن يقال هو ‪ " :‬عربي أعجمي ‪ ،‬أو حبشي عربي " ‪ ،‬كما مر‬
‫آنفا في كلمه‪ .‬وسياق عبارته بعد حذف التفسير والعتراض من كلمه هو‬
‫هذا ‪ " :‬فسبيل إضافته إلى كل جنس منها ‪ ،‬سبيل ما وصفنا‪ ..‬اجتماع واقتران‬
‫" ‪ .‬أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين‪.‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ل واحدٍ من شخص واحد‪ .‬فقائل ذلك صادق إذا كان‬
‫لجواز اجتماع ذلك في حا ٍ‬
‫صاحبه على ما وصفه به‪.‬‬
‫فكذلك ما قلنا ‪ -‬في الحرف التي ذكرنا وما أشبهها ‪ -‬غيُر مستحيل أن يكون‬
‫عربّيا بعضها أعجمّيا ‪ ،‬وحبشّيا بعضها عربّيا ‪ ،‬إذ كان موجوًدا استعما ُ‬
‫ل ذلك‬
‫ق‬
‫في كلتا المتين‪ .‬فنا ِ‬
‫ب ما َنس َ‬
‫س ُ‬
‫ب من ذلك إلى إحدى المتين أو كلتيهما مح ّ‬
‫غيُر مبطل‪.‬‬
‫فإن ظن ذو غباٍء أن اجتماع ذلك في الكلم مستحي ٌ‬
‫ل ‪ -‬كما هو مستحيل في‬
‫ن جهل‪ .‬وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد‬
‫أنساب بني آدم ‪ -‬فقد ظ ّ‬
‫عوهُم لبائ ِهم هُو أقَْ‬
‫سطُ‬
‫الطرفين دون الخر ‪ ،‬لقول الله تعالى ذكره ‪ } :‬اد ْ ُ‬
‫َ‬
‫ْ َ ِ ْ َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ { ]سورة الحزاب ‪ .[5 :‬وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان ‪ ،‬ل ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫رف‬
‫المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفا استعماله‪ .‬فلو عُ ِ‬
‫استعما ُ‬
‫ل بعض الكلم في أجناس من المم ‪ -‬جنسين أو أكثر ‪ -‬بلفظ واحد‬
‫ومعنى واحد ‪ ،‬كان ذلك منسوًبا إلى كل جنس من تلك الجناس ‪ ،‬ل يستحق‬
‫ضا بين‬
‫ن أر ً‬
‫س منها أن يكون به أولى من سائر الجناس غيره‪ .‬كما لو أ ّ‬
‫جن ٌ‬
‫سهل وجبل ‪ ،‬لها هواء السهل وهواء الجبل ‪ ،‬أو بين بّر وبحرٍ ‪ ،‬لها هواء البر‬
‫َ‬
‫سْهلية جبلية )‪ . (1‬أو‬
‫بأنها‬
‫يصفها‬
‫أن‬
‫صحيح‬
‫عقل‬
‫ذو‬
‫يمتنع‬
‫لم‬
‫‬‫البحر‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫وهوا‬
‫ُ‬
‫قها من النسبة‬
‫ةح ّ‬
‫حرية ‪ ،‬إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافي ً‬
‫بأنها ب َّرية ب ِ ْ‬
‫إلى الخرى‪ .‬ولو أفرد َ لها مفرد ٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الخرى ‪،‬‬
‫قا‪.‬‬
‫كان صادًقا مح ّ‬
‫وكذلك القول في الحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب‪.‬‬
‫وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك ‪ ،‬هو معنى قول من قال ‪ :‬في القرآن من‬
‫ن فيه من ك ّ‬
‫ل لسان اتفق فيه لفظ‬
‫كل لسان ‪ -‬عندنا بمعنى ‪ ،‬والله أعلم ‪ :‬أ ّ‬
‫العرب ولفظ غيرها من المم التي تنطق به ‪ ،‬نظيَر ما وصفنا من القول فيما‬
‫مضى‪.‬‬
‫__________‬

‫)‪ (1‬النسبة إلى سهل )بفتح فسكون( ‪ :‬سهلى ‪ ،‬بضم السين ‪ ،‬على غير‬
‫القياس‪.‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫هم على ذي فطرة صحيحة ‪ ،‬مقّر بكتاب الله ‪ ،‬ممن‬
‫وذلك أنه غيُر جائز أن ُيتو ّ‬
‫ي‬
‫قد قرأ القرآن وعرف حدود الله ‪ -‬أن يعتقد أ ّ‬
‫ن بع َ‬
‫ض القرآن فارسي ل عرب ّ‬
‫ي ‪ ،‬وبعضه حبشي ل عربي )‬
‫ي ل عرب ّ‬
‫ي ‪ ،‬وبعضه روم ّ‬
‫‪ ،‬وبعضه نبطي ل عرب ّ‬
‫ن كان‬
‫‪ ، (1‬بعد ما أخبر الله تعالى ذكُره عنه أنه جعله قرآًنا عربّيا‪ .‬لن ذلك إ ْ‬
‫كذلك ‪ ،‬فليس قو ُ‬
‫ة من نسبه‬
‫ي ‪ ،‬ول نسب ُ‬
‫ي أو فارس ّ‬
‫ل القائل ‪ :‬القرآن حبش ّ‬
‫ضه بلسانه دون العرب ‪ -‬بأولى بالتطويل من‬
‫إلى بعض ألسن المم التي بع ُ‬
‫قول القائل )‪ : (2‬هو عربي‪ .‬ول قو ُ‬
‫صحة‬
‫ي بأولى بال ّ‬
‫ل القائل ‪ :‬هو عرب ّ‬
‫والصواب من‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوع والمخطوط " وبعضه عربي ل فارسي " مكان " وبعضه‬
‫رومي ل عربي " ‪ ،‬وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق‬
‫فا في ص ‪. 16‬‬
‫الكلم‪ .‬وقد ذكر الروم آن ً‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬بالتطول " وأراد الطبري بقوله " التطويل " نسبة‬
‫القول إلى التزيد والسعة في الكلم ‪ ،‬حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات‬
‫سائر الصفات الخرى‪ .‬وكلم الطبري يحتاج إلى فضل بيان ‪ -‬من أول قوله ‪:‬‬
‫" وذلك أنه غير جائز أن يتوهم‪ " ..‬إلى قوله ‪ " :‬ول جائز نسبته إلى كلم‬
‫العرب " ‪ .‬فأقول ‪:‬‬
‫أراد الطبري أن يقول ‪ :‬إنه ل يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمًنا‬
‫بكتاب الله ‪ ،‬عارًفا بمعانيه وحدوده ‪ ،‬مقًرا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل‬
‫القرآن " قرآنا عربيا " ‪ ،‬ولم يجعله أعجميا بقوله " ولو جعلناه قرآنا أعجميا‬
‫لقالوا لول فصلت آياته أأعجمي وعربي " ‪ -‬ثم يعتقد مع ذلك ‪ :‬أن بعض‬
‫القرآن فارسي ل عربي ‪ ،‬وبعضه نبطي ل عربي ‪ ،‬وبعضه رومي ل عربي ‪،‬‬
‫وبعضه حبشي ل عربي‪ .‬فإنه إن فعل ‪ ،‬فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي ‪،‬‬
‫والله يصف القرآن كله بأنه عربي‪ .‬وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي ‪ ،‬والله‬
‫تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي‪.‬‬
‫وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله " قرآنا عربيا " صفة شاملة ل يجوز لحد‬
‫أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض‪ .‬ولو جاز لحد أن يخصص‬
‫شمولها من عند نفسه فيقول ‪ " :‬بعض القرآن حبشي ل عربي ‪ ،‬أو فارسي ل‬
‫ضا لقائل أن يقول من عند نفسه ‪ " :‬القرآن حبشي أو‬
‫عربي‪ ، " ..‬لجاز أي ً‬
‫فارسي أو رومي ‪ ،‬أو أعجمي " ‪.‬‬
‫وحجة الطبري في ذلك ‪ :‬أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على‬
‫بعض القرآن بأنه عربي ‪ ،‬ويقول إن بعضه الخر يوصف بأنه حبشي أو‬
‫فارسي أو رومي ‪ -‬يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي ‪ ،‬محمول على تغليب‬
‫إحدى الصفات على سائر الصفات الخرى‪ .‬ولو جاز ذلك ‪ ،‬لجاز لقائل أن‬
‫يقول ‪ " :‬القرآن حبشي أو فارسي أو رومي " ‪ ،‬لنه فعل مثله ‪ ،‬فغلب إحدى‬
‫الصفات على الصفات الخرى‪.‬‬
‫وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال ‪ " :‬القرآن حبشي أو فارسي " ‪،‬‬
‫لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلم والتزيد في الصفة ‪ ،‬من‬

‫ضا على صفة بعضه ‪ ،‬فتوسع في‬
‫القائل ‪ " :‬القرآن عربي " ‪ ،‬لنه اقتصر أي ً‬
‫الكلم وتزيد في الصفة‪.‬‬
‫وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي ‪ ،‬نظير ما فيه‬
‫من عربي ‪ ،‬فليس قول القائل ‪ " :‬القرآن عربي " ‪ ،‬أولى بالصحة والصواب‬
‫من قول القائل ‪ " :‬القرآن فارسي أو حبشي " ‪ ،‬فكلهما أطلق صفة أحد‬
‫النظيرين على الخر‪ .‬وإذا جاز لحدهما أن يفعل ذلك مصيًبا في قوله ‪ ،‬جاز‬
‫للخر مثله مصيًبا في قوله‪.‬‬
‫وهذا فساد من القول وتناقض ‪ ،‬ومخالف لقوله تعالى ‪ " :‬ولو جعلناه قرآًنا‬
‫أعجميا لقالوا لول فصلت آياته أأعجمي وعربي " ‪ ،‬فهذه شهادة من الله‬
‫تعالى بأنه لم يجعله أعجمًيا ‪ ،‬كشهادته سبحانه بأنه جعله " قرآًنا عربيا " ‪.‬‬
‫وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال ‪ " :‬القرآن حبشي أو فارسي " ‪ .‬كما‬
‫يقال ‪ " :‬القرآن عربي " سواء‪ .‬فناقض هذا قول الله سبحانه‪ .‬وهذا قول "‬
‫غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة ‪ ،‬مقر بكتاب الله ‪ ،‬ممن قرأ‬
‫القرآن ‪ ،‬وعرف حدود الله " كما قال الطبري رحمه الله‪.‬‬
‫وإذن فقول القائل من السلف ‪ " :‬في القرآن من كل لسان " ‪ ،‬ليس يعني به‬
‫أن فيه ما ليس بعربي مما ل يجوز أن ينسب إلى لسان العرب ‪ -‬بل معناه أن‬
‫فيه ألفا ً‬
‫ظا استعملتها العرب ‪ ،‬وهذه اللفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو‬
‫الروم أو الحبش ‪ ،‬على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى‬
‫واحد ‪ ،‬ل على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية ‪ ،‬أو‬
‫رومية غير عربية‪ .‬فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده ‪ ،‬ل‬
‫يدخلون الفساد في أقوالهم ‪ ،‬مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير‬
‫أعجمي‪.‬‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫قول ناسبه إلى بعض الجناس التي ذكرنا‪ .‬إذ كان الذي بلسان غير العرب‬
‫من سائر ألسن أجناس المم فيه ‪ ،‬نظيَر الذي فيه من لسان العرب‪.‬‬
‫وإذا كان ذلك كذلك ‪ ،‬فبّين إًذا خطأ من زعم أن القائل من السلف ‪ :‬في‬
‫ن فيه من البيان ما ليس‬
‫القرآن من كل لسان ‪ ،‬إنما عنى بقيله ذلك ‪ ،‬أ ّ‬
‫ي ‪ ،‬ول جائز نسبته إلى لسان العرب‪.‬‬
‫بعرب ّ‬
‫ويقال لمن أبى ما قلنا ‪ -‬ممن زعم أن الحرف التي قدمنا ذكرها في أول‬
‫الباب وما أشبهها ‪ ،‬إنما هي كلم أجناس من المم سوى العرب ‪ ،‬وقعت إلى‬
‫العرب فعّربته ‪ : -‬ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك ‪ ،‬من الوجه الذي‬
‫ت من خالفك في ذلك ‪ ،‬فقال فيه خلف قولك ؟‬
‫يجب التسليم له ‪ ،‬فقد علم َ‬
‫وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال ‪ :‬هذه الحرف ‪ ،‬وما أشبهها‬
‫من الحرف غيرها ‪ ،‬أصلها عربي ‪ ،‬غير أنها وقعت إلى سائر أجناس المم‬
‫ب‬
‫غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها ‪ -‬من الوجه الذي يج ُ‬
‫التسليم له ؟‬
‫فلن يقول في شيء من ذلك قول إل ألزم في الخر مثله‪.‬‬
‫فإن اعت ّ‬
‫ب‬
‫ل في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها ‪ ،‬طول َ‬
‫) ‪(1/19‬‬

‫ مطالَبتنا من تأّول عليهم في ذلك تأويله ‪ -‬بالذي قد تقدم بيانه‪ .‬وقيل له ‪ :‬ما‬‫ت أن يكون من نسب شيًئا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس‬
‫أنكر َ‬
‫المم سوى العرب ‪ ،‬إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق ‪ ،‬من‬
‫سْهلية‬
‫ت من قال لرض ُ‬
‫ي منه عنه النسبة الخرى ؟ ثم يقال له ‪ :‬أرأي َ‬
‫غير َنف ٍ‬
‫ع‬
‫سهلية ‪ ،‬ولم ينكر أن تكون جبلية ‪ ،‬أو قال ‪ :‬هي جبلية ‪ ،‬ولم يدف ْ‬
‫جبلية ‪ :‬هي ُ‬
‫ف عنها أن تكون لها الصفة الخرى بقيله ذلك ؟‬
‫سْهلية ‪ ،‬أنا ٍ‬
‫أن تكون ُ‬
‫َ‬
‫قله‪ .‬وإن قال ‪ :‬ل قيل له ‪ :‬فما أنكرت أن يكون قو ُ‬
‫ل‬
‫فإن قال ‪ :‬نعم! كابر عَ ْ‬
‫جيل ‪ :‬هي فارسية ‪ ،‬وفي القسطاس ‪ :‬هي رومية ‪ -‬نظيَر ذلك‬
‫من قال في س ّ‬
‫؟ وسأل الفرقَ بين ذلك ‪ ،‬فلن يقو َ‬
‫زم في الخر مثله‪.‬‬
‫ل في أحدهما قول إل أل ِ‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫القول في اللغة‬
‫التي نزل بها القرآن من لغات العرب‬
‫قال أبو جعفر ‪:‬‬
‫ّ‬
‫قد دللنا ‪ ،‬على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وُفق لفهمه ‪ (1) ،‬على أن‬
‫الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر‬
‫أجناس المم ‪ ،‬وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب‬
‫ولغاتها‪.‬‬
‫دللة عليه بأيّ ألسن العرب أنزل ‪:‬‬
‫حا ‪ -‬في ال ّ‬
‫فنقول الن ‪ -‬إذ كان ذلك صحي ً‬
‫م‬
‫مع جميَعها اس ُ‬
‫أبألسن جميعها أم بألسن بعضها ؟ إذ كانت العرب ‪ ،‬وإن ج َ‬
‫أنهم عرب ‪ ،‬فهم مختلفو اللسن بالبيان ‪ ،‬متباينو المنطق والكلم‪ .‬وإذ ْ كان‬
‫ذلك كذلك ‪ -‬وكان الله جل ذكُره قد أخبر عباَده أنه قد جع َ‬
‫ل القرآن عربّيا‬
‫ما ‪ -‬لم‬
‫صا و ُ‬
‫عمو ً‬
‫ي مبين ‪ ،‬ثم كان ظاهُره محتمل خصو ً‬
‫ن عرب ّ‬
‫وأنه أنزل بلسا ٍ‬
‫يكن لنا السبي ُ‬
‫ل إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه ‪،‬‬
‫ن القرآن ‪ ،‬وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ن جعل إليه بيا َ‬
‫إل ببيان َ‬
‫م ْ‬
‫فإذ كان ذلك كذلك ‪ (2) -‬وكانت الخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم‬
‫‪ - 7‬بما حدثنا به خلد بن أسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أنس بن عياض ‪ ،‬عن أبي حازم ‪،‬‬
‫عن أبي سلمة ‪ ،‬قال ‪ : -‬ل أعلمه إل عن أبي هريرة ‪ : -‬أن رسول‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬هكذا في المطبوع والمخطوط ‪ " :‬على أن الله جل ثناؤه " ‪ ،‬والجود أن‬
‫تكون " بأن الله جل ثناؤه " ‪ ،‬أي ‪ " :‬قد دللنا على صحة القول‪ ...‬بأن الله‬
‫جل ثناؤه " ‪ ،‬والباء وما بعدها متعقلة بالقول‪.‬‬
‫ب قوله ‪ " :‬فإذ كان ذلك كذلك " ‪ ،‬يأتي في ص ‪ 48 :‬س ‪ 20‬وهو‬
‫)‪ (2‬جوا ُ‬
‫قوله ‪ " :‬صح وثبت أن الذي نزل به القرآن‬
‫) ‪(1/21‬‬
‫مراءُ‬
‫ن على سبعة أحرف ‪ ،‬فال ِ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أنزل القرآ ُ‬
‫في القرآن كفٌر ‪ -‬ثلث مرات ‪ -‬فما عْرفتم منه فاعملوا به ‪ ،‬وما جهلتم منه‬
‫فرّدوه إلى عالمه )‪. (1‬‬

‫‪ - 8‬حدثني عبيد بن أسباط بن محمد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبي ‪ ،‬عن محمد بن عمرو‬
‫‪ ،‬عن أبي سلمة ‪ ،‬عن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫م حكيم ‪ ،‬غفوٌر رحيم )‪. (2‬‬
‫وسلم ‪ :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬علي ٌ‬
‫‪ - 9‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني عبدة بن سليمان ‪ ،‬عن محمد بن عمرو ‪،‬‬
‫عن أبي سلمة ‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم مثَله‪.‬‬
‫‪ - 10‬حدثنا محمد بن حميد الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جرير بن عبد الحميد ‪ ،‬عن‬
‫من ذكره ‪ ،‬عن أبي الحوص ‪ ،‬عن عبد الله‬
‫مغيرة ‪ ،‬عن واصل بن حّيان ‪ ،‬ع ّ‬
‫ابن مسعود قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أنزل القرآن على‬
‫حد ّ ‪ ،‬ولكل حد ّ‬
‫ن ‪ ،‬ولكل حرف َ‬
‫سبعة أحرف ‪ ،‬لكل حرف منها ظهر وبط ٌ‬
‫مط َّلع )‪. (3‬‬
‫ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 7‬رواه المام أحمد بن حنبل في مسنده )رقم ‪ 7976‬ج ‪ 2‬ص‬
‫‪ 300‬طبعة الحلبي( عن أنس بن عياض‪ .‬ورواه ابن حبان في صحيحه )رقم ‪:‬‬
‫‪ 73‬بشرح أحمد محمد شاكر( عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أنس بن‬
‫عياض‪ .‬ونقله ابن كثير في التفسير ‪ 102 : 2‬عن مسند أبي يعلى ‪ ،‬وفي‬
‫فضائل القرآن ‪ 63 :‬عن مسند أحمد‪ .‬وهو في مجمع الزوائد ‪. 151 : 7‬‬
‫ونسبه ابن كثير في الفضائل للنسائي‪ .‬والظاهر أنه يريد كتاب التفسير‬
‫للنسائي‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 9 ، 8‬رواه أحمد في المسند )‪ 8372‬ج ‪ 2‬ص ‪ 332‬حلبي( عن‬
‫محمد بن بشر ‪ ،‬و )‪ 9676‬ج ‪ 2‬ص ‪ (440‬عن ابن نمير ‪ ،‬كلهما عن محمد‬
‫بن عمرو ‪ ،‬وهو محمد بن عمرو بن علقمة ‪ ،‬عن أبي سلمة ‪ ،‬وهو ابن عبد‬
‫الرحمن بن عوف‪ .‬وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ 151 : 7‬جعله رواية‬
‫أخرى للحديث الول ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬رواه كله أحمد بإسنادين ‪ ،‬ورجال أحدهما‬
‫رجال الصحيح‪ .‬ورواه البزار بنحوه " ‪ .‬وسيأتي حديث آخر لبي هريرة ‪،‬‬
‫برقم ‪.45 :‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 11 ، 10‬هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين ‪ ،‬أما أحدهما‬
‫فلنقطاعه بجهالة راويه ‪ " :‬عمن ذكره عن أبي الحوص " ‪ .‬وأما الخر فمن‬
‫أجل " إبراهيم الهجري " راويه عن أبي الحوص‪ .‬و " مغيرة " في السناد‬
‫الول ‪ :‬هو ابن مقسم الضبي ‪ ،‬وهو ثقة‪ .‬و " واصل بن حيان " هو الحدب ‪،‬‬
‫وهو ثقة‪ .‬و " أبو الحوص " ‪ :‬هو الجشمي ‪ ،‬واسمه ‪ :‬عوف بن مالك بن نضلة‬
‫‪ ،‬وهو تابعي ثقة معروف‪ .‬و " مهران " في السناد الثاني ‪ :‬هو ابن أبي عمر‬
‫العطار الرازي ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬ولكن في روايته عن الثوري اضطراب‪ .‬وشيخه‬
‫سفيان هنا ‪ :‬هو الثوري المام‪ .‬و " إبراهيم الهجري " هو إبراهيم بن مسلم‪.‬‬
‫والحديث بهذا اللفظ الذي هنا ‪ ،‬ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم ‪:‬‬
‫‪ ، 2727‬ونسبه للطبراني في المعجم الكبير ‪ ،‬ورمز له بعلمة الحسن ‪ ،‬ول‬
‫ندري إسناده عند الطبراني‪ .‬وأما أوله ‪ ،‬دون قوله " ولكل حرف حد " إلخ ‪،‬‬
‫فإنه صحيح ثابت ‪ ،‬رواه ابن حبان في صحيحه رقم ‪ . 74 :‬وانظر مجمع‬
‫الزوائد ‪ . 153 ، 152 : 7‬وقوله " مطلع " ‪ :‬هو بتشديد الطاء وفتح اللم ‪،‬‬
‫قال في النهاية ‪ " :‬أي لكل حد مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ‪،‬‬
‫والمطلع ‪ :‬مكان الطلع من موضع عال " ‪ .‬ثم قال ‪ " :‬ويجوز أن يكون ‪:‬‬
‫لكل حد مطلع ‪ ،‬بوزن مصعد ومعناه " ‪ .‬وسيأتي شرح ألفاظ هذا الحديث ص‬
‫‪ 25 - 24‬بولق ‪ ،‬بعد الحديث ‪.70‬‬
‫) ‪(1/22‬‬

‫‪ - 11‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مهران ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان ‪ ،‬عن إبراهيم‬
‫جريّ ‪ ،‬عن أبي الحوص ‪ ،‬عن عبد الله بن مسعود ‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫الهَ َ‬
‫عليه وسلم مثله‪.‬‬
‫‪ - 12‬حدثنا أبو كريب محمد بن العلء ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو بكر بن عياش ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ف رجلن في سورةٍ ‪ ،‬فقال‬
‫حدثنا عاصم ‪ ،‬عن زِّر ‪ ،‬عن عبد الله ‪ ،‬قال ‪ :‬اختل َ‬
‫هذا ‪ :‬أقَرأني النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬وقال هذا ‪ :‬أقرأني النبي صلى الله‬
‫ي صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك ‪ ،‬قال فتغير‬
‫عليه وسلم‪ .‬فأتى النب ّ‬
‫ّ‬
‫ه ‪ ،‬وعنده رج ٌ‬
‫مَر أم شيء‬
‫ل فقال ‪ :‬اقرأوا كما عُلمتم ‪ -‬فل أدري أبشيء أ ِ‬
‫وجه ُ‬
‫ابتدعه من قَِبل نفسه ‪ -‬فإنما أهلك من كان قبلكم اختلُفهم على أنبيائهم‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فقام ك ّ‬
‫ل رجل منا وهو ل يقرأ على قراءة صاحبه‪ .‬نحو هذا ومعناه )‪(1‬‬
‫‪ - 13‬حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الموي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫العمش ‪ -‬وحدثني أحمد بن منيع ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا يحيى بن سعيد الموي ‪ ،‬عن‬
‫العمش ‪ -‬عن عاصم ‪ ،‬عن زر بن حبيش ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد الله بن مسعود ‪:‬‬
‫تمارينا في سورة من القرآن ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬خمس وثلثون أو ست وثلثون آية‪.‬‬
‫جيه ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فوجدنا علّيا ي َُنا ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 12‬إسناده صحيح‪ .‬وهو مختصر‪ .‬ورواه أحمد في المسند‬
‫مطول رقم ‪ 3981 :‬عن يحيى بن آدم عن أبي بكر ‪ ،‬وهو ابن عياش ‪ ،‬بهذا‬
‫ضا‪ .‬ورواه الحاكم في المستدرك ‪2‬‬
‫السناد‪ .‬ورواه من طرق أخرى مختصًرا أي ً‬
‫‪ 244 - 223 :‬بأطول مما هنا ‪ ،‬بإسنادين ‪ :‬من طريق إسرائيل عن عاصم ‪،‬‬
‫ومن طريق أبي عوانة عن عاصم‪ .‬وصححه ووافقه الذهبي‪ .‬وذكره الحافظ‬
‫في الفتح ‪ ، 23 : 9‬ونسبه لبن حبان والحاكم‪.‬‬
‫) ‪(1/23‬‬
‫ه رسول الله صلى الله‬
‫قال ‪ :‬فقلنا ‪ :‬إنا اختلفنا في القراءة‪ .‬قال ‪ :‬فاحمّر وج ُ‬
‫عليه وسلم وقال ‪ :‬إنما هل َ‬
‫ك من كان قبلكم باختلفهم بينهم‪ .‬قال ‪ :‬ثم أسّر‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُركم‬
‫ي شيًئا ‪ ،‬فقال لنا علي ‪ :‬إ ّ‬
‫إلى عل ّ‬
‫أن تقرأوا كما عُّلمتم )‪. (1‬‬
‫‪ - 14‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبيد الله بن موسى ‪ ،‬عن عيسى بن‬
‫ه في المسجد‬
‫قرطاس ‪ ،‬عن زيد القصار ‪ ،‬عن زيد بن أرقم ‪ ،‬قال ‪ :‬كنا مع ُ‬
‫فحدثنا ساعة ثم قال ‪ :‬جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ي بن‬
‫فقال ‪ :‬أقرأني عبد الله بن مسعود سورة ‪ ،‬أقرأنيها زيد ٌ وأقرأنيها أب ّ‬
‫خذ ُ ؟ قال ‪ :‬فسكت رسول الله‬
‫كعب ‪ ،‬فاختلفت قراءتهم ‪ ،‬فبقراءةِ أّيهم آ ُ‬
‫ي إلى جنبه ‪ ،‬فقال علي ‪ :‬ليقرأ كل إنسان‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬وعل ّ‬
‫كما عُّلم ‪ ،‬ك ّ‬
‫ن جميل )‪. (2‬‬
‫ل حس ٌ‬
‫‪ - 15‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫ور بن‬
‫يونس ‪ ،‬عن ابن شهاب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني عروة بن الزبير ‪ :‬أن ال ِ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫خرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه ‪ :‬أنهما سمعا عمر بن الخطاب‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫رضي الله عنه يقول ‪ :‬سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة َ الفرقان في حياة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فاستمعت لقراءته ‪ ،‬فإذا هو يقرؤها على‬
‫رئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فكدت أساوره‬
‫حروف كثيرة لم ي ُ ْ‬
‫ق ِ‬

‫في الصلة ‪ ،‬فتصّبرت حتى سّلم ‪ ،‬فلما سّلم‬
‫__________‬
‫ضا ‪ ،‬وهو رواية أخرى للحديث قبله‪.‬‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 13‬إسناداه صحيحان أي ً‬
‫ولم نجده بهذا السناد واللفظ في موضع آخر‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 14‬هذا حديث ل أصل له ‪ ،‬رواه رجل كذاب ‪ ،‬هو " عيسى بن‬
‫قرطاس " ‪ ،‬قال فيه ابن معين ‪ " :‬ضعيف ليس بشيء ‪ ،‬ل يحل لحد أن‬
‫يروى عنه " ‪ .‬وقال ابن حبان ‪ " :‬يروى الموضوعات عن الثقات ‪ ،‬ل يحل‬
‫خا له روى عنه ‪ ،‬وسماه " زيد‬
‫الحتجاج به " ‪ .‬وقد اخترع هذا الكذاب شي ً‬
‫القصار " ! لم نجد لهذا الشيخ ترجمة ول ذكًرا في شيء من المراجع‪ .‬وهذا‬
‫الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ ، 154 - 153 : 7‬وقال ‪ " :‬رواه‬
‫الطبراني ‪ ،‬وفيه عيسى بن قرطاس ‪ ،‬وهو متروك " ‪ .‬ومن العجب أن يذكر‬
‫الحافظ هذا الحديث في الفتح ‪ ، 23 : 9‬وينسبه للطبري والطبراني ‪ ،‬ثم‬
‫يسكت عن بيان علته وضعفه! غفر الله لنا وله‪.‬‬
‫) ‪(1/24‬‬
‫لّببته بردائه فقلت ‪ :‬من أقرأك هذه السورة التي سمعُتك تقرؤها ؟ قال ‪:‬‬
‫أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت ‪ :‬كذبت ‪ ،‬فوالله إن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعُتك تقرؤها!‬
‫فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ‪ :‬يا رسول‬
‫رئنيها ‪ ،‬وأنت‬
‫الله ‪ ،‬إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم ت ُ ْ‬
‫ق ِ‬
‫أقرأتني سورة الفرقان! قال ‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫أرسله يا عمر ‪ ،‬اقرأ يا هشام‪ .‬فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ‪ ،‬فقال‬
‫ت‪ .‬ثم قال رسول الله صلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬هكذا أنزل ْ‬
‫ت القراءة التي أقرأني رسول الله‬
‫الله عليه وسلم ‪ :‬اقرأ يا عمر‪ .‬فققرأ ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فققال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬هكذا‬
‫ن هذا القرآن أنزل على‬
‫ت‪ .‬ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫أنزل ْ‬
‫سبعة أحرف ‪ ،‬فاقرأوا ما تيسر منها )‪. (1‬‬
‫‪ - 16‬حدثني أحمد بن منصور ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ‪،‬‬
‫سَليم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسحاق بن عبد الله‬
‫قال ‪ :‬حدثنا حرب بن ثابت من بني ُ‬
‫بن أبي طلحة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن جده ‪ ،‬قال ‪ :‬قرأ رجل عند عمر بن الخطاب‬
‫ت على رسول الله صلى الله عليه‬
‫رضي الله عنه فغّير عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬لقد قرأ ُ‬
‫ي‪ .‬قال ‪ :‬فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فقال‬
‫وسلم فلم يغّير عل ّ‬
‫‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال ‪ :‬بلى! قال ‪ :‬فوقع في صدر‬
‫عمَر شيء ‪ ،‬فعرف‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 15‬رواه أحمد في المسند رقم ‪ 296 :‬عن عبد الرزاق عن‬
‫ضا رقم ‪:‬‬
‫معمر عن الزهري ‪ ،‬وهو ابن شهاب ‪ ،‬بهذا السناد نحوه‪ .‬ورواه أي ً‬
‫‪ 297‬عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري ‪ ،‬به‪ .‬ورواه بأسانيد أخر ‪،‬‬
‫مطول ومختصًرا ‪ .2375 ، 278 ، 277 ، 158 :‬ورواه البخاري ‪23 - 21 : 9‬‬
‫من فتح الباري ‪ ،‬مطول بنحو مما هنا ‪ ،‬من طريق الليث بن سعد عن عقيل‬
‫عن ابن شهاب‪ .‬ونقله ابن كثير في فضائل القرآن ‪ 72 :‬عن رواية البخاري ‪،‬‬
‫ضا مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ‪ ،‬من طرق عن‬
‫ثم ذكر أنه رواه أي ً‬

‫الزهري‪ .‬وفي تيسير الوصول ‪ " 190 : 1‬أخرجه الستة " ‪ ،‬وفيه مكان "‬
‫وتصبرت " ‪ ،‬و " تربصت به " وقوله ‪ " :‬كدت أساوره " أي كدت أواثبه‬
‫وأبطش به‪ .‬وقوله " فتصبرت حتى سلم " ‪ .‬موافق لرواية البخاري ‪ ،‬وفي‬
‫المسند ‪ " :‬فنظرت حتى سلم " أي انتظرت‪.‬‬
‫) ‪(1/25‬‬
‫ب صدره وقال ‪ :‬ابعَد ْ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وجهه ‪ ،‬قال ‪ :‬فضر َ‬
‫شيطاًنا ‪ -‬قالها ثلًثا ‪ -‬ثم قال ‪ :‬يا عمُر ‪ ،‬إن القرآن كّله صواب ‪ ،‬ما لم تجع ْ‬
‫ل‬
‫ة )‪. (1‬‬
‫ة عذاًبا أو عذابا رحم ً‬
‫رحم ً‬
‫‪ - 17‬حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله بن ميمون ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬حدثنا عبيد الله )‪ - (2‬يعني ابن عمر ‪ -‬عن نافع ‪ ،‬عن ابن عمر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل يقرأ القرآن ‪ ،‬فسمع آية على غير‬
‫ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فأتى به عمُر إلى النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬إن هذا قرأ آية كذا وكذا‪ .‬فقال رسول الله‬
‫ف )‪(3‬‬
‫ف كا ٍ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬كلها شا ٍ‬
‫‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 16‬رواه أحمد في المسند )‪ 16437‬ج ‪ 4‬ص ‪ 30‬طبعة‬
‫الحلبي( عن عبد الصمد ‪ ،‬وهو ابن عبد الوارث ‪ ،‬بهذا السناد ‪ ،‬نحوه‪ .‬ونقله‬
‫الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ‪ ، 73 :‬وقال ‪ " :‬وهذا إسناد حسن‪.‬‬
‫دا جرحه " ‪ .‬ونقله الهيثمي‬
‫وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت ‪ ،‬ل نعرف أح ً‬
‫في مجمع الزوائد ‪ ، 151 - 150 : 7‬وقال ‪ " :‬رواه أحمد ‪ ،‬ورجاله ثقات " ‪.‬‬
‫وذكره الحافظ في الفتح ‪ ، 23 - 22 : 9‬ونسبه للطبري فقط ‪ ،‬فقصر إذ لم‬
‫ينسبه للمسند‪.‬‬
‫وإسناده يحتاج إلى بحث ‪:‬‬
‫فأول ‪ " -‬حرب بن ثابت " ‪ :‬ثبت في نسخ الطبري هنا " حرب بن أبي ثابت‬
‫" ‪ ،‬وهو خطأ صرف من الناسخين‪ .‬صوابه " حرب بن ثابت " ‪ ،‬وهو "‬
‫المنقري " ‪ ،‬ترجمه البخاري في التاريخ الكبير ‪ ، 58 \1 \2 :‬قال ‪ " :‬حرب بن‬
‫أبي حرب أبو ثابت ‪ ،‬عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة النصاري ‪ ،‬قاله‬
‫عبد الصمد‪ .‬وقال موسى ‪ :‬حدثنا حرب بن ثابت المنقري‪ .‬يعد في البصريين‬
‫"‪.‬‬
‫وترجمه ابن حبان في الثقات ‪ ، 444 - 443‬قال ‪ " :‬حرب بن ثابت‬
‫المنقري ‪ ،‬من أهل البصرة ‪ ،‬يروي عن الحسن ومروان الصفر ‪ ،‬روى عنه‬
‫عبد الصمد ‪ ،‬كأنه ‪ :‬حرب بن أبي حرب الذي ذكرناه " ‪ .‬وقد ذكر قبله ترجمة‬
‫" حرب بن أبي حرب ‪ ،‬يروي عن شريح ‪ ،‬روى عنه حصين أبو حبيب " ‪.‬‬
‫والحافظ ابن حجر حين ترجم لحرب بن ثابت ‪ ،‬أشار إلى كلم ابن حبان هذا ‪،‬‬
‫وعقب عليه بأنه " واحد ‪ ،‬جعله اثنين ‪ ،‬ثم شك فيه " !! ولم ينصفه في هذا ‪،‬‬
‫فإنهما اثنان يقيًنا ‪ ،‬فصل بينهما البخاري في الكبير ‪ ،‬فجعل الذي يروى عن‬
‫شريح برقم ‪ ، 226 :‬غير الذي نقلنا كلمه عنه برقم ‪. 227 :‬‬
‫وأما الذي جعل الراوي راويين فإنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪\1 \2‬‬
‫‪ 252‬ذكر ثلث تراجم ‪ ،‬بالرقام ‪ ، 1125 ، 1123 ، 1121 :‬فالخير هو الذي‬
‫روى عن شريح ‪ ،‬والولن هما شخص واحد ‪ ،‬وهم فيه ابن أبي حاتم‪.‬‬

‫وقد نسب " حرب بن ثابت " هذا في التعجيل ‪ 92 - 91 :‬بأنه " البكري " ‪،‬‬
‫وكذلك في الكمال للحسيني ‪ . 23 :‬وأنا أرجح أن هذا خطأ من الناسخين ‪،‬‬
‫أصله " البصري " ‪ ،‬فإن نسبته فيما أشرنا إليه من تراجمه " المنقري " ‪،‬‬
‫وهو من أهل البصرة ‪ ،‬فعن ذلك رجحت أن صوابه " البصري " ‪.‬‬
‫وثانًيا ‪ " -‬إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة " ‪ :‬هكذا رواه عبد الصمد بن عبد‬
‫الوارث عن حرب بن ثابت المنقري‪ .‬ولكن بعض العلماء شك في صحة هذا ‪،‬‬
‫فقال البخاري في الكبير في ترجمة حرب ‪ " :‬وقال مسلم ‪ :‬حدثنا حرب بن‬
‫ثابت سمع إسحاق بن عبد الله " فهذه رواية البخاري عن شيخه مسلم بن‬
‫إبراهيم الفراهيدي عن حرب بن ثابت " أنه سمع إسحاق بن عبد الله " ‪.‬‬
‫وهي تؤكد صحة ما رواه عبد الصمد‪ .‬ولكن قال البخاري عقب ذلك ‪" :‬‬
‫حدثني إسحاق بن إبراهيم قال ‪ :‬أخبرنا عبد الصمد قال ‪ :‬حدثنا حرب أبو‬
‫ثابت قال ‪ :‬حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة‪ .‬ويقال ‪ :‬إسحاق هذا‬
‫ليس بابن أبي طلحة ‪ ،‬وهم فيه عبد الصمد من حفظه ‪ ،‬وأصله صحيح " ‪،‬‬
‫فهذه إشارة إلى هذا الحديث‪..‬‬
‫ولكنه قال في التاريخ الكبير ‪ 382 \1 \1‬في ترجمة " إسحاق النصاري " ‪" :‬‬
‫إسحاق النصاري‪ .‬حدثنا موسى بن إسماعيل قال ‪ :‬حدثنا حرب بن ثابت‬
‫المنقري قال ‪ :‬حدثني إسحاق النصاري عن أبيه عن جده ‪ ،‬وكانت له صحبة ‪،‬‬
‫أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬القرآن كله صواب ‪ :‬وقال عبد الصمد ‪:‬‬
‫حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن‬
‫جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬مثله‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬لقن عبد الصمد ‪،‬‬
‫فقالوا ‪ :‬ابن عبد الله بن أبي طلحة ‪ ،‬ولم يكن في كتابه ‪ :‬ابن عبد الله " ‪.‬‬
‫ضا ‪ ،‬كعادته في تاريخه ‪ ،‬في‬
‫فهذه إشارة أخرى من البخاري لهذا الحديث أي ً‬
‫الشارة إلى الحاديث التي يريد أن يرشد إلى مواطن البحث فيها‪.‬‬
‫وقد أشار البخاري في الموضعين إلى قول من شك في أن " إسحاق‬
‫النصاري " راوي هذا الحديث غير " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة‬
‫النصاري " الثقة المعروف بروايته عن أبيه " عبد الله " عن جده " أبي‬
‫طلحة زيد بن سهل النصاري الصحابي الكبير " أحد النقباء ‪ ،‬الذي شهد‬
‫العقبة وبدًرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وأتى بقوله‬
‫ضا ‪ ،‬بقوله مرة ‪ " :‬ويقال " ‪ ،‬ومرة ‪ " :‬وقال بعضهم " ‪.‬‬
‫هذا مجهل إياه ممر ً‬
‫ثم عقب على هذا التمريض في المرة الولى بقوله ‪ " :‬وأصله صحيح " ‪،‬‬
‫يعني أصل الحديث‪ .‬فهو تصريح منه بصحة الحديث ‪ ،‬وبرفض قول هذا القائل‬
‫الذي شك فيه‪.‬‬
‫وقد وافقه على ذلك زميله وصنوه أبو حاتم الرازي ‪ ،‬فقال ابنه في الجرح‬
‫والتعديل ‪ ،‬في ترجمة " إسحاق النصاري " ‪ " : 240 - 239 \1 \1‬سمعت‬
‫أبي يقول ‪ :‬يرون أنه ‪ :‬إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة النصاري " ‪.‬‬
‫وسبقهما إلى ذلك شيخهما إمام المحدثين ‪ ،‬المام أحمد بن حنبل ‪ ،‬فأثبت‬
‫هذا الحديث في مسند " أبي طلحة زيد بن سهل النصاري " دون شك أو‬
‫تردد‪ .‬فصح الحديث ‪ ،‬والحمد لله‪.‬‬
‫)‪ (2‬هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ‪ ،‬وليس هو ابن‬
‫عمر بن الخطاب‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 17‬إسناده ضعيف جدا ‪ ،‬من أجل " عبد الله بن ميمون " ‪ .‬أما‬
‫" عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي " شيخ الطبري ‪ ،‬فالظاهر أنه ثقة ‪،‬‬
‫ولكني لم أجد له ترجمة إل في الجرح والتعديل لبن أبي حاتم ‪، 335 \2 \2 :‬‬
‫قال ‪ " :‬نزيل بيت المقدس ‪ ،‬روى عن سفيان بن عيينة ‪ ،‬سمع منه أبي ببيت‬

‫حا‪ .‬وأما علة الحديث فهو " عبد الله بن ميمون‬
‫المقدس " ‪ .‬ولم يذكر فيه جر ً‬
‫دا ‪ ،‬قال البخاري ‪ " :‬ذاهب الحديث " ‪،‬‬
‫بن داود القداح " ‪ ،‬وهو ضعيف ج ً‬
‫وقال أبو حاتم والترمذي ‪ " :‬منكر الحديث " ‪ ،‬وقال أبو حاتم ‪ " :‬يروي عن‬
‫الثبات الملزقات ‪ ،‬ل يجوز الحتجاج به إذا انفرد " ‪ ،‬وقال الحاكم ‪ " :‬روى‬
‫عن عبيد الله بن عمر أحاديث موضوعة " ‪ .‬وأما شيخه " عبيد الله بن عمر‬
‫بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب " ‪ ،‬فإنه إمام ثقة معروف ‪ ،‬وهو‬
‫أحد الفقهاء السبعة‪.‬‬
‫ومعنى الحديث في ذاته صحيح ‪ ،‬كأنه مختصر من معنى حديث عمر بن‬
‫الخطاب ‪ ،‬الذي مضى برقم ‪ . 15 :‬ولكن هذا القداح ألزقه بعبيد الله بن عمر‬
‫‪ ،‬وجعله من حديث نافع عن ابن عمر‪ .‬ول أصل لهذا ‪ ،‬ولم نجده قط من‬
‫حديث ابن عمر‪.‬‬
‫ولم يحسن الحافظ ابن حجر ‪ ،‬إذ أشار إلى هذا الحديث في الفتح ‪، 23 : 9‬‬
‫ونسبه للطبري ‪ ،‬دون أن يذكر ضعف إسناده‪.‬‬
‫) ‪(1/26‬‬
‫‪ - 18‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫هشام بن سعد ‪ ،‬عن علي بن أبي علي ‪ ،‬عن زبيد ‪ ،‬عن علقمة النخعي ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فوّدعهم ‪،‬‬
‫ف ول يتلشى ‪ ،‬ول يتغير لكثرة‬
‫ثم قال ‪ :‬ل تناَز ُ‬
‫عوا في القرآن ‪ ،‬فإنه ل يختل ُ‬
‫الرد‪ .‬وإن شريعة السلم وحدوَده وفرائضه فيه واحدة ‪ ،‬ولو كان شيء من‬
‫ف‪ .‬ولكنه جامعٌ ذلك‬
‫الحرفين ينَهى عن شيء يأمر به الخر ‪ ،‬كان ذلك الختل َ‬
‫كله ‪ ،‬ل تختلف فيه الحدود ول الفرائض ‪ ،‬ول شيء من شرائع السلم‪ .‬ولقد‬
‫رأيُتنا نتنازع فيه عند َ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فيأمرنا فنقرأ عليه ‪،‬‬
‫دا أعلم بما أنزل الله على رسوله منى‬
‫م أح ً‬
‫ن‪ .‬ولو أعل ُ‬
‫فيخبرنا أن كّلنا محس ٌ‬
‫ن رسول الله صلى‬
‫مه إلى علمي‪ .‬ولقد قرأ ُ‬
‫لطلبته ‪ ،‬حتى أزداد َ عل َ‬
‫ت من لسا ِ‬
‫ن في‬
‫الله عليه وسلم سبعين سورة ‪ ،‬وقد كنت علمت أنه ي ُعَْرض عليه القرآ ُ‬
‫م ُقبض ‪ ،‬فعرض عليه مّرتين ‪ ،‬فكان إذا فرغ أقرأ‬
‫كل رمضان ‪ ،‬حتى كا َ‬
‫ن عا ُ‬
‫ن‪ .‬فمن قرأ على قراءتي فل يدعّنها رغبة عنها ‪،‬‬
‫عليه فيخبرني أني محس ٌ‬
‫ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فل َيدعّنه رغبة عنه ‪ ،‬فإنه من جحد‬
‫بآية جحد به كله )‪. (1‬‬
‫__________‬
‫دا ‪ ،‬غاية في الضعف‪ .‬لعلتين ‪:‬‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 18‬إسناده ضعيف ج ً‬
‫أولهما ‪ " :‬علي بن أبي علي " ‪ ،‬وهو " اللهبي " ‪ ،‬من ولد أبي لهب‪ .‬قال‬
‫البخاري في التاريخ الصغير ‪ ، 196 :‬وفي الضعفاء ‪ " : 25 :‬منكر الحديث ‪،‬‬
‫لم يرضه أحمد " ‪ .‬وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪" : 197 \1 \3 :‬‬
‫سألت أبي عن علي بن أبي علي اللهبي ؟ فقال ‪ :‬منكر الحديث ‪ ،‬تركوه " ‪.‬‬
‫وقال ‪ " :‬سئل أبو زرعة عن علي بن أبي علي الهاشمي ؟ فقال ‪ :‬هو من ولد‬
‫أبي لهب ‪ ،‬وهو مديني ضعيف الحديث ‪ ،‬منكر الحديث " ‪ .‬وقال ابن حبان في‬
‫الضعفاء ‪ " 315 :‬يروي عن الثقات الموضوعات ‪ ،‬وعن الثبات المقلوبات ‪،‬‬
‫ل يجوز الحتجاج به " ‪.‬‬
‫وثانيتهما ‪ :‬أن " زبيد بن الحرث اليامي " لم يدرك علقمة ولم يرو عنه ‪ ،‬إنما‬
‫يروي عن الطبقة الراوية عن علقمة ‪ ،‬فروايته عنه هنا منقطعة ‪ ،‬إن صح‬

‫السناد إليه فيها ‪ ،‬ولم يصح قط‪.‬‬
‫ضا ‪ :‬فرواه‬
‫وقد جاء نحو هذا الحديث عن ابن مسعود ‪ ،‬من وجه آخر ضعيف أي ً‬
‫أحمد في المسند رقم ‪ 3845 :‬مطول ‪ ،‬من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن‬
‫عابس ‪ ،‬قال ‪ " :‬حدثنا رجل من همدان ‪ ،‬من أصحاب عبد الله ‪ ،‬وما سماه لنا‬
‫حا‪ .‬وذكره‬
‫" إلخ‪ .‬وهذا مجهول الراوي عن ابن مسعود ‪ ،‬فل يكون صحي ً‬
‫الهيثمي في مجمع الزوائد مختصًرا ‪ ، 153 : 7‬وقال ‪ " :‬رواه المام أحمد في‬
‫حديث طويل ‪ ،‬والطبراني ‪ ،‬وفيه من لم يسم ‪ ،‬وبقية رجاله رجال الصحيح‬
‫"‪.‬‬
‫قال أخي السيد محمود محمد شاكر ‪ :‬ولفظ المسند ‪ " :‬إن هذا القرآن ل‬
‫قا‬
‫يختلف ‪ ،‬ول يستشن ‪ ،‬ول يتفه لكثرة الرد " ‪ .‬و " استشن " ‪ :‬بلى وصار خل ً‬
‫كالشن البالي ‪ ،‬وهو القربة البالية‪ .‬وقوله " ل يتفه " ‪ :‬ل يصير تافًها ‪ ،‬التافه ‪:‬‬
‫الحقير‪ .‬وكل كلم رددت قراءته نفدت معانيه وضعف أثره إل القرآن‪ .‬وأما‬
‫قوله في رواية الطبري هنا " ول يتلشى " ‪ ،‬فقد قال أهل اللغة إنه مولد من‬
‫" ل شيء " ‪ ،‬كأنه اضمحل حتى صار إلى ل شيء‪ .‬ومجيئه في هذا الحبر‬
‫غريب‪.‬‬
‫أقول ‪ :‬وإذ تبين أن راويه " علي بن أبي علي اللهبي " ممن يصطنع الحاديث‬
‫ويروي عن الثقات الموضوعات ‪ ،‬كما قال ابن حبان ‪ ،‬فل يبعد أن يقول هذه‬
‫الكلمة المولدة من عند نفسه‪ .‬وهو متأخر أدرك عصر التوليد ‪ ،‬فقد أرخه‬
‫البخاري في باب من مات بين سنتي ‪. 180 - 170‬‬
‫) ‪(1/28‬‬
‫‪ - 19‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا ابن َوهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫يونس ‪ -‬وحدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا رِ ْ‬
‫عقيل بن خالد‬
‫ن بن سعد ‪ ،‬عن ُ‬
‫شدي ُ‬
‫عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن‬
‫ جميًعا عن ابن شهاب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني ُ‬‫عباس حدثه ‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أقرأني جبري ُ‬
‫ل على‬
‫حرف ‪ ،‬فراجعته ‪ ،‬فلم أَزل أستزيده فيزيدني ‪ ،‬حتى انتهى إلى سبعة أحرف‪.‬‬
‫قال ابن شهاب ‪ :‬بلغني أن تلك السبعة الحرف ‪ ،‬إنما هي في المر الذي‬
‫ف في حلل ول حرام )‪. (1‬‬
‫دا ‪ ،‬ل يختل ُ‬
‫يكون واح ً‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 19‬هو بإسنادين ‪ :‬أحدهما صحيح ‪ ،‬والخر ضعيف ‪:‬‬
‫السناد الول ‪ :‬عن يونس بن عبد العلى عن ابن وهب عن يونس ‪ ،‬وهو ابن‬
‫دا‪.‬‬
‫يزيد اليلي عن ابن شهاب الزهري‪ .‬وهو إسناد صحيح ج ً‬
‫والثاني ‪ :‬عن أبي كريب عن رشدين ‪ ،‬وهو ابن سعد ‪ ،‬عن عقيل بن خالد عن‬
‫حا فيه‬
‫الزهري‪ .‬وهو إسناد ضعيف ‪ ،‬لضعف رشدين بن سعد ‪ ،‬وكان رجل صال ً‬
‫غفلة ‪ ،‬وكثر خطؤه فغلبت المناكير في أخباره‪ .‬ولكنه في هذا الحديث لم‬
‫ينفرد بروايته عن عقيل بن خالد ‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫و " رشدين " ‪ :‬بكسر الراء والدال المهملتين بينهما شين معجمة ساكنة‪ .‬و "‬
‫عقيل " بضم العين المهملة‪.‬‬
‫والحديث رواه مسلم ‪ 225 : 1‬عن حرملة عن ابن وهب عن يونس ‪ ،‬مثل‬
‫السناد الول هنا‪ .‬ورواه البخاري ‪ 222 : 6‬فتح الباري ‪ ،‬من طريق سليمان‬
‫ضا‪.‬‬
‫بن بلل عن يونس أي ً‬
‫ورواه البخاري ‪ ، 21 - 20 : 9‬عن سعيد بن عفير عن الليث بن سعد عن‬

‫عقيل بن خالد عن الزهري‪.‬‬
‫ضا بإسناد صحيح ‪ ،‬برقم ‪ ، 22 :‬من رواية نافع بن يزيد عن عقيل‬
‫وسيأتي أي ً‬
‫بن خالد عن الزهري‪.‬‬
‫وهذان السنادان يؤيدان السناد الثاني هنا ‪ ،‬أعني رواية رشدين بن سعد عن‬
‫عقيل‪ .‬ولذلك قلت إن رشدين ‪ -‬على ضعفه ‪ -‬لم ينفرد بروايته عن عقيل‪.‬‬
‫وقول ابن شهاب الزهري ‪ " :‬بلغني أن تلك الحرف السبعة " إلخ ‪ :‬لم يذكره‬
‫البخاري ‪ ،‬وذكره مسلم في روايته‪ .‬وهو مرسل غير متصل ‪ ،‬فهو ضعيف‬
‫السناد‪ .‬ولذلك أعرض البخاري عن ذكره‪.‬‬
‫ضا أحمد ‪ ،‬بنحوه ‪ ،‬في المسند رقم ‪ 2860 :‬عن عبد‬
‫ثم إن الحديث رواه أي ً‬
‫الرزاق عن معمر عن الزهري‪ .‬ورواه مسلم ‪ ، 225 : 1‬عن عبد بن حميد عن‬
‫عبد الرزاق ‪ ،‬ولكنه لم يسق لفظه بل أحاله على رواية يونس عن الزهري‪.‬‬
‫ضا مختصًرا رقم ‪ ، 2717 ، 2375 :‬من رواية ابن أخي الزهري‬
‫ورواه أحمد أي ً‬
‫عن عمه‪.‬‬
‫ونقله ابن كثير في فضائل القرآن ‪ 53 :‬عن إحدى روايتي البخاري ‪ ،‬ثم أشار‬
‫إلى روايته الخرى وروايتي مسلم ورواية الطبري هذه‪.‬‬
‫) ‪(1/29‬‬
‫‪ - 20‬حدثني محمد بن عبد الله بن أبي مخلد الواسطي ‪ ،‬ويونس بن عبد‬
‫ي ‪ ،‬قال حدثنا سفيان بن عيينة ‪ ،‬عن عبيد الله ‪ ،‬أخبره أبوه ‪:‬‬
‫العلى الصدف ّ‬
‫أن أم أيوب أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أنزل القرآن على‬
‫ت )‪. (1‬‬
‫ت أصب ْ َ‬
‫سبعة أحرف ‪ ،‬أّيها قرأ َ‬
‫دي ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا َ‬
‫شريك ‪ ،‬عن أبي‬
‫س ّ‬
‫‪ - 21‬حدثنا إسماعيل بن موسى ال ّ‬
‫َ‬
‫صَرد ‪ ،‬يرفعه ‪ ،‬قال ‪ :‬أتاني ملكان ‪ ،‬فقال أحدهما ‪:‬‬
‫إسحاق ‪ ،‬عن سليمان بن ُ‬
‫ه‪ .‬حتى انتهى به إلى‬
‫اقرأ‪ .‬قال ‪ :‬على كم ؟ قال ‪ :‬على حرف ‪ ،‬قال ‪ :‬زِد ْ ُ‬
‫سبعة أحرف )‪(2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 20‬رواه أحمد في المسند )‪ 463 - 462 ، 433 : 6‬من طبعة‬
‫الحلبي( ‪ ،‬عن سفيان بن عيينة ‪ ،‬بهذا السناد‪ .‬ونقله ابن كثير في فضائل‬
‫القرآن ‪ 64 :‬عن المسند ‪ ،‬وقال ‪ " :‬وهذا إسناد صحيح ‪ ،‬ولم يخرجه أحد من‬
‫أصحاب الكتب الستة " ‪ .‬ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ ، 154 : 7‬وقال ‪:‬‬
‫" رواه الطبراني ‪ ،‬ورجاله ثقات " ‪ .‬فقصر إذ لم ينسبه للمسند أول‪ .‬ولفظ‬
‫المسند " أيها قرأت أجزأك " ‪ .‬ولفظ الطبراني موافق للفظ الطبري هنا‪.‬‬
‫و " عبيد الله " ‪ ،‬في السناد ‪ :‬هو عبيد الله بن أبي يزيد المكي ‪ ،‬وهو ثقة‬
‫معروف‪ .‬وأبوه " أبو يزيد المكي " ‪ :‬ذكره ابن حبان في الثقات‪.‬‬
‫وسيأتي الحديث مكرًرا ‪ ،‬برقمي ‪. 24 ، 23 :‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 21‬الحديث في ذاته صحيح ‪ ،‬لن معناه سيأتي مراًرا ‪ ،‬ضمن‬
‫أحاديث لبي بن كعب ‪ ،‬وقد كررها الطبري بأسانيد متعددة ‪ ،‬بالرقام التية ‪:‬‬
‫‪ . 39 - 25‬وسيأتي بحثها في مواضعها إن شاء الله‪.‬‬
‫وأما هذا السناد بعينه ‪ ،‬فهكذا ورد في الطبري ‪ ،‬من حديث سليمان بن صرد‪.‬‬
‫ونقل الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ 153 : 7‬نحوه ‪ ،‬من حديث سليمان بن صرد‬
‫‪ ،‬وقال ‪ " :‬رواه الطبراني ‪ ،‬وفيه جعفر ‪ ،‬ولم أعرفه ‪ ،‬وبقية رجاله ثقات " ‪.‬‬
‫وليس إسناد الطبراني بين أيدينا حتى نستطيع القول فيه‪ .‬ولعل اسم " جعفر‬

‫" ‪ -‬الذي لم يعرفه الهيثمي في إسناده ‪ -‬محرف عن شيء آخر‪.‬‬
‫ونقل ابن كثير في الفضائل ‪ 61 :‬هذا الحديث عن هذا الموضع من الطبري ‪،‬‬
‫ثم قال ‪ " :‬ورواه النسائي في اليوم والليلة ‪ :‬عن عبد الرحمن بن محمد بن‬
‫سلم عن إسحاق الزرق عن العوام بن حوشب عن أبي إسحاق عن سليمان‬
‫بن صرد ‪ ،‬قال ‪ :‬أتى أبي بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين‬
‫اختلفا في القراءة ‪ ،‬فذكر الحديث‪ .‬وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن‬
‫هارون عن العوام عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن أبي ‪ :‬أنه أتى‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ‪ ،‬فذكره " ‪.‬‬
‫وهذان السنادان اللذان ذكرهما ابن كثير صحيحان ‪ ،‬يدلن على أن سليمان‬
‫صرد إنما سمع هذا الحديث من أبي بن كعب‪.‬‬
‫بن َ‬
‫وليس الخطأ الذي وقع في إسناد الطبري هنا ‪ ،‬بحذف " أبي بن كعب " ‪-‬‬
‫خطأ شريك بن عبد الله النخعي راويه عن أبي إسحاق السبيعي‪ .‬إنما الخطأ ‪-‬‬
‫فيما أرجح ‪ -‬إما من إسماعيل بن موسى السدي شيخ الطبري ‪ ،‬وإما من‬
‫الطبري نفسه‪ .‬فإن الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل ‪ ،‬في مسند أبيه‬
‫)‪ 125 : 5‬طبعة الحلبي( عن محمد بن جعفر الوركاني عن أبي إسحاق عن‬
‫سليمان عن أبي بن كعب ‪ -‬مختصًرا كما هنا‪ .‬وسيأتي الحديث مطول ‪ ،‬من‬
‫رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب رقم ‪. 25 :‬‬
‫) ‪(1/30‬‬
‫‪ - 22‬حدثنا ابن البرقي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي مريم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا نافع بن‬
‫قْيل بن خالد ‪ ،‬عن ابن شهاب ‪ ،‬عن عبيد الله بن عبد‬
‫يزيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني عُ َ‬
‫الله ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أقرأني‬
‫ن على حرف ‪ ،‬فاستزدته فزادني ‪ ،‬ثم استزدته فزادني ‪ ،‬حتى‬
‫جبريل القرآ َ‬
‫انتهى إلى سبعة أحرف )‪. (1‬‬
‫‪ - 23‬حدثني الربيع بن سليمان ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أسد بن موسى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫سفيان ‪ ،‬عن عبيد الله بن أبي يزيد ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬أنه سمع أم أيوب تحدث عن‬
‫وه ‪ -‬يعني نحو حديث ابن أبي مخلد )‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فذكر نح َ‬
‫‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 22‬هذا إسناد صحيح‪ .‬قد مضى برقم ‪ ، 19 :‬بإسنادين آخرين ‪،‬‬
‫وبينا تخريجه هناك‪.‬‬
‫و " ابن البرقي " ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬هو " أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم "‬
‫المصري الحافظ ‪ ،‬توفي سنة ‪ . 270‬وله ترجمة في تذكرة الحفاظ ‪: 2‬‬
‫‪.135‬‬
‫و " ابن أبي مريم " ‪ :‬هو " سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم " المصري ‪،‬‬
‫عرف بابن أبي مريم‪ .‬مترجم في التهذيب‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 23‬هذا إسناد صحيح‪ .‬فالربيع بن سليمان ‪ :‬هو المرادي‬
‫المؤذن ‪ ،‬صاحب الشافعي وراوية كتبه‪ .‬وأسد بن موسى المرواني الموي‬
‫المصري ‪ :‬يقال له " أسد السنة " ‪ ،‬ثقة من الثقات ‪ ،‬قال البخاري في التاريخ‬
‫الكبير ‪ " : 50 \2 \1 :‬مشهور الحديث " ‪ .‬والحديث مكرر رقم ‪ ، 20 :‬كما‬
‫أشار إلى ذلك الطبري بالحالة عليه‪ .‬وسيأتي عقب هذا بإسناد آخر‪.‬‬

‫) ‪(1/31‬‬
‫‪ - 24‬حدثنا الربيع ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أسد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو الربيع السمان ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫عبيد الله بن أبي يزيد ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن أم أيوب ‪ ،‬أنها سمعت النبي‬
‫حدثني ُ‬
‫ت‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول ‪ :‬نزل القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬فما قرأ َ‬
‫ت )‪. (1‬‬
‫أصب َ‬
‫‪ - 25‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني يحيى بن آدم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسرائيل عن‬
‫أبي إسحاق ‪ ،‬عن فلن العَْبدي ‪ -‬قال أبو جعفر ‪َ :‬ذهب عنى اسمه ‪ ، -‬عن‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬رحت إلى المسجد ‪ ،‬فسمعت‬
‫سليمان بن ُ‬
‫صَرد ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫رجل يقرأ ‪ ،‬فقلت ‪ :‬من أقرأك ؟ فقال ‪ :‬رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬استقرئْ هذا‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فقرأ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أحسنت‪ .‬قال فقلت ‪ :‬إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال ‪:‬‬
‫ت! قال ‪ :‬فضرب بيده‬
‫ت! قد أحسن َ‬
‫ت‪ .‬قال ‪ :‬فقلت ‪ :‬قد أحسن َ‬
‫ت قد أحسن َ‬
‫وأن َ‬
‫ي الش ّ‬
‫ت عَرًقا ‪،‬‬
‫ك‪ .‬قال ‪ :‬ف ِ‬
‫ف ْ‬
‫على صدري ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬اللهم أذهِ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ب عن أب ّ‬
‫َ‬
‫وفي فَرًقا ‪ -‬ثم قال ‪ :‬إن الملكين أتياني ‪ ،‬فقال أحدهما اقرأ القرآن‬
‫وامتل ج ْ‬
‫على حرف‪ .‬وقال الخر ‪ :‬زده‪ .‬قال ‪ :‬فقلت ‪ :‬زْدني‪ .‬قال ‪ :‬اقرأه على حرفين‪.‬‬
‫ة أحرف ‪ ،‬فقال ‪ :‬اقرأ على سبعة أحرف )‪. (2‬‬
‫حتى بلغَ سبع َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 24‬وأما هذا فإسناد ضعيف جدا ‪ ،‬فأبو الربيع السمان ‪ ،‬واسمه‬
‫‪ :‬أشعث بن سعيد البصري ‪ ،‬ضعيف جدا ‪ ،‬كان شعبة يرميه بالكذب‪ .‬والحديث‬
‫مضى بإسنادين صحيحين ‪ ،‬رقم ‪. 23 ، 20 :‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 25‬مضى بعض معناه مختصًرا ‪ ،‬وأشرنا إلى هذا ‪ ،‬في الحديث‬
‫رقم ‪ ، 21 :‬وأن سليمان بن صرد ‪ ،‬راويه هناك ‪ ،‬إنما رواه عن أبي بن كعب‪.‬‬
‫وهذا السناد نسي فيه أبو جعفر الطبري اسم " فلن العبدي " ‪ ،‬كما قال هو‬
‫هنا‪.‬‬
‫وقد نقله ابن كثير في الفضائل ‪ 61 :‬عن هذا الموضع من تفسير الطبري ‪،‬‬
‫ثم أشار إلى بعض رواياته الخر التي سمى فيها " فلن العبدي " هذا‬
‫باسمه ‪ ،‬وأراد أن يجمع بين هذه الروايات والرواية الماضية رقم ‪ ، 21 :‬التي‬
‫فيها أن الحديث من رواية سليمان بن صرد دون ذكر أبي بن كعب ‪ ،‬فقال ‪" :‬‬
‫فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب ‪ ،‬والظاهر أن‬
‫سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك " ‪.‬‬
‫والصحيح ما ذهبنا إليه هناك ‪ ،‬من أنه من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن‬
‫كعب‪.‬‬
‫وهذا الحديث المطول ‪ -‬الذي هنا ‪ -‬رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في‬
‫مسند أبيه ‪ 124 : 5‬من طبعة الحلبي ‪ ،‬عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد‬
‫الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سقير العبدي عن سليمان‬
‫بن صرد عن أبي بن كعب ‪ ،‬بنحوه بمعناه‪.‬‬
‫فعرفنا من رواية عبد الله بن أحمد أن اسم هذا الراوي " العبدي " ‪ " :‬سقير‬
‫" ‪ .‬وهو بضم السين المهملة وفتح القاف ‪ ،‬كما ضبطه الحافظ عبد الغني بن‬
‫سعيد المصري في كتاب المؤتلف ‪ ، 65 :‬وكذلك أثبته الذهبي في المشتبه ‪:‬‬
‫‪ .266‬وفي اسمه خلف قديم ‪ ،‬ولكن هذا هو الراجح الصحيح‪.‬‬
‫فقد ترجمه البخاري في التاريخ الكبير ‪ 331 \2 \2‬في حرف الصاد ‪ ،‬باسم "‬
‫صقير " ‪ ،‬وإن وقع فيه خطأ من النساخ ‪ ،‬فرسم " صعير " بالعين بدل‬

‫القاف‪ .‬وقد حقق مصححه العلمة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني ذلك‬
‫ضا‪.‬‬
‫بالهامش ‪ ،‬ونقل أن المير ابن ماكول ضبطه " سقير " أي ً‬
‫وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪ 318 \1 \2‬في حرف السين ‪،‬‬
‫باسم " سقير العبدي " ‪ ،‬ثم أعاده في حرف الصاد ‪ 452 \1 \2‬باسم " صقر‬
‫العبدي ‪ ،‬ويقال ‪ :‬صقير العبدي " ‪ ،‬فجاء بقول ثالث‪.‬‬
‫وترجمه الحسيني في الكمال ‪ ، 45 :‬فقال ‪ " :‬سقير العبدي ‪ ،‬عن سليمان‬
‫بن صرد الخزاعي ‪ ،‬وعنه أبو إسحاق السبيعي ‪ :‬ليس بالمشهور " ‪ .‬وتعقبه‬
‫الحافظ في التعجيل ‪ ، 157 :‬فقال ‪ " :‬لم يصب في ذلك ‪ ،‬فقد ذكروه في‬
‫حا ‪ ،‬وذكره‬
‫حرف الصاد المهملة ‪ ،‬ولم يذكر البخاري ول ابن أبي حاتم فيه قد ً‬
‫ابن حبان في الثقات " ‪ ،‬وهو في الثقات ‪ ، 226 :‬باسم " صقير العبدي " ‪.‬‬
‫فإذ تبين أن " العبدي " هذا تابعي ثقة ‪ ،‬بتوثيق البخاري أن لم يجرحه ‪ ،‬وبذكر‬
‫حا‪.‬‬
‫ابن حبان إياه في الثقات ‪ -‬كان هذا السناد صحي ً‬
‫ثم إن سقيًرا العبدي لم ينفرد بروايته عن سليمان بن صرد‪ .‬فقد رواه عنه‬
‫تابعي آخر ‪ ،‬ثقة معروف ‪ ،‬من مشهوري التابعين ‪ ،‬وهو يحيى بن يعمر‪.‬‬
‫فرواه أحمد في المسند ‪ 124 : 5‬عن عبد الرحمن بن مهدي ‪ ،‬وعن بهز ‪،‬‬
‫ورواه ابنه عبد الله بن أحمد عن هدبة بن خالد القيسي ‪ ،‬ورواه أبو داود في‬
‫السنن رقم ‪ 1477 :‬ج ‪ 2‬ص ‪ 102‬عن أبي الوليد الطيالسي ‪ : -‬كلهم عن‬
‫همام بن يحيى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي‬
‫بن كعب ‪ ،‬بنحوه مختصًرا‪ .‬وهذه أسانيد صحاح على شرط الشيخين‪.‬‬
‫وسيأتي عقب هذا بأسانيد كثيرة ‪ ،‬من أوجه مختلفة ‪ ،‬عن أبي بن كعب‬
‫بالرقام ‪. 46 ، 39 - 26‬‬
‫) ‪(1/32‬‬
‫دثنا أبو كَريب ‪،‬‬
‫‪ - 26‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي عدي ‪ -‬وح ّ‬
‫حميد الطويل ‪ ،‬عن‬
‫قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني ‪ -‬جميًعا عن ُ‬
‫ي بن كعب رضي الله عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬ما‬
‫أنس بن مالك رضي الله عنه ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫ة ‪ ،‬فقرأها رجل غيَر‬
‫ت آي ً‬
‫ت ‪ ،‬إل أني قرأ ُ‬
‫حاك في صدري شيٌء منذ أسلم ُ‬
‫قراءتي ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وقال الرجل ‪:‬‬
‫أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فأتيت رسو َ‬
‫ل الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬فقلت ‪ :‬أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال ‪ :‬بلى‪ .‬قال الرجل ‪ :‬ألم ُتقرئني‬
‫آية كذا وكذا ؟ قال ‪ :‬بلى ‪ ،‬إن جبريل وميكائيل عليهما السلم أتياني ‪ ،‬فقعد‬
‫جبريل عن يميني ‪ ،‬وميكائيل عن يساري ‪ ،‬فقال جبريل ‪ :‬اقرإ القرآن على‬
‫حرف واحد‪ .‬وقال ميكائيل ‪ :‬استزْده ‪ ،‬قال جبريل ‪ :‬اقرإ القرآن على حرفين‪.‬‬
‫فقال ميكائيل ‪:‬‬
‫) ‪(1/33‬‬
‫ة ‪ -‬الشك من أبي كريب ‪ -‬وقال ابن بشار في‬
‫ة أو سبع ً‬
‫استزده‪ .‬حتى بلغ ست ً‬
‫ّ‬
‫ة أحرف ‪ -‬ولم َيشك فيه ‪ -‬وك ّ‬
‫ف‪ .‬ولفظ‬
‫حديثه ‪ :‬حتى بلغ سبع َ‬
‫ف كا ٍ‬
‫ل شا ٍ‬
‫الحديث لبي كريب )‪. (1‬‬
‫‪ - 27‬حدثني يونس بن عبد العلى قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬

‫ي بن كعب ‪،‬‬
‫يحيى بن أيوب ‪ ،‬عن ُ‬
‫حميد الطويل ‪ ،‬عن أنس بن مالك ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‪ .‬وقال في حديثه ‪ :‬حتى بلغ ستة‬
‫أحرف ‪ ،‬قال ‪ :‬اقرأه على سبعة أحرف ‪ ،‬ك ّ‬
‫ف )‪. (2‬‬
‫ف كا ٍ‬
‫ل شا ٍ‬
‫‪ - 28‬حدثنا محمد بن مرزوق ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو الوليد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حماد‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 26‬هذا بإسنادين ‪ " :‬محمد بن بشار عن ابن أبي عدي " ‪ ،‬و "‬
‫أبو كريب عن محمد بن ميمون الزعفراني " ‪ ،‬كلهما عن حميد الطويل‪.‬‬
‫فالسناد الول صحيح على شرط الشيخين دون خلف‪ .‬والسناد الثاني فيه "‬
‫محمد بن ميمون الزعفراني " ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬وثقه ابن معين وأبو داود‬
‫وغيرهما ‪ ،‬وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما‪.‬‬
‫والحديث صحيح بكل حال ‪ ،‬إذ لم ينفرد بروايته هذان ‪:‬‬
‫فقد رواه أحمد في المسند ‪ 122 ، 114 : 5‬طبعة الحلبي ‪ ،‬مختصًرا قليل ‪،‬‬
‫عن يحيى بن سعيد ‪ ،‬وهو القطان عن حميد الطويل ‪ ،‬بهذا السناد‪ .‬ثم رواه‬
‫ابنه عبد الله بن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن بشر بن‬
‫المفضل ‪ ،‬وعن سويد بن سعيد عن المعتمر بن سليمان ‪ ،‬كلهما عن حميد‬
‫الطويل ‪ ،‬بمعناه‪.‬‬
‫ضا أبو عبيد القاسم بن سلم ‪ -‬فيما نقل عنه ابن كثير في الفضائل ‪:‬‬
‫ورواه أي ً‬
‫‪ 54‬عن يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد ‪ ،‬كلهما عن حميد ‪ ،‬بهذا السناد‬
‫مطول‪.‬‬
‫وسيأتي عقب هذا ‪ ،‬رقم ‪ ، 27 :‬من رواية يحيى بن أيوب عن حميد‪.‬‬
‫وقال ابن كثير ‪ ،‬بعد نقله رواية أبي عبيد ‪ " :‬وقد رواه النسائي من حديث‬
‫يزيد ‪ ،‬وهو ابن هارون ‪ ،‬ويحيى بن سعيد القطان ‪ ،‬كلهما عن حميد الطويل‬
‫عن أنس عن أبي بن كعب ‪ ،‬بنحوه‪ .‬وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمد بن‬
‫ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب ‪ ،‬كلهم عن حميد ‪ ،‬به " وهذا إشارة منه‬
‫إلى أسانيد الطبري الثلثة هنا‪ .‬وهي كلها أسانيد صحاح‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 27‬هو مكرر الحديث قبله‪ .‬وقد أشرنا إليه في تخريجه‪.‬‬
‫) ‪(1/34‬‬
‫ي‬
‫حميد ‪ ،‬عن أنس بن مالك ‪ ،‬عن ُ‬
‫بن سلمة ‪ ،‬عن ُ‬
‫عبادة بن ال ّ‬
‫صامت ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫بن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أنزل القرآن على‬
‫سبعة أحرف )‪. (1‬‬
‫‪ - 29‬حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسين بن علي ‪ ،‬وأبو أسامة ‪ ،‬عن زائدة ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬قال ‪ :‬لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫عن عاصم ‪ ،‬عن زِّر ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫م‬
‫جبريل عند أحجار ال ِ‬
‫مّيين ‪ ،‬منهم الغل ُ‬
‫ت إلى أمة أ ّ‬
‫مَراِء فقال ‪ :‬إني ُبعث ُ‬
‫سي والعجوز ‪ ،‬فقال جبريل ‪ :‬فليقرأوا القرآن على سبعة‬
‫م والشيخ العا ِ‬
‫والخاد ُ‬
‫أحرف )‪ . (2‬ولفظ الحديث لبي أسامة‪.‬‬
‫__________‬
‫ضا ‪ ،‬إل أن حماد بن سلمة زاد " عبادة‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 28‬وهذا إسناد صحيح أي ً‬
‫بن الصامت " بين أنس وأبي بن كعب‪ .‬وسنبين ذلك ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫ومحمد بن مرزوق ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬هو محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي ‪،‬‬
‫نسب إلى جده‪ .‬وهو ثقة ‪ ،‬روى عنه مسلم في صحيحه والترمذي وابن ماجة‬
‫وغيرهم‪ .‬وشيخه أبو الوليد ‪ :‬هو الطيالسي ‪ ،‬واسمه ‪ :‬هشام بن عبد الملك ‪،‬‬

‫إمام حافظ حجة‪.‬‬
‫والحديث رواه أحمد في المسند ‪ 114 : 5‬طبعة الحلبي ‪ ،‬هكذا مختصًرا ‪ ،‬عن‬
‫عفان عن حماد بن سلمة ‪ ،‬بهذا السناد‪ .‬ثم رواه بالسناد نفسه مطول ‪ ،‬بنحو‬
‫الرواية الماضية ‪ ،‬في ‪ ، 27 ، 26‬ثم رواه عن يحيى بن سعيد عن حميد عن‬
‫أنس ‪ " :‬أن أبيا قال " ‪ -‬فأشار إلى تلك الرواية ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬ولم يذكر فيه‬
‫عبادة " ‪.‬‬
‫فالظاهر ‪ -‬عندي ‪ -‬أن حماد بن سلمة هو الذي انفرد بزيادة " عبادة " في‬
‫السناد‪ .‬ولعل هذا سهو منه ‪ ،‬فقد رواه الرواة الذين ذكرنا من قبل ‪ ،‬دون‬
‫هذه الزيادة ‪ ،‬وهم أكثر منه عدًدا وأحفظ وأشد إتقاًنا‪.‬‬
‫وأيا ما كان فالحديث صحيح ‪ ،‬سواء أسمعه أنس من أبي بن كعب مباشرة ‪،‬‬
‫أم سمعه من عبادة بن الصامت عن أبي‪.‬‬
‫ضا‪ .‬حسين بن علي ‪ :‬هو الجعفي‪ .‬أبو‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 29‬وهذا إسناد صحيح أي ً‬
‫أسامة ‪ :‬هو حماد بن أسامة‪ .‬زائدة ‪ :‬هو ابن قدامة‪ .‬عاصم ‪ :‬هو ابن بهدلة ‪،‬‬
‫وهو ابن أبي النجود‪ .‬زر ‪ :‬هو ابن حبيش‪.‬‬
‫والحديث رواه أحمد في المسند ‪ 132 : 5‬عن حسين بن علي الجعفي عن‬
‫ضا‪ .‬ونقله ابن كثير في‬
‫زائدة ‪ ،‬وعن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زائدة أي ً‬
‫الفضائل ‪ 59 :‬عن الرواية الولى من المسند‪.‬‬
‫ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم ‪ 543 :‬عن حماد بن سلمة‪ .‬ورواه‬
‫الترمذي ‪ 61 : 4‬من طريق شيبان ‪ ،‬وهو ابن عبد الرحمن النحوي ‪ ،‬كلهما‬
‫عن عاصم ‪ ،‬بهذا السناد ‪ ،‬نحوه‪ .‬قال الترمذي ‪ " :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وقد روى عن أبي بن كعب من غير وجه " ‪.‬‬
‫" أحجار المراء " ‪ ،‬بكسر الميم وتخفيف الراء وبالمد ‪ :‬موضع بقباء ‪ ،‬خارج‬
‫المدينة ‪ ،‬وقال مجاهد ‪ " :‬هي قباء " ‪ ،‬كما في النهاية لبن الثير ‪، 203 : 1‬‬
‫‪ ، 91 : 4‬والقاموس وشرحه ‪ ، 127 : 3‬ووفاء الوفا للسمهودي ‪.244 : 2‬‬
‫ولم نجد في ذلك خلًفا ‪ ،‬إل ما ذهب إليه أبو عبيد البكري في معجم ما‬
‫استعجم ‪ ، 117 :‬إذ زعم أنه " موضع بمكة ‪ ،‬على لفظ جمع " حجر " كانت‬
‫دا ؛‬
‫قريش تتمارى عندها ‪ ،‬وهي صفي السباب " ‪ ،‬ثم ذكر هذا الحديث شاه ً‬
‫وأنا أرجح أنه وهم منه ‪ ،‬انتقل ذهنه بمناسبة تقارب معنيي اللفظين إلى‬
‫الظن باتحاد المكانين‪ .‬فإن " صفي السباب " " موضع بمكة كانت قريش‬
‫تتمارى عندها " كما قال أبو عبيد نفسه في مادة " صفي " ‪ ، 838 :‬فانتقل‬
‫ذهنه فقال عقب ذلك ‪ " :‬وهو الموضع المعروف بأحجار المراء " !! و "‬
‫المراء " ‪ :‬من المماراة ‪ ،‬و " الصفي " ‪ ،‬بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء‬
‫‪ :‬جمع " صفا " ‪ ،‬و " الصفا " ‪ :‬جمع " صفاة " ‪ ،‬وهي الحجر الصلد الضخم‬
‫الذي ل ينبت شيًئا‪.‬‬
‫ومما يؤيد اليقين بما أخطأ فيه أبو عبيد ‪ :‬أن في بعض روايات هذا الحديث‬
‫التية ‪ " :‬عند أضاة بني غفار " ‪ ،‬وهي موضع بالمدينة يقيًنا‪ .‬وقد بين أبو‬
‫دا عليه‪.‬‬
‫ضا شاه ً‬
‫عبيدة نفسه ذلك في ‪ ، 164 :‬وذكر الحديث بالرواية التية أي ً‬
‫وقوله " والشيخ العاسي " ‪ ،‬في مطبوعة الطبري " والشيخ الفاني " ‪ ،‬وفي‬
‫المخطوطة " العاشي " ‪ ،‬وفي المسند " العاصي " ‪ .‬وكلها بمعنى‪ .‬و " عسا‬
‫الشيخ " ‪ :‬إذا كبر وأسن وضعف بصره ويبس جلده وصلب‪ .‬ومثله " عصا " ‪.‬‬
‫وقال الزهري ‪ :‬عصا ‪ :‬إذا صلب ‪ ،‬كأنه أراد " عسا " بالسين ‪ ،‬فقلبها صاًدا‬
‫" ‪) .‬اللسان ‪ :‬عصا(‪.‬‬
‫) ‪(1/35‬‬

‫‪ - 30‬حدثنا أبو ُ‬
‫كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُنمير ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسماعيل بن أبي‬
‫قّناد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن يزيد‬
‫خالد ‪ -‬وحدثنا عبد الحميد بن بيان ال َ‬
‫الواسطي ‪ ،‬عن إسماعيل ‪ -‬عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬كنت في المسجد ‪ ،‬فدخل رج ٌ‬
‫ل‬
‫ل َْيلى ‪ ،‬عن جده ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫يصلي ‪ ،‬فقرأ قراءة أنكرُتها عليه ‪ ،‬ثم دخل رج ٌ‬
‫ل آخر ‪ ،‬فقرأ قراءةً غيَر قراءة‬
‫صاحبه ‪ ،‬فدخلنا جميًعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬فقلت ‪:‬‬
‫يا رسول الله ‪ ،‬إن هذا قرأ قراءةً أنكرُتها عليه ‪ ،‬ثم دخل هذا فقرأ قراءةً غيَر‬
‫سن‬
‫قراءة صاحبه‪ .‬فأمر ُ‬
‫هما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ ‪ ،‬فح ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن َُهما ‪ ،‬فوقع في نفسي من التكذيب ‪،‬‬
‫ول إذ ْ كنت في الجاهلية! فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما‬
‫َ‬
‫فضت عَرًقا ‪ ،‬كأنما أنظر إلى الله فََرًقا‪ .‬فقال‬
‫ب في صدري ‪ ،‬فَ ِ‬
‫غشيني ‪ ،‬ضر َ‬
‫س َ‬
‫ن على حرف ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬أْر ِ‬
‫ي أن اقرإ القرآ َ‬
‫ل إل ّ‬
‫لي ‪ :‬يا أب ّ‬
‫) ‪(1/36‬‬
‫ي في الثانية ‪ :‬أن اقرإ القرآن‬
‫فرددت عليه ‪ :‬أ ْ‬
‫ون على أمتي ‪ ،‬فرد ّ عل ّ‬
‫ن هَ ّ‬
‫ي في الثالثة ‪ ،‬أن‬
‫على حرف‪ .‬فرددت عليه أن هو َ‬
‫ن على أمتي ‪ ،‬فرد ّ عل ّ‬
‫اقرأه على سبعة أحرف ‪ ،‬ولك بكل َرّدة َرَددت ُ َ‬
‫مسألة تسأُلنيها فقلت ‪:‬‬
‫كها َ‬
‫ي فيه‬
‫اللهم اغفر لمتي ‪ ،‬اللهم اغفر لمتي ‪ ،‬وأخرت الثالثة ليوم يرغب إل ّ‬
‫ن قال في حديثه ‪ :‬فقال لهم النبي‬
‫الخلق كلهم حتى إبراهيم‪ .‬إل أن ابن بيا َ‬
‫ضضت عرًقا )‬
‫ضا ‪ :‬فارف َ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قد أصبتم وأحسنتم‪ .‬وقال أي ً‬
‫‪. (1‬‬
‫ُ‬
‫‪ - 31‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ُفضيل ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي‬
‫خالد ‪ ،‬بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ‪ ،‬وقال ‪ :‬قال لي ‪:‬‬
‫أعي ُ‬
‫ضا ‪ :‬إن الله أمرني أقرأ القرآن‬
‫ذك بالله من الشك والتكذيب‪ .‬وقال أي ً‬
‫ب خفف عن أمتي‪ .‬قال ‪ :‬اقرأه على حرفين‪.‬‬
‫مر ّ‬
‫على حر ٍ‬
‫ف ‪ ،‬فقلت ‪ :‬الله ّ‬
‫ف‬
‫ب من الجنة ‪ ،‬كلها شا ٍ‬
‫فأمرني أن أقرأه على سبعة أحر ٍ‬
‫ف ‪ ،‬من سبعة أبوا ٍ‬
‫ف )‪. (2‬‬
‫كا ٍ‬
‫‪ - 32‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا وكيع ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد ‪ ،‬عن‬
‫عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى ‪] -‬و[ عن ابن أبي ليلى عن الحكم ‪ -‬عن ابن‬
‫ت النحل ‪،‬‬
‫ت ‪ ،‬فقرأ ُ‬
‫ت المسجد َ فصلي ُ‬
‫ي قال ‪ :‬دخل ُ‬
‫أبي ليلى ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 30‬إسناداه صحيحان‪ .‬وعبد الحميد بن بيان القناد ‪ ،‬شيخ‬
‫ضا " السكري‬
‫الطبري في السناد الثاني ‪ :‬ثقة من شيوخ مسلم ‪ ،‬ويقال له أي ً‬
‫" ‪ .‬و " القناد " ‪ :‬نسبة إلى " القند " بفتح القاف وسكون النون ‪ ،‬وهو السكر‬
‫المصنوع من عسل القصب‪.‬‬
‫والحديث رواه مسلم ‪ 225 : 1‬عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن‬
‫إسماعيل بن أبي خالد ‪ ،‬بهذا السناد ‪ ،‬نحوه‪ .‬ثم رواه عن أبي بكر بن أبي‬
‫شيبة عن محمد بن بشر عن إسماعيل‪.‬‬
‫ورواه أحمد في المسند ‪ 127 : 5‬طبعة الحلبي عن يحيى بن سعيد عن‬
‫ضا ‪ ، 129 - 128 : 5‬عن وهب‬
‫إسماعيل‪ .‬ورواه ابنه عبد الله في المسند أي ً‬
‫بن بقية عن خالد بن عبد الله ‪ ،‬وهو الطحان ‪ ،‬عن إسماعيل‪ .‬ونقله ابن كثير‬

‫في الفضائل ‪ 55 :‬عن رواية أحمد‪ .‬ارفضاض العرق ‪ :‬تتابع سيلنه‪.‬‬
‫ضا‪ .‬وهو مكرر الحديث قبله‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 31‬إسناده صحيح أي ً‬
‫ونقله ابن كثير في الفضائل ‪ 55 :‬عن الطبري في هذا الموضع ‪ ،‬واقتصر فيه‬
‫على آخره ‪ ،‬من أول قوله " إن الله أمرني " ‪ .‬ولكن وقع فيه خطأ في‬
‫السناد " عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن‬
‫جده " ! فزيادة " عن أبيه " خطأ ناسخ أو طابع ‪ ،‬ليست في الطبري ‪ ،‬ول‬
‫موضع لها ‪ ،‬لن عيسى روى هذا الحديث عن جده مباشرة ‪ ،‬كما في السناد‬
‫الماضي‪.‬‬
‫وقوله " أمرني أقرأ القرآن " ‪ :‬هو على تقدير " أن " ‪ ،‬وهي ثابتة في‬
‫المطبوعة وابن كثير ‪ ،‬ومحذوفة في المخطوطة‪.‬‬
‫) ‪(1/37‬‬
‫ف‬
‫خل َ‬
‫ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي ‪ ،‬ثم جاء رجل آخر فقرأ ِ‬
‫قراءِتنا ‪ ،‬فدخل نفسي من الش ّ‬
‫ت في الجاهلية ‪،‬‬
‫ك والتكذيب أشد ّ مما كن ُ‬
‫ت بهما النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول‬
‫ت بأيديهما فأتي ُ‬
‫فأخذ ُ‬
‫ت‪ .‬ثم استقرأ الخر ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫أصب‬
‫‪:‬‬
‫فقال‬
‫‪،‬‬
‫دهما‬
‫أح‬
‫فقرأ‬
‫هذين‪.‬‬
‫استقرئ‬
‫الله ‪،‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ت‪ .‬فدخل قلبي أشد ّ مما كان في الجاهلية من الش ّ‬
‫ك والتكذيب ‪ ،‬فضرب‬
‫أصب َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ‪ ،‬وقال ‪ :‬أعاذك الله من الش ّ‬
‫ك‪،‬‬
‫ن أبي ليلى‬
‫وأ ْ‬
‫ن‪ .‬قال إسماعيل ‪ :‬ف ِ‬
‫ف ْ‬
‫سأ عنك الشيطا َ‬
‫خ َ‬
‫ض ُ‬
‫ت عرًقا ‪ -‬ولم يقله اب ُ‬
‫ قال ‪ :‬فقال ‪ :‬أتاني جبري ُ‬‫ل فقال ‪ :‬اقرأ القرآن على حرف واحد‪ .‬فقلت ‪ :‬إن‬
‫ف‪،‬‬
‫ع‪ .‬حتى قال سبع مرات ‪ ،‬فقال لي ‪ :‬اقرأ على سبعة أحر ٍ‬
‫أمتي ل تستطي ُ‬
‫ي فيها الخلئق ‪ ،‬حتى إبراهيم‬
‫ولك بكل ردة ُرِددتها مسألة‪ .‬قال ‪ :‬فاحتا َ‬
‫ج إل ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم )‪. (1‬‬
‫‪ - 33‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله ‪ ،‬عن ابن أبي ليلى ‪ ،‬عن الحكم ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫بنحوه )‪. (2‬‬
‫‪ - 34‬حدثني أحمد بن محمد الطوسي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الصمد ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫جحادة ‪ ،‬عن الحكم ‪ -‬هو ابن عُت َْيبة ‪ -‬عن‬
‫حدثني أبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ُ‬
‫ُ‬
‫ي صلى‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬أتى جبريل النب ّ‬
‫مجاهد ‪ ،‬عن ابن أبي ليلى ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫ضاة بني ِغفار فقال ‪ :‬إن الله تبارك وتعالى يأمرك‬
‫الله عليه وسلم وهو عند أ َ‬
‫ف ‪ ،‬فمن قرأ منها حرًفا فهو كما قرأ )‬
‫ن على سبعة أحر ٍ‬
‫أن ُتقرئ أمتك القرآ َ‬
‫‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 32‬هو بإسنادين ‪ ،‬أحدهما متصل صحيح ‪ ،‬والخر ظاهره‬
‫التصال‪ .‬وسنبين ذلك تفصيل ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫وقد وقع هنا في نسخ الطبري خطأ من الناسخين ‪ ،‬بحذف واو العطف قبل‬
‫قوله " عن ابن أبي ليلى عن الحكم " ‪ .‬ولذلك زدناها بعلمة الزيادة ]و[‪ .‬بأنا‬
‫دا ‪ ،‬ويكون إسناًدا مضطرًبا ل يفهم‪.‬‬
‫على يقين أن حذفها يجعله إسناًدا واح ً‬
‫والذي أوقع الناسخين في الخطأ ‪ ،‬والذي يوقع القارئ في الشتباه‬
‫والضطراب ‪ ،‬تكرار " عن ابن أبي ليلى " في السناد‪ .‬وهما اثنان ‪ ،‬بل ثلثة ‪:‬‬
‫فالول صرح باسمه فيه ‪ ،‬وهو ‪ " :‬عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫ليلى " ‪ ،‬والثاني ‪ " :‬محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " عم عيسى ‪،‬‬

‫والثالث ‪ " :‬عبد الرحمن بن أبي ليلى " التابعي‪.‬‬
‫فالطبري روى هذا الحديث عن أبي كريب محمد بن العلء عن وكيع بن‬
‫الجراح‪ .‬ثم يفترق السنادان فوق وكيع ‪:‬‬
‫فرواه وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد " عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى‬
‫" ‪ ،‬وهو " عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ‪.‬‬
‫ضا " عن ابن أبي ليلى " ‪ ،‬وهو " محمد بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫ورواه وكيع أي ً‬
‫ليلى " ‪ ،‬عن الحكم ‪ ،‬وهو " الحكم بن عتيبة " ‪.‬‬
‫ثم يجتمع السنادان مرة أخرى ‪:‬‬
‫فيرويه " عبد الله بن عيسى " عن جده " عبد الرحمن بن أبي ليلى " عن‬
‫أبي بن كعب ‪ ،‬كالسنادين الماضيين ‪ . 31 ، 30‬وهو إسناد متصل‪.‬‬
‫ويرويه الحكم بن عتيبة عن " ابن أبي ليلى " ‪ ،‬وهو " عبد الرحمن " عن أبي‬
‫بن كعب ‪ ،‬وهذا إسناد ظاهره التصال ‪ ،‬إل أن فيه شبهة النقطاع ‪ ،‬لن‬
‫الحكم بن عتيبة وإن كان يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كثيًرا ‪ ،‬إل أنه‬
‫في هذا الحديث بعينه رواه عنه بواسطة مجاهد ‪ ،‬كما سيأتي في السانيد‬
‫رقم ‪ ، 37 - 34 :‬وفيما سنذكر هناك إن شاء الله من التخريج‪.‬‬
‫دا أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى‬
‫ومن المحتمل ج ً‬
‫نفسه ‪ ،‬وسمعه من مجاهد عنه ‪ ،‬فرواه على الوجهين‪ .‬وهذا كثير في‬
‫الرواية ‪ ،‬معروف مثله عند أهل العلم‪.‬‬
‫وإذا لم يكن الحكم سمعه من " عبد الرحمن بن أبي ليلى " ‪ ،‬فتكون الرواية‬
‫التي هنا ‪ -‬كالرواية التالية رقم ‪ - 33 :‬خطأ من " محمد بن عبد الرحمن بن‬
‫أبي ليلى " ‪ ،‬فإنه وإن كان فقيها صدوًقا ‪ ،‬إل أنه " كان سيئ الحفظ‬
‫مضطرب الحديث " ‪ ،‬كما قال المام أحمد بن حنبل وغيره‪.‬‬
‫وليعلم أن " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " كان أصغر من ابن أخيه "‬
‫عبد الله بن عيسى ابن أبي ليلى " ‪ ،‬وكان يروي عنه ‪ ،‬ول يروي عن أبيه "‬
‫عبد الرحمن " إل بالواسطة ‪ ،‬وأما ابن أخيه " عبد الله بن عيسى " فقد أدرك‬
‫جده وروى عنه مباشرة‪.‬‬
‫وعلى كل حال فالحديث صحيح بالروايات المتصلة ‪ ،‬ول تؤثر في صحته رواية‬
‫محمد بن عبد الرحمن إن ظهر عدم اتصالها‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 33‬إسناده كالسناد قبله ‪ " :‬ابن أبي ليلى " ‪ ،‬هو " محمد بن‬
‫عبد الرحمن " يرويه عن أبيه " عبد الرحمن " بواسطة " الحكم بن عتيبة " ‪.‬‬
‫وأما " عبد الله " شيخ أبي كريب ‪ ،‬فالظاهر عندي أنه " عبد الله بن نمير " ‪،‬‬
‫إذ روايته عن محمد بن عبد الرحمن أبي ليلى ثابتة عندي في المسند في‬
‫حديث آخر ‪ ،‬هو الحديث رقم ‪ 2809 :‬هناك‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 34‬إسناده صحيح‪ .‬عبد الصمد ‪ :‬هو ابن عبد الوارث بن سعيد‬
‫بن ذكوان البصري وهو وأبوه من العلم الثقات‪ .‬محمد بن جحادة ‪ -‬بضم‬
‫الجيم وتخفيف الحاء المهملة ‪ ،‬ثقة عابد زاهد من أتباع التابعين‪.‬‬
‫وهذا الحديث مختصر ‪ ،‬وسيأتي عقبه مطول بثلثة أسانيد رقم ‪، 36 ، 35 :‬‬
‫ضا رقم ‪46 :‬‬
‫‪ ، 37‬من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة‪ .‬وسيأتي مطول أي ً‬
‫من طريق عبد الوارث عن محمد بن جحادة‪ .‬ورواه أحمد في المسند ‪: 5‬‬
‫ضا ‪ ،‬من طريق عبد الوارث‪.‬‬
‫‪ ، 128‬مطول أي ً‬
‫) ‪(1/38‬‬

‫‪ - 35‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫ي ابن كعب ‪ :‬أن‬
‫شعبة ‪ ،‬عن الحكم ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬عن ابن أبي ليلى ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني ِغفار ‪ ،‬قال ‪ :‬فأتاه جبريل‬
‫ف‪ .‬قال ‪ :‬أسأ ُ‬
‫ل الله‬
‫ن على حر ٍ‬
‫فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن ُتقرئ أمتك القرآ َ‬
‫مَعافاته ومغفرَته ‪ ،‬وإن أمتي ل تطيق ذلك‪ .‬قال ‪ :‬ثم أتاه الثانية فقال ‪ :‬إن‬
‫ُ‬
‫الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين‪ .‬قال ‪ :‬أسأل الله معافاته‬
‫ومغفرته ‪ ،‬وإن أمتي ل تطيق ذلك‪ .‬ثم جاءه الثالثة فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن‬
‫ه معافاته ومغفرته ‪ ،‬وإن‬
‫تقرئ أمتك القرآ َ‬
‫ن على ثلثة أحرف‪ .‬قال ‪ :‬أسأل الل ُ‬
‫أمتي ل تطيق ذلك‪ .‬ثم جاءه الرابعة فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك‬
‫ن على سبعة أحرف ‪ ،‬فأّيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا )‪. (1‬‬
‫القرآ َ‬
‫‪ - 36‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي عدي ‪ ،‬عن شعبة ‪ ،‬عن‬
‫الحكم ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬عن ابن أبي ليلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أتى جبريل النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم عند أضاة بني غفار ‪ -‬فذكر نحوه )‪. (2‬‬
‫‪ - 37‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال حدثنا موسى بن داود ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شعبة ‪-‬‬
‫وحدثنا الحسن بن عَرفة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شبابة قال ‪ :‬حدثنا شعبة ‪ -‬عن الحكم ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 35‬رواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم ‪ ، 558 :‬عن‬
‫شعبة‪ .‬ورواه أحمد في المسند ‪ ، 128 - 127 : 5‬عن محمد بن جعفر عن‬
‫شعبة‪ .‬ورواه مسلم ‪ ، 226 - 225 : 1‬عن محمد بن المثنى وغيره عن محمد‬
‫بن جعفر‪ .‬ورواه أبو داود السجستاني في السنن رقم ‪ 102 : 2 \1478 :‬عن‬
‫ضا‪.‬‬
‫محمد بن المثنى أي ً‬
‫ونقله ابن كثير في الفضائل ‪ 59 - 58‬عن هذا الموضع من تفسير الطبري‪.‬‬
‫وقال ‪ " :‬وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ‪ ،‬من رواية شعبة ‪ ،‬به " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 36‬هو مكرر الحديث قبله‪.‬‬
‫) ‪(1/40‬‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه‬
‫عن مجاهد ‪ ،‬عن ابن أبي ليلى ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫وسلم ‪ ،‬بنحوه )‪. (1‬‬
‫‪ - 38‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫هشام بن سعد ‪ ،‬عن عبيد الله بن عمر ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‪ ،‬عن‬
‫ف‬
‫ت رجل يقرأ في سورة النحل قراءةً تخال ِ ُ‬
‫ي بن كعب أنه قال ‪ :‬سمع ُ‬
‫أب ّ‬
‫ت بهما إلى‬
‫قراءتي ‪ ،‬ثم سمعت آخر يقرؤها قراءة ً تخالف ذلك ‪ ،‬فانطلق ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬إني سمعت هذين يقرآن في‬
‫سورة النحل ‪ ،‬فسألُتهما ‪ :‬من أقرأهما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬فقلت ‪ :‬لذهبن بكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬إذ‬
‫خالفتما ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فقال رسول الله صلى‬
‫ت‪ .‬ثم قال للخر ‪ :‬اقرأ‪.‬‬
‫الله عليه وسلم لحدهما ‪ :‬اقرأ‪ .‬فقرأ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أحسن َ‬
‫ت في نفسي وسوسة الشيطان ‪،‬‬
‫ي ‪ :‬فوجد ُ‬
‫فقرأ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أحسن َ‬
‫ت‪ .‬قال أب ّ‬
‫حتى احمّر وجهي ‪ ،‬فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬أتاني‬
‫مأ ْ‬
‫خسئ الشيطا َ‬
‫فضرب بيده في صدري ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬الله ّ‬
‫ن عنه! يا أب ّ‬
‫د‪ .‬فقلت ‪:‬‬
‫ف واح ٍ‬
‫آ ٍ‬
‫ت من ربي فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حر ٍ‬

‫ب خفف عني‪ .‬ثم أتاني الثانية فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على‬
‫ر ّ‬
‫حرف واحد‪ .‬فقلت ‪ :‬رب خفف عن أمتي‪ .‬ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك ‪،‬‬
‫ن على‬
‫وقلت مثله‪ .‬ثم أتاني الرابعة فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن تقرأ القرآ َ‬
‫سبعة أحرف ‪ ،‬ولك بكل َرّدة مسألة‪ .‬فقلت ‪ :‬يا رب اغفر لمتي ‪ ،‬يا رب اغفر‬
‫ة لمتي يوم القيامة )‪. (2‬‬
‫ت الثالثة شفاع ً‬
‫لمتي‪ .‬واختبأ ُ‬
‫__________‬
‫ضا‪ .‬وهو بإسنادين عن شعبة‪ .‬و " شبابة‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 37‬هو مكرر ما قبله أي ً‬
‫" في السناد الثاني ‪ :‬هو شبابة بن سوار الفزاري المدائني ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬أخرج‬
‫له أصحاب الكتب الستة‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 38‬هذا السناد نقله ابن كثير في الفضائل ‪ ، 57 - 56 :‬وقال ‪:‬‬
‫" إسناد صحيح " ‪ .‬وأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح ‪ . 21 : 9‬وعبيد الله‬
‫‪ ،‬الراوي عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ‪ :‬هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن‬
‫عاصم بن عمر بن الخطاب ‪ ،‬وهو إمام ثقة حجة ‪ ،‬أحد الفقهاء السبعة‬
‫بالمدينة ‪ ،‬وكان أحمد بن حنبل يقدمه على مالك وعلى غيره في الرواية عن‬
‫نافع ‪ ،‬ويقول ‪ " :‬عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية " ‪ .‬وفي ترجمته‬
‫في التهذيب ‪ " : 40 : 7‬وقال الحربي ‪ :‬لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى‬
‫" ‪ .‬وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي ‪ ،‬فإن عبد الرحمن مات سنة ‪ 82‬أو‬
‫‪ ، 83‬وعبيد الله مات سنة ‪ 144‬أو ‪ ، 145‬فالمعاصرة ثابتة ‪ ،‬وهي كافية في‬
‫سا ‪ ،‬وما كان عبيد الله ذلك‬
‫إثبات اتصال الرواية ‪ ،‬إذا لم يكن الراوي مدل ً‬
‫قط‪ .‬ولذلك جزم ابن كثير بصحة السناد‪.‬‬
‫وقوله في المرة الولى " رب خفف عنى " ‪ ،‬في الفضائل لبن كثير " رب‬
‫خفف عن أمتي " ‪.‬‬
‫) ‪(1/41‬‬
‫صنعاني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا المعتمر بن سليمان‬
‫‪ - 39‬حدثنا محمد بن عبد العلى ال ّ‬
‫عبيد الله بن عمر ‪ ،‬عن سّيارٍ أبي الحكم ‪ ،‬عن عبد الرحمن‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت ُ‬
‫جلين اختصما‬
‫بن أبي ليلى ‪َ ،‬رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‪ :‬ذكر أن َر ُ‬
‫في آية من القرآن ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ‪ ،‬فتقارآ‬
‫ي ‪ ،‬فتقاَر ُ‬
‫ؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا‬
‫ي ‪ ،‬فخالفهما أب ّ‬
‫إلى أب ّ‬
‫نبي الله ‪ ،‬اختلفنا في آية من القرآن ‪ ،‬وكلنا يزعم أنك أقرأته‪ .‬فقال‬
‫ف ما‬
‫ت‪ .‬وقال للخر ‪ :‬اقرأ‪ .‬فقرأ خل َ‬
‫لحدهما ‪ :‬اقرأ‪ .‬قال ‪ :‬فقرأ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أصب َ‬
‫ي ‪ :‬اقرأ‪ .‬فقرأ فخالفهما ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫قرأ صاحُبه ‪ ،‬فقال ‪ :‬أصب َ‬
‫ت‪ .‬وقال لب ّ‬
‫ي ‪ :‬فدخلني من الش ّ‬
‫ك في أمر رسول الله صلى الله عليه‬
‫أصب َ‬
‫ت‪ .‬قال أب ّ‬
‫ي من أمر الجاهلية ‪ ،‬قال ‪ :‬فعرف رسول الله صلى الله‬
‫وسلم ما َدخل ف ّ‬
‫ده فضرب صدري ‪ ،‬وقال ‪ :‬استعذ ْ بالله‬
‫عليه وسلم الذي في وجهي ‪ ،‬فرفع ي َ‬
‫ت عَرًقا ‪ ،‬وكأني أنظُر إلى الله فََرًقا‪ .‬وقال‬
‫من الشيطان الرجيم ‪ ،‬قال ‪ :‬ف ِ‬
‫ف ْ‬
‫ض ُ‬
‫ي فقال ‪ :‬إن رّبك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف‬
‫‪ :‬إنه أتاني آ ٍ‬
‫ت من رب ّ‬
‫واحد‪ .‬فقلت ‪ :‬رب خفف عن أمتي‪ .‬قال ‪ :‬ثم جاء فقال ‪ :‬إن ربك يأمرك أن‬
‫تقرأ القرآن على حرف واحد‪ .‬فقلت ‪ :‬رب خفف عن أمتي‪ .‬قال ‪ :‬ثم جاء‬
‫الثالثة فقال ‪ :‬إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد‪ .‬فقلت ‪ :‬رب‬
‫خفف عن أمتي‪ .‬قال ‪ :‬ثم جاءني الرابعة فقال ‪ :‬إن ربك يأمرك أن تقرأ‬

‫ب اغفر‬
‫القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬ولك بكل َرّدة مسألة‪ .‬قال ‪ :‬قلت ‪ :‬ر ّ‬
‫ة‬
‫لمتي ‪ ،‬رب اغفر لمتي ‪ ،‬واختبأت الثالثة شفاع ً‬
‫) ‪(1/42‬‬
‫لمتي ‪ ،‬حتى إن إبراهيم خلي َ‬
‫ب فيها )‪. (1‬‬
‫ل الرحمن ليرغ ُ‬
‫ماد بن سلمة ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 40‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا زيد بن ال ُ‬
‫حَباب ‪ ،‬عن ح ّ‬
‫علي بن زيد ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول‬
‫ن على حرف‪ .‬فقال‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قال جبريل ‪ :‬اقرأوا القرآ َ‬
‫ميكائيل ‪ :‬استزده‪ .‬فقال ‪ :‬على حرفين‪ .‬حتى بلغَ ستة أو سبعة أحرف ‪ ،‬فقال‬
‫ة عذاب برحمة ‪ ،‬أو آية رحمة بعذاب‪.‬‬
‫ف ‪ ،‬ما لم يختم آي َ‬
‫ف كا ٍ‬
‫‪ :‬كلها شا ٍ‬
‫م وتعا َ‬
‫ل )‪. (2‬‬
‫كقولك ‪ :‬هل ّ‬
‫‪ - 41‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫جهيم‬
‫سليمان بن بلل ‪ ،‬عن يزيد بن خصيفة ‪ ،‬عن ُبسر بن سعيد ‪ :‬أن أبا ُ‬
‫قيتها‬
‫النصاري أخبره ‪ :‬أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ‪ ،‬فقال هذا ‪ :‬تل ّ‬
‫قيتها من رسول الله‬
‫من رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وقال الخر ‪ :‬تل ّ‬
‫صلى الله‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 39‬وهذا إسناد صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى ‪ ،‬ولكنه‬
‫مرسل ‪ ،‬إذ لم يذكر ابن أبي ليلى عمن رواه من الصحابة‪ .‬وهو مؤيد بروايات‬
‫ابن أبي ليلى الماضية عن أبي بن كعب ‪ ،‬فهو كالمتصل معنى‪.‬‬
‫و " سيار أبو الحكم " ‪ :‬هو العنزي الواسطي ‪ ،‬ثقة ثبت صدوق في كل‬
‫المشايخ ‪ ،‬كما قال أحمد ابن حنبل ‪ ،‬مات سنة ‪ .122‬وفي التاريخ الكبير‬
‫للبخاري ‪ " : 162 \2 \2 :‬قال ابن عيينة ‪ :‬شيع سيار أبو الحكم عبيد الله بن‬
‫عمر من الكوفة إلى المدينة ‪ ،‬فأمر له بألف درهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬لم أشيعك لهذا ‪،‬‬
‫ولكن قلت ‪ :‬رجل صالح ‪ ،‬فأردت أن أشيعك " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 40‬سيأتي مرة أخرى ‪ ،‬بهذا السناد واللفظ ‪ ،‬برقم ‪.47 :‬‬
‫ورواه أحمد في المسند ‪ 51 : 5‬طبعة الحلبي ‪ ،‬عن عفان عن حماد بن سلمة‬
‫ضا ‪ 41 : 5‬عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة ‪،‬‬
‫‪ ،‬بنحوه‪ .‬ورواه أي ً‬
‫بشيء من الختصار‪.‬‬
‫ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ ، 151 : 7‬وقال ‪ " :‬رواه أحمد ‪ ،‬والطبراني‬
‫بنحوه ‪ ،‬إل أنه قال ‪ :‬واذهب وأدبر‪ .‬وفيه علي بن زيد بن جدعان ‪ ،‬وهو سيء‬
‫الحفظ ‪ ،‬وقد توبع ‪ ،‬وبقية رجال أحمد رجال الصحيح " ‪.‬‬
‫ونقله ابن كثير في الفضائل ‪ 63 - 62 :‬عن الرواية المختصرة من المسند ‪،‬‬
‫ثم قال ‪ " :‬وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن حماد‬
‫بن سلمة ‪ ،‬به‪ .‬وزاد في آخره ‪ :‬كقولك هلم وتعال " ‪ .‬وهذه الزيادة ثابتة في‬
‫الرواية المطولة في المسند ‪ 51 : 5‬بلفظ ‪ " :‬نحو قولك ‪ :‬تعال ‪ ،‬وأقبل ‪،‬‬
‫وهلم ‪ ،‬واذهب ‪ ،‬وأسرع ‪ ،‬واعجل " ‪.‬‬
‫) ‪(1/43‬‬

‫عليه وسلم ‪ ،‬فسأل رسو َ‬
‫ل الله صلى الله عليه وسلم عنها ‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫ماَرْوا في‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫ن القرآن أنزل على سبعة أحرف ‪ ،‬فل ت َ‬
‫مراء فيه كفٌر )‪. (1‬‬
‫ن ال ِ‬
‫القرآن ‪ ،‬فإ َ‬
‫‪ - 42‬حدثنا يونس ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا سفيان ‪ ،‬عن عمرو بن دينار ‪ ،‬قال ‪ :‬قال‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 41‬رواه أحمد في المسند رقم ‪170 - 169 : 4) 17615 :‬‬
‫حلبي( ‪ ،‬عن أبي سلمة الخزاعي عن سليمان بن بلل ‪ ،‬بهذا السناد‪ .‬ونقله‬
‫ابن كثير في الفضائل ‪ 65 - 64‬عن المسند ‪ ،‬وقال ‪ " :‬وهذا إسناد صحيح‬
‫ضا ‪ ،‬ولم يخرجوه " ‪ ،‬يعني أصحاب الكتب الستة‪ .‬ونقله الهيثمي في مجمع‬
‫أي ً‬
‫الزوائد ‪ 151 : 7‬وقال ‪ " :‬رواه أحمد ‪ ،‬ورجاله رجال الصحيح " ‪.‬‬
‫ونقله ابن كثير قبل ذلك ‪ ،‬عن أبي عبيد القاسم بن سلم ‪ ،‬قال ‪ " :‬حدثنا‬
‫إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي‬
‫ وقال غيره ‪ :‬عن بسر بن سعيد ‪ -‬عن أبي جهيم النصاري ‪ :‬أن رجلين‬‫اختلفا " ‪ ،‬إلخ‪ .‬ثم قال ابن كثير ‪ " :‬وهكذا رواه أبو عبيد على الشك! وقد‬
‫رواه المام أحمد على الصواب " ‪ ،‬ثم نقل رواية المسند‪.‬‬
‫وما كانت رواية أبي عبيد على الشك ‪ ،‬كما زعم ابن كثير ‪ ،‬إنما للحديث‬
‫طريقان ‪ :‬إسماعيل ابن جعفر ‪ ،‬يرويه عن يزيد بن خصيفة عن " مسلم بن‬
‫سعيد " ‪ .‬وسليمان بن بلل ‪ ،‬يرويه عن يزيد ابن خصيفة عن " بسر بن سعيد‬
‫" ‪ ،‬وهو أخو مسلم بن سعيد‪ .‬فأشار أبو عبيد أثناء السناد إلى الرواية الخرى‬
‫‪ ،‬دون أن يذكر إسنادها‪.‬‬
‫وقد ذكر البخاري الروايتين في التاريخ الكبير ‪ ، 262 \1 \4 :‬في ترجمة "‬
‫مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي " ‪ ،‬فأشار إلى أنه روى هذا الحديث عن‬
‫أبي جهيم ‪ ،‬وقال ‪ " :‬قاله إسماعيل ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة‪ .‬وقال‬
‫سليمان بن بلل عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم " ‪.‬‬
‫فأثبت بذلك الروايتين ‪ ،‬لم يجعل إحداهما علة للخرى‪ .‬فيكون يزيد بن‬
‫خصيفة سمع الحديث من الخوين ‪ :‬مسلم وبسر ‪ ،‬ابني سعيد‪.‬‬
‫ومن عجب أن الحافظ أشار في الصابة ‪ 35 : 7‬إلى رواية هذا الحديث من‬
‫طريق مسلم ابن سعيد ‪ ،‬ونسبها للبغوي فقط ‪ ،‬ثم لم يشر إلى رواية بسر‬
‫دا!!‬
‫بن سعيد ‪ ،‬فأبعد ج ً‬
‫و " أبو جهيم النصاري " هذا ‪ :‬اسمه " عبد الله بن الحرث بن الصمة " ‪،‬‬
‫وقيل في اسمه أقوال أخر‪ .‬ووقع في هذا الحديث في مطبوعة الطبري‬
‫ومجمع الزوائد والفضائل لبن كثير " عن أبي جهم " ‪ ،‬وهو خطأ مطبعي في‬
‫غالب الظن ‪ ،‬لنه ثابت في المسند " أبو جهيم " ‪ .‬وقال الحافظ في الفتح‬
‫‪ ، 375 - 374 : 1‬في حديث آخر له عند البخاري ‪ " :‬وقع في مسلم ]يعني‬
‫صحيح مسلم[ ‪ :‬دخلنا على أبي الجهم ‪ ،‬بإسكان الهاء ‪ ،‬والصواب أنه‬
‫بالتصغير ‪ ،‬وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم ‪ ،‬وهو صاحب‬
‫النبجانية ‪ ،‬وهو غير هذا ‪ ،‬لنه قرشي ‪ ،‬وهذا أنصاري ‪ ،‬ويقال بحذف اللف‬
‫واللم في كل منهما ‪ ،‬وبإثباتهما " ‪.‬‬
‫وقد أشار الحافظ إلى هذا الحديث في الفتح ‪ ، 23 : 9‬ونسبه لحمد وأبي‬
‫عبيد والطبري‪ .‬ووقع فيه في هذا الموضع " أبي جهم " ‪ ،‬بدون تصغير ‪ ،‬وهو‬
‫ضا‪.‬‬
‫خطأ مطبعي أي ً‬
‫و " بسر بن سعيد " ‪ :‬بضم الباء وسكون السين المهملة‪ .‬ووقع في مطبوعة‬
‫الطبري " بشر " ‪ ،‬وهو خطأ مطبعي‪.‬‬

‫) ‪(1/44‬‬
‫ف‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬كلها شا ٍ‬
‫ف )‪. (1‬‬
‫كا ٍ‬
‫‪ - 43‬حدثني يونس ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬أخبرني سليمان بن بلل ‪ ،‬عن‬
‫أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن جده عبد الله بن‬
‫ت أن أقرأ القرآن‬
‫مسعود ‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أ ِ‬
‫مر َ‬
‫على سبعة أحرف ‪ ،‬ك ّ‬
‫ف )‪. (2‬‬
‫ف شا ٍ‬
‫ل كا ٍ‬
‫‪ - 44‬حدثنا أحمد بن حازم الِغفاري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو ُنعيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو‬
‫خْلدة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبو العالية ‪ ،‬قال ‪ :‬قرأ على رسول الله صلى الله عليه‬
‫َ‬
‫س َرج ٌ‬
‫ل ‪ ،‬فاختلفوا في اللغة ‪ ،‬فرضي قراءتهم كّلهم ‪،‬‬
‫خم‬
‫كل‬
‫من‬
‫وسلم‬
‫ٍ‬
‫ب القوم )‪. (3‬‬
‫فكان بنو تميم أعَر َ‬
‫‪ - 45‬حدثنا عمرو بن عثمان العثماني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي أويس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫حدثنا أخي ‪ ،‬عن سليمان بن بلل ‪ ،‬عن محمد بن عجلن ‪ ،‬عن المقبري ‪ ،‬عن‬
‫أبي‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 42‬يونس ‪ :‬هو ابن عبد العلى‪ .‬سفيان ‪ :‬هو ابن عيينة‪ .‬وهذا‬
‫حديث مرسل ‪ ،‬لن عمرو بن دينار تابعي ‪ ،‬فروايته عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم مرسلة‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 43‬هذا إسناد مشكل ‪ ،‬لم أجد له وجًها يعرف‪ .‬فظاهره أن "‬
‫أبا عيسى بن عبد الله بن مسعود " يروي عن أبيه عن جده ‪ ،‬فالجد ظاهًرا‬
‫أنه " مسعود " ‪ ،‬ولكنه صرح بأنه " عبد الله بن مسعود " ! فيكون " أبو‬
‫عيسى " ليس ابن " عبد الله بن مسعود " ‪ ،‬بل ابن ابنه ‪ ،‬نسب إلى جده‪ .‬ول‬
‫بأس بذلك إن كان له أصل‪ .‬ولكن ليس في الرواة الذين تراجمهم عندنا من‬
‫يسمى أو يكنى " أبا عيسى " ‪ ،‬من ذرية ابن مسعود‪ .‬ول نعرف لبن مسعود‬
‫من الولد إل اثنين ‪ :‬عبد الرحمن ‪ ،‬وفي سماعه من أبيه خلف ‪ ،‬والراجح أنه‬
‫سمع منه‪ .‬وأبو عبيدة ‪ ،‬واسمه " عامر " ‪ ،‬ولم يسمع من أبيه ‪ ،‬تركه صغيًرا‪.‬‬
‫فهذا إسناد محرف يقيًنا ‪ ،‬ما صوابه ؟ ل ندري‪ .‬ول نستطيع أن نتخيل فيه‬
‫احتمالت لتصحيحه‪ .‬الرواية أمانة ‪ ،‬ل تؤخذ بالرأي ول بالقياس ول بالخيال‪.‬‬
‫وأما لفظ الحديث ‪ ،‬فقد ذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير‪ .‬بهذا‬
‫اللفظ ‪ 260 : 1‬من الفتح الكبير ‪ ،‬ونسبه لبن جرير عن ابن مسعود‪ .‬ولم‬
‫نجده في موضع آخر من الدواوين التي فيها الروايات بالسناد‪ .‬وقد يوفق الله‬
‫غيرنا لوجوده ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 44‬هذا مرسل ‪ ،‬لن أبا العالية تابعي ‪ ،‬يروى عن الصحابة ‪،‬‬
‫وأبو العالية ‪ :‬هو رفيع ‪ ،‬بضم الراء ‪ ،‬بن مهران ‪ ،‬بكسر الميم ‪ ،‬الرياحي ‪،‬‬
‫بكسر الراء وتخفيف الياء الولى‪ .‬وأبو خلدة بفتح الخاء وسكون اللم ‪ :‬هو‬
‫خالد بن دينار السعدي‪.‬‬
‫) ‪(1/45‬‬
‫ن هذا‬
‫هريرة رضي الله عنه ‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬إ ّ‬
‫القرآن أنزل على سبعة أحرف ‪ ،‬فاقرأوا ول حَرج ‪ ،‬ولكن ل تختموا ذكَر رحمة‬

‫ب برحمة )‪. (1‬‬
‫ب ‪ ،‬ول ذكر عذا ٍ‬
‫بعذا ٍ‬
‫مْعمر عبد الله بن عمرو بن‬
‫‪ - 46‬حدثنا محمد بن مرزوق ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َ‬
‫جحادة عن‬
‫أبي الحجاج ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الوارث قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ُ‬
‫الح َ‬
‫ي بن‬
‫أب‬
‫عن‬
‫‪،‬‬
‫عتيبة ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‬
‫كم ابن ُ‬
‫ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم جبري ُ‬
‫فار ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬وهو بأضاة بني ِغ َ‬
‫كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬أتى النب ّ‬
‫ن على حرف واحد‪ .‬قال ‪ :‬فقال ‪:‬‬
‫فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن ُتقرئ أمتك القرآ َ‬
‫أسأل الله مغفَرته ومعافاته ‪ -‬أو قال ‪ :‬ومعافاته ومغفرته ‪ -‬سل الله لهم‬
‫التخفيف ‪ ،‬فإنهم ل ُيطيقون ذلك‪ .‬فانطلقَ ثم رجع ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن الله يأمرك أن‬
‫ُتقرئ أمتك القرآن على حرفين‪ .‬قال ‪ :‬أسأل الله مغفَرته ومعافاته ‪ -‬أو قال ‪:‬‬
‫معافاته ومغفرته ‪ -‬إنهم ل يطيقون ذلك ‪ ،‬فسل الله لهم التخفيف‪ .‬فانطلق‬
‫ثم رجع ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن الله يأمُرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلثة أحرف‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أسأل الله مغفرته ومعافاته ‪ -‬أو قال ‪ :‬معافاته ومغفَرته ‪ -‬إنهم ل‬
‫يطيقون ذلك ‪ ،‬سل الله لهم التخفيف‪ .‬فانطلق ثم رجع ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن الله‬
‫يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ‪ ،‬فمن قرأ منها بحرف فهو‬
‫كما قرأ )‪. (2‬‬
‫ن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب‬
‫تأ ّ‬
‫قال أبو جعفر )‪ (3‬ص ّ‬
‫ح وثب َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 45‬ابن أبي أويس ‪ :‬هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن‬
‫أويس المدني ‪ ،‬ابن أخت مالك بن أنس ونسيبه‪ .‬أخوه ‪ :‬هو أبو بكر عبد‬
‫الرحمن بن عبد الله‪ .‬والمقبري ‪ :‬هو سعيد بن أبي سعيد‪.‬‬
‫وهذا الحديث ‪ ،‬بهذا السناد واللفظ ‪ ،‬لم أجده في موضع آخر ‪ ،‬وإسناده‬
‫صحيح على شرط الشيخين‪ .‬وقد مضى لبي هريرة حديثان بثلثة أسانيد ‪،‬‬
‫بالرقام ‪.9 - 7 :‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 46‬مضى الحديث مختصًرا ‪ ،‬رقم ‪ ، 34 :‬من طريق محمد بن‬
‫جحادة‪ .‬وأشرنا إليه هناك‪.‬‬
‫)‪ (3‬هذا جواب قوله في أول الباب ‪ ،‬ص ‪ 21‬س ‪ " : 14‬فإذ كان ذلك كذلك ‪،‬‬
‫وكانت الخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬بما حدثنا به خلد بن‬
‫أسلم‪ ..‬صح وثبت " ‪ ،‬إلخ‪ .‬وقد نقل ابن كثير في فضائل القرآن ‪70 - 69‬‬
‫بعض كلم الطبري هنا ‪ ،‬واختصره اختصاًرا‪.‬‬
‫) ‪(1/46‬‬
‫ما أن ألسنتها ولغاِتها أكثُر من سبعة ‪،‬‬
‫ض منها دون الجميع ‪ ،‬إذ كان معلو ً‬
‫البع ُ‬
‫جُز عن إحصائه‪.‬‬
‫بما ي ُعْ َ‬
‫فإن قال ‪ :‬وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪" :‬‬
‫نزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬وقوله ‪ " :‬أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة‬
‫مَر بقراءته على سبعة‬
‫ت ‪ -‬من أنه نزل بسبع لغات ‪ ،‬وأ ِ‬
‫أحرف " ‪ ،‬هو ما اّدعي َ‬
‫ن معناهُ ما قاله مخالفوك ‪ ،‬من أنه نزل بأمر وزجر‬
‫سن ‪ -‬دون أن يكو َ‬
‫أل ُ‬
‫ت قائ َ‬
‫ل‬
‫صص َومَثل ونحو ذلك من القوال ؟ فقد علم َ‬
‫وترغيب وترهيب وقَ َ‬
‫ذلك من سلف المة وخيار الئمة‪.‬‬
‫دعوا أن تأوي َ‬
‫ل الخبار التي تقدم ذكُرناها ‪،‬‬
‫ن الذين قالوا ذلك لم ي ّ‬
‫قيل له ‪ :‬إ ّ‬
‫ت أنهم قالوه في الحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون‬
‫هو ما زعم َ‬
‫خبروا أن القرآن نزل على سبعة‬
‫ن ذلك لقولنا مخال ً‬
‫فا ‪ ،‬وإنما أ ْ‬
‫غيره ‪ ،‬فيكو َ‬

‫ه‪ .‬والذي قالوه من ذلك كما‬
‫أحرف ‪ ،‬يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوج ٍ‬
‫قالوا‪.‬‬
‫وقد َرَوينا ‪ -‬بمثل الذي قالوا من ذلك ‪ -‬عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫وعن جماعة من أصحابه ‪ ،‬أخباًرا قد تقدم ذكُرنا بعضها ‪ ،‬ونستقصى ذكر‬
‫باقيها ببيانه ‪ ،‬إذا انتهينا إليه ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬من رواية أبي ُ‬
‫كريب ‪،‬‬
‫فأما الذي تقدم ذكُرناه من ذلك ‪ ،‬فخبر أب ّ‬
‫عن ابن فضيل ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد ‪ ،‬الذي ذكر فيه عن النبي صلى‬
‫ف ‪ ،‬من‬
‫الله عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحر ٍ‬
‫سبعة أبواب من الجنة " ‪.‬‬
‫والسبعة الحرف ‪ :‬هو ما قلنا من أنه اللسن السبعة‪ .‬والبواب السبعة من‬
‫الجنة ‪ :‬هي المعاني التي فيها ‪ ،‬من المر والنهي والترغيب والترهيب‬
‫عمل بها العامل ‪ ،‬وانتهى إلى حدودها المنتهى ‪،‬‬
‫والقصص والمَثل ‪ ،‬التي إذا َ‬
‫استوجب به الجنة‪ .‬وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ‪،‬‬
‫ف لشيء مما قلناه‪.‬‬
‫خل ٌ‬
‫) ‪(1/47‬‬
‫ن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫والدلل ُ‬
‫ة على صحة ما قلناه ‪ -‬من أ ّ‬
‫" نزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬إنما هو أنه نزل بسبع لغات ‪ ،‬كما تقدم‬
‫ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ‪ ،‬وعبد الله بن مسعود ‪،‬‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬وسائر من قدمنا الرواية عنه ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه‬
‫وأب ّ‬
‫ضا في‬
‫وسلم في أول هذا الباب ‪ -‬أنهم تماَرْوا في القرآن ‪ ،‬فخالف بعضهم بع ً‬
‫فس التلوة ‪ ،‬دون ما في ذلك من المعاني ‪ ،‬وأنهم احتكموا فيه إلى النبي‬
‫ن ْ‬
‫صلى الله عليه وسلم )‪ (1‬فاستقرأ ك ّ‬
‫وب جميعَُهم في‬
‫ل رجل منهم ‪ ،‬ثم َ‬
‫ص ّ‬
‫ضهم لتصويبه إياهم ‪ ،‬فقال صلى الله‬
‫قراءتهم على اختلفها ‪ ،‬حتى ارتاب بع ُ‬
‫ن الله أمرني أن أقرأ‬
‫عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميَعهم ‪ " :‬إ َ‬
‫القرآن على سبعة أحرف " ‪.‬‬
‫ً‬
‫ومعلوم أن تماِريهم فيما تماَرْوا فيه من ذلك ‪ ،‬لو كان تمارًيا واختلفا فيما‬
‫دلت عليه تلواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك ‪،‬‬
‫وب جميعهم ‪ ،‬ويأمَر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في‬
‫لكان مستحيل أن ُيص ّ‬
‫ب أن‬
‫وج‬
‫‪،‬‬
‫حا‬
‫صحي‬
‫يكون‬
‫أن‬
‫جاز‬
‫لو‬
‫ذلك‬
‫لن‬
‫عليه‪.‬‬
‫هو‬
‫ذلك على النحو الذي‬
‫َ‬
‫ً‬
‫يكون الله ج ّ‬
‫ضه ‪ ،‬في تلوة من دّلت‬
‫ل ثناؤه قد أمَر بفعل شيء بعينه وفََر َ‬
‫تلوته على فرضه ‪ -‬ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وَزجر عنه ‪ ،‬في تلوة‬
‫الذي دلت تلوته على النهي والزجر عنه ‪ ،‬وأباح وأطلق فع َ‬
‫ل ذلك الشيء‬
‫بعينه ‪ ،‬وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعَْله ‪ ،‬ولمن شاء منهم أن يتركه‬
‫ت َْر َ‬
‫كه )‪ (2‬في تلوة من َدلت تلوته على التخيير!‬
‫ْ‬
‫حكم‬
‫ت ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله و ُ‬
‫وذلك من قائله إ ْ‬
‫ن قاله ‪ ،‬إثبا ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ال ُ‬
‫ن ِ‬
‫دوا ِفي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ج ُ‬
‫عن ْد ِ غَي ْرِ اللهِ لوَ َ‬
‫ن وَلوْ كا َ‬
‫قْرآ َ‬
‫كتابه فقال ‪ } :‬أَفل ي َت َد َب ُّرو َ‬
‫م ْ‬
‫خِتلًفا ك َِثيًرا { ]سورة النساء ‪.[82 :‬‬
‫ا ْ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوطة ‪ " :‬وأنهم اختلفوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫" ‪ .‬وكل صواب‪.‬‬
‫)‪ (2‬أي ‪ :‬جعل له فعله ‪ ،‬وجعل له تركه‪ .‬و " جعل " هنا ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬أباح وأذن‪.‬‬

‫) ‪(1/48‬‬
‫ح ْ‬
‫في الله ج ّ‬
‫ح الدليل على أنه لم ينزل‬
‫وفي ن ْ‬
‫كم كتابه ‪ ،‬أوض ُ‬
‫ل ثناؤه ذلك عن ُ‬
‫كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إل بحكم ٍ واحد ٍ متفق في جميع‬
‫خلقه ‪ ،‬ل بأحكام فيهم مختلفة‪.‬‬
‫وفي صحة كون ذلك كذلك ‪ ،‬ما يبطل دعوى من اّدعى خلف قولنا في تأويل‬
‫قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف " للذين‬
‫تخاصموا إليه عند اختلفهم في قراءتهم‪ .‬لنه صلى الله عليه وسلم قد أمَر‬
‫جميعهم بالثبوت على قراءته ‪ ،‬ورضى قراءة كل قارئ منهم ‪ -‬على خلفها‬
‫وبها‪ .‬ولو كان ذلك منه تصويًبا فيما‬
‫قراءة َ خصومه ومنازعيه فيها ‪ -‬وص ّ‬
‫اختلفت فيه المعاني ‪ ،‬وكان قوُله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على‬
‫جهٍ مختلفة ‪ ،‬وسبعة معان‬
‫ما منه لهم أنه نزل بسبعة أو ُ‬
‫سبعة أحرف " إعل ً‬
‫مفترقة ‪ -‬كان ذلك إثباًتا لما قد نفى الله عن كتابه من الختلف ‪ ،‬ونفًيا لما‬
‫ن في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه‬
‫قد أوجب له من الئتلف‪ .‬مع أ ّ‬
‫وسلم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ‪ ،‬ول أذن‬
‫ي عن كتاب‬
‫بذلك لمته ‪ -‬ما ي ُْغنى عن الكثار في الدللة على أن ذلك منف ّ‬
‫الله‪.‬‬
‫ب صحة القول الذي قلناه ‪ ،‬في معنى‬
‫وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله ‪ ،‬وجو ُ‬
‫قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬عند‬
‫وه من القرآن ‪،‬‬
‫اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلوة ما تل َ ْ‬
‫وفسادِ تأويل قول من خالف قولنا في ذلك‪.‬‬
‫ن الذين تماَرْوا فيما تماَرْوا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي‬
‫حرى أ ّ‬
‫وأ ْ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬لم يكن منك ًَرا عند أحد منهم أن يأمَر الله عباَده ج ّ‬
‫ل‬
‫ب من‬
‫ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء ‪ ،‬وينهى عما شاء ‪ ،‬ويعِد َ فيما أح ّ‬
‫ب فيه‬
‫طاعاته ‪ ،‬ويو ِ‬
‫م لنبيه ويعظه فيه )‪ (1‬ويضر َ‬
‫عد َ على معاصيه ‪ ،‬وي ْ‬
‫حت ِ َ‬
‫م‬
‫لعباده المثال ‪ -‬فُيخاص َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة " ويحتج لنبيه " ‪ ،‬بدل " ويحتم " ‪ .‬وفي إحدى‬
‫المخطوطات " ويعظ " ‪ ،‬بغير الضمير وبغير " فيه " ‪ .‬وأما الخرى فليس‬
‫فيها " ويعظه فيه " ‪ ،‬بل " ويحتم لنبيه صلى الله عليه وسلم " ‪ .‬و " حتم‬
‫المر " ‪ :‬قضاه ‪ ،‬أي ‪ :‬يقضى لنبيه ويكتب له وعليه‪.‬‬
‫) ‪(1/49‬‬
‫غيَره على إنكاره سماعَ ذلك من قارئه )‪ . (1‬بل على القرار بذلك كّله كان‬
‫ب له إنكاَر ما أنكر ‪ ،‬إن لم يكن‬
‫ه الذي أوج َ‬
‫إسل ُ‬
‫م من أسلم منهم‪ .‬فما الوج ُ‬
‫كان ذلك اختلًفا منهم في اللفاظ واللغات ؟‬
‫ة ما قلنا الخبُر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وبعد ‪ ،‬فقد أبان صح َ‬
‫صا‪ .‬وذلك الخبر الذي ذكرنا ‪:‬‬
‫ن ّ‬
‫‪ - 47‬أن أبا ُ‬
‫كريب حدثنا قال ‪ :‬حدثنا زيد بن الحباب ‪ ،‬عن حماد ابن سلمة ‪،‬‬
‫عن علي بن زيد ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي َبكرة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬قال ‪ :‬قال‬
‫ن على حرف‪ .‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قال جبريل ‪ :‬اقرإ القرآ َ‬

‫ة‬
‫ده‪ .‬فقال ‪ :‬على حرفين‪ .‬حتى بلغ سّتة أو سبع َ‬
‫ميكائيل عليه السلم ‪ :‬استز ْ‬
‫ة‬
‫ة عذاب بآية رحمة ‪ ،‬أو آي َ‬
‫ف ‪ ،‬ما لم يختم آي َ‬
‫ف كا ٍ‬
‫أحرف ‪ ،‬فقال ‪ :‬كلها شا ٍ‬
‫م وتعال )‪. (2‬‬
‫رحمة بآية عذاب ‪ ،‬كقولك ‪ :‬هل ّ‬
‫ن اختلف الحرف السبعة ‪ ،‬إنما هو اختلف ألفاظ‬
‫ص هذا الخبر أ ّ‬
‫فقد أوضح ن ّ‬
‫ف‬
‫ن موجبةٍ اختل َ‬
‫‪ ،‬كقولك " هلم وتعال " باتفاق المعاني ‪ ،‬ل باختلف معا ٍ‬
‫م‪.‬‬
‫أحكا ٍ‬
‫َ‬
‫سلف والخلف‪.‬‬
‫وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الخباُر عن جماعة من ال ّ‬
‫وائي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو معاوية ‪-‬‬
‫م بن ُ‬
‫جنادة ال ّ‬
‫‪ - 48‬حدثني أبو السائب َ‬
‫سل ْ ُ‬
‫س َ‬
‫وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة ‪ -‬جميًعا عن‬
‫قَرأةِ ‪،‬‬
‫العمش ‪ ،‬عن شقيق ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد الله ‪ :‬إني قد سمعت إلى ال َ‬
‫فوجدُتهم متقاربين فاقرأوا كما عُّلمتم ‪ ،‬وإياكم والتنطع ‪ ،‬فإنما هو كقول‬
‫أحدكم ‪ :‬هلم وتعال )‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬يقول ‪ " :‬لم يكن منكًرا عند أحد منهم‪ ..‬فيخاصم غيره " ‪ .‬فأطال‬
‫الفصل‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 47‬مضى الحديث بهذا السناد ‪ ،‬رقم ‪ .40 :‬فتلك إشارته بقوله‬
‫هنا ‪ " :‬وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب حدثنا " ‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 48‬أبو السائب سلم بن جنادة السوائي الكوفي ‪ ،‬شيخ‬
‫الطبري ‪ :‬ثقة حجة ل شك فيه ‪ ،‬روى عنه البخاري في غير كتاب )الجامع‬
‫الصحيح( ‪ ،‬والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم ‪ ،‬وهو قديم الولد ‪ ،‬ولد سنة‬
‫‪ ، 174‬ومات سنة ‪ .254‬وله ترجمة في تاريخ بغداد ‪، 148 - 147 : 9‬‬
‫والتهذيب ‪ ، 129 - 128 : 4‬والجرح والتعديل لبن أبي حاتم ‪ .269 \1 \2 :‬و‬
‫" سلم " بفتح السين وسكون اللم ‪ ،‬ووقع في نسخ الطبري " سالم " ‪ ،‬وهو‬
‫تحريف‪ .‬و " جنادة " ‪ :‬بضم الجيم وتخفيف النون‪ .‬و " السوائي " ‪ :‬بضم‬
‫السين وتخفيف الواو وبعد اللف همزة ‪ ،‬نسبة إلى " بني سواءة بن عامر بن‬
‫صعصعة " ‪.‬‬
‫وأبو معاوية ‪ :‬هو محمد بن خازم الضرير ‪ ،‬ولد سنة ‪ ، 113‬ومات سنة ‪.195‬‬
‫دا‪ .‬وذلك أن الطبري روى أثر ابن مسعود هذا‬
‫فهذا السناد الول عال ج ً‬
‫بإسنادين ‪:‬‬
‫رواه عن سلم بن جنادة عن أبي معاوية عن العمش‪ .‬ثم رواه عن محمد بن‬
‫المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة عن العمش‪.‬‬
‫وهذا الثر عن ابن مسعود لم نجده في غير هذا الكتاب ‪ ،‬إل ما ذكره صاحب‬
‫اللسان بغير إسناد ‪ ،‬كما سنشير إليه بعد ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫وقوله " قد سمعت إلى القرأة فوجدتهم متقاربين " ‪ ،‬في المطبوعة " قد‬
‫سمعت القراء " ‪ .‬و " القراء " ‪ :‬جمع " قارئ " ‪ ،‬كما هو واضح ‪ ،‬ولكن الذي‬
‫في المخطوطة " إلى القرأة " ‪ ،‬بزيادة " إلى " وبلفظ " القرأة " ‪ ،‬بفتح‬
‫ضا ‪ ،‬ففي اللسان "‬
‫الراء والهمزة ثم الهاء في آخره ‪ ،‬وهو جمع " قارئ " أي ً‬
‫رجل قارئ ‪ ،‬من قوم قراء ‪ ،‬وقرأة ‪ ،‬وقارئين " ‪ .‬وهذا الجمع قياسي ‪ ،‬مثل "‬
‫كاتب وكتبة " ‪ .‬وانظر همع الهوامع للسيوطي ‪ .178 ، 177 : 2‬وهذا الثر‬
‫ذكره صاحب اللسان ‪ ، 124 : 1‬قال ‪ " :‬وروى عن ابن مسعود ‪ :‬تسمعت‬
‫للقرأة ‪ ،‬فإذا هم متقارئون‪ .‬حكاه اللحياني ولم يفسره‪ .‬قال ابن سيدة ‪:‬‬
‫ما ‪،‬‬
‫وعندي أن الجن كانوا يرومون القراءة " ! وهكذا وقع الخطأ لهم قدي ً‬
‫جعلوها " متقارئون " بالهمزة ‪ ،‬ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير العجيب‪.‬‬
‫وهي واضحة في الطبري " متقاربين " بالباء‪ .‬والسياق نفسه ل يدل إل على‬

‫صحة هذا وخطأ ما وقع في اللسان‪.‬‬
‫وكلمة " القرأة " ستأتي في مخطوطة الطبري كثيرا بهذا الرسم ‪ ،‬ثم يغيرها‬
‫مصححو المطبوعة " القراء " ‪ ،‬دون حاجة إلى هذا التغيير!‬
‫) ‪(1/50‬‬
‫‪ - 49‬وحدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو داود ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شعبة ‪ ،‬عن‬
‫ن مسعود يقول ‪ :‬من قرأ منكم على حرف فل‬
‫أبي إسحاق ‪ ،‬عمن سمع اب َ‬
‫م مني بكتاب الله لتيُته )‪. (1‬‬
‫م أح ً‬
‫دا أعل َ‬
‫ن ‪ ،‬ولو أعل ُ‬
‫يتحوّل َ ّ‬
‫‪ - 50‬وحدثنا ابن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫شعبة ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن عابس ‪ ،‬عن رجل من أصحاب عبد الله ‪ ،‬عن‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 49‬أبو داود ‪ :‬هو الطيالسي‪ .‬وأبو إسحاق ‪ :‬هو السبيعي‬
‫الهمداني التابعي المعروف ‪ ،‬واسمه " عمرو بن عبد الله " ‪ ،‬وهذا السناد‬
‫ضعيف ‪ ،‬لبهام شيخ أبي إسحاق الذي حدثه عن ابن مسعود‪ .‬وقد مضى نحو‬
‫معناه ضمن حديث متصل ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪ ،‬رقم ‪ . 18 :‬وانظر السناد‬
‫التالي لهذا‪.‬‬
‫) ‪(1/51‬‬
‫ن منه إلى غيره )‪(1‬‬
‫ول ّ‬
‫عبد الله بن مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬من قرأ على حرف فل يتح ّ‬
‫‪.‬‬
‫م يْعن بقوله هذا ‪ :‬من قرأ ما في القرآن من المر‬
‫فمعلوم أ ّ‬
‫ن عبد الله ل َ‬
‫ن منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد ‪ ،‬ومن قرأ ما فيه‬
‫والنهي فل يتحول ّ‬
‫قصص والمَثل‪.‬‬
‫ن منه إلى قراءة ما فيه من ال َ‬
‫من الوعد والوعيد فل يتحول ّ‬
‫حْرفه ‪ -‬وحْرُفه ‪ :‬قراءته ‪ ،‬وكذلك‬
‫ن من قرأ ب َ‬
‫وإنما عنى رحمة الله عليه أ ّ‬
‫ف فلن ‪ ،‬وتقول للحرف من حروف الهجاء‬
‫تقول العرب لقراءة رجل ‪ :‬حر ُ‬
‫المق ّ‬
‫طعة ‪ :‬حرف ‪ ،‬كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر ‪ :‬كلمة فلن ‪ -‬فل‬
‫ي ‪ ،‬أو بحرف زيد ‪ ،‬أو‬
‫ن عنه إلى غيره رغبة عنه‪ .‬ومن قرأ بحرف أب ّ‬
‫يتحول ّ‬
‫بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض‬
‫ن عنه إلى غيره رغبة عنه ‪ ،‬فإن الكفَر ببعضه كفٌر‬
‫الحرف السبعة ‪ -‬فل يتحول ّ‬
‫بجميعه ‪ ،‬والكفُر بحرف من ذلك كفٌر بجميعه يعني بالحرف ما وصفنا من‬
‫قراءة بعض من قرأ ببعض الحرف السبعة‪.‬‬
‫‪ - 51‬وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أسامة ‪ ،‬عن‬
‫َ‬
‫ي أَ َ‬
‫م‬
‫شئ َ َ‬
‫ن َنا ِ‬
‫العمش ‪ ،‬قال ‪ :‬قرأ أنس هذه الية ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫شد ّ وَط ًْئا وَأقْوَ ُ‬
‫ل هِ َ‬
‫ة الل ّي ْ ِ‬
‫حمزة ‪ ،‬إنما هي "‬
‫ِقيل { ]سورة المزمل ‪ [6 :‬فقال له بعض القوم ‪ :‬يا أبا َ‬
‫هيأ ‪ ،‬واحد ٌ )‪. (2‬‬
‫ب وأ َ‬
‫صوَ ُ‬
‫م " فقال ‪ :‬أقْوَ ُ‬
‫وأقْوَ ُ‬
‫م وأ ْ‬
‫__________‬
‫ضا‪ .‬وقد أبهم الرجل الذي‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 50‬عبد الرحمن بن عابس ‪ :‬تابعي أي ً‬
‫فا‪.‬‬
‫حدثه عن ابن مسعود ‪ ،‬فكان السناد ضعي ً‬
‫وهذا الثر رواه أحمد في المسند رقم ‪ 3845 :‬ضمن حديث طويل ‪ ،‬عن‬
‫محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن بن عابس ‪ ،‬قال ‪ " :‬حدثنا رجل‬

‫من همدان ‪ ،‬من أصحاب عبد الله ‪ ،‬وما سماه لنا " إلخ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 51‬أبو أسامة ‪ :‬هو حماد بن أسامة الكوفي الحافظ‪ .‬وهذا الثر‬
‫سيأتي بهذا السناد ‪ ،‬وبإسناد آخر ‪ ،‬في تفسير سورة " المزمل ‪82 : 29 :‬‬
‫ضا لبي يعلى‬
‫" ‪ .‬ونقله السيوطي في الدر المنثور ‪ ، 278 : 6‬ونسبه أي ً‬
‫ومحمد بن نصر وابن النباري في المصاحف‪ .‬وذكره الهيثمي في مجمع‬
‫الزوائد ‪ ، 156 : 7‬ونسبه للبزار وأبي يعلى ‪ ،‬وقال ‪ " :‬ولم يقل العمش ‪:‬‬
‫سا‪ .‬ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ‪ ،‬ورجال البزار ثقات " ‪.‬‬
‫سمعت أن ً‬
‫وقوله " وأهيأ " بدله في مطبوعة الطبري " وأهدى " ‪ ،‬والظاهر أنه من‬
‫تصرف المصححين ‪ ،‬لن ما أثبتنا هو الثابت في المخطوطة وفي رواية‬
‫الطبري التية بالسناد نفسه وفي الدر المنثور ومجمع الزوائد‪.‬‬
‫) ‪(1/52‬‬
‫ح ّ‬
‫كام ‪ ،‬عن عنبسة ‪ ،‬عن‬
‫حميد الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫‪ - 52‬حدثني محمد بن ُ‬
‫ف‪.‬‬
‫ن على خمسة أحُر ٍ‬
‫ليث ‪ ،‬عن مجاهد ‪ :‬أنه كان يقرأ القرآ َ‬
‫ح ّ‬
‫كام ‪ ،‬عن عنبسة ‪ ،‬عن سالم ‪ :‬أن سعيد َ‬
‫‪ - 53‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫جَبيرٍ كان يقرأ القرآن على حرفين‪.‬‬
‫بن ُ‬
‫مِغيرة ‪ ،‬قال ‪ :‬كان يزيد ُ بن‬
‫‪ - 54‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جرير ‪ ،‬عن ُ‬
‫الوليد يقرأ القرآن على ثلثة أحرف )‪. (1‬‬
‫ن‬
‫م أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآ ُ‬
‫أفترى الزاع َ‬
‫على سبعة أحرف " ‪ ،‬إنما هو أنه أنزل على الوجه السبعة التي ذكرنا ‪ ،‬من‬
‫دا‬
‫ن مجاه ً‬
‫المر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل ‪ -‬كان يرى أ ّ‬
‫وسعيد َ ابن جبير لم يقرآ من القرآن إل ما كان من وجهيه أو وجوهه الخمسة‬
‫ن بهما غير الذي ُيعرفان‬
‫دون سائر معانيه ؟ لئن كا َ‬
‫ن ظن ذلك بهما ‪ ،‬لقد ظ َ‬
‫به من منازلهما من القرآن ‪ ،‬ومعرفتهما بآي الفرقان!‬
‫علّية ‪ ،‬قال حدثنا أيوب ‪،‬‬
‫‪ - 55‬وحدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫عن محمد ‪ ،‬قال ‪ُ :‬نبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فقال له جبرائيل ‪ :‬اقرإ القرآن على حرفين‪ .‬فقال له ميكائيل ‪ :‬استزده‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬اقرإ القرآن على ثلثة أحرف‪ .‬فقال له ميكائيل ‪ :‬استزده‪ .‬قال ‪ :‬حتى‬
‫ف في حلل ول حرام ‪ ،‬ول أمرٍ ول نهي‬
‫بلغ سبعة أحرف ‪ ،‬قال محمد ‪ :‬ل تختل ُ‬
‫‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 54‬يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ‪ ،‬أمير المؤمنين ‪،‬‬
‫حا‪ .‬وهو الذي قيل في المثل ‪:‬‬
‫عرف باسم " يزيد الناقص " ‪ ،‬وكان رجل صال ً‬
‫" الشج والناقص أعدل بني مروان " ‪ ،‬فهو الناقص ‪ ،‬لنقصه الناس من‬
‫أعطياتهم ما كان زاده سلفه في أعطياتهم ‪ ،‬والشج ‪ :‬هو عمر بن عبد‬
‫العزيز‪ .‬ويزيد هذا هو الذي قتل ابن عمه الفاسق المستهتر ‪ :‬الوليد بن يزيد‬
‫بن عبد الملك ‪ ،‬سنة ‪ ، 126‬وولى الخلفة بعده‪ .‬انظر ترجمته في تاريخ ابن‬
‫كثير ‪ ، 17 - 16 : 10‬والتاريخ الكبير للبخاري ‪. 367 - 366 \2 \4‬‬
‫ومغيرة ‪ ،‬راوي هذا عن يزيد ‪ :‬هو مغيرة بن مقسم ‪ ،‬بكسر الميم وسكون‬
‫القاف وفتح السين ‪ ،‬الضبي‪ .‬وهو ثقة معروف كثير الحديث ‪ ،‬مات سنة‬
‫‪.133‬‬

‫) ‪(1/53‬‬
‫ن َ‬
‫ة‬
‫ح ً‬
‫صي ْ َ‬
‫هو كقولك ‪ :‬تعال وهلم وأقبل ‪ ،‬قال ‪ :‬وفي قراءتنا } إ ِ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫ت ِإل َ‬
‫حد َة ً { ]سورة يس ‪ ، [53 ، 29 :‬في قراءة ابن مسعود )إن كانت إل زقية‬
‫َوا ِ‬
‫واحدة( )‪. (1‬‬
‫علية ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ُ‬
‫شعيب ‪ -‬يعني ابن‬
‫‪ - 56‬وحدثني يعقوب قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫حاب ‪ -‬قال ‪ :‬كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل ‪ " :‬ليس كما يقرأ‬
‫حب ْ َ‬
‫ال َ‬
‫" وإنما يقول ‪ :‬أما أنا فأقرأ كذا وكذا‪ .‬قال ‪ :‬فذكرت ذلك لبراهيم النخعي ‪،‬‬
‫ف منه فقد ْ كفر به كله " ‪.‬‬
‫ن من ك َ‬
‫فر بحر ٍ‬
‫فقال ‪ :‬أرى صاحبك قد سمع ‪ " :‬أ ّ‬
‫‪ - 57‬حدثنا يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫يونس ‪ ،‬عن ابن شهاب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني سعيد بن المسّيب ‪ :‬أن الذي ذكر الله‬
‫ه بَ َ‬
‫شٌر { ]سورة النحل ‪ [103 :‬إنما افت ُِتن‬
‫م ُ‬
‫ما ي ُعَل ّ ُ‬
‫تعالى ذكره ]أنه قال[ } إ ِن ّ َ‬
‫ي ‪ ،‬فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫أنه كان يكتب الوح َ‬
‫م ‪ ،‬أو غير ذلك من خواتم الي ‪ ،‬ثم يشتغل عنه‬
‫م ‪ ،‬أو عزيٌز حكي ٌ‬
‫سميعٌ علي ٌ‬
‫م رسو َ‬
‫رسو ُ‬
‫ل الله‬
‫ل الله صلى الله عليه وسلم وهو َ‬
‫على الوحي ‪ ،‬فيستفه ُ‬
‫م ‪ ،‬أو سميعٌ عليم أو عزيز عليم ؟‬
‫صلى الله عليه وسلم فيقول ‪ :‬أعزيز حكي ٌ‬
‫فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أيّ ذلك كتبت فهو كذلك‪ .‬ففتنه‬
‫دا وك َ َ‬
‫ت‪ .‬وهو الذي ذكر لي‬
‫ي ‪ ،‬فأكت ُ‬
‫ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن محم ً‬
‫ب ما شئ ُ‬
‫ل ذلك إل ّ‬
‫سعيد بن المسيب من الحروف السبعة )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 55‬محمد ‪ :‬هو ابن سيرين التابعي ‪ ،‬فالحديث مرسل‪ .‬ثم هو‬
‫لم يدرك ابن مسعود ‪ ،‬فحكايته عنه قراءته منقطعة‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 57‬هذا الحديث ذكره الطبري مرة أخرى بهذا اللفظ نفسه‬
‫في تفسير سورة النحل ‪ ، 103 :‬بغير هذه الزيادة التي وضعناها بين‬
‫القوسين‪ .‬وهو بغير هذه الزيادة يوهم أن الذي نزل فيه " إنما يعلمه بشر " ‪،‬‬
‫هو كاتب الوحي الذي افتتن‪ .‬مع أنه أراد إن الذي قال " إنما يعلمه بشر " هو‬
‫كاتب الوحي الذي افتتن ‪ :‬وصدر كلم الطبري في تفسير سورة النحل يقطع‬
‫بذلك قال ‪ " :‬وقيل إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ارتد عن السلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪ " ..‬ثم روى هذا الخبر ‪ ،‬فنفى ما‬
‫قدمه هذا الوهم الذي يشكل على قارئه في هذا المكان‪ .‬وكاتب الوحي الذي‬
‫ارتد هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي ‪ ،‬وهو ليس‬
‫بأعجمي ‪ ،‬وإنما قالوا إنه هو الذي ذكره الله تعالى في قوله‪ " .‬ومن أظلم‬
‫ممن افترى على الله كذًبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال‬
‫سأنزل مثل ما أنزل الله " ]سورة النعام ‪ [93 :‬وأما المعنى بقوله " إنما‬
‫يعلمه بشر " فقد اختلفوا في تحقيقه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬قين بمكة نصراني يقال له‬
‫بلعام ‪ ،‬أو يعيش غلم لبني المغيرة ‪ ،‬أو جبر النصراني غلم بني بياضة‪.‬‬
‫وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور ‪ 131 : 4‬وقال في صدره ‪ " :‬إن الذي‬
‫ذكر الله في كتابه أنه قال ‪ :‬إنما يعلمه‪ ، " ...‬فأثبتنا الزيادة منه لذلك‪.‬‬
‫) ‪(1/54‬‬

‫‪ - 58‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جرير ‪ ،‬عن مغيرة ‪ ،‬عن إبراهيم ‪ ،‬عن عبد‬
‫الله ‪ ،‬قال ‪ :‬من كفر بحرف من القرآن ‪ ،‬أو بآية منه ‪ ،‬فقد كفر به كله )‪. (1‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬فإن قال لنا قائل ‪ :‬فإذ ْ كان تأوي ُ‬
‫ل قول النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف " عندك ‪ ،‬ما وصفت ‪ ،‬بما عليه‬
‫جدنا حرًفا في كتاب الله مقروًءا بسبع لغات ‪ ،‬فنحقق بذلك‬
‫ت ‪ ،‬فأوْ ِ‬
‫استشهد َ‬
‫ة قول‬
‫ه )‪ - (2‬صح ُ‬
‫ما ب ِعَد َ ِ‬
‫قولك‪ .‬وإل فإن لم تجد ذلك كذلك ‪ :‬كا َ‬
‫مك َ ُ‬
‫ن معلو ً‬
‫من زعم أن تأويل ذلك ‪ :‬أنه نزل بسبعة معان ‪ ،‬وهو المر والنهي والوعد‬
‫والوعيد والجدل والقصص والمثل ‪ -‬وفساد ُ قولك‪ .‬أو تقو َ‬
‫ل في ذلك ‪ :‬إن‬
‫ت في القرآن سبعٌ ‪ ،‬متفرقة في جميعه ‪ ،‬من لغات أحياٍء‬
‫الحرف السبعة لغا ٌ‬
‫من قبائل العرب مختلفة اللسن ‪ -‬كما كان يقوله بعض من لم ُينعم النظَر‬
‫في ذلك )‪ . (3‬فتصير بذلك إلى القول بما ل يجهل فساَده ُذو عقل ‪ ،‬ول‬
‫خطؤه على ذي ُلب‪.‬‬
‫يلتبس َ‬
‫ت لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى‬
‫وذلك أ ّ‬
‫ن الخبار التي بها احتجج َ‬
‫الله عليه وسلم ‪ " :‬نزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬هي الخبار التي رويتها‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬رحمة الله‬
‫عن ُ‬
‫عمَر بن الخطاب ‪ ،‬وعبد الله بن مسعود ‪ ،‬وأب ّ‬
‫ت ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫عليهم ‪ ،‬وعمن روي َ‬
‫ بأنهم تمارْوا في تلوة‬‫__________‬
‫فا برقم ‪:‬‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 58‬مثله في حديث المسند رقم ‪ ، 3845 :‬وما مر آن ً‬
‫‪.18‬‬
‫)‪ (2‬العدم ‪ :‬فقدان الشيء وذهابه ‪ ،‬وعدم الشيء ‪ :‬فقده فلم يعثر عليه‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة " لم يمعن " ‪ ،‬غيرها المصححون هنا وفي مواضع‬
‫ستأتي !! وأنعم النظر ‪ :‬بالغ فيه وأدقه‪.‬‬
‫) ‪(1/55‬‬
‫ض قراءةَ بعض ‪ ،‬مع‬
‫بعض القرآن ‪ ،‬فاختلفوا في قراءت ُ‬
‫ه دون تأويله ‪ ،‬وأنكر بع ٌ‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫دعوى كل قارئ منهم قراءةً منها ‪ :‬أ ّ‬
‫أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ‪ .‬ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وب‬
‫وسلم )‪ (1‬فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ‪ ،‬أن ص ّ‬
‫قراءة كل قارئ منهم ‪ ،‬على خلفها قراءةَ أصحابه الذين نازعوه فيها ‪ ،‬وأمَر‬
‫ب بعضهم الش ّ‬
‫ك في السلم‬
‫كل امرئ منهم أن يقرأ كما عُّلم ‪ ،‬حتى خالط قل َ‬
‫‪ ،‬لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةَ كل قارئ‬
‫جلهُ الله عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫منهم على اختلفها‪ .‬ثم َ‬
‫له ‪ :‬أن القرآن أنزل على سبعة أحرف‪.‬‬
‫فإن كانت الحرف السبعة التي نزل بها القرآن ‪ ،‬عندك ‪ -‬كما قال هذا القائل‬
‫ة اليوم في مصاحف أهل السلم ‪ ،‬فقد بطلت‬
‫ة في القرآن ‪ ،‬مثبت ً‬
‫ متفرق ً‬‫معاني الخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ :‬أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن ‪ ،‬فاختصموا إلى‬
‫علم‪ .‬لن الحرف‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فأمر كل أن يقرأ كما ُ‬
‫ف من‬
‫موجب حر ٌ‬
‫السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن ‪ ،‬فغير ُ‬
‫ف تلوةً واحدةً‬
‫ل فإنما يتلو ذلك الحر َ‬
‫ذلك اختلًفا بين تاليه )‪ (2‬لن كل تا ٍ‬
‫على ما هو به في المصحف ‪ ،‬وعلى ما أنزل‪.‬‬

‫وإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ ،‬بطل وجه اختلف الذين ُروى عنهم أنهم اختلفوا في‬
‫قراءة سورة ‪ ،‬وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم ك ّ‬
‫ل قارئ منهم‬
‫علم‪ .‬إذ ْ كان ل معنى هنالك ُيوجب اختلًفا في لفظ ‪ ،‬ول‬
‫أن يقرأه على ما ُ‬
‫ف بين القوم ‪ ،‬والمعّلم‬
‫اختل‬
‫هنالك‬
‫يكون‬
‫أن‬
‫يجوز‬
‫وكيف‬
‫افتراًقا في معنى‪.‬‬
‫ٌ‬
‫واحد ٌ ‪ ،‬والعلم واحد ٌ غير ذي أوجه ؟ وفي صحة الخبر عن الذين ُروى عنهم‬
‫ف في حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫الختل ُ‬
‫بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوطة ‪ " :‬ثم اختلفوا إلى رسول الله " ‪ ،‬وهما سواء‪.‬‬
‫)‪ (2‬هي " تالين " جمع " تال " ‪ ،‬مضافة إلى الضمير ‪ ،‬فحذفت النون‪.‬‬
‫) ‪(1/56‬‬
‫ن‬
‫ص ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ‪ ،‬على ما تقدم وَ ْ‬
‫فَناهُ ‪ -‬أبي ُ‬
‫الدللة على فساد القول بأن الحُرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة‬
‫ت مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني‪.‬‬
‫في سور القرآن ‪ ،‬ل أنها لغا ٌ‬
‫مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل ‪ -‬في تأويله قول النبي صلى الله عليه‬
‫ع‬
‫ن معنى ذلك أنها سب ُ‬
‫وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬واّدعائه أ ّ‬
‫جمع بين ِقيله ذلك ‪ ،‬واعتلِله لقيِله ذلك‬
‫لغات متفرقة في جميع القرآن ‪ ،‬ثم َ‬
‫بالخبار التي رويت عمن ُروِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال ‪ :‬هو‬
‫بمنزلة قولك تعا َ‬
‫ل وهلم وأقبل ؛ وأن بعضهم قال ‪ :‬هو بمنزلة قراءة عبد الله‬
‫حججه ‪(1) -‬‬
‫" إلزقي ً‬
‫حة " وما أشبه ذلك من ُ‬
‫صي ْ َ‬
‫ة " ‪ ،‬وهي في قراءتنا " إل َ‬
‫مضادةٌ حججه‪.‬‬
‫علم أن حججه مفسدة ٌ في ذلك مقالَته ‪ ،‬وأن مقالته فيه ُ‬
‫ده إحدى القراءتين ‪ : -‬إما " صيحة " ‪ ،‬وإما " َزقية‬
‫لن الذي نزل به القرآن عن َ‬
‫ل " أو " أقبل " أو " هلم " ‪ -‬ل جميع ذلك‪ .‬لن ك ّ‬
‫" وإما " تعا َ‬
‫ل لغة من‬
‫اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن ‪ ،‬غيُر الكلمة أو الحرف‬
‫الذي فيه اللغة الخرى‪.‬‬
‫وإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ ،‬بطل اعتلله لقوله بقول من قال ‪ :‬ذلك بمنزله " هلم "‬
‫ن هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة ‪ ،‬يجمعها في‬
‫و " تعال " و " أقبل " ‪ ،‬ل ّ‬
‫التأويل معنى واحد‪ .‬وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله ‪ ،‬اجتماعَ‬
‫اللغات السبع في حرف واحد من القرآن‪ .‬فقد تبين بذلك إفساد ُ حجته لقوله‬
‫بقوله ‪ ،‬وإفساد قوله لحجته )‪. (2‬‬
‫قيل له ‪ :‬ليس القو ُ‬
‫ت‪ .‬بل الحرف‬
‫ل في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصف َ‬
‫ن لغات سبع ‪ ،‬في حرف واحد ‪ ،‬وكلمة‬
‫السبعة التي أنزل الله بها القرآن ‪ ،‬ه ّ‬
‫واحدة ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬جواب قوله ‪ .. " :‬إذا تدبر قول هذا القائل‪ ..‬علم‪" ..‬‬
‫)‪ (2‬انتهى اعتراض المعترض الذي بدأ في ص ‪ ، 55 :‬ويليه جواب الطبري‬
‫فيما اعترض به‪.‬‬
‫) ‪(1/57‬‬

‫باختلف اللفاظ واتفاق المعاني ‪ ،‬كقول القائل ‪ :‬هلم ‪ ،‬وأقبل ‪ ،‬وتعال ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬وقصدي ‪ ،‬ونحوي ‪ ،‬وقربي ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬مما تختلف فيه اللفاظ‬
‫وإل ّ‬
‫بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ‪ ،‬وإن اختلفت بالبيان به اللسن ‪،‬‬
‫فا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وعمن روينا ذلك عنه‬
‫كالذي َرَوينا آن ً‬
‫م وتعا َ‬
‫ل وأقبل " ‪ ،‬وقوله " ما‬
‫من الصحابة ‪ ،‬أن ذلك بمنزلة قولك ‪ " :‬هل ّ‬
‫ة " ‪ ،‬و " إل صيحة " ‪.‬‬
‫ينظرون إل َزقي ً‬
‫دا مقروًءا بلغات سبع مختلفات‬
‫فإن قال ‪ :‬ففي أيّ كتاب الله نجد ُ حرًفا واح ً‬
‫ة ما اّدعيت من التأويل في ذلك ؟‬
‫اللفاظ ‪ ،‬متفقات المعنى ‪ ،‬فنسلم لك صح َ‬
‫قيل ‪ :‬إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم ‪ ،‬وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف " ‪ ،‬على نحو ما‬
‫جاءت به الخبار التي تقدم ذكرناها‪ .‬وهو ما وصفنا ‪ ،‬دون ما ادعاه مخالفونا‬
‫في ذلك ‪ ،‬للعلل التي قد ب َّينا‪.‬‬
‫خرِ الستة غير موجودة ‪ ،‬إن كان المر في ذلك‬
‫فإن قال ‪ :‬فما بال الحرف ال َ‬
‫ت ‪ ،‬وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ‪،‬‬
‫على ما وصف َ‬
‫ن ‪ ،‬وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟‬
‫وأمر بالقراءة به ّ‬
‫أنسخت فُرفعت ‪ ،‬فما الدللة على نسخها وَرفعها ؟ أم نسيتهن المة ‪ ،‬فذلك‬
‫ة في ذلك ؟‬
‫تضييعُ ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القص ُ‬
‫ن المة‬
‫قيل له ‪ :‬لم تنسخ فترفع ‪ ،‬ول ضيعتها المة وهي مأمورة بحفظها‪ .‬ولك ّ‬
‫خّيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الحرف السبعة‬
‫أمرت بحفظ القرآن ‪ ،‬و ُ‬
‫ي‬
‫شاءت‪ .‬كما أمرت ‪ ،‬إذا هي َ‬
‫ت في يمين وهي ُ‬
‫حنث ْ‬
‫موسرة ‪ ،‬أن تكفر بأ ّ‬
‫الكفارات الثلث شاءت ‪ :‬إما بعتق ‪ ،‬أو إطعام ‪ ،‬أو كسوة‪ .‬فلو أجمعَ جميعها‬
‫حظرها التكفيَر بأي الثلث‬
‫على التكفير بواحدة من الكفارات الثلث ‪ ،‬دون َ‬
‫ب عليها من حق‬
‫شاَء المك ّ‬
‫م الله ‪ ،‬مؤدي ً‬
‫مصيب ً‬
‫ة في ذلك الواج َ‬
‫ة حك َ‬
‫فر ‪ ،‬كانت ُ‬
‫خّيرت في قراءته بأي‬
‫الله‪ .‬فكذلك المة ‪ ،‬أمرت بحفظ القرآن وقراءته ‪ ،‬و ُ‬
‫الحرف السبعة شاءت ‪ :‬فرأت‬
‫) ‪(1/58‬‬
‫ه بحرف واحد ٍ ‪،‬‬
‫ت على حرف واحد ‪ -‬قراءت َ ُ‬
‫ت عليها الثبا َ‬
‫ لعلة من العلل أوجب ْ‬‫ُ‬
‫حظْر قراءته بجميع حروفه على‬
‫ض القراءة بالحرف الستة الباقية ‪ ،‬ولم ت ْ‬
‫ورفْ َ‬
‫قارئه ‪ ،‬بما أذن له في قراءته به‪.‬‬
‫ت على حرف واحد دون سائر‬
‫فإن قال ‪ :‬وما العلة التي أوجبت عليها الثبا َ‬
‫الحرف الستة الباقية ؟‬
‫ضبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد العزيز بن محمد‬
‫‪ - 59‬قيل ‪ :‬حدثنا أحمد بن عَْبدةَ ال ّ‬
‫عمارة بن غزِّية ‪ ،‬عن ابن شهاب ‪ ،‬عن خارجة بن زيد ابن‬
‫الد َّراوَْردي ‪ ،‬عن ُ‬
‫ب رسول الله صلى الله عليه‬
‫ثابت ‪ ،‬عن أبيه زيد ‪ ،‬قال ‪ :‬لما ُقتل أصحا ُ‬
‫ن‬
‫وسلم باليمامة ‪ ،‬دخل عمُر بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫فراش‬
‫ت ال َ‬
‫أصحا َ‬
‫ب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهاف َ‬
‫م‬
‫في النار ‪ ،‬وإني أخشى أن ل يشهدوا موطًنا إل فعلوا ذلك حتى ُيقَتلوا ‪ -‬وه ْ‬
‫سى‪ .‬فلو جمعَته وكتبَته! فنفر منها أبو بكر‬
‫حمل ُ‬
‫ة القرآن ‪ -‬فيضيعَ القرآن وُين َ‬
‫ل رسو ُ‬
‫وقال ‪ :‬أفعل ما لم يفع ْ‬
‫ل الله صلى الله عليه وسلم! فتراجعا في‬
‫عمر‬
‫ذلك‪ .‬ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ‪ ،‬قال زيد ‪ :‬فدخلت عليه و ُ‬
‫حَزئ ِ ٌ‬
‫ت عليه ‪ ،‬وأنت‬
‫م ْ‬
‫ل )‪ (1‬فقال أبو بكر ‪ :‬إن هذا قد َدعاني إلى أمر فأبي ُ‬
‫ُ‬

‫ص أبو‬
‫ن تكن معه اتبعتكما ‪ ،‬وإن توافِ ْ‬
‫ب الوحي‪ .‬فإ ْ‬
‫كات ُ‬
‫قني ل أفعل‪ .‬قال ‪ :‬فاقت ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫بكر قول عمر ‪ ،‬وعمر ساكت ‪ ،‬فنفرت من ذلك وقلت ‪ :‬نفعل ما لم يفعل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى أن قال عمر كلمة ‪ " :‬وما عليكما لو‬
‫فعلتما ذلك ؟ " قال ‪ :‬فذهبنا ننظر ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬ل شيء والله! ما علينا في ذلك‬
‫شيء! قال زيد ‪ :‬فأمرني أبو بكر فكتبته في ق َ‬
‫سرِ الكتاف‬
‫طع الَدم وك ِ َ‬
‫سب )‪. (2‬‬
‫والعُ ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬احزأل الرجل ‪ :‬اجتمع وتحفز ورفع صدره كالمتهيء لمر ‪ ،‬فهو محزئل ‪:‬‬
‫منضم بعضه إلى بعض ‪ ،‬جالس جلسة المستوفز‪.‬‬
‫)‪ (2‬الدم جمع أديم ‪ :‬وهو الجلد المدبوغ ‪ ،‬كانوا يكتبون فيه‪ .‬والكسر جمع‬
‫كسرة )بكسر فسكون( ‪ :‬وهي القطعة المكسورة من الشيء‪ .‬والكتاف جمع‬
‫كتف ‪ :‬وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب ‪ ،‬كانوا‬
‫يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ‪ .‬والعسب جمع عسيب وهو ‪ :‬جريد‬
‫النخل إذا نحى عنه خوصه‪.‬‬
‫) ‪(1/59‬‬
‫ب ذلك في صحيفة واحدةٍ ‪ ،‬فكانت عنده‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫عمر )‪ (1‬كت َ‬
‫فلما هلك أبو بكر وكا َ‬
‫ة عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬ثم‬
‫فلما هلك ‪ ،‬كانت الصحيف ُ‬
‫مْرج أْرميِنية )‪ (2‬فلم يدخل‬
‫إن حذيفة بن اليمان ق ِ‬
‫دم من غزوة كان غزاها ب ِ َ‬
‫ك الناس!‬
‫بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال ‪ " :‬يا أمير المؤمنين ‪ :‬أدرِ ِ‬
‫مْرج أرمينية ‪ ،‬فحضرها أه ُ‬
‫ل العراق‬
‫فقال عثمان ‪ " :‬وما ذاك ؟ " قال غزوت َ‬
‫وأه ُ‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬فيأتون بما لم‬
‫ل الشام ‪ ،‬فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أب ّ‬
‫ل العراق ‪ ،‬فتكفرهم أه ُ‬
‫يسمع أه ُ‬
‫ل العراق‪ .‬وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة‬
‫فرهم أه ُ‬
‫ل الشام‪ .‬قال‬
‫ابن مسعود ‪ ،‬فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ‪ ،‬فتك ّ‬
‫فا ‪ ،‬وقال ‪ :‬إّني مدخ ٌ‬
‫ل معك‬
‫صح ً‬
‫زيد ‪ :‬فأمرني عثمان بن عفان أكت ُ‬
‫ب له ُ‬
‫م ْ‬
‫ي‪.‬‬
‫رجل لبيًبا فصي ً‬
‫حا ‪ ،‬فما اجتمعتما عليه فاكتباه ‪ ،‬وما اختلفتما فيه فارفعاه إل ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ن آي َ َ‬
‫ملك ِهِ أ ْ‬
‫فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص ‪ ،‬قال ‪ :‬فلما بلغنا } إ ِ ّ‬
‫ة ُ‬
‫ْ‬
‫ت { ]سورة البقرة ‪ [248 :‬قال ‪ :‬زيد فقلت ‪ " :‬التابوه " وقال‬
‫م الّتاُبو ُ‬
‫ي َأت ِي َك ُ ُ‬
‫أبان بن سعيد ‪ " :‬التابوت " ‪ ،‬فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب ‪ " :‬التابوت "‬
‫ن‬
‫ني‬
‫ت عرضته عَْرض ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ة ‪ ،‬فلم أجد فيه هذه الية ‪ِ } :‬‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫قال ‪ :‬فلما فرغ ُ‬
‫م ِ َ‬
‫م َ‬
‫جا ٌ‬
‫ما‬
‫ما َ‬
‫ه وَ ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ فَ ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫ن قَ َ‬
‫عاهَ ُ‬
‫رِ َ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫صد َُقوا َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ت المهاجرين أسألهم‬
‫ب َد ُّلوا ت َب ْ ِ‬
‫ديل { ]سورة الحزاب ‪ [23 :‬قال ‪ :‬فاستعرض ُ‬
‫ت النصاَر أسألهم عنها ‪ ،‬فلم‬
‫عنها ‪ ،‬فلم أج ْ‬
‫دها عند أحد منهم ‪ ،‬ثم استعرض ُ‬
‫خزيمة بن ثابت ‪ ،‬فكتبتها ‪ ،‬ثم‬
‫دتها عند ُ‬
‫أجدها عند أحد منهم ‪ ، ،‬حتى وج ُ‬
‫َ‬
‫سو ٌ‬
‫ن‬
‫ة أخرى ‪ ،‬فلم أجد فيه هاتين اليتين ‪ } :‬ل َ‬
‫عَرضته َ‬
‫ض ً‬
‫ل ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫عر َ‬
‫م َر ُ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫زيٌز‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬قوله " وكان عمر " ‪ ،‬أي ولي المر من بعده‪ .‬وقال ابن حجر في فتح‬
‫الباري ‪ 13 : 9‬وذكر جمع القرآن في الورق والصحف على عهد أبي بكر ‪ ،‬ثم‬
‫قال ‪ " :‬هذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية‪" ..‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " في فرج أرمينية " ‪ ،‬وكذلك التي تليها‪ .‬والمرج ‪ :‬أرض‬
‫واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب ‪ ،‬أي تذهب وتجيء‪ .‬وقد أضيف " مرج‬

‫" إلى كثير من المواضع والبلد‪ .‬وأرض أرمينية واسعة خصيبة‪ .‬وذكر ابن حجر‬
‫في الفتح ‪ 14 : 9‬رواية " فتح أرمينية " و " فرج‪ " ..‬ولم يذكر " مرج " ‪،‬‬
‫وذكرها أبو عمرو الداني في كتابه " المقنع " ‪ 4 :‬قال ‪ " :‬وكانوا يقاتلون على‬
‫مرج أرمينية " ‪.‬‬
‫) ‪(1/60‬‬
‫ق ْ‬
‫ي‬
‫وا فَ ُ‬
‫ف َر ِ‬
‫ن َرُءو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل َ‬
‫م * فَإ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ح ْ‬
‫حي ٌ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫ص عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ما عَن ِت ّ ْ‬
‫عَل َي ْهِ َ‬
‫ري ٌ‬
‫سب ِ َ‬
‫ن ت َوَل ّ ْ‬
‫مِني َ‬
‫ح ِ‬
‫ت وَهُوَ َر ّ ْ‬
‫ظيم ِ { ]سورة التوبة ‪128 :‬‬
‫ش ال ْعَ ِ‬
‫ه ِإل هُوَ عَل َي ْهِ ت َوَك ّل ْ ُ‬
‫ه ل َ إ ِل َ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ب العَْر ِ‬
‫‪ [129 ،‬فاستعرضت المهاجرين ‪ ،‬فلم أجدها عند أحد منهم ‪ ،‬ثم استعرضت‬
‫النصاَر أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم ‪ ،‬حتى وجدتها مع َرجل آخر‬
‫ث آيات لجعلتها‬
‫يدعى ُ‬
‫ت ثل َ‬
‫خزيمة أي ً‬
‫م ْ‬
‫ضا ‪ ،‬فأثبتها في آخر " براءة " ‪ ،‬ولو ت َ‬
‫ة أخرى ‪ ،‬فلم أجد فيه شيًئا ‪ ،‬ثم أرسل‬
‫ة‪ .‬ثم عرضته عرض ً‬
‫سورة على ِ‬
‫حد َ ٍ‬
‫عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة ‪ ،‬وحلف لها ليردنها إليها‬
‫فأعطته إياها ‪ ،‬فعرض المصحف عليها ‪ ،‬فلم يختلفا في شيء‪ .‬فرّدها إليها ‪،‬‬
‫ة أرسل إلى‬
‫ف‪ .‬فلما ماتت حفص ُ‬
‫وطابت نفسه ‪ ،‬وأمَر الناس أن يكتبوا مصاح َ‬
‫ت غسل )‪. (1‬‬
‫فغسل‬
‫إياها‬
‫فأعطاهم‬
‫عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة ‪،‬‬
‫ْ‬
‫ضا يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا نعيم بن حماد قال ‪:‬‬
‫‪ - 60‬وحدثني أي ً‬
‫زية ‪ ،‬عن ابن شهاب ‪ ،‬عن‬
‫حدثنا عبد العزيز بن محمد ‪ ،‬عن ُ‬
‫عمارة بن غَ ِ‬
‫خارجة ابن زيد ‪ ،‬عن أبيه زيد بن ثابت ‪ ،‬بنحوه سواء‪.‬‬
‫‪ - 61‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن عَُلية ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أيوب ‪،‬‬
‫عن أبي ِقلبة ‪ ،‬قال ‪ :‬لما كان في خلفة عثمان ‪ ،‬جعل المعّلم يعّلم قراءة‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 60 ، 59‬قال ابن حجر في فتح الباري ‪ ، 19 - 9 : 9‬وذكر‬
‫رواية الطبري مفرقة في شرح الباب في أول " باب جمع القرآن " ‪ ،‬في‬
‫شرح حديث جمع القرآن الذي رواه البخاري من طريق ابن شهاب عن عبيد‬
‫بن السباق عن زيد بن ثابت ‪ " :‬هذا هو الصحيح عن الزهري ‪ ،‬أن قصة زيد‬
‫ابن ثابت مع أبي بكر وعمر ‪ ،‬عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت ‪ ،‬وقصة‬
‫حذيفة مع عثمان عن أنس ابن مالك ‪ ،‬وقصة فقد زيد بن ثابت الية من‬
‫سورة الحزاب في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد ابن ثابت عن‬
‫أبيه‪ .‬وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري ‪ ،‬فأدرج قصة آية‬
‫سورة الحزاب في رواية عبيد بن السباق " ‪ ،‬ثم قال عن هذا الخبر الذي‬
‫رواه الطبري ‪ " :‬وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال ‪ :‬عن‬
‫خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ‪ ،‬وساق القصص الثلث بطولها ‪ :‬قصة زيد‬
‫ضا ‪ ،‬ثم قصة فقد زيد بن‬
‫مع أبي بكر وعمر ‪ ،‬ثم قصة حذيفة مع عثمان أي ً‬
‫ثابت الية من سورة الحزاب‪ .‬أخرجه الطبري‪ .‬وبين الخطيب في " المدرج "‬
‫أن ذلك وهم منه ‪ ،‬وأنه أدرج بعض السانيد على بعض " ‪.‬‬
‫) ‪(1/61‬‬
‫الرجل ‪ ،‬والمعلم يعلم قراءة َ الرجل ‪ ،‬فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ‪ ،‬حتى‬
‫ارتفع ذلك إلى المعلمين ‪ -‬قال أيوب ‪ :‬فل أعلمه إل قال ‪ : -‬حتى كفر بعضهم‬

‫بقراءة بعض‪ .‬فبلغ ذلك عثمان ‪ ،‬فقام خطيًبا فقال ‪ " :‬أنتم عندي تختلفون‬
‫فيه وتلحنون ‪ ،‬فمن نأى عني من أهل المصار أشد فيه اختلًفا وأشد لحًنا‪.‬‬
‫ما " ‪ .‬قال أبو قلبة ‪ ،‬فحدثني‬
‫اجتمعوا يا أصحا َ‬
‫ب محمد ‪ ،‬فاكتبوا للناس إما ً‬
‫أنس بن مالك قال ‪ :‬كنت فيمن يملى عليهم ‪ ،‬قال ‪ :‬فربما اختلفوا في الية‬
‫ه أن‬
‫فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ولعل ُ‬
‫يكون غائًبا أو في بعض البوادي ‪ ،‬فيكتبون ما قبلها وما بعدها ‪ ،‬وَيدعون‬
‫س َ‬
‫ل إليه‪ .‬فلما فرغ من المصحف ‪ ،‬كتب عثمان‬
‫موضعها ‪ ،‬حتى يجيَء أو ي ُْر َ‬
‫ت ما عندي ‪ ،‬فامحوا‬
‫ت كذا وكذا ‪ ،‬ومحو ُ‬
‫صنع ُ‬
‫إلى أهل المصار ‪ " :‬إني قد َ‬
‫عندكم " )‪. (1‬‬
‫‪ - 62‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫يونس قال ‪ :‬قال ابن شهاب ‪ :‬أخبرني أنس بن مالك النصاري ‪ :‬أنه اجتمع‬
‫ة أه ُ‬
‫ل الشام وأهل العراق ‪ ،‬فتذاكُروا القرآن ‪،‬‬
‫في غزوة أذربيجان وأرميني َ‬
‫ة بن اليمان ‪ -‬لما رأى‬
‫حذيف ُ‬
‫ب ُ‬
‫واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة‪ .‬فرك َ‬
‫ن الناس قد اختلفوا في‬
‫اختلفهم في القرآن ‪ -‬إلى عثمان ‪ ،‬فقال ‪ " :‬إ ّ‬
‫ُ‬
‫القرآن ‪ ،‬حتى إني والله لخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى‬
‫دا ‪ ،‬فأرسل إلى حفصة‬
‫من الختلف " ‪ .‬قال ‪ :‬ففزع لذلك فز ً‬
‫عا شدي ً‬
‫دا بجمعها ‪ ،‬فنسخ منها مصاحف ‪،‬‬
‫زي‬
‫أمر‬
‫فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر‬
‫ً‬
‫فبعث بها إلى الفاق )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 61‬ذكر ابن حجر في الفتح ‪ 15 : 9‬أن ابن أبي داود أخرجه في‬
‫المصاحف من طريق أبي قلبة ‪ ،‬وذكر صدر الخبر ‪ ،‬ثم ذكر سائره في ص ‪:‬‬
‫‪ .18‬وفي المخطوطة مكان " ويدعون موضعها " و " يتركون موضعها " ‪.‬‬
‫وهو في كتاب المصاحف ص ‪ ، 22 - 21‬رواه عن زياد بن أيوب عن‬
‫إسماعيل ‪ ،‬يعني ابن علية ‪ ،‬بهذا السناد‪ .‬وفيه " ويدعون موضعها " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 62‬خرج ابن حجر في الفتح ‪ 14 : 9‬وما بعدها رواية يونس عن‬
‫ابن شهاب عن أنس‪ .‬وقال ‪ " :‬أخرجها ابن أبي داود‪ ..‬مطولة " ‪ .‬وهي في‬
‫كتاب المصاحف ص ‪.21‬‬
‫) ‪(1/62‬‬
‫‪ - 63‬حدثني سعيد بن الربيع ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان بن عيينة ‪ ،‬عن الزهري ‪،‬‬
‫قال ‪ُ :‬قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع ‪ ،‬وإنما كان في‬
‫الكرانيف والعسب )‪. (1‬‬
‫‪ - 64‬حدثنا سعيد بن الربيع قال ‪ :‬حدثنا سفيان ‪ ،‬عن مجالد ‪ ،‬عن الشعبي ‪،‬‬
‫ن أبا بكر أوَ ُ‬
‫ة وجمعَ المصحف )‪. (2‬‬
‫ل من وَّرث الكلل َ‬
‫عن صعصعة أ ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وما أشبه ذلك من الخبار التي يطول باستيعاب جميعها‬
‫ن بن‬
‫م المسلمين وأميَر المؤمنين عثما َ‬
‫الكتا ُ‬
‫ب ‪ ،‬والثار الدالة على أن إما َ‬
‫عفان رحمة الله عليه ‪ ،‬جمع المسلمين ‪ -‬نظًرا منه لهم ‪ ،‬وإشفاًقا منه عليهم‬
‫ل في الكفر‬
‫‪ ،‬ورأفة منه بهم ‪ِ ،‬‬
‫م ‪ ،‬وال ّ‬
‫حذاَر الرد ّةِ من بعضهم بعد َ السل َ‬
‫دخو ِ‬
‫ب ببعض‬
‫ضره وفي عصره التكذي ُ‬
‫بعد اليمان ‪ ،‬إذ ظهر من بعضهم بمح َ‬
‫الحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ‪ ،‬مع سماع أصحاب رسول الله صلى‬
‫ي عن التكذيب‬
‫الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم النه َ‬
‫ة الله عليه ‪،‬‬
‫مراء فيها كفر ‪ -‬فحملهم رحم ُ‬
‫ن ال ِ‬
‫بشيء منها ‪ ،‬وإخباره إياهم أ ّ‬

‫داثة عهدهم بنزول القرآن ‪ ،‬وفراق‬
‫ح َ‬
‫إذ ْ رأى ذلك ظاهًرا بينهم في عصره ‪ ،‬ول َ‬
‫ن عليهم معه عظيم البلء في‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بما أ ِ‬
‫م َ‬
‫الدين من تلوة القرآن ‪ -‬على حرف واحد )‪. (3‬‬
‫خّرق ما عدا المصحف الذي‬
‫وجمعهم على مصحف واحد ‪ ،‬وحرف واحد ‪ ،‬و َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 63‬ذكر ابن حجر في الفتح ‪ 9 : 9‬رواية سفيان عن الزهري‬
‫عن عبيد عن زيد بن ثابت ‪ ،‬وأتمها في ص ‪ 11 :‬باختلف في اللفظ‪.‬‬
‫والكرانيف جمع كرنافة ‪ :‬وهي أصول السعف الغلظ العراض التي إذا يبست‬
‫صارت أمثال الكتاف‪ .‬وكانوا يكتبون فيها قبل الورق‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 64‬صعصعة ‪ :‬هو ابن صوحان ‪ ،‬بضم الصاد‪ .‬وهو تابعي قديم ‪،‬‬
‫ما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره‪ .‬وهذا الخبر‬
‫كان مسل ً‬
‫لم نجده في موضع آخر‪ .‬وأما " الكللة " ‪ ،‬فقد اختلف في تفسيرها ‪،‬‬
‫والجمهور على أنه ‪ :‬من مات وليس له ولد ول والد‪ .‬كما قال الحافظ في‬
‫الفتح ‪ . 21 : 12‬وهو الذي اختاره الطبري ‪ ،‬فيما سيأتي في تفسير الية ‪12‬‬
‫من سورة النساء ‪ 176 ،‬منها ج ‪ 4‬ص ‪ ، 194 - 191‬وج ‪ 6‬ص ‪ 31 - 28‬من‬
‫طبعة بولق‪.‬‬
‫فا ‪ " :‬فحملهم رحمة الله‬
‫)‪ (3‬قوله " على حرف واحد " ‪ ،‬متعلق بقوله آن ً‬
‫عليه " وقوله " فحملهم " معطوف على قوله أول ‪ " :‬جمع المسلمين "‬
‫) ‪(1/63‬‬
‫ف الذي‬
‫ف المصح َ‬
‫ف مخال ٌ‬
‫مصح ٌ‬
‫جمعهم عليه‪ .‬وعزم على كل من كان عنده ُ‬
‫ت له المة على ذلك بالطاعة )‪(2‬‬
‫جمعهم عليه ‪ ،‬أن يخرقه )‪ . (1‬فاستوسق ْ‬
‫ن فيما فع َ‬
‫ل من ذلك الرشد َ والهداية ‪ ،‬فتركت القراءة بالحرف الستة‬
‫ورأت أ ّ‬
‫مها العاد ُ‬
‫ة منها له ‪ ،‬ونظًرا منها لنفسها‬
‫ل في تركها ‪ ،‬طاع ً‬
‫التي عزم عليها إما ُ‬
‫دها من سائر أهل ملتها ‪ ،‬حتى د ََرست من المة معرفتها ‪ ،‬وتعفت‬
‫ولمن بع َ‬
‫آثارها ‪ ،‬فل سبي َ‬
‫فوّ آثارها ‪ ،‬وتتابِع‬
‫ل لحد اليوم إلى القراءة بها ‪ ،‬لدثورها وعُ ُ‬
‫ة شيء‬
‫المسلمين على رفض القراءة بها ‪ ،‬من غير جحود منها صحَتها وصح َ‬
‫منها )‪ (3‬ولكن نظًرا منها لنفسها ولسائر أهل دينها‪ .‬فل قراءة للمسلمين‬
‫ح ‪ ،‬دون ما‬
‫اليوم إل بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناص ُ‬
‫عداه من الحرف الستة الباقية‪.‬‬
‫ض من ضعفت معرفته ‪ :‬وكيف جاز لهم َتر ُ‬
‫ك قراءة أقرأهموها‬
‫فإن قال بع ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وأمرهم بقراءتها ؟‬
‫قيل ‪ :‬إن أمَره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ‪ ،‬وإنما كان أمَر إباحة‬
‫م بكل‬
‫ضا عليهم ‪ ،‬لوجب أن يكو َ‬
‫ن القراءة بها لو كانت فر ً‬
‫ورخصة‪ .‬ل ّ‬
‫ن العل ُ‬
‫حرف من تلك الحرف السبعة ‪ ،‬عند من تقوم بنقله الحجة ‪ ،‬ويقطع خبرهُ‬
‫العذر ‪ ،‬ويزيل الشك من قََرأةٍ المة )‪ . (4‬وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح‬
‫الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ‪ ،‬بعد أن يكون في نقلة‬
‫ب بنقله الحجة ببعض تلك الحرف السبعة‪.‬‬
‫القرآن من المة من تج ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في الموضعين من المطبوعة " وحرق " بالحاء المهملة و " يحرقه "‬
‫وقال ابن حجر في الفتح ‪ 18 : 9‬في شرح حديث البخاري ‪ " :‬في رواية‬
‫الكثر " أن يخرق " بالخاء المعجمة ‪ ،‬وللمروزي بالمهملة ‪ ،‬ورواه الصيلي‬

‫بالوجهين ‪ ،‬والمعجمة أثبت " ‪ .‬وخرق الكتاب أو الثوب ‪ :‬شققة ومزقه‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوع والمخطوط " فاستوثقت " ‪ .‬ونقله ابن كثير في الفضائل ‪:‬‬
‫‪ " 70‬فاستوسقت " وهو الصواب‪ .‬واستوسق القوم ‪ :‬اجتمعوا وانضموا‪ .‬وفي‬
‫حديث النجاشي ‪ " :‬واستوسق عليه أمر الحبش " أي اجتمعوا على طاعته‪.‬‬
‫واستوسق لفلن المر ‪ :‬إذا أمكنه واجتمع له‪.‬‬
‫)‪ (3‬قوله " من غير جحود منها " ‪ ،‬أي من المة ‪ ،‬وكذلك الضمائر فيما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (4‬في المطبوع ‪ " :‬من قراءة المة " ‪ ،‬والقرأة ‪ :‬جمع قارئ ‪ ،‬وانظر ما‬
‫مضى ‪ 51 :‬في التعليق وما سيأتي ‪ 109 :‬تعليق ‪.1 :‬‬
‫) ‪(1/64‬‬
‫وإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ ،‬لم يكن القوم بتركهم نق َ‬
‫ل جميع القراآت السبع ‪ ،‬تاركين‬
‫ن الذي‬
‫ما كان عليهم نقله ‪ ،‬بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا‪ .‬إذ ْ كا َ‬
‫م بفعل الواجب‬
‫فعلوا من ذلك ‪ ،‬كان هو الّنظَر للسلم وأهله‪ .‬فكان القيا ُ‬
‫عليهم ‪ ،‬بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ‪ ،‬كانوا إلى الجناية على السلم‬
‫وأهله أقرب منهم إلى السلمة ‪ ،‬من ذلك )‪. (1‬‬
‫ف‬
‫حر‬
‫وتسكين‬
‫‪،‬‬
‫ونصبه‬
‫ره‬
‫وج‬
‫ف‬
‫ٍ‬
‫ن من اختلف القراءة في رفع حر ٍ‬
‫وأما ما كا َ‬
‫ّ‬
‫وتحريكه ‪ ،‬ونقل حرف إلى آخر مع اّتفاق الصورة ‪ ،‬فمن معنى قول النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " ‪ -‬بمعزل‬
‫ف من حروف القرآن ‪ -‬مما اختلفت القراءة في‬
‫)‪ . (2‬لنه معلوم أنه ل حر َ‬
‫قراءته بهذا المعنى ‪ -‬يوجب المراء به كفَر الممارى به في قول أحد من‬
‫علماء المة‪ .‬وقد أوجب عليه الصلة والسلم بالمراِء فيه الكفر ‪ ،‬من الوجه‬
‫ت عنه بذلك الرواية )‪ (3‬على ما قد‬
‫الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ‪ ،‬وتظاهر ْ‬
‫قدمنا ذكرها في أول هذا الباب )‪. (4‬‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬فهل لك من علم باللسن السبعة التي نزل بها القرآن ؟‬
‫وأي اللسن هي من ألسن العرب ؟‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬قوله " من ذلك " ‪ ،‬أي من الجناية على السلم‪.‬‬
‫)‪ (2‬أي " فمن معنى قول النبي‪ ..‬بمعزل " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬قوله " وتظاهرت " هي في المخطوطة مهملة ول تكاد تقرأ على وجه‬
‫مرضي‪.‬‬
‫)‪ (4‬نقل ابن حجر في الفتح ‪ 27 : 9‬عن المام الحافظ أبي شامة قال ‪" :‬‬
‫ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الن هي التي أريدت في الحديث ‪،‬‬
‫وهو خلف إجماع أهل العلم قاطبة ‪ ،‬وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " ‪.‬‬
‫ضا ‪ " :‬لقد فعل مسبع هذه السبعة ما ل ينبغي له ‪ ،‬وأشكل‬
‫وقال ابن عمار أي ً‬
‫المر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة‬
‫في الخبر ‪ ،‬وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة " ‪ .‬وقال‬
‫المام ابن الجزري في النشر ‪ " : 33 : 1‬أول إمام معتبر جمع القراءات في‬
‫كتاب ‪ :‬أبو عبيد القاسم بن سلم ‪ ،‬وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين‬
‫قارًئا مع هؤلء السبعة وتوفى سنة ‪ ... " 224‬ثم قال في ص ‪ " : 34‬وكان‬
‫في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على‬
‫قراءات هؤلء السبعة فقط وتوفي سنة ‪ . " 324‬ثم قال في ص ‪" : 35‬‬
‫وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من ل علم له أن القراءات‬

‫الصحيحة هي التي عن هؤلء السبعة ‪ ،‬وأن الحرف السبعة التي أشار إليها‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم هي قراءة هؤلء السبعة ‪ ،‬بل غلب على كثير من‬
‫الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير‪. " ..‬‬
‫) ‪(1/65‬‬
‫قلنا ‪ :‬أما اللسن الستة التي قد نزلت القراءة بها ‪ ،‬فل حاجة بنا إلى معرفتها‬
‫م بها مع السباب التي قدمنا ذكرها‪ .‬وقد قيل إن‬
‫‪ ،‬لنا لو عرفناها لم نقرأ اليو َ‬
‫وازن ‪ ،‬واثنين منها لقريش وخزاعة‪ُ .‬روي جميعُ ذلك عن‬
‫خمسة منها لعَ ُ‬
‫جر ه َ‬
‫ابن عباس ‪ ،‬وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الحتجاج بنقله‪ .‬وذلك أن‬
‫الذي َرَوى عنه ‪ " :‬أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن " ‪ ،‬الكلبي عن‬
‫ن قريش‬
‫ن الذي روى عنه ‪ " :‬أن اللسانين الخرين لسا ُ‬
‫أبي صالح ‪ ،‬وأ ّ‬
‫قه ولم يسمع منه )‪. (1‬‬
‫وخزاعة " ‪ ،‬قتادة ‪ ،‬وقتادة لم يل َ‬
‫‪ - 65‬حدثني بذلك بعض أصحابنا ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا صالح بن نصر الخزاعي ‪،‬‬
‫عروبة ‪ ،‬عن قتادة ‪ ،‬عن ابن‬
‫قال ‪ :‬حدثنا الهيثم بن عدي ‪ ،‬عن سعيد بن أبي َ‬
‫ن قريش ولسان خزاعة ‪ ،‬وذلك أن الدار‬
‫ن بلسا ُ‬
‫عباس ‪ ،‬قال ‪ :‬نزل القرآ ُ‬
‫ة‪.‬‬
‫واحد ٌ‬
‫‪ - 66‬وحدثني بعض أصحابنا ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا صالح بن نصر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شعبة ‪،‬‬
‫عن قتادة ‪ ،‬عن أبي السود الد َّثلي ‪ ،‬قال ‪ :‬نزل القرآن بلسان ال َ‬
‫كعبين ‪ :‬كعب‬
‫ب‬
‫ي‪ .‬فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم ‪ :‬أل تعج ُ‬
‫بن عمرو وكعب بن لؤ ّ‬
‫ن القرآن نزل بلسان الكعبين ؛ وإنما أنزل بلسان‬
‫من هذا العمى! َيزعم أ ّ‬
‫قريش! )‪(2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ما استوعبه ابن حجر في شرح هذا الباب كله في فتح الباري ‪: 9‬‬
‫‪ ، 30‬وابن الجزري في النشر ‪ ، 53 - 19 : 1‬وفضائل القرآن لبن كثير ‪54 :‬‬
‫ ‪. 80‬‬‫ضا ‪ ،‬فإن قتادة ولد سنة ‪ .61‬وأبو السود‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 66‬وهذا الثر منقطع أي ً‬
‫الدئلي مات سنة ‪.69‬‬
‫عا ‪،‬‬
‫وروى الخطيب في تاريخ بغداد ‪ ، 174 - 173 : 5‬نحو هذا مرفو ً‬
‫بإسناده ‪ ،‬من طريق " أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثني أبي عن سهل‬
‫بن شعيب عن ابن سفيان السلمي ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ :‬نزل القرآن على لغة الكعبين ‪ :‬كعب بن لؤي ‪ ،‬وهو أبو قريش ‪،‬‬
‫وكعب بن عمرو ‪ ،‬وهو أبو خزاعة " ‪.‬‬
‫وهذا إسناد مظلم!! أحمد بن عبد الجبار ‪ :‬ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح‬
‫والتعديل ‪ ، 62 : 1\1‬وقال ‪ " :‬كتبت عنه ‪ ،‬وأمسكت عن التحديث عنه لما‬
‫تكلم الناس فيه " ‪ ،‬ثم روى عن أبيه أبي حاتم قال ‪ " :‬ليس بقوي " ‪ .‬وأما‬
‫عبد الجبار ‪ ،‬والد أحمد هذا ‪ ،‬فلم أجد له ترجمة قط‪ .‬وأما سهل ابن شعيب ‪،‬‬
‫ضا ج ‪ ، 199 : 1\2‬وذكر أنه يروى " عن الشعبي‬
‫فترجمه ابن أبي حاتم أي ً‬
‫وعبيد الله ابن عبد الله الكندي " ‪ ،‬ولم يذكره بجرح ول تعديل‪ .‬ولم أجد له‬
‫ترجمة غيرها‪ .‬وأما " ابن سفيان السلمي " ‪ ،‬فما عرفت من هو ؟ وما أظنه‬
‫من طبقة الصحابة ‪ ،‬إذ لم يدرك ذلك سهل بن شعيب ‪ ،‬وإن كان منهم كان‬
‫السناد منقطًعا‪.‬‬

‫) ‪(1/66‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والعجز من هوازن ‪ :‬سعد بن بكر ‪ ،‬وجشم بن بكر ‪ ،‬ونصر‬
‫ابن معاوية ‪ ،‬وثقيف )‪. (1‬‬
‫وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬إذ ْ ذكَر نزول القرآن على سبعة‬
‫ف ‪ -‬فإنه كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن ‪َ } :‬يا‬
‫ف كا ٍ‬
‫ف ‪ :‬إن كلها شا ٍ‬
‫أحر ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫دى‬
‫ش َ‬
‫عظ ٌ‬
‫مو ْ ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫ة ِ‬
‫دورِ وَهُ ً‬
‫ص ُ‬
‫س قد ْ َ‬
‫فاٌء ل ِ َ‬
‫ن َرب ّك ْ‬
‫م َ‬
‫جاَءت ْك ْ‬
‫ما ِفي ال ّ‬
‫أي َّها الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن { ]سورة يونس ‪ ، [57 :‬جعله الله للمؤمنين شفاًء ‪،‬‬
‫م ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫وََر ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫مِني َ‬
‫يستشفون بمواعظه من الدواء العارضة لصدورهم من َوساوس الشيطان‬
‫َوخطراته ‪ ،‬فَيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في الصل " وخيثم بن بكر " ‪ ،‬وكذلك في فضائل القرآن ‪ 67 :‬وهو‬
‫خطأ‪ .‬قال ابن كثير في عقب هذا " وهم عليا هوازن الذين قال أبو عمرو بن‬
‫العلء ‪ :‬أفصح العرب عليا هوازن وسفل تميم ‪ ،‬يعني بني دارم " ‪.‬‬
‫) ‪(1/67‬‬
‫القول في البيان‬
‫ة‬
‫عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أنزل القرآنمن سبع ِ‬
‫ب الجنة " ‪ ،‬وذكر الخبار الواردة بذلك )‪(1‬‬
‫أبوا ِ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ - 67‬فروى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ :‬كان‬
‫الكتاب الول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد ‪ ،‬ونزل القرآن من سبعة‬
‫أبواب وعلى سبعة أحرف ‪ :‬زاجٌر وآمٌر )‪ (2‬وحل ٌ‬
‫م ‪ ،‬ومحكم ومتشابه ‪،‬‬
‫ل وحرا ٌ‬
‫حّرموا حرامه ‪ ،‬وافعلوا ما أمرتم به ‪ ،‬وانتهوا عما‬
‫وأمثال ‪ ،‬فأ ِ‬
‫حّلوا حلله و َ‬
‫ُنهيتم عنه ‪ ،‬واعتبروا بأمثاله ‪ ،‬واعملوا بمحكمه ‪ ،‬وآمنوا بمتشابهه ‪ ،‬وقولوا ‪:‬‬
‫آمّنا به ك ّ‬
‫ل من عند ربنا‪.‬‬
‫حدثني بذلك يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫وة بن شريح ‪ ،‬عن عقيل بن خالد ‪ ،‬عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد‬
‫َ‬
‫حي َ‬
‫الرحمن بن عوف ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم )‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬المروية بذلك " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " زجر وأمر " ‪ ،‬والصواب من المخطوطة وفضائل القرآن‬
‫‪ ، 66‬وفتح الباري ‪.26 : 9‬‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 67‬قال ابن حجر في الفتح ‪ 26 : 9‬وذكر الخبر السالف بهذا‬
‫السناد فقال ‪ " :‬قال ابن عبد البر هذا حديث ل يثبت ‪ ،‬لنه من رواية أبي‬
‫سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ‪ ،‬ولم يلق ابن مسعود " ‪ ،‬ثم قال ‪" :‬‬
‫وصحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم ‪ ،‬وفي تصحيحه نظر لنقطاعه بين‬
‫أبي سلمة وابن مسعود‪ .‬وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري‬
‫مرسل ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا مرسل جيد " ‪ .‬وانظر فضائل القرآن ‪ .66‬وانظر مسند‬

‫أحمد في الحديث ‪ 4252 :‬عن فلفلة الجعفي عن ابن مسعود ‪ " :‬إن القرآن‬
‫نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف ‪ -‬أو‬
‫قال ‪ :‬حروف ‪ -‬وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد " ‪.‬‬
‫) ‪(1/68‬‬
‫سل غيُر ذلك ‪:‬‬
‫مْر َ‬
‫وُروي عن أبي قلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ُ‬
‫‪ - 68‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال حدثنا عباد بن زكريا ‪ ،‬عن عوف ‪ ،‬عن أبي‬
‫ن على‬
‫ِقلبة ‪ ،‬قال ‪ :‬بلَغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أنزل القرآ ُ‬
‫ب وترهيب وجدل وقصص ومثل )‪. (1‬‬
‫سبعة أحر ٍ‬
‫ف ‪ ،‬أمرٍ وزجرٍ وترغي ٍ‬
‫ي ‪ ،‬عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ‪ ،‬ما‬
‫‪ - 69‬وروى عن أب ّ‬
‫حدثني به أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن فضيل ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي‬
‫خالد ‪ ،‬عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫جده ‪ ،‬عن أب ّ‬
‫ف عن‬
‫ب خف ْ‬
‫ف واحدٍ ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ر ّ‬
‫إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حر ٍ‬
‫متي‪ .‬قال ‪ :‬اقرأه ُ على حرفين‪ .‬فقلت ‪ :‬رب خفف عن أمتي‪ .‬فأمرني أن‬
‫أ ّ‬
‫ف )‪. (2‬‬
‫كا‬
‫ف‬
‫شا‬
‫كلها‬
‫‪،‬‬
‫الجنة‬
‫من‬
‫أبواب‬
‫بعة‬
‫س‬
‫من‬
‫أحرف‬
‫سبعة‬
‫على‬
‫أقرأه‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫َ ْ‬
‫ف ذلك كله‪.‬‬
‫خل‬
‫وروى عن ابن مسعود من ِقيِله‬
‫ُ‬
‫‪ - 70‬وهو ما حدثنا به أبو كُريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا المحاربي ‪ ،‬عن الحوص بن‬
‫مرة بن حبيب ‪ ،‬عن القاسم بن عبد الرحمن ‪ ،‬عن عبد الله بن‬
‫حكيم ‪ ،‬عن َ‬
‫ض ْ‬
‫ن الله أنز َ‬
‫ل القرآن على خمسة أحرف ‪ :‬حلل وحرام‬
‫مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬إ ّ‬
‫حّرم ِ الحرام ‪ ،‬واعم ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل بالمحكم ‪،‬‬
‫ومحكم ومتشابه وأمثال‪ .‬فأ ِ‬
‫ل الحلل ‪ ،‬و َ‬
‫وآمن بالمتشابه ‪ ،‬واعتبر بالمثال )‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 68‬هذا حديث مرسل ‪ ،‬فل تقوم به حجة‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 69‬هذا إسناد صحيح‪ .‬وهو أحد روايات الحديث رقم ‪31 :‬‬
‫الماضي ‪ ،‬وقد أشار الحافظ إلى هذه الرواية ‪ ،‬في الفتح ‪ .21 : 9‬ووقع في‬
‫السناد في نسخ الطبري هنا " عبيد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫ليلى " ‪ ،‬وهو خطأ ‪ ،‬صوابه " عبد الله " ‪ ،‬كما في الرواية الماضية‪ .‬وليس في‬
‫ضا " عن‬
‫الرواة الذين رأينا تراجمهم " عبيد الله بن عيسى‪ . " ...‬ثم هنا أي ً‬
‫ضا ‪ ،‬إذ الحديث رواه عبد الله بن‬
‫أبيه عن جده " ‪ ،‬وأخشى أن يكون خطأ أي ً‬
‫عيسى عن جده مباشرة ‪ ،‬كما مضى ‪ ،‬وكما في رواية مسلم في صحيحه ‪: 1‬‬
‫‪ 225‬لذلك الحديث‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 70‬هذا موقوف على ابن مسعود ‪ ،‬من كلمه ‪ ،‬كما صرح بذلك‬
‫الطبري هنا بقوله " وروى عن ابن مسعود من قيله " ‪ .‬وذكره ابن كثير في‬
‫الفضائل ‪ 66 :‬بعد الحديث ‪ 67‬الماضي ‪ ،‬جعله رواية أخرى له ‪ ،‬قال ‪ " :‬ثم‬
‫رواه عن أبي كريب‪ ...‬عن ابن مسعود ‪ ،‬من كلمه‪ .‬وهو أشبه " ‪.‬‬
‫) ‪(1/69‬‬
‫وكل هذه الخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫متقاربة المعاني ‪ ،‬لن قول القائل ‪ :‬فلن مقيم على باب من أبواب هذا المر‬

‫ف من هذا‬
‫م على حر ٍ‬
‫‪ ،‬وفلن مقيم على وَ ْ‬
‫مقي ٌ‬
‫جه من وجوه هذا المر ‪ ،‬وفلن ُ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫عبدوه على وجه من‬
‫جل ثناؤه وصف قوما َ‬
‫المر ‪ -‬سواٌء‪ .‬أل ترى أن الله َ‬
‫س‬
‫جوه العبادات ‪ ،‬فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف فقال ‪ } :‬وَ ِ‬
‫و ُ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ف { ]سورة الحج ‪ ، [11 :‬يعني أنهم عبدوه على وجه‬
‫ر‬
‫ح‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫د‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫َ َ‬
‫َ ْ ٍ‬
‫م ْ َْ ُ ُ‬
‫َ‬
‫الشك ‪ ،‬ل على اليقين والتسليم لمره‪.‬‬
‫ة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬نزل‬
‫فكذلك رواي ُ‬
‫القرآن من سبعة أبواب " و " نزل على سبعة أحرف " سواٌء ‪ ،‬معناهما‬
‫مختلف في هذا الوجه‪.‬‬
‫مؤتلف ‪ ،‬وتأويلهما غير ُ‬
‫ومعنى ذلك كله ‪ ،‬الخبُر منه صلى الله عليه وسلم عما خصه الله به وأمَته ‪،‬‬
‫دا في تنزيله‪.‬‬
‫من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أح ً‬
‫ي من أنبياء الله صلوات الله‬
‫ن كل كتاب تق ّ‬
‫وذلك أ ّ‬
‫دم كتاَبنا نزوُله على نب ّ‬
‫ول إلى غير اللسان الذي‬
‫وسلمه عليهم ‪ ،‬فإنما نزل بلسان واحد ‪ ،‬متى ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه الله‪.‬‬
‫نزل به ‪ ،‬كان ذلك له ترجمة وتفسيًرا )‪ (1‬ل تلوة ً له على ما أنزل ُ‬
‫ه تالًيا‬
‫سن سبعة ‪ ،‬بأيّ تلك اللسن ال ّ‬
‫وأنزل كتابنا بأل ُ‬
‫سبعة تله التالي ‪ ،‬كان ل ُ‬
‫وله عن تلك اللسن السبعة‬
‫ما ول م ّ‬
‫ج ً‬
‫على ما أنزله الله ل متر ِ‬
‫فسًرا ‪ ،‬حتى يح ّ‬
‫إلى غيرها ‪ ،‬فيصيَر فاع ُ‬
‫ما له‪ .‬كما كان‬
‫مترج ً‬
‫ل ذلك حينئذ ٍ ‪ -‬إذا أصاب معناه ‪ُ -‬‬
‫التالي‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬يستعمل الطبري " الترجمة " وما يشتق منها بمعنى البيان والتفسير‬
‫والشرح ‪ ،‬ل بمعنى نقل الكلم من لسان إلى لسان يباينه‪ .‬والترجمة التي‬
‫يشير إليها هنا هي ما مضى في خبر الحرف التي نزل بها القرآن من مثل‬
‫قولك " هلم‪ .‬وأقبل " فإذا كان الكتاب الول قد نزل وفيه ‪ " ،‬هلم " كان‬
‫القارئ إذا قرأ " أقبل " ‪ ،‬وهي بمعناها ‪ ،‬مفسًرا للكتاب ل تالًيا له‪ .‬انظر ما‬
‫سيأتي ‪ 75 ، 67 ، 57 ، 32 :‬من مطبوعة بولق‪.‬‬
‫) ‪(1/70‬‬
‫لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد ‪ -‬إذا تله بغير اللسان الذي نزل به‬
‫ما ‪ ،‬ل تالًيا على ما أنزله الله به‪.‬‬
‫ج ً‬
‫متر ِ‬
‫ له ُ‬‫ب الول ‪ ،‬نزل على‬
‫ن الكتا ُ‬
‫فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ‪ :‬كا َ‬
‫ف واحدٍ ‪ ،‬ونزل القرآن على سبعة أحرف‪.‬‬
‫حر ٍ‬
‫َ‬
‫وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬إن الكتاب الول نزل من باب واحد‬
‫‪ ،‬ونزل القرآن من سبعة أبواب " ‪ ،‬فإنه صلى الله عليه وسلم عنى بقوله ‪" :‬‬
‫نزل الكتاب الول من باب واحد " ‪ ،‬والله أعلم ‪ ،‬ما نزل من كتب الله على‬
‫من أنزله من أنبيائه ‪ ،‬خالًيا من الحدود والحكام والحلل والحرام ‪ ،‬كزبور‬
‫داود ‪ ،‬الذي إنما هو تذكير ومواعظ ‪ ،‬وإنجيل عيسى ‪ ،‬الذي هو تمجيد ٌ ومحامد‬
‫ض على الصفح والعراض ‪ -‬دون غيرها من الحكام والشرائع ‪ -‬وما أشبه‬
‫وح ّ‬
‫ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميَعها كتاُبنا ‪،‬‬
‫مته‪ .‬فلم يكن‬
‫الذي َ‬
‫ص الله به نبينا محم ً‬
‫دا صلى الله عليه وسلم وأ ّ‬
‫خ ّ‬
‫ضى الله تعالى ذكره مطلًبا ينالون به الجنة ‪،‬‬
‫المتعّبدون بإقامته يجدون ِلر َ‬
‫قْرَبة ‪ ،‬إل من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابُهم ‪ ،‬وذلك‬
‫ويستوجبون به منه ال ُ‬
‫هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب‪.‬‬
‫مَته ‪ ،‬بأن أنزل عليهم كتاَبه‬
‫وخص الله نبّينا محم ً‬
‫دا صلى الله عليه وسلم وأ ّ‬

‫على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ‪ ،‬ويدركون بها الفوز‬
‫بالجنة ‪ ،‬إذا أقاموها )‪ (1‬فك ُ ّ‬
‫ب من أبواب الجنة‬
‫جهه السبعة با ٌ‬
‫ل وجه من أو ُ‬
‫جهه السبعة ‪ ،‬عام ٌ‬
‫ل في‬
‫التي نزل منها القرآن‪ .‬لن العامل بكل وجه من أو ُ‬
‫باب من أبواب الجنة ‪ ،‬وطالب من قَِبله الفوز بها‪ .‬والعم ُ‬
‫ل بما أمر الله جل‬
‫ب من أبواب الجنة ‪ ،‬وتر ُ‬
‫ب آخر‬
‫ك ما نهى الله عنه فيه ؛ با ٌ‬
‫ذكره في كتابه ‪ ،‬با ٌ‬
‫ل ما أح ّ‬
‫ن من أبوابها ؛ وتحلي ُ‬
‫م ما‬
‫ل الله فيه ‪ ،‬با ٌ‬
‫ب ثالث من أبوابها ؛ وتحري ُ‬
‫ثا ٍ‬
‫حّرم الله فيه ‪ ،‬باب رابعٌ من أبوابها ؛‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة‬
‫الذي نزل منه القرآن " ‪ .‬وهو تغيير ل جدوى فيه‪.‬‬
‫) ‪(1/71‬‬
‫م لمتشابهه الذي‬
‫واليما ُ‬
‫س من أبوابها ؛ والتسلي ُ‬
‫ن بمحكمه المبين ‪ ،‬باب خام ٌ‬
‫جب علمه عن خلقه والقراُر بأن كل ذلك من عند ّربه ‪،‬‬
‫ح َ‬
‫استأثر الله بعلمه و َ‬
‫س من أبوابها ؛ والعتبار بأمثاله والتعاظ بعظاته ‪ ،‬باب سابعٌ من‬
‫باب ساد ٌ‬
‫أبوابها‪.‬‬
‫فجميع ما في القرآن ‪ -‬من حروفه السبعة ‪ ،‬وأبوابه السبعة التي نزل منها ‪-‬‬
‫دا‪ .‬فذلك معنى قوله‬
‫جعله الله لعباده إلى رضوانه هادًيا ‪ ،‬ولهم إلى الجنة قائ ً‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة " ‪.‬‬
‫وأما قوله صلى الله عليه وسلم في القرآن ‪ " :‬إن لك ّ‬
‫دا " ‪،‬‬
‫ل حرف منه ح ّ‬
‫ده الله جل ثناؤه ‪ ،‬ل يجوز لحد‬
‫يعني )‪ (1‬لكل وجه من أوجهه السبعة حد ح ّ‬
‫أن يتجاوزه‪.‬‬
‫َ‬
‫وقوله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬وإن لكل حرف منها ظهًرا وبطًنا " ‪،‬‬
‫فظهره ‪ :‬الظاهر في التلوة ‪ ،‬وبطنه ‪ :‬ما بطن من تأويله )‪. (2‬‬
‫ل حد ّ من ذل ُ‬
‫وقوله ‪ " :‬وإن لك ّ‬
‫ن لكل حد ّ من حدود‬
‫ك مط ّل ًَعا " ‪ ،‬فإنه يعني أ ّ‬
‫ل وحرام ٍ ‪ ،‬وسائر شرائعه ‪ -‬مقداًرا من ثواب‬
‫الله التي ح ّ‬
‫دها فيه ‪ -‬من حل ٍ‬
‫ّ‬
‫الله وعقابه ‪ُ ،‬يعاينه في الخرة ‪ ،‬وي َطلع عليه ويلقيه في القيامة‪ .‬كما قال‬
‫ن لي ما في الرض من صفراَء‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‪ " :‬لو أ ّ‬
‫ّ‬
‫جم عليه‬
‫ل المط َّلع " ‪ ،‬يعني بذلك ما يطلع عليه ويه ُ‬
‫وبيضاَء لفتدي ُ‬
‫ت به من هَوْ ِ‬
‫من أمر الله بعد وفاته‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ما مضى في خبر عبد الله بن مسعود‪ .‬الحديث رقم ‪ 10 :‬والتعليق‬
‫عليه‪.‬‬
‫)‪ (2‬الظاهر ‪ :‬هو ما تعرفه العرب من كلمها ‪ ،‬وما ل يعذر أحد بجهالته من‬
‫حلل وحرام‪ .‬والباطن ‪ :‬هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالستنباط والفقه‪.‬‬
‫ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله‬
‫وسنة رسوله ‪ ،‬والعبث بدللت ألفاظ القرآن ‪ ،‬وادعائهم أن للفاظه " ظاهًرا‬
‫" هو الذي يعلمه علماء المسلمين ‪ ،‬و " باطًنا " يعلمه أهل الحقيقة ‪ ،‬فيما‬
‫يزعمون‪.‬‬
‫) ‪(1/72‬‬

‫صل إلى معرفة تأويل القرآن(‬
‫)القول في الوجوه التي من قبلها ُيو َ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬قد قلنا في الدللة على أن القرآن كله عربي ‪ ،‬وأنه نزل‬
‫ن ألسن جميعها ‪ ،‬وأن قراءة المسلمين اليوم ‪-‬‬
‫سن بعض العرب دو َ‬
‫بأل ُ‬
‫فهم التي هي بين أظهرهم ‪ -‬ببعض اللسن التي نزل بها القرآن دون‬
‫ومصاح َ‬
‫ن من النور والبرهان ‪ ،‬والحكمة‬
‫ما يحويه القرآ ُ‬
‫جميعها‪ .‬وقلنا ‪ -‬في البيان ع ّ‬
‫والت ّْبيان )‪ (1‬التي أودعها الله إياه ‪ :‬من أمره ونهيه ‪ ،‬وحلله وحرامه ‪ ،‬ووعده‬
‫حكمه ‪ -‬ما فيه الكفاية لمن وُّفق‬
‫ووعيده ‪ ،‬ومحكمه ومتشابهه ‪ ،‬ولطائف ُ‬
‫لفهمه‪.‬‬
‫ونحن قائلون في البيان عن ُوجوه مطالب تأويله ‪:‬‬
‫قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه ‪ ،‬لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫} وََأنزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ما نز َ‬
‫ن { ]سورة‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ن ِللّنا‬
‫فك ُّرو َ‬
‫م وَل َعَل ّهُ ْ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫س َ‬
‫ك الذ ّك َْر ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫ِ‬
‫ما َأنزل َْنا عَل َي ْ َ‬
‫م‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫النحل ‪ ، [44 :‬وقال أي ً‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫ضا جل ذكره ‪ } :‬وَ َ‬
‫ب ِإل ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫ن { ]سورة النحل ‪ ، [64 :‬وقال ‪:‬‬
‫ة لِ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ذي ا ْ‬
‫م ً‬
‫قوْم ٍ ي ُؤْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫دى وََر ْ‬
‫فوا ِفيهِ وَهُ ً‬
‫ح َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل عَل َي ْ َ‬
‫ذي أنز َ‬
‫خُر‬
‫ب وَأ َ‬
‫ب ِ‬
‫} هُوَ ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫نأ ّ‬
‫ما ٌ‬
‫حك َ َ‬
‫ت ُ‬
‫ه آَيا ٌ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ال ْك َِتا ِ‬
‫ت هُ ّ‬
‫َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫مت َ َ‬
‫ة‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫ه اب ْت َِغاَء ال ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫م َزي ْغٌ فَي َت ّب ُِعو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ِفي قُُلوب ِهِ ْ‬
‫ت فَأ ّ‬
‫شاب َِها ٌ‬
‫ُ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ِفي العِلم ِ ي َ ُ‬
‫س ُ‬
‫مّنا ب ِ ِ‬
‫ه َوالّرا ِ‬
‫قولو َ‬
‫خو َ‬
‫نآ َ‬
‫ه ِإل الل ُ‬
‫م ت َأويل ُ‬
‫ما ي َعْل ُ‬
‫َواب ْت َِغاَء ت َأويل ِهِ وَ َ‬
‫ع ِند ربنا وما يذ ّك ّر ِ إل ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫كُ ّ‬
‫ب { ]سورة آل عمران ‪.[7 :‬‬
‫با‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لو‬
‫أو‬
‫ل ِ‬
‫َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ِ ْ ِ َ َّ َ َ َ ُ ِ‬
‫فقد تبين ببيان الله ج ّ‬
‫ل ذكره ‪:‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬والبيان " ‪.‬‬
‫) ‪(1/73‬‬
‫ن مما أنزل الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ما ل ُيوصل‬
‫أ ّ‬
‫إلى علم تأويله إل ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم‪ .‬وذلك تأويل جميع ما‬
‫ف َنهيه ‪ ،‬ووظائف‬
‫فيه ‪ :‬من وجوه أمره ‪ -‬واجبه ون َد ِْبه وإْرشاده ‪ ، -‬وصنو ِ‬
‫ْ‬
‫خلقه لبعض ‪ ،‬وما‬
‫ض َ‬
‫حقوقه وحدوده ‪ ،‬ومبالغ فرائضه ‪ ،‬ومقادير اللزم بع َ‬
‫مها إل ببيان رسول الله صلى الله‬
‫أشبه ذلك من أحكام آية ‪ ،‬التي لم ُيدَرك عل ُ‬
‫ه ل يجوز لحد القول فيه ‪ ،‬إل ببيان رسول الله‬
‫مته‪ .‬وهذا وج ٌ‬
‫عليه وسلم ل ّ‬
‫ةّ‬
‫َ‬
‫صبها ‪ ،‬دال ٍ‬
‫ص منه عليه ‪ ،‬أو بدللة قد ن َ‬
‫صلى الله عليه وسلم له تأويله )‪ (1‬بن ّ‬
‫مَته على تأويله‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫ن منه ما ل يعلم تأويله إل الله الواحد القهار‪ .‬وذلك ما فيه من الخبر عن‬
‫وأ ّ‬
‫آجال حادثة ‪ ،‬وأوقات آتية ‪ ،‬كوقت قيام الساعة ‪ ،‬والنفخ في الصور ‪ ،‬ونزول‬
‫ت ل يعلم أحد ٌ حدوَدها ‪ ،‬ول‬
‫عيسى بن مريم ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪ :‬فإن تلك أوقا ٌ‬
‫يعرف أحد ٌ من تأويلها إل الخبَر بأشراطها ‪ ،‬لستئثار الله بعلم ذلك على خلقه‪.‬‬
‫َ‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ن‬
‫ساعَةِ أّيا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫وبذلك أنزل رّبنا محكم كتابه )‪ (2‬فقال ‪ } :‬ي َ ْ‬
‫ك عَ ِ‬
‫َ‬
‫ها قُ ْ‬
‫ت‬
‫جّليَها ل ِوَقْت َِها ِإل هُوَ ث َ ُ‬
‫مَها ِ‬
‫ما ِ‬
‫سا َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫عن ْد َ َرّبي ل َ ي ُ َ‬
‫ت ِفي ال ّ‬
‫مْر َ‬
‫س َ‬
‫قل ْ‬
‫عل ْ ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي عَن َْها قُ ْ‬
‫ف‬
‫ح‬
‫ك‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ك‬
‫ن‬
‫لو‬
‫أ‬
‫س‬
‫ي‬
‫ة‬
‫ت‬
‫غ‬
‫ب‬
‫إل‬
‫م‬
‫ك‬
‫تي‬
‫أ‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ر‬
‫وال‬
‫ْ‬
‫مَها ِ‬
‫ما ِ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫عن ْد َ الل ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫عل ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ ْ َِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن { ]سورة العراف ‪ .[187 :‬وكان نبينا محمد‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫مو َ‬
‫س ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫نأ َ‬
‫وَل َك ِ ّ‬
‫ِ‬
‫صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيًئا من ذلك ‪ ،‬لم يد ّ‬
‫ل عليه إل بأشراطه دون‬
‫تحديده بوقته كالذي روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لصحابه ‪ ،‬إذ‬
‫جال ‪ :‬إ ْْ‬
‫ج وأنا في ُ‬
‫ج بعدي ‪ ،‬فالله‬
‫جه ‪ ،‬وإن يخر ْ‬
‫جي ُ‬
‫كم ‪ ،‬فأنا َ‬
‫ن يخر ْ‬
‫ذكر الد ّ‬
‫ح ِ‬
‫خليفتي عليكم " )‪ (3‬وما أشبه‬

‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬له بتأويله " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه " ‪ ،‬وهو تغيير وزيادة‬
‫لغير فائدة‪.‬‬
‫)‪ (3‬قال ابن حجر في الفتح ‪ 84 : 13‬في شرح حديث ابن عمر الذي أخرجه‬
‫البخاري ‪ ،‬وذكر الدجال فقال ‪ " :‬وما من نبي إل أنذره قومه " ‪ ،‬قال ‪ " :‬في‬
‫بعض طرقه ‪ :‬إن يخرج فيكم فأنا حجيجه " ‪ .‬وهو إشارة إلى حديث النواس‬
‫بن سمعان ‪ ،‬مطول ‪ ،‬في صحيح مسلم ‪ ، 376 : 2‬وفيه ‪ " :‬إن يخرج وأنا‬
‫فيكم فأنا حجيجه دونكم ‪ ،‬وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه ‪ ،‬والله‬
‫ضا مجمع الزوائد ‪350 ، 348 - 347 : 7‬‬
‫خليفتي على كل مسلم " ‪ .‬وانظر أي ً‬
‫ ‪. 351‬‬‫وقوله " حجيجه " أي محاجه ومغالبه بإظهار الحجة عليه‪.‬‬
‫) ‪(1/74‬‬
‫ذلك من الخبار ‪ -‬التي ي ُ‬
‫طول باستيعابها الكتاب ‪ -‬الدال ّةِ على أنه صلى الله‬
‫سنين واليام ‪ ،‬وأن‬
‫م أوقا ِ‬
‫ت شيء منه بمقادير ال ّ‬
‫عليه وسلم لم يكن عنده عل ُ‬
‫الله جل ثناؤه إنما كان عّرفه مجيئه بأشراطه ‪ ،‬ووّقته بأدلته‪.‬‬
‫وأن منه ما يعلم تأويَله ك ّ‬
‫ل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن‪ .‬وذلك ‪:‬‬
‫ميات بأسمائها اللزمة غيرِ المشتَرك فيها ‪،‬‬
‫ة إعرابه ‪ ،‬ومعرف ُ‬
‫إقام ُ‬
‫ة المس ّ‬
‫ن ذلك ل َ يجهله أحد ٌ منهم‪.‬‬
‫والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫َ‬
‫وذلك كسامٍع منهم لو سمع تالًيا يتلو ‪ } :‬وَإ َِذا ِقي َ‬
‫ض‬
‫م ل َ تُ ْ‬
‫ف ِ‬
‫س ُ‬
‫ل لهُ ْ‬
‫دوا ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل َ يَ ْ‬
‫ن{‬
‫م ْ‬
‫ف ِ‬
‫شعُُرو َ‬
‫دو َ‬
‫س ُ‬
‫حو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫م هُ ُ‬
‫ن * أل إ ِن ّهُ ْ‬
‫ن ُ‬
‫َقاُلوا إ ِن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ن وَلك ِ ْ‬
‫ح ُ‬
‫]سورة البقرة ‪ ، [12 ، 11 :‬لم يجه ْ‬
‫ه‬
‫لأ ّ‬
‫ن معنى الفساد هو ما ينبغي ترك ُ‬
‫جِهل‬
‫ه منفع ٌ‬
‫ن َ‬
‫ة ‪ ،‬وإ ْ‬
‫مما هو مضّرة ‪ ،‬وأن الصل َ‬
‫ح هو ما ينبغي ِفعله مما فعل ُ‬
‫حا‪ .‬فالذي‬
‫صل ً‬
‫ي التي َ‬
‫جعلها الله إ ْ‬
‫ي التي جعلها الله إفساًدا ‪ ،‬والمعان َ‬
‫المعان َ‬
‫ن ‪ -‬من تأويل القرآن ‪ ،‬هو ما‬
‫يعلمه ذو اللسان ‪ -‬الذي بلسانه نزل القرآ ُ‬
‫ميات بأسمائها اللزمة غيرِ المشتَرك فيها ‪،‬‬
‫ت‪ِ :‬‬
‫ن معرفة أعيان المس ّ‬
‫وصف ُ‬
‫م ْ‬
‫والموصوفات بصفاتها الخاصة ‪ ،‬دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها‬
‫ه إل ببياِنه ‪،‬‬
‫م ُ‬
‫التي خص الله بعلمها نبّيه صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فل ُيدَرك عل ُ‬
‫دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه‪.‬‬
‫وبمثل ما ُقلنا من ذلك ُروي الخبر عن ابن عباس ‪:‬‬
‫‪ - 71‬حدثنا محمد بن ب ّ‬
‫مل ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان ‪ ،‬عن‬
‫شار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مؤ ّ‬
‫ه تعرفه‬
‫أبي الزناد ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن عباس ‪ :‬التفسيُر على أربعةِ أوجهٍ ‪ :‬وج ٌ‬
‫ب من كلمها ‪ ،‬وتفسير ل َ ُيعذر أحد ٌ بجهالته ‪ ،‬وتفسير يعلمه العلماء ‪،‬‬
‫العر ُ‬
‫وتفسير ل َ يعلمه إل الله تعالى ذكره‪.‬‬
‫دا‬
‫ه الرابع الذي ذكره ابن عباس ‪ِ :‬‬
‫ن أح ً‬
‫نأ ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وهذا الوج ُ‬
‫م ْ‬
‫) ‪(1/75‬‬
‫مطالب تأويله‪ .‬وإنما هو خبٌر عن‬
‫ل َ ُيعذر بجهالته ‪ ،‬معنى غيُر البانة عن ُوجوه َ‬
‫ضا‬
‫ن من تأويله ما ل َ يجوز لحد الجهل به‪ .‬وقد روى بنحو ما قلنا في ذلك أي ً‬
‫أ ّ‬

‫عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبٌر في إسناده نظر‪.‬‬
‫دفي ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ص َ‬
‫‪ - 72‬حدثني يونس بن عبد العلى ال ّ‬
‫م‬
‫ي ‪ ،‬عن أبي صالح ‪ ،‬مولى أ ّ‬
‫سمعت عمرو بن الحارث يحدث ‪ ،‬عن الكلب ّ‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫هانئ ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ :‬أ ّ‬
‫ف ‪ :‬حل ٌ‬
‫م ل َ ُيع َ‬
‫ذر أحد ٌ بالجهالة به ‪،‬‬
‫أنزل القرآن على أربعة أحر ٍ‬
‫ل وحرا ٌ‬
‫ه ل َ يعلمه إل الله‬
‫سره العرب ‪ ،‬وتفسيٌر تف ّ‬
‫وتفسيٌر تف ّ‬
‫سره العلماء ‪ ،‬ومتشاب ٌ‬
‫تعالى ذكره ‪ ،‬ومن اّدعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب )‪. (1‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 72‬إنما قال الطبري " فيه نظر " ‪ : -‬لن الذي رواه هو الكلبي‬
‫فا خبًرا روى بمثل هذا‬
‫عن أبي صالح عن ابن عباس‪ .‬وقد رد الطبري آن ً‬
‫السناد فقال ‪ :‬إنه ليس من رواية من يجوز الحتجاج بنقله‪ .‬انظر ص ‪.66 :‬‬
‫) ‪(1/76‬‬
‫ذكر بعض الخبار‬
‫ل في تأويل القرآن بالّرأي‬
‫التي ُرويت بالنهي عن القو ِ‬
‫‪ - 73‬حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫شريك ‪ ،‬عن عبد العلى ‪،‬‬
‫جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ :‬أن النبي‬
‫عن سعيد بن ُ‬
‫) ‪(1/77‬‬
‫صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬من قا َ‬
‫ده من النار‬
‫ل في القرآن برأيه فليتبوأ مقع َ‬
‫)‪. (1‬‬
‫‪ - 74‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا يحيى بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد العلى ‪ -‬هو ابن عامر الثعلبي ‪ ، -‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬من قال في القرآن‬
‫ده من النار‪.‬‬
‫برأيه ‪ -‬أو بما ل يعلم ‪ -‬فليتبوأ مقع َ‬
‫‪ - 75‬وحدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن بشر ‪َ ،‬وقِبيصة ‪ ،‬عن سفيان ‪،‬‬
‫عن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬قال ‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ‬
‫ده من النار‪.‬‬
‫مقع َ‬
‫‪ - 76‬حدثنا محمد بن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحكم بن َبشير ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو‬
‫ملئي ‪ ،‬عن عبد العلى ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪،‬‬
‫بن قيس ال ُ‬
‫ده من النار‪.‬‬
‫قال ‪ :‬من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقع َ‬
‫‪ - 77‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جرير ‪ ،‬عن ليث ‪ ،‬عن بكر ‪ ،‬عن سعيد بن‬
‫ده من‬
‫جبير ‪ ،‬عن ابن عباس قال ‪ :‬من تكّلم في القرآن برأيه فليتبوأ مقع َ‬
‫النار‪.‬‬
‫ْ‬
‫وائي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حفص ابن‬
‫سلم بن ُ‬
‫جنادة ال ّ‬
‫‪ - 78‬وحدثني أبو السائب َ‬
‫س َ‬
‫عبيد الله ‪ ،‬عن إبراهيم ‪ ،‬عن أبي معمر ‪ ،‬قال ‪ :‬قال‬
‫غياث ‪ ،‬عن الحسن بن ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قلني ‪ ،‬وأيّ سماٍء ت ُظ ِلني ‪ ،‬إذا‬
‫ض تُ ِ‬
‫أبو بكر الصديق رضي الله عنه ‪ :‬أيّ أْر ٍ‬
‫ت في القرآن ما ل أعلم )‪! (2‬‬
‫قل ُ‬
‫‪ - 79‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي عدي ‪ ،‬عن شعبة ‪ ،‬عن‬

‫سليمان ‪ ،‬عن عبد الله بن مرة ‪ ،‬عن أبي معمر ‪ ،‬قال ‪ :‬قال أبو بكر‬
‫ت في القرآن برأيي ‪-‬‬
‫ض تُ ِ‬
‫قّلني ‪ ،‬وأيّ سماٍء تظّلني ‪ ،‬إذا قل ُ‬
‫الصديق ‪ :‬أيّ أر ٍ‬
‫أو ‪ :‬بما ل أعلم‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن ما كان‬
‫أ‬
‫من‬
‫‪:‬‬
‫قلنا‬
‫ما‬
‫صحة‬
‫على‬
‫لنا‬
‫ة‬
‫شاهد‬
‫الخبار‬
‫وهذه‬
‫قال أبو جعفر ‪:‬‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ص بيان رسول الله صلى الله‬
‫ِ‬
‫ي القرآن الذي ل ُيدَرك علمه إل بن َ ّ‬
‫من تأويل آ ِ‬
‫قي ُ‬
‫ل فيه برأيه‪ .‬بل‬
‫ال‬
‫لحد‬
‫جائز‬
‫فغير‬
‫‬‫عليه‬
‫الدللة‬
‫صبه‬
‫ن‬
‫ب‬
‫أو‬
‫‪،‬‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫ِ‬
‫َ ْ‬
‫القائ ُ‬
‫ن من ِفعله ‪،‬‬
‫كا‬
‫فيما‬
‫فمخطئ‬
‫‬‫فيه‬
‫الحق‬
‫أصاب‬
‫وإن‬
‫‬‫برأيه‬
‫ل في ذلك‬
‫َ‬
‫موقن أنه محقّ ‪ ،‬وإنما هو إصابة‬
‫ت إصابة ُ‬
‫بقيله فيه برأيه ‪ ،‬لن إصابته ليس ْ‬
‫ن‪ .‬والقائل‬
‫ص وظا ً‬
‫خار ٍ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحاديث ‪ - 76 - 73‬تدور هذه الحاديث كلها على عبد العلى بن عامر‬
‫الثعلبي ‪ ،‬وقد تكلموا فيه‪ " .‬قال أحمد ‪ :‬ضعيف الحديث‪ .‬وقال أبو زرعة ‪:‬‬
‫ضعيف الحديث ‪ ،‬ربما رفع الحديث وربما وقفه‪ .‬وقال ابن عدي ‪ :‬يحدث‬
‫بأشياء ل يتابع عليها ‪ ،‬وقد حدث عنه الثقات‪ .‬وقال يعقوب بن سفيان ‪ :‬في‬
‫حديثه لين وهو ثقة‪ .‬وقال الدارقطني ‪ :‬يعتبر به‪ .‬وحسن له الترمذي ‪ ،‬وصحح‬
‫له الحاكم ‪ ،‬وهو من تساهله‪ .‬وصحح الطبري حديثه في الكسوف " ‪ .‬تهذيب‬
‫التهذيب ‪ .95 - 94 : 6‬وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق سفيان الثوري‬
‫ضا من طريق أبي عوانة عن عبد العلى‬
‫عن عبد العلى ‪ ، 2069 :‬ورواه أي ً‬
‫رقم ‪ ، 3025 :‬بلفظ ‪ " :‬من كذب على القرآن بغير علم " ‪ .‬وقلنا في شرح‬
‫ضا من‬
‫المسند ‪ " :‬إسناده ضعيف لضعف عبد العلى الثعلبي " ورواه أحمد أي ً‬
‫أوجه أخر ‪ ،‬كلها من رواية عبد العلى‪ .‬وقال ابن كثير في التفسير ‪: 11 : 1‬‬
‫" هكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري ‪ ،‬به‪ .‬ورواه‬
‫عا وقال‬
‫أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد العلى ‪ ،‬به ‪ ،‬مرفو ً‬
‫الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن " ‪ .‬وأخشى أن يكون قول ابن جرير بعد ‪" :‬‬
‫وهذه الخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا‪ ، " ...‬دال على أنه يصحح حديثه‬
‫هذا كما صحح حديثه في الكسوف‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 78‬في المخطوطة والمطبوعة ‪ " :‬سالم بن جنادة " ‪ ،‬وهو خطأ‪.‬‬
‫وفي المخطوطة " أبي نعم " مكان " أبي معمر " ‪ ،‬وهو خطأ‪ .‬وأبو معمر‬
‫هو ‪ :‬عبد الله بن سخبرة الزدي ‪ ،‬تابعي ثقة ‪ ،‬أرسل الحديث عن أبي بكر‪.‬‬
‫وإبراهيم الذي حدث عنه هو ‪ :‬إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي‪.‬‬
‫وقوله " تقلني " ‪ :‬أي تحملني‪ .‬أقل الشيء واستقله ‪ :‬رفعه وحمله‪ .‬وانظر‬
‫طرق هذا الخبر في تفسير ابن كثير ‪. 12 : 1‬‬
‫) ‪(1/78‬‬
‫ل على الله ما لم يعلم‪ .‬وقد حّرم الله ج ّ‬
‫ن ‪ ،‬قائ ٌ‬
‫ل ثناؤه ذلك‬
‫في دين الله بالظ ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫في كتابه على عباده ‪ ،‬فقال ‪ } :‬قُ ْ‬
‫من َْها‬
‫ي ال َ‬
‫وا ِ‬
‫ما ظهََر ِ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫ش َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م ُينز ْ‬
‫ن تُ ْ‬
‫سلطاًنا‬
‫حقّ وَأ ْ‬
‫ي ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ل ب ِهِ ُ‬
‫ما ل ْ‬
‫شرِكوا ِباللهِ َ‬
‫ن َوالث ْ َ‬
‫وَ َ‬
‫م َوال ْب َغْ َ‬
‫ما ب َط َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن { ]سورة العراف ‪ .[33 :‬فالقائل في‬
‫ن تَ ُ‬
‫مو َ‬
‫وَأ ْ‬
‫ما ل ت َعْل ُ‬
‫قولوا عَلى اللهِ َ‬
‫تأويل كتاب الله ‪ ،‬الذي ل يدرك علمه إل ببيان رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬الذي جعل الله إليه بيانه ‪ -‬قائ ٌ‬
‫م وإن وافق قيله ذلك في‬
‫ل بما ل يعل ُ‬
‫ٌ‬
‫تأويله ‪ ،‬ما أراد الله به من معناه‪ .‬لن القائل فيه بغير علم ‪ ،‬قائل على الله ما‬
‫ل علم له به‪ .‬وهذا هو معنى الخبر الذي ‪- :‬‬

‫‪ - 80‬حدثنا به العباس بن عبد العظيم العبري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حّبان بن هلل ‪،‬‬
‫ي )‪ (1‬عن‬
‫قال ‪ :‬حدثنا سهيل أخو حزم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو عمران الجون ّ‬
‫جندب ‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬من قال في القرآن برأيه‬
‫فأصاب ‪ ،‬فقد أخطأ )‪. (2‬‬
‫يعني صلى الله عليه وسلم أنه أخطأ في فعله ‪ ،‬بقيله فيه برأيه ‪ ،‬وإن وافق‬
‫ن‬
‫صواب عند الله‪ .‬لن ِقيله فيه برأيه ‪ ،‬ليس بقيل عالم أ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِقيُله ذلك عي َ‬
‫ب‪ .‬فهو قائل على الله ما ل يعلم ‪ ،‬آثم‬
‫الذي قال فيه من قول حقّ وصوا ٌ‬
‫ظر عليه‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫ى عنه و ُ‬
‫بفعله ما قد ُنه َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة " سهيل بن أبي حزم " ‪ ،‬وهو نفسه " سهيل أخو حزم " ‪.‬‬
‫فا له بأخيه " حزم بن أبي حزم القطعي "‬
‫وإنما قيل " سهيل أخو حزم " تعري ً‬
‫‪ ،‬إذ كان أوثق منه وأشهر‪ .‬و " سهيل " هذا قال البخاري في التاريخ الكبير ‪\2‬‬
‫‪ " : 107 : 2‬ليس بالقوي عندهم " ‪ ،‬وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل‬
‫‪ 248 - 247 : 1 \2‬عن أبيه ‪ ،‬قال ‪ " :‬سهيل بن أبي حزم ‪ :‬ليس بالقوي ‪،‬‬
‫ضا " أبو‬
‫يكتب حديثه ول يحتج به ‪ ،‬وحزم أخوه أتقن منه " ‪ .‬وفي المطبوعة أي ً‬
‫عمران الجويني " ‪ ،‬وهو خطأ ‪ ،‬وأبو عمران هو ‪ :‬عبد الملك بن حبيب الزدي‬
‫البصري‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 80‬قال ابن كثير في التفسير ‪ ، 12 - 11 : 1‬ونقل الخبر عن‬
‫الطبري ‪ " :‬وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث‬
‫سهيل بن أبي حزم القطعي‪ .‬وقال الترمذي ‪ :‬غريب‪ .‬وقد تكلم بعض أهل‬
‫العلم في سهيل " ‪.‬‬
‫) ‪(1/79‬‬
‫ذكر الخبار التي ُرويت‬
‫صحابة‬
‫ض على العلم بتفسير القرآن ‪ ،‬ومن كان يف ّ‬
‫سره من ال ّ‬
‫في الح ّ‬
‫‪ - 81‬حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ‪ ،‬قال سمعت أبي‬
‫يقول ‪ :‬حدثنا الحسين بن واقد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا العمش ‪ ،‬عن َ‬
‫شقيق ‪ ،‬عن ابن‬
‫مّنا إذا تعّلم عَ ْ‬
‫ن حتى يعرف‬
‫شر آيا ٍ‬
‫ن الرجل ِ‬
‫مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬كا َ‬
‫ت لم يجاوزهُ ّ‬
‫ن ‪ ،‬والعم َ‬
‫ن )‪. (1‬‬
‫ل به ّ‬
‫معانيهُ ّ‬
‫جرير ‪ ،‬عن عطاء ‪ ،‬عن أبي عبد الرحمن ‪،‬‬
‫حدثنا‬
‫‪:‬‬
‫قال‬
‫حميد‬
‫ابن‬
‫حدثنا‬
‫‪- 82‬‬
‫َ‬
‫رئون من النبي صلى الله‬
‫رئوننا ‪ :‬أنهم كانوا يستق ِ‬
‫قال ‪ :‬حدثنا الذين كانوا ُيق ِ‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فكانوا إذا تعّلموا عَ ْ‬
‫شر آيات لم يخّلفوها حتى يعملوا بما فيها‬
‫من العمل ‪ ،‬فتعّلمنا القرآن والعمل جميًعا )‪. (2‬‬
‫‪ - 83‬وحدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جابر بن نوح ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا العمش ‪،‬‬
‫ت‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سروق ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد الله ‪ :‬والذي ل إله غيره ‪ ،‬ما نزل ْ‬
‫سلم ‪ ،‬عن َ‬
‫عن ُ‬
‫ن أحدٍ‬
‫ن أنزلت ؟ ولو أعلم مكا َ‬
‫آية في كتاب الله إل وأنا أعلم فيم نزل ْ‬
‫ت ؟ وأي َ‬
‫مّنى تناُله المطايا لتيته )‪. (3‬‬
‫م بكتاب الله ِ‬
‫أعل َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 81‬هذا إسناد صحيح‪ .‬وهو موقوف على ابن مسعود ‪ ،‬ولكنه‬
‫مرفوع معنى ‪ ،‬لن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ .‬فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 82‬هذا إسناد صحيح متصل‪ .‬أبو عبد الرحمن ‪ :‬هو السلمي ‪،‬‬

‫واسمه عبد الله بن حبيب ‪ ،‬وهو من كبار التابعين‪ .‬وقد صرح بأنه حدثه الذين‬
‫كانوا يقرئونه ‪ ،‬وأنهم " كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم " ‪،‬‬
‫دا متصل‪.‬‬
‫فهم الصحابة‪ .‬وإبهام الصحابي ل يضر ‪ ،‬بل يكون حديثه مسن ً‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 83‬أخرجه البخاري ‪ ،‬انظر فتح الباري ‪ ، 46 - 45 : 9‬ولفظه "‬
‫تبلغه البل لركبت إليه " ‪.‬‬
‫) ‪(1/80‬‬
‫‪ - 84‬وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبي ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن‬
‫جده ‪ ،‬عن العمش ‪ ،‬عن مسلم ‪ ،‬عن مسروق ‪ ،‬قال ‪ :‬كان عبد ُ الله يقرأ‬
‫ة النهار )‪. (1‬‬
‫م َ‬
‫سورة ‪ ،‬ثم يح ّ‬
‫دثنا فيها ويف ّ‬
‫علينا ال ّ‬
‫سرها عا ّ‬
‫جنادة )‪ (2‬قال ‪ :‬حدثنا أبو معاوية ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 85‬حدثني أبو السائب سلم بن ُ‬
‫س على الحج ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ي اب َ‬
‫العمش ‪ ،‬عن شقيق ‪ ،‬قال ‪ :‬استعمل عل ّ‬
‫ن عبا ٍ‬
‫سورة‬
‫س خطبة لو سمعها الترك والّروم لسلموا ‪ ،‬ثم قرأ عليهم ُ‬
‫فخطب النا َ‬
‫النور ‪ ،‬فجعل يفسرها‪.‬‬
‫‪ - 86‬وحدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ن‬
‫اب‬
‫حدثنا سفيان ‪ ،‬عن العمش ‪ ،‬عن أبي وائل شقيق بن سلمة ‪ ،‬قال ‪ :‬قرأ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫س سورة البقرة ‪ ،‬فجعل ُيف ّ‬
‫ت هذا الديل ُ‬
‫سرها ‪ ،‬فقال رجل ‪ :‬لو سمع ْ‬
‫عبا ٍ‬
‫ت )‪. (3‬‬
‫لسلم ْ‬
‫مان ‪ :‬عن أشعث بن إسحاق ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 87‬وحدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو ي َ‬
‫سره ‪ ،‬كان‬
‫ن جبير ‪ ،‬قال ‪ :‬من قرأ القرآ َ‬
‫ن ثم لم ُيف ّ‬
‫جعفر ‪ ،‬عن سعيد ب ُ‬
‫كالعمى أو كالعرابي )‪. (4‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 84‬شيخ الطبري ‪ :‬هو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي‬
‫عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود‪ .‬مترجم في التهذيب‪.‬‬
‫وجده " محمد " ‪ ،‬وجد أبيه " أبو عبيدة " واسمه " عبد الملك بن معن " ‪-‬‬
‫ضا‪ .‬ولم نجد ترجمة لبيه " إبراهيم بن محمد " ‪.‬‬
‫مترجمان فيه أي ً‬
‫)‪ (2‬في المخطوط والمطبوع " سالم " ‪ ،‬وانظر ما سلف ص ‪ 87 :‬رقم ‪1 :‬‬
‫)‪ (3‬الخبران ‪ - 86 - 85‬ذكرهما الحافظ ابن حجر في الصابة ‪ : 93 : 4‬فذكر‬
‫أولهما " في رواية أبي العباس السراج من طريق أبي معاوية عن العمش "‬
‫‪ .‬وذكر ثانيهما من رواية " يعقوب بن سفيان عن قبيصة عن سفيان " ‪ ،‬وهو‬
‫الثوري‪.‬‬
‫)‪ (4‬الثر ‪ - 87‬أشعث بن إسحاق بن سعد بن مالك بن عامر القمي ‪ :‬ثقة ‪،‬‬
‫وثقه ابن معين وغيره‪ .‬وله ترجمة في الكبير للبخاري ‪ ، 428 : 1\1‬وفي‬
‫الجرح والتعديل لبن أبي حاتم ‪ .269 : 1\1‬وشيخه " جعفر " ‪ :‬هو جعفر بن‬
‫أبي المغيرة الخزاعي القمي‪ .‬وأما الراوي عن أشعث ‪ ،‬فقد ذكر هنا باسم "‬
‫أبو يمان " ‪ ،‬و " أبو اليمان " هو الحكم بن نافع ‪ ،‬وهو من هذه الطبقة ‪،‬‬
‫ولكن لم يذكر أنه يروى عن " أشعث " ‪ .‬والراجح عندنا أن صوابه " حدثنا‬
‫ابن يمان " ‪ .‬وابن يمان ‪ :‬هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي ‪ ،‬وقد ذكر في‬
‫الرواة عن أشعث ‪ ،‬وترجمه البخاري في الكبير ‪ 313 : 2\4‬وقال ‪ " :‬سمع‬
‫سفيان الثوري وأشعث القمي " ‪.‬‬
‫) ‪(1/81‬‬

‫‪ - 88‬وحدثنا أبو ُ‬
‫كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬ذكر أبو بكر بن عياش ‪ :‬العمش ‪ ،‬قال ‪ :‬قال‬
‫سورة‬
‫م ؛ فخطبهم ‪ ،‬فقرأ على المنبر ُ‬
‫ن عباس الموس َ‬
‫أبو وائل ‪َ :‬ولى اب ُ‬
‫دثنا به عن عاصم ؟‬
‫سمعها الترك لسلموا‪ .‬فقيل له ‪ :‬ح ّ‬
‫النور ‪ ،‬والله لو َ‬
‫فسكت )‪. (1‬‬
‫ت العمش ‪،‬‬
‫‪ - 89‬وحدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن إدريس ‪ ،‬قال ‪ :‬سمع ُ‬
‫ى الموسم ‪ ،‬فقرأ سورة النور على‬
‫عن شقيق ‪ ،‬قال ‪ :‬شهدت ابن عباس َوول َ‬
‫المنبر ‪ ،‬وفسرها ‪ ،‬لو سمعت الروم لسلمت )‪! (2‬‬
‫ث الله عز وج ّ‬
‫ل عباده على العتبار بما في آي القرآن‬
‫ح ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وفي َ‬
‫من المواعظ والبينات )‪ - (3‬بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫ُ‬
‫مَباَر ٌ‬
‫ب َأنزل َْناهُ إ ِل َي ْ َ‬
‫ب { ]سورة ص ‪:‬‬
‫} ك َِتا ٌ‬
‫ك ُ‬
‫ك ل ِي َد ّب ُّروا آَيات ِهِ وَل ِي َت َذ َك َّر أوُلو الل َْبا ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫نك ّ‬
‫س ِفي هَ َ‬
‫م‬
‫ذا ال ُ‬
‫‪ [29‬وقوله ‪ } :‬وَل َ‬
‫ن ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫ل لعَلهُ ْ‬
‫ل َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ضَرب َْنا ِللّنا ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن { ]سورة الزمر ‪[28 ، 27 :‬‬
‫م ي َت ّ ُ‬
‫ن * قُْرآًنا عََرب ِّيا غي َْر ِذي ِ‬
‫قو َ‬
‫ي َت َذ َك ُّرو َ‬
‫عوٍَج لعَلهُ ْ‬
‫وما أشبه ذلك من آي القرآن ‪ ،‬التي أمر الله عباَده وحثهم فيها على العتبار‬
‫بأمثال آي القرآن ‪ ،‬والّتعاظ بمواعظه ‪ -‬ما يد ّ‬
‫ة تأويل‬
‫ن عليهم معرف َ‬
‫ل على أ ّ‬
‫ما لم ُيحجب عنهم تأويله من آيه‪.‬‬
‫لنه محا ٌ‬
‫قل تأويَله ‪ " :‬اعتبْر بما ل‬
‫م ما ُيقال له ول يع ِ‬
‫ل أن ُيقال لمن ل يفه ُ‬
‫قيل والبيان والكلم " ‪ -‬إل على معنى المر بأن‬
‫فَْهم لك به ول معرف َ‬
‫ة من ال ِ‬
‫ل ذلك ‪ ،‬فمستحي ٌ‬
‫قَهه ‪ ،‬ثم يتدّبره ويعتبَر به‪ .‬فأما قب َ‬
‫ل أمُره بتدبره‬
‫مه ويف َ‬
‫يفه َ‬
‫وهو بمعناه جاهل‪ .‬كما محا ٌ‬
‫ل أن يقال لبعض أصناف المم الذين ل يعقلون‬
‫م العرب ول يفهمونه ‪،‬‬
‫كل َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 88‬يريد ‪ :‬أن أبا بكر بن عياش قال ‪ " :‬العمش " ‪ ،‬ولم يقل ‪" :‬‬
‫حدثنا العمش " ولم يذكر من الذي حدثه عنه‪ .‬ففهم السامعون أنه دلس‬
‫شيخه الذي رواه عنه عن العمش ‪ ،‬وظنوا أنه عاصم بن أبي النجود ‪ ،‬فقالوا‬
‫له " حدثنا به عن عاصم " ‪ ،‬فأبى وسكت‪ .‬فلعله سمعه من شيخ آخر ضعيف‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 89‬ابن إدريس ‪ :‬هو عبد الله بن إدريس الودي‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة " المواعظ والتبيان " ‪.‬‬
‫) ‪(1/82‬‬
‫حكم ‪" :‬‬
‫ل ومواعظ و ِ‬
‫لو أن ِ‬
‫شد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذا َ‬
‫ت أمثا ٍ‬
‫اعتبر بما فيها من المثال ‪ ،‬واّدكر بما فيها من المواعظ " ‪ -‬إل بمعنى المر‬
‫لها بفهم كلم ِ العرب ومعرفِته ‪ ،‬ثم العتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم )‬
‫‪ . (1‬فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلم والمنطق ‪ ،‬فمحا ٌ‬
‫ل أمُرها بما‬
‫دّلت عليه معاني ما حوته من المثال والعَِبر‪ .‬بل سواء أمُرها بذلك وأمُر بعض‬
‫البهائم به ‪ ،‬إل بعد َ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها‪.‬‬
‫حكم والمثال والمواعظ ‪ ،‬ل يجوز‬
‫فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر وال ِ‬
‫ما ‪ ،‬وبكلم العرب‬
‫أن يقال ‪ " :‬اعتبْر بها " إل لمن كان بمعاني بيانه عال ً‬
‫ن يعلم معاني كلم‬
‫ه جاهل ‪ -‬أ ْ‬
‫عارًفا ؛ وإل بمعنى المر ‪ -‬لمن كان بذلك من ُ‬
‫ره‪.‬‬
‫صنوف ِ‬
‫العرب ‪ ،‬ثم يتدّبره بعد ُ ‪ ،‬ويتعظ ب ِ‬
‫حك َ‬
‫مه و ُ‬
‫عب َ ِ‬
‫فإذ ْ كان ذلك كذلك ‪ -‬وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدّبره وحثهم على‬
‫ما أنه لم يأمر بذلك من كان بما يد ُ ّ‬
‫ل عليه آُيه‬
‫العتبار بأمثاله ‪ -‬كان معلو ً‬

‫ح‬
‫م بما يدلهم عليه عالمون ‪ ،‬ص ّ‬
‫جاهل‪ .‬وإذ ْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إل وهُ ْ‬
‫ب عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه‬
‫ج ْ‬
‫أنهم ‪ -‬بتأويل ما لم ُيح َ‬
‫ْ‬
‫سد َ قول من‬
‫فته آن ً‬
‫دمنا ص َ‬
‫ص ّ‬
‫دون خلقه ‪ ،‬الذي قد ق ّ‬
‫ح ذلك ف َ‬
‫فا ‪ -‬عارفون‪ .‬وإذ َ‬
‫خلقه‬
‫عن‬
‫يحجب‬
‫لم‬
‫ما‬
‫‬‫له‬
‫وتنزي‬
‫الله‬
‫كتاب‬
‫من‬
‫‬‫أنكر تفسيَر المفسرين‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫تأويله‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوط والمطبوع ‪ " :‬نبهه عليه " ‪ ،‬وهو ل يستقيم لضطراب‬
‫الضمائر‪ .‬وقد أعاد الطبري ضمائر هذه الجملة مرة على " بعض " من قوله‬
‫" بعض أصناف المم " فذكر وأفرد‪ .‬وذلك قوله " أنشد‪ ..‬واعتبر‪ ..‬وادكر " ‪.‬‬
‫ثم أعاد الضمير في سائر الجمل على " أصناف المم‪ " ..‬فأنث وجمع ‪ ،‬وذلك‬
‫قوله " نبهها‪ ..‬وهي جاهلة‪ ..‬فمحال أمرها‪. " ..‬‬
‫) ‪(1/83‬‬
‫ذكر الخبار‬
‫التي غل ِ َ‬
‫ط في تأويلها منكر والقول في تأويل القرآن‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬فما أنت قائ ٌ‬
‫ل فيما ‪- :‬‬
‫‪ - 90‬حدثكم به العباس بن عبد العظيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن خالد ابن‬
‫عَْثمة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني جعفر بن محمد الزبيري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني هشام بن‬
‫عروة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن عائشة ‪ ،‬قالت ‪ :‬ما كان النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ن إياه جبري ُ‬
‫ل‪.‬‬
‫ُيف ّ‬
‫ن القرآن إل آًيا بَعدد ٍ ‪ ،‬عّلمه ّ‬
‫سر شيًئا م َ‬
‫مْعن ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 91‬حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا َ‬
‫جعفر بن خالد ‪ ،‬عن هشام بن عروة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن عائشة ‪ ،‬قالت ‪ :‬لم يكن‬
‫ن إياه‬
‫ي صلى الله عليه وسلم يفسر شيًئا من القرآن ‪ ،‬إل آًيا بَعدد ٍ ‪ ،‬علمه ّ‬
‫النب ّ‬
‫جبريل عليه السلم )‪. (1‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 91 ، 90‬هو بإسنادين ‪ ،‬ونقلهما ابن كثير في التفسير ‪14 : 1‬‬
‫ ‪ 15‬عن الطبري ‪ ،‬وقال ‪ " :‬حديث منكر غريب‪ .‬وجعفر هذا ‪ :‬هو ابن محمد‬‫بن خالد بن الزبير العوام القرشي الزبيري ‪ ،‬قال البخاري ‪ :‬ل يتابع في‬
‫حديثه‪ .‬وقال الحافظ أبو الفتح الزدي ‪ :‬منكر الحديث " ‪ .‬وذكره الهيثمي في‬
‫مجمع الزوائد ‪ ، 303 : 6‬وقال ‪ " :‬رواه أبو يعلى ‪ ،‬والبزار بنحوه‪ .‬وفيه راو لم‬
‫يتحرر اسمه عند واحد منهما ‪ ،‬وبقية رجاله رجال الصحيح‪ .‬أما البزار فقال ‪:‬‬
‫عن حفص أظنه ابن عبد الله عن هشام بن عروة‪ .‬وقال أبو يعلى ‪ :‬عن فلن‬
‫بن محمد بن خالد عن هشام " ‪ .‬أما ما ذكر عن البزار ‪ ،‬فإنه لم يقع له‬
‫الراوي بنسبه ‪ ،‬ووقع له باسم " حفص " فظنه " ابن عبد الله " ‪ ،‬ولعله‬
‫تصحف عليه في نسخته عن " جعفر " أو تصحف من الناسخين ‪ ،‬فظنه "‬
‫جعفر بن عبد الله بن زيد بن أسلم " ‪ .‬و " جعفر بن عبد الله " هذا ‪ :‬مترجم‬
‫في التهذيب ‪ ،‬وذكر أنه وقع اسمه في بعض نسخ مسند مالك للنسائي "‬
‫حفص بن عبد الله " ‪ .‬وأيا ما كان فقد بان خطأ البزار في ظنه ‪ ،‬وأن الراوي‬
‫هو " جعفر بن محمد بن خالد الزبيري " ‪.‬‬
‫و " جعفر الزبيري " ‪ ،‬راوي هذا الحديث ‪ :‬ذكر في السناد الثاني منسوًبا إلى‬
‫جده ‪ ،‬وهو جعفر بن محمد بن خالد ‪ ،‬كما بينه ابن كثير ‪ ،‬وكما ترجمه ابن أبي‬
‫حاتم في الجرح والتعديل ‪ ، 488 - 487 : 1\1‬وابن حجر في لسان الميزان‬

‫‪ .124 : 2‬وترجمه البخاري في الكبير ‪ 189 : 2\1‬منسوًبا لجده ‪ ،‬ثم قال ‪" :‬‬
‫قال لي خالد بن مخلد ‪ :‬حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام‪...‬‬
‫وقال معن ‪ :‬عن جعفر بن خالد " ‪.‬‬
‫والراجح عندي أنه " جعفر بن محمد بن خالد " ‪ ،‬لما ذكرنا ‪ ،‬ولن ابن سعد‬
‫ترجم لجده " خالد بن الزبير " ‪ ، 137 : 5‬وذكر أولده ‪ ،‬وفيهم " محمد الكبر‬
‫دا اسمه " جعفر " ‪.‬‬
‫" و " محمد الصغر " ‪ ،‬ولم يذكر أن له ول ً‬
‫وسيأتي أن يعل الطبري نفسه هذين السنادين بأن جعفًرا راويهما " ممن ل‬
‫يعرف في أهل الثار " ‪ .‬ص ‪ 89 :‬وقد نقل ابن كثير أن البخاري قال فيه ‪" :‬‬
‫ل يتابع في حديثه " ‪ ،‬وكذلك نقل الذهبي عنه في الميزان ‪ ،‬وتبعه ابن حجر‬
‫في لسان الميزان‪ .‬ولكن البخاري ترجم له في التاريخ الكبير ‪ ،‬فلم يقل شيًئا‬
‫حا ‪ ،‬ولم‬
‫حا ‪ ،‬وكذلك ابن أبي حاتم لم يذكر فيه جر ً‬
‫من هذا ولم يذكر فيه جر ً‬
‫يذكره البخاري ول النسائي في الضعفاء‪ .‬ونقل ابن حجر أن ابن حبان ذكره‬
‫في الثقات‪ .‬وأن يذكره البخاري في التاريخ دون جرح أمارة توثيقه عنده‪.‬‬
‫وهذان كافيان في الحتجاج بروايته‪ .‬ولئن لم يعرفه الطبري في أهل الثار‬
‫لقد عرفه غيره‪.‬‬
‫وفي السناد الول من هذين " محمد بن خالد ابن عثمة " ‪ ،‬وقد ترجمه‬
‫البخاري في الكبير ‪ ، 74 - 73 : 1\1‬وقال ‪ " :‬محمد بن خالد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ابن‬
‫عثمة ‪ ،‬وعثمة أمه " ‪ ،‬ونحو ذلك في الجرح والتعديل ‪ ، 243 : 2\3‬فينبغي أن‬
‫ترسم " ابن " باللف ‪ ،‬وهي مرفوعة تبًعا لرفع " محمد " وأمه " عثمة "‬
‫بفتح العين المهملة وسكون الثاء المثلثة‪ .‬ومحمد بن خالد هذا ‪ :‬ثقة‪.‬‬
‫وقوله في الروايتين " إل آًيا بعدد " غيره مصححو المطبوعة " آيا تعد " ‪.‬‬
‫وفعلوا ذلك في حيث كرر لفظ الحديث بعد‪.‬‬
‫) ‪(1/84‬‬
‫عبدة الضبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حماد بن زيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫‪ - 92‬وحدثنا أحمد بن َ‬
‫عبيد الله بن عمر ‪ ،‬قال ‪ :‬لقد أدركت فقهاء المدينة ‪ ،‬وإنهم ليغلظون القول‬
‫ُ‬
‫في التفسير )‪ (1‬منهم ‪ :‬سالم بن عبد الله ‪ ،‬والقاسم بن محمد ‪ ،‬وسعيد بن‬
‫المسّيب ‪ ،‬ونافع‪.‬‬
‫‪ - 93‬وحدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن عمر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مالك‬
‫بن أنس ‪ ،‬عن يحيى بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت رجل يسأل سعيد بن المسيب‬
‫عن آيةٍ من القرآن ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل أقول في القرآن شيًئا‪.‬‬
‫‪ - 94‬حدثنا يونس ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني مالك ‪ ،‬عن يحيى‬
‫سئل عن تفسير آية من‬
‫بن سعيد ‪ ،‬عن سعيد بن المسيب ‪ :‬أنه كان إذا ُ‬
‫القرآن ‪ ،‬قال ‪ :‬أنا ل أقول في القرآن شيًئا‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬ليعظمون القول " ‪ ،‬وهما سواء‪.‬‬
‫) ‪(1/85‬‬
‫‪ - 95‬حدثنا يونس ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت الليث يحدث ‪ ،‬عن‬
‫يحيى بن سعيد ‪ ،‬عن ابن المسّيب ‪ :‬أنه كان ل يتكلم إل في المعلوم من‬

‫القرآن )‪. (1‬‬
‫‪ - 96‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حكام ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان ‪ ،‬عن هشام ‪،‬‬
‫سداد‬
‫عن ابن سيرين ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت عَِبيدة السلماني عن آيةٍ ‪ ،‬قال ‪ :‬عليك بال ّ‬
‫م أنزل القرآن‪.‬‬
‫موا في َ‬
‫‪ ،‬فقد ذهب الذين عل ُ‬
‫ن علَية ‪ ،‬عن أيوب وابن عون ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 97‬حدثني يعقوب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا اب ُ‬
‫ب الذين كانوا‬
‫محمد ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت عَِبيدة عن آية من القرآن فقال ‪ :‬ذه َ‬
‫سداد‪.‬‬
‫م أنزل القرآن ‪ ،‬اّتق الله وعليك بال ّ‬
‫يعَلمون في َ‬
‫مليكة ‪:‬‬
‫‪ - 98‬حدثني يعقوب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن علية ‪ ،‬عن أيوب ‪ ،‬عن ابن أبي ُ‬
‫سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ‪ ،‬فأبى أن يقول‬
‫أ ّ‬
‫ن ابن عباس ُ‬
‫فيها‪.‬‬
‫‪ - 99‬حدثني يعقوب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن علية ‪ ،‬عن مهدي بن ميمون ‪ ،‬عن‬
‫الوليد بن مسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬جاَء طْلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله ‪ ،‬فسأله‬
‫ما قمت عنى ‪-‬‬
‫عن آية من القرآن ‪ ،‬فقال له ‪ :‬أ َ‬
‫ما ‪ ،‬ل ّ‬
‫مسل ً‬
‫حّرج عليك إن كنت ُ‬
‫أو قال ‪ :‬أن تجالسني‪.‬‬
‫‪ - 100‬حدثني عباس بن الوليد ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني أبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله ابن‬
‫َ‬
‫شوَْذب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني يزيد بن أبي يزيد ‪ ،‬قال ‪ :‬كنا نسأل سعيد َ بن المسّيب‬
‫عن الحلل والحرام ‪ ،‬وكان أعلم الناس ‪ ،‬فإذا سألناه عن تفسير آية من‬
‫ت كأن لم يسمع‪.‬‬
‫القرآن َ‬
‫سك َ َ‬
‫‪ - 101‬وحدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا‬
‫ن مرة ‪ ،‬قال ‪ :‬سأل رج ٌ‬
‫ل سعيد بن المسيب عن آية من‬
‫شعبة ‪ ،‬عن عمرو ب ُ‬
‫القرآن ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوطة ‪ " :‬إل في المعلوم من التفسير " ‪ ،‬والمعنى قريب‪.‬‬
‫) ‪(1/86‬‬
‫سل من يزعم أنه ل يخفى عليه شيء منه ‪-‬‬
‫فقال ‪ :‬ل تسألني عن القرآن ‪ ،‬و َ‬
‫يعني عكرمة‪.‬‬
‫‪ - 102‬وحدثنا ابن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سعيد بن عامر ‪ ،‬عن شعبة ‪ ،‬عن عبد‬
‫ت عنها ‪،‬‬
‫س َ‬
‫ما ِ‬
‫الله بن أبي ال ّ‬
‫من آية إل قد سأل ُ‬
‫فر ‪ ،‬قال ‪ :‬قال الشعبي ‪ :‬والله َ‬
‫ة عن الله )‪. (1‬‬
‫ولكنها الرواي ُ‬
‫‪ - 103‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن علية ‪ ،‬عن صالح ‪ -‬يعني‬
‫ث ل أقول فيهن‬
‫ابن مسلم ‪ -‬قال ‪ :‬حدثني رجل ‪ ،‬عن الشعبي ‪ ،‬قال ‪ :‬ثل ٌ‬
‫حتى أموت ‪ :‬القرآن ‪ ،‬والروح ‪ ،‬والرأي )‪. (2‬‬
‫وما أشبه ذلك من الخبار ؟ )‪. (3‬‬
‫قيل له ‪ :‬أما الخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم‬
‫حح ما قلنا من القول‬
‫سر من القرآن شيًئا إل آًيا بَعددٍ ‪ ،‬فإن ذلك مص ّ‬
‫يكن يف ّ‬
‫مه إل‬
‫في الباب الماضي قَْبل ‪ ،‬وهو ‪ :‬أ ّ‬
‫ن من تأويل القرآن ما ل ُيدرك عل ُ‬
‫ل ما في آيه من أمر‬
‫ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم‪ .‬وذلك تفصيل ُ‬
‫ج َ‬
‫م ِ‬
‫الله ون َْهيه )‪ (4‬وحلله وحرامه ‪ ،‬وحدوده وفرائضه ‪ ،‬وسائر معاني شرائع‬
‫م ٌ‬
‫ل في ظاهر التنزيل ‪ ،‬وبالعباد إلى تفسيره الحاجة ‪ -‬ل‬
‫دينه ‪ ،‬الذي هو مج َ‬
‫م تأويله إل ببيان من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه‬
‫يدَرك عل ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حكمه الذي جعل الله‬
‫وسلم ‪ ،‬وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن ‪ ،‬من سائر ُ‬

‫بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فل يعلم أحد ٌ من خلق الله‬
‫تأويل ذلك إل ببيان الّرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ول يعلمه رسول الله‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبار السالفة جميًعا نقلها ابن كثير عن الطبري في تفسيره ‪- 13 : 1‬‬
‫‪. 14‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 103‬صالح بن مسلم ‪ :‬هو البكري ‪ ،‬وهو ثقة من الطبقة العليا ‪،‬‬
‫كما قال يحيى بن سعيد القطان ‪ ،‬فيما نقل ابن أبي حاتم في الجرح‬
‫ضا ‪ .291 : 2\2‬وهو من‬
‫والتعديل ‪ .413 : 1\2‬وترجمه البخاري في الكبير أي ً‬
‫الرواة عن الشعبي ‪ ،‬ولكنه روى عنه هنا بالواسطة ‪ ،‬وستأتي رواية له عن‬
‫الشعبي رقم ‪.114‬‬
‫)‪ (3‬هذا آخر السؤال الذي بدأ منذ ص ‪. 84 :‬‬
‫)‪ (4‬في المطبوعة " وذلك يفصل " ‪ .‬والشارة في قوله " وذلك " إلى بيان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫) ‪(1/87‬‬
‫حيه إليه ‪ ،‬إما مع جبريل ‪ ،‬أو‬
‫صلى الله عليه وسلم إل بتعليم الله إّياه ذلك بو ْ‬
‫مع من شاء من ُرسله إليه‪ .‬فذلك هو اليُ التي كان رسول الله صلى الله‬
‫عدٍد‪.‬‬
‫ن ل شك آيٌ ذوات َ‬
‫عليه وسلم يف ّ‬
‫سرها لصحابه بتعليم جبريل إياه ‪ ،‬وه ّ‬
‫ع‬
‫ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثَر بعلم تأويله ‪ ،‬فلم ُيطل ْ‬
‫مل َ ً‬
‫كا مقرًبا ول نبًيا مرسل ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده ‪ ،‬وأنه ل‬
‫على علمه َ‬
‫يعلم تأويله إل الله‪.‬‬
‫فأما ما ل ب ُد ّ للعباد من علم تأويله ‪ ،‬فقد بّين لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم‬
‫ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل‪ .‬وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه‬
‫لهم فقال له جل ذكره ‪ } :‬وََأنزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ما نز َ‬
‫م‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫س َ‬
‫ك الذ ّك َْر ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ن { ]سورة النحل ‪.[44 :‬‬
‫م ي َت َ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫وَل َعَل ّهُ ْ‬
‫ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أنه كان ل‬
‫) ‪(1/88‬‬
‫م أهل الغياء ‪ ،‬من‬
‫يفسر من القرآن شيًئا إل آًيا بَعدد ٍ ‪ -‬هو ما يسبقُ إليه أوها ُ‬
‫سر من القرآن إل القليل من آيه واليسير من حروفه ‪ ،‬كان إنما‬
‫أنه لم يكن يف ّ‬
‫ُأنز َ‬
‫ن ما أنزل إليهم ‪ ،‬ل‬
‫ل إليه صلى الله عليه وسلم الذكُر لَيترك للناس بيا َ‬
‫ليبين لهم ما ُأنزل إليهم‪.‬‬
‫وفي أمر الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه نبّيه صلى الله عليه وسلم ببلغ ما أنزل إليه ‪،‬‬
‫وإعلمه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم ‪ ،‬وقيام ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم قد بّلغ وأّدى ما أمره الله ببلغه‬
‫الحجة على أ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫وأداِئه على ما أمره به ‪ ،‬وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله )‪: (1‬‬
‫ن والعم َ‬
‫ل‬
‫كان الرجل منا إذا تعلم عشَر آيات لم يجاوز ُ‬
‫هن حتى يعلم معانيه ّ‬
‫ن معنى الخبر الذي ذكرنا عن‬
‫ن أو تو ّ‬
‫هم أ ّ‬
‫ن ‪ (2) -‬ما ينبئ عن جهل من ظ ّ‬
‫به ّ‬
‫عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬أنه لم يكن يفسر من القرآن‬
‫شيئا إل آًيا بَعدد ٍ ‪ ،‬هو أنه لم يكن يبين لمته من تأويله إل اليسير القليل منه‪.‬‬

‫هذا مع ما في الخبر الذي ُروي عن عائشة من العّلة التي في إسناده ‪ ،‬التي‬
‫دها في‬
‫سند الثار وفاس َ‬
‫ج به لحد ٍ ممن علم صحي َ‬
‫ل يجوز معها الحتجا ُ‬
‫ح َ‬
‫ن راويه ممن ل ي ُْعرف في أهل الثار ‪ ،‬وهو ‪ :‬جعفر بن محمد‬
‫الدين‪ .‬ل ّ‬
‫الزبيري‪.‬‬
‫وأما الخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ‪ ،‬بإحجامه عن‬
‫ن ِفع َ‬
‫فتيا في‬
‫ل من فعل ذلك منهم ‪ ،‬كفعل من أحجم منهم عن ال ُ‬
‫التأويل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه ‪ ،‬إل بعد‬
‫الّنوازل والحوادث ‪ ،‬مع إقراره بأ ّ‬
‫ما موجوًدا‬
‫إكمال الدين به لعباده ‪ ،‬وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة ُ‬
‫حك ً‬
‫م جاحدٍ أن يكون لله‬
‫مه عن القول في ذلك إحجا َ‬
‫ص أو دللة‪ .‬فلم يكن إحجا ُ‬
‫بن ّ‬
‫ف أن ل يبلغَ في اجتهاده‬
‫م خائ ٍ‬
‫فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده ‪ ،‬ولكن إحجا َ‬
‫ما كّلف الله العلماء من عباده فيه‪.‬‬
‫من أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من‬
‫فكذلك معنى إحجام َ‬
‫ّ‬
‫حذاًرا أن ل يبلغ أداَء ما كلف من‬
‫سلف ‪ ،‬إنما كان إحجامه عنه ِ‬
‫العلماء ال ّ‬
‫ب عن علماء المة ‪،‬‬
‫ب القول فيه ‪ ،‬ل على أن تأويل ذلك محجو ٌ‬
‫إصابة صوا ِ‬
‫غير موجود بين أظهرهم‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة " قد بلغ فأدى‪ " ..‬و " لقيله " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو ‪ " :‬وفي أمر الله جل ثناؤه‪ ..‬وفي‬
‫قيام الحجة‪ ، ..‬وفي صحة الخبر‪ ..‬ما ينبئ‪" ..‬‬
‫) ‪(1/89‬‬
‫}ذكر الخبار{‬
‫}عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محموًدا علمه بالتفسير{‬
‫ما علمه به{‬
‫}ومن كان منهم مذمو ً‬
‫‪ - 104‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا وكيع ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان ‪ ،‬عن‬
‫ن عباس‪.‬‬
‫سليمان ‪ ،‬عن مسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد الله ‪ :‬نعم ت َْرجما ُ‬
‫ن القرآن اب ُ‬
‫‪ - 105‬حدثني يحيى بن داود الواسطي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسحاق الزرق ‪ ،‬عن‬
‫سفيان ‪ ،‬عن العمش ‪ ،‬عن أبي الضحى ‪ ،‬عن مسروق ‪ ،‬عن عبد الله بن‬
‫ن عباس‪.‬‬
‫مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬نعم ت َْرجما ُ‬
‫ن القرآن اب ُ‬
‫‪ - 106‬وحدثني محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا جعفر بن عون ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫العمش ‪ ،‬عن أبي الضحى ‪ ،‬عن مسروق عن عبد الله ‪ ،‬بنحوه‪.‬‬
‫‪ - 107‬حدثنا أبو كريب قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫طلق بن غنام ‪ ،‬عن عثمان المكي ‪ ،‬عن‬
‫دا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ‪،‬‬
‫مليكة قال ‪ :‬رأيت مجاه ً‬
‫ابن أبي ُ‬
‫حه ‪ ،‬فيقول له ابن عباس ‪ " :‬اكتب " ‪ ،‬قال ‪ :‬حتى سأله عن‬
‫ومعه ألوا ُ‬
‫ّ‬
‫التفسير كله )‪. (1‬‬
‫حاربي ‪ ،‬ويونس بن ُبكير قال حدثنا‬
‫‪ - 108‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الم َ‬
‫ف‬
‫ت المصح َ‬
‫محمد بن إسحاق ‪ ،‬عن أبان بن صالح ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ :‬عرض ُ‬
‫على ابن عباس ثلث عَْرضات ‪ ،‬من فاتحته إلى خاتمته ‪ ،‬أوِقفه عند كل آية‬
‫منه وأسأُله عنها‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 107‬في المطبوعة ‪ " :‬ومع الواحد " وهو تصحيف‪ .‬وقد نقله ابن‬
‫كثير في التفسير ‪. 10 : 1‬‬

‫) ‪(1/90‬‬
‫جب َْيريّ ‪ ،‬عن أبي بكر الحنفي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫‪ - 109‬وحدثني عبيد الله بن يوسف ال ُ‬
‫َ‬
‫سمعت سفيان الثوري يقول ‪ :‬إذا جاءك التفسير عن مجاهدٍ فحسب ُك به‪.‬‬
‫‪ - 110‬وحدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سليمان أبو داود ‪ ،‬عن شعبة ‪،‬‬
‫حا ُ‬
‫ن عباس ‪ ،‬وإنما لقي‬
‫سرة ‪ ،‬قال ‪ :‬لم يلق الض ّ‬
‫مي ْ َ‬
‫عن عبد الملك بن َ‬
‫ك اب َ‬
‫سعيد َ ابن جبير بالّريّ ‪ ،‬وأخذ عنه التفسير‪.‬‬
‫م َ‬
‫شاش ‪،‬‬
‫‪ - 111‬حدثنا ابن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو داود ‪ ،‬عن شعبة ‪ ،‬عن ُ‬
‫ت من ابن عباس شيًئا ؟ قال ‪ :‬ل‬
‫قال ‪ :‬قلت للضحاك ‪ :‬سمع َ‬
‫‪ - 112‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن إدريس ‪ ،‬قال حدثنا زكريا ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫خذ بأذنه فيعُر ُ‬
‫سر‬
‫كان الشعبي يمّر بأبي صالح باذان ‪ ،‬فيأ ُ‬
‫كها ويقول ‪ُ :‬تف ّ‬
‫ت ل تقرأ القرآن! )‪(1‬‬
‫القرآ َ‬
‫ن وأن َ‬
‫‪ - 113‬حدثني عبد الله بن أحمد بن َ‬
‫شّبويه ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا علي بن الحسين‬
‫ابن واقد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا العمش ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني سعيد بن‬
‫حقّ { ]سورة غافر ‪ [20 :‬قال ‪:‬‬
‫ه يَ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ضي ِبال ْ َ‬
‫ُ‬
‫جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪َ } :‬والل ّ ُ‬
‫ّ‬
‫و‬
‫قادر على أن يجزىَ بالحسنة الحسنة )‪ (2‬وبالسيئة السيئة } إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫ه هُ َ‬
‫صيُر { ]سورة غافر ‪ ، [20 :‬قال الحسين ‪ :‬فقلت للعمش ‪:‬‬
‫ميعُ ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ال ّ‬
‫ن الله قادٌر أن يجزىَ بالسيئة السيئة‬
‫دثني به الكلبي ‪ ،‬إل أنه قال ‪ :‬إ ّ‬
‫ح ّ‬
‫وبالحسنة عَ ْ‬
‫شًرا ‪ ،‬فقال العمش ‪ :‬لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج‬
‫مني إل بخفير )‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 112‬أبو صالح باذان ‪ ،‬ويقال " باذام " ‪ :‬هو مولى أم هانئ بنت‬
‫أبي طالب ‪ ،‬وهو تابعي ثقة ‪ ،‬ومن تكلم فيه فإنما تكلم لكثرة كلمه في‬
‫التفسير ‪ ،‬وفي رواية الكلبي عنه‪ .‬انظر شرح المسند في الحديث ‪، 2030‬‬
‫وهذا الخبر الذي هنا نقله ابن حجر في التهذيب في ترجمته ‪ 417 : 1‬عن‬
‫زكريا ‪ ،‬وهو ابن أبي زائدة‪ .‬وعرك الديم والذن ‪ :‬أخذهما بين يديه أو إصبعيه‬
‫ودلكهما دل ً‬
‫دا‪.‬‬
‫كا شدي ً‬
‫)‪ (2‬في المخطوطة ‪ " :‬قادر على أن ل يجزى " وهو خطأ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 113‬يأتي هذا الخبر في تفسير سورة غافر ‪ . 20 :‬ونصه هناك ‪:‬‬
‫" ما خرج مني إل بحقير " ‪ ،‬والذي كان هنا في المطبوعة " ما خرج مني‬
‫بحقير " ‪ ،‬والصواب ما أثبتناه‪ .‬و " الخفير " ‪ :‬مجير القوم الذي يكونون في‬
‫ضمانه ما داموا في بلده‪ .‬وراوى هذا الخبر ‪ -‬علي بن الحسين بن واقد ‪:‬‬
‫ضعفه أبو حاتم ‪ ،‬وقال البخاري ‪ " :‬كنت أمر عليه طرفى النهار ‪ ،‬ولم أكتب‬
‫عنه " ‪ .‬وأبوه حسين بن واقد ‪ :‬ثقة‪.‬‬
‫) ‪(1/91‬‬
‫حكيم الْوديّ ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫‪ - 114‬حدثني سليمان عبد الجبار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا علي بن َ‬
‫حدثنا عبد الله بن ب ُ َ‬
‫كير ‪ ،‬عن صالح بن مسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬مّر الشعبي على‬
‫دي وهو يفسر ‪ ،‬فقال ‪ :‬لن ُيضرب على اسِتك بالطبل ‪ ،‬خيٌر لك من‬
‫س ّ‬
‫ال ّ‬
‫مجلسك هذا )‪. (1‬‬
‫حكيم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫دثني علي بن َ‬
‫‪ - 115‬حدثني سليمان بن عبد الجبار ‪ ،‬قال ‪ :‬ح َ‬

‫حدثنا َ‬
‫شريك ‪ ،‬عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي ‪ ،‬قال ‪ :‬كنت مع إبراهيم ‪،‬‬
‫سر َتفسير القوم‪.‬‬
‫س ّ‬
‫ما إنه ُيف ّ‬
‫فرأى ال ّ‬
‫دي ‪ ،‬فقال ‪ :‬أ َ‬
‫ت‬
‫‪ - 116‬حدثنا ابن البرقي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو بن أبي سلمة ‪ ،‬قال ‪ :‬سمع ُ‬
‫ي في‬
‫سعيد بن ب َ ِ‬
‫شير ‪ ،‬يقول عن قتادة ‪ ،‬قال ‪ :‬ما أرى أح ً‬
‫دا يجري مع الكلب ّ‬
‫عَنان‪.‬‬
‫التفسير في ِ‬
‫مضى من كتابنا هذا في ُوجوه تأويل القرآن ‪،‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬قد قلنا فيما َ‬
‫وأن تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلثة ‪:‬‬
‫ب علمه‬
‫حج َ‬
‫أحدها ل سبيل إلى الوصول إليه ‪ ،‬وهو الذي استأثر الله بعلمه ‪ ،‬و َ‬
‫ن من آجال المور الحادثة ‪ ،‬التي أخبر الله‬
‫ت ما كا َ‬
‫عن جميع خلقه ‪ ،‬وهو أوقا ُ‬
‫في كتابه أنها كائنة ‪ ،‬مثل ‪ :‬وقت قيام الساعة ‪ ،‬ووقت نزول عيسى بن مريم‬
‫‪ ،‬ووقت طلوع الشمس من مغربها ‪ ،‬والنفخ في الصور ‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫ص الله بعلم تأويله نبّيه صلى الله عليه وسلم دون سائر‬
‫والوجه الثاني ‪ :‬ما خ ّ‬
‫أمته ‪ ،‬وهو ما فيه مما بعباده إلى‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 114‬صالح بن مسلم ‪ :‬مضت ترجمته في الحديث ‪. 103‬‬
‫) ‪(1/92‬‬
‫ة ‪ ،‬فل سبيل لهم إلى علم ذلك إل ببيان الرسول صلى الله‬
‫علم تأويله الحاج ُ‬
‫عليه وسلم لهم تأويَله‪.‬‬
‫ه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن ‪ ،‬وذلك‬
‫والثالث منها ‪ :‬ما كان علم ُ‬
‫صل إلى علم ذلك إل من قَِبلهم‪.‬‬
‫علم تأويل عربيته وإعرابه ‪ ،‬ل ُيو َ‬
‫ن الذي‬
‫ل القرآ ِ‬
‫فإذ كان ذلك كذلك ‪ ،‬فأحقّ المفسرين بإصابة الحق ‪ -‬في تأوي ِ‬
‫علم َتأويله للعباد السبي ُ‬
‫سر ‪ ،‬مما كان‬
‫إلى ِ‬
‫حهم ُ‬
‫ل ‪ -‬أوض ُ‬
‫حجة فيما تأّول وف ّ‬
‫تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته )‪ (1‬من أخبار‬
‫ما من جهة النقل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه ‪ :‬إ ّ‬
‫جد فيه من ذلك عنه النق ُ‬
‫ما من جهة‬
‫ل المستفيض ‪ ،‬وإ ّ‬
‫المستفيض ‪ ،‬فيما وُ ِ‬
‫نقل العدول الثبات ‪ ،‬فيما لم يكن فيه عنه الّنق ُ‬
‫ل المستفيض ‪ ،‬أو من جهة )‬
‫جم وبّين من‬
‫حهم برهاًنا )‪ - (3‬فيما تر َ‬
‫‪ (2‬الدللة المنصوبة على صحته ؛ وأص ّ‬
‫مدر ً‬
‫ما بالشواهد من‬
‫مه من جهة اللسان ‪ (4) :‬إ ّ‬
‫كا عل ُ‬
‫ما كان ُ‬
‫ذلك ‪ -‬م َ‬
‫ما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة ‪ ،‬كائًنا‬
‫وإ‬
‫‪،‬‬
‫السائرة‬
‫أشعارهم‬
‫ّ‬
‫جا تأويُله وتفسيره ما‬
‫سر ‪ ،‬بعد أن ل يكون خار ً‬
‫من كان ذلك المتأّول والمف ّ‬
‫تأول وفسر من ذلك ‪ ،‬عن أقوال السلف من الصحابة والئمة ‪ ،‬والخلف من‬
‫التابعين وعلماء المة‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬سياق عبارته " أوضحهم حجة‪ ..‬من أخبار رسول الله‪ " ..‬وما بينهما‬
‫فصل‪.‬‬
‫)‪ (2‬كل ما جاء في هذه العبارة من قوله " جهة " ‪ ،‬فمكانه في المطبوعة "‬
‫وجه " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة ‪ " :‬وأوضحهم برهانا " ‪ ،‬وليست بشيء‪ .‬وقوله ‪" :‬‬
‫فا " أوضحهم حجة " ‪.‬‬
‫وأصحهم برهاًنا " معطوف على قوله آن ً‬
‫فا في ص ‪ 70 :‬رقم ‪. 1 :‬‬
‫)‪ (4‬ترجم ‪ :‬فسر وبين ‪ ،‬كما مضى آن ً‬

‫) ‪(1/93‬‬
‫وره وآيهِ‬
‫القول في تأويل أسماء القرآن و ُ‬
‫س َ‬
‫مى تنزيله الذي أنزله على عبده محمد‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الله تعالى ذكرهُ س ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم أسماء أربعة ‪:‬‬
‫ص‬
‫ن نَ ُ‬
‫منهن ‪ " :‬القرآن " ‪ ،‬فقال في تسميته إياه بذلك في َتنزيله ‪ } :‬ن َ ْ‬
‫ق ّ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫عَل َي َ َ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ك هَ َ‬
‫ن‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن قَب ْل ِهِ ل ِ‬
‫ت ِ‬
‫ن وَإ ِ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫ما أوْ َ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫ح َ‬
‫ن ك ُن ْ َ‬
‫ص بِ َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ص ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن هَ َ‬
‫ص عَلى ب َِني‬
‫ن يَ ُ‬
‫ذا ال ُ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن { ]سورة يوسف ‪ ، [3 :‬وقال ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫ق ّ‬
‫ال َْغافِِلي َ‬
‫َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن { ]سورة النمل ‪.[76 :‬‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫م ِفيهِ ي َ ْ‬
‫ل أك ْث ََر ال ّ ِ‬
‫فو َ‬
‫إِ ْ‬
‫ذي هُ ْ‬
‫ن ‪ " :‬الفرقان " ‪ ،‬قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه‬
‫ومنه‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫د‬
‫ب‬
‫ع‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ن‬
‫قا‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫نز‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ر‬
‫با‬
‫ت‬
‫}‬
‫‪:‬‬
‫بذلك‬
‫ميه‬
‫يس‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ ِ ِ َِ‬
‫َ‬
‫وسلم ُ ّ‬
‫َ ِ َ ِ َ‬
‫ْ‬
‫ََ َ‬
‫ذيًرا { ]سورة الفرقان ‪.[1 :‬‬
‫نَ ِ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ومنهن ‪ " :‬الكتاب " ‪ :‬قال تبار َ‬
‫مد ُ ل ِل ِ‬
‫ه في تسميته إياه به ‪ } :‬ال َ‬
‫ح ْ‬
‫ك اسم ُ‬
‫َ‬
‫جعَ ْ‬
‫ذي َأنز َ‬
‫ما { ]سورة الكهف ‪:‬‬
‫ه ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫عو َ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل عََلى عَب ْدِهِ ال ْك َِتا َ‬
‫جا * قَي ّ ً‬
‫لل ُ‬
‫ب وَل َ ْ‬
‫‪.[1‬‬
‫ْ‬
‫ن نزلَنا‬
‫ن ‪ " :‬الذكر " ‪ ،‬قال تعالى ذكره في تسميته إياه به ‪ } :‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ومنه ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن { ]سورة الحجر ‪.[9 :‬‬
‫حافِظو َ‬
‫هل َ‬
‫الذ ّك َْر وَإ ِّنا ل ُ‬
‫ولك ّ‬
‫ه غيُر معنى الخر‬
‫ل اسم من أسمائه الربعة في كلم العرب ‪ ،‬معنى ووج ٌ‬
‫ووجهه‪.‬‬
‫ب أن يكون تأويله‬
‫فأما " القرآن " ‪ ،‬فإن المفسرين اختلفوا في تأويله‪ .‬والواج ُ‬
‫على قول ابن عباس ‪ :‬من التلوة والقراءة ‪ ،‬وأن يكون مصدًرا من قول‬
‫القائل ‪:‬‬
‫) ‪(1/94‬‬
‫فران " من " غفر الله‬
‫سرت " ‪ ،‬و " الغُ ْ‬
‫خسران " من " َ‬
‫قرأت ‪ ،‬كقولك " ال ُ‬
‫خ ِ‬
‫لك " ‪ ،‬و " ال ُ‬
‫كفران " من " كفرُتك " ‪ " ،‬والفرقان " من " فََرق الله بين‬
‫الحق والباطل " ‪.‬‬
‫‪ - 117‬وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد‬
‫الله بن صالح ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني معاوية بن صالح ‪ ،‬عن علي بن أبي طلحة ‪ ،‬عن‬
‫ْ‬
‫ه { ]سورة‬
‫ابن عباس في قوله ‪ } :‬فَإ َِذا قََرأَناه ُ { يقول ‪ :‬بّيناه ‪َ } ،‬فات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫القيامة ‪ [18 :‬يقول ‪ :‬اعمل به )‪. (1‬‬
‫ومعنى قول ابن عباس هذا ‪ :‬فإذا بّيناه بالقراءة ‪ ،‬فاعمل بما بيناه لك‬
‫بالقراءة‪ .‬ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ‪ ،‬ما ‪- :‬‬
‫‪ - 118‬حدثني به محمد بن سعد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني عمي ‪،‬‬
‫ه‬
‫ن عَل َي َْنا َ‬
‫قال ‪ :‬حدثني أبي ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫معَ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ْ‬
‫ه { ]سورة القيامة ‪ [17 :‬قال ‪ :‬أن ُنقرئك فل تنسى } فَإ َِذا قََرأَناه ُ {‬
‫وَقُْرآن َ ُ‬
‫ه { يقول ‪ :‬إذا ُتلي عليك فاّتبعْ ما فيه )‪. (2‬‬
‫عليك } َفات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫ن معنى " القرآن "‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬فقد صّرح هذا الخبُر عن ابن عباس ‪ :‬أ ّ‬
‫ت ‪ ،‬على ما بّيناه‪.‬‬
‫عنده القراءة ‪ ،‬فإنه مصدر من قول القائل ‪َ :‬قرأ ُ‬
‫وأما على قول قتادة ‪ ،‬فإن الواجب أن يكون مصدًرا ‪ ،‬من قول القائل ‪:‬‬
‫ت‬
‫ت بعضه إلى بعض ‪ ،‬كقولك ‪ " :‬ما قرأ ْ‬
‫ه وضمم َ‬
‫ت الشيء ‪ ،‬إذا جمعت َ ُ‬
‫قرأ ُ‬

‫سًلى ق ّ‬
‫ما على ولد ‪ ،‬كما قال‬
‫هذه الناق ُ‬
‫ة َ‬
‫م رح ً‬
‫م ْ‬
‫ط " )‪ (3‬تريد بذلك أنها لم تض ُ‬
‫ي‪:‬‬
‫َ‬
‫عمرو بن كلثوم التغلب ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 117‬سيأتي في تفسير سورة القيامة ‪ ، 18 - 17 :‬وفي إسناده‬
‫هناك خطأ ‪ ،‬ذلك أنه قال ‪ " :‬حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح‪ " ..‬وصوابه ‪" :‬‬
‫حدثنا يحيى قال حدثنا أبو صالح " ‪ .‬وأبو صالح هو ‪ :‬عبد الله بن صالح المبين‬
‫في إسنادنا هذا‪.‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 118‬سيأتي أيضا في تفسير هذه الية من سورة القيامة‪.‬‬
‫)‪ (3‬السلى ‪ :‬الجلدة الرقيقة التي يكون الولد في بطن أمه ملفوًفا فيها ‪ ،‬وهو‬
‫في الدواب والبل ‪ :‬السلى ‪ ،‬وفي الناس ‪ :‬المشيمة‪.‬‬
‫) ‪(1/95‬‬
‫ري َ‬
‫حينا ‪(1) -‬‬
‫ت على َ‬
‫ك ‪ -‬إَذا د َ َ‬
‫ش ِ‬
‫ن الكا ِ‬
‫خلء ‪ ... ،‬وَقَد ْ أ ِ‬
‫مَنت عُُيو َ‬
‫خل ْ َ‬
‫تُ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جِنينا )‪(2‬‬
‫م تَ ْ‬
‫قَرأ َ‬
‫ل ‪ ،‬أْدماَء ‪ ،‬ب ِكرٍ ‪ ... ،‬هِ َ‬
‫ون ‪ ،‬ل ْ‬
‫ن الل ْ‬
‫جا ِ‬
‫ى عَي ْط ٍ‬
‫ذَِراعَ ْ‬
‫ما على ولد‪.‬‬
‫م رح ً‬
‫م ْ‬
‫يعني بقوله ‪ " :‬لم تقرأ جنيًنا " ‪ ،‬لم تض ُ‬
‫قديّ حدثنا قال ‪ :‬حدثنا يزيد بن ُزَرْيع قال ‪:‬‬
‫معاذ العَ َ‬
‫‪ - 119‬وذلك أن بشر بن ُ‬
‫ه‬
‫ن عَل َي َْنا َ‬
‫حدثنا سعيد بن أبي عَُروبة ‪ ،‬عن قتادة َ في قوله تعالى ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫معَ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ْ‬
‫ه { اّتبع حلله ‪،‬‬
‫ه { يقول ‪ :‬حفظه وتأليفه ‪ } ،‬فَإ َِذا قََرأَناه ُ َفات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫وَقُْرآن َ ُ‬
‫واجتنب حرامه‪.‬‬
‫‪ - 120‬حدثنا محمد بن عبد العلى الصنعاني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ثور ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬حدثنا معمر ‪ ،‬عن قتادة بمثله‪(3) .‬‬
‫فرأى قتادة أن تأوي َ‬
‫ف‪.‬‬
‫ل " القرآن " ‪ :‬التألي ُ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ولكل القولين ‪ -‬أعنى قو َ‬
‫ل ابن عباس وقول قتادة ‪ -‬اللذين‬
‫َ‬
‫ن أولى قولْيهما بتأويل قول الله‬
‫ه صحيح في كلم العرب‪ .‬غيَر أ ّ‬
‫حكيناهما ‪ ،‬وج ٌ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه { قول ابن عباس‪.‬‬
‫ن عَلي َْنا َ‬
‫تعالى ‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫ه * فَإ َِذا قََرأَناه ُ َفات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫ه وَقُْرآن َ ُ‬
‫معَ ُ‬
‫ج ْ‬
‫لن الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه ‪ ،‬ولم‬
‫ن له‪ .‬فكذلك‬
‫ير ّ‬
‫ت تألي ِ‬
‫خص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وق ِ‬
‫فه القرآ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه { نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره‬
‫قوله ‪ } :‬فإ َِذا قَرأَناه ُ فات ّب ِعْ قْرآن َ ُ‬
‫الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬من معلقته المشهورة‪ .‬والضمير في قوله ‪ " :‬تريك " إلى أم عمرو‬
‫صاحبته‪ .‬والكاشح ‪ :‬العدو المضمر العداوة ‪ ،‬المعرض عنك بكشحه‪ .‬وقوله ‪" :‬‬
‫على خلء " ‪ ،‬أي على غرة وهي خالية متبذلة‪.‬‬
‫)‪ (2‬العيطل ‪ :‬الناقة الطويلة العنق في حسن منظر وسمن‪ .‬والدماء ‪:‬‬
‫البيضاء مع سواد المقلتين ‪ ،‬وخير البل الدم ‪ ،‬والعرب تقول ‪ " :‬قريش البل‬
‫أدمها وصهبها " ‪ ،‬يعنون أنها في البل كقريش في الناس فضل‪ .‬ووصفها بأنها‬
‫بكر ‪ ،‬لن ذلك أحسن لها ‪ ،‬وهي في عهدها ذلك ألين وأسمن‪ .‬وهجان اللون ‪:‬‬
‫بيضاء كريمة‪ .‬وسيأتي هذا البيت الثاني في تفسير الطبري ‪" 118 : 29‬‬
‫بولق " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الثر ‪ - 120 ، 119‬سيأتي بإسناديه في تفسير سورة القيامة‪.‬‬
‫) ‪(1/96‬‬

‫ْ‬
‫ه { فإذا أّلفناه فاتبع‬
‫ولو َوجب أ ْ‬
‫ن يكون معنى قوله ‪ } :‬فَإ َِذا قََرأَناه ُ َفات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫ما أّلفنا لك فيه ‪ -‬لوجب أن ل يكون كان لزمه فرض } اقْرأ ْ‬
‫ك ال ِّ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ذي‬
‫با‬
‫َ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م فَأ َن ْذِْر { ]سورة المدثر ‪ [2 ، 1 :‬قبل‬
‫َ‬
‫مد ّث ُّر * قُ ْ‬
‫ض } َيا أي َّها ال ْ ُ‬
‫خل َقَ { ول فر ُ‬
‫ج من قول‬
‫ن قاله قائل ‪ ،‬خرو ٌ‬
‫أن يؤّلف إلى ذلك غيُره من القرآن‪ .‬وذلك ‪ ،‬إ ْ‬
‫مّلة‪.‬‬
‫أهل ال ِ‬
‫ح أن حكم ك ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‬
‫ل آية من آي القرآن كا َ‬
‫ص ّ‬
‫ن لز ً‬
‫وإذ َ‬
‫ما النب ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عه والعم ُ‬
‫ح ما قال ابن‬
‫اتبا ُ‬
‫ل به ‪ ،‬مؤلفة كانت إلى غيرها أو غيَر مؤلفة ‪ -‬ص ّ‬
‫ْ‬
‫ه { أنه يعني به ‪ :‬فإذا بّيناه‬
‫عباس في تأويل قوله ‪ } :‬فَإ َِذا قََرأَناه ُ َفات ّب ِعْ قُْرآن َ ُ‬
‫لك بقراءتنا ‪ ،‬فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا ‪ -‬دون قول من قال ‪ :‬معناه ‪ ،‬فإذا‬
‫أّلفناه فاّتبع ما ألفناه‪.‬‬
‫وقد قيل إن قول الشاعر ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫قطع اللي َ‬
‫وا ب ِأ َ ْ‬
‫حا وقْرآَنا )‪(1‬‬
‫جود ِ ِبه ‪ ...‬ي ُ َ‬
‫سِبي ً‬
‫س ُ‬
‫ط عُْنوا ُ‬
‫ض ّ‬
‫َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ش َ‬
‫ح ْ‬
‫ة‪.‬‬
‫حا وقراء ٌ‬
‫يعني به قائله ‪ :‬تسبي ً‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وكيف يجوز أن يسمى " قرآًنا " بمعنى القراءة ‪ ،‬وإنما هو‬
‫مقروء ؟‬
‫قيل ‪ :‬كما جاز أن يسمى المكتوب " كتاًبا " ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬كتاب الكاتب ‪ ،‬كما قال‬
‫الشاعر في صفة كتاب َ‬
‫ق كتبه لمرأته ‪:‬‬
‫طل ٍ‬
‫ب مث َ‬
‫صق الغَِراُء )‪(2‬‬
‫جع ً‬
‫ل ما ل َ ِ‬
‫مّنى ‪ ،‬وفيها ‪ِ ...‬‬
‫ة ِ‬
‫كتا ٌ‬
‫مل َر ْ‬
‫ت ُؤَ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬البيت لحسان بن ثابت ‪ ،‬ديوانه ‪ ، 410 :‬وضحى ‪ :‬ذبح شاته ضحى‬
‫النحر ‪ ،‬وهي الضحية‪ .‬واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة ‪35‬‬
‫‪ ،‬رضي الله عنهما‪ .‬والعنوان ‪ :‬الثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء‪.‬‬
‫)‪ (2‬لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي‪ .‬وتنصب " مثل "‬
‫على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف ‪ ،‬وتقديره ‪ " :‬كتاب لصق‬
‫لصوًقا مثل ما لصق الغراء "‬
‫) ‪(1/97‬‬
‫يريد ‪ :‬طلًقا مكتوًبا ‪ ،‬فجعل " المكتوب " كتاًبا‪.‬‬
‫وأما تأويل اسمه الذي هو " فُْرقان " ‪ ،‬فإن تفسيَر أهل التفسير جاء في ذلك‬
‫بألفاظ مختلفة ‪ ،‬هي في المعاني مؤتلفة‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫سْلم ‪،‬‬
‫حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫‪ - 121‬فقال عكرمة ‪ ،‬فيما حدثنا به ابن ُ‬
‫كام بن َ‬
‫عن عَْنبسة ‪ ،‬عن جابر ‪ ،‬عن عكرمة ‪ :‬أنه كان يقول ‪ :‬هو الّنجاة‪.‬‬
‫ه‪.‬‬
‫وكذلك كان ال ّ‬
‫سد ّيّ يتأّول ُ‬
‫ضل ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫م َ‬
‫ف ّ‬
‫‪ - 122‬حدثنا بذلك محمد بن الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أحمد بن ال ُ‬
‫دي ‪ -‬وهو قول جماعة غيرهما‪.‬‬
‫س ّ‬
‫حدثنا أسباط ‪ ،‬عن ال ّ‬
‫ج‪.‬‬
‫وكان ابن عباس يقول ‪ " :‬الفرقان " ‪ :‬المخَر ُ‬
‫‪ - 123‬حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله بن‬
‫صالح ‪ ،‬عن معاوية بن صالح ‪ ،‬عن علي بن أبي طلحة ‪ ،‬عن ابن عباس‪.‬‬
‫وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله بذلك‪.‬‬
‫ّ‬
‫حكام ‪ ،‬عن عنبسة ‪ ،‬عن جابر ‪،‬‬
‫حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫‪ - 124‬حدثنا بذلك ابن ُ‬
‫عن مجاهد )‪. (1‬‬

‫ن { ]سورة النفال ‪:‬‬
‫م ال ْ ُ‬
‫وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل ‪ } :‬ي َوْ َ‬
‫فْرَقا ِ‬
‫م فََرقَ الله فيه بين الحقّ والباطل‪.‬‬
‫‪ [41‬يو ٌ‬
‫‪ - 125‬حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبو عاصم ‪ ،‬عن‬
‫عيسى بن ميمون ‪ ،‬عن ابن أبي نجيح ‪ ،‬عن مجاهد )‪. (2‬‬
‫وكل هذه التأويلت في معنى " الفرقان " ‪ -‬على اختلف ألفاظها ‪ -‬متقاربات‬
‫جعل‬
‫ج من أمر كان فيه ‪ ،‬فقد ُ‬
‫جِعل له مخر ٌ‬
‫ن من ُ‬
‫المعاني‪ .‬وذلك أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثار السالفة كلها مروية في تفسير آية النفال ‪. 29 :‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 125‬يأتي في تفسير آية النفال ‪41 :‬‬
‫) ‪(1/98‬‬
‫صر على من ب ََغاه فيه‬
‫ج منه نجا ٌ‬
‫جي منه ‪ ،‬فقد ن ُ ِ‬
‫ة‪ .‬وكذلك إذا ن ُ ّ‬
‫له ذلك المخر ُ‬
‫سوَء‪.‬‬
‫رق بينه وبين باغيه ال ّ‬
‫ُ‬
‫سوًءا ‪ ،‬وفُ ِ‬
‫ٌ‬
‫فجميع ما روينا ‪ -‬عمن روينا عنه ‪ -‬في معنى " الفرقان " ‪ ،‬قول صحيح‬
‫المعاني ‪ ،‬لتفاق معاني ألفاظهم في ذلك‪.‬‬
‫فْرقان " عندنا ‪ :‬الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما‪ .‬وقد يكون ذلك‬
‫وأصل " ال ُ‬
‫صرٍ )‪ (1‬وغير ذلك من المعاني المفّرقة‬
‫ح ّ‬
‫بقضاٍء ‪ ،‬واستنقاذ ٍ ‪ ،‬وإظهار ُ‬
‫جة ‪ ،‬ون َ ْ‬
‫مي " فرقاًنا " ‪ ،‬لفصله ‪-‬‬
‫بين المحقّ والمب ِ‬
‫طل‪ .‬فقد تبين بذلك أ ّ‬
‫ن القرآن ُ‬
‫س ّ‬
‫حكمه ‪ -‬بين المحق والمبطل‪.‬‬
‫بحججه وأدّلته وحدود فرائضه وسائر معاني ُ‬
‫ما وقضاًء‪.‬‬
‫وفرقاُنه بينهما ‪ :‬بنصره المحقّ ‪ ،‬وتخذيله المبطل ‪ُ ،‬‬
‫حك ً‬
‫ب " ‪ :‬فهو مصدر من قولك " كتبت كتاًبا "‬
‫وأما تأويل اسمه الذي هو " كتا ٌ‬
‫ّ‬
‫كما تقو ُ‬
‫ب ‪ :‬هو خط الكاتب‬
‫ما ‪ ،‬وحسبت الشيء حساًبا‪ .‬والكتا ُ‬
‫ل ‪ :‬قمت قيا ً‬
‫سمي " كتاًبا " ‪ ،‬وإنما هو مكتوب ‪ ،‬كما‬
‫ف المعجم مجموع ً‬
‫حرو َ‬
‫ة ومفترقة‪ .‬و ُ‬
‫قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به ‪:‬‬
‫ب مث َ‬
‫صقَ الِغراُء‬
‫ل ما ل َ ِ‬
‫وفيها ِ‬
‫كتا ٌ‬
‫يعني به مكتوًبا‪.‬‬
‫ْ‬
‫وأما تأويل اسمه الذي هو " ذِكٌر " ‪ ،‬فإنه محتمل معنيين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنه ذكٌر‬
‫من الله جل ذكره ‪ ،‬ذ ّ‬
‫كر به عباده ‪ ،‬فعّرفهم فيه حدوده وفرائضه ‪ ،‬وسائَر ما‬
‫دق بما‬
‫حكمه‪ .‬والخر ‪ :‬أنه ذكٌر وشرف وفخٌر لمن آمن به وص ّ‬
‫أودعه من ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ك { ]سورة الزخرف ‪:‬‬
‫و‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫}‬
‫‪:‬‬
‫ثناؤه‬
‫جل‬
‫قال‬
‫فيه ‪ ،‬كما‬
‫َِ ْ ِ‬
‫َ ِّ ُ ِ ٌ‬
‫ف له ولقومه‪.‬‬
‫‪ ، [44‬يعني به أنه شر ٌ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬وتصرف " مكان " ونصر " ‪ ،‬وهو خطأ محض‪.‬‬
‫) ‪(1/99‬‬
‫ماها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫ور القرآن أسماٌء س ّ‬
‫ثم لس َ‬
‫‪ - 126‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو داود الطيالسي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫سقلني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َرّواد بن الجّراح‬
‫وام ‪ -‬وحدثني محمد بن خلف العَ ْ‬
‫أبو الع ّ‬
‫مليح ‪ ،‬عن واثلة‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سعيد بن َبشير ‪ ،‬جميًعا ‪ -‬عن قتادة ‪ ،‬عن أبي ال َ‬
‫ة‬
‫س َ‬
‫ت مكان التورا ِ‬
‫قع ‪ :‬أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ :‬أع ِ‬
‫بن ال ْ‬
‫طي ُ‬

‫ت مكان النجيل‬
‫ول ‪ ،‬وأعطيت مكان الّزبور ال ِ‬
‫مِئين ‪ ،‬وأعطي ُ‬
‫السبعَ الط ّ َ‬
‫صل )‪. (1‬‬
‫مَثاني ‪ ،‬وفُ ّ‬
‫ال َ‬
‫ضلت بالمف ّ‬
‫ّ‬
‫علية ‪ ،‬عن خالد الحذاء ‪،‬‬
‫‪ - 127‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫ع‬
‫السب‬
‫ت‬
‫طي‬
‫أع‬
‫‪:‬‬
‫وسلم‬
‫عن أبي ِقلبة قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫َ‬
‫ِ ُ‬
‫ن‬
‫ن الّزبور ‪ ،‬وأعطيت المئين مكا َ‬
‫ي مكا َ‬
‫ول مكان التوراة ‪ ،‬وأعطيت المثان ِ َ‬
‫الط ّ َ‬
‫صل ‪:‬‬
‫النجيل ‪ ،‬وفُ ّ‬
‫صل )‪ . (2‬قال خالد ‪ :‬كانوا يس ّ‬
‫مون المف ّ‬
‫ضلت بالمف ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ي سجد ٌ‬
‫ي‪ .‬قال خالد ‪ :‬قال بعضهم ‪ :‬ليس في العرب ّ‬
‫العرب ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 126‬رواه الطبري هنا بإسنادين ‪ ،‬أحدهما صحيح ‪ ،‬والخر‬
‫ضعيف ‪ :‬فرواه من طريق أبي داود الطيالسي عن أبي العوام ‪ ،‬وهذا إسناد‬
‫صحيح‪ .‬ورواه من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير ‪ ،‬وهذا إسناد‬
‫ضعيف ‪ -‬كلهما عن قتادة‪.‬‬
‫أما طريق الطيالسي ‪ ،‬فإنه في مسنده رقم ‪ ، 1012‬ورواه أحمد في المسند‬
‫رقم ‪ 107 : 4) 17049‬طبعة الحلبي( وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ‪: 7‬‬
‫ضا للطبراني " بنحوه " ‪ .‬وأبو العوام ‪ ،‬في السناد الول ‪ :‬هو‬
‫‪ ، 158‬ونسبه أي ً‬
‫" عمران بن داور " بفتح الدال وبعد اللف واو مفتوحة وآخره راء ‪ " -‬القطان‬
‫" ‪ ،‬وهو ثقة‪.‬‬
‫وأما الطريق الثاني ‪ ،‬ففي إسناده " رواد بن الجراح العسقلني " ‪ ،‬وهو‬
‫صدوق ‪ ،‬إل أنه تغير حفظه في آخر عمره ‪ ،‬كما قال أبو حاتم ‪ ،‬فيما نقله عنه‬
‫ابنه في الجرح والتعديل ‪ ، 524 : 2\1‬وقال البخاري في الكبير ‪: 307 : 1\2‬‬
‫" كان قد اختلط ‪ ،‬ل يكاد أن يقوم حديثه " ‪ .‬و " رواد " بفتح الراء وتشديد‬
‫الواو وآخره دال‪ .‬ووقع في الصول هنا " داود " ‪ ،‬وهو خطأ‪ .‬وفي إسناده‬
‫ضا " سعيد بن بشير " ‪ ،‬وهو صدوق يتكلمون في حفظه‪ .‬ولكن لم ينفرد "‬
‫أي ً‬
‫رواد " بروايته عن سعيد ‪ ،‬فقد ذكره ابن كثير في التفسير ‪ 64 : 1‬من كتاب‬
‫أبي عبيد ‪ :‬عن هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد‬
‫بن بشير ‪ ،‬وقال ابن كثير ‪ " :‬هذا حديث غريب ‪ ،‬وسعيد بن بشير ‪ :‬فيه لين‬
‫" ‪ ،‬وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم ينفرد به ‪ -‬كما هو ظاهر ‪-‬‬
‫بل تأيدت روايته برواية الطيالسي عن أبي العوام عمران بن داور ‪ ،‬وهو‬
‫إسناد صحيح ‪ ،‬كما قلنا‪ .‬وسيأتي بإسناد ثالث ‪ ،‬رقم ‪.129‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 127‬هذا خبر مرسل عن أبي قلبة‪.‬‬
‫) ‪(1/100‬‬
‫ح ّ‬
‫سْلم ‪ ،‬عن عمرو بن أبي‬
‫‪ - 128‬وحدثنا محمد بن حميد ‪ ،‬قال حدثنا َ‬
‫كام بن َ‬
‫ّ‬
‫ول كالتوراة ‪،‬‬
‫قيس ‪ ،‬عن عاصم ‪ ،‬عن المسّيب ‪ ،‬عن ابن مسعود قال ‪ :‬الط َ‬
‫ض ٌ‬
‫ل على الكتب )‬
‫والمئون كالنجيل ‪ ،‬والمثاني كالّزبور ‪ ،‬وسائر القرآن بعد ُ فَ ْ‬
‫‪. (1‬‬
‫صابي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن حفص ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا‬
‫‪ - 129‬حدثني أبو ُ‬
‫عبيد الوَ ّ‬
‫َ‬
‫سليم ‪ ،‬عن أبي ب ُْردة ‪ ،‬عن أبي‬
‫أبو حميد ‪ ،‬حدثنا الفزاري ‪ ،‬عن ليث بن أبي ُ‬
‫مِليح ‪ ،‬عن واثلة بن السقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قال‬
‫ال َ‬
‫ن التوراة السبعَ الطول ‪ ،‬ومكان النجيل المثاني ‪ ،‬ومكان‬
‫ي مكا َ‬
‫أعطاني رب ّ‬
‫صل )‪. (2‬‬
‫الّزبور المئين ‪ ،‬وف ّ‬
‫ضلني ربي بالمف ّ‬
‫ّ‬
‫مران ‪ ،‬والنساء ‪ ،‬والمائدة ‪،‬‬
‫ول ‪ :‬البقرةُ ‪ ،‬وآل ِ‬
‫ع ْ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والسبع الط َ‬

‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 128‬لم نجد خبر ابن مسعود هذا‪ .‬و " عاصم " ‪ :‬هو ابن أبي‬
‫النجود ‪ ،‬بفتح النون ‪ ،‬وهو عاصم بن بهدلة‪ .‬و " المسيب " ‪ :‬هو ابن رافع‬
‫السدي ‪ ،‬وهو تابعي ثقة ‪ ،‬ولكنه لم يلق ابن مسعود ‪ ،‬إنما يروى عن مجاهد‬
‫ونحوه ‪ ،‬كما قال أبو حاتم‪ .‬انظر التهذيب ‪ ، 153 : 10‬والمراسيل لبن أبي‬
‫حاتم ‪ ، 76 :‬وشرح المسند ‪ ،‬في الحديث ‪.3676 :‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 129‬هذا إسناد آخر للحديث الماضي ‪ ، 126‬وهو إسناد مشكل‬
‫‪ ،‬لم تستبن لنا حقيقته ‪:‬‬
‫فأوله " أبو عبيد الوصابي حدثنا محمد بن حفص " ! كذا وقع في الصول‪.‬‬
‫وأخشى أن يكون خطأ ‪ ،‬بل لعله الراجح عندي ‪ ،‬فإن أبا عبيد الوصابي ‪ :‬هو‬
‫محمد بن حفص نفسه ‪ ،‬ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪: 2\3‬‬
‫‪ ، 237‬قال ‪ " :‬محمد بن حفص الوصابي الحمصي أبو عبيد ‪ ،‬روى عن محمد‬
‫بن حمير وأبي حيوة شريح بن يزيد‪ .‬أدركته وأردت قصده والسماع منه ‪،‬‬
‫فقال لي بعض أهل حمص ‪ :‬ليس بصدوق ‪ ،‬ولم يدرك محمد بن حمير ‪،‬‬
‫فتركته " ‪ .‬وترجمه الحافظ في لسان الميزان ‪ 146 : 5‬بنحو هذا ‪ ،‬وزاد أن‬
‫ابن مندة ضعفه ‪ ،‬وأن ابن حبان ذكره في الثقات‪ .‬وكذلك ذكره الدولبي في‬
‫الكنى ‪ 76 ، 75 : 2‬باسمه وكنيته ‪ ،‬وروى حديًثا عن عبد الله بن أحمد بن‬
‫حنبل عن أبي عبيد هذا‪.‬‬
‫ثم " أبو حميد " الراوي عنه محمد بن حفص ‪ :‬لم أستطع أن أعرف من هو ؟‬
‫وكذلك " الفزاري " شيخ أبي حميد ‪ ،‬وقد يكون هو أبا إسحاق الفزاري‪.‬‬
‫وأما أبو بردة ‪ :‬فهو أبو بردة بن أبي موسى الشعري ‪ ،‬وهو يروي في هذا‬
‫السناد عن أبي المليح بن أسامة الهذلي ‪ ،‬وكلهما تابعي ‪ ،‬إل أن أبا بردة‬
‫أكبر من أبي المليح ‪ ،‬فيكون من رواية الكابر عن الصاغر‪.‬‬
‫وفي مجمع الزوائد ‪ 158 : 7‬حديث نحو هذا من حديث أبي أمامة ‪ ،‬قال‬
‫الهيثمي ‪ " :‬رواه الطبراني ‪ ،‬وفيه ليث بن أبي سليم ‪ ،‬وقد ضعفه جماعة ‪،‬‬
‫ويعتبر بحديثه ‪ ،‬وبقية رجاله رجال الصحيح " ‪.‬‬
‫) ‪(1/101‬‬
‫والنعام ‪ ،‬والعراف ‪ ،‬ويونس ‪ ، ،‬في قول سعيد بن جبير )‪. (1‬‬
‫هشيم ‪ ،‬عن أبي ِبشر ‪،‬‬
‫‪ - 130‬حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ُ‬
‫عن سعيد بن جبير‪.‬‬
‫ل على موافقته قو َ‬
‫ل يد ّ‬
‫وقد روي عن ابن عباس قو ٌ‬
‫ل سعيد هذا‪.‬‬
‫‪ - 131‬وذلك ما حدثنا به محمد بن ب َ ّ‬
‫عديّ ‪ ،‬ويحيى‬
‫شار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن أبي َ‬
‫وف ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫بن سعيد ‪ ،‬ومحمد بن جعفر ‪ ،‬وسهل بن يوسف ‪ ،‬قالوا ‪ :‬حدثنا عَ ْ‬
‫ي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني ابن عباس ‪ :‬قال ‪ :‬قلت لعثمان بن‬
‫حدثني يزيد الفارس ّ‬
‫مد ُْتم إلى النفال ‪ ،‬وهي من المثاني ‪ ،‬وإلى‬
‫عفان ‪ :‬ما حملكم على أن عَ َ‬
‫براءة وهي من المئين ‪ ،‬فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطًرا ‪ " :‬بسم الله‬
‫ول ؟ ما حملكم على ذلك ؟‬
‫الرحمن الرحيم " ‪ ،‬ووضعتموهما في السبع الط ّ َ‬
‫ن‬
‫ما يأتي عليه الزما ُ‬
‫قال عثمان ‪ " :‬كان رسول الله صلى الله عليه وسلم م ّ‬
‫ت الَعدد ‪ ،‬فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من‬
‫وهو ُتنزل عليه ال ّ‬
‫سوُر ذوا ُ‬
‫ضُعوا هؤلء اليات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا‪.‬‬
‫ب فيقول ‪َ :‬‬
‫كان يكت ُ‬
‫وكانت النفال من أوائل ما نزل بالمدينة ‪ ،‬وكانت براءةُ من آخر القرآن نزول‬

‫قبض رسول الله صلى الله‬
‫ة بقصتها ‪ ،‬فظننت أنها منها‪ .‬ف ُ‬
‫صُتها شبيه ً‬
‫وكانت قِ ّ‬
‫ت بينهما ‪ ،‬ولم أكتب‬
‫عليه وسلم ولم ُيبّين لنا أنها منها ‪ ،‬فمن أجل ذلك قرن ُ‬
‫ّ‬
‫ول "‬
‫بينهما سطر ‪ " :‬بسم الله الرحمن الرحيم " ‪ ،‬ووضعتهما في السّبع الط َ‬
‫)‪. (2‬‬
‫ن‬
‫فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه ‪ ،‬أنه لم يكن َتبّين له أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر تفسير ابن كثير في أول سورة البقرة ‪ .64 : 1‬و " الطول " ‪ ،‬بضم‬
‫الطاء وفتح اللم ‪ :‬جمع " الطولى " ‪ ،‬مثل " الكبر " و " الكبرى " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 131‬رواه أحمد بن حنبل في المسند عن يحيى بن سعيد ‪ ،‬وعن‬
‫إسماعيل بن إبراهيم ‪ ،‬وعن محمد بن جعفر ‪ ،‬كلهم عن عوف العرابي ‪ ،‬بهذا‬
‫دا ‪ ،‬فصلت‬
‫السناد ‪ ،‬مطول ‪ ،‬برقمي ‪ 499 ، 399 :‬وهو حديث ضعيف ج ً‬
‫طرقه ‪ ،‬ووجه ضعفه ‪ ،‬في شرح المسند ‪.399 :‬‬
‫) ‪(1/102‬‬
‫ول ‪ ،‬ويصّرح عن ابن عباس انه لم يكن َيرى‬
‫النفال وبراءةَ من السبع الط ّ َ‬
‫ذلك منها‪.‬‬
‫ور القرآن‪.‬‬
‫ول ‪ ،‬لطولها على سائر ُ‬
‫س َ‬
‫وإنما سميت هذه السور السبعَ الط ّ َ‬
‫وأما " المئون ‪ :‬فهي ما كان من سور القرآن عدد ُ آية مئة آية ‪ ،‬أو تزيد عليها‬
‫شيئا أو تنقص منها شيئا يسًيرا‪.‬‬
‫ي المئين فتلها ‪ ،‬وكان المئون لها أوائ َ‬
‫ل ‪ ،‬وكان‬
‫وأما " المثاني ‪ :‬فإنها ما َثن ّ‬
‫المثاني لها ثواني‪ .‬وقد قيل ‪ :‬إن المثاني سميت مثاني ‪ ،‬لتثنية الله جل ذكره‬
‫فيها المثا َ‬
‫ل والخبَر والعبَر ‪ ،‬وهو قول ابن عباس‪.‬‬
‫‪ - 132‬حدثنا بذلك أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن يمان ‪ ،‬عن سفيان ‪ ،‬عن عبد‬
‫الله بن عثمان ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن عباس‪.‬‬
‫وروى عن سعيد بن جبير ‪ ،‬أنه كان يقول ‪ :‬إنما سميت مثاني لنها ثنيت فيها‬
‫ض والحدود‪.‬‬
‫الفرائ ُ‬
‫‪ - 133‬حدثنا بذلك محمد بن ب َ ّ‬
‫شار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫جبير‪.‬‬
‫حدثنا شعبة ‪ ،‬عن أبي بشر ‪ ،‬عن سعيد بن ُ‬
‫ن‪.‬‬
‫وقد قال جماعة يكثر تعدادهم ‪ :‬القرآن كله َ‬
‫مثا ٍ‬
‫وقال جماعة أخرى ‪ :‬بل المثاني فاتحة الكتاب ‪ ،‬لنها ت ُث َْنى قراءُتها في كل‬
‫صلة‪.‬‬
‫ب من القول فيما اختلفوا فيه‬
‫وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعلَلهم ‪ ،‬والصوا َ‬
‫َ‬
‫قد ْ آت َي َْنا َ‬
‫ن‬
‫من ذلك ‪ ،‬إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى ‪ } :‬وَل َ‬
‫سب ًْعا ِ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫مَثاِني { ]سورة الحجر ‪ [87 :‬إن شاء الله ذلك‪.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسماء‬
‫وبمثل ما جاء ْ‬
‫ت ‪ ،‬جاء شعُر الشعراء‪ .‬فقال بعضهم ‪:‬‬
‫سور القرآن التي ُذكَر ْ‬
‫) ‪(1/103‬‬
‫ُ‬
‫مئ َِيت )‪(1‬‬
‫ت ‪ ...‬وب ِ ِ‬
‫ن بع َ‬
‫َ‬
‫ت بال ّ‬
‫دها قد أ ْ‬
‫ول ْ‬
‫حلف ُ‬
‫مئي َ‬
‫سبع الّلواتي ط ُ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ت )‪(2‬‬
‫ت ‪ ...‬وبالطوا ِ‬
‫ن التي قد ث ُلث َ ْ‬
‫ت فكّرر ْ‬
‫ن ث ُّني ْ‬
‫وب َ‬
‫مَثا ٍ‬
‫سي ِ‬

‫ت )‪(3‬‬
‫حوا ِ‬
‫وبال َ‬
‫واِتي ُ‬
‫صل ْ‬
‫سّبع ْ‬
‫ل الّلواِتي فُ ّ‬
‫ت ‪ ...‬وبالمف ّ‬
‫ص ِ‬
‫ميم الل ّ َ‬
‫حة التأويل الذي‬
‫قال أبو جعفر رحمة الله عليه ‪ :‬وهذه البيات تدل على ص ّ‬
‫تأّولناه في هذه السماء‪.‬‬
‫صل لكثرة الفصول التي بين سوَرها ب "‬
‫مف‬
‫سميت‬
‫فغنها‬
‫صل " ‪:‬‬
‫ّ‬
‫وأما " المف ّ‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم " ‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ثم تسمى كل سورة من سور القرآن " سورة " ‪ ،‬وتجمع‬
‫خطب " ‪ " ،‬و ُ‬
‫غرفة وغَُرف " ‪.‬‬
‫خطبة و ُ‬
‫سوًَرا " ‪ ،‬على تقدير " ُ‬
‫ُ‬
‫سور المدينة ‪،‬‬
‫ذلك‬
‫ومن‬
‫الرتفاع‪.‬‬
‫منازل‬
‫من‬
‫المنزلة‬
‫‪:‬‬
‫همز‬
‫بغير‬
‫‪،‬‬
‫والسورة‬
‫ُ‬
‫سمي بذلك الحائ ُ‬
‫سورة‬
‫ال‬
‫أن‬
‫ط الذي يحويها ‪ ،‬لرتفاعه على ما يحويه‪ .‬غير‬
‫ّ‬
‫ور " ‪ ،‬كما سمع في جمع سورة‬
‫سور المدينة لم يسمع في جمعها " ُ‬
‫من ُ‬
‫س َ‬
‫سورة من البناء ‪:‬‬
‫من القرآن " سور " ‪ .‬قال العجاج في جمع ال ّ‬
‫سورِ )‪(4‬‬
‫ح ُ‬
‫م ْ‬
‫فُر ّ‬
‫ت إليه في أعالي ال ّ‬
‫جورِ ‪ُ ...‬‬
‫ب ِذي ُ‬
‫سْر ُ‬
‫ق َ‬
‫سَرادِ ٍ‬
‫سرة ‪ ،‬لن ذلك يجمع ب ُّرا وُبسًرا‪.‬‬
‫فخَرج تقدير جمعها على تقدير َ‬
‫جمع ب ُّرة وب ُ ْ‬
‫سوٌْر ‪ ،‬ولو جمعت كذلك لم يكن‬
‫وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن ُ‬
‫خطأ في القياس ‪ ،‬إذا أريد به جميعُ القرآن‪ .‬وإنما تركوا ‪ -‬فيما نرى ‪ -‬جمعه‬
‫كذلك ‪ ،‬لن كل جمع كان بلفظ الواحد المذ ّ‬
‫صب وما‬
‫كر مثل ‪ :‬ب ُّر وشعير وقَ َ‬
‫أشبه ذلك ‪ ،‬فإن‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬البيات في مجاز القرآن لبي عبيدة ‪ .7 :‬أمأيت لك الشيء ‪ :‬أكملت لك‬
‫عدته حتى بلغ المئة‪.‬‬
‫)‪ (2‬الطواسين التي ثلثت ‪ ،‬يعني طسم الشعراء ‪ ،‬وطس النمل ‪ ،‬وطسم‬
‫القصص‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحواميم التي سبعت ‪ :‬سبع سور من سورة غافر إلى سورة الحقاف‪.‬‬
‫)‪ (4‬ديوانه ‪ . 27 :‬والسرادق ‪ :‬كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه ‪ ،‬من‬
‫مضرب أو خباء أو بناء‪ .‬ويعني حريم الملك‪ .‬ومحجور ‪ :‬محرم ممنوع ل يوطأ‬
‫ت إليه " ‪:‬‬
‫إل بإذن‪ .‬وسار الحائط يسوره وتسوره ‪ :‬عله وتسلقه‪ " .‬سر ُ‬
‫تسلقته‪.‬‬
‫) ‪(1/104‬‬
‫عه يجري مجرى الواحد من الشياء غيره )‪ . (1‬لن حكم الواحد منه‬
‫جما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعلت‬
‫ثم‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫غيره‬
‫الشياء‬
‫من‬
‫مجرى‬
‫جماعه‬
‫فجرى‬
‫‪،‬‬
‫يصاب‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ق‬
‫دا‬
‫منفر‬
‫ُ‬
‫ّ ُ‬
‫ً‬
‫الواحدة منه كالقطعة من جميعه ‪ ،‬فقيل ‪ :‬ب ُّرة وشعيرة وقصبة ‪ ،‬يراد به‬
‫ة اجتماعَ البّر والشعير‬
‫قطعة منه )‪ . (3‬ولم تكن سور القرآن موجودةً مجتمع ً‬
‫وسور المدينة ‪ ،‬بل ك ّ‬
‫ل سورة منها موجودة ٌ منفردة بنفسها ‪ ،‬انفراد َ كل غُْرفة‬
‫جِعل جمُعها جمع الغَُرف والخطب ‪،‬‬
‫من الُغرف و ُ‬
‫خطبة من الخطب ‪ ،‬ف ُ‬
‫ي جمعها من واحدها‪.‬‬
‫المبن ّ‬
‫ة من الرتفاع ‪ ،‬قول نابغة بني‬
‫ن معنى السورة ‪ :‬المنزل ُ‬
‫ومن الدللة على أ ّ‬
‫ُذبيان ‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سوَرة ً ‪ ...‬ت ََرى ك ّ‬
‫ب )‪(4‬‬
‫ك ُدوَنها ي َت َذ َب ْذ َ ُ‬
‫مل ٍ‬
‫م ت ََر أ ّ‬
‫ن الله أعطاك ُ‬
‫ل َ‬
‫أل َ ْ‬
‫صرت عنها‬
‫يعني بذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي ق ّ‬
‫مناز ُ‬
‫ل الملوك‪.‬‬
‫ة‬
‫مزها ‪ ،‬القطع ُ‬
‫وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن‪ .‬وتأويُلها ‪ ،‬في لغة من هَ َ‬

‫ضلت من القرآن عما سواها وأبقيت‪ .‬وذلك أن سؤر كل شيء ‪:‬‬
‫التي قد أف ِ‬
‫ضلة من شراب‬
‫البقية منه َتبقى بعد َ الذي ُيؤخذ منه ‪ ،‬ولذلك سميت الف ْ‬
‫سؤًْرا‪ .‬ومن ذلك قول أعشى‬
‫الرجل ‪ -‬يشَرُبه ثم ُيفضلها فيبقيها في الناء ‪ُ -‬‬
‫دها بقية ‪:‬‬
‫ج‬
‫و‬
‫من‬
‫بني ثعلبة ‪ ،‬يصف امرأةً فارقته فأبقت في قلبه‬
‫ْ ِ‬
‫فبانت ‪ ،‬وقد أ َ َ‬
‫ست َط َِيرا )‪(5‬‬
‫ت في ال ُ‬
‫صد ْ ً‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫عا ‪ ،‬على َنأي َِها ‪ُ ،‬‬
‫سأر ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫فؤاد ِ ‪َ ...‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬فإن جماعه كالواحد " ‪ .‬وفي المخطوطة " فإن جماعه‬
‫مجرى الواحد " ‪ ،‬سقط من الناسخ قوله " يجري‪. " ...‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " مفردا " مكان " منفردا " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬يعني أنه اسم جنس ‪ ،‬سبق الجمع الواحد‪ .‬لنه لم يوضع للحاد ‪ ،‬وإنما‬
‫وضع لجملته مجتمًعا ‪ ،‬وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء‪.‬‬
‫)‪ (4‬ديوانة ‪ ، 57 :‬ويأتي في تفسير الطبري ‪) 215 :‬بولق(‪ .‬يتذبذب ‪:‬‬
‫يضطرب ويحار‪ .‬والذبذبة ‪ :‬تردد الشيء المعلق في الهواء يمنة ويسرة‪ .‬يقول‬
‫‪ :‬أعطاك الله من المنزلة الرفيعة ‪ ،‬ما لو رامه ملك وتسامى إليه ‪ ،‬بقى‬
‫قا دونها حائًرا يضطرب ويتردد ‪ ،‬ل يطيق أن يبلغها‪.‬‬
‫معل ً‬
‫)‪ (5‬ديوانه ‪ ، 67 :‬ويأتي في تفسير للطبري ‪) 129 : 29‬بولق(‪ .‬استطار‬
‫الصدع في الزجاجة وغيرها ‪ :‬تبين فيها من أولها إلى آخرها ‪ ،‬وفشا وامتد‪.‬‬
‫) ‪(1/105‬‬
‫وقال العشى في مثل ذلك ‪:‬‬
‫بانت ‪ ،‬وقد أ َ َ‬
‫فَعا )‪(1‬‬
‫حاجت ََها ‪ ... ،‬بعد َ ائِتلف; وخيُر الوُد ّ ما ن َ َ‬
‫سأْرت في الّنفس َ‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫وأما الية من آي القرآن ‪ ،‬فإنها تحتمل وجهين في كلم العرب ‪:‬‬
‫ة ُيعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ‪،‬‬
‫ميت آية ‪ ،‬لنها علم ٌ‬
‫أحد ُ‬
‫هما ‪ :‬أن تكون س ّ‬
‫ة على الشيء ُيستد ْ‬
‫ل بها عليه ‪ ،‬كقول الشاعر ‪:‬‬
‫كالية التي تكون دلل ً‬
‫أل ِ ْ‬
‫ت إلينا ت ََهادَِيا )‪(2‬‬
‫ه يا َفتى ‪ ... ،‬بآيةِ ما َ‬
‫جاء ْ‬
‫مَرك الل ُ‬
‫كنى إليها ‪ ،‬عَ ْ‬
‫َ‬
‫يعني ‪ :‬بعلمة ذلك )‪ . (3‬ومنه قوله جل ذكُره ‪َ } :‬رب َّنا أنز ْ‬
‫ن‬
‫مائ ِد َة ً ِ‬
‫ل عَل َي َْنا َ‬
‫م َ‬
‫ماِء ت َ ُ‬
‫من ْ َ‬
‫ك { ]سورة المائدة ‪ [114 :‬أي‬
‫خرَِنا َوآي َ ً‬
‫دا لوّل َِنا َوآ ِ‬
‫ن ل ََنا ِ‬
‫ة ِ‬
‫عي ً‬
‫كو ُ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫سؤلنا‪.‬‬
‫علم ً‬
‫ة منك لجابتك ُدعاءنا وإعطائك إّيانا ُ‬
‫سلمى ‪:‬‬
‫والخر منهما ‪ :‬القص ُ‬
‫ة ‪ ،‬كما قال كعب بن زهير بن أبي ُ‬
‫ة ‪ ... :‬أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حَلم )‪(4‬‬
‫م‬
‫أ‬
‫‪،‬‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ل‬
‫القو‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ن‬
‫قظا‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫آ‬
‫معَّرض َ ً‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫أل أْبلغا هذا ال ُ‬
‫ة مّني وخبًرا عني‪.‬‬
‫يعني بقوله " آية " ‪ :‬رسال ً‬
‫صول‪.‬‬
‫ة‪،‬ب ُ‬
‫ة تتلو قص ً‬
‫فيكون معنى اليات ‪ :‬القصص ‪ ،‬قص ٌ‬
‫صول ووُ ُ‬
‫ف ُ‬
‫__________‬
‫ماع وألفة‪.‬‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ " . 73 :‬بعد ائتلف " ‪ :‬أي بعد ما كنا فيه من ج ّ‬
‫)‪ (2‬الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس ‪ ،‬ديوانه ‪ ، 19 :‬ويأتي في تفسير‬
‫الطبري ‪) 156 : 1‬بولق( ألكنى إليها ‪ :‬أبلغها رسالة مني ‪ ،‬والرسالة ‪ :‬اللوك‬
‫فا‪.‬‬
‫والمألكة‪ .‬وتهادى في مشيه ‪ :‬تمايل دلل أو ضع ً‬
‫)‪ (3‬في المخطوطة ‪ " :‬بعلمة دلت " ‪ ،‬وهو خطأ‪.‬‬
‫)‪ (4‬ديوانه ‪ ، 64 :‬وروايته ‪ " :‬أنه أيقظان " ‪ .‬وقد استظهرت في شرح كتاب‬
‫طبقات فحول الشعراء لبن سلم ‪ ، 89 :‬أن الصواب " آية " ‪ ،‬كما جاء في‬
‫مخطوطة الطبقات ‪ ،‬وشرح الطبري دال على صواب ما استظهرت‪ .‬وأهملت‬
‫كتب اللغة تفسير هذا الحرف على وجهه ‪ ،‬مع مجيئه في شعر كعب وغيره ‪،‬‬

‫كقول حجل بن نضلة ‪:‬‬
‫قوّلُ‬
‫ت كَبعض من يت َ َ‬
‫ة الممّزق آي َ ً‬
‫أبلغْ معاوي َ‬
‫ة ‪ ...‬عّني ‪ ،‬فلس ُ‬
‫) ‪(1/106‬‬
‫}القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب{‬
‫ح الخبُر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ‪- :‬‬
‫ص ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪َ :‬‬
‫‪ - 134‬حدثني به يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫أخبرني ابن أبي ذئب ‪ ،‬عن سعيد المقبري ‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ ،‬عن رسول الله‬
‫م القرآن ‪ ،‬وهي فاتحة الكتاب ‪ ،‬وهي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬هي أ ّ‬
‫السبع المثاني )‪. (1‬‬
‫فهذه أسماُء فاتحة الكتاب‪.‬‬
‫ميت " فاتحة الكتاب " ‪ ،‬لنها ُيفتتح بكتابتها المصاحف ‪ ،‬وُيقرأ بها في‬
‫وس ّ‬
‫َ‬
‫الصلوات ‪ ،‬فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة‪.‬‬
‫خر ما‬
‫ميت " أم القرآن " لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها ‪ ،‬وتأ ّ‬
‫وس ّ‬
‫ه بمعنى فاتحة‬
‫سواها خلفها في القراءة والكتابة‪ .‬وذلك من معناها شبي ٌ‬
‫م القرآن ‪ ،‬لتسمية العرب كل جامع‬
‫الكتاب‪ .‬وإنما قيل لها ‪ -‬بكونها كذلك ‪ -‬أ ّ‬
‫ما " ‪.‬‬
‫أمًرا ‪ -‬أو مقد ّم ٍ لمر إذا كانت له توابعُ تتبعه ‪ ،‬هو لها إمام جامع ‪ " -‬أ ّ‬
‫دماغ ‪ " :‬أم الرأس " )‪ . (2‬وتسمى لواء الجيش‬
‫فتقول للجلدة التي تجمع ال ّ‬
‫ما " ‪ .‬ومن ذلك قول ذي الّرمة ‪،‬‬
‫ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش ‪ " -‬أ ّ‬
‫ة معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحُبه ‪:‬‬
‫يصف راي ً‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 134‬رواه أحمد في المسند ‪ 448 : 3) 9787 :‬طبعة‬
‫الحلبي(‪ .‬والبخاري ‪ 289 : 8‬فتح الباري ‪ -‬كلهما من طريق ابن أبي ذئب ‪،‬‬
‫بهذا السناد‪ .‬ولفظ أحمد ‪ " :‬قال في أم القرآن ‪ :‬هي أم القرآن ‪ ،‬وهي‬
‫السبع المثاني ‪ ،‬وهي القرآن العظيم " ‪ .‬ولفظ البخاري ‪ " :‬أم القرآن ‪ :‬هي‬
‫السبع المثاني ‪ ،‬والقرآن العظيم " ‪ .‬وذكره ابن كثير في التفسير ‪، 21 : 1‬‬
‫من روايتي المسند والطبري‪ .‬وذكره السيوطي في الدر المنثور ‪، 3 : 1‬‬
‫ضا للدارمي وأبي داود والترمذي وابن المنذر وغيرهم‪ .‬وسيذكره‬
‫ونسبه أي ً‬
‫الطبري مرة أخرى ‪ ،‬في تفسير الية ‪ 87‬من سورة الحجر )‪41 - 40 : 14‬‬
‫من طبعة بولق( ‪ ،‬بهذا السناد‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المخطوطة ‪ " :‬تلي للدماغ " ‪ ،‬وهذه أجود‪.‬‬
‫) ‪(1/107‬‬
‫َ‬
‫ه أ َْزَرا )‪(1‬‬
‫حب َِتي ‪َ ... ،‬‬
‫خ ِ‬
‫في ِ‬
‫ص ْ‬
‫وَأ َ‬
‫واِري ل َ ُ‬
‫س ْ‬
‫ف الّثيا ِ‬
‫وام ٍ إَذا َنام ُ‬
‫ب ل تُ َ‬
‫مَر ‪ ،‬قَ ّ‬
‫ْ‬
‫مَرا )‪(2‬‬
‫م لنا ن َ ْ‬
‫جماعُ أمورٍ ل ُنعا ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫عََلى َرأ ِ‬
‫سه أ ّ‬
‫صي ل ََها أ ْ‬
‫دي ب َِها ‪ِ ... ،‬‬
‫ت ِقي َ‬
‫خَرا )‪(3‬‬
‫ق ن ََنال ب َِها فَ ْ‬
‫ت ذا َ‬
‫ت ‪ ...‬غَد َ ْ‬
‫ل ‪ :‬انزُلوا ‪ ،‬وإذا غد َ ْ‬
‫إَذا نزل ْ‬
‫ت ب ِْرزي ٍ‬
‫ة يجتمعون لها‬
‫م لنا " ‪ ،‬أي على رأس الرمح راي ٌ‬
‫يعني بقوله ‪ " :‬على رأسه أ ّ‬
‫قرى‬
‫م ال ُ‬
‫في النزول والرحيل وعند لقاء العدّو‪ .‬وقد قيل إن مكة سميت " أ ّ‬
‫سميت بذلك ‪ ،‬لن‬
‫م جميِعها ‪ ،‬و َ‬
‫" ‪ ،‬لتق ّ‬
‫دمها أما َ‬
‫مِعها ما سواها‪ .‬وقيل ‪ :‬إنما ُ‬
‫ج ْ‬
‫ما‪ .‬ومن ذلك قو ُ‬
‫ور‬
‫الرض د ُ ِ‬
‫ل ُ‬
‫ت منها فصارت لجميعها أ ّ‬
‫حي َ ْ‬
‫حميد بن ث َ ْ‬

‫ي‪:‬‬
‫الهلل ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب )‪(4‬‬
‫إذا كان ِ‬
‫موت ‪ ،‬طِبي ُ‬
‫دائك ‪ ،‬إل أ ْ‬
‫ن ‪ ...‬ل ِ َ‬
‫سو َ‬
‫ت الخم ُ‬
‫ن تَ ُ‬
‫نأ ّ‬
‫مك ‪ ،‬لم يك ْ‬
‫ما للذي قد بلغها‪.‬‬
‫لن الخمسين جامع ٌ‬
‫ة ما دونها من العدد ‪ ،‬فسماها أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ ، 183 :‬مع اختلف في بعض الرواية ‪ ،‬ورواية الطبري أجودهما‪.‬‬
‫ما ساهًرا‪ .‬خفيف‬
‫أسمر ‪ :‬يعني رم ً‬
‫حا أسمر القناة‪ .‬قوام ‪ :‬يظل الليل قائ ً‬
‫الثياب ‪ :‬يعني اللواء‪ .‬والزر ‪ :‬الظهر‪ .‬يقول ‪ :‬رمح أسمر عاري الثياب ‪ ،‬ل‬
‫يواري اللواء ظهره كما يواري الثوب ظهر اللبس‪.‬‬
‫)‪ (2‬في الديوان ‪ " :‬يهتدي " ‪ ،‬والصواب " نهتدي " ‪ .‬وأمه التي ذكر ‪ ،‬هي‬
‫اللواء ‪ ،‬ويقال للواء وما لف على الرمح منه ‪ :‬أم الرمح‪ .‬وجماع أمور ‪ :‬أي‬
‫عا‪ .‬قال ‪:‬‬
‫تجمعها فتجتمع عليها ‪ ،‬وفي الحديث ‪ " :‬حدثني بكلمة تكون جما ً‬
‫ما‪ .‬وأما قوله ‪ :‬ل‬
‫اتق الله فيما تعلم " ‪ .‬والمور جمع أمر ‪ :‬يعني شئوًنا عظا ً‬
‫نعاصي لها أمًرا‪ .‬فهو من المر نقيض النهي‪.‬‬
‫)‪ " (3‬نزلت " يعني الراية‪ .‬و " غدت " ‪ :‬سارت غدوة‪ .‬وفي المطبوعة " ذات‬
‫تزريق " وهو خطأ‪ .‬والبزريق ‪ :‬الموكب الضخم فيه جماعات الناس‪ .‬وقوله ‪:‬‬
‫" ننال بها فخًرا " أي نغزو في ظللها ‪ ،‬فنظهر على عدونا ونظفر ونغنم ‪،‬‬
‫وذلك هو الفخر‪ .‬وفي الديوان ‪ " :‬تخال بها فخًرا " وفي المخطوطة ‪ " :‬تخال‬
‫لها " ‪ ،‬كأنه من صفة الراية نفسها ‪ ،‬تهتز وتميل فخًرا وتيًها لكثرة أتباعها من‬
‫الغزاة والفرسان‪.‬‬
‫)‪ (4‬الشعر ليس لحميد بن ثور ‪ ،‬ول هو في ديوانه ‪ ،‬بل هو لبي محمد التيمي‬
‫عبد الله بن أيوب ‪ ،‬مولى بني تيم ثم من بني سليم ‪ ،‬من أهل الكوفة ‪ ،‬من‬
‫شعراء الدولة العباسية‪ .‬أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر ‪ ،‬كان صديقا‬
‫ما لهما‪ .‬ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم ‪،‬‬
‫لبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ‪ ،‬وندي ً‬
‫واتصل بيزيد بن مزيد ‪ ،‬فلم يزل منقطًعا إليه حتى مات يزيد‪ .‬الغاني ‪: 18‬‬
‫‪ .115‬وهذا البيت من قصيدة له ‪ ،‬روى بعض أبياتها الجاحظ في البيان ‪: 3‬‬
‫‪ ، 195‬وابن قتيبة في عيون الخبار ‪ ، 322 : 2‬والراغب في محاضرات‬
‫الدباء ‪ ، 198 : 2‬ومجموعة المعاني ‪ ، 124 :‬والشعر فيها جميًعا منسوب‬
‫لبي محمد التيمي ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫كن ‪ ...‬لداِئك ‪ ،‬إل أن تموت ‪ ،‬طبيب وإن امرأ ً‬
‫ُ‬
‫إذا كانت السبعون سّنك ‪ ،‬لم ي‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ت ‪ ،‬ولكن ق ْ‬
‫ل‬
‫خلو‬
‫‪...‬‬
‫د‬
‫ال‬
‫ت‬
‫خلو‬
‫ما‬
‫إذا‬
‫ب‬
‫لقري‬
‫ده‬
‫من وِْر ِ‬
‫ل‪ِ ،‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قد س ‪ ...‬إلى َ‬
‫مْنه ٍ‬
‫ب‬
‫خل ّ ْ‬
‫ضى ال َ‬
‫ما ان َ‬
‫قْرن ‪ ...‬و ُ‬
‫ن فأنت غري ُ‬
‫ق َ‬
‫ي رقي ُ‬
‫ب إذا َ‬
‫فت في قر ٍ‬
‫عل ّ‬
‫وللبيت الثاني قصة في أمالي القالي ‪ ، 1 : 3‬وانظر زهر الداب ‪، 221 : 3‬‬
‫وذكر البيت الثاني والرابع وقال ‪ " :‬قال دعبل ‪ :‬وتزعم الرواة أنه لعرابي‬
‫من بني أسد " ‪ .‬واختلفوا في رواية قوله ‪ " :‬السبعون سنك " ‪ ،‬ففيها "‬
‫الخمسون " ‪ ،‬و " الستون " ‪ .‬ولم أجد روايته " أمك " مكان " سنك " إل في‬
‫كتاب الطبري وحده‪.‬‬
‫) ‪(1/108‬‬
‫سب ْعُ " ‪ ،‬فإنها سبعُ آيات ‪ ،‬ل خلف بين الجميع من‬
‫وأما تأويل اسمها أنها " ال ّ‬
‫القّراء والعلماء في ذلك‪.‬‬
‫ْ‬
‫م أهل الكوفة ‪:‬‬
‫وإنما اختلفوا في الي التي صارت بها سبع آيات‪ .‬فقال عُظ ُ‬
‫حيم ِ { وُروي ذلك عن جماعة‬
‫ن الّر ِ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫صارت سبع آيات ب } ب ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬

‫من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬هي‬
‫حيم ِ { ولكن السابعة "‬
‫ن الّر ِ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫سبع آيات ‪ ،‬وليس منهن } ب ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مْتقنيهم )‪. (1‬‬
‫أنعمت عليهم " ‪ .‬وذلك قول عُظم قَرأةِ أهل المدينة و ُ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وقد بّينا الصواب من القول عندنا في ذلك في كتابنا ‪:‬‬
‫)اللطيف في أحكام شرائع السلم( بوجيز من القول ‪ ،‬ونستقصي بيان ذلك‬
‫بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين‬
‫في كتابنا ‪) :‬الكبر في أحكام شرائع السلم( إن شاء الله ذلك‪.‬‬
‫مثان ‪ ،‬فلنها ت ُث َْنى‬
‫وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبعَ بأنهن َ‬
‫وع ومكتوبة‪ .‬وكذلك كان الحسن البصري يتأّول‬
‫قراءتها في كل صلة وتط ّ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫علَية ‪ ،‬عن أبي َرجاء ‪،‬‬
‫‪ - 135‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫قد ْ آت َي َْنا َ‬
‫ن‬
‫مَثاِني َوال ُ‬
‫قال سألت الحسن عن قوله ‪ } :‬وَل َ َ‬
‫سب ًْعا ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ك َ‬
‫ن ال َ‬
‫م َ‬
‫م{‬
‫ال ْعَ ِ‬
‫ظي َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬أعظم أهل الكوفة‪ " ...‬ثم " أعظم قراء أهل المدينة "‬
‫‪ .‬وهو تغيير‪ .‬وعظم الشيء أو الناس ‪ :‬معظمهم وأكثرهم‪ .‬و " قرأة " جمع‬
‫قارئ‪ .‬وانظر ما سلف ‪ 52 - 51 :‬التعليق رقم ‪ 3 :‬و ص ‪ 64‬تعليق رقم ‪. 4 :‬‬
‫ضا‪.‬‬
‫وفي المطبوعة " ومتفقهيهم " ‪ ،‬غيروه أي ً‬
‫) ‪(1/109‬‬
‫]سورة الحجر ‪ [87 :‬قال ‪ :‬هي فاتحة الكتاب‪ .‬ثم سئل عنها وأنا أسمع‬
‫ن { حتى أتى على آخرها ‪ ،‬فقال ‪ :‬ت ُث َْنى في‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫فقرأها ‪ } :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫كل قراءة ‪ -‬أو قال ‪ -‬في كل صلة‪ .‬الشك من أبي جعفر الطبري )‪. (1‬‬
‫والمعنى الذي قلنا في ذلك قصد أبو النجم العجلي بقوله ‪:‬‬
‫عاَفاِني ‪ ...‬وك ّ‬
‫عطاِني‬
‫خْير بعد َه ُ أ َ ْ‬
‫ل َ‬
‫الحمد ُ لله الذي َ‬
‫مَثاني )‪(2‬‬
‫ن ال ُ‬
‫قَرآن و ِ‬
‫ِ‬
‫ن ال َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وكذلك قول الراجز الخر ‪:‬‬
‫َ‬
‫نَ َ‬
‫مثاِني )‪(3‬‬
‫منزل ال ُ‬
‫ن ‪ ...‬أ ّ‬
‫م الك َِتاب ال ّ‬
‫سبع من َ‬
‫شد ُْتكم ب ِ ُ‬
‫فرقا ِ‬
‫ّ‬
‫دواِني )‪(4‬‬
‫ي من ال ُ‬
‫ن ِ‬
‫ول ال ّ‬
‫ن ‪ ...‬وال ّ‬
‫سبِع سبِع الط َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫م ْ‬
‫ث ُّني َ‬
‫نآ ٍ‬
‫وليس في وجوب اسم " السبع المثاني " لفاتحة الكتاب ‪ ،‬ما يدفع صحة‬
‫وجوب اسم " المثاني " للقرآن كله ‪ ،‬ولما ث َّنىالمئين من السور )‪ . (5‬لن‬
‫لك ّ‬
‫ة‬
‫ما ‪ ،‬ل ي َ ْ‬
‫ض ذلك بالمثاني ‪ -‬تسمي ُ‬
‫ف ُ‬
‫ل وجًها ومعًنى مفهو ً‬
‫سد ‪ -‬بتسميته بع َ‬
‫غيره بها‪.‬‬
‫ن من سور القرآن بالمثاني ‪ ،‬فقد بينا صحته ‪،‬‬
‫فأما وجه تسمية ما ث َّنى المئي َ‬
‫وسند ُ ّ‬
‫ل على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه في سورة‬
‫مر ‪ ،‬إن شاء الله‪.‬‬
‫الّز َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 135‬سيأتي في تفسير الية ‪ 87 :‬سورة الحجر ‪39 - 38 : 14‬‬
‫)بولق( ‪ ،‬بهذا السناد ‪ ،‬بلفظ " في كل قراءة " ‪ ،‬ولم يشك الطبري هناك‪ .‬و‬
‫" أبو رجاء " ‪ ،‬في هذا السناد ‪ :‬هو " محمد بن سيف الزدي الحداني‬
‫البصري " ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي وغيرهم‪.‬‬
‫)‪ (2‬اللسان )ثنى( ‪ :‬ومجاز القرآن لبي عبيدة ‪ .7 :‬وقوله " بعده " الضمير‬

‫عائد بالتذكير إلى معنى العافية في البيت السالف‪ .‬ورواية اللسان وأبي‬
‫عبيدة " وكل خير صالح " ‪ ،‬ثم روى الخير ‪:‬‬
‫" رب مثاني الي والقرآن "‬
‫)‪ (3‬مجاز القرآن لبي عبيدة ‪ " 7 :‬أم الكتاب " بدل من " الفرقان " ‪.‬‬
‫)‪ (4‬في المطبوعة " تبين " ول معنى لها ‪ ،‬ومكان هذه الكلمة بياض في‬
‫المخطوطة‪ .‬و " ثنين " ‪ :‬كررن مرة بعد مرة‪ .‬وقوله " الدواني " مكانها‬
‫بياض في المخطوطة‪ .‬وكأنه أراد جمع دانية ‪ ،‬ووصفها بأنها " دواني " ‪ ،‬أي‬
‫قطوفها دانية‪.‬‬
‫)‪ (5‬في المطبوعة ‪ " :‬وجود " مكان " وجوب " في الموضعين السالفين‪.‬‬
‫وفي المطبوعة " ولما يثنى من السور " ‪ ،‬وهي في المخطوطة ‪ " :‬ولما هي‬
‫المئين‪ " ...‬وكلتاهما خطأ‪ .‬وقد سلف في ص ‪ 103 :‬قوله ‪ " :‬وأما المثاني ‪،‬‬
‫فإنها ما ثنى المئين فتلها ‪ ،‬وكان المئون لها أوائل ‪ ،‬وكان المثاني لها ثواني "‬
‫وثنى ‪ :‬أتى ثانًيا له‪.‬‬
‫) ‪(1/110‬‬
‫القول في تأويل الستعاذة‬
‫عوذ ُ { ‪.‬‬
‫تأويل قوله ‪ } :‬أ َ ُ‬
‫ه‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والستعاذة ‪ :‬الستجارة‪ .‬وتأويل قول القائل ‪ } :‬أ َ ُ‬
‫عوذ ُ ِبالل ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫جيم ِ { أستجيُر بالله ‪ -‬دون غيره من سائر خلقه ‪ -‬من‬
‫ِ‬
‫ن الّر ِ‬
‫طا ِ‬
‫م َ‬
‫مني لَربي‪.‬‬
‫ز‬
‫يل‬
‫حق‬
‫عن‬
‫دني‬
‫يص‬
‫أو‬
‫‪،‬‬
‫ديني‬
‫في‬
‫رني‬
‫يض‬
‫أن‬
‫الشيطان‬
‫ّ‬
‫َ ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن{‬
‫طا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ال‬
‫ن‬
‫تأويل قوله ‪ِ } :‬‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والشيطان ‪ ،‬في كلم العرب ‪ :‬كل متمّرد من الجن والنس‬
‫ب وكل شيء‪ .‬وكذلك قال رّبنا جل ثناؤه ‪ } :‬وَك َذ َل ِ َ‬
‫جعَل َْنا ل ِك ُ ّ‬
‫ي‬
‫ك َ‬
‫والدوا ّ‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫ْ‬
‫عَد ُّوا َ‬
‫ن { ]سورة النعام ‪ ، [112 :‬فجعل من النس‬
‫شَيا ِ‬
‫س َوال ِ‬
‫ج ّ‬
‫طي َ‬
‫ن الن ْ ِ‬
‫ن ‪ ،‬مث َ‬
‫ن‪.‬‬
‫ل الذي جعل من الج ّ‬
‫شياطي َ‬
‫وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ‪ ،‬وركب ِبرذ َوًْنا فجعل يتبختر به ‪،‬‬
‫فجعل يضربه فل يزداد إل تبختًرا ‪ ،‬فنزل عنه ‪ ،‬وقال ‪ :‬ما حملتموني إل على‬
‫ه حتى أنكرت َنفسي‪.‬‬
‫ن! ما نزلت عن ُ‬
‫شيطا ٍ‬
‫‪ - 136‬حدثنا بذلك يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫أخبرني هشام بن سعد ‪ ،‬عن زيد بن أسلم ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن عمر )‪. (1‬‬
‫سمي المتمّرد من كل شيء شيطاًنا ‪ ،‬لمفارقة أخلقه‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وإنما ُ‬
‫ده من الخير‪ .‬وقد قيل ‪ :‬إنه أخذ من‬
‫وأفعاله أخلقَ سائر جنسه وأفعاله ‪ ،‬وُبع ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ 136 :‬نقله ابن كثير في التفسير ‪ 32 : 1‬من رواية ابن وهب ‪ ،‬بهذا‬
‫السناد‪ .‬وقال " إسناده صحيح " ‪ .‬وذكر الطبري في التاريخ ‪ 160 : 4‬نحو‬
‫معناه بسياق آخر ‪ ،‬بدون إسناد‪.‬‬
‫) ‪(1/111‬‬
‫قول القائل ‪َ :‬‬
‫ت َداري من دارك ‪ -‬يريد بذلك ‪ :‬ب َُعدت‪ .‬ومن ذلك قول‬
‫شط َن َ ْ‬
‫نابغة بني ذبيان ‪:‬‬

‫ش ُ‬
‫وى َ‬
‫ن )‪(1‬‬
‫ن ‪ ...‬فباَنت ‪ ،‬والفؤاد ُ بها َر ِ‬
‫طو ُ‬
‫ت بِ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫هي ُ‬
‫سَعاد َ عَْنك ن َ ً‬
‫صدْته‪ .‬وال ّ‬
‫ن ‪ :‬البعيد‪ .‬فكأن الشيطان ‪-‬‬
‫شطو ُ‬
‫والنوى ‪ :‬الوجه الذي ن َوَْته وق َ‬
‫ش َ‬
‫ل على أن ذلك كذلك ‪ ،‬قولُ‬
‫طن‪ .‬ومما يد ّ‬
‫على هذا التأويل ‪َ -‬فيَعال من َ‬
‫صلت ‪:‬‬
‫أمّية ابن أبي ال ّ‬
‫َ‬
‫ل )‪(2‬‬
‫عكاه ُ ‪ُ ...‬ثم ي ُل ْ َ‬
‫صاه َ‬
‫ما شا ِ‬
‫س ْ‬
‫قى في ال ّ‬
‫أي ّ َ‬
‫طن عَ َ‬
‫جن والك َْبا ِ‬
‫ولو كان َفعلن ‪ ،‬من شا َ‬
‫ط يشيط ‪ ،‬لقال أّيما شائط ‪ ،‬ولكنه قال ‪ :‬أيما‬
‫ُ‬
‫ش َ‬
‫طن ي َ ْ‬
‫ن ‪ ،‬لنه من " َ‬
‫ن ‪ ،‬فهو شاطن " ‪.‬‬
‫شط ُ‬
‫شاط ٍ‬
‫م(‪.‬‬
‫تأويل قوله ‪) :‬الّر ِ‬
‫جي ِ‬
‫ة‬
‫ب ‪ ،‬ولحي ٌ‬
‫وأما الرجيم فهو ‪َ :‬فعيل بمعنى مفعول ‪ ،‬كقول القائل ‪ :‬ك ّ‬
‫ف خضي ٌ‬
‫ن ‪ ،‬يريد بذلك ‪ :‬مخضوبة ومدهونة وملعون‪ .‬وتأويل الرجيم ‪:‬‬
‫دهين ‪ ،‬ورجل َلعي ٌ‬
‫جوم‪ .‬وأصل‬
‫مْر ُ‬
‫ل رديء أو س ّ‬
‫ب فهو َ‬
‫الملعون المشتوم‪ .‬وكل مشتوم بقو ٍ‬
‫ي ‪ ،‬بقول كان أو بفعل‪ .‬ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم‬
‫الرجم الّرم ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ّك { ]سورة مريم ‪.[46 :‬‬
‫م ت َن ْت َهِ لْر ُ‬
‫ج َ‬
‫نل ْ‬
‫لبراهيم صلوات الله عليه ‪ } :‬لئ ِ ْ‬
‫م ‪ ،‬لن الله جل ثناؤه طَرده من‬
‫وقد يجوز أن يكون ِقيل للشيطان رجي ٌ‬
‫سمواته ‪ ،‬ورجمه بال ّ‬
‫شهب الّثواِقب )‪(3‬‬
‫َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬زيادات ديوانه ‪. 20 :‬‬
‫)‪ (2‬ديوانه ‪ ، 51 :‬واللسان )شطن( و )عكا(‪ .‬وعكاه في الحديد والوثاق ‪:‬‬
‫قا‪ .‬والكبال جمع كبل ‪ :‬وهو القيد من الحديد‪ .‬وأظنه أراد هنا‬
‫دا وثي ً‬
‫شده ش ّ‬
‫البيت في السجن المضبب بالحديد ‪ ،‬من قولهم ‪ :‬كبله كبل ‪ :‬حبسه في‬
‫سجن‪ .‬هذا ما أستظهره من سياق الشعر‪.‬‬
‫)‪ (3‬الشهب ‪ ،‬جمع شهاب ‪ :‬وهو الشعلة من النار ‪ ،‬ثم استعير للكوكب الذي‬
‫ينقض بالليل‪ .‬والثواقب ‪ ،‬جمع ثاقب ‪ :‬وهو المضيء المشتعل‪.‬‬
‫) ‪(1/112‬‬
‫وقد ُروي عن ابن عباس ‪ ،‬أن أول ما نزل جبري ُ‬
‫ل على النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم عَّلمه الستعاذة‪.‬‬
‫سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫‪ - 137‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن َ‬
‫حاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الض ّ‬
‫عُ َ‬
‫أول ما نزل جبري ُ‬
‫ل على محمد قال ‪ " :‬يا محمد استعذ ‪ ،‬قل ‪ :‬أستعيذ‬
‫بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬قل ‪ " :‬بسم الله الرحمن‬
‫ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫خل َقَ { ]العلق ‪ .[1 :‬قال عبد‬
‫ذي َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫الرحيم " ‪ ،‬ثم قال ‪ } :‬اقَْرأ ِبا ْ‬
‫الله ‪ :‬وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل )‪. (1‬‬
‫فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 137‬نقله ابن كثير في التفسير ‪ 30 : 1‬عن هذا الموضع من‬
‫الطبري ‪ ،‬وقال ‪ " :‬وهذا الثر غريب! وإنما ذكرناه ليعرف ‪ ،‬فإن في إسناده‬
‫عا " ‪ .‬وسيرويه الطبري بعد ذلك ‪ ،‬برقمي ‪ ، 139 ، 138‬بهذا‬
‫ضع ً‬
‫فا وانقطا ً‬
‫السناد نفسه ‪ ،‬بأطول مما هنا‪ .‬وسنذكر الضعف الذي أشار إليه ابن كثير ‪:‬‬
‫وقوله " استعذ " ليست في المطبوعة‪.‬‬
‫أما عثمان بن سعيد ‪ ،‬فهو الزيات الحول ‪ ،‬مترجم في التهذيب ‪ ،‬وفي الجرح‬
‫والتعديل لبن أبي حاتم ‪ ، 152 \1 \3‬وروى عن أبيه أنه قال ‪ " :‬ل بأس به‬

‫" ‪ .‬وأما بشر بن عمارة ‪ ،‬فهو الخثعمي الكوفي ‪ ،‬وهو ضعيف ‪ ،‬قال البخاري‬
‫في التاريخ الكبير ‪ " 81 \2 \1‬تعرف وتنكر " ‪ ،‬وقال النسائي في الضعفاء ‪:‬‬
‫ص ‪ " 6‬ضعيف " ‪ ،‬وقال الدارقطني ‪ " :‬متروك " ‪ ،‬وقال ابن حبان في كتاب‬
‫المجروحين ‪ :‬ص ‪ 125‬رقم ‪ " : 132‬كان يخطئ حتى خرج عن حد الحتجاج‬
‫به إذا انفرد ‪ ،‬ولم يكن يعلم الحديث ول صناعته " ‪ ،‬وأما شيخه أبو روق ‪-‬‬
‫بفتح الراء وسكون الواو ‪ -‬فهو عطية بن الحارث الهمداني ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬وقال‬
‫أحمد والنسائي ‪ " :‬ل بأس به " ‪.‬‬
‫وأما النقطاع الذي أشار إليه ابن كثير ‪ ،‬فمن أجل اختلفهم في سماع‬
‫الضحاك بن مزاحم الهللي من ابن عباس‪ .‬وقد رجحنا في شرح المسند ‪:‬‬
‫‪ 2262‬سماعه منه‪.‬‬
‫فا في السناد ‪ ،‬إلى نكارة السياق الذي رواه‬
‫وكفى ببشر بن عمارة ضع ً‬
‫وغرابته!!‬
‫) ‪(1/113‬‬
‫حيم ِ )‪(1‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫بِ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫القول في تأويل‬
‫)بسم الله الرحمن الرحيم(‬
‫سم ِ { ‪.‬‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬ب ِ ْ‬
‫دا صلى‬
‫دست أسماؤه أّدب نبيه محم ً‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬إن الله تعالى ذكره وتق ّ‬
‫م ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ‪،‬‬
‫الله عليه وسلم بتعليمه تقدي َ‬
‫ماته )‪ ، (1‬وجعل ما أّدبه به من ذلك‬
‫وتق ّ‬
‫مه ّ‬
‫دم إليه في َوصفه بها قبل جميع ُ‬
‫ة يست َّنون بها )‪ ، (2‬وسبيل يّتبعونه عليها ‪،‬‬
‫سن ّ ً‬
‫وعّلمه إياه ‪ ،‬منه لجميع خلقه ُ‬
‫فبه افتتاح أوائل منطقهم )‪ ، (3‬وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ‪ ،‬حتى‬
‫أغنت دللة ما ظهر من قول القائل ‪ " :‬بسم الله " ‪ ،‬على من بطن من‬
‫مراده الذي هو محذوف‪.‬‬
‫وذلك أن الباء من " بسم الله " مقتضية فعل يكون لها جالًبا ‪ ،‬ول فع َ‬
‫ل معها‬
‫ظاهٌر ‪ ،‬فأغنت سامعَ القائل " بسم الله " معرفُته بمراد قائله ‪ ،‬عن إظهار‬
‫مراَده قول إذ ْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمًرا ‪ ،‬قد أحضَر‬
‫قائل ذلك ُ‬
‫ة‬
‫منط ُ‬
‫مَعه عن دلل ٍ‬
‫ل ‪ -‬ما قد أغنى سا ِ‬
‫ما معه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫قه به ‪ -‬إ ّ‬
‫ما قبله بل ف ْ‬
‫ص ٍ‬
‫َ‬
‫شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح ِقيله به )‪ . (4‬فصار استغناُء سامع ذلك منه‬
‫عن إظهار ما حذف منه ‪ ،‬نظيَر استغنائه ‪ -‬إذا سمع قائل قيل له ‪ :‬ما أكلت‬
‫ما " ‪ -‬عن أن يكّرر المسُئو ُ‬
‫ما " ‪،‬‬
‫ل مع قوله " طعا ً‬
‫اليوم ؟ فقال ‪ " :‬طعا ً‬
‫دم مسألة‬
‫أكلت ‪ ،‬لما قد ظهر لديه من الدللة على أن ذلك معناه )‪ ، (5‬بتق ّ‬
‫ن قول‬
‫السائل إياه عما أكل‪ .‬فمعقول إًذا أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬تقدم إليه بشيء ‪ :‬أمره بفعله أو إتيانه ‪.‬‬
‫)‪ (2‬يقول ‪ :‬جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها ‪ .‬فقدم قوله "‬
‫منه لجميع خلقه " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة ‪ " :‬في افتتاح ‪ " . . .‬والضمير في " فبه " عائد إلى " ما‬
‫أدبه به " ‪.‬‬

‫)‪ (4‬في المطبوعة ‪ " :‬من إظهار " ‪ " ،‬من دللة شاهدة " ‪.‬‬
‫)‪ (5‬معناه ‪ :‬أي ما يعنيه ويقصده ‪.‬‬
‫) ‪(1/114‬‬
‫القائل إذا قال ‪ " :‬بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تالًيا سورة ً ‪ ،‬أن‬
‫إتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلوة َ السورة ‪ُ ،‬ينبئ عن معنى قوله ‪" :‬‬
‫م به أنه مريد بذلك ‪ :‬أقرأ بسم الله‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهو ٌ‬
‫الرحمن الرحيم‪ .‬وكذلك قوله ‪ " :‬بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده‬
‫قيِله "‬
‫وسائر أفعاله ‪ ،‬ينبئ عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ‪ ،‬وأنه أراد ب ِ‬
‫بسم الله " ‪ ،‬أقوم باسم الله ‪ ،‬وأقعد باسم الله‪ .‬وكذلك سائر الفعال‪.‬‬
‫وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ‪ ،‬هو معنى قول ابن عباس الذي ‪- :‬‬
‫‪ - 138‬حدثنا به أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشُر‬
‫حاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪،‬‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الض ّ‬
‫بن عُ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن أول ما نزل به جبريل على محمد ‪ ،‬قال ‪ " :‬يا محمد ‪ ،‬قل ‪ :‬أستعيذ‬
‫قال ‪ :‬إ ّ‬
‫بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال ‪ " :‬قل بسم الله الرحمن‬
‫الرحيم " ‪ .‬قال ‪ :‬قال له جبريل ‪ :‬قل بسم الله يا محمد ‪ ،‬يقول ‪ :‬اقرأ بذكر‬
‫الله ربك ‪ ،‬وقم واقعد بذكر الله‪(1) .‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬فإن قال لنا قائل ‪ :‬فإن كان تأوي ُ‬
‫ل قوله " بسم الله " ما‬
‫ت ‪ ،‬فكيف قيل " بسم الله "‬
‫ت ‪ ،‬والجال ُ‬
‫ب الباَء في " بسم الله " ما ذكر َ‬
‫وصف َ‬
‫ت أن ك ّ‬
‫ل‬
‫‪ ،‬بمعنى أقرأ باسم الله " ‪ ،‬أو أقوم أو أقعد باسم الله ؟ وقد علم َ‬
‫ل‬
‫ئ كتا َ‬
‫قار ٍ‬
‫ون الله وتوفيقه قراءُته ‪ ،‬وأن كل قائم أو قاعد أو فاع ٍ‬
‫ب الله ‪ ،‬فبعَ ْ‬
‫ُ‬
‫هل ‪ -‬إذ ْ كان ذلك كذلك ‪ -‬قيل " بسم الله‬
‫مه وقعوُده وفعله‪ .‬و َ‬
‫فعل فبالله قيا ُ‬
‫قل " بسم الله " ؟ فإن قول القائل ‪ :‬أقوم وأقعد‬
‫الرحمن الرحيم " ولم ي َ ُ‬
‫ح معنى لسامعه من قوله " بسم‬
‫بالله الرحمن الرحيم ‪ ،‬أو أقرأ بالله ‪ -‬أوض ُ‬
‫الله " ‪ ،‬إذ كان قوله أقوم " أقوم أو أقعد باسم الله " ‪ ،‬يوهم سامَعه أن‬
‫قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله‪.‬‬
‫همته في‬
‫قيل له ‪ ،‬وبالله التوفيق ‪ :‬إن المقصود َ إليه من معنى ذلك غيُر ما تو ّ‬
‫نفسك‪ .‬وإنما معنى قوله " بسم الله " ‪ :‬أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل‬
‫شيء ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 138‬مضى مختصًرا ‪ ،‬بهذا السناد ‪ . 137‬وفصلنا القول فيه‬
‫هناك ‪.‬‬
‫) ‪(1/115‬‬
‫قيِله‬
‫ره ‪ -‬ل أنه يعني ب ِ‬
‫ه ‪ ،‬أو أقوم وأقعد بتسميتي الل َ‬
‫أو أقرأ بتسميتي الل َ‬
‫ه وذك ِ‬
‫ن قو ُ‬
‫ل القائل ‪ :‬أقرأ بالله ‪ ،‬أو‬
‫" بسم الله " ‪ :‬أقوم بالله ‪ ،‬أو أقرأ بالله ‪ ،‬فيكو َ‬
‫أقوم أو أقعد بالله ‪ -‬أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله " بسم الله " ‪.‬‬
‫ت ‪ ،‬فكيف قيل ‪ " :‬بسم الله‬
‫فإن قال ‪ :‬فإن كان المر في ذلك على ما وصف َ‬
‫ميت ؟‬
‫تأ ّ‬
‫م ‪ ،‬وأن التسمية مصدٌر من قولك َ‬
‫س ّ‬
‫ن السم اس ٌ‬
‫" وقد علم َ‬
‫ة على أسماء مختلفة ‪ ،‬كقولهم ‪:‬‬
‫ب قد تخرج المصادَر مبهم ً‬
‫قيل ‪ :‬إن العر َ‬

‫ت " ‪ -‬إذا أخرج على فعله ‪" -‬‬
‫ت فلًنا كرام ً‬
‫ة ‪ ،‬وإنما بناُء مصدر " أفعل ُ‬
‫أكرم ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ما‪ .‬وبناء مصدر ‪ " :‬فّعلت‬
‫الفعال " ‪ .‬وكقولهم ‪ :‬أهنت فلًنا َ‬
‫هواًنا ‪ ،‬وكلمته كل ً‬
‫" التفعيل‪ .‬ومن ذلك قول الشاعر ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عا )‪(1‬‬
‫تا‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ة‬
‫ئ‬
‫م‬
‫ال‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫طا‬
‫أ َك ُ ْ‬
‫ِ َ ّ َ َ‬
‫ت عَّني‪ ...‬وبعد عَ ِ‬
‫موْ ِ‬
‫فًرا بعد َرد ّ ال َ‬
‫يريد ‪ :‬إعطائك‪ .‬ومنه قول الخر ‪:‬‬
‫َ‬
‫ت في َ‬
‫جاء َ‬
‫خ ُ‬
‫كأ ْ‬
‫شعََبا )‪(2‬‬
‫ن هذا الب ُ ْ‬
‫سجي ً‬
‫طوِلي َر َ‬
‫َوإن كا َ‬
‫ل مْنك َ‬
‫ة‪ ...‬لقد ك ُن ْ ُ‬
‫يريد ‪ :‬في إطالتي رجاءك‪ .‬ومنه قول الخر ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م )‪(3‬‬
‫م تحي ّ ً‬
‫جل‪ ...‬أهْ َ‬
‫صاَبكم َر ُ‬
‫سل َ‬
‫دى ال ّ‬
‫ة ظل ُ‬
‫م إن ُ‬
‫أظ ُل َي ْ ُ‬
‫م َ‬
‫يريد ‪ :‬إصابتكم‪ .‬والشواهد في هذا المعنى تكث ُُر ‪ ،‬وفيما ذكرنا كفاية ‪ ،‬لمن‬
‫وُّفق لفهمه‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الشعر للقطامي ديوانه ‪ ، 41 :‬ويأتي في تفسير آية سورة يوسف ‪12 :‬‬
‫)ج ‪ 12‬ص ‪ 94‬بولق( ‪ .‬يقول لزفر بن الحارث الكلبي ‪ ،‬وكان أسره في‬
‫حرب ‪ ،‬فمن عليه وأعطاه مئة من البل ‪ ،‬ورد عليه ماله ‪ .‬يقول ‪ :‬أأكفر بما‬
‫وليتني ‪ ،‬وقد أعطيت ما أعطيت ‪ .‬والعطاء بمعنى العطاء ‪ ،‬ولذلك نصب به "‬
‫المئة " ‪ .‬والرتاع جمع راتع ‪ :‬يعني البل ترتع في مرعى خصيب تذهب فيه‬
‫وتجيء ‪.‬‬
‫)‪ (2‬لم أجد البيت ‪ .‬وأشعب ‪ :‬الطماع الذي يضرب به المثل في الطمع‬
‫المستعر ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الشعر للحارث بن خالد المخزومي ‪ ،‬الغاني ‪ ، 226 - 225 : 9‬وهذا‬
‫البيت الذي من أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازني النحوي ‪ ،‬وله‬
‫قصة ‪ .‬انظر الغاني ‪ 234 : 9‬وغيره ‪ ،‬وفي المطبوعة ‪ " :‬أظلوم " ‪،‬‬
‫والصواب من المخطوطة ‪ ،‬والغاني وأمالي الشجري ‪ 107 : 1‬وغيرها ‪.‬‬
‫وهذه الشواهد السالفة استشهاد من الطبري على أن السماء تقوم مقام‬
‫المصادر فتعمل عملها في النصب ‪ .‬وظليم ‪ :‬هي أم عمران ‪ ،‬زوجة عبد الله‬
‫بن مطيع ‪ ،‬وكان الحارث ينسب بها ‪ ،‬فلما مات زوجها تزوجها ‪.‬‬
‫) ‪(1/116‬‬
‫فإذ ْ كان المر ‪ -‬على ما وصفنا ‪ ،‬من إخراج العرب مصادَر الفعال على غير‬
‫بناء أفعالها ‪ -‬كثيًرا ‪ ،‬وكان تصديرها إياها على مخارج السماء موجوًدا فاشًيا )‬
‫ب ما قلنا من التأويل في قول القائل " بسم الله " ‪ ،‬أن‬
‫ن بذلك صوا ُ‬
‫‪ ، (1‬فبي ّ ٌ‬
‫معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول ‪ :‬أبدأ بتسمية الله ‪ ،‬قبل فعلي ‪،‬‬
‫أو قبل قولي‪.‬‬
‫وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلوة القرآن ‪ " :‬بسم الله الرحمن‬
‫الرحيم " ‪ ،‬إنما معناه ‪ :‬أقرأ مبتدًئا بتسمية الله ‪ ،‬أو أبتدئ قراءتي بتسمية‬
‫م مكان التكليم ‪،‬‬
‫م " مكان التسمية ‪ ،‬كما ُ‬
‫الله‪ .‬ف ُ‬
‫جعل الكل ُ‬
‫جِعل " الس ُ‬
‫والعطاُء مكان العطاء‪.‬‬
‫وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ‪ُ ،‬رِوي الخبر عن عبد الله بن عباس‪.‬‬
‫‪ - 139‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫عُ َ‬
‫أّول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال ‪ " :‬يا محمد ‪ ،‬قل ‪:‬‬
‫أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬قل ‪ :‬بسم الله‬

‫الرحمن الرحيم " ‪.‬‬
‫ُ‬
‫قال ابن عباس ‪ " :‬بسم الله " ‪ ،‬يقول له جبريل ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬اقرأ بذكر الله‬
‫رّبك ‪ ،‬وقم واقعد بذكر الله‪(2) .‬‬
‫وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا ‪ -‬من أنه يراد بقول القائل‬
‫حا قراءته ‪ " :‬بسم الله الرحمن الرحيم " ‪ :‬أقرأ بتسمية الله وذكره ‪،‬‬
‫مفتت ً‬
‫وأفتتح القراءة بتسمية الله ‪ ،‬بأسمائه الحسنى وصفاته العَُلى ‪ -‬ويوضح فساد َ‬
‫لك ّ‬
‫ل شيء )‬
‫قول من زعم أن معنى ذلك من قائله ‪ :‬بالله الرحمن الرحيم أوّ ِ‬
‫‪ ، (3‬مع أن العباد‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬أراد بقوله ‪ " :‬تصديرها " ‪ :‬أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الفعال ‪،‬‬
‫وذلك كقولك ‪ :‬ذهب ذهاًبا ‪ ،‬فذهب صدرت عن قولك " ذهاب " ‪ ،‬ويعمل‬
‫عندئذ عمل الفعل ‪ .‬وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن السم فيعمل‬
‫ما ‪،‬‬
‫عمله ‪ ،‬كقولك " الكلم " هو اسم ما تتكلم به ‪ ،‬ولكنهم قالوا ‪ :‬كلمته كل ً‬
‫فوضعوه موضع التكليم ‪ ،‬وأخرجوا من " كلم " مصدًرا على وزن اسم ما‬
‫ما " ‪.‬‬
‫تتكلم به ‪ ،‬وهو الكلم ‪ ،‬فكان المصدر ‪ " :‬كل ً‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 139‬مضى هذا الخبر وتخريجه ‪ ،‬برقم ‪. 137‬‬
‫)‪ (3‬قوله ‪ " :‬يوضح " ساقطة من المطبوعة ‪ .‬وفيها مكان ‪ " :‬أول كل ‪" . . .‬‬
‫‪ " ،‬في كل ‪. " . .‬‬
‫) ‪(1/117‬‬
‫ُ‬
‫مروا أن يبتدئوا عند فواتح أموِرهم بتسمية الله ‪ ،‬ل بالخبر عن عظمته‬
‫إنما أ ِ‬
‫مطعم‬
‫وصفاته ‪ ،‬كالذي أ ِ‬
‫صيد ‪ ،‬وعند ال َ‬
‫مروا به من التسمية على الذبائح وال ّ‬
‫مروا به من تسميته عند افتتاح‬
‫مشرب ‪ ،‬وسائر أفعالهم‪ .‬وكذلك الذي أ ِ‬
‫وال َ‬
‫تلوة تنزيل الله ‪ ،‬وصدور رسائلهم وكتبهم‪.‬‬
‫ول خلف بين الجميع من علماء المة ‪ ،‬أن قائل لو قال عند تذكيته بعض بهائم‬
‫النعام )‪ " (1‬بالله " ‪ ،‬ولم يقل " بسم الله " ‪ ،‬أنه مخالف ‪ -‬بتركه ِقي َ‬
‫ل‪":‬‬
‫علم بذلك أنه لم ي ُرِد ْ بقوله‬
‫ن له عند التذكية من القول‪ .‬وقد ُ‬
‫بسم الله " ما ُ‬
‫س ّ‬
‫م الله في قول الله ‪ " :‬بسم‬
‫" بسم الله " " بالله " ‪ ،‬كما قال الزاعم أن اس َ‬
‫الله الرحمن الرحيم " هو الله‪ .‬لن ذلك لو كان كما زعم ‪ ،‬لوجب أن يكون‬
‫ن له من القول على الذبيحة‪.‬‬
‫القائل عند تذكيته ذبيحَته " بالله " ‪ ،‬قائل ما ُ‬
‫س ّ‬
‫ن قائ َ‬
‫ن له من القول على ذبيحته‬
‫وفي إجماع الجميع على أ ّ‬
‫ل ذلك تارك ما ُ‬
‫س ّ‬
‫ إذ ْ لم يقل " بسم الله " ‪ -‬دلي ٌ‬‫ل واضح على فساد ما اّدعى من التأويل في‬
‫قول القائل ‪ " :‬بسم الله " ‪ ،‬أنه مراد به " بالله " ‪ ،‬وأن اسم الله هو الله‪.‬‬
‫وليس هذا الموضع من مواضع الكثار في البانة عن السم ‪ :‬أهُوَ المسمى ‪،‬‬
‫م غيُره ‪ ،‬أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ‪ ،‬وإنما هذا موضع من مواضع‬
‫أ ْ‬
‫م ‪ ،‬أم مصدر بمعنى التسمية )‬
‫البانة عن السم المضاف إلى الله ‪ :‬أهو اس ٌ‬
‫‪ (2‬؟‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬التذكية ‪ :‬النحر والذبح ‪ .‬ذكيت الشاة تذكية ‪ :‬ذبحتها ‪.‬‬
‫)‪ (2‬استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته ‪ .‬والذي كتبه قبل ‪،‬‬
‫وما يأتي بعد ‪ ،‬من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول‬
‫والقلم ‪ .‬وبيان ما قال أبو جعفر ‪ :‬إن قولك " اسم " في " بسم الله " ‪ ،‬إنما‬

‫هو اسم مصدر )أو اسم حدث( ‪ ،‬أي هو في الصل اسم لما تفعل من‬
‫تسميتك الشيء ‪ ،‬مثل " الكلم " اسم حدث لما تفعل من التكليم ‪ ،‬ومثل "‬
‫العطاء " اسم حدث لما تفعل من العطاء ‪ ،‬ومثل " الغسل " ‪ ،‬اسم حدث‬
‫لما تفعل من الغتسال ‪ .‬وكأن أصله من قولك " سموت الشيء سموا " ‪،‬‬
‫فأماتوا فعله الثلثي وبقي مصدره ‪ " ،‬سمو " ‪ ،‬فحذفوا واوه المتطرفة ‪،‬‬
‫فا في أوله ‪ ،‬فصار " اسم " ‪ ،‬كما كان قولك ‪:‬‬
‫فصار " سم " فأعاضوه منها أل ً‬
‫ما " ‪ ،‬على مثال " ذهب ذهاًبا " ‪ ،‬فأماتوا‬
‫" كلم " من فعل ثلثي هو " كلم كل ً‬
‫الفعل الثلثي وبقي مصدره " كلم " ‪ ،‬فجعلوه اسم حدث لما تفعل من‬
‫التكليم ‪ ،‬ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث ‪ ،‬فقالوا ‪" :‬‬
‫ما " ‪.‬‬
‫ما " ‪ ،‬بمعنى " كلم يكلم تكلي ً‬
‫كلم يكلم كل ً‬
‫فكذلك فعلوا في قولهم " سمى يسمى تسمية " ‪ :‬أخرجوا لهذا الرباعي‬
‫ما‬
‫مصدًرا على مخرج اسم الحدث وهو " اسم " ‪ ،‬فقالوا ‪ " :‬سمى يسمى اس ً‬
‫" ؛ بمعنى " سمى يسمى تسمية " ‪ .‬فقولك " كلم " بمعنى " تكليم " وقولك‬
‫درا على مخارج أسماء الحداث ‪ .‬وإذن‬
‫ص ّ‬
‫" اسم " بمعنى " تسمية " ُ‬
‫فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك " بسم الله " وأشباهها ‪ ،‬إنما هو مصدر‬
‫صدر على مخرج اسم الحدث ‪ ،‬وهو اسم ‪ ،‬من فعل رباعي هو " سمى‬
‫يسمي " ‪ ،‬فكان بمعنى مصدره وهو " تسمية " ‪ .‬وهو في هذا المكان وأمثاله‬
‫بمعنى المصدر " تسمية " ‪ ،‬ل بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية ‪.‬‬
‫)انظر ‪ ، 124 - 123 :‬كلم الطبري في " أله " ( ‪.‬‬
‫وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف‬
‫من كلم العرب ‪ .‬وقد أحسن النظر وأدقه ‪ ،‬حتى خفي على جلة العلماء‬
‫الذين تكلموا في شرح معنى " اسم " في " بسم الله " وأشباهها ‪ ،‬فأغفلوه‬
‫إغفال لخفائه ووعورة مأتاه ‪ ،‬وإلفهم للكلم في الذي افتتحوه من القول في‬
‫" السم " ‪ ،‬أهو المسمى أم غيره ‪ ،‬أم هو صفة له ‪ ،‬وما رسمه وما حده ؟‬
‫وهذا باب غير الذي نحن فيه ‪ ،‬فخلطوا فيه خل ً‬
‫طا ‪ ،‬فجاء الطبري فمحص‬
‫صا ‪ ،‬وهو أرجح الراء عندنا وأولها بالتقديم ‪ ،‬لمن وفق لفهمه ‪،‬‬
‫الحق تمحي ً‬
‫كما يقول أبو جعفر غفر الله له ‪ .‬وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى‬
‫حا وبياًنا ‪ .‬ولول خوف الطالة ‪ ،‬لتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري‬
‫وضو ً‬
‫الذي أغفلوه ‪ ،‬على كل رأي سبقه أو أتى بعده ‪.‬‬
‫) ‪(1/118‬‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬فما أنت قائ ٌ‬
‫ل في بيت لبيد بن ربيعة ‪:‬‬
‫قد اعت َذ َْر )‪(1‬‬
‫ول كامل فَ َ‬
‫ك َ‬
‫ما ‪ ... ،‬ومن ي َب ْ ِ‬
‫إَلى ال َ‬
‫م ال ّ‬
‫ل ‪ ،‬ثم ا ْ‬
‫سلم عليك ُ َ‬
‫س ُ‬
‫ح ْ‬
‫حو ْ ِ‬
‫دم في العلم بلغة العرب ‪ ،‬أنه معني به ‪ :‬ثم السلم عليكما ‪،‬‬
‫مق ّ‬
‫فقد تأوله ُ‬
‫م السلم هو السلم ؟ )‪(2‬‬
‫وأن اس َ‬
‫ت‬
‫قيل له ‪ :‬لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأّول ‪ ،‬لجاز أن يقال ‪ :‬رأي ُ‬
‫م الشراب ؛ وفي إجماع جميع‬
‫ت اس َ‬
‫م الطعام ‪ ،‬وشرب ُ‬
‫ت اس َ‬
‫اسم زيد ‪ ،‬وأكل ُ‬
‫م‬
‫العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد ‪ " :‬ث ّ‬
‫اسم السلم‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ ،‬القصيدة رقم ‪ ، 21 :‬والخزانة ‪ ، 217 : 2‬ثم يأتي في تفسير آية‬
‫سورة التوبة ‪ 144 : 10) 90 :‬بولق( ‪ ،‬وآية سورة الرعد ‪(109 : 13) 35 :‬‬

‫ل أنا إل ّ‬
‫ش أُبوهما ‪ ...‬وهَ ْ‬
‫والشعر يقوله لبنتيه ‪ ،‬إذ قال ‪ :‬ت َ َ‬
‫مّنى ابنَتايَ أن يعي َ‬
‫ضْر!‬
‫م َ‬
‫من ربيعة أو ُ‬
‫َ‬
‫ما فقول بالذي قد علمُتما ‪...‬‬
‫ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد ‪ :‬ف ُ‬
‫قو َ‬
‫حِلقا َ‬
‫شعَْر‬
‫ول ت َ ْ‬
‫خ ِ‬
‫جًها ول ت َ ْ‬
‫مشا و ْ‬
‫َ‬
‫ن الصديقَ ‪ ،‬ول غَد َْر‬
‫وقول َ ‪ :‬هو المرُء اّلذي ل خليَله ‪ ...‬أضاعَ ‪ ،‬ول خا َ‬
‫فقوله " إلى الحول ‪ " . .‬أي افعل ذلك إلى أن يحول الحول ‪ .‬والحول ‪ :‬السنة‬
‫كاملة بأسرها ‪ .‬وقوله " اعتذر " هنا بمعنى أعذر ‪ :‬أي بلغ أقصى الغاية في‬
‫العذر ‪.‬‬
‫)‪ (2‬هذا المقدم في العلم بلغة العرب ‪ ،‬هو أبو عبيدة معمر بن المثنى ‪ ،‬في‬
‫كتابه مجاز القرآن ‪ . 16 :‬وقد وقع بين ماضغى أسد! وهذا الذي يأتي كله‬
‫تقريع مرير من أبي جعفر لبي عبيدة ‪.‬‬
‫) ‪(1/119‬‬
‫عليكما " ‪ ،‬أنه أراد ‪ :‬ثم السلم عليكما ‪ ،‬واّدعائه أن إدخال السم في ذلك‬
‫مى بعينه‪.‬‬
‫مى هو المس ّ‬
‫وإضافَته إلى السلم إنما جاز ‪ ،‬إذ ْ كان اسم المس ّ‬
‫وُيسأل القائلون قو َ‬
‫ل من حكينا قوَله هذا ‪ ،‬فيقال لهم ‪ :‬أتستجيزون في‬
‫م العسل " ‪ ،‬يعني بذلك ‪ :‬أكلت العسل ‪ ،‬كما‬
‫ت اس َ‬
‫العربية أن يقال ‪ " :‬أكل ُ‬
‫م عليك ؟‬
‫جاز عندكم ‪ :‬اسم السلم عليك ‪ ،‬وأنتم تريدون ‪ :‬السل ُ‬
‫فإن قالوا ‪ :‬نعم ! خرجوا من لسان العرب ‪ ،‬وأجازوا في لغتها ما تخ ّ‬
‫طئه‬
‫جميع العرب في لغتها‪ .‬وإن قالوا ‪ :‬ل سئلوا الفرقَ بينهما ‪ :‬فلن يقولوا في‬
‫أحدهما قول إل ُألزموا في الخر مثله‪.‬‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟‬
‫قيل له ‪ :‬يحتمل ذلك وجهين ‪ ،‬كلهما غير الذي قاله من حكينا قوله‪.‬‬
‫م من أسماء الله ‪ ،‬فجائز أن يكون لبيد عَنى‬
‫أح ُ‬
‫دهما ‪ :‬أن " السلم " اس ٌ‬
‫م الله وذكَره بعد ذلك ‪،‬‬
‫بقوله ‪ " :‬ثم اسم السلم عليكما " ‪ ،‬ثم الزما اس َ‬
‫ف‬
‫ي ؛ على وجه الغراء‪ .‬فرفعَ السم ‪ ،‬إذ ْ أ ّ‬
‫وَد َ َ‬
‫خر الحر َ‬
‫عا ذكري والبكاَء عل ّ‬
‫الذي يأتي بمعنى الغراء‪ (1) .‬وقد تفعَ ُ‬
‫خرت الغراء‬
‫ل العرب ذلك ‪ ،‬إذا أ ّ‬
‫خر‪ .‬ومن ذلك قول‬
‫ب به وهو مؤ ّ‬
‫مغَْرى به ‪ ،‬وإن كانت قد تنص ُ‬
‫وقدمت ال ُ‬
‫الشاعر ‪:‬‬
‫دوَنكا! )‪(2‬‬
‫حم‬
‫ي‬
‫ناس‬
‫ال‬
‫ت‬
‫رأي‬
‫إني‬
‫نكا!‪...‬‬
‫دو‬
‫وي‬
‫دل‬
‫ح‬
‫المائ‬
‫َيا أ َّيها‬
‫ّ‬
‫ُ َ‬
‫َ ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ َ ِ‬
‫فأغَرى ب " دونك " ‪ ،‬وهي مؤخرة ‪ ،‬وإنما معناه ‪ :‬دوَنك دلوي‪ .‬فذلك قول‬
‫لبيد ‪:‬‬
‫َ‬
‫ما *‬
‫سل ُ‬
‫م ال ّ‬
‫م عَلي ْك ُ َ‬
‫م اس ُ‬
‫ل‪،‬ث ّ‬
‫* إلى الحوْ ِ‬
‫م السلم ‪ ،‬أي ‪ :‬الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجد َ بي ‪ ،‬لن‬
‫يعني ‪ :‬عليكما اس َ‬
‫ول على امرئ مّيت فقد اعتذر‪ .‬فهذا أحد وجهيه‪.‬‬
‫من بكى َ‬
‫ح ْ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬إذا وأخر " ‪ .‬وقوله " فرفع السم " ‪ ،‬يعني ما في قول‬
‫لبيد " ثم اسم " ‪ ،‬وكان حقه أن ينصب على الغراء لو قال ‪ " :‬ثم عليكما‬
‫اسم السلم " بتقديم الغراء ‪.‬‬
‫)‪ (2‬هذا رجز في خبر طويل ‪ ،‬الخزانة ‪ 17 : 3‬قيل هزًءا برجل ألقوه في بئر‬
‫ثم رجزوا به ‪ .‬والمائح ‪ :‬هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها ‪،‬‬
‫فيلقي الدلء فيملؤها بيده ويميح لصحابه ‪.‬‬

‫) ‪(1/120‬‬
‫ه عليكما ‪ ،‬كما يقول القائل للشيء يراه‬
‫والوجه الخر منهما ‪ :‬ثم تسميتي الل َ‬
‫م‬
‫وذه بذلك من السوء ‪ ،‬فكأنه قال ‪ :‬ثم اس ُ‬
‫فيعجبه ‪ " :‬اسم الله عليك " يع ّ‬
‫ن الوجه الول أشبه المعنيين بقول لبيد‪(1) .‬‬
‫الله عليكما من السوء ‪ ،‬وكأ ّ‬
‫ن معناه ‪ :‬ثم السلم عليكما ‪ ،‬أتَرى ما قلنا‬
‫ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أ ّ‬
‫ت فيه ؟‬
‫ من هذين الوجهين ‪ -‬جائًزا ‪ ،‬أو أحدهما ‪ ،‬أو غيَر ما قل َ‬‫فإن قال ‪ :‬ل ! أبان مقداَره من العلم بتصاريف ُوجوه كلم العرب ‪ ،‬وأغنى‬
‫خصمه عن مناظرته‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬ب ََلى !‬
‫ب ‪ ،‬دون‬
‫قيل له ‪ :‬فما برهانك على صحة ما اّدعيت من التأويل أنه الصوا ُ‬
‫ت أنه محتمُله ‪ -‬من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك ؟ ول سبيل إلى‬
‫الذي ذكر َ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وأما الخبر الذي ‪- :‬‬
‫‪ - 140‬حدثنا به إسماعيل بن الفضل ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إبراهيم بن العلء بن‬
‫الضحاك ]وهو يلقب بزبريق[ قال ‪ :‬حدثنا إسماعيل بن عياش ‪ ،‬عن إسماعيل‬
‫سعَرِ بن‬
‫مليكة ‪ ،‬عمن حدثه ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪ -‬و ِ‬
‫م ْ‬
‫بن يحيى ‪ ،‬عن ابن أبي ُ‬
‫دام ‪ ،‬عن عطية ‪ ،‬عن أبي سعيد ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫كِ َ‬
‫ّ‬
‫مه إلى الكّتاب ليعلمه ‪ ،‬فقال له‬
‫وسلم ‪ " :‬إن عيسى ابن مريم أسلمته أ ّ‬
‫المعلم ‪ :‬اكتب " بسم " فقال له عيسى ‪ :‬وما " بسم " ؟ فقال له المعلم ‪:‬‬
‫ما أدري ! فقال عيسى ‪ :‬الباء بهاُء الله ‪ ،‬والسين ‪ :‬سناؤه ‪ ،‬والميم ‪ :‬مملكته‪.‬‬
‫)‪(2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الول بغير شك أولى القوال بالصواب ‪ .‬فإنه كان قد أمر ابنتيه ‪ -‬كما‬
‫قدمنا في أبياته السالفة ‪ ،‬أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه‬
‫ورثائه ‪ ،‬وأن تفعل ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول ‪ ،‬فل معنى بعد‬
‫أن يلقي السلم عليهما ‪ ،‬أي تحية المفارق ‪ ،‬بعد الحول ‪ ،‬فقد فارقهما منذ‬
‫حول كامل ‪ .‬وأولى به أن يدعو لهما ‪ ،‬أو يستكفهما عما أمرهما به ‪ ،‬إذ قضتا‬
‫ما أمرهما على الوجه الذي أحب ‪ " ،‬ومن يبك حول كامل فقد اعتذر " ‪ ،‬كأنه‬
‫قال ‪ :‬كفا عندئذ عما أمرتكما ‪ ،‬فإن من بكى حول فقد بلغ أقصى ما يسعه‬
‫العذر ‪ .‬فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة ‪ ،‬وإلى الجزم‬
‫بأن معنى " ثم اسم السلم عليكما " هو ‪ :‬الزما ذكر الله ‪ ،‬ودعا ذكرى ‪،‬‬
‫والبكاء علي ‪ ،‬والوجد بي ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 140‬هذا حديث موضوع ‪ ،‬ل أصل له ‪ .‬وهو أطول من هذا ‪،‬‬
‫وسيأتي بعضه برقمي ‪ ، 147 ، 145‬فصل الطبري كل قسم منه في موضعه‬
‫‪ ،‬وفيه زيادة أخرى ‪ ،‬في تفسير كلمات " أبجد هوز " ‪ .‬إلخ ‪ .‬رواه بطوله ابن‬
‫حبان الحافظ ‪ ،‬في كتاب المجروحين ‪ ،‬في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد‬
‫الله التيمي ‪ ،‬رقم ‪ 44 :‬ص ‪ ، 85‬وقال في إسماعيل هذا ‪ " :‬كان ممن يروي‬
‫الموضوعات عن الثقات ‪ ،‬وما ل أصل له عن الثبات ‪ ،‬ل تحل الرواية عنه ‪،‬‬
‫ول الحتجاج به بحال " ‪ .‬ثم ضرب مثل من أكاذيبه ‪ ،‬فروى الحديث بطوله ‪،‬‬
‫عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلء بن الضحاك ‪،‬‬
‫بالسناد الثاني الذي هنا ‪ ،‬من حديث أبي سعيد الخدري ‪ .‬وذكره ابن كثير في‬
‫التفسير ‪ 35 : 1‬نقل عن ابن مردويه ‪ ،‬من حديث أبي سعيد وحده ‪ ،‬جمع فيه‬

‫القسام الثلثة التي فرقت هنا ‪ .‬ثم أشار إلى رواية الطبري إياه ‪ .‬ثم قال ‪" :‬‬
‫حا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه‬
‫وهذا غريب جدا ‪ ،‬وقد يكون صحي ً‬
‫وسلم ‪ ،‬وقد يكون من السرائيليات ل من المرفوعات " ! وما أدري كيف‬
‫فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب ‪ ،‬فتسقط روايته بمرة ‪ ،‬ول‬
‫يحتاج إلى هذا التردد ‪ .‬وأما السيوطي ‪ ،‬فقد ذكره في الدر المنثور ‪، 8 : 1‬‬
‫ونسبه لبن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية‬
‫وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي ‪ ،‬ولم يغفل عن علته ؛ فذكر أنه "‬
‫بسند ضعيف جدا " ‪ .‬وترجم الذهبي في الميزان ‪ ، 117 : 1‬وتبعه ابن حجر‬
‫في لسان الميزان ‪ 442 - 441 : 1‬لسماعيل بن يحيى هذا ‪ ،‬وفي ترجمته ‪:‬‬
‫" قال صالح بن محمد جزرة ‪ :‬كان يضع الحديث ‪ .‬وقال الزدي ‪ :‬ركن من‬
‫أركان الكذب ‪ ،‬ل تحل الرواية عنه ‪ . . .‬وقال أبو علي النيسابوري الحافظ‬
‫والدارقطني والحاكم ‪ :‬كذاب " ‪ .‬وقال ابن حجر ‪ " :‬مجمع على تركه " ‪.‬‬
‫وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثال من أكاذيبه ‪.‬‬
‫ضا‬
‫ثم إن إسناده الول ‪ ،‬الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة ‪ ،‬فيه أي ً‬
‫راو مجهول ‪ ،‬وهو " من حدثه عن ابن مسعود " ‪ .‬وإسناده الثاني ‪ ،‬الذي رواه‬
‫ضا " عطية بن سعد بن جنادة‬
‫إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام ‪ ،‬فيه أي ً‬
‫العوفي " ‪ ،‬وهو ضعيف ‪ ،‬ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما ‪.‬‬
‫والزيادة بين قوسين ‪ ،‬في لقب إبراهيم بن العلء من المخطوطة ‪ .‬و "‬
‫زبريق " ‪ :‬بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة ‪ .‬وهو لقب إبراهيم ‪،‬‬
‫فيما قيل ‪ .‬والصحيح أنه لقب أبيه ‪ ،‬فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير‬
‫‪ " : 307 / 1 / 1‬زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق " ‪ .‬وقال ابن أبي‬
‫حاتم في الجرح والتعديل ‪ " : 121 / 1 / 1‬إبراهيم بن العلء ‪ . . .‬يعرف بابن‬
‫الزبريق " ‪.‬‬
‫) ‪(1/121‬‬
‫ن يكون غل ً‬
‫دث ‪ ،‬وأن يكون أراد ] ب س م [ ‪ ،‬على‬
‫طا من المح ّ‬
‫فأخشى أ ْ‬
‫ّ‬
‫سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكّتاب حروف أبي جاد ‪ ،‬فغلط‬
‫صله ‪ ،‬فقال ‪ " :‬بسم " ‪ ،‬لنه ل معنى لهذا التأويل إذا ُتلي " بسم‬
‫بذلك ‪ ،‬فو َ‬
‫الله الرحمن الرحيم " ‪ ،‬على ما يتلوه القارئ في كتاب الله ‪ ،‬لستحالة معناه‬
‫مل تأويله على ذلك‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها ‪ ،‬إذا ُ‬
‫القول في تأويل قوله جل ثناؤه ‪ } :‬الل ّهِ { ‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وأما تأويل قول الله تعالى ذكره " الله " ‪ ،‬فإنه على معنى ما‬
‫ُروي لنا عن عبد الله بن عباس ‪ : -‬هو الذي َيأَلهه كل شيء ‪ ،‬ويعبده كل‬
‫ْ‬
‫ق‪.‬‬
‫خل ٍ‬
‫) ‪(1/122‬‬
‫ن أبا كريب حدثنا ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫‪ - 141‬وذلك أ ّ‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس‬
‫بشر بن عُ َ‬
‫مْعبودية على خلقه أجمعين‪(1) .‬‬
‫‪ ،‬قال ‪ " :‬الله " ذو اللوهية وال َ‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناُء هذا‬

‫السم ؟‬
‫عا من العرب فل ولكن استدلل‪.‬‬
‫ما سما ً‬
‫قيل ‪ :‬أ ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن الله هو المعبود ‪ ،‬وأ ّ‬
‫فإن قال ‪ :‬وما دل على أن اللوهية هي العبادة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫له أصل في " فعل ويفعل " ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬ل تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل )‪ - (2‬يصف رجل بعبادة ‪،‬‬
‫وبطلب مما عند الله جل ذكره ‪ " :‬تأّله فلن " ‪ -‬بالصحة ول خلف‪ .‬ومن ذلك‬
‫قول رؤبة بن العجاج ‪:‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫من ت َألِهي‬
‫ن ِ‬
‫ست َْر َ‬
‫سب ّ ْ‬
‫ن وا ْ‬
‫مد ّهِ )‪َ (3‬‬
‫للهِ د َّر الغاِنيات ال ُ‬
‫جعْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه بعملي‪.‬‬
‫يعني ‪ :‬من تعبدي وطلبي الل َ‬
‫َ‬
‫ن " التأّله " ‪ ،‬التفّعل من ‪ " :‬أله يأله " ‪ ،‬وأن معنى " أله " ‪ -‬إذا‬
‫ول شك أ ّ‬
‫ه‪ .‬وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه‬
‫ُنطق به ‪ - :‬عَب َد َ الل َ‬
‫ب " فعل يفعل " يغير زيادة‪.‬‬
‫‪ - 142‬وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع ‪ ،‬قال حدثنا أبي ‪ ،‬عن نافع بن‬
‫ك وإلهَت َ َ‬
‫عمرو بن دينار ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ :‬أنه قرأ)وَي َذ ََر َ‬
‫ك( ]سورة‬
‫عمر ‪ ،‬عن َ‬
‫ُ‬
‫العراف ‪ [127 :‬قال ‪ :‬عبادَتك ‪ ،‬ويقال ‪ :‬إنه كان ُيعَبد ول َيعُبد‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 141‬إسناد هذا الخبر ضعيف ‪ ،‬كما فصلنا القول فيه ‪ ،‬في‬
‫إسناد الخبر ‪ . 137‬وهذا الذي هنا نقله السيوطي في الدر المنثور ‪ 8 : 1‬مع‬
‫باقيه التي برقم ‪ 148‬بالسناد نفسه ‪ .‬ونسبه السيوطي لبن جرير )وكتب‬
‫فيه ‪ :‬ابن جريج ‪ ،‬خطأ مطبعيا( ‪ ،‬وابن أبي حاتم ‪.‬‬
‫)‪ (2‬قوله " ل تمانع " ‪ ،‬أي ل اختلف بينهم ‪ ،‬يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله‬
‫الخر ‪ .‬وسيأتي مثله في ص ‪. 126 :‬‬
‫ها ‪ :‬نعت هيئته‬
‫)‪ (3‬ديوانه ‪ . 165 :‬المده ‪ :‬جمع ماده ‪ .‬ومده فلًنا يمدهه مد ً‬
‫وجماله وأثنى عليه ومدحه ‪ .‬و " استرجعن " ‪ :‬قلن " إنا لله وإنا إليه‬
‫راجعون ‪ .‬يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا ‪ ،‬بعد الذي كان من‬
‫شبابه وجماله وصبوته!‬
‫) ‪(1/123‬‬
‫عيينة ‪ ،‬عن عمرو بن دينار ‪ ،‬عن محمد‬
‫‪ - 143‬حدثنا سفيان ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫بن عمرو بن الحسن ‪ ،‬عن ابن عباس ‪) :‬وَي َذ ََر َ‬
‫ك َوإلهََتك( ‪ ،‬قال ‪ :‬إنما كان‬
‫ن ُيعَبد ول َيعُبد )‪(1‬‬
‫فرعو ُ‬
‫وكذلك كان عبد ُ الله يقرؤها ومجاهد‪.‬‬
‫‪ - 144‬حدثنا القاسم قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني حجاج ‪،‬‬
‫عن ابن جريج ‪ ،‬عن مجاهد ‪ :‬قوله " ويذَر َ‬
‫ك وإلهتك " قال ‪ :‬وعبادَتك )‪ (2‬ول‬
‫شك أن اللهة ‪ -‬على ما فسره ابن عباس ومجاهد ‪ -‬مصدٌر من قول القائل ‪:‬‬
‫ة‪ .‬فقد‬
‫ن عبادةً ‪ ،‬وعَب ََر الرؤيا عبار ً‬
‫ن إله ً‬
‫ة ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬عََبد الله فل ٌ‬
‫ه فل ٌ‬
‫أَله الل َ‬
‫عبد ‪ ،‬وأن " اللهة " مصدُره‪.‬‬
‫ن " أله " َ‬
‫بين قول ابن عباس ومجاهد هذا ‪ :‬أ ّ‬
‫فإن قال ‪ :‬فإن كان جائًزا أن يقال لمن عبد الله ‪ :‬ألهه ‪ -‬على تأويل قول ابن‬
‫ب في ذلك أن يقال ‪ ،‬إذا أراد المخبر الخبَر عن‬
‫عباس ومجاهد ‪ -‬فكيف الواج ُ‬
‫استيجاب الله ذلك على عَْبده ؟‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبران ‪ - 143 ، 142‬إسنادهما ضعيفان ‪ ،‬من أجل " سفيان بن وكيع‬

‫ما‬
‫بن الجراح " ‪ ،‬شيخ الطبري فيهما ‪ ،‬وسفيان هذا ‪ :‬ضعيف ‪ ،‬كان أبوه إما ً‬
‫حا ‪ ،‬ولكن وراقه أفسد عليه حديثه ‪ ،‬وأدخل عليه ما‬
‫حجة ‪ ،‬وكان هو رجل صال ً‬
‫ليس من روايته ‪ .‬ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل ‪ ،‬فمن أجل ذلك تركوه ‪.‬‬
‫قال ابن حبان في كتاب المجروحين ‪ ،‬رقم ‪ 470‬ص ‪ " : 239 - 238‬فمن‬
‫أجل إصراره على ما قيل له استحق الترك " ‪.‬‬
‫وهذان الخبران ‪ ،‬سيذكرهما الطبري في تفسير آية سورة العراف ‪) 127 :‬‬
‫‪ 18 : 9‬بولق( ‪ ،‬وهناك شيء من التحريف في أحدهما ‪ .‬ونقل معناهما‬
‫السيوطي في الدر المنثور ‪. 107 : 3‬‬
‫والقراءة الصحيحة المعروفة ‪} :‬ويذرك وآلهتك{ ‪ .‬وأما هذه القراءة "‬
‫وإلهتك " ‪ ،‬فقد نقلها صاحب إتحاف البشر ‪ 229 :‬عن ابن محيصن‬
‫والحسن ‪ .‬ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة ‪ 45 :‬عن علي وابن‬
‫مسعود وابن عباس ‪ .‬وذكرها أبو حيان في البحر ‪ 367 : 4‬عن هؤلء الثلثة "‬
‫وأنس وجماعة غيرهم " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 144‬الحسين بن داود ‪ :‬اسمه " الحسين " ولقبه " سنيد " ‪،‬‬
‫بضم السين المهملة وفتح النون ‪ .‬واشتهر بهذا اللقب ‪ ،‬وترجم به في‬
‫التهذيب ‪ ، 245 - 244 : 4‬وفي الجرح والتعديل ‪ . 326 / 1 / 3‬وحجاج ‪ :‬هو‬
‫ابن محمد المصيصي ‪ ،‬من شيوخ المام أحمد ‪ .‬وهذا الثر عن مجاهد ‪،‬‬
‫سيرويه الطبري في تفسير آية العراف )‪ 18 : 9‬بولق( ‪ -‬بإسناد آخر ‪.‬‬
‫) ‪(1/124‬‬
‫ة فل رواية فيه عندنا ‪ ،‬ولكن الواجب ‪ -‬على قياس ما جاء به‬
‫قيل ‪ :‬أما الرواي ُ‬
‫الخبُر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ‪- :‬‬
‫‪ - 145‬حدثنا به إسماعيل بن الفضل ‪ ،‬حدثنا إبراهيم بن العلء ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫مليكة ‪ ،‬عمن‬
‫إسماعيل بن عياش ‪ ،‬عن إسماعيل بن يحيى ‪ ،‬عن ابن أبي ُ‬
‫وفي ‪ ،‬عن أبي سعيد‬
‫حدثه عن ابن مسعود ‪ -‬و ِ‬
‫سَعر بن ك ِ َ‬
‫م ْ‬
‫دام ‪ ،‬عن عطية العَ ْ‬
‫مْته أمه إلى‬
‫ قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬‫ن عيسى أسل َ‬
‫الكّتاب ليعّلمه فقال له المعلم اكتب " الله " فقال له عيسى ‪ " :‬أتدري ما‬
‫ه اللهة )‪. " (1‬‬
‫الله ؟ الله إل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن يكون قول القائل‬
‫ه العبد َ ‪ ،‬والعبد ُ ألَهه‪ .‬وأ ْ‬
‫ أن يقال )‪ ، (2‬الله جل جلله أل َ‬‫" الله " ‪ -‬من كلم العرب أصله " الله " ‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ‪ ،‬مع اختلف لفظيهما ؟‬
‫ه َرّبي( ]سورة الكهف ‪[38 :‬‬
‫ن هُوَ الل ُ‬
‫قيل ‪ :‬كما جاز أن يكون قوله ‪) :‬لك ِ ّ‬
‫أصله ‪ :‬لكن أنا ‪ ،‬هو الله ربي ‪ ،‬كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫م ْ‬
‫ك ل أقِْلي )‪(3‬‬
‫ب‪ ...‬وت َ ْ‬
‫وَت َْر ِ‬
‫ن إيا ِ‬
‫ذن ٌ‬
‫ت ُ‬
‫مين َِني بالط ّْرف ‪ ،‬أيْ أن َ‬
‫قليَنني ‪ ،‬لك ِ ّ‬
‫يريد ‪ :‬لكن أنا إياك ل أقلي ‪ ،‬فح َ‬
‫ذف الهمزة من " أنا " فالتقت نون " أنا " "‬
‫ن " وهي ساكنة ‪ ،‬فأدغمت في نون " أنا " فصارتا نوًنا مشددة‪.‬‬
‫ونون " لك ْ‬
‫فكذلك " الله " أصله " الله " ‪ ،‬أسقطت الهمزة ُ التي هي فاء السم ‪،‬‬
‫فالتقت اللم التي هي عين السم ‪ ،‬واللم الزائدة التي دخلت مع اللف‬
‫الزائدة وهي ساكنة ‪ ،‬فأدغمت في‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 145‬هو حديث ل أصل له ‪ .‬وهو جزء من الحديث الموضوع‬
‫الذي روى الطبري بعضه فيما مضى ‪ ، 140‬بهذا السناد ‪ .‬وفصلنا القول فيه‬

‫هناك ‪.‬‬
‫)‪ (2‬قوله ‪ " :‬أن يقال " من تمام قوله في السطر الثالث " ولكن الواجب ‪" -‬‬
‫خبر لكن ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الضداد لبن النباري ‪ ، 163 :‬والخزانة ‪ ، 490 : 4‬وقال ‪ " :‬لم أقف‬
‫على تتمته وقائله ‪ ،‬مع أنه مشهور ‪ ،‬قلما خل منه كتاب نحوي ‪ ،‬والله أعلم " ‪.‬‬
‫) ‪(1/125‬‬
‫ما واحدة مشددة ‪ ،‬كما‬
‫الخرى التي هي عين السم ‪ ،‬فصارتا في اللفظ ل ً‬
‫ن هوَ الله َربي(‪.‬‬
‫وصفنا من قول الله)لك ّ‬
‫حيم ِ { ‪.‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫القول في تأويل قوله جل ثناؤه ‪ } :‬الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وأما " الرحمن " ‪ ،‬فهو َفعلن ‪ ،‬من َرحم ‪ ،‬و " الرحيم " فعيل‬
‫فَعل " على " فعلن " ‪،‬‬
‫منه‪ .‬والعرب كثيًرا ما تبني السماء من " فَِعل ي ْ‬
‫ضب ‪َ :‬‬
‫عطش ‪ :‬عطشان‪.‬‬
‫سكر ‪ :‬سكران ‪ ،‬ومن َ‬
‫كقولهم من غَ ِ‬
‫غضبان ‪ ،‬ومن َ‬
‫م ‪ ،‬لن " فعِ َ‬
‫ل " منه ‪َ :‬رحم يْرحم‪ .‬وقيل "‬
‫فكذلك قولهم " َرحمن " من َر ِ‬
‫ح َ‬
‫عين " فِعل " منها مكسورة ‪ ،‬لنه مدح‪ .‬ومن شأن‬
‫رحيم " ‪ ،‬وإن كانت َ‬
‫العرب أن يحملوا أبنية السماء ‪ -‬إذا كان فيها مدح أو ذم ‪ -‬على " فعيل " ‪،‬‬
‫ة ‪ ،‬كما قالوا من " علم "‬
‫وإن كانت عين " فعل " منها مكسورة ً أو مفتوح ً‬
‫در " قادر وقدير‪ .‬وليس ذلك منها بناء على أفعالها ‪،‬‬
‫عالم وعليم ‪ ،‬ومن " ق َ‬
‫فَعل " و " فَعل يفِعل " فاع ٌ‬
‫ل‪ .‬فلو كان " الرحمن‬
‫لن البناء من " فَِعل ي ْ‬
‫والرحيم " خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما " الراحم " ‪.‬‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ‪ ،‬فما‬
‫ه تكرير ذلك ‪ ،‬وأحدهما مؤد ّ عن معنى الخر ؟‬
‫وج ُ‬
‫ت ‪ ،‬بل لكل كلمة منهما معنى ل‬
‫قيل له ‪ :‬ليس المر في ذلك على ما ظنن َ‬
‫تؤدي الخرى منهما عنها‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ‪ ،‬فصارت إحداهما‬
‫غير مؤدية المعنى عن الخرى ؟‬
‫قيل ‪ :‬أما من جهة العربية ‪ ،‬فل َتماُنع )‪ (1‬بين أهل المعرفة بلغات العرب ‪،‬‬
‫ن قول القائل ‪ " :‬الرحمن " ‪ -‬عن أبنية السماء‬
‫أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ل تمانع ‪ :‬أي ل اختلف بينهم ‪ ،‬يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الخر ‪.‬‬
‫) ‪(1/126‬‬
‫من " فَِعل يفَعل " ‪ -‬أشد ّ عدول من قوله " الّرحيم " ‪ .‬ول خلف مع ذلك‬
‫ن كل اسم كان له أصل في " فَعِ َ‬
‫ل يفَعل " ‪ -‬ثم كان عن أصله من "‬
‫بينهم ‪ ،‬أ ّ‬
‫فَِعل يفعَ ُ‬
‫ضل على الموصوف بالسم‬
‫ن الموصوف به مف ّ‬
‫ل " أشد عدول ‪ -‬أ ّ‬
‫ما‪.‬‬
‫المبني على أصله من " فَِعل يفَعل " ‪ ،‬إذا كانت التسمية به مد ً‬
‫حا أو ذ ّ‬
‫فهذا ما في قول القائل " الرحمن " ‪ ،‬من زيادة المعنى على قوله " الرحيم‬
‫" في اللغة‪.‬‬
‫وأما من جهة الثر والخبر ‪ ،‬ففيه بين أهل التأويل اختلف ‪- :‬‬
‫‪ - 146‬فحدثني السري بن يحيى التميمي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن زفر ‪،‬‬

‫قال ‪ :‬سمعت العَْرَزمي يقول ‪ " :‬الرحمن الرحيم " ‪ ،‬قال ‪ :‬الرحمن بجميع‬
‫الخلق ‪ ،‬الّرحيم ‪ ،‬قال ‪ :‬بالمؤمنين‪(1) .‬‬
‫‪ - 147‬حدثنا إسماعيل بن الفضل ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إبراهيم بن العلء ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫مليكة ‪،‬‬
‫حدثنا إسماعيل بن عياش ‪ ،‬عن إسماعيل بن يحيى ‪ ،‬عن ابن أبي ُ‬
‫عمن حدثه ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪ -‬ومسعر بن كدام ‪ ،‬عن عطية الَعوفي ‪ ،‬عن‬
‫أبي سعيد ‪ -‬يعني الخدريّ ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪" :‬‬
‫م‬
‫إ ّ‬
‫ن الخرة والدنيا ‪ ،‬والرحيم رحي ُ‬
‫ن عيسى ابن مريم قال ‪ :‬الرحمن َرحم ُ‬
‫الخرة " ‪(2) .‬‬
‫فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو‬
‫" رحمن " ‪ ،‬وتسميته باسمه الذي هو " رحيم " ‪ ،‬واختلف معنى الكلمتين ‪-‬‬
‫ن ذلك في الدنيا ‪ ،‬ود ّ‬
‫وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق ‪ ،‬فد ّ‬
‫ل‬
‫ل أحدهما على أ ّ‬
‫الخر على أنه في الخرة‪.‬‬
‫فإن قال ‪ :‬فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 146‬نقله ابن كثير في التفسير ‪ 40 : 1‬عن هذا الموضع ‪ .‬و "‬
‫السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي " ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ ،‬لم نجد له‬
‫ترجمة إل في الجرح والتعديل لبن أبي حاتم ‪ ، 285 / 1 / 2‬وقال ‪ " :‬لم‬
‫يقض لنا السماع منه ‪ ،‬وكتب إلينا بشيء من حديثه ‪ ،‬وكان صدوًقا " ‪ .‬و "‬
‫العرزمي " المرويّ عنه هذا الكلم هنا ‪ :‬ضعيف جدا ‪ ،‬قال المام أحمد في‬
‫المسند ‪ " : 6938‬ل يساوي حديثه شيًئا " ‪ .‬وهو " محمد بن عبيد الله بن أبي‬
‫سليمان العرزمي " ‪ .‬وأما عمه " عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي " ‪،‬‬
‫فإنه تابعي ثقة ‪ ،‬ولكنه قديم ‪ ،‬مات سنة ‪ ، 145‬فلم يدركه " عثمان بن زفر "‬
‫المتوفى سنة ‪ . 218‬و " العرزمي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها‬
‫زاي ‪ ،‬نسبة إلى " عرزم " ‪ .‬ووقع هنا في الطبري وابن كثير " العرزمي " ‪،‬‬
‫بتقديم الزاي على الراء ‪ ،‬وهو تصحيف ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 147‬هذا إسناد ضعيف ‪ ،‬بل إسنادان ضعيفان ‪ ،‬كما فصلنا فيما‬
‫مضى ‪. 145 ، 140 :‬‬
‫) ‪(1/127‬‬
‫قيل ‪ :‬لجميعهما عندنا في الصحة مخرج ‪ ،‬فل وجه لقول قائل ‪ :‬أّيهما أولى‬
‫ن المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن ‪ ،‬دون الذي في‬
‫بالصحة ؟ وذلك أ ّ‬
‫ع‬
‫تسميته بالرحيم ‪ :‬هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جمي َ‬
‫ض خلقه ‪ ،‬إما‬
‫خلقه ‪ ،‬وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بع َ‬
‫ن‬
‫في كل الحوال ‪ ،‬وإما في بعض الحوال‪ .‬فل شك ‪ -‬إذا كان ذلك كذلك ‪ -‬أ ّ‬
‫ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم ل يستحيل عن معناه ‪ ،‬في الدنيا كان‬
‫ذلك أو في الخرة ‪ ،‬أو فيهما جميًعا‪.‬‬
‫ص عباده‬
‫فإذا كان صحي ً‬
‫حا ما قلنا من ذلك ‪ -‬وكان الله جل ثناؤه قد خ ّ‬
‫المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ‪ ،‬واليمان‬
‫ذل عنه من أشرك به ‪،‬‬
‫به وبرسله ‪ ،‬واتباع أمره واجتناب معاصيه ‪ ،‬مما ُ‬
‫خ ِ‬
‫ج ّ‬
‫وكفر وخالف ما أمره به ‪ ،‬وركب معاصَيه ؛ وكان مع ذلك قد جع َ‬
‫ل ثناؤه‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫‪ ،‬ما أعد في آجل الخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين ‪ ،‬لمن‬
‫صا ‪ ،‬دون من أشرك وكفر به ‪) -‬‬
‫آمن به ‪ ،‬وص ّ‬
‫دق رسله ‪ ،‬وعمل بطاعته ‪ ،‬خال ً‬

‫‪ (1‬كان بي ًّنا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والخرة ‪ ،‬مع ما‬
‫مهم به والكفاَر في الدنيا من الفضال والحسان إلى جميعهم ‪ ،‬في‬
‫قد ع ّ‬
‫ث ‪ ،‬وإخراج النبات من الرض ‪،‬‬
‫سط في الرزق ‪ ،‬وتسخير السحاب بالغَي ْ ِ‬
‫الب َ ْ‬
‫وصحة الجسام والعقول ‪ ،‬وسائر النعم التي ل ُتحصى ‪ ،‬التي يشترك فيها‬
‫المؤمنون والكافرون‪.‬‬
‫ة‬
‫م المؤمنين خاص ً‬
‫ن جميع خلقه في الدنيا والخرة ‪ ،‬ورحي ُ‬
‫فرّبنا جل ثناؤه رحم ُ‬
‫م جميَعهم به في الدنيا من رحمته فكان‬
‫في الدنيا والخرة‪ .‬فأما الذي ع ّ‬
‫َرحماًنا لهم به ‪ ،‬فما ذكرنا مع نظائره التي ل سبيل إلى إحصائها لحد من‬
‫ها( ]سورة‬
‫صو َ‬
‫م َ‬
‫ة الله ل ت ُ ْ‬
‫ن ت َعُ ّ‬
‫خلقه ‪ ،‬كما قال جل ثناؤه ‪) :‬وَإ ِ ْ‬
‫دوا ن ِعْ َ‬
‫ح ُ‬
‫إبراهيم ‪ ، 34 :‬وسورة النحل ‪.[18 :‬‬
‫م جميعهم به فيها من رحمته ‪ ،‬فكان لهم رحماًنا ‪،‬‬
‫وأما في الخرة ‪ ،‬فالذي ع ّ‬
‫تسويته‬
‫__________‬
‫حا ‪ " . . .‬وما بينهما فصل ‪.‬‬
‫)‪ (1‬جواب قوله " فإذ كان صحي ً‬
‫) ‪(1/128‬‬
‫مْثقال ذ َّرة ‪،‬‬
‫بين جميعهم جل ذكُره في َ‬
‫دا منهم ِ‬
‫عدله وقضائه ‪ ،‬فل يظلم أح ً‬
‫وإن ت َ ُ‬
‫ه أجًرا عظيما ‪ ،‬وُتوّفى ك ُ ّ‬
‫س ما‬
‫ل نَ ْ‬
‫ك حسن ً‬
‫ة ُيضاعفها وُيؤ ِ‬
‫ت من ل َد ُن ْ ُ‬
‫ف ٍ‬
‫ت‪ .‬فذلك معنى عمومه في الخرة جميَعهم برحمته ‪ ،‬الذي كان به‬
‫كَ َ‬
‫سب َ ْ‬
‫رحماًنا في الخرة‪.‬‬
‫وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته ‪ ،‬الذي كان به رحيما‬
‫لهم فيها ‪ ،‬كما قال جل ذكره ‪) :‬وَ َ‬
‫ما( ]سورة الحزاب ‪:‬‬
‫ن َر ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫حي ً‬
‫ن ِبال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ن من خ َ‬
‫ذله من‬
‫صهم به ‪ ،‬دو َ‬
‫‪ [43‬فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم ‪ ،‬فخ ّ‬
‫أهل الكفر به‪.‬‬
‫صهم به في الخرة ‪ ،‬فكان به رحيما لهم دون الكافرين ‪ ،‬فما وصفنا‬
‫وأ ّ‬
‫ما ما خ ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫آن ً‬
‫فا مما أعد ّ لهم دون غيرهم من النعيم ‪ ،‬والكرامة التي تقصُر عنها المان ّ‬
‫وأما القول الخر في تأويله فهو ما ‪- :‬‬
‫‪ - 148‬حدثنا به أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر‬
‫بن عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬الرحمن ‪ ،‬الفعلن من الرحمة ‪ ،‬وهو من كلم العرب‪ .‬قال ‪ :‬الّرحمن‬
‫ب أن يرحمه ‪ ،‬والبعيد الشديد على من أحب‬
‫الرحيم ‪ :‬الرقيقُ الرفيقُ بمن أح ّ‬
‫أن يعُنف عليه‪ (1) .‬وكذلك أسماؤه كلها‪.‬‬
‫وهذا التأويل من ابن عباس ‪ ،‬يدل على أن الذي به رّبنا رحمن ‪ ،‬هو الذي به‬
‫رحيم ‪ ،‬وإن كان لقوله " الرحمن " من المعنى ‪ ،‬ما ليس لقوله " الرحيم " ‪.‬‬
‫لنه جعل معنى " الرحمن " بمعنى الرقيق على من رقّ عليه ‪ ،‬ومعنى "‬
‫الرحيم " بمعنى الرفيق بمن رفق به‪.‬‬
‫والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه‬
‫عن العْرَزمي )‪ ، (2‬أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس‪.‬‬
‫وإن‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 148‬نقله ابن كثير في التفسير ‪ 41 : 1‬عن هذا الموضع ‪ ،‬وقد‬
‫مضى الكلم في هذا السناد ‪ ،‬وبيان ضعفه ‪ . 141 ، 137 :‬والذي في الدر‬

‫المنثور ‪ " 9 - 8 : 1‬على من أحب أن يضعف عليه العذاب " ‪ ،‬والظاهر أنه‬
‫تصرف من ناسخ أو طابع ‪.‬‬
‫ضا ‪،‬‬
‫)‪ (2‬إشارة إلى ما مضى ‪ ، 146 :‬ووقع في الصول هنا " العرزمي " أي ً‬
‫بتقديم الزاي ‪ ،‬وهو خطأ ‪ ،‬كما بينا من قبل ‪.‬‬
‫) ‪(1/129‬‬
‫قا معناه معنى ذلك ‪ ،‬في أن للرحمن من المعنى ما ليس‬
‫كان هذا القول مواف ً‬
‫للرحيم ‪ ،‬وأن للرحيم تأويل غيَر تأويل الرحمن‪.‬‬
‫والقول الثالث في تأويل ذلك ما ‪- :‬‬
‫‪ - 149‬حدثني به عمران بن ب َ ّ‬
‫كار الكلعي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا يحيى بن صالح ‪ ،‬قال‬
‫سطين ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت‬
‫ل فل َ ْ‬
‫‪ :‬حدثنا أبو الزهر نصر بن عمرو الّلخمي من أه ِ‬
‫عطاء الخراساني يقول ‪ :‬كان الرحمن ‪ ،‬فلما اختز َ‬
‫ل الرحمن من اسمه كان‬
‫م‪(1) .‬‬
‫ن الرحي َ‬
‫الرحم َ‬
‫والذي أراد ‪ ،‬إن شاء الله ‪ ،‬عطاٌء بقوله هذا ‪ :‬أن الرحمن كان من أسماء الله‬
‫ب مسيلمة ‪ -‬وهو‬
‫مى بها أحد من َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫مى به الكذا ُ‬
‫قه ‪ ،‬فلما تس ّ‬
‫التي ل يتس ّ‬
‫اختزاله إياه ‪ ،‬يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه ‪ -‬أخبر الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه أن‬
‫مى‬
‫م " ليف ِ‬
‫ه من اسم من قد تس ّ‬
‫م ُ‬
‫صل بذلك لعباده اس َ‬
‫ن الرحي ُ‬
‫اسمه " الرحم ُ‬
‫مى أحد " الرحمن الرحيم " ‪ ،‬فيجمع له هذان‬
‫بأسمائه ‪ ،‬إذ كان ل يس ّ‬
‫السمان ‪ ،‬غيره ج ّ‬
‫مى‬
‫ض َ‬
‫خْلقه إما رحيما ‪ ،‬أو يتس ّ‬
‫ل ذكره‪ .‬وإنما يتس ّ‬
‫مى بع ُ‬
‫ّ‬
‫َرحمن‪ .‬فأما " رحمن رحيم " ‪ ،‬فلم يجتمعا قط لحد سواهُ ‪ ،‬ول يجمعان لحد‬
‫صل بتكرير‬
‫غيره‪ .‬فكأ ّ‬
‫ن معنى قول عطاء هذا ‪ :‬أن الله جل ثناؤه إنما فَ َ‬
‫قه ‪ ،‬اختلف معناهما أو‬
‫الرحيم على الرحمن ‪ ،‬بين اسمه واسم غيره من خل ِ‬
‫اتفقا‪.‬‬
‫والذي قال عطاٌء من ذلك غيُر فاسد المعنى ‪ ،‬بل جائز أن يكون ج ّ‬
‫ل ثناؤه‬
‫ة لها من خلقه ‪ ،‬ليعرف عباُده‬
‫ص نفسه بالتسمية بهما مًعا مجتمعين ‪ ،‬إبان ً‬
‫خ ّ‬
‫ما‬
‫ن سواه من خلقه ‪ ،‬مع َ‬
‫ن أنه المقصود بذكرهما دون َ‬
‫م ْ‬
‫بذكرهما مجموعي ِ‬
‫في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الخر منهما‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 149‬نقله السيوطي في الدر المنثور ‪ 9 : 1‬ونسبه للطبري‬
‫وحده ‪ .‬وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬وضعفه بعض‬
‫الئمة ‪ .‬وهو كثير الرواية عن التابعين ‪ ،‬وكثير الرسال عن الصحابة ‪ ،‬في‬
‫سماعه منهم خلف ‪ .‬وأما الراوي عنه " أبو الزهر نصر بن عمرو اللخمي " ‪،‬‬
‫فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع ‪ ،‬إل قول الدولبي في‬
‫الكنى والسماء ‪ " : 110 : 1‬أبو الزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي ‪،‬‬
‫روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي " ‪.‬‬
‫) ‪(1/130‬‬
‫ن العرب كانت ل تعرف " الرحمن " ‪ ،‬ولم يكن‬
‫ض أهل الَغباء أ ّ‬
‫وقد زعم بع ُ‬
‫ما‬
‫ذلك في لغتها )‪ (1‬ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬وَ َ‬
‫ْ‬
‫الرحم َ‬
‫مُرَنا ( ]سورة الفرقان ‪ ، [60 :‬إنكاًرا منهم لهذا السم ‪،‬‬
‫س ُ‬
‫ن أن َ ْ‬
‫ما ت َأ ُ‬
‫جد ُ ل ِ َ‬
‫ّ ْ َ ُ‬

‫كأنه كان محال عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ‪ ،‬أوْ ‪ :‬ل‬
‫وكأنه لم يت ْ ُ‬
‫ه ( ‪ -‬يعني‬
‫ل من كتاب الله قول الله) ال ّ ِ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ب ي َعْرُِفون َ ُ‬
‫ن آت َي َْناهُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م( ]سورة البقرة ‪ [146 :‬وهم مع ذلك به‬
‫ما ي َعْرُِفو َ‬
‫محم ً‬
‫ن أب َْناَءهُ ْ‬
‫دا ‪) -‬ك َ َ‬
‫مك ّ‬
‫ة ما قد‬
‫حقيق‬
‫يدافعون‬
‫كانوا‬
‫قد‬
‫أنهم‬
‫بذلك‬
‫م‬
‫يعل‬
‫ف‬
‫جاحدون!‬
‫ولنبوته‬
‫‪،‬‬
‫ذبون‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ت لديهم معرفُته‪ .‬وقد أنشد لبعض الجاهلية‬
‫ثبت عندهم صحُته ‪ ،‬واستحكم ْ‬
‫الجهلء ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت تل َ‬
‫مين ََها )‪(2‬‬
‫ن َرّبي ي َ ِ‬
‫ب الر ْ‬
‫ض َ‬
‫جين ََها‪ ...‬أل قَ َ‬
‫ح َ‬
‫ك الفتاة ُ هَ ِ‬
‫أل ضرب َ ْ‬
‫م ُ‬
‫سْعدي ‪(3) :‬‬
‫وقال سلمة بن َ‬
‫ل ال ّ‬
‫جند ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫ق )‪(4‬‬
‫ن ي َعْ ِ‬
‫شإ الر ْ‬
‫م عَل َي َْنا عَ ْ‬
‫ح َ‬
‫م‪ ...‬وَ َ‬
‫جل َت َي َْنا عَلي ْك ُ ُ‬
‫جل ْت ُ ْ‬
‫عَ ِ‬
‫م ُ‬
‫قد ْ وَي ُطل ِ ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ل يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه ‪ ،‬ويتبجحون بذكره في محاضراتهم‬
‫وكتبهم ‪ ،‬نقل عن الذين يتتبعون ما سقط من القوال ‪ ،‬وهم العاجم الذين‬
‫يؤلفون فيما ل يحسنون باسم الستشراق ‪ .‬ورد الطبري مفحم لمن كان له‬
‫عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة ‪.‬‬
‫)‪ (2‬لم أجد قائل البيت ‪ .‬واستشهد به ابن سيده في المخصص ‪، 152 : 17‬‬
‫وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي ‪ ،‬وادعى أن البيت‬
‫مصنوع ‪ ،‬وأن " بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم‬
‫المجردة ‪ ،‬صنعه ولفقه ‪ ،‬وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس‬
‫الضحى ‪ ،‬وركاكته تنادي جهاًرا بصحة وضعه وصنعته ‪ ،‬والصواب وهو الحق‬
‫المجمع عليه ‪ ،‬أن الشاعر الجاهلي المشار إليه ‪ ،‬هو الشنفرى الزدي ‪ ،‬وهذا‬
‫َ‬
‫ري ‪،‬‬
‫ت ِ‬
‫البيت ليس في شعره " ‪ ،‬وأنه ملفق من قول الشنفرى ‪ :‬أل َ ل َي ْ َ‬
‫شعْ ِ‬
‫جين ََها‬
‫ف ال َ‬
‫ت كَ ّ‬
‫ضل ّ ٌ‬
‫والَتلهّ ُ‬
‫ة ‪ ...‬بما َ‬
‫ف َ‬
‫فَتاةِ هَ ِ‬
‫ضَرب َ ْ‬
‫والشنقيطي رحمه الله كان كثير الستطالة ‪ ،‬سريًعا إلى المباهاة بعلمه‬
‫وروايته ‪ .‬والذي قاله من ادعاء الصنعة ل يقوم ‪ .‬وكفى بالبيت الذي يليه دليل‬
‫على فساد زعمه أن الدافع لصنعته ‪ :‬إيجاد الشواهد المعدومة ‪ ،‬لدعاوى‬
‫مجردة ‪ .‬وليس في البيت ركاكة ول صنعة ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المخطوطة والمطبوعة ‪ " :‬الطهوي " مكان السعدي ‪ ،‬وهو خطأ ‪.‬‬
‫ليس سلمة طهويا ‪.‬‬
‫)‪ (4‬ديوانه ‪ ، 19 :‬وقد جاء في طبقات فحول الشعراء ‪ 131 :‬في نسب‬
‫الشاعر ‪ :‬سلمة بن جندل بن عبد الرحمن " ‪ ،‬وهذه رواية ابن سلم ‪ ،‬وغيره‬
‫يقول ‪ " :‬ابن عبد " ‪ ،‬فإن صحت رواية ابن سلم ‪ ،‬فهي دليل آخر قوي على‬
‫فساد دعوى الشنقيطي ‪.‬‬
‫) ‪(1/131‬‬
‫ض من ضُعفت معرفُته بتأويل أهل التأويل ‪ ،‬وقّلت روايته‬
‫وقد زعم أي ً‬
‫ضا بع ُ‬
‫ن " الرحمن " مجازه ‪ :‬ذو الرحمة ‪ ،‬و "‬
‫لقوال السلف من أهل التفسير ‪ ،‬أ ّ‬
‫ظ‬
‫درون اللفظين من لف ٍ‬
‫الرحيم " مجازه ‪ :‬الّراحم )‪ ، (1‬ثم قال ‪ :‬قد يق ّ‬
‫والمعنى واحد ‪ ،‬وذلك لتساع الكلم عندهم‪ .‬قال ‪ :‬وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا‬
‫سِهر الطائي ‪:‬‬
‫‪ :‬ندمان وَنديم ‪ ،‬ثم استشهد ببي ِ‬
‫م ْ‬
‫ت ب ُْرج بن ُ‬
‫َ‬
‫م )‪(2‬‬
‫س َ‬
‫ت وَقد ْ ت َغَوَّر ِ‬
‫س ِ‬
‫ت الن ّ ُ‬
‫جو ُ‬
‫طيًبا ‪َ ... ،‬‬
‫قي ْ ُ‬
‫وَن َد ْ َ‬
‫ن يزيد ُ الكأ َ‬
‫ما ٍ‬
‫ت نظائره في الّنديم والّندمان ‪ ،‬ففرق بين معنى الرحمن‬
‫واستشهد بأبيا ٍ‬
‫والرحيم في التأويل لقوله ‪ :‬الرحمن ذو الرحمة ‪ ،‬والرحيم الراحم ‪ ،‬وإن كان‬

‫قد ترك بيان تأويل معني َْيهما على صحته‪ .‬ثم مّثل ذلك بالّلفظين يأتيان بمعنى‬
‫واحد ‪ ،‬فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين ‪ ،‬فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع‬
‫اختلف اللفاظ‪.‬‬
‫َ‬
‫ح أنها له صفة ؛ وأن‬
‫وص‬
‫‪،‬‬
‫الرحمة‬
‫له‬
‫أن‬
‫ثبت‬
‫الذي‬
‫هو‬
‫الرحمة‬
‫ول شك أن ذا‬
‫ّ‬
‫الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ‪ ،‬أو قد رحم فانقضى ذلك منه ‪ ،‬أو هو‬
‫فيه‪.‬‬
‫ول دللة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة ‪ ،‬كالدللة على أنها له صفة ‪ ،‬إذا‬
‫صف بأنه ذو الرحمة‪ .‬فأين معنى " الرحمن الرحيم " على تأويله ‪ ،‬من‬
‫وُ ِ‬
‫درتين من لفظ واحد باختلف اللفاظ واتفاق‬
‫معنى الكلمتين يأتيان مق ّ‬
‫حا عواُره‪.‬‬
‫المعاني ؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه ‪ ،‬كان واض ً‬
‫م الله الذي هو " الله " ‪ ،‬على اسمه الذي هو‬
‫وإن قال لنا قائل ‪ :‬ولم ق ّ‬
‫دم اس َ‬
‫" الرحمن " ‪ ،‬واسمه الذي هو " الرحمن " ‪ ،‬على اسمه الذي هو " الرحيم‬
‫"؟‬
‫دموا اسمه‬
‫مخَبر عنه ‪ ،‬أن يق ّ‬
‫قيل ‪ :‬لن من شأن العرب ‪ ،‬إذا أرادوا الخبر عن ُ‬
‫حكم ‪ :‬أن يكون السم‬
‫‪ ،‬ثم يتبعوه صفاِته ونعوَته‪ .‬وهذا هو الواجب في ال ُ‬
‫من الخبُر‪ .‬فإذا كان ذلك‬
‫ص َ‬
‫ما قبل نعته و ِ‬
‫فته ‪ ،‬ليعلم السامع الخبَر ‪ ،‬ع ّ‬
‫مقد ّ ً‬
‫كذلك ‪-‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الذي عناه الطبري ‪ ،‬هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه " مجاز‬
‫القرآن " ‪ ، 21 :‬وقد نقل أكثر كلمه التي بنصه ‪.‬‬
‫)‪ (2‬حماسة أبي تمام ‪ ، 135 : 3‬والمؤتلف والمختلف للمدي ‪. 62 :‬‬
‫) ‪(1/132‬‬
‫ن لله ج ّ‬
‫ص بها نفسه‬
‫موا بها ‪َ ،‬‬
‫وكا َ‬
‫ل ذكره أسماٌء قد حّرم على خلقه أن يتس ّ‬
‫خ ّ‬
‫دونهم ‪ ،‬وذلك مث ُ‬
‫ح لهم أن‬
‫ل " الله " و " الرحمن " و " الخالق " ؛ وأسماٌء أبا َ‬
‫ضا بها ‪ ،‬وذلك ‪ :‬كالرحيم والسميع والبصير والكريم ‪ ،‬وما‬
‫ي بعضهم بع ً‬
‫ُيس ّ‬
‫م َ‬
‫دم أسماؤه التي هي له خاصة‬
‫أشبه ذلك من السماء ‪ -‬كان الواجب أن تق ّ‬
‫جه إليه الحمد والتمجيد ُ ‪ ،‬ثم ُيتبع‬
‫ن َتو ّ‬
‫دون جميع خلقه ‪ ،‬ليعرف السامعُ ذلك َ‬
‫م ْ‬
‫ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره ‪ ،‬بعد علم المخاطب أو السامع من‬
‫جه إليه ما يتلو ذلك من المعاني‪ .‬فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو " الله‬
‫تو ّ‬
‫" ‪ ،‬لن اللوهية ليست لغيره ج ّ‬
‫ل ثناؤه من وجهٍ من الوجوه ‪ ،‬ل من جهة‬
‫مي به ‪ ،‬ول من جهة المعنى‪ .‬وذلك أنا قد بيّنا أن معنى " الله " تعالى‬
‫التس ّ‬
‫مي به قد حّرمه الله‬
‫ذكره المعبود )‪ ، (1‬ول معبود َ غيُره جل جلله ‪ ،‬وأن التس ّ‬
‫مي بسعيد وهو شقي ‪،‬‬
‫مي به ما يقصد ُ المتس ّ‬
‫جل ثناؤه ‪ ،‬وإن قصد المتس ّ‬
‫ن وهو قبيح‪.‬‬
‫وبح َ‬
‫س ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن الله ج ّ‬
‫ه(‬
‫معَ الل ِ‬
‫أَول َترى أ ّ‬
‫ه َ‬
‫ل جلله قال في غير آية من كتابه ‪) :‬أإ ِل ٌ‬
‫سه بالله‬
‫فاستكبر ذلك من المقّر به ‪ ،‬وقال تعالى في ُ‬
‫خصوصه َنف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ماُء‬
‫ما ت َد ْ ُ‬
‫ه أ َوِ اد ْ ُ‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫عوا الّر ْ‬
‫ه ال ْ‬
‫س َ‬
‫عوا فَل ُ‬
‫ن أّيا َ‬
‫ح َ‬
‫عوا الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫وبالرحمن ‪ ) :‬قُ ِ‬
‫سَنى ( ]سورة السراء ‪ .[110 :‬ثم ثّنى باسمه ‪ ،‬الذي هو الرحمن ‪ ،‬إذ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ضا خلقه التسمي به ‪ ،‬وإن كان من خْلقه من قد يستحق‬
‫منع أي ً‬
‫كان قد َ‬
‫من هو دون الله من‬
‫صف كثير م ّ‬
‫تسميته ببعض معانيه‪ .‬وذلك أنه قد يجوز و ْ‬
‫ض اللوهية أحد دونه‪.‬‬
‫خلقه ‪ ،‬ببعض صفات الرحمة‪ .‬وغير جائز أن يستحق بع َ‬

‫فلذلك جاء الرحمن ثانًيا لسمه الذي هو " الله " ‪.‬‬
‫صف غيره به‪.‬‬
‫وأما اسمه الذي هو " الرحيم " فقد ذكرنا أنه مما هو جائز و ْ‬
‫والرحمة من صفاته جل ذكره ‪ ،‬فكان ‪ -‬إذ كان المُر على ما وصفنا ‪ -‬واقًعا‬
‫ن توابُعها ‪ ،‬بعد تقدم السماء عليها‪ .‬فهذا وجه‬
‫مواقع نعوت السماء اللواتي ه ّ‬
‫تقديم اسم الله الذي هو " الله " ‪ ،‬على اسمه الذي هو " الرحمن " ‪ ،‬واسمه‬
‫الذي هو " الرحمن " على اسمه الذي هو " الرحيم " ‪(2) .‬‬
‫ن البصريّ يقول في " الرحمن " مثل ما قلنا ‪ ،‬أنه من أسماء‬
‫وقد كان الحس ُ‬
‫ي بها العباَد‪(3) .‬‬
‫الله التي َ‬
‫من َعَ التسم َ‬
‫‪ - 150‬حدثنا محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حماد بن مسعدة ‪ ،‬عن عوف ‪ ،‬عن‬
‫م ممنوع‪(4) .‬‬
‫الحسن ‪ ،‬قال ‪ " :‬الرحمن " اس ٌ‬
‫مي به جميعَ الناس ‪ ،‬ما ُيغني عن‬
‫مع أن في إجماع المة من منع التس ّ‬
‫الستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬أن معنى الله هو المعبود " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬هذا الحتجاج من أجود ما قيل ‪ ،‬ودقته تدل على حسن نظر أبي جعفر‬
‫فيما يعرض له ‪ .‬وتفسيره كله شاهد على ذلك ‪ .‬رحمة الله عليه ‪.‬‬
‫)‪ (3‬غيروه في المطبوعة ‪ " :‬لعباده " ‪.‬‬
‫)‪ (4‬الثر ‪ - 150‬نقله ابن كثير في التفسير ‪ 42 - 41 : 1‬عن هذا الموضع ‪.‬‬
‫والسيوطي في الدر المنثور ‪ ، 9 : 1‬ونسبه للطبري وحده ‪ .‬و " عوف "‬
‫الراويه عن الحسن ‪ :‬هو عوف بن أبي جميلة العبدي ‪ ،‬المعروف بابن‬
‫العرابي ‪ ،‬وهو ثقة ثبت ‪.‬‬
‫) ‪(1/133‬‬
‫ن )‪(2‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫)القول في تأويل فاتحة الكتاب(‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ { ‪:‬‬
‫} ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫صا لله جل ثناؤه دون سائر ما‬
‫مد ُ ل ِل ِ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ومعنى)ال َ‬
‫ح ْ‬
‫ه( ‪ :‬الشكر خال ً‬
‫َ‬
‫ُيعبد من دونه ‪ ،‬ودون ك ّ‬
‫ل ما بَرأ من خلقه )‪ ، (1‬بما أنعم على عباده من‬
‫الّنعم التي ل ُيحصيها العدد ‪ ،‬ول يحيط بعددها غيره أحد ٌ ‪ ،‬في تصحيح اللت‬
‫لطاعته ‪ ،‬وتمكين جوارح أجسام المكّلفين لداء فرائضه ‪ ،‬مع ما بسط لهم‬
‫في دنياهم من الرزق ‪َ ،‬وغ َ‬
‫ذاهم به من نعيم العيش ‪ ،‬من غير استحقاق منهم‬
‫لذلك عليه ‪ ،‬ومع ما نّبههم عليه ودعاهم إليه ‪ ،‬من السباب المؤّدية إلى دوام‬
‫مقام في النعيم المقيم‪ .‬فلرّبنا الحمد ُ على ذلك كله أول‬
‫الخلود في دار ال ُ‬
‫وآخًرا‪.‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه( ‪،‬‬
‫مد ُ ل ِل ِ‬
‫دست أسماؤه ‪) :‬ال َ‬
‫وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جل ذكره وتق ّ‬
‫ح ْ‬
‫جاء الخبُر عن ابن عباس وغيره ‪- :‬‬
‫‪ - 151‬حدثنا محمد بن العلء ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫بشر بن ُ‬
‫قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما ‪ :‬قل يا محمد " الحمد لله " قال ابن‬
‫عباس ‪ " :‬الحمد لله " ‪ :‬هو الشكر لله ‪ ،‬والستخذاء لله ‪ ،‬والقرار بنعمته‬
‫وهدايته وابتدائه ‪ ،‬وغير ذلك‪(2) .‬‬

‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬ما يرى " ‪ ،‬والصواب من المخطوطة وابن كثير ‪: 1‬‬
‫‪. 42‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 151‬هذا السناد سبق بيان ضعفه في ‪ . 137‬و " محمد بن‬
‫العلء " شيخ الطبري ‪ :‬هو " أبو كريب " نفسه في السناد السابق ‪ ،‬مرة‬
‫يسميه ومرة يكنيه ‪ .‬وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ‪، 43 : 1‬‬
‫والسيوطي في الدر المنثور ‪ ، 11 : 1‬والشوكاني في تفسيره الذي سماه‬
‫ضا لبن أبي حاتم في تفسيره ‪.‬‬
‫فتح القدير ‪ ، 10 : 1‬ونسبوه أي ً‬
‫) ‪(1/135‬‬
‫س ُ‬
‫كوني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بقية بن الوليد ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫‪ - 152‬وحدثني سعيد بن عمرو ال ّ‬
‫مير ‪-‬‬
‫حدثني عيسى بن إبراهيم ‪ ،‬عن موسى بن أبي َ‬
‫حبيب ‪ ،‬عن الحكم بن عُ َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إذا قلت " الحمد‬
‫وكانت له صحبة ‪ -‬قال ‪ :‬قال النب ّ‬
‫ب العالمين " ‪ ،‬فقد شكرت الله ‪ ،‬فزادك‪(1) .‬‬
‫لله ر ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 152‬نقله ابن كثير ‪ 43 : 1‬بإسناد الطبري هذا ‪ ،‬وذكره‬
‫السيوطي في الدر المنثور ‪ 11 : 1‬ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور‬
‫قا ‪ ،‬بل هو إسناد ل تقوم له‬
‫والديلمي " بسند ضعيف " ‪ .‬وإسناده ضعيف ح ً‬
‫قائمة ‪ ،‬كما سنذكر ‪:‬‬
‫أما بقية بن الوليد ‪ ،‬فالحق أنه ثقة ‪ ،‬وإنما نعوا عليه التدليس ‪ ،‬ول موضع له‬
‫هنا ‪ ،‬فإنه صرح بالتحديث ‪.‬‬
‫ولكن عيسى بن إبراهيم ‪ ،‬وهو القرشي الهاشمي ‪ ،‬كل البلء منه في هذا‬
‫الحديث ‪ ،‬وفي أحاديث من نحوه ‪ ،‬رواها بهذا السناد ‪ .‬وقد قال فيه البخاري‬
‫في الضعفاء ‪ " : 27 :‬منكر الحديث " ‪ ،‬وكذلك النسائي ‪ . 22 :‬وترجم له ابن‬
‫أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪ ، 272 - 271 1 / 3‬وروى عن أبيه قال ‪" :‬‬
‫متروك الحديث " ‪ ،‬وعن ابن معين ‪ " :‬ليس بشيء " ‪ ،‬وقال ابن حبان في‬
‫الضعفاء ‪ ،‬الورقة ‪ " : 163‬ل يجوز الحتجاج به إذا انفرد " ‪ .‬وترجمته في‬
‫الميزان ولسان الميزان فيها العجب ‪.‬‬
‫وشيخه " موسى بن أبي حبيب " مثله ‪ :‬ضعيف تالف ‪ ،‬وقال الذهبي في‬
‫الميزان ‪ " :‬ضعفه أبو حاتم ‪ ،‬وخبره ساقط ‪ .‬وله عن الحكم بن عمير ‪ ،‬رجل‬
‫قيل ‪ :‬له صحبة ‪ .‬والذي أراه أنه لم يلقه ‪ .‬وموسى ‪ -‬مع ضعفه ‪ -‬فمتأخر عن‬
‫لقي صحابي كبير " ‪ .‬فالبلء من هذين أو من أحدهما ‪.‬‬
‫حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه " الحكم بن عمير " ‪،‬‬
‫من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪، 125 / 2 / 1‬‬
‫قال ‪ " :‬الحكم بن عمير ‪ :‬روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ل يذكر‬
‫السماع ول لقاء ‪ ،‬أحاديث منكرة ‪ ،‬من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ‪،‬‬
‫وهو شيخ ضعيف الحديث ‪ ،‬ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن‬
‫إبراهيم ‪ ،‬وهو ذاهب الحديث ‪ ،‬سمعت أبي يقول ذلك " ‪.‬‬
‫وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان ‪ ،‬وأخطأ في النقل فيه‬
‫عن أبي حاتم ‪ ،‬ذكر أنه ضعف الحكم! وكلم أبي حاتم ‪ -‬كما ترى ‪ -‬غير ذلك ‪.‬‬
‫وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ‪ 337 : 2‬وأثبت أنه صحابي ‪ ،‬بما ذكره ابن‬
‫عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم ‪ ،‬وأن الدار قطني قال ‪" :‬‬

‫كان بدرًيا " ‪.‬‬
‫وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات )ص ‪ (54‬في طبقة الصحابة ‪ ،‬وقال ‪" :‬‬
‫يقال إن له صحبة " ‪ .‬ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان ‪ ،‬ولكن‬
‫سها فزعم أنه ذكره " في ثقات التابعين " ‪.‬‬
‫وترجمه ابن عبد البر في الستيعاب ‪ ،‬رقم ‪ : 476‬باسم " الحكم بن عمرو‬
‫الثمالي ‪ ،‬وثمالة في الزد ‪ ،‬شهد بدًرا ‪ ،‬ورويت عنه أحاديث مناكير من‬
‫أحاديث أهل الشأم ‪ ،‬ل تصح " ‪ .‬وتسمية أبيه باسم " عمرو " خطأ قديم في‬
‫نسخ الستيعاب ‪ ،‬لن ابن الثير تبعه في أسد الغابة ‪ ، 26 : 1‬وأشار إلى‬
‫الغلط فيه ‪ ،‬ثم ترجمه على الصواب ‪ " :‬الحكم بن عمير الثمالي ‪ ،‬من الزد ‪،‬‬
‫قا‬
‫وكان يسكن حمص " ‪ .‬وحقق الحافظ ترجمته في الصابة ‪ 30 : 2‬تحقي ً‬
‫دا ‪.‬‬
‫جي ً‬
‫) ‪(1/136‬‬
‫ن قول القائل " الحمد لله " ‪ ،‬ثناء على الله بأسمائه‬
‫قال ‪ :‬وقد قيل ‪ :‬إ ّ‬
‫حسنى ‪ ،‬وقوله ‪ " :‬الشكر لله " ‪ ،‬ثناء عليه بنعمه وأياديه‪.‬‬
‫وصفاته ال ُ‬
‫وقد ُروي عن كعب الحبار أنه قال ‪ " :‬الحمد لله " ‪ ،‬ثناٌء على الله‪ .‬ولم يبّين‬
‫في الرواية عنه ‪ ،‬من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك‪.‬‬
‫دفي ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ص َ‬
‫‪ - 153‬حدثنا يونس بن عبد العلى ال ّ‬
‫حدثني عمر بن محمد ‪ ،‬عن سهيل بن أبي صالح ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني‬
‫السلولي ‪ ،‬عن كعب ‪ ،‬قال ‪ :‬من قال " الحمد لله " ‪ ،‬فذلك ثناء على الله‪) .‬‬
‫‪(1‬‬
‫‪ - 154‬حدثني علي بن الحسن الخّراز ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مسلم بن عبد الرحمن‬
‫مبارك بن َفضالة ‪،‬‬
‫جْرمي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن مصعب ال ُ‬
‫ال َ‬
‫قْرُقساني ‪ ،‬عن ُ‬
‫عن الحسن ‪ ،‬عن السود بن سريع ‪ :‬أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫ب إليه الحمد ‪ ،‬من الله تعالى ‪ ،‬ولذلك أثنى على َنفسه فقال ‪:‬‬
‫ليس شيٌء أح ّ‬
‫" الحمد لله " )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 153‬هذا السناد صحيح ‪ ،‬وسواء صح أم ضعف ‪ ،‬فل قيمة له ‪ ،‬إذ‬
‫منتهاه إلى كعب الحبار ‪ .‬وما كان كلم كعب حجة قط ‪ ،‬في التفسير وغيره ‪.‬‬
‫و " الصدفي " ‪ :‬بفتح الصاد والدال المهملتين ‪ ،‬نسبة إلى " الصدف " بفتح‬
‫الصاد وكسر الدال ‪ ،‬وهي قبيلة من حمير ‪ ،‬نزلت مصر ‪ .‬و " السلولي " ‪ ،‬هو‬
‫‪ :‬عبد الله بن ضمرة السلولي ‪ ،‬تابعي ثقة ‪.‬‬
‫وهذا الخبر ‪ -‬عن كعب ‪ -‬ذكره ابن كثير ‪ 43 : 1‬دون إسناد ول نسبة ‪ .‬وذكر‬
‫السيوطي ‪ 11 : 1‬ونسبه للطبري وابن أبي حاتم ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 154‬إسناده صحيح ‪ .‬علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن‬
‫الخراز ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬ثقة ‪ ،‬مترجم في تاريخ بغداد ‪ . 375 - 374 : 11‬و "‬
‫الخراز " ‪ :‬ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي ‪ .‬وفي تاريخ بغداد "‬
‫الخزاز " بزاءين ‪ ،‬ولم نستطع الترجيح بينهما ‪ .‬مسلم بن عبد الرحمن‬
‫الجرمي ‪ :‬مترجم في لسان الميزان ‪ 32 : 6‬باسم " مسلم بن أبي مسلم "‬
‫فلم يذكر اسم أبيه ‪ ،‬وهو هو ‪ .‬ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ‪، 100 : 13‬‬
‫قال ‪ " :‬مسلم بن أبي مسلم الجرمي ‪ ،‬وهو مسلم بن عبد الرحمن " ‪،‬‬
‫وقال ‪ " :‬كان ثقة ‪ ،‬نزل طرسوس ‪ ،‬وبها كانت وفاته " ‪ .‬و " الجرمي " ‪:‬‬

‫رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان " الحرمي " بدون نقط ‪ .‬ولكنهم‬
‫لم ينصوا على ضبطه ‪ .‬وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل‬
‫والشاذ ‪ ،‬وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط ‪ ،‬والجادة في‬
‫هذا الرسم " الجرمي " بالجيم ‪ ،‬وبذلك رسم في تاريخ بغداد ‪ ،‬فعن هذا أو‬
‫ذاك رجحناه ‪ .‬و " محمد بن مصعب القرقساني " ‪ ،‬و " مبارك بن فضالة " ‪:‬‬
‫مختلف فيهما ‪ .‬وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند ‪ :‬الول في ‪، 3048‬‬
‫والثاني في ‪ . 521‬و " الحسن " ‪ :‬هو البصري ‪ ،‬وقد أثبتنا في شرح صحيح‬
‫ابن حبان ‪ ،‬في الحديث ‪ 132‬أنه سمع من السود بن سريع ‪.‬‬
‫وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ‪ 12 : 1‬عن تفسير‬
‫الطبري ‪ .‬ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصًرا ‪ 435 : 3) 15650‬حلبي(‬
‫عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن السود بن‬
‫سريع ‪ ،‬قال ‪ " :‬قلت ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬أل أنشدك محامد حمدت بها ربي ؟‬
‫قال ‪ :‬أما إن ربك يحب الحمد " ‪ .‬وهذا إسناد صحيح ‪ ،‬رجاله كلهم ثقات أثبات‬
‫‪ .‬وذكره ابن كثير في التفسير ‪ 43 : 1‬عن المسند ‪ .‬وكذلك ذكره السيوطي ‪،‬‬
‫ضا للنسائي والحاكم وغيرهما ‪.‬‬
‫ونسبه أي ً‬
‫ضا ‪ ، 15654‬والبخاري في الدب المفرد ‪ ، 51 :‬بنحوه ‪ ،‬في‬
‫ورواه أحمد أي ً‬
‫قصة مطولة ‪ ،‬من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن السود بن سريع ‪.‬‬
‫ومعناه ثابت صحيح ‪ ،‬من حديث ابن مسعود ‪ ،‬في المسند ‪ " : 4153‬ل أحد‬
‫أغير من الله ‪ ،‬ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ‪ ،‬ول أحد أحب‬
‫ضا البخاري ومسلم‬
‫إليه المدح من الله ‪ ،‬ولذلك مدح نفسه " ‪ .‬ورواه أي ً‬
‫وغيرهما ‪.‬‬
‫) ‪(1/137‬‬
‫ح ْ‬
‫كم )‪، (1‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ول َتماُنع بين أهل المعرفة بلغات العرب من ال ُ‬
‫لقول القائل ‪ " :‬الحمد لله شكًرا " ‪ -‬بالصحة‪ .‬فقد تبّين ‪ -‬إذ ْ كان ذلك عند‬
‫ن الحمد لله قد ُينطق به في موضع الشكر ‪ ،‬وأن الشكر‬
‫حا ‪ -‬أ ّ‬
‫جميعهم صحي ً‬
‫قد يوضع موضعَ الحمد‪ .‬لن ذلك لو لم يكن كذلك ‪ ،‬لما جاز أن ُيقال " الحمد‬
‫صد َّر ‪ " :‬أشك ُُر " ‪ ،‬لن‬
‫لله شكًرا " ‪ ،‬في ُ ْ‬
‫رج من قول القائل " الحمد لله " ُ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫صد َّر من الحمد غيُر معناه‬
‫الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ‪ ،‬كان خطأ أن ي ُ َ‬
‫وغير لفظه‪(2) .‬‬
‫دا‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬وما وجه إدخال اللف واللم في الحمد ؟ وهل قيل ‪ :‬حم ً‬
‫لله رب العالمين ؟‬
‫دا‬
‫م ً‬
‫قيل ‪ :‬إن لدخول اللف واللم في الحمد ‪ ،‬معنى ل يؤديه قول القائل " َ‬
‫ح ْ‬
‫ئ عن أن معناه )‬
‫من ْب ِ ٌ‬
‫" ‪ ،‬بإسقاط اللف واللم‪ .‬وذلك أن دخولهما في الحمد ُ‬
‫‪ : (3‬جميعُ المحامد والشكُر الكامل لله‪ .‬ولو أسقطتا منه لما د َ ّ‬
‫ن‬
‫ل إل على أ ّ‬
‫دا‬
‫ل ذلك لله ‪ ،‬دون المحامد كلها‪ .‬إذ ْ كان معنى قول القائل ‪ " :‬حم ً‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫مد َ قائ ِ‬
‫لله " أو " حمد ٌ لله " ‪:‬‬
‫__________‬
‫فا ‪ 126 :‬عن معنى " ل تمانع " ‪.‬‬
‫)‪ (1‬انظر ما كتبناه آن ً‬
‫)‪ (2‬تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن " الحمد والشكر "‬
‫ضا ‪.‬‬
‫بمعنى ‪ ،‬وأن أحدهما يوضع موضع الخر ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه المبرد أي ً‬
‫انظر القرطبي ‪ ، 116 : 1‬وابن كثير ‪ ، 42 : 1‬وأخطأ النقل عن القرطبي ‪،‬‬

‫فظنه استدل لصحة قول الطبري ‪ ،‬وهو وهم ‪ .‬والذي قاله الطبري أقوى‬
‫حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه ‪ .‬وقوله " مصدر أشكر " ‪ ،‬وقوله " أن‬
‫يصدر من الحمد " ‪ ،‬يعني به المفعول المطلق ‪ .‬وانظر ما مضى ‪، 117 :‬‬
‫تعليق ‪. 1 :‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة ‪ " :‬مبني على أن معناه " ‪ ،‬أدخلوا عليه التبديل ‪.‬‬
‫) ‪(1/138‬‬
‫ن( ‪،‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫دا ‪ ،‬وليس التأويل في قول القائل ‪) :‬ال ْ َ‬
‫أحمد الله حم ً‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫ل في ذلك ما وصفنا قب ُ‬
‫تالًيا سورةَ أم القرآن ‪ :‬أحمد ُ الله ‪ ،‬بل التأوي ُ‬
‫ل ‪ ،‬من‬
‫ن جميع المحامد لله بألوهّيته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم‬
‫أ ّ‬
‫كفاء لها في الدين والدنيا ‪ ،‬والعاجل والجل‪.‬‬
‫التي ل ِ‬
‫ت قراءة القّراء وعلماء المة على َرفع الحمد‬
‫ولذلك من المعنى ‪ ،‬تتابع ْ‬
‫ن( دون نصبها ‪ ،‬الذي يؤدي إلى الدللة على أن‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫من)ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫دا‪ .‬ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ‪ ،‬لكان عندي‬
‫معنى تاليه كذلك ‪ :‬أحمد الله حم ً‬
‫مد قراءَته‬
‫محيل معناه ‪ ،‬ومستح ّ‬
‫قا العقوب َ‬
‫ة على قراءته إياه كذلك ‪ ،‬إذا تع ّ‬
‫ُ‬
‫كذلك ‪ ،‬وهو عالم بخطئه وفساد تأويله‪.‬‬
‫مد الله نفسه ج ّ‬
‫ل ثناؤه‬
‫ح ِ‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬وما معنى قوله " الحمد لله " ؟ أ َ‬
‫صف به نفسه ؟ فإن كان ذلك‬
‫فأثنى عليها ‪ ،‬ثم عّلمَناه لنقول ذلك كما قال وو َ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫كذلك ‪ ،‬فما وجه قوله تعالى ذكره إًذا) إ ِّيا َ‬
‫ن ( وهو عّز‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫ل جبري َ‬
‫ل أو محمد ٍ َرسول الله صلى الله‬
‫ذكُره معبود ٌ ل عابد ٌ ؟ أم ذلك من ِقي ِ‬
‫ما ‪.‬‬
‫عليه وسلم ؟ فقد َبطل أن يكون ذلك لله كل ً‬
‫قيل ‪ :‬بل ذلك كله كلم الله جل ثناؤه ‪ ،‬ولكنه ج ّ‬
‫مد نفسه وأثنى‬
‫ح ِ‬
‫ل ذكره َ‬
‫عليها بما هو له أه ٌ‬
‫ل ‪ ،‬ثم عّلم ذلك عباده ‪ ،‬وفرض عليهم تلوته ‪ ،‬اختباًرا منه‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب الَعال ِ‬
‫ن( ‪ ،‬وقولوا ‪) :‬إ ِّياك ن َعْب ُد ُ‬
‫مد ُ ل ِلهِ َر ّ‬
‫لهم وابتلًء ‪ ،‬فقال لهم قولوا ‪) :‬ال َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫ن(‪ .‬فقوله)إ ِّيا َ‬
‫وَإ ِّيا َ‬
‫د( مما علمهم ج ّ‬
‫ل ذكره أن يقولوه وَيديُنوا له‬
‫ك ن َعْب ُ ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫ن( ‪ ،‬وكأنه قال ‪ :‬قولوا‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫بمعناه ‪ ،‬وذلك موصول بقوله ‪) :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫هذا وهذا‪.‬‬
‫ُ‬
‫ت؟‬
‫فإن قال ‪ :‬وأين قوله ‪ " :‬قولوا " ‪ ،‬فيكو َ‬
‫ن تأويل ذلك ما اد ّعَي ْ َ‬
‫ت مكان الكلمة ‪،‬‬
‫قيل ‪ :‬قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها ‪ -‬إذا عرف ْ‬
‫) ‪(1/139‬‬
‫ولم َتش ّ‬
‫ن سامعها يعرف ‪ ،‬بما أظهرت من منطقها ‪ ،‬ما حذفت ‪(1) -‬‬
‫كك أ ّ‬
‫ف ما كفى منه الظاهُر من منطقها ‪ ،‬ول سيما إن كانت تلك الكلمة التي‬
‫حذ ُ‬
‫حذفت ‪ ،‬قول أو تأوي َ‬
‫ل ‪ ،‬كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫ُ‬
‫ل قو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سيُر )‪(2‬‬
‫وا ِ‬
‫ج ل يَ ِ‬
‫ع ُ‬
‫سأكو ُ‬
‫سا‪ ...‬إَذا َ‬
‫م ً‬
‫م أن ِّني َ‬
‫ن َر ْ‬
‫وأعْل ُ‬
‫ساَر الن ّ َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫م ‪ :‬وزيُر )‪(3‬‬
‫م?‪ ...‬فَ َ‬
‫ح َ‬
‫فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ال ّ‬
‫خب ُِرون لهُ ْ‬
‫ل ال ُ‬
‫فْرت ُ ْ‬
‫سائلون ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫قط‬
‫ت وزيٌر ‪ ،‬فأس َ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬يريد بذلك ‪ ،‬فقال المخبرون لهم ‪ :‬المي ّ ُ‬
‫الميت ‪ ،‬إذ كان قد أتى من الكلم بما د ّ‬
‫ل على ذلك‪ .‬وكذلك قول الخر ‪:‬‬
‫َ‬
‫ك في الو َ‬
‫حا )‪(4‬‬
‫سي ْ ً‬
‫مت َ َ‬
‫َورأي ِ‬
‫م َ‬
‫قل ّ ً‬
‫ج ِ‬
‫ت َزوْ َ‬
‫دا َ‬
‫فا وَُر ْ‬
‫غى‪ُ ...‬‬
‫ما‬
‫ن الرمح ل ي ُت َ َ‬
‫قّلد ‪ ،‬وإنما أراد ‪ :‬وحامل رم ً‬
‫وقد علم أ ّ‬
‫حا ‪ ،‬ولكن لما كان معلو ً‬

‫معناه ‪ ،‬اكتفى بما قد َ‬
‫ظهر من كلمه ‪ ،‬عن إظهار ما حذف منه‪ .‬وقد يقولون‬
‫معاًفى " ‪ ،‬يحذفون " سر ‪ ،‬واخرج " ‪ ،‬إذ كان‬
‫مصا َ‬
‫حًبا ُ‬
‫للمسافر إذا وّدعوه ‪ُ " :‬‬
‫ما معناه ‪ ،‬وإن أسقط ذكره‪.‬‬
‫معلو ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫‪،‬‬
‫ن(‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫ل‬
‫)ا‬
‫‪:‬‬
‫ذكره‬
‫تعالى‬
‫الله‬
‫قول‬
‫من‬
‫حذف‬
‫ما‬
‫فكذلك‬
‫َ ْ ُ ِ ِ َ ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن( ‪،‬‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫ل‬
‫)ا‬
‫‪:‬‬
‫بقوله‬
‫أراد‬
‫ما‬
‫بد(‬
‫نع‬
‫ك‬
‫يا‬
‫)إ‬
‫‪:‬‬
‫ز‬
‫وع‬
‫جل‬
‫علم بقوله‬
‫ُ‬
‫َ ْ ُ ِ ِ َ ّ‬
‫َ ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ ِ َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬سياق الكلم ‪ " :‬أن العرب من شأنها ‪ . . .‬حذف " وما بينهما فصل ‪.‬‬
‫)‪ (2‬تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون ‪ 27 : 18) 87 :‬بولق( ‪ ، .‬ونسبهما‬
‫لبعض بني عامر ‪ ،‬وكذلك في معاني القرآن للفراء ‪ 170 : 1‬وهما في البيان‬
‫والتبيين ‪ 184 : 3‬منسوبان للوزيري ‪ ،‬ولم أعرفه ‪ ،‬وفيها اختلف في‬
‫الرواية ‪ .‬الرمس ‪ :‬القبر المسوى عليه التراب ‪ .‬يقول ‪ :‬أصبح قبرا يزار أو‬
‫يناح عليه ‪ .‬ورواه الجاحظ ‪ " :‬سأصير ميًتا " ‪ ،‬وهي ل شيء ‪ .‬والنواعج جمع‬
‫ناعجة ‪ :‬وهي البل السراع ‪ ،‬نعجت في سيرها ‪ ،‬أي سارت في كل وجه من‬
‫نشاطها ‪ .‬وفي البيان ومعاني الفراء " النواجع " ‪ ،‬وليست بشيء ‪.‬‬
‫)‪ (3‬رواية الجاحظ ‪ " :‬فقال السائلون ‪ :‬من المسجى " ‪ .‬وفي المعاني "‬
‫السائرون " ‪.‬‬
‫)‪ (4‬يأتي في تفسير آيات سورة البقرة ‪ / 7 :‬وسورة آل عمران ‪/ 49 :‬‬
‫وسورة المائدة ‪ / 53 :‬وسورة النعام ‪ / 99 :‬وسورة النفال ‪ / 14 :‬وسورة‬
‫يونس ‪ / 71 :‬وسورة الرحمن ‪ . 22 :‬وهو بيت مستشهد به في كل كتاب ‪.‬‬
‫) ‪(1/140‬‬
‫ة ما ظ ُِهر عليه من القول عن إبداء ما‬
‫ت دلل ُ‬
‫من معنى أمره عباَده ‪ ،‬أغن ْ‬
‫حذف‪.‬‬
‫ُ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫مد ُ ل ِل ِ‬
‫وقد روينا الخبَر الذي قدمنا ذكره مبَتدأ في تأويل قول الله ‪) (1) :‬ال َ‬
‫ح ْ‬
‫ن( ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬وأنه كان يقول ‪ :‬إن جبريل قال لمحمد ‪ :‬قل‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫َر ّ‬
‫مي َ‬
‫ّ‬
‫دا ما‬
‫يا محمد ‪ " :‬الحمد لله رب العالمين " ‪ ،‬وبّينا أن جبريل إنما علم محم ً‬
‫ُ‬
‫مر بتعليمه إياه )‪ . (2‬وهذا الخبر ُينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك‪.‬‬
‫أ ِ‬
‫***‬
‫ب{‪.‬‬
‫القول في تأويل قوله ‪َ } :‬ر ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو " الله " ‪ ،‬في "‬
‫بسم الله " ‪ ،‬فل حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع‪.‬‬
‫ف على معان ‪:‬‬
‫ب( ‪ ،‬فإن الّرب في كلم العرب منصر ٌ‬
‫وأما تأويل قوله)َر ّ‬
‫َ‬
‫عى رّبا ‪ ،‬ومن ذلك قول لِبيد بن ربيعة ‪:‬‬
‫فالسيد المطاع فيها يد َ‬
‫ت وعَْرعَرِ )‪(3‬‬
‫معد ّ ‪ ،‬بين َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫خب ْ ٍ‬
‫دة وابَنه‪ ...‬وَر ّ‬
‫ب ك ِن ْ َ‬
‫ما ر ّ‬
‫ب َ‬
‫ن يو ً‬
‫هلك ْ َ‬
‫ب كندة ‪ :‬سّيد كندة‪ .‬ومنه قول نابغة بني ُذبيان ‪:‬‬
‫يعني بر ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دى ل َ‬
‫دي )‪(4‬‬
‫تَ ُ‬
‫في وََتال ِ ِ‬
‫ري ِ‬
‫ك من َر ّ‬
‫ه‪ ...‬فِ ً‬
‫ن َ‬
‫خ ّ‬
‫حّتى َتنال ُ‬
‫ب إلى الن ّعْ َ‬
‫ما ِ‬
‫بط ِ‬
‫والرجل المصلح للشيء ُيدعى رّبا ‪ ،‬ومنه قول الفرزدق بن غالب ‪:‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬في تنزيل قول الله " ‪.‬‬
‫فا لحديث رقم ‪. 151 :‬‬
‫)‪ (2‬انظر ما مضى آن ً‬
‫)‪ (3‬ديوانه القصيدة ‪ . 32 / 15 :‬وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس ‪ .‬ورب‬
‫معد ‪ :‬حذيفة بن بدر ‪ ،‬كما يقول شارح ديوانه ‪ ،‬وأنا في شك منه ‪ ،‬فإن حذيفة‬

‫بن بدر قتل بالهباءة ‪ .‬ولبيد يذكر خبًتا وعرعًرا ‪ ،‬وهما موضعان غيره ‪.‬‬
‫)‪ (4‬ديوانه ‪ ، 89 :‬والمخصص ‪ . 154 : 7‬الطريف والطارف ‪ :‬المال‬
‫المستحدث ‪ ،‬خلف التليد والتالد ‪ :‬وهو العتيق الذي ولد عندك ‪.‬‬
‫) ‪(1/141‬‬
‫ب )‪(1‬‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫ت‪ِ ...‬‬
‫قاَء إذ ْ َ‬
‫سال ِئ َةٍ َ‬
‫كاُنوا ك َ َ‬
‫سلَءها ِفي أِديم غَي ْرِ َ‬
‫قن ْ‬
‫ح ْ‬
‫مْرُبو ِ‬
‫َ‬
‫ب صنيعته عند‬
‫مصلٍح‪ .‬ومن ذلك قيل ‪ :‬إن فلًنا ي َُر ّ‬
‫يعني بذلك ‪ :‬في أديم غير ُ‬
‫فلن ؛ إذا كان يحاول إصلحها وإدامتها ‪ ،‬ومن ذلك قول علقمة بن عََبدة ‪:‬‬
‫ً َ‬
‫ت إليك رَِباَبتي‪ ...‬وَقَب ْل َ َ‬
‫ب )‪(2‬‬
‫ك َرب ّْتني ‪ ،‬فَ ِ‬
‫ت ُرُبو ُ‬
‫ت امَرأ أفْ َ‬
‫ضعْ ُ‬
‫ض ْ‬
‫فك ُن ْ َ‬
‫ب‬
‫ت أنت الذي تُر ّ‬
‫ت إليك رَِبابتي ‪ ،‬فصر َ‬
‫ت إليك " أي وصل ْ‬
‫يعنى بقوله ‪ " :‬أفض ْ‬
‫ت من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك‬
‫ما خرج ُ‬
‫أمري فتصلحه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب‪.‬‬
‫ي )‪ ، (3‬فضّيعوا أمري وتركوا تف ّ‬
‫قده ‪ -‬وهم الّربوب ‪ :‬واحدهم ر ّ‬
‫عل ّ‬
‫ب " في وجوه غير‬
‫ضا معنى " الر ّ‬
‫والمالك للشيء يدعى َرّبه‪ .‬وقد يتصرف أي ً‬
‫ذلك ‪ ،‬غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلثة‪.‬‬
‫فرّبنا ج ّ‬
‫سؤدده ‪ ،‬والمصلح أمر‬
‫ل ثناؤه ‪ :‬السيد الذي ل ِ‬
‫ه ‪ ،‬ول مثل في ُ‬
‫شْبه ل ُ‬
‫خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ‪ ،‬والمالك الذي له الخلق والمر‪.‬‬
‫وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ج ّ‬
‫ن( ‪ ،‬جاءت الرواية عن‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ل ثناؤه)َر ّ‬
‫مي َ‬
‫ابن عباس ‪- :‬‬
‫‪ - 155‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ . 25 :‬سل السمن يسلؤه ‪ :‬طبخه وعالجه فأذاب زبده ‪ .‬والسلء ‪،‬‬
‫بكسر السين ‪ :‬السمن ‪ .‬وحقن اللبن في الوطب ‪ ،‬والماء في السقاء ‪:‬‬
‫حبسه فيه وعبأه ‪ .‬رب نحى السمن يربه ‪ :‬دهنه بالرب ‪ ،‬وهو دبس كل‬
‫ثمرة ‪ ،‬وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ‪ ،‬فتطيب‬
‫رائحته ‪ ،‬ويمنع السمن أن يرشح ‪ ،‬من غير أن يفسد طعمه أو ريحه ‪ .‬وإذا لم‬
‫يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن ‪ .‬وأديم مربوب ‪ :‬جدا قد أصلح بالرب ‪ .‬يقول‬
‫‪ :‬فعلوا فعل هذه الحمقاء ‪ ،‬ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله ‪.‬‬
‫)‪ (2‬ديوانه ‪ ، 29 :‬ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران ‪233 : 3) ، 79 :‬‬
‫بولق( والمخصص ‪ ، 154 : 17‬والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني‬
‫ملك غسان ‪ ،‬وهو الحارث العرج المشهور ‪ .‬قال ابن سيده ‪ " :‬ربوب ‪ :‬جمع‬
‫رب ‪ ،‬أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ‪ ،‬وقد صارت الن ربابتي‬
‫إليك ‪ -‬أي تدبير أمري وإصلحه ‪ -‬فهذا رب بمعنى مالك ‪ ،‬كأنه قال ‪ :‬الذين‬
‫كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه " ‪ .‬وقال الطبري فيما سيأتي ‪ " :‬يعني‬
‫بقوله ‪ :‬ربتني ‪ :‬ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ‪،‬‬
‫ضا الميثاق والعهد ‪.‬‬
‫ولكنهم أضاعوني فضعت " ‪ .‬والربابة ‪ :‬المملكة ‪ ،‬وهي أي ً‬
‫وبها فسر هذا البيت ‪ ،‬وأيدوه برواية من روى بدل " ربابتي " ‪ " ،‬أمانتي " ‪.‬‬
‫والول أجود ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة ‪ " :‬من الملوك الذين كانوا " ‪ ،‬غيروه ليوافق ما ألفوا من‬
‫العبارة ‪.‬‬
‫) ‪(1/142‬‬

‫حاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫بشر بن ُ‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الض ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن( " ‪ ،‬قال ابن‬
‫ب الَعال ِ‬
‫مد ُ ل ِلهِ َر ّ‬
‫قال جبريل لمحمد ‪ " :‬يا محمد قل ‪) :‬ال َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫ت كلهن ومن‬
‫عباس ‪ :‬يقول ‪ :‬قل الحمد لله الذي له الخلق كله ‪ -‬السموا ُ‬
‫ن وما بينهن ‪ ،‬مما ُيعلم ومما ل ُيعلم‪ .‬يقول ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬وال ََر ُ‬
‫ن ومن فيه ّ‬
‫ضون كّله ّ‬
‫فيه ّ‬
‫اعلم يا محمد أن رّبك هذا ل يشبهه شيء‪(1) .‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬الَعال ِ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قاله أبو جعفر ‪ :‬والعاَلمون جمع عالم ‪ ،‬والعالم ‪ :‬جمعٌ ل واحد َ له من لفظه ‪،‬‬
‫كالنام والرهط والجيش ‪ ،‬ونحو ذلك من السماء التي هي موضوعات على‬
‫ماٍع ل واحد له من لفظه‪.‬‬
‫ج َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ‪ ،‬وأهل كل قَْرن من كل‬
‫والعالم اسم لصناف المم ‪ ،‬وكل صنف منها عال ٌ‬
‫صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان‪ .‬فالنس عاَلم ‪ ،‬وكل أهل زمان‬
‫ن عالم ‪ ،‬وكذلك سائر أجناس الخلق ‪ ،‬ك ّ‬
‫ل جنس‬
‫منهم عال ُ‬
‫م ذلك الزمان‪ .‬والج ّ‬
‫جمع فقيل ‪ :‬عالمون ‪ ،‬وواحده جمعٌ ‪ ،‬لكون عالم ك ّ‬
‫ل‬
‫م زمانه‪ .‬ولذلك ُ‬
‫منها عال ُ‬
‫زمان من ذلك عالم ذلك الزمان‪ .‬ومن ذلك قول العجاج ‪:‬‬
‫ة هَ َ‬
‫ذا الَعال َم ِ * )‪(2‬‬
‫م ُ‬
‫خن ْدِ ٌ‬
‫* فَ ِ‬
‫ف ها َ‬
‫م زمانه‪ .‬وهذا القول الذي قلناه ‪ ،‬قو ُ‬
‫ل ابن عباس وسعيد بن جبير‬
‫فجعلهم عال َ‬
‫مة المفسرين‪.‬‬
‫‪ ،‬وهو معنى قول عا ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 155‬سبق الكلم مفصل في ضعف هذا السناد ‪ ،‬برقم ‪. 137‬‬
‫وهذا الحديث في ابن كثير ‪ ، 44 : 1‬والدر المنثور ‪ ، 13 : 1‬والشوكاني ‪: 1‬‬
‫ضا لبن أبي حاتم ‪ .‬وفي المطبوع وابن كثير "‬
‫‪ . 11‬ونسبه الخيران أي ً‬
‫والرض ومن فيهن " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬ديوانه ‪ ، 60 :‬وطبقات فحول الشعراء ‪ ، 64 :‬وخندف ‪ :‬أم بني إلياس بن‬
‫مضر ‪ ،‬مدركة وطابخة ‪ ،‬وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى ‪.‬‬
‫) ‪(1/143‬‬
‫‪ - 156‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫مد ُ ل ِل ّ ِ‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪) :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫من‬
‫و‬
‫والرضون‬
‫السموات‬
‫‪:‬‬
‫كله‬
‫الخلق‬
‫له‬
‫الذي‬
‫لله‬
‫الحمد‬
‫‪،‬‬
‫ن(‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫َر ّ‬
‫َ‬
‫َ ِ َ‬
‫ن ‪ ،‬وما بينهن ‪ ،‬مما ُيعلم ول يعلم‪(1) .‬‬
‫فيه ّ‬
‫قّزاز ‪ ،‬قال حدثنا أبو عاصم ‪ ،‬عن شبيب ‪،‬‬
‫‪ - 157‬وحدثني محمد بن سنان ال َ‬
‫عن عكرمة ‪ ،‬عن ابن عباس ‪) :‬رب العالمين( ‪ :‬الجن والنس‪(2) .‬‬
‫‪ - 158‬حدثني علي بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن مصعب ‪ ،‬عن قيس بن الربيع ‪ ،‬عن عطاء بن السائب ‪ ،‬عن‬
‫ن( ‪،‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫جبير ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬في قول الله جل وعّز)َر ّ‬
‫سعيد بن ُ‬
‫مي َ‬
‫ب الجن والنس‪(3) .‬‬
‫قال ‪ :‬ر ّ‬
‫‪ - 159‬حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الهوازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أحمد‬
‫الزبيري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا قيس ‪ ،‬عن عطاء بن السائب ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪:‬‬
‫ن والنس‪(4) .‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫قوله ‪َ) :‬ر ّ‬
‫ن( ‪ ،‬قال ‪ :‬الج ّ‬
‫مي َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 156‬هو مختصر مما قبله ‪. 155 :‬‬

‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 157‬إسناد صحيح ‪ .‬محمد بن سنان القزاز ‪ ،‬شيخ الطبري ‪:‬‬
‫تكلموا فيه من أجل حديث واحد ‪ .‬والحق أنه ل بأس به ‪ ،‬كما قال الدارقطني‬
‫‪ .‬وهو مترجم في التهذيب ‪ ،‬وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ‪346 - 343 : 5‬‬
‫‪ .‬أبو عاصم ‪ :‬هو النبيل ‪ ،‬الضحاك بن مخلد ‪ ،‬الحافظ الحجة ‪ .‬شبيب ‪ :‬هو ابن‬
‫بشر البجلي ‪ ،‬ووقع في التهذيب ‪ " 306 : 4‬الحلبي " وهو خطأ مطبعي ‪،‬‬
‫صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ‪ 233 / 232 / 2 / 2‬والجرح والتعديل لبن‬
‫أبي حاتم ‪ 358 - 357 / 1 / 2‬والتقريب وغيرها ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬وثقه ابن معين ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 158‬إسناده حسن على القل ‪ ،‬لن عطاء بن السائب تغير‬
‫حفظه في آخر عمره ‪ ،‬وقيس بن الربيع قديم ‪ ،‬لعله سمع منه قبل‬
‫الختلط ‪ ،‬ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح ‪ .‬ووقع في هذا السناد خطأ في‬
‫المطبوع " حدثنا مصعب " ‪ ،‬وصوابه من المخطوطة " حدثنا محمد بن‬
‫مصعب " ‪ ،‬وهو القرقساني ‪ ،‬كما مضى في السناد ‪. 154‬‬
‫)‪ (4‬الخبر ‪ - 159‬إسناده حسن كالذي قبله ‪ .‬وأبو أحمد الزبيري ‪ :‬هو محمد‬
‫بن عبد الله ابن الزبير السدي ‪ ،‬من الثقات الكبار ‪ ،‬من شيوخ أحمد بن حنبل‬
‫وغيره من الحفاظ ‪ .‬وقيس ‪ :‬هو ابن الربيع ‪ .‬وهذه الخبار الثلثة ‪159 - 157‬‬
‫دا دون إسناد ‪ .‬وذكرها‬
‫‪ ،‬ولفظها واحد ‪ ،‬ذكرها ابن كثير ‪ 44 : 1‬خبًرا واح ً‬
‫دا ونسبه إلى " الفريابي ‪ ،‬وعبد‬
‫السيوطي في الدر المنثور ‪ 13 : 1‬خبًرا واح ً‬
‫بن حميد ‪ ،‬وابن جرير ‪ ،‬وابن المنذر ‪ ،‬وابن أبي حاتم وصححه ‪ ،‬عن ابن‬
‫عباس " ‪.‬‬
‫) ‪(1/144‬‬
‫‪ - 160‬حدثني أحمد بن عبد الرحيم البْرقي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني ابن أبي مريم ‪،‬‬
‫ب‬
‫عن ابن ل َِهيعة ‪ ،‬عن عطاء بن دينار ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬قوله ‪َ) :‬ر ّ‬
‫دته‪) .‬‬
‫م على ِ‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫ح َ‬
‫ن( قال ‪ :‬ابن آدم ‪ ،‬والجن والنس ‪ ،‬كل أمة منهم عال ٌ‬
‫مي َ‬
‫‪(1‬‬
‫حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مهران ‪ ،‬عن سفيان ‪ ،‬عن مجاهد‬
‫‪ - 161‬حدثني محمد بن ُ‬
‫ن( ‪ ،‬قال ‪ :‬النس والجن‪(2) .‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫‪) :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫‪ - 162‬حدثنا أحمد بن إسحاق الهوازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أحمد الزبيري ‪ ،‬عن‬
‫سفيان ‪ ،‬عن رجل ‪ ،‬عن مجاهد بمثله‪(3) .‬‬
‫قدي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا يزيد بن ُزَرْيع ‪ ،‬عن سعيد ‪،‬‬
‫‪ - 163‬حدثنا بشر بن معاذ العَ َ‬
‫ن( قال ‪ :‬ك ّ‬
‫ل صنف عالم‪(4) .‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫عن قتادة ‪َ) :‬ر ّ‬
‫مي َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 160‬أحمد بن عبد الرحيم البرقي ‪ :‬اشتهر بهذا ‪ ،‬منسوًبا إلى جده‬
‫‪ ،‬وكذلك أخوه " محمد " وهو ‪ :‬أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ‪ .‬وقد مضت‬
‫ضا برقم ‪ 22‬باسم " ابن البرقي " ‪ .‬ابن أبي مريم ‪ :‬هو‬
‫رواية الطبري عنه أي ً‬
‫سعيد ‪ .‬ابن لهيعة هو عبد الله ‪ .‬عطاء بن دينار المصري ‪ :‬ثقة ‪ ،‬وثقه أحمد بن‬
‫حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪/ 1 / 3‬‬
‫‪ 332‬وفي المراسيل ‪ 58 :‬عن أحمد بن صالح ‪ ،‬قال ‪ " :‬عطاء بن دينار ‪ ،‬هو‬
‫من ثقات أهل مصر ‪ ،‬وتفسيره ‪ -‬فيما يروى عن سعيد بن جبير ‪ : -‬صحيفة ‪،‬‬
‫وليست له دللة على أنه سمع من سعيد بن جبير " ‪ .‬وروى في الجرح عن‬
‫أبيه أبي حاتم ‪ ،‬قال ‪ " :‬هو صالح الحديث ‪ ،‬إل أن التفسير أخذه من الديوان ‪،‬‬
‫فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير‬

‫القرآن ‪ ،‬فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ‪ ،‬فوجده عطاء بن دينار في‬
‫الديوان ‪ ،‬فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 161‬إسناده إلى مجاهد ضعيف ‪ .‬لن سفيان ‪ ،‬وهو الثوري ‪ ،‬لم‬
‫يسمع من مجاهد ؛ لن الثوري ولد سنة ‪ ، 97‬ومجاهد مات سنة ‪ 100‬أو‬
‫بعدها بقليل ‪ ،‬والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلط مهران بن أبي عمر ‪،‬‬
‫راويها عن الثوري ‪ ،‬فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في‬
‫الحديث الماضي ‪. 11‬‬
‫وهذا الثر ذكره ابن كثير ‪ 44 : 1‬دون نسبة ول إسناد ‪ .‬وذكره السيوطي في‬
‫ضا لعبد بن حميد ‪.‬‬
‫الدر المنثور ‪ ، 13 : 1‬ونسبه أي ً‬
‫)‪ (3‬الثر ‪ - 162‬إسناده ضعيف ‪ ،‬لبهام الرجل راويه عن مجاهد ‪ .‬وهو يدل‬
‫على غلط مهران في السناد قبله ‪ ،‬إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة ‪،‬‬
‫دون واسطة ‪.‬‬
‫)‪ (4‬الثر ‪ - 163‬سعيد ‪ :‬هو ابن أبي عروبة ‪ ،‬وقد مضى أثر آخر عن قتادة‬
‫بهذا السناد‪ 119 .‬وهذا الثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ‪ ، 13 : 1‬وفي‬
‫نسبته هناك خطأ مطبعي ‪ " :‬ابن جريج " بدل " ابن جرير " ‪ .‬وكلم ابن جريج‬
‫سيأتي ‪ 165‬مروًيا عنه ل راوًيا ‪.‬‬
‫) ‪(1/145‬‬
‫حيم ِ )‪(3‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫عبيد الله بن موسى ‪،‬‬
‫‪ - 164‬حدثني أحمد بن حازم الغِ َ‬
‫فاري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ُ‬
‫ب‬
‫عن أبي جعفر ‪ ،‬عن ربيع بن أنس ‪ ،‬عن أبي العالية ‪ ،‬في قوله ‪َ) :‬ر ّ‬
‫ن عالم ‪ ،‬وما سوى ذلك ثمانية عشر‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫ن( ‪ ،‬قال ‪ :‬النس عال َ ٌ‬
‫م ‪ ،‬والج ّ‬
‫مي َ‬
‫ة عشر ألف عالم ‪ -‬هو يش ّ‬
‫ك ‪ -‬من الملئكة على الرض ‪،‬‬
‫ألف عالم ‪ ،‬أو أربع َ‬
‫ف عالم وخمسمائة عال َم ٍ ‪ ،‬خلقهم‬
‫وللرض أربع زوايا ‪ ،‬في كل زاوية ثلثة آل ِ‬
‫لعبادته‪(1) .‬‬
‫‪ - 165‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫ن( قال ‪ :‬الجن والنس‪(2) .‬‬
‫ب ال ََعال َ ِ‬
‫جريج ‪ ،‬في قوله ‪َ) :‬ر ّ‬
‫حجاج ‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫مي َ‬
‫***‬
‫حيم ِ { ‪.‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫ن عن تأويل قوله)الرحمن الرحيم( ‪ ،‬في‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬قد مضى البيا ُ‬
‫تأويل)بسم الله الرحمن الرحيم( ‪ ،‬فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع‪.‬‬
‫ج إلى البانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ‪ ،‬إذ ْ كنا ل نرى أن‬
‫حت َ ْ‬
‫ولم ن َ ْ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 164‬أبو جعفر ‪ :‬هو الرازي التميمي ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬تكلم فيه‬
‫بعضهم ‪ ،‬وقال ابن عبد البر ‪ " :‬هو عندهم ثقة ‪ ،‬عالم بتفسير القرآن " ‪ .‬وله‬
‫ترجمة وافية في تاريخ بغداد ‪ . 147 - 143 : 11‬وهذا الثر عن أبي العالية‬
‫ضا‬
‫ذكره ابن كثير ‪ 45 : 1‬والسيوطي ‪ 13 : 1‬بأطول مما هنا قليل ‪ ،‬ونسبه أي ً‬
‫لبن أبي حاتم ‪ ،‬وقال ابن كثير ‪ " :‬وهذا كلم غريب ‪ ،‬يحتاج مثله إلى دليل‬
‫صحيح " ‪ .‬وهذا حق ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 165‬سبق الكلم على هذا السناد ‪ . 144‬وهذا الثر ذكره ابن‬
‫كثير ‪ 44 : 1‬دون نسبة ول إسناد ‪.‬‬

‫) ‪(1/146‬‬
‫ل‬
‫" بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب ‪ -‬آي ٌ‬
‫ة ‪ ،‬فيكو َ‬
‫ن علينا لسائ ٍ‬
‫ف‬
‫ة بأن يقول ‪ :‬ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ‪ ،‬وقد مضى وص ُ‬
‫مسأل ٌ‬
‫الله عّز وج ّ‬
‫ل به نفسه في قوله " بسم الله الرحمن الرحيم " ‪ ،‬مع قرب‬
‫حجة على‬
‫صا ِ‬
‫حبتها ؟ بل ذلك لنا ُ‬
‫مكان إحدى اليتين من الخرى ‪ ،‬ومجاورتها َ‬
‫خطأ دعوى من اّدعى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب آية‪.‬‬
‫إذ لو كان ذلك كذلك ‪ ،‬لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين‬
‫صل بينهما‪ .‬وغيُر موجود ٍ في شيء من كتاب الله آيتان‬
‫صل َيف ِ‬
‫من غير فَ ْ‬
‫متجاورتان مكّررتان بلفظ واحد ومعنى واحد ‪ ،‬ل فص َ‬
‫ل بينهما من كلم ُيخالف‬
‫ُ‬
‫معناه معناهما‪ .‬وإنما ُيؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة ‪ ،‬مع‬
‫ض به معنى اليات المكررات أو غير‬
‫ل تف ِ‬
‫صل بين ذلك ‪ ،‬وكلم ٍ ُيعتر ُ‬
‫ُفصو ٍ‬
‫ص َ‬
‫ل بين قول الله تبارك وتعالى اسمه " الرحمن الرحيم "‬
‫ألفاظها ‪ ،‬ول فا ِ‬
‫ل الله ‪ " :‬الرحمن الرحيم " ‪ ،‬من "‬
‫من " بسم الله الرحمن الرحيم " ‪ ،‬وقو ِ‬
‫ب العالمين " ‪.‬‬
‫الحمد ُ لله ر ّ‬
‫َ‬
‫ب العالمين " فاصل من ذلك‪(1) .‬‬
‫فإن قال ‪ :‬فإن " الحمد ُ ِلله َر ّ‬
‫خر‬
‫قيل ‪ :‬قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن ذلك من المؤ ّ‬
‫مِلك‬
‫الذي معناه التقديم ‪ ،‬وإنما هو ‪ :‬الحمد لله الرحمن الرحيم َر ّ‬
‫ب العالمين َ‬
‫مِلك يوم الدين‬
‫يوم الدين‪ .‬واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله ‪َ " :‬‬
‫ْ‬
‫ملك‬
‫ن يص َ‬
‫ده أ ْ‬
‫ك يوم الدين " تعليم من الله عب َ‬
‫" ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن قوله " مل ِ ِ‬
‫فه بال ُ‬
‫ْ‬
‫ملك في قراءة من قرأ " مالك " ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫في قراءة من قرأ مِلك ‪ ،‬وبال ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ملك ‪ ،‬ما كان نظيَر ذلك‬
‫ملك أو ال ِ‬
‫فالذي هو أولى أن يكو َ‬
‫ن مجاوَر وصفه بال ُ‬
‫مْلكه‬
‫عن‬
‫خبر‬
‫هو‬
‫الذي‬
‫‪،‬‬
‫"‬
‫العالمين‬
‫ب‬
‫ر‬
‫"‬
‫‪:‬‬
‫قوله‬
‫من الوصف ؛ وذلك هو‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫جميع أجناس الخلق ؛ وأن يكون مجاوَر وصفه بالعظمة والُلوهة ما كان له‬
‫نظيًرا في المعنى من الثناء عليه ‪ ،‬وذلك قوله ‪) :‬الرحمن الرحيم(‪.‬‬
‫ن ذلك لهم دلي ٌ‬
‫ل على أن قوله " الرحمن الرحيم " بمعنى التقديم‬
‫فزعموا أ ّ‬
‫قبل " رب العالمين " ‪ ،‬وإن كان في الظاهر مؤخًرا‪ .‬وقالوا ‪ :‬نظائُر ذلك ‪ -‬من‬
‫خر الذي هو بمعنى التقديم ‪ -‬في كلم‬
‫التقديم الذي هو بمعنى التأخير ‪ ،‬والمؤ ّ‬
‫العرب أفشى ‪ ،‬وفي منطقها أكثر ‪ ،‬من أن ُيحصى‪ .‬من ذلك قول جرير بن‬
‫عطية ‪:‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬فاصل بين ذلك " ‪ ،‬والذي في المخطوطة عربية‬
‫جيدة ‪.‬‬
‫) ‪(1/147‬‬
‫ن )‪(4‬‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مال ِ ِ‬
‫َ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعْ لَزوْرِ َ‬
‫من ْ َ‬
‫خَيا ُ‬
‫سلما )‪(1‬‬
‫ف ال َ‬
‫طا َ‬
‫ن ِ‬
‫سلم َ‬
‫ك بال ّ‬
‫ما‪َ ...‬فاْر ِ‬
‫ما َ‬
‫ك? ‪ -‬ل ِ َ‬
‫ل ‪ -‬وأي ْ َ‬
‫ما ‪ ،‬وأين هو منك ؟ وكما قال جل ثناؤه في كتابه ‪:‬‬
‫بمعنى طاف الخيال لما ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جعَ ْ‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫ما ( ]سورة‬
‫ه ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ ال ّ ِ‬
‫عوَ ً‬
‫م يَ ْ‬
‫ل عَلى عَب ْدِهِ الك َِتا َ‬
‫) ال ْ َ‬
‫جا قَي ّ ً‬
‫لل ُ‬
‫ب وَل ْ‬
‫ح ْ‬
‫ما ولم‬
‫الكهف ‪ [1 :‬بمعنى )‪ : (2‬الحمد ُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قي ّ ً‬

‫جا ‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬ففي ذلك دليل شاهد ٌ على صحة قول من‬
‫يجعل له عو ً‬
‫ة )‪(3‬‬
‫أنكر أن تكون ‪ ) -‬بسم الله الرحمن الرحيم ( من فاتحة الكتاب ‪ -‬آي ً‬
‫***‬
‫ن{‪.‬‬
‫دي‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ما‬
‫}‬
‫‪:‬‬
‫قوله‬
‫تأويل‬
‫في‬
‫القول‬
‫َ ِ ِ َ ْ ِ ّ ِ‬
‫ن (‪ .‬فبعضهم يتلوه "‬
‫دي‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ملك‬
‫تلوة)‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬القّراء مختلفون في‬
‫َ ْ ِ ّ ِ‬
‫ن( وبعضهم يتلوه)مال ِ َ‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ن " ‪ ،‬وبعضهم يتلوه) َ‬
‫َ‬
‫ك ي َوْم ِ‬
‫دي ِ‬
‫دي ِ‬
‫ن( بنصب الكاف‪ .‬وقد استقصينا حكاية الرواية عمن ُروي عنه في ذلك‬
‫دي‬
‫ال‬
‫ّ ِ‬
‫قراءة ٌ في " كتاب القراآت " ‪ ،‬وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه ‪ ،‬والعلة‬
‫حة ما اخترنا من القراءة فيه ‪ ،‬فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع‬
‫الموجبة ص ّ‬
‫ن عن وجوه تأويل آي القرآن ‪،‬‬
‫دنا له ‪ ،‬في كتابنا هذا ‪ ،‬البيا َ‬
‫ص ْ‬
‫‪ ،‬إذ كان الذي قَ َ‬
‫دون وجوه قراءتها‪.‬‬
‫ْ‬
‫ملك "‬
‫مِلك من " ال ُ‬
‫ول خلف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب ‪ ،‬أن ال َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ ، 541 :‬والنقائض ‪ . 38 :‬طاف الخيال ‪ :‬ألم بك في الليل ‪،‬‬
‫واللمام ‪ :‬اللقاء اليسير ‪ .‬والزور ‪ :‬الزائر ‪ ،‬يقال للواحد والمثنى والجمع ‪:‬‬
‫زور ‪ " .‬فارجع لزورك " ‪ ،‬يقول ‪ :‬رد عليه السلم كما سلم عليك ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬المعنى ‪ :‬الحمد لله ‪" . . .‬‬
‫)‪ (3‬وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه الله إلى أن " بسم الله الرحمن الرحيم "‬
‫ليست آية من الفاتحة ‪ ،‬واحتج لقوله بما ترى ‪ .‬وليس هذا موضع بسط‬
‫الخلف فيه ‪ ،‬والدللة على خلف ما قال ابن جرير ‪.‬‬
‫وقد حققت هذه المسألة ‪ ،‬أقمت الدلئل الصحاح ‪ -‬في نظري وفقهي ‪ -‬على‬
‫أنها آية من الفاتحة ‪ : -‬في شرحي لسنن الترمذي ‪ . 25 - 16 : 2‬وفي‬
‫الشارة إليه غنية هنا ‪ .‬أحمد محمد شاكر ‪.‬‬
‫) ‪(1/148‬‬
‫ك‬
‫مشتق ‪ ،‬وأن المالك من " ال ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫مْلك " مأخوٌذ‪ .‬فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك ‪َ ) :‬‬
‫صا دون جميع خلقه ‪ ،‬الذين كانوا‬
‫ي َوْم ِ ال ّ‬
‫ن( ‪ ،‬أن لله ال ُ‬
‫مْلك يوم الدين خال ً‬
‫دي ِ‬
‫ً‬
‫قبل ذلك في الدنيا ملوكا جبابرة ينازعونه الملك ‪ ،‬ويدافعونه النفراد َ بالكبرياء‬
‫صَغرة‬
‫والعظمة والسلطان والجبرية )‪ . (1‬فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم ال ّ‬
‫ملك والكبرياء ‪ ،‬والعزة‬
‫الذِّلة )‪ ، (2‬وأ ّ‬
‫ن له ‪ -‬من ُدونهم ‪ ،‬ودون غيرهم ‪ -‬ال ُ‬
‫والبهاء ‪ ،‬كما قال ج ّ‬
‫ن‬
‫م َبارُِزو َ‬
‫ل ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله ‪ ) :‬ي َوْ َ‬
‫م هُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫قّهارِ ( ]سورة‬
‫حدِ ال ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫وا ِ‬
‫فى عََلى الل ّهِ ِ‬
‫ك ال ْي َوْ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫يٌء ل ِ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ل ِل ّهِ ال ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫م ِ‬
‫ملك دون ملوك الدنيا ‪،‬‬
‫غافر ‪ .[16 :‬فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بال ُ‬
‫صغار ‪ ،‬ومن ُدنياهم في المعاد‬
‫الذين صاُروا يوم ال ّ‬
‫ن ُ‬
‫ملكهم إلى ذِّلة و َ‬
‫دين م ْ‬
‫إلى خسار‪.‬‬
‫وأما تأوي ُ‬
‫ل قراءة من قرأ ‪) :‬مالك يوم الدين( ‪ ،‬فما ‪- :‬‬
‫ُ‬
‫عمارة‬
‫‪ - 166‬حدثنا به أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬عن بشر بن ُ‬
‫مال ِ ِ‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪َ ) :‬‬
‫ك ي َوْم ِ‬
‫كهم في الدنيا‪ .‬ثم‬
‫مل ْ ِ‬
‫ما ك ِ‬
‫ال ّ‬
‫ه حك ً‬
‫ن( ‪ ،‬يقول ‪ :‬ل يملك أحد ٌ في ذلك اليوم مع ُ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وَقا َ‬
‫واًبا ( ]سورة النبأ ‪[38 :‬‬
‫ه الّر ْ‬
‫ن أذِ َ‬
‫مو َ‬
‫ح َ‬
‫نل ُ‬
‫ن ِإل َ‬
‫قال ‪ ) :‬ل ي َت َكل ُ‬
‫ل َ‬
‫ص َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ن ( ]سورة طه ‪ . [108 :‬وقال ‪َ ) :‬ول‬
‫وقال ‪ ) :‬وَ َ‬
‫شعَ ِ‬
‫ت ِللّر ْ‬
‫ح َ‬
‫وا ُ‬
‫ت ال ْ‬
‫ص َ‬
‫م ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ضى ( )‪] (3‬سورة النبياء ‪.[28 :‬‬
‫ش َ‬
‫ن اْرت َ َ‬
‫فُعو َ‬
‫ن ِإل ل ِ َ‬
‫م ِ‬

‫ح القراءتين في التلوة عندي ‪،‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وأولى التأويلين بالية ‪ ،‬وأص ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الجبرية والجبروت واحد ‪ ،‬وهو من صفات الله العلي ‪ .‬الجبار ‪ :‬القاهر‬
‫فوق عباده ‪ ،‬يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي ‪ ،‬سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الصغرة جمع صاغر ‪ :‬وهو الراضي بالذل المقر به ‪ .‬والذلة جمع ذليل ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 166‬سبق الكلم مفصل في ضعف هذا السناد ‪ . 137‬وهذا‬
‫الخبر ‪ ،‬مع باقيه التي ‪ 167‬نقله ابن كثير ‪ 46 : 1‬دون إسناد ول نسبة ‪،‬‬
‫ضا لبن أبي حاتم ‪ .‬وقال ابن كثير ‪" :‬‬
‫ونقله السيوطي ‪ 14 : 1‬ونسبه أي ً‬
‫وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف ‪ .‬وهو ظاهر " ‪.‬‬
‫) ‪(1/149‬‬
‫التأوي ُ‬
‫ملك " ‪ .‬لن في‬
‫مل ِ ِ‬
‫ك " بمعنى " ال ُ‬
‫ل الول ‪ ،‬وهي قراءةُ من قرأ " َ‬
‫ْ‬
‫ملك‬
‫ملك ‪ ،‬وفضيلة زيادة ال ِ‬
‫ملك ‪ ،‬إيجاًبا لنفراده بال ِ‬
‫القرار له بالنفراد بال ُ‬
‫ك ‪ ،‬وقد يكون المالكُ‬
‫مِلك إل وهو مال ٌ‬
‫ما أن ل َ‬
‫على المالك )‪ ، (1‬إذ ْ كان معلو ً‬
‫ل مل ً‬
‫كا ‪.‬‬
‫وبعد ُ ‪ ،‬فإن الله ج ّ‬
‫ك يوم‬
‫ل ذكره ‪ ،‬قد أخبر عباَده في الية التي قبل قوله)مل ِ ِ‬
‫الدين( أنه مال ُ‬
‫حهم ‪ ،‬والناظُر لهم ‪ ،‬والرحيم‬
‫مصل ُ‬
‫ك جميع العالمين وسّيدهم ‪ ،‬و ُ‬
‫حيم ِ (‪.‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫بهم في الدنيا والخرة ‪ ،‬بقوله ‪ ) :‬ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫م ِ‬
‫وإذ ْ كان ج ّ‬
‫مْلكه‬
‫ل ذكره قد أنبأهم عن ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوطة ‪ " :‬الملك على الملك " ‪ ،‬وهما سواء ‪.‬‬
‫) ‪(1/150‬‬
‫صفات من صفاته جل ذكره أن‬
‫إّياهم كذلك بقوله ‪) :‬ر ّ‬
‫ب العالمين( ‪ ،‬فأولى ال ّ‬
‫ب العالمين الّرحمن الرحيم( ‪ ،‬مع قرب ما بين‬
‫وه قوله)ر ّ‬
‫ي َت َْبع ذلك ما لم ي ْ‬
‫ح ِ‬
‫ة التي ل تشبهها‬
‫صلة والمجاورة ‪ ،‬إذ ْ كانت حكمُته الحكم َ‬
‫اليتين من الموا َ‬
‫ّ‬
‫ك يوم الدين( ‪ ،‬إعادة ُ ما قد‬
‫حكم ٌ‬
‫ِ‬
‫ة ‪ ،‬وكان في إعادة وصفه جل ذكره بأنه)مال ِ ِ‬
‫ب العالمين( ‪ ،‬مع تقارب اليتين وتجاوز‬
‫مضى من وصفه به في قوله)ر ّ‬
‫الصفتين‪ .‬وكان في إعادة ذلك تكراُر ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ‪ ،‬ل تفيد‬
‫وه من صفاته ج ّ‬
‫ل ذكره‬
‫سامع ما ك ُّرر منه فائدة ً به إليها حاجة‪ .‬والذي لم ي ْ‬
‫ح ِ‬
‫مِلك يوم‬
‫ما قبل قوله ‪) :‬مالك يوم الدين( ‪ ،‬المعنى الذي في قوله ‪َ ) :‬‬
‫صفه بأنه المِلك‪.‬‬
‫الدين( ‪ ،‬وهو و ْ‬
‫فبّين إًذا أن أولى القراءتين بالصواب ‪ ،‬وأحقّ التأويلين بالكتاب ‪ ،‬قراءة من‬
‫ملك له يوم الدين ‪ ،‬دون قراءة من‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ن ( ‪ ،‬بمعنى إخلص ال ُ‬
‫قرأه) َ‬
‫دي ِ‬
‫م بينهم وفص َ‬
‫ل القضاء ‪،‬‬
‫قرأ)مالك يوم الدين( الذي بمعنى أنه يملك الحك َ‬
‫متفّرًدا به دون سائر خلقه‪.‬‬
‫ب الَعالمين( نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون‬
‫ن أن قوله)َر ّ‬
‫ن ظا ّ‬
‫فإن ظ ّ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫ملكهم في الخرة على‬
‫الخرة ‪ ،‬يوج ُ‬
‫ن َ‬
‫ل ذلك بالنبأ عن نفسه أنه ‪َ :‬‬
‫بو ْ‬
‫م ْ‬
‫مْلكه إياهم في الدنيا بقوله)مالك يوم الدين( ‪َ -‬فقد أغف َ‬
‫ن خطأ )‪(1‬‬
‫نحو ِ‬
‫ل وظ ّ‬
‫‪.‬‬

‫ب العالمين( محصوٌر معناه على‬
‫ن أن قوله)ر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫وذلك أنه لو جاز ِلظا ّ‬
‫ن يظ ّ‬
‫ن عالم الخرة ‪ ،‬مع عدم الدللة على أن‬
‫الخبر عن ربوب ِّية عالم الدنيا ُدو َ‬
‫معنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل ‪ ،‬أو في خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه‬
‫َ‬
‫ن أن‬
‫يظ‬
‫أن‬
‫لخر‬
‫لجاز‬
‫‬‫المعقول‬
‫في‬
‫موجودة‬
‫جة‬
‫بح‬
‫أو‬
‫‪،‬‬
‫ل‬
‫منقو‬
‫به‬
‫وسلم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله)رب العالمين( ‪ ،‬دون‬
‫حا بما قد‬
‫ده في الزمنة الحادثة من العالمين‪ .‬إذ ْ كان صحي ً‬
‫سائر ما يحدث بع َ‬
‫م كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده‪.‬‬
‫دمنا من البيان ‪ ،‬أ ّ‬
‫ق ّ‬
‫ن عال َ‬
‫ن في قول الله جل‬
‫ي ‪ -‬عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا ‪ -‬ذو غباء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فإن غَب ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن‬
‫ثناؤه ‪ ) :‬وَل َ‬
‫م ِ‬
‫ب َوال ُ‬
‫ل الك َِتا َ‬
‫قد ْ آت َي َْنا ب َِني إ ِ ْ‬
‫م َوالن ّب ُوّة َ وََرَزقَْناهُ ْ‬
‫حك ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة على‬
‫ة واضح ً‬
‫ن ( ]سورة الجاثية ‪ [16 :‬دلل ً‬
‫م عَلى الَعال ِ‬
‫الط ّي َّبا ِ‬
‫ت وَفَ ّ‬
‫ضلَناهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫ن عالم ك ّ‬
‫ل زمان ‪ ،‬غيُر عالم الزمان الذي كان َقبله ‪ ،‬وعالم الزمان الذي‬
‫أ ّ‬
‫ده ‪ ،‬إذ ْ كان الله ج ّ‬
‫مة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫ل ثناؤه قد ف ّ‬
‫بع َ‬
‫ضل أ ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫مةٍ أ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫على سائر المم الخالية ‪ ،‬وأخبرهم بذلك في قوله ‪ ) :‬كن ْت ُ ْ‬
‫م بذلك أن َبني إسرائيل في‬
‫س ( الية ]سورة آل عمران ‪ .[110 :‬فمعلو ٌ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫عصر نبينا لم يكونوا ‪ -‬مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أفضلَ‬
‫ن أفض َ‬
‫ده إلى قيام الساعة ‪،‬‬
‫ل العالمين في ذلك العصر وبع َ‬
‫العالمين ‪ ،‬بل كا َ‬
‫سواهم من المم المك ّ‬
‫ذبة الضالة‬
‫من‬
‫دون‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫منهاج‬
‫بعون‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫المؤمنون به المت ّ ِ‬
‫عن منهاجه‪.‬‬
‫ي به‬
‫ل لو تأّول قوله)ر ّ‬
‫ب العالمين( أنه معن ّ‬
‫وإذ ْ كان بي ًّنا فساد تأويل متأوّ ٍ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬قوله " أغفل " ‪ ،‬فعل لزم غير متعد ‪ .‬ومعناه ‪ :‬دخل في الغفلة والنسيان‬
‫ووقع فيهما ‪ ،‬وهي عربية معرقة ‪ ،‬وإن لم توجد في المعاجم ‪ ،‬وهي كقولهم ‪:‬‬
‫دا ‪ ،‬وأشباهها ‪ .‬وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي ‪ ،‬أكثر من‬
‫أنجد ‪ ،‬دخل نج ً‬
‫استعمالها في الرسالة والم ‪ .‬من ذلك قوله في الرسالة ‪ 42 :‬رقم ‪: 136 :‬‬
‫" وبالتقليد أغفل من أغفل منهم " ‪.‬‬
‫) ‪(1/151‬‬
‫عالمي َزمن نبّينا محمد صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬دون عالمي سائر‬
‫ب َ‬
‫أن الله ر ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب عالم ِ الدنيا‬
‫ه‪:‬ر ّ‬
‫حا فساد قول من زعم أ ّ‬
‫الزمنة غيره ‪ -‬كان واض ً‬
‫ن تأويل ُ‬
‫ن " مالك يوم الدين " استحقّ الوص َ‬
‫ل به لُيعَلم أنه في‬
‫ُدون عال َم ِ الخرة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫كهم وُرُبوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا‪.‬‬
‫مل ْ ِ‬
‫الخرة من ِ‬
‫سأل زاعم ذلك ‪ ،‬الفرقَ بينه وبين متحكم مثله ‪ -‬في تأويل قوله)رب‬
‫وي ُ ْ‬
‫العالمين( ‪ ،‬تح ّ‬
‫مد صلى‬
‫كم فقال ‪ :‬إنه إنما عنى بذلك أنه ر ّ‬
‫ب عالمي زمان مح ّ‬
‫الله عليه وسلم ‪ ،‬دون عالمي غيره من الزمان الماضية قبله ‪ ،‬والحادثة بعده‬
‫عنى به عالمي الدنيا ُدون عالمي الخرة ‪-‬‬
‫‪ ،‬كالذي زعم قائل هذا القول ‪ :‬أنه َ‬
‫من أصل أو دللة )‪ . (1‬فلن يقول في أحدهما شيًئا إل ألزم في الخر مثله‪.‬‬
‫وأما الزاعم أن تأويل قوله)مالك يوم الدين( أنه الذي يمل ُ‬
‫ك إقامة َيوم الدين ‪،‬‬
‫منا َقائ َ‬
‫ة القيامة ‪،‬‬
‫م‪ .‬إذ ْ كانت إقام ُ‬
‫ل هذا القول الذي قبله ‪ -‬له لز ٌ‬
‫فإن الذي ألز ْ‬
‫إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلك ‪،‬‬
‫م العاَلمون الذين قد أخبر ج ّ‬
‫ل‬
‫في الدار التي أعَد ّ الله لهم فيها ما أع ّ‬
‫د‪ُ .‬وه ُ‬
‫ب العالمين (‪.‬‬
‫ذكره عنهم أنه رّبهم في قوله)ر ّ‬
‫َ‬
‫ن( ‪ ،‬فإنه أراد ‪ :‬يا مالك يوم‬
‫مال ِك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ) َ‬
‫دي ِ‬

‫ل ثناؤه ‪ ) :‬يوس ُ َ‬
‫صبه بنّية النداء والدعاء ‪ ،‬كما قال ج ّ‬
‫ن‬
‫ُ ُ‬
‫ف أعْرِ ْ‬
‫الدين ‪ ،‬فن َ‬
‫ض عَ ْ‬
‫هَ َ‬
‫ض عن هذا ‪ ،‬وكما قال‬
‫ذا ( ]سورة يوسف ‪ [29 :‬بتأويل ‪ :‬يا يوسف أعر ْ‬
‫الشاعر من بني أسد ‪ ،‬وهو شعر ‪ -‬فيما يقال ‪ -‬جاهلي ‪:‬‬
‫َ‬
‫جل )‪(2‬‬
‫ت ِ‬
‫ت أْزن َن َْتني ب َِها ك َذًِبا‪َ ...‬‬
‫إ ْ‬
‫مث ْل ََها عَ ِ‬
‫جْزُء ‪ ،‬فلقَي ْ َ‬
‫ن ك ُن ْ َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬سياق العبارة ‪ " :‬ويسأل زاعم ذلك ‪ ،‬الفرق ‪ . . .‬من أصل أو دللة " ‪،‬‬
‫وما بينهما فصل ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر السدي ‪ ،‬وفد إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني أسد فأسلموا جميًعا ‪ .‬وسبب‬
‫قوله هذا الشعر ‪ :‬أن إخوته كانوا تسعة ‪ ،‬فجلسوا على بئر فانخسفت بهم ‪،‬‬
‫فورثهم ‪ ،‬فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ‪ ،‬وقال له ‪ :‬من مثلك ؟‬
‫ما جذل ‪ .‬وما كاد ‪ ،‬حتى جلس جزء‬
‫مات إخوتك فورثتهم ‪ ،‬فأصبحت ناع ً‬
‫وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو ‪ ،‬فبلغ ذلك حضرمًيا فقال‬
‫دا ‪ .‬يعني قوله‬
‫‪ :‬إنا لله وإنا إليه راجعون ‪ ،‬كلمة وافقت قدًرا وأبقت حق ً‬
‫لجزء ‪ " :‬فلقيت مثلها عجل " ‪ .‬وأزننته بشيء ‪ :‬اتهمته به ‪ .‬انظر أمالي‬
‫القالي ‪ ، 67 : 1‬والكامل ‪ 42 - 41 : 1‬وغيرهما ‪.‬‬
‫) ‪(1/152‬‬
‫يريد ‪ :‬يا جزُء ‪ ،‬وكما قال الخر ‪:‬‬
‫حون ََها ‪َ ... ،‬بني َ‬
‫ب )‪(1‬‬
‫م وبي ِ‬
‫حل ُ‬
‫صّر وت َ ْ‬
‫ت الله ل ت َن ْك ِ ُ‬
‫ك َذ َب ْت ُ ْ‬
‫شاب قَْرَناها ت َ ُ‬
‫ب قْرناها‪ .‬وإنما أْورطه في قراءة ذلك ‪ -‬بنصب الكاف من "‬
‫يريد ‪ :‬يا بني شا َ‬
‫ه في توجيه َقوله ‪ ) :‬إ ِّيا َ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ‬
‫ت ‪ -‬حيرت ُ‬
‫مالك " ‪ ،‬على المعنى الذي وصف ُ‬
‫وَإ ِّيا َ‬
‫ح‬
‫جَهته ‪ ،‬مع جر)مالك يوم الدين( وخف ِ‬
‫ن أّنه ل يص ّ‬
‫ن ( وِ ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ضه‪ .‬فظ ّ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫معنى ذلك بعد جّره)مالك يوم الدين( ‪ ،‬فنصب ‪ " :‬مال َ‬
‫ك يوم الدين "‬
‫ليكون)إياك نعبد( له خطاًبا‪ .‬كأنه أراد ‪ :‬يا مالك يوم الدين ‪ ،‬إياك نعبد وإياك‬
‫ب العالمين "‬
‫َنستعين ‪ .‬ولو كان َ‬
‫علم تأويل أول السورة ‪ ،‬وأن " الحمد ُ لله َر ّ‬
‫ل ذلك ‪ -‬كما ذكرنا قب ُ‬
‫ل من الخبر عن ابن عباس ‪ :‬أن‬
‫أمٌر من الله عب َ‬
‫ده بقي ِ‬
‫جبري َ‬
‫ل قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره ‪ :‬قل يا محمد ‪،‬‬
‫ضا يا‬
‫ك يوم الدين( ‪ ،‬وقل أي ً‬
‫مال ِ‬
‫)الحمد ُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم َ‬
‫ن من‬
‫أ‬
‫العرب‬
‫عن‬
‫(‬
‫‪3‬‬
‫)‬
‫قل‬
‫َ‬
‫ع‬
‫وكان‬
‫محمد ‪) :‬إياك َنعبد وإياك َنستعين( )‪- (2‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫شأنها إذا ح َ‬
‫كت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القو َ‬
‫ل ‪ ،‬أن تخاطب ثم تخبر عن‬
‫غائب ‪ ،‬وتخبَر عن الغائب ثم تعود َ إلى الخطاب ‪ ،‬لما في الحكاية بالقول من‬
‫ت‬
‫ت لخيك ‪ :‬لو قم َ‬
‫معنى الغائب والمخاطب ‪ ،‬كقولهم للرجل ‪ :‬قد قل ُ‬
‫ج ما‬
‫سُهل عليه مخر ُ‬
‫ت )‪ - (4‬ل َ‬
‫ت لخيك ‪ :‬لو قام لقم ُ‬
‫ت ‪ ،‬وقد قل ُ‬
‫لقم ُ‬
‫جهُته من جر " مالك يوم الدين " ‪.‬‬
‫استصعب عليه و ْ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬نسبه في اللسان )قرن( ومجاز القرآن ‪ 100 :‬إلى رجل من بني أسد‬
‫والبيت في سيبويه ‪ ، 65 ، 7 : 2 / 295 : 1‬وهو شاهد مشهور ‪ " .‬وبني‬
‫ما ‪ ،‬يقول ‪ :‬بني التي يقال لها ‪ :‬شاب قرناها ‪ ،‬أي يا‬
‫شاب قرناها " يعني قو ً‬
‫بني العجوز الراعية ‪ ،‬ل هم لها إل أن تصر ‪ ،‬أي تشد الصرار على الضرع حتى‬
‫تجتمع الدرة ‪ ،‬ثم تحلب ‪ .‬وذلك ذم لها ‪ .‬والقرن ‪ :‬الضفيرة ‪.‬‬
‫)‪ (2‬انظر ‪. 155 ، 151 :‬‬

‫)‪ (3‬عطف على قوله ‪ " :‬ولو كان علم ‪. " . . .‬‬
‫)‪ (4‬جواب " لو كان علم ‪ . . .‬وكان عقل " ‪.‬‬
‫) ‪(1/153‬‬
‫وده إلى الخطاب بـ " إياك نعبد‬
‫ومن نظير " مالك يوم الدين " مجروًرا ‪ ،‬ثم عَ ْ‬
‫ت السائُر من شعر أبي كبير الهُ َ‬
‫ذلي ‪:‬‬
‫" ‪ ،‬لما ذكرنا قبل ‪ -‬البي ُ‬
‫َ‬
‫جهِ َ‬
‫فرِ )‪(1‬‬
‫ب العْ َ‬
‫ف نَ ْ‬
‫جد ّة ُ َ‬
‫َيا ل َهْ َ‬
‫خال ِ ٍ‬
‫ض وَ ْ‬
‫فسي كان ِ‬
‫ك للّترا ِ‬
‫د‪ ...‬وَب ََيا ُ‬
‫جهك " ‪ ،‬بعد ما قد مضى الخبُر عن‬
‫ض وَ ْ‬
‫فرجعَ إلى الخطاب بقوله ‪ " :‬وبيا ُ‬
‫خالد على معنى الخبر عن الغائب‪.‬‬
‫ومنه قول لبيد بن ربيعة ‪:‬‬
‫ْ‬
‫ش ّ‬
‫جهِ َ‬
‫ت تَ َ‬
‫سب ِْعيَنا )‪(2‬‬
‫ي الن ّ ْ‬
‫ش ً‬
‫ملت ُ ِ‬
‫ة‪ ...‬وقد َ‬
‫م ْ‬
‫سب ًْعا ب َعْد َ َ‬
‫ك َ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫َبات َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫كى إل ّ‬
‫فرجع إلى مخاطبة نفسه ‪ ،‬وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب‪.‬‬
‫ك‬
‫م ِفي ال ْ ُ‬
‫فل ْ ِ‬
‫ت حجةٍ ‪َ ) :‬‬
‫حّتى إ َِذا ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ل وأثب ُ‬
‫ومنه قول الله ‪ ،‬وهو أصدق قي ٍ‬
‫ريٍح ط َي ّب َةٍ ( ]سورة يونس ‪ ، [22 :‬فخاطب ثم رجع إلى الخبر‬
‫وَ َ‬
‫ن ب ِهِ ْ‬
‫جَري ْ َ‬
‫م بِ ِ‬
‫عن الغائب ‪ ،‬ولم يقل ‪َ :‬وجَرين بكم ‪ .‬والشواهد ُ من الشعر وكلم العرب في‬
‫ذلك أكثر من أن ُتحصى ‪ ،‬وفيما ذكرنا كفاية لمن وُّفق لفهمه‪.‬‬
‫فقراءة ‪ " :‬مال َ‬
‫ك يوم الدين " محظورة غير جائزة ‪ ،‬لجماع جميع الحجة من‬
‫القّراء وعلماء المة على َرفض القراءة بها‪.‬‬
‫***‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوان الهذليين ‪ . 101 : 2‬في المطبوعة ‪ " :‬جلدة " وهو خطأ وقوله "‬
‫جدة " يعني شبابه الجديد ‪ .‬والجدة ‪ :‬نقيض البلى ‪ .‬والتراب العفر ‪ :‬البيض ‪،‬‬
‫قل أن يطأه الناس لجدبه ‪ .‬وخالد ‪ :‬صديق له من قومه ‪ ،‬يرثيه ‪.‬‬
‫)‪ (2‬القسم الثاني من ديوانه ‪ ، 46 :‬وقال ابن سلم في طبقات فحول‬
‫الشعراء ‪ :‬ص ‪ 50‬وذكر البيت وبيًتا معه ‪ ،‬أنهما قد رويا عن الشعبي )ابن‬
‫سعد ‪ ، (178 : 6‬وهما يحملن على لبيد ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬ول اختلف في أن هذا‬
‫مصنوع تكثر به الحاديث ‪ ،‬ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك ل‬
‫تستقصي " ‪ .‬أجهش بالبكاء ‪ :‬تهيأ له وخنقه بكاؤه ‪.‬‬
‫) ‪(1/154‬‬
‫ن{‪.‬‬
‫القول في تأويل قوله جل ثناؤه ‪ } :‬ي َوْم ِ ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والدين في هذا الموضع ‪ ،‬بتأويل الحساب والمجازاة بالعمال‬
‫جعَْيل ‪:‬‬
‫‪ ،‬كما قال كعب بن ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫ضوَنا )‪(1‬‬
‫ل ما ي ُ ْ‬
‫مي َْنا ُ‬
‫م ِ‬
‫قرِ ُ‬
‫هم‪ ...‬ودِّناهُ ُ‬
‫موَْنا َر َ‬
‫ما َر َ‬
‫إ َِذا َ‬
‫وكما قال الخر ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ملكك زائ ٌ‬
‫ن )‪(2‬‬
‫ما ت ِ‬
‫م وأي ْ ِ‬
‫دا ُ‬
‫ن تُ َ‬
‫نأ ّ‬
‫م بأن ّك َ‬
‫ل‪ ...‬واعل ْ‬
‫ن ُ‬
‫َواعْل َ ْ‬
‫دي ُ‬
‫ق ْ‬
‫زي ُتجازى‪.‬‬
‫يعني ‪ :‬ما ت َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ومن ذلك قول الله جل ثناؤه) كل ب َ ْ‬
‫ن ( ‪ -‬يعني ‪ :‬بالجزاء ‪-‬‬
‫ن ِبال ّ‬
‫ل ت ُكذ ُّبو َ‬
‫دي ِ‬
‫ن ( ]سورة النفطار ‪ُ [10 ، 9 :‬يحصون ما تعملون من‬
‫حافِ ِ‬
‫م لَ َ‬
‫) وَإ ِ ّ‬
‫ن عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ظي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ( ]سورة الواقعة ‪، [86 :‬‬
‫م ِ‬
‫ول إ ِ ْ‬
‫م غي َْر َ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫ديِني َ‬
‫العمال ‪ ،‬وقوله تعالى) فل ْ‬

‫سبين‪.‬‬
‫محا َ‬
‫يعني غير مجزّيين بأعمالكم ول ُ‬
‫ن في كلم العرب ‪ ،‬غير معنى الحساب والجزاء ‪ ،‬سنذكرها في‬
‫وللدين معا ٍ‬
‫أماكنها إن شاء الله‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الكامل للمبرد ‪ ، 191 : 1‬ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ‪، 52 : 1‬‬
‫المخصص ‪. 155 : 17‬‬
‫)‪ (2‬الكامل للمبرد ‪ 192 : 1‬منسوًبا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلبي ‪،‬‬
‫وكذلك في جمهرة المثال للعسكري ‪ ، 196 :‬والمخصص ‪ ، 155 : 17‬وفي‬
‫اللسان )زنأ( و )دان( منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلبي ‪ ،‬وفي الخزانة‬
‫‪ 230 : 4‬إلى بعض الكلبيين ‪ .‬يقولون ‪ :‬إن الحارث بن أبي شمر الغساني‬
‫كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلن بعث إليها واغتصبها ‪ ،‬فأخذ بنت يزيد‬
‫بن الصعق الكلبي ‪ ،‬وكان أبوها غائًبا ‪ ،‬فلما قدم أخبر ‪ .‬فوفد إليه فوقف بين‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن?‬
‫خت َل ِ َ‬
‫حا ك َْيف ي َ ْ‬
‫م ِ‬
‫صب ْ ً‬
‫ت!أ َ‬
‫قي ُ‬
‫ك ال ُ‬
‫يديه وقال ‪َ :‬يا أي َّها ال َ‬
‫ما َترى ‪ ...‬ل َي ْل ً و ُ‬
‫فا ِ‬
‫س أن َتأِتي بها ‪ ...‬ل َي ْل ً ? وهل ل َ َ‬
‫هَ ْ‬
‫طيعُ ال ّ‬
‫ن?‬
‫ست َ ِ‬
‫مِليك ي َ َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫دا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ملكك َزائ ِل ‪. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...‬‬
‫حارِ ‪ ،‬أي ْ ِ‬
‫نأ ّ‬
‫َيا َ‬
‫ن ُ‬
‫ق ْ‬
‫) ‪(1/155‬‬
‫سرين ‪،‬‬
‫وبما ُقلنا في تأويل قوله)يوم الدين( جاءت الثار عن السلف من المف ّ‬
‫مع تصحيح الشواهد تأويَلهم الذي تأّولوه في ذلك‪.‬‬
‫‪ - 167‬حدثنا أبو كريب محمد بن العلء ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َروق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن‬
‫حدثنا بشر بن ُ‬
‫ن( ‪ ،‬قال ‪ :‬يوم حساب الخلئق ‪ ،‬وهو يوم القيامة ‪ ،‬يدينهم‬
‫عباس ‪) :‬ي َوْم ِ ال ّ‬
‫دي ِ‬
‫عفا عنه ‪ ،‬فالمُر أمُره‪.‬‬
‫بأعمالهم ‪ ،‬إن خيًرا فخيًرا ‪ ،‬وإن شّرا فشّرا ‪ ،‬إل من َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر ( ]سورة العراف ‪(1) . [54 :‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫خل ْقُ َوال ْ‬
‫ثم قال ‪ ) :‬أل ل َ ُ‬
‫داني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‬
‫م َ‬
‫‪ - 168‬وحدثني موسى بن هارون الهَ ْ‬
‫قّناد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ‪ ،‬عن إسماعيل بن عبد الرحمن‬
‫ال َ‬
‫دي ‪ ،‬عن أبي مالك ‪ ،‬وعن أبي صالح ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ -‬وعن مرة‬
‫س ّ‬
‫ال ّ‬
‫الهمداني عن ابن مسعود ‪ -‬وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه‬
‫ن( ‪ ،‬هو يوم الحساب‪(2) .‬‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مل ِ ِ‬
‫وسلم ‪َ ) :‬‬
‫دي ِ‬
‫‪ - 169‬حدثنا الحسن بن يحيى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 167‬سبق تخريجه في الخبر ‪. 166‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 168‬هذا السناد من أكثر السانيد دوراًنا في تفسير الطبري ‪،‬‬
‫إن لم يكن أكثرها ‪ ،‬فل يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا السناد ‪ .‬وقد‬
‫عرض الطبري نفسه في )ص ‪ 121‬بولق ‪ ،‬سطر ‪ 28 :‬وما بعده( ‪ ،‬فقال ‪،‬‬
‫وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا السناد ‪ " :‬فإن كان ذلك‬
‫حا ‪ ،‬إذ كان بإسناده مرتاًبا ‪ . " . . . .‬ولم يبين‬
‫حا ‪ ،‬ولست أعلمه صحي ً‬
‫صحي ً‬
‫علة ارتيابه في إسناده ‪ ،‬وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به ‪ .‬ولكنه لم‬
‫يجعلها حجة قط ‪.‬‬
‫بيد أني أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق ‪ .‬ولئمة الحديث كلم فيه وفي‬
‫بعض رجاله ‪ .‬وقد تتبعت ما قالوا وما يدعو إليه بحثه ‪ ،‬ما استطعت ‪ ،‬وبدا لي‬
‫فيه رأي ‪ ،‬أرجو أن يكون صواًبا ‪ ،‬إن شاء الله ‪ .‬وما توفيقي إل بالله ‪:‬‬

‫أما شيخ الطبري ‪ ،‬وهو " موسى بن هارون الهمداني " ‪ :‬فما وجدت له‬
‫ترجمة ‪ ،‬ول ذكًرا في شيء مما بين يدي من المراجع ‪ ،‬إل ما يرويه عنه‬
‫ضا في تاريخه ‪ ،‬وهو أكثر من خمسين موضًعا في الجزئين الول‬
‫الطبري أي ً‬
‫والثاني منه ‪ .‬وما بنا حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل ‪ ،‬فإن هذا‬
‫التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد ‪ ،‬معروف عند أهل العلم بالحديث ‪.‬‬
‫وما هو إل رواية كتاب ‪ ،‬ل رواية حديث بعينه ‪.‬‬
‫" وعمرو بن حماد " ‪ :‬هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد ‪ ،‬وقد ينسب إلى‬
‫جده ‪ ،‬فيقال عمرو بن طلحة ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬روى عنه مسلم في صحيحه ‪،‬‬
‫وترجمه ابن سعد في الطبقات ‪ ، 285 : 6‬وقال ‪ " :‬وكان ثقة إن شاء الله "‬
‫مات سنة ‪ . 222‬وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪، 228 / 1 / 3‬‬
‫وروى عن أبيه ويحيى بن معين أنهما قال فيه ‪ " :‬صدوق " ‪.‬‬
‫أسباط بن نصر الهمداني ‪ :‬مختلف فيه ‪ ،‬وضعفه أحمد ‪ ،‬وذكره ابن حبان في‬
‫حا ‪،‬‬
‫الثقات ‪ ، 410 :‬ةترجمه البخاري في الكبير ‪ 53 / 2 / 1‬فلم يذكر فيه جر ً‬
‫وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪ ، 332 / 1 / 1‬وروى عن يحيى بن‬
‫معين قال ‪ " :‬أسباط بن نصر ثقة " ‪ .‬وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند ‪،‬‬
‫في الحديث ‪. 1286‬‬
‫إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي ‪ :‬هو السدي الكبير ‪ ،‬قرشي‬
‫بالولء ‪ ،‬مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ‪ ،‬من بني عبد مناف ‪ ،‬كما نص‬
‫على ذلك البخاري في تاريخيه ‪ :‬الصغير ‪ ، 142 - 141 :‬والكبير ‪361 / 1 / 1‬‬
‫ضا ‪ ،‬وروى عن غيره‬
‫سا ‪ ،‬كما نص على ذلك البخاري أي ً‬
‫‪ ،‬وهو تابعي ‪ ،‬سمع أن ً‬
‫من الصحابة ‪ ،‬وعن كثير من التابعين ‪ .‬وهو ثقة ‪ .‬أخرج له مسلم في صحيحه‬
‫‪ ،‬وثقه أحمد بن حنبل ‪ ،‬فيما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪/ 1 / 1‬‬
‫ما عند عبد‬
‫‪ ، 184‬وروى أي ً‬
‫ضا عن أحمد ‪ ،‬قال ‪ " :‬قال لي يحيى بن معين يو ً‬
‫الرحمن بن مهدي ‪ :‬السدي ضعيف ‪ ،‬فغضب عبد الرحمن ‪ ،‬وكره ما قال " ‪:‬‬
‫وفي الميزان والتهذيب " أن الشعبي قيل له ‪ :‬إن السدي قد أعطي ح ً‬
‫ظا من‬
‫علم القرآن ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد أعطي ح ً‬
‫ظا من جهل بالقرآن! " ‪ .‬وعندي أن هذه‬
‫الكلمة من الشعبي قد تكون أساسا لقول كل من تكلم في السدي بغير‬
‫حق ‪ .‬ولذلك لم يعبأ البخاري بهذا القول من الشعبي ‪ ،‬ولم يروه ‪ ،‬بل روى‬
‫في الكبير عن مسدد عن يحيى قال ‪ " :‬سمعت ابن أبي خالد يقول ‪ :‬السدي‬
‫أعلم بالقرآن من الشعبي " ‪ .‬وروى في تاريخيه عن ابن المديني عن يحيى ‪،‬‬
‫دا يذكر السدي إل بخير ‪ ،‬وما تركه أحد " ‪.‬‬
‫وهو القطان ‪ ،‬قال ‪ " :‬ما رأيت أح ً‬
‫وفي التهذيب ‪ " :‬قال العجلي ‪ :‬ثقة عالم بالتفسير راوية له " ‪ .‬وقد رجحنا‬
‫توثيقه في شرح المسند ‪ . 807‬وتوفي السدي سنة ‪. 127‬‬
‫و " السدي " ‪ :‬بضم السين وتشديد الدال المهملتين ‪ ،‬نسبة إلى " السدة " ‪،‬‬
‫وهي الباب ‪ ،‬لنه كان يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة ‪ ،‬ويبيع بها المقانع ‪.‬‬
‫أبو مالك ‪ :‬هو الغفاري ‪ ،‬واسمه غزوان ‪ .‬وهو تابعي كوفي ثقة ‪ .‬ترجمه‬
‫البخاري في الكبير ‪ ، 108 / 1 / 4‬وابن سعد في الطبقات ‪ ، 206 : 6‬وابن‬
‫أبي حاتم في الجرح والتعديل ‪ ، 55 / 2 / 3‬وروى توثيقه يحيى بن معين ‪.‬‬
‫أبو صالح ‪ :‬هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ‪ ،‬واسمه باذام ‪ ،‬ويقال باذان ‪.‬‬
‫وهو تابعي ثقة ‪ ،‬رجحنا توثيقه في شرح المسند ‪ ، 2030‬وترجمه البخاري‬
‫في الكبير ‪ ، 144 / 2 / 1‬وروى عن محمد بن بشار ‪ ،‬قال ‪ " :‬ترك ابن مهدي‬
‫حديث أبي صالح " ‪ .‬وكذلك روى ابن أبي حاتم في ترجمته في الجرح‬
‫ضا‬
‫والتعديل ‪ 432 - 431 / 1 / 1‬عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي ‪ .‬ولكنه أي ً‬
‫دا من أصحابنا ترك أبا صالح‬
‫عن يحيى بن سعيد القطان ‪ ،‬قال ‪ " :‬لم أَر أح ً‬

‫دا من الناس يقول فيه شيًئا ‪ ،‬ولم يتركه‬
‫مولى أم هانئ ‪ ،‬وما سمعت أح ً‬
‫ضا عن يحيى بن معين ‪،‬‬
‫شعبة ول زائدة ول عبد الله بن عثمان " ‪ .‬وروى أي ً‬
‫قال ‪ " :‬أبو صالح مولى أم هانئ ليس به بأس ‪ ،‬فإذا روى عنه الكلبي فليس‬
‫بشيء ‪ ،‬وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس ‪ ،‬لن الكلبي يحدث به مرة‬
‫من رأيه ‪ ،‬ومرة عن أبي صالح ‪ ،‬ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس " ‪ .‬يعني‬
‫بهذا أن الطعن فيما يروي عنه هو في رواية الكلبي ‪ ،‬كما هو ظاهر ‪.‬‬
‫هذا عن القسم الول من هذا السناد ‪ .‬فإنه في حقيقته إسنادان أو ثلثة ‪.‬‬
‫أولهما هذا المتصل بابن عباس ‪.‬‬
‫والقسم الثاني ‪ ،‬أو السناد الثاني ‪ " :‬وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود " ‪.‬‬
‫والذي يروي عن مرة الهمداني ‪ :‬هو السدي نفسه ‪.‬‬
‫ومرة ‪ :‬هو ابن شراحيل الهمداني الكوفي ‪ ،‬وهو تابعي ثقة ‪ ،‬من كبار التابعين‬
‫‪ ،‬ليس فيه خلف بينهم ‪.‬‬
‫والقسم الثالث ‪ ،‬أو السناد الثالث ‪ " :‬وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم " ‪.‬‬
‫ضا من رواية السدي نفسه عن ناس من الصحابة ‪.‬‬
‫وهذا أي ً‬
‫فالسدي يروي هذه التفاسير ليات من القرآن ‪ :‬عن اثنين من التابعين عن‬
‫ابن عباس ‪ ،‬وعن تابعي واحد عن ابن مسعود ‪ ،‬ومن رواية نفسه عن ناس‬
‫من الصحابة ‪.‬‬
‫وللعلماء الئمة القدمين كلم في هذا التفسير ‪ ،‬بهذه السانيد ‪ ،‬قد يوهم أنه‬
‫من تأليف من دون السدي من الرواة عنه ‪ ،‬إل أني استيقنت بعد ُ ‪ ،‬أنه كتاب‬
‫ألفه السدي ‪.‬‬
‫فمن ذلك قول ابن سعد في ترجمة " عمرو بن حماد القناد " ‪" : 285 : 6‬‬
‫صاحب تفسير أسباط بن نصر عن السدي " ‪ .‬وقال في ترجمة " أسباط بن‬
‫نصر " ‪ " : 261 : 6‬وكان راوية السدي ‪ ،‬روى عنه التفسير " ‪ .‬وقال قبل‬
‫ذلك في ترجمة " السدي " ‪ " : 225 : 6‬إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ‪،‬‬
‫ضا ‪ ،‬في ترجمة " أبي مالك الغفاري "‬
‫صاحب التفسير " ‪ .‬وقال قبل ذلك أي ً‬
‫‪ " : 206 : 6‬أبو مالك الغفاري صاحب التفسير ‪ ،‬وكان قليل الحديث " ‪.‬‬
‫ولكن الذي يرجح أنه كتاب ألفه السدي ‪ ،‬جمع فيه التفسير ‪ ،‬بهذه الطرق‬
‫الثلث ‪ ،‬قول أحمد بن حنبل في التهذيب ‪ ، 314 : 1‬في ترجمة السدي ‪" :‬‬
‫إنه ليحسن الحديث ‪ ،‬إل أن هذا التفسير الذي يجئ به ‪ ،‬قد جعل له إسناًدا ‪،‬‬
‫ضا ‪ " : 315 : 1‬قد أخرج الطبري‬
‫واستكلفه " ‪ .‬وقول الحافظ في التهذيب أي ً‬
‫وابن أبي حاتم وغيرهما ‪ ،‬في تفاسيرهم ‪ ،‬تفسير السدي ‪ ،‬مفرًقا في‬
‫السور ‪ ،‬من طريق أسباط بن نصر عنه " ‪.‬‬
‫وقول السيوطي في التقان ‪ 224 : 2‬فيما نقل عن الخليل في الرشاد ‪" :‬‬
‫وتفسير إسماعيل السدي ‪ ،‬يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس ‪.‬‬
‫وروى عن السدي الئمة ‪ ،‬مثل الثوري وشعبة ‪ .‬ولكن التفسير الذي جمعه ‪،‬‬
‫رواه أسباط بن نصر ‪ .‬وأسباط لم يتفقوا عليه ‪ .‬غير أن أمثل التفاسير تفسير‬
‫السدي " ‪ .‬ثم قال السيوطي ‪ " :‬وتفسير السدي ‪] ،‬الذي[ أشار إليه ‪ ،‬يورد‬
‫منه ابن جرير كثيًرا ‪ ،‬من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن‬
‫ابن عباس ‪ ،‬وعن مرة عن ابن مسعود ‪ ،‬و ]عن[ ناس من الصحابة ‪ .‬هكذا ‪.‬‬
‫ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيًئا ‪ ،‬لنه التزم أن يخرج أصح ما ورد ‪ .‬والحاكم‬
‫يخرج منه في مستدركه أشياء ‪ ،‬ويصححه ‪ ،‬لكن من طريق مرة عن ابن‬
‫مسعود وناس ‪ ،‬فقط ‪ ،‬دون الطريق الول ‪ ،‬وقد قال ابن كثير ‪ :‬إن هذا‬
‫السناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة " ‪.‬‬

‫وأول ما نشير إليه في هذه القوال ‪ :‬التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر‬
‫والسيوطي ‪ ،‬في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرًقا في تفسيره ‪،‬‬
‫كما صنع الطبري ‪ ،‬في نقل الحافظ ‪ ،‬وأنه أعرض عنه ‪ ،‬في نقل السيوطي ‪.‬‬
‫ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء ‪ ،‬إذ لم أَر تفسير ابن أبي حاتم ‪.‬‬
‫ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر ‪ ،‬بأنه أكثر تثبًتا ودقة في النقل من‬
‫السيوطي ‪.‬‬
‫ثم قد صدق السيوطي فيما نقل عن الحاكم ‪ .‬فإنه يروي بعض هذا التفسير‬
‫في المستدرك ‪ ،‬بإسناده ‪ ،‬إلى أحمد بن نصر ‪ " :‬حدثنا عمرو بن طلحة القناد‬
‫حدثنا أسباط بن نصر ‪ ،‬عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ‪ ،‬عن مرة‬
‫الهمداني ‪ ،‬عن عبد الله بن مسعود ‪ ،‬وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم " ‪ .‬ثم يصححه على شرط مسلم ‪ ،‬ويوافقه الذهبي في تلخيصه ‪.‬‬
‫من ذلك في المستدرك ‪. 321 ، 273 ، 260 ، 258 : 2‬‬
‫ما أخرج لجميع رجال هذا السناد ‪.‬‬
‫والحاكم في ذلك على صواب ‪ ،‬فإن مسل ً‬
‫من عمرو بن حماد بن طلحة القناد إلى مرة الهمداني ‪ .‬ولم يخرج لبي صالح‬
‫باذام ول لبي مالك الغفاري ‪ ،‬في القسم الول من السناد الذي روى به‬
‫السدي تفاسيره ‪.‬‬
‫أما كلمة المام أحمد بن حنبل في السدي " إل أن هذا التفسير الذي يجيء‬
‫به ‪ ،‬قد جعل له إسناًدا واستكلفه " فإنه ل يريد ما قد يفهم من ظاهرها ‪ :‬أنه‬
‫عا‬
‫اصطنع إسنادا ل أصل له ؛ إذ لو كان ذلك ‪ ،‬لكان ‪ -‬عنده ‪ -‬كذاًبا وضا ً‬
‫للرواية ‪ .‬ولكنه يريد ‪ -‬فيما أرى ‪ ،‬والله أعلم ‪ -‬أنه جمع هذه التفاسير ‪ ،‬من‬
‫روايته عن هؤلء الناس ‪ :‬عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ‪ ،‬وعن‬
‫مرة عن ابن مسعود ‪ ،‬وعن ناس من الصحابة ‪ ،‬ثم ساقها كلها مفصلة ‪ ،‬على‬
‫اليات التي ورد فيها شيء من التفسير ‪ ،‬عن هذا أو ذاك أو أولئك ‪ ،‬وجعل لها‬
‫دا ‪.‬‬
‫كلها هذا السناد ‪ ،‬وتكلف أن يسوقها به مساًقا واح ً‬
‫أعني ‪ :‬أنه جمع مفرق هذه التفاسير في كتاب واحد ‪ ،‬جعل له في أوله هذه‬
‫السانيد ‪ .‬يريد بها أن ما رواه من التفاسير في هذا الكتاب ‪ ،‬ل يخرج عن هذه‬
‫السانيد ‪ .‬ول أكاد أعقل أنه يروي كل حرف من هذه التفاسير عنهم جميعا ‪.‬‬
‫فهو كتاب مؤلف في التفسير ‪ ،‬مرجع فيه إلى الرواية عن هؤلء ‪ ،‬في الجملة‬
‫‪ ،‬ل في التفصيل ‪.‬‬
‫إنما الذي أوقع الناس في هذه الشبهة ‪ ،‬تفريق هذه التفاسير في مواضعها ‪،‬‬
‫مثل صنيع الطبري بين أيدينا ‪ ،‬ومثل صنيع ابن أبي حاتم ‪ ،‬فيما نقل الحافظ‬
‫ابن حجر ‪ ،‬ومثل صنيع الحاكم في المستدرك ‪ .‬فأنا أكاد أجزم أن هذا‬
‫التفريق خطأ منهم ‪ ،‬لنه يوهم القارئ أن كل حرف من هذه التفاسير مروي‬
‫بهذه السانيد كلها ‪ ،‬لنهم يسوقونها كاملة عند كل إسناد ‪ ،‬والحاكم يختار منها‬
‫دا يذكره عند كل تفسير منها يريد روايته ‪ .‬وقد يكون ما رواه‬
‫إسناًدا واح ً‬
‫الحاكم ‪ -‬مثل ‪ -‬بالسناد إلى ابن مسعود ‪ ،‬ليس مما روى السدي عن ابن‬
‫صا ‪ .‬بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس ‪ ،‬او مما رواه ناس من‬
‫مسعود ن ً‬
‫الصحابة ‪ ،‬روى عن كل واحد منهم شيًئا ‪ ،‬فأسند الجملة ‪ ،‬ولم يسند‬
‫التفاصيل ‪.‬‬
‫حا ‪ .‬إنما يريد‬
‫حا فيه ول قد ً‬
‫ولم يكن السدي ببدع في ذلك ‪ ،‬ول يكون هذا جر ً‬
‫إسناد هذه التفاسير إلى الصحابة ‪ ،‬بعضها عن ابن عباس ‪ ،‬وبعضها عن ابن‬
‫مسعود ‪ ،‬وبعضها عن غيرهما منهم ‪ .‬وقد صنع غيره من حفاظ الحديث‬
‫وا مما صنع ‪ ،‬فما كان ذلك بمطعن فيهم ‪ ،‬بل تقبلها الحفاظ‬
‫وأئمته نح ً‬
‫بعدهم ‪ ،‬وأخرجوها في دواوينهم ‪ .‬ويحضرني الن من ذلك صنيع معاصره ‪:‬‬

‫ابن شهاب الزهري المام ‪ .‬فقد روى قصة حديث الفك ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أخبرني‬
‫سعيد بن المسيب ‪ ،‬وعروة بن الزبير ‪ ،‬وعلقمة بن وقاص ‪ ،‬وعبيد الله بن‬
‫عبد الله بن عتبة بن مسعود ‪ ،‬عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬حين قال لها أهل الفك ما قالوا ‪ ،‬فبرأها الله مما قالوا ‪ .‬وكلهم‬
‫حدثني طائفة من حديثها ‪ ،‬وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت‬
‫صا ‪ ،‬وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني ‪ ،‬وبعض‬
‫اقتصا ً‬
‫حديثهم يصدق بعضا " ‪ ،‬إلخ ‪.‬‬
‫فذكر الحديث بطوله ‪ .‬وهو في صحيح مسلم ‪ . 335 - 333 : 2‬وسيأتي في‬
‫تفسير الطبري )‪ 74 - 71 : 18‬بولق( ‪ .‬ورواه المام أحمد والبخاري في‬
‫صحيحه ‪ ،‬كما في تفسير ابن كثير ‪ . 73 - 68 : 6‬ثم قال ابن كثير ‪ " :‬وهكذا‬
‫رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك ‪ ،‬قال ‪ " :‬وحدثني يحيى بن عباد بن عبد‬
‫الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ‪ ،‬وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد‬
‫بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة " ‪ .‬وإسناد ابن إسحاق الخير في‬
‫ضا ‪ .‬والسنادان كلهما رواهما ابن إسحاق عن الزهري ‪ ،‬في‬
‫الطبري أي ً‬
‫السيرة )ص ‪ 731‬من سيرة ابن هشام( ‪.‬‬
‫والمثل على ذلك كثيرة ‪ ،‬يعسر الن تتبعها ‪.‬‬
‫وقد أفادنا هذا البحث أن تفسير السدي من أوائل الكتب التي ألفت في‬
‫رواية الحاديث والثار ‪.‬‬
‫وهو من طبقة عالية ‪ ،‬من طبقة شيوخ مالك من التابعين ‪.‬‬
‫وبعد ‪ :‬فأما هذا الخبر بعينه ‪ ،‬فقد رواه الحاكم في المستدرك ‪، 258 : 2‬‬
‫بالسناد الذي أشرنا إليه ‪ ،‬من رواية السدي عن مرة عن ابن مسعود ‪ ،‬وعن‬
‫أناس من الصحابة ‪ .‬وقال ‪ " :‬هذا حديث صحيح على شرط مسلم ‪ ،‬ولم‬
‫يخرجاه " ‪ .‬وافقه الذهبي ‪ .‬ونقله السيوطي في الدر المنثور ‪ 14 : 1‬عن ابن‬
‫جرير والحاكم ‪ ،‬وصححه ‪ ،‬عن ابن مسعود وناس من الصحابة " ‪.‬‬
‫) ‪(1/156‬‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫إ ِّيا َ‬
‫ن )‪(5‬‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫ن الله العباد َ‬
‫ك ي َوْم ِ ال ّ‬
‫مال ِ ِ‬
‫معمر ‪ ،‬عن قتادة في قوله ‪َ ) :‬‬
‫َ‬
‫ن( قال ‪ :‬يوم َيدي ُ‬
‫دي ِ‬
‫بأعمالهم‪(1) .‬‬
‫‪ - 170‬وحدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫حدثني حجاج ‪ ،‬عن ابن جريج ‪) ،‬مالك يوم الدين( قال ‪ :‬يوم ُيدان الناس‬
‫بالحساب‪(2) .‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫القول في تأويل قوله جل ثناؤه ‪ } :‬إ ِّياك ن َعْب ُد ُ { ‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وتأويل قوله)إّيا َ‬
‫ّ‬
‫ن‪،‬‬
‫ك نعب ُ ُ‬
‫د( ‪ :‬لك اللهم َنخشعُ ون َذِل ونستكي ُ‬
‫إقراًرا لك يا َربنا بالّربوبية ل لغيرك‪.‬‬
‫‪ - 171‬كما حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َروق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪،‬‬
‫بن عُ َ‬
‫ل لمحمد صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قل يا محمد ‪ ) :‬إ ِّيا َ‬
‫قال ‪ :‬قال جبري ُ‬
‫ك‬
‫ن َعْب ُد ُ ( ‪ ،‬إيا َ‬
‫حد ونخاف ونرجو يا رّبنا ل غيرك )‪. (3‬‬
‫ك ُنو ّ‬
‫__________‬

‫)‪ (1‬الثر ‪ - 169‬نقله السيوطي ‪ 14 : 1‬ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد ‪.‬‬
‫وهو ظاهر في رواية الطبري هذه ‪ -‬أنه من مصنف عبد الرزاق ‪ .‬ونسبه‬
‫الشوكاني ‪ 12 : 1‬لهما وللطبري ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 170‬مضى الكلم على هذا السناد ‪ . 144 :‬وأما لفظه فلم يذكره‬
‫أحد منهم ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 171‬إسناده ضعيف ‪ ،‬بيناه في ‪ . 137 :‬وهذا الخبر والذي بعده‬
‫ضا لبن أبي حاتم ‪.‬‬
‫‪ 172‬جمعهما السيوطي ‪ ، 14 : 1‬ونسبهما أي ً‬
‫) ‪(1/157‬‬
‫وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا‪ .‬وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه‬
‫بمعنى َنخشع ونذ ّ‬
‫ن ‪ ،‬دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو وَنخاف ‪ -‬وإن‬
‫ل ونستكي ُ‬
‫ن العبودية ‪ ،‬عند َ جميع العرب‬
‫كان الّرجاء والخوف ل يكونان إل مع ذلة ‪ -‬ل ّ‬
‫ّ‬
‫أصُلها الذّلة ‪ ،‬وأنها تسمي الطريقَ المذل ّ َ‬
‫طئته القدام ‪ ،‬وذللته‬
‫ل الذي قد وَ ِ‬
‫دا ‪ .‬ومن ذلك قو َ‬
‫ل ط ََرَفة بن العَْبد ‪:‬‬
‫السابلة ‪ :‬معب ّ ً‬
‫َ‬
‫معَب ّد ِ )‪(1‬‬
‫فا وظي ً‬
‫ظي ً‬
‫ت َُباِري ِ‬
‫ت وأت َْبعت‪ ...‬وَ ِ‬
‫عَتاًقا َناجيا ٍ‬
‫موْرٍ ُ‬
‫فا فوق َ‬
‫ور ‪ :‬الطريق‪ .‬وبالمعّبد ‪ :‬المذّلل الموطوء )‪ . (2‬ومن ذلك قيل‬
‫بالم‬
‫يعني‬
‫ْ‬
‫دا لذّلته‬
‫للبعير المذّلل بالركوب في الحوائج ‪ :‬معّبد‪ .‬ومنه سمي العب ْد ُ عب ً‬
‫لموله‪ .‬والشواهد على ذلك ‪ -‬من أشعار العرب وكلمها ‪ -‬أكثُر من أن ُتحصى‬
‫‪ ،‬وفيما ذكرناه كفاية لمن وُّفق لفهمه إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫***‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬وَإ ِّيا َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ومعنى قوله ‪ ) :‬وَإ ِّيا َ‬
‫ن ( ‪ :‬وإياك َربنا نستعين على‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫فر‬
‫دا سواك ‪ ،‬إذ ْ كان من يك ُ‬
‫عبادتنا إّياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها ‪ -‬ل أح ً‬
‫ده من الوثان دوَنك ‪ ،‬ونحن بك‬
‫بك َيستعين في أموِره معبوَده الذي يعب ُ ُ‬
‫نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة‪.‬‬
‫‪ - 172‬كالذي حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪،‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوان الستة الجاهليين ‪ . 31 :‬يصف ناقته ‪ .‬تباري ‪ :‬تجاريها وتسابقها ‪.‬‬
‫والعتاق جمع عتيق ‪ :‬وهو الكريم المعرق في كرم الصل ‪ .‬وناجيات ‪:‬‬
‫مسرعات في السير ‪ ،‬من النجاء ‪ ،‬وهو سرعة السير ‪ .‬والوظيف ‪ :‬من‬
‫رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ‪ ،‬وأما في رجليه فمن رسغيه إلى‬
‫عرقوبيه ‪ .‬وعنى بالوظيف هنا ‪ :‬الخف ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المخطوطة ‪ " :‬الموطن " ‪ ،‬وهو قريب المعنى ‪.‬‬
‫) ‪(1/161‬‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد‬
‫قال ‪ :‬حدثني بشر بن ُ‬
‫الله بن عباس ‪ ) :‬وَإ ِّيا َ‬
‫ن على طاعتك وعلى‬
‫ك نَ ْ‬
‫ن ( ‪ ،‬قال ‪ :‬إياك نست َِعي ُ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫أمورنا كلها )‪. (1‬‬
‫ة على طاعته ؟‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وما معنى أمر الله عباَده بأن يسألوه المعون َ‬
‫أوَ جائٌز ‪ ،‬وقد أمرهم بطاعته ‪ ،‬أن ل يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه ‪:‬‬

‫ن ‪ ،‬وذلك هو الطاعة‪.‬‬
‫معا ٌ‬
‫إياك نستعين على طاعتك ‪ ،‬إل وهو على قوله ذلك ُ‬
‫ه مسألة العبد رّبه ما قد أعطاه إياه ؟‬
‫فما وج ُ‬
‫َ‬
‫ت إليه ‪ ،‬وإنما الداعي رّبه من‬
‫قيل ‪ :‬إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهب َ‬
‫عمره على‬
‫من‬
‫بقي‬
‫فيما‬
‫يعينه‬
‫المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ‪ ،‬داٍع أن‬
‫ُ‬
‫مضى من أعماله الصالحة فيما خل‬
‫ما كّلفه من طاعته ‪ ،‬دون ما قد َتق ّ‬
‫ضى و َ‬
‫ده ذلك ‪ -‬مع‬
‫من عمره ‪ .‬وجازت مسأل ُ‬
‫ة العبد رّبه ذلك ‪ ،‬لن إعطاء الله عب َ‬
‫حه لداء ما كّلفه من طاعته ‪ ،‬وافترض عليه من فرائضه ‪ ،‬فض ٌ‬
‫ل‬
‫تمكينه جوار َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ضل به عليه ‪ ،‬ولطف منه لطف له فيه‪ .‬وليس في َتركه‬
‫منه جل ثناؤه تف ّ‬
‫ض َ‬
‫ل على بعض عبيده بالتوفيق ‪ -‬مع اشتغال عبده بمعصيته ‪ ،‬وانصرافه‬
‫التف ّ‬
‫َ‬
‫محبته ‪ ،‬ول في َبسطه فضله على بعضهم ‪ ،‬مع إجهاد العبد نفسه في‬
‫عن َ‬
‫جور في حكم ‪ ،‬فيجوز‬
‫محبته ‪ ،‬ومسارعته إلى طاعته ‪ -‬فساد ٌ في تدبير ‪ ،‬ول َ‬
‫َ‬
‫أن يجه َ‬
‫عوَنه على طاعته )‬
‫ده بمسألته َ‬
‫ره عب َ‬
‫ل جاهل موضع ُ‬
‫حكم الله في أم ِ‬
‫‪. (2‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن(‪،‬‬
‫وفي أمر الله جل ثناؤه عباَده أن يقولوا ‪ ) :‬إ ِّياك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّياك ن َ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫ة على العبادة ‪ ،‬أد ّ‬
‫ل الدليل على فساد قول‬
‫بمعنى مسألتهم إياه المعون َ‬
‫دا من‬
‫مَر الله أح ً‬
‫القائلين بالّتفويض من أهل القدر )‪ ، (3‬الذين أحالوا أن يأ ُ‬
‫عبيده بأمرٍ ‪ ،‬أو يكّلفه‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 172‬هو بالسناد الضعيف قبله ‪ .‬وأشرنا إليه هناك ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬حكم الله وأمره عبده " ‪ ،‬وفي المخطوطة ‪ " :‬حكم‬
‫الله امره " بغير واو ‪ .‬والذي أثبتناه أصوب ‪ .‬والحكم ‪ :‬الحكمة ‪ ،‬كما مر مراًرا‬
‫)‪ (3‬أهل القدر ‪ :‬هم نفاة القدر ل مثبتوه ‪ .‬والقائلون بالتفويض هم القدرية‬
‫والمعتزلة والمامية ‪ .‬يزعمون أن المر فوض إلى النسان )أي رد إليه( ‪،‬‬
‫فإرادته كافية في إيجاد فعله ‪ ،‬طاعة كان أو معصية ‪ ،‬وهو خالق لفعاله ‪،‬‬
‫والختيار بيده ‪.‬‬
‫) ‪(1/162‬‬
‫ن الذي‬
‫ض عمل ‪ ،‬إل بعد َ إعطائه المعونة على فعِله وعلى تر ِ‬
‫كه‪ .‬ولو كا َ‬
‫فر َ‬
‫قالوا من ذلك كما قالوا ‪ ،‬لبطلت الّرغبة إلى الله في المعونة على طاعته‪ .‬إذ‬
‫قا واجًبا على الله‬
‫كان ‪ -‬على قولهم ‪ ،‬مع وجود المر والنهي والتكليف ‪ -‬ح ّ‬
‫ده أو تر َ‬
‫ك مسألة ذلك ‪ .‬بل َترك‬
‫للعبد إعطاؤه المعونة عليه ‪ ،‬سأله عب ُ‬
‫جوٌر‪ .‬ولو كان المر في ذلك على ما قالوا ‪ ،‬لكان‬
‫إعطائه ذلك عندهم منه َ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫القائل ‪ ) :‬إ ِّيا َ‬
‫ن ( ‪ ،‬إنما يسأل َرّبه أن ل يجور‪.‬‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫وفي إجماع أهل السلم جميًعا ‪ -‬على تصويب قول القائل ‪ " :‬اللهم إنا‬
‫ح على‬
‫جْر علينا " ‪ -‬دليل واض ٌ‬
‫نستعينك " ‪ ،‬وتخطئ َِتهم قول القائل ‪ " :‬اللهم ل ت َ ُ‬
‫ت قولهم‪ .‬إذ ْ كان تأوي ُ‬
‫ل قول القائل عندهم ‪ " :‬اللهم‬
‫خطأ ما قال الذين وصف ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جوٌْر منك‪.‬‬
‫معونتنا التي ترككها َ‬
‫إّنا نستعينك ‪ -‬اللهم ل تترك َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دم الخبُر عن‬
‫ن(‪،‬ف ُ‬
‫ق ّ‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وكيف قيل ‪ ) :‬إ ِّياك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّياك ن َ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫دها ؟ وإنما تكون الِعبادة بالمعونة ‪،‬‬
‫الِعبادة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ت مسأل ُ‬
‫ة المعونة عليها بع َ‬
‫خر ْ‬
‫ّ‬
‫ة المعونة كانت أحقّ بالتقديم قب َ‬
‫مَعان عليه من العمل والعبادة ُ بها‪.‬‬
‫فمسأل ُ‬
‫ل ال ُ‬
‫ل للعبد إليها إل بمعونة من الله جلّ‬
‫ما أن العبادة ل سبي َ‬
‫ما كان معلو ً‬
‫قيل ‪ :‬ل ّ‬
‫معان ‪ ،‬وأن يكون‬
‫ثناؤه ‪ ،‬وكان محال أن يكون العْبد عاب ً‬
‫دا إل وهو على العبادة ُ‬

‫م منهما على صاحبه ‪.‬‬
‫م ما ُقد ّ‬
‫معاًنا عليها إل وهو لها فاعل ‪ -‬كان سواًء تقدي ُ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫كما سواٌء قولك للرجل إذا قضى حا َ‬
‫جَتك فأحسن إليك في قضائها ‪ " :‬قضي َ‬
‫ي‬
‫ي " ‪ ،‬فق ّ‬
‫ت ‪ :‬أحسن َ‬
‫دمت ذكر قضائه حاجَتك ‪ ،‬أو قل َ‬
‫حاجتي فأحسن َ‬
‫ت إل ّ‬
‫ت إل ّ‬
‫ت ذكر الحسان على ذكر قضاء الحاجة‪ .‬لنه ل‬
‫دم‬
‫فق‬
‫‪،‬‬
‫"‬
‫ت حاجتي‬
‫ّ َ‬
‫فقضي َ‬
‫يكون قاضًيا حاجَتك إل وهو إليك محسن ‪ ،‬ول محسًنا إليك إل وهو لحاجتك‬
‫عّنا على عبادتك ‪،‬‬
‫ض‪ .‬فكذلك سواٌء قول القائل ‪ :‬اللهم إّنا إياك نعب ُد ُ فأ ِ‬
‫قا ٍ‬
‫د‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬اللهم أعّنا على عبادتك فإّنا إياك نعب ُ ُ‬
‫) ‪(1/163‬‬
‫دم الذي معناه‬
‫ن ذلك من المق ّ‬
‫ن بعض أهل الغفلة أ ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وقد ظ ّ‬
‫التأخيُر ‪ ،‬كما قال امرؤ القيس ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب ‪ ،‬قلي ٌ‬
‫ل )‪(1‬‬
‫مِعيش ٍ‬
‫ة‪ ...‬كفاني ‪ ،‬ولم أطل ْ‬
‫ول َوْ أ ّ‬
‫ما أ ْ‬
‫سَعى لد َْنى َ‬
‫ن َ‬
‫ل من الما ِ‬
‫يريد بذلك ‪ :‬كفاني قلي ٌ‬
‫ل من المال ولم أطلب كثيًرا‪ .‬وذلك ‪ -‬من معنى‬
‫زل‪ .‬من أجل أّنه قد‬
‫التقديم والتأخير ‪ ،‬ومن مشابهة بيت امرئ القيس ‪ -‬بمعْ ِ‬
‫يكفيه القلي ُ‬
‫ب له‬
‫ل من المال ويطُلب الكثيَر ‪ ،‬فليس ُوجود ُ ما يكفيه منه بموج ٍ‬
‫تر َ‬
‫جودها وجود المعونة عليها ‪،‬‬
‫ن نظيَر العبادة التي بو ُ‬
‫ك طلب الكثير ‪ ،‬فيكو َ‬
‫دهما دال على الخر ‪ ،‬فيعتد َ‬
‫ل‬
‫ن ذكُر أح ِ‬
‫جودها ‪ ،‬فيكو َ‬
‫وبوجود المعونة عليها وُ ُ‬
‫دم منهما قب َ‬
‫عا في‬
‫ن موضو ً‬
‫ل صاحبه ‪ ،‬أن يكو َ‬
‫م ما قُ ّ‬
‫في صحة الكلم تقدي ُ‬
‫درجته ومرت ًّبا في مرَتبِته‪.‬‬
‫دم ذلك‬
‫جه تكراره ‪ " :‬إياك " مع قوله ‪ " :‬نستعين " ‪ ،‬وقد تق ّ‬
‫فإن قال ‪ :‬فما و ْ‬
‫قَْبل " نعبد " ؟ وهل قيل ‪ " :‬إياك نعب ُد ُ ونستعين " ‪ ،‬إذ كان المخب َُر عنه أنه‬
‫ن؟‬
‫المعبود ُ ‪ ،‬هو المخبر عنه أنه المستعا ُ‬
‫قيل له ‪ :‬إن الكاف التي مع " إّيا " ‪ ،‬هي الكاف التي كانت تصل بالفعل ‪-‬‬
‫ة اسم‬
‫أعني بقوله ‪ " :‬نعبد " ‪ -‬لو كانت مؤخرةً بعد َ الفعل‪ .‬وهي كناي ُ‬
‫ة ‪ ،‬إذ ْ كان السماء إذا‬
‫دم ً‬
‫ب المنصوب بالفعل ‪ ،‬فك ُّثرت بـ " إّيا " متق ّ‬
‫المخاط ِ‬
‫سها ل تكون في كلم العرب على حرف واحد‪.‬‬
‫ت بأنف ِ‬
‫انفرد ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة اسم المخاطب التي كانت تكون‬
‫ما كانت الكاف من " إياك " هي كناي َ‬
‫فل ّ‬
‫ت بعد الفعل ‪ ،‬ثم كان ح ّ‬
‫ظها أن تعاد َ مع كلّ‬
‫كاًفا وحدها متصل ً‬
‫ة بالفعل إذا كان ْ‬
‫ك ونحمد َ‬
‫ك ونستعين َ‬
‫ت به ‪ ،‬فيقال ‪ " :‬اللهم إنا نعبد َ‬
‫ك ونشكرك " ‪،‬‬
‫فعل اتصل ْ‬
‫ح في كلم العرب من أن يقال ‪ " :‬اللهم إنا نعبدك ونستعين‬
‫أفص‬
‫وكان ذلك‬
‫َ‬
‫ة بـ‬
‫ة اسم المخاطب قبل الفعل موصول ً‬
‫دمت كناي ُ‬
‫ونحمد " ‪ -‬كان كذلك ‪ ،‬إذا ق ّ‬
‫ح من الكلم إعاَدتها‬
‫" إّيا " ‪ ،‬كان الفصح إعاَدتها مع كل فعل‪ .‬كما كان الفصي ُ‬
‫مع‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪. 71 : 1‬‬
‫) ‪(1/164‬‬
‫ة به ‪ ،‬وإن كان تر ُ‬
‫ك إعادتها جائًزا‪.‬‬
‫كل فعل ‪ ،‬إذا كانت بعد الفعل متصل ً‬
‫ن إعادة " إياك " مع " نستعين " ‪،‬‬
‫ض من لم ُينعم النظَر )‪ (1‬أ ّ‬
‫ن بع ُ‬
‫وقد ظ ّ‬
‫دمها في قوله ‪ " :‬إياك نستعين " ‪ ،‬بمعنى قول عدي بن زيد العَِباديّ ‪:‬‬
‫بعد تق ّ‬

‫عل ال ّ‬
‫صل )‪(2‬‬
‫خ َ‬
‫صًرا ل َ‬
‫جا ِ‬
‫شمس ِ‬
‫و َ‬
‫ن الّليل قد فَ َ‬
‫م ْ‬
‫فاَء ِبه‪ ...‬ب َْين الّنهارِ َوبي ْ َ‬
‫مدان ‪:‬‬
‫وكقول أعشى هَ ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫ن ال َ‬
‫مولود ِ )‪(3‬‬
‫ش ّ‬
‫وال ِدِهِ ولل َ‬
‫س باذخ‪ ...‬ب َخ ب َخ ل َ‬
‫ج وب َي ْ َ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫ن قَي ْ ٍ‬
‫وذلك من قائله جهل ‪ ،‬من أجل أن حظ " إّياك " أن تكون مكررة مع كل‬
‫حكم " بين " لنها ل تكون ‪ -‬إذ‬
‫فعل ‪ ،‬لما وصفنا آن ً‬
‫فا من العلة ‪ ،‬وليس ذلك ُ‬
‫فرد بالواحد‪ .‬وأنها لو‬
‫اقتضت اثنين ‪ -‬إل تكريًرا إذا أعيدت ‪ ،‬إذ ْ كانت ل تن َ‬
‫ردت بأحد السمين ‪ ،‬في حال اقتضائها اثنين ‪ ،‬كان الكلم كالمستحيل‪.‬‬
‫أف ْ ِ‬
‫صلت بين النهار " ‪ ،‬لكان من الكلم‬
‫وذلك أ ّ‬
‫ن قائل لو قال ‪ " :‬الشمس قد فَ َ‬
‫فا )‪ (4‬لُنقصان الكلم عما به الحاجة إليه ‪ ،‬من تمامه الذي يقتضيه " بين "‬
‫خل ْ ً‬
‫َ‬
‫‪.‬‬
‫ما بذلك‬
‫ما‪ .‬فكان معلو ً‬
‫ما تا ّ‬
‫م إياك نعبد " ‪ ،‬لكان ذلك كل ً‬
‫ولو قال قائل ‪ " :‬الله ّ‬
‫ةك ّ‬
‫ل كلمةٍ ‪ -‬كانت نظيرةَ " إياك نعبد " ‪ -‬إلى " إياك " كحاجة‬
‫ن حاج َ‬
‫أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬لم يمعن النظر " ‪ ،‬بدلوها ‪ ،‬كما فعلوا في ص ‪، 55 :‬‬
‫تعليق ‪. 3 :‬‬
‫)‪ (2‬في اللسان )مصر( منسوًبا إلى أمية بن أبي الصلت ‪ .‬واستدركه ابن بري‬
‫ونسبه لعدي بن زيد ‪ .‬والمصر ‪ :‬الحاجز والحد بين الشيئين ‪ .‬يقول ‪ :‬جعل‬
‫الشمس حدا وعلمة بين الليل والنهار ‪.‬‬
‫)‪ (3‬ديوان العشين ‪ ، 323 :‬والغاني ‪ . 61 ، 46 : 6‬وأعشى همدان هو عبد‬
‫الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ‪ ،‬كان أحد الفقهاء القراء ‪ ،‬ثم ترك‬
‫ذلك وقال الشعر ‪ .‬يمدح عبد الحمن بن الشعث بن قيس الكندي ‪ ،‬وكان‬
‫خرج على الحجاج ‪ ،‬فخرج معه الفقهاء والقراء ‪ ،‬فلما أسر الحجاج العشى ‪،‬‬
‫دا! وقتله ‪.‬‬
‫قال له ‪ :‬ألست القائل ‪ :‬وأنشده البيت ‪ -‬والله ل تبخبخ بعدها أب ً‬
‫الشج ‪ :‬هو الشعث والد عبد الحمن ‪ ،‬وقيس جده ‪ .‬وبخ بخ ‪ :‬كلمة للتعظيم‬
‫والتفخيم ‪ .‬وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار " بين " ‪ ،‬مع‬
‫غير الضمير المتصل ‪ ،‬ومثلهما كثير ‪ .‬وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ‪ ،‬وهم‬
‫في شرك الخطأ ‪.‬‬
‫)‪ (4‬الخلف )بفتح فسكون( ‪ :‬الرديء من القول ‪ .‬يقال هذا خلف من القول ‪،‬‬
‫فا " ‪ ،‬يقال للرجل يطيل‬
‫فا ونطق خل ً‬
‫أي رديء ‪ .‬وفي المثل ‪ " :‬سكت أل ً‬
‫الصمت ‪ ،‬فإذا تكلم تكلم بالخطأ ‪ .‬أي سكت دهًرا طويًل ‪ ،‬ثم تكلم بخطأ ‪.‬‬
‫كنى باللف عن الزمن الطويل ‪ ،‬ألف ساعة مثل ‪.‬‬
‫) ‪(1/165‬‬
‫صَرا َ‬
‫م )‪(6‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫اهْدَِنا ال ّ‬
‫ن معها " إياك " ‪ ،‬إذ ْ كانت كل كلمة‬
‫ن الصواب أن تكو َ‬
‫" ن ُْعبد " إليها )‪ (1‬وأ ّ‬
‫حكم " بين " فيما وَّفق بينهما‬
‫ذلك‬
‫مخالفة‬
‫حكم‬
‫نا‬
‫ي‬
‫وب‬
‫‪،‬‬
‫ة خبرِ مبتدأ‬
‫منها جمل َ‬
‫ُ‬
‫ًّ ُ‬
‫الذي وصفنا قوله‪.‬‬
‫***‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬اهْدَِنا { ‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ( ‪ ،‬في هذا الموضع‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ومعنى قوله ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫قنا للثبات عليه ‪ ،‬كما ُروي ذلك عن ابن عباس ‪- :‬‬
‫عندنا ‪ :‬وَفّ ْ‬

‫‪ - 173‬حدثنا أبو ُ‬
‫كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫قال جبريل لمحمد صلى الله عليه ‪ " :‬قل ‪ ،‬يا محمد ‪ ،‬اهدنا الصراط‬
‫م " ‪ .‬يقول ‪ :‬ألهمنا الطريق الهادي )‪. (2‬‬
‫المستقي َ‬
‫وإلهامه إياه ذلك ‪ ،‬هو توفيقه له ‪ ،‬كالذي قلنا في تأويله‪ .‬ومعناه نظيُر معنى‬
‫ة العبد رّبه التوفيقَ للثبات على العمل‬
‫مسأل ُ‬
‫قوله ‪ " :‬إياك نستعين " ‪ ،‬في أنه َ‬
‫مره به ونهاه عنه ‪ ،‬فيما َيسَتقب ِ ُ‬
‫ل من‬
‫بطاعته ‪ ،‬وإصابة الحق والصواب فيما أ َ‬
‫مره ‪ .‬كما‬
‫مره ‪ ،‬دون ما قد مضى من أعماله ‪ ،‬وتق ّ‬
‫ضى فيما َ‬
‫سلف من عُ ُ‬
‫عُ ُ‬
‫ّ‬
‫ة على أداء ما قد كلفه‬
‫ة منه رّبه المعون َ‬
‫في قوله ‪ " :‬إياك نستعين " ‪ ،‬مسأل ٌ‬
‫مره‪.‬‬
‫من طاعته ‪ ،‬فيما بقي من عُ ُ‬
‫دك ل شريك لك ‪ ،‬مخلصين لك‬
‫م إياك نعبد ُ وح َ‬
‫فكا َ‬
‫ن معنى الكلم ‪ :‬الله ّ‬
‫عّنا على عبادتك ‪ ،‬ووّفقنا لما‬
‫سواك من اللهة والوثان ‪ ،‬فأ ِ‬
‫ن ما ِ‬
‫العبادةَ دو َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬يعني أن حاجة الولى منهما كحاجة الثانية ‪ ،‬فلذلك وجب تكرارها ‪ .‬سياق‬
‫ما أم الصواب أن‬
‫ما أن حاجة كل كلمة ‪ . . .‬وكان معلو ً‬
‫العبارة ‪ " :‬فكان معلو ً‬
‫تكون معها ‪ . . .‬وكان بيًنا ‪ " . . .‬إلى آخر الفقرة ‪.‬‬
‫)‪ (2‬يأتي بتمامه وتخريجه برقم ‪. 179‬‬
‫) ‪(1/166‬‬
‫ت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك ‪ ،‬من السبيل والمنهاج‪.‬‬
‫من أنعم َ‬
‫وّفقت له َ‬
‫ة في كلم العرب بمعنى الّتوفيق ؟‬
‫ت الهداي َ‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وأّنى َوجد َ‬
‫قيل له ‪ :‬ذلك في كلمها أكثُر وأظهر من أن ُيحصى عدد ُ ما جاء عنهم في‬
‫ذلك من الشواهد ‪ .‬فمن ذلك قول الشاعر ‪:‬‬
‫سألِتي‪َ ...‬ول أ ُ‬
‫دا َ‬
‫فُر )‪(1‬‬
‫س َ‬
‫مّني هَ َ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ن كمن أوَْدى به ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ك الله َ‬
‫حرِ َ‬
‫كون َ ْ‬
‫يعنى به ‪ :‬وّفقك الله لقضاء حاجتي‪ .‬ومنه قول الخر ‪:‬‬
‫جل َّني هد ََاك الملي ُ‬
‫ن لك ّ‬
‫قال )‪(2‬‬
‫م َ‬
‫ك‪ ...‬فإ ّ‬
‫مقام ٍ َ‬
‫ل َ‬
‫ول ت ُعْ ِ‬
‫فمعلوم أنه إنما أراد ‪ :‬وفقك الله لصابة الحق في أمري‪.‬‬
‫م ال ّ‬
‫ن ( في غير آيه من‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫قو ْ َ‬
‫ومنه قول الله جل ثناؤه ‪َ ) :‬والل ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫ب عليهم من‬
‫تنزيله‪ .‬وقد ُ‬
‫ن للظالمين الواج َ‬
‫ن أنه ل ُيبي ّ ُ‬
‫علم بذلك ‪ ،‬أنه لم ي َعْ ِ‬
‫م بالبيان جميع المكّلفين‬
‫ع‬
‫وقد‬
‫‪،‬‬
‫معناه‬
‫ذلك‬
‫ن‬
‫يكو‬
‫أن‬
‫ز‬
‫يجو‬
‫وكيف‬
‫فرائضه‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫عنى ج ّ‬
‫ح للحق واليمان‬
‫من خلقه ؟ ولكنه َ‬
‫ل وعّز أنه ل ُيوّفقهم ‪ ،‬ول يشَر ُ‬
‫صدوَرهم‪.‬‬
‫ة‪.‬‬
‫دنا( ‪ :‬زْدنا هداي ٍ‬
‫وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله ‪) :‬اه ِ‬
‫ُ‬
‫وليس يخُلو هذا القو ُ‬
‫ن النبي‬
‫ن قائله أ ّ‬
‫ل من أحد أمرين ‪ :‬إما أن يكون ظ ّ‬
‫ُ‬
‫مر بمسألة الزيادة في البيان ‪ ،‬أو الزيادةَ في المعونة‬
‫صلى الله عليه وسلم أ ِ‬
‫والتوفيق ‪.‬‬
‫ُ‬
‫مر بمسألة َرّبه الزيادة في البيان ‪ ،‬فذلك ما ل وجه له ؛‬
‫فإن كان ظن أنه أ ِ‬
‫ّ‬
‫لن الله ج ّ‬
‫ة‬
‫ضا من فرائضه ‪ ،‬إل بعد تبيينه له وإقام ِ‬
‫دا فر ً‬
‫ل ثناؤه ل يكلف عب ً‬
‫مر أن‬
‫ن قد أ ِ‬
‫ن ‪ ،‬لكا َ‬
‫معنى ذلك معنى مسألِته البيا َ‬
‫الحجة عليه به‪ .‬ولو كان َ‬
‫ف )‪ ، (3‬لنه ل‬
‫يدعو رّبه أن يبين له ما َفرض عليه ‪ ،‬وذلك من الدعاء َ‬
‫خل ٌ‬
‫ضا إل مبي ًّنا‬
‫يفرض فر ً‬
‫__________‬

‫)‪ (1‬لم أعرف نسبة البيت ‪ ،‬وأخشى أن يكون من أبيات ودقة السدي يقولها‬
‫لمعن بن زائدة ‪ .‬أمالي المرتضى ‪. 160 : 1‬‬
‫)‪ (2‬نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر ‪ ، 253 :‬وقال ‪ " :‬أول من قال ذلك‬
‫طرفة بن العبد ‪ ،‬في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند " ‪ ،‬وليس في ديوانه ‪،‬‬
‫وانظر أمثال الميداني ‪. 125 : 2‬‬
‫)‪ (3‬أي رديء من القول ‪ .‬انظر ما سلف ص ‪ 165‬رقم ‪. 1 :‬‬
‫) ‪(1/167‬‬
‫ض التي لم‬
‫ضه عليه‪ .‬أو يكون أ ِ‬
‫لمن فر َ‬
‫مر أن يدعوَ رّبه أن يفرض عليه الفرائ َ‬
‫ضها‪.‬‬
‫يفر ْ‬
‫ضح عن أن معنى ‪ ) :‬اهْدَِنا‬
‫وفي فساد َوجه مسألة العبد رّبه ذلك ‪ ،‬ما يو ّ‬
‫صَرا َ‬
‫ضك وحدوَدك‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ( ‪ ،‬غير معنى ‪ :‬بّين لنا فرائ َ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫مر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق‪ .‬فإن كان ذلك‬
‫ن أنه أ ِ‬
‫أو يكون ظ ّ‬
‫ة للزيادة في‬
‫كذلك ‪ ،‬فلن تخلوَ مسألُته تلك الزيادة َ من أن تكون مسأل ً‬
‫دث‪.‬‬
‫المعونة على ما قد مضى من عمله ‪ ،‬أو على ما يح ُ‬
‫ضى من عمله )‪ ، (1‬ما‬
‫وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تق ّ‬
‫ن معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألُته الزيادة َ لما يحدث من‬
‫مأ ّ‬
‫ُيعل ِ ُ‬
‫ن ذلك كذلك ‪ ،‬صاَر المر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك ‪ :‬من أنه‬
‫عمله‪ .‬وإذ ْ كا َ‬
‫مره‪.‬‬
‫مسألة العبد رّبه التوفيقَ لداء ما ك ُّلف من فرائضه ‪ ،‬فيما َيستقبل من عُ ُ‬
‫ن كل مأمور بأمرٍ أو‬
‫در الزاعمين أ ّ‬
‫وفي صحة ذلك ‪ ،‬فساد ُ قول أهل الق َ‬
‫ضا ‪ ،‬فقد أعطي من المعونة عليه ‪ ،‬ما قد ارتفعت معه في ذلك‬
‫مكّلف فر ً‬
‫الفرض حاجُته إلى رّبه )‪ . (2‬لنه لو كان المُر على ما قالوا في ذلك ‪ ،‬لبط َ َ‬
‫ل‬
‫صَرا َ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫معنى قول الله جل ثناؤه ‪ ) :‬إ ِّيا َ‬
‫ط‬
‫ك نَ ْ‬
‫ن اهْدَِنا ال ّ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫م (‪ .‬وفي صحة معنى ذلك ‪ ،‬على ما بّينا ‪ ،‬فساد ُ قولهم‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫صَرا َ‬
‫سِلكنا‬
‫ست َ ِ‬
‫ضهم أ ّ‬
‫وقد زعم بع ُ‬
‫م(‪:‬أ ْ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ن معنى قوله ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫دمنا له وامض بنا إليه ‪ ،‬كما قال ج ّ‬
‫ل ثناؤه ‪:‬‬
‫طريق الجنة في المعاد ‪ ،‬أيْ ق ّ‬
‫حيم ِ ( ]سورة الصافات ‪ ، [23 :‬أي أدخلوهم النار ‪،‬‬
‫ج ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫م إ َِلى ِ‬
‫ط ال ْ َ‬
‫) َفاهْ ُ‬
‫دوهُ ْ‬
‫دى الهدّية‬
‫دى المرأة إلى زوجها ‪ُ ،‬يعني بذلك أنها ُتد َ‬
‫خل إليه ‪ ،‬وكما ُته َ‬
‫كما ت ُهْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ‪ ،‬نظير قول طرفة بن العبد ‪:‬‬
‫إلى الرجل ‪ ،‬وكما َته ِ‬
‫دي الساقَ القد ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ارتفع المر ‪ :‬زال وذهب ‪ ،‬كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع ‪ .‬ومنه ‪:‬‬
‫ارتفع الخلف بينهما ‪.‬‬
‫)‪ (2‬انظر ص ‪ 162 :‬التعليق رقم ‪. 2‬‬
‫) ‪(1/168‬‬
‫سُيو ُ‬
‫ه )‪(1‬‬
‫لب ِ‬
‫ت ب َعْ ِ‬
‫ه‪ ...‬و َ‬
‫دي ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ق ِره ُ‬
‫َلعب ْ‬
‫جَرى في َروْن َ ٍ‬
‫ق ٌ‬
‫ه )‪(2‬‬
‫فَتى عَ ْ‬
‫ِلل َ‬
‫حي ْ ُ‬
‫ث ت َهْ ِ‬
‫ش بِ ِ‬
‫ه‪َ ...‬‬
‫دي َ‬
‫م ْ‬
‫ساَقه قَد َ ُ‬
‫ل ي َِعي ُ‬
‫أي ت َرِد ُ به الموارد‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ( ما ينبئ عن خطأ هذا‬
‫وفي قول الله جل ثناؤه) إ ِّياك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّياك ن َ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫ن جميع‬
‫سرين على تخطئته‪ .‬وذلك أ ّ‬
‫التأويل ‪ ،‬مع شهادة الحجة من المف ّ‬

‫ن معنى " الصراط " في‬
‫المفسرين من الصحابة والتابعين مج ِ‬
‫مُعون على أ ّ‬
‫هذا الموضع ‪ ،‬غيُر المعنى الذي تأوله قائل هذا القول ‪ ،‬وأن قوله ‪ " :‬إياك‬
‫دنا " إنما‬
‫ة العبدِ رّبه المعون َ‬
‫ن " مسأل ُ‬
‫ة على عبادته‪ .‬فكذلك قوله " اهْ ِ‬
‫نستعي ُ‬
‫مره‪.‬‬
‫ع‬
‫من‬
‫بقي‬
‫فيما‬
‫الهدى‬
‫على‬
‫ت‬
‫الثبا‬
‫ة‬
‫مسأل‬
‫هو‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ ُ‬
‫هديُته للطريق ‪ ،‬وهديُته إلى الطريق ‪،‬‬
‫ت فلًنا الطريقَ ‪ ،‬و َ‬
‫والعر ُ‬
‫ب تقول ‪ :‬هدي ُ‬
‫ددته له‪ .‬وبكل ذلك جاء القرآن ‪ ،‬قال الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه ‪:‬‬
‫إذا أرشدَته إليه وس ّ‬
‫داَنا ل ِهَ َ‬
‫ذا ( ]سورة العراف ‪ ، [43 :‬وقال في‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ ال ّ ِ‬
‫ذي هَ َ‬
‫) وََقاُلوا ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫قيم ٍ ( ]سورة النحل ‪، [121 :‬‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫داه ُ إ َِلى ِ‬
‫جت ََباه ُ وَهَ َ‬
‫موضع آخر ‪ ) :‬ا ْ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م (‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫وقال ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫وكل ذلك فاش في منطقها ‪ ،‬موجود ٌ في كلمها ‪ ،‬من ذلك قول الشاعر ‪:‬‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ل )‪(3‬‬
‫ح ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ب الِعباد ‪ ،‬إليهِ الوَ ْ‬
‫ه ‪َ ... ،‬ر ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ذ َن ًْبا ل َ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ه والعَ َ‬
‫ج ُ‬
‫صي َ ُ‬
‫ت ُ‬
‫س ُ‬
‫فُر الل َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوان الستة الجاهليين ‪ ، 237 ، 234 :‬والبيت الول في فاتحة الشعر ‪،‬‬
‫والخير خاتمته ‪ .‬والضمير في قوله ‪ " :‬لعبت " للربع ‪ ،‬في أبيات سلفت ‪.‬‬
‫ورونق السيف والشباب والنبات ‪ :‬صفاؤه وحسنه وماؤه ‪ .‬ويروى ‪ " :‬في ريق‬
‫" ‪ .‬وريق الشباب ‪ :‬أوله والتماعه ونضرته ‪ .‬وعنى نباًتا نضيًرا كأنه يقول ‪ :‬في‬
‫ذي رنق ‪ ،‬أو في ذي ريق ‪ .‬والرهم ‪ -‬بكسر الراء ‪ -‬جمع رهمة ‪ :‬وهي المطرة‬
‫الضعيفة المتتابعة ‪ ،‬وهي مكرمة للنبات ‪ .‬يقول ‪ :‬أعشبت الرض ‪ ،‬وجرى ماء‬
‫السماء في النبت يترقرق ‪ .‬والضمير في " رهمه " عائد على الغيث ‪ ،‬غائب‬
‫كمذكور ‪.‬‬
‫)‪ (2‬يقول ‪ :‬حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده ‪.‬‬
‫)‪ (3‬يأتي في تفسير آية سورة آل عمران ‪ ، 121 :‬وآية سورة القصص ‪:‬‬
‫‪ . 88‬وسيبويه ‪ ، 17 : 1‬والخزانة ‪ ، 486 : 1‬وهو من أبيات سيبويه الخمسين‬
‫التي ل يعرف قائلها ‪ .‬قال الشنتمري ‪ " :‬أراد من ذنب ‪ ،‬فحذف الجار وأوصل‬
‫الفعل فنصب " والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع ‪ .‬فلذلك قال ‪ " :‬لست‬
‫محصيه " ‪ .‬والوجه ‪ :‬القصد والمراد ‪ ،‬وهو بمعنى التوجه " ‪.‬‬
‫) ‪(1/169‬‬
‫فْر ل ِذ َن ْب ِ َ‬
‫ك ( ]سورة‬
‫ست َغْ ِ‬
‫يريد ‪ :‬أستغفر الله لذْنب ‪ ،‬كما قال جل ثناؤه ‪َ ) :‬وا ْ‬
‫غافر ‪. [55 :‬‬
‫ومنه قول نابغة بني ذ ُْبيان ‪:‬‬
‫َ‬
‫ه‪ ...‬قَب ْ َ‬
‫مدِ ّ‬
‫ل الوََنى َوال ْ‬
‫حا )‪(1‬‬
‫ضرِ ِ‬
‫فَي َ ِ‬
‫ب الن َّبا َ‬
‫شعَ َ‬
‫ح ْ‬
‫ل بِ ُ‬
‫صيد َُنا العَي َْر ال ُ‬
‫يريد ‪ :‬فيصيد ُ لنا‪ .‬وذلك كثير في أشعارهم وكلمهم ‪ ،‬وفيما ذكرنا منه كفاية‪.‬‬
‫***‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م{‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬ال ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬أجمعت المة من أهل التأويل جميًعا على أن " الصراط‬
‫المستقيم " ‪ ،‬هو الطريق الواضح الذي ل اعوجاج فيه‪ .‬وكذلك ذلك في لغة‬
‫خ َ‬
‫طفي ‪:‬‬
‫جميع العرب ‪ ،‬فمن ذلك قول جرير بن عطية ال َ‬
‫سَتقيم ِ )‪(2‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫أميُر المؤمنين عََلى ِ‬
‫ط‪ ...‬إذا اعوَ ّ‬
‫م ْ‬
‫وارِد ُ ُ‬
‫ج ال َ‬
‫م َ‬
‫يريد على طريق الحق‪ .‬ومنه قول الُهذلي أبي ذ ُؤَْيب ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ط )‪(3‬‬
‫م بال َ‬
‫صَرا ِ‬
‫حّتى‪ ...‬ترك َْناها أد َقّ ِ‬
‫ل َ‬
‫حَنا أْر َ‬
‫صب َ ْ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫__________‬

‫)‪ (1‬البيت ليس في ديوانه ‪ .‬ومن القصيدة أبيات فيه ‪) ، 23 :‬مطبوعة محمد‬
‫سا ‪ .‬والعير ‪ :‬حمار الوحش ‪.‬‬
‫جمال( ‪ ،‬والمجتنى لبن دريد ‪ ، 23 :‬يصف فر ً‬
‫والحضر ‪ :‬العدو الشديد ‪ ،‬وحمار الوحش شديد العدو ‪ .‬والونى ‪ :‬التعب‬
‫والفترة في العدو أو العمل ‪ .‬والشعب ‪ :‬الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا‬
‫حا ‪ ،‬فهو نباح ‪ ،‬إذا كثر‬
‫بينونة شديدة ‪ .‬ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نبا ً‬
‫صياحه ‪ ،‬من المرح والنشاط ‪ .‬والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب ‪ ،‬نبح‬
‫)الحيوان ‪ . (349 : 1‬يصف فرسه بشدة العدو ‪ ،‬يلحق العير المدل بحضره ‪،‬‬
‫والظبي المستحكم السريع ‪ ،‬فيصيدها قبل أن يناله تعب ‪.‬‬
‫)‪ (2‬ديوانه ‪ ، 507 :‬يمدح هشام بن عبد الملك ‪ .‬والموارد جمع موردة ‪ :‬وهي‬
‫الطرق إلى الماء ‪ .‬يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم ‪،‬‬
‫كما يسلكون الموارد إلى الماء ‪.‬‬
‫)‪ (3‬ليس في ديوانه ‪ ،‬ونسبه القرطبي في تفسيره ‪ 128 : 1‬لعامر بن‬
‫الطفيل ‪ ،‬وليس في ديوانه ‪ ،‬فإن يكن هذليا ‪ ،‬فلعله من شعر المتنخل ‪ ،‬وله‬
‫قصيدة في ديوان الهذليين ‪ ، 28 - 18 : 2‬على هذه القافية ‪ .‬ولعمرو بن معد‬
‫يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر ‪. 191 : 3‬‬
‫) ‪(1/170‬‬
‫ومنه قول الراجز ‪:‬‬
‫قاصد ِ )‪* (1‬‬
‫ط ال َ‬
‫صرا ِ‬
‫ن ن َهِْج ال ّ‬
‫* فَ ُ‬
‫صد ّ ع َ ْ‬
‫والشواهد على ذلك أكثُر من أن ُتحصى ‪ ،‬وفيما ذكرنا غًنى عما تركنا‪.‬‬
‫صف‬
‫ل وعمل وُ ِ‬
‫ثم تستعيُر العرب " الصراط " فتستعمله في كل قو ٍ‬
‫ج باعوجاجه‪.‬‬
‫باستقامة أو اعوجاج ‪ ،‬فتص ُ‬
‫م باستقامته ‪ ،‬والمعو ّ‬
‫ف المستقي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م(‪،‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫والذي هو أولى بتأويل هذه الية عندي ‪ ،‬أعني ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫ت عليه‬
‫ن أنعم َ‬
‫ت له َ‬
‫أن يكونا معنّيا به ‪ :‬وَّفقنا للثبات على ما ارتضيَته ووَّفق َ‬
‫م ْ‬
‫صراط المستقيم‪ .‬لن من وُّفق لما‬
‫ل ‪ ،‬وذلك هو ال ّ‬
‫ل وعم ٍ‬
‫من عباِدك ‪ ،‬من قو ٍ‬
‫وفق له من أنعم الله عليه من النبّيين والصديقين والشهداء ‪ ،‬فقد وُّفق‬
‫ل بما أمر الله به ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬والتمس ِ‬
‫ك بالكتاب ‪ ،‬والعم ِ‬
‫ق الرس ِ‬
‫للسلم ‪ ،‬وتصدي ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ومنهاج‬
‫والنزجار ع ّ‬
‫ما َزجره عنه ‪ ،‬واّتباع منهج النب ّ‬
‫ّ‬
‫أبي بكر وعمر وعثمان وعلي‪ .‬وكل عبد ٍ لله صالٍح ‪ ،‬وكل ذلك من الصراط‬
‫المستقيم‪.‬‬
‫ي بالصراط المستقيم )‪ . (2‬يشمل‬
‫ت تراجم ُ‬
‫وقد اختلف ْ‬
‫ة القرآن في المعن ّ‬
‫معاني جميعهم في ذلك ‪ ،‬ما اخترنا من التأويل فيه‪.‬‬
‫ومما قالته في ذلك ‪ ،‬ما ُروي عن علي بن أبي طالب ‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬أنه قال ‪ ،‬وذكر القرآن ‪ ،‬فقال ‪ :‬هو الصراط المستقيم‪.‬‬
‫‪ - 174‬حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حسين‬
‫جْعفي ‪ ،‬عن حمزة الزيات ‪ ،‬عن أبي المختار الطائي ‪ ،‬عن ابن أخي الحارث‬
‫ال ُ‬
‫ي ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم )‪. (3‬‬
‫‪ ،‬عن الحارث ‪ ،‬عن عل ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬رواه القرطبي في تفسيره ‪ " 128 : 1‬الصراط الواضح " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬تراجمة القرآن ‪ :‬جمع ترجمان ‪ :‬وأراد المفسرين ‪ ،‬وانظر ما مضى ‪70 :‬‬
‫تعليق ‪1 :‬‬
‫دا ‪ .‬موسى بن عبد الرحمن‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 174‬إسناده ضعيف ج ً‬

‫المسروقي ‪ :‬ثقة ‪ ،‬روى عنه الترمذي ‪ ،‬والنسائي ‪ ،‬وابن خزيمة ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫مات سنة ‪ ، 258‬مترجم في التهذيب ‪ .‬حسين الجعفي ‪ :‬هو حسين بن علي‬
‫بن الوليد ‪ ،‬ثقة معروف ‪ ،‬روى عنه أحمد ‪ ،‬وابن معين ‪ ،‬وغيرهم ‪ ،‬بل روى‬
‫عنه ابن عيينة وهو أكبر منه ‪ .‬وأخرج له أصحاب الكتب الستة ‪ .‬حمزة الزيات‬
‫‪ :‬هو حمزة بن حبيب ‪ ،‬القارئ المعروف ‪ .‬وتكلم في رواية بعضهم ‪ ،‬والحق‬
‫أنه ثقة ‪ ،‬وأخرج له مسلم في صحيحه ‪ .‬أبو المختار الطائي ‪ :‬قيل اسمه ‪:‬‬
‫سعد ‪ ،‬وهو مجهول ‪ ،‬جهله المديني وأبو زرعة ‪ .‬ابن أخي الحارث العور ‪:‬‬
‫أشد جهالة من ذلك ‪ ،‬لم يسم هو ول أبوه ‪ .‬عمه الحارث ‪ :‬هو ابن عبد الله‬
‫العور الهمداني ‪ ،‬وهو ضعيف جدا ‪ .‬وقد اختلف فيه العلماء اختلفا كثيرا ‪،‬‬
‫حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه " كان كذاًبا " ‪ ،‬وقد رجحت في شرح الحديث‬
‫‪ 565‬وغيره من المسند أنه ضعيف جدا ‪.‬‬
‫وأما متن الحديث ‪ :‬فقد رواه ‪ -‬بمعناه ‪ -‬ابن أبي حاتم ‪ ،‬عن الحسن بن عرفة‬
‫عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات ‪ ،‬بهذا السناد ‪ ،‬فيما نقل ابن كثير ‪: 1‬‬
‫‪ 50‬ووقع فيه تحريف السناد هناك ‪ .‬وهو جزء من حديث طويل ‪ ،‬في فضل‬
‫القرآن ‪ -‬رواه الترمذي )‪ 52 - 51 : 4‬من تحفة الحوذي( ‪ ،‬عن عبد بن حميد‬
‫عن حسين الجعفي ‪ ،‬بهذا السناد ‪ .‬وقال الترمذي ‪ " :‬هذا حديث غريب ‪ ،‬ل‬
‫نعرفه إل من حديث حمزة الزيات ‪ ،‬وإسناده مجهول ‪ ،‬وفي حديث الحارث‬
‫مقال " ‪ .‬كذلك رواه الدارمي في سننه ‪ 435 : 2‬عن محمد بن يزيد الرفاعي‬
‫ضا لبن أبي شيبة‬
‫عن حسين الجعفي ‪ .‬ونقله السيوطي ‪ 15 : 1‬ونسبه أي ً‬
‫وابن النباري في المصاحف والبيهقي في شعب اليمان ‪ .‬وأشار إليه الذهبي‬
‫في الميزان ‪ 380 : 3‬في ترجمة أبي المختار الطائي ‪ ،‬قال ‪ " :‬حديثه في‬
‫فضائل القرآن منكر " ‪ .‬ونقله ابن كثير في الفضائل ‪ 15 - 14 :‬عن‬
‫الترمذي ‪ ،‬ونقل تضعيفه إياه ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب‬
‫الزيات ‪ ،‬بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن‬
‫الحارث العور ‪ .‬فبرئ حمزة من عهدته ‪ ،‬على أنه وإن كان ضعيف الحديث ‪،‬‬
‫فإنه إمام في القراءة ‪ .‬والحديث مشهور من رواية الحارث العور ‪ ،‬وقد‬
‫تكلموا فيه ‪ ،‬بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ‪ ،‬أما أنه تعمد الكذب‬
‫في الحديث ‪ -‬فل ‪ .‬وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلم أمير المؤمنين‬
‫علي رضي الله عنه ‪ ،‬وقد وهم بعضهم في رفعه ‪ ،‬وهو كلم حسن صحيح " ‪.‬‬
‫وسيأتي ‪ 176 ، 175‬بإسنادين آخرين ‪ ،‬موقوًفا ‪ ،‬من كلم علي رضي الله‬
‫عنه ‪.‬‬
‫ورواية ابن إسحاق ‪ -‬التي أشار إليها ابن كثير ‪ -‬هي حديث أحمد في المسند ‪:‬‬
‫‪ . 565‬عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق ‪ .‬وقد ضعفنا‬
‫إسناده هناك ‪ ،‬بالحارث العور ‪ ،‬وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن‬
‫كعب ‪ .‬وليس فيه الحرف الذي هنا ‪ ،‬في تفسير " الصراط المستقيم " ‪.‬‬
‫) ‪(1/171‬‬
‫سلمة ‪،‬‬
‫‪ - 175‬و ُ‬
‫ت عن إسماعيل بن أبي كريمة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن َ‬
‫حد ّث ْ ُ‬
‫ختريّ ‪ ،‬عن الحارث ‪ ،‬عن‬
‫مّرة ‪ ،‬عن أبي الب َ ْ‬
‫عن أبي ِ‬
‫سنان ‪ ،‬عن عمرو بن ُ‬
‫ي ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬مثله )‪. (1‬‬
‫عل ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 175‬هو الحديث السابق بإسناد آخر ‪ .‬وهذا السناد جيد إلى‬

‫الحارث العور ‪ ،‬ثم يضعف به الحديث جدا ‪ ،‬كما قلنا من قبل ‪.‬‬
‫ومحمد بن سلمة ‪ :‬هو الباهلي الحراني ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬روى عنه أحمد بن حنبل‬
‫وغيره ‪ ،‬وأخرج له مسلم في صحيحه ‪ ،‬مات سنة ‪ . 191‬وشيخه أبو سنان ‪:‬‬
‫وهو سعيد بن سنان الشيباني ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬ومن تكلم فيه إنما يكون من جهة‬
‫خطئه بعض الخطأ ‪ ،‬وقال أبو داود ‪ " :‬ثقة من رفعاء الناس " ‪ ،‬وأخرج له‬
‫مسلم في الصحيح ‪ .‬وعمرو بن مرة ‪ :‬هو المرادي الجملي ‪ ،‬ثقة مأمون بل‬
‫خلف ‪ ،‬قال مسعر ‪ " :‬عمرو من معادن الصدق " ‪ .‬وأبو البختري ‪ -‬بفتح الباء‬
‫الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة ‪ :‬هو سعيد بن فيروز الطائي‬
‫الكوفي ‪ ،‬تابعي ثقة معروف ‪.‬‬
‫) ‪(1/172‬‬
‫‪ - 176‬وحدثنا أحمد بن إسحاق الهوازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أحمد الّزبيري ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬حدثنا حمزة الزيات ‪ ،‬عن أبي المختار الطائي ‪ ،‬عن أبن أخي الحارث‬
‫صرا ُ‬
‫ط المستقيم ‪ :‬كتاب الله‬
‫ي ‪ ،‬قال ‪ " :‬ال ّ‬
‫العور ‪ ،‬عن الحارث ‪ ،‬عن عل ّ‬
‫تعالى ذكره )‪. " (1‬‬
‫‪ - 177‬حدثنا أحمد بن إسحاق الهوازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أحمد الزبيري ‪ ،‬قال‬
‫مْهران ‪ ،‬عن‬
‫حميد الرازي ‪ ،‬قال‪ .‬حدثنا ِ‬
‫‪ :‬حدثنا سفيان ‪ -‬ح ‪ -‬وحدثنا محمد بن ُ‬
‫صرا ُ‬
‫ط‬
‫سفيان ‪ ،‬عن منصور عن أبي وائل ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد الله ‪ " :‬ال ّ‬
‫ب الله )‪. " (2‬‬
‫المستقيم " كتا ُ‬
‫َ‬
‫حميد بن عبد‬
‫‪ - 178‬حدثني محمود بن ِ‬
‫ش الطالقاني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ُ‬
‫خ َ‬
‫دا ِ‬
‫سي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا علي والحسن ابنا صالح ‪ ،‬جميًعا ‪ ،‬عن عبد‬
‫الرحمن الّرؤا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م(‬
‫ست َ ِ‬
‫الله بن محمد بن عَ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫قيل ‪ ،‬عن جابر بن عبد الله ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫قال ‪ :‬السلم ‪ ،‬قال ‪ :‬هو أوسع مما بين السماء والرض )‪. (3‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 176‬هو الحديث السابق بالسنادين قبله ‪ ،‬بمعناه ‪ .‬ولكنه هنا‬
‫موقوف على ابن أبي طالب ‪ .‬والسناد إليه منهار انهيار السناد ‪ ، 174‬من‬
‫أجل الحارث العور وابن أخيه ‪ .‬أما من دونهما ‪ ،‬فأبو المختار الطائي وحمزة‬
‫مضيا في ‪ ، 174‬وأبو أحمد الزبيري وأحمد بن إسحاق مضيا في ‪. 159‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 177‬هذا موقوف من كلم عبد الله بن مسعود ‪ .‬وقد رواه‬
‫الطبري بإسنادين إلى سفيان ‪ ،‬وهو الثوري ‪ .‬أما أولهما ‪ :‬أحمد بن إسحاق‬
‫عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري ‪ -‬فإسناده صحيح ‪ ،‬ل كلم فيه ‪.‬‬
‫وأما ثانيهما ‪ :‬محمد بن حميد الرازي عن مهران ‪ ،‬وهو ابن أبي عمر العطار ‪-‬‬
‫فقد بينا في السناد ‪ 11‬أن في رواية مهران عن الثوري اضطراًبا ‪ ،‬ولكنه هنا‬
‫تابعه عن روايته حافظ ثقة ‪ ،‬هو أبو أحمد الزبيري ‪ .‬وقد رواه الثوري عن‬
‫منصور ‪ ،‬وهو ابن المعتمر الكوفي ‪ ،‬وهو ثقة ثبت حجة ‪ ،‬ل يختلف فيه أحد ‪.‬‬
‫وأبو وائل ‪ :‬هو شقيق بن سلمة السدي ‪ ،‬من كبار التابعين الثقات ‪ ،‬قال ابن‬
‫معين ‪ " :‬ثقة ل يسأل عن مثله " ‪.‬‬
‫وهذا الخبر ‪ ،‬رواه الحاكم في المستدرك ‪ 258 : 2‬من طريق عمر بن سعد‬
‫أبي داود الحضري عن الثوري ‪ ،‬بهذا السناد ‪ .‬وقال ‪ " :‬هذا حديث صحيح‬
‫على شرط الشيخين ولم يخرجاه " ‪ ،‬ووافقه الذهبي ‪ .‬وذكره السيوطي ‪: 1‬‬
‫‪ ، 15‬والشوكاني ‪. 13 : 1‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 178‬وهذا موقوف على جابر بن عبد الله ‪ .‬وإسناده صحيح ‪:‬‬

‫محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين‬
‫معجمة ‪ -‬الطالقاني ‪ :‬ثقة من أهل الصدق ‪ ،‬مات يوم الربعاء ‪ 14‬شعبان‬
‫سنة ‪ ، 250‬كما في التاريخ الصغير للبخاري ‪ . 247 :‬وحميد بن عبد الرحمن‬
‫الرؤاسي ‪ :‬ثقة ثبت عاقل ‪ ،‬روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ ‪ .‬والحسن‬
‫وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي ‪ :‬ثقتان ‪ ،‬وهما أخوان توأم ‪ .‬ومن تكلم في‬
‫الحسن تكلم بغير حجة ‪ ،‬وقد وثقناه في المسند ‪ . 2403 :‬وأخاه فيه ‪:‬‬
‫‪ . 220‬وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ‪ ،‬وأمه زينب الصغرى بنت‬
‫علي بن أبي طالب ‪ :‬تابعي ثقة ‪ ،‬ول حجة لمن تكلم فيه ‪.‬‬
‫والخبر رواه الحاكم في المستدرك ‪ ، 259 - 258 : 2‬من طريق أبي نعيم‬
‫عن الحسن بن صالح ‪ -‬وحده ‪ -‬بهذا السناد ‪ .‬وقال ‪ " :‬هذا حديث صحيح‬
‫السناد ولم يخرجاه " ‪ .‬ووافقه الذهبي ‪ .‬وذكره ابن كثير ‪، 50 : 1‬‬
‫والسيوطي ‪ ، 15 : 1‬والشوكاني ‪13 : 1‬‬
‫) ‪(1/173‬‬
‫‪ - 179‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫حاك ‪ ،‬عن عبد الله بن عباس ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َروق ‪ ،‬عن الض ّ‬
‫عُ َ‬
‫قال جبريل لمحمد ‪ :‬قل يا محمد ‪:‬‬
‫) ‪(1/174‬‬
‫صَرا َ‬
‫م ( يقول ‪ :‬ألهمنا الطريقَ الهادي ‪ ،‬وهو دين الله‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫) اهْدَِنا ال ّ‬
‫الذي ل عوج له )‪. (1‬‬
‫‪ - 180‬حدثنا موسى بن سهل الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا يحيى بن عوف ‪ ،‬عن‬
‫مْهران ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬في قوله ‪:‬‬
‫ال ُ‬
‫فَرات بن السائب ‪ ،‬عن ميمون بن ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ( قال ‪ :‬ذلك السلم )‪. (2‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫صَراط ال ُ‬
‫) اهْدَِنا ال ّ‬
‫كلبي ‪ ،‬عن‬
‫‪ - 181‬حدثني محمود بن ِ‬
‫داش ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن ربيعة ال ِ‬
‫خ َ‬
‫عمر البّزار ‪ ،‬عن ابن الحنفية ‪ ،‬في قوله ‪ ) :‬اهْدَِنا‬
‫إسماعيل الزرق ‪ ،‬عن أبي ُ‬
‫صَرا َ‬
‫م ( قال ‪ :‬هو دين الله الذي ل يقبل من الِعباد غيَره )‪. (3‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫عمرو بن طلحة‬
‫دثنا َ‬
‫‪ - 182‬حدثني موسى بن هارون الهمداني ‪ ،‬قال ‪ :‬ح ّ‬
‫دي ‪ -‬في خبر ذكره ‪ -‬عن أبي مالك ‪،‬‬
‫القّناد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أسباط ‪ ،‬عن الس ّ‬
‫مّرة الهمداني ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪-‬‬
‫وعن أبي صالح ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ -‬وعن ُ‬
‫صَرا َ‬
‫ط‬
‫وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫م ( قال ‪ :‬هو السلم )‪(4‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫‪ - 183‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫جريج ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن عباس في قوله ‪ ) :‬اهْدَِنا‬
‫حدثني حجاج ‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫صَرا َ‬
‫م ( قال ‪ :‬الطريق )‪. (5‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ملي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا هاشم بن‬
‫‪ - 184‬حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف ال ُ‬
‫القاسم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا حمزة بن المغيرة ‪ ،‬عن عاصم ‪ ،‬عن أبي العالية ‪ ،‬في‬
‫صَرا َ‬
‫م ( ‪ ،‬قال ‪ :‬هو رسول الله صلى الله عليه‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫قوله ‪ ) :‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫ت ذلك للحسن ‪،‬‬
‫وسلم ‪ ،‬وصاحباه من بع ِ‬
‫ده أبو بكر وعمر‪ .‬قال ‪ :‬فذكر ُ‬
‫دق أبو العالية ونصح )‪(6‬‬
‫فقال ‪ :‬ص َ‬

‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 179‬إسناده ضعيف ‪ ،‬سبق بيان ضعفه ‪ . 137 :‬وهذا اللفظ‬
‫نقله ابن كثير ‪ 50 : 1‬دون إسناد ول نسبة ‪ .‬ونقله السيوطي ‪ 14 : 1‬مختصًرا‬
‫‪ ،‬ونسبه للطبري فقط ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 180‬إسناده ضعيف جدا ‪ ،‬على ما فيه من جهلنا بحال بعض‬
‫رجاله ‪ :‬فموسى بن سهل الرازي ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬لم نجزم بأي الرجال هو ؟‬
‫ولعله " موسى بن سهل بن قادم ‪ ،‬ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي ‪،‬‬
‫نسائي الصل " ‪ .‬فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب ‪ ، 347 : 10‬ولكنه‬
‫لم ينسب " رازيا " ‪ .‬وكتب في المخطوطة ‪ " :‬سهل بن موسى " ! ولم نجد‬
‫ضا ‪ ،‬ونرجح أنه خطأ من الناسخ ‪ . .‬ويحيى بن عوف ‪ :‬لم نجد‬
‫هذه الترجمة أي ً‬
‫ترجمة بهذا السم قط فيما لدينا من مراجع ‪ .‬واما علة السناد ‪ ،‬فهو "‬
‫الفرات بن السائب الجزري " ‪ ،‬وهو ضعيف جدا ‪ ،‬قال البخاري في الكبير ‪/ 4‬‬
‫‪ " : 130 / 1‬تركوه ‪ ،‬منكر الحديث " ‪ ،‬وكذلك قال الئمة فيه ‪ ،‬وقال ابن‬
‫حبان في المجروحين )في الورقة ‪ : (187‬كان ممن يروي الموضوعات عن‬
‫الثبات ‪ ،‬ويأتي بالمعضلت عن الثقات ‪ ،‬ل يجوز الحتجاج به ‪ ،‬ول الرواية عنه‬
‫‪ ،‬ول كتبة الحديث إل على سبيل الختبار " ‪ .‬وأما ميمون بن مهران فتابعي‬
‫ثقة معروف ‪ ،‬فقيه حجة ‪.‬‬
‫وهذا الخبر نقله ابن كثير ‪ 50 : 1‬مجهل بلفظ " وقيل ‪ :‬هو السلم " ‪ .‬ونقله‬
‫السيوطي ‪ 15 : 1‬منسوبا لبن جريج فقط ‪ ،‬على خطأ مطبعي فيه " ابن‬
‫جريج " !‬
‫)‪ (3‬الثر ‪ - 181‬ابن الحنفية ‪ :‬هو محمد بن علي بن أبي طالب ‪ ،‬والحنفية‬
‫أمه ‪ ،‬وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة ‪ ،‬عرف بالنسبة إليها ‪ .‬وهذا‬
‫السناد إليه ضعيف ‪ :‬محمد بن ربيعة الكلبي الرؤاسي ‪ :‬ثقة من شيوخ أحمد‬
‫وابن معين ‪ .‬وإسماعيل الزرق ‪ :‬هو إسماعيل بن سلمان ‪ ،‬وهو ضعيف ‪ ،‬قال‬
‫ابن معين ‪ " :‬ليس حديثه بشيء " ‪ ،‬وقال ابن نمير والنسائي ‪ " :‬متروك " ‪،‬‬
‫وقال ابن حبان في كتاب المجروحين )ص ‪ 78‬رقم ‪ " : (35‬ينفرد بمناكير‬
‫يرويها عن المشاهير " ‪ .‬وأبو عمر البزار ‪ :‬هو دينار بن عمر السدي الكوفي‬
‫العمى ‪ ،‬وهو ثقة ‪ .‬والثر ذكره ابن كثير ‪ 51 : 1‬دون نسبة ول إسناد ‪.‬‬
‫)‪ (4‬الخبر ‪ - 182‬هذا من تفسير السدي ‪ ،‬وقد سبق شرح إسناده ‪ . 168‬وقد‬
‫نقله ابن كثير ‪ 50 : 1‬والسويطي ‪. 15 : 1‬‬
‫)‪ (5‬الخبر ‪ - 183‬نقله السيوطي ‪ 14 : 1‬منسوبا للطبري وابن المنذر ‪ .‬وقد‬
‫سبق أول هذا السناد ‪ ، 144 :‬وهو هنا منقطع ‪ ،‬لن ابن جريج لم يدرك ابن‬
‫عباس ‪ ،‬إنما يروي عن الرواة عنه ‪.‬‬
‫)‪ (6‬الثر ‪ - 184‬عبد الله بن كثير أبو صديف الملي ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬لم‬
‫أعرف من هو ‪ ،‬ولم أجد له ذكًرا ‪ ،‬وأخشى أن يكون فيه تحريف ‪ .‬هاشم بن‬
‫القاسم ‪ :‬هو ابو النضر ‪ -‬بالنون والصاد المعجمة ‪ -‬الحافظ الخراساني‬
‫المام ‪ ،‬شيخ الئمة ‪ :‬أحمد وابن راهويه وابن المديني وابن معين وغيرهم ‪.‬‬
‫حمزة بن المغيرة بن نشيط ‪ -‬بفتح النون وكسر الشين المعجمة ‪ -‬الكوفي‬
‫العابد ‪ :‬ثقة ‪ ،‬مترجم في التهذيب ‪ ،‬وترجمه البخاري في الكبير ‪، 44 / 1 / 2‬‬
‫وابن أبي حاتم ‪ ، 215 - 214 / 2 / 1‬وذكره ابن حبان في الثقات ‪ ، 443‬قال‬
‫‪ " :‬حمزة بن المغيرة العابد ‪ ،‬من أهل الكوفة ‪ .‬يروي عن عاصم الحول عن‬
‫أبي العالية )اهدنا الصراط المستقيم( ‪ ،‬قال ‪ :‬هو النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫وصاحباه ‪ .‬روى عنه أبو النضر هاشم بن القاسم " ‪ .‬ووقع هنا ‪ :‬في الصول "‬
‫حمزة بن أبي المغيرة " ‪ .‬وهو خطأ من الناسخين ‪.‬‬

‫عاصم ‪ :‬هو ابن سليمان الحول ‪ ،‬تابعي ثقة ثبت ‪ .‬أبو العالية ‪ :‬هو الرياحي ‪-‬‬
‫بكسر الراء وتخفيف الياء ‪ ،‬واسمه ‪ :‬رفيع ‪ -‬بالتصغير ‪ -‬ابن مهران ‪ ،‬من كبار‬
‫التابعين الثقات ‪ ،‬مجمع على توثيقه ‪.‬‬
‫ضا لبن أبي حاتم ‪ .‬والسيوطي ‪: 1‬‬
‫أي‬
‫ونسبه‬
‫وهذا الثر ذكره ابن كثير ‪51 : 1‬‬
‫ً‬
‫‪ 15‬وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن عدي وابن عساكر ‪ .‬وأبو العالية لم يقله‬
‫من قبل نفسه ‪ :‬فقد رواه الحاكم في المستدرك ‪ 259 : 2‬من طريق أبي‬
‫النضر بهذا السناد إلى " أبي العالية عن ابن عباس " ‪ .‬وقال ‪ " :‬هذا حديث‬
‫صحيح السناد ‪ ،‬ولم يخرجاه " ‪ .‬ووافقه الذهبي ‪ .‬واختصره السيوطي ونسبه‬
‫للحاكم فقط ‪.‬‬
‫) ‪(1/175‬‬
‫‪ - 185‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد‬
‫الرحمن بن زيد بن أسلم ‪ " :‬اهدنا الصراط المستقي " ‪ ،‬قال ‪ :‬السلم )‪. (1‬‬
‫‪ - 186‬حدثنا المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو صالح ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني معاوية بن صالح ‪،‬‬
‫واس بن سمعان النصاري ‪،‬‬
‫جبير ‪ ،‬ح ّ‬
‫ن عبد الرحمن بن ُ‬
‫أ ّ‬
‫دثه عن أبيه ‪ ،‬عن ن َ ّ‬
‫ً‬
‫ما‬
‫مستقي‬
‫طا‬
‫صرا‬
‫مثل‬
‫الله‬
‫ضرب‬
‫‪:‬‬
‫قال‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫صلى‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫عن‬
‫ً‬
‫م‪.‬‬
‫صراط ‪ :‬السل ُ‬
‫" ‪ .‬وال ّ‬
‫‪ - 187‬حدثنا المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا آدم العسقلني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الليث ‪ ،‬عن‬
‫واس‬
‫معاوية بن صالح ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن جبير بن ُنفير ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن ن َ ّ‬
‫بن سمعان النصاري ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬بمثله )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 185‬هذا من كلم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ‪ ،‬وقد نقله ابن‬
‫كثير ‪ 51 : 1‬دون نسبة ‪ .‬وعبد الرحمن بن زيد ‪ :‬متأخر ‪ ،‬من أتباع التابعين ‪،‬‬
‫مات سنة ‪ . 182‬وهو ضعيف جدا ‪ ،‬بينت ضعفه في حديث المسند ‪، 5723 :‬‬
‫ويكفي منه قول ابن خزيمة ‪ " :‬ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه ‪ ،‬لسوء‬
‫خفظه ‪ ،‬وهو رجل صناعته العبادة والتقشف ‪ ،‬ليس من أحلس الحديث " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 187 ، 186‬رواه الطبري عن شيخه " المثنى " بإسنادين ‪،‬‬
‫أولهما أعلى من الثاني درجة ‪ :‬بين المثنى وبين معاوية بن صالح في أولهما‬
‫شيخ واحد ‪ ،‬وفي ثانيهما شيخان ‪.‬‬
‫أما المثنى شيخ الطبري ‪ :‬فهو المثنى بن إبراهيم الملي ‪ ،‬يروي عنه الطبري‬
‫كثيرا في التفسير والتاريخ ‪ .‬وأبو صالح ‪ ،‬في السناد الول ‪ :‬هو عبد الله بن‬
‫صالح المصري ‪ ،‬كاتب الليث بن سعد ‪ ،‬صحبه عشرين سنة ‪ .‬وهو ثقة ‪ ،‬ومن‬
‫تكلم فيه ‪ ،‬في بعض حديثه عن الليث ‪ ،‬تكلم بغير حجة ‪ .‬وله ترجمة في‬
‫التهذيب جيدة ‪ ،‬وكذلك في الجرح والتعديل لبن أبي حاتم ‪، 87 - 86 / 2 / 2‬‬
‫وتذكرة الحفاظ ‪ . 353 - 351 : 1‬ولد عبد الله بن صالح سنة ‪ 137‬ومات‬
‫سنة ‪ . 222‬ووقع تاريخ مولده في التهذيب )‪ (173‬وهو خطأ مطبعي ‪ ،‬صوابه‬
‫في تذكرة الحفاظ ‪ .‬وآدم العسقلني ‪ ،‬في السناد الثاني ‪ :‬هو آدم بن أبي‬
‫إياس ‪ ،‬وهو ثقة مأمون متعبد ‪ ،‬من خيار عباد الله ‪ ،‬كما قال أبو حاتم ‪ .‬الليث‬
‫‪ :‬هو ابن سعد ‪ ،‬إمام أهل مصر ‪ .‬معاوية بن صالح ‪ ،‬في السنادين ‪ :‬هو‬
‫الحمصي ‪ ،‬أحد العلم وقاضي الندلس ‪ ،‬ثقة ‪ ،‬من تكلم فيه أخطأ ‪ .‬عبد‬
‫الرحمن بن جبير بن نفير ‪ -‬بالتصغير فيهما ‪ -‬الحضرمي الحمصي ‪ :‬تابعي‬
‫ثقة ‪ .‬وأبوه ‪ :‬من كبار التابعين ‪ ،‬أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ .‬وهو‬

‫ثقة مشهور بالعلم ‪ ،‬وقد ذكره الطبري في طبقات الفقهاء ‪ .‬النواس ‪ -‬بفتح‬
‫النون وتشديد الواو ‪ -‬بن سمعان الكلبي ‪ :‬صحابي معروف ‪.‬‬
‫وهذا الحديث مختصر من حديث طويل ‪ ،‬رواه احمد في المسند ‪) 17711 :‬ج‬
‫‪ 4‬ص ‪ 182‬حلبي( عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن‬
‫صالح ‪ ،‬به ‪ .‬ونقله ابن كثير ‪ 51 : 1‬من رواية المسند ‪ ،‬قال ‪ " :‬وهكذا رواه‬
‫ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد ‪ ،‬به ‪ .‬ورواه الترمذي‬
‫والنسائي جميعا عن علي بن حجر بن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن‬
‫معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ‪ ،‬به ‪ .‬وهو إسناد حسن‬
‫ضا للحاكم "‬
‫صحيح " ‪ .‬ونسبه السيوطي ‪ ، 15 : 1‬والشوكاني ‪ 13 : 1‬أي ً‬
‫وصححه " ‪ ،‬ولغيره ‪.‬‬
‫) ‪(1/176‬‬
‫ط ال ّذي َ‬
‫ن )‪(7‬‬
‫ِ‬
‫م وََل ال ّ‬
‫مغْ ُ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫م غَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫ضو ِ‬
‫ضاّلي َ‬
‫صَرا َ ِ َ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وإنما وصفه الله بالستقامة ‪ ،‬لنه صواب ل خطأ فيه‪ .‬وقد‬
‫ما ‪ ،‬لستقامته بأهله إلى الجنة‪ .‬وذلك‬
‫ماه مستقي ً‬
‫زعم بعض أهل الغباء ‪ ،‬أنه س ّ‬
‫تأوي ٌ‬
‫ف ‪ ،‬وكفى بإجماع جميعهم على خلفه‬
‫ل لتأويل جميع أهل التفسير خل ٌ‬
‫دليل على خطئه‪.‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م{‪.‬‬
‫صَراط ال ِ‬
‫القول في تأويل قوله ‪ِ } : :‬‬
‫ت عَلي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ط ال ّذي َ‬
‫َ‬
‫صَرا َ‬
‫ي‬
‫م ( ‪ ،‬إبان ٌ‬
‫وقوله) ِ‬
‫ت عَلي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫ة عن الصراط المستقيم ‪ ،‬أ ّ‬
‫ِ َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ما‪ .‬فقيل‬
‫الصراط هو ؟ إذ ْ كان كل طريق من طُرق الحق صراطا مستقي ً‬
‫لمحمد صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قُ ْ‬
‫ل يا محمد ‪ :‬اهدنا يا ربنا الصراط‬
‫ملئكتك‬
‫المستقيم ‪ ،‬صراط الذين أنعمت عليهم ‪ ،‬بطاعتك وعبادتك ‪ ،‬من َ‬
‫وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين‪.‬‬
‫َ‬
‫ما ُيوعَ ُ‬
‫وذلك نظير ما قال ربنا ج ّ‬
‫ه‬
‫ن بِ ِ‬
‫ظو َ‬
‫م فَعَُلوا َ‬
‫ل ثناؤه في تنزيله ‪ ) :‬وَل َوْ أن ّهُ ْ‬
‫َ‬
‫لَ َ‬
‫م وَأ َ َ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫جًرا عَ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ل َد ُّنا أ ْ‬
‫كا َ‬
‫ما وَل َهَد َي َْناهُ ْ‬
‫ظي ً‬
‫شد ّ ت َث ِْبيًتا وَإ ًِذا لت َي َْناهُ ْ‬
‫خي ًْرا ل َهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫) ‪(1/177‬‬
‫طا مستقيما ومن يطع الل ّه والرسو َ ُ‬
‫ك مع ال ّذي َ‬
‫صَرا ً‬
‫م‬
‫ِ‬
‫َ َ ّ ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن أن ْعَ َ‬
‫ل فَأول َئ ِ َ َ َ ِ َ‬
‫ُ ْ َ ِ ً َ َ ْ ُ ِِ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ن ( ]سورة النساء ‪.[69 - 66 :‬‬
‫صال ِ ِ‬
‫دي ِ‬
‫ِ‬
‫شهَ َ‬
‫ص ّ‬
‫داِء َوال ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫حي َ‬
‫قي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م َ‬
‫مُته أن يسألوا رّبهم‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬فالذي أ ِ‬
‫مر محمد ٌ صلى الله عليه وسلم وأ ّ‬
‫من الهداية للطريق المستقيم ‪ ،‬هي الهداية للطريق الذي َوصف الله ج ّ‬
‫ل‬
‫ثناؤه صفَته‪ .‬وذلك الطريق ‪ ،‬هو طريق الذي َوصفهم الله بما وصفهم به في‬
‫سلكه فاستقام فيه طائًعا لله ولرسوله صلى الله عليه‬
‫تنزيله ‪ ،‬ووعد من َ‬
‫وسلم ‪ ،‬أن يورده مواردهم ‪ ،‬والله ل يخلف الميعاد‪.‬‬
‫وبنحو ما قلنا في ذلك ُرِوي الخبر عن ابن عباس وغيره‪.‬‬
‫‪ - 188‬حدثنا محمد بن العلء ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫مارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪" :‬‬
‫بشر بن عُ َ‬
‫ط الذين أنعمت عليهم " يقول ‪َ :‬‬
‫صرا َ‬
‫ت عليهم بطاعتك‬
‫طريقَ من أنعم َ‬
‫وعبادتك من الملئكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ‪ ،‬الذين‬

‫دوك )‪. (1‬‬
‫أطاعوك وعب َ ُ‬
‫‪ - 189‬حدثني أحمد بن حازم الغفاري ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا عبيد الله بن موسى ‪،‬‬
‫ت عليهم " ‪ ،‬قال ‪ :‬النبّيون )‬
‫عن أبي جعفر عن ربيع ‪ " :‬صراط الذين أنعم َ‬
‫‪. (2‬‬
‫‪ - 190‬حدثني القاسم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني حجاج عن ابن‬
‫جريج ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن عباس ‪ " :‬أنعمت عليهم " قال ‪ :‬المؤمنين )‪. (3‬‬
‫‪ - 191‬حدثنا القاسم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬قال وكيع ‪ " :‬أنعمت‬
‫عليهم " ‪ ،‬المسلمين )‪. (4‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 188‬ضعف هذا السناد مفصل في ‪ . 137 :‬وهذا الخبر نقله ابن‬
‫ضا ‪. 179 :‬‬
‫كثير ‪ . 52 : 1‬وانظر أي ً‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 189‬ربيع ‪ :‬هو ابن أنس البكري ‪ .‬وسبق شرح هذا السناد إليه ‪:‬‬
‫‪ . 164‬والثر نقله ابن كثير ‪ ، 53 : 1‬والسيوطي ‪. 16 : 1‬‬
‫)‪ (3‬الخبر ‪ - 190‬هذا كالخبر ‪ 183‬منقطع بين ابن جريج وابن عباس ‪ .‬وقد‬
‫نقله ابن كثير ‪ ، 53 : 1‬والسيوطي ‪ ، 16 : 1‬ولكن وقع فيه " ابن حميد "‬
‫بدل " ابن جرير " ‪.‬‬
‫ضا ‪. 53 : 1‬‬
‫أي‬
‫كثير‬
‫ابن‬
‫نقله‬
‫وهذا‬
‫)‪ (4‬الثر ‪- 191‬‬
‫ً‬
‫) ‪(1/178‬‬
‫‪ - 192‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد‬
‫ي‬
‫الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬قال ‪ :‬النب ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم ومن معه )‪. (1‬‬
‫ج ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وفي هذه الية دلي ٌ‬
‫ل ثناؤه ل‬
‫ن طاعة الله َ‬
‫ل واضح على أ ّ‬
‫مطيعون إل بإنعام الله بها عليهم ‪ ،‬وتوفيقه إياهم لها‪ .‬أوَ ل يسمعونه‬
‫ينالها ال ُ‬
‫يقول ‪ " :‬صراط الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬فأضاف ك ّ‬
‫ل ما كان منهم من اهتداء‬
‫وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟‬
‫ن قول القائل لخر ‪" :‬‬
‫تأ ّ‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وأين تمام هذا الخبر ؟ وقد علم َ‬
‫م به عليه ‪ ،‬فأين ذلك الخبُر في قوله ‪:‬‬
‫ما أنع َ‬
‫ض الخبَر ع ّ‬
‫أنعمت عليك " ‪ ،‬مقت ٍ‬
‫" صراط الذين أنعمت عليهم " ؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟‬
‫دمنا البيان ‪ -‬فيما مضى من كتابنا هذا ‪ -‬عن إجراء العرب في‬
‫قيل له ‪ :‬قد ق ّ‬
‫ض الظاهر دال على البعض الباطن‬
‫ض من بعض ‪ ،‬إذا كان البع ُ‬
‫منطقها ببع ٍ‬
‫ت عليهم " من ذلك ‪ .‬لن أمَر الله‬
‫وكافًيا منه‪ .‬فقوله ‪ " :‬صراط الذين أنعم َ‬
‫ة للصراط المستقيم ‪،‬‬
‫ة ‪ ،‬وطلبهم منه الهداي َ‬
‫جل ثناؤه عباَده بمسألته المعون َ‬
‫ما قوَله ‪ " :‬صرا َ‬
‫ة عن‬
‫ط الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬الذي هو إبان ٌ‬
‫لما كان متقد ّ ً‬
‫الصراط المستقيم وإبدا ٌ‬
‫ما أن النعمة التي أنعم الله بها‬
‫ل منه ‪ -‬كان معلو ً‬
‫م والصراطُ‬
‫مرنا بمسألته الهداي َ‬
‫ة لطريقهم ‪ ،‬هو المنها ُ‬
‫ج القوي ُ‬
‫على من أ َ‬
‫فا ‪ ،‬فكان ظاهُر ما ظهر من‬
‫دمنا البيان عن تأويله آن ً‬
‫المستقيم ‪ ،‬الذي قد ق ّ‬
‫ذلك ‪ -‬مع قرب تجاور الكلمتين ‪ -‬مغنًيا عن تكراره‪.‬‬
‫كما قال نابغة بني ذبيان ‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جلي ْهِ ب َ‬
‫ن )‪(2‬‬
‫قعْ َ‬
‫ش‪ ...‬ي ُ َ‬
‫قع ُ َ‬
‫خل َ‬
‫كأّنك ِ‬
‫ف رِ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ش ّ‬
‫جما ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ب َِني أقَي ْ ٍ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 192‬مضى هذا السناد ‪ . 185 :‬وأما نص الثر ‪ ،‬فهو عند ابن كثير‬

‫‪ . 53 : 1‬وقال بعد هذه الروايات ‪ " :‬والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم‬
‫وأشمل " ‪ .‬يعني الخبر ‪. 188‬‬
‫)‪ (2‬ديوانه ‪ ، 58 :‬سيبويه ‪ ، 375 : 1‬مجاز القرآن ‪ 101 :‬الخزانة ‪، 314 : 2‬‬
‫وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري ‪ .‬بنو أقيش ‪ :‬هم بنو‬
‫أقيش بن عبيد ‪ .‬وقيل ‪ :‬فخذ من أشجع ‪ .‬وقيل ‪ :‬حي من اليمن في إبلهم‬
‫نفار شديد ‪ .‬وقيل ‪ :‬هم حي من الجن يزعمون ‪ .‬وقعقع حرك شيئا يابسا‬
‫فتسمع له صوت ‪ .‬والشن ‪ :‬القربة البالية ‪ .‬يصف عيينة بالجبن والخور وشدة‬
‫الفزع ‪ ،‬كأنه جمل شديد النفار ‪ ،‬إذا سمع صوت شن يقعقع به‬
‫) ‪(1/179‬‬
‫يريد ‪ :‬كأنك من جمال بني أقيش ‪ ،‬جم ٌ‬
‫ن ‪ ،‬فاكتفى‬
‫ل ُيقعقع خلف رجليه بش ّ‬
‫بما ظهر من ذكر " الجمال " الدال على المحذوف ‪ ،‬من إظهار ما حذف‪.‬‬
‫وكما قال الفرزدق بن غالب ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ماةِ )‪(1‬‬
‫مت َ َ‬
‫قل ّ ِ‬
‫صدِئ الحديد ُ عَلى الك َ‬
‫م ُ‬
‫ت ََرى أْرباقَهُ ْ‬
‫ديها‪ِ ...‬إذا َ‬
‫يريد ‪ :‬متقلديها هم ‪ ،‬فحذف " هم " ‪ ،‬إذ كان الظاهُر من قوله أرباقَُهم ‪ ،‬دال‬
‫عليها‪.‬‬
‫والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلمها أكثر من أن تحصى‪ .‬فكذلك ذلك‬
‫في قوله ‪ " :‬صراط الذين أنعمت عليهم " ‪.‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م{‪.‬‬
‫مغْ ُ‬
‫ب عَلي ْهِ ْ‬
‫القول في تأويل قوله ‪ } :‬غَي ْرِ ال َ‬
‫ضو ِ‬
‫ة على قراءة " غير " بجر الراء منها )‪. (2‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬والقَرأةُ مجمع ٌ‬
‫ض يأتيها من وجهين ‪:‬‬
‫والخف ُ‬
‫ل " الذين " ونعًتا لهم فتخفضها‪ .‬إذ كان "‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يكون " غير " صفة ِ‬
‫ة‪ .‬وإنما جاز أن يكون " غير " نعًتا ِلـ "‬
‫ت وصف ٌ‬
‫الذين " خف ً‬
‫ضا ‪ ،‬وهي لهم نع ٌ‬
‫الذين " ‪ ،‬و " الذين " معرفة و " غير " نكرة ‪ ،‬لن " الذين " بصلتها ليست‬
‫بالمعرفة المؤقتة كالسماء‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ 131 :‬والنقائض ‪ ، 773 :‬ويأتي في تفسير آية سورة الشعراء ‪4 :‬‬
‫)‪ 38 : 19‬بولق( ‪ ،‬وهو هناك " على الكتاب " ‪ ،‬وهو خطأ ‪ .‬يهجو جريرا‬
‫وقومه بني كليب بن يربوع ‪ .‬الرباق ‪ :‬جمع ربق ‪ ،‬والربق جمع ربقة ‪ :‬وهو‬
‫الحبل تشد به الغنم الصغار لئل ترضع ‪ .‬وتقالد السيف ‪ :‬وضع نجاده على‬
‫منكبه ‪ .‬والكماة ‪ ،‬جمع كمى ‪ :‬وهو البطل الشديد البأس ‪ .‬يصف بني كليب‬
‫بأنهم رعاء أخساء بخلء ‪ ،‬ل هم لهم إل رعية الغنم ‪ ،‬والبطال في الحرب‬
‫يصلون حرها اليام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على أبدانهم من العرق ‪.‬‬
‫قَرَأة ‪ :‬جمع قارئ ‪ .‬انظر ما مضى‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " والقراء مجمعة " ‪ ،‬وال َ‬
‫‪ 51 :‬في التعليق ‪ ،‬و ‪ 64‬تعليق ‪ 4 :‬و ‪ 109 :‬تعليق ‪. 1 :‬‬
‫) ‪(1/180‬‬
‫ت بين الناس ‪ ،‬مثل ‪ :‬زيد وعمرو ‪ ،‬وما أشبه ذلك )‪ (1‬؛ وإنما‬
‫التي هي أمارا ٌ‬
‫هي كالنكرات المجهولت ‪ ،‬مثل ‪ :‬الرجل والبعير ‪ ،‬وما أشبه ذلك‪ .‬فلما كان "‬

‫ة إلى مجهول من السماء ‪ ،‬نظيَر‬
‫الذين " كذلك صفُتها ‪ ،‬وكانت " غير " مضاف ً‬
‫" الذين " ‪ ،‬في أنه معرفة غير موقتة ‪ ،‬كما " الذين " معرفة غير مؤقتة ‪ -‬جاز‬
‫ل " الذين أنعمت عليهم‬
‫من أجل ذلك أن يكون " غير المغضوب عليهم " نعًتا ِ‬
‫" كما يقال ‪ " :‬ل أجلس إل إلى العالم غير الجاهل " ‪ ،‬يراد ‪ :‬ل أجلس إل إلى‬
‫من يجهل‪.‬‬
‫من يعلم ‪ ،‬ل إلى َ‬
‫َ‬
‫معرفة موقتة‪ .‬كان غير جائز أن يكون " غير‬
‫"‬
‫عليهم‬
‫أنعمت‬
‫الذين‬
‫"‬
‫كان‬
‫ولو‬
‫َ‬
‫المغضوب عليهم " لها نعًتا‪ .‬وذلك أنه خطأ في كلم العرب ‪ -‬إذا وصفت‬
‫ب المعرفة المنعوت بها ‪ ،‬إل‬
‫زم َنعتها النكرةَ إعرا َ‬
‫معرفة مؤّقتة بنكرة ‪ -‬أن ت ُل ْ ِ‬
‫ت بها‪ .‬خطأ في كلمهم أن يقال ‪ " :‬مررت‬
‫على نية تكرير ما أعر َ‬
‫ب المنعو َ‬
‫ت‬
‫بعبد الله غير العالم " ‪ ،‬فتخفض " غير " ‪ ،‬إل على نية تكرير الباء التي أعَرب ْ‬
‫ر‬
‫مَرر ُ‬
‫عبد الله‪ .‬فكان معنى ذلك لو قيل كذلك ‪َ :‬‬
‫ت بعبد الله ‪ ،‬مررت بغي ِ‬
‫العالم ‪ .‬فهذا أحد وجهي الخفض في ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " ‪.‬‬
‫ه الخر من وجهي الخفض فيها ‪ :‬أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة‬
‫والوج ُ‬
‫ة بنية تكرير " الصراط "‬
‫جه إلى ذلك ‪ ،‬كانت " غير " مخفوض ً‬
‫المؤقتة‪ .‬وإذا وُ ّ‬
‫َ‬
‫فض " الذين " عليها ‪ ،‬فكأنك قلت ‪ :‬صراط الذين أنعمت عليهم ‪،‬‬
‫الذي ُ‬
‫خ ِ‬
‫صرا َ‬
‫ط غير المغضوب عليهم‪.‬‬
‫وهذان التأويلن في " غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬وإن اختلفا باختلف‬
‫ن من أنعم الله عليه فهداه‬
‫معرِب َْيهما ‪ ،‬فإنهما يتقارب معناهما‪ .‬من أجل أ ّ‬
‫ُ‬
‫لدينه الحق ‪ ،‬فقد سلم من غضب َربه ونجا من الضلل في دينه‪.‬‬
‫سبب قوله ‪ " :‬اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت‬
‫فسواٌء ‪ -‬إذ كان َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬يعني بقوله ‪ " :‬المعرفة المؤقتة " المعرفة المحددة ‪ ،‬وهو العلم‬
‫قا غير مقيد ‪ .‬فقولك " زيد " يعين‬
‫الشخصي الذي يعين مسماه تعييًنا مطل ً‬
‫قا أو محدًدا ‪ .‬والمعرف باللف واللم إنما يعين مسماه ما دامت‬
‫تعييًنا مطل ً‬
‫فيه " ال " ‪ ،‬فإذا فارقته فارقه التعيين ‪ .‬وانظر معاني الفراء ‪. 7 : 1‬‬
‫) ‪(1/181‬‬
‫عليهم " غيَر جائزٍ أن يرتاب ‪ ،‬مع سماعه ذلك من تاليه ‪ ،‬في أن الذين أْنعم‬
‫صراط غيُر غاضب رّبهم عليهم ‪ ،‬مع النعمة التي قد‬
‫الله عليهم بالهداية لل ّ‬
‫ق‬
‫الح‬
‫هداهم‬
‫وقد‬
‫ضلل‬
‫يكونوا‬
‫أن‬
‫ول‬
‫؛‬
‫دينهم‬
‫في‬
‫مّنته بها عليهم‬
‫عظمت ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ضى من الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه عن‬
‫رهم اجتماعُ الر َ‬
‫رّبهم‪ .‬إذ ْ كان مستحيل في فِط َ ِ‬
‫شخص والغضب عليه في حال واحدة ‪ ،‬واجتماعُ الهدى والضلل له في وقت‬
‫صف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه‬
‫واحد ‪ -‬أوُ ِ‬
‫صف )‪ (1‬القوم ؛ معَ وَ ْ‬
‫عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم ‪ ،‬بأنهم‬
‫إياهم وهدايته لهم ‪ ،‬وإنعامه َ‬
‫ّ‬
‫صفة الظاهرة‬
‫غيُر مغضوب عليهم ول هم َ‬
‫ضالون ؛ أم لم يوصفوا بذلك‪ .‬لن ال ّ‬
‫فُهم به‪.‬‬
‫التي ُوصفوا بها ‪ ،‬قد أنبأت عنهم أنهم كذلك ‪ ،‬وإن لم يصّرح وص َ‬
‫ط"‬
‫جهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير " الصرا ِ‬
‫هذا ‪ ،‬إذا و ّ‬
‫ض " الذين " ‪ ،‬ولم نجعل " غير المغضوب عليهم ول الضالين " من‬
‫الخاف ِ‬
‫صفة " الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬بل إذا حملناهم غيَرهم‪ .‬وإن كان الفريقان ل‬
‫ما عليهما في أْديانهم‪.‬‬
‫من ْعَ ً‬
‫شك ُ‬
‫ما إذا وجهنا " غير المغضوب عليهم ول الضالين " إلى أنها من َنعت ‪" ،‬‬
‫فأ ّ‬
‫ْ‬
‫ح من‬
‫الذين أنعمت عليهم " ‪ .‬فل حاجة بسامعه إلى الستدلل ‪ ،‬إذ كان الصري ُ‬

‫معناه قد أغنى عن الدليل‪.‬‬
‫ت للقراءة بها‬
‫وقد يجوز نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬وإن كن ُ‬
‫ن ما شذ من القراءات عما جاءت به‬
‫ها لشذوذها عن قراءة ال ُ‬
‫كار ً‬
‫قّراء ‪ .‬وإ ّ‬
‫ضا ‪ ،‬فرأيٌ للحق مخالف‪ .‬وعن سبيل الله وسبيل‬
‫مستفي‬
‫را‬
‫ظاه‬
‫نقل‬
‫المة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ف‪ .‬وإن كان له ‪ -‬لو‬
‫متجان‬
‫المسلمين‬
‫وسبيل‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫رسوله صلى‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ج‪.‬‬
‫كانت جائًزا القراءة ُ به )‪ - (2‬في الصواب مخر ٌ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬سياق العبارة ‪ " :‬سواء ‪ . . .‬أوصف القوم ‪ . . .‬أم لم يوصفوا " ‪ ،‬وما بين‬
‫هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬لو كانت القراءة جائزة به " ‪ ،‬بدلوه ليوافق عبارتهم ‪،‬‬
‫دون عبارة الطبري‬
‫) ‪(1/182‬‬
‫ة للهاء والميم‬
‫جه إلى أن يكون صف ً‬
‫ت ‪ :‬أن يو ّ‬
‫وتأويل وجه صوابه إذا نصب َ‬
‫ب"‬
‫اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين " ‪ .‬لنها وإن كانت مخفوضة ِ‬
‫على " ‪ ،‬فهي في محل نصب يقوله ‪ " :‬أنعمت " ‪ .‬فكأن تأويل الكلم ‪ -‬إذا‬
‫نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ‪ : -‬صرا َ‬
‫ما‬
‫ط الذين هَ َ‬
‫ديتهم إنعا ً‬
‫ب عليهم ‪ ،‬أي ل مغضوًبا عليهم ول ضالين‪ .‬فيكون‬
‫منك عليهم ‪ ،‬غيَر مَغضو ٍ‬
‫النصب في ذلك حينئذ ‪ ،‬كالنصب في " غير " في قولك ‪ :‬مررت بعبد الله غيَر‬
‫الكريم ول الرشيد ِ ‪ ،‬فتقطع " غيَر الكريم " من " عبد الله " ‪ ،‬إذ ْ كان " عبد ُ‬
‫الله " معرفة مؤقتة ‪ ،‬و " غير الكريم " نكرة مجهولة‪.‬‬
‫ن نصب " غير " في " غير‬
‫ض نحوّيي البصريين يزعم أ ّ‬
‫ن قراءة َ‬
‫وقد كان بع ُ‬
‫م ْ‬
‫المغضوب عليهم " ‪ ،‬على َوجه استثناِء " غير المغضوب عليهم " من معاني‬
‫ن معنى الذين قرأوا ذلك نصًبا‬
‫صفة " الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬كأنه كان يرى أ ّ‬
‫‪ :‬اهدنا الصراط المستقيم ‪ ،‬صرا َ‬
‫عليهم‬
‫ب َ‬
‫ت عليهم ‪ ،‬إل المغضو َ‬
‫ط الذين أنعم َ‬
‫ الذين لم ُتنعم عليهم في أديانهم ولم ت َْهدهم للحق ‪ -‬فل تجعلنا منهم‪ .‬كما‬‫قال نابغة بني ذبيان ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫وَقَ ْ‬
‫ما بالّرب ِْع ِ‬
‫نأ َ‬
‫سائ ِلها‪ ...‬عَّيت َ‬
‫صْيلل أ َ‬
‫جواًبا ‪ ،‬و َ‬
‫ف ُ‬
‫ت ِفيَها أ َ‬
‫حد ِ )‪ (1‬إل أَوارِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫جل َد ِ )‪(2‬‬
‫مةِ ال َ‬
‫ما أب َي ّن ُُها ‪ ...‬والن ّؤْيُ كال َ‬
‫مظ ُْلو َ‬
‫ض بال َ‬
‫لًيا َ‬
‫حو ْ ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ ، 23 :‬ويأتي في تفسير آية البقرة ‪ 186 : 1) 35 :‬بولق( ‪ ،‬وآية‬
‫النساء ‪ ، (178 : 5) 114 :‬وآية يونس ‪ (117 : 11) 98 :‬وآية سورة الليل ‪:‬‬
‫‪ . (146 : 30) 20‬يقال ‪ :‬لقيته أصيلل وأصيلًنا ‪ ،‬إذا لقيته بالعشي ‪ .‬وذلك أن‬
‫ُ‬
‫صل )بضمتين( وأصلن )بضم فسكون( ‪ ،‬ثم‬
‫الصيل هو العشي ‪ ،‬وجمعه أ ُ‬
‫ما ‪ .‬فعلوا ذلك اقتدارا‬
‫صغروا الجمع فقالوا ‪ :‬أصيلن ‪ ،‬ثم أبدلوا من النون ل ً‬
‫على عربيتهم ‪ ،‬ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه ‪ .‬وعى‬
‫في منطقه ‪ :‬عجز عن الكلم ‪.‬‬
‫)‪ (2‬أواري جمع آري )مشدد الياء( ‪ :‬وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها ‪ ،‬من‬
‫قولهم ‪ :‬تأرى بالمكان أقام وتحبس ‪ .‬وليا ‪ :‬بعد جهد ومشقة وإبطاء ‪ .‬والنؤى‬
‫‪ :‬حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب ‪ ،‬فتحجز الماء ل يدخل الخباء ‪،‬‬
‫ضا سقوا فيه إبلهم ‪،‬‬
‫ضا مروا بها في برية فتحوضوا حو ً‬
‫والمظلومة ‪ :‬يعني أر ً‬
‫وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة ‪ .‬فلذلك سماها مظلومة ‪،‬‬

‫والظلم ‪ :‬وضع الشيء في غير موضعه ‪ .‬والجلد ‪ :‬الرض الصلبة ‪ ،‬يعني أنها ل‬
‫تنبت شيًئا فل يرعاها أحد ‪.‬‬
‫) ‪(1/183‬‬
‫داد " أحد " في شيء‪ .‬فكذلك عنده ‪،‬‬
‫م أنها ليست من ِ‬
‫ع َ‬
‫والواريّ معلو ٌ‬
‫استثنى " غير المغضوب عليهم " من " الذين أنعمت عليهم " ‪ ،‬وإن لم‬
‫يكونوا من معانيهم في الدين في شيء‪.‬‬
‫فوه )‪ ، (1‬وزعموا أن ذلك‬
‫حوّيو الكوفيين ‪ ،‬فأنكروا هذا التأويل واستخ ّ‬
‫وأما ن ِ‬
‫لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة ‪ ،‬لكان خطأ أن يقال ‪ " :‬ول الضالين‬
‫"‪.‬‬
‫لن " ل " نفي وجحد ‪ ،‬ول يعطف بجحد إل على جحد‪ .‬وقالوا ‪ :‬لم نجد في‬
‫شيء من كلم العرب استثناًء ُيعطف عليه بجحد ‪ ،‬وإنما وجدناهم يعطفون‬
‫على الستثناء بالستثناء ‪ ،‬وبالجحد على الجحد ‪ ،‬فيقولون في الستثناء ‪ :‬قام‬
‫م إل أخاك وإل أباك‪.‬‬
‫القو ُ‬
‫م إل أباك ول أخاك‪ .‬فلم‬
‫وفي الجحد ‪ :‬ما قام أخوك ول أبوك ‪ .‬وأما ‪ :‬قام القو ُ‬
‫ما في كلم العرب ‪ ،‬وكان‬
‫نجده في كلم العرب‪ .‬قالوا ‪ :‬فلما كان ذلك معدو ً‬
‫القرآن بأفصح لسان العرب نزوُله ‪ ،‬علمنا ‪ -‬إذ كان قوُله " ول الضالين "‬
‫معطوًفا على قوله " غير المغضوب عليهم " ‪ -‬أن " غير " بمعنى الجحد ل‬
‫جهها إلى الستثناء خطأ‪.‬‬
‫بمعنى الستثناء ‪ ،‬وأن تأويل من و ّ‬
‫فهذه أوجه تأويل " غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬باختلف أوجه إعراب ذلك‪.‬‬
‫دنا‬
‫ضنا بما اعترضنا في ذلك من َبيان ُوجوه إعرابه ‪ -‬وإن كان قص ُ‬
‫وإنما اعتر ْ‬
‫ف عن تأويل آي القرآن ‪ -‬لما في اختلف وجوه إعراب‬
‫في هذا الكتاب الكش َ‬
‫ذلك من اختلف وجوه تأويله‪ .‬فاضطّرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه ‪،‬‬
‫لتنكشف لطالب تأويله ُوجوه تأويله ‪ ،‬على قدر اختلف المختلفة في تأويله‬
‫وقراءته‪.‬‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ب من القول في تأويله وقراءته عندنا ‪ ،‬القول الول ‪ ،‬وهو قراء ُ‬
‫صوا ُ‬
‫وال ّ‬
‫ة) غي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل " الذين‬
‫مغْ ُ‬
‫ب عَلي ْهِ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫م ( بخفض الراء من " غير " ‪ .‬بتأويل أنها صفة ِ‬
‫ت ‪ ،‬وإن شئت‬
‫ت لهم ‪ -‬لما قد قدمنا من البيان ‪ -‬إن شئ َ‬
‫أنعمت عليهم " ونع ٌ‬
‫ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫ب َ‬
‫ل تكرار " صراط " ‪ .‬كل ذلك صوا ٌ‬
‫حس ٌ‬
‫فبتأوي ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬واستخطئوه " ‪ ،‬واستخفوه ‪ :‬رأوه خفيفا ل وزن له ‪.‬‬
‫) ‪(1/184‬‬
‫ب عليهم ‪ ،‬الذين أمرنا الله جل ثناؤه‬
‫ن هؤلء المغضو ُ‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬فم ْ‬
‫بمسألته أن ل يجعلنا منهم ؟‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ل هَ ْ‬
‫ل ثناؤه في تنزيله فقال ‪ ) :‬قُ ْ‬
‫ج ّ‬
‫م‬
‫قيل ‪ :‬هم الذين وصفهم الله َ‬
‫ل أن َب ّئ ُك ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫جعَ َ‬
‫بِ َ‬
‫قَرد َةَ‬
‫ة ِ‬
‫مُثوب َ ً‬
‫م ال ِ‬
‫ل ِ‬
‫ه وَغَ ِ‬
‫شّر ِ‬
‫ب عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ض َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫ه الل ُ‬
‫ن لعَن َ ُ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ َ‬
‫ك َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَناِزيَر وَعَب َد َ الطا ُ‬
‫ض ّ‬
‫ت أولئ ِك َ‬
‫ل ( ]سورة‬
‫َوال َ‬
‫مكاًنا وَأ َ‬
‫واِء ال ّ‬
‫ن َ‬
‫شّر َ‬
‫غو َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫ل عَ ْ‬
‫ح ّ‬
‫المائدة ‪ . [60 :‬فأعلمنا ج ّ‬
‫ل بهم من عقوبته‬
‫مة )‪ ، (1‬ما أ َ‬
‫ل ذكره ث َ ّ‬
‫ه منه علينا ‪ ،‬وجه السبيل إلى النجاة من أن‬
‫بمعصيتهم إياه‪ .‬ثم علمنا ‪ ،‬من ّ ً‬

‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫مُثلت ‪ ،‬ورأفة منه بنا )‪. (2‬‬
‫يَ ِ‬
‫ل بنا مثل الذي َ‬
‫ل بهم من ال َ‬
‫ُ‬
‫فهم الله وذكر نبأهم في‬
‫فإن قيل ‪ :‬وما الدليل على أنهم أولء الذين وص َ‬
‫تنزيله على ما وصفت ؟ قيل ‪:‬‬
‫‪ - 193‬حدثني أحمد بن الوليد الرملي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله بن جعفر‬
‫الرقي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا سفيان بن عيينة ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد ‪ ،‬عن‬
‫الشعبي ‪ ،‬عن عديّ بن حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬قال لي رسول الله صلى الله عليه‬
‫ب عليهم ‪ ،‬اليهود )‪. (3‬‬
‫وسلم ‪ :‬المغضو ُ‬
‫‪ - 194‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا محمد بن جعفر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫حبيش يحدث ‪ ،‬عن‬
‫شعبة ‪ ،‬عن سماك بن حرب ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت عباد بن ُ‬
‫ن‬
‫عدي بن حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫ب عليهم اليهود )‪. (4‬‬
‫المغضو َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬بدلوها في المطبوعة إلى " بمنه " ؛ وثم وثمة )بفتح الثاء( ‪ :‬إشارة للبعيد‬
‫بمنزلة " هنا " للقريب ‪.‬‬
‫)‪ (2‬المثلت جمع مثلة )بفتح فضم ففتح( ‪ :‬وهي العقوبة والتنكيل ‪.‬‬
‫ضا بهذا‬
‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 193‬هذا إسناد صحيح ‪ ،‬وسيأتي بعض هذا الحديث أي ً‬
‫السناد ‪ . 207‬وتخريجه سيأتي في ‪. 195‬‬
‫ضا ‪ .‬عباد بن حبيش ‪ ،‬بضم الحاء‬
‫)‪ (4‬الحديث ‪ - 194‬وهذا إسناد صحيح أي ً‬
‫المهملة وفتح الباء الموحدة ولخره شين معجمة ‪ ،‬الكوفي ‪ ،‬ذكره ابن حبان‬
‫ضا ‪208‬‬
‫في الثقات ‪ ،‬وابن أبي حاتم ‪ . 78 / 1 / 3‬وبعض الحديث سيأتي أي ً‬
‫بهذا السناد ‪.‬‬
‫) ‪(1/185‬‬
‫‪ - 195‬حدثني علي بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن مصعب ‪ ،‬عن حماد بن سلمة ‪ ،‬عن سماك بن حرب ‪ ،‬عن‬
‫مّري بن قَ َ‬
‫طريّ ‪ ،‬عن عدي بن حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت النبي صلى الله عليه‬
‫ُ‬
‫وسلم عن قول الله ج ّ‬
‫ل وعّز " غير المغضوب عليهم " قال ‪ :‬هم اليهود )‪. (1‬‬
‫ضل ‪،‬‬
‫سامي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن المف ّ‬
‫‪ - 196‬حدثنا ُ‬
‫سَعدة ال ّ‬
‫م ْ‬
‫حميد بن َ‬
‫َ‬
‫ن ُرجل أتى رسول الله‬
‫جَرْيري ‪ ،‬عن عبد الله بن ش ِ‬
‫قيق ‪ :‬أ ّ‬
‫قال ‪ :‬حدثنا ال ُ‬
‫ن هؤلء الذين‬
‫م‬
‫‪:‬‬
‫فقال‬
‫‪،‬‬
‫رى‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ال‬
‫ي‬
‫واد‬
‫ر‬
‫محاص‬
‫وهو‬
‫وسلم‬
‫صلى الله عليه‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫تحاصُر يا رسول الله ؟ قال ‪ :‬هؤلء المغضوب عليهم ‪ ،‬اليهود )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫ضا ‪ .‬مري بن قطري الكوفي ‪ :‬ذكره‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 195‬وهذا إسناد صحيح أي ً‬
‫ابن حبان في الثقات ‪ ،‬وترجمه البخاري في الكبير ‪ ، 57 / 2 / 4‬وقال ‪" :‬‬
‫سمع عدي بن حاتم ‪ ،‬روى عنه سماك بن حرب ‪ ،‬يعد في الكوفيين " ‪ .‬و "‬
‫مري " ‪ :‬بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء ‪ .‬و " قطري "‬
‫ضا بالسناد‬
‫بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة ‪ .‬وبعضه سيأتي أي ً‬
‫نفسه ‪. 209‬‬
‫وهذا الحديث عن عدي بن حاتم ‪ :‬أصله قصة مطولة في إسلمه ‪ .‬فرواه ‪-‬‬
‫بطوله ‪ -‬أحمد في المسند ‪ 379 - 378 : 4‬عن محمد بن جعفر عن شعبة ‪،‬‬
‫بالسناد السابق ‪ . . 194‬ورواه الترمذي ‪ 67 : 4‬من طريق عمرو بن أبي‬
‫قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي ‪ .‬وقال ‪ " :‬هذا حديث حسن‬

‫غريب ‪ ،‬ل نعرفه إل من حديث سماك بن حرب ‪ .‬وروى شعبة عن سماك بن‬
‫حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ الحديث بطوله " ‪ .‬وروى بعضه الطيالسي في مسنده ‪ 1040 :‬عن عمرو‬‫بن ثابت " عمن سمع عدي بن حاتم " ‪ .‬وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا‬
‫أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري ‪ ،‬كلهما‬
‫ضا ‪ ،‬إذ رواه إسماعيل بن‬
‫عن عدي ‪ ،‬وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أي ً‬
‫أبي خالد عن الشعبي عن عدي ‪ .‬وأن لم يعرفه الترمذي إل من حديث‬
‫سماك ‪ -‬ل ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر ‪ .‬وذكره ابن كثير ‪ 54 : 1‬من‬
‫رواية أحمد في المسند ‪ ،‬وأشار إلى رواية الترمذي ‪ ،‬وإلى روايات الطبري‬
‫هنا ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬وقد روى حديث عدي هذا من طرق ‪ ،‬وله ألفاظ كثيرة‬
‫يطول ذكرها " ‪ .‬وذكره الحافظ في الصابة ‪ ،‬في ترجمة عدي ‪ 229 : 2‬من‬
‫رواية أحمد والترمذي ‪ .‬وذكر السيوطي منه ‪ 16 : 1‬تفسير الحرفين ‪ ،‬ونسبه‬
‫ضا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه ‪.‬‬
‫أي ً‬
‫وكذلك صنع الشوكاني ‪. 15 : 1‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 196‬حميد بن مسعدة السامي ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬هو " السامي‬
‫" بالسين المهملة ‪ ،‬نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب ‪ .‬وهو نسبة‬
‫إلى " سامة بن لؤي بن غالب " ‪ .‬ووقع في نسخ الطبري ‪ -‬هنا وفيما يأتي‬
‫‪ " - 210‬الشامي " بالمعجمة ‪ ،‬وهو تصحيف ‪ .‬و " الجريري " ‪ ،‬بضم الجيم ‪:‬‬
‫هو سعيد بن إياس البصري ‪ .‬و " عبد الله بن شقيق العقيلي " ‪ ،‬بضم العين‬
‫وفتح القاف ‪ :‬تابعي كبير ثقة ‪ .‬وهذا السناد مرسل ‪ ،‬لقول عبد الله بن‬
‫ضا ‪ 199 ، 197‬ولكنه سيأتي موصول‬
‫شقيق ‪ " :‬أن رجل " ‪ .‬وسيأتي مرسل أي ً‬
‫‪. 198‬‬
‫) ‪(1/186‬‬
‫جَرْيري‬
‫‪ - 197‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن عُّلية ‪ ،‬عن سعيد ال ُ‬
‫‪ ،‬عن عروة ‪ ،‬عن عبد الله بن َ‬
‫شقيق ‪ :‬أن رجل أتى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فذكر نحوه‪.‬‬
‫‪ - 198‬حدثنا الحسن بن يحيى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا عبد الرّزاق ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا معمر ‪،‬‬
‫عن ب ُد َْيل العقيلي ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني عبد الله بن َ‬
‫شقيق ‪ :‬أنه أخبره من سمع‬
‫على َفرسه ‪ ،‬وسأله‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وهو بوادي ال ُ‬
‫قَرى ‪ ،‬وهو َ‬
‫ب‬
‫رجل من بني ال َ‬
‫قين فقال ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬من هؤلء ؟ ‪ -‬قال ‪ :‬المغضو ُ‬
‫عليهم‪ .‬وأشار إلى اليهود )‪. (1‬‬
‫‪ - 199‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا خالد‬
‫ح ّ‬
‫ن رجل سأل النبي‬
‫ذاء ‪ ،‬عن عبد الله بن شقيق ‪ ،‬أ ّ‬
‫الواسطي ‪ ،‬عن خالد ال َ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فذكر نحوه‬
‫‪ - 200‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫عمارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ " :‬غير‬
‫ُ‬
‫المغضوب عليهم " ‪ ،‬يعني اليهود َ الذين َ‬
‫غضب الله عليهم )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 198‬بديل ‪ ،‬بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة ‪ :‬هو ابن‬
‫ميسرة العقيلي ‪ ،‬وهو تابعي ثقة ‪ .‬وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح ‪ .‬لن‬
‫عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره " من سمع النبي صلى الله عليه‬

‫وسلم " ‪ ،‬وجهالة الصحابي ل تضر ‪ ،‬كما هو معروف ‪ .‬والوصل بذكر الصحابي‬
‫المبهم ‪ -‬زيادة من الثقة ‪ ،‬فهي مقبولة ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن كثير ‪ 55 - 54 : 1‬هذه الرواية الموصولة ‪ ،‬ثم أشار إلى‬
‫الروايات الثلث المرسلة ‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬ووقع في رواية عروة تسمية ‪ :‬عبد‬
‫الله بن عمرو ‪ ،‬فالله أعلم " ‪ .‬ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي‬
‫يشير إليها ‪ .‬ثم قال ابن كثير ‪ " :‬وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن‬
‫طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫اليهود ‪ ،‬قلت ‪ :‬الضالين ؟ قال ‪ :‬النصارى " ‪ .‬وأشار الحافظ في الفتح ‪: 8‬‬
‫ضا أن‬
‫‪ 122‬إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر " بإسناد حسن " ‪ .‬وذكر أي ً‬
‫رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله‬
‫ضا عند السيوطي ‪، 16 : 1‬‬
‫عليه وسلم " ‪ -‬رواها أحمد ‪ .‬وهذه الروايات أي ً‬
‫والشوكاني ‪ . 15 - 14 : 1‬وسيأتي تفسير )الضالين( بهذه السانيد ‪، 210‬‬
‫‪ . 213 ، 212 ، 211‬وسيأتي في ‪ 211‬بيان من عروة الذي في السناد ‪197‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (2‬الثر ‪ - 200‬أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه ‪ .‬وسيأتي باقيه ‪215‬‬
‫‪.‬‬
‫) ‪(1/187‬‬
‫‪ - 201‬حدثني موسى بن هارون الهمداني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو بن طلحة ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬حدثنا أسباط بن نصر ‪ ،‬عن السد ّيّ في خبر ذكره ‪ ،‬عن أبي مالك ‪،‬‬
‫وعن أبي صالح عن ابن عباس ‪ -‬وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ‪ -‬وعن‬
‫ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " ‪،‬‬
‫هم اليهود )‪. (1‬‬
‫‪ - 202‬حدثنا ابن حميد الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مهران ‪ ،‬عن سفيان ‪ ،‬عن مجاهد‬
‫‪ ،‬قال ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬قال ‪ :‬هم اليهود‪.‬‬
‫‪ - 203‬حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله ‪ ،‬عن أبي جعفر ‪،‬‬
‫عن ربيع ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬قال ‪ :‬اليهود‪.‬‬
‫‪ - 204‬حدثنا القاسم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني حجاج ‪ ،‬عن ابن‬
‫جريج ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن عباس ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " قال ‪ :‬اليهود‪.‬‬
‫‪ - 205‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن‬
‫زيد ‪ " :‬غير المغضوب عليهم " ‪ ،‬اليهود‪.‬‬
‫‪ - 206‬حدثني يونس ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني ابن زيد ‪ ،‬عن‬
‫أبيه ‪ ،‬قال ‪ " :‬المغضوب عليهم " ‪ ،‬اليهود )‪. (2‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬واخت ُِلف في صفة الغضب من الله ج ّ‬
‫ل ذكره ‪:‬‬
‫ب الله على من غضب عليه من خلقه ‪ ،‬إحل ُ‬
‫ل عقوبته‬
‫فقال بعضهم ‪ :‬غض ُ‬
‫بمن َ‬
‫ما في آخرته ‪ ،‬كما وصف به نفسه ج ّ‬
‫ل‬
‫غض َ‬
‫ما في دنياه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ب عليه ‪ ،‬إ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن(‬
‫فوَنا ان ْت َ َ‬
‫س ُ‬
‫مَنا ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ما آ َ‬
‫ج َ‬
‫م فَأغَْرقَْناهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ذكره في كتابه فقال ‪ ) :‬فَل ّ‬
‫مِعي َ‬
‫]سورة الزخرف ‪. [55 :‬‬
‫ل هَ ْ ُ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وكما قال ‪ ) :‬قُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫ة ِ‬
‫مُثوب َ ً‬
‫شّر ِ‬
‫ه الل ُ‬
‫ن لعَن َ ُ‬
‫عن ْد َ اللهِ َ‬
‫ن ذ َل ِك َ‬
‫ل أن َب ّئك ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 201‬ابن كثير ‪ ، 55 : 1‬والدر المنثور ‪ ، 16 : 1‬والشوكاني ‪: 1‬‬

‫‪ . 15‬وسيأتي باقيه ‪. 217 :‬‬
‫)‪ (2‬الثار ‪ : 206 - 202‬في ابن كثير ‪ ،‬والدر المنثور ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬كالذي‬
‫مضى ‪ .‬وسيأتي باقيها ‪. 220 ، 219 ، 218 ، 216 ، 214 :‬‬
‫) ‪(1/188‬‬
‫جعَ َ‬
‫خَناِزيَر ( ] سورة المائدة ‪.[ 60 :‬‬
‫قَرد َة َ َوال ْ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫وَغَ ِ‬
‫ب عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ض َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬غضب الله على من غضب عليه من عباده ‪ ،‬ذم منه لهم‬
‫ولفعالهم ‪ ،‬وشتم لهم منه بالقول‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬الغضب منه معنى مفهوم ‪ ،‬كالذي يعرف من معاني الغضب ‪،‬‬
‫غير أنه ‪ -‬وإن كان كذلك من جهة الثبات )‪ - (1‬فمخالف معناه منه معنى ما‬
‫يكون من غضب الدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم‪.‬‬
‫لن الله جل ثناؤه ل تحل ذاته الفات ‪ ،‬ولكنه له صفة ‪ ،‬كما العلم له صفة ‪،‬‬
‫والقدرة له صفة ‪ ،‬على ما يعقل من جهة الثبات ‪ ،‬وإن خالفت معاني ذلك‬
‫معاني علوم العباد ‪ ،‬التي هي معارف القلوب ‪ ،‬وقواهم التي توجد مع وجود‬
‫الفعال وتعدم مع عدمها )‪. (2‬‬
‫***‬
‫ن{‪.‬‬
‫القول في تأويل قوله جل ثناؤه ‪َ } :‬ول ال ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬كان بعض أهل البصرة يزعم أن " ل " مع " الضالين " أدخلت‬
‫تتميما للكلم ‪ ،‬والمعنى إلغاؤها ‪ ،‬يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج ‪:‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثبات ‪ :‬مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف‬
‫نفسه ‪ ،‬وإثبات القدر بل تأويل ‪ ،‬خلفا لهل القدر ‪ ،‬وهم نفاته ‪ ،‬وللجهمية‬
‫والمعطلة للصفات ‪.‬‬
‫)‪ (2‬بعد هذا الموضع من نسخة دار الكتب المصرية رقم ‪ 100 :‬تفسير ‪ ،‬ما‬
‫نصه ‪:‬‬
‫" وصلى الله على محمد النبي المي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا ‪.‬‬
‫ على الصل المنقول منه ‪-‬‬‫سمعت وأحمد ومحمد والحسن بني عبد الله بن أحمد الفرغاني في يوم‬
‫الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلثمائة ‪ .‬ومحمد‬
‫بن محمد الطوسي " ‪.‬‬
‫) ‪(1/189‬‬
‫ما َ‬
‫شعَْر )‪(1‬‬
‫ِفي ب ِئ ْرِ ل ُ‬
‫حورٍ َ‬
‫سَرى وَ َ‬
‫ويتأوله بمعنى ‪ :‬في بئر حور سرى ‪ ،‬أي في بئر هلكة ‪ ،‬وأن " ل " بمعنى‬
‫اللغاء والصلة‪ .‬ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ن ال ّ‬
‫فن ْد ََرا )‪(2‬‬
‫ق َ‬
‫ط ال َ‬
‫س َ‬
‫ضأ ْ‬
‫ما أُلو ُ‬
‫ن ل تَ ْ‬
‫ش ْ‬
‫خَرا‪ ...‬ل َ ّ‬
‫فَ َ‬
‫م ال ِْبي َ‬
‫ما َرأي ْ َ‬
‫وهو يريد ‪ :‬فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الحوص ‪:‬‬
‫َ‬
‫ب غَي ُْر َ‬
‫ل )‪(3‬‬
‫ن ل أُ ِ‬
‫حّبه‪َ ...‬ولل ّهْوُ َداٍع َدائ ِ ٌ‬
‫حي ْن َِني ِفي الل ّهْوِ أ ْ‬
‫وَي َل ْ َ‬
‫غافِ ِ‬
‫َ‬
‫من َعَ َ‬
‫د(‬
‫ج َ‬
‫س ُ‬
‫ك أل ت َ ْ‬
‫ما َ‬
‫يريد ‪َ :‬ويلحينني في اللهو أن أحبه ‪ ،‬وبقوله تعالى ‪َ ) :‬‬
‫حكي عن قائل هذه المقالة أنه‬
‫]سورة العراف ‪ ، [12 :‬يريد أن تسجد‪ .‬و ُ‬

‫كان يتأول " غير " التي " مع " المغضوب عليهم " ‪ ،‬أنها بمعنى " سوى )‪. (4‬‬
‫م ‪ ،‬صراط الذين‬
‫ن معنى الكلم كا َ‬
‫فكأ ّ‬
‫ن عنده ‪ :‬اهدنا الصراط المستقي َ‬
‫م سوى المغضوب والضالين‪.‬‬
‫ت عليهم ‪ ،‬الذين ه ُ‬
‫أنعم َ‬
‫م أن " غير "‬
‫ويزع‬
‫‪،‬‬
‫(‬
‫‪5‬‬
‫)‬
‫قوله‬
‫من‬
‫ذلك‬
‫يستنكر‬
‫الكوفة‬
‫نحويي‬
‫ض‬
‫بع‬
‫وكان‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوانه ‪ ، 16 :‬ومعاني القرآن للفراء ‪ ، 8 : 1‬ومجاز القرآن لبي عبيدة ‪:‬‬
‫‪ 25‬والخزانة ‪ ، 95 : 2‬وأمالي الشجري ‪ ، 231 : 2‬والضداد لبن النباري ‪:‬‬
‫‪ . 186‬والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة ‪.‬‬
‫)‪ (2‬نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لبي النجم وقال ‪ :‬روايته ‪ " :‬إذا‬
‫رأت ذا الشيبة القفندرا "‬
‫وضبطوا " الشمط " بفتح الميم ‪ ،‬أي الشيب ‪ ،‬وجائز أن يكون أبو النجم قاله‬
‫" الشمط " بكسر الميم على أنه فرح ‪ ،‬طرح ألف " أشمط " ‪ ،‬كما فعلوا‬
‫في أشعث وشعث ‪ .‬وأحدب وحدب ‪ ،‬وأتعس وتعس ‪ ،‬وأحول وحول ‪ ،‬في‬
‫الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي ‪ .‬وانظر الفائق للزمخشري ‪2‬‬
‫‪ 326 :‬فقد عدد ألفا ً‬
‫ظا غيرها ‪ .‬وكأن الصاغاني أبى من رواية " الشمط "‬
‫بفتحتين ‪ ،‬لن القفندر ‪ :‬هو الصغير الرأس القبيح المنظر ‪.‬‬
‫والبيت برواية البري في مجاز القرآن لبي عبيدة ‪ ، 26 :‬والضداد لبن‬
‫النباري ‪ ، 185 :‬واللسان ) قفندر ( ‪ ،‬ثم انظر أمالي الشجري ‪، 231 : 2‬‬
‫وغيرها ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الكامل ‪ ، 49 : 1‬والضداد لبن النباري ‪ ، 186 :‬ولحاه يلحاه لحًيا ‪ :‬عذله‬
‫ولمه ‪.‬‬
‫)‪ (4‬هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة ‪ .‬وأشار إليه الفراء في‬
‫معاني القرآن ‪ 8 :‬بقوله ‪ " :‬وقد قال بعض من ل يعرف العربية ‪، " . . .‬‬
‫وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع ‪ .‬وانظر اللسان )غير( ‪.‬‬
‫)‪ (5‬يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن ‪ ، 8 :‬أو غيره من كتبه ‪.‬‬
‫) ‪(1/190‬‬
‫التي " مع المغضوب عليهم " ‪ ،‬لو كانت بمعنى سوى ‪ ،‬لكان خطأ أن يعطف‬
‫عليها بـ " ل " ‪ ،‬إذ ْ كانت " ل " ل يعطف بها إل على جحد قد تقدمها‪ .‬كما كان‬
‫وى ليست من‬
‫وى أخيك ول أبيك " ‪ ،‬لن ِ‬
‫خطأ قول القائل ‪ " :‬عندي ِ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫حروف النفي والجحود‪ .‬ويقول ‪ :‬لما كان ذلك خطأ في كلم العرب ‪ ،‬وكان‬
‫ما أن الذي َزعمه القائل ‪:‬‬
‫القرآن بأفصِح اللغات من لغات العرب ‪ ،‬كان معلو ً‬
‫أن " غير " مع " المغضوب عليهم " بمعنى ‪ :‬سوى المغضوب عليهم ‪ ،‬خطأ‪.‬‬
‫م بـ " ل " ‪ .‬وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي‬
‫إذ كان قد كّر عليه الكل َ‬
‫حا في كلم العرب ‪ ،‬وفاشًيا ظاهًرا في منطقها‬
‫بمعنى الجحد‪ .‬إذ ْ كان صحي ً‬
‫سن ول‬
‫مح ِ‬
‫توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعمل فيهم ‪ " :‬أخوك غير ُ‬
‫مل " ‪ ،‬يراد بذلك أخوك ل محسن ‪ ،‬ول مجمل ‪ ،‬وَيستنكُر أن تأتي " ل "‬
‫ج ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ما يتقدمها جحد‪ .‬ويقول ‪ :‬لو جاز مجيئها‬
‫مبتدأ ‪ ،‬ول ّ‬
‫بمعنى الحذف في الكلم ُ‬
‫مبتدأ ‪ ،‬قبل دللة تد ّ‬
‫ح قول قائل‬
‫ل ذلك من جحد سابق ‪ ،‬لص ّ‬
‫بمعنى الحذف ُ‬
‫ت أن ل أكرم أخاك " ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬أردت أن أكرم أخاك‪ .‬وكان‬
‫قال ‪ " :‬أرد ْ ُ‬
‫ة‬
‫يقول ‪ :‬ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك ‪ ،‬دلل ٌ‬
‫دمها جحد‪ .‬وكان‬
‫ما يتق ّ‬
‫واضحة على أ ّ‬
‫ن " ل " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف ‪ ،‬ول َ ّ‬

‫صريّ استشهد به ‪،‬‬
‫يتأّول في " ل " التي في بيت العجاج ‪ ،‬الذي ذكرنا أن الب ْ‬
‫سَرى في بئر ل ُتحيُر عليه خيًرا ‪،‬‬
‫حد ٌ صحيح ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ج ْ‬
‫بقوله ‪ :‬إنها َ‬
‫ن معنى البيت ‪َ :‬‬
‫ل ‪ ،‬وهو ل يشُعر بذلك ول يدري به )‪ . (1‬من قولهم ‪:‬‬
‫ول يتبّين له فيها أثُر عم ٍ‬
‫" طحنت ال ّ‬
‫ً‬
‫ل‪ .‬ويقول في‬
‫عم‬
‫ر‬
‫أث‬
‫لها‬
‫ين‬
‫يتب‬
‫لم‬
‫أي‬
‫‪،‬‬
‫"‬
‫ئا‬
‫شي‬
‫أحارت‬
‫طاحنة فما‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫سائر البيات الخر ‪ ،‬أعني مثل َبيت أبي النجم ‪: :‬‬
‫خَرا‬
‫ض أن ل تس َ‬
‫فما أُلوم البي َ‬
‫إنما جاز أن تكون " ل " بمعنى الحذف ‪ ،‬لن الجحد قد تقدمها في أول الكلم‬
‫صل للول ‪ ،‬كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫موا ِ‬
‫‪ ،‬فكان الكلم الخر ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬عبارة الفراء في معاني القرآن ‪ " :‬كأنك قلت ‪ :‬إلى غير رشد توجه وما‬
‫درى " ‪.‬‬
‫) ‪(1/191‬‬
‫ل الله فعل َهم‪ ...‬والط ّيبا َ‬
‫ما َ‬
‫سو ُ‬
‫مُر )‪(1‬‬
‫ن ي َْر َ‬
‫كا َ‬
‫ضى َر ُ‬
‫ن أُبو ب َك ْرٍ َول عُ َ‬
‫ِ ِ ْ ُ ُ‬
‫َ‬
‫َّ ِ‬
‫َ‬
‫دم الجحد ُ في أّول الكلم‪.‬‬
‫فجاَز ذلك ‪ ،‬إذ ْ كان قد تق ّ‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وهذا القو ُ‬
‫ل الخر أولى بالصواب من الول ‪ ،‬إذ كان غيَر‬
‫دمه بـ " ل " التي معناها‬
‫موجود ٍ في كلم العرب ابتداُء الكلم من غير جحد تق ّ‬
‫ف بها على " سوى " ‪ ،‬ول على حرف الستثناء‪ .‬وإنما‬
‫الحذف ‪ ،‬ول جائزٍ العط ُ‬
‫ِلـ " غير " في كلم العرب معان ثلثة ‪ :‬أحدها الستثناء ‪ ،‬والخر الجحد ‪،‬‬
‫مبتدأ )‪ ، (2‬وفسد َ‬
‫والثالث سوى‪ .‬فإذا ثبت خطأ " ل " أن يكون بمعنى اللغاء ُ‬
‫فا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ‪ ،‬لو كانت بمعنى‬
‫أن يكون عط ً‬
‫فا عليها لو كانت بمعنى‬
‫ضا أن يكون عط ً‬
‫" إل " التي هي استثناء ‪ ،‬ولم َيجز أي ً‬
‫فا بالواو التي هي عاطفة لها على ما‬
‫" سوى " ‪ ،‬وكانت " ل " موجودة عط ً‬
‫ه لـ " غير " ‪ ،‬التي مع " المغضوب عليهم " ‪،‬‬
‫َقبلها ‪ -‬ص ّ‬
‫ح )‪ (3‬وثبت أن ل وج َ‬
‫حة إل بمعنى الجحد والنفي ‪ ،‬وأن ل َوجه لقوله ‪" :‬‬
‫يجوز توجيهها إليه على ص ّ‬
‫ول الضالين " ‪ ،‬إل العطف على " غير المغضوب عليهم " ‪.‬‬
‫فتأوي ُ‬
‫حا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا ‪ -‬اهدنا‬
‫ل الكلم إًذا ‪ -‬إذ ْ كان صحي ً‬
‫الصراط المستقيم ‪ ،‬صراط الذين أنعمت عليهم ‪ ،‬ل المغضوب عليهم ول‬
‫الضالين‪.‬‬
‫ّ‬
‫ه بالستعاذة بالله أن‬
‫الل‬
‫أمرنا‬
‫الذين‬
‫لون‬
‫ضا‬
‫ال‬
‫هؤلء‬
‫من‬
‫و‬
‫‪:‬‬
‫قائل‬
‫لنا‬
‫فإن قال‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سل ُ َ‬
‫ض ّ‬
‫ل ضللهم ؟‬
‫ك بنا سبيلهم ‪ ،‬أو ن َ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫َ‬
‫ل َيا أهْ َ‬
‫صفهم الله في تنزيله فقال ‪) :‬قُ ْ‬
‫ب ل ت َغُْلوا‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫قيل ‪ :‬هم الذين و َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ضلوا ك َِثيًرا‬
‫ضلوا ِ‬
‫ل وَأ َ‬
‫واَء قَوْم ٍ قَد ْ َ‬
‫م غَي َْر ال ْ َ‬
‫ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حقّ َول ت َت ّب ُِعوا أهْ َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الشعر لجرير يهجو الخطل ‪ ،‬ديوانه ‪ ، 263‬ونقائض جرير والخطل ‪:‬‬
‫‪ ، 174‬وأضداد ابن النباري ‪ ، 186 :‬ثم تفسير آية سورة البقرة ‪. 158 :‬‬
‫)‪ (2‬في المخطوطة ‪ " :‬فإذا ثبت خط أن ل يكون بمعنى اللغاء " غير‬
‫منقوطة ‪ ،‬ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها ‪ " :‬فإذا بطل حظ ل‬
‫أن تكون بمعنى اللغاء " ‪ .‬وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم " ل "‬
‫على " يكون " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬جواب قوله " فإذا ثبت خطأ ‪. " . . .‬‬

‫) ‪(1/192‬‬
‫ل( ]سورة المائدة ‪.[77 :‬‬
‫وَ َ‬
‫واِء ال ّ‬
‫ن َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫ضّلوا عَ ْ‬
‫فإن قال ‪ :‬وما برهانك على أنهم أولء ؟‬
‫قيل ‪:‬‬
‫‪ - 207‬حدثنا أحمد بن الوليد الرملي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله بن جعفر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫حدثنا سفيان بن عيينة ‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد ‪ ،‬عن ال ّ‬
‫شعبي ‪ ،‬عن عدي‬
‫بن أبي حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬ول الضالين "‬
‫قال ‪ :‬النصارى )‪. (1‬‬
‫‪ - 208‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬أنبأنا محمد بن جعفر ‪ ،‬أنبأنا شعبة ‪ ،‬عن‬
‫حبيش يحدث ‪ ،‬عن عدي بن حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬قا َ‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ماك ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت عّباد بن ُ‬
‫س َ‬
‫ضالين ‪ :‬الّنصارى " ‪.‬‬
‫ال‬
‫إن‬
‫"‬
‫‪:‬‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫صلى‬
‫الله‬
‫رسول‬
‫لي‬
‫ّ‬
‫‪ - 209‬حدثني علي بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫صَعب ‪ ،‬عن حماد بن سلمة ‪ ،‬عن سماك بن حرب ‪ ،‬عن‬
‫حدثنا محمد بن ُ‬
‫م ْ‬
‫مّريّ بن قَ َ‬
‫طريّ ‪ ،‬عن عدي بن حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت النبي صلى الله عليه‬
‫ُ‬
‫وسلم عن قول الله ‪ " :‬ول الضالين " ‪ ،‬قال ‪ :‬النصارى هم الضالون ‪.‬‬
‫ضل ‪،‬‬
‫سامي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا بشر بن المف ّ‬
‫‪ - 210‬حدثنا ُ‬
‫مسعدة ال ّ‬
‫حميد بن َ‬
‫قال ‪ :‬حدثنا الجريري ‪ ،‬عن عبد الله بن شقيق ‪ :‬أن رجل أتى رسول الله‬
‫قَرى قال ‪ :‬قلت ‪ :‬من هؤلء ؟ قال‬
‫صلى الله عليه وسلم وهو محاصٌر واديَ ال ُ‬
‫ضالون ‪ :‬النصارى ‪.‬‬
‫‪ :‬هؤلء ال ّ‬
‫َ‬
‫ن عُلّية ‪ ،‬عن سعيد‬
‫‪ - 211‬حدثنا يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا اب ُ‬
‫جَريري ‪ ،‬عن عروة ‪ ،‬يعني ابن عبد الله بن قيس ‪ ،‬عن عبد الله بن شقيق ‪،‬‬
‫ال ُ‬
‫عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه )‪. (2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬هذه الحاديث والخبار والثار ‪ ، 220 - 207‬في تفسير )الضالين( ‪،‬‬
‫سبقت أوائلها في تفسير )المغضوب عليهم( ‪ ،‬مع تخريجها ‪ ،‬في الرقام ‪193‬‬
‫ ‪ ، 206‬مع شيء من التقديم والتأخير ‪.‬‬‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 211‬سبق هذا السناد ‪ 197‬ولم ينسب فيه " عروة " هذا ‪،‬‬
‫وفي التعليق على الحديث ‪ 198‬إشارة ابن كثير إلى رواية " عروة " ‪ ،‬ولم‬
‫ضا ‪ .‬وقد بين الطبري هنا أنه " عروة بن عبد الله بن قيس " ‪.‬‬
‫يذكر نسبه أي ً‬
‫وأنا أرجح أن كلمة " قيس " محرفة من الناسخين عن كلمة " قشير " ‪.‬‬
‫فإني لم أجد في التراجم قط من يسمى " عروة بن عبد الله بن قيس " ‪،‬‬
‫ويبعد جدا أن ل يذكروه ‪ ،‬وهو يروي عن رجل من كبار التابعين ‪ .‬والذي في‬
‫هذه الطبقة ‪ ،‬هو " عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الكوفي " ‪ ،‬مترجم‬
‫في التهذيب ‪ ، 186 : 7‬والتاريخ الكبير للبخاري ‪ ، 34 / 1 / 4‬والجرح‬
‫والتعديل لبن أبي حاتم ‪ ، 397 / 1 / 3‬والثقات لبن حبان ‪ ، 574 :‬والكنى‬
‫للدولبي ‪ . 135 : 2‬وذكر الخيران قول آخر في اسم جده ‪ ،‬أنه " بشير " ‪ .‬و‬
‫" أبو مهل " ‪ :‬بفتح الميم والهاء ‪ ،‬كما ذكره الذهبي في المشتبه ‪. 508 :‬‬
‫) ‪(1/193‬‬

‫‪ - 212‬حدثنا الحسن بن يحيى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرزاق ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا‬
‫قيلي ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني عبد الله بن شقيق ‪ ،‬أنه أخبره من‬
‫معمر ‪ ،‬عن ب ُد َْيل العُ َ‬
‫سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله‬
‫َ‬
‫قين ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسو َ‬
‫ل الله ‪ ،‬من هؤلء ؟ ‪ -‬قال ‪ :‬هؤلء‬
‫رجل من بني ال َ‬
‫ضالون " ‪ ،‬يعني النصارى‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫‪ - 213‬حدثنا القاسم قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا خالد الواسطي ‪ ،‬عن‬
‫خالد الحذاء ‪ ،‬عن عبد الله بن شقيق ‪ ،‬أن رجل سأل النبي صلى الله عليه‬
‫قرى وهو على فرس ‪ :‬من هؤلء ؟ قال ‪:‬‬
‫وسلم ‪ ،‬وهو محاصٌر وادي ال ُ‬
‫الضاّلون‪ .‬يعني النصارى‪.‬‬
‫‪ - 214‬حدثنا محمد بن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا مهران ‪ ،‬عن سفيان ‪ ،‬عن مجاهد ‪:‬‬
‫" ول الضالين " قال ‪ :‬النصارى‪.‬‬
‫عمارة ‪،‬‬
‫‪ - 215‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عثمان بن سعيد ‪ ،‬عن بشر بن ُ‬
‫قال ‪ :‬حدثنا أبو َرْوق ‪ ،‬عن الضحاك ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ " :‬ول الضالين " قال ‪:‬‬
‫م عليه‪ .‬قال ‪ :‬يقول ‪ :‬فألِهمنا‬
‫ق الّنصارى الذين أضّلهم الله ِبفْرَيته ْ‬
‫َوغير طري ِ‬
‫ب علينا كما‬
‫ض َ‬
‫ده ل شريك له ‪ ،‬حتى ل تغ َ‬
‫دينك الحق ‪ ،‬وهو ل إله إل الله وح َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ت النصارى فتعذبنا بما تعذبهم به‪.‬‬
‫ت على اليهود ‪ ،‬ول تضّلنا كما أضلل َ‬
‫غضب َ‬
‫يقول امنْعنا من ذلك برف ِْ‬
‫قك وَرحمتك وقدرتك‪.‬‬
‫‪ - 216‬حدثنا القاسم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني حجاج ‪ ،‬عن ابن‬
‫جريج ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ابن عباس ‪ :‬الضالين النصارى‪.‬‬
‫) ‪(1/194‬‬
‫‪ - 217‬حدثني موسى بن هارون الهمداني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد ‪ ،‬قال‬
‫‪ :‬حدثنا أسباط بن نصر ‪ ،‬عن إسماعيل السد ّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك ‪،‬‬
‫وعن أبي صالح ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ -‬وعن مرة الهمداني ‪ ،‬عن ابن مسعود ‪-‬‬
‫وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬ول الضالين " ‪ ،‬هم‬
‫النصارى‪.‬‬
‫عبيد الله بن موسى ‪،‬‬
‫‪ - 218‬حدثني أحمد بن حازم الِغفاري ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا ُ‬
‫عن أبي جعفر ‪ ،‬عن ربيع ‪ " :‬ول الضالين " ‪ ،‬النصارى‪.‬‬
‫‪ - 219‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد‬
‫الرحمن بن زيد ‪ " :‬ول الضالين " ‪ ،‬النصارى‪.‬‬
‫‪ - 220‬حدثنا يونس قال ‪ :‬أخبرنا ابن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن‬
‫زيد ‪ ،‬عن أبيه‪ .‬قال ‪ :‬الضالين ‪ ،‬النصارى‪.‬‬
‫***‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬فك ّ‬
‫ك غيَر المنهج القويم ‪،‬‬
‫صد السبيل ‪ ،‬وسال ٍ‬
‫ل حائد ٍ عن قَ ْ‬
‫ضا ّ‬
‫ه الطريق‪ .‬فلذلك سمى الله جل ذكره‬
‫ف َ‬
‫ل عند العرب ‪ ،‬لضلله َوج َ‬
‫دين في غير‬
‫ج السبيل ‪ ،‬وأخذهم من ال ّ‬
‫منه َ‬
‫النصاَرى ُ‬
‫ضلل لخطئهم في الحقّ َ‬
‫الطريق المستقيم‪.‬‬
‫ضا من صفة اليهود ؟‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬أوَ ليس ذلك أي ً‬
‫قيل ‪ :‬بلى!‬
‫فهم به من‬
‫ص اليهود َ بما وص َ‬
‫فإن قال ‪ :‬كيف َ‬
‫ص النصاَرى بهذه الصفة ‪َ ،‬وخ ّ‬
‫خ ّ‬
‫أنهم مغضوب عليهم ؟‬
‫ّ‬
‫ب عليهم ‪ ،‬غيَر أن الله جل ثناؤه َوسم كل‬
‫ضلل مغضو ٌ‬
‫قيل ‪ :‬كل الفريقين ُ‬

‫فته لعباده بما يعرفونه به ‪ ،‬إذا ذكره ُ لهم أو أخبرهم عنه‪.‬‬
‫ص َ‬
‫فريق منهم من ِ‬
‫ة على حقيقته ‪ ،‬وإن كان له‬
‫دا من الفريقين إل بما هو له صف ٌ‬
‫م واح ً‬
‫ولم يس ّ‬
‫ت عليه‪.‬‬
‫من صفا ِ‬
‫ت الذ ّ‬
‫م زيادا ٌ‬
‫ن بعض أهل الغباء من القدرّية أن في وصف الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه النصارى‬
‫فيظ ّ‬
‫) ‪(1/195‬‬
‫ضلل إليهم دون إضافة‬
‫ضلل ‪ ،‬بقوله ‪ " :‬ول الضالين " ‪ ،‬وإضافته ال ّ‬
‫بال ّ‬
‫ّ‬
‫إضللهم إلى نفسه ‪ ،‬وتركه وصفهم بأنهم المضللون ‪ ،‬كالذي َوصف به اليهود‬
‫ة على صحة ما قاله إخواُنه من جهلة القدرية ‪،‬‬
‫ب عليهم ‪ -‬دلل ً‬
‫أنهم المغضو ُ‬
‫سَعة كلم العرب وتصاريف ُوجوهه‪.‬‬
‫جهل منه ب َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن شأ ُ‬
‫ولو كان المر على ما ظّنه الغبي الذي وصفنا شأنه ‪ ،‬لوجب أن يكو َ‬
‫ف إليه فع ٌ‬
‫ك ّ‬
‫ب لغيره ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬ل يجوُز أن يكون فيه سب ٌ‬
‫ف بصفةٍ أو مضا ٍ‬
‫ل موصو ٍ‬
‫ب ‪ ،‬فالحقّ فيه أن يكون مضافاً‬
‫ن يكون ك ّ‬
‫ل ما كان فيه من ذلك لغيره سب ٌ‬
‫وأ ْ‬
‫ُ‬
‫ب أن يكون خطأ قول القائل ‪ " :‬تحركت‬
‫مسّببه ‪ ،‬ولو َوجب ذلك ‪ ،‬لوج َ‬
‫إلى ُ‬
‫الشجرةُ " ‪ ،‬إذ ْ حّركتها الرياح ؛ و " اضطربت الرض " ‪ ،‬إذ ْ حّركتها الزلزلة ‪،‬‬
‫ه ذلك من الكلم الذي يطو ُ‬
‫ل بإحصائه الكتاب‪.‬‬
‫وما أشب َ‬
‫وفي قول الله ج ّ‬
‫م ( ]سورة‬
‫م ِفي ال ْ ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫فل ْ ِ‬
‫ل ثناؤه ‪َ ) :‬‬
‫ن ب ِهِ ْ‬
‫حّتى إ َِذا ك ُن ْت ُ ْ‬
‫جَري ْ َ‬
‫رها إّياها‬
‫يونس ‪ - [22 :‬بإضافته الجريَ إلى الفلك ‪ ،‬وإن كان جريها بإجراء غي ِ‬
‫ ما د ّ‬‫ل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله ‪ " :‬ول‬
‫ن في نسبة الله ج ّ‬
‫ة إلى من َنسبها إليه‬
‫ل ثناؤه الضلل َ‬
‫الضالين " ‪ ،‬واّدعائه أ ّ‬
‫حا لما اّدعى المنكرون ‪ :‬أن يكون لله ج ّ‬
‫ل ثناؤه في‬
‫من النصارى ‪ ،‬تصحي ً‬
‫صا في‬
‫أفعال خلقه سب ٌ‬
‫ب من أجله ُوجدت أفعالهم ‪ ،‬مع إبانة الله عّز ذكره ن ّ‬
‫ي كثيرة من تنزيله ‪ ،‬أنه المض ّ‬
‫ل الهادي ‪ ،‬فمن ذلك قوله جل ثناؤه ‪:‬‬
‫آ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫علم ٍ وَ َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ه عَلى ِ‬
‫معِهِ وَقَلب ِ ِ‬
‫واه ُ وَأ َ‬
‫م عَلى َ‬
‫س ْ‬
‫خت َ َ‬
‫ه الل ُ‬
‫ضل ُ‬
‫خذ َ إ ِلهَ ُ‬
‫ت َ‬
‫) أفََرأي ْ َ‬
‫ه هَ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جعَ َ‬
‫صرِهِ ِغ َ‬
‫ن ( ]سورة‬
‫ديهِ ِ‬
‫ن ي َهْ ِ‬
‫ن ب َعْدِ اللهِ أَفل ت َذ َكُرو َ‬
‫وَ َ‬
‫شاوَةً فَ َ‬
‫ل عَلى ب َ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ل ذكره أنه المض ّ‬
‫الجاثية ‪ .[23 :‬فأنبأ ج ّ‬
‫ل الهادي دون غيره‪.‬‬
‫ن القرآن نز َ‬
‫دمنا البيان عنه في أول الكتاب ‪،‬‬
‫ل بلسان العرب ‪ ،‬على ما ق ّ‬
‫ولك ّ‬
‫ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من ُوجد منه ‪ -‬وإن كان مسب ُّبه غيَر الذي‬
‫جد‬
‫وُ ِ‬
‫) ‪(1/196‬‬
‫منه ‪ -‬أحياًنا ‪ ،‬وأحياًنا إلى مسّببه ‪ ،‬وإن كان الذي وجد منه الفعل غيُره‪ .‬فكيف‬
‫جده الله ج ّ‬
‫من ْ َ‬
‫شأة ً ؟ بل‬
‫ل ثناؤه عَي ًْنا ُ‬
‫بالفعل الذي يكتسبه العبد كسًبا ‪ ،‬وُيو ِ‬
‫ذلك أحرى أن ُيضاف إلى مكتسِبه ؛ كسًبا له ‪ ،‬بالقوة منه عليه ‪ ،‬والختيار منه‬
‫له ‪َ -‬وإلى الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه ‪ ،‬بإيجاد عيِنه وإنشائها تدبيًرا‪ ) .‬مسألة َيسأل عنها‬
‫أهل اللحاد ال ّ‬
‫طاعنون في القرآن(‬
‫صف‬
‫إن سأَلنا منهم سائل فقال ‪ :‬إنك قد ق ّ‬
‫دم َ‬
‫ت في أول كتابك هذا في و ْ‬
‫مبين به‬
‫البيان ‪ :‬بأ ّ‬
‫ن أعله درجة وأشرَفه مرتبة ‪ ،‬أبلُغه في البانة عن حاجة ال ُ‬
‫ت ‪ ،‬مع ذلك ‪:‬‬
‫مراد قائله ‪ ،‬وأقرُبه من فهم سامعه‪ .‬وقل َ‬
‫عن نفسه ‪ ،‬وأبيُنه عن ُ‬
‫ضله على سائر‬
‫م الله جل ثناؤه ‪ ،‬ل ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫إ ّ‬
‫ن أْولى البيان بأن يكون كذلك ‪ ،‬كل ُ‬

‫الكلم وبارتفاع د ََرجته على أعلى درجات البيان )‪ ، (1‬فما الوجه ‪ -‬إذ كان‬
‫المر على ما وصفت ‪ -‬في إطالة الكلم بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات ؟‬
‫وقد حوت معاني جميعها منها آيتان ‪ ،‬وذلك قوله ‪ ) :‬مالك يوم الدين إياك‬
‫ملك يوم الدين ‪ ،‬فقد‬
‫ن من َ‬
‫نعبد وإياك نستعين ( ‪ ،‬إذ ْ كان ل شك أ ّ‬
‫عرف ‪َ :‬‬
‫ن من كان لله مطيًعا ‪ ،‬فل شك أنه‬
‫مْثلى‪ .‬وأ ّ‬
‫عََرفه بأسمائه الحسنى وصفاته ال ُ‬
‫ض ّ‬
‫ل‬
‫مّتبع ‪ ،‬وعن سبيل من غَ ِ‬
‫ضب عليه و َ‬
‫لسبيل من أنعم الله عليه في دينه ُ‬
‫وها‬
‫من ْعَ ِ‬
‫دل‪ .‬فما في زيادة اليات الخمس الباقية ‪ ،‬من الحكمة التي لم ت َ ْ‬
‫ُ‬
‫ح ِ‬
‫اليتان اللتان ذكرنا ؟‬
‫جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولمته ‪-‬‬
‫ن الله تعالى ذكُره َ‬
‫قيل له ‪ :‬إ ّ‬
‫ي قبله ‪ ،‬ول‬
‫ن بكتاب أنزله إلى نب ّ‬
‫ي لم يجمعْهُ ّ‬
‫بما أنزل إليه من كتابه ‪ -‬معان َ‬
‫ُ‬
‫ل كتاب أنزله ج ّ‬
‫نك ّ‬
‫ي من أنبيائه‬
‫مة من المم قبلهم‪ .‬وذلك أ ّ‬
‫ل ّ‬
‫ل ذكُره على نب ّ‬
‫قبله ‪ ،‬فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميَعها كتاُبه الذي أنزله إلى نبينا‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم‪ .‬كالّتوراة التي هي مواعظ وتفصيل ‪ ،‬والّزُبور‬
‫معجزةَ في‬
‫الذي هو تحميد وتمجيد ‪ ،‬والنجيل الذي هو مواعظ وتذكير ‪ -‬ل ُ‬
‫ب الذي أنزل على نبّينا‬
‫واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق‪ .‬والكتا ُ‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬يحوي معاني ذلك كله ‪ ،‬ويزيد عليه كثيًرا من‬
‫ل‪.‬‬
‫ره منها خا ٍ‬
‫المعاني التي سائُر الكتب غي ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ما مضى ‪. 11 - 9 :‬‬
‫) ‪(1/197‬‬
‫دمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب )‪. (1‬‬
‫وقد ق ّ‬
‫ْ‬
‫مه‬
‫ف تلك المعاني التي فَ َ‬
‫ومن أشر ِ‬
‫ضل بها كتاُبنا سائَر الكتب قبله ‪ ،‬نظ ُ‬
‫ر‬
‫فه الغريب )‪ (2‬وتألي ُ‬
‫ص ُ‬
‫العجي ُ‬
‫فه البديع ؛ الذي عجز ْ‬
‫ب ور ْ‬
‫ت عن نظم مث ْ ِ‬
‫ل أصغ ِ‬
‫ّ‬
‫صف شكل بعضه البلغاء ‪ ،‬وتحّيرت في‬
‫سورة منه الخطباء ‪ ،‬وكلت عن وَ ْ‬
‫تأليفه ال ّ‬
‫فهماء ‪،‬‬
‫م ال ُ‬
‫ي بمثله ‪ -‬لديه أفها ُ‬
‫شعراء ‪ ،‬وتبّلدت ‪ -‬قصوًرا عن أن تأت َ‬
‫م والقرار بأنه من عند الواحد القهار‪ .‬مع ما يحوي ‪،‬‬
‫فلم يجدوا له إل التسلي َ‬
‫َ‬
‫دل‬
‫ج َ‬
‫صص و َ‬
‫َ‬
‫مع ذلك ‪ ،‬من المعاني التي هي ترغيب وترهيب ‪ ،‬وأمٌر وزجٌر ‪ ،‬وق َ‬
‫َ‬
‫ه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الرض‬
‫مثل ‪ ،‬وما أشب َ‬
‫و َ‬
‫من السماء‪.‬‬
‫ت‬
‫ما في أ ّ‬
‫م القرآن )‪ ، (3‬فِلما وصف ُ‬
‫فمهما يكن فيه من إطالة ‪ ،‬على نحو َ‬
‫قب ُ‬
‫مه الغريب ‪،‬‬
‫صفه العجيب ونظ ْ ِ‬
‫ل من أن الله جل ذكره أراد َ أن يجمعَ ‪ -‬بَر ْ‬
‫جع الك ُّهان وخطب الخطباء وَرسائل البلغاء ‪،‬‬
‫ل عن أوزان الشعار ‪ ،‬وس ْ‬
‫المنعدِ ِ‬
‫ة )‪(4‬‬
‫صف مثله جميع النام ‪ ،‬وعن نظم نظيره كل العباد ‪ -‬الدلل َ‬
‫العاجز عن َر ْ‬
‫على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء‬
‫مملكته ‪،‬‬
‫ه )‪ (5‬العباد على َ‬
‫عظمته وسلطانه وقدرته و ِ‬
‫عظم َ‬
‫عليه ‪ ،‬تنبي َ‬
‫ليذكُروه بآلئه ‪ ،‬ويحمدوه على نعمائه ‪ ،‬فيستحقوا به منه المزيد َ ‪ ،‬ويستوجبوا‬
‫ضل‬
‫ب الجزيل ؛ وبما فيه من ن َعْ ِ‬
‫ت من أنعم عليه بمعرفته ‪ ،‬وتف ّ‬
‫عليه الثوا َ‬
‫ف )‪ (6‬عباده أن كل ما بهم من نعمة ‪ ،‬في دينهم‬
‫عليه بتوفيقه لطاعته ‪ ،‬تعري َ‬
‫ودنياهم ‪ ،‬فمنه ‪ ،‬ليصرفوا َرغبتهم إليه ‪ ،‬ويبتغوا حاجاتهم من عنده ُدون ما‬
‫سواهُ من اللهة والنداد ‪ ،‬وبما فيه من ذكره ما أح ّ‬
‫مُثلته ‪،‬‬
‫ن َ‬
‫ل بمن عَ َ‬
‫صاه م ْ‬
‫ب )‪ (7‬عباده عن ركوب‬
‫وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته ‪ -‬ترهي َ‬

‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ما مضى ‪71 :‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة " ووصفه " ‪ .‬ورصف الشيء ضم بعضه إلى بعض ونظمه‬
‫حتى يكون مستويا محكما منضدا ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المخطوطة ‪ " :‬آية القرآن " غير منقوطة ‪.‬‬
‫)‪ " (4‬الدللة " مفعول " أن يجمع ‪ ، " . . .‬ثم عطف عليها بعد ‪ ،‬ما سننبه‬
‫له ‪.‬‬
‫فا ‪.‬‬
‫)‪ (5‬هذه جميًعا معطوفة على قوله " الدللة " ‪ ،‬كما ذكرنا آن ً‬
‫فا ‪.‬‬
‫)‪ (6‬هذه جميًعا معطوفة على قوله " الدللة " ‪ ،‬كما ذكرنا آن ً‬
‫فا ‪.‬‬
‫)‪ (7‬هذه جميًعا معطوفة على قوله " الدللة " ‪ ،‬كما ذكرنا آن ً‬
‫) ‪(1/199‬‬
‫خطه ‪ ،‬فيسل َ‬
‫ك بهم في النكال‬
‫س َ‬
‫ض لما ل قَِبل لهم به من َ‬
‫معاصيه ‪ ،‬والتعّر ِ‬
‫قمات سبي َ‬
‫ل من ركب ذلك من الُهلك‪.‬‬
‫والن ّ ِ‬
‫جه إطالة البيان في سورة أم القرآن ‪ ،‬وفيما كان نظيًرا لها من سائر‬
‫فذلك وَ ْ‬
‫سور الفرقان‪ .‬وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة‪.‬‬
‫***‬
‫‪ - 221‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا المحاربي ‪ ،‬عن محمد بن إسحاق ‪،‬‬
‫هرة‬
‫قال ‪ :‬حدثني العلء بن عبد الرحمن بن يعقوب ‪ ،‬عن أبي السائب مولى ُز ْ‬
‫‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬إذا قال‬
‫ب العالمين " ‪ ،‬قال الله ‪ " :‬حمدني عبدي " ‪ .‬وإذا قال ‪:‬‬
‫العبد ‪ " :‬الحمد لله ر ّ‬
‫ك يوم‬
‫ي عبدي " ‪ .‬وإذا قال ‪ " :‬مال ِ‬
‫" الرحمن الرحيم " ‪ ،‬قال ‪ " :‬أثنى عل ّ‬
‫جدني عبدي‪ .‬فهذا لي " ‪ .‬وإذا َقال ‪ " :‬إّياك َنعُبد وإّياكَ‬
‫الدين " ‪ ،‬قال ‪ " :‬م ّ‬
‫َ‬
‫ه )‪. (1‬‬
‫نستعين " إلى أن يختم السورة ‪ ،‬قال ‪ " :‬فذاك ل ُ‬
‫‪ - 222‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبدة ‪ ،‬عن ابن إسحاق ‪ ،‬عن العلء بن‬
‫عبد الرحمن ‪ ،‬عن أبي السائب ‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ ،‬قال ‪ :‬إذا قال العبد ‪" :‬‬
‫الحمد لله " ‪ ،‬فذكر نحوه ‪ ،‬ولم يرفعه )‪. (2‬‬
‫‪ - 223‬حدثنا أبو كريب ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أسامة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الوليد بن كثير ‪،‬‬
‫حَرَقة ‪ ،‬عن أبي السائب ‪ ،‬عن‬
‫قال ‪ :‬حدثني العلء بن عبد الرحمن مولى ال ُ‬
‫أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬مثله )‪. (3‬‬
‫حَباب ‪،‬‬
‫‪ - 224‬حدثني صالح بن مسمار المروزي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا زيد بن ال ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 221‬المحاربي ‪ :‬هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد ‪ ،‬وهو‬
‫ثقة ‪ ،‬أخرج له الجماعة ‪.‬‬
‫محمد بن إسحاق ‪ :‬هو ابن يسار ‪ ،‬صاحب السيرة ‪ ،‬ثقة معروف ‪ ،‬تكلم فيه‬
‫بعضهم بغير حجة وبغير وجه ‪ .‬العلء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى‬
‫الحرقة ‪ -‬بضم الحاء وفتح الراء ‪ : -‬تابعي ثقة ‪ .‬أبو السائب مولى زهرة ‪:‬‬
‫تابعي ثقة ‪ ،‬قال ابن عبد البر ‪ " :‬أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل " ‪.‬‬
‫والحديث رواه الطبري بعد هذا موقوًفا بإسنادين ‪ .‬وسنذكر تخريجه في‬
‫آخرهما ‪. 223 :‬‬
‫)‪ (2‬الحديث ‪ - 222‬عبدة ‪ :‬هو ابن سليمان الكلبي ‪ ،‬من شيوخ أحمد‬
‫وإسحاق ‪ ،‬قال أحمد ‪ " :‬ثقة ثقة وزيادة ‪ ،‬مع صلح في بدنه " ‪.‬‬

‫)‪ (3‬الحديث ‪ - 223‬أبو أسامة ‪ :‬هو حماد بن أسامة ‪ .‬الوليد بن كثير‬
‫المخزومي ‪ :‬ثقة ثبت أخرج له الجماعة ‪.‬‬
‫ما ‪ ،‬وإن كان في هاتين‬
‫وهذا الحديث ‪ -‬بإسناديه الموقوفين ‪ -‬مرفوع حك ً‬
‫الروايتين موقوًفا لف ً‬
‫ظا ‪ .‬فإن هذا مما ل يعلم بالرأي ‪ ،‬ول يدخل فيه مناط‬
‫الجتهاد ‪.‬‬
‫ثم إن الرفع زيادة من الثقة ‪ ،‬وهي مقبولة ‪ .‬وفوق هذا كله ‪ ،‬فإنه لم ينفرد‬
‫برفعه راويه في السناد الول ‪ ،‬وهو المحاربي ‪ ،‬بل ورد بأسانيد أخر‬
‫عا ‪.‬‬
‫مرفو ً‬
‫وهو قطعة من حديث طويل ‪ ،‬رواه مالك في الموطأ ‪ 85 - 84 :‬عن العلء‬
‫عا ‪ .‬وكفى بمالك حجة في التوثق من‬
‫بن عبد الرحمن ‪ ،‬بهذا السناد مرفو ً‬
‫ما ‪ .‬وكذلك رواه مسلم ‪104 - 101 : 4) 166 : 1‬‬
‫رفعه لفظا فوق رفعه حك ً‬
‫من شرح النووي( ‪ ،‬من طريق مالك ‪ ،‬ومن طريق سفيان بن عيينة ‪ ،‬ومن‬
‫طريق ابن جريج ‪ ،‬ومن طريق أبي أويس ‪ -‬كلهم عن العلء عن أبي‬
‫عا ‪ .‬وزاد أبو أويس عن العلء قال ‪ " :‬سمعت من أبي‬
‫السائب ‪ ،‬به مرفو ً‬
‫ومن أبي السائب ‪ ،‬وكانا جليسي أبي هريرة ‪ ، " . . .‬فذكره مرفوعا ‪.‬‬
‫ونسبه السيوطي ‪ 6 : 1‬لسفيان بن عيينة في تفسيره ‪ ،‬وأبي عبيدة في‬
‫فضائله ‪ ،‬وابن أبي شيبة ‪ ،‬وأحمد ‪ ،‬والبخاري في جزء القراءة ‪ ،‬وأصحاب‬
‫السنن الربعة ‪ ،‬وابن حبان ‪ ،‬وغيرهم ‪ .‬وذكر ابن كثير ‪ 25 - 24 : 1‬بعض‬
‫طرقه مفصلة ‪.‬‬
‫) ‪(1/200‬‬
‫ريف ‪ ،‬عن سعد بن إسحاق‬
‫قال ‪ :‬حدثنا عَْنبسة بن سعيد ‪ ،‬عن ُ‬
‫مط َّرف بن ط َ ِ‬
‫جرة ‪ ،‬عن جابر بن عبد الله النصاري ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول الله‬
‫بن كعب بن عُ ْ‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ :‬قال الله عز وج ّ‬
‫سمت الصلة بيني وبين عبدي‬
‫ل ‪ " :‬قَ َ‬
‫ب العالمين " قال‬
‫سأل " ‪ .‬فإذا قال العبد ‪ " :‬الحمد ُ لله ر ّ‬
‫صفين ‪ ،‬وله ما َ‬
‫نِ ْ‬
‫ي‬
‫دني َ‬
‫الله ‪ " :‬حم َ‬
‫عبدي " ‪ ،‬وإذا قال ‪ " :‬الرحمن الرحيم " ‪ ،‬قال ‪ " :‬أثنى عل ّ‬
‫عبدي " قال ‪ " :‬هذا‬
‫جدني َ‬
‫َ‬
‫ك َيوم ِ الدين " قال ‪ " :‬م ّ‬
‫عبدي " ‪ ،‬وإذا قال ‪ " :‬مال ِ‬
‫َ‬
‫ب"‪.‬‬
‫سوَرةِ فاِتح ُ‬
‫لي ‪ ،‬و ما بقي " )‪ " . (1‬آخُر تفسيرِ ُ‬
‫ة الكتا ِ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الحديث ‪ - 224‬هذا إسناد جيد صحيح ‪ .‬صالح بن مسمار السلمي‬
‫المروزي ‪ :‬ثقة ‪ ،‬روى عنه مسلم في صحيحه ‪ ،‬وقال أبو حاتم ‪ " :‬صدوق " ‪،‬‬
‫كما في كتاب ابنه ‪ ، 415 / 1 / 2‬وذكره ابن حبان في الثقات ‪ .‬عنبسة بن‬
‫سعيد الضريس الرازي قاضي الري ‪ :‬ثقة ‪ ،‬وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو‬
‫داود وغيرهم ‪ ،‬وصرح البخاري في الكبير ‪ 35 / 1 / 4‬بأنه يروي عن مطرف ‪.‬‬
‫و " الضريس " ‪ :‬بضم الضاد المعجمة وآخره سين مهملة ‪ ،‬كما ضبطه‬
‫الحافظ في التقريب ‪ .‬مطرف بن طريف ‪ :‬ثقة ثبت ‪ ،‬أخرج له الجماعة ‪.‬‬
‫سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ‪ :‬ثقة ل يختلف فيه ‪ ،‬كما قال ابن عبد‬
‫البر ‪ ،‬وهو من شيوخ مالك ‪ .‬وروايته عن جابر متصلة ‪ ،‬لنه يروي عن أبيه "‬
‫إسحاق بن كعب " يوم الحرة سنة ‪ ، 63‬وقد عاش جابر بعدها أكثر من عشر‬
‫سنين ‪.‬‬
‫والحديث ذكره السيوطي ‪ 6 : 1‬ونسبه لبن جرير وابن أبي حاتم في‬
‫تفسيريهما ‪ .‬وذكره ابن كثير ‪ 25 : 1‬عن هذا الموضع من الطبري ‪ -‬ووقع في‬

‫إسناده غلط مطبعي ‪ -‬وقال ‪ " :‬وهذا غريب من هذا الوجه " ولعله يريد أنه‬
‫لم يروه أحد من حديث جابر إل بهذا السناد ‪ .‬وليس من ذلك باس ‪ ،‬وقد ثبت‬
‫معناه من حديث أبي هريرة ‪ ،‬فهو شاهد قوي لصحته ‪.‬‬
‫) ‪(1/201‬‬
‫الم )‪(1‬‬
‫تفسير سورة البقرة‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫ن‬
‫ر ّ‬
‫ب أع ْ‬
‫)القول في تفسير السورة التي ي ُ ْ‬
‫ذكر فيها البقرة(‬
‫القول في تأويل قول الله جل ثناؤه ‪ } :‬الم { ‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره )‪" (1‬‬
‫ألم " فقا َ‬
‫ضهم ‪ :‬هو اسم من أسماء القرآن‪.‬‬
‫ل بع ُ‬
‫* ذكُر من قال ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 225‬حدثنا الحسن بن يحيى ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا عبد الرّزاق ‪ ،‬قال ‪ ،‬أخبرنا معمر‬
‫‪ ،‬عن قتادة في قوله ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬قال ‪ :‬اسم من أسماء القرآن‪.‬‬
‫‪ - 226‬حدثني المثنى بن إبراهيم الملي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو حذيفة موسى بن‬
‫مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شبل ‪ ،‬عن ابن أبي نجيح ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪،‬‬
‫اسم من أسماء القرآن‪.‬‬
‫‪ - 227‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫جريج ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬اسم من أسماء القرآن‪.‬‬
‫حدثني حجاج ‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫ح يفتح الله بها القرآن‪.‬‬
‫ضهم ‪ :‬هو َفوات ُ‬
‫وقال بع ُ‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 187‬حدثني هارون بن إدريس الصم الكوفي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن‬
‫محمد المحاربي ‪ ،‬عن ابن جريج ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬فواتح يفتح‬
‫الله بها القرآن‪.‬‬
‫__________‬
‫فا ‪ ، 170 :‬تعليق ‪ 4 :‬وما قبلها ‪70‬‬
‫)‪ (1‬تراجمة القرآن ‪ :‬مفسروه ‪ ،‬كما مر آن ً‬
‫‪ ،‬تعليق ‪10 :‬‬
‫) ‪(1/205‬‬
‫فاري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو نعيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا‬
‫‪ - 229‬حدثنا أحمد بن حازم الغِ َ‬
‫سفيان ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬فواتح‪.‬‬
‫‪ - 230‬حدثني المثنى بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسحاق بن الحجاج ‪ ،‬عن يحيى‬
‫بن آدم ‪ ،‬عن سفيان ‪ ،‬عن ابن أبي نجيح ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬و "‬
‫ح افتتح الله بها )‪. (1‬‬
‫حم " ‪ ،‬و " ألمص " ‪ ،‬و " ص " ‪ ،‬فوات ُ‬
‫‪ - 231‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني‬
‫حجاج ‪ ،‬عن ابن جريج ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬مث َ‬
‫ل حديث هارون بن إدريس‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬هو اسم للسورة‪.‬‬
‫* ذكُر من قال ذلك ‪:‬‬

‫‪ - 232‬حدثني يونس بن عبد العلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أنبأنا عبد الله بن وهب ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ‪ ،‬عن قول الله ‪ " :‬ألم ذلك الكتاب " و "‬
‫ور‪.‬‬
‫ألم َتنزيل " ‪ ،‬و " ألمر تلك " ‪ ،‬فقال ‪ :‬قال أبي ‪ :‬إنما هي أسماء ال ّ‬
‫س َ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬هو اسم الله العظم‪.‬‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 233‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫دي عن " حم " و " طسم " و " ألم " ‪،‬‬
‫س ّ‬
‫حدثنا شعبة ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت ال ّ‬
‫سم الله العظم‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬قال ابن عباس ‪ :‬هو ا ْ‬
‫‪ - 234‬حدثنا محمد بن المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبو النعمان ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا شعبة‬
‫مّرة الهمداني ‪ ،‬قال ‪ :‬قال عبد ُ الله فذكر نحوه‪.‬‬
‫س ّ‬
‫‪ ،‬عن إسماعيل ال ّ‬
‫دي ‪ ،‬عن ُ‬
‫عبيد الله بن‬
‫‪ - 235‬حدثني المثنى ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسحاق بن الحجاج ‪ ،‬عن ُ‬
‫موسى ‪ ،‬عن إسماعيل ‪ ،‬عن الشعبي قال ‪ :‬فواتح السور من أسماء الله‪.‬‬
‫م الله به ‪ ،‬وهو من أسمائه‪.‬‬
‫م أقس َ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬هو قس ٌ‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 230‬إسحاق بن الحجاج ‪ :‬هو الطاحوني المقرئ ‪ ،‬ترجمه ابن أبي‬
‫حاتم في الجرح والتعديل ‪ ، 217 /1/1‬وقال ‪ " :‬سمعت أبا زرعة يقول ‪ :‬كتب‬
‫عبد الرحمن الدشتكي تفسير عبد الرزاق عن إسحاق بن الحجاج " ‪.‬‬
‫) ‪(1/206‬‬
‫‪ - 236‬حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الله بن‬
‫صالح ‪ ،‬قال حدثني معاوية بن صالح ‪ ،‬عن علي بن أبي طلحة ‪ ،‬عن ابن‬
‫م الله به ‪ ،‬وهو من أسماء الله‪.‬‬
‫عباس ‪ ،‬قال ‪ :‬هو قَ َ‬
‫سم أقس َ‬
‫ّ‬
‫‪ - 237‬حدثنا يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن عُلية ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا خالد‬
‫الح ّ‬
‫ذاء ‪ ،‬عن عكرمة ‪ ،‬قال ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬قسم )‪. (1‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 237‬يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح ‪ :‬هو الدورقي‬
‫الحافظ البغدادي ‪.‬‬
‫) ‪(1/207‬‬
‫حُروف مق ّ‬
‫ل‪،‬ك ّ‬
‫ل حرف من ذلك‬
‫طع ٌ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬هو ُ‬
‫ة من أسماء وأفعا ٍ‬
‫لمعنى غير معنى الحرف الخر‪.‬‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 238‬حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع ‪ -‬وحدثنا سفيان بن وكيع قال ‪ :‬حدثنا‬
‫حى ‪ ،‬عن ابن عباس ‪:‬‬
‫ض َ‬
‫أبي عن شريك ‪ ،‬عن عطاء بن السائب ‪ ،‬عن أبي ال ّ‬
‫" ألم " قال ‪ :‬أنا الله أعلم )‪. (1‬‬
‫عبيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو اليقظان ‪ ،‬عن عطاء بن السائب‬
‫ت عن أبي ُ‬
‫ح ّ‬
‫‪ُ - 239‬‬
‫دث ُ‬
‫‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬قال ‪ :‬قوله ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬قال ‪ :‬أنا الله أعلم‪.‬‬
‫‪ - 240‬حدثني موسى بن هارون الهمداني ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد القّناد‬
‫دي في خبر ذكره ‪ ،‬عن أبي‬
‫س ّ‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أسباط بن نصر ‪ ،‬عن إسماعيل ال ّ‬

‫مّرة الهمداني ‪ ،‬عن ابن‬
‫مالك ‪ ،‬وعن أبي صالح ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ -‬وعن ُ‬
‫مسعود ‪ -‬وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ‪ " :‬ألم " قال ‪:‬‬
‫حرف اشت ُقّ من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه‪.‬‬
‫أما " ألم " فهو َ‬
‫مر ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عباس بن زياد الباهلي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ع‬
‫م‬
‫بن‬
‫محمد‬
‫‪ - 241‬حدثنا‬
‫ْ َ‬
‫حدثنا شعبة ‪ ،‬عن أبي بشر ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن عباس في قوله ‪" :‬‬
‫مق ّ‬
‫طع )‪. (2‬‬
‫ألم " و " حم " و " ن " ‪ ،‬قال ‪ :‬اسم ُ‬
‫ف هجاٍء موضوٍع‪.‬‬
‫وقال بعضهم هي حرو ُ‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫ت عن منصور بن أبي ُنويرة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو سعيد المؤّدب ‪ ،‬عن‬
‫ح ّ‬
‫‪ُ - 242‬‬
‫دث ُ‬
‫صْيف ‪ ،‬عن مجاهد ‪ ،‬قال ‪ :‬فواتح السور كلها " ق " و " ص " و " حم " و "‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫طسم " و " ألر " وغير ذلك ‪ ،‬هجاء موضوع‪.‬‬
‫ف منها على معان شتى مختلفة‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬هي حروف يشتمل كل حر ٍ‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 243‬حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا إسحاق بن الحجاج ‪،‬‬
‫عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني أبي ‪ ،‬عن الربيع بن أنس ‪،‬‬
‫في قول الله تعالى ذكره ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬قال ‪ :‬هذه الحرف ‪ ،‬من التسعة‬
‫مفتاح‬
‫سن كلها‪ .‬ليس منها حرف إل وهو ِ‬
‫والعشرين حرًفا ‪ ،‬دارت فيها الل ُ‬
‫اسم من أسمائه ‪ ،‬وليس منها حرف إل وهو في آلئه وَبلئه ‪ ،‬وليس منها‬
‫حرف إل وهو في مد ّةِ قوم وآجالهم‪ .‬وقال عيسى ابن مريم ‪ " :‬وعجيب‬
‫ينطقون في أسمائه ‪ ،‬ويعيشون في رزقه ‪ ،‬فكيف يكفرون ؟ " ‪ .‬قال ‪ :‬اللف‬
‫‪ :‬مفتاح اسمه ‪ " :‬الله " ‪ ،‬واللم ‪ :‬مفتاح اسمه ‪ " :‬لطيف " ‪ ،‬والميم ‪ :‬مفتاح‬
‫اسمه ‪ " :‬مجيد " ‪ .‬واللف آلء الله ‪ ،‬واللم لطفه ‪ ،‬والميم ‪ :‬مجده‪ .‬اللف‬
‫ة ‪ ،‬واللم ثلثون سنة ‪ ،‬والميم أربعون سنة‪.‬‬
‫سن ٌ‬
‫حكام ‪ ،‬عن أبي جعفر ‪ ،‬عن الربيع‬
‫‪ - 244‬حدثنا ابن حميد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا َ‬
‫بنحوه )‪. (3‬‬
‫ْ‬
‫حكي ذلك‬
‫مل ‪ -‬كرهنا ذكر الذي ُ‬
‫حروف من حساب ال ُ‬
‫ضهم ‪ :‬هي ُ‬
‫وقال بع ُ‬
‫ج ّ‬
‫ة‬
‫مضت الرواي ُ‬
‫عنه ‪ ،‬إذ ْ كان الذي رواه ممن ل ُيعتمد على روايته ونقله‪ .‬وقد َ‬
‫بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس )‪. (4‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الخبر ‪ - 238‬رواه الطبري عن شيخين عن وكيع ‪ :‬عن أبي كريب ‪ ،‬وعن‬
‫سفيان بن وكيع ‪ ،‬كلهما عن وكيع عن شريك ‪ ،‬وهو ابن عبد الله النخعي‬
‫القاضي ‪ .‬وجاء السناد الثاني منهما في مطبوعة بولق محرفا ‪ " :‬سفيان بن‬
‫وكيع قال حدثنا ابن أبي شريك " ‪ .‬وصحح من المخطوطة ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الخبر ‪ - 241‬محمد بن معمر بن ربعي ‪ ،‬شيخ الطبري ‪ :‬هو المعروف‬
‫بالبحراني ‪ ،‬وهو ثقة ‪ ،‬روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين ‪ ،‬وهو متأخر‬
‫الوفاة ‪ ،‬مات في العام الذي مات فيه البخاري سنة ‪ ، 256‬كما ذكر الذهبي‬
‫في تذكرة الحفاظ ‪ ، 129 : 2‬وأما شيخه " عباس بن زياد الباهلي " فلم أجد‬
‫له ترجمة قط ‪.‬‬
‫)‪ (3‬الخبار ‪ : 244 - 225‬ذكرها ابن كثير ‪ ، 66 - 65 : 1‬بعضها بالسناد ‪،‬‬
‫وبعضها دون إسناد ‪ ،‬وسردها السيوطي ‪ 23 - 22 : 1‬مع غيرها من‬
‫الروايات ‪ .‬ونقل الشوكاني بعضها ‪. 21 : 1‬‬
‫)‪ (4‬يشير إلى الروايتين السابقتين ‪. 244 ، 243 :‬‬
‫) ‪(1/208‬‬

‫وقال بعضهم ‪ :‬لكل كتاب سّر ‪ ،‬وسّر القرآن فواتحه‪.‬‬
‫***‬
‫ما أهل العربية ‪ ،‬فإنهم اختلفوا في معنى ذلك‪ .‬فقال بعضهم ‪ :‬هي حروف‬
‫وأ ّ‬
‫ي بذكر ما ُذكر منها في أوائل السور عن ذكر‬
‫من ُ‬
‫حُروف المعجم ‪ ،‬است ُغْن ِ َ‬
‫مخبُر ‪ -‬عمن‬
‫َبواقيها ‪ ،‬التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرًفا ؛ كما استغنى ال ُ‬
‫أخبَر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرًفا ‪ -‬بذكر " أ ب ت ث‬
‫" ‪ ،‬عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين ‪ :‬قال‪ .‬ولذلك‬
‫ُرفع) ذ َل ِ َ‬
‫ن معنى الكلم ‪ :‬اللف واللم والميم من الحروف‬
‫ب(‪،‬ل ّ‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫عا ل ريب فيه‪.‬‬
‫ب الذي أنزلته إليك مجمو ً‬
‫المقطعة ‪ ،‬ذلك الكتا ُ‬
‫ت كالسم في حروف الهجاء ‪،‬‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬فإن " أ ب ت ث " ‪ ،‬قد صار ْ‬
‫كما كان " الحمد ُ " اسما لفاتحة الكتاب‪.‬‬
‫ما‬
‫قيل له ‪ :‬لما كان جائًزا أن يقول القائل ‪ :‬ابني في " ط ظ " ‪ ،‬وكان معلو ً‬
‫بقيله ذلك لو قاله أّنه يريد الخبر عن ابنه أّنه في الحروف المق ّ‬
‫علم‬
‫طعة ‪ُ -‬‬
‫سم ‪ ،‬وإن كان ذلك آث ََر في الذكر من‬
‫بذلك أ ّ‬
‫ن " أ ب ت ث " ليس لها با ْ‬
‫حُروف المعجم في فواتح السور ‪،‬‬
‫ذكر‬
‫بين‬
‫خولف‬
‫وإنما‬
‫‪:‬‬
‫قال‬
‫‪.‬‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫سائرها‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫رها إذا ُذكرت بأوائلها التي هي " أ ب ت ث‬
‫كرت في أوائلها مختلف ً‬
‫فذ ُ ِ‬
‫ة ‪ ،‬وذِك ْ ِ‬
‫فا ‪-‬‬
‫ة ‪ ،‬ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد ‪ -‬بذكر ما ذكر منها مختل ً‬
‫" ‪ ،‬مؤتلف ً‬
‫ة‬
‫ة على الكلم المتصل ؛ وإذا أريد ‪ -‬بذكر ما ذكر منها مؤتل ً‬
‫فا ‪ -‬الدلل ُ‬
‫الدلل ُ‬
‫على الحروف المقطعة بأعيانها‪ .‬واستشهدوا ‪ -‬لجازة قول القائل ‪ :‬ابني في‬
‫" ط ظ " وما أشبه ذلك ‪ ،‬من الخبر عنه أنه في حُروف المعجم ‪ ،‬وأن ذلك‬
‫من قيله في البيان َيقوم مقام قوله ‪ :‬ابني في " أ ب ت ث " ‪ -‬برجز بعض‬
‫جاز من بني أسد ‪:‬‬
‫الّر ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ت منها ب ُ‬
‫ت أمَر َ‬
‫ت في ك ِ‬
‫ها في ُ‬
‫ذب ولط‪ ...‬أخذ ْ ُ‬
‫حطي‪ ...‬وفَن َك ْ‬
‫ما َرأي ْ ُ‬
‫لَ ّ‬
‫قُرو ٍ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة ‪ " :‬يؤثر في الذكر " ‪ .‬وآثر ‪ :‬يؤثره الناس ويقدمونه ‪.‬‬
‫) ‪(1/209‬‬
‫م ي ُغَ ّ‬
‫ط‪ ...‬فلم ي ََز ْ‬
‫ُ‬
‫طي )‪(1‬‬
‫معْ ِ‬
‫م ٍ‬
‫طي‪َ ...‬‬
‫س دَ ٌ‬
‫صوِْبي بها و َ‬
‫ش ْ‬
‫حتى عل الرأ َ‬
‫ل َ‬
‫فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في " أبي جاد " ‪ ،‬فأقام قوله ‪" :‬‬
‫ح ّ‬
‫ره عنها أنها في " أبي جاد " ‪ ،‬إذ ْ كان‬
‫لما رأيت أمرها في ُ‬
‫طي " مقا َ‬
‫م خب ِ‬
‫ذاك من قوله ‪ ،‬يد ّ‬
‫ل سامَعه على ما يدّله عليه قوله ‪ :‬لما رأيت أمَرها في "‬
‫أبي جاد " ‪.‬‬
‫سور ليفتح لستماعه أسماعَ‬
‫وقال آخرون ‪ :‬بل ابتدئت بذلك أوائل ال ّ‬
‫وا بالعراض عن القرآن ‪ -‬حتى إذا استمعوا له ‪ُ ،‬تلي‬
‫المشركين ‪ -‬إذ توا َ‬
‫ص ْ‬
‫ف منه‪.‬‬
‫عليهم المؤل ّ ُ‬
‫ح الله بها كلمه‪.‬‬
‫سور حرو ٌ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬الحرو ُ‬
‫ف يستفت ُ‬
‫ف التي هي فواتح ال ّ‬
‫فإن قيل ‪ :‬هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟‬
‫قيل )‪ : (2‬معنى هذا أنه افتتح بها لي ُْعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ‪،‬‬
‫ة انقطاِع ما بينهما ‪ ،‬وذلك في كلم‬
‫وأنه قد أخذ في أخرى ‪ ،‬فجعل هذا علم َ‬
‫العرب ‪ ،‬ينشد الرجل منهم الشعر فيقول ‪:‬‬
‫هاِلها )‪(3‬‬
‫س من آ َ‬
‫بل * وبلدةٍ َ‬
‫ما الن ُ‬

‫ويقول ‪:‬‬
‫وا قد َ‬
‫ما هاج أحزاًنا و َ‬
‫جا )‪(4‬‬
‫ش َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َبل * َ‬
‫ج ً‬
‫ف‬
‫ما ويستأن ُ‬
‫و " بل " ليست من البيت ول تعد في وزنه ‪ ،‬ولكن يقطع بها كل ً‬
‫الخر‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬أولها في اللسان )فنك( ‪ .‬فنك في الكذب ‪ :‬مضى فيه ولج ومحك ‪ .‬ولط‬
‫الحق ‪ :‬جحده ومنعه وخاصم فأحمى الخصومة ‪ .‬والقرون ‪ ،‬جمع قرن ‪ :‬وهو‬
‫الضفيرة ‪ .‬وشمط ‪ ،‬جمع أشمط ‪ :‬وهو الذي اشتعل رأسه شيبا ‪ .‬صاب‬
‫يصوب صوًبا ‪ :‬انحدر من علو إلى سفل ‪ .‬وفي المطبوعة ‪ " :‬ضربى " ‪.‬‬
‫والمعط ‪ :‬المد والجذب ‪ ،‬وعنى بذلك إصعاده بها وهو يجذب ضفائرها ‪ ،‬وذلك‬
‫في انحداره بها وصعوده ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة والمخطوطة ‪ " :‬فإن قيل ‪ :‬هل يكون من القرآن ما ليس‬
‫له معنى ؟ فإن معنى هذا ‪ ، " . . .‬وهو كلم مضطرب ‪ ،‬والصواب ما أثبتناه ‪.‬‬
‫)‪ (3‬اللسان )أهل( غير منسوب ‪ ،‬وكأنه لبي النجم فيما أذكر ‪.‬‬
‫ضا و ‪. 223 :‬‬
‫)‪ (4‬هو للعجاج ‪ ،‬ديوانه ‪ ، 7 :‬ويأتي بعد قليل في ‪ 212 :‬أي ً‬
‫) ‪(1/210‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬ولكل قول من القوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في‬
‫ف‪.‬‬
‫ه معرو ٌ‬
‫ذلك ‪ ،‬وج ٌ‬
‫فأما الذين قالوا ‪ " :‬ألم " ‪ ،‬اسم من أسماء القرآن ‪ ،‬فلقولهم ذلك وجهان ‪:‬‬
‫فرقان اسم له‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يكونوا أرادوا أن " ألم " اسم للقرآن ‪ ،‬كما ال ُ‬
‫ْ‬
‫وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك ‪ ،‬كان تأويل قوله) ألم ذ َل ِ َ‬
‫ب ( ‪ ،‬على‬
‫ك الك َِتا ُ‬
‫ب ل ريب فيه‪.‬‬
‫معنى القسم‪ .‬كأنه قال ‪ :‬والقرآن ‪ ،‬هذا الكتا ُ‬
‫م من أسماء السورة التي ُتعرف به ‪،‬‬
‫والخر منهما ‪ :‬أن يكونوا أرادوا أنه اس ٌ‬
‫كما ُتعَرف سائر الشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها ‪ ،‬فَيفهم‬
‫ور‬
‫السامع من القائل يقول ‪ - :‬قرأت اليوم " ألمص " و " ن " ‪ ، -‬أيّ ال ّ‬
‫س َ‬
‫ت اليوم عمًرا‬
‫التي قرأها من ُ‬
‫ور القرآن )‪ ، (1‬كما يفهم عنه ‪ -‬إذا قال ‪ :‬لقي ُ‬
‫س َ‬
‫من الذي لقي من الناس‪.‬‬
‫وزي ً‬
‫دا ‪ ،‬وهما بزيد وعمرو عارفان ‪َ -‬‬
‫وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال ‪ :‬وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ‪،‬‬
‫سور ؟ وإنما تكون السماء‬
‫َونظائر " ألم " " ألر " في القرآن جماع ٌ‬
‫ة من ال ّ‬
‫ت إذا كانت ممّيزة بين الشخاص ‪ ،‬فأما إذا كانت غير مميزة فليست‬
‫أمارا ٍ‬
‫أمارات‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬إن السماء ‪ -‬وإن كانت قد صارت ‪ ،‬لشتراك كثير من الناس في‬
‫مى بها إليها‬
‫ن أخَر معها من َ‬
‫م نسبة المس ّ‬
‫ض ّ‬
‫الواحد منها ‪ ،‬غيَر ممّيزة إل بمعا ٍ‬
‫أو نعته أو صفته ‪ ،‬بما يفّرق بينه وبين غيره من أشكالها ‪ -‬فإنها ُوضعت ابتداًء‬
‫ش ّ‬
‫للتمييز ل َ‬
‫ك‪ .‬ثم احتيج ‪ ،‬عند الشتراك ‪ ،‬إلى المعاني المفّرقة بين‬
‫جعل ك ّ‬
‫ل اسم ‪ -‬في قول‬
‫مْين بها )‪ . (2‬فكذلك ذلك في أسماء السور‪ُ .‬‬
‫المس ّ‬
‫مى به‬
‫قائل هذه المقالة ‪ -‬أمارة ً للمسمى به من ال ّ‬
‫سور‪ .‬فلما شارك المس ّ‬
‫فيه غيَره من سور القرآن ‪ ،‬احتاج المخبر عن‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المطبوعة والمخطوطة ‪ " :‬أي السورة التي قرأها ‪. " . .‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة والمخطوطة ‪ " :‬بين المسمى بها " ‪.‬‬

‫) ‪(1/211‬‬
‫مى به من ذلك ‪ ،‬ما يفّرق به السامع‬
‫م إلى اسمها المس ّ‬
‫سورةٍ منها أن يض ّ‬
‫ت وصفةٍ أو غير ذلك‪ .‬فيقول المخبر عن‬
‫بين الخبر عنها وعن غيرها ‪ ،‬من نع ٍ‬
‫ت " ألم‬
‫نفسه إنه تل سورة البقرة ‪ ،‬إذا سماها باسمها الذي هو " ألم " ‪ :‬قرأ ُ‬
‫البقرة " ‪ ،‬وفي آل عمران ‪ :‬قرأت " ألم آل عمران " ‪ ،‬و " ألم ذلك الكتاب "‬
‫‪ ،‬و " ألم الله ل إله إل هو الحي القيوم " ‪ .‬كما لو أراد الخبر عن َرجلين ‪،‬‬
‫ن أحدهما تميمي والخر أزديّ ‪ ،‬للزمه‬
‫اسم كل واحد منهما " عمرو " ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ْ‬
‫أن يقول لمن أراد إخباره عنهما ‪ :‬لقيت عمًرا التميمي وعمًرا الزديّ ‪ ،‬إذ كان‬
‫ل يفُرقُ بينهما وبين غيرهما ممن ُيشاركهما في أسمائهما ‪ ،‬إل بنسبتهما‬
‫كذلك‪ .‬فكذلك ذلك في قول من تأّول في الحروف المقطعة أنها أسماٌء‬
‫سور‪.‬‬
‫لل ّ‬
‫ح يفتتح الله عز وجل بها كلمه ‪ ،‬فإنهم وجهوا ذلك‬
‫وأما الذين قالوا ‪ :‬ذلك فوات ُ‬
‫ه من أهل العربية ‪ ،‬أنه قال ‪:‬‬
‫من حكينا عن ُ‬
‫إلى نحو المعنى الذي حكيناه ع ّ‬
‫ة لنقطاع ما بينهما ‪،‬‬
‫سورة وابتداٍء في أخرى ‪ ،‬وعلم ٌ‬
‫ذلك أدِل ّ ٌ‬
‫ة على انقضاء ُ‬
‫ة على ابتداء فيها ‪ ،‬وانقضاِء أخرى‬
‫كما جعلت " بل " في ابتداء قصيدةٍ دلل ً‬
‫َقبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا البتداَء في إنشاد قصيدة ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫وا قد َ‬
‫شجا‬
‫جأ ْ‬
‫بل * ما ها َ‬
‫حَزاًنا وشج ً‬
‫ة في وزنه ‪ ،‬ولكن لي َد ُ ّ‬
‫ل به على قطع كلم‬
‫و " بل " ليست من البيت ول داخل ً‬
‫وابتداء آخر‪.‬‬
‫ّ‬
‫وأما الذين قالوا ‪ :‬ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل ‪،‬‬
‫ضها من صفاته ‪ ،‬ولكل حرف من ذلك معنى غيُر معنى الحرف الخر ‪،‬‬
‫وبع ُ‬
‫وا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر ‪:‬‬
‫ح‬
‫ن‬
‫فإنهم‬
‫َ َ ْ‬
‫سينا اليجاف )‪(1‬‬
‫ن‬
‫نا‬
‫أ‬
‫سبي‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‪...‬‬
‫قا‬
‫‪:‬‬
‫قالت‬
‫‪،‬‬
‫لنا‬
‫في‬
‫ق‬
‫ْ‬
‫ّ َ ِ‬
‫قُل َْنا لها ‪ِ ِ :‬‬
‫َ ْ َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الرجز للوليد بن عقبة ‪ .‬الغاني ‪ ، 131 : 5‬شرح شواهد الشافية ‪:‬‬
‫‪ ، 271‬ومشكل القرآن ‪ . 238 :‬اليجاف ‪ :‬حيث الدابة على سرعة السير ‪،‬‬
‫وهو الوجيف ‪.‬‬
‫) ‪(1/212‬‬
‫ت‪ .‬فدلت بإظهار القاف من "‬
‫يعني بقوله ‪ " :‬قالت قاف " ‪ ،‬قالت ‪ :‬قد وقف ُ‬
‫وقفت " ‪ ،‬على مرادها من تمام الكلمة التي هي " وقفت " ‪ .‬فصرفوا قوله ‪:‬‬
‫" ألم " وما أشبه ذلك ‪ ،‬إلى نحو هذا المعنى‪ .‬فقال بعضهم ‪ :‬اللف ألف " أنا‬
‫" ‪ ،‬واللم لم " الله " ‪ ،‬والميم ميم " أعلم " ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل حرف منها دال على‬
‫كلمة تامة‪ .‬قالوا ‪ :‬فجملة هذه الحروف المق ّ‬
‫ف منهن‬
‫طعة إذا ظهر مع كل حر ٍ‬
‫َتمام حروف الكلمة ‪ " ،‬أنا " الله أعلم " ‪ .‬قالوا ‪ :‬وكذلك سائر جميع ما في‬
‫سور القرآن من ذلك ‪ ،‬فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫أوائل ُ‬
‫ف‬
‫ض ظاهٌر في كلم العرب أن ين ُ‬
‫ص المتكلم منهم من الكلمةِ الحر َ‬
‫ق َ‬
‫ومستفي ٌ‬
‫‪ ،‬إذا كان فيما بقي دللة على ما حذف منها ‪ -‬ويزيد َ فيها ما ليس منها ‪ ،‬إذا لم‬
‫ة معناها على سامعها ‪ -‬كحذفهم في النقص في الترخيم‬
‫ملّبس ً‬
‫تكن الزيادة ُ‬
‫ف ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬يا‬
‫ث " الثاَء ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬يا حارِ ‪ ،‬ومن " مالك " الكا َ‬
‫من " حار ٍ‬

‫ل ‪ ،‬وأما أشبه ذلك ‪ ،‬وكقول راجزهم ‪:‬‬
‫ما ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ده إذا َيا )‪(1‬‬
‫ف ل َيا‪ ...‬ي َن ْ َ‬
‫ما ِللظليم َ‬
‫عال? كي ْ َ‬
‫جل ُ‬
‫قذ ّ عنه ِ‬
‫َ‬
‫كأنه أراد أن يقول ‪ :‬إذا َيفعل كذا وكذا ‪ ،‬فاكتفى بالياء من " يفعل " ‪ ،‬وكما‬
‫قال آخر منهم ‪:‬‬
‫ن شّرا َفا‬
‫بالخيرِ خيرا ٍ‬
‫ت وإ ْ‬
‫يريد ‪ :‬فشّرا‪.‬‬
‫ول أ ُِريد الشّر إل أن َتا )‪(2‬‬
‫‪.‬‬
‫جميًعا ‪ ،‬من سائر‬
‫يريد ‪ :‬إل أن َتشاء ‪ ،‬فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين َ‬
‫ه ذلك من الشواهد التي َيطول الكتاب باستيعابه‪.‬‬
‫حروفهما ‪ ،‬وما أشب َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬شرح شواهد الشافية ‪ . 267 :‬عال ‪ :‬دعاء عليه ‪ ،‬من قولهم " عال عوله‬
‫" أي ثكلته أمه ‪ ،‬فاختصر ‪ .‬و " يا " في البيت الول كأنه أراد أن يقول " ينقد‬
‫عنه ‪ " . . .‬فوقف ‪ ،‬ثم عاد يقول ‪ " :‬ينقد " ‪ ،‬و " يا " في الخر ‪ :‬أي إذا يعدو‬
‫هذا العدو ‪.‬‬
‫)‪ (2‬سيبويه ‪ ، 62 : 2‬الكامل ‪ ، 240 : 1‬والموشح ‪ ، 120 :‬وشرح شواهد‬
‫الشافية ‪ ، 262 :‬ونسبه في ‪ 264‬للقيم بن أوس ‪.‬‬
‫) ‪(1/213‬‬
‫علّية ‪ ،‬عن أيوب ‪،‬‬
‫‪ - 245‬وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن ُ‬
‫دة ‪ :‬إني ل‬
‫وابن عون ‪ ،‬عن محمد ‪ ،‬قال ‪ :‬لما مات يزيد ُ بن معاوية قال لي عَب ْ َ‬
‫ضي ْعَت ِ َ‬
‫ك والحقْ بأهلك‪ .‬قلت ‪ :‬فما تأمرني ؟‬
‫ة فتن ً‬
‫أراها إل كائن ً‬
‫ن َ‬
‫ة ‪ ،‬فافزع م ْ‬
‫ده اليمن ‪،‬‬
‫ب وابن عون َبيده تحت خ ّ‬
‫ن تا ‪ -‬قال أيو ُ‬
‫ي لك أ ْ‬
‫ح ّ‬
‫قال ‪ :‬أ َ‬
‫ب إل ّ‬
‫يصف الضطجاع ‪ -‬حتى ترى أمرا َتعرفه )‪. (1‬‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬يعني بـ " تا " تضطجع ‪َ ،‬فاجتزأ بالتاء من تضطجع‪ .‬وكما قال‬
‫الخر في الزيادة في الكلم )‪ (2‬على النحو الذي وصفت ‪:‬‬
‫ت على ال َ‬
‫ل )‪(3‬‬
‫أُقول إ ِذ ْ َ‬
‫جل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ل‪َ ...‬يا ناقَِتي ما ُ‬
‫ت من َ‬
‫خّر ْ‬
‫جا ِ‬
‫كلكا ِ‬
‫يريد ‪ :‬الك َْلكل ‪ ،‬وكما قال الخر ‪:‬‬
‫شك َْلك َ‬
‫شك ِْلي َوإن َ‬
‫ن َ‬
‫ضي )‪(4‬‬
‫ص وا ْ‬
‫شّتى‪َ ...‬فالْزمي ال ُ‬
‫ضي ت َْبي ِ‬
‫ف ِ‬
‫خ ِ‬
‫ض ّ‬
‫إ ّ‬
‫خ ّ‬
‫‪.‬‬
‫فزاد ضاًدا ‪ ،‬وليست في الكلمة‪.‬‬
‫حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي‬
‫ص من تمام ُ‬
‫قالوا ‪ :‬فكذلك ما نق َ‬
‫َذكرنا أنها تتمة حروف " ألم " ونظائرها ‪ -‬نظيُر ما نقص من الكلم الذي‬
‫حكيناهُ عن العرب في أشعارها وكلمها‪.‬‬
‫وأما الذين قالوا ‪ :‬كل حرف من " ألم " ونظائرها ‪ ،‬دا ّ‬
‫ل على معان شتى ‪-‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 245‬محمد ‪ :‬هو ابن سيرين ‪ .‬وعبدة ‪ :‬لم أوقن من هو ولم‬
‫أرجح ‪ .‬بل أكاد أوقن أن هذا تحريف ‪ ،‬صوابه " عبيدة " بفتح العين وكسر‬
‫الباء الموحدة وآخرها هاء ‪ .‬وهو عبيدة بن عمرو ‪ -‬أو ابن قيس ‪ -‬السلماني ‪،‬‬
‫من كبار التابعين ‪ ،‬من طبقة الصحابة ‪ ،‬أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ولم يلقه ‪ .‬وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه ‪ .‬وهو مترجم في‬
‫التهذيب ‪ ،‬وفي ابن سعد ‪ ، 64 - 62 : 6‬وعند ابن أبي حاتم ‪ . 91 /3/1‬وأما‬

‫يزيد ‪ :‬فهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ‪ ،‬مات سنة ‪ . 64‬وقوله ‪ " :‬قال‬
‫أيوب ‪ ، " . . .‬أي أشار ‪.‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬في الكلم " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬اللسان )كلل( ‪ ،‬ومشكل القرآن ‪ . 235 :‬والكلكل ‪ :‬الصدر من البعير‬
‫وغيره ‪.‬‬
‫)‪ (4‬اللسان )بيض( )خفض( ‪ ،‬ومشكل القرآن ‪ . 234 :‬يقوله لمرأته ‪.‬‬
‫والخص ‪ :‬البيت من قصب ‪ .‬وقوله " اخفضى " من الخفض ‪ :‬وهو الدعة ولين‬
‫العيش ‪ .‬يقول لها ‪ :‬نحن مختلفان ‪ ،‬فالزمى بيتك وعيشي في دعة وخفض ‪،‬‬
‫ضا ونعمة ‪ .‬أما أنا فالرحلة دأبى ‪ ،‬تشقيني وتلوحني ‪.‬‬
‫يزدك لين العيش بيا ً‬
‫) ‪(1/214‬‬
‫جهه‬
‫جهوا ذلك إلى مثل الذي وَ ّ‬
‫نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس ‪ -‬فإنهم وَ ّ‬
‫نك ّ‬
‫ض‬
‫إليه من قال ‪ :‬هو بتأويل " أنا الله أعلم " ‪ ،‬في أ ّ‬
‫ل حرف منه بع ُ‬
‫على َتمامه عن ذكر تمامه ‪ -‬وإن كانوا له‬
‫ي بدللته َ‬
‫حرو ِ‬
‫ف كلمةٍ تامة ‪ ،‬است ُغْن ِ َ‬
‫ّ‬
‫مخالفين في كل حرف من ذلك ‪ :‬أهو من الكلمة التي اّدعى أنه منها قائلو‬
‫ُ‬
‫القول الول ‪ ،‬أم من غيرها ؟ فقالوا ‪ :‬بل اللف من " ألم " من كلمات‬
‫رد ك ّ‬
‫ل‬
‫شتى ‪ ،‬هي دال ٌ‬
‫ة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه‪ .‬قالوا ‪ :‬وإنما أف ِ‬
‫حروف الكلمة‬
‫صر به عن تمام حروف الكلمة ‪ ،‬أن جميعَ ُ‬
‫حرف من ذلك ‪ ،‬وق ّ‬
‫لو أظِهرت ‪ ،‬لم تد ّ‬
‫ض هذه الحروف المقطعة‬
‫ل الكلمة التي ُتظهر ‪ -‬التي بع ُ‬
‫ض لها ‪ -‬إل على معنى واحد ل على معنيين وأكثر منهما‪ .‬قالوا ‪ :‬وإذ ْ كان ل‬
‫بع ٌ‬
‫دللة في ذلك ‪ ،‬لو أظهر جميعها ‪ ،‬إل على معناها الذي هو معنى واحد ٌ ‪ ،‬وكان‬
‫الله جل ثناؤه قد أراد الدللة بك ّ‬
‫ل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد ‪-‬‬
‫ف الدا ّ‬
‫ن‬
‫جز إل أن ُيفَرد الحر ُ‬
‫م المخاطبون به أ ّ‬
‫لم ي َ ُ‬
‫ل على تلك المعاني ‪ ،‬ليعل َ‬
‫معًنى واحدٍ ودللةٍ على شيء واحد بما خاطبهم‬
‫الله عز وجل لم يقصد قصد َ‬
‫ة به على أشياء كثيرة‪ .‬قالوا ‪ :‬فاللف من " ألم "‬
‫به ‪ ،‬وأنه إنما قصد الدلل َ‬
‫م اسم‬
‫مقتضي ٌ‬
‫م اسم الر ّ‬
‫ب الذي هو " الله " ‪ ،‬وتما ُ‬
‫ي كثيرة ً ‪ ،‬منها تما ُ‬
‫ة معان َ‬
‫ل قوم ٍ أنه سنة ‪ ،‬إذا كانت‬
‫نعماء الله التي هي آلء الله ‪ ،‬والدلل َ‬
‫ة على أ َ‬
‫ج ِ‬
‫م اسم الله الذي هو‬
‫دا‪ .‬واللم مقتضي ٌ‬
‫مل واح ً‬
‫اللف في حساب ال ُ‬
‫ة تما َ‬
‫ج ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل قوم أنه ثلثون‬
‫ف ‪ ،‬والدلل َ‬
‫ضله الذي هو لط ٌ‬
‫ة على أ َ‬
‫م اسم ف ْ‬
‫لطيف ‪ ،‬وتما َ‬
‫ج ِ‬
‫م اسم عظمته التي‬
‫وتما‬
‫‪،‬‬
‫مجيد‬
‫و‬
‫ه‬
‫الذي‬
‫الله‬
‫اسم‬
‫م‬
‫تما‬
‫ة‬
‫مقتضي‬
‫سنة‪ .‬والميم‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل قوم أنه أربعون سنة‪ .‬فكان معنى الكلم ‪ -‬في‬
‫جد ‪ ،‬والدلل َ‬
‫ة على أ َ‬
‫م ْ‬
‫هي َ‬
‫ج ِ‬
‫صف نفسه بأنه‬
‫تأويل قائل القول الول ‪ -‬أن الله جل ثناؤه افتتح كلمه بوَ ْ‬
‫جا يسلكونه في‬
‫منه ً‬
‫م الذي ل يخفى عليه شيء ‪َ ،‬وجعل ذلك لعباده َ‬
‫العال ِ ُ‬
‫م‬
‫م أمورهم ‪ ،‬وابتلًء منه لهم ليستوجبوا به عظي َ‬
‫مهِ ّ‬
‫مفتتح خطبهم ورسائلهم و ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و)‬
‫‪،‬‬
‫(‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب)‬
‫افتتح‬
‫كما‬
‫‪،‬‬
‫الجزاء‬
‫دار‬
‫في‬
‫الثواب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫مد ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ( ‪] ،‬سورة النعام ‪ [1 :‬وما أشبه ذلك من‬
‫ذي َ‬
‫وا ِ‬
‫ل ِل ّهِ ال ّ ِ‬
‫خل َقَ ال ّ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر َ‬
‫م َ‬
‫ح َبعضها تعظيم‬
‫مفاتحها الحمد َ لنفسه ‪ ،‬وكما جعل مفات َ‬
‫ال ّ‬
‫سور التي جعل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سَرى ب ِعَب ْدِهِ لْيل‬
‫ن ال ِ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ذي أ ْ‬
‫َنفسه وإجللها بالتسبيح ‪ ،‬كما قال جل ثناؤه ‪ُ ) :‬‬
‫( ]سورة السراء ‪ ، [1 :‬وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن ‪ ،‬التي جعل‬
‫مها‬
‫ح بعضها تمجي َ‬
‫ح بعضها تحميد َ نفسه ‪ ،‬ومفات َ‬
‫مفات َ‬
‫دها ‪ ،‬ومفاتح بعضها تعظي َ‬
‫ض حروف المعجم ‪،‬‬
‫ح السور ال َ‬
‫جعل مفات َ‬
‫وتنزيهها‪ .‬فكذلك َ‬
‫خر التي أوائلها بع ُ‬
‫ح نفسه ‪ ،‬أحياًنا بالعلم ‪ ،‬وأحياًنا بالعدل والنصاف ‪ ،‬وأحياًنا بالفضال‬
‫مدائ َ‬

‫ص المور بعد َ ذلك‪.‬‬
‫والحسان ‪ ،‬بإيجاز واختصار ‪ ،‬ثم اقتصا َ‬
‫ب أن يكون اللف واللم والميم في أماكن الرفع ‪،‬‬
‫وعلى هذا التأويل يج ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب ( ‪ ،‬ويكون " ذلك الكتاب "‬
‫مرفو ً‬
‫ضها ببعض ‪ ،‬دون قوله) ذل ِك الك َِتا ُ‬
‫عا بع ُ‬
‫معنى " ألم " ‪ .‬وكذلك " ذلك " في تأويل قول قائل‬
‫عن‬
‫عا‬
‫ط‬
‫منق‬
‫مبتدأ‬
‫خبرا‬
‫ِ ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فا معناهُ معنى قول‬
‫هذا القول الثاني ‪ ،‬مرفوعٌ بعضه ببعض ‪ ،‬وإن كان مخال ً‬
‫قائل القول الول‪.‬‬
‫مل دون ما خالف ذلك‬
‫ن حروف من حروف حساب ال ُ‬
‫ج ّ‬
‫وأما الذين قالوا ‪ :‬ه ّ‬
‫ّ‬
‫من المعاني ‪ ،‬فإنهم قالوا ‪ :‬ل نعرف للحروف المقطعة معًنى ُيفهم سوى‬
‫جي قول القائل ‪ " :‬ألم " ‪ .‬وقالوا ‪ :‬غيُر جائز أن‬
‫مل ‪ ،‬وسوى ت َهَ ّ‬
‫حساب ال ُ‬
‫ج ّ‬
‫ب الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه عباَده إل بما يفهمونه ويعقلونه عنه‪ .‬فلما كان ذلك‬
‫يخاط َ‬
‫جه إليه ‪ ،‬إل أحد الوجهين‬
‫كذلك ‪ -‬وكان قوله " ألم " ل ُيع َ‬
‫ه ُتو ّ‬
‫قل لها وج ٌ‬
‫ح‬
‫جي " ألم " ‪ -‬ص ّ‬
‫مراًدا بها ته ّ‬
‫اللذين ذكرنا ‪ ،‬فبطل أحد ُ َوجهيه ‪ ،‬وهو أن يكون ُ‬
‫مل ؛ لن قول القائل ‪ " :‬ألم‬
‫وثبت أنه مراد ٌ به الوجه الثاني ‪ ،‬وهو حساب ال ُ‬
‫ج ّ‬
‫" ل يجوز أن يلَيه من الكلم " ذلك الكتاب " ‪ ،‬لستحالة معنى الكلم وخُروجه‬
‫ن َولي " ألم " " ذلك الكتاب " ‪.‬‬
‫عن المعقول ‪ ،‬إ ْ‬
‫واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما ‪- :‬‬
‫سَلمة بن الفضل ‪،‬‬
‫حدثنا‬
‫‪:‬‬
‫قال‬
‫‪،‬‬
‫الرازي‬
‫حميد‬
‫‪ - 246‬حدثنا به محمد بن ُ‬
‫َ‬
‫قال ‪ :‬حدثني محمد بن إسحاق ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني الكلبي ‪ ،‬عن أبي صالح ‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس ‪ ،‬عن جابر بن عبد الله بن رئاب ‪ ،‬قال ‪ :‬مّر‬
‫) ‪(1/215‬‬
‫خطب برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يتلو فاتحة سورة‬
‫أبو ياسر بن أ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب ِفيهِ ( ‪ ،‬فأتى أ َ‬
‫ن أخطب من َيهود َ‬
‫خاه ُ‬
‫ب ل َري ْ َ‬
‫البقرة) ألم ذ َل ِك الك َِتا ُ‬
‫يب َ‬
‫حي َ ّ‬
‫دا يتلو فيما أنزل الله عز وجل‬
‫ت محم ً‬
‫فقال ‪ :‬تعلمون والله )‪ ، (1‬لقد سمع ُ‬
‫عليه) الم ذ َل ِ َ‬
‫ي‬
‫ب ( فقالوا ‪ :‬أنت سمعته ؟ قال ‪ :‬نعم! قال ‪ :‬فمشى ُ‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫حي َ ّ‬
‫بن أخطب في أولئك الّنفر من يهود َ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ‪،‬‬
‫م يذك ُْر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك " ألم ذلك الكتاب‬
‫فقالوا ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬أل ْ‬
‫" ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ‪ :‬بلى! فقالوا ‪ :‬أجاءك بهذا‬
‫جبري ُ‬
‫ل من عند الله ؟ )‪ (2‬قال ‪ :‬نعم! قالوا ‪ :‬لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك‬
‫دة ملكه وما أ ْ‬
‫مته غيَرك! )‪ (3‬فقال‬
‫ي منهم ‪ ،‬ما م ّ‬
‫كل أ ّ‬
‫أنبياء ‪ ،‬ما نعلمه بّين لنب ّ‬
‫ي بن أخطب ‪ ،‬وأقب َ‬
‫ل على من كان معه فقال لهم ‪ :‬اللف واحدة ‪ ،‬واللم‬
‫‪ُ :‬‬
‫حي ّ‬
‫ي‬
‫ثلثون ‪ ،‬والميم أربعون ‪ ،‬فهذه إح َ‬
‫دى وسبعون سنة‪ .‬أفتدخلون في دين َنب ّ‬
‫ملكه وأ ْ‬
‫مته إحدى وسبعون سنة )‪ (4‬؟ قال ‪ :‬ثم أقب َ‬
‫ل على‬
‫إنما م ّ‬
‫كل أ ّ‬
‫دة ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬هل مع هذا غيُره ؟‬
‫ل وأطو ُ‬
‫قال ‪ :‬نعم ! قال ‪ :‬ماذا ؟ قال ‪) :‬ألمص(‪ .‬قال ‪ :‬هذه أثق ُ‬
‫ل ‪ ،‬اللف‬
‫واحدة ‪ ،‬واللم ثلثون ‪ ،‬والميم أربعون ‪ ،‬والصاد تسعون ‪ ،‬فهذه مائة وإحدى‬
‫مد غيره ؟ قال ‪ :‬نعم ! قال ‪ :‬ماذا ؟ قال ‪:‬‬
‫مع هذا يا مح ّ‬
‫وستون سنة‪ .‬هل َ‬
‫ل وأطو ُ‬
‫)ألر(‪ .‬قال ‪ :‬هذه والله أثق ُ‬
‫ل‪ .‬اللف واحدة ‪ ،‬واللم ثلثون ‪ ،‬والراء‬
‫مائتان ‪ ،‬فهذه إحدى وثلثون ومائتا سنة ‪ ،‬فقال ‪ :‬هل مع هذا غيُره يا محمد ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪) ،‬ألمر( ‪ ،‬قال ‪ :‬فهذه والله أثقل وأطو ُ‬
‫ل ‪ ،‬اللف واحدة ‪ ،‬واللم‬
‫ثلثون ‪ ،‬والميم أربعون ‪ ،‬والراء مائتان ‪ ،‬فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة‪ .‬ثم‬
‫ت أم كثيًرا ؟‬
‫مد ‪ ،‬حتى ما ندري أقليل أعطي َ‬
‫قال ‪ :‬لقد ل ُّبس علينا أمرك يا مح ّ‬

‫حيي بن أخطب ‪ ،‬ولمن معه من الحبار ‪:‬‬
‫ثم قاموا عنه‪ .‬فقال أبو ياسر لخيه ُ‬
‫جمع هذا كله لمحمد ‪ ،‬إحدى وسبعون ‪ ،‬وإحدى وستون‬
‫دريكم لعّله قد ُ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ومائة ‪ ،‬ومائتان وإحدى وثلثون ‪ ،‬ومائتان وإحدى وسبعون ‪ ،‬فذلك سبعمائة‬
‫ن هؤلء اليات‬
‫سنة وأربع وثلثون! فقالوا ‪ :‬لقد تشابه علينا أمره! ويزعمون أ ّ‬
‫ُ‬
‫ل عَل َي ْ َ‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫ب‬
‫ب ِ‬
‫نزلت فيهم ‪ ) :‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫نأ ّ‬
‫ما ٌ‬
‫حك َ َ‬
‫ت ُ‬
‫ه آَيا ٌ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ال ْك َِتا ِ‬
‫ت هُ ّ‬
‫مت َ َ‬
‫ت ( )‪. (5‬‬
‫وَأ ُ َ‬
‫شاب َِها ٌ‬
‫خُر ُ‬
‫قالوا ‪ :‬فقد صّرح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل ‪ ،‬وفساد ما‬
‫قاله مخالفونا فيه‪.‬‬
‫والصواب من القول عندي في تأويل مفاِتح السور ‪ ،‬التي هي حروف المعجم‬
‫ل ثناؤه جعَلها حروًفا مق ّ‬
‫ن الله ج ّ‬
‫ضها ببعض ‪ -‬فيجعلها‬
‫طعة ولم ي ِ‬
‫صل بع َ‬
‫‪:‬أ ّ‬
‫ة بكل حرف‬
‫ظه الدلل َ‬
‫صل الحروف ‪ -‬لنه عز ذكره أراد بلف ِ‬
‫كسائر الكلم المت ّ ِ‬
‫منه على معان كثيرة ‪ ،‬ل على معنى واحد ‪ ،‬كما قال الربيعُ بن أنس‪ .‬وإن‬
‫ن ثلثةٍ ‪ ،‬دون ما زاد عليها‪.‬‬
‫كان الربيع قد اقت َ‬
‫صر به على معا ٍ‬
‫نك ّ‬
‫ل حرف منه يحوي ما قاله الربيع ‪ ،‬وما‬
‫ب في تأويل ذلك عندي ‪ :‬أ ّ‬
‫والصوا ُ‬
‫من ذكرت عنه‬
‫ت من القول عَ ّ‬
‫قاله سائر المفسرين غيُره فيه ‪ -‬سوى ما ذكر ُ‬
‫جه تأوي َ‬
‫ل ذلك إلى أّنه حروف هجاء ‪ ،‬اسُتغني‬
‫ه كان يو ّ‬
‫من أهل العربية ‪ :‬أن ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬هكذا في المطبوعة والمخطوطة ‪ " :‬تعلمون " ‪ ،‬ونص محمد بن‬
‫إسحاق ‪ ،‬سيرة ابن هشام ‪ " . 194 : 2‬تعلموا " بتشديد اللم ‪ ،‬أي اعلموا ‪.‬‬
‫وهي كثيرة الورود في سيرة ابن هشام وغيره ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الذي في سيرة ابن هشام ‪ " :‬أجاءك بها جبريل من عند الله " ‪.‬‬
‫)‪ (3‬في المطبوعة ‪ ،‬وفي سائر الكتب التي خرجت الخبر عن الطبري ‪ " :‬ما‬
‫أجل " ‪.‬‬
‫)‪ (4‬في المطبوعة " قال ‪ ،‬فقال لهم ‪ :‬أتدخلون ‪ " . . .‬و " أجل أمته "‬
‫والتصحيح من المخطوطة وابن هشام ‪ .‬والكل )بضم فسكون( ‪ :‬الرزق ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬هو عظيم الكل في الدنيا ‪ ،‬أي واسع الرزق ‪ ،‬وهو الحظ من الدنيا ‪،‬‬
‫كأنه يؤكل ‪ .‬ويراد به ‪ :‬مدة العمر التي يعيشها الناس في الدنيا يأكلون مما‬
‫رزقهم الله ‪ .‬فيقال للميت ‪ :‬انقطع أكله ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬انقضى عمره ‪.‬‬
‫)‪ (5‬الحديث ‪ - 246‬هذا حديث ضعيف السناد ‪ ،‬رواه محمد بن إسحاق بهذا‬
‫السناد الضعيف ‪ ،‬وبأسانيد أخر ضعاف ‪:‬‬
‫فرواه في السيرة ‪ ،‬التي هذبها عبد الملك بن هشام النحوي البصري ‪ ،‬ورواها‬
‫عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق ‪ ،‬وعرفت واشتهرت بأنها "‬
‫سيرة ابن هشام " ‪ .‬وابن هشام هذا ‪ :‬ثقة ‪ ،‬وثقه ابن يونس وغيره ‪ ،‬مات‬
‫سنة ‪ . 218‬وشيخه زياد البكائي ‪ :‬ثقة ‪ ،‬من شيوخ أحمد ‪ .‬و " البكائي " ‪،‬‬
‫بفتح الباء وتشديد الكاف ‪ :‬نسبة إلى " البكاء " ‪ ،‬وهو ‪ :‬ربيعة بن عامر بن‬
‫صعصعة ‪.‬‬
‫فقال ابن هشام ‪ 37 - 35 : 2) 195 - 194 : 2‬من الروض النف شرح‬
‫السيرة( ‪ :‬قال ابن إسحاق ‪ :‬وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة من الحبار‬
‫وكفار يهود ‪ ،‬الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه ‪ ،‬ليلبسوا الحق بالباطل ‪ ،‬فيما‬
‫ذكر لي عن عبد الله بن عباس ‪ ،‬وجابر بن عبد الله بن رئاب ‪ :‬أن أبا ياسر‬
‫بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ‪. " . . .‬‬
‫قا بصيغة التمريض ‪ .‬وفيه‬
‫فهذا إسناد ضعيف ‪ ،‬جهله ابن إسحاق ‪ ،‬فجاء به معل ً‬
‫أن الرواية عن ابن عباس وجابر ‪ ،‬مًعا ‪.‬‬
‫ورواه البخاري في التاريخ الكبير ‪ ،‬في ترجمة " جابر بن عبد الله بن رئاب "‬

‫‪ 208 - 207 /1/2‬بثلثة أسانيد ‪ ،‬بعادته الدقيقة المتقنة ‪ ،‬في اليجاز‬
‫والشارة إلى السانيد وعللها ‪:‬‬
‫وأولها ‪ " :‬حدثني عمرو بن زرارة ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا زياد ‪ :‬قال ابن إسحاق ‪:‬‬
‫حدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة ‪ ،‬عن عبد الله بن‬
‫عباس وجابر بن عبد الله ‪ :‬أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه‬
‫وسلم وهو يتلو )ألم ‪ .‬ذلك الكتاب( " ‪.‬‬
‫فهذه هي إشارة البخاري إلى السناد الول من الثلثة السانيد ‪.‬‬
‫و " زياد " في هذا السناد ‪ :‬هو البكائي ‪ .‬فهذا إسناد صحيح إلى ابن إسحاق ‪.‬‬
‫ولكن فيه الضعف بجهالة أحد رواته " مولى لزيد بن ثابت " ‪ .‬وهو كإسناد‬
‫السيرة ‪ :‬عن ابن عباس وجابر مًعا ‪ .‬ولعل عمرو ابن زرارة ‪ -‬شيخ البخاري ‪-‬‬
‫روى السيرة عن البكائي ‪ ،‬كما رواها عنه ابن هشام ‪.‬‬
‫وثانيها ‪ " :‬وقال سلمة ‪ :‬حدثني ابن إسحاق ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثني محمد بن أبي‬
‫محمد ‪ ،‬عن عكرمة ‪ ،‬أو سعيد ‪ ،‬عن ابن عباس ‪) :‬ألم ‪ .‬ذلك الكتاب( ‪ -‬بطوله‬
‫"‪.‬‬
‫وهذه إشارة البخاري إلى السناد الثاني ‪ .‬يريد أنه رواه سلمة ‪ -‬وهو ابن‬
‫الفضل الذي في إسناد الطبري هنا ‪ -‬عن ابن إسحاق ‪ .‬ولم يذكر لفظ‬
‫الحديث ‪ ،‬اكتفاء بهذه الشارة إليه ‪.‬‬
‫وابن إسحاق ‪ -‬في هذا السناد ‪ -‬يرويه عن " محمد بن أبي محمد " ‪ ،‬وهو‬
‫النصاري المدني ‪ ،‬مولى زيد بن ثابت ‪ .‬زعم الذهبي في الميزان أنه " ل‬
‫يعرف " ! وهو معروف ‪ ،‬ترجمه البخاري في الكبير ‪ 1/1/225‬فلم يذكر فيه‬
‫قا ‪ .‬ولعله هو "‬
‫حا ‪ ،‬وذكره ابن حبان في الثقات ‪ .‬وكفى بذلك معرفة وتوثي ً‬
‫جر ً‬
‫مولى زيد بن ثابت " الذي أبهم في السناد الول ‪ .‬ولكن اضطرب هذا‬
‫السناد على ابن إسحاق ‪ ،‬أو على سلمة بن الفضل ‪ -‬فكانت الرواية فيه ‪:‬‬
‫عن عكرمة ‪ ،‬أو سعيد ‪ ،‬يعني ابن جبير ‪ ،‬على الشك ‪ .‬ثم كانت عن ابن‬
‫عباس ‪ ،‬دون ذكر " جابر بن عبد الله بن رئاب " ‪.‬‬
‫ثالثها ‪ " :‬وعن ابن إسحاق ‪ :‬كان مما نزل فيه القرآن من الحبار ‪ ،‬فيما‬
‫حدثني الكلبي ‪ ،‬عن أبي صالح ‪ ،‬عن ابن عباس ‪ ،‬عن جابر بن عبد الله بن‬
‫رئاب ‪ :‬مر أبو ياسر بن أخطب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو )ألم( ‪،‬‬
‫بطوله ‪ -‬في الحساب " ‪.‬‬
‫وهذه الرواية الثالثة ‪ ،‬بالسناد الذي عند الطبري هنا ‪ .‬تابعة للرواية الثانية ‪،‬‬
‫عن سلمة بن الفضل ‪ ،‬عطفها عليها بقوله " وعن ابن إسحاق " ‪ ،‬ليست‬
‫دا ‪.‬‬
‫تعلي ً‬
‫قا جدي ً‬
‫وأشار البخاري ‪ -‬بصنيعه هذا ‪ -‬إلى اضطراب الرواية على سلمة بن الفضل ‪،‬‬
‫بين هذا وذاك ‪ .‬ولذلك ذهب إلى جرح " سلمة " بهذا الضطراب ‪ ،‬فقال‬
‫عقب ذلك ‪ " :‬قال علي ]يريد به شيخه علي بن المديني ‪ ،‬إمام الجرح‬
‫والتعديل[ ‪ :‬ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلمة " ‪.‬‬
‫وقال في ترجمة سلمة ‪ " : 2/2/85‬سلمة بن الفضل أبو عبد الله البرش‬
‫الرازي النصاري ‪ ،‬سمع محمد بن إسحاق ‪ ،‬روى عنه عبد الله بن محمد‬
‫الجعفي ‪ .‬عنده مناكير ‪ .‬يقال ‪ :‬مولهم ‪ .‬مات بعد التسعين ‪ .‬وهنه علي " ‪،‬‬
‫يعني شيخه ابن المديني ‪ .‬ويعني أن سلمة مات بعد سنة ‪ . 190‬وقال في‬
‫التاريخ الصغير ص ‪ " : 217‬مات سلمة بن الفضل أبو عبد الله البرش‬
‫الرازي النصاري بعد تسعين ومائة ‪ .‬قال علي ]يعني ابن المديني[ ‪ :‬رمينا‬
‫بحديثه قبل أن نخرج من الري ‪ .‬وضعفه إسحاق بن إبراهيم " ‪ .‬وقال في‬
‫ضا ‪ ،‬في كتاب الضعفاء )ص ‪ " : (16‬سمع محمد بن إسحاق ‪ ،‬روى‬
‫ترجمته أي ً‬

‫عنه عبد الله بن عمر بن أبان ومحمد بن حميد ‪ .‬ولكن عنده مناكير ‪ .‬وفيه‬
‫نظر " ‪.‬‬
‫وأنا أذهب إلى توثيق سلمة بن الفضل ‪ ،‬فقد وثقه ابن معين ‪ ،‬فيما رواه ابن‬
‫أبي حاتم في كتابه ‪ ،‬وله عنده ترجمة جيدة وافية ‪ . 169 - 2/1/168‬وروى‬
‫ضا عن جرير ‪ ،‬قال ‪ " :‬ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في‬
‫أي ً‬
‫ضا في شرح‬
‫ابن إسحاق ‪ -‬من سلمة بن الفضل " ‪ .‬وقد رجحت توثيقه أي ً‬
‫المسند ‪. 886 :‬‬
‫وعندي أن هذا الضطراب إنما هو من ابن إسحاق ‪ ،‬أو لعله رواه بهذه‬
‫فا الرواية التي هنا‬
‫السانيد كما سمعه ‪ .‬وكلها ضعيف مضطرب ‪ .‬وأشدها ضع ً‬
‫‪ ،‬والتي أشار إليها البخاري ‪ :‬من رواية الكلبي عن أبي صالح ‪.‬‬
‫ولله در الحافظ ابن كثير ‪ ،‬فقد وضع الحق موضعه ‪ ،‬حين قال في التفسير ‪1‬‬
‫‪ " : 70 - 69 :‬وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ‪ ،‬وأنه يستخرج من‬
‫ذلك أوقات الحوادث والفن والملحم ‪ -‬فقد ادعى ما ليس له ‪ ،‬وطار في غير‬
‫مطارد! وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ‪ ،‬وهو مع ذلك أدل على بطلن هذا‬
‫المسلك من التمسك به على صحته " ‪ .‬ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع‬
‫من الطبري ‪ -‬ثم قال ‪ " :‬فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب‬
‫الكلبي ‪ ،‬وهو ممن ل يحتج بما انفرد به ‪ ،‬ثم كان مقتضى هذا المسلك ‪ -‬إن‬
‫حا ‪ :‬أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الربعة عشر التي‬
‫كان صحي ً‬
‫ذكرناها ‪ .‬وذلك يبلغ منه جملة كثيرة ‪ .‬وإن حسبت مع التكرار ‪ ،‬فأطم‬
‫وأعظم!! " ‪.‬‬
‫ومحمد بن السائب الكلبي ‪ :‬ضعيف جدا ‪ ،‬رمى بالكذب ‪ ،‬بل روى ابن أبي‬
‫حاتم في الجرح ‪ 271 - 3/1/270‬في ترجمته ‪ ،‬عن أبي عاصم النبيل ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫" زعم لي سفيان الثوري قال ‪ :‬قال لنا الكلبي ‪ :‬ما حدثت عنى عن أبي‬
‫صالح عن ابن عباس ‪ ،‬فهو كذب ‪ ،‬فل تروه " ‪ .‬وقال أبو حاتم ‪ " :‬الناس‬
‫مجتمعون على ترك حديثه ‪ ،‬ل يشتغل به ‪ ،‬هو ذاهب الحديث " ‪.‬‬
‫والطبري نفسه قد ضعفه جدا ‪ ،‬فيما مضى ‪ 66 :‬إذ أشار إلى رواية عن ابن‬
‫عباس ‪ " :‬روى جميع ذلك عن ابن عباس ‪ ،‬وليست الرواية عنه من رواية من‬
‫يجوز الحتجاج بنقله " ‪ ،‬ثم ذكر أن الذي روى ذلك " الكلبي عن أبي صالح‬
‫" ‪ .‬ووصف الحديث ‪ 72 :‬الذي رواه من طريقه ‪ ،‬بأنه " خبر في إسناده نظر‬
‫"‪.‬‬
‫فكان عجًبا منه بعد هذا ‪ ،‬أن يحتج بهذه الروايات المتهافتة ‪ ،‬ويرضى هذا‬
‫التأويل المستنكر ‪ ،‬بحساب الجمل! إذ يختار فيما سيأتي )هذه الصفحة سطر‬
‫‪ 8 :‬وما بعدها( ‪ ،‬أن هذه الحرف تحوي سائر المعاني التي حكاها إل قول‬
‫دا غير هذا المعنى المنكر ‪ .‬بل هو يصرح بعد ذلك ص ‪ 222 :‬سطر ‪8 :‬‬
‫واح ً‬
‫أن من المعاني التي ارتضاها ‪ :‬أنهن " من حروف حساب الجمل " !!‬
‫وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ‪ ، 22 : 1‬و ‪، 5 - 4 : 2‬‬
‫ووصفه في الموضع الول بالضعف ‪ .‬وكذلك نقله الشوكاني ‪ ، 20 : 1‬وضعفه‬
‫‪.‬‬
‫وقوله في آخره ‪ " :‬ويزعمون أن هؤلء اليات ‪ - " . .‬هو من تتمة الرواية ‪.‬‬
‫وهو من كلم ابن إسحاق حكاية عمن روى عنهم ‪.‬‬
‫) ‪(1/217‬‬

‫بذكر ما ُذكر منه في مفاتيح السور ‪ ،‬عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرًفا‬
‫من حروف المعجم ‪ ،‬بتأويل ‪ :‬أن هذه الحروف ‪ ،‬ذلك الكتاب ‪ ،‬مجموعة ‪ ،‬ل‬
‫ريب فيه ‪ -‬فإنه قول خطأ فاسد ٌ ‪ ،‬لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين‬
‫ن أهل التفسير والتأويل )‪ . (1‬فكفى دللة على‬
‫َومن َبع َ‬
‫دهم من الخالفين م ْ‬
‫خطئة ‪ ،‬شهادةُ الحجة عليه بالخطأ ‪ ،‬مع إبطال قائل ذلك قوَله الذي حكيناه‬
‫َ‬
‫عنه ‪ -‬إذ صار إلى البيان عن رفع " ذلك الكتاب " ‪ -‬بقوله مّرة إنه مرفوع ٌ ك ّ‬
‫ل‬
‫واحد منهما بصاحبه ‪ ،‬ومرة أخرى أنه مرفوع ٌ بالّراجع من ذكره في قوله " ل‬
‫ريب فيه " ومرة بقوله " هدى للمتقين " ‪ .‬وذلك تر ٌ‬
‫ك منه لقوله ‪ :‬إن " ألم "‬
‫ج من القول الذي اّدعاه في تأويل " ألم ذلك‬
‫رافع ٌ‬
‫ة " ذلك الكتاب " ‪ ،‬وخرو ٌ‬
‫ن تأويل ذلك ‪ :‬هذه الحروف ذلك الكتاب‪.‬‬
‫الكتاب " ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن‬
‫ف واحد ٌ شامل الدلل َ‬
‫ف يجوز أن يكون حر ٌ‬
‫فإن قال لنا قائل ‪ :‬وكي َ‬
‫ة على معا ٍ‬
‫كثيرة مختلفة ؟‬
‫ن كثيرة مختلفةٍ ‪،‬‬
‫قيل ‪ :‬كما جاز أن تكون كلمة واحدةٌ تشتمل على معا ٍ‬
‫مة ‪ ،‬وللرجل‬
‫مة ‪ ،‬وللحين من الزمان ‪ :‬أ ّ‬
‫كقولهم للجماعة من الناس ‪ :‬أ ّ‬
‫مة‪ .‬وكقولهم للجزاء والقصاص ‪:‬‬
‫مة ‪ ،‬وللدين والملة ‪ :‬أ ّ‬
‫المتعّبد المطيع لله ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ‪ ،‬في‬
‫دين ‪ ،‬وللسلطان والطاعة ‪ :‬دين ‪ ،‬وللتذلل ‪ :‬دين ‪ ،‬وللحساب ‪ِ :‬دي ٌ‬
‫أشباه لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها ‪ -‬مما يكون من الكلم بلفظ واحد ‪،‬‬
‫وهو مشتمل على معان كثيرة‪ .‬وكذلك قول الله جل ثناؤه ‪ " :‬ألم " و " ألر‬
‫" ‪ ،‬و " ألمص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل‬
‫ن شتى ‪ ،‬شام ٌ‬
‫السور ‪ ،‬كل حرف منها دا ّ‬
‫ل جميُعها من أسماء الله‬
‫ل على معا ٍ‬
‫ن‪،‬‬
‫عز وجل وصفاته ما قاله المف ّ‬
‫سُرون من القوال التي ذكرناها عنهم‪ .‬وه ّ‬
‫مع ذلك ‪ ،‬فواتح السور ‪ ،‬كما قاله من قال ذلك‪.‬‬
‫__________‬
‫فا فهم خالفون ‪:‬‬
‫)‪ (1‬الخالفين جمع خالف ‪ .‬خلف قوم بعد قوم يخلفون خل ً‬
‫جاءوا بعدهم وتبعوهم على آثارهم ‪ .‬تقول ‪ :‬أنا خِالفه وخِالفته ‪ :‬أي جئت بعده‬
‫‪.‬‬
‫) ‪(1/221‬‬
‫ن تكون‬
‫حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته ‪ ،‬بمانعها أ ْ‬
‫ن ذلك من ُ‬
‫س كو ُ‬
‫ولي َ‬
‫ّ‬
‫ور القرآن بالحمد‬
‫س‬
‫من‬
‫را‬
‫كثي‬
‫افتتح‬
‫قد‬
‫ثناؤه‬
‫ل‬
‫ج‬
‫الله‬
‫لن‬
‫فواتح‪.‬‬
‫سور‬
‫لل ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫لنفسه والثناء عليها ‪ ،‬وكثيًرا منها بتمجيدها وتعظيمها ‪ ،‬فغيُر مستحيل أن‬
‫يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها‪.‬‬
‫ح ما افتَتح‬
‫فالتي ابت ُ ِ‬
‫ن فوات ُ‬
‫دئ أوائُلها ب ُ‬
‫حروف المعجم ‪ ،‬أحد ُ َ‬
‫معاني أوائلها ‪ :‬أنه ّ‬
‫ن من‬
‫ن من ُ‬
‫ن مما أقسم بهن ‪ ،‬لن أحد َ معانيهن أّنه ّ‬
‫سور القرآن‪ .‬وه ّ‬
‫به ّ‬
‫حروف أسماء الله تعالى ذ ُ‬
‫دمنا البيان عنها ‪ ،‬ول شك‬
‫كره وصفاِته ‪ ،‬على ما ق ّ‬
‫ن من حروف حساب‬
‫في صحة معنى الق َ‬
‫سم بالله وأسمائه وصفاته‪ .‬وه ّ‬
‫ي‬
‫ال ُ‬
‫ن لل ّ‬
‫ن شعاٌر وأسماء‪ .‬فذلك يحوى َ‬
‫ج ّ‬
‫معان ِ َ‬
‫سور التي افتتحت به ّ‬
‫مل‪ .‬وه ّ‬
‫جميع ما وصفنا ‪ ،‬مما بّينا ‪ ،‬من وجوهه‪ .‬لن الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه لو أراد بذلك ‪ ،‬أو‬
‫ة على معًنى واحد مما يحتمله ذلك )‪ ، (1‬دون سائر‬
‫بشيء منه ‪ ،‬الدلل َ‬
‫ة غيَر‬
‫المعاني غيره ‪ ،‬لبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إبان ً‬
‫ة‪ .‬إذ ْ كان ج ّ‬
‫ل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه و سلم‬
‫مشكل ٍ‬
‫ة ذلك ‪ -‬أنه‬
‫لُيبّين لهم ما اختلفوا فيه‪ .‬وفي تركه صلى الله عليه و سلم إبان َ‬

‫مراد ٌ به‬
‫ض دون البعض ‪ -‬أوض ُ‬
‫ح الدليل على أنه ُ‬
‫مراد ٌ به من ُوجوه تأويله البع ُ‬
‫ه منها أن‬
‫جميعُ وجوهه التي هو لها محتمل‪ .‬إذ لم يكن مستحيل في العقل وج ٌ‬
‫يكون من تأويله ومعناه ‪ ،‬كما كان غير مستحيل اجتماع ُ المعاني الكثيرة‬
‫للكلمة الواحدة ‪ ،‬باللفظ الواحد ‪ ،‬في كلم واحد‪.‬‬
‫سِئل الفرقَ بين ذلك ‪ ،‬وبين سائر الحروف التي‬
‫ى ما قلناه في ذلك ‪ُ ،‬‬
‫ومن أب َ‬
‫مة والدين‬
‫تأتي بلفظ واحد ‪ ،‬مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة ‪ ،‬كال ّ‬
‫ن ذلك قول إل ألزم‬
‫وما أشبه ذلك من السماء والفعال‪ .‬فلن يقول في أحدٍ م ْ‬
‫في الخر مثله‪.‬‬
‫وكذلك ُيسأل ك ّ‬
‫خر‬
‫ل من تأّول شيًئا من ذلك ‪ -‬على وجهٍ ُدون الوجه ال َ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬في المخطوطة والمطبوعة ‪ " :‬مما ل يحتمله ذلك " ‪ ،‬وهو محيل‬
‫لمعناه ‪.‬‬
‫) ‪(1/222‬‬
‫ب التسليم له‪ .‬ثم‬
‫التي وصفنا ‪ -‬عن البرهان على د َ ْ‬
‫وجه الذي يج ُ‬
‫عواه ‪ ،‬من ال َ‬
‫صل ‪ ،‬أو مما‬
‫أ‬
‫من‬
‫‪:‬‬
‫وبينه‬
‫بينه‬
‫ق‬
‫الفر‬
‫ويسأل‬
‫مخالفه في ذلك ‪،‬‬
‫َ‬
‫ُيعاَرض بقول ُ‬
‫ْ‬
‫صل‪ .‬فلن يقو َ‬
‫ل في أحدهما قول إل ألزم في الخر مثله‪.‬‬
‫يدل عليه أ ْ‬
‫ن ذلك نظيُر " بل " في قول المنشد شعًرا ‪:‬‬
‫وأما الذي زعم من النحويين ‪ :‬أ ّ‬
‫وا قد َ‬
‫جا‬
‫بل * ما َ‬
‫ش َ‬
‫هاج أحزاًنا وشج ً‬
‫ّ‬
‫وأنه ل معنى له ‪ ،‬وإنما هو زيادة في الكلم معناه الطْرح ‪ -‬فإنه أخطأ من‬
‫جوه َ‬
‫شّتى )‪(1‬‬
‫وُ ُ‬
‫ف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هوَ من لغتها ‪،‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنه َوص َ‬
‫ت‬
‫وغير ما هو في لغة أحد من الدميين‪ .‬إذ ْ كانت العُرب ‪ -‬وإن كانت قد كان ْ‬
‫تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر بـ " بل " ‪ -‬فإنه معلوم منها أنها لم‬
‫تكن تبتدئُ شيًئا من الكلم بـ " ألم " و " ألر " و " ألمص " ‪ ،‬بمعنى ابتدائها‬
‫ذلك بـ " بل " ‪ .‬وإذ ْ كان ذلك ليس من ابتدائها ‪ -‬وكان الله جل ثناؤه إنما‬
‫خاطبهم بما خاطبهم من القرآن ‪ ،‬بما يعرفون من لغاتهم ‪ ،‬ويستعملون بينهم‬
‫من منطقهم ‪ ،‬في جميع آيه ‪ -‬فل شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم‬
‫سبي ُ‬
‫ل سائر القرآن ‪،‬‬
‫‪ ،‬التي افت ُِتحت بها أوائل السور ‪ ،‬التي هن لها فواتح ‪َ ،‬‬
‫في أنه لم يعد ْ‬
‫ل بها عن لغاِتهم التي كانوا بها عارفين ‪ ،‬ولها بينهم في‬
‫منطقهم مستعملين‪ .‬لن ذلك لو كان معدول به عن سبيل لغاِتهم ومنطقهم ‪،‬‬
‫جا عن معنى البانة التي وصف الله عّز وجل بها القرآن ‪ ،‬فقال‬
‫كان خار ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ك ل ِت َ ُ‬
‫ن عَلى قَلب ِ َ‬
‫تعالى ذكره ‪ ) :‬ن ََز َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ح ال ِ‬
‫كو َ‬
‫ل ب ِهِ الّرو ُ‬
‫ن ب ِل ِ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫سا ٍ‬
‫من ْذِِري َ‬
‫م َ‬
‫مي ُ‬
‫مبيًنا ما ل يعقله ول يفقهه أحد من العالمين )‪، (2‬‬
‫ن ( ‪ .‬وأّنى يكون ُ‬
‫ي ُ‬
‫عََرب ِ ّ‬
‫مِبي ٍ‬
‫في قول قائل هذه المقالة ‪ ،‬ول ي ُعَْرف في منطق أحد من المخلوقين ‪ ،‬في‬
‫ج ّ‬
‫ل ثناؤه عنه أنه عربي مبين ‪ ،‬ما ُيك ّ‬
‫ذب هذه‬
‫قوله ؟ وفي إخبار الله َ‬
‫ب كانوا به‬
‫ن العر َ‬
‫المقالة ‪ ،‬وينبئ عنه أ ّ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ما مضى ‪. 210 :‬‬
‫)‪ (2‬في المطبوعة ‪ " :‬ما ل يعقله ول يفقهه " ‪.‬‬
‫) ‪(1/223‬‬

‫ن‪ .‬فذلك أحد ُ أوجه خطئه‪.‬‬
‫عالمين ‪ ،‬وهو لها ُ‬
‫مستبي ٌ‬
‫والوجه الثاني من خطئه في ذلك ‪ :‬إضافته إلى الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه أنه خاطب‬
‫ب فيه‬
‫عباده بما ل فائدة لهم فيه ول معنى له ‪ ،‬من الكلم الذي سواٌء الخطا ُ‬
‫ي في قول جميع‬
‫به وترك الخطاب به‪ .‬وذلك إضافة العبث الذي هو منف ّ‬
‫حدين عن الله ‪ -‬إلى الله تعالى ذكره‪.‬‬
‫المو ّ‬
‫م تأويلها‬
‫ه الثالث من خطئه ‪ :‬أن " بل " في كلم العرب مفهو ٌ‬
‫والوج ُ‬
‫ضى كقولهم ‪ :‬ما‬
‫دخلها في كلمها رجو ً‬
‫عا عن كلم ٍ لها قد َتق ّ‬
‫ومعناها ‪ ،‬وأنها ت ُ ْ‬
‫ت عمًرا بل عبد الله ‪ ،‬وما أشبه ذلك من‬
‫جاءني أخوك بل أبوك ; وما رأي ُ‬
‫الكلم ‪ ،‬كما قال أعشى بني ثعلبة ‪:‬‬
‫َ‬
‫ث عَ ْ‬
‫َول ْ‬
‫ن وأْرب ََعا )‪(1‬‬
‫مان ًِيا‪ ...‬وَثل َ‬
‫مان ًِيا وث َ َ‬
‫ن ثَ َ‬
‫شَرب َ ّ‬
‫شَرةَ واث ْن ََتي ِ‬
‫ومضى في كلمته حتى بلغ قوله ‪:‬‬
‫ُ‬
‫صب ََعا )‪(2‬‬
‫ضرِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ه‪ِ ...‬بالوَ ّ‬
‫ن ‪ ،‬وط َي ّ ٌ‬
‫بال ُ‬
‫جل ّ َ‬
‫ب أْرَدان ُ ُ‬
‫ب ِلي ي َكّر ال ْ‬
‫سا ِ‬
‫ثم قال ‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بَ ْ‬
‫عا‬
‫خِليقةِ أْروَ َ‬
‫ح ال َ‬
‫ض غي ْرِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه‪َ ...‬واذكْر فًتى َ‬
‫س ْ‬
‫ل عَد ّ هذا ‪ِ ،‬في قري ٍ‬
‫فكأنه قال ‪ :‬د َع ْ هذا وخذ في قريض غيره‪ .‬فـ " بل " إنما يأتي في كلم‬
‫ول‬
‫العرب على هذا النحو من الكلم ‪ ،‬فأما افتتا ً‬
‫حا لكلمها ُ‬
‫مبتدأ بمعنى التط ّ‬
‫والحذف )‪ ، (3‬من غير أن يد ّ‬
‫دا ادعاه من‬
‫ل على معنى ‪ ،‬فذلك مما ل نعلم أح ً‬
‫ت قوله ‪ ،‬فيكون ذلك‬
‫أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها ‪ ،‬سوى الذي ذكر ُ‬
‫حُروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها ‪-‬‬
‫أصل يشّبه به ُ‬
‫ة ‪ -‬فكيف وهي من الشبه به بعيدة ؟‬
‫مشبه ً‬
‫لو كانت له ُ‬
‫***‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬ديوان العشى ‪ ،‬زيادات ‪ ، 248 :‬باختلف في الرواية ‪ .‬وانظر مراجعه‬
‫هناك ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الجلسان ‪ :‬قبة أو بيت ينثر فيه الورد والريحان للشرب ‪ .‬وقوله ‪" :‬‬
‫وطيب أردانه " يعني قينة تغنيهم وتعزف لهم ‪ ،‬طيبة الريح ‪ ،‬تضمخت وتزينت‬
‫‪ .‬والردان جمع ردن )بضم فسكون( ‪ :‬وهو مقدم كم القميص ‪ .‬والون ‪ :‬صنج‬
‫يضرب بالصابع ‪ .‬وقوله " يكر " أي يرد إصبعه مرة بعد مرة في ضربه‬
‫بالصنج ‪ ،‬وأراد به سرعة حركة أصابعها بالصنج ‪ .‬وفي المطبوعة " يكد "‬
‫بالدال ‪ ،‬وهو خطأ ‪.‬‬
‫)‪ (3‬انظر ما مضى ‪ 18 :‬تعليق ‪ ، 2 :‬وعنى بالتطول ‪ :‬الزيادة ‪.‬‬
‫) ‪(1/224‬‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ن )‪(2‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫ب ِفيهِ هُ ً‬
‫ب َل َري ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫دى ل ِل ْ ُ‬
‫قي َ‬
‫جل ثناؤه ‪ } :‬ذ َل ِ َ‬
‫ب{‪.‬‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫القول في تأويل قوله َ‬
‫مة المفسرين ‪ :‬تأويل قول الله تعالى) ذلك الكتاب ( ‪ :‬هذا الكتاب‪.‬‬
‫قال عا ّ‬
‫* ذكر من قال ذلك ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن‬
‫‪ - 247‬حدثني هارون بن إدريس الصم الكوف ّ‬
‫جريج ‪ ،‬عن مجاهد ‪ " :‬ذلك الكتاب " قال ‪ :‬هو هذا‬
‫محمد المحاربي ‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫الكتاب‪.‬‬

‫‪ - 248‬حدثني يعقوب بن إبراهيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن عَُلية ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا خالد‬
‫الح ّ‬
‫ذاء ‪ ،‬عن عكرمة ‪ ،‬قال ‪ " :‬ذلك الكتاب " ‪ :‬هذا الكتاب‪.‬‬
‫‪ - 249‬حدثنا أحمد بن إسحاق الهوازي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ‪:‬‬
‫ح َ‬
‫دي ‪ ،‬في قوله " ذلك الكتاب " قال ‪ :‬هذا‬
‫س ّ‬
‫حدثنا ال َ‬
‫كم بن ظ َُهير ‪ ،‬عن ال ّ‬
‫الكتاب )‪. (1‬‬
‫‪ - 250‬حدثنا القاسم بن الحسن ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا الحسين بن داود‪ .‬قال ‪ :‬حدثني‬
‫جريج ‪ ،‬قوله ‪ " :‬ذلك الكتاب " ‪ :‬هذا الكتاب‪ .‬قال ‪ :‬قال ابن‬
‫حجاج ‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫عباس ‪ " :‬ذلك الكتاب " ‪ :‬هذا الكتاب )‪. (2‬‬
‫فإن قال قائل ‪ :‬وكيف يجوُز أن يكون " ذلك " بمعنى " هذا " ؟ و " هذا " ل‬
‫ش ّ‬
‫معاَين ‪ ،‬و " ذلك " إشارة إلى غائب غير حاضر ول‬
‫ك إشارة إلى حاضر ُ‬
‫معاَين ؟‬
‫ُ‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬الثر ‪ - 249‬الحكم بن ظهير ‪ -‬بضم الظاء المعجمة ‪ -‬الفزاري ‪ ،‬أبو محمد‬
‫دا ‪ ،‬رمى بوضع الحديث ‪ .‬قال البخاري في‬
‫بن أبي ليلى الكوفي ‪ :‬ضعيف ج ً‬
‫الكبير ‪ " : 343 - 342 /1/2‬تركوه منكر الحديث " ‪ .‬وقال ابن أبي حاتم في‬
‫الجرح ‪ 119 - 118 /1/2‬عن أبي زرعة ‪ " :‬واهي الحديث " ‪ .‬وقال ابن حبان‬
‫في كتاب المجروحين ‪ ،‬رقم ‪ " : 239‬كان يشتم أصحاب محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬يروى عن الثقات الشياء الموضوعات " ‪.‬‬
‫)‪ (2‬هذه الثار جميًعا ‪ 250 - 247‬ذكرها ابن كثير في تفسيره ‪ ، 70 : 1‬والدر‬
‫المنثور ‪ ، 24 : 1‬والشوكاني ‪. 21 : 1‬‬
‫) ‪(1/225‬‬
‫ضيه من الخبار )‪ ، (1‬فهو ‪-‬‬
‫ضى ‪ ،‬ب ُ‬
‫ب َتق ّ‬
‫قيل ‪ :‬جاز ذلك ‪ ،‬لن كل ما َتق ّ‬
‫قْر ِ‬
‫وإن صار بمعنى غير الحاضر ‪ -‬فكالحاضر عند المخاطب‪ .‬وذلك كالرجل‬
‫دث الرج َ‬
‫ث فيقول السامع ‪ " :‬إن ذلك والله لكما قلت " ‪ ،‬و " هذا‬
‫ل الحدي َ‬
‫يح ّ‬
‫مّرة بمعنى‬
‫والله كما قلت " ‪ ،‬و " هو والله كما ذكرت " ‪ ،‬فيخبُر عنه َ‬
‫قْرب جوابه من‬
‫ضى ومضى ‪ ،‬ومرة بمعنى الحاضر ‪ ،‬ل ُ‬
‫الغائب ‪ ،‬إذ ْ كان قد َتق ّ‬
‫ض‪ .‬فكذلك " ذلك " في قوله)ذلك الكتاب( لنه‬
‫من ْ َ‬
‫كلم مخبره ‪ ،‬كأنه غير ُ‬
‫ق ٍ‬
‫َ‬
‫ل ذكره لما قدم قب َ‬
‫ج ّ‬
‫ل " ذلك الكتاب "