‫املرشف العام‬

‫د‪ .‬محمد بن سعيد الغامدي‬
‫عميد كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية‬

‫رئيس التحرير‬
‫د‪ .‬سعيد بن مسفر المالكي‬
‫مدير التحرير‬
‫أ‪ .‬عبدالعزيز بن عمر العماري‬
‫الهيئة االستشارية‬
‫أ‪.‬د‪ .‬محمد بن خضر عريف‬
‫أ‪.‬د‪ .‬محمد عبدالعزيز الرفاعي‬
‫د‪ .‬جميل بن محمود مغربي‬
‫د‪ .‬نوح بن يحيى الشهري‬
‫د‪ .‬صباح يحيى باعامر‬
‫املراجعة والتدقيق اللغوي‬
‫د‪ .‬مختار الغوث‬
‫للمراسلة‬

‫قسم اللغـة العربية ‪ -‬كلية اآلداب ‪-‬‬
‫جامعة امللك عبد العزيز‬
‫جدة ‪21589 :‬‬
‫ص ‪ .‬ب ‪80202 :‬‬
‫شطر الطالب‪ :‬هاتف ‪ 6952351 :‬فاكس ‪6952637:‬‬
‫شطر الطالبات‪ :‬هاتف ‪6952200:‬‬
‫تحويلة السكرترية‪ 63496 :‬مرشفة القسم‪6952831:‬‬
‫الربيد اإللكرتوني ‪art.arab@kau.edu.sa‬‬

‫تواصل كلية اآلداب والعلوم‬
‫اإلنسانية سعيها الدؤوب يف‬
‫دعم الحراك الثقايف واملعريف‬
‫بجامعة امللك عبدالعزيز‬
‫وربط ذلك بساحة املجتمع‬
‫السعودي لإلسهام بفاعلية يف‬
‫دعم حركته الفكرية وتنمية‬
‫أبعاده الثقافية ‪.‬‬
‫وقد جاء قسم اللغة العربية‬
‫بكليتنا العريقة ليضيف جانبا ً‬
‫مهما ً يف هذا الصدد ‪ ,‬وليقوم‬
‫بمبادرة غري مسبوقة تتمثل يف إصدار مجلة تهتم ببناء الفكر وإذكاء‬
‫روح الثقافة حملت عنوان (مجاز) ‪ ,‬لتصبح مجازا ً واسعا ً وساحة‬
‫زاخرة بنتاج املبدعني وأقالم املفكرين من أعضاء وعضوات هيئة‬
‫التدريس بقسم اللغة العربية وأقسام الكلية األخرى ‪.‬‬
‫إن كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية تلقى كل الدعم واملساندة من‬
‫معايل مدير الجامعة أ‪.‬د‪.‬أسامة بن صادق طيب يف مثل هذه املبادرات‬
‫الثقافية والعطاءات الفكرية املميزة التي ُتظهر مكنون فكرنا وتؤكد‬
‫تواصلنا وتفاعلنا مع مجتمعنا السعودي يف شؤونه الثقافية والفكرية‬
‫‪.‬‬
‫وال يسعني وأنا أرى هذا الجهد املميزة من قسم اللغة العربية‬
‫إال أن أتوجه بالشكر الجزيل لسعادة رئيس قسم اللغة العربية‬
‫د‪.‬سعيد املالكي عىل جهوده البناءة يف رئاسته لتحرير هذا املجلة‬
‫الفتية ‪,‬والشكر كذلك لسعادة أعضاء اللجنة االستشارية للمجلة‬
‫وملدير تحريرها سعادة أ‪.‬عبد العزيز العماري‪ ,‬والشكر موصول‬
‫كذلك ألصحاب السعادة أعضاء هيئة التدريس عىل عطاءاتهم العلمية‬
‫املرموقة التي سطرتها أقالمهم عرب صفحات «املجاز» ‪.‬‬
‫املرشف العام عىل املجلة‬
‫عميد كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية‬
‫د‪ .‬محمد بن سعيد الغامدي‬

‫رؤساء قسم اللغة العربية ‪:‬‬

‫د‪ /‬عبدالهادي بن محسن الفضيل‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عبد املحسن بن فراج القحطاني‬

‫د‪ /‬حسني بن محمد الذواد‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عبدالله الغذامي‬

‫نبذة تاريخية ‪:‬‬

‫تأسس قسم اللغة العربية يف العام الجامعي ‪1398/1397‬هـ‬
‫‪ .‬مقترصا ً يف نشاطه األكاديمي عىل تقديم الخدمات لطالب‬
‫الجامعة كافة فيما يتصل بمتطلبات الجامعة ‪,‬ثم بدأ القسم‬
‫عام ‪1400‬هـ يف تقديم برنامج أكاديمي متكامل يعطي درجة‬
‫البكالوريوس يف اللغة العربية وآدابها ‪.‬‬
‫وقد قام القسم – منذ إنشائه – بأداء رسالته عىل أكمل وجه‬
‫محاوال ً – دائما – تطوير مناهجه واستقطاب األساتذة األفذاذ‬
‫القادرين عىل أداء تلك الرسالة‪ .‬فتخرج فيه كثري من الطالب‬
‫والطالبات يف مرحلة البكالوريوس ليحملوا األمانة يف مجاالت‬
‫العمل املختلفة بالدولة‪ ،‬يف التعليم و اإلعالم وغريهما من‬
‫الوظائف‪ .‬وظل القسم يواكب حركة البناء والتنمية يف اململكة‬
‫العربية السعودية‪ ،‬ويحدث مناهجه ومقرراته الدراسية وفقا‬
‫للحاجة وينظم طرائق األداء داخله ويتوسع يف القبول مستجيبا ً‬
‫لحاجة البالد لخريجي اللغة العربية حتى بلغ طالبه يف عام‬
‫‪1425/24‬هـ (‪ )1273‬طالباً‪ .‬مما يرسم صورة للقفزة الكبرية‬
‫واإلقبال املتزايد الذي يحظى به القسم‪ .‬ويف العام الدرايس‬
‫‪1423/1422‬هـ أضاف القسم إنجازا ً مهما ً إذ بدأ فيه برنامج‬
‫الدراسات العليا ملرحلة املاجستري‪ ،‬الذي لقي أيضا إقباال ً كبريا ً‬
‫من الدارسني‪ ,‬ثم بدأ القسم مع مطلع العام الدرايس ‪1431‬هـ‬
‫تقديم برنامج الدكتوراه يف اللغة واألدب ‪ ,‬هذا هو القسم يف‬
‫خمسة وعرشين عاما يقدم النافع املفيد ويضطلع بتقديم‬
‫املزيد‪.‬‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عبدالله بن سالم املعطاني‬

‫د‪ /‬عبدالعزيز بن محمد السبيل‬

‫د‪ /‬جميل بن محمود املغربي‬

‫د‪ /‬سمري بن يحيى املعرب‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عبدالله بن عويقل السلمي‬

‫د‪ /‬حمدان بن عطية الزهراني‬

‫د‪ /‬سعيد بن مسفر املالكي‬

‫رسالتنا ‪:‬‬

‫البرامج الدراسية ‪:‬‬

‫التميز يف إعداد متخصصني يف علوم العربية يشاركون يف تنمية املجتمع والحفاظ عىل هوية األمة يضم قسم اللغة العربية بجامعة امللك عبد العزيز عددا ً‬
‫من الربامج العلمية املختلفة‪ ،‬وتشمل هذه الربامج ما‬
‫وتطوير اللغة العربية بما يالئم وروح العرص‪.‬‬
‫بعد املرحلة الثانوية إىل الدكتوراه ‪ ،‬مع ضمان جودة‬
‫رؤيتنا‪:‬‬
‫املخرجات وتأهيل املتخرجني تأهيال علميًّا جي ًدا يقف‬
‫ضمان الجودة العلمية لربامج اللغة العربية وتعزيز عالقتها بالدراسات البينية األخرى‪.‬‬
‫بهم مع خريجي كربى الجامعات العربية والعاملية‪.‬‬
‫أهدافنا‪:‬‬
‫‪ .1‬إعداد الخريجني الحاملني للشهادة يف درجة البكالوريوس يف اللغة العربية وآدابها‪ ،‬لتلبية والربامج التي يقدمها القسم هي‪:‬‬
‫الربامج الدراسية الحالية ‪:‬‬
‫حاجة البالد إىل املتخصصني يف فروع اللغة العربية‪.‬‬
‫‪ .2‬تهيئة الكفاءات الوطنية من حاميل علوم اللغة العربية وآدابها بغية تلبية حاجات اململكة ‪ .1‬برنامج البكالوريوس (انتظام)‬
‫ومؤسساتها يف الخارج‪ ،‬التي تقوم عىل نرش الدين اإلسالمي وتعليم اللغة العربية للناطقني ‪ .2‬برنامج البكالوريوس (انتساب)‬
‫‪ .3‬برنامج املاجستري‬
‫بغريها‪ ،‬ليقوموا بالدور الذي يناط بهم‪.‬‬
‫‪ .3‬إعداد الدراسات والبحوث اللغوية واألدبية التي تهدف إىل خدمة لغة القرآن الكريم وتنمية ‪ .4‬برنامج الدكتوراه‪.‬‬
‫طاقاتها الستيعاب مفاهيم الحضارات املعارصة‪ ،‬وبلورة حقائقها ونظرياتها إىل مستوى الربامج الدراسية املستقبلية ‪:‬‬
‫‪ .1‬برنامج البكالوريوس(عن بُعد)‬
‫متطلبات الحياة الحارضة ومنتظرات األجيال اآلتية‪.‬‬
‫‪ .2‬برنامج املاجستري الخاص‬
‫‪ .4‬إحياء الرتاث العربي لغة وأدبا‪.‬‬
‫‪ .5‬املشاركة يف مرشوعات كلية اآلداب وجامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬بتقديم املواد املطلوبة من قبل ‪ .3‬برنامج املاجستري (عن بُعد)‬
‫األقسام واإلدارات واملراكز املختلفة ‪ ،‬وتدريسها‪ ،‬وتقديم االستشارات اللغوية للجهات الراغبة يف ‪ .4‬دبلوم تعليم اللغة العربية (عن بُعد)‬
‫ذلك‪.‬‬
‫الهيئة األكاديمية ‪:‬‬
‫‪ .6‬نرش لغة القرآن الكريم بني املجتمعات اإلسالمية غري العربية‪ ،‬ليتسنى لها معرفة لغة القرآن يضم قسم اللغة العربية مجموعة متميزة من أعضاء‬
‫الكريم والحديث الرشيف بلغتهما األصلية‪ ،‬واإلطالع عىل الرتاث اإلسالمي بلسانه العربي املبني‪ .‬هيئة التدريس رجاال ونساء يف تخصصات مختلفة‬
‫‪ .7‬فتح باب اللغة العربية يف وطنها األم أمام املسترشقني‪ ،‬ليستقوا معلوماتهم من منابع هذه من مدارس عاملية متنوعة جمعت بني األصالة‬
‫الجزيرة العربية يف أصالتها ونقائها‪.‬‬
‫واملعارصة يفيد منها أبناؤنا الطالب‪ ،‬كما تميزت هذه‬
‫‪ .8‬إعداد كوادر أكاديمية مؤهلة للعمل الجامعي من خالل فتح برنامج الدراسات العليا‪.‬‬
‫الهيئة األكاديمية بأنها تنتسب لجامعات عاملية عريقة‬
‫‪ .9‬املشاركة يف برامج تنمية القدرات املهارية التي تنظمها الجامعة كإعداد الخطباء والكتاب اشتهرت بالتميز والعراقة‪.‬‬
‫واإلعالميني ونحوهم‪.‬‬

‫قراءة ‪ :‬د‪/‬سعيد املالكي‬
‫تحاول أرسة تحرير «مجاز» أن تلقي الضوء‬
‫عىل بعض مظاهر الحركة الفكرية والثقافية‬
‫باململكة العربية السعودية يف عهد خادم‬
‫الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‬
‫آل سعود‪ -‬حفظه الله – ‪.‬‬
‫فقد استطاع خادم الحرمني الرشيفني –حفظه‬
‫الله – أن يدعم حركة الفكر والثقافة يف بالدنا‬
‫بالعديد من الروافد التي أسهمت يف تنشيط‬
‫حركتها وإمدادها بالرؤى واألفكار املبدعة ‪,‬‬
‫فالناظر إىل ساحة الفكر والثقافة يلحظ بوضوح‬
‫الكثري من مظاهر التقدم والرقي واالزدهار ‪.‬‬
‫إن هذا التقدم يف حركة الفكر والثقافة‬
‫السعودية يف عرصنا الحارض لم يكن وليد‬
‫اللحظة أو رضبة حظ ‪ ,‬بل يقف خلف ذلك كله‬
‫عزم الرجال وتخطيط العقالء ‪ ,‬ولم يكن هذا‬
‫التقدم منحرصا ً يف مجال دون آخر ‪ ,‬بل شمل‬
‫مجاالت عدة ومستويات مختلفة ‪ ,‬فقد أدرك‬
‫خادم الحرمني الرشيفني بثاقب بصريته أن‬
‫االهتمام بالتعليم هو الخطوة األوىل واألهم يف دعم‬
‫حركة الفكر السعودي ‪ ,‬وهناك عالقة حتمية بني‬
‫التعليم وتقدم الساحة الثقافية ‪,‬فبادر – حفظه‬
‫الله ‪ -‬إىل تنفيذ مرشوع واعد ومميز لتطوير‬
‫التعليم العام يهدف إىل‬
‫‪ )1‬تنمية شخصيات الطالب العلمية والعملية‬

‫ومهارات التفكري والتعليم الذاتي‪.‬‬
‫‪ )2‬تعزيز القيم اإلسالمية واألخالق والوالء‬
‫لألرسة واملجتمع والوطن‪.‬‬
‫‪ )3‬تقدير املكتسبات الوطنية واملحافظة عليها‪.‬‬
‫‪ )4‬تحقيق التوازن بني السنوات واملراحل‬
‫الدراسية وما يقدم فيها من كم معريف‪.‬‬
‫‪ )5‬املواءمة بني املحتوى وربطه بالتقدم العلمي‬
‫والتطور املعريف املستمرين‪.‬‬
‫إن هذه األهداف املرسومة لهذا املرشوع املميز‬
‫تجعلنا نؤكد أن ذلك سينعكس إيجابًا عىل حركة‬
‫الفكر السعودي يف املستقبل القريب‪ ،‬وستكون‬
‫املخرجات عند أبنائنا الطالب والطالبات عقوال ً‬
‫نرية مفكرة ‪.‬‬
‫لقد زامن هذا املرشوع الضخم اهتمام من خادم‬
‫الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‬
‫بتطوير التعليم العايل ‪ ,‬الذي شمل جوانب شتى‬
‫‪ ,‬منها التوسع الكبري وغري املسبوق يف إنشاء‬
‫الجامعات واستحداث الكليات يف جميع مناطق‬
‫اململكة ‪,‬ولعل خري شاهد عىل ذلك الجامعة‬
‫العمالقة التي أنشأها خادم الحرمني امللك عبدالله‬
‫بن عبد العزيز – حفظه الله‪ -‬عىل ضفاف البحر‬
‫األحمر بمدينة ثول والتي أطلق عليها (جامعة‬
‫امللك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا) ‪.‬‬
‫كما أن املرشوع الرائد املتمثل يف برنامج‬
‫خادم الحرمني الرشيفني لالبتعاث الخارجي‬

‫عالمة فارقة يف مسرية الفكر السعودي الحديث‬
‫‪ ,‬فهذا الربنامج يسعى يف رسالته إىل تحقيق‬
‫تنمية وإعداد املوارد البرشية السعودية وتأهيلها‬
‫بشكل فاعل لكي تصبح منافسا ً عامليا ً يف سوق‬
‫العمل ومجاالت البحث العلمي ورافدا ً أساسيا ً يف‬
‫دعم الجامعات السعودية والقطاعني الحكومي‬
‫واألهيل بالكفاءات املتميزة‪.‬‬
‫وتأتي املؤتمرات العاملية التي شهدتها‬
‫ساحة التعليم العايل شاهدة عىل حرص خادم‬
‫الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبدالعزيز‬

‫التعليم العايل وإنشاء مركز وطني لتوفري الدعم‬
‫الفنّي و األدوات والوسائل الالزمة لتطوير‬
‫املحتوي التعليمي الرقمي‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وقد شهدنا مؤخرًا معرضا دوليًا مميزا للتعليم‬
‫العايل رعاه خادم الحرمني الرشيفني بمشاركة‬
‫‪ 53‬متحدثا ينتمون إىل ‪ 24‬دولة و ‪ 6‬منظمات‬
‫دولية تهتم بالتعليم العايل‪ .‬ويمثل املعرض قناة‬
‫مهمة للتواصل بني املهتمني بالتعليم العايل يف‬
‫الجامعات املحلية والدولية كافة كما يمثل فرصة‬
‫للجامعات ملد جسور التواصل مع الجامعات‬

‫لدفع عجلة الفكر والتعليم السعودي بالخربات‬
‫العاملية املتقدمة وجعلها يف متناول املفكرين‬
‫والعلماء واملثقفني ‪ ,‬وهذه املؤتمرات أكثر من أن‬
‫ُتحىص‪ ,‬فمنها عىل سبيل املثال ‪ :‬املؤتمر الدويل‬
‫األول للتعليم اإللكرتوني والتعليم عن بُعد ‪,‬الذي‬
‫انطلق بتوجيه من خادم الحرمني الرشيفني امللك‬
‫عبد الله بن عبد العزيز ‪ -‬حفظه الله ‪ -‬بوضع‬
‫خطة وطنية لتقنية املعلومات لتبني التعليم‬
‫اإللكرتوني والتعليم عن بُعد وتطبيقاتهما يف‬

‫العاملية وعقد االتفاقات التي ستنعكس آثارها‬
‫يف إثراء املحتوى التعليمي والرقي بالتجارب‬
‫الخاصة بالجامعات ‪.‬‬
‫أما املشهد الثقايف يف اململكة فقد أواله خادم‬
‫الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‬
‫ حفظه الله – عناية كبرية فاهتم بدعم الساحة‬‫الثقافية عرب وزارة الثقافة واإلعالم وتوفري كافة‬
‫اإلمكانات لهذه الوزارة ‪,‬ولعل تقدم العمل يف‬
‫األندية األدبية وإقامة األيام الثقافية يف العديد‬

‫االهتمام بالتعليم هو الخطوة األولى‬
‫واألهم في دعم حركة الفكر السعودي‬

‫‪9‬‬

‫من دول العالم وإطالق القناة التلفزيونية الثقافية بعض الدالئل‬
‫الواضحة عىل ذلك ‪.‬‬
‫ومن الشواهد األخرى عىل السعي الحثيث لتنشيط الساحة الثقافية‬
‫توجيه خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز ‪ -‬حفظه‬
‫الله – بإقامة مؤتمر األدباء كل سنتني بعد توقف دام عدة سنوات‬
‫‪,‬وكذلك اهتمامه الكبري – حفظه الله ‪-‬بأهمية الكتاب وبالدور الذي‬
‫تقوم به املعارض الدولية للكتاب من دعم للتنوع الثقايف والتواصل مع‬
‫األمم والحضارات واالستفادة من منجزاتها‪،‬والذي ترجمه – حفظه‬
‫الله إىل تطور كبري ملعرض الرياض الدويل للكتاب ‪.‬‬
‫وينظر ‪-‬حفظه الله – بعني الحصيف إىل الدور املهم الذي يقدمه‬
‫مهرجان الجنادرية للحركة الثقافية السعودية بعد أن مىض عىل‬
‫إقامته ربع قرن – تقريباً‪-‬فقام – حفظه الله – بإمداده بكل السبل‬
‫املمكنة لتطوير فعالياته وتنظيم نشاطاته الثقافية لتكون جسورا ً‬
‫قوية للتواصل الثقايف والحوار الحضاري بني املفكرين واملثقفني‬
‫السعوديني ونظرائهم يف ثقافات العالم رشقا ً وغربا ً ‪.‬‬
‫ويف ملمح آخر الزدهار الحركة الفكرية والثقافية يف اململكة استحدث‬
‫خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز ‪ -‬حفظه الله‬
‫– جائزة عاملية للرتجمة من اللغة العربية وإليها وهي جائزة تقديرية‬
‫عاملية تمنح سنويا ً لألعمال املميزة‪ ،‬والجهود البارزة يف مجال الرتجمة‪,‬‬
‫وتسعى إىل تحقيق أهداف عدة منها ‪ :‬اإلسهام يف نقل املعرفة من اللغة‬
‫العربية وإليها وتشجيع الرتجمة يف مجال العلوم املختلفة إىل اللغة‬
‫العربية ‪,‬وكذلك إثراء املكتبة العربية بنرش أعمال الرتجمة املميزة‪.‬‬
‫كما تفضل – حفظه الله – مؤخرا ً باإلعالن عن جائزة عاملية للرتاث‬
‫والثقافة ‪ ,‬ليدعم بذلك مسرية الثقافة السعودية بكل الوسائل املمكنة‬
‫لتتبوأ مكانة مرموقة ومميزة بني الثقافات العاملية ‪.‬‬
‫ً‬
‫–سابقا‪ -‬لن نحيص كل مظاهر حركة الفكر والثقافة‬
‫إننا كما ذكرنا‬
‫يف عهد خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‪-‬حفظه‬
‫الله‪ -‬والتي لم تقف حدودها عىل أرض الوطن فحسب ‪ ,‬بل وصل‬
‫صداها إىل أصقاع عدة من عاملنا اليوم ‪ ,‬وستظل تحتفظ بها الذاكرة‬
‫العاملية أمدا ً بعيدا ً ‪ ,‬فبعد أن رعى تأسيس مركز امللك عبدالعزيز‬
‫للحوار الوطني الذي يسعى إىل نرش ثقافة الحوار وتعزيزها يف‬
‫املجتمع‪ ,‬انطلق – حفظه الله – إىل آفاق عاملية بدعوة العالم بأرسه إىل‬
‫التحاور الحضاري البناء والتواصل الثقايف املثمر ‪,‬فأقيمت املؤتمرات‬
‫يف هذا الخصوص وعقدت الندوات يف أنحاء متفرقة من العالم من أجل‬
‫الوصول إىل نقاط مشرتكة بني األمم والشعوب ومد جسور التواصل‬
‫الثقايف بينها وتفعيل االتصال املعريف بني الحضارات اإلنسانية ‪.‬‬
‫لقد استحق خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‪-‬‬
‫حفظه الله‪-‬كثريا من األلقاب والجوائز يف مجال الفكر والثقافة ‪ ,‬فجاء‬
‫اختياره مؤخرا ً ليكون ضمن األشخاص األكثر نفوذا ً وتأثريا ً يف العالم‬
‫‪ ,‬واستحق جائزة امللك خالد لإلنجاز الوطني يف دورتها األوىل تقديرا ً‬
‫لجهوده العظيمة الفاعلة يف تطوير حركة الفكر والثقافة السعودية‬
‫‪.‬‬
‫إن املثقفني واملفكرين السعوديني يقدرون بعمق كل الجهود املبذولة‬
‫من خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز‪-‬حفظه‬
‫الله‪-‬يف سبيل دفع عجلة التقدم الفكري والثقايف يف اململكة العربية‬
‫السعودية ‪,‬من أجل غ ٍد مرشق ومستقبل واعد ألجيالنا القادمة التي‬
‫ستحمل بعون الله ثقافة عالية وفكرا ً وقادا ً يتسم بمنهج معتدل‬
‫وتسامح يف التعامل ‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫قراءة ‪ :‬فريق التحرير‬
‫ً‬
‫حظيت جامعة امللك عبد العزيز مؤخرا بإنشاء‬
‫كريس األمري خالد الفيصل لتأصيل منهج‬
‫االعتدال السعودي ‪ ,‬حيث يتناول بالبحث‬
‫والدراسة خمسة محاور هي ‪ :‬املحور السيايس ‪,‬‬
‫واملحور االقتصادي ‪ ,‬واملحور التاريخي ‪ ,‬واملحور‬
‫االجتماعي ‪ ,‬واملحور الثقايف ‪ ,‬أما رسالته فهي‬

‫الجنيدي ‪ ,‬سعادة عميد كلية االقتصاد واإلدارة‬
‫أ‪.‬د‪ /‬حسام بن عبداملحسن العنقري ‪ ,‬وسعادة‬
‫عميد كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية د‪ /‬محمد‬
‫بن سعيد الغامدي ‪ ,‬وسعادة د‪ /‬سعيد بن مسفر‬
‫ً‬
‫ومرشفا إداريًا عىل الكريس ‪.‬‬
‫املالكي أمينا ً للجنة‬
‫وبعد أن استعرضنا مالمح موجزة عن كريس‬
‫األمري خالد الفيصل لتأصيل منهج االعتدال‬

‫‪ ,,‬التأصيل العلمي لمنهج االعتدال‬
‫ٌ‬
‫تعزيز للوحدة الوطنية ‪،،‬‬
‫السعودي‬
‫نرش ثقافة االعتدال السعودي ملواجهة التحديات‬
‫النابعة من تيارات التطرف والغلو والتغريب‪, .‬‬
‫يف حني أن رؤية الكريس ‪ :‬التأصيل العلمي ملنهج‬
‫االعتدال السعودي تعزي ٌز للوحدة الوطنية‪, .‬‬
‫ويسعى الكريس يف تحقيق األهداف اآلتية ‪:‬‬
‫‪ .1‬إظهار الصورة الصحيحة ملنهج االعتدال‬
‫السعودي وتطبيقاته طوال االمتداد التاريخي‬
‫للمملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫‪ .2‬تعزيز االنتماء الوطني لدى املجتمع‪.‬‬
‫‪ .3‬رفع وعي وثقافة املجتمع تجاه األفكار‬
‫الضارة بكيانه واستقراره‪ ,‬كالتطرف والغلو‬
‫والتغريب‪.‬‬
‫وقد قامت جامعة امللك عبدالعزيز بجهود‬
‫حثيثة يف إعداد الخطط التنظيمية والتنفيذية‬
‫لعمل الكريس وبدء نشاطاته العلمية والثقافية‬
‫أرشف عليها معايل مدير الجامعة أ‪.‬د‪ /‬أسامة‬
‫ابن صادق طيب تساعده لجنة إرشافية تضم‬
‫يف عضويتها كالً من ‪ :‬سعادة وكيل الجامعة‬
‫لألعمال واإلبداع (نائبا ً للرئيس ) د‪ /‬أحمد بن‬
‫حامد نقادي ‪ ,‬سعادة وكيل الجامعة للدراسات‬
‫العليا والبحث العلمي أ‪.‬د‪ /‬عدنان بن حمزة‬
‫زاهد ‪ ,‬وسعادة عميد البحث العلمي أ‪.‬د‪ /‬يوسف‬
‫ابن عبدالعزيز الرتكي ‪,‬وسعادة عميد معهد‬
‫البحوث واالستشارات أ‪.‬د ‪ /‬عبدامللك بن عيل‬

‫‪12‬‬

‫السعودي ستحاول «مجاز» أن تستطلع الرأي‬
‫حول األثر املتوقع الذي سيحدثه الكريس عىل‬
‫الساحة الثقافية السعودية ‪ ,‬السيما أن النشاط‬
‫العلمي والثقايف للكريس يهتم كثريا ً بالجانب‬
‫الثقايف ‪ ,‬فاملحور الثقايف وهو أحد املحاور‬
‫العلمية للكريس سيحاول أن يناقش منهج‬
‫االعتدال السعودي وأثره يف حركة الفكر الثقايف‬
‫يف اململكة العربية السعودية ‪ ,‬كما أن الكريس‬
‫سيقوم بتنفيذ برنامج ثقايف يستمر طيلة خمس‬
‫سنوات يتضمن العديد من الفعاليات واألنشطة‬
‫الثقافية ‪.‬‬

‫معايل أ‪.‬د‪ /‬أسامة بن صادق طيب مدير جامعة‬
‫امللك عبد العزيز نوه من جانبه بالدور الثقايف‬
‫املهم لكريس األمري خالد الفيصل الذي يتيح املجال‬
‫أمام الباحثني ملناقشة أبعاد الحركة الثقافية‬
‫للملكة العربية السعودية وإجراء الدراسات عىل‬
‫األسس واملنطلقات التي تشكلت من خاللها ‪,‬‬
‫كما ذكر معاليه أن املجال سيكون مناسبا ً يف هذا‬
‫اإلطار البحثي ملعرفة روافد الثقافة السعودية‬
‫واالتجاهات التي سارت عىل الثقافة السعودية‬
‫وفق منهج االعتدال السعودي‬
‫أما سعادة د‪ /‬أحمد بن حامد نقادي وكيل‬
‫الجامعة لألعمال واإلبداع املعريف فقال إن كريس‬
‫األمري خالد الفيصل لتأصيل منهج االعتدال‬
‫السعودي سيكون عالمة مميزة لالرتقاء‬
‫بفكرنا وثقافتنا الوطنية وبيان ما تتميز به من‬
‫خصوصية ثقافية عىل سائر الثقافات األخرى ‪,‬‬
‫فالتأصيل العلمي ملالمح الثقافة السعودية عرب‬
‫امتدادها الزمني العريق سيعطي صورة واضحة‬
‫وتعريفا ً علميا ً لهويتنا الثقافية ‪.‬‬

‫يف حني أوضح سعادة أ‪.‬د‪ /‬عدنان بن حمزة زاهد‬
‫وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي‬
‫أن كريس األمري خالد الفيصل لتأصيل منهج‬

‫االعتدال السعودي أوىل اهتماما ً بالناحية الثقافية‬
‫التي تشكل جزءا ً مهما ً من هويتنا الفكرية ‪ ,‬وقد‬
‫أتيح للباحثني يف الجانب الثقايف مجموعة من‬
‫املحاور العلمية مثل ‪ :‬دور الثوابت الدينية يف‬
‫رسم منهج االعتدال السعودي ‪ ,‬ومنهج االعتدال‬
‫السعودي وأثره يف حركة الفكر الثقايف يف اململكة‬
‫العربية السعودية‪ ,‬وكذلك موضوع االعتدال‬
‫وتحدث سعادة أ‪.‬د‪ /‬عبدامللك الجنيدي عميد‬
‫يف لغة الخطاب اإلعالمي السعودي‪ ,‬ودراسة‬
‫أثر منهج االعتدال السعودي يف اآلداب والفنون معهد البحوث والدراسات بالجامعة عن الرؤية‬
‫‪,‬إضافة للموضوعات األخرى ذات العالقة بهذا الشمولية التي ينتهجها كريس األمري خالد‬
‫الفيصل يف دراسة الحركة الثقافية باململكة‬
‫املحور‪.‬‬
‫العربية السعودية ‪ ,‬وقال إننا بحاجة لفتح آفاق‬
‫عميد كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية سعادة د‪ /‬البحث العلمي والدرس األكاديمي للتعريف‬
‫محمد سعيد الغامدي توقع أن تشهد الساحة بهوية ثقافتنا السعودية واليوم يف ظل ثقافة‬
‫الثقافية السعودية حراكا ً علميا ً مميزا ً فاملحاور العوملة واالنفتاح الثقايف عىل كثري من الثقافات‪.‬‬
‫العلمية لكريس األمري خالد الفيصل تتناول‬
‫الكثري من جوانب الساحة الثقافية بل تمتد كذلك‬
‫لتشمل جوانب مهمة يف ساحة البحث التاريخي‬
‫واالجتماعي ‪ ,‬وهذا األمر سيثري الحركة املعرفية‬
‫يف اململكة وسيزيد من فاعلية الحراك الثقايف يف‬
‫عدة مجاالت ‪.‬‬

‫أما املرشف اإلداري للكريس سعادة د‪ /‬سعيد‬
‫بن مسفر املالكي فقال إن كريس األمري خالد‬
‫الفيصل لتأصيل منهج االعتدال السعودي يأتي‬
‫ضمن الجهود الكبرية لصاحب السمو امللكي‬
‫األمري خالد الفيصل للرقي بالثقافة السعودية‬
‫ودعم مسرية تقدم املثقف السعودي الذي يعترب‬
‫جزءا ً ال يتجزأ من منظومة الثقافة السعودية‬
‫ويشكل عنرصا ً فاعالً يف املشهد الفكري والثقايف‬
‫‪ ,‬وأضاف أن الكثري من مالمح الثقافة السعودية‬
‫ستظهر عنارصها عرب الدراسات األكاديمية‬
‫للكريس لتؤدي دورها اإليجابي يف تقدم ونهضة‬
‫فكرنا السعودي ‪.‬‬

‫الكرسي يتيح المجال أمام الباحثين‬
‫لمناقشة أبعاد الحركة الثقافية في‬
‫المملكة وإجراء الدراسات على األسس‬
‫والمنطلقات التي تشكلت من خاللها‬
‫‪13‬‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عبد الله بن عويقل‬

‫الحق الذي ال مراء فيه أن التفاضل بني األمم بما‬
‫قدمت للخليقة من خري‪ ،‬وما جلبت للبرشية من‬
‫نفع‪ .‬و الحق أيضا أننا كنا قبل أن نبلغ رشدنا‬
‫الدويل نعيش عيشه األغرار يف حمى القبيلة حينا‪,‬‬
‫ويف حمى الصحارى املقفرة أحيانا أخرى‪ .‬واليوم‬
‫أصبحنا بفضل الله ثم بفضل مؤسس هذا الكيان‬
‫نحب الوطن والثروة والدولة والسلطان ‪,‬نعيش‬
‫كما تعيش األمم يف أوطانها ‪ ,‬حططنا عن كواهلنا‬
‫أثقال الدفاع عن النفس‪ ,‬وأمطنا عن أعيننا غبش‬
‫الرؤية للمستقبل وأصبحنا نفهم معنى الوطن ؛‬
‫ألن الوطن ليس مفردة نتغنى بها ‪ ,‬وليس هوية‬
‫مدونة عىل بطاقة األحوال املدنية وإنما جامعات‬
‫تبني ‪ ,‬وطرق تنهج ‪ ,‬وجسور تمد وثقافة تنترش‬
‫‪ ,‬وأمن يستقر ‪ ,‬وحضارة تزدهر ‪ .‬هكذا انثالت‬
‫الكلمات عىل لساني ‪ ,‬بل وعىل كل لسان وأنا‬
‫أصغي ملحارضة قيمة قدمها صاحب الفكر‬
‫النري ‪ ,‬واألدب الغزير والشاعر املتألق األمري‬
‫خالد الفيصل يف رحاب جامعة امللك عبد العزيز‬
‫بجدة ؛ ألن املحارضة كرست مفهوم التأصيل‬
‫وبينت دوافع اختيار هذا العلم شعارا واختيار‬
‫اسم الدولة عنوانا ‪ ,‬فظهر أن ذلك لم يأت جزافا‬
‫ولم يصدر بتعجل بل يرضب يف أعماق الفكر‬
‫ويؤصل ملنطلقات تخفى عن القارئ املتعجل ‪.‬‬
‫الوطن ليس توفري القوت للمواطن فقط ولكنه‬
‫هو املواطن الذي ال يتلذذ بنكران النعم‪ ,‬و‬
‫املواطن الذي يشعر بأنه لبنة يف البناء وليس‬
‫علقة يعيش عىل دماء ودمار اآلخرين ‪.‬‬
‫الوطن هو ذلك اإلنسان الذي ال يتمرد عىل دوائر‬
‫الحياة الثالث املشكلة لهويته فدائرة الثوابت‬
‫املتمثلة يف الدين ودائرة العروبة املتمثلة يف اللغة‬
‫والثقافة ودائرة الوطن املتمثلة يف كل يشء والتي‬

‫‪14‬‬

‫تحمي الثوابت وتحث الخطى نحو التقدم ‪.‬‬
‫إن االعتدال ليس مفردة نعزف عليها من عىل‬
‫املنابر أو نتغنى بها يف وسائل اإلعالم ‪ ,‬أو مقررا‬
‫دراسيا يدون يف الكتب وتقدم فيه االختبارات‬
‫النظرية ‪ ,‬ولكنه استقامة يف الفكر ونمو يف العقل‬
‫وطموح يف الهمة ‪ ,‬وكلها يصدقها الواقع من‬
‫خالل طمس معالم التطرف التغريبي والتخريبي‬
‫‪ ,‬ومن خالل العلو بالفرد من االستبداد بالرأي‬
‫وامتالك الحقيقة إىل مساحات الحوار وتعدد‬
‫اآلراء وتنوع املذاهب ‪ ,‬ويعلو بالفرد من األنانية‬
‫أو التبعية الغربية التي تزيف أدبنا ‪ ,‬وتمحو‬
‫تاريخنا باللغو الباطل ‪ ,‬وتطمس معالم ثقافتنا‬
‫بالفكر املستورد املعلب ‪.‬‬
‫االعتدال يا سمو األمري املفكر األديب‪ .‬كما رسخت‬
‫وأحلت هو حق ينفي خبث التكفري والتفجري‬
‫والتدمري‪ ,‬وهو ضياء يميط ظالم من ال يرى أن‬
‫لنا أدبا يحتذى أو تاريخا يليق أو صوتا يسمع‬
‫أو لغة تصلح للحياة‪.‬‬
‫إن ما أفهمه من مطلب االعتدال‪ ,‬الذي نطمح‬
‫إليه أنه ال يعني طمس معالم القبيلة‪ ,‬وال نبذ‬
‫التعددية الفكرية وال إلغاء التنوع الثقايف‪,‬‬
‫وال تأصيل أحادية الرأي‪ ,‬ولكنه صهر كل‬
‫التضاريس البرشية يف بوتقة الوطن‪ .‬وأن التمرد‬
‫يعني تمزيق القيم وانحراف األفكار ‪ ,‬وهدم‬
‫النسيج االجتماعي املتطابق املتآلف ‪ ,‬وزرع‬
‫حدود وقيود وتوزيع املجتمع إىل فئات ضيقة‬
‫تتطارح وال تتصالح ‪ ,‬تتناحر وال تتجاور ‪.‬‬
‫إن املجتمع السليم هو الذي يستحرض روح‬
‫االنتماء إىل دين واحد و وطن واحد فتذوب فيه‬
‫األعراق وتتجه كل النوازع الفكرية والثقافية‬
‫والشعرية و املناطقية والقبلية لرتسم خريطة‬

‫اجتماعية تنسجم مع العالئق التي أرادها الله‬
‫والتي برتت أقوى الوشائج وهي األبوة والبنوة‬
‫بني نوح وابنه ‪ ,‬ليبقى املجتمع صالحا وكيانا‬
‫سليما و وحدته قوية ‪ .‬ولهذا فإن تضاريس‬
‫الوطنية هي الخارطة التي شبكت العالقة بني‬
‫املواطن و املواطن ‪.‬‬
‫إن محارضة سمو األمري خالد الفيصل جاءت‬
‫لرتسخ التأصيل االعتدايل الذي عرى النتوءات‬
‫االرتدادية املتمردة التي تسريها األهواء وتحكمها‬
‫األمزجة فتخرب وتغرب ‪ ,‬وتكفر وتفجر‪.‬‬
‫ويعلم سموه – ونحن معه – أن كل مجتمع‬
‫يتعرض ملا يتعرض له الفرد من مرض وعافية‬
‫‪ ,‬ورخاء وشدة ‪ ,‬وأن عقول بعض أبنائه قد‬
‫تشطح فتتناىس واجبها وتتخىل عن مسؤوليتها‬
‫‪ ,‬وإذا كان االنفتاح الذي أقرته الحضارة تحول‬
‫من تالقح فكري وثقايف إىل إفراز عقل خائر‬
‫خائف أو مرتم وغري منتم‪ .‬فإن هذه النتيجة‬
‫ينبغي أال تثنينا عن أن نرسخ روح املواطنة من‬
‫خالل املثقف املتزن واملفكر الواعي ‪ ,‬والداعية‬
‫الحصيف الذين يقضون عىل األحكام العاطفية‬
‫واالندفاعات غري الراشدة التي جرت فئات من‬
‫مجتمعنا إىل معارك تأكل األخرض واليابس‬
‫فتؤصل لألحقاد ‪ ,‬وتوغر الصدور ‪ ,‬وتؤجج‬
‫النزاعات ‪ ,‬وتعلن الحرب عىل كل منجز ناجح أو‬
‫دعوة راشدة أو رأي واع أو مفكر مبدع أو داعية‬
‫يفهم التبعيات ‪ ,‬وكل املؤرشات تبني أن محاوالت‬
‫جر جيلنا إىل هذا املستنقع خالل عرش السنوات‬
‫األخرية أضحى صعب املنال ‪ ,‬وبالتايل ستنطمس‬
‫معالم التمرد وترتسخ مفاهيم االعتدال ويبقى‬
‫الوطن شامخا شموخ كل من يفاخر به وينتمي‬
‫إليه ‪.‬‬

‫يعيش الشباب العربي هذه اآلونة موجة من‬
‫التغريب الفكري واللغوي يف ظل االنفتاح‬
‫العاملي وظروف العوملة التي نعايشها اآلن‪،‬‬
‫وليس التغريب ـ فقط ـ مقصورا عىل التغريب‬
‫الفكري واللغوي فحسب ؛ بل يعيش أيضا حالة‬
‫من مسخ هويته العربية‪.‬‬
‫وتعد اللغة ـ أية لغة ـ هي البوابة‬
‫ ‬
‫األوىل لعمليات التغريب ألنها تمثل وحدها دليل‬
‫عربيتنا وهويتنا‪ ،‬وبدونها تعيش األمة بال هوية‪،‬‬
‫وقد تحول كثري من شبابنا وبناتنا يف هذه األيام‬
‫إىل استبدال لغة أجنبية بلغتهم القومية دون‬
‫أن تكون هناك حاجة ملحة للجوء إىل مثل هذا‬
‫الصنيع‪ ،‬لكن ذلك له أسبابه كما سنوضحها‬
‫فيما بعد‪ ،‬وسوف أتناول هذا املوضوع من خالل‬
‫النقاط الثالث اآلتية‪:‬‬
‫أوال‪:‬أسباب استخدام الكلمات األجنبية يف‬
‫حديثهم اليومي‪:‬‬
‫يعود سبب استخدام الشباب العربي‬
‫للمصطلحات والكلمات األجنبية يف حديثهم ـ‬
‫من وجهة نظري ـ إىل عدة أمور‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬انتشار هذه املصطلحات األجنبية بكثرة‬
‫يف املجتمع الذي يعيشون فيه ‪ ،‬فأضحت هذه‬
‫األلفاظ يف كل مكان من األماكن التي يرتدد عليها‬
‫الشباب مثل ‪ :‬األسواق واملطاعم وأماكن التنزه‬

‫‪16‬‬

‫وبعض دور التعليم التي سطرت عىل أبوابها‬
‫عبارات أجنبية‪.‬‬
‫‪ -2‬القوة املادية التي يعيشها العالم الغربي ‪،‬‬
‫وبالطبع يقابل هذه القوة عند العرب ضعف‬
‫ظاهر‪ ،‬ومن البديهيات أن نعلم أن الدولة األقوى‬
‫هي التي تفرض لغتها وثقافتها وسياستها‬
‫واقتصادها وكل ذلك ال بد أن يكون له وعاء أو‬
‫قنوات تنهض به‪ ،‬هذا الوعاء هو اللغة‪ ،‬وهذا‬
‫الدور الذي يلعبه الغرب يف فرض لغته قام به‬
‫العرب عندما كانوا يشكلون قوة سياسية مهمة‬
‫عىل املستوى العاملي فانترشت العربية يف كثري‬
‫من البالد الغربية‪ ،‬وما أسبانيا منا ببعيد؟؟!‬
‫‪ -3‬يلعب األعالم العربي دورا مهما يف تغييب‬
‫هوية الشباب اللغوية من خالل املواد الهابطة‬
‫التي تقدم لهذه الرشيحة من أفالم ومسلسالت‬
‫ُ‬
‫يخل‬
‫وأغان ومنوعات وبرامج متعددة لم‬
‫معظمها من فقر يف املادة املقدمة وركاكة يف اللغة‬
‫املصاحبة لهذه األعمال‪ ،‬بل إن بعض النرشات‬
‫اإلخبارية ـ التي يجب أن تقدم عىل األقل بلغة‬
‫صحيحة ـ تأتي أيضا يف أغلب القنوات بلغة‬
‫ضعيفة عارية يف أغلبها من الصحة اللغوية‪،‬‬
‫اللهم إال بعض القنوات القليلة جدا كالجزيرة‬
‫والعربية‪ ،‬ولن نتعرض هنا ملضمون املحتوى‬
‫الذي يقدم فليس اآلن مجال الحديث عنه مع‬
‫أهمية التنبه لخطورة هذا األمر عىل الشباب‬

‫والفتيات واألجيال الصاعدة‪.‬‬
‫‪ -4‬محاوالت التقليد األعمى التي ينساق وراءها‬
‫شبابنا وراء الغرب نتيجة فتونه وانبهاره به‪،‬‬
‫وقد ظهر ذلك التقليد يف أشياء عديدة تأتي اللغة‬
‫يف مقدمتها طريقة اللبس األعوج التي يتمسك‬
‫بها الشباب‪ ،‬كذلك قصات الشعر عند كثري من‬
‫الشباب والبنات قد أتت بشكل الفت للنظر‬
‫ويؤكد التبعية التي يعيشها الشباب العربي‪.‬‬
‫‪ -5‬كثرة املخرتعات األجنبية وفتح أسواق لها‬
‫يف بالدنا العربية‪ ،‬فظهر عدد ضخم جدا من‬
‫املصطلحات التي أصبحت تستخدم يف معظم‬
‫البيوت العربية‪ ،‬ومنها عىل سبيل املثال (كمبيوتر‪-‬‬
‫ماوس‪ -‬هارد‪ -‬جيجا‪ -‬فالشه‪ -‬كي بورد – يس‬
‫دي – دسك – كامريا – انرتنت – وير ليس –‬
‫كبل – فيشة – كبس – ايمل – سايت – شات –‬
‫ماسنجر ـ هوت ميل – ياهو – المبه – تليفون‬
‫– تلفزيون – رسيفر‪ -‬دش – ماسج – مزد كول‬
‫– ريموت – آلو – باي – بليز – سانكس ‪،....‬‬
‫وليس هذا فقط مقصورا عىل الصناعات األجنبية‬
‫بل أصبح استخدام اللغة األجنبية من الرضورات‬
‫التي يعيشها الشباب فاالسواق واملحالت ومسميا‬
‫ت األشياء التي نعرفها باتت بمسميات أجنبية‬
‫ويعد هذا من قبيل الفخر والتباهي يف كثري من‬
‫األحيان من ذلك ( هايرب – كارفور – كنتاكي –‬
‫هوت دوج – كافيه – سايرب – ماركت – سوبر‬

‫د‪ /‬محمد عبيد‬

‫‪ ،‬إذ أدى هذا إىل ضياع مالمحهم العربية التي‬
‫تظهر غالبا يف لغتهم‪ ،‬وضاعت كذلك الهوية‬
‫الثقافية التي تميز بها املجتمع العربي يف‬
‫القرون السابقة‪ ،‬ورسيان شعور بالنقص تجاه‬
‫لغتهم القومية يقابله شعور بالتبجيل واالحرتام‬
‫تجاه اللغات األخرى‪ ،‬ولعل هذا التحول من‬
‫استخدام لغة أجنبية غري اللغة العربية يف البالد‬
‫العربية سيؤدي وبعد فرتة ليست بالقليلة إىل‬
‫اندثار الكيان العربي يف الشباب وتهميشهم يف‬
‫هذا العالم املنفتح بال حدود‪ ،‬وال شك أيضا أن‬
‫مثل هذا التحول عند الشباب عن لغتهم يصاحبه‬
‫ضعف يف اللغة العربية يهدد كيانها بأن تصبح‬
‫لغة غري مستخدمة يف األيام القادمة‪ ،‬وتكون‬
‫وظيفتها محصورة يف املستوى الديني فقط‪.‬‬

‫– ميني ماركت – إيدج ماركت _ باص – أرج‬
‫– الرج – مديم – سمول – اكس الرج – سناك‬
‫– جيبة – بلوزة‪....‬وغري ذلك من األلفاظ التي‬
‫يتشدق بها الجميع دون وعي أو شعور عربي‪.‬‬
‫‪ -6‬وجود مدارس أجنبية عىل أراض عربية‬
‫لتعليم أبنائنا العرب اللغات األجنبية‪ ،‬ولسنا‬
‫بالطبع ضد تعليم اللغات األخرى بل عىل العكس‬
‫تماما نحن ننادي به ونقبله يف ظل منظومته‬
‫الطبيعية لكن الذي نرفضه أن يكون تعليم هذه‬
‫اللغات عىل حساب لغتنا األم ‪ ،‬ويظل شبابنا‬
‫وبناتنا عربا اسمًا مفرغني من ثقافتهم وتراثهم‬
‫اللغوي‪ ،‬منتمني إىل ثقافة اللغات التي تعلموها‬
‫عىل أرض عربية‪.‬‬
‫‪ -7‬وجود سوق عمل يف البالد العربية تشرتط‬
‫يف التوظيف أن يكون املتقدم مجيدا للغة أجنبية‬
‫حديثا وكتابة ‪ ،‬وتضيع اللغة العربية يف خضم ثالثا‪ :‬العالج والحل‪:‬‬
‫هذه السوق الكبرية ‪ ،‬وما وجدت طيلة حياتي إذا أردنا لهذه اللغة البقاء واالستخدام بصورة‬
‫أي إعالن عن وظيفة يف بنك أو فندق مثال يشرتط مثىل فهناك بعض اإلجراءات التي يجب أن تتخذ‪،‬‬
‫العربية نطقا وكتابة‪ ،‬إال وظائف املصححني منها‪:‬‬
‫‪ -1‬االهتمام بلغة الطفل منذ نعومة أظفاره‬
‫اللغويني‪ ،‬فهل هانت علينا اللغة إىل هذا الحد؟‬
‫فيعود منذ بداياته عىل استخدام لغة فصيحة‬
‫وصحيحة واألمر يف هذا ال يعدو إال مجرد تعويد‬
‫ثانيا‪ :‬أثر هذه املصطلحات يف الشباب‪:‬‬
‫لقد أثر استخدام مثل هذه النوعية من لسان الطفل عىل ذلك ‪ ،‬وأذكر أن مؤسسة الضاد‬
‫املصطلحات يف شبابنا سلبا من وجهة نظري يف الرياض قد نجحت لحد كبري يف تطبيق هذا‬

‫األمر عىل رشيحة كبرية من األوالد والبنات وكانت‬
‫النتيجة مرضية إىل حد كبري‪.‬‬
‫‪ -2‬االهتمام بمستوى تعليم اللغة العربية يف‬
‫املدارس والجامعات‪ ،‬وأن يتم تدريسها بشكل‬
‫مختلف عن الشكل الجاف الذي تقدم من خالله‬
‫‪ ،‬مما جعل معظم الطالب ينفر منها بسبب رداءة‬
‫الثوب الذي تقدم من خالله‪.‬‬
‫‪ -3‬أن تعتمد الجامعات العربية عىل اللغة‬
‫العربية لغة رئيسة يف التعليم يف كل التخصصات‬
‫والعلمية منها بشكل خاص كالطب والهندسة‬
‫والزراعة‪ ،‬واألمر ليس صعبا وال مستحيال إذا‬
‫كانت هناك نية صادقة لالرتقاء بلغتنا‪ ،‬ولنا يف‬
‫اليهود أسوة حسنة يف النهوض بعربيتهم تعليما‬
‫وحديثا يف السنوات األخرية‪.‬‬
‫‪ -4‬زيادة الساعات املعتمدة ـ وال سيما التطبيقية‬
‫ـ لتدريس اللغة الغربية بدل تقليصها يف بعض‬
‫الجامعات ‪ ،‬وربما أتى اليوم وقد ألغيت يف‬
‫السنوات التحضريية‪.‬‬
‫‪ -5‬إصدار قرار من الهيئات الحكومية املختصة‬
‫– وعىل رأسها وزارة الثقافة واإلعالم ‪ -‬بتجريم‬
‫كل عمل فيه ازدراء باللغة ‪ ،‬وإصدار قرار يلزم‬
‫املحالت واملطاعم والجرائد والتلفزيون بعدم‬
‫استخدام لغة غري اللغة العربية يف نشاطها‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫إن اللغة هي الفضل املمنوح والباب املفتوح كما الحظ ابن منظور(ت‪ )711‬املوضوع ذاته إذ‬
‫والطريق املؤدي إىل العلوم بشتى صنوفها يقول يف كتابه((لسان العرب))‪..." :‬حتى لقد‬
‫وأطيافها‪ ،‬فال رقي بال لغة‪ ،‬بل ال عيش بال لغة‪ ،‬أصبح اللحن يف الكالم يعد لحنا ً مردوداً‪ ،‬وصار‬
‫إذ تبقي أوارص االرتباط بني جميع البرش عىل النطق بالعربية من املعايب معدوداً"‪.‬‬
‫ولو ُقدر لنا أن نعيد بكرة الزمان إىل الخلف‬
‫الرغم من اختالف أنواعهم‪.‬‬
‫أما أفضلها وأجودها فالعربية بال ريب ؛ ذاك قليال إىل ثالثينيات القرن امليالدي املايض‪،‬‬
‫أن الله هو الذي أبدى هذا الحكم جليا ً يف كتابه لوجدنا الدكتور طه حسني كان ممن التفت إىل‬
‫املحكم‪ ،‬ولقد رُويت أحاديث عدة يف فضل اللغة‪ ،‬هذا الضعف اللغوي‪ ،‬إذ رأى أن لغتنا العربية‬
‫وبيان محبة الرسول صىل الله عليه وسلم لها‪ ،‬التدرس يف مدارسنا‪ ،‬وإنما يدرس يشء غريب‬
‫وبغض النظر عن صحتها أو ضعفها فمن ال صلة بينه وبني الحياة‪ ،‬وال صلة بينه وبني‬
‫املفروض أن تكون هذه املحبة هي بابنا املفتوح عقل التلميذ وشعوره وعاطفته‪ ،‬ولو نظرنا يف‬
‫عىل لغتنا التي درسنا العلوم بواسطتها‪ ،‬كما زمن الستينيات لوجدنا الدكتورة بنت الشاطيء‬
‫تفرض لغتنا أن يكون تعاملنا معها من منطلق تصف حال املتعلمني يف زمانها بقولها‪:‬‬
‫أن املجتمعات ترقى إىل أعىل مستوياتها باللغة "الظاهرة الخطرية ألمتنا اللغوية هي أن التلميذ‬
‫كلما سار خطوة يف تعليم اللغة العربية زاد جهالً‬
‫قبل غريها‪.‬‬
‫غري أن واقعا ً مرا ً نعيشه يفرض علينا مناقشة بها ونفورا ً منها‪ ،‬وصدودا ً عنها‪ ،‬وقد يميض يف‬
‫قاس دب بيننا وبني لغتنا‪ ،‬وجفاف قطع الطريق التعليمي إىل آخر الشوط فيتخرج يف‬
‫أم ٍر ٍ‬
‫عروق املحبة التي كانت تنبض يف عصو ٍر الجامعة وهو اليستطيع أن يكتب خطابا ً بسيطا ً‬
‫مضت وسنني خلت‪ ،‬ذاك أن كثريا ً من أبناء بلغة قومه‪ ،‬بل قد يتخصص يف دراسة اللغة‬
‫اللغة العربية قد هجرها أو تناساها‪ ،‬حتى عاد العربية حتى ينال أعىل درجاتها‪ ،‬ويعييه مع‬
‫الواحد منهم ال يحسن سرب سط ٍر واح ٍد فقط‪ ،‬ذلك أن يملك هذه اللغة التي هي لسان قومه‪،‬‬
‫ويف حقيقة األمر فإن تدني مستوى اآلداء ومادة تخصصه"‪ ،‬سبحان ربي! ولكأنها تصف‬
‫اللغوي لدى بعض املتحدثني بالعربية ليس حال قاعاتنا الدراسية‪ ،‬وغريهما الكثري من‬
‫بجديد‪ ،‬فهذا ابن الجزري(ت‪)510‬قد الحظ العلماء الذين انربوا لحل هذه املشكلة‪ ،‬ومنهم‬
‫شيوع اللحن يف عرصه‪ ،‬مما دفعه إىل تأليف الدكتور هادي نهر وهو من أهل سبعينيات‬
‫كتابه((تقويم اللسان)) إذ يقول‪" :‬إني رأيت القرن امليالدي املنرصم‪.‬‬
‫أما يف وقتنا الحارض هذا‪ ،‬فقد نهض لهذه‬
‫كثريا ً من املنتسبني إىل العلم يتكلمون بكالم‬
‫العوام املرذول‪ ،‬جريا ً منهم عىل العادة‪ ،‬وبعدا ً املشكلة علماء أشاوس‪ ،‬وقامت بحوث ودراسات‬
‫عن علم العربية‪ ،‬فعزمت عىل تأليف كتابي هذا"‪ ،‬عدة‪ ،‬كل ذلك يف سبيل النهوض باآلداء اللغوي‪،‬‬

‫‪18‬‬

‫يقول الدكتور فخر الدين قباوة‪" :‬وال أغايل حني‬
‫إذ قلت‪ ،‬بعدما شهدته يف مختلف البالد العربية‬
‫من جامعات ومعاهد ومؤسسات تعليمية‪ :‬إن‬
‫الرسائل العلمية التي تنتجها أيدي املتخصصني‬
‫يف علوم العربية وعلم النحو خاصة‪ ،‬تنترش‬
‫فيها صور اللحن واالحالة يف التعبري‪ ،‬وقل أن‬
‫تجد ما صفا وخال‪ ،‬وكان معاىف من البالء"‪ ،‬أما‬
‫عن البحوث والدراسات العلمية واالستبانات‬
‫امليدانية‪ ،‬فدونك البحث الذي قامت به جامعة‬
‫االمام محمد بن سعود اإلسالمية عام‪1416‬هــ‪،‬‬
‫وغريه من املحارضات بل واملؤلفات يف ذات‬
‫املوضوع‪ ،‬ومحرك البحث يف شبكة املعلومات‬
‫يعج بالبحوث واملقاالت ‪.‬‬
‫وهاك بعض األسباب التي أدت إىل ضعف األداء‬
‫اللغوي‪ ،‬وعزوف كثري عن اللغة العربية وآدابها‪،‬‬
‫وقد أوردتها من عدة زوايا‪ ،‬من جانب الطلبة و‬
‫املعلمني و املجتمع‪ ،‬و من جانب اللغة العربية‬
‫نفسها‪ ،‬هي كالتايل‪:‬‬
‫‪ .1‬انتشار العامية يف الوطن العربي‪ ،‬وثنائية‬
‫اللغة بني البيت واملدرسة والوسط املعييش‬
‫اليومي مع الناس‪ ،‬وهذا واضح يف الكثري من‬
‫معامالت الناس فيما بينهم‪.‬‬
‫‪ .2‬غزو العامية لكثري من منابر العلم والثقافة‪،‬‬
‫وال أدل عىل ذلك مماتعج به وسائل االعالم‬
‫العربية يف بالدنا من األخطاء اللغوية‪ ،‬وتفيش‬
‫العامية والعجمة يف برامجها وماتبثه لكافة‬
‫رشائح املجتمع‪.‬‬
‫‪ .3‬ضعف الربط بني فروع اللغة العربية يف‬
‫التدريس‪ ،‬والعزوف عن القراءة الحرة‪ ،‬وعدم‬

‫عمر بن أحمد سعيد بقشان‬
‫"طالب ماجستري"‪.‬‬

‫توافر الفرص الكافية لتدريب الطالب عىل الكالم‬
‫واإللقاء املبارش للجمهور‪ ،‬كالندوات واملحارضات‬
‫التي هي العون بعد الله عىل كرس الحواجز بني‬
‫األداء اللغوي وبني الطالب‪.‬‬
‫‪ .4‬ركاكة األساس العلمي والثقايف لدى الطلبة‬
‫منذ املرحلة االبتدائية‪ ،‬وذلك ناشئ من الركاكة‬
‫العلمية لدى معلمي تلك املرحلة الدراسية‪ ،‬التي‬
‫هي املنطلق الدرايس للطالب‪.‬‬
‫‪ .5‬استخدام املعلمني املفرط للعامية يف تدريسهم‪،‬‬
‫وقلة الوسائل التعليمية املناسبة لتدريس مواد‬
‫اللغة العربية‪.‬‬
‫‪ .6‬افتقار املناهج الدراسية والتعليمية التي تقدم‬
‫اللغة العربية إىل عنرص التشويق‪ ،‬وذلك لعدم‬
‫ارتباطها بالواقع املعييش‪ ،‬وعدم تالئم بعض‬
‫املقررات الدراسية والنصوص املختارة للمستوى‬
‫العقيل واللغوي لناشئة هذا العرص والزمان‪.‬‬
‫‪ .7‬اتصاف كثري من مقررات النحو والرصف‬
‫بيشء من الجفاف والتعقيد والرتابة‪ ،‬وعدم‬
‫الرتكيز عىل الوظيفة األساسية‪ ،‬وهي ضبط‬
‫الكلمات‪ ،‬وصيانة اللسان عن الخطأ النطقي‪،‬‬
‫وسالمة الكتابة مما يشينهـا‪ ...‬وغريهـا الكثري‪.‬‬
‫وتعقيبـا ً عىل ما ذكرت آنفـا ً أقول إن التشخيص‬
‫ومعرفة مواطن الوجع واأللم نصف العالج‪،‬‬
‫وهذه النقاط ـ وغريها ـ قد تكون ـ بإذن الله‬
‫ـ سببا ً يف تحسني اآلداء اللغوي‪ ،‬وحسن التحكم‬
‫بزمام هذه اللغة العظيمة‪ ،‬والتحدث بها بني‬
‫أوساط الطالب واملتكلمني بها‪ ،‬وإليك هذه‬
‫النقاط التي أحسبها الخطوات األُوَل يف العالج‬
‫والقضاء عىل هذه املشكلة‪:‬‬

‫‪ .1‬الرجوع إىل معني القرآن الكريم‪ ،‬إذ هو مصدر‬
‫اللغة الوايف‪ ،‬وينبوعها الصايف‪ ،‬وكثرة قراءة‬
‫تفسريه‪ ،‬مع الدراسة الوافية للسنة النبوية‪،‬‬
‫وذلك ليس خاصا ً بأحد من داريس العربية أو‬
‫الثقافة اإلسالمية‪ ،‬بل هو لكل مسـلم متحدث‬
‫باللغة العربية‪.‬‬
‫‪ .2‬غرس االعتزاز باللغة العربية يف نفوس‬
‫أبنائها‪ ،‬وذلك باعتبارها لغة دينهم الخالد‪.‬‬
‫‪ .3‬التوعية الشاملة"الجامعة املانعة" باللغة‬
‫العربية‪ ،‬لكونها اللغة الروحية والرسمية‪ ،‬وذلك‬
‫عىل املستوييـن الرسمـي والشعـبي‪.‬‬
‫‪ .4‬حث الهيئات واملؤسسات ووسائل اإلعالم‬
‫املختلفة العامة منها والخاصة‪ ،‬عىل تعزيز اللغة‬
‫العربية‪ ،‬وجعلها األساس يف التعامل‪ ،‬والتخاطب‪،‬‬
‫واإلعالن‪.‬‬
‫‪ .5‬العمل‪ ،‬والبذل‪ ،‬والجهد‪ ،‬يف تيسري تعليم اللغة‬
‫العربية للناشئة‪ ،‬والرتكيز عىل بناء أساس لغوي‬
‫متني‪ ،‬وتنظيم املحارضات‪ ،‬والندوات‪ ،‬واألمسيات‬
‫األدبية والثقافية املفيدة‪.‬‬
‫وقبل الختام هذه لقاءات أجريتها مع عدد من‬
‫طلبة جامعة امللك عبدالعزيز عن تدني األداء‬
‫اللغوي لدى طالب الجامعة‪ ،‬وكان الحوار‬
‫كالتايل‪:‬‬
‫ــ ما درجة اهتمام طالب الجامعة باللغة‬
‫العربية وآدابها‪ ،‬وهل لها سمة خاصة يف نفوسهم‬
‫تفضلها عن بقية العلوم األخرى؟‬
‫"بداية أتوقع أن الواقع غري املثالية‪ ،‬لذا فمكانتها‬
‫ثانوية يف نفوسهم‪ ،‬إذ تتصدر العلوم التطبيقية‬

‫التجريبية يف واقعنا سواء الوظيفي أو املعييش يف‬
‫املرحلة األوىل؛ وذلك الحتياج سوق العمل لهذه‬
‫العلوم‪ ،‬مع االعتقاد بأهميتها دينياً"‪.‬‬
‫ــ برأيك‪ ،‬ما هو السبب الرئيس يف تدني املستوى‬
‫اللغوي لدى طالب الجامعة؟‬
‫"أتوقع أن املراحل التعليمية السابقة لو كانت‬
‫جادة يف تقريب اللغة العربية إىل نفوسنا وتثبيت‬
‫مكانتها يف قلوبنا ماوصل الطالب لهذه املرحلة‪،‬‬
‫وباختصار(أساسنا اللغوي والثقايف ضعيف‬
‫ومهلهل)"‪.‬‬
‫ــ ما الحل املناسب لهذه املشكلة بشتى أنواعها‪،‬‬
‫سواء الضعف التعليمي و الوظيفي و املنهجي‬
‫الثقايف؟‬
‫"أوال ً االهتمام بعلوم القرآن الكريم‪ ،‬والقرب‬
‫من السنة النبوية املطهرة‪ ،‬وتسهيل تعليم‬
‫اللغة العربية‪ ،‬ومحاولة استخدامها يف جميع‬
‫أمورحياتنا وأمورنا اليومية"‪.‬‬
‫وختاماً‪ ...‬البد من االهتمام بتنمية ميول‬
‫واتجاهات الطالب نحو اللغة العربية‪ ،‬وأن تنرش‬
‫املؤسسات الرتبوية واإلعالمية الشعارات التي‬
‫تشري إىل أن رفعة األمة من رفعة لغتها‪ ،‬وأن قوة‬
‫األمة من قوة لغتها‪ ،‬وأن اللغة العربية تعد اللغة‬
‫الحية‪ ،‬واألبرز‪ ،‬واألكمل‪ ،‬واألرشف بني اللغات‬
‫البرشية األخرى‪ ،‬بالنظر إىل أن الله اختارها‬
‫لتكون وعا ًء لكالمه املحكم‪ ،‬قال تبارك وتعاىل‪:‬‬
‫"وإنه لتنزيل رب العاملني* نزل به الروح‬
‫األمني* عىل قلبك لتكون من املنذرين* بلسان‬
‫عربي مبني"‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫إن لغة الفرد هي هويته وعنوان انتمائه وهي‬
‫مرسح تفكريه ومجال وجدانه ‪ .‬إنها بوتقة‬
‫للتفكري وأداة لالتصال تحمل مشاعر اإلنسان‬
‫وفكره لتنطلق بها نحو اآلخر عرب قنوات‬
‫االتصال املتنوعة ‪.‬‬
‫ومن املعلوم أنه اليمكن وصف ثقافة أمة أو‬
‫التعرف عىل جوانب اإلبداع لدى أبنائها دون‬
‫معرفة لغتها بجميع مستوياتها بدءا من معجمها‬
‫ومعاني ألفاظها وانتهاء بطريقتها يف صياغة‬
‫مبانيها وبناء جملها وتنوع أساليبها ‪.‬‬
‫ولغتنا العربية بحر زاخر باملفردات والدالالت‬
‫‪ ،‬وهي كنز يجب أن نعض عليه بالنواجذ ‪،‬‬
‫وحسب هذه اللغة رشفا وفخرا بني اللغات أنها‬
‫لغة القرآن الكريم التي ارتضاها املوىل عز وجل‬
‫لتكون لغة آخر رساالته إىل العاملني ‪.‬‬
‫وعليه فجدير بنا ونحن أبناء هذه اللغة أن‬
‫نحرص عىل نطقها سليمة فصيحة يف جميع‬
‫مستوياتها ‪ ،‬وأن نتعلم قواعدها نحوا ورصفا‬
‫وإمالء وصوتا وبالغة ومعاني ‪ ،‬وأن نعرف‬
‫مواطن اللحن فيها حتى نتجنبها ‪ ،‬آخذين يف‬
‫الحسبان أن اللحن ليس مقصورا عىل أواخر‬
‫الكلمات فحسب ‪ ،‬بل إنه يتعدى ذلك ليشمل بنية‬
‫الكلمات وضبط حروفها وكذا السياق الذي يتم‬
‫توظيفها فيه ‪...‬إلخ‬
‫ومن أجل سالمة لغتنا أقدم هذه املشاركة‬
‫وعنوانها( أخطاء لغوية شاعت بيننا )‪ ،‬أرصدت‬

‫‪20‬‬

‫فيها بعض األخطاء الشائعة عىل ألسنة بعض والصــــــــــواب ‪:‬‬
‫املستخدمني للعربية من إعالميني وطالب علم تسلمت أوراق االمتحانات ‪...‬أو تسلمت‬
‫وغريهم ‪ ،‬وقد حاولت تتبع بعض هذه األخطاء تعهداتي‪.‬‬
‫كاشفا عن وجه الخطأ فيها وموضحا طريقة‬
‫استخدامها عىل الوجه الصحيح ‪ ،‬وآمل أن تجد قل ‪ :‬حل الرجل باملكان ‪ ،‬أ و حل املكان ‪ ،‬وال‬
‫لها مكانا مناسبا يف مجلتكم الغراء التي ستصدر تقل حل يف املكان ‪.‬‬
‫وعليه قل ‪ :‬حل أحمد بمنزلنا ‪ ،‬أو حل أحمد‬
‫عن القسم ‪.‬‬
‫منزلنا ‪.‬‬
‫إلن ترصيفات الفعل يف معاجم العربية جاءت‬
‫(‪)1‬‬
‫هكذا ‪:‬‬
‫متى نقول ‪ :‬أمس ‪ ،‬ومتى نقول األمس‬
‫إذا قلت أمس ‪ /‬قصدت به اليوم السابق ليومك حل يحل ‪ ,‬حال" ‪,‬و حلوال" ‪ ,‬بمعنى ‪ :‬نزل و‬
‫قال ابن السيد " حل بالقوم وحلهم ‪.‬واحتل بهم‬
‫مبارشة ‪.‬‬
‫أما إذا قلت األمس فرياد به أي يوم من األيام ‪,‬واحتلهم ‪ ,‬كلها سواء " أي نزل ‪.‬‬
‫املاضية ‪.‬‬
‫وهذا معنى قول النحويني ‪/‬إن األمس إذا نكرت‬
‫ياأبي ‪ /‬ياأبتِ‬
‫يقولون " ياأبتي "‬
‫عرفت ‪..‬وإذا عرفت نكرت ‪.‬‬
‫أي عندما تستخدم مع ( ألـ ) يكون مدلولها الصواب ‪ / :‬ياأبي ‪..‬يا أبتِ ‪/‬‬
‫ألننا عندما حذفنا الياء من " ياأبي " عوضنا عنها‬
‫محددا" والعكس بالعكس ‪.‬‬
‫بالتاء ‪ ,‬واليجمع بني العوض واملعوض عنه‪.‬‬
‫استلم ‪ /‬تسلم‬
‫الكفاءة ‪ /‬الكفاية‬
‫استلم ‪ :‬ملس ‪ ,‬ومنه استلم الحاج الحجر األسود‬
‫يخلط الكتاب بينهما فيستعملون اللفظة األوىل‬
‫يف طوافه ‪.‬‬
‫تسلم ‪ :‬أخذ ‪ ,‬ومنه تسلم محمد نقودا" من الكلية بمعنى الثانية ‪.‬‬
‫يقال ‪ " :‬أثبت فالن كفاءة يف عمله " ويعنون‬
‫لتفوقه ‪.‬‬
‫وعليه فمن الخطأ القول ‪ /‬استلمت بذلك التفوق والتميز عىل غريه ‪.‬‬
‫أوراق االمتحانات ‪..‬أو استلمت تعهداتي عىل حني تكشف معاجم اللغة أن الكفاءة تعني‬

‫د‪ .‬كمال سعد أبو املعاطي‬
‫املساواة ‪.‬أما الكفاية فمن معانيها التفوق‪ .‬ومن‬
‫ثم فقد لزم التنبيه ومراعاة الفرق يف االستعمال‪.‬‬
‫وقد اشرتط العلماء يف ا لزواج الكفاءة بمعنى‬
‫املساواة ولم يشرتطوا الكفاية بمعنى ( تميز‬
‫أحدهم عىل اآلخر ) ‪.‬‬
‫وصف الكفاءة ‪ /‬كفء‬
‫كاف أو ذو كفاية ‪.‬‬
‫أما وصف الكفاية ‪ٍ /‬‬
‫(‪)2‬‬
‫كثريا ما يخطئ الكتاب يف نصوصهم التي‬
‫يكتبونها فيستخدمون كلمات يف غري مكانها‬
‫الصحيح‪،‬وما ذاك إال لجهل من بعضهم‬
‫بمعرفة أصول اللغة ومعاني الكلمات‪ ،‬أو ألنهم‬
‫يستسهلون املعاني الدارجة يف العامية فيحلونها‬
‫محل الفصحى الصحيحةعن قصد أو غري‬
‫قصد‪.‬‬
‫ويف هذا املقال بعض من هذه األخطاء التي‬
‫شاعت يف كتابات الصحفيني وكثري من الكتاب‬
‫غري املتخصصني‪.‬وقد تم رصدها والتنبيه عىل‬
‫وجه الخطأفيها وبيان الوجه الصحيح يف‬
‫استعمالها ‪ ،‬وسوف نزيد كل فرتة ‪ -‬ما أمكننا‬
‫ذلك ‪ -‬كلمات أخرى لعل من يقرأها يستفيد منها‬
‫ويصلح مقاالته ‪.‬‬
‫اعترب و عد ‪:‬‬
‫من األفعال الشائعة يف العربية الفعل اعترب حيث‬
‫يقال‪ :‬اعتربت فالنا صديقا‪ ،‬واألصح عددت فالنا‬

‫صديقا‪ ،‬فاللغة العربية ال تستخدم اعترب بهذا‬
‫املعنى ألنه يعني اتخذه عربة‪.‬‬
‫قال تعاىل ( فاعتربوا يا أوىل األبصار )‬
‫وقال تعاىل ‪ ( :‬ما لنا ال نرى رجاال كنا نعدهم‬
‫من األرشار)‬
‫الحظ لم يقل نعتربهم‬
‫ومن الخطأ استخدام أن بعد( هب)‬
‫مثل هبْ صحتك قوية فلن تضمنها غدا‬
‫لكن بعض الكتاب يستخدمها خطأ ‪ :‬هب أن‬
‫صحتك قوية … الخ‬
‫ال َدوْيل وليس ال ِدوَيل‬
‫معظم الصحافيني واإلعالميني يخطئون يف‬
‫استعمال هذه الكلمة التي لفظها يكون نسبة‬
‫للدولة وليس للدول‪َ ،‬دوْيل وليس ِدوَيل‪.‬‬
‫لن أذهب وليس (سوف لن أذهب)‬
‫ْ‬
‫السني وسوف ال تدخالن إال عىل جملة مُثبَتة‬
‫(ال تدخالن عىل املنفية)‪ .‬ثم إن (لن) هي لنَ ْفي‬
‫املستقبل‪ ،‬فال حاجة إىل (السني) و(سوف) اللتني‬
‫هما أيضا ً تدالن عىل املستقبل‪.‬‬
‫قل إذن‪ :‬لن أذهب‪.‬‬
‫وال تقل‪( :‬سوف لن أذهب!)‪ ،‬وال‪( :‬سوف ال‬
‫أذهب)‪.‬‬
‫َ‬
‫الخطأ يف استعمال‪( :‬تواجَ َد)‬
‫َتواجَ َد ٌ‬
‫فالن‪ :‬أرى من ن ْفسه الوجْ َد (أي‪ :‬تظاهر‬
‫أو أ َ ْو َهم ََك بالوجد)‪ .‬والوجْ د‪ :‬هو الحُ ب الشديد أو‬
‫الحزن (عىل َو ْف ِق السياق)‪.‬‬

‫قل إذن ‪:‬عىل الطالب الحضور إىل املدرج‪ .‬وال‬
‫تقل‪( :‬عىل الطالب التواجد…)‪.‬‬
‫وقل‪ :‬يوجد الحديد يف الطبيعة بكثرة‪.‬‬
‫وال تقل‪( :‬يتواجد الحديد يف الطبيعة…)‪.‬‬
‫وقل‪ :‬يُستخرج الحديد املوجود…‬
‫وال تقل‪( :‬يستخرج الحديد املتواجد…!)‪.‬‬
‫‪:‬‬
‫أيضا‬
‫الشائعة‬
‫األخطاء‬
‫من‬
‫إذا أراد أحدهم عدم حضور محارضة ما قوله‬
‫أعتذر عن املحارضة ‪ ،‬والصواب ‪ :‬أعتذر عن عدم‬
‫حضور املحارضة ‪.‬‬
‫ومنه أيضا قولهم ‪ :‬هذا أمر ملفت للنظر ‪،‬‬
‫والصواب ‪ :‬هذا أمر الفت للنظر ‪.‬‬
‫وقول أحدهم معتذرا أو ملتمسا عذرا‪ :‬شغلتني‬
‫مشاغل كثرية ‪ .‬وهذا خطأ شائع ‪ ،‬صوابه‪:‬‬
‫شغلتني شواغل كثرية ‪ ،‬ألن شواغل جمع شاغل‬
‫وهو الىشء الذي يشغل اإلنسان‬
‫الخطأ يف استعمال‪:‬‬
‫(مربوك)"من األخطاء الشائعة قولنا ألحدنا إذا‬
‫رزق مولودا أو حقق نجاحا "مربوك" والصحيح‬
‫مبارك ألن كلمة مربوك تعني املحل الذي يربك‬
‫فيه الحيوان أو الطري‪ ،‬كقول رسول الله صىل الله‬
‫عليه وآله وسلم "من بنى يف مسجد مربك حمامة‬
‫بنى الله له قرصا ً يف الجنة" واملربك واملربوك فيه‬
‫هو املكان‪.‬‬
‫جاء يف (املعجم الوسيط)‪« :‬بارك الل ُه اليش َء وفيه‬
‫وعليه‪ :‬جعل فيه الخريَ والربكة» فهو مبارَك‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫[األصل‪ :‬مبار ٌَك فيه‪ ،‬ولكن األئمة َتجَ وَّزوا حينا ً‬
‫فحذفوا الصلة يف كثري من أسماء املفعول‪،‬‬
‫اصطالحاً‪ ،‬وهذا مثال عىل تجوزهم]‪.‬‬
‫وجاء يف (الوسيط)‪َ « :‬بر ََك البعريُ‪َ :‬‬
‫موضع‬
‫أناخ يف‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫(فعل الزم)‪« .‬برك عىل األمر‪ :‬واظب»‬
‫َفل َ ِزمَه‪».‬‬
‫فاألمر مربوك عليه!! أي م َ‬
‫ُواظبٌ عليه‪ .‬ا‬
‫ُق ْل إذن‪ :‬نجاحك مبارك‪.‬‬
‫وال تقل‪( :‬نجاحك مربوك)‪.‬‬
‫وقل‪ :‬بي ُتك الجديد مبارك؛ وزواجك مبارك‪.‬‬
‫وال تقل‪( :‬مربوك)‬
‫الخطأ يف قولنا‪( :‬هاتف خليوي)‬
‫إذا َنسَ ب َْت إىل ما ُختم بتاء التأنيث‪ ،‬حذفتَها‬
‫مي‪ ،‬ويف (م ََّكة)‪:‬‬
‫وجوباً‪ .‬فتقول يف‬
‫(فاطمة)‪ِ :‬‬
‫ِ‬
‫فاط ّ‬
‫ِّ‬
‫مكي‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وإذا نسَ ب َْت إىل ما ختم بياء مُش َّددة مسبوقة‬
‫َ‬
‫حذفت‬
‫بحرفني‪ ،‬مثل‪َ :‬عدِيّ ؛ َنبِ ّي؛ خليّة؛ أُميّة‪،‬‬
‫الياء األوىل وفتحت ما قبلها َ‬
‫وقلَب َْت الثانية واواً‪،‬‬
‫فتقول‪َ :‬ع َد ِويّ ؛ َنبَ ِويّ ؛ َخل َ ِويّ ‪ ،‬أ ُ َم ِويّ …‬
‫ُق ْل إذن‪ :‬هاتف َخل َ ِويّ ‪.‬‬
‫وال تقل‪( :‬هاتف خليوي)‪.‬‬
‫الخطأ يف قولنا‪ّ :‬‬
‫(إن هكذا أشياء)‬
‫هكذا = «ها» التنبيه ‪ +‬كاف التشبيه ‪« +‬ذا» اسم‬
‫اإلشارة‪.‬‬
‫ُق ْل إذن‪ :‬إن مثل هذه األشياء‪ ،‬أو‪ :‬إن أشياء‬
‫كهذه‪.‬‬
‫(كلما) ال تكرر يف جملة واحدة‬
‫من أخطاء املرتجمني استعمالهم (كلّما) مرتني‬
‫يف جملة واحدة‪ ،‬عىل غرار الرتكيب الفرنيس أو‬
‫َ‬
‫تعمقت يف القراءة‬
‫اإلنكليزي‪ ،‬نحو قولهم‪« :‬كلما‬
‫ُ‬
‫واالطالع‪ ،‬كلما زادت حصيلتك من املعرفة‪».‬‬
‫والصواب ْ‬
‫حذف (كلما) الثانية‪ .‬ويف التنْزيل‬
‫العزيز‪( :‬كلما دخل عليها زكريّا املحراب وَجَ َد‬
‫عندها ِرزقا )‬
‫يقال‪ :‬كلما زاد اطالعُك‪ ،‬اتسعت آفاقك‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬كلما زاد ِعل ُم املرء‪َّ ،‬‬
‫قل انتقا ُده لآلخرين!‬
‫ِمن َثمَّ؛ لذا؛ … (ال‪ :‬بالتايل!)‬
‫(بالتايل) شبه جملة ركيكة جدا ً شاعت شيوعا ً‬
‫واسعاً‪ .‬وقد تبني يل من اطالعي عىل كثري من‬
‫ّ‬
‫يحل محلّها ما‬
‫املقاالت العلمية أن الصواب أن‬
‫يناسب املقام مما ييل‪:‬‬
‫ِمن َثمّ؛ لذا؛ وعىل هذا؛ وبذلك؛ إذن؛ أيْ ؛ و ِمن ث َّمَ‬
‫يتّضح ‪ /‬نجد ‪ /‬نرى َّ‬
‫أن؛ الخ…‬
‫وللفائدة أقول‪َ :‬‬
‫(ثمَّ) اسم يشار به إىل املكان‬
‫البعيد بمعنى هناك‪ ،‬وهو ظرف ال يترصف‪ ،‬وقد‬
‫تلحقه التاء فيقال َ‬
‫(ثم ََّة) ويوقف عليها بالهاء‪.‬‬
‫أما ُ‬
‫(ثمَّ) فهو حرف عطف يدل عىل الرتتيب مع‬
‫الرتاخي يف الزمن‪ .‬وتلحقه التاء املفتوحة فيقال‪:‬‬
‫ُثم ََّت‪ ،‬ويوقف عليها بالتاء‪.‬‬
‫وملّا كان … (ال‪ :‬وبما ّ‬
‫أن!)‬

‫‪22‬‬

‫ِمن أَوجُ ه استعمال (ملّا) مجيئها ظرفا ً َت َ‬
‫ضمَّن‬
‫معنى الرشط‪ ،‬ورشطه وجوابه ِفعْالن ماضيان‪،‬‬
‫نحو‪ :‬ملّا جاء خال ٌد أكرمته‪.‬‬
‫فإذا كان الجواب جملة اسمية‪ ،‬وجب اقرتانها‬
‫بالفاء‪ .‬وعىل هذا يمكن القول‪:‬‬
‫وملا كنا أنجزنا العمل‪ ،‬وجب إعداد تقرير عنه‪.‬‬
‫وملا كنا أنجزنا العمل‪َ ،‬فعَلينا إعداد تقرير عنه‪.‬‬
‫وال يقال‪( :‬بما أننا أنجزنا…)‬
‫وملا كان التابع ع مستمراً‪ ،‬كان باإلمكان…‬
‫وملا كان التابع ع مستمراً‪ ،‬استنتجنا ‪ /‬فإننا‬
‫نستنتج…‬
‫وملا كان التابع ع مستمراً‪ ،‬وجب أن يكون ‪ /‬فإنه‬
‫يجب أن…‬
‫ٌ‬
‫فكل من التابعني‬
‫وملا كان التابع ع مستمراً‪،‬‬
‫املذكورين…‬
‫ّ‬
‫وال ب ّد من الفاء يف جواب (ملا) إذا كان جملة‬
‫اسمية‪.‬‬
‫وال يقال‪( :‬بما أن التابع …‪ ،).‬ألن هذا الرتكيب‬
‫دخيل عىل العربية‪ ،‬وركيك جداً‪ ،‬وال مُسَ وِّغ له‪.‬‬
‫مهما‬
‫(مهما) اسم رشط يجزم فعلني‪ :‬األول فعل‬
‫الرشط والثاني جوابه‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫مهما تفعلوه تجدوه‪( .‬عالمة الجزم‪ :‬حذف‬
‫النون‪ .‬األصل‪ :‬تفعلونه‪ ،‬تجدونه)‪.‬‬
‫مهما َت ُق ْل أست ِف ْد منك‪( .‬حذف حرف العلة يف‬
‫الفعلني منعا ً اللتقاء ساكنَينْ )‪.‬‬
‫ً‬
‫مهما يكن الطفل مشاغبا ً ُ‬
‫يكن محبوبا…‬
‫فإذا كان جواب الرشط جملة اسمية وجب‬
‫اقرتانها بالفاء‪ ،‬نحو‪:‬‬
‫ُّ‬
‫مهما يكن س فلدينا…‪ /‬فكل تابع…‬
‫مهما يكن ع فإننا نستطيع …‪ /‬ففي وسعنا…‬
‫أيُّ (الرشطية)‬
‫هي اسم مبهم تضمَّن معنى الرشط‪ ،‬وهي ُمعْربة‬
‫بالحركات الثالث ملالزمتها اإلضافة إىل املفرد‪.‬‬
‫وهي تجزم فعلني‪ .‬وإذا كان جوابها جملة اسمية‬
‫وجب اقرتانه بالفاء‪.‬‬
‫امرئ يخ ُد ْم أُمَّته تخ ُدمْه‪.‬‬
‫أيُّ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ض ْع هيبته‪.‬‬
‫أيُّ الرجا ِل يَكث ْر مزحُ ه ت ِ‬
‫وقد يحذف املضاف إليه فيلحقها التنوين عوضا ً‬
‫منه‪ ،‬نحو‪( :‬أيّا ً ما تدعوا َفل َ ُه األسماء الحُ سْ نى)‪.‬‬
‫إذ التقدير (أيَّ اسم تدعوا)‪ .‬والفعل هنا مجزوم‬
‫بحذف النون‪ :‬األصل تدعون!‬
‫ني قضيتُ فال عُدوان عيل‪ّ.‬‬
‫أيَّما اَألَجَ ل َ ْ‬
‫‪::::::::::::::::::::::::::::‬‬
‫معجم األخطاء الشائعة ‪ /‬محمد العدناني‬
‫فن الكتابة الصحيحة ‪ /‬د‪ .‬غازي براكس ط ‪1‬‬
‫‪ 1405‬هـ‬
‫التحرير العربي ‪ /‬د‪ .‬حسني عىل أحمد‪٢٠٠٧‬‬

‫ال شك أن النظر إىل اللغة عىل أنها مجرد وسيلة‬
‫للتواصل والتفاهم نظرة قارصة تجرد اللغة‬
‫من وظائف أخرى ال تقل أهمية عن هذا الدور‬
‫الظاهر الرئيس‪.‬إن اللغة هوية األمة وأهم‬
‫مقومات شخصيتها ‪ ،‬األمر الذي يرشح أن يكون‬
‫االهتمام باللغة قضية أمن قومي بكل ماتحمله‬
‫هذه العبارة من معنى ومن ظالل ذلك املعنى ‪.‬‬
‫لقد أضحت عبارة « اللغة هوية األمة « لكثرة‬
‫تردادنا لها مبتذلة يف محيطنا العربي ‪ ،‬ولم يعد‬
‫اإلنسان يشعر بقيمتها ومغزاها حقيقة إال حني‬
‫يراها لدى غرينا واقعا ً مجسدا ً ُت َكرس لها أنشطة‬
‫فعلية تعيل من شأن اللغة القومية ‪ ،‬وتعمل عىل‬
‫حفظها وصونها من كل أسباب الضعف ‪ ،‬بل‬
‫وعىل نرشها خارج محيط أراضيها ‪ ،‬وقد يكلفها‬
‫ذلك إنفاق أموال طائلة ‪.‬‬
‫إنني رصت حني أسمع هذه العبارة يف محيطنا‬
‫العربي اآلن أقول ‪ :‬سبحان الله كلمة حق ال‬
‫تجد من يُحقها ‪ ،‬نرددها حني يتطلب املوقف ‪،‬‬
‫وننساها بمجرد نطقنا إياها ‪ ،‬إننا نقولها كما‬
‫يقولها غرينا ‪ ،‬ومادرينا أن للغتنا خصوصية‬
‫أخرى تعلو هذه النظرة القومية أال وهي ارتباط‬
‫لغتنا بالقرآن الكريم ‪ ،‬لقد تمكن الصهاينة من‬
‫إحياء لغة كانت قد ماتت عىل ألسنة جمهور‬
‫العربيني يقول د‪ .‬ربحي كمال ‪ :‬وما كاد ينتهي‬
‫القرن الرابع قبل‬
‫امليالد حتى غدت العربية يف عداد اللغات امليتة يف‬
‫التخاطب منذ القرون ذوات العدد ‪.‬‬
‫وكان لغويوهم يرددون‪ « :‬إن اللغة هي األمة ‪،‬‬
‫واألمة هي اللغة ‪ ،‬وإنه ال حياة لألمة بدون اللغة‬
‫« كما يحكى د‪ .‬ربحي كمال يف كتابه « دروس‬

‫‪24‬‬

‫اللغة العربية‪ « :‬لم يستعمل الصهاينة لغة روسيا‬
‫التي تأسست يف ربوعها الحركة الصهيونية ‪ ،‬ولم‬
‫يستعملوا اإلنجليزية لغة العلم يف العرص الحديث‬
‫مع أن الكثرة الكاثرة منهم قد جاءوا إىل فلسطني‬
‫يحملون عىل ألسنتهم لغات أخرى» ‪.‬‬
‫مدرس اللغة‬
‫قد يقول العبارة التي أسلفت‬
‫ُ‬
‫العربية لكنه يسرتسل داخل قاعة الدرس متلكما ً‬
‫بعامية دارجة فيحرم الطالب من سماع عبارات‬
‫فصيحة صحيحة يقر يف ذهنه منها مايرقي‬
‫أسلوبه ‪ ،‬ويقرب الفصحى إىل سمعه وقلبه‬
‫‪،‬ويزيد من حصيلته اللغوية‪.‬‬
‫ويحار الطالب فيما يقصد األستاذ باللغة ‪ ،‬وما‬
‫إذا كان يعني باللغة تلك العامية التي يستعملها‬
‫‪ ،‬أو الفصحى التى يويص بها وال يستعملها ‪،‬‬
‫الفصحى التي فشلت يف إغراء لسانه ليستكمل‬
‫بها درسه ‪.‬‬
‫عجيب أن تعرض قضية علمية بلهجة عامية‬
‫‪ ،‬ألن األخرية ليست لغة علم وثقافة ‪ ،‬ثم ألست‬
‫معي يف أن من حق الطالب آنئ ٍذ أن يحس بعدم‬
‫صدق أستاذه ومعلمه ‪ ،‬ألن فعله يخالف قوله‬
‫‪ ،‬أو قل ألن قوله يناقض قوله ‪ .‬وهل نسينا أن‬
‫التدريس رسالة وليس مجرد حرفة أو مهنة ‪.‬أال‬
‫نعلم أننا بترصفنا هذا نحقق أمنية ألعداء األمة‬
‫فشلت جهودهم يف تحقيقها ؟‬
‫لقد دعا مهندس الرى اإلنجليزي الذي عمل يف‬
‫مرص أيام االحتالل الربيطاني إىل اتخاذ العامية‬
‫املرصية لغة علم وثقافة مدعيا ً أن سبب تأخر‬
‫املرصيني برغم ذكائهم يف األخذ بأسباب العلم‬
‫الحديث أنهم يتعلمون بغري اللغة التي يتكلمون‬
‫ويفكرون بها‪.‬لكن هدف هذا الرجل وأمثاله‬

‫كاألملاني ويلهلم سبتا « الذي كان مديرا ً لدار‬
‫الكتب املرصية يف ذلك الحني والذي ألف كتابا ً يف‬
‫قواعد اللغة العامية املرصية « كان أمرا ً آخر ‪.‬‬
‫إن هذه املحاوالت وأمثالها لم تكن بحاجة إىل‬
‫استنهاض عزائم األفكار وجمع شواردها لكشف‬
‫مغزاها وفضح الهدف الحقيقي الذي ترمي إليه‬
‫‪ ،‬فمعروف أنهم إنما كانوا يحاولون رصف‬
‫املرصيني عن لغة الرتاث اإلسالمي والعربي ‪،‬‬
‫والرباط القوي الذي يجمع بني العرب ويجمع‬
‫قلوبهم ‪ ،‬لقد سلكوا سبيل الدعوة إىل العامية حني‬
‫فشلوا يف تحويل املرصيني إىل اللغة اإلنجليزية ‪،‬‬
‫ألن الهدف كما قلت رصف الناس عن لغة القرآن‬
‫والسنة ‪.‬‬
‫ولعل مما يؤكد هذا ‪ ،‬ماكان من أمر االستعمار‬
‫الفرنيس يف بالد املغرب العربي ‪ ،‬حيث نجح إىل‬
‫حد كبري يف تحويل املغاربة إىل الفرنسية ‪ ،‬وملا‬
‫أعياه أمر تحويل منطقة القبائل بالجزائر إىل‬
‫الفرنسية أنعش يف نفوسهم إعادة استعمال اللغة‬
‫األمازيغية التى كانوا قد تحولوا عنها إىل العربية‬
‫منذ دخلوا يف اإلسالم ‪ ،‬كما يذكر الدكتور عبد‬
‫العيل الودغريي يف كتاب «الفرنكفونية والسياسة‬
‫التعليمية» ‪.‬‬
‫تشيع عىل ألستنا كلمات أجنبية كثرية نكون‬
‫مدفوعني اضطرارا إليها يف بعض األحيان ‪،‬‬
‫بينما يف أحيان أخرى قد ال توجد رضورة ‪ ،‬وهذا‬
‫يف رأيي أمر خطري يحتاج منا إىل وقفة جادة‬
‫مخلصة ‪ .‬أما ماهو رضوري مما نستعمله من‬
‫كالم غرينا فيتمثل يف مجال العلوم التطبيقية‬
‫‪ ،‬وأما غري الرضوري فيتمثل يف إيثار كثري منا‬
‫استعمال كلمات لها يف لغتنا بدائل وال أدري‬

‫د‪ .‬محمد القمريي‬

‫لذلك سببا سوى عدم احرتامنا للغتنا ‪ ،‬وال أقول‬
‫أكثر من ذلك إذ ال رضورة والسبب ‪.‬‬
‫وإذا ماجئنا ملا نعذر أنفسنا يف استعماله من‬
‫مصطلحات يف مجال العلوم التطبيقية بحجة أننا‬
‫اآلن غري منتجني لذلك النوع من العلوم ‪ ،‬فتأتينا‬
‫املسميات حاملة أسماءها وال سبيل أمامنا سوى‬
‫ذلك ‪ ،‬فإنني أقول الحل يسري إذا صدق العزم‬
‫وخلصت النوايا ‪ ،‬وهو حل مجرب ثبت نجاحه‬
‫أال وهو الرتجمة ‪.‬‬
‫والرتجمة كما نعلم نقل املضمون وإلباسه ثوبا ً‬
‫عربيا ً ‪ ،‬ولغتنا – والحمد لله – لغة ثرية ‪ ،‬وفيها‬
‫من وسائل النمو اللغوي مايجعلها ال تضيق‬
‫بحمل معنى عىل اإلطالق ‪.‬‬
‫نعم ‪ ،‬إن الرتجمة عملية غري هينة ‪ ،‬ألن لكل‬
‫لغة بيئتها الخاصة ‪ ،‬وقوانينها الداخلية ‪ ،‬وهي‬
‫معربة عن نظرة متكلميها وتصوراتهم لواقعهم‬
‫الخاص ‪ ،‬ومن ثم فنقل املحتوى ووضعه يف وعاء‬
‫آخر أمر يحتاج إىل من يمتلكون وعيا ً ودراية‬
‫باللغتني املنقول منها واملنقول إليها إىل جانب‬
‫التخصص يف العلم الذي ترتجم مصطلحاته ‪.‬‬
‫لكن يف كل األحوال أمثال هؤالء موجودون ‪ ،‬ومن‬
‫املمكن تضافر جهود علماء متبحرين يف كل لغة‬
‫‪ .‬لقد سمعت شكوى من رئيس املجمع اللغوي‬
‫بالقاهرة حيث أحال فيها تأخر املجمع يف مواكبة‬
‫الرتجمة والتعريب للجديد إىل افتقار املجمع إىل‬
‫الشخصيات العلمية القادرة ‪.‬‬
‫وحقيقة أنا ال أجد مسوغا ً لتعدد املجامع اللغوية‬
‫يف بلداننا العربية ‪ ،‬و أرى أن اتحادها جميعا ً يف‬
‫مجمع واحد – وليكن تابعا ً للجامعة العربية –‬
‫أمر مج ٍد فاللغة واحدة والهدف واحد وال داعي‬
‫ألن نكرر ترجمة التليفون يف بلد عربي باملِسرَ ة‬

‫ويف بلد آخر بالهاتف‪.‬‬
‫الرتجمة إذن هي السبيل التي جربناها وجربها‬
‫غرينا وثبت نجاحها يف كل األحوال ‪ ،‬سمعت أحد‬
‫أعضاء املجمع اللغوي بالقاهرة يذكر أن اليابان‬
‫يف بداية نهضتها العلمية ترجمت إىل اليابانية‬
‫خمسة وسبعني ألف كتاب ‪ ،‬وأسبانيا ترتجم‬
‫عرشة آالف كتاب ‪ ،‬وروسيا ترتجم سنويا ً خمسة‬
‫وعرشين ألف كتاب ‪.‬‬
‫إن هؤالء يدرسون العلوم جميعها بلغاتهم‬
‫وينقلون ماتوصل إليه اآلخرون عن طريق‬
‫الرتجمة‪ .‬ولم نذهب بعيدا ً وعندنا تجربة املسلمني‬
‫الكربى يف العرص العبايس ‪ ،‬حيث ترجم يف بيت‬
‫الحكمة الذي أنشأه هارون الرشيد ‪ -‬رحمه الله‬
‫– وطوره ابنه الخليفة املأمون واستقدم إليه‬
‫العلماء واملرتجمني وأجزل لهم املنح واملكافآت‬
‫حتى نقلوا إىل العربية علوم من سبق عىل درب‬
‫الحضارة ‪ ،‬ونجحت التجربة نجاحا عظيما ً‬
‫وتمكن العرب من هضم تلك العلوم وأضافوا‬
‫إليها وابتكروا ماصار أساسا ً للحضارة التي‬
‫نشأت بعد يف أوربا يف العرص الحديث ‪.‬‬
‫وحني أراد األوروبيون النهوض من سباتهم‬
‫والخروج من ظلماتهم وفتحوا أعينهم عىل‬
‫الحضارة العربية التي كانت منهم عىل طرف‬
‫الثمام ‪ ،‬لم يدرسوا علومنا بلغتنا العربية ولكنهم‬
‫ترجموها إىل لغاتهم ‪ .‬وتحدثنا كتب تاريخهم‬
‫بأنهم نهجوا نفس النهج العربي بأن حشدوا‬
‫لذلك املرتجمني وحظى من كان يعرف العربية‬
‫منهم باملكانة السامية ‪.‬‬
‫تعلموا كما تعلم أسالفنا بلغة فكرهم فأجادوا‬
‫الفهم وبرعوا ‪ ،‬وأضافوا ‪ ،‬وابتكروا‪ ،‬األمر الذي‬
‫يثبت أن للرتجمة فائدتني يف غاية األهمية ‪.‬‬

‫األوىل ‪ :‬الحفاظ عىل اللغة القومية لألمة وصون‬
‫شخصيتها ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬تهيئة أسباب استيعاب املادة العلمية ‪،‬‬
‫وحسن فهمها ‪.‬‬
‫إن الخرق يتسع عىل الراقع يوما بعد يوم ‪،‬‬
‫ومجامعنا العلمية تحاول قدر إمكانها أن‬
‫تفعل شيئا ً إذ قامت بإعداد بعض من معاجم‬
‫املصطلحات ‪ ،‬وحتى هذه لم يكن لها أي دور ‪،‬‬
‫فلم تستعمل ال يف املدارس وال يف الجامعات وال‬
‫يف مراكز البحوث لتظل املجامع يف وا ٍد وحياتنا‬
‫العلمية يف واد آخر‪،‬فقرارات املجامع غري ملزمة‬
‫‪.‬‬
‫لقد دعت منظمة األمم املتحدة للعلوم والثقافة‬
‫( اليونسكو ) كل الدول إىل الحفاظ عىل لغاتها‬
‫واتخذت قرارا ً بأن يكون يوم الثاني والعرشين‬
‫من فرباير من كل عام عيدا ً للغة القومية تذكريا ً‬
‫للناس بقيمة وأهمية لغتهم ‪ ،‬لقد رأت املنظمة‬
‫أن موت لغة يعني ضياع تراث وثقافة وقيم‬
‫وأعراف وتقاليد ‪ .‬وأن هناك ألفي لغة تحترض‬
‫اآلن أمام غزو اللغة اإلنجليزية ‪.‬‬
‫ستبقى لغتنا بحول الله وطوله ‪ ،‬ألنها محفوظة‬
‫بحفظ الله لكتابه ‪ ،‬إذ ال قرآن بغري عربية ‪،‬‬
‫والعربية كشواهد تاريخها تضعف عىل األلسنة‬
‫لكنها تعود كما كانت مزدهرة قوية ‪ ،‬وهذا‬
‫للعربية خاصة فاللغات األخرى إذا ضعفت‬
‫ماتت‪ ،‬أما العربية فال‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والله أسأل أن يوفقنا إىل سلوك كل سبيل‬
‫يوصلنا إىل النهوض بفصحانا ‪ ،‬والله من وراء‬
‫القصد وهو الهادي إىل سواء السبيل ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫ملعت يف العرص الحديث كوكبة نجوم نسائية‪،‬‬
‫تركت عىل سماء العربية بصمة تزيدها األيام‬
‫وضوحا ً وجالءً‪ ،‬وما تحتويه هذه األسطر‬
‫إنما هو نقطة يف بحر عميق يكتنف إبداعهن‬
‫الفيّاض‪ ،‬فحني تأملنا تلك النجوم استوقفتنا‬
‫نجمتان عربيتان كانتا رائدتني ومجددتني يف‬
‫مجالهما‪ ،‬وهما‪ :‬أديبة العراق نازك املالئكة‪،‬‬
‫وناقدة اإلمارات الدكتورة فاطمة الربيكي‪،‬‬
‫ّ‬
‫فسطرت أقالمنا بعضا من إبداعهن‪ ،‬مبتدئني‬
‫بنازك الشاعرة‪ ،‬ثم الدكتورة الربيكي‪ ،‬مراعاة‬
‫للفرتة الزمنية التي عاشت فيها كلتاهما‪.‬‬
‫لقد كانت الشاعرة نازك املالئكة من الرواد يف‬
‫صناعة ثورة جديدة للشعر املعارص‪ ،‬فقد ألهب‬
‫بريق الشعر الحر فكرها‪ ،‬ذلك الشعر الذي القى‬
‫هجوما من أنصار الشعر العمودي‪ ،‬فجنَّدت‬
‫نفسها للدفاع عنه‪ ،‬محاولة إحداث هزة شعرية‬
‫جديدة قوامها الخروج عن نظام الشطرين‪،‬‬
‫وطرح شعر جديد يقوم عىل وحدة التفعيلة‬
‫واملعنى البسيط الواضح‪ ،‬ويع ُّد كتابها (قضايا‬
‫الشعر املعارص) من أهم الكتب التي تناولت‬
‫قضية الشعر الحر‪ ،‬فخرج برؤية فكرية ثاقبة‪،‬‬
‫ناقشت فيه قضايا عدة منها‪ :‬مفهوم الشعر‬
‫الحر‪ ،‬وبداياته‪ ،‬وأسلوبه‪ ،‬وأسلوب الشطر‬
‫الواحد‪ ،‬والكشف عن عيوب الوزن الحر‪ ،‬واملزايا‬
‫املضللة فيه‪.‬‬
‫وتعرِّف الشعر الحر بأنه‪ ":‬شعر ذو سطر واحد‬
‫ليس له طول ثابت‪ ،‬وإنما يصح أن يتغري عدد‬
‫التفعيالت من شطر إىل شطر‪ ،‬ويكون هذا التغيري‬
‫وفق قانون عرويض يتحكم فيه"[‪"،]1‬وهذا‬
‫القانون مستمد من عروض الخليل بن أحمد‬

‫‪26‬‬

‫"[‪.]2‬‬
‫"وهذه املعرفة بالعروض مع قراءتها الواسعة‬
‫للشعر اإلنجليزي تجسدتا يف نتاج فني استوعب‬
‫موضوعات العرص املعقدة"[‪.]3‬‬
‫وتميز نازك بني نظام الشطرين ونظام التفعيلة‪،‬‬
‫" ألن نظام الشطرين يلزم الشاعر بنظامي‬
‫الصدر والعجز‪ ،‬وألن الشاعر يف هذا النظام البد‬
‫أن يقف يف البحور الستة عرش عند نهاية الشطر‬
‫الثاني وقفة صارمة ال مهرب منها فتنتهي‬
‫األلفاظ وينتهي املعنى"[‪" ،]4‬وأما نظام الشطر‬
‫فهو يتعمد تحطيم استقالل الشطر استقالال‬
‫كامال"[‪ ،]5‬إنه نظام عرويض يُعنى بعدد‬
‫التفعيالت‪ ،‬وبرتتيب األشطر والقوايف‪.‬‬
‫وتعترب(قصيدة الكولريا) النبتة األوىل لبذور‬
‫الشعر الحر‪ ،‬عام‪1947‬م‪ ،‬وهذا العام كما‬
‫تقول‪ ":‬هو بداية حركة الشعر الحر يف العراق‬
‫ومن العراق‪ ،‬بل من بغداد نفسها زحفت هذه‬
‫الحركة وامتدت حتى غمرت أرجاء الوطن‬
‫العربي بأكمله"[‪. ]6‬‬
‫وتوضح نازك – يف كتابها ‪ -‬مفهومني اختلط عىل‬
‫كثري من الناس فهمهما بشكل صحيح‪ ،‬أولهما‪:‬‬
‫الرتجمة العربية للقصائد األوربية‪ ،‬وثانيهما‬
‫ً‬
‫ترجمة من‬
‫قصيدة النثر‪ ،‬مبينة أن ما يكتب‬
‫النص اإلنجليزي إىل غريه من اللغات الالتينية‬
‫هو تسهيل للقارئ ليقارن الرتجمة باألصل‪،‬‬
‫وهي لغات يف األصل من فصيلة واحدة‪ ،‬أما‬
‫ترجمة النصوص من اللغات األوربية إىل العربية‬
‫فهو أمر يف غاية التعقيد الختالف فصائلهما‪،‬‬
‫فضال عن تضحية املرتجم ببعض قواعد اللغة‬
‫العربية حني يرتجم تلك النصوص[‪ .]7‬وأما‬

‫قصيدة النثر" فهي نثر طبيعي خال من الوزن‬
‫ّ‬
‫مقطعا‬
‫واإليقاع "[‪ ،]8‬فيكتب بعضهم النثر‬
‫وكأنه شعر حر‪ ،‬مما أحدث لدى القراء التباسا‬
‫بينه وبني الشعر املوزون‪ .‬وقامت يف دراسة‬
‫أخرى يف الكتاب بمعالجة الهيكل العضوي يف‬
‫القصيدة الحرة‪ ،‬وصفاته وتقسيمه إىل ثالثة‬
‫هياكل (املسطح‪ ،‬الهرمي‪ ،‬الذهني)‪" ،‬لذا كان‬
‫كتابها محاولة نقدية رائدة يف النقد الحديث‪،‬‬
‫حيث بحث عن أنساق بنيوية وشكلية للقصيدة‬
‫الحرة‪ ،‬ويف تعريفها للهيكل يف القصيدة‪ ،‬تعيد‬
‫لألذهان موقف أرسطو من الشكل‪ ،‬ومفهوم‬
‫كولردج للوحدة العضوية‪ ،‬فهي أوىل املحاوالت‬
‫الجادة يف الكشف عن بنية القصيدة العربية يف‬
‫النقد األدبي الحديث"[‪.]9‬‬
‫ومن أديبة العراق إىل ناقدة اإلمارات الدكتورة‬
‫فاطمة الربيكي التي استوقفها األدب املدون‬
‫عىل شاشة الحاسوب الزرقاء واملصطلح عىل‬
‫تسميته باألدب التفاعيل[‪ ]10‬فنهضت يف‬
‫كتابها (مدخل إىل األدب التفاعيل)[‪ ]11‬بطرح‬
‫فكرته‪ ،‬والتنظريله بوصفه جنسً ا أدبيًا مستقلاً‬
‫يحاول أن يتخذ مكانه بني مجموعة األجناس‬
‫األدبية[‪.]12‬‬
‫فإن سأل سائل‪ :‬ما الجديد يف ذلك إذا كان‬
‫األدب يف األصل ذا طبيعة تفاعلية وعالقة تالزمية‬
‫ومتلق يتفاعل مع‬
‫بني أديب مبدع ينىشء النص‬
‫ٍ‬
‫النص ؟ فالجواب هو أن املسألة يف صلبها مسألة‬
‫حضارية؛ فقد رصنا نعيش يف زمن أحكمت‬
‫علينا فيه التكنولوجيا قبضتها‪ ،‬وفرضت علينا‬
‫سلطانها‪ ،‬فتغريت أنماط سلوكنا‪ ،‬وأصبح أغلبنا‬
‫ إن لم يكن كلنا‪ -‬رقميني أو ّ‬‫متأثرين بالرقمية‬

‫عائشة باوزير‬
‫هـوازن مـرزا‬
‫طالبتا ماجستري‬

‫يف شتى مناحي الحياة‪.‬‬
‫لقد كانت ثورة الحاسوب أعتى ثورة عرفتها‬
‫البرشية فلم يسلم حتى األدب من االصطباغ‬
‫بصبغتها‪ ،‬فتولدت ممارسات أدبية إبداعية‬
‫رقمية جمَّة‪ ،‬اتخذت صورا ً جديدة يف اإلنتاج‬
‫والتلقي‪ ،‬وتدخلت فيها عملية إحالل واستبدال‬
‫خارجية؛ إذ إنه ال يؤمن بواحدية املبدع بل‬
‫يعرتف بدور املتلقي بمختلف فئاته العمرية‬
‫ليس يف عملية التأويل فقط بل يف اإلضافة‬
‫واإلنتاج ليكون رشيكا ً فاعالً يف عملية اإلبداع‬
‫للنص التفاعيل ‪]13[.‬وهذا األدب الرقمي‬
‫التفاعيل هو ما أثارالدكتورة الربيكي ودفعها‬
‫للتأسيس له ومناقشته يف كتابها‪ ،‬بل أصبح من‬
‫الرضوري إن لم يكن من الواجب عىل األدباء‬
‫والنقاد ‪ -‬يف نظرها‪ -‬االلتفات إليه وإيفاؤه‬
‫حقه قراءة ونق ًدا‪ .‬والغرابة يف ذلك بعد أن اعتاد‬
‫ري من املبدعني التحديق يف الشاشة الزرقاء‬
‫كث ٌ‬
‫ولم تعد تجذبهم رائحة الكتاب كسابق عهدهم‪،‬‬
‫وحل بذلك الكتاب الرقمي محل الكتاب الورقي‪،‬‬
‫وحل الكاتب الرقمي محل الكاتب الورقي‪ ،‬ويف‬
‫الوقت نفسه حل املتلقي الرقمي محل املتلقي‬
‫الورقي[‪.]14‬‬
‫ويتميز األدب التفاعيل ‪ -‬بحسب كتاب الدكتورة‬
‫ بأنه يقدم نصا ً مفتوحا ً بال حدود ‪ ،‬ويمنح‬‫املتلقي فرصة اإلحساس بأنه مالك لكل ما يقدم‪،‬‬
‫وال يعرتف باملبدع الوحيد للنص‪ ،‬كما أن البدايات‬
‫غري محدودة والنهايات غري موحدة‪ ،‬ويمنح‬
‫املتلقني فرصة إلثارة الحوار الحي وازدياد‬
‫درجة التفاعلية عن األدب التقليدي وتعدد‬
‫األصوات ‪]15[.‬وقد حاولت الدكتورة يف كتابها‪-‬‬

‫باعتزاز‪ -‬أن تؤسس لألدب التفاعيل ليأخذ مكانه‬
‫يف النظرية النقدية ‪ ،‬ولم يغب عنها أن تسجل‬
‫الوقفات البارزة التي مهدت لألدب التفاعيل يف‬
‫مسرية النقد الغربي (فتوقفت مليا ً عند نظرية‬
‫التلقي واستجابة القارئ التي منحت املتلقي‬
‫صالحيات واسعة يف التفاعل مع النص قراءة‬
‫وتأويالً ‪ ،‬ثم توقفت أمام نظرية التناص ‪ -‬لدى‬
‫جوليا كريستفا وغريها ‪ -‬التي تؤمن بأن النص‬
‫ليس سوى فسيفساء من النصوص املتداخلة‬
‫التي ذاب بعضها يف بعض – وهذا انعكاس‬
‫تلقائي لنظرية ذوبان الحدود والفواصل بني‬
‫الثقافات)[‪ ،]16‬وتتبعت فيه رحلة النص‬
‫ً‬
‫وسيطا أساسيًا‬
‫األدبي من مرحلة اتخاذ الورق‬
‫للتدوين إىل مرحلة الكتابة اإللكرتونية‪ ،‬وتجليات‬
‫األدب اإللكرتوني والتفاعلية‪ ،‬ورصدت بذور‬
‫األدب التفاعيل وحركة انتشاره يف الغرب ثم يف‬
‫الوطن العربي مشرية إىل الجهود التنظريية يف‬
‫هذا السياق‪ ،‬ومبينة التجارب واملمارسات األدبية‬
‫الرقمية التفاعلية قصيدة ورواية ومرسحية ‪،‬‬
‫منبهة إىل ندرتها يف األدب العربي‪ ،‬مستعرضة‬
‫املواقف املتباينة من األدب التفاعيل تأيي ًدا و‬
‫رفضاً[‪. ]17‬‬
‫وهكذا جاءت نظريتا الشعر الحر‪ ،‬واألدب‬
‫التفاعيل لتؤكدا أنه مازال للمرأة صوت مد ٍو‬
‫يسهم يف نهضة العربية‪.‬‬
‫***‬
‫[‪ ]1‬نازك املالئكة‪ ،‬قضايا الشعر‬
‫املعارص‪،‬ط الثامنة‪( ،‬بريوت‪ ،‬دار العلم‬
‫للماليني‪1989،‬م)‪77‬‬
‫[‪ ]2‬السابق‪7،‬‬

‫[‪ ]3‬د‪ .‬عيل نظري‪ ،‬نظر ة عابر ة الی بروين‬
‫اعتصامي ونازک¬املالئکة ‪ :‬حياتهما و‬
‫شعرهما‪،‬مجلة علوم إنسانية‪ ،‬السنة الخامسة‪:‬‬
‫العدد ‪ :36‬شتاء ‪36 5th Year: Issue -2008‬‬
‫‪winter‬‬
‫[‪ ]4‬نازك املالئكة‪ ،‬املصدر السابق‪42،‬‬
‫[‪ ]5‬السابق‪42،‬‬
‫[‪ ]6‬السابق‪36،‬‬
‫[‪ ]7‬ينظر‪،‬السابق‪53،‬‬
‫[‪ ]8‬السابق‪157،‬‬
‫[‪ ]9‬د‪.‬شجاع مسلم العاني يف النقد األدبي‬
‫الحديث يف العراق ‪ ،‬دراسة ‪ -‬من منشورات‬
‫اتحاد الكتاب العرب ‪2000‬‬
‫[‪ ]10‬اصطلح عىل تسميته يف األدب الغربي‬
‫( (‪ ،literature interactive‬وقد ترجمه‬
‫قلة من النقاد العرب بمصطلح األدب التفاعيل‪.‬‬
‫ينظرالربيكي‪ ،‬د‪/‬فاطمة‪ ،‬مقال ماهية األدب‬
‫التفاعيل‪ ،‬موقع اتحاد كتاب اإلنرتنت العرب‬
‫[‪ ]11‬نرش املركز الثقايف العربي‪ ،‬بريوت‪ ،‬لبنان‬
‫[‪ ]12‬ينظر الربيكي‪ ،‬د‪/‬فاطمة‪ ،‬ماهية األدب‬
‫التفاعيل‪ ،‬الحسامي‪ ،‬عبد الحميد‪ ،‬قراءة يف كتاب‬
‫مدخل إىل األدب التفاعيل‪ ،‬منتديات ميدوزا‪.‬‬
‫[‪ ]13‬ينظر الحسامي‪ ،‬عبد الحميد‪ ،‬قراءة يف‬
‫كتاب مدخل إىل األدب التفاعيل‪.‬‬
‫[‪ ]14‬السابق‪.‬‬
‫[‪ ]15‬السابق‪ ،‬وينظر الربيكي‪ ،‬ماهية األدب‬
‫التفاعيل‪.‬‬
‫[‪ ]16‬الحسامي‪ ،‬عبد الحميد‪ ،‬قراءة يف كتاب‬
‫مدخل إىل األدب التفاعيل‪.‬‬
‫[‪ ]17‬السابق‬

‫‪27‬‬

‫ناقش الباحث اإلنجليزي ‪ Robert Whelan‬يف‬
‫مقال علمي نرشه يف العدد األسبوعي من صحيفة‬
‫الدييل تلغراف ( ‪) the weekly telegraph‬‬
‫املخصص ملناقشة العديد من القضايا الفكريّة‬
‫والثّقافيّة واألدبيّة ‪ ،‬والذي نرش بتاريخ ‪ 14‬مايو‬
‫و‪ 20‬مايو ‪2009‬م ‪ ،‬ناقش هذا الباحث قضيّة‬
‫بالغة األهمية وهي العالقة بني العلم واألدب‪،‬‬
‫مرتك ًزا عىل محارضة ألقاها الروائي املشهور‬
‫منصة مجلس الشيوخ بجامعة‬
‫(‪ ) p.c.snow‬من ّ‬
‫كمربيدج الربيطانية وذلك يف ‪ 7‬مايو ‪1959‬م ‪،‬‬
‫أي قبل حوايل نصف قرن من الزمن وكان عنوان‬
‫املحارضة هو ‪ ( :‬الثقافتان والثورة العلمية ) وقد‬
‫ّ‬
‫حذر ( إسنو ) ‪ SNOW‬يف تلك املحارضة من ّ‬
‫أن‬
‫العلم واألدب سوف يفرتقان‪ ،‬وأن الفجوة سوف‬
‫تضحي عميقة بني العلماء واألدباء‪ ،‬ضاربًا مثالً‬
‫بالعلماء الذين سوف يبذلون جه ًدا عظيمًا يف‬
‫قراءة رواية للكاتب تشارلز ديكنز ( ‪-1812‬‬
‫املختصون‬
‫‪1870‬م ) ويف املقابل سوف يواجه‬
‫ّ‬
‫يف العلوم اإلنسانية صعوبة أكرب يف اإلحاطة‬
‫بيشء عن القانون الثّاني للعلوم الحراريّة‪ ،‬أو ما‬
‫يعرف يف مصطلحه اإلنجليزي بــ ( ‪thermo‬‬
‫‪ ( ) dynamics‬الديناميكا الحرارية ) وقارن‬
‫( ‪ ) snow‬ويف صورة غري متكافئة بني جيل‬
‫الشباب املتعلّم من الربيطانيني ونظرائهم يف‬
‫أمريكا وروسيا من ناحية عدد صغار الس ّن‬
‫الذين يواصلون تعليمهم إىل السن املحدد بـــ‬
‫( ‪ ) 18‬عامًا‪ ،‬موضحً ا ّ‬
‫أن نظام التّعليم الربيطاني‬
‫التخصص‪ ،‬وأنه‬
‫يجرب الطالب يف س ّن مبكرة عىل‬
‫ّ‬
‫يدفعهم بأسلوب فيه يشء من التعسّ ف إىل مجاالت‬
‫الثّقافة التقليدية واملهنّية بدال ً من املجاالت‬
‫املتّصلة بالعلوم والتّقنية ‪ ،‬مقار ًنا يف هذا السياق‬
‫بل ًدا مثل بريطانيا مع ( فينيسيا) ( البندقية‬

‫‪28‬‬

‫) ( ‪ ) venice‬وذلك من حيث سمات التدهور‬
‫العلمي‪ ،‬ولكنّه يستدرك ّ‬
‫بأن ( الفينيسيني) نسبة‬
‫إىل مدينة البندقية اإليطالية – كانوا محظوظني‬
‫بحيث أصبحوا أغنياء بالصدفة كما حدث‬
‫ّ‬
‫وكأن املحارض يرمز هنا إىل الحقبة‬
‫بالنّسبة لنا ‪،‬‬
‫ّ‬
‫االستعماريّة للمملكة املتحدة الربيطانية ؛ حيث‬
‫أضحى ّ‬
‫الشعب اإلنجليزي ثريًا عىل حساب‬
‫ّ‬
‫الشعوب املستعمرة‪ ،‬وتنبّهوا كما تنبّهنا – يعني‬
‫الربيطانيني – إىل ّ‬
‫أن مجريات التّاريخ الحديث‬
‫تعمل يف ّ‬
‫كافة أشكالها بصورة تصادميّة معهم ‪،‬‬
‫ّ‬
‫وأن فئات منهم – أي الفينيسيني – عملوا بمقدار‬
‫ما تهيّئه ّ‬
‫الظروف لهم عىل االستمرارية يف الحياة‬
‫الصغرية‬
‫وذلك من خالل العمل خارج الدائرة ّ‬
‫وهي املنزل‪ ،‬وأ ّنهم من خالل هذه الدائرة وجدوا‬
‫النّموذج أو الشكل املالئم ألحوالهم ‪ ،‬كما وجدنا‬
‫نحن – أي الربيطانيني – الشكل املناسب أو‬
‫املالئمة لنا ‪ ،‬ولكنّهم لألسف – أي الفينيسيني‬
‫– لم يستطيعوا كرس ذلك الحاجز لعدم توافر‬
‫اإلرادة الصلبة ملثل هذه الخطوة الجريئة‪.‬‬
‫يضيف الباحث ‪ّ Whelan‬‬
‫أن ما ذكره ( إسنو )‬
‫( ‪ّ ) snow‬‬
‫شكل موضوعًا هامًا يف ال ّدوائر العلميّة‬
‫‪ ،‬ولم يكن ألحد عندئ ٍذ أن يتصوّر األبعاد التي‬
‫سوف ينتهي إليها هذا الحوار من خالل املقاالت‬
‫واملناظرات التي سوف تـأخذ يف انتشارها بُع ًدا‬
‫عامليًا‪ ،‬ويستشهد الكاتب بتوجه الناقد األدبي‬
‫«لفيز « ‪ ، f.r.leavis‬ويف عام ‪1962‬م إزاء‬
‫املوضوع الذي أثاره ( إسنو )‬
‫( ‪ ) snow‬يف عام ‪1959‬م ‪ ،‬حيث اختار أن‬
‫ينتقد النّربة الواثقة ج ًدا التي بدت واضحة يف‬
‫محارضة « أسنو « ‪ ، snow‬وأنه أخفق – أي‬
‫إسنو – يف تقديم فروق موضوعيّة بني الثقافتني‬
‫العلميّة واألدبيّة ‪ّ ،‬‬
‫وأن الثقافة العلميّة كان لها‬

‫دور يف إبراز موهبة الرّوائي « إسنو « ولقد‬
‫أعيدت طباعة محارضة «ليفيز « يف مجلة ‪the‬‬
‫‪ ( spectator‬اإلسبكتاتر) وهي مجلة تعني‬
‫غالبًا بالفكر املحافظ وما يتصل به‪ ،‬وذلك يف عدد‬
‫‪ 9‬مارس ‪1962‬م ‪ ،‬وظهرت بعد ذلك يف صورة‬
‫كتاب عن دار النرش املعروفة باسم ( ‪chatto‬‬
‫‪.) and windus‬‬
‫حاول النارشان ملحارضة « ليفيز» التي تعترب‬
‫ً‬
‫هامشا عىل متن محارضة «إسنو» أن يتجنبا‬
‫أيّ اعرتاض من قبل « إسنو» صاحب األفكار‬
‫الرئيسة التي دارت حولها انتقادات « ليفيز» ‪،‬‬
‫ولهذه الغاية السامية التي تحفظ حقوق املؤلّفني‬
‫األساسيني‪ ،‬وهي سمة بارزة يف الثقافة الغربية‪،‬‬
‫قاما باالتصال بالروائي « إسنو» وسأاله إذا ما‬
‫توجد لديه الرّغبة يف إضافة جديد إىل أفكاره‬
‫الرئيسة التي طرحها يف محارضته التي ألقاها‬
‫يف نفس الجامعة كمربيدج ‪1959‬م‪ ،‬فر ّد «‬
‫إسنو» عىل النّارشين بأ ّنه مهما كان حجم األلم‬
‫الذي يحسّ ه إزاء االنتقادات الالذعة التي وجهها‬
‫ألفكاره « ليفيز» إال ّ‬
‫أن مالحظات األخري سوف‬
‫تجعل الحوار قائمًا حول هذه القضيّة الجديرة‬
‫بتع ّدد الرّؤى واألفكار‪.‬‬
‫يشري كاتب املقال الباحث ‪ Whelan‬إىل الفصل‬
‫بني الثقافتني العلميّة واألدبيّة يعود تحدي ًدا‬
‫إىل القرن التّاسع عرش امليالدي‪ ،‬وأن مصطلح‬
‫‪ – scientist‬أي العَالِم – قد تبلور وظهر عام‬
‫‪1833‬م‪ ،‬ولكن استخدامه وجد عند محارض‬
‫جامعي آخر وهو « ماثيو أرنولد» ‪matthew‬‬
‫‪ Arnold‬عندما ناقش العالقة بني األدب والعلم‬
‫يف محارضة له سنة ‪1882‬م‪ ،‬أي بعد نصف قرن‬
‫من تشكيل مصطلح ‪ّ ، science‬‬
‫وأن العالقة‬
‫بني الثّقافة التقليديّة والثّقافة العلميّة‪ ،‬ظلّت‬

‫أ ‪ .‬د ‪ .‬عاصم حمدان‬
‫مستمرة حتّى يف الحقبة التي شهدت الثّورة‬
‫العلميّة والتّقنية الحديثة‪.‬‬
‫ولعل آرنولد استجاب بشكل مطلق وغري مقيّد‬
‫أكثر من ليفيز يف دفاعه عن أفكار « دارون» التي‬
‫ال يزال الجدل محتدمًا حول تطابقها مع الواقع‬
‫الحقيقي للبرشيّة حتّى الوقت الحايل‪ ،‬لقد أبدى‬
‫« آرنولد» يف أفكاره املطروحة آنذاك رؤية جديرة‬
‫باملالحظة هي ّ‬
‫أن العلوم التقليديّة مستمرة‬
‫يف أداء دورها يف املجتمع الغربي كاستمراريّة‬
‫العلوم التطبيقيّة الحديثة ويستشهد كاتب‬
‫هذه املقالة الهامة أي ‪ Whelan‬برأي أحد‬
‫الفائزين بجائزة نوبل يف العلوم يف الستينيات‬
‫امليالديّة وهو سري أندرو هوكسيل ‪sir Andrew‬‬
‫تخصصه‬
‫‪ ،huxly‬الذي اعرتف بأ ّنه عندما غيرّ‬
‫ّ‬
‫تخصص علمي حديث‬
‫من األدب الكالسيكي إىل‬
‫ّ‬
‫وهو الفيزياء؛ ّ‬
‫أن ناظر مدرسة ويستمنسرت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ ،Westminster school‬اتهمه بأنه بهذه‬
‫الخطوة سوف يفقد مزية هامة وهو االستمتاع‬
‫بروائع األدب الكالسيكي‪.‬‬
‫يذكر كاتب املقالة ّ‬
‫أن « إسنو» أثار نقطة هامة‬
‫يف محارضاته التي ذكرنا أ ّنه ألقاها عىل الطالب‬
‫يف جامعة عريقة هي كمربيدج سنة ‪1959‬م‪،‬‬
‫هي عملية إعادة التفكري يف مفهوم التّعليم ‪ ،‬أي‬
‫بعد حوايل نصف قرن من الزمن‪ ،‬وهذه املحاولة‬
‫تمت أخريًا يف سبتمرب ‪2006‬م‪ ،‬وذلك كمحصلة‬
‫للتدهور الخطري يف عملية التعليم فقليل هم‬
‫الطالب الذين يأخذون مادة العلوم ‪science‬‬
‫يف املستوى األول والذي يعترب تأسيسً ا لثقافة‬
‫ّ‬
‫الطالب املبتدىء ‪ّ ،‬‬
‫وأن معظم املعلّمني يف املدارس‬
‫لم يتهيؤوا لهذه العمليّة التعليميّة الهامة؛ فهم‬
‫ال يحملون شهادات ذات صلة وثيقة بالعلوم‪،‬‬
‫ونتج عن هذا الوضع السّ لبي ّ‬
‫أن األقسام‬
‫والكلّيات العلميّة تقع تحت التّهديد بالقفل‪ ،‬كما‬

‫ّ‬
‫املتعذر عىل أصحاب املصانع ّ‬
‫أن‬
‫أ ّنه أضحى من‬
‫تخصصاتهم املرتبطة‬
‫يجدوا علماء متمكنني يف‬
‫ّ‬
‫باستمرار هذه املصانع يف املجتمع الغربي‪.‬‬
‫ً‬
‫أيضا بمدرس‬
‫كما يستشهد كاتب املقالة‬
‫الفيزياء ديفيد بريكس ‪ ،david perks‬الذي‬
‫انتقد يف شهادة ق ّدمها ألحد مراكز العلوم‬
‫الوضع املأساوي الذي انتهت إليه مقاربة املواد‬
‫العلميّة بصورة مستقلة؛ حيث أضحت تعامل‬
‫كفرع من علوم اإلعالم أكثر من كونها مصدرًا‬
‫للمعرفة‪ ،‬وكانت فرضية « بريكس» تقوم عىل ّ‬
‫أن‬
‫الطالب ينفرون من العلوم لعدم ّ‬
‫توفر الرغبة‪،‬‬
‫وأ ّنهم أضحوا يفضلون املستويات السّ هلة‪ّ ،‬‬
‫وأن‬
‫املدارس ال تشجّ عهم عىل تطوير مقدراتهم‬
‫العلميّة ‪ ،‬وأ ّنه ت ّم استبدال التدريب يف املعامل‬
‫الستخالص نتائج عمليّة مفيدة تساهم يف دفع‬
‫مجاالت التقنية الحديثة إىل مستويات أفضل‪،‬‬
‫ت ّم استبدالها بمجاالت أخرى بعيدة عن مجال‬
‫العلوم‪.‬‬
‫لقد كان بريكس ‪ ،perks‬مصيبًا يف الكثري مما قال؛‬
‫حيث ّ‬
‫أكد ّ‬
‫أن الطالب ينفرون اآلن من املجاالت‬
‫العلميّة وذلك النعدام الرغبة لديهم إزاءها ‪,‬وأ ّنهم‬
‫ّ‬
‫يفضلون دراستها يف املستوى الدرايس املعروف‬
‫بــ ( ‪ ،) A-level‬وأ ّنهم يهبطون من مجال‬
‫العلوم الحديثة إىل دوائر أخرى أكثر عموميّة‬
‫والتي تحتفظ يف مستوياتها التعليميّة بما‬
‫يكمن وصفه بدوائر العلم املنفصل بعضها عن‬
‫بعض‪ ،‬وقد أطلق بريكس مصطلحّ ا مجازيًا عىل‬
‫هذا الضرّ ب من التفريق بني املستويات السّ هلة‬
‫وهو التفرقة العنرصيّة أو التمييز التعليمي‪،‬‬
‫ّ‬
‫وأن استخدام بريكس ملصطلح ‪apartheid‬‬
‫ً‬
‫الذي وضع أصال للتعبري عن سياسة التمييز‬
‫العنرصي املرفوضة يف ميثاق حقوق اإلنسان‬
‫يف كل الثقافات ّ‬
‫يدل هذا االستخدام هنا عىل‬

‫استرشاف بريكس للنتائج املدمرة واملرت ّتبة عىل‬
‫هذا االنحياز لصالح األدبي ض ّد العلمي‪.‬‬
‫تعود جذور املناظرة بني العلم واألدب إىل قرون‬
‫موغلة يف القدم ؛ ولكنّها تج ّددت يف العرص‬
‫الحديث‪ ،‬حيث لم تعد القضيّة ُتخترص فيما إذا‬
‫كان الطالب يتطلّعون لرتجمة كتاب الشاعر‬
‫اليوناني « هوراس « ‪ ،Horace‬أو حل معادالت‬
‫يف علم الجرب‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫والظاهر ّ‬
‫القضية أكرب من ذلك‬
‫أن‬
‫بكثري‪.‬‬
‫ويطرح كاتب هذه املقالة هذا السؤال‪ :‬هل هناك‬
‫فائدة من طرح هذا املوضوع القديم الجديد يف‬
‫آن‪ ،‬ويجيب ‪ Whelan‬بـ «نعم» هناك فائدة‬
‫فلقد أثارت مناظرة « إسنو – ليفيز» القضية‬
‫أكثر تعقي ًدا حول طبيعة التعليم وما نتوقع أن‬
‫تنجزه العملية التعليمية‪ ،‬ويرى محرّر املقالة‬
‫ّ‬
‫أن ُكالً من الكاتبني – إسنو – وليفيز‪ ،‬كان‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫محقا فيما ذهب إليه‪ ،‬فاألوّل اعتقد أن الفهم‬
‫العلمي يمكن أن يكون ذا سمة تجمع بني ّ‬
‫الرقة‬
‫ً‬
‫محقا يف‬
‫والحيويّة بالنّسبة للثّقافة واآلخر كان‬
‫لفت االنتباه لرضورة الحاجة للعلوم لتعمل‬
‫ّ‬
‫ومؤثر‪ ،‬وأن يت ّم ذلك يف نطاق اإلطار‬
‫بشكل فعّال‬
‫ّ‬
‫العام للقيم األخالقيّة التي يوفرها التعليم‪.‬‬
‫ويتابع ‪ Whelan‬قائالً‪ :‬إ ّنه يوجد يف قلب‬
‫التعليم الحر فكرة تقول ّ‬
‫إن لدى اإلنسان القدرة‬
‫عىل التحرّك واالنتقال من الهمجيّة إىل املدنية‬
‫باستخدام القدرات العقليّة واألخالقيّة‪ ،‬وهي‬
‫الفكرة القادرة وحدها عىل أن توحد بني دائرتي‬
‫العلم واألدب يف بوتقة واحدة وبالتايل يمكن ً‬
‫أيضا‬
‫للعلماء واألدباء أن يجتمعوا تحت مظلّة واحدة‪،‬‬
‫سام وعظيم تتطلّع إليه جميع األمم‬
‫وهو هدف ٍ‬
‫ومختلف الثقافات‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫وسيم الصحفي‬
‫طالب بكالوريوس‬

‫بالغة النبي صىل الله عليه وسلم من أبرز مظاهر‬
‫عظمته ‪ ،‬وأجىل دالئل نبوته ‪ ،‬فهو عليه الصالة‬
‫والسالم صاحب اللسان املبني واملنطق املستقيم‬
‫‪ ،‬والحكمة البالغة والكلمة الصادقة ‪ ،‬واملعجزة‬
‫الخالدة ‪.‬‬
‫وقد زكى الله تعاىل نطقه فقال عز وجل ‪:‬‬
‫( َومَا َينْ ِط ُق َع ِن الْ َهوَى ) وقال سبحانه ( َن َز َل‬
‫ني َعلىَ َقلْبِ َك لِتَ ُك َ‬
‫ِب ِه الرُّوحُ األ ِم ُ‬
‫ون ِم َن الْ ُمنْ ِذ ِري َن‬
‫ني )‬
‫ِبلِسَ ٍ‬
‫ان َعر َِب ٍّي مُبِ ٍ‬
‫وقال صىل الله عليه وسلم عن نفسه ‪ « :‬وأوتيت‬
‫جوامع الكلم» ‪ ،‬ولم يكن هذا افتخارا منه صىل‬
‫الله عليه وسلم ‪ ،‬وإنما كان تقريرا لحقيقة ثابتة‪،‬‬
‫وكيف اليكون أفصح العرب وهو خاتم النبيني‬
‫وسيد املرسلني ‪ ،‬وعىل قلبه نزل القرآن العظيم ‪،‬‬
‫وقد رباه رب العاملني ‪ ،‬ونشأ وترعرع بني عرب‬
‫فصحاء معربني ‪.‬‬
‫وقد تبارى العلماء والبلغاء يف وصف فصاحته‬
‫وبالغته صىل الله عليه وسلم ومن أفضل ما‬
‫قيل يف ذلك ما سجله يراع الجاحظ رائد البالغة‬
‫العربية واستاذها؛ إذ يقول يف كتابه البيان‬
‫والتبيني ‪:‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫« وأنا ذاك ٌر بعد هذا فنا آخ َر من كالمه صىل الله‬

‫‪30‬‬

‫عليه وسلم ‪ ،‬وهو الكالم الذي ّ‬
‫قل عدد حروفه‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫الصنعة‪ ،‬ونزه عن‬
‫وكثر عدد معانيه‪ ،‬وجَ َّل عن َّ‬
‫التكلف‪ ،‬وكان كما قال اللّه تبارك وتعاىل‪ :‬قل يا‬
‫محمد‪ ( :‬وما أنا ِم َن املتَكلِّفني ) فكيف وقد عابَ‬
‫التشدق‪ ،‬وجانب أصحاب التعقيب‪ ،‬واستعمل‬
‫َ‬
‫املبسوط يف موضع البسط‪ ،‬واملقصو َر يف موضع‬
‫َّ‬
‫الوحيش‪ ،‬ور ِغبَ عن‬
‫القرص‪ ،‬و َهجَ ر الغريبَ‬
‫ْ‬
‫ينطق إال عن ِمرياثِ حك َم ٍة‪،‬‬
‫وقي‪ ،‬فلم ِ‬
‫الهجني السُّ ّ‬
‫ف بالعصمة‪ُ ،‬‬
‫ولم يتكلَّم إال بكالم قد حُ َّ‬
‫وشيِّد‬
‫ٍ‬
‫بالتأييد‪ ،‬ويُسرِّ َ بالتوفيق‪ ،‬وهو الكال ُم الذي َ‬
‫ألقى‬
‫وغشا ُه َ‬
‫اللّه عليه املحب َّة‪َّ ،‬‬
‫بالقبول‪ ،‬وجمع له بني‬
‫املهابة والحالوة‪ ،‬و َبينْ حُ س ِن اإلفهام‪ ،‬وقلّة عدد‬
‫الكالم‪ ،‬مع استغنائه عن إعادته‪ ،‬و ِقل ّ ِة حاجة‬
‫السامع إىل معاوَدته‪ ،‬لم تسقط له كلمة‪ ،‬وال َزلّت‬
‫به َق َدم‪ ،‬وال با َرتْ له حج َّة‪ ،‬ولم ي َُقم له َخصم‪،‬‬
‫الخ َطبَ ِّ‬
‫وال أفحمه خطيب‪ ،‬بل يبد ُ‬
‫الطوال بالكلِم‬
‫َ‬
‫اسكات الخصم إال بما يعرفه‬
‫ال ِقصار وال يَلت ِمس‬
‫بالصدق ‪ ،‬وال يستعني‬
‫الخصم‪ ،‬وال يحتجُّ إال‬
‫ِّ‬
‫بالخالبة‪ ،‬وال يستعمل املوارَبة‪ ،‬وال يه ِمز وال يَل ْ ِمز‪،‬‬
‫ِ‬
‫وال ُيب ِْطي ُء وال َيعْجَ ل‪ ،‬وال يُسْ ِهب وال يَحْ صرَ ‪ ،‬ثم‬
‫أقص َد‬
‫الناس‬
‫لم يَسْ مع‬
‫بكالم َق ّط أع َّم نفعاً‪ ،‬وال َ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لفظاً‪ ،‬وال أعدل وزنا‪ ،‬وال أجمل مذهبا‪ ،‬وال أكرَم‬

‫مطلباً‪ ،‬وال أحس َن موقعاً‪ ،‬وال أسهل مخرجاً‪ ،‬وال‬
‫أفصح معنًى‪ ،‬وال أبني يف فحوَى‪ ،‬من كالمه صىل‬
‫الله عليه وسلم كثرياً‪.‬‬
‫وأما كالمه املعتاد وفصاحته املعلومة وجوامع‬
‫كلمه وحكمه املأثورة فقد ألف الناس فيها‬
‫الدواوين وجمعت يف ألفاظها ومعانيها الكتب‪،‬‬
‫ومنها ماال يوازى فصاحة وال يبارى بالغة كقوله‪:‬‬
‫الناس كأسنان املشط ‪ ،‬واملرء مع من أحب ‪ ،‬وال‬
‫خري يف صحبة من ال يرى لك ما ترى له ‪ ،‬والناس‬
‫معادن ‪ ،‬وما هلك امرؤ عرف قدره ‪ ،‬واملستشار‬
‫مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ورحم الله عبدا‬
‫قال خريا فغنم أو سكت فسلم ‪ ،‬وقوله‪ :‬أسلم‬
‫تسلم ‪ ،‬وأسلم يؤتك الله أجرك مرتني‪ ،‬وقوله‬
‫ذو الوجهني ال يكون عند الله وجيها‪.‬وكم من‬
‫املواقف التي تبني بالغة وفصاحة نبينا محمد‬
‫صىل الله عليه وسلم وقدرته عىل إيجاد االلفاظ‬
‫البليغة والحجج القوية يف املواقف الصعبة مع‬
‫خصومه ‪.‬‬
‫فيالها من بالغة أدهشت عقول أهل اللغة‬
‫والفصاحة ّ!!!‬

‫املربد شخصية نحوية حازت إعجاب الكثريين‬
‫من العلماء واألدباء فكانت له منزلته املتميزة بني‬
‫النحاة واللغويني ‪ ،‬وكان ذا حس مرهف ‪ ،‬وعلم‬
‫دقيق باملسائل اللغوية التي ناقشها يف كتبه ‪،‬‬
‫وكانت له مالمحه العلمية الفريدة التي خلقت‬
‫لنا العديد من املؤلفات التي تعد ركنا أصيال يف‬
‫مكتبة الرتاث العربي ‪.‬‬
‫لقد أثار املربد بمنهجه وأسلوبه البحث و الفكر‬
‫اللغويني من خالل مناظراته ونقاشاته مع علماء‬
‫عرصه و ملخالفته آراء من سبقه من العلماء‬
‫الكبار ‪.‬‬
‫لقد نهل املربد من علوم اللغة العربية عىل أيدي‬
‫شيوخ البرصة ‪ .‬فينبغ التلميذ ويتبؤ مكانة‬
‫مرموقة يف حلقات العلم والدرس وقد تنبه‬
‫شيوخه إىل علمه وصحة رأيه فكانوا يطمئنون‬
‫إىل تعليالته ‪,‬وقد آلت زعامة املدرسة البرصية‬
‫إليه بعد وفاة املازني ‪.‬‬
‫ومن أهم السمات التي تميز بها املربد يف منهجه‬
‫النحوي‪:‬‬
‫‪ -1‬أنه لم يتقيد برأي فيدافع عنه دون اقتناع‬
‫أو تعليل صحيح ‪ ،‬فلم يقيد نفسه برأي‬
‫املذهبني(البرصي و الكويف) متى بدا له رأي‬
‫آخر مقنع له‪ ,‬وقد خالف جماعته يف مسائل‬
‫كثرية مبثوثة يف كتبه ‪ ،‬فأحيانا يوافق الكوفيني‬
‫ويخالف البرصيني وأحيانا يوافق البرصيني‬
‫ويخالف الكوفيني وأحيانا أخرى يخالف‬
‫املدرستني كلتيهما‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫ومن ذلك ما يتعلق بإعراب املثنى والجمع ‪،‬‬
‫فالبرصيون يقولون إن األلف والواو والياء هي‬
‫حروف إعراب ‪ ،‬أما الكوفيون فيعتربونها إعرابا‬
‫بمثابة الفتحة و الكرسة و الضمة يف االسم‬
‫املفرد ‪ ،‬ولكن املربد ال يقتنع بأحد الرأيني فيتبنى‬
‫رأيا آخر ‪ ،‬معلال املسألة تعليال منطقيا فيقول‬
‫‪:‬إن األلف والواو والياء تدل عىل اإلعراب ‪ ،‬فليست‬
‫بإعراب ‪ ،‬وال حروف إعراب ‪ ،‬وعلة ذلك أنه ال‬
‫يجوز حذفها ‪ ،‬فان حذفت لم تدل عىل الجمع‬
‫أو املثنى كما يصح حذف الحركات من آخر‬
‫املفرد فتقول قائم زيد ولم يختل املعنى‪ ,‬ويعلق‬
‫األنباري عىل هذا الرأي معرتضا عليه فيقول‬
‫((وهذا القول فاسد )) ‪)9(.‬‬
‫وال يعني االستقالل يف الرأي أنه لم يأخذ بآراء‬
‫سيبويه و أصحابه أو آراء الكوفيني بل إنه أحيانا‬
‫ليتبنى بعض آراء الكوفيني بعد أن يعرض‬
‫املسألة من كافة جوانبها ‪.‬‬
‫‪ -2‬يقدم املربد السماع عن العرب (إذا كان هذا‬
‫السماع مطردا) عىل القياس ‪،‬فاألساس هو السماع‬
‫والقياس يستمد منه ويعتمد عليه‪,‬ورشطه أن‬
‫يكون السماع مطردا وكثريا‪,‬وكان يقيس عليه إذا‬
‫كان كذلك‪,‬وال يقيس عىل الشاذ والنادر‪,‬ويعلق‬
‫املربد عىل ذلك قائال ‪:‬‬
‫(( والسماع الصحيح والقياس املطرد ال تعرتض‬
‫عليه الرواية الشاذة )) ‪ ،‬والظاهر من العبارة‬
‫السابقة أن القياس معتمد عىل السماع الصحيح‬
‫‪ ،‬وعىل ذلك تبقى الرواية الشاذة اليقاس‬

‫عليها(‪)10‬‬
‫وينقل عنه السيوطي قوله‪((:‬إذا جعلت النوادر‬
‫والشواذ غرضك واعتمدت عليها يف مقاييسك‬
‫كثرت زالتك))‪)11(.‬‬
‫ونكتفي بذكر نموذج واحد وهو (النسبة إىل‬
‫َفعيل و ُفعيل) فقد سمع عن العرب كثريا يف‬
‫النسبة إليهما حذف الياء مثل‪ (:‬ثقيف‪:‬ثقفي‪,‬‬
‫قريش‪:‬قريش‪ ,‬هذيل‪:‬هذيل) فقاسه املربد ألنه‬
‫هو الذي كثر عن العرب‪,‬بالرغم من أن سيبويه‬
‫جعلها سماعية ال يقاس عليها ‪)12( .‬‬
‫‪ -3‬كان املربد دائما ما يسند آراءه بالعلل‬
‫فالبد لكل رأي من علة تربره وهذا واضح يف‬
‫كل آرائه‪,‬وكان يُعنى بالتعريف وبالعوامل‬
‫واملعموالت كما كان عليه أئمة املدرسة البرصية‬
‫من قبله‪.‬ومن تعريفاته املشهورة تعريفه‬
‫لالسم‪:‬وهو ما كان واقعا عىل معنى نحو‪:‬رجل‬
‫و فرس و زيد‪,‬ويحده بقوله‪»:‬كل ما دخل عليه‬
‫حرف من حروف الجر فهو اسم‪,‬وإن امتنع‬
‫فليس باسم»(‪.)13‬وهو يف الحقيقة من أفضل‬
‫تعريفات النحاة لالسم وأقربها صحة‪,‬وال يخرج‬
‫عن تعريفه إال القليل من األسماء نحو‪(:‬كيف ‪,‬‬
‫إذا ‪ ,‬صه ‪,‬مه)وهذا ال يفسد التعريف كما يقول‬
‫الزجاجي ألن األصل يف األسماء دخول حروف‬
‫الجر عليها ثم يخرج منها بعضها لعلة تدخل‬
‫عليه فال يكون ذلك ناقضا للباب بل يخرج منه‬
‫ما خرج بعلته ويبقى الثاني عىل حاله‪,‬وهذا أكثر‬

‫فيصل بن أحمد الحميدي‬
‫طالب ماجستري‬
‫ما يعم األسماء‪)14(.‬‬
‫معارضته لسيبويه ‪:‬‬
‫ذكرنا فيما سبق أن املربد كان معتدا برأيه ال‬
‫يقيد نفسه برأي متى بدا له رأي آخر أصح منه‬
‫من وجهة نظره‪.‬‬
‫وكان املربد يطبق هذا املبدأ حتى عىل أكابر‬
‫علماء النحو من املدرستني البرصية والكوفية‬
‫وعىل وجه التحديد سيبويه صاحب(الكتاب)‪.‬‬
‫إن مخالفة املربد لسيبويه تظهر لنا مدى ثقته‬
‫بنفسه واعتداده برأيه‪.‬‬
‫وقد خطأ املربد سيبويه يف عدد كبري من املسائل‬
‫‪,‬وقد ألف كتابا يف ذلك سماه((الرد عىل سيبويه))‬
‫كما أن اعرتاضاته عىل سيبويه موجودة يف كتابيه‬
‫الكامل واملقتضب‪.‬‬
‫وكان ذلك سببا يف حنق وضيق بعض العلماء‬
‫عليه ‪,‬وخاصة من يميلون للمدرسة البرصية‬
‫الذين يقدرون سيبويه ويجلون كتابه ويرون يف‬
‫تلك االعرتاضات انتقاصا لهيبته ومكانته‪ ,‬فقاموا‬
‫بالرد عىل املربد وتربئة ساحة سيبويه مما نسب‬
‫إليه من الخطأ‪.‬‬
‫ومن أبرزهم ابن والد احمد بن محمد املتوىف‬
‫سنة(‪)332‬هـ يف كتابه(االنتصار لسيبويه عىل‬
‫املربد) الذي يقول يف بدايته ‪((:‬هذا كتاب نذكر‬
‫فيه املسائل التي زعم أبو العباس محمد بن يزيد‬
‫أن سيبويه غلط فيها)) ثم يقول‪(( :‬ولعل بعض‬
‫من يقرأ كتابنا ينكر ردنا عىل أبي العباس وليس‬
‫ردنا عليه بأشنع من رده عىل سيبويه فإنه رد‬

‫عليه برأي نفسه ورأي من دون سيبويه))(‪)15‬‬
‫وقد ذكر يف كتابه أربعا وثالثني ومئة مسألة رد‬
‫فيها عىل املربد‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ذكره ابن والد يف املسألة (السابعة‬
‫واألربعني) من تخطئة املربد لسيبويه يف قوله‪»:‬‬
‫وقال بعض العرب‪ :‬قال فالنة «‪ ,‬قال املربد‪(( :‬‬
‫وهذا خطأ لم يوجد يف قرآن وال كالم فصيح وال‬
‫شعر )) ويرد عليه ابن والد قائال‪ (( :‬هذا كالم‬
‫ظاهر الفساد بني االختالل وذلك أنه حكى عن‬
‫سيبويه أنه روى عن بعض العرب (قال فالنة)‬
‫ثم خطأه يف ذلك وهذا موضع التكذيب فيه أشبه‬
‫من التخطئة )) ثم قال‪ (( :‬فهذا رجل ( يقصد‬
‫املربد ) يجعل كالمه يف النحو أصال وكالم العرب‬
‫فرعا فاستجاز أن يخطئها إذا تكلمت بفرع‬
‫يخالف أصله ))‪)16(.‬‬
‫ومنهم كذلك ابن جني املتوىف سنة(‪)392‬هـ‪,‬الذي‬
‫حاول رد بعض تلك املسائل عىل املربد من مثل‬
‫قوله معلقا عىل تلك املسائل‪ ((:‬وأما ما تعقب‬
‫به أبو العباس محمد بن يزيد كتاب سيبويه يف‬
‫املواضع التي سماها مسائل الغلط‪ ،‬فقلما يلزم‬
‫صاحب الكتاب منه إال اليشء النزر))‪.‬‬
‫واالعتذار عنه أحيانا إذ يقول بعد ذلك‪ ((:‬وحدثنا‬
‫أبو عيل عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال‪ :‬إن‬
‫هذا كتاب كنا عملناه يف أوان الشبيبة والحداثة‪،‬‬
‫واعتذر أبو العباس منه))‪)17(.‬‬
‫ويقول يف موضع آخر‪ ((:‬ومن الشائع يف الرجوع‬
‫عنه من املذاهب ما كان أبو العباس تتبع به كالم‬

‫سيبويه‪ ،‬وسماه مسائل الغلط‪ .‬فحدثني أبو‬
‫عيل عن أبي بكر أن أبا العباس كان يعتذر منه‬
‫ويقول‪ :‬هذا يشء كنا رأيناه يف أيام الحداثة‪ ،‬فأما‬
‫اآلن فال ))‪)18(.‬‬
‫ولومه أحيانا أخرى عندما رد املربد رواية‬
‫سيبويه عىل تسكني املضارع للرضورة الشعرية‬
‫يف قول الشاعر‪:‬‬
‫فاليوم أرشبْ غري مستحقب‬
‫إثما ً من اللـه وال واغـل‬
‫ ‬
‫إذ الرواية الصحيحة يف نظر املربد(فاليوم‬
‫فارشبْ ) فيكون الفعل فعل أمر وحركته السكون‬
‫فال شاهد يف الشاهد عىل تسكني املضارع‬
‫للرضورة الشعرية‪.‬‬
‫يقول ابن جني معلقا‪ ((:‬واعرتاض أبي العباس‬
‫يف هذا املوضع إنما هو رد للرواية‪ ،‬وتحكم عىل‬
‫السماع بالشهوة‪ ،‬مجردة من النصفة‪ ،‬ونفسه‬
‫ظلم ال من جعله خصمه‪ .‬وهذا واضح))‪)19(.‬‬
‫ومن املالحظ أن أكثر مآخذ العلماء عىل املربد‬
‫يف اعرتاضاته عىل سيبويه هو رده للرواية التي‬
‫يرويها سيبويه عن العرب وتخطئتها‪ .‬يقول‬
‫القايض أبو املحاسن‪:‬‬
‫((وله(أي املربد) «كتاب صغري» يرد عىل سيبويه‬
‫نحو أربعمئة مسألة‪...‬والذي أعتقد يف ذلك أن‬
‫سيبويه ال يتعلق به يشء مما ُذكر عنه‪ ،‬ألنه‬
‫يروي عن العرب‪....‬ثم يقول‪:‬وهل يسمى مثل‬
‫رواية هذا عىل املجاز»غلط من الراوي»‪ ,‬وأكرب‬
‫ظني أن أبا عيل الفاريس إنما عدل عن إقراء‬

‫‪33‬‬

‫كتبه(أي كتب املربد) والتكثر بالرواية عنه بهذه‬
‫الحال))‪)20(.‬‬
‫هل تراجع املربد عن اعرتاضاته؟‪:‬‬
‫إن قول ابن جني إن املربد رجع عن معارضته‬
‫لسيبويه ‪,‬وإن كتابه(مسائل الغلط) كتبه يف سن‬
‫الحداثة (أي بدون تر ٍو وإمعان نظر ساقه يف‬
‫ذلك حماس الشباب) وإنه رجع عن ذلك كله‪,‬ال‬
‫يسنده دليل من كتب املربد األخرى‪,‬ألننا إذا‬
‫نظرنا يف كتب املربد مثل (الكامل) و(املقتضب)‬
‫نجد فيها العديد من املسائل التي عارض فيها‬
‫املربد سيبويه‪ ,‬ولم تكن االعرتاضات مقصورة‬
‫عىل كتاب محدد كتب يف سن الحداثة‪ ,‬بل هي‬
‫منثورة يف كل كتب املربد مما يدل عىل أن املربد‬
‫كان مقتنعا بتلك االعرتاضات‪,‬ولكنه ربما رجع‬
‫عن بعضها أو أكثرها‪ ,‬قال الزجاج‪ ((:‬رجع عن‬
‫أكثرها إىل قول سيبويه‪ ,‬قال‪ :‬وفيها ما يلزم‬
‫سيبويه عىل مذهبه نحو أربعني مسألة))‪)21(.‬‬
‫أو ربما رجع عما ذكره يف ذلك الكتاب(مسائل‬
‫الغلط) تحديدا‪ ,‬دون باقي االعرتاضات املذكورة‬
‫يف كتبه األخرى‪.‬‬
‫هل يهدف املربد من اعرتاضاته ليشء ما ؟ ‪:‬‬
‫إن اعرتاضات املربد لسيبويه لم يكن هدفها‬
‫إسقاط سيبويه أو النيل منه ومن كتابه‬
‫(الكتاب)‬
‫ألن املربد كان يقدر سيبويه وكتابه‪,‬ألن‬
‫تعليمه األول كان بني يدي(الكتاب) وكان هو‬
‫يعلم(الكتاب) أيضا لطالبه يف بغداد‪.‬‬
‫يقول أبو املحاسن يف (تاريخ العلماء النحويني)‬
‫عن أبي القاسم الدقيقي يقول‪((:‬مازال (الكتاب)‬
‫مطرحا ببغداد ال ينظر فيه وال يعول عليه حتى‬
‫ورد املربد إليها بينة عىل علو قدره ورشفه ورغب‬
‫الناس فيه))‪)22(.‬‬
‫فالحظ كيف أن املربد أحيا (الكتاب) يف بغداد‬
‫ورشحه وبينه ورغب الناس فيه‪,‬مما يدل عىل‬
‫تعظيمه للكتاب ولصاحبه فهو إمام البرصيني‪.‬‬
‫ولم يكن هدف املربد من تلك االعرتاضات هو‬
‫الشهرة والذيوع عىل حساب سيبويه وكتابه‬
‫لقد كان املربد إمام عرصه بشهادة معارصيه‬
‫حتى الذين خالفوه الرأي‪ ,‬وقد ذاع صيته وكان‬
‫مقصدا لطالب العلم من كلتا املدرستني(البرصة‬
‫والكوفة)‪ ,‬فلم يكن يف حاجة للشهرة والذيوع‬
‫بهذه الطريقة‪.‬‬
‫إذا ً السبب يف كثرة اعرتاضاته عىل سيبويه كما‬
‫قلنا هو منهجه الذي سار عليه (االستقالل‬
‫بالرأي) فالرجل له مربراته التي توافق منطقه‬
‫وفكره النحوي وهو غري ملزم برأي غريه سواء‬
‫أكان سيبويه أو غريه‪.‬‬
‫إن مبدأ االختالف يف الرأي حق مرشوع‪,‬والخروج‬

‫‪34‬‬

‫بالرأي الذي يخالف اإلجماع ال يعني أن هذا‬
‫الرأي املنفرد هو رأي خطأ‪.‬‬
‫يقول ابن جني يف كتاب (الخصائص)‪ :‬باب يف‬
‫االحتجاج بقول املخالف‪:‬‬
‫(( اعلم أن هذا ‪ -‬عىل ما يف ظاهره ‪ -‬صحيح‬
‫ومستقيم‪ .‬وذلك أن ينبغ من أصحابه نابغ‬
‫فينشئ خالفا ً ما عىل أهل مذهبه‪ ،‬فإذا سمع‬
‫خصمه به‪ ،‬وأجلب عليه قال‪ :‬هذا ال يقول به‬
‫أحد من الفريقني‪ ،‬فيخرجه مخرج التقبيح له‪،‬‬
‫والتشنيع عليه‪.‬‬
‫وذلك كإنكار أبي العباس جواز تقديم خرب‬
‫ليس عليها‪ ،‬فأحد ما يحتج به عليه أن يقال له‪:‬‬
‫أجاز هذا مذهب سيبويه وأبي الحسن وكافة‬
‫أصحابنا‪ ،‬والكوفيون أيضا ً معنا‪ .‬فإذا كانت‬
‫إجازة ذلك مذهبا ً للكافة من البلدين وجب عليك‬
‫ يا أبا العباس ‪ -‬أن تنفر عن خالفه‪،‬وتستوحش‬‫منه وال تأنس بأول خاطر يبدو لك فيه ‪.‬‬
‫ولعمري إن هذا ليس بموضع قطع عىل الخصم‪،‬‬
‫إال أن فيه تشنيعا ً عليه‪ ،‬وإهابة به إىل تركه‪،‬‬
‫وإضافة لعذره يف استمراره عليه‪ ،‬وتهالكه فيه‪،‬‬
‫من غري إحكامه وإنعام الفحص عنه‪ .‬وإنما لم‬
‫يكن فيه قطع ألن لإلنسان أن يرتجل من املذاهب‬
‫ما يدعو إليه القياس‪ ،‬ما لم يلو بنص أو ينتهك‬
‫حرمة رشع‪ .‬فقس عىل ما ترى‪ ،‬فإنني إنما أضع‬
‫من كل يشء مثاال ً موجزاً))‪)23(.‬‬
‫فانظر كيف قرر ابن جني حق االجتهاد وأصل‬
‫االختالف‪,‬وأنه ليس ثم مطعن بقول املخالف‬
‫ملجرد املخالفة فقط‪.‬‬
‫بعض األمثلة ملسائل خالف فيها املربد سيبويه ‪:‬‬
‫‪ -1‬يقول املربد‪« :‬كان سيبويه يقول يف ٌم ْق َعنْ ِسس‪:‬‬
‫مقاعس‪ .‬وهذا غلط شديد؛ ألنه يقول يف محرنجم‪:‬‬
‫حراجم‪ .‬فالسني الثانية يف ٌم ْق َعنْ ِسس بحذاء امليم‬
‫يف محرنجم‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إنها زائدة‪ .‬قيل له‪ :‬فامليم زائدة‬
‫أيضاً‪ ،‬إال أن السني ملحقة باألصول وليست‬
‫امليم كذلك‪ .‬إنما هي امليم التي تلحق األسماء‬
‫من أفعالها‪ ،‬أال ترى أن من قال يف أسود‪ :‬أسيود‬
‫قال يف جدول‪ :‬جديول‪ ،‬فأجرى امللحق مجرى‬
‫األصيل»‪)24(.‬‬
‫والصحيح يف نظر املربد أن تجمع عىل قعاسس‪.‬‬
‫‪ « -2‬إعراب الضمري بعد لوال» ‪ ،‬يقول املربد ‪ »:‬إن‬
‫سيبويه يزعم أن لوال تخفض الضمري ‪ ،‬ويرتفع‬
‫بعدها الظاهر باالبتداء ويسوق عىل ذلك الشاهد‬
‫التايل وهو ليزيد بن الحكم الثقفي ‪:‬‬
‫وكم من موطن لوالي طحت كما هوى‬
‫بأجرامه من قلة النيق منهوي‬
‫والذي أقوله ( القول للمربد ) ‪ :‬أن هذا خطأ ال‬
‫يصلح إال أن تقول( لوال أنت) كما قال الله تعاىل‬

‫‪ (( :‬لوال أنتم لكنا مؤمنني ))»سبأ آية ‪ »31‬ومن‬
‫خالفنا يزعم أن الذي قلناه أجود ‪ ،‬ويدعى الوجه‬
‫اآلخر فيجيزه عىل بعده ‪)25( .‬‬
‫‪ -3‬يقول املربد ‪»:‬واعلم أن سيبويه يقول يف‬
‫تحقري بروكاء‪ ،‬وبراكاء‪ ،‬وخراسان‪ :‬بريكاء‪،‬‬
‫وخريسان‪ ،‬فيحذف ألف خراسان األوىل‪ ،‬وواو‬
‫بروكاء؛ كما يحذف ألف مبارك‪ .‬وليس هذا‬
‫بصواب وال قياس‪ .‬إنما القياس أال يحذف شيئاً؛‬
‫ألنك لست تجعل ألفي التأنيث‪ ،‬وال األلف والنون‬
‫بمنزلة ما هو يف االسم»‪)26(.‬‬
‫وهذه مسألة أيد فيها املربد رأي سيبويه ‪:‬‬
‫يقول املربد‪»:‬فأما اختالف األخفش وسيبويه يف‬
‫(ما) إذا كانت والفعل مصدرا ً فإن سيبويه كان‬
‫يقول‪ :‬إذا قلت‪ :‬أعجبني ما صنعت فهو بمنزلة‬
‫قولك‪ :‬أعجبني أن قمت‪ .‬فعىل هذا يلزمه‪ :‬أعجبني‬
‫ما رضبت زيدا؛ كما تقول‪ :‬أعجبني أن رضبت‬
‫زيدا‪ ،‬وكان يقوله‪ .‬واألخفش يقول‪ :‬أعجبني ما‬
‫صنعت‪ ،‬أي‪ :‬ما صنعته؛ كما تقول‪ :‬أعجبني‬
‫الذي صنعته‪ ،‬وال يجيز‪ :‬أعجبني ما قمت؛ ألنه‬
‫ال يتعدى‪ ،‬وقد خلط‪ ،‬فأجاز مثله‪ ،‬والقياس‬
‫والصواب قول سيبويه»‪)27(.‬‬
‫وصىل الله عىل سيدنا محمد وعىل آله وصحبه‬
‫وسلم تسليما كثريا‪.‬‬
‫***‬

‫الحوايش ‪:‬‬
‫( ‪ )9‬اإلنصاف يف مسائل الخالف‪-‬الجزء األول‪-‬‬
‫ص‪35-33‬‬
‫(‪ )10‬الكامل للمربد‪-‬مجلد‪ -1‬ص‪32‬‬
‫(‪ )11‬املدارس النحوية ص‪132‬‬
‫(‪ )12‬املدارس النحوية ص‪.133‬‬
‫(‪ )13‬املقتضب ص‪51‬‬
‫(‪ )14‬اإليضاح يف علل النحو ص ‪51‬‬
‫(‪ )15‬االنتصار لسيبويه عىل املربد البن والد‪-‬‬
‫ص‪43‬‬
‫(‪ )16‬االنتصار لسيبويه عىل املربد البن والد‪-‬‬
‫ص‪124-123‬‬
‫(‪ ) 17‬الخصائص‪ -‬املجلد ‪ -2‬ص‪484‬‬
‫(‪ )18‬الخصائص‪ -‬املجلد ‪ -1‬ص ‪228‬‬
‫(‪ ) 19‬الخصائص‪-‬املجلد‪-1‬ص ‪120‬‬
‫(‪ )20‬تاريخ العلماء النحويني‪-‬ص‪61-59‬‬
‫(‪ )21‬تاريخ العلماء النحويني‪-‬ص‪59‬‬
‫(‪ )22‬تاريخ العلماء النحويني‪-‬ص‪55‬‬
‫(‪ )23‬الخصائص‪ -‬املجلد‪ -1‬ص ‪215‬‬
‫(‪ )24‬املقتضب‪ -‬املجلد‪ – 1‬ص‪516‬‬
‫(‪ )25‬الكامل للمربد‪ -‬الجزء ‪ – 3‬ص‪237‬‬
‫(‪ )26‬املقتضب‪ -‬املجلد‪ – 1‬ص‪537‬‬
‫(‪ )27‬املقتضب‪ -‬املجلد‪ – 2‬ص‪162‬‬

‫أحمد سعيد الغامدي‬
‫طالب دكتوراه‬
‫تدفعنا الحكايات الكثرية املرتبطة بنشأة‬
‫النحو العربي إىل التخيل عن الفكرة الكسول‬
‫التي طاملا أقنعتنا بأن هذا النظام املتماسك لن‬
‫يكون نتاج جهد فردي‪ ،‬وتحثنا عىل التنقيب‬
‫والبحث عن الشخص الذي أسس‪ ،‬وحده‪ ،‬علم‬
‫النحو‪ ،‬ووضع قواعد هذا املرشوع الفريد‪.‬‬
‫املثري أن تلك الحكايات‪ ،‬عىل كثرتها‪ ،‬تتمحور‬
‫حول عدد قليل من األشخاص الذين يفرتض‬
‫أنهم شهدوا والدة هذا العلم‪ .‬وتكاد تجمع عىل‬
‫أن أبا األسود الدؤيل (ت‪67‬هـ) هو الشخص‬
‫املوكول إليه وضع اللبنات األوىل للنحو‪ ،‬وتغرينا‬
‫بالتسلّيم بأن أبا األسود هو (أبو النحو)‪.‬‬
‫من بني تلك الروايات ما يرويه الخليل بن‬
‫أحمد (ت ‪175‬هـ) من أن عيل بن أبي طالب ملا‬
‫سمع لحنًا أمر أبا األسود أن يضع للناس حروفا‪،‬‬
‫وأشار إليه بحركات الفتح والضم والكرس‪.‬‬
‫(انظر‪ :‬الفهرست‪ ،‬ص‪.)59‬‬
‫ً‬
‫الطريف أن لحكاية الخليل هذه تتمة تتضمن‬
‫تفصيلاً غريبًا‪ ،‬ذلك أن أبا األسود ((ظل ضنينًا‬
‫بما عنده عىل الناس حتى اضطره زياد بن أبيه‬
‫إىل أن يظهره لهم))‪( .‬املرجع نفسه‪ ،‬الصفحة‬
‫نفسها)‪ .‬يذكرنا هذا بمحاولة مشابهة ستحدث‬
‫مع عالِم آخر بعد حني‪ ،‬وكأن ثمة من يريد أن‬
‫يكتم أنفاس هذا املولود وهو يف مهده‪ .‬إذ ظل‬
‫األخفش‪ ،‬لفرتة طويلة‪ ،‬يخفي النسخة الوحيدة‬
‫املتبقية من كتاب سيبويه‪ ،‬كتاب النحو األول‪،‬‬
‫حتى شاع عنه أنه يروم التكسب بما فيه من‬
‫علم‪.‬‬

‫وإذا عدنا إىل أبي األسود ألفينا صورته يف يرتك النحو بغري أب‪ ،‬ولن يصعب عليه أن ينسبه‬
‫حكاية الخليل تتسق مع صورة أخرى له نجدها إىل عالم مشهور بالبخل بما عنده‪.‬‬
‫قد نسأل عن عالقة نسب زياد بنسب النحو‪،‬‬
‫عند جل مرتجميه‪ ،‬فقد حفلت سريته بأخبار‬
‫تظهر بخله الشديد بماله‪ .‬وكلتا الصورتني إال إذا تذكرنا املصري الذي آل إليه كل منهما‪،‬‬
‫تضعنا يف مواجهة مع هذا الشيخ الذي يتلذذ يتعلق األمر بمسألة االعرتاف بهذا النسب‪ .‬فلسوء‬
‫حظ زياد لم ينسبه الناس إىل أبي سفيان ـ مع‬
‫بحرمان من حوله من أيٍّ مما يملك‪.‬‬
‫ومع أن مرتجمي شيخ العربية ومعلمها األول حرصه الشديد عىل ذلك ـ بل ظلوا يدعونه‪ :‬زياد‬
‫قد اهتموا بإيراد الكثري من تفاصيل سريته إال ابن سمية‪ ،‬أو زياد بن عبيد‪ ،‬أو زياد بن أمه‪ ،‬إىل أن‬
‫أنهم ال يجيبون عن تساؤل بدهي مفاده‪ :‬ملاذا قالوا‪ :‬زياد بن أبيه‪ .‬كان هذا مصري النحو ً‬
‫أيضا‪،‬‬
‫يكنى ظالم بن عمرو ـ وهذا اسمه ـ بأبي فقد اعرتف كثري من الناس بأبوة الخليل لعلم‬
‫األسود؟ ليظل الباب مرشعا أمام تأويالت عدة العروض‪ ،‬ولم يجادلوا يف ذلك‪ ،‬يف حني أنكروا‬
‫تخلقها لفظة األسود؛ فالسواد يحيل عىل الظالم‪ ،‬أبوة أبي األسود لعلم النحو‪ ،‬مع أن الروايات‬
‫والغموض‪ ،‬وعدم وضوح الرؤية‪ ..‬إىل آخر هذه ـ كما يقول ابن فارس ـ قد تواترت ((بأن أبا‬
‫الظالل املعنوية‪ .‬اسم أبي األسود كذلك (ظالم) األسود أول من وضع العربية‪ ،‬وأن الخليل أول‬
‫له إيحاءاته الخاصة‪ ،‬والظالم من بينها‪ .‬عىل أية من تكلم يف العروض))‪( .‬الصاحبي‪ ،‬ص‪.)38‬‬
‫حال‪ ،‬يبدو أن من بني أهم ما ورثه النحو عن وليست إيحاءات الغموض واإلبهام التي تجلبها‬
‫(أبيه) هذا الظالم الذي سيكتنف تاريخه إىل كلمة (األسود) هي السبب الوحيد لهذا الرفض‪,‬‬
‫بل إن اقرتان اسم زياد بنشأة النحو أكثر مدعاة‬
‫األبد‪.‬‬
‫لكن ما الذي يجعل (زياد بن أبيه) يجبـر أبا لإلنكار‪ .‬فالحرج والشك مالزمان ألي نسب‬
‫يكون زياد طرفا ً فيه‪ .‬السيما أن ثمة من يحذر‬
‫األسود عىل إظهار ما عنده من (علم)؟‬
‫املعلوم أن زيادا ً من بني قلة ممن اختاروا من مغبة موافقة زياد فيما ي ّدعيه من نسب‪،‬‬
‫آباءهم‪ ,‬فقد زعم أنه ابن ألبي سفيان بن حرب‪ ،‬لكنه يصوغ نصيحته بعبارة ماكرة‪(( :‬إن رسك‬
‫وتنكر لـ(عبيد الثقفي) الذي رباه‪.‬لم يتسرت زياد أال تكذب فقل‪ :‬زياد بن أبيه))‪( .‬البدء والتاريخ‬
‫عىل خطيئة أمه‪ ،‬بل أعلن ذلك عىل املأل‪ ،‬وتمادى ‪ )6/2‬وتغدو هذه النصيحة يف حال النحو ثمينة‬
‫فأورد شهودا ً عىل فسادها‪ .‬اإلعالن واإلظهار‪ ،‬إذاً‪ ،‬للغاية‪ ،‬بل إنها ال تقدر بثمن؛ ذلك أنها تنتهي‬
‫من شيم زياد‪ ,‬وعىل هذا فهو عىل العكس تماما بالنحو إىل أن يبقى (ابن أبيه) وترصف عنه كل‬
‫من أبي األسود‪ .‬ومثلما اختار زياد أباه بنفسه‪ ،‬املساعي التي تجعل له نسبا ً مشكوكا ً يف صحته‪.‬‬
‫وألنه مهموم ـ فيما يظهر ـ بمسألة النسب‪ ،‬فلن‬

‫‪35‬‬

‫د‪.‬مختار الغوث‬
‫االتباع إحدى سمات الثقافة العربية‪ ،‬التي‬
‫كان لها أثر غري إيجابي يف أدب العرب القديم‬
‫والحديث‪ ،‬ومأتاه ‪-‬فيما يبدو‪ -‬من وجهني‪:‬‬
‫ عزلة العرب يف الجزيرة قبل اإلسالم‪ :‬فمن‬‫دأب العزلة أال تتيح إال املتابعة؛ بما َتحْ صرُ يف‬
‫خيارات قليلة‪ ،‬ال يكاد يج ُّد ما يغريها‪ ،‬من علم أو‬
‫خلطة‪ ،‬يكسبان وعيا أو قيما جديدة‪ .‬وإنما هي‬
‫العادات تورَّث أبدا‪ ،‬فإذا طال عليها األمد صارت‬
‫كالدين يف قداسته‪ ،‬واملاهية يف لزومها‪ ،‬واملعيار يف‬
‫املقايسة‪ ،‬والقيم يف سلطانها عىل النفس والذوق‬
‫واألخالق‪ ،‬وغدا كل ما ُترصَف إليه الهمم صو َنها‬
‫وحراستَها؛ كما تصان الهوية‪.‬‬
‫ كراهية الرشع لالبتداع يف الدين‪ ،‬وحضه عىل‬‫االتباع‪ :‬فقد و ََقر يف الوعي الثقافة من هذا إيثا ُر‬
‫القديم عىل الجديد‪ ،‬من غري نظر إىل قيمتيهما‪،‬‬
‫وتفضيل الزمان عىل الزمان‪ ،‬حتى َ‬
‫ُ‬
‫ليؤثر عن أحد‬
‫صنع البارحة‪ ،‬كان أحبَّ إليه‬
‫الناسكني أن الخبز‪ُ ،‬‬
‫من الخبز‪ ،‬يصنع اليوم‪ .‬وقد نزعت هذه الثقافة‬
‫بالعقل العربي إىل التأيس باملايض‪ ،‬واالنبهار بما‬
‫قال األولون وترداده؛ فلن يقال خري منه‪ ،‬وليس‬
‫املكفي‪" :‬ال تبتدعوا فقد‬
‫من العقل أن يتعنَّى‬
‫ُّ‬
‫كفيتم"‪ ،‬واعتقاد أن لو كان يف غريه خري لسَ بق‬
‫إليه من َر ِغب عنه‪ ،‬من املشهود لهم باألفضلية‪.‬‬
‫وإذا كان هذا الفهم صان الرشع من التبديل‪،‬‬
‫وعصمه من االبتداع‪ ،‬فقد أفسد بعض الحياة‪،‬‬
‫َّ‬
‫وأرض بالعلم؛ بما أجرى عليهما من حكم ال‬
‫يتناولهما؛ فحرم التفكريَ الطليق الذي كان يف‬
‫اإلمكان أن يصنع أبدع مما كان‪ .‬وكان من آثاره‬
‫نزوع الفقهاء يف أول هذا العرص إىل تحريم كل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وخوف التقدم بني يدي‬
‫خوف البدعة‪،‬‬
‫جديد‪،‬‬
‫َ‬
‫العلماء‪ ،‬وتأثما من قول ما لم يُقل‪ ،‬واحتياطا‬
‫للدين؛ فكانت الفتاوي فيما ج َّد من مخرتعات‬
‫َ‬
‫أنزع‬
‫وعلوم و ُن ُظم وأفكار‪ ،‬إىل املنع والتحريم‬
‫منها إىل اإلباحة‪ .‬فأعرض الناس عما يخالف‬
‫رغبتهم منها‪ ،‬أو يخالف ما يفرض عليهم الواقع‬
‫الجديد‪ ،‬وظنوا بهم قصورا‪ ،‬أو ظنه بعضهم‬
‫بالدين‪ ،‬فلما استبان للفقهاء بعض ما لم يكونوا‬
‫يعلمون‪ ،‬أباحوا ما كانوا قد حرموا‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫وتسوية الرشع بشؤون الدنيا خلط عاطفي بني‬
‫ما يحرم االبتداع فيه من أمور الدين؛ ألنه ترشيع‬
‫من دون الله‪ ،‬وما يحسن االبتداع فيه من أمور‬
‫الدنيا؛ ألنه تطلُّب للكمال‪ ،‬وتطلُّبه من مقتضيات‬
‫العقل الذي هو مناط اإلدراك والتمييز واالختيار‪،‬‬
‫وإذا ع ِريت منه الحياة كانت غري بعيدة من حياة‬
‫الحيوان‪ ،‬الذي تسريه الغريزة‪ ،‬عىل و ْفق نواميس‬
‫ثابتة‪ ،‬تستوي فيها أفراد نوعه‪ ،‬يف كل زمان‬
‫ومكان‪.‬‬
‫ويف األدب العربي ظل اتباع نهج القدامى‪،‬‬
‫وال سيما الجاهليني‪ ،‬هو ا املفضل عند بعض‬
‫النقاد؛ فكان الشعراء‪ ،‬إذا عدلوا عن أغراض‬
‫الجاهليني‪ ،‬لم يعدلوا عن معانيهم‪ ،‬وسنتهم‬
‫يف بناء القصيدة‪ ،‬ويف إيثار اللفظ عىل املعنى‪.‬‬
‫ومن َّ‬
‫فضل منهم شاعرا بما أحسن فيه لم يكد‬
‫يراه إال دون الجاهليني‪ ،‬وع ُّدوا ما قال األولون‬
‫قرين الطبع واالقتدار‪ ،‬وما قال املتأخرون قرين‬
‫التكلف والصنعة‪ ،‬كما قال ابن رشيق‪" :‬إنما مثل‬
‫القدماء واملحدثني كمثل رجلني‪ :‬ابتدأ هذا بناء‬
‫فأحكمه وأتقنه‪ ،‬ثم أتى اآلخر َ‬
‫فنق َشه وزيَّنه‪،‬‬
‫ُ‬
‫فالكلفة ظاهرة عىل هذا‪ ،‬وإن حسُ ن‪ ،‬والقدرة‬
‫ُ‬
‫ظاهرة عىل ذلك‪ ،‬وإن خشن"‪.‬‬
‫سخر أبو نواس من نهج معارصيه‪،‬‬
‫وملا‬
‫ِ‬
‫واستخف بما يفعلون‪ ،‬من متابعة الجاهليني عىل‬
‫غري بصرية‪ ،‬حملوا ذلك منه عىل الشعوبية‪ ،‬عىل‬
‫سداد رأيه‪ ،‬وقوة حجته‪:‬‬
‫تص ُف الطلول عىل السماع بها؟!‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫أفذو ال ِعيان كأنت يف الحكم؟!‬
‫ ‬
‫َ‬
‫وصـفت الشـيء متَّـبعا‬
‫وإذا‬
‫تخ ُ‬
‫لم ْ‬
‫ـل من خطأ ومن و ْهم‬
‫ ‬
‫فلما دالت دولة املتعصبني من أولئك كان‬
‫التجديد الذي أتى به مسلم بن الوليد وأبو تمام‬
‫ذا جانبني‪ :‬لفظي‪ ،‬هو الذي كلِف به األدباء كتَّابا‬
‫وشعراء‪ ،‬فركبوا فيه من التكلف ما يعلم دارسو‬
‫األدب العربي يف العصور املتأخرة‪ .‬ومعنوي‪ ،‬هو‬
‫اخرتاع املعاني‪ ،‬ولم يتابَعا فيه إال قليال‪ ،‬وإنما‬
‫ُشنت عليهما الغارات‪ ،‬كتلك التي شن اآلمدي عىل‬
‫أبي تمام‪ ،‬بدعوى أن طريقته تخالف طريقة‬

‫العرب‪ ،‬يف تغليب الصياغة عىل اخرتاع املعاني‪،‬‬
‫فقال متنقصا له‪" :‬فإن شئت دعوناك حكيما‪،‬‬
‫أو سميناك فيلسوفا‪ ،‬ولكن ال نسميك شاعرا‪ ،‬وال‬
‫ندعوك بليغا؛ ألن طريقتك ليست عىل طريقة‬
‫العرب‪ ،‬وال عىل مذاهبهم"‪ .‬جعل طريقة العرب‬
‫معيارا كما كانت عادات السلف عند الجاهليني‪،‬‬
‫دون اعتبار لقيمة الشعر يف ذاته‪.‬‬
‫وملا عرف العرب ما عرفوا من حضارة الغرب‬
‫الحديثة‪ ،‬استهواهم ما َش َدوْا منها‪ ،‬فلم يفعل‬
‫بعضهم سوى أن عدل عن اتباع إىل اتباع‪ :‬عدل‬
‫سلف غريه‪ ،‬أو خل َ ِفه؛‬
‫عن اتباع سلفه إىل اتباع‬
‫ِ‬
‫ولم يتطلَّب روح الحضارة التي استهوته‪ ،‬كما‬
‫تطلَّبه الياباني‪ ،‬والرويس‪ ،‬والصيني‪ ،‬والكوري‪،‬‬
‫فأدركوه؛ فكانوا أندادا ألصحابها‪ ،‬بل بلغ بعضهم‬
‫ما لم يبلغوا‪ ،‬وأخطأه العربي‪ ،‬بثقافته االتباعية‬
‫العاطفية املتكلة عىل من تثق به‪ ،‬فريض أن يكون‬
‫َّ‬
‫يتعشق ثقافته‪ ،‬ويشرتي نتاجه‪،‬‬
‫«زبونا» للغرب‪،‬‬
‫يحسب أن يف وسعه أن يصنع به حضارة‪ ،‬كما‬
‫كان مالك بن نبي ‪-‬رحمة الله عليه‪ -‬يقول‪.‬‬
‫وعدل الشعراء عن نهج املتأخرين من العرب إىل‬
‫اتباع الشعراء الغربيني‪ ،‬فـ"وصفوا الطلول عىل‬
‫السماع بها" ‪-‬أيضا‪ -‬كما فعل العباسيون‪ ،‬إذ‬
‫تكلَّفوا متابعة الجاهليني يف وصف ما لم يروا‪.‬‬
‫وأيد بعض نقاد العرص هذا االتباع‪ ،‬كما أيده‬
‫بعض نقاد ذلك‪ ،‬فقال طه حسني يف عيل محمود‬
‫طه‪" :‬وبعض الناس يعيب شاعرنا بتغريب‬
‫الشعر‪ ،‬أما أنا فأحمد له هذا النوع‪ ،‬وأراه ترشيفا‬
‫للشعر العربي‪ ،‬ورياضة للذوق الرشقي واللغة‬
‫العربية عىل أن يسيغا ما لم يتعودا أن يسيغاه‬
‫من قبل"‪ ،‬كما قال ابن قتيبة قبله‪" :‬فالشاعر‬
‫ِّ‬
‫ملتأخر‬
‫املجيد من سلَك هذه األساليب‪ ... ،‬وليس‬
‫الشعراء أن يخرج عن مذهب املتقدمني"‪ .‬قوالن‬
‫يصدران عن ثقافة واحدة‪ ،‬عىل بعْد ما بني منزع‬
‫صاحبيهما الفكري‪ ،‬وبعد ما بينهما يف الزمان‪.‬‬
‫واالتباع اتباع‪ ،‬كائنا مَن كان املتبَّع‪ ،‬وكان‬
‫الوجه الذي يتابَع عليه‪ ،‬والجدة ليست قيمة فنية‬
‫ما لم يكن معناها التميز الذي يثمر اإلبداع‪ .‬فأبو‬
‫القاسم الشابي ‪-‬عىل أنه قال ما لم يُعرف قبله يف‬

‫األدب العربي‪ -‬ليس مبدعا يف قصيدته (صلوات‬
‫يف هيكل الحب‪ ،‬أو هكذا غنى برومثيوس)‪ ،‬وإنما‬
‫كان ناظما لبعض ما ورد يف رواية (رفائيل)‬
‫لالمرتني‪ ،‬وليس مبدعا يف الصور التي لم يقع‬
‫عليها برصه؛ ألنها لم تكن يف بيئته‪" ،‬كالغاب‪،‬‬
‫والضباب‪ ،‬والراعي النافخ يف نايه‪ ،‬والثلج"‪ ،‬وإنما‬
‫هو ناظم ملا قرأ من مرتجَ م الشعر األوروبي‪ .‬وهي‬
‫وما شاكلها من شعره ‪ ،‬تتسم بفناء الذات‪ ،‬الذي‬
‫ُ‬
‫والكعبة والطواف حولها‪،‬‬
‫يباين جوهر اإلبداع‪،‬‬
‫والسجود عندها‪ ،‬يف قول إبراهيم ناجي‪:‬‬
‫هـذه الكـعبة كنا طائفـيها‬
‫واملصلني صباحا ومسا ْء‬
‫ ‬
‫كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها‬
‫كيف بالله رجعنا غربا ْء‬
‫ ‬
‫أجمل من "هيكل الحب‪ ،‬والصالة فيه‪ ،‬وغناء‬
‫برومثيوس"؛ ألن للكعبة يف الشعور العربي ما‬
‫ليس للهياكل واألساطري اليونانية‪ ،‬التي ال تعني‬
‫له إال ما تعني معابد البوذيني‪ ،‬والسيخ‪ ،‬وسائر‬
‫الوثنيني وأساطريهم‪ .‬مع أن مصدر الفكرتني‬
‫(عبادة املحبوب) والصورتني واحد‪ ،‬هو فكر‬
‫الرومانسية الغربية وخيالها‪ ،‬غري أن إبراهيم‬
‫"عرَّب" صورته‪ ،‬ولم يعربها الشابي‪.‬‬
‫كما أن قول عيل ابن الجهم‪:‬‬
‫رس‬
‫عيون املها بني الرُّصافة والج ِ‬
‫جَ لبْن الهوى من حيث أدري وال أدري‬
‫ ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أعدْن يل الشوق القديم ولم أكن‬
‫سلوتُ ولـكن زدن جـمرا عىل جمْر‬
‫ ‬
‫سلِم َن وأسل ْم َن القلوب كأنما‬
‫َّ‬
‫ُت َش ُّك بأطـراف املثقـفة السُّ ـ ْم ِر‪...‬‬
‫ ‬
‫أجمل وأصدق من كل ما قال العباسيون‬
‫املتحرضون يف ذكر الديار التي لم يروها‪ ،‬وليس‬
‫لها مكان يف شعورهم‪.‬‬
‫غري أن املتَّبِع ملَّا كان فانيا عن ذاته‪ ،‬كان الكمال‬
‫عنده يف أن يتبع من يعتقد فيه الكمال‪ ،‬وهو أمر‬
‫وَسم أعمال بعض أدباء العرب يف هذا العرص‪،‬‬
‫فقد كان املازني يرسق شعراء اإلنجليز وكتابهم‪،‬‬
‫وقلد العقاد وردزورث يف نظمه يف املوضوعات‬
‫العادية‪ ،‬التي ما كان الشعر االتباعي (الكاليس)‬
‫يحفل بها‪ ،‬فكان ما قال يف (عابر سبيل) من‬
‫االتباع الذي يدعو إىل الرثاء‪ ،‬حني أراد أن يُع َّد‬
‫به مبدعا‪ .‬ومن قرأ بعضه‪ ،‬وهو يعرف مكانة‬
‫العقاد الفكرية‪ ،‬لم يكن له ب ٌّد من أن يتخيله‬
‫عمالقا يهوي ليلتقط قرشا‪ ،‬يسقط من أحد‬
‫املارة‪ ،‬فيضعه يف جيبه مغتبطا به!‬
‫أما رأس الشعر الحر‪ ،‬بدر شاكر السياب‪ ،‬فكان‬
‫يأت ُّم بإديث ستويل‪ ،‬وتوماس سترينز إليوت‪،‬‬
‫ولوركا‪ ،‬وغريهم من شعراء الغرب‪ .‬وتجاوز ذلك‬
‫إىل تص ُّنع سلوك غري مستقيم‪ ،‬ليتهيأ له به من‬
‫اللذة الحسية ما يلهمه أن يقول نحوا مما قال‬
‫بودلري يف (أزهار الرش)‪ .‬أما أدونيس الحداثي‬

‫الذي ادعى أنه ال يبحث عن ذاته إال يف "خطواته"‪،‬‬
‫وأن "هاجس تحطيم الذاكرة‪ ،‬يالحقه يف كل ما‬
‫يكتب"‪ ،‬فقد أبانت مالحقات النقاد أنه من أكرب‬
‫املنتحلني‪ ،‬يف شعره ونقده‪ ،‬حتى لقد كان ينتحل‬
‫املقاالت كاملة‪ ،‬ليس له منها إال الرتجمة‪ .‬وملا‬
‫ُترجمت مجموعته (احتفاء باألشياء الغامضة‬
‫الواضحة) قال الفرنسيون ما قال الصاحب بن‬
‫عباد‪ ،‬حني قرأ (العقد الفريد)‪" :‬بضاعتنا رُدت‬
‫إلينا"‪ ،‬إذ تبينوا أنه كان يقلد شاعرهم غيلفيك‪.‬‬
‫(انظر‪ :‬أدونيس منتحال‪ /‬كاظم جهاد)‪.‬‬
‫أما نظريات النقد الحديثة‪ ،‬وعلم اللغة‪ ،‬فيعلم‬
‫قراؤهما أن بعض ما يف كتبهما إما ترجمة‪ ،‬وإما‬
‫رشوح آلراء أجنبية‪ ،‬وإما كراسات تطبيق لها‪.‬‬
‫ُ‬
‫ثقافة االتباع متى بن‬
‫و ِم ْن قب ُْل ما حملت‬
‫يونس عىل أن يرتجم كتاب أرسطو يف الشعر‪،‬‬
‫وهو ال يحسن اليونانية وال العربية‪ ،‬وال يعرف‬
‫أدبهما‪ ،‬فضل عن مراده وأضل‪ ،‬فكان يسمي‬
‫املرسح (الخيمة)‪ ،‬ويسمي املمثلني (املنافقني)‪،‬‬
‫ويردد ما ال يعرف معناه من مصطلحات‪،‬‬
‫من قبيل "قوموذيا‪ ،‬وطراغوذيا" (الكوميديا‬
‫والرتاجيديا)؛ ألن الشعر املرسحي لم يكن مما‬
‫يعهد يف حياته‪ .‬ولخصه ابن رشد تلخيصا‬
‫تتبني فيه االتباعية يف صورة أكثر هزلية مما‬
‫ظهر يف ترجمة متَّى‪ ،‬كما بدا يف أمثلته من‬
‫الشعر العربي‪ ،‬وشدة ما بينها وبني ما أراد‬
‫أرسطو من التباين‪ .‬ثم جاء حازم القرطاجني‬
‫فاستعار من تلخيصات امللخصني (كالفارابي‬
‫وابن سينا) مصطلحات ملعان معروفة يف الرتاث‬
‫العربي‪ ،‬كـ"املحاكاة والتخييل واألرْجُ ل"‪ ،‬فلم‬
‫يفعل سوى تضليل القارئ العربي عما يعرف‪،‬‬
‫باستعماله مفردات يعرف لها العربي معاني‬
‫غري التي أراد حازم‪ ،‬أما املعاني التي أراد فكان‬
‫ُي َد ُّل عليها بمصطلحات أخر‪ :‬كان العربي يسمي‬
‫مقاطع الشعر الصوتية "األسباب‪ ،‬واألوتاد‪،‬‬
‫والفواصل"‪ ،‬فسماها حازم (األرجل)؛ ألن‬
‫اليونانيني كذلك يسمونها يف عروضهم‪ ،‬وكان‬
‫الغربي يسمي "اللفظ والتصوير"‪" :‬العبارة‬
‫والتمثيل"‪ ،‬فسماهما حازم (املحاكاة والتخييل)‪،‬‬
‫ألن أرسطو كذلك كان يسميهما‪ ،‬كما فهم من‬
‫تلخييص ابن سينا والفارابي‪ .‬خيلت إليه ‪-‬رحمه‬
‫الله‪ -‬ثقافة االتباع أن للفظ الجديد قيمة يف ذاته‪،‬‬
‫وإن كان معناه غري جديد‪ ،‬كما خيلت ذلك إىل‬
‫بعض العرب‪ ،‬إذ يرتجمون من لغات أجنبية‪،‬‬
‫فيقحمون يف العربية من الدخيل ما هي يف غنى‬
‫عنه‪ ،‬أو يستحدثون مصطلحات‪ ،‬يف العربية ما‬
‫يغني عنها؛ ألن ما يستحدثون أدل عىل املفهوم‬
‫األجنبي‪ ،‬وإن لم يكن أدق من املصطلح العربي‪،‬‬
‫وهو ‪-‬إىل ذلك‪ -‬يفصم عالقة العلم الحديث‬
‫بالرتاث‪ ،‬ويكثر املرتادفات من غري فائدة‪ ،‬ويلبس‬
‫عىل القراء‪.‬‬

‫ويعمد بعضهم إىل الجملة العربية فيتبعها‬
‫العبارة األجنبية‪ ،‬ال يحوجه إليها يشء‪ ،‬من فرط‬
‫استلذاذه باإلبانة عن معرفته بها‪ ،‬كأنما يريد أن‬
‫يُق َّر يف األذهان أن مفاهيم اللغة األعجمية هي‬
‫األصل‪ ،‬لتمكنها يف الذهن العربي‪ ،‬وأن العربية‬
‫ال ُتفهم إال بها‪ .‬فإذا عرَّف الحرف املجهور بأنه‪:‬‬
‫"الحرف الذي يمكن أن يغنَّى"‪ ،‬أتبعه العبارة‬
‫اإلنجليزية‪ ،)can be song( :‬أو كتب‪( :‬جدال)‬
‫أتبعها (‪ ،)dialectic‬أو كتب‪" :‬هاميش" أتبعها‪:‬‬
‫(‪ ،)peripheral‬أو كتب‪" :‬الصوت املهموس"‬
‫أتبعها (‪ .)voiceless‬يرسُّه أن يطرِّز عربيته‬
‫بالحروف الالتينية؛ ألن التطريز بها قد يكسبها‬
‫يف نظره ونظر من يشاكله من االتباعيني‪ -‬من‬‫العلمية ما ال تناله لو كانت عربية ال شية فيها‪،‬‬
‫حتى لو كان املوضوع الذي يكتب عنه "لغة بائعة‬
‫الفجل يف القرية"‪ ،‬كما قال الشيخ سعيد األفغاني‬
‫رحمة الله عليه‪ -‬ذات مرة‪ .‬ويؤثر أن يسمي‬‫"حروف الشدة"‪" :‬الحروف االنفجارية"؛ ألنها‬
‫هي ترجمة املصطلح اإلنجليزي (‪،)plosives‬‬
‫كما آثر حازم القرطاجني أن يسمي األسباب‬
‫واألوتاد والفواصل أرجال‪.‬‬
‫وما أدري ‪-‬إذا اسرتد الغرب بضاعته‪ -‬أيبقى من‬
‫"العقد الفريد"‪ ،‬سوى "الفرش"‪ ،‬ونظم أحجار‬
‫"العقد"؟ وما أدري ‪-‬أيضا‪ -‬أيرىض بعض‬
‫العرب أن يكون "الفرش والنظم" كل ما يشارك‬
‫به العرب يف صنع الحضارة اإلنسانية الحديثة؟‬
‫وبني االتباع واالستلهام فرق‪ :‬االتباع تقليد عىل‬
‫غري بصرية‪ ،‬باعثه شعور املقلد بكمال من يتابع‪،‬‬
‫وعجزه عن اإلتيان بمثل ما أتى به‪ ،‬واالستلهام‬
‫ً‬
‫إفادة مستبرصة‪ ،‬يف وسعها‬
‫إفاد ُة ذاتٍ مبدعة‪،‬‬
‫أن َّ‬
‫تبذ من تستلهم أو تساويه‪ ،‬أو تقول ما لم‬
‫يقل‪ .‬وإذا كان العقل اإلنساني شبيها بالنص‬
‫عند السيميائيني‪ :‬مؤلفا من عقول شتى‪ ،‬وهو‬
‫مما يقتيض االنفتاح وتطلُّب الحكمة من كل‬
‫وعاء‪ ،‬فإن جدوى ذلك مقرونة بالذات املبدعة‪،‬‬
‫التي تذيب ما تتلقى‪ ،‬فتنشئه خلقا آخر‪ ،‬ال تبدو‬
‫بينه وبني العنارص التي تؤلفه عالقة‪ ،‬فإن ُفقدت‬
‫كان "املستلهم" جمَّاعا‪ .‬والذات املبدعة ال تتوكل‬
‫عىل غريها‪ ،‬وما تتلقى من أوعية الغري رافد من‬
‫روافدها فقط‪ ،‬وليس هو الذي تعول عليه فيما‬
‫تنتج‪ ،‬كل التعويل‪ ،‬وإنما لها اخرتاعها وسبقها‪.‬‬
‫ومن رهن خطوه بخطو غريه لم يكن إال تابعا‬
‫له‪ ،‬مهما ظن بنفسه من اإلحسان‪ ،‬ومن وضع‬
‫نفسه موضع املقتدي أبدا لم يبدع؛ ألن رشط‬
‫اإلبداع الحرية واالستقالل‪ .‬ولعل هذا سبب‬
‫حرص التعليم يف األقطار املتقدمة عىل صنع‬
‫العقل املفكر‪ ،‬واقتصار األقطار ذات الثقافة‬
‫االتباعية عىل تأليف الذهن املستذكر!‬

‫‪37‬‬

‫من املعلوم يقينا ً عُلّو بيان الله ‪ -‬تعاىل ‪ -‬عىل‬
‫بيان البرش ‪ ،‬وهذا ما نص عليه العلماء ‪ ،‬يقول‬
‫أبو الحسن الحراىل ‪ " :‬إن بالغة البيان تعلو عىل‬
‫قدر علو املبني ‪ ،‬فعلو بيان الله عىل بيان خلقه‬
‫بقدر علو الله عىل خلقه ‪ ،‬فبيان كل مبني عىل‬
‫قدر إحاطة علمه ‪»..‬‬
‫والقرآن الكريم – كما اتفق ا لعلماء – كما هو‬
‫بني دفتي املصحف يف اللوح املحفوظ عند الله –‬
‫عزوجل – تركيبا يف سوره وآياته وكلماته ‪ ,‬يبدأ‬
‫بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس ‪ ,‬كما هو‬
‫يف املصحف كما هو يف اللوح املحفوظ عند الله‬
‫عز وجل ‪.‬‬
‫وإذا كانت سورة الفاتحة كاملقدمة للقرآن‬
‫الكريم ثناء جميال عىل – عز وجل – بذكر‬
‫صفاته‪....‬‬
‫فسورة البقرة أول سورة من القرآن الكريم‬
‫ذكر فيها القرآن مقاصده وأهدافه‪ ,‬وقد افتتحت‬
‫سورة البقرة بأمرين عرف بهما القرآن عن‬
‫نفسه‪.‬‬
‫األمر األول‪ " :‬ذلك الكتاب ال ريب فيه " ألنه‬
‫ٌ‬
‫كامل عا ٍل بعي ٌد عن الريب بعيد عن الشك‪ ..‬هذا‬
‫وصفه‪.‬‬
‫األمر الثاني‪ :‬وهو الغرض منه‪ ,‬وهو أنه كتاب‬
‫هداية " هدى للمتقني "‬
‫ويالحظ بداية ‪:‬‬
‫أن القرآن الكريم مع وجود من ينكر نفي‬
‫الريب عن القرآن ‪ ,‬ومن يجحد القرآن لم يؤكد‬
‫نفي الريب عن القرآن ؛ ألن هناك من الدالئل‬
‫واألمارات الكثرية التي تدل عىل إعجاز القرآن‬
‫الكريم ‪ ,‬وأنه من عند الله عز وجل ما إذا تأملها‬

‫‪38‬‬

‫القرآن الكريم كالم الله تعاىل‪ ,‬وكالم الله صفته‬
‫وصفات الله ‪ -‬عز وجل‪ -‬ال يمكن أن تحد بعقل‬
‫برشي‪.‬‬
‫كذلك القرآن الكريم أرساره ودالئل إعجازه ال‬
‫يمكن أن تحد‪ ،‬كالطبيعة تماما تكشف كل يوم‬
‫عن وجه جديد يدل عىل قدرة الله عز وجل‪.‬‬
‫ولذا إذا تدبرت كيف سمى القرآن الكريم آياته‬
‫آية وكيف سمى النظر إىل الكون وما فيه آيات؛‬
‫ألنهما جميعا من دالئل القدرة اإللهية‪..‬‬
‫إذن دالئل إعجاز القرآن وأماراته كثرية جدا‬
‫سوف نقف عند جزء منها بإيجاز إىل أن يحني‬
‫وقت معني نفصل فيه القول إن شاء الله‪.‬‬

‫املنكر بداية رجع عن إنكاره ؛ ألن دالئل إعجاز‬
‫ٌ‬
‫واضحة تمام الوضوح ‪ ,‬عرفها‬
‫القرآن الكريم‬
‫العرب قديما ‪ ,‬ويعرفها كل عرص وكل جيل إىل‬
‫وقتنا الحارض إىل أن يرث الله األرض ومن عليها‬
‫‪..‬‬
‫ُ‬
‫كانت العرب يف وقت نزول القرآن تعرف أن‬
‫القرآن ليس كالم برش كما قال الوليد بن املغرية‬
‫يف لحظة صدق مع النفس‪:‬‬
‫" والله إن له لحالوة‪ ,‬وإن عليه لطالوة‪ ,‬وإن‬
‫أعاله ملثمر‪ ,‬وإن أسفله ملغدق‪ ,‬وإنه يعلو وال‬
‫يُعىل عليه‪ ,‬وما هو بقول برش‪»..‬‬
‫وكانت صناديد قريش تجتمع خفية لتسمع‬
‫القرآن من الرسول النبي صىل الله عليه وسلم‬
‫من أوجه اإلعجاز القرآني ‪:‬‬
‫ليال؛ ألنها تعلم صدق هذا القرآن‪.‬‬
‫ذكر العلماء أن أول وجوه إعجاز القرآن‬
‫وكانت األعراب إذا سمعت القرآن الكريم كثريا‬
‫الكريم هو قصصه عن املاضني‪ ,‬كما وقع‪ ,‬وليس‬
‫ما تسجد وتقول سجدنا لبالغته أو لفصاحته‪.‬‬
‫فالعرب إذن كانت تعرف صدق القرآن الكريم؛ كما ثبت يف كتبهم األخرى‪ ,‬والرسول صىل الله‬
‫ُ‬
‫أمي لم يعرف القراءة والكتابة‪ ,‬ولم‬
‫ألن دالئل إعجازه‬
‫دالئل ناصعة واضحة ظاهرة عليه وسلم ٌ‬
‫يجلس إىل معلم يوما‪ ,‬ولم يخرج عن جزيرة‬
‫ال تنكر ‪..‬‬
‫هذه الدالئل متشعبة ال تكاد تحرص وال تكاد العرب؛ ولذا كان القرآن الكريم دائما عقب كل‬
‫قصة يذكر بهذا الوجه من وجوه إعجاز القرآن‬
‫تضبط ‪.‬‬
‫وكل حاذق يف فن معني جاء القرآن معجزا يف الكريم ليدل عىل أن الرسول النبي صىل الله‬
‫علمه الذي حقق فيه‪ ..‬يراه أرباب البالغة معجزا‪ ,‬عليه وسلم لم يكن موجودا إذ سُ دت عليه ُّ‬
‫كل‬
‫ويراه أرباب القانون معجزا‪ ,‬ويراه املربون منافذ املعرفة األرضية‪ ,‬ولم يبق إال منفذ واحد‬
‫واملصلحون معجزا‪ ,‬ويراه علماء الطبيعة هو الوحي من السماء‪ ,‬فبعد أن ذكر قصة مريم‬
‫َ‬
‫وحي ِه إِلَي َْك َومَا ُكنْ َت‬
‫والكون معجزا‪ ..‬وهكذا‪..‬‬
‫قال ‪َ { :‬ذلِ َك ِم ْن أ ْنبَا ِء الْ َغي ِْب ُن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫لاَ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كل حاذق يف علم ويف فن يرى القرآن معجزا لد ْي ِه ْم إِذ يُلقون أق َم ُه ْم أ ُّي ُه ْم يَكفل َم ْر َي َم َومَا‬
‫صم َ‬
‫ُون } آل عمران(‪})44‬‬
‫يف هذا العلم ويف هذا الفن ومن ثم تكون دالئل ُكنْ َت لَ َد ْي ِه ْم إ ِ ْذ ي َْختَ ِ‬
‫وقال بعد قصة سيدنا نوح عليه السالم " ِتل ْ َك‬
‫إعجاز القرآن الكريم غري محصورة‪ ,‬وال تكاد‬
‫تعد وال تحىص‪ ,‬ألمر بدهي ويقيني‪ ,‬وهو أن م ْن أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫وحيهَا إِلَي َْك مَا ُكنْ َت َتعْل َ ُمهَا أ َ ْن َت‬
‫ن‬
‫ْب‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ال‬
‫ء‬
‫َا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬

‫د‪ .‬محمد أحمد أحمد أبو نبوت‬

‫اصبرِ ْ إ ِ َّن الْعَا ِقب ََة لِل ْ ُمتَّ ِق َ‬
‫ني‬
‫َولاَ َق ْوم َُك ِم ْن َقبْ ِل َه َذا َف ْ‬
‫(‪[ )49‬هود‪]49/‬‬
‫وقال بعد قصة موىس عليه السالم " َومَا ُكنْ َت‬
‫ِبجَ ا ِن ِب الْ َغ ْر ِب ِّي إ ِ ْذ َق َ‬
‫ضيْنَا إِلىَ ُموسىَ الأْ َ ْم َر َومَا ُكنْ َت‬
‫ِم َن َّ‬
‫الشا ِهدِي َن [القصص‪]44/‬‬
‫وهو كثري‪ ،‬وعقب كل قصة يثبت القرآن الكريم‬
‫عدم علم النبي صىل الله عليه وسلم بهذه القصة‬
‫وعدم وجوده يف أثناء حوادثها‬
‫لو كان هذا األمر وحده لكان كافيا يف صدق‬
‫القرآن الكريم وأنه من السماء‪ ,‬ولكنك تجد يف‬
‫قص القرآن الكريم عجبا عجابا يدل عىل أن هذا‬
‫من املستحيل أن يكون من نفس الرسول صىل‬
‫الله عليه وسلم‬
‫مثال لو تدبرت قصة سيدنا موىس – عليه‬
‫السالم – كلَّها من أولها إىل آخرها وجدت القرآن‬
‫الكريم يلقب حاكم مرص بـ " فرعون" فإذا جاء‬
‫إىل حاكم مرص يف قصة سيدنا يوسف – عليه‬
‫السالم – كلًّها تجد القرآن الكريم يلقبه بـ "‬
‫امللك" يف القصة كلها ‪...‬‬
‫عندما فكت الكتابة املرصية القديمة بعد الحملة‬
‫الفرنسية واكتشاف حجر رشيد تبني ما ييل ‪:‬‬
‫تبني أن حكام مرص يف عهد يف عهد سيدنا‬
‫موىس ‪ -‬عليه السالم – كان الحاكم يلقب بـ‬
‫" الفرعون" لكن يف عهد سيدنا يوسف ‪ -‬عليه‬
‫السالم – كان يحكم مرص الهكسوس وكان‬
‫الحاكم يلقب بامللك ‪ ,‬هذه الدقة ال تجدها يف‬
‫الكتب األخرى التي تناولت قصة سيدنا موىس –‬
‫عليه السالم – كالتوراة مثال ‪ ..‬من أين علم النبي‬
‫صىل الله عليه وسلم هذه التفرقة الدقيقة بني‬
‫اللقبني يف حاكم مرص يف فرتة معينة ولم يعرفها‬

‫العلماء إال يف العرص الحديث اآلن ؟‪.‬‬
‫هذا ال يمكن أن يتحقق أبدا إال عن طريق‬
‫الوحي وحده‪.‬‬
‫أمر آخر ‪ :‬أمر عجيب هو أن القرآن الكريم‬
‫يضع أجزاء القصة يف موضعها الذي يتالءم مع‬
‫سياق السورة فال تجده ناشزا أو غري متالئم مع‬
‫الغرض العام الذي أراد القرآن الكريم أن يضعه‬
‫يف موضعه ‪...‬‬
‫مثال ‪ :‬القرآن الكريم عندما ذكر قصة السيدة‬
‫مريم يف سورة مريم كيف استعاذت السيد مريم‬
‫بالرحمن َ‬
‫{قالَتْ إ ِ ِّني أَع ُ‬
‫ُوذ ِبالرَّحْ َم ِن ِمنْ َك إ ِ ْن ُكنْ َت‬
‫َت ِقيًّا} [مريم‪ ]18/‬عىل حني أن سيدنا موىس –‬
‫عليه السالم‪ -‬يف سورة البقرة استعاذ بالله { َق َ‬
‫ال‬
‫أَع ُ‬
‫ُوذ ِبالل َّ ِه أ َ ْن أ َ ُك َ‬
‫ون ِم َن الْجَ ا ِهل ِ َ‬
‫ني} [البقرة‪]67/‬‬
‫دقة القرآن املتناهية يف حكاية االستعاذتني‬
‫تتالءم مع الساق العام للسورتني ‪ ,‬ويف األلفاظ‬
‫املجودة يف كل سورة ‪..‬‬
‫مثال لفظ " الرحمن " يف سورة البقرة كلها لم‬
‫َاح ٌد لاَ إِلَ َه‬
‫يرد إال مرة واحدة فقط { وَإِلَه ُُك ْم إِلَ ٌه و ِ‬
‫إِلاَّ ُه َو الرَّحْ م َُن الر َِّحيمُ} [البقرة‪ ]163/‬عىل حني‬
‫أن لفظ الجاللة " الله" ورد أكثر من مائة مرة‬
‫يف سورة البقرة ‪..‬‬
‫عىل حني أن لفظ " الرحمن " والرحمة شاعا‬
‫يف سورة مريم أكثر من خمس عرشة مرة ‪ ..‬هذا‬
‫تناسب جميل ‪...‬‬
‫ثم هناك تالؤم أيضا مع السياق ؛ ألن سياق‬
‫استعاذة سيدنا موىس ‪-‬عليه السالم‪ -‬يف سورة‬
‫البقرة " قال أعوذ بالله " سياق خسف ومسخ‬
‫وطرد من رحمة الله عز وجل { وَلَ َق ْد َعل ِ ْم ُت ُم‬
‫الَّذِي َن ا ْعتَ َدوْا ِمنْ ُك ْم فيِ السَّ بْتِ َف ُقلْنَا لَ ُه ْم ُكو ُنوا‬

‫َ‬
‫(‪)65‬فجَ عَلْنَا َها َن َكاال لِمَا َبينْ َ‬
‫اسئِ َ‬
‫ني‬
‫ِق َر َد ًة َخ ِ‬
‫ني(‪)66‬وَإ ْذ َق َ‬
‫َي َد ْيهَا َومَا َخل ْ َفهَا َو َم ْو ِع َظ ًة لِل ْ ُمتَّ ِق َ‬
‫ال‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُموسىَ لِ َق ْو ِم ِه إ ِ َّن الل َّ َه يَأ ْ ُمر ُُك ْم أَن َت ْذبَحُ وا بَقر ًَة‬
‫َق ُالوا أ َ َتتَّ ِخ ُذ َنا ُه ُزوًا َق َ‬
‫ال أَع ُ‬
‫ُوذ ِبالل َّ ِه أ َ ْن أ َ ُك َ‬
‫ون ِم َن‬
‫الْجَ ا ِهل ِ َ‬
‫ني(‪})67‬‬
‫ولفظ الجاللة " الله" فيه تربية للمهابة‬
‫والخوف والخشية وهذا يالئم السياق املتقدم‬
‫وهو سياق املسخ والطرد ؛ ألن فيه خوفا وفيه‬
‫مهابة وفيه خشية من الله عز وجل ‪..‬‬
‫لكن السياق الوارد يف سورة مريم سياق‬
‫رحمة من أولها إىل آخرها ‪ ,‬بدأت بالرحمة " ذ ِْك ُر‬
‫رَحْ َم ِة َرب َِّك َعبْ َد ُه َز َك ِريَّا " وانتهت بالرحمة أيضا‬
‫الصالِحَ اتِ سَ يَجْ ع َُل لَ ُه ُم‬
‫"إ ِ َّن الَّذِي َن آ َ َم ُنوا َو َع ِملُوا َّ‬
‫الرَّحْ م َُن ُو ًّدا " حتى عندما ذكر قول الكفار ذكره‬
‫بلفظ الرحمن "و ََق ُالوا ا َّت َخ َذ الرَّحْ م َُن وَلَ ًدا (‪)88‬‬
‫لَ َق ْد ِجئْ ُت ْم َشيْئًا إ ِ ًّدا (‪َ )89‬ت َكا ُد السَّ َم َواتُ َيتَ َف َّط ْر َن‬
‫ض َو َت ِخ ُّر الْ ِجب ُ‬
‫ِمنْ ُه َو َتنْ َش ُّق الأْ َ ْر ُ‬
‫َال َه ًّدا (‪ )90‬أ َ ْن‬
‫َد َعوْا لِلرَّحْ َم ِن وَلَ ًدا (‪َ )91‬ومَا َينْبَ ِغي لِلرَّحْ َم ِن أ َ ْن‬
‫لأْ َ‬
‫ض‬
‫َيتَّ ِخ َذ وَلَ ًدا (‪ )92‬إ ِ ْن ُك ُّل َم ْن فيِ السَّ مَاوَاتِ وَا ْر ِ‬
‫إلاَّ آ َ ِتي الرَّحْ َم ِن َعبْ ًدا " حتى عندما َّ‬
‫ذكر إبراهيم‬
‫ِ‬
‫أباه َّ‬
‫ذكره بلفظ الرحمن " يَا أَبَتِ لاَ َت ْع ُب ِد‬
‫ان إ ِ َّن َّ‬
‫َّ‬
‫ان َك َ‬
‫الشي َْط َ‬
‫الشي َْط َ‬
‫َصيًّا (‪)44‬‬
‫ان لِلرَّحْ َم ِن ع ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يَا أبَتِ إ ِ ِّني أ َخ ُ‬
‫اف أ ْن َيمَسَّ ك عَذابٌ ِم َن الرَّحْ َم ِن‬
‫ون لِ َّ‬
‫َفتَ ُك َ‬
‫ان َولِيًّا (‪" )45‬‬
‫لشي َْط ِ‬
‫انظر لهذا التناسب الجميل يف ذكر القصة‬
‫القرآنية بألفاظها يف مواضعها املختلفة بهذا‬
‫اإلحكام الشديد ‪ ,‬وصدق الله العظيم إذ يقول ‪:‬‬
‫آن وَلَ ْو َك َ‬
‫ُون الْ ُق ْر َ‬
‫{ أ َ َفال َيتَ َد َّبر َ‬
‫ان ِم ْن ِعنْ ِد َغيرْ ِ الل َّ ِه‬
‫اختِ ً‬
‫لَوَجَ ُدوا ِفي ِه ْ‬
‫الفا َكثِريًا } [ النساء‪]82 :‬‬

‫‪39‬‬

‫د‪ .‬حسن بن محمد النعمي‬

‫لو أردنا أن نلخص العالقة بني الشعر والرسد يف تراثنا العربي‬
‫لقلنا إنها عالقة مرتبكة‪ .‬وتعود مسؤولية هذه العالقة املرتبكة‬
‫يف تكوينها إىل ثالثة أبعاد‪ :‬دينية وسياسية وثقافية‪ .‬وهي‬
‫أبعاد متداخلة التأثري‪ ،‬متشعبة الحضور يف سياق الثقافة‬
‫العربية‪ ،‬بدءا ً بمرجعية التصور‪ ،‬ومرورا ً بمكونات اإلنتاج‪،‬‬
‫وانتهاء بالتلقي‪ .‬فرغم اختالف حقول االشتغال يف هذه األبعاد‬
‫فإنها مارست دورا ً مؤثرا ً يف تحديد عالقة التجاور بني الشعر‬
‫والرسد‪.‬‬
‫يف ظل هذه األبعاد حظي الشعر بأفضلية النوع عىل الرسد‪.‬‬
‫وأعيد تأسيس منظورنا الثقايف والنقدي وفقا ً لهذه املعادلة‪.‬‬
‫ولعل مقولة (الشعر ديوان العرب) واحدة من املقوالت التي‬
‫كرست أفضلية الشعر عىل الرسد‪ .‬ويف املقابل تعود هذه املقولة‬
‫لتنترص للرسد يف عهدنا الراهن‪ ،‬فيقال إن (الرواية ديوان‬
‫العرب الجديد)‪ .‬اإلشكالية ليست بني النوعني فتجاورهما‬
‫حتمية تاريخية ال تقبل الجدل‪ .‬غري أن املشكلة هي مشكلة‬
‫وعي ثقايف من ناحية‪ ،‬وتغليب نوع عىل اآلخر من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وبالتأكيد فإن تداخلهما الفني قائم‪ ،‬أما تجاورهما الثقايف‬
‫فيبقى محل تساؤل‪ .‬إن املعطيات الثقافية تشري إىل أن نزعة‬
‫االنتصار للشعر كانت جناية عىل الرسد لتحل به لعنة اإلقصاء‬
‫التي وصلت ذروتها عند املسعودي الذي أعلن أن نصوص ألف‬
‫ليلة ليلة األوىل غثة باردة‪.‬‬
‫*****‬
‫أود أن أشري يف البدء إىل أنني غري معني بالحديث عن العالقة‬
‫بني الشعر والرسد من الداخل‪ ،‬من داخل النص‪ .‬فهذا النوع من‬
‫الدراسة درس جمايل‪ .‬ال أعتقد أن أحدا ً ينكره‪ ،‬ففي الشعر من‬
‫الرسد ما يف الرسد من الشعر كذلك‪ .‬ونسب التجاور هنا قائمة‬
‫عىل خصوصية النص وظرفية تكوينه الجمايل واملعريف‪ .‬أما ما‬
‫أنا بصدد الحديث عنه يف هذه املقالة فهو العالقة املرتبكة بني‬
‫الشعر والرسد يف الفضاء الثقايف خارج التكوين النيص للشعر‬
‫والرسد‪ .‬فالحديث‪ ،‬إذن‪ ،‬عن رصاع خطابات حول ظاهرتي‬
‫الشعر والرسد يف ثقافتنا العربية‪.‬‬
‫*****‬

‫لنبدأ الحكاية!‬
‫ماذا يعني أن يكون ربع القرآن قصة؟ وماذا يعني أن يقيص‬
‫القرآن الشعر ويباعد بني الرسول وبني الشعر؟ وماذا يعني‬
‫أن يستثمر الرسول القصة القرآنية ويقدم القصة يف حديثه‬
‫بوصفها أحد أهم وسائل الخطاب النبوي؟ هل من دالالت‬
‫يمكن إلتقاطها؟‬
‫لم يكن تبني القرآن للقصة من ناحية‪ ،‬وإقصاء الشعر من‬
‫ناحية ثانية‪ ،‬أمرا ً اعتيادياً‪ ،‬بل كان تبنيا ً ينم عىل حالة الرصاع‬
‫التي خاضها القرآن مع قيم ثقافية سائدة يمثل الشعر أبلغ‬
‫رموزها وأدواتها يف الحرب عىل الدين الجديد‪ .‬فهل من طبيعة‬
‫األشياء‪ ،‬والحالة هذه‪ ،‬أن ننظر للقصة يف القرآن عىل أنها ترف‬
‫بياني‪ ،‬داللتها الثقافية معدومة خارج سياق القرآن؟ إن سؤاال ً‬
‫كهذا من شأنه أن ينبه إىل أهمية القراءة السياقية التي تربط‬
‫بني النص والتكوينات الثقافية الخارجية يف محاولة لكشف‬
‫داللة حضور النص يف سياقه األكرب‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإن النظر للقصة‬
‫القرآنية بمعزل عن محيطها الخارجي يلغي كثريا ً من حيوية‬

‫‪40‬‬

‫التفاعالت االجتماعية التي تشكلت حول القرآن‪.‬‬
‫إن خطاب القصة يف مقابل الشعر إبان نزول‬
‫القرآن كان هو الخطاب املالئم للقرآن لتمرير‬
‫رسالته املعرفية والجمالية‪.‬‬
‫تشغل القصة يف القرآن حيزا ً مؤثرا ً يف سياق‬
‫الخطاب الديني من أجل تكوين مجتمع ذي‬
‫قيم ثقافية جديدة‪ .‬فحضورها تجاوز كونها‬
‫وسيلة من وسائل اإلبالغ والتأثري واإلمتاع‪ ،‬رغم‬
‫أهمية هذه الوسائل التي ال تخلو من عمق نفيس‬
‫وجمايل‪ .‬إن النظر للقصة القرآنية يف ضوء البيئة‬
‫الثقافية التي توجهت إليها بالخطاب يكسب‬
‫القضية أبعادا ً أكثر عمقاً‪ ،‬مما يغدو معه البحث‬
‫يف السياقات املحيطة بظروف حضور القصة‬
‫أمرا ً بالغ الداللة‪ .‬فلكي تكتمل دائرة الخطاب‬
‫ال بد من تواصل مع املتلقي‪ ،‬مستوعبا ً ظروف‬
‫تكوينه الثقايف واالجتماعي‪ ،‬ومسترشفا ً أفقا ً أبعد‬
‫من الراهن‪ .‬فهل استخدام القرآن للرسد يحيل إىل‬
‫حضور خاص لهذا اللون يف السياق االجتماعي‬
‫قبل نزول الوحي وأثنائه؟ أم هل هو سعي إىل‬
‫تأسيس سياق ثقايف وتشكيل لذائقة ثقافية‬
‫موازية للثقافة الشعرية التي عرفها العرب؟ ثم‬
‫هل يضيف لنا هذا املنحى القرآني فهما ً يعني عىل‬
‫تفسري موقف القرآن من الشعر يف غري موضع؟‬
‫وهل يساعد ذلك عىل إعادة رسم العالقة بني‬
‫الشعر والرسد يف سياق الثقافة العربية؟ هذه‬
‫أسئلة مرشوعة استدعاها الحضور القوي واملميز‬
‫للقصة يف القرآن‪ .‬إذ يمكن أن نؤكد أن استخدام‬
‫القرآن للقصة هو أحد أهم القضايا الفكرية‬
‫واألسلوبية التي تحتاج إىل قراءة فاحصة‪.‬‬
‫سؤال الحضور بالنسبة للشعر يف حياة العرب‬
‫ُ‬
‫سؤال قيمة أكثر منه سؤال استفهام‪ ،‬ذلك أن كل‬
‫ما راج يف تراثنا من أقوال يؤكد أن العرب أمة‬
‫شاعرة‪ ،‬ليس يف املستوى اإلبداعي فحسب‪ ،‬بل يف‬
‫مستوى االعتداد والعناية به‪ .‬غري أنه يجدر بنا‬
‫النظر يف مستوى أهمية الشعر من حيث وضعيته‬
‫التاريخية واالجتماعية واملعرفية يف حياة العرب‪.‬‬
‫ولعل مقولة عبد الله بن عباس تأتي بوصفها‬
‫استهالال ً معرفيا ً ملقتىض العالقة بني معرفتني‬
‫دينية ودنيوية‪ .‬يقول ابن عباس‪" :‬إذا قرأتم‬
‫شيئا ً من كتاب الله‪ ،‬فلم تعرفوه‪ ،‬فاطلبوه يف‬
‫أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب"‪.‬‬
‫إن تعلق العرب بالشعر أمر بينّ ال يحتاج إىل‬
‫برهان‪ .‬غري أن هذا التعلق قد طغى عىل فن آخر‬
‫ال يقل أهمية يف حياة العرب‪ ،‬وهو الرسد بكل‬
‫أشكاله‪ .‬فهل انرصاف العرب عن الرسد ملصلحة‬
‫الشعر كان بسبب صعوبة نقل القصص‬
‫وحفظه‪ ،‬أم بسبب ندرته؟ إن صعوبة حفظ‬
‫القصص ونقله يمكن أن تكون سببا ً مقنعا ً إذا‬
‫كانت الغاية منصبة عىل النقل الحريف للقصص‪.‬‬
‫أما عن الندرة فهي تبدو مسألة غري واقعية‪ .‬ذلك‬

‫أن القرآن عندما أقىص الشعر تبنى يف الوقت‬
‫نفسه القصة‪ .‬وهذا التبني يؤكد رسوخ حضورها‬
‫يف حياة العرب برصف النظر عن تعاطيها‪ ،‬أو‬
‫تقديم الشعر يف األهمية‪ .‬ولعل استنطاق مقولة‬
‫أبي عمرو بن العالء‪" :‬ما انتهى إليكم مما قالت‬
‫العرب إال أقله‪ ،‬ولو جاءكم وافرا ً لجاءكم علم‬
‫وشعر كثري" ينفي مبدأ الندرة‪ .‬فهذه املقولة‬
‫جوهرية من حيث تصويرها نوعية تراثنا األدبي‬
‫وحجمه يف فرتة ما قبل اإلسالم‪ .‬وتنبع أهمية‬
‫هذه املقولة كونها تحدد نمط املوروث بأنه‬
‫علم وشعر‪ .‬وعىل الرغم من حمل القدماء العلم‬
‫يف عبارة أبي عمرو بن العالء عىل أنه حموالت‬
‫املعرفة التي يحملها الشعر‪ ،‬فإن قراءة النص‬
‫من منظور العالقة بني األنواع األدبية يمكن‬
‫أن يحمل العلم يف العبارة عىل أنه كل يشء من‬
‫فنون القول غري الشعر‪ .‬كما أن العلم يف العبارة‬
‫السابقة ال يقصد به ما عُرف عن العرب من‬
‫طبابة وفراسة وقيافة وغريها مما يمكن أن‬
‫نعتربه من املعارف العقلية‪ .‬إن العبارة تؤكد‬
‫رصاحة عىل "قالت العرب"‪ .‬فما دام أن القول‬
‫يحتمل الشعر والنثر‪ ،‬فقد خصت العبارة الشعر‬
‫بلفظه‪ ،‬أما النثر فبلفظ العلم الذي تندرج تحته‬
‫أشكال عدة من خطابة ومنافرات ومناظرات‬
‫ومفاخرات وسجع كهان وحكم وأمثال ووصايا‬
‫وأخبار ونوادر وأسمار وقصص‪.‬‬
‫حرض القرآن يف بيئة ثقافية تملك خطابني؛‬
‫شعري ورسدي‪ .‬وعىل الرغم من تسيد الشعر‬
‫عىل خطاب الرسد‪ ،‬فقد كانا يشكالن قطبني‬
‫مختلفني يف املعطيني الثقايف واالجتماعي‪ .‬غري‬
‫أن مجيء القرآن غيرّ هذه املعادلة‪ ،‬حيث قرّب‬
‫القصة وأقىص الشعر‪ .‬فقد نفى الشعر عنه‬
‫بوصفه نوعاً‪ ،‬ولم يلغ حضوره بوصفه نصا ً‬
‫ثقافيا ً خارج السياق القرآني‪ .‬فقد حاول القرآن‬
‫يف غري موضع املباعدة بني خطابه وخطاب‬
‫الشعر‪ ،‬حيث حرص عىل أن يقدم نفسه خطابا ً‬
‫مستقالً له أدواته الخاصة ووسائله املستقلة يف‬
‫تأكيد حضور الرسالة املنوطة به‪ .‬إن من يتأمل‬
‫اآليات التي وردت حول الشعر والشعراء يجدها‬
‫تؤكد عىل حقيقة عدم استهجان الشعر من حيث‬
‫هو شعر‪ ،‬بل الغاية كانت التأكيد عىل أن القرآن‬
‫غري الشعر‪ ،‬وأن النبي غري الشعراء‪ ،‬كما أنه‬
‫ليس بكاهن وال مجنون وال ساحر‪ ،‬وهي صفات‬
‫رددها املرشكون يف وصف الرسول ﷺ‪ .‬فالقرآن‬
‫لم يكن عند نزوله يسعى إىل إحداث قطيعة‬
‫معرفية وثقافية مع تراث العرب قبل اإلسالم‪،‬‬
‫إنما كانت الغاية تأسيس ثقافة موازية قوامها‬
‫الرسد‪ .‬وهو ما يجعل القصص يف القرآن يحرض‬
‫بصفته نوعا ً جماليا ً ومعرفياً‪.‬‬
‫إن حضور القصة يف القرآن بهذه الغزارة‬
‫والتنوع الرسدي يمكن أن نقرأه من الناحية‬

‫الثقافية عىل أنه معادل موضوعي للشعر‪ .‬لقد‬
‫علم الصحابة موقف القرآن من الشعر‪ ،‬لكنهم‬
‫أرادوا أن يتبينوا موقفه من القصة‪ .‬فبادروا إىل‬
‫سؤال الرسولﷺ عن قو ٍل دون القرآن وفوق‬
‫الحديث‪ .‬فأنزل الله "نحن نقص عليك أحسن‬
‫القصص‪ ."...‬العرب أمة أحبت الشعر‪ ،‬فهو‬
‫فنها األول وديوانها كما قال ابن عباس‪ .‬فليس‬
‫بوسعهم أن يسلوه أوالً‪ ،‬كما ليس بوسعهم أن‬
‫يتشاغلوا به عن القرآن ثانياً‪ .‬وهو ما دعا ابن‬
‫سالم الجمحي إىل اإلشارة إىل أن العرب تشاغلت‬
‫بالدين وبالجهاد عن الشعر‪.‬‬
‫****‬
‫رغم هذه الحموالت الدينية التي تقف خلف‬
‫القصة‪ ،‬وما يمكن أن تمليه هذه الحموالت عىل‬
‫املجتمع من تقدير مفرتض لالهتمام بحركة‬
‫النوع القصيص‪ ،‬فإن جدلية التاريخ مع الدين‬
‫تثبت حضورها يف تبنى األكثر تأثريا ً يف صياغة‬
‫أي مرشوع ثقايف‪ .‬فرغم أن القرآن قد انترص‬
‫للقصة وأعىل من شأنها‪ ،‬فإن االنرصاف عن‬
‫الرسد يف تراثنا قد وقع‪ ،‬فلماذا؟‬
‫االنرصاف هنا يف مقابل اإلقبال‪ .‬انرصاف عن‬
‫القصة‪ ،‬وإقبال عىل الشعر‪ .‬انرصاف معناه عدم‬
‫االشتغال عىل القصة نقديا ً ومعرفياً‪ ،‬وإقبال عىل‬
‫الشعر بكامل األدوات املعرفية واللغوية والجهود‬
‫العلمية لدراسة الشعر والعناية به‪ .‬واملتتبع‬
‫للحركة العلمية النقدية يف تراثنا ال يجد ما‬
‫يغري هذه الفرضية‪ ،‬إال إذا اعتربنا كتابا ً واحداً‪،‬‬
‫هو كتاب (القصاص واملذكرين) البن الجوزي‪،‬‬
‫كتابا ً يف نقد القصة‪ .‬ويف الحقيقة‪ ،‬هو كتاب‬
‫وصفي تصنيفي ال يخلو من الخلط يف املفاهيم‬
‫بني الوعظ والذكر والقص‪ .‬وملزيد من االحرتاز‬
‫يمكن أن نعد بعض اآلراء املتفرقة يف كتب األدب‬
‫بابا ً من أبواب النظر يف القصة‪ ،‬لكنها عىل قلتها‬
‫ال تؤدي الدور املطلوب إلبراز جماليات الرتاث‬
‫الرسدي‪ .‬فقد ظلت نصوص الرسد بما فيها؛‬
‫كليلة ودمنية‪ ،‬واملقامات‪ ،‬والرحالت‪ ،‬وألف ليلة‬
‫وليلة‪ ،‬والسري الشعبية‪ ،‬وأدب الرحالت وغريها‪،‬‬
‫تنمو دون تأصيل معريف أو نقدي عىل مدى‬
‫تاريخ األدب العربي القديم‪.‬‬
‫ولعل أمر االنرصاف النقدي والفكري عن االهتمام‬
‫بالرسد يف تراثنا واالنحياز للشعر دراسة وفنا ً من‬
‫أعقد املشكالت التي يمكن الخوض فيها‪ ،‬لتداخل‬
‫األسباب وتعددها‪ .‬ففي املسار الديني ظهر‬
‫خطر القص يف لحظة بدء جمع الحديث الرشيف‬
‫الذي تزامن مع تكاثر القصاص يف العرص‬
‫األموي وأوائل العرص العبايس‪ .‬فقد كثر الوعاظ‬
‫واملذكرون الذين كانوا يستخدمون القصص يف‬
‫الرتغيب والرتهيب بأحاديث موضوعة يف الغالب‪،‬‬
‫مما حمل الخلفاء والفقهاء عىل التصدي لهذه‬

‫‪41‬‬

‫الظاهرة‪ .‬فهذا عيل بن أبي طالب كرّم الله‬
‫وجهه يسأل زرعة القاص الذي اشتهر بالقص‬
‫يف الكوفة‪ :‬عالم ثبات الدين؟ فلما تأكد من‬
‫علمه باألمور الرشعية سمح له بالقص‪ .‬وهذه‬
‫أم أبي حنيفة تسأل ابنها أن يحملها إىل أحد‬
‫القصاص لتستفتيه يف أمر يخصها‪" .‬فقال لها‬
‫أنا صاحب الفتيا يف العراق‪ ،‬هل يل أن أفتيك؟"‪،‬‬
‫فأرصت عليه‪ ،‬فحملها أبو حنيفة برا ً بها إىل‬
‫ذلك القاص‪ ،‬وتقتنع بما قاله القاص لها‪.‬‬
‫كما عُرف عن أحمد بن حنبل تصديه لظاهرة‬
‫القصاص حيث يقول‪" :‬ما أحوجنا إىل قاص‬
‫صدوق"‪ ،‬ويقول أيضا ً "ما أكذب القصاص‬
‫والسُ ْؤال"‪ .‬وبعد ذلك يأمر الخليفة العبايس‬
‫املعتضد بالله بمنع القصاص الذين انترشوا‬
‫يف بغداد من القص يف الجوامع والطرقات بعد‬
‫أن رأى العامة تلتف حولهم وتتقرب منهم‪ .‬هل‬
‫كان الخليفة يخىش من التأثري السيايس لهؤالء‬
‫القصاص‪ ،‬أم أن سطورة املؤسسة الدينية كانت‬
‫نافذة بحيث دفعت الخليفة إىل إصدار أوامره‬
‫ملنع القصاص؟ أم أن انفصام ثقافة النخبة‬
‫عن العامة أتاحت لهؤالء القصاص أن يحددوا‬
‫جمهورهم املستهدف؟ أم إىل الدور التعوييض‬
‫الذي تلعبه القصة يف نفوس العامة؟ هذه أسئلة‬
‫ينبغي أن تحرض عند مقاربة العالقة املرتبكة‬
‫بني الشعر والرسد يف تراثنا‪.‬‬
‫ويف مقابل التضييق عىل القصاص‪ ،‬كان الشعراء‬
‫يستقبلون يف املحافل وتفتح لهم أبواب البالط‪،‬‬
‫ويُحتفى بهم وي َُكرمون‪ .‬ولم يجد الشعراء نهيا ً‬
‫وال أمرا ً بعدم القول يف أي أمر يرونه مناسبا ً‬
‫للقول‪ .‬فقد تعددت تجارب الشعراء حتى‬
‫تجاوزت املسموح الديني كما يف شعر أبي‬
‫نواس وبشار بن برد ومسلم بن الوليد وغريهم‪.‬‬
‫لقد تبلور ما يشبه املوقف الجماعي بني الديني‬
‫والسيايس والثقايف عىل التماهي مع الشعر‪،‬‬
‫والتصدي يف الوقت نفسه لظاهرة نمو الفنون‬
‫الرسدية‪ .‬وقد يُحتج باملقامة واالهتمام بها‪ .‬غري‬
‫أن أمر املقامة لم يؤخذ من زاوية رسدية‪ ،‬بل من‬
‫زاوية لغوية بالغية‪ ،‬فهي يف ذلك أقرب للدريس‬
‫النقدي الذي حظى به الشعر‪ .‬وعندما استقبلت‬
‫املقامة رسديا ً استقبلت عىل أنها هزل مس ٍل‬
‫ليس إال‪ ،‬وليست بالتايل من أدب الخاصة‪ .‬هذه‬
‫النظرة الطبقية للفنون تضخمت حتى فجرت‬
‫العامة نصها الخالد ألف ليلة وليلة‪ ،‬فسخرت‬
‫من الخاصة أيما سخرية‪ .‬ومن يعود لليايل‬
‫يلحظ اهتمامها املثري بانتهاك معاقل الخاصة‬
‫املتمثلة يف بالط الخلفاء‪ ،‬ويلحظ أيضا ً االنتصار‬
‫غري املسبوق للمرأة يف تراثنا‪ .‬وهي متالزمة‬
‫أخرى بني قمع الرسد وقمع املرأة‪ .‬ولعل كتاب‬
‫بالغات النساء البن طيفور قد جسد هذه اللعبة‬

‫‪42‬‬

‫الطبقية عندما جمع أقاصيص تنترص فيها‬
‫املرأة عىل حساب الرجل‪ ،‬وليس أي رجل‪ ،‬بل‬
‫الخليفة رمزا ً للسلطة يف أعىل مستوياتها‪.‬‬
‫لقد كان خطابنا الثقايف منقسما ً إىل خطابني‬
‫متضادين‪ ،‬خطاب نخبوي وآخر شعبي‪.‬‬
‫احتضن الخطاب النخبوي الشعر ووظفه‬
‫لخدمة سياقاته السياسية واالجتماعية‪ ،‬فكان‬
‫حارضا ً ومواكبا ً الحتفاالت البالط السيايس‬
‫واملحافل االجتماعية الكربى‪ .‬أما الخطاب‬
‫الشعبي فقد استغل اإلمكانات الرسدية ملواجهة‬
‫السلطة‪ .‬وما كليلة ودمنة ونصوص املقامات‬
‫وألف ليلة وليلة وغريها إال مثاال ً عىل مقاومة‬
‫النخبوي ساسيا ً واجتماعياً‪ .‬فهل يمكن أن‬
‫نتكيف مع هذه الفرضية؟‬
‫بمراجعة العديد من األدبيات واملقوالت‬
‫واملالحظات يف سياق نشوء وتطور األدب‬
‫العربي شعرا ً ورسدا ً يجب أن نحرر أمرا ً يف غاية‬
‫األهمية يضاف إىل إشكالية إزدواجية الخطاب‬
‫الثقايف‪ .‬هذا األمر يتعلق بالناحية املصطلحية‪.‬‬
‫فإذا كان الشعر قد تحدد بمصطلحه قديما ً‬
‫وحديثا ً واستقر هذا املصطلح حتى يف الخطاب‬
‫القرآني‪ ،‬فإن من معضالت الرسد يف تراثنا‬
‫العربي غياب املصطلح الذي يجمع شتات‬
‫الفنون الرسدية من حكاية ونادرة وطرفة‬
‫ومقامة ومثل وغريها) تحت اسم جامع‬
‫يحدد هويتها يف مقابل الشعر‪ .‬إن عدم ربط‬
‫الفنون الرسدية يف سياق يجمعها أضعف من‬
‫شخصيتها أمام الشعر املستقل باسمه‪ ،‬الجامع‬
‫لشخصيته‪.‬‬
‫فالنثر (املصطلح) الذي استخدم يف مقابل‬
‫الرسد تتداخل فيه أنواع أخرى غري الفنون‬
‫القصصية‪ .‬فالخطابة واملنافرات واملفاخرات‬
‫وسجع الكهان‪ ،‬وبعد ذلك كل الكتابات النثرية يف‬
‫علوم العربية والنقد والتاريخ والتفسري وغريها‬
‫تحرش حتى هذا املصطلح‪ .‬وهو ما تنبه إليه‬
‫النقاد العرب يف مطلع القرن العرشين‪ ،‬وخاصة‬
‫زكي مبارك وطه حسني‪ ،‬عندما أطلقوا مصطلح‬
‫النثر الفني لتمييز الفنون الحكائية عن غريها‬
‫من أشكال النثر‪ .‬ورغم أن هذا املصطلح يعد‬
‫تحوال ً جادا ً يف النظر ملفهوم الفنون الرسدية‪،‬‬
‫إال أنه مايزال قارصا ً عن تحديد الهوية الرسدية‬
‫للفنون الحكائية الخصبة بجمالياتها والغنية‬
‫بمدلوالتها‪ .‬غري أن هذا املصطلح لم يكن كافيا ً‬
‫ليدل عىل رسدية النص‪ ،‬فهذا الدكتور عيل‬
‫الراعي يضع رواية زينب ملحمد حسني هيكل‬
‫يف خانة وسط بني الرواية والنثر الفني‪ .‬ففي‬
‫نظره لم ترق رواية وينب لفن الرسد الروائي‪،‬‬
‫لكنها نثر فني يرتقي عىل النثر العادي‪ .‬ولم‬
‫يتم تجاوز هذه اإلشكالية املصطلحية إال يف‬

‫أواخر السبعينات امليالدية من القرن املايض‬
‫عندما تمت االستفادة من التحوالت النظرية‬
‫الرسدية يف الغرب‪ ،‬وأصبح مصطلح الرسد‬
‫هو السائد يف تعريف الفنون الرسدية املختلفة‬
‫تراثية كانت أم عرصية‪ .‬إن املحطات الرسدية‬
‫الضخمة التي أنتجها األدب العربي مثل كليلة‬
‫ودمنة‪ ،‬والبخالء‪ ،‬واملقامات‪ ،‬ورسالة الغفران‪،‬‬
‫ورسالة التوابع والزوابع‪ ،‬وأدب الرحالت‪،‬‬
‫وألف ليلة وليلة‪ ،‬والسري الشعبية عىل اختالف‬
‫أنواعها‪ ،‬باإلضافة إىل قصة مجنول ليىل التي‬
‫تعددت روايتها يف الكثري من املصادر‪ ،‬ولعل‬
‫أشهرها ما رواه صاحب األغاني‪ ،‬كل هذه‬
‫املحطات استقبلت متفرقة بوصفها إنتاج أفراد‬
‫ال ظاهرة متماسكة تنمو باتجاه أفق رسدي‬
‫متعاظم النمو واإلزدهار الذي بلغ ذروته يف‬
‫ألف ليلة وليلة‪ .‬ما هي مسؤولية الدور النقدي‬
‫الذي كرس اهتمامه بظاهرة الشعر رشحا ً‬
‫وتمحيصا ً وتبويبا ً وتصنيفاً؟ يف املقابل‪ ،‬ظل‬
‫الجهد الرسدي ينمو بعيدا ً عن دوائر التأثري‬
‫الثقايف‪ ،‬فلم يدرس ولم يصنف ولم يبوب؟‬
‫هنا ظهر حجم املشكلة فعندما استفاق‬
‫العرب يف عرص النهضة يف القرن التاسع عرش‬
‫وأوائل القرن العرشين‪ ،‬فتشوا عن تراثهم‬
‫القصيص‪ ،‬فوجده مهمالً‪ ،‬لم تب َن مساراته‬
‫بالتوازي مع الشعر‪ .‬لقد وقع االرتباك عند‬
‫رواد النهضة املشتغلني بالكاتبة القصصية‬
‫من أمثال ناصيف اليازجي وأحمد فارس‬
‫الشدياق‪ ،‬ومحمد املويلحي‪ ،‬وغريهم‪ .‬فقلة من‬
‫الكتاب رأت رضورة االشتغال باملنجز الرسدي‬
‫القديم‪ ،‬لكن أين هو؟ لم يجدوا سوى املقامة‬
‫التي لها شخصية مميزة‪ ،‬بوصفها نصا ً يمكن‬
‫أن يحتذى‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬لم يكن األمر مقنعا ً‬
‫ومشجعاً‪ .‬فالتفتوا للرسد القادم من الغرب‬
‫يف شكل الرواية والقصة القصرية التي كانت‬
‫حارضة بالرتجمات الكثرية‪ .‬يف هذه اللحظة‬
‫استشعر محمد املويلحي رضورة اإلفادة‬
‫من الشكلني العربي والغربي معاً‪ ،‬فقدم‬
‫مغامرة روائية ذكية بعنوان (حديث عيىس‬
‫بن هشام) حاول فيها أن يجمع بني شكلني‪،‬‬
‫املقامة يف شكلها الثنائي (الراوي والبطل)‪،‬‬
‫والرواية املنفتحة يف أفقها الزمني ويف حركتها‬
‫وإيقاعها الذي يقرتب من نبض الواقع‪ .‬لكن‬
‫هذه التجربة لم يستفد من فكرتها إال يف أواخر‬
‫السيتنات عندما بدأ جمال الغيطاني ونجيب‬
‫محفوظ وواسيني األعرج وغريهم من القيام‬
‫بمهمة استلهام الرتاث الرسدي‪ ،‬لكن هذه‬
‫املرة بوعي قومي وجمايل‪ ،‬قومي لتزامن هذه‬
‫التجربة مع املد الوحدوي والقومي الذي سعى‬
‫إلعادة تأسيس الرتاث القومي‪ ،‬وجمايل ملا يف‬
‫هذه التجربة من غنى جمايل وإنساني‪ .‬إن من‬

‫يقرأ روايات الغيطاني يدرك الكنوز الرسدية‬
‫الهائلة التي يحفل بها الرتاث الرسدي التي‬
‫ظلت غائبة أو مغيبة ألسباب كثرية‪.‬‬
‫أريد أن أختم مقالتي بمالحظة تستحق أن‬
‫نتوقف أمامها‪ ،‬ولعلها تلخص أزمة العالقة‬
‫بني الشعر والرسد‪ .‬أال تالحظون معي أن هناك‬
‫عالقة بني االنتصار والشعر‪ ،‬وعالقة أخرى بني‬
‫الرسد والهزيمة! األمر ليس لغزاً‪ ،‬بل مالحظة‬
‫أرى أنها جديرة بالنظر‪ .‬عىل مدى قرون تمتع‬
‫الشعر بمنزلة رفيعة‪ ،‬لكن ذلك كان ارتباطا ً‬
‫بحال األمة املنترصة عسكريا وسياسياً‪،‬‬
‫املتماكسة حضاريا ً وإنسانياً‪ .‬فكان الشعر‬
‫حارضا ً الستثمار حالة االنتصار هذه‪ .‬فحرض يف‬
‫املعارك والحروب ويف الجدل السيايس‪ ،‬ويف بالط‬
‫الخلفاء‪ .‬وعندما فقدت األمة زهوها وانتصارها‬
‫انحرس دور الشعر املتباهي باالنتصار‪ ،‬ليأتي‬
‫الرسد معوضا ً االنكسار بالحضور وتغذية‬
‫الوجدان العام الذي لم يعد للشعر فيه الدور‬
‫الفاعل‪ .‬ولعل الشاهد األكرب حارض بيننا اآلن‪.‬‬
‫فالزمن زمن الرواية كما أشار إىل ذلك العديد‬
‫من النقاد‪ ،‬والشواهد أبلغ من شهادات النقاد‪،‬‬
‫فالرواية حارضة عىل مستوى اإلبداع والتلقي‬
‫والنقد بمعايري غري مسبوقة‪ .‬هل ألن هناك‬
‫إدراكا ً متأخرا ً ألهمية الرسد فاحتل الصدارة‪ ،‬أم‬
‫هي حتمية التاريخ تفرض فنونها وأجناسها‪.‬‬
‫إن الحضور ال يقاس بالكم‪ ،‬لكن يقاس‬
‫بالتأثري‪ .‬بهذا املعنى‪ ،‬تحتل الرواية اآلن‪ ،‬عىل‬
‫وجه الخصوص‪ ،‬صدارة القول األدبي‪ ،‬متمكنة‬
‫من القراء بدرجات مقروئية غري مسبوقة‪.‬‬
‫أما القول بتفوق الرواية عىل الشعر‪ ،‬فهو قول‬
‫قادم من سنوات اإلحباط التي عانى منها‬
‫الرسد‪ .‬قول يتغافل عن االشرتاطات املعرفية‬
‫والحتميات التاريخية التي بُنيت عليها العالقة‬
‫الفكرية بني الشعر والرسد‪ .‬فحضور الرواية‬
‫بهذا الزخم ليس موتا ً يف املقابل للشعر‪ ،‬بل‬
‫إشكالية الشعر يف ذاته ال يف غريه‪.‬هل هذه‬
‫الظاهرة‪ ،‬ظاهرة التنافر ال التجاور بني الشعر‬
‫والرسد ظاهرة طبيعية؟ مرة أخرى أعتقد أننا‬
‫أمام مكتسبني يجب االهتمام بهما معاً‪ ،‬ورغم‬
‫أن حضور الرسد‪ ،‬وقوة تأثريه ونفوذه‪ ،‬أمر‬
‫حتمي‪ ،‬وليس ناتج وعي أو تحوال ً يف الذهنية‬
‫النخبوية‪ ،‬فهناك من ال يزال ينظر بعني النقص‬
‫إىل فنون الرسد من باب االستعالء أحيانا ً‬
‫لكون الرسد ارتبط يف أذهانهم باللهو والهزل‪،‬‬
‫وبالعامة ال بالخاصة‪ .‬كما أن تراجع الشعر‬
‫يعود ربما إىل انفصاله عن الفواعل االجتماعية‪،‬‬
‫وانفتاحه عىل تجارب غربية منها قصيدة النثر‬
‫التي سجلت الصدمة وبقيت محدودة التأثري‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫عني بمفهوم التحفيز بعض الشكالنيني الذين‬
‫اهتموا بالرسد الروائي ‪ ،‬ومنهم بوريس ايخنباوم‬
‫يف مقاله «نظرية املنهج الشكيل» وشلوفسكي يف‬
‫مقاله «بناء القصة القصرية» ‪ ،‬وتوماشفسكي‬
‫يف مقاله «نظرية األغراض»‪ .‬كما عني بهذا‬
‫املصطلح أيضا بعض البنيويني ‪.‬‬
‫ويعد مصطلح «التحفيز» أحد املصطلحات‬
‫األدبية التي عنى بها الشكالنيون والبنيويون‬
‫السيما يف مجال الرواية والقصة القصرية ‪،‬‬
‫ونقف عند مفهومي شلوفسكي ‪ ،‬وتوماشفسكي‬
‫للتحفيز ألنهما أكثر نقاد الشكالنيني عناية بهذا‬
‫املصطلح‪.‬‬
‫أوال ‪ :‬التحفيز عند الشكالنيني ‪:‬‬
‫‪ : 1‬التحفيز عند شلوفسكي ‪:‬‬
‫التحفيز لدى شلوفسكي هو «اكتشاف األنساق‬
‫املختلفة التي تستعمل خالل املبني (البناء‬
‫املتدرج ‪،‬التوازي ‪« ,‬التأطري» التعداد ‪ . .‬إلخ)‬
‫ويقودنا إىل فهم االختالف فيما بني عنارص بناء‬
‫عمل ما ‪ ،‬والعنارص التي تشكل مادته ‪ :‬املتن‬
‫الحكائي ‪ ،‬اختيار الدوافع ‪ ،‬الشخصيات ‪ ،‬األفكار‬
‫‪ . . .‬إلخ» (‪)1‬‬
‫ومن ثم فالتحفيز عند شلوفسكي يقرتن باملتن‬
‫الحكائي من ناحية والنسق الروائي من ناحية‬
‫ثانية ويرى أسبقية املبني الحكائي والبناء عىل‬
‫املادة ‪ .‬وهو بذلك يفرق بني املبني الحكائي‬
‫واملتن الحكائي من خالل التحفيز – فاملتن‬
‫الحكائي ليس سوى مادة تصلح لتكوين املبني‬
‫‪ ،‬بينما يعني املبني ببناء املوضوعات واألنساق‬
‫النوعية لرتكيب النص‪.‬وتتعدد أنماط الحوافز‬
‫لدى ف‪ .‬شلوفسكي عيل النحو التايل ‪:‬‬
‫أ ـ الحافز النفيس ‪ :‬وفيه تعالج القصة مشكلة‬
‫الحب من خالل العراقيل التي تعرتض الحب‬

‫‪44‬‬

‫بني شخصيتني ويصبح التحفيز يف هذه الحالة‬
‫تحفيزا سيكلوجيا يدور حول تصوير مشاعر‬
‫الحب لشخصية تجاه األخرى ‪ ،‬ويف اللحظة التي‬
‫تتحول فيها مشاعر اآلخر تجاه األول ويرشع يف‬
‫حبه تكون مشاعر األول قد تغريت تجاه اآلخر‬
‫‪ ,‬ويرضب مثال برواية «روالند محبا» ‪Roland‬‬
‫‪ Amoureux‬لـ «بوياردو» ‪ ، Boiardo‬وفيها‬
‫يحب «روالند» أنجليك « لكنه يرشب بالصدفة‬
‫ماء نبع مسحور فينىس فجأة حبه ‪ ،‬وخالل ذلك‬
‫فيما «انجليك» تكون قد رشبت ماء نبع آخر‬
‫ذي خصائص مناقضة ‪ ،‬فإنها تستشعر مكان‬
‫كراهيتها القديمة لـ «روالند» حبا مشتعال نحوه‬
‫‪ ،‬وهكذا نكون قد حصلنا عىل الجدول التايل ‪:‬‬
‫يهرب روالند من أنجليك التي تطارده من بلد إىل‬
‫أخر ‪ ،‬وبعد ما يكونان قد قطعا عىل هذا النحو‬
‫العالم بأرسه يلتقيان من جديد يف الغابة نفسها‬
‫ذات النبعني املسحورين فيرشبان مرة أخرى من‬
‫املاء ‪ ,‬ويتبادالن تبعا لذلك دوريهما إذ ترشع‬
‫انجليك يف الحقد عىل روالند بينما يقع هو يف‬
‫حبها» (‪. )2‬‬
‫فالكاتب يحفز نسق الحاالت الشعورية بني‬
‫روالند وأنجليك بواسطة النبعني السحريني‬
‫اللذين يغريان مشاعر كل منهما تجاه األخر ‪،‬‬
‫غري أنه يرى أن القصة بهذه الكيفية ال تقتيض‬
‫الفعل ورد الفعل بل تقتيض انعدام الصدفة‬
‫وهذا ما يقرب الحافز من االستعارة أو األجناس‪.‬‬
‫أي إن االستعارة أو الكناية من املمكن أن تقوم‬
‫يف هذه الحالة بدور الحافز ألنها تطوير لصياغة‬
‫لسانية يف النص الروائي‬
‫ب ـ حافز االستحالة الزائفة ‪ :‬ويتمثل يف‬
‫تناقض العادات حيث يرى شلوفسكي «أن حافز‬
‫االستحالة الزائفة ‪La Fausse lmpossibilite‬‬

‫يعتمد عىل التناقض ‪ ،‬ففي نبوءة ما مثال يكون‬
‫هذا التناقض فيما بني نوايا الشخصيات التي‬
‫تحاول تاليف النبوءة وحادث وقوعها مثل (حافز‬
‫أوديب) فتتحقق النبوءة مع أن ذلك يبدو لنا‬
‫مستحيال لكنها تتحقق بفعل اشرتاك لفظي‬
‫‪ , Jeu de Mots‬ويحدث األمر نفسه يف رواية‬
‫عن «االسكندر» فلقد أنبئ أنه لن يموت إال فوق‬
‫أرض من حديد تحت سماء من عظام ‪ .‬ويموت‬
‫فوق درع وتحت سقف من عاج‪ ،‬ويف مرسحية‬
‫لشكسبري أنبئ امللك أنه سيموت يف أورشليم ‪،‬‬
‫فيموت يف حجرة بدير يدعى أورشليم» (‪. )3‬‬
‫وهكذا نجد أن حافز االستحالة الزائفة يتحقق‬
‫ولكن من خالل االشرتاك اللفظي ‪ ،‬ومن خالل‬
‫التناقض القائم بني نوايا الشخصية التي تحاول‬
‫تاليف وقوع النبوءة ‪ ,‬ولكن عىل الرغم من حذرها‬
‫إال أنها تقع فيها نتيجة املحاكاة اللفظية أو‬
‫االشرتاك اللفظي الذي يلجأ إليه الكاتب لتحقيق‬
‫النبوءة ‪ ,‬ومنها حافز املفارقة مثل مفارقة‬
‫الحدث والشخصية كعراك األب واالبن ‪ ،‬أو الزوج‬
‫الذي يحرض حفل زواج زوجته‪.‬‬
‫‪ : 2‬التحفيز عند توماشفسكي ‪:‬‬
‫أ ـ تحفيز املتن واملبني الحكائي ‪ « :‬الحوافز‬
‫املشرتكة والحرة «‬
‫مثلما تعددت أنماط الحوافز عند ف‪.‬‬
‫شلوفسكي فقد تعددت أيضا عند توماشفسكي‬
‫‪ ، Tomachevski‬وانقسمت إىل حوافز مشرتكة‬
‫أو أساسية ‪ ،‬وحوافز «حرة» أو ثانوية ‪ ،‬ويحدد‬
‫معيار الحوافز املشرتكة أو الحرة وفقا لعالقتها‬
‫باملتن الحكائي يقول ‪« :‬تتصف حوافز عمل‬
‫(أدبي) بأنها حوافز متعارضة فبمجرد عرض‬
‫املتن الحكائي يكشف لنا أن بعض الحوافز يمكن‬
‫أن يتم تجاهلها دون أن يتحطم مع ذلك تتابع‬

‫أ ‪ .‬د ‪ .‬مراد عبد الرحمن مربوك‬

‫األحداث ‪ ،‬إن الحوافز التي ال يمكن االستغناء‬
‫عنها تسمى حوافز مشرتكة ‪ ، Associes‬أما تلك‬
‫التي يمكن إبعادها دون اإلخالل بالتتابع الزمني‬
‫والسببي لألحداث فهي حوافز حرة ‪. Libres‬‬
‫وهكذا يتضح لنا أن توماشفسكي قسم الحوافز‬
‫إىل قسمني تبعا لعالقتهما باملتن الحكائي ‪،‬‬
‫فالحوافز املشرتكة تتسم عنده بمجموعة من‬
‫السمات منها أنها تشكل أهمية قصوى بالنسبة‬
‫للمتن الحكائي ‪ ،‬وتتسم بالحيوية يف النص‬
‫األدبي أكثر من غريها‪ .‬وبدونها ينهار رابط‬
‫السببية الذي يوحد األحداث ‪ ،‬ومن ثم ينهار‬
‫تتابع الحكاية وأحداثها‪ .‬ألن رابط السببية هو‬
‫الذي يربط مجموعة أحداث مع بعضها البعض‬
‫برباط عضوي‪ ,‬ويرتبط كل حدث بما قبله‬
‫بعالقة سببية تكون هي العالقة املشرتكة بني‬
‫الحدث السابق والالحق وبدون هذه العالقة ال‬
‫يحدث الرتابط بني األحداث املتتابعة‪.‬‬
‫أما الحوافز الحرة فهي ال تؤثر يف املتن الحكائي‬
‫‪ ،‬لكنها ترتبط باملبني الحكائي ‪ ،‬ألنها تقوم عىل‬
‫وجه خاص بدور مهيمن محددة بناء العمل‬
‫‪ ,‬وإذا تم حذفها أو االستغناء عنها فإن ذلك‬
‫ال يؤثر عىل عامل السببية يف تتابع الحكي ‪،‬‬
‫ويظل املتن الحكائي كما هو دون تأثر أو تغيري‬
‫‪ ،‬ويتحكم التقليد األدبي يف جانب كبري منها ‪،‬‬
‫ومثال ذلك ما أشار إليه توماشفسكي يف قصة‬
‫«بائع النعوش» لبوشكني يقول الراوي يف القصة‬
‫‪« :‬ويف الغد يف منتصف الطريق بالضبط ‪ ،‬خرج‬
‫الصانع وابنتاه من بوابة البيت الذي ابتيع‬
‫حديثا ‪ ،‬واتجهوا إىل بيت جارهم ‪ .‬إنني لن أصف‬
‫ال قفطان» أدريان بروخوروفيتش» الرويس وال‬
‫تربج كل من «أكولينا» و «داريا» عىل الطريقة‬
‫األوربية مبتعدا بسلوكي هذا عن العادة السائدة‬

‫لدى روائيي هذا الزمان ‪ ,‬غري أني ال أعتقد أنه‬
‫من السطحي أن أشري إىل أن الفتاتني قد اعتمتا‬
‫لعبتني صغريتني صفراوين ‪ ,‬وانتعلتا حذاءين‬
‫أحمرين وهو ما ال تفعالنه إال يف ظروف جليلة»‬
‫(‪. )4‬فريى توماشفسكي أن وصف اللباس هنا‬
‫قد اعترب حافزا حرا وتقليديا بالنسبة لتلك الفرتة‬
‫« (‪ ، )5‬وأن استبعاد هذا الوصف ال يؤثر يف املتن‬
‫الحكائي وال يؤدي إىل تقويضه‪.‬‬
‫ب ـ تحفيز الفعل املوضوعي « الحوافز‬
‫الديناميكية واإلستاتيكية «‬
‫وال يقف توماشفسكي عند حد تقسيم الحوافز‬
‫وفق عالقتها باملتن الحكائي واملبني الحكائي ‪،‬‬
‫بل إنه يقسمها أيضا وفق الفعل املوضوعي الذي‬
‫تصنفه إىل حوافز حركية «ديناميكية» ‪ ،‬وحوافز‬
‫قارة‪ .‬فالحوافز الديناميكية هي التي تغري‬
‫وضعية ما مثل إضافة شخصيات للقصة تؤدي‬
‫إىل تعقيد وضعيتها أو أحداثها أو مشكلتها ‪ ،‬أو‬
‫العكس أي إخراج شخصيات قديمة من القصة‬
‫مثل موت الشخصية املنافسة حتى تتغري روابط‬
‫القصة « (‪ . )6‬أما الحوافز القارة فهي التي تبقي‬
‫عيل حالة مستقرة أو ساكنة يف النص الروائي ‪.‬‬
‫ج ـ تحفيز الطبيعة أو الخاصية « الحوافز‬
‫التأليفية والواقعية والجمالية «‬
‫وال يقف توماشفسكي عند هذا الحد بل يقسم‬
‫الحوافز وفقا لطبيعتها أو خاصيتها إىل ثالثة‬
‫أقسام هي ‪ :‬التحفيز التأليفي ‪ ،‬والواقعي ‪ ,‬والجمايل‬
‫‪ .‬أما التحفيزالتأليفي ‪Compositionnelle‬‬
‫ومبدؤه يتلخص يف اقتصاد وصالحية الحوافز‪،‬‬
‫فالحوافز املستقلة يمكن أن تصف األشياء‬
‫املوضوعة يف املجال البرصي للقارئ (املؤثثات‬
‫‪ )Les Accessoires‬أو أفعال الشخصيات‬
‫(املراحل)‪ .‬إن جميع املؤثثات يجب أن تستعمل‬

‫من طرف املتن الحكائي ‪ ،‬ولقد فكر تشيكوف يف‬
‫التحفيز التأليفي عندما قال إنه إذا ما قيل لنا يف‬
‫بداية قصة قصرية ‪ ،‬بأن هناك مسمارا يف الجدار‬
‫‪ ،‬فعىل البطل أن يشنق نفسه فيه يف النهاية «‬
‫(‪)7‬‬
‫وعليه فإن املؤثثات يف النص الروائي أوىل‬
‫مراحل التحفيز التأليفي ويرضب توماشفسكي‬
‫مثاال باملسدس يف رواية «فتاة بدون مهر»‬
‫ألوسرتوفسكي حيث يستمر حافز األسلحة يف‬
‫الفصلني الثالث والرابع وبه تنتهي الرواية ‪ ،‬حيث‬
‫يحمل «كراند يشيف» املسدس من فوق الطاولة‬
‫ويطلقه عىل الريسا ‪ ،‬وهنا يعد إدراج املسدس‬
‫حافزا تأليفيا ألنه كان رضوريا أثناء الحل‪.‬‬
‫ويعد إدراج حوافز يف شكل وصف روائي ‪،‬‬
‫حالة ثانية من حاالت التحفيز التأليفي ‪ ،‬ويف‬
‫هذه الحالة يجب عىل هذه الحوافز أن تكون‬
‫منسجمة وديناميكية مع املتن الحكائى ‪ ,‬مثل‬
‫التناظر السيكولوجي كانسجام ضوء القمر مع‬
‫مشهد الحب ‪ ،‬أو انسجام العواصف أو السيول‬
‫مع مشهد املوت أو نطلق عىل هذه الحالة حالة‬
‫الطبيعة املنسجمة ‪ .‬وهنالك حوافز تقرتن‬
‫بالطبيعة الالمنسجمة أطلق عليها توماشفسكى‬
‫« حافز الطبيعة الالمبالية « (‪)8‬‬
‫وهناك حالة من حاالت التحفيز التأليفي هي‬
‫«التحفيز املزيف « (‪ )9‬وغالبا ما يكون يف‬
‫بعض الروايات البوليسية حيث يعمل الكاتب‬
‫عيل رصف انتباه القارئ عن الحبكة الحقيقية‬
‫ويرتك له أن يفرتض حال مزيفا ‪ ،‬أو أن يكون‬
‫الحل عيل غري توقعات القارئ ‪.‬‬
‫أما التحفيز الواقعي فهو يعنى بحافز الوهم‬
‫الواقعي ‪ ،‬وفيه يتناول الكاتب يف روايته أحداثا‬
‫يوهم املتلقى بأنها حقيقية يف الواقع املعيش ‪،‬‬

‫‪45‬‬

‫وخاصة عندما يستخدم تكنيك املذكرات داخل نسيج الرواية ‪,‬‬
‫غري أن القارئ يستطيع أن يدرك الرتكيب الفني للعمل ويفرق‬
‫بني الواقع الحقيقى املعيش ‪ ،‬والواقع الفني الذي يجسده‬
‫الروائى ولذلك فكل حافز من هذا النمط يدرج يف شكل حافز‬
‫محتمل الوقوع « ‪.‬ولكن نظرا ألن قوانني تركيب املبني ال تشرتك‬
‫مع االحتمالية يف يشء فإن كل إدراج للحوافز إن هو إال تراض‬
‫بني هذه االحتمالية املوضوعية والتقليد األدبي»(‪.)10‬‬
‫ويدخل يف التحفيز الواقعي التشكيالت األسطورية والشعبية‬
‫والخرافية عيل أساس أحد أمرين ‪ :‬إما أنها تظهر يف وسط‬
‫شعبي يؤمن بوجود واقعي لهذه الخرافات أو األساطري ‪ .‬وإما‬
‫أنها يف وسط يميل إيل التأويل الواقعي لها « فمن املهم مالحظة‬
‫أن املحكيات العجبية يف وسط أدبي متطور تتيح إمكانية‬
‫تأويل الواقعي لها « فمن املهم مالحظة أن املحكيات العجيبة يف‬
‫وسط أدبي متطور تتيح إمكانية تأويل مزدوج للمتن الحكائى‬
‫بموجب متطلبات التحفيز الواقعي ‪ ،‬فمن املمكن فهمها يف‬
‫الوقت ذاته كأحداث واقعية وكأحداث عجيبة ‪. )11( ».‬‬
‫أما التحفيز الجماىل فإنه «ينتج عن تراض بني الوهم الواقعي‬
‫ومتطلبات البناء الجمايل فكل ما يقتبس من الواقع قد ال يتالءم‬
‫بالرضورة مع العمل األدبي»(‪. )12‬وبمعني آخر يقرتن التحفيز‬
‫الجمايل باألنماط الواقعية التي ترد يف النص الروائي ويتم‬
‫تربيرها جماليا حتي لو لم يتم تربيرها واقعيا ‪ ,‬إذ إن « كل حافز‬
‫واقعي يجب أن يدرج بطريقة معينة يف بناء املحكي ويجب أن‬
‫يتمتع بإضاءة خاصة ‪،‬كما أن اختيار األغراض الواقعية نفسه‬
‫‪ ،‬يجب أن يربر من وجهة جمالية « (‪ . )13‬ويعتمد التحفيز‬
‫الجماىل عىل نسق اإلفراد وذلك بإدراج مادة غري مألوفة يف‬
‫النص‪ ،‬لكنها تضفي أبعادا داللية وإيحائية ‪ ،‬أى تكون هذه‬
‫املادة املدرجة يف النص لها صفة اإلفراد والخصوصية والتالحم‬
‫مع النص وعدم التنافر معه ‪.‬‬
‫د ـ تحفيز الشخصية ‪:‬‬
‫هناك تحفيز الشخصية وخاصة شخصية البطل يف النص‬
‫الروائي ‪ ،‬وتتعدد أنساق هذا التحفيز فمنها وصف الشخصية‬
‫‪ ,‬حيث يعد وصف الشخصية نسقا للتعرف عليها ‪ ,‬وقد يكون‬
‫الوصف لخصيصه ثابتة أو لخصيصة متغرية ومنها مميزات‬
‫الشخصية حيث تعد هذه املميزات نسقا آخر من أنساق‬
‫التعرف عيل هذه الشخصية ؛ ومنها التحفيز السيكولوجي‬
‫للشخصية أيضا وكذلك الشخصية املقنعة أي التي تكون قناعا‬
‫لقيم داللية معينة تعد نسقا آخر من أنساق تحفيز الشخصية‬
‫وقد يكون املعجم اللفظي وأسلوب الشخصية وموضوعاتها‬
‫قناعا ألفكارها ‪.‬‬
‫عيل أننا ندرك « أن البطل ليس رضوريا لصياغة املتن الحاكئي‬
‫فهذا املتن باعتباره نظام حوافز يمكن أن يستغني كليا عن‬
‫البطل وعن خصائصة املميزة ‪ ,‬إن البطل يرتتب عن تحويل‬
‫املادة إيل مبني ويشكل من وجهة وسيلة للوصل فيما بني‬
‫الحوافز ‪ ،‬ومن جهة أخرى تحفيزا مشخصا لتلك الصلة «‬
‫(‪ . )14‬وهكذا يتضح لنا إىل أي مدى عني الشكالنيون الروس‬
‫بقضية الحافز يف النص الروائي خاصة يف نصوص شلوفسكي‬
‫« وتوماشفسكي ‪.‬‬
‫وقد عني بالتحفيز أيضا رامان سلدن يف كتابه «النظرية األدبية‬
‫املعارصة» وأورد مفهوم التحفيز عند بوريس توماشفسكي‬

‫‪46‬‬

‫ومفهوم الحافز وأنماطه ‪ ،‬غري أن رامان سلدن لم يضف جديدا‬
‫‪ ،‬عيل مفاهيم توماشفسكى وأورد تلخيصا موجزا لجوناثان‬
‫كوللر حول موضوع التحفيز يقول ‪( :‬إن تمثل يشء أو تفسريه‬
‫يعني وضعه أو استحضاره داخل أطر النظام التي تتيحها‬
‫الثقافة وهذا يتم عادة بالحديث عن هذا اليشء بلون من ألوان‬
‫الخطاب تقبله تلك الثقافة بوصفه خطابا طبيعياً) (‪. )15‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التحفيز عند البنيويني‬
‫تطور مفهوم الحوافز بعد ذلك عند البنيويني خاصة تزفتان‬
‫تودروف وجريماس ‪.‬فقد رأي تودروف أن العالقة املتغرية بني‬
‫الشخصيات يف املقاربات الرسدية الروائية ترجع إيل ثالثة حوافز‬
‫إيجابية وثالثة سلبية أما الثالثة األساسية اإليجابية فتمثلت يف‬
‫الرغبة وشكلها األبرز هو الحب والتواصل ويتحقق يف اإلرسار‬
‫بمكونات النفس إيل صديق ‪ ,‬واملشاركة وتتحقق يف املساعدة‬
‫‪ ,‬والثالثة السلبية أو الضدية فقد تمثلت يف الكراهية وهي ضد‬
‫الحب أو الرغبة ‪ ,‬والجهر وهو ضد اإلرسار الذي يحققه حافز‬
‫التواصل ‪ .‬واإلعاقة وهي ضد املساعدة التي يحققها حافز‬
‫املشاركة « (‪)16‬‬
‫واستطاع جريماس ‪ Greimas‬أن يطور فكرة الحافزعند‬
‫تودروف إىل النظرية العامة التى عني فيها بالدور الوظيفى‬
‫للشخصية الروائية ‪ ،‬وذلك من خالل االعتماد عىل ستة محاور‬
‫هى ‪ :‬غاية الفعل والفاعل ومحور الرغبة ومحور الرصاع‪،‬‬
‫واملضادون ‪ ،‬واملساعدون (‪. )17‬‬
‫ومن ثم لم يخرج جريماس عن فكرة الحافز عند تودروف ألن‬
‫« (نظرية العامل الداليل أو (نظرية العامل) ‪ ،‬هى نظرية لغوية‬
‫سيميوطيقية تعتمد يف مجال الرواية عىل املشابهة بني النص‬
‫الروائى والجملة ىف احتواء كل منهما ‪ ،‬عىل مسند (فعل) ومسند‬
‫إليه (فاعل) أو (شخصية) وتفرع عن ذلك تقويم جريماس‬
‫الشهري ألدوار الفاعل ىف النص الروائى إىل ستة أدوار ‪ :‬املرسل ‪،‬‬
‫والفاعل ‪ ،‬واملرسل إليه‪ ،‬واملساعد ‪ ،‬واملوضوع ‪ ،‬واملعيق» (‪)18‬‬
‫‪.‬‬
‫عىل أن التطور الذى لحق بالحافز أو التحفيز عند البنيويني‬
‫ليس تطورا ً شموليا ً ‪ ،‬بل هو تطور محدود ‪ ،‬فمن املالحظ أن‬
‫التحفيز عند الشكالنيني لم يقف عند حوافز الشخصية فقط‬
‫مثلما فعل البنيويون بل إن الشخصية نمط واحد من أنماط‬
‫التحفيز ‪ ،‬وعليه فإننا نرى أن هذا التطور لم يلحق بكل أنماط‬
‫التحفيز ‪ ،‬وأن دراسة التحفيز والحوافز دراسة شمولية عند‬
‫الشكالنيني من املمكن أن تفض مغاليق عديدة ىف النص األدبى‬
‫السيما النص الروائى ‪ ،‬ويتضح ذلك من خالل متابعة األنماط‬
‫املختلفة للتحفيز عند الشكالنيني خاصة عند توماشفسكى‬
‫الذى يعد من أهم نقاد الشكالنية عناية بالتحفيز ىف النص‬
‫الروائى ‪.‬‬
‫ثالثا التحفيز يف النص الروائي العربي‬
‫يف النقد الروائي العربي عينت بعض الدراسات النقدية بالتحفيز‬
‫الروائي ‪ ،‬غري أن معظمها وقف عند الجانب التنظريى دون‬
‫أن يتجاوزه إيل التطبيقي ومن هذه الدراسات دراسة الدكتور‬
‫حميد لحمداني بعنوان «بنية النص الرسدي « (‪ )19‬وفيها رسد‬
‫مفهوم التحفيز وأنماطه عند «توماشفسكى» (‪ )20‬واقترص‬
‫عيل تلخيص الجانب النظري الذي ورد عند توماشفسكي دون‬
‫أن يتتبع هذا املعيار عند بقية الشكالنيني الروس بل وقف عند‬

‫حد النقل الحريف من بحث «نظرية األغراض « لتوماشفسكي‬
‫ويف الجانب التطبيقي من دراسته لم يعن بالدراسات النقدية‬
‫العربية التي تناولت التحفيز يف النص الروائي ولذلك جاء‬
‫الجانب النظري الذي عني فيه بالشكالنية والبنائية وعلم‬
‫الداللة البنائي منفصال عن الجانب التطبيقي الذي عني ببنية‬
‫النص الروائي من منظور النقد العربي ‪ ،‬خاصة ما يتعلق‬
‫باملقاربة الفنية للرسد عند الشكالنيني ‪.‬‬
‫ولم تختلف دراسة الدكتور عبد الرحيم الكردي كثريا عن دراسة‬
‫الدكتور حميد لحمداني فقد وقف عند حد عرض الحوافز‬
‫والتحفيز عند توماشفسكي كما هي يف « نظرية األغراض «‬
‫(‪ )21‬وعىل الرغم من أن هذه الدراسة أخذت رواية «الرجل الذي‬
‫فقد ظله نموذجا « إال أنها لم تطبق هذه املعايري النظرية عيل‬
‫الرواية ‪ .‬واكتفت يف الحالة التطبيقية بدراسة املستوي اللغوي‬
‫للرواية من حيث الخط واإلمالء وعالمات الرتقيم واأللفاظ‬
‫والصيغ الرصفية والرتاكيب النحوية والنظم وصور الكالم ‪ .‬أما‬
‫من حيث أساليب الرسد واتجاهاته وتراكيبه فقد عني باتجاه‬
‫الرسد وتركيبه وحجمه دون أن يحدث نوعا من التوافق بني‬
‫الجانبني النظري والتطبيقي ‪ .‬وفيما يتعلق بالتحفيز لم يعن به‬
‫يف الجانب التطبيقي ‪.‬ومن ثم تصبح املشكلة التي تعاني منها‬
‫الدراسات النقدية الروائية أن التنظري يف واد و التطبيق يف واد‬
‫آخر ‪ ،‬وغالبا ما ترسف الدراسات النقدية الروائية يف الجانب‬
‫التنظريي دون التطبيقي ‪ ,‬بل إن األغلب األعم منها يقف عند‬
‫جانب التنظري دون اللجوء إىل محاولة التطبيق‪.‬‬
‫عىل أن هناك محاولة تطبيقية يف النقد الروائي العربي قامت بها‬
‫الدكتورة يمنى العيد يف دراستها عن « تقنيات الرسد الروائي يف‬
‫ضوء املنهج البنيوي «‪ .‬وفيها عنيت بدراسة الحافز وفق مفهومي‬
‫تودروف ‪ ،‬وجريماس ولم تخرج عن ارتباط الحافز بالشخصية‬
‫مثلما فعل تودروف وجريماس عىل الرغم من لجوئها إىل بعض‬
‫التطوير النسبي يف مفهوم الحافز من حيث عدد الحوافز ال من‬
‫حيث ماهيتها‪.‬‬
‫فبعد أن عرضت للحوافز الستة عند تودروف رأت « أن هذه‬
‫الحوافز سواء ما كان منها إيجابيا أو سلبيا هي حوافز نشطة ‪،‬‬
‫أي إنها تدفع إىل فعل ما أو قل إن هذه الشخصيات واستنادا إىل‬
‫هذه الحوافز تنشط إىل فعل ما له بالحوافز الثالثة األوىل صفة‬
‫إيجابية (فهو يقرب) وله بالثالثة األخرى صفة سلبية (فهو‬
‫يبعد) ويمكننا أن نالحظ أيضا أن أفعال هذه الحوافز النشطة‬
‫التي تقوم بها شخصيات إنما هي أفعال تقع عىل شخصيات‬
‫أخرى ‪ .‬ثمة من يفعل (فاعل فعل) وثمة من يقع عليه الفعل‬
‫(موضوع فعل)‪ .‬وهذا ما يجعلنا نرصد مقابل كل حافز نشط‬
‫حافزا سكونيا وبذلك يصبح عدد الحوافز (‪ )12‬حافزا موزعة‬
‫عىل النحو التايل ‪ )3( :‬حوافز أساسية ترتب عليها وعىل أساس‬
‫من قاعدة التضاد (‪ )3‬حوافز أخرى‪ .‬ثم ترتب عىل هذه الحوافز‬
‫الستة وعىل أساس من القاعدة السكونية (‪ )6‬حوافز»(‪. )22‬‬
‫وتصل من خالل ذلك إىل ستة عوامل للعمل الرسدي من حيث‬
‫هو حكاية هذه العوامل هي ‪ :‬املرسل واملرسل إليه ‪ ،‬الفاعل‬
‫واملوضوع واملساعد واملعيق»‪ .‬ويف حقيقة األمر أن هذه العوامل‬
‫هي نفسها معظم الحوافز التي وضعها تودروف وهي كل‬
‫الحوافز التي وضعها جريماس يف «نظرية العامل» وهي املرسل‬
‫والفاعل واملرسل إليه واملساعد واملوضوع واملعيق» (‪. )23‬‬

‫بل إن يمنى العيد ترصح بذلك يف هامش الدراسة (‪ )24‬وترجع‬
‫الفضل يف بلورة هذه العوامل الستة إىل جريماس ‪ ,‬وإذا كان‬
‫األمر كذلك فما اإلضافة التى أضافتها يمنى العيد ىف الجانب‬
‫النظري ؟ إننا ال نرى إضافة تذكر عىل حوافز تودروف أو «‬
‫نظرية العامل « لجريماس ‪ .‬فضال عن أن هذه الحوافز عند‬
‫البنيويني كما ذكرنا لم تخرج عن حوافز الشخصية التى هي‬
‫نمط واحد من أنماط الحوافز التحفيزية ‪.‬‬
‫ثم تنتقل يمنى العيد إىل الجانب التطبيقي وتطبق عىل قصة «‬
‫مضجع العروس « من مجموعة جربان خليل جربان القصصية‬
‫املعنونة ب « األرواح الحائرة « ‪ .‬وتبدأ بتلخيص القصة ثم‬
‫تنتقل إىل تحليل الشخصيات ىف عالقتها مع بعضها البعض‬
‫(‪ )25‬خاصة عالقة ليىل بسليم والعريس ونجيبة و سوسان‬
‫‪ ,‬ثم عالقة سوسان بسليم وليىل ثم عالقة نجيبة بليىل وسليم‬
‫و الناس ‪ .‬لتحل بذلك وعى األنا الجماعية محل األنا الفردية‬
‫‪ .‬عىل أن هذا اإلحالل يتضح من خالل املستوى الداليل لكل‬
‫الشخصيات ‪ ,‬وفق هذا التصور فان النص الروائي كلما اتسمت‬
‫شخصياته بعمق الرؤية أدى ذلك إىل الثراء الداليل للشخصيات‬
‫‪ ,‬ومن ثم ال يقترص األمر عىل استبدال شخصية املرسل إليه بل‬
‫من املمكن أن تستبدل شخصيات املرسل واملعيق و تنتقل من‬
‫إطارها الذاتي إىل إطارها املوضوعي ‪.‬‬
‫أضف إىل ذلك أن إضافة الحافز السكوني يف مقابل الحافز‬
‫النشيط اتسم بضمور الرؤية ‪ ,‬و عدم التحديد الدقيق ملفهوم‬
‫الحافز السكونى فإذا كان السكون هو مقابل الحركة أو النشاط‬
‫‪ ,‬وااليجابي هو املقابل للسلبي – عىل حد تعبري الباحثة ‪ .‬فوفق‬
‫هذا التصور نجد التحليل لم يوضح املاهية الدقيقة للحافز‬
‫الساكن ‪ ,‬وإذا أخذنا بمقولة العلميني « ان لكل فعل رد فعل‬
‫مساويا له يف املقدار و مضادا له يف االتجاه « فان السكون املقرتن‬
‫بالشخصية يف النص األدبي ليس سكونا عدميا لكنه سكون‬
‫فاعل ‪ ,‬غري أن هذه الفاعلية قد تكون حسية وقد تكون معنوية‬
‫‪ .‬بل قد يكون السكون املعنوى القهري أقوى من الفعل املادي‬
‫املبارش ألنه – يختزل تفاعالته لحني إيجاد الواقع املناسب لرد‬
‫الفعل ‪ .‬فإذا كان الرد مبارشا يف النظرية العلمية ألنها تتعامل‬
‫مع عنرص املادة فقط فان رد الفعل يف املشاعر اإلنسانية قد‬
‫يكون مبارشا وحينئذ يكون ( تفاعليا خارجيا ) ‪ ,‬وقد يكون غري‬
‫مبارش وحينئذ يكون ( تفاعليا داخليا ) ‪ .‬لكن السكون بمفهومه‬
‫الدقيق يعنى به إخراج الذات من عنرص الحركة بمستوييها‬
‫الداخيل والخارجي ‪ ,‬أو لنقل موت الذات و عدميتها ‪ ,‬وهذا ما‬
‫لم يتحقق يف كل الشخصيات التى تم االستشهاد بها عىل عنرص‬
‫الحافز الساكن ‪ ,‬و الشخصيتان اللتان انطبق عليهما عنرص‬
‫السكون هما شخصيتا ؛ ليىل و سليم بعد مقتل الثاني و انتحار‬
‫األوىل ‪ ,‬ألنه الفعل املقرتن بهما داخليا و خارجيا وصل إىل حد‬
‫الثبات و السكون و العدمية ‪ ,‬و نقف عىل سبيل التمثيل عند‬
‫بعض أمثلة الحافز الساكن عىل حد تعبري الباحثة تقول عىل‬
‫سبيل التمثيل ‪ ( « :‬ليىل تحب سليم ) نحن هنا أمام حافز الرغبة‬
‫يف شكله األبرز ‪ :‬الحب و نحن بالنظر إىل هذا الحافز يف اتجاهه‬
‫من ليىل إىل سليم إنما ننظر إىل هذا الحافز يف كونه حافزا ايجابيا‬
‫نشطا يجد مقابله حافزا سكونيا هو حافز االستقبال عند سليم‬
‫« (‪. )26‬‬
‫فهى ترى أن حب ليىل لسليم يدخل ضمن الرغبة وهو إيجابي‬

‫‪47‬‬

‫نشط ‪ ,‬ونحن نتفق معها يف ذلك وفق تصور‬
‫تودروف و جريماس ألن حب ليىل لسليم يدخل‬
‫يف دائرة الرغبات الشعورية و النفسية ‪ ,‬وهذه‬
‫الرغبة تعد أمرا إيجابيا و نشيطا ملا تثريه عاطفتا‬
‫الرغبة و الحب من تجدد و حيوية ونشاط ‪,‬‬
‫غري أن األمر الذي ال نتفق فيه مع الباحثة هو ما‬
‫أطلقت عليه الحافز الساكن و تعني أن استقبال‬
‫سليم لحب ليىل له كان حبا ساكنا وال ندري‬
‫كيف يكون ساكنا وهو يبادلها نفس الحب‬
‫و الرغبة يف التوحد و الزواج و مما يؤكد هذا‬
‫التناقض لنفسها أن هذا الحافز الذي وصفته‬
‫بأنه حافز ساكن وهو استقبال سليم لحب ليىل‬
‫له تراه ىف الفقرة التالية أنه حافز إيجابي نشط‬
‫واستقبال ليىل لهذا الحب يعد حافزا ساكنا وهو‬
‫ما رأته حافزا إيجابيا ىف الفقرة السابقة تقول‬
‫عن حب سليم لليىل ‪ ( « :‬سليم يحب ليىل ) ونحن‬
‫بالنظر إىل هذه العالقة باتجاهها من سليم نحو‬
‫ليىل ‪ ,‬إنما ننظر أيضا إىل حافز الرغبة يف شكله‬
‫األبرز ‪ :‬الحب ‪ .‬و هذا الحافز هو ‪ ,‬كما نعلم حافز‬
‫إيجابي نشيط ‪ ,‬وهو هنا يجد مقابله حافزا‬
‫سكونيا هو االستقبال عند ليىل « (‪ . )27‬هذا‬
‫التناقض يتضح نتيجة عدم دقة املفاهيم النقدية‬
‫خاصة مفهوم السكون أو الحافز الساكن ‪ .‬بل‬
‫إن هذا التناقض يتبدى عىل الرغم من محاولة‬
‫الباحثة توضيح الفرق بني الحافز الساكن و‬

‫‪48‬‬

‫الحافز النشط فتقول مستطردة عىل ما سبق ‪« :‬‬
‫إن التمييز بني حافز نشط و حافز سكوني إنما‬
‫هو تمييز لحركة العالقة يف املنطلق و التوجه ‪,‬‬
‫وبالتايل هو إفصاح عن بعض خيوطها املكونة‬
‫لها ‪ ,‬وعن طابع هذه الخيوط يف فعل نسجها‬
‫بني الشخصيات ‪ ,‬مما يحملنا عىل القول بأن‬
‫العالقة ليست بمثابة جرس يحمل ويلقى بني‬
‫الشخصيات ‪ ,‬أو أن الحب مثال ليس قبضة‬
‫مشاعر مستقلة قائمة بني (أ) و (ب) ‪ ,‬بل إن‬
‫الحركتني متمايزتان و مختلفتان وقد تناقض‬
‫الواحدة منهما األخرى ‪ ,‬وقد توازيها ‪ ,‬لكن دون‬
‫أن تماثلها أو تتماهى فيها « (‪. )28‬‬
‫ومن منطق هذا املفهوم فإن التفرقة بني‬
‫النموذجني عىل املستوى التطبيقي عند الباحثة‬
‫ليست دقيقة ‪ ,‬فاعتمادا عىل عنرص الحركة التي‬
‫هي ضد السكون كيف يكون حب ليىل لسليم أو‬
‫العكس مرة يكون حافزا نشطا ويف الوقت نقسه‬
‫يكون حافزا ساكنا ‪ ,‬ولذلك نرى أن اإلضافه التى‬
‫ظنت الباحثة أنها أضافتها إنما هي عىل املستوى‬
‫النظري ولكن عىل املستوى التطبيقي يصعب‬
‫تحقيق ذلك ‪ .‬وما يقال عن حب ليىل لسليم و‬
‫العكس بقال أيضا عن كراهية ليىل لنجيبة و‬
‫العكس خاصة بعد أن اكتشفت ليىل كذب نجيبة‬
‫وتآمرها عىل حبها لسليم فتارة تكون كراهية‬
‫لييل لنجيبة و العكس حافزا ساكنا ‪ ,‬دون‬

‫وجود حدود دقيقة للتفرقة بينهما عىل املستوى‬
‫التطبيقي ‪ ,‬يضاف إىل ذلك أن عالقة الشخصيات‬
‫مع بعضها ليست هي كل التحفيز وفقا ألنماط‬
‫التحفيز وماهيته عند الشكالنيني ‪ ,‬بل إن تحفيز‬
‫الشخصية و حوافزها نمط واحد من أنماط‬
‫التحفيز وإن كانت الباحثة قد آثرت مفهوم‬
‫البنيويني لكن ذلك ال ينفى اإلفادة و التطوير‬
‫الشمويل وفقا آلراء املدرستني – الشكلية و‬
‫البنيوية – خاصة أن الثانية جاءت امتدادا لألوىل‬
‫ال سيما قضية التحفيز ‪ .‬وحتى ىف إطار تحفيز‬
‫الشخصية كان من املمكن دراسة الشخصيات‬
‫مع بعضها البعض وفقا لعملية التباديل و‬
‫التوافيق بحيث يكون هناك معيار علمي محدد‬
‫لعالقات الشخصيات مع بعضها البعض دون‬
‫إسرتاتيجية علمية تحكم إطار هذه العالقات –‬
‫اللهم إال تناول أوجه االئتالف و االختالف بني‬
‫بعضها البعض ‪ .‬ال يجهل خصوصية مميزة‬
‫لهذا املنهج أو لهذه الحوافز ‪ .‬الن هذه العالقات‬
‫بهذه الكيفية يمكن تناولها تحت أى منهج‬
‫من املناهج ويمكن التقديم والتأخري يف عالقات‬
‫الشخصيات مع بعضها البعض دون خصوصية‬
‫لتتابع عالقات هذه الشخصيات ‪ .‬عىل أننا نصل‬
‫من خالل هذا التصور للشكالنيني والبنيويني إيل‬
‫تصور شمويل آلليات التحفيز يف النص الروائي‬
‫وفق تصور شلوفسكي وتوماشفسكي عند‬

‫الشكليني وما طرأ عىل هذا التصور من التطور‬
‫عند بعض البنيويني خاصة تودروف وجريماس‬
‫وما نراه مناسبا من سمات أخرى لهذه الحوافز‬
‫نتيجة التطور الذي لحق بالرواية املعارصة ‪ ,‬عيل‬
‫أن التطور الذي لحق بالتحفيز عند البنيويني‬
‫واملدارس النقدية بعدها جاء امتدادا للمدرسة‬
‫الشكلية ‪ .‬ومن ثم سيكون تصورنا متوافقا مع‬
‫التطور التاريخي للحوافز أو التحفيز من ناحية‬
‫ومع واقع تطور الرواية املعارصة من ناحية‬
‫ثانية ويراعي عدم تكرار أنماط التحفيز أو‬
‫الحوافز التي تكررت يف سياق التطور النقدي‬
‫هوامش البحث‬
‫( * ) هذا املبحث التنظريي هو جزء من دراسة‬
‫للباحث بعنوان « آليات املنهج الشكيل يف نقد‬
‫الرواية العربية « وللمزيد حول هذا املبحث او‬
‫املبحث التطبيقي له يتم العودة للدراسة املذكورة‬
‫‪ ,‬دار الوفاء ‪ ,‬اإلسكندرية‬
‫‪ -1‬انظر ‪ :‬بوريس ايخنباوم ‪ :‬سابق ‪،‬ص ‪. 48‬‬
‫‪ -2‬انظر ‪ :‬ف شلوفسكي بناء القصة القصرية‬
‫والرواية ‪ ،‬نصوص الشكالنني الروس ص‪-123‬‬
‫‪. 124‬‬
‫‪ -3‬انظر ‪ :‬ف شلوفسكي ‪ :‬نفسه ص‪. 125‬‬
‫‪ -4‬انظر ‪ :‬بوشكني ‪ :‬األعمال الكاملة «النارش‬
‫‪،‬باريس ‪، 1953‬صانع النعوش «ترجمة ‪:‬‬

‫وانظر‬
‫نصوص الشكالنني ص‪. 183‬‬
‫‪ -5‬انظر ‪ :‬توماشفسكي نظرية االغراض‬
‫نصوص الشكالنيني الروس ص‪183 – 182‬‬
‫‪ -6‬انظر توماشفسكي بحث سابق ص‪. 184‬‬
‫‪ -7‬نفسه ص ‪. 194-193‬‬
‫‪ -8‬انظر نفسه ص‪. 196 – 195‬‬
‫‪ -9‬انظر نفسه ص‪. 196 -195‬‬
‫‪-10‬نفسه ص‪. 197‬‬
‫‪ -11‬نفسه ص ‪. 199‬‬
‫‪ -12‬نفسه ص‪. 201-200‬‬
‫‪ -13‬نفسه ص‪. 201‬‬
‫‪ -14‬نفسه ص‪. 207‬‬
‫‪ -15‬رامان سلدن ‪ :‬النظرية األدبية املعارصة‬
‫ترجمة د‪ .‬جابر عصفور دار الفكر للدراسات‬
‫والنرش والتوزيع القاهرة ‪ 1991‬ص‪. 33‬‬
‫‪ -16‬انظر ‪ :‬املجلة الفرنسية‬
‫‪Todorov ,»lescategories du‬‬
‫‪recit‬‬
‫‪,seuil ,8.litteraire communications N‬‬
‫وانظر يمني العيد ‪ ،‬تقنيات الرسد‬
‫‪1966‬‬
‫الروائي ‪ ,‬دار الفارابي لبنان ‪ 1990 ,‬ص ‪51‬‬
‫ـ ‪52‬‬
‫‪ 17‬ـ للمزيد انظر ‪ :‬جريماس يف كتابه الداللة ا‬
‫لهيكلية‬
‫‪Greimas (olgirdas julien) Sementique‬‬

‫‪,structural , larousse , Dusems.‬‬
‫‪1970,Seuil‬‬
‫‪ -18‬انظر د‪ .‬صالح فضل نظرية البنائية يف‬
‫النقد األدبي األنجلو املرصية ‪1980‬ص‪. 158‬‬
‫‪ -19‬د‪ .‬حميد لحمداني ‪ :‬بنية النص الرسدي‬
‫املركز الثقايف العربي الدار البيضاء ط(‪)2‬‬
‫‪1993‬‬
‫‪ -20‬انظر نفسه ص ‪. 23-20‬‬
‫‪ -21‬انظر د‪ .‬عبد الرحيم الكردي الرسد يف‬
‫الرواية املعارصة ص‪ 34-27‬ونظرية املنهج‬
‫الشكيل ص‪.195-180‬‬
‫‪ -22‬د‪ .‬يمني العيد تقنيات الرسد الروائي مرجع‬
‫السابق ص‪. 52‬‬
‫‪ -23‬هذه العوامل هي نفسها التي وضعها‬
‫جريماس انظر البحث (محور فكرة الحافز عند‬
‫جريماس ) وانظر املرجع السابق للدكتورة‬
‫يمني العيد ص‪. 52‬‬
‫‪ -24‬انظر نفسه ص‪. 53‬‬
‫‪ -25‬للمزيد انظر د‪.‬يمني العيد تقنيات الرسد‬
‫الروائي يف الضوء املنهج البنيوي مرجع سابق‬
‫ص‪. 68-45‬‬
‫‪-26‬يمني العيد مرجع سابق ص‪-56‬‬
‫‪ -27‬نفسه ص‪. 56‬‬
‫‪ -28‬نفسه ص‪. 57-56‬‬

‫‪49‬‬

‫صدر مع نهاية هذا العام عن دار الساقي ودار أوركس كن ٌز ال مثيل له من‬
‫كنوز الرتاث العربي هو "ديوان التدبيج" ِل عبد املنعم بن عمر بن حسَّ ان‬
‫يس الذي عارص صالح الدين األيوبي والحروب الصليبية‪.‬‬
‫الجلياني األندل ّ‬
‫ّ‬
‫وهو عمل ٌّ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫الحق"‪،‬‬
‫سابق وال يلحق مدى الدهر شأوَه‬
‫فذ "لم يسبق إىل مثله‬
‫عبقري من عباقرة االبتكار واإلبداع‪ ،‬شاعرا ً‬
‫والجلياني‬
‫كما يقول عنه مؤلِّفه‪.‬‬
‫ٌّ‬
‫ُّ‬
‫وناثرا ً وفنَّاناً‪ .‬ويف ابتكاره ملفهوم املُدبَّجَ ة ما يبلغ درجة االعجاز‪ .‬وامل ُ َدبَّجَ ة‬
‫ٌ‬
‫معج ٌز تدبيجُ ه فاق ح َّد الشعر بسطا ً وانرساحا‪ ،‬ألنها تركيب‬
‫"ابتداع‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫شعري‪ ،‬من مطلق ولزومي‪ ،‬كثريا ما يمتزج بالنثر‪ ،‬تتناسج فيه كلمات‬
‫القصائد وتتقاطع وتتداخل وتتواشج وتخرج بعضها من بعض‪ ،‬لتتشكل‬
‫من الكلمات املتداخلة والصورة الواحدة عد ُة قصائد يرسمها الجلياني‬
‫يف لوحات مذهلة‪ :‬فهنا شجرة وطفاء‪ ،‬وهنا سجَّ ادة باهرة‪ ،‬وهنا فراشة‬
‫مرفرفة‪ ،‬وهنا ص َد َفة أرسا ٍر و ُد َر ٍر تخطف العني‪ ،‬وهنا تشكيالت هندسية‬
‫ُ‬
‫ألوان الكلمات والفصوص التي ُتكتَب فيها‪،‬‬
‫يزيغ لها البرص‪ ،‬تتعدد فيها‬
‫ً‬
‫ِّ‬
‫واألوراق واألشكا ِل‪ ،‬لتولد منظرا يروع العني كما هي مروِّعة‬
‫واألغصان‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫ٌّ‬
‫باطني صويف يكتنه العالم ببصرية‬
‫للفكر‪ .‬ووراء كل ذلك يحتجب تص ُّو ٌر‬
‫ٌّ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫وجمال صور ال يملكها إال الذين‬
‫وبراعة شعرية وثرا ُء لغة‬
‫ال يملكها سواه‪،‬‬
‫يختصهم الله بما يشاء لهم من امتياز‪.‬‬
‫ُّ‬
‫وقد قمتُ بتحقيق هذا العمل العظيم باالشرتاك مع أستاذي ومعلمي‬
‫الربفيسور كمال أبو ديب‪ ،‬أستاذ كريس الدراسات الرشقية والعربية بجامعة‬
‫لندن‪ .‬ويض ُّم الكتاب دراسة مطولة للشعر املجسَّ د برصياً‪ ،‬يف سياق مقارن‬
‫مع ما يعرف باإلنكليزية بالشعر املحسوس أو املجسَّ م‬
‫(‪.)concrete poetry‬‬

‫د‪ .‬دالل محمد بخش‬
‫‪50‬‬

‫يجسِّ د ديوان التدبيج واحدة من الذرى العليا لإلبداع يف الثقافة العربية‬
‫والحضارة العربية يف آن واحد‪ .‬وهو يفعل ذلك بطريقتني‪ :‬األوىل هي الولَ ُه‬
‫الواعي الذي ِّ‬
‫يشكل هوسا ً معرفيا ً حقيقيا ً بفكرة اإلبداع‪ .‬فاإلبداع هنا قيمة‬
‫ً‬
‫عليا‪ ،‬أخالقيا ً وجماليا‪ .‬والثانية هي ُّ‬
‫تحققه النصيِّ الفيزيائي من حيث هو‬
‫نص فنِّي تشكييل شعري‪ .‬فديوان التدبيج فعل إبداعي من أرفع مستوى‪.‬‬
‫ٌّ‬
‫ً‬
‫روعة‬
‫وليس ثمَّة فيما رأيناه من إنتاج فنِّي يف الرتاث العربي ما يضارعه‬
‫َ‬
‫وابتكارية وجماال ً‬
‫َ‬
‫وإتقان تصميم وهندس ٍة وتنفيذ‪ .‬وحني‬
‫وفتنة تخ ُّي ٍل‬
‫يجمع العمل‪ ،‬أيُّ عمل (من زراعة البطاطا إىل ف ِّن النحت وصناعة السفن‬
‫الفضائية)‪ ،‬بني اإلبداع والروعة والجمال وسحر التخيُّل واإلتقان يف‬
‫الهندسة والتنفيذ يصل ٍّ‬
‫بحق إىل مرتبة املعجز ويكون تجسيدا ً لجوهر ثمني‬
‫يف تكوين الثقافة التي إليها ينتمي ومنها يمتاح‪ .‬ومثل ذلك هو ما تفتقر‬
‫إليه الثقافة العربية املعارصة يف كل وجه من وجوهها من زراعة البطاطا‬
‫إىل ممارسة الحكم‪.‬‬
‫وتتمثل الوجهة األوىل للفذاذة اإلبداعية لهذا السِّ ْفر الفائق من أسفار الخلق‬
‫الفنِّي يف عرشات املقاطع التي تتخلَّله ويعبرِّ فيها مبتدعُه عن إحساسه‬
‫الغامر بفرادة ما يبتكره ونشوته املتفجِّ رة اعتزازا ً بطاقاته اإلبداعية‬
‫بالقياس إىل ما كان يف املايض‪ ،‬وما هو كائن يف زمنه‪ ،‬وما سيكون يف أزمنة‬
‫تاليات‪ .‬وال نعرف يف الرتاث العربي صوتا عىل هذه الدرجة من االنتشاء‬
‫بإبداعه واملجاهرة بهذا االنتشاء دون أيِّ إحساس بالحرَج أو ا ِّدعا ٍء مفتعَل‬
‫للتواضع‪ .‬ويكفي أن نقرأ ما يقوله الجلياني يف املقاطع التالية وهو يتح َّدث‬
‫عن ُم َدبَّجاتٍ ابتكرها لندرك صفاء هذا الصوت ونقاء إيمانه بسحر اإلبداع‬
‫وسحر مايبدعه هو ذاته‪.‬‬
‫ً‬
‫مسك ختام‪ ،‬نو ّد أن يكون نرش هذا الكتاب الفائق حافزا لبذل جهود أعظم‬
‫للبحث العلمي الدقيق عن الكنوز الخبيئة يف الرتاث العربي‪ ،‬من جهة‪،‬‬
‫ولتطوير سبل دعم البحث والنرش يف العالم العربي من جهة ثانية‪ .‬جدة‬
‫غرة شهر صفر ‪1413‬ه‬

‫يسعى اإلنسان إىل مراحل شاسعة عىل درب‬
‫الحضارة واملدنية‪ ،‬وأصبح بني قلق وشوق‬
‫ورجاء‪ ،‬ليأتي بمزيد بما جاء‪ ،‬ووصل إليه من‬
‫علم يف الرب والبحر والفضاء‪ ،‬بفضل من الله الذي‬
‫آتاه من العلم القليل‪ .‬ربما من منطلق أن الرضا‬
‫عما توصلنا إليه هو أول مؤرشات الفناء لسمات‬
‫وقدرات أنعم الله عىل اإلنسان بها‪ .‬قال تعاىل‪:‬‬
‫ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ‬
‫ﰂ ﰃ [النساء‪.]113‬‬
‫ومع رسعة التقدم يف عالم اليوم‪ .‬وتعقد مجاالت‬
‫التكنولوجيا يف عرص املعلوماتية‪ ،‬جاءت الحاجة‬
‫ملعالجة املزيد من املشكالت يف النظم والعالقات‪،‬‬
‫وأصبح اإلنسان يف حاجة إىل عقول مفكرة‬
‫ومبدعة وموهوبة ومتفوقة؛ بل وفائقة؛ لتأتي‬
‫بحلول أصيلة جادة وجديدة‪ ،‬قد تهدئ وتخفف‬
‫من حدة ما يعانيه اإلنسان يف العرص الحديث‪،‬‬
‫وتحافظ عىل ما حققه من إنجازات ومبتكرات‪.‬‬
‫وأصبح عىل الدول التي تنشد التقدم‪ ،‬وتريد أن‬
‫ً‬
‫مرموقا وسط هذا العالم‬
‫تتبوأ لنفسها مكا ًنا‬
‫املتغري املتطور‪ ،‬أن تنظر إىل الثروة البرشية‪،‬‬
‫ورأس مال البرش األقوى وهو العقل والعمل‪،‬‬
‫بعني ملؤها األمل‪ ،‬وخاصة إىل هؤالء الذين‬
‫تتوافر لديهم القدرات واملهارات والسمات التي‬
‫تمكن من رسم وتنفيذ وتطوير خطط مرشقة‬
‫للمستقبل قبل أن نقول إنه وىل وأدبر‪.‬‬
‫لقد تحققت أعظم اإلنجازات عرب نوعني من‬
‫البرش‪ :‬مبدعني وعباقرة يعرفون أنها قابلة‬
‫للتحقق‪ ،‬وأغبياء يعرفون أنها مستحيلة التحقق‪،‬‬
‫ناهيك عن منتهزي الفرص الذين يستغلون‬
‫مستويات هذه األنواع لصالحهم‪.‬‬
‫واملوهوبون واملتفوقون عقليًّا واملبدعون سوف‬
‫يبقون عىل رأس هؤالء؛ ولذلك فهم ذخرية يجب‬
‫أن ُتصان و ُتنمَّى‪ ،‬وال يجوز أن تبدد‪ ،‬فهم نرصة‬
‫للدول ولألمم‪ ،‬وقوة لها‪ ،‬وهم العلم والقلم الذي‬
‫يبني األمجاد ويكتب التاريخ‪ ،‬وهم وديعة الوطن‬
‫وثروته‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫إن الدول املتقدمة‪ ،‬كانت – وال تزال‪ -‬أكثر من‬
‫ً‬
‫إدراكا ألهمية التفوق العقيل ‪Mental‬‬
‫غريها‬
‫‪ Superiority‬واإلبداع واالبتكارية ‪Creativity‬‬
‫ورعايتها لدى األبناء منذ طفولتهم‪ .‬وأصبحت‬
‫رعاية املجتمع ألبنائه من املتفوقني من الدالئل‬
‫الجوهرية عىل مدى تقدم املجتمعات ونضجها‪..‬‬
‫من منطلق أن العناية بالقدرات العقلية العليا‬
‫البرشية هو السبيل الستغالل طاقاته الطبيعية‪،‬‬
‫كما أن رعاية املجتمع ألبنائه أصحاب املواهب‬
‫واإلبداع يشري إىل مدى وعيه وتصميمه عىل‬
‫استغالل كل جزء من الطاقات العقلية املوجودة‬
‫لديه وتحويلها إىل إنجازات تصبح موفورة لديه‪،‬‬
‫قبل أن تذوب بني يديه وهو ناظر بعينيه غري‬
‫موجه للبرص والبصرية‪.‬‬
‫وتعترب مؤرشات التفوق العقيل واملوهبة واإلبداع‬
‫أمورًا قديمة الحظها املفكرون منذ أقدم العصور‪،‬‬
‫وعىل الرغم من أنها بدأت بداية فلسفية‪ ،‬وقبلها‬
‫نسبت ألمور خرافية إال أنها يمكن أن تؤخذ‬
‫كقرينة عىل أهمية هذه الجوانب لدى اإلنسان‬
‫منذ طفولته‪ ،‬وحاجة البرشية للكشف عن هؤالء‬
‫الذين يمتازون عن غريهم بصفات تمكنهم‬
‫من تقديم حلول أصيلة فيها املرونة‪ ،‬وقيادة‬
‫مجتمعات يف عصور شاعت فيها األزمات التي‪-‬‬
‫ربما‪ -‬آلت إىل نكبات‪.‬‬
‫لقد اهتم املسلمون بالعقل باعتباره الوسيلة إىل‬
‫التفكري والتفكر‪ ،‬كما الحظوا التباين بني األفراد‬
‫من حيث اإلمكانات والقدرات‪ ،‬ونظروا للعقل‬
‫عىل أنه اآللة يف تحصيل املعرفة‪ ،‬وبه تضبط‬
‫املصالح‪ ،‬وتلحظ العواقب‪ ،‬وتدرك الغوامض‬
‫وتجمع الفضائل‪ ،‬وأن العقالء يتفاوتون يف‬
‫موهبة العقل ويتباينون يف تحصيل ما يتقنون‬
‫من التجارب والعلم‪ .‬لقد كان ذلك من رؤى‬
‫املسلمني منذ أكثر من ‪ 1400‬عام‪ ،‬أي ليس‬
‫منذ قرن ؛ بل منذ قرون من الزمان‪ ،‬يف أكثر‬
‫من مكان‪ ،‬ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ‬
‫ﯿ ﰀ [البقرة‪.]219‬‬

‫وترجع بداية اهتمام الغرب بدراسة املتفوقني‬
‫عقليًّا إىل دراسات جالتون يف عام ‪1892‬م التي‬
‫أشار فيها إىل دور العوامل الوراثية يف التفوق‬
‫واملوهبة‪ ،‬وذلك من خالل دراسة مشاهري يف‬
‫مجاالت القضاء والسياسة والجيش واألدب‬
‫والشعر واملوسيقى وحتى الدين‪ .‬ثم تتابع‬
‫االهتمام بعد ذلك حيث سعت بعض الدول‬
‫لرعاية املوهوب واملتفوق منذ بداياته‪ ،‬أي وجهت‬
‫الرعاية إىل األطفال‪ ،‬وذلك يف أواخر القرن التاسع‬
‫عرش‪ ،‬وكان املؤرش لهؤالء تقدمهم عىل الزمالء يف‬
‫الدراسة واملدرسة‪ ،‬فأنشأت لهم فصوال ً خاصة‬
‫لتوفري أفضل السبل لحسن االنتفاع بما لديهم‬
‫من قدرات ومهارات‪ .‬ولقد ظلت املشكلة بعد ذلك‬
‫تتعلق باملحك الذي يمكن االعتماد عليه يف التعرف‬
‫عىل فئات املوهوبني واملتفوقني واملبدعني‪ ،‬وكيفية‬
‫رعايتهم وال تزال قضية املوهوبني واملتفوقني‬
‫واملبدعني قضية قديمة وحديثة وتحتاج دومًا‬
‫ملزيد من الجهود الحثيثة‪.‬‬
‫لقد أوضحت الدراسات أن الغالبية العظمى من‬
‫الطلبة املوهوبني يف أغلب أنحاء البالد العربية‬
‫وغريها يقضون معظم الوقت داخل القاعات‬
‫الدراسية‪ ،‬ونتيجة لذلك فإن ما يحدث يف بيئة‬
‫الفصل الدرايس يكون له أثر كبري عىل مدى تعلم‬
‫هؤالء الطالب املوهوبني وعىل شعورهم تجاه‬
‫املدرسة أو الجامعة واملواد التي يدرسونها‪ .‬إن‬
‫هؤالء الطلبة هم «األفضل واألكثر تمي ًزا» ممن‬
‫يمكن أن تنجبهم هذه البالد العربية وما يحدث‬
‫لهم ومنهم يف قاعات الدرس يؤثر بشكل مبارش‬
‫عىل مستقبل هذه األمة‪.‬‬
‫واملثري للدهشة أنه عىل الرغم من هذه األهمية‪،‬‬
‫فإن القليل من الدراسات قد تناولت ما يحدث‬
‫للطالب املوهوبني داخل الفصل الدرايس‬
‫والقاعات الدراسية؛ بل وحتى عىل طاوالت‬
‫املختربات‪.‬‬
‫إن معلمي األطفال املوهوبني يؤمنون بأن‬
‫احتياجات هؤالء الطالب مختلفة عن األطفال‬

‫أ‪.‬د‪ .‬زكريا الرشبيني‬
‫األستاذ بقسم علم النفس‬
‫املوجودين يف الفصول العادية‪ ،‬وأن املناهج‬
‫يجب أن يتم تعديلها إن كنا نرغب يف أن نقابل‬
‫هذه االحتياجات‪ ،‬كما أن املعلمني يف هذه األيام‬
‫يواجهون تحديًا يف كيفية مقابلة احتياجات كل‬
‫األطفال يف الفصول املختلفة‪ .‬وينسحب ذلك عىل‬
‫األساتذة والطالب يف قاعات املحارضات يف كثري‬
‫من الجامعات‪.‬‬
‫ولذلك فإن الغرض رفعة األمة وشأنها من خالل‬
‫مساعدة املعلمني واآلباء وأساتذة الجامعات عىل‬
‫تحديد األطفال والطالب املوهوبني والكشف‬
‫عنهم من بني جموع األطفال واملراهقني والشباب‬
‫‪ ،‬والعمل عىل توجيههم ورعايتهم إذا ارتضينا‬
‫مكونني أساسيني فيهم عىل األقل هما‪ :‬الذكاء‬
‫واإلبداع‪.‬‬
‫إن النظريتني الحديثتني اللتني تؤثران يف تفكرينا‬
‫يف الوقت الحايل فيما يتعلق بنظرتنا إىل الذكاء‬
‫واختبارات الذكاء هما‪ :‬نظرية جاردنر ‪Howard‬‬
‫‪ Gardner‬ونظرية سترينربج ‪Robert‬‬
‫‪ .Sternberg‬كما أن الوجهتني اللتني تؤثران‬
‫فينا فيما يتعلق باإلبداع هما وجهة تورانس‬
‫‪ Torrance‬وجيلفورد ‪ ،Guilford‬ووجهة دي‬
‫بونو ‪.Pono‬‬
‫لقد أوضح ‪ Sternberg‬أن الذكاء له ثالثة جوانب‬
‫رئيسة وهي‪ :‬الجانب التحلييل ‪،Analytical‬‬
‫واإلبداعي ‪ ،Creative‬والعميل ‪ ،Practical‬وأن‬
‫الذين يمرون من اختبارات الذكاء بنجاح عليهم‬
‫أن يتفوقوا يف الجانب التحلييل ولكن عليهم‬
‫بالرضورة ً‬
‫أيضا أن يتخطوا االختبارات املتعلقة‬
‫بالجانب اإلبداعي والعميل‪ .‬وقد أكد أن املهارات‬
‫العملية واإلبداعية ال يتم تحفيزها وتشجيعها‬
‫جي ًدا يف املدارس وحتى الجامعات التقليدية‪ ،‬أي‬
‫إن املناهج ال تعكس إبداع الطفل أو الطالب وال‬
‫مهاراته العلمية‪ ،‬بنفس املستوى الذي تركز فيه‬
‫فقط عىل ذكاء األطفال والطالب‪.‬‬
‫لقد قام جاردنر ‪ Gardner‬عام ‪1983‬م بنرش‬
‫نظريته املتعلقة بالذكاء املتعدد الجوانب‪ ،‬والتي‬

‫قام فيها بوصف الذكاء عىل أنه ذو طبيعة تعددية‪.‬‬
‫وقد الحظ ‪ Gardner‬يف بحثه حول األفراد الذين‬
‫يعانون من تلف باملخ أن العقل البرشي يمكن‬
‫أن يكون مصممًا من وحدات متعددة كل منها‬
‫خاص بعمليات منفصلة وتتشارك يف عدة أنظمة‬
‫لإلشارات والرموز؛ كاألنظمة الرقمية واللغوية‬
‫والتصويرية والرمزية‪ .‬ويختلف تركيب هذه‬
‫األنظمة من شخص آلخر‪ .‬وقد الحظ ‪Gardner‬‬
‫أنه ال توجد بالرضورة تشابهات ارتباطية بني‬
‫ذكاء أي شخصني‪ ،‬فقد يختلفان لحد كبري يف‬
‫أنماط اإلدراك والذاكرة والعمليات النفسية‬
‫األخرى‪ ،‬وقد يصاب أي من هذه األنظمة بالتلف‬
‫دون أن يتضمن ذلك تلف األنظمة األخرى‪.‬‬
‫ولقد وصلنا‪ -‬منذ وقت ليس ببعيد ‪ -‬إىل أن‬
‫املوهبة ال توصف بأنها الطبيعة غري املتغرية‬
‫التي تناولتها اآلراء يف املايض‪ .‬إن املوهبة ليست‬
‫هي ذلك اليشء الثابت طوال الحياة للطفل حتى‬
‫يصبح مسنًا‪ ،‬ولكنها تعني الخاصية الديناميكية‬
‫الفعالة التي تتأثر بمرور الوقت‪ ،‬أي النامية (إذا‬
‫أحسنا استثمارها)‪ ،‬والكامنة أو املتدهورة (إذا‬
‫أهملنا أو أسأنا)‪ .‬ولذلك ينبغي أال نسعى إىل‬
‫تحديد مخزون ثابت من القدرة أو املهارة أو إىل‬
‫حساب ناتج هذه املهارة‪ ،‬ولكن يجب أن نسعى‬
‫إىل تطوير هذه القدرات واملهارات واالرتقاء‬
‫بها إىل أعىل مستوى ممكن من األداء‪ ،‬كما يذكر‬
‫براجل ‪.Braggell‬‬
‫إن تطوير تأثري العوامل الوراثية يعتمد عىل‬
‫مجموعة من املؤثرات القائمة عىل األرسة والبيئة‬
‫املحيطة ودافعية الطفل أو الطالب‪ .‬وهناك‬
‫العديد من األبحاث املتاحة والتدريب واملمارسة‬
‫املتعلقة بذلك املجال‪.‬‬
‫وإذا ما قبلنا أن العامل الوراثي وحده هو الذي‬
‫يحدد مدى أداء الطفل أو الطالب ؛فإننا نقبل‬
‫بذلك األهمية املطلقة لعملية النضج‪ ،‬ولكننا‬
‫بمجرد أن نسلم بأن البيئة لها ً‬
‫أيضا تأثري كبري؛‬
‫فإننا هنا نشري إىل النضج والنمو معًا (االرتقاء)‪.‬‬

‫وحاليًّا أصبح يمكننا القول إن القدرات الخاصة‬
‫باإلنسان تتأثر بشكل كبري بالبيئة والتي بدورها‬
‫تساعد عىل تحديد مستوى األداء الذي وصل إليه‬
‫اإلنسان‪.‬‬
‫وعندما يبدأ املعلمون وأساتذة الجامعات يف‬
‫التفكري يف املوهبة كمفهوم ارتقائي فإن نظرتهم‬
‫إىل عملية التعليم سوف تتغري دون شك‪ .‬ولن‬
‫يستخدموا االتجاه التفاعيل لتحديد مجموعة‬
‫معينة من الطلبة وعمل برنامج درايس خاص‬
‫لهم‪ .‬ولكنهم باألحرى سيسألون أنفسهم عدة‬
‫أسئلة مثل‪ :‬ماذا أستطيع أن أفعل لكي أسهل‬
‫نمو قدرات الطفل أو الطالب لكي تظهر هذه‬
‫القدرات واملهارات يف الفصل أو يف القاعة‬
‫الدراسية؟ إن املعلمني وأساتذة الجامعة وحتى‬
‫اآلباء يمكنهم أن يساعدوا الطالب عىل تنمية‬
‫قدراتهم ومهاراتهم إىل مستوى أعىل كما يفكر‬
‫جاردنر وسترينربج ‪.Gardner & Sterngerg‬‬
‫ويمكن أن نتساءل ً‬
‫أيضا‪ :‬كيف يستطيع املعلمون‬
‫وأساتذة الجامعة واآلباء استخدام املفهوم‬
‫االرتقائي للموهبة وتنشئة للمبدعني وعما يدعم‬
‫املهارة والقدرة ويؤدي إىل التميز والتفوق يف‬
‫داخل اتجاه مدريس أو جامعي شامل‪ ،‬وحتى‬
‫دون أن يكون املعلم أو األستاذ مقي ًدا بربامج‬
‫محددة يتم تطبيقها ال تلقينها‪.‬‬
‫وجوهر تنشئة الطالب املبدعني هو احرتامهم‬
‫‪ ،‬وتقدير تميزهم وتفردهم‪ ،‬واحرتام آرائهم‬
‫وأفكارهم وحتى تخيالتهم‪ ،‬بعيدين يف ذلك‬
‫عن إشعارهم بامللل أو إصابتهم باإلحباط مع‬
‫زيادة دافعيتهم للتعليم ومتعة التعلم‪ .‬آخذين‬
‫يف االعتبار أن الفرص تتصيد العقول املهيئة لها‬
‫وتصل بها نحو القمة‪ ،‬ويف اللحظة التي نشعر‬
‫فيها بالرضا عما أنجزناه لطالبنا؛ نكون بذلك‬
‫قد بنينا عوازل داخل الرؤوس‪.‬‬
‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﰎ‬
‫[البقرة‪.]286‬‬

‫‪53‬‬

‫إن تاريخ الفكر اإلنساني يف عصوره املوغلة يف‬
‫القدم يلفه كثري من الغموض ويغطيه رداء من‬
‫الظالم يحجب عنا فكر أجدادنا الذين عاشوا يف‬
‫عصور ما قبل التاريخ‪ ،‬ولم يرتكوا من آثارهم ما‬
‫ينم عىل أفكارهم ونظراتهم إىل الحياة والطبيعة‬
‫والكون؛ ألنهم لم يورثونا كتابا مسطورا أو‬
‫نقشا محفورا‪ ،‬ولم يبق من اآلثار التي يمكننا‬
‫أن نتشبث بها ونستشف منها رائحة الحقيقة‬
‫إال ّ اللغة اآلتية من وراء القرون السحيقة تخفو‬
‫بفكر يقوم عىل لحظات شعورية وحدس فطري‬
‫وصفاء فرايس عرايف‪ .‬هذه اإلشارات النادرة‬
‫والفرائد الشاردة نجدها يف ثنايا املعاجم حيث‬
‫اخترص الفكر البدائي يف مفردات اللغة ودالالتها‪.‬‬
‫واملتتبع لبعض املعاني األولية لأللفاظ اللغوية يف‬
‫بعض الحقول الداللية وخاصة تلك التي ترتبط‬
‫بالوجود اإلنساني ومصريه يجد بينها تشابها‬
‫مفهوميا ينم عىل رؤية فكرية متشاكلة ونزعة‬
‫شعورية متشاكهة‪.‬‬
‫ومن الحقول الداللية التي يمكن أن تكون‬
‫مثاال لهذه النزعة وشاهدا يف هذه القضية حقل‬
‫مفردات «الروح» و»الن ْفس» يف بعض اللغات‬
‫اإلنسانية؛ حيث نجد مفردات هذه املفاهيم قد‬
‫أُخذت من الريح والنّ َفس (بفتح الفاء)‪ .‬فقد‬
‫ُذكر يف دائرة الدين واألخالق ‪Encyclopedia‬‬
‫‪( of Religion and Ethics‬مادة ن ْفس) ّ‬
‫«أن‬
‫النظرة إىل الحياة عىل أنها النّ َفـس (بالفتح)‬
‫هي نظرة عاملية‪».‬‬
‫واملتتبع أللفاظ الروح ومرادفاتها يف معجم‬

‫‪54‬‬

‫العربية خاصة والساميات عامة يجد ّ‬
‫أن املعنى‬
‫األويل لهذه األلفاظ هو «الريح والنّ َفس (بفتح‬
‫الفاء)»‪ .‬ففي العربية نجد ّ‬
‫أن كلمة «الروح»‬
‫تعني يف األصل «النفخ» كما وردت يف قول ذي‬
‫الرمة يف نار‪:‬‬
‫فقلت له‪ :‬ارفعها إليك وأحيها ‬
‫بروحك واجعله لها ِق ً‬
‫يتة قدرا‬
‫ ‬
‫أي أحيها بنفخك والهاء يف (واجعله) للنفخ‬
‫وللتي يف (لها) للنار‪ .‬وقال الجوهري‪« :‬الريح‬
‫صيرِّ ت ياء النكسار ما قبلها‪ ،‬وجمعها‬
‫ياؤها واو ُ‬
‫رياح وأرواح»‪ .‬وقال أبو الهيثم‪« :‬الروح إنما هو‬
‫َ‬
‫النفس الذي يتنفسه اإلنسان‪ ،‬وهو جار يف جميع‬
‫الجسد فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه‪».‬‬
‫والروح تعني أيضا «ما يقوم به الجسد وتكون‬
‫به الحياة» وأيضا «الن ْفس (بالسكون) املنفصلة‬
‫عن الجسد» كما يف قوله تعاىل‪« :‬تعرج املالئكة‬
‫والروح إليه يف يوم كان مقداره خمسني ألف‬
‫سنة» (معارج‪ )4:‬و جربيل عليه السالم «نفس‬
‫بال جسم»‪ ،‬وهو «الروح القدس»‪ ،‬واألرواح‪:‬‬
‫«الجن» ألنها ال أجسام لها‪.‬‬
‫وقد وردت هذه املادة يف أخوات العربية من‬
‫الساميات األخرى مفيدة املعاني نفسها ومن ثمّ‪:‬‬
‫‪( rh‬رح) األوغريتية والفينيقية‪ ،‬و ‪( ruha‬روحا)‬
‫َ‬
‫«النفس (بالفتح)‬
‫اآلرمية التي تدل عىل معاني‬
‫والروح‪ ،‬والن ْفس (بالسكون)»‪ ،‬و ‪ ruah‬العربية‬
‫( ُروَح) التي تفيد معنى «الهواء املتحرك»‪،‬‬
‫و»التنفس»‪ ،‬و»الن ْفس» (بالسكون)‪ ،‬و»الحياة»‬
‫‪،‬و»الرياح»‪ .‬ويعطي الجذر الرسياني أيضا‬

‫َ‬
‫«النفس» (بالفتح)‪ ،‬و»الحياة الحيوانية»‪،‬‬
‫معاني‪:‬‬
‫َ‬
‫و»نفس الحياة»‪ ،‬و»الرياح»‪ ،‬و»الروح‪».‬‬
‫هذه العالقة الداللية نالحظها تالزم‬
‫كلمة أخرى يف هذا الحقل هي‪« :‬ن ْفس»‬
‫(بالسكون) املشتقة من الكلمة املحاكية ملعناها‬
‫َ‬
‫(‪»)onomatopoetic‬نفس» (بالفتح) وتعني يف‬
‫األصل كما نلمس من مادتها الصوتية اإليحائية‪،‬‬
‫ومما أوردت املعاجم اللغوية «خروج الريح من‬
‫األنف والفم‪ ».‬ومن معانيها الثانوية‪« :‬الروح» ‪،‬‬
‫س الْم ُْط َمئِنَّ ُة ا ْرج ِعي إلىَ‬
‫قال تعاىل‪« :‬يَا أ َ َّي ُتهَا النَّ ْف ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َاضي ًَة َم ْر ِ ً َ ُ‬
‫َربِّكِ ر ِ‬
‫ضيَّة فادْخليِ فيِ ِعبَادِي وَادْخليِ‬
‫جَ نَّتِي» (الفجر‪ ، )30-27:‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫كادت النّ ْفس أن تفيظ عليه‬
‫ْ‬
‫إذ ثوى ْ‬
‫حش َو رَيطة وبُرود‬
‫ ‬
‫وتعني أيضا «جملة اليشء وحقيقته»‪ ،‬و»ما‬
‫يكون به التمييز» ومن معانيها الفريدة‪« :‬ال ّدم»‬
‫كما أشار صاحب اللسان يف تعليقه عىل بيت‬
‫السموأل‪:‬‬
‫َتسيل عىل حد الظبات نفوسُ نا ‬
‫وليست عىل غري الظبات تسيل‬
‫ ‬
‫ويف الحديث‪« :‬ما ليس له نفس سائلة فإنه ال‬
‫ينجس املاء إذا مات فيه» وقيل‪ :‬إنما سمي ن ْفـسا‬
‫ألن النفس تخرج بخروجه‪ .‬وجاء يف موسوعة‬
‫الدين واألخالق ّ‬
‫«أن الدم هو أحد املجازات‬
‫َ‬
‫الطبيعية التي ُيعبرّ بها عن الحياة» والنفس‬
‫أيضا أحد األعراض الحسية للحياة‪ ،‬وبه تقوم‪،‬‬
‫وغيابه ينبئ عن غيابها‪ .‬والن ْفس أيضا «الجسد»‪،‬‬
‫قال الحطيئة‪:‬‬

‫د‪ .‬سالم الخم ّـاش‬

‫ثالثة أنفس وثالث ذود‬
‫لقد جار الزمان عىل عيايل‬
‫ ‬
‫ومشتقات جذر ن ف س يف اللغات السامية‬
‫األخرى تعطينا معاني مشابهة ملا وجدناه يف‬
‫العربية‪ ،‬لذا نجد يف األكادية ‪( napašu‬نپَشو)‬
‫تعني «النّ َفس» (بالفتح) و ‪َ ( napištu‬نپشتو)‬
‫تعني «الحياة»‪ ،‬أو «الن ْفس» (بالسكون)» ( ‪= Š‬‬
‫ش ؛ ‪ = p‬ف)‪ .‬وكذلك ‪َ ( npš‬نپَش) يف األغريتية‬
‫(وهي إحدى اللغات السامية)‪ ،‬و ‪ nefeŠ‬يف‬
‫العربية ‪ ،‬و ‪ nafša‬يف اآلرمية ‪ ،‬و ‪( nfs‬نفس) يف‬
‫السبئية تعطينا معاني‪َ :‬‬
‫«نفس ‪ ،‬ن ْفس ‪ ،‬روح»؛‬
‫ويف الجعيز (األثيوبية) نجد الفعل ‪nafsa‬‬
‫«تهُبّ » (الرياح) و ‪« anfasa‬يتنفس» واالسم‬
‫‪« nafs‬روح ‪ ،‬فرد»‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ومن ألفاظ حقل النفس (بالفتح) التي امتدت‬
‫دالالتها إىل حقل الروح نجد أيضا كلمة نسم‪،‬‬
‫وهي كلمة تعطينا معنى «الريح الرويد يف أول‬
‫هبوبها» ومن ذلك قول ذي الرمة يصف نساء‪:‬‬
‫ ‬
‫رويدا كما اهتزت رماح تسفهت‬
‫أعاليها م ّر الرياح النواسم‬
‫ ‬
‫وقوله يف وصف رمل‪« :‬بها َنسَ م األرواح من كل‬
‫منسم‪».‬‬
‫َ‬
‫ومن هذا املعنى جاء النـسَ م «النـفس»‬
‫(بالفتح)‪ .‬ومنه جاءت املعاني الثانوية التالية‪:‬‬
‫نسَ مَة «الن ْفس والروح» وقيل‪ :‬كل دابة فيها‬
‫روح فهي نسَ مة‪ ،‬والنسمة‪« :‬اإلنسان»‪ .‬وجاء يف‬
‫الحديث‪« :‬من أعتق نسمة مؤمنة وقى الله عز‬
‫وجل بكل عضو منه عضوا من النار‪ ».‬وهذا من‬

‫إطالق الجزء عىل الكل كالعني والرقبة‪.‬‬
‫وجذر ‪ nšm‬السامي يعطينا معاني مماثلة‬
‫ملعانيه يف العربية‪ ،‬فنجد يف العربية ‪nešomä‬‬
‫التي تعني «نـف َـس» (بالفتح)‪ ،‬و»هبّة ريح»‪،‬‬
‫و»ن ْفـس» (بالسكون)»‪ .‬وتعني كلمة ‪nišmata‬‬
‫الرسيانية‪َ :‬‬
‫«نفـس الحياة»‪ ،‬و»الكائن الحي»‪،‬‬
‫و»الروح والنـف ْـس‪».‬‬
‫ونجد صدى هذه العالقة بني الحقل الداليل «للريح‬
‫َ‬
‫والنـفـس» وحقل «الروح» يف عائالت لغوية‬
‫أخرى كاآلرية واملرصية القديمة (الفرعونية)‪،‬‬
‫فمن ذلك كلمة ‪ psyche‬يف اإلنجليزية التي تعني‬
‫«الن ْفـس» والتي جاءت من اليونانية ‪psukhe‬‬
‫َ‬
‫«النـفـس» (بالفتح) ‪ ،‬و»الحياة»‪،‬‬
‫ومن معانيها‬
‫و»النـ ْفس» (بالسكون)‪.‬‬
‫وكذلك نجد الكلمة الالتينية ‪ anima‬التي‬
‫تعني «العقل‪ ،‬والروح» قد جاءت من الجذر‬
‫الهندو‪-‬أوروبي ‪« -ane‬يتنفس»‪ ،‬ومن ثم جاءت‬
‫الكلمة الالتينية ‪« animos‬العقل»‪« ،‬الن ْفـس»‪»،‬‬
‫َ‬
‫«النـفـس»‪ ،‬واليونانية‬
‫الروح»‪« ،‬الحياة»‪،‬‬
‫‪« anemos‬الرياح‪».‬‬
‫وكلمة ‪ spirit‬اإلنجليزية هي أيضا شاهد من‬
‫شواهد هذا الباب‪ ،‬فقد جاءت من الالتينية‬
‫َ‬
‫«النـفـس» (بالفتح) املشتقة من‬
‫‪ spiritus‬أي‬
‫الفعل ‪« spirare‬يتنفس‪».‬‬
‫وهذا الرتابط الداليل يؤيده االشرتاك البوليسيمي‬
‫يف كلمة ‪ ka‬املرصية القديمة التي تعني كذلك‬
‫َ‬
‫«النـفـس» (بالفتح)‪ ،‬و»الروح» التي تحوم‬
‫حول الجسد امليت‪.‬‬

‫ّ‬
‫إن السؤال املتعلق بماهية عنرص الحياة والروح‬
‫هو واحد من األسئلة التي شغلت اإلنسان منذ‬
‫طفولته الغابرة املوغلة يف القدم فالتمس الجواب‬
‫له مستعينا بالفكر األسطوري حيث نجد أساطري‬
‫الهنود الحمر يف أمريكا الشمالية تزعم أن الرياح‬
‫هي التي منحتهم الحياة‪ ،‬وهي التي تخرج من‬
‫األفواه عند التنفس‪ ،‬وأساطري سكان األمزون‬
‫أن الروح َ‬
‫تروي ّ‬
‫ـس‪(‎‬بالفتح) يدخل يف جوف‬
‫نف ٌ‬
‫القلب فيجعله ينبض‪.‬‬
‫وكلمة ‪ atman‬يف الهندية «روح» وتعني أيضا‬
‫َ‬
‫«نفس»‪ ،‬ويف معتقدات الهنود أن كل ‪ atman‬قد‬
‫خلقت منذ األزل ولكنها ُتسجن يف جسد أريض‬
‫عند والدتها‪.‬‬
‫وقد ألح هذا السؤال عن الروح عىل العرب‪ ،‬وزيّن‬
‫لهم اليهود أن يعجزوا به الرسول فرد عليهم‬
‫َُ َ َ‬
‫ُّوح ُق ِل الرُّوحُ ِم ْن أ َ ْم ِر‬
‫القرآن‪َُ « :‬ويَسْ ألونك َع ِن الر ِ‬
‫َربِّي َومَا أو ِتي ُت ْم ِم َن الْ ِعل ْ ِم إِال َقلِيال‪ ».‬وبقي هذا‬
‫السؤال الوجودي حائرا يبحث عن جواب عجز‬
‫عنه حتى العلم الحديث برغم اكتشافاته الباهرة‬
‫يف املادة والذرة واإلنسان والكون‪.‬‬
‫إذن لم يكن لإلنسان القديم ومن جاء بعده‬
‫بد من اللجوء إىل الحدْس القائم عىل الشعور‬
‫والحس املتكئ عىل املشاهدة فربط الروح‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫بالنفس والرياح‪ ،‬فظن‬
‫والن ْفس (بسكون الفاء)‬
‫أنه ارتاح من لجة السؤال وطلب املحال‪ ،‬وبقيت‬
‫آثار ذلك كله ماثلة يف لغة تحدرت إلينا عرب‬
‫العصور واألجيال‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫د ‪ .‬سعيد احمد األفندي‬
‫رشفت برتشيح جامعة امللك عبد العزيز يل‬
‫لحضور فعاليات ( ندوة التعليم العايل للفتاة ‪:‬‬
‫األبعاد والتطلعات ) والتي استمرت ثالثة أيام‬
‫متواصلة يف ضيافة جامعة طيبة باملدينة املنورة‬
‫وبرعاية كريمة من صاحب السمو امللكي األمري‪/‬‬
‫عبد العزيز بن ماجد بن عبد العزيز ‪ .‬وفضالً عن‬
‫ذلك التميز الكبري الذي قام به أبناء جامعة طيبة‬
‫من حسن تنظيم وكرم ضيافة فإن موضوع‬
‫الندوة كان موضوعا ً مهما وحيويا ً يف وقت كنا‬
‫يف أمس الحاجة للوقوف والتأمل فيما وصلت‬
‫إليه الفتاة السعودية يف تعليمها الجامعي ‪,‬حيث‬
‫كان عدد الطالبات منذ عقود قريبة ال يتجاوز‬
‫الثمانني طالبة حتى وصلنا إىل هذه النقلة الكبرية‬
‫يف تعليم الفتاة الجامعي ‪ .‬وقد دعا املنظمون‬
‫لهذه الندوة نماذج مضيئة تمثل مسرية الفتاة‬
‫السعودية الجادة والناجحة والتي شاركت يف‬
‫تقدم بالدها بعلمها وثوابتها األصيلة جامعة بني‬
‫األصالة املرتبطة بدينها وثوابتها وبني املعارصة‬
‫فيما تعلمته يف شتى العلوم وأنواع املعارف ‪.‬‬
‫ومن تلك النماذج الرائعة األستاذة الدكتورة‬
‫حياة سندي ‪ ،‬حيث تحدثت عن قصة نجاحها‬
‫يف محارضة من أجمل ما سمعت من قصص‬
‫الصرب واملثابرة والتحدي ‪ ،‬حتى وصلت إيل أعىل‬
‫درجات النجاح والتفوق‪ ،‬وتعددت املشاركات يف‬
‫هذه الندوة إىل أكثر من سبع وأربعني مشاركة‬
‫تنوعت بني املحاور يف موضوعات متعددة تخص‬

‫‪56‬‬

‫تعليم الفتاة الجامعي ‪ ،‬ومنها محور البيئة‬
‫الجامعية للفتاة ومقومات تلك البيئة ومعايريها‬
‫‪ ،‬ومحور آخر حول القضايا األكاديمية للفتاة‬
‫وحول املناهج واملشكالت األكاديمية وفرص‬
‫واتجاهات التعليم العايل للفتاة يف اململكة العربية‬
‫السعودية ‪ ،‬ومحور آخر حول التخطيط واملوازنة‬
‫بني التعليم العايل ومتطلبات التنمية عموما ً ‪،‬‬
‫وموضوع آخر مهم ‪ ،‬وهو االنتساب والتعليم عن‬
‫بعد والتعليم االلكرتوني لدى الطالبات ‪ ،‬وأيضا‬
‫مشكالت برامج االنتساب ومشكالت كليات‬
‫البنات امللحقة بالجامعات السعودية ‪ ،‬وهي‬
‫كما هو معلوم كثرية ومنترشة ‪ .‬وبدأت بعض‬
‫تلك الكليات تتضخم حتى تحولت إيل جامعات‬
‫مستقلة ‪ .‬وهي خطوة رائدة ستزيد من فرص‬
‫التعليم العايل للفتاة يف اململكة ‪ ،‬ومحور آخر حول‬
‫الحاجات النفسية واالجتماعية للفتاة السعودية‬
‫‪ ،‬وكذلك محور حول الدراسات العليا والبحث‬
‫العلمي‪ ،‬وقد أثارت هذه الجلسة عندي الكثري من‬
‫الشجون حول الدراسات العليا والبحث العلمي‬
‫للفتاة ‪ ،‬حيث إنني أدرس يف مرحلة املاجستري‬
‫للطالبات يف قسم الدراسات اإلسالمية وأدرك‬
‫الصعوبات الكبرية التي تواجهها الطالبات يف‬
‫هذه املرحلة ‪ ،‬وقد أجملها األستاذ الدكتور منيع‬
‫املنيع بورقته املتميزة ‪ ،‬وعنوانها ( املعوقات التي‬
‫تواجه طالبات الدراسات العليا يف الجامعات‬
‫السعودية ) ‪ ،‬وأتمنى عىل أخي سعادة الدكتور‬

‫أن يطور هذه الورقة ليتم تفعيل توصياتها ‪،‬‬
‫حيث إنها من وجهة نظري من أفضل ما قدم يف‬
‫أعمال الندوة ‪ .‬وتبع ذلك مجموعة من األبحاث‬
‫حول التطوير والجودة ‪ ،‬ثم قدمت بعض‬
‫التجارب املحلية والعاملية لتعليم الفتاة‪ ،‬وأود أن‬
‫أشري هنا إىل أننا ينبغي أن نستفيد ونتواصل مع‬
‫التجارب العاملية ونأخذ ما يفيد ويثري ويرقى‬
‫بفتياتنا ودراساتنا الجامعية ‪ .‬إال أن من املعلوم‬
‫أن هذه التجارب ليست كلها قابلة للتطبيق يف‬
‫مجتمع تحفه الرشيعة اإلسالمية‪ ،‬وينعم برؤية‬
‫واضحة لدور املرأة ومكانتها وقيمها ‪ ،‬خاصة‬
‫وأن بعض تلك التجارب قد نشأت يف بيئات أثرت‬
‫فيها تيارات فكرية وأخالقية ليست موجودة‬
‫يف مجتمعنا وال تتوافق مع منظومتنا الفكرية‬
‫والقيمية ‪.‬‬
‫ونحن نستطيع بإذن الله ‪ ،‬وبعزم قيادتنا ‪،‬‬
‫وبرغبتنا األكيدة ‪ ،‬أن نميض قدما يف تعليم‬
‫الفتاة تعليما جامعيا راقيا لتصبح رائدة يف‬
‫علمها ومتمكنة من تخصصها‪ ،‬تعيش عرصها‬
‫وتتقدم عىل غريها بخطى ثابتة مستعينة‬
‫بنظرتها األخالقية اإلسالمية األصيلة و مستفيدة‬
‫من اإلمكانات الكبرية التي وفرتها لها بالدها ‪،‬‬
‫متمسكة بثوابت دينها غري عابئة بما يموج به‬
‫العالم من رصعات وشذوذات عارضة لن يكتب‬
‫لها البقاء واالستمرار !‬

‫د‪ .‬سعود أبو تاكي املسعودي‬

‫كل الحواس الخمس يمكن مساءلتها واإلنسان يتجول يف جامعة أصفهان‬
‫بإيران ‪ .‬وهي تقع عىل ضفاف مدينة أصفهان الشهرية ‪ ،‬تلك املدينة‬
‫التي تحدث عنها التاريخ وهي – حاليا ً – تتحدث عنه بالقصور األثرية‬
‫والحصون والجسور التي تعرب نهر " زاينده" واملتاحف التي تقع عىل‬
‫ضفافه ‪ ،‬وهو نهر يتلوّى كالثعبان قد تعجز الصورة الضوئية عن رصد‬
‫حركته وحركة املارة واملتنزهني عىل ضفافه ‪ ،‬تخرج منه جداول مصنوعة‬
‫كاألصابع إىل الحدائق املجاورة ثم تمتد إىل الجامعة لتغذية املمرات‬
‫والطرق والبحريات الصناعية الصغرية التي يجلس عىل ضفافها الطالب‬
‫للمذاكرة واملناقشة وترى النحت والنقش والخط بالقيشاني و الفسيفساء‬
‫عىل البوابات الضخمة العتيقة ويف داخل املمرات والقاعات ‪ .‬وتسمع وقع‬
‫حوافر الخيل وصهيلها يف الساحات املجاورة وامليادين وتتذكر التاريخ‬
‫ثم تجزم بعظمة الدول التي توالت عىل هذه املدينة وقوتها وتؤكد مقولة‬
‫الكاتب الفرنيس " بيرت لوتي " حيث قال ‪( :‬أصفهان ليست مرآة لتاريخ‬
‫الحضارة القديمة فحسب ‪ ،‬وإنما هي مرآة لإلبداع اإلنساني) ‪.‬‬
‫ونظرا ً ألن الزيارة إىل هذه املدينة لم تكن للتنزه والسياحة وإنما للعمل عىل‬
‫سبيل التعاون الثقايف الذي تبنت تفعيله حكومة خادم الحرمني الرشيفني‬
‫امللك عبد الله بن عبد العزيز – أمد الله يف عمره ووفقه – لتوثيق روابط‬
‫األخوة بني الحكومات والشعوب وتقريب املسافات بينها وإزالة الحواجز‬
‫وسد الثغرات التي قد يتسلل من خاللها أعداء األمة ومدبرو الشغب‬
‫والعداوات فقد كانت رحلتي إيل هذه املدينة هي من هذا القبيل بأمر منه –‬
‫حفظه الله ورعاه – للتدريس واملشاركة الثقافية يف كلية (األلسن) بجامعة‬
‫أصفهان وعىل نفقة الحكومة السعودية وفقها الله ورعاها ‪.‬‬
‫رأيت جامعة أصفهان تحفة فنية رائعة تعلو بوابتها الفتة بعنوان "‬
‫دانشكاه أصفهان " وهي يف اللغة الفارسية تعني مكان العلم واملعرفة‬
‫‪ ،‬وهي تعج بالطالب والطالبات الذين يتنقلون بني الكليات وقاعات‬
‫املحارضات واملعامل واملكتبات عىل أقدامهم وعىل ظهور الحافالت وتشتم‬
‫رائحة الورد والياسمني وأشجار الصنوبر واألزهار الكثيفة املتنوعة التي‬
‫تغطي ساحات وممرات الجامعة وتحيط باملباني كاإلزار ‪ ،‬كما تشتم‬
‫رائحة الكتب واملخطوطات القديمة حني عبورك الطريق إىل املكتبات وتجد‬
‫الكتب واملخطوطات العربية تتصدر القائمة ويف الرفوف وما عليك إال نقلها‬
‫بلطف وإعادتها بلطف رفقا ً بها وقد يجري التنبيه عليك بذلك قبل أن تمتد‬
‫إليها يدك ‪.‬‬

‫قسم اللغة العربية يف كلية األلسن " دانشكده زبانها " هو من أكرب أقسام‬
‫الكلية وأشهرها وأرشفها يف نظر الناس ‪ ،‬ويضم عددا ً ضخما ً من الطالب‬
‫وطالب الدراسات العليا " املاجستري والدكتوراه " يعمل بداخله عدد من‬
‫األساتذة الكبار بإدارة الربوفيسور " جعفر بهاء الدين دلشاد ‪ ،‬وهم جميعا ً‬
‫من املؤهلني بتفوق يف مجال اللغة العربية وتقديسها والحرص عىل تعلمها‬
‫نظرا ً ألنها لغة الدين ‪ ،‬ولغة الجوار العربي ‪ ،‬وصلة القرابة واختالط الدم‬
‫منذ أزل التاريخ ‪ ،‬وسيبويه وأبو عيل الفاريس وغريهما الكثري هم مراجع‬
‫العربي إىل اليوم وكتبهم هي قاموس القواعد العربية وسلم الشهادات‬
‫العلمية يف الجامعات العربية ‪ ،‬كما أنه من الالفت للنظر تثمينهم الكبري‬
‫لهذه املبادرة التي قامت بها وزارة التعليم العايل السعودية بتوجيه من‬
‫خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد الله بن عبد العزيز – حفظه الله –‬
‫ويأملون يف تنمية هذا التعاون وتطوره ليصل إىل درجة التمثيل الثقايف‬
‫الكامل بني اللغتني الفارسية والعربية ومن الطبيعي أن تكون السعودية قد‬
‫سبقت الجميع بهذه املبادرة وهي سوف تؤدي ‪ -‬حتما ً ‪ -‬إىل إزالة الحواجز‬
‫الصناعية التي يضعها من يريدون هز العربة أو إعطابها وإزعاج ركابها‪.‬‬
‫لقد شاركت بالحضور ملناقشة إحدى الرسائل العلمية يف الكلية وكانت‬
‫بعنوان" استدعاء الرتاث القصيص" للطالب‪ /‬احمد نهريات درجة‬
‫دكتوراه‪ ،‬فكان تمثيال فاعال لجامعة امللك عبد العزيز بجده كما شاركت‬
‫بكلمة يف مهرجان املخطوطات الذي أقامته جامعة أصفهان بعنوان (قيمة‬
‫الكلمة) نقلت فيها سالم جامعة امللك عبد العزيز للكوادر العلمية والطالب‬
‫وأوضحت فيها أهمية التواصل العلمي والثقايف بني الجامعات وأعضاء‬
‫هيئة التدريس فيها‪ .‬وقد جرى الرتحيب بجامعة امللك عبد العزيز وموفدها‬
‫من الجميع‪.‬‬
‫يمر التواصل مع الخارج يف جامعة أصفهان من بوابه صغرية تسمى "دفرت‬
‫بني امللل" أي بني الدول وهذه البوابة ال تتسع ألكثر من شخص واحد يسري‬
‫يف اتجاه واحد مما يسهم يف الحد من حركة الدخول والخروج و يقلل من‬
‫املبادالت الثقافية الكتساب الخربات و تعتزم الجامعة – فيما سمعت –‬
‫توسيع هذه البوابة بغرض اإلنفتاح عىل ثقافات العالم و اكتساب الخربات‬
‫و اإلنجازات العلمية و التكامل فيما بينها‪ ,‬فقد تحول العالم كله إىل قاعة‬
‫ثقافية واحدة و مخترب علمي واحد بفضل االتصاالت و التقنيات الحديثة‬
‫و الود العميق بني من يسريون يف هذا االتجاه ‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫أ‪.‬د‪ .‬محمد بن خرض عريف‬

‫لفت نظري وشدني وأنا ابحث يف بعض كتب‬
‫األدب الرتاثية ماجاء يف مقدمة كتاب ( األدب‬
‫الكبري ) لعبد الله بن املقفع من عبارات تبعث‬
‫ّ‬
‫تحفظي عىل‬
‫عىل اإلعجاب والتقدير ‪ .‬ورغم‬
‫بعض األفكار التي جاءت يف كتابه الشهري (كليلة‬
‫ودمنة) ‪ ،‬إال أن ريادته يف مجال األدب ال يمكن‬
‫إنكارها ‪ ،‬ويعترب كتاب األدب الكبري واألدب‬
‫الصغري بصمة مميزة فيما أُلَّف يف األدب العربي‬
‫يف القرون الهجرية األوىل ‪.‬‬
‫وال أريد ههنا أن أخوض يف فكر ابن املقفع‬
‫بقدر ماأريد أن أستشهد بهذا النص عىل تواضع‬
‫العلماء واألدباء األوائل الج ّم ‪ ،‬وتقديرهم لجهود‬
‫من سبقوهم من األدباء والعلماء ‪ ،‬رغم تفوقهم‬
‫عليهم يف الكثري من األحيان ‪ ،‬ومجيئهم بالجديد‬
‫الذي لم يتوصل إليه السابقون ‪ .‬إال أنهم لم‬
‫يعرف أحدهم أو بعضهم أنه ا ّدعى أنه سيأتي‬
‫بما لم يأت به السابقون ‪ ،‬وأنه فريد عرصه‬
‫وعالم زمانه‪.‬‬
‫يقول ابن املقفع يف مقدمة ( األدب الكبري )‬
‫ً‬
‫متحدثا عن الذين سبقوه من العلماء‪ « :‬ولم‬
‫نجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ يف صفة‬
‫له مقاال ً لم يسبقوه إليه‪ :‬ال يف تعظيم الله ع ّز‬
‫ّ‬
‫وجل وترغيب فيما عنده‪ ،‬وال يف تصغري للدنيا‪،‬‬
‫وتزهيد فيها‪ ،‬وال يف تحرير صنوف العلم وتقسيم‬
‫أقسامها‪ ،‬وال يف وجه من وجوه األدب‪.‬‬
‫ورضوب األخالق فلم يبق يف جليل األمر وال‬
‫صغرية لقائل بعدهم مقال‪،‬وقد بقيت أشياء من‬
‫لطائف األمور‪ ،‬فمن ذلك بعض ما أنا كاتب يف‬
‫كتابي هذا من أبواب األدب التي يحتاج إليها‬
‫الناس» ص ‪.65‬‬
‫هكذا نجد أن ابن املقفع الذي جاء بالكثري من‬

‫‪58‬‬

‫الجديد ال ي ّدعى أنه زاد عيل ما جاء به السابقون‬
‫إال ّ يف بعض لطائف األمور وصغارها التي وجد‬
‫لنفسه مجاال ً للكتابة فيها ‪.‬ذلك أنه وصف من‬
‫سبقوه بأنهم لم يرتكوا له شيئا ً يبحث أو يكتب‬
‫فيه ‪ ،‬وهو املتوفىّ يف القرن الثالث الهجري ‪ ،‬أي‬
‫يف القرون األوىل التي بدأ فيها التأليف والكتابة‬
‫بالعربية ‪ .‬وهو الذي نقل الكثري من علوم الفرس‬
‫وفلسفاتهم وقصصهم إىل العربية دون أن يكون‬
‫مسبوقا ً إليها ‪.‬‬
‫وهذا التواضع الجم ليس بدعا ً يف ابن املقفع فقط‬
‫من العلماء األوائل ‪ ،‬بل إن جملتهم اتصفوا بهذه‬
‫الخصلة املميزة‪.‬‬
‫وإن ننظر إىل من ي َّدعي االنتماء إىل مهنة االدب يف‬
‫الوقت الحارض ‪ ،‬نجدهم يرفعون أصواتهم عالية‬
‫قائلني إن ماجاء يف الرتاث األدبي اإلسالمي لم‬
‫يكن إال ّ أنقاضا ً وخرائب وتعفنا ً أفرزته العقول‬
‫املظلمة ‪ .‬كما ال يتورع الواحد منهم أن ي َّدعي‬
‫أنه أتى بما لم يأت به األقدمون ‪ ،‬وأن نظريته أو‬
‫فرضيته تنقض كل ما كان قبلها ‪.‬‬
‫وقد يذهب البعض مذهبا ً أبعد من ذلك حني‬
‫يقول إن فكر أوروبا هو الفكر اإلنساني ذو‬
‫القيمة ‪ ،‬وإنه ينبغي إحالله محل الفكر القائم‬
‫عىل الرتاث اإلسالمي والعربي ‪ ،‬ونيس هؤالء أو‬
‫تناسوا أو جهلوا أن فكر أوروبا يف العصور‬
‫الوسطى وما بعدها إىل وقتنا الحارض ‪ ،‬إنما قام‬
‫أول ما قام عىل نتاج الفكر اإلسالمي والعربي ‪،‬‬
‫وأن اتصال أوروبا وآداب األمم القديمة كالفرس‬
‫واإلغريق لم يكن مبارشا ً ‪ ،‬وإنما كان عن طريق‬
‫الرتجمات العربية ‪.‬‬
‫وهذا اال ّدعاء والتعالم ليس مقصورا عىل فئة من‬
‫املتطفلني عىل االدب يف الوقت الحارض ‪ ،‬وإنما‬

‫يترصف إىل جملة من الباحثني الناشئني الذين‬
‫ُّ‬
‫يظن بعضهم أنه يف كتابته لرسالة املاجستري‬
‫أو الدكتوراه قد أتى بالرضورة بما لم يأتِ به‬
‫من سبقوه ‪ ،‬دون أن يذكر أن مايفعله إنما‬
‫هو إضافة إىل أعمال علمية سابقة يف تسلسل‬
‫تاريخي طبيعي يكمل فيه الالحقون السابقني‬
‫‪.‬وقد واجهتني هذه الحقيقة املخيفة خالل عميل‬
‫يف بعض لجان الدراسات العليا ‪ ،‬حني كنت ومن‬
‫معي نفاجأ بعبارات يوردها طالب الدراسات‬
‫العليا يف تقديمهم لبعض الرسائل العلمية تقول‬
‫‪ « :‬إن هذا البحث غري مسبوق « ‪ ،‬أو ي َّدعي‬
‫الواحد منهم أنه أول باحث يتناول هذا املوضوع‬
‫مطلقاً‪ .‬رغم أن البحث البكر يف تصور الجميع ال‬
‫يوجد عىل أرض الواقع يف الوقت الحارض التساع‬
‫املعارف اإلنسانية وانفجار املعلومات وكثرة‬
‫الباحثني‪.‬‬
‫ويتورع العديد من الباحثني يف املاجستري‬
‫والدكتوراه عن إضافة عبارة‬
‫« عىل ح ّد علم الباحث « بعد العبارات التي‬
‫ً‬
‫َ‬
‫رق املوضوع‬
‫توحي أن أحدا لم يسبقهم يف ط ِ‬
‫الذي يطرقونه ‪.‬‬
‫ورغم وجود الكشافات واملستخلصات وأدلة‬
‫الرسائل العلمية الكثرية ‪ ،‬إال ّ أن التكرار وارد‬
‫جدا ً ‪ ،‬ووقوع الحافر عىل الحافر ممكن جدا ً ‪.‬‬
‫وطاملا سمعنا عن طالب غريوا موضوع دراستهم‬
‫الكتشافهم أن باحثا ً آخر قد أنجز املوضوع يف‬
‫جامعة أُخرى ‪.‬‬
‫إن التواضع مطلوب يف العلم خاصة‪ ،‬وال يرفع‬
‫قدر العلماء إال ً أعمالهم ‪ .‬والتقدير واالحرتام‬
‫للعلماء مرتبط بتواضعهم وتقديرهم لجهود من‬
‫سبقوهم‪.‬‬

‫مما ال شك فيه أن الفهم املتطور للظروف‬
‫االجتماعية التي تحيط بأفراد املجتمع يعطيهم‬
‫فرصة أكرب يف السيطرة عىل تلك الظروف عن‬
‫طريق تعزيز ما هو إيجابي والتغلب عىل ما هو‬
‫سلبي بطرق علمية‪ .‬و من هذا املنطلق فإن علم‬
‫االجتماع كتخصص تنطلق أهميته يف العرص‬
‫الحديث من حيث كون موضوعه وهدفه هو‬
‫اإلنسان فردا وكائنا اجتماعيا يعيش يف ظل‬
‫الظروف االجتماعية التي أرشنا إليها و ما‬
‫يكتنفها من تغريات وتحوالت‪ .‬لهذا فإن علم‬
‫االجتماع يساهم بشكل كبري يف مساعدة أفراد‬
‫املجتمع عىل التعاطي مع املتغريات االجتماعية‬
‫والثقافية واالقتصادية والسياسية التي تنتج‬
‫من حركة املجتمعات املستمرة بشكل يساعدهم‬
‫عىل التكيف مع تلك املتغريات‪.‬‬
‫و من الظواهر والقضايا التي يناقشها علم‬
‫االجتماع عىل سبيل املثال ال الحرص‪ :‬قضايا‬
‫املرأة‪ ،‬وعالقة اإلنسان بالبيئة‪ ،‬والعوملة‪ ،‬وحقوق‬
‫اإلنسان‪ ،‬والدور الذي تقوم به مؤسسات‬
‫املجتمع املدني تجاه املجتمع‪ ،‬والتنشئة‬
‫االجتماعية‪ ،‬والظواهر السكانية‪ ،‬وقضايا‬
‫التنمية والتحديث‪ ،‬والتجمعات البرشية‪،‬‬
‫وقضايا األرسة‪ ،‬والتغري االجتماعي والثقايف‪،‬‬
‫الصحة واملرض‪ ،‬والجريمة واالنحراف‪،‬‬
‫وضعف السلوك األخالقي‪ .‬كما يدرس الكثري‬
‫من القضايا األخرى العميقة‪ ،‬ويركز عىل‬
‫السلوك اإلنساني والظروف التي تشكل هذا‬
‫السلوك‪ ،‬إىل جانب أهمية هذا التخصص يف‬
‫دراسة الظواهر والقضايا االجتماعية التي‬
‫أصبحت تهدد كيان األمة العربية‪ ،‬وتؤرق ليس‬
‫فقط أفراد املجتمع‪ ،‬وإنما كذلك الحكومات‬
‫التي دأبت يف اآلونة األخرية عىل رصد الدعم‬
‫املادي واملعنوي ملواجهتها كالغلو‪ ،‬والتطرف‪،‬‬
‫والبطالة‪ ،‬وعمالة األطفال‪ ،‬والعنف األرسي‪،‬‬
‫واإلرهاب‪ ،‬وحوار الحضارات وغريها من‬
‫القضايا األخرى‪.‬‬

‫د‪ .‬عبدالرحمن العمري‬
‫قسم علم االجتماع‬

‫فضالً عن ذلك فإن علم االجتماع يعترب بمثابة‬
‫القاعدة التي تنطلق من خاللها صناعة‬
‫القرار السيايس والتنموي أيضا يف املجتمعات‬
‫املتقدمة‪ ،‬وهذا ما يفتقده كثري من مجتمعات‬
‫الجنوب أو مجتمعات العالم الثالث‪ .‬ألن‬
‫الجانب االجتماعي هو األهم ولذا فإنه يعوّل‬
‫عىل املتخصصني يف علم االجتماع املساهمة يف‬
‫صناعة التطور والتقدم يف شتى مجاالت الحياة‬
‫االجتماعية يف مجتمعاتهم‪ .‬و مزيد من االهتمام‬
‫بأقسام علم االجتماع والخدمة االجتماعية يف‬
‫مختلف الجامعات ودعمها ال شك يمكنها من‬
‫إعداد وتخريج شباب مبدعني يف هذا املجال‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫حصة محيا رساج الحارثي‬
‫طالبة دكتوراه‬
‫طبيعي أن يكون الرمز هـو املحـور‬
‫األساس الـذي اعتمـدت عليه القـصة القصرية‬
‫املعارصة لتصبح – عـلــى الرغــم مــن‬
‫تشابه مضامينها‪ -‬عاملا فسيحا يزخـر بالكثري‬
‫مـن الرؤى واإليحاءات ‪،‬التي مـن شأنها اخرتاق‬
‫الذهـن بالكثري مـن الدالالت التي تعجـز عـن‬
‫تقديمها القصة املباشـرة ‪،‬كـما أن مـن شأنها‬
‫إعـطاء (تيار الـوعـي ) أبعادا داللية‬
‫وفكرية عميقة ؛كي ال يكون مجرد هـلوسة أو‬
‫هـذيان ‪ ،‬وإن اعتمدت طريقة تيار الـوعـي عىل‬
‫إشاعة الفوىض‪ ،‬وانعدام النظام؛ فإن يف ذلك‬
‫إيحا ًء بتلك االنفعاالت‪ ،‬واإلحساسات‪،‬‬
‫والصور الذهنية ‪،‬والرتاكمات النفسية ‪،‬املتداخلة‬
‫‪،‬واملتضاربة ‪،‬يف نفس اإلنسان املعارص ‪.‬‬
‫والحقيقة أن القصصيني السعوديني لـم‬
‫يعتمدوا علـى الـرمز بمعناه القـريب وحـده‬
‫‪،‬بل اسرتفـدوا محاور أخرى ‪،‬زادت من عمق‬
‫هذا الرمز ‪،‬وكثافة الداللة التي يرمي إليها ؛‬
‫ومن هـذه املحاور‪ ،‬استحضار األسطورة التي‬
‫يرى بعض الباحثني أنها كانت إفرازا طبيعيا ملا‬
‫أحـس به اإلنسان البدائي مـن قـلـق وضياع؛‬
‫نتيجة لخوائه املعريف‪ ،‬واهتزازاته االنفعالية‬
‫‪.‬وقـد استحرض الفنان املعارص هذه األسطورة‬
‫؛ استجابة للدافع نفسه ؛ فإذا كان البدائي يحس‬
‫بالتوتر بسبب وضعيته التاريخية الهامشية‪،‬‬
‫فإن اإلنسان املعارص سيحس‬
‫بالقلق ذاته نتيجة لضعفه أمام طغيان املادة‬
‫والقـوى االستهالكية ‪.‬علـما بأن موقـف قاصينا‬
‫مـن األسطورة لـم يكـن موقـفا فكـريا ‪ ،‬بل‬
‫هـو مجرد توظيف فنـي‪ ،‬ال غـرض له سوى‬
‫استحضار جو الغموض ‪،‬والفجيعة ‪،‬والشعور‬
‫بالعجز ‪ ،‬الذي ترتكه قراءة األساطري عادة يف‬
‫نفوسنا ‪ ،‬كما أن فيه إيحا ًء بالكثري من اإلشكاالت‬
‫الحياتية ‪ ،‬التي ال سبيل للتعبري عنها إال ّ عن‬
‫طريق الرمز ‪.‬‬
‫ومحمد عـلـوان واحد من القاصني‬
‫الذين عـرفـوا بااللتفات املبكر لهذا التوظيف‬
‫الفني ؛حيث لجأ إىل بث األجواء األسطورية‬
‫‪،‬وبذر عنارصها يف قصصه ‪ ،‬وإن لم يعمد إىل‬
‫تقديم قصة أسطورية واضحة املعالم‪ .‬ومن‬

‫‪60‬‬

‫أمثلة هذا االتجاه لديه قصة ( الطيور الزرقاء‬
‫) من مجموعة (الخبز والصمت)؛ التي جاء‬
‫املوت فيها رمزا للقهر‪ ،‬والسطوة التي تعري‬
‫اإلنسان ‪ ،‬وتضعه وجها لوجه أمام ضعفه‬
‫وعجزه؛وقد جاء املوت مجسدا عىل هيئة طيور‬
‫زرقاء تشيع األجواء األسطورية يف القصة ‪،‬‬
‫وتعود بالذاكرة إىل ما يقرأ فـي األساطري عادة‬
‫عـن املخلوقات ‪ ،‬والكائنات ‪ ،‬والطيور الغريبة‬
‫‪ ،‬الخارقة للعادة يف قوتها ‪ ،‬وفتكها ‪ .‬وقـد كان‬
‫الستصحاب هـذا الرمز أثره العميق يف القصة‬
‫‪ ،‬من تجسيد للمعنويات إىل جانب إثارة جو‬
‫الفجيعة والغموض يف القصة ‪،‬إضافة إىل التأكيد‬
‫عىل ضعف اإلنسان ‪،‬وعجزه عن املقاومة‪ ،‬أمام‬
‫هـذه القوى الغيبية الخارقة ( ومن كهوف‬
‫الليل تجيء من وكرها الطيور لتحمل الوحيدة‬
‫الحزينة ‪ ،‬وترفعها مغمضة العينني‪ ،‬تغيب ‪ .‬ويف‬
‫يده عصا غليظة وقلب ‪،‬ويستفيق فجأة‪ .‬الجواد‬
‫يعاود الركض لكن أين الفارس الحبيب ؟ ) ‪.‬‬
‫ومـن أمثلة الرمز األسطوري أيضا ً ما جاء‬
‫فـي قصة " أحـزان عشبة برية " مـن املجموعة‬
‫التي تحمل االسـم نفسه لجار الله الحميد حيث‬
‫اتخذ الكاتب مـن العشبة الربية رمزا ً للمحبوبة ‪،‬‬
‫والحرية واألحالم والتطلعات التي ال سبيل إلـى‬
‫تحقيقها ‪ ،‬وقـد تمثلت األسطورة هـنا فـي‬
‫العشبة الغريبة التي تأتي يف األساطري عادة رمزا ً‬
‫للخالص أو الشفاء أو مفتاحا ً للغز أو السـر ‪،‬‬
‫وال سبيل للوصول إىل هذه العشبة إال بمجابهة‬
‫األهوال واملكاره التي ال يقـوى علـى مجابهتها‬
‫عادة سوى إنسان خارق للعادة ‪ ،‬لذا كانت عشبة‬
‫جار الله الحميد حلما ً يراه يف املنام وال يرى له‬
‫مثيالً يف الواقع‪ ،‬أو باألصح ال يستطيع أن يصل‬
‫إليه ألنه ال قبل له بتلك املهالك التي حـذره منها‬
‫الجميع‪ ،‬وهـو ال يزال يسأل كـل من يراه ‪ ( :‬ماذا‬
‫تقـول يف رجل حلم بأنه يمسك بعشبة غريبة ‪..‬‬
‫بيضاء وحمراء ووردية وزرقاء ‪ ..‬ويطري ‪ ..‬وكل‬
‫مرة يحط يف مدينة يرى نفس املرأة التي هي‬
‫حبيبته ولكن كل مرة يناديها باسم آخر ‪ ..‬مع‬
‫العلم أنه هبط يف مئة مدينة وربما أكثر ‪. )..‬‬
‫وهـناك محـور آخـر قام عليه الـرمـز عند‬
‫كتاب القـصة الحـديثة ‪ ،‬يعتمد علـى إيقاظ‬

‫الحـس التاريخـي مـن خالل العـودة إلـى‬
‫املايض وإشاعة الجو التاريخي فـي القـصة‬
‫ولعـل العـودة إىل التاريخ جاءت مــن قبيل‬
‫التشبث باملايض ‪ ،‬والحنني إليه ‪ ،‬علـى اعتبار‬
‫أنه ملجأ ومهـرب مــن مأساوية الــواقـع‬
‫ً‬
‫خاصة‬
‫وتعقـده ‪ ،‬واختالط املفاهـيـم فيه ‪،‬‬
‫ذلك املاضـي العـربـي املرشق بصور الحرية‬
‫‪ ،‬والكـرامة التي ال تقبل املساومة ‪ ،‬والشجاعـة‬
‫التـي افتقـدها اإلنسان املعارص ‪ ،‬ولم يعـد‬
‫يملك منها سوى الرموز ‪ .‬ولعـل هـذا الرمز‬
‫التاريخي قـد ظهر بجالء يف قصة ( عنرتة‬
‫بن رداد) لعبد العزيز املرشي ‪ ،‬من مجموعته‬
‫( أسفار الرسوي ) فمجرد أسم (عنرتة ) قـد‬
‫أصبح فـي الذاكـرة العـربية رمزا ً للشجاعـة‬
‫‪ ،‬والصمود ‪ ،‬والتحـدي ‪- ،‬وكذلك رداد فـي‬
‫الـذاكرة الشعبية ‪ -‬وقــد استحرض املرشي‬
‫عنرتة مـن املاضـي ؛ ليدخل املدينة ‪ ..‬مدينة‬
‫القــرن العشـرين ‪ ،‬ممتطيا ً حصانه ‪ ،‬ومتقـلدا ً‬
‫سيفـه ( لقـد كان عنرتة يغني ‪ ..‬يرفع عقريته‬
‫‪ ..‬فتلعلع فـي املباني التي ارتفعت مـن اليمني ‪،‬‬
‫ومـن الشمال ‪ ..‬تصطدم القوايف مثل ملعان الربق‬
‫بواجهات الزجاج وتسقط كما العصافري فوق‬
‫اإلسفلت وتحت قـواعـد العمارات الشامخة )‬
‫وقف عنرتة فـي وجه املدينة ‪ ،‬كما وقف فـي‬
‫وجه إنسانها املنهـزم ( أنت من قبيلة ال تعـرف‬
‫الشجاعة ‪ ،‬ومـذ عرفتك ‪ ..‬لـم أر فـي يدك إال ّ‬
‫هـذه املسبحة ) ويكفي عنرتة هـنا أنه وقف‬
‫وتحدى ‪ ،‬وإن لم يستطع املقاومة؛ ألن املعركة‬
‫بينه وبني املدينة ليست متكافـئة ؛ فـقـد تحول‬
‫سيفه إىل صارم خشبي ‪ ،‬أمام رصاص املدينة‪،‬‬
‫الذي صوب نحـو صدره ؛ ليقـع رصيعا ً وهـو‬
‫(يفـرك بدمه جسـد اإلسفلت الالمع تحت‬
‫الضوء) ‪ ...‬إنها سطـوة املدينة التـي ال تعرتف‬
‫لشـيء بقـيمته ‪ ،‬وعنرتة فــي الــوجـدان‬
‫العـربي قيمة يجب أن تبعث ‪ ،‬بل يجب أن تعود؛‬
‫لذا لم يشأ املرشي لعنرتة أن يموت ‪ ،‬وإن سالت‬
‫دماؤه ‪ ،‬فرصاخه ما زال يدوي ‪ - ( :‬إني قادم ‪..‬‬
‫قادم ‪..‬ال أهاب املوت )‬

‫أحمد املكرفح‬
‫طالب ماجستري‬

‫القراءة مفتاح الفكر وعنوان الرقي ‪ ،‬ومنظار الكشف عن الفنون ‪،‬‬
‫والغوص يف تجربة األفراد والشعوب ‪ ،‬بها جالء الجهل وصفاء العقل‬
‫‪ ،‬فبالقراءة تكتسب الخربات ‪ ،‬وتستقى املعارف واألفكار ‪ ،‬وتتفاعل‬
‫الحواس مع املكتوب ‪ ،‬فينجم عنه انفتاح للفكر و القلب يف شتى األنحاء‬
‫‪ ،‬فهي حتما فن ومهارة تحتاج إىل تنمية وتربية واحتضان لتكون كما‬
‫أسلفنا مفتاحا للفكر وعنوانا للنهضة والرقي ‪ ،‬كيف ال وهي ذات شأن‬
‫عظيم حتى عند من اليستمتعون بها لذا تكثر األسئلة حولها ويحرص‬
‫املهتمون عىل ما ينفعهم فيها ما بني قراءة كتب موجهة أو االلتحاق‬
‫بربامج تدريبية أو استضافة ذوي التجارب لالستفادة منهم ‪.‬‬
‫وبما أننا نعيش يف عرص كثرت فيه املعلومات‪ ،‬وزادت يف زمنه إصدارات‬
‫الكتب والدوريات ‪ ،‬أصبح القارئ يجد صعوبة شديدة يف متابعة كل‬
‫جديد ومفيد ‪ ،‬فقد ابتكر حديثا ً طريقة تسمى القراءة التصويرية ‪،‬‬
‫والتي يمكن من خاللها قراءة عرشات الصفحات يف دقائق محدودة‬
‫‪ ،‬وبفهم واستيعاب أكرب لذا يقول دارسوها ومدرسوها إنها أجدى‬
‫طريقة ملواجهة واستيعاب الطوفان املعلوماتي فهي عبارة عن قراءة‬
‫برسعة‪ 25000‬كلمة يف الدقيقة ‪ ،‬وهي مهارة كأي مهارة ذاتية ويمكن‬
‫تعلمها بسهولة فإذا أردت أن تصبح قارئا ً بهذه الطريقة الجديدة ‪،‬‬
‫فهناك خطوات عملية تستخدم فيها قدرات عقلك بقوة وفعالية‪ ،‬مما‬
‫يمكنك من الوصول إىل أي موضوع تريده يف أقل وقت ممكن ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ االستعداد ‪ :‬ويكون بوضع هدف واضح ومحدد ‪ ،‬فالهدف يعمل‬
‫كإشارة أمر للعقل الباطن للبحث عن النتائج التي نريدها‪ ،‬فندخل يف‬
‫حالة وعي اسرتخائي (حالة التعلم املثىل) بدون قلق أو ضجر‪.‬‬
‫‪2‬ـ إلقاء نظرة عامة‪ :‬وهي عبارة عن مسح للمادة املكتوبة بصورة‬
‫رسيعة تبدأ بقراءة الغالف الخارجي للكتاب ‪ ،‬وقائمة محتوياته‬
‫(الفهرس) ثم تناول عناوينه الرئيسة والخطوط العريضة وغريها مما‬
‫يعتقد أنه هام وجدير ‪ ،‬حيث تأخذ القراءة موقعها من الكليات إىل‬
‫الجزئيات ‪ ،‬وهذه الخطوة تعطي الهيكل التنظيمي للكتاب أو املقروء‪.‬‬
‫‪3‬ـ القراءة التصويرية ‪ :‬وتبدأ بتقليب صفحات الكتاب أو املوضوع من‬
‫الغالف للغالف بطريقة رسيعة مع املالحظة‪ ،‬وذلك بنظرة تلسكوبية‬
‫لصفحتي الكتاب بحيث تمكن من رؤية األركان األربعة للصفحتني‬
‫ويكون الرتكيز محوريا ‪ ،‬أي عىل منتصف الصفحتني ‪.‬ونحاول هنا‬
‫استخدام أعيننا بطريقة جديدة ‪ ،‬بحيث تشمل كامل الصفحتني بدال ً‬
‫من الرتكيز عىل كلمات فردية فالبؤرة التصويرية تقوم بتكوين نافذة‬
‫تسمح للّقطة املبارشة بالدخول إىل الذهن ‪ ،‬ويف هذه الحالة نصور‬
‫اللّقطة ذهنياً‪ ،‬بطريقة ما قبل أن نصل إىل حالة الوعي‪ ،‬وصورة كل‬
‫صفحة تثري اإلجابة العصبية ‪ ،‬والذهن يؤدي وظيفته دون أن تعوقه‬
‫األفكار النقدية أو املنطقية‪.‬‬
‫‪4‬ـ اإلثارة ‪ :‬تقوم اإلثارة عىل إعادة تحريك الذهن باألسئلة ‪ ،‬وكشف‬
‫األجزاء التي أثارت االهتمام يف النص املكتوب ‪ ،‬ثم القيام بإلقاء نظرة‬
‫رسيعة عىل منتصف كل صفحة أو عمود ‪ ،‬والتوقف عند كل كلمة‬
‫توقفت عندها العني عنوة ‪ ،‬فهي رسالة من العقل بأن هذه الفقرة مهمة‬
‫بالنسبة للموضوع املراد بحثه ‪.‬‬
‫‪5‬ـ الخارطة الذهنية ‪ :‬وهي كتابة ما يفهم من الكلمات التي توقفت‬
‫عندها العني يف شكل خارطة‪ ،‬وتسمى التشجري ‪ ،‬وهذا كله يقوم عىل‬
‫االسرتخاء‪ ،‬حيث يعد االسرتخاء من أهم األمور يف القراءة التصويرية‬
‫وعىل كل حال فممارسة القراءة التصويرية تساعد عىل تدريب الدماغ‪،‬‬
‫وتجاوز الكثري من العوائق وتعلم الرتكيز‬
‫وإثراء الذاكرة ‪ ،‬وحدة البرص‪....‬‬

‫‪61‬‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬محمد عبد العزيز عبد الدايم الرفاعي‬

‫‪62‬‬

‫النظرية أبرز كلمة تواجهنا عندما نتتبع تفصيالت‬
‫أي علم نظري أو تجريبي‪ ،‬وعىل الرغم من أننا‬
‫مطالبون‪ ،‬كغرينا من أبناء الحضارة اإلنسانية‪،‬‬
‫باإلسهام يف صناعتها إال أن املتخصصني منا‪،‬‬
‫لألسف الشديد‪ ،‬ال يقفون منها املوقف الصحيح‬
‫الواجب؛ إذ َيتَجَ نَّ ُبهَا أكثرهم عندما تطرق أسماعهم‬
‫بوصفها رسا ُم ْغل َ ًقا ال يملكه إال خاصة الخاصة‬
‫من العلماء واملفكرين‪ ،‬أو َيتَأَمَّلُهَا بعضهم وقد‬
‫بهرتهم بإيحاءاتها وظاللها؛ ولذلك ال نكاد نجد‬
‫هذه الكلمة الخاصة ترتدد يف إنتاجنا العلمي إال‬
‫عىل استحياء‪ ،‬وأكثر ما وردت فيه محاوالت جزئية‬
‫ال نستطيع أن نؤسس عليها حلمنا يف أن يكون‬
‫لنا إسهام حقيقي وجاد وعريض يف الحضارة‬
‫اإلنسانية العاملية يتناسب مع ما سبق من جهود‬
‫أسالفنا العظام‪.‬‬
‫وليس ببعيد عن هذه املحاوالت الجزئية التي‬
‫ال تخدم تأسيسنا للتنظري تلك التطبيقات التي‬
‫تجعل منا‪َ ،‬ع ْفوًا يف التعبري‪ ،‬مجرد َخ َد ٍم للنظريات‬
‫وأصحابها؛ فال تفيد التطبيقات إال َر ْف َع مقام‬
‫النظريات التي يتم تطبيقها وتقويمها‪.‬‬
‫وقريب من هذه املحاوالت غري املكتملة اتخاذ بعض‬
‫أساتذة الجامعات املختلفة لقب أستاذ النظرية‬
‫السياسية أو أستاذ نظرية االتصال أو أستاذ‬
‫النظرية االجتماعية دون أن ينطبق هذا اللقب أو‬
‫ذاك عىل كثري ممن ا َّت َخ َذه‪ ،‬ودون أن يكون إنتاج‬
‫أكثر هؤالء األساتذة م َُكرَّسً ا‪ ،‬عىل جهة الحقيقة‪،‬‬
‫إلنتاج النظرية التي يعنون بها‪ ،‬ويلقبون أنفسهم‬
‫بها؛ فهم يتخذون هذا اللقب‪ ،‬لألسف الشديد‪،‬‬
‫من قبيل الوجاهة العلمية أو الحداثة الظاهرية‬
‫دون أن يضيفوا نظريات خاصة بهم‪ ،‬أو حتى‬
‫يستقرئوا ما تتضمنه علومهم من نظريات‬
‫يصنفونها وي َُق ِّومُو َنها‪ .‬وقد ينضاف إىل ذلك عدم‬
‫الحاجة إىل استخدام األساتذة للقب النظرية؛ إذ‬
‫يُفْترَ َ ُ‬
‫ض أن يذكر األساتذة األقسام العلمية التي‬
‫ينتمون إليها فيقولون أستاذ العلوم السياسية‬
‫أو أستاذ علم االجتماع ونحو ذلك‪ ،‬ويُفْترَ َ ُ‬
‫ض أال‬
‫يستخدموا كملة نظرية إال إذا كان هذا األستاذ‬
‫َّس نشاطه وانرصف إىل نظريات‬
‫أو ذاك قد َكر َ‬
‫تنتمي إىل أكثر من قسم من األقسام العلمية‪ ،‬فال‬
‫يصبح منتميا إىل قسم بعينه دون أقسام أخرى‪.‬‬
‫يمكن أن نقول إن أشد ما يؤسف له يف موقفنا من‬
‫النظرية أن النظرية قد صارت مجرد لقب يتلقب‬
‫به الباحثون عن األلقاب الجديدة‪.‬‬
‫مجتمعنا اآلن أصبح مجتمع االستهالك املعريف‬
‫واقعنا هذا يكشف عن أنه قد صار مجتمع‬
‫استهالك معريف‪ ،‬ال يحرص عىل اإلنتاج املعريف‬
‫الحقيقي‪ ،‬وإنما يقوم عىل مجرد االعتماد عىل‬
‫اآلخر يف نشاطه املعريف‪ ،‬ويكشف عن أن أمتنا يف‬
‫عرصها الراهن قد صارت ال تقدم شيئا يذكر إىل‬
‫الثقافة اإلنسانية باستثناء ما يقدمه مبدعوها‪،‬‬

‫بطبيعة الحال‪ ،‬من إنتاج أدبي شعرا أو نثرا عىل‬
‫اختالف أنواعهما‪ .‬والحقيقة أن هذا األمر يجعل‬
‫املرء يتساءل وهو ينظر إىل نشاطنا الفكري‪ :‬هل‬
‫نحن أحفاد من ابتكروا العلوم‪ ،‬وقدموا مئات‬
‫النظريات يف مختلف العلوم وفروع املعرفة‬
‫اإلنسانية؟!‬

‫أشد ما يؤسف له في‬
‫موقفنا من النظرية أن‬
‫النظرية قد صارت مجرد‬
‫لقب يتلقب به الباحثون عن‬
‫األلقاب الجديدة‬
‫تنوع إسهامنا بني النظريات الجديدة والعلوم‬
‫املستحدثة‬
‫تاريخنا يرفض هذا الواقع؛ فلم يقترص إبداع‬
‫هذا التاريخ العظيم املرشق عىل إنتاج عدد من‬
‫النظريات املتميزة الخالدة‪ ،‬بل امتد إىل تقديمه‬
‫علوما لم يسبق إليها‪ ،‬كما يف نموذج علم أصول‬
‫الفقه الذي يمثل نموذجا شديد الخصوصية‬
‫من التفكري‪ ،‬والذي يمكن وصفه بأنه علم‬
‫لالستدالل يتفوق يف طرق استدالله عىل علم‬
‫املنطق اليوناني‪ ،‬و ُي َع ُّد من أبدع ما قدمه العقل‬
‫العربي اإلسالمي للحضارة اإلنسانية‪ ،‬كما َعر َ‬
‫َف‬
‫هذا التاريخ برتاثه العظيم البذور التي تمثل نواة‬
‫حقيقية لعلم االجتماع يف أعمال ابن خلدون‪ ،‬أحد‬
‫مبدعيه الخالدين‪ ،‬الذي نجح يف االنتقال من‬
‫دراسة التاريخ من املنظور السيايس إىل املنظور‬
‫االجتماعي‪ ،‬وهو األمر الذي أسهم من خالله يف‬
‫تقديم نظرياته األساسية كفرضية أن اإلنسان‬
‫مدني بطبعه وغريها من الفرضيات التي‬
‫قدمها يف قراءته للظواهر االجتماعية املختلفة‬
‫واستنباط قوانينها الثابتة‪ ،‬فقدم نظريات عديدة‬
‫كانت جديرة بأن تكون أحد فروع املعرفة‬
‫التي عرفت باسم علم االجتماع أو علم العمران‬
‫البرشي بتعبري ابن خلدون يف مقدمته التي يمكن‬
‫وصفها بأنها أول موسوعة يعرفها تاريخ املعرفة‬
‫اإلنسانية والتي تسبق املوسوعات بما ال يقل عن‬
‫خمسة قرون‪.‬‬
‫املفهوم الخاص بالنظرية ال يخرج عن كونها‬
‫مجرد الفروض العلمية التي يضعها العلماء‬
‫تفسريا للظواهر أو تضبط أنظمة الظواهر‬
‫ص ُفها و ُتحَ ِّد ُدها‪ ،‬وهو ما تفيده مراجعة هذا‬
‫و َت ِ‬
‫املفهوم يف املراجع العربية؛ فهي تنص عىل أن‬
‫النظرية «فرض علمي يربط عدة قوانني بعضها‬
‫ببعض‪ ،‬ويردها إىل مبدأ واحد يمكن أن نستنبط‬
‫منه حتما أحكاما وقواعد» (مجمع اللغة العربية‬
‫بالقاهرة‪ ،‬املعجم الفلسفي‪ ،‬ص ‪ ،)302‬وهو‬
‫ما ُت َؤ ِّك ُد ُه مراجعة املفهوم يف املراجع الغربية‪،‬‬

‫كذلك؛ إذ تنص عىل أن النظرية هي «مبدأ أو‬
‫مجموعة من املبادئ معقولة أو مقبولة علميا‬
‫تقدم لرشح الظواهرة» (‪Merriam Webster‬‬
‫‪ .)database‬والحقيقة أن الفروض ليست إال‬
‫النظريات الالزمة لهذه الظواهر وما تخضع له‬
‫من أنظمة وقوانني‪ .‬أي أن النظريات ليست أكثر‬
‫من مجموعة الفروض العلمية التي تقدم تفسريا‬
‫للظواهر‪ ،‬وبيانا لألنظمة التي تخضع لها هذه‬
‫الظواهر‪.‬‬
‫من أين يمكن أن نبدأ؟‬
‫املنطلق الذي يمكن أن نبدأ منه هو رضورة‬
‫التوعية بالتنظري؛ فنحن مطالبون بدعم‬
‫التنظري وإزالة الرهبة واألوهام التي تشتبك مع‬
‫تصوراتنا عن التنظري العلمي الجاد عىل أساس‬
‫أن التنظري ليس أكثر من تقديم فروض علمية‬
‫معتربة ومناسبة لألنظمة التي تحكم الظواهر‬
‫املختلفة كما أرشنا منذ قليل‪ .‬ويلزم أي باحث‬
‫جاد يريد أن يقدم عددا واسعا من النظريات أن‬
‫يقوم بثالثة أمور بسيطة‪:‬‬
‫أولها تحديد جملة الظواهر التي تقررت يف‬
‫التخصص‪ ،‬وذلك بحثا عن مجموعة الظواهر‬
‫التي لم تدرس بعد يف التخصص ال تزال تنتظر‬
‫يد الباحث الجاد ليبحثها ويحللها علميا‪ .‬وليست‬
‫الظواهر‪ ،‬عىل أية حال‪ ،‬أكثر من الحاالت املتكررة‬
‫َت َك ُّررًا يخرجها عن حد القلة وتخضع لقانون‬
‫معني؛ إذ الحاالت التي ُت َع ُّد من قبيل الظواهر‬
‫تستلزم أمرين معا‪ ،‬هما‪ :‬التكرر الذي يخرجها‬
‫عن كونها مجرد حاالت فردية‪ ،‬وخضوعها لنظام‬
‫أو قانون‪ .‬وال ُب َّد من اليقني من أن أيَّ تخصص‬
‫يملك من الظواهر أكثر ِممَّا يقرره املتخصصون‪،‬‬
‫َّ‬
‫ص ليس أكثر من منظومة ُمع ََّق َدة‬
‫وأن أَيَّ َت َخ ُّ‬
‫ص ٍ‬
‫وشديدة التشابك من الظواهر تتضاعف مع‬
‫الوقت‪ .‬وأن ليس من املعقول أن يقف الباحث‬
‫الجاد مع ما َت َق َّر َر يف التخصص من الظواهر‬
‫دون اجتهاد يف البحث َعمَّا لَ ْم َيتِ ّم دراسته منها‬
‫عىل الرغم مما يمكن أن تملكه مثل هذه الظواهر‬
‫من أنظمة وقوانني‪ ،‬وعىل الرغم من حاجة مثل‬
‫هذه األنظمة وتلك القوانني إىل نظريات تفرس‬
‫هذه الظواهر وتضبط تلك األنظمة والقوانني‪.‬‬
‫ثانيها محاولة وضع فروض علمية تفرس مختلف‬
‫الظواهر التي لم يسبق دراستها من قبل‪ ،‬ويمكن‬
‫أن تعكس هذه األنظمة أو تلك القوانني التي‬
‫تخضع لها هذه الظواهر‪ .‬واملهم أن تكون هذه‬
‫الفروض ذات وجاهة علمية؛ فال يلزم الفروض‬
‫التي ُت َق َّد ُم تفسريا للظواهر أو بيانا لألنظمة أكثر‬
‫من أن تقوم عىل مجموعة من األسس والضوابط‬
‫املناسبة واملعتربة يف التخصص‪ .‬وأبرز هذه‬
‫األسس والضوابط أن تكون الفروض شاملة‬
‫للقطاع األكرب من أفراد الظاهرة‪ ،‬وأن تملك‬
‫تفسريات فرعية ملا يخرج من أفراد الظاهرة‪،‬‬

‫وأن يكون تفسريها للظواهر تفسريا مبارشا ال‬
‫يقوم عىل تقديرات وتأويالت تلزم إلخضاع أفراد‬
‫الظاهر للفروض النظرية املقدمة ‪ ...‬إىل آخر‬
‫األسس والضوابط التي يقررها املتخصصون‬
‫بهذا الشأن‪.‬‬
‫ثالثا أن يتم وضع آليات ومناهج لتحقيق صحة‬
‫النظريات أو الفروض العلمية‪ .‬والحقيقة أن‬
‫املنهج ليس شيئا غامضا؛ فليس أكثر من جملة‬
‫الخطوات أو اإلجراءات التي تم اتخاذها للوصول‬
‫إىل يشء معني‪ .‬وفضال عن أهمية املناهج يف‬
‫تحقيق صحة النظريات ودعمها فإنها يف حد‬
‫ذاتها جزء مهم من البحث والتنظري العلمي‬
‫يعاني مما تعانيه النظريات من االنرصاف عنه‬
‫من قبل باحثينا ومتخصصينا‪.‬‬
‫باختصار ليس هناك أكثر من الظواهر التي‬
‫تملكها تخصصاتنا املختلفة‪ ،‬وأن ما لم يدرس‬

‫هل نحن أحفاد من ابتكروا‬
‫العلوم‪،‬‬
‫وقدموا مئات النظريات‬
‫في مختلف العلوم وفروع‬
‫المعرفة اإلنسانية؟!‬
‫من ظواهر أي تخصص أكثر عرشات املرات ِممَّا‬
‫درس‪ ،‬وأن أي تخصص‪ ،‬بناء عىل ذلك‪ ،‬يحتاج‬
‫إىل نظريات بقدر ما تملكه ظواهره املتضاعفة‬
‫من أنظمة وقوانني؛ إذ ليست النظريات أكثر‬
‫من الفروض التي يقدمها العلماء لهذه األنظمة‬
‫وتلك القوانني‪ .‬وأن ما علينا عمله لتقديم جملة‬
‫واسعة من النظريات ليس أكثر من تحديد جملة‬
‫الظواهر التي لم تسبق دراستها‪ ،‬وتقديم فروض‬
‫علمية عىل األسس والضوابط املقررة أو املعتمدة‬
‫يف التخصص‪ .‬أي حدد ما لم يدرس من الظواهر‬
‫تكون قد قطعت نصف الطريق‪ ،‬وضع فروضا‬
‫عىل أسس وضوابط علمية ومعتربة يف التخصص‬
‫تكون قد بلغت غايتك من تقديم نظريات بقدر‬
‫ما قدمت من هذه الفروض العلمية املعتربة‪.‬‬
‫بقي أن نشري إىل أنه ال يلزم متخصصينا أن‬
‫يقدموا فروضا أو نظريات علمية للظواهر؛ إذ‬
‫من حقهم اكتشاف ما يقدمه الدرس املعارص‬
‫أو الرتاث أو بعض العصور من نظريات تفرس‬
‫الظواهر التي عرضت لهم؛ فالكشف عما يموج‬
‫به الرتاث من نظريات نقطة بداية صحيحة‬
‫للوصول إىل مزيد من النظريات وإىل إتقان‬
‫صنعة التنظري العلمي الذي نسينا أن املشغلة أو‬
‫الصنعة الحقيقية التي يمتهنها خاصة علمائنا‬
‫والتي يجب أن تتقرر وتتأسس عىل نحو علمي‬
‫صحيح بني صغار باحثينا مثلما هي مقررة عند‬
‫أكابر باحثينا‬

‫‪63‬‬

‫سعيد بـ "مجاز" هذه املجلة الفتية‪ ،‬وقد‬
‫ارتأيت أن تكون أوىل مشاركاتي بها عن‬
‫الحكمة؛ ذلك ألننا يف جامعة تجذر العلم‪،‬‬
‫وتبحث يف املعرفة‪ ،‬وتحدد الفوارق البسيطة‬
‫بني منابعها‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫والحكمة رأس العلوم‪ ،‬وهي ـ وإن أختلِف‬
‫يف تعريفها ـ فإننا جميعا نشعر بحضورها‪،‬‬
‫ونرىض به‪ ،‬ألنها تالية للنبوة‪ ،‬وتسبق املوهبة‪،‬‬
‫ويأتي التعليم بأخرة منها؛ فالحكمة يمنحها‬
‫الله تعاىل لعبده لتسوقه إىل اإليمان‪ ،‬وقد قيل‬
‫‪ :‬إن الحكيم يستفيد من خصومه أكثر مما‬
‫يستفيد األحمق من أصدقائه‪ ،‬ومن ثم فإن‬
‫وجد التعليم حكمة‪ ،‬أو موهبة‪ ،‬صار صاحبه‬
‫مضيئا ومشعا‪ ،‬وإن لم يكن فكأني به مثل‬
‫حاطب ليل‪ ،‬أو كما يف الحديث ‪ :‬ال أرضا قطع‬
‫وال ظهرا أبقى‪.‬‬
‫وقد وردت الحكمة يف القرآن الكريم‬
‫بمعان متعددة‪ ،‬أجمل العلماء أبرزها يف‬
‫الفهم‪ ،‬والعقل‪ ،‬واإلصابة يف القول‪ ،‬والعدل يف‬
‫الترصف‪ ،‬ويف غريها من الصفات التي ترتبط‬
‫بها؛ وهي هبة ومنحة من الله لعباده‪ ،‬كما‬
‫ورد يف اآلية ‪ 269‬من سورة البقرة‪":‬يؤتي‬
‫الحكمة من يشاء ومن يُؤ َتى الحكمة فقد‬
‫أُوتي خريا كثريا"‪ ،‬وجاء يف الحديث النبوي‬
‫الرشيف‪ ،‬يف رواية عن عبد الله بن مسعود‪ ،‬أنه‬
‫ال حسد إال يف اثنتني‪ ،‬وكانت إحداهما‪" :‬رجل‬
‫آتاه الله حكمة فهو يقيض بها ويعلمها"‪،‬‬
‫وعيىس عليه السالم قال‪":‬إن الحكمة نور‬
‫كل قلب"؛ ومن ثم فما أحوجنا إىل الحكمة‬
‫يف كل ترصفاتنا‪ ،‬وهي ليست يف أسلوب اللني‪،‬‬
‫أو املساملة يف كل أمر أو مسألة‪ ،‬كما قال‬
‫بذلك بعض الباحثني؛ ألن الحكيم ليس عليه‬
‫بالرضورة أن يريض كل املتناقضات‪ ،‬وال أن‬
‫يكون مع أو ضد ملجرد االنحياز إىل فئة دون‬
‫غريها‪ ،‬لرغبة أو ميل أو هوى‪ ،‬وإنما الحكيم‬
‫من يقتنع به حتى املختلفون معه لرجاحة‬
‫عقله وصواب تقديراته؛ فهو ال يقول إال‬
‫حكمة يؤمن بها‪ ،‬وإن اختلفت مع صاحبها‪،‬‬
‫واملختلف مع الحكيم ال يريد الحكمة‪ ،‬وإنما‬
‫يريد أمرا يظهره‪ ،‬أو تحقيق نية يكنها‪ ،‬وهنا‬
‫عىل الحكيم أن يتعامل مع كل األطياف‪ ،‬وأن‬
‫يبقى سامقا بترصفه وبقناعاته‪ ،‬يرىض من‬
‫يرىض‪ ،‬ويأبى من يأبى‪ ،‬ويكفي الحكيم‬
‫فضال أن الله تعاىل اختصه دون غريه بهذه‬
‫الهبة اإللهية‪ ،‬والبد له أن يحافظ عليها وأن‬
‫يحسن استثمارها‬

‫أ‪.‬د عبد املحسن فراج القحطاني‬
‫‪64‬‬

‫د‪ .‬منصور محسن ضباب‬
‫َ‬
‫فتات أوراقي‬
‫مع نهاية كل يوم درايس أجمع‬
‫وأضعُها يف حقيبتي الحبىل بهمومي العلمية‬
‫واألكاديمية ‪..‬‬
‫واجبات‪ ..‬أبحاث‬
‫ٌ‬
‫لجان ‪..‬اجتماعات و‪ ...‬و‪........‬‬
‫أصل إىل املنزل ‪..‬أبحث عن مال ٍذ لتعبي عند‬
‫تقبيل ي َديها ‪..‬‬
‫عيني‪..‬‬
‫تشاغب بنظراتها بريق‬
‫َّ‬
‫أتنتظر إجابة كل يوم ‪..‬‬‫أضع خدي عىل ظاهر قدمها وأغمض عيني‬
‫مبتسما‬
‫ٌ‬
‫أراضية عني ؟؟!‪..‬‬
‫‬‫لثوان يخيم الصمت عىل الكون ‪..‬وبرحلة مع‬
‫ٍ‬
‫الزمن تخطفني الذكريات للمايض‪..‬‬
‫لرحلة البحث والدراسة ‪..‬‬
‫قالدتي ترنيمة غربتي ‪..‬‬
‫وأنفايس تلهج بالحنني لحضنها‪..‬‬
‫كل مساء‪..‬‬
‫جسمي العليل‪ ..‬يحمل أنات غربتي‪..‬‬
‫ُ‬
‫تشتعل عشقا ً جرى يف عروقي‪..‬‬
‫وآهات صدري‬

‫‪66‬‬

‫ألبس قلنسوة األمل للعودة إىل حضنك‪..‬‬
‫ألرض األرشعة‪..‬‬
‫ْ‬
‫وزنجبيل‪..‬‬
‫حضنك ‪ ..‬رائحة قهو ٍة‬
‫أذوب شوقا ً لسماع همهمة سعف النخيل‪..‬‬
‫عيني دمعتان‪..‬‬
‫فجأة سالت من‬
‫كل ليلة‪...‬‬
‫َّ‬
‫وقبل أن تبلغ زفراتي مداها‪..‬تمسحُ دموعي‪...‬‬
‫كل ليلة‪..‬‬
‫يف تي اللحظات‬
‫أفقي الكابي‪..‬‬
‫عرب‬
‫العجوز‬
‫بزورقي‬
‫أبحر‬
‫َ‬
‫وزهور حديقتي خلف شباكي الهادرة بأنشودة ترتفع يدان‪..‬‬
‫ودعاء يل برضا الرحمن‬
‫القتام‪..‬‬
‫يشق عباب السحب‬
‫عرب رياح انجلرتا الباردة‬
‫ُ‬
‫برق يحيل ديمة القبول لوابل اإلجابة‪..‬‬
‫تحمل عزفا ً منفردا ً لحنني ال ينتهي ‪..‬‬
‫وميض ٍ‬
‫مط ٌر ‪ ..‬مط ْر‪..‬‬
‫تذكرني نجمة الجنوب بوميض األمل‪..‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كل الذنوب بالرب تغتف ْر‪..‬‬
‫لرحلة العودة إىل الوطن‪..‬‬
‫مط ٌر‪..‬مط ْر‬
‫تنزف األيا ُم عمري‪..‬‬
‫يسقي عطش السنني‪..‬‬
‫وجنتي إىل شحوب‬
‫تحيل احمرار‬
‫َّ‬
‫ٌ‬
‫عىل صدرها‪ ..‬يتبخر التعب ‪..‬ويذوب األلم‪...‬‬
‫وابتسامة تبحث عن ثغري‪..‬‬
‫ها قد عاد يل جناحي‬
‫دهورا ً ودهورا‬
‫أرفرف به‪ ..‬من جديد‬
‫تستخرج أجوبة من جوف أرض غريبة‬
‫إىل غصن الشمس‬
‫عن أسئلة تتطاير يف ذهني املرهق ‪..‬‬
‫فأشدو عند الرشوق ‪..‬بأنشودة الختام‪..‬‬
‫مشتعلة بجمر األسئلة‪..‬‬
‫كم مرة عاقرتُ رما َد مدفأتي ‪..‬‬
‫وجوع السؤال يلتحف ليايل الشتاء ‪..‬‬

‫ُّ‬
‫كل م ٍّر سوف يحلو‬

‫د‪.‬صباح باعامر‬

‫حني غاب البدرُ‪،‬‬
‫بعد هذا‬
‫الحزن فرْحٌ‬
‫ِ‬
‫النجم يف حض ِن السماءْ‪،‬‬
‫و انهارت قوايف‬
‫عار ٌم‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫الليل‪،‬‬
‫و انتىش‬
‫***‬
‫و غنى السح ُر الدنيا تراني َم الضياءْ‪،‬‬
‫أمتي‪،‬‬
‫َّ‬
‫الغيب هامتْ ‪...‬‬
‫يف غيوم‬
‫حلمي‬
‫الغض الذي لن يتكسرَّ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫األمس‬
‫عبري‬
‫من‬
‫ر‬
‫بسح‬
‫العطىش‬
‫روحي‬
‫يف فؤادي هو قد كان ليكربْ‪،‬‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الهمس ‪،‬و جا ْء‬
‫امتطى‬
‫ربما تبدو قفا ٌر بني أحالمي و بيني‪،‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫***‬
‫الطيف سيبقى‪...‬‬
‫لك ْن‬
‫ً‬
‫كنتِ أنتِ يف خيايل‪،‬‬
‫حلما داعب عيني‪،‬‬
‫يف سؤايل‪،‬‬
‫زارني يف خلواتي‪،‬‬
‫يف التفاتاتي‪،‬‬
‫كان حلمي‪،‬‬
‫و صمتي‪،‬‬
‫و دعائي يف صالتي‪.‬‬
‫و ابتسامي‪،‬‬
‫رافق الحل ُم سنيني‪،‬‬
‫و هيامي‪،‬‬
‫و رعته أمنياتي‪.‬‬
‫و الرجا ْء‬
‫***‬
‫***‬
‫يف كالمي‪،‬‬
‫و سكوتي‪،‬‬
‫كنت أنتِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫تغزلني املجد يف عايل السما ْء‬
‫كان صوتي صااااااااااااارخا‪:‬‬
‫كنت أنتِ رغم ِّ‬
‫كل الحزن رم َز الكربياءْ‪.‬‬
‫الااااااااااا‬
‫***‬
‫لن تموتي!‬
‫بني جفنيكِ ترانيم ُ صمودٍ‪،‬‬
‫أمتي‪،‬‬
‫رددتها األزماتُ ‪...‬‬
‫الااااااااااااااااا‬
‫القاصماتُ ‪...‬‬
‫لن تموتي!‬
‫املوجعاتْ ‪.‬‬
‫***‬
‫ٌ‬
‫أهدابكِ شوق‪،‬‬
‫بني‬
‫عربٌ نغفو‪،‬و نصحو‪،‬‬
‫ِ‬
‫انتظا ٌر‪،‬‬
‫نحتيس األيا َم جرحً ا‬
‫مثل وع ٍد يف‬
‫جرح‬
‫بعد‬
‫عيون الفاتناتِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫هو آتٍ ‪،‬‬
‫جرح‬
‫بعد‬
‫ِ‬
‫هو آتْ ‪.‬‬
‫نتحرى ‪...‬‬
‫***‬
‫الغيب صبحً ا‬
‫ضباب‬
‫يف‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫‪،‬‬
‫وردتان‬
‫وجنتاك‬
‫صبح!‬
‫ِ‬
‫أيَّ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫فيهما ذاب‬
‫رحيق الشه ِد من مايض **‬
‫ْ‬
‫الزمان‪،‬‬
‫عربٌ نحن ‪،‬و أقوى‪..‬‬
‫فيهما‪...‬‬
‫من هدي ِر املوتِ إيما ًنا و صربا‬
‫ْ‬
‫من بكا ِء ا لجرح ِ جرحٌ ‪،‬أنتان‬
‫عربٌ نحن ‪،‬و أقوى‪...‬‬
‫***‬
‫شعوب‬
‫أساطري‬
‫من‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫رحيق الشهدِ‪،‬‬
‫ربما يغفو‬
‫أنبتت زيفا و غدرا‪.‬‬
‫الجرح‪،‬‬
‫قد تصحو بقايا‬
‫***‬
‫ِ‬
‫قد يعلو نحيبُ الفقد‪،‬‬
‫عربٌ‬
‫لك ْن‪..‬‬
‫نغفو‪،‬‬
‫ْ‬
‫ستكونني هوانا وأهازيجَ‬
‫أمان‪.‬‬
‫و نصحو‪.‬‬
‫**‬
‫يف أغانينا نشي ٌد يرتددْ‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫أطلقي النجماتِ يف عينيك دمعا‬
‫كل م ٍَر سوف يحلو‪.‬‬
‫ُّ‬
‫بعد هذا‬
‫كل ما قد م َّر يميض‪،‬‬
‫النجم صبحٌ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫قاد ٌم‬
‫و نشي ُد الحق يعلو‪.‬‬
‫حال ٌم‬

‫‪67‬‬

‫الشاماني ‪...‬الصوت القادم‬
‫من أين أبدأ واملشاعر لجة‬
‫ضاقت بها قبل الحشا أثوابي‬
‫ ‬
‫من هنا ينطلق الشاعر عبدالرحمن الشاماني الحربي‬
‫يف روائعه الشعرية‪ ،‬لينبئ عن موهبة قادمة وصوت‬
‫يرفرف يف سماء إبداع الشعر‪ ،‬منطلقا يف رؤية تبني‬
‫مالمح الشاعر الحق‪ ،‬فهو ليس بوقا دوما‪ ،‬إنه صاحب‬
‫رؤية وفكرة‪ ،‬لكنه ال يجرح شعور اآلخرين‬
‫عذرا‬
‫صباح القرية املمطورة‬
‫القسمات إن‬
‫أنا قلت فيك قصيدة‬
‫عكس اتجاه الريح‬

‫‪68‬‬

‫لقد وعى الشاماني مهمة الشاعر املعارص املكتنزة‬
‫عىل بوح املشاعر الخاصة‪ ،‬املوشاة بالفكر والرؤية‬
‫والنظر‪ ،‬الغارقة يف الخيال واملجاز‪ ،‬ليكون أصدق قوال‬
‫وأعمق أثرا‬
‫عذرا ‪..‬صباح القرية املمطورة‬
‫القسمات‬
‫إن قصيدتي ليست صداك‬
‫وإنما‬
‫مرآة خفق‬
‫لم تبدد نايه قسمات‬
‫وجهك حني يغسله املطر‬
‫كما يذكر تلك املهمة يف بيت آخر فيقول‪:‬‬
‫فالشعر مرآة لنبض قلوبنا ويشف عن عشقي‬
‫بغري نقاب‬
‫وحينما تقرأ وعيه يف حسن استخدام املصطلحات‬
‫الدينية وتوظيفها توظيفا شاعريا؛ نجده سطرا آخرا‬
‫من سطور اإلبداع املتجسد يف قوله مثال‬
‫وسفينة الصلوات تبحر بالرؤى‬
‫ورؤاي يلهمها البصرية نوح‬
‫ ‬
‫كما نراه يتناص مع آيات من الكتاب الكريم من‬
‫سورة يوسف فيفيد من تلك األحداث لينشد‬
‫سيارة فندليها‬
‫نلقى بجب الدواهي ماتمر بنا‬
‫فتلقف‬
‫ويستل صورة اإلمام يف صلواته ليعريها خادم الحرمني‬
‫الرشيفني امللك عبدالله بن عبدالعزيز فيناديه‬
‫ياخادم الحرمني أنت إمامنا‬
‫يف النائبات فدم لنا املحرابا‬
‫ ‬
‫هذا شاعر يملك روحا متميزة جمعت بني الدين‬
‫والوطن والفن األدبي الراقي‪ ،‬يترشف قسم اللغة‬
‫العربية بكلية اآلداب والعلوم اإلنسانية باكتشافه‪،‬‬
‫وتقديمه عىل أنه صوت قادم يف فضاء األدب والشعر‬
‫السعودي‪.‬‬

‫عبدالرحمن الشاماني‬

‫)يا يسء الظن( هذا الوصف والعذل‬
‫لومي الهوى إن رأيت العقل ينقصني‬
‫مراهق سهرت عيناي من وله‬
‫مدامى الطيف إن الطفل يسكره‬
‫إذا يجن به ليل يرى قمرا ً‬
‫يدركها‬
‫ليس‬
‫معان‬
‫وللرشوق‬
‫يا طلعة الصبح يا معنى الرشوق‬
‫مدي يديك إىل األسباب ندفعها‬
‫رحماك يا فتنتي أخالقي انتحرت‬
‫وأنتِ أنتِ التي سلكتني سبالً‬
‫أغور يف التيه مادامت مسافرة‬
‫يالهفة النفس جفت كل أوردتي‬
‫وضفة من ضفاف العني أسكتها‬
‫يا طلعة الصبح يادفء الرشوق ويا‬
‫وأغنية‬
‫تراتيال‬
‫انتظرت‬
‫منك‬
‫هلم يا فتنتي نحكي لها لغة‬
‫ونسهر الليل نروي عن سعادتنا‬
‫ما أعذب العشق يغيل يف جوانحنا‬
‫َ‬
‫ألف ظالم من تبايننا‬
‫ألف‬
‫يا‬
‫ِ‬
‫متى تزيحك شمس عن مرابعنا‬

‫يذكي لك الحب يف قلبي فيشتعل‬
‫وال تلومي جنوني فالهوى خبل‬
‫عىل املعاني التي تغتالها الجمل‬
‫طيف املدام فكيف الخمر ياعسل‬
‫يف حلة البدر لكن سحره املقل‬
‫قاموس عشق ثوى يف لفظه امللل‬
‫فتانة القلب قلبي بالهوى ثمل‬
‫أنا وأنت إىل وصل فنحتفل‬
‫فرست يف الناس ال خوف وال خجل‬
‫من الضالل فأغوت رشدي السبل‬
‫أنتعل‬
‫فبالجوزاء‬
‫تؤوبي‬
‫وإن‬
‫وحاجتي مزنة يف الليل تنهمل‬
‫وغاية ينتهي من دونها األمل‬
‫غمامة الحب يحدو بوحي العجل‬
‫بمرسح العشق تشجي لحنها القبل‬
‫لم يحكها قبلنا إنس وال خبل‬
‫رواية عشقنا فيها هو البطل‬
‫إذا انتىض بحروف الشاعر الغزل‬
‫أما لسيفك يف أرواحنا أجل‬
‫يذوب فيها بقلب العاشق الجيل‬

‫‪69‬‬

‫بطاقة تعريف للباحثة‬
‫الباحثة ‪ :‬فوزية صالح الحبيش‪ ،‬باحثة بقسم‬
‫اللغة العربية ‪ ،‬تخصص أدب ونقد‪ ،‬يف املرحلة‬
‫األخرية من رسالة املاجستري‬
‫عنوان البحث الفائز ونبذة عنه‬
‫البحث الفائز بالريشة الذهبية ‪/‬املركز األول‬
‫(مكرر) هو (حواء بني االحتواء والرسد ) إرشاف‬
‫الدكتور حسن النعمي ‪ ,‬والبحث عبارة عن‬
‫دراسة أدبية تحليلية تروم الكشف عن جماليات‬
‫الخطاب الرسدي النسوي القديم املتجسد يف‬
‫نص الحديث الرشيف املشهور بحديث (أم‬
‫زرع) مستعينة برشوح ابن حجر العسقالني‬
‫رحمه الله‪ ،‬ومسرتشدة بما توصلت إليه املناهج‬
‫الحديثة بما فيها لسانيات النص ومناهج تحليل‬
‫الخطاب يف استنطاق ما يحتويه النص من‬
‫جماليات ومعان ودالالت عميقة‪.‬‬

‫من القيمة الرتبوية املبارشة‪ ،‬وامتالكه عمقا يف‬
‫النص‬
‫الفهم وذلك من خالل ردة فعله تجاه‬
‫ّ‬
‫الذي حوى رسدا لنسوة جاهليات مادحات‬
‫وذامات ألزواجهن‪ ،‬وعدم إقصائه بل أنه ورد يف‬
‫كتب الصحاح ورشحه العديد من العلماء‪.‬‬
‫ إبراز مهارة حواء األزلية يف الحكي‪ ،‬وبراعتها‬‫يف استخدام الرسد الحتواء كل ما يعتورها من‬
‫مشاعر وأحاسيس خصوصا تجاه الرجل‪،‬‬
‫وتوافق هذه املهارة مع طبيعتها وجبلتها‬
‫البرشية معضدة هذه الرؤيا بآراء علمية قديمة‬
‫وحديثة‪.‬‬

‫رأيك يف املؤتمر العلمي‬
‫لقد كان املؤتمر العلمي املقام بالرياض تجربة‬
‫رائدة تستحق اإلشادة والتقدير‪ ،‬فلقد كان‬
‫الطالب الجامعي هو موضوعها وعنوانها‪ ،‬ويف‬
‫هذا املقام ال يسعني إال أن أتقدم بأسمى آيات‬
‫الشكر ملقام خادم الحرمني الرشيفني امللك عبد‬
‫الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله‪ ،‬عىل‬
‫أهدف البحث الرئيسة‬
‫ بيان انفتاحية الفكر اإلسالمي تجاه النصوص رعاية هذا املؤتمر الطالبي املتميز ‪ ،‬كما أتقدم‬‫الرسدية الجاهلية القديمة حتى يف حالة خلوها بالشكر ملعايل وزير التعليم العايل األستاذ‬

‫‪70‬‬

‫الدكتور خالد العنقري عىل دعمه إلقامة هذا‬
‫املؤتمر‪ .‬وشكرا لجميع العاملني بوزارة التعليم‬
‫العايل عىل جهودهم الحثيثة يف عملية التنظيم‬
‫وتسهيلهم كافة الخدمات للطالب املشاركني‪.‬‬
‫دور جامعة امللك عبد العزيز يف تكوينك‬
‫العلمي ‪.‬‬
‫أحب أن أشكر جامعتي جامعة املؤسس املغفور‬
‫له امللك عبد العزيز بجدة التي أهديها هذا الفوز‬
‫وأتمنى أن أكون لها فخرا‪ .‬كما اشكر قسم اللغة‬
‫العربية ممثال يف رئيسه الدكتور سعيد املالكي‬
‫ومرشفة القسم بشطر الطالبات الدكتورة‬
‫ابتسام باحمدان ‪ ,‬وجميع أساتذتي وأستاذاتي‬
‫الفاضالت بالقسم عيل ما قدموه يل من عون‬
‫علمي ومعريف وثقايف‬
‫وقائمة الشكر تطول أخص بها عائلتي الداعمة‬
‫دائما كما أشكر املرشف عىل البحث الفائز‬
‫الدكتور حسن النعمي واملرشف الحايل عىل‬
‫رسالة املاجستري األستاذ الدكتور مراد مربوك‬
‫وكافة من علمني أو كان له بصمة يف إنتاجي‬
‫املعريف‪.‬‬

‫أ‪ .‬عبدالعزيز بن عمر العماري‬
‫يميض النهار بكل مافيه من حياة وصخب؛ وتسكن الجوارح بعد أن مسها الكثري من الصخب والتعب‪...‬‬
‫يميض النهار ليقبل املساء؛ هاهو الليل يعسعس بأطرافه عىل جميع األرجاء لتلبس األرض هذا الليل‬
‫ً‬
‫سابغا عليها فال يظهر من معاملها يشء!!‬
‫فيكون‬
‫يقبل الليل ليقبل معه السكون والراحة‪..‬يقبل روي ًدا روي ًدا ليحل الظالم مكان النور؛ وليقرتب كل‬
‫شخص من مكانه اآلمن ورسبه الذي يأوي إليه يف هذا املساء الجميل‪..‬‬
‫يميض النهار لتبقى معنا ذكرياته؛ ويميض النهار لتسكن يف نفوسنا الكثري من الدروس التي تعلمناها‬
‫فيه‪..‬‬
‫أيها املساء الجميل يف بريدك أجد ذكرياتي الجميلة واألخبار السارة واملواقف الطريفة؛ لقد التقيت بكل‬
‫هذه األشياء يف النهار؛ كل تلك الذكريات الجميلة أتذكرها وأنا أستعرض بريد املساء؛ أتذكر تعليم‬
‫املعلم طالبه تعاليم الدين السمحة؛ يقف معهم ليوضح لهم كيف يقيمون صالتهم بني يدي الله‬
‫عزوجل‪ ،‬أتذكر ضمري املوظف الذي انتبه لخطأ قد يهضم حق عامل مستحق فاجتهد لرد الحق لصاحبه‪،‬‬
‫أتذكر األب وهو يويص أبناءه بحسن األدب مع معلميهم والحرص عىل تلقي املعلومة محتسبني يف‬
‫ذلك أجر طلب العلم؛ أجد يف بريدي صورة األم الحنون توقظ أهل بيتها لصالة الفجر وتعد لهم اإلفطار‬
‫يف صورة رائعة من التواصل الحميم‪...‬‬
‫أيها املساء البارد؛ أجد يف بريدك تلك املواقف التي تنبعث من ثناياها حرارة األيام وقسوتها عىل بنيها؛‬
‫بل قل هي قسوة أبناء الجلدة الواحدة عىل بعضهم البعض؛ أجد يف بريدك أيها املساء ذكرى األم التي‬
‫احرتق قلبها عىل فلذة كبدها لرتاه وتنعم برؤيته؛ تذهب وتروح للمحكمة علها أن تظفر بحكم يحقق‬
‫لها ماتريد‪ ،‬ويف املقابل أجد األب املكلوم الذي يشكو عقوق أبنائه وقسوتهم معه‪ ،‬كلما ازداد منهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وعقوقا !!‬
‫سخطا‬
‫إحسا ًنا ازدادوا لهم‬
‫إنني أجد يف بريدك أيها املساء صورة البغي والعدوان عىل إخواننا املسلمني يف فلسطني ويف العراق‬
‫ويف أفغانستان ويف بالد املسلمني عمومًا؛ صور ٌة أصبحت ترد يف بريد مساء كل ليلة؛ مازالت صور‬
‫ً‬
‫حارضة يف ذاكرة كل مسلم؛ وكما تعودنا من نوم العالم غري مبا ٍل وال‬
‫وعدوان‬
‫لظلم واضطها ٍد‬
‫عديدة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مكرتث لكل الصيحات والويالت التي تمأل أرجاء العالم‪..‬‬
‫كم هي صور الظلم والعصيان والطغيان التي أجدها يف بريد املساء؛ كثرية هي هذه الصور ولكن‬
‫التفاؤل أن أزرع يف نفيس ونفوس من حويل األمل أن تصلح األمة املسلمة وأن تعي حقيقة مستقبلها؛‬
‫ففي صالحها صالح للبرشية جمعاء‪...‬‬
‫أيها املساء العطر‪..‬هاهي روائح البشائر تلوح أمامي ألجد مساء الخري ينعم فيه جميع الناس بالحب‬
‫والسالم والخري‪..‬‬

‫‪71‬‬

‫ال يمكن ألحد اليوم أن يجحد دور الثورة يف وسائل‬
‫االتصال واإلعالم املتمثلة يف الكتاب والرسالة قديما‬
‫إىل الصحف واملجالت ثم التلفاز واإلذاعة وصوال‬
‫إىل الفضائيات واالنرتنت‪ ،‬حيث شملت األخرية عىل‬
‫املواقع االلكرتونية والصفحات الشخصية واملنتديات‪،‬‬
‫أضف إىل ذلك الربامج املساعدة عىل تخطي الوسائل‬
‫التقليدية يف االتصال‪ ،‬مما أحدث انفتاحا رهيبا‬
‫ومروعا عىل األسماع واألبصار‪ ،‬التي بدورها أثرت‬
‫عىل العواطف والعقول‪.‬‬
‫وملا آمن البعض يف وقت متأخر بأهمية بعض‬
‫وسائل االتصال لتمرير الرؤية والرسالة واألهداف‪،‬‬
‫رشعوا يف استثمارها واالستفادة منها‪ ،‬فمنهم من‬
‫انطلق بوعي تام بالتقنية ومنهم من انطلق بوعي‬
‫ناقص‪ ،‬ومنهم من انطلق بتقليد لآلخرين‪ ،‬دون‬
‫الغوص يف فلسفة الوسيلة التقنية‪ ،‬واملدى العايل‬
‫الذي يمكن استثماره‪ ،‬والخطورة الناتجة عن بعض‬
‫استعماالتها‪ ،‬ووجودهم جميعا يف مجتمع االنرتنت‬
‫مفيد جدا؛ للتطور والتقدم‪.‬‬
‫ومن أولئك النفر الذين انفتلوا يف ساحات املنتديات‬
‫واملواقع والصفحات االلكرتونية؛ قوم أخذوا عىل‬
‫عاتقهم إعادة بناء رصح اللغة العربية واألدب‬
‫العربي‪ ،‬الذي نخرته أرضة االستعمار وعدت عليه‬
‫عوادي العامية فرتكت أجزاء منه متهاوية أو قريبة‬
‫من ذلك‪ ،‬وبدأوا بجهود فردية أو جماعية‪ ،‬سواء‬
‫أكانت تلك الجهود تحت مظلة رسمية أو غري رسمية‪،‬‬
‫إال أن حاديهم يف ذلك كله االرتقاء باللغة العربية‬
‫وآدابها وعلومها‪.‬‬
‫وسأحاول يف هذه املساحة الصغرية أن أقرأ قراءة‬
‫متواضعة‪ ،‬ملجموعة من املواقع واملنتديات املهتمة‬
‫باللغة العربية وآدابها وعلومها‪ ،‬والتي ال أجزم بأنها‬
‫املجموعة الفريدة من املواقع عىل الشبكة‪ ،‬لكن ما‬
‫أشك طرفة عني يف أنها مواقع فريدة يف سياق الحركة‬
‫التقنية للغة العربية وآدابها‪ ،‬وسأتناول موقعا‬
‫رسميا‪ ،‬وآخرين غري رسميني أحدهما شخيص واآلخر‬
‫جماعي‪.‬‬
‫أما املوقع األول فهو جهة رسمية تبنتها جامعة‬
‫اإلمام محمد بن سعود رائدة الدفاع عن اللغة العربية‬
‫وآدابها‪ ،‬أال وهو موقع الجمعية العلمية السعودية‬
‫للغة العربية ورابطه‬
‫‪www.sa-arabic.com‬‬
‫حيث يجد املتصفح يف هذا املوقع كل مايتعلق‬
‫بالجمعية من أنظمة ولوائح ومجالت وأخبار‪ ،‬ويتيح‬
‫املوقع أيضا فرصة للتفاعل مع زواره وأعضائه‪ ،‬إال‬
‫أنه غري مطروق من قبل املتصفحني‪ ،‬يدل عىل ذلك‬
‫عدد أعضائه وزواره‪.‬‬

‫أ‪.‬محمدفايع عسريي‬
‫‪72‬‬

‫وننتقل إىل موقع غري رسمي شخيص وهو موقع‬
‫الدكتور عبد العزيز بن حميد بن محمد الحميد‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫املشارك يف قسم النحو والرصف وفقه اللغة‬
‫األستاذ‬

‫يف كلية اللغة العربية بجامعة اإلمام محمد بن الشبكة‬
‫‪www.alarabiyah.ws/TPage.‬‬
‫سعود اإلسالمية بالرياض‪ ،‬وعنوان املوقع هو‬
‫‪،aspx?ID=41‬‬
‫(صوت العربية )‪ ،‬ورابطه عىل الشبكة‬
‫و يساند هذا املوق ُع املوق َع األم يف تعليم اللغة‬
‫‪www.voiceofarabic.net‬‬
‫وهذا املوقع ال يمكن ملن يدخله إال أن يتملكه العربية لكل راغب يف تعلمها‪.‬‬
‫العجب من كثرة موضوعاته وتميز أطروحاته‪،‬‬
‫وهذه إطاللة عىل موقع آخر غري رسمي وغري‬
‫يتضح ذلك من خالل املواد العلمية املحكمة‪ ،‬ومن‬
‫مشاركة األساتذة املتخصصني‪ ،‬ومن استيعاب شخيص‪ ،‬بل هو عمل مجموعة من املهتمني بشأن‬
‫املوقع لواقع كثري من القضايا املتعلقة باللغة اللغة العربية وعلومها وأدبها‪ ،‬وهو يأخذ طابع‬
‫العربية يف الوقت املعارص‪ ،‬وكيفية تطويعها املنتديات‪ ،‬أال وهو شبكة الفصيح لعلوم اللغة‬
‫لتتالءم مع جواذب الحياة املتغرية‪ ،‬زد عىل ذلك العربية ورابطه عىل الشبكة‬
‫‪www.alfaseeh.com/vb‬‬
‫الكم الهائل من األبحاث واملقاالت العلمية والكتب‬
‫والحوارات املتعلقة باللغة العربية‪ ،‬التي جمعت ويتميز املوقع بتفاعل املشاركني فيه والذي‬
‫بشكل منظم يساعد عىل الوصول إىل املعلومة جاوزوا العرشين ألف عضو‪ ،‬ويمكن أن يجد‬
‫طالب اللغة العربية ومحبوها واحة ومرعى‬
‫بيرس‪.‬‬
‫ولم أستطع الوصول إىل معيار لقياس عدد خصيبا يتفيأون ظالله‪ ،‬ويرتشفون من زالله‪،‬‬
‫الزائرين للموقع‪ ،‬وغالب الظن أنه غري مسوق خاصة يف تفاعل أعضائه فال تكاد تضع مشاركة‬
‫بشكل محرتف يضارع حجمه ومادته‪ ،‬يظهر أو اقرتاحا إال هب من نسيم اإلجابات وبرد‬
‫ذلك من خالل ضعف تفاعل الزائرين رغم الحلول ما يعطر أنفك ويشنف أذنك‪ ،‬من جميع‬
‫حداثة موضوعاته‪ ،‬ومالمستها لنبض اللغة‪ ،‬اقطار العالم‪ ،‬وهذا املوقع يتميز بتخصصه‬
‫ولعل مع الدكتور نخبة من طلبة العلم واملهتمني فهناك قسم للكتب واملخطوطات وقسم آخر‬
‫بشأن اللغة العربية‪ ،‬ألن العمل الضخم ال يمكن لطالب الدراسات العليا وكل مايختص بهم‪.‬‬
‫إال أن يقوم عىل أيد متعاونة وسواعد شابة‪ ،‬ومن‬
‫الجدير بالذكر أنه تم افتتاح املركز التعليمي للغة وهناك مواقع أخرى لم تتح الصفحة اإلفصاح‬
‫العربية التابع لشبكة صوت العربية ورابطه عىل عنها‪ ،‬وهي مهتمة بشأن اللغة العربية وآدابها‬

‫وعلومها‪ ،‬من ذلك‬
‫موقع‪.‬لسان العرب‪.‬بإرشاف الدكتور سالم‬
‫الخماش‬
‫‪www.angelfire.com/tx4/lisan‬‬
‫موقع‪.‬سيبويه املعارص‪.‬بإرشاف الدكتور عبدالله‬
‫بن عويقل السلمي‬
‫‪www.seebawaih.com‬‬
‫موقع الشنكبوتية‪.‬بإرشاف عبدالرحمن بن نارص‬
‫السعيد‬
‫‪www.toarab.ws‬‬
‫موقع مقهى علوم اللغة العربية بإرشاف الدكتور‬
‫حسن الشمراني‬
‫‪www.al-maqha.com/flash.html‬‬
‫بعد هذا العرض املوجز أكاد اجزم بأني لم آت إال‬
‫عىل قطرة من بحر‪ ،‬وأن عرض هذه املواقع ليس‬
‫إال إشارات يف طريق بغاة العال للغة العربية‬
‫وأدبها وعلومها‪ ،‬وال تغني هذه اإلشارات أبدا‬
‫عن تصفح تلك املواقع واملشاركة فيها‪ ،‬ودعني‬
‫أقل لك أكثر من ذلك‪ ،‬وهو أن تضعها يف القائمة‬
‫املفضلة لديك‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫تزخر منطقة الحجاز بإرث حضاري وفكري يرضب‬
‫بجذوره يف عمق التاريخ ‪,‬وقد شع نور هذا اإلرث وانترش‬
‫وهجه يف جميع بقاع العالم وأصقاعها ‪ ,‬فالشعر الذي‬
‫كان يُعلَّق يف أستار الكعبة أصبح أنموذجً ا يُحتذى يف‬
‫خصائصه الفنية ومعايريه اإلبداعية ‪ ,‬والنور الذي جاء‬
‫به القرآن الكريم وصل إىل كل أرجاء املعمورة‪ ,‬وأصبح‬
‫نرباسً ا يهتدي به بنو البرشية ‪.‬‬
‫لقد كانت األسواق األدبية يف العرص الجاهيل عالمة‬
‫فارقة يف تاريخ العرب الثقايف ‪ ,‬فكان من بينها سوق ذي‬
‫املجاز التي كانت تشهد أكرب تجمع من القبائل العربية‬
‫التي تفد إليها من كل أرض الجزيرة العربية ؛ لقرب‬
‫موقعها من عرفة ‪ ,‬وألنها كانت تأتي آخر مواسم الحج‪.‬‬
‫فكانت ساحتها تشهد ملتقيات للشعراء والخطباء‬
‫والبلغاء ‪ ,‬كما شهد هذه السوق بدايات الدعوة اإلسالمية‬
‫‪ ,‬عندما كان الرسول صىل الله عليه وسلم يدعو العرب‬
‫جميعا ً مكررا ً قوله ‪( :‬يأيها الناس قولوا ال إله الله‬
‫تفلحوا)‪.‬‬
‫إن إحياء تراثنا الثقايف والفكري داللة عىل تمسكنا بهذا‬
‫املوروث واعتزازنا بقيمنا الثقافية والفكرية ‪ ,‬وقد رأينا‬
‫شواهد كثرية يف تاريخنا السعودي تتجه نحو هذا األمر‬
‫‪ ,‬لعل من أبرزها املرشوع الواعد لصاحب السمو امللكي‬
‫األمري خالد الفيصل إلحياء سوق عكاظ التاريخية ‪ ,‬التي‬
‫أصبحت مرآة صادقة لعمق إرثنا الثقايف والفكري ‪,‬‬
‫وشاهدا ً عىل أصالة فكر األمري خالد الفيصل ‪.‬‬
‫واليوم نشهد – معًا‪ -‬بداية إصدار قسم اللغة العربية‬
‫ألول عدد من مجلة مجاز التي تهتم بقضايا األدب‬
‫ً‬
‫‪,‬انطالقا من رسالة جامعة امللك عبد‬
‫واللغة والثقافة‬
‫العزيز بقيادة معايل مدير الجامعة أ‪.‬د‪ /‬أسامة بن‬
‫صادق طيب املتمثلة يف التواصل الثقايف والفكري بني‬
‫الجامعة واملجتمع ‪ ,‬وكذلك السعي الحثيث من كلية‬
‫اآلداب والعلوم اإلنسانية وعميدها د‪ /‬محمد بن سعيد‬
‫الغامدي يف تفعيل الحراك الثقايف واملعريف لكلية اآلداب‬
‫والعلوم اإلنسانية ‪.‬‬

‫د‪/‬سعيد املالكي‬

‫إن قسم اللغة العربية ممثالً يف أعضاء وعضوات هيئته‬
‫التدريسية وطالب وطالبات مراحل التعليم املختلفة به‬
‫(البكالوريوس ‪ ,‬املاجستري ‪ ,‬الدكتوراه ) يرجو النجاح‬
‫لهذه املجلة التي حفلت بالكثري من الرؤى واألبحاث‬
‫واملقاالت واألخبار وشارك فيها أساتذة متميزون وطلبة‬
‫واعدون ‪ ,‬وساهم معهم يف ذلك أساتذة من أقسام أخرى‬
‫‪ ,‬و قسم اللغة العربية يتمنى – ً‬
‫أيضا‪ -‬أن تستمر هذه‬
‫املجلة الفتية حلقة وصل بني املثقفني داخل الجامعة‬
‫وخارجها ‪ ,‬كما يطمح أن تكون املجلة مجازا ً واسعًا‬
‫ونافذة ثقافية مميزة ُتطل بها جامعة امللك عبد العزيز‬
‫عرب الساحة الثقافية السعودية ‪.‬‬

‫رئيس التحرير‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful