‫ْ‬

‫م‬
‫وب َِناءُ‬
‫ال ِ‬
‫عل ُ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ة ت َأ ْ‬
‫ء‬
‫في ب َِنا ِ‬
‫و‬
‫د‬
‫ل‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ل‬
‫صي‬
‫ٌ‬
‫س ٌ‬
‫عل ْم ِ ِ‬
‫ر ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِدَرا َ‬
‫ْ ِ‬
‫وَلة‬
‫الدّ ْ‬

‫د‪ .‬راغب السرجاني‬
‫المشرف على موقع قصة‬
‫السلم‬
‫‪www.islamstory.com‬‬

‫العلم وبناء المم د‪ .‬راغب السرجاني المشرف على موقع قصة السلم‬
‫‪www.islamstory.com‬‬

‫مقدمة الكتاب‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ‬
‫بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬إنه من يهده الله فل‬
‫مضل له‪ ،‬ومن يضلل الله فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده‬
‫دا عبده ورسوله‪.‬‬
‫ل شريك له‪ ،‬وأن محم ً‬
‫ما بعد‪..‬‬
‫أ ّ‬
‫فأمة السلم أمة عظيمة!!‬
‫هذه حقيقة ل ينكرها إنسان‪ ..‬وكيف ُتن َ‬
‫كر وقد ذكرها ربنا‬
‫سبحانه وتعالى في كتابه في أكثر من موضع‪ ،‬بل لم يكتف بالشادة‬
‫قا‪ ..‬قال تعإلي‪:‬‬
‫حا أنها خير المم مطل ً‬
‫بعظمتها‪ ،‬ولكنه ذكر تصري ً‬
‫ُ‬
‫س‪ ،1‬فهذه شهادة من رب العالمين‬
‫ة أُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ٍ‬
‫ر َ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫‪‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫الذي خلق الخلق أجمعين‪ ،‬ويعلم ما سبق من أمم‪ ،‬وما هو لحق‪..‬‬
‫فهذا يثلج صدور المسلمين‪ ،‬ويزرع الثقة إليقينية في قلوب المة أنها‬
‫مهما تقاوم عليها الزمان ستظل خير أمة أخرجت للناس‪.‬‬
‫ومع كون هذه الحقيقة ثابتة‪ ،‬إل أن هذا ل يمنع أن يحدث للمة‬
‫هّنات وأزمات‪ ،‬ول ُيستغرب أن يأتي عليها زمان يتقدم عليها غيرها‪،‬‬
‫وتتراجع المة بالتالي من المكانة السامية التي أرادها الله لها‪،‬‬
‫َ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫ها‬
‫م نُ َ‬
‫وُيص ّ‬
‫ك اْلّيا ُ‬
‫ول ُ َ‬
‫دق ذلك قول ربنا في كتابه الكريم‪َ  :‬‬
‫دا ِ‬
‫‪2‬‬
‫س‪ ‬فليست هناك أمة ‪ -‬بما فيها أمة السلم ‪ -‬تبقى قوية‬
‫ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫أبد الدهر‪ ،‬وإنما تتناوب المم قيادة الرض‪ ،‬ولكن وعد رب العالمين‬
‫أن هذه المة السلمية العظيمة ستظل باقية إلى يوم القيامة‪ ..‬قال‬
‫‪3‬‬
‫ول َ َ‬
‫ر‬
‫قب َ ُ‬
‫قدْ ك َت َب َْنا ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫عا ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫ن‪ ‬وقال‪َ  :‬‬
‫تعإلي‪َ  :‬‬
‫في الّزُبو ِ‬
‫َ‬
‫‪4‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ها ِ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫حو َ‬
‫رأ ّ‬
‫صال ِ ُ‬
‫ن بَ ْ‬
‫رث ُ َ‬
‫م ْ‬
‫عَباِد َ‬
‫ي ال ّ‬
‫ن الْر َ‬
‫ض يَ ِ‬
‫د الذّك ْ ِ‬
‫وبرغم اطمئنان قلوبنا إلى هذه البشريات إل أن النفس تتألم‬
‫لرؤية المة في حالة ضعف أو سقوط‪ ،‬ويخشى الصادقون أن يكون‬
‫ذلك بسبب تقصير من المسلمين‪ ،‬أو تفريط في قاعدة من قواعد‬
‫العزة والنهوض‪ ..‬وليس من شك في أن حال المة في زماننا هذا ‪-‬‬
‫برغم وجود مبشرات كثيرة ‪ -‬إل أنه ليس كما نتمنى لهذه المة‬
‫العظيمة ونرغب‪ ..‬فأزماتنا كثيرة وفي مجالت متعددة‪ ،‬ومصائبنا‬
‫جمة‪ ،‬والكوارث ما تركت ركًنا من أركان أمتنا إل وحلت عليه‬
‫ووقعت‪ ..‬واتسع ‪ -‬كما يقولون ‪ -‬الخرق على الراقع!‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪2‬‬

‫)آل عمران‪. (110 :‬‬
‫)آل عمران‪. (140 :‬‬
‫)العراف‪. (128 :‬‬
‫)النبياء‪. (105 :‬‬

‫العلم وبناء المم د‪ .‬راغب السرجاني المشرف على موقع قصة السلم‬
‫‪www.islamstory.com‬‬

‫صُلح معه سكوت؟!‬
‫هل هذا وضع ي َ ْ‬
‫إن الواجب علينا في ظل هذه اللحظات الليمة التي تمر بالمة‬
‫أن نقف وقفات جادة أمام هذه الحداث‪ ،‬فنشخص بدقة أسباب‬
‫النهيار‪ ،‬ونصف بصدق وأمانة العلج الناجع الذي يعيد المة إلى‬
‫مكانتها التي ل ينبغي أن تتخلف عنها‪..‬‬
‫إن المم ل ُتبنى بسهولة‪ ،‬كما أنها ل ُتبنى بطريقة عشوائية!!‬
‫إن بناء المم أمر صعب يحتاج إلى جهود متضافرة‪ ،‬وصبر‬
‫طويل‪ ،‬وعزم أكيد‪ ،‬وهو ‪ -‬في نفس الوقت ‪ -‬يسير وفق خطوات‬
‫محددة‪ ،‬وسنن ثابتة‪ ،‬ل تبديل لها ول تغيير‪ ،‬قال تعال‪َ  :‬‬
‫د‬
‫ج َ‬
‫فل َ ْ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ويل ً‪.5‬‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ه ت َب ْ ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ه تَ ْ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫لِ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ديل ً َ‬
‫ح ِ‬
‫وعلى المة في لحظات ضعفها أن تدرس بعمق السس التي‬
‫ينبغي للمة أن ُتبنى عليها‪ ،‬حتى ل يصبح بناؤنا ه ً‬
‫شا ينهار مع أي‬
‫عاصفة‪..‬‬
‫إننا يجب أن نتدبر في سنن بناء المم التي جاءت في كتاب ربنا‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬وفي سنه رسولنا ‪ ،‬كما يجب أن نتدبر في سنن‬
‫ددون‬
‫بناء أمتنا في مراحلها السابقة‪ ،‬وكيف استطاع المغّيرون والمج ّ‬
‫ولوا الهزيمة إلى نصر‪ ،‬والضعف إلى‬
‫من أبناء المة المخلصين أن يح ّ‬
‫قوة‪ ،‬والهوان إلى سيادة وتمكين‪..‬‬
‫وفوق ذلك فإن على المسلمين أن يدرسوا بعمق تجارب بناء‬
‫المم المختلفة من عموم أهل الرض‪ ،‬وليس بالضرورة أن تدرس‬
‫تجارب المسلمين فقط‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬إن على المسلمين أن‬
‫يستفيدوا من ميراث النسانية‪ ،‬وذلك ‪ -‬بطبيعة الحال ‪ -‬دون التنازل‬
‫عن شيء من ثوابتنا‪ ،‬أو التخلي عن أمر من شريعتنا‪..‬‬
‫وبدراسة متأنية لكتاب الله عز وجل‪ ،‬ولحاديث الرسول الكريم‬
‫‪ ،‬والقصص والتاريخ‪ ،‬وكذلك لحداث الواقع‪ ،‬يتبين لنا ‪ -‬بما ل يدع‬
‫ل متفاعل في بناء أي أمة‪،‬‬
‫مجال ً للشك ‪ -‬عدة عوامل ُتسهم بشك ٍ‬
‫دا للنظر ‪:-‬‬
‫ويأتي على رأس هذه العوامل ‪ -‬وبشكل لفت ج ً‬
‫"العلم"!‬
‫صا بأمة السلم وحدها‪ ..‬إنما هو أمر‬
‫وهذا الذي ذكرت ليس خا ً‬
‫ما كان أو غير مسلم‪..‬‬
‫ضروري لزم لكل من أراد القيام‪ ..‬مسل ً‬
‫وشواهد ذلك من القرآن والسنة ‪ -‬كما سيتبين لنا خلل صفحات هذا‬
‫الكتاب ‪ -‬ل تحصى ول تعد‪..‬‬
‫‪5‬‬

‫‪3‬‬

‫)فاطر‪. (43 :‬‬

‫العلم وبناء المم د‪ .‬راغب السرجاني المشرف على موقع قصة السلم‬
‫‪www.islamstory.com‬‬

‫والعلم الذي أعنيه هنا ليس هو العلم الشرعي فقط‪ ،‬بل العلم‬
‫ضا‪ ،‬ويشمل ذلك علوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء‬
‫الحياتي أي ً‬
‫والجغرافيا‪ ،‬وغير ذلك من علوم تصلح بها حياة البشر وتتحسن‬
‫ون – مع العلم الشرعي‪ -‬دعامة‬
‫معيشتهم‪ ،‬فهذا عل ٌ‬
‫م لبد منه‪ ،‬وهو ُيك ّ‬
‫رئيسية من دعامات المة السلمية‪.‬‬
‫ول يخفى على الناظر إلى حال أمتنا أن قضية العلم لم تأخذ‬
‫مكانها المناسب في اهتمام المسلمين‪ ،‬على الرغم من التركيز‬
‫الواضح على هذه الوسيلة المهمة في بناء المم في كلمات القرآن‬
‫الكريم والسنة المطهرة‪ ،‬وكذلك في أقوال الصالحين والمخلصين من‬
‫أبناء هذه المة‪.‬‬
‫ولع ّ‬
‫ل عدم دخول العلم في بؤرة اهتمام المسلمين هو أحد أهم‬
‫مْرضية التي عليها أمتنا في زماننا الحإلي‪..‬‬
‫السباب للحالة غير ال ُ‬
‫حا لجميع أنه لن تقوم المة من جديد إل عندما ينشأ جيل‬
‫ويصبح واض ً‬
‫يضع قضية العلم هذه في مكانها الذي ينبغي أن تكون فيه‪ ،‬كأولوية‬
‫دا في اهتمامات المة كلها‪..‬‬
‫من الولويات المهمة ج ً‬
‫وكمحاولة لوضع لبنة في صرح المة السلمية ف ّ‬
‫كرت في جمع‬
‫ما يؤيد أهمية العلم في إعادة المة إلى مكانها الصحيح‪ ،‬فتجولت في‬
‫صفحات القرآن الكريم وسنة الرسول ‪ ،‬وعدت إلى حياة الصحابة‬
‫ددين‪ ،‬ودرست‬
‫‪ ،‬والتابعين رحمهم الله‪ ،‬وقرأت ِ‬
‫سَير العلماء والمج ّ‬
‫تجارب المم التي كان لها نصيب في الصدارة والتمكين‪ ..‬فعلت ذلك‬
‫ت ما عندي من أوراق‪..‬‬
‫ت وصنف ُ‬
‫وغيره‪ ،‬وجمعت من هنا وهناك‪ ،‬ورتب ُ‬
‫فكان هذا الكتاب!!‬
‫أسأل الله عز وجل أن ينفع المة السلمية بكل حرف في هذا‬
‫الكتاب‪ ،‬وأن يقّر أعيننا برؤية أمتنا عظيمة رائدة‪ ،‬وأن يجعل ذلك كله‬
‫في ميزان حسنات كل من ساهم في هذا العمل أو استفاد منه‪..‬‬
‫والله من وراء القصد‪ ،‬وهو يهدي السبيل‪..‬‬
‫ي‪ .‬يييي يييييييي‬

‫‪4‬‬

‫الباب الول‪ :‬أمة السلم والعلم‬
‫ويضم الفصول التالية‪:‬‬

‫الفصل الول‪ :‬العلم في منظور السلم‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪ :‬أنواع العلوم‪.‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬قراءة في واقعنا العلمي‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ :‬السلم وعلوم الحياة‪.‬‬
‫الفصل الخامس‪ :‬نماذج من علوم المسلمين‬
‫في الحضارة السلمية‬
‫الفصل السادس‪ :‬آراء المستشرقين في‬
‫الحضارة العلمية السلمية‬

‫ي‬
‫م ِ‬
‫الفصل الول‪ :‬ال ِ‬
‫سل ِ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫ن ال ْ‬
‫عل ْ ُ‬
‫ميَزا ِ‬
‫م ّ‬
‫لقد كانت الحقيقة الولى التي ظهرت في الرض عند نزول‬
‫جبريل ‪ ‬لول مرة على رسول الله ‪ ‬أن هذا الدين الجديد‬
‫"السلم" دين يقوم على العلم ويرفض الضللت والوهام جملة‬
‫وتفصي ً‬
‫ل‪..‬‬
‫فقد نزل الوحي أول ما نزل بخمس آيات تتحدث حول قضية‬
‫واحدة تقريبا‪ ،‬وهى قضية العلم‪ ..‬قال تعإلي‪:‬ا ْ ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫ً‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ذي‬
‫ق َ‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫م ال ِ‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫وَرب ّك الكَر ُ‬
‫ق ال ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫خل َ‬
‫خل َ َ‬
‫ق اقَرأ َ‬
‫عل ٍ‬
‫َ ‪6‬‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫م‪. ‬‬
‫قل َم ِ َ‬
‫َ‬
‫سا َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م اْل ِن ْ َ‬
‫عل ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫عل ّ َ‬
‫عل ّ َ‬
‫دة وجوه‪..‬‬
‫وهذا النزول الول بهذه الكيفية عجيب من ع ّ‬
‫عا معيًنا من آلف‬
‫فهو عجيب لن الله ‪ ‬قد اختار موضو ً‬
‫المواضيع التي يتضمنها القرآن الكريم وبدأ به‪ ،‬مع أن الرسول ‪‬‬
‫حا أن هذا‬
‫ي ل يقرأ ول يكتب‪ ،‬فكان واض ً‬
‫الذي يتنزل عليه القرآن أم ٌ‬
‫الموضوع الول هو مفتاح فهم هذا الدين‪ ،‬ومفتاح فهم هذه الدنيا‪ ،‬بل‬
‫وفهم الخرة التي سُيقبل عليها الناس أجمعون‪.‬‬
‫ثم هو عجيب لنه نزل يتحدث عن قضية ما اهتم بها العرب‬
‫كثيًرا في هذه الونة في عمق التاريخ‪ ،‬بل كانت الخرافات والباطيل‬
‫هي التي تحكم حياتهم من أولها إلى آخرها‪ ..‬فكانوا يفتقرون إلى‬
‫العلم في كل المجالت‪ ،‬اللهم إل في مجال البلغة والشعر‪ ،‬فكان‬
‫هذا هو الميدان الذي تفوق فيها العرب وبرعوا‪ ،‬ولذلك نزل القرآن ‪-‬‬
‫وهو العجب ‪ -‬يتحداهم في هذا الذي برعوا فيه‪ ،‬معلًنا لهم أنه ينادى‬
‫بالعلم والتفوق فيه في كل الجوانب‪ ،‬بما فيها تلك التي يجيدونها‪.‬‬
‫ضا لنه اختار وسيلة من وسائل التعلم ُتعد‬
‫ثم هو عجيب أي ً‬
‫الشقّ والصعب بين كل الوسائل‪ ،‬وهى القراءة‪ ..‬لكنها ول شك‬
‫أرسخ من غيرها‪ ،‬فهي أرسخ من مجرد السماع‪ ،‬أو النظر‪ ،‬أو مجرد‬
‫الستنباط أو الستنتاج‪..‬‬
‫فهو ي ُعِْلم للناس جميًعا من أول يوم ومن أول لحظة‪ ،‬أن الذي‬
‫مضنًيا في العلم‬
‫يريد أن يرتبط بهذا الدين لبد أن يبذل مجهوًدا ُ‬
‫والتعلم والقراءة‪.‬‬
‫لقد كان السلم بمثابة ثورة علمية حقيقية في بيئة ما ألفت‬
‫روح العلم وما تعودت عليه‪ ،‬لدرجة أن المرحلة السابقة لنزول أول‬
‫‪6‬‬

‫)العلق‪.(5 - 1 :‬‬

‫كلمات القرآن تعرف باسم "الجاهلية "!!‪ ..‬فصفه "الجهل" ترتبط بما‬
‫هو قبل السلم‪ ،‬ثم جاء السلم ليبدأ العلم‪ ،‬ول ِت َُنار الدنيا بنور الهداية‬
‫َ‬
‫الربانية‪ ..‬قال تعإلي‪ :‬أ َ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫جا ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ل ِ َ‬
‫ن‪.7‬‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ه ُ‬
‫م َ‬
‫حك ْ ً‬
‫ق ْ‬
‫ن أو الش ّ‬
‫ك أو‬
‫فليس هناك مكا ٌ‬
‫ن في هذا الدين للجهل أو الظ ّ‬
‫الّريَبة‪.‬‬
‫لقد أمر الله ‪ ‬رسوله الكريم ‪ ‬منذ اليام الولى للرسالة أن‬
‫يعرض عن الجاهلين الذين يتمسكون بجاهليتهم‪ ،‬ويرفضون العلم‪..‬‬
‫فو ْ‬
‫‪8‬‬
‫ن‪. ‬‬
‫قال تعإلي‪ُ  :‬‬
‫ض َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫جا ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عْر ِ‬
‫مْر ِبال ْ ُ‬
‫ذ ال ْ َ‬
‫هِلي َ‬
‫وأ ُ‬
‫ر ْ‬
‫ف َ‬
‫ع ْ َ َ‬
‫ع ِ‬
‫ع ِ‬
‫حا منذ اليام الولى لهذا الدين أنه يرفض المناهج‬
‫كما كان واض ً‬
‫الظنية‪ ،‬وعليه فل يمكن أن يبنى شرائعه وأحكامه وقوانينه وتصوراته‬
‫ونظرياته إل على أساس من إليقين‪.‬‬
‫فهذا رب العالمين سبحانه يقول في إعجازٍ ظاهرٍ يصف حياة‬
‫ن ِ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫الكافرين والمعرضين عن دينه ‪ ‬بقوله‪َ  :‬‬
‫ع‪9‬لم ٍ‬
‫ْ‬
‫ق َ‬
‫شي ًْئا‪. ‬‬
‫ن َل ي ُ ْ‬
‫غِني ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫عو َ‬
‫إِ ْ‬
‫ن ال َ‬
‫ن ي َت ّب ِ ُ‬
‫م َ‬
‫ن الظّ ّ‬
‫ن إ ِّل الظّ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َ‬
‫فجعل الله ‪ ‬الفارق الرئيسي بين المؤمنين وبين الكافرين هو‬
‫قضية العلم‪ ..‬فالمؤمن يعلم والكافر يظن‪ ..‬والمؤمن يبنى على‬
‫إليقين‪ ،‬والكافر يبنى على الشك‪.‬‬
‫وإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫وعليه فقد قال سبحانه يصف حال الكافرين يذمهم‪َ  :‬‬
‫ها ُ‬
‫قي َ‬
‫ري‬
‫ع ُ‬
‫سا َ‬
‫و ْ‬
‫ب ِ‬
‫ِ‬
‫عدَ الل ّ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ة َل َري ْ َ‬
‫ه َ‬
‫في َ‬
‫وال ّ‬
‫م َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ق َ‬
‫ن َ‬
‫ما ن َدْ ِ‬
‫‪10‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ع ُ‬
‫سا َ‬
‫ست َي ْ ِ‬
‫ة إِ ْ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما ال ّ‬
‫قِني َ‬
‫ح ُ‬
‫ن ن َظ ّ‬
‫ن بِ ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ن إ ِل ظّنا َ‬
‫ولم تكن البداية فقط في هذا الكتاب المعجز "القرآن" هي‬
‫جا ثابًتا في‬
‫التي تتحدث عن العلم وقيمته وأهميته‪ ،‬بل كان هذا منه ً‬
‫هذا الدستور الخالد‪ ،‬فل تكاد تخلو سورة من سوره من الحديث عن‬
‫العلم‪ ،‬سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة‪.‬‬
‫جئت مفاجأة كبيرة عندما قمت بإحصاء عدد المرات‬
‫ولقد فو ِ‬
‫التي جاءت فيها كلمة "العلم" بمشتقاتها المختلفة في كتاب الله ‪‬؛‬
‫ت‪-‬‬
‫إذ وجدتها ‪ -‬بل مبالغة ‪ -‬قد بلغت ‪ 779‬مرة !! أي بمعدل سبع مرا ٍ‬
‫تقريًبا ‪ -‬في كل سورة!!‬
‫‪) 7‬المائدة‪.(50:‬‬
‫‪) 8‬العراف‪.(199 :‬‬
‫‪) 9‬النجم‪.(28 :‬‬
‫‪) 10‬الجاثية‪(32 :‬‬

‫وهذا عن كلمة "العلم" بمادتها الثلثية )ع ل م(‪ ،‬إل أن هناك‬
‫كلمات أخرى كثيرة تشير إلى معنى العلم ولكن لم ُتذكر بلفظه‪،‬‬
‫وذلك مثل‪ :‬إليقين والهدى والعقل والفكر والنظر والحكمة والفقه‬
‫ن تندرج‬
‫والبرهان والدليل والحجة والية والبينة‪ ..‬وغير ذلك من معا ٍ‬
‫ث عليه‪.‬‬
‫تحت معنى العلم وتح ّ‬
‫ما السنة النبوية فإحصاء هذه الكلمة فيها يكاد يكون مستحي ً‬
‫ل‪..‬‬
‫أ ّ‬
‫فقد وردت كلمة "العلم" في صحيح البخاري أكثر من ثلثمائة‬
‫مرة‪ ،‬وهذا كتاب واحد من كتب السنة‪ ،‬وهو في ذات الوقت ليس‬
‫ما؛ إذ أن هناك من كتب السنة ما يحوي أضعاف ما في‬
‫بأكبرها حج ً‬
‫صحيح البخاري‪ ،‬مثل صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي وأبي‬
‫داود وابن ماجة والدارمي والبيهقي‪ ،‬ومسند المام أحمد بن حنبل‪،‬‬
‫وموطأ المام مالك‪ ،‬وكذلك معجم الطبراني وصحيح ابن حبان‬
‫ومستدرك الحاكم‪ ،‬وغيرهم وغيرهم‪..‬‬
‫بل إن الملحظ أن الهتمام بقضية العلم لم يكن منذ أول‬
‫لحظات السلم ونزول القرآن فقط‪ ،‬وإنما كان ذلك منذ بداية خلق‬
‫النسان نفسه‪ ..‬كما حكى ذلك القرآن الكريم في آياته!!‬
‫فالله ‪ ‬خلق آدم وجعله خليفة في الرض‪ ،‬وأمر الملئكة أن‬
‫تسجد له‪ ،‬وكّرمه وع ّ‬
‫ظمه ورفعه‪ ،‬ثم ذكر لنا وللملئكة سبب هذا‬
‫التكريم والتعظيم والّرفعة‪ ..‬فعّين أنه "العلم"‪!!..‬‬
‫لم يتفوق آدم ‪ ‬على الملئكة بطول قيام‪ ،‬ول بكثرة ذكرٍ أو‬
‫تسبيٍح‪ ،‬ول بقوةٍ خارقة‪ ،‬ول بطاعةٍ مطلقة‪ ..‬فهذه المور كّلها مما‬
‫تتفوق فيها الملئكة بل منازع‪ ،‬وإنما تفوق عليهم فقط في قضية‬
‫"العلم"‪..‬‬
‫ف هؤلء الملئكة الِعظام‬
‫ومن أجل ذلك رفعه الله ‪ ‬فوق مصا ّ‬
‫ضله عليهم‪ ،‬بل وأسجدهم له ‪.‬‬
‫وف ّ‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫ة إ ِّني‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ك ل ِل ْ َ‬
‫يقول تعالى في تقرير ذلك‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ة َ‬
‫خِلي َ‬
‫ع ُ‬
‫ع ٌ‬
‫ها‬
‫ض َ‬
‫ف ً‬
‫سدُ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ل ِ‬
‫جا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ج َ‬
‫قاُلوا أت َ ْ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫ها َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫سل َ‬
‫د َ‬
‫ف ُ‬
‫ك َ‬
‫ون ُ َ‬
‫قا َ‬
‫ل إ ِّني‬
‫س ِ‬
‫م ِ‬
‫ح بِ َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ون َ ْ‬
‫ن نُ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ح ْ‬
‫ك الدّ َ‬
‫قد ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫ماءَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫على‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫أَ ْ‬
‫عَر َ‬
‫مو َ‬
‫ما ل ت َ ْ‬
‫م آد َ َ‬
‫ض ُ‬
‫ماءَ كل َ‬
‫م ال ْ‬
‫ه ْ‬
‫ها ث ّ‬
‫س َ‬
‫عل َ‬
‫عل ُ‬
‫م َ‬
‫عل ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫قا َ َ‬
‫ف َ‬
‫ة َ‬
‫ه ُ‬
‫ن‬
‫ؤَل ِ‬
‫ما ِ‬
‫صاِد ِ‬
‫ء َ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ء إِ ْ‬
‫ل أن ْب ُِئوِني ب ِأ ْ‬
‫قي َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫عل ّمت ََنا إن ّ َ َ‬
‫حان َ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك َل ِ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫قاُلوا ُ‬
‫عِلي ُ‬
‫ما َ ْ‬
‫م ل ََنا إ ِّل َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫ما أن ْب َأ ُ‬
‫مائ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ل َيا آدَ ُ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫م أن ْب ِئ ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ّ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫كي ُ‬
‫ماَئ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫م َ‬
‫مأ ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫وأ ْ‬
‫م إ ِّني أ ْ‬
‫وا ِ‬
‫غي ْ َ‬
‫ب ال ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫س َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ل أل َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬

‫م‬
‫دو َ‬
‫ما ت ُب ْ ُ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫س‬
‫لي‬
‫ب‬
‫إ‬
‫ل‬
‫إ‬
‫دوا‬
‫ج‬
‫س‬
‫ف‬
‫ِ ِْ ِ‬
‫َ َ ُ‬
‫َ‬

‫وإ ِذْ ُ‬
‫م‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫مو َ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫دوا ِل َدَ َ‬
‫ةا ْ‬
‫قل َْنا ل ِل ْ َ‬
‫ت َك ْت ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ن‪.11‬‬
‫كا ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫وا ْ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ست َك ْب ََر َ‬
‫أَبى َ‬
‫ف ِ‬

‫وهكذا كانت القضية منذ اللحظات الولى لخلق آدم ‪ ‬واضحة‬
‫جلية‪ ..‬فما إن يتمسك النسان بالعلم‪ ،‬ويحرص عليه‪ ،‬ويبذل الجهد‬
‫في تحصيله‪ ،‬إل ّ استحقّ أن يكون خليفة الله في الرض‪ ،‬وما إن يألف‬
‫ض منه‬
‫ود عليه‪ ،‬أو يزهد في العلم‪ ،‬ويبتعد عنه‪ ،‬وير َ‬
‫الجهل ويتع ّ‬
‫م‬
‫بالقليل‪ ..‬فإنه ‪ -‬ل ريب ‪ -‬يكون قد فَ َ‬
‫قد َ مؤهل ِ‬
‫ت هذه الخلفة‪ ،‬ومن ث َ ّ‬
‫حا مرفوع الذكر مع ّ‬
‫ظم الشأن‪..‬‬
‫دا صال ً‬
‫ل يصلح أن يكون عب ً‬
‫ولم يكن الحتفال بقيمة العلم منذ أول خلق "النسان" فقط‪،‬‬
‫بل ظهر هذا الحتفال قبل خلق النسان!! فإن الله ‪ ‬خلق أول ما‬
‫خلق "القلم"‪ ،‬أداة العلم الولى والخالدة‪ ،‬وذلك كما روى الترمذي أن‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫قا َ‬
‫و َ‬
‫ب‪،‬‬
‫ما َ‬
‫رسول الله‪ ‬قال‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ل‪ :‬اك ْت ُ ْ‬
‫قل َ َ‬
‫ق الل ّ ُ‬
‫خل َ َ‬
‫ل َ‬
‫نأ ّ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ب؟ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ما ُ‬
‫كا َ‬
‫ل‪ :‬اك ْت ُ ْ‬
‫ما أك ْت ُ ُ‬
‫كائ ِ ٌ‬
‫و َ‬
‫قدََر َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫‪12‬‬
‫د" ‪.‬‬
‫إلى اْلب َ ِ‬
‫وهكذا نجد أن العلم أمٌر محوري ورئيسي في الحياة النسانية‬
‫التي وجدت على ظهر الرض‪ ،‬وسيظل كذلك إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫ومن هنا لم يكن المر من باب المبالغة حين أشار الرسول ‪‬‬
‫في حديثه إلى أن الدنيا بكاملها ل قيمة لها ‪ -‬بل هي ملعونة ‪ -‬إل إذا‬
‫ازدانت بالعلم وذ ِ ْ‬
‫كر الله ‪..‬‬
‫روى الترمذي عن أبي هريرة < أن رسول الله ‪ ‬قال‪:‬‬
‫َ‬
‫ها‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫و‬
‫عون َ ٌ‬
‫ما ِ‬
‫ل‪ِ :‬ذك َْر الل ّ ِ‬
‫عو ٌ‬
‫مل ْ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫في َ‬
‫واَل ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ة َ‬
‫"الدّن َْيا َ‬
‫ه‪ ،‬أ ْ‬
‫ما َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫‪13‬‬
‫ما" ‪.‬‬
‫َ‬
‫مت َ َ‬
‫عل ّ ً‬
‫و ُ‬
‫عال ِ ً‬
‫ما‪ ،‬أ ْ‬
‫بل إنه إذا اختفى العلم من الدنيا‪ ،‬فإن الحياة فيها تصبح‬
‫مستحيلة‪ ،‬أو لمعنى لها‪ ،‬لهذا فإن اختفاء العلم يكون إيذاًنا بقرب‬
‫قيام الساعة‪..‬‬

‫‪ 11‬البقرة‪.34 - 30 :‬‬
‫‪ 12‬الترمذي‪ :‬كتاب التفسير‪ ،‬باب تفسير سورة "ن" )‪ ،(3319‬والحاكم )‪ ،(3693‬وقال صحيح‬
‫السناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي‪ ،‬والطيالسي )‪ ،(577‬والطبراني في الكبير )‪،(12500‬‬
‫والبيهقي في سننه )‪ ،(20664‬وأبو نعيم في الحلية ‪ ،5/248‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪(2017‬‬
‫صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 13‬الترمذي‪ :‬كتاب الزهد‪ ،‬باب ما جاء في هوان الدنيا على الله )‪ ،(2322‬والدارمي )‪،(322‬‬
‫والطبراني في الوسط )‪ ،(4072‬والبزار )‪ ،(1736‬والبيهقي في شعب اليمان )‪ ،(1708‬وقال‬
‫اللباني‪ :‬حسن )‪ (1609‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫يروي في ذلك البخاري ومسلم عن أنس بن مالك < قال‪ :‬قال‬
‫ع َ‬
‫ن ي ُْر َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫م‬
‫ع ال ْ ِ‬
‫سا َ ِ‬
‫شَرا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ةأ ْ‬
‫رسول الله ‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ف َ‬
‫ط ال ّ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ ُ‬
‫‪14‬‬
‫وي ُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫هَر الّزَنا" ‪.‬‬
‫ب ال ْ َ‬
‫شَر َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫وي َث ْب ُ َ‬
‫وي َظْ َ‬
‫ج ْ‬
‫خ ْ‬
‫مُر َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ورفعُ الِعلم هذا ل يكون بمحوه من الصدور‪ ،‬ولكن ُيرفع بموت‬
‫العلماء‪..‬‬
‫روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص } قال‪:‬‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫عا‬
‫م ان ْت َِزا ً‬
‫ض ال ْ ِ‬
‫سمعت رسول الله ‪ ‬يقول‪" :‬إ ِ ّ‬
‫عل ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قب ِ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫حّتى‬
‫ما ِ‬
‫ز ُ‬
‫ض ال ْ ِ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫ض ال ْ ُ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫عل َ َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ع ُ‬
‫قب ِ ُ‬
‫عَبادِ‪َ ،‬‬
‫ي َن ْت َ ِ‬
‫قب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫فأ ْ‬
‫سئ ِلوا َ‬
‫هال‪َ ،‬‬
‫إِ َ‬
‫وا‬
‫ما ات ّ َ‬
‫ق َ‬
‫س ُر ُ‬
‫سا ُ‬
‫ف ُ‬
‫ج ّ‬
‫ءو ً‬
‫عال ِ ً‬
‫ذا ل ْ‬
‫خذَ الّنا ُ‬
‫فت َ ْ‬
‫م ي ُب ْ ِ‬
‫َ‬
‫‪15‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ضلوا" ‪.‬‬
‫بِ َ‬
‫ر ِ‬
‫وأ َ‬
‫ف َ‬
‫ضلوا َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫عل ٍ‬
‫ولذلك فإن موت العاِلم هو الكارثة الحقيقية‪ ،‬والتي هي أشد‬
‫من كوارث الزلزل والبراكين؛ لنه بغياب العاِلم تفسد الرض‪ ،‬ويجهل‬
‫الناس الغاية من خلقهم‪ ،‬ومن ثم تصبح الحياة بكاملها ل قيمة لها‪..‬‬
‫يقول عمر بن الخطاب <‪" :‬لموت ألف عابد قائم الليل صائم‬
‫النهار‪ ،‬أهون من موت عالم ٍ بصيرٍ بحلل الله وحرامه"‪!!16‬‬
‫ولما مات زيد بن ثابت < ‪ -‬كاتب الوحي ومن علماء الصحابة‬
‫الجلء ‪ -‬قال عبد الله بن عباس }‪" :‬من سّره أن ينظر كيف ذهاب‬
‫العلم فهكذا ذهابه"‪.17‬‬

‫ص َ‬
‫ة ال َن ْب َِياء‪..‬‬
‫ف ُ‬
‫ال ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْ ُ‬
‫إن أعلى منزلة وأسمى رتبة في الخلق وبين البشر عند الله‬
‫تعالى هي منزلة النبياء ورتبة النبوة‪ ،‬ولمكانة العلم ولهميته القصوى‬
‫ومكانته في ميزانه سبحانه وتعالى‪ ،‬فإن الله ‪ ‬قد ربط في كتابه‬
‫الكريم بين النبياء وصفة العلم‪ ،‬على أساس أنها صفة ثابتة ولزمة‬
‫ضح سبحانه أن العلم هو أهم الصفات التي يتميز بها هؤلء‬
‫لهم‪ ،‬بل و ّ‬
‫موا غيرهم؟‬
‫النبياء‪ ،‬وكيف ل والدور الرئيسي لهم في الدنيا أن ُيعل ّ ُ‬
‫‪ 14‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب رفع العلم وظهور الجهل )‪ ،(80‬ومسلم‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب رفع‬
‫العلم وقبضه )‪ ،(2671‬والترمذي )‪ ،(2205‬وابن ماجة )‪ ،(4045‬وأحمد )‪ ،(12829‬وأبو يعلي )‬
‫‪.(3062‬‬
‫‪ 15‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب كيف يقبض العلم )‪ ،(100‬ومسلم‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب رفع العلم‬
‫وقبضه )‪ ،(2673‬والترمذي )‪ ،(2652‬والدارمي )‪ ،(239‬وابن حبان )‪ ،(4571‬والطبراني في‬
‫الوسط )‪،(55‬‬
‫‪ 16‬الحارث بن أبي أسامة‪ ،‬الحافظ نور الدين الهيثمي‪ :‬بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث‬
‫‪.2/813‬‬
‫‪ 17‬ابن حجر‪ :‬تهذيب التهذيب ‪.3/344‬‬

‫ما على‬
‫فإذا كان فاقد الشيء ل ُيعطيه ‪ -‬كما قيل ‪ -‬فكان لزا ً‬
‫ما‪ ،‬بل وأن يحرص على زيادة علمه‪ ،‬وفي ذات‬
‫النبي أن يكون عال ً‬
‫ما‬
‫صا على نقل علمه هذا إلى غيره‪ ،‬وأل يكتم عل ً‬
‫الوقت يكون حري ً‬
‫ل إ ِّل ال ْب ََل ُ‬
‫غ‬
‫ما َ‬
‫عَلى الّر ُ‬
‫و َ‬
‫سو ِ‬
‫عّلمه الله إياه‪ ..‬قال تعإلي‪َ  :‬‬
‫ن‪.18‬‬
‫مِبي ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫فكيف ُيبّلغ شيًئا بل ً‬
‫غا مبيًنا وهو يجهله ول يعلمه؟!‬
‫ما مرتب ً‬
‫طا بالعلم‪ ،‬فقال ‪ ‬في‬
‫ومن هنا فقد جاء ذ ِك ُْر النبياء دائ ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‪.19‬‬
‫و َ‬
‫م آد َ َ‬
‫ماءَ ك ُل ّ َ‬
‫م اْل ْ‬
‫س َ‬
‫عل ّ َ‬
‫حق آدم ‪َ : ‬‬
‫وُلو ً‬
‫ما‪.20‬‬
‫و ِ‬
‫طا آ َت َي َْناهُ ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫حك ْ ً‬
‫ما َ‬
‫وقال في حق لوط ‪َ : ‬‬
‫َ‬
‫غ أَ ُ‬
‫ه‬
‫ما ب َل َ َ‬
‫وا ْ‬
‫وى آت َي َْنا ُ‬
‫ول َ ّ‬
‫ست َ َ‬
‫شدّهُ َ‬
‫وقال في حق موسى ‪َ : ‬‬
‫ما‪.21‬‬
‫و ِ‬
‫ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫حك ْ ً‬
‫ما َ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ذو ِ‬
‫مَنا ُ‬
‫عل ّ ْ‬
‫عل ْم ٍ ل ِ َ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫وقال في حق يعقوب ‪َ : "‬‬
‫َ‬
‫ن‪.22‬‬
‫مو َ‬
‫س َل ي َ ْ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫غ أَ ُ‬
‫ما‬
‫ما ب َل َ َ‬
‫شدّهُ آ َت َي َْناهُ ُ‬
‫حك ْ ً‬
‫ول َ ّ‬
‫وقال في حق يوسف ‪َ : ‬‬
‫‪23‬‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫و ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫سِني َ‬
‫زي ال ْ ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫ف َ‬
‫وقال في حق داود وسليمان عليهما السلم‪َ  :‬‬
‫ها‬
‫مَنا َ‬
‫ف ّ‬
‫ه ْ‬
‫ما‪.24‬‬
‫و ِ‬
‫ما َ‬
‫وك ُل ً آ َت َي َْنا ُ‬
‫ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫حك ْ ً‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫مت ُ َ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫حك ْ َ‬
‫عل ّ ْ‬
‫ب َ‬
‫وقال في حق عيسى ‪َ : ‬‬
‫جي َ‬
‫ل‪.25‬‬
‫واْل ِن ْ ِ‬
‫وَراةَ َ‬
‫والت ّ ْ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ن ُ‬
‫وقال كذلك في حق رسولنا الكريم ‪: ‬إ ِ ْ‬
‫و ْ‬
‫و إ ِّل َ‬
‫ه َ‬
‫ح ٌ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫وى‪.26‬‬
‫حى َ‬
‫ش ِ‬
‫ُيو َ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫م‪.27‬‬
‫و َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫وقال أي ً‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ك َ‬
‫عل ّ َ‬
‫ضا‪َ  :‬‬

‫‪18‬‬
‫‪19‬‬
‫‪20‬‬
‫‪21‬‬
‫‪22‬‬
‫‪23‬‬
‫‪24‬‬
‫‪25‬‬
‫‪26‬‬
‫‪27‬‬

‫)النور‪.(54 :‬‬
‫)البقرة‪.(31 :‬‬
‫)النبياء‪.(74 :‬‬
‫)القصص‪.(14 :‬‬
‫)يوسف‪.(68 :‬‬
‫)يوسف‪.(22 :‬‬
‫)النبياء‪.(79 :‬‬
‫)المائدة‪.(110 :‬‬
‫)النجم‪.(5 - 3 :‬‬
‫)النساء‪.(113 :‬‬

‫سو َ‬
‫ل‬
‫س ِ‬
‫ت َر ُ‬
‫وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر } قال‪َ :‬‬
‫معْ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قد َ َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ف َ‬
‫الل ّهِ ‪َ ‬قا َ‬
‫حّتى إ ِّني‬
‫ت َ‬
‫رب ْ ُ‬
‫م أِتي ُ‬
‫ل‪" :‬ب َي َْنا أَنا َنائ ِ ٌ‬
‫ش ِ‬
‫ح َ لب َ ٍ‬
‫ت بِ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫في أظْ َ‬
‫ن‬
‫ي يَ ْ‬
‫ضِلي ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ف ْ‬
‫خُر ُ‬
‫عطَي ْ ُ‬
‫مَر ب ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ري‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫َلَرى الّر ّ‬
‫فا ِ‬
‫َ‬
‫خ ّ‬
‫ه؟ َقا َ‬
‫سو َ‬
‫م"‪.28‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ل‪ :‬ال ْ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ه َيا َر ُ‬
‫عل ْ َ‬
‫ما أوّل ْت َ ُ‬
‫ب‪َ .‬قاُلوا‪ :‬فَ َ‬
‫طا ِ‬
‫لنا‪.‬‬

‫فكان العلم أثمن ما يمتلك النبياء‪ ،‬ولذلك كان هو الذي أورثوه‬

‫وعليه فمن أراد أن يحمل لواء النبياء‪ ,‬وأن يسير في طريقهم‪,‬‬
‫ومن ثم ُيحشر في زمرتهم يوم القيامة‪ ،‬فعليه بطريق العلم‪..‬‬
‫ولعظم قيمة العلم ومكانته‪ ،‬فقد امتن به الله ‪ ‬على ُأناس‬
‫معينين واختصهم بالزيادة منه‪ ،‬وقد اصطفاهم ‪ ‬على غيرهم‪ ..‬فجعل‬
‫ على سبيل المثال ‪ -‬مؤهلت القيادة عند طالوت ~ هي العلم‬‫صطَ َ‬
‫في‬
‫سطَ ً‬
‫فاهُ َ‬
‫ة ِ‬
‫والقوة‪ ،‬فقال‪ :‬إ ِ ّ‬
‫وَزادَهُ ب َ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ها ْ‬
‫م َ‬
‫سم ِ‪.29‬‬
‫ال ْ ِ‬
‫ج ْ‬
‫وال ْ ِ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫خر‬
‫دم هنا العلم على القوة؛ لن العلم بإمكانه أن ُيس ّ‬
‫وقد ق ّ‬
‫القوة لصالحه‪ ،‬وليس العكس بصحيح‪ ,‬إذ أنه بإمكان الرجل الضعيف‬
‫أن ُيسخر السد القوى لخدمته‪ ,‬كون هذا ل يرجع إلى معيار القوة‬
‫والضعف عند الرجل‪ ،‬وإنما يرجع إلى سعة علمه وإحاطته بما يمكن‬
‫من خلله أن يتفادى مهاجمة السد له‪ ،‬وما يمكن من خلله أن يزل َّله‬
‫له‪.‬‬
‫و‪،‬‬
‫بل إن الله ‪ ‬جعل العلم سبًبا في السيطرة والهيمنة والعل ّ‬
‫م‬
‫وُأوِتيَنا ال ْ ِ‬
‫عل ْ َ‬
‫فقال في قصة سليمان ‪ ‬مع بلقيس ملكة سبأ‪َ  :‬‬
‫ن َ‬
‫ن‪.30‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫وك ُّنا ُ‬
‫ها َ‬
‫وينسب الله ‪ ‬إلى أهل العلم دائما كل صلٍح وفلح‪ ،‬بل‬
‫وشهادة حق وعمق نظرة ودراية‪ ،‬فيقول في إشارة إلى من أدرك‬
‫شهد الل ّ َ‬
‫ة‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫منهم حقيقة التوحيد‪َ ِ َ  :‬‬
‫وال ْ َ‬
‫ه َل إ ِل َ َ‬
‫ه أن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫‪31‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫م‪. ‬‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫ما ِبال ْ ِ‬
‫وُأوُلو ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫س ِ‬
‫زيُز ال َ‬
‫و ال َ‬
‫ق ْ‬
‫كي ُ‬
‫ط ل إ ِل َ‬
‫قائ ِ ً‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ويقول عن أولئك الذين يحفظون القرآن في صدورهم‪َ :‬بلْ‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫ن ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫و آَيا ٌ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫عل ْ َ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫ُ َ‬
‫دو ِ‬
‫‪32‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‪. ‬‬
‫مو َ‬
‫ب ِآَيات َِنا إ ِل الظال ِ ُ‬
‫‪ 28‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب فضل العلم )‪ ،(82‬ومسلم‪ :‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب من‬
‫فضائل عمر < )‪ ،(2391‬وأحمد )‪.(5868‬‬
‫‪) 29‬البقرة‪.(247 :‬‬
‫‪) 30‬النمل‪.(42 :‬‬
‫‪) 31‬آل عمران‪.(18 :‬‬
‫‪) 32‬العنكبوت‪.(49 :‬‬

‫ن‬
‫وفيمن يدرك الحق من غيره يقول سبحانه‪ :‬وَي ََرى ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ل إلي َ‬
‫ز َ‬
‫دي إلى‬
‫ك ُ‬
‫ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ك ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫و ال ْ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫عل ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫ذي أن ْ ِ‬
‫د‪.33‬‬
‫مي ِ‬
‫ح ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫ِ‬
‫ز ال ْ َ‬
‫ط ال ْ َ‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫وفي إشادة بأولئك الذين فقهوا حقيقة الدنيا والخرة في قصة‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫ن ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫وا ُ‬
‫ذي َ‬
‫وي ْل َك ُ ْ‬
‫عل ْ َ‬
‫م ثَ َ‬
‫م َ‬
‫قارون يقول ‪َ : ‬‬
‫‪34‬‬
‫َ‬
‫وَل ي ُل َ ّ‬
‫م َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ع ِ‬
‫صاب ُِرو َ‬
‫صال ِ ً‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫نآ َ‬
‫خي ٌْر ل ِ َ‬
‫ها إ ِّل ال ّ‬
‫ل َ‬
‫حا َ‬
‫ن َ‬
‫ضا الخضر‪ ،‬ود ّ‬
‫ل موسى ‪ ‬عليه ليتعّلم منه‪ ،‬لنه‬
‫وقد مدح أي ً‬
‫َ‬
‫اتصف بالرحمة والعلم فقال‪َ  :‬‬
‫ه‬
‫دا َ‬
‫ن ِ‬
‫دا ِ‬
‫عب ْ ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫عَباِدَنا آت َي َْنا ُ‬
‫ف َ‬
‫ما‪.35‬‬
‫و َ‬
‫م ً‬
‫ن ل َدُّنا ِ‬
‫ن ِ‬
‫مَناهُ ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ة ِ‬
‫َر ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫عل ّ ْ‬
‫ح َ‬
‫دَنا َ‬
‫وقد امتن ‪ ‬على المؤمنين بصفة خاصة فقال‪ :‬ل َ َ‬
‫ن‬
‫م ّ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن أ َن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ي َت ُْلو‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ث ِ‬
‫ف ِ‬
‫سول ً ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن إ ِذْ ب َ َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ْ‬
‫مِني َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫في ِ‬
‫َ َ‬
‫ن َ‬
‫وي َُز ّ‬
‫كاُنوا‬
‫كي‬
‫م َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫م آ ََيات ِ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫وي ُ َ‬
‫م ُ‬
‫حك ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ة َ‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪36‬‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ل لَ ِ‬
‫في َ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫وامتن على النسان بصفة عامة فقال‪ :‬الّر ْ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن‪.37‬‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫ه ال ْب ََيا َ‬
‫سا َ‬
‫قْرآ َ َ‬
‫ق اْل ِن ْ َ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫خل َ َ‬
‫مع ملحظ تقديم تعليم القرآن على خلق النسان‪ ,‬مع أن‬
‫خلق أول ثم ع ُّلم‪ ،‬ولكنه قدم العلم ليوحي بأن النسان إذا‬
‫النسان ُ‬
‫قد َ معه إنسانيته‪ ,‬فكأنه لم ُيخلق بعد‪ ..‬ثم إنه أعقب‬
‫فقد العلم فَ َ‬
‫ن"‪ ,‬وكأن العلم يحيط‬
‫ه ال ْب ََيا َ‬
‫م ُ‬
‫الحديث عن خلق النسان بقوله‪" :‬ع َل ّ َ‬
‫بحياة النسان من أولها إلى أخرها‪ ..‬فقبل ذ ْ‬
‫كر الخلق يمدح العلم‪,‬‬
‫وبعد ذ ْ‬
‫كر الخلق يمدح العلم‪.‬‬
‫صر ‪ ‬رفع العلم لصحابه على عالم النس فقط‪ ،‬بل‬
‫ولم ي َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ضا‪ ،‬قال تعإلي‪َ  :‬‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫تعدى ذلك عنده ليشمل عالم الجن أي ً‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن أ ََنا آ َِتي َ‬
‫م َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫به َ‬
‫ع ْ‬
‫قب ْ َ‬
‫ك‬
‫ك ِ ِ‬
‫ِ‬
‫قا ِ‬
‫م ِ‬
‫ت ِ‬
‫لأ ْ‬
‫قو َ‬
‫فري ٌ‬
‫م ْ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫هل َ‬
‫قا َ‬
‫ب أَنا‬
‫وإ ِّني َ‬
‫عن ْدَهُ ِ‬
‫ذي ِ‬
‫م ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫يأ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫مي ٌ‬
‫عل ٌ‬
‫و ّ‬
‫ن الك َِتا ِ‬
‫َ‬
‫قَ ِ‬
‫َ ‪38‬‬
‫ن ي َْرت َدّ إلي َ‬
‫َ‬
‫ك طَْر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فك ‪. ‬‬
‫أ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ك‬
‫تي‬
‫آَ ِ‬
‫ْ‬
‫ِ ِ ْ‬
‫وفي عالم الحيوان والطير‪ ،‬فإنه سبحانه يرفع من شأن‬
‫الجوارح المعّلمة والكلب المعّلم عن الجوارح غير المعلمة‪ ،‬فُيحل‬
‫الصيد الذي تصطاده الجوارح المعلمة‪ ,‬ويحّرم الذي تصطاده غير‬
‫‪33‬‬
‫‪34‬‬
‫‪35‬‬
‫‪36‬‬
‫‪37‬‬
‫‪38‬‬

‫)سبأ‪.(6 :‬‬
‫)القصص‪.(80 :‬‬
‫)الكهف‪.(65 :‬‬
‫)آل عمران‪.(164 :‬‬
‫)الرحمن‪.(4 – 1 :‬‬
‫)النمل‪.(40 ،39 :‬‬

‫سأ َُلون َ َ‬
‫م ُ‬
‫ح ّ‬
‫ق ْ‬
‫ح ّ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫ل أُ ِ‬
‫ذا أ ُ ِ‬
‫ل لَ ُ‬
‫المعلمة‪ ..‬قال تعإلي‪ :‬ي َ ْ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ما‬
‫ما َ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ن تُ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫الطّي َّبا ُ‬
‫مون َ ُ‬
‫ه ّ‬
‫مك َل ِّبي َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫عل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫وا ِ‬
‫ر ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م الل ّ ِ‬
‫فك ُُلوا ِ‬
‫واذْك ُُروا ا ْ‬
‫م َ‬
‫سك ْ َ‬
‫س َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫م ّ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مك ُ ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫م َ‬
‫‪39‬‬
‫وات ّ ُ‬
‫ب‪. ‬‬
‫َ‬
‫ع ال ْ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ري ُ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫سا ِ‬
‫ه َ‬
‫س ِ‬
‫ما يجب على النسان أن‬
‫وقد جعله رسول الله ‪ ‬أمًرا عظي ً‬
‫وق فيه عليهم‪..‬‬
‫يتنافس فيه مع غيره‪ ,‬ويتمنى أن لو تف ّ‬
‫يروي في ذلك البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود <‬
‫ج ٌ‬
‫قال‪َ :‬قا َ‬
‫ه‬
‫سدَ إ ِّل ِ‬
‫ن‪َ :‬ر ُ‬
‫ي ‪َ" :‬ل َ‬
‫ح َ‬
‫ل آَتاهُ الل ّ ُ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫في اث ْن َت َي ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مال ً َ‬
‫ج ٌ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫سلط َ‬
‫ه ال ِ‬
‫ه ِ‬
‫على َ‬
‫هلك َت ِ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫في ال َ‬
‫ف ُ‬
‫حك ْ َ‬
‫ل آَتاهُ الل ُ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ق‪َ ،‬‬
‫‪40‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ها" ‪.‬‬
‫و ي َق ِ‬
‫وي ُ َ‬
‫م َ‬
‫ضي ب ِ َ‬
‫ف ُ‬
‫عل ُ‬
‫ها َ‬
‫ه َ‬
‫كل هذه الملحظات وغيرها تبين مدى أهمية العلم‪ ،‬وأنه أعظم‬
‫النعم التي أنعم بها الله العليم الخبير على مخلوقاته‪..‬‬
‫فل غرو إذن أن يكون العلم من الشياء القليلة التي أمر الله ‪‬‬
‫رسوله الكريم ‪ ‬أن يطلب الستزادة منها‪ ،‬فقال تعالى موجًها نبيه‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪.41‬‬
‫زدِْني ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫عل ْ ً‬
‫والمة السلمية من بعده‪َ  :‬‬
‫ب ِ‬
‫ثم إن النسان َليقف مذهول ً أمام علم ‪ ‬الذي وصفه سبحانه‬
‫ل َ‬
‫ع َرّبي ك ُ ّ‬
‫ما‪.42‬‬
‫ي ٍ‬
‫ء ِ‬
‫و ِ‬
‫س َ‬
‫عل ْ ً‬
‫في كتابه حيث قال‪َ  :‬‬
‫ش ْ‬
‫وقد وصف سبحانه علم البشر بكل أنواعه وتصانيفه وتفريعاته‪،‬‬
‫من علوم فضاء وسلح وكيمياء وطب وهندسة وجغرافيا‪ ,‬وعلوم‬
‫نووية وبيولوجية وغيرها‪ ..‬وصف كل هذه العلوم بالقليل فقال تعإلي‪:‬‬
‫ُ‬
‫عل ْم ِ إ ِّل َ‬
‫قِليل ً‪.43‬‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫ما أوِتيت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫وذلك في إشارة خفّية منه سبحانه إلى البحث عن المزيد‪،‬‬
‫والتنقيب عن ذلك المجهول‪.‬‬
‫وإننا في هذا الفصل لم نسع إلى حصر كل ما جاء عن العلم‬
‫في كتاب الله عز وجل‪ ،‬أو في سنة رسوله ‪‬؛ فإن ذلك أمر يصعب‬
‫دا‪ ،‬ولكننا فقط نضع أيدينا على الوزن الحقيقي له من منظور‬
‫ج ً‬
‫ّ‬
‫الشريعة السلمية؛ فلن يهتم إنسان قط إل بما يشعر بأهميته‬
‫وقيمته‪ ،‬ونسأل الله‪ ‬أن ي ُعِّز السلم والمسلمين‪.‬‬
‫‪) 39‬المائدة‪.(4 :‬‬
‫‪ 40‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب الغتباط في العلم والحكمة )‪ ،(73‬ومسلم‪ :‬كتاب صلة‬
‫المسافرين‪ ،‬باب من يقوم بالقرآن ويعلمه )‪ ،(816‬وابن ماجة )‪ ،(4208‬والطبراني في‬
‫الوسط )‪ ،(1712‬وأبو يعلي )‪ ،(5078‬والبزار )‪ ،(1890‬والبيهقي في شعب اليمان )‪.(7528‬‬
‫‪) 41‬طه‪.(114 :‬‬
‫‪) 42‬النعام‪.(80 :‬‬
‫‪) 43‬السراء‪.(85 :‬‬

‫َ‬
‫ع ال ْ ُ ُ‬
‫وا ُ‬
‫الفصل الثاني‪ :‬أن ْ َ‬
‫علوم ِ‬
‫جاءت كلمة "العلم" في كتاب الله ‪ ‬وفي سنة رسوله الكريم‬
‫‪ ‬مطلقة‪ ،‬ودونما تقييد أو تحديد؛ فهي تشمل كل علم ٍ نافٍع يهدف‬
‫إلى خير الدنيا وعمارة الرض‪ ..‬وكل علم ٍ يهدف إلى صلح الناس‪،‬‬
‫والقيام السليم بواجبات الخلفة البشرية على هذا الكوكب‪.‬‬
‫وبالمكان تقسيم العلوم إلى قسمين كبيرين يشملن كل علم‬
‫نعرفه أو نحتاج إليه‪ ،‬وهذان القسمان هما‪ :‬العلوم الشرعية والعلوم‬
‫الحياتية‪.‬‬
‫أما العلوم الشرعية‪ :‬فهي العلوم التي ُيعَرف بها الله ‪،‬‬
‫وُيعَرف بها كيف تكون العبادة الصحيحة‪ ،‬ويشمل ذلك كل العلوم‬
‫المتعلقة بدراسة الدين وفقه الشريعة‪ ،‬مثل علوم القرآن‪ ،‬وعلوم‬
‫السنة والحديث الشريف‪ ،‬وعلوم العقيدة‪ ،‬وعلوم الفقه وأصوله‪،‬‬
‫وعلوم الخلق‪ ،‬وغير ذلك مما يتعلق بالشريعة والدين‪ .‬ويرتبط بهذا‬
‫القسم بعض العلوم الخرى التي ُيحتاج إليها في فقه تلك العلوم‬
‫الشرعية‪ ،‬مثل علوم اللغة والدب والتاريخ‪ ،‬ونحو ذلك‪..‬‬
‫أما العلوم الحياتية‪ :‬فهي العلوم النافعة التي يحتاج إليها‬
‫مر بها أرضه‪ ،‬ويستكشف بها كونه‬
‫النسان ليصلح بها حياته‪ ،‬ويع ّ‬
‫وبيئته‪ ..‬وذلك مثل علوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء‬
‫والجغرافيا‪ ،‬وعلوم الرض والنبات والحيوان‪ ،‬وغير ذلك من العلوم‬
‫المشابهة‪.‬‬
‫فكلمة العلم التي ك َُثرت الشارة إليها في الكتاب والسنة إنما‬
‫تعني ‪ -‬في أكثر الحيان ‪ -‬العلم بشقيه الشرعي والحياتي‪ ..‬وكل ما‬
‫جاء من مدٍح للعلماء‪ ،‬فهو لكل عالم ٍ نفع الناس بعلمه‪ ،‬سواء كان‬
‫شرعًيا أم حياتًيا‪ .‬وتوضيح ذلك ‪ -‬وخاصة أهمية العلم الحياتي ‪ -‬سيرد‬
‫في موضعه من هذا الكتاب‪.‬‬
‫ثم إن هذه العلوم ‪ -‬سواء علوم الشرع أو علوم الحياة ‪ -‬تنقسم‬
‫بدورها إلى قسمين‪ :‬علوم فرض عين‪ ،‬وعلوم فرض كفاية‪.‬‬
‫ما من كل‬
‫وفرض العين‪ :‬هو ما طلب الشارع فعله طلًبا جاز ً‬
‫مكلف بعينه‪ ،‬فل يكفي أن يقوم به البعض دون البعض الخر‪ ،‬ومنه‪:‬‬
‫الصلة‪ ،‬والصيام‪ ،‬والوفاء بالعقود وغيرها‪.‬‬
‫ما من‬
‫وفرض الكفاية‪ :‬هو ما طلب الشارع حصوله طلًبا جاز ً‬
‫جماعة المكلفين‪ ،‬فإن أقامه أحدهم أو بعضهم على الوجه المطلوب‪،‬‬

‫سقط الثم عن الباقين‪ ،‬وإن لم يقمه أحد أثم الجميع‪ ،‬ومنه‪ :‬الجهاد‬
‫في سبيل الله‪ ،‬وإقامة الخلفة‪ ،‬والصلة على الميت ودفنه‪ ،‬وغيرها ‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫وعليه فالعلوم التي ت َُعد من فروض العين هي تلك التي يتعين‬
‫صَلها‬
‫على كل مسلم ومسلمة ممن اتصف بالعقل والبلوغ أن ُيح ّ‬
‫ويتعّلمها‪ ،‬وإذا لم يحصلها أثم بسبب ذلك‪ ،‬وركبته السيئات بحجم‬
‫التفريط الذي فّرط‪.‬‬
‫ي على كل المسلمين‪ ،‬وليس هناك‬
‫فهذا النوع من العلوم حتم ٌ‬
‫استثناء فيه‪ ،‬وهو الذي عناه الرسول ‪ ‬في الحديث الصحيح عن‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫ة َ‬
‫ض ٌ‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫ري َ‬
‫أنس بن مالك < وقال فيه‪" :‬طَل َ ُ‬
‫ف ِ‬
‫سل ِم ٍ"‪.45‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫وأما العلوم فرض الكفاية‪ :‬فهي تلك العلوم التي إن قام بها‬
‫بعض المسلمين على الوجه الكمل‪ ،‬واستطاعوا أن ي ْ‬
‫كفوا بقية المة‬
‫فيها‪ ،‬فإنهم يثابون عليها ويسقط الثم عن باقي المة‪ ،‬حتى أولئك‬
‫الذين لم يقوموا بها‪ ..‬وأما إذا لم توفر المة من العلماء ما يكفي‬
‫حاجتها في فرع معين‪ ،‬فإن الثم يقع على الجميع إلى أن تكفي المة‬
‫حاجتها في ذلك الفرع‪ ،‬فتوفر الكم والنوع اللزم لسد كل الثغرات‪..‬‬
‫دا‪ ،‬والمة النجيبة الواعية هي التي‬
‫وفروض الكفاية كثيرة ج ً‬
‫توّزع فروض الكفاية على أفرادها بحيث تسد كل الثغرات لديها‪،‬‬
‫س في أحد‬
‫وتكفى كل حاجاتها‪ ،‬بحيث ل يصبح هناك ‪ -‬مثل ً ‪ -‬تكد ٌ‬
‫ص وقصوٌر في مجالت أخرى‪ ..‬وهذا يحتاج إلى اتساع‬
‫المجالت‪ ،‬ونق ٌ‬
‫ل نظرة‪.‬‬
‫ق وشمو ِ‬
‫أف ٍ‬
‫ولنحاول أن نسقط هذه التعريفات على الواقع‪..‬‬
‫فالعلوم الشرعية منها ما هو فرض عين‪" ،‬يتعين" على كل‬
‫مسلم ٍ ومسلمةٍ أن يتعلموه‪ ،‬ويأثمون بتركه‪ ،‬وذلك مثل العلم بالله ‪‬‬
‫م وخبيٌر وقادٌر على كل‬
‫على سبيل الجمال‪ ،‬كالعلم بأنه سبحانه علي ٌ‬
‫م وغير ذلك‪..‬‬
‫م وكري ٌ‬
‫شيء‪ ،‬وأنه خالقٌ ورازقٌ ورحي ٌ‬
‫ضا مثل العلم بأمور الفقه الضرورية لداء العبادات‪ ..‬فيتعلم‬
‫وأي ً‬
‫المسلم كيف يتوضأ وكيف يصّلي‪ ،‬وما هي نواقض الوضوء‪ ،‬وما هي‬
‫نواقض الصلة‪ ،‬وما الفرق بين الفرض والنافلة‪ ،‬وبين ما تصح الصلة‬
‫م وأحكامه‪ ،‬والزكاة‬
‫بدونه‪ ،‬وما ل تصح الصلة إل به‪ ،‬وأن يعرف الصيا َ‬
‫وأحكامها‪ ،‬وأن يعرف أمور الحلل والحرام‪ ،‬وخاصة المشهور منها‪،‬‬
‫ماه العلماء "ما هو معلوم من الدين بالضرورة" كحرمة الزنا‬
‫والذي س ّ‬
‫‪ 44‬راجع النووي‪ :‬المجموع شرح المهذب‪ ،‬مطبعة المنيرية‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪. 49‬‬
‫‪ 45‬ابن ماجة‪ :‬كتاب اليمان وفضائل الصحابة والعلم‪ ،‬باب فضل العلم والحث عليه )‪،(224‬‬
‫والطبراني في الكبير )‪ ،(10439‬والبزار )‪ ،(94‬وقال اللباني‪ :‬صحيح ) ‪ (3913‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫والخمر والخنزير والربا‪ ،‬وكذلك عليه أن يعرف رسوله الكريم ‪‬‬
‫ضا يعرف القرآن وكيف ُيتلى‪ ،‬ويعرف عن‬
‫ونبذة عن سيرته‪ ،‬وأي ً‬
‫الساعة ويوم القيامة إجما ً‬
‫ل‪ ،‬وكذلك عن الجنة والنار وهكذا‪..‬‬
‫ومن العلوم الشرعية ما هو فرض كفاية على بعض علماء المة‬
‫ضا على بقية المسلمين‪ ،‬مثل دقائق علم العقيدة‪،‬‬
‫وليس مفرو ً‬
‫ودقائق الفقه مثل فقه المواريث‪ ،‬ودقائق فقه التجارة لغير التجار‪،‬‬
‫وكيفية حساب الزكاة في الحتمالت المختلفة‪ ،‬ودقائق القتصاد لغير‬
‫القتصاديين‪ ،‬ودقائق تفسير القرآن‪ ،‬وأسباب النزول‪ ،‬وتفاصيل حياة‬
‫الرسول وحياة أصحابه‪ ،‬وتخريج الحاديث‪ ،‬والعلم برواتها‪ ،‬ودرجاتهم‬
‫من حيث الجرح والتعديل‪ ،‬وتفاصيل التاريخ السلمي‪ ،‬وفنون اللغة‬
‫ودقائقها‪..46‬‬
‫فهذه العلوم هي من فروض الكفاية‪ ،‬والتي وجب على المة أن‬
‫توجد طائفة من أفرادها ليقوموا بالخوض فيها‪ ،‬وإتقانها والتبحر فيها‬
‫والتمكن منها‪ ،‬والقدرة على معرفة كافة أطرافها ودقائقها‪ ..‬وهو‬
‫فُروا َ‬
‫ما َ‬
‫ة َ‬
‫كا ّ‬
‫م ْ‬
‫وَل‬
‫ف ً‬
‫ن ل ِي َن ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫فل َ ْ‬
‫مصداق قول الله ‪َ :‬‬
‫م َ‬
‫ف ّ‬
‫ة ل ِي َت َ َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫فْر َ‬
‫نَ َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ن‬
‫ف ٌ‬
‫هوا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ة ِ‬
‫ق ٍ‬
‫فَر ِ‬
‫في ال ّ‬
‫ق ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫دي ِ‬
‫ذُروا َ‬
‫م إِ َ‬
‫ن‪.47‬‬
‫ول ِي ُن ْ ِ‬
‫حذَُرو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م لَ َ‬
‫ج ُ‬
‫ذا َر َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫عوا إلي ِ‬
‫صا‬
‫وإذا لم توفر المة هؤلء العلماء‪ ،‬وكانت تعاني ‪ -‬مثل ً ‪ -‬نق ً‬
‫في علماء التفسير أو علماء الفقه أو الحديث أو غيره‪ ،‬فإن المة‬
‫جميعها تأثم إلى أن توفر هذه الطائفة‪.‬‬
‫هذا بالنسبة للعلوم الشرعية‪..‬‬
‫والمر هو نفسه بالنسبة للعلوم الحياتية‪ ..‬فمنها ما هو فرض‬
‫عين‪" ،‬يتعين" على كل مسلم ٍ ومسلمةٍ أن يتعلموه‪ ،‬ويأثمون بتركه‪،‬‬
‫ومنها ما هو فرض كفاية‪ ،‬إن قام به البعض سقط عن الجميع‪..‬‬
‫ن على الطبيب‪ ،‬وعلم الهندسة‬
‫فمثل ً علم الطب ُيعد فرض عي ٍ‬
‫ن على‬
‫ن على المهندس‪ ،‬وعلم الكيمياء فرض عي ٍ‬
‫ُيعد فرض عي ٍ‬
‫الكيميائي وهكذا‪ ..‬فإذا تعلم كل واحد ٍ من هؤلء مهنته وأتقنها وبرع‬
‫فيها‪ ،‬ووصل إلى درجة من البتكار وحل المشكلت في مجاله‪ ،‬وهكذا‬
‫في كل تخصص‪ ،‬فإن الفرض ُيكفى‪ ،‬وبذلك يسقط الثم عن‬
‫المسلمين‪..‬‬

‫‪ 46‬راجع في ذلك ابن حزم‪ :‬الحكام في أصول الحكام‪ ،‬مطبعة المام – القاهرة‪ ،‬ج ‪ 5‬ص ‪113‬‬
‫وما بعدها ‪ -‬ويوسف القرضاوي‪ :‬الرسول والعلم‪ ،‬مكتبة وهبة – القاهرة ص ‪. 94 ،93‬‬
‫‪) 47‬التوبة‪.(122 :‬‬

‫أما إذا فشلت المة في إخراج عدد مناسب‪ ،‬وبكفاءة متميزة‬
‫ي ْ‬
‫كفون حاجة المسلمين‪ ..‬فإن الثم يقع على المة جميًعا؛ وذلك‬
‫‪48‬‬
‫لفشلها في تحقيق ذلك المر !!‬
‫وليس غريًبا بعد ذلك أن يكون من نتيجة ذلك الفشل أن تتخلف‬
‫المة عن ركب الحضارة‪ ،‬وأن تكثر أزماتها ومشكلتها‪ ،‬فضل عن‬
‫سقوطها في أعين غيرها من المم الخرى‪ ،‬فتصبح وقد اقتادها‬
‫غيرها‪ ،‬وقد أضحت فريسة سهلة للطامعين‪ ،‬فل ُيستبعد أن تنتهك‬
‫سيادتها‪ ،‬وأن تحتل أرضها‪ ،‬وأن تسلب ثرواتها‪ ..‬حتى تضيع تحت أقدام‬
‫الغزاة!!‬
‫والشاهد من ذلك أن المرء المسلم واقع بين نوعين من العلوم‬
‫يتعين عليه أن يتقنهما‪ :‬الول خاص بمعرفة دينه المعرفة التي توصله‬
‫إلى العبادة الصحيحة كما ذكرنا سابقا‪ ،‬وهو ما لبد للجميع منه‪.‬‬
‫والثاني خاص بمجال التخصص الذي هو فيه‪ ،‬أّيا كان مجاله وطبيعة‬
‫ل هو بحجم التقصير الذي يحصل‪.‬‬
‫عمله‪ .‬والذنب والثم في ك ٍ‬
‫ومن هذا المنطلق ل يستقيم لطالب رفعةٍ لهذه المة‪ ،‬وراجي‬
‫فا في صنعته‬
‫التمكين لها في الرض‪ ،‬أن يكون فاشل ً في مجاله‪ ،‬متخل ً‬
‫أو في مهنته أو في علمه الذي وُ ّ‬
‫كل به؛ إذ أن تقدم المة معتمد ٌ على‬
‫تقدمه‪ ،‬وتخلفها هو نتيجة لتخلفه‪.‬‬
‫نقول‪:‬‬

‫وعلى ذلك فإننا إذا أخذنا أحد المسلمين كمثال توضيحي‪ ،‬فإننا‬

‫صا )من المسلمين(‪ ،‬فإنه يتعين‬
‫لو أن هناك اقتصادًيا متخص ً‬
‫عليه أن يتعلم كيف ُيصّلي‪ ،‬وكيف يصوم‪ ،‬وكيف يز ّ‬
‫كي‪ ،‬وكيف يعتقد‬
‫في ربه وفي رسوله وفي القرآن‪ ،‬وأن يعرف عن يوم القيامة والجنة‬
‫والنار‪ ،‬كما سبق أن ذكرنا‪..‬‬
‫وفوق ذلك فيتعّين عليه أن ُيتقن مجال القتصاد ويبرع فيه‪،‬‬
‫ويبتكر الطرق الحديثة التي ترفع من اقتصاد المة وت ُْعلي من شأنها‬
‫ضا أن يعرف الفقه السلمي الخاص بالقتصاد‪ ،‬وحكم‬
‫مادّيا‪ ،‬وعليه أي ً‬
‫السلم في المعاملت القتصادية المختلفة‪ ،‬وحكمه في قضايا البنوك‬
‫وشركات الستثمار والتأمين والتوفير والقروض‪ ..‬وغير ذلك من‬
‫المور التي تمس هذا الجانب بصورة مباشرة‪.‬‬
‫ولكن هذا القتصادي ل يتعين عليه ول يلزمه أن يتعلم دقائق‬
‫التفسير‪ ،‬أو يتعلم بنود الفقه المختلفة الخاصة بالطب‪ ،‬أو الخاصة‬
‫بالحرب أو الخاصة بالزواج أو الطلق أو الميراث؛ فهذا له متخصصون‬
‫ومهتمون‪ ،‬تماما كما هو في تخصصه في مجال القتصاد‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫انظر في ذلك‪ :‬الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين‪ ،‬دار المعرفة – بيروت‪.1/16 ،‬‬

‫كما أنه ل يلزمه أن يتعلم شيًئا عن الطب أو الهندسة أو الفلك‬
‫أو الزراعة أو غيرها‪ ،‬إل فيما يرتبط بعمله كاقتصادي‪..‬‬
‫وهكذا تتوزع كفاءات المة على الفروع المختلفة‪ ،‬وتسد‬
‫عا‪..‬‬
‫الثغرات تبا ً‬
‫ول يستقيم لمة ناجحة أن تتكدس فيها ‪ -‬مثل ً ‪ -‬طاقات فقهية‪،‬‬
‫بينما تفتقر إلى علماء الطب أو الكيمياء‪ ،‬ول يستقيم لمة متكاملة أن‬
‫يتكدس فيها جمعٌ غفيٌر من القضاة‪ ،‬وهي تفتقر إلى علماء التاريخ‪،‬‬
‫وهكذا‪..‬‬
‫وهذا دور الدولة الناجحة‪ ..‬أن ترُقب باستمرارٍ أوجه النقص‪،‬‬
‫ومن ثم تسد الخلل وتحرص على تكميله‪ ..‬كما أنه دور الفراد في أن‬
‫يتوجهوا إلى سد الثغرات المهمة والضعيفة‪ ،‬وأل يترك أصحاب‬
‫التخصص منهم تخصصهم وينشغلوا بغيره من العمال التي لم يكلفوا‬
‫أصل ً بأدائها‪ ،‬ولم توجب عليهم‪..‬‬
‫على أن الدور الكبر والمسؤولية الضخمة في هذا المر تتحمله‬
‫الدولة ممثلة في الحكومة‪ ،‬ولبد لها من أن تسعى لرفعة شعبها‬
‫متها في كل المجالت‪ ،‬وهي غير معذورة في أي تقصير في‬
‫وإعزاز أ ّ‬
‫هذا المر‪ ،‬كما أنه ليس هناك مبرٌر للبقاء في ذيل المم لسنوات‬
‫وسنوات‪..‬‬
‫وهذا ل يعني ‪ -‬كما سبق أن أشرنا ‪ -‬إعفاء أنفسنا من‬
‫المسئولية‪ ،‬فهذا مصير المة‪ ،‬وإننا ‪ -‬كأفراد ‪ -‬لدينا من المساحات‬
‫الضخمة التي من الممكن أن نعمل فيها وننتج ونبرع الكثير والكثير‪..‬‬
‫فالطالب ‪ -‬مثل ً ‪ -‬في أي مراحله التعليمية بإمكانه أل يكتفي بما‬
‫هو مقرٌر عليه فقط‪ ،‬وخاصة إذا كان هذا المقرر على مستوى غير‬
‫ف‪ ،‬ومن ثم فيمكن أن يلجأ إلى المكتبات وإلى الشبكة العالمية‬
‫كا ٍ‬
‫)النترنت( وغيرها‪ ،‬مما يزيد من حصيلته العلمية في مقرراته‬
‫الدراسية وفي مجال تخصصه‪.‬‬
‫ما‬
‫فإذا كان طالًبا يكون طالًبا متفوًقا‪ ،‬وإذا كان أستاًذا أو معل ً‬
‫سا يكون على أعلى درجة‬
‫ما متقنا ومبد ً‬
‫عا‪ ،‬وإذا كان مهند ً‬
‫يكون معل ً‬
‫وأمكن معرفة بمجال عمله وهندسته‪ ،‬وهكذا‪ ..‬والمطلوب هو بذل‬
‫الجهد ك ٌ‬
‫ل في مجاله قدر المستطاع‪.‬‬
‫وحين يكون اللتزام بذلك‪ ،‬وحين ل يكون مبلغ علم الجميع‬
‫وأقصى أمانيهم هو فقط الحصول على شهادة في كذا أو كذا‪ ..‬حينها‬
‫يسود جوٌ عام من حب العلم‪ ،‬فيصبح البلد أو القليم وقد اتخذ وجهة‬
‫صّناعه!!‬
‫العلم قبلة له‪ ،‬شاء في ذلك أم أبى أصحاب اتخاذ القرار و ُ‬

‫بل إن السياسيين حينذاك سيجدون أنهم مضطرون إلى أن‬
‫يسايروا تلك الموجة العلمية‪ ،‬ويكونون من ر ْ‬
‫كبها‪ ،‬تماما كما يسايرون‬
‫الموجة الدينية ‪ -‬رغم أن الكثيرين منهم ليست لهم ميول دينية أصل ً ‪-‬‬
‫فتراهم ‪ -‬مثل ً ‪ُ -‬يقيمون المسابقات الدينية‪ ،‬ويحضرون الحتفالت‬
‫الموسمية‪ ،‬ويهبون الجوائز على حفظ القرآن الكريم‪ ..‬وذلك طالما‬
‫كان هناك جو عام من الهتمام بالدين‪.‬‬
‫فكذلك إذا كانت هناك ثورة علمية‪ ،‬وأصبح العلم شغل الفراد‬
‫ومصب اهتماماتهم‪ ..‬حينها ستجد السياسي ‪ -‬مثل ً ‪ -‬الذي يريد أن‬
‫ينجح في النتخابات‪ ،‬تراه يضع في برنامجه النتخابي الهتمام‬
‫بالمؤسسات العلمية‪ ،‬والعمل على إنشاء الجديد منها والمزيد‪ ،‬وزيادة‬
‫ة‬
‫ميزانية الدولة في هذا الجانب‪ ..‬وعليه فلن تجد اهتماماته متجه ً‬
‫فقط إلى الطعام والشراب‪ ،‬وما إلى ذلك‪ ،‬وإنما يكون جل اهتماماته‬
‫م المة الول وشغلها الشاغل‪ ،‬وهو يومئذ العلم وقضايا التعليم!!‬
‫هو ه ّ‬
‫ولو قامت المة السلمية بدورها في هذا المجال )الهتمام‬
‫بالتوازن بين العلوم والربط بين العلم الشرعي والعلم الحياتي(‬
‫دا إلى غيرها‪ ,‬ولقامت‬
‫حكومة وشعًبا‪ ,‬جماعات وأفراًدا‪ ،‬ما افتقرت أب ً‬
‫معتمدة على سواعد أبنائها‪ ..‬وهذا ‪ -‬ولشك ‪ -‬يرفع من قيمتها ويعز‬
‫شأنها‪..‬‬

‫ي‬
‫عَنا ال ْ ِ‬
‫ق ِ‬
‫وا ِ‬
‫قَراءَةٌ ِ‬
‫الفصل الثالث‪ِ :‬‬
‫عل ْ ْ‬
‫في َ‬
‫م ّ‬
‫مع ازدهار الصحوة السلمية‪ ،‬وشيوع اللتزام بين صفوف‬
‫سخ في أذهان الكثيرين حب‬
‫المسلمين‪ ،‬وبالذات طائفة الشباب‪ ،‬تر ّ‬
‫العلم وطلبه‪ ،‬والبحث عنه وبذل الوقت له‪ .‬وكل هذا ‪ -‬ولشك ‪ -‬أمر‬
‫محمود‪ ،‬ونتيجة طبيعية لعودة المسلمين إلى ربهم وإلى دينهم‪..‬‬
‫لكن بقيت نقطة ما أشعر أنها أخذت المساحة الكافية من‬
‫تفكير شباب الصحوة‪ ،‬وما فُّرغت لها الوقات كما فرغت لغيرها‪ ،‬مع‬
‫أن هذه النقطة من أهم النقاط التي تنفع في بناء المم‪ ،‬وتفيد في‬
‫تشييد الحضارات‪..‬‬
‫وهذه النقطة هي الهتمام بعلوم الحياة‪ ،‬والتفوق والبداع فيها‪..‬‬
‫وعلوم الحياة ‪ -‬كما أشرنا قبل ذلك ‪ -‬هي العلوم التي ُتصلح‬
‫حياة البشر على الرض‪ ،‬والتي يهتدي إليها الناس بعقولهم وتجاربهم‬
‫ومشاهداتهم‪ ،‬ويستطيعون من خللها عمران الرض وأص ً‬
‫لحها‬
‫وتسخير إمكانياتها‪ ،‬وهي مثل علوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء‬
‫والنباتات والحيوان‪ ،‬وغير ذلك من العلوم التي تشمل الماديات‬
‫المبثوثة في الكون‪ ،‬والتي يحتاج إليها البشر في أص ً‬
‫لح "حياتهم" على‬
‫هذا الكوكب‪..‬‬
‫ما‬
‫وتلك العلوم هي التي يقصدها الغرب‪ ،‬وهي التي يعنونها دائ ً‬
‫حين يكون الحديث عن مطلق العلم‪..‬‬
‫وقد تعددت الشواهد والملحظات المهمة التي تبين سوء‬
‫الوضع العلمي الذي تعيشه المة السلمية‪ ،‬ومدى ما وصل إليه حالها‬
‫فيه‪ ،‬وهي كلها ناتجة عن عامل واحد‪ ،‬هو إهمال المسلمين لعلوم‬
‫الحياة‪..‬‬
‫ولعل في الملحظات التالية دليل ً على القصور غير المقبول‬
‫الذي وصل إليه المسلمون الن‪..‬‬
‫الملحظة الولى‪:‬‬
‫بدراسة أحوال العاملين في حقل الدعوة في الجامعات‬
‫حظ أن نسبة المتفوقين‬
‫السلمية في أكثر من بلد إسلمي‪ُ ،‬يل َ‬
‫دراسًيا في أوساط الدعوة نسبة قليلة بصورة لفتة للنظر‪ ،‬وأن‬
‫الطالب الملتزم بدعوته وبرسالته السلمية يرتب أموره بصورة تضع‬
‫التحصيل الدراسي والتفوق العلمي في أخريات أولوياته‪ ..‬وهذا‬
‫حي بعلومه الدراسية‬
‫لشعوره واعتقاده الدائم بأنه يجب عليه أن ُيض ّ‬

‫ة تحفيظ القرآن‬
‫ومناهجه البحثية من أجل الدين‪ ،‬فُيعطي ‪ -‬مثل ً ‪ -‬حلق َ‬
‫ة‬
‫ة عن محاضرة علمية‪ ،‬ويعطي موعظة ُتقال في مدّرٍج أولوي ً‬
‫أولوي ً‬
‫عن موضوع علمي يلقيه في فصل دراسي أو في مجموعة علمية‪،‬‬
‫ة‬
‫ث أولوي ً‬
‫ة عن قراء ٍ‬
‫ويعطي قراءة ً في كتاب تفسيرٍ أو فقهٍ أو حدي ٍ‬
‫في كتاب كيمياء أو فيزياء أو رياضيات‪ ،‬ويهتم بحضور دروس العلم‬
‫للمشايخ والقراء‪ ،‬ول يهتم بحضور الدوريات أو الندوات العلمية‪ ،‬أو‬
‫المؤتمرات المتخصصة في مجاله مث ً‬
‫ل!!‬
‫وهذه ليست ملحظة عابرة‪ ،‬أو حالت فردية‪ ،‬أو مشكلة محلية‪،‬‬
‫إنما تكاد تكون هي الصل بين أوساط الشباب العاملين في حقل‬
‫الدعوة في الجامعات السلمية‪ ..‬وهذا أمر يحتاج ‪ -‬ولشك ‪ -‬إلى‬
‫وقفات ووقفات‪..‬‬
‫ومثل هذا الحديث ليس من قبيل الحباط أو اليأس‪ ،‬وإنما هو‬
‫محاولة لتشخيص المراض برصد الظواهر والحقائق‪ ،‬ثم وصف العلج‬
‫بعد ذلك‪ ..‬والمر يحتاج إلى مصارحة‪ ،‬ووقوف على مواطن الداء‪..‬‬
‫ومما زاد من أهمية هذه الملحظة وإبراز دورها بين أهم‬
‫المشاهدات التي تبين إهمال المسلمين لهذا الجانب الحياتي من‬
‫العلوم وأنهم لم يعطوه حقه بالصورة الكافية‪ ،‬أنه ترتب عليها خشية‬
‫كثير من الطلب المتفوقين الذين ليست لهم وجهة إسلمية من‬
‫اللتزام أص ً‬
‫ل؛ وذلك لئل ُيصِبحوا مثل كثير من المثلة الدعوية‪ ،‬الذين‬
‫هم متردون دراسًيا ومتعثرون علمًيا‪..‬‬
‫وقد تحدثت كثيًرا مع بعض الشباب المتفوق دراسًيا ولكنه بعيد‬
‫عن آداب السلم وسلوكه‪ ،‬فكان يقبل كلمي عن السلم‪ ،‬وعلقته‬
‫ضه عليه‪ ،‬وتزكيته لهله‪ ..‬ولكن كان هذا القبول منه مجرد‬
‫بالعلم‪ ،‬وح ّ‬
‫قبول نظري غير واقعي‪ .‬وقد رصدته وهو يقول لي بلسان الحال‪ ،‬أو‬
‫بلسان المقال‪ :‬إن هذه قواعد غير قابلة للتطبيق؛ لن ما أراه حقيقة‬
‫هو خلف ما تتحدث عنه!! وإل فكيف تفسر حصول الطلب‬
‫ب‬
‫السلميين على تقديرات متدنية‪ ،‬بينما يتصدر قائمة المتفوقين شبا ٌ‬
‫حا لحياتهم‪ ،‬بل قد يكونون من غير‬
‫جا واض ً‬
‫ل يضعون السلم منه ً‬
‫المسلمين أص ً‬
‫ل؟!‬
‫قا إلى وقفات!!‬
‫إنها معضلة تحتاج ح ً‬

‫الملحظة الثانية‪:‬‬

‫التقيت في أمريكا مع أحد العرب الدارسين هناك‪ ،‬وكنت‬
‫أتحدث في محاضرة عن أهمية علوم الحياة‪ ،‬وأهمية أن تكفل المة‬
‫السلمية نفسها في هذا المجال‪ ،‬بل وأهمية أن تقود غيرها‪ ،‬وأن‬
‫تصل إلى درجة التفوق والبداع‪..‬‬
‫ث عنها‪ ،‬ففوجئت بوجهة‬
‫وبعد هذه المحاضرة دار بيني وبينه حدي ٌ‬
‫نظره في هذه القضية‪ ،‬والتي اكتشفت فيما بعد أنها ليست وجهة‬
‫نظر شخصية غير متكررة‪ ،‬بل هي وجهة نظر لها مؤيدون‪ ،‬ومن ورائها‬
‫خر‬
‫مشجعون‪ ،‬والتي يرى فيها أن الله ‪ - ‬بفضله ورحمته ‪ -‬قد س ّ‬
‫الكفار لخدمتنا‪ ،‬وأنه منحنا الموال الكافية لشراء النتاج العلمي‬
‫المجِهد الذي يقومون به!!‬
‫ومن أعظم نعم الله علينا ‪ -‬والكلم ما زال له ‪ -‬أنه وهبهم‬
‫العلم والتقنية المتطورة التي يصنعون بها كل ما نحتاجه نحن دون أن‬
‫نبذل أدنى مجهود‪ ،‬والحمد لله الذي فّرغ لنا الوقت للبحث في المور‬
‫الشرعية‪ ،‬وإتمام العبادات والنوافل‪ ،‬أو حتى في اللهو‪ ..‬ثم هم‬
‫يعملون لنا!!‬
‫مع ملحظة أن الرجل كان يتحدث عن هذا المنطق بحماسة‬
‫شديدة وبحمية ظاهرة‪ ،‬بل ويصّرح ‪ -‬بغرابة أشد ‪ -‬أن الله ‪ ‬قد‬
‫سخر لنا أمريكا واليابان والصين وألمانيا وروسيا وغيرهم ليكونوا‬
‫طوع إرادة المة السلمية‪ ،‬فيخترعون ويبتكرون كل ما نريده!!‬
‫ضا لخدمتنا‪،‬‬
‫ولعّله قد فاته أن يذكر أن الله قد سخر إسرائيل أي ً‬
‫عن طريق الحتلل باستخدام التقنية الحديثة والسلحة المتطورة!!‬
‫الملحظة الثالثة‪:‬‬
‫هناك خل ٌ‬
‫ل في فهم احتياجات المة السلمية‪ ،‬وطرق النفاق‬
‫على وجوه الخير المختلفة‪ ،‬فتجد أن كثيًرا من أصحاب رؤوس‬
‫الموال قد ُينفقون على الفقراء والمساكين‪ ،‬ولكن ل ينفقون على‬
‫طلبة العلم‪ ،‬وبالذات المغتربين منهم‪ ،‬والذين يعانون معاناة شديدة‪،‬‬
‫ويحتاجون إلى تفرغ لجمع وتحصيل العلم‪..‬‬
‫ونجد أن بعض الثرياء ‪ -‬مثل ً ‪ -‬يتبعون العمرة بعمرات عديدة‪،‬‬
‫ما بعد عام‪ ،‬ثم هم ل يفكرون في إنفاق‬
‫ومنهم من يوالون الحج عا ً‬
‫المال في حضور مؤتمرٍ علمي متخصص في مجال كالطب أو‬
‫الهندسة أو الفلك أو غيره‪ ،‬مما هو في مجال تخصصه وصميم عمله‪..‬‬
‫وقد تجد بعضهم يفكر في إنشاء معهد ٍ ديني أو دار تحفيظ‬
‫ة‬
‫للقرآن‪ ،‬ولكنه ل يفكر في إنشاء مركزٍ لتعليم الكمبيوتر‪ ،‬أو مكتب ٍ‬
‫علميةٍ حديثة‪ ،‬أو شبكة معلومات‪ ،‬أو جامعةٍ علميةٍ متخصصة‪..‬‬

‫بل إني رأيت كثيًرا من المسلمين في بلد الغرب يحرصون‬
‫على بناء مسجد ٍ في بلد ٍ قد يكون فيه عشرة مساجد أو يزيد‪ ،‬ولكنهم‬
‫ل يحرصون علي بناء مدرسةٍ في نفس البلد‪ ،‬رغم افتقارها إلى‬
‫مدرسةٍ واحدةٍ متخصصة!!‬
‫وهذا الخلل ‪ -‬ل شك ‪ -‬مرّده عدم فقهٍ لمفهوم العمل الخيري‬
‫في السلم؛ فالعمل الخيري عندهم مرتبط بالشعائر والعلوم‬
‫الشرعية فقط‪ ،‬أما أمور إعمار الرض وعلوم الحياة فهو مما يقع في‬
‫دا في الولويات‪ ،‬أو لعله ل يقع في الولويات أص ً‬
‫ل!!‬
‫مرتبة متأخرة ج ً‬
‫الملحظة الرابعة‪:‬‬
‫تف ّ‬
‫شي المية بصورة كبيرة في بلدان العالم السلمي‪ ..‬وهو ما‬
‫يعني غياب قضية العلم أص ً‬
‫ل‪ ،‬أو أنها ليست مطروحة بالمرة‪..‬‬
‫ففي مصر ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬وصلت نسبة المية في الفئة‬
‫فوق سن الخامسة عشرة ‪ %29.6‬وهذا يعني أن من بين كل عشرة‬
‫ة تقريًبا ل يعرفون القراءة ول الكتابة‪!!49‬‬
‫مصريين ثلث ً‬
‫ضا أن ما يقرب من ثلث المجتمع المصري الذي يقع‬
‫ويعني أي ً‬
‫عليه واجب النتاج ل يقرأ ول يكتب‪ ..‬وخاصة ونحن نواكب عصر‬
‫الفضاء والقمار الصناعية والتكنولوجيا متناهية التعقيد‪!!..‬‬
‫ضا ‪ -‬فيما يعنيه ‪ -‬أن هذه النسبة الخطيرة ل‬
‫كما يعني ذلك أي ً‬
‫س المصحف الشريف‬
‫تقرأ الجرائد ول تعرف المجلت‪ ..‬بل لم تم ّ‬
‫أص ً‬
‫ل‪!!..‬‬
‫ما الغريب‪ ،‬فحين نعلم أن هذه النسبة ليست بمعزل عّنا‪ ،‬وإنما‬
‫أ ّ‬
‫تعيش بيننا وفي محيطنا‪ ،‬ومع ذلك فل تجد أهل الخير حريصين على‬
‫ما في‬
‫تعليمهم أو النفاق على تعليمهم‪ ،‬وكأ القضية مهمشة تما ً‬
‫حياتنا!!‬
‫وحتى نعي خطورة وفداحة هذا الرقم‪ ،‬فيكفي أن نعلم أن نسبة‬
‫المية في إسرائيل تبلغ ‪ %2.9‬فيما فوق ‪ 15‬سنة‪!!50‬‬
‫وفي الفئة العمرية من سن ‪ 15‬إلى ‪ 24‬سنة‪ ،‬وهي فئة‬
‫الشباب‪ ،‬والتي هي أمل المة وعليها بناؤها‪ ،‬فتبلغ نسبة المية بينها‬
‫‪ 49‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬والمنشور على موقع‬
‫المنظمة على شبكة النترنت صفحة مصر‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_EGY.html‬‬
‫‪ 50‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬والمنشور على موقع‬
‫المنظمة على شبكة النترنت‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_ISR.html‬‬

‫في مصر ‪ %15.1‬في مقابل ‪ %0.2‬لسرائيل في نفس هذه‬
‫الفئة‪!!51..‬‬
‫ولبراز الصورة بشكل أوضح‪ ،‬فإن دولة مثل كوبا‪ ،‬والتي أنهكها‬
‫الفقر والحروب‪ ،‬تبلغ نسبة المية فيها في فئة الشباب من ‪ 15‬إلى‬
‫‪ 24‬سنة )صفًرا(!! أي ليس بها شاب ول فتاة ل يقرءون ول يكتبون‪،‬‬
‫وتبلغ نسبة المية في الكبار فيها ‪ % 0.2‬والتي هي في مصر ‪ -‬كما‬
‫مر بنا ‪.52 % 29.6 -‬‬
‫بل إنك لتعجب أشد العجب إذا علمت أن نسبة المية في نفس‬
‫هذه الفئة العمرية )فئة الشباب( في فلسطين المحتلة‪ ،‬في الضفة‬
‫الغربية وغزة‪ ،‬هي ‪ %0.9‬فقط‪ ،‬وذلك رغم الفقر والقهر والحصار‬
‫إليهودي‪ ،‬ورغم قتل الطفال والشباب والرجال والنساء‪ ،‬ورغم تهديم‬
‫ن ومدارس ومستشفيات وغيرها‪!!..53‬‬
‫البنية التحتية من مبا ٍ‬
‫وليست كوبا الفقيرة ول فلسطين المحتلة وحدها في هذا‬
‫المجال‪ ،‬بل إن معظم دول أمريكا اللتينية الفقيرة مثل شيلي‬
‫والبرازيل‪ ،‬وحتى كولومبيا‪ ،‬تتخطى نسبة التعليم فيها حاجز ‪ % 97‬و‬
‫‪.54 %98‬‬
‫ونعني بذلك أنه ليس هناك من أعذار ول من مبررات للقعود‬
‫عن حل هذه المعضلة وإحداث التغيير المنشود‪ ،‬ول ينفع في ذلك‬
‫التحجج بالفقر أو الزمات القتصادية أو غيرها‪..‬‬
‫ومثل هذا ل ينطبق على مصر فقط‪ ،‬بل وعلى معظم البلدان‬
‫دا من النسبة في‬
‫السلمية الخرى؛ إذ أن نسبة المية فيها قريبة ج ً‬
‫مصر‪ ،‬بل وأحياًنا كثيرة تكون أعلى منها‪ ،‬وذلك كما في المغرب ‪ -‬مثل ً‬
‫ حيث تبلغ نسبة المية فيها في فئة الشباب ‪ %30‬أي ضعف التي‬‫في مصر‪ ،‬وفي فئة الكبار فتبلغ ‪ %48‬وهذه كارثة بكل‬
‫المقاييس‪!!55..‬‬

‫‪ 51‬نفس المصدر السابق‪.‬‬
‫‪ 52‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬والمنشور على موقع‬
‫المنظمة على شبكة النترنت‪،‬كوبا ‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_CUB.html‬‬
‫‪ 53‬موقع الجهاز المركزي للحصاء الفلسطيني‪.‬‬
‫‪ 54‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬والمنشور على موقع‬
‫المنظمة على شبكة النترنت‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/indicators/20.html‬‬
‫‪ 55‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬والمنشور على موقع‬
‫المنظمة على شبكة النترنت‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_MAR.html‬‬

‫ضا ‪ -‬كمثال للبلدان‬
‫وإذا جئنا إلى موقف الناث في مصر أي ً‬
‫السلمية ‪ -‬وجدنا أن نسبة المية بين بني جنسهن وصلت إلى ‪%41‬‬
‫في مقابل ‪ %4‬فقط لمثيلتهن في إسرائيل‪!!56‬‬
‫عا عما‬
‫ومثل هذه الحصائيات )انظر جدول رقم ‪ُ (1‬تعطي انطبا ً‬
‫يكون عليه المستقبل في مصر مث ً‬
‫ل‪ ،‬وكذلك البلدان السلمية‬
‫الخرى‪ ،‬مع العلم بأن هذه النسبة من الشباب الذين ل يقرءون ول‬
‫يكتبون قلما تجدهم يعرفون قيمة العلم‪ ،‬ومن ثم ل يحرصون على‬
‫تعلمه‪ ،‬وفي الغلب العم لن يدفعوا أولدهم مستقبل ً إليه‪ ،‬وسيزداد‬
‫الوضع بالنسبة لهم سوًءا على سوء‪.‬‬
‫فعلى من ‪ -‬يا ُترى ‪ -‬تقع مسؤولية تعليم هؤلء الشباب؟! هل‬
‫ضا كباغين الخير‬
‫هي مسؤولية الحكومة وحدها؟! أم هي مسؤوليتنا أي ً‬
‫وساعين للصلح‪ ،‬وكمتطلعين إلى رفعة أمة السلم وعلو شأنها‪..‬؟!‬
‫إن تعليم مثل هؤلء القراءة والكتابة لهو من أبلغ وأهم مجالت‬
‫ب يحتاج لمزيد ٍ من الفكر والجهد‪ ،‬كما‬
‫الدعوة إلى الله ‪ ،‬وهو با ٌ‬
‫ينتظر من أهل الخير أن ينفقوا عليه بسخاء‪ ،‬وذلك عن طريق كفالة‬
‫المعلمين الذين يقومون على تعليم هؤلء الميين‪ ،‬وإنها ‪ -‬والله ‪-‬‬
‫لنقلة نوعية للمة‪ ،‬يوم يتقن جميع أبنائها القراءة والكتابة‪ ،‬بل علوم‬
‫الدنيا والدين‪.‬‬
‫وقد يبدو لنا أن تعليم القراءة والكتابة أمر صعب قد يطول‬
‫حا بالمرة؛ وقد حكى لي‬
‫وقته‪ ،‬وتتعدد جلساته‪ ،‬ولكن هذا ليس صحي ً‬
‫أحد من أعرفهم أنه جلس مع اثنين من حّراس العمارات في‬
‫المنطقة التي يقطنها‪ ،‬وفي خلل شهر واحد‪ ،‬بثمان لقاءات تقريًبا‬
‫لمدة تتراوح بين الساعة والساعتين‪ ،‬أصبحوا يتقنون اللغة العربية‬
‫قراءة وكتابة‪!!..‬‬
‫وأعتقد أن مثل هذا العمل متيسٌر للجميع‪ ..‬لمن أراد الثواب‪،‬‬
‫ولمن أراد الخير والصلح لهذه المة‪..‬‬
‫الملحظة الخامسة‪:‬‬
‫دا‪ ،‬ظاهرة هجرة‬
‫من الملحظات المزعجة ح ً‬
‫قا والمحزنة ج ً‬
‫العقول السلمية إلى الغرب‪ ،‬فيما ُيعَرف بظاهرة "استنزاف العقول"‬
‫أو "‪ ،"Brain Drain‬فالمم الغربية بصفة عامة ‪ -‬وأمريكا بصفة خاصة ‪-‬‬
‫تحرص على استقطاب العقول المفكرة والمبدعة علمًيا من شتي‬
‫بقاع الرض‪ ،‬ومنها ‪ -‬بالطبع ‪ -‬بلد المسلمين‪..‬‬

‫‪56‬‬

‫تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬مرجع سبق ذكره‪.‬‬

‫وليس أدل على ذلك من أن أمريكا قد أعطت في التسعينات‬
‫‪ 12‬مليون مهاجر من شتي أنحاء العالم تأشيرة هجرة إليها‪ ،‬ولم تكن‬
‫هذه التأشيرة مجرد تأشيرة سفر‪ ،‬فقد كانوا يعطونهم الجنسية‬
‫المريكية‪ ،‬وفوقها ضمانات هائلة‪ ،‬وإغراءات مادية عالية‪ ،‬بحيث يذوب‬
‫ة عن أصوله‬
‫ما في المجتمع المريكي‪ ،‬وينقطع كلي ً‬
‫المهاجر تما ً‬
‫‪57‬‬
‫وجذوره التي انحدر منها ‪..‬‬
‫وموضوع استقطاب العقول هذا له أولوية خاصة في القرارات‬
‫دل في سنة ‪1995‬م‬
‫المريكية‪ ،‬حتى إن قانون الهجرة المريكية ع ُ ّ‬
‫ليعطي أولوية الهجرة لصحاب العقول المفكرة والمبدعة‪ ،‬ويكفي أن‬
‫نشير إلى أن أمريكا خصصت في سنة ‪2003‬م مائتي ألف تأشيرة‬
‫لستقطاب مهارات في مجالت علمية معينة‪ ،‬منها مائة ألف تأشيرة‬
‫لستقطاب مبرمجي كمبيوتر من الهند‪ ،‬وذلك عندما ظهر التفوق‬
‫الهندي في هذا المجال في السنوات الخيرة‪ ،‬مع أن الظاهر للعيان‬
‫أن التفوق المريكي في مجال الكمبيوتر ُيعد ّ تفوًقا ملحو ً‬
‫ظا‪!!58‬‬
‫وهذا إن دل على شيٍء فإنما يدل على أنهم ل يبحثون عن‬
‫مجرد التواجد أو السيادة بفارق بسيط‪ ،‬وإنما يبحثون عن السيادة‬
‫بفارق هائل وحاسم‪ ،‬كما أن هذا الستقطاب لن يقوي أمريكا فقط‪،‬‬
‫بل سيعمل على إضعاف الهند التي ستفقد مائة ألف متخصص جملة‬
‫واحدة!!‬
‫وبنظرة متفحصة في ظاهرة هجرة العقول العربية السلمية‬
‫إلى الغرب‪ ،‬تجد ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬أن ‪ %50‬من الطباء العرب‬
‫المسلمين يهاجرون إلى أمريكا وأوروبا هجرة نهائية‪ ،‬ليصبحوا بذلك‬
‫ركًنا أساسًيا في نهضة المشروع المريكي الوروبي الطبي‪ ،‬بينما‬
‫ينزوي المشروع السلمي مع مرور الوقت‪ ..‬وليس هذا في مجال‬
‫الطب فقط؛ فالحصائيات تقول‪ :‬إن ‪ %23‬من المهندسين و ‪%15‬‬
‫من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة يهاجرون‬
‫متوجهين إلى أوروبا والوليات المتحدة‪ ،‬وكندا بوجه خاص‪ ،‬بل إن في‬
‫بريطانيا وحدها تبلغ نسبة الطباء من أصول عربية ‪ %34‬من مجموع‬
‫الطباء هناك‪!!59‬‬
‫وقد أثبتت دراسة أجريت على الطلب العرب الذين يسافرون‬
‫لتحصيل العلم من أوروبا وأمريكا أن ‪ %54‬منهم ل يعودون إلى‬
‫‪ 57‬موقع البلغ‪ :‬مقال بعنوان‪ :‬العقول المهاجرة بين الستنزاف والستثمار‪ ،‬الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.balagh.com/thaqafa/320t3zh0.htm‬‬
‫‪ 58‬راجع في ذلك مقال بعنوان‪" :‬العقول المهاجرة بين الستنزاف والستثمار"‪ ،‬منشور على‬
‫شبكة"بلغ"‪.‬‬
‫‪ 59‬مجلة البرلماني العربي‪ ،‬السنة الثانية والعشرون‪ ،‬العدد الثاني والثمانون‪ ،‬ديسمبر ‪:2001‬‬
‫مذكرة المانة العامة حول جوهر الدمغة العربية‪ ،‬الرابط‪http://www.arab- :‬‬
‫‪ipu.org/publications/journal/v82/memobrain.html‬‬

‫بلدهم!! وبهذا وصل عدد العرب الذين يستقرون في أوروبا وأمريكا‬
‫من حملة الشهادات المؤهلة العليا حتى سنة ‪ 2000‬إلى ‪ 450‬ألف‬
‫عربي‪!!60‬‬
‫مع ملحظة أن كل الحصائيات السابقة على العرب وليست‬
‫على عموم المسلمين‪ ،‬مع أن العرب ل يمثلون أكثر من خمس العالم‬
‫السلمي‪ .‬فإذا أضفت المسلمين غير العرب فإن الحصائيات ستصل‬
‫ بل شك ‪ -‬إلى أرقام مفزعة‪ ،‬وبالخص إذا كان هناك دول إسلمية‬‫غير عربية اشتهر أبناؤها بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا بصورة لفتة‪،‬‬
‫وذلك مثل باكستان والهند وإندونيسيا وتركيا ونيجيريا وغيرها‪..‬‬
‫ويكفي للدللة على ذلك أن نيجيريا ‪ -‬على سبيل المثال ‪-‬‬
‫درت بمفردها إلى الن إلى أمريكا فقط أكثر من ‪ 21‬ألف طبيب‬
‫ص ّ‬
‫‪61‬‬
‫نيجيري‪ ،‬وذلك على مدار السنوات السابقة !!‬
‫والوضع في قارة أفريقيا بصفة عامة مشابه للوضع في بلد‬
‫العالم السلمي‪ ،‬وخاصة وأن كثيًرا من بلدانها هي بلد إسلمية أو بها‬
‫نسبة عالية من المسلمين‪ ،‬وذلك كما في الصومال والنيجر ومإلى‬
‫وتشاد وأوغندا وسيراليون وغيرها‪..‬‬
‫فأفريقيا تصدر سنوًيا ‪ 20‬ألف مهاجرٍ متعلم ٍ إلى أوروبا وأمريكا‪،‬‬
‫ثم بعد ذلك تدفع ‪ 4‬مليار دولر سنوًيا؛ كأجورٍ لجانب وخبرات علمية‬
‫دمة؛ لسد الثغرات التي خّلفها غياب هؤلء العلماء الفارقة‬
‫مستق َ‬
‫‪62‬‬
‫المهاجرين !!‬
‫ما في‬
‫وهذه الحصائيات كلها في الظروف الطبيعية العادية‪ ،‬أ ّ‬
‫حال الكوارث أو الحروب أو الفتنة أو غيرها‪ ،‬فإن الرقام تكون أبشع‬
‫من ذلك‪..‬‬
‫فالعراق مثل ً تنزف من عقولها وعلمائها ما ل ُيتخيل‪ ،‬وهناك في‬
‫بريطانيا أكثر من ‪ 2000‬طبيب عراقي!! وتتضح حجم الخسارة إذا‬
‫علمنا أن الطبيب العراقي كان يكلف دولته في السبعينات أكثر من‬
‫‪ 45‬ألف دولر‪ ..‬فخسارة أكثر من ‪ 2000‬طبيب عراقي إذن ‪-‬‬
‫وبحساب السبعينات ‪ -‬تعني خسارة ‪ 100‬مليون دولر!! وهذا‬
‫بالضافة إلى الخسارة العلمية الناتجة عن فقد هؤلء العلماء‪،‬‬
‫‪ 60‬مجلة البرلماني العربي‪ ،‬السنة الثانية والعشرون‪ ،‬العدد الثاني والثمانون‪ ،‬ديسمبر ‪:2001‬‬
‫مذكرة المانة العامة حول جوهر الدمغة العربية‪ ،‬الرابط‪http://www.arab- :‬‬
‫‪ipu.org/publications/journal/v82/memobrain.html‬‬

‫‪61‬‬

‫موقع القنطرة‪ :‬مقال بعنوان‪ :‬هجرة العقققول سققلبيات وإيجابيققات ظققاهرة الهجققرة‪ ،‬الرابققط‪:‬‬
‫?‪http://www.quantara.de/webcom/show_article.php/_c-471/_nr-158/_p-1/i.html‬‬
‫‪PHPSESSID=133099777‬‬
‫‪ 62‬شبكة المشكاة السلمية‪ :‬إدريس جالو‪ :‬مقال بعنوان‪ :‬هجرة االعقول الفريقية الثار‬
‫والحلول‪ ،‬الرابط‪http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=7717 :‬‬

‫قد من يعالج مرضى‬
‫وبالضافة إلى الخسارة الصحية الناجمة عن ف ْ‬
‫الدولة‪..63‬‬
‫والوضع ليس أفضل حال ً بالنسبة إلى فلسطين ولبنان‬
‫والسودان‪ ..‬وكل بلد ٍ مر بحروب شديدة أو فتنة متكررة‪ ،‬وإن كان‬
‫ما على كل بلد المسلمين كما ذكرنا‪.‬‬
‫المر عا ً‬
‫الملحظة السادسة‪:‬‬
‫مع كل المعوقات التي تواجهها أمتنا للخروج من مأزق التخلف‬
‫العلمي‪ ،‬إل أن العذار لستمرار هذا التخلف غير مقبولة؛ وذلك لننا‬
‫نرى دول ً أخرى غير إسلمية مرت بنفس ظروف أمتنا أو أشد‪ ،‬ثم هي‬
‫ف الدول المتقدمة‬
‫تخرج من كبوتها وأزمتها‪ ،‬وترتفع إلى مصا ّ‬
‫والمؤثرة في العالم‪..‬‬
‫والمثلة على ذلك كثيرة ومتكررة‪ ،‬فهناك ‪ -‬على سبيل المثال ‪-‬‬
‫اليابان التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية في الخروج من الزمة‬
‫ضا في الحرب‬
‫الرهيبة التي عصفت بها‪ ،‬وهناك ألمانيا التي أبيدت أي ً‬
‫العالمية الثانية‪ ،‬وهناك كوريا الجنوبية التي لم تظهر على الساحة‬
‫العالمية إل منذ سنوات معدودات‪ ،‬وهناك كوريا الشمإلية التي‬
‫استطاعت أن تصنع السلح النووي مع كل المعوقات التي تمر بها‪..‬‬
‫س سكاني رهيب‪ ،‬فإنها‬
‫بل هناك الهند‪ ،‬مع كل ما تعانيه من فقرٍ وتكد ّ ٍ‬
‫قد استطاعت أن ُتصّنع السلح النووي‪ ،‬واستطاعت كذلك أن تنبغ‬
‫وتبرز في مجال الكمبيوتر‪ ،‬بل وتصبح من الدول الولى المرموقة في‬
‫هذا المجال في العالم‪ .‬ويكفي في التدليل على ذلك ملحظة‬
‫المعدلت المتنامية لصادراتها في مجال برامج الكمبيوتر فقد بلغت‬
‫صادرتها نحو ‪ 23.71‬مليار دولر في ‪2006 – 2005‬م مقارنة بق‬
‫جل صادرات الهند في‬
‫‪ 17.21‬مليار دولر في ‪ ،2005 - 2004‬وتس ّ‬
‫وا هائ ً‬
‫ل‪ ،‬ففي الفتره ما بين‬
‫قطاع تكنولوجيا المعلومات سنوًيا نم ً‬
‫عامي ‪ 2006 - 2005‬سجل حجم الصادرات الهندية في هذا القطاع‬
‫وا بنسبة ‪ %37.77‬مقارنه بالفترة ما بين ‪.642005 - 2004‬‬
‫نم ً‬
‫ومع أن المعوقات أمام الدول السلمية قد تكون أشد‪ ،‬إل أن‬
‫هذا ليس مبرًرا لقبول مبدأ التخلف العلمي؛ فإنه إذا أرادت دولة‬
‫ما ستصل‪،‬‬
‫إسلمية أن تصل إلى مستوي علمي لئق فإنها حت ً‬
‫والسباب متاحة للجميع‪ ،‬وليس أدل على ذلك من المثال المإليزي‪..‬‬
‫‪ 63‬موقع البلغ‪ :‬مقال بعنوان‪ :‬العقول المهاجرة بين الستنزاف والستثمار‪ ،‬الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.balagh.com/thaqafa/320t3zh0.htm‬‬
‫‪ 64‬مجلة البيان‪ :‬العدد )‪ (9842‬السنة السابعة والعشرون‪ ،‬الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?c=Article&cid=1161352119791&pagename=Albayan‬‬
‫‪%2FArticle%2FFullDetail‬‬

‫فدولة ماليزيا السلمية تتقدم اليوم بخطوات ثابتة رصينة في طريق‬
‫ما بعد يوم مع كل المعوقات التي تمر بها‪..‬‬
‫العلم‪ ،‬وترتقي يو ً‬
‫وهذه التجربة الماليزية تحتاج إلى دراسة متأنية؛ لنها بالفعل‬
‫تفتح أبواب المل أمام عموم المسلمين‪ ،‬وسنتعرض لها في نهاية‬
‫الكتاب بإذن الله‪..‬‬
‫الملحظة السابعة‪:‬‬
‫من الملحظات السلبية والخطيرة كذلك والتي تدل على إهمال‬
‫المسلمين لعلوم الحياة‪ ..‬قضية "النفاق على العلم والبحوث‬
‫العلمية"‪..‬‬
‫فقد أورد تقرير التنمية البشرية الصادر عن منظمة‬
‫دا يقيس مدى اهتمام دول العالم‬
‫المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪ ،‬بن ً‬
‫المختلفة بقضايا العلم‪ ،‬ويحدد ذلك بنسبة ما تنفقه الدولة على البحث‬
‫العلمي من جملة ناتجها القومي كل عام‪..‬‬
‫وفي هذا التقرير لن نقارن الدول السلمية بالدول الصناعية‬
‫الكبرى‪ ،‬مثل أمريكا واليابان والصين وفرنسا وألمانيا وإنجلترا‬
‫وغيرها‪ ,‬وإن كان يجب أن نقارن أنفسنا بهؤلء لنصل إلى ما وصلوا‬
‫إليه‪ ،‬بل ولنسبقهم إن شاء الله‪ ..‬ولكننا سنقارن بدولة لقيطة ليس‬
‫لها جذور حقيقية‪ ،‬ول تملك من القيم ما يدفعها للصدارة‪ ،‬كما أنها‬
‫قامت على أرض مضطربة مليئة بكثير من المشكلت والصعوبات‬
‫والمعوقات‪ ،‬وتلك الدولة هي إسرائيل!!‬
‫فإسرائيل تنفق ‪ %4.9‬من ناتجها القومي على العلم‬
‫والنجازات التقنية‪ ،‬وت ُعَد ّ هذه أعلى نسبة إنفاق في العالم على العلم‪،‬‬
‫ويفوق في ذات الوقت ما تخصصه كل الدول العربية مجتمعة بنحو‬
‫ثلث مرات ونصف‪ !!65‬وهي بهذا الكم من النفاق تستطيع أن تصل‬
‫إلى مستوى الدول المصّنعة والمبتكرة‪ ،‬بل وتفوقها‪ ،‬وبالفعل فقد‬
‫أصبح لها رصيد محترم من الختراعات والضافات‪ ،‬وفي أكثر من‬
‫مجال‪ ،‬سواء في العلوم العسكرية‪ ،‬أو علوم الفضاء‪ ،‬أو علوم الذرة‪،‬‬
‫أو العلوم الطبية‪ ،‬وكذلك باقي مجالت التصنيع المختلفة‪..‬‬
‫فالعلم يقع في بؤرة اهتمامها‪ ،‬ولذلك وصلت إلى مستوى‬
‫متميز‪ ،‬وإلى مكانة مرموقة‪.‬‬
‫أما إذا نظرت إلى الدول السلمية‪ ،‬فإنك ‪ -‬وللسف الشديد ‪-‬‬
‫تفاجئ بأن قضايا النجاز العلمي والتقني والبتكارات ل تقع في بؤرة‬
‫‪ 65‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪،‬صفحة إسرائيل‪ ،‬الرابط‬
‫اللكتروني ‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_ISR.html‬‬

‫الهتمام‪ ،‬ول ينفق عليها من الناتج القومي إل النذر اليسير‪ ،‬مع أنه إذا‬
‫زاد الهتمام بالعلم فإن ذلك سيساعد على تقدم الصناعة والزراعة‬
‫والقتصاد والتصدير‪ ،‬وكافة المجالت الخرى‪ ،‬وهذا ‪ -‬من وجهة نظر‬
‫مادية بحتة ‪ -‬سيقدم المة للمام خطوات وخطوات‪ ،‬وسيصب في‬
‫ضا سياسًيا وعسكرًيا‪..‬‬
‫قوتها‪ ،‬ليس علمًيا واقتصادًيا فحسب‪ ،‬وإنما أي ً‬
‫ولكن ‪ -‬وعلى ما يبدو ‪ -‬فإن القضية ل تشغل أذهان المسئولين‬
‫عن هذه المة الضخمة!!‬
‫فيذكر تقرير المم المتحدة أن مصر ‪ -‬مثل ً ‪ -‬تنفق ‪ %0.2‬من‬
‫ناتجها القومي على العلم والنجاز التقني‪ ،‬أي أن نسبة إنفاق إسرائيل‬
‫على العلم ضعف نسبة إنفاق مصر ما يقرب من ‪ 25‬مرة‪!!66‬‬
‫وعليه فل يشك أحد أن التميز إليهودي في مجال العلوم‬
‫سيكون ضعف التميز المصري ‪ 25‬مرة‪ ..‬وهذه سنة ماضية‪ ,‬فالذي‬
‫يبذل في الدنيا لبد أن يصل إلى ما يريده‪ ،‬كما لبد لتحقيق نتائج‬
‫معينة أن ُتبذل أسباب بذاتها‪ ،‬حتى لو كان هذا الذي يبذل كافر ملحد‪..‬‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫و ّ‬
‫كا َ‬
‫ريدُ ال ْ َ‬
‫زين َت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫يقول تعإلي‪َ  :‬‬
‫ها ن ُ َ‬
‫حَياةَ الدّن َْيا َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ف إلي ِ‬
‫و ِ‬
‫‪67‬‬
‫ن‪. ‬‬
‫ها َل ي ُب ْ َ‬
‫أَ ْ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫سو َ‬
‫خ ُ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫مال َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫ها َ‬
‫وعن بقية البلدان العربية‪ ،‬فإن حالها ل يختلف كثيًرا عن أحوال‬
‫مصر في مجال النفاق على العلوم والتقنية‪ ،‬وهي تحوم حول نفس‬
‫النسبة تقريبا‪..‬‬
‫فهذا الردن ينفق ‪ %0.3‬من الدخل القومي على العلم‪،‬‬
‫وتونس كذلك‪ ،‬وسوريا تقل لتصل إلى ‪ %0.2‬من جملة دخلها‬
‫القومي‪ .‬وتعد المارات أعلى الدول العربية من حيث النفاق على‬
‫العلم؛ إذ يصل نسبة إنفاقها ‪ %0.6‬من دخلها القومي‪ ،68‬ومع أنها‬
‫أعلى الدول العربية إل أن المسافة بينها وبين إسرائيل مازالت‬
‫شاسعة‪..‬‬
‫وفي غير قضايا النفاق على البحاث العلمية‪ ،‬وبما يعبر عن‬
‫المدى الذي وصل إليه المستوى العلمي في الدول السلمية مقارنة‬
‫بإسرائيل‪ ،‬فقد كشف تقريٌر صادٌر عن هيئة المم المتحدة عن حقيقة‬
‫الفجوة التكنولوجية والعلمية بين العرب وإسرائيل‪ ،‬والتي تجسد‬
‫قا‪..‬‬
‫تفوًقا علمّيا وتكنولوجًيا إسرائيلًيا ساح ً‬
‫‪ 66‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م صفحة مصر‪ ،‬الرابط‬
‫اللكتروني ‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/countries/data_sheets/cty_ds_EGY.html‬‬
‫‪) 67‬هود‪.(15 :‬‬
‫‪ 68‬تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م صفحة كل البلدان‪،‬‬
‫الرابط اللكتروني ‪http://hdr.undp.org/hdr2006/statistics/indicators/20.html‬‬

‫ففي حين يذكر التقرير أن لكل ‪ 1000‬مواطن إسرائيلي ‪217‬‬
‫جهاز كمبيوتر‪ ،‬يذكر أن في الردن ‪ 52‬جهاًزا لكل ألف أردني‪ ،‬وفي‬
‫لبنان ‪ 39‬جهاًزا لكل ألف لبناني‪ ،‬وفي مصر ‪ 9‬أجهزة لكل ألف‬
‫مواطن مصري‪!!69..‬‬
‫وبالنسبة لعدد الباحثين العلميين في العالم العربي مجتمًعا‪ ،‬فإن‬
‫ضا إلى أن لكل مليون مواطن عربي ‪ 136‬باحًثا‪ ،‬في‬
‫التقرير ُيشير أي ً‬
‫حين أن في إسرائيل ‪ 1613‬باحًثا لكل مليون يهودي يعيش في‬
‫إسرائيل‪!!70‬‬

‫وإذا أردنا التوسع في ذكر أمثلة أخرى‪ ،‬فإن في أمريكا ‪4374‬‬
‫باحًثا لكل مليون مواطن أمريكي‪ ،‬وفي اليابان ‪ 5000‬باحث علمي‬
‫لكل مليون مواطن ياباني‪..71‬‬
‫أما بالنسبة إلى نصيب المواطن في الدولة من النفاق على‬
‫التعليم‪ ،‬فهو ‪ -‬حسب إحصائيات نفس التقرير ‪ -‬في إسرائيل ‪922‬‬
‫دولر سنوًيا‪ ،‬والمواطن المريكي يصرف عليه ‪ 1005‬دولر‬
‫سنوًيا‪ ،‬أما المواطن المصري فنصيبه ‪ 6‬دولر سنوًيا!!‬
‫والجدول رقم )‪ (2‬يوضح دارسي العلوم الطبيعية والعلماء‬
‫والمهندسين‪ ،‬وإنتاجهم من البحوث العلمية‪ ،‬والنفاق على البحث‬
‫والتطوير العلميين في الدول العربية ودول مختارة‪ ،‬مقارنة‬
‫بالمتوسط العالمي‪.‬‬
‫ول ُتع َ‬
‫ذر البلد العربية والسلمية بفقرٍ أو بضيق في ذات إليد‪،‬‬
‫ويكفي في ذلك أن نعرف أن واحدة من هذه الدول التي تشكو‬
‫معاناة الفقر والتكدس السكاني‪ُ ،‬تنفق المليين والمليين على أمور‬
‫ليست من الولويات في شيء‪ ..‬وقد رأينا مؤسسة علمية ضخمة في‬
‫مصر تنفق ‪ 15‬مليون جنيه مصري على تجميل السور المحيط بها‪،‬‬
‫دا إنفاق ألف أو ألفين جنيه مصري على مشروع بحثي‬
‫بينما يصعب ج ً‬
‫ضا من يكلف تأسيس مكتب مدير مؤسسة علمية‬
‫مفيد!! ورأينا أي ً‬
‫مئات اللف من الجنيهات‪ ،‬بينما يتردد هذا المدير في الموافقة على‬
‫مكافأة بسيطة لعالم ٍ كادح!!‬
‫فالمكانيات متاحة والموال موجودة‪ ..‬لكن المشكلة تكمن في‬
‫ترتيب الولويات‪ ،‬وفي فقه الواقع‪ ،‬وفي الضمير‪ ،‬وفي تقديم المصالح‬
‫الخاصة على المصالح العامة‪ ،‬وفي ضعف العتقاد في أهمية العلم‪..‬‬

‫‪69‬‬
‫‪70‬‬
‫‪71‬‬

‫تقرير التنمية البشرية الصادر عن هيئة المم المتحدة لعام ‪2006‬م‪.‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.‬‬
‫نفس المصدر السابق‪.‬‬

‫وخلصة هذه الملحظة أن قضية العلم لم تقع بعد ُ في بؤرة‬
‫الهتمام في العالم العربي والسلمي‪ ،‬وكان هذا ‪ -‬ول شك ‪ -‬أحد أهم‬
‫السباب المباشرة لحالة التخلف والتردي التي تمر بها المة‪ ،‬والمر‬
‫يحتاج إلى وقفات‪..‬‬
‫الملحظة الثامنة‪:‬‬
‫نظًرا للهمية القصوى للعلم‪ ،‬ونظًرا للهتمام بأبحاثه والتطلع‬
‫إلى كل جديد فيه‪ ،‬وأهمية أن تضع الدولة في مخططاتها المستقبلية‬
‫سبل الرتقاء به وتنميته؛ فإن المم المتحدة ‪ -‬كما جاء في تقرير‬
‫التنمية البشرية لسنة ‪2001‬م ‪ُ -‬تقسم العالم بحسب النجاز التقني‬
‫إلى خمس فئات‪ ،‬وأولى هذه الفئات هي مجموعة القادة‪ ،‬ثم القادة‬
‫المحتملون‪ ،‬ثم النشطون‪ ،‬ثم المهمشون‪ ،‬وأخيرا‪ :‬الخرون‪..‬‬
‫وقد أظهر هذا التصنيف خلل ً كبيًرا في عالمنا السلمي!!‬
‫فالفئة الولى وهي مجموعة القادة ضمت ‪ 18‬دولة‪ ،‬ليس من‬
‫بينهم دولة إسلمية واحدة‪ ..‬بينما تقع إسرائيل ضمن هذه الفئة‬
‫الولى!!‬
‫مت ‪ -‬فيما‬
‫أما الفئة الثانية وهي القادة المحَتملون‪ ،‬فقد ض ّ‬
‫مته ‪ -‬دولة إسلمية واحدة هي ماليزيا‪ ،‬بينما تقع مصر وإندونيسيا‬
‫ض ّ‬
‫وتونس وسوريا والجزائر وإيران في فئة النشطين‪ ،‬أما بقية الدول‬
‫العربية والسلمية فتقع في طائفة المهمشين والخرين‪ ،‬والذين لم‬
‫قا‪..‬‬
‫يضعوا قضية العلم في حساباتهم مطل ً‬
‫والجدير بالذكر أن بعض هذه الدول السلمية تتميز بمستوى‬
‫مرتفع في المعيشة‪ ،‬بل وارتفاع في معدلت التنمية‪ ،‬لكن – وللسف‬
‫ ليس لها اهتمام ُيذ َ‬‫كر بالنجازات التقنية‪.‬‬
‫وعند النظر إلى الدول القادة أو تلك التي يحتمل أن تصبح‬
‫قادة‪ ،‬تدرك ولول وهلة إلى أي مدى وضعت هذه الدول البحث‬
‫العلمي في أولى حساباتها‪ ،‬وكيف كّرست جهوًدا مضنية للوصول إلى‬
‫هذه المكانة المرموقة التي تبوأتها‪..‬‬
‫فعلى سبيل المثال فإن رجال الصناعة في مجالت التصالت‬
‫والمعلومات‪ ،‬وفي مجالت تصنيع الخشاب في دولة مثل فنلندا ‪-‬‬
‫وهي دولة تتفوق في هذه المجالت ‪ -‬يخصصون ‪ %20‬من أوقاتهم‬
‫لتوريث الخبرة إلى طلب الجامعات الفنلدنية‪ ..‬وبذلك تستمر الدولة‬
‫في طريقها نحو التفوق‪ ،‬ويبدأ فيها الطلب من حيث انتهى العلماء‪،‬‬
‫وتستطيع الدولة أن تحافظ على مكانتها العلمية‪ ،‬بل تتقدم وتسبق‪..‬‬

‫وفي دولة مثل الصين تجد أن الجامعات الحكومية تدعم‬
‫مجالت البحث العلمي‪ ،‬ليس فقط في المشروعات الحكومية‪ ،‬وإنما‬
‫ضا لصالح المؤسسات الصناعية في القطاع الخاص‪ ،‬وذلك‬
‫تدعمه أي ً‬
‫مثل تحديث الصناعات البتروكيماوية‪ ،‬وتحسين النشطة التقليدية في‬
‫مجال الزراعة‪ ،‬وغيرها‪..‬‬
‫وهكذا تساعد الجامعات الحكومية في الصين عموم الشعب‬
‫لكي يبدع في مجالت العلوم والتقنية‪ ،‬ول غرو إذن في أن تصل‬
‫الصين إلى هذه المكانة المتقدمة التي احتلتها بين دول العالم‪..‬‬
‫دا في مجال‬
‫وهذه كوريا الجنوبية‪ ..‬تجدها تقفز خطوات كبيرة ج ً‬
‫العلوم والتقنية الحديثة‪ ،‬بل وتنافس الن دول العالم الكبرى‪ ..‬فإذا‬
‫راجعت برامجها وقوانينها تجد أنها ‪ -‬مثل ً ‪ُ -‬تقدم تسهيلت ضريبية‬
‫كبيرة للشركات التي تساهم في مشروعات البحث العلمي‪ ،‬كما تجد‬
‫أنها تمد هذه الشركات بالكفاءات العلمية التي تساعدها على إتمام‬
‫مشروعاتها العلمية‪ ،‬وبالطبع فإن الفائدة في النهاية تعود على الدولة‬
‫ككل‪..72‬‬

‫‪ 72‬مركز الهرام للدراسات السياسية والستراتيجية‪ :‬تقرير التجاهات القتصادية الستراتيجية‪،‬‬
‫‪2001‬م‪ ،‬الرابط ‪.http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/ECON8.HTM‬‬

‫الملحظة التاسعة‪:‬‬
‫وضع وترتيب الجامعات السلمية على مستوى العالم‪..‬‬
‫فالطبيعي أن تقدم دول العالم ُيقاس اليوم بقدر إسهامها في بناء‬
‫الحضارة النسانية وتقدم العلوم‪ ,‬وهو دوٌر ل تقوم به إل الجامعات‬
‫العلمية في تلك الدول‪..‬‬
‫وعلى هذا الساس فقد نشر معهد التعليم العإلى في جامعة‬
‫جياو تونج في شنغهاي بالصين )‪Institute of Higher Education, Shanghai Jiao Tong‬‬
‫صل حول ترتيب ومكانة أفضل خمسمائة‬
‫‪ (University‬تقريًرا تقييمّيا مف ّ‬
‫جامعة في العالم في سنة ‪2004‬م‪ ،‬وتله تقرير سنة ‪2005‬م‪ ،‬ثم‬
‫تقرير سنة ‪2006‬م‪.73‬‬
‫وهذه التقارير تبرز بوضوح تلك الفجوة الهائلة في مجالت‬
‫البحث العلمي والهتمام بالنجازات التقنية بين دول العالم السلمي‬
‫ودول العالم الخرى‪..‬‬
‫وبداية فإني لست مع من ُيشكك في مصداقية أي من هذه‬
‫التقارير‪ ،‬أو الدعاء بأنها غير موضوعية‪ ،‬وقد ا ّ‬
‫طلعت عليها فكانت‬
‫عا بأن هناك دقة في المعايير‪..‬‬
‫النتائج جد متقاربة‪ ،‬مما يعطي انطبا ً‬
‫وهذا بالضافة إلى مطابقة نتائجها للواقع الذي نحياه‪..‬‬
‫ومما يعطي المصداقية أن تصنيف جامعة شنغهاي هذا استند‬
‫إلى أربعة معايير علمية وموضوعية‪ ،‬يشهد بها كافة الكاديميين في‬
‫العالم‪ ،‬كما يستند إلى عدد من المؤشرات أو وحدات القياس في كل‬
‫معيار‪ ،‬ويخصص لكل من تلك المؤشرات نسًبا مئوية حصيلتها ‪100‬‬
‫علمة‪ ،‬وتلك المعايير والمؤشرات هي‪:74‬‬
‫‪ -1‬معيار جودة التعليم‪ :‬المؤشر‪" :‬خريجو المؤسسة الجامعية‪،‬‬
‫والحائزون على جوائز نوبل منها أو ميداليات في مجال تخصصهم‪،‬‬
‫ونسبته ‪."%10‬‬
‫‪ -2‬معيار جودة الكلية أو المعهد‪ :‬المؤشر‪" :‬الجهاز البشري‬
‫العلمي في المؤسسة‪ ،‬والحائزون على جوائز نوبل والميداليات في‬
‫التخصص منها‪ ،‬ونسبته ‪ %20‬والمؤشر‪" :‬الباحثون رفيعو المستوى‬
‫لديها في ‪ 21‬فئة من الموضوعات العلمية الرئيسية‪ ،‬ونسبته ‪."%20‬‬

‫‪ 73‬نشر ترتيب الجامعات على موقع الكتروني يتبع جامعة شنغهاي‪ ،‬وذلك على شبكة النترنت‪،‬‬
‫الرابط اللكتروني ‪http://ed.sjtu.edu.cn/ranking.htm‬‬
‫‪ 74‬نفس المرجع السابق‪ ،‬وفي صفحة خاصة بقواعد التفضيل بين الجامعات‪ ،‬الرابط اللكتروني‪،‬‬
‫‪http://ed.sjtu.edu.cn/rank/2004/Methodology.htm‬‬

‫‪ -3‬معيار مخرجات البحاث العلمية‪ :‬والمؤشر‪" :‬المقالت‬
‫المنشورة من قبلها في فهرس علوم الطبيعة والعلوم الساسية‪،‬‬
‫ونسبته ‪ %20‬والمؤشر‪ :‬المقالت المنشورة في الفهارس الموسعة‬
‫في العلوم الجتماعية والفنون والعلوم النسانية‪ ،‬ونسبته ‪."%20‬‬
‫‪ -4‬معيار حجم المؤسسة‪ :‬المؤشر‪" :‬الداء الكاديمي من قبلها‪،‬‬
‫مع الخذ بالعتبار حجم المؤسسة العلمية‪ ،‬ونسبته ‪.%10‬‬
‫دا‪ ،‬استندوا إليها في‬
‫فهي ‪ -‬ول شك ‪ -‬معايير قوية وموضوعية ج ً‬
‫ترتيبهم لفضل خمسمائة جامعة في العالم‪ ..‬وهو ما يجعلنا نقف‬
‫وقفة ‪ -‬من خلل تقارير السنوات الثلث السابقة ‪ -‬نستقريء منها‬
‫الملحظات المهمة التالية‪:‬‬
‫خَلت الجامعات الخمسمائة من‬
‫‪ -1‬في تقرير سنة ‪2004‬م َ‬
‫جامعة إسلمية‪ ،‬وفي تقرير سنة ‪2005‬م دخلت دولة إسلمية واحدة‬
‫بجامعتين برقم ‪ 409‬و ‪ 468‬على العالم‪ ،‬وهي تركيا‪!!..‬‬
‫وهذا فأل حسن‪ ،‬والوصول إلى القمة لن يحدث قفزة واحدة‪،‬‬
‫وتركيا استحقت بالفعل أن تدخل هذا الترتيب‪ ،‬وتحتاج تجربتها إلى‬
‫دراسة متأنية‪.‬‬
‫وبينما أصابتنا حالة من الحزن لخروج تركيا من تصنيف‬
‫وضتنا مصر عن ذلك‬
‫الجامعات الولى في تقرير سنة ‪2006‬م ع ّ‬
‫بدخولها في التصنيف بجامعة القاهرة‪ ،‬وذلك بترتيب ‪ 404‬من أفضل‬
‫‪ 500‬جامعة على مستوى العالم‪.75‬‬
‫‪ -2‬أمريكا هي الدولة الولى في العالم من حيث عدد جامعاتها‬
‫في تقرير سنة ‪2005‬م؛ إذ شملت القائمة ‪ 168‬جامعة أمريكية‪ ،‬من‬
‫بين العشرين الولى فيها ‪ 17‬جامعة أمريكية‪ ،‬ومن بين المائة الولى‬
‫‪ 53‬جامعة أمريكية‪.‬‬
‫وتتصدر جامعة هارفارد المريكية الجامعات الخمسمائة‪ ،‬ثم‬
‫جامعة ستانفورد في المركز الثالث‪ ،‬ومعهد ماساشوستش‬
‫للتكنولوجيا‪ ،‬والذي درس به بنيامين نيتانياهو رئيس وزراء إسرائيل‬
‫السبق في المركز الخامس‪ ,‬ثم جاء معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا‪،‬‬
‫والذي يضم الدكتور أحمد زويل في المركز السادس‪.‬‬
‫أما بقية الجامعات العشرين الولى‪ :‬فاثنتان منها بريطانيتان‪،‬‬
‫وهما جامعة كمبردج‪ ,‬وتأتي في المركز الثاني‪ ,‬وجامعة أكسفورد‬
‫‪ 75‬معهد التعليم العإلي في جامعة شنغهاي جياو تونغ‪ ،‬الصين‪ ،‬الرابط‬
‫‪http://ed.sjtu.edu.cn/rank/2006/ARWU2006TOP500list.htm‬‬

‫وترتيبها العاشر‪ ,‬وجامعة يابانية‪ ،‬وهي جامعة طوكيو‪ ،‬وترتيبها‬
‫العشرون‪ ،‬وكان ترتيبها في تقرير ‪2004‬م الرابع عشر‪.‬‬
‫‪ -3‬جاءت أولى جامعات الصين ‪ -‬التي خرج منها التقرير ‪ -‬في‬
‫المركز ‪ 162‬في ترتيب الجامعات‪ ،‬وذلك بجامعة تايوان الوطنية على‬
‫أنها أولي الجامعات الصينية في الترتيب‪ ،‬وذلك باعتبار أن تايوان جزء‬
‫من الصين‪ ..‬ولم يرصد المعهد صاحب التقرير لجامعات بلده‬
‫ومعاهدها ومراكزها العلمية التي تبلغ اللف إل ‪ 18‬جامعة فقط‪!!..‬‬
‫وهو وإن د ّ‬
‫ل على شيء فإنما يدل على مصداقية وموضوعية‬
‫هذا التقرير؛ إذ كان التحيز أن تأتي بكين أو شنغهاي على رأس‬
‫القائمة لكونهما في الصين الشعبية ل الجامعة الوطنية في تايوان‪.‬‬
‫‪ -4‬الدولة الثانية في عدد الجامعات بعد أمريكا هي إنجلترا‪،‬‬
‫وعدد جامعاتها في قائمة الخمسمائة هو ‪ 40‬جامعة‪ ..‬ولك أن تتخيل‬
‫بعد ذلك الملزمة التي بينها وبين أمريكا‪ ،‬بعد أن تدرك أول ً من التابع‬
‫ومن المتبوع فيهما‪..‬؟!‬
‫‪ -5‬الدولة الثالثة في عدد الجامعات في القائمة هي اليابان‬
‫بنحو ‪ 34‬جامعة‪..‬‬
‫‪ -6‬تأتي إسرائيل لتحتل المركز الثاني عشر في التقرير‪،‬‬
‫متفوقة بذلك علي دول كبري مثل روسيا والصين‪ ،‬وذلك بسبع‬
‫جامعات إسرائيلية‪ ،‬على رأسها الجامعة العبرية في القدس‪ ،‬وجاءت‬
‫في المركز ‪ ،78‬وكانت في تقرير ‪2004‬م في المركز التسعين‪ ،‬بما‬
‫يعني أنها في صعود وتقدم مستمر‪!!..‬‬
‫‪ -7‬وتأتي جنوب أفريقيا لتكون هي الدولة الفريقية الوحيدة في‬
‫قائمة دول الجامعات الخمسمائة عام ‪2004‬م‪ ،‬وذلك بأربع جامعات‪..‬‬
‫ول على الفقر‪ ،‬فقد ضمت القائمة دول ً فقيرة مثل‪:‬‬
‫‪ -8‬ولئل ّ نع ّ‬
‫سنغافورة والمكسيك وجنوب أفريقيا والمجر وايرلندا والهند‬
‫والرجنتين وإليونان وبولندا والتشيك وشيلي والبرتغال‪..‬‬
‫‪ -9‬جاء ترتيب الدول الثمانية الصناعية الكبرى في المراكز‬
‫العشرة الولى‪ ،‬وذلك باستثناء روسيا‪ ،‬والتي جاء ترتيبها في المركز‬
‫‪ 17‬بين دول القائمة‪ ،‬وليس هذا من قبيل المصادفة؛ فمن الواضح أن‬
‫روسيا في تدهور مستمر‪ ،‬ولكن بصفة عامة لبد أن تكون الدول‬
‫الصناعية الكبرى في الصدارة بخصوص قضايا اعلم والتعلم‪.‬‬
‫ويبين الجدول رقم )‪ (3‬تقرير معهد التعليم العإلى في جامعة‬
‫جياو تونج الصينّية لسنة ‪2005‬م‪.‬‬

‫‪ -10‬بعد تقارير معهد التعليم العإلى في جامعة جياو تونج‬
‫الصينّية لسنة ‪ 2004‬و ‪ 2005‬و ‪2006‬م‪ ،‬ظهر تقرير آخر سنة ‪2006‬‬
‫لمجموعة "لبوراتوريو دي إنترنت" المتخصصة‪ ،‬ومقرها مدريد‪،‬‬
‫لتفاجئنا هي الخرى بنتائج ترتيب أفضل ثلثة آلف جامعة في العالم‪..‬‬
‫ضا مفزعة )انظر الجدول رقم )‪ (4‬ومخيبة‬
‫إذ كانت النتائج أي ً‬
‫للمال‪!!76‬‬
‫فقد كانت أمريكا هي الدولة الولى في العالم من حيث عدد‬
‫ضا؛ وقد شملت اللف جامعة الولى ‪455‬‬
‫جامعاتها في تلك القائمة أي ً‬
‫جامعة أمريكية‪ ،‬على رأسها جميعا جامعة كاليفورنيا‪ .‬وكانت الدولة‬
‫ضا في عدد الجامعات بعد أمريكا هي بريطانيا‪ ،‬بنحو ‪79‬‬
‫الثانية أي ً‬
‫جامعة بريطانية‪ ..‬ثم جاء الترتيب بعد ذلك قريًبا من التقرير السابق‪.‬‬
‫دا أو‬
‫ول شك أن مثل هذه الحقيقة لم تكن مؤامرة‪ ،‬وليست حق ً‬
‫ي لما تمر به‬
‫غيرة من الدول السلمية‪ ..‬وإنما هي تجسيد وتصوير ح ٌ‬
‫المة؛ المر الذي يوقفنا على تشخيص المرض وموطن الداء‪ ،‬ومن ثم‬
‫وصف الدواء‪..‬‬
‫الملحظة العاشرة‪:‬‬
‫دا‪،‬‬
‫وهذه الملحظة تعم بلدان العالم السلمي‪ ،‬وهي مؤسفة ج ً‬
‫قا بالهيئة التعليمية‪ ،‬تلك التي تحمل‬
‫وتكمن في عدم الهتمام مطل ً‬
‫مسئولية قيادة البلد علمًيا وتقنًيا‪ ،‬وذلك بدًءا من العلماء وأساتذة‬
‫الجامعات‪ ،‬ومروًرا بكل مراحل التعليم‪ ،‬وانتهاء بمدرسي المدارس‬
‫البتدائية والحضانات‪..‬‬
‫والمر ‪ -‬بل شك ‪ -‬يعكس قيمة العلم في منظور هذه الدول‪..‬‬
‫فإذا نظرنا إلى المرتبات والجور التي يتقاضاها العلماء‬
‫والساتذة ‪ -‬كواحدة من الصور التي تعكس قيمة العلم ومكانته في‬
‫هذه الدول ‪ -‬تجد أنها ل تكفي بحال من الحوال لسد أقل متطلبات‬
‫الحياة اليومية!!‬
‫وعليه فإن هذا العالم وذاك الستاذ من الصعب ‪ -‬إن لم يكن‬
‫من المستحيل ‪ -‬أن يبرع ويبتكر في مجاله في مثل هذه الظروف‪..‬‬
‫صل‬
‫فهو أول ً سيبحث عن عمل خارجي إضافي كي يتك ّ‬
‫سب منه‪ ،‬ويح ّ‬
‫من ورائه جزًءا من المال يتقوى به على متطلبات الحياة‪ ،‬وكثيًرا ما‬
‫ما‪..‬‬
‫يكون هذا العمل الضافي في خارج مجاله تما ً‬

‫‪ 76‬الترتيب الخاص بمجموعة "لبوراتوريو" منشور على موقعهم الخاص على شبكة النترنت‪،‬‬
‫والرابط اللكتروني ‪http://www.webometrics.info/index.html‬‬

‫ثم هو ثانًيا لن يهتم كثيًرا بعمله في الجامعة أو المؤسسة‬
‫العلمية؛ كونه يشعر بالغبن في الجر‪ ،‬وبعدم التقدير للمجهود‪ ،‬ومن‬
‫َثم يعطي من مجهوده ما يتناسب في تقديره والجر الذي يتقاضاه‪.‬‬
‫سخط وعدم النتماء لهذه الدولة التي لم‬
‫ثم هو ثالًثا يشعر بال ّ‬
‫در جهده وسعيه وعلمه‪ ..‬وهذا الشعور المقيت يقتل كل نوايا‬
‫ُتق ّ‬
‫البداع والبتكار‪.‬‬
‫دره‬
‫وفي النهاية تراه وقد قرر الهجرة وترك الديار إلى بيئة ُتق ّ‬
‫علمًيا أو مادًيا‪ ..‬فإما أن يهاجر إلى أمريكا أو إلى أوروبا ليرتقي بعلمه‬
‫وينبغ فيه‪ ،‬ويدخل بذلك ضمن المنظومة العلمية الغربية‪ ،‬وإما أن‬
‫ز‪ ،‬ولو كان على حساب مجاله‪ ،‬ولو كان في‬
‫يبحث عن عقد عمل مج ٍ‬
‫بيئة ل تهتم أصل ً بالعلم ول تحفل به!!‬
‫ولعله من البدايات المهمة والتي يجب أن تكون نقطة انطلق‬
‫في تلك البلد التي تريد أن يكون لها مكانة بين الدول الكبرى‪ ،‬أن‬
‫تهتم بأجور علمائها وأساتذتها ومربييها‪ ..‬ويكفي في الشارة إلى ذلك‬
‫أن تعلم أن مرتب أستاذ الجامعة في بلد كمصر هو أقل من مرتب‬
‫أستاذ الجامعة في أمريكا أو أوروبا الغربية بأكثر من خمسين مرة‬
‫على القل‪ ،‬وأحياًنا أكثر من مائة مرة‪ ،‬مع أن السعار بصفة عامة‬
‫أرخص هناك عن السعار في بلدنا!!‬
‫عا وخلفية عن الحالة النفسية والمادية التي‬
‫وهذا يعطي انطبا ً‬
‫صا أكبر للبداع والتفوق والبتكار‪..‬‬
‫يعيشها العالم هناك‪ ،‬مما يعني فر ً‬
‫ول مجال هنا للعتذار والتعلل بضعف الوضع القتصادي في‬
‫بلدنا‪ ،‬والتحديات التي تواجهنا؛ فإن مرتب الوزير في بلدنا ومن كان‬
‫في وضعه السياسي يفوق مرتب مثيله في تلك البلد الغربية‬
‫المتقدمة مرات عديدة!!‬
‫فالقضية إذن ليست قضية نقص مال‪ ،‬وإنما هي قضية نقص‬
‫علم ٍ ونقص فقهٍ وسوء تصرف‪ ..‬وأحياًنا كثيرة تكون نقص ضمير!!‬
‫أنا ل أقول هذا لنلقي باللوم على بعضنا البعض‪ ،‬ولكن لنقف‬
‫وقفة جادة في سبيل حصول التغيير‪ ..‬أريد أن يعلم الجميع أن ديننا‬
‫يأمر بعكس ما نفعل الن‪ ..‬ديننا يأمر بالعلم النافع على إطلقه‪ ،‬سواء‬
‫علوم الشرع أو علوم الحياة‪..‬‬
‫دا إذا أردنا‬
‫ضا أن أقول أن الوقت ليس متأخًرا أب ً‬
‫وأريد أي ً‬
‫البداية‪ ،‬وأن النهضة ل تحتاج إلى عقود‪ ،‬وإنما تحتاج إلى إخلص‪ ،‬وإلى‬
‫جهد‪ ،‬وإلى بذل‪ ،‬وإلى خطة‪ ،‬وإلى عمل‪..‬‬

‫نتيجة كل هذه الملحظات السابقة‪ ،‬وبعد رؤية حال المسلمين‬
‫في مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬كان من الطبيعي أن ُيتهم السلم بأنه‬
‫ب لهذا التخلف العلمي الذي تمر به المة‪..‬‬
‫سب ٌ‬
‫وقد حرص أعداء المة ‪ -‬سواء من خارجها أو من أبنائها‬
‫ن‬
‫العلمانيين ‪ -‬على الضرب على هذا الوتر‪ ،‬وادعاء أن السلم "دي ٌ‬
‫رجعي" يقاوم التجديد‪ ،‬ويمنع البتكار‪ ،‬ويقتل البداع!!‬
‫ما؛ إذ ما‬
‫ول ريب في أن هذا الدعاء خلف الواقع والحقيقة تما ً‬
‫عرفت البشرية قانوًنا أو تشريًعا كالسلم يحض على العلم النافع‪،‬‬
‫ويدفع إلى عمارة الرض والهتمام بكنوزها وثرواتها‪..‬‬
‫وإذا كان الغربيون معذورين بتخوفهم من الدين السلمي‪،‬‬
‫وذلك لسابق عهدهم وذكرياتهم الليمة مع الكنيسة الوروبية‪ ،‬تلك‬
‫التي حاربت العلم والعلماء بكل طاقتها‪ ،‬فلم يبدع علماء أوروبا إل بعد‬
‫أن تخلصوا من سلطان الكنيسة ‪ -‬إذا كان الغربيون معذورين بذلك‪،‬‬
‫فكيف يعذر المسلمون في هذا الفكر؟!‬
‫كيف يعذرون والنصوص القرآنية والنبوية التي تحض على العلم‬
‫وتشجع عليه أكثر من أن تحصى؟ وكيف يعذرون والتاريخ السلمي‬
‫كله يشهد بتفوق المسلمين العلمي وفي شتى مجالت علوم الحياة؟‬
‫ويشهد كذلك التاريخ السلمي أن الدولة السلمية في معظم‬
‫مراحلها كانت تشجع العلم وترعى العلماء‪ ،‬وكان الخلفاء يجزلون‬
‫العطاء للعلماء‪ ،‬ويولونهم عناية خاصة‪ ،‬وكانت هذه سياسة عامة‬
‫حا للدولة السلمية على كافة مستوياتها‪..‬‬
‫جا واض ً‬
‫متبعة‪ ،‬وتو ً‬
‫إن المر يحتاج إلى وقفة جقادة‪ ..‬واللسنة التي تطعن في‬
‫السلم لن تخرس إل بصحوة علمية قوية‪ ،‬وبعزيمة صادقة‪ ..‬تدفع‬
‫المسلمين دفًعا إلى اللحاق بالركب‪ ،‬بل والسبق فيه إن شاء الله‪..‬‬
‫من هذه الملحظات والمشاهدات العشر ومن غيرها‪ ،‬ندرك‬
‫بوضوح أن قضية "علوم الحياة" والتقدم فيها ليست في نصابها‪،‬‬
‫وليست في موضعها الصحيح الذي ينبغي أن تكون عليه بين‬
‫المسلمين‪ ،‬بل أحياًنا ما نجدها خارجة عن بؤرة اهتمام المسلمين‬
‫بالكلية‪..‬‬
‫أمقا لماذا وصلت المة إلى هذه الحالة‪ ..‬فالسباب ‪ -‬ل شك –‬
‫ة ل تبّرر هذا الموقف‬
‫كثيرة‪ ،‬وإن كانت كل هذه السباب مجتمع ً‬
‫السلبي من قضايا الجتهاد والبتكار في علوم الحياة‪ ،‬لسيما وأن‬

‫ما؛ إذ السلم ‪-‬‬
‫الخلفية الشرعية لهمالنا الذي نعيشه غير موجودة تما ً‬
‫كما رأينا ‪ -‬يحض على العلم النافع بكل صوره‪..‬‬
‫ولذلك فالقضية غريبة على الشرع السلمي‪ ،‬وتحتاج لوقفة‬
‫وتحليل‪ ..‬وهو موضوع الفصل التالي‪.‬‬

‫حَياة‬
‫و ُ‬
‫م ال َ‬
‫عُلو ُ‬
‫سل ُ‬
‫الفصل الرابع‪ :‬ال ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ل يخفى على أحد ذلك الخلل الكبير في المستوى العلمي لكثير‬
‫من المسلمين‪ ،‬وأحياًنا يكون الخلل عند الملتزمين بتعاليم الدين‪،‬‬
‫ما بأن مستوى هؤلء الملتزمين في العلوم الشرعية غالًبا ما يكون‬
‫عل ً‬
‫ما بالجانب الشرعي‪ ،‬وتغليبه‬
‫على درجة طيبة ج ً‬
‫دا‪ ..‬مما يعكس اهتما ً‬
‫ إلى حد ٍ كبيرٍ ‪ -‬على الجانب الحياتي في قضايا العلوم والتعليم‪..‬‬‫وهذا الفصل في الهتمام بين علوم الشرع وعلوم الحياة أمٌر‬
‫ب على الشريعة السلمية‪ ،‬ودخيل على أمتنا‪ ،‬وهو أمر جد خطير؛‬
‫غري ٌ‬
‫لنه كما ل يصلح بناء المة السلمية بغير العلوم الشرعية‪ ،‬فكذلك ل‬
‫يصلح بناء المة السلمية بدون العلوم الحياتية‪ ،‬والفصل بينهما ‪ -‬ل‬
‫ت المة السلمية‬
‫شك ‪ -‬يؤخر المسيرة‪ ،‬بل يكاد يوقفها‪ ،‬وما عرِفَ ْ‬
‫السيادة والقوة والمجد والصدارة إل وكانت علومها الحياتية قوية‬
‫وسابقة‪ ،‬وما عرفت المة السلمية الضعف والتأخر والتخلف إل‬
‫وكانت علومها الحياتية ضعيفة ومهملة‪ ..‬والتاريخ خير شاهد على‬
‫ذلك‪ ،‬وفي أكثر من موضع‪.‬‬
‫إذن‪ ..‬لماذا حدث هذا الفصام غير المفهوم؟!!‬
‫على ما يبدو فإن القضية في الساس هي قضية فَْهم‪ ..‬وإن‬
‫سا من‬
‫كان للعداء تخطيطهم وتدبيرهم‪ ،‬إل أن العيب ينبع أسا ً‬
‫داخلنا‪..‬‬
‫فعلى مدار السنوات الماضية اختل فهم المسلمين ‪ -‬سواء‬
‫ل خارجي أو داخلي ‪ -‬لمعنى كلمقة "العلم النافع"‪ ،‬فصاروا‬
‫بفعل فاع ٍ‬
‫يقصرونها على العلوم الشرعية فقط‪ ،‬مع أن الدلة ‪ -‬كما سنوضح بعد‬
‫قليل ‪ -‬متواترة على عكس ذلك‪..‬‬
‫والمر هذا كان مترتًبا على فهم أن ساحة التقرب إلى الله ‪‬‬
‫محصورة فقط في الشعائر التعبدية المحضة‪ ،‬كالصلة والصيام‬
‫والزكاة والحج‪ ،‬أما ساحة الدنيا وعمرانها وأص ً‬
‫لحها وتسخير‬
‫إمكانياتها‪ ،‬فقد ابتعدت عن تلك التي ُأريد بها وجه الله سبحانه‪..‬‬
‫ففي العقود الخيرة التي مرت بأمتنا نظر كثير من المسلمين‬
‫إلى العلوم الحياتية نظرة إهمال‪ ،‬بل نظرة ازدراء وتنقيص‪ ،‬وساعد‬
‫سموا العلوم إلى علوم‬
‫على هذا الفهم الخاطئ بعض العلماء الذين ق ّ‬
‫"دينية" وعلوم "دنيوية"‪ ،‬فغدت علوم الطب والهندسة والكيمياء‪ ،‬وما‬
‫ما دنيوية‪ ،‬بينما علوم الشريعة من فقه وتفسير‬
‫على شاكلتها علو ً‬
‫وعقيدة وغيرها هي العلوم الدينية أو الخروية!!‬

‫وهكذا فإن المسلم الملتزم سرعان ما يشعر بحرٍج شديد وهو‬
‫يدرس هذا العلم الدنيوي؛ إذ أنه ينصرف بذلك ‪ -‬فيما يعتقد ‪ -‬عن‬
‫علوم الخرة‪ ،‬وهذا يعني عنده أنه سيترك شيًئا من أمور "الدين" إلى‬
‫شيء من أمور الدنيا!!‬
‫والدنيا بصفة عامة مذمومة في الكتاب والسنة‪ ،‬وما أكثر اليات‬
‫والحاديث التي جاءت تحث المسلمين على الزهد فيها‪ ،‬وعدم‬
‫الكتراث بها ول بحجمها‪ ..‬والمر في ذلك أكثر من أن ُيحصى‪ ،‬ويكفي‬
‫مث َ ُ‬
‫ء‬
‫ما ٍ‬
‫حَيا ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ة الدّن َْيا ك َ َ‬
‫ما َ‬
‫للدللة عليه أن نورد قوله تعإلي‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ء َ‬
‫ما ي َأك ُ ُ‬
‫س‬
‫ت الْر‬
‫ما ِ‬
‫فا ْ‬
‫ض ِ‬
‫ط بِ ِ‬
‫أن َْزل َْناهُ ِ‬
‫ه ن ََبا ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫س َ‬
‫ل الّنا ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫خُر َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫ها‬
‫ض ُز ْ‬
‫ذا أ َ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫خذ َ ِ‬
‫م َ‬
‫واْل َن ْ َ‬
‫عا ُ‬
‫واّزي ّن َ ْ‬
‫هل ُ َ‬
‫ف َ‬
‫وظَ ّ‬
‫ت اْلْر ُ‬
‫ت َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫هاًرا َ‬
‫م َ‬
‫ها‬
‫ن َ‬
‫علَنا َ‬
‫ها أَتا َ‬
‫قاِدُرو َ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫و نَ َ‬
‫علي ْ َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫ها أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫مُرَنا لي ْل أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ك َذَل ِ َ‬
‫ت لِ َ‬
‫ك نُ َ‬
‫ص ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫ل اْل ََيا ِ‬
‫ح ِ‬
‫دا ك َأ ْ‬
‫صي ً‬
‫َ‬
‫غ َ‬
‫ن ِباْل ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ف ّ‬
‫ق ْ‬
‫وم ٍ‬
‫م ِ‬
‫‪77‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ي َت َفكُرو َ‬
‫َ‬
‫ضيُتم‬
‫صا من شأنها وقدرها‪ :‬أَر ِ‬
‫ويقول سبحانه أي ً‬
‫ضا منق ً‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫مَتا ُ‬
‫في ال ِ‬
‫ة الدّن َْيا ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ة الدّن َْيا ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ف َ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫ل‪.78‬‬
‫مث َ ُ‬
‫ل‬
‫وروى المستورد الفهري < أن رسول الله ‪ ‬قال‪َ " :‬‬
‫ل ما يجع ُ َ‬
‫م‪،‬‬
‫ه ِ‬
‫في اْل ِ‬
‫الدّن َْيا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫صب َ َ‬
‫لأ َ‬
‫مث َ ُ َ َ ْ َ‬
‫في إلي ّ‬
‫ع ُ‬
‫حدُك ُ ْ‬
‫ة إ ِّل َ‬
‫م إِ ْ‬
‫‪79‬‬
‫َ‬
‫ع" ‪.‬‬
‫ج ُ‬
‫فل ْي َن ْظُْر ب ِ َ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫سو ُ‬
‫كذلك روى سهل بن سعد < قال‪َ :‬قا َ‬
‫و‬
‫ل َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪" :‬ل َ ْ‬
‫قى َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫د ُ‬
‫فًرا‬
‫كا ِ‬
‫ل ِ‬
‫عو َ‬
‫ض ٍ‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ح بَ ُ‬
‫جَنا َ‬
‫ه َ‬
‫ت الدّن َْيا ت َ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ة َ‬
‫ها َ‬
‫ء"‪.80‬‬
‫ما ٍ‬
‫شْرب َ َ‬
‫ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ة َ‬
‫ونتيجة لربط هذه العلوم الطبيعية والحياتية بالدنيا‪ ،‬نظر‬
‫الملتزمون إليها على أنها مما ُيبعد عن الدين السلمي‪ ،‬وأن الشتغال‬
‫بها أمٌر مذموم‪ ،‬وأن الدارس للهندسة ‪ -‬مثل ً ‪ -‬والكيمياء وعلوم الذرة‪،‬‬
‫هو رج ٌ‬
‫ل نسي دينه واهتم بدنياه!!‬
‫والحق أن هذه كلها أباطيل ما أنزل الله بها من سلطان؛ فعلوم‬
‫الطب والهندسة وغيرها هي طرقٌ واضحة من طرق الجنة إذا صلحت‬
‫النوايا وأخلصت لله تعإلي‪ ،‬وهي علوم "أخروية" إذا ابتغى بها العبد‬
‫‪) 77‬يونس‪.(24 :‬‬
‫‪) 78‬التوبة‪.(38 :‬‬
‫‪ 79‬مسلم‪ :‬كتاب الجنة ونعيمها وصفات أهلها‪ ،‬باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة )‪،(2858‬‬
‫والترمذي )‪ ،(2323‬وابن ماجة )‪ ،(4108‬وأحمد )‪ ،(18037‬وابن حبان )‪ ،(4330‬والطبراني‬
‫في الكبير )‪.(713‬‬
‫‪ 80‬الترمذي‪ :‬كتاب الزهد‪ ،‬باب هوان الدنيا على الله عز وجل )‪ ،(2320‬وابن ماجة )‪،(4110‬‬
‫والحاكم )‪ ،(7847‬وقال حديث صحيح‪ ،‬والطبراني في الكبير )‪ ،(5840‬والبيهقي في شعب‬
‫اليمان )‪ ،(10465‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪ (5292‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫ثواب الخرة‪ ،‬وهي علوم "دينية" إذا أردا بها المسلم نصرة دينه‬
‫ورفعة أمته‪..‬‬
‫عا‬
‫جاًرا وُزّرا ً‬
‫والواقع كذلك أن صحابة رسول الله ‪ ‬كانوا ت ُ ّ‬
‫عا‪ ،‬وقبلهم أنبياء الله ‪ ،‬ك ٌ‬
‫ل كان له حرفة وصناعة بجانب‬
‫صّنا ً‬
‫و ُ‬
‫مهمته الساسية‪ ،‬فكان آدم حراًثا‪ ،‬وكان داود حداًدا‪ ،‬وكان نوح نجاًرا‪،‬‬
‫وكان إدريس خيا ً‬
‫طا‪ ،‬وكان موسى راعًيا‪ ،‬وكان زكريا نجاًرا‪ ..‬فلم يقعد‬
‫بهم انشغالهم بالخرة والعمل لها وتعليم علومها عن العمل للدنيا‬
‫وتعميرها وتسخيرها وتعليم علومها‪..‬‬
‫ل ذي سيما‬
‫بل إن عمر بن الخطاب < كان إذا نظر إلى رج ٍ‬
‫‪81‬‬
‫)هيئة حسنة( قال‪ :‬أله حرفة؟ فإن قيل ل سقط من عينه ‪!!..‬‬
‫ثم ماذا يعني قوله ‪ ‬فيما يرويه أنس بن مالك < عن رسول‬
‫ة وبي َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫سيل َ ٌ‬
‫سا َ‬
‫ف ِ‬
‫ح ِ‬
‫ع ُ َ ِ َ ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫الله ‪ ‬أنه قال‪" :‬إ ِ ْ‬
‫دأ َ‬
‫م ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫دك ُ ْ‬
‫قا َ‬
‫طا َ َ‬
‫‪82‬‬
‫ست َ َ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ها َ‬
‫ن َل ي َ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ل" ؟!‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫قو َ‬
‫س َ‬
‫ر َ‬
‫ا ْ‬
‫غ ِ‬
‫لماذا يغرسها وهي من نفع الدنيا‪ ،‬فضل ً عن أنه لن يستفيد منها‬
‫دنيوًيا أص ً‬
‫ل؟!‬
‫والذي ُيفهم من ذلك كله هو ‪ -‬كما ُيعبر الدكتور عبد الباقي عبد‬
‫الكبير‪ - 83‬أنه في سْعينا لقضاء حوائجنا والقيام بمسؤولية عمران‬
‫ي لرضاء لله ‪ ..‬بل‬
‫الرض ووظيفة الستخلف فيها بنية خالصة‪ ،‬سعْ ٌ‬
‫إن في سْعينا لعمران الرض‪ ،‬وتعليم علومها‪ ،‬والوقوف على ثغراتها‬
‫وز الحاجة‪ ،‬ك ٌ‬
‫ل في مجاله وحسب‬
‫التنموية‪ ،‬وإخراج المجتمع من ع ْ‬
‫ي لعلء كلمة الله‬
‫إمكانياته وقدراته الوظيفية‪ ..‬هو في الساس سع ٌ‬
‫‪ ‬ورفع راية السلم‪..84‬‬
‫وعليه‪ ،‬وإذا كانت القضية في الساس ‪ -‬كما رأينا ‪ -‬قضية َفهم‬
‫وسوء فقه‪ ..‬فإننا نود القيام من ركائز ومنطلقات صلبة وقويمة‪ ،‬هي‬
‫من أساس ديننا ومن صلب معتقداتنا‪..‬‬
‫دا إطلق لفظ علوم "دنيوية"‬
‫وفي بداية هذا الطريق فل أحبذ أب ً‬
‫على هذه العلوم‪ ،‬وإنما يمكن أن نطلق عليها "علوم الحياة"‪ ..‬فهي‬
‫علوم أراد الله ‪ ‬لنا أن نتعلمها لنصلح بها حياتنا على الرض‪..‬‬
‫‪ 81‬عبد الرءوف المناوي‪ :‬فيض القدير ‪.2/290‬‬
‫‪ 82‬أحمد )‪ ،(13004‬والبخاري في الدب المفرد )‪ ،(479‬وعبد بن حميد في مسنده )‪،(1216‬‬
‫وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪ (1424‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 83‬عبد الباقي عبد الكبير عبد الواحد ولد عام ‪1970‬م في مدينة وردك بأفغانستان‪ ،‬حصل على‬
‫الماجستير والدكتوراه من كلية الشريعة والقانون في السودان‪ ،‬ويعمل حإليا بالجامعة‬
‫السمرية للعلوم السلمية بمدينة زليتين‪ ،‬ليبيا‪ ،‬ومن مؤلفاته‪ :‬المدخل لدراسة الشريعة‬
‫السلمية‪.‬‬
‫‪ 84‬موقع إسلم أون لين‪ :‬استشارة إعمار الدنيا فريضة وضرورة للدكتور‪ :‬عبد الباقي عبد‬
‫الكبير‪.‬‬

‫والحياة بصفة عامة ليست مذمومة كالدنيا‪ ،‬بل هي نعمة من‬
‫الله تعإلي‪..‬‬
‫وانظر إلى قوله سبحانه وهو يربط بين مراعاة أحكام الشرع‬
‫ل صال ِحا من ذَك َ َ‬
‫و‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫م َ َ ً ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫وبين الحياة الطيبة حين يقول‪َ  :‬‬
‫رأ ْ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫‪85‬‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ة‪. ‬‬
‫حَياةً طَي ّب َ ً‬
‫و ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه َ‬
‫فل َن ُ ْ‬
‫م ٌ‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫أن َْثى َ‬
‫وهكذا‪ ،‬فتكون علوم "الحياة" من هذا المنظور‪ ،‬والتي تعني‬
‫ما علوًيا‪ ،‬أرقى وأعظم من علوم "الدنيا"‪ ،‬والتي تعني‬
‫شيًئا عظي ً‬
‫الدونية والسفلية‪..‬‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ويوضح هذا المعنى وذاك المراد قوله تعإلي‪ :‬أ َ‬
‫ميًتا َ َ‬
‫ه‪.86‬‬
‫فأ ْ‬
‫َ ْ‬
‫حي َي َْنا ُ‬
‫وعلى هذا النهج تسير كثير من اليات والحاديث‪ ..‬مما يعطي‬
‫ثراًء ملحو ً‬
‫ظا لكلمة الحياة‪..‬‬
‫ثم لنقف وقفة نحاور فيها ونناقش أولئك الذين صرفوا جل‬
‫وقتهم واهتماماتهم لعلوم الشريعة‪ ،‬ولم يشاءوا أن يصرفوا قدًرا من‬
‫جهدهم وفكرهم ومالهم ووقتهم لعلوم الحياة‪ ..‬ونجيب معهم على‬
‫سؤال مهم مفاده‪:‬‬
‫هل يعقل أن ُيهمل المسلمون علوم الحياة؟؟‬
‫وفي معرض الجواب بالنفي الصريح على هذا السؤال‪ ،‬نقدم‬
‫هذه الدلة وتلك البراهين القطعية على ُنبل هذه العلوم إذا ما وجهت‬
‫لخير الرض‪ ،‬ونفع البشرية‪ ،‬ورفعة هذا الدين‪ ،‬وعزة هذه المة‪:‬‬
‫الدليل الول‪:‬‬
‫هل نسي النسان أن الله ‪ ‬قد جعله "خليفة" في الرض؟!‬
‫وحين تكون الجابة قطًعا بالنفي‪ ،‬فلنتفكر سوًيا‪ :‬كيف يمكن أن‬
‫ُيستخلف النسان في الرض وهو ل يعلم شيًئا عن علومها؟!‬
‫فالحقيقة التي ل مراء فيها أن الذي ُيستخلف في الرض يجب‬
‫أن يعرف ربه‪ ،‬وأن يعرف كيف يعبده‪ ،‬ثم لبد له أن يعلم طبيعة‬
‫المكان الذي استخلف فيه‪ ،‬وكيف يمكن استغلله لعبادة الله رب‬
‫هو أ َن ْ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫مَرك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫شأك ُ ْ‬
‫ض َ‬
‫العالمين‪ ،‬قال تعإلي‪َ ُ  :‬‬
‫ن الْر ِ‬
‫ها‪.87‬‬
‫ِ‬
‫في َ‬
‫‪85‬‬
‫‪86‬‬
‫‪87‬‬

‫)النحل‪.(97 :‬‬
‫)النعام‪.(122 :‬‬
‫)هود‪.(61 :‬‬

‫فمن شروط الستخلف‪ ،‬ومن واجباته الساسية‪ ،‬أن يعرف‬
‫مر" الرض‪ ،‬وكيف يكشف كنوزها ويستفيد من‬
‫النسان كيف "ي َعْ ُ‬
‫خر كل ما يمكن أن تصلح به "الحياة" على وجه‬
‫ثرواتها‪ ..‬وكيف ُيس ّ‬
‫هذه الرض‪.‬‬
‫ولما خلق الله آدم ‪ ،‬وعظمه ورفع قدره‪ ،‬وأسجد الملئكة‬
‫َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫م آد َ َ‬
‫عل ّ َ‬
‫له‪ ..‬لم يكن ذلك إل بالعلم الذي أتاه إياه‪ ،‬قال تعإلي‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ها‪.88‬‬
‫ماءَ ك ُل ّ َ‬
‫اْل ْ‬
‫س َ‬
‫والسؤال إذن‪ :‬ما هذا العلم الذي علمه الله ‪ ‬آدم ‪ ،‬وبه‬
‫تفوق على الملئكة؟‬
‫لقد عّلمه الله ‪ - ‬فيما يروي ابن عباس <‪ -‬أسماء كل شيء‪:‬‬
‫الجبل‪ ،‬والشجر‪ ،‬والبحر‪ ،‬والنخلة‪ ..‬وأسماء الناس والدواب‪..89‬‬
‫أي أن الله ‪ ‬علمه العلوم "الطبيعية" التي سيحتاج إليها‬
‫للحياة فوق الرض وعمارتها‪ ،‬أما الملئكة فهي ل تعلم هذه السماء‬
‫وتلك العلوم؛ لنها لن تستخلف على الرض‪ ،‬ومن ثم فهي ليست في‬
‫حاجة إليها‪..‬‬
‫والواضح أنه لو عّلم الله ‪ ‬آدم ‪ ‬العبادة بمفهومها المقتصر‬
‫على الصلة والصيام والذكر والدعاء‪ ،‬لتفوقت الملئكة على آدم ‪‬‬
‫في هذا المجال‪ ،‬وما كان هناك داٍع أن ُيستخلف النسان في الرض‪،‬‬
‫بل يعيش في السماء كما تعيش الملئكة‪ ،‬يفعل أفعالهم‪ ،‬ويكتفي‬
‫هاَر َل ي َ ْ‬
‫ن الل ّي ْ َ‬
‫ن‪.90‬‬
‫فت ُُرو َ‬
‫حو َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫والن ّ َ‬
‫بعلومهم‪ ..‬ي ُ َ‬
‫ل َ‬
‫ما حياتًيا‬
‫ما شرعًيا فقط‪ ،‬وإنما كان عل ً‬
‫م آدم ‪ ‬عل ً‬
‫فلم يكن عل ْ ُ‬
‫كذلك‪..‬‬
‫وعليه فإن النسان إذا أهمل العلوم الطبيعية أو علوم "الحياة"‪،‬‬
‫فإنه بذلك ُيهمل أهم مقومات استخلفه على الرض‪ ..‬وهذا ل يجوز‬
‫في حق مسلم واع‪ ،‬يفهم دينه‪ ،‬ويدرك طبيعة استخلفه على الرض‪..‬‬

‫‪88‬‬
‫‪89‬‬
‫‪90‬‬

‫)البقرة‪.(31 :‬‬
‫انظر ابن كثير‪ :‬تفسير القرآن العظيم ‪. 109 /1‬‬
‫)النبياء‪.(20 :‬‬

‫الدليل الثاني‪:‬‬
‫أكمل الله ‪ ‬العلوم الشرعية قبل وفاة رسول الله ‪ ..‬قال‬
‫تعإلي‪ :‬ال ْيوم أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫مِتي‬
‫ت َ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫َ ْ َ‬
‫م ُ‬
‫َ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫‪91‬‬
‫م ِديًنا‪.. ‬‬
‫وَر ِ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ي بعد رسول الله ‪ ،‬ومن ثم فستبقى العلوم‬
‫وليس هناك وح ٌ‬
‫الشرعية كأصول كما هي‪ ..‬نعم قد يجتهد علماء الشرع في بعض‬
‫المور بحسب المتغيرات والمستجدات في البيئة والزمان والمكان‪،‬‬
‫ولكن تبقى الصول ثابتة موجودة في القرآن والسنة‪..‬‬
‫هذا بالنسبة للعلوم الشرعية‪..‬‬
‫أما بالنسبة لعلوم الحياة‪ ،‬فإن المر يختلف؛ إذ أنها علوم لم‬
‫ف‬
‫دا‪ ..‬ففي كل يوم يمر علينا ُيكشف لنا كش ٌ‬
‫تكتمل بعد‪ ،‬ولن تكتمل أب ً‬
‫جديد في هذه العلوم‪ ،‬وعلم اليوم في الطب ‪ -‬مثل ً ‪ -‬يختلف عما‬
‫دا‪ ،‬وهما غير ما كانا عليه بالمس وهكذا‪..‬‬
‫سيكون عليه غ ً‬
‫فعلوم الحياة في تطور وتغير مستمر‪ ..‬وما ي ُعَد ّ اليوم حقيقة‬
‫دا أنه وهم ل أصل له‪ ،‬أو أن هناك ما يتخطاه‬
‫علمية‪ ،‬قد ُيكَتشف غ ً‬
‫ويتعداه‪ ،‬وما أكثر المعتقدات العلمية التي ظلت موروثة لمئات‬
‫السنين‪ ،‬ولم تتغير إل منذ سنوات قلئل بعد اكتشاف خطئها‪..‬‬
‫في َأن ُ‬
‫في اْل َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫م آَيات َِنا ِ‬
‫ف ِ‬
‫يقول تعإلي‪َ  :‬‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق َ‬
‫فا َ ِ‬
‫سن ُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ري ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف ب َِرب ّ َ‬
‫على ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫م ي َك ْ ِ‬
‫ه ال َ‬
‫َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫حّتى ي َت َب َي ّ َ‬
‫ك أن ّ ُ‬
‫ول ْ‬
‫ح ّ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قأ َ‬
‫‪92‬‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫د‪. ‬‬
‫ي ٍ‬
‫هي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫ش ِ‬
‫فالية نزلت بصيغة المستقبل‪ ،‬وستظل ُتقرأ إلى يوم القيامة‬
‫دا‬
‫بصيغة المستقبل‪ ،‬وسيظل المستقبل إلى يوم القيامة يحمل جدي ً‬
‫في علوم الحياة‪ ،‬سواء كان في الكون )في الفاق(‪ ،‬أو في النسان‬
‫)وفي أنفسهم(‪..‬‬
‫والعمل الدءوب في هذا المجال مطلوب ومهم‪ ..‬وإل سبق‬
‫الركب‪ ،‬وتع ّ‬
‫ذر اللحاق!‬
‫الدليل الثالث‪:‬‬
‫هناك الكثير من القضايا الشرعية والفقهية ل يستطيع فقهاء‬
‫ب‪ ،‬يبين الحل أو الحرمة فيها إل‬
‫ي صائ ٍ‬
‫المسلمين أن يقطعوا فيها برأ ٍ‬
‫‪91‬‬
‫‪92‬‬

‫)المائدة‪.(3 :‬‬
‫)فصلت‪.(53 :‬‬

‫بالستعانة بعلماء مسلمين في مجال العلوم الحياتية‪ ..‬يكونون مهرة‬
‫في مهنتهم‪ ،‬أكفاء في تخصصهم‪..‬‬
‫فإذا أخذنا علم القتصاد والتجارة ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬كنموذج‬
‫ه مسلم غير متخصص أن يستنبط آراء‬
‫للدراسة‪ ..‬فهل يستطيع فقي ٌ‬
‫فقهية صائبة في كل المعاملت القتصادية والتجارية؟! هل يستطيع‬
‫أن يقطع بحل أو حرمة في قضية من قضايا التجارة وعلم القتصاد‬
‫دون أن يكون على إحاطة تامة بأوجه المعاملت والمضاربات التي‬
‫تتم في البنوك والبورصة والشركات والسواق وغيرها؟!‬
‫بالقطع الجابة هي النفي‪ ،‬خاصة وأن العلوم قد تشعبت كثيًرا‪،‬‬
‫م أخرى كثيرة تتفرع منه وتنبثق عنه‪،‬‬
‫حتى أصبح داخل كل علم علو ٌ‬
‫ولكل فرٍع من هذه العلوم متخصصون وباحثون ودارسون‪..‬‬
‫ثم وعلى فرض إمكانية أن ُيدلي الفقيه بدلوه في مثل هذه‬
‫القضايا ودون الرجوع إلى متخصصين فيه ‪ -‬وهو مستحيل وغير جائز ‪-‬‬
‫فما الحال إذا وجدنا مخالفة شرعية في مثل هذه العلوم؟ كيف يمكن‬
‫أص ً‬
‫لحها وأسلمتها وفق المنهج السلمي؟! وكيف يمكننا أن نتعامل‬
‫مع النظمة القتصادية العالمية المحيطة على ما بها من مخالفات‪،‬‬
‫دون الوقوع في مخالفة شرعية؟!‬
‫أل نحتاج في ذلك كله إلى اقتصادي متخصص؟! أل نحتاج إلى‬
‫م بكل تفصيلته‬
‫من يدرس القتصاد بكل تفريعاته وعلومه‪ ،‬وُيل ّ‬
‫ودقائقه‪ ،‬ثم هو يدرس الفقه السلمي الخاص بالقتصاد والتجارة‪ ،‬ثم‬
‫يبدأ في صياغة القتصاد السلمي بالصورة التي تتناسب والعصر‬
‫الذي نعيش فيه‪ ،‬ودون الوقوع في أدنى مخالفة شرعية؟!‬
‫ونستطيع أن نستشهد في ذلك بمثال واقعي في مجال الحقوق‬
‫والقوانين‪ ،‬فقد كان الشهيد القاضي عبد القادر عودة من خريجي‬
‫كلية الحقوق‪ ،‬وقد أّلف كتابه "التشريع الجنائي السلمي"‪ ،‬والذي‬
‫دم فيه دراسة فقهية حول التشريع الجنائي في السلم‬
‫استطاع أن ُيق ّ‬
‫وفلسفته ومقارنته مع القانون الوضعي‪ ،‬كما استطاع أن ُيثبت بالدلة‬
‫والبراهين والحجج الدامغة محاسن الشريعة السلمية وتفوقها على‬
‫القوانين الوضعية‪ ،‬مع سبقها إلى تقرير كل المبادئ النسانية‬
‫والنظريات العلمية والجتماعية التي لم يعرفها العالم‪ ،‬والتي لم يهتد‬
‫إليها العلماء إل مؤخًرا‪..‬‬
‫أل تحتاج المة في حياتها إلى مثل ذلك؟!!‬
‫أليست هذه ثغرة ً إسلمية تحتاج إلى من يسدها ويقف عليها؟!‬

‫ثم أليس من يقوم بذلك يكون مأجوًرا من الله ‪ ‬على علمه‬
‫وعمله هذا؟!‬
‫وهل يعتقد المسلمون المعظمون لدينهم أنهم لن يأثموا بترك‬
‫هذا المجال وليس فيه متخصصون؟!‬
‫أل يعتقد المسلمون أن دراسة القتصاد من هذا المنظور هو‬
‫طريق مباشر من طرق الجنة؟!‬
‫والحقيقة أن الجابة في ذلك ل تخفى على ذي عقل وصاحب‬
‫قا إل بمبدعين‬
‫ب‪ ..‬وليكن في خلد الجميع أنه لن يقوم هذا الدين ح ً‬
‫لُ ّ‬
‫في شتى مجالت وعلوم الحياة!!‬
‫ضا‬
‫ن للدراسة ‪ -‬نستطيع أن نقف أي ً‬
‫وفي علم الطب ‪ -‬كنموذج ثا ٍ‬
‫على نفس ما وقفنا عليه في علم القتصاد‪ ،‬من حاجة فقيه اليوم‬
‫الماسة إلى طبيب مسلم متخصص‪ ،‬يساعده في تقرير فتواه فيما له‬
‫علقة ببعض جوانب الطب‪..‬‬
‫ي في قضايا دقيقة لها علقة قوية‬
‫إذ كيف سيدلي عال ٌ‬
‫م شرع ٌ‬
‫بالطب‪ ،‬دون الستعانة بطبيب مسلم ٍ ماهر‪ ،‬يستطيع أن يشرح بدقة‬
‫طبيعة المر في النقطة التي يحتاجها الفقيه؟!!‬
‫حكم الشرع في القضايا المستجدة وثيقة‬
‫وكيف لنا أن نعرف ُ‬
‫الصلة بالطب؟‬
‫كيف لنا أن نعرف حكم الشرع ‪ -‬مثل ً ‪ -‬في قضايا مثل‬
‫"الستنساخ" أو "زرع العضاء" أو "عمليات التجميل"‪ ،‬أو "أطفال‬
‫محّرم‪ ..‬وغيرها؟!‬
‫النابيب" أو التداوي بما قد يتخلله ُ‬
‫كل هذه المور وغيرها مما يستجد في حياتنا اليومية‪ ،‬نحتاج‬
‫فيها ‪ -‬ول شك ‪ -‬إلى أطباء مهرة في تخصصهم‪ ،‬ثم هم يدرسون في‬
‫الشرع ما يختص بالفرع الذي يتقنونه‪ ،‬وبذلك يمتلكون القدرة على‬
‫الدلء برأي صائب‪ ،‬يوافق بين رأي الطب ورأي الشرع‪.‬‬
‫قا إلى الجنة؟! وهل‬
‫أفل يكون الطب من هذا المنظور طري ً‬
‫يعذر المسلمون إذا لم يخرجوا لمتهم أطباء يوضحون لهم هذه‬
‫المور‪ ،‬ويبينوه للفقهاء‪ ،‬فيتمكنوا من الفتاء بالحلل أو الحرام فيما‬
‫يتعلق بهذه المسائل؟!‬
‫ب لبد من أن يتفوق فيه المسلمون‪،‬‬
‫فهذا ‪ -‬ول ريب ‪ -‬با ٌ‬
‫ليقيموا بذلك دينهم‪ ،‬وليطّبقوه كما أراد الله ‪..‬‬

‫ومن هذا المنطلق فهذه العلوم جميًعا‪ ،‬سواء أكانت علوم‬
‫اقتصاد أو علوم سياسة أو علوم طب أو هندسقة‪ ،‬أو غيرها ممن هي‬
‫على شاكلتها‪ ،‬وتنفع المة وتصلح الحياة للنسان على الرض‪ ..‬هي‬
‫كلها علوم ُأخروية‪ ،‬بشرط توفر النية الصالحة‪ ،‬والخلص لله ‪.‬‬
‫الدليل الرابع‪:‬‬
‫إذا لم يتفوق المسلمون في هذه المجالت‪ ،‬فما البديل؟!!‬
‫لن يخالفني أحد إذا قلت بأن البديل في ذلك هو أن يعتمد‬
‫المسلمون في هذه المجالت التي أهملوها وتخلفوا فيها‪ ،‬على‬
‫غيرهم‪ ،‬أو قل‪ :‬على عدوهم؛ إذ هو البديل الوحيد أحياًنا!!‬
‫عا؟!‬
‫فهل يستقيم هذا المر شر ً‬
‫هل تقوم أمة على أكتاف غيرها؟! بل هل تقوم أمة على أكتاف‬
‫أعدائها‪..‬؟!!‬
‫أليس أمًرا يدعو إلى الدهشة والغرابة حين يضطر المسلم لكي‬
‫يبدع في مهنة ما أن يسافر إلى بلد أعدائه ليتعلم منهم‪ ،‬وينقل‬
‫عنهم؟!‬
‫وكيف يقوم مصنع في بلد مسلم على ماكينات وقطع غيار‬
‫مستوردة من بلد عدوه؟!‬
‫وماذا يحدث لو دارت رحى الحرب بين المة السلمية وبين‬
‫أعدائها هؤلء‪ ،‬أو حتى حدثت بينهما مقاطعات؟ هل سنوقف حياتنا‬
‫انتظاًرا لتحسن العلقات مع العداء؟!‬
‫وأوضح من ذلك‪ :‬كيف سنحارب أعداءنا إذا كنا نعتمد عليهم‬
‫ما‬
‫اعتماًدا كلًيا في السلح‪ ،‬وهم الذين يعلمون بالضبط ما قد يكون مه ً‬
‫ما فيمنعوه إيانا‪ ،‬وما قد يكون قليل الهمية ضعيف‬
‫ومؤثًرا ومتقد ً‬
‫التأثير والجدوى فيبيعونا إياه؟!‬
‫إن هذا ‪ -‬وايم الله ‪ -‬لهو العجب فع ً‬
‫ل!!‬
‫ولين‪ ،‬فهذه إحدى إحصائيات سوق‬
‫وحتى ل نكون مبالغين ول مه ّ‬
‫السلح الدولية‪:‬‬
‫تشير الحصائية إلى أن صادرات أمريكا من السلح ما بين عام‬
‫‪2004 – 2000‬م بلغت ‪ 25.390‬مليار دولر‪ ،‬وهي بذلك تعد الدولة‬
‫الثانية في العالم في تصدير السلح بعد روسيا والتي بلغت قيمة‬
‫صادراتها ‪ 26.9‬مليار دولر في نفس الفترة‪ ..‬وأن ‪ 5.079‬مليار دولر‬

‫من إجمإلى الصادرات المريكية من السلح هي من دول الشرق‬
‫الوسط وأفريقيا‪ ،‬أي من العالم العربي والسلمي‪!!93‬‬
‫وجوهر القضية ليس فقط في دخول هذه الموال الطائلة‬
‫الخزانة المريكية أو غيرها‪ ،‬لكن القضية الحقيقية والكارثة الملمة هي‬
‫في اعتماد هذه الدول اعتماًدا أساسًيا وكلًيا على السلح الخارجي‬
‫فقط!!‬
‫وإضافة إلى أمريكا فإن بريطانيا وحدها ‪ -‬كما تشير الحصائيات‬
‫حا بما يبلغ قيمته ‪ 4.450‬مليار دولر في نفس‬
‫ضا ‪ -‬صدرت سل ً‬
‫أي ً‬
‫الفترة‪ ،‬وأن ‪ 1.004‬مليار دولر تأتي من دول الشرق الوسط‬
‫وأفريقيا‪ ،‬أي من العالم العربي والسلمي!!‬
‫ضا إلى أن ‪ %40‬من صادرات فرنسا من‬
‫وتشير الحصائيات أي ً‬
‫السلح يتجه إلى العالم العربي!! وأن ‪ %18‬من صادرات الصين من‬
‫ضا يتجه إلى نفس المنطقة!! وأن ‪ %15‬من صادرات‬
‫السلح أي ً‬
‫‪94‬‬
‫روسيا من السلح يتجه كذلك إلى العالم العربي !!‬
‫والملحظ أن دول ً كثيرة ‪ -‬غير إسلمية ‪ -‬لها باع ٌ في سوق‬
‫السلح‪ ،‬لكنها لم تدخل بعد هذه الحصائيات؛ وذلك إما لنها في أول‬
‫طريق التصدير‪ ،‬أو لن تصديرها منه سًرا‪ ،‬وذلك مثل كوريا الشمالية‬
‫والهند وأوكرانيا وصربيا وجمهورية التشيك وغيرها‪..‬‬
‫أما الغريب والعجيب فهو أن تكون إسرائيل هي الدولة الرابعة‬
‫في العالم في تصدير السلح‪ ،‬وذلك بعد أمريكا وروسيا وبريطانيا‪،‬‬
‫متخطية في ذلك دول ً مثل فرنسا والصين وصربيا والتشيك‬
‫وأوكرانيا‪!!..95‬‬
‫وتمثل صادرات السلح في إسرائيل ‪ %40‬من إجمإلى‬
‫صادراتها‪ ،‬وهي أعلى نسبة على مستوى العالم‪!!96‬‬
‫أما الدولة التي حازت بنصيب السد من صادرات السلح‬
‫السرائيلي فهي الهند‪ ..‬العدو التقليدي لباكستان المسلمة!!‬

‫‪ 93‬مركز الهرام للدراسات السياسية و الستراتيجية‪ :‬تقرير التجاهات القتصادية الستراتيجية‬
‫الصادر عام ‪2006‬م ص ‪.118-113‬‬
‫‪ 94‬مركز الهرام للدراسات السياسية والستراتيجية‪ :‬تقرير التجاهات القتصادية الستراتيجية‬
‫ص ‪.118‬‬
‫‪ 95‬موقع مجلة دار الحياة تقرير بعنوان‪ :‬إسرائيل الدولة الرابعة في العالم في تصدير السلح‪،‬‬
‫الرابط‪http://www.daralhayat.com/special/features/09-2005/Item-20050917-65253914-c0a8- :‬‬
‫‪10ed-00a6-5760872f5f4c/story.html‬‬
‫‪ 96‬موقع فلسطين المسلمة‪ :‬تقرير ملف الصناعة الحربية السرائيلية إعداد‪ :‬لواء أركان حرب‬
‫متقاعد حسام سويلم‪ ،‬الرابط‪http://www.fm-m.com/2004/dec2004/story19.htm :‬‬

‫قا أو حزًنا لدى‬
‫فهل مثل هذه الحصائيات ل تمثل غضاضة أو قل ً‬
‫الشباب المسلم الملتزم‪ ،‬وكل من عنده أدنى حمية لمته؟!‬
‫ول يتحجج البعض بأن القضية في ذلك هي مجرد قرار سياسي؛‬
‫إذ أنه لو حدث ذات يوم وتم اتخاذ مثل هذا القرار السياسي ‪ -‬أعني‬
‫القرار بتصنيع السلح والكتفاء الذاتي منه مع ما يتطلبه ذلك من‬
‫مسايرة أحدث تكنولوجيا التسليح في ذلك العصر ‪ -‬فإننا يجب أن‬
‫يكون لدينا قبل هذا القرار العلماء الكفاء في علوم الهندسة والذرة‬
‫والكيمياء والفيزياء والطاقة وغيرها‪ ..‬ممن يستطيعون تصنيع السلح‬
‫المثل‪ ،‬وإل أصبح قرار تصنيع السلح هذا قراًرا ل معنى له‪..‬‬
‫ولتأكيد هذا المعنى وتوضيحه بصورة أكبر كان هناك تقريرات‬
‫أخرى‪..‬‬
‫فقد أشار التقرير القتصادي العربي الموحد لعام ‪2006‬م‪ ،‬إلى‬
‫مواصلة ارتفاع حصة الواردات العربية من الوليات المتحدة وآسيا‪،‬‬
‫ومنها الصين بوجه خاص‪ ،‬وكانت نسبة الواردات العربية الجمإلية قد‬
‫وصلت قيمتها في عام ‪2005‬م إلى ‪ 314.1‬مليار دولر‪!!..‬‬
‫والجانب العظم من الواردات العربية يعتبر من الوليات‬
‫المتحدة‪ ،‬وأهم ما ُيستوَرد منها‪ :‬العدد واللت ووسائل النقل‬
‫المختلفة‪ ،‬حيث تستحوذ على ‪ %60‬من إجمإلى هذه الواردات‪ ،‬ويليها‬
‫في الهمية السلع الغذائية مثل القمح واللحوم‪ ،‬وتمثل حوإلى ‪،%15‬‬
‫ويأتي في المرتبة الخيرة المشروبات الغازية والتبغ ومنتجاته‪ ..‬وتبلغ‬
‫فاتورة الواردات العربية في الغذية وحدها ‪ 20‬مليار دولر سنوًيا‪..‬‬
‫وُتعد واردات مصر ‪ -‬كمثال من تلك الدول ‪ -‬من السلع الغذائية‬
‫‪ %16.8‬من إجمإلى الواردات المصرية‪ ،‬وتستهلك من القمح أكثر من‬
‫‪ 12.2‬مليون طن سنويا‪ ،‬تستورد منها ‪ 6‬مليين طن‪..97‬‬
‫كل هذه الرقام وغيرها تعكس ضعف نسب الكتفاء الذاتي‬
‫ضا إمكانية استخدام هذا‬
‫العربي من السلع الساسية‪ ،‬ويعني أي ً‬
‫الضعف كسلح ضد الدول العربية‪..‬‬
‫قا فهو أن تكون الواردات العربية من المواد الخام‬
‫أما الغريب ح ً‬
‫هي ‪ %5‬فقط )انظر الشكل رقم ‪(2 ،1‬؛ إذ أن ذلك يعني أننا نمتلك‬
‫الكثير من الثروات الطبيعية التي حبا الله ‪ ‬بها بلدنا‪ ،‬وهو يعني في‬
‫ذات الوقت عجزنا الكبير على تحقيق أدنى نسبة تحقيق اكتفاء ذاتي‪..‬‬
‫‪ 97‬موقع صندوق النقد العربي‪ ،‬على شبكة النترنت‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://www.amf.org.ae/vArabic/showPage.asp?objectID={1510E2A6-2842-45F5-919B‬‬‫‪{76C62AC1AADD‬‬

‫ثم هو يعني ثالًثا أننا نصدر المواد الخام لُيعاد تصنيعها‪ ،‬ثم نستوردها‬
‫مرة أخرى‪ ..‬ولكن بأضعاف مضاعفة‪!!..‬‬
‫ويعتبر السكر من أكثر السلع الغذائية التي تعاني المنطقة‬
‫العربية من عجز دائم فيها‪ ،‬وبدرجة اكتفاء ذاتي تصل لنحو ‪%35‬‬
‫فقط‪ ،‬وتقدر الفجوة الكمية من السكر في الوطن العربي عام‬
‫‪2001‬م بنحو ‪ 4.48‬مليون طن‪ ،‬تصل أقصاها في كل من الجزائر‬
‫والسعودية وسوريا وإليمن ومصر‪ ،‬وبأهمية نسبية تقدر بنحو ‪،%20‬‬
‫‪ %8.4 ،%10 ،%12.1 ،%16.1‬لكل منها على الترتيب‪..98‬‬
‫أما عن السلع الستفزازية‪ ،‬فإن الرقام تشير إلى أن مصر‬
‫وحدها استوردت من أنواع الجبن المختلفة التي تم حصرها في ‪32‬‬
‫عا‪ ،‬ما قيمته نحو ‪ 121‬مليون جنيه في عام واحد‪ ،‬هذه الحقيقة‬
‫نو ً‬
‫تأتى على الرغم من أن مصر تعتبر من الدول المنتجة لللبان‪ ،‬وتأتى‬
‫ضا ‪ -‬وللسف ‪ -‬رغم أن بمصر العديد من شركات تصنيع الجبان‪،‬‬
‫أي ً‬
‫سواء من الشركات الحكومية أو من شركات القطاع الخاص‪!!..‬‬
‫وتبلغ فاتورة أغذية القطط والكلب المصرية من الخارج في‬
‫خلل ستة شهور فقط حوإلى ‪ 2‬مليون جنيه‪!!..99‬‬
‫والظاهرة الغرب تلك الرقام التي تصل إلى نحو ‪ 5‬مليين‬
‫دولر لستيراد اليس كريم من الخارج‪!!..‬‬
‫أل يدعو ذلك إلى الدهشة والستغراب‪..‬؟!‬
‫ثم أل يدعو كل ذلك إلى تفعيل دور الصناعات عندنا لئل نعتمد ‪-‬‬
‫على القل ‪ -‬على أعدائنا‪..‬؟!‬
‫وإن الحاجة الشديدة إلى ذلك لتظهر بوضوح حين نستعرض‬
‫إحصائيات براءات الختراع للمنظمة العالمية‪ ،‬والتي تعبر عن حقيقة‬
‫الوضع الذي نعيشه‪.‬‬
‫ففي سنة ‪2001‬م قدمت مصر ‪ -‬كواحدة من الدول السلمية ‪-‬‬
‫دا‪ ،‬وفي سنة ‪2002‬م كان نصيبها في براءات الختراع‬
‫اخترا ً‬
‫عا واح ً‬
‫دا‪ ،‬وفي سنة ‪2003‬م زاد هذا العدد ‪ -‬بفضل الله ‪-‬‬
‫ضا اخترا ً‬
‫عا واح ً‬
‫أي ً‬
‫عا‪ ،‬وكانت سنة ‪2004‬م قائمة النجاز بوصول‬
‫ليصل إلى ‪ 12‬اخترا ً‬
‫عا‪ ..‬وهو تطور طيب يدعو إلى‬
‫عدد براءات الختراع إلى ‪ 78‬اخترا ً‬
‫التفاؤل‪.‬‬
‫‪ 98‬تقرير أوضاع المن الغذائي العربي ‪ ،2002‬الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية‬
‫التابعة لجامعة الدول العربية‪ ،‬والتقرير منشور على موقع المنظمة على شبكة النترنت‪،‬‬
‫الرابط الكتروني ‪http://www.aoad.org/foods/TABLE%20OF%20CONTENTS.htm‬‬
‫‪ 99‬موقع ديوان العرب‪ :‬أشرف شهاب‪ :‬مقال بعنوان‪ :‬مصر تستورد طعام الكلب والقطط‪،‬‬
‫الرابط‪.http://www.diwanalarab.com/spip.php?article13 :‬‬

‫وتعتبر مصر بذلك ثاني دولة إسلمية في تسجيل براءات‬
‫الختراع‪ ،‬أما الدولة السلمية الولى في ذلك فهي تركيا‪ ،‬وحصيلتها‬
‫من عدد براءات الختراع في سنة ‪2004‬م هو ‪ 104‬اختراٍع‪..100‬‬
‫لكن الحقيقة أن هذه النسبة ‪ -‬سواء التي في مصر أو التي في‬
‫دا إذا ما قورنت بغيرها من الدول الخرى‪ ،‬وخاصة‬
‫تركيا ‪ -‬هي قليلة ج ً‬
‫حين نعلم أن إسرائيل وحدها بلغ نصيبها في تسجيل براءات الختراع‬
‫عا‪ ،‬محتلة بذلك المركز رقم ‪ 15‬بين دول‬
‫في نفس العام ‪ 1222‬اخترا ً‬
‫العالم في عدد براءات الختراع المسجلة سنوًيا‪!!..‬‬
‫أما المركز الول فكان ‪ -‬بالطبع ‪ -‬من نصيب أمريكا‪ ،‬والذي‬
‫ضا ‪41.870‬‬
‫وصل نصيبها فيه من براءات الختراع في نفس العام أي ً‬
‫عا‪ ،‬ومن بعدها‬
‫عا!! وتلتها في ذلك اليابان بنحو ‪ 19.982‬اخترا ً‬
‫اخترا ً‬
‫‪101‬‬
‫فرنسا‪ ،‬ثم إنجلترا ‪..‬‬
‫وحتى تتضح الصورة بعض الشيء‪ ،‬فليس معنى تسجيل براءة‬
‫اختراع القتصار فقط على اختراع شيء لم يكن موجوًدا أص ً‬
‫ل‪ ،‬مثل‬
‫التليفزيون أو الكمبيوتر أو ما شابه‪ ،‬وإنما تمنح براءة الختراع عن كل‬
‫إضافة علمية جديدة ناشئة عن فكرة جديدة وجهد في البتكار‪ ،‬وتكون‬
‫قابلة للستغلل الصناعي بما فيها الفلحة‪ .‬ويدخل في ذلك تطوير‬
‫اختراع قائم‪ ،‬أو تحسينه بإدخال بعض التعديلت عليه‪ ،‬مما من شأنه‬
‫أن يرفع من كفاءته‪ ،‬أو يقلل من مضاعفاته الجانبية‪ ،‬أو يساعد على‬
‫تخفيض سعره‪ ،‬أو غيره‪..‬‬
‫عا‪،‬‬
‫أي أن أيّ إضافةٍ على هذا الشيء ولو صغيرة ُيعد اخترا ً‬
‫يستطيع صاحبه أن ُيسجله باسمه في براءات الختراع‪ ،‬ويكون بذلك‬
‫دا‪..‬‬
‫قد أضاف للنسانية شيًئا جدي ً‬
‫وإنه لما كانت هناك دول قليلة السكان ودول أخرى كثيرة‬
‫السكان‪ ،‬فإن العلماء استحدثوا طريقة أخرى أدق لحساب براءات‬
‫الختراع للدول‪ ،‬وذلك بحساب عدد براءات الختراع فيها بالنسبة إلى‬
‫عدد السكان‪ ،‬وكان من نتيجة ذلك أن احتلت إسرائيل المركز الثامن‬
‫بين دول العالم في تسجيل براءات الختراع‪ ،‬وسبقت في ذلك أمريكا‬
‫واليابان وفرنسا وإنجلترا‪ ،‬ودول أخرى كثيرة؛ لن عدد السكان بها‬
‫قليل‪!!..‬‬
‫عا لكل‬
‫وتوضيح ذلك أن بمثل هذه الطريقة يكون هناك اخترا ً‬
‫‪ 5000‬إسرائيلي‪ ،‬في حين أن ذلك الختراع في أمريكا هو لكل‬

‫‪100‬‬
‫‪101‬‬

‫راجع تقرير التنمية البشرية ‪ ،2006‬مرجع سبق ذكره‪.‬‬
‫تقرير التنمية البشرية ‪. 2006‬‬

‫ضا فإن‬
‫‪ 6700‬أمريكي‪ ،‬وفي اليابان لكل ‪ 6300‬وعلى هذا القياس أي ً‬
‫النسبة في مصر هي اختراع واحد لكل ‪ 900.000‬مصري‪!!..102‬‬
‫فا‬
‫وغير تصنيف الدول‪ ،‬فإن للشركات على مستوى العالم تصني ً‬
‫ضا في تسجيل براءات اختراع خاصة بها‪ ،‬وكانت الشركة الولى في‬
‫أي ً‬
‫تقديم أكبر عدد من البراءات هي شركة "فيلبس" الهولندية‪ ،‬محتفظة‬
‫بهذه الصدارة للسنة الثانية على التوالي‪ ..‬ومن بعدها تأتي شركة‬
‫"ماستوشيتا" التي منها "باناسونيك"‪ ،‬ثم "سيمنز" اللمانية‪ ،‬ثم‬
‫"نوكيا" الفلندية‪ ،‬ثم شركة "بوش" اللمانية‪ ،‬ثم "إنتل" المريكية‪ ،‬ثم‬
‫س" اللمانية‪ ،‬ثم "ثري إم" المريكية‪ ،‬ثم "موتورول" المريكية‪ ،‬ثم‬
‫"ب ُ ّ‬
‫‪103‬‬
‫"سوني" اليابانية ‪..‬‬
‫شركات كثيرة ‪ -‬وللسف ‪ -‬ليس بينها واحدة إسلمية‪ ..‬فكل‬
‫براءات الختراع لدينا إنما هي من نصيب الفراد‪ ،‬وهذا يعني ‪ -‬في‬
‫أهم ما يعنيه ‪ -‬غياب العمل الجماعي أو العمل المؤسسي وعمل‬
‫الفريق الواحد‪ ،‬والذي يعتمد عليه البداع كلية في القرن الحادي‬
‫والعشرين‪!!..‬‬
‫ول شك أن هذه الختراعات تنعكس على طبيعة المواد‬
‫المصدرة من كل دولة‪ ،‬والدول الكبرى هي التي تصدر مواد مصنعة‬
‫دا‪ ،‬كلما ازداد‬
‫أكثر من غيرها‪ ،‬وكلما ازدادت المواد المصنعة تعقي ً‬
‫تقدير العالم لقيمة هذه الدولة علمًيا‪ ..‬ويوضح الجدول رقم )‪(5‬‬
‫طبيعة المواد المصدرة في بعض دول العالم‪.‬‬
‫والسؤال الن‪:‬‬
‫أليس العلم الذي يتحصل به التصنيع والحصول على براءات‬
‫ما‬
‫الختراع بدل ً من أن نكون في ذيل الدول الخرى ‪ -‬أليس ذلك عل ً‬
‫شرعًيا؟!‬
‫أليس العاِلم الذي يصنع السلحة ‪ -‬مثل ً ‪ -‬أو يساعد في تصنيعها‬
‫ما نافًعا لمته‪ ،‬مثاًبا على علمه وعمله هذا من ربه إن أخلص فيه‬
‫عال ً‬
‫نيته؟!‬
‫أليس هذا الطريق من الطرق الموصلة إلى الجنة؟‬
‫وقس على ذلك كل العلوم والفروع الخرى‪..‬‬

‫‪ 102‬المرجع السابق‪.‬‬
‫‪ 103‬تقرير براءات الختراع لعام ‪ 2005‬الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية‪ ،‬والمنشور‬
‫على موقع المنظمة على شبكة النترنت‪ ،‬الرابط اللكتروني‬
‫‪http://www.wipo.int/edocs/prdocs/en/2005/wipo_pr_2005_403.html‬‬

‫فإن تخلف المسلمين في هذه العلوم الحياتية يعني أنهم إنما‬
‫ُيسلمون رقابهم لسيوف أعدائهم‪..‬‬
‫ول ريب في أن المة التي تعثرت فيها العلوم الطبية أو‬
‫العسكرية أو الهندسية أو الفلكية أو غيرها من العلوم الحياتية‪ ،‬أو تلك‬
‫التي يرتبط تقدمها في هذه العلوم بقرار من أعدائها‪ ..‬ل ريب أن هذه‬
‫المة على حافة هاوية عظيمة‪..‬‬
‫والواقع أنه ل نجاة من ذلك ول مفر إل بفقه قيمة هذه العلوم‬
‫في حياة المة‪ ،‬وفي ميزان السلم‪.‬‬
‫الدليل الخامس‪:‬‬
‫علوم الحياة طريقٌ لمعرفة الله ‪..‬‬
‫ففي القرآن الكريم لم تأت الدعوة للتفكر في الكون مرة أو‬
‫مرتين‪ ،‬إنما جاءت مرات عديدة‪ ،‬وبصور مختلفة‪..‬‬
‫ْ َ‬
‫في َ ْ‬
‫ف‬
‫وا ْ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫قال تعإلي‪ :‬إ ِ ّ‬
‫خت َِل ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫خل ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ما ي َن ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ع‬
‫ري ِ‬
‫ف ُ‬
‫في الب َ ْ‬
‫ك الِتي ت َ ْ‬
‫فل ْ ِ‬
‫والن ّ َ‬
‫ر بِ َ‬
‫ر َ‬
‫ل َ‬
‫الل ّي ْ ِ‬
‫ح َِ‬
‫ج ِ‬
‫ها َ ِ‬
‫َ‬
‫ء َ‬
‫ما أن َْز َ‬
‫ض‬
‫ما ٍ‬
‫ما ِ‬
‫حَيا ب ِ ِ‬
‫ء ِ‬
‫ه ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ه اْلْر َ‬
‫الّنا َ‬
‫س َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ح‬
‫وب َ ّ‬
‫ث ِ‬
‫داب ّ ٍ‬
‫ها ِ‬
‫ري ِ‬
‫ل َ‬
‫بَ ْ‬
‫في َ‬
‫وت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫عد َ َ‬
‫وت َ ْ‬
‫ة َ‬
‫ها َ‬
‫م ْ‬
‫ص ِ‬
‫ف الّرَيا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ت لِ َ‬
‫ما ِ‬
‫س ّ‬
‫ض لَيا ٍ‬
‫س َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫وال ّ‬
‫ر ب َي ْ َ‬
‫س َ‬
‫ب ال ُ‬
‫حا ِ‬
‫ق ْ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫وم ٍ‬
‫والْر ِ‬
‫‪104‬‬
‫ُ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ع ِ‬
‫قلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ي‬
‫ل ِ‬
‫و ُ‬
‫وا ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫مدّ اْلْر َ‬
‫ها َر َ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫وقال تعإلي‪َ  :‬‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫شي‬
‫ن يُ ْ‬
‫ل ِ‬
‫غ ِ‬
‫مَرا ِ‬
‫و ِ‬
‫ن اث ْن َي ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫في َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ل الث ّ َ‬
‫ها َز ْ‬
‫هاًرا َ‬
‫َ‬
‫‪ِ 105‬‬
‫جي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في ذَل ِ َ‬
‫وم ٍ ي َت َ َ‬
‫ت لِ َ‬
‫اللي ْ َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ن ِ‬
‫ك لَيا ٍ‬
‫فكُرو َ‬
‫هاَر إ ِ ّ‬
‫ل الن ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫ماءً َ‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫جَنا‬
‫ما ِ‬
‫فأ َ ْ‬
‫و ُ‬
‫ل ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫خَر ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫ء َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫وقال تعإلي‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫حّبا‬
‫ي ٍ‬
‫ضًرا ن ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫ج ِ‬
‫خ ِ‬
‫جَنا ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ه َ‬
‫ر ُ‬
‫خَر ْ‬
‫ه ن ََبا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ش ْ‬
‫خ ِ‬
‫ن‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫دان ِي َ ٌ‬
‫ها ِ‬
‫ن طَل ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ل ِ‬
‫و ِ‬
‫وا ٌ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ة َ‬
‫قن ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫مت ََراك ًِبا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ان ْظُروا إلى‬
‫أَ ْ‬
‫شاب ِ ٍ‬
‫ما َ‬
‫والّزي ُْتو َ‬
‫شت َب ِ ً‬
‫وغي َْر ُ‬
‫ن ُ‬
‫والّر ّ‬
‫عَنا ٍ‬
‫ها َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫ث َمره إ َ َ‬
‫ت لِ َ‬
‫وم ٍ ي ُ ْ‬
‫ن‪.106‬‬
‫ن ِ‬
‫وي َن ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َل ََيا ٍ‬
‫ع ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫في ذَل ِك ُ ْ‬
‫ذا أث ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫مَر َ‬
‫َ ِ ِ ِ‬
‫وهذه الدعوة المتكررة للتفكر في الكون هي دعوة لتعظيم‬
‫وتقدير رب العالمين ‪ ،‬فكلما اتسعت علوم الحياة في ذهن العاِلم‬
‫ما وإجلل ً وإكباًرا لله ‪ ،‬ولذلك قال سبحانه بعد‬
‫كلما ازداد تعظي ً‬

‫‪104‬‬
‫‪105‬‬
‫‪106‬‬

‫)البقرة‪.(164 :‬‬
‫)الرعد‪.(3 :‬‬
‫)النعام‪.(99 :‬‬

‫خ َ‬
‫شى‬
‫ما ي َ ْ‬
‫الحديث عن علوم الحياة ‪ -‬وليس علوم الشرع ‪ :-‬إ ِن ّ َ‬
‫ماءُ‪.107‬‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫َ‬
‫م ت ََر‬
‫فقد قال سبحانه قبل تقريره في هذه الية مباشرة‪ :‬أل َ ْ‬
‫َ‬
‫خت َل ِ ً‬
‫ماءً َ‬
‫ه أ َن َْز َ‬
‫فا‬
‫ما ِ‬
‫م ْ‬
‫فأ َ ْ‬
‫مَرا ٍ‬
‫جَنا ب ِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫أ ّ‬
‫خَر ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫ت ُ‬
‫ه ثَ َ‬
‫ء َ‬
‫س َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫خت َل ِ ٌ َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫م ْ‬
‫و ِ‬
‫و ُ‬
‫ل ُ‬
‫وان ُ َ‬
‫وان ُ َ‬
‫م َ‬
‫مٌر ُ‬
‫ح ْ‬
‫جدَدٌ ِبي ٌ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ف أل ْ َ‬
‫ض َ‬
‫جَبا ِ‬
‫ها َ‬
‫أل ْ َ‬
‫خت َل ِ ٌ َ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫و ِ‬
‫واْل َن ْ َ‬
‫وا ّ‬
‫غَراِبي ُ‬
‫ب ُ‬
‫م َ‬
‫وان ُ ُ‬
‫عام ِ ُ‬
‫ف أل ْ َ‬
‫ب َ‬
‫والدّ َ‬
‫س َ‬
‫سودٌ َ‬
‫َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫زيٌز‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ه ِ‬
‫ماءُ إ ِ ّ‬
‫ه ال ُ‬
‫م ْ‬
‫ن الل َ‬
‫عل َ‬
‫شى الل َ‬
‫كذَل ِك إ ِن ّ َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫فوٌر‪.108‬‬
‫فكل علوم المياه والنبات والجيولوجيا والنسان والحيوان هذه‪..‬‬
‫مما يقود إلى خشية الله ‪..‬‬
‫وهذا أينشتاين ‪ -‬وهو عالم غربي ليس مسلم ‪ -‬بعد ما نظر إلى‬
‫الكون الفسيح وتدبر في أفلكه‪ ،‬واستطاع أن يتوصل إلى نظرية‬
‫النسبية‪ ،‬قال مقرًرا وجود الخالق سبحانه‪ :‬وراء هذا الكون قوة خارقة‬
‫ل أعرفها‪!!..109‬‬
‫فالهتمام بهذه العلوم إذن من شأنه أن يؤدي إلى اليمان‬
‫ضا أن يجعل النسان‬
‫ويرفع من مستواه عند الفرد‪ ،‬ومن شأنه أي ً‬
‫يزداد تمس ً‬
‫كا بالدين كلما تقدم العلم‪ ..‬ولسنا نقصد بذلك العلماء‬
‫فقط‪ ،‬وإنما يرتفع اليمان عند عموم المة بعد أن ينتقل إليهم هذا‬
‫العلم عن طريق علمائها‪..‬‬
‫الدليل السادس‪:‬‬
‫علوم الحياة طريق لفقه وفهم نصوص القرآن الكريم والسنة‬
‫المطهرة‪..‬‬
‫وهي حقيقة كشفها العجاز العلمي الحديث‪ ..‬فكثير من اليات‬
‫الكريمة والحاديث الشريفة ل ُتفهم ول ُيعرف المراد منها على وجه‬
‫الحقيقة إل في ضوء دراسةٍ علميةٍ واعية‪..‬‬
‫وفي واحدة مما ُيثبت تلك الحقيقة‪ ،‬ما جاء حول قوله تعإلي‪:‬‬
‫‪‬أ َل َم ن َجعل ال َرض مهادا وال ْجبا َ َ‬
‫دا‪.110‬‬
‫وَتا ً‬
‫ْ َ ِ َ ً َ ِ َ‬
‫ْ‬
‫لأ ْ‬
‫ْ َ ِ‬

‫‪) 107‬فاطر‪.(28 :‬‬
‫‪) 108‬فاطر‪.(29-27 :‬‬
‫‪ 109‬انظر مايكل هارت‪ :‬الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله‪ ،‬ترجمة أنيس منصور‪،‬‬
‫الشخصية رقم ‪ 10‬ص ‪. 45‬‬
‫‪) 110‬النبأ‪.(7 ،6 :‬‬

‫ل‬
‫فهاتان اليتان فهمهما علماء السلف وفسروهما على محم ٍ‬
‫ما لما‬
‫ووجه معين‪ ،‬ولما تقدم العلم كان لهما تفسير آخر مغاير تما ً‬
‫كان ُيعتقد فيهما من قبل‪..‬‬
‫‪111‬‬
‫قا على الية الثانية من هاتين‬
‫معل ً‬
‫يقول الدكتور زغلول النجار‬
‫ُ‬
‫اليتين‪ :‬يصف الله ‪ ‬الجبال بأنها أوتاد‪ ،‬وفي ذلك إشارة واضحة إلى‬
‫أن هذه المعالم المدهشة ليست عبارة فقط عن الرتفاعات الشاهقة‬
‫التي نراها على سطح هذه الكرة الرضية )كما تصفها أغلب المعاجم‬
‫ودوائر المعارف الحالية(‪ ،‬إنما يؤكد الله تعالى بهذه العبارة أن للجبال‬
‫امتدادات إلى داخل طبقة الليثوسفير الرضية‪ .‬فكما أن الوتد يكمن‬
‫أغلبه داخل التربة أو الصخر ووظيفته هي تثبيت طرف الخيمة إلى‬
‫الرض فكذلك الجبال‪ ،‬والتي أثبتت علوم الرض حديًثا أن لها جذوًرا‬
‫دا لتثبيت ألواح الليثوسفير‪ ،‬بل والكرة الرضية ككل‪ ،‬فما‬
‫عميقة ج ّ‬
‫نراه فوق سطح الرض من جبال ما هو إل قمم لكتل ضخمة من‬
‫الصخور مخترقة لطبقة الليثوسفير وطافية في طبقة الثنوسفير‬
‫البلستيكية والعلى كثافة‪ ،‬كما تطفو الجبال الجليدية في مياه‬
‫المحيط؛ فتبلغ امتدادات الجبال داخل طبقة الليثوسفير ما بين ‪- 10‬‬
‫‪ 15‬ضعف ارتفاعاتها فوق سطح الرض )حسب كثافة الصخور‬
‫المكونة للجبل وكثافة المادة التي ينغمس فيه الجذر(‪.‬‬

‫فجبل يبلغ ثقله النوعي ‪ specific gravity 2.7‬في المتوسط‬
‫)كالجرانيت مث ً‬
‫ل( يستطيع أن يغوص داخل طبقة من الصخور‬
‫السيماتية ‪) simatic rock‬البالغ ثقلها النوعي ‪ 3.0‬في المتوسط( حتى‬
‫يبلغ طول الجزء القابع داخل الرض ‪ 9/10‬والجزء الظاهر فوق سطح‬
‫الرض ‪ 1/10‬من الطول الجمالي‪.‬‬
‫ة واحدة ٌ ‪ -‬وهي كلمة الوتد ‪ -‬جزئي‬
‫وهكذا نرى كيف تصف كلم ٌ‬
‫الجبل العلوي والسفلي ووظيفته من تثبيت للكرة الرضية وألواح‬
‫الليثوسفير‪ ،‬وبالتالي فإن الكلمة التي يستخدمها القرآن الكريم‬
‫لوصف الجبال أكثر دقة من الناحية العلمية واللغوية من كلمة "جذر"‬
‫المستخدم حالًيا من قبل العلماء لوصف الجزء السفلي المختبئ‬
‫داخل الرض‪.‬‬
‫ويتابع الدكتور زغلول قوله‪ :‬ومع أن العلماء فكروا ملّيا منذ‬
‫أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أنه يمكن أن تكون‬
‫للجبال جذور‪ ،‬إل أن العلماء لم يؤكدوا هذه الحقيقة من وجود‬
‫امتدادات سفلية وظيفتها تثبيت الرض وألواح الليثوسفير إل مؤخًرا‪.‬‬
‫‪ 111‬هو زغلول راغب النجار من موإليد محافظة الغربية‪ ،‬عام ‪ ،1933‬تخرج من جامعة القاهرة‬
‫عام ‪1955‬م وكان أول دفعته ومنح العديد من الجوائز‪ ،‬وأشرف على عدد كبير من البحاث‬
‫العلمية‪ ،‬ومؤلفاته العلمية تربوا على مائة وخمسين بحًثا‪ ،‬وله العديد من المقالت والمرئيات‬
‫التي تحدث فيها عن العجاز العلمي في القرآن الكريم‪.‬‬

‫ولم نصل إل لبداية فهم عملية تكوين تلك المتدادات السفلية‬
‫ووظيفتها في توقيف الهتزازات المفاجئة لكوكبنا وللواح الليثوسفير‬
‫من خلل إطار علوم الفلك الحديثة‪ ،‬ومن خلل المفهوم الحديث‬
‫لتكتونية اللواح الليثوسفيرية‪.‬‬
‫ويعتبر سبق القرآن الكريم في وصف الجبال كالوتاد شهادة‬
‫دا ‪ ‬هو آخر‬
‫واضحة أن القرآن الكريم كلمة الله ‪ ‬وأن محم ً‬
‫المرسلين‪.112‬‬
‫ومثل هذا التفسير العلمي من شأنه أن يوقفنا على الفهم‬
‫الحقيقي والتفسير الصحيح المراد من مثل هذه اليات الكريمة‪،‬‬
‫ضا يعرفنا بالعجاز العلمي الذي يحويه دستور المة منذ أكثر من‬
‫وأي ً‬
‫ألف وأربعمائة عام‪ ..‬فضل عما يمكن أن يكون سبًبا لكثير من غير‬
‫المسلمين ممن ولعوا بالحقائق العلمية‪!!..‬‬
‫ضا وهذه الحقيقة العلمية هي أفضل بكثير‬
‫ومثل هذا التفسير أي ً‬
‫من أن نذكر ما وقف عليه مفسرونا السابقون‪ ،‬من أن المقصود‬
‫بقوله تعإلي‪ :‬والجبال أوتادا‪ ‬هو أنه سبحانه ‪ -‬كما يقول الطبري‬
‫مثل ً في تفسيره ‪" -‬جعل الجبال للرض أوتادا أن تميد بنا"‪..113‬‬
‫وفي واحدة أخرى من مثل هذه التفسيرات العلمية لنصوص‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬والتي كان لها بالغ الثر على غير المؤمنين به حين‬
‫أكدتها وأثبتتها الحقائق العلمية‪ ،‬ما جاء في أول سورة القمر‪ ،‬وهو‬
‫ق ال ْ َ‬
‫قوله تعإلي‪ :‬ا ْ‬
‫وان ْ َ‬
‫مُر‪.114‬‬
‫ع ُ‬
‫سا َ‬
‫قت ََرب َ ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ق َ‬
‫ش ّ‬
‫ة َ‬
‫فبعد محاضرة ألقاها الدكتور زغلول النجار في كلية الطب‬
‫جه إليه سؤا ٌ‬
‫ل حول‬
‫بجامعة كاريف في مقاطعة ويلز غربي بريطانيا‪ ،‬وُ ّ‬
‫اليات السابقة‪ ،‬وهل هذه اليات تمثل ومضة من ومضات العجاز‬
‫العلمي في كتاب الله؟‬
‫دا‬
‫وفي رده قال بأن معجزة انشقاق القمر التي وقعت تأيي ً‬
‫للنبي ‪ ‬في مواجهة الكفار تم إثباتها حديثا‪ ،‬ثم دّلل على ذلك بما‬
‫أثبته العلماء‪ ،‬وبعد أن أتم إجابته استأذن رجل بريطاني في إضافة‬
‫شيء إلى كلم الدكتور زغلول‪..‬‬
‫فبدأ بتعريف نفسه‪ ،‬وأنه ُيدعى "داود موسى بيدكوك"‪ ،‬مسلم‬
‫ويرأس الحزب السلمي في بريطانيا‪ ،‬ثم راح هذا الرجل يذكر أن‬
‫هذه اليات بعينها كانت السبب في إسلمه!!‬
‫‪112‬‬
‫‪113‬‬
‫‪114‬‬

‫اانظر لدكتور زغلول النجار‪ :‬مقال بجريدة الهرام المصرية‪ ،‬بتاريخ ‪2001 /12 /31‬م‪.‬‬
‫الطبري‪ :‬جامع البيان عن تأويل آي القرآن ‪.12/397‬‬
‫)القمر‪.(1 :‬‬

‫وكانت البداية حين أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعاني القرآن‪،‬‬
‫فكان أول ما قرأ بداية سورة القمر‪ ،‬وفيها واقعة انشقاق القمر‪ ،‬فلم‬
‫جا‬
‫در الله له أن يرى برنام ً‬
‫يصدق ذلك وأغلق القرآن‪ ،‬وذات يوم ق ّ‬
‫على قناة ‪ BBC‬استضاف فيه المذيع ثلثة من علماء الفضاء‬
‫المريكيين وذلك عام ‪1978‬م‪ ،‬وكان المذيع في هذه الحلقة يتحامل‬
‫على علماء الفضاء في السراف الزائد في إنفاق المليين والمليارات‬
‫في مشاريع غزو الفضاء‪ ،‬في الوقت الذي يتضور فيه المليين من‬
‫الفقر والجوع والتخلف‪..‬‬
‫وكان جواب العلماء أنه بفضل هذا الرحلت تم تطوير عدد من‬
‫التقنيات التي تطبق في مجال الطب والتشخيص العلجي والزراعة‬
‫وغير ذلك‪ ،‬ثم قالوا بأنهم توصلوا إلى اكتشاف لو أنفقوا أضعاف هذه‬
‫المبالغ لقناع الناس بهذه الحقيقة ما صدقهم أحد!!‬
‫وهنا سألهم المذيع عن هذه الحقيقة فقالوا‪ :‬إن القمر سبق له‬
‫أن انشق ثم التحم )انظر صورة رقم ‪ ،(1‬وأن أثاًرا محسوسة تؤيد‬
‫ذلك الحدث قد وجدت على سطح القمر وامتدت بداخله!!‬
‫فعاد السيد بيدكوك إلى ترجمة القرآن‪ ،‬فقرأ اليات ثم قال‪:‬‬
‫معجزة لمحمد في القرآن منذ أربعة عشر قرًنا يذكرها القرآن ويثبتها‬
‫قا‪!!..‬‬
‫العلم الحديث‪ ،‬فلبد أن يكون هذا القرآن ح ً‬
‫فكانت هذه اليات هي السبب المباشر وراء إسلم "داود‬
‫موسى بيدكوك"‪..115‬‬
‫فهذه ول شك إضافة طيبة إلى أمة السلم‪ ،‬ونحن في ذلك‬
‫س الحاجة إلى علماء مسلمين يكتشفون لنا مثل هذه الحقائق‪،‬‬
‫بأم ّ‬
‫لتكون حجة دامغة على العباد‪ ،‬وأل ننتظر لن يقوم علماء أمريكيون‬
‫أو روس أو غيرهم بهذا الدور‪ ،‬ثم ل يكون دورنا إل أن ُنسقط ذلك‬
‫الكشف العلمي على ما جاء في آيات القرآن الكريم وسنة نبينا ‪،‬‬
‫وهما اللذان ل تنقضي عجائبهما‪..‬‬
‫وعليه فإن العلوم الحياتية مكملة للعلوم الشرعية‪ ،‬وهي ُتساعد‬
‫على فهم القرآن الكريم‪ ،‬ومن ثم على هداية الناس لرب‬
‫العالمين‪!!..‬‬
‫ما إلى العلماء المسلمين المبدعين في هذه‬
‫والمة ستحتاج دو ً‬
‫العلوم الحياتية‪ ،‬الذين يفقهون علمهم إلى جوار فقه اليات القرآنية‬
‫والحاديث الشريفة‪ ،‬فيستطيعون الربط بين هذا وذاك‪ ،‬ومن ثم‬
‫نستطيع فهم وتفسير النصوص القرآنية والنبوية‪ ..‬ول شك أن هذا‬
‫سيظهر لنا قيمة ذلك الكنز العظيم الذي بين أيدينا‪..‬‬
‫‪115‬‬

‫دكتور زغلول النجار مقال بعنوان "داود موسى بيدكوك" جريدة الهرام ‪.22/5/2005‬‬

‫فإذا كان في أمتنا الفلكي البارع‪ ،‬وعالم النبات المتفوق‪ ،‬وعالم‬
‫الحيوان النابغة‪ ،‬والطبيب الواعي‪ ،‬والجغرافي الفاهم‪ ..‬ل شك أن‬
‫مثل هؤلء سيفتحون أبواًبا واسعة لفقه العجاز العلمي العجيب في‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وسيصبح هذا الفتح سبًبا رئيسًيا لدعوة غير المسلمين‬
‫إلى السلم‪.‬‬
‫وما أكثر أولئك الذين دخلوا السلم عند مشاهدتهم للعجاز‬
‫العلمي في اثنين من مصادر شريعتنا‪ :‬القرآن والسنة!!‬
‫الدليل السابع‪:‬‬
‫هل من مصلحة الدعوة أن يكون حاملوها في ذيل أهل‬
‫التخصص؟! سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو على مستوى‬
‫المجتمع‪ ،‬أو حتى على مستوى المة ككل‪..‬؟!‬
‫وبصورة أوضح‪ ..‬إذا كان الطالب المسلم الملتزم بدينه غير‬
‫قا في علومه بين أقرانه‪ ..‬هل‬
‫متفوق في دراسته‪ ،‬ولم يكن ساب ً‬
‫سيكون قدوة بين الطلب‪ ،‬ومن ثم يقلدونه في منهج حياته‪ ،‬ويتبعونه‬
‫في دعوته؟! وهل سيطمئن الباء على أبنائهم في صحبتهم له؟!‬
‫ت‬
‫ص بسم ٍ‬
‫إن من أخطر المور أن يتميز طال ٌ‬
‫ب أو متخص ٌ‬
‫ر‪ ،‬ثم تخاله في مجال دراسته أو في تخصصه‪ ،‬أو‬
‫إسلمي ودعوي ظاه ٍ‬
‫حتى في مهنته ‪ -‬تخاله قليل العلم‪ ،‬أو ضعيف المستوي‪ ،‬أو بطيء‬
‫الداء‪ ..‬فهذه ‪ -‬ول شك ‪ -‬دعوة سلبية‪ ،‬وهي دعوة إلى ترك هذا الدين‬
‫الذي يلتزمه هذا المتأخر وذاك الضعيف‪ ،‬وذلك إما من أجل الخوف‬
‫من أن يماثله في تأخره وضعفه‪ ،‬أو خوًفا من أن تتعطل أو تتعثر‬
‫مسيرة العلوم‪..‬‬
‫عل َْنا‬
‫ج َ‬
‫وقد قال العلماء في تفسير قوله تعإلي‪َ :‬رب َّنا َل ت َ ْ‬
‫وم ال ّ‬
‫ة ل ِل ْ َ‬
‫ن‪ 116‬قالوا‪ :‬إن معنى الدعاء في هذه الية‪ :‬أن‬
‫فت ْن َ ً‬
‫ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫ق ْ ِ‬
‫ل تجعل الكافرين أعلى من المؤمنين وأعظم؛ فيفتن الكافرون بذلك‪،‬‬
‫صرنا عليهم‪ ،‬ولو كانوا على‬
‫ويقولوا‪ :‬لو كان هؤلء على الحق ما ن ُ ِ‬
‫الحق ما كانوا أضعف منا وأهون‪..117‬‬
‫دا من المريكيين أسلم حديًثا يحمد الله أنه‬
‫ولقد سمعت واح ً‬
‫قرأ عن السلم واقتنع به قبل أن يرى حال المسلمين‪ ،‬وإل لكانت‬
‫فرصة إسلمه ضعيفة‪ ..‬والسبب أنه ربما لم تكن ستواتيه فرصة‬
‫القتناع بهذا الدين الذي ل يدفع أصحابه ‪ -‬كما يعبر حالهم ‪ -‬إلى العلم‬
‫والتقدم والعمل‪ ..‬لكنه ‪ -‬بفضل الله ‪ -‬كان قد قرأ عن السلم قبل أن‬
‫يرى المسلمين‪ ،‬وعلم أنه يدعو إلى العمل ويحث على العلم ويحض‬
‫‪116‬‬
‫‪117‬‬

‫)يونس‪.(85 :‬‬
‫ابن كثير‪ :‬تفسير القرآن العظيم ‪ .2/563‬بتصرف‪.‬‬

‫ضا أن هؤلء‬
‫على الفضيلة والمعاني الجميلة‪ ،‬وإعمار الرض‪ ..‬وعلم أي ً‬
‫المسلمين الذين يراهم ل يمثلون حقيقة الدين السلمي‪ ،‬بل هم‬
‫مخالفون لمبادئه‪ ،‬بعيدون عن تطبيق قوانينه‪..‬‬
‫والمر في النهاية ل يخرج عن أن يكون فتنة؛ فكم من البشر‬
‫دوا عن سبيل الله برؤية تأخر المسلمين هذا وبمعاينة تخلفهم‬
‫ص ّ‬
‫ُ‬
‫وضعفهم؟!!‬
‫أفل يدعو كل ذلك المسلمين إلى النبوغ في مجالت العلوم‬
‫ما كما ينبغون في العلوم الشرعية؟!‬
‫الحياتية‪ ،‬تما ً‬
‫إن هذا ‪ -‬والله ‪ -‬لهو الحق الذي ل ريب فيه‪..‬‬
‫الدليل الثامن‪:‬‬
‫أمر الله ‪ ‬المسلمين بالتقان في كل شيء‪ ..‬واهتم السلم‬
‫بالمتمرسين والمتفوقين في كل مجال‪ ،‬وأولهم القيادة على ذلك‪،‬‬
‫وأعطى التبعية لغيرهم ومن دونهم‪..‬‬
‫ففي كلمته الجامعة فيما يرويه المام مسلم عن شداد بن‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫سا َ‬
‫أوس <‪ ،‬قال رسول الله ‪: ‬إ ِ ّ‬
‫ب اْل ِ ْ‬
‫ه ك َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫قت َل ْت ُم َ َ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫سُنوا‬
‫ي ٍ‬
‫قت ْل َ َ‬
‫سُنوا ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ذا ذَب َ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫حت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫‪118‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ه "‪.‬‬
‫ولي ُ ِ‬
‫ح ذَِبي َ‬
‫ر ْ‬
‫حد ّ أ َ‬
‫الذّب ْ َ‬
‫حت َ ُ‬
‫فَرت َ ُ‬
‫حدُك ُ ْ‬
‫ح‪َ ،‬‬
‫فلي ُ ِ‬
‫وانظر إلى قوله "كل شيء"؛ فهي تعني ‪ -‬فيما تعنيه ‪ -‬أن الله‬
‫‪ ‬كتب الحسان على المسلم في علمه الشرعي‪ ،‬وكذلك في علمه‬
‫الحياتي‪ .‬ول شك أن الحسان هذا يقتضي التفوق والنبوغ والسيادة‬
‫والريادة‪..‬‬
‫وعلى ما هو واضح من سياق اليات الكريمة في كتاب الله‪،‬‬
‫ما إلى‬
‫وكذلك من سياق حياة رسول الله ‪ ،‬فإن القيادة ُتساق دو ً‬
‫المتفوق‪ ،‬والناس جميًعا يكونون تبًعا لهذا المتفوق‪ .‬ول تشذ هذه‬
‫القاعدة في حال المم والشعوب؛ فالمة المتفوقة تكون قائدة‪،‬‬
‫وتتبعها غيرها من المم‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫ومصداق ذلك في كتاب الله ‪ ،‬ما كان من إعطائه سبحانه‬
‫القيادة لطالوت ~‪ ،‬وقد علل ذلك صراحة بأنه سبحانه زاده بسطة‬
‫في العلم والجسم‪ .‬وليس يخفى على أحد أن المقصود بالعلم هنا‬
‫ضا العلم بأمور الحرب والقيادة‬
‫ليس هو العلم الشرعي فقط‪ ،‬وإنما أي ً‬
‫والدارة‪ ،‬وغير ذلك مما يلزم القائد العسكري من معارف وعلوم‪..‬‬
‫‪ 118‬مسلم‪ :‬كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان‪ ،‬باب المر بإحسان الذبح والقتل وتحديد‬
‫الشفرة )‪ ،(1955‬وأبو داود )‪ ،(2815‬والترمذي )‪ ،(1409‬والنسائي )‪ ،(4405‬وابن ماجة )‬
‫‪ ،(3170‬وأحمد )‪ ،(17154‬والدارمي )‪ ،(1970‬وابن حبان )‪.(5883‬‬

‫وتصديق ذلك أنه كان من الممكن أن ُتعطى هذه القيادة للنبي ذاته‪،‬‬
‫والذي هو أعظم الناس ‪ -‬بل شك ‪ -‬تفوًقا في مجال العلم الشرعي‪،‬‬
‫وهو يوحى إليه‪ ،‬لكن النبي لم يقد الجيش في المعركة‪ ،‬وإنما قال‬
‫ً ‪119‬‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫مل ِكا‪. ‬‬
‫ع َ‬
‫للمل من بني إسرائيل‪ :‬إ ِ ّ‬
‫قد ْ ب َ َ‬
‫طاُلو َ‬
‫ت َ‬
‫ث ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فهذا مجال تفوقه‪ ..‬وذاك سبب قيادته‪..‬‬
‫وكذلك فإن يوسف ‪ ‬لما عرضت عليه الوزارة في مصر قال‪:‬‬
‫ْ َ‬
‫في ٌ‬
‫م‪.120‬‬
‫عَلى َ‬
‫ظ َ‬
‫عل ِْني َ‬
‫ح ِ‬
‫ض إ ِّني َ‬
‫ج َ‬
‫‪‬ا ْ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ن الْر ِ‬
‫خَزائ ِ ِ‬
‫فهو هنا يذكر أن المجال الذي يتخصص فيه ويبدع هو مجال‬
‫القتصاد وإدارة المال‪ ،‬ومن ثم لم يتردد في أن يعرض خدماته في‬
‫هذا المجال المهم‪ ،‬ولم يقبل مكاًنا آخر‪ ،‬حتى ولو كان مرموًقا‬
‫ومؤثًرا‪ ..‬وخلفيته الدافعة له في هذا الختيار هي مستوى علمه في‬
‫هذا الجانب‪ ،‬ومدى تمكنه منه‪.‬‬
‫ولو كان المقصود بالعلم في قوله "إني حفيظ عليم" العلم‬
‫حا لكل المناصب‪ ،‬وليس‬
‫الشرعي وعلم الوحي‪ ،‬لكان يوسف ‪ ‬صال ً‬
‫فقط في القتصاد وإدارة المال؛ إذ أنه أعلى الجميع بل جدال في هذا‬
‫الجانب الشرعي‪ ،‬ولكن الواضح أنه كان يتميز ‪ -‬إضافة إلى ذلك ‪ -‬في‬
‫جانب القتصاد‪ ،‬ومن ثم فقد اختاره وفضله‪..‬‬
‫ولما وّلى رسول الله ‪ ‬الصحابي الجليل عمرو بن العاص <‬
‫إمارة سرية ذات السلسل‪ ،‬ووضع تحت إمرته عظماء الصحابة‬
‫وسابقيه إلى السلم‪ ..‬فإنه لم يفعل ذلك لنه كان يرى أن عمرو بن‬
‫ما بأمور الشرع والدين‪ ،‬وإنما لنه ‪ ‬كان يرى‬
‫العاص أكثر منهم عل ً‬
‫أنه أعلمهم بأمور الحرب‪ ،‬وفنون القتال والنزال والمناورة‪ ،‬وهو الذي‬
‫لم يكن قد مضى على إسلمه بعد أكثر من خمسة شهور فقط‪ ..‬ومن‬
‫ثم تجده ‪ ‬وقد قال في وضوح‪" :‬لقد وليته لنه أبصر‬
‫بالحرب‪."121‬‬
‫دمه على عمالقة عظام‬
‫فإتقان عمرو بن العاص < وتفوقه ق ّ‬
‫من الصحابة‪ ،‬كأبي بكر وعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح‬
‫وُأسْيد بن حضير‪ ،‬وغيرهم ‪ ‬أجمعين‪ ،‬وليس ذلك إل لفقه الرسول‬
‫‪ ‬لهمية إتقان العلم الحياتي اللزم للحرب والجهاد‪.‬‬
‫وقد أمر رسول الله ‪ ‬المسلمين أن يقلدوا نابغين من‬
‫الصحابة في قراءة القرآن فعن عبد الله بن عمرو } أن رسول الله‬
‫عبد َ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ذوا ال ْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫‪ ‬قال‪ُ " :‬‬
‫فب َدَأ ب ِ ِ‬
‫م َ ْ ٍ‬
‫ة‪ِ :‬‬
‫ع ٍ‬
‫ن ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن أْرب َ َ‬
‫نأ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫‪119‬‬
‫‪120‬‬
‫‪121‬‬

‫)البقرة‪.(247 :‬‬
‫)يوسف‪.(55 :‬‬
‫السيوطي‪ :‬تاريخ الخلفاء ص ‪.96‬‬

‫ومعاذ بن جبل‪ُ َ ،‬‬
‫وَلى أ َِبي‬
‫ن كَ ْ‬
‫ب‪ ،‬و َ َ‬
‫سال ِم ٍ َ‬
‫ع ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ ُ َ ِ ْ ِ َ َ ٍ‬
‫وأب َ ّ‬
‫ي بْ ِ‬
‫حذَي ْ َ‬
‫ة‪."122‬‬
‫ف َ‬
‫ُ‬
‫فلم يقل ذلك ‪ ‬لعلو قدر هؤلء النفر عن بقية الصحابة مثل ً‬
‫في التقوى أو الزهد أو الورع‪ ،‬أو لنهم كان يكثرون من القيام أو‬
‫الصيام أو النافلة أو غيرها‪ ..‬وإنما قال ‪ ‬ذلك في حقهم؛ لتقانهم‬
‫للقراءة‪ ،‬وتمكنهم من النطق بها كما ينبغي‪ ..‬ولذلك وجب على‬
‫الجميع أن يتبعوهم فيها‪..‬‬
‫وعندما أمر رسول الله ‪ ‬بلل ً أن يصدع بأذان الصلة‪ ،‬لم‬
‫دمه لحلوة‬
‫يأمره بذلك لعلمه الشرعي أو لسبقه أو لهجرته‪ ،‬إنما ق ّ‬
‫صوته في الذان‪ ،‬وتفوقه في هذا المجال‪ ،‬بل إنه ‪ ‬لم ُيقدم في‬
‫ذلك عبد الله بن زيد <‪ ،‬ذاك الصحابي الذي رأى الرؤيا التي كانت‬
‫ف ُ‬
‫ق‪َ ،‬‬
‫ه ل َُر ْ‬
‫ع‬
‫ن َ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫سبًبا في تشريع الذان‪ ،‬وقال له‪" :‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ؤَيا َ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫فإن ّه أ َن ْدى َ‬
‫ك‪ْ َ ،‬‬
‫ل لَ َ‬
‫من ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ك‪،‬‬
‫ق َ‬
‫ما ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫وًتا ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫وأ َ‬
‫ل َ ِ ُ‬
‫مد ّ َ‬
‫ص ْ‬
‫َ‬
‫ب َِل ٍ‬
‫فأل ِ‬
‫َ ‪123‬‬
‫ول ْي َُناِد ب ِذَل ِك "‪.‬‬
‫َ‬
‫ضا يأمر بالعلج عند المهر‬
‫وكذلك في أمور الطب كان ‪ ‬أي ً‬
‫والتقن في تلك الصنعة‪ ..‬وقد روى المام مالك ~ في الموطأ أن‬
‫رجل ً من الصحابة أصيب بجرح‪ ،‬فدعا النبي ‪ ،‬رجلين من بنى أنمار‬
‫ب )أي أمهر في‬
‫فنظروا إليه‪ ،‬فسألهما رسول الله ‪ :‬أّيكم أط ّ‬
‫الطب(؟ فقال‪ :‬أوفي الطب خيٌر يا رسول الله؟ فقال‪" :‬أنزل الدواء‬
‫الذي أنزل الداء"‪ 124‬يعني الله ‪..‬‬
‫قا على هذا الحديث يقول ابن القيم ~‪" :‬إنه يجب‬
‫و تعلي ً‬
‫الستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالحذق؛ فإنه إلى‬
‫الصابة أقرب"‪..125‬‬
‫أما الذي ل يتقن الصنعة وهو يشتغل بها‪ ،‬فقد يؤذى ويضر بدل ً‬
‫ضا فأذاه‪,‬‬
‫من أن ينفع‪ ..‬ولذلك كان الحكم الفقهي على من عالج مري ً‬
‫س فيه‪ ،‬فإنه‬
‫ولم يكن معروًفا عن هذا المعاِلج أنه ماهٌر بالطب متمر ٌ‬
‫يتحمل المسئولية عن ذلك‪ ،‬بأن يدفع ما يعوض المريض عن مقدار‬
‫الذى الذي وقع له‪ ..‬بينما ل يقع ذلك الحكم على الطبيب الذي عرف‬
‫عنه التقان والمهارة في صنعته‪..‬‬
‫‪ 122‬البخاري‪ :‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب مناقب أبي بن كعب )‪ ،(3597‬ومسلم‪ :‬كتاب فضائل‬
‫الصحابة‪ ،‬باب فضائل عبد الله بن مسعود وأمه )‪ ،(2464‬واللفظ له‪ ،‬والترمذي )‪،(3810‬‬
‫وأحمد )‪ ،(6786‬والحاكم )‪.(4999‬‬
‫‪ 123‬الترمذي‪ :‬أبواب الصلة‪ ،‬باب بدء الذان )‪ ،(189‬وقال حسن صحيح‪ ،‬وابن خزيمة )‪،(373‬‬
‫والبيهقي في سننه )‪.(1818‬‬
‫‪ 124‬مالك‪ :‬كتاب العين‪ ،‬باب تعالج المريض )‪ ،(1689‬واللفظ له‪ ،‬والطبراني في الكبير )‪،(7395‬‬
‫وابن أبي شيبة )‪،(23420‬‬
‫‪ 125‬ابن القيم‪ :‬زاد المعاد ‪.4/121‬‬

‫روى أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عبد الله بن‬
‫ب‬
‫م ِ‬
‫ه طِ ّ‬
‫وَل ي ُ ْ‬
‫ن ت َطَب ّ َ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عمرو } أن رسول الله ‪ ‬قال‪َ " :‬‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ن"‪.126‬‬
‫و َ‬
‫ضا ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ٌ‬
‫ه َ‬
‫ولخص الحكم الفقهي في ذلك الفقيه الطبيب الفيلسوف ابن‬
‫رشد القرطبي الحفيد فقال‪ :‬أما الطبيب وما أشبه إذا أخطأ في فعله‬
‫وكان من أهل المعرفة‪ ،‬فل شيء عليه في النفس‪ ،‬والدية على‬
‫العاقلة )يعني العصبة( فيما فوق الثلث‪ ،‬وفي ما له فيما دون الثلث‪.‬‬
‫وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية‪ ،‬قيل في‬
‫ماله وقيل على العاقلة‪.127‬‬
‫وفي هذا الطار فقد أمر ‪ ‬أن يعاَلج سعد بن معاذ‪ <128‬عند‬
‫الصحابية الجليلة رفيدة‪130> 129‬؛ لنها ماهرة بالطب‪ ،‬مع أن البيئة في‬
‫ذلك الوقت لم تكن بعد قد تعارفت على معالجة المرأة للرجال‪،‬‬
‫ولكن لعلمها بالطب وإتقانها له كانت لها هذه المكانة السامية‪..‬‬
‫بل إنه أمر سعد بن أبي وقاص < أن يأتي الحارث بن كلدة‪،131‬‬
‫الطبيب العربي المعروف ‪ -‬وهو من قبيلة ثقيف ‪ -‬ليعاَلج عنده‪ ،‬مع أن‬
‫هذا الطبيب لم يثبت إسلمه بعد‪ ..‬ولكن لتقانه لحرفته وصنعته‬
‫ومهارته فيها‪ ،‬قِبل رسول الله ‪ ‬أن يعاَلج عنده المسلم‪!!132‬‬
‫كل هذه المور تصب في النهاية في أمر واحد‪ ،‬وهو أن التقان‬
‫مطلوب في كل مهنة وحرفة وصنعة‪ ..‬وذلك التقان ل يأتي إل بعلم‬
‫ودراسة‪ ،‬وخبرة وكفاءة‪..‬‬
‫أما غير المتمرس في صنعة ما وغير الخبير بها‪ ..‬فل يؤخذ‬
‫برأيه‪ ،‬مهما كانت مكانته في التقوى والصلح والورع‪ ..‬وليس أدل‬
‫على ذلك من قصة تأبير النخل في المدينة‪..‬‬
‫‪ 126‬أبو داود‪ :‬كتاب الديات‪ ،‬باب من تطبب بغير علم )‪ ،(4586‬والنسائي )‪ ،(4830‬وابن ماجة )‬
‫‪ ،(3466‬والحاكم )‪ ،(7484‬وقال صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وقال اللباني‪:‬‬
‫صحيح‪ ،‬السلسلة الصحيحة )‪.(635‬‬
‫‪ 127‬ابن رشد‪ :‬بداية المجتهد ‪.1/997‬‬
‫‪ 128‬سعد بن معاذ بن عبد الشهل‪ ،‬أسلم بالمدينة بين العقبة الولى والثانية على يدي مصعب بن‬
‫ي يوم الخندق بسهم فعاش شهًرا‪ ،‬ثم انتفض جرحه‬
‫دا والخندق‪ ،‬وُر ِ‬
‫عمير‪ ،‬وشهد بدًرا وأح ً‬
‫م َ‬
‫فمات منه‪ ،‬وكان موته بعد الخندق بشهر‪ .‬الصابة الترجمة )‪ ،(3200‬أسد الغابة ‪.2/239‬‬
‫‪129‬‬
‫م بالخندق؛ قال‬
‫رفيدة‪ :‬امرأة من أسلم‪ ،‬كان رسول الله ‪ ‬حين أصاب سعد بن معاذ السه ُ‬
‫لقومه‪ :‬اجعلوه في خيمةِ ُرفيدة حتى أعوده من قريب‪ ،‬فكانت تداوي الجرحى‪ ،‬وتخدم من‬
‫كانت به ضيعة من المسلمين‪ .‬أسد الغابة ‪،6/114‬الصابة الترجمة )‪.(11169‬‬
‫‪ 130‬الطبري‪ :‬تاريخ المم والملوك ‪ ،2/100‬ابن سيد الناس‪ :‬عيون الثر ‪ ،2/103‬ابن هشام‪:‬‬
‫السيرة النبوية ‪.4/198‬‬
‫‪ 131‬الحارث بن كلدة‪ :‬ثقفي من أهل الطائف‪ ،‬طبيب العرب في عصره ‪ ،‬وأحد الحكماء‬
‫المشهورين‪ ،‬رحل إلي فارس وأخذ الطب هناك‪ ،‬ولد في الجاهلية وعاش في أيام الرسول‪‬‬
‫والخلفاء الراشدين‪ ،‬كان شاعًرا‪ ،‬توفي في أيام معاوية‬
‫‪ 132‬أبو داود‪ :‬كتاب الطب‪ ،‬باب في التداوي بالعجوة )‪.(3875‬‬

‫فقد روى المام مسلم‪ ،‬وأحمد عن طلحة بن عبيد الله < قال‪:‬‬
‫ة‪ ،‬فََرَأى أ َقْ‬
‫ل‬
‫س الن ّ ْ‬
‫ي ‪ِ ‬في ن َ ْ‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫وا ً‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ت َ‬
‫مَرْر ُ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫معَ الن ّب ِ ّ‬
‫ما ِفي ُرُءو ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رَ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ء؟ قا َ‬
‫قا َ‬
‫خ َ‬
‫خ ُ‬
‫هؤل ِ‬
‫ل‪ ،‬ف َ‬
‫ي ُل ّ‬
‫ل‪ :‬ي َأ ُ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن ِ‬
‫ذو َ‬
‫صن َ ُ‬
‫حو َ‬
‫ق ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ما ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الذ ّك ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫غِني َ‬
‫قا َ‬
‫شي ًْئا‪.‬‬
‫ه‪ .‬فَ َ‬
‫ن ِفي الن َْثى ي ُل ّ‬
‫ك يُ ْ‬
‫ن بِ ِ‬
‫حو َ‬
‫ق ُ‬
‫حطو َ‬
‫فَي َ ُ‬
‫ما أظ ّ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫م فَت ََر ُ‬
‫شي ًْئا‪ .‬فَب َل َغَ ذ َل ِ َ‬
‫ل ت ِل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ك‬
‫سن َ َ‬
‫ح ِ‬
‫م تَ ْ‬
‫ك ال ّ‬
‫كوه ُ وَن ََزُلوا ع َن َْها‪ ،‬فَل َ ْ‬
‫فَب َل َغَهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫غِني َ‬
‫قا َ‬
‫شي ًْئا‬
‫ي ‪ ‬فَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ما ُ‬
‫كا َ‬
‫ه‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫و ظَ ّ‬
‫ن ظَن َن ْت ُ ُ‬
‫ل‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫عوا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ما أَنا ب َ َ‬
‫ب‪،‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫وي ُ ِ‬
‫خطِ ُ‬
‫شٌر ِ‬
‫صي ُ‬
‫صن َ ُ‬
‫والظ ّ‬
‫مث ْلك ُ ْ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫فا ْ‬
‫ئ َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫‪133‬‬
‫ه ‪َ ،‬‬
‫م َ‬
‫ما ُ‬
‫قا َ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫ب َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫ن أك ْ ِ‬
‫ذ َ‬
‫قل ْ ُ‬
‫فل َ ْ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫فالنصيحة النبوية للقوم لم تكن من وحي إلهي ولم تكن‬
‫تشريًعا‪ ،‬ولذلك ففي مثل هذه القضية يرجع فيها إلى أهل الخبرة‬
‫والتقان‪ ،‬وليس إلى الرسول ‪ ،‬على علو قدره وسمو مكانته‪..‬‬
‫ويؤكد على ذلك رواية مسلم عن رافع بن خديج < أن الرسول‬
‫شر‪ ،‬إ َ َ‬
‫َ‬
‫م بِ َ‬
‫م‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ء ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ِدين ِك ُ ْ‬
‫مْرت ُك ُ ْ‬
‫ذا أ َ‬
‫‪ ‬قال لهم‪" :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما أَنا ب َ َ ٌ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫‪134‬‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫ما أَنا ب َ َ‬
‫م بِ َ‬
‫خ ُ‬
‫وإ ِ َ‬
‫شٌر" ‪.‬‬
‫ي ٍ‬
‫ف ُ‬
‫ء ِ‬
‫ذوا ب ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫مْرت ُك ُ ْ‬
‫ذا أ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ش ْ‬
‫ن َرأ ٍ‬
‫وقال لهم كذلك كما في صحيح مسلم عن عائشة > وأنس بن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م"‪.135‬‬
‫م أَ ْ‬
‫ر دُن َْياك ُ ْ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫مالك }‪" :‬أن ْت ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫وليس هناك دليل أعظم من ذلك على اهتمام السلم بأهل‬
‫الخبرة في كل تخصص من تخصصات الحياة‪ ،‬سواء كان ذلك في‬
‫الزراعة أو في الطب‪ ،‬أو في الحرب أو في التجارة‪ ،‬أو في غير ذلك‪..‬‬
‫الدليل التاسع‪:‬‬
‫السلم بصفة عامة يحث على تكوين العقلية العلمية‬
‫الموضوعية‪ ،‬التي تبني أفكارها على الستدلل والستنباط‪ ،‬وينكر‬
‫ما ذلك التقليد العمى‪ ،‬الذي ل ُينظر فيه إلى حجة‪ ،‬ول ُيهتم فيه‬
‫تما ً‬
‫بمنطق ول برهان‪..‬‬
‫فتراه سبحانه ينكر على الكفار تبعيتهم العمياء لبائهم فيقول‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‪.136‬‬
‫وإ ِّنا َ‬
‫جدَْنا آ ََباءََنا َ‬
‫ر ِ‬
‫م ٍ‬
‫دو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى أ ّ‬
‫ة َ‬
‫‪‬إ ِّنا َ‬
‫عَلى آَثا ِ‬
‫وترى رسول الله ‪ ‬ينكر على المسلم أن يكون همل إمعة ل‬
‫رأي له ول قرار‪ ،‬فيقول في الحديث الذي رواه الترمذي عن حذيفة‬
‫‪ 133‬مسلم‪ :‬كتاب الفضائل‪ ،‬باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره ‪ ‬من معايش الدنيا‬
‫على سبيل الرأي )‪ ،(2362‬وابن ماجة )‪ ،(2470‬وأحمد )‪ ،(1399‬واللفظ له‪ ،‬والطيالسي )‬
‫‪.(230‬‬
‫‪ 134‬مسلم‪ :‬كتاب الفضائل‪ ،‬باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره ‪ ‬من معايش الدنيا‬
‫على سبيل الرأي )‪.(2362‬‬
‫‪ 135‬مسلم‪ :‬كتاب الفضائل‪ ،‬باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره ‪ ‬من معايش الدنيا‬
‫على سبيل الرأي )‪.(2363‬‬
‫‪) 136‬الزخرف‪.(22 :‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫<‪َ" :‬ل ت َ ُ‬
‫ة؛ ت َ ُ‬
‫ن‬
‫ع ً‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫سأ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫كوُنوا إ ِ ّ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫سّنا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وطُّنوا أ َن ْ ُ‬
‫ن‬
‫سأ ْ‬
‫م؛ إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫س َ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫موا ظَل َ ْ‬
‫ظَل َ ُ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫ن َ‬
‫مَنا‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫‪137‬‬
‫ءوا َ‬
‫موا" ‪.‬‬
‫سا ُ‬
‫ح ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫تُ ْ‬
‫نأ َ‬
‫فَل ت َظْل ِ ُ‬
‫سُنوا‪َ ،‬‬
‫بل إن الله ‪ ‬قد طلب البرهان من الكفار على كفرهم هذا‬
‫َ‬
‫ن ي َْرُز ُ‬
‫م‬
‫ن ي َب ْدَأ ُ ال ْ َ‬
‫م يُ ِ‬
‫وعنادهم فقال‪ :‬أ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫عيدُ ُ‬
‫ق ثُ ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ء واْل َ‬
‫ه ُ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫هاُتوا ب ُْر َ‬
‫ل َ‬
‫ع الل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫هان َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ض أئ ِل َ ٌ‬
‫س َ‬
‫ما ِ َ‬
‫‪ْ138‬ر ِ‬
‫ن‪. ‬‬
‫صاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ْ َ َ‬
‫ضا‪ُ  :‬‬
‫ه أ َُروِني‬
‫ما ت َدْ ُ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫عو َ‬
‫ن ُ‬
‫وقال أي ً‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ل أَرأي ْت ُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شْر ٌ‬
‫خل َ ُ‬
‫ما َ‬
‫ت ائ ُْتوِني‬
‫ن اْلْر‬
‫ذا َ‬
‫ك ِ‬
‫وا ِ‬
‫م ِ‬
‫قوا ِ‬
‫ضأ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫م لَ ُ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪139‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫صاِد ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل َ‬
‫ة ِ‬
‫و أَثاَر ٍ‬
‫ب ِ‬
‫علم ٍ إ ِ ْ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫ب ِك َِتا ٍ‬
‫م َ‬
‫ذا أ ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫وقد عرض ربنا سبحانه وتعالى كل القضايا بمنطق الحجة‬
‫والبرهان والدليل‪..‬‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ة إ ِّل‬
‫ه ٌ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ما آل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫فقال في إثبات وحدانيته سبحانه‪ :‬ل َ ْ‬
‫في ِ‬
‫‪140‬‬
‫ص ُ‬
‫سدََتا َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ش َ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فو َ‬
‫حا َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫سب ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ف َ‬
‫ع ّ‬
‫الل ّ ُ‬
‫عْر ِ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ما ات ّ َ‬
‫ول َ ٍ‬
‫ه ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫خذَ الل ّ ُ‬
‫وقال في موضع آخر‪َ  :‬‬
‫د َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ه إِ ً‬
‫على‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫ذا ل َذَ َ‬
‫ع ُ‬
‫ل إ ِل ٍ‬
‫ن إ ِل َ ٍ‬
‫ه ِ‬
‫عل ب َ ْ‬
‫ول َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ض ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫خل َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫‪141‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‪. ‬‬
‫فو‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫حا‬
‫ب‬
‫س‬
‫ض‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ّ َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫بَ ْ ٍ ُ ْ َ َ‬
‫خل ْق الل ّه َ َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ذا َ‬
‫وقال‪َ  :‬‬
‫ن ِ‬
‫ق ال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫خل َ َ‬
‫فأُروِني َ‬
‫ذا َ ُ‬
‫‪142‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ن ِ‬
‫في َ‬
‫دون ِ ِ‬
‫مو َ‬
‫ُ‬
‫ل ُ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫ه بَ ِ‬
‫مِبي ٍ‬
‫وفي قضية البعث يقول سبحانه معد ًّدا الدلة والبراهين والحجج‬
‫ه َ‬
‫خل ْ َ‬
‫قا َ‬
‫حِيي‬
‫ي َ‬
‫و َ‬
‫ون َ ِ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ضَر َ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ق ُ‬
‫ب ل ََنا مثل ً َ‬
‫العقلية‪َ  :‬‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫و َ‬
‫ذي أن ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫شأ َ‬
‫ال ْ ِ‬
‫مّر ٍ‬
‫ها ال ِ‬
‫ي َر ِ‬
‫و ِ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ظا َ‬
‫حِيي َ‬
‫ل َ‬
‫مي ٌ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫ها أ ّ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫خل ْ‬
‫ر َناًرا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ع َ‬
‫ب ِك ُ ّ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ض‬
‫ج‬
‫ر اْل َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ق َ‬
‫خ َ‬
‫م ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ش َ‬
‫ج َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ذي َ‬
‫ه ُتو ِ‬
‫وا ِ‬
‫س ال ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫دو َ‬
‫ق ُ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫أن ْت ُ ْ‬
‫واْلْر َ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫نأ َ‬
‫َ‬
‫بِ َ‬
‫م‪.143‬‬
‫و ال ْ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ر َ‬
‫و ُ‬
‫ق ِ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫خّلقُ ال ْ َ‬
‫مث ْل َ ُ‬
‫عِلي ُ‬
‫ه ْ‬
‫خل ُ َ‬
‫ه َ‬
‫م ب ََلى َ‬
‫قاِد ٍ‬
‫وهكذا‪ ..‬فالسلم يحث على استخدام العقل‪ ،‬وعلى التفكير‬
‫الناضج‪ ،‬والفقه الواعي‪ ..‬بل إنه يعد النسان الذي ع ّ‬
‫طل عقله أشبه‬
‫بالحيوان‪ ،‬أو أحط قيمة منه!!‬
‫‪137‬‬
‫‪138‬‬
‫‪139‬‬
‫‪140‬‬
‫‪141‬‬
‫‪142‬‬
‫‪143‬‬

‫الترمذي‪ :‬كتاب البر والصلة‪ ،‬باب ما جاء في الحسان والعفو )‪ ،(2007‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫)النمل‪.(64 :‬‬
‫)الحقاف‪.(4 :‬‬
‫)النبياء‪.(22 :‬‬
‫)المؤمنون‪.(91 :‬‬
‫)لقمان‪.(11 :‬‬
‫)يس‪.(81 – 78 :‬‬

‫ْ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‬
‫م ك َِثيًرا ِ‬
‫قدْ ذََرأَنا ل ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫هن ّ َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫قال الله ‪َ : ‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫مأ ْ‬
‫واْل ِن ْ‬
‫ن َل ي ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫هو َ‬
‫قُلو ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ق ُ‬
‫س لَ ُ‬
‫عي ُ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كاْل َ‬
‫بها ول َهم آ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ب‬
‫م‬
‫عا‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫أو‬
‫ها‬
‫ب‬
‫ن‬
‫عو‬
‫م‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ذا‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫مأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫ِ َ َ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ن‪.144‬‬
‫لو‬
‫ف‬
‫غا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫َ ِ‬
‫ك ُ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ن يدعو إلى إعمال العقل‪ ،‬وتحريره من قيود‬
‫فالسلم إذن دي ٌ‬
‫التقليد والجمود والمحاكاة‪ ،‬وأن يطلق له العنان لداء وظيفته وفق‬
‫ضوابط معينة وأطر خاصة‪..‬‬
‫وعليه فإن الذي ُيع ّ‬
‫طل عقله عن العمل والتفكير والبداع‪..‬‬
‫يكون قد خالف المنهج السلمي مخالفة جسيمة‪ ،‬وأضّر بنفسه‪ ،‬ثم‬
‫بأمته من بعده‪..‬‬
‫الدليل العاشر‪:‬‬
‫بمراجعة التاريخ السلمي نجد أن عهود القوة فيه كانت‬
‫ما ومرتبطة تمام الرتباط بالتفوق في العلوم الشرعية‬
‫مرهونة دائ ً‬
‫والعلوم الحياتية مًعا‪ ..‬كما أنه لم يكن في هذا التاريخ أيّ من مظاهر‬
‫اضطهاد العلماء‪ ،‬كما كان الحال عند الوربيين‪..‬‬
‫قا في طريق المسلمين للعلم‪ ،‬سواء‬
‫دا عائ ً‬
‫فالدين لم يقف أب ً‬
‫في الجانب النظري أو في الجانب العملي التطبيقي‪ ،‬إنما كان الدين‬
‫قا للعلم في المجتمعات الوروبية قبل نهضتهم الحديثة‪،‬‬
‫بالفعل عائ ً‬
‫وهو الذي رسخ في أذهانهم وأذهان من تعلم على أيديهم واقتفى‬
‫أثرهم من المسلمين أن الدين من المعوقات الرئيسية للعلم‪..‬‬
‫فالكنيسة الوربية في عصور ظلمهم كانت شديدة القسوة‬
‫على العلماء‪ ،‬وكانت تقمع كل محاولة للبتكار والختراع والبحث في‬
‫العلم؛ في سبيل أن تظل لها السيطرة الكاملة على الشعوب وقيادة‬
‫الناس‪ ..‬وفي سبيل استمرار جباية الموال‪ ..‬وفي سبيل أخذ‬
‫القرارات المصيرية‪ ..‬بل وفي سبيل أخذ قرار الغفران من عدمه‪،‬‬
‫لعبد أخطأ أو ارتكب ذنًبا‪!!..‬‬
‫من هذا المنطلق حدث صراع ٌ بين الدين والعلم في أوربا‪،‬‬
‫وعليه فقد ُ‬
‫شّلت حركة العلم في أواسط القرن السادس عشر‬
‫الميلدي ولم يتوقف ذلك إل عند بداية النهضة العلمية والثورة العلمية‬
‫الوربية‪ ،‬والنقلب على الكنيسة‪!!..‬‬
‫والقصص والروايات التي تصف ظلم الكنيسة الوروبية‬
‫الكاثوليكية ل تكاد تنتهي‪ ،‬ول يخفى على أحد محاكمات كوبرنيكس‬
‫‪144‬‬

‫)العراف‪.(179 :‬‬

‫ومحاكمات جإليليو‪ ،‬وما حدث لأينشتاين وماكس بلنك‪ ،‬وغيرها‬
‫الكثير‪..‬‬
‫لقد اكتشف كوبرنيكس عام ‪1543‬م أن الرض تدور حول‬
‫نفسها مرة كل ‪ 24‬ساعة‪ ،‬فيحدث تبادل الليل والنهار‪ ،‬وتدور حول‬
‫الشمس مرة كل عام‪ ،‬فيحدث تغير الفصول الربعة‪ ،‬وأن الشمس‬
‫دا قبل ذلك‪ ..‬إل أن هذا‬
‫هي مركز الكون وليس الرض كما كان معتق ً‬
‫الكشف كان كارثة في أوربا في القرن السادس عشر الميلدي‪ ،‬وقد‬
‫تعجبت الكنيسة لهذا الكشف حين حاكمته بميزان الحقائق النجيلية‪،‬‬
‫إذ وجدته يتناقض مع معتقداتهم‪ ،‬ومع الحساس الظاهري للبشر‪ ،‬ومع‬
‫الجبال الساكنة في نظر النصوص المقدسة‪!!..145‬‬
‫ولهذا قررت الكنيسة محاربة كوبرنيكس‪ ،‬واضطهدوه واتهموه‬
‫بالكفر وطلبوه للقتل‪ ،‬بل وأحرقوا كتبه وأبحاثه ومنعوا تدريسها‪ ..‬ولم‬
‫يكتشفوا صحة ما وصل إليه إل بعد وفاته بسنوات وسنوات‪..‬‬
‫أما جإليليو والذي أثبت أن كوبرنيكس كان على حق‪ ،‬وأن‬
‫ما‬
‫الشمس هي مركز الكون‪ ،‬واكتشف أي ً‬
‫ضا أن القمر ليس جس ً‬
‫مستوًيا‪ ..‬فقد أمر البابا بإحضاره بالقوة رغم شيخوخته وسوء صحته‪،‬‬
‫للتحقيق معه لتأييده فكرة تحرك الرض‪ ،‬وحكمت الكنيسة عليه‬
‫بالسجن في بيته )قيد القامة الجبرية( إلى أن يموت‪!!..146‬‬
‫ضا برونو حرًقا في ميدان عام‬
‫وكذلك أعدمت الكنيسة أي ً‬
‫‪147‬‬
‫لدفاعه عن تحرك الرض‪ ،‬وتوقعه وجود أراضين أخرى ‪!!..‬‬
‫وهذا غيض من فيض‪ ..‬والمثلة على ذلك جد كثيرة‪ ،‬ولم تتوقف‬
‫فقط على محاكمات كوبرنيكس وجاليليو‪ ،‬حتى إنهم توسعوا في‬
‫تشكيل محاكم التفتيش ضد العلماء‪ ،‬وقد حكمت تلك المحاكم على‬
‫ما بأحكام مختلفة في الفترة ما بين‬
‫تسعين أل ً‬
‫فا وثلثة وعشرين عال ً‬
‫‪148‬‬
‫سنة ‪1481‬م إلى سنة ‪1499‬م‪ ،‬أي في غضون ‪ 18‬سنة ‪ ،‬كما‬
‫أصدرت قرارات ُتحّرم قراءة كتب جيوردا نويرنو‪ ،‬ونيوتن لقوله‬
‫بقانون الجاذبية‪ ،‬وتأمر بحرق كتبهم‪ ،‬وقد أحرق بالفعل الكاردينال‬
‫إكيمنيس في غرناطة ‪ 8000‬كتاًبا مخطو ً‬
‫طا لمخالفتها آراء‬
‫الكنيسة‪!!..149‬‬
‫‪ 145‬انظر ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة‪ ،‬ترجمة محمد علي أبو درة ‪.30/273‬‬
‫‪ 146‬انظر ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة‪ ،‬ترجمة محمد علي أبو درة ‪.30/279،269‬‬
‫‪ 147‬انظر ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة‪ ،‬ترجمة محمد علي أبو درة ‪.30/300‬‬
‫‪ 148‬المام محمد عبده‪ :‬مقاومة النصرانية للعلم في التاريخ نقل ً عن كتاب البابا والسلم للدكتور‬
‫يوسف القرضاوي‪.‬‬
‫‪ 149‬الموسوعة الميسرة في الديان والمذاهب والحزاب المعاصرة‪ ،‬إعداد الندوة العالمية‬
‫للشباب السلمي فصل بعنوان الكاثوليك بتصرف‪ .‬شوقي أبو خليل‪ :‬سقوط غرناطة ص ‪98‬‬
‫بتصرف‪.‬‬

‫وهذا الواقع الرهيب والمظلم عاشته أوروبا قروًنا طويلة‪،‬‬
‫ضا بالقرون الوسطى‪ ،‬حيث‬
‫ميت بالعصور المظلمة‪ ،‬وُتسمى أي ً‬
‫ُ‬
‫س ّ‬
‫سخ هذا الواقع في أذهان‬
‫استغرقت نحو ألف عام من الزمان‪ ،‬وقد ر ّ‬
‫العلماء والفلسفة )أمثال ديكارت وفولتير( وعموم الناس أنه ل أمل‬
‫في طلب العلم والبتكار إل بهدم سلطان الكنيسة‪ ،‬وإل بمحو الدين‬
‫ما من الصدور‪ ،‬والتجاه إلى اللحاد بكل ما تعنيه الكلمة من‬
‫تما ً‬
‫معان‪ ..‬فأعلنوا صراحة معارضتهم للكتب المقدسة كالتوراة والنجيل؛‬
‫لحتوائهما على ما يتعارض مع الحقائق العلمية‪ ،‬ولعتقادهم بأن الدين‬
‫ كما رأوا ‪ -‬هو اضطهاد العلم والعلماء‪ ،‬وهو الحجر على العقول‪..150‬‬‫وقد راحوا يدعون بعد ذلك إلى إعلء العقل في مقابلة‬
‫النصوص الرئيسية‪ ،‬وحجتهم أن العقل يستطيع إدراك الحقائق‬
‫العلمية‪ ،‬ويستطيع التمييز بين الخير والشر‪..‬‬
‫وقد ساعدت الجمعية الوطنية الفرنسية على هذا التحرر‪ ،‬وذلك‬
‫بإصدار قرارات سنة ‪1790‬م‪ ،‬كان من شأنها أن قصمت ظهر‬
‫الكنيسة‪ ،‬حيث سرحت الرهبان والراهبات‪ ،‬وأجبرت رجال الكنيسة‬
‫على الخضوع للدستور المدني‪ ،‬وأخذت تعين هي رجال الكنيسة بدل‬
‫من البابا!!‬
‫ثم جاء القانون الذي أقرته الحكومة الفرنسية عام ‪1905‬م‬
‫بفصل الدين عن الدولة على أساس التفريق بينهما‪ ،‬وإعلن حياد‬
‫الدولة تجاه الدين‪ ،‬كقاصمة أخرى شجعت المعارضين للكنيسة على‬
‫نقد نصوص الكتاب المقدس والكنيسة بحرية‪ ،‬كما أجبر هذا القانون‬
‫رجال الكنيسة على أن يقسموا يمين الولء للطاعة والشعب والملك‬
‫والدستور المدني الجديد‪..‬‬
‫وقد توالت القرارات بعد ذلك لتعم دول أوربا كلها‪ ،‬ليتقلص‬
‫بذلك دور الكنيسة من محاولة السيطرة على أمور العلم والسياسة‪،‬‬
‫ما داخل الجدران‪ ،‬فتمارس فقط الوعظ والترانيم‪!!..151‬‬
‫ولتنزوي تما ً‬
‫هذا في أوروبا النصرانية‪..‬‬
‫لكن‪ ..‬لماذا يقال هذا الكلم ولماذا يراد تطبيقه على الدين‬
‫السلمي؟‬
‫هل كان ثمة صراع ٌ قد حدث بين علماء الدين والشريعة وبين‬
‫علماء الحياة؟!‬
‫‪ 150‬الموسوعة الميسرة في الديان والمذاهب والحزاب المعاصرة‪ ،‬إعداد الندوة العالمية‬
‫للشباب السلمي فصل بعنوان الكاثوليك بتصرف‪.‬‬
‫‪ 151‬المرجع السابق فصل بعنوان الكاثوليك‪.‬‬

‫حورب علماء الطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء‬
‫هل ُ‬
‫دموا على غيرهم؟!‬
‫والسلح والجغرافيا‪..‬؟ أم ك ُّرموا وقُ ّ‬
‫لقد كان اتصاف المسلم بفضيلة العلم بشتى أنواعه كافًيا‬
‫صّناعها المبجلين‪،‬‬
‫لتقديمه على غيره‪ ،‬ورفعه إلى مصا ّ‬
‫ف رجال المة و ُ‬
‫والمقربين إلى الخاصة وإلى العامة على حد سواء‪..‬‬
‫لقد كان عباس بن فرناس‪ - 152‬على سبيل المثال ‪ -‬من علماء‬
‫ق في اختراعات‬
‫المسلمين الفاضل في الندلس‪ ،‬وهو صاحب سب ٍ‬
‫كثيرة‪ ،‬لعل أشهرها أنه أول من قام بمحاولة للطيران في التاريخ‪..‬‬
‫ولهذا التفوق العلمي قّربه الخلفاء وعظموا قدره‪..‬‬
‫ولحاله هذا‪ ،‬وِلما وصل إليه من شهرة وحظوة لدى المراء‪،‬‬
‫ساد يتربصون به‪ ،‬وقد راحوا يتهمونه بالسحر‬
‫فقد كان له ح ّ‬
‫والشعوذة‪ ،‬وأنه يقوم بأشياء غريبة وعجيبة في منزله‪ ،‬أو في معمله‬
‫الختباري إن صح التعبير‪ ،‬وذلك لنه كان يشتغل بالكيمياء‪ ،‬وكان ينتج‬
‫عن ذلك انبعاث أدخنة وتطاير أبخرة من منزله‪..‬‬
‫وقد اسُتدعي للمحاكمة في قرطبة ‪ -‬وكان الخليفة في ذلك‬
‫الوقت هو عبد الرحمن بن هشام الموي ‪ -‬وقيل له في ذلك أنك‬
‫تفعل كذا وكذا‪ ،‬وتخلط أشياء بأشياء‪ ،‬وتقوم بغرائب وعجائب لم‬
‫نعهدها‪ ،‬فقال في رده عليهم‪ :‬أترون أني لو عجنت الدقيق بالماء‬
‫فصيرته عجيًنا‪ ،‬ثم أنضجت العجين خبًزا على النار‪ ،‬أأكون قد صنعت‬
‫سحًرا؟ قالوا‪ :‬ل؛ بل هذا مما علم الله النسان‪ .‬فقال‪ :‬وهذا ما أشتغل‬
‫به في داري‪ ،‬أمزج الشيء بالشيء‪ ،‬وأستعين بالنار على ما أمزج‪،‬‬
‫فيأتي مما أمزج شيء فيه منفعة للمسلمين وأحوالهم‪.153‬‬
‫دا على صحة الدعوى‪ ،‬فكان الشاهد هو‬
‫وكانوا قد أرادوا شاه ً‬
‫عبد الرحمن بن هشام‪ ،‬الخليفة الموي نفسه‪ ..‬وفي المحكمة وحين‬
‫سمع القوال راح ُيدلي بشهادته فقال‪ :‬أشهد أنه قال لي أنه يفعل‬
‫كذا وكذا )يريد أن كل هذه الشياء يعملها ولها أصول عنده(‪ ،‬وقد صنع‬
‫ما أنبأني به‪ ،‬فلم أجد فيه إل منفعة للمسلمين‪ ،‬ولو علمت أنه سحر‬
‫ده!!‬
‫لكنت أول من ح ّ‬
‫لقد أتوا بقائد الدولة وخليفة المسلمين إلى المحكمة ليشهد‪،‬‬
‫ثم هو يشهد بالحق ولصالح العاِلم‪ ،‬فكان أن حكم القاضي والفقهاء‬
‫‪ 152‬أبو القاسم عباس بن فرناس‪ ،‬من موالي بني أمية‪ ،‬فيلسوف شاعر‪ ،‬له علم بالفلك‪ ،‬وأول‬
‫من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة‪ ،‬وأول من اخترق الجو فقد حاول الطيران‪ ،‬فكسا‬
‫نفسه الريش‪ ،‬ومد له جناحين طار بهما في الجو مسافة بعيدة‪ ،‬ثم سقط فتأذى في ظهره‪،‬‬
‫توفي سنة أربع وسبعين ومائتين‪ .‬انظر الوافي بالوفيات للصفدي‪ ،‬ونفح الطيب للمقري‪.‬‬
‫‪ 153‬ابن سعيد المغربي‪ :‬المغرب في حلي المغرب ص ‪.203‬‬

‫ببراءة ابن فرناس‪ ،‬وأثنوا عليه وحثوه على أن يستزيد من عمله‬
‫حفظت له بذلك مكانته‪..154‬‬
‫وتجاربه‪ ،‬و ُ‬
‫ولنقارن ذلك بمحاكمة كوبرنيكس ومحاكمة جالليو وغيرها مما‬
‫مفارقة‪..‬‬
‫عرضنا لها سال ً‬
‫فا‪ ،‬لنتبين أبعاد ال ُ‬
‫والمثلة على توقير العلماء‪ ،‬وإنزالهم منزلتهم‪ ،‬وحفظ مكانتهم‬
‫وقدرهم‪ ..‬هي أكثر من أن ُتحصى‪ ،‬ولعل ما يمكن أن نذكره هنا ما‬
‫كان من حال عالم البصريات البرز في تاريخ الحضارة السلمية‪،‬‬
‫الحسن بن الهيثم‪ ،155‬فقد كان أمراء عصره في كل أقطار العالم‬
‫السلمي شغوفين بالعلم ورعاية العلماء والهتمام بهم‪ ،‬المر الذي‬
‫جعله يتنقل بحرية تامة في ربوع العالم السلمي بين مراكز الحضارة‬
‫السلمية فيه‪ ،‬ينهل منها جميعها‪..‬‬
‫وكان للحاكم بأمر الله )المير الفاطمي‪ ،‬ت ‪411‬هق( دوره‬
‫المهم في تنمية علم المهندس البصري الحسن بن الهيثم‪ ،‬وذلك بعد‬
‫أن سمع عنه وذاع صيته في البصرة‪ ،‬وخاصة لما علم قوله‪" :‬لو كنت‬
‫بمصر لعملت ِفي نيلها عمل ً يحصل ب ِهِ النفع ِفي كل حالة من حالته‬
‫ل‪ ،‬وهو ِفي‬
‫من زيادة ونقص‪ ،‬فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عا ٍ‬
‫طرف القليم المصري"‪.‬‬
‫كان من أمر الحاكم بأمر الله أن دعا الحسن بن الهيثم للمجيء‬
‫إلى مصر‪ ،‬على أن ُيساعده ويقدم العون له والمال‪ ،‬للقيام بمشروع‬
‫السد الذي يتحكم في مياه النيل كما قال‪..‬‬
‫وما أن جاء ابن الهيثم إلى مصر‪ ،‬حتى استقبله الحاكم بأمر الله‬
‫في قصر الضيافة الملكي‪ ،‬وأمر بإنزاله وإكرامه‪ ،‬ثم سرعان ما‬
‫تناقشا في أمر السد‪ ،‬وكان أن اقترح عليه المير أن يبدأ فيه‪..‬‬
‫ولما وصل ابن الهيثم إلى أرض الواقع‪ ،‬والموضع المعروف‬
‫بالجنادل‪ ،‬قبلي مدينة أسوان‪ ،‬وهو موضع مرتفع ينحدر منه ماء النيل‪،‬‬
‫عاينه وباشره واختبره من جانبيه‪ ،‬وجد أن ما يبغيه هو فوق جهد‬
‫الناس في أيامه‪ ..‬فتراجع معتذًرا عن فكرته‪.‬‬
‫فابن الهيثم حين وصل إلى منطقة الجنادل جنوبي مصر )وهو‬
‫نفس مكان السد العإلى المقام حإليا( وعاين المكان‪ ،‬اكتشف‬
‫‪ 154‬أمين يوسف وعلي حسين النبهان‪ :‬أشهر محاكمات التاريخ بتصرف دار التراث بيروت‬
‫‪.1972‬‬
‫‪ 155‬الحسن ابن الهيثم‪ ،‬المسمى عند الغربيين "الهازن" ولد بالبصرة ودرس بها‪ ،‬وتفوق في‬
‫علم البصريات ويقول عنه أرنولد في كتاب "تراث السلم"‪ :‬إن علم البصريات وصل إلي الوج‬
‫بظهور ابن الهيثم‪ ،‬وابن الهيثم هو أول من قال بأن العدسة المحدبة ترى الشياء أكبر مما هي‬
‫عليه وأول من شرح تركيب العين ووضح أجزاءها بالرسوم‪.‬‬

‫استحالة تنفيذ فكرته في زمانه بوسائل وإمكانات عصره‪ ،‬فرجع إلى‬
‫القاهرة معترًفا بفشله في تنفيذ فكرته بإقامة سد علي النيل يختزن‬
‫المياه من أيام الفيضان لتروى أرض مصر في أيام التحاريق‪.‬‬
‫والشاهد في ذلك مدى اهتمام المير الفاطمي بالعلماء‪ ،‬ومدى‬
‫توقيره لهم‪ ،‬والذي ظهر من خلل دعوته لابن الهيثم للمجيء إلى‬
‫مصر‪ ،‬ثم حسن استقباله له وإكرامه‪ ،‬ولم يكن ذلك إل لعلم ابن‬
‫الهيثم ~‪..‬‬
‫ضا أن الخوارزمي‪ 156‬انتقل من بلدته خوارزم‬
‫ويذكر التاريخ أي ً‬
‫)وكانت مركًزا من مراكز الثقافة السلمية( إلى بغداد عاصمة‬
‫الخلفة‪ ،‬حيث "بيت الحكمة" ذلك المجمع العلمي الكبير الذي أقامه‬
‫دا فلكًيا‪..‬‬
‫الخليفة هارون الرشيد‪ ،‬والذي بنى المأمون بجواره مرص ً‬
‫ولن الخوارزمي كان بارًزا في علوم الفلك والجغرافيا‪ ،‬فقد‬
‫ب للعلم والعلماء‪،‬‬
‫اتصل بالخليفة المأمون‪ ،‬لما عرف عنه من ح ٍ‬
‫عا في هذين المجإلين من العلوم‪..‬‬
‫وخاصة وأن المأمون كان بار ً‬
‫وسرعان ما أحاطه المأمون بعناية خاصة وتكريم كبير‪ ،‬فوله‬
‫منصًبا كبيًرا في بيت الحكمة‪ ،‬ثم أوفده في بعض البعثات العلمية إلى‬
‫البلد المجاورة‪ ،‬للتصال بعلماء هذه المناطق‪ ،‬والستزادة من علوم‬
‫الخرين‪ ،‬ونشر العلم في أرجاء الدولة السلمية‪..‬‬
‫وفي سياق الحديث عن مرصد المأمون‪ ،‬فقد كان اهتمام‬
‫المأمون بعلم الفلك غالًبا على اهتمامه بمجالت العلوم الخرى‪،‬‬
‫ولذلك أمر العلماء )ولنقارن ذلك بحال الكنيسة مع العلماء كما ذكرنا‬
‫دا فلكًيا لقياس الكواكب ومعرفة‬
‫في هذا الشأن( أن يقيموا مرص ً‬
‫أحوالها‪ ..‬وقد تحدث صاعد الندلسي عن اهتمام المأمون بعلم الفلك‬
‫وجهوده في ذلك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"ولما أفضت الخلفة إلى عبد الله المأمون‪ ،‬وطمحت نفسه‬
‫الفاضلة إلى إدراك الحكمة‪ ،‬وسمت به همته الشريفة إلى الشراف‬
‫على علوم الفلسفة‪ ،‬ووقف علماء وقته على كتاب المجسطي‬
‫)لبطليموس(‪ ،‬وفهموا صورة آلت الرصد الموصوفة فيه… جمع‬
‫المأمون علماء عصره من أقطار مملكته‪ ،‬وأمرهم أن يصنعوا مثل‬
‫تلك الدوات‪ ،‬وأن يقيسوا بها الكواكب ويتعرفوا بها أحوالها‪ ،‬كما صنع‬
‫‪ 156‬عاش محمد بن موسى الخوارزمي في بغداد فيما بين ‪164‬ق ‪ 235‬هجرية )‪850,780‬م(‬
‫وتوفي هناك‪ ،‬وبرز في عهد المأمون‪ ،‬ونبغ في الرياضيات والفلك‪ ،‬وطور الفكر الرياضي وذلك‬
‫بإيجاد نظم لتحليل كل من معادلت الدرجة الولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية‬
‫هندسية‪ ،‬لذا يعتبر الجبر والمقابلة للخوارزمي هو أول محاولة منظمة لتطوير علم الجبر على‬
‫أسس علمية ‪ .‬انظر ابن النديم‪ :‬الفهرست ص ‪ - 333‬إليان سيركيس‪ :‬معجم المطبوعات ‪/1‬‬
‫‪ - 841‬أكرم عبد الوهاب‪ 100 :‬عالم غيروا وجه العالم ص ‪ – 20‬علي عبد الله الدفاع‪ :‬العلوم‬
‫البحتة في الحضارة العربية السلمية ص ‪.148‬‬

‫بطليموس ومن كان قبله‪ ،‬ففعلوا ذلك وتولوا الرصد بمدينة‬
‫الشماسية من بلد دمشق من أرض الشام‪ ،‬سنة أربع عشرة ومائتين‪،‬‬
‫فوقفوا على زمن سنة الشمس الرصدية‪ ،‬ومقدار ميلها وخروج‬
‫مركزها ووضع أوجهها‪ ،‬وعرفوا مع ذلك بعض أحوال باقي الكواكب‬
‫من السيارة والثابتة‪ ،‬ثم قطع بهم عن استيفاء غرضهم موت الخليفة‬
‫المأمون سنة ثماني عشرة ومائتين )‪833‬م(‪ ،‬فقيدوا ما انتهوا إليه‪،‬‬
‫وسموه "المرصد المأموني"‪.157‬‬
‫وفي طور اهتمام الخلفاء بالعلم والعلماء‪ ،‬فقد كانوا يمنحون‬
‫من الجوائز العظيمة والهبات الجزيلة التي تشجع على تحصيل هذه‬
‫العلوم بصورة هي أقرب إلى الخيال‪ ،‬وبصورة أكثر من غيرها في أي‬
‫مجال آخر‪..‬‬
‫م من العلماء كتاًبا من لغة غير‬
‫فكان المأمون أي ً‬
‫ضا إذا ترجم عال ِ ٌ‬
‫جم ذهًبا‪،‬‬
‫العربية إلى اللغة العربية أعطاه وزن هذا الكتاب المتر َ‬
‫وبالطبع فليس في هذه العلوم المترجمة صلة بعلوم الشرع‪ ،‬إنما‬
‫كانت من علوم اليونان أو الرومان أو الغريق أو الهند‪ ،‬مما هي في‬
‫الطب والرياضيات والهندسة وغيرها من علوم الحياة‪..158‬‬
‫ولذلك فقد نشطت حركة الترجمة كثيًرا في ذلك الوقت‪ ،‬وعلى‬
‫إثرها ُنقل إلى المسلمين علوم هائلة‪ ..‬فاستطاعوا أن يقيموا أروع‬
‫حضارة عرفتها البشرية في تاريخها‪..‬‬
‫وبهذه المناسبة والحديث عن الترجمة‪ ،‬فإننا ُنعّرج قليل على‬
‫حركة الترجمة في البلد السلمية في عصرنا هذا‪ ،‬لنقارنه بما كانت‬
‫عليه الحياة العلمية والحضارة السلمية بصفة عامة في عصر‬
‫الخليفة المأمون‪..‬‬
‫جم‬
‫فإن الحصائيات الحديثة تشير إلى أن العالم العربي ُيتر ِ‬
‫ثلثة كتب سنوًيا لكل مائة ألف مواطن‪ ،‬بينما وعلى الجانب الخر‪،‬‬
‫فإن إسرائيل وحدها ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬تترجم مائة كتاب سنوًيا‬
‫لكل مائة ألف مواطن!!‬
‫وهذا يوقفنا بعض الشيء على حقيقة الوضع العلمي المتردي‬
‫الذي نعيشه الن‪..‬‬
‫ضا أرسل المنصور والمأمون والمتوكل‬
‫وفي هذا الشأن أي ً‬
‫الّرس َ‬
‫ل إلى القسطنطينية وغيرها من المدن البيزنطية لجتلب الكتب‬
‫اليونانية التي أهملها أصحابها ‪ -‬على حد تعبير علي بن عبد الله الدفاع‬
‫في روائع الحضارة العربية والسلمية ‪ -‬ولم يعرفوا قيمتها‪ ..‬فكان‬
‫‪157‬‬
‫‪158‬‬

‫صديق بن حسن القنوجي‪ :‬أبجد العلوم ‪.2/299‬‬
‫شوقي أبو خليل‪ :‬الحضارة العربية السلمية ص ‪ 442‬بتصرف‪.‬‬

‫خلفاء المسلمين يرسلون أحيانا العلماء إلى أعدائهم أباطرة الروم‬
‫ليشتروا منهم الكتب العلمية اليونانية‪ ،‬كما أن خلفاء بني أمية‬
‫والعباس كانوا يقبلون المخطوطات والكتب العلمية من أساقفة‬
‫النصارى والصابئة والمجوس وغيرهم بدل من دفع الجزية‪!!159‬‬
‫م للعلم والعلماء‪ ،‬وأبلغ رسالة في الحرص عليه‪،‬‬
‫أبلغ تكري ٌ‬
‫والتشجيع له‪ ..‬ذلك الذي كان بقوم به الخلفاء المسلمون‪..‬؟!‬
‫والحديث في هذه المثلة ل ينقطع‪ ..‬ولم تكن هذه الحداث‬
‫عابرة في حياة المة السلمية‪ ،‬إنما كانت متكررة عبر قرون‬
‫متتالية‪ ..‬مما يؤكد على أنها لم تكن من قبيل المصادفة‪ ،‬أو نتيجة‬
‫وجود خليفة معين أو حاكم بذاته يهتم بالعلوم‪..‬‬
‫فلقد كانت هذه العلوم سمة أصيلة من أهم سمات ومقومات‬
‫الدولة السلمية في شتى مراحلها‪ ..‬وهو ما حدا بجامعات مثل‬
‫قرطبة وإشبيلية وغرناطة وطليطلة في الندلس‪ ،‬لن تفتح أبوابها‬
‫للراغبين في العلم من كل أنحاء أوروبا‪ ..‬إذ لم يكن هناك جوٌ علمي‪،‬‬
‫ول بيئة علمية إل في هذه البقاع المسلمة‪..‬‬
‫ويقول سارتون‪" :‬حقق المسلمون ‪ -‬عباقرة الشرق ‪ -‬أعظم‬
‫المآثر في القرون الوسطى‪ ،‬فكتبت معظم المؤلفات قيمة وأكثرها‬
‫أصالة وأغزرها مادة باللغة العربية‪ ،‬وكانت من منتصف القرن الثامن‬
‫حتى نهاية القرن الحادي عشر لغة العلم الرتقائية للجنس البشري‪،‬‬
‫حتى لقد كان ينبغي لي كائن إذا أراد أن يلم بثقافة عصره وبأحدث‬
‫صورها أن يتعلم اللغة العربية‪ ،‬ولقد فعل ذلك كثيرون من غير‬
‫المتكلمين بها‪ ،‬وأعتقد أننا لسنا في حاجة أن نبين منجزات المسلمين‬
‫العلمية في الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك والكيمياء والنبات‬
‫والطب والجغرافيا"‪..160‬‬
‫ولنا أن نتساءل بعد‪:‬‬
‫لماذا يهرب كثيٌر من المسلمين من القضايا العلمية الن؟‬
‫ولماذا ي ُّتهم السلم بالتخلف والجمود؟ ولماذا ُيعّلق كثيٌر من‬
‫المتشائمين والعلمانيين الغربيين على أن هذه القواعد التي ذكرنا هي‬
‫قواعد نظرية‪ ،‬ل مجال لها للتطبيق في مجال الحياة‪ ،‬وفي واقع‬
‫الناس؟ ولماذا يرسخون في اعتقادنا أن الدين عكس العلم وأنه‬
‫قا‪ ،‬فعليه‬
‫ما ح ً‬
‫يضاده ويتنافى معه؟ وأن النسان إذا أراد أن يكون عال ً‬
‫أول ً أن يتخلص من قيود الدين؟!‬
‫‪ 159‬انظر علي عبد الله الدفاع‪ :‬روائع الحضارة العربية السلمية في العلوم‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪-‬‬
‫القاهرة‪ ،‬الطبعة الثانية‪1999 ،‬م ص ‪25‬‬
‫‪ 160‬حسان شمسي باشا‪ :‬هكذا كانوا يوم كنا ص ‪ ،8‬وانظر‪ :‬أحمد علي المل‪ :‬أثر العلماء‬
‫المسلمين في الحضارة الوروبية ص ‪ ،110،111‬نقل عن سارتون‪ :‬المدخل إلي تارخ العلوم‪.‬‬

‫أل يثبت ذلك التشجيع المكثف على العلم‪ ،‬وذاك الحرص‬
‫الشديد عليه الذي رأيناه من ِقبل الخلفاء المسلمين على مدى‬
‫عصورهم‪ ،‬وتلك المكانة السامقة والرفيعة للعلم والعلماء في السلم‬
‫بصفة عامة‪ ،‬وعلى مدى تاريخهم الحضاري بصفة خاصة‪ ..‬أل يثبت‬
‫ذلك أنه تشجيعٌ عملي واقعي‪ ،‬قاب ٌ‬
‫ل للتطبيق والتكرار؟!‬
‫َ‬
‫‪‬ويست َن ْبُئون َ َ َ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫ق ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫كأ َ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫وَرّبي إ ِن ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫َ َ ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ل ِإي َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪.161‬‬
‫م ْ‬
‫زي َ‬
‫بِ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬

‫‪161‬‬

‫)يونس‪.(53 :‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬نماذج من علوم المسلمين‬
‫في الحضارة السلمية‬
‫في صورة تعبر عن جمع الحضارة السلمية بين علوم الشرع‬
‫مر الرض‪..‬‬
‫التي تحفظ الدين‪ ،‬وعلوم الحياة التي ُتسّير الحياة وتع ّ‬
‫وذلك كله لرفعة المة واستغنائها عن غيرها‪ ،‬لتحقق أهليتها بأن تكون‬
‫خير أمة ُأخرجت للناس‪..‬‬
‫وفي واحدة مما يمكننا من خللها غرس المل وإيقاظه في‬
‫النفوس‪..‬‬
‫فهذه أمثلة ‪ -‬مجرد أمثلة ‪ -‬ونماذج واقعية أخذت بأسباب العلم‪،‬‬
‫هاجة أضاءت سماء‬
‫وارتقت به في مدارج السماء؛ فأصبحت شعلة و ّ‬
‫ددت ظلم القرون الوسطى‪ ،‬ونعرضها في أربعة مباحث‬
‫النسانية‪ ،‬وب ّ‬
‫كما يلي‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬علم الجرح والتعديل‬
‫المبحث الثاني‪ :‬علم الطب في الحضارة السلمية‬
‫المبحث الثالث‪ :‬علم الجغرافيا في الحضارة‬
‫السلمية‬
‫المبحث الرابع‪ :‬علم البصريات في الحضارة السلمية‬

‫المبحث الول‪ :‬علم الجرح والتعديل‬
‫لما كان الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع‬
‫السلمي بعد القرآن الكريم‪ ،‬والمنهل البياني له في تفصيل الحكام‬
‫المجملة التي وردت فيه‪ ،‬وتقييد المطلق وتخصيص العام‪ ،‬وتأسيس‬
‫عني المسلمون بحفظه‬
‫الحكام التي لم ينص عليها القرآن‪ ..‬فقد ُ‬
‫وفهمه في حياة النبي ‪ ‬وبعد وفاته‪ ،‬واستمر هذا الهتمام عبر‬
‫الجيال المتتالية‪.‬‬
‫ولما كان من المور المعلومة بداهة أنه ل سبيل إلى معرفة ما‬
‫جاء عن النبي ‪ ‬من أحاديث وأخبار إل عن طريق الرواة والنقلة‪،‬‬
‫الذين نقلوا أخباره جيل ً بعد جيل وطبقة بعد طبقة‪ ،‬حتى دونت السنة‬
‫في الكتب المعتمدة المعروفة‪ ..‬فقد كان الطلع على أحوال هؤلء‬
‫الرواة والنقلة‪ ،‬وتتبع مسالكهم‪ ،‬وإدراك مقاصدهم وأغراضهم‪،‬‬
‫ومعرفة مراتبهم وطبقاتهم‪ ،‬وتمييز ِثقاتهم من ضعافهم‪ ،‬هو الوسيلة‬
‫الهم لمعرفة صحيح الخبار من سقيمها‪..‬‬
‫وقد نتج عن هذا نشوء علم عظيم وضعت له القواعد‪ ،‬وأسست‬
‫قا ضبطت به أحوال الرواة‪،‬‬
‫سا دقي ً‬
‫له السس والضوابط‪ ،‬فكان مقيا ً‬
‫من حيث التوثيق والتضعيف‪ ،‬والخذ والرد‪ ،‬وذلك هو "علم الجرح‬
‫والتعديل"‪ ،‬أو علم الرجال‪ ،‬أو علم ميزان أو معيار الرواة‪ ،‬والذي‬
‫ل نظير له عند أمة أخرى من أمم الرض‪..‬‬
‫وقد ع ُد ّ هذا العلم نصف علم الحديث؛ وكيف ل وهو ميزان‬
‫رجال الحديث ومعيار الحكم عليهم‪ ،‬وهو الحارس للسنة من كل زيف‬
‫ودخيل‪..‬؟!‬
‫والذي يطالع كتب الرجال والتراجم والجرح والتعديل‪ ،‬يقف‬
‫مبهوًرا أمام هذا العلم الذي ل يمكن أن يكون وضعه جاء صدفة أو‬
‫طعت فيه فيافي وقفار‪ ،‬وفنيت فيه‬
‫ذلت فيه جهود‪ ،‬وقُ ِ‬
‫تشهًيا‪ ،‬بل ب ُ ِ‬
‫أزمان وأعمار‪ ،‬حتى بلغ قمة الحسن ومنتهى الجودة‪..‬‬
‫وبداية؛ فإن "الجرح" في اللغة يعني‪ :‬التأثير في البدن بقطع‬
‫خُلق‬
‫بسلح ونحوه‪ ،‬وقد استعير في المعنويات بمعنى التأثير في ال ُ‬
‫ف يناقضهما‪ .‬وعلى هذا فهو في الصطلح يعني‪ :‬وصف‬
‫والدين بوص ٍ‬
‫الراوي أو الطعن فيه بما يقتضي رد روايته‪.‬‬
‫أما "التعديل" فيعني في اللغة‪ :‬التقويم والتسوية‪ ،‬واستعير‬
‫ضا في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دينه‬
‫أي ً‬
‫القويم وخلقه السوي‪ .‬وهو في الصطلح يعني‪ :‬وصف الراوي بما‬
‫يقتضي قبول روايته‪.‬‬

‫وعلى هذا فعلم الجرح والتعديل النظري هو‪ :‬القواعد التي‬
‫تنبني عليها معرفة الرواة الذين تقبل رواياتهم أو ترد‪ ،‬ومراتبهم في‬
‫ذلك‪ .‬أما التطبيقي فهو‪ :‬إنزال كل راوٍ منزلته التي يستحقها من‬
‫القبول وعدمه‪.162‬‬
‫حا وتعديل ً ثابت عن رسول الله ‪ ،‬وعن‬
‫والكلم في الرجال جر ً‬
‫عا وصوًنا‬
‫وز ذلك تور ً‬
‫كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم‪ ،‬و ُ‬
‫ج ّ‬
‫للشريعة من أن يدخل فيها ما ليس منها‪ ،‬ونصيحة لله ورسوله‬
‫والمسلمين‪ ،‬وليس هو طعًنا في الناس‪ ،‬وكما جاز الجرح في الشهود‬
‫جاز في الرواة‪ ،‬والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق‬
‫والموال‪..163‬‬
‫حا لي أحد؛ وذلك أن‬
‫والحقيقة أن التجريح والتعديل لم يكن متا ً‬
‫المر يتطلب من الهلية والتمكن ما ل يمكن أن يصل إليه إل القلة‬
‫من جهابذة النقاد والمحدثين‪ ،‬الذين لديهم اطلع واسع على الخبار‬
‫والمرويات وطرقها‪ ،‬ومعرفة تامة بأحوال الرواة ومقاصدهم‬
‫وأغراضهم‪ ،‬والسباب الداعية إلى التساهل والكذب‪ ،‬والموقعة في‬
‫الوهم والخطأ‪ ،‬مع معرفة بأحوال الراوي وتاريخ ولدته‪ ،‬وبلده‪ ،‬وديانته‬
‫وأمانته وحفظه وسلوكه‪ ،‬وشيوخه وتلميذه‪ ،‬ومقارنة مروياته‬
‫بمرويات غيره‪ ،‬إلى غير ذلك‪..‬‬
‫وهي منزلة ل يصل إليها كل أحد‪ ،‬وليس أد ّ‬
‫ل على ذلك من أن‬
‫رواة الخبار كثيرون يعدون باللوف‪ ،‬وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل‬
‫ل يتجاوزن أصابع إليد في كل طبقة‪ ،‬وهؤلء الئمة الذين بلغوا هذه‬
‫المرتبة لم يبلغوها إل بعد استيفائهم للشروط التي تؤهلهم للتصدي‬
‫لهذا المر‪.‬‬
‫وقد قام الئمة بهذا الواجب حسبة لله‪ ،‬وصيانة لدينه‪ ،‬وحفا ً‬
‫ظا‬
‫على سنة نبيه‪ ،‬قال أبو بكر ابن خ ّ‬
‫لد ليحي بن سعيد‪" :‬أما تخشى أن‬
‫يكون هؤلء الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟ فقال‪ :‬لن‬
‫يكونوا خصمائي أحب إلى من أن يكون خصمي رسول الله ‪ ‬يقول‪:‬‬
‫ب الكذب عن حديثي؟"‪.164‬‬
‫م تذ ُ ّ‬
‫م لَ ْ‬
‫لِ َ‬
‫فلم يكن الحامل لهم على ذلك أهواء أو حظوظ النفس أو‬
‫دا حتى ولو أقرب القربين‪ ،‬فوجدنا‬
‫غيره‪ ،‬ولذلك لم تراهم يجاملوا أح ً‬
‫سِئل علي بن المديني ‪ -‬كما مّر بنا من‬
‫منهم من يضعف والده‪ ،‬وقد ُ‬
‫قبل ‪ -‬عن أبيه؛ فقال‪ :‬اسألوا غيري‪ ،‬فقالوا‪ :‬سألناك‪ ،‬فأطرق ثم رفع‬
‫رأسه وقال‪" :‬هذا هو الدين‪ ،‬أبي ضعيف"‪ ،165‬وكان منهم من ُيضّعف‬
‫‪162‬‬
‫‪163‬‬
‫‪164‬‬
‫‪165‬‬

‫الشريف حاتم بن عارف العوني‪ :‬خلصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل ص ‪.6‬‬
‫الخطيب البغدادي‪ :‬الكفاية في علم الرواية ص ‪.38‬‬
‫البناسي‪ :‬الشذا الفياح ‪.2/740‬‬
‫ابن حبان‪ :‬المجروحين ‪.2/15‬‬

‫ولده وأخاه‪ ،‬قال أبو داود صاحب السنن‪" :‬ابني عبد الله كذاب"‪،‬‬
‫وقال زيد بن أبي أنيسة‪" :‬ل تأخذوا عن أخي يحيى"‪!!..166‬‬
‫وعلى هذا فإنه لبد من توافر شروط معينة في الجارح‬
‫فا عن حال‬
‫فا كاش ً‬
‫دل‪ ،‬والتي من شأنها أن تجعل حكمه منص ً‬
‫والمع ّ‬
‫الراوي‪..‬‬
‫ويمكن إجمال هذه الصفات أو تلك الشروط فيما يلي‪:‬‬
‫‪ (1‬أن يتصف بالعلم والتقوى والورع والصدق؛ لنه إن لم يكن‬
‫ما على غيره‬
‫بهذه الخلق فهو محتاج إلى من يعدله‪ ،‬فكيف يكون حاك ً‬
‫بالجرح والتعديل والحالة كما ذكر‪167‬؟!‬
‫ما بأسباب الجرح والتعديل؛ لنه إن لم يكن‬
‫‪ (2‬أن يكون عال ً‬
‫بهذه الصفة ربما جرح الراوي بما ل يقتضي جرحه‪ ،‬أو بأمر فيه خلف‬
‫دل الرجل استدلل ً ببعض مظاهره دون خلطة ومعرفة‬
‫قوي‪ ،‬وربما ع ّ‬
‫‪168‬‬
‫وسير لحواله ‪.‬‬
‫ما بتصاريف كلم العرب ل يضع اللفظ لغير‬
‫‪ (3‬أن يكون عال ً‬
‫‪169‬‬
‫ً‬
‫معناه‪ ،‬ول يجرح بنقله لفظا هو غير جارح ‪.‬‬

‫وهذا الجرح والتعديل في الرواة يثبت بواحد من‬
‫طرق ثلثة‪:‬‬
‫الول‪ :‬الستفاضة والشهرة؛ فمن اشتهر بين أهل الحديث‬
‫بعدالته‪ ،‬وشاع الثناء عليه‪ ،‬استغنى عن بينة شاهدة بعدالته‪ ،‬وهؤلء‬
‫مثل‪ :‬المام مالك‪ ،‬وشعبة‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ ،‬وعبد‬
‫الله بن المبارك‪ ،‬ووكيع‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ..‬فمثل هؤلء ل ُيسأل عن‬
‫عدالتهم؛ لن شهرتهم بالعدالة أقوى في النفس من شهادة الواحد‬
‫والثنين بعدالتهم‪.170‬‬
‫سِئل المام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وقد ُ‬
‫‪171‬‬
‫مثل إسحاق ُيسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين ‪.‬‬
‫وحكم الجرح فيما سبق كالتعديل‪.‬‬
‫‪166‬‬
‫‪167‬‬
‫‪168‬‬
‫‪169‬‬
‫‪170‬‬
‫‪171‬‬

‫السخاوي‪ :‬فتح المغيث ‪.3/355‬‬
‫أبو الحسنات اللكنوي الهندي‪ :‬الرفع والتكميل ص ‪.67‬‬
‫ضاح ‪.1/142‬‬
‫زين الدين العراقي‪ :‬التقييد والي ً‬
‫الشريف حاتم بن عارف العوني‪ :‬خلصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل ص ‪.27‬‬
‫البانسي‪ :‬الشذا الفياح ‪.1/235‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.2/382‬‬

‫الثاني‪ :‬أن ينص اثنان من أهل العلم على عدالته أو جرحه‪،‬‬
‫سا على الشهادة‪ ،‬حيث يشترط‬
‫وهذا باتفاق الجماهير من العلماء؛ قيا ً‬
‫في تزكية الشاهد اثنان‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ينص واحد من علماء الجرح والتعديل على عدالة‬
‫ذلك الراوي أو جرحه‪ ،‬على الصحيح المختار الذي رجحه الخطيب‬
‫البغدادي وابن الصلح وغيرهما‪ ،‬واستدلوا على ذلك بأن العدد لم‬
‫ن الحديث الغريب )أي الذي جاء من‬
‫يشترط في قبول الخبر‪ ،‬فإ ّ‬
‫حا‪ ،‬فإذا كان كذلك فل يشترط في جرح‬
‫ق واحد( قد يكون صحي ً‬
‫طري ٍ‬
‫‪172‬‬
‫الراوي أو تعديله أكثر من معدل أو جارح واحد ‪.‬‬
‫وخالف بعض العلماء فقالوا‪ :‬ل يثبت التعديل والجرح إل باثنين؛‬
‫سا على الجرح والتعديل في الشهادات‪.173‬‬
‫قيا ً‬

‫وهناك َ‬
‫شرطان لقبول الجرح والتعديل‪:‬‬
‫دل التي‬
‫الول‪ :‬أن يصدرا ممن استوفى شروط الجارح والمع ّ‬
‫سبق ذكرها؛ فإن اخت ّ‬
‫ل بعض شروط الجارح والمعدل لم يقبل جرحه‬
‫ول تعديله‪ ،‬ولذلك صور منها‪:‬‬
‫حا‪ :‬ومثال ذلك ما ذكره‬
‫‪ (1‬أن يكون الجارح نفسه مجرو ً‬
‫الحافظ ابن حجر في التهذيب في أحمد بن شبيب الحبطي البصري‪،‬‬
‫بعد أن نقل توثيقه عن أبي حاتم‪ ،‬وأهل العراق‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وقال أبو الفتح الزدي‪ :‬منكر الحديث غير مرضي‪ ،‬قلت )ابن حجر(‪:‬‬
‫لم يلتفت أحد ٌ إلى هذا القول‪ ،‬بل الزدي غير مرضي‪.174‬‬
‫‪ (2‬أن يكون الجارح من المتشددين الذين يجرحون الراوي‬
‫بأدنى جرح‪ :‬ومثال ذلك ما ذكره المام الذهبي في الميزان في محمد‬
‫بن الفضل السدوسي شيخ المام البخاري‪ ،‬الملقب بعارم‪ ،‬بعد أن‬
‫ذكر توثيق الدارقطني له‪ ،‬قال‪ :‬قلت )الذهبي(‪ :‬فهذا قول حافظ‬
‫العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله‪ ،‬فأين هذا القول من قول ابن‬
‫حبان‪ ...‬في عارم‪" :‬اختلط في آخر عمره‪ ،‬وتغير حديثه حتى كان ل‬
‫يدري ما يحدث به‪ ،‬فوقع في حديثه المناكير الكثيرة‪ ،‬فيجب التنكب‬
‫رك الكل‬
‫عن حديثه فيما رواه المتأخرون‪ ،‬فإذا لم يعرف هذا من هذا ت ُ ِ‬
‫ول يحتج بشيء منها"‪ ،‬قلت )الذهبي(‪ :‬ولم يقدر ابن حبان أن يسوق‬
‫له حديًثا منكًرا‪ ،‬فأين ما زعم‪175‬؟‬
‫‪172‬‬
‫‪173‬‬
‫‪174‬‬
‫‪175‬‬

‫السيوطي‪ :‬تدريب الراوي ‪.1/308‬‬
‫الشهرزوري‪ :‬مقدمة ابن الصلح ‪.1/61‬‬
‫ابن حجر‪ :‬تهذيب التهذيب ‪.1/31‬‬
‫المام الذهبي‪ :‬ميزان العتدال ‪.4/8‬‬

‫سًرا‪ ،‬وأما التعديل فل‬
‫الشرط الثاني‪ :‬أن يكون الجرح مف ّ‬
‫يشترط تفسيره‪ ،‬وسبب التفريق بينهما أن أسباب التعديل كثيرة‬
‫يصعب حصرها؛ فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول‪ :‬فعل كذا وكذا‪،‬‬
‫فيذكر كل ما يجب عليه أن يفعله‪ ،‬ويقول‪ :‬لم يكن يفعل كذا وكذا‪،‬‬
‫دا‪ ،‬وأما الجرح فإنه‬
‫فيعد كل ما يجب عليه أن يجتنبه وهذا أمر شاق ج ً‬
‫‪176‬‬
‫يثبت في الراوي ولو بخصلة واحدة مما يقتضي الجرح ‪.‬‬
‫وهناك سبب آخر للتفريق بينهما‪ ،‬وهو أن الناس اختلفوا في‬
‫أسباب الجرح‪ ،‬فربما جرح بعضهم الراوي بما ليس بجارح عند‬
‫التحقيق‪ ،‬فكان لبد من الستفسار عن سبب الجرح لينظر‪ ،‬هل هو‬
‫جرح أم ل‪ ،‬وليس المر كذلك في التعديل‪.177‬‬
‫هذا هو مذهب الجمهور‪ ،‬واختار الخطيب البغدادي قبول الجرح‬
‫المجمل ‪ -‬أي الذي لم يفسر ‪ -‬إذا صدر من العالم بما يصير به الراوي‬
‫حا؛ لنا متى استفسرناه عن سبب الجرح فقد شككنا في علمه‪،‬‬
‫مجرو ً‬
‫‪178‬‬
‫فنقضنا ما بنينا عليه أمره من الرضى به والرجوع إليه ‪.‬‬
‫على أنه قد تتعارض أقوال أهل العلم في الراوي‪،‬‬
‫فيوثقه ‪ -‬مثل ً ‪ -‬بعضهم ويجرحه آخرون‪ ..‬و حينئذ ٍ ل يخلو المر من‬
‫حالين‪:‬‬
‫أول‪ :‬أن يمكن الجمع بين كلم الموثق وكلم الجارح في ذلك‬
‫الراوي‪ ،‬وذلك بأن يحمل التوثيق على أمر خاص‪ ،‬والتجريح على أمر‬
‫خاص آخر‪ ،‬ولذلك صور‪:‬‬
‫‪ (1‬أن يكون التوثيق للراوي في روايته عن أهل بلده‪ ،‬والجرح‬
‫له في روايته عن غير أهل بلده‪ ،‬وذلك مثل إسماعيل بن عياش‬
‫الحمصي؛ فإنه إذا حدث عن الشاميين فحديثه عنهم جيد‪ ،‬وإذا حدث‬
‫عن غيرهم فحديث مضطرب‪.‬‬
‫‪ (2‬أن يكون التوثيق للراوي في وقت من عمره‪ ،‬والتجريح في‬
‫وقت آخر من عمره‪ ،‬وذلك في حق الرواة المختلطين‪ ،‬فيؤخذ من‬
‫حديث هؤلء ما روي عنهم قبل أن يختلطوا‪ ،‬ويضعف من حديثهم ما‬
‫روي عنهم بعد الختلط‪.‬‬
‫ومن أمثلة هذا النوع عطاء بن السائب‪ ،‬وسعيد بن أبي عروبة‪،‬‬
‫وصالح بن نبهان مولى التوأمة‪ ،‬هذا فيما إذا استمر المختلط في‬
‫التحديث بعد اختلطه‪ ،‬فأما إن توقف عن التحديث أو حجب عنه‬
‫‪176‬‬
‫‪177‬‬
‫‪178‬‬

‫أبو الحسنات اللكنوي‪ :‬الرفع والتكميل ص ‪.117‬‬
‫سراج الدين النصاري‪ :‬المقنع ‪.1/249‬‬
‫الخطيب البغدادي‪ :‬الكفاية في علم الرواية ص ‪.108‬‬

‫الناس ‪ -‬كما في شأن جرير بن حازم وعبد الوهاب بن عبد المجيد‬
‫الثقفي ‪ -‬فإن حديثه مقبول ول يضره اختلطه‪.‬‬
‫‪ (3‬أن يكون التوثيق للراوي في روايته عن بعض شيوخه‪،‬‬
‫والجرح في روايته عن شيوخ معينين‪.‬‬
‫ومثال ذلك حماد بن سلمة؛ فإنه ثقة‪ ،‬وخاصة في روايته عن‬
‫ثابت البناني‪ ،‬ولكن روايته عن قيس بن سعد ل يحتج بها‪ ،‬قال المام‬
‫أحمد‪ :‬ضاع كتابه عنه‪ ،‬فكان يحدث من حفظه فيخطئ‪.‬‬
‫ومثل هشام بن حسان الزدي؛ فإنه ثقة مشهور‪ ،‬لكن ت ُك ُّلم في‬
‫قى من حديثه عن‬
‫روايته عن بعض شيوخه‪ ،‬قال يحيى بن معين‪ :‬ي ُت ّ َ‬
‫عكرمة‪ ،‬وعن عطاء وعن الحسن البصري‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أن يتعذر الجمع بين الجرح والتعديل‪ ،‬وهنا يقدم الجرح‬
‫على التعديل؛ لن المعدل يخبر عما ظهر له من حال ذلك الراوي‪،‬‬
‫دم‬
‫دل‪ ،‬فمعه زيادة علم‪ ،‬فُيق ّ‬
‫والجارح يخبر عن باطن خفي عن المع ّ‬
‫قوله‪.‬‬
‫ط ثلثة‪:‬‬
‫ن ذلك بشرو ٍ‬
‫ولك ّ‬
‫‪(1‬‬

‫سًرا‪.‬‬
‫أن يكون الجرح مف ّ‬

‫‪ (2‬أن ل يكون الجارح متعصًبا على المجروح أو متعنًتا في‬
‫جرحه‪.‬‬
‫‪ (3‬أن ل يبين المعدل أن الجرح قد انتفى عن ذلك الراوي‬
‫بدليل صحيح‪ ،‬وذلك مثل أن يجرحه الجارح بأمر مفسق‬
‫فيبين المعدل أنه قد تاب من ذلك العمل‪.‬‬
‫وبقي إذن أن نعلم أن علماء الحديث اصطلحوا على ألفاظ‬
‫معينة يصفون بها الرواة؛ ليميزوا بها بين مراتب أحاديثهم من‬
‫حيث القبول والرد‪ ،‬وهذه اللفاظ كما يلي‪:‬‬
‫أول‪ :‬ألفاظ التوثيق‪:‬‬
‫‪ (1‬أعلها وصف الراوي بما يدل على المبالغة في‬
‫التوثيق‪ ،‬وأصرح ذلك التعبير بأفعل‪ ،‬كأوثق الناس‪ ،‬أو‬
‫أثبت الناس‪ ،‬أو إليه المنتهى في التثبت‪.‬‬
‫‪ (2‬ثم ما كررت فيه صفة التوثيق لف ً‬
‫ظا‪ ،‬كثقة ثقة‪ ،‬أو‬
‫ى‪ ،‬كثقة حافظ‪ ،‬وثبت حجة‪ ،‬وثقة متقن‪.‬‬
‫معن ً‬

‫‪ (3‬ثم ما انفرد فيه لفظ التوثيق‪ ،‬كثقة‪ ،‬أو ثبت‪ ،‬أو‬
‫إمام‪ ،‬أو حجة‪ .‬أو تعدد ولكن بمعنى المفرد‪ ،‬مثل‪ :‬عدل‬
‫حافظ‪ ،‬أو عدل ضابط‪.‬‬
‫‪ (4‬ثم ما قالوا فيه‪ :‬ل بأس به‪ ،‬أو ليس به بأس ‪ -‬عند‬
‫غير ابن معين ‪ -‬أو صدوق‪ ،‬أو خيار‪ ،‬وأما ابن معين فإنه‬
‫قال‪ :‬إذا قلت لك‪ :‬ليس به بأس فهو ثقة‪.‬‬
‫‪ (5‬ثم ما قالوا فيه‪ :‬محّله الصدق‪ ،‬أو إلى الصدق ما‬
‫هو‪ ،‬أو شيخ‪ ،‬أو مقارب الحديث‪ ،‬أو صدوق له أوهام‪،‬‬
‫أو صدوق يهم‪ ،‬أو صدوق إن شاء الله‪ ،‬أو أرجو أنه ل‬
‫سا‪ ،‬أو صويلح‪ ،‬أو صالح‬
‫بأس به‪ ،‬أو ما أعلم به بأ ً‬
‫الحديث‪.‬‬
‫حكم هذه المراتب‪:‬‬
‫من قيل فيه من الرواة لفظ من ألفاظ المراتب الثلث‬
‫َ‬
‫الولى‪ ،‬فحديثه صحيح‪ ،‬وبعضه أصح من بعض‪ ،‬وأما أهل المرتبة‬
‫الرابعة فحديثهم حسن‪ ،‬وأما أهل المرتبة الخامسة فل ُيحَتج‬
‫بحديثهم‪ ،‬بل ُيكَتب حديثهم للعتبار‪ ،‬فإن وافقهم غيرهم قُب ِ َ‬
‫ل‪،‬‬
‫وإل ُرّد‪.‬‬
‫ضا‪:‬‬
‫ثانًيا‪ :‬ألفاظ الجرح‪ :‬وهي على مراتب أي ً‬
‫‪ (1‬فشّرها الوصف بما دل على المبالغة في الجرح‪،‬‬
‫وأصرح ذلك التعبير بأفعل‪ ،‬كقولهم‪ :‬أكذب الناس‪ ،‬أو‬
‫إليه المنتهى في الكذب‪ ،‬أو هو ركن الكذب‪.‬‬
‫ضاع‪ ،‬أو ك ّ‬
‫ذاب‪ ،‬أو يضع‬
‫‪ (2‬ودونها ما قيل فيه‪ :‬و ّ‬
‫الحديث‪ ،‬أو يختلق الحديث‪ ،‬أو "ل شيء" عند‬
‫الشافعي‪.‬‬
‫‪ (3‬ودونها ما قيل فيه‪ :‬متهم بالكذب‪ ،‬أو بالوضع‪ ،‬أو‬
‫يسرق الحديث‪ ،‬أو ساقط‪ ،‬أو هالك‪ ،‬أو ذاهب الحديث‪،‬‬
‫أو متروك الحديث‪ ،‬أو تركوه‪ ،‬أو فيه نظر‪ ،‬أو سكتوا‬
‫عنه )عند البخاري في اللفظتين الخيرتين فقط(‪ ،‬أو‬
‫ليس بثقة‪.‬‬
‫دا‪ ،‬أو‬
‫‪ (4‬ودونها ما قيل فيه‪ :‬رّدوا حديثه‪ ،‬أو ضعيف ج ً‬
‫واه بمرة‪ ،‬أو تالف‪ ،‬أو ل تحل الرواية عنه‪ ،‬أو ل شيء‪،‬‬
‫أو ليس بشيء عند غير الشافعي‪ ،‬أو منكر الحديث‬
‫عند البخاري‪.‬‬

‫‪ (5‬ودونها ما قيل فيه‪ :‬ضعيف‪ ،‬أو ضعفوه‪ ،‬أو منكر‬
‫الحديث عند غير البخاري‪ ،‬أو مضطرب الحديث‪ ،‬أو ل‬
‫يحتج به‪ ،‬أو واه‪.‬‬
‫‪ (6‬ودونها ما قيل فيه‪ :‬فيه مقال‪ ،‬أو فيه ضعف‪ ،‬أو‬
‫ليس بذلك‪ ،‬أو ليس بالقوي‪ ،‬أو ليس بحجة‪ ،‬أو ليس‬
‫بالمتين‪ ،‬أو سيئ الحفظ‪ ،‬أو لين‪ ،‬أو تعرف وتنكر‪ ،‬أو‬
‫ليس بالحافظ‪.‬‬
‫حكم هذه المراتب‪:‬‬
‫الحكم في المراتب الربع الولى أنه ل ُيحَتج بواحد من‬
‫أهلها‪ ،‬ول ُيستشهد به‪ ،‬ول ُيعتبر به؛ فأهل المرتبة الولى والثانية‬
‫حديثهم موضوع‪ ،‬وأهل الثالثة حديثهم متروك‪ ،‬وأهل الرابعة‬
‫دا‪.‬‬
‫حديثهم ضعيف ج ً‬
‫وأما أهل المرتبة الخامسة والسادسة فُيكَتب حديثهم‬
‫للعتبار‪ ،‬ويرتقي إلى الحسن إذا تعددت طرقه‪ ،‬والله أعلم ‪.‬‬
‫‪179‬‬

‫ن هذه التفاصيل عن علم الجرح والتعديل‪ ،‬وقواعده‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫وضوابطه؛ َلتبين ‪ -‬بما ل يدع مجال ً للشك ‪ -‬مدى الجهد الذي‬
‫سّنة النبوية الشريفة‪،‬‬
‫بذله العلماء المسلمون من أجل توثيق ال ّ‬
‫سنة إل طرقوه؛‬
‫وأنهم ما تركوا سبيل ً للتيقن من ضبط صحة ال ّ‬
‫حيث أنشأوا هذا العلم إنشاًء؛ مما جعله قصًرا على المة‬
‫السلمية‪ ،‬فل توجد أمة تملك هذه الدقة في النقل عن نبيها‪،‬‬
‫ول هذه التراجم الكاملة لكثر من نصف مليون راوٍ من الرواة‪،‬‬
‫ظ وآخر في الجرح والتعديل؛‬
‫ول التفرقة الدقيقة بين كل لف ٍ‬
‫ُ‬
‫بحيث ل ت ُْترك المور للراء الشخصية‪ ،‬فك ّ‬
‫ل من الجرح والتعديل‬
‫مضبوط بقواعد صارمة تحميه من اتباع الهوى‪ ،‬وتحافظ على‬
‫ة بالغة‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫المنهج العلمي في توثيق الرواة محافظ ً‬
‫دقة ومكانة علماء المسلمين الذين دفعتهم غيرتهم وحميتهم‪،‬‬
‫سّنة الصحيحة إلى ابتكار‬
‫وحرصهم على اتباع المة السلمية لل ّ‬
‫ذلك العلم والتنظير له بما ليس له في تاريخ البشرية العلمي‬
‫نظير‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫إبراهيم بن علي آل كليب‪ :‬مهمات علم الحديث‪.‬‬

‫المبحث الثاني‪ :‬علم الطب في الحضارة‬
‫السلمية‬
‫ُيعد ّ الطب من أوسع مجالت العلوم الحياتية التي كان‬
‫للمسلمين فيها إسهامات بارزة على مدار عصور حضارتهم الزاهرة‪..‬‬
‫حا‬
‫وكانت تلك السهامات على نحو غير مسبوق شمول ً وتمي ًّزا وتصحي ً‬
‫للمسار‪ ..‬حتى لُيخّيل للم ّ‬
‫طلع على هذه السهامات الخالدة كأن لم‬
‫ب قبل حضارة المسلمين!!‬
‫يكن ط ّ‬
‫داه إلى‬
‫ولم يقتصر البداع على علج المراض فحسب‪ ..‬بل تع ّ‬
‫تأسيس منهج تجريبي أصيل انعكست آثاره الراقية والرائعة على كافة‬
‫جا‪ ..‬أو مرافق وأدوات‪ ..‬أو أبعاًدا‬
‫جوانب الممارسة الطبّية وقاية وعل ً‬
‫إنسانية وأخلقية تحكم الداء الطبي‪..‬‬
‫وتتجلى روعة السهامات السلمية في الطب في تخريج هذا‬
‫الحشد من العبقريات الطبية النادرة‪ ،‬التي كان لها ‪ -‬بعد الله ‪ -‬الفضل‬
‫ها آخر تابعت المسير على نهجه‬
‫الكبير في تحويل مسار الطب اتجا ً‬
‫أجيا ُ‬
‫ل الطباء إلى يوم الناس هذا‪..‬‬
‫وإن بدايات تلك الصنعة تكمن في أن النسان منذ ُوجد على‬
‫ظهر الرض وهو يهتدي ‪ -‬بإلهام ربه ‪ -‬إلى أنواع من التطبيب تتفق مع‬
‫مستواه العقلي وتطوره النساني‪ ،‬وكان ذلك النوع من الطب ُيعرف‬
‫ما مع المستوى الحضاري للنسان‪ ،‬ولذلك‬
‫بالطب )البدائي( انسجا ً‬
‫نجد ابن خلدون )ت ‪ 808‬هق( يذكر أن‪ .." :‬للبادية من أهل العمران‬
‫طًبا يبنونه في أغلب المر على تجربة قاصرة‪ ،‬ويتداولونه متوارًثا عن‬
‫مشايخ الحي‪ ،‬وربما صح منه شيء‪ ،‬ولكنه ليس على قانون‬
‫طبيعي‪.180"..‬‬
‫ولما جاء السلم كان للعرب في الجاهلية مثل هذا الطب‪،‬‬
‫فحث رسول الله ‪ ‬على التداوي فقال ‪ -‬كما روى أسامة بن شريك‬
‫وا؛ َ‬
‫ج ّ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫م يَ َ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ض َ‬
‫ع َ‬
‫ض ْ‬
‫و َ‬
‫<‪" :-‬ت َ َ‬
‫ع لَ ُ‬
‫ل لَ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫داءً إ ِل ّ َ‬
‫عّز َ‬
‫و ْ‬
‫دا َ‬
‫‪181‬‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫عرف عن رسول الله ‪‬‬
‫دا ٍ‬
‫م" ‪ ..‬و ُ‬
‫وا ِ‬
‫وا ً‬
‫ح ٍ‬
‫غي َْر َ‬
‫هَر ُ‬
‫د‪ :‬ال ْ َ‬
‫ء َ‬
‫دَ َ‬
‫عرف بق‬
‫التداوي بالعسل والتمر والعشاب الطبيعية‪ ،‬وغيرها مما ُ‬
‫"الطب النبوي"‪..‬‬
‫غير أن المسلمين لم يقفوا عند حدود ذلك الطب النبوي )مع‬
‫إيمانهم بنفعه وبركته(‪ ،‬بل أدركوا منذ وقت مبكر أن العلوم الدنيوية ‪-‬‬
‫والطب أحدها ‪ -‬تحتاج إلى دوام البحث والنظر‪ ،‬والوقوف على ما عند‬
‫‪ 180‬ابن خلدون‪ :‬العبر في ديوان المبتدأ والخبر ‪.1/650‬‬
‫‪ 181‬أبو داود‪ :‬كتاب الطب‪ ،‬باب في الرجل يتداوى )‪ ،(3855‬والترمذي )‪ ،(2038‬وقال حديث‬
‫حسن‪ ،‬وابن ماجة )‪ ،(3436‬وأحمد )‪ ،(18477‬والحاكم )‪ ،(8206‬وقال‪:‬حديث صحيح ووافقه‬
‫الذهبي‪ ،‬والبخاري في الدب المفرد )‪ ،(291‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪ (2930‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫ما للستزادة‬
‫المم الخرى منها؛ وذلك تطبي ً‬
‫قا لهدي السلم الدافع دو ً‬
‫من كل ما هو نافع‪ ،‬والبحث عن الحكمة أّنى ُوجدت‪ ..‬فنرى أطباء‬
‫المسلمين يأخذون في التعرف على الطب اليوناني من خلل البلد‬
‫السلمية المفتوحة‪ ،‬كما أن الخلفاء بدءوا يستقدمون الطباء الروم‪،‬‬
‫الذين سرعان ما أخذ عنهم الطباء المسلمون‪ ،‬ونشطوا في ترجمة‬
‫كل ما وقع تحت أيديهم من مؤلفات طبية‪ ،‬ولعل هذا يعتبر من أعظم‬
‫أحداث العصر الموي‪.‬‬
‫وقد تميز علماء الطب المسلمون بأنهم أول من عرف‬
‫حالين(‪ ،‬ومنهم‬
‫مون )الك ّ‬
‫التخصص؛ فكان منهم‪ :‬أطباء العيون‪ ،‬ويس ّ‬
‫جامون(‪ ،‬ومنهم المختصون في أمراض‬
‫الجراحون‪ ،‬والفاصدون )الح ّ‬
‫النساء‪ ,‬وهكذا‪..‬‬
‫وكان من سمات هذا العصر إنشاء المستشفيات النظامية‪،‬‬
‫وبروز الشخصيات السلمية في ميدان علم الطب‪ ،‬وكانت عائلة أبي‬
‫الحكم الدمشقي هي المسيطرة على هذه المهنة في العصر الموي‪،‬‬
‫ضا‪ :‬تياذوق‪ ،‬وقد كان قريًبا من الحجاج‬
‫وكان من هذه الشخصيات أي ً‬
‫بن يوسف الثقفي‪ ،‬وأحمد بن إبراهيم الذي كان طبيب الخليفة‬
‫الموي يزيد بن عبد الملك‪..182‬‬
‫وما كادت عجلة اليام تدور في العصر العباسي حتى أجاد‬
‫المسلمون في كل فرع من فروع الطب‪ ،‬وصححوا ما كان من أخطاء‬
‫العلماء السابقين تجاه نظريات بعينها‪ ،‬ولم يقفوا عند حد النقل‬
‫وبوا أخطاء السابقين‪..‬‬
‫والترجمة فقط‪ ,‬وإنما واصلوا البحث وص ّ‬
‫وكان من عمالقة هذا العصر المبهرين أبو بكر الرازي ~‪،‬‬
‫والذي يعتبر من أعظم علماء الطب في التاريخ قاطبة‪ ..‬وله من‬
‫صا‬
‫النجازات ما يعجز هذا الكتاب عن ض ّ‬
‫مه‪ ،‬وسوف نفرد له حديًثا خا ً‬
‫بإذن الله في موضع آخر من هذا الكتاب‪.‬‬
‫ور عند المسلمين طب العيون )الكحالة(‪ ,‬ولم يطاولهم‬
‫كما تط ّ‬
‫د؛ فل اليونان من قبلهم‪ ،‬ول اللتين المعاصرون لهم‪ ,‬ول الذين‬
‫فيه أح ٌ‬
‫أتوا من بعدهم بقرون بلغوا فيه شأوهم؛ فقد كانت مؤلفاتهم فيه‬
‫الحجة الولى خلل قرون طوال‪ ،‬ول عجب أن كثيرين من المؤلفين‬
‫كادوا يعتبرون طب العيون طًبا عربًيا‪ ،‬ويقّرر المؤرخون أن علي بن‬
‫عيسى الكحال )ت ‪ 400‬هق( كان أعظم طبيب عيون في القرون‬
‫الوسطى برمتها‪ ..‬ومؤلفه )التذكرة( أعظم مؤلفاته‪.183‬‬
‫وإذا طوينا تلك الصفحة المشرقة للرازي وابن عيسى الكحال‬
‫فإننا نجد أنفسنا أمام عملق آخر يعتبر من أعظم الجراحين في‬
‫‪182‬‬
‫‪183‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.410-1/405‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.2/263‬‬

‫التاريخ إن لم يكن أعظمهم على الطلق وهو أبو القاسم‬
‫الزهراوي )ت ‪ 403‬هق( الذي تمكن من اختراع أولى أدوات الجراحة‬
‫كالمشرط والمقص الجراحي‪ ،‬كما وضع السس والقوانين للجراحة‪..‬‬
‫والتي من أهمها ربط الوعية لمنع نزفها‪ ،‬واخترع خيوط الجراحة‪,‬‬
‫وتمكن من إيقاف النزف بالتخثير‪.‬‬
‫وقد كان الزهراوي هو الواضع الول لعلم )المناظير الجراحية(‬
‫وذلك باختراعه واستخدامه للمحاقن والمبازل الجراحية والتي عليها‬
‫يقوم هذا العلم‪ ,‬وقام بالفعل بتفتيت حصوة المثانة بما يشبه المنظار‬
‫في الوقت الحاضر‪ ..‬إلى جانب أنه أول مخترع ومستخدم لمنظار‬
‫المهبل‪.‬‬
‫ويعتبر كتاب الزهراوي‪) :‬التصريف لمن عجز عن التأليف( ‪-‬‬
‫والذي قام بترجمته إلى اللتينية العالم اليطإلى جيراردو‪ 184‬تحت‬
‫اسم ‪ - ( (ALTASRIF‬موسوعة طبية متكاملة لمؤسسي علم الجراحة‬
‫دا‬
‫بأوروبا‪ ,‬وهذا باعترافهم )تتألف هذه الموسوعة من ثلثين مجل ً‬
‫مقسمة إلى ثلثة أقسام‪ :‬الول في )الطب(‪ ،‬والثاني في )الكيمياء(‪،‬‬
‫والثالث في )الجراحة والدوات الجراحية(‪ ..‬ويذهب مؤرخو الطب‬
‫إلى أن الزهرواي كان أول من خص الجراحة بدراسة متميزة وفصلها‬
‫عن سائر المراض التي تعتري جسم النسان‪.‬‬
‫ولقد ح ّ‬
‫ل مبحث أبي القاسم الزهراوي في الجراحة محل‬
‫كتابات القدماء‪ ،‬وظل مبحثه هذا العمدة في فن الجراحة حتى القرن‬
‫السادس عشر )أي لما يزيد على خمسة قرون من زمانه(‪ ،‬ويشتمل‬
‫على صور توضيحية للعديد من آلت الجراحة )أكثر من مائتي آلة‬
‫جراحية!!( كان لها أكبر الثر فيمن أتى من بعده من الجراحين‬
‫الغربيين‪ ،‬وكانت بالغة الهمية على الخص بالنسبة لولئك الذين‬
‫أصلحوا فن الجراحة في أوروبا في القرن السادس عشر‪ ..‬يقول‬
‫عالم وظائف العضاء الكبير هالر‪" :‬إن جميع الجراحين الوروبيين‬
‫الذين ظهروا بعد القرن الرابع عشر قد نهلوا واستقوا من هذا‬
‫المبحث"‪.185‬‬
‫وكانت قد برزت كذلك شخصيات إسلمية أخرى لمعة في‬
‫ميدان علم الطب من أمثال ابن سينا )ت ‪ 428‬هق( الذي استطاع‬
‫أن يقدم للنسانية أعظم الخدمات بما توصل إليه من اكتشافات‪ ،‬وما‬
‫يسره الله له من فتوحات طبية جليلة؛ فقد كان أول من اكتشف‬
‫العديد من المراض التي ما زالت منتشرة حتى الن‪ ،‬فهو الذي‬
‫‪ 184‬جيراردو دا كريمونا )‪ 1114‬ق ‪1187‬م( مستشرق إيطإلي‪ .‬مولده ووفاته في » كريمونا«‬
‫من مدن إيطإليا الشمإلية‪ .‬أقام زمًنا في طليطلة )بالندلس( فترجم عن العربية إلي اللتينية‬
‫أكثر من سبعين كتاًبا من كتب الهيئة وأحكام النجوم والهندسة والطب والطبيعة والكيمياء‬
‫والفلسفة‪.‬‬
‫‪ 185‬جوستاف لوبون‪ :‬حضارة العرب ص ‪.591‬‬

‫اكتشف لول مرة طفيل )النكلستوما(‪ ,‬وسماها الدودة المستديرة‪،‬‬
‫وهو بذلك قد سبق العاِلم اليطإلى "دوبيني" بنحو ‪ 900‬سنة‪ ..‬كما أنه‬
‫أول من وصف اللتهاب السحائي‪ ،‬وأول من فّرق بين الشلل الناجم‬
‫عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي‪،‬‬
‫فا بذلك ما‬
‫ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم‪ ،‬مخال ً‬
‫استقر عليه أساطين الطب اليوناني القديم‪ ،‬فضل ً عن أنه أول من‬
‫فّرق بين المغص المعوي والمغص الكلوي‪..186‬‬
‫ضا ‪ -‬طرق العدوى لبعض‬
‫كما كشف ابن سينا ‪ -‬لول مرة أي ً‬
‫المراض المعدية كالجدري والحصبة‪ ،‬وذكر أنها تنتقل عن طريق‬
‫بعض الكائنات الحية الدقيقة في الماء والجو‪ ،‬وقال‪" :‬إن الماء يحتوي‬
‫على حيوانات صغيرة جدا ل ُترى بالعين المجردة‪ ،‬وهي التي تسبب‬
‫بعض المراض‪ ,187"..‬وهو ما أكده "فان ليوتهوك" في القرن الثامن‬
‫عشر والعلماء المتأخرون من بعده‪ ،‬بعد اختراع المجهر‪.‬‬
‫ولهذا فإن ابن سينا يعد أول من أرسى )علم الطفيليات ( الذي‬
‫يحتل مرتبة عالية في الطب الحديث؛ فقد وصف لول مرة )التهاب‬
‫السحايا الولي( وفّرقه عن )التهاب السحايا الثانوي( ‪ -‬وهو اللتهاب‬
‫ضا عن طريقة‬
‫السحائي ‪ -‬وغيره من المراض المماثلة‪ ..‬كما تحدث أي ً‬
‫عا من السرطانات‬
‫استئصال )اللوزتين(‪ ،‬وتناول في آرائه الطبية أنوا ً‬
‫‪188‬‬
‫كسرطان الكبد‪ ،‬والثدي‪ ،‬وأورام العقد الليمفاوية‪ ..‬وغيرها ‪.‬‬
‫وُيظهر ابن سينا براعة كبيرة ومقدرة فائقة في علم الجراحة؛‬
‫فقد ذكر عدة طرق ليقاف النزيف‪ ،‬سواء بالربط أو إدخال الفتائل أو‬
‫بالكي بالنار أو بدواء كاٍو‪ ،‬أو بضغط اللحم فوق العرق‪ ..‬كما تحدث‬
‫سهام واستخراجها من الجروح‪ ،‬وح ّ‬
‫ذر‬
‫عن كيفية التعامل مع ال ّ‬
‫المعالجين من إصابة الشرايين أو العصاب عند إخراج السهام من‬
‫الجروح‪ ،‬كما نّبه إلى ضرورة أن يكون المعالج على معرفة تامة‬
‫بالتشريح‪.189‬‬
‫ويعتبر ابن سينا أول من اكتشف ووصف عضلت العين‬
‫الداخلية‪ ،‬وأول من قال بأن مركز البصر ليس في الجسم البلوري‬
‫كما كان ُيعتقد من قبل‪ ،‬وإنما هو في العصب البصري‪.190‬‬

‫‪ 186‬عامر النجار‪ :‬في تاريخ الطب في الدولة السلمية ص ‪.133 ،132‬‬
‫‪ 187‬علي بن عبد الله الدفاع‪ :‬رواد علم الطب في الحضارة السلمية ص ‪.298‬‬
‫‪ 188‬عامر النجار‪ :‬في تاريخ الطب في الدولة السلمية ص ‪ ،133‬واظر‪ :‬فوزي طوقان‪ :‬العلوم‬
‫عند العرب ص ‪.17‬‬
‫‪ 189‬انظر‪ :‬محمود الحاج قاسم‪ :‬الطب عند العرب والمسلمين ص ‪.118‬‬
‫‪ 190‬حسن الشرقاوي‪ :‬المسلمون علماء وحكماء ص ‪ ،160‬مؤسسة مختار الطبعة الولى‬
‫‪.1978‬‬

‫عا؛ فقد قام بعمليات جراحية دقيقة‬
‫حا بار ً‬
‫وكان ابن سينا جّرا ً‬
‫‪191‬‬
‫ق‬
‫للغاية مثل استئصال الورام السرطانية في مراحلها الولى ‪ ,‬وش ّ‬
‫الحنجرة والقصبة الهوائية‪ ،‬واستئصال الخّراج من الغشاء البلوري‬
‫بالرئة‪ ،‬كما عالج البواسير بطريقة الربط‪ ،‬ووصف ‪ -‬بدقة ‪ -‬حالت‬
‫النواسير البولية‪ ..‬إلى جانب أنه توصل إلى طريقة مبتكرة لعلج‬
‫الناسور الشرجي ل تزال تستخدم حتى الن! وتعّرض لحصاة الكلى‬
‫وشرح كيفية استخراجها والمحاذير التي يجب مراعاتها‪ ،‬كما ذكر‬
‫حالت استعمال القسطرة‪ ،‬وكذلك الحالت التي ُيحذر استعمالها‬
‫فيها‪.192‬‬
‫كما كان له باع كبير في مجال المراض التناسلية؛ فوصف بدقة‬
‫بعض أمراض النساء مثل‪ :‬النسداد المهبلي‪ ,‬والسقاط‪ ،‬والورام‬
‫الليفية‪.‬‬
‫وتحدث عن المراض التي يمكن أن تصيب النفساء‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫النزيف‪ ،‬واحتباس الدم‪ ،‬وما قد يسببه من أورام وحميات حادة‪،‬‬
‫وأشار إلى أن تعفن الرحم قد ينشأ من عسر الولدة أو موت الجنين‪،‬‬
‫ضا للذكورة والنوثة‬
‫وهو ما لم يكن معروًفا من قبل‪ ..‬كما تعرض أي ً‬
‫في الجنين‪ ,‬وعزاها إلى الرجل دون المرأة‪ ،‬وهو المر الذي أكده‬
‫مؤخًرا العلم الحديث‪.193‬‬
‫وإلى جانب كل ما سبق‪ ..‬كان ابن سينا على دراية واسعة‬
‫قا في تحديده للغاية والهدف من‬
‫حا دقي ً‬
‫بطب السنان‪ ,‬وكان واض ً‬
‫مداواة نخور السنان حين قال‪" :‬الغرض من علج التآكل منع الزيادة‬
‫على ما تآكل؛ وذلك بتنقية الجوهر الفاسد منه‪ ،‬وتحليل المادة المؤدية‬
‫إلى ذلك‪ ."..‬ونلحظ أن المبدأ الساسي لمداواة السنان هو‬
‫ما مع رفع‬
‫المحافظة عليها‪ ,‬وذلك بإعداد الحفرة إعداًدا فنّيا ملئ ً‬
‫الجزاء النخرة منها‪ ،‬ثم يعمد إلى ملئها بالمادة الحاشية المناسبة‬
‫لتعويض الضياع المادي الذي تعرضت له السن‪ ،‬مما يعيدها بالتالي‬
‫إلى أداء وظيفتها من جديد‪.194‬‬
‫ولم تكن تلك حالت استثنائية للعبقرية السلمية في مجال‬
‫الطب‪ ,‬فقد حفل سجل المجاد الحضارية السلمية بالعشرات‪ ،‬بل‬
‫المئات من الرواد الذين تتلمذت عليهم البشرية قروًنا طويلة‪ ,‬وشهد‬
‫ضا ابن‬
‫بفضلهم وسْبقهم العداء قبل الصدقاء‪ ..‬فكان منهم أي ً‬
‫النفيس )ت ‪ 687‬هق( الذي عارض نظرية جالينوس الذي كان يقول‬
‫بوجود ثقب بين بطيني القلب اليمن واليسر‪ ،‬فصحح ابن النفيس‬
‫‪191‬‬
‫‪192‬‬
‫‪193‬‬
‫‪194‬‬

‫انظر‪:‬‬
‫انظر‪:‬‬
‫انظر‪:‬‬
‫انظر‪:‬‬

‫محمود الحاج قاسم‪ :‬الطب عند العرب والمسلمين ص ‪.148‬‬
‫ابن سينا‪ :‬القانون ‪.3/165‬‬
‫ابن سينا‪ :‬القانون ‪.2/586‬‬
‫ابن سينا‪ :‬القانون ‪.1/192‬‬

‫هذا الخطأ‪ ..‬ومنه اكتشف الدورة الدموية الصغرى‪ ،‬حيث لحظ من‬
‫خلل دراسته لحركة الدم في القلب أن الدم الذي يصل إلى التجويف‬
‫اليسر من تجويفي القلب يكون مختل ً‬
‫طا بالهواء‪ ،‬وأن الدم الذي‬
‫تل ّ‬
‫طف )أي انخفضت درجة حرارته( في التجويف اليمن ول منفذ له‬
‫من داخل القلب ليس أمامه سوى أن ينفذ إلى الرئة‪ ..‬وهكذا قرر أن‪:‬‬
‫خنه‬
‫"انتقال الدم إلى البطين اليسر إنما هو من الرئة‪ ,‬بعد تس ّ‬
‫وتصّعده من البطين اليمن‪ ,"..‬وينفي )ابن النفيس( أن يكون للدم‬
‫مجرى آخر؛ فهو ليس خاضًعا لي مد ّ أو جزر‪ ،‬واتجاهه واحد‪.‬‬
‫وهكذا أثبت ابن النفيس أن اتجاه الدم إنما يكون على هذا‬
‫النحو‪ :‬يمر من التجويف اليمن للقلب إلى الرئة حيث يخالط الهواء‪،‬‬
‫ومن الرئة عن طريق الشريان الرئوي إلى التجويف اليسر ‪ ،‬بل‬
‫ويزيد على ذلك بأن يفصل القول في )الشريان الوريدي( الرئوي‬
‫ويصفه بأنه ذو طبقتين؛ وذلك حتى يكون ما ينفذ من مسامه شديد‬
‫الرقة‪ ،‬وأن شبهه بالشريان جاء من كونه ينبض‪ ،‬ولما كان نبض‬
‫العروق من خواص الشريان كان إلحاق هذا العرق الرئوي‬
‫بالشرايين‪..195‬‬
‫قا للدورة الدموية الصغرى‪،‬‬
‫فا دقي ً‬
‫وهكذا قدم ابن النفيس وص ً‬
‫لم ُيسَبق إليه‪.‬‬

‫المسلمون وابتكار المستشفيات‬
‫ل شك أن إسهامات المسلمين في مجال الطب ل ُتحصى‪..‬‬
‫ج ّ‬
‫ل هذه السهامات وأعظمها أن المسلمين هم أول من‬
‫ولعل من أ َ‬
‫أسس المستشفيات في العالم‪ ،‬بل إنهم سبقوا غيرهم في ذلك المر‬
‫بأكثر من تسعة قرون!!‬
‫ُ‬
‫سس أول مستشفي إسلمي في عهد الخليفة الموي‬
‫فقد أ ّ‬
‫الوليد بن عبد الملك‪ ،‬والذي حكم من سنة ‪ 86‬هق إلى سنة ‪ 96‬هق‪،‬‬
‫صا في الجذام‪ ،196‬وأنشئت بعد ذلك‬
‫وكان هذا المستشفي متخص ً‬
‫ما؛‬
‫المستشفيات العديدة في العالم السلمي‪ ،‬وبلغ بعضها شأًوا عظي ً‬
‫عا للعلم والطب‪ ،‬وُتعتبر من‬
‫حتى كانت هذه المستشفيات ُتعد ّ قل ً‬
‫ُ‬
‫شئ أول مستشفي‬
‫أوائل الكليات والجامعات في العالم‪ ..‬بينما أن ِ‬
‫أوروبي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون!!‬
‫‪ 195‬عامر النجار‪ :‬في تاريخ الطب في الدولة السلمية ص ‪ ،148،147‬وانظر‪ :‬محمود الحاج‬
‫محمد قاسم‪ :‬الطب عند العرب والمسلمين ص ‪ ،101‬عمر فاروق الطباع‪ :‬ابن النفيس قي‬
‫تاريخ الطب العربي ص ‪..184-179‬‬
‫‪ 196‬الطبري‪ :‬تاريخ المم والملوك ‪.4/29‬‬

‫ستانات(‪ ،‬وكان منها‬
‫وكانت المستشفيات ُتعرف بق )البيمارِ ْ‬
‫الثابت ومنها المتن ّ‬
‫قل‪ ،‬فالثابت هو الذي ُين َ‬
‫شأ في المدن‪ ،‬وقّلما‬
‫تجد مدينة إسلمية ‪ -‬ولو صغيرة ‪ -‬بغير مستشفي‪ ،‬أما المستشفي‬
‫المتنقل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال‪!!..‬‬
‫مل على مجموعة كبيرة من‬
‫وكانت المستشفيات المتن ّ‬
‫قلة ُتح َ‬
‫جمال )وصلت في بعض الحيان إلى أربعين جم ً‬
‫ل!! وذلك في عهد‬
‫ال ِ‬
‫السلطان محمود السلجوقي ~‪ ،‬والذي حكم من سنة ‪ 511‬هق إلى‬
‫مزّودة باللت العلجية والدوية‪،‬‬
‫سنة ‪ 525‬هق( وكانت هذه القوافل ُ‬
‫ويرافقها عدد من الطباء‪ ،‬وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة في‬
‫المة السلمية‪.197‬‬
‫وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة‬
‫ضدي‬
‫دا في المستوى‪ ،‬وكان من أشهرها المستشفي الع ُ‬
‫راقية ج ً‬
‫ببغداد‪ ،‬والذي أنشئ في سنة ‪ 371‬هق‪ ،‬والمستشفي النوري بدمشق‪،‬‬
‫والذي أنشئ في سنة ‪ 549‬هق‪ ،‬والمستشفي المنصوري الكبير‬
‫بالقاهرة‪ ،‬والذي ُأنشئ سنة ‪ 683‬هق‪ ،‬وكان بقرطبة وحدها أكثر من‬
‫خمسين مستشفي‪!!198‬‬
‫سم إلى أقسام بحسب‬
‫وكانت هذه المستشفيات العملقة ُتق ّ‬
‫التخصص؛ فهناك أقسام للمراض الباطنة‪ ،‬وأقسام للجراحة‪ ،‬وأقسام‬
‫للمراض الجلدية‪ ،‬وأقسام لمراض العيون‪ ،‬وأقسام للمراض‬
‫النفسية‪ ،‬وأقسام للعظام والكسور وغيرها‪..‬‬
‫ولم تكن تلك المستشفيات مجرد دور علج‪ ،‬بل كانت كّليات‬
‫طب حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصص )الستاذ(‬
‫يمّر على الحالت في الصباح‪ ،‬ومعه الطباء الذين هم في أولى‬
‫مراحلهم الطبية‪ ،‬فيعلمهم‪ ،‬ويدّون ملحظاته‪ ،‬ويصف العلج‪ ،‬وهم‬
‫يراقبون ويتعلمون‪ ،‬ثم ينتقل الستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس‬
‫ضح‪ ،‬ويجيب عن‬
‫حوله الطلب فيقرأ عليهم الكتب الطبية‪ ،‬ويشرح ويو ّ‬
‫أسئلتهم‪ ..‬بل إنه يعقد لهم امتحاًنا في نهاية كل برنامج تعليمي معين‬
‫ينتهون من دراسته‪ ،‬ومن ثم يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا‬
‫فيه‪.‬‬
‫وكانت المستشفيات السلمية تضم في داخلها مكتبات ضخمة‬
‫تحوي عدًدا هائل ً من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم‬
‫التشريح ووظائف العضاء‪ ..‬إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب‪،‬‬
‫وغير ذلك من علوم تهم الطبيب‪..‬‬

‫‪197‬‬
‫‪198‬‬

‫ابن القفطي‪ :‬تاريخ الحكماء ص ‪.405‬‬
‫محمود الحاج قاسم‪ :‬الطب عند العرب والمسلمين ص ‪.329،328‬‬

‫ومما يذكر على سبيل المثال ‪ -‬لنعرف ضخامة هذه المكتبات ‪-‬‬
‫أن مكتبة مستشفي ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر‬
‫من مائة ألف كتاب!!‬
‫وكانت ُتزَرع ‪ -‬إلى جوار المستشفيات ‪ -‬المزارع الضخمة التي‬
‫تنمو فيها العشاب الطبية والنباتات العلجية؛ وذلك لمداد‬
‫المستشفي بما يحتاجه من الدوية‪.‬‬
‫أما الجراءات التي كانت ُتتخذ في المستشفيات لتجنب‬
‫العدوى فكانت من نوع خاص فريد؛ فكان المريض إذا دخل‬
‫المستشفي ُيسّلم ملبسه التي دخل بها‪ ،‬ثم ُيع َ‬
‫طى ملبس جديدة‬
‫مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملبسه التي كان يرتديها حين‬
‫مرض‪ ،‬ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه‪ ،‬ول ُيسمح له‬
‫ضا‪ ،‬وينام كل مريض‬
‫بدخول العنابر الخرى لمنع انتقال العدوى أي ً‬
‫على سرير خاص به‪ ،‬وعليه ملءات جديدة وأدوات خاصة‪!!..‬‬
‫قارن كل ذلك بالمستشفي الذي ُأنشئ في باريس بعد هذه‬
‫المستشفيات السلمية بقرون‪ ،‬حيث كان المرضى ُيجبرون على‬
‫القامة في عنبر واحد‪ ،‬وذلك بصرف النظر عن نوعية أمراضهم‪ ،‬بل‬
‫وُيضطرون لنوم ثلثة أو أربعة‪ ،‬وأحياًنا خمسة من المرضى على‬
‫سريرٍ واحد!! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالت الكسور إلى‬
‫جوار السيدة التي تلد!! كما كان الطباء والممرضون ل يستطيعون‬
‫مامات على النف من الرائحة شديدة‬
‫دخول العنابر إل بوضع ك ّ‬
‫العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى ل ُينقلون إلى خارج‬
‫ة على القل من الوفاة!! ولك‬
‫العنابر إل بعد مرور أربٍع وعشرين ساع ً‬
‫‪199‬‬
‫أن تتخيل مدى خطورة هذا المر على بقية المرضى !!‬
‫ضا من المستشفيات الرائدة في‬
‫وإذا أردنا أن نستعرض بع ً‬
‫ضدي‪ ،‬الذي‬
‫التاريخ السلمي‪ ،‬فكان من أعظمها‪ :‬المستشفي الع ُ‬
‫أنشأه عضد الدولة ابن بويه عام ‪ 371‬هق في بغداد‪ ،‬وكان يقوم‬
‫دا‪،‬‬
‫بالعلج فيه عند إنشائه أربعة وعشرون طبيًبا‪ ..‬تزايدوا بعد ذلك ج ً‬
‫كما كان يضم مكتبة علمية فخمة وصيدلية ومطابخ‪ ،‬وكان يخدم فيه‬
‫عدد ضخم من الموظفين والفّراشين‪ ،‬وكان الطباء يتناوبون على‬
‫ة وعشرين‬
‫خدمة المرضى بحيث يكون هناك أطباء بالمستشفي أربع ً‬
‫ساعة يومًيا‪.‬‬
‫ضا‪ :‬المستشفي‬
‫ومن المستشفيات السلمية العظمى أي ً‬
‫النوري الكبير بدمشق‪ ،‬والذي أنشأه السلطان العادل نور الدين‬
‫ج ّ‬
‫ل‬
‫محمود الشهيد ~‪ ،‬وذلك في سنة ‪ 549‬هق‪ ،‬وكان من أ َ‬
‫دا من‬
‫المستشفيات وأعظمها‪ ،‬واستمر في العمل فترة طويلة ج ً‬
‫‪199‬‬

‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا‪ ،‬مصطفى السباعي ص ‪.117،116‬‬

‫الزمان‪ ،‬حيث بقي يستقبل المرضى حتى سنة ‪ 1317‬هق )‪1899‬م(‬
‫أي قرابة ثمانمائة سنة!!‬
‫كذلك من أعظم المستشفيات في تاريخ السلم‪:‬‬
‫المستشفي المنصوري الكبير‪ ،‬الذي أنشأه الملك المنصور سيف‬
‫الدين قلوون ~ في القاهرة‪ ،‬وذلك سنة ‪ 683‬هق‪ ..‬وكان آية من آيات‬
‫الدنيا في الدقة والنظام والنظافة‪ ،‬وكان من الضخامة بحيث إنه كان‬
‫يعالج في اليوم الواحد أكثر من أربعة آلف مريض!!‬
‫ول ننسى في هذا المضمار مستشفي مراكش‪ ،‬والذي‬
‫أنشأه المنصور أبو يوسف يعقوب ~‪ ،‬ملك دولة الموحدين بالمغرب‪،‬‬
‫والذي حكم من ‪ 580‬هق إلى ‪ 595‬هق‪ ،‬وكان بناء هذا المستشفي آية‬
‫من آيات والتقان والروعة! فقد ُ‬
‫غرست فيه جميع أنواع الشجار‬
‫والزروع‪ ،‬بل كانت في داخله أربع بحيرات صناعية صغيرة!! وكان‬
‫دا من حيث المكانيات الطبية والدوية الحديثة‬
‫لج ً‬
‫على مستوىً عا ٍ‬
‫‪200‬‬
‫والطباء المهرة ‪..‬‬
‫لقد كان ‪ -‬بحق ‪ -‬دّرة في جبين المة السلمية‪..‬‬
‫ليس هذا فقط‪ ..‬بل كانت هناك المستشفيات المتخصصة‪،‬‬
‫عا معيًنا من المراض‪ :‬كمستشفيات العيون‪،‬‬
‫التي ل تعالج إل نو ً‬
‫ومستشفيات الجذام‪ ،‬ومستشفيات المراض العقلية‪ ،‬وغير ذلك‪..‬‬
‫وأعجب منه وأغرب‪ :‬أنه كانت توجد في بعض المدن السلمية‬
‫دث ابن جبير ~ في رحلته التي‬
‫الكبرى أحياء طبية متكاملة؛ فقد ح ّ‬
‫قام بها في سنة ‪ 580‬هق تقريًبا‪ ،‬أنه رأى في بغداد ‪ -‬عاصمة الخلفة‬
‫العباسية ‪ -‬ح ّّيا كامل ً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة‪ ،‬يتوسطه قصر‬
‫فا‬
‫فخم جميل‪ ،‬تحيط به الحدائق والبيوت المتعددة‪ ،‬وكان كل ذلك وق ً‬
‫على المرضى‪ ،‬وكان يؤمه الطباء من مختلف التخصصات‪ ،‬فضل عن‬
‫الصيادلة وطلبة الطب‪ ..‬وكانت النفقة جارية عليهم من الدولة ومن‬
‫الوقاف التي يجعلها الغنياء من المة لعلج الفقراء وغيرهم‪.201‬‬

‫منهج إسلمي فريد لدراسة الطب‬
‫ت تلك النجازات السابقة في مجالت الطب عند‬
‫لم تأ ِ‬
‫المسلمين بصورة عشوائية غير مدروسة‪ ،‬وإنما كان هناك منهج واضح‬
‫قاد إلى هقذا المستوى الراقي في البحث‪ ،‬وقاد إلى نتائج متميزة في‬
‫هذا العلم المهم‪.‬‬
‫‪200‬‬
‫‪201‬‬

‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا ص ‪.118-110‬‬
‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا ص ‪.101‬‬

‫ولهذا المنهج الحضاري الراقي خصائص كثيرة‪ ،‬سنتعرف الن‬
‫على ثلثة منها قادت إلى هذا التميز الملموس‪:‬‬

‫الخاصية الولى‪ :‬النفتاح على الغير‪:‬‬
‫كانت الحضارة السلمية منفتحة تمام النفتاح في أمور العلوم‬
‫الحياتية على غيرها من الحضارات‪ ،‬ولم يكن هناك أي حرج في أن‬
‫يأخذ العلماء المسلمون من غير المسلمين‪ ،‬أو أن يعطي علماء‬
‫المسلمين سواهم من غير المسلمين‪..‬‬
‫فكان العلماء المسلمون ينظرون إلى العلوم الحياتية كميراث‬
‫إنساني عام تستفيد فيه كل أمة من تجارب المم الخرى‪ ،‬ولم يكن‬
‫الطب بمنأىً عن هذه النظرة‪ ،‬بل كان من أهم العلوم التي اعتنى‬
‫المسلمون فيها بالجمع والتطوير والبتكار؛ لنه من أهم العلوم‬
‫النسانية‪ ،‬بل إن كثيًرا من علماء المسلمين يعدون الطب هو أشرف‬
‫العلوم النسانية بعد العلوم الشرعية؛ وذلك لحاجة الناس إليه‪،‬‬
‫ولكونه يحفظ الروح‪ ،‬والعقل‪ ،‬والجسد‪ ..‬ومن ثم يحفظ النسان لداء‬
‫مهامه الشرعية والحياتية في الدنيا‪..‬‬
‫ولذلك نجد أن الطب من أوائل العلوم التي اهتم علماء‬
‫المسلمين بالبحث فيها‪ ،‬عن طريق ترجمة أعمال السابقين من‬
‫الطباء من الحضارات المختلفة‪ ،‬وكانت أولى هذه المحاولت على يد‬
‫خالد بن يزيد الموي )ت ‪85‬هق( والذي اهتم بالطب والكيمياء‪ ،‬وبدأ‬
‫يترجم الكتب اليونانية‪ ،‬وخاصة ما كان موجوًدا منها في مكتبة‬
‫السكندرية بمصر‪..202‬‬
‫وفي عهد الخلفة العباسية تزايدت حركة الترجمة بشكل‬
‫ملحوظ‪ ،‬وخاصة في عهد هارون الرشيد ~‪ ،‬ثم ابنه المأمون من‬
‫حا غير مسبوق على كل العلوم‬
‫بعده‪ ،‬وانفتح أطباء المسلمين انفتا ً‬
‫الطبية من مختلف الحضارات؛ فترجمت المؤلفات اليونانية‬
‫والفارسية والهندية والرومانية والسريانية في الطب‪ ..‬وا ّ‬
‫طلع‬
‫م هائل من التجارب‪ ،‬وبخاصة التجارب اليونانية‬
‫المسلمون على ك ّ‬
‫القديمة‪..203‬‬
‫ول نبالغ إذا ذكرنا أن الذي عّرف الوروبيين بتاريخ أجدادهم‬
‫اليونان هم المسلمون؛ لن كتب الطباء اليونانيين والرومانيين كانت‬
‫ملة في الديرة والكنائس وبعض القصور والمكتبات‪ ..‬فأخذت تلمع‬
‫مه َ‬
‫في سماء الدنيا أسماء لطباء يونانيين لم تكن معروفة قبل ذلك مثل‪:‬‬
‫أبقراط‪ ،‬وجإلينوس‪ ،‬وغيرهما‪..‬‬
‫ومن المهم هنا أن نلفت النظار إلى ثلث نقاط مهمة في هذه‬
‫الخاصية )خاصية النفتاح على الغير(‪:‬‬
‫‪202‬‬
‫‪203‬‬

‫ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية ‪.9/60‬‬
‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا‪ ،‬مصطفى السباعي ص ‪.122‬‬

‫النقطة الولى‪ :‬أن الطباء المسلمين كانوا من المانة‬
‫ما كانوا ينسبون الفضل لهله‪ ،‬وما اّدعى‬
‫والنزاهة بحيث إنهم دائ ً‬
‫قا علمًيا نقله من عالم من‬
‫طبيب مسلم اكتشاًفا طبًيا أو سب ً‬
‫الحضارات الخرى‪ ،‬بل امتلت كتب الطباء المسلمين بأسماء العلماء‬
‫الذين نقلوا عنهم‪ ،‬وأعطوهم التقدير الكافي والتبجيل الواضح‪..‬‬
‫ولك أن تستمع إلى كلم العلمة السلمي الطبيب المشهور‬
‫أبي بكر الرازي صاحب كتاب الحاوي )من أعظم الكتب في تاريخ‬
‫الطب( وهو يقول‪ .." :‬ولقد جمعت في كتابي هذا جمل ً وعيوًنا من‬
‫صناعة الطب مما استخرجته من كتب )أبقراط( و)جإلينوس(‬
‫و)أرماسوس(‪ ..‬ومن دونهم من قدماء فلسفة الطباء‪ ،‬ومن بعدهم‬
‫من المحدثين في أحكام الطب مثل )بولس( و)آهرون( و)حنين بن‬
‫إسحاق( و)يحيى بن ماسويه(‪ ...‬وغيرهم"‪.204‬‬
‫هذه المانة العلمية المشّرفة كانت بالفعل من أعظم مناقب‬
‫علماء المسلمين‪ ،‬وبخاصة أن المعاصرين من أبناء المم الخرى لم‬
‫دا أن‬
‫يكونوا يعرفون تاريخ أجدادهم‪ ،‬وبالتالي فقد كان من السهل ج ً‬
‫ُتسرق أبحاثهم‪ ،‬لول البعد الخلقي العميق عند علماء المسلمين‪.‬‬
‫دا‬
‫أما النقطة الثانية فهي‪ :‬أن أطباء المسلمين لم يقفوا أب ً‬
‫عند حد النقل والترجمة‪ ،‬وإنما أخذوا تدريجًيا في تطوير ما نقلوه‪ ،‬ثم‬
‫وصلوا إلى مرحلة البتكار والتأليف‪ ،‬بل تناولوا ما نقلوه بالنقد‬
‫والتحليل‪ ،‬ولم يكن هناك أدنى تردد في تناول نظريات مشاهير‬
‫الطباء القدماء بالتعليق والضافة والحذف‪ ..‬وأحياًنا بالعتراض‬
‫الكامل على المحتوى‪ ،‬وذلك مثل ما فعله ابن النفيس ~‪ ،‬عندما‬
‫ة في اتجاه سير الدم من القلب‪ ،‬وقاده‬
‫رفض نظرية جالينوس كلي ً‬
‫قا‬
‫هذا العتراض إلى اكتشاف الدورة الدموية الصغرى‪ ،‬فكان ذلك سب ً‬
‫علمًيا هائل ً‪..205‬‬
‫لقد كان الطباء المسلمون علماء بحق‪ ،‬وكانوا يتميزون‬
‫سر لهم قيادة البشرية لعدة‬
‫بعقليات مفكرة‪ ،‬وطاقات جبارة‪ ,‬مما ي ّ‬
‫قرون في هذا المجال المهم من مجالت العلوم‪.‬‬
‫والنقطة الثالثة هي‪ :‬أن الطباء المسلمين لم يجعلوا الطب‬
‫حكًرا عليهم‪ ،‬حتى في زمان قوة دولتهم‪ ,‬بل فتحوا الباب لكل العلماء‬
‫المعاصرين من الديانات الخرى؛ ليدلوا بدلوهم‪ ،‬وليساهموا‬
‫بإنجازاتهم في سبيل تقدم هذا العلم المهم‪ ..‬علم الطب‪..‬‬
‫فقد ظهرت أسماء نصرانية ويهودية مؤثرة في علم الطب مثل‬
‫قسطا بن لوقا البعلبكي‪ ،‬وأبي النصر المسيحي‪ ،‬وهبة الله بن جميع‬
‫‪204‬‬
‫‪205‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.1/70‬‬
‫عامر النجار‪ :‬في تاريخ الطب في الدولة السلمية ص ‪..148،147‬‬

‫ة‬
‫ت نصراني ٌ‬
‫السرائيلي‪ ،‬وغيرهم وغيرهم‪ ..‬لدرجة أنه كان هناك عائل ٌ‬
‫ب اهتمامها الساسي على علم الطب؛ ولذلك تراها وقد‬
‫كامل ٌ‬
‫ة انص ّ‬
‫برعت فيه‪ ,‬وتبوأت مكانة مرموقة في الدولة السلمية‪ ،‬وذلك مثل‬
‫عائلة آل بختيشوع النصرانية‪ ،‬والتي ظلت تحترف الطب لثلثة قرون‬
‫كاملة‪ ،‬وكان لها مكانة عظيمة عند خلفاء بني العباس‪ ،‬وكان من‬
‫أشهر علمائهم جبرائيل بن بختيشوع‪ ،‬الطبيب الخاص لجعفر البرمكي‬
‫)أحد كبار رجال الدولة في عهد هارون الرشيد ~(‪..206‬‬
‫وتكفي الشارة إلى أمر يدل على مدى التسامح الذي كان عند‬
‫قادة المسلمين‪ ،‬ومدى القتناع عندهم بقبول الخر‪ ،‬وهو أن الناصر‬
‫صلح الدين اليوبي ‪ - ~ -‬عندما دخل مصر‪ ،‬كان بصحبته ثمانية عشر‬
‫طبيًبا‪ ،‬من بينهم ثمانية مسلمون وخمسة يهود وأربعة من النصارى‪،‬‬
‫وسامري واحد‪!!..‬‬
‫وهكذا وشت الحضارة السلمية علم الطب ‪ -‬بكل تخصصاته‬
‫وفروعه ‪ -‬بكل نافع ومفيد‪ ،‬واستطاعت أن تضيف المزيد إليه‪ ،‬وتترك‬
‫بصماتها الواضحة عليه‪ ،‬بما يفيد المسلمين والبشرية جمعاء‪ ..‬فأْثرت‬
‫الحضارة النسانية بصفة عامة في هذا الجانب‪ ،‬واستطاعت أن تكمل‬
‫مسيرتها فيه من بعد ما ارتكزت على السابقين‪..‬‬
‫وهذا ما يجب أن يكون عليه تعامل المسلمين مع العلوم‬
‫الحياتية الن بصفة عامة‪..‬‬
‫الخاصية الثانية‪ :‬العتماد على التجريب والتطبيقات‬
‫الواقعية‪:‬‬
‫كانت الخاصية الثانية التي ميزت المنهج الحضاري عند‬
‫المسلمين في دراسة الطب هي اعتمادهم على التجربة والمشاهدة‬
‫جا فلسفًيا نظرًيا بحًتا‪ ،‬وإنما اعتمد ‪-‬‬
‫والفروض؛ بمعنى أنه لم يكن منه ً‬
‫وبشكل رئيسي ‪ -‬على التجارب العملية والتطبيقات الواقعية‪ ..‬وهذا‬
‫يميزه كثيًرا عن المناهج الطبيعية اليونانية‪ ،‬والتي كانت في أغلبها‬
‫فلسفات نظرية‪ ،‬ل تطبيق لها في الكثير من الحايين‪ ،‬حتى وإن كانت‬
‫صحيحة!‬
‫فقد اعتمد الطباء المسلمون المنهج التجريبي في علم الطب‪،‬‬
‫وكانوا يقومون في ذلك بتجربة طرق مختلفة ومتعددة للعلج‪،‬‬
‫وملحظة الفروق بين هذه الطرق‪ ،‬وتسجيل ذلك بعناية ودقة‪..‬‬
‫ما بالًغا؛‬
‫واهتم الطباء المسلمون بتسجيل الملحظات اهتما ً‬
‫فكانوا يدّونون ما يشاهدونه في الحالت المرضية المختلفة‪ ،‬كما‬
‫اهتموا بمحاولة تبرير هذه الملحظات بما يستطيعون‪ ،‬أو محاولة‬
‫‪206‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.2/15،14‬‬

‫ابتكار العلج المناسب لكل حالة‪ ..‬وبذلك حدث المزج الرائع بين‬
‫العلوم النظرية والعلوم العملية‪ ،‬واستفادت البشرية من جهود العلماء‬
‫السابقين واللحقين‪..‬‬
‫يقول ابن سينا العلمة السلمي المتميز‪" :‬تعهدت المرضى؛‬
‫ي من أبواب العلجات المقتبسة من التجربة ما ل‬
‫فانفتح عل ّ‬
‫‪207‬‬
‫يوصف‪. "..‬‬
‫ويمتعنا الرازي ~ في هذا المجال بكلم في غاية النفاسة‬
‫والفائدة‪ ،‬حيث يقول‪" :‬عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة مع‬
‫النظرية السائدة‪ ،‬يجب قبول الواقعة‪ ،‬حتى وإن أخذ الجميع بالنظرية‬
‫دا لمشاهير العلماء‪.208"..‬‬
‫السائدة تأيي ً‬
‫فهو يقّرر أن الجميع قد ينبهر بآراء العلماء المشهورين الكبار‪،‬‬
‫ويتوقف عند نظرياتهم‪ ،‬إل أن التجربة أحياًنا ما تتعارض مع النظرية‪،‬‬
‫فهنا يجب علينا رفض النظرية ‪ -‬وإن كانت لمشاهير العلماء ‪ -‬وقبول‬
‫التجربة والواقعة‪ ،‬والبدء في تحليلها والستفادة منها‪.‬‬
‫وانطلًقا من هذا المنهج العظيم‪ ،‬وهو منهج العتماد على‬
‫التجربة والملحظة‪ ,‬وافتراض الفروض‪ ،‬ومحاولة تطبيقها‪..‬لم يقبل‬
‫الطباء المسلمون بالجهزة والدوات القديمة التي استخدمها قدماء‬
‫الطباء اليونانيين والفارسيين‪ ،‬بل بدءوا يفكرون في أدوات جديدة‪،‬‬
‫عا عدة‪ ،‬وجربوها‪ ،‬فما أثبت كفاءته منها استخدموه‬
‫وابتكروا أنوا ً‬
‫سا علمية لكثير من أدوات الجراحة‬
‫وروه‪ ..‬حتى وضعوا بذلك أس ً‬
‫وط ّ‬
‫والولدة وعلج السنان‪ ،‬وعلج كسور العظام‪ ،‬وصلت أحياًنا إلى حد‬
‫البهار‪ ،‬وبخاصة إذا نظرنا إلى التوقيت المبكر الذي ظهرت فيه هذه‬
‫اللت‪ ،‬وإلى خلو العالم في ذلك الوقت من أي منافس في هذا‬
‫المجال‪..‬‬
‫وليس أدل على ذلك من إنتاج الجّراح السلمي الفذ أبي‬
‫القاسم الزهراوي الذي أبهر العالم ‪ -‬ولعدة قرون ‪ -‬بأدواته الجراحية‬
‫التي ابتكرها واستعملها بنفسه‪ ،‬وسجلها في كتابه الرائع )التصريف‬
‫لمن عجز عن التأليف(‪ ،‬وأصبحت هذه اللت العبقرية هي النواة التي‬
‫ت بعد ذلك بقرون لتصبح الدوات الجراحية الحديثة‪..‬‬
‫ط ُوَّر ْ‬
‫وتجدر الشارة هنا إلى أن الزهراوي هو أول من ابتكر اللة‬
‫التي تستخدم في الحقن )الحقنة(‪ ،‬وكان يسميها )الزراقة(‪ ،‬ول يخفي‬
‫على لبيب إلى أي حد كانت الضافة التي قدمتها تلك اللة البسيطة‬
‫‪209‬‬
‫في تركيبها‪ ..‬العبقرية في فكرتها‪ ..‬بالغة النفع‪ ،‬في علج المرضى ‪.‬‬
‫‪207‬‬
‫‪208‬‬
‫‪209‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/73‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.1/78،77‬‬
‫عامر النجار‪ :‬في تاريخ الطب في الدولة السلمية ص ‪.176‬‬

‫الخاصية الثالثة‪ :‬الهتمام بالضوابط الشرعية في‬
‫العلج‪:‬‬
‫وهذه هي الخاصية الثالثة الفريدة التي ميزت المنهج السلمي‬
‫في دراسة الطب عن غيره من المناهج؛ فكل مناهج الرض في كافة‬
‫العلوم تفكر وتبتكر وتنفذ دون ضابط شرعي‪ ،‬أو دليل إلهي على‬
‫صحة أو بطلن عمل من العمال‪ ،‬لكن الطب السلمي تميز بأنه كان‬
‫يستمد أصول ً ثوابت من القرآن والسنة مّيزته عن شتى المناهج‬
‫الخرى‪..‬‬
‫وليس معنى هذا أن القرآن والسنة وضعا التفاصيل الدقيقة‬
‫ضا إل بدليل! ولكن معناه أن هناك أطًرا‬
‫لعلج المراض؛ فل نعالج مر ً‬
‫عامة‪ ،‬وحدوًدا خاصة وضعها السلم لتكون هادًيا للطباء المسلمين‪،‬‬
‫ولكافة العلماء وعموم الناس لكي ينجحوا في الوصول إلى الحق‬
‫وإلى الخير والصلح في كل فروع الحياة‪ ،‬ومن هذا المنطلق نفهم‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫ء‪.210‬‬
‫ي ٍ‬
‫فّرطَْنا ِ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫قوله ‪َ : ‬‬
‫في ال ْك َِتا ِ‬
‫ش ْ‬
‫فكان الطباء المسلمون ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬يحترمون‬
‫القاعدة الشرعية الصيلة التي رواها أبو الدرداء < قال‪ :‬قال رسول‬
‫ل ل ِك ُ ّ‬
‫ع َ‬
‫ه أ َن َْز َ‬
‫ء‪،‬‬
‫دا ٍ‬
‫وا ً‬
‫وا َ‬
‫الله ‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ء دَ َ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫والدّ َ‬
‫داءَ َ‬
‫‪211‬‬
‫َ‬
‫دا‬
‫حَرام ٍ" ‪ ..‬ومن هنا لم يكن مقبول ً أب ً‬
‫وا ب ِ َ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫فت َ َ‬
‫و ْ‬
‫دا َ‬
‫وا َ‬
‫و ْ‬
‫دا َ‬
‫ضا بخمرٍ أو نجاسة‪ ،‬أو بفعل منكر؛ فقد أغلق‬
‫عندهم أن يعالجوا مر ً‬
‫لهم هذا الحديث الشريف أبواًبا كثيرة من الشر؛ لن الله ‪ ‬يعلم ما‬
‫ُيصلح عباده وما ُيفسدهم‪..‬‬
‫ضا أن الطباء المسلمين لم ينساقوا وراء ما كان‬
‫ومثال ذلك أي ً‬
‫شائًعا في زمانهم من أمور العلج بالدجل والشعوذة‪ ،‬وإنما استخدموا‬
‫السلوب العلمي الراقي في علج المراض‪ ،‬وقادهم هذا إلى‬
‫اكتشاف الكثير من المراض النفسية‪ ،‬ومعرفة طرق علجها‪.‬‬
‫كذلك لم يستخدم المسلمون الكي في العلج؛ لن الرسول ‪‬‬
‫نهى عن ذلك‪ ،‬فقد روى ابن عباس } أن رسول الله ‪ ‬قال‪.." :‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ي"‪ ..212‬وبذلك أغلق الطباء المسلمون هذه‬
‫مِتي َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫هى أ ّ‬
‫َ‬
‫ن ال ْك َ ّ‬
‫الصفحة من طرق العلج‪ ،‬والتي أثبت الطب الحديث بعد ذلك أنها‬
‫مجرد تسكين مؤقت‪ ،‬ليس له فائدة حقيقية!!‬
‫وإذا كان من مثال رابع‪ ،‬فهو عدم استخدامهم السحر في‬
‫ي عنه‬
‫العلج‪ ،‬مع إدراكهم أنه علم له أصول‪ ،‬ولكنهم علموا أنه منه ّ‬
‫‪) 210‬النعام‪.(38 :‬‬
‫‪ 211‬أبو داود‪ :‬كتاب في الطب‪ ،‬باب في الدوية المكروهة )‪ ،(3874‬والبيهقي في سننه الكبرى )‬
‫‪.(19465‬‬
‫‪ 212‬البخاري‪ :‬كتاب الطب‪ ،‬باب الشفاء في ثلث )‪ ،(5356‬وابن ماجة )‪ ،(3491‬وأحمد )‪.(2208‬‬

‫عا‪ ،‬بل إنه من الكبائر ومن الموبقات السبع‪ ،‬كما روى أبو هريرة‬
‫شر ً‬
‫موب ِ َ‬
‫ت‪ ...‬وذكر‬
‫قا ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫<‪ ..‬أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬ا ْ‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫حُر"‪.213‬‬
‫س ْ‬
‫منها‪ :‬ال ّ‬
‫وكان لهتمام الطباء المسلمين بالقرآن والسنة السبيل‬
‫لرشادهم إلى كثير من وسائل العلج التي أثبت الطب الحديث‬
‫كفاءتها‪ ،‬بل وإعجازها‪ ..‬وذلك مثل الستشفاء بعسل النحل‪ ،‬وحبة‬
‫فلت بها كتب‬
‫البركة‪ ،‬والحجامة‪ ..‬وغير ذلك من أنواع العلج التي ح ِ‬
‫السنة النبوية‪.‬‬
‫فهذه خصائص عظيمة وفريدة ميزت المنهج السلمي في‬
‫دراسة الطب عن غيره من المناهج‪ ،‬ومكنته من وضع أصول راسخقة‬
‫لهذا العلم العظيم‪ ،‬ويسرت لعلمائنا الفذاذ أن يقودوا البشرية كلها‬
‫لعدة قرون‪..‬‬

‫البعد النساني للطب عند المسلمين‬
‫نريد بعد ما سبق أن نلفت النظر إلى ُبعد ٍ رائع آخر تميز به‬
‫الداء الطبي عند المسلمين في زمن حضارتهم‪ ..‬ذلكم هو البعد‬
‫النساني‪ ,‬والذي يكمن في احترام النسان بصفة عامة‪ ,‬والسعي‬
‫الحثيث لرفع المعاناة واللم والحرج عنه‪ ،‬أّيا كان هذا النسان‪ ,‬وأّيا‬
‫كانت معاناته‪..‬‬
‫ولم يكن غريًبا على أطباء المسلمين أن يهتموا بالبعد النساني‬
‫في تعاملهم مع المريض؛ لن قوانين التشريع السلمي تنطق بهذا‬
‫النهج الخلقي الفريد‪ ..‬فالسلم ينظر إلى المريض على أنه إنسان‬
‫في أزمة‪ ،‬ومن ثم يحتاج إلى من يقف إلى جواره‪ ،‬ويأخذ بيده‪ ،‬ويرفع‬
‫دئ من روعه‪ ،‬ويخفف عن آلمه الجسدية‪ ،‬فضل ً عن‬
‫من معنوياته‪ ،‬ويه ّ‬
‫المعنوية‪...‬‬
‫فالتشريع السلمي يسعى إلى رفع الحرج عن المريض‬
‫بكل وسيلة‪ ،‬ويخفف عنه العباء إلى أقصى درجة‪ ..‬فجعل للمريض‬
‫رخصة الفطار في رمضان‪ ،‬وإن عاقه اعتلل صحته عن الحج فل حج‬
‫عليه‪ ،‬وليس عليه إثم‪ ..‬كما أن المريض الذي ل يستطيع الصلة على‬
‫سا أو‬
‫صورتها الطبيعية ُيعطى رخصة الصلة في أوضاع تناسبه جال ً‬
‫ما أو حتى بعينيه! والمريض الذي يضره الماء في الوضوء يتيمم‪،‬‬
‫نائ ً‬
‫‪ 213‬البخاري‪ :‬كتاب الوصايا‪ ،‬باب في قوله تعإلي "إن الذين يأكلون أموال إليتامى ظلما" )‬
‫‪ ،(2615‬ومسلم‪ :‬كتاب اليمان‪ ،‬باب بيان الكبائر وأكبرها )‪ ،(89‬وأبو داود )‪ ،(2874‬والنسائي )‬
‫‪ ،(6371‬وابن حبان )‪.(5561‬‬

‫والذي ل يستطيع الوضوء ول التيمم لسبب أو آخر يصلي دون أي‬
‫منهما‪ ،‬ويسمى فاقد الطهورين!!‬
‫حتى في أوقات الجهاد في سبيل الله‪ ،‬رفع التشريع السلمي‬
‫عَلى‬
‫س َ‬
‫الحرج عن المريض‪ ،‬فل يجاهد ول إثم عليه‪ ..‬يقول ‪: ‬ل َي ْ َ‬
‫ج‬
‫ول َ َ‬
‫عَلى اْل َ ْ‬
‫وَل َ‬
‫اْل َ ْ‬
‫حَر ٌ‬
‫ض َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ج َ‬
‫حَر ٌ‬
‫مى َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ج َ‬
‫ج َ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫عَر ِ‬
‫‪.214‬‬
‫ف برفع بعض التكليفات‪،‬‬
‫بل إن التشريع السلمي لم يكت ِ‬
‫والترخيص في بعض العبادات والفروض‪ ،‬وإنما يحض وبشدة على‬
‫الوقوف إلى جوار المريض‪ ،‬ورفع روحه المعنوية إلى أقصى‬
‫درجة؛ فجعل رسول الله ‪ ‬زيارة المريض وعيادته في بيته أو في‬
‫قا له على المسلمين‪ ،‬فقال فيما رواه أبو هريرة <‪:‬‬
‫المستشفي ح ً‬
‫وإ ِ َ‬
‫ض‬
‫سل ِم ِ َ‬
‫سل ِم ِ ِ‬
‫" َ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذا َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ق ال ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ر َ‬
‫ت‪ ..‬وذكر منها‪َ " :‬‬
‫م ِ‬
‫‪215‬‬
‫َ‬
‫ضا‪ ،‬فقال فيما رواه أبو‬
‫ه" ‪ ..‬وجعل الجنة نصيًبا لمن عاد مري ً‬
‫ف ُ‬
‫عد ْ ُ‬
‫ت‬
‫ما ِ‬
‫ن َ‬
‫ري ً‬
‫مَناٍد ِ‬
‫ضا َنا َ‬
‫ء طِب ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫دى ُ‬
‫عادَ َ‬
‫هريرة <‪َ " :‬‬
‫م ِْ‬
‫ً ‪216‬‬
‫و َ‬
‫شا َ‬
‫م َ‬
‫زل " ‪.‬‬
‫جن ّ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫طا َ‬
‫وأ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ب َ‬
‫وت َب َ ّ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫من ْ ِ‬
‫وأمر رسول الله ‪ ‬أن تذكر الخير عند المريض‪ ،‬وأن ترفع من‬
‫ه في الشفاء وفي طول العمر‪ ،‬فقد روى أبو‬
‫روحه المعنوية‪ ،‬وت ُط ْ ِ‬
‫معَ ُ‬
‫سعيد الخدري‪ ‬أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬إ ِ َ‬
‫ض‬
‫ذا دَ َ‬
‫م َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫خل ْت ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫فن َ ّ‬
‫َ‬
‫ل )أي ارفعوا من أمله في الشفاء وطول‬
‫ه ِ‬
‫في اْل َ َ‬
‫ف ُ‬
‫سوا ل َ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ب ب ِن َ ْ‬
‫الجل(؛ َ‬
‫ك َل ي َُردّ َ‬
‫س‬
‫و ُ‬
‫و يَ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫طي ُ‬
‫ه َ‬
‫شي ًْئا‪َ ،‬‬
‫ف ِ‬
‫‪217‬‬
‫ض" ‪.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫بل إن رسول الله ‪ ‬يرتفع بروح المريض إلى السماء عندما‬
‫يخبره أن هذا المرض هو كفارة لذنوبه‪ ،‬وهو مدعاة لنجاته في الخرة‬
‫ب‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫صي ُ‬
‫إن صبر‪ ،‬فقد روى أبو هريرة < أن رسول الله ‪ ‬قال‪َ " :‬‬
‫ولَ‬
‫وَل أ َ ً‬
‫وَل َ‬
‫م ِ‬
‫وَل ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ّ‬
‫سل ِ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ص ٍ‬
‫ص ٍ‬
‫و َ‬
‫ن نَ َ‬
‫ذى َ‬
‫ن َ‬
‫حْز ٍ‬
‫م َ‬
‫ب َ‬
‫وَل َ‬
‫ب َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫ها إ ِّل ك َ ّ‬
‫ة يُ َ‬
‫حّتى ال ّ‬
‫ه"‪.218‬‬
‫ن َ‬
‫ها ِ‬
‫وك َ ِ‬
‫م َ‬
‫ه بِ َ‬
‫شاك ُ َ‬
‫م ْ‬
‫طاَيا ُ‬
‫فَر الل ّ ُ‬
‫غ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ه َ‬
‫قا َ‬
‫ل إِ َ‬
‫دي‬
‫ت َ‬
‫عب ْ ِ‬
‫ويقول فيما رواه أنس <‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ذا اب ْت َل َي ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫‪219‬‬
‫ْ‬
‫ه )أي بعينيه( َ‬
‫ة" ‪..‬‬
‫جن ّ َ‬
‫صب ََر‪َ ،‬‬
‫و ْ‬
‫ه ِ‬
‫حِبيب َت َي ْ ِ‬
‫ما ال َ‬
‫بِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ضت ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ع ّ‬
‫‪) 214‬النور‪.(61 :‬‬
‫‪ 215‬مسلم‪ :‬كتاب السلم‪ ،‬باب حق المسلم للمسلم رد السلم )‪ ،(2162‬وأحمد )‪ ،(8832‬وابن‬
‫حبان )‪ ،(242‬والبخاري في الدب المفرد )‪.(925‬‬
‫ضا )‪ ،(1443‬وقال اللباني‪:‬‬
‫‪ 216‬ابن ماجة‪ :‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب ما جاء في ثواب من عاد مري ً‬
‫حسن )‪ (6387‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 217‬الترمذي‪ :‬كتاب الطب )‪ (2087‬وقال‪ :‬حديث غريب ‪ ،‬وابن ماجة )‪ ،(1438‬وابن أبي شيبة )‬
‫‪ ،(10851‬والبيهقي في شعب اليمان )‪ ،(9213‬وأبو نعيم في الحلية ‪.2/208‬‬
‫‪ 218‬البخاري‪ :‬كتاب المرضى‪ ،‬باب ما جاء في ثواب المرض )‪ ،(5318‬وسلم‪ :‬كتاب البر والصلة‬
‫والداب‪ ،‬باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن )‪.(2573‬‬
‫‪ 219‬البخاري‪ :‬كتاب المرضى باب فضل من ذهب بصره )‪ ،(5329‬والطبراني في الوسط )‬
‫‪ ،(250‬والبيهقي في شعب اليمان )‪.(9958‬‬

‫وهكذا ترتفع معنويات المريض المؤمن إلى السماء‪ ،‬ول يشعر‬
‫ما عاجًزا مهمل ً في المجتمع‪ ،‬بل إن الجميع يهتم به‬
‫بأنه أصبح ك ّ‬
‫ويرعاه‪.‬‬
‫ولم تكن هذه النظرة السلمية الراقية للمرضى المسلمين‬
‫فقط‪ ،‬بل كانت لي إنسان مريض مهما كانت ديانته‪ ،‬وذلك انطلًقا‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫م‪ 220‬فالنسان بصفة عامة‬
‫مَنا ب َِني آدَ َ‬
‫قدْ ك َّر ْ‬
‫من الية الكريمة‪َ  :‬‬
‫مكّرم‪ ،‬ولذلك نهتم برعايته حين مرضه‪ ،‬وبعلجه إذا اشتكى ولو لم‬
‫ُ‬
‫‪221‬‬
‫ما يهودًيا عندما مرض ‪،‬‬
‫ما‪ ..‬وقد زار رسول الله ‪ ‬غل ً‬
‫يكن مسل ً‬
‫صا في صحيحه فقال‪" :‬باب عيادة‬
‫وأفرد البخاري لذلك باًبا خا ً‬
‫المشرك"‪.‬‬
‫هذا البعد النساني العميق الذي زرعه فينا الشرع السلمي‬
‫الحنيف جعل الطباء المسلمين في كل عصور الحضارة السلمية‬
‫يتعاملون مع المريض على أنه إنسان وليس على أنه "شيء ل‬
‫إحساس له"‪ ،‬ول على أساس أنه مصدر للرزق عن طريق أخذ الجر‬
‫ما على أنه إنسان في أزمة‪ ،‬ويحتاج إلى‬
‫منه‪ ،‬بل كان التعامل معه دائ ً‬
‫دى ذلك‬
‫من يقف إلى جواره‪ ،‬وليست المساعدة طبية فقط‪ ،‬ولكن تتع ّ‬
‫إلى المساعدة النفسية والجتماعية والقتصادية وغير ذلك‪.‬‬
‫وبهذه الروح النبيلة تعامل الطباء المسلمون مع مرضاهم‪،‬‬
‫فكانت الخدمة الطبية الراقية تقدم للمرضى في الدولة السلمية‬
‫دون تفرقة بين غني أو فقير‪ ،‬ول عربي أو غير عربي‪ ،‬ول أبيض أو‬
‫أسود‪ ،‬ول حاكم ول محكوم‪ ،‬ول مسلم أو غير مسلم‪ ..‬ففي معظم‬
‫الحيان كان العلج مجانًيا للجميع‪ ..‬وكان المرضى ينعمون بنفس‬
‫المستوى من الخدمة أّيا كان مستواهم‪.‬‬
‫ولنطلع سوًيا على طرف من نظام المستشفيات السلمية‪،‬‬
‫عا عن البعد النساني الذي نقصده‪..‬‬
‫والذي يعطي انطبا ً‬
‫فبمجرد دخول المريض للمستشفي ُيفحص أول بالقاعة‬
‫الخارجية‪ ،‬فإن كان به مرض خفيف ُيكتب له العلج‪ ،‬وُيصرف من‬
‫صيدلية المستشفي‪ ،‬وإن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله‬
‫المستشفي كان ُيقيد اسمه‪ ،‬وُيدخل إلى الحمام للغتسال‪ ،‬وُتخلع عنه‬
‫ثيابه التي دخل بها فتوضع في مخزن خاص‪ ،‬ثم يعطى ثياًبا جديدة‬
‫خاصة للمستشفي‪ ،‬وُيدخل إلى القاعة المخصصة لمثاله من‬
‫صص له سرير مفروش بأثاث جيد‪ ،‬ول يسمح بوجود‬
‫المرضى‪ ،‬ويخ ّ‬
‫مريض آخر معه في نفس السرير مراعاة لنفسيته‪..‬‬
‫‪) 220‬السراء‪(70 :‬‬
‫‪ 221‬انظر البخاري‪ :‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصّلى عليه؟ وهل ُيعَرض على‬
‫الصبي السلم؟ )‪.(1290‬‬

‫وبعد دخول المريض للمستشفي السلمي ُيعطى الدواء الذي‬
‫يعّينه الطبيب‪ ،‬كما يوصف له الغذاء الموافق لصحته‪ ،‬وبالمقدار‬
‫دا على المرضى في نوع الطعام‬
‫المفروض له‪ ..‬ولم يكن يضيق أب ً‬
‫الذي يأكلونه‪ ،‬بل كان يقدم لهم أطايب الطعام‪ ،‬فقد كان غذاء‬
‫المرضى يحتوي على لحوم الغنام والبقار والطيور والدجاج‪ ..‬كذلك‬
‫دا في كميات الطعام‪ ،‬بل كانت من علمات الشفاء‬
‫ل يضيق عليهم أب ً‬
‫فا كامل ً ودجاجة كاملة في الوجبة الواحدة!‬
‫أن يأكل المريض رغي ً‬
‫فإذا أصبح المريض في َدور النقاهة أدخل القاعة المخصصة‬
‫ُ‬
‫ي ثياًبا جديدة دون أجر‪ ،‬وليس هذا‬
‫للناقهين‪ ،‬حتى إذا تم شفاؤه أعط ِ َ‬
‫فقط بل كان يعطى مبلًغا من المال يكفيه إلى أن يصبح قادًرا على‬
‫العمل! وذلك حتى ل يضطر إلى العمل في فترة النقاهة فتحدث له‬
‫انتكاسة‪!!222‬‬
‫ول تس ْ‬
‫ل بعد عن مدى الطمأنينة التي ينعم بها الفقير في‬
‫رض فسيجد مثل هذا‬
‫المجتمع السلمي عندما يعلم أنه إذا َ‬
‫م ِ‬
‫المستوى من الرعاية المجانية دون أن يحتاج إلى إراقة ماء وجهه أو‬
‫البحث عن وساطات أو شفاعات لينال ما يستحق من الهتمام‬
‫والعلج‪ ..‬فضل ً عن مد ّ يده متسول ً ليتم علجه!!‬
‫وما أروع توجيه أبي بكر الرازي لتلميذه أن يكون هدفهم الول‬
‫إبراء مرضاهم أكثر من نيل أجورهم منهم!! وأن يعالجوا الفقراء بمثل‬
‫الهتمام والعناية التي يعالجون بها المراء والغنياء!! وأن ُيوهموا‬
‫المرضى بالشفاء حتى لو كانوا هم أنفسهم ل يعتقدون بذلك!! فمزاج‬
‫الجسم تابع لخلق النفس‪.223‬‬
‫ولم يكن هذا المستوى العإلى من الرعاية الصحية مقصوًرا‬
‫على المدن والحواضر الكبرى‪ ,‬بل حظيت كل بقاع الدولة السلمية‬
‫بذات الهتمام‪ ..‬وذلك من خلل المستشفيات المتنقلة التي أشرنا‬
‫قا‪ ..‬والتي كانت تجوب القرى والنجوع والجبال والمناطق‬
‫إليها ساب ً‬
‫النائية بصفة عامة‪ ،‬والشاهد هنا أنه كان ُينظر إلى رعايا الدولة‬
‫ض النظر‬
‫المسلمة ‪ -‬في مجال الرعاية الطبية ‪ -‬نظرة متساوية بغ ّ‬
‫عن بيئاتهم ومستوياتهم الجتماعية أو القتصادية‪.‬‬
‫دت كل طبقات‬
‫بل إن النظرة السلمية الرحيمة للمريض تع ّ‬
‫المجتمع السوية لتشمل نزلء السجون ممن أساءوا لمجتمعهم!‬
‫ضا كانوا يجدون الرعاية الطبية الكافية؛ فهم ب َ َ‬
‫شٌر‪ ,‬ومن أبناء‬
‫فهؤلء أي ً‬
‫المجتمع على أي حال‪ ..‬وما ينزل بهم من الحبس والعقاب إنما هو‬
‫‪ 222‬مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا ص ‪.110‬‬
‫‪ 223‬عبد المنعم صفو‪ :‬تعليم الطب عند العرب‪ ،‬أبحاث الندوة العلمية للجمعية السورية لتاريخ‬
‫العلوم‪،‬دار الجامعة )حلب‪1980،‬م( ص ‪.279‬‬

‫لعادة أص ً‬
‫لحهم ل للقضاء عليهم بالموت البطيء الذي يتعرض له‬
‫نزلء كثير من السجون في عالم اليوم‪..‬‬
‫وقد كتب الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى سنان بن ثابت‬
‫رئيس أطباء بغداد‪:‬‬
‫من في الحبوس )السجون(‪ ,‬وأنه ل يخلو مع‬
‫"‪ ..‬فكرت في أمرِ َ‬
‫كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم المراض؛ فينبغي أن تفرد لهم‬
‫أطباء يدخلون إليهم كل يوم‪ ,‬وُتحمل إليهم الدوية والشربة‪,‬‬
‫ويطوفون في سائر الحبوس‪ ..‬ويعالجون فيها المرضى"‪..224‬‬
‫وما كان لهذا الفيض النساني أن يستمر على مر عصور‬
‫الحضارة السلمية لول ينابيع العطاء المتدفقة من قلوب أبناء المة‬
‫المسلمة والموازية لدعم الدولة نفسها‪..‬‬
‫ونقصد هنا نظام الوقاف الخيرية‪ ,‬وما كان يقوم به من دور‬
‫حسن رعاية المرضى وإكرامهم‪ ..‬فقد كانت مستشفيات راقية‬
‫في ُ‬
‫بأكملها تعتمد على ريع وقف يرصده أحد المسلمين ‪ -‬بمن فيهم‬
‫الحاكم نفسه ‪ -‬لتغطية كل احتياجات المستشفي بمرضاه وأطبائه‬
‫ومفروشاته وأغذيته ونباتاته الطبية وأدويته‪ ..‬إلى حد النفاق على‬
‫طلب الطب المتدربين في هذا المستشفي!!‬
‫ولع ّ‬
‫ل من أشهر المثلة على ذلك المستشفي المنصوري الكبير‬
‫الذي أسسه في القاهرة الملك المنصور سيف الدين قلوون سنة‬
‫‪ 683‬هجرية‪ ،‬وأوقف عليه ما يغطي نفقاته سنوًيا‪ ..‬وقد سبقت‬
‫فا‪.‬‬
‫الشارة إليه آن ً‬
‫وفي صدد ِذكر الوقاف الخيرية وأثرها في تغطية الجانب‬
‫النساني في الطب عند المسلمين لبد أن نشير هنا إلى بعض الصور‬
‫المبتكرة وغير المسبوقة في التعامل النساني مع نفسية المريض‪..‬‬
‫فقد كان ِريع بعض الوقاف ُيخصص لتوظيف اثنين يمّران‬
‫بالمستشفيات يومًيا‪ ,‬فيتحدثان بجانب المرضى حديًثا خافًتا يسمعه‬
‫سن‬
‫المريض دون أن يراهما‪ ..‬يوحيان إليه من خلل حديثهما بتح ّ‬
‫حاله! فيما كان ُيعرف "بوقف خداع المريض"!!‪ ..‬وذلك لترتفع‬
‫معنوياته‪ ،‬وبالتالي يتماثل للشفاء بصورة أسرع‪!!225‬‬
‫ولم يكن ذلك البعد النساني الراقي في التعامل مع المرضى‬
‫سلو ً‬
‫كا فردًيا يمارسه بعض الطباء‪ ,‬ول كان مجرد حب شعبي للخير‬
‫والرحمة ينبع من قلوب العامة‪ ..‬بل كان سلو ً‬
‫ما تتبناه سياسات‬
‫كا عا ً‬
‫‪224‬‬
‫‪225‬‬

‫ابن القفطي‪ :‬تاريخ الحكماء ص ‪.148‬‬
‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا ص ‪.112‬‬

‫ما ومحكومين؛ فكثيًرا ما كان الخليفة‬
‫الدولة‪ ,‬وينتهجه أفراد المة حكا ً‬
‫أو المير يتفقد بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم‪..‬‬
‫وُيذكر هنا أن المنصور الموحدي )ملك دولة الموحدين بالمغرب(‬
‫كانت له زيارة أسبوعية للمستشفي )المنصوري( بمراكش بعد صقلة‬
‫الجمعة من كل أسبوع؛ يطمئن فيها بنفسه على أحوال المرضى‪.226‬‬
‫ومن الجوانب النسانية في تعامل الطب السلمي مع المرضى‬
‫ما اشتملت عليه شريعة السلم من آداب تحفظ كرامة المريض‬
‫وتصون حياءه‪ ,‬وتضمن سير مراحل الفحص والعلج دون انتهاك‬
‫لخصوصياته؛ فل يجوز ‪ -‬مثل ً ‪ -‬كشف عورة المريض إل لضرورة‪,‬‬
‫وبالقدر المطلوب فقط في الفحص أو الجراحة وما إلى ذلك‪ ...‬كما ل‬
‫يجوز أن يشهد فحص المريض أو المريضة شخص غير ذي صفة ‪-‬‬
‫وخاصة إذا كان من جنس مختلف ‪ -‬إلى جانب عدم جواز خلوة‬
‫حرم لها‪ ,‬أو وجود‬
‫م ْ‬
‫الطبيب بمريضة من النساء‪ ،‬إل مع وجود ذي َ‬
‫امرأة أخرى كالممرضة مث ً‬
‫ل‪ ..‬كذلك راعت المستشفيات في‬
‫الحضارة السلمية الفصل في أقسامها الداخلية بين الرجال‬
‫والنساء‪..‬‬
‫كذلك كان من الجوانب النسانية في تعامل الطب السلمي‬
‫مع المرضى‪ ،‬أن راعى الشرع حقوق المريض في العلج‪ ،‬بأن سمح‬
‫للطبيب الرجل أن يعالج المرأة‪ ،‬والعكس كذلك‪ ،‬وذلك إن لم يوجد‬
‫البديل الكفء من نفس الجنس‪ ،‬والذي يستطيع أن يقوم بالمهمة‬
‫على الوجه الكمل‪ ،‬وذلك حتى ل يفوت على المريض ‪ -‬رجل ً كان أو‬
‫امرأة ‪ -‬فرصة العلج الصحيح‪ ،‬بل إن الشرع أجاز كذلك أن يبحث‬
‫المريض المسلم عن العلج عند الطباء غير المسلمين إن تعذر وجود‬
‫من يستطيع علجه من المسلمين‪ ،‬وذلك حفا ً‬
‫ظا على صحة المريض‬
‫وحياته‪..‬‬
‫دا سماوًيا ‪-‬‬
‫كل هذه وغيرها ضوابط وآداب إسلمية تنقل مب ً‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫م‪ - 227‬من حيز النظريات‬
‫مَنا ب َِني آدَ َ‬
‫قدْ ك َّر ْ‬
‫كقوله تعإلي‪َ  :‬‬
‫المجردة إلى التطبيق الواقعي؛ لترتقي حياة النسان عن أنماط‬
‫عا بهذا‬
‫أخرى للحياة عند سائر الكائنات‪ ..‬وسبحان الذي أنزل شر ً‬
‫التكامل!!‬

‫الطب الوقائي في السلم‬

‫‪226‬‬
‫‪227‬‬

‫مصطفى السباعي‪ :‬من روائع حضارتنا ص ‪.116‬‬
‫)السراء‪(70 :‬‬

‫اهتم المنهج السلمي منذ بداية نزوله بتوعية المسلمين لكل ما‬
‫فيه الخير لدينهم ودنياهم؛ فأمرهم بالعلم وحض عليه‪ ،‬ورغبهم في‬
‫استخدام هذا العلم في أص ً‬
‫لح كل جوانب الحياة‪..‬‬
‫ومن أهم هذه المجالت التي أبدع فيها المنهج السلمي مجال‬
‫الوقاية من المراض؛ فقد ظهر فيه بجلء حرص السلم ‪ -‬ليس فقط‬
‫على المة السلمية ‪ -‬ولكن على عموم النسانية‪ ..‬فإن المراض إذا‬
‫ص ديًنا دون دين‪ ,‬ول تختار عنصًرا دون‬
‫انتشرت في مجتمع فإنها ل تخ ّ‬
‫عنصر‪ ،‬ولكنها تؤثر سلًبا على حياة العموم من الناس‪..‬‬
‫كيف أخذ السلم التدابير اللزمة‪ ،‬والجراءات الدقيقة لمنع‬
‫حدوث المراض أص ً‬
‫ل؟ وإن حدثت فكيف يمكن أن ُتمنع من‬
‫النتشار؟!‬
‫لقد جاء السلم بمنهج معجز‪ ،‬فيه سلمة الجسد والنفس‬
‫والمجتمع‪ ..‬وكيف ل يكون معجًزا وقد جاء من عند رب العالمين؟!‬
‫ففي الوقت الذي كانت القذارة في كل شيء سمة مميزة‬
‫لحياة الوربيين‪ ،‬حتى وصل المر إلى اعتبار أن الوساخ التي تعلق‬
‫بالجسم والملبس هي من البركة‪ ،‬ومن الشياء التي تعطي القوة‬
‫للبدان!! حتى وصل المر إلى أن النسان كان ل يغتسل في العام‬
‫كله إل مرة أو مرتين‪ ..!!228‬في هذا الوقت نزل المنهج السلمي في‬
‫دا عن حياة المدن والحضارات العملقة‪ُ ..‬يرشد‬
‫عمق الصحراء‪ ,‬وبعي ً‬
‫الناس إلى الطهارة ووجوب الغسل وإلى استحبابه‪..‬‬
‫فالغسل واجب عند الجنابة وعند الحيض وفي الحج وغير ذلك‪..‬‬
‫وهو مستحب في العيدين والحرام وغيرهما‪ ،‬واختلف العلماء في‬
‫وجوبه أو استحبابه يوم الجمعة‪ ،‬والغالب أنه مستحب‪ ..‬قال رسول‬
‫الله ‪ ‬كما روى أبو سعيد الخدري‪ُ ": ‬‬
‫س ُ‬
‫عَلى‬
‫ة َ‬
‫ع ِ‬
‫م َ‬
‫وم ِ ال ْ ُ‬
‫غ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ل يَ ْ‬
‫‪229‬‬
‫ن ال ّ‬
‫وا ٌ‬
‫ما َ‬
‫كُ ّ‬
‫ه" ‪..‬‬
‫قدََر َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫و ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ب َ‬
‫وي َ َ‬
‫ل ُ‬
‫طي ِ‬
‫م ّ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫س َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫حت َل ِ ٍ‬
‫دد للمسلم فترة زمنية قصوى للفارق بين الغسلين‪،‬‬
‫بل إنه ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في ك ُ ّ‬
‫س َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ق َ‬
‫ل ِ‬
‫ع ِ‬
‫غت َ ِ‬
‫سل ِم ٍ أ ْ‬
‫سب ْ َ‬
‫فقال ‪َ " :‬‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫ل ُ‬
‫ح ّ‬
‫ة أّيام ٍ‬
‫ْ‬
‫‪230‬‬
‫س ُ‬
‫ه" ‪..‬‬
‫ما‪ ،‬ي َ ْ‬
‫ل ِ‬
‫في ِ‬
‫غ ِ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ه َرأ َ‬
‫سد َ ُ‬
‫س ُ‬
‫و ً‬
‫ه َ‬
‫يَ ْ‬
‫ووصل بعض الفقهاء بأنواع الغسل المختلفة إلى سبعة عشر‬
‫عا من الغسل للدللة على أهميته‪ ..‬ودعا السلم إلى طهارة‬
‫نو ً‬
‫‪ 228‬زيغريد هونكة‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب ص ‪.54‬‬
‫‪ 229‬البخاري‪ :‬كتاب الجمعة‪ ،‬باب الطيب للجمعة )‪ ،(840‬ومسلم‪ :‬كتاب الجمعة‪ ،‬باب الطيب‬
‫والسواك يوم الجمعة )‪ ،(846‬وأبو داود )‪ ،(344‬والنسائي )‪.(1375‬‬
‫‪ 230‬البخاري‪ :‬كتاب الجمعة‪ ،‬باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان‬
‫وغيرهم )‪ ،(856‬ومسلم في الجمعة باب الطيب والسواك يوم الجمعة )‪ ،(849‬وابن حبان )‬
‫‪ (1234‬عن أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬

‫العضاء المختلفة من الجسم‪ ،‬واهتم بالعضاء التي تكثر فيها‬
‫المراض أو يحتمل فيها حدوث الوسخ‪ ..‬ففي طهارة الفم قال ‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عن ْدَ ك ُ ّ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ل‬
‫ق َ‬
‫ك ِ‬
‫ول َ أ ْ‬
‫وا ِ‬
‫م ِبال ّ‬
‫مْرت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫مِتي ل َ‬
‫عَلى أ ّ‬
‫ش ّ‬
‫س َ‬
‫"ل َ ْ‬
‫ء"‪ ..231‬وقال ابن عباس }‪" :‬لقد ك ُّنا ن ُ ْ‬
‫مر بالسواك‪ ،‬حتى‬
‫ضو ٍ‬
‫و ُ‬
‫ؤ َ‬
‫ُ‬
‫‪232‬‬
‫ظنّنا أن سينزل به قرآن" ‪..‬‬
‫ودعا رسول الله ‪ ‬إلى طهارة ونظافة الماكن التي ي ُت َوَّقع‬
‫فيها العرق والوساخ والميكروبات‪ ،‬بل جعل ذلك من سنن الفطرة‪..‬‬
‫ن‪،‬‬
‫فقد قال رسول الله ‪َ " :‬‬
‫ة‪ :‬ال ْ ِ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫فطَْر ِ‬
‫س ِ‬
‫خَتا ُ‬
‫م ْ‬
‫خ ْ‬
‫م ٌ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫و َ‬
‫م اْل َظ َ‬
‫وت َ ْ‬
‫ص‬
‫ون َت ْ ُ‬
‫ف ال ِب ِ ِ‬
‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫ست ِ ْ‬
‫واِل ْ‬
‫قِلي ُ‬
‫ق ّ‬
‫ط‪َ ،‬‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫د‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫فا ِ‬
‫‪233‬‬
‫ّ‬
‫ب" ‪..‬‬
‫ر‬
‫شا‬
‫ال‬
‫ِ ِ‬
‫ولك أن تتخيل مدى رقي هذا الدين الذي يأمر بهذه الداب في‬
‫هذا العمق من التاريخ‪ ،‬وفي هذا المكان في الصحراء‪ ،‬وفي هذه‬
‫الظروف الصعبة التي نشأ فيها السلم‪..‬‬
‫ضا بالتنّزه من قذارة البول والغائط‪،‬‬
‫وقد أمر رسول الله ‪ ‬أي ً‬
‫دد في ذلك حتى إنه مر على قبرين؛ فقال لصحابه يحدثهم عن‬
‫وش ّ‬
‫ن‬
‫ما ل َي ُ َ‬
‫صاحبي هذين القبرين وذلك كما روى ابن عباس }‪" :‬إ ِن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫عذَّبا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫ل‪،‬‬
‫حد ُ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ست َت ُِر ِ‬
‫كا َ‬
‫ما أ َ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫ن ل َ يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ر‪ ،‬أ ّ‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ن ال ْب َ ْ‬
‫عذَّبا ِ‬
‫َ‬
‫في ك َِبي ٍ‬
‫وأ َ‬
‫‪234‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة" ‪..‬‬
‫مي‬
‫ن‬
‫بال‬
‫شي‬
‫م‬
‫ي‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ف‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ما‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ض الرسول الحكيم ‪ ‬المسلمين‬
‫وفي غير الطهارة‪ ،‬فقد ح ّ‬
‫على حماية أنفسهم من آثار الطعام الزائد عن الحاجة‪ ،‬وحذرهم‬
‫ْ‬
‫عاءً َ‬
‫ن‪،‬‬
‫و َ‬
‫شّرا ِ‬
‫م ل َ آد َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫من آثار التخمة‪ ..‬فقال‪َ " :‬‬
‫م ّ‬
‫ي ِ‬
‫ن ب َط ٍ‬
‫ن َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ي لُ َ‬
‫ي‬
‫ت يُ ِ‬
‫ت الدَ ِ‬
‫ب اْلدَ ِ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫ما ٌ‬
‫غل َب َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫م َ‬
‫صل ْب َ ُ‬
‫ق ْ‬
‫قي ْ َ‬
‫ن ُ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫‪235‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ث ِللن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫نَ ْ‬
‫ث ِلل ّ‬
‫س" ‪..‬‬
‫وث ُل ٌ‬
‫وث ُل ٌ‬
‫فث ُل ٌ‬
‫ث ِللط َ‬
‫ف ُ‬
‫س ُ‬
‫شَرا ِ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ف ِ‬
‫عا ِ‬
‫كما أمرهم بالحفاظ على نظافة الطعمة والشربة فقال ‪:‬‬
‫طوا اْلَناءَ َ‬
‫غ ّ‬
‫و ُ‬
‫" َ‬
‫س َ‬
‫دوا فتحة‬
‫قاءَ"‪ ..236‬وأوكوا بمعنى‪ :‬س ّ‬
‫كوا ال ّ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫الوعاء الذي به الشراب‪.‬‬
‫‪231‬‬

‫البخاري‪ :‬كتاب الجمعة‪ ،‬باب السواك يوم الجمعة )‪ ،(847‬وأحمد )‪ (7840‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬
‫‪ 232‬ابن أبي شيبة )‪.(1793‬‬
‫‪ 233‬البخاري‪ :‬كتاب اللباس‪ ،‬باب قص الشارب )‪ ،(5550‬ومسلم‪ :‬كتاب الطهارة باب خصال‬
‫الفطرة )‪ ،(257‬وأبو داود )‪ ،(4198‬والترمذي )‪ ،(2756‬والنسائي )‪ (10‬عن أبي هريرة ‪.‬‬
‫‪ 234‬البخاري‪ :‬كتاب الوضوء‪ ،‬باب من الكبائر ال يستتر من بوله )‪ ،(213‬ومسلم‪ :‬كتاب الطهارة‬
‫باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الستبراء منه )‪ ،(292‬وأبو داود )‪ ،(20‬والترمذي )‪،(70‬‬
‫والنسائي )‪.(31‬‬
‫‪ 235‬ابن ماجة‪ :‬كتاب الطعمة‪ ،‬باب القتصاد في الكل وكراهية الشبع )‪ ،(3349‬وابن حبان )‬
‫‪ ،(5236‬والحاكم )‪ ،(7945‬وقال‪ :‬صحيح السناد ووافقه الذهبي‪ ،‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‬
‫‪ (5674‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 236‬مسلم‪ :‬كتاب الشربة‪ ،‬باب المر بتغطية الناء وإيكاء السقاء )‪.(3755‬‬

‫وقد ذهب التشريع السلمي إلى أبعد من ذلك‪ ،‬حين منع‬
‫أتباعه من كل خبيث يؤدي إلى ضرر بالصحة الجسدية والنفسية‬
‫ويضر كذلك بالمجتمع‪..‬‬
‫فحّرم السلم الخمر وما يندرج في حكمها كالمخدرات‪ ..‬قال‬
‫وك ُ ّ‬
‫رسول الله ‪" :‬ك ُ ّ‬
‫م"‪ ...237‬وبذلك‬
‫ل َ‬
‫ر َ‬
‫ر َ‬
‫حَرا ٌ‬
‫م ْ‬
‫خ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ل ُ‬
‫مٌر‪َ ،‬‬
‫م ٍ‬
‫سك ِ ٍ‬
‫حمى المسلمين من الضرار الصحية الخطيرة للخمور والمخدرات‪،‬‬
‫كما حمى البشرية جميًعا من الثار الضارة للمخمورين سوء نتيجة‬
‫للحوادث أو للجريمة أو لغير ذلك من الثار السيئة لغياب العقل‪..‬‬
‫والذي ذكرناه في الخمر ينطبق كذلك على تحريم الفواحش؛‬
‫لسلم حرم الزنا وكل العلقات غير المشروعة‪ ..‬وبذلك لم يحفظ‬
‫فا ٍ‬
‫فقط صحة المسلمين ونسلهم وأخلقهم‪ ،‬ولكن كان لذلك مردود على‬
‫المجتمع بكامله مسلمين وغير مسلمين‪..‬‬
‫ول يخفي على أحد أن انتشار المراض الجنسية في البلد‬
‫السلمية أقل بكثير منه في البلد غير السلمية‪ ،‬وما ذلك إل لكون‬
‫السلم يمنع هذه الموبقات‪..‬‬
‫هْر ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫في‬
‫ش ُ‬
‫ة ِ‬
‫فا ِ‬
‫م ت َظْ َ‬
‫وما أروع ما قاله ‪ ‬حين قال‪" :‬ل َ ْ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫ق ّ‬
‫ها إ ِّل َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ع‬
‫في‬
‫جا ُ‬
‫طا ُ‬
‫شا ِ‬
‫عو ُ‬
‫و َ‬
‫حّتى ي ُ ْ‬
‫ط َ‬
‫عل ُِنوا ب ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫واْل ْ‬
‫ن َ‬
‫ق ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وا"‪ ..238‬ول يخفي‬
‫سَل ِ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ض ْ‬
‫في أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫ال ِّتي ل َ ْ‬
‫ض ْ‬
‫ف ِ‬
‫على أحد أن أمراض اليدز واليبول‪ ،‬وغيرها من المراض الجنسية‬
‫القاتلة لم تكن معروفة قبل ذلك‪ ،‬ولم تظهر إل بظهور الفاحشة في‬
‫المجتمعات‪..‬‬
‫ضا أكل الميتة؛ لما في ذلك من أضرار جسيمة‬
‫وحّرم السلم أي ً‬
‫بالصحة أثبتها الن الطب الحديث‪..‬‬
‫ومما جعلني أشعر بالفخر الشديد وأنا في زيارة لأمريكا‪ ،‬أني‬
‫وجدتهم يفتخرون بأنه إذا مات لهم طائر أو حيوان قبل الذبح فإنهم ل‬
‫يأكلونه؛ لنه يكون ضاًرا بالصحة‪ ،‬وهذا لم يكتشفوه إل منذ أعوام‬
‫قليلة‪ ،‬بينما أوروبا إلى الن تأكل الميتة!! وهذا يجعل المريكان‬
‫يفتخرون بمنهجهم الصحي على الوروبيين!!‬
‫فقلت في نفسي وأمام المريكان وغيرهم‪ :‬ما أروع ديننا‪ ..‬الذي‬
‫حّرم علينا هذا الذي اكتشفتموه حديًثا‪ ،‬ولكنه حّرم ذلك علينا منذ أكثر‬
‫من ألف وأربعمائة عام!!‪ ..‬فسبحان الذي يعلم السر وأخفي!!‪..‬‬
‫‪ 237‬البخاري‪ :‬كتاب الوضوء‪ ،‬باب ل يجوز الوضوء بالنبيذ ول المسكر )‪ ،(239‬مسلم‪ :‬كتاب‬
‫الشربة باب بيان أن كل مسكر خمر )‪ ،(2003‬وأبو داود )‪ ،(3679‬والترمذي )‪،(1861‬‬
‫والنسائي )‪.(5585‬‬
‫‪ 238‬ابن ماجة‪ :‬كتاب الفتن‪ ،‬باب العقوبات )‪ ،(4009‬البيهقي في شعب اليمان )‪ ،(3315‬وقال‬
‫اللباني‪ :‬صحيح )‪ (2187‬صحيح الترغيب والترهيب‪.‬‬

‫ول أشك ‪ -‬من هذا المنطلق ‪ -‬في أن السجائر حرام‪ ،‬وأن الذي‬
‫يتناولها آثم‪ ،‬فالدين الذي حّرم على أتباعه الخبائث ل يمكن أن يحل‬
‫لهم شرب السجائر بكل ما فيها من خبث وضرر؛ فإنها لم تترك‬
‫وا من أعضاء الجسم إل وألحقت به ضرًرا خطيًرا‪ ..‬فعودة إلى‬
‫عض ً‬
‫السلم أيها المسلمون!!‬

‫ولم يهتم السلم فقط بصحة الجسد بل اهتم كذلك بصحة‬
‫النفس‪ ..‬فأمر بذكر الله ‪ ,‬وجعل ذلك اطمئناًنا للقلب؛ فقال ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ب‪ 239‬وحض المسلمين على الرفق‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫‪‬أَل ب ِ ِ‬
‫قُلو ُ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ه ت َطْ َ‬
‫ذك ْ ِ‬
‫خلق ولين الجانب وطيب الكلم‪ ,‬وجعل في‬
‫حسن ال ُ‬
‫والرحمة‪ ،‬و ُ‬
‫التبسم صدقة‪ ،‬وجعل في أدب المعاملت أجًرا‪ ،‬وشجع المسلمين‬
‫على نسيان أخطاء الغير‪ ،‬وعلى العفو والمغفرة‪ ،‬وع ّ‬
‫ظم لهم قيمة‬
‫ضا عما أصابهم من‬
‫الرضا بما قسم الله ‪ ،‬وجعل لهم الجنة عو ً‬
‫مصائب إذا صبروا عليها‪..‬‬
‫ول شك أن كل هذا يصب في تكوين صحة نفسية جيدة‪ ،‬ويسمو‬
‫مِئن القلب‪ ،‬ويرتفع بأخلق المسلم وقيمه وأهدافه إلى‬
‫بالروح وُيط ْ‬
‫درجات راقية ل يتخيلها غير المسلم‪ ،‬ول شك أن معدل المراض‬
‫النفسية من قلق واضطراب واكتئاب أعلى بكثير في بلد الغرب منها‬
‫في بلد المسلمين‪ ،‬وليس أدل على ذلك من مراجعة نسب النتحار‬
‫هنا وهناك لتعلم قيمة السلم‪..‬‬
‫وانطلًقا من حفاظ السلم على صحة الفرد والمجتمع‪ ،‬فإن‬
‫السلم لم يحض فقط على الهتمام بالجسد والنفس بل اهتم كذلك‬
‫بما ُيلبس من ثياب‪ ..‬فالثياب النظيفة الجميلة تعود بالفائدة على‬
‫صاحبها وعلى من يعيشون إلى جواره‪ ..‬بل على من يراه وإن كان ل‬
‫يعرفه‪..‬‬
‫وث َِياب َ َ‬
‫ك‬
‫ففي أول ما نزل من القرآن نجد قول الله ‪َ : ‬‬
‫َ‬
‫هْر‪ 240‬وما أروع أن يكون اهتمام السلم من أول يوم نزل فيه‬
‫فطَ ّ‬
‫للبشر بظاهرهم كما يهتم بباطنهم‪ ،‬فهو يقرن التوحيد بنظافة النسان‬
‫وث َِياب َ َ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫هْر‪ ‬واللفظ يحتمل ظاهر‬
‫فطَ ّ‬
‫فك َب ّْر َ‬
‫فيقول‪َ  :‬‬
‫المعنى‪ ،‬وإن كانت له تأويلت أخرى‪..‬‬
‫سا بمجرد وصول شيء‬
‫كما أ ّ‬
‫ن التشريع السلمي عد ّ الثوب نج ً‬
‫من النجاسة إليه‪ ،‬كالبول والغائط والدم‪ ،‬ول تصح الصلة فيه إل أن‬
‫تزول النجاسة‪ ،‬حتى لو كانت النجاسة قليلة‪ ..‬قال أحمد ابن حنبل ~‬
‫‪239‬‬
‫‪240‬‬

‫)الرعد‪.(28 :‬‬
‫)المدثر‪.(4 :‬‬

‫عن الثوب الذي أصابه بول أو غائط‪" :‬يعيد الصلة من قليله وكثيره"‪،‬‬
‫أي من قليل النجاسة أو كثيرها‪..241‬‬
‫كذلك ينجس الماء إذا وقع فيه من النجاسة ما ُيغير لونه أو‬
‫طعمه أو رائحته‪ ..242‬وكل ذلك يهدف إلى عدم استعمال شيء وصل‬
‫إليه قذر أو وسخ‪..‬‬
‫ول يهتم المسلم فقط بنظافة نفسه وثيابه‪ ،‬بل يجب أن يهتم‬
‫بنظافة البيئة التي حوله‪ ..‬وهذا بحث يحتاج إلى كثير تفصيل‪ ،‬ليس‬
‫هذا موضعه‪..‬‬
‫ص الوقاية من المراض على‬
‫وإذا كان عطاء السلم فيما يخ ّ‬
‫هذا النحو من الرقي فإنه ل يقف عاجًزا أمام المراض إذا حدثت‪ ..‬فل‬
‫يكتفي فقط بالمر بالتداوي‪ ،‬ولكن يحض ‪ -‬وبشدة ‪ -‬على منع انتشار‬
‫حجر الصحي"‪..‬‬
‫المراض في المجتمع‪ ،‬فيما ُيعرف بق "ال َ‬
‫ن المرء ليقف مبهوًرا أمام عظمة التوجيه النبوي الذي يحد ّ‬
‫وإ ّ‬
‫من انتشار المراض في المجتمع‪ ،‬حيث قال رسول الله ‪" :‬ل ً‬
‫ح"‪243‬؛ فهو بذلك يوضح لك أبسط وسائل‬
‫ض َ‬
‫م ِ‬
‫رد َ ّ‬
‫ص ّ‬
‫عَلى ُ‬
‫م ْ‬
‫ن ُ‬
‫ر ٌ‬
‫م ِ‬
‫ُيو ِ‬
‫الوقاية من المراض ‪ -‬وأنجحها في ذات الوقت ‪ -‬وهذا كله منذ أكثر‬
‫من ألف وأربعمائة عام!!‬
‫ضا خطيرة بعينها ‪ -‬ع ُِلم الن على وجه إليقين‬
‫ثم هو يختار أمرا ً‬
‫أنها تنتقل بالعدوى ‪ -‬ويحذر منها تحذيًرا بي ًّنا ظاهًرا ل يحتمل التأويل؛‬
‫ن‬
‫جذام الخطير‪ِ " :‬‬
‫فّر ِ‬
‫فتراه يقول ‪ -‬مثل ً ‪ -‬في أمر مرض ال ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫فَراَر َ‬
‫ج ُ‬
‫د"‪..244‬‬
‫ذوم ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫ك ِ‬
‫م ْ‬
‫ن اْل َ‬
‫م ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ثم هو يضع أعظم قواعد الحجر الصحي بالنسبة للوبئة‬
‫َ‬
‫فلَ‬
‫ع ال ّ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫الخطيرة كالطاعون فيقول‪" :‬إ ِ َ‬
‫طا ُ‬
‫عو ُ‬
‫ق َ‬
‫ذا َ‬
‫ن ب ِأْر ‪ٍ 245‬‬
‫قع َ‬
‫ها َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ها" ‪..‬‬
‫فَل ت َ ْ‬
‫ت َدْ ُ‬
‫خُلو َ‬
‫جوا ِ‬
‫خُر ُ‬
‫من ْ َ‬
‫م بِ َ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫و َ َ َ‬
‫ذا َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫وهذا هو قمة ما وصل إليه الطب الحديث في محاولة الحد من‬
‫انتشار الوبئة الخطيرة كالطاعون‪..‬‬
‫وأخيًرا‪ ..‬فإن المنهج السلمي في الوقاية من المراض لكي‬
‫يضمن الدقة في التطبيق‪ ،‬والحرص في أداء القواعد الصحية‪ ،‬فإنه‬
‫ضا من العلماء والفقهاء‪.‬‬
‫‪ 241‬اظر مسائل المام أحمد ص ‪ .41‬وهذا رأي غيره أي ً‬
‫‪ 242‬ابن قدامة‪ :‬المغني ‪.1/52‬‬
‫‪ 243‬البخاري‪ :‬كتاب الطب‪ ،‬باب ل هامة )‪ ،(5437‬ومسلم‪ :‬كتاب السلم‪ ،‬باب ل عدوى ول طيرة‬
‫ول هامة ول صفر)‪ ،(2221‬وعبد الرزاق )‪ (19507‬عن أبي هريرة ‪.‬‬
‫‪ 244‬أحمد )‪ ،(9720‬وابن أبي شيبة )‪ ،(24543‬والبيهقي في سننه الكبرى )‪ ،(13550‬وقال‬
‫اللباني صحيح السلسلة الصحيحة )‪ (783‬عن أبي هريرة ‪.‬‬
‫‪ 245‬مسلم‪ :‬كتاب السلم‪ ،‬باب الطاعون والكهانة ونحوها )‪ ،(2218‬وأحمد)‪ ،(21876‬وابن حبان‬
‫)‪.(2912‬‬

‫يربط كل هذه القواعد برضا الله ‪ ،‬وبالزجر والمثوبة‪ ,‬والجنة‬
‫والنار؛ فليس الغرض فقط هو الحياة الدنيوية السعيدة ‪ -‬وإن كان هذا‬
‫قا إن شاء الله ‪ -‬ولكن الهدف أسمى من ذلك وأج ّ‬
‫ل‪ ،‬وهو‬
‫متحق ً‬
‫سعادة الخرة‪..‬‬
‫فنجد مثل ً في تعظيم أمر السواك وطهارة الفم ونظافته أن‬
‫وا ُ‬
‫هَرةٌ ل ِل ْ َ‬
‫ب"‪..246‬‬
‫مْر َ‬
‫ضاةٌ ِللّر ّ‬
‫مطْ َ‬
‫الرسول ‪ ‬يقول‪" :‬ال ّ‬
‫فم ِ َ‬
‫ك َ‬
‫س َ‬
‫فهو ل يحقق نظافة وصحة فقط‪ ,‬بل يحقق أجًرا ومثوبة!!‬
‫ونجده ‪ ‬يقول في أمر الوضوء والغسل‪ ..‬وذلك كما روى أبو‬
‫هوُر َ‬
‫ن"‪ ،247‬فجعل هذا الطهور‬
‫مالك الشعري <‪" :‬الطّ ُ‬
‫لي َ‬
‫ما ِ‬
‫شطُْر ا ْ ِ‬
‫وهذه النظافة نصف اليمان‪..‬‬
‫ما لمن ساهم في منع انتشار الطاعون‪،‬‬
‫ونجده يعطي أجًرا عظي ً‬
‫حتى يصل هذا الجر إلى الشهادة في سبيل الله! فيقول لمُ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫ذاًبا‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫المؤمنين عائشة >‪ ،‬عندما سألته عن الطاعون‪" :‬إ ِن ّ ُ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن‪،‬‬
‫م ً‬
‫ه َ‬
‫شا ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه َر ْ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫ي َب ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عث ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫د يَ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مك ُ‬
‫ع الطا ُ‬
‫ن َ‬
‫ث ِ‬
‫د ِ‬
‫في ب َل ِ‬
‫عب ْ ٍ‬
‫س ِ‬
‫عو ُ‬
‫صاب ًِرا‪ ،‬ي َ ْ‬
‫ق ُ‬
‫م ْ‬
‫عل ُ‬
‫في َ ْ‬
‫ه َ‬
‫فل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬إ ِّل َ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ر‬
‫ه ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫كا َ‬
‫لأ ْ‬
‫ما ك َت َ َ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫ه إ ِّل َ‬
‫صيب َ ُ‬
‫أن ّ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ال ّ‬
‫د"‪..248‬‬
‫هي ِ‬
‫ش ِ‬

‫‪ 246‬النسائي‪ :‬كتاب الطهارة‪ ،‬باب الترغيب في السواك )‪ ،(5‬وابن ماجة )‪ ،(289‬وأحمد )‪،(7‬‬
‫والدارمي )‪ ،(684‬وابن خزيمة )‪ ،(135‬وقال اللباني‪ :‬صحيح)‪ (3695‬صحيح الجامع‪ ،‬عن‬
‫عائشة >‪.‬‬
‫‪ 247‬مسلم‪ :‬كتاب الطهارة‪ ،‬باب فضل الوضوء )‪ ،(223‬وأحمد )‪ ،(22953‬والدارمي )‪.(653‬‬
‫‪ 248‬البخاري‪ :‬كتاب الطب‪ ،‬باب أجر الصابرين في الطاعون )‪ ،(5402‬وأحمد )‪.(24403‬‬

‫المبحث الثالث‪ :‬علم الجغرافيا في الحضارة‬
‫السلمية‬
‫مع أن المسلمين لم يكونوا أول من درس علم الجغرافيا إل‬
‫أنهم ‪ -‬بل جدال ‪ -‬كانوا أول من أبدع فيه‪ ،‬وسنتعرض في الصفحات‬
‫القادمة ‪ -‬إن شاء الله ‪ -‬لحركة تطور علم الجغرافيا وإسهامات‬
‫ضا على بعض العلماء الجلء الذين‬
‫المسلمين فيه‪ ،‬كما سنتعرف أي ً‬
‫أث َْروا ذلك العلم بما ل يتخيل من إبداعات‪ ،‬وبخاصة عند النظر إلى‬
‫المكانيات الضئيلة التي كانت متاحة لهم في أزمانهم‪..‬‬
‫وبداية؛ فإن كلمة )جغرافيا( يونانية الصل‪ ،‬وهي تتكون من‬
‫مقطعين هما‪" :‬جيو" )‪ (Geo‬بمعنى‪ :‬أرض‪ ..‬و"غرافيا" )‪(Grophia‬‬
‫وتعني‪ :‬وصف‪ ..‬ومن ثم جاء التعريف الصطلحي لعلم الجغرافيا‬
‫ف منه أحوال‬
‫معبًرا عن مقتضيات "وصف الرض"؛ فهو‪" :‬علم ي ُت َعَّر ُ‬
‫القاليم )القارات( السبع‪ ،‬الواقعة في الربع المسكون من كرة‬
‫الرض‪ ،‬وعروض البلدان الواقعة فيها‪ ،‬وأطوالها وعدد مدنها وجبالها‬
‫وبراريها وبحارها وأنهارها‪ ...‬إلى غير ذلك من أحوال الربع المعمور"‪.‬‬
‫وكلمة "الجغرافيا" حديثة بعض الشيء في الستخدام العربي؛‬
‫حيث كان العرب والمسلمون يستعملون بدل ً منها مصطلحات مثل‪:‬‬
‫صورة الرض‪ ،‬أو قطع الرض‪ ،‬أو خريطة العالم والقإليم‪ ،‬أو علم‬
‫المسالك والممالك‪ ،‬أو علم تقويم البلدان أو علم الطرق‪..249‬‬
‫ولم يكن ظهور علم الجغرافيا لدى المسلمين وليد صدفة‪ ،‬وإنما‬
‫كانت هناك عوامل وأسباب عدة أسهمت في ظهوره ونمائه‪ ،‬نذكر‬
‫منها ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬انتشار السلم‪ :‬فقد اقترن الفكر الجغرافي لدى‬
‫المسلمين بانتشار السلم في أنحاء شتى من العالم القديم في‬
‫قاراته الثلث‪ ،‬وترتب على ذلك اختلف خصائص البيئات التي سادها‬
‫الدين السلمي؛ مما أوجد حاجة ماسة لمعرفة وجمع معلومات‬
‫متخصصة عن تلك البيئات‪.‬‬
‫‪ -2‬التدبر في خلق الله‪ :‬حيث جاء القرآن الكريم ببيان كثير‬
‫َ‬
‫ض‬
‫واْلْر َ‬
‫من الظواهر التي أودعها الله في الرض‪ ،‬قال تعإلي‪َ  :‬‬
‫وأ َل ْ َ‬
‫ل َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫وأ َن ْب َت َْنا ِ‬
‫قي َْنا ِ‬
‫مدَدَْنا َ‬
‫ها ِ‬
‫وا ِ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ي َ‬
‫ها َر َ‬
‫ها َ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫‪250‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ما ب َْرَز ٌ‬
‫خ‬
‫ن‪‬‬
‫ن ي َلت َ ِ‬
‫ج الب َ ْ‬
‫مَر َ‬
‫ن ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫وقوله تعإلي‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫قَيا ِ‬
‫وُزو ٍ‬
‫م ْ‬
‫حَري ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪251‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حَياءً‬
‫َل ي َب ْ ِ‬
‫ض ك ِفاًتا أ ْ‬
‫ج َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ن‪ ‬وقوله تعإلي‪ :‬أل ْ‬
‫ل الْر َ‬
‫ع ِ‬
‫غَيا ِ‬
‫‪ 249‬القنوجي‪ :‬أبجد العلوم ‪ ،213 ،2/212‬وكشف الظنون ‪.1/590‬‬
‫‪) 250‬الحجر‪.(19 :‬‬
‫‪) 251‬الرحمن‪.(20 ،19 :‬‬

‫خات َ‬
‫َ‬
‫ماءً ُ‬
‫س َ‬
‫ي َ‬
‫فَراًتا‬
‫عل َْنا ِ‬
‫شا ِ‬
‫وا ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫وأ ْ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫قي َْناك ُ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫م َ ٍ َ‬
‫ها َر َ‬
‫واًتا َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫‪ 252‬وهكذا‪..‬‬
‫ولقد تدبر رواد الجغرافيا المسلمون هذه النصوص المحفزة‬
‫وناتها؛ مما كان له أكبر الثر‬
‫على النظر في عظمة خلق الرض ومك ّ‬
‫في إثراء الدراسات الجغرافية في الحضارة السلمية‪.‬‬
‫جل أركان السلم‬
‫‪ -3‬المتطلبات الشرعية‪ :‬فقد اعتمدت ُ‬
‫في أدائها على مواقيت زمنية ومكانية‪ ،‬وبما أن بقاع الرض تختلف‬
‫في مواقيتها الزمنية والمكانية فقد كانت هناك ضرورة لن يهتم‬
‫علماء كل ولية إسلمية بتوضيح هذه المور لعامة الناس‪..‬‬
‫فالصلة تقام في أوقات زمنية محددة؛ ولذلك وضع علماء‬
‫المسلمين في كل قطر إسلمي حدوًدا زمنية لقامة الصلة‪ ..‬وما‬
‫تزال الدوات التي تقاس بها مواعيد الصلة موجودة في بعض‬
‫المساجد القديمة‪ ،‬وتسمى بالساعات الشمسية‪ ،‬وكان العتناء بذلك‬
‫جا عن أن دخول الوقت شرط لقامة الصلة‪ ،‬كما أن الصلة‬
‫نات ً‬
‫تستقبل فيها جهة محددة وهي الكعبة في مكة‪ ،‬ولذلك وجب معرفة‬
‫التجاهات الجغرافية لتحدد قبلة الصلة في كل مدينة أو قرية‪..‬‬
‫حدد أداؤه بحدود‬
‫ولم تختلف الحال كثيًرا في الصيام الذي ُ‬
‫شهرية وحدود يومية‪ ..‬وكذلك ارتبط الحج والعمرة بمواقيت مكانية‬
‫للحرام وهي مختلفة في أبعادها من مكة حسب الجهات التي يأتي‬
‫منها المسلمون لداء الفريضة‪ ،‬وكان ضرورًيا معرفة تلك المواضع‬
‫التي يتم إحرام الحجاج والمعتمرين منها حتى ل يترتب عند تجاوزها‬
‫مخالفة شرعية تؤثر على صحة العبادة‪ ..‬إلى جانب أن الحج يرتبط‬
‫ج أَ ْ‬
‫ت‪ 253‬وهي التي تتركز‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫بميقات زمني محدد‪ :‬ال ْ َ‬
‫ما ٌ‬
‫ش ُ‬
‫عُلو َ‬
‫هٌر َ‬
‫حول شهر ذي الحجة؛ لن الحج مرتبط بالوقوف بعرفة في يوم‬
‫التاسع من شهر ذي الحجة‪ ،‬فمن فاته الوقوف بعرفة ‪ -‬كما هو معلوم‬
‫ فقد فاته الحج‪ ،‬وهكذا‪..‬‬‫‪ -4‬تفسير ما ورد من نصوص شرعية‪ :‬فقد أسهمت بعض‬
‫النصوص الشرعية التي وردت في السنة في تنشيط المعرفة‬
‫الجغرافية في محاولة لتفسير تلك النصوص‪ ،‬من ذلك ما رواه أبو‬
‫هريرة < أن رسول الله ‪ ‬قال‪َ" :‬ل ت َ ُ‬
‫حّتى ي َك ْث َُر‬
‫ع ُ‬
‫سا َ‬
‫ة َ‬
‫قو ُ‬
‫م ال ّ‬
‫َ‬
‫ل ب َِز َ‬
‫ه َ‬
‫ج ُ‬
‫ما ُ‬
‫دا‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫وي َ ِ‬
‫مال ِ ِ‬
‫كا ِ‬
‫ح ً‬
‫جد ُ أ َ‬
‫ج الّر ُ‬
‫خُر َ‬
‫ض َ‬
‫ة َ‬
‫ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫فَل ي َ ِ‬
‫ل َ‬
‫قبل ُها من ْه وحّتى ت َعود أ َرض ال ْعرب مروجا َ‬
‫هاًرا"‪..254‬‬
‫يَ ْ َ َ ِ ُ َ َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ُ َ ْ ُ‬
‫َ َ ِ ُ ُ ً َ‬
‫‪) 252‬المرسلت‪(27 – 25 :‬‬
‫‪) 253‬البقرة‪.(197 :‬‬
‫‪ 254‬البخاري‪ :‬كتاب الزكاة‪ ،‬باب الصدقة قبل الرد )‪ ،(1346‬ومسلم‪ :‬كتاب الزكاة‪ ،‬باب الترغيب‬
‫في الصدقة قبل أن ل يوجد من يقبلها )‪ (157‬واللفظ له‪ ،‬وأحمد )‪.(9384‬‬

‫ب"‪،255‬‬
‫ن ِ‬
‫زيَر ِ‬
‫جت َ ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫م ُ‬
‫وقول الرسول ‪َ" :‬ل ي َ ْ‬
‫عَر ِ‬
‫ع ِديَنا ِ‬
‫ج ِ‬
‫وقوله كذلك‪" :‬أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"‪..256‬‬
‫حة في بيان‬
‫مل ِ ّ‬
‫فتلك النصوص وما شابهها أظهرت حاجة ُ‬
‫المقصود من ذلك؛ لتحقيق ما أمر به الرسول ‪ ،‬كما أوجدت وجهات‬
‫نظر جغرافية في التحديد؛ فالنصوص السابقة مثل ً جعلت من تحديد‬
‫جزيرة العرب محل اختلف بين العلماء الجغرافيين‪ ،‬حتى إنه ورد فيه‬
‫أربعة آراء‪ ،‬منها ما هو متسع كتحديد ابن حوقل والصطخري‪ ،‬ومنها‬
‫ما هو ضيق كتحديد المقدسي والجيهاني‪ ،‬وظهرت مصنفات هامة‬
‫مثل )صفة جزيرة العرب( للهمداني‪ ،‬و)بلد العرب( للحسن بن عبد‬
‫الله الصفهاني‪.‬‬
‫‪ -5‬الدعوة إلى الله وتعليم أمور الدين‪ :‬فبعد فتح البلد‬
‫السلمية أصبحت هناك حاجة ملحة لتعلم شرائع الدين‪ ،‬حيث قام‬
‫عدد من التابعين بالسفر إلى البلد المفتوحة لتعليم أبنائها أمور الدين‬
‫والدعوة إليه‪ ،‬وفي الوقت نفسه قام أفراد من سكان تلك البلد‬
‫بطلب العلم من المنابع التي ظهر فيها السلم سواًء في مكة أو‬
‫المدينة؛ لما تتمتع به المدينتان من وجود كبار الصحابة والتابعين‪،‬‬
‫وكانت تلك الرحلت الدعوية أو العلمية تستلزم المعرفة بالمسالك‬
‫المؤدية للمناطق المقصودة‪ ،‬كما أن أساليب الدعوة في بيئةٍ ما ل‬
‫يمكن أن تصلح في كل بيئة‪..‬‬
‫ومما أسهم في تيسير التصال الدعوي الموقع الجغرافي‬
‫لموطن الرسالة‪ ،‬فقد أثبتت الدراسات الجغرافية الحضارية لمنطقة‬
‫الشرق العربي أن موقعها الجغرافي كان وما يزال متوس ً‬
‫طا في‬
‫العلقات القليمية والعالمية‪ ،‬ولذا أسهم بدور الوساطة التجارية من‬
‫جانب وبدور الدعوة والبلغ من جانب آخر‪.‬‬
‫‪ -6‬المتطلبات الدارية والعسكرية‪ :‬نمت الدولة السلمية‬
‫وبلغت حدودها من الصين شرًقا حتى الندلس )أسبانيا( غرًبا في‬
‫غضون ثمانين سنة تقريًبا‪ ،‬وكان هذا النمو حصيلة فتوحات في ثلث‬
‫خلفات إسلمية )الخلفة الراشدة‪ ،‬والخلفة الموية‪ ،‬والخلفة‬
‫العباسية(‪ .‬ويتطلب التوسع في الدولة مراعاة أمور ترتبط بهذا‬
‫التوسع‪ ..‬منها‪:‬‬
‫إدارة المناطق‪ :‬فعندما أصبح المر في معظم أصقاع العالم‬
‫م بها‬
‫القديم تحت إمرة الخلفة السلمية كان من الولويات التي اهت ُ ّ‬
‫الكيفية التي تتم بها إدارة المناطق بما يتفق مع المكانات البيئية‬
‫‪ 255‬الموطأ برواية يحيى الليثي‪ :‬كتاب الجامع‪ ،‬باب في إجلء إليهود عن المدينة )‪،(1584‬‬
‫وبرواية محمد بن الحسن )‪ ،(873‬والبيهقي في سننه الكبرى )‪.(18531‬‬
‫‪ 256‬أحمد )‪ ،(1935‬والنسائي في سننه الكبرى )‪ ،(5854‬وقال شعيب الرنؤوط إسناده صحيح‬
‫على شرط الشيخين‪.‬‬

‫والخصائص الجتماعية لكل قطر‪ ،‬وكان المر يتم بدراسة التقارير‬
‫الوصفية )الجغرافية( الولية من ِقبل الفاتحين لتحديد الطريقة المثلى‬
‫لدارة تلك القطار‪ ،‬وتعد تلك التقارير بمثابة النواة الولى لتطور‬
‫اتجاهات الدراسات القليمية‪.‬‬
‫اللتزامات المالية‪ :‬ن ّ‬
‫ظم الدين السلمي جمع المال عبر‬
‫أبواب متعددة؛ فجمع الزكاة يتعين على الموسرين من المسلمين‪،‬‬
‫در الخراج حسب مقدار غّلة الرض‪ ،‬وهو ما يختلف باختلف‬
‫وُيق ّ‬
‫ة‬
‫محة عليها‪ ،‬بينما ُتؤ َ‬
‫خذ الجزي ُ‬
‫البيئات التي بسط السلم تعاليمه ال ّ‬
‫س ْ‬
‫من أهل الذمة الداخلين في حمى الولية السلمية‪ ،‬ومثال ذلك ما‬
‫قام به المقدسي من تحديد للقليات غير المسلمة في إطار الممالك‬
‫السلمية‪.‬‬
‫تلبية احتياجات المناطق من المتطلبات المهمة‪ :‬تقترن‬
‫عمليات توفير الحتياجات للمناطق بالمعرفة الجغرافية التي تحدد‬
‫الولوية في تقديم المتطلبات لسكان الوليات السلمية؛ فمثل ً بناء‬
‫الطرق وتسهيلها من المتطلبات العامة التي تكفلت بها الخلفة‪ ،‬ومما‬
‫روي من الهتمام بذلك ما أناط عمر بن الخطاب به نفسه بقوله‪" :‬‬
‫لو أن جمل هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل‬
‫الخطاب‪"257‬؟!‬
‫كما رغب معظم الخلفاء في معرفة الممالك التي أصبحت‬
‫تحت إدارتهم‪ ،‬ومن ذلك ما قام به الخليفة عمر بن عبد العزيز ~ من‬
‫الكتابة إلى واليه في الندلس يطلب منه فيها موافاته بصفة الندلس‬
‫وأنهارها‪ ،‬وفي هذا بيان لهمية التجاه القليمي للجغرافية في إدارة‬
‫شؤون الدولة‪ ،‬والتعرف على أحوالها والتخطيط لمستقبلها‪.258‬‬
‫تحديد المناطق المثلى لنشاء خطوط الدفاع عن‬
‫الدولة السلمية‪ :‬تميزت دولة السلم إبان نشأتها بالقوة والمنعة‬
‫إل أن ذلك لم يمنع من التفكير في الذود عن المة السلمية ‪ -‬التي‬
‫يتربص بها أعداؤها حالة ضعفها‪ ،‬أو انشغال المسلمين عن الجهاد في‬
‫سبيل الله ‪ -‬بإيجاد بعض النقاط التي تكون مراكز للدفاع عن‬
‫الراضي السلمية‪ ،‬وقد تم اختيار بعض المعابر الرضية )الثغور( بين‬
‫ممالك السلم والممالك غير المسلمة نصرانية كانت أم ل دينية؛‬
‫لتكون مصدات لهجوم العداء‪ ،‬وكان اختيار هذه المعابر يأتي عبر‬
‫معرفة جغرافية دقيقة بطبوغرافية المكان‪..‬‬
‫كما ابتكر القادة نقاط إمداد عسكرية شبه ثابتة ‪ -‬في حالة‬
‫الحاجة إلى استنفار أكبر عدد ممكن من المسلمين للجهاد أو صد‬
‫‪257‬‬
‫‪258‬‬

‫الطبري‪ :‬تاريخ المم والملوك ‪.2/566‬‬
‫عبد الستار الشيخ‪ :‬عمر بن عبد العزيز ص ‪.271‬‬

‫هجوم المعتدين ‪ -‬ببناء المدن الحربية في مواضع مختلفة‪ ..‬وما‬
‫البصرة والكوفة والقيروان إل نماذج للمدن الحربية؛ فقد اختير موقع‬
‫مدينة كالقيروان بعناية من ِقبل القائد المسلم عقبة بن نافع في‬
‫الجزء الهامشي من المنطقة الرطبة وعلى مقربة من المنطقة‬
‫الجافة وعند ملتقى طرق تتجه في جميع التجاهات مع اهتمام بوجود‬
‫ينابيع مائية تكفل نمو المدينة‪ ،‬وفي هذا بيان لهمية الموقع الجغرافي‬
‫في التجاه العلمي للمتطلبات التي تحتاجها الدولة السلمية‪.259‬‬
‫‪ -7‬الدوافع القتصادية‪ :‬حقق التبادل التجاري تنشي ً‬
‫طا‬
‫للمعرفة الجغرافية عند المسلمين قدر ما حققه انتشار السلم في‬
‫أرجاء واسعة من العالم؛ فالتجارة هي الحرفة الرئيسة للمجتمعات‬
‫ون تجار‬
‫العربية حيث ارتبطت مدن الصحراء بالمناطق الزراعية‪ ،‬وك ّ‬
‫المسلمين بعد انتشار السلم خلفية واسعة عن البلد المحيطة بهم‬
‫عبر علقات تجارية‪ ،‬وجعلت التجارة المعطيات الجغرافية أعظم‬
‫بكثير مما كانت لدى أسلفهم من المم الخرى‪ ،‬ووضعتها تحت‬
‫ي؛ مما جعله يكتب عن مناطق لم‬
‫تصرفهم فوسعت أفق الجغراف ّ‬
‫يرها وإنما سمع عنها فقط من التجار‪ ،‬ولقد تعددت العلقات التجارية‬
‫التي كان من أبرزها تلك العلقات مع الهند وجنوب شرق آسيا‬
‫والصين وأفريقيا وأوربا‪ ،‬ولهذا العامل تأثير في بناء أساسيات‬
‫الجغرافية التجارية لدى العلماء المختصين‪.‬‬
‫كانت تلك هي أبرز الدوافع التي من أجلها اهتم المسلمون بعلم‬
‫الجغرافيا‪ ،‬ومن الجدير بالذكر أن هذا الهتمام كان على مستوى‬
‫الخلفاء والعلماء على حد سواء؛ فبينما أنفق الخلفاء بسخاء على‬
‫الحركة العلمية‪ ،‬وقاموا بإنشاء صروح علمية هائلة كبيت الحكمة في‬
‫بغداد‪ ،‬وعملوا على تنشيط حركة الترجمة للستفادة من جهود المم‬
‫السابقة‪ ...‬كّرس العلماء حياتهم وفكرهم ووقتهم ومالهم لخدمة هذا‬
‫العلم المهم‪ ،‬فظهر ما يعرف في التاريخ بالرحلت‪..‬‬
‫والرحلت هذه هي السفار الطويلة والقصيرة التي قام بها‬
‫العلماء في كل أرجاء المعمورة لدراسة أحوال الرض‪ ،‬وأدت بنجاح‬
‫إلى تفوق الجغرافيا الوصفية‪ ،‬كما أسهمت في تطور الجغرافيا‬
‫البلدانية )القليمية(‪ ،‬حيث كانت الرحلة هي المصدر العلمي لهذا‬
‫النوع من الكتابات الجغرافية‪ ،‬وتمثل الرحلة الوجه المشرق للجغرافيا‬
‫السلمية‪ ،‬ففي بطونها معين ل ينضب من المعلومات التاريخية‬
‫والقتصادية والنثروبولوجية لمعظم مناطق العالم السلمي‪ ،‬وقد‬
‫اعتمد كبار الجغرافيين المسلمين على الرحلة في جمع معلوماتهم‪،‬‬
‫أو التأكد مما سمعوه أو نقلوه‪ ،‬فزاروا معظم البلدان التي كتبوا عنها‪،‬‬

‫‪259‬‬

‫محمود شيت خطاب‪ :‬قادة الفتح في المغرب العربي ‪.1/103،102‬‬

‫وألفوا كتًبا تحدثوا فيها عن رحلتهم؛ عرف الناس من خللها أجزاء‬
‫كثيرة من العالم كانت مجهولة من قبل‪.‬‬

‫المسلمون وإنقاذ علم الجغرافيا‬
‫ما كما هو اليوم‪ ،‬وهذا من طبائع كل‬
‫لم يظهر علم الجغرافيا قدي ً‬
‫العلوم؛ فلكل علم إرهاصات‪ ..‬ثم تأتي البداية المشوشة التي يتداخل‬
‫فيها مع غيره من العلوم‪ ..‬إلى أن يأخذ بعد ذلك دوره في التشكل‬
‫والتكوين‪ ،‬خاصة مع ظهور المتخصصين‪.‬‬
‫وفي معرض تناول انطلق النهضة الجغرافية لدى المسلمين‬
‫يجدر بنا في البداية ذكر السهامات التي سبقت الحضارة السلمية‪،‬‬
‫حالة الهنود أو علماء اليونان الذين استعان المسلمون‬
‫والتي قدمها الر ّ‬
‫بمجهوداتهم البحثية التي كانت شرارة لنطلق ثورتهم الجغرافية‬
‫المبدعة‪.‬‬
‫ي‬
‫لقد كان اليونان ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬يقطنون ضفاف بحر غن ّ‬
‫بالملجئ الطبيعية‪ ،‬فنشطوا من خلل تجارتهم وقربهم من البحر‪،‬‬
‫وكان منهم المؤرخ "هيرودوت" الذي قام برحلت كبيرة في برقة‬
‫ومصر وفينيقية وبلد بابل‪ ،‬كما زار المستعمرات الغريقية في ساحل‬
‫آسيا الصغرى الشمإلي‪ ،‬وجزر بحر إيجة وصقلية وجنوب إيطإليا‪..‬‬
‫صًرا للمعارف الجغرافية لدى‬
‫ويعتبر كتاب "التاريخ" الذي ألفه مخت َ‬
‫الغريق في أواسط القرن الخامس )ق‪ .‬م‪..(.‬‬
‫دمت مؤلفات "بطليموس" و"مارينوس" البدايات‬
‫كما ق ّ‬
‫للمسلمين؛ حيث اعتمد المسلمون في القرن )الثالث الهجري ‪-‬‬
‫التاسع الميلدي( لرساء قواعد علمهم الجغرافي على كتاب‬
‫"الجغرافيا" لبطليموس‪ ،‬وكان اعتمادهم عليه أساسّيا‪ ..‬إلى جانب‬
‫‪260‬‬
‫كتاب "مارينوس الصوري" الذي يأتي في درجة تالية من الهمية ‪..‬‬
‫وكانت تلك المؤلفات القديمة وصفية اهتم فيها هؤلء العلماء‬
‫سست لستخدام الجغرافيا‬
‫بحساب درجات الطول والعرض‪ ،‬وأ ّ‬
‫الرياضية في رسم الخرائط‪.‬‬
‫دد بطليموس في كتابه العاَلم المعروف لدى القدمين؛‬
‫فقد ح ّ‬
‫فكان يمتد من جزر الخالدات )وهو السم العربي الذي كان ُيطلق‬
‫على جزر الكناري حإليا في المحيط الطلنطي( غرًبا إلى الصين‬
‫شرقا‪ ،‬أما حدوده الشمإلية فكانت الجزر الواقعة شمإلى بريطانيا‪،‬‬
‫‪ 260‬محمد محمود محمدين‪ :‬الجغرافيا ولجغرافيون بين الزمان والمكان ص ‪ .120،119‬دار‬
‫الخريجي للنشر والتوزيع الطبعة الثانية ‪1417‬هق‪.‬‬

‫في حين ل تتعدى حدوده الجنوبية منطقة السودان والبحيرات‬
‫الكبرى‪ ،‬وكان كتاب بطليموس مزودا بق ‪ 27‬خارطة‪ ،‬كانت إحداها تمد‬
‫البحر المتوسط بحوإلى ‪ 20‬درجة شرًقا؛ مما أدى بالتالي إلى‬
‫استطالة الراضي بشكل مفرط باتجاه الشرق‪.261‬‬
‫ولم تكن استفادة المسلمين في هذا المضمار من اليونانيين‬
‫فقط‪ ،‬بل حرصوا على الطلع على كل الميراث الجغرافي لشعوب‬
‫العالم‪..‬‬
‫فقد قام المصريون القدامى في عهد )سينفرو( فرعون مصر‬
‫برحلت عديدة بغية الستكشاف‪ ،‬كما أرسلت مصر البعثات لكشف‬
‫حوض النيل وارتياد الصحراء الشرقية والليبية وشبه جزيرة سيناء‪،‬‬
‫ت قناة‬
‫ح ِ‬
‫وتيسيًرا لنقل التجارة من داخل البلد إلى البحر الحمر ُ‬
‫فَر ْ‬
‫سيزوستريس بين النيل وذلك البحر‪.262‬‬
‫أما الكريتيون فهم شعب بحري ضاعت معظم معالم تاريخه‬
‫قا‬
‫من الذاكرة‪ ،‬ويظهر أن نشاطهم في مضمار الملحة كان ساب ً‬
‫للفينيقيين‪ ..‬وهم أقدم من ركب عرض البحر‪ ،‬ولم يتبق من تاريخهم‬
‫عرفوا من خللها سواحل‬
‫سوى تجارتهم الواسعة مع مصر التي َ‬
‫الحوض الشرقي من البحر البيض المتوسط كما عرفوا غرًبا سواحل‬
‫صقلية وإيطإليا الجنوبية دون أن يتجشموا مخاطر البتعاد أكثر من‬
‫ذلك‪.‬‬
‫أما الفينيقيون فقد تمت أول حملة اكتشافية على أيديهم‪ ،‬وقد‬
‫جهزها فرعون مصر "نيخاوس" الذي حكم في النصف الثاني من‬
‫القرن السابع قبل الميلد بالسفن والمؤن‪ ،‬واستطاعت هذه الحملة‬
‫عام )‪ 665‬ق‪.‬م( أن تدور حول أفريقيا‪ ،‬بعد أن انطلقت من البحر‬
‫الحمر‪ ،‬وعادت من طريق البحر البيض المتوسط‪ ..‬وقد استغرقت‬
‫هذه الرحلة مدة عامين‪.‬‬
‫وفي الفترة الواقعة قبل الميلد بخمسة قرون قام القرطاجيون‬
‫بإرسال القائد "صفون" لكتشاف ساحل أفريقيا الغربية‪ ،‬فانطلق‬
‫على رأس أسطول من ستين سفينة يركبها ثلثمائة بحار بالضافة‬
‫إلى عدد من المهاجرين وفي الوقت نفسه كان القائد "هيميلكون"‬
‫يكتشف سواحل أوروبا الغربية ويتو ّ‬
‫غل في بحر الشمال‪.‬‬
‫كما اتسعت معارف الرومان الجغرافية؛ إذ إنهم توغلوا في‬
‫الحبشة بعد دخولهم مصر‪ ،‬ووصلوا إلى مناطق المستنقعات الفسيحة‬
‫‪ 261‬عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص ‪.33،32‬‬
‫‪ 262‬انظر‪ :‬شريف محمد شريف‪ :‬تطور الفكر الجغرافي‪ ،‬علي عبد الله الدفاع‪ :‬رواد علم‬
‫الجغرافيا ص ‪.17-15‬‬

‫في بحر الغزال‪ ،‬وقاموا ببعض الستكشافات الجغرافية هناك‪ ،‬كما‬
‫اكتشفوا جبل كينيا وجبل كليمنجارو أعلى قمم أفريقيا‪..‬‬
‫حتى جاء حين من الدهر أخذت فيه روح البحث العلمي في هذا‬
‫المجال في الخمول حينما بدأ رجال الكنيسة من أمثال القديس‬
‫"أمبرواز" )‪397 - 330‬م( يجهرون بأن دراسة الكون ووضع الرض‬
‫لن يفيد النسانية في تحقيق أملها في الحياة الخرة‪!!..‬‬
‫وقد أّدى ذلك إلى أن بدأ الكثيرون يعزفون عن الرغبة في‬
‫المعرفة‪ ،‬ويعتبرون هذه المور ضرًبا من السحر‪ ..‬واستمر الحال‬
‫هكذا في أوروبا حتى القرن الخامس عشر الميلدي؛ فقد عانى علماء‬
‫مثل "كوبرنيكوس" )‪ (1743 – 1473‬و"جإليليو" )‪- (1642 – 1564‬‬
‫على نحو ما ذكرنا في الباب الول ‪ -‬الكثير من المضايقات من رجال‬
‫الكنيسة‪ ،‬والتي وصلت إلى حد ّ القتل والحراق‪!!263‬‬
‫وحين جاء دور المسلمين‪ ،‬فإنهم لم يقفوا في تناولهم لعلم‬
‫الجغرافيا موقف المطلع والمشاهد فقط لمؤلفات "بطليموس" أو‬
‫"مارينوس الصوري" أو غيرهما‪ ..‬وإنما تعاملوا مع المر بخطوات‬
‫إيجابية‪ ،‬شأن الجغرافيا لديهم شأن باقي العلوم التي اطلعوا على‬
‫إسهامات السابقين فيها‪ ،‬ومن ثم قدموا ما عندهم من إبداعات‬
‫واختراعات‪..‬‬
‫وقد مرت الجغرافيا لدى المسلمين بالمراحل التالية‪:‬‬
‫‪ (1‬ظهور الجغرافيا الدبية‪:‬‬
‫كانت المحاولت الولى في الجغرافيا عند المسلمين قد‬
‫دا في مطلع القرن الثالث الهجري )التاسع‬
‫ظهرت بشكل متواضع ج ً‬
‫ون بعدها بنصف قرن ما ُيعرف بالجغرافيا الدبية‪،‬‬
‫الميلدي(‪ ..‬فقد تك ّ‬
‫وقبل القرن التاسع الميلدي لم تكن هناك مصنفات جغرافية قائمة‬
‫بمعنى الكلمة‪ ،‬إنما كانت تظهر بين الحين والخر معلومات جغرافية‬
‫متفرقة ضمن كتب الدب‪ ،‬حتى نشطت الترجمة واطلع المسلمون‬
‫على أفكار "بطليموس" و"مارينوس الصوري"‪ ،‬وبدأت سلسلة‬
‫الجغرافيا العلمية‪ ،‬التي سرعان ما تبعتها أنماط متعددة للجغرافيا‬
‫الوصفية‪..‬‬
‫وفي أواخر القرن الثالث الهجري بدأ ما ُيعَرف بالوجيزات‬
‫الجغرافية في الظهور لمساعدة كّتاب الدواوين‪ ،‬وكان من أهم ما‬
‫يمثل ذلك الكتاب الذي تصدى لدراسة مشهد الرض الطبيعي بشكل‬
‫خاص ويحمل عنوان‪" :‬كتاب المسالك والممالك" لبن خرداذبة )ت‬
‫‪272‬هق‪885 /‬م(‪ ..‬وتل ذلك وجيزات جغرافية أخرى حتى أصبحت في‬
‫‪263‬‬

‫عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص‪. 33 - 21‬‬

‫متناول رجال الدب ومن ثم عامة الناس‪ ،‬وكان منها‪" :‬كتاب البلدان"‬
‫للجاحظ )‪159‬هق‪255/‬هق(‪.264‬‬
‫‪ (2‬ازدهار المؤّلفات من النوع المبسط‪:‬‬
‫وكان التطور التالي في القرن الرابع الهجري )العاشر‬
‫الميلدي(‪ ،‬حيث بلغ الدب الجغرافي ذروته وذلك على أثر ظهور‬
‫مؤلفات من نوع )المسالك والممالك(‪ ،‬أي بظهور المدرسة التقليدية‬
‫للجغرافيين العرب التي كانت على صلة وثيقة "بأطلس السلم"‬
‫خُرط‪..‬‬
‫الذي يمثل قمة علم المصورات عند العرب‪ ،‬أو علم ال ُ‬
‫كما حظي التبسيط الجغرافي بترحيب الجمهور الذي أقبل عليه‬
‫بشغف‪ ،‬وتعددت مناهج وصف الرحلت‪ ..‬و يمكن القول إجما ً‬
‫ل‪ :‬إن‬
‫القرن الرابع الهجري )العاشر الميلدي( كان عصر تكامل النماط في‬
‫المصنفات الجغرافية‪ ،‬حيث تعددت السفار الستكشافية مما زاد من‬
‫اتساع أفق الجغرافيين الوصفيين‪ ،‬وزادت مع ذلك معلوماتهم دقة‬
‫حا‪.265‬‬
‫ووضو ً‬
‫ففي عام )‪309‬هق‪921/‬م( أرسل خليفة بغداد "المقتدر" بعثة‬
‫إلى بلغار الفولغان‪ ،‬وعهد إلى "ابن فضلن" بكتابة تقرير عن أخلق‬
‫شعوب تلك المنطقة‪ ..‬وقد ظل هذا الكتيب حتى القرن الثاني عشر‬
‫الميلدي أفضل مصدر وثائقي يملكه المسلمون عن الروس وعن‬
‫سكان بحر الخزر )قزوين(‪.266‬‬
‫‪ (3‬التطور الختامي للنماط الجغرافية‪:‬‬
‫وكان ذلك في نهاية القرن السادس الهجري )الثاني عشر‬
‫الميلدي( والقرون التالية‪ ،‬ففي هذه الفترة ظهرت المعاجم‬
‫الجغرافية‪ ،‬والمؤلفات الكوزموغرافية التي تهتم بالكوزموغرافيا أو‬
‫الجغرافيا الكونية‪ ،‬والمؤلفات الجغرافية العالمية‪ ،‬واحتلت‬
‫الموسوعات التاريخية والجغرافية مكانة مهمة أيام الممإليك في‬
‫مصر‪ ..‬وكذلك كثرت أقاصيص الرحالة الجغرافيين‪.‬‬
‫‪ (4‬الحقبة العثمانية‪:‬‬
‫وفيها بدأ الحتكاك بالجغرافيا الوروبية الحديثة والكتشافات‬
‫الجغرافية الكبرى‪.‬‬
‫‪ (5‬النهضة الجغرافية الحديثة‪:‬‬
‫‪264‬‬

‫عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص‪. 67‬‬

‫‪265‬‬

‫عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص‪.59‬‬
‫انظر مقدمة رحلة ابن فضلن‪.‬‬

‫‪266‬‬

‫وقد ابتدأت في مصر مع مطلع العصر الحديث‪ ،‬الذي اقترن‬
‫برحيل الحملة الفرنسية وظهور أسرة محمد علي‪ ،‬فقد ظهرت عدة‬
‫مؤلفات في الجغرافيا الرياضية والرحلت‪ ،‬ولسيما في الشطر الثاني‬
‫من القرن التاسع عشر الميلدي ومطلع القرن العشرين‪.267‬‬
‫لقد كانت رحلة علم الجغرافيا في الحضارة السلمية رحلة‬
‫فريدة بكل المقاييس‪ ..‬ابتدأت بإنقاذ ذلك العلم المهم من الختناق‬
‫بيد الكنيسة الوروبية‪ ،‬والتي حّرمت البحث فيه كما رأينا قبل قليل‪..‬‬
‫فلت‬
‫ف بإنقاذه ‪ -‬وقد كان في طور طفولته ‪ -‬حتى تك ّ‬
‫ثم لم تكت ِ‬
‫ض ّ‬
‫خ دماء العافية العلمية في جسده من جديد‪..‬‬
‫بتنميته‪ ،‬و َ‬
‫وسنحاول فيما يلي ‪ -‬بإذن الله ‪ -‬الوقوف أمام بعض النجازات‬
‫السلمية المبهرة في علم الجغرافيا‪ ..‬بعد أن نتعّرف على بعض‬
‫معالم المناهج السلمية لدراسة الجغرافيا‪..‬‬

‫المناهج السلمية لدراسة الجغرافيا‬
‫منها‪:‬‬

‫عرفت الدراسات الجغرافية عند المسلمين عدة مناهج‪ ،‬كان‬

‫المنهج الدبي‪ :‬وقد كان ذا استقللية فكرية‪ ،‬ويعتمد على‬
‫السلوب الدبي متأثًرا بروائع الشعر العربي أو المقالت النثرية‪.‬‬
‫وللمؤّلفات التي اتخذت هذا المنهج ‪ -‬رغم قِّلة عددها ‪ -‬قوة‬
‫ورصانة علمية قلما تتوافر في غيرها من المؤلفات‪ ..‬وقد كانت كتب‬
‫أدب الرحلت من أوضح المثلة على هذا المنهج‪.‬‬
‫المنهج الرياضي‪ :‬وهو انعكاس للحاجة التي نمت حول‬
‫القياسات الحسابية للطوالع التي بدأت عند العرب قبل السلم‬

‫‪268‬‬

‫‪.‬‬

‫ولقد تطور المنهج الرياضي بعد ترجمة الكتب اليونانية ذات‬
‫الصبغة الرياضية‪ ،‬مثل كتاب )المجسطي( لبطليموس‪ ،‬وأصبح لهذا‬
‫المنهج كتب معروفة مثل‪ :‬كتاب )القانون المسعودي( للبيروني )‬
‫‪362‬هق ‪440 -‬هق(‪ ،‬و)الزيج الصابئ( للبتاني )‪244‬هق ‪317 -‬هق(‪ ،‬وقد‬
‫أعطى هذا المنهج للمصنفات الفلكية رصانة علمية؛ مما جعلها ذات‬
‫سا في تطور‬
‫مرجعية في الدراسات الحديثة‪ ،‬ويعد هذا المنهج أسا ً‬
‫التجاه الرياضي )الفلكي(‪.‬‬

‫‪ 267‬عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص‪.60‬‬
‫‪ 268‬محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص ‪.255‬‬

‫صل جغرافيو المسلمين هذا‬
‫المنهج الوصفي القليمي‪ :‬أ ّ‬
‫المنهج وأبدعوا فيه‪ ،‬ووضعوا له الطر العلمية‪ ،‬وجاء البداع في‬
‫أدبيات هذا المنهج لسباب عديدة منها‪:‬‬
‫م المعلومات عن بقاع الرض؛ مما جعل‬
‫أ ‪ -‬التساع في ك َ ّ‬
‫الستفادة الفعلية منها ل تتحقق إل في حالة وضع تصنيف لهذه‬
‫المعلومات بشكل موضوعي‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التجارب المتعاقبة حول الكتابة بمنهج إقليمي‪ ،‬والتي‬
‫امتدت لكثر من أربعة قرون‪ ،‬وكان من شأن ذلك المتداد التجريبي‬
‫أن حدث تطوير لهذا المنهج‪ ،‬وتم إدخال تعديلت في إليات الوصف‪.‬‬
‫دد المدارس السلمية في أسلوب الكتابة القليمية بما‬
‫ج ‪ -‬تع ّ‬
‫سا‬
‫يعرف بالمدرسة البطليموسية‪ ،‬والمدرسة البلخية؛ مما أحدث تناف ً‬
‫بينها في قبول الطرح الجغرافي عند المتلقين‪.‬‬
‫د ‪ -‬تبني العديد من المصنفين لهذا المنهج‪ ،‬فقد كان أكثر‬
‫الكتاب ُيخضعون مصنفاتهم للسلوب الوصفي المدعم بالمشاهدات‬
‫والتحقيقات الميدانية‪.‬‬
‫هق ‪ -‬وجود فائدة علمية وعملية للمعلومات المدونة وفق هذا‬
‫المنهج؛ مما جعل أكثر الخلفاء والملوك يدعمون التجاه القليمي‬
‫بتأليف عدد من المصنفات‪ ،‬فمثل ً قام "الشريف الدريسي" )‪493‬هق ‪-‬‬
‫‪560‬هق( بتأليف كتاب في تقويم البلدان لغليوم الول )ملك هولندا(‬
‫عنونه بق "روضة النس ونزهة النفس"‪.‬‬
‫وقد قام الجغرافيون الوصفيون والرحالة بوصف المدن بدقة‪،‬‬
‫مر ّ‬
‫كزين بذلك على تاريخها وأجوائها وأهم منتجاتها وتعاملتها التجارية‬
‫مع الخرين‪ ،‬ومما جاء في ذلك‪:‬‬
‫أورد "ابن حوقل" )‪294‬هق ‪367 -‬هق( في كتابه "صورة الرض"‬
‫فا للمدن التي استعرضها في دراسته للقاليم‪ ،‬وكان من تلك‬
‫وص ً‬
‫المدن مدينة )الفسطاط(‪ ،‬وقد وصفها بقوله‪" :‬الفسطاط مدينة كبيرة‬
‫نحو ثلث بغداد‪ ،‬ومقدارها نحو فرسخ على نهاية العمارة والخصب‬
‫والطيبة واللذة‪ ،‬ذات رحاب في محالها وأسواق عظام ومتاجر فخام‪،‬‬
‫وممالك جسام‪ ..‬إلى ظاهر أنيق‪ ،‬وهواء رقيق‪ ،‬وبساتين نضرة‪،‬‬
‫ومنتزهات على مّر اليام خضرة‪ ...‬وفيها خمسة مساجد وحمامان‬
‫وغير فرن لخبز عجين أهلها‪ ،‬ومعظم بنيانهم بالطوب‪ ،‬وأكثر سفل‬
‫دورهم غير مسكون وبها مسجدان لصلة الجمعة"‪.269‬‬

‫‪269‬‬

‫ابن حوقل صورة الرض ص ‪.138،137‬‬

‫ويتضح من وصف "ابن حوقل" السابق التركيز على تقدير‬
‫مساحة الفسطاط‪ ،‬وإيراد بعض خصائص أسواقها‪ ،‬إلى جانب إبراز‬
‫بعض المرافق والخدمات‪..‬‬
‫ومن المثلة المختصرة في وصف المدن ما ذكره في وصف‬
‫مدينة )الطائف( التي مّر بها خلل رحلته الطويلة التي استغرقت‬
‫ما‪ ،‬حيث يقول‪" :‬والطائف مدينة صغيرة‪...‬‬
‫حوإلى ثمانية وعشرين عا ً‬
‫كثيرة الشجر والثمر‪ ،‬وأكثر ثمارها الزيت‪ ،‬وهي طيبة الهواء‪ ،‬وفواكه‬
‫مكة وُبقولُها منها وهي على ظهر جبل غزوان‪ ،‬وبغزوان ديار بني سعد‬
‫وسائر قبائل هذيل‪ ،‬وليس بالحجاز فيما علمته مكان أبرد من رأس‬
‫هذا الجبل؛ ولذلك اعتدل هواء الطائف"‪..270‬‬
‫وهو بهذا الوصف يؤكد أثر الموضع الجغرافي على مناخ‬
‫المدينة‪ ،‬كما أنه أعطى بياًنا لتوزيع القبائل وارتباط استقرارها‬
‫بالمدن‪.‬‬
‫كما أبدع "الشريف الدريسي" )‪493‬هق ‪560 -‬هق( في وصف‬
‫المدن في كتابه )نزهة المشتاق في اختراق الفاق(؛ فهو ُيولي‬
‫ما كبيًرا لدراسة المدن‪ ..‬ومما ذكره في ذلك وصفه الدقيق‬
‫اهتما ً‬
‫لمدينة )قرطبة( بقوله‪" :‬ومدينة قرطبة قاعدة بلد الندلس وأم‬
‫ضا‪ ،‬بين المدينة‬
‫ن خمس يتلو بعضها بع ً‬
‫مدنها‪ ...‬وهي في ذاتها مد ٌ‬
‫والمدينة سور حاجز‪ ..‬وفي كل مدينة ما يكفيها من السواق‬
‫ما منها في بلد الندلس"‪.271‬‬
‫والفنادق‪ ...‬ول بلد أكبر اس ً‬
‫ومن الكتابات التي احتلت منزلة مرموقة في المنهج الوصفي‬
‫للدراسات الجغرافية‪ ،‬ما أورده "ابن بطوطة" )‪703‬هق ‪779 -‬هق(‬
‫حالة المسلم الكثر شهرة‪ ،‬في كتابه المعروف باسم )رحلة ابن‬
‫الر ّ‬
‫بطوطة(‪ ..‬أو )تحفة النظار في غرائب المصار وعجائب السفار(‪..‬‬
‫حيث أبدع في وصف مشاهداته عبر رحلته الطويلة‪ ..‬وكان مما قاله‬
‫في وصف مدينة )حماة(‪" :‬إحدى أمهات الشام الرفيعة‪ ،‬ومدائنها‬
‫البديعة‪ ،‬ذات الحسن الرائق‪ ،‬والجمال الفائق‪ ،‬تحف بها البساتين‬
‫قها النهر العظيم‬
‫والجنات‪ ،‬عليها النواعير كالفلك الدائرات‪ ،‬يش ّ‬
‫المسمى بالعاصي‪ ،‬ولها ربض سمي بالمنصورة‪ ...‬فيها السواق‬
‫الحافلة والحمامات الحسان"‪.272‬‬
‫‪ .4‬المنهج التعليلي‪ :‬وقد اتصفت دراسات "ابن خلدون" )‬
‫‪732‬هق ‪808 -‬هق( بهذا النمط‪ ،‬على الرغم من وجود أعلم آخرين‬
‫سبقوا ابن خلدون في هذا المضمار‪ ،‬ولكن ليس بالشمول والتطبيق‬
‫‪270‬‬
‫‪271‬‬
‫‪272‬‬

‫ابن حوقل صورة الرض ص ‪.39‬‬
‫الشريف الدريسي‪ :‬نزهة المشتاق في اختراق الفاق ‪.2/574‬‬
‫ابن بطوطة‪ :‬تحفة النظار في غرائب المصار وعجائب السفار ص ‪.28‬‬

‫أنفسهما؛ فمقدمة ابن خلدون الشهيرة ل تركز على وصف المدن‬
‫بالقدر الذي تحاول فيه تحديد العوامل المقترنة بظروف مواقعها‬
‫ونموها وأحجامها‪ ،‬مع تحديد لتعريف المدينة‪ ..‬وهي كما يلي‪:‬‬
‫ظروف الموقع‪ :‬بلغ عدد المدن التي أنشأها المسلمون‬
‫خارج الجزيرة العربية ما يزيد على مائتي مدينة خلل حكم الخلفاء‬
‫الراشدين وفي عهد المويين والعباسيين‪ ،‬ويعطي هذا الرقم مع ما‬
‫ذكر حول تحديد المناطق المثلى لنشاء خطوط الدفاع عن الدولة‬
‫السلمية ‪ -‬كأحد العوامل المرتبطة بالمتطلبات الدارية والعسكرية ‪-‬‬
‫أهمية دراسة المواقع بشكل دقيق لتحديد المزايا التي يتمتع بها‬
‫والعيوب التي ترتبط به‪.‬‬
‫صص "ابن خلدون" لهذا المر فصل ً فيما‬
‫ومن هذا المنطلق خ ّ‬
‫يجب مراعاته في أوضاع المدن وما يحدث إذا غفل عن تلك المراعاة‬
‫في جانبين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دفع المضاّر‪ :‬ويكون ببناء أسوار للمدن‪ ،‬مع الحرص على‬
‫الموضع الذي تحصل به المنعة الطبيعية‪ ،‬ويقول في هذا‪" :‬وأن يكون‬
‫وضع ذلك في ممتنع من المكنة؛ إما على هضبة متوعرة من الجبل‬
‫وإما باستدارة بحر أو نهر بها حتى ل يوصل إليها إل بعد العبور على‬
‫جسر أو قنطرة‪ ،‬فيصعب منالها من العدو‪ ،‬ويتضاعف امتناعها‬
‫وحصنها"‪.‬‬
‫ومن القضايا التي ُأخذت في دفع المضار السلمة من المراض‬
‫دا عن الراكد من الماء؛ لما قد‬
‫بأن يكون الموقع طيب الهواء بعي ً‬
‫ش للمراض‪،‬‬
‫يسببه ركود الماء من انتشار الفات وما يصاحبه من تف ٍ‬
‫وقد أعطى "ابن خلدون" أمثلة لبعض المواضع السيئة التي لم تختر‬
‫بعناية مثل‪ :‬مدينة قابس بالمغرب‪.273‬‬
‫ب ‪ -‬جلب المنافع‪ :‬ويراعى فيها توافر الماء بأن تكون‬
‫المدينة على نهر جار أو بالقرب من عيون عذبة‪ ،‬كما يشترط لمثإلية‬
‫الموقع طيب المرعي للسائمة وقربه لما يترتب على بعده من‬
‫ضا توافر المزارع التي يتحصل بها قوت‬
‫حصول المشقة‪ ،‬ويراعى أي ً‬
‫الناس‪ ،‬ويرى في اختيار المدن الساحلية الحصانة الطبيعية والبشرية‬
‫فقد ذكر أن "مما يراعى في البلد الساحلية التي على البحر أن تكون‬
‫في جبل أو تكون بين أمة من المم موفورة العدد‪ ...‬والسبب في‬
‫ذلك أن المدينة إذا كانت حاضرة البحر ولم يكن بساحتها عمران‬
‫للقبائل ول موضعها متوعر من الجبل كانت في ِغّرةٍ للبيات )أي‪:‬‬
‫‪274‬‬
‫مباغتة العدو( وسهل طروقها )غزوها( من الساطيل البحرية" ‪.‬‬
‫‪273‬‬
‫‪274‬‬

‫ابن خلدون‪ :‬المقدمة ص ‪.280‬‬
‫ابن خلدون‪ :‬المقدمة ص ‪.281‬‬

‫نمو المدن‪ :‬يخضع نمو المدن إلى مقومات تدفع به إلى‬
‫المام‪ ،‬أو إلى معوقات تحد منه‪ ..‬ولقد أورد "ابن خلدون" في الفصل‬
‫الرابع من الكتاب الول أن المدن عند نشأتها يمكن أن تنمو بتوجيه‬
‫من الدولة رغبة منها في اجتماع اليدي‪ ،‬وهو يقول في هذا الشأن‪:‬‬
‫"فلبد من تمصير المصار‪ ،‬واختطاط المدن من الدولة والملك‪ ..‬ثم‬
‫إذا ب ُِنيت المدينة وكمل تشييدها بحسب نظر من شيدها‪ ،‬وبما اقتضته‬
‫مُر الدولة ‪ -‬حينئذ ٍ ‪ -‬عمٌر لها‪ ،‬فإن‬
‫الحوال السماوية والرضية فيها فعُ ُ‬
‫كان عمر الدولة قصيًرا وقف الحال بها عند انتهاء الدولة‪ ،‬وتراجع‬
‫عمرانها‪ ،‬وخربت‪ ،‬وإن كان أمد الدولة طويل ً ومدتها منفسحة‪ ،‬فل‬
‫تزال المصانع فيها تشاد‪ ،‬والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد‪ ،‬ونطاق‬
‫السواق يتباعد وينفسح إلى أن تتسع الخطة وتبعد المسافة‪ ،‬وينفسح‬
‫ذراع المساحة كما هو واقع ببغداد وأمثالها"‪.275‬‬
‫تصنيف المدن وتدّرجها‪ :‬أخذ المسلمون بمسألة اختلف‬
‫المدن في أحجامها‪ ،‬وهذا أوجد مصطلحات تختص بهذا الختلف‬
‫دة والب ََلد‪ ،‬وتم ربط أحجام المدن بالسواق‪ ،‬فمثل ً‬
‫دة والب َل ْ َ‬
‫فهناك الب ُل َي ْ َ‬
‫أوضح "ابن خلدون" أنه متى ما كان العمران أكثر كانت الحضارة‬
‫‪276‬‬
‫أكمل‪ ،‬وأن المصر كثير العمران يختص بالغلء في أسعار حاجاته ‪.‬‬
‫وبعد أن تعّرفنا ‪ -‬من خلل الستعراض الموجز السابق ‪ -‬على‬
‫بعض ملمح المنهج السلمي لدراسة الجغرافيا‪ ..‬ذلك المنهج الذي‬
‫قاد إلى روائع من النجازات المبهرة التي غّيرت مجرى النظر‬
‫الجغرافي عبر تاريخ النسانية كله‪ ..‬سنحاول في الصفحات القادمة ‪-‬‬
‫إن شاء الله ‪ -‬التوقف أمام بعض المعالم المبهرة لتلك النجازات‬
‫الخالدة‪..‬‬
‫المسلمون وإثبات كروية الرض‬
‫بالرغم من أن "كروية الرض" ُتعد ّ الن من الحقائق العلمية‬
‫البديهية التي ل يش ّ‬
‫ك فيها أحد من الناس على اختلف العمار‬
‫والثقافات‪ ،‬حتى صار الصغار يدرسونها بالبراهين في مراحل تعليمهم‬
‫المبكرة‪ ..‬إل أن هذه الحقيقة واجهت في عصور قديمة صعوبات‬
‫بالغة حتى تستقر علمّيا في أذهان البشر‪..‬‬
‫وقد يأخذك العجب عندما تعلم أن هيئات دينية كبرى حكمت‬
‫قا‬
‫العقل الوروبي قروًنا طويلة ضاقت بهذه الحقيقة العلمية ضي ً‬
‫حملها على تكفير من يؤمن بها من العلماء‪ ..‬وربما بلغ المر حد ّ‬
‫التعذيب أو العدام بأبشع الساليب‪!!..‬‬

‫‪275‬‬
‫‪276‬‬

‫ابن خلدون‪ :‬المقدمة ص ‪.279‬‬
‫ابن خلدون‪ :‬المقدمة ص ‪.301‬‬

‫وظ ّ‬
‫ل ذلك الوضع حتى جاء السلم بما يحمله من دعوة لتوسيع‬
‫النظر في الكون‪ ،‬وتحرير العقل من الوهام والخرافات‪ ،‬وإطلق‬
‫دا على التجريب والبرهان‪ ،‬ثم الوصول‬
‫سراح البحث العلمي معتم ً‬
‫حّر وهادئ؛ فأحيا ما كاد ينمحي من‬
‫للحقائق بعد نقاش موضوعي ُ‬
‫حقائق العلوم جميًعا )وكروّية الرض إحداها(‪ ...‬وإليك التفاصيل‪..‬‬
‫كان الغريق يعتقدون أن الرض قرص دائري مسطح تحيط به‬
‫مياه المحيطات من كل جانب‪ ،‬فها هو "هكتاتيوس" )سنة ‪ 500‬ق‪.‬م(‬
‫والذي يعتبر أبا الجغرافيا الغريقية يرسم خرائطه على أساس‬
‫القرص المستدير‪..277‬‬
‫وبالرغم من أن "أفلطون" )سنة ‪ 348‬ق‪.‬م( أتى بأول نظرية‬
‫عن كروية الرض إل إنه لم يلق التأييد الكافي ممن جاء بعده‪ ..‬بل إن‬
‫الدولة الرومانية رفضت هذه الفكرة‪ ،‬وكتب "كوزماس" )‪(COSMAS‬‬
‫"أبو الجغرافيا الرومانية" في )سنة ‪ 547‬م(‪" :‬إن العالم يشبه‬
‫العجلة‪ ،‬وإن مياه المحيط حوله من كل الجهات‪..278"..‬‬
‫وبلغ المر ذروته حين تبّنت الكنيسة وآباؤها الوائل )وعلى‬
‫رأسهم "الكتانشيوس"( هذه النظرية بشدة‪ ،‬وقالوا بأن الرض‬
‫مسطحة‪ ،‬وأن الجانب الخر غير مأهول؛ وإل سقط الناس في‬
‫الفضاء‪!!279‬‬
‫والمثير للعجب أن التعامل مع معارضي أمثال تلك النظرّيات‬
‫كان يّتسم بالضراوة البالغة؛ فكان المعارض يتعرض للتعذيب على‬
‫الخازوق أو الحرق حّيا بتهمة الهرطقة )التي تعني كنسّيا‪ :‬المروق عن‬
‫الدين الصحيح(!!‬
‫بل كان علماء أوروبا حتى القرن الثالث عشر الميلدي‬
‫يرسمون خريطة العالم على شكل صليب‪ :‬رأسه هي الجنة‪ ،‬وقدماه‬
‫هي النار‪ ،‬وذراعاه‪ :‬البحر البيض والبحر الحمر‪ ..‬وبيت المقدس‬
‫)أورشليم( في موضع القلب!!!‬
‫وقد كان من أشهر العلماء الوروبيين الذين تبّنوا نظرّية كروّية‬
‫صل إلى أن‬
‫الرض "نيقول كوبرينكوس" )‪1473‬م – ‪1543‬م( الذي تو ّ‬
‫الرض ليست مركز الكون‪ ..‬إل أنه لم يتجرأ على نشر كتابه إل وهو‬
‫على فراش الموت!! وظل كتاب "كوبرنيكوس" من الكتب المحرمة‪،‬‬
‫واضطهدت الكنيسة كل من يؤيد اعتقاد "كوبرنيكوس" مثل "برونو"‬
‫الذي ُأعدم حرًقا‪ ،‬و"جإليليو" الذي أودع السجن حتى ُأرغم على‬
‫‪277‬‬
‫‪278‬‬
‫‪279‬‬

‫انظر‪ :‬محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص ‪.258‬‬
‫كتاب " كوزموس " ‪.Christian Geography Cosmography‬‬
‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها في الترقي العالمي ص ‪.398،397‬‬

‫التنكر لنظرية "كوبرنيكوس" والتخلي عن آرائه‪ ،‬والنصياع للفكر‬
‫الكنسي‪!!!280‬‬
‫ولما جاءت الحضارة السلمية‪ ،‬عملت على إحياء نظرية كروية‬
‫الرض وتبّنتها‪ ..‬وربما كان من أهم أسباب ذلك أن القرآن أشار بصور‬
‫مختلفة إلى كروية الرض‪..‬‬
‫َ‬
‫عدَ ذَل ِ َ‬
‫ها‪ 281‬والدحية‬
‫حا َ‬
‫ك دَ َ‬
‫ض بَ ْ‬
‫واْلْر َ‬
‫فمن ذلك قوله تعإلي‪َ  :‬‬
‫في اللغة هي الكرة‪ ..‬كما أن هناك آيات تتحدث عن دوران هذه الكرة‬
‫وُر الل ّي ْ َ‬
‫ل‬
‫حول نفسها بما ُيحدث الليل والنهار‪ ..‬فيقول تعإلي‪ :‬ي ُك َ ّ‬
‫ل‪.282‬‬
‫هاَر َ‬
‫َ‬
‫وُر الن ّ َ‬
‫عَلى الن ّ َ‬
‫عَلى الل ّي ْ ِ‬
‫وي ُك َ ّ‬
‫ر َ‬
‫ها ِ‬
‫ويعّلق الدكتور زغلول النجار على هذه الية الخيرة بقوله‪:‬‬
‫"معني يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل‪ :‬أي ُيغشي ك ّ‬
‫ل‬
‫فه عليه‪ ,‬وهو وصف واضح الدللة علي كروية‬
‫واحد منهما الخَر كأنه ي َل ُ ّ‬
‫الرض‪ ,‬وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس‪ ,‬وذلك لن كل ً من‬
‫الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الرض في تبادل‬
‫مستمر‪ ,‬ولو لم تكن الرض مكورة لما تكور أي منهما‪ ,‬ولو لم تكن‬
‫الرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار‬
‫ور‪ ,‬بل يتشكل‬
‫وكلهما ظرف زمان وليس جس ً‬
‫ما مادًيا يمكن أن ي ُك َ ّ‬
‫بشكل نصف الرض الذي يعتريه‪."..‬‬
‫ب‬
‫ثم يؤكد الله تعالى هذا المعنى فيقول سبحانه‪َ :‬ر ّ‬
‫فل َ‬
‫ن‪ 283‬وُيقسم في موضع آخر‪َ  :‬‬
‫ر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫وَر ّ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫غ ِ‬
‫ش ِ‬
‫رب َي ْ ِ‬
‫قي ْ ِ‬
‫‪284‬‬
‫ب إ ِّنا ل َ َ‬
‫أُ ْ‬
‫م َ‬
‫فهي آيات‬
‫ن‪‬‬
‫م َ‬
‫ق ِ‬
‫قاِدُرو َ‬
‫م ب َِر ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ر ِ‬
‫ق َ‬
‫غا ِ‬
‫ر ِ‬
‫شا ِ‬
‫تشير بوضوح إلى أن الشمس عندما تشرق على مكان من الرض‪،‬‬
‫فهذا يعني أن هناك غروًبا في مكان آخر‪ ،‬أي أن المشارق والمغارب‬
‫تتعاقب بسبب دوران الكرة الرضية حول نفسها‪.285‬‬
‫والغريب أنه مع أن "كروّية الرض" شأن علمي كوني‪ ،‬إل أننا‬
‫ضا‪،‬‬
‫سنرى في السطور القادمة نظرة علماء الشرع لهذه الحقيقة أي ً‬
‫وكيفية اعتراضهم على منكريها‪ ..‬مقارنة بما أشرنا إلى طرف منه‬
‫فا‪ ،‬مما كان يعانيه معتنقو المسيحية في أوروبا من آباء الكنيسة‬
‫آن ً‬
‫وسلطانها المطلق‪ ،‬عندما كان أحدهم ‪ -‬مهما أوتي من علم ‪ -‬يجهر‬
‫بكروّية الرض؛ لندرك الفارق الضخم بين مناخين‪:‬‬
‫‪280‬‬
‫‪281‬‬
‫‪282‬‬
‫‪283‬‬
‫‪284‬‬
‫‪285‬‬

‫انظر ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة‪ ،‬ترجمة محمد علي أبو درة ‪.30/273‬‬
‫)النازعات‪.(30 :‬‬
‫)الزمر‪.(5 :‬‬
‫)الرحمن‪.(17:‬‬
‫)المعارج‪.(40:‬‬
‫الدكتور زغلول النجار‪ :‬جريدة الهرام بتاريخ ‪..14/1/2002‬‬

‫رمة للعقل‬
‫صنع السلم أحدهما بروح مشجعة على العلم‪ ،‬محت ِ‬
‫والنظر والتجريب والبرهان؛ فأقام حضارته العظيمة التي أحسنت‬
‫الصلة ‪ -‬على نحو غير مسبوق ‪ -‬بين الدين والعلم‪ ..‬حتى غدا كلهما‬
‫يدعو إلى صاحبه‪ ،‬ويرسخ أقدامه في القلوب والعقول جميًعا‪..‬‬
‫ح العلم‬
‫سلطة الكنيسة ‪ -‬في المناخ الخر – ُرو َ‬
‫بينما اغتالت ُ‬
‫اغتيا ً‬
‫مل الناس قسًرا على‬
‫ل‪ ،‬حينما أدمنت اعتناق الساطير‪ ،‬وح ْ‬
‫اعتناقها‪ ..‬المر الذي أّدى – في نهاية المطاف – إلى ما نرى عليه‬
‫الغرب الن من إقصاء كامل للكنيسة عن كل قضايا الحياة!!‬
‫وبالنسبة إلى نظرة علوم الشرع إلى كروية الرض‪ ،‬فإن "ابن‬
‫حزم" )ت‪456:‬هق ‪1064 -‬م( ينقل في كتابه )الفصل في الملل‬
‫والهواء والنحل( إجماع أئمة المسلمين على كروية الرض‪ ،‬فيقول‬
‫عنهم‪" :‬قالوا إن البراهين قد صحت بأن الرض كروية‪ ،‬والعامة تقول‬
‫دا من أئمة المسلمين‬
‫غير ذلك‪ ..‬وجوابنا وبالله تعالى التوفيق‪ :‬إن أح ً‬
‫المستحقين لسم المامة بالعلم ‪ ‬لم ينكروا تكوير الرض‪ ،‬ول‬
‫ة‪ ..‬بل البراهين من القرآن والسنة قد‬
‫ُيح َ‬
‫فظ لحد منهم في دفعه كلم ٌ‬
‫وُر الل ّي ْ َ‬
‫وُر‬
‫ل َ‬
‫عَلى الن ّ َ‬
‫وي ُك َ ّ‬
‫ر َ‬
‫جاءت بتكويرها‪ ..‬قال الله ‪: ‬ي ُك َ ّ‬
‫ها ِ‬
‫ل‪ ..‬وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض‪،‬‬
‫هاَر َ‬
‫الن ّ َ‬
‫عَلى الل ّي ْ ِ‬
‫ور العمامة‪ (..‬وهو إدارتها‪ ،‬وهذا نص على تكوير‬
‫مأخوذ من‪) :‬ك ّ‬
‫الرض‪.286"...‬‬
‫ولبد أن نلحظ هنا إلى أي مدىً وصل ابن حزم ~ في‬
‫زد على‬
‫اعتراضه على مخالفيه في قضية بديهية كهذه‪ ..‬إنه لم ي َ ِ‬
‫مة" دونما تكفير ول أحكام بالقتل‪ ..‬لسّيما وهو أحد‬
‫وصفهم بق"العا ّ‬
‫ن ذلك بما أشرنا إليه من مصادرة الكنيسة‬
‫فقهاء عصره‪ ..‬ولنقار َ‬
‫الوروبية لراء الخرين معتمدة على سطوة النفوذ الديني والروحي!!‬
‫وهذا المام "فخر الدين الرازي" )ت‪606 :‬هق ‪1209 -‬م تقريًبا(‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫يقول في تفسيره )مفاتيح الغيب( في تفسير قوله تعإلي‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ي‪ ..287‬يقول‪" :‬المد ّ هو‬
‫ل ِ‬
‫وا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫مدّ اْلْر َ‬
‫ها َر َ‬
‫ض َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ض" ُيشعر‬
‫البسط إلى ما ل يدرك منتهاه‪ ،‬فقوله‪" :‬وَهُوَ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مد ّ اْلْر َ‬
‫ما ل يقع البصر على منتهاه؛‬
‫ما عظي ً‬
‫بأنه تعالى جعل حجم الرض حج ً‬
‫لن الرض لو كانت أصغر حجما مما هي الن عليه لما كمل النتفاع‬
‫به‪ ...‬والكرة إذا كانت في غاية الكبر‪ ،‬كان كل قطعة منها تشاهد‬
‫كالسطح‪.288"..‬‬

‫‪286‬‬
‫‪287‬‬
‫‪288‬‬

‫ابن حزم‪ :‬الفصل في الملل ‪.2/78‬‬
‫)الرعد‪(3 :‬‬
‫الرازي‪ :‬مفاتيح الغيب ‪.19/1‬‬

‫أما علماء الجغرافيا المسلمين فكان لهم شأن آخر في إثبات‬
‫كروية الرض‪..‬‬
‫فإنهم لم يكتفوا فقط في إثبات هذه الحقيقة العلمية بنفض ما‬
‫علها من أتربة الجهل والتعصب‪ ..‬وإنما أيدوها بالمزيد من الدلة‬
‫سرها الله لهم‪..‬‬
‫والبراهين القاطعة التي ي ّ‬
‫يقول "ابن خرداذبة" )ت ‪272‬هق ‪885 -‬م( في كتابه )المسالك‬
‫مد َوَّرة ٌ كدوران الكرة‪ ..‬موضحة كالمحة‬
‫والممالك(‪" :‬إن الرض ُ‬
‫‪289‬‬
‫)المحة هي‪ :‬صفار البيض( في جوف البيضة" ‪.‬‬
‫وكتب "ابن ُرستة" )ت ‪290‬هق ‪903 -‬م( في كتابه )العلق‬
‫النفيسة(‪" :‬إن الله ‪ ‬وضع الفلك مستديًرا كاستدارة الكرة أجوف‬
‫ضا ومصمتة في جوف الفلك"‪.290‬‬
‫دّواًرا‪ ..‬والرض مستديرة أي ً‬
‫وكتب "المسعودي" )ت ‪346‬هق ‪956 -‬م( في كتابه )التنبيه‬
‫والشراف( ‪" :‬جعل الله ‪ ‬الفلك العلى وهو فلك الستواء وما‬
‫يشمل عليه من طبائع التدوير‪ ،‬فأولها كرة الرض يحيط بها فلك‬
‫القمر‪.291"..‬‬
‫وقد ذكر "الشريف الدريسي" )ت ‪560‬هق ‪1166 -‬م( في كتابه‬
‫)نزهة المشتاق( ما نصه‪ .." :‬وإن الرض مدورة كتدوير الكرة‪ ،‬والماء‬
‫لصق بها‪ ،‬وراكد عليها ركوًدا طبيعّيا ل يفارقها‪ ،‬والرض والماء‬
‫مستقّران في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة‪ ..‬ووضعهما وضع‬
‫متوسط‪ ،‬والنسيم يحيط بها )يقصد الغلف الجوي( من جميع‬
‫جهاتها‪.292"..‬‬
‫وُيذ َ‬
‫صنع نموذج للرض كان على شكل‬
‫ي لما أراد ُ‬
‫كر أن الدريس ّ‬
‫كرة المجسمة‪..293‬‬
‫ويقول "القزويني" )ت ‪682‬هق ‪1283 -‬م( في كتابه )عجائب‬
‫المخلوقات(‪" :‬الرض كرة‪ ،‬والدليل على ذلك أن خسوف القمر إذا‬
‫كان ُيرى من بلدان مختلفة فإنه ل ُيرى فيها كلها في وقت واحد بل‬
‫في أوقات متعاقبة؛ لن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات‬
‫مختلفة في الماكن المختلفة‪ .‬والرض واقفة في وسط الفلك كلها‬
‫بإذن الله تعإلي‪."..‬‬
‫‪ 289‬ابن خرداذبة‪ :‬المسالك والممالك ص ‪.4‬‬
‫‪ 290‬ابن رستة‪ :‬العلق النفيسة ص ‪.8‬‬
‫‪ 291‬عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص ‪.319‬‬
‫‪ 292‬الدريسي‪ :‬نزهة المشتاق في اختراق الفاق ص ‪.7‬‬
‫‪ 293‬جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها في الترقي العالمي ص ‪ ،403 ،402‬وزكي محمد‬
‫حسن‪ :‬الرحالة المسلمون في العصور الوسطى ص ‪.64‬‬

‫ثم يفّند القزويني آراء علماء القرون الوسطى في أوروبا‬
‫ورجال الكنيسة الذين يقولون‪ :‬إن الرض لو كانت كرة لسقط الناس‬
‫في الجانب الخر منها‪ ،‬أو كانت رءوسهم مقلوبة‪ ..‬فيقول‪" :‬إن‬
‫دا مما يلي‬
‫النسان في أي موضع يقف على سطح الرض فرأسه أب ً‬
‫دا مما يلي الرض‪ ،‬وهو يرى من السماء نصفها‪ ،‬وإذا‬
‫السماء‪ ،‬ورجله أب ً‬
‫انتقل إلى موضع آخر ظهر له من جانب السماء الذي أمامه بقدر ما‬
‫كان قد خفي عنه من الجانب الخر‪.294"..‬‬
‫والعجيب ‪ -‬بعد كل ما سبق ‪ -‬أن بعض الكتب والمراجع العربية‬
‫مازالت تنقل عن المراجع الجنبية أن المسلمين لم يعرفوا نظرية‬
‫كروية الرض‪ ..‬وأن هذه النظرية لم تعلن إل بفضل "كوبرنيكوس" )‬
‫‪1473‬م – ‪1543‬م(!!‬
‫حسُبك الن مقارنة تاريخ وفاة كوبرنيكوس بأعوام وفّيات‬
‫و َ‬
‫من؟؟!‬
‫من أخذ م ّ‬
‫علماء المسلمين الذين سبق ذكرهم؛ ليتبّين لك‪َ :‬‬
‫فقد أكد المسلمون ‪ -‬كما رأينا ‪ -‬وبتحفيز من كتاب ربهم وسّنة‬
‫نبّيهم ‪ -‬إثبات تلك الحقيقة الجغرافية عظيمة الهمّية‪ ،‬وذلك بعدما‬
‫عدت عليها ‪ -‬أو كادت ‪ -‬جهالت العصور المظلمة‪ ..‬وقد رأينا كيف‬
‫اّتسم البحث العلمي في عصور حضارتنا السلمية بالحّرّية الكاملة‬
‫ونزاهة الحوار وتحكيم التجربة‪..‬‬
‫من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا‬
‫ت أو غّربت في فروع علم الجغرافيا‪ ،‬فإّنك ‪ -‬ل ش ّ‬
‫ك‬
‫حيثما شّرق َ‬
‫ سترى بصمات العلماء المسلمين ‪ -‬الذين سعدت الدنيا بإنجازات‬‫حضارتهم ‪ -‬فيها واضحة جلية‪ ،‬وقد استقرت بديهيات العلوم المختلفة‬
‫بحسن اعتمادهم على الله في توظيف طاقات العقول وإمكانات‬
‫البحث والتجريب والمشاهدة‪..‬‬
‫وستتوقف بنا الصفحات القادمة أمام بعض النجازات المبهرة‬
‫التي سبق إليها المسلمون في الجغرافيا‪ ،‬والتي ُتش ّ‬
‫كل معالم فارقة‬
‫في مسيرة هذا العلم عبر التاريخ النساني‪ ،‬القديم والحديث على حد‬
‫سواء‪..‬‬

‫‪294‬‬

‫القزويني‪ :‬عجائب المخلوقات ص ‪.35‬‬

‫خطوط الطول وخطوط العرض‪:‬‬
‫ُيعد ّ المسلمون أول من وضع خطوط الطول وخطوط العرض‬
‫على خريطة الكرة الرضية‪ ،‬وقد وضعها العالم أبو علي المراكشي‬
‫)ت ‪660‬هق ‪1262 -‬م(؛ وذلك لكي يستدل المسلمون على الساعات‬
‫المتساوية في بقاع الرض المختلفة للصلة‪ ..‬كما وضع البيروني‬
‫قاعدة حسابية لتسطيح الكرة أي نقل الخطوط والخرائط من الكرة‬
‫إلى سطح مسطح وبالعكس‪ ..‬وبهذا سهل رسم الخرائط‬
‫الجغرافية‪.295‬‬
‫قياس محيط الرض‪:‬‬
‫كان أول من قام بمحاولة قياس أبعاد الكرة الرضية الخليفة‬
‫العباسي العالم المأمون )ت ‪218‬هق‪833 -‬م( فقد جاء بفريقين من‬
‫علماء الفلك والجغرافيا فريق برئاسة "سند بن علي"‪ ،‬وفريق بقيادة‬
‫"علي بن عيسى السطرلبي" )ويقال‪ :‬إن رئاسة أحد الفريقين كانت‬
‫لبني موسى بن شاكر‪ ،‬وهو ما ذكرناه في الفصل السابق( واتفق‬
‫معهما أن يذهبا إلى بقعتين مختلفتين على الدائرة العظمى من‬
‫محيط الرض شرًقا وغرًبا‪ ،‬ثم يقيسا مقدار درجة واحدة من خطوط‬
‫الطول )التي تبلغ ‪ 360‬خ ّ‬
‫ط طول(‪..‬‬
‫ويحكي في ذلك ابن خلكان أن كل فريق اختار بقعة واسعة‬
‫ة‪،‬‬
‫ة ثابت ً‬
‫دا‪ ،‬واتخذ النجم القطبي نقط ً‬
‫ن منها وت ً‬
‫مسطحة‪ ،‬وركز في مكا ٍ‬
‫ثم قاس الزاوية بين الوتر وبين النجم القطبي والرض‪ ،‬ثم سار‬
‫شمال ً إلى مكان زادت فيه تلك الزاوية‪ ،‬وقاس كل فريق المسافة‬
‫بين الوتدين‪ ،‬وكانوا يقيسون المسافات على الرض بحبال يشدونها‬
‫على الوتاد‪..296‬‬
‫والعجيب أن النتائج جاءت دقيقة وقريبة مما توصل إليه العلم‬
‫المعاصر؛ فقد أخذ المأمون متوسط قياس الفريقين‪ ،‬فوجده ‪56.66‬‬
‫ميل ً تقريًبا‪ ،‬والذي توصل إليه العلم المعاصر هو ‪ 56.93‬مي ً‬
‫ل‪ .‬وعلى‬
‫قياس المأمون هذا فإن محيط الرض يبلغ ‪ 20.400‬ميل‪ ،‬أي حوإلي‪:‬‬
‫‪41,248‬كم‪.‬‬
‫ومن خلل مقارنة هذه القيمة مع القيمة التي قيست بواسطة‬
‫القمار الصناعية في العصر الحديث‪ ،‬وهي ‪ 40.070‬كم‪ ،‬يتضح أن‬

‫‪ 295‬عبد الرحمن حميدة‪ :‬أعلم الجغرافيين العرب ص ‪ ،459‬جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها‬
‫في الترقي العالمي ص ‪.397‬‬
‫‪ 296‬ابن خلكان‪ :‬وفيات العيان ‪.5/162‬‬

‫نسبة الخطأ في قياسات فريق المأمون لم تتجاوز )‪ !!(% 3‬وهو أمر‬
‫جدير بالتقدير‪..297‬‬
‫ثم جاء "البيروني" فقام بتجربة جديدة على أساس مختلف‪..‬‬
‫بقياس النخفاض الرأسي من )قلل الجبال( في الهند‪ ،‬فجاءت شبيهة‬
‫بأرقام فلكيي المأمون فأثنى عليهم‪.298‬‬
‫قا ‪ -‬في‬
‫وفي ذلك يقول المستشرق "نللينو" ‪ -‬كما أشرنا ساب ً‬
‫كتابه )علم الفلك عند العرب(‪ :‬إن قياس العرب للكرة الرضية هو‬
‫أول قياس حقيقي ُأجري كله مباشرة مع كل ما تقتضيه تلك المسافة‬
‫الطويلة وهذا الفريق الكبير من العلماء والمساحين العرب‪ ،‬فهو يعد‬
‫من أعمال العرب المأثورة وأمجادهم العلمية‪!!299‬‬
‫دوران الرض حول نفسها‪:‬‬
‫في الوقت الذي كان العالم ل يتخيل فيه أن الرض كرة لم يكن‬
‫هناك من يناقش مسألة دوران الكرة حول نفسها‪ ..‬ولكن ثلثة من‬
‫علماء المسلمين كانوا أول من ناقش فكرة دوران الرض في القرن‬
‫الثالث عشر الميلدي )السابع الهجري( وهم "علي بن عمر الكاتبي"‬
‫و"قطب الدين الشيرازي" من الندلس و"أبو الفرج علي" من‬
‫سوريا‪ ..‬فقد كان هؤلء الثلثة أول من أشار في التاريخ النساني إلى‬
‫احتمال دوران الرض حول نفسها أمام الشمس مرة كل يوم وليلة‪..‬‬
‫وعن هؤلء العلماء يقول "سارتون"‪ :‬إن أبحاث هؤلء العلماء‬
‫سدى‪ ،‬بل كانت أحد العوامل التي‬
‫الثلثة في القرن ‪ 13‬لم تذهب ُ‬
‫أثرت على أبحاث "كوبرنيكوس" في نظريته التي أعلنها سنة‬
‫‪1543‬م‪.300‬‬
‫علم الخرائط‪:‬‬
‫كر أحد ٌ أن الغرب قد استفاد من مجهودات المسلمين في‬
‫ل ُين ِ‬
‫علم الجغرافيا عامة أّيما استفادة‪ ..‬إل أن )أطلس السلم( أو‬
‫الخرائط السلمية كانت في مقدمة مظاهر التأثير السلمي المباشر‬
‫في الحضارة الغربية‪.‬‬
‫فقد تخ ّ‬
‫طف )الغرب( مؤّلف "الدريسي" )نزهة المشتاق في‬
‫اختراق الفاق( وقاموا بطباعته طبعات كثيرة ومختلفة‪ ،‬حتى ظل هذا‬
‫‪ 297‬انظر في ذلك يوهانس فيلرز‪ :‬كنوز علم الفلك‪ ،‬المتحف القومي اللماني ‪ -‬نورنبرج‪1983 ،‬‬
‫ص ‪. 25‬‬
‫‪ 298‬قدري طوقان‪ :‬تراث العرب العلمي ص ‪.63‬‬
‫‪ 299‬نللينو‪ :‬علم الفلك عن العرب‬
‫‪ 300‬سارتون‪ :‬مقدمة في تاريخ العلم ‪.1/46‬‬

‫الكتاب مصدًرا أساسّيا لدارسي الجغرافيا الوروبيين على مدار أكثر‬
‫من أربعة قرون!!‬
‫صمم "الدريسي" خريطته )انظر خريطة رقم ‪ (1‬على الطريقة‬
‫العربية في ذلك الوقت‪ ,‬حيث بدأ بالجنوب في أعلى الخريطة‪ ,‬ثم‬
‫انتقل إلى الشمال في أسفلها‪ ..‬وتتكون مخطوطة الخريطة من ‪70‬‬
‫ورقة )‪21×33‬سم( تصل إلى نحو خمسة أمتار مربعة‪.‬‬
‫ونة منها‬
‫وقد قام العالم اللماني "كونراد ميلر" بنشر نسخة ُ‬
‫مل َ ّ‬
‫سنة ‪1928‬م‪ ,‬بعد أن بذل مجهوًدا خارًقا من أجل تجميع أجزائها‬
‫م المجمع‬
‫المختلفة‪ ,‬وترجمة السماء العربية إلى اللمانية‪ ..‬ثم اهت ّ‬
‫العراقي بهذا الكتاب؛ فعمل باحثوه على مراجعة وتدقيق كل النسخ‬
‫الموجودة في العالم‪ ،‬وأخرجوا خريطة الدريسي وطبعوها سنة‬
‫‪1951‬م وهي بطول مترين وعرض متر واحد‪..301‬‬
‫تصحيح أخطاء السابقين‪:‬‬
‫بين أيدينا الن شهادة لمؤرخ غربي مشهور هو "جوستاف‬
‫لوبون" الذي ستؤكد كلماته ما سبق بخصوص تفوق المسلمين في‬
‫مجال الخرائط‪ ..‬إلى جانب أنها ستضيف إلى عظمة إسهامات‬
‫دا بالغ الهمية‪..‬‬
‫دا جدي ً‬
‫المسلمين في الجغرافيا ُبع ً‬
‫يقول "جوستاف لوبون"‪" :‬يكفي أن نشير إلى ما حققه العرب‬
‫في الجغرافيا لثبات قيمتهم العالية؛ فالعرب هم الذين عي ُّنوا‬
‫بمعارفهم الفلكية مواقع الماكن تعييًنا مضبو ً‬
‫طا في الخرائط‪،‬‬
‫فصححوا بذلك أغاليط علماء اليونان‪ ،‬والعرب هم الذين نشروا‬
‫رحلتهم الممتعة عن بقاع العالم التي كان يشك الوربيون في‬
‫وجودها‪ ،‬والعرب هم الذين وضعوا الكتب الجغرافية التي جاءت‬
‫ناسخة لما تقدمها‪ ،‬فاقتصرت أمم الغرب عليها وحدها قروًنا‬
‫كثيرة‪.302"...‬‬
‫دمه‬
‫فالروعة والنجاز ل يتجسدان فقط في الجديد الذي ق ّ‬
‫الجغرافيون المسلمون للعالم‪ ..‬وإنما يتجسد النجاز وتتجّلى الروعة‬
‫كذلك في التصويب والتعديل الذي عاد به عباقرة الجغرافيين‬
‫المسلمين على التراث الجغرافي اليوناني‪.‬‬
‫لقد وقع "بطليموس" ‪ -‬على الرغم من براعته المعروفة ‪ -‬في‬
‫العديد من الخطاء عند تحديد الطوال والعراض‪ ،‬ومن هذه الخطاء‪:‬‬
‫أنه بالغ كثيًرا في تحديد طول البحر المتوسط‪..‬‬
‫‪301‬‬
‫‪302‬‬

‫قدري حافظ طوفان‪ :‬علماء العرب وما أعطوه للحضارة ص ‪.199‬‬
‫محمود الشرقاوي‪ :‬السلم وأثره في الثقافة العالمية ص ‪ ،97‬نقل ً عن حضارة العرب‪.‬‬

‫وبالغ في تحديد امتداد الجزء المعمور من الرض المعروف له‪..‬‬
‫وجعل المحيط الهندي والهادي بحيرة!!! وذلك عندما وصل‬
‫جنوبي آسيا بجنوبي أفريقيا‪..‬‬
‫وبالغ في تحديد حجم جزيرة "سيلن"‪..‬‬
‫وأخطأ في وضع بحر قزوين والخليج العربي خ ً‬
‫طا فاح ً‬
‫شا‪..303‬‬
‫وقد صحح المسلمون كل هذه الخطاء وغيرها‪ ،‬ولم يأخذ‬
‫الغرب هذه التعديلت إل عنهم‪ ..‬ومن هنا يتجّلى دور المسلمين في‬
‫وهات العلمية والمنهجّية‪ ..‬كما‬
‫إنقاذ الدراسات الجغرافّية من التش ّ‬
‫رأينا من قبل دورهم في إنقاذها من بطش السلطة الكنسّية‬
‫الغاشم‪..‬‬
‫وقد بدأت تلك المسيرة التصحيحية منذ عهد الخليفة "المأمون"‬
‫)ت ‪218‬هق ‪833 -‬م(‪..‬‬
‫فقد أسدت الخريطة المأمونية )انظر خريطة رقم ‪ (3‬التي أمر‬
‫ما‪ ،‬رغم ضعف‬
‫علماء عصره بتنفيذها‪ ،‬إلى الحضارة الغربية فضل ً عظي ً‬
‫إمكانات المسلمين من حيث الجهزة الجغرافية في ذلك العصر‪،‬‬
‫وقام المسلمون بإدخال الكثير من التعديلت المهمة على خريطة‬
‫سنوها وأضافوا إليها الكثير من‬
‫بطليموس )انظر خريطة رقم ‪ ،(2‬وح ّ‬
‫التصحيحات الجوهرية‪..‬‬
‫وقد أقبل الغرب على عطاء الجغرافيين المسلمين بشغف‬
‫واهتمام بالغين؛ فلم يكن الوروبيون حتى بداية القرن الخامس عشر‬
‫يرجعون إل إلى الجغرافيا السلمية كما يقرر "كراتشكوفسكي"‪..‬‬
‫وقد ظلت الكارتوغرافيا الوروبية )علم الخرائط( تعتمد على خارطة‬
‫الدريسي حتى قبيل القرن الخامس عشر الميلدي‪..304‬‬
‫وإجما ً‬
‫ل‪ ،‬فإنه منذ وقت الدريسي ‪1150‬م إلى حوإلى ‪1450‬م‬
‫سا من الجغرافيا السلمية‪ ..‬إل أن‬
‫است ُ ِ‬
‫م ّ‬
‫دت الجغرافيا الوروبية رأ ً‬
‫ول عنصرّيا أصاب الفكر الوروبي فيما بين )‪1450‬م( إلى )‬
‫تح ّ‬
‫‪1550‬م(‪ ،‬فنهضت حملة ضد المسلمين ل أساس لها من العلم‪،‬‬
‫وأسفرت عن تحول الجغرافيين الوروبيين إلى جغرافيا‬
‫"بطليموس"!! ولما كان استمرار هذا المر غير منطقي فقد اضطّرُ‬
‫ة إلى هجر بطليموس‪..305‬‬
‫العلماء ثاني ً‬

‫‪303‬‬
‫‪304‬‬
‫‪305‬‬

‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم ص ‪.393،390‬‬
‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم ص ‪.405‬‬
‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها في الترقي العالمي ص ‪.412 ،411‬‬

‫ن إسهامات المسلمين في الجغرافيا محيط واسع‪..‬‬
‫والحقّ أ ّ‬
‫ربما بقدر سعة الماد المذهلة التي بلغتها رحلت علمائهم‬
‫الستكشافية بّرا وبحًرا‪ ...‬وهو الجانب الذي ستحاول الصفحات‬
‫القادمة الوقوف بنا أمامه‪..‬‬
‫المسلمون والكشوف الجغرافية‬
‫لم تكن النهضة الجغرافية السلمية لتظهر لول جهود مضنية ‪-‬‬
‫بعد توفيق الله ‪ - ‬قام بها العديد من العلماء الفذاذ الذين مّر بنا نبأ‬
‫بعضهم في صفحات سابقة‪..‬‬
‫ولم تكن جهود أولئك العلماء حبيسة الجدران‪ ،‬ول أسيرة‬
‫خيالت أو موروثات بإلية‪ ..‬بل كان السير في الرض والضرب في‬
‫ضا‪ ،‬والنظر عن قرب إلى طبائعها في شتى البقاع‪،‬‬
‫مناكبها طول ً وعر ً‬
‫وملمح الحياة المتباينة فوق كل شبر منها‪ ..‬كان كل ذلك هو الطابع‬
‫المميز للدراسات الجغرافية عند المسلمين‪..‬‬
‫فر أتباعه من التعويل على الظن الذي "ل‬
‫ول عجب؛ فالسلم ُين ّ‬
‫ُيغني من الحق شيًئا"‪ ،‬ويدعو في أكثر من موضع إلى العتماد على‬
‫‪306‬‬
‫الحق والبرهان‪ُ  :‬‬
‫ق ْ‬
‫ن‪‬‬
‫صاِد ِ‬
‫هاُتوا ب ُْر َ‬
‫ل َ‬
‫م إِ ْ‬
‫قي َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫هان َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن‪.307‬‬
‫صاِد ِ‬
‫‪‬ن َب ُّئوِني ب ِ ِ‬
‫عل ْم ٍ إ ِ ْ‬
‫قي َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وفيما يلي أهم اكتشافات جغرافي المسلمين‪:‬‬
‫استكشاف القارات‪:‬‬
‫‪ (1‬في آسيا‪:‬‬
‫كان أقصى ما يعرفه الغريق عن شرقي آسيا هو منطقة‬
‫سيراداريا )بأوزباكستان حالًيا(‪ ..‬وهي أقصى منطقةٍ وصل إليها‬
‫"السكندر الكبر" في فتوحاته )سنة ‪ 323‬ق‪.‬م(‪..‬‬
‫فلما جاء المسلمون تعد ّْوا هذه الحدود‪ ،‬وتمكنوا من عبور جبال‬
‫)تيان شاه(‪ ،‬والتوغل مئات الميال إلى الشرق منها‪ ،‬فوقعت كل مدن‬
‫وسط آسيا كبخارى وسمرقند وفرغانة وكشغر )وهي إحدى الوليات‬
‫الصينية( تحت نفوذهم منذ عام )‪86‬هق ‪705 -‬م(‪ ..‬وقد انتشر السلم‬
‫في هذه المناطق وبقي فيها حتى يومنا هذا‪ ،‬وكان الخلفاء يرسلون‬
‫الوفود إلى ملوك الصين والتبت وسائر آسيا يدعونهم إلى‬
‫السلم‪..308‬‬
‫‪306‬‬
‫‪307‬‬
‫‪308‬‬

‫)البقرة‪.(111 :‬‬
‫)النعام‪.(143 :‬‬
‫فهمي هويدي‪ :‬السلم في الصين‪.‬‬

‫وقد اكتشف المسلمون عن طريق أساطيلهم التجارية التي‬
‫كانت ُتبحر من ميناء عدن إلى ميناء كانتون بالصين أن بحر الصين‬
‫يتصل بالمحيط الهندي‪ ،‬كما اكتشفوا بحيرة )آرال( شمإلى شرق‬
‫ت لول مرة على الخرائط المأمونية في عهد المأمون‬
‫قزوين‪ ،‬فوُ ِ‬
‫ضعَ ْ‬
‫باسم )بحيرة خوارزم(‪ ،‬وقد زار "البيروني" )ت‪440:‬هق ‪1048 -‬م(‬
‫مى نهر أنجارا )الواقع شمال غرب‬
‫سيبيريا الشرقية‪ ،‬وكان أول من َ‬
‫س ّ‬
‫ي سيبيريا(‪ ..‬كما أنه عاش في الهند قَُرابة عشرين‬
‫بحيرة بيكال شرق ّ‬
‫ما؛ فأبدع في وصفها بما لم يسبقه إليه أحد‪ ..‬وذلك في كتابه )ما‬
‫عا ً‬
‫‪309‬‬
‫للهند من مقولة( ‪.‬‬
‫‪ (2‬في أوروبا‪:‬‬
‫لقد عرف المسلمون أوروبا رغم تخلفها وخمولها الحضاري في‬
‫ذلك الوقت؛ ففي عام )‪308‬هق ‪921 -‬م( ذهب "ابن فضلن" رسول ً‬
‫من قَِبل الخليفة العباسي "المقتدر" إلى بلد البلغار في الفولجا‬
‫)تطلق عند العرب على بلد الصقالبة الروس وعلى عاصمتهم التي‬
‫تقع شرقي نهر الفولجا(‪ ,‬كما وصف البيروني بلد )الفرنج( وهم‬
‫النرويج والسكندنافيون‪ ،‬ووصف )بحر الثلج( وهو القطب الشمإلي‪,‬‬
‫كما عرف المسلمون "بلد الغال" وهي فرنسا‪..310‬‬
‫وقد ع ُِثر حديًثا على عملت إسلمية في كل من روسيا‬
‫وإسكندنافيا تعود إلى العصر العباسي!!‬
‫‪ (3‬في أفريقيا‪:‬‬
‫توقفت معلومات الغريق والرومان في إفريقيا على البلد‬
‫ضا أمام‬
‫الساحلية وحدها‪ ،‬أما قلب القارة السوداء فقد بقي غام ً‬
‫حالة أو سفراء‪ ..‬فاستكشفوا‬
‫العالم حتى وصله المسلمون كتجار أو ر ّ‬
‫القارة الغامضة‪ ،‬ونشروا السلم في السودان والسنغال والنيجر‬
‫وغيرها‪ ..‬وكانوا أول من اكتشف مدغشقر‪ ،‬وقد وصلت مراكبهم من‬
‫الندلس والجزائر إلى الصومال وزنجبار وموزمبيق وجزائر الكومور‪..‬‬
‫سّباقة أنهم أول من اكتشف‬
‫ومما ُيعد من إنجازات المسلمين ال َ‬
‫منابع نهر النيل العظيمة قبل أن تصل إليها حملت الستكشاف‬
‫البريطانية بعدة قرون؛ فقد ذكر الرحالة البريطاني "ستانلي" أنه في‬
‫رحلته لكتشاف منابع النيل قد وجد التجار العرب قد سبقوه‪ ,‬وأن‬
‫القبائل الفريقية تدين بالسلم!!‬
‫الكتشافات البحرية‪:‬‬
‫‪309‬‬
‫‪310‬‬

‫نفيس أحمد ترجمة‪ :‬فتحي عثمان‪ :‬الفكر الجغرافي في التراث السلمي ص ‪.44‬‬
‫نفيس أحمد ترجمة ‪ /‬فتحي عثمان‪ :‬الفكر الجغرافي في التراث السلمي ص ‪.44‬‬

‫ُيعت ََبر اكتشاف "كريستوفر كولومبوس" لأمريكا عام ‪1492‬م‪،‬‬
‫واكتشاف "فاسكو دي جاما" لطريق الهند البحري عام ‪1497‬م من‬
‫أكثر الكشوف الجغرافية تأثيًرا في مجرى التاريخ النساني‪ ..‬وبالرغم‬
‫من مرور ما يزيد على خمسمائة عام على هذين الكشفين إل أن‬
‫سم بعد حول أسبقيتهما‪..‬‬
‫الجدل لم ُيح َ‬
‫فهل كان "كريستوفر كولومبوس" ذلك البحار اليطإلى هو أول‬
‫مكتشف للسواحل المريكية بالفعل؟؟‬
‫سّر وراء انطلق رحلته من أسبانيا التي كانت قد فرغت‬
‫وما ال ّ‬
‫للتوّ من القضاء على الوجود السلمي في أراضيها؟‬
‫ن معه من آلف الوثائق العلمية‬
‫ألم يست ِ‬
‫فد "كولومبوس" و َ‬
‫م ْ‬
‫والخرائط السلمية التي وضع السبان أيديهم عليها من ميراث‬
‫الحضارة السلمية الطويل؛ فأحرقوا بعضها‪ ،‬واستولوا على البعض‬
‫الخر مما لم يظهر بعد ذلك إل حديًثا في مكتبة السكوريال في‬
‫مدريد‪..‬؟؟‬
‫وما حقيقة الهداف التي حركت الكشوف البحرية الوروبية‬
‫على نحو كثيف ومتزامن‪..‬؟؟!‬
‫إننا في السطور القادمة سنحاول ‪ -‬بإذن الله ‪ -‬إلقاء الضوء‬
‫على حقيقة هذا المر‪..‬‬
‫فمنذ أعلن المسلمون كروية الرض‪ ،‬وأثبتوا ذلك بالبراهين‬
‫الفلكية والحسابية بدأت الشارات تظهر في كتبهم إلى أنه لبد من‬
‫وجود جزر معمورة في الوجه الخر من الكرة الرضية لم ُتكت َ َ‬
‫شف‬
‫بعد‪ ،‬وقد ب ُن َِيت هذه النظرية على أنه ليس من المعقول أن يكون أحد‬
‫ن‬
‫سطحي الكرة يابسة بالكامل بينما يغطي الماء الجانب الخر؛ ل ّ‬
‫هذا سيؤدي إلى اختلل توازن الرض وانتظام دورانها‪..311‬‬
‫وقد كان "البيروني" أول من أشار إلى هذه الحقيقة وب َ ّ‬
‫شر بها‬
‫في كتبه‪ ،‬وبناًء على هذه النظرية ابتدأت مغامرات الكشف الجغرافي‬
‫التي جاء ذكرها في مخطوطات كبار الجغرافيين المسلمين‪ ،‬ومنهم‬
‫"المسعودي" في كتابه )مروج الذهب‪ (..‬و"الدريسي" في كتابه‬
‫)نزهة المشتاق‪ (..‬وغيرهما‪..‬‬
‫وأول إشارة في ذلك تقول‪ :‬إن بحاًرا عربّيا أندلسّيا‬
‫اسمه"خشخاش البحري" أبحر بسفينته من "لشبونة" إلى الغرب في‬
‫بحر الظلمات )المحيط الطلنطي( )سنة ‪235‬هق تقريًبا ‪850 -‬م( وقد‬
‫اكتشف في هذا البحر جزيرة مأهولة بالسكان أحضر منها الهدايا إلى‬
‫‪311‬‬

‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم ص ‪.397،396‬‬

‫حاكم الندلس "عبد الرحمن الثاني" الذي كافأه بتعيينه أميًرا للبحرية‬
‫السلمية‪ ..‬وقد اسُتشِهد هذا الرجل في معركة بحرية مع قرصان‬
‫)الفايكنج(‪.312‬‬
‫أما الشارة الثانية فتذكر أن جماعة من عرب المغرب الفريقي‬
‫قد خرجوا إلى بحر الظلمات نحو تلك الجزيرة‪ ،‬وكان ذلك في القرن‬
‫الرابع الهجري )العاشر الميلدي( ولم ي َعُد ْ أحد ٌ منهم ولم يسمع عنهم‬
‫أي خبر!!‬
‫دث عنهم‬
‫ثم يتلو ذلك قصة "الفتية المغّررين" الذين تح ّ‬
‫المسعودي والدريسي‪ ،‬وتقول هذه القصة‪ :‬إن ثمانية من الشباب‬
‫العرب في مدينة لشبونة من عائلة واحدة من البحارة‪ ...‬قرروا‬
‫المغامرة )في بحر الظلمات( بحًثا عن تلك الجزر التي هلك من‬
‫سبقوهم دون خبر عنها‪ ..‬وأن أهل المدينة أطلقوا عليهم لقب )الفتية‬
‫المغررين( نسبة إلى )الغُّرة( أي )المقدمة( وليس المغرورين نسبة‬
‫إلى )الغرور( كما جاء في بعض المراجع‪ ،‬فمن ذلك ما ذكره‬
‫"المسعودي" في كتابه )مروج الذهب( عن أخبار )من خاطر بنفسه‬
‫في ركوبه ‪ -‬أي المحيط الطلسي ‪ -‬ومن نجا منهم ومن تلف‪ ،‬وما‬
‫شاهدوا منه وما رأوا‪..313‬‬
‫وعندما يوِرد "الدريسي" هذه القصة يذكر أن هؤلء الفتية‬
‫الثمانية عندما عادوا إلى الندلس احتفي بهم أهل لشبونة‪،‬‬
‫واستقبلوهم بالزينات والفراح‪ ..‬وأطلقوا على الشارع الذي يسكنون‬
‫فيه اسم )شارع الفتية المغّررين(‪ ،‬كان ذلك في أواخر القرن العاشر‬
‫الميلدي‪ ..‬ثم ظل هذا السم معروًفا بعد ذلك في لشبونة لمئات من‬
‫السنين‪.314‬‬
‫كانت هذه صورة موجزة لما أورده جغرافيو الندلس عن سبق‬
‫العرب لكتشاف أمريكا‪ ..‬يعضدها ما ذكره العالم المؤرخ اللغوي‬
‫"الب أنستاس الكرملي" من أن العرب قد وصلوا أمريكا من لشبونة‬
‫قبل "كولومبوس" بفضل معرفتهم لتيار الخليج الحار في الطلسي‪،‬‬
‫سب َقَ العرب سائر المم إلى معرفة هذا التيار وخواصه‪،‬‬
‫فيقول‪َ " :‬‬
‫‪315‬‬
‫وإلى حركته من المكسيك إلى إيرلندا وبالعكس‪. "..‬‬
‫على أن هناك إشارة تظهر في أقوال "كولومبوس" نفسه؛‬
‫حيث يذكر أنه كان يعتقد أو َ‬
‫ل المر أن الهنود الحمر الذين رآهم في‬
‫تلك الجزر لبد أن يكونوا من سللة العرب "الذين سبقوه‪ "..‬كما قرأ‬
‫‪ 312‬انظر‪ :‬المسعودي‪ :‬مروج الذهب ‪.1/45‬‬
‫‪ 313‬انظر‪ :‬المسعودي‪ :‬مروج الذهب ‪.1/45‬‬
‫‪ 314‬انظر‪ :‬المسعودي‪ :‬مروج الذهب ‪.1/45‬‬
‫‪ 315‬الب انستاس الكرملي‪ :‬عرف العرب أمريكا قبل أن يعرفها الغرب‪ ،‬نشر هذا البحث في‬
‫مجلة المقتطف عدد ‪ ،106‬وأشار إليه العقاد في كتابه أثر العرب في الحضارة ص ‪.47‬‬

‫في المخطوطات العربية‪ ..‬وقد قامت )الجمعية الجغرافية البريطانية(‬
‫بإنتاج مسلسل تليفزيوني وثائقي بعنوان )المكتشفون( وفيه حلقة‬
‫مستقلة عن "كولومبوس" واكتشافاته‪ ،‬وهي تبين أنه قد اختار أحد‬
‫رجاله الذين يعرفون اللغة العربية )لنه مقن أصل عربي( وبعث معه‬
‫ت باللغة العربية يقول فيها‪" :‬يا‬
‫برسالة إلى ملك الهنود الحمر ك ُت ِب َ ْ‬
‫صاحب الجللة‪ ..‬إن الملكة "إيزابيل" ملكة أسبانيا وقشتالة تهديك‬
‫‪316‬‬
‫السلم‪ ،‬وتطمع أن يكون بينها وبين بلدك علقات صداقة‪ ..‬الخ" ‪.‬‬
‫إل أن أكثر تلك الشارات إبهاًرا وإثارة للدهشة هي تلك‬
‫الخريطة التي اكتشفها المستشرق اللماني ‪ Kahle‬في مكتبة )طوب‬
‫كابي سراي( بإسطنبول‪ ،‬ونشرها على العالم سنة ‪1929‬م بعد‬
‫تحقيق علمي دولي استمر عدة سنوات‪..‬‬
‫فقد حّيرت هذه الخريطة )انظر خريطة رقم ‪ (4‬العلماء‬
‫وأذهلت العالم‪ ..‬وهي من تأليف جغرافي تركي مسلم هو "بيري‬
‫ريس" واسمه الكامل "محيي الدين بن محمد الريس" )ت ‪1513‬م(‪،‬‬
‫وكان أحد قادة البحرية في السطول التركي الذي كان سيد البحار‬
‫في تلك الونة‪ ..‬وهذه الخريطة تنقسم في الواقع إلى عدة خرائط‬
‫مفردة؛ فهي تبين شرقي المحيط الطلسي حيث السواحل السبانية‬
‫والفريقية الغربية‪ ...‬أما في غربي المحيط فأنت ترى القارة‬
‫المريكية بسواحلها وجزرها وموانيها وحيواناتها‪ ..‬فضل ً عن سكانها‬
‫الصليين )الهنود الحمر( الذين يرسمهم عراة ً وهو يرعون الغنم‪.‬‬
‫ويذكر المستشرق "كراتشكوفسكي" في كتابه )تاريخ الدب‬
‫الجغرافي العربي( تعليل ً لهذه الخريطة أنه لبد أن يكون "الريس" قد‬
‫بناها على أساس خرائط "كولومبوس" التي ربما تكون قد سقطت‬
‫في يده عندما انتصر السطول التركي على أسطول البندقية سنة‬
‫َ‬
‫سَر بعض سفنه‪..317‬‬
‫‪1499‬م‪ ،‬وأ َ‬
‫إل أن هذا الرأي يلقي معارضة من كثير من الباحثين؛ لن‬
‫الخريطة بها تفاصيل لماكن لم يعرفها "كولومبوس"‪ ،‬ولم يكن‬
‫سّر هذه‬
‫اكتشفها‪ ،‬ولكن هؤلء الباحثين لم يقدموا تعليل ً بديل ً يكشف ِ‬
‫الخريطة الغامضة‪.‬‬
‫اكتشاف القارة السادسة في القطب الجنوبي!!‬
‫إن أعجب ما في خرائط "بيري ريس" أنها عادت لتشغل‬
‫العلماء بعد عصر رحلت الفضاء وتصوير الرض من القمار الصناعية؛‬
‫فقد كان العتقاد الول لدى علماء الخرائط في أمريكا وأوروبا في‬
‫القرن العشرين أن الخرائط غير دقيقة‪ ،‬وأن بها أخطاًء في الرسم‬
‫‪316‬‬
‫‪317‬‬

‫زينب عصمت راشد‪ :‬تاريخ أوروبا الحديث‪ ،‬القاهرة ص ‪ ،47‬دار الفكر العربي ‪.1998‬‬
‫كراتشوفسكي‪ :‬تاريخ الدب الجغرافي العربي ‪ 2/562‬النسخة العربية ‪.‬‬

‫حسب أحدث معلوماتهم عن الشاطئ المريكي‪ ..‬ولكنهم فوجئوا بعد‬
‫ظهور أول صورة مأخوذة من القمر الصناعي لهذه المناطق أن‬
‫خرائط "محي الدين الريس" أدقّ من كل ما عرفوه وتصوروه!!‪..‬‬
‫ما صور القمر الصناعي‪ ،‬وأن معلوماتهم هي التي‬
‫وأنها تطابق تما ً‬
‫كانت خاطئة‪.‬‬
‫وعلى أثر ذلك عكف فريق من العلماء في وكالة الفضاء‬
‫المريكية على إعادة دراسة الخرائط مقطعًيا بعد تكبيرها عدة مرات‪،‬‬
‫فكانت المفاجأة الثانية‪ ..‬وهي أن "بيري ريس" قد وضع في خرائطه‬
‫القارة السادسة في القطب الجنوبي والمسماة ‪ Antarctica‬قبل‬
‫اكتشافها بأكثر من قرنين!!‪ ..‬كما أنه وصف جبالها ووديانها التي لم‬
‫تكتشف حتى سنة ‪1952‬م!! )انظر خريطة رقم ‪.318( 5‬‬
‫يحكي الكاتب "إريك فون دانيكن" في كتابه ‪Chariots of the"319‬‬
‫سّلمت إلى الدكتور "ماليري‬
‫‪ "?gods‬أن خرائط "بيري ريس" ُ‬
‫آرلنجتون" أستاذ الخرائط الجغرافية في الجامعات المريكية الذي‬
‫قّرر بعد فحص دقيق أنها تحتوي على كل الحقائق الجغرافية حول‬
‫أمريكا‪ ..‬ولكنه ش ّ‬
‫ك في وجود خطأ أو عدم دقة في بعض الماكن‪..‬‬
‫فطلب الستعانة بجغرافيي السطول المريكي الذين أظهرت‬
‫دراساتهم أن خرائط "بيري ريس" قد نقلت الطبوغرافيا الداخلية‬
‫للقارات )أي التضاريس( بدقة مذهلة؛ فتظهر فيها الجبال والنهار‬
‫خ َ‬
‫ذت من الفضاء الخارجي‪!!..‬‬
‫والسهول وكأنما أ ُ ِ‬
‫وفي سنة ‪1957‬م عكف فريق من علماء الجغرافيا بالمراصد‬
‫الكبرى والبحرية المريكية على مزيد من دراسة خرائط "الريس"‪..‬‬
‫وبعد دراسات على أجهزة متطورة وجدوا أن صوره عن القارة‬
‫السادسة ‪ Antarctica‬صحيحة ودقيقة بدرجة مذهلة‪ ..‬حتى بالنسبة‬
‫مل اكتشافها في عصرنا الحاضر!! فالجبال‬
‫للمناطق التي لم ُيستك َ‬
‫ْ‬
‫على قارة القطب الجنوبي لم ت ُكت َ َ‬
‫ما‬
‫شف حتى عام ‪1952‬م‪ ..‬فهي دائ ً‬
‫مغطاة بطبقة سميكة من الثلوج بحيث إن اكتشاف وجودها على‬
‫الخرائط الحديثة كان باستعمال أجهزة صدى الصوت ‪Echo-Sounding‬‬
‫‪. . apparatus‬‬
‫ضا هو اهتمام وكالة الفضاء المريكية‬
‫والجدير بالذكر هنا أي ً‬
‫ما الصور‬
‫بمواصلة دراسة هذه الخرائط‪ ،‬حيث اتضح أنها تشبه تما ً‬
‫المأخوذة للكرة الرضية من مركبة فضائية أثناء مرورها فوق منطقة‬
‫القارة القطبية الجنوبية‪ ،‬وهي صور تغطي مسافة )خمسة آلف ميل(‬
‫‪ 318‬إريك فون دانكين‪ :‬عربات اللهة ص ‪.29‬‬
‫دث عن سفن الفضاء‪ ،‬ونقتبس المعلومات منه رغم‬
‫‪ 319‬اسم الكتاب‪ :‬عربات اللهة‪ ،‬وهو يتح ّ‬
‫اعتراضنا على اسمه؛ لن الحكمة ضاّلة المؤمن؛ أّنى وجدها فهو أحقّ الناس بها‪.‬‬

‫فوجدوا تشابًها مذهل ً بين صور القمر الصناعي وبين خريطة "بيري‬
‫ريس"‪!!320‬‬
‫فلكم هو مذهل تتّبع جهود المسلمين في اكتشاف الرض من‬
‫فح ثمار تلك الجهود!!‪..‬‬
‫مبهر تص ّ‬
‫حولهم‪ ..‬وكم هو ُ‬
‫ويبقى أن نقرر ‪ -‬أخيًرا ‪ -‬أن استشعار خلفة الله في هذه‬
‫الرض لبد أن يكون له أكبر الثر في بعث تلك الحركة الهائلة‬
‫للكشوف والرحلت الجغرافية‪ ،‬التي جابت أقطار المعمورة في تلك‬
‫العصور البعيدة‪..‬‬
‫ضا ‪ -‬أن نقرر أن اهتداء المسلمين بكتاب ربهم قد كان‬
‫ولبد ‪ -‬أي ً‬
‫له أكبر الثر في هذا السير الفريد في جنبات الرض‪ ..‬حيث يقول‬
‫ْ َ‬
‫ض َ‬
‫سبحانه‪ُ  :‬‬
‫ق ْ‬
‫ق‬
‫ف ب َدَأ َ ال ْ َ‬
‫فان ْظُُروا ك َي ْ َ‬
‫سيُروا ِ‬
‫ل ِ‬
‫خل ْ َ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫‪321‬‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ئ الن ّ ْ‬
‫ديٌر‪. ‬‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫شأةَ اْل َ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ش ُ‬
‫ه ي ُن ْ ِ‬
‫خَرةَ إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ثُ ّ‬
‫ش ْ‬

‫‪320‬‬
‫‪321‬‬

‫إريك فون دانيكن‪ :‬عربات اللهة ص ‪.29‬‬
‫)العنكبوت‪.(20 :‬‬

‫المبحث الرابع‪ :‬علم البصريات في الحضارة‬
‫السلمية‬
‫كغيره من العلوم التي ظهرت قبل المسلمين‪ ،‬كان لليونانيين‬
‫وغيرهم من الشعوب القديمة اهتمام بعلم البصريات‪ ،‬وكان لهم فيه‬
‫آثار طيبة اتكأ عليها المسلمون عند ممارستهم لهذا العلم‪ ،‬فقد نقلوا‬
‫عن اليونان آراءهم في انكسار الضوء‪ ,‬والمرايا المحرقة وغيرها‪,‬‬
‫ولكنهم لم يقتصروا على مجرد النقل بل توسعوا وأضافوا إضافات‬
‫مبهرة من ابتكاراتهم‪ ،‬واستطاعوا أن يسطروا في علم البصريات‬
‫خا مشرًفا‪.‬‬
‫تاري ً‬
‫ففي أول المر كانت البصريات الغريقية تحوي رأيين‬
‫متعارضين‪ :‬الول‪ :‬هو الدخال‪ ،‬أي دخول شيء ما يمثل الجسم إلى‬
‫العينيين‪ ،‬والثاني‪ :‬النبعاث‪ ،‬أي حدوث الرؤية )البصار( عندما تنبعث‬
‫أشعة من العينيين وتعترضها الجسام المرئية‪.‬‬
‫وقد ظلت الحضارة الغريقية تتناول البصريات بأخذ ٍ ورد ٍ بين‬
‫هذين الرأين‪ ،‬وكانت مجهودات أرسطو تفتقر إلى تفصيل حتمي‪،‬‬
‫وكذلك إقليدس رغم مجهوداته الملموسة‪ ،‬إل أن نظرياته كانت‬
‫قاصرة على تقديم شرح كامل للبصار؛ لنها أغفلت العناصر‬
‫الفيزيائية والفسيولوجية والسيكولوجية للظواهر البصرية‪ ،‬حيث ذهب‬
‫إلى أن العين ُتحدث في الجسم الشفاف المتوسط بينها وبين‬
‫عا ينبعث منها‪ ،‬وأن الشياء التي يقع عليها هذا الشعاع‬
‫المبصرات شعا ً‬
‫صر‪ ،‬والتي ل يقع عليها ل تبصر‪ ،‬وأن الشياء التي تبصر من زاوية‬
‫ت ُب ْ َ‬
‫كبيرة ُترى كبيرة‪ ،‬والتي تبصر من زاوية صغيرة ترى صغيرة‪.‬‬
‫أما بطليموس فرغم إبداعه في التوفيق بين التناول الهندسي‬
‫والتناول الفيزيائي إل أنه فشل في نهاية المر؛ لن استخدامه كان‬
‫مقصوًرا على دعم استنتاجات سبق التوصل إليها فع ً‬
‫ل‪ ،‬بل إن معالجة‬
‫النتائج التجريبية كانت تجري أحياًنا بجواز مروره لهذه الستنتاجات‪.‬‬
‫وقد ظلت البحوث في علم البصريات تدور في هذا الفلك‬
‫السابق دون تقدم أو رقي‪ ،‬وبقيت على ذلك حتى جاءت الحضارة‬
‫السلمية فكان لسهامات المسلمين في علم البصريات نسق آخر‬
‫متطور وفريد؛ وذلك نظًرا لنبوغهم في العديد من العلوم المرتبطة‬
‫بهذا العلم مثل الفلك والهندسة الميكانيكية وغيرهما‪ ،‬إذ أن ابتكاراتهم‬
‫قد تتداخل فيها هذه العلوم‪.‬‬
‫فقد جاء الفيلسوف أبو يوسف الكندي )‪ 256-185‬هق ‪-805 /‬‬
‫‪873‬م(‪ ،‬والذي ُيعد من أوائل العلماء المسلمين الذين طرقوا ميدان‬

‫علم الطبيعة‪ ،‬فتناول الظواهر الضوئية وعالجها في كتابه الشهير‬
‫"علم المناظر"‪ ،‬وكان ذلك أول كتاب عربي يعني بعلم البصريات‪.‬‬
‫والكندي هذا هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق )‪256-185‬هق ‪/‬‬
‫‪873-805‬م(‪ُ ,‬يعد ‪ -‬كما يصنفه الكثيرون ‪ -‬مؤسس الفلسفة العربية‬
‫السلمية‪ ,‬وكان كمعظم علماء عصره موسوعًيا‪ ،‬فهو رياضي‬
‫وفيزيائي وفلكي‪ ،‬بالضافة إلى كونه فيلسوًفا‪!322‬‬
‫وكانت بدايته مع أسرته الغنية في الكوفة‪ ،‬والذي كان والده‬
‫والًيا عليها‪ ،‬وقد توفي وترك يعقوب صغيًرا مع أخوته ووالدته‪ ،‬فأتم‬
‫حفظ القرآن الكريم والكثير من الحديث النبوي الشريف وهو بعد في‬
‫الخامسة عشر من عمره‪ ،‬وكعادة طلب العلم في عصره فقد قرر‬
‫السفر بصحبة والدته إلى البصرة للستزادة من العلم‪ ،‬ثم انتقل‬
‫بعدها إلى بغداد ليزيد من ثقافتة وعلمه‪ ،‬حيث كانت بغداد في العصر‬
‫العباسي بحًرا زاخًرا بالعلوم المتنوعة المختلفة‪.323‬‬
‫كانت مكتبة "بيت الحكمة" التي أنشأها هارون الرشيد‬
‫ة‬
‫ما كامل ً‬
‫وازدهرت في عهد ابنه المأمون مقصده‪ ،‬وصار ُيمضي أيا ً‬
‫فيها وهو يقرأ الكتب المترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية‪ ،‬إل‬
‫أن فضوله الزائد للمعرفة والعلم لم يتوقف عند حد قراءة الكتب‬
‫المترجمة فقط‪ ،‬فبدأ بدراسة اللغتين السريانية واليونانية علي يد‬
‫أستاذين كانا يأتيان إلى منزله ليعلماه‪ ،‬وقد تمكن من إتقان هاتين‬
‫اللغتين بعد فترة وجيزة‪ ،‬بعدها بدأ في تكوين فريق خاص به‪ ،‬وصار‬
‫صاحب مدرسة ذات مكانة مهمة في الترجمة‪ ،‬وأنشأ في بيته مكتبة‬
‫تضاهي في ضخامتها مكتبة الحكمة‪ ،‬فصار الناس يقصدون بيته للتعلم‬
‫ة‬
‫ومكتبته للمطالعة‪ ،‬وسارت شهرته في البلد عندما كان عمره خمس ً‬
‫ما فقط‪ ،‬فدعاه الخليفة المأمون إليه وصارا صديقين منذ‬
‫وعشرين عا ً‬
‫‪324‬‬
‫ذلك الحين ‪.‬‬
‫وفي البصريات فقد أخذ الكندي بنظرية النبعاث الغريقية‪ ،‬إل‬
‫قا لمبدأ الشعاع‪ ،‬وصاغ من خلل ذلك‬
‫فا دقي ً‬
‫أنه أضاف كذلك وص ً‬
‫أساس نظام تصوري جديد يحل في نهاية المر محل نظرية النبعاث‪،‬‬
‫وكان لهذا الكتاب صدى في المحافل العلمية العربية‪ ،‬ثم الوروبية‬
‫خلل العصور الوسطى‪.‬‬
‫ثم من بعده جاء أبو الحسن بن الهيثم )‪430 -354‬هق( والذي‬
‫دا ووثبة خطيرة في عالم البصريات‬
‫حا جدي ً‬
‫ُتعد أعماله العلمية فت ً‬
‫وفزيولوجية البصار‪ ،‬وكانت أعماله هي الساس الذي بنى عليه علماء‬
‫‪322‬‬
‫‪323‬‬
‫‪324‬‬

‫مصطفى عبد الرازق‪ :‬فيلسوف العرب ص ‪.18‬‬
‫أحمد فؤاد الهواني‪ :‬الكندي فيلسوف العرب ص ‪.26‬‬
‫رحاب العكاوي‪ :‬الكندي أعظم الحكماء في تاريخ البشرية ص ‪ 16‬بتصرف‪.‬‬

‫الغرب جميع نظرياتهم في هذا الميدان‪ ،‬وكان في طليعة العلماء‬
‫الجانب الذين اعتمدوا على نظرياته ‪ -‬بل أغاروا عليها ونسبوها‬
‫لنفسهم ‪ -‬روجر بيكون وفيتلو وعلماء آخرون‪ ،‬ولسيما في بحوثهم‬
‫الخاصة بالمجهر والتلسكوب والعدسة المكبرة‪.325‬‬
‫بدأ ابن الهيثم أول بمناقشة نظريات إقليدس وبطليموس في‬
‫مجال البصار‪ ،‬وأظهر فساد بعض جوانبها‪ ،‬ثم في أثناء ذلك قدم‬
‫قا للعين وللعدسات وللبصار بواسطة العينين‪ ،‬ووصف‬
‫فا دقي ً‬
‫وص ً‬
‫أطوار انكسار الشعة الضوئية عند نفوذها في الهواء المحيط بالكرة‬
‫الرضية بعامة‪ ،‬وخاصة إذا نفذ من جسم شفاف كالهواء والماء‬
‫‪326‬‬
‫والذرات العالقة بالجو‪ ،‬فإنه ينعطف ‪ -‬أي ينكسر ‪ -‬عن استقامته ‪.‬‬
‫وقد بحث في )النعكاس( وتبيان الزوايا المترتبة على ذلك‪ ،‬كما‬
‫تطرق إلى شرح أن الجرام السماوية تظهر في الفق عند الشروق‬
‫قبل أن تصل إليه فع ً‬
‫ل‪ ،‬والعكس صحيح عند غروبها‪ ،‬فإنها تبقى‬
‫ظاهرة في المجال الفقي بعد أن تكون قد احتجبت تحته‪ ،‬وهو أول‬
‫وه باستخدام الحجرة السوداء التي تعتبر أساس التصوير‬
‫من ن ّ‬
‫‪327‬‬
‫الفوتوغرافي ‪.‬‬
‫والكتاب الذي خّلد اسم ابن الهيثم عبر القرون هو "كتاب‬
‫المناظر"‪ ،‬ويوضح هذا الكتاب تصور البصريات كنظرية أولية في‬
‫البصار‪ ،‬مختلفة جذرًيا عن فرض الشعاع المرئي الذي حافظ عليه‬
‫التقليد الرياضي منذ إقليدس وحتى الكندي‪.‬‬
‫ضا منهجية جديدة على هذا التفسير‬
‫ولقد أدخل ابن الهيثم أي ً‬
‫ما غير مفهومة‬
‫لعملية البصار‪ ،‬وبهذا تمكن من صياغة مسائل كانت إ ّ‬
‫ملة من جانب فلسفة يهدفون‬
‫طب ً‬
‫مه َ‬
‫قا لنظرية الشعاع البصري‪ ،‬أو ُ‬
‫سا إلى تفسير ماهية الرؤية أكثر من اهتمامهم بشرح كيفية‬
‫أسا ً‬
‫حدوث البصار‪.‬‬
‫وعلى الرغم من مكانة ابن الهيثم وبحوثه المبتكرة في علم‬
‫الضوء‪ ،‬إل أنه ظل مغموًرا ل يعرفه كثير من الناس‪ ،‬حتى قيض الله‬
‫له من يكشف عن جهوده وينقب عن آثاره ويجليها‪ ،‬وكان من هؤلء‬
‫العالم العربي مصطفي نظيف‪ ،‬وذلك حين كتب عنه دراسة طيبة‬
‫دا مضنًيا‬
‫رائدة نشرتها جامعة القاهرة في مجلدين‪ ،‬وقد بذل فيها جه ً‬
‫في قراءة مخطوطات ابن الهيثم ومئات المراجع الخرى‪ ،‬حتى خلص‬
‫عد واضع أسس علم‬
‫ن ابن الهيثم ي ُ َ‬
‫إلى حقيقة صادقة‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫الضوء بالمعنى الحديث!!‬
‫‪325‬‬
‫‪326‬‬
‫‪327‬‬

‫موقع إسلم أون لين‪ :‬ابن الهيثم عبقري في ثوب الجنون‪.‬‬
‫الدفاع‪ :‬روائع الحضارة العربية السلمية في العلوم ص ‪.124‬‬
‫محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص ‪.148‬‬

‫يقول الستاذ مصطفي نظيف‪" :‬لقد قلب ابن الهيثم الوضاع‬
‫دا أبطل فيه علم المناظر‪ ،‬الذي أنشأه‬
‫ما جدي ً‬
‫القديمة‪ ،‬وأنشأ عل ً‬
‫اليونان‪ ،‬كما أنشأ علم الضوء الحديث‪ ،‬وإن أثره في الضوء ل يقل عن‬
‫أثر )نيوتن( في المكيانيكا‪ ،‬فإن ع ُد ّ )نيوتن( بحق رائد علم الميكانيكا‬
‫في القرن السابع عشر فإن ابن الهيثم خليقٌ بأن ُيعد بحق رائد علم‬
‫الضوء في مستهل القرن الحادي عشر"‪.328‬‬
‫وطالما كان على هذا القدر من المكانة والمنزلة‪ ،‬فإنا نخوض‬
‫بعض الشيء في شخصيته‪ ،‬نتعرض فيها لحياته الشخصية‪ ،‬ثم حياته‬
‫العلمية‪..‬‬
‫فهو المهندس البصري أبو علي الحسن بن الهيثم‪ ،‬من أصل‬
‫ب ببطليموس الثاني‪ ،‬وجده العلى "الهيثم" أي "فرخ‬
‫عربي‪ ،‬ل ُ ّ‬
‫ق َ‬
‫رف ابن الهيثم عند الوربيين بق )‪ ،(alhazen‬وهو عالم‬
‫النسر"‪ ،‬وقد ع ُ ِ‬
‫موسوعي من أعظم علماء الرياضيات والفيزياء ومؤسس علم‬
‫ما‬
‫البصريات‪ ،‬وأتقن الطب وصنف فيه لكنه لم يمارسه‪ ،‬وكان دائ ً‬
‫دت لي الحياة‪ ،‬باذل جهدي‪ ،‬ومستفرغ قوتي في‬
‫م ّ‬
‫يقول‪" :‬وإني ما ُ‬
‫مثل ذلك )يقصد الدراسة وتحصيل العلوم(‪ ،‬متوخًيا منه أموًرا ثلثة‪:‬‬
‫أحدها إفادة من يطلب الحق ويؤثره‪ ،‬في حياتي وبعد مماتي‪ ،‬والخر‬
‫ضا لي بهذه المور في إثبات ما يتصوره ويتقنه‬
‫أني جعلت ذلك ارتيا ً‬
‫صيرته ذخيرة وعدة لزمان‬
‫فكري من تلك العلوم‪ ،‬والثالث أني ّ‬
‫الشيخوخة وأوان الهرم"‪.329‬‬
‫ولد في البصرة عام ‪354‬هق ‪965 /‬م وعاش فيها حياته الولى‪،‬‬
‫وكان في طفولته عازًفا عن اللهو مع أقرانه‪ ،‬مقبل ً على القراءة‬
‫م بتحصيل العلم واللمام بما وصلت‬
‫والطلع‪ ،‬كثير التساؤل‪ ،‬حيث اهت ّ‬
‫‪330‬‬
‫ضا ‪.‬‬
‫إليه الفلسفة والعلوم التعليمية‪ ،‬بل والعلوم الطبية أي ً‬
‫ب ابن الهيثم اشتغل كموظف في الديوان الحكومي‪،‬‬
‫وعندما ش ّ‬
‫إل أنه عكف على مواصلة البحث والدراسة‪ ،‬فكان يقرأ الفلسفة‬
‫ويشرح ويلخص ويختصر فيها من كتب اليونان ما أحاط فكره بتصوره‬
‫عا كثيرة‪ ،‬وقد اشتغل بنسخ الكتب فيما بعد‪،‬‬
‫وصنف في ذلك فرو ً‬
‫وسار على طريق العلماء‪ ،‬فسافر في طلب العلم‪ ،‬فذهب إلى بغداد‬
‫قل بين أرجاء الدولة السلمية‪.‬‬
‫والشام ومصر‪ ،‬وتن ّ‬
‫دا عن الدنيا مقبل ً على التحصيل‬
‫ولقد كان في كل أحواله زاه ً‬
‫والدراسة‪ ،‬يصفه ابن أبي أصيبعة فيقول‪" :‬كان ابن الهيثم فاضل‬
‫النفس‪ ،‬قوي الذكاء‪ ،‬متفنًنا في العلوم‪ ،‬لم يماثله أحد من أهل زمانه‬
‫‪328‬‬
‫‪329‬‬
‫‪330‬‬

‫قدري طوقان‪ :‬الخالدون العرب‪.‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/380‬‬
‫ابن القفطي‪ :‬أخبار الحكماء ص ‪.114‬‬

‫في العلم الرياضي‪ ،‬ول يقرب منه‪ ،‬وكان دائم الشتغال‪ ،‬كثير‬
‫التصنيف‪ ،‬وافر التزهد"‪.331‬‬
‫ومما ُيذ َ‬
‫كر في ذلك ‪ -‬كما أشرنا من قبل ‪ -‬أنه وهو بالشام عند‬
‫أحد أمرائها فأعجب به وأراد أن يغمره بالموال‪ ،‬فقال ابن الهيثم‪:‬‬
‫"يكفيني قوت يوم وتكفيني جارية وخادم‪ ،‬فما زاد على قوت يوم إن‬
‫ت بهذين‬
‫ت وكيلك‪ ،‬وإذا اشتغل ُ‬
‫ت خازَنك‪ ،‬وإن أنفقُته كن ُ‬
‫أمسكُته كن ُ‬
‫‪332‬‬
‫المرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟!" ‪.‬‬
‫وقد درس في بغداد الطب‪ ،‬واجتاز امتحاًنا مقرًرا لكل من يريد‬
‫صص في طب الكحالة )طب العيون(‪ ،‬وكان أهل‬
‫العمل بالمهنة‪ ،‬وتخ ّ‬
‫بغداد يقصدونه للسؤال في عدة علوم‪ ،‬برغم أن المدينة كانت زاخرة‬
‫بصفوة من كبار علماء العصر‪.‬‬
‫وقد تعرضنا لموقفه مع الحاكم بأمر الله الفاطمي‪ ،‬عندما‬
‫استدعاه الخير للقيام بمشروع على النيل يحجب الفيضان بعدما‬
‫سمع مقولته‪" :‬لو كنت بمصر لعملت في نيلها عمل يحصل به النفع‬
‫في كل حالة من حالته من زيادة ونقص"‪ ،333‬وكيف أنه اعتذر بعد أن‬
‫أدرك صعوبة أو استحالة إقامة المشروع بإمكانات عصره‪..‬‬
‫ثم وهو في مصر اتخذ من غرفة بجوار الجامع الزهر سكًنا‪،‬‬
‫ومن مهنة نسخ بعض الكتب العالمية مورًدا لرزقه‪ ،‬هذا بخلف‬
‫التأليف والترجمة؛ حيث كان متمكًنا من عدة لغات‪ ،‬ولكنه لم يكن في‬
‫سعة من العيش‪ ،‬فقد كان يرتزق من نسخ كتابين أو ثلثة كتب‬
‫رياضية‪ ،‬منها‪ :‬كتاب الصول لقليدس في الهندسة‪ ،‬وكتاب‬
‫المجسطي لبطليموس في الفلك‪ ،‬فكان ينسخها كل عام فيأتيه من‬
‫أقاصي البلد من يشتريها منه بثمن معلوم‪ ،‬ل مساومة فيه ول‬
‫معاودة‪ ،‬فيبيعها ويجعلها مئونة حياته طول سنته‪.334‬‬
‫ابن الهيثم‪ ..‬والمنهج العلمي‬
‫اعتمد ابن الهيثم في بحوثه على منهجين هما‪ :‬منهج الستقراء‪،‬‬
‫ومنهج الستنباط‪ ،‬وفي الحإلين كان يعتمد على التجربة والملحظة‪،‬‬
‫وكان همه من وراء البحث هو الوصول إلى الحقيقة التي تثلج صدره‪،‬‬
‫وقد حدد الرجل هدفه من بحوثه‪ ،‬وهو إفادة من يطلب الحق ويؤثره‬
‫في حياته وبعد مماته‪.335‬‬

‫‪331‬‬
‫‪332‬‬
‫‪333‬‬
‫‪334‬‬
‫‪335‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/372‬‬
‫البيهقي ظهير الدين‪ :‬تتمة صوان الحكمة ص ‪.16‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/374‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/380‬‬
‫محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر عند المسلمين ص ‪ 145‬بتصرف‪.‬‬

‫وكان ابن الهيثم يرى أن تضارب الراء هو الطريق الوحيد‬
‫جا ثابًتا في إثبات‬
‫لظهور الحقيقة‪ ،‬وقد جعل من التجربة العملية منها ً‬
‫صحة أو خطأ النتائج العقلية أو الفرضيات العلمية‪ ،‬وبعد ذلك يحاول‬
‫التعبير عن النتيجة الصحيحة بصياغة رياضية دقيقة‪.‬‬
‫ويتضح منهج ابن الهيثم في البحث إجمال ً من مقدمة كتابه‬
‫)المناظر(؛ فقد بين فيه بإيجاز الطريقة التي هداه تفكيره إلى أنها‬
‫الطريقة المثلى في البحث‪ ،‬والتي اتبعها في بحوثه‪ ،‬يقول ابن الهيثم‪:‬‬
‫"‪ ..‬ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات‪ ،‬وتصفح أحوال‬
‫المبصرات وتمييز خواص الجزئيات‪ ،‬ونلتقط باستقراء ما يخص البصر‬
‫في حال البصار‪ ،‬وما هو مطرد ل يتغير وظاهر ل يشتبه من كيفية‬
‫الحساس‪ ،‬ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب‬
‫مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج‪ ،‬ونجعل غرضنا في جميع ما‬
‫نستقريه ونتصفحه استعمال العدل ل اتباع الهوى ونتحرى في سائر‬
‫ما نميزه وننتقده طلب الحق ل الميل مع الراء"‪.336‬‬
‫ي في‬
‫فقد أخذ ابن الهيثم في بحوثه بالستقراء والقياس‪ ،‬وع ُن ِ َ‬
‫البعض منها بالتمثيل‪ ،‬وهي عناصر البحوث العلمية العصرية‪ ،‬وابن‬
‫الهيثم في هذا كله لم يسبق فرنسيس بيكون إلى طريقته‬
‫قا‬
‫وا كبيًرا‪ ،‬وكان أوسع منه أف ً‬
‫الستقرائية فحسب‪ ،‬بل سما عليه سم ً‬
‫ي بيكون بالتفلسف النظري‪ ،‬فهذا‬
‫ن كما ع ُن ِ َ‬
‫وأعمق تفكيًرا‪ ،‬وإن لم ُيع َ‬
‫المنهج يتسم بالحيوية والتكامل؛ إذ يجد فيه رجل العلم ما يرتاح له‬
‫من أسإليب وطرق تسهل له عمله‪ ،‬ويجد فيه الفيلسوف صاحب‬
‫النظر المجرد ما يثلج صدره ويقيه جمحات عقله‪.337‬‬
‫يقول أحمد أمين‪" :‬وأهم ما امتاز به )ابن الهيثم( معرفة‬
‫نظريات الرياضة‪ ،‬ومن أهم مميزاته تطبيق علمه على العمل"‬

‫‪338‬‬

‫‪.‬‬

‫وفوق ذلك فقد كان ابن الهيثم يتحلى بروح علمية سامقة؛ إذ‬
‫قرر أن الحقائق العلمية غير ثابتة‪ ،‬وأنها ليست غايات ينتهي إليها‬
‫العلم‪ ،‬بل كثيًرا ما يعتريها التبديل والتغيير‪ ،‬وهو يؤمل ويرجو رجاء‬
‫العالم المتواضع الوصول إلى الحقيقة فيقول‪ .." :‬ولعلنا ننتهي بهذا‬
‫الطريق إلى الحق الذي يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى‬
‫الغاية التي عندها إليقين‪ ،‬ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي‬
‫يزول معها الخلف وتنحسم بها مواد الشبهات"‪!!339‬‬

‫‪ 336‬انظر‪ :‬ابن الهيثم‪ :‬المناظر ص ‪.62‬‬
‫‪ 337‬عمر فاروق الطباع‪ ،‬عبد المنعم الهاشمي‪ :‬ابن الهثم مؤسس علم الضوء الحديث ص‬
‫‪.108،107‬‬
‫‪ 338‬أحمد أمين‪ :‬ظهر السلم ‪/1‬‬
‫‪ 339‬انظر‪ :‬ابن الهيثم‪ :‬المناظر ص ‪.62‬‬

‫وهكذا يتضح أن منهج ابن الهيثم في العلم يلتقي مع المنهج‬
‫العلمي الحديث وأربى عليه باعتبار سبقه الزمني‪.‬‬
‫تقول زيجريد هونكه‪" :‬والواقع أن روجر بيكون‪ ،‬أو باكوفون‬
‫فارولم‪ ،‬أو ليوناردو دا فنشي‪ ،‬أو جإليليو‪ ،‬ليسوا هم الذين أسسوا‬
‫البحث العلمي؛ إنما السابقون في هذا المضمار كانوا من العرب‪،‬‬
‫والذي حققه ابن الهيثم لم يكن إل علم الطبيعة الحديث‪ ،‬بفضل‬
‫التأمل النظري والتجربة الدقيقة"‪.340‬‬
‫وعلى هذا المنهج سار ابن الهيثم في كل مؤلفاته وتصانيفه‪،‬‬
‫وقد كان غزير التأليف متدفق النتاج في شتي أنواع المعرفة‪ ،‬فطرق‬
‫الفلسفة والمنطق والطب والفلك والبصريات والرياضيات‪ ،‬مستحدًثا‬
‫أنما ً‬
‫طا جديدة من الفكر العلمي الصيل‪ ،‬وقد بلغ عدد مؤلفاته ما يربو‬
‫على مائتي مؤلف )‪ 237‬مخطوطة ورسالة في مختلف فروع العلم‬
‫والمعرفة(‪.‬‬
‫ف ابن الهيثم ما يقرب من أربعة‬
‫وفي البصريات وحدها أل ّ َ‬
‫عا‪ ،‬ما بين كتاب ورسالة ومقالة‪ ،‬غير أن أكثر هذه‬
‫وعشرين موضو ً‬
‫الكتب قد ُفقد فيما فقد من تراثنا العلمي‪ ،‬وما بقي منها فقد ضمته‬
‫مكتبات إستانبول ولندن وغيرهما‪ ،‬وقد سلم من الضياع كتابه العظيم‬
‫"المناظر" الذي احتوى على نظريات مبتكرة في علم الضوء‪ ،‬وظل‬
‫المرجع الرئيسي لهذا العلم حتى القرن السابع عشر الميلدي بعد‬
‫ترجمته إلى اللتينية‪.341‬‬
‫ول يعرف العالم من مؤلفات ابن الهيثم حإليا سوى خمسين‬
‫كتابا لم يبق منها في القاهرة سوى ثلثة فقط‪ ،‬حيث تسرب العديد‬
‫من كتبه الخرى إلى أوروبا أثناء الحملة الفرنسية على مصر وأثناء‬
‫الحروب الصليبية‪.‬‬
‫وإلى جانب البصريات فقد كانت له مساهماته في الهندسة‪،‬‬
‫فا‪ ،‬تضم آراءه وبراهينه المبتكرة‬
‫وله فيها ثمانية وخمسون مؤل ً‬
‫لمسائل تواترت عن إقليدس وأرشميدس بدون برهان‪ ،‬أو في حاجة‬
‫إلى شرح وإثبات‪ ،‬ويوجد في مكتبات العالم في القاهرة ولندن‬
‫وباريس وإستانبول أكثر من واحد وعشرين مخطو ً‬
‫طا لابن الهيثم في‬
‫هذا التخصص‪ ،‬وفي الحساب والجبر والمقابلة أّلف ما ل يقل عن‬
‫عشرة كتب‪ ،‬ل يوجد منها سوى مخطوطات قليلة في مكتبة عاطف‬
‫بتركيا منها‪ :‬حساب المعاملت‪ ،‬واستخراج مسألة عددية‪.‬‬
‫وفي الفلك أبدع ابن الهيثم وأسهم فيه بفاعلية حتى ُأطلق عليه‬
‫"بطليموس الثاني"‪ ،‬ولم يصلنا من تراث ابن الهيثم في الفلكيات إل‬
‫‪340‬‬
‫‪341‬‬

‫زيغريد هونكة‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب ص ‪.149،148‬‬
‫الدفاع‪ :‬روائع الحضارة العربية السلمية في العلوم ص ‪.123‬‬

‫نحو سبع عشرة مقالة من أربعة وعشرين تأليفا‪ ،‬تحدث فيها عن أبعاد‬
‫الجرام السماوية وأحجامها وكيفية رؤيتها وغير ذلك‪.342‬‬
‫كما أن له في الطب كتابان‪ :‬أحدهما في "تقويم الصناعة‬
‫منه خلصة ثلثين كتاًبا قرأها لجإلينوس‪ ،‬والخر "مقالة في‬
‫الطبية" ض ّ‬
‫الرد على أبي الفرج عبد الله بن الطيب" لبطال رأيه الذي يخالف‬
‫ضا رسالة في تشريح العين وكيفية‬
‫فيه رأي جإلينوس‪ ،‬وله أي ً‬
‫البصار‪.343‬‬
‫ابن الهيثم‪ ..‬وعلم الضوء الحديث‬
‫كان لكتشافات ابن الهيثم تأثير كبير على التراث الفكري‬
‫النساني‪ ،‬أما ما يهمنا في تخصصه العلمي فهو كتابه )المناظر(؛ إذ‬
‫كان ثورة في عالم البصريات‪ ،‬فابن الهيثم لم يتبن نظريات‬
‫بطليموس ليشرحها ويجري عليها بعض التعديل‪ ،‬بل إنه رفض عدًدا‬
‫من نظرياته في علم الضوء‪ ،‬بعدما توصل إلى نظريات جديدة غدت‬
‫نواة علم البصريات الحديث‪.‬‬
‫فقد كان بطليموس ‪ -‬كما ذكرنا ‪ -‬يزعم أن الرؤية تتم بواسطة‬
‫أشّعة تنبعث من العين إلى الجسم المرئي‪ ،‬وقد تبنى العلماء‬
‫اللحقون هذه النظرية‪ ،‬ولما جاء ابن الهيثم نسف هذه النظرية في‬
‫كتابه "المناظر"‪ ،‬وبين أن الرؤية تتم بواسطة الشعة التي تنبعث من‬
‫الجسم المرئي باتجاه عين المبصر‪ ،‬وبعد سلسلة من الختبارات‬
‫أجراها ابن الهيثم بّين أن الشعاع الضوئي ينتشر في خط مستقيم‬
‫ضمن وسط متجانس‪.‬‬
‫ما أن يكون )أي‬
‫وقد أثبت ذلك بقوله في كتاب المناظر‪" :‬إ ّ‬
‫ما فنحن إذا نظرنا إلى السماء‬
‫ما أو ل‪ ،‬فإن كان جس ً‬
‫الشعاع ( جس ً‬
‫ورأينا الكواكب فقد خرج من البصر جسم مل ما بين السماء والرض‬
‫ولم ينقص من البصر شيء‪ ،‬وهذا محال في غاية الستحالة وفي غاية‬
‫ما فهو ل يحس هو نفسه بالبصر‪،‬‬
‫الشناعة‪ ،‬وإن لم يكن جس ً‬
‫‪344‬‬
‫فالحساس ليس إل للجسام ذات الحياة‪. "..‬‬
‫ثم بعد مناقشة مثل هذه الراء وغيرها يدلي برأيه )في الفصل‬
‫السادس من المقالة الولى( فيقول‪" :‬فلنحّرر الن ما استقّر من‬
‫س بالضوء واللون اللذين في‬
‫جميع ما ذكرناه فنقول‪ :‬إن البصر ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫صر من الصورة التي تمتد من الضوء واللون اللذين في‬
‫سطح المب َ‬
‫صر‪،‬‬
‫ش ّ‬
‫صر في الجسم الم ِ‬
‫ف المتوسط بين البصر والمب َ‬
‫سطح المب َ‬
‫صرات إل من سموت الخطوط‬
‫وليس البصر شيًئا من صور المب َ‬
‫‪342‬‬
‫‪343‬‬
‫‪344‬‬

‫رحاب العكاوي‪ :‬الحسن بن الهيثم ص ‪.72‬‬
‫الدفاع‪ :‬رواد علم الطب في الحضارة العربية السلمية في العلوم ص ‪.318‬‬
‫انظر‪ :‬ابن الهيثم‪ :‬المناظر ص ‪.133‬‬

‫صر ومركز البصر فقط‪ ،‬وإذا‬
‫المستقيمة التي تتوهم ممتدة بين المب َ‬
‫قد تحّرر ذلك وتبين مع هذه الحال أن هذا المعنى ممكن وغير ممتنع‬
‫فإنا نحرر الن الدعوى‪.345"..‬‬
‫كذلك برهن ابن الهيثم رياضًيا وهندسًيا علي كيفية النظر‬
‫ن واحد دون أن يحدث ازدواج في‬
‫بالعينين مًعا إلى الشياء في آ ٍ‬
‫الرؤية برؤية الشيء شيئين‪ ،‬وعّلل ابن الهيثم ذلك بأن صورتي‬
‫الشيء المرئي تتطابقان علي شبكية العينين‪ ،‬وقد وضع ابن الهيثم‬
‫بهذه البرهنة وذلك التعليل الساس الول لما يعرف الن باسم‬
‫الستريسكوب‪.‬‬
‫وكان ابن الهيثم أول من درس العين دراسة علمية‪ ،‬وعرف‬
‫أجزاءها وتشريحها ورسمها‪ ،‬وأول من أطلق علي أجزاء العين أسماء‬
‫أخذها الغرب بنطقها أو ترجمها إلى لغاته )انظر شكل رقم ‪ ،(3‬ومن‬
‫هذه السماء ‪ :‬القرنية ) ‪ ، ( Cornea‬والشبكية ) ‪ ،( Retina‬والسائل‬
‫الزجاجي)‪ ، Vitrous Humour‬والسائل المائي )‪.(Aqueous Humour‬‬
‫ومن أهم إنجازاته كذلك في هذا المجال ‪ -‬كما يتضح من‬
‫كتابه"المناظر" ‪ -‬ما يلي‪:‬‬
‫ أنه أول من أجرى تجارب بواسطة آلة الثقب أو‬‫البيت المظلم أو الخزانة المظلمة واكتشف منها أن‬
‫صورة الشيء تظهر مقلوبة داخل هذه الخزانة‪ ،‬فمهد‬
‫بهذا الطريق إلى ابتكار آلة التصوير‪ ،‬وبهذه الفكرة‬
‫وتلك التجارب سيق ابن الهيثم العالمين اليطإليين‬
‫"ليوناردو دوفنشى" و"دل بورتا" بخمسة قرون‪.346‬‬
‫ وضع ابن الهيثم ولول مرة قوانين النعكاس‬‫والنعطاف في علم الضوء‪ ،‬وعّلل لنكسار الضوء في‬
‫مساره‪ ،‬وهو النكسار الذي يحدث عن طريق وسائط‬
‫كالماء والزجاج والهواء‪ ،‬فسبق ابن الهيثم بما قاله‬
‫العالم النجليزي نيوتن‪.347‬‬
‫ قام بتعريف الضوء بصورة قريبة مما نعرفه اليوم‪،‬‬‫وذلك بأنه جسم مادي لطيف يتألف من أشعة لها‬
‫أطوال وعروض‪ ،‬وناقش خصائصه‪ ،‬وقام بتعريف‬
‫النعكاس‪ ،‬وحدد بصورة قاطعة أن زاوية السقوط‬
‫تساوي زاوية انعكاس الضوء في المرايا‪.348‬‬
‫‪345‬‬
‫‪346‬‬
‫‪347‬‬
‫‪348‬‬

‫انظر‪ :‬ابن الهيثم‪ :‬المناظر ص ‪.119‬‬
‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها في الترقي العالمي ص ‪.304‬‬
‫جلل مظهر‪ :‬حضارة السلم وأثرها في الترقي العالمي ص ‪.303‬‬
‫عمر فاروق الطباع‪ ،‬عبد المنعم الهاشمي‪ :‬ابن الهيثم مؤسس علم الضوء الحديث ص ‪.91‬‬

‫ كان أول من قال بأن للضوء سرعة محددة يمكن‬‫قياسها‪.349‬‬
‫ حد ّد َ اتجاه انكسار الضوء عند انتقاله من وسط إلى‬‫وسط أقل أو أكثر كثافة من الول‪ ،‬فيكون النكسار‬
‫دا أو مقترًبا من العمود‬
‫)النعطاف في لفظه( مبتع ً‬
‫‪350‬‬
‫المقام على المستوى الفاصل بين الوسطين ‪.‬‬
‫ وكان أحد أبرز إنجازاته في هذا الكتاب تجربة‬‫الصندوق السود‪ ،‬وتعتبر الخطوة الولى في اختراع‬
‫الكاميرا‪ ،‬وكما تقول الموسوعة العلمية "سارتون"‪:‬‬
‫فابن الهيثم يعتبر أول مخترع للكاميرات‪ ،‬وهي ما‬
‫‪351‬‬
‫‪.‬‬
‫يا‪(Camera obscura):‬‬
‫مى عمل ً‬
‫ُيس ّ‬
‫ عرض لصور النعكاس من على السطوح المختلفة‪،‬‬‫عرف باسم مسألة ابن الهيثم‪ ،‬وفيها تعامل ابن‬
‫وهو ما ُ‬
‫الهيثم مع معادلة من الدرجة الرابعة‪ ،‬وذلك لتحديد‬
‫مكان نقطة النعكاس لكافة أشكال السطح‪.352‬‬
‫ومن ي ّ‬
‫طلع على كتاب المناظر والموضوعات التي تتعلق بالضوء‬
‫وما إليه‪ ،‬يخرج بأن ابن الهيثم قد طبع علم الضوء بطابع جديد لم‬
‫يسبق إليه‪ ،‬وقد ألف هذا الكتاب عام ‪411‬هق‪1021 /‬م‪ ،‬وفيه استثمر‬
‫عبقريته الرياضية‪ ،‬وخبرته الطبية‪ ،‬وتجاربه العلمية‪ ،‬فتوصل فيه إلى‬
‫نتائج وضعته على قمة عالية في المجال العلمي‪ ،‬وصار بها أحد‬
‫المؤسسين لعلوم غّيرت من نظرة العلماء لمور كثيرة في هذا‬
‫المجال‪.353‬‬
‫ن ما أتى به ابن الهيثم قبل أكثر من ألف عام‪،‬‬
‫وخلصة القول أ ّ‬
‫ما؛ فهو بحق‬
‫شيء كثير يستحق أن ينحني العلماء أمامه إجلل ً واحترا ً‬
‫أكبر فيزيائي مسلم‪ ،‬وكتابه في البصريات تضمن أول وصف صحيح‬
‫للعين بأخلطها المائية وجسمها البللوري وقرنيتها وشبكيتها وغرفتها‬
‫المظلمة‪.‬‬
‫كما يتضح لنا أن ابن الهيثم جعل علم الضوء يتخذ صبغة جديدة‪،‬‬
‫وينشأ نشأة أخرى غير نشأته الولى‪ ،‬حتى أصبح أثره في علم الضوء‬
‫يشبه تأثير نيوتن العام في علم الميكانيكا‪ ،‬فكانت المعلومات في‬
‫علم الضوء قبل ابن الهيثم متفرقة ل يربطها رابط‪ ،‬فأعاد البحث فيها‬
‫‪349‬‬
‫‪350‬‬
‫‪351‬‬
‫‪352‬‬
‫‪353‬‬

‫رحاب عكاوي‪ :‬الحسن بن الهيثم الحكيم بطليموس الثاني ص ‪.117‬‬
‫رحاب عكاوي‪ :‬الحسن بن الهيثم الحكيم بطليموس الثاني ص ‪.100‬‬
‫انظر‪ :‬جورج سارتون‪ :‬مقدمة لتاريخ العلم ‪.1/721‬‬
‫رحاب عكاوي‪ :‬الحسن بن الهيثم الحكيم بطليموس الثاني ص ‪.118‬‬
‫رحاب العكاوي‪ :‬الحسن بن الهيثم ص ‪ 84‬وما بعدها‪.‬‬

‫من جديد‪ ،‬واتجه في بحثه وجهة لم يسبقه إليها أحد من قبله‪ ،‬فأصلح‬
‫الخطاء وأتم النقص‪ ،‬وابتكر المستحدث من البحوث‪ ،‬وأضاف الجديد‬
‫من الكشوف‪ ،‬واستطاع أن يؤلف من ذلك كله وحدة مترابطة‬
‫الجزاء‪ ،‬وأقام الساس الذي انبنى عليه صرح علم الضوء‪.‬‬
‫يقول الدكتور محمد يونس الحملوي‪" :‬لقد حفر ابن الهيثم‬
‫ف من نور حين درس واستوعب‬
‫مكانه في سجل تقدم البشرية بحرو ٍ‬
‫ونقد وفّند المسلمات التي عاشت عند رواد علم المناظر من أمثال‬
‫إقليدس وبطليموس وغيرهما‪ ..‬لقد أضاف الكثير لعلم الضوء حين‬
‫قال بوجود سرعة للضوء‪ ،‬وحدد أن هذه السرعة متناهية‪ ،‬ولكنها‬
‫دا لدرجة تبدو في بعض الحيان ل متناهية‪ ،‬وبرهن على ذلك‬
‫كبيرة ج ً‬
‫دا على الجهزة التي ابتكرها‪ .‬لقد اخترع ابن الهيثم وصنع بيديه‬
‫معتم ً‬
‫العديد من الجهزة الفلكية والطبيعية في مجال تجاربه‪ ،‬وبهذا يكون‬
‫ابن الهيثم قد سبق ك ُل ً من ديكارت ونيوتن‪ ،‬كما سبق ابن الهيثم‬
‫أينشتاين حينما بّين أن سرعة الضوء محدودة‪ ،‬ورغم هذا يتعلم طلبنا‬
‫تلكم الحقائق عن أي طريق وعن كل طريق إل عن أصله العربي‬
‫الصيل‪ ،‬وعن كل العلماء إل عن علماء أمتهم!!"‪.‬‬
‫ثم‪ ..‬وبعد رحلة علمية حافلة بالنجازات التي أفادت البشرية‪،‬‬
‫وساعدت على قيام النهضة الوربية الحديثة‪ ..‬وبعد تأثير دام أثره إلى‬
‫اليوم‪ ..‬وفي القاهرة‪ ،‬وفي سنة ‪ 430‬هق‪1039/‬م‪ ..‬رحل ابن الهيثم ‪-‬‬
‫~ ‪ -‬عن دنيا الناس والطبيعة‪ ،‬وترك أعماله القيمة تنبئ عنه‪ ،‬وتستمد‬
‫منها الحضارة النسانية النور والمعرفة‪.354‬‬
‫والحقيقة أن ابن الهيثم لم يكن وحده في هذه الحلبة‪ ،‬فقد أتى‬
‫من بعده علماء مسلمون أفذاذ اقتفوا أثره وساروا على دربه‪ ،‬بل‬
‫وقدموه للعالم بعد أن لم يكن قد لمع نجمه!!‬
‫علم الضوء بعد ابن الهيثم‬
‫كان البيروني )‪441 - 362‬هق( ثالث ثلثة ‪ -‬بعد ابن سينا وابن‬
‫الهيثم ‪ -‬ازدهرت بهم الحضارة العربية السلمية في الفترة من‬
‫منتصف القرن الرابع الهجري إلى منتصف القرن الخامس الهجري‪،‬‬
‫ويذهب بعض مؤرخي العلوم مثل اللماني إدوارد سخاو )ت ‪1348‬هق‪،‬‬
‫ن البيروني أعظم عقلية عرفها التاريخ‪.355‬‬
‫‪1930‬م( إلى أ ّ‬
‫ومثل ابن الهيثم وغيرهم الكثير من العلماء المسلمين الذين‬
‫اتصفوا بأنهم موسوعيون‪ ،‬فإن البيروني يكاد يكون قد أّلف في كل‬
‫فروع المعرفة التي عهدها عصره؛ فقد كتب في الرياضيات والفلك‬
‫والتنجيم والحكمة والديان والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والحياء‬
‫‪354‬‬
‫‪355‬‬

‫الدفاع‪ :‬روائع الحضارة العربية السلمية ص ‪.122‬‬
‫المجلد التذكاري للبيروني ص ‪ ،282‬طبع بكلكتا الهند ‪.1951‬‬

‫والصيدلة‪ ،356‬وفي مجال الطبيعيات اهتم بالخواص الفيزيائية لكثير‬
‫من المواد‪ ،‬وتناول في كتاباته ظاهرة تأثير الحرارة في المعادن‪،‬‬
‫وضغط السوائل وتوازنها‪ ،‬وتفسير بعض الظواهر المتعلقة بسريان‬
‫ضا علم‬
‫الموائع‪ ،‬وظاهرة المد والجزر وغيرها‪ ،‬وتناولت أبحاثه أي ً‬
‫ميكانيكا الموانع والهيدروستاتيكا‪ ،‬ولجأ في بحوثه إلى التجربة وجعلها‬
‫محوًرا لستنتاجاته‪.‬‬
‫وفيما يختص بسريان الضوء فقد فطن البيروني إلى أن‬
‫سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت‪ ،357‬واتفق مع ابن الهيثم وابن‬
‫سينا في قولهما بأن الرؤية تحدث بخروج الشعاع الضوئي من الجسم‬
‫المرئي إلى العين وليس العكس‪ ،358‬كما يقّرر أن القمر جسم معتم ل‬
‫يضيء بذاته وإنما يضيء بانعكاس أشعة الشمس عليه‪ ،‬وكان‬
‫البيروني يشرح كل ذلك بوضوح تام‪ ،‬ودقة متناهية في تعبيرات سهلة‬
‫ل تعقيد فيها ول التواء‪.‬‬
‫أما الرجل الثاني في موضوعنا هذا فهو كمال الدين أبو‬
‫الحسن الفارسي‪ ،‬وهو رياضي وعالم فيزياء‪ ،‬ولد بمدينة شيراز‬
‫في بيت اشتهر بالعلم‪ ،‬وتلقى مبادئ علم الطب عن أبيه‪ ،‬وتتلمذ على‬
‫يد العالم قطب الدين الشيرازي أشهر علماء المسلمين في القرن‬
‫السابع الهجري )الثالث عشر الميلدي(‪ ،‬وصار كمال الدين الفارسي‬
‫يسترشد بقطب الدين الشيرازي في دراسته‪ ،‬ويعرض عليه ما يواجهه‬
‫من مشاكل علمية‪ ،‬واتصل بالعالم نصير الدين الطوسي الفلكي‬
‫الرياضي المشهور‪.‬‬
‫عني كمال الدين الفارسي بالرياضة‪ ،‬وبدراسة علم الضوء‪،‬‬
‫وقد ُ‬
‫وكان ُيسمى في ذلك العصر بق "علم المناظر"‪ ،‬وانصرفت عنايته‬
‫صرات بالنعطاف‪،‬‬
‫بصفة خاصة إلى ما يتعلق بكيفية إدراك صور المب َ‬
‫ولم يجد في كتاب إقليدس في المناظر‪ ،‬ول في كتب الفلسفة بغيته‬
‫في موضوع النعطاف‪ ،‬فذهب إلى أستاذه نصير الدين الطوسي‬
‫يسأله عن رأيه في هذا الموضوع‪.359‬‬
‫أرشد نصير الدين الطوسي تلميذه كمال الدين الفارسي إلى‬
‫كتاب "المناظر" للعالم ابن الهيثم وهو في مجلدين كان قد رآه‬
‫بخزائن الكتب بفارس‪ ،‬وأعطاه نسخة من هذا الكتاب بخط ابن الهيثم‬
‫دا‪ ،‬وكان كمال الدين الفارسي قد وجد‬
‫نفسه‪ ،‬فاهتم به ودرسه جي ً‬
‫قبل حصوله على هذا الكتاب أقوال ً في النعطاف تدل على جهل‬
‫بهذه الظاهرة‪ ،‬وكانت هذه القوال ما زالت تتردد في بعض كتب‬
‫‪ 356‬محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص ‪.115،114‬‬
‫‪ 357‬حسن نافعة‪ ،‬كليفورد بوزورث‪ :‬تراث السلم ‪.2/193‬‬
‫‪ 358‬قدري طوفان‪ :‬العلماء العرب وما أعطوه للحضارة ص ‪.163‬‬
‫‪ 359‬محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ‪.141،140‬‬

‫الحكمة‪ ،‬وكان قد مضى على بحوث ابن الهيثم وبحوثه في الضوء‬
‫والنعطاف ما يقرب من ثلثمائة عام‪ ،‬ولم تكن بحوث ابن الهيثم قد‬
‫م تداولها في الوساط العلمية بالعالم السلمي في القرون الثلثة‬
‫عَ ّ‬
‫التالية له بسبب ظروف الفتن الداخلية ومحنة التتار والحروب‬
‫الصليبية‪.‬‬
‫وكان من أهم إنجازات كمال الدين الفارسي دراسته لكيفية‬
‫انعكاس الضوء والبصار في كرة مشفة واحدة‪ ،‬وفي كرتين مشفتين‪،‬‬
‫وقد أوضح كمال الدين الفارسي بعض مظاهر الخداع البصري‪ ،‬حين‬
‫صبغ وجه حجر الطاحون بعدة ألوان وأداره بسرعة فوجد أنه ل يظهر‬
‫إل لون واحد لمتزاج اللوان‪ ،‬وبذلك يكون قد سبق أسطوانة نيوتن )‬
‫‪1727- 1642‬م( بعدة قرون‪.‬‬
‫ور كمال الدين الفارسي نظرية قوس قزح‪ ،‬ووضع لها‬
‫وقد ط ّ‬
‫الشكل النهائي في التراث العربي العلمي ليعّلل فيها أمرين‪ ،‬الول‪:‬‬
‫الهيئة التي يظهر عليها قوس قزح في السماء كقوس أو كقوسين‬
‫متحدي المركز‪ ،‬والثاني‪ :‬اللوان وترتيبها في كل من القوسين‪ ،‬وقد‬
‫أضاف الفارسي بنظريته إضافة علمية جديدة لعلم الضوء لم يسبقه‬
‫إليها ابن الهيثم‪ ,‬وسبق بنظريته هذه بحوث ديكارت ونيوتن عن قوس‬
‫قزح‪ ،‬واستطاع كمال الدين التوصل إلى تفسير جديد لظاهرة قوسي‬
‫قزح مداها أن قوس قزح الول ناتج عن انكسارين للضوء وانعكاس‬
‫واحد‪ ،‬وأن القوس الثاني ناتج عن انكسارين وانعكاسين‪ ,‬وبرهن على‬
‫تحديد انكسار ضوء الشمس خلل قطرات المطر‪ ،‬وهو النكسار‬
‫الذي يحدث ظاهرة قوس قزح عن طريق تمرير شعاع من خلل كرة‬
‫زجاجية‪.‬‬
‫من تكلم عن نظرية الضوء‬
‫وكمال الدين الفارسي هو أول َ‬
‫الموجية‪ ،‬وله اهتمامات ببعض الظواهر الفلكية مثل‪ :‬الشفق‪،‬‬
‫والسمت‪ ،‬ودائرة البروج‪.‬‬
‫ومن أهم مصنفات كمال الدين الفارسي‪ :‬تنقيح المناظر لذوي‬
‫البصار والبصائر‪ ،‬و الهالة وقوس قزح‪ ،‬ومقال‪ :‬رسالة في أمر‬
‫الشفق‪ ،‬وله في الرياضيات كتب‪ :‬أساس القواعد في أصول الفوائد‪،‬‬
‫وهو شرح لكتاب ابن الخوام البغدادي المسمى‪ :‬الفوائد البهية في‬
‫القواعد الحسابية‪ ،‬وله كتاب‪ :‬تذكرة الحباب في بيان المتحاب وهو‬
‫في العداد المتحابة‪.‬‬
‫"المناظر"‪ ..‬وعلماء الغرب‬
‫عني ببحوث ابن‬
‫ذكرنا ساب ً‬
‫قا أن كمال الدين الفارسي هو الذي ُ‬
‫الهيثم في البصريات ودرسها دراسة وافية‪ ،‬وكان قد ألف في ذلك‬

‫كتابه المعروف "تنقيح المناظر لذوي البصار والبصائر"‪ ،‬وعن طريق‬
‫هذا الكتاب عرفت أوروبا الكثير عن ابن الهيثم وأعماله وجهوده في‬
‫علم الضوء بعد أن لم تكن قد ذاعت بعد؛ حيث نشر هذا الكتاب‬
‫ما في مدينة بال بسويسرا سنة )‪980‬هق‪ ،(1572 /‬وإن كان قد‬
‫مترج ً‬
‫سبق نشره قبل اختراع الطباعة من قبل "جيرار دي كريمونا" أشهر‬
‫المترجمين في إسبانيا‪ ،‬الذي اهتم بإنشاء أضخم مجموعة فلكية سنة‬
‫)‪676‬هق‪1277 /‬م( عن العلماء العرب‪ ،‬وهذه الكتب استفادت منها‬
‫إسبانيا والبرتغال في رحلتهما البحرية في المحيط الطلنطي بفضل‬
‫الزياج الفلكية )الجداول الفلكية( والمعلومات الرياضية التي خلفها‬
‫العلماء العرب‪.‬‬
‫وعن طريق هذه الترجمات لعمال ابن الهيثم تأّثر روجر بيكون‬
‫وجون بيكام وفيتلو في بحوثهم‪ ،‬فكتاب جون بيكام الموسوم‬
‫صا من كتاب ابن الهيثم في البصريات‪،‬‬
‫بالمنظور ليس إل اقتبا ً‬
‫سا ناق ً‬
‫وأما كتاب فيتلو الذي ألفه سنة )‪669‬هق‪1270 /‬م( فمأخوذ في قسم‬
‫كبير منه عن ابن الهيثم‪ ،‬ول يتجاوز النتائج التي وصل إليها‪.‬‬
‫وكان كتاب "المناظر" معيًنا للعديد من العلماء الحقيقيين‬
‫وغيرهم‪ ،‬فقبل أكثر من خمسة قرون ترجم اليطإلى جيرادي كيرمونا‬
‫هذا الكتاب إلى اللغة اللتينية‪ ،‬وما زالت مكتبة الفاتيكان تحتفظ‬
‫بنسخة من تلك الترجمة حتى الن‪ ،‬وتلقف علماء الغرب كتاب‬
‫"المناظر" ليستفيدوا منه في علوم الضوء والرياضيات‪ ،‬ولينسب‬
‫البعض إلى أنفسهم بعض الراء التي جاءت فيه‪.‬‬
‫ومن بين من نسب لنفسه بعض ما جاء في الكتاب في القرن‬
‫السابع عشر الميلدي اللماني "كبلر"‪ ،‬كما أن عالم البصريات فيتيلو‬
‫البولوني في كتابه "الذخيرة" نسب لنفسه الكثير مما قاله ابن‬
‫الهيثم؛ مما حدا بالعالم دي لبورتا أن يقول‪" :‬لقد أخطأ فيتيلو فيما‬
‫نقله عن الهازن )ابن الهيثم كما يطلق عليه الوروبيون( وكان كالقرد‬
‫المقلد‪ ،‬ولبث هذا الكتاب المنقول عن العربية مرجعا لهل أوروبا في‬
‫علم الضوء خلل القرون الوسطى"‪.360‬‬
‫لقد سبق ابن الهيثم كل ً من فيتلو وكبلر في وضع أساس علم‬
‫البصريات ورغم ذلك مازلنا نشير إلى كليهما على أنهما واضعا أساس‬
‫علم البصريات في كتبنا!!‬
‫ومهما يكن من أمر‪ ،‬فقد حاز ابن الهيثم إعجاب كثير من‬
‫المنصفين الغربيين‪ ،‬حتى وصفه جورج سارتون ‪ -‬وهو من كبار‬
‫‪ 360‬مصطفى نظيف‪ :‬الحسن بن الهيثم بحوثه وكشوفه البصرية ‪ 1/3‬نقل ً عن تعليق هيئة تحرير‬
‫‪.JOURNAK OF AMERICAN ORIENTAL SOCIETY VOL IV P. 1859‬‬

‫مؤرخي العلم ‪ -‬بقوله‪" :‬هو أعظم عالم فيزيائي مسلم‪ ،‬وأحد كبار‬
‫العلماء الذين بحثوا في البصريات في جميع العصور"‪.361‬‬
‫ووصفه أرنولد في كتاب " تراث السلم" يقول عنه‪" :‬إن علم‬
‫البصريات وصل إلى الوج بظهور ابن الهيثم"‪.362‬‬
‫وقد سحرت بحوث ابن الهيثم في الضوء "ماكس مايرهوف"‬
‫وأثارت إعجابه إلى درجة جعلته يقول‪" :‬إن عظمة البتكار السلمي‬
‫تتجلى لنا في البصريات"‪.363‬‬
‫أما دائرة المعارف البريطانية فقد وصفته بأنه رائد علم‬
‫البصريات بعد بطليموس‪.‬‬
‫وتقول زيغريد هونكه اللمانية‪" :‬كان الحسن بن الهيثم أحد أكثر‬
‫معلمي العرب في بلد الغرب أثًرا وتأثيًرا‪."..‬‬
‫ضا‪" :‬لقد كان تأثير هذا العربي )ابن الهيثم( النابغة‬
‫وتقول أي ً‬
‫على بلد الغرب عظيم الشأن فسيطرت نظرياته في علمي الفيزياء‬
‫والبصريات على العلوم الوروبية حتى أيامنا هذه‪ ،‬فعلى أساس كتاب‬
‫المناظر لابن الهيثم نشأ كل ما يتعلق بالبصريات ابتداء من النكليزي‬
‫)روجر بيكون( حتى اللماني )فيتلوا(‪ ،‬وأما ليوناردو دافنشي اليطإلى‬
‫مخترع آلة )التصوير الثقب( أو اللة المعتمة ومخترع المضخة‬
‫والمخرط وأول طائرة ‪ -‬ادعاء ‪ -‬فقد كان متأثًرا تأثيًرا مباشًرا بالعرب‬
‫وأوحت إليه آثار ابن الهيثم أفكاًرا كثيرة‪ ،‬وعندما قام )كبلر( في‬
‫ألمانيا خلل القرن السادس عشر ببحث القوانين التي تمكن )جليليو(‬
‫بالستناد إليها من رؤية نجوم مجهولة من خلل منظار كبير كان ظل‬
‫ابن الهيثم الكبير يجثم خلفه‪ ،‬وما تزال حتى أيامنا هذه المسألة‬
‫الفيزيائية الرياضية الصعبة التي حلها ابن الهيثم بواسطة معادلة من‬
‫الدرجة الرابعة مبرهًنا بهذا عن تضلعه البالغ في علم الجبر‪ ،‬نقول‪ :‬ما‬
‫تزال المسألة القائمة على حسب موقع نقطة التقاء الصورة التي‬
‫تعكسها المرآة المحرقة بالدوائر على مسافة منها ما تزال تسمى‬
‫"بالمسألة الهيثمية" نسبة إلى ابن الهيثم نفسه"‪.364‬‬
‫ويقول د‪ .‬تشالرز جروسي )متخصص في فسيولوجيا العصاب‬
‫والجوانب العصبية والنفسية للبصار( بعد دراسة قيمة في كتاب‬
‫المناظر‪" :‬والخلصة الساسية التي يمكننا الخروج بها هي أن هذا‬
‫الرجل المرموق يستحق منا دراسة أعمق‪ ،‬فمع أن العمل الفريد‬
‫الذي قام به ابن الهيثم في دمج الفيزياء والرياضيات ووظائف‬
‫‪361‬‬
‫‪362‬‬
‫‪363‬‬
‫‪364‬‬

‫انظر‪ :‬جورج سارتون‪ :‬مقدمة لتاريخ العلم ‪.1/721‬‬
‫أرنولد‪ :‬تراث السلم‪.‬‬
‫قدري حافظ طوفان‪ :‬علماء العرب وما أعطوه للحضارة ص ‪.167‬‬
‫زيغريد هونكة‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب ص ‪.150‬‬

‫العضاء في نظرية جديدة عن البصار قد احتل مكانة تاريخية‪ ،‬إل أن‬
‫ما‬
‫نظرياته عن سيكولوجية الدراك وآثارها ستظل مجال ً خصًبا ومه ً‬
‫للبحث والدراسة"‪.365‬‬
‫وأخيرا كانت هذه الحقيقة‪ ..‬يقول العالم الرياضى الفرنسى‬
‫"شارل أبرنون ")‪1880‬م(‪" :‬إن بحوث ابن الهيثم في ميدان المناظر‬
‫ت ُعَد ّ أصل معارفنا في علم الضوء"‪.366‬‬

‫‪365‬‬

‫‪366‬‬

‫تشالرز جروسي‪ :‬أراء ابن الهيثم في العين والمخ واستيعابها‪ ،‬موقع ويكبيديا الرابط‪:‬‬
‫‪http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A‬‬
‫‪%D9%88%D9%86..‬‬
‫موقع مهارات النجاح الرابط‬
‫‪http://www.sst5.com/inde.php?lang=0&CODE=02&id=1455..‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬آراء المستشرقين في‬
‫الحضارة العلمية السلمية‬
‫‪ -1‬شهادة المؤرخ النجليزي ويلز‬
‫"كل دين ل يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض‬
‫الحائط‪ ،‬وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت‬
‫هو السلم‪ ..‬ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات‬
‫ومناهج علمية‪ ،‬وقوانين اجتماعية‪ ،‬فهو كتاب دين وعلم واجتماع‬
‫وخلق وتاريخ‪ ،‬وإذا ُ‬
‫دد معنى السلم فإني أحدده‬
‫ب مني أن أح ّ‬
‫طل َ‬
‫بهذه العبارة )السلم هو المدنية("‪.367‬‬

‫‪ -2‬شهادة العلمة بريفولت‬
‫"ما من ناحية من نواحي الزدهار الوربي إل يمكن إرجاع أصلها‬
‫ن ما يدين به علمنا‬
‫إلى مؤّثرات الثقافة السلمية بصورة قاطعة‪ ،‬وإ ّ‬
‫دموه لنا من كشوف مدهشة ونظريات‬
‫لعلم العرب ليس فيما ق ّ‬
‫مبتكرة‪ ،‬بل إنه مدين بوجوده ذاته… ولم يكن بيكون إل رسول ً من‬
‫لق ّ‬
‫رسل العلم والمنهج السلمي إلى أوربا المسيحية‪ ،‬وهو لم َيم ّ‬
‫ط‬
‫من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد‬
‫لمعرفة الحق‪ ..368‬ولقد انبعثت الحضارة السلمية انبعاًثا طبيعًيا من‬
‫القرآن‪ ،‬وتميزت عن الحضارات البشرية المختلفة بطابع العدل‬
‫وة‬
‫والخلق والتوحيد‪ ،‬كما اتسمت بالسماحة والنسانية والخ ّ‬
‫العالمية"‪.369‬‬

‫‪ -3‬شهادة المفكر ليوبولد فايس‬
‫ن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه‪،‬‬
‫"لسنا نبالغ إذ قلنا‪ :‬إ ّ‬
‫لم ُيد ّ‬
‫شن في مدن أوربا‪ ،‬ولكن في المراكز السلمية في دمشق‬
‫‪370‬‬
‫وبغداد والقاهرة وقرطبة" ‪.‬‬
‫"نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن‬
‫ب المسلمين أنهم كانوا مثال ً للكمال البشري‪ ،‬بينما‬
‫س ُ‬
‫والصناعة‪ ،‬و َ‬
‫ح ْ‬
‫‪371‬‬
‫كّنا مثال ً للهمجية" ‪.‬‬

‫‪ -4‬شهادة الكاتب الفرنسي أناتول فرانس‬
‫‪367‬‬
‫‪368‬‬
‫‪369‬‬
‫‪370‬‬
‫‪371‬‬

‫عبد المنعم النمر‪ :‬السلم والمبادئ المستوردة ص ‪.84‬‬
‫أنور الجندي‪ :‬مقدمات العلوم والمناهج ‪ 4/710‬نقل ً عن رويلت بريفولت‪ :‬بناء النسانية‪.‬‬
‫أنور الجندي‪ :‬أخطر ما تواصى به المسلمون عبر الجيال ص ‪.16‬‬
‫محمد أسد‪ :‬السلم على مفترق الطرق ص ‪.40‬‬
‫عبد المنعم النمر‪ :‬السلم والمبادئ المستوردة ص ‪.84‬‬

‫"أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة )بواتييه( عندما تراجع‬
‫العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة‪ ،‬أل ليت شارل‬
‫ده ولم ينتصر على القائد السلمي عبد الرحمن‬
‫مارتل قُط َِعت ي ُ‬
‫الغافقي"‪.‬‬
‫"حين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى‬
‫التقدم الثقافي الذي أحرزوه خلل مئتي سنة‪ ،‬وعمق ذلك التقدم‪،‬‬
‫ضا أن‬
‫أمًرا يدعو إلى الذهول ح ً‬
‫قا‪ ،‬ذلك بأن علينا أن نتذكر أي ً‬
‫شئ ما‬
‫ف وخمسمائة سنة لكي ُتن ِ‬
‫النصرانية احتاجت إلى نحوٍ من أل ٍ‬
‫لك ّ‬
‫عى حضارة مسيحية‪ ،‬وفي السلم لم ُيو ّ‬
‫ل من العلم‬
‫يمكن أن ُيد َ‬
‫والدين ظهره للخر‪ ،‬بل كان الدين باعًثا على العلم‪ ،‬وإن الحضارة‬
‫الغربية مدينة للحضارة السلمية بشيء كثير إلى درجة نعجز معها‬
‫عن فهم الولى إذا لم تتم معرفة الثانية"‪.372‬‬

‫‪ -5‬شهادة المسيو سيديو‬
‫جر العقل‪،‬‬
‫"لم يشهد المجتمع السلمي ما شهدته أوربا من تح ّ‬
‫وش ّ‬
‫ل التفكير‪ ،‬وجدب الّروح‪ ،‬ومحاربة العلم والعلماء‪ ،‬ويذكر التاريخ‬
‫ُ‬
‫رقوا أحياًء! ول جدال في أن تاريخ‬
‫أن اثنين وثلثين ألف عالم قد أح ِ‬
‫السلم لم يعرف هذا الضطهاد الشنيع لحرية الفكر‪ ،‬بل كان‬
‫المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة‪ ،‬ولم يحدث أن‬
‫ن بالسلطة‪ ،‬ومنح مخالفيه في العقيدة كل أسباب الحرية‬
‫انفرد دي ٌ‬
‫‪373‬‬
‫كما فعل السلم" ‪.‬‬
‫ة العظيمة في الندلس!‬
‫ست بالقدام تلك المدني ُ‬
‫"لقد ِدي َ‬
‫ولماذا؟ لنها نشأت من أصول رفيعة‪ ،‬ومن طباع شريفة‪ ،‬نعم من‬
‫ما للحياة"‪.374‬‬
‫رجال السلم‪ .‬إن المدنية السلمية لم تتنكر يو ً‬

‫‪372‬‬
‫‪373‬‬
‫‪374‬‬

‫روم لندو‪ :‬السلم والعرب ص ‪.9،246‬‬
‫حسان شمسي باشا‪ :‬هكذا كانوا يوم كنا ص ‪.83‬‬
‫محمد الغزالي‪ :‬ظلم من الغرب ص ‪.140‬‬

‫‪ -6‬شهادة الع ّ‬
‫لمة جورج سارتون‬
‫"المسلمون عباقرة الشرق‪ ،‬لهم مأثرة عظمى على النسانية‪،‬‬
‫ة‬
‫تتمثل في أنهم توّلوا كتابة أعظم الدراسات قيمة‪ ،‬وأكثرها أصال ً‬
‫قا‪ ،‬مستخدمين اللغة العربية التي كانت بل مراٍء لغة العلم‬
‫وعم ً‬
‫‪375‬‬
‫للجنس البشري" ‪.‬‬

‫‪ -7‬شهادة الدكتورة لويجي رينالدي‬
‫"لما شعرنا بالحاجة إلى دفع الجهل الذي كان يثقل كاهلنا‪،‬‬
‫تقدمنا إلى العرب ومددنا إليهم أيدينا لنهم كانوا الساتذة الوحيدين‬
‫في العالم"‪.376‬‬

‫‪ -8‬شهادة البروفسور غريسيب‪ ،‬مدير‬
‫جامعة برلين‬
‫"أيها المسلمون ما دام كتابكم المقدس عنوان نهضتكم موجوًدا‬
‫بينكم‪ ،‬وتعاليم نبيكم محفوظة عندكم‪ ،‬فارجعوا إلى الماضي لتؤسسوا‬
‫المستقبل"‪.377‬‬

‫‪ -9‬شهادة المستشرق درايبر‬
‫"ينبغي أن أنعي على الطريقة التي تحايل بها الدب الوربي‬
‫ليخفي عن النظار مآثر المسلمين العلمية علينا! إن الجور المبّني‬
‫‪378‬‬
‫على الحقد الديني‪ ،‬والغرور الوطني ل يمكن أن يستمر إلى البد" ‪.‬‬

‫‪ -10‬شهادة المستشرق الفرنسي جاك‬
‫رسلر‬
‫في غضون خمسمائة سنة ما بين ‪ 700‬و ‪ 1200‬ساد السلم‬
‫على العالم بقوة حضارته وعلمه ‪ ..‬فكان المقاتل العربي في القرن‬
‫الحادي عشر مزوًدا بالقوس والقذافة قبل الغربيين بمائتي عام‬
‫وكانت القذافة تستعمل لغرضين فهي لم تكن تسمح فقط بإطلق‬
‫عدة أسهم فحسب‪ ،‬بل كانقت قادرة على قذفها لمسافة بعيدة ‪،‬‬

‫‪ 375‬حسان شمسي باشا‪ :‬هكذا كانوا يوم كنا ص ‪ ،8‬وانظر‪ :‬أحمد علي المل‪ :‬أثر العلماء‬
‫المسلمين في الحضارة الوروبية ص ‪.110،111‬‬
‫‪ 376‬أنور الجندي‪ :‬مقدمات العلوم والمناهج ‪.7/141‬‬
‫‪ 377‬حسان شمسي باشا‪ :‬هكذا كانوا يوم كنا ص ‪.9‬‬
‫‪ 378‬عماد الدين خليل‪ :‬تشكيل العقل المسلم ص ‪.94‬‬

‫ومنها ما كان يطلق من على منصات إطلق ثقيلة ‪ .‬ثم كان العرب‬
‫أول من صنع البارود بعد ذلك بنصف قرن"‪.379‬‬

‫‪ -11‬شهادة رينان‬
‫ولود إلى إبداع المدنية من‬
‫"ما يدرينا أن يعود العقل السلمي ال َ‬
‫جديد؟ إن فترات الزدهار والنحدار مّرت على جميع المم بما فيها‬
‫أوربا المتعجرفة"‪.380‬‬

‫‪ -12‬شهادة غوستاف لوبون‬
‫ن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت المم الوربية‬
‫"إ ّ‬
‫الوحشية في عالم النسانية‪ ،‬فلقد كان العرب أساتذتنا… وإن‬
‫جامعات الغرب لم تعرف لها مورًدا علمًيا سوى مؤلفات العرب‪ ،‬فهم‬
‫دنوا أوربا مادة ً وعقل ً وأخلًقا‪ ،‬والتاريخ ل يعرف أمة أنتجت ما‬
‫الذين م ّ‬
‫مدينة للعرب بحضارتها… وإن العرب هم أول من‬
‫أنتجوه… إن أوربا َ‬
‫عّلم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين… فهم الذين‬
‫عّلموا الشعوب النصرانية‪ ،‬وإن شئت فقل‪ :‬حاولوا أن يعلموها‬
‫التسامح الذي هو أثمن صفات النسان… ولقد كانت أخلق‬
‫المسلمين في أدوار السلم الولى أرقى كثيًرا من أخلق أمم الرض‬
‫ة…"‪.381‬‬
‫قاطب ً‬

‫‪ -13‬شهادة جلين ليونارد‬
‫يجب أن تكون حالة أوروبا مع السلم بعيدة من كل هذه‬
‫العتبارات الثقيلة‪ ،‬وأن تكون حالة شكرٍ أبديّ بدل ً من نكران الجميل‬
‫ن أوروبا لم تعترف إلى يومنا هذا‬
‫الممقوت والزدراء المهين‪ ،‬فإ ّ‬
‫بإخلص طوية وقلب سليم‪ ،‬بالد ّْين العظيم المدينة به للتربية‬
‫السلمية والمدنية العربية‪ ،‬فقد اعترفت به بفتور وعدم اكتراث‬
‫عندما كان أهلها غارقين في بحار الهمجية والجهل في العصور‬
‫المظلمة فقط‪ .‬ولقد وصلت المدنية السلمية عند العرب إلى أعلى‬
‫مستوى من عظمة العمران والعلم‪ ،‬فأحيت المجتمع الوروبي‬
‫وحفظته من النحطاط‪ ،‬ولم نعترف ‪ -‬ونحن نرى أنفسنا في أعلى‬
‫قمة من التهذيب والمدنية ‪ -‬بأنه لول التهذيب السلمي‪ ،‬ومدنية‬
‫حسن نظام‬
‫العرب وعلمهم وعظمتهم في مسائل المدنية‪ ،‬و ُ‬
‫‪382‬‬
‫مدارسهم‪ ،‬لكانت أوروبا إلى اليوم غارقة في ظلمات الجهل ‪.‬‬

‫‪379‬‬
‫‪380‬‬
‫‪381‬‬
‫‪382‬‬

‫جاك رسلر‪ :‬كتاب الحضارة العربية‪.‬‬
‫أنور الجندي‪ :‬مقدمات العلوم والمناهج ‪.8/173‬‬
‫انظر‪ :‬غوستاف لوبون‪ :‬حضارة العرب ص ‪.26،276،430،566‬‬
‫محمد كرد على‪ :‬السلم والحضارة العربية القاهرة ‪ 1968‬ص ‪.82‬‬

‫‪ -14‬شهادة كارادي فو‬
‫إن العرب ارتفعوا بالحياة العقلية والدراسة العلمية إلى المقام‬
‫السمى في الوقت الذي كان العالم المسيحي يناضل نضال‬
‫المستميت للنعتاق )للتحّرر( من أحابيل البربرية وأغللها‪ ،‬ووصلوا‬
‫إلى قمة نشاطهم )الذي استمر حتى القرن الخامس عشر( في‬
‫دا‪ ،‬كانت‬
‫القرنين التاسع والعاشر‪ .‬ومن القرن الثاني عشر فصاع ً‬
‫مراكش والشرق الوسط مح ّ‬
‫ط أنظار كل غربي يميل إلى العلم‬
‫ويتذوقه‪ ،‬وفي هذه الفترة شرع أبناء أوروبا يترجمون آثار العرب‪ ،‬كما‬
‫كان العرب قد ترجموا آثار الغريق‪.383‬‬

‫‪ -15‬شهادة زيغريد هونكه‬
‫"إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي‬
‫قفزها أبناء الصحراء‪ ،‬والتي بدأت من الل شيء لهي جديرة بالعتبار‬
‫في تاريخ الفكر النساني‪ .‬وإن انتصاراتهم العلمية المتلحقة التي‬
‫فريدة من نوعها‪ ،‬لدرجة‬
‫جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة ل َ َ‬
‫تجعلها أعظم من أن ُتقاَرن بغيرها‪ ،‬وتدعونا أن نقف متأملين‪ :‬كيف‬
‫حدث هذا؟ إنه السلم الذي جعل من القبائل المتف ّ‬
‫ما‪،‬‬
‫ككة شعًبا عظي ً‬
‫ب طريقهم‬
‫آخت بينه العقيدة‪ ،‬وبهذا الروح القوي الفتي شقّ العر ُ‬
‫بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه!! أو‬
‫ليس في هذا اليمان تفسير لذلك البعث الجديد؟! والواقع أن روجر‬
‫بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث‬
‫العلمي ‪ ..‬إنما السّباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين‬
‫لجؤوا في بحثهم إلى العقل والملحظة والتحقيق والبحث المستقيم‪،‬‬
‫دم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح‬
‫لقد ق ّ‬
‫التي مّهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه‬
‫ن كل مستشفى‪ ،‬وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما‬
‫عليها اليوم‪ .‬وإ ّ‬
‫هي في حقيقة المر ُنصب تذكاري للعبقرية العربية‪.‬‬
‫وقد بقي الطب الغربي قروًنا عديدة ً نسخة ممسوخة عن‬
‫الطب العربي‪ ،‬وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل‬
‫ف من رفوف‬
‫بحركة مسيحية عدائية‪ ،‬فإن كتب التراث العربي لم تخت ِ‬
‫المكتبات وجيوب الطباء‪ ،‬بل ظّلت محفوظة يسرق منها السارقون‬
‫ما أحّبوا أن يسرقوا"‪.384‬‬

‫‪ -16‬شهادة بلسنر‬
‫‪ 383‬كارداي فو‪ :‬الفلك والرياضيات بحث منشورة بكتاب تراث السلم بإشراف "أرنولد" ص‬
‫‪.564‬‬
‫‪ 384‬زيغريد هونكه‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب ص ‪.148،269،315،354‬‬

‫"ل يكاد يوجد شيء من جهود المسلمين في ميدان العلوم لم‬
‫يتأثر به الغرب بطريق أو بآخر"‬
‫"لم تكن علوم المسلمين بطبيعة الحال العامل الوحيد الذي‬
‫أدى إلى إحياء العلم في الغرب‪ ،‬فتقاليد العلوم القديمة لم تتلش‬
‫ما وسط الفوضى التي عمت خلل عصر غزوات البرابرة لوربا‪،‬‬
‫تما ً‬
‫ومع ذلك فمن الصحيح أن علماء المسلمين أعطوا العلم الوربي قوة‬
‫دفع جديدة‪ ،‬وأهم من ذلك أن هذا العلم الغربي قد اكتسب مادة أّدت‬
‫إلى إثرائه بدرجة ل نظير لها بفضل الترجمات العربية عن الغريق‪،‬‬
‫وكذلك بفضل النتاج العلمي المستقل للمسلمين أنفسهم‪.385"..‬‬

‫‪ -17‬شهادة يبدي تومبسون‬
‫"إن انتعاش العلم في العالم الغربي نشأ بسبب تأثر شعوب‬
‫غربي أوربا بالمعرفة العلمية العربية وبسبب الترجمة السريعة لمؤ ّ‬
‫ل‬
‫فات المسلمين في حقل العلوم ونقلها من العربية إلى اللتينية لغة‬
‫التعليم الدولية آنذاك ويقول في مكان آخر‪ :‬إن ولدة العلم في‬
‫الغرب ربما كان أمجد قسم وأعظم إنجاز في تاريخ المكتبات‬
‫السلمية"‪.386‬‬

‫‪ -18‬شهادة أوسلر‬
‫إن ابن سينا م ّ‬
‫كن علماء الغرب من الشروع في الثورة العلمية‪،‬‬
‫التي بدأت فعل ً في القرن الثالث عشر وبلغت مرحلتها الساسية في‬
‫القرن السابع عشر"‪.387‬‬

‫‪ -19‬شهادة جوان فرينيه‬
‫"وإذا نحن تحّرينا الدقة نجد أن أصول التطور العلمي‬
‫للرياضيات عند المسلمين تبدأ مع القرآن الكريم‪ ،‬وذلك فيما ورد في‬
‫قدة في تقسيم الميراث‪ ،‬وي ُعَد ّ الخوارزمي‬
‫القرآن من الحكام المع ّ‬
‫أول رياضي مسلم‪ ،‬ونحن مدينون له بمحاولة وضع تنظيم منهجي‬
‫باللغة العربية لكل المعارف العلمية والتقويم‪ ،‬كما ندين له باللفظ‬
‫السباني "غوارزمي" الذي يعني الترقيم )أي العداد ومنازلها‬
‫والصفر(‪ ،‬وكان الجبر هو الميدان الثاني الذي عمل فيه الخوارزمي‪،‬‬
‫عا لية‬
‫وهو فرع من الرياضيات لم يكن حتى ذلك الوقت موضو ً‬
‫دراسة منهجية جادة"‪.388‬‬
‫‪ 385‬بلسنر‪ :‬العلوم الطبيعية والطب دراسة منشورة بكتاب تراث السلم إشراف "شاخت"‬
‫و"بوزورث" ص ‪.81،79‬‬
‫‪.Yhompsonj\J\W\The Medioval Library N.Y. Hafner Piblishing Company 1967 P,263 386‬‬
‫‪ 387‬شوقي أبو خليل‪ :‬دور الحضارة العربية السلمية في النهضة الوربية ص ‪.123‬‬

‫‪ -20‬شهادة براند تراند جون‬
‫ة أثناء القرن‬
‫"إن قرطبة التي فاقت كل حواضر أوربا مدني ً‬
‫العاشر كانت في الحقيقة مح ّ‬
‫ط إعجاب العالم ودهشته‪ ،‬كمدينة‬
‫فينسيا في أعين دول البلقان‪ .‬وكان السياح القادمون من الشمال‬
‫يسمعون بما هو أشبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينة التي تحوي‬
‫سبعين مكتبة‪ ،‬وتسعمائة حمام عمومي؛ فإن أدركت الحاجة حكام‬
‫ح أو مهندس أو معماري أو خائط‬
‫ليون أو النافار أو برشلونة إلى جرا ٍ‬
‫‪389‬‬
‫ثياب أو موسيقي فل يتجهون بمطالبهم إل إلى قرطبة" ‪.‬‬

‫‪ -21‬شهادة دويبر‬
‫"ولما آلت الخلفة إلى المأمون سنة ‪813‬م صارت بغداد‬
‫العاصمة العلمية العظمى في الرض؛ فجمع الخليفة إليها كتًبا ل‬
‫تحصى‪ ،‬وقّرب إليه العلماء‪ ،‬وباَلغ في الحفاوة بهم‪ .‬وقد كانت‬
‫جامعات المسلمين مفتوحة للطلبة الوربيين الذين نزحوا إليها من‬
‫بلدهم لطلب العلم‪ ،‬وكان ملوك أوروبا وأمراؤها ي َْغدون على بلد‬
‫جوا فيها"‪.390‬‬
‫المسلمين لُيعال َ‬

‫‪ 388‬جوان فرينيه‪ :‬الرياضيات والفلك والبصريات دراسة منشورة بكتاب تراث السلم إشراف‬
‫"شاخت" و"بوزورث" القسم الثالث ص ‪.168‬‬
‫‪ 389‬جون براند تراند‪ :‬إسبانيا والبرتغال دراسة منشورة بكتاب تراث السلم بإشراف "أرنولد"‬
‫ص ‪.27‬‬
‫‪ 390‬دوبير‪ :‬المنازعة بين العلم‪.‬‬

‫‪ -22‬شهادة نيكلسون‬
‫"وما المكت َ َ‬
‫سب شيًئا مذكوًرا إزاء ما نحن‬
‫شفات اليوم ل َُتح َ‬
‫ضاًء في القرون‬
‫مدينون به للّرّواد العرب الذين كانوا مشعل ً و ّ‬
‫الوسطى ول سيما في أوربا"‪.391‬‬

‫‪ -23‬شهادة وايدمان‬
‫دا‪،‬‬
‫"إن العرب أخذوا بعض النظريات عن اليونان وفهموها جي ً‬
‫وطّبقوها على حالت كثيرة ومختلفة‪ ،‬ثم أنشأوا من ذلك نظريات‬
‫ت ل تق ّ‬
‫ل‬
‫جديدة وبحوث مبتكرة‪ ،‬فهم بذلك قد أسدوا إلى العلم خدما ٍ‬
‫‪392‬‬
‫عن الخدمات التي أتت من مجهودات نيوتن‪ ،‬وفراداي‪ ،‬وُرنتجن" ‪.‬‬

‫‪ -24‬شهادة كمستون‬
‫"إّنه لو لم يكن للعرب غير هذا الفضل في النقاذ‪ ،‬لكفاهم‬
‫خدمة وفخًرا‪ .‬لقد رفع العرب شأن الطب ولهم الفضل في جعل‬
‫ما منفصل عنه‪ ،‬وفي إنشاء المستشفيات والتفنن فيها‪،‬‬
‫الجراحة قس ً‬
‫‪393‬‬
‫وفي الترخيص الشرعي لممارسة الطب" ‪.‬‬

‫‪ -25‬الباحث اللماني الدكتور بير بورمان‬
‫"إن إنجازات المسلمين في العالم واضحة جلّية في كل شؤون‬
‫العلوم والثقافة‪ ،‬بل إن إنجازاتهم في مجال الطب ل يستطيع أحد‬
‫إنكارها‪ ،‬وهذا هو ما دفعني إلى تأليف كتاب بعنوان )الطب السلمي‬
‫في القرون الوسطى("‪ .‬وقال‪" :‬دفعني لتأليف هذا الكتاب أنني‬
‫كمسيحي ألماني أدين بالفضل في جزء من ثقافتي للثقافة السلمية‪،‬‬
‫وهذا ما أحاول توضيحه وتأكيده رغم محاولت البعض طمس الدور‬
‫المهم الذي لعبه المسلمون في أوروبا والعالم‪ ،‬ولقد عكفت أنا‬
‫وزميلتي الباحثة "إيميلي سافاج سميث" علي رصد إنجازات‬
‫المسلمين في مجال الطب في القرون الوسطى"‪ ،‬وأضاف‪" :‬إن‬
‫المستشفيات السلمية كانت عبارة عن أوقاف إسلمية‪ ،‬وكانت تقدم‬
‫الخدمة الطبية لكل الناس بصرف النظر عن ديانتهم‪ ،‬فهناك اليهود‬
‫والمسيحيون والصابئة والزرادشتيون وغيرهم‪ ،‬فكان المستشفى‬
‫حا إسلمًيا كبيًرا مع غير‬
‫السلمي يعالج الجميع‪ ،‬وهذا يعني تسام ً‬
‫المسلمين"‪ ..‬وعن أهم المراض التي أسهم فيها المسلمون بعلم‬

‫‪391‬‬
‫‪392‬‬
‫‪393‬‬

‫قدري طوفان‪ :‬علماء العرب وما قدموه للحضارة ص ‪.6‬‬
‫قدري طوفان‪ :‬علماء العرب وما قدموه للحضارة ص ‪.10‬‬
‫قدري طوفان‪ :‬علماء العرب وما قدموه للحضارة ص ‪.12‬‬

‫جديد‪ ،‬قال‪" :‬الكثير من المراض‪ ،‬إل أن أخطرها هو مرض‬
‫المالنخوليا"‪.394‬‬

‫‪ -26‬شهادة ي‪ .‬هل‬
‫"من تراث العرب علم حساب المثلثات ونظريات الزوايا‬
‫والّتماس‪ ،‬ولم يكن في استطاعة بيورباخ ورجيوناس وكوبرنيق أن‬
‫يصلوا إلى ما وصلوا إليه دون أساس من علوم العرب وما أسهموا به‬
‫في ميدان الرياضيات؛ ذلك أن العرب أحّبوا تدعيم نظرياتهم بنماذج‬
‫عملية‪ ،‬وساعدهم ذلك على وصول درجة الكمال في علم الجوادسيا‬
‫)مقياس سطح الرض( الخاص بقياس ارتفاع الجبال واتساع الوديان‪،‬‬
‫أو حساب المسافة بين نقطتين تقعان على سطح منبسط‪ ،‬واستخدم‬
‫ضا في تصميم مجاري المياه"‪.395‬‬
‫العرب هذا العلم أي ً‬

‫‪ -27‬شهادة جوستاف إ‪ .‬فون جرونيباوم‬
‫قا‪ ،‬حتى لقد‬
‫"كان الرازي يتناول الطب على صورة علمية ح ّ‬
‫كتب رسالة موضوعها "أن مهرة الطباء أنفسهم ل يستطيعون شفاء‬
‫جميع المراض"‪.396‬‬

‫‪ -28‬شهادة مايرهوف‬
‫"كان تفوق المسلمين العلمي والمادي في الشطر العظم من‬
‫العصر الوسيط معَترًفا به غير منكور إلى حد ّ بعيد‪ .‬ثم يتناقص ذلك‬
‫التفوق قرب نهاية ذلك العصر بدخول الشرق في دور الركود الذهني‬
‫والضمحلل القتصادي‪ ،‬على حين تنهض أوروبا وتتماسك وقد نبهها‬
‫إلى حد كبير ا ّ‬
‫طراد إلمامها بالعلوم السلمية"‪.397‬‬

‫‪ -29‬تشرش‬
‫"يعود الفضل للعرب إذ أنهم كانوا أول من أوجد حوانيت‬
‫الصيدلة لبيع القرباذينات‪ ،‬ويغلب على الظن أنه لول العرب لما وصل‬
‫الطب الوربي إلى ما هو عليه الن"‪.398‬‬

‫‪ -30‬شهادة تومبسون‬

‫‪ 394‬حوار له بجريد الخبار المصرية بتاريخ ‪.13/4/2007‬‬
‫‪ 395‬ي‪ .‬هل‪ :‬الحضارة العربية ص ‪ ،108‬تعريب الدكتور إبراهيم العدوي‪.‬‬
‫‪ 396‬جوستاف إ‪ .‬فون جرونيباوم‪ :‬حضارة السلم ص ‪ ،424‬ترجمة عبد العزيز توفيق‪.‬‬
‫‪ 397‬انظر تراث السلم ص ‪.353‬‬
‫‪ 398‬محمد الصادق عفيفي‪ :‬تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص ‪.188‬‬

‫ن انتعاش العلم في العالم الغربي نشأ بسبب تأّثر شعوب‬
‫"إ ّ‬
‫غربي أوربا بالمعرفة العلمية العربية‪ ،‬وبسبب الترجمة السريعة‬
‫لمؤّلفات المسلمين في حقل العلوم‪ ،‬ونقلها من العربية إلى اللتينية‬
‫ن ولدة العلم في الغرب‪ ،‬ربما كان أمجد‬
‫لغة التعليم الدولية آنذاك‪ ..‬إ ّ‬
‫‪399‬‬
‫قسم‪ ،‬وأعظم إنجاز في تاريخ المكتبات السلمية ‪.‬‬

‫‪ -33‬شهادة ماكس فانتيجو‬
‫"كل الشواهد تؤكد أن العلم الغربي مدين بوجوده إلى‬
‫الحضارة العربية السلمية‪ ،‬وأن المنهج العلمي الحديث القائم على‬
‫البحث والملحظة والتجربة‪ ،‬والذي أخذ به علماء أوربا والذي أخذ به‬
‫علماء أوروبا‪ ،‬إنما كان نتاج اتصال العلماء الوربيين بالعالم السلمي‬
‫عن طريق دولة العرب المسلمين في الندلس‪.400‬‬

‫‪ -34‬شهادة الزعيم الهندي "جواهر لل‬
‫نهرو"‬
‫ن بغداد تفوقت على كل‬
‫"إنهم ‪ -‬العرب ‪ -‬آباء العلم الحديث وإ ّ‬
‫العواصم الوروبية فيما عدا قرطبة عاصمة أسبانيا العربية‬
‫كنقدي‬
‫"الندلس"‪ ،‬وإنه كان ل ب ُد ّ من وجود ابن الهيثم والحسن وال ِ‬
‫وابن سينا والخوارزمي والبيروني لكي يظهر عند الغرب "جاليليو‪،‬‬
‫وكبلر‪ ،‬وكوبرنيق‪ ،‬ونيوتن"‪.401‬‬

‫‪ -35‬شهادة المير البريطاني تشارلز‬
‫"إن السلم يمكن أن يعلمنا طريقة للتفاهم والعيش في‬
‫العالم‪ ،‬المر الذي فقدته المسيحية ‪ ،‬فالسلم يرفض الفصل بين‬
‫النسان والطبيعة‪ ،‬والدين والعلم‪ ،‬والعقل والمادة"‪.402‬‬

‫‪ -38‬شهادة الموسوعة البريطانية‬
‫"والحق أن كثيًرا من أسماء الدوية وكثيًرا من مركباتها‬
‫المعروفة حتى يومنا هذا‪ ،‬وفي الحقيقة المبنى العام للصيدلة الحديثة‬

‫‪.Thompson the mediaeval n. y. hafner piblishing combany page263 399‬‬
‫‪ 400‬ماكس فانتيجو‪ :‬في كلمة له أمام مؤتمر الحضارة العربية السلمية المعقود في جامعة‬
‫برنستون في واشنطن عام ‪1953‬م انظر شوقي أبو خليل‪ ،‬هاني المبارك‪ :‬دور الحضارة‬
‫العربية والسلمية في النهضة الوربية ص ‪.125‬‬
‫‪ 401‬جواهر لل نهروا‪ :‬لمحات من تاريخ العالم‪.‬‬
‫‪ 402‬محاضرة "السلم والغرب" والتي ألقاها في مركز أوكسفورد للدراسات السلمية عام‬
‫‪.1993‬‬

‫ فيما عدا التعديلت الكيماوية الحديثة بطبيعة الحال ‪ -‬قد بدأه‬‫العرب"‪.403‬‬

‫‪ -39‬شهادة دريبر‬
‫"كان الفلح المسيحي الوربي إذا أصابته حادثة‪ ،‬أو فاجأته‬
‫الحمى‪ ،‬يسرع إلى ضريح أقرب قديس انتظاًرا لحدوث معجزة‬
‫تشفيه‪ ،‬وأما العربي السباني فكان يعتمد على تعليمات طبيبه‪،‬‬
‫ومشرطه‪ ،‬وتضميد جراحه"‪.404‬‬

‫‪ -40‬شهادة الدكتور كمبل‬
‫"إن أوربا كانت من عصر شارلمان حتى تأسيس مدرسة‬
‫)سالرنو( الطبية )العرب هم الذين أسسوها(‪ ،‬قد انحدرت إلى أدنى‬
‫دركات النحطاط‪ ،‬وإن شعوبها لم تكن لتقارن بالهمج السطوريين‬
‫الذين عاشوا في أدنى حدود المدنية‪ ،‬وأنها كانت كلها حتى الحروب‬
‫الصليبية )‪1272 - 1096‬م( باستثناء إسبانيا وإيطإليا )وكانتا تحت‬
‫النفوذ العربي السلمي( في حالة همجية تامة"‪.405‬‬

‫‪403‬‬
‫‪404‬‬
‫‪405‬‬

‫الموسوعة البريطانية ‪ 18/46‬الطبعة الحادية عشر‪.‬‬
‫‪J. Draper: A History of the intellectual devekoment of Europe Vol 11/49.‬‬
‫‪.D. Campbell: ARABIAN Medicine Vol 1/107,108‬‬

‫‪ -41‬شهادة أندرو ديكسون وايت‬
‫"إن معاملة المجانين في العالم السلمي منذ عصر عمر وما‬
‫بعده كانت أرحم بكثير من الوضع الذي ساد في طول العالم‬
‫ة عشَر قرَنا من الزمان‪ ،‬كان المجانين‬
‫المسيحي وعرضه مدة ثماني َ‬
‫ة تعّرضوا‬
‫م َ‬
‫ُيعت ََبرون خللها ممسوسين تقمصتهم الشياطين‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫لقصى ضروب التنكيل والوحشية‪.‬‬
‫ضا‪" :‬إن الراهب جون هوارد لحظ في القرن الثامن‬
‫ويقول أي ً‬
‫عشر ما لحظه غيره من الّرهبان والّرحالة الوربيين في ذلك العصر‬
‫ن المسلمين قد وّفروا كثيًرا من الوسائل الرحيمة‬
‫وقبل ذلك‪ ،‬أ ّ‬
‫للمجانين‪ ،‬لم ي ََر هؤلء لها مثيل ً في أراضي أوربا المسيحية‪ .‬والحق أن‬
‫المسلمين هم الذين نبهوا إلى ضرورة بذل الجهود التي بدأت في‬
‫أوربا ابتداء من القرن الثامن عشر لمعاملة المجانين معاملة‬
‫رحيمة"‪.406‬‬

‫‪ -42‬شهادة سميث‬
‫"إن البيروني كان ألمع أهل زمانه في الرياضيات‪ ،‬وإن الغربيين‬
‫مدينون له بمعلوماتهم عن الهند ومآثرهم في العلوم"‪.407‬‬

‫‪ -43‬شهادة سنجر‬
‫"نستطيع أن نستبين بوضوح الحالة الراهنة في ذلك العصر بأن‬
‫نستجمع الصورة الحقيقية من وثائق مختلفة‪ ،‬تدل على أن طالب‬
‫العلم الوربي‪ ،‬المشغوف بالعلم‪ ،‬المتطلع إلى الستزادة من المعرفة‬
‫ذاك الذي كانت الدراسة في باريس أو بادوا أو أكسفورد ل ترضيه‪،‬‬
‫إنما كان يذهب إلى طليطلة أو قرطبة"‪.408‬‬

‫‪ 406‬انظر‪A. D. White: A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom :‬‬
‫‪.Vol. 11/123‬‬
‫‪ 407‬قدري حفظ طوفان‪ :‬تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك ص ‪ ،311‬نقل ً عن سميث‪:‬‬
‫تاريخ الرياضيات الجزء الول‪.‬‬
‫‪.Ch. Singer: Medieval Contribution to modern Civlization P.124 408‬‬

‫‪ -44‬شهادة جون هرمان راندال‬
‫"وسط هذا العالم الذي أخذت رقعته في التساع اتجه رجال‬
‫القرون الوسطى إلى المعرفة العلمية التي وجدوها في مكاتب‬
‫العرب وجامعاتهم الغنية وحين أخذ الغرب يستيقظ في مطلع القرون‬
‫الوسطى انتقل مركز الثقافة السلمية بنتيجة فعل المتعصبين من‬
‫المصلحين المسلمين من الخلفة الشرقية إلى إسبانيا‪ ،‬وعن طريق‬
‫إسبانيا جاءت أول معرفه بمؤلفات أرسطو الكبيرة‪ ،‬ولكن المسلمين‬
‫أنقذوا من العالم القديم شيًئا كان أرسطو بالرغم من عبقريته عاجًزا‬
‫كل العجز عنه وهو العلم الرياضي واللي"‪.409‬‬

‫‪409‬‬

‫جون هرمان راندال‪ :‬تكوين العقل الحديث ‪.1/331‬‬

‫الباب الثاني‪:‬‬

‫صناعة العلماء‬

‫ة عند من‬
‫قد يبدو غريًبا عنوان هذا الباب‪ ،‬وقد يبدو أشد غراب ً‬
‫مه وطموحه فقط أن يصبح طالب علم‪ ،‬أو ‪-‬‬
‫يتواضع كثيًرا فيجعل ه ّ‬
‫كما يقول بعضهم ‪ُ " -‬‬
‫طويلب علم"‪!!..‬‬
‫ول شك أن مثل هذه الهمة هي همة قاصرة‪ ،‬وهي همة تعجز‬
‫في أن تلحق ‪ -‬بالمرة ‪ -‬بركب العلماء‪ ..‬وأولى بصاحبها وأجدر أن‬
‫يقف مع نفسه وقفة أخرى‪ ،‬يجدد العزم‪ ،‬ويعقد العهد قبل أن تتفلت‬
‫من يده اليام‪ ،‬ويندم ولت حين مناص!‬
‫يقول المتنبي‪:‬‬
‫فل ت ْ‬
‫إذا غامرت في شر ٍ‬
‫قنعْ بما ُدون الّنجوم ِ‬
‫ف مروم ٍ‬
‫ر‬
‫كطعم ِ المو ِ‬
‫م المو ِ‬
‫فطع ُ‬
‫ت في أمرٍ حقي ٍ‬
‫ت في أمرٍ عظيم ِ‬
‫ما‪ ..‬وليس فقط من طلب‬
‫لذا ل يصلح لك إل أن تكون عال ً‬
‫العلم‪..‬‬
‫صا من العداد‪ ..‬فيتطلب خطة‬
‫ول شك أن ذلك يتطلب نو ً‬
‫عا خا ً‬
‫ضا حالة نفسية معينة‪ ..‬أو قل‪ :‬يتطلب‬
‫بعينها‪ ،‬ويتطلب حياة خاصة‪ ،‬وأي ً‬
‫جا في الحياة جديد‪ ،‬فتصبح لك طريقة تفكير خاصة‪ ،‬وطريقة‬
‫ذلك منه ً‬
‫ترتيب وقت يناسب هذه الحياة الخاصة‪ ،‬بل وطريقة نوم وأكل‬
‫مختلفة عن بقية الناس‪ ..‬إنها حياة إنسان ُيرّبي لُيغّير ل ليتغير‪ ،‬ويؤّثر‬
‫قا!!‬
‫ل ليتأثر‪ ..‬إنها حياة مختلفة ح ً‬
‫ومثل هذه الحياة الجديدة‪ ..‬نقف على أبعادها وأطوارها‪ ،‬من‬
‫خلل هذا الباب في فصوله الربعة‪.‬‬

‫ء‬
‫ما ِ‬
‫زل َ ُ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬
‫الفصل الول‪َ :‬‬
‫من ْ ِ‬
‫در بحسب قيمتها‪ ،‬ومن ثم تكون الولويات في‬
‫من الشياء وُتق ّ‬
‫ُتث ّ‬
‫عرف‬
‫تحصيلها‪ ..‬ولول ذلك لختلط الغث بالثمين والحابل بالنابل‪ ،‬وما ُ‬
‫م للحياة‪..‬‬
‫طع ٌ‬
‫وقد علمنا في الباب الول قيمة العلم في الميزان السلمي‪،‬‬
‫وعرفنا أهميته‪ ،‬وكيف أن حياة الناس ل تستقيم إل به‪ ،‬وكيف كان‬
‫ة للنبياء عليهم السلم‪..‬‬
‫ة لزم ً‬
‫صف ً‬
‫وكان من رحمة الله ‪ ‬أنه لم يرفع العلم بذهاب النبياء‪ ،‬وإنما‬
‫جعل النبياء صلوات الله عليهم وسلمه يوّرُثوا علمهم هذا قبل أن‬
‫يموتوا إلى طائفة معينة من البشر‪ ،‬أوكل إليها مهمة تعليم الناس‪،‬‬
‫ي‬
‫والقيام بالدور الذي كان يقوم به النبياء في حياتهم‪ ..‬ولكن دون وح ٍ‬
‫ودونما عصمة‪..‬‬
‫وهذه الطائفة من البشر هي "العلماء"‪..‬‬
‫سل َ َ‬
‫ري ً‬
‫قا‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫عن أبي الدرداء < أن رسول الله ‪ ‬قال‪َ " :‬‬
‫ك طَ ِ‬
‫سل َ َ‬
‫ري ً‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫غي ِ‬
‫ي َب ْت َ ِ‬
‫جن ّ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫في ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫قا إلى ال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ه طَ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ملئ ِك َ‬
‫ب ال ِ‬
‫ر َ‬
‫ة لت َ َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ن ال َ‬
‫جن ِ َ‬
‫عأ ْ‬
‫ض ُ‬
‫حت َ َ‬
‫عال ِ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ضاءً ل ِطال ِ ِ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ها ِ‬
‫عل َِ‬
‫ْ‬
‫حّتى‬
‫ست َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫غ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ض َ‬
‫في ال ّ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫فُر ل َ ُ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫في الْر ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫د كَ َ‬
‫و َ‬
‫ض ُ‬
‫ر‬
‫ما ِ‬
‫عال ِم ِ َ‬
‫ن ِ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ف ْ‬
‫ف ْ‬
‫عاب ِ ِ‬
‫حيَتا ُ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ض ِ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ة اْل َن ْب َِيا ِ‬
‫وَرث َ ُ‬
‫َ‬
‫سائ ِ‬
‫ء‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫ب‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ن اْلن ْب َِياءَ ل َ ْ‬
‫عل َ َ‬
‫واك ِ ِ‬
‫ماءَ َ‬
‫ر ال ْك َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫خ َ‬
‫ذ‬
‫هأ َ‬
‫نأ َ‬
‫وّرُثوا ال ْ ِ‬
‫وَل ِدْر َ‬
‫خذ َ ب ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ما‪ ،‬إ ِن ّ َ‬
‫ه ً‬
‫ما َ‬
‫وّرُثوا ِديَناًرا َ‬
‫يُ َ‬
‫‪410‬‬
‫ح ّ‬
‫ر" ‪.‬‬
‫وا ِ‬
‫بِ َ‬
‫ظ َ‬
‫ف ٍ‬
‫ففي نهاية هذا الحديث وضح رسولنا الكريم ‪ ‬أن النبياء لم‬
‫مل ً‬
‫كا‪ ،‬وإنما تركوا العلم‪ ,‬وهذه هي أعظم تركة‪,‬‬
‫يتركوا خلفهم مال ً ول ُ‬
‫قا‪ ..‬يقول الله تعإلي‪ :‬ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ومن أخذها فقد فاز ح ً‬
‫م َ‬
‫ؤِتي ال ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫ة َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫يَ َ‬
‫ما ي َذّك ُّر إ ِّل‬
‫ي َ‬
‫م َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ؤ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫و َ‬
‫خي ًْرا ك َِثيًرا َ‬
‫شاءُ َ‬
‫قدْ أوت ِ َ‬
‫ُ‬
‫‪411‬‬
‫َ‬
‫ب‪. ‬‬
‫أوُلو اْلل َْبا ِ‬
‫وفضل ً عن ذلك فالحديث يبين فضل العلم ومنزلة العلماء؛‬
‫ما‬
‫فالملئكة تضع أجنحتها لمن يبدءون طريق العلم؛ تواضًعا وتعظي ً‬
‫ما وتبجيل ً لهم‪ ..‬وكفى بذلك شرًفا ومنزلة‪!!..‬‬
‫وتكري ً‬
‫‪ 410‬الترمذي‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب فضل الفقه على العبادة )‪ (2682‬واللفظ له‪ ،‬وأبو داود )‪،(3641‬‬
‫وابن ماجة )‪ ،(223‬وأحمد )‪ ،(21763‬والدارمي )‪ ،(342‬وابن حبان )‪ ،(88‬وقال اللباني‪:‬‬
‫صحيح )‪ (6297‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪) 411‬البقرة‪.(269 :‬‬

‫ويخص رسول الله ‪ ‬طائفة العلماء ‪ -‬وليس طلب العلم ‪-‬‬
‫بمزية خاصة‪ ،‬وهي أنه يستغفر لهم من في السماوات ومن في‬
‫ضا‪ ،‬بل حتى‬
‫الرض‪ ،‬بل يصل المر إلى أن تستغفر له الحيوانات أي ً‬
‫تلك التي تسبح في جوف الماء‪!!..‬‬
‫ضل ذلك‬
‫وليت المر يقف عند هذا الحد فقط‪ ،‬بل إنه ‪ُ ‬يف ّ‬
‫العاِلم ويرفع منزلته ومكانته على العابد لله ‪ !!‬وقد جعل المقارنة‬
‫ما كما يكون القمر ليلة البدر ‪ -‬كما ورد ذلك في‬
‫بينهما في ذلك تما ً‬
‫رواية أخرى ‪ -‬مع غيره من النجوم‪ ،‬وذلك في إشارة إلى أن نور‬
‫القمر يحجب نور الكواكب الخرى وُيغ ّ‬
‫طي عليها‪ ،‬مهما كُثر نورها‬
‫بكثرة أعدادها‪!!..‬‬
‫أل ترى أن المر جد عظيم‪..‬؟!‬
‫ومع كون هذه المقارنة عظيمة في حق العلماء‪ ،‬إل أن هناك‬
‫مقارنة أعظم منها‪ ،‬ذكرها رسول الله ‪ ‬في الحديث الذي رواه‬
‫ن‪:‬‬
‫ل الل ّهِ ‪َ ‬ر ُ‬
‫ي < قال‪" :‬ذ ُك َِر ل َِر ُ‬
‫جَل ِ‬
‫سو ِ‬
‫الترمذي عن أبي أمامة الباهل ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ل اللهِ ‪َ :‬‬
‫ض ُ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫م‪ ،‬فَ َ‬
‫خُر‪َ :‬‬
‫د‪َ ،‬واْل َ‬
‫ما‪َ :‬‬
‫ف ْ‬
‫ل ال َ‬
‫عاب ِ ٌ‬
‫أ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫عال ِ ٌ‬
‫حد ُهُ َ‬
‫عال ِم ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫د كَ َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ه ‪:‬‬
‫ضِلي َ‬
‫َ‬
‫ف ْ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫عاب ِ ِ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫م‪ .‬ث ُ ّ‬
‫عَلى أدَْناك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ة‬
‫مل َ‬
‫وأ ْ‬
‫والَر ِ‬
‫وا ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ضي َ‬
‫حّتى الن ّ ْ‬
‫س َ‬
‫ملئ ِكت َ ُ‬
‫و َ‬
‫ن الل َ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫س‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫صلو َ‬
‫م َ‬
‫حّتى ال ُ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫في ُ‬
‫حو َ‬
‫على ُ‬
‫ت لي ُ َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫ح ِ‬
‫علم ِ الّنا ِ‬
‫‪412‬‬
‫خي َْر" ‪.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ففي هذا الحديث الشريف ُيقارن رسول الله ‪ ‬بين العالم‬
‫والعابد‪ ،‬فيشبه ذلك بالفارق بين منزلة الرسول ‪ ‬ومنزلة أقل‬
‫المسلمين‪ ..‬أي أن الفجوة التي بينه ‪ ‬وبين أدنى المسلمين‪ ،‬تشبه‬
‫تلك التي بين العالم والعابد‪!!..‬‬
‫وفي ذلك من الفضل والشرف والمنزلة الرفيعة العالية ما‬
‫فيه‪..‬‬
‫فلم يقارن ‪ ‬بين نفسه وبين أحد العظماء ‪ -‬مثل ً ‪ -‬في‬
‫ضا؛ إذ البون شاسع‬
‫السلم‪ ،‬رغم أن مثل هذه المقارنة هي عظيمة أي ً‬
‫بين رسول الله ‪ ‬وبين أي إنسان آخر‪ ,‬ولكن لعظم المفارقة هنا‬
‫وبيان الفضل‪ ،‬فهو يقارن بين نفسه ‪ ‬وبين أدنى المسلمين‪!!..‬‬
‫ولعل البعض قد يستغرب من كون هذه المنزلة العالية للعالم‬
‫إنما هي فوق منزلة العابد‪ ..‬ولعل هذا العجب يزول إذا علمت أن‬
‫العابد الذي يعبد الله على غير علم َيضل وُيضل‪ ..‬وقد كان كفار مكة‬
‫أنفسهم يعترفون لله بالعبودية‪ ,‬ولكنها عبودية على غير علم‪ ،‬فكان‬
‫‪ 412‬الترمذي‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب فضل الفقه على العبادة )‪ ،(2685‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪(4213‬‬
‫صحيح الجامع‪.‬‬

‫أن كفروا وضلوا‪ ،‬يقول تعالى يصف حالهم وهم يتحدثون عن الصنام‪:‬‬
‫ذوا من دون ِ َ‬
‫م إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫خ ُ‬
‫قّرُبوَنا‬
‫ن ات ّ َ‬
‫عب ُدُ ُ‬
‫ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫ِ ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ول َِياءَ َ‬
‫هأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪413‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه ُزل َ‬
‫فى‪. ‬‬
‫إلى الل ِ‬
‫د‪ ،‬فإن عبادته‬
‫ن فاس ٍ‬
‫كما أن العابد إذا كانت عبادته لله على ظ ٍ‬
‫م‬
‫وذَل ِك ُ ْ‬
‫هذه ل ُتقبل‪ ،‬ويكون بذلك من الخاسرين‪ ..‬قال تعإلي‪َ  :‬‬
‫ظَن ّك ُم ال ّذي ظَن َن ْت ُم بربك ُم أ َرداك ُم َ َ‬
‫ن‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫صب َ ْ‬
‫ْ ِ َ ّ ْ ْ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫فأ ْ‬
‫س ِ‬
‫‪.414‬‬
‫ويروى الدارمي أن عمر بن عبد العزيز ~ كتب إلى أهل‬
‫م‪ ،‬كان ما ُيفسد أكثر مما يصلح"‬
‫المدينة‪" :‬إنه من تعبد بغير عل ٍ‬

‫‪415‬‬

‫‪.‬‬

‫بل إن من الفقهاء في السلم من رفع درجة العلماء فوق‬
‫درجه المجاهدين في سبيل الله وليس فقط العُّباد!! يقول الصحابي‬
‫الجليل عبد الله بن مسعود <‪ ،‬وهو من علماء الصحابة الفذاذ‪:‬‬
‫ن رجا ٌ‬
‫ل ُقتلوا في سبيل الله شهداء‪ ،‬أن‬
‫"والذي نفسي بيده‪ ،‬ليود ّ ّ‬
‫‪416‬‬
‫يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم" أي من كرامة العلماء‪.‬‬
‫ويقول العلمة التابعي الحسن البصري ~‪" :‬يوزن مداد العلماء‬
‫بدماء الشهداء‪ ،‬فيرجح مداد العلماء!!"‪.417‬‬
‫وإن كان البعض قد يستغرب هذا الكلم‪ ،‬إل أن حجته قوية‪..‬‬
‫سا إل بالعلم‪ ،‬وعليه فلن يجاهد إل‬
‫فالجهاد ل ُيعرف فضله أسا ً‬
‫من "علم" قيمة الجهاد ودرجة المجاهد‪ ،‬كما لن ُتعرف شروط الجهاد‬
‫ومشروعيته إل بالعلم‪ ،‬ولن ُيعرف فرض العين من فرض الكفاية فيه‬
‫ضا ويقيم نافلة‪ ،‬وهذا‬
‫إل بالعلم‪ ..‬ومن ثم فقد يترك "من ل يعلم" فر ً‬
‫ل يجوز‪ ,‬كما أنه قد يتعدى في جهاده الحدود المشروعة‪ ،‬أو يقاتل من‬
‫ل يجوز قتاله‪ ..‬وهذا كله ل يجوز‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فالعلم هو الذي يحدد مشروعية الجهاد وحدوده‪ ..‬وبغير‬
‫العلماء الصادقين لن يوجد مجاهدون على حق‪..‬‬
‫بل قد يأثم المسلم بجهاده بغير علم!!‬
‫وما فتنه الخوارج بخافية على أحد‪..‬‬

‫‪413‬‬
‫‪414‬‬
‫‪415‬‬
‫‪416‬‬
‫‪417‬‬

‫)الزمر‪.(3 :‬‬
‫)فصلت‪.(23 :‬‬
‫أبو عبد الله الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.349 /1‬‬
‫أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪.1/8‬‬
‫المصدر السابق‪.‬‬

‫فالخوارج كانوا يعبدون الله ‪ ,‬ويقيمون الفرائض‪ ,‬ويجاهدون‬
‫في سبيل الله‪ ..‬وذلك كله على غير هدىً من الله ول علم‪ ،‬فكان أن‬
‫خرجوا من الدين بالكلية‪ ،‬بينما هم يحسبون أنفسهم على أفضل‬
‫درجات العبادة والجهاد‪!!..‬‬
‫م عمر بن الخطاب < أن يقتل أحدهم ‪ -‬كما يروى أبو‬
‫ولما ه ّ‬
‫ه؛ َ‬
‫ه‬
‫سعيد الخدري < ‪ -‬قال له رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬دَ ْ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع َ َ‬
‫ع‬
‫ح ِ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قُر أ َ‬
‫حاًبا ي َ ْ‬
‫ص َ‬
‫ه َ‬
‫م ُ‬
‫صَيا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫صَلت َ ُ‬
‫حدُك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫صلت ِ ِ‬
‫مُر ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م‪ ،‬ي َ ْ‬
‫ن‬
‫وُز ت ََرا ِ‬
‫قَر ُ‬
‫ن ِ‬
‫صَيا ِ‬
‫ِ‬
‫قو َ‬
‫قْرآ َ‬
‫ءو َ‬
‫ن َل ي ُ َ‬
‫قي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫م‪ ،‬ي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫جا ِ‬
‫م ِ‬
‫‪418‬‬
‫َ‬
‫ة" ‪..‬‬
‫مي ّ ِ‬
‫ن الّر ِ‬
‫م ِ‬
‫ال ّ‬
‫س ْ‬
‫مُرقُ ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫نك َ‬
‫دي ِ‬
‫فكانت آفتهم الرئيسية أنهم اجتهدوا بغير علم‪ ،‬فأدى بهم ذلك‬
‫إلى أن يجاهدوا على باطل‪ ..‬حتى كان أحد زعمائهم‪ ،‬وهو عبد‬
‫الرحمن بن ملجم والذي قتل علي بن أبي طالب < ‪ -‬كان يظن تمام‬
‫الظن أنه تقرب إلى الله ‪ ‬بقتل أمير المؤمنين ورابع الخلفاء‬
‫الراشدين وزوج بنت رسول الله ‪ ‬والمبشر بالجنة مراًرا‪ ،‬على بن‬
‫أبي طالب <!!‬
‫وكان هذا اعتقاد ٌ راسخ عند كل الخوارج‪ ،‬حتى إنك لتجد عمران‬
‫فا هذه الطعنة‬
‫بن قحطان )أحد شعراء الخوارج المتأخرين( يقول واص ً‬
‫اللئيمة التي ُقتل بها على بن أبي طالب <‪:‬‬
‫ي ما أراد بها‬
‫يا ضرب ً‬
‫ة من تق ّ‬

‫إل ليبُلغ من ذي العرش ِرضواًنا‬

‫إني لذكره حيًنا فأحسبه‬

‫أوَْفى البرّية عند الله ميزاًنا‬

‫كل ذلك‪ ،‬وقد قال رسول الله ‪ ‬في حقه يوم خيبر ‪ -‬كما‬
‫ة َ‬
‫ج ٌ‬
‫ه‬
‫ن الّراي َ َ‬
‫يروي سلمة بن الكوع <‪َ" :‬ل ُ ْ‬
‫ل يُ ِ‬
‫دا َر ُ‬
‫غ ً‬
‫عطِي َ ّ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫حب ّ ُ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ه"‪..419‬‬
‫ه َ‬
‫ل‪ :‬ي ُ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫وَر ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ح الل ّ ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ب الل ّ َ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه‪ ،‬أ ْ‬
‫َ‬
‫وحين كان الغد كان هذا الرجل هو علي بن أبي طالب <‪..‬‬
‫ولم يقع عبد الرحمن بن ملجم )القاتل( في هذه الكارثة إل‬
‫بفقد العلم‪..‬‬
‫يقول تعإلي‪ُ  :‬‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫س‬
‫م ِباْل َ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ل َ‬
‫مال ً ال ّ ِ‬
‫خ َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫ع َ‬
‫ل ن ُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ض ّ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫سُنو َ‬
‫سُبو َ‬
‫م يُ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫في ال ْ َ‬
‫س ْ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫عي ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ة الدّن َْيا َ‬
‫‪420‬‬
‫عا‪. ‬‬
‫صن ْ ً‬
‫ُ‬
‫‪ 418‬البخاري‪ :‬كتاب المناقب‪ ،‬باب علمات النبوة في السلم )‪ ،(3414‬ومسلم‪ :‬كتاب الزكاة‪،‬‬
‫باب ذكر الخوارج وصفاتهم )‪ ،(1064‬وابن حبان )‪ ،(6741‬وعبد الرزاق )‪ ،(18649‬والبيهقي‬
‫في سننه الكبرى )‪.(16479‬‬
‫‪ 419‬البخاري‪ :‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب فضل من أسلم على يديه رجل )‪ ،(2847‬ومسلم‪ :‬كتاب‬
‫فضائل الصحابة‪ ،‬باب من فضائل علي بن أبي طالب < )‪ ،(2406‬وابن حبان )‪.(6932‬‬
‫‪) 420‬الكهف‪.(104 ،103 :‬‬

‫ولكم عانت المة السلمية من بعض المتحمسين للدين‪،‬‬
‫المشتاقين للجهاد ولكن بغير علم‪ ..‬وقد أدى بهم حالهم هذا إلى أن‬
‫ما جائرة‪ ,‬فكانت النتيجة‬
‫يجتهدوا اجتهادات خاطئة‪ ,‬ويحكموا أحكا ً‬
‫تكفير المجتمعات المسلمة‪ ,‬واستباحة دماء البرياء‪ ,‬والستهانة بكل‬
‫الحرمات‪ ,‬والقتل والسفك والظلم والبطش باسم الجهاد والدعوة‬
‫والتضحية!! والسلم من ذلك كله براء‪..‬‬
‫ولجل ذلك‪ ،‬ومن فقهٍ لمنزلة العلماء وقيمة العلم مقارنة‬
‫حا الحقيقة‪" :‬طالب العلم كالغادي‬
‫بغيره‪ ،‬يقول كعب الحبار < موض ً‬
‫الرائح في سبيل الله ‪..421"‬‬
‫وهو ما أكده أبو الدرداء < حين قال‪" :‬من رأى الغدو والرواح‬
‫إلى العلم ليس بجهاد‪ ،‬فقد نقص في عقله ورأيه"‪..422‬‬
‫ضا‪" :‬من‬
‫وترى سفيان بن عيينة ~‪ ،‬وهو من التابعين يقول أي ً‬
‫طلب العلم فقد بايع الله ‪..423"‬‬
‫ولذلك فإن الله ‪ ‬رفع قدر العلماء وعظم قيمتهم‪ ..‬يقول‬
‫َ‬
‫تعإلي‪ :‬ي َْر َ‬
‫م‬
‫ن ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫عل ْ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ع الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫‪424‬‬
‫خِبيٌر‪. ‬‬
‫ن َ‬
‫جا ٍ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫دََر َ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫وقد فقه الصحابة والتابعون والصالحون من هذه المة الكريمة‬
‫هذا القدر‪ ،‬فعظموا علماءهم‪ ,‬ورفعوا من قدرهم‪ ,‬وحفظوا لهم‬
‫س ول عمرٍ ول‬
‫ق ول نس ٍ‬
‫مكانتهم‪ ..‬ولم يعتبروا في ذلك بعر ٍ‬
‫ب ول جن ٍ‬
‫صغر‬
‫منصب‪ ..‬إنما اعتبروا فقط بالعلم‪ ..‬فكان معاذ بن جبل < على ِ‬
‫دا بين الصحابة‪ ،‬حتى إنهم كانوا ل يرفعون أعينهم في‬
‫ما ج ً‬
‫سنه معظ ً‬
‫ما له <‪ ..‬هذا مع أنه مات وهو لم يتجاوز‬
‫عينه حياًء منه وتعظي ً‬
‫الخامسة والثلثين من عمره‪ ،‬ولكنه ع ُ ّ‬
‫ظم بالعلم الذي كان يحويه في‬
‫صدره <‪..‬‬
‫يقول رسولنا الكريم ‪ ‬في حقه ‪ -‬كما يروي أنس بن مالك <‪:‬‬
‫ل"‪..425‬‬
‫وأ َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫وال ْ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫م ُ‬
‫عاذُ ب ْ ُ‬
‫حَرام ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫جب َ ٍ‬
‫ل َ‬
‫حَل ِ‬
‫" َ‬
‫ومن هنا نستطيع فهم الموقف الذي حكاه لنا أبو مسلم‬
‫الخولني ~ )من التابعين(‪ ،‬وفيه يصور مدى احترام وتعظيم الصحابة‬
‫لمعاذ بن جبل < مع حداثه سنه‪..‬‬
‫‪ 421‬أبو نعيم‪ :‬حلية الولياء ‪.5/377‬‬
‫‪ 422‬ابن القيم‪ :‬مفتاح دار السعادة ‪.1/71‬‬
‫‪ 423‬ابن القيم‪ :‬مفتاح دار السعادة ‪.1/71‬‬
‫‪) 424‬المجادلة‪.(11 :‬‬
‫‪ 425‬الترمذي‪ :‬كتاب المناقب‪ ،‬باب مناقب معاذ بن جبل )‪ ،(3790‬وابن ماجة )‪ ،(154‬وأحمد )‬
‫‪ ،(14022‬وابن حبان )‪ ،(7137‬والطيالسي )‪ ،(2096‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪ (1224‬السلسلة‬
‫الصحيحة‪.‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫حل ْ َ‬
‫ق ٌ‬
‫شقَ فَإ َِذا َ‬
‫م ْ‬
‫ل دِ َ‬
‫س ِ‬
‫ت َ‬
‫يقول أبو مسلم الخولني‪" :‬أت َي ْ ُ‬
‫جد َ أهْ ِ‬
‫شاب فيه َ‬
‫لم َ‬
‫ح ُ ْ‬
‫ق‬
‫ن ب َّرا ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ص َ‬
‫ي ‪ ،‬وَإ َِذا َ ّ ِ ِ ْ‬
‫حا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ب الن ّب ِ ّ‬
‫ِفيَها ك ُُهو ٌ ِ ْ‬
‫ل العَي ْ ِ‬
‫فَتى فًَتى َ‬
‫فوا ِفي َ‬
‫ب ‪ -‬وفي رواية‬
‫يٍء َرّدوه ُ إلى ال ْ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫شا ّ‬
‫الث َّناَيا‪ ،‬ك ُل ّ َ‬
‫ش ْ‬
‫أخرى‪ :‬ول يصدرون إل عن رأيه ‪َ -‬قا َ‬
‫ن هَ َ‬
‫ذا؟‬
‫ت لِ َ‬
‫س ِلي‪َ :‬‬
‫ل‪ :‬قُل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫جِلي ٍ‬
‫َقا َ‬
‫ل‪ :‬هَ َ‬
‫ل"‪.426‬‬
‫ن َ‬
‫ذا ُ‬
‫جب َ ٍ‬
‫مَعاذ ُ ب ْ ُ‬
‫ة الذين هم حول معاذ < بأنهم‬
‫فقد وصف أبو مسلم الصحاب َ‬
‫"كهول"‪ ،‬أي شيوخ كبار في السن‪ ،‬ورغم ذلك ‪ -‬وكما جاء في‬
‫الحديث ‪ -‬فكانوا يرجعون فيما يختلفون فيه وفيما ل ُيدركون له حل ً‬
‫ى شاب‪ ..‬ولم يكن ذلك إل لعلمه وفقهه <‪..‬‬
‫إلى معاذ ٍ وهو يومئذ فت ً‬
‫وقد جاء في رواية أن هؤلء الصحاب كانوا نحو من ثلثين كهل ً‬
‫من الصحابة‪!!427‬‬
‫ويؤكد معنى تقديم العلماء على غيرهم بصرف النظر عن‬
‫ن ع َب ْدِ‬
‫مناصبهم ما رواه المام مسلم في صحيحه‪ ،‬وهو أن َنافِعَ ب ْ َ‬
‫ن ‪ -‬وَ َ‬
‫قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ة ‪ -‬فَ َ‬
‫س َ‬
‫مك ّ َ‬
‫ست َعْ ِ‬
‫ث لَ ِ‬
‫حارِ ِ‬
‫كا َ‬
‫فا َ‬
‫ال ْ َ‬
‫مُر ي َ ْ‬
‫مَر ب ِعُ ْ‬
‫ه ع ََلى َ‬
‫مل ُ ُ‬
‫ن عُ َ‬
‫ي عُ َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أب َْزى‪َ .‬قا َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫واِدي؟ فَ َ‬
‫نا ْ‬
‫ل‪ :‬وَ َ‬
‫مل ْ َ‬
‫ست َعْ َ‬
‫َ‬
‫ن اب ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ :‬اب ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ت ع ََلى أهْ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫موًْلى! َقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‪:‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫س‬
‫فا‬
‫ل‪:‬‬
‫قا‬
‫نا‪.‬‬
‫وإلي‬
‫م‬
‫ن‬
‫م‬
‫لى‬
‫و‬
‫م‬
‫ل‪:‬‬
‫قا‬
‫؟‬
‫زى‬
‫ب‬
‫ْ َ ْ‬
‫ِ ْ َ َ َ‬
‫أَْ‬
‫َ َ ِْ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ض‪َ .‬قا َ‬
‫م‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ما إ ِ ّ‬
‫ن ن َب ِي ّك ُ ْ‬
‫مُر‪ :‬أ َ‬
‫ل عُ َ‬
‫عال ِ ٌ‬
‫ب الل ّهِ ‪ ،‬وَإ ِن ّ ُ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫ه َقارِئٌ ل ِك َِتا ِ‬
‫فَرائ ِ َ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫بأ ْ‬
‫ه ي َْر َ‬
‫ه َ‬
‫‪ ‬قَد ْ َقا َ‬
‫ه‬
‫وي َ َ‬
‫ع بِ ِ‬
‫ل‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ض ُ‬
‫ف ُ‬
‫ع بِ َ‬
‫وا ً‬
‫ن الل َ‬
‫ذا الك َِتا ِ‬
‫ما َ‬
‫ق َ‬
‫‪428‬‬
‫ن" ‪.‬‬
‫آ َ‬
‫ري َ‬
‫خ ِ‬
‫وفي مثل ذلك ما روي أن زيد بن ثابت < صلى على جنازة‬
‫قّربت إليه بغلته ليركبها‪ ,‬فجاء ابن عباس } فأخذ بركابه‪ ،‬فقال زيد‪:‬‬
‫ف ُ‬
‫خ ّ‬
‫ل عنه يا ابن عم رسول الله ‪ ,‬فقال ابن عباس‪ :‬هكذا أمرنا أن‬
‫نفعل بالعلماء والكبراء‪ .‬فقّبل زيد بن ثابت < يده وقال‪ :‬هكذا أمرنا‬
‫أن نفعل بأهل بيت نبينا ‪..429‬‬
‫فعبد الله بن عباس } يرفع من قدر زيد بن ثابت < ويوّقره‬
‫دمه‪ ,‬ويمسك له دابته رغم صغر سنه‪ ..‬وليس ذلك لشيٍء إل‬
‫ويق ّ‬
‫لعلمه وفقهه‪ ,‬وكان هذا عموم حال الصحابة ‪ ‬وعهدهم مع العلماء‪..‬‬
‫يقول علي بن أبي طالب <‪" :‬إن من حق العالم أن ل تكثر‬
‫عليه بالسؤال‪ ،‬ول تعنته في الجواب‪ ،‬ول تلح عليه إذا كسل‪ ،‬ول تأخذ‬
‫دا عنده‪ ،‬ول تطلبن‬
‫بثوبه إذا نهض‪ ،‬ول تفشي له سّرا‪ ،‬ول تغتابن أح ً‬
‫عثرته‪ ،‬وإن زل قبلت معذرته‪ ,‬وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما‬
‫‪ 426‬أحمد )‪ ،(22117‬وقال شعيب الرنؤوط إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ 427‬انظر الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪. 20 /1‬‬
‫‪ 428‬مسلم‪ :‬كتاب صلة المسافرين وقصرها‪ ،‬باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه )‪ ،(817‬أبو‬
‫القاسم الطبراني‪ :‬مسند الشاميين )‪.(2999‬‬
‫‪ 429‬ابن القيم‪ :‬مدارج السالكين ‪ ،2/330‬المتقي الهندي‪ :‬كنز العمال ‪.13/370‬‬

‫دام يحفظ أمر الله تعإلي‪ ،‬ول تجلس أمامه‪ ،‬وإن كانت له حاجة‬
‫سبقت القوم إلى خدمته"‪.430‬‬
‫ضا‪" :‬العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد‪،‬‬
‫وقال علي < أي ً‬
‫ف‬
‫وإذا مات العالم ثلم في السلم ثلمة )أي‪ :‬ثغرة( ل يسدها إل خل ٌ‬
‫منه"‪.431‬‬
‫دا‪:‬‬
‫ضا منش ً‬
‫وقال أي ً‬
‫ما الفخر إل لهل العلم إنهم‬
‫ئ ما كان يحسنه‬
‫وقدر كل امر ٍ‬
‫دا‬
‫ش حّيا به أب ً‬
‫ففْز بعلم ٍ تع ْ‬

‫على الهدى لمن استهدى أدلُء‬
‫والجاهلون لهل العلم أعداُء‬
‫الناس موتى وأهل العلم أحياُء‬

‫بل يذكر الغزالي ~ في الحياء أن حق المعلم أعظم من حق‬
‫الوالدين؛ لن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية‪ ،‬والمعلم‬
‫سبب الحياة الباقية‪ ،‬فهو معلم علوم الخرة أو علوم الدنيا على قصد‬
‫الخرة‪..432‬‬
‫سئل‪ :‬من‬
‫ثم يقرر الغزالي ‪ -‬بعد أن أورد قول ابن المبارك حين ُ‬
‫الناس؟ فقال‪ :‬العلماء‪ .‬قيل‪ :‬فمن الملوك؟ قال‪ :‬الزهاد ‪ -‬فيقول‪:‬‬
‫"ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لن الخاصية التي يتميز بها الناس‬
‫عن سائر البهائم هو العلم؛ فالنسان إنسان بما هو شريف لجله‪،‬‬
‫وليس ذلك بقوة شخصه‪ ،‬فإن الجمل أقوى منه‪ ،‬ول بعظمه فإن‬
‫الفيل أعظم منه‪ ،‬ول بشجاعته فإن السبع أشجع منه‪ ،‬ول بأكله فإن‬
‫الثور أوسع بطًنا منه‪ ،‬ول ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على‬
‫السفاد منه‪ ،‬بل لم يخلق إل للعلم"‪.433‬‬
‫ويروي عبادة بن الصامت < أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬ليس‬
‫من أمتي من لم يجل كبيرنا‪ ,‬ويرحم صغيرنا‪ ,‬ويعرف‬
‫عالمنا"‪ 434‬أي يعرف لعالمنا حقه‪..‬‬
‫وفي قصة موسى ‪ ‬مع الخضر كان غاية توقير العلماء‬
‫وإجللهم‪ ،‬فمع كون موسى ‪ ‬أعلى قدًرا وأعظم مكانة؛ كونه ليس‬
‫نبًيا فقط‪ ،‬بل من أولى العزم من الرسل‪ ،‬إل أنه قال للخضر موقًرا‬
‫جل‪" :‬هل أتبعك؟"!‬
‫مب ّ‬
‫‪ 430‬أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪.1/51‬‬
‫‪ 431‬أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪.1/7‬‬
‫‪ 432‬أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪.1/55‬‬
‫‪ 433‬أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪.1/7‬‬
‫‪ 434‬أحمد )‪ (22807‬واللفظ له‪ ،‬والحاكم )‪ ،(421‬وقال الهيثمي‪ :‬رواه أحمد وإسناده حسن‪،‬‬
‫وقال اللباني‪ :‬صحيح )‪ (101‬صحيح الترغيب والترهيب‪.‬‬

‫عَلى‬
‫فهو يصرح بأنه سيتبع الخضر‪ ،‬وسبب التباع هو العلم‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ت ُر ْ‬
‫دا‪ ،435‬ثم هو يستأذن منه‪ ،‬ويسترضيه‪,‬‬
‫ما ُ‬
‫ن ِ‬
‫أ ْ‬
‫ش ً‬
‫ن تُ َ‬
‫م َ‬
‫عل ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫عل ّ َ‬
‫م ِ‬
‫ويستسمحه‪ ..‬ل لشيء إل للعلم الذي رفع من قدر الخضر‪ ,‬وجعل له‬
‫ما وإجل ً‬
‫ل‪..‬‬
‫هيبة واحترا ً‬
‫ويقول الزهري ~ )وهو من التابعين العظماء( مقرًرا‪" :‬كنت‬
‫ضا من التابعين( فأجلس بالباب‪,‬‬
‫آتي باب عروة بن الزبير < )وهو أي ً‬
‫‪436‬‬
‫ولو شئت أن أدخل لدخلت‪ ،‬ولكن إجلل ً له" !!‬
‫وفي سبيل التربية على ذلك يقول الحسن بن علي < لبنه‬
‫دا‪" :‬يا بنى‪ ،‬إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع‬
‫حا ومرش ً‬
‫ناص ً‬
‫أحرص منك على أن تقول‪ ،‬وتعلم حسن الستماع كما تتعلم حسن‬
‫مك"‪.‬‬
‫الصمت‪ ،‬ول تقطع على أحد حديًثا ‪ -‬وإن طال ‪ -‬حتى يس ّ‬
‫وعلى هذا ظلت مكانة العلماء محفوظة ومرموقة في المة‬
‫عا فوق غيرهم من المسلمين‪..‬‬
‫السلمية‪ ,‬وظل قدرهم مرفو ً‬
‫ولقد كان الناس يجتمعون باللف حول البخاري ~ ليعلمهم‬
‫حديث رسول الله ‪ ،‬وهو بعد في السادسة عشرة من عمره!!‬
‫يقول الشافعي ~‪:‬‬
‫ما‬
‫وإن صغير القوم إن كان عال ً‬

‫كبيٌر إذا ردت إليه المحافل‬

‫ضا من‬
‫ولم يكن هذا التقدير من جانب العامة فقط‪ ،‬بل كان أي ً‬
‫قبل المراء وأصحاب السلطان‪ ،‬فكانوا ينزلون العلماء منازلهم‬
‫ويرفعونهم قدرهم‪ ،‬ولذلك عّزت أمتهم‪ ،‬وسادت غيرها من المم‪..‬‬
‫ففي أحد مواسم الحج جاء أمير المؤمنين سليمان بن عبد‬
‫الملك ~ إلى الحج هو واثنان من أبنائه المراء‪ ،‬فاحتاجوا إلى إجابة‬
‫عن بعض السئلة المتعلقة بالحج‪ ،‬ولم يجدوا لذلك أفضل من العلمة‬
‫عطاء بن أبي رباح‪ ،~ 437‬فذهبوا إليه وهو يصلي‪ ،‬فانتظروا إلى جواره‬
‫حتى انتهى من صلته‪ ،‬فبدءوا يسألونه وهو يجيبهم في وضع الصلة ل‬
‫يلتفت إليهم‪ ،‬وهو يقبلون بهذا الوضع لنهم يحتاجون إلى العلم‪ ،‬وبعد‬
‫انتهاء السئلة انصرفوا‪ ،‬ثم جمع أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك‬

‫‪) 435‬الكهف‪.(66 :‬‬
‫‪ 436‬سنن الدارمي )‪.(569‬‬
‫دا أسود لمرأة‪ ،‬وكان أنفه كأنه باقلة وكان بنو أمية‬
‫‪ 437‬نشأ عطاء بن أبي رباح بمكة‪ ،‬وكان عب ً‬
‫حا يصيح ل يفتى الناس إل عطاء بن أبي رباح‪ ،‬ويقول عنه الوزاعي‪ :‬ما‬
‫يأمرون في الحاج صائ ً‬
‫رأيت أحدا أخشع لله من عطاء‪ ،‬ومات بمكة عام ‪115‬وعمره ‪ .88‬صفة الصفوة ‪-212 /2‬‬
‫‪.214‬‬

‫~ ولديه وقال لهما‪" :‬يا بني‪ ،‬ل تنيا في طلب العلم‪ ،‬فإني ل أنسى‬
‫ذلنا بين يدي هذا العبد السود"‪!!438‬‬
‫دا أسوًدا لمرأة‬
‫وكان عطاء بن أبي رباح ~ )من التابعين( عب ً‬
‫من مكة‪!!..‬‬
‫وصدق قول الشاعر‪:‬‬
‫ف‬
‫العلم يرفع بيًتا ل عماد له والجهل يهدم بيت العّز والشر ِ‬
‫ما‬
‫وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو‪ ،‬فلما كان يو ً‬
‫أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه‪ ،‬فابتدرا إلى نعل الفراء‬
‫يقدمانه له‪ ،‬فتنازعا أيهما يقدمه‪ ،‬فاصطلحا على أن يقدم كل واحد‬
‫منهما فرًدا فقدماها‪ ،‬فرفع ذلك الخبر إلى المأمون‪ ،‬فوجه إلى الفراء‬
‫فاستدعاه‪ ،‬فلما دخل عليه قال‪ :‬من أعز الناس? قال‪ :‬ما أعرف أعز‬
‫من أمير المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا‬
‫عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فرًدا!! قال‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬لقد أردت منعهما عن ذلك‪ ،‬ولكن خشيت أن أدفعهما عن‬
‫مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعة حرصا عليها‪ .‬فقال‬
‫ما وعتًبا وألزمتك ذنًبا‪،‬‬
‫له المأمون‪ :‬لو منعتهما عن ذلك لوجعتك لو ً‬
‫ضعَ ما فعله من شرفهما‪ ،‬بل رفع من قدرهما وبّين عن‬
‫وما وَ َ‬
‫جوهرهما‪ ،‬ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما‪ ،‬فليس يكبر‬
‫الرجل وإن كان كبيًرا عن ثلث‪ :‬عن تواضعه لسلطانه‪ ،‬ووالده‪،‬‬
‫ومعلمه العلم‪..‬‬
‫وإن جواب المأمون هذا ليعكس نظرة السلم والمة السلمية‬
‫كلها آنذاك إلى العلم والعلماء‪ ،‬وما كانوا عليه رعاة ورعية من العناية‬
‫والهتمام والتعظيم والجلل للعلم وأهله‪..‬‬
‫قا أعز الناس‪ ،‬وهذه هي الدرجة والمنزلة التي‬
‫فكان العاِلم ح ً‬
‫قررها الصالحون لعلماء المة وحفظوها لهم وأنزلوهم إياها‪ ..‬وقد‬
‫علموا أنهم مصابيح الدجى التي ُيهتدى بها‪ ،‬وهو المر الذي أورثهم‬
‫ما وحضارة ورفعة‪!!..‬‬
‫عًزا ومج ً‬
‫دا وتقد ً‬
‫ما‪ ،‬فلبد لك أول ً أن‬
‫فإن أردت ‪ -‬أخي في الله ‪ -‬أن تصبح عال ً‬
‫تعرف منزلة ما تطلب‪ ،‬ومكانة ما تهفو إليه نفسك؛ فليس في الدنيا‬
‫أعز ممن ورث النبياء‪ ،‬واستغفر له أهل الرض والسماء!!‬

‫‪438‬‬

‫ابن الجوزي‪ :‬صفة الصفوة ‪.2/212‬‬

‫ء‬
‫ما ِ‬
‫هادُ ال ْ ُ‬
‫ج َ‬
‫عل َ َ‬
‫الفصل الثاني‪ِ :‬‬
‫لما كان العلم أشرف النعم‪ ،‬وأعلى المنازل والرتب‪ ..‬ولما كان‬
‫كذلك ميراث النبياء‪ ،‬وكان الطريق المؤهل إلى الجنة‪ ..‬فلبد أن‬
‫يكون تحصيله بمجهود ٍ عظيم‪ ،‬وتضحيةٍ ثمينة؛ وكيف ل والمكارم‬
‫منوطة بالمكاره‪ ،‬والسعادة ل يعبر إليها إل على جسرٍ من التعب؟!‬
‫وقد أرشد رسول الله ‪ ‬إلى أن سلوك طريق الخرة بصفة‬
‫ب‪ ،‬وأن تحصيل الخرة متعسٌر ل يحصل إل بسعي حثيث‪،‬‬
‫عامة صع ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫غإلي ٌ‬
‫ع َ‬
‫ة الل ِ‬
‫ن ِ‬
‫ة ‪ ،‬أل إ ِ ّ‬
‫فقال ‪ -‬كما روى أبو هريرة < ‪" : -‬أل إ ِ ّ‬
‫سل َ‬
‫ة"‪.439‬‬
‫جن ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫سل ْ َ‬
‫وعلى هذا السياق روى المام مسلم في صحيحه عن يحيى بن‬
‫ست َ َ‬
‫م"‪..440‬‬
‫م ب َِرا َ‬
‫ج ْ‬
‫أبي كثير ~ أنه قال‪" :‬ل َ ي ُ ْ‬
‫حةِ ال ْ ِ‬
‫طاع ُ ال ْعِل ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫ويقول المام النووي في وصفه لطالب العلم‪ :‬ينبغي أن يكون‬
‫صا على التعلم‪ ،‬مواظًبا عليه في جميع أوقاته‪ ،‬ليل ً ونهاًرا‪ ،‬وسفًرا‬
‫حري ً‬
‫وحضًرا‪ ،‬ول ُيذهب من أوقاته شيًئا في غير العلم إل بقدر الضرورة‪،‬‬
‫لكل ونوم قدًرا لبد له منه ونحوهما‪ ،‬كاستراحة يسيرة لزالة الملل‪،‬‬
‫وشبه ذلك من الضروريات‪ ،‬وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة النبياء‬
‫م فوتها‪!!441‬‬
‫ث ّ‬
‫ويقول ابن القيم ~‪ :‬وأما سعادة العلم فل يورثك إياها إل بذل‬
‫الوسع‪ ،‬وصدق الطلب‪ ،‬وصحة النية‪..442‬‬
‫ويؤكد على ذلك ابن الجوزي فيقول‪" :‬تأملت عجًبا‪ ،‬وهو أن كل‬
‫ن‬
‫س خطيرٍ يطول طريقه‪ ،‬ويكثر التعب في تحصيله‪ ،‬فإ ّ‬
‫شيٍء نفي ٍ‬
‫العلم لما كان أشرف الشياء لم يحصل إل بالتعب والسهر والتكرار‪،‬‬
‫وهجر اللذات والراحة‪."..‬‬
‫‪ 439‬الترمذي‪ :‬كتاب صفة القيامة والرقائق والورع )‪ ،(2450‬والحاكم )‪ ،(7851‬وقال صحيح‬
‫السناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي‪ ،‬والبيهقي في شعب اليمان )‪ ،(881‬وأبو نعيم في حلية‬
‫الولياء ‪ ،8/377‬وقال اللباني‪ :‬صحيح حديث )‪ (6222‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 440‬مسلم‪ :‬كتاب المساجد ومواضع الصلة‪ ،‬باب أوقات الصلة )‪ ،(612‬والسؤال عن إدخال‬
‫المام مسلم هذه الحكاية عن يحيى مع أنه ل يذكر في كتابه ال أحاديث النبي ‪ ‬محضة مع أن‬
‫هذه الحكاية ل تتعلق بأحاديث مواقيت الصلة‪ ،‬فكيف أدخلها بينها؟ حكى القاضي عياض ~ عن‬
‫بعض الئمة أنه قال‪ :‬سببه أن مسلما ~ أعجبه حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث‬
‫عبد الله بن عمر وكثرة فوائدها وتلخيص مقاصدها وما اشتملت عليه من الفوائد في الحكام‬
‫وغيرها ول نعلم أحدا شاركه فيها فلما رأى ذلك أراد أن ينبه من رغب في تحصيل الرتبة التي‬
‫ينال بها معرفة مثل هذا‪ ،‬فقال طريقه أن يكثر اشتغاله وإتعابه جسمه في العتناء بتحصيل‬
‫العلم هذا شرح ما حكاه القاضي‪ .‬شرح النووي ‪.5/114‬‬
‫‪ 441‬النووي‪ :‬التبيان في آداب حملة القرآن ‪.1/13‬‬
‫‪ 442‬ابن القيم‪ :‬مفتاح دار السعادة ‪.1/108‬‬

‫ضا‪ :‬قال بعض الفقهاء‪ :‬بقيت سنين أشتهي‬
‫وهو الذي قال أي ً‬
‫الهريسة ول أقدر على شرائها؛ لن وقت بيعها وقت سماع‬
‫الدرس‪!!443‬‬
‫ولما رأى أحد أصحاب المام أحمد بن حنبل ~ جهده ومثابرته‬
‫سأله قائ ً‬
‫ما‬
‫ل‪ :‬إلى متى تستمر في طلب العلم‪ ،‬وقد أصبحت إما ً‬
‫‪444‬‬
‫ما كبيًرا؟! فقال له‪" :‬مع المحبرة إلى المقبرة" !!‬
‫للمسلمين وعال ً‬
‫ومعنى ذلك أنه سيستمر في طلب العلم إلى أن يموت ويدخل‬
‫القبر‪ ،‬رغم أنه لم يكن في عصره من هو أحفظ منه لحديث رسول‬
‫قبوه‪" :‬إمام السنة وفقيه المحدثين"‪.‬‬
‫الله ‪ ،‬حتى إنهم ل َ ّ‬
‫وهو الذي قال عنه ابن رافع‪ :‬رأيت أحمد بن حنبل بمكة بعد‬
‫ققت رجله وأبلغ إليه التعب‪ ،‬فقال لي‪ :‬يا‬
‫رجوعه من إليمن وقد تش ّ‬
‫أبا عبد الله‪ ،‬ما أخلقني أن ل أرحل بعدها في حديث‪ .‬قال‪ :‬ثم بلغني‬
‫أنه صار إلى أبي إليمان بعد إليمن‪ ،‬أي إلى حمص‪!!445‬‬
‫وقد خرج المام أحمد إلى طرسوس ماشًيا على قدميه لعجزه‬
‫عن النفقة في السفر‪!!446..‬‬
‫ما لخرجت إلى جرير‬
‫وهو الذي قال‪ :‬لو كان عندي خمسون دره ً‬
‫ما في الرواية(‪ ،‬فخرج بعض‬
‫بن عبد الحميد إلى الري )كان إما ً‬
‫‪447‬‬
‫أصحابنا ولم يمكني الخروج لنه لم يكن عندي‪!! ..‬‬
‫يقول الشافعي ~‪" :‬حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في‬
‫ض دون طلبه‪ ,‬وإخلص‬
‫الستكثار من علمه‪ ,‬والصبر على كل عار ٍ‬
‫ً‬
‫صا واستنباطا‪ ،‬والرغبة إلى الله‬
‫النية لله تعالى في إدراك علمه ن ً‬
‫تعالى في العون عليه"‪.448‬‬

‫‪443‬‬
‫‪444‬‬
‫‪445‬‬
‫‪446‬‬
‫‪447‬‬
‫‪448‬‬

‫ابن الجوزي‪ :‬صيد الخاطر ص ‪.266‬‬
‫ابن الجوزي‪ :‬تلبيس إبليس ص ‪.399‬‬
‫ابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪.5/267‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.1/447‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.1/447‬‬
‫بدر الدين بن جماعة‪ :‬تذكرة السامع والمتكلم ص ‪.27‬‬

‫ويقول المام ابن هشام النحوي‪:‬‬
‫ومن يصطبْر للعلم يظفْر بنيلهِ‬
‫ل‬
‫يصبْر على البذ ِ‬

‫ومن يخطب الحسناَء‬

‫وقال الن ّ‬
‫ظام‪ :‬العلم شيٌء ل يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك‪,‬‬
‫فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر‪..449‬‬
‫وصدق حوط بن رئاب السدي‬

‫‪450‬‬

‫حين قال‪:‬‬

‫ل تحسب المجد تمًرا أنت آكله‬
‫تلعق الصبَرا‬

‫لن تبُلغ المجد حتى‬

‫ولجل ذلك حرص الفاهمون الصادقون على تحصيل العلم‬
‫والسعي في طلبه‪ ،‬بصورة قد يتعجب لها الكثيرون ممن لم يدركوا‬
‫ون على من يعرفها ك ّ‬
‫ل شدة‪،‬‬
‫بعد قيمة العلم وثمراته‪ ..‬بل بصورة ُته ّ‬
‫وتجعلهم يبذلون أنفسهم طواعية في سبيل تحصيله‪..‬‬
‫وفي ذلك فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب < أنه قال‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مي ّ َ‬
‫جاٌر ِلي ِ‬
‫ت أَنا وَ َ‬
‫ي( ِفي ب َِني أ َ‬
‫"ك ُن ْ ُ‬
‫ن اْلن ْ َ‬
‫صارِ )هو أوس بن خول ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ة بْ ِ‬
‫ب الن ُّزو َ‬
‫ل الل ّهِ‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ي ِ‬
‫َزي ْ ٍ‬
‫ة‪ ،‬وَك ُّنا ن َت ََناوَ ُ‬
‫ل ع ََلى َر ُ‬
‫وإلى ال ْ َ‬
‫سو ِ‬
‫ن عَ َ‬
‫م ْ‬
‫د‪ ،‬وَه ِ َ‬
‫َ‬
‫خب َرِ ذ َل ِ َ‬
‫ما وَأن ْزِ ُ‬
‫‪ ،‬ي َن ْزِ ُ‬
‫ي‬
‫ه بِ َ‬
‫ك اليوم ِ ِ‬
‫ن ال ْوَ ْ‬
‫جئ ْت ُ ُ‬
‫ت ِ‬
‫ما‪ ،‬فَإ َِذا ن ََزل ْ ُ‬
‫ل ي َوْ ً‬
‫ل ي َوْ ً‬
‫م ْ‬
‫ح ِ‬
‫‪451‬‬
‫ل ذ َل ِ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ل فَعَ َ‬
‫ه‪ ،‬وَإ َِذا ن ََز َ‬
‫ك‪. "..‬‬
‫ل ِ‬
‫وَغ َي ْرِ ِ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪‬‬
‫ى َر ُ‬
‫أما عبد الله بن عباس }‪ ،‬فقد قال‪" :‬ل َ ّ‬
‫ما َ ت ُوُفّ َ‬
‫َ‬
‫سأ َ ْ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫صاِر‪َ :‬يا فُل َ ُ‬
‫ت ل َِر ُ‬
‫م فَل ْن َ ْ‬
‫ي ‪ ‬فَإ ِن ّهُ ُ‬
‫ن‪ ،‬هَل ُ ّ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫لأ ْ‬
‫ن الن ْ َ‬
‫ب الن ّب ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ج ٍ‬
‫َ‬
‫ن إلي َ‬
‫جًبا ل َ َ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫ن ع َّبا‬
‫م ك َِثيٌر‪ .‬فَ َ‬
‫جو َ‬
‫حَتا ُ‬
‫س يَ ْ‬
‫ل‪َ :‬واع َ َ‬
‫اليو َ‬
‫س؛ أت ََرى الّنا َ‬
‫ك َيا اب ْ َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ك ذ َل ِ َ‬
‫ن ت ََرى؟! فَت ََر َ‬
‫ت ع َلى‬
‫س ِ‬
‫ص َ‬
‫ك وَأقْب َل ُ‬
‫ي‪َ ‬‬
‫حا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ب الن ّب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫وَِفى َالّنا ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َفآِتيهِ وَهُوَ َقائ ِ ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫دي ُ‬
‫ح ِ‬
‫سأل َ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ن ل َي َب ْل ُغُِني ال ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ة‪ ،‬فَإ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫ث عَ ِ‬
‫َ‬
‫ج‬
‫ب‪ ،‬فَي َ ْ‬
‫س ِ‬
‫سد ُ رَِداِئي ع ََلى َباب ِ ِ‬
‫خُر ُ‬
‫جِهي الت َّرا َ‬
‫ح ع ََلى وَ ْ‬
‫في الّري ُ‬
‫ه‪ ،‬فَت َ ْ‬
‫فَأت َوَ ّ‬
‫ل‪ :‬يا ابن ع َم رسول الل ّه‪ ،‬ما جاَء ب َ َ َ‬
‫ت إلى‬
‫فَي ََراِني فَي َ ُ‬
‫ِ َ َ‬
‫ك؟ أل َ أْر َ‬
‫سل ْ َ‬
‫ِ‬
‫ّ َ ُ ِ‬
‫قو ُ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن آت ِي َ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫َفآت ِي َ َ‬
‫ك؟ فَأ َُقو ُ‬
‫ث‪.‬‬
‫دي ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫حق ّ أ ْ‬
‫ل‪ ،‬أَنا أ َ‬
‫ك‪ ،‬فَأ ْ‬
‫سأل ُ ُ‬
‫ه عَ ِ‬
‫معَ الّنا ُ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫قا َ‬
‫ج ُ‬
‫َقا َ‬
‫ن‬
‫ى فَ َ‬
‫ل‪ :‬فَب َ ِ‬
‫كا َ‬
‫حّتى َرآِني وَقَد ِ ا ْ‬
‫ل َ‬
‫ى الّر ُ‬
‫جت َ َ‬
‫س ع َل ّ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫‪452‬‬
‫ق َ‬
‫هَ َ‬
‫مّنى" !!‬
‫فَتى أع ْ َ‬
‫ذا ال ْ َ‬
‫ل ِ‬

‫‪ 449‬الخطيب البغدادي‪ :‬تاريخ بغداد ‪.6/97‬‬
‫‪ 450‬حوط بن رئاب السدي‪ ،‬المشتهر بأبي المهوش‪ :‬شاعر مخضرم‪ ،‬عاش واشتهر في الجاهلية‬
‫وأدرك السلم‪ .‬شعره قليل متفرق‪ .‬العلم ‪.289 /2‬‬
‫‪ 451‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب التناوب في العلم )‪ ،(89‬وابن حبان )‪.(4187‬‬
‫‪ 452‬الدارمي‪ :‬باب الرحلة في طلب العلم )‪ ،(570‬والحاكم )‪ (363‬وقال صحيح على شرط‬
‫البخاري ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫ولما ُفتحت البلد آثر ابن عباس ظمأ الهواجر في دروب المدينة‬
‫ومسالكها على الظلل الوارفة في بساتين الشام وسواد العراق من‬
‫أجل طلب العلم هذا‪ ،‬وقد قال <‪" :‬لما ُفتحت المدائن أقبل الناس‬
‫على الدنيا وأقبلت على عمر بن الخطاب <"‪$$!!453‬‬
‫ولمثله أنشد أبو القاسم الجزي‪:454‬‬
‫لكل بني الدنيا مراد ومقصد‬

‫وإن مرادي صحة وفراغْ‬

‫لبلغ في علم الشريعة مبلًغا‬

‫يكون به لي للجنان بلغْ‬

‫وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى‬

‫وحسبي من الدنيا الغرور بلغْ‬

‫فما الفوز إل في النعيم مؤب ّد ٍ‬

‫به العيش رغد والشراب يساغْ‬

‫ثم يخبر < عن دأبه في طلب العلم فيقول‪" :‬كنت آتي باب أبي‬
‫بن كعب وهو نائم‪ ،‬فأقيل عند بابه‪ ،‬ولو علم بمكاني لحب أن يوقظ‬
‫لي لمكاني من رسول الله ‪ ،‬لكنني أكره أن أمله"!!‬
‫حا فيقول‪" :‬كنت ألزم الكابر من أصحاب رسول‬
‫ويزيد وضو ً‬
‫الله ‪ ‬من المهاجرين والنصار‪ ,‬فأسألهم عن مغازي رسول الله ‪‬‬
‫سّر بإتياني‪،‬‬
‫وما نزل من القرآن في ذلك‪ ،‬وكنت ل آتي أح ً‬
‫دا إل ُ‬
‫ُ‬
‫ي بن كعب <‪ ,‬وكان من‬
‫لقربي من رسول الله ‪ ،‬فجعلت أسأل أب ّ‬
‫الراسخين في العلم‪ ،‬عما نزل بالقرآن في المدينة‪ ،‬فقال‪ :‬نزل بها‬
‫سبعٌ وعشرين سورة‪ ،‬وسائرها بمكة"‪.455‬‬
‫وقد قيل للشعبي‪ :‬من أين لك هذا العلم كله؟!‬
‫فرد ّ عليهم وقال‪ :‬بنفي العتماد‪ ،‬والسير في البلد‪ ،‬وصبر كصبر‬
‫الحمار‪ ،‬وبكور كبكور الغراب‪!!456‬‬
‫ولننظر إلى الشافعي ~ كيف يتحدث عن نفسه في طلب‬
‫العلم حين يقول‪" :‬حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين‪ ،‬وحفظت‬
‫الموطأ )لمالك ~( وأنا ابن عشر سنين"‪!!..457‬‬

‫‪ 453‬انظر‪ :‬مسند البزار ‪.1/311‬‬
‫‪ 454‬هو محمد بن أحمد بن يوسف بن جزي‪ ،‬الكلبي‪ ،‬أبو القاسم‪ ،‬من أهل غرناطة‪ ،‬وذوي الصالة‬
‫والنباهة فيها‪ ،‬ولد سنة ‪ ،693‬ومات وهو يحرض الناس يوم الكائنة بطريف سنة ‪ 741‬هق‪ .‬انظر‬
‫ضا في هذا المصدر‪.‬‬
‫نفح الطيب ‪ 416 – 514 /5‬والبيات أي ً‬
‫‪ 455‬ابن سعد‪ :‬الطبقات الكبرى ‪.2/371‬‬
‫‪ 456‬الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.1/81‬‬
‫‪ 457‬أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.24/366‬‬

‫وقد تكون هذه طفولة صعبة بالنسبة للكثيرين‪ ،‬لكنها في النهاية‬
‫أنتجت وولدت رجل ً مثل الشافعي‪ ،‬الذي نفع الله ‪ ‬بعلمه المة‪،‬‬
‫ضا‪..‬‬
‫ليس في زمانه فقط‪ ،‬ولكن فيما تل ذلك من أزمان أي ً‬
‫يقول الشافعي ~‪" :‬فلما ختمت القرآن دخلت المسجد‪ ،‬فكنت‬
‫أجالس العلماء‪ ،‬وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها‪ ،‬ولم يكن‬
‫عند أمي ما ُتعطيني أشتري به قراطيس )أوراق يكتب عليها(‪ ،‬فكنت‬
‫ما يلوح‪ ،‬آخذه فأكتب فيه‪ ،‬فإذا امتل طرحته في جرة‬
‫إذا رأيت عظ ً‬
‫‪458‬‬
‫كانت لنا قديمة‪. "..‬‬
‫ولما كُبر الشافعي قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وكان بين العاشرة والثالثة عشرة‪،‬‬
‫احتاج إلى المزيد من الورق ليكتب عليه ما يتعلمه‪ ،‬ولم يكن له مال‬
‫يشتري به الوراق‪ ،‬فكان يذهب إلى الديوان يستوهب "الظهور"‬
‫)وهي الوراق المستعملة من ناحية واحدة فقط‪ ،‬يطلبها ليستنفع‬
‫بالناحية الخرى( فيأخذها ليكتب على ظهرها‪!!459‬‬
‫صل العلم‪..‬‬
‫كل هذه المعاناة لُيح ّ‬
‫قال ابن أبي حاتم‪ :‬سمعت المزني يقول‪ :‬قيل للشافعي‪ :‬كيف‬
‫شهوتك للعلم؟ قال‪" :‬أسمع بالحرف )أي بالكلمة( مما لم أسمعه‪،‬‬
‫عا تتنعم بما تنعمت به الذنان"‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫فتود أعضائي أن لها أسما ً‬
‫كيف حقرصقك عليه؟ قال‪ :‬حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته‬
‫للمال‪ .‬قيل له‪ :‬فكيف طلبك له؟ قال‪ :‬طلب المرأة المضلة ولدها‬
‫ليس لها غيره!!‬
‫وصدق الشافعي ~‪ ..‬إذ لول هذا الطلب وذاك الحرص ما كان‬
‫الشافعي‪..‬‬
‫ما ُيقتدي به في‬
‫فليس من فراغ أن يصبح النسان إما ً‬
‫العالمين‪ ..‬قال ابن تيمية‪" :‬إّنما تنال المامة في الدين بالصبر‬
‫واليقين"‪!!460‬‬
‫قا‪:‬‬
‫ويقول ربنا ‪ ‬في كتابه الكريم‪ ،‬يعلمنا الدعاء النافع ح ً‬
‫ما‪.461‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫وا ْ‬
‫قي َ‬
‫ما ً‬
‫ن إِ َ‬
‫عل َْنا ل ِل ْ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ففي تفسير هذه الية يقول ابن عباس }‪ :‬أي‪ :‬اجعلنا أئمة‬
‫يقتدي بنا في الخير‪ ..462‬وذلك ‪ -‬ل شك ‪ -‬ل يتأتى إل بمجهود مضن‪،‬‬
‫وتضحيات غإلية عزيزة‪ ..‬ومن طلب العل سهر الليإلي!!‬
‫‪458‬‬
‫‪459‬‬
‫‪460‬‬
‫‪461‬‬
‫‪462‬‬

‫ابن الجوزي‪ :‬صفة الصفوة ‪ - 2/249‬ابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪. 282 /51‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.24/361‬‬
‫ابن تيمية‪ :‬مجموع الفتاوى ‪.3/358‬‬
‫)الفرقان‪.(74 :‬‬
‫ابن كثير‪ :‬تفسير القرآن العظيم ‪.3/439‬‬

‫وكما لم يمنع الفقر ول ضيق ذات اليد من أن يصير الشافعيّ‬
‫ضا من أن يكون سفيان الثوري ~ فقيه‬
‫ي‪ ،‬فلم يمنع ذلك أي ً‬
‫الشافع ّ‬
‫العرب ومحدثهم‪ ،‬وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة‪ ،‬وأمير‬
‫المؤمنين في الحديث‪ ،‬والذي قال فيه زائدة‪" :‬الثوري سيد‬
‫المسلمين"‪ ،463‬وقال فيه الوزاعي‪" :‬لم يبق من تجتمع عليه المة‬
‫بالرضا إل سفيان"‪!!..464‬‬
‫ويصور ذلك بنفسه فيقول‪ :‬لما أردت أن أطلب العلم قلت‪ :‬يا‬
‫رب‪ ،‬لبد لي من معيشة‪ .‬ورأيت العلم ُيدرس )أي‪ :‬يذهب ويندثر(‬
‫ُ‬
‫ت الله الكفاية‪ ..‬يعني أن‬
‫فقلت‪ :‬أفّرغ نفسي في طلبه‪ ،‬قال‪ :‬وسأل ُ‬
‫يكفيه أمر الرزق!! وكان من كفاية الله له في ذلك الشأن أن قيض‬
‫ُ‬
‫ما صالحة‪ ،‬قد تكفلت بالنفاق عليه‪ ،‬فكان هو ثمرتها‪..‬‬
‫له أ ّ‬
‫قالت أمه له‪" :‬يا بني‪ ,‬اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"‪!!..465‬‬
‫فكانت رحمها الله تعمل بالغزل‪ ،‬وتقدم لولدها نفقة الكتب‬
‫والتعلم؛ ليتفرغ هو للعلم‪ ،‬بل والكثر من ذلك أنها كانت كثيًرا ما‬
‫تتخوله بالموعظة والنصيحة لتحضه على تحصيل العلم‪ ،‬فكان مما‬
‫قالته له ذات مرة‪" :‬يا بني‪ ،‬إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى‬
‫في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك‪ ،‬فإن لم تر ذلك فاعلم‬
‫أنها تضرك ول تنفعك"‪!!..466‬‬
‫وهكذا كانت كفاية الله له‪..‬‬
‫فلم يكن من غرابةٍ بعد ُ أن يتبوأ سفيان الثوري السيادة في‬
‫العلم‪ ،‬والمامة في الدين‪ ،‬وكيف وقد ترعرع في كنف مثل هذه الم‬
‫الصالحة‪ ،‬وتغ ّ‬
‫ذى من فضائلها وتقواها‪..‬؟!‬
‫ولم يكن العلماء يكتفون بطلب العلم في بلدهم‪ ،‬ولكن كانوا‬
‫يطلبونه في أصقاع العالم المختلفة‪ ،‬ولهم في ذلك حكايات أشبه‬
‫بالساطير؛ إذ تراهم يقطعون آلف الميال من أجل الدرس‬
‫والتحصيل‪ ..‬ويكفي أن نعرف فقط وسائلهم في ذلك الوقت‪ ،‬لندرك‬
‫حجم المعاناة والمخاطرة التي كانوا يتعرضون لها في هذا الطريق‪..‬‬
‫فهذا جابر بن عبد الله < يرحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن‬
‫أنيس < في طلب حديث واحد‪ ،‬يقول جابر‪ :‬بلغني حديث عن رجل‬
‫ت إليه رحلي شهًرا‪ ،‬حتى‬
‫من أصحاب النبي ‪ ،‬فابتعت بعيًرا‪ ،‬فشدد ُ‬
‫ن جابًرا بالباب‬
‫قدمت الشام‪ ،‬فإذا عبد الله بن أنيس‪ ،‬فبعثت إليه أ ّ‬
‫‪463‬‬
‫‪464‬‬
‫‪465‬‬
‫‪466‬‬

‫ابن أبي حاتم‪ :‬الجرح والتعديل ‪.1/118‬‬
‫أبو عبد الله الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.1/204‬‬
‫أبو نعيم‪ :‬حلية الولياء ‪.6/370‬‬
‫ابن الجوزي‪ :‬صفة الصفوة ‪.3/189‬‬

‫فرجع الرسول فقال‪ :‬جابر بن عبد الله؟! فقلت‪ :‬نعم‪ .‬فخرج‬
‫فاعتنقني‪ ،‬قلت‪ :‬حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت‪..‬‬
‫فذكر الحديث‪.467‬‬
‫وبعد سماع الحديث عاد جابر إلى المدينة مباشرة؛ إذ لم يكن‬
‫له بغية في الشام غير هذا الحديث الواحد!!‬
‫وقد رحل أبو أيوب النصاري كذلك من المدينة إلى عقبة بن‬
‫دا‪ ،‬فقدم مصر‪،‬‬
‫عامر بن عبس الجهني في مصر ليروي عنه حديًثا واح ً‬
‫و نزل عن راحلته ولم يحل رحلها‪ ،‬فسمع منه الحديث ثم ركب‬
‫راحلته وقفل إلى المدينة راجًعا‪!!468‬‬
‫ويقول حاتم الرازي )من العلماء الجهابذة الّنقاد‪ ،‬من الطبقة‬
‫الرابعة‪ ،‬من أهل الري( ~ يقص أمر رحلته العجيبة‪ :‬أحصيت ما‬
‫ي زيادة على ألف فرسخ )أي نحو خمسة آلف كيلو‬
‫مشيت على قدم ّ‬
‫متر‪ ،‬والفرسخ هو ثلثة أميال‪ ،‬أو ‪ 5544‬متًرا!!(‪ ،‬لم أزل أحصي حتى‬
‫لما زاد على ألف فرسخ تركته‪ ،‬وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى‬
‫بغداد فما ل أحصي كم مرة‪ ،‬ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة‪،‬‬
‫وخرجت من البحر من قرب مدينة سل ‪ -‬وذلك في المغرب القصى ‪-‬‬
‫إلى مصر ماشًيا‪ ،‬ومن مصر إلى الرملة ماشًيا‪ ،‬ومن الرملة إلى بيت‬
‫المقدس‪ ،‬ومن الرملة إلى عسقلن‪ ،‬ومن الرملة إلى طبرية‪ ،‬ومن‬
‫طبرية إلى دمشق‪ ،‬ومن دمشق إلى حمص‪ ،‬ومن حمص إلى إنطاكية‪،‬‬
‫م رجعت من طرسوس إلى حمص‪،‬‬
‫ومن إنطاكية إلى طرسوس‪ ،‬ث ّ‬
‫م خرجت من‬
‫وكان ب َ ِ‬
‫ي شيء من حديث أبي إليمان فسمعته‪ ،‬ث ّ‬
‫قي عل ّ‬
‫حمص إلى بيسان‪ ،‬ومن بيسان إلى الرقة‪ ،‬ومن الرقة ركبت الفرات‬
‫إلى بغداد‪ ،‬وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل‪،‬‬
‫ومن النيل إلى الكوفي‪ ،‬كل ذلك ماشًيا‪ ،‬هذا سفري الول وأنا ابن‬
‫عشرين سنة أجول سبع سنين!! وخرجت المرة الثانية‪ ،‬وكان سني‬
‫في هذه الرحلة سبًعا وأربعين سنة‪!!469‬‬
‫وكان أسد بن الفرات ~‪ ،‬وهو الفقيه المالكي العظيم الذي‬
‫دّون مذهب المام مالك ~‪ ،‬والذي كان يعمل قاضًيا للقيروان ثم‬
‫دا في سبيل الله‪ ،‬وفتح جزيرة صقلية حيث استشهد هناك سنة‬
‫مجاه ً‬
‫‪213‬هق‪ ،‬كان هذا العلمة الفقيه القاضي المجاهد يحكي عن نفسه‪,‬‬
‫وكيف طلب العلم فيقول‪:‬‬
‫إنه ذهب إلى المدينة فتعلم على يد المام مالك ~‪ ,‬ثم رحل‬
‫إلى العراق فسمع من أصحاب أبي حنيفة ~‪ ،‬وبالذات محمد بن‬
‫‪ 467‬البخاري‪ :‬الدب المفرد )‪ ،(970‬أحمد )‪ ،16085‬والحاكم )‪ (3638‬وقال صحيح السناد‬
‫ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫‪ 468‬أحمد )‪ ،(17490‬وعبد الرزاق )‪ ،(18936‬وابن أبي شيبة )‪.(13729‬‬
‫‪ 469‬أبو حاتم الرازي‪ :‬الجرح والتعديل ‪ ،1/360‬وابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪.52/10‬‬

‫الحسن الشيباني‪ ,‬وكان يجلس في مجلسه مع مئات وآلف الطلب‬
‫فل يستطيع أن يسأل ما يريد‪ ,‬ول أن يتعلم ما يشتهي‪ ,‬فذكر ذلك‬
‫للمام الجليل محمد بن الحسن وقال له‪" :‬إني غريب قليل النفقة‪,‬‬
‫والسماع منك نذر )أي قليل لشدة الزحام(‪ ،‬والطلبة عندك كثير‪ ,‬فما‬
‫حيلتي؟‬
‫فقال له العلمة الجليل المتجرد محمد بن الحسن ~‪ :‬اسمع مع‬
‫العراقيين بالنهار‪ ,‬وقد جعلت لك الليل وحدك‪ ,‬فتبيت عندي‪,‬‬
‫وأسمعك!!‬
‫قال أسد بن الفرات ~‪" :‬وكنت أبيت عنده وينزل إلي‪ ,‬ويجعل‬
‫حا فيه الماء‪ ,‬ثم يأخذ في القراءة‪ ،‬فإذا طال الليل‬
‫بين يديه قد ً‬
‫ونعست‪ ,‬مل يده ونفخ في وجهي بالماء فأنتبه‪ ,‬فكان ذلك دأبه ودأبي‪,‬‬
‫حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه"‪.‬‬
‫فانظر رحمك الله إلى همة العالمين الجليلين‪ ،‬وانظر كيف فّرغ‬
‫محمد بن الحسن من وقته لسد بن الفرات‪ ..‬وذلك لنه يعلم أنه‬
‫سينشر هذا العلم في بلد لن يستطيع محمد بن الحسن الوصول‬
‫إليها‪ ،‬ومن ثم فهو أولى من غيره بتفريغ مزيد من الوقت له‪..‬‬
‫ثم انظر إلى همة أسد بن الفرات ~‪ ،‬الذي كان يكفيه أنه تعلم‬
‫على يد المام مالك ~‪ ..‬لكنه طالب العلم الذي ل يرتوي ول يشبع‬
‫دا‪ ،‬فيظل يطلب العلم مادام فيه نبض الحياة‪!!..‬‬
‫أب ً‬
‫روى الدارمي بسند ٍ صحيح غير أنه مرسل‪ ،‬عن طاووس بن‬
‫ل الل ّ َ‬
‫سو َ‬
‫كيسان ~ أنه قال‪ِ :‬قي َ‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ه ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ل ل َِر ُ‬
‫سو ِ‬
‫ه‪ ،‬أيّ الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ب ِ ْ‬
‫ل َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫م؟ َقا َ‬
‫م الّنا‬
‫س إلى ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ل‪َ " :‬‬
‫أع ْل َ ُ‬
‫طال ِ ِ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫علم ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫عل ْم ٍ"‪.470‬‬
‫ن )أي‪ :‬جائع‪ ،‬أو‪ :‬ل يكتفي ويطلب المزيد( إلى ِ‬
‫غْرَثا ُ‬
‫فلم تكن أجسادهم لجل ذلك تقوى على ملمسة الفراش؛‬
‫كون هذا يمنعهم من تحصيل العلم!!‬
‫ولقد كان البخاري ~ يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه‬
‫فيوقد السراج‪ ,‬ويكتب الفائدة تمر بخاطره‪ ,‬ثم يطفئ سراجه‪ ،‬ثم‬
‫يقوم مرة أخرى وأخرى‪ ,‬حتى كان يتعدد منه ذلك قريًبا من عشرين‬
‫مرة‪!!..471‬‬
‫وهو الذي قال عنه عمر بن حفص الشقر‪ :‬إنهم فقدوا البخاري‬
‫ما من كتابة الحديث بالبصرة‪ ،‬قال‪ :‬فطلبناه فوجدناه في بيت وهو‬
‫أيا ً‬
‫‪ 470‬الدارمي‪ :‬باب من هاب الفتية مخافة السقط )‪ ،(285‬وقال حسين سلم أسد محقق سنن‬
‫الدارمي‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ 471‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية ‪.11/25‬‬

‫عريان! وقد نفد ما عنده‪ ،‬ولم يبق معه شيء‪ ،‬فاجتمعنا وجمعنا له‬
‫الدراهم‪ ،‬حتى اشترينا له ثوًبا وكسوناه‪ ،‬ثم اندفع معنا في كتابة‬
‫الحديث‪!!472‬‬
‫ويحكي النووي ~ عن نفسه فيقول‪" :‬بقيت سنتين لم أضع‬
‫جنبي إلى الرض‪ ,‬وكان إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة‬
‫وأنتبه‪!!"473‬‬
‫وذلك الجهد العظيم ُيصوره فخر الدين محمد الساعاتي‪ ،‬أحد‬
‫جهابذة الطب في تاريخ السلم‪ ،‬حين يصف معاناته في تحصيل‬
‫الطب فيقول‪:‬‬
‫يحسدني قومي على صنعتي‬
‫سهرت في ليلي واستنعسوا‬

‫لنني بينهم فارس‬

‫لن يستوي الدراس والناعس‬

‫‪474‬‬

‫ضا ابن رشد‪ ،‬حين نعلم أنه لم يدع النظر في الكتب‬
‫ويصوره أي ً‬
‫‪475‬‬
‫إل ليلة وفاة أبيه‪ ،‬وليلة زواجه‪ !! ..‬وكان من نتيجة ذلك أنه صنف‬
‫وشرح وهذب أكثر من عشرة ألف ورقة‪ !!..‬وكان ُيفزع إلى فتياه‬
‫في الطب كما ُيفزع إلى ُفتياه في الفقه‪ ،‬مع الحظ الوافر في‬
‫العراب والداب والحكمة‪!!..‬‬
‫ُ‬
‫دا‪ ،‬حتى إنه لم‬
‫ما شدي ً‬
‫أما الجاحظ والذي أغرم بالمطالعة إغرا ً‬
‫يقع في يده كتاب إل استوفى قراءته‪ ..‬فكان من حرصه على طلب‬
‫العلم وجهاده في ذلك‪ ،‬أنه كان يستأجر حوانيت الوّراقين في البصرة‬
‫الزاخرة بشتى الرسائل والمدونات في العلوم المختلفة‪ ،‬ويعتكف‬
‫فيها للدرس والمطالعة‪!!..476‬‬
‫وفي مثل ذلك يحكي المام أحمد بن حنبل ~ عن طفولته‬
‫فيقول‪" :‬كنت ربما أردت البكور في الحديث )أي الخروج من بيته‬
‫مبكًرا لكي يجد مكاًنا مناسًبا في درس الحديث( فتأخذ أمي بثيابي‬
‫حتى يؤّذن الناس‪ ،‬أو حتى يصبحوا"‪!!477‬‬
‫فهو يحاول الخروج لطلب الحديث والعلم قبل صلة الفجر‪،‬‬
‫لكن أمه تخشى عليه‪ ،‬فتستبقيه حتى يكون الذان‪!!..‬‬
‫بل وأكثر من ذلك أنهم كانوا كثيًرا ما يهملون أهم ضرورات‬
‫الحياة لجل العلم‪ ،‬يفضلونه في ذلك على أنفسهم‪ ،‬وقد ذكر الذهبي‬
‫‪472‬‬
‫‪473‬‬
‫‪474‬‬
‫‪475‬‬
‫‪476‬‬
‫‪477‬‬

‫الخطيب البغدادي‪ :‬تاريخ بغداد ‪.2/13‬‬
‫ابن قاضي شهبة‪ :‬طبقات الشافعية‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.4/162‬‬
‫انظر ترجمته عند الذهبي‪ :‬تاريخ السلم‬
‫انظر ترجمته عند الذهبي‪ :‬تاريخ السلم‪.‬‬
‫الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء‬

‫في سيره عن عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال‪ :‬كنا بمصر سبعة‬
‫م لمجالس الشيوخ‪،‬‬
‫أشهر‪ ،‬لم نأكل فيها مرقة‪ ،‬كل نهارنا مقس ٌ‬
‫خا‪،‬‬
‫ما أنا ورفيق لي شي ً‬
‫وبالليل‪ :‬النسخ والمقابلة‪ .‬قال‪ :‬فأتينا يو ً‬
‫ً‬
‫ما‬
‫فقالوا‪ :‬هو عليل‪ ،‬فرأينا في طريقنا سمكا أعجبنا‪ ،‬فاشتريناه‪ ،‬فل ّ‬
‫صرنا إلى البيت‪ ،‬حضر وقت مجلس‪ ،‬فلم يمكّنا إصلحه ومضينا إلى‬
‫ِ‬
‫المجلس‪ ،‬فلم نزل حتى أتى عليه ثلثة أيام‪ ،‬وكاد أن يتغير‪ ،‬فأكلناه‬
‫نيًئا‪ ،‬لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه‪ .‬ثم قال‪" :‬ل ُيستطاع العلم‬
‫براحة الجسد"‪!!478‬‬
‫وهذا ابن الجوزي يقول‪ :‬لقد كنت في حلوة طلبي العلم ألقى‬
‫من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لجل ما أطلب وأرجو‪.‬‬
‫وقال‪ :‬كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في‬
‫طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى‪ ،‬فل أقدر على أكلها إل عند‬
‫الماء‪ .‬فكلما أكلت لقمة شربت عليها‪ ،‬وعين همتي ل ترى إل لقذة‬
‫تحصيل العلم‪ ،‬فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث‬
‫رسول الله ‪ ،‬وأحواله وآدابه‪ ،‬وأصحابه وتابعيهم‪..479‬‬
‫بل انظر إلى حال من كان غنًيا منهم‪ ..‬فهذا يحيى بن معين ~‬
‫)من كبار علماء الجرح والتعديل(‪ ،‬وقد خلف له أبواه ألف ألف درهم‪،‬‬
‫فأنفقها كلها في تحصيل الحديث‪ ،‬حتى لم يبق له نعل يلبس‪!!..480‬‬
‫فيه‪..‬‬

‫بل انظر إلى من ُيعرض عليه المال منهم‪ ،‬وكيف كان زهدهم‬

‫فهذا ابن الهيثم ~‪ ،‬والمعروف عند الوربيين بق )الخازن‬
‫‪ ،(Alhazen‬وهو عالم موسوعي من أعظم علماء الرياضيات والفيزياء‪،‬‬
‫وهو مؤسس علم البصريات‪ ،‬وله في ذلك الكتشافات المذهلة‪ ،‬والتي‬
‫عليها قامت النظريات العلمية الحديثة‪ ،‬ومن المستحيل أن تجد كتاًبا‬
‫أو مرجًعا في علم البصريات ل ُيشير فيه إلى ابن الهيثم‪ ،‬وخاصة‬
‫كتابه "المناظر" الذي كان ثورة حقيقية في عالم البصريات!!‬
‫فقد كان ابن الهيثم يعيش حياة مادية متعسرة‪ ،‬ولن المراء‬
‫والخلفاء ‪ -‬كما ذكرنا من قبل ‪ -‬كانوا يقدرون العلم والعلماء‪ ،‬فقد‬
‫ُأعجب به أحد أمراء الشام حين كان عنده‪ ،‬وأراد أن يغمره بالموال‪،‬‬
‫فقال ابن الهيثم‪ :‬يكفيني قوت يوم‪ ،‬وتكفيني جارية وخادم؛ فما زاد‬
‫على قوت يومي إن أمسكته كنت خازنك‪ ،‬وإن أنفقته كنت وكيلك‪،‬‬
‫وإذا اشتغلت بهذين المرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي‪..481‬؟!!‬
‫‪478‬‬
‫‪479‬‬
‫‪480‬‬
‫‪481‬‬

‫الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء‬
‫ابن الجوزي‪ :‬صيد الخاطر ص ‪.231‬‬
‫المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪. 547 /31‬‬
‫البيهقي ظهير الدين‪ :‬تتمة صوان الحكمة ص ‪.16‬‬

‫فا أن ُيلهيه المال الفائض عن‬
‫فإلى هذا الحد كان ابن الهيثم خائ ً‬
‫ن للعلم إن لم‬
‫حاجة يومه عن الشتغال بالعلم‪ ..‬فالقضية عنده‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫أكن أنا له‪..‬؟!‬
‫ولهذا كان هو ابن الهيثم‪..‬‬
‫ما مبي ًّنا منهجه في الحياة بصفة عامة‪ ،‬وفي قضية‬
‫ولقد قال يو ً‬
‫دت لي الحياة‪ ،‬باذ ٌ‬
‫ل جهدي‪،‬‬
‫م ّ‬
‫العلم عنده بصفة خاصة‪" :‬وإني ما ُ‬
‫ومستفرغ قوتي في مثل ذلك )يقصد الدراسة وتحصيل العلوم(‪،‬‬
‫خًيا منه أموًرا ثلثة‪ :‬أحدها‪ :‬إفادة من يطلب الحق ويؤثره‪ ،‬في‬
‫متو ّ‬
‫ضا لي بهذه المور‬
‫حياتي وبعد مماتي‪ .‬والخر‪ :‬أني جعلت ذلك ارتيا ً‬
‫في إثبات ما يتصوره وُيتقنه فكري من تلك العلوم‪ .‬والثالث‪ :‬أني‬
‫صيرته ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم"‪!!..482‬‬
‫ّ‬
‫وفي ظروف غير الفقر والمال قد تكون أشد وأصعب منهما‪..‬‬
‫ضا فوق العادة‪ ،‬فلم يستسلم علماء المة للمر‬
‫كان المجهود أي ً‬
‫الواقع‪ ،‬ولم يكسلوا أو يتوانوا‪ ،‬بل برعوا حتى وهم تحت أغلل‬
‫القيود‪!!..‬‬
‫فكان الطوسي‪ 483‬ذا مكانة عالية ودرجة رفيعة عند خلفاء‬
‫العباسيين لنباهته وحدة ذكائه‪ ،‬ولهذا فإن أحد وزراء البلط أضمر له‬
‫دا‪ ،‬وأرسل إلى حاكم قهستان )من لعمال نيسابور( يتهمه‬
‫الغدر حس ً‬
‫زوًرا وبهتاًنا‪ ،‬مما دفع به إلى السجن في إحدى القلع‪ ،‬وقد كان من‬
‫نتيجة سجنه أن أنجز في خلل اعتقاله معظم مصنفاته في الفلك‬
‫والرياضيات‪ ،‬وهي التي كانت سبب ذيوع صيته وشهرته وبروز اسمه‬
‫بين عباقرة السلم في جميع النحاء!!‬
‫وهذا سيد قطب‪ ،~484‬يكتب "الظلل" وهو من أشهر التفاسير‬
‫الحديثة‪ ،‬والذي ق ّ‬
‫ل أن تجد مكتبة إسلمية في أنحاء العالم السلمي‬
‫تخلو منه‪ ،‬سواء بالعربية أو بغيرها ‪ -‬كتب معظم هذا التفسير العظيم‬
‫خلل فترة ءسجنه!!‬
‫ضا العالم الجليل ابن تيمية الذي صّنف مؤلفات‬
‫وقبله كان أي ً‬
‫عدة في فترة سجنه‪ ،‬منها – على سبيل المثال ‪ -‬كتاب في التفسير‬
‫في ربعة مجلدات!!‬
‫‪ 482‬ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/380‬‬
‫‪ 483‬ظهر الطوسي في القرن السادس الهجري‪ ،‬وكان أحد حكماء السلم المرموقين‪ ،‬كرمه‬
‫الخلفاء العباسيين لمكانته في العلم‪ ،‬وجعله هولكو من مستشاريه الطبيين العلميين واستطاع‬
‫دا في بغداد‪ ،‬وكذلك استطاع إنشاء مكتبة كبيرة‪ .‬انظر الزركلي‪ :‬العلم ‪.7/30‬‬
‫أن يبني مرص ً‬
‫‪ 484‬سيد قطب )‪1906‬م – ‪1966‬م(‪ :‬كاتب وأديب ومفكر إسلمي‪ ،‬له إسهامات مجيدة في‬
‫قضايا الدب الفكر السلمي والدعوة‪ ،‬فقد أعانه الله على إكمال تحفته الخالدة "في ظلل‬
‫القرآن" رغم المصاعب التي مّر بها في حياته‪ ..‬كما أّلف إلي جانب الظلل‪ :‬هذا الدين‪-‬‬
‫خصائص التصور السلمي‪ -‬المستقبل لهذا الدين‪ ..‬وغيرها‬

‫دا‪،‬‬
‫دا أن ترى من يسجن نفسه ويتغرب متعم ً‬
‫بج ً‬
‫ثم عجي ٌ‬
‫لينقطع إلى العلم والدراسة والتأليف‪!!..‬‬
‫ففي جنوب قسنطية في قلعة ابن سلمة بالجزائر ينقطع ابن‬
‫خلدون أربع سنوات كاملة للكتابة‪ ،‬وقد أنجز في هذه المدة مقدمته‬
‫الشهيرة "مقدمة ابن خلدون"‪ ،‬والتي خلدت اسمه في التاريخ‪ ،‬وكيف‬
‫ل وقد وضع فيها قواعد تفسير التاريخ‪ ،‬فضل ً عن أسس علم الجتماع‬
‫قا في ذلك دوركايم وغيره من الغربيين‪!!..‬‬
‫الحديث‪ ،‬ساب ً‬
‫وعن مقدمته تلك يقول‪" :‬وأكملت المقدمة على هذا النحو‬
‫الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة‪ ،‬فسالت فيها شآبيب الكلم‬
‫والمعاني على الفكر‪ ،‬حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها"‪.485‬‬
‫وقد كان له من العمر آنذاك ثلث وأربعون سنة‪ ،‬وكانت المدة‬
‫سا وعشرين‬
‫منذ خروجه من بلده الندلس وإلى رجوعه إليها خم ً‬
‫سنة!!‬
‫ورحل ابن البيطار )من كبار علماء النبات المسلمين ‪646‬هق(‬
‫إلى أقطار العالم السلمي‪ ،‬في سبيل طلب العلم وتحصيله‪ ،‬وقد زار‬
‫ضا اليونان وبلد الروم في طريقه إلى المشرق‪ ،‬وبذلك فقد أخذ‬
‫أي ً‬
‫عن المسلمين كما أخذ عن اليونان والرومان‪ ،‬وفي بلد اليونان لقي‬
‫مهتمين بعلم النبات فاستفاد منهم‪ ،‬كما رافقهم لدراسة النبات في‬
‫مواضعه‪ ..‬وفي المغرب قام بالعمل نفسه‪..486‬‬
‫ُ‬
‫صْيبعة أنه شاهده في دمشق‪ ،‬ورافقه لمعاينة‬
‫ويقول ابن أبي أ َ‬
‫النبات في مواضعه‪ ،‬كما قرأ عليه ابن البيطار تفسيره لسماء أدوية‬
‫ديسقوريدس‪..487‬‬
‫وكان ابن البيطار يصحب أستاذه العشاب الشهير ابن الرومية‬
‫إلى الريف‪ ،‬فيعاينان النبات مًعا‪..‬‬
‫وهذه قصة عجيبة للمام الجليل "بقي بن مخلد الندلسي‪~"488‬‬
‫)ت ‪276‬هق(‪ ،‬والذي سأل عن العلم فدلوه على بغداد حيث المام‬
‫أحمد بن حنبل ~‪ ,‬فسافر ماشًيا من الندلس في أقصي غرب بلد‬
‫المسلمين إلى بغداد‪!!489‬‬
‫‪ 485‬ابن خلدون‪ :‬العبر في ديوان المبتدأ والخبر ‪.7/44‬‬
‫‪ 486‬المقري‪ :‬نفح الطيب ‪.2/692‬‬
‫‪ 487‬ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/500‬‬
‫‪ 488‬بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الحافظ أحد علماء الندلس ذو رحلة واسعة صنف‬
‫دا مجاب الدعوة توفي بالندلس سنة ست‬
‫المسند والتفسير وغيرهما وكان ور ً‬
‫عا فاضل ً زاه ً‬
‫وسبعين ومائتين‪ .‬تاريخ دمشق ‪.10/354‬‬
‫‪ 489‬ابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪.10/357‬‬

‫يحكي عن نفسه فيقول‪" :‬لما قربت من بغداد اتصل بي خبر‬
‫المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل‪ ،‬وأنه ممنوع من الجتماع إليه‬
‫جعل تحت‬
‫حِبس في بيته‪ ،‬و ُ‬
‫والسماع منه )كان أحمد بن حنبل قد ُ‬
‫دا‪ ،‬فاحتللت‬
‫ما شدي ً‬
‫المراقبة ورهن القانة الجبرية(‪ ،‬فأغممت بذلك غ ً‬
‫الموضع‪ ،‬فلم أعرج على شيٍء بعد إنزإلى متاعي في بيت أكتريه‬
‫)أستأجره( في بعض الفنادق أن أتيت المسجد الجامع‪ ،‬وأنا أريد أن‬
‫أجلس إلى الخلق وأسمع ما يتذاكرونه‪.‬‬
‫فدفعت إلى حلقة نبيلة‪ ،‬فإذا برجل يكشف عن الرجال‪،‬‬
‫وي‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ لمن كان قربي‪ ،‬فقال‪ :‬هذا يحي بن‬
‫فُيضّعف وُيق ّ‬
‫معين‪ ،‬فرأيت فرجة قد تفّرجت قربه‪ ،‬فقمت إليه فقلت‪ :‬أبا زكريا‬
‫فني‪ .‬فقال لي‪:‬‬
‫ب نائي الدار‪ ،‬أردت السؤال فل تستخ ّ‬
‫رحمك الله‪ ،‬غري ٌ‬
‫ّ‬
‫ضا زكي‪،‬‬
‫قل‪ .‬فسألته عن بعض من لقيت من أهل الحديث‪ ،‬فبع ً‬
‫ضا جّرح‪.‬‬
‫وبع ً‬
‫مار‪ ،‬وكنت قد أكثرت‬
‫فسألته في آخر السؤال عن هشام بن ع ّ‬
‫من الخذ منه‪ ،‬فقال‪ :‬أبو الوليد هشام بن عمار صاحب الصلة‪،‬‬
‫كبٌر وتقّلد كبًرا ما ضّره‬
‫دمشقي ثق ٌ‬
‫ة وفوق الثقة‪ ،‬لو كان تحت ردائه ِ‬
‫شيًئا لخيره وفضله‪ .‬فصاح أهل الحلقة‪ :‬يكفيك ‪ -‬رحمة الله عليك ‪-‬‬
‫غيرك له سؤال!‬
‫فقلت وأنا واقف على قدمي‪ :‬أكشفك عن رجل واحد‪ :‬أحمد بن‬
‫حنبل؟!‬
‫فنظر إلى كالمتعجب وقال لي‪ :‬ومثلنا نحن ن َ ْ‬
‫كشف عن أحمد‬
‫بن حنبل؟! ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم‪.‬‬
‫فخرجت أستد ّ‬
‫ل على منزل أحمد بن حنبل فد ُِللت عليه‪،‬‬
‫فقرعت بابه فخرج إلى وفتح الباب‪ ،‬فنظر رجل لم يعرفه‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫أبا عبد الله‪ ،‬رج ٌ‬
‫ب‪ ،‬نائي الدار‪ ،‬هذا أول دخولي هذا البلد‪ ،‬وأنا‬
‫ل غري ٌ‬
‫سّنة )أي جامع حديث(‪ ،‬ولم تكن رحلتي إل‬
‫مقّيد ُ‬
‫طالب حديث‪ ،‬و ُ‬
‫إليك‪.‬‬
‫خل السطوان )يعني‪ :‬الممر إلى داخل الدار( ول يقع‬
‫فقال‪ :‬اد ُ‬
‫عليك عين‪.‬‬
‫فدخلت‪ ،‬فقال لي‪ :‬وأين موضعك؟! قلت‪ :‬المغرب القصى‪.‬‬
‫؟ قلت‪ :‬أبعد من إفريقية‪ ،‬أجوز من بلدي البحر إلى‬
‫فقال لي‪ :‬إفريقية ‍‬
‫إفريقية‪ ،‬بلدي الندلس‪.‬‬

‫قال‪ :‬إن موضعك لبعيد‪ ،‬وما كان شيٌء أحب إلى من أن ُأحسن‬
‫ن بما لعّله قد‬
‫عون مثلك على مطلبه‪ ،‬غير أّني في حيني هذا ُ‬
‫ممتح ٌ‬
‫بلغك‪.‬‬
‫مقب ٌ‬
‫ل نحوك‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬بلى قد بلغني‪ ،‬وأنا قريب من بلدك‪ُ ،‬‬
‫فقلت له‪ :‬يا أبا عبد الله‪ ،‬هذا أول دخولي‪ ،‬وأنا مجهول العين‬
‫س ّ‬
‫ؤال )في هيئة‬
‫عندكم‪ ،‬فان أذنت لي أن آتي كل يوم في زِيّ ال ّ‬
‫ول(‪ ،‬فأقول عند الباب ما يقولونه‪ ،‬فتخرج إلى هذا الموضع‪ ،‬فلو‬
‫متس ّ‬
‫لم تحدثني في كل يوم إل بحديث واحد لكان لي فيه كفاية‪.‬‬
‫حلق‪ ،‬ول عند‬
‫فقال لي‪ :‬نعم‪ ،‬على شرط أن ل تظهر في ال ِ‬
‫المحدثين‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬لك شرطك‪.‬‬
‫فكنت آخذ عصا بيدي‪ ،‬وألف رأسي بخرقة‪ ،‬وأجعل ورقي‬
‫س ّ‬
‫ؤال‬
‫م آتي بابه فأصيح‪ :‬الجر ‪ -‬رحمك الله ‪ -‬وال ّ‬
‫ودواتي في كمي‪ ،‬ث ّ‬
‫هناك كذلك‪ ،‬فيخرج إلى وُيغلق باب الدار‪ ،‬ويحدثني بالحديثين والثلثة‬
‫والكثر‪.‬‬
‫فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له )الخليفة المأمون ومن‬
‫بعده المعتصم وكذا الواثق(‪ ،‬وولي بعده من كان على مذهب السنة‬
‫)الخليفة المتوكل(‪ ،‬فظهر أحمد وعلت إمامته‪ ،‬وكانت تضرب إليه‬
‫آباط البل‪ ،‬فكان يعرف لي حق صبري‪ ،‬فكنت إذا أتيت حلقته فسح‬
‫لي‪ ،‬ويقص على أصحاب الحديث قصتي معه‪ ،‬فكان يناولني الحديث‬
‫ي وأقرؤه عليه‪!!..490‬‬
‫مناولة‪ ،‬ويقرؤه عل ّ‬
‫وقد كان من نتيجة هذا المجهود الشاق الذي بذله بقي بن‬
‫مخلد‪ ،‬ونتيجة ذلك التحايل في سبيل طلب العلم والصبر على‬
‫تداعياته‪ ،‬أنه ~ رجع إلى الندلس فملها علما‪ ،‬وقد عمل مسنده‬
‫المشهور في أحاديث رسول الله ‪" ،‬مسند بقي بن مخلد"‪ ،‬والذي‬
‫ُيعد من أعظم كتب المسانيد‪ ،‬يصفه طاهر بن عبد العزيز الندلسي‬
‫فيقول‪ :‬حملت معي جزًءا من مسند بقي بن مخلد إلى المشرق‪،‬‬
‫فأريته محمد بن إسماعيل الصائغ‪ ،‬فقال‪ :‬ما اغترف هذا إل من بحر‪،‬‬
‫وعجب من كثرة علمه‪.491‬‬
‫وعن قدر الجهد المبذول في هذا المسند يقول المام أبو محمد‬
‫بن حزم الظاهري ~‪" :‬ومسند بقي روى فيه عن ألف وثلث مائة‬
‫صاحب ونيف‪ ،‬ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه‪ ،‬فهو مسند‬
‫‪490‬‬
‫‪491‬‬

‫الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء ‪.13/292‬‬
‫الذهبي‪ :‬تاريخ السلم‪.‬‬

‫ومصنف‪ ،‬وما أعلم هذه الرتبة لحد قبله‪ ،‬مع ثقته وضبطه وإتقانه‪،‬‬
‫ودة شيوخه‪ ،‬فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة‬
‫واحتفاله فيه‪ ،‬و َ‬
‫ج ْ‬
‫‪492‬‬
‫وثمانين رج ً‬
‫ل‪ ،‬ليس فيهم عشرة ضعفاء" !!‬
‫وهذا المسند يقع في نحو ‪ 200‬جزء‪ ،‬وفيه )‪ (30.969‬حديًثا‪،‬‬
‫بزيادة )‪ (969‬حديًثا على مسند شيخه المام أحمد‪!!..‬‬
‫وحول شخصيته ومنهجه في مؤلفاته وبحوثه يقول الذهبي‪:‬‬
‫سا في العلم‬
‫دا صال ً‬
‫ما مجته ً‬
‫صا‪ ،‬رأ ً‬
‫وكان إما ً‬
‫حا‪ ،‬ربانًيا صادًقا مخل ً‬
‫‪493‬‬
‫دا ‪.‬‬
‫والعمل‪ ،‬عديم المثل‪ ،‬منقطع القرين‪ ،‬يفتي بالثر‪ ،‬ول يقلد أح ً‬
‫أما العجيب والمحزن فهو أن مسند بقي بن مخلد هذا ُيعد‬
‫مفقوًدا الن‪ ،‬وإن كان المباركفوري قد نقل في تحفة الحوذي أنه‬
‫موجود في مكتبة برلين بألمانيا‪.‬‬
‫ضا من‬
‫غير أن بقّيا كان له مصنفات أخرى على قدر كبير أي ً‬
‫الهمية والتفرد‪ ،‬يقول ابن حزم‪ :‬وله مصنف في فتاوى الصحابة‬
‫والتابعين فمن دونهم‪ ،‬الذي قد أربى فيه على مصنف ابن أبي شيبة‬
‫وعلى مصنف عبد الرزاق وعلى مصنف سعيد بن منصور‪ ...‬حتى‬
‫قال‪ :‬فصارت تصانيف هذا المام الفاضل قواعد السلم‪ ،‬ل نظير لها‪،‬‬
‫دا‪ ،‬وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجارًيا‬
‫وكان متخيًرا ل يقلد أح ً‬
‫‪494‬‬
‫في مضمار البخاري ومسلم والنسائي ‪.‬‬
‫أما عن تفسيره فيقول ابن حزم‪ :‬أقطع أنه لم يؤّلف في‬
‫السلم مثل تفسير بقي‪ ،‬ل تفسير محمد بن جرير‪ ،‬ول غيره ‪!!..‬‬
‫‪495‬‬

‫ضا‪ ،‬يقول الذهبي‪:‬‬
‫وفوق ذلك كانت له هذه المنقبة العجيبة أي ً‬
‫ومن مناقبه أنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله‪ ،‬يقال‪ :‬شهد‬
‫سبعين غزوة‪!!..‬‬
‫فهل يمكن أن تتخيل مقدار عمله وجهده‪ ،‬ثم أجره إن شاء‬
‫الله؟!‬
‫‪.496‬‬

‫في ذَل ِ َ‬
‫فل ْي َت ََنا َ‬
‫ك َ‬
‫ن‬
‫مت ََنا ِ‬
‫و ِ‬
‫سو َ‬
‫ف ُ‬
‫س ال ْ ُ‬
‫وصدق الله إذ يقول‪َ  :‬‬
‫ف ِ‬

‫‪ 492‬المصدر السابق‪.‬‬
‫‪ 493‬الذهبي‪ :‬تاريخ السلم‪.‬‬
‫‪ 494‬انظر ابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪. 358 /10‬‬
‫‪ 495‬حاجي خليفة‪ :‬كشف الظنون ‪ ،443 /1‬السيوطي‪ :‬طبقات المفسرين ص ‪ ،30‬الدنروي‪:‬‬
‫طبقات المفسرين ص ‪.37‬‬
‫‪) 496‬المطففين‪.(26 :‬‬

‫ولم يكن بقي بن مخلد ~‪ ،‬هو الوحيد صحاب الرحلة الطويلة‬
‫للبحث عن العلم‪ ،‬ولكن هناك الكثير والكثير ممن قضوا ج ّ‬
‫ل حياتهم‬
‫سعًيا وراء العلم‪ ..‬وكان من هؤلء العظماء المام الجليل شعبة بن‬
‫الحجاج‪..‬‬
‫فقد روى الخطيب البغدادي في كتابه "الكفاية في معرفة‬
‫أصول علم الرواية" تلك الرحلة التي قام بها هذا المام العظيم من‬
‫أجل اعتبار حديث واحد‪ ،‬حتى يقف على علته!!‬
‫يقول الخطيب البغدادي‪ :‬كان جماعة من السلف قعوًدا على‬
‫باب المام شعبة‪ ،‬يتذاكرون‪ ،‬فقال أحدهم‪ :‬حدثنا إسرائيل‪ ،‬عن أبي‬
‫إسحاق‪ ،‬عن عبد الله بن عطاء‪ ،‬عن عقبة بن عامر‪ ،‬قال‪ :‬كنا نتناوب‬
‫رعاية البل على عهد رسول الله ‪ ،‬فجئت ذات يوم والنبي ‪‬‬
‫جالس وحوله أصحابه‪ ،‬فسمعته يقول‪" :‬من توضأ‪ ،‬فأحسن الوضوء‪،‬‬
‫ثم دخل المسجد‪ ،‬فصلى ركعتين واستغفر الله‪ ،‬غفر الله له"‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫ب ٍَخ ب ٍَخ! فجذبني رجل من خلفي‪ .‬فالتفت‪ ،‬فإذا هو عمر بن الخطاب‪.‬‬
‫فقال‪ :‬الذي قال قبل أحسن! فقلت‪ :‬وما قبل؟! قال‪ :‬قال‪" :‬من شهد‬
‫أن ل إله إل الله وأن محمدا رسول الله‪ ،‬قيل له‪ :‬ادخل من أي أبواب‬
‫الجنة شئت"‪.‬‬
‫واتفق أن استمع المام شعبة إلى هذا الحديث‪ ،‬فخرج إلى‬
‫هؤلء الرهط وعّنفهم على تهاونهم في عدم تحري الدقة عند رواية‬
‫هذا الحديث‪ ،‬لوجود علة في سند الرواية‪ ) :‬إسرائيل‪ ،‬عن أبي‬
‫إسحاق‪ ،‬عن عبد الله بن عطاء‪ ،‬عن عقبة(! وأوضح أنه قد سمع أبو‬
‫إسحاق يروي هذا الحديث‪ ،‬فذهب للتأكد من صحة هذه الرواية‪،‬‬
‫دثه بهذا الحديث فقال له أبو إسحاق‪ :‬حدثني عبد الله‬
‫فسأله عمن ح ّ‬
‫بن عطاء‪ ،‬عن عقبة‪ ،‬فألح شعبة بن الحجاج على أبي إسحاق في‬
‫السؤال‪" :‬هل سمع عبد الله بن عطاء من عقبة"؟! لن سماع‬
‫المحدثين من بعضهم يعتبر شر ً‬
‫طا للقبول بصحة الحديث‪.‬‬
‫ولما لم يتيقن شعبة بن الحجاج من ذلك‪ ،‬قرر أن عليه الذهاب‬
‫إلى عبد الله بن عطاء بمكة لسؤاله عن هذا الحديث‪ ،‬فبدأ في التجهز‬
‫لهذه الرحلة‪ ،‬ثم توجه إلى من البصرة إلى مكة‪ ،‬وكان موسم الحج‬
‫قد بدأ‪ ،‬ولكن لم يكن قصد شعبة الحج‪ ،‬وإنما كان همه معرفة صحة‬
‫هذا الحديث‪ ،‬فلما لقي عبد الله بن عطاء‪ ،‬سأله عمن سمع منه هذا‬
‫الحديث‪ ،‬فأخبره أنه سمعه من سعد بن إبراهيم! أي صحت شكوك‬
‫شعبة بن الحجاج بأن عبد الله بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من‬
‫عقبة بن عامر مباشرة‪ .‬وهنا كان على شعبة البحث مرة أخرى!!‬
‫ولم يكن هذا الشخص الذي سماه عبد الله بن عطاء ممن‬
‫ذهبوا للحج في هذا العام‪ ،‬بل كان في بلده بالمدينة المنورة‪ ،‬فرحل‬

‫شعبة بن الحجاج ثانية إلى المدينة‪ ،‬ولقي هذا الرجل‪ ،‬وسأله عمن‬
‫سمع منه هذا الحديث‪ ،‬فأخبره بأنه سمع هذا الحديث من رجل آخر‬
‫يقطن في البصرة‪ ،‬وهنا شك شعبة في المر‪ ،‬ولكنه أراد أن يكمله‬
‫سمي له‪ .‬وسأل شعبة‬
‫للنهاية‪ ،‬فرجع إلى البصرة‪ ،‬فلقي الرجل الذي ُ‬
‫هذا الرجل عن ذلك الحديث‪ ،‬فأخبره أنه سمعه من أحد الضعفاء!‬
‫وهنا أيقن شعبة بن الحجاج بضعف هذا الحديث‪ ،‬وقال‪ :‬لو صح‬
‫لي مثل هذا الحديث عن رسول الله ‪ ‬كان أحب إلى من أهلي‬
‫ومإلى ومن الناس أجمعين‪!!497‬‬
‫فيالله من همم!! يطوف بلداًنا شتى‪ ،‬ويدخل مدائن عدة‪،‬‬
‫وتمضي به الزمان‪ ،‬وينفق الموال العظام‪ ..‬من أجل الوقوف على‬
‫صحة حديث واحد‪!!..‬‬

‫وبمثل هذا الجهد العظيم في الرحلة‪ ،‬فقد كان الصادقون من‬
‫ضا يتسابقون لحجز الماكن لحضور مجالس العلم‪..‬‬
‫أهل هذه المة أي ً‬
‫يقول جعفر بن درستويه )من كبار المحدثين(‪" :‬كنا نأخذ المجلس في‬
‫مجلس علي بن المديني ~ )وهو من علماء الجرح والتعديل( وقت‬
‫العصر لمجلس غد بعد الفجر‪ ,‬فنقعد طول الليل؛ مخافة أن ل نلحق‬
‫من الغد موضًعا نسمع فيه"‪!!498‬‬
‫من َّبه ~ )وهو من التابعين(‪" :‬مجلس‬
‫وفي ذلك يقول وهب بن ُ‬
‫يتنازع فيه العلم أحب إلى من قدره صلة لعل أحدهم يسمع الكلمة‬
‫فينتفع بها سنة أو ما بقي من عمره "‪.499‬‬
‫صلوا‬
‫ولجل ذلك كانوا ل يتركون موطًنا فيه علم إل طرقوه وح ّ‬
‫منه‪ ،‬يقول مكحول ~ )وهو من التابعين(‪" :‬أعتقت بمصر فلم أدع بها‬
‫ما إل حويته فيما أرى‪ ,‬ثم أتيت العراق‪ ،‬ثم أتيت المدينة فلم أدع‬
‫عل ً‬
‫‪500‬‬
‫ما إل حويت عليه فيما أرى‪ ,‬ثم أتيت الشام فغربلتها" !!‬
‫بهما عل ً‬
‫س‬
‫وتلك هي الطبيعة المتعطشة دائ ً‬
‫ما التي تكون عليها نف ُ‬
‫طالب العلم وهمته‪ ،‬يقول الحسن البصري ~‪" :‬منهومان ل يشبعان‬
‫منهوم في العلم ل يشبع منه ومنهوم في الدنيا ل يشبع منها"‪.501‬‬
‫ولعله أخذ هذا المعنى من عبد الله بن مسعود < حيث يقول‪:‬‬
‫"منهومان ل يشبعان صاحب العلم وصاحب الدنيا ول يستويان أما‬
‫‪497‬‬
‫‪498‬‬
‫‪499‬‬
‫‪500‬‬
‫‪501‬‬

‫الخطيب البغدادي‪ :‬الكفاية في علم الرواية ‪.1/400‬‬
‫أبو سعد التميمي السمعاني‪ :‬أدب الملء ‪.1/112‬‬
‫الدارمي‪ :‬باب في فضل العلم والعالم )‪.(325‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.28/470‬‬
‫الدارمي‪ :‬باب في فضل العلم والعالم )‪.(331‬‬

‫صاحب العلم فيزداد رضى للرحمن واما صاحب الدنيا فيتمادى في‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ل َي َطْ َ‬
‫غى أ ْ‬
‫سا َ‬
‫الطغيان ثم قرأ عبد الله‪ :‬ك َل ّ إ ِ ّ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ن َرآ ُ‬
‫خ َ‬
‫ل‪ :‬وََقا َ‬
‫غَنى‪َ ،‬قا َ‬
‫ه‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ل ال َ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ه ِ‬
‫ا ْ‬
‫م ْ‬
‫شى الل ّ َ‬
‫خُر‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫‪502‬‬
‫ماءُ‪. ‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬
‫وليس أقل من أن صاحب مثل هذه النفس كان إذا فاته شيٌء‬
‫من العلم‪ ،‬نزل به الهم والحزن‪ ،‬وأصابه المرض‪!!..‬‬
‫فقد ذكروا حديًثا لشعبة لم يسمعه‪ ،‬فجعل يقول‪:‬‬
‫"واحزناه!!"‪ .‬وكان يقول‪" :‬إّني لذكر الحديث يفوتني فأمرض‬

‫‪503‬‬

‫"!!‬

‫ولجل ذلك كله لم يكن العلماء فقط هم الذين يطلبون العلم‬
‫ضا‪ ،‬مع علو‬
‫ويبحثون عنه‪ ،‬بل سبقهم إلى تلك الفضيلة النبياء أي ً‬
‫قدرهم‪ ،‬وسمو منزلتهم‪..‬‬
‫وفي صورة توضح ذلك‪ ،‬فقد روى ُأبي بن كعب < عن النبي ‪‬‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫قال‪َ " :‬‬
‫سئ ِ َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ي َ‬
‫طيًبا ِ‬
‫خ ِ‬
‫قا َ‬
‫ف ُ‬
‫في ب َِني إ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫م ُ‬
‫سى الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪َ .‬‬
‫ف َ‬
‫م؟ َ‬
‫قا َ‬
‫د‬
‫ي الّنا‬
‫ه َ‬
‫ل‪ :‬أَنا أ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫م ي َُر ّ‬
‫عت َ َ‬
‫ف َ‬
‫ه إ ِذْ ل َ ْ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫أ ّ‬
‫ِ‬
‫فأ َوحى الل ّه إلي َ‬
‫ع‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ال ْ ِ‬
‫دا ِ‬
‫ِ‬
‫م إلي ِ‬
‫هأ ّ‬
‫م ْ‬
‫عب ْ ً‬
‫ه‪َ ْ َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫عَباِدي ب ِ َ‬
‫ُ‬
‫عل ْ َ‬
‫م ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ه؟ َ‬
‫ك‪َ .‬‬
‫قي َ‬
‫قا َ‬
‫ه‪:‬‬
‫و أَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫وك َي ْ َ‬
‫ن ُ‬
‫ف بِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ل‪َ :‬يا َر ّ‬
‫ال ْب َ ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ه َ‬
‫حَري ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫ذا َ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫م‪.‬‬
‫حوًتا ِ‬
‫في ِ‬
‫ح ِ‬
‫ل ُ‬
‫ا ْ‬
‫ف ُ‬
‫و ثَ ّ‬
‫قدْت َ ُ‬
‫ه َ‬
‫مك ْت َ ٍ‬
‫ق بِ َ‬
‫َ‬
‫ه ُيو َ‬
‫في‬
‫حوًتا ِ‬
‫مَل ُ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫فَتا ُ‬
‫وان ْطَل َ َ‬
‫فان ْطَل َ َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ن ُنو ٍ‬
‫ق َ‬
‫شع َ ب ْ ِ‬
‫حّتى َ‬
‫ما‪،‬‬
‫ص ْ‬
‫عا ُر ُ‬
‫كاَنا ِ‬
‫و َ‬
‫خَر ِ‬
‫ِ‬
‫ض َ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫س ُ‬
‫ءو َ‬
‫وَنا َ‬
‫ه َ‬
‫عن ْدَ ال ّ‬
‫ما َ‬
‫ة َ‬
‫مك ْت َ ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سَرًبا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬فات ّ َ‬
‫ه ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫ت ِ‬
‫في الب َ ْ‬
‫سل ال ُ‬
‫حو ُ‬
‫ر َ‬
‫خذ َ‬
‫فان ْ َ‬
‫م ْ‬
‫سِبيل ُ‬
‫مكت َ ِ‬
‫ح ِ‬
‫قي ّ َ َ َ‬
‫و َ‬
‫فان ْطَل َ َ‬
‫جًبا‪َ ،‬‬
‫و َ‬
‫ما‬
‫فَتاهُ َ‬
‫قا ب َ ِ‬
‫كا َ‬
‫ع َ‬
‫مو َ‬
‫ه َ‬
‫ن لِ ُ‬
‫سى َ‬
‫َ‬
‫ة لي ْلت ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح قا َ‬
‫داءََنا لقدْ‬
‫سى ل ِفَتاهُ‪ :‬آت َِنا غ َ‬
‫صب َ َ‬
‫مو َ‬
‫م ُ‬
‫ل ُ‬
‫ما‪ ،‬فل ّ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ما أ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫سا‬
‫م‬
‫سى‬
‫مو‬
‫د‬
‫ج‬
‫ي‬
‫م‬
‫ل‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫با‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ر‬
‫ف‬
‫س‬
‫ن‬
‫م‬
‫نا‬
‫قي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ ّ‬
‫ُ َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ ْ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫ه‪.‬‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫ذي أ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫حّتى َ‬
‫َ‬
‫وَز ال ْ َ‬
‫جا َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ة َ‬
‫قا َ‬
‫ت‬
‫فَ َ‬
‫ص ْ‬
‫فإ ِّني ن َ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫سي ُ‬
‫ه‪ :‬أَرأي ْ َ‬
‫ه فََتا ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫وي َْنا إلى ال ّ‬
‫ت إ ِذْ أ َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ه إ ِّل ال ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫ساِني ِ‬
‫طا ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫حو َ‬
‫ما أن ْ َ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫سى‪ :‬ذَل ِ َ‬
‫غي َ‬
‫َقا َ‬
‫ما‬
‫دا َ‬
‫ما ك ُّنا ن َب ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫فاْرت َ ّ‬
‫مو َ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫ل ُ‬
‫عَلى آَثا ِ‬
‫َ‬
‫صا‪.‬‬
‫ص ً‬
‫ق َ‬
‫وقد أشعره الله بالتعب ليتوقف ويكتشف ضياع الحوت‪ ،‬ومن‬
‫ثم يستطيع الوصول إلى من ُوصف له بأنه سُيعّلمه‪ ،‬ويعني ذلك أن‬
‫‪ 502‬الدارمي‪ :‬باب في فضل العلم والعالم )‪ (332‬واليات من سورة العلق ‪ ،6،5‬وسورة فاطر‬
‫‪.28‬‬
‫‪ 503‬أبو نعيم الصبهاني‪ :‬حلية الولياء ‪. 155 /7‬‬

‫الله ‪ ‬لما اطلع على الخلص في قلبه‪ ،‬وظهر على إثر ذلك رغبته‬
‫سر الله له الوصول إلى ما كان يبغيه‪،‬‬
‫الحقيقية في التعلم‪ ،‬فقد ي ّ‬
‫ووفقه إلى طريق العلم‪..‬‬
‫سر له وسائل‬
‫وهكذا كل من أراد أن يتعلم بصدق‪ ،‬فإن الله ُيي ّ‬
‫التعليم‪..‬‬
‫ويتابع رسول الله ‪ ‬القصة فيقول‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫ة إِ َ‬
‫و‬
‫ص ْ‬
‫خَر ِ‬
‫س ّ‬
‫ذا َر ُ‬
‫م َ‬
‫ما ان ْت َ َ‬
‫ل ُ‬
‫فل َ ّ‬
‫و ٍ‬
‫هَيا إلى ال ّ‬
‫ب‪ ،‬أ ْ‬
‫جى ب ِث َ ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫سى َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫وأّنى‬
‫ل ال ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫وب ِ ِ‬
‫س ّ‬
‫مو َ‬
‫ف َ‬
‫ل تَ َ‬
‫م ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫ضرُ‪َ :‬‬
‫جى ب ِث َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫ف َ‬
‫سى‪َ .‬‬
‫ف َ‬
‫م‪َ .‬‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫سى ب َِني‬
‫ب ِأْر ِ‬
‫سَل ُ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ك ال ّ‬
‫ل‪ُ :‬‬
‫ل‪ :‬أَنا ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫م‪َ .‬‬
‫ل؟ َ‬
‫ه ْ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫مِني‬
‫ك َ‬
‫ل‪َ  :‬‬
‫عَلى أ ْ‬
‫ن تُ َ‬
‫ل أت ّب ِ ُ‬
‫ل‪ :‬ن َ َ‬
‫إِ ْ‬
‫عل ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫ّ‬
‫ت َر َ‬
‫دا‪‬؟‬
‫ما ُ‬
‫ِ‬
‫ش ً‬
‫م َ‬
‫عل ْ‬
‫م ّ‬
‫ل‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫َقا َ‬
‫عَلى‬
‫سى إ ِّني َ‬
‫م ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫طي َ‬
‫مو َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ك لَ ْ‬
‫صب ًْرا‪َ ‬يا ُ‬
‫ع َ‬
‫ي َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى ِ ْ‬
‫ت َ‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫مِني ِ‬
‫عل ْم ِ الل ّ ِ‬
‫عل ْم ٍ ِ‬
‫ه َل ت َ ْ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ه أن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫علم ٍ‬
‫َ‬
‫ه!‬
‫ه َل أ ْ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫مك َ ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫صي ل َ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن َ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫وَل أ َ ْ‬
‫ع ِ‬
‫جدُِني إ ِ ْ‬
‫ل َ‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ست َ ِ‬
‫صاب ًِرا َ‬
‫َ‬
‫مًرا‪.‬‬
‫أ ْ‬
‫فان ْطَل َ َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫م ِ‬
‫ل ال ْب َ ْ‬
‫س لَ ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ه َ‬
‫قا ي َ ْ‬
‫ر ل َي ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ما‪َ ،‬‬
‫ة َ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ف‬
‫فين َ ٌ‬
‫فين َ ٌ‬
‫ر َ‬
‫ملو ُ‬
‫مو ُ‬
‫س ِ‬
‫س ِ‬
‫ح ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫مّر ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ه ْ‬
‫فك َل ُ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫ع ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫على‬
‫ما ب ِ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫جاءَ ُ‬
‫ملو ُ‬
‫خ ِ‬
‫وق َ‬
‫ل‪ ،‬ف َ‬
‫ضُر ف َ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ع ْ‬
‫صفوٌر ف َ‬
‫و ٍ‬
‫ر نَ ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫و نَ ْ‬
‫قَر ن َ ْ‬
‫فن َ َ‬
‫ة َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫س ِ‬
‫فين َ ِ‬
‫في ال ْب َ ْ‬
‫حْر ِ‬
‫َ‬
‫ف ال ّ‬
‫قَرةً أ ْ‬
‫ح ِ‬
‫قَرت َي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫ه إ ِّل‬
‫ال ْ َ‬
‫ن ِ‬
‫و ِ‬
‫ص ِ‬
‫عل ْم ِ الل ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫خ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ ُ‬
‫سى‪َ ،‬‬
‫ضُر‪َ :‬يا ُ‬
‫ق َ‬
‫مي َ‬
‫‪504‬‬
‫ص ُ‬
‫ك َن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ر‪. "..‬‬
‫ر ِ‬
‫ة َ‬
‫قَر ِ‬
‫في ال ْب َ ْ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ح ِ‬
‫فو ِ‬
‫ثم كان من أمرهما ما كان في سورة الكهف من أحداث‪..‬‬
‫وما يمكن أن نضيفه هنا‪ ،‬هو أن هذا الجهد العظيم المبذول في‬
‫قا ‪ -‬رغم كل المعوقات‬
‫تعلم العلم وتحصيله ‪ -‬كما رأينا ساب ً‬
‫والصعوبات التي قد تعتري الطريق ‪ -‬لم يكن ذلك الجهد قاصًرا على‬
‫العلماء المسلمين فقط‪ ،‬بل شاركهم في ذلك كل من نبغ وتفوق في‬
‫أي من مجالت العلوم الخرى من كل أمم الرض؛ إذ هي سنة كونية‬
‫وقاعدة مطردة‪..‬‬

‫‪ 504‬البخاري‪ :‬كتاب العلم‪ :‬باب إذا سئل العالم أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلي الله )‪،(122‬‬
‫ومسلم‪ :‬كتاب الفضائل‪ ،‬باب من فضائل الخضر ‪ ،((2380‬والترمذي )‪ ،(3149‬وأحمد )‬
‫‪ ،(21155‬وابن حبان )‪ .(6220‬واليات من سورة الكهف من ‪.68-61‬‬

‫فمن بذر لبد وأن يرى الثمر‪ ،‬وعلى قدر البذل والجهد‪ ،‬لبد وأن‬
‫يكون العطاء‪..‬‬
‫وعليه‪ ،‬فكما نبغ علماء مسلمون وذاع صيتهم وشهرتهم في‬
‫مجال علمهم‪ ،‬نتيجة ما بذلوه من مجهود‪ ،‬وما صبروا عليه من مشاق‬
‫ضا علماء غير مسلمين في مجال علومهم‪،‬‬
‫وتضحيات‪ ..‬فقد نبغ أي ً‬
‫ضا في رحلتهم العلمية الخاصة‬
‫نتيجة طبيعية وحتمية لما مروا به أي ً‬
‫بهم‪..‬‬
‫فهذا توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي‪ ..‬كان من دأبه‬
‫الكد والعمل ودونما انقطاع طيلة الربع والعشرين ساعة على مدار‬
‫اليوم‪ ،‬يختلس منها فقط فترات وجيزة للراحة‪ ،‬ليعود على إثرها‬
‫للبحث والعمل من جديد‪ ،‬وكان يكتفي في طعامه بالوجبات السريعة‬
‫في المعمل‪!!..‬‬
‫وفي سنة ‪1886‬م استطاع أن يؤسس مصنع "منلوبارك"‬
‫الشهير بمدينة "نيوجيرسي"‪ ،‬حيث تلحقت منه اختراعاته التي سجل‬
‫عا‪!!..‬‬
‫منها ما يقارب ‪ 1500‬اخترا ً‬
‫وقد بقي في معمله الذي اتخذ منه بيًتا ومصنًعا أربعة أيام‬
‫ضا الخروج منه قبل تحقيق اختراعه‪ ،‬وكان يردد‪" :‬إما‬
‫متصلة‪ ،‬راف ً‬
‫النجاح أو أن أموت"‪..‬‬
‫ولما توفي في الثامن عشر من شهر أكتوبر سنة ‪1931‬م‪ ،‬كان‬
‫عا!!‬
‫جل رسمًيا ‪ 2500‬اخترا ً‬
‫هذا العبقري قد س ّ‬
‫سِئل عن سر هذا النجاز الجّبار أجاب‪" :‬إن المثابرة والكد‬
‫ولما ُ‬
‫والصبر أساس النجاح‪ ..‬وإن نسبة الوحي واللهام هي ‪ ،%1‬و ‪%99‬‬
‫عرق جبين"‪..‬‬
‫وهذا أنطوان لفوازييه‪ 505‬مكتشف الوكسجين‪ ..‬انقطع كلية عن‬
‫اللهو والمرح مع أقرانه‪ ،‬وعاش منهم ً‬
‫كا في الدراسة والعلم‪ ،‬حتى‬
‫تدهورت صحته بسبب ذلك‪ ،‬وُأصيب بتوعك في معدته‪ ،‬المر الذي‬
‫فرض عليه العيش على الحليب لعدة أشهر‪ ،‬حتى نصحه أحد أصدقائه‬
‫بالتقليل من الجهاد الفكري‪ ،‬والزيادة في النشاط البدني!!‬
‫ورغم ذلك فقد شغل ثلث وظائف‪ ،‬هي‪ :‬عضوية المجمع‬
‫العلمي‪ ،‬وعضوية المزرعة‪ ،‬ومدير دار السلحة‪ ..‬ولم يمنعه ذلك كله‬
‫من القيام باختباراته العلمية‪ ،‬وقد خصص لها ‪ 6‬ساعات يومّيا!!‬
‫‪ 505‬ولد لفوازييه في باريس ‪1743‬م‪ ،‬عمل بالمحاماة كوالده ونال جائزة لبتكاره في طريقة‬
‫إنارة شوارع باريس إل أنه كان يعشق البحث فقاده ذلك لن يكون أبو الكيمياء الحديثة وهو‬
‫أول من تعرف على الوكسجين‪ ،‬ورغم عبقريته إل أن مصيره كان العدام بعد قيام الثورة‬
‫الفرنسية‪.‬‬

‫أما العالم نيوتن‪ ..506‬فقد ضرب أروع المثلة في تحمل الفقر‬
‫وضيق العيش وصلف الحياة‪ ..‬فقد رأت أمه أن تبعده عن الدراسة‬
‫بعد وفاة أبيه‪ ،‬وذلك ليعتني لها بالرض والحرث‪ ،‬كما كان يفعل أبوه‬
‫من قبل!!‬
‫ها عن الدراسة‪!!..‬‬
‫مكر ً‬
‫وبالفعل تخلى ُ‬
‫ولجل ذلك‪ ،‬وفي سبيل كسر ذلك الطوق الذي قّيده عن إتمام‬
‫تعليمه‪ ،‬كان يختلي بكتبه كلما سنحت له الفرصة‪ ،‬ولما كانت تأمره‬
‫أمه بمرافقة الخادم إلى السوق‪ ،‬كان يستجيب لها حتى إذا ما أشرف‬
‫على المدينة خل إلى كتابه وطلب من الخادم أن يقوم بمهام الشراء‬
‫بمفرده!!‬
‫وهكذا يمضي الخادم لشأنه‪ ،‬ويبقى نيوتن مستلقًيا على العشب‬
‫يحل إحدى المسائل الحسابية في استغراق كلي‪ ،‬ريثما يعود الخادم‬
‫من السوق‪ ،‬فيرجعا مًعا إلى المزرعة‪..‬‬
‫أما العالم الفرنسي المشهور لويس باستير‪ ،507‬فقد افتقده‬
‫الناس ليلة زفافه‪ ،‬ولما بحثوا عنه وجدوه في مختبره يجري بعض‬
‫التجارب!!!‬
‫هذه هي أحوال العلماء في جهادهم من أجل العلم‪ ،‬ومن أجل‬
‫تحصيله‪ ..‬ول يظنن أحد ٌ أنه بعيد ٌ عن تحصيل مثل هذه الدرجات التي‬
‫صلها هؤلء السابقون‪ ،‬ويتحجج في ذلك بأن جهله عريض‪ ،‬أو أن‬
‫ح ّ‬
‫حصيلته قليلة‪ ،‬أو أن بضاعته في ذلك مزجاة!!‬
‫فالمر فقط كما روى معاوية < بسند حسن أن رسول الله ‪‬‬
‫قال‪" :‬يا أيها الناس‪ ،‬تعلموا‪ ،‬إنما العلم بالتعلم‪ ،‬وإنما الفقه‬
‫بالتفقه‪ ،‬ومن يرد الله به خيًرا يفقه في الدين"‪.508‬‬
‫ول ريب أن المة التي يكون أتباعها على هذه الدرجة من‬
‫معرفة قيمة العلم‪ ،‬ومن الحرص عليه‪ ،‬والرغبة الشديدة فيه‪ ..‬لبد أن‬
‫تكون أمة رائدة سائدة قائدة‪..‬‬
‫‪ 506‬ولد السير إسحاق نيوتن ‪1642‬م في بلدة وولثروب البريطانية‪ ،‬وظهرت عليه براعة‬
‫ميكانيكية فصنع أدوات إلية من تصميمه مثل طائرة ورقية ومزولة وساعة مائية‪ ،‬واكتشف‬
‫قانون الجاذبية‪ ،‬وقانون الجذب العام‪ ،‬ومن مؤلفاته "الصول الرياضية للفلسفة الطبيعية"‪،‬‬
‫وتوفي عام ‪.1727‬‬
‫‪ 507‬لويس باستر ولد في عام ‪ 1822‬في مدينة دول في فرنسا‪ ،‬ابتدع طريقة للقاح ضد مرض‬
‫الكلب واستطاع اكتشاف طريقة اللهوائية وهي استطاعة بعض الكائنات على العيش دون‬
‫أوكسجين أو هواء‪ ،‬وهو أول من عرف البكتريا والجراثيم وعرف التعامل معها وتوفي عام‬
‫‪.1895‬‬
‫‪ 508‬الطبراني في الوسط )‪ ،(2663‬وقال اللباني‪ :‬حسن لغيره صحيح الترغيب والترهيب‬
‫‪.1/16‬‬

‫ولشك أن الذي يتخلى عن هذه الحمية العلمية‪ ،‬يقود أمته‬
‫ونفسه من قبل إلى النقياد‪ ،‬بل ويقودهما إلى مواطن الهلك‬
‫ومصارع السوء‪..‬‬

‫َ‬
‫و َ‬
‫ماءُ‬
‫ت ال ْ ُ‬
‫قا ُ‬
‫عل َ َ‬
‫الفصل الثالث‪ :‬أ ْ‬
‫صناعة العلماء تبدأ من حرصهم على احترام الوقت كركيزة‬
‫إسلمية وقيمة حضارية كبرى‪ ،‬وهي الحقيقة التي لم يغفلها السلم‬
‫ما كبيًرا بالوقت‪ ،‬وحث أتباعه على استثماره‬
‫أب ً‬
‫دا‪ ،‬فكان أن اهتم اهتما ً‬
‫والمحافظة عليه‪ ،‬وذلك فيما ينفع دينهم ودنياهم‪..‬‬
‫فلعظم الوقت وأهميته الكبرى أقسم الله ‪ ‬به في كتابه‬
‫الكريم في أكثر من موضع‪ ،‬فأقسم سبحانه بالفجر‪ ،‬والضحى‪ ،‬والليل‪،‬‬
‫ل وعزيزٍ ونفيس‪..‬‬
‫والعصر‪ ..‬ولم يقسم الله ‪ ‬إل بغا ٍ‬
‫وإنه إذا كانت النظرية الغربية ترى أن الوقت هو المال‪ ،‬فإن‬
‫س لحقّ الوقت؛ إذ هو أغلى‬
‫النظرية السلمية ترى أن هذه القيمة بخ ٌ‬
‫در بمال‪ ،‬ولذلك فكان الوقت في منظومتها هو الحياة‪..‬‬
‫من أن ُيق ّ‬
‫فالوقت باهظ الثمن؛ إذ هو الحياة بعينها‪ ،‬وما حياة النسان إل‬
‫ذلك الوقت الذي يقضيه من ساعة الميلد إلى ساعة الوفاة‪..‬‬
‫ولذلك لم يكن غريًبا أن يقول ابن القيم ~‪:‬‬
‫م ولم أستفد هدى‬
‫إذا مّر بي يو ٌ‬
‫عمري‬

‫ما فما هو من‬
‫ولم أكتسب عل ً‬

‫‪509‬‬

‫ولم يكن عجيًبا أن أحدهم حين مّر بقوم ٍ وهم في ملهى أو في‬
‫مقهى جالسون‪ ،‬أنه أخذ يتألم! ولما قيل له في ذلك قال‪ :‬والله‬
‫آسف‪ ،‬وأتمنى لو أن الوقات تشترى كما تشترى البضاعة لشترينا‬
‫من هؤلء أوقاتهم‪!!..‬‬
‫ما كانوا على‬
‫وفي ذلك يقول الحسن البصري ~‪" :‬أدركت أقوا ً‬
‫صا على دراهمكم ودنانيركم"‪!!510‬‬
‫أوقاتهم أشد منكم حر ً‬
‫وإنه ‪ -‬وللسف ‪ -‬فإن الكثيرين لم ُيدركوا هذه الحقيقة‪ ،‬ولم‬
‫يفقهوا كون "الوقت" من أعظم وأكبر نعم الله ‪ ‬على النسان‪،‬‬
‫دروه بأقل من ثمنه‪ ،‬ففرطوا في استهلكه والنتفاع بكل‬
‫فغبنوه وق ّ‬
‫ن‬
‫لحظة فيه‪ ..‬فقد روى ابن عباس < أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬ن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫مَتا ِ‬
‫فَرا ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫غ"‪!!511‬‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن ِ‬
‫ما ك َِثيٌر ِ‬
‫غُبو ٌ‬
‫ص ّ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫س‪ :‬ال ّ‬
‫ة َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫في ِ‬
‫‪ 509‬ابن القيم‪ :‬مفتاح دار السعادة ‪. 122 /1‬‬
‫‪ 510‬أنور بن سعيد البيلوي‪ :‬الوقت بين حرص السلف وتفريط الخلف ص ‪.10‬‬
‫‪ 511‬البخاري‪ :‬كتاب الرقاق‪ ،‬باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن ل عيش إل عيش الخرة )‬
‫‪ ،(6049‬والترمذي )‪ ،(2304‬وابن ماجة )‪ ،(4170‬واحمد )‪ ،(3207‬والحاكم )‪.(7845‬‬

‫ولذالك يقول ابن مسعود <‪" :‬ما ندمت على شيٍء ندمي على‬
‫يوم ٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي"‪.‬‬
‫وإنه لما كان لعلماء السلم مهمة شريفة‪ ،‬وغاية نبيلة‪ -‬على‬
‫قا ‪ -‬فضل عن معرفتهم تلك القيمة الغإلية للوقت‪..‬‬
‫نحو ما وضحنا ساب ً‬
‫فقد كان لهم تعاملهم الخاص معه‪ ،‬وبمعنى آخر‪ :‬كان لهم تعاملهم‬
‫الخاص مع أنفاسهم التي ُتعد عليهم‪ ..‬وذاك الذي أورثهم حضارة‬
‫ُ‬
‫دا‪ ،‬لم يعرف‬
‫ما وعًزا ومج ً‬
‫عريقة الجذور‪ ،‬استطاعت أن تؤتي أكلها عل ً‬
‫التاريخ لمثلها نظيًرا!!‬
‫وفي تجسيد عملي‪ ،‬وفي صورة واقعية تبين تثمين ذلك الوقت‬
‫وكيفية إدارته في واقع علماء المسلمين‪ ،‬يقول المام أبو الوفاء بن‬
‫عقيل الحنبلي‪ :‬إني ل يحل لي أن ُأضّيع ساعة من عمري‪ ،‬حتى إذا‬
‫تع ّ‬
‫طل لساني عن مذاكرة أو مناظرة‪ ،‬وبصري عن مطالعة‪ ،‬أعملت‬
‫فكري في حال راحتي وأنا منطرح‪ ،‬فل أنهض إل وقد خطر لي ما‬
‫أسطره‪ ،‬وإني لجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين‬
‫أشد ما كنت أجده وأنا ابن عشرين‪.512‬‬
‫ثم ترى العجب حين تراه ُيكمل فيقول‪ :‬وأنا أقصر بغاية جهدي‬
‫سيه بالماء على الخبز؛ لجل‬
‫وقت أكلي حتى أختار س ّ‬
‫ف الكعك وتح ّ‬
‫ة‪ ،‬أو تسطير فائدة لم‬
‫ما بينهما من تفاوت المضغ؛ توفًرا علي مطالع ٍ‬
‫أدركها فيه‪!!513‬‬
‫ي‪ :‬لو قلت لكم إني ما رأيت‬
‫وقال موسى بن إسماعيل الت ُّبوذك ِ ّ‬
‫حماد بن سلمة ضاح ً‬
‫كا لصدقت‪ ،‬كان مشغو ً‬
‫ل‪ :‬إما أن يحدث أو يقرأ‬
‫‪514‬‬
‫أو ُيسّبح أو يصلي‪ ،‬وقد قسم النهار على ذلك ‪.‬‬
‫سليم بن أيوب الرازي )أحد كبار أئمة المذهب‬
‫بل إن المام ُ‬
‫الشافعي ت ‪447‬هق( كان يحاسب نفسه على النفاس أن تضيع دون‬
‫إفادة‪ ,‬فقد حكى عنه أبو الفرج غيث بن علي التنوخي الصوري قال‪:‬‬
‫دثت عنه أنه كان يحاسب نفسه على النفاس‪ ,‬ل يدع وقًتا يمضي‬
‫ح ّ‬
‫و ُ‬
‫عليه بغير فائدة‪ ,‬إما ينسخ‪ ,‬أو ُيدّرس‪ ,‬أو يقرأ‪ ,‬وينسخ شيًئا كثيًرا‪.‬‬
‫ولقد حدثني عنه شيخنا أبو الفرج السفرايني )أحد تلمذته( أنه نزل‬
‫ما إلى داره ورجع‪ ,‬فقال‪" :‬وقد قرأت جزًءا في طريقي"!!‬
‫يو ً‬
‫ي عليه‬
‫ح ِ‬
‫ما َ‬
‫مل بن الحسن‪ :‬أنه رأى ُ‬
‫سَلي ً‬
‫قال‪ :‬وحدثني المؤ ّ‬
‫ف َ‬
‫ّ‬
‫ه )أي‪ :‬براه وأصلحه(‬
‫القلم )أي‪ :‬لم يعد صال ً‬
‫حا للكتابة( فإلى أن قَط ُ‬

‫‪512‬‬
‫‪513‬‬
‫‪514‬‬

‫أبو الفضل العسقلني‪ :‬لسان الميزان ‪.4/243‬‬
‫ابن رجب الحنبلي‪ :‬ذيل طبقات الحنابلة ‪.1/108‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.7/265‬‬

‫جعل يحرك شفتيه‪ ،‬فعلم أنه يقرأ بإزاء أص ً‬
‫لحه القلم؛ لئل يمضي‬
‫عليه زمان وهو فارغ‪!!515‬‬
‫وهذا محمد بن س َ‬
‫لم الب ِي ْك َْندي شيخ البخاري )ت ‪227‬هق( كان‬
‫ملي‪،‬‬
‫سا في مجلس الملء والشيخ يح ّ‬
‫في حال الطلب جال ً‬
‫دث وي ُ ْ‬
‫فانكسر قلم محمد بن سلم فأمر أن ينادى‪ :‬قلم بدينار‪ ..‬فتطايرت‬
‫إليه القلم‪.516‬‬
‫وذلك لئل ينشغل ولو برهة عن الدرس والتحصيل؛ فالمال‬
‫وض‪ ،‬أما الوقت والتحصيل فهيهات هيهات أن يرجع‪!!..‬‬
‫يع ّ‬
‫ومن هذه المشكاة‪ ،‬كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول‪:‬‬
‫ي‪ :‬ساعة آكل فيها‪517‬ا!!‬
‫أثقل الساعات عل ّ‬
‫ويحكي ابن أبي أصيبعة صاحب طبقات الطباء فيقول‪ :‬حكى لنا‬
‫القاضي شمس الدين الخوئي عن الشيخ فخر الدين بن الخطيب أنه‬
‫قال‪ :‬والله إنني أتأسف في الفوات عن الشتغال بالعلم في وقت‬
‫الكل‪ ،‬فإن الوقت والزمان عزيز‪!!518‬‬
‫ضا القاضي عياض في ترتيب المدارك عن ابن المكوى‬
‫وحكى أي ً‬
‫القرطبي‪ ،519‬وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره ل يفتر عنه ليله‬
‫ونهاره‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫قا له قصده في عيد زائًرا له‪ ،‬فأصابه داخل داره‬
‫ذكر أن صدي ً‬
‫وبابه مفتوح‪ ،‬فجلس منتظره‪ ،‬وأبطأ عليه‪ ،‬فأوصى إليه‪ ،‬فخرج وهو‬
‫ينظر في كتاب فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه لشتغال باله‬
‫بالكتاب!! فتنّبه حينئذ ٍ له وسّلم عليه‪ ،‬واعتذر إليه من احتباسه بشغله‬
‫بمسألة عويصة لم يمكنه تركها حتى فتحها الله عليه!! فقال له‬
‫الرجل‪ :‬في أيام عيد ووقت راحة مسنونة؟! فقال‪ :‬إذا علمت‬
‫بهذه النفس انصبت إلى هذه المعرفة‪ ،‬والله ما لي راحة ول لذة في‬
‫غير النظر والقراءة‪.520‬‬
‫وعن مكانته يقول ابن عفيف‪ :‬إليه انتهت رئاسة العلم‬
‫بالندلس‪ ،‬حتى صار بمثابة يحيى بن يحيى في زمانه‪ ،‬واعتلى على‬
‫جميع الفقهاء‪ ،‬ونفذت الحكام برأيه‪ ،‬فحكم على الحاكم‪ ،‬وبُعد صيته‬
‫بالندلس‪ ،‬وكان ~ من ذوي المتانة في دينه والصلبة في رأيه والبعد‬
‫‪515‬‬
‫‪516‬‬
‫‪517‬‬
‫‪518‬‬
‫‪519‬‬
‫‪520‬‬

‫ابن عساكر‪ :‬تبيين كذب المفتري ص ‪.263‬‬
‫الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء‬
‫أبو هلل العسكري‪ :‬الحث على طلب العلم والجتهاد ص ‪88‬‬
‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.3/130‬‬
‫هو أبو عمر أحمد بن عبد الملك الشبيلي المعروف بابن المكوى‪ ،‬مولى بني أمية‪.‬‬
‫القاضي عياض‪ :‬ترتيب المدارك ‪.4/636‬‬

‫عن هوى نفسه‪ ،‬ل يداهن السلطان‪ ،‬ول يدع صدعه بالحق‪ ،‬كان البعيد‬
‫والقريب عنده في الحق سواء‪!!521‬‬
‫فلجل ذلك الحرص الشديد على الوقت في الدراسة وتحصيل‬
‫سدى‪ ..‬ومن ثم فإنك تراهم يقتنصون‬
‫العلم‪ ،‬لم تكن تضيع منهم برهة ُ‬
‫ُ‬
‫ميه بق "الفراغات البينية"‪ ،‬وهي التي تكون بين عمل وآخر‪،‬‬
‫ما أس ّ‬
‫بل ويجعلون من أعمال حياتهم الضرورية ‪ -‬مثل أوقات الكل‪ ،‬ودخول‬
‫الخلء‪ ،‬والذهاب إلى عمل ما ‪ -‬يجعلون منها أوقاًتا للدرس والعلم‬
‫ضا!!‬
‫أي ً‬
‫فقد ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازي أنه قال‪:‬‬
‫دا أحرص على طلب‬
‫قال لي أبو زرعة )يعني الرازي(‪ :‬ما رأيت أح ً‬
‫العلم منك‪ ،‬فقلت له‪ :‬إن عبد الرحمن ابني لحريص‪ .‬فقال‪ :‬من أشبه‬
‫أباه فما ظلم‪.‬‬
‫مام )وهو أحمد بن علي‪ ،‬أحد رجال إسناد الخبر(‪:‬‬
‫قال الّر ّ‬
‫فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالته لبيه فقال‪:‬‬
‫ربما كان يأكل وأقرأ عليه‪ ،‬ويمشي وأقرأ عليه‪ ،‬ويدخل الخلء وأقرأ‬
‫عليه‪ ،‬ويدخل البيت في طلب شيء فأقرأ عليه‪!!522‬‬
‫فكانت ثمرة تلك المحافظة العجيبة على الزمن‪ ،‬والحرص‬
‫جا علمًيا كبيًرا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫الشديد على طلب العلم هذا ‪ -‬كانت ثمرته نتا ً‬
‫كتاب "الجرح والتعديل" في تسعة مجلدات‪ ،‬وهو من أهم الكتب‬
‫النفيسة الحافلة الرائدة في هذا العلم‪ ،‬وكتاب "التفسير" في عدة‬
‫مجلدات‪ ،‬وكتاب "المسند" في ألف جزء!!‬
‫وهذا عبد الرحمن بن تيمية يحكي عن أبيه فيقول‪ :‬كان الجد إذا‬
‫دخل الخلء يقول‪ :‬اقرأ لي هذا الكتاب‪ ،‬وارفع صوتك حتى أسمع‪!!523‬‬
‫مار بن رجاء‪ :‬سمعت عبيد بن‬
‫وعلى هذا النحو أي ً‬
‫ضا قال ع ّ‬
‫يعيش يقول‪ :‬أقمت ثلثين سنة ما أكلت بيدي بالليل‪ ،‬كانت أختي‬
‫تلقمني وأنا أكتب الحديث‪!!524‬‬
‫ف‬
‫ف الفتيت‪ ،‬ويقول‪ :‬بين س ّ‬
‫بل إن داود الطائي كان يست ّ‬
‫‪525‬‬
‫الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية !!‬
‫وحكى القطب اليونيني عن المام النووي ~ أنه كان ل يضيع له‬
‫وقت في ليل ول نهار إل في وظيفة من الشتغال بالعلم‪ ،‬حتى إنه‬
‫‪521‬‬
‫‪522‬‬
‫‪523‬‬
‫‪524‬‬
‫‪525‬‬

‫القاضي عياض‪ :‬ترتيب المسالك ص ‪.657‬‬
‫أبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.24/388‬‬
‫أبو عبد الله الزرعي‪ :‬روضة المحبين ‪.1/70‬‬
‫الخطيب البغدادي‪ :‬الجامع لخلق الراوي ‪.2/178‬‬
‫ابن الجوزي‪ :‬صيد الخاطر ص ‪.489‬‬

‫في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة‪ ،‬أو مطالعة‪،‬‬
‫وإنه بقي على التحصيل ‪ -‬على هذا الوجه ‪ -‬ست سنين‪!!526‬‬
‫ربة شخصية مررت بها ونفعتني كثيًرا‪،‬‬
‫وبالمكان أن أذكر هنا تج ِ‬
‫من خلل استغلل تلك المسافات البينية‪ ،‬أو الوقات المهدرة بين‬
‫العمل والخر‪..‬‬
‫فحين كنت في أمريكا‪ ،‬ولما كانت المسافات التي نقطعها يومًيا‬
‫دا‪ ،‬فقد حرصت على أن‬
‫بالسيارة للوصول إلى العمل طويلة ج ً‬
‫أستغل ذلك الوقت وأستفيد منه قدر الطاقة‪ ،‬وقمت على إثر ذلك‬
‫بإعداد برنامج عملي تفصيلي لسماع محاضرات علمية في أثناء‬
‫ركوب السيارة‪ ،‬واستطعت سماع مكتبة كبيرة وقيمة من الشرطة‬
‫المسموعة التي في المسجد‪ ،‬والتي هي عندي وعند أصدقائي‪،‬‬
‫ما‬
‫وكانت لشيوخ وعلماء من بلدان إسلمية شتى‪ ،‬فأضافت إلى علو ً‬
‫در دونما تقدير!!‬
‫ت أن أحوزها‪ ..‬وكل ذلك في وقت قد ُيه َ‬
‫ما تخيل ُ‬
‫مع العلم بأن استماعي هذا لم يكن بطريقة عشوائية‪ ،‬وإنما‬
‫كان وفق برنامج مدروس ومتكامل‪ ،‬يضيف المعلومة إلى المعلومة‪،‬‬
‫والموضوع إلى الموضوع‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫فماذا لو خصص كل منا "شري ً‬
‫طا" إسلمًيا ‪ -‬مثل ً ‪ -‬وجعله معه‬
‫أثناء سفره ‪ -‬وخاصة وكلنا يمر بتجربة السفر والتنقل والترحال ‪-‬‬
‫واستطاع أن يستفيد من سماعه في السيارة التي يستقلها‪ ،‬أو‬
‫يستفيد ويفيد منه الخرين‪ ،‬إذا كان يستقل موأص ً‬
‫لت عامة؟!!‬
‫إن المر جد ّ هّين‪ ..‬وما عليك إل أن تعرف قيمة ما عزمت‬
‫عليه‪ ..‬ول إخال أنك لم تعرفه الن!!‬
‫وليس المر في ذلك مقتصًرا فقط على أوقات السفر‪ ،‬فهناك‬
‫ضا أوقات النتظار‪ ،‬سواء كان ذلك لقضاء عمل معين أو مصلحة‬
‫أي ً‬
‫خاصة‪ ..‬وما أكثر ذلك في حياتنا!! فهناك ‪ -‬مثل ً ‪ -‬عيادات الطباء‪..‬‬
‫وهناك مكاتب المحاماة‪ ..‬وهناك انتظار المحاضرات‪ ..‬وغيرها الكثير‬
‫من الفراغات الوقتية الهائلة!!‬
‫فمن الممكن في ذلك تخصيص كتاب لقراءته والستفادة منه‪،‬‬
‫حمل المصحف للحفظ فيه أو قراءة الورد اليومي‪ ،‬وذلك في مثل‬
‫أو َ‬
‫كل هذه المور‪ ..‬ويكفي في ذلك أل تجعل وقًتا يمر عليك دون‬
‫فائدة!!‬

‫‪526‬‬

‫السخاوي‪ :‬ترجمة النووي ص ‪.12،11‬‬

‫وقد حكي عن أبي بكر بن الخياط النحوي ~ أنه كان يدرس‬
‫جميع أوقاته‪ ،‬حتى في الطريق!! وكان ربما سقط في جرف‪ ،‬أو‬
‫خبطته دابة لسبب ذلك‪!!527‬‬
‫خا له( فكان‬
‫وأما الفتح بن خاقان )استوزره المتوكل واتخذه أ ً‬
‫فه‪ ،‬فإذا قام من بين يدي المتوكل لحاجة أو‬
‫خ ّ‬
‫يحمل الكتاب في ُ‬
‫ليصلي‪ ،‬أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي‬
‫يريد‪ ،‬ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه‪.528‬‬
‫ن آخر‪..‬‬
‫أما حالهم في سهر الليل‪ ،‬فكان له شأ ٌ‬
‫فكان محمد بن الحسن الشيباني ~ ل ينام الليل‪ ،‬وكان عنده‬
‫الماء يزيل نومه به‪ ،‬وكان يقول‪ :‬إن النوم من الحرارة لبد من دفعه‬
‫بالماء البارد‪!!529‬‬
‫وذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صّلى الصبح بوضوء‬
‫العتمة )العشاء( ثلثين سنة‪ ،‬خمس عشرة من دراسة‪ ،‬وخمس‬
‫عشرة من عبادة‪!!530‬‬
‫ويحكي أحد أصحاب المام مالك‪ ،‬وهو عبد الرحمن بن قاسم؛‬
‫سا فأسأله عن مسألتين‪ ،‬ثلثة‪ ،‬أربعة‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬كنت آتي مالك ًا غل ً‬
‫وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح الصدر‪ ،‬فكنت آتي كل سقحقر‪،‬‬
‫ت مرة عتبته فغلبتني عيني فِنمت‪ ،‬وخرج مالك إلى المسجد‬
‫فتوسد ُ‬
‫ولم أشعر به‪ ،‬فركضتني جارية سوداء له برجلها‪ ،‬وقالت لي‪ :‬إن‬
‫مولك )ظنت أنه موله من كثرة اختلفه إليه وتردده عليه( قد خرج‪،‬‬
‫ليس يغفل كما تغفل أنت‪ ،‬اليوم له تسعٌ وأربعون سنة قّلما صّلى‬
‫الصبح إل بوضوء العتمة‪!!531‬‬
‫وإذا نظرنا إلى حالهم مع أقرانهم ومحيطهم ودروسهم فإنك‬
‫ترى العجب العجاب‪..‬‬
‫وقد كان العلمة الكبير أبو المعإلى محمود شكري اللوسي‬
‫البغدادي الحفيد‪ ،‬يمتاز بالجد الشديد والحرص على الوقت‪ ،‬فكان ل‬
‫يثنيه عن دروسه شدة الحر‪ ،‬ول قرص برد الشتاء‪ ،‬وكثيًرا ما تعّرض‬
‫تلميذه بسبب تأخرهم عن الدرس إلى النقد والتعنيف‪..‬‬
‫قال عنه تلميذه العلمة بهجة الثري‪ :‬أذكر أنني انقطعت عن‬
‫حضور درسه في يوم مزعج‪ ،‬شديد الريح‪ ،‬غزير المطر‪ ،‬كثير الوحل؛‬
‫‪527‬‬
‫‪528‬‬
‫‪529‬‬
‫‪530‬‬
‫‪531‬‬

‫أبو هلل العسكري‪ :‬الحث على طلب العلم والجتهاد ص ‪.77‬‬
‫ابن النديم‪ :‬الفهرست ص ‪.169‬‬
‫طاشكبري‪ :‬مفتاح السعادة ومصباح السيادة ‪.1/23‬‬
‫القاضي عياض‪ :‬اللماع إلي معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ‪.1/235‬‬
‫الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء ‪.9/120‬‬

‫ما شخصت في اليوم الثاني إلى‬
‫ظًنا مني أنه ل يحضر المدرسة‪ ،‬فل ّ‬
‫الدرس‪ ،‬صار ينشد بلهجة الغضبان‪ :‬ول خير فيمن عاقه الحر والبرد‪..‬‬
‫‪!!532‬‬
‫ق‬
‫ولهذا قال بعضهم‪" :‬من أمضى يو ً‬
‫ما من عمره في غير ح ٍ‬
‫سه‪ ،‬أو‬
‫س َ‬
‫صله‪ ،‬أو خيرٍ أ ّ‬
‫صله‪ ،‬أو حمد ٍ ح ّ‬
‫ض أّداه‪ ،‬أو مجد ٍ أ ّ‬
‫قضاه‪ ،‬أو فر ٍ‬
‫علم ٍ اقتبسه‪ ،‬فقد عق يومه وظلم نفسه"‪.‬‬
‫وعليه فل نعجب حين نسمع بعد ذلك عن وفرة حفظهم وسعة‬
‫تحصيلهم‪..‬‬
‫فل نعجب ‪ -‬مثل ً ‪ -‬حين نعلم أن النووي وهو في أول طلبه‬
‫حا‬
‫سا على المشايخ شر ً‬
‫للعلم‪ ،‬كان يقرأ كل يوم اثني عشر در ً‬
‫حا!!‬
‫وتصحي ً‬
‫فكان يقرأ درسين في "الوسيط"‪ ،‬وثالًثا في "المهذب"‪ ،‬ورابًعا‬
‫سا في‬
‫سا في "صحيح مسلم"‪ ،‬ودر ً‬
‫في الجمع بين الصحيحين‪ ،‬وخام ً‬
‫سا في "أص ً‬
‫لح المنطق" لبن‬
‫"الّلمع" لبن جني في النحو‪ ،‬ودر ً‬
‫سا في أصول الفقه‪،‬‬
‫سا في التصريف‪ ،‬ودر ً‬
‫السكيت في اللغة‪ ،‬ودر ً‬
‫تارة في "اللمع" لبن إسحاق‪ ،‬وتارة في "المنتخب" للفخر الرازي‪،‬‬
‫سا في أصول الدين‪!!533‬‬
‫سا في أسماء الرجال‪ ،‬ودر ً‬
‫ودر ً‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫شكل‪،‬‬
‫قال النووي‪ :‬وكنت أعّلق جميع ما يتعلق بها من شرح ُ‬
‫ضاح عبارة‪ ،‬وضبط لغة‪ ،‬وبارك الله لي في وقتي واشتغإلي‪،‬‬
‫وأي ً‬
‫‪534‬‬
‫وأعانني عليه !!‬
‫وفي مثل ذلك ما ذكره الذهبي في تاريخه عن إسماعيل بن‬
‫أحمد الحيري النيسابوري الضرير‪ ،‬فيقول في ترجمته‪ :‬سمع عليه‬
‫الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في‬
‫ثلثة مجالس‪ :‬اثنان منها في ليلتين‪ ،‬كان يبتدئ بالقراءة وقت‬
‫المغرب ويختم عند صلة الفجر‪ ،‬والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع‬
‫الفجر!!‬
‫دا في‬
‫وقد علق الذهبي على ذلك بقوله‪ :‬وهذا شيٌء ل أعلم أح ً‬
‫زماننا يستطيعه‪!!535‬‬
‫وقد قرأ الفيروز آبادي )صاحب القاموس المحيط( صحيح‬
‫مسلم في ثلثة أيام وهو بدمشق‪.‬‬
‫‪ 532‬من مقدمة الستاذ عدنان عبد الرحمن الدوري‪ :‬لكتاب إتحاف المجاد فيما يصح به‬
‫الستشهاد لللوسي محمود الحفيد ص ‪.15‬‬
‫‪ 533‬الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.4/1470‬‬
‫‪ 534‬الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.4/1470‬‬
‫‪ 535‬السخاوي‪ :‬فتح المغيث ‪.2/52‬‬

‫وذكر الحافظ السخاوي في حق شيخه ابن حجر قال‪ :‬وقع‬
‫لشيخنا الحافظ ابن حجر أج ّ‬
‫ل مما وقع لشيخه المجد اللغوي‪ ،‬فإنه‬
‫قرأ صحيح البخاري في أربعين ساعة رملية‪ ،‬وقرأ صحيح مسلم في‬
‫أربعة مجالس سوى مجلس الختم‪ ،‬وقرأ سنن ابن ماجة في أربعة‬
‫مجالس‪ ،‬وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس‪ ،‬كل مجلس‬
‫منها نحو أربع ساعات‪ ،‬وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل‬
‫مجلس منها أربع ساعات‪.‬‬
‫ثم قال السخاوي‪ :‬وأسرع شيء وقع له )أي لبن حجر( أنه قرأ‬
‫في رحلته الشامية معجم الطبراني الكبير في مجلس واحد بين‬
‫صلتي الظهر والعصر!! قال‪ :‬وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو‬
‫ألف حديث وخمسمائة‪!!536‬‬
‫ضا أن يصبح لهم باع عريض في شتى‬
‫كما ل نعجب بعد ذلك أي ً‬
‫أصناف العلوم‪..‬‬
‫سد قيمة الوقت عندهم‪ ،‬وكيفية‬
‫وفي صورة تعبر عن ذلك‪ ،‬وُتج ّ‬
‫ضا سعة اطلعهم ووفرة تصنيفاتهم‪ ..‬ما‬
‫تحصيلهم للعلوم‪ ،‬وتبين أي ً‬
‫يقصه صاحب طبقات الطباء عن ابن سينا‪ ،‬حيث يحكي عن نفسه‬
‫فيقول‪:‬‬
‫أحضرت معلم القرآن ومعلم الدب‪ ،‬وأكملت العشر من العمر‬
‫وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الدب‪ ،‬حتى كان يقضى مني‬
‫العجب‪ ...‬ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله النائلي‪ ،‬وكان من علماء‬
‫الفلسفة‪ ،‬وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه‪ ،‬وقبل قدومه كنت أشتغل‬
‫بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد‪ ،‬وكنت من أجود السالكين‪،‬‬
‫وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه العتراض على المجيب على الوجه‬
‫الذي جرت عادة القوم به‪.‬‬
‫ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت‬
‫علم المنطق‪ ،‬وكذلك كتاب إقليدس‪ ،‬فقرأت من أوله خمسة أشكال‬
‫أو ستة عليه‪ ،‬ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره‪ ،‬ثم انتقلت‬
‫إلى المجسطي‪ ،‬ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الشكال‬
‫الهندسية‪ ،‬قال لي النائلي‪ :‬تول قراءتها وحلها بنفسك‪ ،‬ثم اعرضها‬
‫ي لبين لك صوابه من خطئه‪ ،‬وما كان الرجل يقوم بالكتاب‪،‬‬
‫عل ّ‬
‫وأخذت أحل ذلك الكتاب‪ ،‬فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما‬
‫عرضته عليه أفهمته إياه )أي أنه بدأ يشرح لستاذه(!!‬

‫‪ 536‬انظر سيد العفاني‪ :‬صلح المة في علو الهمة ‪ ،1/558،557‬نقل عن الضوء اللمع‬
‫للسخاوي‪.‬‬

‫ثم فارقني النائلي متوجًها إلى كركانج‪ ،‬واشتغلت أنا بتحصيل‬
‫الكتب من الفصوص والشروح‪ ،‬من الطبيعي واللهي‪ ،‬وصارت أبواب‬
‫العلم تنفتح علي‪.‬‬
‫ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه؛‬
‫وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة‪ ،‬فل جرم أني برزت فيه في‬
‫ي علم الطب‪ ،‬وتعهدت‬
‫أقل مدة‪ ،‬حتى بدأ فضلء الطب يقرءون عل ّ‬
‫ي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما‬
‫المرضى فانفتح عل ّ‬
‫ل يوصف‪ ،‬وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر فيه‪ ،‬وأنا في هذا‬
‫الوقت من أبناء ست عشرة سنة!!‬
‫فا‪ ،‬فأعدت قراءة‬
‫ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونص ً‬
‫المنطق وجميع أجزاء الفلسفة‪ ،‬وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة‬
‫بطولها‪ ،‬ول اشتغلت النهار بغيره‪ ،‬وجمعت بين يدي ظهوًرا‪ ،‬فكل حجة‬
‫كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية‪ ،‬ورتبتها في تلك الظهور‪ ،‬ثم‬
‫نظرت فيما عساها تنتج‪ ،‬وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي‬
‫حقيقة الحق في تلك المسألة‪.‬‬
‫وكلما كنت أتحّير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الوسط في‬
‫قياس‪ ،‬ترددت إلى الجامع‪ ،‬وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل‪ ،‬حتى فتح‬
‫لي المنغلق‪ ،‬وتيسر المتعسر!!‬
‫وكنت أرجع بالليل إلى داري‪ ،‬وأضع السراج بين يدي‪ ،‬وأشتغل‬
‫بالقراءة والكتابة‪ ،‬فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف‪ ،‬عدلت إلى‬
‫شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلى قوتي‪ ،‬ثم أرجع إلى القراءة‪،‬‬
‫ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها‪ ،‬حتى أن كثيًرا‬
‫من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام!!‬
‫وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم‪ ،‬ووقفت عليها بحسب‬
‫المكان النساني!!‬
‫‪ ...‬حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي‪ ،‬ثم عدلت‬
‫إلى اللهي‪ ،‬وقرأت كتاب "ما بعد الطبيعة"‪ ،‬فما كنت أفهم ما فيه‪،‬‬
‫ي غرض واضعه‪ ،‬حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي‬
‫والتبس عل ّ‬
‫محفو ً‬
‫ظا‪ ،‬وأنا مع ذلك ل أفهمه ول المقصود به‪ ،‬وأيست من نفسي‬
‫وقلت‪ :‬هذا كتاب ل سبيل إلى فهمه!!‬
‫وإذا أنا في يوم من اليام حضرت وقت العصر في الوراقين‪،‬‬
‫ي فرددته رد متبرم‪ ،‬معتقد ٌ أن‬
‫وبيد دلل مجلد ينادي عليه‪ ،‬فعرضه عل ّ‬
‫ل فائدة من هذا العلم‪ ،‬فقال لي‪ :‬اشتر مني هذا فإنه رخيص‪ ،‬أبيعكه‬
‫ج إلى ثمنه‪.‬‬
‫بثلثة دراهم‪ ،‬وصاحبه محتا ٌ‬

‫واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما‬
‫ي في‬
‫بعد الطبيعة‪ ،‬ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته‪ ،‬فانفتح عل ّ‬
‫الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفو ً‬
‫ظا على ظهر‬
‫القلب‪ ،‬وفرحت بذلك‪ ،‬وتصدقت في ثاني يومه بشيء كثير على‬
‫الفقراء؛ شكًرا لله تعإلي‪!!537‬‬
‫أعتقد أن معنى استغلل الوقت واستثماره قد وضح لنا من‬
‫خلل التعرف على قصة ابن سينا‪ ،‬وطريقته في تلقي العلوم والبحث‬
‫عنها‪ ،‬وهي ليست طريقة خاصة بابن سينا وحده‪ ،‬ولكنها الطريقة‬
‫الصيلة التي يحرص عليها أي عالم يريد أن يصل إلى البداع!‬
‫ضا‪..‬‬
‫وغير ابن سينا‪ ،‬كان هناك الشافعي أي ً‬
‫فقد ذكر ابن خلكان أن أحد علماء النساب في العراق تحدث‬
‫مع الشافعي في هذا العلم )علم النساب(‪ ،‬فوجده من كبار العلماء‬
‫فيه‪ ،‬فلما طال بينهما الحديث‪ ،‬قال له الشافعي‪ :‬مثلي ومثلك ل يليق‬
‫بهما أن يتحدثا عن أنساب الرجال من قبل آبائهم‪ ،‬فتعال نتحدث عن‬
‫أنسابهم من قبل أمهاتهم‪!!538‬‬
‫ثم يذكر أنه لقيه طلبة الطب في الفسطاط‪ ،‬فوجدوا عنده من‬
‫سا يأخذون‬
‫المعرفة في علومهم ما أطمعهم في أن يخصص لهم در ً‬
‫فيه عنه علوم الطب‪ ،‬فأشار إلى الفقهاء واقفين ينتظرونه في ظل‬
‫جدار جامع عمرو بن العاص فقال‪ :‬وهل ترك لي هؤلء من الوقت ما‬
‫أتفرغ به لكم؟‪!!539‬‬
‫ولما قدم الشافعي الفسطاط كان يجالسه أرباب الحلق‪ ،‬عبد‬
‫الله بن الحكم ونظراؤه‪ ،‬وكان حسن الوجه والخلق‪ ،‬فحبب إلى أهل‬
‫مصر من الفقهاء والنبلء والعيان‪ ،‬وكان يجلس في حلقته إذا صلى‬
‫الصبح بجامع عمرو‪ ،‬فيجيئه أهل القرآن ويسألونه‪ ،‬فإذا طلعت‬
‫الشمس قاموا وجاء أهل الحديث‪ ،‬فيسألونه عن معانيه وتفسيره؛‬
‫فإذا ارتفعت الشمس قاموا‪ ،‬واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة؛‬
‫فإذا ارتفع النهار تفرقوا‪ ،‬وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو‪،‬‬
‫حتى يقترب انتصاف النهار‪ ،‬ثم ينصرف إلى منزله في الفسطاط‪!!540‬‬
‫وقال الربيع‪ :‬أقام الشافعي ها هنا في الفسطاط أربع سنين‪،‬‬
‫فا وخمسين ورقة‪ ،‬كلها في أربع سنين‪ ،‬وكان مع ذلك عليل ً‬
‫فأملى أل ً‬

‫‪537‬‬
‫‪538‬‬
‫‪539‬‬
‫‪540‬‬

‫ابن أبي أصيبعة‪ :‬عيون النباء في طبقات الطباء ‪.74-3/71‬‬
‫الصفدي‪ :‬الوافي بالوفيات ‪.2/175‬‬
‫ابن أبي حاتم الرازي‪ :‬آداب الشافعي ومناقبه ص ‪.324‬‬
‫ياقوت الحموي‪ :‬معجم الدباء ‪.17/304‬‬

‫شديد العلة‪ ،‬وربما خرج الدم وهو راكب‪ ،‬حتى يمل سراويله وخفه‬
‫)يعنى من البواسير( ‪!!541‬‬
‫وتراه يحكي عن نفسه فيما رواه عنه عمرو بن سواد قال‪ :‬قال‬
‫ي سنتان حملتني أمي‬
‫لي الشافعي‪ :‬ولدت بعسقلن‪ ،‬فلما أتت عل ّ‬
‫إلى مكة‪ ،‬وكانت نهمتي في شيئيين‪ :‬الرمي‪ ،‬وطلب العلم‪ ،‬فنلت من‬
‫الرمي حتى إني أصيب من عشرةٍ عشرة‪ ،‬وسكت عن العلم‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي‪!!542‬‬
‫ضا من حالهم وهم على فراش‬
‫وليس لنا بعد ذلك أن نعجب أي ً‬
‫الموت‪ ..‬إذ تراهم يطلبون العلم حتى آخر لحظات حياتهم‪..‬‬
‫فقد روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنه كان بحضرة‬
‫أبي جعفر الطبري ~ قبل موته‪ ،‬وتوفي بعد ساعة أو أقل منها‪ ،‬ف ُ‬
‫ذكر‬
‫ة فكتبه‪،‬‬
‫له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد‪ ،‬فاستدعى محبرة وصحيف ً‬
‫فقيل له‪ :‬أفي هذه الحالة؟! فقال‪ :‬ينبغي للنسان أل يدع اقتباس‬
‫العلم حتى الممات‪!!543‬‬
‫و عن فرقد )إمام مسجد البصرة( أنهم دخلوا على سفيان‬
‫ث فأعجبه‪ ،‬فضرب سفيان‬
‫الثوري في مرض موته‪ ،‬فحدثه رجل بحدي ٍ‬
‫حا فكتبه‪ ،‬فقالوا له‪ :‬على هذه‬
‫بيده إلى تحت فراشه‪ ،‬فأخرج ألوا ً‬
‫الحال منك؟! فقال‪ :‬إنه حسن؛ إن بقيت فقد سمعت حسًنا‪ ،‬وإن مت‬
‫فقد كتبت حسًنا‪!!544‬‬
‫فا جميل ً لستاذه‬
‫ويروي القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي موق ً‬
‫المام أبي يوسف القاضي‪ ،‬والمام أبو يوسف هو يعقوب بن إبراهيم‬
‫النصاري‪ ،‬صاحب أبي حنيفة وتلميذه وناشر علمه ومذهبه‪ ،‬وقاضي‬
‫الخلفاء العباسيين الثلثة‪ :‬المهدي والهادي والرشيد‪ ،‬وأول من ُدعي‪:‬‬
‫قاضي القضاة‪ ،‬وكان يقال له‪ :‬قاضي قضاة الدنيا‪ ،‬ت ‪182‬هق‪ ،‬يقول‬
‫ى عليه‪،‬‬
‫القاضي إبراهيم‪ :‬مرض أبو يوسف فأتيته أعوده‪ ،‬فوجدته ُ‬
‫مغم ً‬
‫ة؟ قلت‪ :‬في مثل‬
‫فلما أفاق قال لي‪ :‬يا إبراهيم‪ ،‬ما تقول في مسأل ٍ‬
‫هذه الحالة؟! قال‪ :‬ول بأس بذلك‪ ،‬ندرس لعله ينجو بها ناج! ثم قال‪:‬‬
‫يا إبراهيم‪ ،‬أيما أفضل في رمي الجمار ‪ -‬أي في مناسك الحج ‪ -‬أن‬
‫يرميها ماشًيا أو راكًبا؟ قلت‪ :‬راكًبا‪ ،‬قال‪ :‬أخطأت‪ ،‬قلت‪ :‬ماشًيا‪ ،‬قال‬
‫أخطأت‪ ،‬قلت‪ :‬قل فيها‪ ،‬يرضى الله عنك!! قال‪ :‬أما من كان يوقف‬
‫عنده للدعاء‪ ،‬فالفضل أن يرميه ماشًيا‪ ،‬وأما ما كان ل يوقف عنده‪،‬‬
‫فالفضل أن يرميه راكًبا‪.‬‬
‫‪541‬‬
‫‪542‬‬
‫‪543‬‬
‫‪544‬‬

‫البيهقي‪ :‬المناقب ‪.2/290،289‬‬
‫أبو نعيم‪ :‬حلية الولياء ‪ ،9/77‬وأبو الحجاج المزي‪ :‬تهذيب الكمال ‪.24/362‬‬
‫ابن عساكر‪ :‬تاريخ دمشق ‪.52/199‬‬
‫أبو نعيم‪ :‬حلية الولياء ‪.7/64‬‬

‫قال‪ :‬ثم قمت من عنده‪ ،‬فما بلغت باب الدار حتى سمعت‬
‫الصراخ عليه‪ ،‬وإذا هو قد مات ~‪!!545‬‬
‫ويروي الفقيه أبو الحسن على بن عيسى ~ أنه دخل على أبي‬
‫الريحان البيروني ~ وهو في لحظات حياته الخيرة‪ ,‬وقد حشرجت‬
‫نفسه‪ ،‬وكادت أن تخرج‪ ،‬فقال البيروني وهو في هذه الحالة من‬
‫دات التي تكون‬
‫ج ّ‬
‫ما في مسألة ال ِ‬
‫حالت الحتضار‪ :‬كيف قلت لي يو ً‬
‫من قبل الم؟!‬
‫يسأله عن مسألة من مسائل الميراث!!‬
‫فيقول الفقيه أبو الحسن‪ :‬فقلت له إشفاًقا عليه‪ :‬أفي هذه‬
‫الحالة؟!‬
‫قال لي‪ :‬يا هذا‪ ،‬أ ُوَّدع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة‪ ،‬أل يكون‬
‫خيًرا لي من أن ُأخّليها وأنا جاهل بها‪546‬؟!‬
‫فهو يريد أن يتعلم المر قبل أن يموت‪ ،‬ل لشيٍء إل لمجرد‬
‫العلم‪ ،‬وذلك أنه يعلم فضل ومزية تلك المكانة والمنزلة‪ ..‬فأعاد عليه‬
‫فظه‪ ،‬ثم قال‪" :‬وخرجت‬
‫الفقيه أبو الحسن شرح المسألة وعّلمه وح ّ‬
‫من عنده‪ ،‬وأنا في الطريق سمعت الصراخ"‪!!547‬‬
‫لقد مات أبو الريحان البيروني ~ بعد دقائق من تعلمه‬
‫المسألة‪!!..‬‬
‫وقد يتخيل البعض أن هذه مبالغات من هؤلء العلماء‪ ،‬وأن‬
‫فا‪ ..‬لكن الذي‬
‫الحرص على الوقت إلى هذه الصورة قد يكون تكل ً‬
‫ينظر إلى إنتاج هؤلء العلماء يدرك بوضوح أهمية استغلل كل لحظة‬
‫من لحظات الحياة‪ ،‬وخاصة أن التراث الذي تركوه ما زلنا ننتفع به‬
‫دا إلى يوم القيامة!‬
‫إلى ساعتنا هذه‪ ،‬وقد يبقى خال ً‬
‫قال الخطيب البغدادي‪ :‬سمعت علي بن عبيد الله بن عبد‬
‫الغفار اللغوي‪ ،‬يحكي أن محمد بن جرير الطبري )ت ‪310‬هق عن ثلثة‬
‫ثمانين سنة( مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين‬
‫ورقة‪!!548‬‬
‫أي أنه ~ كتب في حياته ما يزيد على نصف مليون ورقة!!‬
‫‪ 545‬ابن معظم شاه الكشميري‪ :‬العرف الشذي للكشميري ‪ .2/358‬الطبعة الولى المحقق‬
‫محمود أحمد شاكر المدقق مؤسسة ضحى للنشر والتوزيع‬
‫‪ 546‬الصفدي‪ :‬الوافي بالوفيات ‪.1/1070‬‬
‫‪ 547‬ياقوت الحموي‪ :‬معجم الدباء ‪.17/182،181‬‬
‫‪ 548‬السيوطي‪ :‬طبقات المفسرين ‪.1/82‬‬

‫دا هذا النتاج الغزير بدون حرص أكيد على كل‬
‫ول يتأتى أب ً‬
‫لحظات الحياة مهما دقت!‬
‫يقول الستاذ محمد كرد على في ترجمة الطبري‪ :‬وما أ ُِثر عنه‬
‫أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الفادة والستفادة‪!!549‬‬
‫ولعل عجب القارئ يزداد ويزداد إذا علم أن المام الطبري لم‬
‫جا في مجال واحد فقط‪ ،‬بل في عدة مجالت في آن واحد‪،‬‬
‫يكن منت ً‬
‫فله التصانيف العظيمة في التفسير‪ ،‬وكذلك في التاريخ‪ ،‬هذا غير‬
‫تميزه الملحوظ في الفقه‪ ،‬حيث يعد صاحب مدرسة فقهية خاصة‬
‫به!!‬
‫وغير الطبري فقد بلغ المام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي‬
‫البغدادي الذي يقول فيه المام ابن تيمية‪" :‬إنه من أذكياء العالم" ‪،‬‬
‫ف في الدنيا‪،‬‬
‫بلغ في محافظته على الزمن مبلًغا أثمر أكبر كتاب ع ُرِ َ‬
‫وهو كتاب "الفنون"‪ ،‬وقد جاء في ثمانمائة مجلد!!‬
‫‪550‬‬

‫قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته‪ :‬وأكبر تصانيفه‬
‫دا‪ ،‬فيه فوائد كثيرة جليلة في‬
‫كتاب "الفنون"‪ ،‬وهو كتاب كبير ج ً‬
‫الوعظ‪ ,‬والتفسير‪ ,‬والفقه‪ ،‬والصول‪ ،‬والنحو‪ ،‬واللغة‪ ,‬والشعر‪,‬‬
‫والتاريخ‪ ،‬والحكايات‪ ،‬وفيه مناظراته ومجالساته التي وقعت له‪,‬‬
‫وخواطره‪ ،‬ونتائج فكره‪ ،‬قيدها فيه‪.551‬‬
‫وهذا هو المام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد‬
‫الجوزي تليمذ ابن عقيل )ت ‪597‬هق( أحد أعلم الئمة الذين يقتدي‬
‫بهم في حرصهم على الزمن‪ ،‬ها هو يتحدث عن نفسه يصف إنتاجه –‬
‫كما يقول أبو المظفر ‪ :-‬كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة‪ ،‬وتاب‬
‫على يديّ مائة ألف‪ ،‬وأسلم على يديّ عشرون ألف يهودي‬
‫ونصراني‪.552‬‬
‫أما مقدار ما أّلف وصنف‪ ،‬فنترك ابن تيمية يحدثنا عنه‪:‬‬
‫يقول المام ابن تيمية – ~‪ -‬في "أجوبته المصرية" "كان الشيخ‬
‫أبو الفرج مفتًيا كثير التصنيف والتأليف‪ ،‬وله مصنفات في أمور كثيرة‬
‫حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف‪ ،‬ورأيت بعد ذلك له ما لم‬
‫أره"‪.‬‬

‫‪549‬‬
‫‪550‬‬
‫‪551‬‬
‫‪552‬‬

‫محمد كرد علي‪ :‬كنوز الجداد ‪.123‬‬
‫ابن تيمية‪ :‬درء التعارض ‪.4/133‬‬
‫ابن رجب الحنبلي‪ :‬ذيل طبقات الحنابلة ‪.108-1/107‬‬
‫الصفدي‪ :‬الوافي في الوفيات ‪.1/2582‬‬

‫دا من العلماء صنف ما‬
‫ويقول الحافظ الذهبي‪" :‬وما علمت أح ً‬
‫صنف هذا الرجل ولم يدع ابن الجوزي فًنا من الفنون إل وصنف فيه‪،‬‬
‫دا ‪ ،‬ومنها ما هو في رسالة قصيرة‪.553‬‬
‫منها ما هو عشرون مجل ً‬
‫ولعلنا نفهم سر هذا النتاج العجيب عندما ننظر إلى تقديره ~‬
‫للوقت وقيمته‪..‬‬
‫يقول الموفق عبد اللطيف‪ -‬فيما نقله عنه الذهبي إنه كان "ل‬
‫يضيع من زمانه شيًئا"‪.554‬‬
‫قا كثيًرا يجرون‬
‫ويقول ابن الجوزي نفسه‪ : -~ -‬لقد رأيت خل ً‬
‫معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة‪ ،‬ويسمون لك التردد‬
‫خدمة‪ ،‬ويطلبون الجلوس‪ ،‬ويجرون فيه أحاديث الناس‪ ،‬وما ل يعني‪،‬‬
‫وما يتخلله غيبة‪ ،‬وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس‪ ،‬وربما‬
‫صا في أيام‬
‫طلبه المزور وتشوق إليه‪ ,‬واستوحش من الوحدة‪ ،‬خصو ً‬
‫التهاني والسلم‪ ،‬فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض‪ ،‬ول يقتصرون على‬
‫الهناء والسلم‪ ,‬بل يمزجون ذلك بما ذكرت من تضييع الزمان‪.‬‬
‫فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء‪ ،‬والواجب انتهازه بفعل‬
‫الخير‪ ،‬كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين‪ :‬إن أنكرت عليهم وقعت‬
‫وحشة لموضع قطع المألوف‪ ،‬وإن تقبلته منهم ضاع الزمان‪ ،‬فصرت‬
‫أدافع اللقاء جهدي‪ ،‬فإذا غلبت قصرت في الكلم لتعجل الفراق‪.‬‬
‫ثم أعددت أعمال ً ل تمنع من المحادثة لوقات لقائهم لئل يمضي‬
‫الزمان فار ً‬
‫غا‪ ،‬فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد‪ ،‬وبري‬
‫القلم‪ ،‬وحزم الدفاتر‪ ،‬فإن هذه الشياء لبد منها‪ ،‬ول تحتاج إلى فكر‬
‫وحضور قلب‪ .‬فأرصدتها لوقات زيارتهم لئل يضيع شئ من وقتي‪.555‬‬
‫لقد عرف ابن الجوزي ~ مهمته في الحياة‪ ،‬فما ضيع لحظة في‬
‫عمل يسلهيه عن مهمته!‬
‫وعلى سنن من سبق‪ ،‬مشي رئيس الطب في زمانه ‪ :‬ابن‬
‫النفيس‪ -~ -‬ويقول عنه المام التاج السبكي‪":‬وأما الطب فلم يكن‬
‫على وجه الرض مثله‪ ،‬قيل‪ :‬ول جاء بعد ابن سينا مثله‪ ،‬قالوا وكان‬
‫في العلج أعظم من ابن سينا"‪.‬هذا الطبيب الرائد صنف كتاًبا في‬
‫الطب سماه "الشامل" يقول فيه تاج السبكي‪" :‬قيل لو تم لكان‬
‫ثلثمائة مجلدة‪ ،‬تم منه ثمانون مجلدة ‪ ،‬وكان فيما يذكر يملي‬
‫تصانيفه من ذهنه"‪ .556‬فكيف تم له لك؟‬
‫‪553‬‬
‫‪554‬‬
‫‪555‬‬
‫‪556‬‬

‫الذهبي‪ :‬تاريخ السلم ‪.1/4265‬‬
‫الذهبي‪ :‬تذكرة الحفاظ ‪.4/1346‬‬
‫ابن الجوزي‪ :‬صيد الخاطر ‪.1/225‬‬
‫القنوجي‪ :‬أبجد العلوم ‪.3/115‬‬

‫كان –~‪ -‬إذا أراد التصنيف‪ُ ،‬توضع له القلم مبرية‪ ،‬ويدير وجهه‬
‫إلى الحائط‪ ،‬ويأخذ في التصنيف‪ ،‬إملًء من خاطره‪ ،‬ويكتب مثل‬
‫ل القلم وحفي‪ ،‬رمى به وتناول غيره‪ ,‬لئل ّ‬
‫السيل إذا انحدر‪ ،‬فإذا ك ّ‬
‫‪557‬‬
‫يضيع عليه الزمان في بري القلم ‪..‬‬
‫ودخل ذات مرة إلى الحمام‪ ،‬فلما كان في بعض تغسيله خرج‬
‫مام )موضع نزع الثياب وخلعها( واستدعى بدواة وقلم‬
‫إلى مسلخ الح ّ‬
‫وورق‪ ،‬وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها‪ ،‬ثم عاد‬
‫ودخل الحمام وكمل تغسيله‪!!..558‬‬
‫إن ما ذكرناه هنا من أمثلة لتقدير العلماء لقيمة الوقت ما هو‬
‫ض من فيض‪ ،‬وإن النظر في حياة هؤلء العظماء ليعكس‬
‫إل غي ٌ‬
‫فا ‪ -‬لهذه القيمة الغإلية‪ :‬الوقت‪ ،‬ولعل‬
‫ما ‪ -‬قد يبدو لنا متكل ً‬
‫اهتما ً‬
‫بعض الناس يرى أن المر أهون من ذلك‪ ،‬وأن الحياة فيها متًعا كثيرة‪،‬‬
‫تحتاج أن يفرغ لها وقت وأوقات‪ ..‬لكن العالمين ببواطن المور‪،‬‬
‫والناظرين إلى حقيقة الشياء‪ ،‬والفاهمين لقصر الدنيا وحقيقة‬
‫الخرة‪ ..‬هؤلء يعترون النفاس معدودة‪ ،‬فضل ً عن الساعات واليام‪،‬‬
‫ولله در الحسن البصري ~ إذ يقول‪" :‬يا ابن آدم‪ ،‬إنما أنت أيام‬
‫مجموعة‪ ،‬إذا ذهب يومك ذهب بعضك‪ ،‬ويوشك إذا ذهب البعض أن‬
‫يذهب الكل"‪!!559‬‬
‫فما أنت ‪ -‬يا عبد الله ‪ -‬إل بضع لحظات‪ ..‬فإما نفعٌ لك‬
‫وللبشرية‪ ،‬وإما ضياع ٌ وهل ٌ‬
‫ك وخسران!!‬
‫"والكّيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت‪،‬‬
‫والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"‪..560‬‬
‫وأسأل الله أن ي ُعِّز السلم والمسلمين‪.‬‬

‫ماء‬
‫الفصل الرابع‪ :‬أ َ ْ‬
‫خل َقُ ال ْ ُ‬
‫عل َ َ‬

‫مّر بنا في الفصول الثلثة السابقة أموٌر ل غنى عنها في تكوين‬
‫العلماء‪ ..‬وأول هذه المور هو إدراك قيمة الوقت ومنزلة العلماء‪ ،‬أما‬
‫المر الثاني فهو التيقن أن ذلك لن يتأتى إل ببذل الغإلى والنفيس‪،‬‬
‫‪ 557‬انظر‪ :‬عمر فاروق الطباع‪ :‬ابن النفيس في تاريخ الطب العربي ص ‪ ،157‬نقل ً عن ابن فضل‬
‫الله العمري‪ :‬مساللك البصار‪.‬‬
‫‪ 558‬انظر‪ :‬عمر فاروق الطباع‪ :‬ابن النفيس في تاريخ الطب العربي ص ‪ ،157‬نقل ً عن ابن فضل‬
‫الله العمري‪ :‬مساللك البصار‪.‬‬
‫‪ 559‬ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم‪ ،‬دار المعرفة ‪ -‬بيروت‪ ،‬الطبعة الولى‪1408 ،‬هق ص‬
‫‪.382‬‬
‫عا إلي رسول الله‬
‫‪ 560‬الترمذي‪ :‬كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن شداد بن أوس مرفو ً‬
‫ضا ابن ماجه )‪ ،(4260‬وأحمد )‪ ،(17164‬والحاكم )‪ (7639‬وقال صحيح‬
‫‪ ،( (2459‬وأخرجه أي ً‬
‫افسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫وصرف الجهد كل الجهد في سبيل ذلك‪ ،‬وأما المر الثالث والخير‬
‫فهو إدراك قيمة الوقت والحرص على كل دقيقة من دقائق الحياة‪..‬‬
‫وإذا كنا قد وقفنا على ذلك‪ ،‬فلنعلم أن مثل هذه المور وتلك‬
‫الخلل ليست خاصة بالمسلمين وحدهم‪ ،‬وإنما يشترك فيها ويتساوى‬
‫في تحصيلها العالم المسلم وغير المسلم‪ ،‬وهي تصلح للعالم التقي‬
‫مع بينها سواء‪..‬‬
‫كما تصلح للعالم الفاجر‪ ..‬فالجميع في ال َ‬
‫ج ْ‬
‫وبالنظر إلى رسالة السلم‪ ،‬ودور هذا الدين العظيم في أص ً‬
‫لح‬
‫ما على العالم‬
‫الرض كلها‪ ،‬وفي نفع العالمين‪ ،‬كل العالمين‪ ،‬كان لزا ً‬
‫فا عن غيره‪ ،‬متميًزا بما ل يقدر غيره على‬
‫المسلم أن يكون مختل ً‬
‫التميز به‪..‬‬
‫ول يكون ذلك في جانب الجهد أو التحصيل فقط‪ ،‬فهذا ‪ -‬كما‬
‫ذكرنا ‪ -‬أمر مشترك بين عموم العلماء‪ ،‬ولكن يكون ‪ -‬وفي المقام‬
‫الول ‪ -‬في جانب الخلق والقيم‪..‬‬
‫إن العلماء هم ورثة النبياء‪ ،‬وهم قدوة المجتمع‪ ،‬وهم بناة المة‬
‫وقائدو التغيير والص ً‬
‫ما عليهم أن يكون لهم أخلق‬
‫لح‪ ،‬لذا كان لزا ً‬
‫خاصة‪ ،‬يتفردون بها عن عموم الخلق‪ ،‬سواء من المسلمين أو من‬
‫غير المسلمين‪..‬‬
‫إن هذا يعني أن هناك أخلًقا معينة وصفات خاصة‪ ،‬لبد أن‬
‫يتحلى بها العالم المسلم‪ ،‬ولبد أن تصطبغ بها حياته وتكون غالبة‬
‫عليه‪ ..‬ومنذ بداية الطريق‪..‬‬
‫وفي ذلك فإنا نكتفي بما يمكن أن يكون هو الساس وليس‬
‫الكل؛ إذ المر أكبر من أن يحويه هذا الفصل‪ ،‬ويكفي أن أخلق العالم‬
‫ُتمّثل في حد ذاتها أخلق السلم‪..‬‬
‫وعليه؛ فإن أهم ما يجب على العالم أن يتصف به من أخلق‪..‬‬
‫ما يلي‪:‬‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الخلص‪:‬‬
‫وهو حجر الزاوية في القضية برمتها‪ ..‬وهو الخطوة الولى في‬
‫وم ويوزن‬
‫طريق تحصيل العلم‪ ..‬إذ هو الميزان الحساس الذي به ُيق ّ‬
‫عْلمنا‪ ،‬بل أعمالنا كلها‪ ..‬وبه نصعد إلى أعلى الدرجات والمنازل‪ ،‬ومن‬
‫ِ‬
‫سنبين ‪ -‬إلى أسفل الدركات وأحط الرتب‪!!..‬‬
‫غيره نهوي ‪ -‬كما ُ‬
‫إنه الخلص‪..‬‬
‫إنه السر الدفين المخبوء داخل قلب المرء‪ ،‬والذي ل يطلع عليه‬
‫غير من يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور‪..‬‬
‫فُترى‪..‬‬
‫لماذا نتعلم هذا العلم‪..‬؟!‬
‫وأيّ شيء نبغي من وراء تحصيله‪..‬؟!‬
‫وبالحرى‪ :‬لماذا ُنريد أن نكون علماء‪..‬؟!‬
‫هل هذا لجل الله عز وجل‪ ،‬وطمًعا في جنته‪ ،‬وخوًفا من ناره؟!‬
‫أم أنه لجل التكسب وجني المال‪..‬؟! أو لجل التفاخر‬
‫والتباهي‪ ،‬والرفعة في دار الدنيا‪ ،‬والمنزلة العالية في قلوب‬
‫الخلق‪..‬؟!‬
‫دا ذلك الحديث الذي‬
‫وقبل الجابة على هذه السئلة‪ ،‬لنعي جي ً‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ل‬
‫رواه أبو هريرة < قال‪ :‬سمعت رسول الله ‪ ‬يقول‪" :‬إ ِ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫ُ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫س يُ ْ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ج ٌ‬
‫ه‬
‫ة َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ي بِ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ه َ‬
‫ه‪َ :‬ر ُ‬
‫و َ‬
‫لا ْ‬
‫قَيا َ‬
‫ضى ي َ ْ‬
‫فأت ِ َ‬
‫ش ِ‬
‫الّنا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ها؟ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫عَر َ‬
‫ه َ‬
‫عّر َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ت‬
‫ما َ‬
‫ت ِ‬
‫ع ِ‬
‫ف َ‬
‫ه نِ َ‬
‫ف َ‬
‫قات َل ُ‬
‫مل َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ولك ِن ّ َ‬
‫في َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ك َ‬
‫ت‪َ .‬‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ت ِل ْ‬
‫ك َ‬
‫هد ْ ُ‬
‫قات َل َ‬
‫ل‪ :‬ك َذَب ْ َ‬
‫حّتى ا ْ‬
‫ت؛ َ‬
‫ش ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫ء‪َ ،‬‬
‫قي َ‬
‫ي‬
‫ب َ‬
‫حّتى أل ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫قد ْ ِ‬
‫ري ٌ‬
‫ه ِ‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫مأ ِ‬
‫ه َ‬
‫و ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ل‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫عَلى َ‬
‫ق َ‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫ر‪.‬‬
‫ِ‬
‫في الّنا ِ‬
‫فهذا الشهيد الذي مات في وسط المعركة‪ ،‬والذي جاد بنفسه‬
‫التي هي أغلى ما يملك‪ُ ..‬يجر على وجهه حتى ُيلقى في النار!!‬
‫لقد اطلع على باطنه الذي يعلم السر وأخفى‪ ،‬وعلم أنه إنما‬
‫كان ُيقاتل ليرتقي أرفع الدرجات في أعين الناس‪ ،‬كان ُيقاتل ليتحدث‬
‫دث الناس‬
‫الناس عنه بأنه جريء مقدام‪ ..‬وقد تحقق طلبه وُبغيته‪ ،‬وتح َ‬
‫عنه بذلك‪ ،‬ليأخذ نصيبه في دار الدنيا‪ ،‬ومن ثم فليس له نصيب في‬

‫س َ‬
‫س‬
‫الخرة‪ ..‬إ ِ ّ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ه َل ي َظْل ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م الّنا َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫‪561‬‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ن‪. ‬‬
‫مو َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظْل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وهذا عن أّول الثلثة الذين هم أول من ُيقضى عليه يوم‬
‫القيامة‪ ،‬وأما الثاني فهو‪:‬‬
‫قرآن‪ُ َ ،‬‬
‫عل ّمه‪ ،‬و َ َ‬
‫ج ٌ‬
‫ه‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ي بِ ِ‬
‫قَرأ ال ْ ُ ْ َ‬
‫ل تَ َ‬
‫وَر ُ‬
‫عل ْ َ‬
‫عل ّ َ‬
‫و َ َ ُ َ‬
‫م َ‬
‫" َ‬
‫فأت ِ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ها؟ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫عَر َ‬
‫ه َ‬
‫عّر َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ت‬
‫ما َ‬
‫ت ِ‬
‫ع ِ‬
‫ل‪ :‬ت َ َ‬
‫ف َ‬
‫ه نِ َ‬
‫ف َ‬
‫م ُ‬
‫مل َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫عل ْ‬
‫ف َ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫ف ُ‬
‫ْ‬
‫ول َك ِن ّ َ‬
‫في َ‬
‫ن‪َ .‬‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫و َ‬
‫ت ِ‬
‫ال ْ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫قَرأ ُ‬
‫ل‪ :‬ك َذَب ْ َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫عل ّ ْ‬
‫عل ْ َ‬
‫ت؛ َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫و َ‬
‫ن ل ِي ُ َ‬
‫ت ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ر ٌ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ئ‪،‬‬
‫ل َ‬
‫ل ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫تَ َ‬
‫قَرأ َ‬
‫م َ‬
‫عال ِ ٌ‬
‫عل ْ َ‬
‫عل ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫قا ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫في‬
‫ب َ‬
‫ي ِ‬
‫حّتى أل ِ‬
‫س ِ‬
‫قد ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫مأ ِ‬
‫ه َ‬
‫و ْ‬
‫ح َ‬
‫ف ُ‬
‫ل‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫على َ‬
‫ق َ‬
‫ج ِ‬
‫ر"‪.‬‬
‫الّنا ِ‬
‫وهذا الرجل الثاني‪ ،‬الذي يحكم عليه ضمن أول من يحكم‬
‫عليهم يوم القيامة‪ ،‬هو بيت القصيد في بحثنا‪ ،‬وهو موضوع دراستنا‪..‬‬
‫ما متفاعل ً ومؤثًرا في‬
‫ما وحسب‪ ،‬وإنما كان عال ً‬
‫وهو لم يكن عال ً‬
‫مجتمعه‪ ،‬تعّلم العلم‪ ،‬ثم راح يبذل جهده ووقته وعرقه ليعلمه الناس‪..‬‬
‫جّر على وجهه حتى ُيلقى في النار!!‬
‫ثم هو ي ُ َ‬
‫ول عجب؛ إنه كمال العدل‪ ..‬فلم يكن في ذلك كله يطلب وجه‬
‫الله ‪ ..‬لقد انطوى قلبه على مكنون من الهداف الشخصية‬
‫والمصالح الخاصة في دار الدنيا‪ ..‬لقد أراد أن ُيشار إليه بالبنان‪ ،‬وأراد‬
‫أن يكون حديث الناس في مجالسهم وسمرهم‪ ،‬وأراد أن ُيعلم أنه‬
‫العلم‪ ،‬وأنه القرأ‪..‬‬
‫وكل هذا قد حدث!!‬
‫حدث ونال ما تمنى‪ ،‬وتكلم الناس كما أراد‪ ،‬وتحقق حلمه الذي‬
‫كان يسعى إليه‪ ..‬فكان هذا هو أجره ونصيبه‪ ،‬وقد أخذه كامل ً كما‬
‫أراده هو‪ ..‬فليس العدل إذن أن يأخذه مرة ثانية‪ ..‬ومن ثم فليس لك‬
‫في الخرة نصيب!!‬
‫ضا على شاكلتهم في مقصده‬
‫أما الرجل الثالث‪ ،‬فكان أي ً‬
‫جر على وجهه في النار‪ ،‬يقول رسول‬
‫ضا درجتهم‪ ،‬و ُ‬
‫ومراده‪ ،‬فنال أي ً‬
‫الله ‪ ‬عنه يصفه‪:‬‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ج ٌ‬
‫ه‪،‬‬
‫وأ َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ل ك ُل ّ ِ‬
‫طاهُ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫صَنا ِ‬
‫س َ‬
‫وَر ُ‬
‫و ّ‬
‫م ْ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ع الل ّ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫" َ‬
‫ْ‬
‫ها؟ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫عَر َ‬
‫ه َ‬
‫عّر َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ما َ‬
‫ت ِ‬
‫فأ ُت ِ‬
‫ع ِ‬
‫ي بِ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه نِ َ‬
‫ف َ‬
‫مل َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ها ل َ‬
‫ف ْ‬
‫ها إ ِل أن ْ َ‬
‫ن ي ُن ْ َ‬
‫ك‪.‬‬
‫ت ِ‬
‫ق ِ‬
‫ل تُ ِ‬
‫ت ِ‬
‫بأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ق ُ‬
‫ما ت ََرك ْ ُ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫سِبي ٍ‬
‫‪561‬‬

‫)يونس‪.(44 :‬‬

‫ول َك ِن ّ َ‬
‫ف َ‬
‫د‪َ ،‬‬
‫ت ل ِي ُ َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫قد ْ ِ‬
‫ل ُ‬
‫وا ٌ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ل‪ :‬ك َذَب ْ َ‬
‫ل‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ج َ‬
‫ه َ‬
‫ت؛ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫‪562‬‬
‫ه َ‬
‫ر" ‪.‬‬
‫ب َ‬
‫ي ِ‬
‫م أل ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ه ِ‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫أ ِ‬
‫و ْ‬
‫ح َ‬
‫ف ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫عَلى َ‬
‫ق َ‬
‫في الّنا ِ‬
‫ج ِ‬
‫والقضية جد خطيرة‪ ،‬والموضوع ليس بالهّين!!‬
‫فمع وجود الكافرين‪ ،‬ومع وجود المنافقين‪ ،‬ومع وجود أصحاب‬
‫الكبائر والمعاصي‪ ،‬ومع وجود من اقترف من الموبقات ما اقترف‪..‬‬
‫مع وجود كل هؤلء يقضي رب العالمين سبحانه أول ما يقضي على‬
‫هذه الطوائف الثلث‪ ،‬والتي كانت في حياتها ملء سمع الدنيا‬
‫وبصرها!!‬
‫وإن ذلك ليوقفنا على حقيقة مهمة وقاعدة خطيرة‪ ،‬وهي أن‬
‫العمال التي ليس فيها إخلص‪ ،‬والتي لم يرد بها وجه الله تعإلي‪ ،‬هي‬
‫أعمال محبطة‪ ،‬وهي أعمال ل وزن لها ول قيمة‪ ..‬يقول تعإلي‪:‬‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ي إلي َ‬
‫ن َ‬
‫ول َ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ت‬
‫قدْ ُأو ِ‬
‫ن ِ‬
‫وإلى ال ّ ِ‬
‫شَرك ْ َ‬
‫ك ل َئ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ك َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ح َ‬
‫‪563‬‬
‫ول َت َ ُ‬
‫مل ُ َ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫حب َطَ ّ‬
‫ع َ‬
‫ك َ‬
‫س ِ‬
‫ومن ثم كان الخلص أول خطوة في طريق العلماء‪ ،‬وإنا وإن‬
‫ل وعزيز‪،‬‬
‫علمنا ذلك‪ ،‬فإن الحصول عليه ‪ -‬كما العلم ‪ -‬هو مطلب غا ٍ‬
‫وليس يحصل بين يوم وليلة‪ ،‬وإنما يحتاج المر فيه إلى مجاهدة شاقة‬
‫على طول طريق العلم‪ ،‬بل وعلى طول طريق الحياة!!‬
‫فالنفس تتغّير بين الحين والخر‪ ،‬والقلب يتقلب بين الفينة‬
‫ة صالحة لله ‪ ‬في أول‬
‫والثانية‪ ،‬ومن الممكن أن ينوي النسان ني ً‬
‫عمل ما‪ ،‬ثم ومع مرور الوقت‪ ،‬وأثناء أداء نفس العمل‪ ،‬يأتيه ‪ -‬مثل ً ‪-‬‬
‫من ُيثني عليه فيه‪ ،‬أو من يعظمه بسببه‪ ،‬أو غيره‪ ..‬فيجد نفسه وقد‬
‫تغيرت عليه نيته وتبدلت؛ فينظر وقد ارتاحت نفسه لذلك الثناء وهذا‬
‫المديح واستكانت إليه‪ ..‬وهذا بعينه هو المحظور الذي وقع فيه!!‬
‫ي من نيتي؛‬
‫يقول سفيان الثوري ~‪" :‬ما عالجت شيًئا أشد عل ّ‬
‫ي"‪.564‬‬
‫لنها تنقلب عل ّ‬
‫صا؟ فقال‪ :‬إذا‬
‫وقد قيل ليحيى بن معاذ ~‪ :‬متى يكون العبد مخل ً‬
‫خلقه كخلق الرضيع‪ ،‬ل يبإلى من مدحه أو ذمه‪.‬‬
‫صار ُ‬
‫وقال يوسف بن الحسين‪ :‬أعّز شيء في الدنيا الخلص‪ ،‬وكم‬
‫أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي‪ ،‬فكأنه ينبت على لون آخر‪!!565‬‬
‫ومن ثم فالمر يحتاج إلى طول متابعة‪ ،‬وعظيم مجاهدة‪..‬‬
‫‪562‬‬
‫‪563‬‬
‫‪564‬‬
‫‪565‬‬

‫مسلم‪ :‬كتاب المارة‪ ،‬باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار ) ‪.( 1905‬‬
‫)الزمر‪.(65 :‬‬
‫ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪.1/13‬‬
‫ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪.1/17‬‬

‫يقول أبو يوسف صاحب أبي حنيفة‪" :‬يا قوم‪ ،‬أريدوا بعلمكم‬
‫سا قط أنوي فيه أن أتواضع إل لم أقم حتى‬
‫الله؛ فإني لم أجلس مجل ً‬
‫أعلوهم‪ ،‬ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إل لم أقم حتى‬
‫أفتضح‪."566‬‬
‫وإن ذلك ليتأكد في الحديث الذي رواه ابن عمر } أن النبي ‪‬‬
‫فل ْيت َبوأ ْ‬
‫غير الل ّه‪ ،‬أ َ َ‬
‫ه َ‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫غي َْر الل ّ ِ‬
‫و أَرادَ ب ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ن طَل َ َ‬
‫م ْ‬
‫عل ْ َ‬
‫قال‪َ " :‬‬
‫ه‪ّ َ َ َ ،‬‬
‫ْ‬
‫م لِ َ ْ ِ‬
‫‪567‬‬
‫م ْ‬
‫ر" ‪.‬‬
‫عدَهُ ِ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫وكان المطّرف بن عبد الله يقول في دعائه‪" :‬اللهم إني‬
‫أستغفرك مما زعمت أني أريد به وجهك‪ ،‬فخالط قلبي منه ما قد‬
‫علمت"‪!568‬‬
‫فليست القضية إذن في فضائل العمال‪ ،‬إنما هي منهج حياة!!‬
‫ب‬
‫ن طَل َ َ‬
‫م ْ‬
‫وقد روى ابن عمر‪ ،‬أن رسول الله ‪ ‬قال محذًرا‪َ " :‬‬
‫ء‪ ،‬أ َو ل ِيباهي به ال ْعل َما َ َ‬
‫س َ‬
‫ف‬
‫ر َ‬
‫ها َ‬
‫ال ْ ِ‬
‫ْ ُ َ ِ َ ِ ِ‬
‫ي بِ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه ال ّ‬
‫ُ َ‬
‫ر َ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫عل ْ َ‬
‫و ل ِي َ ْ‬
‫ء‪ ،‬أ ْ‬
‫ص ِ‬
‫ما ِ‬
‫‪569‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ر" ‪.‬‬
‫و ِ‬
‫س إلي ِ‬
‫و ُ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫في الّنا ِ‬
‫جوهَ الّنا ِ‬
‫فرسول الله ‪ ‬يذم في ذلك من أراد بعلمه أن يجادل ضعاف‬
‫العقول‪ ،‬يريد تكبًرا عليهم‪ ،‬أو من يتيه بعلمه أمام العلماء يفاخرهم به‪،‬‬
‫أو من يريد بعلمه الجاه والمكانة بين الناس‪ ،‬وصرف وجوه عوامهم‬
‫إليه‪ ..‬فكل ذلك نهايته إلى النار!!‬
‫ما‪ ،‬فجلسوا‬
‫وقد اجتمع الفضيل بن عياض وسفيان الثوري يو ً‬
‫يتذاكرون شيًئا من الرقائق‪ ،‬فرقّ كل واحد منهم وبكى‪ ،‬فقال سفيان‬
‫الثوري ~‪ :‬أرجو أن يكون هذا المجلس علينا رحمة وبركة"‪ ،‬فقال‬
‫الفضيل بن عياض‪" :‬ولكني أخاف ‪ -‬يا أبا عبد الله ‪ -‬أل يكون أضُر‬
‫ت أنا إلى أحسن‬
‫ت إلى أحسن حديثك وتخلص ُ‬
‫علينا‪ ..‬ألست تخلص َ‬
‫ت لي؟! فبكى سفيان الثوري ~ وقال‪:‬‬
‫ت لك وتزين َ‬
‫حديثي‪ ،‬فتزين ُ‬
‫‪570‬‬
‫"أحييتني أحياك الله" !!‬
‫وكان المام الشافعي ~ يقول‪" :‬وددت أن الناس تعلموا هذا‬
‫العلم ولم ُينسب إلى منه شيء"‪!!571‬‬

‫‪ 566‬النووي‪ :‬بستان العارفين ص ‪.82‬‬
‫‪ 567‬الترمذي‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب فيمن يطل بعلمه للدنيا )‪ (2655‬وقال حديث حسن‪ ،‬وابن ماجة‬
‫)‪ (258‬واللفظ له‪.‬‬
‫‪ 568‬ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪.1/17‬‬
‫‪ 569‬الترمذي‪ :‬كتاب العلم‪ ،‬باب فيمن يطل بعلمه للدنيا )‪ ،(2654‬وابن ماجة )‪ (253‬واللفظ له‪،‬‬
‫والدارمي )‪ ،(373‬وقال اللباني‪ :‬حسن )‪ (6382‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 570‬الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء ‪.8/439‬‬
‫‪ 571‬ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪.1/123‬‬

‫وهذا الخلص هو الذي دفعه إلى قبول الحق أّيا كان قائله‪،‬‬
‫دا قط على الغلبة‪ ،‬وددت إذا ناظرت‬
‫يقول في ذلك‪" :‬ما ناظرت أح ً‬
‫‪572‬‬
‫دا أن يظهر الحق على يديه" ‪..‬‬
‫أح ً‬
‫وخرج أيوب السخيتاني مرة في سفر فتبعه أناس كثير‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"لول أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره‪ ،‬لخشيت المقت‬
‫من الله ‪!!573"‬‬
‫صدق النية من العجب بنفسه بسبب علمه‪،‬‬
‫حفظه الخلص و ِ‬
‫وخاصة وهو في مثل هذه الحالة‪ ،‬والناس حوله مشيعون وله‬
‫معظمون‪..‬‬
‫وعليه فإن الخلص هو أول الطريق في منهج العلماء‬
‫الربانيين‪..‬‬
‫والمر كما ذكرنا في البداية ليس مجرد وقفة مع النفس في‬
‫لحظة من اللحظات‪ ،‬أو في يوم من اليام‪ ،‬وإنما هو منهج حياة‪ ،‬فيه‬
‫مراجعة دائمة‪ ،‬ومراقبة مستمرة‪ ،‬والموّفق من وفقه الله عز وجل‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬الزهد في الدنيا‪:‬‬
‫يأتي الزهد في الدنيا نتيجة طبيعية وحتمية للخلص عند‬
‫صا في علمه لله تعإلي‪ ،‬متجرًدا فيه‬
‫العلماء؛ فإذا لم يكن العالم مخل ً‬
‫خلق وفضيلة‬
‫عن إغراءات الدنيا وزخارفها‪ ،‬لن يكون بإمكانه تحقيق ُ‬
‫صا لوجه الله‬
‫الزهد فيها‪ ،‬وما لم يحقق الزهد فيها فلن يكون علمه خال ً‬
‫تعإلي‪..‬‬
‫وأعني فيما أعني هنا‪ ..‬أل نطلب الدنيا بعلمنا‪..‬‬
‫وهذه حقيقة يقع فيها الكثيرون‪ ،‬وخاصة وأن أغلب العلوم الن ‪-‬‬
‫وبالخص العلوم الحياتية ‪ -‬تعد من مصادر الدخل الساسية للفرد‪..‬‬
‫وقد يكثر المال بسبب التفوق في هذه العلوم‪ ،‬فيفتن به وينسى‬
‫قضيته‪ ،‬وتتبدل نيته!!‬
‫يقول رسول ‪ ‬في الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عوف‬
‫عل َيك ُ َ‬
‫ف ْ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫<‪َ " :‬‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫ن أَ َ‬
‫قَر أ َ ْ‬
‫شى َ‬
‫والل ّ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫شى َ ْ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫ف َ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫م‪،‬‬
‫ت َ‬
‫ط َ‬
‫ما ب ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫سطَ ْ‬
‫ت ُب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قب ْل َك ُ ْ‬
‫عَلى َ‬
‫م الدّن َْيا ك َ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫‪574‬‬
‫ما ت ََنا َ‬
‫فت ََنا َ‬
‫َ‬
‫م" ‪.‬‬
‫ما أ ْ‬
‫سو َ‬
‫سو َ‬
‫هل َك َت ْ ُ‬
‫وت ُ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫م كَ َ‬
‫هل ِك َك ُ ْ‬
‫ها ك َ َ‬
‫ها‪َ ،‬‬
‫‪572‬‬
‫‪573‬‬

‫ابن الجوزي‪ :‬صفة الصفوة ‪.2/251‬‬
‫أبو بكر القرشي‪ :‬التواضع والخمول ‪.1/84‬‬

‫أمٌر جد خطير أن نسعى لتحصيل العلم ونتعلم ‪ -‬أّيا كانت‬
‫العلوم ‪ -‬من أجل المال‪ ..‬وأخطر منه أن يفتح الله ‪ ‬أبواب الرزق‬
‫الواسعة على العالم فتنة له‪ ،‬فيقع فيها‪ ،‬فتراه ل يعد يصرف علمه إل‬
‫في الوجه الذي يأتي فقط بمال!!‬
‫وهذه ‪ -‬وللسف ‪ -‬حقيقة مشاهدة‪ ،‬ومن دعاة في الدين‬
‫وعلماء!!‬
‫ما في مسجد في دولة غربية‪،‬‬
‫فقد كان أحد من أعرفهم إما ً‬
‫وكان يأخذ راتًبا على هذه المامة‪ ،‬ولما انفصم العقد الذي كان بينه‬
‫وبين إدارة المسجد‪ ،‬وجدته وقد قّرر أن يظل بالبلد يعمل بأي عمل‬
‫ما عن مجال الدعوة والدين‪ ،‬فالمهم عنده هو‬
‫آخر ولو كان بعي ً‬
‫دا تما ً‬
‫الستمرار في تحصيل المال والثروة‪..‬‬
‫ما له‪،‬‬
‫ورغم أن بيته كان قريًبا من المسجد الذي كان يعمل إما ً‬
‫إل أنه لم يعد ْ يأتي إلى الصلة‪ ..‬لقد ذهب الراتب‪ ،‬فذهبت الدعوة‪ ،‬بل‬
‫وذهبت صلة الجماعة!!‬
‫ي قبل‬
‫أما الغريب‪ ،‬فهو أن هذا الشيخ بعينه هو الذي ق ّ‬
‫ص عل ّ‬
‫ذلك ‪ -‬متندًرا أحوال العلماء والدعاة الذين يقومون بمثل ذلك‪ ..‬فحكى‬
‫ضا ‪ -‬إذا جاء يوم إجازة‬
‫ما أي ً‬
‫ى ‪ -‬أن أحدهم ‪ -‬وكان إما ً‬
‫لي في أس ً‬
‫ّ‬
‫السبوع‪ ،‬كان ل ينزل إلى المسجد ُيصلي‪ ،‬رغم أن بيته فوق المسجد‬
‫ما‪!!..‬‬
‫تما ً‬
‫وقد مّرت اليام‪ ،‬ووقع هو فيما وقع فيه صاحبه‪ ..‬والمؤمن ل‬
‫دا‪ ،‬ونسأل الله الثبات‪..‬‬
‫يأمن على نفسه الفتنة أب ً‬
‫ضا في غير أئمة المساجد‪ ..‬فحين‬
‫ومثل هذه الصورة نراها أي ً‬
‫كنت في الردن وجدت من يشكو إلى أن إحدى الذاعات طلبت من‬
‫أحد الدعاة البارزين أن يلقي حديًثا فيها‪ ،‬لتعليم الناس ونشر العلم‬
‫وغيره‪ ..‬فوافق على أن ُيدفع له أول ً مبلغٌ وقدره كذا‪!!..‬‬
‫لقد ُأتيحت له الفرصة لنشر العلم‪ ،‬والدعوة إلى الخير‪ ،‬والقيام‬
‫بمهمة النبياء‪ ،‬وتهيأت له السباب لتبليغ الجمع الغفير‪ ..‬إل أنه غلبته‬
‫الدنيا‪ ،‬فصار يعمل وُيعّلم لجلها‪ ،‬ولم يعد بحسبانه نفع المة‪ ،‬أو العمل‬
‫حرم‬
‫على نهضتها‪ ،‬أو المشاركة في حل أزماتها‪ ..‬فوق أنه أصل ً قد ُ‬
‫ل وأجر لم يكن بمقدورهم!!‬
‫أجر هذه المهمة؛ كون ما طلبه من ما ٍ‬
‫إننا إزاء هذه الزمات والفتن لبد أن نعود إلى الصول‪ ،‬وأن‬
‫نقف وقفات طويلة أمام القدوات الحقيقية في هذا الشأن‪ ،‬أل وهم‬
‫‪ 574‬البخاري‪ :‬كتاب المغازي‪ ،‬باب شهود الملئكة بدًرا )‪ ،(3791‬ومسلم‪ :‬في أوائل كتاب الزهد‬
‫والرقائق )‪ (2961‬والترمذي )‪ ،(2462‬وابن ماجة )‪ ،(3997‬وأحمد )‪.(17273‬‬

‫النبياء صلوات الله عليهم وسلمه‪ ..‬فهم القدوة في الدعوة‪ ،‬وهم‬
‫القدوة في العلم‪..‬‬
‫إننا حين نراجع قصصهم في القرآن الكريم‪ ،‬نجد أنهم في‬
‫دعوتهم وعلمهم دائما ما يقرنون ذلك بقولهم‪َ :‬ل أ َ َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ْ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪575‬‬
‫ي إ ِلّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وَيا َ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫مال ً إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫وم ِ ل أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ه َ‬
‫سألك ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫جًرا‪ . ‬وقولهم‪َ  :‬‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫عل َي َ‬
‫قوم َل أ َ َ‬
‫ّ ‪576‬‬
‫ي‬
‫َ‬
‫م َ ْ ِ‬
‫عَلى الل ِ‬
‫جًرا إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫ْ‬
‫ر َ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ه‪ . ‬وقولهم‪َ :‬يا َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪577‬‬
‫ذي َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫إ ِّل َ‬
‫ه ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫ما أ ْ‬
‫م ْ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫فطََرِني‪ . ‬وقولهم‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أ َجر‪ .578‬وقولهم‪ :‬وما أ َ َ‬
‫ي إ ِّل‬
‫م َ‬
‫ه ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ر إِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ر َ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫َ َ‬
‫ج ِ‬
‫ج ٍ‬
‫ْ ٍ‬
‫‪579‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‪. ‬‬
‫َ‬
‫عال ِ‬
‫ب ال َ‬
‫عَلى َر ّ‬
‫مي َ‬
‫وهذه الية الخيرة تكررت في سورة الشعراء على لسان‬
‫خمسة أنبياء‪ ،‬وهم‪ :‬نوح‪ ،‬وهود‪ ،‬وصالح‪ ،‬ولوط‪ ،‬وشعيب‪ ،‬على‬
‫الترتيب!!‬
‫بل إن الله ‪ ‬قد خص نبيه محمد ‪ ‬بقوله‪ُ  :‬‬
‫ق ْ‬
‫ما‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أَ َ‬
‫ن‪.580‬‬
‫م َ‬
‫مت َك َل ّ ِ‬
‫ما أَنا ِ‬
‫ه ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ْ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫ر َ‬
‫ج ٍ‬
‫يقول ابن كثير في تفسير هذه الية‪ :‬يقول تعإلي‪ :‬قل يا محمد‬
‫لهؤلء المشركين‪ :‬ما أسألكم على هذا البلغ وهذا النصح أجًرا‬
‫َ‬
‫ن‪ ‬أي‪ :‬وما‬
‫مت َك َل ّ ِ‬
‫ما أَنا ِ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫تعطونيه من عرض الحياة الدنيا‪َ  ،‬‬
‫أزيد على ما أرسلني الله به‪ ،‬ول أبتغي زيادة عليه‪ ،‬بل ما أمرت به‬
‫أديته ل أزيد عليه ول أنقص منه‪ ،‬وإنما أبتغي بذلك وجه الله ‪ ‬والدار‬
‫الخرة‪..581‬‬
‫وعليه فإن ربط العالم علمه‪ ،‬أو ربط دعوته بالمال‪ ..‬فهو ليس‬
‫ي‪ ،‬وأن علمه هذا ودعوته تلك يصبحان وبال ً عليه‬
‫على الطريق السو ّ‬
‫يوم القيامة‪..‬‬
‫وقد جاء أن أحد المراء قصد ابن الهيثم ليتعّلم عليه‪ ،‬فخشي‬
‫أن يضيع وقته معه سدى‪ ،‬فأراد أن يختبر حبه للعلم فطلب منه أن‬
‫يدفع مائة دينار في كل شهر‪ ،‬فبذل المير المال وبعد أن تعّلم على‬
‫عا‬
‫ابن الهيثم ثلث سنين وأراد النصراف‪ ،‬صحبه الستاذ العظيم مود ّ ً‬
‫ومعه كل ما أخذه من المال‪ ،‬وكان قد حفظه له فأعطاه إياه‪ ،‬وقال‬
‫له‪ :‬أنت أحوج لهذا المال مني عند عودتك إلى بلدك‪ ،‬وإني قد جّربتك‬
‫‪575‬‬
‫‪576‬‬
‫‪577‬‬
‫‪578‬‬
‫‪579‬‬
‫‪580‬‬
‫‪581‬‬

‫)النعام‪.(90 :‬‬
‫)هود‪.(29 :‬‬
‫)هود‪.(51 :‬‬
‫)الفرقان‪.(57 :‬‬
‫)الشعراء‪.(109 :‬‬
‫)ص‪.(86 :‬‬
‫ابن كثير‪ :‬تفسير القرآن العظيم ‪.4/57‬‬

‫ت أنه ل خطر ول موقع للمال عندك في طلب‬
‫ما علم ُ‬
‫بهذه الجرة‪ ،‬فل ّ‬
‫العلم بذلت مجهودي في تعليمك وإرشادك‪ ،‬واعلم أنه ل أجرة ول‬
‫رشوة ول هدية في إقامة الخير"‪.‬‬
‫وقد يتساءل أحدهم‪ :‬هل ل يمكن الجمع بين العلم والدنيا؟ أو‬
‫ما على العلماء بالفقر‪..‬؟!‬
‫بمعنى آخر‪ :‬هل يظل محكو ً‬
‫والحقيقة أن هذه القضية ليست معضلة‪ ،‬وهي ليست في‬
‫دا أن ما كان من‬
‫حسبان العلماء الحقيقيين بالمرة؛ إذ أنهم يدركون جي ً‬
‫رزقهم فلن يفوتهم‪ ،‬وهم يعلمون أن الرزق يطلب النسان كما يطلبه‬
‫در لنا من رزق‬
‫ما‪ ،‬فكلهما يبحث عن الخر‪ ،‬وهكذا فما قُ ّ‬
‫النسان تما ً‬
‫ما كما ل يمكن النتقاص منه‪ ،‬بعز عزيز أو‬
‫ل يمكن الزيادة عليه‪ ،‬تما ً‬
‫بذل ذليل‪..‬‬
‫ومن ثم فإن العالم يطلب العلم ويتعلمه وينشره‪ ،‬وقد يكون‬
‫ذلك العلم ‪ -‬كما ذكرنا ‪ -‬هو مصدر رزقه‪ ،‬فإذا جاءه من وراء ذلك مال‬
‫وفير‪ ،‬كان ذلك نعمة من الله ‪ ‬تستحق الشكر والمتنان‪ ،‬فضل ً عن‬
‫تأدية حقه‪ ..‬وإذا جاءه قليل‪ ،‬صبر وحمد الله‪ ،‬واحتسب الجر عنده‪..‬‬
‫فل يشغل باله بهذه القضية إطلًقا‪..‬‬
‫لكن أن يصرف حياته‪ ،‬ويكرس علمه وعمله لجل الدنيا وجمع‬
‫المال‪ ،‬ويكون ذلك مقصده وديدنه‪ ..‬فهذا غير ممكن لمن أراد أن‬
‫ما ربانًيا يبغي الجر عند الله‪ ،‬ويقتفي أثر النبياء‪ ،‬قدوته‬
‫يكون عال ً‬
‫عليهم السلم‪..‬‬
‫إن الدنيا إذا أصبحت هدًفا‪ ،‬فل شك أن الفتنة عظيمة‪..‬‬
‫والشيطان يوهم النسان أحياًنا أنه يجب أن يمتلك الدنيا لينفقها‬
‫في سبيل الله‪ ..‬فإذا جاءت الدنيا ُفتن فيها النسان على الغلب‪ ،‬إل‬
‫ما رحم الله وقليل ما هم‪..‬‬
‫إننا يجب أن نراجع مناهج سلفنا وعلمائنا لنعرف الطريقة‬
‫المثلى في التعامل مع قضية الدنيا والمال‪.‬‬
‫فهدف عثمان بن عفان أو أبي بكر الصديق‪ ،‬أو عبد الرحمن بن‬
‫عوف‪ ،‬أو طلحة بن عبيد الله‪ ،‬أو سعد بن عبادة‪ ..‬أو غيرهم من أغنياء‬
‫دا جمع المال ثم إنفاقه في‬
‫الصحابة رضوان الله عليهم‪ ،‬لم يكن أب ً‬
‫سبيل الله‪ ..‬وإنما جاءهم المال بعمل لم يستنزف كل أوقاتهم وغالب‬
‫حياتهم‪ ،‬فأنفقوه في سبيل الله‪ ،‬وكان منهم من تخّلى عن ماله وتركه‬
‫بالكلية من أجل الدعوة والرسالة!!‬

‫يقول يونس بن ميسرة‪" :‬ليس الزهد بتحريم الحلل وإضاعة‬
‫المال‪ ،‬ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك‪ ،‬وأن‬
‫تكون في ثواب المصيبة ‪ -‬إذا أصبت بها ‪ -‬أرغب منك فيها لو لم‬
‫تصبك"‪..582‬‬
‫دا أنه إذا أتتك الدنيا وجاءك المال الوفير أل‬
‫ثم إنك ل تضمن أب ً‬
‫ُتفتن به‪ ،‬وكيف تضمن أن تراعي فيه حق الله‪ ،‬فضل ً على أن تنفقه‬
‫كله أو بعضه في سبيل الله‪..‬؟!‬
‫وما أكثر من وقع في ذلك‪ ..‬يقول رسول الله ‪ ‬محذًرا في‬
‫ة‪،‬‬
‫وة ٌ َ‬
‫ضَر ٌ‬
‫خ ِ‬
‫الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري <‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ن الدّن َْيا ُ‬
‫حل ْ َ‬
‫ُ‬
‫فات ّ ُ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ها َ‬
‫خل ِ ُ‬
‫قوا‬
‫ست َ ْ‬
‫في َن ْظُُر ك َي ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ملو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ف تَ ْ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫فك ُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫‪583‬‬
‫الدّن َْيا‪. "..‬‬
‫وفضل ً عن الزهد في الدنيا‪ ،‬فإن على العالم ومن يسلك طريق‬
‫العلم أن يترفع عن الدنايا‪ ،‬ويتحرز عن الشبهات والمكروهات‪..‬‬
‫يقول الشافعي ~‪:‬‬
‫َ‬
‫ت مطامعي فأرحت نفسي‬
‫م ّ‬
‫أ َ‬
‫ت القنوع َ وكان ميًتا‬
‫وأحيي ُ‬

‫مَعت تهون‬
‫فإن النفس ما ط َ ِ‬
‫مصون‬
‫ففي إحيائه ِ‬
‫ض َ‬
‫عْر ٌ‬

‫وليس معنى هذا أن ينعزل العلماء عن الدنيا‪ ،‬ويتركوا الختراع‬
‫قا في‬
‫والبتكار الذي يأتي بصورة طبيعية بمال أو ثروة؛ فإننا ُنريد سب ً‬
‫العلوم‪ ،‬وامتل ً‬
‫كا للقدرات العلمية والعسكرية والحضارية التي تكفل‬
‫لمتنا مكانة سابقة في العالمين‪ ..‬لكن المقصود هو هدف العلماء‬
‫وغايتهم‪ ..‬أهو تقدم المة ورفعتها‪ ،‬أم هو المال وبريقه؟!‬
‫إن القضية ليست قضية هامشية في حياة العلماء‪ ..‬فالثروة‬
‫الحقيقية التي يمتلكها العاِلم تكمن في عقله وفي فكره‪ ،‬ول يجب‬
‫دا للعالم أن يهبط بثروته هذه إلى سفاسف الدنيا ومغريات العوام‪..‬‬
‫أب ً‬
‫دا وقدوة‪ ،‬وليس يسيًرا أن تكون وارًثا‬
‫فليس سهل ً أن تكون قائ ً‬
‫للنبياء!!‬

‫ثالًثا‪ :‬العلم النافع‪:‬‬

‫‪ 582‬ابن رجب الحنبلي‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪.1/289‬‬
‫‪ 583‬مسلم‪ :‬كتاب التوبة والدعاء والذكر والستغفار‪ ،‬باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار‬
‫النساء وبيان الفتنة )‪ ،(2742‬والترمذي )‪ ،(2191‬والحاكم )‪.(8543‬‬

‫لم يكن على المسلم ‪ -‬وخاصة العالم ‪ -‬إل أن تكون حياته‬
‫مورقة مثمرة‪ ،‬وعليه فل يجب أن ُيضّيع عمره في فراغ‪ ،‬كما ل يجب‬
‫أن يكون عمله عبًثا‪ ..‬بل لبد أن يكون كل عمله‪ ،‬وكل وقته وجهده‬
‫فيما ينفعه وينفع الخرين في الدنيا والخرة‪..‬‬
‫ومن ثم فإنك ل تكاد تجد رسول الله ‪ ‬ذكر العلم أو حث‬
‫عليه‪ ،‬إل وأضاف إليه صفة "النفع"‪..‬‬
‫فقد روى أبو هريرة < أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ما َ‬
‫ذا َ‬
‫ن ان ْ َ‬
‫ة )أي‪ :‬ثلثة أشياء‪ ،‬وفي‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫ن ث ََلث َ ٍ‬
‫ه إ ِّل ِ‬
‫سا ُ‬
‫قطَ َ‬
‫اْل ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫مل ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل ْم ٍ ي ُن ْت َ َ‬
‫صدَ َ‬
‫و‬
‫و ِ‬
‫ع بِ ِ‬
‫ري َ ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫الترمذي‪ :‬ثلث(‪ :‬إ ِّل ِ‬
‫ف ُ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ه‪ ،‬أ ْ‬
‫ة‪ ،‬أ ْ‬
‫جا ِ‬
‫ه"‪.584‬‬
‫ح ي َدْ ُ‬
‫ول َ ٍ‬
‫عو ل َ ُ‬
‫د َ‬
‫َ‬
‫صال ِ ٍ‬
‫م‬
‫وروى زيد بن أرقم < أن رسول الله ‪ ‬كان يقول‪" :‬الل ّ ُ‬
‫ه ّ‬
‫عوذُ ب ِ َ‬
‫ن َ‬
‫عل ْم ٍ َل ي َن ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫إ ِّني أ َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫و ِ‬
‫و ِ‬
‫ك ِ‬
‫ش ُ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قل ْ ٍ‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫نَ ْ‬
‫س َل ت َ ْ‬
‫ها"‪.585‬‬
‫ن دَ ْ‬
‫و ٍ‬
‫و ِ‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫شب َ ُ‬
‫ب لَ َ‬
‫ة َل ي ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ع‪َ ،‬‬
‫ف ٍ‬
‫وعليه فقد كان رسول الله ‪ ‬يحض على العلم النافع ويحث‬
‫عا"‪..586‬‬
‫ما َنا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ف ً‬
‫عليه فيقول‪َ " :‬‬
‫عل ْ ً‬
‫سُلوا الل ّ َ‬
‫م إلى ثلثة أنواع‪:‬‬
‫ومن هنا قسم العلماُء العلو َ‬
‫‪ (1‬علم نافع‪ :‬ينفع النسان ويفيد البشرية في دينهم‬
‫ودنياهم‪..‬‬
‫‪(2‬‬

‫علم ضار‪ :‬يضر النسان في دينه‪ ،‬أو دنياه‪..‬‬

‫علم ل هو بالنافع ول هو بالضار‪ :‬فهو ُيعد ّ ضاًرا؛ لنه‬
‫‪(3‬‬
‫دد الوقات‪..‬‬
‫أضاع العمار وب ّ‬
‫دا‪ ،‬وكانوا حريصين تمام‬
‫وقد فقه الصحابة ‪ ‬هذا المر جي ً‬
‫صل‪..‬‬
‫الحرص على قضية العلم النافع‪ ،‬وكيف ُيطلب وُيح ّ‬
‫ففي قصة الدجال ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬ذكر رسول الله ‪ ‬في‬
‫ددها‪ ،‬وكانت كل صفة من صفاته‬
‫أحاديث كثيرة صفاته وعلماته‪ ،‬وع ّ‬
‫غريبة في حد ذاتها‪ ،‬تسترعي انتباه المتطلعين وتستثيرهم للسؤال‬
‫عنها‪ ،‬ومعرفتها على وجه الحقيقة وإليقين‪..‬‬
‫‪ 584‬مسلم‪ :‬كتاب الوصية‪ ،‬ياي ما يلحق النسان بعد وفاته )‪ ،(1631‬وأبو داود )‪ ،(2880‬وأحمد )‬
‫‪ ،(8831‬وأبو يعلي )‪.(6457‬‬
‫‪ 585‬مسلم‪ :‬كتاب الذكر والدعاء والتوبة والستغفار‪ ،‬باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم‬
‫يعمل )‪ ،(2722‬والنسائي )‪ ،(5470‬وابن ماجة )‪ ،(250‬وأحمد )‪ ،(13699‬وابن حبان ‪.(83‬‬
‫‪ 586‬ابن ماجة‪ :‬كتاب الدعاء‪ ،‬باب ما تعوذ منه النبي ‪ ،( (3843‬وأبو يعلي )‪ ،(1927‬وابن أبي‬
‫شيبة )‪ ،(26712‬وعبد بن حميد )‪ ،(1093‬وقال اللباني‪ :‬حسن )‪ (3635‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫إل أن كل ذلك لم يدفعهم إلى السؤال عن تفاصيل أكثر ‪ ،‬ولكن‬
‫َ‬
‫ن‬
‫عو َ‬
‫عندما ذكر رسول الله ‪ ‬مدة مكوثه في الرض وهي‪" :‬أْرب َ ُ‬
‫َ‬
‫م كَ َ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫سائ ُِر أّيا ِ‬
‫ع ٍ‬
‫سن َ ٍ‬
‫م َ‬
‫م كَ ُ‬
‫و ٌ‬
‫و ٌ‬
‫و ٌ‬
‫و َ‬
‫ش ْ‬
‫م كَ َ‬
‫ج ُ‬
‫و ً‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫وي َ ْ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫وي َ ْ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ما‪ ،‬ي َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ه ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‪."..‬‬
‫ك َأّيا ِ‬
‫مك ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬فَذ َل ِ َ‬
‫سو َ‬
‫فيَنا‬
‫ة‪ ،‬أت َك ْ ِ‬
‫سن َ ٍ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ك اليو ُ‬
‫ذي ك َ َ‬
‫قال الصحابة‪َ" :‬يا َر ُ‬
‫‪587‬‬
‫ِفيهِ َ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ه َ‬
‫ل‪ ،‬ا ْ‬
‫م؟ َقا َ‬
‫ه" !!‬
‫قدَْر ُ‬
‫قدُُروا ل َ ُ‬
‫صلة ُ ي َوْ ٍ‬
‫إنها وفقط قضية العلم النافع‪ ..‬يريدون أن يتعلموا ما يعينهم‬
‫على العمل‪ ،‬ول يكترثون بالبحث عن قضايا ل ينبني عليها عمل‪ ،‬بل‬
‫كل اهتمامهم مما ينفع دنياهم وآخرتهم‪.‬‬
‫لقد زرع رسول الله ‪ ‬في صحابته هذا النهج القويم في‬
‫مَتى‬
‫البحث عن النافع من العلوم‪ ،‬لذلك حين جاءه أعرابي ليسأله‪َ " :‬‬
‫ما َ‬
‫ها؟"‪..588‬‬
‫ذا أ َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫سا َ‬
‫عدَدْ َ‬
‫ت لَ َ‬
‫ال ّ‬
‫و َ‬
‫ة؟" قال له مباشرة‪َ " :‬‬
‫فهو بذلك نقله من طور النظريات‪ ،‬وما ل ينبني عليه كثير‬
‫عمل‪ ،‬إلى طور العمل‪ ،‬والعمل النافع الذي ينفعه في الخرة‪..‬‬
‫هذا هو العلم النافع الذي يؤتي ثماًرا وفيرة في الدنيا والخرة‪..‬‬
‫ضا على العلوم الحياتية‪ ،‬فقد أدرك أبناء‬
‫ومثل هذا الكلم يقال أي ً‬
‫دا‪ ،‬وهم أول وأشهر فريق‬
‫موسى بن شاكر حقيقة هذا العلم النافع جي ً‬
‫علمي جماعي في التاريخ‪ ،‬ذاع صيتهم في علوم الرياضيات والفلك‬
‫والعلوم التطبيقية والتقنية‪ ،‬وكانوا من علماء القرن الثالث الهجري‪..‬‬
‫لقد أدرك هذا الفريق العظيم قيمة أن يكون العلم نافًعا‪ ،‬فاستفادوا‬
‫من علمهم وأفادوا منه المسلمين‪ ،‬بل والبشرية جمعاء‪..‬‬
‫ففي كتابهم "الحيل" استحدثوا آلت لخدمة الزراعة والفلحة‪،‬‬
‫مثل المعالف الخاصة لحيوانات ذات أحجام معينة‪ ،‬تتمكن أن تصيب‬
‫مأكلها ومشربها‪ ،‬فل تنازعها غيرها الطعام والشراب‪ ،‬وعمل خزانات‬
‫للحمامات‪ ،‬وآلت لتعيين كثافة السوائل‪ ،‬وآلت تثبت في الحقول‬
‫لكيل تضيع كميات الماء هدًرا‪ ،‬ويمكن بواسطتها السيطرة على عملية‬
‫ري المزروعات‪.‬‬
‫ضا عمل سراج إذا وضع في الريح‬
‫وكان من جملة أعمالهم أي ً‬
‫العاصف ل ينطفئ‪ ،‬وعمل سراج يخرج الفتيلة لنفسه ويصب الزيت‬
‫لنفسه‪ ،‬وكل من يراه يظن أن النار ل تأكل من الزيت ول من الفتيلة‬
‫‪ 587‬مسلم‪ :‬كتاب الفتن واشراط الساعة‪ ،‬باب ذكر الدجال وصفته )‪ ،(2937‬وأبو داود )‪،(4321‬‬
‫وابن ماجة )‪ ،(4075‬وأحمد )‪ ،(17666‬وكل عن النواس بن سمعان الكلبي رضي الله عنه‪.‬‬
‫‪ 588‬البخاري‪ :‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب مناقب عمر بن الخطاب )‪ ،(3485‬ومسلم‪ :‬كتاب البر‬
‫والصلة والداب‪ ،‬باب المرء مع من أحب )‪ ،(2639‬وأحمد )‪.(12715‬‬

‫ضا عمل نافورة يفور منها الماء مدة من الزمان كهيئة‬
‫شيًئا البّتة‪ ،‬وأي ً‬
‫الترس‪ ،‬ومدة متماثلة كهيئة القناة‪ ،‬وكذلك ل تزال دهرها تتبدل!!‬
‫وكتابهم السابق يحتوي على مائة تركيب ميكانيكي‪ ،‬مع شروح‬
‫تفصيلية ورسوم توضيحية لطرائق التركيب والتشغيل‪ ،‬وكان‬
‫استخدامهم للصمامات التي تعمل تلقائًيا‪ ،‬وللنظمة التي تعمل بعد‬
‫زمن معين‪ ،‬وغير ذلك مما من شأنه يحصل فيه التحكم اللي‪ ،‬من‬
‫أهم النجازات في تاريخ العلم والتقنية بشكل عام‪.‬‬
‫وقد كان لكل هذه الفكار البداعية ‪ -‬كما يقول أحمد فؤاد باشا‬
‫ أثٌر كبير في دفع مسيرة تقنية "الحيل النافعة" أو الهندسة‬‫ما؛ حيث تميزت تصاميمها بالخيال الخصب والتوصيف‬
‫الميكانيكية قد ً‬
‫‪589‬‬
‫الدقيق والمنهجية التجريبية الرائدة ‪.‬‬
‫ولعل النسان ُيدرك قيمة بحوث أبناء موسى بن شاكر عندما‬
‫يرى القواعد النظرية الكثيرة التي ألفها الغريق لكنهم لم يسقطوها‬
‫على الواقع‪ ،‬وبالتالي لم يستفيدوا منها‪ ،‬ولم تستفد كذلك البشرية‪..‬‬
‫أما العلم الذي ل ينبني عليه عمل‪ ،‬فل منفعة منه‪ ،‬ول طائل من‬
‫ورائه‪ ،‬وما هو إل مضيعة للوقت‪ ..‬ومثال ذلك من يبحث في طول‬
‫سفينة نوح ‪ ..‬أو في نوع الشجرة التي أكل منها آدم ‪ ..‬أو المدة‬
‫التي قضاها قابيل حامل ً هابيل حتى يدفنه‪ ..‬وغيرها كثير!!‬
‫ولو كان العلم بهذه الشياء فيه منفعة أو فائدة من قريب أو‬
‫من بعيد‪ ،‬لذكرها لنا ‪ ،‬أو قصها علينا رسوله ‪..‬‬
‫دد ابن رجب طائفة منه فقال‪ :‬أصعب‬
‫وأما العلم الضار‪ ،‬فقد ع ّ‬
‫ذلك ما ُأحدث من الكلم في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره؛‬
‫فكذب بذلك من كذب‪ ,‬وزعم أنه نّزه الله بذلك عن الظلم!‬
‫وأصعب منه ما ُأحدث بعد ترجمة فلسفة اليونان‪ ،‬وذلك من‬
‫ضا في ذات الله وصفاته‪ ،‬مما سكت عنه النبي ‪ ‬والصحابة‬
‫الكلم أي ً‬
‫والتابعون‪..‬‬
‫وقد تجلت مظاهر هذا العلم في كتابات بعض الصوفية‪ ،‬الذين‬
‫دا إلى خيرٍ أو صلح!!‬
‫كتبوا كتابات ل ُتفهم بحال‪ ،‬ول تدفع أب ً‬
‫ومن أمثلة هذا قول بعضهم عن اللف والباء في البسملة‪:‬‬
‫"اللف في التحقيق لسان حل "النقطة" في فوت كنهها‪،‬‬
‫والباء لسان حل تفصيلها‪ ،‬وقلم خطها في تشكيلها‪ ،‬ومبدأ‬
‫بسطها في تنزيلها"‪!!..‬‬
‫‪589‬‬

‫أحمد فؤاد باشا‪ :‬التراث العلمي السلمي ص ‪.31 ،30‬‬

‫وأنا على يقين أن كاتب هذا الكلم ل يفقه معناه فضل عن‬
‫قارئه!!‬
‫ي والقول‬
‫وف الفلسف ّ‬
‫وقد قال الذهبي ~ في سياق ذكر التص ّ‬
‫ف البقر‪ ،‬ل يعرف‬
‫م جاهل ً خل َ‬
‫ش المسل ُ‬
‫وجود‪" :‬والله لن يعي َ‬
‫بوحدةِ ال ُ‬
‫ت‪ ،‬ويؤمن‬
‫سورةٍ من القرآن يصّلي بها الصلوا ِ‬
‫من العلم شيًئا ِ‬
‫سوى ُ‬
‫ق! ولو‬
‫بالله واليوم الخر‪ ،‬خيٌر له بكثيرٍ من‬
‫هذا العِْرفان وهذه الحقائ ِ‬
‫‪590‬‬
‫م َ‬
‫وة!" ‪.‬‬
‫ة َ‬
‫ل مائ َ‬
‫ب أو ع َ ِ‬
‫قرأ مائة كتا ٍ‬
‫خل ْ َ‬
‫ضا علوم الفن والرقص وما يلحق‬
‫ومن أمثلة ذلك العلم الضار أي ً‬
‫بهما‪ ..‬والعجيب في ذلك أن تجد حكومات مسلمة تخصص مدارس‬
‫للرقص بأنواعه‪ ،‬وتنفق عليها من أموال المسلمين‪ ،‬بل وترعى الفرق‬
‫الراقصة‪ ،‬وتنسبها إلى القومية‪ ،‬وتعطي الجوائز القيمة لمن أبدع في‬
‫أغنية أو لحن‪ ،‬واصفة إياه بأنه من رهبان الفن وعلماء الموسيقى!!‬
‫ومثلهم من ظل يتعلم ويبذل جهده ووقته وعمره كي يضيف‬
‫وتًرا إلى العود!!‬
‫ومن أمثلة هذا العلم الضار كذلك علوم التنجيم‪ ،‬وعلوم‬
‫السحر‪..‬‬
‫وبالجملة فالعلم الضار هو العلم الذي يضر بالنسان والبشرية‪،‬‬
‫سواء كان هذا الضرر دنيوًيا أو أخروًيا‪..‬‬
‫فإذا كان ل ينبغي للمسلم أن يصرف أوقاته في علم ل يترتب‬
‫عليه نفع له أو للمسلمين في الدين أو الدنيا‪ ..‬فما البال وما الخطب‬
‫بمن يصرف أوقاته فيما يضر بالمسلمين!!‬

‫عا‪ :‬العمل بما عِلم‪:‬‬
‫راب ً‬
‫طالما كان هناك إخلص‪ ،‬وطالما كان هناك علم نافع ينبني عليه‬
‫عمل‪ ..‬إذن لبد أن يكون هناك استثماٌر لهذا العلم‪ ..‬وهو العمل به!‬
‫يقول أبو الدرداء <‪ :‬إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن‬
‫يدعوني على رؤوس الخلئق فيقول لي‪ :‬يا عويمر‪ ،‬فأقول‪ :‬لبيك يا‬
‫رب‪ ،‬فيقول‪" :‬ما عملت فيما علمت"‪591‬؟!‬

‫‪590‬‬
‫‪591‬‬

‫الذهبي‪ :‬لسان الميزان ‪.5/312‬‬
‫أبو محمد المنذري‪ :‬الترغيب والترهيب ‪.1/74‬‬

‫وذكر الخطيب البغدادي بسنده قال‪ :‬كان إسماعيل بن إبراهيم‬
‫بن جارية يقول‪" :‬كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"‪..592‬‬
‫ولفهم تلك القضية‪ ،‬فماذا يعني كونك ‪ -‬مثل ً ‪ -‬عندك من الدلة‬
‫على فضل صلة الفجر‪ ،‬أو الصلة في جماعة‪ ،‬والهمية الكبيرة‬
‫والثواب العظيم عليهما‪ ،‬والوعيد الشديد لمن يتخلف عنهما‪ ..‬ثم‬
‫تتخلف أنت‪..‬؟!‬
‫إن مثل ذلك العلم يكون حجة على النسان‪ ،‬ل حجة له‪ ..‬وقس‬
‫على ذلك كل العلوم‪ ،‬سواء في علوم الشريعة أو في علوم الحياة‪..‬‬
‫ومن هذه الوجهة‪ ،‬فقد قسم رسول الله ‪ ‬الناس إلى أربعة‬
‫أصناف‪ ،‬وذلك بحسب العلم والمال الذي عندهم‪ ..‬فهناك من أنعم‬
‫الله عليهم بالعلم والمال‪ ،‬وهناك من حرمهم الله العلم والمال‪،‬‬
‫وهناك من أعطاهم العلم ومنعهم المال‪ ،‬وهناك من رزقهم المال‬
‫ومنعهم العلم‪..‬‬
‫ما‬
‫فقد روى أبو كبش النماري < أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما‪َ ،‬‬
‫د َرَز َ‬
‫ة نَ َ‬
‫قي‬
‫ر‪َ :‬‬
‫و ي َت ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫عب ْ ٍ‬
‫ع ِ‬
‫الدّن َْيا ِل َْرب َ َ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫ه َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫مال ً َ‬
‫ف ٍ‬
‫قا؛ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫ص ُ‬
‫ذا‬
‫ه ِ‬
‫ه َر ِ‬
‫ل ِ‬
‫ِ‬
‫في ِ‬
‫م ل ِل ّ ِ‬
‫في ِ‬
‫وي َ ِ‬
‫في ِ‬
‫ه َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫م ُ‬
‫ح َ‬
‫ه َرب ّ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ل‪.‬‬
‫ب ِأف َ‬
‫ل ال َ‬
‫ز ِ‬
‫ض ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ما‬
‫ذلك أن العلم عنده ضبط حركة المال‪ ،‬فجعله يتحكم فيه تحك ً‬
‫شرعًيا‪ ..‬فتراه يأتي به من جهة حلل‪ ،‬وتراه ينفقه في الوجه الذي‬
‫أحله الله‪ ،‬وفوق ذلك فهو ل ينسى حق ذلك العلم عليه‪ ،‬من جهة‬
‫نشره وتعليمه وتدريسه‪..‬‬
‫ما ً‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫م ي َْرُز ْ‬
‫د َرَز َ‬
‫ة‬
‫و َ‬
‫ه ِ‬
‫صاِدقُ الن ّي ّ ِ‬
‫عب ْ ٍ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫ق ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل ُ‬
‫يَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫و ب ِن ِي ّت ِ ِ‬
‫ع ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ت بِ َ‬
‫مال ل َ‬
‫مل ُ‬
‫ف ُ‬
‫ع َ‬
‫ن ِلي َ‬
‫ه َ‬
‫فل ٍ‬
‫م ِ‬
‫ل‪ :‬ل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫واءٌ‪.‬‬
‫جُر ُ‬
‫فأ ْ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫س َ‬
‫وما أعظم تلك المثوبة وذلك الجزاء العظيم‪ ،‬الذي هو متوقف‬
‫فقط على الخلص والنية الصالحة!! وما أعظم الحسنات التي من‬
‫الممكن أن يكتسبها الذي حرم المال وهو يبغي النفاق‪!!..‬‬
‫خب ِ ُ‬
‫ما‪َ ،‬‬
‫م ي َْرُز ْ‬
‫د َرَز َ‬
‫في‬
‫و يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ط ِ‬
‫ه ِ‬
‫عب ْ ٍ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫ق ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫مال ً َ‬
‫َ‬
‫ولَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ه‬
‫في‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‪،‬‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫في‬
‫قي‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫م‪،‬‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫مال ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ َ‬
‫َ ّ ُ َ‬
‫ه بِ ْ ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ل‪.‬‬
‫هذا ب ِأ ْ‬
‫ه ِ‬
‫خب َ ِ‬
‫في ِ‬
‫م ل ِل ِ‬
‫ه َ‬
‫يَ ْ‬
‫حقا؛ ف َ‬
‫ث ال َ‬
‫عل ُ‬
‫ز ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫فحرمان العلم مع وجود المال‪ ،‬جعله ل يعرف وجوه الحلل‬
‫والحرام في التيان به‪ ،‬أو صرفه وضبط حركته‪ ،‬فتراه يتصرف فيه‬
‫‪592‬‬

‫الخطيب البغدادي‪ :‬الجامع لخلق الراوي ‪.2/258‬‬

‫دا ميمنة وميسرة‪ ،‬فيمسك تارة‬
‫من تلقاء نفسه‪ ،‬فيتخبط فيه معرب ً‬
‫ُ‬
‫صا‪ ،‬وينفق أخرى فخًرا وسمعة ورياء‪..‬‬
‫ش ّ‬
‫حا وحر ً‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن أكثر الغنياء يفتنون‪ ..‬يقول رسول الله ‪ ‬في‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن )في المال( ُ‬
‫الحديث الذي رواه أبو ذر <‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫ن اْلك ْث َ ِ‬
‫ن َ‬
‫اْل َ َ‬
‫هك َ َ‬
‫هك َ َ‬
‫قا َ‬
‫ذا‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫قّلو َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ة‪ ،‬إ ِّل َ‬
‫قَيا َ‬
‫ذا َ‬
‫ن )في الحسنات( ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫هك َ َ‬
‫ما‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫ذا‪َ ،‬‬
‫خل ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ف ِ‬
‫و ِ‬
‫مال ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مين ِ ِ‬
‫ن يَ ِ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع ْ‬
‫ل َ‬
‫ش َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫‪593‬‬
‫م‪. "..‬‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫فقلي ٌ‬
‫دا من ُيؤتى المال فيثبت‪ ،‬ويتصرف فيه بما ينبغي أن‬
‫لج ً‬
‫يكون‪..‬‬
‫أما الصنف الرابع‪:‬‬
‫ل‪ :‬ل َ َ‬
‫و يَ ُ‬
‫ما‪َ ،‬‬
‫م ي َْرُز ْ‬
‫قو ُ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫وَل ِ‬
‫عب ْ ٍ‬
‫وأ ّ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫ه َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ق ُ‬
‫د لَ ْ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫مال ً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ن؛ َ‬
‫ل ُ‬
‫ما‬
‫وْزُر ُ‬
‫ت ِ‬
‫و ب ِن ِي ّت ِ ِ‬
‫في ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه بِ َ‬
‫مال ل َ‬
‫مل ُ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫ع َ‬
‫ِلي َ‬
‫ه َ‬
‫فل ٍ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫‪594‬‬
‫واءٌ" ‪.‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫وإن هذا الصنف من الناس ‪ -‬والله ‪ -‬لمسكين‪ ..‬فهو ليس لديه‬
‫كثير مال‪ ،‬ولم يتعلم العلم ولم يطلبه‪ ،‬ورغم ذلك تراه يتمنى أن لو‬
‫كان عنده مال‪ ،‬لعمل فيه ‪ -‬ليس بالتعلم‪ ،‬أو بإنفاقه في طرق الخير‬
‫وفي مصارفه الشرعية‪ ،‬وإنما ‪ -‬بعمل ذلك الرجل العاصي‪ ،‬الذي ينفق‬
‫ماله في معصية الله ‪ ،‬والذي يتكبر بماله ويتطاول به على‬
‫الناس‪!!..‬‬
‫وقد وقع عليه وزر نيته‪!!..‬‬
‫وفي عدم العمل بالعلم يروي أسامة بن زيد < أن رسول الله‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫في ُل ْ َ‬
‫ة َ‬
‫ق‬
‫قى ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫جاءُ ِبالّر ُ‬
‫‪ ‬قال‪" :‬ي ُ َ‬
‫و َ‬
‫فت َن ْدَل ِ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ج ِ‬
‫في الّنا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫أَ ْ‬
‫ع‬
‫في الّنا‬
‫دوُر ال ِ‬
‫ه ِ‬
‫جت َ ِ‬
‫م ُ‬
‫في َ ْ‬
‫ماُر ب َِر َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫في َ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ح َ‬
‫دوُر ك َ‬
‫قَتاب ُ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫شأ ْن ُ َ‬
‫ي ُ‬
‫في َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ه ُ‬
‫ت‬
‫ر َ‬
‫أَ ْ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫فَل ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫ك؟ أليس ك ُن ْ َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ن‪ :‬أ ْ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫ْ‬
‫ر؟ َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫هاَنا َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ :‬ك ُن ْ ُ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫مُرك ُ ْ‬
‫تآ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُرَنا ِبال ْ َ‬
‫ت َأ ُ‬
‫ف َ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫بال ْمعروف وَل آِتيه‪َ ،‬‬
‫ه"‪.595‬‬
‫م َ‬
‫وآِتي ِ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫هاك ُ ْ‬
‫ر َ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ ْ ُ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫ما أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ويروي أنس بن مالك < أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬ل َ ّ‬
‫س ِ‬
‫ر‪َ ،‬‬
‫م َ‬
‫ش َ‬
‫ل تُ ْ‬
‫قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن َنا‬
‫قا‬
‫فا ُ‬
‫ض ِ‬
‫ض ِ‬
‫ر َ‬
‫مَرْر ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ْ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ِبي َ‬
‫ري َ‬
‫قَر ُ‬
‫جا ٍ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت ِ َ‬
‫ل؟ َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ُ‬
‫قا َ‬
‫ري ُ‬
‫ك‪،‬‬
‫ؤل ِ‬
‫ؤل ِ‬
‫ء ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ن َ‬
‫خطَباءُ ِ‬
‫قل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫نأ ّ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫ء َيا ِ‬
‫جب ْ ِ‬
‫‪ 593‬البخاري‪ :‬كتاب الستقراض والديون والحجر والتفليس‪ ،‬باب أداء الديون )‪ ،(2258‬مسلم‪:‬‬
‫كتاب الزكاة‪ ،‬باب الترغيب في الصدقة )‪ ،(94‬وأحمد )‪ ،(21385‬وابن حبان )‪.(170‬‬
‫‪ 594‬الترمذي‪ :‬كتاب الزهد‪ ،‬باب مثل الدنيا مثل أربعة نفر )‪ (2325‬وقال حديث حسن صحيح‪،‬‬
‫وأحمد )‪ ،(18060‬وقال اللباني‪ :‬صحيح‪ (3024) :‬صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 595‬البخاري‪ :‬كتاب بدء الخلق‪ ،‬باب صفة النار وأنها مخلوقة )‪ ،(3094‬ومسلم‪ :‬كتاب الزهد‬
‫والرقائق‪ ،‬باب عقوبة من يأمر بالمعروف ول يفعله )‪.(2989‬‬

‫ْ‬
‫ن أ َن ْ ُ‬
‫ب‪،‬‬
‫و ُ‬
‫م ي َت ُْلو َ‬
‫و َ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ي َأ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م َ‬
‫س ْ‬
‫س ِبال ْب ِّر َ‬
‫أَ َ‬
‫ن"‪.596‬‬
‫ع ِ‬
‫قُلو َ‬
‫فَل ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫ج ُ‬
‫ل‬
‫ب ِ‬
‫ل ل َي ُ ِ‬
‫ب ال َْبا َ‬
‫صي ُ‬
‫ن الّر ُ‬
‫كا َ‬
‫وقال الحسن‪" :‬إ ِ ْ‬
‫ن ال ْعِل ْم ِ فَي َعْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬فَي َ ُ‬
‫ة‪.‬‬
‫ن َ‬
‫جعَلَها ِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ه ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ه فَ َ‬
‫كو ُ‬
‫تل ُ‬
‫ما ِفيَها لوْ كان َ ْ‬
‫ن الد ّن َْيا وَ َ‬
‫خي ًْرا ل َ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ضا‪َ :‬‬
‫ن ي َُرى ذ َل ِ َ‬
‫ج ُ‬
‫ل‪ :‬وََقا َ‬
‫َقا َ‬
‫ك ِفي‬
‫م ي َل ْب َ ْ‬
‫ثأ ْ‬
‫ل إ َِذا ط َل َ َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫كا َ‬
‫ل أي ً‬
‫م لَ ْ‬
‫ب ال ْعِل ْ َ‬
‫‪597‬‬
‫خ ّ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫صرِهِ وَت َ َ‬
‫صل َت ِهِ وَُزهْد ِ ِ‬
‫شعِهِ وَل ِ َ‬
‫سان ِهِ وَي َد ِهِ وَ َ‬
‫بَ َ‬
‫وفي أمثلة عملية وحية على أحوال علماء المة في العمل‬
‫بالعلم‪ ،‬فإن المروذي يقول‪ :‬قال المام أحمد‪ :‬ما كتبت عن النبي ‪‬‬
‫حديًثا إل وعملت به‪) ،‬في مسند المام أحمد حوإلى ‪ 40.000‬حديث(‬
‫حتى مر بي في الحديث أن النبي ‪ ‬احتجم وأعطى الحجام ديناًرا‪،‬‬
‫فأعطيت الحجام ديناًرا حين احتجمت‪!!598‬‬
‫َ‬
‫ة فأذنت له‪ ،‬فاشترى‬
‫م ً‬
‫بل إنه ~ استأذن زوجته في أن يتخذ أ َ‬
‫جارية بثمن يسير وسماها ريحانة؛ استناًنا بالرسول ‪!!‬‬
‫ما وطلبوا منه أن‬
‫وهذا الحسن البصري ~‪ ،‬جاءه الرقيق يو ً‬
‫يكلم الناس في خطبة الجمعة عن فضل عتق الرقاب؛ إذ كان الناس‬
‫وقتئذ ٍ َيقبلون منه ما ل يقبلون من العلماء‪ ..‬فقام الحسن في الجمعة‬
‫ضا‪ ،‬وفي الجمعة‬
‫الولى فلم يتكلم في هذا‪ ،‬وفي الثانية لم يتكلم أي ً‬
‫الثالثة تكلم فأحسن في فضل عتق الرقاب‪ ،‬وكان أن خرج الناس من‬
‫المسجد فأعتقوا من كان عندهم من الرقيق‪..‬‬
‫وحينها جاء الرقيق المحررون لوجه الله تعالى يشكرون الحسن‬
‫ويقولون‪ :‬أبطأت علينا ثلث جمع‪ ،‬فقال‪ :‬لقد انتظرت حتى رزقني‬
‫الله ما ً‬
‫دا وأعتقته لوجه الله تعإلي؛ حتى ل آمر الناس‬
‫ل‪ ،‬فاشتريت عب ً‬
‫بما لم أفعل‪!!..‬‬
‫وقال عبد الرحمن بن مهدي‪ :‬سمعت سفيان يقول‪" :‬ما بلغني‬
‫عن رسول الله ‪ ‬حديث قَ ّ‬
‫ة"‪..599‬‬
‫ط إل عملت به‪ ،‬ولو مرة ً واحد ً‬
‫َ‬
‫قَرأ َ "إ َِذا‬
‫ة‪ ،‬فَ َ‬
‫م َ‬
‫معَ أِبي هَُري َْرة َ ال ْعَت َ َ‬
‫ت َ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫ويقول أبو رافع‪َ " :‬‬
‫َ‬
‫ه؟ َقا َ‬
‫ماُء ان ْ َ‬
‫ف أِبي‬
‫د‪ ،‬فَ ُ‬
‫ش ّ‬
‫ت ب َِها َ‬
‫خل ْ َ‬
‫ما هَذ ِ ِ‬
‫س َ‬
‫ج َ‬
‫س َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ت" ف َ َ‬
‫ال ّ‬
‫جد ْ ُ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫قل ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪600‬‬
‫سم ِ ‪ ،‬فََل أَزا ُ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫حّتى أل ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫قا ِ‬
‫جد ُ ب َِها َ‬
‫س ُ‬
‫لأ ْ‬
‫قا ُ‬
‫‪ 596‬أحمد )‪ ،(13445‬وابن حبان )‪ ،(53‬والطبراني في الوسط )‪ ،(8223‬وقال اللباني‪ :‬صحيح )‬
‫‪ (291‬السلسلة الصحيحة‪.‬‬
‫‪ 597‬الدارمي‪ :‬باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله )‪.(385‬‬
‫‪ 598‬الذهبي‪ :‬نزهة الفضلء تهذيب سير أعلم النبلء إعداد محمد بن موسى الشريف ‪.2/929‬‬
‫‪ 599‬الذهبي‪ :‬سير أعلم النبلء ‪7/242‬‬
‫‪ 600‬البخاري‪ :‬كتاب صفة الصلة‪ ،‬باب الجهر في صلة العشاء )‪ ،(732‬ومسلم‪ :‬كتاب المساجد‬
‫ومواضع الصلة‪ ،‬باب سجود التلوة )‪ ،(578‬وأبو داود )‪.(1408‬‬

‫وفي العلوم الحياتية‪ ،‬فإن الصينيين كانوا قد اخترعوا البوصلة‪،‬‬
‫إل أنهم كانوا يستخدمونها في السحر والخرافات‪ ،‬وحينما وصلت‬
‫ليدي المسلمين‪ ،‬كانوا هم أول من استخدمها في الملحة البحرية‪،‬‬
‫وفي تحديد القبلة في الصلة‪ ..‬وبدءوا يطورونها كي تؤدي فوائد‬
‫عملية للناس‪..‬‬
‫ي ابن الهيثم لتطبيق فكرته لبناء سد ّ على النيل‬
‫وقد مّر بنا سع ْ‬
‫يحمي مصر من مياه الفيضان‪..‬‬
‫وهو الذي أنكر نظرية إقليدس وبطليموس في علم البصريات‪،‬‬
‫والتي تقول بأن العين هي التي ترسل أشعتها على الشياء‪ ،‬وأثبت‬
‫بتجاربه العملية أن العكس هو الصحيح‪..601‬‬
‫أما الجزري ~ )من علماء الهندسة الميكانيكية المعدودين( فقد‬
‫طلب منه الخليفة أن يصنع آلة تغنيه عن الخدم كّلما رغب في‬
‫الوضوء للصلة‪ ،‬فصنع له الجزري آلة على هيئة غلم منتصب القامة‪،‬‬
‫وفي يده إبريق ماء‪ ،‬وفي اليد الخرى منشفة‪ ،‬وعلى عمامته يقف‬
‫طائر‪ ،‬فإذا حان وقت الصلة يصفر الطائر‪ ،‬ثم يتقدم الخادم نحو‬
‫سيده ويصب الماء من البريق بمقدار معين‪ ،‬فإذا انتهى من وضوئه‬
‫يقدم له المنشفة ثم يعود إلى مكانه‪ ،‬والعصفور يغّرد‪!!602‬‬
‫وهكذا‪ ،‬كان للعلم الذي تعلمه العلماء المسلمون‪ ،‬سواء‬
‫الشرعي أو الحياتي‪ ،‬تطبيق عملي في حياتهم اليومية‪ ،‬واستثمار حي‬
‫وحقيقي له‪..‬‬

‫سا‪ :‬الرحمة‪:‬‬
‫خام ً‬
‫ضا الرحمة‪..‬‬
‫من الخلق التي لبد أن يتصف بها العلماء أي ً‬
‫فكثيًرا ما يضع العاِلم حواجز كثيرة بينه وبين عموم الناس إذا‬
‫فا بهذا الخلق العظيم‪ :‬خلق الرحمة‪ ..‬والناس عادة ً تنفر‬
‫لم يكن متص ً‬
‫من النسان غليظ الطباع‪ ،‬قاسي المشاعر؛ ولذلك قد يحوي عقل‬
‫ن قلبه ما حوى‬
‫ما هائل ً لكنه ل يستطيع أن ُيفيد الخلق به؛ ل ّ‬
‫العاِلم عل ً‬
‫ة ول شفقة!!‬
‫رحم ً‬
‫ما كما يتعّلم العلم‪،‬‬
‫لذلك على العالم أن يتعّلم الرحمة تما ً‬
‫ما كما يباشر تجاربه وقواعده‬
‫ويباشر هذه الرحمة مع عباد الله تما ً‬
‫وأصوله العلمية‪.‬‬
‫‪601‬‬
‫‪602‬‬

‫الدفاع‪ :‬روائع الحضارة العربية السلمية في العلوم ص ‪.124‬‬
‫محمد أمين فرشوخ‪ :‬موسوعة عباقرة السلم ‪. 5/237‬‬

‫دم الله عز وجل صفة الرحمة عنده‬
‫ومن هنا نفهم لماذا ق ّ‬
‫ش‬
‫ح ِ‬
‫سبحانه وتعالى على صفة العلم؛ فقال‪ :‬ال ّ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫عْر َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م ِ‬
‫فُرو َ‬
‫مُنو َ‬
‫حو َ‬
‫ن بِ َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه يُ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ح ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫د َرب ّ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فْر‬
‫غ‬
‫فا‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ع‬
‫و‬
‫ة‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ء‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ع‬
‫س‬
‫و‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫لِ ِ َ َ ُ‬
‫َ ّ َ َ ِ ْ َ‬
‫ْ ّ ْ َ ً َ ِ ً‬
‫‪603‬‬
‫سِبيل َ َ‬
‫ع َ‬
‫حيم ِ‪. ‬‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫و ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫وات ّب َ ُ‬
‫عوا َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ن َتاُبوا َ‬
‫ق ِ‬
‫فالملئكة يصفونه سبحانه بأنه وسع كل شيء رحمة وعلما‪..‬‬
‫وقد قدموا قبل طلبهم وسؤالهم ودعائهم سبحانه للذين آمنوا ‪ -‬قدموا‬
‫قبل ذلك رحمته ‪ ‬ولم يقدموا علمه‪ ..‬في صورة إنما توحي‬
‫باستئناسهم وارتياحهم وحاجتهم لهذه الرحمة أو ً‬
‫ل‪..‬‬
‫ف بالعلم‪،‬‬
‫ص َ‬
‫بل إنه سبحانه قال يصف العبد الصالح الذي وُ ِ‬
‫والذي أرسل إليه موسى ‪ ‬كي يتعلم منه‪َ  :‬‬
‫ن‬
‫دا َ‬
‫دا ِ‬
‫عب ْ ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫و َ‬
‫م ً‬
‫ن ل َدُّنا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫مَناهُ ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ة ِ‬
‫عَباِدَنا آ َت َي َْناهُ َر ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫عل ْ ً‬
‫عل ّ ْ‬
‫ح َ‬
‫دَنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪604‬‬
‫ع َ‬
‫ت ُر ْ‬
‫ه ْ‬
‫دا‪. ‬‬
‫ما ُ‬
‫ك َ‬
‫سى َ‬
‫ن ِ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫ش ً‬
‫ن تُ َ‬
‫ل أت ّب ِ ُ‬
‫م َ‬
‫مو َ‬
‫عل ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫عل ّ َ‬
‫ُ‬
‫م ِ‬
‫فقد رزقه الله الرحمة أول ً وزوده بها‪ ،‬وذلك كي ييسر له‬
‫التعامل مع الناس‪ ،‬ثم عّلمه ‪ ‬من علمه بعد ذلك‪..‬‬
‫حا في بقية أحداث القصة في اليات التي‬
‫وهذا بعينه ما بدا واض ً‬
‫جاءت بعد ذلك‪ ،‬وكيف عامل العبد الصالح موسى ‪ ،‬وكيف صبر‬
‫على أسئلته التي أثارها رغم تعهداته‪..‬‬
‫ومن أوضح المثلة العملية على ذلك‪ ،‬ما جسده رسول الله ‪‬‬
‫بنفسه في حياته‪ ،‬فكان نعم المعّلم هو ونعم المربي هو‪ ،‬ونعم القدوة‬
‫هو ‪..‬‬
‫وانظر إلى تجسيد الصحابي الجليل معاوية بن الحكم السلمي‬
‫‪ ‬لهذه الرحمة في التعليم‪ ،‬وذلك حين يصف سلوك رسول الله ‪‬‬
‫َ ُ‬
‫ج ٌ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫س َر ُ‬
‫معَ َر ُ‬
‫صّلي َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ ‬إ ِذ ْ ع َط َ َ‬
‫معه؛ فيقول‪" :‬ب َي َْنا أَنا أ َ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫م َ‬
‫ت‪َ :‬واث ُك ْ َ‬
‫ل‬
‫م‪ ،‬فَ ُ‬
‫ماِني ال ْ َ‬
‫م‪ ،‬فَ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ت‪" :‬ي َْر َ‬
‫قوْ ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫صارِه ِ ْ‬
‫ه"‪ ،‬فََر َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫م ب ِأب ْ َ‬
‫قوْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫م ع ََلى‬
‫ن ب ِأي ْ ِ‬
‫ضرُِبو َ‬
‫جعَُلوا ي َ ْ‬
‫ن إلي! فَ َ‬
‫م ت َن ْظ ُُرو َ‬
‫ديهِ ْ‬
‫شأن ُك ُ ْ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫مَيا ْ‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫ت‪.‬‬
‫أ َفْ َ‬
‫مُتون َِني ل َك ِّني َ‬
‫سك َ ّ‬
‫ص ّ‬
‫ما َرأي ْت ُهُ ْ‬
‫م‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫خاذ ِه ِ ْ‬
‫م يُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سو ُ‬
‫ه‬
‫صّلى َر ُ‬
‫ما قَب ْل َ ُ‬
‫معَل ّ ً‬
‫ت ُ‬
‫ما َرأي ْ ُ‬
‫مي‪َ ،‬‬
‫ل الل ّهِ ‪ ،‬فَب ِأِبي هُوَ وَأ ّ‬
‫فَل َ ّ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ضَرب َِني وََل َ‬
‫مِني‪،‬‬
‫ما ِ‬
‫ما ك َهََرِني وََل َ‬
‫وََل ب َعْد َه ُ أ ْ‬
‫ح َ‬
‫شت َ َ‬
‫والل ّهِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َعِْلي ً‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫س َ‬
‫م ْ َ‬
‫ها َ‬
‫َقا َ‬
‫س‪،‬‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫يء ٌ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل‪ :‬إ ِ ّ‬
‫صل ُ ُ‬
‫في َ‬
‫صَلةَ َل ي َ ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫ن ك َلم ِ الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫قَراءَةُ ال ْ ُ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫و ِ‬
‫ما ُ‬
‫سِبي ُ‬
‫و الت ّ ْ‬
‫و كَ َ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ن‪ ،‬أ ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫والت ّك ِْبيُر َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫سو ُ‬
‫ه ‪.‬‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َر ُ‬
‫‪603‬‬
‫‪604‬‬

‫)غافر‪.(7 :‬‬
‫)الكهف‪(66 ،65 :‬‬

‫سو َ‬
‫ه‬
‫دي ُ‬
‫جاه ِل ِي ّ ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ة‪ ،‬وَقَد ْ َ‬
‫ث ع َهْد ٍ ب ِ َ‬
‫ه‪ ،‬إ ِّني َ‬
‫ت‪َ :‬يا َر ُ‬
‫جاَء الل ّ ُ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِباْل ِ ْ َ‬
‫جا ٌ‬
‫م‪َ .‬قا َ‬
‫ن‪َ .‬قا َ‬
‫ل‬
‫ل‪ :‬وَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مّنا رِ َ‬
‫ن ال ْك ُّها َ‬
‫جال ً ي َأُتو َ‬
‫مّنا رِ َ‬
‫م‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫ل‪ :‬فََل ت َأت ِهِ ْ‬
‫سل ِ‬
‫ذا َ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫ن‪َ .‬قا َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫فَل‬
‫ه ِ‬
‫ر ِ‬
‫ص ُ‬
‫ج ُ‬
‫ي َت َط َي ُّرو َ‬
‫ه ْ‬
‫دون َ ُ‬
‫في ُ‬
‫يء ٌ ي َ ِ‬
‫ش ْ‬
‫دو ِ‬
‫م‪.605"..‬‬
‫صدّن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ولعلنا نلحظ بوضوح في هذا الموقف أن رحمة رسول الله ‪‬‬
‫لم تمّر هكذا دون أن يلتفت إليها معاوية ‪ ‬أو ينتبه إليها‪ ،‬لقد عّلق‬
‫عليها‪ ،‬وذكر أنها من أج ّ‬
‫ل صفات المعّلم وأحسنها‪ ..‬ثم لعّلنا نلحظ‬
‫ضا أن هذه الرحمة هي التي شجعت معاوية على أن يتقدم بأسئلة‬
‫أي ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫أخرى ليستفيد ويستزيد‪ ..‬ولو كان أسلوب المعلم غليظا لمتنع‬
‫السائل خشية التعّرض للغلظة أو القسوة‪.‬‬
‫ن العجب بعد ذلك أن تجد علماء يستعملون هذه الغلظة في‬
‫وإ ّ‬
‫معاملتهم ودعوتهم‪ ،‬المر الذي ينفر الناس منهم‪ ،‬ويصدهم عن‬
‫دعوتهم‪ ،‬فضل عن القتداء بهم‪..‬‬
‫وقد حدث قريب من هذا في عهد رسول الله ‪ ،‬فكان له معه‬
‫موقف‪..‬‬
‫ج ٌ‬
‫ل‬
‫جاَء َر ُ‬
‫فقد روى أبو مسعود النصاري < قال‪َ " :‬‬
‫ل إلى َر ُ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫قا َ‬
‫ة‬
‫الل ّهِ ‪ ‬فَ َ‬
‫ه‪ ،‬إ ِّني ‪َ -‬والل ّهِ ‪َ -‬ل َت َأ ّ‬
‫دا ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫صَلةِ ال ْغَ َ‬
‫ل‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ن َ‬
‫خُر ع َ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ي ‪ ‬قَ ّ‬
‫ل ب َِنا ِفيَها! َقا َ‬
‫طي ُ‬
‫ط أَ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫شد ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ما َرأي ْ ُ‬
‫ل‪ :‬فَ َ‬
‫م ّ‬
‫ت الن ّب ِ ّ‬
‫ل فَُل ٍ‬
‫ج ِ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫م َقا َ‬
‫م‬
‫موْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫عظ َةٍ ِ‬
‫س‪ ،‬إ ِ ّ‬
‫غَ َ‬
‫ل‪َ :‬يا أي ّ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ذ‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ه ي َوْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ضًبا ِفي َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫وْز؛ َ‬
‫س َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫من َ ّ‬
‫م‬
‫صّلى ِبالّنا‬
‫ن ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫فأي ّك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫ج ّ‬
‫ف ِ‬
‫في ِ‬
‫ِ‬
‫‪606‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة" ‪.‬‬
‫ج‬
‫حا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذا‬
‫و‬
‫ف‪،‬‬
‫عي‬
‫ض‬
‫وال‬
‫ر‪،‬‬
‫بي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ َ ِ‬
‫َ‬
‫ا ِ َ َ‬
‫وإن مثل ذلك الخلق يتطلبه المعّلم في كل مكان وكل مجال‪..‬‬
‫فيتطلبه الب في البيت‪ ،‬والمدرس في المدرسة‪ ،‬والستاذ في‬
‫الجامعة‪ ،‬والطبيب في المستشفى أو العيادة‪ ..‬ويتطلبه بصفة خاصة‬
‫الداعية والمربي في كل أحواله ومقاماته‪..‬‬

‫سا‪ :‬توريث العلم‪:‬‬
‫ساد ً‬

‫‪ 605‬مسلم‪ :‬كتاب المساجد ومواضع الصلة‪ ،‬باب تحريم الكلم في الصلة ونسخ ما كان من‬
‫إباحة )‪ ،(537‬والنسائي )‪ ،(1218‬وأبو داود )‪ ،(930‬وأحمد )‪.(23813‬‬
‫‪ 606‬البخاري‪ :‬كتاب الجماعة والمامة‪ ،‬باب تخفيف المام في القيام وإتمام الركوع والسجود )‬
‫‪ ،(670‬ومسلم‪ :‬كتاب الصلة‪ ،‬باب أمر الئمة بتخفيف الصلة في تمام )‪ ،(466‬والدارمي )‬
‫‪ ،(1259‬وابن خزيمة )‪ ،(1605‬وابن حبان )‪ ،(2137‬والطبراني في الكبير )‪ ،(560‬وابن أبي‬
‫شيبة )‪.(4657‬‬

‫ضا‬
‫نقل العلم هو أعظم استثمار له‪ ..‬فبه قد وصل إلينا‪ ،‬وبه أي ً‬
‫يصل إلى غيرنا‪ ..‬وإن أعظم العمال هي تلك التي لم يقتصر نفعها‬
‫على صاحبها‪ ،‬وإنما التي يتعدى نفعها إلى الخرين‪..‬‬
‫ونقل العلم وبيانه للناس هو أعظم حق له على العلماء‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫الربانيين‪ ..‬فبه يتعلم الجاهل‪