‫أحلم مستغانمي‬

‫مقالت ‪ .‬لقاءات ‪ .‬قصائد‬
‫من المنشور في الصحافة العربية‬

‫الســيرة الذاتية‬
‫أحلم مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها أًبا لطالما طبع حياتها بشخصيته الف ّ‬
‫ذة وتاريخه‬
‫سا‪ .‬ولكن ما من شك‬
‫ي‪ .‬لن نذهب إلى القول بأّنها أخذت عنه محاور رواياتها اقتبا ً‬
‫النضال ّ‬
‫ّ‬
‫ن مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسًعا عبر مؤلفاتها‪.‬‬
‫في أ ّ‬
‫ً‬
‫ي لمثال ‪:‬‬
‫كلسيك‬
‫ميول‬
‫ذا‬
‫ئا‬
‫وقار‬
‫الفرنسي‪.‬‬
‫الدب‬
‫هواة‬
‫من‬
‫الشريف"‬
‫"محمد‬
‫والدها‬
‫كان‬
‫ّ‬

‫‪ . Victor Hugo, Voltaire, Jean Jaques Rousseau‬يستشف ذلك ك ّ‬
‫ل من يجالسه‬
‫لّول مّرة‪ .‬كما كانت له القدرة على سرد الكثير من القصص عن مدينته الصلّية مسقط‬
‫رأسه "قسنطينة" مع إدماج عنصر الوطنّية وتاريخ الجزائر في ك ّ‬
‫ل حوار يخوضه‪ .‬وذلك‬
‫بفصاحة فرنسّية وخطابة نادرة‪.‬‬
‫ب عرف السجون الفرنسّية‪ ,‬بسبب مشاركته في مظاهرات ‪ 8‬ماي ‪ . 1945‬وبعد‬
‫هذا ال ّ‬
‫أن أطلق سراحه سنة ‪ 1947‬كان قد فقد عمله بالبلدّية‪ ,‬ومع ذلك فإّنه يعتبر محظوظا ً إذ‬
‫لم يلق حتفه مع من مات آنذاك ) ‪ 45‬ألف شهيد سقطوا خلل تلك المظاهرات( وأصبح‬
‫قا من قبل الشرطة الفرنسّية‪ ,‬بسبب نشاطه السياسي بعد ح ّ‬
‫ل حزب الشعب‬
‫ملح ً‬
‫دى إلى ولدة ما هو أكثر أهمّية‪ ,‬ويحسب له المستعمر الفرنسي ألف‬
‫الجزائري‪ .‬الذي أ ّ‬
‫حساب‪ :‬حزب جبهة التحرير الوطني ‪. FLN‬‬
‫دة فاطمة الزهراء‪ ,‬فقد كانت أكثر ما تخشاه‪ ,‬هو فقدان آخر أبنائها بعد أن‬
‫ما عن الج ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ثكلت كل إخوته‪ ,‬أثناء مظاهرات ‪ 1945‬في مدينة قالمة‪ .‬هذه المأساة‪ ,‬لم تكن مصيرا ً‬
‫لسرة المستغانمي فقط‪ .‬بل لك ّ‬
‫ل الجزائر من خلل مليين العائلت التي وجدت نفسها‬
‫ّ‬
‫وجه محمد الشريف مع‬
‫ممّزقة تحت وطأة الدمار الذي خلفه الستعمار‪ .‬بعد أشهر قليلة‪ ,‬يت ّ‬
‫دع مدينة قسنطينة‬
‫ن روحه سحبت منه‪ .‬فقد و ّ‬
‫مه وزوجته وأحزانه إلى تونس كما لو أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫أرض آبائه وأجداده‪.‬‬
‫رفاق المير عبد القادر والمقراني بعد نفيهما‪ .‬ويجد‬
‫كانت تونس فيما مضى مقّرا لبعض ال ِ‬
‫محمد الشريف نفسه محاطا ً بجوّ ساخن ل يخلو من النضال‪ ,‬والجهاد في حزبي ‪ MTLD‬و‬
‫‪ PPA‬بطريقة تختلف عن نضاله السابق ولكن ل تق ّ‬
‫ل أهمّية عن الذين يخوضون المعارك‪.‬‬
‫في هذه الظروف التي كانت تحمل مخاض الثورة‪ ,‬وإرهاصاتها الولى تولد أحلم في‬
‫تونس‪ .‬ولكي تعيش أسرته‪ ,‬يضطر الوالد للعمل كمدّرس لّلغة الفرنسّية‪ .‬لّنه ل يملك‬
‫تأهيل ً غير تلك الّلغة‪ ,‬لذلك‪ ,‬سوف يبذل الب ك ّ‬
‫ل ما بوسعه بعد ذلك‪ ,‬لتتعّلم ابنته اللغة‬
‫منع هو من تعلمها‪ .‬وبالضافة إلى عمله‪ ,‬ناضل محمد الشريف في حزب‬
‫العربّية التي ُ‬
‫ً‬
‫ي ضد‬
‫المغارب‬
‫النضالي‬
‫نشاطه‬
‫على‬
‫بذلك‬
‫ظا‬
‫محاف‬
‫تميم(‬
‫)منزل‬
‫التونسي‬
‫الدستور‬
‫ّ‬
‫الستعمار‪.‬‬
‫وعندما اندلعت الثورة الجزائرّية في أّول نوفمبر ‪ 1954‬شارك أبناء إخوته عّز الدين‬
‫وبديعة اللذان كانا يقيمان تحت كنفه منذ قتل والدهما‪ ,‬شاركا في مظاهرات ط ّ‬
‫لبّية تضامًنا‬
‫مع المجاهدين قبل أن يلتحقا فيما بعد سنة ‪ 1955‬بالوراس الجزائرّية‪ .‬وتصبح بديعة‬
‫وها على الباكالوريا‪ ,‬من أولى الفتيات الجزائريات اللتي استبدلن بالجامعة‬
‫الحاصلة لت ّ‬
‫ّ‬
‫الر ّ‬
‫شاش‪ ,‬وانخرطن في الكفاح المسلح‪ .‬ما زلت لحد ّ الن‪ ,‬صور بديعة تظهر في الفلم‬
‫الوثائقية عن الثورة الجزائرية‪ .‬حيث تبدو بالزي العسكري رفقة المجاهدين‪ .‬وما زالت‬
‫بعض آثار تلك الحداث في ذاكرة أحلم الطفولّية‪ .‬حيث كان منزل أبيها مركزا ً يلتقي فيه‬
‫المجاهدون الذين سيلتحقون بالجبال‪ ,‬أو العائدين للمعالجة في تونس من الصابات‪.‬‬
‫بعد الستقلل‪ ,‬عاد جميع أفراد السرة إلى الوطن‪ .‬واستقّر الب في العاصمة حيث كان‬
‫ي لدى رئاسة الجمهورّية‪ ,‬ثم مديرا ً في وزارة الفلحة‪ ,‬وأّول‬
‫يشغل منصب مستشار تقن ّ‬
‫مسؤول عن إدارة وتوزيع الملك الشاغرة‪ ,‬والمزارع والراضي الفلحّية التي تركها‬
‫مرون الفرنسيون بعد مغادرتهم الجزائر‪ .‬إضافة إلى نشاطه الدائم في اتحاد العمال‬
‫المع ّ‬
‫الجزائرّيين‪ ,‬الذي كان أحد ممثليه أثناء حرب التحرير‪ .‬غير أن حماسه لبناء الجزائر‬
‫وع في كل مشروع يساعد في السراع في إعمارها‪ .‬وهكذا‬
‫وها‪ ,‬جعله يتط ّ‬
‫المستقّلة لت ّ‬
‫قد أوضاع الف ّ‬
‫وع لعداد برنامج‬
‫مات التي كان يقوم بها داخلّيا لتف ّ‬
‫إضافة إلى المه ّ‬
‫لحين‪ ,‬تط ّ‬
‫م ساهم في حملة محو‬
‫إذاعي )بالّلغة الفرنسّية( لشرح خطة التسيير الذاتي الفلحي‪ .‬ث ّ‬

‫المّية التي دعا إليها الرئيس أحمد بن بّلة بإشرافه على إعداد كتب لهذه الغاية‪.‬‬
‫وهكذا نشأت ابنته الكبرى في محيط عائلي يلعب الب فيه دوًرا أساسّيا‪ .‬وكانت مقّربة‬
‫كثيًرا من أبيها وخالها عّز الدين الضابط في جيش التحرير الذي كان كأخيها الكبر‪ .‬عبر‬
‫هاتين الشخصيتين‪ ,‬عاشت ك ّ‬
‫ل المؤّثرات التي تطرأ على الساحة السياسّية‪ .‬و التي‬
‫كشفت لها عن بعد أعمق‪ ,‬للجرح الجزائري )التصحيح الثوري للعقيد هواري بومدين‪,‬‬
‫ما بيوم من خلل‬
‫ومحاولة النقلب للعقيد الطاهر زبيري(‪ ,‬عاشت الزمة الجزائرية يو ّ‬
‫مشاركة أبيها في حياته العملّية‪ ,‬وحواراته الدائمة معها‪.‬‬
‫لم تكن أحلم غريبة عن ماضي الجزائر‪ ,‬ول عن الحاضر الذي يعيشه الوطن‪ .‬مما جعل ك ّ‬
‫ل‬
‫ت ذكره صراحة‪ .‬فقد ترك بصماته عليها إلى‬
‫مؤلفاتها تحمل شيًئا عن والدها‪ ,‬وإن لم يأ ِ‬
‫البد‪ .‬بدًءا من اختياره العربّية لغة لها‪ .‬لتثأر له بها‪ .‬فحال إستقلل الجزائر ستكون أحلم‬
‫مع أّول فوج للبنات يتابع تعليمه في مدرسة الثعالبّية‪ ,‬أولى مدرسة معّربة للبنات في‬
‫العاصمة‪ .‬وتنتقل منها إلى ثانوية عائشة أم المؤمنين‪ .‬لتتخّرج سنة ‪ 1971‬من كلّية الداب‬
‫في الجزائر ضمن أّول دفعة معّربة تتخّرج بعد الستقلل من جامعات الجزائر‪.‬‬
‫لكن قبل ذلك‪ ,‬سنة ‪ , 1967‬وإثر إنقلب بومدين واعتقال الرئيس أحمد بن بّلة‪ .‬يقع الب‬
‫ضا نتيجة للخلفات "القبلّية" والنقلبات السياسّية التي أصبح فيها رفاق المس ألد ّ‬
‫مري ً‬
‫العداء‪.‬‬
‫ي الذي أصابه‪ ,‬جعله يفقد صوابه في بعض الحيان‪.‬‬
‫هذه الزمة النفسّية‪ ,‬أو النهيار العصب ّ‬
‫ي تابع‬
‫دى إلى القامة من حين لخر في مص ّ‬
‫خاصة بعد تعّرضه لمحاولة اغتيال‪ ,‬مما أ ّ‬
‫ح عقل ّ‬
‫ي‪ .‬كانت أحلم آنذاك في سن المراهقة‪ ,‬طالبة في ثانوية عائشة‬
‫للجيش الوطني الشعب ّ‬
‫بالعاصمة‪ .‬وبما أّنها كانت أكبر إخواتها الربعة‪ ,‬كان عليها هي أن تزور والدها في‬
‫لك ّ‬
‫ي باب الواد‪ ,‬ثلث مّرات على الق ّ‬
‫ل أسبوع‪ .‬كان‬
‫المستشفى المذكور‪ ,‬والواقع في ح ّ‬
‫مرض أبيها مرض الجزائر‪ .‬هكذا كانت تراه وتعيشه‪.‬‬
‫قبل أن تبلغ أحلم الثامنة عشرة عامًا‪ .‬وأثناء إعدادها لشهادة الباكلوريا‪ ,‬كان عليها ان‬
‫تعمل لتساهم في إعالة إخوتها وعائلة تركها الوالد دون مورد‪ .‬ولذا خلل ثلث سنوات‬
‫ث في ساعة متأخّرة من‬
‫جا يومًيا في الذاعة الجزائرّية يب ّ‬
‫دم برنام ً‬
‫كانت أحلم تعد ّ وتق ّ‬
‫حا كبيًرا تجاوز‬
‫نجا‬
‫ية‬
‫الشعر‬
‫"الوشوشات"‬
‫تلك‬
‫لقت‬
‫وقد‬
‫"همسات"‪.‬‬
‫المساء تحت عنوان‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الحدود الجزائرية الى دول المغرب العربي‪ .‬وساهمت في ميلد إسم أحلم مستغانمي‬
‫ي الممّيز وفي مقالت وقصائد كانت تنشرها‬
‫ي‪ ,‬الذي وجد له سن ً‬
‫دا في صوتها الذاع ّ‬
‫الشعر ّ‬
‫أحلم في الصحافة الجزائرية‪ .‬وديوان أّول أصدرته سنة ‪ 1971‬في الجزائر تحت عنوان‬
‫"على مرفأ اليام"‪.‬‬
‫قفته ابنته‪ .‬بل كان يتواجد في المستشفى‬
‫في هذا الوقت لم يكن أبوها حاضرا ً ليشهد ما ح ّ‬
‫لفترات طويلة‪ ,‬بعد أن ساءت حالته‪.‬‬
‫هذا الوضع سّبب لحلم معاناة كبيرة‪ .‬فقد كانت ك ّ‬
‫ل نجاحاتها من أجل إسعاده هو‪ ,‬برغم‬
‫ما من قراءتها لعدم إتقانه القراءة بالعربية‪ .‬وكانت فاجعة الب‬
‫علمها أّنه لن يتمكن يو ً‬
‫الثانية‪ ,‬عندما انفصلت عنه أحلم وذهبت لتقيم في باريس حيث تزّوجت من صحفي لبناني‬
‫دا كبيًرا للجزائريين‪ .‬وابتعدت عن الحياة الثقافية لبضع سنوات كي تكّرس‬
‫ممن يكّنون و ّ‬
‫ي من جديد‪ .‬أوّل ً‬
‫العرب‬
‫الدب‬
‫مع‬
‫لتتعاطى‬
‫الثمانينات‬
‫بداية‬
‫في‬
‫تعود‬
‫أن‬
‫قبل‬
‫لسرتها‪.‬‬
‫حياتها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م مشاركتها في الكتابة في مجلة "الحوار"‬
‫بتحضير شهادة دكتوراه في جامعة السوربون‪ .‬ث ّ‬
‫التي كان يصدرها زوجها من باريس‪ ,‬ومجلة "التضامن" التي كانت تصدر من لندن‪ .‬أثناء‬
‫ذلك وجد الب نفسه في مواجهة المرض والشيخوخة والوحدة‪ .‬وراح يتواصل معها بالكتابة‬
‫إليها في ك ّ‬
‫ل مناسبة وطنية عن ذاكرته النضالّية وذلك الزمن الجميل الذي عاشه مع‬
‫الرفاق في قسنطينة‪.‬‬

‬في ليلة أّول نوفمبر ‪ ..‬‬ ‫مــــــــــــــــراد مســــــــــــــــتغانمي شــــــــــــــــقيق الكاتبــــــــــــــــة‬ ‫الجزائر حزيران ‪2001‬‬ ‫أطلق لها اللحى‬ ‫لو لم تكن الصورة تحمل أسفلها خبرا ً عاج ً‬ ‫ل‪ ،‬يعلن وقوعه في قبضة “قوات التحرير”‪ ،‬ما‬ ‫دق المشهد‪.‬غير بعيد عن قبور رفاقه‪ .‬كما لو كان يختار عنواًنا‬ ‫يف‬ ‫ل‬ ‫الذي‬ ‫الب‬ ‫ذلك‬ ‫ّ‬ ‫لقصائده‪ .‬كان‬ ‫محمد الشريف يوارى التراب في مقبرة العلياء‪ .‬متو ّ‬ ‫ج ً‬ ‫فا بعمر قضاه بين المعتقلت‬ ‫الصحافّيات عندما سألته عن سيرته النضالّية‪ .‬‬ ‫كنا لنص ّ‬ ‫أيكــون هــو؟ القائد الزعيم الحاكم الوحد‪ ،‬المتعنتر ال ُْ‬ ‫متجّبـر‪ ،‬صاحب التماثيل التي ل‬ ‫د‪ ،‬وصاحب تلك القصيدة ذات المطلع الذي غدا شهيرًا‪ ،‬يوم ظهر‬ ‫ُتحصى‪ ،‬والصور التي ل ُتع ّ‬ ‫على الشاشة عند بدء الحرب الميركية على العراق‪ ،‬مطالبا ً بوش بمنازلته‪.‬وكان جثمانه يغادر مصادفة المستشفى العسكري على وقع النشيد الوطن ّ‬ ‫ضا‪ .‬‬ ‫مل ابنته إرًثا نضالًيا ل‬ ‫ح‬ ‫ولذا‬ ‫الرفع‪.‬إ ّ‬ ‫ّ‬ ‫لي"‪.‬‬ ‫والقومّية التي نذرت لها أحلم أدبها‪ .‬‬ ‫أيكون صاحب “أطلق لها السيف ل خوف ول وجل”‪ ،‬قد “أطلق لها اللحية”‪ ،‬بعد أن خانه‬ ‫السيف وخذله الرفاق‪ ،‬ولم يشهد له ُزحل سوى بالحمق والجريمة؟‬ ‫متعــب الملمح‪ ،‬المذعور كذئب جريح‪ ،‬فاجأه الضوء في قبو‪ ،‬هو‬ ‫أكان هو؟ ذلك العجوز ُ‬ ‫بشعره المنكوش ولحيته المسترسلة‪ ،‬هو ما عداه‪ ،‬يفتح ف ّ‬ ‫كيه مستسلما ً كخروف ليفحص‬ ‫جندي أميركي فمه‪ . 1992‬التاريخ المصادف لندلع الثورة الجزائرّية‪ .‬فهذا يكفيني‬ ‫والمص ّ‬ ‫م إنجازاتي‪ .‬فقد كان أحد ضحاياها وشهدائها‬ ‫ي الذي‬ ‫الحياء‪ .‬وفاًءا لقارىء لن يقرأها يو ً‬ ‫عساها بأدبها ترد ّ عنه بعض ما ألحق الوطن من أذى بأحلمه‪.‬فأجابها مستخ ّ‬ ‫حات والمنافي‪ .‬‬ ‫أكانت حقا ً تلك صورته؟ هو الذي ظ ّ‬ ‫ل أكثر من ثلثة عقود‪ ،‬يوزع على العالم سيل ً من‬ ‫ً‬ ‫صوره الشهيرة تلك‪ ،‬في أزيائه الستعراضية الكثيرة‪ ،‬وسيما كما ينبغي لطاغية أن يكون‪،‬‬ ‫أنيقا ً دائما ً في بدلته متقاطعة الزرار‪ ،‬ممسكا ً ببندقية أو بسيجار‪ ،‬مبتهجا ً كما لو أنه ذاهب‬ ‫ف كل يوم لمليين العراقيين‪ ،‬الذين اختاروه في‬ ‫صوب عرس ما‪ .‬قائ ً‬ ‫ل‪" :‬إن كنت جئت إلى العالم فقط لنجب أحلم‪ .‬فمه الذي ما كان يفتحه طوال ثلثين سنة‪ ،‬إل ّ ليعطي أمرا ً بإرسال‬ ‫البرياء إلى الموت‪ ،‬فبين ف ّ‬ ‫كيه انتهت حيوات ثلثة مليين عراقي‪.‬ذلك الرجل الذي أدهش مرة إحدى‬ ‫لقد أغمض عينيه قبل ذلك بقليل‪ .‬ولم تكتب أحلم سواه‪.‬وكان الرجل مقتنعا ً قناعة شاوشيسكو‪ ،‬يوم اقتيد لُين ّ‬ ‫ّ‬ ‫مصلح‬ ‫الشعب‪ ،‬هو وزوجته‪ ،‬رميا ً بالرصاص‪ ،‬إنه “معبود الجماهير”‪ ،‬هو الذي بدأ حياته ُ‬ .‬‬ ‫هي‬ ‫الكلمة‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫الشاعر‪.‬بحكم الظروف التاريخّية لميلد قلمها‪ .‬كما تنسب هي‬ ‫أه‬ ‫نها‬ ‫فخًرا‪ ..‬ومصادفة أي ً‬ ‫م التنكيل بهم على يد من لم يكن‬ ‫وهة لع ّ‬ ‫دة جنود قد ت ّ‬ ‫تنقل نحو المستشفى الجثث المش ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعد معترًفا بوجوده كجبهة إسلمّية مسلحة‪.‬كان‬ ‫وقفت تلك الرسائل الطويلة المكتوبة دائ ً‬ ‫ث ّ‬ ‫م ذات يوم ت ّ‬ ‫وت مناسبة‪ .‬بتوقيت الرصاصة الولى‪ .‬كانت السيارات العسكرّية‬ ‫كان يعزف لرفع العلم بمناسبة أّول نوفمبر‪ .‫ما بخط أنيق وتعابير منتقاة‪ .‬الذي جاء منغم ً‬ ‫ما‪ .‬‬ ‫وهو‬ ‫يدري‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫سا في القضايا الوطنّية‬ ‫نجاة منه‪ .‬كما لو كان‬ ‫يعود إلى الجزائر مع شهدائها‪ .‬أريد أن يقال إنني "أبو أحلم" أن أنسب إليها‪ .‬‬ ‫وهي‬ ‫البقى‪.‬مشغول ً بانتقاء تاريخ موته‪ .‬‬ ‫سا الفاجعة‪ .‬فقد كان السيد القائد ُيز ّ‬ ‫أحد تلك الستفتاءات العربية الخرافية‪ ،‬استفتاءات “المئة في المئة” التي ل يتغّيب عنها‬ ‫ومون رفاتا ً في‬ ‫المرضى ول الموتى ول المساجين ول المجانين ول الفاّرون‪ ،‬ول حتى المك ّ‬ ‫فذ فيه حكم‬ ‫المقابر الجماعّية‪ .

‬‬ ‫وبالمناسبة‪ ،‬آخر كتاب كتبه السيد القائد‪ ،‬كان رواية لم يتم ّ‬ ‫كن من نشرها‪ ،‬وهي تتمة‬ ‫لـ”زبيبة والملك”‪ .‬ومن أجل عيون الح ّ‬ ‫ت نفسي أساعدها على كتابة رسائل ح ّ‬ ‫فوجد ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫مشتهاة‪ ،‬حتى انتهى بي‬ ‫عينيها‪ ،‬كنت أنفق كثيرا من وقتي لجعل منها فتاة "شاعرة" و ُ‬ ‫ب لحبيبها نيابة عنها! خديجــة‪ ،‬التي كنت‬ ‫المر‪ ،‬إلى العمل "زنجّية" لديها‪ ،‬بكتابة رسائل ح ّ‬ ‫"زنجيتها"‪ ،‬حسب التعبير الفرنسي‪ ،‬والكاتبة التي تختفي خلف أحاسيسها وقلمها‪ ،‬كانت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫بأ‬ ‫مان‬ ‫ّ‬ ‫مـي كانت تحلف بأغلظ الي َ‬ ‫ملتي الروائية‪ .‬‬ ‫ث لي الّلــه‪ ،‬سّيـدة طّيبة وجميلة‪ ،‬من عمري تقريبًا‪،‬‬ ‫عندما انتقلت إلى بيــــــروت‪ ،‬ب َعَ َ‬ ‫مصيبة الفقــر‪ ،‬لعنة انقطاعها باكرا ً عن‬ ‫إلى‬ ‫الجميل‪،‬‬ ‫مَعت‪ ،‬على الرغم من مظهرها‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ج َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صتي"‪.‬لـــــذا‪ ،‬ما جالستها إل وتنّهدت قائلــة‪" :‬كم أتمّنى لو كنت كاتبة لكُتب ق ّ‬ ‫ي مآسيها‪ ،‬عساني أستفيد منها روائيًا‪ ،‬وربما سينمائيًا‪ ،‬نظرا ً إلى ما‬ ‫وراحـــت تق ّ‬ ‫ص علـ ّ‬ ‫مع كل ما فاض به‬ ‫مفاجعات مكسيكية‪ .‬إنه مشهد الذلل البشع من الموت‪.‬ول يبدو أنها أفادته في تدّبـر‬ ‫ُ‬ ‫مـة العربية جمعاء‪ ..‬‬ ‫ل‪ ،‬في هذه الحرب‪ ،‬التي تقول أميركا إ ّ‬ ‫ومهما يكن‪ ،‬ل نملك إل ّ أن نستورد مساحيق الغسيل ومواد التنظيف من السادة نظيفي‬ ‫ف في البيت ناصع البياض في واشنطن‪.‬وبعد‬ ‫كام بل ُ‬ ‫مـة التي ل ينقصها ُ‬ ‫ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫مة‪ ،‬ما كانت‬ ‫أن كان العميل المثالي‪ ،‬أصبح ص ّ‬ ‫دام العدو المثالي لميركا‪ ،‬وعلى مرأى من أ ّ‬ ‫من السذاجة لتحلم بالنتصار على أميركا‪ ،‬ولكن كانت من الكرامة بحيث لن تقبل إل ّ‬ ‫بهزيمة منتصبة القامة تحفظ ماء وجهها‪.‬أ ّ‬ ‫في الواقع فأرتي البيضاء‪ ،‬ومختبرا ً لتأ ّ‬ ‫حَرتني‪ ،‬حتى إنني منحتها أجمل ثيابي‪ ،‬وكنت أعيرها مصوغاتي وحقائب يدي‬ ‫س َ‬ ‫الفتاة َ‬ ‫لمواعيدها العشقية‪ ،‬وأبذل من الجهد والعناء في تحويلها من فتاة كانت قبلي تغسل ثيابها‬ ‫على ضفاف النهر‪ ،‬إلى فتاة من هذا العصر‪ ،‬أكثر مما كانت ُتنفق هي من وقت في‬ ‫َ‬ ‫ن البنت ذات الضفائر البدائية الغليظة‪ ،‬ظهرت عليها مع عوارض‬ ‫الهتمام بأولدي‪ .‬‬ ‫غالت‬ ‫أدب الش ّ‬ ‫مـة سّر ما‪ .‬في هذه‬ ‫ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫حكماء‪ ،‬كانت الكارثة متوقعة‪ ،‬حتى لكأنها مقصودة‪ .‬صنع الحصان مجده‪.‬‬ ‫الك ّ‬ ‫من بعض فجائع هذه ا ُ‬ ‫لمة‪ ،‬فقدان حكامها الحياء‪ .‬وكان عنوانها “اخرج منها أيها الملعون”‪ .‬في آخر عيــد للحب أهدتني‬ ‫ح ّ‬ ‫وت عيــدا لل ُ‬ ‫ي في المناسبات‪ ،‬ول ُتف ّ‬ ‫علـ ّ‬ ‫دفتـرا ً ورديـا ً جميل ً لكتابة المذكرات‪ ،‬مرفوقا ً بقلم له غطاء على شكل قلب‪ ،‬وكتبت على‬ .‬ذلك أني ما أحضرت شّغالة‪ ،‬من أيّ جنسية كانت‪ ،‬إل ّ وبدت عليها‬ ‫حتمـًا‪ ،‬ثـ ّ‬ ‫أعراض الكتابة‪ ،‬بدءا ً بتلك‬ ‫الفتاة المغربية القروية‪ ،‬التي كانت تقيم عندي في باريس‪ ،‬لتساعدني على تربية الولد‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ب‪ ،‬ل من أجل‬ ‫ب لحبيبها‪ .‬وأخشى‬ ‫حـ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ن اعترفت بأنني كنت أيام إقامتها عندي أكتب "ذاكــرة الجســد"‪ ،‬أن يستند أحدهم إلى‬ ‫إ ْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫من كت ََبت تلك الرواية‪ ،‬نظرا إلى كونها‬ ‫محا إلى احتمال أن تكون شّغالتي َ‬ ‫مل ّ‬ ‫مقالي هذا‪ُ ،‬‬ ‫الوحيدة التي لم تنسب إليها الرواية حتى الن‪.‬‬ ‫ومن مذّلة الحمار‪ ..‬‬ ‫التعلم‪ .‬‬ ‫“حملة النظافة” ستستمر طوي ً‬ ‫ن أهدافها أخلقية‪.‬وأذكر‬ ‫ل من روح الدعابة “الرئيس صدام حسين ل‬ ‫أن وزير خارجيته أجاب آنذاك في تصريح خا ٍ‬ ‫يستطيع اتخاذ قرار بالتخلي عن مليين العراقيين الذين انتخبوه بقناعة ونزاهة”‪ .‬فرصته‬ ‫موّرطا ً معه ال ّ‬ ‫أمره والخروج من الكارثة التي وضع نفسه فيها‪ُ ،‬‬ ‫دمها إليه الشيخ زايد‪ ،‬بحكمته الرشيدة‪ ،‬حين أشار عليه‬ ‫الوحيدة‪ ،‬كانت في النصيحة التي ق ّ‬ ‫ل بالعراق وا ُ‬ ‫بالستقالة تفاديا ً لمزيد من الضحايا والضرار‪ ،‬التي ستح ّ‬ ‫لمة العربية‪ .‬ذلك أ ّ‬ ‫ب باريسي لشاب سوري‪ ،‬أعراض الكتابة الوجدانية في سذاجة تدّفقها الّول‪ .‬ماري‪ ،‬التي كانت َتج َ‬ ‫مفاجآت و ُ‬ ‫تزخر به حياتها من ُ‬ ‫دد‬ ‫تتر‬ ‫دة‬ ‫عـ‬ ‫سنوات‬ ‫منذ‬ ‫مازالت‬ ‫بفضلي‪،‬‬ ‫النسائية‬ ‫القراءة‬ ‫على‬ ‫وواظبت‬ ‫بيتي من مجلت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ب إل وتأتيني بهدية‪ .‫أحذية قبل أن يصبح حاكمًا‪ ،‬وتبدو عليه أعراض الكتابة والتنظير‪.

‬فقد استهلكت تلك المخلوقة من الوراق والقلم‪ ،‬أكثر‬ ‫ما استهلكنا عائليا ً جميعنا‪ ،‬كّتابـا ً وصحافيين‪ .‬حتى إنه‬ ‫أصبح يناديها "كوماري"‪ ،‬على اسم الكاتبة السريلنكية الشهيرة "كوماري جوديتا"‪ ،‬التي‬ ‫شحة لرئاسة "اليونسكو"‪ ،‬وراح ُيح ّ‬ ‫مر ّ‬ ‫ذرني مازحـــا ً من أن تكون البنت‬ ‫كانت آنــذاك ُ‬ ‫ّ‬ ‫مذكراتها عندنا‪ ،‬وقد تفشي بكثير من أسراري‪ ،‬وتصدر كتابها قبل كتابي‪،‬‬ ‫منهمكة في كتابة ُ‬ ‫ُ‬ ‫وقد تصّر على توقيعه في معرض بيروت للكتاب‪ُ ،‬أسوة بالشّغالة السريلنكية التي تعمل‬ ‫عند الفنان الراحل عارف الريس‪ ،‬التي كانت تقوم نهارا ً بأشغال البيت‪ ،‬وترسم سّرا ً في‬ ‫مة عـــــارف الريس‪،‬‬ ‫الليل‪ ،‬مستفيدة من المواد المتوافرة في مرسم سّيدها‪ .‬وكنت كّلما فردت أوراقي وجرائدي‬ ‫م ّ‬ ‫على طاولة السفرة‪ ،‬جاءت "روبـــا" بأوراقها وجلست مقابلة لي تكتب)!(‪ ،‬وكان أولدي‬ ‫مشهد‬ ‫مرون من صبري عليها‪ ،‬بينما كنت‪ ،‬على انزعاجي‪ ،‬أجد ال ْ َ‬ ‫َيعجبون من وقاحتها‪ ،‬ويتذ ّ‬ ‫جميل ً في طرافته‪ .‬وتلميذ‪ .‬‬ ‫بجوار سّيدتها‪ُ ،‬‬ ‫من باركَ‬ ‫وعلى الرغم من جهل زوجي للغة "الوردو" و"السنسكريتية"‪ ،‬فقد كان أّول َ‬ ‫موهبة الشّغالة‪ ،‬واعترف بنبوغها الدبي‪ ،‬إلى حد ّ تساهله معها في ما ل تقوم به من شؤون‬ ‫حكم وجودها معنا‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬لنجاز كتابها‪ ،‬واعتبار بيتنا فندقا ً للكتابة من تلك‬ ‫البيت‪ ،‬ب ُ‬ ‫الفنادق التي تستضيف الك ُّتاب على حساب مؤسسات لنجاز أعمالهم الدبّية‪ .‬وهو ما كان يعتقده‬ ‫مف‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫الجزائري‬ ‫ُ ّ‬ ‫دم ليثأروا مّنا‪ ،‬ل ليخدمونا"‪.‫صفحته ا ُ‬ ‫شـرنـي زوجي عند ا ّ‬ ‫لولى كلمات مؤّثـرة‪ ،‬ب ّ‬ ‫طلعه عليها بميلد كاتبة جديدة!‬ ‫جاءت "روبــا"‪ ،‬وهو اسم شّغالتي السريلنكية التي عرف البيت على أيامها‪ ،‬العصر‬ ‫الذهبي لكتابة الرسائل واليوميات‪ .‬و كانت ع َظ َ َ‬ ‫قاصصتها بدل سرقة بعض أدواته‪ ،‬بل ذهب إلى حد ّ إقامة‬ ‫م َ‬ ‫في تبّني موهبة شّغالته‪ ،‬بدل ُ‬ ‫م افتتاحه برعاية سفير سريلنكا في لبنان‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ك"!‬ ‫ود َيليق ب ِ‬ ‫أخشى أن تكون ُ‬ ‫منهمكة في كتابة‪" :‬الس َ‬ ‫أقلم للقلب‪ ..‬وُأخرى للجيب‬ ‫نسيت أن أقول لكم‪ ،‬إنني كتبت مقالي السابق عن الجزائر‪ ،‬بقلم ُ‬ ‫طبع عليه بالفرنسية‬ ‫عبارة “بوتفليقة في قلبي”· فقد طاردتني الحملة النتخابية حتى الطائرة العائدة بي من‬ ‫الجزائر إلى بيروت‪ ،‬ولم أجد وأنا محجوزة مدة أربع ساعات‪ ،‬سوى قلم أهداني إّيــاه أحد‬ ‫أنصار بوتفليقة‪ ،‬عندما زرت صديقتي خالدة مسعودي‪ ،‬وزيرة الثقافة والتصال‪ ،‬في زيارة‬ ‫دية لرفع العتب قبل مغادرتي الجزائر بيوم·‬ ‫و ّ‬ ‫ديها للمتطرفين‪ ،‬الذين أحّلوا دمها‪ ،‬وأرغموها‬ ‫تص‬ ‫بتاريخ‬ ‫الشهيرة‬ ‫والمناضلة‬ ‫الرائعة‪،‬‬ ‫خالدة‬ ‫ّ‬ ‫لسنوات على الدخول في الحياة السرية‪ ،‬هي بثقافتها وشجاعتها السياسية‪ ،‬الفرس‬ ‫البربري الجامح‪ ،‬الذي راهن عليه بوتفليقة لكسب ثقة اليساريين والبربر والنساء بورقة‬ ‫واحدة·‬ ‫إنها‪ ،‬بأصالتها وبساطتها‪ ،‬ل تشبه إل نفسها·· بشعرها الشقر الرجالي القصير‪ ،‬وبملمح‬ ‫ُأنثوية جميلة‪ ،‬وبتلقائية وحماسة تفتقدهما عادة النساء حال جلوسهن على كرسي رسمي·‬ ‫فهي ل ترتدي تاييرا ً سوى في المناسبات· وتفعل ذلك بأناقة أوروبية “عملّية” من دون‬ ..‬ففي بيت عجيب كبيتنا‪ ،‬بدل أن تتعّلم الشّغالة من سيدة البيت طريقة‬ ‫"حفر الكوسة" و"لف الملفوف" وإعداد "الفّتوش"‪ ،‬تلتحق بـ"ورشة الكتابة" وتجلس‬ ‫منهمكة بدورها في خربشة الوراق‪.‬‬ ‫خلق ال ْ َ‬ ‫إبراهيــم الكونــي‪ ،‬حين قال " ُ‬ ‫خ َ‬ ‫مـا مناسبة هذا الحديــث‪ ،‬فعودة ظهور العراض إّياها‪ ،‬على شّغالتي الثيوبية‪ ،‬التي ل‬ ‫أ ّ‬ ‫متابعة نظام حميتي‪ ،‬واستعمال كريماتي‪ ،‬بل وتأخذ من‬ ‫تكتفي بتقليد ملبسي وثيابي‪ ،‬و ُ‬ ‫غرفتي أوراقي وأقلمي‪ ،‬وتختفي في غرفتها ساعات طويلة‪ ،‬لتكتب‪.‬‬ ‫معرض فني لها‪ ،‬تـ ّ‬ ‫ولو أ ُ‬ ‫َ‬ ‫مث َلها‬ ‫مـي سمعت بتهديدات زوجي لي‪ ،‬بأن تسبقني الشّغالة بإنجاز كتابها‪ ،‬لر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ددت َ‬ ‫نأ ّ‬ ‫ْ‬ ‫ضل "العود اللي تحقــُرو هـــو الّلــي يعميــك"‪ .

.‫مطّرزتين بالحناء في كل مناسبة دينية‪ ،‬وبهما‬ ‫بهرجة أو تشاوف· ل يزعجها أن تكون ك ّ‬ ‫فاها ُ‬ ‫تكتب مرافعاتها ومحاضراتها السياسية‪ ،‬التي ُتمثل بها الجزائر بتفوق في المحافل الدولية‪،‬‬ ‫بلغة فرنسية راقية‪ ،‬ما عاد يتقنها الفرنسيون أنفسهم·‬ ‫دي‬ ‫لكنها‪ ،‬مذ شغلت مناصب سياسية كثيرة‪ ،‬أحدها ناطقة باسم الحكومة‪ ،‬رفعت خالدة تح ّ‬ ‫اللغة العربية‪ ،‬وأصبحت تتحدث الفصحى بطلقة·‬ ‫مرافقتها إلى قصر الثقافة لتدشين‬ ‫مدير مكتبها قال لي مازحا ً وهي ترغمني بمو ّ‬ ‫دة على ُ‬ ‫معرض “جمعية المل لترقية وحماية المرأة والطفولة”‪“ :‬إنها امرأة دائمة الركض·· أكثر‬ ‫داءة حسيبة بومرقة” )الجزائرية حائزة الميدالية الذهبية في العدِو(·‬ ‫عدوَا ً من الع ّ‬ ‫مراعاة لمنصبها‪ ،‬لكنها تعود وتبحث عني لُتقدمني بفخر لنساء‬ ‫أتركها تسبقني بخطوات ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ن البائسات اللئي‬ ‫أنصاف أمّيات‪ ،‬يستقبلنها بالزغاريد‪ ،‬ويأخذن معنا صورا تذكارية·· هـ ّ‬ ‫فقدن بيوتهن في الزلزل‪ ،‬واللئي أوجدت لهن جمعيات وتظاهرات تم ّ‬ ‫كنهن من بيع‬ ‫دة وصبر· توشوشني‪:‬‬ ‫مهن واحدة واحدة·· تقّبلهن بمو ّ‬ ‫منتجاتهن اليدوية وإعالة عائلتهن· تض ّ‬ ‫“لبد من دعمهن· العمل أشرف لهن من مد ّ أيديهن إلى الدولة أو إلى أزواجهن”·‬ ‫دماتها· لكنني‬ ‫مق ّ‬ ‫مراعاة لحاجة ُ‬ ‫ت بمحّبة معظمها ُ‬ ‫ملتين بالورود‪ ،‬وبهدايا رفض ُ‬ ‫مح ّ‬ ‫عدنا ُ‬ ‫احتفظت بالقلم‪ ،‬ونسيت أن أعطيها ُأمي التي كانت سعيدة بأن تعيش أّول حملة انتخابية‬ ‫ضل بوتفليقة‪ ،‬من‬ ‫ه علقة بمرشحها المف ّ‬ ‫على الطريقة الميركية· فراحت تجمع كل ما ل ُ‬ ‫من يزورنا من‬ ‫و‬ ‫أخي‬ ‫وأبناء‬ ‫السائق‪،‬‬ ‫على‬ ‫قمصان وقّبعات وشارات‪ ،‬تقوم بتوزيعها بدورها‬ ‫َ‬ ‫شّغيلة·‬ ‫وأنا أكتب في الطائرة مقالي بذلك القلم الذي عليه عبارة “بوتفليقة في قلبي”‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت‬ ‫من يهدي كاتبا ً قلم حبر كمن يهدي فّرانا ً‬ ‫الدكتور غازي القصيبي الذي قال لي مّرة “إ ّ‬ ‫ن َ‬ ‫ربطة خبز”· وكنت يومها أشكو إليه إصرار بعض قارئاتي الثريات‪ ،‬على إهدائي أقلما ً‬ ‫فاخرة‪ ،‬يعادل ثمن بعضها تكاليف طباعة كتاب‪ ،‬من دون أن تكون تلك القلم قادرة على‬ ‫صا ً جمي ً‬ ‫ل‪ ،‬لكونها في حّلتها الذهبّية تلك‪ ،‬لم ُتخَلق سوى لتوقيع الصفقات‬ ‫إلهامك ن ّ‬ ‫والشيكات‪ ،‬ما جعلني أحتفظ بها في درج خاص لمجّرد الذكرى‪ ،‬لكوني ل أعرف الكتابة‬ ‫سوى بأقلم التلوين المدرسّية التي ُتباع في علبة من اثني عشر قلمًا‪ ،‬ل أستعمل منها‬ ‫سوى أربعة ألوان· ونظرا ً إلى سعرها الذي ل يتجاوز الثلثة دولرات‪ ،‬فأنا ُألقي ببقية‬ ‫القلم في سّلة المهملت·‬ ‫وبالمناسبة‪ ،‬أجمل قلم أحتفظ به أهداني إّيــاه الدكتور غـــازي القصيبي‪ ،‬في التفاتة جميلة‬ ‫من كاتب يدري أن القلم المستعمل‪ ،‬ذا “السوابق الدبّية”‪ ،‬أثمن من أقلم “ب ِ ْ‬ ‫كر” لم‬ ‫دة‬ ‫ي هو أعلى درجات المو ّ‬ ‫تقترن بيد كاتب‪ ،‬وأن إهداء كاتب كاتبا ً آخر قلمه الشخص ّ‬ ‫والعتراف بـ”قلم” الخر·‬ ‫ُ‬ ‫لكن المحرج بالنسبة إلى كاتب‪ ،‬أن يكتب بقلم طبع عليه اسم رئيس‪ ،‬حتى وإن كان ذلك‬ ‫قــًا·‬ ‫الرئيس صديقا ً منذ ثلثين سنة‪ ،‬ومكانه في القلب ح ّ‬ ‫دم‪ .‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ي الب‪ ،‬السوري الم‪،‬‬ ‫الفلسطين‬ ‫هو‬ ‫العرب‪.‬‬ ‫ستار”‬ ‫“سوبر‬ ‫ا‬ ‫يوم‬ ‫يكون‬ ‫أن‬ ‫يحاول‬ ‫لم‬ ‫ّ‬ ‫هب والقلب‪ ،‬ما كان ليدخل منافسة تلفزيونّية تحت رايــة واحدة‪ ،‬فلم يؤمن‬ ‫مذ َ‬ ‫ي ال ْ َ‬ ‫اللبنان ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صد أخباره المعجبون‪ ،‬بل المخبرون‪ ،‬ولم تتدافع‬ ‫بغير الُعروبـــة علما وقَ َ‬ ‫درا‪ .‬لسكات َ‬ ‫َأك ّ‬ ‫ه َ‬ ‫قَلم؟‬ ‫ل َ‬ ‫ذا ال ّ‬ ‫مدّوي لموته‪ .‬‬ ‫ل‪ ،‬بل كانت أجهزة المن تتك ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ .‬كان‬ ‫متع ّ‬ ‫إلى التصفيات النهائية في “ستار أكاديمي”‪ .‬لـــــذا‪ ،‬لم يتر ّ‬ ‫فل بك ّ‬ ‫مراهقات للقتراب منه وأخذ صور له حيثما ح ّ‬ ‫ل ذلك‪.‬لم ُيشارك في مسابقة للغناء‪ ،‬لم يصل بعد حملة )‪(sms‬‬ ‫دد الهواجس والثقافات‪ .‬لذا‪ ،‬أزعجتهم‬ ‫حَباُلــه الصوتّية‪.‬فسمير ما كان نجم‬ ‫من لم يسمع منكم بسمير قصير قبل الخبر ال ْ ُ‬ ‫أعذر َ‬ ‫الشاشات‪ ،‬ول ديك الفضائيات‪ .‬كان أكاديميا ً ُ‬ ‫أستاذا ً جامعيا ً ُيحّرض الجيال الناشئة على النتماء إلى حزب الحقيقة‪ .

‬‬ ‫ك‪ .‬‬ ‫ي‪ ،‬النبيل‪ ،‬المستقيم‪ ،‬في كل ما كتب‪ ،‬ما كان حبره الذي‬ ‫الفتى العربي الوسيم‪ ،‬النق ّ‬ ‫يسيل‪ ،‬بل دمه‪.‬‬ ‫كان عليك أن ُتغّني يا‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫دفا‪ ،‬أن تستخدم وسامتك في طلة إعلنّية لبيع‬ ‫مسته َ‬ ‫تكون هدفا ً إعلميا ً بدل أن تغدو رجل ُ‬ ‫معرفّية‬ ‫رغـــوة للحلقة‪ ،‬أو الترويج لعطر جديد‪ ،‬بدل استخدام أدواتك الثقافية وال ْ َ‬ ‫خــر الوقت لقنعك أل ّ تبصم بدمك على ك ّ‬ ‫ل ما تكتب‪ ،‬فتسقط‬ ‫مقارعــة ال َ‬ ‫قت ََلــة‪ .‬‬ ‫إلى إيطاليا‪ .‬ال َ‬ ‫فين بمطالبنا‪ ،‬واثقين بجبننا‪.‬فقط لن َ‬ ‫ل هذه المتفجرات المزروعة تحت مقعد َ‬ ‫دم‪ .‫عمقا ً في فهم التاريخ‪ ،‬ما كان حنجرة‪ ،‬كان ضميرًا‪.‬‬ ‫ذعر الكاتب ال ُْ‬ ‫ما عرفت من ُ‬ ‫مطاَرد‪ ،‬أن‬ ‫ع‬ ‫وتستغني‬ ‫نى‪،‬‬ ‫تغ‬ ‫ف‬ ‫صديقي‪.‬‬ ‫ا‬ ‫مضرج‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫بقلم‪..‬ففي حوار المس ّ‬ ‫النارّية يرد ّ عليها بالنار‪.‬مع حبي‬ ‫في رومــــا‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت أغنية الراحلة ميلينا مركوري‪ ،‬التي كانت في تشّردها النضالي تغّني‬ ‫“حيث ُأسافر تجرحني اليونان”‪ ،‬قبل أن تصبح وزيرة للثقافة في اليونان الديمقراطية·‬ ‫مثلها‪ ،‬ما سافرت إلى بلد إل ّ وجرحتني هموم العروبة· وكنت جئت إلى روما‪ ،‬لحضور‬ ‫دمته بنجاح كبير صديقتي المطربة الملتزمة جاهدة وهبي‪ ،‬في قاعة “بيو”‬ ‫الحفل الذي ق ّ‬ ‫الضخمة‪ ،‬التابعة لحاضرة الفاتيكان‪ ،‬وذهب ريعه لبناء مستشفى لطفال الناصرية·‬ ‫مؤثرين في حضورهم‬ ‫متأثرين و ُ‬ ‫كان أهالي الجنود اليطاليين الذين سقطوا في الناصرية‪ُ ،‬‬ ‫إلى جانب أبناء الجالية العربية· فبعض أمهات وزوجات الجنود القتلى لم يخلعن حدادهن‬ ‫منذ عدة أشهر‪ ،‬لكنهن‪ ،‬على الرغم من ذلك‪ ،‬واصلن تضامنهن مع الشعب العراقي‪،‬‬ ‫ن أبناءهن ذهبوا بنوايا إنسانية‪ ،‬ل في مهمة عدوانية كما خ ّ‬ ‫طط لها بعد ذلك‬ ‫لعتقادهن أ ّ‬ ‫البنتاغون·‬ ‫إحدى أرامل الحرب‪ ،‬أبدت ُأمنيتها لزيارة الناصرية‪ ،‬المدينة التي دفع زوجها حياته ثمنا ً‬ .‬‬ ‫مستخ ّ‬ ‫ن للحقيقة “كلب حراسة” تسهر على سّرها‪ .‬تأ ّ‬ ‫لِ ُ‬ ‫ً‬ ‫جامح ل حصانة لك‪ ..‬‬ ‫ن للصوت العالي عندما‬ ‫اعتاد أن يرفع صوته على نحو ل رجعة عنه‪ ،‬على الرغم من علمه أ ّ‬ ‫دس والقلم‪ ،‬المقالت‬ ‫يرتفع خارج الطبقات الصوتّية للطرب ثمنا ً باهظًا‪ .‬‬ ‫طي الصفحات ا ُ‬ ‫خـــر‪ ،‬لموت يغ ّ‬ ‫سقَ َ‬ ‫ط‪ ،‬وما َنفع ك ّ‬ ‫لولى للصحافة‬ ‫متأ ّ‬ ‫َ‬ ‫ل هذا المجد ال ْ ُ‬ ‫ف دم صاحبها‪ ،‬تتقاسم على جدران بيروت حّيـزا ً كان محجوزا ً‬ ‫العالمية؟ ما زهو صور لم يج ّ‬ ‫للمطربين‪ ،‬و َ‬ ‫قــات؟‬ ‫صف َ‬ ‫م َ‬ ‫غـ َ‬ ‫من َْتخِبين وال ْ ُ‬ ‫دا حكرا ً على ال ْ ُ‬ ‫قاوِلين السياسيين وصائــــدي ال ّ‬ ‫هو صائــد الكلمات‪ ،‬ماذا يفعل بينهم‪ ،‬وهو الذي عندما كان حّيــا ً ما كان ليمد يده لُيصافح‬ ‫بعضهم؟ وما نفع إكليل البطولة على رأس ما عاد رأسه مذ ركب سيارته وأدار ذلك‬ ‫محّرك‪ ،‬فتطاير دمه‪ ،‬وتناثرت أجزاؤه لتتبعَثر فينا؟‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫عْبـَرة انتخابية لنصرة‬ ‫القَت َلـــة يقرأون الن أخبار َنـْعـِيـهِ بعدما أسكتوه‪ ،‬وصنعوا من جثته ِ‬ ‫صمت”‪ ،‬يبتسمون لك ّ‬ ‫دساتهم بـ”كاتم الصوت”‪.‬لسكات قلم؟ وك ّ‬ ‫َأك ّ‬ ‫ل هَ َ‬ ‫ك‬ ‫ذا ال ّ‬ ‫رفضت أن تجلس يوما ً على المبــــادئ؟‬ ‫صاحــب “القلم الوسيم” سقط في موكب من مواكب الموت اللبناني‪..‬الكاتب كائن أعزل ل يحتمي سوى‬ ‫ال‬ ‫الحصان‬ ‫هذا‬ ‫يا‬ ‫بحبرك‪.‬‬ ‫ل هذا الرثــــاء أثناء حشو مس ّ‬ ‫“حزب ال ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ن‬ ‫م َ‬ ‫ص َ‬ ‫َ‬ ‫ت “القلم الوسيم”‪ ،‬تاركا لنا عالما من البشاعة والذعر من المجهول‪ ،‬بينما نح ُ‬ ‫منهمكون في ال ُْ‬ ‫قت ََلة يبتسمون‬ ‫مطال ََبـة بحقيقة جديدة تحمل رقم الشهيد الجديد‪ .‬‬ ‫مّتقد الذكاء‪ ،‬الذاهب ُ‬ ‫الفتى العربي ال ْ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن رجال في الظلم‬ ‫لــــذا‪ ،‬لم يقف أمام لجنة تحكم على صوتــه‪ ،‬بل كان يدري منذ البدء أ ّ‬ ‫يحاكمونه كظاهرة صوتّية في زمن الهمس والهمهمات‪..‬وحدهم حّراس القيم ل حارس لهم إل ّ‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ً‬ ‫الضمير‪ ،‬الضمير الذي كان سببا في استشهاد سميــر قصيــر‪.

‫“لعادة البسمة إلى أبنائها”·‬ ‫أما فكرة الحفل‪ ،‬فقد ولدت من تصريح شقيق أحد الجنود الضحايا‪ ،‬غداة مقتل أخيه‪ ،‬حين‬ ‫من يريد تقديم تعازيه لي·· ليواصل جمع المال من أجل الطفال الذين كان أخي‬ ‫قال‪َ “ :‬‬ ‫دم لهم العون”·‬ ‫يق ّ‬ ‫وه من‬ ‫لت‬ ‫الخارج‬ ‫القتيل‪،‬‬ ‫الجندي‬ ‫ذلك‬ ‫قصة‬ ‫آنذاك‪،‬‬ ‫اليطالية‪،‬‬ ‫العلم‬ ‫وسائل‬ ‫نقلت‬ ‫وقد‬ ‫ّ‬ ‫وة‪ ،‬الذي درج على تناول وجباته الغذائية برفقة عدد من الطفال العراقيين‪ ،‬واعتاد أن‬ ‫الفت ّ‬ ‫يقتطع من مصروفه مبلغا ً يوزعه عليهم·‬ ‫بعد موته‪ ،‬اكتشف الطفال الذين ظّلوا يترددون على مواقع العسكر‪ ،‬أن الجنود ليسوا‬ ‫جميعهم ملئكة‪ ،‬فقد غدت طفولتهم وجبة يومية للموت الميركي ال ّ‬ ‫شـره·‬ ‫ى عراقيا ً لم أتوقعه· أسعدني اكتشاف مدى‬ ‫بعد ذلك الحفل‪ ،‬أخذ ْ‬ ‫ت إقامتي في روما منح ً‬ ‫حماسة بعض اليطاليين للقضايا العربية‪ ،‬بقدر ما آلمني أل ّ يجد هؤلء أي سند‪ ،‬ول أي‬ ‫امتنان من الجهات العربية في روما‪ ،‬أو من العرب أنفسهم‪ ،‬الذين ل يدّللون ول يسخون‬ ‫إل ّ على أعدائهم·‬ ‫واحدة من هؤلء اليطاليين الرائعين‪ ،‬الجميلة ماورا غوالكو‪ ،‬التي اعتادت الحضور إلى‬ ‫لبنان كل ‪ 16‬أيلول‪ ،‬مع وفد من اليطاليين اليساريين الصحافيين في معظمهم‪ ،‬الناشطين‬ ‫في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين‪ ،‬وذلك لحياء الذكرى المأساوية لمذابح صبرا وشاتيل‪،‬‬ ‫“ماورا” قالت لي بأسى‪ ،‬إنها ستتخّلف لّول مّرة منذ خمس سنوات عن هذا الموعد‪ ،‬لنها‬ ‫ستضع مولودها في أيلول المقبل· ولكن رفاقها سيحضرون ليضعوا ورودا ً على مكان‬ ‫ول إلى محل لرمي النفايات‪ ،‬فقاموا‬ ‫المذبحة‪ ،‬الذين فوجئوا عندما زاروه لول مرة‪ ،‬بأنه تح ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بتنظيفه بأنفسهم· وعندها استحت بلدية الغبيري‪ ،‬ووضعت شاهدا تذكاريا على ذلك‬ ‫المكان·‬ ‫المستشرقة الصديقة إيزابيل دافليتو‪ ،‬نموذج آخر لليطاليين الذين يكافحون لتجميل صورة‬ ‫العرب· فهي تحاول بمفردها منذ سنوات‪ ،‬إنقاذ سمعة الدب العربي‪ ،‬والشراف على‬ ‫ترجمة أهم العمال الدبية‪ ،‬في سلسلة تصدر عن دار نشر “مناضلة” على الرغم من‬ ‫دد في المطالبة بحقوقي‪ ،‬من ناشر‬ ‫ن‪ ،‬ما جعلني أتر ّ‬ ‫برجوازية صاحبها المحامي المس ّ‬ ‫مفلس·‬ ‫توّرط في ُ‬ ‫حب عربي ُ‬ ‫دعيت‬ ‫التي‬ ‫كتلك‬ ‫سياسية‪،‬‬ ‫أو‬ ‫فكرية‬ ‫ندوات‬ ‫بتنظيم‬ ‫للعرب‪،‬‬ ‫موالين‬ ‫مثقفين‬ ‫دة‬ ‫ُ‬ ‫كما يقوم ع ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ت خللها نصا شعريا عن بغداد‪،‬‬ ‫مخصصة للعراق‪ ،‬وألقي ُ‬ ‫إليها في مركز “بيبلي”‪ ،‬التي كانت ُ‬ ‫تمت ترجمته لليطالية·‬ ‫إيزابيل دعتني‪ ،‬رغم مشاغلها‪ ،‬إلى عشاء في بيتها‪ ،‬دعت إليه على شرفي ناشري‬ ‫والبروفيسور وليام غرانارا‪ ،‬الستاذ في جامعة هارفارد‪ ،‬والمستشرق الميركي‪ ،‬الذي‬ ‫احتفظ بوسامة أصوله اليطالية‪ ،‬وبحّبه الدب العربي·· ومشتقاته·‬ ‫وليام‪ ،‬الذي سبق أن التقيته في مؤتمر في القاهرة‪ ،‬اقترح دعوتي إلى أميركا لموسم‬ ‫دراسي ككاتبة زائرة‪ ،‬وناقشني بفصاحة مدهشة في رواياتي·· لكن من الواضح أنه لم يقرأ‬ ‫مقالتي·‬ ‫ّ‬ ‫لقائي الكثر حرارة·· كان مع المخرج التلفزيوني داريو بليني‪ ،‬الذي سبق أن شاهدت له‬ ‫في مركز “بيبلي”‪ ،‬شريطا ً وثائقيا ً عن بغداد‪ ،‬أبكى معظم الحاضرين‪ ،‬وهو يعرض يوميات‬ ‫العذاب والموت والذلل‪ ،‬التي يعيشها العراقيون على أيدي جيش “التحرير” الميركي·‬ ‫ُ‬ ‫ورها على شكل “كليب”‬ ‫داريــو‪ ،‬الذي أعجب بقصيدتي عن العراق‪ ،‬طلب مني أن ُيص ّ‬ ‫لبرنامج ثقافي فـي التلفزيون اليطالي·‬ ‫ور القصيدة باللغتين‪ ،‬بعضها‬ ‫نص‬ ‫فيلو‪،‬‬ ‫ليديا‬ ‫الشاعرة‬ ‫وهكذا قضيت آخر يوم برفقته‪ ،‬ورفقة‬ ‫ُ ّ‬ ‫في بيت موسوليني‪ ،‬والبعض الخر وسط المظاهرات العارمة‪ ،‬التي كانت يومها تجتاح‬ ‫ددة بالحرب الميركية على العراق·‬ ‫شوارع روما‪ ،‬من ّ‬ ‫صابين والمافيوزي·· ومرتزقة الحروب‪ ،‬لقد أنجبت‬ ‫إيطاليــــا العظيمة‪ ،‬لم تنجب فقط الن ّ‬ ‫من يعطون درسا ً في البداع·· وفي النسانية·‬ ‫أيضا ً َ‬ .

‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مهانا”‪ ،‬ت ُِهينك مع‬ ‫الصحيفة التي ُتباهي بتوجيهها ضربة للمقاومة “كي ترى زعيمها الكبر ُ‬ ‫ي‪ ،‬على الرغم من كونك ل تقاوم الحتلل الميركي للعراق إل ّ بقلمك‪.‬وها هو في السبعين من عمره‪ ،‬وبعد جيلين من‬ ‫معاِقين‪ ،‬وبعد بضعة آلف من التماثيل والصور الجدارّية‪ ،‬وكعكات‬ ‫مشّردين وال ْ ُ‬ ‫موَتى وال ْ ُ‬ ‫ال ْ َ‬ ‫مرتديا ً جلبابا ً أبيض‪،‬‬ ‫الميلد الخرافّية‪ ،‬والقصور ذات الحنفّيات الذهبّية‪ ،‬يجلس في زنزانة ُ‬ ‫مكا ً في غسل أسمال ماضيه و”جواربه القذرة”‪.‬‬ ‫‪ 300‬مليون عرب ّ‬ ‫وقريبا ً بقلبك ل غير‪ ،‬ل لضعف إيمانك‪ ،‬بل لنهم سيكونون قد أخرسوا لسانك‪ .‬وص ّ‬ ‫“أخاص َ‬ ‫مجّردا ً من سلطته‪ ،‬وثياب غطرسته‪ ،‬غدا ُيشبهك‪ُ ،‬يشبه أَبــــاك‪،‬‬ ‫وملمحه العزلء تلك‪ُ ،‬‬ ‫ديـــا ً‬ ‫ْ‬ ‫ه‬ ‫مش‬ ‫إخراجه‬ ‫د‬ ‫مع‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫“الكليب”‬ ‫هذا‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫لعلمك‬ ‫يزعجك‪،‬‬ ‫ما‬ ‫وهذا‬ ‫أخـــاك‪ .‬أسيبـــك”‪ .‬‬ ‫لصورة ص ّ‬ ‫َ‬ ‫مـة صورا ً ُأخرى للقائد المخلوع بملبسه الداخلية‪ ،‬نشرتها‬ ‫ثـ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ستكتشف‬ ‫بعد ذلك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ه‪ ،‬ل يستحقّ مجاملة إنسانية واحدة‪ ،‬اختفى ‪ 300‬ألف شخص‬ ‫صحيفة إنجليزية “لطاغية كرِ ْ‬ ‫في ظ ّ‬ ‫ل حكمه”‪.‬‬ ‫الذين لم يلتقطوا صورا ً لجرائمه‪ ،‬يوم كان‪ ،‬على مدى ‪ 35‬سنة‪ ،‬يرتكبها في وضح النهار‪،‬‬ ‫ماعية في مساحة وطن‪،‬‬ ‫على مرأى من ضمير العاَلم‪ ،‬محوّل ً أرض العراق إلى مقبرة َ‬ ‫ج َ‬ ‫منهطلة على آلف المخلوقات‪ ،‬لبادة الحشرات البشرية‪،‬‬ ‫وسماءه إلى غيوم كيماوية ُ‬ ‫يجدون اليوم من الوقت‪ ،‬ومن المكانات التكنولوجّية المتقدمة‪ ،‬ما يتيح لهم التجسس عليه‬ ‫صص عليه ومراقبته حتى عندما ُيغّيـر ملبسه الداخلية‪.‬‬ ‫العري العرب ّ‬ ‫خرت دومــا ً بكوني لم ُ‬ ‫ً‬ ‫دام‪ ،‬ول وطأت العراق‬ ‫ص‬ ‫بمصافحة‬ ‫ا‬ ‫يوم‬ ‫يــدي‬ ‫وث‬ ‫ألـــ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫أنا التي َفا َ ُ‬ ‫ّ‬ ‫مديــح وسوق شراء ال ّ‬ ‫ت عنه ذلك‬ ‫ت لو أنني أخذ ُ‬ ‫مّني ُ‬ ‫مم‪ ،‬ت َ َ‬ ‫ذمم وإذلل الهِ َ‬ ‫في مرابــد ال ْ َ‬ ‫النـــاء الطافح بالذ ّ‬ ‫مكاِبـَرة تلك‪ ،‬جوارب ال ّ‬ ‫ي‬ ‫ل‪ ،‬وغسلت عنه‪ ،‬بيدي ال ْ ُ‬ ‫شرف العرب ّ‬ .‬أو جنســك‪،‬‬ ‫َ َ ِ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫بنّيــة إذلل َ‬ ‫ي‪.‬إلى مجاريــه‪.‬حتى إ ّ‬ ‫طي عـــورة صـــ ّ‬ ‫ن الخبر بدا ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عــــراة يتلصصون‬ ‫مفاجئا ً للبعض‪ ،‬حــد ّ اقتراح أحد الصدقاء “كاريكاتيرا” يبدو فيه حكام ُ‬ ‫و ُ‬ ‫دام وهو يرتدي قطعة ثيابه الداخلية‪ .‬ع ََبثا ً ُتقا ِ‬ ‫ي‪ ،‬حيث أوليت صدرك‪ ،‬أو و ّ‬ ‫ل مفّر لك من الخنجر العرب ّ‬ ‫رض عن التلفزيون ونشرات الخبار بك ّ‬ ‫ل اللغات حتى ل ُتدمي قلبك‪.‬العالم‬ ‫في إمكان كوريا أل ّ تخلع ثيابها النووية‪ ،‬ويحق لسرائيل أن ُتش ّ‬ ‫مفرحا ً‬ ‫مشغول عنهما بآخر ورقة توت عربّية ُتغ ّ‬ ‫دام‪ .‬لكنه كثيرا ما أرَبكك بطلته العربّية تلك‪ .‬‬ ‫بإسكات صوتك‪ ،‬وأولئك بتفجير ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫قدة أمام صورة القائد الصنم‪ ،‬الذي استجاب الله لدعاء “شعبه”‬ ‫مع ّ‬ ‫تنتابك تلك المشاعر ال ْ ُ‬ ‫وحفظه من دون أن يحفظ ماء وجهه‪ .‬‬ ‫في عقر زنزانته‪ ،‬والتل ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مر عن ترسانتها‪ .‬بدا للبعض أنظف من أقرانه‬ ‫ال ّ‬ ‫طغاة المنهمكين في غسل سجلتهم وتبييض ماضيهم‪ ..‬ففي المشهدين شيء من صورة عروبتك‪ ..‬‬ ‫ك‪ ،‬ليس من إخراج ناديـــن لبكــي‪ ،‬بل العلم العسكري الميرك ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫دفاع عن احترام‬ ‫طاغيــة الذي وُِلد برتبة قاتل‪ ،‬ما كانت له سيرة إنسانية تمنحك حقّ ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫خصوصيته‪ ،‬وشرح مظلمته‪ .‬‬ ‫وُتع ِ‬ ‫ستأتيك الهانة هذه المرة من صحيفة عربية‪ ،‬انفردت بسبق تخصيص ثلثي صفحتها ا ُ‬ ‫لولى‬ ‫ّ‬ ‫دام وهو يغسل ملبسه‪....‬‬ ‫منه ِ‬ ‫ُ‬ ‫ي‪ ،‬يكاد ُيذ ّ‬ ‫كرك بـ”كليب” نانسي عجرم‪ ،‬في جلبابها الصعيدي‪ ،‬وجلستها‬ ‫حميم‬ ‫مشهد‬ ‫ّ‬ ‫العربّية تلك‪ ،‬تغسل الثياب في إنــاء بين رجليهــا‪ ،‬وهي تغني بفائض ُأنوثتها وغنجها‬ ‫َ‬ ‫دام بجلبابه‬ ‫مــك آه‪ .‬لـــذا‪ ،‬ك ّ‬ ‫ث‬ ‫ل مّرة‪ ،‬تلوّ َ‬ ‫شيٌء من َ‬ ‫منحدرا ً من مجرى‬ ‫مكَرها ً أشواطا ً في التوا ُ‬ ‫ضع النساني‪ُ ،‬‬ ‫ت تراه يقطع ُ‬ ‫ك وأن َ‬ ‫التاريخ‪ .‬تصريحا ً بعد آخر‪ ،‬في سباق‬ ‫ي‪.‬فقد غدا للطاغية حلفاؤه‬ ‫ص‬ ‫على‬ ‫الزنزانة‬ ‫ثقب‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫عندما أصبح إنسانا ً يرتدي ثيابه الداخلية ويغسل جواربه‪ .‫ف العربي‬ ‫ب الشر ِ‬ ‫ر ُ‬ ‫جوا ِ‬ ‫طع الصحافة‪،‬‬ ‫جهت نظرك‪ .‬هؤلء‪،‬‬ ‫جتك ونسف منطقك مع ك ّ‬ ‫ل سيارة مفخخة‪.

‬وس ّ‬ ‫امرأة مثلي؟ يالسعادة امرأة مثلي‪ ،‬كانت تتسوق في مخازن الضجر النثوي‪ ،‬وما عاد‬ ‫قنانة‪ ،‬مذ أرغمتها على البحث عن هذه الكلمة في قاموس العبودية‪..‬أين تجد الوقت برّبك‪ ..‬‬ ‫ال ْ َ‬ ‫أمنيات نسائية‪ .‫معُروض للفرجـــــة‪.‬عكس المنطق‬ ‫ددت في العتراف بأحلمي السرّية‪ ،‬خشية أن تهاجمني الحركات النسوّية‪ .‬كان ذلك بدعوة من جامعة "ميريلند"‬ ‫بمناسبة المؤتمر العالمي الّول حول جبران خليل جبران‪ .‬كان جبران ذريعة جميلة‬ ‫لكتشاف كوكب يدور في فلك آخر غير مجّرتي‪ُ .‬بل ال ِ‬ ‫ب‪ ..‬كي تكون مولهم‪ .‬علني أغدو عميدة السرى العرب في‬ ‫معتقلت الحب‪.‬وكتبا ً عن الحرية‪ .‬عطورا ً وزينة‪ .‬‬ ‫أميركا‪ .‬فكيف غدت أمنيتها أن‬ ‫كانت قبلك تتب ّ‬ ‫تكون بدلة من بدلتك‪ .‬وحدي‬ ‫طالما تر ّ‬ ‫ناضلت كي يعيدني حّبك إلى عصور العبودية‪ ،‬وسرت في مظاهرة ضد حقوق المرأة‪،‬‬ ‫مطالبة بمرسوم يفرض على النساء الحجاب‪ ،‬ووضع البرقع في حضرة الغراب‪ ،‬ويعلن‬ ‫حظر التجول على أي امرأة عاشقة‪ ،‬خارج الدورة الدموية لحبيبها‪..‬‬ ‫قفل الباب‪ُ ،‬‬ ‫ت أن يتم اكتشافي وأنا‬ ‫ت بالمطالبة بتحقيق يكشف مصير المفقودين‪ ،‬خف ُ‬ ‫وكّلما سمع ُ‬ ‫مختفية‪ ،‬منذ سنوات‪ ،‬في أدغال صدرك‪..‬وليس هنا مجال ذكر الحصاءات ال ُ‬ .‬ولماذا‪ ،‬كّلما تظاهرت بنسيان مفتاح زنزانتي داخل‬ ‫أبكي كّلما ه ّ‬ ‫عدت لتجدني قابعة في ركن من قلبك‪.‬‬ ‫حلمها القتناء‪ ..‬لكنني اكتشفت أ ّ‬ ‫وة تستند بدءا على البحث العلم ّ‬ ‫ن كل هذه الق ّ‬ ‫وتقديس المؤسسات الكاديمية‪ ،‬واحترام ال ُْ‬ ‫مبدعين والباحثين والساتذة الجامعيين‪..‬حتى ذلك الحين‪ ،‬كنت‬ ‫من في هيمنة التكنولوجيا الكثر تطورًا‪ ،‬والسلحة الكثر فتكًا‪،‬‬ ‫أعتقد أ ّ‬ ‫وة أميركا تك ُ‬ ‫نق ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ي‬ ‫والبضائع الكثر انتشارا‪ .‬‬ ‫***‬ ‫قبلك حققت حلم ا ُ‬ ‫لخريات‪ ،‬واليوم‪ ،‬ل مطلب لي غير تحقيق حلمي في البقاء عصفورة‬ ‫صتك‪ ،‬وشرفات حياتي مفتوحة‬ ‫سجينة في قفص صدرك‪ ،‬وإبقاء دقات قلبي تحت أجهزة تن ّ‬ ‫د‬ ‫وش‬ ‫قيودي‪،‬‬ ‫إحكام‬ ‫الشاغل‬ ‫على رجال تحّريك‪ .‬فقد كنت من السادة الذين ل يقبلون بغير‬ ‫الح‬ ‫في‬ ‫ية‬ ‫القطاع‬ ‫نزعاتك‬ ‫وإذا بها تكتشف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫امتلك الرض‪ .‬أو حتى حزام بنطلون في خزانة ثيابك‪.‬ربطة من ربطات عنقك‪ ..‬ورحت أعد ّ عليك مزايا العتقال العاطفي‪ ...‬‬ ‫شاهدت على التلفزيون السرى المحررين‪ ،‬لم أفهم لماذا يبكون ابتهاجا ً بالحرّية‪ ،‬ووحدي‬ ‫ددتني بإطلق سراحي‪ .‬يدعى أميركا‪ ..‬‬ ‫ضع ثيابا ً نسائية‪ ..‬كما أراها‬ ‫زرت أميركا مّرة واحدة‪ ،‬منذ خمس سنوات‪.‬ومن عليها‪.‬‬ ‫وكّلما بلغني أن مفاوضات تجرى لعقد صفقة تبادل أسرى برفات ضحايا الحروب‪ ،‬خفت‬ ‫أن تكون رفات حّبنا هي الثمن المقابل لحّريتي‪ ،‬فرجوتك أن ترفض صفقة مهينة إلى هذا‬ ‫الحد‪ .‬رجل مثلك؟ يا لروعة رجل مثلك‪ ،‬شغله‬ ‫ّ‬ ‫جاني؟‬ ‫الصفاد حول معصم قدري‪ ..‬وربما‬ ‫مبدع وال ْ ُ‬ ‫فاحترام ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫مـة خطة لفراغ‬ ‫لعتقاد أميركا أ ّ‬ ‫ن المم ل تقوم إل ّ على أكتاف علمائها وباحثيها‪ ،‬كان ثـ ّ‬ ‫ْ‬ ‫مرعبــة لقدر علماء العراق‪،‬‬ ‫العراق من ُقدراته العلمية‪ .‬‬ ‫مف ّ‬ ‫كر والعاِلــم هنا ل ُيعادله إل ّ احترام الضابط والعسكري لدينا‪ .

‬وإذا كان بعض النظمة يتر ّ‬ ‫يسجن كاتبا ً أو يغتاله‪ ،‬فليس هذا كرما ً أو ُنبل ً منه‪ ،‬إنما لن العالم قد تغّير‪ ،‬وأصبحت‬ ‫مى بسّرية‪ ،‬وقد ُتحاسبــه عليها أميركا كّلما‬ ‫مبدعين ل ُتس ّ‬ ‫الجرائم في حق الصحافيين وال ْ ُ‬ ‫مطاِلبا ً بالنتساب إلى معسكر الخير‪ .‫الذين كان لبد ّ من أجل الحصول على جثمان العراق وضمان موته السريري‪ ،‬تصفية خيرة‬ ‫مف ّ‬ ‫كرة‪،‬‬ ‫علمائه‪ ،‬بين الغتيالت والسجن وفتح باب الهجرة لكثر من ألف عاِلم من عقوله ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫مة‪ ،‬التي كانت منذ الزل‪ ،‬مهـــد الحضارات‪ ،‬إل ّ عشائر وقبائل‬ ‫حتى ل يبقى من تلك ال ّ‬ ‫طاع ُ‬ ‫وق ّ‬ ‫طرق يتقاسمون تجارة الرؤوس المقطوعة‪ .‬ما ا ُ‬ ‫لسد في النهاية سوى خرفان مهضومة‪.‬لكن أميركا تفاجئك‪ ،‬ل لنها تفعل ك ّ‬ ‫ل‬ ‫هذا بذريعة تحريرك‪ ،‬بل لنها تعطيك درسا ً في الحرّية يربكك‪ .(MIT‬فعلى‬ ‫ن العدل أق ّ‬ ‫ل تكلفة‬ ‫معاداتي السياسة الميركية في العاَلم العربي‪ ،‬لعتقادي أ ّ‬ ‫الرغم من ُ‬ ‫ي وإذلله‬ ‫من الحرب‪ ،‬و محاربة الفقر أجدى من محاربة الرهاب‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ن إهانة النسان العرب ّ‬ ‫جة تطويره نهب‪ ،‬ل غيرة‬ ‫بح‬ ‫بذريعة تحريره‪ ،‬هو إعلن احتقار وكراهية له‪ ،‬وفي تفقيره‬ ‫ّ‬ ‫ن كان المنتصر‬ ‫ي على فضيحة أخلقّية‪ ،‬هو هزيمة‪ ،‬حتى إ ْ‬ ‫على مصيره‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ن النتصار المبن ّ‬ ‫وة في العالم‪ ،‬وعلى الرغم من إشهاري هذه الفكار في أكثر من منبر‪ ،‬مازالت‬ ‫أعظم ق ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫دم دعوات هذه الجامعات‪،‬‬ ‫كتبي ُتعَتمد للتدريس في جامعات أميركا‪ .‬هي ليست تلك التي توّقعها أنت باسم كبير‪ .‬والواقفون‬ ‫دون انحناء بين ناري السلطة والرهاب والذين دفعوا حتى الن ستين قتي ً‬ ‫ل‪ .‬ولذا اختار بعض النظمة‬ ‫مق ّ‬ ‫دما ً قرابين الولء‪ُ ،‬‬ ‫جاءها‪ُ ،‬‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫مبدعين‪ ،‬شراًء لل ّ‬ ‫ذمم‪ ،‬وتكفيرا عن‬ ‫ما َ‬ ‫دى في تكريم وتدليل ال ُ‬ ‫العربية الدور الكثر براءة‪ ،‬وت َ َ‬ ‫جرائم في حق مثقفين آخرين‪ .‬الحقيقة غير هذه‪ ،‬ويمكن أن تختبرها في المطارات‬ ‫مف ّ‬ ‫كر‬ ‫مبدع وال ْ ُ‬ ‫العربية‪ ،‬وعند طلب تأشيرة "أخوّيـــة"‪ ،‬وفي مكان العمل‪ ،‬حيث ُيعامل ال ْ ُ‬ ‫صا ً وسجنا ً وتنكي ً‬ ‫ح َ‬ ‫ل‪،‬‬ ‫سس و َ‬ ‫ي من تج ّ‬ ‫صا َ‬ ‫ذر‪ ،‬وأحيانا ً بما يفوقه قَ َ‬ ‫والجامعي بما يليق بالرهاب ّ‬ ‫بينما يجد في الغرب‪ ،‬وفي أميركا التي يختلف عنها في اللغة وفي الدين وفي المشاعر‬ ‫مــــلذا ً يحضن حّريته‪ ،‬ومؤسسات تدعم عبقريته وموهبته‪ .‬وهنا يكمن الفرق‬ ‫لحصل خلل ساعتين على تأشيرة لدخول أميركا م ّ‬ ‫ي‪ ،‬الذي أنا قادمة منه‪ ،‬حيث الكتابة والثقافة في حد ّ ذاتها شبهة‪،‬‬ ‫بين أميركا والعاَلم العرب ّ‬ ‫مبدعون العرب‪ ،‬ويموتون وُيدَفنون بالعشرات في غير بلدهم‬ ‫وحيث‪ ،‬حتى اليوم‪ ،‬يعيش ال ْ ُ‬ ‫ْ‬ ‫الصلي‪ .‬فال ُْ‬ ‫مبدع‬ ‫الحياتية والبداعية في جملة واحدة "وُِلـد ْ ُ‬ ‫دد اليوم قبل أن‬ ‫العربي ليزال ل يشعر بالمان في بلد عربي‪ .‬وما معجزة أميركا إل ّ‬ ‫القومّية‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫في ذكاء استقطاب العقول والعبقريات المهدورة‪ ،‬وإعادة تصديرها إلى العالم من خلل‬ ‫اختراعات وإنجازات علمّية خارقة‪ .‬الصامدون في الجزائر‪ .‬ل بد أن تسأل نفسك ما جدوى الكتابة؟ وهل الحياة في حاجة‬ ‫حقا ً الى كّتاب وروائيين؟ ما دام ما تكتبه في هذه الحالت ليس سوى اعتذار لمن ماتوا‬ ‫كي تبقى على قيد الحياة‪.‬بين اغتيالتها الفردية‪..‬خبرت هذا وأنا أطلب‬ ‫تأشيرة لزيارة أميركا‪ ،‬لتلبية دعوتكم هذه‪ ،‬ودعوة من جامعتي "ميتشيغن" و)‪ .‬لقد اختصر الشاعر محمد الماغوط‪ ،‬نيابة عن ك ّ‬ ‫مبدعين العرب‪ ،‬سيرته‬ ‫ل ال ُ‬ ‫ت مذعــــورا ً وسأموت مذعـــورًا"‪ .‬‬ ‫وما دامت النصوص الهم‪ .‬‬ ‫ضرة التي ألقتها الكاتبة في جامعة )‪ (Yale‬في الوليات المتحدة الميركية‬ ‫محا َ‬ ‫* من ال ْ ُ‬ ‫أن تكون كاتبا ً جزائريا ً‬ ‫" ألقيت هذه الشهادة في مؤتمر الروائيين العرب في القاهرة ‪" 1998‬‬ ‫عندما تكون كاتبا ً جزائريًا‪ .‬وتأتيك الجزائر يوميا ً بقوافل قتلها‪ .‬وقصص أناسه البسطاء‬ ‫في مواجهة أقدار ظالمة‪ .‬بل تلك التي يكتبها‬ ‫بدمهم الكتاب والصحافيون المعرفون منهم والذكرة‪ .‬‬ ‫ومذابحها الجماعية‪ .‬وأخبار الموت الوحشي في تفاصيله المرعبة‪ .‬مقابل‬ .‬وكان يكفي أن أق ّ‬ ‫دة خمس سنوات‪ .

‬عن المهزلة‪ ..‬‬ ‫الجزائر التي لم تكن مسقط رأسي بل مسقط قلبي وقلمي‪ .‬ل بد أن تكتب عنها بكثير من الحياء‪.‬عن الخيبة‪ .‫الحقيقة وحفنة من الكلمات‪.‬‬ ‫واقفة على مسافة وسطية بين القاتل والقتيل‪.‬ما دمت تكتب بقلم قصصا ً يشاركك القدر‬ ‫في كتابتها بالدم‪.‬وعلى أهميتك‪ .‬‬ ‫فأي نزيف فكري هو هذا؟‪ .‬ماذا تكتب؟ ولمن؟ داخل ً‬ ‫في زمن العنف العدم ّ‬ ‫ن في صمت الكاتب عنفا ً أيضا‪ً.‬‬ ‫ن أحلمنا تواضعت في بضع سنوات‪ .‬كي تواصل أجيال ً أخرى المشي نحو حلم‬ ‫سميناه الجزائر‪ ..‬عندما يتعّلق المر ببلد يشكل فيه الكاتب في حد ذاته نوعا ً بشريا ً على وشك‬ ‫النقراض‪ .‬عن الذعر‪ .‬عن التفكك‪ .‬ويتربص بنا بين جملتين‪.‬وأّية فاجعة وطنية هي هذه! ولذا كلما دعيت الى ملتقى حول‬ ‫الكتابة بدأ لي الجدل حول بعض المواضيع النقدية أو الفنية أمرا ً يقارب في طرحه مسرح‬ ‫العبث‪ ..‬‬ ‫كنا نحلم بكتابة كتب جديدة‪ .‬‬ ‫فما الذي ح ّ‬ ‫ل بنا اليوم؟‬ ‫منذ الزل نكتب وندري أن في آخر كل صفحة ينتظرنا رقيب ينبش بين سطورنا‪ .‬‬ ‫دق أ ّ‬ ‫في كل موت في حالة صمت حتى تكاد تص ّ‬ ‫ماذا تكتب أّيها الروائي المتذاكي‪ .‬لن يرفعك سوى الموت من أجل‬ ‫الجزائر الى مرتبتهم‪.‬ولم يبق لنا من الروائيين أكثر من عدد أصابع اليدين في بلد يفوق‬ ‫سكانه الثلثين مليون نسمة‪ .‬حتى ل تتطاول دون قصد على قامة الواقفين هناك‪ .‬‬ ‫بكثير من التواضع‪ .‬‬ ‫ض الشتباك بينك ككاتب والوطن؟ وهل المنفى هو‬ ‫فلماذا تكتب؟ ولمن؟ وكيف يمكن ف ّ‬ .‬ولكن الجديد في الكتابة اليوم أننا ل ندري من يراقب‬ ‫من‪ .‬عن الثروات المنهوبة أثناء ذلك‬ ‫التشتت عن الموت المل ّ‬ ‫بالمليين بين مذبحتين‪.‬والذين على بساطتهم‪ .‬لقد سبقتك جزائر الكاذيب والخوف وكتبتها‪.‬والرض التي يقتل عليها بعضي بعضي‪ .‬فأصبحنا نحلم أل نموت يوما بسبب ما نكتب‪.‬‬ ‫ل تتعب نفسك‪ ...‬فكيف يمكنني مواصلة الكتابة عنها ولها‪.‬أم عاطفية أو بوليسية‪ .‬‬ ‫لقد فقدنا في الجزائر خلل السنوات الخيرة أكثر من ستين كاتب ومبدع‪ .‬‬ ‫الحياة هي الروائي الول في الجزائر‪ .‬هناك‪.‬هم أكثر من‬ ‫نصف ثروتنا العلمية‪ .‬كم مرة تسأل نفسك‪ .‬أ ّ‬ ‫ً‬ ‫يوما ً بما نكتب‪ .‬الذي يكتب قطعا ً ليس أنت‪ ..‬أي انه ل يوجد في مقابل كل مليون جزائري‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬وتكتب عن الجزائر‪ .‬وتش ّ‬ ‫كل فيه الكتابة في حد ذاتها تهمة لم يعد الكاتب يدري كيف يتبّرأ منها‪.‬كاتب واحد‬ ‫ينطق ويكتب ويحلم ويفكر باسم مليون شخص‪....‬‬ ‫ً‬ ‫وذنبا ً لم يعد يدري كيف يجب أن يعلن توبته عنه أمام المل ليتمكن أخيرا من العيش بأمان‪.‬أو على أولئك‬ ‫البسطاء الذين فرشوا بجثثهم سجادا ً للوطن‪ .‬عن الحلم المعطوبة‪ ...‬ما دام أيّ مجرم صغير هو أكثر خيال ً منك‪ .‬أّيها الروائي الذي تملك العالم بالوكالة‪ .‬‬ ‫سواء أكانت تريد أن تكتب قصة تاريخية‪ .‬وما هي المقاييس الجديدة للكتابة‪.‬عن‬ ‫فق‪ .‬وتدير‬ ‫شؤونه في كتاب‪ .‬عن الجنون‪ ..‬فالذي‬ ‫كتبناه منذ عشرين سنة لم نعد نجرؤ على كتابته اليوم‪.‬اليوم وقد أصبحنا‬ ‫كذلك أصبح حلمنا أن نعود الى وطننا ونعيش فيه نكرات لبضعة أيام‪.‬‬ ‫كنا نعرف الرقيب ونتحايل عليه‪ .‬وما دامت‬ ‫الروايات اكثر عجائبية وإدهاشا ً تكتبها الحياة‪ ..‬‬ ‫كنا نحلم بوطن نموت من أجله‪ .‬‬ ‫عندما تكون كاتبا ً جزائريًا‪ .‬ها هي ذي تصبح مسقط‬ ‫دمي‪ .‬وأنت‪ ..‬يراقب‬ ‫صمتنا وأنفاسنا‪ .‬فأصبح لنا وطن نموت على يده‪.‬‬ ‫كنا نحلم في بدايتنا أن نغادر الوطن ونصبح كتابا ً مشهورين في الخارج‪ .‬فقد كنا نحلم أن نعيش‬ ‫الجديد في الكتابة اليوم‪ .‬والموت العبثي‪ .‬رواية عن الرعب أ عن‬ ‫المنفى‪ .‬كيف لك اليوم أن تجلس لتكتب شيئا ً في أي موضوع كان دون‬ ‫أن تسند ظهرك الى قبر‪.‬أصبحنا نحلم بإعادة طبع كتبنا القديمة ليس أكثر ‪ .‬عن العشق‪ ..‬‬ ‫ً‬ ‫عندما تكون كاتبا ً جزائريا ً مغتربا‪ ..

‬وإنما أولئك‬ ‫الذين لم تمنعهم ك ّ‬ ‫ل فجائعنا من مواصلة الحياة بالطمأنينة والرخاء نفسه‪ .‬‬ ‫إنه زمن الشتات الجزائري إذن‪ ..‬‬ ‫وأرفع الكراسي وأرمي بها مقلوبة على الطاولت كما لو كن ُ‬ ‫ما أبطال رواياتي‪ ،‬فيحدث أن ُأف ّ‬ ‫كر في مصيرهم وأدير شؤونهم أثناء قيامي بتلك العمال‬ ‫أ ّ‬ ‫اليدوية البسيطة التي تسرق وقتي‪ ،‬من دون أن تستدعي جهدي‪ ،‬وفي إمكاني أن أحل ك ّ‬ ‫ل‬ ‫المعضلت الفلسفية وأنا أقوم بها‪ ،‬من نوع تنظيف اللوبياء‪ ،‬وحفر الكوسة‪ ،‬وتنقية العدس‬ ‫من الحصى‪ ،‬أو غسل الملوخّية وتجفيفها‪ .‬والشتات غير المعلن لكثر من بلد عربي‪ .‬‬ ‫ذلك ان الكتابة أصبحت الن أخطر مهنة‪ .‬‬ ‫ش الرهابيين‬ ‫وهكـــذا‪ ،‬كنت أتحارب مع السرائيليين أثناء نفض الس ّ‬ ‫جاد وضربه‪ ،‬وأر ّ‬ ‫بالمبيدات أثناء ر ّ‬ ‫شي زجاج النوافذ بسائل التنظيف‪ ،‬و"أمسح الرض" بناقد أو صحافي‬ ‫أثناء مسحي البلط وتنظيفه‪ ،‬وأتشاجر مع قراصنة كتبي ومع المحامين والناشرين أثناء‬ ‫غسل الطناجر وح ّ‬ ‫كها بالليفة الحديدّية‪ ،‬وأكوي "ع ّ‬ ‫ي قمصان زوجي‪،‬‬ ‫ذالي" وأكيد لهم أثناء ك ّ‬ ‫ً‬ ‫ت أرفع بائعا غ ّ‬ ‫شني من عنقه‪.‬حالمين أن يثأروا يوما ً لغربتهم بالعودة في صناديق مفخخة بالكتب‪ ..‬حتى أصبح الذبح والقتل أمرا عاديا ل يستوقف في بشاعته حتى‬ ‫المثقفين العرب أنفسهم‪.‬حتى إنني‪ ،‬بعد عشرين سنة من الكتابة‬ ‫المسروقة من شؤون البيت‪ ،‬أصبحت لديّ قناعة بأنه ل يمكن لمرأة عربّية أن تزعم أنها‬ ..‬‬ ‫فلماذا نصّر إذن على التفكير؟ ولماذا نصّر على الكتابة؟ وهل يستحق أولئك الذين نكتب‬ ‫من أجلهم كل هذه المجازفة؟‬ ‫إن وطنا ً أذّلنا أحياء ل يعنينا أن يكّرمنا امواتًا‪ .‬التي منذ جيلين أكثر تولد في المنافي القسرية أو‬ ‫الختيارية‪ .‬حتى أنه يشترك مع‬ ‫التكفير في كل حروفه ويبدو أمامه مجرد زلة لسان‪.‬وإل‬ ‫لكان قال "إن الرواية هي مفتاح الوطان المغلقة في وجهنا‪.‬ففي أسوأ الحالت يمكنهم قتلك‬ ‫لتخش أصدقاءك ففي أسوأ الحالت يمكنهم خيانتك‬ ‫إخش اللمبالين فصمتهم يجيز الجريمة والخيانة"‪.‬تنفى منه شعوب بأكملها‪ .‬فيحدثوا‬ ‫أخيرا ً ذلك الدوي الذي عاشوا دون أن يسمعوه‪ :‬دويّ ارتطامهم بالوطن‪.‬ووطنا ً ل تقوم فيه الدولة سوى بجهد تأمين‬ ‫علم وطني تلف به جثماننا‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫أراغون الذي قال صدقتها "الرواية أي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" لم يكن عربيا‪ ..‬والذين جعلوننا نصدق‬ ‫ذلك الكاتب الذي قال‪:‬‬ ‫"ل تخش أعداءك‪ .‬يفكرون بطريقة مختلفة ول‬ ‫يغفرون لك ان تكون مختلفًا‪.‬والتفكير أصبح أكبر تهمة‪ .‬هل من ُ‬ ‫مــذ التحقت بوظيفتي كـ"ست بيت" وأنا ُأحاول أن أجد في قصاص الشغال المنزلية متعة‬ ‫فف من عصبيتي الجزائرية في التعامل مع الشياء‪ .‬وتنكسر‬ ‫فيه أجيال من القلم إكراما ً لرجل أو لحفنة من الرجال‪ .‬هناك حيث ينتظر عشرات المبدعين‬ ‫العرب موتهم‪ .‬‬ ‫والذين تفّرجوا خلل السنوات الخيرة بل مبالة مدهشة على جثتنا‪ .‬‬ ‫منازل؟‬ ‫أنا في المطبخ‪ .‬وطن يفرغ ليتبعثر كّتابه ومثقفوه بين المقابر والمنافي‬ ‫موا للشتات الفلسطيني وللشتات‬ ‫ليواصلوا الميراث التراجيدي للكتابة العربية‪ .‬‬ ‫يبقى أن الذين يتحمّلون جريمة الحبر الجزائري ليسوا القتلة‪ .‫المكان المثل لطرح تلك السئلة الموجعة أكثر من أجوبتها‪.‬ليسوا التقلة‪ .‬والذين يحملون على يدهم‬ ‫آثار دم لما يقارب المائة ألف شخص كانوا يعيشون آمنين‪ .‬موزعة على الخرائط العربية والغربية‪ .‬وينض ّ‬ ‫العراقي‪ .‬هو وطن ل تصبح فيه مواطنا ً إل عندما تموت‪.‬والذين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫استرخصوا دمنا‪ .‬‬ ‫إنه التعريف النسب للرواية المعاصرة‪ .‬قبل أن أعثر على طريقة ذكّية‬ ‫ما‪ ،‬تخ ّ‬ ‫لخوض المعارك القومّية والدبّية أثناء قيامي بمهامي اليومّية‪.

‬بل الثرياء‪ .‬فقد نجحت سيدة سويسرية في تحويل المكنسة ودلو التنظيف‬ ‫من ّ‬ ‫ظفة بيوت إلى سيدة أعمال‪ ،‬تعطي‬ ‫ولت هي نفسها من ُ‬ ‫إلى أدوات فرح‪ ،‬بعد أن تح ّ‬ ‫دروسا ً في سويسرا والنمسا وألمانيا حول أساليب التمّتع بعذاب الشغال المنزلية‪،‬‬ ‫فس‪..‬‬ ‫"أرذل العمر"‪ ،‬وص ّ‬ ‫ذلك أن الحياء بيننا‪ ،‬ماعادوا الشباب‪ .‬بل أتوّقع أن يحضرن بعد الن إلى الصبحيات وه ّ‬ ‫مثير في ذلك "الكليب" بين الطناجر‬ ‫ن هيفاء وهبي وهي تتن ّ‬ ‫طبعًا( خاصة أ ّ‬ ‫قل بمريولها ال ْ ُ‬ ‫ن المعارك الشهى والحاسمة ُتدار في المطابخ!‬ ‫والخضار‪ ،‬نّبهت النساء إلى أ ّ‬ ‫إنهم يقضمون تفاحة الحياة‬ ‫كّلما طالعت في الصحف أخبار "صباح"‪ ،‬التي تنتظر في أميركا التحاق خطيبها العشريني‬ ‫الوسيم بها‪ ،‬حال حصوله على تأشيرة‪ ،‬مستعينة على أمنيتها أن تحبل منه‪ ،‬بإشهار دبلة‬ ‫ت بالحب كنوع من اللجوء السياسي‪ ،‬هربا ً من ظلم‬ ‫خطوبتها في وجه شهادة ميلدها‪ ،‬آمن ُ‬ ‫ّ‬ ‫دقت أن عّلة الحياة‪ :‬قلة الحياء رغم كثرة عددهم‪..‬‬ ‫بالستعانة بالموسيقى والغناء ودروس الرقص الشرقي وتنظيم التن ّ‬ ‫مـا وقد أصبح الجلي والتكنيس والتشطيف ُيعّلم في دروس خصوصية في جنيف وفيينا‬ ‫أ ّ‬ ‫ً‬ ‫على وقع موسيقى الرقص الشرقي‪ ،‬فحتما ستجّردني بعض النساء من زهوي باحتراف‬ ‫ن بالمريول )"السينييه"‬ ‫هذه المهنة‪ .‬‬ ‫فهل القتراب من الموت ُيكسب النسان شجاعة‪ ،‬افتقدها قبل ذلك‪ ،‬في مواجهة‬ ‫المجتمع؟‬ ‫أغرب الخبار وأجملها‪ ،‬أحيانا ً تأتينا من المسنين‪ ،‬الذين يدهشوننا كل يوم‪ ،‬وهم يقضمون‬ .‫دعي‬ ‫كاتبة ما لم تكن قد أهدرت نصف عمرها في الشغال المنزلية وتربية الولد‪ ،‬ول أن ت ّ‬ ‫ُ‬ ‫مة العربية بك ّ‬ ‫ل ما وقعت عليه يدها من لوازم‬ ‫أنها مناضلة‪ ،‬إن لم تكن حاربت أعداء ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫المطبخ‪ ،‬كما في نداء كليمنصو‪ ،‬وزير دفاع فرنسا أثناء الحرب العالمية الولى‪ ،‬عندما‬ ‫صاح‪" :‬سُندافع عن فرنسا‪ ،‬وُندافع عن شرفها‪ ،‬بأدوات المطبخ والسكاكين‪ .‬بالشوك‬ ‫بالطناجر‪ ،‬إذا لزم المر"!‬ ‫ً‬ ‫دفن واقفا حسب وصّيته‪ ،‬ول أدري إذا كان‬ ‫كليمنصو‪ ،‬هو الرجل الوحيد في العالم الذي ُ‬ ‫يجب أن أجاريه في هذه الوصّية ُ‬ ‫ت واقفة في ساحة الوغى المنزلية‪،‬‬ ‫وم‬ ‫عشت‬ ‫لثبت أنني‬ ‫ّ‬ ‫مجَلى وخلف الفرن‪ ،‬بسبب "الزائدة القومّية" التي لم أستطع استئصالها يومًا‪ ،‬ول‬ ‫خلف ال ْ َ‬ ‫زائدة ا ُ‬ ‫لمومة التي عانيتها‪.‬وبعض المسنين الحالمين‪ ،‬الذين ل‬ ‫يتورعون عن إشهار وقاحة أحلم‪ ،‬ل نملك جسارة التفكير فيها‪ ،‬برغم أننا نصغرهم سن ًّا‪.‬‬ ‫وكنت قبل اليوم أستحي أن أعترف لسيدات المجتمع‪ ،‬اللئي يستقبلنني في ك ّ‬ ‫ل أناقتهن‬ ‫ن‪ ،‬بأنني أعمل بين كتابين شغالة وخادمة‪ ،‬كي أستعيد الشعور بالعبودّية الذي‬ ‫ووجاهته ّ‬ ‫ً‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫قرأت‬ ‫حتى‬ ‫الورق‪،‬‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫إبداع‬ ‫أنفجر‬ ‫كنت‬ ‫بسببه‬ ‫الذي‬ ‫"التعتير"‪،‬‬ ‫أيام‬ ‫فرنسا‬ ‫في‬ ‫عرفته‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ي‪ ،‬هو تنظيف‬ ‫سفير تشيكيا في بريطانيا‪ ،‬وهو محاضر جامعي سابق‪ ،‬ق ّ‬ ‫دم طلبا لعمل إضاف ّ‬ ‫النوافذ الخارجّية في برج "كاناري وورف" المشهور شرق لندن‪ ،‬ل كسبا ً للنقود‪ ،‬وإّنما لنه‬ ‫س‬ ‫عمل في هذه المهنة في الستينات‪ ،‬وُيريد أن يستعيد "الشعور بالحرّية"‪ ،‬الذي كان يح ّ‬ ‫متد ّ‬ ‫معّلقا ً في الهواء‪ ،‬يحمل دلوا ً وإسفنجة‪..‬‬ ‫يشهد الّله أنني دافعت عن هذه ا ُ‬ ‫ل مشواة‪ ،‬وك ّ‬ ‫ل مقلة‪ ،‬وك ّ‬ ‫ل طنجرة ضغط‪ ،‬وك ّ‬ ‫لمة بك ّ‬ ‫ل‬ ‫دم ذلك شيئا ً في قضّية الشرق‬ ‫تشكيلة سكاكين اشتريتها في حياتي‪ ،‬من دون أن ُيق ّ‬ ‫الوسط‪.‬‬ ‫ل خارج النوافذ‪ُ ،‬‬ ‫به وهو ُ‬ ‫ً‬ ‫ي فرحتي بتلك المعارك المنزلية‪ ،‬التي‬ ‫غير أ ّ‬ ‫ن خبرا قرأته في مجلة سويسرية أفسد عل ّ‬ ‫كنت أستمد ّ منها زهوي‪ .

‬‬ ‫وبعض النهايات المفجعة لهؤلء اللصوص الجميلين‪ ،‬الذين يحترفون السطو على الحياة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫جون بقلوبهم في الممرات الضيقة للسعادة‪،‬‬ ‫تعطينا فكرة عن مدى روعة أناس يز ّ‬ ‫فيحشرون أنفسهم بين الممكن والمستحيل‪ ،‬مفضلين‪ ،‬وقد عجزوا عن العيش عشاقًا‪ ،‬أن‬ ‫يموتوا عشقًا‪ ،‬ويصنعوا بأخبارهم طرائف الصحف اليومية‪ ،‬كذلك المسن المصري‪ ،‬الذي‬ ‫فشل في تحقيق حلم حياته‪ ،‬بأداء واجباته الزوجية مع عروسه الشابة‪ ،‬التي تزوجها منذ‬ ‫بضعة أيام‪ ،‬مستخدما ً في ذلك مكافأة نهاية الخدمة‪ ،‬الذي رغم استعانته ببركات‬ ‫"الفياغرا"‪ ،‬لم يتمكن من الدخول بعروسه الحسناء‪ ،‬فسكب البنزين على جسده‪ ،‬وقرر أن‬ ‫يموت حرقًا‪ ،‬بعد أن فشل في تحقيق آخر أحلمه‪ ،‬أو كعجوز الحب الفرنسية‪ ،‬التي لم‬ ‫يتحمل قلبها‪ ،‬وهي في الثامنة والسبعين من عمرها‪ ،‬الفرحة‪ ،‬فتوقف عن النبض قبل‬ ‫ساعات قليلة من عقد قرانها على زميلها في دار المسنين‪ ،‬الذي يبلغ من العمر ‪ 86‬عاما‪ً،‬‬ ‫بينما كانت منهمكة مع بقية النزلء في تزيين دار العجزة استعدادا ً للمناسبة! وإذا كانت‬ ‫الفرحة قاتلة‪ ،‬بالنسبة إلى النساء‪ ،‬فالغيرة تبدو العاطفة التي تعمر أكثر في قلوب‬ ‫الرجال‪ ،‬وقد تحولهم في أي عمر إلى قتلة‪ ،‬كقصة ذلك الزوج التسعيني‪ ،‬الذي كان يتبادل‬ ‫مع زوجته العجوز أطراف الذكريات البعيدة‪ ،‬عندما أخبرته في لحظة فلتان لسان نسائي‪،‬‬ ‫أنه بينما كان مجندا ً في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬خانته مع رجل عابر‪ .‬و ‪11‬‬ ‫ابنا ً و ‪ 33‬حفيدا ً من جهة العروس‪..‬فلم يكن من الرجل‬ ‫إل ّ أن غافلها وخنقها لي ً‬ ‫ل‪ ،‬انتقاما ً لخيانة تعود لنصف قرن! أو ذلك المعمر الفرنسي‪ ،‬البالغ‬ ‫‪ 89‬سنة‪ ،‬الذي يقبع في سجون فرنسا‪ ،‬كأكبر معتقل‪ ،‬إثر حكم عليه بالسجن بتهمة خنق‬ ‫وضرب زوجته‪ ،‬البالغة من العمر ‪ 83‬عامًا‪ ،‬حتى الموت‪ ،‬بعد أن عثر تحت وسادتها على‬ ‫رسائل غرامية‪ ،‬يتغزل فيها بها معجب‪ ،‬ليس في عمر "عمر محيو" خطيب صباح‪ ،‬وإنما‬ ‫رجل يبلغ ثمانين عامًا‪ ،‬يصغرها بثلث سنوات!‬ ‫غير أن العشاق من المسنين‪ ،‬ليسوا جميعهم مشروعات مجرمي حب‪ ،‬بل ثمة العشاق‬ ‫البديون الحالمون‪ .....‬‬ ‫"برافو‬ ‫أيها الرب ‪......‬بعد أن سبق‬ ‫لهلها منذ ‪ 50‬سنة أن رفضوا تزويجه بها!‬ ‫أما في تونس‪ ،‬فمازال البعض يذكر إحدي أجمل قصص الحب‪ ،‬التي انتهت بعقد قران‬ ‫رجل في السابعة والتسعين من العمر على عروسه‪ ،‬البالغة ‪ 86‬عامًا‪ ،‬وتلك الفراح التي‬ ‫ل كاملة‪ ،‬نظرا ً لكثرة أفراد عائلتي الزوجين‪ ،‬التي تضم‬ ‫دامت آنذاك سبعة أيام‪ ،‬وسبع ليا ٍ‬ ‫‪ 42‬حفيدًا‪ ،‬من جهة العريس‪ ،‬الذي يبلغ ابنه البكر الخامسة والسبعين من عمره‪ .‬بل إن الحب مازال يزّود المسنين بطاقة خرافية للحلم‪،‬‬ ‫وبشهية مخيفة للحياة‪ ،‬كما في طهران‪ ،‬حيث وافقت المحكمة على زواج رجل‪ ،‬في‬ ‫الخامسة والثمانين من عمره‪ ،‬بامرأة في الخامسة والسبعين من عمرها‪ .‬كذلك الجندي الميركي‪ ،‬الذي شارك في الحرب العالمية الثانية‪،‬‬ ‫ومازال منذ ذلك الحين دائم البحث عن المرأة‪ ،‬التي وقع في حبها في ألمانيا‪ ،‬التي‬ ‫مازالت حلم عمره‪ ،‬حتى إنه نشر صورته بالزي العسكري‪ ،‬مرفقة برسالة موجهة إلى‬ ‫جميع "السيدات اللواتي تجاوزن السبعين من العمر"‪ ،‬يطلب فيها من حبيبته التصال به‪،‬‬ ‫والجواب عن بعض السئلة‪ ..‬إذا جعلتني أقوى‬ ...‫أمامنا تفاحة الحياة بملء أسنانهم الصطناعية‪ ،‬ويذهبون متكئين على عكازتهم نحو أسّرة‬ ‫الزوجية وليلة فتوحاتهم الوهمية‪ ،‬مقترفين حماقات جميلة‪ ،‬نتبرأ من التفكير فيها‪ ،‬غير‬ ‫معنيين بأن يتركوا جثتهم قربانًا‪ ،‬على سرير الفرحة المستحيلة‪..

‬‬ ‫ب إذا جعلتني أقوى‪ ،‬فاجعلني أكثر توا ُ‬ ‫أمين الريحاني "أّيها الر ّ‬ ‫قل أبناؤها مذهولين‪،‬‬ ‫أميركا التي خرجت إلينا بوجه لم نعرفه لها‪ ،‬مرعوبة‪ ،‬مفجوعة‪ ،‬يتن ّ‬ ‫وقد أطبقت السماء عليهم‪ ،‬وغ ّ‬ ‫طى الُغبار ملمحهم وهيأتهم‪ ،‬لكأّنـهـم كائنات قادمة إلينا‬ ‫ب كهذا‪ ،‬وفاجعة‬ ‫من المّريخ‪ ،‬لفرط حرصهم على الوصول إليه قبلنا‪ ،‬أكانت تحتاج إلى ُ‬ ‫صا ٍ‬ ‫م َ‬ ‫ن جيرانها‪ ،‬في الكرة الرضية‪ ،‬الذين‬ ‫على هذا القدر من النفضاح‪ ،‬لتتساوى قليل ً بنا‪ ،‬نح ُ‬ ‫نتقاسم كوارث هذا الكواكب ك ّ‬ ‫ل يوم؟‬ ‫ذلك أنه منذ زمن‪ ،‬والميركيون جالسون على علوّ مئة وعشرة طوابق من مآسينا فكيف‬ ‫لصوتنا أن يطالهم؟ وكيف لهم أن يختبروا دمعنا؟‬ ‫ودتنا عليه هوليوود‬ ‫لــم يكن إذن ما رأيناه في الحادي عشر من أيلول‪ ،‬مشهدا ً من فيلم ع ّ‬ ‫كان فيلما ً حقيقيا ً عن "عولمة الرعب"‪ ،‬بدمار حقيقي وضحايا حقيقيين‪ ،‬بعضهم كان يعتقد‬ .‫إذا كان ما حدث في أميركا في "صباح الطائرات"‪ ،‬قد تطّلب مّنا وقتا ً لتصديق غرائبّيته‬ ‫ن الكتابة عنه‪ ،‬بقدر من الموضوعية والنسانية‪ ،‬كانت تتطّلب مّنـا أيضا ً بعض‬ ‫وهَوِْلـه‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ن تلك البراج الشاهقة‪ ،‬التي كانت "مركز‬ ‫أ‬ ‫ونعي‬ ‫لولى‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أحاسيسنا‬ ‫نتجاوز‬ ‫الوقت‪ ،‬كي‬ ‫ّ‬ ‫الجشع العالمي"‪ ،‬التي انبهر المليين من بؤساء العالم وجياعه ومظلوميه‪ ،‬وهم يشاهدون‬ ‫حاب غرورًا‪ ،‬بل كانت تأوي آلف البشر البرياء‪،‬‬ ‫ن ُتناطح الس َ‬ ‫انهيارها‪ ،‬لم تكن مجّرد مبا ٍ‬ ‫الذين لن يعرفوا يوما ً لماذا ماتــوا‪ ،‬والذين كانوا لحظة انهيارها ُيدفنون تحت أنقاضها‪،‬‬ ‫ويموت العشرات منهم‪ ،‬محترقين بجنون الرهاب‪ ،‬دون أن يتم ّ‬ ‫كن أهلهم من التعّرف حتى‬ ‫حمة‪ ،‬ليكون لهم عزاء دفنهم أو زيارة قبورهم في ما بعد‪.‬‬ ‫إلى أشلئهم المتف ّ‬ ‫م تجسيمها عادة في استديوهات‬ ‫لــم تكن المباني إذن ِ‬ ‫من ديكورات الكارتون‪ ،‬كما يت ّ‬ ‫ور نهاية العالم‪ :‬فكيف انهارت بتلك‬ ‫يص‬ ‫أميركي‬ ‫فيلم‬ ‫في‬ ‫بخدع‬ ‫المر‬ ‫هوليوود‪ ،‬عندما يتعّلق‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫مفاخر التكنولوجية‪ ،‬والحضارة‬ ‫مذهلة‪ ،‬وجعلتنا نكتشف‪ ،‬مذعورين‪ ،‬هشاشة ال َ‬ ‫السرعة ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫مزايدات التقنية‪ ،‬والتشاوف بين المم؟‬ ‫العصرية‪ ،‬القائمة على ال ْ ُ‬ ‫ذلك أن الكثيرين‪ ،‬من الذين ماتــوا تلك الميتة الشنيعة‪ ،‬قضوا أعمارهم في أكبر الجامعات‬ ‫وأغلها‪ ،‬كي يتم ّ‬ ‫كنوا يوما ً من تسّلق سّلم الحلم‪ ،‬والوصول إلى أعلى ناطحة سحاب في‬ ‫العالم‪ ،‬حيث ينبض "جيب" الكرة الرضية وماداموا لم يسمعوا بابن المعتز‪ ،‬وإنما ببيل‬ ‫وتوا عليهم نصيحة شاعر عربي قال‪:‬‬ ‫ي المعلوماتية ورسولها إلى البشرية‪ ،‬فقد ف ّ‬ ‫غيتس‪ ،‬نب ّ‬ ‫ك المطامع والماني ‪ ---‬فكم أمنيةٍ جلبت منّية"‬ ‫"دعي عن ِ‬ ‫ساعة و ‪ 44‬دقيقة فقط‪ ،‬هو الوقت الذي مّر بين الهجوم على البرج الول وانهيار البرجين‬ ‫وإذ عرفنا أن الوقت الذي مـّر بين ارتطام عابرة المحيطات الشهيرة "تايتانيك" بجبل‬ ‫جليدي وغرقها‪ ،‬كان حسب أرقام الكوارث ساعتين وأربعين دقيقة‪ ،‬بينما تطّلب إنجازها‬ ‫خرافية في تاريخ بناء البواخر‪ ،‬وكذلك‬ ‫دة أعوام من التخطيط والتصميم‪ ،‬وكّلفت أرقاما ً ُ‬ ‫ع ّ‬ ‫سقوط طائرة "الكونكورد" الفخم والغلى والسرع لنقل الر ّ‬ ‫كاب في العالم‪ ،‬واحتراقها‬ ‫دة ل تتجاوز الخمس عشرة دقيقة‪ ،‬وإيقاف‬ ‫)بركابها الثرياء والمستعجلين حتمًا(‪ ،‬في مــ ّ‬ ‫مشروع تصنيعها لحين‪ ،‬بخسارة تتجاوز آنذاك مليارات الفرنكات‪ ،‬أدركن هشاشة ك ّ‬ ‫ل ما‬ ‫يزهو به النسان‪ ،‬ويعتبره من علمات الوجاهة والفخامة والثراء‪ ،‬ودليل ً على التقنيات‬ ‫دى بها‬ ‫دى بها البحر حينًا‪ ،‬لنه يركب أضخم وأغلى باخرة‪ ،‬ويتح ّ‬ ‫البشرية المتقدمة‪ ،‬التي يتح ّ‬ ‫ً‬ ‫السماء حينا آخر‪ ،‬لنه يجلس فوق أعلى وأغلى ناطحة سحاب‪ ،‬جاهل أن النسان ما صنع‬ ‫شيئا ً إل ّ وذهب ضحيته‪ ،‬ولــذا عليه أن يتواضع‪ ،‬حتى وهو مترّبع على إنجازاته وقد كان دعاء‬ ‫ضعًا"‪.

‫آنذاك أنه يتفّرج على "الفيلم"‪ ،‬عندما وجد البرجين ينهاران فوق رأسه وكما في السينما‪،‬‬ ‫م اختيارهم بقرعة‬ ‫كان السيناريو جاهزا ً بأعداء جاهزين المفاجأة أننا ما كّنـا نتوقع أن يت ّ‬ ‫مشاهديـــن‪.‬‬ ‫الجغرافيا من بين ال ْ ُ‬ ‫ن "النسر النبيل"‪ ،‬هو الذي يختار‬ ‫ل جـــدوى ِ‬ ‫من السراع إلى إطفاء جهاز التلفزيون ذلك أ ّ‬ ‫قن درسا ً ومتى‪ ،‬فهو الذي يقّرر‬ ‫من المشاهدين سُيل ّ‬ ‫من‬ ‫ل‬ ‫الطويل‪،‬‬ ‫الميركي‬ ‫الفيلم‬ ‫في هذا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ن مّنـا سيسند دور الشّرير‪.‬‬ ‫إلى َ‬ ‫م ْ‬ ‫ابتسم أنت في امريكا‬ ‫يدهشك حقا ويعنيك أهمية الجامعات في تأسيس أمريكا ‪ ،‬انها تنب كالجزر والواحات في‬ ‫الوليات وتصنع فخر المريكي الذي تخرج منها والذي يدين لها بولء يبخل به حتى على‬ ‫عائلته ‪ ،‬أحدهم جاء من المكسيك كان مزارعا تابع دروسه الليلية في جامعة ميريلند وعاد‬ ‫منذ مدة وقد اصبح مهندسا كبيرا ليدفع ‪ 5‬مليين دولر مساعدة منه للجامعة ولمن يتعلم‬ ‫بعده فيها‬ ‫ولنك لتمنع نفسك من المقارنه فستتذكر ذلك السفير الجزائري الذي كان يحتفظ بمنح‬ ‫الطلبة في الخارج لعدة اشهر في حسابه الخاص للستفادة من فوائدها ول يحولها لهم ال‬ ‫عندما يشارفون على التسول‬ ‫وعندما تتجول بعد ذلك في المباني الجامعية والمتشابهة بجامعة ميريلند ستكتشف ان‬ ‫معظمها بنيت بهبات خريجي الجامعة الثرياء ‪ ،‬وفي نزل ماريوت الذي تقيم فيه سيقع‬ ‫نظرك حيث ذهبت على لوحات جميلة وثمينة تزين الممرات والقاعات وستلحظ اسفلها‬ ‫صفيحة من البرونز وبخط صغير اسم واهبها الذي هو أحد خريجي الجامعة فتتذكر قصة‬ ‫معروفة لمدير سابق لحدى الكليات اللبنانية الذي نهب نصف ميزانية الكلية أثناء الحرب‬ ‫بابتكاره فواتير مزورة لتجهيزات وهمية لم تحصل عليها الكلية ‪ ،‬ثم غادر الى وظيفة اكثر‬ ‫ربحا وقد ترك الكلية عارية من كل شئ‬ ‫وبعد قليل يأتي نادل لخدمتك في المطعم ويخبرك أحدهم انك قد تعود في المرة المقبلة‬ ‫وتجده موظفا في الطوابق العليا لن الجميع هنا يدرس ليتقدم ول احد يشغل الوظيفة‬ ‫نفسها طوال حياته والفرص متاحة بالتساوي للجميع‬ ‫يحكى الستاذ سهيل بشوئي احد عمدة أساتذة الجامعة المريكية في بيروت في الستينات‬ ‫والسبعينات انه استطاع برسالة الى رئيس لجنة الهجرة في أمريكا ان يوقف إجراء بطرد‬ ‫طبيبة عربية لم يستطع المحامي ان يفعل لها شي قبل ان يسألها يائسا أتعرفين أستاذا‬ ‫في الجامعة يمكن ان يقدم شهادة لصالحك اما في بلدنا فكان سيسألها اتعرفين ظابطا‬ ‫كبيرا ام وزيرا او أي زعيم يتوسط لك عند القضاء ولكن في امريكا كل هؤلء ل يضاهون‬ ‫وجاهة الستاذ ول هيبته‬ ‫البيت البيض ليثير في نفسك شيئا مما توقعت من انبهار وانت ترى حديقته المفتوحة‬ ‫على الطريق وداخلها عدد من السياح الفضوليين ولكن هذا المشهد بالذات هو الذي‬ ‫سيوقظ المك ويذكرك بتلك القصور المسيجة لحكام ليمكن القتراب من بيوتهم بالعين‬ ‫المج‬ .

.‬فـمـــن يـبـيـع؟‬ .‫ابني‪ .‬اليطالي‬ ‫ي وأقنعني بأنني أمددته بورقة‬ ‫انتهى حديثي عن رومــــا‪ ،‬عند ذلك السائق الذي تشاطر عل ّ‬ ‫نقدية من فئة العشرة يورو·· ل الخمسين‪ ،‬وتقاضى مني بالتالي مئة يورو‪ ،‬عن مشوار‬ ‫المطار الذي يساوي نصف ما دفعت·‬ ‫ولم يحزّني المر كثيرًا‪ ،‬مادام هذا ك ّ‬ ‫ل ما فقدت‪ ،‬مقارنة بنسيبي‪ ،‬الذي على فائق ذكائه‬ ‫وشطارته‪ ،‬وتردده على إيطاليا أكثر من مّرة‪ ،‬نجح الطليان في ميلنــو في سرقة حقيبة‬ ‫يده‪ ،‬بكل محتوياتها من مبالغ نقدية وجوازات سفر وبطاقات مصرفية‪ ،‬بعد أن قاموا‬ ‫من يساعده· وهكذا‬ ‫بتنفيس دولب سيارته‪ ،‬وسطوا على محتوياتها أثناء توّقفه للبحث ع ّ‬ ‫ولت لديه مقولة “روما فيدولتا فيدا بردوتا” أي “شاهد روما وافقد إيمانك” إلى “شاهد‬ ‫تح ّ‬ ‫روما وافقد جزدانك” )أي حقيبة يدك(·‬ ‫ابني غسان‪ ،‬الذي جاء من لندن‪ ،‬حيث يتابع دراسته في إدارة العمال‪ ،‬التحق بي كي‬ ‫يراني ويكتشف روما‪ ،‬أخيــــرًا‪ ،‬بعدما قضى الصيف الماضي في إيهام بنات “كان” بأنه‬ ‫ن البنات يقصدنه‬ ‫إيطالي‪ ،‬حتى إنه اختار اسما ً “حركيًا” لغزواته العاطفية‪ ،‬بعد أن وجد أ ّ‬ ‫حكم صيته العشقي‪ ،‬وأناقته‬ ‫لذلك السبب· فالرجل اليطالي له سطوة لدى الفرنسيات ب ُ‬ ‫دى سهرة في مرقص· وعبثا ً‬ ‫المتميزة· ول داعي لتخييب ظن البنات مادام المر ل يتع ّ‬ ‫ن‬ ‫ه‬ ‫البنات‬ ‫بأن‬ ‫د‬ ‫ير‬ ‫فكان‬ ‫قصير”‪،‬‬ ‫حاولت مناقشة الموضوع معه‪ ،‬وإقناعه بأن “حبل الكذب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضلن سماع الكاذيب· وانتهى بي المر إلى القتناع بقول عمر بن الخطاب )رضي‬ ‫من يف ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خِلقوا لزمان غير زمانكم”‪ ،‬خاصة أنني‬ ‫فقد‬ ‫بأخلقكم‪،‬‬ ‫أولدكم‬ ‫لقوا‬ ‫تخ‬ ‫“ل‬ ‫عنه(‬ ‫تعالى‬ ‫له‬ ‫ال‬ ‫ُ‬ ‫دد صديقاته‪ ،‬عندما كان‬ ‫عجزت أيضا ً عن إقناعه بالوفاء لصديقة واحدة‪ ،‬ودفعت ثمن تع ّ‬ ‫ي في روما أن أشتري هدايا لهن جميعًا‪ ،‬وأتشاور معه طويل ً في مقاساتهن وأذواقهن‪،‬‬ ‫عل ّ‬ ‫ُ‬ ‫م‪ ،‬لشتري له‬ ‫وأجوب المحال النسائية بزهد كاتبة‪ ،‬بعد أن جبت المحال الرجالية بصبر أ ّ‬ ‫جهازا ً يليق بوظيفة في النهار في بنك إنجليزي‪ ،‬ووظيفة ليل ً كعاشق إيطالي·‬ ‫وقد حدث في الصيف أن أشفقت كثيرا ً على إحدى صديقاته‪ ،‬الوحيدة التي عّرفني إليها‪،‬‬ ‫دم إليها باسمه الحقيقي‪ ،‬نظرا ً إلى كون علقتهما دامت شهرين· وكانت المسكينة‬ ‫والتي تق ّ‬ ‫تدخل في شجارات مع والدها‪ ،‬المنتمي إلى الحزب اليميني المتطّرف الذي يشهر كراهيته‬ ‫ت حتى شراء نسخة من “ذاكرة‬ ‫ما تعتقده حب ًّا· وذهب ْ‬ ‫للعرب‪ ،‬وتستميت في الدفاع ع ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الجسد” بالفرنسية لطلع أهلها على أهمية “حماتها”‪ ،‬وكانت تمل البيت ورودا كلما‬ ‫سافرت وتركت لهما الشقة‪ ،‬وُتهاتفني سرا ً لتسألني إن كان ابني يحّبها حقًا· ووجدتني‬ ‫دمها لها ابني‪،‬‬ ‫مرغمة على الكذب عليها· وتأكيدا ً لكاذيبي‪ ،‬صرت أشتري لها هدايا كي يق ّ‬ ‫بما في ذلك هدية وداٍع‪ ،‬عندما غادر غسان “كان” إلى لندن· فالمسكينة لم تكن قد‬ ‫سمعت بمقولة مرغريت دوراس‪“ :‬في ك ّ‬ ‫ن الرجال‬ ‫ل رجل ينام مظّلي”· ولم تكن تدري أ ّ‬ ‫ب آخر· ربما من وقتها أضفت إلى واجبات ُأمومتي‪ ،‬واجب‬ ‫دائما ً على أهبة رحيل نحو ح ّ‬ ‫مة إسعاد بطلة حقيقية‪ ،‬تشبهني‬ ‫شراء هدايا لصديقات ابني‪ ،‬وإلى مشاغلي الروائية·· مه ّ‬ ‫في شغفي وذعري وش ّ‬ ‫كي وسخائي·· و غبائي العاطفي·‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ك جميلة‬ ‫بعد عودته إلى لندن‪ ،‬هاتفني غسان مبتهجا· قال‪“ :‬شكرا ماما·· كانت القامة مع ِ‬ ‫في روما·· الثياب التي اشتريتها لي أعجبت الجميع·· وصديقاتي هنا جميعهن سعيدات‬ ‫ك في أّية مدينة تسافرين إليها”·‬ ‫بالهدايا”· ثم أضاف مازحًا‪“ :‬جاهز أنا لرا ِ‬ ‫غسان عمره ‪ 23‬سنة·‬ ‫التهم من كتب الدب والفلسفة أكثر مما قرأت أنا·‬ ‫اشــتري دمعـــا ً ‪ ..

‬فطبيب العيون الذي زرته لول مرة منذ بضعة أشهر‪ ،‬لينجدني بن ّ‬ ‫ظارات‬ ‫طبية للقراءة‪ ،،‬فاجأني بأن وصف لي "دمعا ً صناعيا ً لعلج مرض نشاف الدمع"‪...‬فيدركني بها؟‬ .‬‬ ‫عند اجتماعها لصنع كيمياء الدموع‪ .‬في البكاء‪ ،‬أو "أقصف عمري" بقمع حاجتي إلى ذرف الدموع مقابل‬ ‫أن أترك بعد رحيلي أعمال ً إبداعية كبرى ُتبكي الخرين‪..‬إذ بسبب ك ّ‬ ‫والنشرات الخبارية العربية‪ ،‬منذ السبعينات وحتى "حرب الحواسم" المباركة‪ ،‬وجدتني‬ ‫حر بساتين أوهامي‪..‬‬ ‫لهذه السباب‪ ،‬فرحت عندما رأيت منذ أشهر الرئيس الجزائري يجهش باكيا ً مرتين في‬ ‫مة "إيفيان" عن‬ ‫حضرة الكاميرات‪ ،‬أمام قادة أغنى دول العالم‪ ،‬وهو يتحدث إليهم في ق ّ‬ ‫م عن كل المآسي الدموية‪ ،‬التي شهدتها الجزائر في العوام‬ ‫كارثة الزلزال التي أصابتنا‪ ،‬ث ّ‬ ‫الماضية‪ .‬وكدت منذ أيام آخذها لشتري أخيرا ً تلك القطرات التي‬ ‫ي أن أضع عشرا ً منها يوميا ً في كل عين‪ ،‬لول أنني رفضت أن ينتهي بي المر إلى شراء‬ ‫عل ّ‬ ‫وق‪ ،‬حتى ل أريد في عجز القتصاد اللبناني بـ"شوبينغ‬ ‫دموع صناعية في عز شهر التس ّ‬ ‫للدموع" التي هي على أيامنا السلعة الكثر ندرة‪ ،‬نظرا ً إلى كوننا استهلكنا في المصائب‬ ‫القومّية كل البار الجوفية لدموعنا العربية‪ ،‬ولم يبق أمامنا بعد الن إل ّ أن نذرف نفطًا‪ ،‬إن‬ ‫سمحت لنا بذلك شركات البترول العالمية‪ ،‬التي تتولى كل شؤوننا‪ ،‬بما في ذلك تقنين‬ ‫دموعنا‪ ،‬ووضع لئحة بالسباب المسموح بها للعربي بالبكاء‪.‬استبشرت خيرا ً بارتفاع منسوب دمعنا الوطني‪ .‬وعلى الذي يشك في مصيبتي‪ ،‬أن "يسأل دموع عين ّ‬ ‫ويسأل مخدتي" وكل المواويل وأغاني العويل التي تربيت عليها في مراهقتي العاطفية‬ ‫ُ‬ ‫م الدموع التي ذرفتها آنذاك أمام الفلم المصرية‬ ‫والسياسية الولى‪ ..‬‬ ‫اليوم مهددة بجفاف أدمعي وتص ّ‬ ‫والمر ليس نكتة‪ .‬ولكن‪،‬‬ ‫جزائري يبكي علنًا‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مر طويل وأترك أعمال قليلة‪ .‬لنها تبكي بسهولة أكبر‪ ،‬ذلك أن القدرة الرهيبة على البكاء‪ ،‬التي‬ ‫تمتلكها المرأة‪ ،‬تمنحها إمكانية تفجير ما تحقنه في نفسها من غضب وحزن وأسى‪ ،‬بينما‬ ‫لفتقادهم هذه القدرة‪ ،‬يموت الرجال تحت وطأة أحزانهم‪ ،‬بالنوبات القلبية والسكتات‬ ‫الدماغية‪.‬‬ ‫منذ أيام عثرت على تلك الوصفة الطبية‪ ،‬التي مازلت أحتفظ بها في مفكرة العام‬ ‫الماضي‪ ،‬بنّية غير معلنة لنسيانها‪ .‬‬ ‫أشعر بالندم لنني ما كنت من أتباعه‪ ،‬ول كنت يوما ً عصّية الدمع‪ ،‬ول شيمتي الصبر‪ .‬‬ ‫هل بينكم من مازال في مآقيه دموع‪ .‬‬ ‫وفي مسألة البكاء‪ ،‬اختلف الفقهاء من مبدعين وشعراء‪ ،‬بين الذين يفاخرون بدمعهم‪،‬‬ ‫ويذرفونها أنهارا ً عند أول سبب‪ ،‬وأحيانا ً من دون سبب منطقي‪ ،‬عدا حالة الكآبة الوجودية‬ ‫التي ل تفارق المبدعين‪ ،‬خاصة الرومنطقيين منهم‪ ،‬أمثال بول فرلين ولمارتين ورامبو‬ ‫وروسو‪ ،‬وبين حزب آخر قد يكون ناطقه الرسمي أبو فراس الحمداني‪ ،‬الذي كأي عربي‬ ‫قح‪ ،‬أعلن أنه سيصون كرامة دمعه‪ ،‬حتى وإن كان في جفاف مآقيه هلكه‪....‬بعد أن أكون قضيت نصف العمر‪،‬‬ ‫الخيار إذن هو بين أن أع ّ‬ ‫الذي كسبته بالبكاء‪ .‬وهي أسباب كافية‬ ‫ي‪.‬تشفع‬ ‫لي أعذار ثلثة‪ :‬فأنا أول ً امرأة‪ .‫ك قط‪ ،‬فدموعي استحالت أفكارًا"‪.‬وثانيًا‪ :‬مبدعة‪ .‬وثالثًا‪ :‬من برج الحمل‪ .‬فيوم غادرت الجزائر في‬ ‫السبعينات‪ ،‬كان مخزون بترولنا يرفع سقف ثمن برميل الدمع إلى حد ّ يصعب معه رؤية‬ ‫ي أن ُأساند رئيسنا بالبكاء‪ .‬يومها‪ ،‬تمنيت لول جفاف مآق ّ‬ ‫كجزائرية تشتري "الدمع الصناعي" بالعملة الصعبة‪ ،‬وجدت في المر إهانة لمن أبكيهم‪.‬‬ ‫أحسد سيوران القائل‪" :‬لم أب ِ‬ ‫فهل تعود قّلة إنتاجي الدبي إلى كون أفكاري استحالت دموعًا‪ ،‬وأني بدل أن ألقي القبض‬ ‫ُ‬ ‫ولها إلى عمل إبداعي‪ ،‬رحت أطفئ وهج الحرائق‬ ‫على لحظات الحزن الجحيمية‪ ،‬فأح ّ‬ ‫بالبكاء الغبي؟ عزائي أمام خسائري الدبية‪ ،‬ما قرأته في دراسة طبية تؤكد أن المرأة‬ ‫تعيش أكثر من الرجل‪ .

‫الرض بتتكلم فرنسي‬ ‫بعد شهرٍ قضيُته في باريس لضرورة إعلمية‪ ،‬بمناسبة صدور روايتي "ذاكرة الجسد" باللغة‬ ‫الفرنسية‪ ،‬وجدتني أعود إلى بيروت على متن طائرة الفرنكوفونية‪ ،‬وفي توقيت انعقاد‬ ‫قمتها فقد أعلنت المضيفة‪ ،‬والطائرة تح ّ‬ ‫مة‬ ‫ط بنا في مطار بيروت‪ ،‬أ ّ‬ ‫ن على ضيوف الق ّ‬ ‫ضلوا بمغادرة الطائرة قبل بقّية الر ّ‬ ‫كاب لم يغظني أن ُتهين المضيفة‬ ‫الفرنكوفونّية أن يتف ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عروبتي‪ ،‬وأن تنحاز إلى اللغة الفرنسية‪ ،‬فكرم الضيافة يقتضي ذلك‪ ،‬ول أحزنني تذكـر‬ ‫ن اللغة الفرنسية سجني ومنفاي"‪ ،‬وقد أصبح شعار معظم‬ ‫داد "إ ّ‬ ‫التصريح الشهير لمالك ح ّ‬ ‫ن اللغة الفرنسية ملذي"‪ ،‬ول فوجئت بأن يكون رئيسي‬ ‫كّتابنا الجزائريين اليوم "إ ّ‬ ‫ً‬ ‫مة الفرنكوفونية‪ ،‬برغم أن الجزائر غير عضو في هذه‬ ‫الق‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫مشارك‬ ‫عبدالعزيز بوتفليقة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫المنظمة‪ .‬‬ ‫سمر من أتباع الفرنكوفونّية‪ ،‬غاسلــة بذلك‬ ‫فبينما تقوم فرنسا بتبييض وجهها بالسود وال ّ‬ ‫ماضيها الستعماري في هذه الدول بالذات‪ ،‬رافعــة شعار حـــوار الحضارات وأنسنة‬ ‫مة التحاور مع البشرية‪ ،‬وتبدو في دور‬ ‫العالم‪ ،‬تترك الوليات المتحدة لترسانتها الحربية مه ّ‬ ‫المبراطورية الستعمارية القديمة فل عجب أن ترتفع أسهم كل حاكم أو زعيم عبر العالم‪،‬‬ ‫ُيشهر كراهيته لميركا‪ ،‬حتى إن الرئيس جـــاك شيراك‪ ،‬الذي ما كانت هذه القمة لتلقى‬ ‫ترحابـــا ً في الوساط العربية‪ ،‬لول تقدير العرب سياسته الديغولّيـة ومواقفه الشجاعة‬ ‫ص القضايا العربية‪ ،‬بلــغ أعلى نسبة في استفتاء لشعبيته في فرنسا‪،‬‬ ‫والثابتة‪ ،‬في ما يخ ّ‬ ‫منذ أن أشهر استقللية قراراته عن الوليات المتحدة‪ ،‬ومعارضته أيّ حرب أميركية وقبله‪،‬‬ ‫خرافي"‪ ،‬الذي ح ّ‬ ‫ودون أن ُيح ّ‬ ‫طمه صدام حسين‬ ‫طم المستشار اللماني شريدر "الرقم ال ُ‬ ‫في انتخاباته الرئاسية الخيرة‪ ،‬استطاع أن يضمن إعادة انتخابه من طرف الشعب‬ ‫ضل على "نعم" الستكانة "ل" الكرامة‪ ،‬في رفض النسياق لغطرسة‬ ‫اللماني‪ ،‬مــذ ف ّ‬ ‫السياسة الميركية‪..‬‬ ‫ً‬ ‫دم اللغة العربية ُقربانــا للعولمــة؟‬ ‫مقابل السلم‪ ،‬سنق ّ‬ ‫فهــل بعد القدس ُ‬ .‬فلقد تعامل الجزائريون دوما مع الفرنسية كـ"غنيمة حرب"‪ ،‬حتى إن بوتفليقة‬ ‫ألقى‪ ،‬بشهادة الصحافة‪ ،‬الخطاب الكثر فصاحة بلغة موليير‪ ،‬التي ما كان أحد من‬ ‫الرسميين يتجرأ على الحديث بها أيام بومديــن‪ ،‬بل لفصاحته في هذه اللغة حدث أن‬ ‫مح ّ‬ ‫طما ً "تابــــو" العدائية اللغوية‪ ،‬وذهب إلى حــد ّ‬ ‫خطب بها في الشعب الجزائري ُ‬ ‫ُ‬ ‫جــه بها منذ سنة إلى العالم في مجلس المم المتحدة‪ ،‬برغم اعتماد اللغة العربية لغة‬ ‫التو ّ‬ ‫رسميـة‪.‬فل بأس أ ّ‬ ‫فرنسي‪ ،‬نكاية في اللغة النجليزية‪ ،‬بعد أن أصبحت حروب الكبار ُتــــدار على ساحة‬ ‫اللغات‪.‬‬ ‫ولقد انعكست هذه الجواء في فرنسا على البرامج التلفزيونية والصدارات الجديدة‪ ،‬التي‬ ‫يعود رواجها إلى طرحها سؤال ً في شكل عنوان "لماذا يكره العالم أميركا؟"‪..‬‬ ‫غير أن انحيازنا العاطفي إلى هذه اللغة أو تلك‪ ،‬عليه أل ّ ُينسينا نوايا الهيمنة التي ُتخفيها‬ ‫المعارك اللغوية‪ ،‬التي تتناحـــر فيها ديناصورات العالم‪ ،‬مبتلعة خمسا ً وعشرين لغة سنويًا‪،‬‬ ‫وهو عدد اللغات التي تختفي كل عام من العالم‪ ،‬من جراء "التطهير اللغوي"‪ ،‬الذي‬ ‫تتعّرض له اللغات العاجزة عن الدفاع عن نفسها‪.‬‬ ‫مرفقة‬ ‫مزدان بلفتات الترحاب المكتوبة باللغة الفرنسية‪ ،‬وال ْ ُ‬ ‫ول استفّزني مطار بيروت ال ْ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن الرض "اللي كانت بتتكلم عربي"‪ ،‬تتكلم‬ ‫بأعلم عشرات الدول الفرنكوفونية‪ .

‬وليس بالكلم عن ضحاياهم ينالون ثوبا وأجرا‬ ‫عند الله‪.‬‬ ‫وحدهم هؤلء الثكالى واليتامى والمشردون والتائهون بين القرى‪ ،‬المهانون أمام الحواجز‬ ‫السرائيلية كل يوم‪ ،‬من حقهم‪ ،‬أن يقرروا وقف النتفاضة أو الستمرار فيها‪.‬‬ ‫ذلك أن النتفاضة أصبحت وكأنها مبتغى في حد ذاتها‪" ،‬والحتفال بها" مساهمة فيها‪ ،‬بينما‬ ‫هي وسيلة نضال يراد منها الوصول إلى مكاسب وطنية‪ .‬‬ ‫وقرأت أن الروائي الراحل إميل حبيبي‪ ،‬لحظ الميل العربي إلى الحتفال السنوي‬ ‫بالنتفاضة الولى‪) ،‬التي انطلقت سنة ‪ (1987‬فتساءل قائل ‪" :‬إن النتفاضة هي فعل‬ ‫مقارعة للحتلل‪ ،‬فهل تريدون عمرا طويل للحتلل نحتفل به كل سنة باستمرار‬ ‫النتفاضة ؟"‪.‬وجهرهم بمرارة خيبتهم بنا‪ ،‬نسمعهما بعبارات واضحة كلما‬ ‫قصدتهم الكاميرا‪ ،‬أمام دمار بيوتهم‪ ،‬فتصيح النساء الثكالى باكيات "أين العرب ؟ أين هم‬ ‫ليرونا؟"‪.‬وهو ما يختصره قول محمود‬ ‫درويش في الماضي‪ " ،‬النتفاضة ليست مهنة"‪.‬‬ ‫ولذا‪ ،‬على الذين يفكرون في امتهان "النتفاضة" لبضعة أيام في السنة‪ ،‬أن يوفروا جهدهم‬ ‫وأموالهم‪ ،‬لمعالجةالمئات من جرحاها‪ ،‬والتكفل بإعالة اللف من ضحاياها‪ .‬‬ .‬‬ ‫أما اليوم فكل ما نخشاه‪ ،‬أن يتمكن "تايور" الحداد السود للسيدة كوندوليزة من إقناع‬ ‫عرفات بالتضحية‬ ‫بالقائمة الطويلة لشهداء النتفاضة‪ ،‬والجلوس للتفاوض‪ ،‬بعد كل هذه المآسي‪ ،‬على طاولة‬ ‫التنازلت والتنـزيلت الجديدة‪ .‬‬ ‫ربما كان البعض يعتقد مازحا آنذاك‪ ،‬أن ساقي كوندوليزة )التي ليست من "الموناليزا" في‬ ‫شيء( ستنجحان‪ ،‬حيث أخفقت في الماضي‪ ،‬الساقان الممتلئتان للسيدة أولبرايت‪.‬فبهذا وحده‬ ‫نختبر صدقهم‪ ،‬وبالحسان لعائلت الشهداء‪ ..‫النتفاضة ‪ .‬‬ ‫أما نحن‪" ،‬حزب المتفرجين العرب"‪ ،‬الذين نتابع مآسيهم كل مساء‪ ،‬في نشرات النباء‬ ‫فعلينا أل نبدأ منذ الن في سباق المزايدات والستعدادات لعقد المهرجانات بمناسبة إتمام‬ ‫العام الول للنتفاضة‪ .‬وبرغم وعينا التام أن فرصة كهذه ل ينبغي لعرفات أن‬ ‫يفوتها‪ ،‬حتى يضع حدا لمبررات شارون للتهام أبناء فلسطين‪ ،‬في كل وجبة غذاء‪ ،‬بذريعة‬ ‫أنه بذلك يخلص العالم من بذور الرهاب‪ ،‬فإن شيئا شبيها بغصة البكاء يكمن في حلوقنا‪،‬‬ ‫لتصادف كل هذا بالذكرى الولى لنطلقة النتفاضة "الثانية" في فلسطين‪.‬وتنورة قصيرة"‪.‬‬ ‫وعتاب فلسطيني الداخل لنا‪ ..‬فليس هذا ما ينتظره منا من يشاهدوننا في فلسطين‪ ،‬بعيون‬ ‫القلب‪ ،‬بينما نشاهدهم بعيون الكاميرا‪.‬ليست مهنة‬ ‫أذكر أن شارون‪ ،‬عند استقباله أول مرة كوندوليزة رايس‪ ،‬مستشارة بوش‪ ،‬صرح محاول‬ ‫تجميل صورته وإثبات جانب "الجنتلمان" فيه ‪" :‬لبد لي أن أعترف‪ ،‬لقد كان من الصعب‬ ‫علي أن أركز في التفكير أثناء كلمي معها‪ ،‬فقد كانت لديها ساقان في غاية الجمال" ما‬ ‫جعل صحافيا أمريكا يعلق "إذا كان جورج بوش يريد النجاح في عملية السلم‪ ،‬فعليه أن‬ ‫يرسل إلى إسرائيل كوندوليزة‪ ،‬مع قائمة طولية من الطلبات ‪ .‬‬ ‫وبرغم هذا‪ ،‬ليس من حقنا أبدا‪ ،‬أن نطالب شعبا يرزح وحدة تحت الحتلل‪ ،‬ويرد بالصدور‬ ‫العارية‪ ،‬لبنائه وبدموع ثكاله وأيتامه‪ ،‬حرب إبادة وتطهير‪ ،‬أن يواصل الموت والقبول بكل‬ ‫أنواع الذلل والتعذيب‪ ،‬ليمنحنا زهو الشعور بعروبتنا وقدرتنا على الصمود في وجه‬ ‫العداء‪ ،‬خاصة أن النتفاضة لم تنفجر‪ ،‬حسب أحد المحللين‪ ،‬ال بعدما أصيب الفلسطينيون‬ ‫بالضجر من شدة تهذيب القرارات العربية‪ ،‬وبعدما تأكد لهم أن الدبلوماسية ليست أكثر‬ ‫من لجوء عربي للتمييز بين العار والشجاعة‪.

‬‬ ‫وهذه السيدة اليطالية ليست أول من ابتدع فكرة دفع المال‪ ،‬طلبا ً للمغفرة فلقد شاعت‬ ‫صكوك الغفران"‪ ،‬وشراء راحة الضمير بمبلغ من‬ ‫لدى مسيحيي القرون الوسطى‪ ،‬ظاهرة " ُ‬ ‫صبوا أنفسهم وكلء لّله في الرض‪ ،‬وراحوا باسم الكنيسة يبيعون‬ ‫المال‪ ،‬لدى الذين ن ّ‬ ‫للتائبين أسهما ً في الجنة‪ ،‬حسب قدرتهم على الدفع‪.‬‬ ‫ولقد حدث لخي مراد‪ ،‬المقيم في الجزائر‪ ،‬ونظرا ً لحالة الحباط التي يعاني منها‪ ،‬لكونه‬ ‫الوحيد الذي تع ّ‬ ‫ذر عليه الهروب خارج الجزائر وبقي رهينة وضعه‪ ،‬ورهينة أمي‪ ،‬أن أجابني‬ ‫ّ‬ ‫مازحا ً بته ّ‬ ‫كم أسود يمّيز الجزائريين‪ ،‬كلما سألته عن أخباره‪ ،‬أنه مشغول بجمع مبلغ‬ ‫بالفرنك الفرنسي ليدفعه لمن هو جاهز ليبكيه بالعملة الصعبة‪ ،‬نظرا ً لن دموع الجزائري‬ ‫ن‪،‬‬ ‫كعملته فقدت من قيمتها‪ ،‬قبل أن يضيف ساخرا ً "المشكل‪ ..‬وليس منهمكا ً في الضحك عل ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أن أطلبه لخبره بأمر هذه الوكالة‪ ،‬في حالة ما إذا أراد يوما‪ ،‬أن يستأجر أحدا ينوب عنه‬ ‫في الصلة والصوم‪ ،‬والفرائض التي تشغل نصف وقته‪.‬‬ ‫وهذه الممثلة السابقة‪ ،‬التي لم تتجاوز السادسة والعشرين من عمرها‪ ،‬تدير "الجنة" من‬ ‫منزلها‪ ،‬كما تدير إحدانا مطبخها‪ ،‬أو شؤون بيتها فإلى جانب تربيتها أولدها‪ ،‬فإنها تؤدي‬ ‫فريضة الصلة نيابة عن كل الذين ل وقت لهم لذلك‪ ،‬بسبب اليقاع السريع لحياتهم‪،‬‬ ‫فتصلي وتتضّرع إلى لّله داعية لهم بالغفران‪ ،‬حسب طلبهم ومقدار دفعهم ولقد نجحت‬ ‫فل بإنقاذ أرواحهم‪ ،‬التي ل وقت لهم للعناية بها‪ ،‬نظرا ً‬ ‫في إقناع بعض المشاهير بالتك ّ‬ ‫لنشغالهم بصقل أجسادهم واستثمارها‪.‬‬ ‫وهذا ما يذ ّ‬ ‫كرني بجاهلية ما قبل السلم‪ ،‬إذ جرت العادة أن يستأجر ذوو الفقيد ميسور‬ ‫دابات ونائحات ليبكين فقيدهم الغالي بمقدار الكراء وسخاء العائلة المفجوعة‪،‬‬ ‫الحال‪ ،‬ن ّ‬ ‫ّ‬ ‫دابات في‬ ‫وهي عادة ظلت حتى زمن قريب‪ ،‬جارية في بعض البلد العربية‪ ،‬حيث تتبارى الن ّ‬ ‫المبالغة في تمزيق ثيابهن ونتف شعورهن‪ ،‬ولطم خدودهن على مّيت ل قرابة لهن به ومن‬ ‫هنا جاء المثل الجزائري القائل "على ريحة الريحة خ ّ‬ ‫لت خدودها شريحة"‪..‬‬ .‬‬ ‫وهو ما أوحى للمغني المشهور فرانك سيناترا‪ ،‬بأن يعرض قبل موته على البابا‪ ،‬مبلغ مئة‬ ‫سـل زوجته أن يعيد النظر في‬ ‫مليون دولر‪ ،‬كي يغفر له ذنوبه ويسمع اعترافاته‪ ،‬برغم تو ّ‬ ‫التخّلي عن نصف ثروته لهذا المشروع‪ ،‬نظرا ً لمرضه وإدراكه عدم استطاعته أخذ هذا‬ ‫المال معه‪ ،‬هو الذي بحكم علقته مع المافيا‪ ،‬خّزن من المال في حساباته‪ ،‬بقدر ما خّزن‬ ‫من خطايا في صدره والهوس بالخرة والستعداد لها بالِهبات والصلوات‪ ،‬مرض أميركي‬ ‫يزداد شيوعا ً كّلما انهارت رهانات المجتمع الميركي على المكاسب الدنيوية وفي استفتاء‬ ‫قامت به إحدى المؤسسات الجادة‪ ،‬ورد أن ‪ 9‬أميركيين من ‪ 10‬يعتقدون بوجود السماوات‬ ‫والحساب يوم القيامة‪ ،‬ويثق ‪ 47%‬من أصحاب الهررة والكلب‪ ،‬بأن حيواناتهم المفضلة‬ ‫سترافقهم إلى الجنة‪ ،‬وهم يثقون تماما ً بدخولها‪ ،‬ربما بسبب ما أغدقوه على هذه‬ ‫الحيوانات‪ ،‬نكاية في سكان ضواحي العالم‪ ،‬الذين شاء لهم سوء طالعهم أن ُيولدوا في‬ ‫"معسكر الشّر"‪.‫الجنة‪ .‬أ ّ‬ ‫ي أن أدفع لشخص ثا ٍ‬ ‫ن عل ّ‬ ‫ي" ولقد ف ّ‬ ‫كرت في‬ ‫كي يتك ّ‬ ‫فل بالتأكد من أنه يبكيني حقًا‪ .‬في متناول جيوبهم‬ ‫على الذين ل قدرة لهم على صيام أو قيام شهر رمضان‪ ،‬أو المشغولين في هذا الشهر‬ ‫الكريم عن شؤون الخرة بشؤون دنياهم‪ ،‬أل ييأسوا من رحمة الّله‪ ،‬ول من بدع عباده‪ ،‬بعد‬ ‫أن قررت رّبـة بيت إيطالية‪ ،‬أن تدخل الحياة العملية بإنشاء "وكالة للتكفير عن الذنوب"‬ ‫اسمها "الجنة"‪..

‬وقّلــة‬ ‫النــوم!‬ ‫الحب أعمى‪ .‫وعندما نقرأ التقرير الذي صدر في جنيف عن المم المتحدة‪ ،‬الذي جاء فيه أن ما ينفقه‬ ‫الميركيون سنويًا‪ ،‬لطعام حيواناتهم الليفة يكفي لتزويد العالم بأسره بالمياه‪ ،‬وتأمين‬ ‫نظام صحي للجميع‪ ،‬نفهم انتشار وكالت التكفير عن الذنوب في أميركا‪ ،‬ونجد تفسيرا ً‬ ‫لستفتاء آخر جاء فيه‪ ،‬أن خمسين مليون أميركي بالغ يعانون من الرق والتوتر‪ ...‬لتحذر الصطدام به‬ ‫ُ‬ ‫ضب حقيبتي ليّ وجهة كانت‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت نصيحة أندريه جيد‪“ :‬ل ُتهيئ‬ ‫كّلما ُرحـــت أو ّ‬ ‫أفراحك”‪ ،‬وخفت إن أنا وضعت في حقيبتي أجمل ثيابي‪ ،‬توّقعا ً لمواعيد جميلة‪ ،‬وأوقات‬ ‫معّلقة‬ ‫عذبــة‪ ،‬قد تهديني إياها الحياة‪ ،‬أن يتسّلى ال َ‬ ‫قدر بمعاكستي‪ ،‬وأشقى برؤية ثيابي ُ‬ ‫أمامي في الخزانة‪ ،‬فيتضاعف حزني وأنا أجمعها من جديد في الحقيبة إّياها من دون أن‬ ‫تكون قد ُ‬ ‫كوفَِئت على انتظارها في خزائن الصبر النسائي‪ ،‬بشهقة فرحة اللقاء·· و”الرقص‬ ‫على قدميـ)ـه(”‪ ،‬حسب قول نــزار قباني·‬ ‫مع الوقت‪ ،‬تعّلمت أن أف ّ‬ ‫ك شفرة القدار العشقية‪ ،‬فُأسافر بحقيبة شبه فارغة‪ ،‬وبأحلم‬ ‫ي القدر فيحجزها في إحدى نقاط‬ ‫وردّية مدسوسة في جيوبها السّرية‪ ،‬حتى ل يراها جمرك ّ‬ ‫تفتيش الع ّ‬ ‫شاق على الخرائط العربية·‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بتلك الثياب العادية التي ل تشي بأي نوايا انقلبية‪ ،‬اعتدت أن أراوغ الحياة بما أتقنه من‬ ‫ب بعض الرأفـــة‪ ،‬فيهديني وأنا في دور “سندريلل” أكثر‬ ‫أدوار تهويمّية تستدعي من الح ّ‬ ‫هداياه سخاًء·‬ ‫ّ‬ ‫دام‬ ‫ص‬ ‫مثل‬ ‫فهو‬ ‫طغاة··‬ ‫ال‬ ‫صفات‬ ‫من‬ ‫الكثير‬ ‫فيه‬ ‫ن‬ ‫ول‬ ‫المعجزات·‬ ‫ب‬ ‫يح‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن الحـ ّ‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫)حسب شهادة طبيبه( “ُيبالغ إذا وهب‪ ،‬وُيبالغ إذا غضب‪ ،‬وُيبالغ إذا عاقب”· وكالطغاة الذين‬ ‫ن الحب ليس هاجسنا‪،‬‬ ‫نكسر خوفنا منهم‪ ،‬بإطلق النكات عليهم‪ ،‬نحاول تصديق نكتة أ ّ‬ ‫ن نحجز مقعدا ً في رحلة‪ ،‬أن يكون ضمن أولويات سفرنا‪ ،‬أو أن يكون له‬ ‫ُ‬ ‫منكرين‪ ،‬ونح ُ‬ ‫وجود بين الحاجات التي ينبغي التصريح بها·‬ ‫ب‪ ،‬شأنها شأن‬ ‫دعي أنها تهزأ بالح ّ‬ ‫يقول جــان جـاك روسو‪“ :‬المرأة التي ت ّ‬ ‫الطفل الذي ُيغني ليل ً كي يطرد الخوف عنه”·‬ ‫د·‬ ‫دعي أنني ل آخذه مأخذ الج ّ‬ ‫ب‪ ،‬أ ّ‬ ‫من دون أن أذهب حد ّ الستخفاف بالح ّ‬ ‫ب‪ ،‬وأن يكون مفاجأة أو‬ ‫الح‬ ‫وبين‬ ‫بيني‬ ‫مباغتة‬ ‫ّ‬ ‫معاهدة ُ‬ ‫في الواقع‪ ،‬أبرمت ما يشبه ُ‬ ‫ً‬ ‫“مفاجعة”· فهو كالحرب خدعة· لــذا‪ ،‬أزعــم أنني ل أنتظر من الحب شيئا‪ ،‬ول أحتاط من‬ ‫ما أراه منهمكا ً في إعداده لي‪ ،‬حسب ما يصلني منه من إشارات‬ ‫ترسانته‪ ،‬ول م ّ‬ ‫ً‬ ‫ن أقصر طريق إلى الحب‪ ،‬ل تقودك إليه نظراتك المفتوحة‬ ‫“واعـــدة”‪ ،‬واثقة تماما بأ ّ‬ ‫دش” للتقاط ك ّ‬ ‫ل الذبذبات من حولك‪ ،‬بل في إغماض عينيك‬ ‫تماما ً باّتساع صحون “ال ّ‬ ‫ً‬ ‫ت لن تبلغ الحب إل ّ لحظة اصطدامك‬ ‫ي· أن َ‬ ‫وترك قلبك يسير بك·· حافيا نحو قدرك العشق ّ‬ ‫به‪ ،‬كأعمى ل عصا له·‬ ‫مـى العاطفي الذي يحجب الرؤيــــة على الع ّ‬ ‫شاق‪ ،‬جــاء ذلك القول‬ ‫وربما من هذا العَ َ‬ ‫الساخــر “أعمــى يقــود عميـــاء إلى حفـرة الزواج”· ذلك أّنه في بعض الحالت‪ ،‬ل‬ ‫جدوى من تنبيه الع ّ‬ ‫شاق إلى تفادي تلك المطّبات التي يصعب النهوض منها·‬ ‫م‪ ،‬ماذا في إمكان عاشق أن يفعل إذا كان “الحب أعمى”‪ ،‬بشهادة العلماء الذين‪ ،‬بعد‬ ‫ثــ ّ‬ ‫مى ال ُْ‬ ‫ّ‬ ‫محب· فالمناطق‬ ‫ع‬ ‫كد‬ ‫يؤ‬ ‫ما‬ ‫إلى‬ ‫صلوا‬ ‫تو‬ ‫الباحثين‪،‬‬ ‫من‬ ‫فريق‬ ‫به‬ ‫قام‬ ‫جاد‪،‬‬ ‫بحث‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫الدماغّية المسؤولة عن التقويمات السلبية والتفكير النقدي‪ ،‬تتوقف عن العمل عند التطّلع‬ ‫ب· ومن هذه النظرة ُتولد ُ الكارثة التي يتفنن في عواقبها الشعراء·‬ ‫من نح ّ‬ ‫إلى صورة َ‬ ‫وبسبب “الخطــــار” التي تترّتب عليها‪ ،‬أقامت محطة “بي·بي·سي”‪ ،‬بمناسبة عيد‬ ‫مته “مهرجان أخطار الحب”‪ ،‬استعرضت فيه ك ّ‬ ‫الع ّ‬ ‫ل “البــــلوي”‬ ‫شاق‪ ،‬مهرجانا ً س ّ‬ .

‬‬ ‫غير أن خبرا في ممجلة "فاكس" السويسرية أفسد علي فرحتي بتلك المعارك المنزلية‬ ‫التي كنت استمد منها قوتي‪ .‬‬ ‫يشهد الله‪ ،‬أنني دافعت عن هذه المة بكل طنجرة ضغط‪ ،‬وكل مقلة‪ ،‬وكل مشواة‪ ،‬وكل‬ ‫تشكيلة سكاكين اشتريتها في حياتي‪ ،‬دون أن يقدم المر شيئا في قضية الشرق الوسط‪.‬وصانعة‪ ،‬كي استعيد "الشعور بالعبودية"‪ ،‬الذي‬ ‫عرفته في فرنسا أيام "التعتير" والذي بسببه كنت أنفجر على الورق‪ ،‬حتى قرأت أن‬ ‫سفيرا تشيكيا في بريطانيا )وهو محاضر جامعي سابق( قدم طلبا لعمل إضافي‪ ،‬وهو‬ ‫تنظيف النوافذ الخارجية في برج "كاناري وورف" المعروف شرق لندن‪ ،‬ل كسبا للنقود‪،‬‬ ‫وإنما لنه عمل في هذه المهنة في الستينات‪ ،‬ويريد أن يستعيد "الشعور بالحرية" الذي‬ ‫كان يحس به وهو متدل خارج النوافذ‪ ،‬معلقا في الهواء يحمل دلوا واسفنجة‪.‬‬ ‫وكنت قبل اليوم استحي أن أقول لسيدات المجتمع اللئي يستقبلنني في كل أناقتهن‬ ‫ووجاهتهن‪ ،‬إنني أعمل بين كتابين شغالة‪ .‬والشوك‪ ..‬فقد نجحت سيدة سويسرية في تحويل المكنسة ودلو‬ ‫التنظيف إلى أدوات فرح‪ ،‬بعد أن تحولت هي نفسها من منظفة بيوت إلى سيدة أعمال‪،‬‬ ‫تعطي دروسا في سويسرا والنمسا وألمانيا‪ ،‬حول أساليب التمتع بالتنظيف من خلل‬ ‫الموسيقى والغناء‪ ،‬ودروس الرقص الشرقي وتنظيم التنفس‪.‬‬ ‫أما أبطال رواياتي‪ ،‬فيحدث أن أفكر في مصيرهم وأدير شؤونهم‪ ،‬أثناء قيامي بتلك العمال‬ ‫البسيطة التي تسرق وقتك‪ ،‬دون أن تسرق جهدك‪ ،‬والتي في إمكانك أن تسهو وأنت تقوم‬ ‫بها‪ ،‬من نوع تنظيف اللوبياء‪ ،‬وحفر الكوسا‪ ،‬وتنقية العدس من الحصى‪ ،‬أو غسل الملوخية‬ ‫وتجفيفها‪ .‫والنكبـــات‪ ،‬التي تترّتــب على ذلك الحساس الجــارف‪ ،‬من إفلس وانتحار وفضيحة‬ ‫وجنون‬ ‫الرقص على أنغام الطناجر‬ ‫منذ أن التحقت بوظيفتي كـ "ست بيت" وأنا أحاول أن أجد في قصاص الشغال المنزلية‬ ‫متعة ما‪ ،‬تخفف من طبعي العصبي الجزائري في التعامل مع الشياء‪ ،‬قبل أن أعثر على‬ ‫طريقة أخوص بها المعارك القومية والدبية‪ ،‬أثناء قيامي بمهامي اليومية‪.‬والطناجر إذا لزم المر"‪.‬‬ ‫أما وقد أصبح الجلي والتكنيس والتشطيف يعلم في دروس خصوصية في جنيف وبرلين‬ ‫وفيينا على وقع موسيقى الرقص الشرقي‪ ،‬فأتوقع أن أجد بعد الن في مجالس النساء‬ ‫في بيروت من ستسرق مني حتى زهوي باحتراف هذه المهنة‪..‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬كنت أتحارب مع السرائيليين‪ ،‬أثناء نفض السجاد وضربه‪ ،‬وأرش الرهابيين‬ ‫بالمبيدات‪ ،‬أثناء رشي زجاج النوافذ بسائل التنظيف‪ ،‬وأمسح الرض بناقد صحافي‪ ،‬أثناء‬ ‫مسحي أرض البيت وشطفها‪ ،‬وأتشاجر مع مزوري كتبي‪ ،‬ومع الناشرين والمحامين‪ ،‬أثناء‬ ‫غسل الطناجر وحكها بالليفة الحديدية‪ ،‬وأكوي "عذالي" وأكيد لهم أثناء كي قمصان زوجي‪،‬‬ ‫وأرفع الكراسي وأضعها مقلوبة على الطاولت‪ ،‬كما أرفع بائعا غشني من ربطة عنقه‪.‬‬ ‫وإذا كان كليمنصو هو الرجل الوحيد في العالم الذي دفن واقفا حسب وصيته‪ ،‬ل أدري إذا‬ ‫كان يجب أن أجاريه في هذه الوصية لثبت أنني عشت ومت واقفة خلف المجلى وخلف‬ ‫الفرن‪ ،‬بسبب "الزائدة القومية" التي لم أستطع استئصالها يوما‪ ،‬ول زائدة المومة التي‬ ‫عانيت منها‪.‬‬ ..‬حتى إنني بعد عشرين سنة من الكتابة المسروقة من الشؤون البيت أصبحت‬ ‫لدي قناعة‪ ،‬أنه ل يمكن لمرأة عربية أن تدعي أنها كاتبة إن لم تكن قد أهدرت نصف‬ ‫عمرها في القيام بالشغال المنزلية‪ ،‬وتربية الولد‪ ،‬وتهريب أوراقها في الكياس كسارق‪،‬‬ ‫من غرفة إلى أخرى‪ ،‬ول أن تدعي أنها مناضلة‪ ،‬إن لم تكن حاربت أعداء المة العربية بكل‬ ‫ما وقعت عليه يدها من لوازم المطبخ‪ ،‬كما في نداء كليمنصو‪ ،‬وزير دفاع فرنسا‪ ،‬أثناء‬ ‫الحرب العالمية الولى‪ ،‬عندما صاح‪" :‬سندافع عن فرنسا‪ ،‬وندافع عن شرفها‪ ،‬بأدوات‬ ‫المطبخ والسكاكين‪ .

‫الطاغية ضاحكا ً في زنزانته‬ ‫إن لم تكن هذه إهانة للعرب جميعًا‪ ،‬واستخفافا ً بهم‪ ،‬فما الذي يمكن أن يكون هذا الذي‬ ‫يحدث في العراق‪ ،‬على مرأى من عروبتنا المذهولة؟‬ ‫من جاؤوا بذريعة إحلله‪،‬‬ ‫أيدي‬ ‫على‬ ‫وإن لم تكن هذه جرائم حرب‪ُ ،‬ترتكب باسم السلم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫دام الوقت للفتك به‪ ،‬وعاثوا خرابا ً‬ ‫من لم يجد ص ّ‬ ‫فأحّلوا دمنا‪ ،‬واستباحوا حرماتنا‪ ،‬وقتلوا َ‬ ‫مك ّ‬ ‫ل هذا‬ ‫وفسادا ً وقصفا ً ودمارا ً في وطن ا ّ‬ ‫دعوا نجدته‪ ،‬فما اسم هذا الموت إذن؟ ول ِ َ‬ ‫الدمار؟‬ ‫ل تسأل· ل يليق بك أن تسأل· فأنت في كرنفال الحرية‪ ،‬وأنت تلميذ عربي مبتدئ‪ ،‬يدخل‬ ‫روضة الديمقراطية‪ ،‬تنتمي إلى شعوب قاصرة‪ ،‬اعتادت بذل الدم والحياة‪ ،‬ونحر خيرة‬ ‫أبنائها قربانا ً للنزوات الثورية للحاكم‪ ،‬ودرجت على تقديم خيراتها للغراب·‬ ‫مظَلمتك؟‬ ‫من تشكو َ‬ ‫من يأتي لنجدتك؟ وإلى َ‬ ‫َ‬ ‫الشعوب التي ل قيمة للنسان فيها‪ ،‬التي تفتدي “بالروح وبالدم” ج ّ‬ ‫لديها‪ ،‬لن يرحمها‬ ‫الخرون·‬ ‫والشعوب التي ل ُتحاسب حاكمها على تبذيره ثروتها‪ ،‬وعلى استحواذه هو وأولده على‬ ‫دخلها‪ُ ،‬تجيز للغرباء نهبها·‬ ‫وا ُ‬ ‫لمم التي ليست ضد ّ مبدأ القتل‪ ،‬وإنما ضد ّ هوّية القاتل‪ ،‬يحقّ للغزاة الذين استنجدت‬ ‫بهم‪ ،‬أن يواصلوا مهمة ال ّ‬ ‫طغاة في التنكيل بها‪ ،‬والتحاور معها بالذخيرة الحّية·‬ ‫هي ذي دولة تبدأ أول ً باحتللك‪ ،‬لتتكّرم عليك‪ ،‬إن شاءت‪ ،‬بالحرّية‪ ،‬وُتباشر تجويعك‬ ‫ن عليك بعد ذلك بالرغيف والوظيفة· ليمكن أن ُتشكك في‬ ‫وتسريحك من عملك‪ ،‬لتم ّ‬ ‫نواياها الخيرية· لقد باعت ثرواتك من قبل أن تستولي عليها‪ ،‬وتقاسمت عقود المنشآت‬ ‫مرها·‬ ‫حتى قبل أن ُتد ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫تدري‬ ‫ل‬ ‫جلدك‪،‬‬ ‫كي‬ ‫ف‬ ‫بين‬ ‫من‬ ‫نجاتك‬ ‫مباهج‬ ‫تعيش‬ ‫الحرية‪،‬‬ ‫روضة‬ ‫في‬ ‫أنت مازلت تحبو‬ ‫ّ‬ ‫ن عليك الن أن تدفع‬ ‫فرحتك لن تدوم أكثر من لحظة مشاهدتك سقوط صنمه ذاك‪ ،‬وأ ّ‬ ‫دة ثلثين سنة ثمن صعوده إلى الحكم·‬ ‫ثمن سقوط الطاغية‪ ،‬بعد أن دفعت م ّ‬ ‫وهكــذا يكون ُ‬ ‫طغاتنا‪ ،‬وقد أهدروا ماضينا‪ ،‬نجحوا في ضمان كوارثنا المستقبلية‪ ،‬وجعلونا‬ ‫معتقلتهم وبطش ج ّ‬ ‫لديهم‪،‬‬ ‫نتح ّ‬ ‫ن إلى قبضتهم الحديدية‪ ،‬ونشتاق إلى قبوِ ُ‬ ‫سر عليهم ونح ّ‬ ‫وُنقّبل صورهم المهّربة على الوراق النقدية‪ ،‬نكاية في صورة ج ّ‬ ‫لدنا الجديد·· وأعلمه‬ ‫المرفوعة على دبابات تقصف بيوتنا·‬ ‫منذ الزل‪ ،‬لننجو من عدو‪ ،‬اعتدنا أن نتكئ على عدو آخر‪ ،‬فنستبدل بالطغاة الغزاة‪،‬‬ ‫وبالستبداد الذلل البشع من الموت·‬ ‫ن الغزاة‪ ،‬كما ال ّ‬ ‫من ُينادي عليهم‪ ،‬ويهتف باسمهم‪ ،‬ويحبو عند‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫طغاة‪ ،‬ل يأتون إل ّ إلى َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫وتهم وحمايتهم·‬ ‫أب‬ ‫ا‬ ‫مستجدي‬ ‫عرشهم‪،‬‬ ‫أقدام‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫دام‪ ،‬يوم سقوط الصنم‪“ :‬حياة‬ ‫دق دعابة السيد بــاول‪ ،‬وهو ُيصّرح ليتامى ص ّ‬ ‫بعضنا ص ّ‬ ‫ن هنا جئنا بالحرب لنهيئ السلم”·‬ ‫نح‬ ‫العراقيين··‬ ‫تنتظر‬ ‫أجمل‬ ‫ُ‬ ‫وهي نكتة زاد من سخريتها السوداء‪ ،‬تصريح بوش‪ ،‬رئيس معسكر الخير‪ ،‬ونائب السيد‬ ‫شر س ّ‬ ‫كان الكرة الرضية‪ ،‬بلهجة تهديدية‪ ،‬قائ ً‬ ‫المسيح على الرض‪ ،‬حين ب ّ‬ ‫ل‪ ،‬وهو واثق‬ ‫من يقود العالم إلى مصير أفضل”·‬ ‫ن َ‬ ‫الخطوة يمشي ملكًا‪“ :‬نح ُ‬ ‫دام أكثر منه ثقة ومصداقية‪ ،‬حين قال وهو يلهو بإطلق رصاص بندقيته‬ ‫في الواقع‪ ،‬كان ص ّ‬ ‫ً‬ ‫من يريد العراق سيأخذه منا أرضا بل بشر”‪،‬‬ ‫في الهواء‪َ “ :‬‬ ‫مدّبرها( العراقي الكثر أمانا ً وتدلي ً‬ ‫ل·‬ ‫أو‬ ‫كمجرمها‬ ‫)ل‬ ‫حرب‬ ‫كأسير‬ ‫معتقله‬ ‫إنه الن في‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وته‪ ،‬ويتخّبط الن في وحول‬ ‫في إمكانه أن يضحك مــلء شاربيه‪ ،‬على شعب تمّرد على أب ّ‬ .

‫الحرية ومذابح الديمقراطية‪ ،‬يترك أبناؤه دمهم عالقا ً بشاشاتنا في كل نشرة أخبار‪ ،‬وتبقى‬ ‫عيون موتاه مفتوحة‪ ،‬حتى بعدما نطفئ التلفاز‪ ،‬تنظر إلينا سائلة “لماذا؟”·‬ ‫هان‬ ‫م َ‬ ‫العراقي‪ ..‬هذا الكريم ال ْ ُ‬ ‫ن طّيب ال ّ‬ ‫دى”‪ ،‬قد اقترح على لسان‬ ‫ي‪ ،‬كان في آخر عيد ميلد “للقائد المف ّ‬ ‫أذكر أ ّ‬ ‫ذكر‪ ،‬عد ّ‬ ‫مجّلة الشباب‪ ،‬التي كان يرأسها‪ ،‬أن يكون يوم ‪ 28‬نيسان‪ ،‬بداية التقويم الزمني الجديد‬ ‫في العراق‪ ،‬وأن يبدأ العمل به في روزنامة العوام المقبلة‪ ،‬رافعا ً بذلك والده‪ ،‬صاحب‬ ‫الرسالة الحضارية الخالدة‪ ،‬إلى قامة الّرسل والنبياء الذين بمولدهم يبدأ تاريخ النسانية·‬ ‫ن بوش‪ ،‬في فكرة ل تق ّ‬ ‫ل حماقة‪ ،‬ارتأى أن يكون ‪ 9‬نيسان‪ ،‬يوم “سقوط بغداد”‬ ‫غير أ ّ‬ ‫ي‪،‬‬ ‫وطن‬ ‫عيد‬ ‫يوم‬ ‫العنكبوت”‪،‬‬ ‫“حفرة‬ ‫ذلك‬ ‫بعد‬ ‫الميركي‬ ‫العلم‬ ‫ماه‬ ‫س‬ ‫ما‬ ‫إلى‬ ‫صدام‬ ‫وهجرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي الموعود·‬ ‫العراق‬ ‫للزمن‬ ‫رخ‬ ‫تؤ‬ ‫التي‬ ‫الحرية”‪،‬‬ ‫“أجندة‬ ‫في‬ ‫وبداية للتقويم الجديد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي” وتاريخ هجرته من قصوره العشرة‪ ،‬إلى حفرته ما قبل الخيرة‪،‬‬ ‫النب‬ ‫وبين مولد “الطاغية‬ ‫ّ‬ ‫مرت منشآته الحربية وبنيته التحتية‪،‬‬ ‫ضاع تاريخ العراق‪ ،‬وفرغ الوطن من خيرة أبنائه‪ ،‬ود ُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫وليه· وانتقل العراق‬ ‫متس‬ ‫إلى‬ ‫سادته‬ ‫ومن‬ ‫ول مثقفوه من مفكري العالم‬ ‫ّ‬ ‫وأهين علماؤه‪ ،‬وتح ّ‬ ‫من بلد يمتلك رموز الحضارات ا ُ‬ ‫لولى في العالم‪ ،‬وآثارا ً تعود لستة آلف سنة‪ ،‬إلى شعب‬ ‫يعيش في ضواحي النسانية‪ ،‬محروما ً حتى من الظروف المعيشية الصحية‪ ،‬ومن‬ ‫مستشفيات تستقبل مرضاه‪ ،‬ومقابر تليق بموتاه‪ ،‬وموت يليق بطموحاته المتواضعة في‬ ‫ميتة “نظيفة” وطبيعية قدر المكان·‬ ‫مَهـــان‪ ،‬يرتدي أسمال مجده‪ ،‬منتعل ً ما بقي من عنفوانه‪ ،‬يقف‬ ‫العراقـــي·· هذا الكريم ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫على أغنى أرض عربية‪ ،‬فقيرا ً دون مستوى الفقر‪ ،‬أسيرا ً دون مستوى السر·· الذين‬ ‫جاؤوه بمفاتيح أصفاده‪ ،‬فعلوا ذلك مقابل أل ّ يكون ليده حق توقيع مصيره· وعندما خلع‬ ‫ي‪ ،‬وسقف‬ ‫عبوديته‪ ،‬وجد نفسه في زنزانة في مساحة وطن· فقد سطوا على أمنه الوظيف ّ‬ ‫بيته‪ ،‬وسرير مستشفاه‪ ،‬واحتجزوه في دوائر الخوف والموت العبثي· جّردوه من كرامة‬ ‫كانت تصنع مفخرته· سرقوا من القتيل كبرياءه‪ ،‬ومن الشهيد شهادته·‬ ‫ن كان يشاهد العراق أم‬ ‫يكاد المرء يفقد صوابه‪ ،‬وهو يتابع نشرات الخبار· ل يدري إ ْ‬ ‫مـــذ على يــد الخر‪ :‬أميركــــا أم‬ ‫ن ت ََتل َ‬ ‫فلسطين؟ الفّلوجــــة أم جنيــــن؟ ل يدري َ‬ ‫مـــــ ْ‬ ‫إسرائيــــل؟‬ ‫مرتجلة‬ ‫مقابر‬ ‫جثث‪،‬‬ ‫رعــات‪،‬‬ ‫تض‬ ‫دموع‬ ‫النقــاض‪،‬‬ ‫تحت‬ ‫عروبــــــة‬ ‫نفسه‪:‬‬ ‫المشهد‬ ‫لكأنه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ب أو في حديقة مستشفى‪ ،‬أطفال في عمر الفاجعة‪ ،‬وأمهات يخطف الموت‬ ‫في ملع ٍ‬ ‫أطفالهن من حجورهن·‬ ‫ميها‬ ‫إنها حرب تحرير ُيراد بها تحرير العراق من أبنائه· غير أن البعض في اجتهاد لغويّ ُيس ّ‬ ‫مشتبه في كرهها‬ ‫حرب احتلل‪ ،‬ل ّ‬ ‫ن المقصود بها احتلل القلوب العراقية والعربية‪ ،‬ال ْ ُ‬ ‫ّ‬ ‫مسلح لم نشاهد مثله في أي فيلم هوليوودي·‬ ‫لميركا‪ ،‬في اجتياح عاطفي ُ‬ ‫حكم تداخل العواطف وتطّرفها‪ ،‬وحيرة فقهاء اللغة وخبراء القلوب‪ ،‬ح ّ‬ ‫ل أحدهم المعضلة‬ ‫وب ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اللغوية‪ ،‬بأن اشتق مصطلح “تحلل” لوصف ما يجري في العراق‪ ،‬بصفته مزيجا فريدا من‬ ‫“التحرير” و”الحتلل”·‬ ‫ّ‬ ‫وهكـــذا صار في إمكاننا أن ن ُْغني المعجم العربي بكلمة جديدة‪ ،‬ونتحلق حول التلفزيون‪،‬‬ ‫ن متابعي الفيلم الميركي·· الطويـــل·‬ ‫نح ُ‬ ‫اللهثون خلف الترجمة‬ .

‬‬ ‫قاد والقّراء‬ ‫حين فاز نجيب محفوظ منذ إحدى عشرة سنة بجائزة نوبل للداب‪ ،‬أربك الن ّ‬ ‫الغربيين‪ ،‬الذين ما عثروا له في المكتبات على كتب مترجمة‪ ،‬تم ّ‬ ‫كنهم من التعّرف إلى أدبه‬ ‫م نجيب‬ ‫أما بعض ما توافر منها‪ ،‬فما كانت ترجمتها تضاهي قلمه أو تليق به فما كان ه ّ‬ ‫محفوظ مطاردة المترجمين أو النشغال عن هموم قارئه العربي‪ ،‬بالكتابة لقارئ عالمي‬ ‫مفترض كان كاتبا ً لم يحضر يوما ً مؤتمرا ً "عالميًا" للدب‪ ،‬ول غادر يوما ً القاهرة حتى إلى‬ ‫استوكهولم‪ ،‬لتسّلم جائزة نوبل للداب‪ ،‬ولذا أصبح نجيب محفوظ الروائي العربي الول‪.‫ُأشفق على كّتاب عرب‪ ،‬عاشوا لهثين خلف وهـــــم الترجمة‪ ،‬معتقدين أن صدور‬ ‫ف لبلوغهم العالمية تمامًا‪ ،‬كاعتقاد مطربينا هذه اليام‪ ،‬أنه يكفي‬ ‫أعمالهم بأية لغة أجنبية كا ٍ‬ ‫أن يضيفوا إلى "طراطيقهم" الغنائية جملة أو جملتين بلغة أجنبية‪ ،‬حتى وإن كانت هندية أو‬ ‫سريلنكية‪ ،‬ليصبحوا من النجوم العالميين للغنية‪..‬فأنا ل أ ّ‬ ‫طلع‬ ‫لي مازحًا‪ ،‬أو بالحرى‪ ،‬مواسيًا‪" :‬من ُ‬ ‫على أي عمل ُيترجم لي‪ .‬حتى ل أنتف شعري!"‪.‬‬ ‫خارق‪ ،‬ولم ُأفاخـر أو ُأراهن إل ّ على ترجمتها إلى اللغة الكردية‪ ،‬التي ستصدر بها قريبًا‪،‬‬ ‫س عبر التاريخ‪ ،‬هو أقرب لي‬ ‫لدراكي أن القارئ الكرد ّ‬ ‫ي‪ ،‬بعظمة نضاله وما عرف من مآ ٍ‬ ‫ولعمالي من أي قارئ أوروبي أو أميركي‪.‬‬ ‫شخصيًا‪ ،‬ما كان يوما ً من هواجسي صدور أعمالي مترجمة إلى لغات أجنبية‪ ،‬لعلمي أن‬ ‫"بضاعتي" ل سوق لها خارج ا ُ‬ ‫لمة العربية فبحكم إقامتي ‪ 15‬سنة في فرنسا‪ ،‬أعرف تماما ً‬ ‫وض ما‬ ‫الوصفة السحرية التي تجعل كاتبا ً عربيا ً ينجح ولكن ذلك النجاح ل يعنيني‪ ،‬ولن يع ّ‬ ‫ب َل َْغته من نجاح‪ ،‬بسبب كتب صنع نجاحها الوفاء للمشاعر القومية‪ ،‬والحتفاء بشاعرية اللغة‬ ‫العربية ولن الشعر هو أّول ما يضيع في الترجمة‪ ،‬فقد اعتقدت دومًا‪ ،‬أن أّيـة ترجمة لّيـة‬ ‫ولها إلى عمل إنشائي‪ ،‬حال تجريدها من سحر لغتها‬ ‫لغة كانت‪ ،‬ستطفئ وهج أعمالي وتح ّ‬ ‫العربية‪ ،‬وهو بالمناسبة‪ ،‬أمر يعاني منه كل الشعراء‪ ،‬الذين تقوم قصيدتهم على الشاعرية‬ ‫ملي فبينما تبدو قصائد أدونيس أجمل مما هي‪ ،‬عندما‬ ‫اللغوية‪ ،‬أكثر من استنادها إلى فكر تأ ّ‬ ‫ُتترجم إلى لغات أجنبية‪ ،‬تصبح أشعار نـــزار بعد الترجمة نصوصا ً ساذجة‪ ،‬فاقدة اشتعالها‬ ‫وإعجازها اللغوي ونــزار‪ ،‬الذي كان يدرك هذا‪ ،‬لتقانه أكثر من لغة‪ ،‬قال لي مّرة إنه يكره‬ ‫ال ّ‬ ‫طلع على أعماله المترجمة‪ ،‬ويكاد ينتف شعره عندما يستمع لمترجم أجنبي ُيلقي‬ ‫ّ‬ ‫أشعاره مترجمة في حضرته والطريف أن الصديق‪ ،‬الدكتور غازي القصيبي‪ ،‬علق بالطريقة‬ ‫ودة ترجمة "فوضى الحواس" إلى‬ ‫نفسها عندما‪ ،‬منذ سنة‪ ،‬أرسلت له إلى لندن مس ّ‬ ‫النجليزية‪ ،‬بعدما طلبت مني الجامعة الميركية في القاهرة‪ ،‬مراجعتها قبل صدورها وقد‬ ‫قال لي بعد ال ّ‬ ‫طلع عليها‪ ،‬وتكليف زوجته مشكورة بقراءتها‪ ،‬وتسجيل ملحظاتها حولها‬ ‫ّ‬ ‫)وهي سيدة ألمانية تتقن العربية والنجليزية بامتياز‪ ،‬واطلعت على الكتاب باللغتين(‪ ،‬قال‬ ‫حسن حظك أنك ل تتقنين النجليزية‪ .‬‬ ‫غير أن مفاجأتي كانت‪ ،‬النجاح الذي حظيت به هذه الرواية عند صدورها مؤخرا ً باللغة‬ ‫الفرنسية وهو نجاح ل يعود إلى شهرة دار النشر التي صدرت عنها‪ ،‬وإنما للقارئ‬ ‫م ثلثمئة‬ ‫الفرنسي‪ ،‬الذي قّرر أن يحمي نفسه كمستهلك للكتب‪ ،‬بابتكار ناد ٍ للقّراء يض ّ‬ ‫مـا‬ ‫قارئ‪ ،‬يتطوعون خلل الصيف بقراءة الروايات قبل صدورها‪ ،‬وتقديم تقرير مكتوب عـ ّ‬ ‫يفضلونه من بينها‪ ،‬قبل الموسم الدبي الفرنسي الذي يبدأ في شهر أيلول‪..‬‬ ‫ً‬ ‫فنظرا ً لغزارة النتاج الدبي‪ ،‬وتدّفق عشرات الروايات التي ل تجد جميعها مكانا في‬ ‫دور النشر الكبرى‪ ،‬ولعبة‬ ‫المكتبات‪ ،‬استلزم المر استحداث حكم ل علقة له بمصالح ُ‬ ‫مته توجيه القارئ نحــو الكتاب الفضل وجاءت سلطة هذه اللجنة من‬ ‫الجوائز الدبية‪ ،‬مه ّ‬ ‫انخراط أعضائها في نوادي القراءة لسلسلة مكتبات "‪ ،"fnac‬وهي إمبراطورية تسيطر‬ ‫على توزيع الكتب في أكثر من دولة فرنكوفونية‪ ،‬ما يجعل الكتب المختارة تحظى بتوزيع‬ .

‬‬ ‫وروا‪ ،‬منذ ‪ 13‬نيسان‪ ،‬وأنا "طالعة من بيت أبوها رايحة بيت الجيران"‪ ،‬ما سأل عني‬ ‫تص ّ‬ ‫زوجي إل ّ ووجدني في النادي‪ ،‬الذي كثيرا ً ما أجدني فيه وحدي لساعات‪ ،‬لن ل أحد يأتي‬ ‫ُ‬ ‫ظهرًا‪ .‬حروبا ً ننقرض بعدها عن بكرة أمنا وأبينا‪ ،‬بعد أن يت ّ‬ ‫للجنس العربي‪.‬فبطبعي أهــرب من البذاخـة‪ ،‬حتى عندما تكون في متناول جيبي‪ ،‬لعتقادي أنها‬ ‫دها‪.‬‬ ‫ولنني ل أحب اقتسام الجنة مع ُ‬ ‫مـانــا‬ ‫بر‬ ‫بشتــاء‬ ‫أكتفي‬ ‫ت‬ ‫أصبح‬ ‫فقد‬ ‫يشبهونني‪،‬‬ ‫ل‬ ‫أنــاس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ .‫جّيد مدعوم بالعلن‪.‬‬ ‫انزل يا جميل ع الساحة‬ ‫ما أن ل أكتب بعد اليوم إل ّ عن العــراق‪،‬‬ ‫م من المرارة‪ ،‬يجعلني أمام خيارين‪ :‬إ ّ‬ ‫داخلي ك ّ‬ ‫فعندي من الخيبات والقصص‪ ،‬ما يمل هذه الصفحة سنوات‪ ،‬وإما أن أكتب لكم عن أي‬ ‫شيء‪ ،‬عدا هذه الحرب‪ ،‬التي لن تكون عاقــرًا‪ ،‬وسُتنجب لنا بعد ُأم المعارك وُأم المهالك‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫م التطهير القومي‬ ‫وأم الحواسم‪ .‬‬ ‫جهـد َ‬ ‫إلى رئيس التحرير‪ ،‬إل ّ في اللحظـة الخيـرة‪ ،‬وبعد ُ‬ ‫ي بوادر اكتئاب وانهيار نفسي‪ ،‬لعدم مغادرتي مكتبي ليام‪ ،‬نصحني‬ ‫زوجــي الذي لحظ عل ّ‬ ‫ً‬ ‫بمزاولة الرياضة‪ ،‬وزيارة النادي المجاور تماما لبيتي‪ ،‬وهو نــاد ٍ يقع ضمن مشروع سياحي‪،‬‬ ‫ضخم وفخم‪ ،‬وباذخ في ديكوره وهندسته‪ ،‬إلى حد ّ جعلني ل أجرؤ منذ افتتاحه منذ سنتين‬ ‫هبة‪ ،‬والمرور بمحاذاة تماثيله اليطالية‪ ،‬ونوافيره‬ ‫على زيارته‪ ،‬واجتياز بوابته الحديدية المذ ّ‬ ‫السبانية‪ .‬‬ ‫ن تلك الفرحة ذ ّ‬ ‫كرتني بمحنة الكتاب العربي‪ ،‬الذي لن ينجح طالما لم يتو ّ‬ ‫ل القارئ‬ ‫غير أ ّ‬ ‫مة الترويج للجيد منه‪.‬فقد كانت ُ‬ ‫مسّلح ليلتهم غاباتــه‪ ،‬ول غــــزاه الدولر‪ ،‬والزّوار الذين صــاروا يأتونه في مواكب‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫"الرولز رويس"‪.‬لكنها ل‬ ‫الدول العربية‪ ،‬بدل الكتفاء بجوائز إشهارّية يم ّ‬ ‫تمله زهوًا‪.‬‬ ‫وما كنت لسمع بهذه اللجنة‪ ،‬لول أنها اختارت روايتي من بين سبعمئة رواية‪ ،‬لتكون من‬ ‫بين الثلثين رواية الفضل في الموسم الدبي الفرنسي‪..‬‬ ‫مه ّ‬ ‫لماذا ل نمنح الكاتب العربي فرصة أن ينال "جائزة القّراء"‪ ،‬عن ناد ٍ يمثل قّراء من مجمل‬ ‫ولها الثرياء‪ ،‬قد تمل جيب الكاتب‪ .‬عندما يبدأ نهاري‪.‬‬ ‫حــدث أن خفت أن أفقد عقلي‪ ،‬أو أفقد قدرتي على صياغة فكرة‪ ،‬بعدما وجدتني كّلما‬ ‫ازددت مطالعة للصحف أزداد عجزا ً عن الكتابة‪ ،‬حتى إنني أصبحت ل ُأرسل هذا المقال‬ ‫جهيــد‪...‬‬ ‫وكنت حسمت أمري بمناسبة عيد ميلدي‪ ،‬وقررت‪ ،‬رفقا ً بما بقي من صحتي وأعصابي‪ ،‬أن‬ ‫ُأقلع عن مشاهدة التلفزيون‪ ،‬وُأقاطـع نشرات الخبار‪ ،‬وذهبت حتى إلى إلقاء ما جمعت‬ ‫فات ُيسّبب لي دوارا ً حقيقيًا‪ ،‬وأصبح‬ ‫من أرشيف عن حرب العراق‪ ،‬بعدما أصبح منظر المل ّ‬ ‫مغلقا ً في وجـه الشّغالة‪ ،‬وزوجي والولد‪ ،‬بسبب الجرائــد التي يأتيني بها‬ ‫مكتبي لسابيع ُ‬ ‫ً‬ ‫زوجي يوميا ً أكواما‪ ،‬فتفرش المكتب وتفيض حتى الشرفة‪.‬‬ ‫ن هي تجاوزت حــ ّ‬ ‫وهات وُتؤذي شيئا ً نقي ّا ً فينا‪ ،‬إ ْ‬ ‫ُتصيب النفس البشرية بتش ّ‬ ‫ة بفضول سلفتي وسيارتها الفخمة‪ ،‬على اجتياز ذلك الباب‪ ،‬الذي‬ ‫لكنني تجرأت‪ ،‬مستعين ً‬ ‫أصبحت لحقــا ً أعبـره مشيا ً كل يوم‪.‬‬ ‫حـم على‬ ‫ن الفردوس يقع في الرصيف المقابل لبيتي‪ ،‬ورحــت أتر ّ‬ ‫وهكــذا اكتشفت أ ّ‬ ‫حماي‪ ،‬الذي يوم اشترى منذ أكثر من ثلثين سنة‪ ،‬البناية التي نسكنها‪ ،‬من ثري عراقي‬ ‫منتجع صيفي في‬ ‫مـانــا أهم ُ‬ ‫)يوم كان العراقيون هم أثرياء الخليج!( ما توّقع أن تصبح بر ّ‬ ‫مجّرد جبل خ ّ‬ ‫د‪ ،‬السمنت‬ ‫لب بهوائه وأشجاره‪ ،‬لم يهجم عليه بع ُ‬ ‫لبنـــان‪ .

..‬‬ ‫ما جدوى اللياقة؟ ما عاد الجهل مصدر حياء‪ ،‬منذ صار المذيعون يتسابقون على إشهار‬ ‫جهلهم وتسويق قلة ذوقهم‪.‬في نـــاد ٍ آخــر!‬ ‫يكــ ّ‬ ‫انقذونا من التلفزيون‬ ‫ب النساء‪،‬‬ ‫يقول "كنفوشيوس"‪" :‬توجد في طريق العظمة أربعة عوائق‪ ،‬وهي‪ :‬الكسل وح ّ‬ ‫حة والعجاب بالنفس"‪.‬‬ ‫وانحطاط الص ّ‬ ‫ولو أن هذا الحكيم عاصر التلفزيون‪ ،‬لضاف إلى عوائقه الربعة‪ ،‬إدمان المرء الفضائيات‬ ‫وربما كان أخطر العوائق على المبدع‪ ،‬انصرافه عن الكتابة والبداع‪ ،‬وهدره وقته في‬ ‫اللهاث مشاركا ً في هذا البرنامج أو ذاك‪..‬‬ .‬قفـــاه( فانــــوس"!‬ ‫دف وجودي مع إقامة المتنافسات على لقب ملكة جمال‬ ‫صـا ُ‬ ‫أ ّ‬ ‫مــا المصيبـة الثانية‪ ،‬فت َ َ‬ ‫لبنان‪ ،‬في الفندق نفسه‪ ..‬فهنــا‪ ،‬أيتها الحمقــاء‪ ،‬ل تنزل النساء إلى المسبح‪ ،‬قبل أن‬ ‫ن قد استعددن للحدث طوال سنتين‪ ..‬و"انـــزل يا جميـل ع الساحة"‪ ،‬و"قومي يا أحـــلم‪ ،‬إن كنت‬ ‫فحلـــة‪ ،‬وانزلي ع المسبح"‪ ..‬‬ ‫عقــدة الرياضة‪ ،‬التي كنت ُأعاديها‪،‬‬ ‫أعتـــرف بأنني مدينة لـ"تحرير العراق"‪ ،‬بتحريري من ُ‬ ‫ُ‬ ‫مقتنعة بقول ساخــر لبرنارد شـــو‪" :‬لقد قضيت حياتي أشّيع أصدقائي الذين يمارسون‬ ‫ُ‬ ‫الرياضة"!‬ ‫قدي ا ُ‬ ‫لخرى‪ ،‬وُأولها التلفزيون‪ ،‬بعد أن اكتشفت‪ ،‬أنا‬ ‫ن هذا النادي‪ ،‬لم يشفني من ع ُ َ‬ ‫غيــر أ ّ‬ ‫الهاربة منه‪ ،‬أنني محجوزة مع أربع شاشات تلفزيون‪ ،‬في قاعة اللت الرياضية‪ ،‬وبينما‬ ‫ُوجد أصــل ً لُيمارس الناس رياضتهم على إيقاع القنوات الموسيقية‪ ،‬التي يختارونها‪،‬‬ ‫أصبحت ما أكاد أنفرد به‪ ،‬حتى أهجم على القنوات السياسية‪ ،‬فُأمارس ركوب الدراجة‬ ‫وأنــا ُأشاهد على "المنـار" بثـا ً حّيـا ً من "كربــلء"‪ ،‬وأمشي على السجاد الكهربائي‪ ،‬وأنا‬ ‫ُ‬ ‫وعين العــرب‪ ،‬وهو ما ذ ّ‬ ‫كرني‬ ‫أتـابــع نقاشا ً حاميا ً على "الجزيرة"‪ ،‬حول مأساة المتط ّ‬ ‫بقول حماتي "المنحوس منحوس ولو عّلقــوُلــــو فـــي‪) ..‬با بنت اللو"‪..‬‬ ‫ذلك أن هناك ُأناسا ً ل يعرفون كيف يبددون أوقاتهم‪ ،‬فيعمدون إلى وقت سواهم لكي‬ ‫ت بي إحدى الفضائيات‪ ،‬كي ُأشارك في أحد‬ ‫يبددوه‪ ،‬وهو ما أقوله لنفسي كلما اتصل ْ‬ ‫برامجها الترفيهية‪ ،‬في سهرات شهر رمضان‪ ،‬معتقدة أن وقت المبدع مستباح‪ ،‬وأنه جاهز‬ ‫ليكون جلسة وصل بين أغنية وأخرى‪ ،‬ومستعد متى شاءت‪ ،‬أن تمل به ما هو شاغر من‬ ‫فقرات برامجها‪ ،‬بذريعة تكريمها له والحتفاء بالدب وقد حسمت هذا المر منذ سنتين‪،‬‬ ‫بتغيير أرقام هواتفي تفاديا ً للحراج لكن‪ ،‬في مساءات رمضان‪ ،‬ل يمكن أن تنجو من‬ ‫الوقوع في شرك التلفزيون‪ ،‬وخدعة الحتفاء بشهر اليمان‪ ،‬بالنخراط في حزب‬ ‫المشاهدين‪ ،‬الذين على مدى خريطة المة العربية‪ ،‬دخلوا في حالة غيبوبة‪ ،‬وشلل فكري‬ ‫لمدة شهر‪ ،‬وسّلموا أمرهم للفضائيات‪ ،‬تعيث فيهم سخافة واستخفافًا‪ ،‬ما شاء لها‬ ‫استسلم صائم‪ ،‬يساعده استرخاؤه على هضم التفاهات‪ ،‬فل يخلد إلى النوم‪ ،‬إل ّ بعد أن‬ ‫يكون قد أخذ وجبته من المسابقات‪ ،‬وانغلق بتخمة السخافات واللطافة العلمية‬ ‫المصطنعة‪ ،‬لمذيعة تطارده عبر القارات بالـ "أيوة" والـ "ألو"‪ ،‬فيكاد يرد عليها على طريقة‬ ‫زياد الرحباني في إحدى مسرحياته "ألو‪ .‫م أتركها لهـم ك ّ‬ ‫ل صيف‪ ،‬هربــا ً إلى "كـــان"‪،‬‬ ‫القارس‪ ،‬سعيدة بانفرادي بثلجها وزوابعها‪ ،‬ثــ ّ‬ ‫ُ‬ ‫حيث يوجد بيتي الصغير في منطقة لم يصلها "العلـــوج" بعـد‪.

‬‬ ‫ودون أن ُأطالب بالقتداء بسكان ولية "غوجارتيون" الهندية‪ ،‬التي إثر تضررها بفعل‬ ‫الزلزال‪ ،‬قام المئات من سكانها بتحطيم وحرق أجهزة التلفزيون‪ ،‬بغية طرد الرواح‬ ‫الشريرة‪ ،‬وتجّنب وقوع زلزال جديد‪ ،‬بعد أن أفتى لهم المتدينون بأن التلفزيون أثار‬ ‫الغضب اللهي‪ ،‬بها يبثه من رسائل تخدش الحياء‪ ،‬فراح الناس يرمون بأجهزتهم المحطمة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بالعشرات‪ ،‬في جوار المعابد‪ ،‬أحذر من يوم يصل فيه إدمان التلفزيون ببعضنا إلى حد ّ‬ ‫أوصل ُأستراليا ً إلى اختيار تلفزيونه زوجة مثالية‪ ،‬وعقد قرانه عليه بمباركة كاهن‪ ،‬وبحضور‬ ‫أصدقاء العريس‪ ،‬البالغ من العمر ‪ 42‬سنة‪ ،‬الذي تعهد بالوفاء للتلفزيون‪ ،‬واضعا ً خاتمي‬ ‫الزواج في غرفة الجلوس قرب هوائي الستقبال‪ ،‬مصرحا ً بأنه اختار التلفزيون شريكا ً‬ ‫لحياتة‪ ،‬وبأن زواجه به يبعده عن المشاجرات‪ ،‬التي كانت ستحدث لو تزوج بامرأة وما كان‬ ‫ناقصنا إل ّ التلفزيون‬ ‫بابا نويل‪ ..‬لذا‪ ،‬بدا الخبر نكتة‪ ،‬عندما قرأنا أ ّ‬ ‫البريطانية‪ ،‬قررت أن ُتثّبت "كاميرات" في الماكن التي يستقبل فيها "بابا نويل" الطفال‪،‬‬ ‫وذلك لتهدئة مخاوف البـــاء الذين يخشون تحّرش "بابا نويل" بأطفالهم‪ ..‬بل إنهم ذهبوا‬ ‫ملطفة صغارهم أو وضع الطفال في حجره‪ ،‬والكتفاء بوقوفهم‬ ‫حد ّ منع "بابا نويل" من ُ‬ ‫وع فيه‬ ‫يتط‬ ‫زمن‬ ‫في‬ ‫ية‪..‬‬ ‫الق‬ ‫بين‬ ‫تجمع‬ ‫قد‬ ‫تذكارية‪،‬‬ ‫إلى جانبه لخذ صورة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ .‬أصبحنا وليمتها ومصدر رزقها في سوق العلنات‪.‫مرت الفضائيات عن ساعديها‪ ،‬وكشفت عن نوايا ساقيها‪ ،‬وراحت تركض‪ ،‬ككل رمضان‪،‬‬ ‫ش ّ‬ ‫في تسابق‪ ،‬راتوني للقاء القبض على المشاهدين ومطاردتهم‪ ،‬حتى في الشوارع وفي‬ ‫ص سوى‬ ‫بيوتهم وأماكن عملهم‪ ،‬وهدر ماء وجههم بنصف ساعة من السئلة‪ ،‬التي ل تخ ّ‬ ‫برامجها وأسماء مذيعيها‪ ،‬مقابل مئة ألف ليرة لبنانية )!(‪ ،‬فهذا ما يساويه المشاهد‬ ‫والمشارك‪ ،‬لدى إحدى أكبر الفضائيات اللبنانية‪ ،‬التي ل ُيعرف عن صاحبها الفقر ول‬ ‫الحاجة فكلما أسدل علينا الليل سدوله‪ ،‬أصبحنا طريدة الفضائيات‪ ،‬ونصبت لنا كل واحدة‬ ‫مصيدة وبذريعة إثرائنا وتسليتنا‪ .‬على القفز‬ ‫الستعراضي على القيم‪ ،‬وإقناعه بفضائل الكسب السريع‪ ،‬بالغداق عليه بالمال المشبوه‪.‬فبابا نويل العصري‪ ،‬إنتاج متوافر بكثرة في واجهات العياد‪ ،‬تأكيدا لفائض النقاء‬ ‫سخاء الذي يسود "معسكر الخير" الذي تحكمه الفضيلة‪ ،‬وتتوّلى نشرها في العالم‬ ‫وال ّ‬ ‫جيوش من ملئكة "المارينز" والجنود البريطانيين الطيبين‪ ،‬الذين باشروا رسالتهم‬ ‫ن المحال التجارية‬ ‫النسانية في سجن أبو غريب‪ .‬‬ ‫في زمن "المن الوقائي"‪ ،‬و"المن الستباقي" نطالب بـ "أمن المشاهد"‪ ،‬وحمايته من‬ ‫"الوباء الفضائي" وهجمات الفضائيات عليه يوميًا‪ ،‬بترسانة أسلحة دمارها الشامل فأخطر‬ ‫ظاهرة فكرية تهدد المواطن العربي اليوم‪ ،‬هذا الكم الهائل من الفضائيات التي أفرزها‬ ‫فائض المال العربي في العقود الخيرة‪ ،‬التي تمل جيوبها بإفراغنا من طاقاتنا الفكرية‪،‬‬ ‫والجهاز سخافة على عقولنا‪ ،‬وصرف المواطن العربي عن التفكير في محنته‪ ،‬وتحويله‬ ‫إلى مدمن سيرك "الكليبات" ومهرجيه المتسابقين عريا ً و"نط ًّا" وزعيقًا‪ .‬طبعة جديدة‬ ‫المخرج الفرنسي الذي أضحك‪ ،‬منذ سنوات‪ ،‬المشاهدين كثيرا ً في فيلمه "بابا نويل هذا‬ ‫ن الحياة سُتزايد عليه سخرية‪ ،‬وتسند إلى "بابا نويل" الدور الكثر قذارة‪،‬‬ ‫نأ ّ‬ ‫القذر"‪ ،‬ما ظ ّ‬ ‫الذي ما فطن له المخرج نفسه‪ ،‬لُيضيفه إلى سلسلة المقالب "الحقيرة" التي يمكن أن‬ ‫متن ّ‬ ‫ي‬ ‫ن الق ّ‬ ‫كر ليلة الميلد في لحية بيضاء ورداء أحمر‪ .‬ذلك أ ّ‬ ‫يقوم بها رجل ُ‬ ‫ديس السخ ّ‬ ‫الطّيب‪ ،‬الذي اعتقد الطفال طويل ً أنه ينزل ليل ً من السقف عبر المدفأة‪ ،‬حامل ً خلف‬ ‫ظهره كيسا ً مملوءا ً بالهدايا‪ ،‬ليتركها عند أقدام "شجرة الميلد"‪ ،‬ويعود من حيث أتى على‬ ‫صغار خالدين إلى النوم والحلم‪ ،‬ما عاد في مظهره ذاك‬ ‫رؤوس القدام‪ ،‬تاركا ً مليين ال ّ‬ ‫تكريسا ً لل ّ‬ ‫طهارة والعطاء‪ ،‬مذ غدا الحمر والبيض على يده عنصرا ً من عناصر الخدعة‬ ‫ً‬ ‫البشرية‪ .‬‬ ‫والضح‬ ‫ديس‪..

‫ديس‬
‫ي العالم لحفظ السلم‪ ،‬وق ّ‬
‫البعض لنشر عولمة المان‪ُ .‬‬
‫مصّرا ً على أن يكون شرط ّ‬
‫ّ‬
‫الكرة الرضية‪ ،‬والرسول الموكل بالترويج للقيم الفاضلة واستعادة البراءة المفقودة لدى‬
‫مضحك أن يفتقد المان والفضيلة في عقر داره‪ ،‬وأن يصل به الذعر حد ّ الش ّ‬
‫ك‬
‫البشرية‪ُ ،‬‬
‫ديسه وأوليائه الصالحين‪ ،‬فل يجرؤ على ائتمانهم على أولده‪ ،‬منذ أن سطا‬
‫في أخلق ق ّ‬
‫"بابا نويل" على اللون الحمر‪ ،‬الذي كان من قب ُ‬
‫ل لون السلطة الدينية ولون الفضيلة‬
‫وله إلى لون تجاري يرمز إلى بيع الفرح وهدايا‬
‫وال َ‬
‫ق َ‬
‫دا َ‬
‫سة الذي يلبسه "الكاردينالت"‪ ،‬فح ّ‬
‫العياد‪ .‬في زمن الخوف الغربي من كل شيء‪ ،‬وعلى كل شيء‪ ،‬ما عاد الطفال ينتظرون‬
‫حَيـــاء‬
‫"بابانويل"‪ ،‬بل هو الذي أصبح ينتظرهم ليتحّرش بهم‪ ،‬من دون إحساس بالذنب أو َ‬
‫من لحيته البيضاء )الصناعية(‪ ،‬وهالة النقاء التي تحيط بملمحه الطيبة‪ ،‬تذكيرا ً بالرسل‬
‫والملئكة‪ .‬ولماذا عليه أن يستحي والرهبان أيضا ً يتحرشون بالطفال‪ ،‬من دون اعتبار‬
‫ن‬
‫لوقار ثوبهم السود‪ ،‬والممرضات العاملت على العناية بال ْ ُ‬
‫متخّلفين عقليا ً يغتصبن مرضاه ّ‬
‫مكترثات ببلوزاتهن البيضاء ورسالتهن النسانية؟ في نهاية السنة‪ ،‬وقع‬
‫الصغار والكبار‪ ،‬غير ُ‬
‫ً‬
‫ن الفاجعة‪ ،‬والنسان‬
‫س‬
‫ا‬
‫باكر‬
‫يبلغون‬
‫الطفال‬
‫أصبح‬
‫فقد‬
‫مخيفة‪،‬‬
‫اكتشافات‬
‫الغربيون على‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫الذي كان يعاني كهولة أوهامه‪ ،‬أصبح يشهد موتها مع ميلد طفولته‪ ..‬فقد اكتشف علماء‬
‫ن النسان الغربي ُيصّلي حتى العمر الذي يتوقف معه عن التصديق بوجود‬
‫النفس لديهم‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الفاجعة ليست في اكتشاف الطفال عدم وجود "بابا‬
‫ما أنا‪ ،‬فأعتقد أ ّ‬
‫"بابا نويل"‪ .‬أ ّ‬
‫ما علماء آخرون فقد‬
‫أ‬
‫وقذر‪.‬‬
‫و"واطي"‪..‬‬
‫حرامي‬
‫نه‬
‫أ‬
‫اكتشافهم‬
‫في‬
‫هي‬
‫ما‬
‫نويل"‪ ،‬بقدر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ديس نقول باستخدامهم تقنية ُتستعمل‬
‫اكتشفوا‪ ،‬أثناء تطويرهم صورة ثلثية الَبعاد للق ّ‬
‫عادة في ح ّ‬
‫ديس نقول‪ ،‬تركي الصل(‪ ،‬لم يكن‬
‫)الق‬
‫الحقيقي‬
‫ن "بابا نويل"‬
‫ّ‬
‫ل جرائم القتل‪ ،‬أ ّ‬
‫ً‬
‫متوّرد الوجنتين‪ ،‬بل كان نحيل أسمر اللون‪ ،‬ذا وجه عريض‪ ،‬وأنف كبير‪ ،‬ذا لحية بيضاء‬
‫دمة للتخّلص من ال ّ‬
‫شبهات الجديدة لـ"بابا نويل"‪ ،‬بإعطائه ملمح بعض‬
‫مق ّ‬
‫مرّتبة‪ .‬فهل هذه ُ‬
‫مطاَردين من طرف معسكر الخير‪ ،‬الذين برعوا في استعمال الفضائيات من كهوفهم‪،‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫منذ أن أصبحت الهدايا‪ ،‬بدل أن تهبط عبر المداخن‪ ،‬تهبط عبر "إف‪ ،"15/‬لتستقر في‬
‫َأســّرة الطفــال‪ ..‬ل في أحذيتهم الصغيــرة؟‬

‫بحثا ً عن حقيبة "بنت عائلة"‬
‫م‬
‫على ِغـرار "جول فيرن"‪ ،‬الذي كتب "العالم في ثمانين يومًا"‪ ،‬يوم كان التن ّ‬
‫وي يت ّ‬
‫قل الج ّ‬
‫على علوّ الحلم المنخفضة بواسطة البالونات الطائرة الضخمة‪ ،‬في إمكاني أن أكتب‬
‫مسلسل ً عنوانه "أميركا في ثمانية أيام"‪ .‬فحتى في اللفّية الثالثة‪ ،‬ليزال في إمكان المرء‬
‫مسبقة‪ ،‬وكان‬
‫مثقلة بالفكار ال ْ ُ‬
‫أن يرى العالم بذلك الندهاش الّول‪ ،‬خاصة إذا كانت ناقته ُ‬
‫يشد ّ الرحال إلى أميركا قاصدا ً أكثر من ولية‪ ،‬ك ّ‬
‫ب في حد ّ ذاته‪ ،‬بتلك‬
‫كوك‬
‫فيها‬
‫ل واحدة‬
‫ٌ‬
‫التشكيلة العجيبة لس ّ‬
‫دد اللوان والديان‬
‫متع ّ‬
‫كانها‪ .‬فهناك ستدرك‪ ،‬وسط الكوكتيل البشريّ ُ‬
‫والعراق والشكال‪ ،‬معنى أن يكون "اكتشاف قارة جديدة أسهل مليون مّرة من اكتشاف‬
‫عقل وقلب أحد س ّ‬
‫كانها"‪ .‬في طائرة "اليرباص" الضخمة التي كانت تقّلني من باريس إلى‬
‫ُ‬
‫نيويورك صبحًا‪ ،‬بعد أن ألقت بي أخرى فجرا ً في مطار شارل ديغول‪ ،‬قادمة من بيروت‪،‬‬
‫لم ُأحاول أن ُأبّرر قبول ذلك الزعيم التاريخي‪ ،‬الغيور على فرنكوفونيته‪ ،‬فكرة تسليمي‬
‫سبّية إلى جون كيندي ومطار نيويوركي يحمل اسمه ول يدين سوى بلغته‪ ،‬أنا التي مازلت‬
‫ُأباهي بإتقاني اللغة الفرنسية‪ ،‬وعدم امتلكي سواها جواز سفر دوليا ً لغويًا‪ ،‬في عالم تقول‬
‫ن ثلثة بليين شخص سيتكّلمون فيه النجليزية مع حلول عام ‪ ،2015‬أي أنني‪،‬‬
‫البحاث إ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مية باللغة النجليزية‪ ،‬سأرقى بعد عشر سنوات إلى النصف‬
‫إ ْ‬
‫ن بقيت على هذا القدر من ال ّ‬
‫عمرا ً كامل ً إلى ثلثه ال ُْ‬
‫متخّلف‪ ،‬ولن أجد‬
‫انتسبت‬
‫قد‬
‫أكون‬
‫أن‬
‫بعد‬
‫العالم‪،‬‬
‫من‬
‫الجاهل‬
‫الثاني‬
‫ُ‬
‫مفاخرة الفرنسيين بامتلكهم لغة الدب والفكر‪ ،‬ورفضهم التعاطي مع‬
‫لي عزاًء آنذاك في ُ‬
‫لغة ل رصيد لها إل ّ في عالم الرقام والمعلوماتية‪ .‬فالجميع سيكونون قد انسحقوا أمام‬

‫ُ‬
‫جل فاجعتي وُأخفف من مصيبتي‪ ،‬اخترت السفر‬
‫بلدوزر النجليزية‪ ،‬وانتهى المر‪ .‬وحتى أؤ ّ‬
‫على متن الطيران الفرنسي‪ ،‬واشترطت على الجامعات التي دعتني‪ ،‬أن ترافقني‪ ،‬من‬
‫نقطة انطلقي‪ ،‬مترجمة أعمالي إلى النجليزية‪ .‬وعندما َأدَرك المن ّ‬
‫دة‬
‫ظمون هناك أنني جا ّ‬
‫طط رجلي في المّية‪ ..‬إل ّ ومعاي‬
‫دية من غّنى "والّله يا ناس ما راكب ول حا ِ‬
‫في شرطي‪ ،‬ج ّ‬
‫ً‬
‫قلتنا عابرة القارات والوليات‪،‬‬
‫مترجمتي أثناء تن ّ‬
‫بمصاريف‬
‫ا‬
‫أيض‬
‫فل‬
‫ّ‬
‫التك‬
‫عدوّية"‪ ،‬قّرروا‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وإقامتنا الخاطفة في الفنادق‪ ،‬التي ما كّنا نفتح فيها حقائبنا‪ ،‬أو بالحرى ما كادت بارعـة‬
‫تفتح فيها حقيبتها إل ّ لتحزمها إلى وجهة جديدة‪ ،‬ومحاضرة جديدة‪ ،‬ينتظرنا فيها حشد آخر‬
‫ُ‬
‫ما سؤالي الوحيد الذي لم أطرح سواه‪ ،‬خلل ثلثة أيام‪ ،‬فلم يكن سوى‬
‫وأسئلة أخرى‪ .‬أ ّ‬
‫دة في معرض الكتاب في نابولي‪" :‬يا‬
‫ذلك السؤال إّياه )أي والّله( الذي طرحُته ليام ع ّ‬
‫ّ‬
‫ي أن أتعلم كيف ُيطرح هذا السؤال بك ّ‬
‫ل‬
‫ناس‪ ..‬أين الحقيبة؟"‪ .‬ويبدو أنه أصبح لزاما ً عل ّ‬
‫اللغات‪ ،‬لنني أتوّقع أن تتخّلى عني حقيبتي في ك ّ‬
‫ل مطارات العالم‪ .‬فما كدنا ننزل في‬
‫متها‪ ،‬التي ستغدو‬
‫مطار جون كيندي في نيويورك‪ ،‬حتى باشرت صديقتي بارعة الحمر مه ّ‬
‫ُ‬
‫مترجمة سؤالي إلى ك ّ‬
‫ل‬
‫ليام مهمتها الولى التي ستبدأ بها نهارها وُتنهي بها مساءها‪ُ ،‬‬
‫لغات الغضب والحتجاج‪ ..‬والتهديد‪ ،‬وملء استمارتي بإعلن ضياع أمتعتي‪ .‬ولم تفهم بارعة‬
‫مواساة‪ ،‬ل‬
‫سّر استسلمي لقدري‪ ،‬وضحكي من محفظة صغيرة قُ ّ‬
‫دمت لي هدّية نجدة و ُ‬
‫ق‪ ،‬من أن‬
‫تليق لوازمها القليلة والصغيرة‪ ،‬من أدوات حلقة ومشط ومعجون أسنان‪ ..‬ووا ٍ‬
‫تقيني لعنة حقيبتي التي تطاردني حيثما حللت‪ ،‬جاعلة من "ك ّ‬
‫ل الّلي في صندوقي فوقي"‪.‬‬
‫فقد كانت الحقيبة‪ ،‬ما تكاد تصل إلى فندق حتى ُنغّير عنوان إقامتنا إلى ولية‪ ،‬جديدة‪،‬‬
‫ُ‬
‫جلة‬
‫مس ّ‬
‫فتلحق بنا في طائرة أخرى‪ ،‬أو تصل إلى الفندق‪ ،‬فل يستدّلون على اسمي‪ ،‬لنها ُ‬
‫ور وقتها أنني‬
‫ي‪ .‬ما كنت أتص ّ‬
‫على اسمي الزوجي‪ ..‬بينما حجزت غرفتي تحت اسمي الدب ّ‬
‫سأقضي أربعة أيام من دون حاجاتي‪ ،‬وأن حقيبتي ستظ ّ‬
‫ل "صايعــة ضايعــة" بين‬
‫المطارات‪ ،‬تجول وتصول بمفردها بين بيروت وباريس ونيويورك وميتشيغن وفيلديلفيا‪..‬‬
‫مـــراد‪ ،‬المسكين المحجوز منذ‬
‫ما سافر أخي ُ‬
‫وبوسطن‪ .‬لقد سافرت في أسبوع أكثر م ّ‬
‫ً‬
‫ثلثين سنة على كرسّيه في الجزائر‪ .‬حتمــا‪ ..‬هذه حقيبة "فلتانة"‪ ،‬ل أمل في ردع نزعتها‬
‫إلى الهروب من بيت ال ّ‬
‫طاعة‪ .‬ما أكاد ُأسّلمها إلى موظف مطار حتى تهيج وتهرب مني‪،‬‬
‫منهكة كقطة في شهر شباط‪ ،‬بعد أن يعود لي بها موظف‬
‫متعَبة و ُ‬
‫ول تعود لي إل ّ بعد أيام‪ُ ،‬‬
‫ُ‬
‫ف تنقلتها المشبوهة‪ ،‬كما يعود‬
‫إيطالي تارة‪ ،‬وأميركي تارة أخرى‪ ،‬ومن عنقها يتدّلى مل ّ‬
‫رجل من شرطة رعاية الحداث بولد طائش‪ .‬يا ناس‪ ..‬ألم يعد في إمكان المرء أن يعثر‬
‫على بنت عائلة‪ ..‬حتى بين الحقائب؟‬

‫بدوية‪ ..‬في أميركا‬
‫لحقًا‪ ،‬سأعود ُ‬
‫لحدثكم عن جولتي في أميركا‪ ،‬التي قصدتها ليس فقط لتلبية دعوة لثلث‬
‫جامعات شرفتني باستضافتي‪ ،‬بل أيضا ً ُ‬
‫للّبي نداًء مجنونا ً داخلي‪ ،‬يتغ ّ‬
‫ذى من قول النفري‪:‬‬
‫ّ‬
‫مـن مكان في العالم‪ ،‬بعدما‬
‫"في المخاطرة جزء من النجاة"‪ .‬فقد بدت لي أميركا أأ َ‬
‫درت إليه ك ّ‬
‫ل تشكيلة الهوال والمخاطر‪ .‬قلت‪ ،‬هذه بلد فرغت من المجرمين والقتلة‬
‫ص ّ‬
‫وخلدت إلى الراحة‪ .‬ول أرى‪ ،‬في زمن الذعر الكوني‪ ،‬من وجهة للمان سواها‪ ،‬مستندة‬
‫إلى نكتة عن ذلك اللبناني‪ ،‬الذي كان أيام الحرب الهلية‪ ،‬دائم السؤال‪" :‬منين عم يطلع‬
‫الضرب؟" وما يكاد يستدل على المكان‪ ،‬الذي ينطلق منه القصف حتى يركض نحو المدفع‬
‫كي يضمن وجوده‪ ،‬حيث تنطلق "الضربات"‪ ،‬ل حيث تتساقط‪ .‬طبعًا‪ ،‬الخطر قد ل يكون هنا‬
‫مخاطرة تبدأ‬
‫ي‪ ،‬ال ْ ُ‬
‫ول هناك‪ ،‬بل في المسافة الفاصلة بين المدفع‪ ..‬والهدف‪ .‬بالنسبة إلـ ّ‬
‫ُ‬
‫متاهة‪ ،‬التي تمتد ّ نهاياتها كأخطبوط في‬
‫في الوصول إلى أيّ مطار من تلك المطارات ال ْ َ‬
‫ك ّ‬
‫وابات‪ ،‬لكل منها منافذ‬
‫ل صوب بعدد أحرف البجدية‪ ،‬ث ّ‬
‫م تعود لتتفّرع إلى )‪ (Gates‬وب ّ‬

‫جوية‪ ،‬قد تصل إلى المئة‪ .‬في هذه المطارات‪ُ ،‬تعاودني فطرتي البدوية‪ ،‬وأتحول إلى امرأة‬
‫ُ‬
‫مية بك ّ‬
‫دث كثيرا ً أن تهت في مطار شارل ديغول‪.‬‬
‫ح َ‬
‫ل اللغات‪ ،‬بما في ذلك الفرنسية‪ .‬لذا َ‬
‫أ ّ‬
‫وكما يغرق البعض في كوب ماء‪ ،‬أتوه أنا بين حرف وآخر‪ ..‬ورقم وآخر‪ ،‬سالكة السللم‬
‫الكهربائية نحو التجاه الخطأ‪ ،‬فل ألحق الطائرة إل ّ وقد حفظ جميع المسافرين اسمي‬
‫ي بالمايكروفونات‪ .‬ولول أنني سافرت إلى معرض فرانكفورت برفقة‬
‫لفرط ما نادوا عل ّ‬
‫ة بتلبيب جمانة حداد‪ ،‬لحقة بصلعة‬
‫الوفد اللبناني‪ ،‬وغادرت المطار كما وصلته ممسك ً‬
‫عّباس بيضون‪ ،‬وسرب عبده وازن وعقل عويط‪ ،‬لعاد الكّتاب في العام المقبل ليجدوني‬
‫كذلك اليراني المشّرد‪ ،‬المقيم منذ سبع عشرة سنة في مطار شارل ديغول‪ .‬وقد‬
‫استوطنت المطار‪ ،‬وفردت أوراقي وألواح الشوكولتة‪ ،‬وجلست أكتب روايتي‪ ،‬في انتظار‬
‫أن يتنّبه رئيس التحرير إلى غيابي‪ ،‬فيبعث بفريق إنقاذ ليعود بي إلى بيروت‪ .‬أولدي وجدوا‬
‫في جهلي اللغة النجليزية‪ ،‬ومعاناتي من "رهاب المطارات"‪ ،‬وإصراري على البقاء قروية‬
‫وع جميعهم‪ ،‬على غير عادتهم‪ ،‬لخدمتي وعرضهم‬
‫في عصر القرية الكونّية‪ ،‬ذريعة للتط ّ‬
‫سان‪ ،‬المقيم في لندن‪ ،‬الذي ذهب حد ّ اقتراح أخذ إجازة‬
‫مرافقتي إلى أميركا‪ ،‬بمن فيهم غ ّ‬
‫من البنك الذي يعمل فيه‪ ،‬والحضور لملقاتي في مطار باريس‪ ،‬بعد أن خفت أن أضيع منه‬
‫في مطار لندن! ذلك أن جميعهم خّريجو الجامعات الميركية‪ ،‬ويحلمون منذ الزل بزيارة‬
‫الجامعات التي دعتني‪ ،‬ولم أكن قد سمعت ببعضها قبل ذلك‪ .‬وليد‪ ،‬أصغرهم )‪ 21‬سنة(‪،‬‬
‫صــاح بالفرنسية "واووو‪" ..‬يال" بتعرفي شو "يال" ماما؟ إنها جامعة عمرها ‪ 5‬قرون‪،‬‬
‫تتنافس مع جامعة "هارفرد" على الصدارة‪ ،‬معظم رؤساء أميركا تخّرجوا فيها"‪ .‬شعرت‬
‫برغبة في إدهاشه‪ ،‬لعلمي أنه سيرسل ليل ً "إيميل" إلى غسان‪ ،‬لينقل إليه أخبار عجائبي‪،‬‬
‫ي ل يكلفهما أكثر من ُقبلة‪،‬‬
‫وأحيانا ً ليتشاورا في إدارة "مكاسبي"‪ ،‬كتمرين مصرف ّ‬
‫والطمئنان على صحتي )ماما‪ ..‬مارسي الرياضة‪ ..‬وهل راجعت الطبيب‪ ،‬بالنسبة إلى وجع‬
‫دق‪،‬‬
‫مص ّ‬
‫ملني غير ُ‬
‫كتفك؟(‪ .‬قلت‪" :‬وأيضا ً سأزور جامعة )‪ ،(MiT‬حيث لي محاضرتان"‪ .‬تأ ّ‬
‫ت‬
‫م ستحدثينهم برّبك يا ماما وأن ِ‬
‫وقال‪" :‬إنها أشهر جامعة تكنولوجية في أميركا‪ ..‬ع ّ‬
‫ُ‬
‫ت استعمال "ريموت كونترول" الفضائيات؟"‪ .‬واصلت لجّننه‬
‫تستعينين بالشّغالة‪ ،‬كّلما أرد ِ‬
‫ُ‬
‫دة‪ ،‬ظ ّ‬
‫ل‬
‫م سأعّرج على جامعة "ميتشيغن"‪ ،‬وأعود عن طريق نيويورك"‪ .‬ليام ع ّ‬
‫أكثر‪" :‬ث ّ‬
‫ت جميلة هذه‬
‫وليد ُيهاتفني مساًء‪ ،‬بذريعة السؤال عني‪ُ .‬يغازلني بين جملتين "ماما‪ ..‬أن ِ‬
‫ُ‬
‫ك جميلة‪..‬‬
‫عمر‬
‫ك بالنسبة إلى‬
‫ك‪ ..‬لكني ح ّ‬
‫ِ‬
‫قا ً أجد ِ‬
‫اليام"‪ .‬يستدرك‪" :‬أنا ل أريد شيئا ً من ِ‬
‫أجمل من ُأمهات أصدقائي"‪ُ .‬أخفي ضحكتي "أدري أنه سيختم المكالمة سائل ً بلطف‪:‬‬
‫ك إلى نيويورك‪ ..‬پليز إنها حلمي"‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬علمت أن ابنة صديقتي‬
‫"ماما‪ ..‬خذيني مع ِ‬
‫ً‬
‫ت أن ُترافقني عوضا عن الولد‪ ،‬الذين كانوا سيهيجون‬
‫مترجمتي بارعة الحمر‪ ،‬التي ف ّ‬
‫ضل ُ‬
‫و ُ‬
‫ويتخّلوا عني في ولية من الوليات‪ ،‬تعرضت للبتزاز ا ُ‬
‫لمومي نفسه من قَِبل ابنتها‪،‬‬
‫ّ‬
‫المقيمة في كندا‪ ،‬كي ترافقها في هذه الجولة الجامعية‪ .‬بارعة ظلت ممسكة بيدي‬
‫وأعصابي‪ ،‬حتى عودتنا إلى مطار نيويورك‪ .‬وعلى الرغم من كونها تدّبرت المر‪ ،‬كي‬
‫نفترق‪ ،‬هي إلى مونتريال وأنا إلى باريس‪ ،‬من المطار نفسه‪ ،‬وفي رحلت متقاربة‪ ،‬ما‬
‫دعني وتختفي‪ ،‬حتى ضعت وأخلفت طائرتي‪ ..‬وقضيت الليل في انتظار طائرة‬
‫كادت تو ّ‬
‫ُأخـــرى‬

‫بطاقات معايدة‪ ..‬إليك‬

‫ ةةةة‬‫أغــار من الشياء التي‬
‫يصنع حضور َ‬
‫ك عيدها ك ّ‬
‫ل يوم‬
‫لنها على بساطتها‬

‬‬ ‫ ةةةة ةةةةةةة‬‫انتهى العام مرتين‬ ‫الثانية‪ ..‬لتنوب عنك‪..‬وال ُ‬ ‫بالوراق المل ّ‬ .‬‬ ‫بب َ‬ ‫ك؟‬ ‫الح‬ ‫فيه‬ ‫ل ينفضح‬ ‫ّ‬ ‫أخاف وشاية فتنتك‬ ‫بجبن ُأنثى لن ُأعايدك‬ ‫ُ‬ ‫ضل مكر الحتفاء بأشيائك‬ ‫أف ّ‬ ‫ككل عيد سأكتفي بمعايدة مكتبك‪..‬خبث ابتسامتك‬ ‫مكيدة رائحتك‪ .‬لنك لن تحضر‬ ‫ناب عنك حزن ُيبالغ في الفرح‬ ‫غياب ُيزايد ضوءا ً على الحاضرين‬ ‫ك ّ‬ ‫ل نهاية سنة‬ ‫يعقد الفرح قرانه على الشتاء‬ ‫يختبرني العيد بغيابك‬ ‫أمازلت داخلي تنهطل‬ ‫كّلما لحظة ميلد السنة‬ ‫تراشق ع ّ‬ ‫شاق العالم‬ ‫قبل‬ ‫ونة‪ ....‬‬ ‫مقعد سيارتك‬ ‫طاولة سفرتك‬ ‫مامك‬ ‫مناشف ح ّ‬ ‫شفرة حلقتك‬ ‫شراشف نومك‬ ‫أريكة صالونك‬ ‫منفضة تركت عليها رماد غليونك‬ ‫وك‬ ‫ربطة عنق خلعتها لت ّ‬ ‫ددك‬ ‫قميص معّلق على مشجب تر ّ‬ ‫صابونة مازالت عليها رغوة استحمامك‬ ‫فنجان ارتشفت فيه‬ ‫قهوتك الصباحّية‬ ‫جرائد مثنية صفحاتها‪ ..‬‬ ‫ابعث لي صوتك‪ .‬‬ ‫ ةةة‬‫ل أتوّقع منك بطاقة‬ ‫مثلك ل يكتب لي‪ ..‬بل يكتبني‬ ‫ابعث لي إذن عباءتك‬ ‫لتعايدني عنك‪..‫مقاربتك‬ ‫تملك حقّ ُ‬ ‫وعلى قرابتي بك‬ ‫ل أملك سوى حقّ اشتياقك‬ ‫ما نفع عيد‪.‬حسب اهتمامك‬ ‫ثياب رياضية عِلق بها عرقك‬ ‫حذاء انتعلته منذ ثلث سنوات‬ ‫لعشائنا الّول‪..

‬‬ ‫في السنة!‬ ‫تداعيات صيفية‬ ‫ت بيـــروت إلى"كــــان" في العتمة‪ ،‬على ضـــوء الشموع‪ ..‬في الليل‪ ،‬هاتفت صديقتي كي‬ ‫في العتمة‪ .‬فمن ن َِعم بيـــروت هذه‬ ‫غـــادر ُ‬ ‫اليام‪ ،‬إضافة إلى المن ال ْمستتب‪ ،‬النقطاع الكهربائي‪ ،‬أو با َ‬ ‫لحرى التقنين الكهربائي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ن علينا‬ ‫يم‬ ‫ونعمة‬ ‫طيبة‪،‬‬ ‫التفاتة‬ ‫ساعات‪،‬‬ ‫ست‬ ‫كل‬ ‫انقطاعها‬ ‫بعد‬ ‫الذي يجعل عودة الكهرباء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فل بعد ذلك مصائب‬ ‫وت نشرة الخبار المسائية‪ ،‬بحيث تتك ّ‬ ‫نف‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫من يعنيهم على القل‪،‬‬ ‫بها َ‬ ‫ُ ّ‬ ‫العاَلم وفواجعه‪ ،‬بكهربة مزاجنا‪ ،‬حتى ساعة عودة الكهرباء‪ ،‬الساعة السادسة صباحا‪ً.‬كان عليه‪ ،‬هو القادم من دون أمتعة سوى حقيبة يده‪ ،‬أن‬ ‫واكتشافي أ ّ‬ ‫ينتظرني أكثر من نصف ساعة‪ ،‬للتأكد من عدم وصولها في رحلة ُ‬ ‫م القيام‬ ‫ث‬ ‫أخرى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالجراءات اللزمة للتصريح بضياعها‪.‬‬ ‫وانشغلت شفتاك عني بال ْ ُ‬ ‫لمّرة تعال‪.‬وقد يكون الفرح قاتل ً حتى إذا كان المبتهج غيرك‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫دد بنفسي إجازة شّغالتي‪ ،‬توفيرا ً للوقت والمال‪..‫مجاملت‪.‬‬ ‫دفعت‪ ،‬سنوات ع ّ‬ ‫ول بعد ذلك إلى نصف نهار‪ ،‬قضيته محجوزة في انتظار وقف إطلق‬ ‫لكن نصف الساعة تح ّ‬ ‫النار‪ ،‬الذي ظ ّ‬ ‫ن كل الجهات‪ ،‬ابتهاجا ً بالتجديد لرئيس مجلس النواب اللبناني‪،‬‬ ‫م‬ ‫ل ُيدّوي‬ ‫ْ‬ ‫رئيسا ً للمّرة الرابعـــة‪.‬ففي إمكاننا تحويل‬ ‫هج إلى مآتـــم بسرعة رصاصة طائشة‪ ،‬مزدحمين بالموت‪ ،‬حتى في أفراحنا‪ ،‬ل‬ ‫مبا ِ‬ ‫ال ْ َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫جرة‪،‬‬ ‫نستطيع إل أن نموت ابتهاجا‪ .‬‬ .‬‬ ‫مله طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬كي أنقذ‬ ‫أتأ‬ ‫فقط‬ ‫أو‬ ‫كثيرة‪،‬‬ ‫أشياء‬ ‫فيه‬ ‫له‬ ‫أقول‬ ‫نصف ساعة‪ ،‬كان في إمكاني أن‬ ‫ّ‬ ‫مسّرة التي يتركها فينا أولئك الذين‪ ،‬ل ندري ونحن نلتقيهم‪ ،‬أننا نراهم للمّرة‬ ‫نفسي من ال ْ َ‬ ‫الخيــرة‪.‬‬ ‫يا الّلــه‪ ،‬كم قضى المسكين من الوقت على قلق‪ ،‬بعد وصولنا لحقا ً إلى نابولي‪،‬‬ ‫ن حقيبتي لم تصل‪ .‬فقد كنا في الوقت ال ْ ُ‬ ‫ْ‬ ‫مقّنن لعودة الكهرباء‪ ،‬جــاء في النشرة‬ ‫أشكرها على حجزي في عيادتها‪ .‬وكّلما تف ّ‬ ‫قد ُ‬ ‫الطابق الثالث خلف الزجاج‪ ،‬صاحت بي أن أبتعد عن النافذة‪ ،‬خشية أن تصيبني رصاصة‬ ‫جنت‪ ،‬إذ لم تطلق سراحي إل ّ بعد ثلث ساعات‬ ‫قد تخترق الزجاج‪ .‬‬ ‫صديقة طبيبة ُتقيم في المبنى المقابل للوزارة‪ ،‬لجأت إليها‪ ،‬منعتني من انتظار ابني في‬ ‫ت قدوم سيارته‪ ،‬وأنا واقفة في‬ ‫الشارع‪ ،‬ونصحتني بأن ُأهاتفه كي ل يحضر‪ .‬‬ ‫ن ثلثة مواطنين سقطوا برصاص‬ ‫ُ ّ‬ ‫المسائية‪ ،‬أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ميشيل حايك متشائما‪ ،‬وهو يقرأ علينا "فنجان لبنان" لهذه السنة‪ .‬‬ ‫قبلها بيومين‪ ،‬كنت في وزارة العمل‪ ،‬أج ّ‬ ‫فقد ُفوجئت منذ سنتين‪ ،‬بمدى شعبيتي في تلك الوزارة‪ ،‬بدءا ً من العسكري الواقف عند‬ ‫مدخلها‪ ،‬الذي لم يفْته سوى كتابي الخير‪ ،‬صعودا ً إلى الطوابق العليا‪ ،‬حيث بعض‬ ‫محّبي الدب‪ ،‬أو أساتذة جامعيين‪ ،‬مثل مستشار الوزير‪ ،‬الدكتور نبيل‬ ‫المسؤولين‪ُ ،‬‬ ‫الخطيب‪ ،‬الذي سبق أن دّرس أعمالي في الجامعة اللبنانية‪ ،‬ما أتاح لي إنجاز معاملتي‬ ‫في نصف ساعة‪ ،‬أمام "فنجان قهوة"‪ ،‬شرف ل يعرفه الكاتب العربي إل ّ في لبنان‪ ،‬بعدما‬ ‫دة‪ ،‬مئة دولر‪ ،‬لوسيط كان يأتيني برخصة العمل بعد يومي‪.‬‬ ‫متح‬ ‫وصلتها‬ ‫من الحجز‪ ،‬بعد أن طلبت سيارة ُأجرة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫مع ّ‬ ‫درج‬ ‫طل‪ ،‬ضّيفني أحدهم مبتهجًا‪ ،‬حلويــات‪ ،‬تناولت قطعة منها ونزلت ال ّ‬ ‫أمام المصعد ال ْ ُ‬ ‫مقّنن للنقطاع الكهربائي‪ .‬فأثناء الوقت ال ُ‬ ‫ْ‬ ‫جم اللبناني‬ ‫من‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫بدا‬ ‫لماذا‬ ‫أدركت‬ ‫البهجة‪.‬‬ ‫تفاديا ً لثام ِنفاق آخر ليلة‪.‬فهنا ل يكفي أن تنجو من سيارة مفخخة‪ ،‬أو عبوة متف ّ‬ ‫بل عليك أيضا ً أن تحذر البهجة‪ .‬خلتها من ذعرها أنها ُ‬ ‫دية الطلقات ال ُْ‬ ‫متقطعة للنيران‪.‬‬ ‫في مطار ميلنو‪ ،‬حيث قضيت ساعة ونصف الساعة‪ ،‬بين طائرتين‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت أنني توّقفت‬ ‫في المطار إّيـاه مع الشهيد سمير قصير‪ ،‬ونحن في طريقنا في شهر مارس الماضي‪ ،‬إلى‬ ‫نابولي‪ ،‬لحضور معرض الكتاب‪..

‬‬ ‫ي" فهذه الصفحة‪،‬‬ ‫ن على "الكرس ّ‬ ‫ويخترن أرقى المجوهرات‪ ،‬شرط أل ّ يستغفلَنني ويسطي َ‬ ‫للتذكير‪ ،‬أحتّلها في انتظار أن ُأورثها لبني‪.‫سميــــر‪ ،‬لم ُأجالسـك كثيرًا‪ ،‬وأنت حــي‪ ،‬ول مشيت في جنازتك ميتًا‪ .‬جمعتنا الندوات‬ ‫أكثر من مرة‪ ،‬وجمعنا هذا المطار مّرة واحدة‪ .‬أرخص ما يكون إذا غل"‬ ‫ت الكتابة في "زهرة الخليج"‪ ،‬منذ ما يقارب الثلث سنوات‪ ،‬وأنا أتحاشى التوّقف‬ ‫مــذ بدأ ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عند العلنات‪ ،‬التي "يخزي العين"‪ ،‬تمل المجلة حتى يفيض بها غلفها أحيانا إلى غلفين‪.‬‬ ‫ي‪ ،‬وشهادة بنجاح‪ ،‬قّلما تحظى به مطبوعة‪ ،‬فقد كان في هذا‬ ‫وإذا كان في هذا جــاه إعلم ّ‬ ‫المر قصاصي‪ ،‬إذ كان لبد أن أتعّثر بين صفحة وُأخرى‪ ،‬بدعاية لسلعة‪ ،‬ل يفوق ثمنها‬ ‫إمكاناتي‪ ،‬بقدر ما يفوق ما يسمح لي حيائي بإرفاقه على الكماليات‪..‬لــــــذا‪ ،‬ما ظننت َ‬ ‫ك ستكون هنا لُتواصل‬ ‫المشي معي فيه بين طائرتين‪.‬‬ ‫ولطفــا ً مني‪ ،‬سأسمح للزميلت بأن يتناوبن على صفحتي ليؤثثن بيوتهن ويقتنين سّيارات‪...‬‬ ‫فف عن النبهار بها‪،‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬قّلما كنت أتنّبـه لغلئها‪ ،‬لني كنت بتجاهلها‪ ،‬والتع ّ‬ ‫أسترخصها وكنت أظنني ابتدعت فلسفة في مقاومة مثل هذه الغراءات‪ ،‬حتى قرأت قول‬ ‫المتنبي‪:‬‬ ‫ي تركته ‪ ---‬فيكون أرخص ما يكون إذا غل"‬ ‫"وإذا غل شيء عل ّ‬ ‫فازددت إيمانا ً بعظمة شاعر‪ ،‬ما ترك حكمة إل ّ وسبقنا إلى قولها بما هو أفصح‪.‬‬ ‫أعـــود إلى الخبر الذي جــاء من روسيا‪ ،‬الذي يقول إنه‪ ،‬نظرا ً للوضع القتصادي الســوأ‬ ‫الذي تعرفه البلد‪ ،‬اعتاد المديرون الذين ل تتوافر لهم السيولة المادية‪ ،‬دفــع ُأجــور‬ ‫ن بعض الشركات تدفع ُأجــور المو ّ‬ ‫ظفين من‬ ‫موظفيهم بما يتوافر تحت أيديهــم‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ددت أجــور موظفيها بمنح كل‬ ‫البضائع التي تنتجها فشركة لنتاج ماكينات الخياطة‪ ،‬س ّ‬ ‫منهم ماكينة خياطة‪ ،‬بينما دفع مصنع لنتاج الفودكا ‪ 10‬زجاجات فودكا‪ ،‬أجرا ً شهريا ً لك ّ‬ ‫ل‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫صديقي‪ ،‬الذي أصبح بموته صديقي‪ ،‬يا للحماقــــــة‪ .‬‬ ‫ن‬ ‫فازددت إيمانا ً بعظمة شاعر‪ ،‬ما ترك حكمة إل ّ وسبقنا إلى قولها بما هو أفصح غير أ ّ‬ ‫من لي احتياجاتي من لوازم وكماليات نسائية‪،‬‬ ‫خبرًا‪ ،‬قرأته مؤخرًا‪ ،‬أوحى لي بفكرة قد تؤ ّ‬ ‫دون الشعور بالذنب أو الوقوع في ف ّ‬ ‫خ الستهلك‪ ،‬وذلك بتقاضي راتبي مباشرة على هيئة‬ ‫حاجات وبضائع معروضة في العلنات‪ ،‬مادامت من "حواضر البيت"‪ ،‬وبعض ما تفيض به‬ ‫خزائن "زهرة الخليج"‪ ،‬وواجهاتها من سلع أحتاج إليها في مواسم العياد‪ ،‬بعد أن اعتدت‬ ‫أن ُأنفق دخلي على البيت والولد‪ ،‬وعلى المحتاجين حولي من عباد وحان‪ ،‬حسب نصيحة‬ ‫ن في تدليلها على ما يبدو‬ ‫حّنا مينة في إحدى المّرات‪ ،‬أن أكتسب عادة تدليل نفسي‪ ،‬ل ّ‬ ‫منفعة أدبية! ولنني أتوّقع أن تكون معظم زميلتي في المجلة في وضعي‪ ،‬فإنني أحثهن‬ ‫على مساندة عرضي‪ ،‬ومطالبة مدير التحرير بدفع معاشهن بعد الن‪ ،‬ساعات ومجوهرات‬ ‫مطالبة‪ ،‬بأل ّ تظ ّ‬ ‫ل علقة‬ ‫وعباءات‪ ،‬وثياب سهرة وعطورا ً وسيارات‪ ،‬بل إنني أذهب حد ّ ال ْ ُ‬ ‫معلنين‪ ،‬ذلك أنني قررت أن تكون‬ ‫ك ُّتاب المجّلة مقتصرة على مدير التحرير‪ ،‬بل تمتد إلى ال ْ ُ‬ ‫ّ‬ ‫معلن عنها في الصفحة المواجهة لصفحتي‪ ،‬بعدما تأكدت بعد‬ ‫مكافأتي‪ ،‬من ضمن السلع ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫التدقيق أنها الثمـن‪.‬‬ ‫مص ّ‬ ‫وحدها تمشي بيننا ُ‬ ‫"تذ ّ‬ ‫كروا‪" .‬في الزمن الضائع‪ ،‬بحثا عن الحقيبة‪،‬‬ ‫وبت طلقتها نحو قلم َ‬ ‫ك الوســـيم‪ ،‬ومازالت‬ ‫كان أجدى بنا البحث عن الحقيقة‪ ،‬تلك التي ص ّ‬ ‫فحة ضـد ّ الرصاص‪.

.‬فأنا أحب أن أحتل بيتك بشرعية الشّغالت‪...‬أن أبحث خلف عنكبوت الذكريات عن‬ ‫أسرارك القديمة المخبأة في الزوايا‪ .‬على‬ ‫مناشفك وأدوات حلقتك وأشيائك الفائقة الترتيب‪ .‬‬ ‫***‬ ‫أريد أن أكون ليوم شّغالتك‪ ،‬لقوم بتعقيم أدوات جرائمك العشقية بالمطهرات‪ ،‬وأذيب‬ ‫بّرادك من دموعي المجلدة‪ ،‬مكعبات لثلج سهرتك‪ .‬والعطور من‬ ‫ح ّ‬ ‫ن ل حاجة لهم إلى تلك "البضاعة"‪ ،‬مذ أثبت‬ ‫أ‬ ‫بذريعة‬ ‫المجلة‪،‬‬ ‫في‬ ‫العاملين‬ ‫الرجال‬ ‫نصيب‬ ‫ّ‬ ‫ن "المرأة تحيض‪ .‬‬ ‫وكـ ّ‬ ‫ل عـام وأنتـم وُأســرة "زهرة الخليج" بخيـر‬ ‫تشي ب َ‬ ‫ك شفاهُ الشياء‬ ‫ك"‪.‬‬ ‫أحب‪ ..‬كأكاذيب نسائية‪.‬‬ ‫***‬ ‫أحب في غيبتك‪ ،‬أن أختلي بعالمك الرجالي‪ ،‬أن أتفرج على بدلت خلفاتنا المعلقة في‬ ‫خزانة‪ ،‬وقمصان مواعيدنا المطوية بأيدي شّغالة فلبينية‪ ،‬ل تدري كم يحزنني أن تسّلم‬ ‫رائحتك للصابون‪..‬وأحزمتك الجلدية‪ ..‬وكنت أتجسس على مغطس حمامك‪ .‬أن أخفيها‬ ‫الفاخرة المحفوظة في أكياسها القطنية‪ ،‬ع ّ‬ ‫عنك‪ ،‬كي أمنعك من السفر‪) .‬‬ ‫ن بعض الشركات اعتمدت التعامل بالمقايضة في ما بينها‪ ،‬حتى إن ‪ 300‬طبيب‬ ‫كما أ ّ‬ ‫ومو ّ‬ ‫ظف وجدوا أنفسهم في حيرة‪ ،‬ل يدرون كيف "ينفقون" معاشهم‪ ،‬الذي هو ثلثة أطنان‬ ‫قاها ك ّ‬ ‫ل واحد منهم من المستشفى الذي يعملون فيه‪.‬بحذاء؟(‪...‬وربطات عنقك‪ .‬أن أتفقد حالة أريكتك‪ ،‬في شبهة جلستها المريحة‪..‬‬ ‫قي شركة‪ ،‬تعمل في تقطيع الخشاب وبيعها‪،‬‬ ‫ي مشروعي‪ ،‬فتل ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫ما ما فاجأني وأفسد عل ّ‬ ‫صناديق حفاضات نسائية بدل د َْيــن لها على إحدى الشركات!‬ ‫وقد شغلني هذا الخبــر‪ ،‬حتى رحــت أبحث في أعداد المجّلة عن إعلن لماركة شهيرة‬ ‫قي معاشنا صناديق‬ ‫ن كاتبات المجّلة‪ ،‬بتل ّ‬ ‫لهذه الحفاضات‪ ،‬خشية أن ينتهي بنا المر‪ ،‬نح ُ‬ ‫فاضات نسائية ُترسل إلينا شهريًا‪ ،‬ما سيجعل المجوهرات والسّيارات‪ .‫عامل‪ ،‬وهي بضائع يمكن مقايضتها في السواق بالمواد الغذائّية‪..‬فقبلك كنت أجهل أن نيرون يحترف‬ ‫العدالة‪ .‬والرجل‬ ‫الزعيم الليبي في أحد فصوله الشهيرة في "الكتاب الخضر" أ ّ‬ ‫ل يحيض"!‬ ‫لـــذا يبدو أنه مكتوب علينا‪ ،‬حتى في العياد‪ ،‬أن نواصل إنفاق دخلنا على البيت والولد‪.....‬أن أستجوب أحذيتك‬ ‫ما علق بنعالها من خطى خطاياك‪ .‬التجسس على جواريرك‪ .‬أن أنتحل صفة‬ ‫من يومها‪ ،‬وأنا أفكر في طريقة أرشو بها ب ّ‬ ‫تجيز لي في غيبتك دخول مغارتك الرجالية‪ .‬على جواربك‪ .‬أن أجمع نسخ كتبي الكثيرة‪ ،‬من‬ ‫رفوف مكتبتك‪ ،‬منعا لنفضاحي بك‪ ..‬أجبت "وأحلم بأن أفتح بيتي فألقا ِ‬ ‫وابك كي ينساني مرة عندك‪ ..‬‬ ‫***‬ ‫تروق لي وشاية أشيائك‪ .‬جرائدك المثنية حسب اهتمامك‪ ..‬‬ ‫أن أنفض سجاد غرفة نومك من غبار نسائك‪ .‬‬ ‫أن أمسح الغبار عن تحفك التذكارية‪ ،‬عسى على رف المصادفة تفضحك شفاه الشياء‪..‬‬ ‫من أسمدة رَوث الحيوانات‪ ،‬تل ّ‬ ‫كجزء من ُأجورهم المتأخرة‪..‬ومنعا لغرائك أخريات بي‪ ...‬مطالعاتك الفلسفية‪ ،‬وكتب‬ ‫في تاريخ المعتقلت العربية‪ ،‬وأخرى في القانون‪ ....‬هل حاولت امرأة قبلي اعتقال رجولتك‪ ..‬‬ ‫بالتفّرج على أحلمنا المعروضة في العلنات‪...‬وعلى الماركات الكثيرة لعطورك‪،‬‬ .‬‬ ‫قلت لك مرة‪" :‬أحلم بأن أفتح باب بيتك معك"‪ .

‬وأن أسهر برفقة برنامجك‬ ‫السياسي‪ .‬ارتداء عباءتك‪ ....‬ذلك الذي تتناتف فيه الديكة‪ .‬ثم أغفو منهكة‪ ،‬على شراشف نومك‪.‬‬ ‫***‬ ‫كم يسعدني استغفال أشيائك‪ .‬آه لو استطعت مد ّ فوطاي‪ .‬أو‬ ‫متع ُنقاطع دون أخرى؟‬ ‫ن نستمع؟ وأية ُ‬ ‫نتحاشى المرور بها؟ وأي كتب نطالع؟ وليّ أغا ٍ‬ ‫شفائنا؟ أبالع ّ‬ ‫طارين وقارئات الفنجان‪ ،‬على طريقة نـــــزار؟‬ ‫جل في ِ‬ ‫من نستنجد كي ُنع ّ‬ ‫وب ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ميات من النساء؟ أم بالحلقين وبائعي‬ ‫س َ‬ ‫أم بالمشعوذين وال ّ‬ ‫حَرة‪ ،‬على طريقة ال ّ‬ ‫ممي الزياء‪ ،‬كما تفعل الثرّيات من النساء؟‬ ‫مص ّ‬ ‫المجوهرات و ُ‬ ‫ت قرأت أن ال ّ‬ ‫ولت المرأة ويشي بتغّيراتها النفسية‪ ،‬وتقّلبات مزاجها‬ ‫وكن ُ‬ ‫شعر يسرد تح ّ‬ ‫العاطفي فتسريحة ال ّ‬ ‫ب‪،‬‬ ‫حــ ّ‬ ‫صة ُ‬ ‫صته‪ ،‬هي أول ما ُتغّيرها المرأة عند نهاية ق ّ‬ ‫شعر ولونه وق ّ‬ ‫أو بداية علقة جديدة‪ ،‬كما لُتعلن أنها أصبحت امرأة أخرى‪ ،‬وأنها‪ ،‬كما الزواحف‪ ،‬غّيرت‬ ‫جلدهـــا‪ ،‬وخلعت ذاكرتها‪.‬ول قلبًا!‬ ‫وفي المقابل‪ ،‬أذكر أنني قرأت‪ ،‬أثناء الحملة النتخابية لبوش البن‪ ،‬ثناًء على زوجته‪،‬‬ ‫بصفتها امرأة رصينة وذات مزاج ثابت‪ ،‬حتى إنها لم تغّير تسريحتها منذ زواجها وعلينا أن‬ ‫نستنتج أن السيدة الميركية ا ُ‬ ‫لولى‪ ،‬عكس هيلري كلينتون‪ ،‬التي بدأت مؤخرا ً تصول‬ ‫وتجول عاطفيًا‪ ،‬انتقاما ً مما ألحقه بها بيــل من أذى‪ ،‬هي امرأة وفّية‪ ،‬لم تعرف في حياتها‬ ‫ُ‬ ‫مـــه بـربــــــارة‪ ،‬التي أعطته تربية تليق‬ ‫ي للقيم الميركية‪ ،‬ول ّ‬ ‫سوى ذلك المخلوق الوف ّ‬ ..‬‬ ‫أن أتناول فطور الصباح في فناجين قهوتك‪ .‬على موسيقاك‪ .‬ل حاجة لي إليك‪...‫وأتساءل‪ :‬أعاجز أنت حتى عن الوفاء لعطر؟‪..‬‬ ‫إني أتطابق معك بحواس الغياب‪..‬‬ ‫صصت غلفها‪ ،‬لحثنا في هذا الصيف على تناول الكافيار‬ ‫إذا كان ث ّ‬ ‫مة مجلت قد خ ّ‬ ‫ُ‬ ‫والسومون والصدف والشوكولتة‪ ،‬بصفتها أطعمة تفتح القابلية على ملذات أخرى‪ ،‬عليها‬ ‫من ل يملك منا ثمن هذه الطعمة الفاخرة‪ ،‬ول يملك حبيبا ً يتناولها من‬ ‫أن تقول أيضا ً ل ِ َ‬ ‫أجله‪ ،‬ماذا عليه أن يلتهم ليقمع رغبات جسده؟ وبماذا تنصحنا أن نأكل في فترة نقاهتنا‬ ‫العاطفية‪ ،‬وماذا نرتدي من ثياب معّلقة في خزانة الذكريات؟ وأّية أمكنة نزور للنسيان‪ .‬وفرد أوراقي على مكتبك‪ ..‬‬ ‫دع لي بيتك وامض‪ .‬وكتابة مقالي‬ ‫القادم في انتظار أن تفتح الباب‪.‬انتعال خفيك‪ ...‬الجلوس على مقعدك‬ ‫الشاغر منك‪ ..‬‬ ‫وإذا كان في هذا الكلم‪ ،‬الذي يجزم به علماء النفس‪ ،‬من صحة‪ ،‬فإن أكثر النشرات‬ ‫العاطفية تقّلبًا‪ ،‬تعود للمطربة اللبنانية مادونـــــا‪ ،‬التي منذ عشر سنوات‪ ،‬وهي تط ّ‬ ‫ل علينا‬ ‫أسبوعيًا‪ ،‬بتسريحة أكثر غرابة من الولى‪ ،‬حتى ما عدنا نعرف لها شكل ً ول لونًا‪ ..‬‬ ‫تعالو انقاطع الحب‬ ‫ل أفهــم أن يكون للحب عيده‪ ،‬ول يكون للفراق عيد أيضًا‪ ،‬يحتفل فيه العشاق بالقطيعة‪،‬‬ ‫كما لو كانت مناسبة سعيدة‪ ،‬ل مناسبة للحتفال بالنكد على طريقة أخينا‪ ،‬الذي يغني "عيد‬ ‫م من المجلت‪ ،‬التي تتسابق إلى تعليمنا‪ ،‬كيف‬ ‫ميلد جرحي أنا" ول أفهم كيف أن هذا الك ّ‬ ‫نحب‪ ،‬وماذا نأكل من الطعمة المثيرة للشهوة‪ ،‬وماذا نرتدي في المناسبات الحميمة‪ ،‬لم‬ ‫ب‪ ،‬ول الحتفاظ برأسنا‬ ‫تفكر في نجدتنا بمقالت تعّلمنا كيف نتفادى الوقوع في هذا المط ّ‬ ‫فوق الماء إن نحن غرقنا‪ ،‬وكيف نتداوى من عاداتنا العشقية السيئة‪ ،‬بإيقاف تلك الساعة‬ ‫الداخلية فينا‪ ،‬التي تجعلنا نواصل العيش بتوقيت شخص‪ ،‬ما عاد موجودا ً في حياتنا‪..

‬والطبقات!‬ .‬فنقع دائما ً على المراء المزّيفين‬ ‫مجاِزفات‬ ‫ش دائما ً بالمظاهر؟ أم العيب في الرجال الذين حين نقصدهم ُ‬ ‫أحلمنا لننا ن ُغَ ّ‬ ‫بكبريائنا وسمعتنا‪ ،‬عسانا نبني معهم مستقبلنا‪ ،‬يتبّين لنا أنهم مجّرد ضفادع تمل البركة‬ ‫نقيقًا‪ ،‬وتشهد "البرمائيات" الذكورّية علينا؟ نحن حسب كاتبة‪ ،‬نعيش الخرافة مقلوبة "ما‬ ‫ول إلى ضفدع"!‪.‬يسترق من نومها ُقبلة‪ ..‬وأبطلتا السحر الذي‬ ‫ّ‬ ‫ألحقته به ساحرة شريرة‪.‬أهي الخرافات التي ماتت؟ أم مات وهمنا بها‪ ،‬ونحن‬ ‫نرى الخيبات تجفف ِبرك أمانينا‪ ،‬وتلغي احتمال مصادفتنا ضفدعا ً مسحورًا؟‬ ‫ك أين الخلل‪ ،‬أفينا‬ ‫تسألني صديقتي الجميلة الرصينة التي ما توقعت أن تنتهي عانسًا‪" :‬بَرب ّ ِ‬ ‫لن ل صبر لنا على اكتشاف أمير يختفي خلف ضفدع‪ .‬قبلة ُتنهي مفعول لعنة‪.‫برئيس قادم للوليات المتحدة‪ ،‬فذهبت حتى تعليمه‪ ،‬كيف يمضغ جيدا ً الكعك الذي يتسّلى‬ ‫بتناوله أمام التلفزيون فرؤســــــاء أميركا مضطرون إلى التهــام الكعك‪ ،‬أثناء متابعتهم‬ ‫الخبــــــار‪ ،‬بسبب الكتئــاب الذي يصيبهم من أخبارنا والتعاطي بشؤوننا‪ ،‬حتى إن الكاتب‬ ‫ن التصالت مع وزارة الخارجية أشبه‬ ‫جونثان ستيل‪ ،‬ينقل عن الرئيس كينــدي قوله‪" ،‬إ ّ‬ ‫مة علقة بين الكل وحالت التوّتـــر وال َْ‬ ‫ملل الجسدي‬ ‫مـ َ‬ ‫دة!" ذلك أ ّ‬ ‫خــ ّ‬ ‫نث ّ‬ ‫بالمجامعة مع َ‬ ‫من يتداوى منها بالهجوم على البراد‪ ،‬أو‬ ‫ول ّ‬ ‫مة َ‬ ‫ن القطيعة العاطفية تصيب بالكتئاب‪ ،‬فث ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب‪،‬‬ ‫حــ‬ ‫مــن‬ ‫فقدناه‬ ‫بما‬ ‫الزائــد‪،‬‬ ‫وزننا‬ ‫يشي‬ ‫ما‬ ‫ا‬ ‫كثير‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫وهنا‬ ‫الثياب‬ ‫محال‬ ‫إلى‬ ‫باللجــوء‬ ‫ِ‬ ‫ُ ّ‬ ‫وتفيض خزانتنا بثياب اقتنيناها لحظة ألم عاطفي‪ ،‬قصد تجميل مزاجنا‪ ،‬عندما فرغت‬ ‫مف ّ‬ ‫مل لها‪ ،‬بينما يهجم البعض الخر على الهاتف‪ُ ،‬يحــــادث‬ ‫كرتنا من مواعيد‪ ،‬ماعدنا نتج ّ‬ ‫الصديقات والصدقاء‪ ،‬ويشغل نفسه عن صوت لن يأتي‪ ،‬لشخص وحده يعنيه‪.‬ل يقاوم إغراء‬ ‫فتنتها‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صة ُأخرى قرأتها‪ ،‬أيضا‪ ،‬بالفرنسية أيام طفولتي‪ ،‬عشت طويل‪ ،‬على حلم الصور الزاهية‬ ‫ق ّ‬ ‫قبلة التي تضعها حسناء على فم ضفدع جميمل وحزين‪ ،‬وإذا به‬ ‫التي رافقتها‪ ،‬ومعجزة ال ُ‬ ‫يتحول إلى أمير‪ ،‬بعد أن نفخت فيه تلكما الشفتان ا ُ‬ ‫لنثويتان الرجولة‪ .‬وإذا بها تستيقظ من نوم دام دهرًا‪ ...‬‬ ‫ما الذي حدث منذ زمن أحلمنا تلك‪ .‬ما يجعل النساء يجزمن أ ّ‬ ‫ول على يـــد ساحرة أفريقية إلى‬ ‫وإل ّ كيف وهو ابن إحدى أجمل نساء الكون‪ ،‬يقَبل أن يتح ّ‬ ‫خر الجميع من غبائه ومن جهله‪ ،‬ونحن في هذا‬ ‫ضفدع يشغل أغلفة مجلت العالم‪ ،‬وَيس َ‬ ‫الزمان الذي تصطاد فيه الضفادع ا ُ‬ ‫لمراء على متن الطائرات؟ فوائد "الواقي" في‬ ‫العلقات عابرة القاّرات‪ .‬‬ ‫مبتليات بالهاتف أقول‪ ،‬إن الحمية العاطفية تبدأ بريجيم هاتفي‪ ،‬وبالمتناع‬ ‫وللقـــارئات ال ْ ُ‬ ‫ن المرأة ل‬ ‫عن الشكوى إلى الصديقات‪ ،‬عمل ً بنصيحة أوسكار وايلد‪ ،‬الذي كان يقول‪" :‬إ ّ‬ ‫ُتواسي امرأة أخرى‪ .‬‬ ‫قّبلنا رجل ً إل ّ تح ّ‬ ‫طبعــًا‪ ،‬ليست كل النساء في ح ّ‬ ‫ظ تلك المضيفة الغابونّية‪ ،‬ذات الفم المخيف كفكّ‬ ‫ي عهد‬ ‫مفترس‪ ،‬التي استطاعت ب ُ‬ ‫قبلة‪ ،‬وأكثر حتمًا‪ ،‬أن تلتهم أميرا ً بكامله وُتنجب منه ول ّ‬ ‫لمارة موناكو!‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫الضفدعة(؟‬ ‫)أو‬ ‫الضفدع‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫المير؟‬ ‫من‬ ‫المرء‬ ‫يدري‬ ‫ل‬ ‫بالذات‪،‬‬ ‫القصة‬ ‫في هذه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫صة كهذه في أوائل القرن الحادي‬ ‫ور ق ّ‬ ‫الساحرة الشّريرة؟ فل أعرف خرافة ذهبت حد ّ تص ّ‬ ‫ن هذه المخلوقة الفريقية"عملت عمل" للمير ألبير‪.‬‬ ‫والعشرين‪ .‬‬ ‫فقد حكمت ساحرة شريرة على الحسناء الجميلة بالنوم‪ ،‬ووحده ذلك الثغر كان في إمكانه‬ ‫إيقاظها من سباتها‪.‬إل ّ لتعرف أسرارها‬ ‫توقفن عن تقبيل الضفادع!‬ ‫دق تلك الروايات الفلكلورية القديمة التي‬ ‫هل انتهى الفعل السحري لل ُ‬ ‫قَبل‪ ،‬وما عدنا ُنص ّ‬ ‫ُتغّير بقبلة حياة أبطالها؟ يمّر أمير بغابة مسحورة‪ ،‬ويقع نظره على الجميلة النائمة تحت‬ ‫شجرة في دانتيل ثوبها الفضفاض‪ ،‬وقد تناثر شعرها الذهبي على العشب‪ .

‫ذ ّ‬ ‫كرني بمأساة النساء في بحثهن اليوم عن رجل بين الضفادع‪ ،‬تلك الرواية الكوميدية "لبد‬ ‫ً‬ ‫من تقبيل كثير من الضفادع"‪ ،‬التي كتبْتها‪ ،‬انطلقا من حياتها الحقيقية‪ ،‬الممثلة الميركية‬ ‫ب‪ ،‬الشهرة والضواء‪ ،‬ونسيت في غمرة مشاغلها‬ ‫لوري غراف‪ ،‬حيث استبدلت بالبطلة الح ّ‬ ‫ن العمر قد مّر من دون أن تبني‬ ‫البحث عن حبيب ُتواصل معه حياتها‪ ..‬وأل ّ تندفع في ُ‬ ‫طموح خادع‪ ،‬مغشوشة بأضواء تنكشف في النهاية‬ ‫سَراب"‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جل ََبة‪ ،‬ل ُتخفي رجال ً‬ ‫ن الضفادع التي ُتكثر من النقيق وال َ‬ ‫النساء أيضا أصبحن ُيدركن باكرا‪ ،‬أ ّ‬ ‫ول فرسانا ً ول ُأمراء‪ .‬وأبطلتا السحر الذي‬ ‫ّ‬ ‫ألحقته به ساحرة شريرة‪.‬وإذا بها تستيقظ من نوم دام دهرًا‪ .‬وتنتهي الكاتبة في روايتها‬ ‫على فارس أحلمها‪ .‬كما في تلك الق ّ‬ ‫إلى القول‪" :‬إذا كان الضفدع قد أصبح حلم كل امرأة‪ ،‬تبحث عن شريك الحياة المثالي‪،‬‬ ‫ح َ‬ ‫ول إلى ُأمراء‬ ‫فإنه يتعّين على المرأة أن تتو ّ‬ ‫ذر‪ ،‬وُتدرك أ ّ‬ ‫خى ال َ‬ ‫ن الضفادع قد ل تتح ّ‬ ‫الحلم إل ّ في الخرافات‪ .‬وعندما انتهى الطبيب بعد‬ ‫الذي قَ َ‬ ‫مغادرًا‪ ،‬توّقف عند‬ ‫الستشارة‬ ‫ثمن‬ ‫المريض‬ ‫ودفع‬ ‫كذلك‪،‬‬ ‫ليس‬ ‫نه‬ ‫بأ‬ ‫إقناعه‬ ‫إلى‬ ‫طويل‬ ‫جدل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ن‬ ‫الباب ليقول له "دكتور‪ .‬‬ ‫ما الذي حدث منذ زمن أحلمنا تلك‪ .‬بل وأنهم فرسان أحلم النساء‪ ،‬ويجوز‬ ‫ن كيفما شاؤوا‪ ،‬وهو ما ُيذ ّ‬ ‫كرني بنكتة ذلك المريض‪،‬‬ ‫ن ومشروعاته ّ‬ ‫لهم العََبث بمشاعره ّ‬ ‫صد َ الطبيب النفسي ليشكوه اعتقاده أّنـه حّبـة قمح‪ .‬أهي الخرافات التي ماتت؟ أم مات وهمنا بها‪ ،‬ونحن‬ ‫نرى الخيبات تجفف ِبرك أمانينا‪ ،‬وتلغي احتمال مصادفتنا ضفدعا ً مسحورًا؟‬ ‫ك أين الخلل‪ ،‬أفينا‬ ‫تسألني صديقتي الجميلة الرصينة التي ما توقعت أن تنتهي عانسًا‪" :‬بَرب ّ ِ‬ ‫لن ل صبر لنا على اكتشاف أمير يختفي خلف ضفدع‪ .‬‬ ‫عن َ‬ ‫ْ‬ ‫مراهنة النساء على إمكانية العثور على رجل بين الضفادع‪،‬‬ ‫في‬ ‫عاد‬ ‫ما‬ ‫كل‪،‬‬ ‫مش‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ِ‬ ‫غير أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بقدر ما هو في اعتقاد بعض الضفادع أنهم رجال"‪ .‬أنا اقتنعت تماما بإنني لست حّبة قمح‪ ،‬لكن ما ُيخيفني أ ّ‬ ‫دجاجات ل يعلمن ذلك!"‪.‬فنقع دائما ً على المراء المزّيفين‬ ‫مجاِزفات‬ ‫ش دائما ً بالمظاهر؟ أم العيب في الرجال الذين حين نقصدهم ُ‬ ‫أحلمنا لننا ن ُغَ ّ‬ ‫بكبريائنا وسمعتنا‪ ،‬عسانا نبني معهم مستقبلنا‪ ،‬يتبّين لنا أنهم مجّرد ضفادع تمل البركة‬ ‫نقيقًا‪ ،‬وتشهد "البرمائيات" الذكورّية علينا؟ نحن حسب كاتبة‪ ،‬نعيش الخرافة مقلوبة "ما‬ ‫ول إلى ضفدع"!‪.‬ل يقاوم إغراء‬ ‫فتنتها‪ .‬‬ ‫قّبلنا رجل ً إل ّ تح ّ‬ ‫طبعــًا‪ ،‬ليست كل النساء في ح ّ‬ ‫ظ تلك المضيفة الغابونّية‪ ،‬ذات الفم المخيف كفكّ‬ ‫ي عهد‬ ‫مفترس‪ ،‬التي استطاعت ب ُ‬ ‫قبلة‪ ،‬وأكثر حتمًا‪ ،‬أن تلتهم أميرا ً بكامله وُتنجب منه ول ّ‬ ‫لمارة موناكو!‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫الضفدعة(؟‬ ‫)أو‬ ‫الضفدع‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫المير؟‬ ‫من‬ ‫المرء‬ ‫يدري‬ ‫ل‬ ‫بالذات‪،‬‬ ‫القصة‬ ‫في هذه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ..‬وحدها تلك الضفادع ل تعرف ذلك!‬ ‫توقفن عن تقبيل الضفادع!‬ ‫دق تلك الروايات الفلكلورية القديمة التي‬ ‫هل انتهى الفعل السحري لل ُ‬ ‫قَبل‪ ،‬وما عدنا ُنص ّ‬ ‫ُتغّير بقبلة حياة أبطالها؟ يمّر أمير بغابة مسحورة‪ ،‬ويقع نظره على الجميلة النائمة تحت‬ ‫شجرة في دانتيل ثوبها الفضفاض‪ ،‬وقد تناثر شعرها الذهبي على العشب‪ ..‬‬ ‫فقد حكمت ساحرة شريرة على الحسناء الجميلة بالنوم‪ ،‬ووحده ذلك الثغر كان في إمكانه‬ ‫إيقاظها من سباتها‪.‬قبلة ُتنهي مفعول لعنة‪.‬وعندما تنّبهت إلى أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫من تصادفه من رجال و"ُتقّبل كثيرا ً من الضفادع" عساها تعثر بينها‬ ‫أسرة‪ ،‬راحت تختبر َ‬ ‫صة الفلكلورية الشهيرة‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صة ُأخرى قرأتها‪ ،‬أيضا‪ ،‬بالفرنسية أيام طفولتي‪ ،‬عشت طويل‪ ،‬على حلم الصور الزاهية‬ ‫ق ّ‬ ‫قبلة التي تضعها حسناء على فم ضفدع جميمل وحزين‪ ،‬وإذا به‬ ‫التي رافقتها‪ ،‬ومعجزة ال ُ‬ ‫يتحول إلى أمير‪ ،‬بعد أن نفخت فيه تلكما الشفتان ا ُ‬ ‫لنثويتان الرجولة‪ .‬يسترق من نومها ُقبلة‪ .

‬‬ ‫عن َ‬ ‫ْ‬ ‫مراهنة النساء على إمكانية العثور على رجل بين الضفادع‪،‬‬ ‫في‬ ‫عاد‬ ‫ما‬ ‫كل‪،‬‬ ‫مش‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ِ‬ ‫غير أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بقدر ما هو في اعتقاد بعض الضفادع أنهم رجال"‪ ..‬‬ ‫ال ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جل ََبة‪ ،‬ل ُتخفي رجال ً‬ ‫ن الضفادع التي ُتكثر من النقيق وال َ‬ ‫النساء أيضا أصبحن ُيدركن باكرا‪ ،‬أ ّ‬ ‫ول فرسانا ً ول ُأمراء‪ .‬‬ ‫يف ّ‬ ‫وأذكر أنني قرأت أن كلينتون حمل معه ‪ 12‬كتابا ً للقراءة‪ ،‬أثناء آخر إجازة رئاسية له ولن‬ ‫ت وقتها في المر دعاية له‪ ،‬أو‬ ‫الجازة الصيفية ل تتجاوز الخمسة عشر يومًا‪ ،‬فقد وجد ُ‬ ‫للكتب المنتقاة‪ ،‬أو ربما حيلة زوجية تعفيه من الختلء طويل ً بهيلري والنشغال عنها‬ ‫بذريعة "بريئة"‪..‬والطبقات!‬ ‫ذ ّ‬ ‫كرني بمأساة النساء في بحثهن اليوم عن رجل بين الضفادع‪ ،‬تلك الرواية الكوميدية "لبد‬ ‫ً‬ ‫من تقبيل كثير من الضفادع"‪ ،‬التي كتبْتها‪ ،‬انطلقا من حياتها الحقيقية‪ ،‬الممثلة الميركية‬ ‫ب‪ ،‬الشهرة والضواء‪ ،‬ونسيت في غمرة مشاغلها‬ ‫لوري غراف‪ ،‬حيث استبدلت بالبطلة الح ّ‬ ‫ن العمر قد مّر من دون أن تبني‬ ‫البحث عن حبيب ُتواصل معه حياتها‪ .‬أحبك‬ ‫مى معارض الكتاب التي تجتاح العواصم العربية‪ ،‬بالتناوب‪ ،‬في مثل هذا‬ ‫بمناسبة ح ّ‬ ‫الموسم‪ ،‬وما يرافقها من جدل حول أسباب أزمة الكتاب‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت قول ميخائيل نعيمة‪:‬‬ ‫"لكي يستطيع الكاتب أن يكتب والناشر أن ينشر‪ ،‬فلبد من أمة تقرأ ولكي تكون لنا أمة‬ ‫تقرأ لبد من حكام يقرأون"‪.‬أنا اقتنعت تماما بإنني لست حّبة قمح‪ ،‬لكن ما ُيخيفني أ ّ‬ ‫دجاجات ل يعلمن ذلك!"‪..‬‬ ‫الجميل في المر اعتبار القراءة من طرف الحكام الغربيين‪ ،‬جزءا ً من الصورة التي‬ ‫يريدون تسويقها عن أنفسهم‪ ،‬لعلمهم أن شعوبهم ترفض أن يحكمها ُأناس ل يتثقفون‪،‬‬ .‬بل وأنهم فرسان أحلم النساء‪ ،‬ويجوز‬ ‫ن كيفما شاؤوا‪ ،‬وهو ما ُيذ ّ‬ ‫كرني بنكتة ذلك المريض‪،‬‬ ‫ن ومشروعاته ّ‬ ‫لهم العََبث بمشاعره ّ‬ ‫صد َ الطبيب النفسي ليشكوه اعتقاده أّنـه حّبـة قمح‪ .‬كما في تلك الق ّ‬ ‫إلى القول‪" :‬إذا كان الضفدع قد أصبح حلم كل امرأة‪ ،‬تبحث عن شريك الحياة المثالي‪،‬‬ ‫ح َ‬ ‫ول إلى ُأمراء‬ ‫فإنه يتعّين على المرأة أن تتو ّ‬ ‫ذر‪ ،‬وُتدرك أ ّ‬ ‫خى ال َ‬ ‫ن الضفادع قد ل تتح ّ‬ ‫الحلم إل ّ في الخرافات‪ .‬وتنتهي الكاتبة في روايتها‬ ‫على فارس أحلمها‪ .‬ما يجعل النساء يجزمن أ ّ‬ ‫ول على يـــد ساحرة أفريقية إلى‬ ‫يتح‬ ‫أن‬ ‫بل‬ ‫يق‬ ‫الكون‪،‬‬ ‫وإل ّ كيف وهو ابن إحدى أجمل نساء‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫خر الجميع من غبائه ومن جهله‪ ،‬ونحن في هذا‬ ‫ضفدع يشغل أغلفة مجلت العالم‪ ،‬وَيس َ‬ ‫الزمان الذي تصطاد فيه الضفادع ا ُ‬ ‫لمراء على متن الطائرات؟ فوائد "الواقي" في‬ ‫العلقات عابرة القاّرات‪ .‬وعندما تنّبهت إلى أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫من تصادفه من رجال و"ُتقّبل كثيرا ً من الضفادع" عساها تعثر بينها‬ ‫أسرة‪ ،‬راحت تختبر َ‬ ‫صة الفلكلورية الشهيرة‪ ..‬‬ ‫والعشرين‪ .‬وعندما انتهى الطبيب بعد‬ ‫الذي قَ َ‬ ‫مغادرًا‪ ،‬توّقف عند‬ ‫الستشارة‬ ‫ثمن‬ ‫المريض‬ ‫ودفع‬ ‫كذلك‪،‬‬ ‫ليس‬ ‫نه‬ ‫بأ‬ ‫إقناعه‬ ‫إلى‬ ‫طويل‬ ‫جدل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ن‬ ‫الباب ليقول له "دكتور‪ .‬وأل ّ تندفع في ُ‬ ‫طموح خادع‪ ،‬مغشوشة بأضواء تنكشف في النهاية‬ ‫سَراب"‪.‬وحدها تلك الضفادع ل تعرف ذلك!‬ ‫جنرالي ‪..‫صة كهذه في أوائل القرن الحادي‬ ‫ور ق ّ‬ ‫الساحرة الشّريرة؟ فل أعرف خرافة ذهبت حد ّ تص ّ‬ ‫ن هذه المخلوقة الفريقية"عملت عمل" للمير ألبير‪.‬‬ ‫فبينما تقتصر علقة ح ّ‬ ‫معارضه‪ ،‬وفي أحسن‬ ‫كامنا وسياسيينا بالكتاب‪ ،‬بتشريفه برعايتهم َ‬ ‫الحالت حضور افتتاح هذه المعارض‪ ،‬وأخذ صور تذكارية مع الكتب‪ ،‬لتوثيق عدم أميتهم‪ ،‬ل‬ ‫وت السياسيون الغربيون فرصة لثبات غزارة مطالعاتهم والتباهي بقراءاتهم‪.

‫بذريعة انشغالهم بشؤون الدولة‪ ..‬عن الكتاب‪.‬‬
‫وتاريخ فرنسا حافل بحكام كانوا عبر التاريخ شغوفين بالكتب‪ ،‬مولعين بمجالسة المبدعين‪،‬‬
‫وبإنقاذ الرث الثقافي الفرنسي‪ ،‬بصيانة المتاحف وتأسيس المكتبات أحد هؤلء جورج‬
‫بومبيدو‪ ،‬الذي لم يمهله المرض‪ ،‬ليقيم علقة متميزة مع كّتاب فرنسا‪ ،‬ولكن ذلك الوقت‬
‫القصير‪ ،‬الذي قضاه في السلطة‪ ،‬لم يوظفه لثراء نفسه ول لثراء حاشيته وأقاربه‪ ،‬وإنما‬
‫لثراء باريس بأكبر مركز ثقافي عرفته فرنسا وأوروبا‪ ،‬وترك خلفه صرحا ً حضاريًا‪ ،‬سيظل‬
‫يحمل اسمه ويشهد على مكانة الكتاب في قلب هذا الرجل‪.‬‬
‫أما فرنسوا ميتران‪ ،‬فقد كان وفاؤه لصدقائه الك ُّتاب وفاًء خرافيًا‪ ،‬لعلمه أن الصداقات‬
‫الحقيقية‪ ،‬ل يمكن أن يبنيها الحاكم‪ ،‬إل خارج السياسة‪ ،‬حيث ل خصوم ول حلفاء ول أعداء‬
‫ول دسائس‪.‬‬
‫ولذا‪ ،‬فأول من وقع تحت سطوة تلك الوسامة الداخلية‪ ،‬التي صنعت أسطورته‪ ،‬كانوا‬
‫الكتاب والمفكرين‪ ،‬الذين ُأعجبوا بكبريائه السياسية‪ ،‬التي لم تمنعه من أن يكون رغم ذلك‬
‫في متناولهم‪ ،‬ويدعوهم بالتناوب إلى تناول فطور الصباح معه‪ ،‬أو لقضاء نهاية السبوع‬
‫خارج باريس في صحبته‪ ،‬للتناقش في شؤون الدب والفلسفة‪.‬‬
‫وكان ميتران مولعا ً بالكتب‪ ،‬ما توافر لديه قليل من الوقت‪ ،‬إل قضاه في المكتبات التي‬
‫كان يزداد تردده عليها‪ ،‬كلما شعر بقرب رحيله‪ ،‬ما جعل الكتب في آخر أيامه توجد حوله‬
‫موّزعة مع أدويته‪ ،‬وكأنه كان يتزود بها‪ ،‬ما استطاع‪ ،‬لسفره الخير‪ ،‬حتى إنه طلب أن ُيدفن‬
‫مع الكتب الثلثة المفضلة لديه‪ ،‬كما كان الفراعنة يطلبون أن يدفنوا مع ذهبهم وكنوزهم‪.‬‬
‫أما شارل ديغول‪ ،‬فقد اشتهر بخوفه على ك ُّتاب فرنسا ومفكريها‪ ،‬بقدر خوفه على فرنسا‬
‫ذاتها‪ ،‬حتى إنه رفض أن يرد على عنف سارتر واستفزازه له باعتقاله‪ ،‬واجدا ً في عدوّ في‬
‫قامة سارتر‪ ،‬عظمة له ولفرنسا‪ ،‬معّلقا ً بجملة أصبحت شهيرة "نحن ل نسجن فولتير" ول‬
‫نعجب بعد هذا أن تجمعه بأندريه مالرو‪ ،‬وزير ثقافته‪ ،‬علقة تاريخية تليق بقامتيهما‪ ،‬ول أن‬
‫مع معظم الكّتاب الذين عاصروه على محبته والولء له‪ ،‬حتى إن جان كوكتو‪ ،‬وهو أحد‬
‫ُيج ِ‬
‫ألمع السماء الدبية‪ ،‬اختار ديغول ليكتب إليه آخر سطرين في حياته‪ ،‬قبل أن يرحل‪ ،‬وكانا‬
‫بهذا اليجاز والحترام‪ ،‬الموجعين في صدقهما "جنرالي‪ُ ..‬أحبك‪ ..‬إنني مقبل على الموت"‪.‬‬

‫ي‬
‫جوارب الشرف العرب ّ‬
‫طع الصحافة‪،‬‬
‫جهت نظرك‪ .‬ع ََبثا ً ُتقا ِ‬
‫ي‪ ،‬حيث أوليت صدرك‪ ،‬أو و ّ‬
‫ل مفّر لك من الخنجر العرب ّ‬
‫رض عن التلفزيون ونشرات الخبار بك ّ‬
‫ل اللغات حتى ل ُتدمي قلبك‪.‬‬
‫وُتع ِ‬
‫ُ‬
‫ستأتيك الهانة هذه المّرة من صحيفة عربية‪ ،‬انفردت بسبق تخصيص ثلثي صفحتها الولى‬
‫دام وهو يغسل ملبسه‪.‬‬
‫لصورة ص ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫مـة صورا أخرى للقائد المخلوع بملبسه الداخلية‪ ،‬نشرتها‬
‫بعد ذلك‪ ،‬ستكتشف أ ّ‬
‫ن َثـ ّ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬ل يستحقّ مجاملة إنسانية واحدة‪ ،‬اختفى ‪ 300‬ألف شخص‬
‫ر‬
‫ك‬
‫“لطاغية‬
‫صحيفة إنجليزية‬
‫ِ ْ‬
‫في ظ ّ‬
‫ل حكمه”‪.‬‬
‫مهانًا”‪ ،‬ت ُِهين َ‬
‫ك مع‬
‫الكبر‬
‫زعيمها‬
‫ترى‬
‫“كي‬
‫للمقاومة‬
‫ضربة‬
‫بتوجيهها‬
‫تباهي‬
‫التي‬
‫الصحيفة‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬على الرغم من كونك ل تقاوم الحتلل الميركي للعراق إل ّ بقلمك‪..‬‬
‫عرب‬
‫‪ 300‬مليون‬
‫ّ‬
‫وقريبا ً بقلبك ل غير‪ ،‬ل لضعف إيمانك‪ ،‬بل لنهم سيكونون قد أخرسوا لسانك‪ .‬هؤلء‪،‬‬

‫جتك ونسف منطقك مع ك ّ‬
‫ل سيارة مفخخة‪.‬‬
‫بإسكات صوتك‪ ،‬وأولئك بتفجير ح ّ‬
‫ّ‬
‫قدة أمام صورة القائد الصنم‪ ،‬الذي استجاب الله لدعاء “شعبه”‬
‫مع ّ‬
‫تنتابك تلك المشاعر ال ْ ُ‬
‫وحفظه من دون أن يحفظ ماء وجهه‪ .‬وها هو في السبعين من عمره‪ ،‬وبعد جيلين من‬
‫معاِقين‪ ،‬وبعد بضعة آلف من التماثيل والصور الجدارّية‪ ،‬وكعكات‬
‫مشّردين وال ْ ُ‬
‫موَتى وال ْ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫مرتديا ً جلبابا ً أبيض‪،‬‬
‫الميلد الخرافّية‪ ،‬والقصور ذات الحنفّيات الذهبّية‪ ،‬يجلس في زنزانة ُ‬
‫مكا ً في غسل أسمال ماضيه و”جواربه القذرة”‪.‬‬
‫منه ِ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬يكاد ُيذ ّ‬
‫كرك بـ”كليب” نانسي عجرم‪ ،‬في جلبابها الصعيدي‪ ،‬وجلستها‬
‫حميم‬
‫مشهد‬
‫ّ‬
‫العربّية تلك‪ ،‬تغسل الثياب في إنــاء بين رجليهــا‪ ،‬وهي تغني بفائض ُأنوثتها وغنجها‬
‫َ‬
‫دام بجلبابه‬
‫مــك آه‪ ..‬أسيبـــك”‪ .‬ففي المشهدين شيء من صورة عروبتك‪ .‬وص ّ‬
‫“أخاص َ‬
‫مجّردا ً من سلطته‪ ،‬وثياب غطرسته‪ ،‬غدا ُيشبهك‪ُ ،‬يشبه أَبــــاك‪،‬‬
‫وملمحه العزلء تلك‪ُ ،‬‬
‫ديـــا ً‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫مش‬
‫إخراجه‬
‫د‬
‫مع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫“الكليب”‬
‫هذا‬
‫ن‬
‫أ‬
‫لعلمك‬
‫يزعجك‪،‬‬
‫ما‬
‫وهذا‬
‫أخـــاك‪ ..‬أو جنســك‪،‬‬
‫َ َ ِ‬
‫ُ ّ‬
‫ّ‬
‫بنّيــة إذلل َ‬
‫ي‪.‬‬
‫ك‪ ،‬ليس من إخراج ناديـــن لبكــي‪ ،‬بل العلم العسكري الميرك ّ‬
‫ال ّ‬
‫دفاع عن احترام‬
‫طاغيــة الذي وُِلد برتبة قاتل‪ ،‬ما كانت له سيرة إنسانية تمنحك حقّ ال ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫خصوصيته‪ ،‬وشرح مظلمته‪ .‬لكنه كثيرا ما أرَبكك بطلته العربّية تلك‪ .‬لـــذا‪ ،‬ك ّ‬
‫ث‬
‫ل مّرة‪ ،‬تلوّ َ‬
‫شيٌء من َ‬
‫منحدرا ً من مجرى‬
‫مكَرها ً أشواطا ً في التوا ُ‬
‫ضع النساني‪ُ ،‬‬
‫ت تراه يقطع ُ‬
‫ك وأن َ‬
‫التاريخ‪ ..‬إلى مجاريــه‪.‬‬
‫الذين لم يلتقطوا صورا ً لجرائمه‪ ،‬يوم كان‪ ،‬على مدى ‪ 35‬سنة‪ ،‬يرتكبها في وضح النهار‪،‬‬
‫ماعية في مساحة وطن‪،‬‬
‫على مرأى من ضمير العاَلم‪ ،‬محوّل ً أرض العراق إلى مقبرة َ‬
‫ج َ‬
‫منهطلة على آلف المخلوقات‪ ،‬لبادة الحشرات البشرية‪،‬‬
‫وسماءه إلى غيوم كيماوية ُ‬
‫يجدون اليوم من الوقت‪ ،‬ومن المكانات التكنولوجّية المتقدمة‪ ،‬ما يتيح لهم التجسس عليه‬
‫صص عليه ومراقبته حتى عندما ُيغّيـر ملبسه الداخلية‪.‬‬
‫في عقر زنزانته‪ ،‬والتل ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مر عن ترسانتها‪ .‬العالم‬
‫في إمكان كوريا أل ّ تخلع ثيابها النووية‪ ،‬ويحق لسرائيل أن ُتش ّ‬
‫مفرحا ً‬
‫مشغول عنهما بآخر ورقة توت عربّية ُتغ ّ‬
‫دام‪ .‬حتى إ ّ‬
‫طي عـــورة صـــ ّ‬
‫ن الخبر بدا ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫عــــراة يتلصصون‬
‫مفاجئا ً للبعض‪ ،‬حــد ّ اقتراح أحد الصدقاء “كاريكاتيرا” يبدو فيه حكام ُ‬
‫و ُ‬
‫دام وهو يرتدي قطعة ثيابه الداخلية‪ .‬فقد غدا للطاغية حلفاؤه‬
‫ص‬
‫على‬
‫الزنزانة‬
‫ثقب‬
‫من‬
‫ّ‬
‫عندما أصبح إنسانا ً يرتدي ثيابه الداخلية ويغسل جواربه‪ .‬بدا للبعض أنظف من أقرانه‬
‫ال ّ‬
‫طغاة المنهمكين في غسل سجلتهم وتبييض ماضيهم‪ ..‬تصريحا ً بعد آخر‪ ،‬في سباق‬
‫ي‪.‬‬
‫العري العرب ّ‬
‫خرت دومــا ً بكوني لم ُ‬
‫ً‬
‫دام‪ ،‬ول وطأت العراق‬
‫ص‬
‫بمصافحة‬
‫ا‬
‫يوم‬
‫يــدي‬
‫وث‬
‫ألـــ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫أنا التي َفا َ ُ‬
‫ّ‬
‫مديــح وسوق شراء ال ّ‬
‫ت عنه ذلك‬
‫ت لو أنني أخذ ُ‬
‫مّني ُ‬
‫مم‪ ،‬ت َ َ‬
‫ذمم وإذلل الهِ َ‬
‫في مرابــد ال ْ َ‬
‫النـــاء الطافح بالذ ّ‬
‫مكاِبـَرة تلك‪ ،‬جوارب ال ّ‬
‫ي‬
‫ل‪ ،‬وغسلت عنه‪ ،‬بيدي ال ْ ُ‬
‫شرف العرب ّ‬
‫معُروض للفرجـــــة‪.‬‬
‫ال ْ َ‬

‫حان لهذا القلب أن ينسحب‬
‫أخذنا موعدا ً‬
‫ي نتعّرف عليه لّول مّرة‬
‫في ح ّ‬
‫جلسنا حول طاولة مستطيلة‬
‫لّول مّرة‬
‫ألقينا نظرة على قائمة الطباق‬

‫ونظرة على قائمة المشروبات‬
‫ودون أن ُنلقي نظرة على بعضنا‬
‫طلبنا بدل الشاي شيئا ً من النسيان‬
‫وكطبق أساسي كثيرا ً من الكذب‪.‬‬
‫حبنا‬
‫وضعنا قليل ً من الثلج في كأس ُ‬
‫وضعنا قليل ً من التهذيب في كلماتنا‬
‫وضعنا جنوننا في جيوبنا‬
‫وشوقنا في حقيبة يدنا‬
‫لبسنا البدلة التي ليست لها ذكرى‬
‫وعّلقنا الماضي مع معطفنا على المشجب‬
‫ب بمحاذاتنا من دون أن يتعّرف علينا‬
‫فمّر الح ّ‬
‫تحدثنا في الشياء التي ل تعنينا‬
‫دثنا كثيرا ً في كل شيء وفي ال ّ‬
‫لشيء‬
‫تح ّ‬
‫تناقشنا في السياسة والدب‬
‫دين‪ ..‬وفي النظمة العربّية‬
‫وفي الحّرية وال ّ‬
‫اختلفنا في ُأمور ل تعنينا‬
‫م اتفقنا على أمور ل تعنينا‬
‫ث ّ‬
‫ً‬
‫فهل كان مهما أن نتفق على ك ّ‬
‫ل شيء‬
‫ن الذين لم نتناقش قبل اليوم في شيء‬
‫نح ُ‬
‫ْ‬
‫مشترك؟‬
‫يوم كان الح ّ‬
‫مذهَب ََنا الوحيد ال ُ‬
‫ب َ‬
‫اختلفنا بتطّرف‬
‫لُنثبت أننا لم نعد نسخة طبق الصل‬
‫عن بعضنا‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ت‬
‫بصو‬
‫تناقشنا‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫حتى ُنغطي على صمت قلبنا‬
‫مس‬
‫ودناه على الهَ ْ‬
‫الذي ع ّ‬
‫نظرنا إلى ساعتنا كثيرا ً‬
‫ن ننظر إلى بعضنا بعض الشيء‬
‫نسينا أ ْ‬
‫اعتذرنـــــا‬
‫لننا أخذنا من وقت بعضنا الكثير‬
‫عدنــا وجاملنا بعضنا البعض‬
‫م ُ‬
‫ثـ ّ‬
‫ي للكذب‪.‬‬
‫إضاف‬
‫بوقت‬
‫ّ‬
‫لم نعد واحدًا‪ ..‬صرنا اثنين‬
‫متقابلين‬
‫على طرف طاولة مستطيلة كّنا ُ‬
‫عندما استدار الجرح‬
‫أصبحنا نتجّنب الطاولت المستديرة‪.‬‬
‫ب أن يتجاور اثنان لينظرا في التجاه نفسه‬
‫"الح ّ‬
‫‪ ..‬ل أن يتقابل لينظرا إلى بعضها البعض"‬
‫ي همومك الواحد تلو الخر‬
‫تسرد عل ّ‬
‫مك الّول‬
‫ه‬
‫ت‬
‫عد‬
‫ما‬
‫أفهم أنني‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫دثك عن مشاريعي‬
‫أح ّ‬

‬‬ ‫من‬ ‫ل أسألك مع َ‬ ‫أقول إنني سُأسافر قريبا ً‬ ‫ل تسألني إلى أين‬ ‫فليكـــن‪....‬خطأ ً‬ ‫ب‬ ‫عندما ُترفع طاولة الح ّ‬ ‫كم يبدو الجلوس أمامها أمرا ً سخيفا ً‬ ‫وكم يبدو الع ّ‬ ‫شاق أغبياء‬ ‫م البقاء‬ ‫فل ِ َ‬ ‫َ‬ ‫كثير علينا كل هذا الكذب‬ ‫ب حان لهذا القلب أن ينسحب‬ ‫ارفع طاولتك أّيها الح ّ‬ ‫ص خمس عشرة سنة‬ ‫* ُ‬ ‫عمر هذا الن ّ‬ ‫ي‬ ‫حزب "الخ‪ ..‫مف ّ‬ ‫كرتي‬ ‫تفهم أّنك غادرت ُ‬ ‫تقول إنك ذهبت إلى ذلك المطعم الذي‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ب غائبا عن عشائنا الخير‬ ‫كان الح ّ‬ ‫نــــاب عنــه الكـــذب‬ ‫جل‬ ‫ول إلى نــادل ُيلّبي طلباتنا على ع َ َ‬ ‫تح ّ‬ ‫كي ُنغادر المكان بعطب أقل‬ ‫في ذلك المساء‬ ‫ب باردة مثل حسائنا‬ ‫كانت وجبة الح ّ‬ ‫مالحة كمذاق دمعنا‬ ‫محّرما ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫مشروب‬ ‫والذكرى كانت‬ ‫ُ‬ ‫نرتشفه بين الحين والخر‪ ..‬ونص" الرجال ّ‬ ‫ن في‬ ‫قــرأت قول ً لغادة ال ّ‬ ‫سمان في إحدى المقابلت الصحافية تقول فيه‪َ “ :‬‬ ‫من لم يج ّ‬ ‫ن صباح لم‬ ‫ول‬ ‫عقل”·‬ ‫بل‬ ‫فهو‬ ‫الربعين‬ ‫بعد‬ ‫جنونه‬ ‫على‬ ‫بقي‬ ‫ومن‬ ‫قلب‪،‬‬ ‫العشرين فهو بل‬ ‫ّ‬ ‫ن نقصان العقل قد يمتد إلى ما بعد‬ ‫تكن بعد قد ُ‬ ‫خطبت لعمر محيو‪ ،‬فغادة لم تتوقع أ ّ‬ ‫السبعين·‬ ‫في الواقـع‪ ،‬هذه فكرة خاطئة من أساسها‪ ،‬حسب صموئيل بيكيت‪ ،‬الذي يرى أننا ُنولد‬ ‫م‪ ،‬ماذا على المرء أن يفعل بين العشرين‬ ‫جميعنا مجانين‪ ،‬غير أ ّ‬ ‫ن بعضنا يبقى كذلك· ث ّ‬ ‫والربعين؟ أيتخّلى عن قلبه أم عن عقله؟‬ ‫ولت‬ ‫شخصيًا‪ ،‬أنا ضد استئصال العضاء والتخّلي عن بعضها حسب مراحل العمر‪ ،‬وإل تح ّ‬ ‫من ُأنثى إلى فصيلة من الزواحف التي ترمي جلدها وتواصل طريقها·‬ ‫من يعدني‪ ،‬في حال قبولي بإلغاء قلبي في الربعين‪ ،‬بأل ّ يطالبوني بعد ذلك‬ ‫سؤال آخر‪َ :‬‬ ‫ُ‬ ‫بإلغاء أعضاء أخرى ل أريد الستغناء عنها؟‬ ‫من‬ ‫لمقاومة‬ ‫الوحيدة‬ ‫الطريقة‬ ‫إنها‬ ‫أيامي·‬ ‫أحتـــاج أن أبقى ُأنثــى ومجنونة حتى آخر‬ ‫َ‬ ‫يريدون تجريدي من هذا القلم أيضًا·‬ ‫قى منه‪ ،‬لدارة شؤون‬ ‫غير أني‪ ،‬في الوقت نفسه‪ُ ،‬أحاول إنقاذ بعض عقلي‪ ،‬أو ما تب ّ‬ .

‬تم ّ‬ ‫دد‪ ،‬ومن‬ ‫تر‬ ‫دون‬ ‫من‬ ‫"ل"‬ ‫أو‬ ‫بـ"نعم"‬ ‫عنها‬ ‫تجيب‬ ‫أن‬ ‫وعليك‬ ‫حياتك‪،‬‬ ‫طرحها عليك أحد في‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ن الوقت اللزم لملء هذه‬ ‫دون الستغراق في الضحك أو البتسام‪ .‬فالدقائق الست‪ ،‬هي‬ ‫تحقيق‪ ،‬لم تأخذ بعين العتبار‪َ ،‬‬ .‬‬ ‫معّلق بين السماء والرض أن تضمن حسن نواياك قبل أن تح ّ‬ ‫ط بك الطائرة‬ ‫عليك وأنت ُ‬ ‫دك المضيفة باستمارة خضراء عليها دزينة أسئلة لم يحدث أن‬ ‫في "معسكر الخير"‪ .‬وربما كانوا استنتجوا ذلك بعد حسابات بوليسية في جلسة‬ ‫ده َ‬ ‫شة المرء وذهوله أمام كل سؤال‪ .‬فقد كتب أسفلها‪" :‬إ ّ‬ ‫الستمارة هو )‪ 6‬دقائق(‪ ،‬يجب أن توّزع على النحو التالي‪ ،‬دقيقتان من أجل قراءتها‪ ،‬وأربع‬ ‫دقائق من أجل الجوبة"‪ .‫العائلة·· وشؤون هذا الجسد الكارثة‪ ،‬الذي سيفلت مني إن أنا لم ُأواجهه “بالعقل··”‬ ‫حسب المو ّ‬ ‫شح المصري الشهير·‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫قل· فإشاعة‬ ‫مــن حولــي‪ ،‬إنني امرأة على وشك التع ّ‬ ‫ة‬ ‫ئن‬ ‫م‬ ‫ط‬ ‫م‬ ‫ا‪،‬‬ ‫دائمــ‬ ‫أقــول‬ ‫لـــذا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الجنون مصيبة بالنسبة إلى المرأة المّتهمة مسبقا بقلة العقل‪ ،‬وبأنها “فتافيت رجل”‪،‬‬ ‫خلقت أساسا ً من‬ ‫وليست فقط “فتافيت امرأة”‪ ،‬كما تعتقد سعـاد الصباح‪ ،‬مادامت قد ُ‬ ‫ضلع الرجل·‬ ‫ن إحدى السيدات قالت للممثل الفرنسي جــــان بــــول بلمونـــدو‪“ :‬إنني أتساءل‬ ‫وأذكر أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ماذا كنتم ستكسبون‪ ،‬أنتم معشـر الرجــال‪ ،‬لو لم يخلق الله المرأة”‪ ،‬فأجابها “كنا‬ ‫سنكسب ضلعا ً ُأخرى”·‬ ‫دة مراحل‬ ‫ت بع ّ‬ ‫م عدلت عن التفكير فيه بعدما مرر ُ‬ ‫شغلني هذا الموضوع بعض الوقت‪ ،‬ث ّ‬ ‫متناقضة‪ ،‬اعتقدت في بدايتها أنني امرأة ذات عقل‪ ،‬بل وبفائض عقل‪ ،‬ووجدت في حزمة‬ ‫شهاداتي الجامعية‪ ،‬وكذلك في تصريحات نــوال السـعــداوي‪ ،‬وسيمــون دو بوفــوار‪ ،‬ما‬ ‫لنثى هي الصل”‪ ،‬حسب رأي الولى‪ ،‬ومادامت ا ُ‬ ‫ُيثبت لي ذلك‪ ،‬مادامت “ا ُ‬ ‫لنثى ل ُتولد‬ ‫ُأنثى‪ ،‬وإنما تصبح كذلك حسب رأي الثانية‪ ،‬أي أنها ل ُتولد ناقصة‪ ،‬ول بعورة ما‪ ،‬ولكن‬ ‫ورها” ما استطاع·‬ ‫المجتمع هو الذي يجعل منها كذلك و”ُيع ّ‬ ‫وحتى ل أكون ناقصة‪ ،‬قررت أن أكون “ُأنثى ونص”‪ ،‬وهذا قبل أن تطلق نانسي عجــرم‬ ‫“آهتها·· ونص”‪ ،‬فتكاد تثقب بذلك النصف سقف الوزون العربي )المثقوب أص ً‬ ‫ل(‪ ،‬وترفع‬ ‫مقياس الحرارة إلى درجة كاد يتدفق معها الزئبق المتح ّ‬ ‫كم في “ترمومتر” الرجولة‬ ‫العربية·‬ ‫ن المرأة‪ ،‬مذ أقنعوها بأنها “نصف الرجل” خلقوا عندها عقدة النصف الزائد‪ ،‬الذي‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫تقيس به ُأنوثتها وسلطتها وغنجها· وهي تصّر على هذا النصف أكثر من إصرارها على‬ ‫الواحد· فهي إن تكّلمت قالت “كلمتها·· ونص”‪ ،‬وإن رقصت رقصت على “الواحدة‬ ‫دت ل َ‬ ‫ك الذى “صاعًا·· ونص”· فهل عجبا ً إن تأّوهت أن تطلع منها‬ ‫··ونص”‪ ،‬وإن آذيتها ر ّ‬ ‫“اله” متبوعة بـ”نص”‪ ،‬وإن جنت أن “تركب عقلها·· ونص”؟‬ ‫ت دومــا ً ُأنثى بمزاج جزائري متطّرف‪ ،‬فقد كنت من المنتسبات الوائل إلى‬ ‫ولنني كن ُ‬ ‫ً‬ ‫حزب “الوحدة ونص” النسائي‪ ،‬تعويضا عن حزب الوحدة العربية الرجالي‪ ،‬الذي لم يحقق‬ ‫عشر شعاراته‪ ،‬بل وانتهى به المر على ما يبدو إلى اتباع النهج النسائي‪،‬‬ ‫بعد نصف قرن ُ‬ ‫مصّرا ً على “الحرية ونص”‪ ،‬و”الصلح ونص”‪ ،‬و”الديمقراطية ونص”‪ ،‬بعدما تم ترقيص‬ ‫ُ‬ ‫هذه ال ُ‬ ‫مـة “ع الواحدة ونص”‪ ،‬فأصبحت النكبة “نكبة ونص”‪ ،‬والهانــة “إهانــة ونص”‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والوقاحة “وقاحة ونص”·‬ ‫وفي زمن فقدنا فيه ماء وجهنا‪ ،‬ونصف مخزون المياه الجوفية للحياء العربي‪ ،‬أقترح على‬ ‫رجالنا أن يقتدوا بالنساء ويؤسسوا حزب “الخ·· ونص”·‬ ‫حشرية أميركية‬ ‫ُتشد ّ الرحال إلى أميركا‪ ،‬لكن تأشيرتك لدخول "العالم الحر" ل تكفي لمنحك ص ّ‬ ‫ك البراءة‪.

‬أدركت معنى أ ّ‬ ‫ما عرفت هي عني‪ .‬في أميركا‪ .‬صديقة‬ ‫الواقع‪ ،‬أميركا مريضة بتحقيقاتها وأسئلتها وتج ّ‬ ‫مقيمة في أميركا‪ ،‬حدثتها عن غرابة هذه الستمارة‪ ،‬فروت لي كيف أنها أرادت مراجعة‬ ‫منت عشرات السئلة الحميمّية‬ ‫طبيب نسائي‪ ،‬فأم ّ‬ ‫دها باستمارة من خمس صفحات تض ّ‬ ‫مربكة في غرابتها‪ ،‬إلى حد ّ جعلها تعدل عن مراجعته بعدما لم تعد المسكينة تعرف كيف‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ن وحدها السئلة تـرى‪ .‬‬ ‫وإن كنت أعرف كل هذا‪ ،‬فالذي اكتشفته من هذه الستمارة إّياها التي سبق أن ملتها يوم‬ ‫ن أميركا لم‬ ‫زرت أميركا منذ خمس سنوات‪ ،‬أي قبل أحداث ‪ 11‬سبتمبر )أيلول(‪ ،‬هو أ ّ‬ ‫تفهم أن استمارتها هذه لم تفدها في شيء‪ ،‬ولم تمنع الرهابيين من أن ُيع ّ‬ ‫ششوا فيها‪ ..‬والشعوب!(‬ ‫وتشريع العنف الجسدي وحق حمل السلح في ذلك البلد من دون بقية بلد العالم‪.‬في‬ ‫سسها على كل فرد بأيّ ذريعة‪ .‬‬ ‫يإ ْ‬ ‫والمصوغات‪ ،‬وكنزات الصوف إ ْ‬ ‫ن كانت منسوجة باليد‪ ،‬وكم ثمنها التقريب ّ‬ ‫وهكذا‪ ،‬ل يبقى أمامك إل ّ أن ُتجيب بسرعة‪:‬‬ ‫ي؟‬ ‫مع ٍ‬ ‫ت مصاب بمرض ُ‬ ‫ هل أن َ‬‫د؟ أو باختلل عقل ّ‬ ‫ّ‬ ‫درات؟ هل أنت سكير؟‬ ‫ هل تتعاطى المخ ّ‬‫حكم عليك بجنح أو جريمة تدينها الخلق العامة‪ ،‬أو أنك خرقت‬ ‫ال‬ ‫م توقيفك أو‬ ‫ُ‬ ‫ هل ت ّ‬‫القوانين في ميدان المواد الخاضعة للرقابة؟‬ ‫م توقيفك أو الحكم عليك بالسجن مدة تتجاوز بين الخمس سنوات أو أكثر‪ ،‬لجنحة‬ ‫ هل ت ّ‬‫أو أكثر؟‬ ‫ هل توّرطت في تهريب المواد المراقََبة؟‬‫در الّله( تضمر القيام بأنشطة إجرامّية أو غير‬ ‫ هل تدخل الوليات المتحدة وأنت )ل ق ّ‬‫أخلقّية؟‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫متوّرط في أنشطة تجسسية أو تخريبية أو إرهابية‬ ‫ هل َ‬‫مدان حاليا و ُ‬ ‫سب َقَ أن أدنت أو أنك ُ‬ ‫أو‪ ...‬‬ ‫خمس‬ ‫ن هذه الستمارة وّزعت على الميركيين ل على السّياح‪ ،‬لفرغت أميركا من ُ‬ ‫ولو أ ّ‬ ‫ن آخر تقرير صادر عن وزارة الصحة في الوليات‬ ‫سكانها منذ السؤال الّول‪ .‬و ما سيليها‪ ،‬بل أيضا ً لنتشار كل الوبئة الجتماعية من‬ ‫أمراض "معدية" وإدمان خمر ومخدرات واحتجاز المدنيين والطفال )‪..‬على الرغم من‬ ‫م‬ ‫أكثر‬ ‫أميركا‬ ‫تلك السئلة الغريبة حقا ً عرفت عن‬ ‫ّ‬ ‫حشريتها‪.‬أما بقّية السئلة‪ ،‬فكافية لطرد ثلثي سكان الوليات المتحدة‬ ‫المصابين ل يتل ّ‬ ‫خارج أميركا‪ ..‬ذلك أ ّ‬ ‫ن نصف‬ ‫وأ‬ ‫عقلية‪.‬‬ ‫اضطرابات‬ ‫يعاني‬ ‫خمسة‬ ‫أصل‬ ‫المتحدة يفيد أن أميركيا ً واحدا ً من‬ ‫ّ‬ ‫قون عناية‪ .‬ليس فقط لتاريخهم الطاعن في الجرائم ضد النسانية منذ الهنود الحمر‪،‬‬ ‫مرورا ً بفيتنام وحتى العراق‪ .‫دد قد يجعله زائرا ً مشكوكا ً في‬ ‫د‪ ،‬وأيّ إطالة أو تر ّ‬ ‫ما يلزم المسافر "غير المشبوه" للر ّ‬ ‫من حوله عن كيفية ملء هذه‬ ‫سوابقه‪ ،‬حتى إن قضى ضعف ذلك الوقت في استشارة َ‬ ‫ُ‬ ‫مارك تسألك عن ك ّ‬ ‫ل شاردة وواردة‪ ،‬قد تكون‬ ‫الستمارة‪ ،‬واستمارة بيضاء أخرى من ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫في حوزتك‪ ،‬بما في ذلك الحلزين والطيور والفاكهة والمواد الزراعية والغذائية والثياب‬ ‫ن كانت هدّية‪..‬‬ .‬فمن‬ ‫ن الجوبة عمياء‪ ،‬وأ ّ‬ ‫تجيب عنها‪ .‬إبادة البشرية؟ أو أنك بين عامي ‪ 1933‬و ‪) 1945‬ومن قبل حتى أن تخلق(‪ ،‬أسهمت‬ ‫بشكل من الشكال‪ ،‬في تشريد الناس باسم ألمانيا النازية أو حلفائها؟‬ ‫ هل تنوي البحث عن عمل في الوليات المتحدة الميركية؟‬‫سَبق أن ُأبعدت أو ُ‬ ‫طردت من الوليات المتحدة؟‬ ‫ هل َ‬‫ هل حصلت أو حاولت أن تحصل على تصريح للدخول إلى الوليات المتحدة بتقديم‬‫معلومات خاطئة؟‬ ‫وة طفل ً يعود حقّ رعايته إلى شخص أميركي؟ أو حاولت‬ ‫بالق‬ ‫أو‬ ‫خاطر‬ ‫بطيب‬ ‫ هل حجزت‬‫ّ‬ ‫منع هذا المواطن الميركي من القيام بإتمام واجب رعايته؟‬ ‫قات القانونية مقابل تقديم "شهادة"؟‬ ‫ح َ‬ ‫مل َ‬ ‫ هل سبق أن طلبت أن ُتعفى من ال ْ ُ‬‫ي" الذي سيعترف بأنه مهبول‪،‬‬ ‫من هو هذا الزائر النزيه و"ال ْ ُ‬ ‫ول أدري َ‬ ‫مصاب باختلل عقل ّ‬ ‫وُيجيب عن بعض هذه السئلة أو عن جميعها بـ"نعــم"‪ ،‬بما في ذلك أنه‪ ،‬على الرغم من‬ ‫ذلك‪ ،‬ينوي طلب القامة في أميركا والحصول على رخصة عمل فيها‪..

‬وأّنـى وأين ل نتوّقعه‪ ..‬‬ ‫فمادمنا على هذا القدر من الحتقار للحياة النسانية‪ ،‬علينا أل ّ نتوّقع من العاَلم أي احترام‬ ‫دساتنا وأهان كرامتنا‪ ،‬وأفتى بحجرنا في ضواحي‬ ‫لنسانيتنا‪ ،‬ول لوم عليه إن هو دّنس مق ّ‬ ‫ُ‬ ‫مــة عربّية إسلمّية راقية يتشّرف بها‬ ‫التاريخ‪ .‬في إمكان لندن‬ ‫في مطاراتها بتهمة ديننا أو هويتنا‪ .‬أو كانوا سيفعلون‪ .‬وُل ِ ُ‬ ‫"ليدز" وتعّلموا "شكسبير"‪ ،‬وأحدهم كان أستاذ مدرسة ابتدائية‪ ،‬والثاني كان يدور المدينة‬ ‫شَعابها‬ ‫بحثا ً عن آخر نكتة"‪ .‬وحظيرة الحيوانات المسعورة‪ُ .‬وك ّ‬ ‫ل‬ ‫مسالمين من دون سبب‪ ،‬هو شريكهم في القتل‪ .‬غ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يؤهلها لدخول نادي مدريد ونيويورك للموت الصباحي الجامعي‪" .‬نريد أ ّ‬ ‫قهم القوة قوتنا الحق"‪ ،‬ذلك أن أ ُ‬ ‫ُ‬ ‫مــة صغيرة‬ ‫مــة شعارها "ح ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫السلم وُتباهي بها العروبة‪ .‬وفي إمكاننا أثناء ذلك‪ ،‬أن ُنجري جردة لخسائرنا‪ ..‬فبالحزمة‬ ‫تُ ْ‬ ‫من تعاطفوا‬ ‫قلوب‬ ‫إلى‬ ‫الموصلة‬ ‫الطرق‬ ‫كل‬ ‫فجرنا‬ ‫المزروعة‪،‬‬ ‫والمتفجرات‬ ‫خخة‬ ‫مف‬ ‫ال ْ ُ ّ‬ ‫َ‬ ‫ن هدر المستقبل ل يكفي‪ ،‬ذهبنا حتى تفجير مجدنا الندلسي‪،‬‬ ‫معنا‪ ..‬إ ّ‬ ‫وقد ا ّ‬ ‫على العرب والمسلمين أن يتظاهروا ضد الجرائم التي ُترتكب باسمهم‪ ،‬ليكون لهم حق‬ ‫التنديد بما ُيرتكب في حقهم من جرائم‪ ،‬ما عاد العالم معنيا ً بها‪ .‬فقهاء الرهاب ومشايخ الجرام وأمراء الموت ال ْ ُ‬ ‫الذين يتوضأون بدم البرياء طمعا ً في جّنة موعودة‪ ،‬كيف ل ُيخيفهم الوقوف بين يدي الّله‬ ‫ن‬ ‫دعوا ال َ‬ ‫قتل بيده وقطع الرؤس بسيفه‪ ،‬وفتح دكاكين للفتوى كوكلء حصريين له‪ .‬أيّ مجد‬ ‫من يجد ُ‬ ‫عـذرا ً لقتلهم البرياء ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫قت ََلة المؤمنون التقياء‪ ،‬الذين ألحقوا بالسلم أذى لم ُيلحقه به أعداؤه‪ ،‬وما‬ ‫أهدونا إّياه؟ ال َ‬ ‫وّفروا إهانة أو ُ‬ ‫شبهة إل ّ ألصقوها بنا‪ .‬أمسيات‪ .‬ق ّ‬ ‫قهم الق ّ‬ ‫جروا أنفاق لندن‪ ،‬كانوا قَت ََلة بسمعة حسنة‪ ،‬أنجبتهم عائلت‬ ‫إذن‪ .‬‬ ‫على حق‪ .‬‬ ‫القاصدين‬ ‫بالبرياء‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫إنه الموت مرة أخرى‪ ،‬في وقته وفي غير وقته‪ .‬مصيبتي‬ ...‬أمسيات‪ .‬وكأ ّ‬ ‫المنسوف هباًء في قطار مدريد الصباحي‪ ..‬ضاع حقنا باعتدائنا على‬ ‫حق الخرين في الحياة‪ ،‬ورخص دمنا لفرط استرخاصنا دم الخرين والتباهي بسفكه‪.‬فما كانت كل تلك المدن تضمر لنا العداء‪ ،‬ول مّيزتنا بعضها عن أبنائها‪ ،‬أو أهانتنا‬ ‫ق لنا من صديق‪ .‬لكن له السم إّيــاه‬ ‫دامي‪ ،‬الذي‬ ‫دا إذن للندن أيضا ً صباحها ال ّ‬ ‫دومًا‪ :‬إّنه الموت السلمي الرهابي المتوحش‪ ..‬ل ذريعة للقتلة‪ .‫ح ّ‬ ‫وتنا الحق‬ ‫وة‪ .‬ووجد فيها قَت َلت َُنا ص ّ‬ ‫قهم في‬ ‫جة ح ّ‬ ‫ك براءتهم وح ّ‬ ‫الستفراد بنا وإبادتنا في فلسطين والبوسنة والعراق والشيشان وأفغانستان‪ ،‬بصفتنا‬ ‫ُ‬ ‫السبب في ك ّ‬ ‫مباَرك‪،‬‬ ‫ل الشرور الكونّية‪ .‬ل علل ل أسباب ل شرف‪ .‬ثم كم يلزمنا من السنوات الضوئية‪ ،‬ومن الجهد‬ ‫ما ع َل ِقَ بها من دم ٍ ودمار تناوب إرهابيو العرب والمسلمين‬ ‫م‬ ‫سمعتنا‬ ‫نغسل‬ ‫والمال‪ ،‬لكي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫على صنعها مذبحة ومجرزة بعد أخرى‪ .‬‬ ‫مص‬ ‫غير‬ ‫العالم‬ ‫فيه‬ ‫استيقظ‬ ‫للذهول‪،‬‬ ‫آخر‬ ‫صباح‬ ‫أعمالهم‪.‬النكتة قرأناها بعد موته‪ .‬لكن الرهاب لم ُيب ِ‬ ‫التي ناهضت دون هوادة الحرب على العراق‪ ،‬وخرجت أكثر من مّرة في أكبر مظاهرات‬ ‫م العراقيين‪ ،‬أن‬ ‫من ّ‬ ‫ددة بتوّرط حكومتها في د ّ‬ ‫عرفها الغرب‪ ،‬منذ انتهاء الحرب العالمية‪ُ ،‬‬ ‫حصي ضحاياها وقتلها‪ .‬أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وة كبيرة على باطل‪.‬المجرمون الذين ف ّ‬ ‫إسلمية "هادئـــة"‪" ،‬كانوا حسب أحد الصحافيين البريطانيين‪ ،‬بريطانيين‪ ،‬مثل وجبة‬ ‫دوا هنا‪ ،‬في مستشفيات الضمان الجتماعي‪ ،‬وذهبوا إلى مدارس‬ ‫السمك والبطاطا‪ .‬فقد كان الرجل يدور المدينة دارسا ً ِ‬ ‫جر ذات صباح دام ٍ مع رفاقه "المجاهدين" قاطراتها المكتظة وقت الذروة‬ ‫وأنفاقها لُيف ّ‬ ‫دق ما حدث‪.‬كم‬ ‫من مساء لصباح واحد"‪ ،‬إنها "وحدة الصباحات" على الرغم من اختلف الماسي والمآسي‬ ‫والمسار‪ .‬أقوى من ق ّ‬ ‫حقيبتي‪ .

‬‬ ‫من حاجاته ولوازمه الخاصة‪ُ ،‬يق ّ‬ ‫إحدى الوصفات المثالية لضمان صاعقة فرحتك باستعادة حقيبتك المصون‪ ،‬ذات الشرف‬ ‫الرفيع‪ ،‬التي جاءتك من كبار القوم‪ ،‬وإذا بها مصيبة في شكل حقيبة‪ ،‬ما رآها جمركي إل ّ‬ ‫ص إل ّ وغّررته بك‪ ،‬حقيبة تكيد لك‪ ،‬خلتها غنيمة‪ ،‬وإذا بها جريمة‬ ‫واستوقفك‪ ،‬وما لمحها ل ّ‬ ‫في حقّ أعصابك‪ ،‬يمكنك اختبارها في مطار كمطار ميلنو‪ .‬دائم الحركة وقليل البركة‪،‬‬ ‫ن اليطاليين‬ ‫الداخل إليه كما الخارج منه من‪ .‬وعندما تذ ّ‬ ‫"كيف تقولين إننا سرقنا حقيبتك؟"‪ .‬لكن بفرق أربع وعشرين‬ ‫ساعة عن رحلتها‪ ،‬وبإيصالها أمتعتك‪ ،‬لكن وأنت تغادر المطار عائدا ً من حيث جئت‪.‬فصيت سرقاته يسبقه‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫أنفسهم يبتسمون عندما تشكو إليهم ضياع أمتعتك فيه‪ ،‬ويواسونك بأخبار من ُفجع قبلك‬ ‫مال المطار‪،‬‬ ‫في حقيبته‪ ،‬وعجز الشرطة نفسها عن تفكيك شبكات سرقة المتعة وسط ع ّ‬ ‫جب اليطاليون من‬ ‫على الرغم من عيون الكاميرات المزروعة لمراقبتهم‪ ،‬تماما ً كما ي ُعْ َ‬ ‫عجبك أل ّ تصل طائرتهم على الوقت‪ ،‬أو تلغي "أليطاليا" رحلة من دون سابق إبلغ‪ ..‬فليأخذوا الحقيبة!"‪.‬فهي‬ ‫لها من صفاتهم نصيب‪ ،‬وهي ذائعة الصيت في احترام مواعيدها‪ .‬اشتياقه إلى حبيبته‪.‬ولو كنت أعرف خاتمتي‪ ،‬حسب أغنية عبدالحليم‪ ،‬لتضامنت‬ ‫مسبقا ً مع عشرات الركاب مثل حالتي‪ ،‬الذين كانت ميلنو مطار ترانزيت نحو وجهات‬ ‫ُأخرى يقصدونها‪ ،‬لكن انتهى بهم المر مثلي بعد أسبوع‪ ،‬تائهين في مطار نيس‪ ،‬بعد أن‬ ‫فقدوا رحلتهم على متن شركة الطيران إّياها‪ ،‬لسباب "تقنّية" مفهومة‪ .‬فوحده َ‬ ‫جعله ُيضيع حقيبته ث ّ‬ ‫نابولي‪ ،‬بما يليق بالمدينة من أناقة إيطالية‪ ،‬وإذا به يقضي إقامته مهموما ً مغمومًا‪ ،‬محروما ً‬ ‫در حرقة اشتياق المرء إلى حقيبته‪ ..‬وبينما افتتح هو محاضرته‬ ‫بالتضامن مع الصحافية اليطالية‪ ،‬المفقودة آنذاك في العراق‪ ،‬أضفت إلى ُأمنيته‪ ،‬تعاطفي‬ ‫مع ك ّ‬ ‫من تفّهم فاجعتي وعذر‬ ‫ل الذين فقدوا أمتعتهم في مطار ميلنو‪ ..‫ن زمن الحمير قد وّلى‪ ،‬وجاءنا زمن الطائرات‪ ،‬والسفار عابرة القارات‪ ،‬والمطارات‬ ‫ل ّ‬ ‫التي تتقاطع فيها كل لحظة عشرات الرحلت‪ ،‬وُتلقي فيها حاملت المتعة بآلف الحقائب‬ ‫من جوف طائرة إلى جوف ُأخرى‪ ،‬فقد غدا ضروريا ً استبدال ذلك القول الساخر‪" :‬إذا أراد‬ ‫م يعثر عليه"‪ ،‬بقول آخر‪" :‬إذا أراد الّله إسعاد مسافر‬ ‫الّله إسعاد فقير جعله ُيضيع حماره ث ّ‬ ‫من ذهب مثلي يحضر معرض الكتاب في‬ ‫م يعثر عليها"‪ .‬روَ ْ‬ ‫جهودها التطوعّية ومبادراتها النسانية‪ ،‬حتى غ َد َ ْ‬ ‫سرقت حقيبتها الفاخرة منذ سنتين‪ ،‬أثناء سفرها إلى أميركا لحضور مناسبة تخّرج ابنها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مر من احتجاجها المسؤولون‪ ،‬وصاحوا بها‪:‬‬ ‫وكانت مليئة بأغلى الثياب وأرقاها‪ .‬والعكس‪ ،‬وستهاتف العائلة في بيروت لتنقل إليهم ُبشرى عثورك على حقيبتك‪،‬‬ ‫وُبشرى إلغاء رحلتك‪ ..‬‬ .‬متاع مفقود‪ ..‬ولم ُيطلب منهم‬ ‫سوى العودة في الغد على الساعة نفسها‪ ..‬أجابتهم بشجاعتها الماراتية‪َ" :‬أوَلم تسرقوا العراق؟"‪.‬فقد كان يمكن أن تخسر حياتك أثناء عودتك فرحا ً باستعادة حقيبتك‪.‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬ستنسى مصابك وعذابك‬ ‫ذات يوم أحد‪ ،‬وأنت عائد إلى بيت ن ّ‬ ‫ظفته وأغلقته وأفرغت بّراده من ك ّ‬ ‫ل شيء‪ ،‬وتهون‬ ‫ُ‬ ‫عليك المئتا يورو‪ ،‬التي ستدفعها ذهابا ً وعودة في الغد‪ ،‬كلفة سيارة الجرة من مطار نيس‬ ‫إلى كان‪ ..‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬ستحمد‬ ‫ن الطائرة المروحية الصغيرة ذات‬ ‫الّله كثيرًا‪ ،‬وتفتح مجلسا ً لتقّبل التهاني بسلمتك‪ ،‬ل ّ‬ ‫المحّركين كثيري الضجيج‪ ،‬لم تقع بك وأنت قادم من ميلنو إلى نابولي‪ ،‬ربما لنك قرأت‬ ‫مان‪،‬‬ ‫يومها كل ما حفظت من قرآن‪ ،‬وهو ما فعله أيضا ً إبراهيم نصرالّله‪ ،‬الذي جاء من ع ّ‬ ‫واستنفد ذخيرته من اليمان على طائرة مروحّية ُأخرى‪ .‬‬ ‫وستنسى من فرحتك أن ُتطالب حتى بحقوقك المشروعة والمدفوعة مسبقًا‪ ،‬حسب‬ ‫فلت مؤسساتها‬ ‫ضمانات بطاقتك المصرفية‪ ،‬لو لم تكن ضيفا ً على مدينة نابولي التي تك ّ‬ ‫الثقافية بدفع تذكرتك‪ ،‬واختيار مسارك وشركة طيرانك‪ .‬‬ ‫صة صديقتي الغالية أسماء غانم الصديق‪ ،‬التي اعتادت أن ُتسَرق منها‬ ‫واسي ُ‬ ‫ت نفسي بق ّ‬ ‫ت لي كيف‬ ‫ت مكاسبها سقط متاع‪َ .‬‬ ‫مازلت أسمعها تقول‪" :‬ضاعت الوطان‪ .‬ووجدت بين الحضور َ‬ ‫هيأتي وواساني بالتصفيق‪ .

‬والحقيقة‪ ،‬أنهم أنــاروا بمباهجهم الشرائية القتصاد اللبناني‪ ،‬وأدخلوا إلى جيوبه‬ ‫بصيص أمــل "أخضر"‪.‬وليس أمام هؤلء‪ ،‬إن كانوا‬ ‫مصّرين على القتال‪ ،‬إل ّ الذهاب إلى فلسطين لتحرير القدس فعــ ً‬ ‫منازلة الدبابات‬ ‫ل‪ .‬لكن ما‬ ‫يطمئننا هو وجود أطرافها‪ ،‬ك ّ‬ ‫ل في المكان الذي ل نتوّقعه‪.‬‬ ‫من يلهو بلعبة‬ ‫ستُنـوب عنهم القنابل الذكية‪ ،‬والمعارك التي ُتــــدار بحماسة وخ ّ‬ ‫فة ضمير َ‬ ‫إلكترونية‪..‬‬ ‫وقد يقول بعضكم‪ :‬وما نفع هؤلء إذا وجدوا أنفسهم في بلد‪ ،‬ذهب ثلث سكانها لتحرير‬ .‬واستبشرت خيرا ً بأحلمهم‪ .‬‬ ‫ن ما طمأنني‪ ،‬هو وجود السّياح الخليجيين باللف في بيــروت‪ ،‬بمناسبة شهر‬ ‫غيــر أ ّ‬ ‫وق‪ ،‬أو بذريعته‪ ،‬حتى ضاقت بهم الفنادق‪ ،‬وفاضت بهم إلى الجبال والشواطئ‬ ‫التس ّ‬ ‫المجاورة‪ .‬وهو الوقت الوحيد الذي أكتب‬ ‫فيه‪ ،‬فقد وجدت في المر نعمة إعفائي من مطاردة نشرات الخبار ليل نهار‪ ،‬خشية أن‬ ‫تقوم الحرب في غفلة مّني‪.‫"خ ّ‬ ‫جلها ممدود‪ .‬فبماذا يمكن أن يف ّ‬ ‫كر ملئكة‬ ‫الخير‪ ،‬عندما يأخذون قيلولــة في الوقت الضائع بين حربين؟‬ ‫كل شيء ينذر باقتراب هذه الحرب التي تهجم علينا رائحتها من ك ّ‬ ‫ل شيء نقربه‪ ..‬وهذا في حد ّ ذاته مأساة بالنسبة إلى‬ ‫يجدوا َ‬ ‫شعب ترّبـى على شحـذ السيوف‪ ،‬وعلى الروح القتالية‪ .‬‬ ‫وقد تقول ُأمي في موقف كهذا "خ ّ‬ ‫جلها ممدود وراحت تعّزي في محمود"‪.‬‬ ‫ولنني شاهدت على قناة "الورونيوز" الجنود الميركيين‪ ،‬وهم مستلقون في أزيــاء البحر‪،‬‬ ‫مام شمس في المسابح الخاصة بهم‪ ،‬فقد تذ ّ‬ ‫كرت قول ديغــــول‪" :‬أضع خططي‬ ‫يأخذون ح ّ‬ ‫من أحلم جنودي النائمين"‪ .‬‬ ‫بسخائها عندما تم ّ‬ ‫وبرغم انزعاجي لمتداد هذا النقطاع‪ ،‬أحيانا ً طوال الليل‪ ..‬فهؤلء الحمقى‪ ،‬تركوا‬ ‫وعين باللف من مختلف أرجاء العالم‪،‬‬ ‫هم أيضا ً أهلهم وبيوتهم وبلدهم‪ ،‬وجاءوا متط ّ‬ ‫تضامنا ً مع الشعب العراقي‪ ،‬لمقاسمته ما سينهمر عليه من قذائف‪.‬و ُ‬ ‫ُ‬ ‫السرائيلية‪ ،‬في شوارع غــــزة ورام الّلــه‪.‬‬ ‫فالميركيون الذين تركوا فردوسهم وجاءونا طوعـــا ً وُنبــ ً‬ ‫مة سماوّية لتطهير‬ ‫ل‪ ،‬في مه ّ‬ ‫العالم من أشراره‪ ،‬لوجـــه الّلــــه‪ ،‬أذكى من أن ينزلـوا إلى الشوارع ليحاربونا بجيوشهم‪.‬وراحت تعزي في محمود‬ ‫لت را ِ‬ ‫ور"‪،‬‬ ‫أكتــب إليكــم هذا المقال على الصوت المدّوي للموّلــد الكهربائي‪ ..‬النصاف الدقيق ل ُيطـــاق"‪.‬فلبنان "المن ّ‬ ‫ور" بغير الكهرباء دائمة النقطاع‪ ،‬التي‬ ‫وق‪ ،‬هو في الواقع "من ّ‬ ‫حسب شعار شهر التس ّ‬ ‫نعيش على تقنينها حسب مزاج شركة الكهرباء التي قصفها السرائيليون‪ ،‬حتى بتنا نسعد‬ ‫ن علينا ببضع ساعات إضاءة في اليوم‪.‬‬ ‫لت را ِ‬ ‫عنــق الدروع البشرية‪ ،‬التي وصفها‬ ‫وشخصيــًا‪ ،‬ل أرى خوفا ً على العراق‪ ،‬مادام أمانة في ُ‬ ‫البيت البيض‪ ،‬بفراشات الليل الغبّية‪ ،‬التي تذهب إلى النور لتحترق‪ .‬‬ ‫وهو ما يذ ّ‬ ‫كرني بعبارة خبيثـــة قالها جــان مـــارك روبيــر‪ ،‬في حديث عن الخيانة‬ ‫ّ‬ ‫الزوجية‪" :‬ل أحد في مكانه بالضبط‪ .‬الحمد لله‪ .‬‬ ‫وع عراقي‪ ،‬الذين أنهــوا مؤخرا ً تدريباتهم‬ ‫ولــذا‪ ،‬لــن يجد المليونان ونصف المليون متط ّ‬ ‫في "جيش القدس"‪ ،‬الذي أسسه صدام‪ ،‬قصد تحرير فلسطين‪ ،‬وانخرط في صفوفه ثلث‬ ‫س ّ‬ ‫كان العراق تقريبًا‪ ،‬أي أكثر من سبعة مليين شخص من الجنسين‪ ،‬ومن كل العمار‪ ،‬لن‬ ‫من ينازلون في حرب ُيحت َ ّ‬ ‫ل فيها العراق‪ ..

‫فلسطين‪ ،‬ونزح الباقون لجئين إلى الدول المجاورة؟ وهو سؤال غبي‪ ..‬حتى "ينــ ّ‬ ‫المتساقطة على العراق‪ ،‬ويمكننا الجلوس مساًء‪ ،‬مع ضيوفنا حول فنجان شاي‪ ،‬لنتقاسم‬ ‫مع فضائيات العالم الغنائــم العلمية للحــــرب!‬ ‫خواطر عشقية … عجلى‬ ‫ح َ‬ ‫ب·‬ ‫مبدعــا ً تخّلى عنه الحــ ّ‬ ‫في إمكان أيّ َ‬ ‫شـَرة صغيــرة أن تهزم ُ‬ ‫ّ‬ ‫هذا المبدع نفسه الذي لم يهزمه الطغاة ول الج ّ‬ ‫لدون ول أجهزة المخابرات ول دوائر‬ ‫ي·· يوم كان عاشقًا·‬ ‫الخوف العرب ّ‬ ‫***‬ ‫ب كبير· عادة‪ ،‬أضرحة الفقدان تبقى عاريــة·‬ ‫ح‬ ‫ضريح‬ ‫على‬ ‫نبتت‬ ‫صداقة‬ ‫بزهرة‬ ‫أسمع‬ ‫لم‬ ‫ّ‬ ‫ن الكراهية‪ ،‬ل الصداقــــة‪ ،‬هي ابنة‬ ‫ففي تلك المقابر‪ ،‬ل تنبت سوى أزهار الكراهية· ذلك أ ّ‬ ‫الحب·‬ ‫***‬ ‫لبد لحدهم أن يفطمك من ماضيك‪ ،‬ويشفيك من إدمانك لذكريات تنخـر في جسمك‬ ‫وُتصيبك بترّقق الحلم· النسيان هو الكالسيوم الوحيد الذي ُيقاوم خطر هشاشة المل·‬ ‫***‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب جنونا وتطّرفا وشراسة وافتراسا عشقيا للخــر·· فهو إحساس ل‬ ‫ن لم يكن الح ّ‬ ‫إ ْ‬ ‫ول عليه·‬ ‫يعـــ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫حمة لم‬ ‫متف ّ‬ ‫ليس في إمكان شجرة ح ّ‬ ‫و‪ ،‬أن ُتواسيك بخضارها‪ ،‬عن غابة ُ‬ ‫ب صغيرة نبتت للت ّ‬ ‫ن جذورها ممتدة فيك·‬ ‫تنطفئ نيرانها تماما ً داخلك·· وتدري أ ّ‬ ‫***‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب صغير ُيولد· أشفق على الذين يستعجلون خلع‬ ‫ن حب ّا كبيرا وهو يموت‪ ،‬أجمل من ح ّ‬ ‫إ ّ‬ ‫حدادهم العاطفي·‬ ‫***‬ ‫ب·· هو الذي يعثر عليك·‬ ‫الح‬ ‫على‬ ‫تعثر‬ ‫ل‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫أن َ‬ ‫ً‬ ‫ل أعرف طريقة أكثر خبثا في التحّرش بـه·· من تجاهلك له·‬ ‫***‬ ‫ي على هزيمة·‬ ‫ي مبن ّ‬ ‫أتــوق إلى نصـر عشق ّ‬ ‫ب·· بل له·‬ ‫الح‬ ‫على‬ ‫رة‬ ‫م‬ ‫انتصرت‬ ‫لطالما فاخرت بأنني ما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ .‬وسبق للقوات‬ ‫الميركية أن أقامت لهم "معسكرات صحراوية" بجوار قواعدها‪ ،‬وأجبرتهم على القيام‬ ‫بـ"دورات ميدانية"‪ ،‬بذريعة تلفي أخطار واجهت الصحافيين خلل حرب تحرير الكويت‪،‬‬ ‫مثل ضياع بعضهم وأسره لدى العراقيين‪ .‬‬ ‫ور الصحافيون في حرب غاب عنها المتقاتلون واختفى‬ ‫وقد يسأل أحدكم‪ :‬وماذا سيص ّ‬ ‫قادتها في المخابئ؟‬ ‫ً‬ ‫وسُأجيبه‪ :‬إنهم ليسوا هناك لرسال صور الحرب‪ ،‬بل ليكونوا جنودا في حرب الصور‪،‬‬ ‫والسباق إلى التسّلح العلمي‪ ،‬لشبــاع نهــم الشبكات التلفزيونية الكبرى‪ ،‬وولعها بالبـث‬ ‫المباشر الحي‪ ،‬من بلدان تلفظ أنفاسها على مرأى من مليين البشر‪.‬بينما يرى الصحافيون أن ما تريده أميركا هو‬ ‫فرض رقابة غير مباشرة عليهم‪ ،‬وتوجيه عيونهم حيث تشاء‪...‬حتى إن‬ ‫"البنتاغون" دعا ‪ 500‬صحافي لزيارة سياحية للعراق‪ ،‬على ظهور الدبابات‪ .‬أعيدي لنا الكهرباء رجــاًء‪ .‬لن تلك الدروع‬ ‫البشرية سُتدفع لحماية الصحافيين الذين هم الجنود الحقيقيون في هذه المعركة‪ .‬‬ ‫ور" لبنان بالقنابل‬ ‫فيا شركة كهرباء لبنان‪ .

‫***‬ ‫مة طريقتان للعذاب‪:‬‬ ‫بعد فراق عشقي‪ ،‬ث ّ‬ ‫ا ُ‬ ‫لولى أن تشقى بوحدتك‪ ،‬والثانية أن تشقى بمعاشرة شخص آخــر·‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ك قبل أن ُتحّبيه‪ ،‬وُتدّلليها‬ ‫نفس‬ ‫تحبي‬ ‫أن‬ ‫ت‬ ‫قرر‬ ‫إذا‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫ل‬ ‫رج‬ ‫تكسبي‬ ‫لن‬ ‫ت‬ ‫أن‬ ‫الحمقاء··‬ ‫أيتها‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ك عن سخاء عاطفي فستخسرينه·‬ ‫ن فّرط ِ‬ ‫ت في نفس ِ‬ ‫ما ُتدّلليلنه· إ ْ‬ ‫أكثر م ّ‬ ‫مشتهــــاة·‬ ‫النانيــة‬ ‫المـرأة‬ ‫كـم‬ ‫ك··‬ ‫حولـ‬ ‫انظــري‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ب الوطن‬ ‫حـ ّ‬ ‫درس إماراتي في ُ‬ ‫ُ‬ ‫مع‬ ‫لم أزر المـــارات سـوى مرتين‪ ،‬تفصل بينهما خمس سنوات· الولى بدعوة من “المج ّ‬ ‫الثقافي”‪ ،‬والثانية للسهام في جمع التبّرعات دعمــا ً للفلسطينيين‪ ،‬بدعــوة من تلفزيون‬ ‫أبوظبــي·‬ ‫دد على المــارات الدعــوات التي تأتيني بين الحين والخر‪ ،‬من جهة أو‬ ‫لم تغرني بالتر ّ‬ ‫ُأخرى‪ ،‬ول الُعروض ال ُْ‬ ‫مغريــة لشركات الطيران‪ ،‬كـي تجعل من دبــي الوجهــة السياحّيـة‬ ‫ُ‬ ‫العربّيـة ا ُ‬ ‫ب بلــدا ً كما لو أّنه وطني‪ ،‬أخجـل أن أزوره بذريعة تجارية في‬ ‫لولـى· فعندما أحــ ّ‬ ‫ن كان على ُبعــد ساعتين بالسيارة‪ ،‬كما هي الحــال‬ ‫وق والتنزيلت‪ ،‬حتى وإ ْ‬ ‫مواسم التس ّ‬ ‫ً‬ ‫مع الشـــام‪ ،‬التي يقصدها اللبنانيون يوميا بالمئات‪ ،‬لشراء القطنيات والمؤونات الغذائية‪،‬‬ ‫ولم أزرها خلل عشر سنوات سوى مرتين‪ ،‬ا ُ‬ ‫لولى منذ ‪ 5‬سنوات‪ ،‬إذ كان لي لقاء مع‬ ‫القّراء في فندق فخـم في الشــام‪ ،‬في إطــار عمل خيريّ برعايـة “‪ sos‬قرى الطفال”‪،‬‬ ‫ِبيعــت فيه البطاقة بثمانية دولرات‪ ،‬وحضره ‪ 1400‬شخص‪ ،‬والثانية كانت منذ ثلثة أشهر‬ ‫بدعوة من السيدة ُبشـــرى السـد‪ ،‬والصديقة الدكتورة ُبثينـــة شـعبان·‬ ‫مبــدع وأّيــة جـهـة‬ ‫ذلك أنني أعتقد أ ّ‬ ‫ن المسافة الجغرافية‪ ،‬أو المهنية‪ ،‬مهما قربــت بين ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ن كانت وطنه الصلي‪ ،‬عليها أل ّ ُتلغي المسافة الخرى الضرورية لحماية‬ ‫أخـرى‪ ،‬حتى وإ ْ‬ ‫ي وغير‬ ‫ماِليــة حضـوره‪ ،‬وهو ما ل يتح ّ‬ ‫هيبة اسمه و َ‬ ‫ج َ‬ ‫ولــه إلى كائــن غير مرئ ّ‬ ‫قق إل ّ بتح ّ‬ ‫متوافـــر·‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حمولتيهما البشرّيــة في مطـار الشــام‬ ‫لسبوع‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫مرتين‬ ‫تفرغان‬ ‫جزائريتان‬ ‫طائرتان‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ومطــار دبــي‪ ،‬لنعدام التأشيرة بين الجزائر وسوريــا‪ ،‬ولسهولتها بالنسبة إلى دبــي‪ ،‬مــا‬ ‫جــار ال ّ‬ ‫مـة ســوق‬ ‫ب من “ت ّ‬ ‫ب ود ّ‬ ‫مــن هــ ّ‬ ‫شنطة”‪ ،‬حتى أصبح ثـ ّ‬ ‫جعل البلدين في متناول َ‬ ‫ُ‬ ‫بكاملها‪ ،‬تحمل في العاصمة اسم “ســـوق دبــــي”‪ ،‬وأخــــرى تحمل اسم “ســوق‬ ‫الشـــام”·‬ ‫ُ‬ ‫ضـع‪ ،‬بحجــة‬ ‫مــن حاولــوا إغرائــي بزيــارة الشــام للتب ّ‬ ‫وحــدي‪ ،‬منـذ سـنــوات‪ ،‬أقـــاوم َ‬ ‫رخص موادها الستهلكية‪ ،‬تماما ً كما إكرامــا ً لوجدانـي القومـي‪ ،‬رفضت أن تتساوى دبــي‬ ‫والمــارات في ذهني بالصين وهونغ كونغ·· وكوريـــا‪ ،‬والبلد الذي يحلم البعض بزيارته‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ذلك‬ ‫مضافــة على اللت اللكترونية·‬ ‫ّ‬ ‫للستفادة من سوقـــه الحـــّرة وغيــاب القيمة ال ْ ُ‬ ‫مضافـة‪ ،‬تفوق ثمن البضائع المعروضة ذاتها‪ ،‬وحـدي أعرف‬ ‫للُعروبـــة في قلبي قيمة ُ‬ ‫ن لم‬ ‫وإ‬ ‫عبــدالقــــادر‪،‬‬ ‫الميـر‬ ‫عنفـوان‬ ‫تكويني‬ ‫جينـات‬ ‫في‬ ‫أحمـل‬ ‫نسبتها· فأنـا مازلــت‬ ‫ْ‬ ‫ن لم أدخل المـــارات‬ ‫أد ُ‬ ‫خــل الشــام فاتحـــة‪ ،‬فأنــا لن أدخلها تاجـــرة صغيرة‪ ،‬وإ ْ‬ ‫أميـــرة للكلمــة‪ ،‬فأنــا لـن أزورها جاريــة في سـوق العــولمـــة·‬ ‫مفاخــر‬ ‫فقبـل أن أسمع بسوق الحميديــة في سوريــا‪ ،‬تعّلمـت في مدارس الجزائر ال ْ َ‬ ‫ا ُ‬ ‫جــار ال ّ‬ ‫شنطــة”‪ ،‬كانت نسـاؤنـــا‬ ‫لموّيــة‪ ،‬وقبل أن ُينجــب البـــؤس العربــي سللــة “ت ّ‬ ‫قد أنجبــن الفرســان والخّيـالــة‪ ،‬وُأمــراء جــــاءوا على صهــوة الُعروبــة ُينازلــون‬ ‫التاريــخ·‬ .

‬من ج ّ‬ ‫لدك‬ ‫غادرت بيروت إلى فرنسا‪ ،‬ذات سبت في الول من أيار• وكان آخُر ما شهدته مساًء‪ ،‬وأنا‬ ‫منهمكة في إعداد حقيبتي‪ ،‬برنامجا ً تعثرت يدي بزر فضائيته‪ ،‬فعلقت عن فضول وذهول‬ ‫بين فكيه‪ ،‬مأخوذة بصفة ضيوفه‪ ،‬واختيارهم تلك القناة “الحرة” من دون سواها‪ ،‬لعرض‬ ‫مظالم السجناء العرب في المعتقلت العربية‪ ،‬والتنديد بتاريخ انتهاك حقوق السير في‬ ‫أوطان ل تعترف حتى بحقوقه الطبيعية‪ ،‬كما جاء على لسان ذلك الكاتب الصديق‪ ،‬الذي‬ ‫قضى في الماضي ‪ 16‬سنة من عمره في أحد السجون العربية‪ ،‬بتهمة الشيوعية وما عاد‬ ‫يرى حرجا ً اليوم‪ ،‬وقد وّلى “زمن العنفوان”‪ ،‬أن يجلس في أناقة تليق بمنبر أميريكي‪،‬‬ ‫ليفتح قلبه بشكاوى‪ ،‬ما كان يخص بها في الماضي سوى قراء جريدة “التحاد الشتراكي”‪،‬‬ ‫يشفع له وجوده بين ضيفين‪ ،‬يترأس أحدهما جمعية حقوق النسان في سجون مصر‪،‬‬ ‫ويمثل الثاني جمعية حقوق النسان لدى السجناء في لبنان•‬ ‫ب هو الذي تعثر عليه أثناء بحثك عن شيء آخر‪ ،‬فإن أطرف برنامج تعثر‬ ‫وإذا كان أجمل ح ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫عليه حتمًا‪ ،‬أثناء بعثك عن قناة أخرى‪ ،‬بعدما تكون قد تهت “فضائيا”‪ ،‬وحطت بك‬ ‫المصادفة عند “قناة الحقيقة”‪ ،‬وهو على ما يبدو السم الحركي لقناة “الحرة”‪ ،‬وقبل أن‬ ‫تتردد وتهاجر إلى “جزيرة” ُأخرى‪ ،‬يطمئنك شعارها “انتقاء ذكي” إلى ذكائك‪ ،‬ويهنئك‬ ‫بحرارة ويشد على يدك‪ ،‬لنك لست من الغباء لتعادي “الحرية” ومشتقاتها‪ ،‬وتنحاز كمليين‬ ‫المشاهدين العرب إلى قنوات معسكر الشر• وبدل أن تنضم إلى أنصار صراع الديكة‬ ‫ونتف الريش‪ ،‬في برامج الصياح العلمي العربي المتخلف‪ ،‬تجلس كأي أميركي متحضر‬ ‫لتتابع بهدوء ورهبة “جدل ً حّرًا” تقدمه إعلمية لبنانية بكل ما أوتيت من لباقة وأناقة ونوايا‬ ‫إنسانية حسنة•• عن “الرفق بالنسان” )أي والله( وهو عنوان الحلقة المخصصة‬ .‫لـــذا‪ ،‬مثلهــم‪ ،‬ما زرت المـــارات يومــا ً لخــذ منها ما هو أرخص‪ ،‬وإّنـمــا مــا هــــو‬ ‫أغـلــــى وأنـــــدر·‬ ‫في زمــن الذ ّ‬ ‫ضـعُ شيئا ً من‬ ‫أتب‬ ‫فارغــة‪،‬‬ ‫وحقائب‬ ‫مليء‬ ‫بقلب‬ ‫المــارات‬ ‫أدخل‬ ‫ي‪،‬‬ ‫العربـ‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قــطُ‬ ‫سـ َ‬ ‫المــل‪ ،‬شيئا ً من الكرامــة‪ ،‬وبعض العنفوان· ما يريده الخــرون منها هو َ‬ ‫ي النــادر·‬ ‫مَتــا ِ‬ ‫َ‬ ‫وق شيئا ً من الزهــو العرب ّ‬ ‫عــي· أنا جئتها أتس ّ‬ ‫َ‬ ‫فالمــارات هي البلد العربي الذي ُتفاخــُر بعروبتك عندما تزوره‪ ،‬وتأتمنــه على حياتك‬ ‫مفلسا ً أو في‬ ‫مـا قصدته‪ ،‬بينما قد ل تغادر غيره إل ّ ُ‬ ‫عندما تسكنه‪ ،‬وُتغادره غالبا ً أثــرى م ّ‬ ‫صندوق· وفيها ل تخشى أن ُتشهر رأيك‪ ،‬فل يقبـع في سجونها سجين سياسي واحــد· وهذا‬ ‫وحده ظاهرة عربّية نــادرة·‬ ‫ُ‬ ‫مــر‬ ‫وأنــا أزور دبــي للمــّرة الولــى‪ ،‬تجـاوزت إعجابـي بها إلى الغيـرة عليها من قــدر ُيد ّ‬ ‫كــ ّ‬ ‫ققته هذه‬ ‫مـا ح ّ‬ ‫م إلى الغيــرة مـ ّ‬ ‫ل ما هو جميــل هذه اليـام في العالـم العربـي‪ ،‬ثــ ّ‬ ‫ب أبنائها لهـا·‬ ‫حــ ّ‬ ‫المـــارة الصغيــرة من إنجـــازات تتجــاوز مساحتها إلى شساعـة ُ‬ ‫ت نســاًء ثـرّيــات‪،‬‬ ‫ت قصــورًا‪ ،‬وجالس ُ‬ ‫في دبــي‪ ،‬كما في أبوظبـــي والشـارقــة‪ ،‬دخل ُ‬ ‫ن كان ُيضاهيه ثـــراًء· فأنـــا‪،‬‬ ‫لكنني ما غــــرت سوى من وطن ل ُيشبه وطني‪ ،‬وإ ْ‬ ‫كصديقتـي الغاليــة جميـلـــة ُبـوحيـــــرد‪“ ،‬ل أغـــار من الشخاص بـل من الوطـــــان”·‬ ‫حضـرنــي كثيـــرا ً قــــول ُأستــاذي جـــــاك بيـــــرك‪ ،‬في إحـدى محاضـراتــه في‬ ‫متخّلفــة‪ ،‬بــل بلد َتخّلـف أبناؤهــا عن‬ ‫“السوربـــون” في الثمانينات‪“ :‬ل وجــود لبـلد ُ‬ ‫عروبتنــا·‬ ‫حـّبـهـا”· لقد أدرك‪ ،‬وهو شيخ المستشرقين‪ ،‬عّلــة ُ‬ ‫ُ‬ ‫ضـع·· خـــذوا في‬ ‫للتب‬ ‫ســوق‬ ‫أو‬ ‫للعمل‪،‬‬ ‫كســوق‬ ‫المـــارات‬ ‫تقصــدون‬ ‫مــن‬ ‫فيــا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ب الوطـــــــن‬ ‫حـــ ّ‬ ‫جانــي‪ :‬درس ُ‬ ‫طريقكـم مــن أبنائهــا ذلك الدرس الم ّ‬ ‫درس في الحرّية‪ ..

‫در بعد اليوم‪،‬‬ ‫لمظالمك كإنسان عربي‪ ،‬وفيه إشارة واضحة تطمئنك إلى أن حقوقك لن ُته َ‬ ‫لن أميركا رفعتك أخيرا ً إلى مقام حيواناتها وقّررت أن ترفق بك•‬ ‫ول تدري‪ ،‬أيجب أن تحزن أم تفرح‪ ،‬لن “ماما أميركا” قد تدللك بعد الن‪ ،‬كما تدلل‬ ‫قططها وكلبها‪ ،‬وتغدق عليك بقدر ما تغدق عليها• وقد تذهب حد ّ إنشاء نواد ٍ خاصة تهتم‬ ‫برشاقتك وإذابة شحومك العربية‪ ،‬واصطحابك إلى مطاعم ل ترتادها غير الكلب المدللة‬ ‫صنع خصيصا ً لعادة‬ ‫للحتفال بأعياد ميلدها‪ ،‬وستطعمك في مواسم الحّر “آيس كريم” ُ‬ ‫در الله بعد عمر طويل‪ ،‬لن‬ ‫تلق ّ‬ ‫البهجة لكلب‪ ،‬لفرط تخمتها ما عاد يسيل لعابها‪ ،‬وإن م ّ‬ ‫ً‬ ‫تنتهي جثتك في كيس من البلستيك‪ ،‬بل سترتاح في مقبرة جميلة‪ ،‬تذهب إليها مكّرما‪ ،‬في‬ ‫تابوت من الخشب الثمين المغّلف من الداخل بالساتان•‬ ‫وهكذا‪ ،‬سافرت إلى فرنسا مطمئنة إلى مصير العراقيين الذين وجدوا أنفسهم مدعوين‬ ‫إلى وليمة الديمقراطية ومباهج الحرية‪ ،‬من دون أن يستشيرهم أحد في ذلك•‬ ‫ت تريد أن تعاملك أميركا كما تعامل كلبها ليس أكثر• فلماذا تحتج وأنت ترى جندية‬ ‫كن َ‬ ‫تسحب عراقيا ً عاريا ً بمقوده‪ ،‬كما لو كانت تجر كلبًا؟‬ ‫ولماذا تبكي‪ ،‬وتلك الرجولة العربية معروضة للفرجة‪ ،‬عارية إل ّ من ذعرها‪ ،‬مكّبلة اليدين‬ ‫ي؟‬ ‫والكبرياء‪ ،‬ترتعد تحت ترويع كلب مدّربة على كره رائحة العرب ّ‬ ‫تلك الرجولة المهانة‪،‬الذليلة‪ ،‬المستجدية الرحمة‪ ،‬وقليل ً من الكرامة النسانية ممن جاءوا‬ ‫ن‪ ،‬ولماذا‪ ،‬وحتى متى‪،‬‬ ‫بذريعة إحلل حقوق النسان‪ ،‬بأيّ حق وبأيّ شريعة‪ ،‬وباسم َ‬ ‫م ْ‬ ‫سيستهان بحقها في الحياة في وطنها بكرامة‪ ،‬والعيش من ثروات هي ثروات أرضها؟‬ ‫كانت نكتة غير موفقة في توقيتها‪ ،‬أن تخصص قناة “الحّرة” حلقة لعرض انتهاكات حقوق‬ ‫النسان في السجون العربية قبل يومين من انفجار فضيحة تكنولوجيا التعذيب النفسي‬ ‫والجسدي‪ ،‬الذي يقوم به جيش بوش لختبار تقنياته تباعا ً علينا‪ ،‬كي يجعل منا تلميذ نجباء‬ ‫في مدرسة “العالم الحّر”•‬ ‫عندما تكون الديمقراطية هبة الحتلل•• كيف لك أن تتعلم الحرية من ج ّ‬ ‫لدك؟‬ ‫دّلوني على أحدهم‬ ‫هاتفتني العزيزة لطيفة‪ ،‬بعد قراءتها مقالي عن عطاف شاهين‪ ،‬ابنة القـــدس‪ ،‬التي َبـــد َ َ‬ ‫ل‬ ‫انخراطها في "كتائب القصى"‪ ،‬انخرطت في "كتائب الع ّ‬ ‫شاق"‪ ،‬واختارت أكثر العمليات‬ ‫الفدائية صعوبة‪ ،‬بعد أن عاهدت خطيبها محمود الصفدي‪ ،‬السير في سجن عسقلن‪ ،‬على‬ ‫انتظاره حتى آخر يوم من العوام السبعة والعشرين‪ ،‬المحكوم عليه بقضائها في ا َ‬ ‫لسر‪،‬‬ ‫التي انقضى منها حتى الن‪ ،‬خمس عشرة سنة كاملة‪ ،‬بأشهرها وأسابيعها وأيامها ولياليها•‬ ‫ن كان‬ ‫من غّنى "يا حبيبي ما ترحش بعيد"‪" :‬معك حــق•• إ ْ‬ ‫وقالت لطيفة‪ ،‬وكأنها ليست َ‬ ‫ي ويسوُقونا إلى‬ ‫العاطف‬ ‫بؤسنا‬ ‫ليأخذوا‬ ‫جان‪،‬‬ ‫وس‬ ‫سجن‬ ‫وإلى‬ ‫الوفاء يحتاج إلى مسافة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ب الكبيــــر!"•‬ ‫سجن عسقلن•• عسانا في السر نعثر على الحــ ّ‬ ‫من مّنا لم يحسد عطاف على بطولة عاطفّية كهذه‪ ،‬في زمن ل ينقصه البطال ول‬ ‫َ‬ ‫"السوبر ستار"‪ ،‬وإنها فقط "قضّية عشقّية" تمنحنا فرصة النضال من أجلها‪ ،‬وإثبات أننا‬ ‫ب بقصصه المبهرة العظيمة‪ ،‬التي ليست‬ ‫وق في دور البطولة‪ ،‬عندما يختبرنا الح ّ‬ ‫جميعنا نتف ّ‬ ‫صنع المشاهير والعظماء؟‬ ‫دوما ً من ُ‬ ‫شاقه‪ ،‬وإنما بفجائعهــم ومآســيهم‪ ،‬حتى لكأنه ل يتغ ّ‬ ‫ب ل يكبر بألقاب ع ّ‬ ‫ذى إل ّ بها‪ ،‬ول‬ ‫فالح ّ‬ ‫يدين بوجوده لسواها•‬ ‫من سأله‪" :‬ما الذي يقتل الحب؟" قائ ً‬ ‫ل‪" :‬النهاية السعيدة!"؟‬ ‫بونابارت‬ ‫ألــم ُيجــب نابليون‬ ‫َ‬ ‫لــــذا‪ ،‬عندما يغدر الموت بأحد العاشقين‪ ،‬ويسرقه من الثاني‪ ،‬تصبح فاجعة الفقدان‬ ‫البديّ "فرصة ذهبّية" للعاشق الذي بقي على قيد الحياة‪ ،‬كي ُينازل الموت عشقًا‪ ،‬ذاهبا ً‬ .

‬إنسانة تلقائية ُ‬ ‫بالمشي في أكبر الفنادق بجوار والدتها‪ ،‬السّيدة الطّيبة ا ُ‬ ‫لمّية‪ ،‬ذات المظهر البسيط‪ ،‬ل‬ ‫ددة أنها تفاخر بهذه ا ُ‬ ‫لم‪،‬‬ ‫مر ّ‬ ‫تتوقف عن احتضانها وتقبيلها مرارا ً أمام النظرات الفضولّية‪ُ ،‬‬ ‫التي أنجبت ورّبت ثمانية أولد‪ .‫ب ل غير•‬ ‫مستندا ً إلى منطق الح ّ‬ ‫معه في تحد ّ يتجاوز أحيانا ً المنطق‪ُ ،‬‬ ‫ً‬ ‫وهكذا‪ ،‬في نيس‪ ،‬في جنوب فرنسا‪ ،‬احتفلت مؤخرا عاشقة في الخامسة والثلثين من‬ ‫عمرها‪ ،‬بزواجها بحبيبها المتوّفى منذ سنتين• ولم يكن من السهل تحقيق مطلبها الغريب•‬ ‫محام للدفاع عن ُأمنيتها‪ ،‬والكتابة إلى الرئيس جاك‬ ‫فلقد اضط ُّرت قبل ذلك إلى تكليف ُ‬ ‫ي يسمح لها بإقامة مراسم الزواج في البلدّية‪ ،‬وإجراء جميع‬ ‫شيراك‪ ،‬لصدار قرار رئاس ّ‬ ‫المعاملت القانونية‪ ،‬التي كانت قد شرعت في التحضير لها‪ ،‬قبل أن يقتل أحد اللصوص‬ ‫ي‪ ،‬قبل أشهر من عقد الزواج•‬ ‫حبيبها الشرط ّ‬ ‫وإن كانت "العروس الرملة" قد أعلنت سعادتها بوفائها بالعهد‪ ،‬الذي قطعته لحبيبها‪،‬‬ ‫مة امرأة ُأخرى جاءت قبلها بأربعة قرون‪،‬‬ ‫وافتخارها بأنها صارت تحمل اسم حبيبها‪ ،‬فث ّ‬ ‫ن الوفاء ل يقتضي أن تكتفي الزوجة بحمل اسم زوجها الفقيد•• بل بحمل رأسه‬ ‫وجدت أ ّ‬ ‫أيضًا•‬ ‫صة "الليدي رالي"‪ ،‬التي طلبت أن ُتعطــى رأس زوجها بعد أن أمر الملك‬ ‫ويروي التاريخ ق ّ‬ ‫محّنطا ً حيث ذهبت‪ ،‬ودام‬ ‫تحمله‬ ‫فكانت‬ ‫إسبانيا‪،‬‬ ‫لملك‬ ‫موالته‬ ‫بتهمة‬ ‫بقطعه‪،‬‬ ‫جيمس الّول‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ذلك ‪ 29‬سنة• وقد سار ابنها على نهجها‪ ،‬وظ ّ‬ ‫ل هو أيضا محتفظا برأس والده‪ ،‬حتى وافته‬ ‫دفن معه•‬ ‫المنّية ف ُ‬ ‫من فقدناهم• يكفي أن نواصل الحياة‬ ‫لكن الوفاء ل يحتاج إلى حملنا‪ ،‬حيثما ذهبنا‪ ،‬جثمان َ‬ ‫وكأنهم مازالوا موجودين فيها‪ ،‬محافظين على عاداتنا الصغيرة معهم• ولقد صدر مؤخرا ً‬ ‫ُ‬ ‫م أجمل ما كتبته زوجة لزوجها يوميًا‪ ،‬على مدى‬ ‫في فرنسا كتاب بعنوان "أغنية حــ ّ‬ ‫ب"‪ ،‬ض ّ‬ ‫سنوات بعد موته• وما الزوج سوى أنطوان دي سانت اكزوبيري‪ ،‬أحد أشهر الكّتاب‬ ‫من عبروا‬ ‫الفرنسيين في الربعينات‪ ،‬الذي ب ُ‬ ‫حكم عمله‪ ،‬كطيار تجاري وواحد من أوائل َ‬ ‫المحيطات بأكياس البريد ليصلوا القارات ببعضها‪ ،‬كان يتوّقع الموت في أّية رحلة‪ ،‬وهو‬ ‫يقود طائرته البدائية تلك• لـــذا طلب من زوجته أن تكتب له ك ّ‬ ‫ل يوم رسالة قصيرة‪،‬‬ ‫وتحتفظ بها إلى حين عودته‪ ،‬وهذا ما ظّلت تفعله الزوجة العاشقة إلى ما بعد موته‬ ‫بسنوات‪ ،‬حتى ذلك اليوم الذي توّقـف القلم بين أناملها•• وماتت الكلمات•‬ ‫ن قلت‪" :‬ل شيء على الطلق أجمل من‬ ‫ل أظنكــــم ستختلفون معي في الرأي إ ْ‬ ‫هــم‬ ‫ن قلت‪" :‬أيـــن ُ‬ ‫ي قطعناه"• ول أظنني سأبـــوح بغير حسرتكن إ ْ‬ ‫الوفــــاء بعهد عشق ّ‬ ‫الرجــال الذيــن يستحقــون مّنا بطـــولت الوفـــاء؟"•‬ ‫دّلــونــــي علــى أحــدهــــم•• أيـّتـهــــا النساء!‬ ‫دموع لطيفة‬ ‫ل شيء كان يشي بالحزن‪ ،‬في ذلك اليوم الذي بدأ جمي ً‬ ‫ل‪ ،‬وأنا ألتقي المطربة لطيفة‪ ،‬لّول‬ ‫مطاردة هاتفّية‬ ‫إثر‬ ‫ي‪،‬‬ ‫عل‬ ‫القبض‬ ‫مّرة‪ ،‬في فندق فخم في بيروت‪ ،‬بعد أن نجحت في إلقاء‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫دة أشهر‪ ،‬أصدقاء مشتركين لنا‪ ،‬بعد أن أصّرت على أن‬ ‫وعاطفّية‪ ،‬جّندت لها لطيفة لع ّ‬ ‫من يقرأ روايتي “عابر سرير”‪.‬وكانت لطيفة تركض بين “البوفيه” وطاولة السفرة‪،‬‬ ‫لغرائها بتناول شيء من الكل‪ ،‬أو من الحلويات‪ ،‬تساعدها على الوقوف‪ ،‬ترافقها إلى‬ ‫ف ترك في قلبي أجمل الثر‪ ،‬لنه ل ُيشبه ما أراه‬ ‫الباب‪ ،‬ترّتب الشال على شعرها‪ .‬اكتشفتها‪ .‬تصّر ٌ‬ .‬‬ ‫تكون أّول َ‬ ‫لطيفــة‪ ،‬ما كانت تشبه تلك “النجمة” التي اعتادت أن تعُبر شاشتي في مقابلة‪ ،‬أو في‬ ‫عروبّية‪ ،‬متواضعة‪ ،‬لم تغّيرها الشهرة ول الضواء‪ُ ،‬تفاخــر‬ ‫كليب‪ .

‬‬ ‫مف ّ‬ ‫ُ‬ ‫وهكذا انقلب مسار حديثنا من اعترفات نسائية‪ ،‬كنا نتبادلها ضاحكتين‪ ،‬إلى الحديث عن‬ ‫ي أن‬ ‫مشروعات خيرّية‪ ،‬تتك ّ‬ ‫فل بها لطيفة في أوساط المغتربين في فرنسا‪ ،‬عارضة عل ّ‬ ‫ُأسهم فيها إن استطعت ذلك‪..‬فهل كان أهل ذكــــرى‪ ،‬يختارون قدرها‪ ،‬وهم يختارون لها اسمًا؟‬ ‫رالي الجنون العربي‬ ‫مــّر عيد ميلد نــزار قّباني منذ أيام‪ ،‬وما كنت لتنّبه له‪ .‬غير‬ ‫قته لطيفة يوم لقائنا‪ ،‬يخبرها بموت صديقتها‪ ،‬المطربة ذكـــرى‪ ،‬مقتولة على‬ ‫ن هاتفا ً تل ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫يــد زوجها‪ ،‬كشف لي جانبا ً آخــر فيها‪ .‬أنا جاهزة لذهب إلى‬ ‫الجزائر‪ ،‬فقط ُ‬ ‫ك‪ ،‬حين تسافرين إلى الجزائر”‪ .‬‬ ‫مشرحة‪ ،‬ذاك الصوت‪ ،‬ذاك الشباب‪ ،‬يا نـــــاري علي ِ‬ ‫م تعود لتسألني مذعـــورة‪“ :‬آش نعمل؟ قولي لي‪ .‬قلت وأنا‬ ‫لقّبلها‪ِ .‬‬ ‫لم أستطع تقديم أّيـة نصيحة إلى لطيفة‪ .‬تركتها وأنا ُأف ّ‬ ‫ن “لكل امرئ من اسمه‬ ‫كـر في أ ّ‬ ‫نصيب”‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ون فكرة عن اهتماماتها‪ ،‬وطيبتها‪،‬‬ ‫كنت بدأت أعتقد أنني أعرف عن لطيفة ما يكفي‪ ،‬لك ّ‬ ‫بعد أن أخبرتني بأنها ُتقاوم الرق بمطالعة “وجهة نظر”‪ ،‬وبعض الكتب السياسّية‪،‬‬ ‫ورين‪ ،‬لخذ صورتين أو‬ ‫ي الستفادة من صور ستأخذها‪ ،‬عند أحد كبار المص ّ‬ ‫وعرضت عل ّ‬ ‫ثلثًا‪ ،‬ضمن جلسة تصويرها‪ ،‬حتى ُأغّير صورتي في زهرة الخليج‪“ ،‬لنها ل ُتنصفني”‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تخ ّ‬ ‫طي مشغو ً‬ ‫حين طلبتني بعد ذلك مطوّ ً‬ ‫دث‬ ‫ل‪ ،‬صاحت وأنا أخبرها‪ ،‬أنني كنت أح ّ‬ ‫ل‪ ،‬ووجد ْ‬ ‫ُ‬ ‫الغالية جميلة بوحيرد‪ُ ،‬‬ ‫لعايدها‪“ :‬أرجــوك يا أحــلم‪ ،‬أريـد أن أراها‪ .‬ر ّ‬ ‫حفل كبير لمصلحة أي مشروع خيري تنصحينني به”‪ .‬فقد بــدت فتاة شعبّية‪ ،‬قد تنتمي إلى أي بلد عربي‬ ‫ُ‬ ‫دعــاء‪ ،‬متوسلة إلى الّله أن يكون الخبر غير‬ ‫كان‪ ،‬أنثى باكيــة ل تتوقف عن النحيــب وال ّ‬ ‫دها بالتفاصيل‬ ‫حـة الخبر‪ ،‬وتم ّ‬ ‫صحيح‪ .‬‬ ‫عديني أن تصطحبيني مع ِ‬ ‫ن الوضاع الجزائرية حاليا ً تعبانة‪ ،‬والناس بين منكوبي زلزال أو‬ ‫أستبعد المشروع‪“ :‬إ ّ‬ ‫دت وقد عثرت على قضّية جديدة‪“ :‬في إمكاني تقديم‬ ‫فيضان‪ ،‬أو ضحايا فقر أو إرهاب”‪ ..‬أجبتها “أيتها المجنونة‪ ،‬لقد صنع كثير‬ ‫من المطربين والمطربات ثرواتهم‪ ،‬بإقامة الحفلت في الجزائر‪ ،‬في صفقات “البزنس‬ ‫ب‬ ‫النضالي”‪ ،‬وأن ِ‬ ‫ك؟ نحن لسنا فقراء‪ ،‬نحن شع ٌ‬ ‫ت ُتريدين الغناء مجانا ً لدولة أثرى من ِ‬ ‫قر”‪.‬فما كان هناك وقت لمثل هذه‬ .‬لكن عشرات المكالمات‪ ،‬التي انهالت عليها‪ ،‬تؤكد ص ّ‬ ‫مال ينتهي في‬ ‫العنيفــــة للمـــوت‪ ،‬فأسمعها تنتحـب بلهجتها التونسية‪“ :‬يا رّبـي‪ ،‬ذاك ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫ك يا مسكينة يا ذكــرى”‪.‬‬ ‫دد موعد لقائنا‪ ،‬غير أنها تركتني مذهولة‪ ،‬وهي تقول‬ ‫لنح‬ ‫ء‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مسا‬ ‫ذلك‬ ‫قبل‬ ‫هاتفتها‬ ‫ت قد‬ ‫ّ‬ ‫وكن ُ‬ ‫إنها سُتهاتفني حال انتهائها من أداء صلة العشاء‪.‬عندي غـدوة احتفال لتسّلم أوسكار‬ ‫ث ّ‬ ‫أحسن مغنية لهذا العام‪ ،‬وعندي الثنين حفل في أبوظبي‪ ،‬بمناسبة عيد المارات‪ ،‬كيفاش‬ ‫نغني؟ أنا لزم نمشي غدوة لمصر نهّز هاذ المغبونة‪ ،‬نروح ندفنها في تونس‪ ،‬يتيمة ذكرى‬ ‫ما عندها حتى حد ّ إل ّ أنا”‪.‫في بيروت‪ ،‬من فتيات شهيرات )أو نكرات( أودى بإنسانيتهن فيروس التشاوف‪ ،‬المتف ّ‬ ‫شي‬ ‫هذه اليام‪..

‬‬ ‫حمم‪ ،‬المتدفقة علينا من قلمه‪ ،‬أن ُتحّرضنا على العصيان‪،‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬ما استطاعت تلك ال ُ‬ ‫ول أن ُتغّيـر شيئا ً من قدرٍ مازلنا ُنساق إليه كالّنعاج إلى المسلــخ‪..‬هو شاعر‪ ،‬كّلما‬ ‫"هــو شاعـر‪ .‬‬ ‫وأنــــا أبحـث عن شيء أكتبه لكم‪ ،‬وجدتني أحسده‪ ،‬ما عاد مطالبا ً بأن يقول شيئًا‪ ،‬ول بأن‬ ‫ونــــاه‪ ،‬وإن صمت ش ّ‬ ‫يدلي بتصريح شعريّ أمام ك ّ‬ ‫ككنا في‬ ‫ل فاجعة‪ ،‬وقد كان إن هجانا خ ّ‬ ‫وطنيته وحاسبناه‪...‬‬ ‫قهم‬ ‫ذلك أن باقـات الورد أيضًا‪ ،‬قد تبكي الشعراء‪ ،‬ففي حّبنا المفرط لهم اعتداء على ح ّ‬ ‫قهم في الصمت‪ ،‬إجـلل ً للفاجعة‪ .‬أن يكون لــي حــقّ التغّيب أحيانــا ً عن هذه الصفحة‪،‬‬ ‫كــم أتمنى هذه اليام لــو أص ُ‬ ‫لكتفي مثلكم بالذهـــول والصراخ في الشوارع‪ ،‬عندما يؤ َ‬ ‫ذن لي بذلك‪ ،‬والعودة مساًء‪ ،‬إن‬ ‫عدت سالمة‪ ،‬لجلس أمام التلفزيون كي ُأتابع برامج التسلية العربية‪ ،‬التي أصبحت حكــرا ً‬ ‫على نشرات الخبار‪ ،‬ومحاضر جلسات القمم العربية‪..‬يقول‬ ‫ذلك أننا "حلمنا بالوحدة العربية الكبرى‪ ،‬فل ّ‬ ‫نــزار قّباني في أحد نصوصه‪ .‬وأنا نفسي نسيت أنني لسنوات‪ ،‬كنت‬ ‫د‪ ،‬رحمه الّله‪ ،‬مازحا ً كعادته‬ ‫أطلب نزار قّباني في مثل هذا اليوم‪ ،‬بمناسبة عيد ميلده‪ ،‬فير ّ‬ ‫ُ‬ ‫"كان علي مهاتفتك‪ .‬تعليقا ً على النشرات الخبارية العربية‬ ‫الخيــرة‪.‬لــذا يطلبون منه أن ُيق ّ‬ ‫ظهر في ُأمسية شعرية أطلقوا عليه القنابل المسيلة للدمـــوع"‪.‬‬ ‫لنثـى مـع ُ‬ ‫ن السباق النتحاري المجنون‪ ،‬للذين يقودون سيارات‬ ‫سعيد نــزار حيث هــو‪ ،‬ل يدري أ ّ‬ ‫ن أجــل هوايــة القيـادة‪ ،‬وبقائــه مشدودا ً‬ ‫ن ِ‬ ‫أوطاننا‪ ،‬مازال مستمرًا‪ ،‬وأ ّ‬ ‫مـة َ‬ ‫ن ثـ ّ‬ ‫مـ ْ‬ ‫مـ ْ‬ .‬ورد أق ّ‬ ‫ل"‪ ،‬ولم يجد فيكتور هوغــو‪ ،‬أمير الشعر الفرنسي‪ ،‬عيبــا ً في أن يقول‬ ‫"للمصائب جللة أجثو أمامها"‪..‬ولـــذا صــاح محمــود درويش "ورد أق ّ‬ ‫ل‬ ‫في الخطأ‪ ،‬وح ّ‬ ‫أحبتي‪ .‬‬ ‫مرفق ً‬ ‫الميركي على العراق‪ ،‬تعرض على شاشاتها صــور الحرب‪ُ ،‬‬ ‫كنا ذات ‪ 21‬آذار‪ ،‬اليوم الثاني في حرب أفقدتنا بوصلة الزمن‪ ،‬حتى إن أولدي‪ ،‬الذين‬ ‫ُأهاتفهم يوميًا‪ ،‬نسوا أن ُيعايدوني بمناسبة عيد ا ُ‬ ‫لم‪ .‬‬ ‫هــذا ماكتبه نــزار سنة ‪1978‬م‪ ،‬في ديوانــه "إلى بيــروت ا ُ‬ ‫حـّبـي"‪.‬‬ ‫إذن تعالــوا نتفـّرج معــا ً على خريطة الوطـن العربي‪ .‬إنه عيد ا ُ‬ ‫مي"‪...‬‬ ‫دم تقريرا ً عن عدد أصابعه كل يوم‪ .‬المدن العربية مجموعة من‬ ‫سّيارات السباق‪ ،‬تنطلق كّلها عكس السير‪ ،‬وُته ّ‬ ‫شم بعضها بعضا ً بسادّيــة ل نظير لها‪..‬‬ ‫سنوات‬ ‫الصفحة بضع‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ت على رحيله‪ ،‬ول أظن ما‬ ‫ترك لنا كلما يعلو على صهيل أحزانه‪ ،‬حتى بعد مرور سنوا ٍ‬ ‫سأكتبه أنا‪ ،‬أو غيري هذه اليام‪ ،‬في إمكانه أن يطال قلم نــزار قباني فصاحة‪ ،‬ول قدرة‬ ‫على وصف الفاجعة الزلّية للعروبــــــة‪ .‬‬ ‫ن سباق الموت‬ ‫ومادام "البنزين" متوافرًا‪ ،‬والعجلت متوافرة‪ ،‬والمجانين كثيرين‪ ،‬فإ ّ‬ ‫العربي مستمر‪ ،‬ولن يربح في النهاية إل ّ الشيطان‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫كــ ّ‬ ‫ل المدن العربية تشترك في هذا السباق الدموي‪ .‬حتى إن نصوصـه التي كتبها منذ ثلثين سنة‪.‬‬ ‫مــت‪ .‬وآخــر سيارة انقلبت بركابها‬ ‫واشتعلت فيها النار‪ ،‬هي بيـــروت‪..‫الذكرى‪ ،‬لول أن القنوات التلفزيونية‪ ،‬التي كنت ُأتابعها من باريس‪ ،‬كانت منذ بدء القصف‬ ‫ة بتاريخ اليوم‪.‬‬ ‫تبدو وكأنه بعــث بها البارحة‪ ،‬إلى الصحف‪ .‬‬ ‫ما وصلنا إلى النخلة اختلفنا على البلح"‪ .".‬‬ ‫لمهات‪ ،‬وأن ِ‬ ‫تأ ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحضرني اليوم نـزار قباني‪ ،‬وأنا أبحث عن شيء أكتبه لكم‪ ،‬فل تسعفني الكلمات‪ ،‬ل لقّلة‬ ‫الفكار‪ ،‬ول ل ُ‬ ‫ح الغضب‪ ،‬ففائض المرارة العربية مازال قادرا ً على تزويدي بها‪ ،‬يمل هذه‬ ‫ش ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن نزار‪ ،‬ما‬ ‫أ‬ ‫كر‬ ‫أتذ‬ ‫وأنا‬ ‫الكتابة‪،‬‬ ‫من‬ ‫جدوى‬ ‫أجد‬ ‫ل‬ ‫أكاد‬ ‫لكن‪،‬‬ ‫مقبلة‪.‬قبل أن يواصل‪:‬‬ ‫"هل تريدون أن تتسّلوا‪.

‬إّنــه الصيــف‪..‬كليمنتينا رهينة‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫ن هم لم يمنعوا بث برنامج‬ ‫دد بإعدام معزوفة لـ”فيفالدي”‪ ،‬إ ْ‬ ‫من ُيه ّ‬ ‫بتهمة العطاء‪ ،‬و َ‬ ‫ض ُأسبوعيا ً في التلفزيون الفغاني‪.‬‬ ‫نادي‬ ‫بر‬ ‫ك‬ ‫صديقة‪،‬‬ ‫مرتبة‬ ‫إلى‬ ‫الخاطفون‬ ‫رفعها‬ ‫التي‬ ‫الغريبة‬ ‫أيّتها‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫جديدة لم تسمعي من قب ُ‬ ‫ل بها‪ :‬كليمنتينا كانتوني‪ .‬‬ ‫ك على دّقة مف ّ‬ ‫ك التي‬ ‫صورت‬ ‫على‬ ‫ك‬ ‫نحسد‬ ‫اختطافك‪.‬ل رقم لموتانا‪ ،‬ول نمل ُ‬ ‫ك تقويما ً زمنيا ً ل ينتظرنا في‬ ‫ن ُنعاني فائض الموت العرب ّ‬ ‫نحــ ُ‬ ‫أجندة مولنا “كاوبوي” العالم‪.‬تشتاقك الرصف ُ‬ ‫ك الثياب الخفيف ُ‬ ‫ك المفتوحة الفارغة من خطا ِ‬ ‫ة الصيفّية‪ ،‬أحذيت ُ ِ‬ ‫تشتاُقـ ِ‬ ‫ت‬ ‫كن‬ ‫كما‬ ‫ترتادينها‬ ‫ت‬ ‫كن‬ ‫نك‬ ‫أظ‬ ‫التي‬ ‫المحال‬ ‫وتلك‬ ‫الميترو‪..‬‬ ‫موسيقي ُيعَر ُ‬ ‫معتصمات‬ ‫ن ضمن منظمة إنسانية للغاثة‪ُ ،‬‬ ‫النساُء الفغانيات اللئي كانت كليمنتينا تساعده ّ‬ ‫صد ََقة ُيجازي الّله خيرا ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫البتسامة‬ ‫في انتظار إطلق سراح ابتسامتها‪ .‬الذي يختطف‬ ‫مطاِلبة بإطلق سراح ِ‬ ‫طي المباني والساحات والجرائد والشاشات‪ُ ،‬‬ ‫ن شعوب‬ ‫مى قائدا ً أو “ ُ‬ ‫مى إرهابيًا‪ ،‬والذي يختطف شعبا ً ُيس ّ‬ ‫شخصا ً ُيس ّ‬ ‫مصلحا ً كونيًا”‪ .‬‬ ‫أرتا ُ‬ ‫داد الغياب؟ وهل‬ ‫وع‬ ‫الوحشة‪...‬ماذا في‬ ‫م ِ‬ ‫يا امرأة الغياب‪ .‫لمقــود ثلثين سنة‪ ،‬مازال مستعدا ً لن يبعث بنا جميعا ً إلى الجحيم‪ ،‬وُيدحرج أقدارنـــا إلى‬ ‫الهاوية‪..‬‬ ‫سـ‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫يـ‬ ‫تغ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ِ‬ ‫ُ‬ ‫هل ّ َ َ‬ ‫ً‬ ‫ت ترتدينها ثوبــا يليق بك ّ‬ ‫ل المناسبات؟‬ ‫ك تلك من عدوى الكراهية‪ ،‬ومازل ِ‬ ‫أنقذ ِ‬ ‫ت ابتسامت ِ‬ ‫ة‬ ‫صديق‬ ‫لنا‬ ‫الصدقاء‪.‬ففي ديننا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫صاحبها‪ .‬‬ ‫ن نسيت ِ‬ ‫ذريني فلورانس إ ْ‬ ‫لماذا جئتنا في زمن التصفيات والتنزيلت البشرية والموت على قارعة الديمقراطية؟‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫وزحمة‬ ‫الباريسية‪،‬‬ ‫قاهي‬ ‫م َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫دها لسنوات في مواسم “التنزيلت”‪.‬ول جدوى مـن ربـط أحزمة المان‪ ،‬عندما يكون الجنـــون‬ ‫خلـف المقـــود‬ ‫رسالة إلى فلورانس‪ :‬الرهينة لدى بلد رهين‬ ‫ك تلك يوميا ً على شاشة تلفازِ أو‬ ‫يحد ُ‬ ‫ك‪ ،‬على الرغم من أني هنا ل أرى صورت ِ‬ ‫ث أن أذكر ِ‬ ‫صحيفة‪ .‬بـــاع الطغـاة أقدارَنا للغزاة‪ ،‬فلماذا أيتها المرأة التي‬ ‫مس ّ‬ ‫بأكملها مخطوفة لتاريخ غير ُ‬ ‫نصف اسمها وردة‪ .‬ول ُ‬ ‫ك‪...‬‬ ‫بيننا تواطؤ البجدية الفرنسية‪ ،‬جسور تاريخية‪ ،‬وهموم صغيرة نسائية‪ ،‬كان يمكن أن‬ ‫مفجَعة‪.‬‬ ‫إنـه "رالــي" الجنـون العربـي‪ .‬سامحينا فلورانس‬ ‫أض ّ‬ ‫ُ‬ ‫جت يوميا ً قبل نشرات‬ ‫* أذيعت هذه الرسالة الصوتية في إذاعة “مونتي كارلو” التي د ََر َ‬ ..‬‬ ‫أيام‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫في‬ ‫ك‬ ‫بي‬ ‫مح‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫كرة ُ ّ ِ‬ ‫نكاد نحسد ِ‬ ‫تغ ّ‬ ‫ك‪ .‬‬ ‫اع ُ‬ ‫ك أحيانًا‪ُ .‬‬ ‫ة‬ ‫ك‪ .‬ديننا الذي ل َيدين به رجال الكهوف وقطاع طرق الديان‪.‬‬ ‫ية‬ ‫بحم‬ ‫ك‬ ‫وزن‬ ‫تقيسين‬ ‫ت‬ ‫أصبح‬ ‫مــذ‬ ‫ك‪.‬انقضى زمن “ألف ليلة وليلة”‪ ،‬ما عادت بغداد توافق وهَ َ‬ ‫َ‬ ‫قت َلة؟‬ ‫دور حبرها في سرير ال َ‬ ‫مه ُ‬ ‫إمكان “شهرزاد” أن تقول لنقاذ شرف الحقيقة ال ْ َ‬ ‫مك‪ .‬‬ ‫في‬ ‫البرتقال‪ .‬‬ ‫ي‪ ،‬والقدار ال ْ ُ‬ ‫وحها لو أننا التقينا كامرأتين خارج زمن الموت العََبث ّ‬ ‫نتقاسم ب َ ْ‬ ‫فلورانس‪ ...‬نح ُ‬ ‫ّ‬ ‫مى‪ .‬اسم كأغنّية إيطالية ت ُ َ‬ ‫ة زهر‬ ‫م منه رائح ُ‬ ‫ش ّ‬ ‫من ُيلقي القبض على شجرة برتقال‬ ‫مة‬ ‫ث‬ ‫وري‪،‬‬ ‫تص‬ ‫أفغانستان‪..‬‬ ‫غياب‬ ‫د‬ ‫دا‬ ‫ع‬ ‫أتابع‬ ‫ِ‬ ‫ّ َ‬ ‫ُأقيم في بيــــروت‪ ،‬وأنــت في بغـــداد‪ ،‬مدنا ً نسكنها و ُ‬ ‫مَتان‪،‬‬ ‫نح‬ ‫تسكننا‪،‬‬ ‫أخرى‬ ‫ِ‬ ‫ن القاد ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ل ما كان لها من بهاء‪ ،‬بك ّ‬ ‫مدن الباء”‪ ،‬بك ّ‬ ‫ل ما‬ ‫إحدانا من الجزائر وأخرى من باريس‪ ،‬بيننا “ ُ‬ ‫غدا فيها من بـــلء‪.‬ونصفه الخر فرنسا‪ ،‬جئت تتفّتحين هنا كـ”وردة مائية في بركة دمنا”؟‬ ‫ك بها‪ .‬أشاهد فضائيات عربّية‪ ،‬ل وقت لها حتى لتعداد موتانا‪.

‬إنه كات ٌ‬ ‫ً‬ ‫دي‪ .‬‬ ‫وبتلويث قلمه ُتل ّ‬ ‫ً‬ ‫وثا بالوحل‪ .‬زيدوني‬ ‫منصفة وُأعايد هذه المّرة‬ ‫أما وقد عايدت أحّبتي وأصدقائي‪ ،‬فاسمحوا لي بأن أكون ُ‬ ‫أعدائي‪ .‬فبفضل‬ ‫ازدهارا عندما ُيها َ‬ ‫ن الكاتب ل يرد ّ على‬ ‫أ‬ ‫ذلك‬ ‫كتبها‪.‬فللمانة‪ ،‬أنا مدينة لهم بكثير من نجاحاتي وانتشاري‪ .‬‬ ‫جهة إلى فلورانس في اليوم المئة والسابع‬ ‫صــاد َ َ‬ ‫ن كانت هذه آخر رسالة مو ّ‬ ‫فأ ْ‬ ‫وَ َ‬ ‫والخمسين من احتجازها‪ ،‬قبل إطلق سراحها بيوم‪ ،‬ويوم إطلق سراح الرهينة اليطالية‬ ‫كليمنتينا كانتوني‪.‬لــذا َتعتبر غادة استمراريتها انتقاما من محترفي إيذائها‪ .‬فالديب‬ ‫ب غير مضمون المستقبل‪ ،‬لنه فاقد وقود‬ ‫الذي ل أعداء له‪ ،‬هو أديب سيئ الحظ‪ .‬وهذا حتى عند الحيوانات‪ ،‬حيث يهجم الكلب الصغير دومًا‪،‬‬ ‫جموا‪ ،‬وإن ُ‬ ‫هوجموا ل ير ّ‬ ‫يها ِ‬ ‫ل يحوم حوله قافزا ً متحدي ّا ً إّياه بالنباح‪ ،‬درءا ً لبطشه وخوفا ً‬ ‫ب ضخم ُيصادفه‪ ،‬ويظ ّ‬ ‫على كل ٍ‬ ‫من ضخامته‪.‫الخبار‪ ،‬على َبــث رسالة من أحد المثقفين‪ ،‬تضامنا ً مع الصحافية الفرنسية فلورانس‬ ‫أوبينا‪ ،‬المخطوفة سابقا ً في بغداد‪.‬‬ ‫بعدد‬ ‫رة‪،‬‬ ‫م‬ ‫أربعين‬ ‫حضورها‬ ‫إثبات‬ ‫إلى‬ ‫اضطرت‬ ‫أحقادهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشتائم بمثلها‪ ،‬ول على الحقاد‪ ،‬بما ُيماثلها من ضغائن ومكائد‪ .‬‬ ‫زيدوني حقدا ‪ ..‬أ ّ‬ ‫خِبر من خصومه ك ّ‬ ‫ل أنواع الدسائس‪ ،‬عبثا ً استدرجه شعراء عصره‪ ،‬للرد ّ عليهم‪،‬‬ ‫عدائي‪ ،‬و َ‬ ‫طمعا ً في اقتسام جاهه‪ ،‬فقد ترك لنا في قوله‪:‬‬ ‫ب من نادا َ‬ ‫من ل تجيُبه‬ ‫“وأتع ُ‬ ‫ك َ‬ ‫وأغي ُ‬ ‫ظ من عاداك من ل ُتشاكل”‬ ‫إحدى حكمه الجميلة‪ ،‬في إغاظة العداء بتجاهلهم‪ .‬‬ ‫الكتب والمجلت‪ ،‬لتس ّ‬ ‫مع قلمك‪ ،‬عساه ذات يوم ٍ يفقد صوابه‪ ،‬فينزل إلى مستنقٍع لمنازلتك‪..‬ول يفوتني في بداية هذا‬ ‫العام‪ ،‬أن أتوجه بالدعاء إلى الّله‪ ،‬كي يحفظهم وُيبقيهم ذخرا ً لي‪ ،‬للعوام المقبلة‪ .‬فالعدو الكبير‪،‬‬ ‫ق‪ .‬‬ ‫صحيح أنني تمنيت لو كان لي أعداء شرفاء أكب َُر بهم‪ ،‬بقدر ما يكبرون بي‪ .‬فبالتشهير به تصنع شهرتك‪ ،‬وعلى من ّ‬ ‫وق اسمك‪.‬ولكن ليس هذا زمن الكبار على ما يبدو‪ ،‬ول زمن‬ ‫حسب أدونيس‪ ،‬هو أيضا ً صدي ٌ‬ ‫ميتك‬ ‫من تختار أعداءك‪ ،‬بل هم من يختارونك‪ ،‬حسب أه ّ‬ ‫ت َ‬ ‫ت أن َ‬ ‫المعارك النبيلة‪ .‬وأنا المرأة الكسول بطبعي‪ ،‬التي ُتصدر ك ّ‬ ‫ل أربع سنوات كتابا‪ ،‬أحتاج إلى أعدائي‬ ‫التح ّ‬ ‫مان‪ ،‬يزداد‬ ‫الس‬ ‫غادة‬ ‫تقول‬ ‫كما‬ ‫فالكاتب‪،‬‬ ‫الكتابة‪.‬‬ ‫لكنني‪ ،‬خلل سبع عشرة سنة‪ ،‬قضيتها في باريس‪ ،‬أتقاسم الشوارع مع الكلب الباريسية‪،‬‬ ‫لم أشهد مرة كلبا ً من سللة “بول دوغ” يرد ّ على “كانيش” صغير‪ ،‬يترك سيدته ويركض‬ ‫نحوه لمنازلته‪.‬‬ ‫من‬ ‫بمزيد‬ ‫عليهم‬ ‫د‬ ‫الر‬ ‫لي‬ ‫نى‬ ‫يتس‬ ‫كي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جم‪ .‬فليس من عادة الكبار أن‬ ‫دون‪ .‬وهي نصيحة نجدها في قول ابن‬ ‫المعتز‪:‬‬ ‫“اصبر على كيد الحسود‬ ‫فإن صبرك قاتله”‬ .‬فأسهل من إنفاق أعوام في كتابة عمل كبير‪ ،‬تفّرغك لشتم كاتب كبير‪،‬‬ ‫صة اسمه تتسّلق أغلفة‬ ‫تتقاسم فورا ً جهده إعلميًا‪ .‬ولس َ‬ ‫ووصولّيتهم‪ .‬ومن هنا جاء قول أحد الحكماء‪“ :‬ل‬ ‫وعندها‪ ،‬حتى وإن انتصر عليك‪ ،‬سيخرج مل ّ‬ ‫ُتجادل أحمق أو جاه ً‬ ‫ل‪ ،‬فل يعرف الناس الفرق بينكماء”‪) ،‬وفي إمكاننا تغيير الصفتين‬ ‫ن النجاح فع ٌ‬ ‫ل‬ ‫ما المتنبي العظيم‪ ،‬الذي أدرك قبلنا‪ ،‬أ ّ‬ ‫السابقتين‪ ،‬بما ُيناسب من صفات(‪ ....

.‬‬ ‫ب عمري وأعشق الحياة"‪ ،‬لشاب عشريني يترّبع على عرش الجمال "الطمــوح"‪،‬‬ ‫بح ّ‬ ‫ُيبادلها النظرات الّلهفى العابرة للكاميرات‪ ،‬شاهرا ً خاتـم خطبته امرأة "ُأسطــورة"‪،‬‬ ‫حفلت حياتها بما ل ُيحصى من الفلم والغاني والزيجات آخـــر أزواجها الذين يزدادون‬ ‫دم بها العمر‪ ،‬كان "فدائي لبنان"‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ب فينا المل‬ ‫مصاب‪ ،‬د ّ‬ ‫ما هي فيه من ُ‬ ‫مــة تنتظر منذ نصف قرن معجزة تنقذها م ّ‬ ‫ولكوننا أ ّ‬ ‫ن نقرأ على غــــلف إحدى المج ّ‬ ‫لت "هي نجمة منذ ‪ 60‬سنة‪ ،‬وهو يبلغ من العمر ‪23‬‬ ‫ونح ُ‬ ‫ب يصنع المعجزات"‪.‬يحل ّ‬ ‫كنا قد زهدنا في التلفزيون‪ ،‬هربا ً من طبول حرب تترّبص بإخواننا‪ ،‬ومشاهد كوارث تحيط‬ ‫بنا‪ ،‬وبرامج ترفيهّية تبيعنا مع ك ّ‬ ‫ل مسابقة إفلسنا الهاتفي‪..‬‬ ‫مـة ُأناســـا ً أسويــــاء في هذا الزمن‬ ‫ثـ‬ ‫ن‬ ‫وأ‬ ‫بخير‪،‬‬ ‫مازالت‬ ‫ن الدنيا‬ ‫ّ‬ ‫دق أ ّ‬ ‫وما كنا لنص ّ‬ ‫ّ‬ ‫المجنون‪ ،‬قبل أن تتسابق الفضائيات إلى إهدائنا سهرات رمضان‪ ،‬واحتفاًء بالعياد‪ ،‬لقاءات‬ ‫مع الصّبـوحــة وخطيبها عـمــر محيـو‪ ،‬ملك جمال لبنان‪.‬فأجاب الول “ُأريد رؤية ُأمي”‪ ،‬ورد ّ الثاني “ُأريد أن ل يرى ُأمه”‪.‬وحالته الخارقــة‪ .‬وهو ما ينطبق على تلك النكتة‪ ،‬التي ُتروى عن‬ ‫غير منتبهٍ ل ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫سئل‪ ،‬حسب العادة‪ ،‬عن أمنيتيهما الخيرتين‪ ،‬قبل‬ ‫جزائريْين اثنين‪ ،‬محكوم عليهما بالعدام‪ُ ،‬‬ ‫إعدامهما‪ ..‬معجزة ملموسة‪ ،‬مرئّية‪ ،‬صارخة في إعجازها ا ُ‬ ‫ي‪ ،‬بين‬ ‫لسطور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫امرأة سبعينّية شقراء‪ ،‬بمقاييس جمال دمية "باربـي"‪ ،‬وأزيــاء شـــاون ستـون‪ ،‬وغنــج‬ ‫مارليـن مونــرو‪ ،‬يوم غنت لعيد ميلد حبيبها‪ ،‬الرئيس جــون كيندي‪ ،‬تغني بصوت متق ّ‬ ‫طع‬ ‫النفاس‪ ،‬نشرت على حباله غسيل عمر‪ ،‬من الهات والحسرات‪" :‬ساعات‪ .‬فهي توذي أصحابها ويصبحون ُ‬ ‫مرون طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬فوحدها‬ ‫يع‬ ‫ل‬ ‫ريرة‪،‬‬ ‫وش‬ ‫حاقدة‬ ‫والسكتات الدماغية‪ ...‬‬ ‫ن “الحسد داٌء منص ٌ‬ ‫ف‪ ،‬يفعل في الحاسد أكثر ِ‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ن المشاعر السلبّية‪ ،‬كالعدائّية‪ ،‬والضغينة والكيد‪،‬‬ ‫م يؤكده الطب‪ ،‬حيث أثبتت البحاث‪ ،‬أ ّ‬ ‫كل ٌ‬ ‫يمكن أن يكون لها تأثيٌر تراكمي في الجسم‪ ،‬بمرور الوقت‪ ،‬قد يوصل البعض إلى ارتياد‬ ‫عرضة للوقوع ضحايا لمراض القلب‬ ‫العيادات النفسّية‪ ..‬أقصد "فادي لبنان"‪ ،‬الذي أبلى بلًء حسنا ً‬ ‫صغرًا‪ ،‬كّلما تق ّ‬ ‫عشرة دامـت‬ ‫ب وعلى خبز وملح ِ‬ ‫في معركة‪ ،‬حافظ فيها ما استطاع على مــاء وجه الح ّ‬ ‫سرها‪ ،‬لنه كان "فارسا ً بل‬ ‫أخ‬ ‫سنوات‪ ،‬وحافظ فيها على ُأصول الفروسّية‪ ،‬ولن ندري‬ ‫ِ‬ .‬ساعات‪..‬والذين لديهم شخصيات‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحاسيس الجميلة‪ ،‬والنوايا الحسنة‪ ،‬تطيل الحياة‪.‫من ِفعله في المحسود”‪.‬‬ ‫سنة‪ .‬‬ ‫ل نفسه قد بلغ سن الفاجعة‪ ،‬وهو يرى أ ُ‬ ‫خا َ‬ ‫مــة بأكملها تدخل سن اليأس‪،‬‬ ‫بعضنا‪ ،‬لحباطه‪َ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وراح يتأ ّ‬ ‫م‬ ‫كد أمام المرآة‪ ،‬من أ ّ‬ ‫م وغ ّ‬ ‫ن الشيب لم يتسلل إلى شعره بعد‪ ،‬بقدر ما تسّرب ه ّ‬ ‫مدّققا ً بين الحين والخر‪ ،‬في كونه مازال في ك ّ‬ ‫ل قواه العقلّية في‬ ‫الُعروبــــــة إلى قلبه‪ُ ،‬‬ ‫عالم فقد اّتزانه وتوازنه‪.‬لكن‬ ‫الح‬ ‫بمزايا‬ ‫وصفتين‬ ‫بين‬ ‫كرنا‬ ‫تذ‬ ‫والبخور‪،‬‬ ‫الشموع‬ ‫أرضا ً وسط‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫شعرها الرمادي‪ ،‬ونظارتها الطبّية‪ ،‬ما كانا لُيقنعانا كان يلزمنا في زمــن الفضائيات‪،‬‬ ‫ك‪ ،‬معجزة عشقية نراها بأ ُ‬ ‫ّ‬ ‫م أعيننا‪ ،‬نهاتف بعضنا بعضًا‪ ،‬حتى ل‬ ‫للش‬ ‫القاطع‬ ‫أنـا"‬ ‫من‬ ‫والـ"‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫نفوت لحظة ظهورها‪ .‬ساعات"‪ .‬لكن الح ّ‬ ‫ولن ‪ 60‬سنة هو "العمر الفني"‪ ،‬وليس العمر الكامل للصّبـوحـة‪ ،‬فقد بهرتنا المعجزة‪،‬‬ ‫وشخصي ًّا‪ ،‬حسب ُأغنية نــور د ّ‬ ‫ب يجمع بين قلبي امرأة‬ ‫ح ّ‬ ‫كاش "آمنـت بالّلـه"‪ ،‬وأنا أرى ال ُ‬ ‫وشاب‪ ،‬في عمر حفيدها‪.‬‬ ‫و الزواج‬ ‫ساعات‪ .‬‬ ‫متربعة‬ ‫ب"‪ُ ،‬‬ ‫خرافــة يومية ُتر ّ‬ ‫"معجزات الح ّ‬ ‫دد قصصها على مسامعنا مريـم نــور‪ ،‬وهي ُ‬ ‫ّ‬ ‫ب‪ ..‬‬ ‫ن الحاقد‪ ،‬وهو يستشيط كيدًا‪ ،‬ينسى أن يتمنى الخير لنفسه‪ ،‬لفرط انشغاله بتمني‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشر لعدوه‪ ،‬لكونه‪ ،‬حسب المام على )كّرم الله وجهه(‪“ :‬يرى زوال نعمتك نعمة عليه”‪،‬‬ ‫ما يلحقه بنفسه من ضرٍر‪ .

‬فُيجازف بمجده متشاطرا عليها‪.‫جواد"‪ ،‬أم‪ .‬انتبهي جيدًا‪ ،‬فربما يصبح رماديا ً بين أصابعك"‪.‬‬ ‫لمور الج ّ‬ ‫سياحة ثورية‬ ‫ب•‬ ‫ُيولــد ُ المــرء مرتين•• الثانية يوم يقع في الحـ ّ‬ ‫وُيولد ُ الســير المحــّرر كل يوم‪ ،‬لنه كــ ّ‬ ‫ب الحيـــاة•‬ ‫ل صبــاح يقع في حـــ ّ‬ ‫في ذلك الصباح الجميل مرتين‪ ،‬إحداهما لنه عيــد تحريــر الجنــوب‪ ،‬كان البعض قد‬ ‫أضاف ذلك اليوم إلى قائمة عطله الرسمية من دون كثير من التفكير‪ ،‬والبعض الخر‬ ‫ليزال يعيش المناسبة بمشاعر لحظة التحرير ورهبتها•‬ ‫أيّ إحساس جميــل وغريــب أن أزور سجن “الخيام” برفقة أســير محــّرر منذ أربعة‬ ‫أشهر‪ ،‬خّريج معتقلت ُأخرى في إسرائيــل‪ ،‬جـــــاء ليكتشف معي عذابات رفاقه ومحنة‬ ‫ُأسرهــم•‬ ‫لـم أسألــه‪ :‬أكان هناك ليعود نفسه أم لُيعايدها؟ كان يبدو أحيانا ً مريضا ً بذاكرته‪ ،‬وأحيانا ً‬ ‫معاَفى منها‪ ،‬يزورها معي بعيدا ً عن الصحافة التي كان يمكن أن تصنع من حـدث وجودنا‬ ‫ُ‬ ‫معا ً مادة دسمة لغلفتها• فـ”أنـــور ياســين”‪ ،‬هو “السيــر النجــم”‪ ،‬الذي يعرف الناس‬ ‫طّلته من ظهوره التلفزيوني أكثر من مـّرة‪ ،‬ويستوقفونه ليأخذوا معه صورا ً تذكارية أينما‬ ‫حللنا في الجنوب•‬ ‫ّ‬ ‫في سيـارة “الرانـــج” التي كان يقودها‪ ،‬وكنا نستقلها أنا وهو‪ ،‬وتلك الرفيقة‪ ،‬كان الشريط‬ ‫المختار للمناسبة ل يتوّقف عــن بــث الغاني الحماسية‪ ،‬التي لم أستمع لها منذ عشريـن‬ ‫سنـة‪ ،‬مــذ فقدت فرحة وعادة تصديق الغاني الحماسّية•‬ ‫كان رفيقاي ينشدان مع سميح شقير‪:‬‬ ‫ن عشـت عش حــّرا ً‬ ‫“إ ْ‬ .‬جوادا ً بل فارس‪...‬‬ ‫نصف فخذيها‪ ،‬قد يأخذ ربط خيوطه وفكها ساعة من وقتها لكن ل يه ّ‬ ‫ن الغبيــــاء الذين ل نجـرؤ على التخطيط لبعــد من يومنــا‪ ،‬تحسبا ً‬ ‫و ُ‬ ‫عـ َ‬ ‫مـر بجوارها‪ ،‬ونحـ ُ‬ ‫مـْر" متمنية أن تطـــول‪" ،‬لنو ما في أحلى‬ ‫دث عن خطبتها لـ" ُ‬ ‫للخـــرة‪ ،‬نستمع لها تتح ّ‬ ‫عـ َ‬ ‫دقوها‪ ،‬فثماني زيجات تؤهلها لتكون أدرى‬ ‫فص‬ ‫م‬ ‫حذا‬ ‫قالـت‬ ‫وإذا‬ ‫من الرجال قبل الجواز"‪.‬‬ ‫لا ُ‬ ‫صدق بــو مارشيه إذ قال‪" :‬من بين ك ّ‬ ‫دية‪ ،‬يبقى الزواج أكثرها دعابة!"‪..‬‬ ‫المتم ّ‬ ‫ً‬ ‫ذلك أن الصّبـوحـة ليست مريـم نــور‪ ،‬وشعرها يزداد شقارا بقدر ازديادها مع العمر‬ ‫رشاقة وُنحــــو ً‬ ‫ل‪ ،‬حتى إنه في إمكانها انتعال "بوتين" مشدود بخيوط كثيرة‪ ،‬يصل إلى‬ ‫ّ‬ ‫م‪ ،‬فالعمر أمامها‪..‬‬ ‫ن‬ ‫كيف كان له أن يكسب معركة ضد امرأة‪ ،‬ما استطاع الزمان نفسه أن ينال منها؟ حتى إ ّ‬ ‫قول لورانس سترين‪ ،‬يكاد ل ينطبق سوى على مخلوقات عداهــا‪" :‬الوقت يذوي بسرعة‪،‬‬ ‫الوقت يهرب منا‪ ،‬الوقت ل يعفي أحدًا‪ ،‬ول يصفح عن شيء بينما ُتسّرحين شعرك الشقر‬ ‫وج‪ .‬‬ ‫خطبة فوائــد في هذا العمـر‪ ،‬إحداها كشف أكاذيب الرجـال فلقد اكتشفت مثل ً‬ ‫ن لل ِ‬ ‫مإ ّ‬ ‫ثــ ّ‬ ‫ً‬ ‫ن عمره‬ ‫وأ‬ ‫عليها‪،‬‬ ‫كذب‬ ‫أنه‬ ‫لشاب‪،‬‬ ‫ا‬ ‫مؤخر‬ ‫خطبتها‬ ‫أثناء‬ ‫سنة(‪،‬‬ ‫‪64‬‬ ‫)‬ ‫كولينــز‬ ‫جــوان‬ ‫الممثلة‬ ‫ّ‬ ‫ما كان )‪ 33‬سنة(‪ ،‬بل )‪ 35‬سنة(‪ ،‬وقد أعلنت تخّليها عنه لنها ل تغفر كذبة كهذه! ول‬ ‫مـر الذي يستعد ّ لداء مناسك العمرة‪ ،‬تحسبا ً لختبارات "الخطبة"‪ ،‬يتجّرأ على‬ ‫ن ُ‬ ‫نأ ّ‬ ‫عـ َ‬ ‫أظــ ّ‬ ‫ً‬ ‫إخفاء عام أو عامين على صباح‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫بشعاب الزواج منا‪ ،‬خاصة أنها في زمــن النهيارات القيمّية‪ ،‬تستميت في الدفاع عن‬ ‫ا ُ‬ ‫لصول والتقاليد‪ ،‬بإعلنها أنها فقط "مخطوبة"‪.

‫مـت كالشجار وقوفا ً‬ ‫أو ُ‬ ‫ً‬ ‫وقـوفـا كالشــجــار”‬ ‫حسـدت أنـــور ياسـيـن على غضبه‪ ،‬الذي لم يطفئ وهجه سبع عشرة سنة من العتقال•‬ ‫أتراه قرأ نصيحة الشاعر “انظر خلفك بغضب”‪ ،‬ولــذا منحـه غضبه هذه الفتوة الدائمة‬ ‫وابتسامة واثقة ل تفارقــه؟‬ ‫إن كــان نــــزار قّبـانـــي “محتــاجا ً منذ عصور لمرأة تجعله يحزن”‪ ،‬فقد كنت أحتاج منذ‬ ‫الزل إلى رجل يجعلني أغضب كي أستعيد صباي‪ ،‬رجل ينقل لي عدوى رفضه في زمن‬ ‫الرضوخ‪ ،‬ويهديني قامة غضبه في زمن النبطاح•‬ ‫الغضب من شيمات الشباب‪ ،‬فاحذروا أعراض الستكانة التي تنتابكم مع العمر•‬ ‫دق حاجتي إلى عدواه• فقد كان يعتقد‪ ،‬يوم هاتفني بعد‬ ‫ن أنــــور ما كان لُيص ّ‬ ‫الطريـف أ ّ‬ ‫إطلق سراحــه‪ ،‬أنني المرأة التي كانت بكتاباتها المهّربـة إلى المعتقلت السرائيلية تنقل‬ ‫إلى عشرات ا ُ‬ ‫لسرى أحلمها الغاضبة وُتبقيهم مشتعلين عنفوانًا•‬ ‫كنا نشق الطريق إلى بلدة الخيـام‪ ،‬وسط أعلم المقاومة وحواجز ُتوزع الحلوى‬ ‫والشعارات‪ ،‬نستدل على طريقنا بصور الشهداء• فل وجود هنا لصور المطربين وإعلنات‬ ‫فح سوى ألبوم‬ ‫ألبوماتهم التي ُترافقنا أينما ذهبنا في بيــروت• في الجنوب‪ ،‬أنـت ل تتص ّ‬ ‫المــوت•‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كــان يومــا جنوبيــا طويــل‪ ،‬سأعــود في مناسبـات لحقــة إلى الحديث عن مشاعري‬ ‫وأنا أزور “بوابـــة فاطمــــة”‪ ،‬نقطة الحـدود الفاصلة بين لبنان وفلسطين‪ ،‬بحاجز سلكي‬ ‫ُ‬ ‫محَبطة إلى “قانـــــا” ومقبرتها التي ترعـى موتاها ابتسامة‬ ‫مكهرب‪ ،‬أو زيارتي الولى وال ْ ُ‬ ‫أحــد الزعماء السياسيين• فقد كانت فاجعتي الكبر في سجن “الخيام”‪ ،‬الذي فوجئنا به‬ ‫مزارا ً ترعاه وزارة السياحة‪ ،‬التي لم تجد حرجا ً في وضع اسمها على مدخله‪ ،‬مساوية‬ ‫مـانــــا•‬ ‫إّيــاه بمغارة “جعيتا” وآثــــار بعلبك‪ ،‬ووسط بيروت‪ ،‬ومطاعـم بر ّ‬ ‫ل أدري إن كانت في ذلك ُتسايـر عشـرات الزّوار‪ ،‬الذين أصبحوا يقصدونه في العطل‪ ،‬كما‬ ‫ملين‬ ‫يذهب المصريون إلى “معرض الكتاب” في نزهة عائلية مع الولد‪ ،‬مح ّ‬ ‫بالسندويتشات والمشروبات‪ ،‬أم الزّوار هم الذين أخذوا تلك اللفتة “السياحية” مأخذ‬ ‫م إنشاء “كافيتريا” كبيرة عند مدخل المعتقل‪ ،‬حيث يبيع أحدهم عند بابها‬ ‫الج ّ‬ ‫د‪ ،‬بعد أن ت ّ‬ ‫ملين بالمشروبات وصحون كارتونية عليها‬ ‫أوراق “اليانصيب”‪ ،‬ويخرج منها الكثيرون مح ّ‬ ‫بطاطا و”كاتشاب”‪ ،‬يذهبون لتناولها في باحـة صغيرة في ساحة السجن‪ ،‬بجـــوار “قاعة‬ ‫شهداء المعتقل سابقًا”•‬ ‫ُ‬ ‫أنــا التي قضيت سهرة أف ّ‬ ‫كـر في ما يليق أن أرتديه لزيارة ذلك السجن‪ ،‬احتراما ً مني لمن‬ ‫ت بغبــاء رومنطيقيتي‬ ‫عبروه في ثيــاب الســـر‪ ،‬وبعضهم غادروه في ك َ‬ ‫فــن‪ ،‬شعر ُ‬ ‫“الثوريـــة”‪ ،‬وأنــا أرى الناس يدخلون في كل الزيــاء واللــوان‪ ،‬ويتجولـون في زنزانتــه‬ ‫المشرعة أبوابها للفضول ولـ”السياحــة الثورّيــة”‪ ،‬مــذ ُأفرغت تماما ً من بؤس محتوياتها‪،‬‬ ‫و ُ‬ ‫طليت جدرانها‪ ،‬بحيث انمحت حتى الكتابات التي تركها السجناء على الجدران‪ ،‬ليؤّرخـوا‬ ‫صبرهم ويوّثقوا عذابهم وأملهم•‬ ‫ُ‬ ‫مـة تدخل المستقبل‪ ،‬وقد محــت “البويــــا” ماضيها؟‬ ‫كيف يكون من غــد ٍ ل ّ‬ ‫فا ُ‬ ‫ش َ‬ ‫شفتان على َ‬ ‫قبلة‬ ‫"هل عشت القبلة والقصيدة‬ ‫فالموت إذن‬ ‫لن يأخذ منك شيئًا"‬ .

‫الشاعر الغريقي يانيس ريتسوس‬ ‫**‪**1‬‬ ‫اختبر الدب بشفتيك‬ ‫كيف يمكنك أن تصف متعة‬ ‫ذروتها أن تفقد لغتك؟‬ ‫ب نشوة‬ ‫دم بنا الح ّ‬ ‫كّلما تق ّ‬ ‫أعلن العشق موت التعبير‬ ‫**‪**2‬‬ ‫شفتان ُتبقيانك على َ‬ ‫فا ُقبلة‬ ‫ش َ‬ ‫ل شفاعة‬ ‫من لثمتا‬ ‫ل شفاء ل ِ َ‬ ‫ل مهرب‬ ‫ل وجهة عداهما أو ِقبلة‬ ‫مجرد شفتين أطبقتا على عمرك‬ ‫**‪**3‬‬ ‫ركوة ُقبلتك الصباحّية‬ ‫قهوة لفمين‬ ‫أغرق فيها كقطعة سكر‬ ‫أرتشفها بهال الشكر‬ ‫حمدا ً لك‬ ‫من وضعت إعجازك في شفتين‬ ‫يا َ‬ ‫ً‬ ‫ي‬ ‫عل‬ ‫ا‬ ‫حكر‬ ‫وجعلتهما‬ ‫ّ‬ ‫**‪**4‬‬ ‫ما كنت ُ‬ ‫لحّبهما إلى هذا الحد ّ‬ ‫شفتاك اللتان نضجتا‬ ‫بصبرحّبات مسبحة‬ ‫تسّلقتا شغاف القلب‬ ‫عناقيد تسابيح وحمد‬ ‫قب َل ِ َ‬ ‫ك أن ُتزهر‬ ‫ما كان ل ُ‬ ‫ي‬ ‫على شفت ّ‬ ‫ن فمك لم ينبت‬ ‫لو أ ّ‬ ‫بمحاذاة مسجد‬ ‫**‪**5‬‬ ‫في غفوته‬ ‫في ذروة عزلته‬ .

‬ولكن‪.‬وحسب هذا المفهوم‪ .‬وآخر لم يولد إل‬ ‫صه الخير‪.‬أمام ن ّ‬ ‫ود عشرات الوراق‪ .‬‬ ‫يت‬ ‫الذي‬ ‫التاريخ‬ ‫غير‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫غالب‬ ‫ولكن‬ ‫فجأة‪.‬ول خارج السئلة الكبيرة التي ل جواب‬ ‫لها‪ .‬‬ ‫ل أدري كيف أل ّ‬ ‫ً‬ ‫وقعه‪.‬حتى أنك تنتقل فيها من صنف أدب ّ‬ ‫سابق قرار‪.‬‬ ‫فالكاتب يولد‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫هناك من يعتقد انه كاتبا منذ الزل‪ .‬ودخلت س ّ‬ ‫ي الى آخر دون‬ ‫الكتابة ل يمكن أن تتم على أرض ثابتة‪ .‬أن تجادل أن تعارض أن تجازف‪ .‬يمكنني أن أقول أنني كاتبة‪.‬‬ ‫خطر الكتابة ومتعها يكمنان في كونها إعادة نظر‪ .‬ول إبداع خارج الممنوع‪ .‬أن‬ ‫ل أدب خارج المحظور‪ .‬‬ .‬وأن تصدر أكثر من كتاب ل يعني أنك‬ ‫لكن‪ .‬أن تس ّ‬ ‫كاتب‪" .‬‬ ‫فأن تكتب يعني تف ّ‬ ‫كر ضد ّ نفسك‪ .‬‬ ‫في الربعين‪ .‬غادرت عمر القناعات‪ .‫يواصل قلبي إبطال مفعول ُقبلة‬ ‫فتيُلها أنت‬ ‫**‪**6‬‬ ‫يا للهفتك‬ ‫يا لجوعي إليك بعد فراق‬ ‫ساعة رملية‬ ‫تتسّرب منها في قبلة واحدة‬ ‫كل كثبان الشتياق‬ ‫**‪**7‬‬ ‫ف الزمن؟‬ ‫كيف بقبلة ُتوقِ ُ‬ ‫كيف بشفتين‬ ‫ُتلقيان القبض على جسد؟‬ ‫**‪**8‬‬ ‫يا رجل ً‬ ‫من غيرك‬ ‫َ‬ ‫سقط شهيدا ً‬ ‫قَبل؟‬ ‫مضّرجا ً بال ُ‬ ‫ُ‬ ‫شهادة في الكتابة‬ ‫مت هذه الشهادة في معهد العالم العربي في باريس سنة ‪" 1997‬‬ ‫" قد ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫كل مرة يطلب مني ان أتحدث عن تجربتي في الكتابة أجدني أنا التي احترف الكلمات‪.‬ل يعني أنك مبدع‪ .‬ومساءلة دائمة للذات‪ .‬‬ ‫خص عمري على ورق‪ .‬ولو كانت الكتابة غير هذا‪ .‬أن تعي منذ البداية‪ .‬ربما ل ّ‬ ‫دائمة‪ .‬همنغواي" كان يقول "الكاتب هو من له قراء" وربما كان يعني من له معجبون‬ ‫وأعداء‪ .‬أي كونها مجازفة‬ ‫ن‬ ‫ن الشك‪ .‬لكتفت البشرّية بالكتب السماوية وانتهى المر‪ .‬ألهذا‪ .‬وهناك من ولد أمام أول كتاب أصدره‪ .‬ول أعرف متى كان مولدي بالتحديد‪.‬كلما تقدمت بي الكتابة‪ .

‬فأنا إمرأة من ورق‪ .‬‬ ‫ودت أن أعيش بين دفتي الكتب‪ .‬‬ ‫ت أخطر‪ ..‬‬ ‫فإن تكون شاعرا ً يعني أن تكون إنسانا ً حرًا‪ .‬ورغم أنني كنت الفتاة الوحيدة التي تكتب آنذاك بين‬ ‫شعراء اللغتين‪ .‬أحب قشعريرة جسدي العاري أمام بركة حبر‪ .‬أن أمسيتي الشعرية تلك كانت في إطار موسم شعري سنة ‪ 1973‬أقيم‬ ‫في قاعة "الموغار"‪ .‬أن أحب وأكره‬ ‫وتخونني الكلمات‪ .‬ويخرجك من طورك ليام‪ .‬تعّلمت ان أكون كائنا ً حبريًا‪ .‬أصبح ْ‬ ‫ت أشهى وأصبح ْ‬ ‫من حياتي الشرعّية ‪ .‬‬ ‫أذكر الن بألم‪ .‬‬ ‫خل‬ ‫وكهامش لهذه الحادثة التي تناقلت الصحافة الجزائرية آنذاك تفاصيلها‪ .‬هي الطريقة الوحيدة‬ ‫لتحافظ على لقب شاعر‪ .‬أت ّ‬ ‫مس‬ ‫السابعة عشرة من عمري‪ .‬أخذ فيه شعر الشباب باللغتين الحّيز الكبر‪ .‬‬ ‫عريي هذا‪ .‬ورغم الزوبعة العلمية التي‬ ‫حسداني عليها‪ .‬ول أقصد فقط أن تكون حرا ً‬ ‫في الدلء برأيك أو حرا ً في الذهاب بجنونك حيث شئت قول ً وفع ً‬ ‫ل‪ .‬كان لي أكثر من لقب‬ ‫علم الجتماع وطّباخة وغ ّ‬ ‫وأكثر من مهنة‪ .‬‬ ‫م لثلثة صبيان ودكتورة في السوربون وباحثة في‬ ‫ذات صباح استيقظت وإذا بي زوجة وأ ّ‬ ‫سالة وج ّ‬ ‫لية ومربّية في كل ساعات النهار‪ .‬أ ّ‬ ‫ديواني الثاني منذ عشرين سنة "الكتابة في لحظة عري"‪.‬اللذين كانا يكتبان باللغة‬ ‫الفرنسية‪ .‬إنه يذكرني بذلك التعبير الجميل )لمورياك( عندما يقول "أنا حصان الشعر الجامح‪.‬‬ ‫في زمن لم ينته فيه الخرون من دفن الشهداء على صفحات الجرائد والكتب‪ .‬فقد كنت أشعر دائما ً ان انتمائي لحلم ذلك الجيل من الشباب يفوق‬ ‫انتمائي لنوثتي‪ .‬فهو ككل حالت البداع يأتيك متى شاء‪ .‬خشية أن أصبح أدنى منه‪.‫وقع أن أكون ولدت في‬ ‫في البدء‪ .‬ولذا كان عنوان‬ ‫التي تعرينا هي وحدها التي تشبهنا‪ .‬وأؤمن أن الكلمات‬ ‫فأنا أحب ُ‬ ‫ما تلك التي تكسونا فهي تشوهنا‪ .‬سقطا ذبحًا‪ .‬‬ ‫أن تحترم الشعر‪ .‬عندما غادرت الجزائر لقيم في فرنسا وأدخل دّوامة الحياة‬ ‫كد لي ذلك بعد ع ّ‬ ‫الزوجية والمومة واللتزامات الجتماعية‪..‬والكتابة عن الحب‪.‬جاء نصفه ليصفق لي‪ .‬‬ ‫تأ ّ‬ ‫دة سنوات‪ .‬‬ ‫وأن أكتشف أن الشعر قد غادرني لم يخفني‪ .‬ونصفه الخر ليحاكمني بتهمة أنوثتي‪ .‬‬ ‫أعتقد أنني أنا التي أخذت قرار التخلي عن الشعر‪ .‬ونظرني الى الكتابة‪ .‬أل أخاف من‬ ‫رؤية نفسي عارية مرتجفة على ورق‪.‬بما في ذلك تد ّ‬ ‫والدي نيابة عني للرد على الجمهور‪ .‬‬ ‫وربما كان لحياة المومة والبيت التي عشتها خمس عشرة سنة متتالية أثر في تغيير‬ ‫مزاجي الحبري‪ .‬‬ ‫كان ذلك زمن التحدي الجميل‪ .‬ولذا الشعر ترف ليس في متناول أمرأة‬ ‫عندنا‪ .‬وعكة حبر‪.‬حرّية مطلقة‪ .‬ذلك ان الكتابة لم تعد كل حياتي‪ .‬فل شيء أيضا أثقل حمل ول أسرع‬ ‫عطبا ً من هذا اللقب‪.‬وبدآ مشوارهما الشعري معي في ذلك الموسم نفسه‪ .‬بتهمة الكتابة‪.‬نظرا ً لصغر سني وعدم قدرتي على مواجهة قاعة‬ ‫بأكملها‪.‬عندما وقفت للقي شعرا ً في الجزائر على جهور متح ّ‬ ‫وشرس‪ .‬تع ّ‬ ‫وأفرح وأحزن وأقترف كل خطاياي على ورق‪ .‬فيلغي لك موعدا ً ويأخذ لك آخر‪ .‬ويحجزك‬ ‫ساعات أمام ورقة‪ .‬وحتما ً كانا يجهلن آنذاك‬ ‫أنه برغم الهدوء والفتور الذين قوبل بهما من طرف الجمهور‪ .‬بقدر ما خفت أن يغادرني الحبر أيضًا‪.‬كنت شاعرة‪ .‬ورميا ً بالرصاص‪ .‬‬ ‫لكنني مشدود الى عربة المحراث"‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فإذا كان ل شيء أكثر سطوة ووجاهة من لقب شاعر‪ .‬بل يتطّلب أيضا ً أن‬ ‫تكون حرا ً في وقتك‪ .‬بل حياة مسروقة‬ ‫ت حالة مرضية‪ .‬وهكذا فقد جاءت بين‬ ‫أمسيتين للشاعرين الشهيدين الطاهر جعوط ويوسف سبتي‪ .‬‬ ‫لن الشاعر يولد دائما ً في لحظة مواجهة‪.‬وربما جئت الى الشعر في لحظة تحد‪ .‬أعتقد ذلك‪.‬غير أني كنت قد فقدت لقب "شاعرة"‪.‬أن تكون شاعرا ً يعني أن تكون بتصّرف الشعر وكأنك نذرت نفسك‬ ‫له‪ .‬وأما النوثة فهي مشكلتي وحدي‪.‬وأن الشعر والوطن هما قضيتي الولى‪ .‬سيأتي يوم بعد عشرين سنة يتصدران فيه جميع الجرائد العربية والجنبية‬ ‫كشهيدين للشعر الجزائري‪ .‬أصبح ْ‬ .‬حد ّ العتراف في أول خيانة له بأنك لم تعد شاعرًا‪ .‬ولو بينك وبين نفسك‪.

‬‬ ‫ولكن ما أريد قوله‪ .‬أن يكون لي أكثر من نشرة جوّية في اليوم‪ ..‬اليوم صرت أكتب الكتب" وبإمكاني أن أقول‬ ‫العكس‪ :‬فلقد بدأت كاتبة‪ .‬‬ ‫لسبب وحده معني به‪.‬‬ ‫خخة تنفجر في قارئها‪ .‬‬ ‫وأنهم صنف بشري ل يستحق الحياة‪.‬ولذا‬ ‫الجمل أن يصمت الكاتب بعد كل كتاب أحتراما ً لذكاء القارىء‪ .‬وتمنع مؤلفاتنا من قبل حتى أن‬ .‬تع ّ‬ ‫مغلقة حولي فتحت يوما ً خطأ بابا ً كان ل بد أل أفتحه‪ .‬فالكتابة بالنسبة لي مواجهة مع الواقع المضاد‪.‬‬ ‫لراغون مقولة جميلة "الرواية هي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" يوم قرأتها أدركت‬ ‫أنني دخلت الرواية دون أن أدري‪ .‬هو أن الكتابة مشروع شخصي‪ .‬وهل نعجب أن يكون ديواني الصادر سنة‬ ‫‪ 1973‬في الجزائر أّول ديوان شعري نسائي باللغة العربية‪ .‬وليس عليه أن يقول أكثر‬ ‫مما كتب ليشرح للخرين ما كان ينوي قوله‪ .‬بإتقان للغة العربية‪.‬لم يكن إل رواية سيكون حجمها أربع مئة صفحة ويكون‬ ‫ن ّ‬ ‫إسمها "ذاكرة الجسد"‪.‬وإذا بي أمام نفسي‪ .‬أن ل يكون لنا في الجزائر شاعرات أو روائيات باللغة العربية‪ .‬‬ ‫إن اكتشافا ً كهذا ل يملني زهوا ً فأنا أعي أن وجاهتي الدبية تعود لمصادفة تاريخية‬ ‫وجغرافية‪ .‬وأسطو على مكتب إبني لكتب‪ .‬وأنا أفتح ذلك الباب بحشرّية وفضول‪ .‬‬ ‫في زمن ما زالت فيه الحدود مغلقة أمام ما تبقى واقفا ً من أقلم‪ .‬وأتحايل‬ ‫على من حولي لخذ موعدا ً مع الورق‪.‬ذلك أ ّ‬ ‫الوحيدة التي تستحق المجازفة‪ .‬وكأن الدب الجزائري المكتوب بالّلغة العربية لم يكن ينتظر غيري طوال عشرين‬ ‫سنة‪ .‬‬ ‫بقدر ما يملني بإحساس غامض بالخوف على اجيال لن تعرف متعة الكتابة بهذه اللغة‪ .‬لن أقول لكم شيئًا‪ ..‬وأسرق‬ ‫بها كل هذا‪.‬‬ ‫إّنها نهب وسطو دائم‪ .‬وعلي أن أعيشها بشراسة الفقدان كمتعة مهددة‪.‬‬ ‫وحتما ً إن رحلة على هذا القدر من المجازفة والمواجهة تكون شاقة أكثر بالنسبة الى‬ ‫المرأة التي تدفع مقابلها ثمنا ً مزدوجًا‪ .‬أنقل أوراقي من غرفة الى أخرى‪.‬وأن تكون روايتي )ذاكرة‬ ‫الجسد( الصادرة بعد ذلك بعشرين سنة تمامًا‪ .‬هي أيضا ً أول عمل روائي نسائي باللغة‬ ‫العربية‪ .‬ولن كل البواب كانت‬ ‫الن كل الغرف من حولي كانت محجوزة‪ .‬‬ ‫ن الكتابة هي المغامرة النسائية‬ ‫وسأظل أنهب الكلمات كما ينهب بعضهم السعادة‪ .‬ولبطال لم يعودوا في‬ ‫حاجة إليه بعد الن‪.‬‬ ‫ما إذا كانت جزائرية وتكتب باللغة العربية‪ .‬وإذا بطوفان الكلمات يذهب بي نحو‬ ‫ص مفتوح ومخيف في نزيفه‪ .‬‬ ‫لقد عشت عدة سنوات دون مكتب ودون غرفة للكتابة‪ .‬ليس أكثر‪.‬وانتهيت سارقة‪ .‬بعد أن حرمها البعض من متعة القراءة أيضًا‪.‬وما زال فيه أنظمة‬ ‫عربية من الجهل‪ .‬في بلد تتخّرج عن جامعاته ك ّ‬ ‫ل سنة آلف الطالبات‪ .‬أصبح ْ‬ ‫داخل أكثر من امرأة‪ .‬الولى أن‬ ‫أ ّ‬ ‫تدفع ثمن هوّيتها والثانية ثمن اختيارها الكتابة بلغة محفوفة بالمخاطر أكثر من غيرها‪.‬‬ ‫ودت أن أسكن ذاتي‪ ..‬‬ ‫)جان جنيه( كان يقول "كنت من قبل أسرق‪ .‬كل كتابة ل بد أن تؤدي الى الصمت‪ .‬هو ثمن الكتابة‪ .‬ومجرمون يتنقلون وفي حوزتهم أوراقا ً وأقلمًا‪.‬بحيث تخاف حتى من عناوين كتبنا‪ .‬وأن هناك كتبا ً مف ّ‬ ‫طرق يتربصون بالقارىء بين صفحتين‪ .‬فأنا أسرق الوقت لكتب‪ .‬ورحلة ل يقوم بها المسافر إل وحده‪.‬فهي معّرضة لمخالفتين إضافيتين‪ .‬إنني اعتبر صمت الكاتب بعد كل كتاب جزءا ً من إبداعه‪.‬وإذا بي أصاب‬ ‫بالدوار والذهول وانا أقع على امرأة توقعتها غيري‪ .‬فأنا لست هنا‬ ‫لروج لها‪ .‬وثمن النوثة‪.‬وإذا بي روائية‪.‬بل‬ ‫وقد ل تعرف متعة الكتابة على الطلق‪ .‬وأكثر من مزاج عشقي‪ .‬وأن الكّتاب قطاع‬ ‫وأقنعها أن الكتاب صديق سوء‪ .‫ت حالة تعددية وقدرة على أن أعيش‬ ‫وحالة خوف وذعر من شيء ل يمكن تحديده‪ .‬‬ ‫عن هذه الرواية التي كان لها قدر أكبر مما توقعت‪ .‬‬ ‫فهل نعجب بعد هذا‪ .‬وأن تكون لي يد واحدة ل أكثر أكتب بها كل هذا‪ .‬وأكثر من جسد كل‬ ‫ليّلة‪ .‬على‬ ‫ألق ّ‬ ‫ل بما يعادل باللغة الفرنسية على قّلتهن‪ .‬‬ ‫فالكاتب عليه أن يقول كل شيء في كتابه وليس بعد صدوره‪ .

‬‬ ‫عُذرا ً للغابات‬ ‫أعرف عمل ً أكثر جرأة‪ ،‬من إقدام المرء على نشر كتاب• فإذا كانت الكتابة في حد ّ ذاتها‬ ‫من ل يعنيه‬ ‫مجازفة‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ور ل ُيقدم عليه إل ّ َ‬ ‫ن السرعة في إصدار ما نعتقده أدبا ً أو شعرًا‪ ،‬ته ّ‬ ‫ً‬ ‫أن يكون أديبا‪ ،‬بقدر ما يكفيه وضع تلك الصفة على كتاب•‬ ‫مــا المبدع الحقيقي‪ ،‬فهو إنسان غير آبه باللقاب “المنهوبة”• إّنه كائن مرعوب بحكم‬ ‫أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫إحساسه الدائم بأنه عابٌر‪ ،‬وبأن ل شيء سيخلد سوى كتاباته• فك ّ‬ ‫ل ورقة يخطها ويرضى‬ ‫ي‪ ،‬وسُيحاسب عليها كأنه لم‬ ‫أن يراها مطبوعة في كتاب‪ ،‬هي ورقة يلعب بها قدره الدب ّ‬ ‫يكتب سواها•‬ ‫ولذا كان فلوبير يقضي أياما ً كاملة في صياغة‪ ،‬وإعادة صياغة صفحة واحدة‪ ،‬وكان‬ ‫دمت به الكتابة‪ ،‬حتى إنه صّرح في آخر حياته “إني‬ ‫بورخيس العظيم يزداد تواضعا ً كّلما تق ّ‬ ‫هلني لكتابة بضعة سطور جديرة بال ّ‬ ‫ما‬ ‫ن بلوغي سن الثمانية والثمانين‪ ،‬يؤ ّ‬ ‫أفترض أ ّ‬ ‫ذكر‪ ،‬أ ّ‬ ‫دتي أن تقول”•‬ ‫البقّية ففي المكان “أن تذهب إلى ال ِ‬ ‫قدر” كما اعتادت ج ّ‬ ‫وقد ذهب بعض كبار الكتاب حد ّ إحراق مخطوطات‪ ،‬قضوا أعواما ً في العمل عليها‪ ،‬وأمر‬ ‫البعض بإتلفها بعد موته‪ ،‬خشية أن تصدر في صيغة تسيء لمكانته الدبية•‬ ‫وفي زمن نشهد سقوط هيبة الفن‪ ،‬وسطوة النجومّية‪ ،‬أصبح في إمكان أي شاب عربي‪،‬‬ ‫تؤهله جرأته وحباله الصوتية لقتحام شاشتنا‪ ،‬أن يغدو “سوبر ستار” ولو برهة‪ ،‬ويختبر فينا‬ ‫قدرته على الزعيق وقدرتنا على الصبر‪ ،‬ليس عجبا ً أن نشهد استباحة هيبة الكتابة أيضًا‪،‬‬ ‫من ُأصيب بخيبة عاطفّية شاعرا‪ً،‬‬ ‫من ُيحسن القراءة مشروع كاتب‪ ،‬وك ّ‬ ‫بعدما أصبح ك ّ‬ ‫ل َ‬ ‫ل َ‬ ‫قه أن ُيجّرب نفسه في رواية أو في ديوان شعر• وهو‪ ،‬أيضـــــًا‪ ،‬لن يقبل بأقل من‬ ‫ومن ح ّ‬ ‫لقب “سوبر ستار”‪ ،‬ومن أّول ديوان‪ ،‬يرفض أن ُيشّبه بغير نــــــزار! وهو‪ ،‬كالكثيرين الذين‬ ‫ملة في المستودعات‪ ،‬ل يمنح موهبته ما يلزمها من وقت للنضوج•‬ ‫ُنصادف كتبهم مه َ‬ ‫مستعد ّا‪ً،‬‬ ‫ماذا نفعل برّبكم مع كّتاب ل يتردد بعضهم في ارتكاب جرائم في حقّ الشجار‪ُ ،‬‬ ‫ن اقتضى المر‪ ،‬لتلف غابة من أجل إصدار كتاب لن يقرأه أحد‪ ،‬إل ّ حفنة من المعارف‬ ‫إ ْ‬ ‫مر َ‬ ‫غمين على مباركة جرائمه الدبّية؟‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫والعجيـــب إصــرار هؤلء على المزيد من “النتـــــاج”‪ ،‬ل يثنيهم عن “البـــداع” أن يفوق‬ ‫عدد كتبهم عدد قّرائهم‪ ،‬ولهم في هذه النكبة فتــوى• فقّلــة انتشارهم‪ ،‬وعدم فهم الناس‬ ‫عقاب•• وهم‬ ‫أعمالهم أو تذّوقها هما نفسهما‪ ،‬دليل نبوغهم• ذلك أنه ما من موهبة تمّر بل ِ‬ ‫من له قّراء”‪ ،‬بأن رامبو‪ ،‬الذي غّيـر لغة‬ ‫قد ير ّ‬ ‫دون على قول هيمنغواي‪“ :‬الكاتب هو َ‬ ‫فرنسا وترك بصماته على ال ّ‬ ‫شعر العالمي‪ ،‬لم يطبع من كتابه “فصل في الجحيم” أكثر من‬ ‫خمسمئة نسخة‪ ،‬بينما اكتفى مالرميه بطباعة أربعين نسخة من أحد دواوينه‪ ،‬يوم أصدرها‬ ‫في طبعتها ا ُ‬ ‫لولى•‬ ‫ومثل هؤلء “النابغين” ل جدوى من ُنصحهم أو إقناعهم بتغّيـر مهنتهم• فك ّ‬ ‫ل واحد منهم‬ ‫واثق تماما ً بأنه يفوقك موهبة وينقصك حظًا‪ ،‬وإل ّ لكان أكثر شهرة منك‪ ،‬مادام قد أصدر‬ ‫من الكتب في سنة‪ ،‬ما ل تصدره أنت في ربع قرن•‬ ‫ن جمعا ً من‬ ‫أ‬ ‫قرأت‬ ‫فرنسا‪،‬‬ ‫جنوب‬ ‫وأذكر أنني في الصيف الماضي‪ ،‬أثناء إقامتي في‬ ‫ّ‬ ‫الشعراء قرروا أن يلتقوا جمهور ال ّ‬ ‫شعر في غابات الجنوب‪ ،‬ليس فقط بقصد توفير فضاء‬ ‫مال الشعر‪ ،‬بل أيضا ً امتنان منهم للغابات والشجار‪ ،‬التي توّفر لهم الورق الذي‬ ‫يليق ب َ‬ ‫ج َ‬ .‬وإنما يزيد من عقدة ذنبنا‪.‬لنه لن يزيدنا‬ ‫ثراءًا‪ .‬ل ان نعيش منها‪ .‬وث ّ‬ ‫من الكلمات‪ ..‫مة أخرى استرخص فيها دم وشرف الكتاب بحيث يموتون كل يوم مقابل حفنة‬ ‫تقرأنا‪ .‬نطمح أن تسافر كتبنا ل أن‬ ‫نسافر على حسابها‪ .‬نطمح أن ل يشتري القارىء كتبنا على حساب لقمته‪ ..‬نحن نطمح أن تعيش كتبنا‪ .

‬‬ ‫بمن تحلم النساء؟ حسب استطلعات الرأي‪ :‬بلعبي الكرة‪ .‬‬ ‫ث البلبلة في‬ ‫نزول الحسناء اليطالية إلى الملعب‪ ،‬هو آخر حيلة عثرت عليها النساء‪ِ ،‬لب ّ‬ ‫ملعب كرة القدم‪ ،‬حيث منذ الزل يلحق الرجال الكرة‪ ،‬وتلحق النساء‪ ،‬بالنظر‪ ،‬الرجل‬ ‫المفتولة التي تتقاذفها‪ ،‬دون أن يتنبه أحد لغبن نساء ل يفهمن كيف أن كل هؤلء الرجال‬ ‫المتراكضين المتدافعين بسبب كرة‪ ،‬يجدون في قطعة جلد كروية‪ ،‬من السحر والثارة‬ ‫أكثر مما يجدونه في أنثى‪.‬‬ .‬حتى إن ‪ 50%‬من الفتيات اليطاليات يحلمن بامتلك الِعصابة التي‬ ‫يضعها قائد المنتخب اليطالي باولو مالديني على جبينه أثناء المباراة‪ .‬وشخصيًا‪ ،‬أشك في‬ ‫براءة النعوت الفحولية التي أطلقها كل بلد على فريقه في "حديقة حيوانات المونديال"‪،‬‬ ‫حيث تتناحر السود الفريقية والديوك الفرنسية والحصنة السوداء البرازيلية والتنين‬ ‫السيوي‪.‬إنهن يجدنهم أكثر جاذبية من‬ ‫الممثلين والمغّنين‪ .‬يقال إن الصحافة الرياضية اليطالية كانت مهتمة أكثر‬ ‫بجاذبية كريستينا‪ ،‬من اهتمامها بالخطاء التحكيمية‪ ،‬تمامًا‪ ،‬كما أحدثته مّرة إحدى‬ ‫الشرطيات الجزائريات من فوضى‪ ،‬عندما ُ‬ ‫كلفت بتنظيم السير في أحد تقاطعات شوارع‬ ‫جه فيها‬ ‫العاصمة‪ .‬‬ ‫وكانت النساء قبل ذلك‪ ،‬وقد فشلن في استعادة رجالهن من هذه الضّرة‪ ،‬قّررن أن‬ ‫ينتقمن لنوثتهن بمشاركة الرجال في هذا الهوس الكروي‪ ،‬ل لسباب كروية‪ ،‬بل بسبب‬ ‫الجساد الرجالية المنحوتة بكل لياقتها البدنية‪ ،‬التي بذريعة المؤانسة‪ ،‬تجلس النساء‬ ‫للتفّرج عليها بجوار أزواج ضامري العضلت‪ ،‬منتفخي البطون‪ ،‬يرتدون عباءاتهم وألبسة‬ ‫نومهم‪ ،‬وينتفضون كالدببة هاتفين لهداف‪ ،‬هم عاجزون عن تسجيلها مهما صغر الملعب‪..‬‬ ‫واتسع المرمى!‬ ‫وقد وصلت الحال بالنساء أن أصبح لهن أيضا ً أهواء كروية‪ ،‬بعد أن اقتنعن بأن أجمل‬ ‫قف الكرة‬ ‫القصائد تقولها أقدام رجالية لهثة راكضة‪ ،‬وأجساد تقفز في السماء لتتل ّ‬ ‫بأحضانها‪.‬يلزمهن رجل يحاورهن‬ ‫بفصاحة قدمي زيدان‪ ،‬ل بمذلة ابن زيدون أمام و ّ‬ ‫لدة‪ ،‬ويعادل سعره في سوق الرياضة‬ ‫ً‬ ‫والعلنات‪ ،‬سعر طائرة "إيرباص"‪ ،‬من نوع "‪ ،"A321‬ويتقاضى سنويا ما يعادل أجر عامل‬ ‫فرنسي عادي خلل ستة آلف سنة من العمل‪ ،‬وعندما يصاب في ركبته‪ ،‬تعيش فرنسا‪،‬‬ ‫حسب صحافتها‪ ،‬معلقة ليام إلى فخذه‪ ،‬ريثما يشفى‪ ،‬لكون مجدها الكروي رهن رجليه‬ ‫ذواتي الصول الجزائرية‪.‬وأراملها‬ ‫مازال البعض يذكر ذلك الحدث العجب‪ ،‬يوم اختار التحاد اليطالي لكرة القدم أّول امرأة‬ ‫حكما ً في دوري الدرجة الممتازة‪ُ ..‬إذ بسبب جمالها‪ ،‬ظل سائقو السيارات يدورون حول المستديرة التي تو ّ‬ ‫السير‪.‫يطبعون عليه أشعارهم•‬ ‫وف ّ‬ ‫مة أكثر من فائدة في نقل مهرجاناتنا الشعرية‪ ،‬ومؤتمراتنا الدبية‬ ‫كرت يومها في أ ّ‬ ‫نث ّ‬ ‫ح الطبيعة ما أفسدته عادات الضيافة الباذخة‪ ،‬في ولئم شراء‬ ‫إلى الغابات• فقد ُتصل ُ‬ ‫ال ّ‬ ‫ذمم•‬ ‫م‪ ،‬قد تكون فرصة للبعض‪ ،‬لتقديم اعتذارهم للغابات• على ما اقترفوا في حقها من‬ ‫ث ّ‬ ‫جرائم أدبية•• من أجل كتب لن يقرأها أحد•‬ ‫عرائس الكرة‪ .‬إذ‬ ‫حقق في المونديال الماضي رقما ً قياسيا ً بتسجيل )‪ (5‬أهداف‪ .‬‬ ‫َ‬ ‫مكّر مفّر مقبل مدبر‬ ‫إنهن يبحثن عن رجل يسعى إليهن كما يسعى رونالدو إلى كرة‪ِ " :‬‬ ‫معًا"‪ ،‬وعن عاشق يصيبهن منذ الضربة الولى بدقة اللماني كلوزة في تصويب ضربته‪ .

‬‬ ‫فإذا كان مواطن أردني قد كسر شاشة تلفزيونه أثناء المونديال‪ ،‬احتجاجا ً وقهرا ً على‬ ‫خسارة فريقه المفضل‪ ،‬فقد أصبح لنا نحن النساء أيضا ً شهيداتنا في ساحة كرة القدم‪،‬‬ ‫بعدما لم يكن لنا إل ّ "أرامل المونديال"‪ ..‫وأتفهم‪ ،‬والحال على ما هي عليه‪ ،‬من غواية شغف النساء المفاجئ بالقدام‪ ،‬حد ّ مزايدتهن‬ ‫على الرجال تعصبا ً كرويًا‪.‬‬ ‫الخوف أن يكون أبوها وإخوتها أيضًا‪ ،‬من مشجعي فريق غير فريقها‪ ،‬فتتقاذفها أقدام رجال‬ ‫القبيلة‪ ،‬كرة قدم من بيت إلى آخر‪ ،‬وتنتهي حسب قول أمي "شردودة‪ .‬فقد فقدت فتاة مصرية توازنها وسقطت من‬ ‫الشرفة‪ ،‬وهي منهمكة في توجيه الصحن اللقط‪ ،‬قصد متابعة إحدى المباريات‪ .‬ل مطلقة ول‬ ‫من على آخرتها قبل أن تختار فريقها!‬ ‫مردودة"‪ ،‬كان عليها أن تؤ ّ‬ ‫عرس في ماربيل‬ ‫يقول مثل جزائري “كان الق ّ‬ ‫ط مهّني•• شرالو موله ّفاد” )كرش شاة(• ذلك القط‪ ،‬كان‬ ‫سعيدا ً “ومتهّني”‪ ،‬يعيش على اصطياد الفئران‪ ،‬حتى ذلك اليوم الذي أراد صاحبه تدليله‪،‬‬ ‫فأحضر له كرشة خروف‪ ،‬أو “كروش وقبوات”‪ ،‬كما يقول اللبنانيون‪ ،‬فضاع المسكين بين‬ ‫أمعاء وأحشاء الشاة‪ ،‬وحار من أين يأتي تلك الوليمة‪ ،‬التي ل يعرف لها أوّ َ‬ ‫من آخر•‬ ‫ل ِ‬ ‫ت سعيدة بوحدتي‪ ،‬وبوجودي بمفردي في “كـــــان”• ولفرط ما انتظرت هذه‬ ‫مثله كن ُ‬ ‫ن ما‬ ‫ت حقيبة تشي بزهدي في مباهج الصيف‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫العطلة التي نذرتها للكتابة‪ ،‬أعدد ُ‬ ‫ودات‪ ،‬يفوق ما أحضرته من ثياب ولوازم‬ ‫ومس‬ ‫ودفاتر‬ ‫كتب‬ ‫أحضرته معي من بيروت‪ ،‬من‬ ‫ّ‬ ‫بحر ولوازم سهر•‬ ‫لكن‪ ،‬كما في شرح صديقنا الرمني قول الشاعر “تجري الرياح بما ل تشتهي السفن”‪،‬‬ ‫بقوله “هواء يروح هيك•• وبابور يروح هيك”‪ ،‬وجدتني “هيـــك”‪ ،‬عندما ذ َهََبت بي الريح‬ ‫إلى ماربيل‪ ،‬إثر هاتف من أحد الصدقاء‪ ،‬يدعوني فيه إلى حضور زفاف ُأخته•‬ ‫ُ‬ ‫ت بدعوته‪ ،‬وقَِبلتها من‬ ‫ولنني ل أعرف كيف أقاوم النداء السّري لـ”ماربيل”‪ ،‬فلقد سعد ُ‬ ‫ي‬ ‫دون تفكير في ُ‬ ‫متطّلباتها ولوازمها‪ ،‬قبل أن تبدأ أخبار الستعدادات لذلك العرس الخراف ّ‬ ‫ي‪ ،‬ومعها أسماء الثرياء والمشاهير الذين ضاقت بهم الفنادق الفاخرة‬ ‫في الوصول إل ّ‬ ‫للمدينة•‬ ‫ُ‬ ‫ومن وقتها وأنا مثل ذلك القط‪“ ،‬حايصــــة” وحائرة أمام وليمة فـــرح لم أهّيــأ لها•‬ ‫ذلك أنني لم أكتسب ثقافة العراس‪ ،‬ول القدرة على تبذير أيام وأسابيع في الستعداد‬ ‫ن كانت تلك الليلة “ليلتي” حسب أم كلثوم‪ ،‬وكان ذلك العرس‬ ‫لليلة واحدة‪ ،‬حتى إ ْ‬ ‫عرسي•‬ ‫ً‬ ‫مدنيا في الدائرة السادسة عشرة‬ ‫بل إ ّ‬ ‫م عقد قراني فيه َ‬ ‫ن عرسي الحقيقي‪ ،‬الذي ت ّ‬ ‫الراقية في باريس‪ ،‬أخذ مني العداد لوراقه‪ ،‬أكثر ما أخذ مني شراء فستانه البسيط من‬ ‫وقت‪ ،‬ل يتجاوز لحظة رؤيته في واجهة• وأعتقد أنه بفضل ذلك الفستان‪ ،‬الذي كان ثمنه ل‬ ‫ن الشاهدين اللبنانيين اللذين‬ ‫مد َ زواجي سبعا ً وعشرين سنة• وأذكر أ ّ‬ ‫ص َ‬ ‫يتجاوز مئة دولر‪َ ،‬‬ ‫ي”‪ ،‬كانـــا أكثر أناقة‬ ‫حضرا العرس‪ ،‬بصفتهما عاشقين متواطئين مع سّرية زواجنا “النقلب ّ‬ ‫منا‪ ،‬لكنهما على الرغم من ذلك‪ ،‬لم يتزوجا حتى اليوم•‬ ‫ما أنفقت‬ ‫وس العراس‪ ،‬ول أنفق من وقتي ومالي‪ ،‬استعدادا ً لي عرس‪ ،‬أكثر م ّ‬ ‫لبالي بهَ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ن من حولي‪ ،‬يدخلن في حالة هََبـل كلما‬ ‫على عرسي‪ ،‬حتى ل أصاب بجنون نساء أراهــ ّ‬ ‫دعين إلى عرس‪ ،‬وكأنهن في سباق مع العروس ليكن َ‬ ‫مل منها•‬ ‫أج‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ .‬وصار لنا‬ ‫ضحايانا أيضا ً مذ طّلق مواطن سعودي زوجته إثر احتفالها بفوز فريقها في كأس الخليج‬ ‫جعي ناد ٍ آخر‪ ،‬وأغاظه أنها راحت تطلق الزغاريد في المنزل‪،‬‬ ‫العربي‪ ،‬بينما الزوج من مش ّ‬ ‫بعد أن ارتدت ملبس تحمل شعار فريقها‪ ،‬فاتصل بإخوتها لنقلها إلى منزل والدها‪.

‬‬ ‫هكــذا‪" ،‬تحت وضح الضمير" العالمي‪ ،‬طــال النهب والتدمير ‪ 170‬ألف قطعة آثار‬ ‫ونفائس تاريخية‪ ،‬ل يوجد مثيل لها في أي مكان في العالم‪.‬‬ ‫حدث هذا على مرأى من جيوش جاءت ُتب ّ‬ ‫ورة في‬ ‫مفاخرة بمع ّ‬ ‫شرنا بالحضارة‪ُ ،‬‬ ‫داتها المتط ّ‬ ‫الستطلع‪ ،‬والتقاط "الصور الحرارية"‪ ،‬والرؤية الليلية‪ ،‬لكنها لم تــَر شيئًا‪ ،‬بينما أكبر‬ ‫مخازن التاريخ ُتنهب كنوزه في عز النهار‪.‬‬ ‫ت أصل ً لحماية التاريخ‪ ،‬ول لصيانة الذاكرة‪ ،‬إنما لعادة صياغتها‪ ،‬بحيث‬ ‫فهـي لــم تــأ ِ‬ ‫نتساوى جميعا ً‬ ‫ن العالم بدأ بالنسبة إلى‬ ‫أ‬ ‫عذرها‬ ‫لتاريخها‪.‬‬ ‫ومجاملة‬ ‫مراعاة‬ ‫انعدامها‪،‬‬ ‫في‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ .‫ورًا‪ُ ،‬أثبت لكم فيه بالعناوين‬ ‫صص لي تحقيقا ً ُ‬ ‫وكن ُ‬ ‫ت سأقترح على مدير التحرير‪ ،‬أن ُيخ ّ‬ ‫مص ّ‬ ‫والسعار )وصور لي في حفل الزفاف الخرافي ذاك(‪ ،‬كيف أن في إمكانهم حتى في‬ ‫“كــــان”‪ ،‬شراء لوازم عرس كبير‪ ،‬قد تحضرونه في ماربيل‪ ،‬بثمن أق ّ‬ ‫ل مما كنتم‬ ‫ستدفعون في بيروت أو في الجزائر•‬ ‫ن “كـــــان”‪ ،‬كما المدن ا ُ‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫أهلها‪،‬‬ ‫يعرفها‬ ‫التي‬ ‫وأحشاؤها‪،‬‬ ‫شعابها‬ ‫لها‬ ‫لخرى‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫َ‬ ‫قضى فيها مثلي أكثر من عشرين صيفا•ً‬ ‫وعلى الرغم من ذاك‪ ،‬لم يكن سهل ً العثور صيفا ً على فستان سهرة طويل في مدينة‬ ‫وج بنصف‬ ‫تحترف التعّري• لــــذا شهق ُ‬ ‫ت عندما رأيت ثوبــــا ً من الساتان الورديّ المتم ّ‬ ‫دى ثمنه بعد التنزيلت ال ُْ‬ ‫مذهلة‪ ،‬ثمن فستان عرسي منذ ‪ 27‬سنة• فأخذته‬ ‫كتف‪ ،‬ل يتع ّ‬ ‫ً‬ ‫وركضت به بحثا عن إكسسوارات• وقد وجدت في المحال بائعات تجندن بتواطؤ نسائي‬ ‫ســة” في عرس كبير‪ ،‬ورحــن يتجادلن‬ ‫مند ّ‬ ‫ن ورطتي كضيفة “ ُ‬ ‫لمساعدتي‪ ،‬حالما حكيت له ّ‬ ‫ْ‬ ‫منسابة من كتفه‪،‬‬ ‫لضفاء تفاصيل الزياء الراقية عليه‪ ،‬حتى بدا بالورود العنقودية ال ُ‬ ‫وبال ّ‬ ‫ن البائعات‬ ‫أ‬ ‫واكتشفت‬ ‫مم كبير•‬ ‫ّ‬ ‫مص ّ‬ ‫متماوجة‪ ،‬وكأنه من توقيع ُ‬ ‫شال ذي اللوان ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫ن تحويلهن إلى‬ ‫يتعاطفن كثيرا مع النساء البسيطات‪ ،‬لنهن يشبهنهن‪ ،‬ويصبح ه ّ‬ ‫مه ّ‬ ‫ن‪ ،‬كّلما‬ ‫عليه‬ ‫ويضحكن‬ ‫“سندريلل” بأقل ثمن ممكن‪ ،‬بينما يستغبين النساء الثريات‬ ‫ّ‬ ‫ن المحدودة•‬ ‫ن وأجوره ّ‬ ‫ن ليثأرن بذلك لحلمه ّ‬ ‫ن ماله ّ‬ ‫ن بشيء‪ ،‬سعيدات بتشليحه ّ‬ ‫نصحَنه ّ‬ ‫صص في تقليد‬ ‫متخ‬ ‫“كان”‪،‬‬ ‫مهرجان‬ ‫ضيفات‬ ‫ترتاده‬ ‫فاخر‪،‬‬ ‫محل‬ ‫إلى‬ ‫جهتني‬ ‫و‬ ‫ن‬ ‫إحداهـ ّ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مذهل في مصداقية أحجاره‪،‬‬ ‫مطاِبق لضخم تصاميم المجوهرات‪ ،‬فاشتريت خاتم ياقوت ُ‬ ‫ُ‬ ‫بـ)‪ (40‬يــــــورو‪ ،‬وأقراطا ً من الفخامة‪ ،‬بحيث تكاد ُتضاهي أقراط اللماس والياقوت التي‬ ‫أهدتني إّيـاهــا الغالية أسماء الصديق‪ ،‬باسم عضوات “الملتقـــى” في أبوظبـــي‪) ،‬وتركتها‬ ‫وة هذا الصيف إلى أكثر من عرس(•‬ ‫في بيروت لصديقتي القرب‪ ،‬لكونها َ‬ ‫مدع ّ‬ ‫ي بـ”كعب‬ ‫لم أحتج إلى شراء حذاء جديد• فلطول الفستان اكتفيت بانتعال “قبقاب” فض ّ‬ ‫ل”•‬ ‫عا ٍ‬ ‫مقتنياتي•‬ ‫ول ّ‬ ‫ن لستثمار ُ‬ ‫س ثا ٍ‬ ‫ن هذه الدوشة أخذت مني يومين‪ ،‬فإني أحتاج إلى عر ٍ‬ ‫على مرأى من ضمير العالم‬ ‫ك أمام جثمان أبي )نحن نبكي دائما ً في ما بعد(‪ ،‬لكنني بكيت وأنا ُأشاهد ذلك‬ ‫لم أب ِ‬ ‫الرهــط الغريب من الرعاع واللصوص وهم يهجمون على متحف بغداد‪ ،‬فيستبيحون ذاكرة‬ ‫دا‬ ‫مرون كل ما لم تستطع أيديهم نهبه‪ ،‬ويتركونه وقد غــ َ‬ ‫النسانية‪ ،‬ويعيثون فيه خرابًا‪ ،‬ويد ّ‬ ‫مغارة مّرت بها الوحوش البشرية‪.

‫ملكا ً‬ ‫تقويمها‪ ،‬منذ خمسة قرون فقط‪ ،‬يوم نبتت أميركا على قارة كانت حتى ذلك الحين‪ُ ،‬‬ ‫للهنود الحمــر‪ .‬بــل يطــال نهبهم وتدميرهم حتى‬ ‫المستشفيات‪ ،‬وغرف العمليات وسيارات السعاف‪ ،‬في بلد يفترش جرحاه الرض بعد ك ّ‬ ‫ل‬ ‫وات الغازيــة‪ ،‬إنها شّنت عليه‪ ،‬الحرب ل لغايــة اقتصادية‪،‬‬ ‫قصف أميركي‪ ،‬وتقــول القـ ّ‬ ‫بــل "لضرورة أخلقية"‪.‬‬ ‫دام الذي قال‪" :‬الذي يريد أن يأخذ العراق مّنا سيجده أرضا ً بل بشر"‪ ،‬لم يسعفه‬ ‫صــ ّ‬ ‫ً‬ ‫الوقت للتهام أكثر من مليوني عراقي‪ ،‬فارتأى لمزيد من التنكيل بمن بقي حّيـا من‬ ‫العراقيين أن يتركهم بشرا ً بل وطن‪ .‬‬ ‫مـن ُقـ ّ‬ ‫ويدوس عناقيده على مرأى م ّ‬ ‫مأساتنا الن تختصرها تلك العبارة التي ينهي بها منصور الرحباني مسرحيته "ملـوك‬ ‫مل ِ ٌ‬ ‫الطوائـف"‪ .‬‬ ‫ن كاريكاتورا ً فرنسيًا‪ ،‬أظهره وهو ُيوّبخ مستشاره‬ ‫بوش نفسه لم يكن يعرف هذا‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫ً‬ ‫قائ ً‬ ‫ن في العراق مدنا وليس صحارى فقط؟"‪.‬‬ ‫ل‪" :‬لماذا لم تقل لي إ ّ‬ ‫فهــل نعجب أل ّ يعرف جنوده عن العراق سوى كونه بلدا ً يملك ثاني احتياطي بترول في‬ ‫دام‪ ،‬إلى تطويق وزارة النفط‪ ،‬والتمر ُ‬ ‫كز حولها‪،‬‬ ‫العالم‪ ،‬فُيسارعوا حال سقوط تمثال صـ ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حرصا ً على حماية وثائقها وعقودها من التلف‪ ،‬بينما ُيسلمون بلدا بأكمله للسّراق‬ ‫مروا بمباركة منهم‪ ،‬السفارات الغربية‪ ،‬التي وقفت ضــد غزو العـراق‪،‬‬ ‫واللصوص‪ ،‬لُيد ّ‬ ‫وينهبوا بك ّ‬ ‫ل طمأنينة‪ ،‬بقّية الوزارات والمؤسسات والجامعات‪ ،‬فيحرقوا السجلت والبحاث‬ ‫والشهادات ووثائق المكتبة والوراق الثبوتية‪ .‬فقد كان‪ ،‬ككل ال ّ‬ ‫ن‬ ‫وبأ‬ ‫العـراق‪،‬‬ ‫طـغـاة‪ ،‬مقتنعا ً بأنه هو‬ ‫ّ‬ ‫ب إلى‬ ‫التاريخ الذي بــدأ بــه‪ ،‬لبد أن ينتهي معه‪ .‬ولــذا هي لم تتوقع أن يكون للعراق الصغير الذي استضعفته‪ ،‬وجــاءت‬ ‫تلتهمه كهامبرغر‪ ،‬وهي تتجّرع الكول على دبابة الحرّية‪ ،‬تاريخ يفوق تاريخها بخمسة آلف‬ ‫سنة‪ .‬قائ ً‬ ‫ك راح بيجي ملك غيره‪ ..‬‬ ‫وتنسحب‬ ‫وتغتالني في غيبتك أسئلتي‬ .‬بل إنها لم تتوقع أن تجد فيه مؤسسات وجامعات ومتاحف ومكتبات وبيوتا ً جميلة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مكابريــن‪،‬‬ ‫وحدائق عامة وطرقات حديثة‪ ،‬وفنادق فخمة‪ ،‬وأناسا ً مثقفين‪ ،‬جميليــن و ُ‬ ‫ليســوا جميعهم ق ّ‬ ‫ولين يستجدون من جنودها الماء‬ ‫طاع طرق ومجرمين‪ ،‬ول متس ّ‬ ‫والرغيــف‪.‬ولــذا‪ ،‬حسب المثل اللبناني "جــاء بالد ّ‬ ‫كرمه"‪ ،‬وسّلمه العراق بل جيش‪ ،‬ول علماء‪ ،‬ول تاريخ‪ ،‬ول مؤسسات‪ ،‬ليعيث فيه فسادًا‪،‬‬ ‫در له مّنا أن يحضر هذه الفاجعة‪.‬وإذا الوطن راح ما في وطن غيره"‪..‬‬ ‫دعه "هولكــو" يوم غــزا بغداد‪ ،‬برغم أن الجرائـم نفسها حدثت يوم دخلها‬ ‫وهــو ما لم ي ّ‬ ‫على ظهر بغلته‪ .‬‬ ‫ل‪" :‬إذا َ‬ ‫على مشجب انتظارك‬ ‫حين تغضب‬ ‫تعلق ضحكتك على المشجب‬ ‫تترك للهاتف مكر صمتك‪.‬فقد جاء في كتب التاريخ‪ ،‬أّنــه يومها ُنهبت السواق والخانات‪،‬‬ ‫ولـت المدارس لتغدو اسطبلت‬ ‫دمـت كنائس وجوامــع‪ ،‬و ُ‬ ‫واسُتبيحــت البيوت‪ ،‬وهُ ّ‬ ‫حـ ّ‬ ‫ما ُنهب من بيت‬ ‫"لبغال" جيش هولكــو‪ ،‬وُزينت "نعال" الجياد بالياقوت والزمّرد‪ ،‬م ّ‬ ‫الخلفة‪ ،‬وصــار الـمـاء في دجلة ُأرجوانيا ً لفرط ما انداح فيه من دم‪ ،‬وما ذاب فيه من‬ ‫حبـر المخطوطات‪ ،‬التي ُألقيـت فيه‪..

.‫أبحث في جيوب معطفك‬ ‫عن مفاتيح لوعتي‬ ‫ي؟‬ ‫ف‬ ‫أتفكر‬ ‫أود أن أعرف‪.‬‬ ‫يفتش في حقيبة قلبي عن رجل‬ ‫يقلب دفاتر هواتفي‪.‬‬ ‫جمل‬ ‫يتجسس على صمتي بين ال ُ‬ ‫ماذا أفعل؟‬ ‫أنا التي أعرف تاريخ إرهابك العاطفي‬ ‫أأهرب؟‬ ‫أم أنتظر؟‬ ‫***‬ ‫أنت الذي بمنتهى الجرام‪. ..‬‬ ‫منتهى الدب‬ ‫تغير أرقام قلبك‬ ‫إثر انقطاع هاتفي‬ ‫كما تغير الزواحف جلودها‬ .‬‬ ‫َ‬ ‫أيحدث ولو لغفوة‬ ‫أن تلمسني أحلمك قبل النوم؟‬ ‫أن تبكيني ليل وسادتك؟‬ ‫***‬ ‫حين‪ .‬على صحوة غيرتك تأتي‬ ‫بثقة غجري اعتاد سرقة‬ ‫الخيول‬ ‫أراك تسرق فرحتي‬ ‫تطفىء أعقاب سجائرك‬ ‫على جسد المنيات‬ ‫تحرق خلفك كل الحقول‬ ‫وتمضي‬ ‫تاركا ً بيننا جثة الصمت‬ ‫***‬ ‫حين يستجوبني حبك‬ ‫على كرسي الشكوك‬ ‫عنوة يطالبني بالمثول‬ ‫يأخذ مني اعترافا ً بجرائم لم‬ ‫أرتكبها‬ ‫كمحقق ل يثق في ما أقول‪.‬أمام حماقاتي الصغيرة‬ ‫تفقد كلماتك أناقتها‬ ‫ويخلع وجهك ضحكته‬ ‫ل أدري عن أي ذنب أعتذر‬ ‫وكيف في جمل قصيرة‬ ‫أرتب حقائب الكذب‬ ‫أمام رجل ل يتعب‬ ‫من شمشمة الكلمات‬ ‫***‬ ‫‪....

‬‬ ‫ب ثور‪ .‬وقد حاولت البقرة مرارا ً قتل الزوجة‪ ،‬بأن‬ ‫تطاردها وتحاول نطحها‪ ،‬لتوقعها في بئر المزرعة‪ ..‬ومنذ سنتين والرجل حائر بين بقرته‬ ‫وزوجته‪ ،‬ل يطاوعه قلبه على بيع ا ُ‬ ‫لولى‪ ،‬ول على تطليق الثانية‪ ،‬ولسان حاله مع البقرة‬ ‫المخدوعة “أخونك آه‪ .‬أبيعك ل”‪.‬يــة" لمحّبي البقر‬ ‫ن تلك البقرة‪ ،‬التي بدت عليها أعراض الجنون‪ ،‬وقد تتسّبب للقتصاد الميركي‪ ،‬في‬ ‫لكأ ّ‬ ‫دام إلى بوش في أعياد الميلد‪ .‬وإن كنت ل أذكر اسم البقرة‬ ‫الفائزة‪ ،‬فأتوّقع أن تكون بقرة رأسمالية “شبعانة” كسول ً ومغناجًا‪ ،‬ل تشبه في شيء‬ .‬وربما‬ ‫ص‬ ‫ية‬ ‫هد‬ ‫كانت‬ ‫دولر‪،‬‬ ‫مليار‬ ‫الربعين‬ ‫تفوق‬ ‫خسارة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تكشف تحقيقات وكالة الستخبارات الميركية مستقب ً‬ ‫منخرطة في جيش “فدائّيي‬ ‫ل‪ ،‬أّنها ُ‬ ‫دام”‪ ،‬وكانت تنتظر الوقت المناسب لُتباشر مهمتها التاريخية‪ ،‬في إلحاق أكبر الخسائر‬ ‫ص ّ‬ ‫ً‬ ‫بـ”معسكر الشّر”‪ ،‬انتقاما للقائد الراعي‪ ،‬الذي كان “يسوق القطيع إلى المراعي”‪ ،‬حين‬ ‫ساقه جنونه إلى تلك الحفرة‪ ...‬‬ ‫مزارعا ً من جنوب أفريقيا‬ ‫ب الرجل‪ .‬فما لبثت أن هجرت قصرها إلى‬ ‫ويبدو أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ب‬ ‫حلو‬ ‫بقرة‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫في‬ ‫ة‬ ‫مشتبه‬ ‫عيناها‪،‬‬ ‫عليها‬ ‫تقع‬ ‫بقرة‪،‬‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫في‬ ‫تحملق‬ ‫ل‬ ‫والوديان‪،‬‬ ‫الغابات‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫لعوب‪ ،‬تتمّرغ على العشب الناعم‪ ،‬تحت بصر حبيبها الثور‪ ،‬عساها تسرق لّبه‪ .‬وقد قرأت مّرة أ ّ‬ ‫ح ّ‬ ‫وليس عجبًا‪ ،‬أن تقع البقرة في ُ‬ ‫ن ُ‬ ‫عانى الغيرة الشديدة‪ ،‬التي تتمّلك إحدى بقرات مزرعته‪ ،‬ما كاد يؤدي إلى انهيار حياته‬ ‫الزوجّية‪ ،‬بسبب إعجاب البقرة به منذ أعوام‪ ،‬وتتّبعها له كظّله أينما ذهب‪ .‬ول بقرة أج ّ‬ ‫الذي يحكي لنا ُ‬ ‫ب ثور‪ ،‬وراحت المسكينة‬ ‫ح‬ ‫في‬ ‫وقعت‬ ‫التي‬ ‫“باسيفاي”‪،‬‬ ‫الملكة‬ ‫أسطورة‬ ‫ُ ّ‬ ‫ل يوم‪ ،‬وتأتيه في ك ّ‬ ‫مل له ك ّ‬ ‫ل زينتها وهو غير آبه لها‪ ،‬مشغول عنها بمعاشرة البقرات‪،‬‬ ‫تتج ّ‬ ‫حتى تمّنت لو نبت لها قرنان فوق جبينها‪ ،‬عساها تلفت انتباهه‪.‬فلول جنون‬ ‫من يقول إن البقرة جّنت بص ّ‬ ‫البيطرّيين الميركيين‪َ ،‬‬ ‫البشر‪ ،‬ما كان لجنون البقر أن يوجد‪ ،‬بعد أن أراد البعض معاكسة الطبيعة‪ ،‬وإجبار‬ ‫المواشي على أكل اللحوم‪ ،‬تماشيا ً مع نزعاته الفتراسّية‪.‬وذهبت‬ ‫الغيرة بالملكة حد ّ الفتك بغريماتها‪ ،‬بإرسالها إلى الحقول لنهاكها بجّر المحراث‪ ،‬أو إلى‬ ‫المذبح بذريعة نحرها قربانا ً لللهة‪.‬‬ ‫ن “باسيفاي”‪ ،‬كانت أّول كائن ُأصيب بجنون البقر‪ .‬ونظرا ً إلى كون الرجل من برج الثور‪ ،‬أتوّقع أن يأتي من‬ ‫دام‪ .‬‬ ‫لـــذا‪ ،‬أنصح النساء بأن يأخذن‪ ،‬بعد الن‪ ،‬مأخذ الجد وجود البقرة كغريمة للمرأة‪ ،‬ومنافسة‬ ‫مال وإعلن “جائزة أفضل‬ ‫ُيحسب لها ألف حساب‪ ،‬خاصة مذ نزلت البقار إلى ساحة ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫دة التجميل‬ ‫ع‬ ‫بكل‬ ‫المتسابقة‪،‬‬ ‫تسريحة شعر للبقر” في ألمانيا‪ ،‬واستعانة أصحاب البقار‬ ‫ّ‬ ‫النسائي‪ ،‬من سيشوارات وبودرة وجلتين ومثبتات شعر‪ .‬أو جّنت بسببه‪ .‬ففي الجنون “ما‬ ‫ح‬ ‫في‬ ‫ملكة‬ ‫وقوع‬ ‫من‬ ‫أعجب‬ ‫ووقوع بقرة في حب رجل‪ ،‬ليس‬ ‫ُ ّ‬ ‫ن من مرا”‪ ،‬كما جاء في “فن الهوى” لـ”أوفيد”‪،‬‬ ‫فيش حد ّ أحسن من ح ّ‬ ‫د‪ .‫كما تغير امرأة جواربها‬ ‫عسى تجن امرأة بك‪ ...‬أو تنتحر‬ ‫***‬ ‫منذ الزل‬ ‫تموت النساء عند باب قلبك‬ ‫في ظروف غامضة‬ ‫فبجثثهن تختبر فحولتك‬ ‫وبها تسدد أحزانك الباهظة‬ ‫عواطف "ثور‪ّ.‬وعندما تزّوج‬ ‫مصّرة على إعجابها وتعّلقها به‪ ،‬وكانت تستشيط غيظا‪ً،‬‬ ‫المسكين قبل عامين‪ ،‬ظّلت البقرة ُ‬ ‫كّلما رأته ُيداعب زوجته أو يمسك بيدها‪ .

‬خاصة بعدما كشف لنا رجال الفضاء الوجه البشع للقمر‪ ،‬وبعد إعلن النجم راسل‬ ‫ت أكبر مع البقار في مزرعته‪.‬‬ ‫أحتفظ به‪“ :‬أتطّلع إلى مشاهدة البقار‪ ،‬التي تتحدث معي‪ ،‬لنني ُ‬ ‫ماذا لو كان بين البقار المتحدثة لبوش‪ ،‬تلك البقرة المجنونة؟‬ ‫عيونهم‪ .‬‬ ‫والمر على ما هو عليه من العجب‪ ،‬ل أرى سببا ً بعد الن لغضب امرأة‪ ،‬يناديها زوجها “يا‬ ‫بقرة”‪ .‬فقد قال في تصريح‪ ،‬مازلت‬ ‫مستمع جّيد”‪..‫“بقرة حاحا الن ّ‬ ‫طاحة”‪ ،‬التي وصفها لنا أحمد فؤاد نجم‪ ،‬في إحدى قصائده الشهيرة‪ ،‬بعد‬ ‫حرب ‪ 67‬وُأودع بسببها السجن‪.‬‬ ‫كرو‪ ،‬أنه انفصل عن صديقته الفاتنة‪ ،‬ليستطيع تمضية وق ٍ‬ ‫صل مع البقار‪،‬‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬يبدو اعتراف الرئيس بوش‪ ،‬في بداية حكمه‪ ،‬بالتوا ُ‬ ‫معاشرة المتدّربات في البيت اليض‪،‬‬ ‫اعترافا ً يشهد بأخلقيات الرجل‪ ،‬الذي يف ّ‬ ‫ضل على ُ‬ ‫عشرة البقار‪ .‬التي ترانا‬ ‫ل كتابة عن معاناة ا َ‬ ‫ك ّ‬ ‫لسرى الفلسطينيين البطال‪ ،‬الذين أعلنوا منذ أيام الضراب‬ ‫المفتوح عن الطعام في السجون السرائيلية‪ ،‬تحتاج لكي تأخذ مصداقّية فاجعتها‪ ،‬إلى أن‬ ‫خبرا الجوع الختياري الطويل‪ ،‬وقّررا من أجل مبدأ‪ ،‬ل‬ ‫يكون كاتب المقال‪ ،‬كما قارئه‪ ،‬قد َ‬ ‫ي‪ ،‬ل ُيقاس بمقياس الزمن العادي• زمن يتمّرد‬ ‫مك َ‬ ‫من أجل َ‬ ‫َ‬ ‫سب‪ ،‬الدخول في زمن قهر ّ‬ ‫على الساعة البيولوجّية للنسان‪ ،‬التي تتح ّ‬ ‫كم في تقسيم يومه حسب الوجبات الثلث‪،‬‬ ‫ن الكرامة ثمنها‬ ‫ن الواجب أهم من الوجبة‪ ،‬وبأ ّ‬ ‫وإقناع هذا الجسد الذي ل منطق له‪ ،‬بأ ّ‬ ‫المجاعة‪ ،‬والدخول في غيبوبة الزمن الطويل المفتوح على الوهن‪ ،‬وعلى المراض‬ ‫المزمنة•• وعلى احتمال الموت جوعا ً وظمًأ•‬ ‫لم أختبر هذا الجوع النبيل الجميــل‪ ،‬الذي يرد ّ به السير العزل‪ ،‬إل ّ من جسده‪ ،‬بتجويع هذا‬ ‫ن الحياة وضعتني أمام‬ ‫ت سأقدر عليه‪ ،‬لو أ ّ‬ ‫منعا ً لذلله وتركيعه• ول أدري إ ْ‬ ‫ن كن ُ‬ ‫الجسد َ‬ ‫اختباره•‬ ‫ّ‬ ‫ن الكتابة عن محنة هؤلء البطال‪ ،‬في مواجهة معركة الجوع‪ ،‬تتطلب من‬ ‫لكنني أعتقد أ ّ‬ ‫مدّلل شيئا ً من الحيـــاء‪ ،‬وبعض الخجل أمام النفس أوّ ً‬ ‫ل•‬ ‫الكاتب ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫م إليه السرى الطفال‪ ،‬والسرى‬ ‫م َ‬ ‫قال عن إضراب جـــوع‪ ،‬انض ّ‬ ‫فليس في إمكانك كتابة َ‬ ‫المرضى‪ ،‬بامتناعهم عن تناول الدواء‪ ،‬وذهب المئات‪ ،‬في عّز الصيف‪ ،‬حد ّ التهديد بالمتناع‬ ‫عن شرب الماء‪ ،‬رد ّا ً على الحرب النفسية التي ت ُ َ‬ ‫دهم•‬ ‫نض ّ‬ ‫شـ ّ‬ ‫وك من طاولة الغداء العامرة بما يحلم به أطفال‬ ‫ل يمكن الكتابة عن هؤلء‪ ،‬وأنت قائ ٌ‬ ‫م لت ّ‬ ‫ل‪ ،‬ما الفرق إذن بينك وبين ج ّ‬ ‫جياع في عمر أولدك• وإ ّ‬ ‫لدهم الذي يشوي اللحم في‬ ‫مقاِبلة لزنزاناتهم‪ ،‬حتى تترك رائحة اللحوم المشوية آثارها النفسية والمعنوية‬ ‫الساحات ال ْ ُ‬ ‫مضربين‪ ،‬وتزيد من ألـم جوعهم؟‬ ‫في ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫ن كنت ل ترى السرى‪ ،‬فعيونهم ترا َ‬ ‫هنة ضــاق بها‬ ‫ك‪ ،‬حيث هم في زنزاناتهم‪ ،‬بأجساد وَ ِ‬ ‫إ ْ‬ ‫وان العربي‪ ،‬وأنهكها الدفاع عن كرامتك•‬ ‫الهَ َ‬ ‫ن لم تكن جاهزا ً لمواساتهم بالجوع‪ ،‬ولو يوما ً واحدًا‪ ،‬ول بالمتناع عن التهام كــوب‬ ‫إ‬ ‫لــــذا‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫البوظــة‪ ،‬أو لوح الشوكولتة التي تعشقها‪ ،‬فل تكتب عنهم•‬ ‫أنت لن تبّرئ ذمتك بمساندة ذوي البطون الخاوية•• بفائض الكلم‪ ،‬ولن ُتوفي دينك‬ ‫تجاههم بتمجيد الجوع‪ ،‬والتغني ببطولة رجال‪ ،‬ثملت بدمائهم الرض العربية•‬ ‫ن في تلك الزنزانات أهل ً لي‪ُ ،‬أناسا ً أحّبهم‬ ‫جلت كتابة هذا المقال عن نزاهة أدبية‪ ،‬ل ّ‬ ‫أ ّ‬ .‬وعندما ل يكون رئيس الوليات المتحدة مع زوجته‪ ،‬أو مع والدته بربارا‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫يكون مأخوذا ً بالستماع إلى كوندليزا رايس‪ ،‬أو إلى البقار‪ .

‫ويحبونني حد ّ الحراج العاطفي• مازال صوت بعضهم عالقا ً في ُأذني• كصوت السير‬
‫محمود الصفدي‪ ،‬الذي طلبني‪ ،‬من سجن عسقلن‪ ،‬قبل سفري إلى عطلتي الصيفية بيوم‪،‬‬
‫طالبا ً مني أن أرسل إليه إحدى رواياتي موّقعة‪ ،‬مع أحد المسافرين إلى الردن‪ ،‬الذي‬
‫من سيتكفل بإيصالها إلى فلسطين‪ ،‬حيث ستتكفل خطيبته عطاف بتسليمه إّياها‬
‫سُيسّلمها َ‬
‫عند زيارته•‬
‫ل أدري ما أخبار محمود‪ ،‬ول رفاقه الذين دأب على تبليغي سلمهم‪ ،‬وهل مازال في‬
‫عيونهم نظر يقوى على القراءة• ل أستطيع من أجلهم شيئا ً عدا إحساسي بالذنب‪ ،‬وهذا‬
‫أضعف اليمان• ويشهد الّله أنني ما جلست إلى طاولة الكل إل ّ ووقفت عيونهم بيني وبين‬
‫فمي‪ ،‬وما اشتهيت شيئا ً طّيبا ً في هذا الصيف‪ ،‬إل ّ واستحيت من اشتهائي له•‬
‫لــذا‪ ،‬كانت فرحتي كبيرة عندما هاتفتني‪ ،‬وأنا في جنوب فرنسا‪ ،‬صديقتي الغالية لطيفة‪،‬‬
‫مبدعين العرب الصيام‬
‫ي النضمام إلى مبادرتها الشخصية إلى إعلن الفنانين وال ْ ُ‬
‫لتعرض عل ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يومًا‪ ،‬ولو واحدا‪ ،‬تضامنا مع السرى الفلسطينيين•‬
‫ُ‬
‫مــة‪ ،‬أسراهــا أحــرار•• ونساؤها رجـــال•‬
‫حـ ّ‬
‫شكرا ً لطيفة‪ ،‬أهديِتني ذريعة جميلة ل ُ‬
‫بأ ّ‬
‫فإذا أنكر خ ّ‬
‫ل خّله‪..‬‬
‫ضحكــــت لقول المسؤولة السابقة عن العلقات العامة في حزب المحافظين في‬
‫وال‪،‬‬
‫بريطانيا‪ ،‬في إحدى المقابلت‪" ،‬عندما ُيمطرك رجل برسائله المكتوبة على الج ّ‬
‫فاعلمي أّنه يرسل رسائله من المرحاض في بيته‪ ،‬حيث ل تسمع زوجته ما هو فاعل‪..‬‬
‫وال هي القلعة الحصينة للخيانات الزوجية!"‪.‬‬
‫رسائل الج ّ‬
‫ن الزوجات‬
‫أسعدنـي أن أعرف أن جميع النساء‪ ،‬على اختلف جنسياتهن‪ ،‬سواٌء أكـ ّ‬
‫جبن الرجال‪ ،‬واستعدادهم للغش‬
‫ن مدى ُ‬
‫المخدوعات‪ ،‬أم العاشقات الخادعات‪َ ،‬يعيـ َ‬
‫ن النساء‪ ،‬جاهلين أّنه ل أكثر ازدراًء في عين‬
‫العاطفي‪ ،‬واثقين لفرط تذا ِ‬
‫كيهم بسذاجتنا نح ُ‬
‫ول عليه ساعة المواجهة‪،‬‬
‫يع‬
‫أن‬
‫يمكن‬
‫ول‬
‫زوجته‪،‬‬
‫يخــاف‬
‫جبان‬
‫امرأة عاشقة‪ ،‬من حبيب‬
‫ُ َ‬
‫ولت الزوجة المخدوعة إلى رجل تحّر‪ ،‬وأفحمته على طريقة "كولمبــو"‪،‬‬
‫في حالة ما تح ّ‬
‫بدلئل الجريمة‪ ،‬واسم المرأة التي يرسل إليها من المرحاض‪ ..‬رسائله الملتهبة!‬
‫مقولة التي تقــــول‪" :‬بعد أن اخترعنا الزواج‪،‬‬
‫في إمكاني في هذا السياق‪ ،‬أن أقلب تلك ال ْ َ‬
‫ً‬
‫أصبح هنالك نوعان من الناس‪ُ :‬تعســـاء‪ ،‬وُتعســاء جـــدا"‪ ,‬ففي الواقع‪ ،‬أنتجت المؤسسة‬
‫قــا ً هذه اليام‪ ،‬وجود هذا‬
‫جبناء‪ ،‬والجبناء جــدا ً والعجيب ح ّ‬
‫الزوجية نوعين من الناس‪ :‬ال ْ ُ‬
‫النوع الخيــر من الجبناء وسط الرجال تحديدًا‪ ،‬بينما تزداد النساء شجاعة وجرأة‪ ،‬وأحيانا ً‬
‫ن"‪،‬‬
‫ن جاهزات غالبا ً لو اقتضى المر للدفاع عن حّبهن‪ ،‬وأحيانا ً عن "صيده ّ‬
‫وقاحــــة فهـ ّ‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫والدخول في حرب لنقاذ مكاسبهن العاطفية‪ ،‬مــذ شـرع "الحاج متولـي" للفتيات حـ ّ‬
‫اختطاف الزواج من ُأمهات أولدهم وقد روت لي صديقة جزائرية منذ سنة‪ ،‬كيف أنها‬
‫دت عليها‬
‫حاولت إنقاذ زوجها‪ ،‬بمواجهة الفتاة التي كان على علقة بها‪ ،‬لكن الفتاة ر ّ‬
‫ُ‬
‫مستكثرة عليها النفراد بـ"وليمة" رجـل ثري‬
‫بوقاحة "كلي ودعي الخريات يأكلن أيضًا!"‪ُ ،‬‬
‫وشهواني‪ ،‬في بلد تعاني فيها ثلثة مليين فتاة من العنوسة!‬
‫ضل الرجل دائما ً التوفيق بين حياته الزوجية العلنية‪ ،‬وحياته السرية‬
‫في المقابــل‪ُ ،‬يف ّ‬
‫ا ُ‬
‫ً‬
‫حولته‪ ،‬فُيبدع في أداء دور‬
‫ف‬
‫على‬
‫والطمئنان‬
‫وقه‪،‬‬
‫بتف‬
‫للشعور‬
‫ا‬
‫مع‬
‫إليهما‬
‫لخرى‪ ،‬لنه يحتاج‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ملتـــاع‬
‫الزوج الصالح‪ ،‬تسّترا ً على تماديه خارج بيت الزوجية‪ ،‬في تمثيل أدوار العاشق ال ْ ُ‬
‫ول إلى فـــــأر مذعـــور‪ ،‬ساعة المواجهة مع زوجته‪ ،‬فيتن ّ‬
‫كر‬
‫غير أنه كثيرا ً ما يجُبن ويتح ّ‬
‫ً‬
‫ن ل نلومه على‬
‫للمرأة التي أحّبها‪ ،‬ويتخّلى عنها حفاظا على مكاسبه الجتماعية ونح ُ‬
‫انحيازه ل ُ‬
‫ب‪ ،‬بـــل نلومه على ِنفاقه وكذبه وتغريره بعشيقته‪ ،‬ومطاردتها‬
‫لسـرة بــدل الحـ ّ‬
‫هاتفيًا‪ ،‬ليل نهار‪ ،‬ثم التخّلي عنها عند أول امتحان‪.‬‬

‫صديقـة هاتفتني في الصيف من مطار "نيس" صارخـــة‪" :‬رأيتها‪ ..‬رأيتها"‪ ،‬على طريقة‬
‫أرخميدس‪ ،‬يوم عثر على اكتشافه الشهير‪ ،‬وهو في مغطس حمامه‪ ،‬فراح يصرخ‬
‫"وجدتها‪ ..‬وجدتها" وكانت قد أخبرتني قبل ذلك‪ ،‬أنها‪ ،‬بعد أربع سنوات قضتها‪ ،‬بفضول‬
‫دعي أنه‬
‫نسائي‪ ،‬في مطالبة الرجل الذي تحبه بإطلعها على صورة زوجته‪ ،‬التي كان ي ّ‬
‫سيتخّلى عنها ليتزوجها هي‪ ،‬برغم مفاخرته أحيانا ً بها لغاظتها‪ ،‬قّررت بعد أن علمت‬
‫بسفره إلى الجزائر مع عائلته لقضاء العطلة‪ ،‬أن تحجز لها مكانا ً في الرحلة نفسها على‬
‫الدرجة ا ُ‬
‫دعية بقاءها في فرنسا وكاد‬
‫لولى‪ ،‬التي يسافر دائما ً عليها‪ ،‬وأخفت عليه المر م ّ‬
‫ُيغمى على الرجل‪ ،‬وهو يراها تمر أمامه في هيئة ج ّ‬
‫ذابة‪ ،‬وأناقة اختارتها بمكر نسائي‪،‬‬
‫مـل من بعيد خلف نظارتها‪ ،‬ارتباكه‪ ،‬وهو يقوم‬
‫وراحــت دون أن تسعى إلى فضحه‪ ،‬تتأ ّ‬
‫متسّلطة تكبره سنًا‪ ،‬وترتدي ثيابا ً أصغر من عمرها ولكي‬
‫بإجراءات السفر بجــوار زوجة ُ‬
‫تنتقم لكرامتها‪ ،‬وهي تراه يتمادى برعــب في تجاهلها‪ ،‬جلست في الطائرة خلفه‬
‫بمقعدين‪ ،‬وراحت تتجاذب أطراف الحديث مع رجـل وسيم كان يجلس بجوارها‪ ،‬ما جعله‬
‫صص على هذا الغريم‪ ،‬الذي يغازل في حضرته‬
‫من غيرتـه يتر ّ‬
‫دد على الح ّ‬
‫مام‪ ،‬كي يتل ّ‬
‫حبيبته‪ ،‬وهو عاجز عن الدفاع عن حّبها أمام زوجته وأولده‪.‬‬
‫ربما كان لسان حال صديقتي آنذاك قول الشاعر‪:‬‬
‫تمّر بي كأنني لم أكن‬
‫ثغرك أو صدرك أو معصمك‬
‫لو متّر سيف بيننا لم نكن‬
‫نعلم هل أجرى دمي أم دمك‬
‫ولنه كان ل ُيتقن العربية‪ ،‬لكونه بربريًا‪ ،‬ول يفهم شيئا ً في أغاني ُأم كلثــوم‪ ،‬ما كان في‬
‫إمكانه أن ُيدافــع عن نفسه بذلك المقطع الجميل‪:‬‬
‫فإذا أنكر خ ّ‬
‫ه‬
‫ل خل ّ ُ‬
‫وتلقينا لقاء الُغرباء‬
‫ومضى ك ّ‬
‫ل إلى غايته‬
‫ّ‬
‫ل تق ْ‬
‫ن الحظ شاء‬
‫ل شئنا‪ ..‬فإ ّ‬
‫جم بعضكم على تلك المرأة‪ ،‬وُيشفق آخرون على ذلك الرجل‪ ..‬أما أنا‪ ،‬فاسمحوا لي‬
‫قد يته ّ‬
‫بأن ألعنه‪ ..‬ليذهب إلى الجحيم!‬

‫ف ّ‬
‫كــر‪ ..‬واربــح‬
‫َتعّثــر نظــري منذ شهور بخبر ورد في الصفحات القتصادية‪ ،‬وآلمنـي إلى حد ّ احتفاظي‬
‫جْلــد النفس بالعودة له لحقـــًا•‬
‫بقصاصته لمزيد من َ‬
‫كـان الخبر ُيب ّ‬
‫ن سلطة التحاُلــف سمحت لوزارة التجارة العراقية‪،‬‬
‫بأ‬
‫العراقيين‪،‬‬
‫شــر‬
‫ّ‬
‫ودة الدليل المت َّبع في عملية تصدير الخــردة من الحديد والفولذ )أي من‬
‫بإصدار مس ّ‬
‫م تدميرها(‪ ،‬ما ُيساعد على خلق فرص عمل للعراقيين‪ ،‬لكون معظم‬
‫ت‬
‫التي‬
‫السلحة‬
‫ّ‬
‫مهيأة لستخدام هذه المادة‪،‬‬
‫مصانع الحديد والفولذ والسلح العراقي‪ ،‬غير صالحة وغير ُ‬
‫بسبب عمليات التخريب والسرقة التي طالتها جّراء الحرب•‬
‫من ن َ َ‬
‫ف إليهم كُبشـرى‪ ،‬والخسائر‬
‫كــد هذا الزمان على العــرب‪ ،‬أن أصبحت الفواجع ُتــز ّ‬
‫وروا هذا الفــرح المر ّ‬
‫كــب‪ ،‬الذي ينفرد به المواطن العربي من‬
‫كضرب من المكاسب• تص ّ‬
‫ً‬
‫مــره على‬
‫دون سواه• فهو يفرح يوم يشتري سلحا على حساب لقمته‪ ،‬ويفرح يوم ُيد ّ‬
‫مـن بثمنه رغيفــا ً‬
‫حساب كرامته‪ ،‬ويفرح عندما يبيعه بعد ذلك في سوق الخردة‪ ،‬فيؤ ّ‬
‫وحليبــا ً وخضــارا ً لهـل بيتــه•‬
‫ت الصورة المرفقة به• كان عليها فتيان‬
‫مل ُ‬
‫ت على قصاصة ذلك الخبر‪ ،‬وتأ ّ‬
‫البارحـــة‪ ،‬عثـر ُ‬

‫ســرق مستقبلهم‪ ،‬مقابل زهــو‬
‫مَبا ِ‬
‫هج الشباب‪ ،‬ن ُهَِبــت منهم فرحتهم‪ ،‬و ُ‬
‫بؤساء‪ ،‬لم يعرفوا َ‬
‫الطاغّية بامتلك أكثر ترسانة حربية•‬
‫مرة‪ ،‬في‬
‫المد‬
‫وأجزائها‬
‫صواريخ‪،‬‬
‫رؤوس‬
‫تكديس‬
‫في‬
‫منهمكون‬
‫وها هم‪ ،‬بوجوه ل عمر لها‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أكوام من خردة الحديد‪ ،‬في ساحة•• الفلوجــــة•‬
‫ت هذا الخبـر‪ ،‬كانت الف ّ‬
‫مجـّرد اسم لمدينة عراقية‪ ،‬قبل أن‬
‫لوجــة‬
‫ُ‬
‫منذ شهور‪ ،‬عندما قرأ ُ‬
‫خَراب”‬
‫ُتصبح عنوان إقامتنا التلفزيونية‪ ،‬وعنفوان مقاومتنا العربية‪ ،‬وتغدو “الرض ال َ‬
‫ب إليها‪،‬‬
‫وة في العاَلــم• فإذا بنا ُننس ُ‬
‫الصامــدة‪ ،‬في زمــن ذّلـنــا أمام جيش أكبـر قــ ّ‬
‫ونخاف عليها‪ ،‬ونفتح في قلوبنا مقابر فرعّية لموتى ضاقــت بهم بيوتها•‬
‫مجــّرد خــردة‪ ،‬ينفــرد بتقرير‬
‫ورا ً وتكلفة‪ ،‬سـوى ُ‬
‫في وطــن ليست فيه السلحة الكثر تط ّ‬
‫دد‬
‫مصيرها شخص واحــــد‪ ،‬يلهــو بأمــوال مليين الناس كما يلهــو بأقدارهم‪ ،‬ول يتر ّ‬
‫لحظة الخيارات التدميرية‪ ،‬في تدمير ترسانة حربية لنقاذ رأســه‪ ،‬كيف ل يصبح النسان‬
‫نفسه‪ ،‬حّيــا ً أو مّيتــًا‪ ،‬خـردة بشريــة‪ ،‬ينتظر أن تنظـر سلطة التحالف في َقــد َِره‪ ،‬وُتصـدر‬
‫جــار الموت إلى فتح دكاكين لبيــع دمـــه ودمعــه وأشلئــه إلى الفضائيات‪،‬‬
‫دليل ً يرشد ت ّ‬
‫مــن ل َيعتِبـر•• من “معسكــر الشــــّر”؟‬
‫ِ‬
‫عبــرة ِلـ َ‬
‫دم لنا الحرب على العراق‪ ،‬كضرورة‬
‫تق‬
‫التي‬
‫الميركية‪،‬‬
‫النكتــة‬
‫منكم‬
‫دق‬
‫صــ‬
‫ن‬
‫مــ‬
‫ُ ّ‬
‫ّ‬
‫َ ْ‬
‫مــل ملّيــا ً أيــن ذهبت أموالنا‪،‬‬
‫أخلقيــة‪ ،‬ل اقتصادية‪ ،‬لُيحضر علبة مناديل للبكـــاء‪ ،‬وليتأ ّ‬
‫مــرت بأيدينا “صواريــخ الصمــود” في “مصانــع الكرامـــة” )وهذه‬
‫وليسأل‪ :‬كيف د ُ ّ‬
‫ن المتريّ في سوق‬
‫التسمية العنترية مع السف حقيقية(‪ ،‬لُتباع بعد ذلك عّزتنا بالط ّ‬
‫الخــــردة؟‬
‫أسألكــم‪ :‬برّبكـــم‪ ،‬لـمـــاذا يتداَفــع العــرب ويتسابقـون لشراء أسلحة‪ ،‬وهم يدرون‬
‫مسبقا ً أّنهم لن يستعملوها؟‬
‫ُ‬
‫أظننا جميعــا ً نعـرف الجــواب‪ ،‬وسنربـح في أيّ مسابقة تلفزيونية‪ُ ،‬يطــرح فيها سؤال‬
‫ســلح؟”• وإذا أضفنــا إلى السبب المعروف‪،‬‬
‫مـن نـــوع‪“ :‬لـمـــاذا يشتــري العــرب ال ّ‬
‫ّ‬
‫سبب إخافــة الشعـوب بالستعراضات العسكرية‪ ،‬يصبح السؤال‪ :‬كم ُتكلفنا هذه السيوف‬
‫التي ل ُتغادر أغمادهــا‪ ،‬وهذه السلحة التي ل ُتفارق مستودعاتها‪ ،‬من مصاريـف صيانــة‪،‬‬
‫وتكاليف “إقامــــة” لخبرائها؟‬
‫سؤال واحــد سنفشل جميعنا في الجواب عنه‪:‬‬
‫“مـــاذا فعََلــت الدول العربية بالسلحة‪ ،‬التي اشترتها على مدى خمسين عـامــــًا؟‬
‫حظــا ً سعيــدا ً للباحثيـن عــن الجــــواب•‬

‫في بلد البدانة‬
‫م‬
‫في مساء الفضول الّول تقع في كمين المقارنة‪ .‬للشوق رائحة‪ ،‬وعليك أن تك ّ‬
‫ف عن ش ّ‬
‫المدن‪ .‬أميركا ل تشبهك ول تشبه بلدا ً أحببتها‪ .‬إنها بلد شاسعة‪ ،‬ل رائحة لها ول ع ََبق‪ .‬وفي‬
‫ن فاكهة واحدة على طاولتك‬
‫ن ل طعم لها أيضًا‪ ،‬وأ ّ‬
‫ما بعد ستكتشف وأنت تتذّوق فاكهتها‪ ،‬أ ّ‬
‫ْ‬
‫م سلقها‪ .‬في‬
‫مذاق‪ ،‬وكأنه ت ّ‬
‫في إمكانها أن ُتغنيك عن كل الفواكه‪ ..‬لّنها جميعها متشابهة ال َ‬
‫ت أرصد حالة عشقّية لبلد اختلف الناس في حّبها وكراهيتها‪ ،‬وما زارها أحد إل‬
‫الواقع‪ ،‬مازل ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وعاد عاشقا ً أو كارها لها‪ ،‬بالتطّرف نفسه‪ .‬العجيب أن أميركا لم ُتثر فضولي يوما‪ .‬فطالما‬
‫ت أنني أعرف عن أفلمها ومسلسلتها ما يكفي‪ .‬وما شاهدته لم يكن يغريني‬
‫اعتقد ُ‬
‫بزيارتها‪ .‬فقد كان لي في باريس وجنوب فرنسا من الحياة الحضارية الجميلة الهادئة‪ ،‬ما‬
‫ُيغنيني عن حضارة عنفها‪ .‬أميركا تخيفني‪ .‬وما يخيفني أكثر‪ ،‬احتمال أن تسرق مّني يوما ً‬
‫أحد أولدي المولعين بها‪ ،‬لقتناعهم بروعتها‪ ،‬قناعتهم بروعة بضاعتها ومأكولتها وأغانيها‬
‫وبناتها‪ ،‬الجميلت حتمًا‪ ،‬كما في مسلسل )‪ ،(Bay Watch‬الخارجات من البحر كالحوريات‬

‬وعندما شعرت بأن‬ ‫جاري سد ّ علينا خريطة الطريق‪ ،‬وأقام حال جلوسه جدارا ً عازل ً يمنعنا من العبور والتحّرك‬ ‫ي إلى أي مقعد آخر‪ .‬لم أستطع الكتابة ول النوم‬ ‫النجليزية‪ ،‬وعدم قدرتي على التوا ُ‬ ‫طوال تلك الرحلة عابرة المحيطات‪ .‬وكانت الشاحنة "الديناصور"‪ ،‬التي يتجاوز طولها طول‬ ‫وها علوّ طابق أو اثنين‪ ،‬متوقفة في شارع في نيويورك لجمع القمامة‪ ،‬التي‬ ‫مبنى ويفوق عل ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُتح ّ‬ ‫طم في أميركا أرقاما قياسية أيضا‪ .‬وَيعَبث بأوراقي‪ ،‬فألطفه من فرط‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫مه على جهلي‬ ‫ذعري على طريقة "مستر بين" بالبتسامات والشارات‪ ،‬معتذرة ل ّ‬ ‫صل مع هذا الطفل "الفلتة"‪.‬فقد كان عل ّ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫قا‪ ،‬التي فاضت‬ ‫مخيفة ح ّ‬ ‫الرحلة‪ ،‬في مسايرة جارتي السوداء الميركية‪ ،‬ذات الملمح ال ُ‬ ‫ُ‬ ‫مها وصغيرها‪ ،‬الذي كان ينام ويأكل ويقفز على‬ ‫ي هي وأ ّ‬ ‫على المقعد‪ ،‬حتى تدّفقت عل ّ‬ ‫ُ‬ ‫صدرها‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬علمت من الستاذ فواز الطربلسي‪،‬‬ ‫المحاضر في "جامعة كولمبيا"‪ ،‬محنة نيويورك والحروب التي خسرتها أكثر من مّرة في‬ ‫معركتها مع الجرذان‪.‬هم ل يدرون أن في أميركا أعلى نسبة بدينين في‬ ‫العالم‪ ،‬وأكبر عدد من أصحاب الوزن الخرافي الثقيل‪ ،‬الذين ل يسعهم ثوب ول ُيجلسهم‬ ‫خلهم باب‪ .‬‬ ‫في الطائرة التي كانت تقّلني من باريس إلى نيويورك‪ ،‬شعرت بأنني وصلت‪ ،‬مــذ جلست‬ ‫على مقعد اختاره لي القدر إلى جوار أستاذ إسرائيلي‪ ،‬في ك ّ‬ ‫ي الواضح من‬ ‫ل زّيـه الدين ّ‬ ‫ضفائره وقّبعته السوداء‪ .‬أنا بالعربّية‪ .‬فأنا لم أسمع قبل زيارتي إلى أميركا بالـ)‪Very‬‬ ‫مضاهاة ناطحات‬ ‫‪ ،(Big Hamburgers‬وهو "همبرغر بطوابق ع ّ‬ ‫دة"‪ ،‬كأنهم يريدون به ُ‬ ‫م من طبقات العجين‪،‬‬ ‫الك‬ ‫هذا‬ ‫يقضم‬ ‫أن‬ ‫السحاب‪ .‬ظننته زوجا ً للمرأة الجالسة بجواره‪ ،‬وإذا بها تتبرأ منه حال‬ ‫اكتشافها عروبتي‪ ،‬ولتتمتم لي بأنها أستاذة فلسطينية مقيمة في أميركا‪ ..‬هو بالعبرّية‪ ...‬ما ظننتني‬ ‫ي والدب ّ‬ ‫في الطائرة‪ ،‬طالبت المضيفة باللجوء السياس ّ‬ ‫ي‬ ‫على طريقة "كولوش" في فيلمه الكوميدي عن نيويورك‪ ،‬سأدخل من دون علمي‪ ،‬ح ّ‬ ‫ي قضاء الساعات الست الباقية من‬ ‫"برانغس" ومنطقة الرعب السود‪ ..‬فلوجود ذلك العدد الهائل من البدينين على متن‬ ‫ما علق‬ ‫ت على الطائرة من وزنهم‪ ،‬أكثر من خوفي من المطّبات الهوائّية‪ ،‬وم ّ‬ ‫الطائرة‪ ،‬خف ُ‬ ‫في ذهني من ذاكرة الكوارث الجوّية‪ ،‬التي اشتهرت بها الرحلت نحو أميركا‪ .‬أخَرج ك ّ‬ ‫ل مّنا‬ ‫أوراقه وباشرنا الكتابة‪ .‬وقد شاهد ُ‬ ‫مّرة في إعلن ضخم لـ"ماكدونالد"‪ُ ،‬يغ ّ‬ ‫طي شاحنة من الحجم الخرافي‪ ،‬الذي ل أتوّقع أن‬ ‫تكونوا قد شاهدتم مثله في حياتكم‪ .‬وهي بالنجليزّية‪ .‬يا للحماقــة‪ ..‬ول مقعد له‪ ،‬فيأخذ ما في طبقي من أكل‪ .‬فأميركا التي تستهلك بمفردها ثلث ما يستهلكه العالم من المواد‬ ‫مقعد ول ُيد ِ‬ ‫ً‬ ‫حة أبنائها وأعمارهم‪ ،‬بالسرعة التي يستهلكون بها وجباتهم‬ ‫الغذائية‪ ،‬تستهلك أيضا ص ّ‬ ‫السريعة‪ ،‬ذات الحجام الخرافية أيضًا‪ .‬ول أدري أيّ فم هذا الذي في إمكانه‬ ‫ّ‬ ‫وما بينها من عجائب الكل الذي ُيشرشر من ك ّ‬ ‫ت هذا "الهمبرغر" لّول‬ ‫ل جانب‪ .‬في تلك الرحلة التي لم أشَغل فيها سوى نصف مقعدي‪ ،‬ولم آكل سوى‬ ‫قد َْته‬ ‫خــذ من كل شيء نصفه‪ ،‬حتى إذا ما فَ َ‬ ‫نصف وجبتي‪ ،‬كان عزائي تلك النصيحة‪ُ " :‬‬ ‫فإنك لن تحزن حزنا ً كام ً‬ ‫ل"‪.‬‬ ‫في مديح الكسل‬ ‫دعـــاء الزهــد في الكتابة• فكثيرا ً ما تهرب منك‬ ‫ي‪ ،‬با ّ‬ ‫أستعد ّ عـادة لنجــاز عمل روائ ّ‬ ‫الكتابة إن أنت أجهدت نفسك في مطاردتها‪ ،‬محاول ً محاصرة الكلمات‪ ،‬وإلقاء القبض على‬ ‫الفكار‪ ،‬وشراء دفاتر جميلة في انتظار هنيهة الخصاب البداعية المباركة•‬ ‫ي‪ ،‬ل جدوى من مراجعة “روزنامتي الشهرية”•‬ ‫بالنسبة إلــ ّ‬ ‫ددة‬ ‫المح‬ ‫اليام‬ ‫خارج‬ ‫ومباغتة‪،‬‬ ‫سهو‬ ‫لحظة‬ ‫في‬ ‫سأحبل‬ ‫الحياة‪،‬‬ ‫في‬ ‫كما‬ ‫في الدب‪،‬‬ ‫ّ‬ .‫بك ّ‬ ‫ل ُأنوثتهن الصارخة‪ .‬حتى إنني‬ ‫مربح لشركات الطيران الميركية‪ ،‬بوزن الر ّ‬ ‫ف ّ‬ ‫كاب بدل وزن‬ ‫كرت في تقديم اقتراح ُ‬ ‫أمتعتهم وحقائبهم‪ .

‬أم المعارك‬ ‫قد ل يكون الوقت مناسبًا‪ ،‬ونحن نعيش على أهبة حرب‪ ،‬والكرة الرضية تقف على قرن‬ ‫الثور الميركي‪ ،‬متوجسة بالكارثة‪ ،‬أن نواصل الحديث عن صعوبة النضباط العاطفي‬ ‫بالنسبة إلى الرجل‪ ،‬وعن تاريخ الرجال الحافل بالخيانات عبر العصور‪..‬‬ ‫غير أن الجواء السياسية المشحونة‪ ،‬التي تعيشها البشرية هذه اليام‪ ،‬والكوارث والحروب‬ ‫التي عرفتها بعض البلدان‪ ،‬تركت آثارها في سلوك الرجل‪ ،‬من منطلق نظرته الجديدة إلى‬ ‫نفسه وإلى العالم‪ ،‬في محاولة إمساكه بحياة أصبحت تبدو سريعة العطب‪ ،‬قد تفلت من‬ ‫بين أصابعه في أية لحظة‪.‫ت رواياتي كما أولدي الثلثة•‬ ‫للخصاب‪ ،‬وخارج رحـــم المنطق البداعي• هكذا أنجب ُ‬ ‫ب ومن دون تخطيط ك ّ‬ ‫ل مّرة•‬ ‫ت فيهم جميعًا‪ ،‬لنني فعلت ذلك بح ّ‬ ‫وأظنني وُّفق ُ‬ ‫ُ‬ ‫ب كسلي هذه اليــام• إنه عكس ما يشي به من انشغال عن الكتابة‪ ،‬هو عينها‬ ‫أحــ ّ‬ ‫وإرهاصاتها التي ل تخطئ•‬ ‫ن الكسل أبو البداع‪،‬‬ ‫“إ‬ ‫قولــه‬ ‫أفرحنـي‬ ‫الرحبـاني‪،‬‬ ‫منصور‬ ‫للعظيم‬ ‫في مقابلــة تلفزيونية‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مــا استطاع أن‬ ‫مــل أعماقه‪ ،‬لـ َ‬ ‫فلول الكسل الذي ُيدخل النسان إلى ذاتــه‪ ،‬ويجعله يتأ ّ‬ ‫ُيبدع•‬ ‫دعي أنني مبدعة‪ ،‬على القل لنني امرأة كسول‪ ،‬ل ألهث‬ ‫بهذا المقياس‪ ،‬في إمكاني أن أ ّ‬ ‫بطبعي خلف شيء• لذا تأتيني الشياء لهثــة‪ ،‬تقع في حجري كما وقعت التفاحة في حجر‬ ‫ُ‬ ‫مل شجرة التفاح‪ ،‬فاكتشف الرجل‬ ‫نيوتــن )أو على رأسه حسب رواية أخرى(• وهو يتأ ّ‬ ‫مامه‬ ‫مصادفة قانون الجاذبية الكونية• وإذا أضفنا إلى هذا صرخة إرخميدس في مغطس ح ّ‬ ‫ُ‬ ‫“وجدتها•• وجدتها”‪ ،‬تكون النظريات العلمية‪ ،‬كما العمال البداعية‪ ،‬وليدة لحظة كسل‬ ‫وسهو “إيجابي”•‬ ‫ن المبدع‪ ،‬كما العاِلــم‪ ،‬ل يتوقف عن التفكير في مشروعه البداعي أو العلمي‪ ،‬حتى‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مل حشــرة•‬ ‫يتأ‬ ‫الهزاز‬ ‫يه‬ ‫كرس‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫جالس‬ ‫أو‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫بأمر‬ ‫عنه‬ ‫ل‬ ‫منشغ‬ ‫يبدو‬ ‫عندما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن نمشي‪ ،‬حسب نيتشة‪ ،‬لكنها تأتينا أيضا ونحن نتأمل‬ ‫إ ّ‬ ‫ن الفكار العظيمة ل تأتينا فقط ونح ُ‬ ‫الشياء الصغيرة‪ ،‬ففي الشياء الصغيرة‪ ،‬أو تلك التي نمر بمحاذاتها‪ ،‬من دون انتباه‪ ،‬يوجد‬ ‫مكمن الحياة• وفي هنيهة سهونا عنها‪ ،‬ينكشف لنا سّرها‪ ،‬الذي يغ ّ‬ ‫ذي أسئلتنا الوجودية•‬ ‫مل شجرة”•‬ ‫ولــذا‪ ،‬حسب قول أحد الحكماء‪“ :‬ل يكفي عمر واحد لتأ ّ‬ ‫ربمــا كان هنــــري ميلـــر‪ ،‬أحد الكّتاب الوائــل‪ ،‬الذين أخــذوا الكســل مأخذه البداعي‪،‬‬ ‫دي‪ ،‬الذي ل تأشيرة دخول إليه‬ ‫لـــذا جعل من الحياة سياحة مفتوحة على الضجر المجس ّ‬ ‫عــدا الكتابة• لكنه لم يصل إلى ما بلغه الكاتب الفرنسي فيليب بولن‪ ،‬الذي يفتقر إلى ما‬ ‫اشتهر به ميلــر من اشتعال دائم للشهوات• لــذا في إمكانه‪ ،‬بكلمات حقيقية‪ ،‬أن يعترف‬ ‫بـ”أني أحب السأم‪ ،‬يوما ً بعد يوم‪ُ ،‬أسبوعا ً بعد أسبوع‪ ،‬شهرا ً بعد شهر‪ ،‬ل شيء أطيب‬ ‫ممّلــة”• وهو أغبــى تصريح أدبي قرأته خلل جمعي أقوال ً قد تدعــم‬ ‫عندي من الرتابة ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫مل مع حالــة الكســل‪ ،‬التي يلجأ إليها المبدعون‪ ،‬تأهبــا للحالة‬ ‫فلسفتي في التعا ُ‬ ‫مـا يسعون إليه في الواقع•‬ ‫م‬ ‫بهربهــم‬ ‫يوحــي‬ ‫مخـــادع‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫البداعية‪ ،‬بذعــر ُ‬ ‫ّ‬ ‫أيكــون أنسـي الحــــاج‪ ،‬قد قرأ قول موريــــاك “الرغبــة في أل تقوم بشيء‪ ،‬هو الدليل‬ ‫ُ‬ ‫ب كســلـي‪ ،‬وطموحي أن أتخّلص من‬ ‫القاطع على الموهبة الدبية”• لــذا قال‪“ :‬أنا أحــ ّ‬ ‫أيّ جهد”؟‬ ‫متقّلبــة المزاج‪ ،‬كامرأة حبــلى‪ ،‬أرتدي العبــاءة الفضفاضة‬ ‫اليــام‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫كســلــى‬ ‫إنني‬ ‫ُ‬ ‫ل ّ‬ ‫مــل العشب الذي ينبت على شقوق ذاكرة الغيــاب‪ ،‬فــوق‬ ‫لمبالة‪ ،‬وأجلس ساعات‪ ،‬أتأ ّ‬ ‫مقبلــة على دفنــه في كتــاب•‬ ‫ضريـح رجــل أنــا ُ‬ ‫فياغرا‪ُ .‬‬ ‫ولن المرء في أوقات الخوف والحذر ُيبالغ في ردود الفعل‪ ،‬فقد شاهدنا تطّرفا ً رجاليًا‪،‬‬ ‫هذه اليام‪ ،‬في اللتزام بالقيم ا ُ‬ ‫لسرية في نيويورك‪ ،‬إذ غدت مصائب البرجين المنهارين‬ .

‫فوائد على الزوجات‪ ،‬بعد أن صار رجال نيويورك أكثر وفاًء لزوجاتهم بعد هجمات )‪11‬‬ ‫أيلول( وأعلن بعضهم لمجلة "لوبوان" الفرنسية‪ ،‬أنه يفضل الستمرار في علقة مع امرأة‬ ‫واحدة‪ ،‬ول يرغب في خيانة شريكة حياته‪ ،‬بعد أن صار يشعر بأهمية الخلص للخر‪.‬‬ ‫لهداية‬ ‫الصوات‪ ،‬فبعث به الّله‬ ‫َ‬ ‫ولن الكوارث تقود الناس إلى إعادة تقييم أولوياتهم واتخاذ قرارات حاسمة تتعّلق‬ ‫بمصيرهم‪ ،‬فقد جاء في استطلع أجرته مجلة "نيويورك ماغازين" تحت عنوان "الحب بعد‬ ‫‪ 11‬أيلول"‪ ،‬أن ‪ 36‬في المئة من العازبين في نيويورك‪ ،‬باتــوا يسعون إلى الزواج‬ ‫والستقرار ا ُ‬ ‫لسري وهم بالمناسبة ل يختلفون كثيرا ً عن ضحاياهم الفغانيين‪ ،‬الذين قرأنا‬ ‫أنهم كانوا يحتفلون بالزواج تحت القصف الميركي‪ ،‬بينما كانت الخاطبات‪ ،‬حسب أحد‬ ‫العناوين‪ ،‬يبحثن عن العرسان بين النقاض! فالبعض في مواجهة القصف العشوائي للحياة‪،‬‬ ‫ضل أن يفتك به الحب على أن تفك به الطائرات الحربية‪ ،‬وأن يحترق بجمر الشواق‬ ‫يف ّ‬ ‫ً‬ ‫بدل الحتراق بالقنابل النشطارية‪ ،‬أو الموت متفحما في برج التهمته النيران‪.‬‬ ‫والخــوف الذي أطاح ببورصة شركات الطيران‪ ،‬والمنتجعات السياحية‪ ،‬هو نفسه الذي‬ ‫حجز الزواج في البيوت‪ ،‬ورفع أسهم شركات الدوية‪ ،‬وأسهم المؤسسة الزوجية‪ ،‬في‬ ‫عالم صنع الخوف وعّلبه للبشرية‪ ،‬ثم ما عاد قادرا ً على صنع الطمأنينة‪ ،‬بعد أن أصبح‬ ‫رجاله ل يجدون سكينتهم إل في العودة باكرا ً إلى البيت‪ ،‬لتناول جرعة الحب الزوجي‪ ،‬ولو‬ ‫على مضض أميركا التي ابتكرت لنا "المن الوقائي" و"الضربة الوقائية" واستراتيجية‬ ‫ضلين على‬ ‫مف ّ‬ ‫صنين بالحب الوقائي‪ُ ،‬‬ ‫"الحرب الستباقّية"‪ ،‬استبق رجالها الكارثة‪ ،‬متح ّ‬ ‫الرهاب البيولوجي‪ ،‬الرهاب الزوجي‪ ،‬واجدين في رئيسهم نموذجا ً للزوج الصالح ولفاعل‬ ‫حسن ح ّ‬ ‫ظ البشرية أن يكون انتصر على آل غور بفارق حفنة من‬ ‫الخير المثالي‪ ،‬الذي من ُ‬ ‫مـن ضـ ّ‬ ‫ل منا سواء السبيل‪.‬ول تلك التي يعود بمفعولها الضفدع أميرًا‪ ،‬كما‬ ‫كان‪ ،‬من َقبل أن يح ّ‬ ‫ل به قصاص ساحرة شّريرة‪.‬لكن مازلنا‪ ،‬على الرغم من ذلك‪ ،‬نحلم بتلك ال ُ‬ ‫مآسيها ب ُ‬ .‬‬ ‫وقد استوقفني هذا الخبر‪ ،‬إذ وجدت فيه ُبشرى ُ‬ ‫لمتنا‪ ،‬المقبلة حتما ً على أكثر من كارثة‪،‬‬ ‫فل أرى خارج الحرب وسيلة ردع تعيد الزوج العربي إلى صوابه‪ ،‬فيتعّلم الكتفاء بامرأة‬ ‫واحدة‪ ،‬والخلص لها كما أننا نحتاج إلى كارثة قومية شاملة قدر المكان‪ ،‬كي تنهار إثرها‪،‬‬ ‫بمعجزة‪ ،‬بورصة المهر التعجيزي‪ ،‬وترتفع أسهم الزواج لدى شبابنا‪ ،‬عسى أن يفتحها الّله‬ ‫في وجوه مليين العوانس من بناتنا في العالم العربي‪.‬‬ ‫ملنا الحرب القادمة من هذه الزاوية‪ ،‬ندرك أنها سُتحسم في "السّرة" وليس في‬ ‫وعند تأ ّ‬ ‫أروقة المم المتحدة‪ ،‬أو في مكاتب البنتاغون‪ ،‬وإن كنا سنخسر فيها ثرواتنا وما بقي من‬ ‫ن كانت ا ُ‬ ‫لسرة العربية ستخرج سالمة ومنتصرة وهنا تكمن حكمة‬ ‫أوطاننا‪ ،‬فل بأس إ ْ‬ ‫ُ‬ ‫م ال َْ‬ ‫معارك"‪ ،‬بينما‬ ‫أ‬ ‫"فياغرا‬ ‫لنتاج‬ ‫ورة‬ ‫متط‬ ‫أبحاث‬ ‫في‬ ‫سنوات‬ ‫منذ‬ ‫منهمكين‬ ‫ّ‬ ‫العراقيين‪ ،‬ال ْ ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫منوي وقد تم‬ ‫يعتقد الميركيون‪ ،‬عن غباء‪ ،‬أنهم منشغلون بتطوير سلحهم النووي ل ال َ‬ ‫العلن منذ أشهر‪ ،‬بعناوين كبرى في الصحف العراقية‪ ،‬عن إنتاج "فياغرا أ ُ‬ ‫م المعارك"‬ ‫ّ‬ ‫بخبرات محلية في مختبرات عراقية وكان في الضجة التي صحبت هذا الختراع تصّرف‬ ‫مشهرة في وجه‬ ‫استراتيجي غبي‪ ،‬بعد أن بدت الفياغرا جزءا ً من أسلحة الدمار الشامل ال ْ ُ‬ ‫مهلكة‪.‬‬ ‫حسمت‬ ‫خرافات‬ ‫من‬ ‫الطفولة‬ ‫قصص‬ ‫في‬ ‫قرأه‬ ‫ما‬ ‫اليوم‪،‬‬ ‫دق‬ ‫يص‬ ‫ُ‬ ‫من ُ ّ‬ ‫ل أعتقد أ ّ‬ ‫ن بيننا َ‬ ‫قبلة إّياها‪ .‬ننتظرها من دون‬ ‫قبلة‪ .‬‬ ‫أميركا‪ ،‬ما قد يستدعي عودة فريق المفتشين‪ ،‬وتعّرض العراق لحرب ُ‬ ‫وليس في وسعنا‪ ،‬والحرب آتيــة ل ريـب فيها‪ ،‬إل أن نصّلي كي ُتمهلنا قلي ً‬ ‫ل‪ ،‬حتى يستطيع‬ ‫ُ‬ ‫م المعارك‪ ،‬أو‬ ‫سبا ً ل ّ‬ ‫إخواننا في العراق التهام ما أنتجوا من تلك الحّبة الزرقاء اللعينة‪ ،‬تح ّ‬ ‫بالحرى ل ُ ُ‬ ‫مهــا!‬ ‫ّ‬ ‫مأ ّ‬ ‫ُ‬ ‫قبلتي المهّربة على يده‬ ‫سَبات دام دهرًا‪ ،‬لحظة‬ ‫أعــود لل ُ‬ ‫قَبل‪ ،‬ل السحرية التي ُتوقظ حسناء نائمة في غابة من ُ‬ ‫يضع أمير يعبر الغابة‪ ،‬شفتيه على شفتيها‪ .

‬فليس ث ّ‬ ‫قل لي‪ .‬فهاري غرانت رمز الوسامة الرجالية وسّيد الدوار العاطفية‪ ،‬كان في الواقع‬ ‫ثقاب ُ‬ ‫موها إلى‬ ‫ض‬ ‫من‬ ‫شهادة‬ ‫حسب‬ ‫كانت‬ ‫الشقراء‪،‬‬ ‫القنبلة‬ ‫مونرو‬ ‫ومارلين‬ ‫النساء‪.‬حملتها بيدي طوال الرحلة‪ ،‬خوفا ً عليها‪ .‬تنّبهت‬ ‫أشياء جميلة بهذه اليد‪ ...‬أليس هو القائل‪" :‬غّنيت النساء حتى‬ ‫ت شيخا ً من شيوخ ال ّ‬ ‫صوفّية‪ ،‬وصار قلبي ملجأ ً لطالبات العشق والحياة‬ ‫صر ُ‬ ‫طرق ال ّ‬ ‫والحّرية؟"‪ .‬ماذا تشرب?‬ .‬وعلى الرغم من كونه لم يعرض سوى ما تعرضه أميركا اليوم من خدمات‪ ،‬بل‬ ‫حورب من الذين انقلبوا اليوم على‬ ‫وتأمر به من حقوق وحريات للمرأة‪ ،‬فقد ُ‬ ‫هوجم و ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أنفسهم وتقّبلوا هذا "المر" الواقع‪ ،‬عندما َ‬ ‫دا أمرا أميركيا‪ ،‬يدخل ضمن موسم الهجرة‬ ‫غــ َ‬ ‫إلى الديمقراطية الجبارية‪.‬‬ ‫هذا الصيف‪ ،‬أحضرت معي إلى "كــان" نسخة رخامية ُ‬ ‫كانت أختي صوفيا )خّريجة الفنون الجميلة(‪ ،‬قد أهدتني إّياها‪ ،‬بعد زيارتها إيطاليا منذ‬ ‫سنوات‪ ..‬لم يكن على ذوق‬ ‫وعلى ِذكر أميركا‪ ،‬فتمثال "ال ُ‬ ‫صصا ً لعمال صاحبه النحات‬ ‫مخ‬ ‫كان‬ ‫معرض‬ ‫وأثناء‬ ‫عشر‪..‬أما وودي آلن الذي ُيوحي بمعشر مرح ودافئ‪ ،‬فقد صّرحت زميلته‪،‬‬ ‫جليديتين ُ‬ ‫ً‬ ‫ن معانقته في السينما كمعانقة حائط برلين‪.‬‬ ‫الميركيين في القرن التاسع‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫الفرنسي رودان‪ ،‬تم وضع التمثال الضخم في قاعة منفصلة لمنع الجمهور من زيارته‪،‬‬ ‫قبل‪.‬وعندما حاولت ُ‬ ‫سحب يده‪ .‬‬ ‫اكتشفنا بعد ذلك أن ك ّ‬ ‫ل الحرائق‪ ،‬التي أشعلتها هوليوود كانت‪ ،‬بحطب مغشوش وأعواد‬ ‫مبّللة‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫دعه في‬ ‫مة أجمل من ُقبلة مهّربة؟ أذكر أن نزار قباني في آخر مّرة‪ ،‬حضرت لو ّ‬ ‫هل ث ّ‬ ‫منزله في بيروت‪ ،‬قبل مغادرته إلى لندن ساعتها‪ ،‬بدا لي كئيبا ً وهو ُيضّيفني من بّراده‬ ‫كوب عصير‪ ،‬وشوكولتة كانت على طاولته‪ .‬عادت له العافية‪ ،‬وابتسم وهو يتأ ّ‬ ‫ح حمرتي‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫معتذرة‪،‬‬ ‫ْ َ‬ ‫لحظتها إلى أنني تركت آثار أحمر شفاهي عليها‪ .‬ما كانت أميركا قد ُوجدت َبع ُ‬ ‫ثغرك المتب ّ‬ ‫د‪ .‬أم تهريبها؟ على‬ ‫شاق‪ ،‬إن كان الجمل التصريح ب ُ‬ ‫ن العرب ل ُيهّربون المتفجرات‬ ‫القل لقناع البوليس البريطاني‪ ،‬عندما يعثر عليها‪ ،‬بأ ّ‬ ‫قبل ومناشير الحّرية‪ ،‬ويعلن نفسه شيخا ً من شيوخ‬ ‫والقنابل فحسب‪ .‬بعضهم يهّرب ال ُ‬ ‫الحب قبل مجيء زمن السّيافين وشيوخ الموت‪ .‬فقد كان الكاوبوي‪ ،‬وهو يطارد المطلوبين للعدالة‪ ،‬أو ُيبيد الهنود الحمر‪،‬‬ ‫يسرق بين منازلتين وجثتين ُقبلة شرهة من غانية صادفها في )بـــار(‪.‬ثم نضجت شفاهها على يد هوليوود في‬ ‫الخمسينات‪ .‬‬ ‫قبلة"‪ ،‬أحد أشهر العمال العالمية‪ .‬وعندما أصبح صهيل أحزانه أكبر من أن ل‬ ‫أسمعه‪ ،‬أخذت يده اليمنى ووضعت عليها قبلة تحريضية على الفرح‪ ،‬ووشوشته "ستكتب‬ ‫مل يده‪ .‬لقد اكتشفت ف ّ‬ ‫القرن الماضي‪ ،‬أيام السينما الصامتة‪ .‬‬ ‫بحجة أن التمثال واقعي أكثر من اللزم! ول لوم على الميركان‪ ،‬إن هم قاطعوا ال ُ‬ ‫فعندما كان "عنترنا" ُينشد في ساحة الوغى "وددت تقبيل السيوف لنها‪ .‬واحتفظت بها في صالوني في برمانا بتواطؤ بطلي خالد بن طوبال مع تمثال‬ ‫فينوس‪ .‬‬ ‫يحب‬ ‫شاذا ً ل ُ‬ ‫ّ‬ ‫مكرهين في مشهد سينمائي‪ ،‬امرأة من سللة السكيمو بشفتين‬ ‫صدورهم‪ ،‬أو قّبلوها ُ‬ ‫محرقتين‪ .‫أن نعترف بذلك‪ ،‬مراهنين على معجزتها وبركاتها‪.‬وعّلق بين المزاح والجد ّ "ل تمسحي قبلتك ُأريد أن ُأصّرح بها لرجال‬ ‫الجمارك"‪ .‬‬ ‫مصّغرة من ُقبلة رودان الشهيرة‪.‬وكنت أبتسم والعاشقان الرخاميان‬ ‫صص رجال الجمارك أو دهشتهم‪،‬‬ ‫يعبران متعانقين ممرات الشعة الكاشفة‪ ،‬غير آبهين بتل ّ‬ ‫وهم يعثرون عليهما مختبئين ملفوفين داخل منشفة‪.‬عدني بذلك!"‪ .‬لم أسأله وهو مفتي الع ّ‬ ‫قبلة‪ .‬لمعت كبارق‬ ‫ن التقبيل في عشرينات‬ ‫سم"‪ .‬ول تتأثروا بما تشاهدونه من ُقبل محمومة في الفلم الهوليوودية‪ .‬‬ ‫الممثلة هيلينا كارتر مؤخرا‪ ،‬بأ ّ‬ ‫قبل‬ ‫دقوا ما تقرأونه من خرافات حول تلك ال ُ‬ ‫تص‬ ‫ل‬ ‫قبل‪،‬‬ ‫ص ال ُ‬ ‫ال ُ‬ ‫ّ‬ ‫خلصــــة‪ ،‬في ما يخ ّ‬ ‫السحرية‪ .‬ل تحتكموا‬ ‫مة من ُقبل بالوكالة!‬ ‫لغير شفاهكم‪ .

5‬لتر(‪ ،‬والمشابهة تماما ً لقنينة "كوكاكول" الصلية‪ ،‬عبارة "اشرب ملتزمــــا"‪،‬‬ ‫معلنا ً‬ ‫بل وذهب حتى إعلن تخصيص نسبة من ريـــع المبيعات‪ ،‬لدعم القضية الفلسطينية‪ُ ،‬‬ ‫ً‬ ‫ذلك على كل قنينة‪ ،‬من خلل ملصق أخضر تحت شعار‪" :‬ل تكن أحمق واشرب ملتزما"‪،‬‬ ‫دور النشر الفرنسية‪ ،‬كل صيف‪،‬‬ ‫الذي استوحاه من شعار مشهور‪ ،‬دأبــت على رفعه ُ‬ ‫مروا جلودهم بغباء‪ ،‬وأن يستفيدوا من وجودهم على‬ ‫لتحث الناس على أن ل يس ّ‬ ‫الشواطئ‪ .‬اطمئنـــوا‪ ..‬ولبأس أن تتوافق مع مصالحها‪ ..‬واختار مثلوثي أّول يوم في شهر‬ ‫رمضان‪ ،‬لُينزل مشروبه إلى السواق الفرنسية‪.‬كوكاكول ُتف ّ‬ ‫كر فيكم"‪ ،‬وعلى يساره صورة كبيرة لزجاجة كول‪ ،‬كتب‬ ‫ش كرة القدم‪ .‬اشرب كوكاكول"‪.‬فهذا الرجل الواقعي‬ ‫والعملي‪ ،‬سبق له أن استفاد من عمله‪ ،‬كمدير لذاعة المتوسط‪ ،‬التي تتوجه إلى‬ ‫المغتربين‪ ،‬ليجمع ‪ 300‬ألف يورو‪ ،‬من خلل "راديو تون"‪ ،‬دام ‪ 16‬ساعة‪ ،‬في حملة‬ ‫لمساندة الفلسطينيين‪.‬فقد صّرح‬ ‫ول أن يدعــــو إلى ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لجريدة "الفيغارو"‪ ،‬شارحا إطلقه شراب "مكة كول" قائل‪" :‬ل يمكن المضي ُقدمــا في‬ ‫مقاطعة المنتجات الميركية والصهيونية‪ ،‬دون العثور على بدائل لها"‪ .‬‬ ‫وقد وُِلدت لديه الفكرة من مشروب "زمزم كول" إيراني الصنع‪ ،‬وهي مياه غازية بلغت‬ ‫صادراتها ‪ 10‬مليين زجاجة في الشهر الربعة ا ُ‬ ‫لولى‪.‬‬ ‫ولقد شغلت ظاهرة "م ّ‬ ‫كة كول"‪ ،‬الصحافة الفرنسية‪ ،‬والقنوات التلفزيونية‪ ،‬ومعها خبراء‬ ‫ّ‬ ‫قضايا الستهلك‪ ،‬الذين فاجأتهم المنافسة الحقيقّية‪ ،‬التي شكلها لدى الجالية العربية‬ ‫ن‬ ‫والسلمية‪ ،‬هذا المشروب "المعارض"‪ ،‬في سابقة جديدة ل عهد لهم بها‪ ،‬خاصة أ ّ‬ ‫ت من رجل أعمال‪ ،‬قصد تحقيق صفقة تجارية‪ ،‬تستثمر مرارة المغتربين‬ ‫المبادرة لم تأ ِ‬ ‫العرب‪ ،‬ورغبتهم في إشهار انتمائهم إلى السلم‪ ،‬ووقوفهم ضــد ّ المذابح‪ ،‬التي يتعرض لها‬ ‫الفلسطينيون‪ ،‬بل جاءت من صحافي‪ ،‬قّرر أن ل يكتفي بمساندة الفلسطينيين بالمقالت‪،‬‬ ‫مقاطعة اقتصادية‪ ،‬ل تقوم على منطق احتياجات السوق‪ .‬‬ .‬فقد تفتح حينئذ في‬ ‫قل دون تأشيرة‪ ،‬على ِغــرار البضائع‬ ‫وجوهنا الحدود المغاربية‪ ،‬ويكون لنا حقّ التن ّ‬ ‫الميركية‪..‬‬ ‫عليها‪ِ " :‬‬ ‫ع ْ‬ ‫مري من العلن‪ ،‬قال يومها ما أقنعني بالنخراط في حزب‬ ‫أخـي الذي لحظ تذ ّ‬ ‫ْ‬ ‫مسّيس أكثر مني‪ ،‬أننا نحتاج إلى هذا المشروب‬ ‫"الكوكاكول"‪ ،‬بعد أن شرح لي‪ ،‬وهو ال ُ‬ ‫لتحقيق أحلمنا المغاربية‪ ،‬بعد أن أصبحت الوحدة المغاربية مطلبا ً من مطالب الشركات‬ ‫الكبرى‪ ،‬التي أفقدتها خلفاتنا الغبّية صبرهــا‪ ،‬وأضّرت بمكاسبها‪ ..‬‬ ‫وبرغم الجواء المعادية للعرب والمسلمين‪ ،‬فقد نجح المثلوثي‪ ،‬في أن يضع على القنينة‬ ‫ً‬ ‫العملقة )‪ 1.‬هي ُتريدنــا سوقا ً‬ ‫حدة من مئة وثلثين مليون مستهلك‪ ،‬تتقاسم في ما بينها أفواههم وبطونهم‪،‬‬ ‫مغاربّية مو ّ‬ ‫وأقدامهم وملبسهم وعيونهم وآذانهم‪ ..‬للمطالعـــة‪...‬احلــم كرة القدم‪ .‫أزعجني أن تتسبب المشروبات الميركية في انشقاق سياسي بين أفراد عائلتنا الصغيرة‪،‬‬ ‫دعاتها‪ ،‬والمفكرين في‬ ‫بعد أن أشهر أخي في الجزائر ولءه لحزب "الكوكاكول"‪ ،‬وغدا من ُ‬ ‫بركاتها على المغرب العربي‪ ،‬بينما انحاز أخي ياسين‪ ،‬المقيم في باريس‪ ،‬إلى مشروب‬ ‫"م ّ‬ ‫كة كول"‪ ،‬ومل به بّراده‪ ،‬مجبرا ً صغاره على أن ل يشربوا إل ّ منه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫"ومكة كول" صنف جديد من المرطبات‪ ،‬رصد صاحبه الفرنسي توفيق مثلوثي‪ ،‬تونسي‬ ‫الصل‪ 10% ،‬من أرباحه لمصلحة أطفال فلسطين‪ .‬‬ ‫وقد ذ ّ‬ ‫كرني المر بإعلن في الصحافة الجزائرية‪ ،‬استوقفني أثناء زيارتي سنة ‪1998‬م إلى‬ ‫الجزائر‪ ،‬وكان يشَغل صفحة كاملة‪ ،‬جـــاء فيها‪ ،‬بمناسبة كأس العالم‪" :‬ستكون الليالي‬ ‫ُ‬ ‫طويلــة‪ .

‬‬ ‫أقرب‬ ‫إلى‬ ‫"نايك"‪،‬‬ ‫أحذية‬ ‫واصطحاب أولده‪ ،‬وهم ينتعلون‬ ‫ّ‬ ‫في مشروع الوحدة المغاربية؟‬ ‫أما أنا‪ ،‬فمازلت في حيــرة من أمــري‪ :‬أأشــــرب "الكوكاكول"‪ ،‬كي تتحقق الوحـــدة‬ ‫المغاربيــة‪ ،‬أم أشرب "م ّ‬ ‫كـة كول"‪ ،‬لدعـم النتفاضة الفلسطينية؟‬ ‫أجيبونــي‪.‬‬ ‫م ّ‬ ‫ن ويــلت جبــران‪ ،‬لم تقض مضجعي‪ ،‬في زمن الطهارة الميركية‪ ،‬والنوايــــا‬ ‫غيــر أ ّ‬ ‫الحسنة لكبرى الشركات العالمية‪ ،‬كيف ل ننام مطمنين وكوكاكول‪ ،‬بطيبة ا ُ‬ ‫لم تريـــزا‪،‬‬ ‫ُتف ّ‬ ‫ديس "ماكدونالد" يدعــو لنا مع ك ّ‬ ‫ل همبورغر بالخير‪ ،‬وجمعيهم ساهرون‬ ‫كر فينــا‪ ،‬والق ّ‬ ‫على تحقيق وحدة‪ ،‬فشلنا في تحقيقها حتى الن‪ ،‬ما دعــا المناضل التونسي‪ ،‬حسني‬ ‫النوري‪ ،‬أحد القوميين المخضرمين‪ ،‬إلى تقديم أربع شكاوى ضد أربعة من زعماء المغرب‬ ‫العربي‪ ،‬اّتهمهم فيها بالعجــز عن تحقيق حلــم الجماهير المغاربية ببناء اّتحـاد مغاربي‬ ‫فّعال وقوي‪ ،‬وعدم تطبيق ما جاء في ميثاق اتحاد المغرب العربي‪ ،‬خاصة ما يتعلق بحّرية‬ ‫قـل بين الوطان الخمسة؟‬ ‫التن ّ‬ ‫ً‬ ‫فل‪ ،‬لو اكتفى يوميا بشرب كمّيات كبيرة من الكوكاكول‪،‬‬ ‫أما كان أنفع لهذا المناضل المغ ّ‬ ‫جـل بذلك‬ ‫يع‬ ‫عساه‬ ‫"ماكدونالد"‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫عروبــة سابقـــة"‪.‫حضرنـي يومها قول جبـــران "وي ٌ ُ‬ ‫ما ل تزرع‪ ،‬وتشرب‬ ‫ما ل ُتنتج‪ ،‬وتأكل م ّ‬ ‫مــة تلبس م ّ‬ ‫لل ّ‬ ‫ما ل تعصر"‪.‬‬ ‫الحائــرة‪ :‬أختكــم فـي ُ‬ ‫كرامة الببغاء‬ ‫ن احتراما ً خاصا ً للببغاوات‪ ،‬التي عكس المشاع عنها‪ ،‬تكمن كرامتها في رفضها أن تكون‬ ‫أك ّ‬ ‫قنها ما تريد من كلم لتسلية صغارك أو إبهار ضيوفك أو إرضاء غرورك• فهي‬ ‫"ببغاء"‪ ،‬تل ّ‬ ‫سيك إل ّ إن شاءت ذلك• ول تتوّقع منها أن تناديك مثل ً "سيادة الرئيس‬ ‫تم‬ ‫ولن‬ ‫لن تصّبحك‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جادا من النياشين‪ ،‬لنها ل‬ ‫دى "حفظه الله"‪ ،‬حتى وإن كنت تعلق على صدرك س ّ‬ ‫القائد المف ّ‬ ‫تحفظ غير المختصر المفيد‪ ،‬الذي يقتصر غالبا ً على مفردات الشتائم•‬ ‫وأثناء قيامه مؤخرا ً بجولة في الخليج‪ ،‬تسّنى لقائد ا ُ‬ ‫لسطول البريطاني أن يختبر على‬ ‫حسابه سلطة لسان ببغاء كان من المفروض أن يكون أكثر تأدبًا‪ ،‬بحكم وجوده على ظهر‬ ‫ا ُ‬ ‫حارة قد أخرجوه من القفص الذي‬ ‫لسطول‪ ،‬لعتباره رمز طاقم الفرقاطة• وكان الب ّ‬ ‫يعيش داخله في جناح الضّباط‪ ،‬وأغلقوا عليه في خزانة ريثما ينتهي الميرال من إلقاء‬ ‫كلمته‪ ،‬لعلمهم بلئحة الشتائم والبذاءات التي يحفظها• غير أن الببغاء فاجأ الجميع‬ ‫م الميرال‬ ‫بمقاطعته الميرال بصوت خافت‪ ،‬آتيا ً من الخزانة يقول "سخيف"• وما إن يه ّ‬ ‫م "هــراء"•‬ ‫بمعاودة الحديث حتى يعود الصوت قائل ً "تافــه" ث ّ‬ ‫فوجود الببغاء سجينا ً في خزانة لم يمنعه من إيصال صوته لقائد ا ُ‬ ‫لسطول• ذلك أن الببغاء‬ ‫ب على ثقافتنا النضالية‪ ،‬ل يحتاج إلى شعار "ل صوت يعلو فوق صوت‬ ‫الذي لم يتر ّ‬ ‫من ل صوت لهم"• فهو ظاهرة صوتية في حد ذاته• وهو‬ ‫"صوت‬ ‫يكون‬ ‫المعركة" كي‬ ‫َ‬ ‫عكس الكثيرين من رافعي الشعارات‪ ،‬مستعد للموت من أجل أن يقول كلمته "أو من‬ ‫أجل أل ّ ُيرغم على قولها"‪ ،‬حتى لكأنه القائل "ستموت إن قلتها وستموت إن لم تقل••‬ ‫فقلها ومت"•‬ ‫ولذا• فتاريخ الببغاوات مليء بالمظاليم والضطهادات والجرائم المرتكبة في حق طائر‬ ‫مزاجي يتمّيز بفلتان اللسان‪ ،‬ولم يعتد على طريقة مذيعي أخبارنا التدقيق والتمّعن في ما‬ ‫قن له مسبقا ً على ورق•‬ ‫لُ ّ‬ ‫ً‬ ‫وقد دفع مؤخرا ببغاء في الصين حياته ثمن عدم امتثاله لوامر صاحبه‪ ،‬الذي أمره بنطق‬ ‫عبارتي "صباح الخير" و"إلى اللقاء" كل يوم• وبعد ثمانية أشهر من المحاولة الفاشلة‪ ،‬لم‬ ..

‬ذلك أ ّ‬ ‫ضت به السوق من إناث‪ .‬‬ ‫ع َ‬ ‫الزواج قسمة ونصيب‪ ..‬أو ضفدع‬ ‫ماء‪ ،‬بينما َتقَبع فتياتنا بالمليين في بيوت أهله ّ‬ ‫يتحول‪ ،‬حسب تلك ا ُ‬ ‫لسطورة‪ ،‬بفعل ُقبَلة مسحورة إلى فارس أميــر؟ ‪ 4‬مليين فتاة‬ ‫ّ‬ ‫ن إلى العنوسة‪ ،‬وُثلث فتيات السعودية والجزائر وتونس‪ُ ،‬يعانين‬ ‫طريقه‬ ‫في‬ ‫ن‬ ‫هــ‬ ‫مصرية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جد في معظم الدول العربّية‪ ،‬التي لم تعد تدري‬ ‫ن هذه النسبة ُتو َ‬ ‫نأ ّ‬ ‫المشكلة إّياها‪ ،‬وأظ ّ‬ ‫ن‪ ،‬ل‬ ‫ن‪ ،‬وأحيانا ً على َ‬ ‫ج َ‬ ‫ن وثرائه ّ‬ ‫ماله ّ‬ ‫فيها العائلت ماذا تفعل ببناتها اللئي‪ ،‬على ثقافته ّ‬ ‫ن إل ّ اّتباع تقاليد بعض الوليات الهندّيــة‪ ،‬حيث‬ ‫يجدن عريسا ً مناسبًا‪ .‬العجيب أ ّ‬ ‫ق َ‬ ‫والزوجة البالغة ‪ 65‬عامًا‪ ،‬و ّ‬ ‫سم زوجها‪ ،‬ولم تتبادل معه كلمة واحدة طوال هذه‬ ‫َ‬ ‫ق‬ ‫ب‬ ‫فــت‬ ‫َ‬ .‬الهل لجأوا إلى هذا الحل بسبب ارتفاع قيمة مهور الرجال‪،‬‬ ‫ل أنحاء العالم َ‬ ‫ن الرجال في ك ّ‬ ‫غـــل‬ ‫وليس الفتيات‪ ،‬حسب تقاليد الهندوس‪ .‬السابع‪ ..‫يتماسك الشاب أمام عناد الببغاء‪ ،‬فأهانه ووصفه بالحمق• فما كان من الببغاء إل أن كّرر‬ ‫هذه الكلمة• فاستشاط الرجل غضبا ً وقتله•‬ ‫وقد أعاد هذا الخبر إلى ذهني قصة مؤثرة وطريفة تعود لشبابي‪ ،‬يوم كنا نسكن فيلل‬ ‫ملصقة حديقتها لحديقة جارٍ ضابط كان له ببغاء• ولن الجميع كان ل ينفك يناديني‪ ،‬فقد‬ ‫حفظ الببغاء اسمي‪ ،‬وأصبح‪ ،‬ما إن يستيقظ فجرا ً على عادة الطيور‪ ،‬حتى يبدأ في التصفير‬ ‫ي•‬ ‫مناديا ً "أحلم•• أحلم"‪ ،‬فتستيقظ جدتي غاضبة واثقة من أن ابن الجيران ينادي عل ّ‬ ‫دقة براءتي‪ ،‬حتى اليوم الذي فاجأنا الببغاء ونحن‬ ‫وحدث أن ضربتني ووّبختني غير مص ّ‬ ‫ّ‬ ‫فرا ً ومناديا ً باسمي• و تحلق حوله الكبار والصغار‪ ،‬وحاول ك ّ‬ ‫ل واحد تلقينه‬ ‫مجتمعون مص ّ‬ ‫ً‬ ‫مطاردة له ازداد الببغاء رفضا ً لترديد ما ُيطلب منه•‬ ‫و‬ ‫ا‬ ‫إلحاح‬ ‫الطفال‬ ‫ازداد‬ ‫اسمه‪ ،‬وكّلما‬ ‫ُ‬ ‫وكانت الصدمة عندما استيقظنا بعد يومين لنجد الببغاء قد انتحر بغرس مخالبه في عنقه•‬ ‫من يومها وأنا أتعاطف مع الببغاء‪ ،‬ليس فحسب لنه أول كائن انتحر بسببي‪ ،‬بل لنني مع‬ ‫العمر آمنت بكرامة الببغاء الذي ل يعرف "تبييض الكلم" و"ل غسل القوال" ول يهتف‬ ‫مناضل يموت بسبب كلمــة‪ ،‬تاركا ً لنا‬ ‫"عاشت السامي"‪ ،‬ومن دون أن ي ّ‬ ‫دعي أنه مثقف أو ُ‬ ‫دور الببغاء‬ ‫ك ّ‬ ‫وانس‬ ‫ل العرائس‪َ ..‬ولكي أرفع معنويات هذا الك ّ‬ ‫ن عَ َ‬ ‫سيك ّ‬ ‫حسدهن لنا‪ ،‬نحن "المتزوجات"‪ُ ،‬‬ ‫ن نصفنا يعشن مع رجال متزّوجين في النهار‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫أطمئنه‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ما الوفيــاء‬ ‫من وظائفهم ومشاغلهم‪ ،‬وفي المساء من أصدقائهم‪ .‬انطلق موكبه البهيج من بركة‬ ‫ن في انتظار عريس ل يأتي‪ .‬وإذا‬ ‫حكم ما َفا َ‬ ‫سعرهم‪ ،‬وزاد دللهم‪ ،‬وتضاعفت شروطهم‪ ،‬ب ُ‬ ‫كانت اثنتان من ك ّ‬ ‫ن‪ ،‬وهو أمٌر‪ ،‬حسب‬ ‫بمفرده‬ ‫وينمن‬ ‫يعشن‬ ‫ل خمس نساء في فرنسا‬ ‫ّ‬ ‫الصديق "زوربـــــا"‪ ،‬فيه إهانة لك ّ‬ ‫ن مسؤولية الرجال في‬ ‫ل رجال الرض وعـــار عليهم‪ ،‬فإ ّ‬ ‫أوروبا ستزداد في السنوات المقبلة‪ ،‬وكذلك عار ل مبالتهم تجاه ‪ 38‬في المئة من نساء‬ ‫ن الثلثين‪ ،‬ول رجل في حياتهن‪ .‬حتى إننا قرأنا مؤ ّ‬ ‫طلق ال ّ‬ ‫طلق اللغو ّ‬ ‫سـريـر ّ‬ ‫طلق العاطف ّ‬ ‫ُ‬ ‫عجيبًا‪ ،‬عن زوج برازيلي أقسم على عدم مخاطبة زوجته إلى البد‪ ،‬بعدما ش ّ‬ ‫ك في أبوته‬ ‫سم يعود إلى خمسة وثلثين عاما ً بالضبط‪،‬‬ ‫ن هذا ال َ‬ ‫لمولودهما‪ .‬أو من التلفزيون‪ .‬وتؤكد الحصاءات ارتفاع هذه النسبة ارتفاعا ً‬ ‫تجاوزن س ّ‬ ‫مخيفا ً بحلول القرن المقبل‪ ،‬إذ ُتب ّ‬ ‫شرنا التنبؤات بأن أكثر من نصف النساء الوروبيات‬ ‫فف من‬ ‫م الهائل من النــاث الوحيدات‪ ،‬وُأخ ّ‬ ‫وانس‪ ..‬أ ّ‬ ‫ن بين المتزّوجات أيضا ً نساء ُيعانين‬ ‫فيكتفون بإقامة علقة مشبوهة مع "النترنت"‪ ،‬أي أ ّ‬ ‫خــرًا‪ ،‬خبرا ً‬ ‫ّ‬ ‫ي‪ ،‬أو ال ّ‬ ‫ي‪ ،‬أو ال ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫ي‪ .‬وقد ل يبقى أمام أهله ّ‬ ‫عندما يبدأ موسم الزواج في يوليو )تموز(‪ ،‬تستأجر العائلت عصابات إجرامية لختطاف‬ ‫العريس المناسب‪ ،‬والمجيء به تحت التهديد‪ ،‬لتزويجه بابنتها‪ ،‬بمباركة كاهن يجعل من هذا‬ ‫الزواج عقدا ً غير قابل لللغاء‪ .‬وإ ّ‬ ‫ف‬ ‫ل‪ ،‬كيف تحتفل قرية هندّية بزواج ضفدعين عملقين‪ ،‬وتز ّ‬ ‫الضفدعة المحظوظة إلى عريسها الضفدع الفحل في زيّ أحمر بـّراق‪ ،‬بمباركة القساوسة‬ ‫الهندوسيين‪ ،‬وسط حفل موسيقي حضره مئات الشخاص‪ .

‬أرسل به زوج‬ ‫مرضى "النترنت"‪ ،‬فحتى خبر طلقه ّ‬ ‫من لم يتزّوجن بعد لبؤسنا‪ .‬وهكـــذا‪ ،‬بفضل المؤسسة‬ ‫ال ّ‬ ‫الزوجية‪ ،‬أصبح في إمكان النسان أن ُيفاخر بأنه يتمّيز عن الحيوان بكونه الكائن الوحيد‬ ‫الذي في مقدوره التناسل‪ ،‬من دون أن يتبادل كلمة واحدة مع شريكه أو يقوم بجهد‬ ‫مل ّ‬ ‫مغازَلة التي تأخذ طقوسها عند بعض الحيوانات‪ ،‬ساعات بأكملها‪ .‬‬ ‫ن في الواقع‪ .‫دث إليه نيابة عنها‪ ...‬الزوجة التي كانت بدءا ً‬ ‫العوام‪ ،‬تاركة لطفالها وأحفادها مهمة التح ّ‬ ‫ً‬ ‫صـراخ‪ ،‬تأقلمت تدريجيا مع وضعها الجديد‪ ،‬ودخلت في طور‬ ‫عصبّية المزاج‪ ،‬ودائمة ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫دية‪ ،‬بأنه على الرغم من طول فترة‬ ‫الج‬ ‫من‬ ‫بكثير‬ ‫رح‬ ‫فص‬ ‫لها‪،‬‬ ‫ما بع‬ ‫ّ‬ ‫ي"‪ .‬وقد ُأضيف‬ ‫طفة وال ْ ُ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ن زوجة‬ ‫صمت التقليدي للزواج‪ ،‬إنهماكهم الجديد في متابعة الفضائيات‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫إلى ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما المتزوجات من‬ ‫أ‬ ‫التلفزيون‪.‬‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫يعاشر‬ ‫ل‬ ‫زوجها‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫طلق‪،‬‬ ‫ال‬ ‫المحكمة‬ ‫من‬ ‫طلبت‬ ‫مصرية‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن يقرأنه في بريد إلكتروني عاجل‪ .‬أ ّ‬ ‫"ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫صمت الزوج ّ‬ ‫صمت بينهما‪ ،‬فقد استطاع أن ينجب منها خمسة أطفال‪ ..‬فمعظم‬ ‫ن‬ ‫ن‬ ‫فليطمئ‬ ‫"مش فاضي للكلم مع حرمة"•‬ ‫َ ّ َ‬ ‫وانس أنجبن أولدا‪ً.‬قطف سيفك بهجتها‬ ‫رجل لم يدرِ كيف يرد ّ‬ ‫على ُقبلة‬ ‫تركها أحمر شفاهي‬ ‫على مرآتـــه‬ ‫فكتب بشفرة الحلقــة‬ ‫على قلبي‪:‬‬ ‫“ُأحّبـــك”‬ ‫***‬ ‫ً‬ ‫حتما•• رحيلك مراوغة‬ ‫على طاولت الكسل الصيفية‬ ‫أنتظرك بفرحتي‬ ‫كباقة لعّباد الشمس‬ ‫في مزهرية‬ ‫لكن•• فراشة الوقت‬ ‫على وشك أن تطير‬ ‫***‬ ‫ل تكن آخر الواصلين‬ ‫أحدهم سيجيء‬ ‫سيجيء ويذهب بي‬ ‫بعد أن يخلع باب‬ ‫انتظاري لك‬ ‫***‬ ‫خطاي ل بوصلة لها سواك‬ ‫ُتكّرر الحماقات إّيـاهــــا‬ ‫تنحرف بين صوبك‬ ‫عائدة إلى جادة الخطأ‬ .‬ع َ َ‬ ‫المتزّوجات هــ ّ‬ ‫كلمات‪ .

‬وذاك الذي‬ ‫ُأحّبه‪ ،‬أقرب من أن أكتب إليه بطاقة‪ ،‬هو يكتبني على مدار العام‪.‬لكأن أصحابها ألصقوا قلوبهم طوابع بريد عليها‪ ،‬أو كأنها‪ ،‬لفرط حمولتها العاطفية‪،‬‬ ‫ت بها منذ شهر على مكتبي‪ ،‬كما‬ ‫معفاة من رسوم النقل البريدي‪ ،‬كتلك التي احتفظ ُ‬ ‫غدت ُ‬ ‫سّلمني إّياها العزيز زاهي وهبي‪ ،‬في مغّلف كبير‪ ،‬يضم ك ّ‬ ‫ل الفاكسات التي وصلتني‪ ،‬يوم‬ .‬‬ ‫وحدهم قرائي يزيدون‪ ،‬في كل عيد‪ ،‬من إحساسي بالذنب‪ ،‬بعدما فاضت بحّبهم رفوف‬ ‫مكتبتي‪ ،‬ووجدتني عاجزة عن الرد على اجتياحهم العاطفي‪ ،‬بما ُيضاهيه سخاء‪ ،‬يشفع لي‬ ‫وع لجمعها(‪ ،‬لم يحدث أن‬ ‫أنني وقد أضعت الكثير من كتاباتي )حتى أصبح البعض يتط ّ‬ ‫أهملت يوما ً رسالة لقارئ‪ .‫ما من عاشق تعّلم من أخطائه‬ ‫***‬ ‫مدماة‬ ‫كلمات‬ ‫ُ‬ ‫قطف سيفك بهجتها‬ ‫مراق‬ ‫لن ترى حبرها ال ْ ُ‬ ‫***‬ ‫غافلة عن خنجرك‬ ‫ينبهني الحبر حينا ً‬ ‫إلى طعنتك‬ ‫سأضع شفاه رجل غيرك‬ ‫شافا ً‬ ‫ورقا ً ن ّ‬ ‫يمتص نزيفي بعدك‬ ‫***‬ ‫كما نحن‬ ‫تش ّ‬ ‫ظى عشقنا السر‬ ‫وانكسر إبريق‬ ‫كنا تدّفقنا فيه‬ ‫منسكبين أحدنا في الخر‬ ‫***‬ ‫ل تدع جثمانك بيني وبينهم‬ ‫ك ّ‬ ‫من صادفني‬ ‫ل َ‬ ‫ّ‬ ‫وقف ُيصلي عليك صلة الغائب‬ ‫ما ظننتني‬ ‫سأنفضح بموتك إلى هذا الحد‬ ‫كمين الورد‬ ‫هذا العام أيضًا‪ ،‬لن ُأرسل بطاقات معايدة إلى أحد‪“ .‬ذلك أنني أقيم مع‬ ‫مغّلفات الرسائل وطوابعها علقة عاطفية‪ ،‬وأحزن عندما يحاول أحدهم أن ُيجّرد مغلفاتي‬ ‫من طوابع بريدها‪ ،‬أو يفتحها ممّزقا ً أطرافها كيفما اتفق‪ .‬ك ّ‬ ‫من أحببتهم سقطوا من القطار”‪،‬‬ ‫ل َ‬ ‫حسب قول أنسي الحاج‪ ،‬وما عاد لهم في القلب من عنوان ُأراسلهم عليه‪ .‬المغّلف قميص حبيب ُأريد أن‬ ‫ن‪ ،‬حسب ما يشي به مزاج المغلف من لهفة‪.‬‬ ‫أفك أزراره وحدي‪ ،‬بسرعة أو بتأ ّ‬ ‫ن أجمل الرسائل‪ ،‬قد تأتيك من دون مغلفات‪ ،‬وأحيانا ً من دون طوابع‬ ‫مؤخرًا‪ ،‬اكتشفت أ ّ‬ ‫بريدية‪ .‬ومازلت منذ ثلثين سنة ُأواظب على ترتيب بريد قرائي‪،‬‬ ‫فات ضخمة‪ ،‬ذات أوراق داخلية شفافة‪ ،‬تسع كل واحدة منها‪ ،‬ما ُيقارب‬ ‫وُأرّقمه في مل ّ‬ ‫ُ‬ ‫الثمانين رسالة‪ ،‬مرئية من الوجهين‪ ،‬مرفوقة أسفل الورقة بمغّلفها‪ .

.‬والصغيرة رندا شهاب )‪ 15‬سنة(‪ ،‬التي أهدتني مع باقة ورد صغيرة‪ ،‬شهادة فوزها‬ ‫في مباراة القصة الوطنية القصيرة‪.‬‬ ‫سّر باقة الورد‪ ،‬التي كان قد أرسلها إلـ ّ‬ ‫والممثل القدير شوقي مّتى‪ ،‬الذي أضعت أخباره منذ سنوات طويلة‪ ،‬وُفوجئت بوروده‬ ‫وببطاقة مؤثرة‪ ،‬ربما تكون تشي بأسباب غيابه‪.‬مجلة نسائية فرنسية َ‬ ‫خ ّ‬ ‫ن المر يعود‪،‬‬ ‫مستنجدة بمحلل نفسي‪ ،‬وجد على طريقة "فرويــد" أ ّ‬ ‫بعض النساء بالحذية‪ُ ،‬‬ ‫حتمًا‪ ،‬لشهوات نسائية مكبوتة‪ ،‬مستندا ً إلى الشكل المستطيل للحذاء)!(‪ .‬وبرغم اعتقادي‬ ..‫استضافِته لي في برنامج “خليك بالبيت”‪ .‬‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬وامتنان العائلت الفلسطينية التي أتك ّ‬ ‫على أي عنوان‪ ،‬غير هذه الصفحة‪ ،‬أرد ّ لجليلة جميلها وثناءها؟ وكيف ُأعايدها في بداية هذه‬ ‫السنة‪ ،‬و ل بريد يصل إليها‪ ،‬ول هاتف غير هاتف القلب‪ ،‬يمكنه عبور “الخطوط الحمراء”‪،‬‬ ‫التي تمنع البريد من اجتياز الحدود بين البلدين؟‬ ‫ومن أين لي بمئة رسالة‪ ،‬لشكر أعضاء هيئة مكتب الجالية الجزائرية في لبنان‪ ،‬الذين‬ ‫ي سّلة من مئة وردة‪ ،‬أصّر العضاء الخمسة على المشاركة الرمزية في تأمين‬ ‫أرسلوا إلـ ّ‬ ‫م هناك سّلة ورد من‬ ‫ث‬ ‫الجزائر؟‬ ‫اسم‬ ‫يحمل‬ ‫عليها‪،‬‬ ‫البيض‬ ‫الساتان‬ ‫من‬ ‫شريط‬ ‫ووضع‬ ‫ثمنها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫“رابطة خّريجي الجامعات والمعاهد الجزائرية في لبنان”‪ ،‬وهم أكثر من ثلثة آلف لبناني‪،‬‬ ‫جّلهم من الطباء الذين درسوا في الجزائر وعلى حسابها‪ ،‬أيام الحرب اللبنانية‪ ،‬ومازالوا‬ ‫ُ‬ ‫يكنون للجزائر كل الحب‪ .‬وهؤلء وحدهم ل أشعر تجاههم بالذنب‪ ،‬ل لنهم كانوا مواطنين‬ ‫جزائريين‪ ،‬بحقوق كاملة في الجزائر فحسب‪ ،‬وإنما لن معظمهم عاد إلى لبنان بـ”وردة”‬ ‫من بستان الجزائر‪.‬‬ ‫در الورود الذبول‪ ،‬لم يبقَ من كمائن الورد‪ ،‬التي نصبها لي الحّبة في ذلك البرنامج‪،‬‬ ‫ن قَ َ‬ ‫ول ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي مشكورًا‪ ،‬القارئ رضوان‬ ‫إلـ‬ ‫أرسلها‬ ‫الزاهية‪،‬‬ ‫الورود‬ ‫من‬ ‫لل‬ ‫بش‬ ‫مغطاة‬ ‫ية‬ ‫شمس‬ ‫سوى‬ ‫ّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫غندور‪ ،‬تحسبا ً ُ‬ ‫لمسية ممطــــرة‪.‬‬ ‫وصديق الكلمات الجميلة ربيع فّران‪ ،‬الذي صادفته‪ ،‬قبل ذهابي إلى الستديو‪ ،‬وأخفى عني‬ ‫ي‪.‬‬ ‫ول أنسى العزيز طــــلل طعمـــة‪ ،‬الذي جاءت سّلـة وروده‪ ،‬لُتذ ّ‬ ‫مة زهورا ً ل‬ ‫كرني بأ ّ‬ ‫نث ّ‬ ‫تذبل‪ ،‬لنها تتفّتح ُأسبوعيا ً في “زهرة الخليج”‪.‬كحذاء‬ ‫عـــاد الصيف‪ ،‬ومعه ذلك الهوس النسائي بالحذية النيقة العارية‪ ،‬والقدام الجميلة التي‬ ‫صصت ملفا ً لولع‬ ‫تمشي على الصفيح الساخن للرغبات الصيفية‪ .‬إل ّ‬ ‫الكتابة‪.‬ومعها تلك البطاقات التي وصلت‪ ،‬مرفوقة‬ ‫بثماني باقات وسلل ورد‪ ،‬بعضها لم يكن لصحابها حق اختيار ورودها‪ ،‬ول حتى فرحة‬ ‫رؤيتها على الشاشة في لقطة منفردة‪ ،‬بعد أن قضى‪ ،‬مثل الصديقة القارئة جليلة الجشي‪،‬‬ ‫من رام الّله‪ ،‬أياما ً في التصال بالقارب في لبنان‪ ،‬لتأمين سّلة ورد أصّرت على أن تكون‬ ‫مة الشعب‬ ‫كبيرة‪ ،‬ومن أشهر محال الورود‪ ،‬ل لتليق بي وحسب‪ ،‬وإنما لتليق بعا ّ‬ ‫فل بها‪.‬‬ ‫كن فصيحًا‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫بقـي أيضا ً بطاقات وفاكسات على مكتبي‪ ،‬وسلل ورد فارغة‪ ،‬في ُركن من شرفتي‪،‬‬ ‫ُأحاول في هذه الصفحة أن أملها بـورد المتنــان البــدي‪ ،‬الذي ل تنقذه من الذبول‪ .‬‬ ‫وهناك ماري عيراني‪ ،‬القارئة الصديقة‪ ،‬المقيمة في أفريقيا‪ ،‬التي ل أنسى أنها كانت‬ ‫ي باقة ورد في أول لقاء لي مع زاهي وهبي‪ ،‬وعادت بعدما‬ ‫الوحيدة‪ ،‬التي أرسلت إلـ ّ‬ ‫ي باقة على البرنامج نفسه‪ ،‬مرفوقة بهاتف غربتها‬ ‫ضّيعُتها خمس سنوات‪ ،‬لُترسل إلـ ّ‬ ‫الجديدة‪ ..

‬و"ما"‬ ‫مناصرو حرية الحيوان في ُ‬ ‫يشاء‪ ،‬وُيحاكمني أتباع بريجيت باردو‪ ،‬و ُ‬ ‫ُ‬ ‫ضح لهؤلء وُأولئك‪ ،‬أنني على علقة طيبة مع الضفادع‪ ،‬حتى إنني لم أقبل يوما ً‬ ‫يشاء‪ ،‬أو ّ‬ ‫ق‪..‬وانطلقا ً من هذا المنطق ل نعجب لمر الكاتب الراحل‬ ‫محمد شكري‪ ،‬الذي في كتابه "الخبز الحافي"‪ ،‬وربما لّنه كان حافيا ً وليس في متناوله أي‬ ‫حذاء مطاطي‪ ،‬أجاز للراوي التزاوج مع الحيوان‪ ،‬تماما ً كما يتزاوج الحيوان عند الحاجة‬ ‫وع لمهاجمتي المدافعون عن حقّ الكاتب في قول ما‬ ‫القصوى مع حذاء‪ ..‬‬ ‫تريد أن ُتذ ّ‬ ‫حذ َُر َ‬ ‫ك حتى‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫لك‬ ‫ن عليه أن ُينصت‬ ‫َ ْ‬ ‫كر العالم بأّنك أكبر من أل ّ ُيسمع صوتك‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫دد‪ ..‬لكن‬ ‫م واله ّ‬ ‫باله ّ‬ ‫م ما رضاش ب ّ‬ ‫الحذاء ل يقبل بها ويشكوها للبوليس‪ ،‬كما في تلك الغنية الجزائرية التي اشتهرت منذ‬ ‫ي للبوليسّية!"‪ ،‬وهي أغنية عاطفّية يستنجد فيها العاشق‬ ‫سنوات وكان مطلعها‪" :‬إِديوَه ْ عل ّ‬ ‫بالبوليس ليسوق حبيبته إلى المخفر‪ ،‬ويخلصه من حّبها‪ ،‬وكان أجدى به أن يستنجد بأبي‬ ‫مات‬ ‫مصعب الزرقاوي‪ .‬ستفهم أنها ضرورية لحياتك‪ ،‬وأنكما‬ ‫صغيرا ً من الف ّ‬ ‫كفردتي حذاء‪ ،‬ل يمكن لحدكما النفصال عن الخر‪ .‬شرط أل يكون صاحبه حافي الصوت!‬ ‫كولمبو ُيشاطرني بيتي‬ ‫دمها لنا المطبخ‬ ‫دسمة‪ ،‬التي يق ّ‬ ‫كان لي أكثر من موضوع للكتابة يليق بوجبات الخبار ال ّ‬ ‫عسر‬ ‫ي‪ ،‬حيث يتبارى أكثر من “شيف”‪ ،‬أين منهم الشيف رمزي‪ ،‬في إعداد موائد ُ‬ ‫العرب ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫التهام أفخاذها كلما ُ‬ ‫مجازفة بأن أبدو ُ‬ ‫ي في مطعم فاخر‪ُ ،‬‬ ‫عرضت عل ّ‬ ‫متخّلفة وبل ذوق را ٍ‬ ‫ما الك ُّتاب‪ ،‬فلن أزيد على عداوات الحياء منهم عداوات الموات‪ ،‬ما يعنيني هنا هو الحذاء‪.‬ول لوم على الضفادع المسكينة‪ ،‬فالحيلة بنت الحاجة‪ .‬إناث الضفادع تقبل بالحذاء المطاطي الخضر زوجا‪ .‬وأتمنى أل ّ يقرأ هذا المقال‬ ‫مشّردي المعارضة العربية‪ ،‬فيقتدون بوالدة فيكتور هيغو‪ ،‬وينتعل كل منهم‬ ‫من بقي حي ّا ً من ُ‬ ‫َ‬ ‫حذاًء في لون رفضه‪ ،‬فأكون سببا ً في اغتيالهم واصطيادهم بعدما يستدل عليهم المخبرون‬ ‫من أطلقوه‬ ‫من أحذيتهم‪ .‬من ُ‬ ‫تريد أن تقول لمرأة إنك تحّبها‪ ،‬أو إنك تريدها زوجة‪ ،‬ل تشتري وردا ً ول خاتمًا‪ ،‬اهدها قبقابا ً‬ ‫ضة‪ ،‬كذلك الذي ُيباع في أسواق تونس‪ .‬ل تل ِ‬ ‫للتحاور‪ ،‬عندما خلع حذاءه وهو على منصة مجلس ا ُ‬ ‫لمم‪ ،‬وضرب به على‬ ‫طريقة جديدة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الطاولة"‪ .‬وقبل أن يتط ّ‬ ‫معاشرة "من"‪ .‬تص ّ‬ ‫ً‬ ‫ي!"‪ ...‬فما ظننت اللون الخضر فاتحا ً للشهّية الجنسية‬ ‫للضفادع‪ ،‬وهو اللون "الفاتح" في ك ّ‬ ‫عرف عن والدة فيكتور هيغو‬ ‫ل الثورات‪ ،‬حتى إنه ُ‬ ‫انتعالها أحذية خضراء كي تدوس الرض بلون المبراطورية‪ .‬‬ ‫زمن كاتم الصوت السياسي والجنسي‪ ،‬أكثر فصاحة وصراحة‪ ،‬وأحيانا ً وقاحة‪ .‬لقد ابتدع "خروتشوف" في الستينات‬ ‫دد أو ُتن ّ‬ ‫ق خطابا‪ ،‬ل تشك ول ُته ّ‬ ‫في صمتك‪ ..‬وبرغم شعار "ُقلها بالورود" الذي ربما كان باعة الورود هم َ‬ ‫لقناعنا أن في إمكان الورود أن تنوب عنا في التعبير عن كل أحاسيسنا‪ ،‬أعتقد أنه في‬ ‫إمكاننا توفير ثمن الزهور‪ ،‬والستعاضة عنها في معظم الحالت بالحذاء‪ ،‬الذي يبدو لي في‬ ‫منتعله‪...‬‬ ‫أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ذلك أنني لم أكن أعرف له "رمزا" كهذا‪ ،‬قبل أن يفتي في أمره فقهاء علم النفس‪ ،‬ول‬ ‫عرفت له "وظيفة" كهذه مثل هذا الخبر‪ .‬تريد أن تختصر ك ّ‬ ‫ل غضبك في كلمة‪.‬أنا رضيت‬ ‫الضفادع التي هاجمته ُ‬ ‫طاطي الخضر‪ .‬‬ ‫اليوم‬ ‫بدننا‬ ‫م‬ ‫وس‬ ‫هضمنا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكن‪ ،‬أعذروا َبلبلتي‪ ،‬فمن عادتي أل ّ أكتب هذا المقال إل ّ “ساعة الحشر”‪ ،‬قبل نفاد صبر‬ ‫مفاجئا ً أسعدني بقدر ما أربكني‪ ،‬ووضعني أنا‬ ‫رئيس التحرير بقليل‪ ،‬لول أ ّ‬ ‫ن خبرا ً ُ‬ .‫وهات النفسية للطباء‪ ،‬أكثر مما تشي بُعقد مرضاهم‪ ،‬فقد‬ ‫أ ّ‬ ‫ن هذه التحليلت تشي بالتش ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن النقص في ذكور‬ ‫ذكرني الربط بين الحذاء والذكورة بطرافة ما قرأته ذات مّرة عن أ ّ‬ ‫الضفادع دفع إناثها في منطقة من إنجلترا إلى "التزاوج" يأسا ً مع الحذية المصنوعة من‬ ‫ن رجل ً اتصل بالمحمّية شاكيا ً‬ ‫الم ّ‬ ‫طاط الخضر التي ينتعلها العاملون في ال ْب َِرك‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫متحّرشة بحذائه الم ّ‬ ‫وروا هذه الخرة‪" .‬فل أنفع منهما ول أسرع في مه ّ‬ ‫كهذه‪ .‬أحيانـــا‪ ،‬ل أكثر فصاحة من حذاء‪ .‬وعلى المرء أن "يدّبر راسو"‪،‬‬ ‫ويتدّبر أمره في انتظار الفرج‪ .‬أو ابن عمه أبي مصعب السوري‪ .

‬‬ ‫أيّ موضوع أدب ّ‬ ‫جاءت ُأمي من الجزائر لتزورني‪ .‬فلول أنني‬ ‫ن ُأمي‬ ‫مصادفة المسؤولة عن الخطوط الجزائرية في بيروت‪ ،‬التي أخبرتني أ ّ‬ ‫التقيت ُ‬ ‫موجودة ضمن قائمة القادمين إلى بيروت‪ ،‬ما كنت عرفت بهذا “الخبر العاجل” من أحد‪،‬‬ ‫ب ُأمي عنصر المفاجـــأة‪ ،‬وأحيانا ً “المفاجعـــة”‪ ،‬على طريقة “كولمبو” في مباغتة‬ ‫لح ّ‬ ‫“المشبوهين”‪.‬أتمتم “لكنها قد تسقط من السّلم”‪ ،‬تصيح بي‪“ :‬ولماذا ل أسقط‬ ‫د‪“ :‬ل يسمحون لها‬ ‫ضبها؟”‪ ،‬أر ّ‬ ‫أنا منه وعمري سبعون سنة؟”‪“ .‬وعندما قالت ُأمي بزهو‪“ :‬إنها ابنتي!”‪ ،‬فما كان من‬ ‫“كاتبتي المف ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصحافية المدهوشة إل أن قّبلتها بحرارة وتحايلت لُتربحها الجائزة‪ ،‬وهي دعوة مجانية إلى‬ ‫مطعم‪.‬أخفيت فرحتي‪ ،‬ودعوت في‬ ‫ف‬ ‫سّري أن يضع الّله كثيرا ً من قّرائي في طريق ُأمي‪ ،‬عساها تتنّبه إلى أنني كاتبة‪ ،‬وتك ّ‬ ‫عن مداهمة غرفتي وخزائني وجواريري‪.‬وعندما أجابتها‬ ‫السياحي‪ ،‬عن اسم ّ‬ ‫دت الصحافية بفرح‪:‬‬ ‫وها من الجزائر”‪ ،‬ر ّ‬ ‫أختي ساخرة‪“ :‬كيف لها أن تعرف وقد وصلت لت ّ‬ ‫ضلة جزائرية اسمها‪ ،”.‬فهي تضع سائقها‬ ‫في تصّرفي‪ ،‬وتتفّرغ لتدليلي وإلباسي وإطعامي ليام على ذوقها‪ ،‬مقابل أن ُأجالس‬ ‫ُ‬ ‫م ُتعيدني إلى بيروت‪ ،‬وقد زاد وزني وتضاعف حملي‬ ‫صديقاتها أو أرافقها إلى زيارتهن‪ ،‬ث ّ‬ ‫ملتني من لوحات سيراميك‪،‬‬ ‫بما حشت به أمتعتي من “كسكسي” و”عراجين تمر”‪ ،‬وما ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫قامت هي برسمها‪ ،‬بإتقان أذهل محترفي السيراميك من زملء أختي‪ ،‬صوفيا‪ ،‬بعدما تولت‬ ‫أمي إدارة محترف صوفيا‪ ،‬عندما تزوجت هذه الخيرة وغادرت الجزائر‪.‬‬ ‫مرة إلى أختي‬ ‫متذ ّ‬ ‫منذ أربع سنوات‪ ،‬عندما زارتني أمي لتصوم معنا رمضان‪ ،‬غادرتني ُ‬ ‫ول في بيروت‪ ،‬فاستوقفتها‬ ‫الكثر ترتيبًا‪ .‬وعندما أرى شكوكها تذهب نحو‬ ‫لحظة انجراف عاطف ّ‬ ‫الشّغالة‪ُ ،‬أدافع عن المسكينة بالوشاية بنفسي‪.‬وعندما قرأ اسمك قال‪“ :‬هيدي الّلي بتكتب؟”‪ .‬‬ .‬هكذا دون سابق إعلن‪ ،‬كما كان المفتشون الدوليون‬ ‫يزورون المنشآت العراقّية بحثا ً عن أسلحة الدمار الشامل من دون سابق إنذار‪ .‬‬ ‫“مصاريـــت”‪ ،‬التي تعرف مزاج ُأمي‪ ،‬قضت أربعا ً وعشرين ساعة في “تمشيط” البيت‬ ‫ونفضه‪ ،‬وكأننا سنستقبل البرادعي‪ ،‬رئيس هيأة الطاقة الذرّية‪ ،‬للقامة عندنا‪ ،‬وقامت‬ ‫بإخفاء أقلمها و ُ‬ ‫كتبها ودفاترها حتى ل تصرخ ُأمي‪ ،‬وهي تلقي نظرة “مه ّ‬ ‫ذبة” على غرفتها‪:‬‬ ‫“ما هذا؟‬ ‫مر عن ساعديها وتصعد لتنظيف الثريات تقضي وقتها‬ ‫أجئت بخادمة أم كاتبة؟ بدل أن ُتش ّ‬ ‫مغلقة غرفتها تخربش؟”‪ُ .‬وحدث أن أخرجتها يومها صوفيا بعد الفطار للتج ّ‬ ‫صحافية ربما لفت انتباهها عباءة ُأمي‪ ،‬فسألتها في إطار مسابقة رمضانية بهدف الترويج‬ ‫ي المنطقتين‪ ،‬اللتين يربط بينها “بيريفيريك” لبنان‪ .‬‬ ‫أمي باختصار‪ ،‬رائعة عندما تكون في بيتها‪ ،‬لكنها ما تكاد تدخل بيتي حتى تقلب حياتي رأسا ً‬ ‫قد‬ ‫على عقب‪ ...‬‬ ‫ً‬ ‫سعدت أمي كثيرا‪ ،‬على الرغم من كونها لم تذهب إلى ذلك المطعم‪ ،‬برفقة ثلثة أشخاص‬ ‫للفطار‪ ،‬وسعدت أكثر منها‪ ،‬لنها بدأت تقمع نزعاتها “الرهابية” تجاهي‪.‬وخزائن الولد‪ ،‬لماذا ل تو ّ‬ ‫بدخول غرفتهم”‪.‬فخلل الربع‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫أكثر من مّرة في السنة‪ ،‬مستفيدة من سخاء أمومتها‪ ،‬ووفرة خدماتها‪ ..‬وزيارة بيروت‪ .‬وما أن تضع حقائبها أرضا ً حتى تقوم‪ ،‬بعين رجل تحّر‪ ،‬بجولة في البيت لتف ّ‬ ‫ما قد زاد فيه‬ ‫هيئته ومستجداته‪ .‬‬ ‫ن المرء‪ ،‬حسب أحدهم‪ ،‬ل يمكن أن يتنبأ بموعد هبوب العاصفة أو هبوب العاطفة‪ ،‬ما‬ ‫ل ّ‬ ‫ُ‬ ‫ما فاضت به عواطف أمي من أشواق لرؤيــة‬ ‫كان لي أن أتنبأ بحدث كهذا‪ ،‬على الرغم م ّ‬ ‫من يزورها في الجزائر‪،‬‬ ‫أنا‬ ‫كنت‬ ‫الماضية‪،‬‬ ‫سنوات‬ ‫أحفادها‪ .‬سألتها كيف كانت‬ ‫مح ّ‬ ‫اليوم‪ ،‬ذهبت لنتظارها‪ ،‬أنا وابني مروان‪ُ ،‬‬ ‫سفرتها؟ أجابت بزهو مستتر‪“ :‬سألني رجل المن في مطار بيروت أين سُأقيم؟”‪ ،‬أجبته‬ ‫“عند ابنتي”‪ .‫ي‪ ،‬ما عاد يمكن معه التركيز على‬ ‫و”مصاريت”‪ ،‬شّغالتي الثيوبّية‪ ،‬في حالة استنفار منزل ّ‬ ‫ي أو صحافي‪..‬وقبل مرور أربع وعشرين ساعة‪ ،‬تكون قد أجرت جردة ل ِ َ‬ ‫أو نقص‪ ،‬وشرعت في استجوابي عن مقتنياتي التي اختفت‪ ،‬لعلمها أنني قد ُأهدي‪ ،‬في‬ ‫ي‪ ،‬ثيابي أو مصوغاتي أو تحف بيتي‪ .‬‬ ‫ملين بباقة ورد طلبا ً للهدنة‪ .

‬ولو كنت في مطار في أميركا‪،‬‬ ‫جرا ً صحي ّا ً أي ّا ً كانت جنسية وديانة المواد‬ ‫ح ْ‬ ‫ي َ‬ ‫ي الكلب لتشمشمني وفرضوا عل ّ‬ ‫لفلتوا عل ّ‬ ‫الغذائية التي أحملها‪ .‬وعندما أطلعتها على كتاب لي‬ .‬ولبنان‪ .‬وركنتها في اسطبل الحقائب ال ْ ُ‬ ‫جل ُ‬ ‫كثر الترحال بشيخوختها‪ .‬نح ُ‬ ‫فقد كنت وقتها يتيمة وطن‪ ،‬أرى رفاقي من الكّتاب ُيذبحون في الجزائر كالنعاج‪ .‬في مطار‬ ‫جنيف‪ ،‬حدث أن اشتبهت جمريكة في هيئتي‪ ،‬وفي ساعة في معصمي خالْتها من اللماس‪.‬من طماطم بلدية وخيار صغير‪ ،‬ل يوجد مثله في فرنسا‪ ،‬وربطة نعناع‬ ‫نضرة‪ ،‬وأجبان بلدّية وزيتون بزعتر وآخر حار بالجوز‪ .‬غير أن الجمركي الفرنسي اكتفى بسؤالي عن مهنتي وعنوان‬ ‫إقامتي في فرنسا‪ .‬ثم أنا أثق‬ ‫بإمكانية كيد حقيبة لحقيبة ُأخرى‪ ،‬كما تكيد زوجة جديدة لضّرتها‪ .‬لم يفهم الجمركي نفع سجادة غير ثمينة "ُأهّربها" في‬ ‫ن صدمَته كانت في الحقيبة الصغرى‪ ،‬التي كنت أجّرها لّول مّرة مستعرضة‬ ‫حقيبتي‪ ،‬لك ّ‬ ‫خضار الطازجة التي اشتريتها من السوق الحّرة في‬ ‫ال‬ ‫من‬ ‫جنينة‬ ‫تخفي‬ ‫بها‬ ‫أناقتها‪ ،‬وإذا‬ ‫ُ‬ ‫مطار بيروت‪ .‬‬ ‫عدة‪ ،‬وهو يعيد لي جوازي اللبناني "ُيسعدني أن تحملي هذا الجواز‪ .‬ما كادوا يرونني أدفع عربتي بحقيبتين‬ ‫ال‬ ‫رجال‬ ‫أسعدت‬ ‫الجديدة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫فاخرتين وأرتدي بسبب البرد معطف فرو‪ ،‬اقتنيته منذ سنوات في موسم التنزيلت‪ ،‬حتى‬ ‫تركوا جميع الركاب يعبرون وتفّرغوا لي‪ ،‬خاصة بعدما لمحوني أبتسم وأنا أراهم يتبادلون‬ ‫النظرات استبشارا ً بصيد ثمين‪ ،‬متوقعين أن تعود شباكهم‪ ،‬في أسوأ الحالت‪ ،‬ببضاعة‬ ‫مقّلدة لحدى أشهر الماركات العالمية التي يزدهر سوق تزويرها وتهريبها بين إيطاليا‬ ‫ُ‬ ‫ولبنان‪ ،‬فيغّرمونني ثمنها الصلي أضعاف المرات‪ .‬فأنا ل أعرف الجلوس إلى‬ ‫يا ناس‪ .‬فقد صادف وصولها رغبة لديّ في التخّلص من ذاكرة‬ ‫حقيبة ُأخرى‪ ،‬حملت يوما ً ثياب لهفتي إلى مطارات ما عادت وجهة قلبي‪ .‬فعادة يسألني‬ ‫حب‬ ‫أحدهم "من أين أن ِ‬ ‫ي وهو يدقق في جواز سفري‪ ،‬فير ّ‬ ‫ت قادمة؟" وغالبا ً ما يتعّرف إل ّ‬ ‫دة وأحيانا ً بحرارة‪ ،‬حد ّ إرباكي وإبكائي‪ ،‬كذلك الجمركي الذي قال لي منذ سنوات‬ ‫بي بمو ّ‬ ‫ن نحّبك في لبنان"‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫م سألتني ماذا جئت‬ ‫سألتني لماذا لم أعلن عنها‪ .‬أعذروني مسبقا ً ع ّ‬ ‫أوراقي وكولمبو ُيشاطرني بيتي‪.‬لم أكن امرأة فوق الشبهات ول تحتها‪،‬‬ ‫كنت الشبهة ذاتها‪ ،‬بسبب مظهر ثرائي فاضح الشبهة‪ ،‬المدعوم بجواز سفري الفرنسي‬ ‫ومسقط رأسي الجزائري‪ ،‬وإقامتي في لبنان وقدومي من ميلنو‪ ،‬وامتلكي بيتين في‬ ‫جنوب فرنسا‪ ،‬حيث مربط خيل الثرياء الجدد من مافيات روسيا وإيطاليا‪ .‬ث ّ‬ ‫أفعل في جنيف؟ أجبتها بأنني كاتبة‪ ،‬وأنني ُأحب بحيرة ليمان وُأحب الجلوس على مقعد‬ ‫لمارتين المقابل لها‪ .‬لم تصدقني تماما ً حتى فتحت حقيبتي‪ .‬خّيبت‬ ‫ن الجمركي‪ ،‬وهو يفتح حقيبتي تلك‪ ،‬فل يقع على غير ثيابي العادية وكثير من الكتب‬ ‫ظ ّ‬ ‫وسجادة صغيرة للصلة أحضرتها معي احتياطا ً لنوبة تقوى قد ُتصيبني‪ ،‬بعدما أصبح عندي‬ ‫في بيروت سجادتان للصلة أهدتني إحداهما صديقة إماراتية في رمضان الماضي‪ ،‬فقلت‬ ‫أحتفظ بواحدة في كل بيت‪ ...‬قلت إ ّ‬ ‫ن ثمنها مئة فرنك سويسري‪ .‬‬ ‫لعنة الحقائب الفاخرة‬ ‫قيت تلك الحقيبة الفاخرة هدية‪ ،‬ضمن طاقم من أربع حقائب مختلفة الحجام‬ ‫يوم تل ّ‬ ‫والشكال‪ ،‬استبشرت خيرا ً بها‪ .‬في بيروت‬ ‫أيضًا‪ ،‬كثيرا ً ما يشتبه رجال الجمارك في حقائبي ول تشفع لي سوى الكتابة‪ ..‬ولنني كنت جاهزة في‬ ‫جميع الحالت لممارسة حقي في الخلع‪ ،‬فقد أحلت حقيبتي القديمة على أناقتها‪ ،‬إلى‬ ‫منهَ َ‬ ‫كة‪ ،‬كما تنهي أعمارها‬ ‫التقاعد العاطفي والوظيفي‪ .‬وعندما أخبرته أنني كاتبة أقصد بيتي البحريّ للكتابة‪ ،‬أظنه تفّهم غرابة‬ ‫حمولتي واستلطفني‪ .‬وكما ليعتذر عن سوء ظنه بي‪ ،‬سألني إن كنت قد تعّرفت إلى ذلك‬ ‫المطعم الجميل الموجود في منطقتي وإل ّ سكيون سعيدا ً بأن يدعوني إليه‪ .‬في أول رحلة لي منذ شهرين برفقة حقيبتي‬ ‫أحصنة ع ّ‬ ‫جمارك في مطار نيس‪ .‫ما سأكتبه في السابيع المقبلة‪ .

‬ولم نفعل‪ .‬لـــذا ل أقوم بجهد البحث له عن لغة معصومة ُتشبهه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مخاِدع‪ ،‬أخــي‪ .‬لم ُيجد ِ إقناعي لها بأنها تعرف عني ما‬ ‫ن تص ّ‬ ‫بأّنها تخاف إ ْ‬ ‫فت الكتاب‪.‬‬ ‫فــ‬ ‫ا‪،‬‬ ‫أيض‬ ‫هي‪،‬‬ ‫الرواية‬ ‫ّ‬ ‫الكتابــة فعل إرباك واستدراج القارئ إلى كمين لغة ملغومة بالحتمالت‪ ،‬وبذلك البوح‬ ‫فـر الذي تختفي خلفه المرأة الكاتبة‪.‬‬ ‫مش ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫شخصيا ل أثق ببراءة القارئ‪ .‬‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫مك‬ ‫منه‬ ‫يكون‬ ‫لحظتها‬ ‫نه‬ ‫ُ ِ‬ ‫مشاركتنا القراءة‪ ،‬ل ّ‬ ‫ُ‬ ‫ويبدأ في ُ‬ ‫سؤالنا الكّتاب‪ ،‬لماذا هم‬ ‫ولننا اعتدنا أل ّ نسأل الذين يقرأون لماذا يفعلون ذلك‪ُ ،‬يق ّ‬ ‫در ُ‬ ‫ُ‬ ‫مــزج‬ ‫فــن‬ ‫هي‬ ‫"الكتابة‬ ‫بارت"‪:‬‬ ‫مستندة إلى قول "رولن‬ ‫َ‬ ‫يكتبون‪ ،‬ففي إمكاني أن أجيب ُ‬ ‫ن كثيرا ً من القارئات‬ ‫نأ ّ‬ ‫مخ َ‬ ‫الشهوات"‪ ،‬إنني أكتب لمتعة القامة في َ‬ ‫دع الكلمات‪ .‬أكتب‬ ‫ن لي ُنبل العتراف‬ ‫دق‪ .‬ذلك أن ابنتها موهوبة‪ ،‬لكنها ل تجد لروايتها ناشرًا! أخذت‬ ‫دتني بعنوانها وهاتفها لنتواصل‪ .‬والتي لنملك شجاعة العتراف بها‪ ،‬حتى لهذا الكاتب‬ ‫واس"‪ ،‬وقد ملت الكتاب‬ ‫نفسه‪ .‬أنتظر فرصة‬ ‫لزيارة لندن‪ ،‬كي أطلب من ابنته هدبــــاء‪ ،‬إهدائي تلك النسخة‪ ،‬أو السماح لي بتصويرها‪،‬‬ ‫ن الكاتب‬ ‫عساني أعرف بعض ما أخفاه عني نزار قارئًا‪ .‬‬ ‫وأشارك "بودلير" قوله‪" :‬أيها القارئ ال ْ ُ‬ ‫لماذا نحب كاتبا ً بالذات؟‬ ‫ل لّنه ُيبهرنا بتفوقه علينا‪ ،‬بل لّنه ُيدهشنا بتشابهه معنا‪ .‬من كثرة ترحالي‬ ‫عنوان كتابي لتشتريه‪ ،‬وأم ّ‬ ‫تعّلمت أن الحقائب الفاخرة تجعلك شبهة معلنة لدى رجال الجمارك حيثما حللت‪ .‬حدث مّرة أن جاءتني قارئــة‪ ،‬وفي حوزتها "فوضى ال َ‬ ‫حـ َ‬ ‫ً‬ ‫منهَك َا ً طاعنا ً في العمر‪ .‬يا شبيهي"‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ولكن نـــزار‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬ضحك ولم يستجب لطلبي‪ ،‬ومازلت حتى اليوم‪ .‬‬ ‫طلع‬ ‫ل‬ ‫حوزته‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ّ‬ ‫"كتبتها فيها"‪ ،‬ما جعل أصدقاءه الذين أطلعهم على الرواية‪ ،‬لُيحّثهم على قراءتها‪َ ،‬يعجُبون‬ ‫من أمره‪..‬‬ ‫ما ُيحيط كتاباتها من ُ‬ ‫شبهات‪ ،‬فليس واجبا ً أن ُتدافع‬ ‫أكبر حماقة تقترفها كاتبة‪ ،‬هي التبرؤ م ّ‬ ‫ن‬ ‫ع ّ‬ ‫عن ِ‬ ‫مزاِلــق أبطالها ونزواتهم‪ ..‬ففي القراءة حميمّية‪ ،‬ل ُتعادلها‬ ‫نفسه‪ ،‬عندما يتح ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫إل ّ حميمّية الكتابــة‪ .‬‬ ‫يكفي ليكون لي أنا أيضا ً حقّ التجسس عليها‪ ،‬ضحكت وأخ َ‬ ‫ت من نزار قّباني يومًا‪ ،‬أن يبعث لي بنسخة "ذاكرة الجسد" التي في‬ ‫وقد َ‬ ‫سَبق أن طلب ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مل التي‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫تحت‬ ‫السطور‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫كثير‬ ‫وضع‬ ‫نه‬ ‫إ‬ ‫رة‬ ‫م‬ ‫ذات‬ ‫لي‬ ‫قال‬ ‫بعدما‬ ‫عليها‪.‬غير أ ّ‬ ‫أنا بنت نيسان شهر الكذب‪ ،‬وليس من عادة السماك أن ُتص ّ‬ ‫دد في تنبيه القارئ‬ ‫أتر‬ ‫ولم‬ ‫ميت إحدى مجموعاتي "أكاذيب سمكة"‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بذلك‪ ،‬حتى إنني س ّ‬ ‫ً‬ ‫بين جملتين‪ ،‬إلى احتمال أن يكون ما يقرأه في رواياتي‪ ،‬منسوجا من "دانتيل الكاذيب"‪.‬‬ ‫مخادع‪ .‬فل أحد سواها يدري أ ّ‬ ‫فــة الكتابة وبراءتها‪ ،‬ول أن ُتبّرر َ‬ ‫ً‬ ‫ن إسناد أقوالك وأفعالك إلى الخرين‪.‬وأظ ّ‬ ‫ن ُيشاطرنني قدرا ً نسائيا ً ل يخلو من ال ُْ‬ ‫مراو َ‬ ‫غة الضرورية‪ ،‬ومن‬ ‫ُيشبهنني‪ ،‬ويقرأنني لنه ّ‬ .‬والسوأ‬ ‫صة ُأخرى!‬ ‫أنها تجعلك فريسة اللصوص‪ ،‬حتى من ع ّ‬ ‫مال المطارات‪ .‬وينوب عن‬ ‫ص ُ‬ ‫على الرغم من ذلك‪ ،‬كثيرا ً ما يرفض القارئ إمكانية أن يكون أمام ن ّ‬ ‫زوجي في محاسبتي‪ ،‬كما نــاب الشعب الميركي عن هيلري في محاسبة بيل كلينتون‪.‫بالفرنسية كان مصادفة في حوزتي‪ ،‬غدت لطيفة وشديدة التهذيب وراحت تسألني كيف‬ ‫السبيل إلى نشر أعمال أدبّية‪ .‬وتلك ق ّ‬ ‫لمزيد من الكذب‪ .‬هذه الحادثة جعلتني أعتقد أ ّ‬ ‫ول إلى قارئ تنتابه أعراض الحياء إّياها‪ ..‬وع َب َث َا حاولت أن أستعيره‬ ‫تسطيرا ً وإشارات وهوامش‪ ،‬حتى َبـ َ‬ ‫دا ُ‬ ‫منها‪ ،‬لعرف ماذا أحّبت هذه القارئة في تلك الرواية بالتحديد‪ ،‬لكنها رفضت‪ ،‬واعترفت لي‬ ‫فحته أن َيشي لي الكثير عنها‪ .‬لــــذا مث ً‬ ‫ن ُنطاِلع كتابا أو مجلة‪ ،‬أن يقف أحد خلفنا‬ ‫ل‪ُ ،‬يزعجنا ونح ُ‬ ‫ً‬ ‫مطالعتنا‪.‬لنه يبوح لنا بخطاياه ومخاوفه‬ ‫وأسراره‪ ،‬التي ليست سوى أسرارنا‪ .

.‬‬ ‫ومن هنا جــاء قول كاتبة فرنسية‪" :‬الروائي ك ّ‬ ‫ذاب يقول أشياء حقيقية"‪ ،‬وجاء قول غـــادة‬ ‫مر ّ‬ ‫كب"‪ .‬وفي كل مخدع‪ ،‬نح ُ‬ ‫دع‬ ‫مخ‬ ‫في‬ ‫راحت‬ ‫عندما‬ ‫الموت‪،‬‬ ‫من‬ ‫رأسها‬ ‫"شهرزاد"‬ ‫دتنا‬ ‫َ َ‬ ‫ورطــة الواقع‪ .‫مخادعة للحياة اليومية‪ ،‬وينتهي في مخدع‬ ‫متوارث‪ ،‬الذي يبدأ من التفاصيل ال ْ ُ‬ ‫الّنفاق ال ْ ُ‬ ‫مكيدة اللغة‪ ،‬لننجو من‬ ‫مكر ال َ‬ ‫واس‪ ،‬و َ‬ ‫ن نحتاج إلى َ‬ ‫ح َ‬ ‫"الشرعّية"‪ .‬منذ ذلك الحين‪ ،‬أصبح للذاكرة النسائية‬ ‫حَيــل إحداها الكتابة‪ .‬لــــذا‪ ،‬لمزيد من الكذب‪ ،‬سُأواصل كتابة نصوص‬ ‫مان‪" :‬العمل البداعي كذب ُ‬ ‫الس ّ‬ ‫مخاِدعــة‪ ،‬قصد تبييض أحلم أشترك مع كثير من النساء في نهبها ســّرًا‪ .‬وللرواية ذرائع إحداها "تبييض الكاذيب"‪ ،‬كما ُيبّيض البعض الموال‬ ‫ِ‬ ‫غير المشروعة‪.‬‬ ‫قبلتي‬ ‫ُ‬ ‫جـل الكتابة عن ذلك الجتياح العاطفي‬ ‫ت من المارات‪ ،‬التي زرتها مؤخرًا‪ ،‬وأنا أؤ ّ‬ ‫مــذ عد ُ‬ ‫ي‪ ،‬وذلك‬ ‫العاطف‬ ‫سخائهن‬ ‫في‬ ‫مذهلت‬ ‫نساء‬ ‫به‬ ‫وقتني‬ ‫ط‬ ‫الذي‬ ‫الجنسيات‪،‬‬ ‫دد‬ ‫متع‬ ‫النسائي ُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التواطؤ النسائي الجميل الذي يتغ ّ‬ ‫ذى من ثقافة عالية•‬ ‫الن فقط‪ ،‬وأنا أستعيد أنفاسي‪ ،‬كما من حالة عشقّية شاهقة‪ ،‬يمكنني أن أشكرهن على ما‬ ‫أهدينني من بهجة الوقت المسروق‪ ،‬وزاد ٍ من المحّبة يحتاج إليه الكاتب لمواجهة أي عمل‬ ‫جديد ُيقبل عليه•‬ ‫ً‬ ‫مربكا في تفاصيله‬ ‫يوم زرت المارات لّول مّرة‪ ،‬توّقعت أن يكون اللقاء مع نسائها لقاًء ُ‬ ‫ُ‬ ‫مدّققات في ثيابها وزينتها‬ ‫النسائّية‪ ،‬كعادة النسوة في تف ّ‬ ‫حص كل أنثى تجلس أمامهن‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫وصيغتها‪ ،‬إلى حد ّ جعلني‪ ،‬أنا القادمة من لبنان‪ ،‬أصدق قول ساشا غيتري‪“ :‬النساء ل‬ ‫ملن للرجال•• بل نكايـــة في النساء”• لــــذا قّررت أن ُأواجه نساء الخليج عـزلء••‬ ‫يتج ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأشهر‪ ،‬مازحـــة‪ ،‬خروجي من سباق التسلح بترسانة المصوغات فائقة الثمن والزياء‬ ‫ممين•‬ ‫موّقعــة من ِ‬ ‫مص ّ‬ ‫كبار ال ْ ُ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ن العلم إل ّ‬ ‫ُ‬ ‫مفاجأتــي كانـت‪ ،‬أنني التقيت نساء لم يزدهن الثـراء سوى بساطة‪ ،‬وما زاده ّ‬ ‫ً‬ ‫ن عن وجاهتك الدبّية‪ ،‬وعن هالــة الضوء التي تحيط بك في‬ ‫له‬ ‫تعتذر‬ ‫لتكاد‬ ‫حتى‬ ‫ا‪،‬‬ ‫تواضع‬ ‫ّ‬ ‫حضرتهن•‬ ‫م ّ‬ ‫طلع‬ ‫ما قرأت‪ ،‬ومتوّرط في هموم السياسة‪ُ ،‬‬ ‫وأعترف بأن بعضهن التهم من الكتب أكثر م ّ‬ ‫ّ‬ ‫على آخر الصدارات السياسية‪ ،‬أكثر مما ُأتيح لي أن أطلع‪ ،‬كما بعض عضوات “المنتدى”‬ ‫ب القراءة‪ ،‬ومحّبة‬ ‫م إحدى وعشرين امرأة من كل الجنسيات العربية يجمعهن ح ّ‬ ‫الذي يض ّ‬ ‫رئيسة المنتدى‪) ،‬على الرغم من احتجاجها على هذا اللقب‪ ،‬الذي ل تريد أن تحمل سوى‬ ‫ي العالي‪ ،‬وسّيدة‬ ‫مسؤولياته(‪ ،‬صديقتي الجميلة أسمــاء الص ّ‬ ‫ديــق‪ ،‬ذات الح ّ‬ ‫س القوم ّ‬ ‫متمّيزة•‬ ‫المبادرات النسانية والثقافية ال ْ ُ‬ ‫ما يعلم‪ ،‬وُيجادلك بفضول المعرفة‪ ،‬ل‬ ‫من يريد أن يتعّلم أكثر م ّ‬ ‫لكنهن ُيقبلن عليك‪ ،‬بتواضع َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫سلل الورود‪ ،‬ل طمعا في‬ ‫ي‪ ،‬وسُيدللك•• ويغدق عليك الهدايا و ِ‬ ‫بقصد الستعراض المعرفـ ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ب فيك‪ ،‬وزهـــو‬ ‫وح‬ ‫لدبك‬ ‫ل‬ ‫إجل‬ ‫بل‬ ‫الرجال‪،‬‬ ‫من‬ ‫الثرياء‬ ‫كعادة‬ ‫مدحك‪ ،‬ول ليشتري قلمك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ي•‬ ‫بالنجاح النثوي العرب ّ‬ ‫ول تدري كيف ترد ّ ديـن المحّبة لنساء لم يطالبنك بشيء‪ ،‬غير إنجاز كتاب جديد‪ ،‬ول يمكن‬ ‫حتى ذكر أسماء بعضهن من باب العتراف بالجميل•‬ ‫ت دبي ليل ً لجد صديقتي بارعــة الحمـر‪ ،‬وهي مترجمة أعمالي إلى النجليزية‪،‬‬ ‫ت وصل ُ‬ ‫وكن ُ‬ ‫ومترجمتي بكل لغات القلب‪ ،‬تنتظرني بباقـة ورد•‬ ‫ً‬ ‫ت بيروت‬ ‫غادر‬ ‫مــذ‬ ‫افتقدتها‬ ‫فقد‬ ‫ا‪،‬‬ ‫بعض‬ ‫وبكينا فرحا ً في زحمـة المطار ونحن نحضن بعضنا‬ ‫ْ‬ .‬‬ ‫ُ‬ ‫لهؤلء النساء‪ُ .‬فهكذا أنقذت ج ّ‬ ‫ُ‬ ‫الكلمات‪ ،‬تكيد لـ"شهريار" باللغة ليلة بعد أخرى‪ ..‬مــن الحيــــاة‪.

‫إلى صقيع كندا•‬ ‫ملة بكيس‪ ،‬فيه بيجامتها وك ّ‬ ‫ل لوازمها النسائية• وفهمت أنها منذ ذلك‬ ‫مح ّ‬ ‫بارعــة جاءت ُ‬ ‫ً‬ ‫ي نهارًا‪ ،‬قبل أن تنضم إلينا ُأختي صوفيا‬ ‫عل‬ ‫القبض‬ ‫لستحالة‬ ‫ل‬ ‫لي‬ ‫جناحي‬ ‫ستقاسمني‬ ‫المساء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القادمة من الجزائر‪ ،‬ثم الدكتورة هنــــادي ربحــي‪ ،‬التي لم أكن أعرفها إل على الهاتف‬ ‫كطبيبة نفسية‪ُ ،‬تشرف على “مركز مسارات للتنمية والتدريب” في الشارقة•‬ ‫وربما كان أجمل لقاءاتي وأطرفها وأنفعها أدبيا ً لقائي بهذه الدكتورة‪ ،‬التي تملك‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى جينات الجنون الجزائري الجميل‪ ،‬مؤهلت علمّية عالية‪ ،‬وذكاًء إنسانيا ً ونسائيا ً خارقًا‪،‬‬ ‫مدعوما ً بثقافة أدبية وفنّية غنّية•‬ ‫محّببة‪ ،‬لنساء‬ ‫ول الجناح إلى فضاء نسائي يع ّ‬ ‫ج باللوازم النسائية وبفوضى ُ‬ ‫وهكــذا‪ ،‬تح ّ‬ ‫أغراهن سريري الشاسع‪ ،‬بالنوم جميعهن عندي‪ ،‬لتحقيق ُأمنية نسائية طالما حـــار الرجال‬ ‫فيها‪ :‬ماذا تحكي النساء لبعضهن بعضا ً لي ً‬ ‫ل‪ ،‬عندما يجمعهن سرير واحد هربن إليه من‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الولد والزواج؟ وهو سؤال حار فيه زوجي كّلما تركته لقاسم أختي سريرها•‬ ‫وقد وصلت بنا بهجة الحياة‪ ،‬في فندق خارج عناوين إقامتنا الجبرية‪ ،‬إلى حد ّ مواصلة‬ ‫الهروب إلى البحر• فقد استأجرت هنادي مركبا ً جميل ً راح يدور بنا في بحيرة خالــد‬ ‫هلـــة”•‬ ‫مذ ِ‬ ‫ن نغني ونرقص على أغنية “ ُ‬ ‫الصناعية‪ ،‬ونح ُ‬ ‫عندما غادرت الفندق تركت خلفي سلل نرجس وأوركيديا‪ ،‬وورودا ً فاض بها الجناح‪،‬‬ ‫وصلتني جميعها من نساء‪ ،‬إحداهن الصحافية الجزائرية سعاد بلعون‪ ،‬وُأخرى باسم‬ ‫عضوات “المنتدى”‪ ،‬مرفوقة بقصائد شعرية عنوان إحداها “ك ّ‬ ‫ت أحــلم”•‬ ‫ل كتاب وأنــ ِ‬ ‫ن سيدة إماراتية قضت يوما ً‬ ‫مــة سّلـة ورد اختيرت ألوانها من ع ََلم الجزائر‪ ،‬وعلمت أ ّ‬ ‫وثـ ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫دم لي في نهاية اللقاء‬ ‫يق‬ ‫كي‬ ‫المساء‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫جاهز‬ ‫ليكون‬ ‫الجزائري‪،‬‬ ‫لم‬ ‫ع‬ ‫ال‬ ‫خياطة‬ ‫في‬ ‫ل‬ ‫كام‬ ‫ُ ّ‬ ‫َ‬ ‫منساب من الباقة•‬ ‫التلفزيوني‪ ،‬وهو ُ‬ ‫ولنني ل أستطيع ذكر اسم هذه السيدة‪ ،‬ذات الصل الكريم‪ ،‬فإنني أكتفي بتقبيلها هنا‬ ‫ون‬ ‫شاكرة لها سخاءها• لقد اعتادت اليدي الماراتية‪ ،‬أن ُتض ّ‬ ‫مد جـــروح العـــرب•• وتلــ ّ‬ ‫بالــورود آلمهــم•‬ ‫لها ردف إذا قامت‪ ..‬وأنــا أتفّهـم تماما جهدها ومثابرتها على تعلم الرقص‪ ،‬مادامت لم ُتولد في‬ ‫أفريقيا‪ ،‬حيث الطفال يرقصون من قبل حتى أن يمشوا‪ ،‬ول في مصــر‪ ،‬حيث‪ ،‬حسب‬ ‫تعليق ساخر للكاتب محمد الرفــاعي‪ ،‬في مجلة "صباح الخيــر"‪" :‬البنت المصرية بالذات‬ ‫بتنزل من بطن ُأمها وهي بترقص وتاخد "النقوط" من الدكاترة والممرضات"‪.‬أقعدها"!‬ ‫قـــرأت لـ"آل باتشينو" تصريحا ً ساخرا ً يقول فيه "كّلما انتابتني الرغبة في القيام بتمارين‬ ‫رياضية‪ ،‬اضطجعت على الفراش‪ ،‬وظللت مضطجعًا‪ ،‬حتى تزول هذه الرغبــة"‪.‬‬ ‫وقد وجدت فيه الذريعة‪ ،‬التي كانت تلزمني بملزمة فراشي‪ ،‬بينما يتأّتــى إلى مسمعي‪،‬‬ ‫محّرك سيارة جارتي‪ ،‬وهي منطلقة كل صباح نحــو النادي‪ ،‬لتبدأ صباحها بالرقص‬ ‫صوت ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الشرقي‪ .‬‬ ‫وأتمّنـى أن تتفّهموا موقفي من الرقص الشرقي‪ ،‬الذي ُأعاديــه‪ ،‬فقط لضرورة المعارضة‪،‬‬ ‫معارضة خلقة"‪ ،‬تأتي إلى الوجود "حاملة السّلم بالعرض"‪ ،‬ول‬ ‫ذلك أن البنت الجزائرية " ُ‬ ‫تنزل من بطن ُأمها إل ّ بعد "أ ُ‬ ‫م المعـــارك"‪ ،‬وبعد أن تكون قد "بطحـت" ُأمها‪ ،‬وتشاجرت‬ ‫ّ‬ ‫ن هم لم يصدروا‬ ‫ددت الدكاترة في أّول صرخة لها‪ ،‬بنسف المستشفى إ ْ‬ ‫مع القابلة‪ ،‬وه ّ‬ ‫دد بالمبريالية‪ ،‬وُيعلن مقاطعة حليب "نيــدو"!‬ ‫بيانـا ً ُين ّ‬ .

‬لـن يبـقى بيننا سمين بعـد اليـــوم‪.‬‬ ‫م ْ‬ ‫ودنــا‪ ،‬وهو‬ ‫مجّرد قرار نابــع من حّبه ال ْ ُ‬ ‫لــم يكـن المر إذن‪ُ ،‬‬ ‫شَهر للرياضة‪ ،‬وقد ع ّ‬ ‫الفــارس المغـــوار‪ ،‬على رؤيتـه وهــو يمتطي الخيــل‪ ،‬ويقطع دجلــة سباحة‪ ،‬وُيمارس‬ ‫هوايـة الصيد البشري‪ ،‬بإطلقه رصاص بندقيته في الهــواء‪ ،‬أثناء تدخينه سيجــــارًا‪.‬‬ .‬ولــذا‪ ،‬إنقاذا ً لصحة مليين العــرب‪ ،‬يت ّ‬ ‫م البــدن"‪ ،‬وُتضاعف اله ّ‬ ‫"تس ّ‬ ‫مة عربّية "شطف" بعضها‪ ،‬بفضل ما تزّودنـــا بــه أميركـــا‪ ،‬من آلت حديثة‬ ‫مؤتمر ق ّ‬ ‫لسحب الشحوم والدهون‪ ،‬التي تراكمـت في خاصرة تاريخنا القومي‪ ،‬بحيث ما قمنا إل ّ‬ ‫وأقعدتنا! وهو ما ُيفسر اليوم تلك السابقة ا ُ‬ ‫لولى من نوعها‪ ،‬التي أقدم عليها الرئيس‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫دام حسين‪ ،‬قبل أسابيع من "حـرب الحواسم"‪ ،‬بإصداره مراسيم تقضي بتقليص أجــور‬ ‫صـ ّ‬ ‫الضّباط‪ ،‬الذين زاد وزنهم إلى النصف‪ ،‬بحيث يتعّرض ك ّ‬ ‫ل ضابط‪ ،‬ل يتمّتع بطاقة بدنّية‪،‬‬ ‫ل علواته ا ُ‬ ‫لتخفيض أجره الشهري‪ ،‬وك ّ‬ ‫لخـــرى‪.‬ذلك أ ّ‬ ‫"شفطها" خلل الساعات الخيرة من حكمه‪ ،‬توّلــت قوات التحالف أخذها على عاتقها‪،‬‬ ‫مات تحرير الشعوب العربية من زوائدها الدهنية‪..‬‬ ‫ذلك أن الكاتب العربي يشهد اليوم تأبين أحلمه شيء ما يموت فيه‪ ،‬وُيشعره بخـواء‬ ‫مة عالم جميل ينتهي‪ ،‬وهو يستشعر ذلك‪ ،‬وينتظر مذهول ً حلول الكارثة زمـن‬ ‫النهايات ث ّ‬ ‫فة من أزاح‬ ‫فة اللم‪ ،‬ل خ ّ‬ ‫انتهى بأحلمه ومثالياته ونضالته‪ .‬‬ ‫واستكمال مه ّ‬ ‫أبشــروا‪ ..‬ولو أنها خبرت لعنة الحصول على دماغ عربي‪ ،‬لدركت نعمة‬ ‫عذابها‪ ،‬ولقاست بمقياس ريختر لللم‪ ،‬فاجعة أن تكون كاتبة عربية في زمن كهذا‪.‬‬ ‫فالحــرب هـي أنبـل رياضة لدى ســادة الحـروب‪ .‬‬ ‫ن كل الشحوم‪ ،‬التي لم يستطع‬ ‫ولبد من العتراف للزعيــم العراقي بُبعــد النظر‪ ..‬والرجــل‪ ،‬كما تشهد لــه القصيدة‪ ،‬التي‬ ‫"فقعنا بها"‪ ،‬يوم "واقعة الُعلــوج"‪ ،‬كان يستعد ّ حقــا ً لمنازلـة "الوغــــاد"‪ ،‬واثقــا ً تماما ً‬ ‫كان الكواكـب ا ُ‬ ‫باللياقة البدنية لضّباطـه‪ ،‬بحيث صــار في إمكانه أن يدعــو حتى س ّ‬ ‫لخرى‪،‬‬ ‫إلى أن يشهدوا على بطولتـــه‪:‬‬ ‫"أطلق لها السيف ل خوف ول وجل أطلق لها السيف وليشهد لها ُزحل"‬ ‫وللمانــة‪ ،‬فقد التزم الرجل حقًا‪ ،‬هو وذّريته‪ ،‬بنظام الحمّية التي فرضها على ضّباطه‪،‬‬ ‫م بها‬ ‫نظـــرا ً للخ ّ‬ ‫م بها هروبه مع أركان حربه‪ ،‬والرشاقة التي ت ّ‬ ‫منقطعة النظير‪ ،‬التي ت ّ‬ ‫فـة ُ‬ ‫ملة بمليار دولر‪ ،‬من الوراق‬ ‫مح ّ‬ ‫تفريغ خزائن المصرف المركزي‪ ،‬في ثلث شاحنات ُ‬ ‫النقدية‪ ،‬من العملت التي ِقيل عنها يومًا‪ ،‬إنها "صعبـة"‪.‬وقضاياه المفلسة نشعر بخ ّ‬ ‫من‬ ‫عن كاهله مشكلت حملها عمرا ً بكامله‪ ،‬بعدما عثر لها أخيرا ً عن حلول‪ ،‬وإنما خفة َ‬ ‫تخّلص أخيرا ً من أوهامه‪.‬‬ ‫مأتم الحلم‬ ‫استوقفني قول للكاتبة كارولين أهيم‪" :‬الحصول على دماغ يستطيع الكتابة‪ ،‬معناه‬ ‫الحصول على دماغ يعذبك"‪ .‫م من الجينات الغبّية‪ ،‬التي تولد بها البنت الجزائرية‪ ،‬خاصة أنها بحكم هذه‬ ‫وروا هذا الك ّ‬ ‫تص ّ‬ ‫معّرضة للسمنة‪ ،‬حسب‬ ‫ية‪،‬‬ ‫قض‬ ‫أو‬ ‫ثــورة‬ ‫بسبب‬ ‫الدائــم‬ ‫وقلقها‬ ‫الثورية"‪،‬‬ ‫وهات‬ ‫"التش‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫دراسة أميركية حديثة‪ ،‬أثبتت أن نسبة شحوم البطن والردفين‪ ،‬قد تزداد عند المرأة‪ ،‬مع‬ ‫ن‬ ‫ازدياد قلقها‪ ،‬ما يجعل حياتها ُ‬ ‫عرضة للخطر‪ ،‬المــر الذي أوصلني إلى استنتاج‪ ،‬أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫مثقلة منذ نصف قرن بقضايا‬ ‫مــة العربّيـة"‪ ،‬ال ُ‬ ‫مصائــب العــرب كّلها تعــود إلى "أرداف ال ّ‬ ‫م في كل‬ ‫م والُغبن‪ .

‬‬ ‫ُيحاسبه عليها العالم المتح ّ‬ ‫قها‪ ،‬وهو منذور لمزاجية‬ ‫كيف في إمكان الكاتب العربي أن يكون ضمير المة ولسان ح ّ‬ ‫الحاكم وُأمية الرقيب وأهواء القارئ‪ ،‬الذي أصبح بدوره رقيبا ً يعمل لحسابه الشخصي‪ ،‬وقد‬ ‫ونك‪ ،‬محّرضا ً الشارع عليك‪ ،‬فتخرج مظاهرات تطالب‬ ‫يتكفل بإصدار فتوى تك ّ‬ ‫فرك أو ُتخ ّ‬ ‫وابة المحاكم وغرف‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫والعشرين‬ ‫الواحد‬ ‫القرن‬ ‫تدخلك‬ ‫و‬ ‫قلمك‪،‬‬ ‫بسفك دمك وكسر‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫التحقيق والسجون؟ يقول برناردشو‪" :‬الوطن ليس هو فقط المكان الذي يعيش فيه‬ ‫قولة تجعلنا نكتشف‬ ‫النسان‪ ،‬بل هو المكان الذي ُتكفل فيه كرامته وُتصان حقوقه" وهي م ُ‬ ‫من ُيتم أوطان لسنا مواطنين فيها فكيف نكون فيها ك ُّتابًا‪ ،‬ونحن نقيم في‬ ‫ما ُنعانيه ِ‬ ‫ونا مذعورين من زمن ثقافة الشارب العريض‪،‬‬ ‫لت‬ ‫خارجين‬ ‫الحرية‪،‬‬ ‫وضواحي‬ ‫الدب‬ ‫ضواحي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫مع حــذاء الحاكم‪ ،‬وُتبّيض جرائم قُطاع طرق التاريخ‪ ،‬لنقع في ف ّ‬ ‫خ‬ ‫والقصائد التي ُتل ّ‬ ‫مهيمنة ول ُ‬ ‫العولمة‪ .‬‬ ‫لقد اختصر محمد الماغوط‪ ،‬نيابة عن كل المبدعين العرب‪ ،‬سيرته الحياتية في جملة‬ ‫ت مذعورًا‪ ..‬مسدسا ً ذهبيا ً تطلق به النار على ماضيك؟ وقد قال أبو‬ ‫ن أطلقت نيران مسدسك على الماضي‪ ،‬أطلق المستقبل نيران‬ ‫الطالب الدمستاني "إ ْ‬ ‫ملي‬ ‫مدافعه عليك" ول أدري كيف في إمكاننا إنقاذ المستقبل‪ ،‬دون أن نعي الواجب التأ ّ‬ ‫للمبدع ودوره في حماية الهوية العربية‪ ،‬ذلك أن معركة اللفية الثالثة ستكون ثقافية في‬ ‫ُ‬ ‫فلين أمام هيمنة ثقافية‪ ،‬ل يمكن أن تكون‬ ‫مستغ َ‬ ‫مغفلين ول ُ‬ ‫الدرجة الولى‪ ،‬وعلينا أل ّ نكون ُ‬ ‫بريئة‪.‬لقد رحلوا صوب "الزرق المستحيل" بحسب تعبير‬ ‫الصديق صالح القزاز‪ ،‬الذي لم أكتب شهادة فيه يوم باغتني خبر موته‪ ..‬فريسة للثقافات ال ُْ‬ ‫طغاة من نوع جديد‪ ،‬ل يأتونك على ظهر دّبابة‪ ،‬إنما‬ ‫يهدونك مع رغيف البنك الدولي‪ ..‬سيأتون حتما ً لنقل رماد غربتك‬ ‫أكره أن أكتب مثل هذه الشهادات‪ .‬‬ ‫ن المبدع والمثقف العربي‪ ،‬هو آخــر صرح بقي واقفا ً في وجه بعض ح ّ‬ ‫كام‪ ،‬ل ينتظرون إل ّ‬ ‫إ ّ‬ ‫غفوة أو غفلة منه ليسّلمونا شعوبا ً وقبائل إلى الغرب‪ ،‬على طبق العولمة أو التطبيع وهذا‬ ‫د"‪ ،‬قد يأتي يوم ل يجد فيه قضية‬ ‫دد نفسه منذ أجيال "مبدع الض ّ‬ ‫المبدع العربي‪ ،‬الذي ح ّ‬ ‫عمق الكارثة!‬ ‫عربية تستحق منه مش ّ‬ ‫قة النضال‪ ،‬ويومها سنبلغ ُ‬ ‫محمد ديب‪ .‬فهل الذين لم نلتق بهم من المبدعين يتركون فينا أثرا ً‬ ‫المو ّ‬ .‬وربما لن في كل شهادة نكتبها عنهم‪ ،‬نحن‪ ،‬ل نرثي سوانا‪ .‬وسأموت مذعورًا" فالمبدع العربي‪ ،‬مازال ل يشعر بالمان في‬ ‫واحدة‪" :‬ولد ُ‬ ‫دد اليوم قبل سجن كاتب أو اغتياله‪ ،‬فليس هذا كرما ً‬ ‫بلد عربي وإذا كان بعض النظمة يتر ّ‬ ‫أو ُنبل ً منه‪ ،‬وإنما لن العالم تغّير وأصبحت الجرائم في حق المبدعين ل تمّر بسّرية‪ ،‬بل قد‬ ‫ضر‪ ،‬كلما جاءه مقدما ً قرابين الولء له‪ ،‬طالبا ً النتساب إليه‪.‬ربما لن وقع رحيله‬ ‫ي كان مختلفا ً في فاجعته عن وقع كل الذين عرفوه‪ ،‬لكونه الصديق الذي لم ألتق به‬ ‫عل ّ‬ ‫ً‬ ‫يوما‪ ،‬والذي علقت رنة ضحكته بهاتفي‪ ،‬وبعدها بثلث سنوات‪ ،‬علقت نبرة حزنه المكابر‬ ‫دع استشعارا ً بساعة الرحيل‪ .‫من في فاجعة اكتشافنا‪ ،‬أنه لم يعد في إمكان أحد أن يبيعنا بعد الن قضية‬ ‫سعادتنا تك ُ‬ ‫جديدة‪ ،‬مقابل أن يسرق من عمر أبنائنا جيل ً أو جيلين آخرين فالشعارات ال ُْ‬ ‫معّلبة‪ ،‬الجاهزة‬ ‫دة صلحيتها‪ ،‬وأصبحنا نعرف من أي "سوبرماركت"‬ ‫للستهلك التي عشنا عليها‪ ،‬انتهت م ّ‬ ‫ونا الطبيعي‪،‬‬ ‫نم‬ ‫ومنع‬ ‫تسميمنا‬ ‫مقابل‬ ‫ومازال‪،‬‬ ‫بعضهم‪،‬‬ ‫استوردها أولياء أمورنا‪ ،‬وكم تقاضى‬ ‫ّ‬ ‫واختراع حروب وكوارث لبقائنا أذ ّ‬ ‫لء‪ ،‬فقراء‪ ،‬ومرعوبين‪..‬ربما لنها اعتراف بأن من حسبنا البداع يمنحهم مناعة‬ ‫ضد الموت‪ ،‬يموتون أيضًا‪ ..‬أما‬ ‫هم‪ ،‬فما عادوا معنيين بما نقوله عنهم‪ .

‬مالك حداد‪ .‬ومحمد ديب لم ينس أنه زار الجزائر سنة ‪ 1981‬مريضا ً منهكًا‪ ،‬وطلب‬ ‫من الشركة الوطنية للنشر والتوزيع‪ ،‬التي كانت تنفرد وحدها آنذاك بسوق الكتاب‪ ،‬أن‬ ‫تشتري حق نشر كتبه من دار "سوي" وأن تنشر كتبه المقبلة في الجزائر‪ ..‬لنني أحتاجهم قدوة من أجل البقاء على قيد الكتابة‪ ،‬ولكي تبقى قامتي الدبية‬ ‫منتصبة بفضلهم‪ .‬سكت محمد ديب‪.‬‬ ‫"لول البحر‪ ،‬ولول النساء‪ ،‬لبقينا أبد الدهر يتامى‪ .‬‬ ‫أخيرا ً اكتشفت من مقال للكاتب جيللي خلص‪ ،‬ذلك النزاع الذي وقع بين محمد ديب وبين‬ ‫منشورات "سوي" الشهيرة التي طلبت من الكاتب تغيير طريقة كتاباته‪ ،‬والتخلي عن‬ ‫طروحاته الفلسفية كي يحظى بإقبال أكبر لدى القراء‪ ..‬‬ ‫و"ثلثية" محمد ديب التي صنعت منه في البداية "بالزاك الجزائر"‪ ،‬وجعلت الجزائريين‬ ‫يعيشون في السبعينات حال انخطاف وهم يتابعون تحويل تلك الرواية الى مسلسل أشعل‬ ‫النار في التلفزة الجزائرية‪ ،‬لفرط صدقه في نقل الهوية الجزائرية ووصفها بحيث لم‬ ‫يضاهه جودة حتى اليوم أي عمل سينمائي جزائري‪ ...‬في ذلك المسلسل اكتشفت محمد‬ ‫ديب الذي علقت نيرانه بتلبيب ذاكرتي‪ ،‬وصنعت وهج اسمه في قلبي‪ .‬‬ ‫فقد أمدني بها ناشري هدية ليقنعني بمكانة مؤّلفيه الجزائريين اللذين هما محمد ديب‬ ‫وآسيا جبار‪ ،‬من دون أن يدري انه رفعني بكتاب الى قامة كاتب كان يكفيني فخرا ً أن‬ ‫أجالسه يومًا‪."!.‬وهذا‪ ،‬من‬ ‫حسن الحظ حفظ الكثير منا‪ ..‫أكثر من الذين عرفناهم؟‬ ‫بعض أصدقائي من الكّتاب الذين اغتيلوا في الجزائر مثل يوسف سبتي والطاهر جاعوط‪،‬‬ ‫وبعض الذين ماتوا في غيبتي‪ ،‬تقبلت موتهم بواقعية أكثر‪ ،‬ربما لنهم جيل قابل للموت‪.‬مولود معمري‪ .‬فاستنادا ً الى قانون‬ ‫جزائري كان يمنع آنذاك تسديد حقوق التأليف بالعملة الصعبة لي جزائري‪ ،‬رفض وزير‬ ‫الثقافة في تلك الحكومة )الفائقة الحرص على أموال الشعب( نجدة أحد أعلم الجزائر‬ ‫وكبار مبدعيها‪ .‬غير أن محمد ديب الذي ما كان‬ ‫معنيا ً مثل بعض الكّتاب المغاربيين المقيمين في فرنسا‪ ،‬بكسب قلوب القراء الفرنسيين‬ ‫ضل بدل تغيير مساره الفلسفي‪ .‬‬ ‫هذا ما جاء في كتابه "من يذكر البحر؟"‪ ..‬‬ ‫أما رموز الدب الجزائري ومؤسسو المجد الدبي للجزائر‪ ،‬فما زلت أتعامل معهم كما لو‬ ‫كانوا أحياء‪ ....‬جميلين كانوا‬ ‫في أنفتهم وعزة نفسهم وشجاعة رأيهم‪ ،‬جميلين في نبوغهم وبساطتهم‪ .‬ذلك ان تكريم الكاتب بحسب جبران‪ ،‬ليس في أن تعطيه ما يستحق‪ ،‬بل في أن‬ ‫تأخذ منه ما يعطي‪ .‬أما نحن فنسأل‪ :‬من يذكر "الحريق"؟ ‪.‬‬ ‫فاجأه الصمت تحت "شجرة الكلم"‪ ،‬هو الذي أصبح حديثه إلينا حدثًا‪ ،‬كان مشغول ً عنا‬ ‫بغور بحر السئلة التي لم تزد كلماته إل ملحًا‪.‬‬ ‫من يومها ومحمد ديب يزداد توغل ً في منفى أراده وطنا ً لمرارة أسئلته‪ ،‬وقد أفضى به الى‬ ‫"شجرة الكلم" و"ثلوج الرخام"‪..‬تغيير دار نشره!‬ ‫وجيوبهم‪ ،‬ف ّ‬ ‫يبقى أن الجزائر التي كانت تستعد بمناسبة سنة الجزائر في فرنسا للحتفاء بمحمد ديب‬ ‫بما يليق بمقامه‪ ،‬من خلل ملتقى دولي وتظاهرات متعددة على ضفتي البحر البيض‬ ‫المتوسط‪ ،‬جاء تكريمها له متأخرًا‪ ،‬حتى لكأن محمد ديب أراد بموته أن يستبقه ترفعا ً‬ ‫وقهرًا‪ ..‬محمد ديب‪ .‬فقد غمرننا بملح ألسنتهن‪ ......‬‬ ‫بحكم أنهم من جيلي‪.‬ول بد من أن نجاهر بذلك في يوم من اليام‪.‬غير ان‬ ‫استقبالها الحار له‪ ،‬وتفهمها لطلبه‪ ،‬لم يؤديا الى نتيجة‪ .‬وارتأت الدولة ان حقوق مؤلف قد تخرب ميزانية الجزائر‪ ،‬وان ل بأس‬ ‫لسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية من إعادته الى منفاه خائبا ً مجروح الكرامة‪.‬كاتب ياسين‪ ..‬آخر هؤلء الكبار ذهب الى نومه الخير‪ .....‬‬ ‫ً‬ ‫مات صاحب "الحريق"‪ .‬فهم من جيل‬ ‫علمته الثورة التواضع أمام الوطن‪ ،‬الوطن الذي علمته الثورة انه أكبر من أن يولي‬ ‫اهتماما ً بأبنائه أو يدلل مبدعيه‪ .‬واليوم سيأتون‪ ،‬حتما سيأتون لنقل رماد غربته في صندوق محكم‬ .‬ولم تشفع له الوثائق الطبّية التي‬ ‫احضرها لثبات حاجته الى العملة الصعبة لكي يعالج في باريس‪ .‬وعندما‪ ،‬بعد ثلثين‬ ‫سنة‪ ،‬أصبحت بدوري كاتبة جزائرية تصدر أعمالها مترجمة في إحدى كبرى دور النشر‬ ‫الفرنسية‪ ،‬كانت مفاجأتي ومفخرتي في كونها الدار التي تصدر عنها أعمال محمد ديب‪.

‬وسيكون لسان حاله‪ ،‬قول الخطل الصغير‪" :‬أرجو‬ ‫أن يترك نعشي مفتوحا ً عند قدمي‪ ،‬لنهم سيمنحونني يومئذ وسامًا‪ ..‫الغلق على مرارته‪ ،‬يغطيه علم الجزائر وسيمنحونه وسامًا‪ .‬‬ ‫شخصيًا‪ ،‬كنت في صباي منبهرة بصورة أميركا‪ ،‬كما كانت تبدو لي في أفلم مارلين مونرو‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫دق فرانك سيناترا‪ ،‬المغترب‬ ‫وفريد استير‪ ،‬عندما كان يرقص تحت المطر‪ ،‬وكنت أص ّ‬ ‫اليطالي‪" ،‬المافيوزي"‪،‬الذي أصبح في ما بعد البن الشرعي لميركا وصوت أحلمها‪ ،‬يوم‬ ‫كان يغني أغنيته الشهيرة "‪ ،"New York.‬‬ ‫ي أن أزور نيويورك لكتشف أميركا ولنني ل‬ ‫صديقتي رنـــا إدريس قالت وقتها‪ ،‬إنه كان عل ّ‬ ‫قه التاريخي‪ ،‬فلقد تركت له شرف‬ ‫ُأصّر على مشاركة كريستوف كولومبوس‪ ،‬سب ْ َ‬ ‫اكتشافها‪ ،‬خاصة أن ذلك حدث عام ‪ ،1492‬أي في السنة نفسها‪ ،‬التي سقطت فيها‬ ‫غرناطــة‪. New york‬التي يقول مطلعها‪ ،‬ببهجة‬ ‫المغترب المسافر نحو أرض أحلمه "اشيعوا الخبر‪ .‬‬ ‫م‬ ‫ورنـــا ابنة "منهـــل" دار الداب‪ ،‬ربما لم تسمع بمقولة صمويل جونسون‪ ،‬الذي وضع أه ّ‬ ‫قاموس في النجليزية‪ ،‬وكان يشهر كراهيته لنيويورك والميركيين‪ ،‬قائ ً‬ ‫ل‪" :‬عندما طرد‬ ‫ن الجزيرة الباردة تخلو من‬ ‫القديس باتريك الفاعي من آيسلندا )وهي ُ‬ ‫خرافة أساسها أ ّ‬ ‫الفاعي(‪ ،‬سبحت كّلها إلى نيويورك‪ ،‬وانضمت إلى الشرطة فيها"‪ .‬وربمـا كان‬ ‫يقــول غوتــه‪" :‬إ ّ‬ ‫هذا الكلم صحيحا ً‬ ‫ن أجمل العمال البداعية‪ ،‬سواٌء أكانت أدبا ً أم أعمال ً‬ ‫إ‬ ‫حتى‬ ‫أيامه‪،‬‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫دك‪ ،‬فتكتشف‬ ‫تشكيلية‪ُ ،‬ولدت على سفر‪ ،‬لحظة النبهار الول‪ ،‬الذي يضعك أحيانا أمام ض ّ‬ ‫نفسك أثناء اعتقادك أنك تكتشف الخر‪.‬ويكتبون مقالت كثيرة في‬ ‫جمالية عودة البن الضال الى "وطنه"‪ .‬وسألبط بقدمي ذلك‬ ‫الوسام!"‬ ‫مسافر زاده الشبهات‬ ‫ن أفضل ثقافة‪ ،‬هي تلك التي يكتسبها النسان من الرحلت"‪ ..‬‬ ‫ولن كولومبوس كان يؤمن بكروّية الرض‪ ،‬فقد ذهب بسفينته في التجاه الخاطئ على‬ ..‬‬ ‫غير أني عندما تجاوزت سن تصديق الغاني‪ ،‬جعلتني أفلم العنف الميركي اليومي‪ ،‬أزهد‬ ‫في زيارة أميركا‪ ،‬وأخاف على أولدي من القامة فيها وعندما زرت واشنطن منذ سنتين‪،‬‬ ‫بدعوة من جامعة "ميري لند"‪ ،‬لم ُأغادر المدينة الجامعية إل ّ قلي ً‬ ‫ل‪ ،‬خوفا ً آنذاك على نفسي‬ ‫من يخافه الميركيون ويش ّ‬ ‫كون فيه‪ ،‬بعد أن أصبح النسان العربي‬ ‫ولو عدت اليوم لكنت َ‬ ‫مشبوها ً ومنبوذا ً بمقاييس الكراهية المشروعة‪.‬وهو أمر لم يكن‬ ‫لُيطمئن امرأة جبانة مثلي!‬ ‫فل ملكا إسبانيا‪،‬‬ ‫وكان كولومبوس قد أبحر في سفينته الشهيرة "سانتا ماريا"‪ ،‬بعد أن تك ّ‬ ‫إيزابيل وفرديناد‪ ،‬بتمويل رحلته‪ ،‬احتفاًء بانتصارهما على العرب‪ ،‬بعد أن ساعد زواجهما‬ ‫وات السبانية‬ ‫على توحيد الممالك السبانية‪ ،‬وإسقاط غرناطة‪ ،‬التي صمدت في وجه الق ّ‬ ‫أكثر من غيرها من المارات‪..‬إني مغادر إلى نيويورك"‪.‬‬ ‫ذى سابقا ً‬ ‫ن الوكالت السياحية‪ ،‬لم تترك اليوم من هامش للتيه السياحي‪ ،‬الذي غ ّ‬ ‫غير أ ّ‬ ‫ً‬ ‫فل التلفزيون مشكورا‪ ،‬بأن يوّفر علينا مشقة السفر ومفاجآته السيئة‬ ‫"أدب الرحلت"‪ ،‬وتك ّ‬ ‫أحيانا ً إذ أصبحنا نعرف كل شيء عن بلدان لم نزرها‪ ،‬وأحيانا ً نعرف عنها ما يكفي‪ ،‬كي‬ ‫نعدل عن زيارتها‪.

.‬كم استهلكت من‬ ‫مناشف؟ وهل عن ابتهاج عاطفي‪ ،‬كعادتك‪ ،‬اقتنيت طقما ً جديدا ً من أفخم الشراشف؟‬ ‫ي فاخر على طاولة صالونك؟‬ ‫وهل تشي بك صباحا ً مباهج السهر‪ ،‬وبقايا نبيذ فرنس ّ‬ ‫***‬ ‫ُ‬ ‫سس مع ساعتك السويسرية‪ ،‬المفرطة في الدقة‪ ،‬عساها تقدم لي‬ ‫لبد أن أبرم صفقة تج ّ‬ ‫تقريرا ً عن عدد الدقائق‪ ،‬التي تنشغل فيها عني‪ ،‬والمّرات التي تلقي نظرة عليها‪ ،‬متسعجل ً‬ ‫موعدا ً مع غيري‪ .‬‬ ‫أن ير ّ‬ ‫دمك‪ ..‬وسكرتيراتك‪ .‬‬ ‫فق لك ما يكفي من الّتهم‪ ،‬إلى حد ّ إقناعهم بإلغاء جميع رحلتك‪ ،‬وتصوير مفكرة‬ ‫سُأل ّ‬ ‫تليفوناتك‪ ،‬وحجز مفاتيح بيوتك‪ ،‬وجواز سفرك الخضر‪.‬‬ ‫ولست هنا ُ‬ ‫ن زمن السياحة البريئة قد انتهى‪،‬‬ ‫إ‬ ‫فقط‪،‬‬ ‫لقول‬ ‫لناقش الرجل رأيه‪ ،‬بل‬ ‫ّ‬ ‫بالنسبة إلى المواطن العربي‪ ،‬الذي نزلت أسهمه في بورصة السفريات العالمية‪ ،‬ولم تبقَ‬ ‫له من ثقافة الرحلت إلى الغرب‪ ،‬إل ّ ذكرى الخوف الحدودي‪ ،‬ومن "أدب الرحلت" إل ّ قّلة‬ ‫أدب اللت الكاشفة لمتعته‪ ،‬و ُ‬ ‫غرف التفتيش التي يدخلها حافيا ً من حذائه‪ ،‬والنظرات‬ ‫الخارقة لنواياه‪ ،‬والهانات المه ّ‬ ‫قاها في شكل أسئلة‪...‬لبد أن استجوب أحذيتك اليطالية فائقة الستعلء‪ ،‬كي تعترف لي تحت‬ ‫التهديد بالعناوين التي تقصدها‪ ،‬عندما ل أكون معك‪ ،‬والمشاوير التي تأخذك إليها لتلتقي‬ ‫سواي‪..‬لو فشل ُ‬ ‫ث ّ‬ ‫من يقبل أن يبيعني أسرارك‪ ،‬سأشي بك إلى‬ ‫قبلي‪،‬‬ ‫اشتريتهم‬ ‫أن‬ ‫سبق‬ ‫من‬ ‫بين‬ ‫من‬ ‫أجد‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حد يوما ً عن‬ ‫وكالة الستخبارات الميركية‪ ،‬لكونك رجل ً طاعنا ً في الرهاب العاطفي‪ ،‬لم ي ِ‬ ‫“القاعدة”‪ ،‬التي ُتجيز للعاشق خطف طائرة‪ ،‬للوصول في الوقت إلى موعد‪.‬ولم‬ ‫مة حاجاتك‪ ،‬وطاقم خ َ‬ ‫ت في شراء ذ ّ‬ ‫م‪ .‬‬ ‫ذبة‪ ،‬التي يتل ّ‬ ‫ً‬ ‫وعلى العربي الذي يسافر إلى الغرب أن يكون جاهزا‪ ،‬ليجيب عن شبهة بقائه على قيد‬ ‫دته!‬ ‫العروبة‪ ،‬ولماذا هو لم يشهر حتى الن ر ّ‬ ‫مطالب عاشقة عربية في عيد الحب‬ ‫لبد ّ أن أعثر على طريقة‪ ،‬أرشو بها سكرتيرتك الفرنسية شديدة التكّتم‪ ،‬كي تبوح لي‬ ‫بقائمة مواعيدك‪ ،‬بأسرار رزنامتك وتواريخ أسفارك‪ .‬‬ ‫ض‬ ‫عندها فقط‪ ،‬يمكنني اقتيادك إلى أحد معسكرات العتقال العاطفي‪ ،‬وعقد جلسة لف ّ‬ ‫النزاع مع قلبك العربي‪ ،‬الذي عند ك ّ‬ ‫ل نقطة تفتيش عاطفي‪ ،‬يمتطي صهوة غضبه‪ ،‬ويشهر‬ .‬‬ ‫دائم الفضول‪ ،‬عساه يشي لي بأيام قدومك‪ ،‬بوضعك الصحي‪ ،‬وبهيأة َ‬ ‫لبد أن أشتري ثرثرة شغالتك الفلبينية‪ ،‬لتشكو لي عاداتك في غيابي‪ .‫ي‬ ‫أيامه‪ ،‬واكتشف أميركا‪ ،‬وهو يعتقد أنه اكتشف الهند طبعًا‪ ،‬ما كان المسكين يدري إلى أ ّ‬ ‫حد ّ سُيغّير اكتشافه العالم‪ ،‬بعد قرون من ذلك التاريخ فقد كانت أميركا يومها قارة ضائعة‬ ‫في المحيط‪ ،‬تحكمها رماح الهنود الحمر‪ ،‬وتصول وتجول فيها خيولهم‪ ،‬وتغ ّ‬ ‫طي صحراءها‬ ‫مة ما يشي بأن تنبت فيها يوما ً ناطحات سحاب‬ ‫نباتات عملقة من شجر الصّبار وما كان ث ّ‬ ‫دى السماء‪ ،‬أو أن تظهر حضارة تكنولوجية خارقة تغزو العالم وتحكمه وهو ما جعل‬ ‫تتح ّ‬ ‫ُ‬ ‫جورج كليمنصو‪ ،‬وزير دفاع فرنسا‪ ،‬أثناء الحرب العالمية الولى‪ ،‬يقول‪" :‬أميركا هي البلد‬ ‫الوحيد في العالم‪ ،‬الذي انتقل بمعجزة من مرحلة الهمجية‪ ،‬إلى مرحلة النحلل‪ ،‬من دون‬ ‫أن يمر بمرحلة الحضارة الوسيطة"‪.‬لبد ّ أن أغوي يوما ً بوابك البرتغالي‬ ‫من يأتون لزيارتك‪.‬‬ ‫لبد لهاتفك الياباني‪ ،‬أن ينضم إلى فريق جواسيسي‪ ،‬أن يغدو عميل ً لي‪ ،‬يختبئ في جيبك‪،‬‬ ‫ن لي كلما طلبت رقما ً غير رقمي‪ ،‬أن يزّودني بصور يلتقطها‪ ،‬حيث تتوقف نظراتك‪.‬وسائقيك‪ .

‬غير الهمجي ول الدموي كأبناء جلدته من المجرمين‪.‬‬ ‫ن البعض أدرك‪ ،‬أنه ل يمكن اختراق الحصون الثقافّية الوروبية بقامة عربية شامخة‪،‬‬ ‫غير أ ّ‬ ‫وأن عليه خلع قناعاته القومية‪ ،‬ودهن جلده بشعارات التسامح‪ ،‬ومناهضة العنف ومباركة‬ ‫عولمة المهانة‪ ،‬ليتم ّ‬ ‫كن من النزلق إلى رفوف المكتبات الوروبية‪ ،‬كنموذج عن العربي‬ ‫الخّير‪ .‬‬ ‫بل إنك ل تنجح في ملمسة وجدان نقيضك الخر‪ ،‬إل ّ بقدر ذهابك نحو العمق في ذاتك‬ ‫عقدا ً وفضائح يملك‬ ‫مل ّ‬ ‫فقة لعروبتك‪ ،‬و ُ‬ ‫وفي خصوصيتك‪ ،‬من دون الحاجة إلى أن تبيعه عيوبا ً ُ‬ ‫الغرب ما يفوقها‪.‬‬ ‫في زمن النزوح إلى اللغات الجنبية‪ ،‬بحثا ً عن ملذ آمن ومكسب سريع وجوائز سمينة‪،‬‬ ‫مة عشرات الكّتاب العرب الذين يقاومون‪ ،‬على حسابهم‪ ،‬النداء السحري لحوريات‬ ‫ث ّ‬ ‫الفرانكوفونية‬ ‫والنجلوساكسونية وغيرهما‪ ،‬دفاعا ً عن لغة أضحت كأبنائها مّتهمة بكونها لغة الدم‪ ،‬وحاضنة‬ ‫ما ح ّ‬ ‫س‪ ،‬حسب تصريح حديث لكاتبين فرانكوفونيين‬ ‫جينات الرهاب‪ ،‬وسببا ً ل ِ َ‬ ‫ل بنا من مآ ٍ‬ ‫ما الثاني‪،‬‬ ‫من المغرب العربي‪ ،‬أدلى أحدهما بتصريحه هذا في معرض الجزائر للكتاب‪ ،‬أ ّ‬ ‫عرف عنه من انتهازية أدبية وتوظيف قلمه لمسح أحذية القدام الغربية والسرائيلية‪،‬‬ ‫بما ُ‬ ‫ً‬ ‫ل أن ُيفتتح‬ ‫ن في الصحافة اللمانية هجوما على الدب العربي وكّتابه‪ ،‬من قب ِ‬ ‫فقد ش ّ‬ ‫معرض فرانكفورت‪ ،‬في مقال له باللمانية عنوانه “سيرك العرب في فرانكفورت”‪ .‬‬ ‫كّلي ثقة بمعجزاتك‪....‬يا شفيع المحبين والعشاق‪ ...‬تجد هنا نسخة عن قائمة بطلبات‬ ‫عاشقة عربية‪ ،‬ل حول ول قوة لها‪ ،‬في مواجهة العولمة العاطفية‪.‬العربية‪.‬ولقد‬ ‫حضرت لهذا الكاتب قراءات من روايته الجديدة‪ ،‬التي تدور )أيضا ً وأيضًا( حول سنوات‬ ‫ال ّ‬ ‫ظلم والتعذيب في السجون المغربّية منذ أكثر من ربع قرن‪ ،‬ولم أستطع الستماع إليه‬ .‬‬ ‫ولول العناية اللهية التي وضعت جائزة نجيب محفوظ في طريقي‪ ،‬وجعلت بالتالي من‬ ‫ل أن أرى أعمالي‬ ‫الجامعة الميركية في القاهرة وكيلي الدبي‪ ،‬لربما كنت مــ ّ‬ ‫ت من قب ِ‬ ‫مترجمة إلى لغة أجنبية‪ .‬‬ ‫متر َ‬ ‫العربي ضيف الشرف هذا العام‪ ،‬كي أتنّبــه إلى كوني غير ُ‬ ‫ْ‬ ‫دمة في هذا اللقاء‪،‬‬ ‫مق ّ‬ ‫حتى إنني كدت أعتذر لفريق العاملين على ترجمة النصوص ال ُ‬ ‫لكوني كاتبة محدودة اللسن‪ ،‬مقارنة بقائمة اللغات التي يشهرها في وجهك كّتاب‬ ‫ججون بجيش من المترجمين‪ ،‬قصد الذهاب لمنازلة اللغات الجنبية‪ ،‬في معركة قد‬ ‫مد ّ‬ ‫مطارد بكل الوسائل ال ُْ‬ ‫يتغّيب عنها القارئ الغربي ال ُْ‬ ‫متاحة في ظرف كهذا‪.‫م بقتلي‪ .‬قبل أن ُيحاكمني‪..‬‬ ‫مطلوب "شرطة آداب"‬ ‫كان لبد أن ُأدعى إلى المشاركة في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب‪ ،‬حيث العالم‬ ‫جمة إلى اللغة اللمانية‪.‬وما كان أمر الترجمة ليؤّرقني‪ ،‬أو يهّز مضجعي الدبي‪ ،‬فأنا أكتب‬ ‫للقارئ العربي‪ ،‬وهو الذي كّرسني باقتناء ما يقارب الثلثمئة ألف نسخة من مجمل أعمالي‬ ‫مة زهو ل يعادله زهو‪ ،‬أن تكون مقروءا ً أول ً بلغتك ومن أبناء‬ ‫مقرصنة(‪ .‬‬ ‫ن تختار منذ البدء‪ ،‬لمن أنت تكتب؟ ولماذا؟ حتى ل تفقد بوصلة الكتابة أثناء‬ ‫ن عليك أ ْ‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫مطاردتك قارئين نقيضين‪.‬‬ ‫سيف غيرته‪ ،‬ويه ّ‬ ‫خاص‪:‬‬ ‫أّيها القديس فالنتاين‪ .‬وث ّ‬ ‫)عدا الّنسخ ال ْ ُ‬ ‫ُأمتك‪ ،‬وأن تصّر على الكتابة بهذه اللغة المحفوفة بالمخاطر‪ ،‬المسّيجة بالنوايا المبّيتة‬ ‫والسكاكين المشحوذة‪ ،‬وأن تكون جاهزا ً إن اقتضى المر للموت‪ ،‬مقابل حفنة من‬ ‫الكلمات‪ .

..‬حب ّا ً وكراهية‪ ،‬التي تصنع ُأسطورة الحب‪ ،‬وُتحّبب للمحّبين عذابه وتقّلباته‬ ‫ن‬ ‫فـ"من ده وده‪ .‬‬ ‫ح ّ‬ ‫وه الحلم فينا‪ ،‬وتجعل ال ُ‬ ‫واكتشافات تش ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ن الحب سوى البدايات"‪.‬لحتمّية الفقدان‪ ..‬وهو‬ ‫من أجمل أقوال المام علي )كّرم الّله وجهه(‪ ،‬قوله‪" :‬أح ّ‬ ‫من شئت فأن َ‬ ‫ب َ‬ ‫ُيذ ّ‬ ‫مقبل إدبار وك ّ‬ ‫كرنا بقول آخر له‪" :‬لك ّ‬ ‫ن علينا أن نعيش‬ ‫مدبرٍ كأن لم يكن"‪ .‬‬ ‫العتقال العاطفي‪ ،‬وتعذيبه عشقا ً حد ّ الموت‪....‬‬ ‫معسكرات العتقال العاطفي‬ ‫ت فاقده"‪ .‬لو أن الحب لم يم ِ‬ ‫ب الكبير يموت صغيرًا‪.‬‬ ‫محبين‪ ،‬وما يليه من آلم النهايات ذلك أن الجمل كان لو‬ ‫وما أعنيه هنا‪ ،‬هو فراق ال ْ ُ‬ ‫ض بنا صوب خلفات وشجارات‪،‬‬ ‫استطعنا الحتفاظ بجمالية البدايات‪ .‬‬ ‫وبسبب هذا الواقع الذي انعكس على أغانينا‪ ،‬يصعب إحصاء الجرائم العاطفية في الغاني‬ ‫العربية‪ ،‬التي كثيرا ً ما ُيضاف إليها جريمة هتك المغني ذوق المستمعين‪ ،‬وثقب مسامعهم‬ ‫مى تكاُثر الجمعّيات التي تظهر كل يوم باسم ضحايا الرهاب‪ ،‬وضحايا‬ ‫بعويله وفي ح ّ‬ ‫ددة بالنهيار‪ ،‬اقترح أحد القّراء الجزائريين تشكيل جمعية‬ ‫المه‬ ‫البنايات‬ ‫وضحايا‬ ‫الفيضانات‪،‬‬ ‫ّ‬ .‬لكأ ّ‬ ‫ل ُ‬ ‫ل ُ‬ ‫ددة‪ ،‬ونتهّيأ مع كل امتلك‪ ..‬أجمل أنواع الميتات! وهـي طريقة شا ّ‬ ‫ذة في الحب‪ ،‬ل أتباع لها‬ ‫وهات عاطفية يطول شرحها‪ ،‬عندما ل يجد النسان العربي‬ ‫إل ّ في العالم العربي‪ ،‬حيث لتش ّ‬ ‫ّ‬ ‫حاكما ً يتكفل بتنغيص حياته‪ ،‬وخنق أنفاسه‪ ،‬ورميه في غياهب السجون‪ ،‬يتولى بنفسه أمر‬ ‫حب ًّا‪ ،‬بعد إدخاله إلى معسكرات‬ ‫البحث عن حبيب طاغية جّبار‪ُ ،‬يسّلمه روحه كي يفتك بها‪ُ .‬‬ ‫مة أسماء نسائية ورجالية مكّرسة‬ ‫البعض عثر على أوطان جاهزة للتصدير في كتاب‪ ..‬وكما يقوم نزار قّباني‬ ‫السعادة كلحظة مه ّ‬ ‫ب‪ ،‬علينا أن نقوم يوميا ً بالتمّرن على فاجعة ِفراق أقرب الناس‬ ‫الح‬ ‫في‬ ‫بـ"تمارين" يومّية‬ ‫ّ‬ ‫وي عضلة القلب‪ ،‬بالنقطاع فترة عن الذين‬ ‫إلينا‪ ،‬كي ُنحافظ على لياقتنا العشقّية‪ .‬وث ّ‬ ‫غربيًا‪ ،‬لنها كّرست الصورة التي يحلو للغرب أن يرانا عليها‪ .‬منذ‬ ‫ثلثة عقود‪.‬أسماء بنت مجدها على‬ ‫نهشنا‪ ،‬وفي أحسن الحالت‪ ،‬على بيع صورة فلكلورية ُأعيد طبخها أدبيًا‪ ،‬لمجتمعات ما‬ ‫عادت ُتشبهنا‪ ،‬بل توّقف بها الزمن‪ ،‬حيث توّقفت ذاكرة ُأولئك الكّتاب مع أوطانهم‪ .‫خرة‪ ،‬بعد أن فرغت‬ ‫مصه بطولة متأ ّ‬ ‫أكثر من عشر دقائق‪ ،‬لفرط غيظي‪ ،‬ولفرط تق ّ‬ ‫السجون المغربّية من أسراها‪ ،‬وامتلت جيوبه من استثمار مآسيهم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وس العالمية والنتشار‪ ،‬إلى حد ّ نسيان قضيته الولى ككاتب‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫مة َ‬ ‫نث ّ‬ ‫من أصيب بهَ َ‬ ‫مة إلقاء القبض على القارئ الغربي‪ ،‬بذريعة أنه بحكم سطوة اسمه‬ ‫بمه‬ ‫واستبدالها‬ ‫عربي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫غدا وكيلنا الحصري لتقديم صورتنا للغرب‪..‬‬ ‫ب ِ‬ ‫وبرغم هذا‪ ،‬ل أوافق محمود درويش‪ ،‬حين يقول "ل أح ّ‬ ‫م َ‬ ‫ب‪ ،‬إنها ذلك الذهاب والياب العشقي نحو الحب‬ ‫فليست البدايات هي التي تصنع الح ّ‬ ‫متدافعة ال ُْ‬ ‫متداخلة ال ُْ‬ ‫وداخله‪ ...‬ذلك الكوكتيل العجيب من العواطف ال ُْ‬ ‫متناقضة‪ ،‬مد ّا ً وجزرًا‪،‬‬ ‫صد ّا ً ووص ً‬ ‫ل‪ .‬ونق ّ‬ ‫نحّبهم‪.‬الح ّ‬ ‫مة َ‬ ‫ب كده"‪ ،‬ول مجال لقطف وروده من دون أن ُتدمي يدك بل ث ّ‬ ‫م ْ‬ ‫ب الورد"‪ ،‬وهو نفسه الذي غّنى "مضناك جفاه مرقده‬ ‫ع ََلشان الشوك الّلي في الورد يح ّ‬ ‫معلنا ً من غرفة‬ ‫وبكاه ُ وُر ّ‬ ‫ن ُيزايد عليه في المازوشّية العاطفية‪ُ ،‬‬ ‫وده"‪ ،‬حتى جاء َ‬ ‫م ْ‬ ‫حم ع ّ‬ ‫ً‬ ‫العناية الفائقة للع ّ‬ ‫ت بعدك"‪ ،‬وقد كان موته السريريّ متوّقعا لدى‬ ‫ت إّني م ّ‬ ‫شاق "عش أن َ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل محّبي أغانيه‪ ،‬مذ أعلن في أغنية شهيرة أن "الحب من غير أمل أسمى معاني الحياة"‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ما جعل من الموت حب ّا‪ .

‬‬ ‫نــــزار يرى عكس هذا حين يقول "ُأريد أن أظ ّ‬ ‫ل دائما ً نحلة تلحس العسل عن أصابع‬ ‫قدميك‪ ..‬‬ ‫ب لهم!‬ ‫مش ِ‬ ‫كل في كون العشاق يسعدون بعذابهم‪ ،‬ول أمل في إنقاذهم من استعباد الح ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫موعد مع‬ ‫روما‬ ‫منــذ عقدين وأكثر‪ ،‬وأنـا ُأؤجل موعدي مع رومـــا• فقد كانت مح ّ‬ ‫طة اشتياق تقع بمحاذاة‬ ‫ُ‬ ‫حاتيها‬ ‫مالها‪ ،‬وتاريخ انبهاري بن ّ‬ ‫ت أريد معها لقاًء ُيضاهي جغرافية َ‬ ‫ج َ‬ ‫إقامتي الصيفية• وكن ُ‬ ‫مغّنيها و ُ‬ ‫ب ما•‬ ‫ح‬ ‫بذريعة‬ ‫لدخولها‬ ‫المناسب‪،‬‬ ‫الموعد‬ ‫انتظار‬ ‫على‬ ‫رة‬ ‫مص‬ ‫طهاتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ور ّ‬ ‫ساميها و ُ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ً‬ ‫من‬ ‫فمع مدينة مثل روما‪ ،‬يجتاحك حنين الفتوحات العشقّية• لــــذا‪ ،‬ما وثقت يوما ببراءة َ‬ ‫وق أو اقتناء أحذيــة•‬ ‫يزورها بح ّ‬ ‫جة سياحّية‪ ،‬ول احترمت َ‬ ‫من يقصدها‪ ،‬فقط‪ ،‬بنّية التس ّ‬ ‫رومــــا‪ ،‬كك ّ‬ ‫ل المدن اليطالية‪ ،‬ليست فوق ول تحت ال ّ‬ ‫شبهات• إنها الشبهة ذاتها• تسبقها‬ ‫حــة داليـــدا‪ ،‬وشفتا صوفيا لورين‪ ،‬ووسامة ماستروياني‪،‬‬ ‫ب‬ ‫بها‬ ‫تشي‬ ‫عاطفية‪،‬‬ ‫ذبذبات‬ ‫ّ‬ ‫والغـــراء الغامض لرجال ل أسماء لهم‪ ،‬يرتدون السود وِغوايـــة “المافيوزي”•‬ ‫لــــذا‪ ،‬ما ظننتني أحتــاج سوى إلى افتعال أحلمي لدخولها•‬ ‫مــة حتمــا ً عشق إيطالي ينتظر أيّ زائـــر حــال نزوله من الطائرة• كما انتظر ذلك‬ ‫فث ّ‬ ‫ممسكا ً بفردة حذائها•‬ ‫يــة‬ ‫الحاف‬ ‫ساندريلل‬ ‫المير‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫مـة نوافير وبرك مرمريــة‪ ،‬ستستحم فيها امــرأة خالعــة ُ‬ ‫شبهة حذائها كما في فيلم‬ ‫وث ّ‬ ‫ي المزاج‪ ،‬ترّبى على‬ ‫متوسط‬ ‫جسد‬ ‫تلبيب‬ ‫نيرانه‬ ‫التهمت‬ ‫ب‬ ‫حــ‬ ‫بعد‬ ‫فيتــا”‪،‬‬ ‫“الدولتشي‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫جنات والصلصة الحمراء ذات البهارات الحاّرة‪ ،‬وعلى موسيقى مسكونة بإيقاع‬ ‫مع ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫الشهوات•‬ ‫ولكن‪ ،‬وحده فيلليني استطاع المساك بوهــم روما‪ ،‬وترك لنا شوارع نسيت أسماءها‪،‬‬ ‫مفرطات في الشغف•‬ ‫وأصبحت في ذاكرة أبناء رومــا‪ ،‬تحمل أسماء أفلمه ووجوه نساء ُ‬ ‫مــا ليوناردو دافنشي‪ ،‬فغادر روما ليتوّلى إدارة حركة الهبوط والقلع في مطار يحمل‬ ‫أ ّ‬ ‫محتاليــن‪ ،‬وع ّ‬ ‫شاق‬ ‫و‬ ‫شعراء‬ ‫من‬ ‫أحفاده‬ ‫وترك‬ ‫“الموناليزا”‪،‬‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫عن‬ ‫تقاعد‬ ‫لقد‬ ‫اسمه•‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فلين من الزّوار•‬ ‫فلون باستقبال السّياح والتجار والمغ ّ‬ ‫وثرثاريــن‪ ،‬يتك ّ‬ ‫في سيارة ا ُ‬ ‫ت مشغولة عن متابعة‬ ‫كن‬ ‫رومـــا‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫المطار‬ ‫من‬ ‫تنقلني‬ ‫كانت‬ ‫التي‬ ‫لجــرة‬ ‫ُ‬ ‫دث بها سائقي‪،‬‬ ‫داد المعبوث بأرقامه‪ ،‬بإعــادة الكلمات اليطالية التي كان يتح ّ‬ ‫لهاث الَعـ ّ‬ ‫ال ْمفـرط في اللطــف‪ ،‬إلى ُ‬ ‫مــل مدينة تعيش السيولة الزمنّية‪ ،‬حتى‬ ‫أتأ‬ ‫ية‪،‬‬ ‫الفرنس‬ ‫أصولها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ .‬حتى ل أبقى عاطل ً عن العمل!"‪..‫ضحايا الحب من طرف واحد وأظن أن الموسيقار فريد الطرش‪ ،‬كان يصُلح رئيسا ً شرفيا ً‬ ‫لها‪ ،‬لو أنه لم يكن ضحية فعلية من ضحاياها!‬ ‫خ َ‬ ‫طــر لي أن أزيــد على اقتراح هذا القارئ‪ ،‬أن يكون لهذه الجمعّية فرع في ك ّ‬ ‫ل دولة‬ ‫و َ‬ ‫عربية‪ ،‬وأل ّ يقتصر النخراط فيها على الع ّ‬ ‫شاق وحدهم‪ ،‬بل يشمل أيضا ً المواطنين العرب‪،‬‬ ‫ب‪ ،‬ول يعنيها أن تسحق الحاجة هامتهم‪ ،‬أو تتقاذف‬ ‫الذين يعانون من أوطان ل ُتبادلهم الح ّ‬ ‫ي‪ ،‬التي يقبع‬ ‫العاطف‬ ‫العتقال‬ ‫معسكرات‬ ‫بإغلق‬ ‫المنافي أقدارهم‪ .‬في المقابل‪ُ ،‬أطالب‬ ‫ّ‬ ‫هوسهم‬ ‫وروا الحياة العاطفية بثوابت أزلية‪ ،‬وذهبوا ضحية َ‬ ‫في زنزاناتها عشاق ّ‬ ‫سذج‪ ،‬تص ّ‬ ‫ّ‬ ‫ب الكبير والخير‪ ،‬فوقعوا في براثن حب‬ ‫الح‬ ‫هو‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫أن‬ ‫معتقدين‬ ‫بعبارة "إلى البد"‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خخ بأجهزة النذار ونقاط التفتيش‪ ،‬غير‬ ‫مف ّ‬ ‫مسّيج بالغيرة وأسلك الشكوك الشائكة‪ ،‬و ُ‬ ‫ُ‬ ‫مدركين أن الحب‪ ،‬رغم كونه امتهانا ً للعبودية‪ ،‬هو تمرين يومي على الحرية أي على قدرتنا‬ ‫على الستغناء عن الخر‪ ،‬حتى لو اقتضى المر بقاءنا أحيانا ً عاطلين عن الحب‪.

‫في النفتــاح الشاسع للمكان‪ ،‬الذي عكس جنيف‪ ،‬ل تقطع أنفاسه عند ك ّ‬ ‫ل شارع إشارات‬ ‫ب الضوء الحمر‪ ،‬ول اللوية الحمراء التي‬ ‫المرور• فرومــا كأهلها‪ ،‬مدينة مزاجّيـة‪ ،‬ل تح ّ‬ ‫حكمتها يومًا‪ ،‬ويحدث أل ّ تحترم الضــوء الحمر• ول أحد يجد في ذلك جريمة• فال ُْ‬ ‫مشاة‬ ‫مزدحمة بالسيارات‪ ،‬حتى إنهم أعلنوا‬ ‫ق‪ ،‬والشوارع ُ‬ ‫يقطعون الطرقات الشاسعة كيفما اتف ّ‬ ‫صـة•‬ ‫الخا‬ ‫السيارات‬ ‫يوم الحد يوما ً ُيمنع فيه استعمال‬ ‫ّ‬ ‫وأفَهم أن يكون الكاتب اليطالي “دارُيـو فــو” قد علم بنبأ فوزه بجائزة “نوبل”‪ ،‬عندما‬ ‫اقتربت منه سيارة عليها لوحة ُ‬ ‫كتب عليها “داريو لقد فزت بجائزة نوبل”• فاليطاليون‬ ‫يقضون نصف وقتهم في السيارات‪ ،‬ويتع ّ‬ ‫ذر التصال بهم‪ ،‬لنهم أثناء ذلك‪ ،‬يكونون‬ ‫قالة•‬ ‫دث على هواتفهم الن ّ‬ ‫مشغولين بالتح ّ‬ ‫شا ً وضجيجا ً موسيقيا ً لكلم كأنه غناء‪ ،‬ل تترك لك وقتا ً‬ ‫ً‬ ‫رومـــا المزدحمــة حّبــا وبهجة وغ ّ‬ ‫مساءلة التاريخ• لكأنها مدينة منذورة لكعوب النساء‪ ،‬تصّر على تكبيد َ‬ ‫ك خسائر‬ ‫مل أو ل ِ ُ‬ ‫للتأ ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫من سترتدي كل الثياب المعلقة في‬ ‫شرائّيـة لست مهيأ نفسيا لها‪ ،‬لنك مازلت ل تدري ل ِ َ‬ ‫خزانتك‪ ،‬ول أين ستذهب بأحذيتك الفاخــرة الفارغــة‪ ،‬التي أضاعت وجهتها‪ ،‬كما ألبرتو‬ ‫مورافيا القائل “رأسي مليء بأوراق الميترو العتيقة”•‬ ‫كان قلبي مزدحما ً بأحذية عتيقة‪ ،‬أغلى على ذاكرتي من أحذية إيطالية تعرضها واجهات‬ ‫رومــا لغير القدام العاشقة•‬ ‫ي‪ ،‬وأقنعني من دون أن أعترض على نصبه‪ ،‬إنني مددته‬ ‫عل‬ ‫احتال‬ ‫ن ذلك السائق الذي‬ ‫مإ ّ‬ ‫ثـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫بورقة نقدية من فئة العشرة يورو‪ ،‬ل من فئة الخمسين‪ ،‬وتقاضى مني بالتالي ما يفوق‬ ‫المئة يورو‪ ،‬مقابل إيصالي من المطار إلى رومــا‪ ،‬ل يدري كم أساء لحذية أحلمي‬ ‫اليطالية‪ ،‬وأطــــاح بموعـدي العشقي الّول مع إيطاليـــا•‬ ‫نجيب »محفوظ« في الذاكرة‬ ‫ةةةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةة ةةةةةةةة ةةةة ةة ةةةةةة ةةةةة ةةةةة‬ ‫ةةةةةةة ةةةةةةة‬ ‫احتفل نجيب محفوظ مؤخرا ببلوغه التسعين‪.‬العمر الذي التقيته ذات ‪ 11‬ديسمبر‬ ‫‪.1998‬‬ ‫كان يومها تاريخ ميلده‪ ،‬والتاريخ الذي نلت فيه جائزة تحمل اسمه‪ ،‬وهي جائزة‪ ،‬ما كنت‬ ‫سمعت بها من قببل‪ ،‬حتى انني ما كنت اعرف ان كاتبين سبقاني الى نيلها‪.‬‬ .‬‬ ‫مرت ثلث سنوات على نيلي جائزة نجيب محفوظ‪ ،‬ولم يبق منها في قلبي من بريق‬ ‫مراسيمها الرسمية‪ ،‬سوى تلك السعادات السرية التي عرفتها بمحاذاتها‪ ،‬وذلك التكريم‬ ‫الذي منحتني اياه الحياة في الخفاء‪ .‬وانا كانت مصيبتي دائما انني احقق احلم الخرين‪.‬ولكنني بحصولي عليها‬ ‫عن روايتي "ذاكرة الجسد" بلغت عمر الفاجعة‪ ،‬ودخلت "ذاكرة الحسد"‪ .‬فلقد اكتشفت‬ ‫كم ان الطريق الى النجاح محفوف بالعداوات‪ ،‬وكم انا عزلء‪ ،‬امام ذلك الكم من الحقاد‬ ‫والدسائس التي لم افهم لها سببا‪ ،‬لكوني اعتقدت دوما‪ ،‬ان الجوائز لم تصنع يوما مجد‬ ‫كاتب‪ ،‬بل كثيرا ما صنعت نكبته من دون ان تصنع بالضرورة شهرته‪ ..‬بعيدا عن الضواء‪ ،‬والتي احداها حضور العزيز نور‬ ‫الشريف حفل تكريمي‪ ،‬لعجابه منذ سنوات بـ "ذاكرة الجسد"‪ ،‬ورغبته في نقلها الى‬ ‫السينما )وهي امنية ما زالت تبحث لها عن ممول(‪.‬او ثروته‪.‬‬ ‫وبالنسبة الي‪ ،‬سيبقى عمره سبعة وثمانون عاما‪ .‬‬ ‫غير ان الخرين يحسدونك دوما على الشئ الذي يعتبرونه الهم بالنسبة اليهم‪ ،‬ل على‬ ‫الذي هو الهم بالنسبة اليك‪ ،‬والذي من نعم الله عليك انهم ل يدركونه‪ ،‬لنهم يملكون‬ ‫احلما غير احلمك‪ ..‬‬ ‫لم اكن يومها قد بلغت عمر الجوائز لتوقع جائزة او اسعى اليها‪ ..

..‬وما كدت‬ ‫أضع السماعة حتى رحت أبكي للحظات‪ ،‬غير مصدقة معجزة الكتابة‪ ،‬التي تجعل كلماتك‬ ‫تخترق الحدود والحواجز‪ ،‬وبوابات السجون‪ ،‬وقضبان الزنازين‪ ،‬لتحط في أيدي أسرى‬ ‫محكوم على بعضهم بثلثين سنة من السجن‪.‬إنهم ينتظرون بلهفة حلقة الغد لمتابعة حوارك”‪ .‬‬ ‫عندما سألني عن الكلمة التي القيتها‪ ،‬والتي بلغه انها كانت مؤثرة‪ ،‬استغربت انه لم يطلع‬ ‫عليها‪ ،‬قبل ان يعترف لي متحسرا‪ ،‬بان بصره لم يعد يتيح له القراءة‪ ،‬وان ثمة رجل يتطوع‬ ‫كل يوم ليقرأ له ربع ساعة‪ .‬طمنينا عنك‬ ‫لم أدرك يوما ً سر انجذاب السرى السياسيين إلى كتاباتي‪ ،‬حتى إنه في إمكاني أن أكتب‬ ‫كتابا ً كامل ً )قد يكون كتابي الجمل( عن تلك المصادفات العجيبة التي‪ ،‬على مدى ربع‬ ‫قرن‪ ،‬وضعت مرارا ً في طريقي أسرى من سجناء الرأي القابعين في المعتقلت العربية‪،‬‬ ‫قبل أن ينضم إليهم السرى الفلسطينيون الموزعون على السجون السرائيلية‪ .‬بعض هذه‬ ‫القصص من الجمال‪ ،‬بحيث أرى في عدم كتابتها جريمة في حق الدب‪ ،‬وأحيانا ً في حق‬ ‫الحب‪....‬فقد فاجأني ذلك المبنى العادي بمدخله‬ ‫المتواضع‪ ،‬الذي تتجاور فيه سلل الورد التي فاض بها بيته بمناسبة عيد ميلده‪ ،‬بمنظر‬ ‫قطة تأكل طعاما على الرض‪.‬لك سلم خاص‬ ‫من أسرى سجن عسقلن‪ ..‬ولم ادر كيف اشرح له انني كنت اريد ان يكون لقائي معه‬ ‫بعيدا عن عيون الصحافيين‪ ،‬وانني اثرت ان التقيه في حضرة زوجته‪ .‬استمع اليه وهو ممسك يده اليمنى التي شلها ارهابي‪.‬فرحت اقرأ‬ ‫عليه نصا‪ .‬‬ ‫عاد موضوع السرى ليجتاح حياتي بعد مروري ببرنامج “خليك بالبيت”‪ ،‬وقبلها بيوم كان‬ ‫زاهي وهبي قد طلبني مساًء ليقول لي‪“ :‬أدري أن هذا الخبر سيسعدك‪ .‬واضخم قليل‪ ،‬ربما لتتناسب في ذهني مع قامته الدبية‪ ...‬الصحافة‪ .‬وما لم‬ ‫يذبل من ورد عيد ميلده‪.‬بذريعة‬ ‫جائزة‪.‬كان بشوشا‪ ،‬مضيافا‪ ،‬سعيدا بلقائنا‪ ،‬وسعيدا‬ ‫لن امرأة جزائرية حصلت على جائزته‪ ،‬وكان ممازحا‪ ،‬مما خفف من هيبتي في حضوره‪.‬‬ ‫فتحت لنا زوجته الباب بثياب البيت وبحفاوة تنسيك تواضع المكان‪ ،‬سارعت باحضار‬ ‫المشروبات والحلوى لضيافتنا‪ ،‬ثم جاء نجيب محفوظ بقامته الهزيلة‪ ،‬التي لسبب غامض‬ ‫توقعتها اطول‪ ..‬ويمكن ان ُتغتال‪ ...‬‬ .‬ويمكن ان ُتنفى‪ ..‬‬ ‫فقد بادرني بعتاب لطيف‪ ،‬لنه انتظرني قبل ذلك بيوم مع مجموعة من الكتاب في موعده‬ ‫السبوعي‪ ،‬ولكنني لم ات‪ ...‬ويمكن ايضا ان تحصل‬ ‫على جائزة لم تتوقعها يوما‪ ...‬بعد نيله جائزة نوبل‪.‬‬ ‫كان نصا كأنني كتبته من اجله‪ .‬ويمكن‬ ‫ان تكره‪ .‬حفنة من الكلمات"‪.‬لكأنني كتبته من اجله‪:‬‬ ‫"جميل كل ما يمكن ان يحدث لكاتب بسبب كتاب‪ ..‫اما فرحتي الخرى فكانت لقائي نجيب محفوظ وعبوري من الكتاب الى الكاتب‪ ..‬ان تكون كاتبا‪ .‬كان مرتديا بيجاما‬ ‫مخططة يغطيها رداء من الحرير داكن اللون‪ ..‬وقطته‪ ..‬‬ ‫ل انسى زيارتي الى بيته في شارع النيل‪ .‬هو ان تكون على استعداد لن يحدث لك اي‬ ‫امر من كل هذا‪ ،‬مقابل‪ ..‬ويمكن ان تكرم‪ .‬‬ ‫بطعنة سكين‪ .‬فبسبب كتاب يمكن ان تحب‪ ..‬وعندما عرضت عليه ان اقرأها عليه‪ ،‬اكتشفت ان‬ ‫سمعه ايضا اصبح خفيفا‪ ،‬بحيث لبد من الحديث اليه في اذنه بصوت مرتفع‪ .‬‬ ‫قصدناه ذلك الصباح‪ ،‬انا وبارعة سريح‪ ،‬مترجمة اعمالي الى اللغة النجليزية‪ ،‬ونبيلة عقل‬ ‫ممثلة الجامعة المريكية في القاهرة‪ ،‬وهي الجامعة التي تتولى ترجمة اعمال نجيب‬ ‫محفوظ الى اللغات الجنبية‪ ،‬وكذلك اعمالي‪ ،‬بحكم الجائزة‪.‬‬ ‫نحن في سجن عسقلن ‪ ..

‬فقد كان يتكلم بجمالية وفصاحة صقلتهما العزلة والمطالعة‪ .‬سألته عن هذه التسمية‪ ،‬قال “إنها تطلق‬ ‫على أصغر حرف يكتب على ورق شفاف للمراسلت”‪ .‬بل تساويان قبلتين"‪ .‬قال محمود بسخرية‪“ :‬من الواضح أنها لم تأخذ بنصيحتك التي‬ ‫تقول “من الفضل أن تحب المرأة رجل ً في حياته امرأة على أن تحب رجل ً في حياته‬ ‫قضية”‪ ..‬خذوا بؤسنا العاطفي وسوقونا إلى سجن‬ ‫إن كان العشق يحتاج إلى سجن وس ّ‬ ‫عسقلن‪.‬والحب‪ .‬حاولت كثيرا ً إقناعها بالتخلي عني وتحريرها من أعباء رحلتي الطويلة‪ ،‬إل ّ أنها أبت‬ ‫وأصرت أن تتمسك بي وبحبنا وتسير معي في درب اللم مجهولة النهاية‪ .‬‬ ‫في عيد العشاق‪ ،‬سلم خاص إلى محمود وعاطف‪ ،‬التي يحدث أن تهاتفني من القدس‪،‬‬ ‫ي تحيات خطيبها أو رسالة منه‪. .‬‬ ‫ً‬ ‫داد‪ ،‬الذي لم ألتق به سوى مرتين لقاًء عابرا‪ ،‬توّقع أن تلك الفتاة التي‬ ‫ن مالك ح ّ‬ ‫ل أظ ّ‬ ‫تقاطعت خطاه معها في اتحاد الكّتاب الجزائريين‪ ،‬ستظ ّ‬ ‫ل وفّية لذكراه بعد ربع قرن من‬ ‫وفاته‪ ،‬أي زمنا ً أكبر من عمرها آنذاك‪ .‫لكن معجزة ُأخرى كانت في انتظاري غداة بث البرنامج‪ ،‬عندما رن هاتفي النقال‪،‬‬ ‫ووجدتني أتكلم مع السير محمود الصفدي‪ ،‬الذي أمده زاهي برقم جوالي‪ ،‬واستطاع‬ ‫ي صوته عبر الهاتف‪ .‬وكانت تردد‬ ‫دوما ً أن من حقها أن تناضل كما ناضلت أنا‪ ،‬وأنها ستنتظرني إن اقتضى المر خمس‬ ‫عشرة سنة ُأخرى إلى نهاية حكمي”‪.‬‬ ‫ها قد وهبته غزالة!‬ ‫من قال‪" :‬في محطات السفر والمطارات‪ ،‬مكّبرات الصوت تقول "على السادة‬ ‫ألنه َ‬ ‫ً‬ ‫جهوا إلى‪ ،".‬‬ ‫ّ‬ ‫لم أفهم سر التوقد‪ ،‬الذي يشتعل به كلم محمود الصفدي‪ ،‬إل عندما حدثني عن “عاطف‬ ‫شاهين”‪ ،‬الفتاة التي خطبها قبل خمسة عشر عامًا‪ ،‬أي قبل اعتقاله ببضعة شهور‪ ،‬لكنها‬ ‫يوم حكم عليه بالسجن لسبع وعشرين سنة‪ ،‬بسبب نشاطه في النتفاضة الولى‪ ،‬رفضت‬ ‫أن تضع حدا ً لعلقتهما‪ .‬لقد أفسحنا مكانا بيننا لخالد وعبدالحق وحياة‪ . ...‬كتبك‬ ‫زادنا اليومي في رحلة السر الطويلة”‪.‬‬ ‫جان‪ .‬وبقيت مذهولة أبحث عن كلمات أرد‬ ‫بطريقة من الطرق أن يوصل إل ّ‬ ‫بها عليه‪ .‬ذلك أن السيدات ل يغادرن أبدا‪ ،‬كان أول من أخذ القطار‬ ‫المسافرين أن يتو ّ‬ ‫وغادرنا؟‬ ‫ن مّرت على عجل‪ ،‬لول أّنه القائل "يجب أل ّ تضيع شيئا‪ً.‬ولكن ل أظّنه سيعجب؛ بأنها هي التي اخذها مأخذ‬ ‫الشعر‪ ،‬والتي كانت أصغر من أن تهبه غزالة‪ ،‬ما انف ّ‬ ‫كت تهديه بعد موته قطيعا ً من‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫وأما تعجبي لكتشافي أنه طالع رواياتي الثلث‪ ،‬أخبرني محمود أنهم ناضلوا كثيرا ودخلوا‬ ‫في إضرابات جوع مفتوحة‪ ،‬قبل أن يحصلوا على حق القراءة وحق مشاهدة التلفزيون‪،‬‬ ‫وأنه قبل ذلك حدث لحد الرفاق السرى أن قضى أياما ً منكبا ً على نسخ “ذاكرة الجسد” بـ‬ ‫“أحرف السمسمة”‪ ،‬ليهربها إلى بقية المعتقلين‪ .‬‬ ‫وكنت سأقيس لقائي به‪ ،‬ببضع ثوا ٍ‬ ‫الع ّ‬ ‫شاق بخلء‪ .‬الثانية والثانية‪ ،‬ل ُتساويان ثانيتين‪ .‬وراح‬ ‫ي محبته ومحبة رفاقه السرى‪ .‬ما يعادلهما من ُقبل‪. .‬إنهم يعيشون معنا‪ ..‬مقابل كل يوم كان لكما فيه لقاء‪. .‬نتحدث إليهم‬ ‫ونتحدث عنهم في جلساتنا”‪.‬فصاحب‬ ‫"سأهبك غزالة" كان بخيل ً عن خجل‪ ،‬لكن كان في إمكانه أن يعطيك في كلمتين يلفظهما‬ ‫بلهجة قسنطينية‪ .‬قال‪“ :‬نحن أربعمئة معتقل هنا‪،‬‬ ‫بحماس وشوق ينقل إل ّ‬ ‫نهديك ورودا ً أكثر من التي وصلتك‪ ،‬لنك أهديتنا قارب نجاة لعالم الحرية والمعرفة‪ ..‬لكنه طمأنني بشيء من الفرح‬ ‫قائ ً‬ ‫ل‪“ :‬الن‪ ،‬جميعنا قرأناك‪ ،‬وأبطالك يقيمون معنا‪ ،‬برغم ضيق زنزاناتنا التي تضم ثمانية‬ ‫ً‬ ‫أسرى‪ .‬‬ ‫لتنقل إل ّ‬ ‫رائعان أنتما وجميلن‪ ،‬حتى لنكاد نحسدكما على أسطورة حب أنجبها الحرمان‪ ،‬وانتظار‬ ‫حبيب سنة‪ .

‬‬ ‫من يعتذر على وجوده خطأ في زمن ُتهيمن عليه‬ ‫فقد كان شاعرا ً يتكّلم بصوت منخفض‪ ،‬ك َ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل تلك الضوضاء‪ ،‬وتحكم ساحته ضفادع الشعر‪.‬بل تساويان قبلتين"‪ .‬ولكن ل أظّنه سيعجب؛ بأنها هي التي اخذها مأخذ‬ ‫الشعر‪ ،‬والتي كانت أصغر من أن تهبه غزالة‪ ،‬ما انف ّ‬ ‫كت تهديه بعد موته قطيعا ً من‬ ‫الغزلن‪ ،‬عساها كّلما باغتته سخاء تضاهيه شاعرية‪.‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ن مع الشعراء‪ ،‬أجمل من الوفاء ِلعشرة‪ ،‬الوفاء للحظة‪،‬‬ ‫ل ذلك السخاء‪ ،‬لقتناعها بأ ّ‬ ‫من‬ ‫ف‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ن مع الشعراء‪ ،‬أجمل من الوفاء ِلعشرة‪ ،‬الوفاء للحظة‪،‬‬ ‫ل ذلك السخاء‪ ،‬لقتناعها بأ ّ‬ ‫من‬ ‫ن مالك ح ّ‬ ‫ما يحدث‪ ،‬وأ ّ‬ ‫داد بالذات‪ ،‬سيفهم هذا‪ .‬‬ ‫ي اسما ً كبيرا لم أقرأ له شيئًا‪ ،‬ولكن أدري أن فيه الكثير من فجيعة أبي‬ ‫وكان بالنسبة إل ّ‬ ‫وحرقة حرمانه من تعّلم اللغة العربية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫داد‪ ،‬الذي لم ألتق به سوى مرتين لقاًء عابرا‪ ،‬توّقع أن تلك الفتاة التي‬ ‫ن مالك ح ّ‬ ‫ل أظ ّ‬ ‫تقاطعت خطاه معها في اتحاد الكّتاب الجزائريين‪ ،‬ستظ ّ‬ ‫ل وفّية لذكراه بعد ربع قرن من‬ ‫وفاته‪ ،‬أي زمنا ً أكبر من عمرها آنذاك‪ .‬‬ ‫لم يبقَ من لقائي به شيئ‪ ،‬عدا ذكرى وسامته الندلسية‪ ،‬وارتباكي في حضرة تواضعه‪.‬‬ ‫صه الجمل‪ . .‬فصاحب‬ ‫ً‬ ‫"سأهبك غزالة" كان بخيل عن خجل‪ ،‬لكن كان في إمكانه أن يعطيك في كلمتين يلفظهما‬ ‫بلهجة قسنطينية‪ .‬‬ ‫كنت بالنسبة إليه رمزا ً للجزائر الفتية‪ ،‬التي صمت ليستمع لصوتها العربي‪.‬وصادفت ُ‬ ‫كتبه زمن غربتي‪ ،‬فأيقظت حنيني إلى‬ ‫قسنطينة‪ ،‬المدينة التي كان مالك مهووسا ً بها‪ ،‬والتي لم أكن قد عرفتها حقًا‪.‬‬ ‫وكنت سأقيس لقائي به‪ ،‬ببضع ثوا ٍ‬ ‫الع ّ‬ ‫شاق بخلء‪ .‫الغزلن‪ ،‬عساها كّلما باغتته سخاء تضاهيه شاعرية‪.‬‬ ‫سيفهم‬ ‫بالذات‪،‬‬ ‫داد‬ ‫ح‬ ‫مالك‬ ‫ن‬ ‫وأ‬ ‫يحدث‪،‬‬ ‫ما‬ ‫ل‬ ‫الوفاء‬ ‫حدث‪،‬‬ ‫ما‬ ‫ل‬ ‫الوفاء‬ ‫من‬ ‫وأجمل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫غيُر الموات في إمكانهم فهم ما نهديهم حق فهمه؟‬ ‫يوم التقيته في السبعينات‪ ،‬عابرا ً في ذلك المقر‪ ،‬أذكر‪ ،‬كان أكبر حزنا ً من أن يكون في‬ ‫ت أنا أكثر خج ً‬ ‫ل‪ ،‬وأق ّ‬ ‫ل خبرة من أرد على طلبه المتواضع بترجمة‬ ‫متناول فرحتي به‪ ،‬وكن ُ‬ ‫بعض قصائده للعربية‪ ،‬التي كان يتمّنى أن يسمعها بصوتي في ذلك البرنامج الليلي الذي‬ ‫ُ‬ ‫حرم من‬ ‫ب موسيقى اللغة العربية التي ُ‬ ‫من يح ّ‬ ‫كنت أق ّ‬ ‫دمه‪ ،‬والذي كان يستمع له بشغف َ‬ ‫تعّلمها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كنت بالنسبة إليه رمزا للجزائر الفتية‪ ،‬التي صمت ليستمع لصوتها العربي‪.‬الثانية والثانية‪ ،‬ل ُتساويان ثانيتين‪ .‬‬ ‫لم يبقَ من لقائي به شيئ‪ ،‬عدا ذكرى وسامته الندلسية‪ ،‬وارتباكي في حضرة تواضعه‪.‬‬ ‫ي اسما ً كبيرا لم أقرأ له شيئًا‪ ،‬ولكن أدري أن فيه الكثير من فجيعة أبي‬ ‫وكان بالنسبة إل ّ‬ ‫ّ‬ ‫وحرقة حرمانه من تعلم اللغة العربية‪. . .‬‬ ‫ُ‬ ‫ت أعد ّ أطروحة في الثمانينات‪ ،‬في‬ ‫لقائي الحقيقي بمالك ح ّ‬ ‫داد‪ ،‬حدث بعد موته‪ ،‬عندما كن ُ‬ ‫من قال‪" :‬في محطات السفر والمطارات‪ ،‬مكّبرات الصوت‬ ‫ألنه‬ ‫السوربون‪ ،‬عن الدب‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫جهوا إلى‪ ،".‬حياته‪ ،‬التي كروائي كبير‬ ‫وبرغم هذا‪ ،‬ولعي بمالك حداد‪ ،‬هو إعجاب أيضا ً بن ّ‬ . .‬‬ ‫من يعتذر على وجوده خطأ في زمن ُتهيمن عليه‬ ‫فقد كان شاعرا ً يتكّلم بصوت منخفض‪ ،‬ك َ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل تلك الضوضاء‪ ،‬وتحكم ساحته ضفادع الشعر‪. .‬ف َ‬ ‫ما حدث‪ ،‬الوفاء ل ِ َ‬ ‫وأجمل من الوفاء ل ِ َ‬ ‫غيُر الموات في إمكانهم فهم ما نهديهم حق فهمه؟‬ ‫يوم التقيته في السبعينات‪ ،‬عابرا ً في ذلك المقر‪ ،‬أذكر‪ ،‬كان أكبر حزنا ً من أن يكون في‬ ‫ت أنا أكثر خج ً‬ ‫ل‪ ،‬وأق ّ‬ ‫ل خبرة من أرد على طلبه المتواضع بترجمة‬ ‫متناول فرحتي به‪ ،‬وكن ُ‬ ‫بعض قصائده للعربية‪ ،‬التي كان يتمّنى أن يسمعها بصوتي في ذلك البرنامج الليلي الذي‬ ‫ُ‬ ‫حرم من‬ ‫ب موسيقى اللغة العربية التي ُ‬ ‫من يح ّ‬ ‫كنت أق ّ‬ ‫دمه‪ ،‬والذي كان يستمع له بشغف َ‬ ‫تعّلمها‪.‬ذلك أن السيدات ل يغادرن أبدا‪ ،‬كان‬ ‫تقول "على السادة المسافرين أن يتو ّ‬ ‫أول من أخذ القطار وغادرنا؟‬ ‫ن مّرت على عجل‪ ،‬لول أّنه القائل "يجب أل ّ تضيع شيئا‪ً.‬ما يعادلهما من ُقبل‪.‬‬ ‫ت ُأعد ّ أطروحة في الثمانينات‪ ،‬في‬ ‫كن‬ ‫عندما‬ ‫موته‪،‬‬ ‫بعد‬ ‫حدث‬ ‫داد‪،‬‬ ‫ح‬ ‫بمالك‬ ‫الحقيقي‬ ‫لقائي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫السوربون‪ ،‬عن الدب الجزائري‪ .

‬فقد كان عليها البقاء في بيروت لمواصلة‬ ‫حكم الرعيان" لمنصور الرحباني‪ .‬وعيت في ما بعد أنه كان يمكن‬ ‫لي أن أقضي في ذلك الحادث‪ ،‬الذي ذهب بحياة الفقيد الرئيس رفيق الحريري‪ ،‬وبعض‬ ‫دفة يومها في طريقه‪ ،‬لول أنني انشغلت ذلك الصباح بمكالمة طويلة‬ ‫مصا َ‬ ‫من وضعتهم ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫وصلتني في "عيد الع ّ‬ ‫شاق"‪ ،‬كسّلة ورد صباحية‪ ،‬وحجزني شذاها في غرفتي ساعتين‪ ،‬ما‬ ‫مانا إلى بيروت‪ .‬كاتبا ً أقدم على عملية استشهادية كهذه؟‬ ‫منذ اثنتي عشرة سنة بالضبط‪ ،‬وبمناسبة مرور ‪ 10‬سنوات على وفاته‪ ،‬كتبت مقال ً آنذاك‪،‬‬ ‫عنوانه "سأهبه غزالة"‪ُ ،‬أعلن فيه أنني سأكتب إكراما ً لمالك حداد ولقسنطينة أول عمل‪.‬ارجعي پليز حبيبتي"‪ .‬وعندما استسلمت لرادته سلك طريقا ً جبليا ً آخر‪،‬‬ ‫كسل‪ ،‬يقنعني بأن أق ّ‬ ‫بعدما لم يجد من ضرورة لسلوك الطريق البحريّ الذي نعبره كّلما نزلنا إلى بيروت‪ ،‬حيث‬ ‫وال‪ .‬‬ ‫روائي لي‪...‬كان القمر‬ ‫حسن" في مسرحية " ُ‬ ‫تقديم دورها "ست ال ُ‬ .‬في الطريق‪ ،‬تذ ّ‬ ‫كرت أنني‪ ،‬من‬ ‫جعلني أتأخر عن موعد نزولي من جبل بر ّ‬ ‫سعادتي بذلك الصوت الذي يبتكر لي عيدا ً ك ّ‬ ‫ل صباح‪ ،‬عابرا ً قاّرات الشتياق‪ ،‬نسيت سبب‬ ‫نزولي إلى بيروت‪ .‬أنقذني من الموت‬ ‫ربما كنت مدينة للهاتف بوجودي بينكم على قيد الحياة‪ .‬ان ِ‬ ‫شغالتي الثيوبية‪ ،‬تهمس لي مذعورة ك َ َ‬ ‫ً‬ ‫من عرف بالخبر‪،‬‬ ‫تروحي ع بيروت‪ ،‬في بومب‪ .‬إذ كنت أقصد الغالية لطيفة ُ‬ ‫ب"‪. ..‬ك ّ‬ ‫ل عامين سيخرج إلى الوجود عمل إبداعي كبير‪ ،‬يثبت أن الجزائر ما زالت‬ ‫ن الغزلن كالرض "بتتكّلم عربي"!‬ ‫أ‬ ‫ذلك‬ ‫‪.‬وبعدما وجد نزلء الفنادق الفخمة أنفسهم في ضيافة الموت‪،‬‬ ‫غادر بعضهم إلى بلده في أّول طائرة‪ ،‬بينما توّزع آخرون على الفنادق الجبلية الفخمة‪.. .‬طبعا‪ ،‬كانت أّول َ‬ ‫محادثة صديقتها خلسة‬ ‫ب ُ‬ ‫حكم قضائها اليوم أمام التلفزيون‪ ،‬وصوتها كان يحادثني كما اعتاد ُ‬ ‫ّ‬ ‫من هاتف البيت‪ .‬ل‬ ‫ما فتئت أطالب بإنشائها‪ ،‬انتظرت ‪ 12‬سنة‪ ،‬حتى تكفل ُ‬ ‫تكريما ً لمالك حداد‪ ،‬الذي ل ُيكّرم إل ّ بترجمة أعماله ووضعها في متناول قرائه العرب‪ .‬‬ ‫دم لها هدية بمناسبة "عيد الح ّ‬ ‫لق ّ‬ ‫وعندما تنّبهت إلى نسياني الهدية التي قضيت يوما ً قبل ذلك في اختيارها‪ ،‬واختيار طريقة‬ ‫ُ‬ ‫دمها‪،‬‬ ‫ل ّ‬ ‫من سأق ّ‬ ‫وعت البائعة بنثرها عليها عندما عرفت ل ِ َ‬ ‫فها والورود والفراشات التي تط ّ‬ ‫حزنت‪ ،‬وطلبت من ابني ونحن في الطريق‪ ،‬أن نعود إلى البيت لحضارها‪ ،‬فراح‪ ،‬عن‬ ‫ُ‬ ‫دمها لها في الغد‪ .‬في إمكاني بعد‬ ‫م‬ ‫للكتابة‬ ‫كنه من التفّرغ‬ ‫ّ‬ ‫الن أن أرتاح‪ .‬فهل عرف‬ ‫تاريخ العرب قبل مالك حداد‪ .‬فجــأة‪ ،‬دقّ هاتفي الج ّ‬ ‫ت وين‪ .‬وهكذا‬ ‫مات مالك حداد بسرطان صمته‪ ،‬ليكون أول شهيد يموت عشقا ً للغة العربية‪ .‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬انطبقت علينا النكتة المصرية غداة حرب ‪" :67‬اللي كّنا رايحين ُلـُهم‪ُ . .‬إنما‬ ‫تكريما ً للغة العربية ومساندة لكّتابها الصامدين في الجزائر‪ ،‬ولرد ّ الُغبن المادي والمعنوي‬ ‫دور النشر في المشرق‪ ،‬ومنح‬ ‫عنهم‪ .‬‬ ‫جونا"‪.‬بنشر أهم عمل روائي ُيكتب بالعربية في كبرى ُ‬ ‫صاحبه مبلغا ً يحميه من الحاجة‪ ،‬ويم ّ‬ ‫دة سنتين‪ .‬ما‬ ‫من استرق هاتفا ً لُيكّلمني "مدام‪ .‬ولم أفهم ماذا حدث‪ ،‬ول كوني أخلفت طريق الموت المبكر‪ ،‬إل ّ عندما‬ ‫ن النفجار حدث مقابل ً‬ ‫هاتفت لطيفة لعتذر لها عن تأخري‪ ،‬وإذا بها تخبرني مذعورة أ ّ‬ ‫لفندقها‪ ،‬وأن كل شيء اهتز وتطاير‪ ،‬والناس من حولها خرجوا بثياب النوم من غرفهم‪،‬‬ ‫وتجمعوا في بهو الفندق‪ .‬كانت "مصاريت"‪،‬‬ ‫منطقة الفنادق البحرية كانت ممّرا ً حتميا ً لنا‪ . ..‬‬ ‫وإن كانت "ذاكرة الجسد" قد أخذت مني أربع سنوات من الكتابة‪ ،‬فجائزة مالك حداد التي‬ ‫ُ‬ ‫ت بدوري بمبادرة إنشائها‪ .‬‬ ‫جاءت لطيفة لتقيم على بعد أمتار من بيتي‪ .‫أبدع في كتابة خاتمتها‪ ،‬عندما قال‪" :‬أنا نقطة النهاية في رواية تبدأ"‪ ،‬وقّرر ان يتوقف عن‬ ‫الكتابة مصّرحا ً بجملته الشهيرة "اللغة الفرنسية منفاي‪ ،‬ولذا قررت أن أصمت"‪ .‬‬ ‫الغزلن‬ ‫إنجاب‬ ‫قادرة على‬ ‫ّ‬ ‫هاتف الحب‪ .‬‬ ‫العربية‪.

‬اعتذرت لنني ل أحب زحمة التعازي‪ ،‬وواجبات الحزن‪ ،‬وأف ّ‬ ‫ن أنا صادفتها‪ .‬في سهرات ُأخرى بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬كانت ُتهاتفني مساء وأنا في ثياب النوم‪ ،‬فتصيح بي باللهجة التونسية "إبقاي كيما‬ ‫س‬ ‫إن ِ‬ ‫ت‪ .‬قالت إنها ل تملك شيئا ً أسود في حقيبتها‪ .‬سخّية معطاء‪ ،‬تشهر بهجة كاذبة‪،‬‬ ‫وغناًء يغطي أحيانا ً على ُنواحها الداخلي‪ .‬قومي يامراة يّزيك من الكسل"‪ .‬إحنا وحدنا أنا ومنيرة وهديل‪ .‬في لقاء سابق لنا‪ ،‬أعجب ُ‬ ‫ي بصر ّ‬ ‫ت بمصحف إلكتروني‪ ،‬سمع ّ‬ ‫ل يفارقها جهازه الصغير‪ ،‬فأحضرته هدّية لي‪ .. .‬‬ ‫ربما لو علمت الخنساء أنه سيأتي يوم يكون فيه للبكاء أيضا جوائز ومسابقات‪ ،‬لوفرت‬ ‫على نفسها دموعا أودت بها‪ ،‬بينما أخرى غيرها هي التي فازت بلقب المرأة الباكية في‬ ‫مسابقة للبكاء‪ ،‬نظمها ناد ليلي في "هونغ كونغ"‪.‬‬ ‫ولو نظمت هذه المسابقة في مقبرة‪ ،‬لما وجدوا بين الثكالى واليتامى من يفوز بها‪ ،‬لن‬ ‫اللم الكبير ل دموع له‪ .‬سألتني أن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ضل أن ُأعّزي صديقتي‬ ‫أرافقها‪ .‬‬ ‫وكنت أعتقد‪ ،‬حتى قراءتي هذا الخبر‪ ،‬أن العرب دخلوا كتاب "غينيس" للرقام القياسية‪،‬‬ ‫على القل من باب النواح والعويل‪ .‫ب‪ ،‬أقضي معها مساءه‪،‬‬ ‫جاري لبعضة أيام‪ ،‬ووجدتني أنا التي كنت سأقضي معها صباح الح ّ‬ ‫شى أنا وهي وُأختها منيرة عشاء "عيد الع ّ‬ ‫فنتع ّ‬ ‫شاق" على طاولة محاطة بباقات ورود‪ ،‬لم‬ ‫أفهم سّرها إل ّ عندما جاء قالب الحلوى الصغير ليشي لي بأنه "عيد ميلد" لطيفة‪.‬‬ ‫ببساطتها‪ ،‬تقاسمت لطيفة قالبها الصغير‪ ،‬وقلبها الكبير‪ ،‬مع طاولة لسيدات خليجيات هربن‬ ‫معها من الفندق الخر‪ ،‬قّبلت طويل ً أطفالهن‪ ،‬ورفضت أن تأخذ صورة مع معجب بها‪ ،‬ما‬ ‫كان مرفوقا ً بزوجته‪ .‬في مسابقة البكاء‬ ‫منذ مدة‪ ،‬وأنا أحتفظ بخبر طريف‪ ،‬عن سيدة استطاعت الفوز بـ "تاج البكاء"‪ ،‬بعد‬ ‫تحطيمها رقما قياسيا في البكاء المتواصل‪ ،‬الذي ل سبب له طبعا‪ ،‬عدا إصرارها على‬ ‫الفوز بذلك اللقب‪.‬وعندما تل ّ‬ ‫ح ألب ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫دث كثيرا‪ ،‬نضحك‪ ،‬نغني‪ ،‬نخطط لمشروعات سينمائية‬ ‫أول شيء أعثر عليه وأقصدها‪ .‬إن أحب بكى‪ ،‬وإن كف عن الحب بكى‪ ،‬وإن‬ ‫نزلت عليه السعادة بكى‪ ،‬وإن هو شاهد على التلفزيون مشهدا مؤثرا بكى‪ ،‬وإن رأى‬ ‫منظرا جميل أيضا بكى‪ .‬لطيفة‪ ،‬البنة الشرعية للحب‪ُ ،‬تخفي امرأة‬ ‫مؤمنة تخاف الّله وتذكره ك ّ‬ ‫ل لحظة‪ ،‬إلى حد ّ إرباكي‪ .‬تسألني فجأة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ي‪،‬‬ ‫مدينة ل ُيرفع فيها الذان"‪ ..‬وتحضرني هنا والدة الشهيد محمد الدرة‪ ،‬التي التقيتها في أبو‬ .‬ألم يقل مالك حداد‪ ،‬شاعر الرواية الجزائرية‪" :‬ثمة أشياء من‬ ‫الجمال‪ ،‬بحيث ل نستطيع أمامها إل أن نبكي"؟‬ ‫وحتى قرائتي ذلك الخبر‪ ،‬كنت أعتقد أن الله قد وهبنا في شخص الخنساء مفخرة لمتنا‪،‬‬ ‫بعد أن لزمت المسكينة قبر أخيها ترثيه وتبكيه‪ ،‬حتى ماتت‪ ،‬فمنحتنا شرف الموت بكاء‪.‬‬ ‫فالنسان العربي يعيش على حافة البكاء‪ .‬فعندما نزل شيطان الشعر على أشهر شاعر جاهلي‪،‬‬ ‫ما وجد شاعرنا بيتا يفتح به تاريخ الغزل العربي غير "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"‪.‬‬ ‫ومن يومها ونحن نتوارث البكائيات‪ ،‬جيل بعد جيل‪ ،‬ونملك "بطارية" جاهزة لمدادنا بطاقة‬ ‫البكاء‪ ،‬لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫هزيمة الخنساء ‪ .‬‬ ‫يا لغبن الخنساء‪ ،‬الشاعرة التي أحبتها أنيسة بومدين‪ ،‬زوجة الرئيس الجزائري الراحل‪،‬‬ ‫وخصصت لها بحثا مطول‪ ،‬مفتونة بذلك الكم من الدموع الذي ماتت بغصته‪.‬فـ"ست الحسن" التي تمل مسرحية "حكم الرعيان" بهجة‪،‬‬ ‫واثقة بأ ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتمل حقائبها‪ ،‬حيث حلت‪ ،‬بالوسمة‪ ،‬تحتاج إلى أن تكون "سيدة الحزن" كي تكون رائعة‪.‬هاتفتني تطلب مني في الغد معطفا ً أسود وشال ً‬ ‫تذهب بهما إلى عزاء عائلة الحريري‪ .‬بعد ذلك رافقُتها حتى جناحها لحمل معها باقات الورود‪ ،‬وبعض‬ ‫أحزانها في يوم غير عادي‪ ،‬ولم أقبل دعوتها إلى مزيد من السهر‪ .‬أرسلت إلى لطيفة تشكيلة ما في خزانتي من سواد‪،‬‬ ‫بهّية الحريري لحقًا‪ ،‬إ ْ‬ ‫ن السود يليق بها‪ .‬نتح ّ‬ ‫مانا؟ أنا ل أطمئن إلى‬ ‫بر‬ ‫في‬ ‫العيش‬ ‫استطعت‬ ‫"كيف‬ ‫ربما ننجزها معًا‪ .

‫ظبي في اليوم التضامني مع القصى‪ ،‬بعد فترة وجيزة من استشهاد طفلها‪ ،‬وكان لها نبل‬ ‫اللم وصمته‪ .‬‬ ‫وعلى ذكر البكاء‪ .‬أصبحوا يعملونه الن من حليب معقم يقتل الميكروبات‪ ،‬التي هي في‬ ‫الواقع سر روعة طعم هذا الجبن"‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ددة‪،‬‬ ‫السعادة طائر على أهبة الفلت من يدنا‪ ،‬عند أّول سهو‪ ،‬وعلينا أن نعيشها كلحظة مه ّ‬ ‫كي نكون أهل ً لها‪.‬وفي‬ ‫الغد حضر رجال المن إلى مكتبها لمزيد من التوضيح‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكأن السعادة مطلب مرهون بالعياد والمناسبات‪ ،‬التي ُتذكرنا بفداحة خساراتنا السابقة‪،‬‬ ‫وُتمّنينا بوقت أكثر بهجة‪.‬وتغدو السعادة‬ ‫عندئذ مرهونة بتنّبه المرء إلى وجودها‪ .‬تحضرني قصة تلك المحامية‪ ،‬التي اختلت بي أثناء زيارتي إلى بلدها‪،‬‬ ‫بعد أن انتهيت من إلقاء محاضرة ألهبت القاعة وأبكتها‪ ،‬وأنا أطالب بحق الصلة في‬ ‫القصى‪ ..‬ل أكثر‪.‬فقد نصحتني بالتروي في الهجوم على إسرائيل‪ ،‬وحكت لي ما حل بها يوم كانت‬ ‫تزور‪ ،‬برفقة وفد من النساء العربيات‪ ،‬مدينة سياحية‪ ،‬ورأت لول مرة سياحا إسرائيليين‬ ‫يتجولون في بلدها‪ ،‬فأجهشت بالبكاء‪ ،‬وإذا بالشرطة تحضر وتطالبها بأوراقها الثبوتية‪،‬‬ ‫وتسجل اسمها وعنوان عملها‪ ...‬‬ ‫بعضنا يتسّلق شجرة المصادفة‪ ،‬ويتعّلق بأغصانها‪ ،‬وقد يقع أرضا ً وُيصاب بخدوش أو كسر‬ ‫م قد يحدث أن يح ّ‬ ‫ط ذلك الطائر يوما ً على “درابزين”‬ ‫ما‪ ،‬وهو ُيطارد طائرا ً لن يمسك به‪ ،‬ث ّ‬ ‫شرفته‪ ،‬أو يذهب متى تناول ما تساقط أرضًا‪ ،‬من فتات عند أقدام مائدته‪ .‬فلو كان شاعرا ً لدرك أ ّ‬ ‫المساحة الفاصلة بيننا وبين الشجرة‪ .‬أو القنابل النشطارية أي‬ ‫الهاطلة من سماء أفغانستان‪ ،‬فكل يبكي على "جبنته"‪ ،‬أو دفاعا عن تاجه‪.‬عند قدميه‪.‬وعندما سألت إن كان ثمة قانون يمنعها من البكاء في‬ ‫حضرة إسرائيليين‪ ،‬جاءها الجواب‪" :‬ل‪ ..‬ذلك أننا كثيرا ً ما ل نتنّبه إلى الشياء‪ ،‬التي تصنع سعادتنا‪ ،‬لمجّرد أنها في متناولنا‬ ‫وملك يدينا‪ ،‬وننصرف عنها إلى مراقبة‪ ،‬وتمني ما هو في حوزة الخرين‪ ،‬بينما معجزة‬ ..‬ولكنك ببكائك هذا‪ ،‬أسأت إلى الضيوف"‪ .‬بينما‪ ،‬وحتى بعد انتهاء جميع المشاركين في تلك المناحة الجماعية‪ ،‬التي‬ ‫نظمها النادي الليلي‪ ،‬وحتى بعد إعلن لجنة التحكيم قرار فوزها‪ ،‬لم تتمكن المرأة الفائزة‬ ‫من التوقف عن البكاء‪ ،‬ولم تفد معها محاولة الخرين إقناعها بأنه ل داعي بعد الن لمزيد‬ ‫من العويل‪ ،‬واستمرت ساعات تبكي‪ ،‬ربما من شدة الفرح هذه المرة‪ ،‬حتى أصيبت بنوبة‬ ‫هستيرية‪ ،‬نقلت على أثرها إلى المستشفى "وتاج البكاء" على رأسها‬ ‫وقرأت مؤخرا تصريحا ليطالي يدعى كارلو مارتيني يقول فيه‪" :‬كم أبكي عندما أرى ما‬ ‫حل بجبن الستلتن‪ .‬وذلك‬ ‫الحمق الذي قال‪“ :‬عصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة”‪ ،‬أظنه كان طّباخا ً أو‬ ‫ن السعادة‪ ،‬هي‬ ‫موظف بنك‪ ،‬يعمل في رصد حشرات البورصة‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫قدر السعادة أن تكون عصفورا معلقا على أغصان الذكرى‪ ،‬أو على شجرة الترّقب‪ .‬‬ ‫من هنا جاءت نصيحة أحد الحكماء‪“ :‬السعادة في بيتك فل تبحث عنها في حديقة‬ ‫الخرين”‪ .‬‬ ‫أما وقد سلب منا تاج الحزن‪ ،‬أخاف أن يأتي يوم ل نستطيع فيه البكاء على ظلم أعدائنا‪،‬‬ ‫إل بذريعة النواح على جبن إيطالي‪ ،‬أو المشاركة في مسابقة للبكاء ينظمها ناد ليلي ما‬ ‫وك ّ‬ ‫ل عام وأنتم سعداء!‬ ‫ل نهاية سنة‪ ،‬يتسابق الناس إلى تقديم ا ُ‬ ‫ك ّ‬ ‫لمنيات بعام سعيد‪.‬‬ ‫وأخونا اليطالي‪ ،‬الباكي المتحسر على زمن الميكروبات‪ ،‬التي تعطي جبنا إيطاليا شهيرا‬ ‫بطعمه المتميز‪ ،‬هو مؤسس "حركة الطعام البطيء"‪ ،‬وبكاؤه ل علقة له بالموت السريع‬ ‫أو البطيء‪ ،‬الذي يهدد العالم بسبب الحروب الجرثومية‪ .

‬‬ ‫اليوم‪ ،‬أصبحت الثياب بالكاد تخفي أجساد من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أم أزمة ذوق‪ .‬‬ ‫ب‪،‬‬ ‫ح‬ ‫أزمة‬ ‫نعيش‬ ‫نا‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫أدري‬ ‫ول‬ ‫يلبسنها‪..‬‬ ‫دق قول الشاعر‪:‬‬ ‫اعتراف يجعلنا‪ ،‬لفظاعته‪ ،‬نص ّ‬ ‫“ك ّ‬ ‫من لقيت يشكو دهره‬ ‫ل َ‬ ‫ليت شعري هذه الدنيا لمن؟”‬ ‫ملكا ً للذي يملك القل؟ ففي إحصائية عالمية ُأخرى‪ُ ،‬أجريت في اثنين‬ ‫وماذا لو كانت الدنيا ِ‬ ‫ن عوامل السعادة‪ ،‬التي نالت أكثر الّنسب‪ ،‬انحصرت في‬ ‫وعشرين بلدًا‪ ،‬بّينت الدراسة أ ّ‬ ‫عاملي ا ُ‬ ‫لسرة والصداقة‪ ،‬وتساوى فيها تأثير الفقر والغنى‪ .‬والمفارقة جاءت من وجود‬ ‫الشعب الهندي في المرتبة الثانية‪ ،‬بعد الشعب الميركي‪ ،‬متقدما ً على غيره من الشعوب‬ ‫الوروبية والسيوية‪ .‬وقد قرأت أّنه عندما ظهر‬ ‫المشد ّ في العصور الوسطى‪ ،‬تعّرض إلى حملة عنيفة على أيدي خطباء الكنيسة‪ ،‬إذ‬ ‫ن النساء "لبسن الشيطان في ثنايا أردافهن"‪.‬‬ ‫كل هذا‪ ،‬تارة بقصد إثبات براءة المرأة وعفتها‪ ،‬وتارة لتوريطها وتسويقها في لعبة الجمال‬ ‫والغواء‪.‬‬ ‫كانت النساء وقتها‪ُ ،‬يخبئن كل شيىء في ثيابهن‪ :‬الرسائل المهرّبة‪ ،‬والمناديل المع ّ‬ ‫طرة‪،‬‬ ‫والعلب الذهبية الصغيرة التي تخفي صورة الحبيب‪.‫السعادة تكمن في مواصلة اشتهاء ما نملك والحفاظ عليه‪ ،‬كأنه مهدد بالزوال‪ ،‬بدل هدر‬ ‫ن حصلنا عليه‪.‬‬ ‫ن الناس ينظرون إليهم‬ ‫وأكد الثرياء الثلثمئة‪ ،‬أنهم ل يشعرون بالسعادة والمان‪ ،‬وأ ّ‬ ‫من‬ ‫بالعجاب‪ ،‬ل لشيء إل ّ لنهم أغنياء فقط‪ ،‬مؤكدين أن السعادة ل ُتشترى بالمال‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ن َ‬ ‫يبحث عنها‪ ،‬لن يجدها إل ّ في العلقات النسانية‪ ،‬والمباهج البسيطة للحياة اليومية‪ ،‬وهو ما‬ ‫يفتقدونه‪ ،‬بسبب الثراء الفاحش‪ ،‬الذي يعّرضهم لمستويات عالية من القلق‪ ،‬لحساسهم‬ ‫بأن ل أحد يحّبهم لنفسهم‪ ،‬وبأن القارب والصدقاء يستغّلونهم‪.‬ولم أجد تفسيرا ً لسعادة مليين الجياع والفقراء في الهند‪ ،‬إل ّ في قول‬ ‫جيمس بروير‪“ :‬السعادة إحساس تحصل عليه‪ ،‬عندما تكون مشغو ً‬ ‫ل‪ ،‬لدرجة ل تستطيع‬ ‫معها أن تحزن‬ ‫يا رب سترك!‬ ‫ي في أوروبا يتنقلن في‬ ‫كم يبدو بعيدا ً ذلك الزمن الذي كانت فيه النساء في العصر الذهب ّ‬ ‫الصالونات‪ ،‬داخل أثوابهن الدائرية الضخمة‪ ،‬كمظلت الطيارين في تنانير يتم نفخها‬ ‫باشرطة ترتديها النساء تحت الثياب‪.‬‬ ‫ل توجد حضارة واحدة بريئة في تعاملها مع المرأة عبر التاريخ‪ .‬‬ ‫مطاردة‪ ،‬ما قد يصنع تعاستنا‪ ،‬إ ْ‬ ‫العمر في ُ‬ ‫ن نح ُ‬ ‫ويحضرني هنا قول أوسكار وايلد‪“ :‬ثـمــة مصيبتان في الحياة‪ :‬ا ُ‬ ‫لولــى أن ل تحصل على‬ ‫ّ‬ ‫ما تريد‪ .‬‬ ‫اعتبروا أ ّ‬ .‬والثانية أن تحصل عليه”‪.‬‬ ‫وهو قول قد يرفع من معنوياتنا‪ ،‬لكونه يواسي خسارات بعضنا‪ ،‬بمكاسب البعض الخر‪،‬‬ ‫التي ليست سوى ضرب من ضروب الخسارة‪ ،‬كما يبدو من إحدى الدراسات النسانية‪،‬‬ ‫التي تم إعدادها مؤخرا ً في إسبانيا‪ ،‬بعد متابعة متأنية لـ ‪ 300‬ثري إسباني‪ ،‬أثبت من خللها‬ ‫ن “الشباب والصحة‪ ،‬والوظيفة والملمح الجميلة‪ ،‬والسيارة الفارهة‪ ،‬كّلها ل‬ ‫الباحثون‪ ،‬أ ّ‬ ‫تجعل النسان سعيدًا”‪.‬ولكن العالم تغّير‪ ،‬وتقّلص‪ ،‬ومعه الثياب النسائية‪ ،‬التي مّرت بكل مراحل‬ ‫القهر التاريخي‪ ،‬وانتقلت من الزمن الذي تتراكم فيه الثياب الداخلية‪ ،‬قصد إخفاء تضاريس‬ ‫النوثة‪ ،‬إلى زمن ابتكار المشد ّ لتفصيل الجسد ونحت خصر المرأة‪ ،‬كما لو كانت فراشة‪.

‬ذلك أ ّ‬ ‫الفستان محطة اتصالت كاملة‪ ،‬قد تتحول إلى شاشة تلفزيون عند الحاجة‪ .‬وإذا كان‬ ‫القدامى يقولون "الناس مخّبايين بثيابهم"‪ ،‬فعلى أيام أولدنا سيتعرى الناس بسبب ثيابهم‪،‬‬ ‫ولن تحتاج النساء‪ ،‬لقياس حرارة الرجل سوى لحمر شفاههن الذي سيكون إلكترونيّا‪.‬‬ ‫فعندما قرر الحاكم بأمر الّله منع النساء من الخروج‪ ،‬أصدر مرسوما ً يمنع السكافيين على‬ ‫أيامه من صناعة أحذية النساء‪ ،‬تماما ً كما منع المصريين من اكل الملوخية لنه لم يكن‬ ‫يحّبها!‬ ‫ددن في استعماله ضد‬ ‫وهكذا‪ ،‬ما كاد يعود إلى النساء حق انتعال الحذاء‪ ،‬حتى لم يتر ّ‬ ‫الرجل‪.‬‬ ‫أعود إلى موضوع الثياب "الذكية" التي اخترعها لنا العلماء‪ ،‬والتي بوسائلها اللكترونية‬ ‫ن في بطانة‬ ‫ستشي للمرأة بما يكفي من المعلومات لسبر خبايا الرجل الذي أمامها‪ ...‬‬ ‫ب‪،‬‬ ‫ح‬ ‫أزمة‬ ‫نعيش‬ ‫نا‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫أدري‬ ‫ول‬ ‫يلبسنها‪.‫أثناء ذلك‪ ،‬كان الصينيون الذين ل يحتاجون إلى شد ّ خصور نساءهم النحيفات أص ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫ن من النمو‪ ،‬وربما لثقال خطاهن‬ ‫مشغولين بصناعة قوالب خشبية لرجلهن‪ ،‬قصد منعه ّ‬ ‫كالحيوانات المدجنة حتى ل يذهبن أبعد من البيت‪.‬وإذا كان‬ ‫القدامى يقولون "الناس مخّبايين بثيابهم"‪ ،‬فعلى أيام أولدنا سيتعرى الناس بسبب ثيابهم‪،‬‬ .‬وقد قرأت أّنه عندما ظهر‬ ‫المشد ّ في العصور الوسطى‪ ،‬تعّرض إلى حملة عنيفة على أيدي خطباء الكنيسة‪ ،‬إذ‬ ‫ن النساء "لبسن الشيطان في ثنايا أردافهن"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فعندما قرر الحاكم بأمر الله منع النساء من الخروج‪ ،‬أصدر مرسوما يمنع السكافيين على‬ ‫أيامه من صناعة أحذية النساء‪ ،‬تماما ً كما منع المصريين من اكل الملوخية لنه لم يكن‬ ‫يحّبها!‬ ‫ددن في استعماله ضد‬ ‫يتر‬ ‫لم‬ ‫حتى‬ ‫الحذاء‪،‬‬ ‫انتعال‬ ‫حق‬ ‫النساء‬ ‫إلى‬ ‫يعود‬ ‫كاد‬ ‫ما‬ ‫وهكذا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الرجل‪.‬ولكن العالم تغّير‪ ،‬وتقّلص‪ ،‬ومعه الثياب النسائية‪ ،‬التي مّرت بكل مراحل‬ ‫القهر التاريخي‪ ،‬وانتقلت من الزمن الذي تتراكم فيه الثياب الداخلية‪ ،‬قصد إخفاء تضاريس‬ ‫النوثة‪ ،‬إلى زمن ابتكار المشد ّ لتفصيل الجسد ونحت خصر المرأة‪ ،‬كما لو كانت فراشة‪.‬‬ ‫اليوم‪ ،‬أصبحت الثياب بالكاد تخفي أجساد من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أم أزمة ذوق‪ .‬‬ ‫ولمعرفة مدى صدق رجل‪ ،‬كل ما يلزمهن عدسات لصقة ستكون مزّودة برزمة إشعاعية‬ ‫ُتم ّ‬ ‫ي في أوروبا‬ ‫كن كم يبدو بعيدا ً ذلك الزمن الذي كانت فيه النساء في العصر الذهب ّ‬ ‫يتنقلن في الصالونات‪ ،‬داخل أثوابهن الدائرية الضخمة‪ ،‬كمظلت الطيارين في تنانير يتم‬ ‫نفخها باشرطة ترتديها النساء تحت الثياب‪.‬‬ ‫كانت النساء وقتها‪ُ ،‬يخبئن كل شيىء في ثيابهن‪ :‬الرسائل المهرّبة‪ ،‬والمناديل المع ّ‬ ‫طرة‪،‬‬ ‫والعلب الذهبية الصغيرة التي تخفي صورة الحبيب‪.‬ذلك أ ّ‬ ‫الفستان محطة اتصالت كاملة‪ ،‬قد تتحول إلى شاشة تلفزيون عند الحاجة‪ .‬‬ ‫أعود إلى موضوع الثياب "الذكية" التي اخترعها لنا العلماء‪ ،‬والتي بوسائلها اللكترونية‬ ‫ن في بطانة‬ ‫ستشي للمرأة بما يكفي من المعلومات لسبر خبايا الرجل الذي أمامها‪ .‬‬ ‫ولكن يظ ّ‬ ‫ل الصينيون أرحم من الحاكم بأمر الّله‪ ،‬الذي على ايام الفاطميين لم يحكم سوى‬ ‫ّ‬ ‫بأمر منطقه الغريب‪ ،‬وكأّنه الب الشرعي لبعض من يحكموننا اليوم من حكام غريبي‬ ‫الطوار‪.‬‬ ‫ل توجد حضارة واحدة بريئة في تعاملها مع المرأة عبر التاريخ‪ .‬‬ ‫ولكن يظ ّ‬ ‫ل الصينيون أرحم من الحاكم بأمر الّله‪ ،‬الذي على ايام الفاطميين لم يحكم سوى‬ ‫بأمر منطقه الغريب‪ ،‬وكأّنه الب الشرعي لبعض من يحكموننا اليوم من ح ّ‬ ‫كام غريبي‬ ‫الطوار‪.‬‬ ‫كل هذا‪ ،‬تارة بقصد إثبات براءة المرأة وعفتها‪ ،‬وتارة لتوريطها وتسويقها في لعبة الجمال‬ ‫والغواء‪.‬‬ ‫اعتبروا أ ّ‬ ‫أثناء ذلك‪ ،‬كان الصينيون الذين ل يحتاجون إلى شد ّ خصور نساءهم النحيفات أصل‪ً،‬‬ ‫ن من النمو‪ ،‬وربما لثقال خطاهن‬ ‫مشغولين بصناعة قوالب خشبية لرجلهن‪ ،‬قصد منعه ّ‬ ‫كالحيوانات المدجنة حتى ل يذهبن أبعد من البيت‪.

‬تبدا فضيحة ثياب تتأّوه‪ ،‬وأخرى تصرخ‪ ،‬وأخرى تتنّهد‪ ،‬بعد ان‬ ‫التقطت تاوهات المرأة الداخلية وراحت تبثها عبر مكّبر صوت‪ ،‬إلكترونيًا‪ .‬فالتص ّ‬ ‫ُ‬ ‫دق تماما ً الدكتور حامد أبو زيد في قوله هذا‪ .‬أي انها )بعيد‬ ‫الشر عنكم( وباختصار‪ ،‬فضيحة إلكترونية‪ ،‬خاصة لمن في مثل حالتي يجهل التعامل مع‬ ‫التكنولوجيا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ولكن ثمة مصيبة أخرى‪ .‬وقد سبق أن جمعني‬ ‫استقللية النسان‪ .‬‬ ‫س ّ‬ ‫جلتها في ما قد يس ّ‬ ‫ّ‬ ‫وهنا‪ .‬‬ ‫وإذا كانت هذه الثياب تقوم بمهمة التدليك‪ ،‬ومنع ترهل الجسم‪ ،‬فإن من حسناتها او‬ ‫مصائبها الخرى على الع ّ‬ ‫شاق‪ ،‬قدرتها على استعادة اليام الخوالي وعملها عمل الذاكرة‪،‬‬ ‫فتخّزن انطباعاتك واحاسيسك عن اماكن مررت بها‪ ،‬وتزّودك بالهواء والصوات التي‬ ‫مى "عطر الصوت"‪.‬ذلك أ ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫دة أنفق المرء عمره في إدارته‪ ،‬وإن ق ّ‬ ‫ل عن الحاجة‪ ،‬أنفق عمره‬ ‫ح‬ ‫على‬ ‫زاد‬ ‫إذا‬ ‫المال‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في السعي إلى كسبه‪ .‫ولن تحتاج النساء‪ ،‬لقياس حرارة الرجل سوى لحمر شفاههن الذي سيكون إلكترونيّا‪.‬أص ّ‬ ‫به في غرناطة‪ ،‬منذ خمس سنوات‪ ،‬مؤتمر عربي كبير‪ ،‬حول “مستقبل العالم العربي على‬ ‫مداخلة‪ ،‬قام بها حال افتتاح‬ ‫مشارف القرن الحادي والعشرين”‪ ،‬ومازلت أذكر أّول ُ‬ ‫ولة هذا المؤتمر عن المشاركين‪ ،‬على‬ ‫المؤتمر‪ ،‬محتجا ً على إخفاء أسماء الجهات المم ّ‬ ‫مصّرا ً على حماية اسمه‬ ‫الرغم من النوايا الحسنة لبعضهم‪ .‬فهو يؤمن بأنه كلما استغنى اغتنى‪ .‬وطبعًا‪ ،‬ازداد الفستان تأوها ً وصراخًا!‬ ‫ويا رب سترك! يا ناس جيؤوني بعباية!‬ ‫يا لغنى رجل ثروته الستغناء‬ ‫في محاضرة ألقاها الدكتور نصر حامد أبو زيد‪ ،‬مؤخرا ً في القاهرة‪ ،‬ونقلت “أخبار الدب”‬ ‫وفه‪ ،‬هو‬ ‫وف‪ ،‬ثروتي الستغناء”‪ .‬ذهبت بعيدا في تأمل زاهد‬ ‫وة لمبدٍع ترتهنه‬ ‫ف‪ ،‬أدرك أ ّ‬ ‫مثق ٍ‬ ‫ن حّريته تكمن في استغنائه‪ ،‬ل في رخائه‪ ،‬وأن ل ق ّ‬ ‫مؤسسات‪ ،‬باختلق مزيد من احتياجاته وامتيازاته‪ ،‬بذريعة تكريمه والعتراف بمكانته‪ ،‬بينما‪،‬‬ ‫ب من أنواع التدجين‪ ،‬واستعباد الضمائر بالغداق‪.‬موضحا ً أ ّ‬ ‫ن تص ّ‬ ‫بعض نقاشاتها‪ ،‬استوقفني قوله‪“ :‬أنا متص ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالمعنى الحياتي وليس بالمعنى العرفاني‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ن على النسان‪ ،‬أن ل يكسب من المال أكثر مما يلزمه لحياة كريمة وميسورة‪ .‬يا لطيف‪ .‬فكلما اقتلع الرجل زّرا من قميصه والتهمه مرعوبا‪ ،‬انتفخ قميصه‬ ‫أكثر‪ .‬يا ستار‪ .‬‬ ‫ماذا يستطيع رجل مذعور أن يفعل عندما يجالس امراة مفخخة بهذا الكم من الفضائح‬ ‫اللكترونية؟‬ ‫ً‬ ‫* لوجه الله أنصحه بان يرتدي قميصا بازرار من السبرين أنتجتها شركة السبرين بمناسبة‬ ‫مئوية هذا الدواء‪..‬فهو يرى‬ ‫أ‬ ‫المبدع‪.‬‬ ‫ولمعرفة مدى صدق رجل‪ ،‬كل ما يلزمهن عدسات لصقة ستكون مزّودة برزمة إشعاعية‬ ‫ُتم ّ‬ ‫كن المرأة من اختراق خباياه‪.‬فقد كان حامد أبو زيد ُ‬ ‫ة إجبارّية‪ ،‬إثر فتوى‬ ‫وث مادي‪ ،‬هو الذي دفع ثمن أفكاره ومواقفه‪ ،‬غرب ً‬ ‫وسمعته‪ ،‬من أيّ تل ّ‬ ‫حكم بفصله عن زوجته‪ ،‬الدكتورة ابتهال يونس‪ ،‬ما أرغمه على الهجرة‬ ‫صدرت بتكفيره‪ ،‬وال ُ‬ ‫ً‬ ‫إلى هولندا‪ ،‬لمواصلة أبحاثه في تاريخّية الظاهرة الدينية‪ .‬‬ ‫ن القرش الزائد‪ ،‬هو ذلك الشيء المهِلك‪ ،‬الذي كّلما زاد‪ ،‬انخفض‬ ‫ص المبدع‪ ،‬فإ ّ‬ ‫وفي ما يخ ّ‬ ...‬لــذا هو‬ ‫ل بذلك قدرة الخرين على التح ّ‬ ‫يقّلل دائما ً من احتياجاته‪ ،‬فتق ّ‬ ‫كم فيه‪ ،‬حتى إنه ل يحتاج في‬ ‫وف بالنسبة إليه منهج للحياة‪ ،‬يضمن‬ ‫النهاية سوى حجرةٍ وكتا ٍ‬ ‫ب ومكتب وقلم‪ .‬‬ ‫ما التكريم الرسمي سوى نوٍع ُ‬ ‫مهذ ّ ٍ‬ ‫وقَب ْ َ‬ ‫ن المال والتكريم‪ ،‬هما أكبر خطرٍ على‬ ‫ل نصر حامد أبو زيد‪ ،‬كان فولتير قد اكتشف أ ّ‬ ‫ما ألبيرتو مورافيا‪ ،‬فأذكر له نصيحة جميلة‪ ،‬تصلح أيضا ً لغير المبدعين‪ .‬وهو في الحالتين خاسر‪.

‬وإذا كان الرئيس سليم الح ّ‬ ‫أن يطلب شيئا ً لنفسه”‪ ،‬ففي إمكاننا أن نقول‪ :‬يبقى المثقف كبيرًا‪ ،‬حتى ُيفّرط في عزة‬ ‫نفسه‪.‬لذا‪ ،‬يحار مقاولو‬ ‫الضمائر المفروشة لليجار‪ ،‬والقلم الجاهزة للستثمار‪ ،‬عندما يقعون على مثقف ل ثمن‬ ‫ن‪.‫مكتسبه‪ ،‬وتضاعفت قيود تبعّيته‪ .‬‬ ‫والّله غيرك قلبي ما حسد‬ ‫في الذكرى ا ُ‬ ‫لولى لغياب المغفور له الشيخ زايـد‬ ‫خر نذ ُ‬ ‫كر ْ‬ ‫في العَ ْ‬ ‫ك‬ ‫شرِ الوا ِ‬ ‫ن بعد َ‬ ‫ك‬ ‫الحز‬ ‫ُيهاد ِن َُنا‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫م ُيباغُتنا رمضا ْ‬ ‫ث ّ‬ ‫فنفتقد ُ ْ‬ ‫ك‬ ‫قد ُ لحد‬ ‫كما العيد ُ يفت ِ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫سد ُ ْ‬ ‫ك‬ ‫كم أح ُ‬ ‫د‬ ‫س‬ ‫ح‬ ‫ما‬ ‫قلبي‬ ‫غيرك‬ ‫والّله‬ ‫َ ْ‬ ‫ً‬ ‫ت‬ ‫مك ّ‬ ‫دعوا ِ‬ ‫فنا بال ّ‬ ‫ش َ‬ ‫ف نع َ‬ ‫ك‬ ‫أخ‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫زايد َ الحسنا ِ‬ ‫فن‬ ‫زاهد َ الك َ َ‬ ‫ك ّ‬ ‫فك الجود ُ‬ ‫َ‬ ‫قك‬ ‫ت تسب ِ ُ‬ ‫مضي‬ ‫نى‬ ‫أّ‬ ‫َ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫ب في موتك‬ ‫أرتا ُ‬ ‫نل َ‬ ‫ك هذي الحياة‬ ‫وبالحياة تدي ُ‬ ‫لكأن َ‬ ‫ك الّنبع الذي‬ ‫من قبله لم يوجد ِ الخيُر‬ ‫ول الماء ُوجد‬ .‬فبالنسبة إليهم ل أحد إل وله ثم ٌ‬ ‫فف النسان‪ ،‬بل بالقناعة‪ ،‬وبسقف قِي َم ٍ يحميه من الزلل‪،‬‬ ‫ذلك أنه ليس بالمكانات يتع ّ‬ ‫ضل مثل ً بساطة بيته‪ ،‬على القامة في فندق من‬ ‫يف‬ ‫زائل‪،‬‬ ‫فوحده الزاهد في مكسب‬ ‫ُ ّ‬ ‫خمسة نجوم ُيدعى إليه في مهرجانات‪ ،‬نهب وسلب الشعوب‪ ،‬لُيبارك بحضوره قراصنة‬ ‫الوطان‪.‬‬ ‫النسان‪ ،‬تكمن في عجزه عن احترام أي سق ٍ‬ ‫فالنسان بطبعه يتمنى الحصول على ألف‪ ،‬وعندما يحصل عليها يتمنى المليون‪ ،‬وعندما‬ ‫ل‪ ،‬في حاجة دائمة إلى‬ ‫ول إلى مدمن ما ٍ‬ ‫يكسب المليون يصبح هدفه المليين‪ ،‬بحيث يتح ّ‬ ‫ة‪ ،‬عندما يتعّلق المر بالمثقف‪ .‬ذلك‬ ‫المزيد منه برفع سقف ُأمنياته‪ .‬‬ ‫قف‪ ،‬حسب قول يونيسكو‪ ،‬فل‬ ‫في الواقع‪ ،‬كما أنه ل يوجد إنسان مثقف‪ ،‬بل إنسان يتث ّ‬ ‫فف‪ ،‬وعلى تقوية مناعته‬ ‫فف المطلق‪ ،‬بل لنسان يتمّرن يوميا ً على التع ّ‬ ‫وجود أيضا ً للتع ّ‬ ‫ّ‬ ‫ط من البشر‪ ،‬ما تسّبب في‬ ‫ال ُ‬ ‫خلقية‪ ،‬لمواجهة هجمة وباء قلة الحياء‪ ،‬المتفشي لدى ره ٍ‬ ‫إتلف كريات ا َ‬ ‫لنفة وعزة النفس‪ ،‬وإضعاف الجسم العربي‪ ،‬بمزيد من المذّلة‪ ،‬التي ليست‬ ‫ص يقول‪“ :‬يبقى المسؤول قوّيــا ً إلى‬ ‫الحاجة دوما ً من أسبابها‪ .‬‬ ‫له‪ ،‬ول يمكن اختراق سقف قناعاته بأي مبلغ كان‪ .‬وهي مأساة تزداد فجع ً‬ ‫ن المال‪ ،‬هو كل شيء يفعل ك ّ‬ ‫ل شيء للحصول عليه‪ .‬والذي ليس له‬ ‫من يؤمن بأ ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫ن َ‬ ‫سقف قناعة يحميه‪ ،‬هو معروض للبيع والشراء في سوق النخاسة‪ .‬وربما مأساة المبدع‪ ،‬كما مأساة‬ ‫منسوب الحرّية لدى ُ‬ ‫ف يضعه لحتياجاته‪.

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫تباركت يد ُ َ‬ ‫ك التي‬ ‫حد‬ ‫مأ َ‬ ‫س علْيها د ُ‬ ‫لي َ‬ ‫من غ َْيثها‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫وي‬ ‫يرت‬ ‫ة‬ ‫العروب‬ ‫ل‬ ‫نخ‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫كالولياْء‬ ‫دا َ‬ ‫ك‬ ‫نا‬ ‫من‬ ‫ما َ‬ ‫َ‬ ‫خاب َ‬ ‫َ‬ ‫ل عند َثراك ضاع َ قصد ْ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫ب َ‬ ‫ن من أهوال َِها‬ ‫ك تستجيُر ِ‬ ‫جني ُ‬ ‫فيرد ّ من مثواه ُ قلب ُ َ‬ ‫ك‬ ‫هذي يدي‬ ‫ك‬ ‫ت َب ِْني بيوت َ ِ‬ ‫ن على أحد‬ ‫ل تنادي يا ِ‬ ‫جني ُ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫من غيُر َ‬ ‫ح بهم‬ ‫ك صا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫من‬ ‫لى‬ ‫أغ‬ ‫ط‬ ‫نف‬ ‫"ل‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫م العرب!"‬ ‫كيف يُهو ُ‬ ‫ند ُ‬ ‫ب‬ ‫ت تنه ُ‬ ‫جئ َ‬ ‫أنت الذي ما ِ‬ ‫ب‬ ‫بل ت َهَ ْ‬ ‫ل بات تحت خيمِتك‬ ‫على ظلم ٍ بريٌء‬ ‫ن سبب!(‬ ‫دو‬ ‫من‬ ‫ت‬ ‫و‬ ‫عف‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫)ول ُ‬ ‫ْ َ‬ ‫جناة َ عنهُ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫كم أذ ُ‬ ‫كرك‬ ‫م‬ ‫والّله ك ْ‬ ‫م‬ ‫••إذا بنا خط ٌ‬ ‫ب أل ّ‬ ‫ن غيُر قلبك نسند ُ القلب إليه‬ ‫َ‬ ‫م ْ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫وت‬ ‫ب‬ ‫عر‬ ‫ال‬ ‫ة‬ ‫لخيم‬ ‫ك‬ ‫سوا‬ ‫ول‬ ‫ْ‬ ‫ِ ُ ِ‬ ‫أن أكون في ك ّ‬ ‫حك‬ ‫ل التراويح‪ .‬رو َ‬ ‫ه‬ ‫ت من الل ّ ِ‬ ‫ما طلب ُ‬ ‫في ليلةِ القدر‬ ‫َ‬ ‫دري وستري‬ ‫ق‬ ‫تكون‬ ‫سوى أن‬ ‫َ‬ ‫عمري‬ ‫جدران ُ‬ ‫سقفي و ُ‬ ‫ر‬ ‫الحش‬ ‫ة‬ ‫ساع‬ ‫وحللي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫**‬ ‫قى‬ ‫م الت ّ َ‬ ‫وسي‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حسن ْ‬ ‫ك‬ ‫أّتقي بالصلةِ ُ‬ ‫س ُقرب ْ‬ ‫ك‬ ‫وبالدعاِء ألتم ُ‬ ‫ُ‬ ‫س بالسجود ِ سجادا ً‬ ‫ألم ُ‬ ‫ت طويل ً‬ ‫عليه ركع َ‬ ..

.‬‬ ‫دومها‪ ،‬فقد عّرفتها الشّغالة‬ ‫وربما كانت المصيبة قد جاءت من هناك‪ ،‬من دون أن أتنّبه ل ُ‬ ‫ق ُ‬ ‫بشّغالت ُأخريــات آسيويات‪.‬خدعتني با ّ‬ ‫لنني كنت قد أعطيتها مبلغا ً مني لمثل هذه الحاجات‪ ،‬من دون أن أتنّبه أنها قبل ذلك‪،‬‬ ‫دة‪ ،‬كي ترسله إلى والدتها مع شّغالة إثيوبية تعمل‬ ‫ولّول مّرة‪ ،‬طال ََبت بمعاشها لشهر ع ّ‬ ‫لدى سعوديين يقيمون في البناية المقابلة لنا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫متمنعا ً عص ّ‬ ‫ً‬ ‫ب كناسك‬ ‫الح‬ ‫على‬ ‫ل‬ ‫مقب‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ن مهري صلُتك‬ ‫كأ ّ‬ ‫**‬ ‫يا لكثرتكْ‬ ‫ر‬ ‫كازدحام المؤمن بالذك ِ‬ ‫في شهر الصيام‬ ‫مزدحما ً قلبي ب ْ‬ ‫ك‬ ‫**‬ ‫كيف لــي‬ ‫ح ْ‬ ‫أن أكون في ك ّ‬ ‫ك‬ ‫ل التراويح رو َ‬ ‫كي في قيامك وسجودك‬ ‫عو أل ّ أكون لغيرك‪.‬وحدث أن سألني مروان‪ ،‬وهو يراني أقّبلها ذات مساء‪،‬‬ ‫كما أفعل أحيانا ً عندما ُتحضر لي شيئًا‪ ،‬قبل أن تذهب إلى النوم‪" :‬لماذا ُتقّبلينها ول‬ ‫ت ابني منذ ‪ 25‬سنة‪ ،‬ول تحتاج إلى أن أقول لك ك ّ‬ ‫ل مساء إنني أحبك‪،‬‬ ‫ُتقّبليننا؟" أجبته‪" :‬أن َ‬ ‫ن لم أقّبلها أنا؟"‪ .‬وكانت‬ ‫دقة أ ّ‬ ‫مص ّ‬ ‫ت غير ُ‬ ‫مازل ُ‬ ‫من أتلف ثيابه‪ ،‬أو ألقى بأوراقه‬ ‫كّلما اختل َ‬ ‫ده‪ ،‬وا ّ‬ ‫ت إليها ض ّ‬ ‫دعيت أنني َ‬ ‫فت مع ابني‪ ،‬انحز ُ‬ ‫ُ‬ ‫خطأ في الزبالة أثناء ترتيب غرفته‪ ..‬‬ ‫ن الشّغالة هربت‪ .‬يبدو‬ ‫من يقّبلها إ ْ‬ ‫بينما هي تركت أهلها لتقيم عندنا‪ ،‬لها علينا حقّ عاطفي‪َ ،‬‬ ‫دا‬ ‫ب‬ ‫ما‬ ‫ولفرط‬ ‫نجدها‪.‬‬ ‫ومصاريت التي تشبه بطل فيلم "الرجل العنكبوت"‪ ،‬في إمكانها بحبال الشارات‬ ‫والبتسامات أن تن ّ‬ ‫فة قرد‬ ‫ط وتمد ّ علقات عابرة للبنايات‪ ،‬تقفز من رصيف إلى آخر بخ ّ‬ .‬أعني تلك التي كانت لخمس سنوات ابنتي‪ .‬فقد كان مقررا ً يومها أن تعود من "كــان"‬ ‫دقتها‬ ‫دعائها مساًء الخروج صباح الغد لشراء ثياب وهدايا‪ ،‬وص ّ‬ ‫إلى بيـــروت‪ .‬‬ ‫تد ُ‬ ‫يا لي من غبية‪.‬‬ ‫فلم‬ ‫أيام‬ ‫من ُيقّبلها سواي! فقد استيقظنا قبل‬ ‫َ َ‬ ‫ج َ‬ ‫ن مصاريت و َ‬ ‫أ ّ‬ ‫دت َ‬ ‫ً‬ ‫لي أمر هروبها مستحي ً‬ ‫ل‪ ،‬بقيت أنتظر عودتها حتى الساعة الواحدة ظهرا‪ ،‬أقصى وقت‬ ‫ضروري لحضورها كي ل تخلف موعد الطائرة‪ .‫عساني ُأوافق وجهك‬ ‫**‬ ‫ة قدماك‬ ‫مبارك ٌ‬ ‫ب َ‬ ‫هى المساجد‬ ‫ك تتبا َ‬ ‫وبقامتك تستوي الصفوف‬ ‫هناك في غربة اليمان‬ ‫ث على حذر‬ ‫حي ُ‬ ‫ُيرفع الذان‬ ‫**‬ ‫ما أسعدني بك‬ ‫مترّبعا ً على عرش البهاء‬ ‫ُ‬ ‫ي النحناء‬ ‫مترّفعًا‪ُ .

.‬وتكيد‬ ‫علـ‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫س في بيوتنا الخدم"‪ ،‬أو قوله‪" :‬خلق الخدم ليثأروا منا ل ليخدمونا"‪.‬‬ ‫يتص ّ‬ ‫ت غبّية‪ ،‬ل أشك في مصاريت‪ ،‬على الرغم من ما بدا عليها من سلوك جديد‪،‬‬ ‫كن‬ ‫باختصـــار‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫دة ثلث عشرة سنة‬ ‫حتى إنني تركت جواز سفرها في حوزتها‪ ،‬بينما احتفظ جيراني م ّ‬ ‫ن سيف السلم القذافي قال لي عندما قابلته ذات مّرة‬ ‫بجواز خادمتهم الثيوبية‪ ...‬وهكذا ارتأت أن من واجبها "البروتوكولي" أن تحضر‬ ‫برفقة زميلتها لتوديعي وهما في ك ّ‬ ‫ل أناقتهما‪ .‬‬ ‫إنه استفاد من حكمة قرأها في "فوضى الحواس"‪ ،‬جاء فيها "ث ّ‬ ‫ّ‬ ‫ل شيء‪ ،‬والذي ل يش ّ‬ ‫الذي يشك في ك ّ‬ ‫ما‬ ‫م‬ ‫حتى‬ ‫لم‬ ‫أتع‬ ‫ل‬ ‫وحدي‬ ‫ك في شيء"! لكنني‬ ‫ّ‬ ‫أكتبه!‬ ‫غبائي يؤلمني‪ ،‬عندما أتذ ّ‬ ‫قدتها وهي نائمة كانت مغطاة الرأس‬ ‫كر أنني في آخر ليلة تف ّ‬ ‫ت على مقربة منها‬ ‫باللحاف على غير عادتها‪ .‬إلى الشاطئ ال ّ‬ ‫لزوردي في فرنسا‪،‬‬ ‫حيث من الرجح أن يلتهم الفارقة نصف البلد خلل أعوام!‬ ‫رخصة قيادة‪ .‬للبيع‬ ‫صّرحت الكابتن هنادي زكريا‪ ،‬أّول امرأة سعودية تقود طائرة‪ ،‬بأنها سعيدة بقيادة الطائرة‪،‬‬ ‫ول رغبة لها في قيادة سيارة‪ .‬وكثيرا ما نبهتني‬ ‫تصادفها من أية جنسية كانت من الجنسيات‪ ،‬وكأنها تشمه ّ‬ ‫سلفتي في بيروت إلى خطورة جمع الخادمات‪ ،‬ونصحتني بأل ّ أسمح لها بالتردد على‬ ‫مع السبوعي للثيوبيات لتبادل‬ ‫صديقاتها أو الذهاب يوم الحد إلى الكنيسة‪ ،‬حيث التج ّ‬ ‫الخبار‪ .‬حتى إنني وجدت نفسي متوّرطة في‬ ‫في الرد ّ على هواتفهن‪ ،‬واستقبالي البشوش له ّ‬ ‫واجبات تجاه صديقاتها من الشغالت‪ ،‬كالثيوبية التي تعمل عند جيراني‪ ،‬وهي سيدة‬ ‫ي بيدها قبلة مسروقة كلما لمحتني من الشرفة‪ ،‬مذ‬ ‫مسلمة ومحجبة اعتادت أن ترسل إلـ ّ‬ ‫سمحت لها بمهاتفة أهلها من بيتي‪ .‬‬ ‫ددتها لها في بيروت هباًء‪ ،‬وعلى جواز‬ ‫أدركت بعد ذلك أنها تشكرني على الوراق التي ج ّ‬ ‫السفر الذي أهديتها إّياه صالحا ً خمس سنوات وعليه فيزا "شنغن"‪ ،‬وعلى الضمان الصحي‬ ‫اللبناني والفرنسي‪ ،‬وعلى تذكرة السفر التي كانت تحتاج إليها لرحلة واحدة‪ .‬ووجدتني ذات مساء ثلثاء‪ ،‬عن حياء‪ ،‬بدل أن‬ ‫ما‬ ‫أكتب مقالي أقضي ُأمسيتي في واجب ضيافتها وتقديم القهوة والحلويات‪ ،‬والسماع ل َِ‬ ‫من يعملن لديهم‪.‬توصلها من‬ ‫إثيوبيا‪ ،‬حيث التهمت ا ُ‬ ‫لسود مؤخرا ً عشرين قرويًا‪ .‬‬ ‫ي‪ ،‬وحاولن سرقتي منها‪ ،‬ووقعن جميعهن في حبي‪ ،‬للطفي‬ ‫فكثيرا ً ما حسدتها صديقاتها عل ّ‬ ‫ن‪ .‬‬ ‫وبدل أن تخلق عندي الكابتن هنادي عقدة قيادة الطائرة‪ ،‬حّررتني بترّفعها عن قيادة‬ ‫السيارات‪ ،‬من عقدة السواقة )وسوقيتها(‪ ،‬ليس فقط تجاه النساء الجالسات بزهو خلف‬ ‫دة سنوات عند محطات الباصات العربية والفرنسية‪،‬‬ ‫مقودهن‪ ،‬أثناء انتظاري المخجل لع ّ‬ ‫ً‬ ‫مة الجبل الذي يطل‬ ‫بل أيضا ً تجاه جاري شوماخر‪ ،‬بطل "الفورمول" الذي احتل مؤخرا ق ّ‬ ‫على خليج "تيول" جنوب فرنسا‪ ،‬حيث اشتريت شقة صغيرة للكتابة‪ ..‬وبما أنه ل أحد قد أفتى بعد ُ بتحريم قيادة الطائرة على‬ ‫المرأة‪ ،‬أقترح أن تقود النساء الطائرات بدل السيارات‪..‬والخبرات‪.‬إلى سيارة؟ لقد قضيت عمري من دون أن أجلس خلف مقود‪،‬‬ ‫ولم يمنعني هذا من أن أقود حياتي‪ ،‬غالبا ً دون احترام لقانون السير‪.‬وضع ُ‬ ‫واقيا ً كهربائيا ً مضادا ً للناموس‪ ،‬ثم أيقظتها ُ‬ ‫لغّيـر وسادتها بُأخرى مريحة أكثر‪ .‬‬ ‫لنا القدار عندما تد ّ‬ ‫محسن بطبعه ل يتوقع من الخرين ما ل‬ ‫كنت‪ ،‬وربما مازلت‪ ،‬ل أتوّقع كيدا ً من أحد‪ ،‬لن ال ْ ُ‬ ‫ور أنه قد ُيقدم عليه‪.‬‬ ‫ما حاجة المرء )والمرأة‪ (.‬توقعت أنها تحتمي من لسعة ناموس‪ .‬ومازلت‪ ،‬أمام دهشة‬ .‫ميها )‪ ،(ToTa‬أي قرد باللغة الثيوبية(‪ ،‬وتمد ّ حديثا ً مع أّية خادمة‪،‬‬ ‫)حتى إ ّ‬ ‫ن أمها كانت ُتس ّ‬ ‫ً‬ ‫ن حيث ُوجدن‪ .‬قالت لي‬ ‫وهي نائمة )‪ ،(thank you Madame‬وكانت هذه آخر كلمات نطقت بها‪.‬وأذكر أ ّ‬ ‫مة نوعان من الغبياء‪.‬‬ ‫تي ّ‬ ‫سر من نميمة الخدم على َ‬ ‫ي أن أذكر يومها قول إبراهيم الكوني‪" :‬ترحمنا القدار عندما ترمينا بالعداء‪ .‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬كنت كعاشق مخدوع‪ ،‬واثقة بإخلص مصاريت‪ ،‬لثقتي بأنها لن تجد أفضل مني‪..

‬‬ ‫منذ ذلك اليوم استنتجت أنه لبد‪ ،‬بموجد قانون‪ ،‬أن ُيمنع الك ُّتاب والعشاق من تعاطي‬ ‫القيادة‪ ،‬لنهم مغيبون عن هذه الدنيا‪ .‬حتى من باب الدعابة‪ ،‬أن تمازج إعصارا ً‬ ‫ن بعض أعاصيرها العشقّية قلبت المارة رأسا ً على عقب‪.‬‬ ‫للتذكير‪ :‬رخصة قيادتي مسجلة تحت رقم ‪ 1138062‬في بيروت‪ ،‬سنة ‪ ،1993‬وهي‬ ‫مة القارئات‬ ‫معروضة بسعر قابل للتفاوض‪ .‬فقد كنت أقود‬ ‫في أول يوم استلمت فيه المقود‪ .‬وخلفه سريلنكية‪ ..‬ولنه يحفظ أكثر من كتاب سماوي‪ ،‬فقد أضاف‪" :‬سيري وعين الر ّ‬ ‫ترعاك"‪ ..‬حتى الميرة ستيفاني‪،‬‬ ‫دد اليوم قبل أن ُتغّني أغنيتها الشهيرة تلك"مثل إعصار"‪ ...‬مشغولون عن همومها بهموم الحب والكتابة‪..‬كان يكفي ملحم بركات‪،‬‬ ‫وهو في كل أناقته وتأنقه و َ‬ ‫وه "بالجل" أن يفتح بابه ليكتشف أن"على‬ ‫شعره المصفف لت ّ‬ ‫بابه واقف قمرين"‪ .‬وأخرجوني من نافذتها‪ ،‬أنا وابني وليد‪ ..‬‬ ‫أو تتغّزل به‪ ،‬خاصة أ ّ‬ .‬‬ ‫لك ّ‬ ‫ل هذه السباب مجتمعة‪ ،‬ل أرى جدوى من قيادة السيارة أو ريادة الفضاء‪ ،‬حتى إنني‬ ‫ً‬ ‫حدث أن قدمت عرضا في هذه الصفحة لبيع رخصة قيادتي لمن يهمهن المر‪ ،‬خاصة‬ ‫السيدات الثريات‪ ،‬اللئي يمتلكن ترسانة من السيارات‪ ،‬ول تنقصهن إل ّ فرحة امتلك هذه‬ ‫البطاقة المرمّية في درج مكتبي منذ اثنتي عشرة سنة‪ ،‬خاصة أنني حصلت عليها‪ ،‬ل لنني‬ ‫ُأتقن القيادة‪ ،‬بل عندما تأكد مدربي من أنني ل أصلح لها‪ ،‬وًأصدر فتوى‪ ،‬مفادها‪ ،‬أنني‬ ‫لفرط خوفي‪ ،‬من الفضل أن أحصل على الشهادة أو ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫سألته‪" :‬يا سيدي‪ .‬أو المقايضة‪ .‫ملة بحاجاتي‬ ‫الجيران الذين يساوي ثمن سيارة بعضهم ثمن شقتي‪ ،‬أقصد بيتي بالباص‪ ،‬مح ّ‬ ‫وأوراقي وما يلزمني للكل‪ ،‬صاعدة ذلك الطريق الجبلي المحفوف بأشجار الصنوبر‬ ‫ملة مساًء قعره المضاء‪ ،‬المسّيج بالنوار‪ ،‬الذي‪ ،‬برغم قرب‬ ‫والورود‪ .‬هكذا دفعة واحدة‪ .‬أجاب بالحرف الواحد‪" :‬لن يصيبكم إل ّ ما‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫كتب لكم!"‪ .‬غير أن المر ما عاد يستحق كل ذاك‬ ‫ملتها المسكينة من غثيان ودوار و"شقلبات"‪ ،‬وارتداء‬ ‫العناء‪ ...‬فوحدهم العرب يأتيهم القمر مشيا ً على القدام‪،‬‬ ‫بينما يتعب الخرون لتطأة أقدامهم‪.‬وكل تلك البلوي التي تح ّ‬ ‫ثياب مزعجة للستات‪ ،‬وك ّ‬ ‫ل هذا من أجل بلوغ القمر‪ .‬ثم أتعّلم القيادة "على مهلي"‪.‬يا للغباء‪ .‬وبدل أن أتتبعهما في المرآة )التي لم يعلمني أحد كيف‬ ‫أستعملها( رحت من خوفي ل أتوقف عن النظر إليهما‪ ،‬فمال بي المقود يمينًا‪ ،‬ثم صعودا ً‬ ‫نحو جدار‪ ،‬قبل أن تنقلب السيارة على ظهرها وتقطع الطريق على السيارات لساعتين‪.‬وأشجار الصبار‪ ،‬متأ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي القفز عليها‪ ،‬إل إذا ربحت في‬ ‫المسافة‪ ،‬تفصلني عنه طوابق من "الصفار" يصعب عل ّ‬ ‫"اليانصيب" الوروبي مثل ً )آخر من فاز به قبض مبلغ مئة وخمسة وثلثين مليون يورو(‪ ،‬أو‬ ‫ت عليه بالتحاقي بمركبة فضائية تغطي على سيارته "الفيراري" الخرافية‪ ،‬وسرعتها‬ ‫تفوق ُ‬ ‫المرعبة في قطع منعطفات موناكو‪ ،‬فأكون آنذاك فالنتينا ترشكوفا العربية‪..‬وماذا لو قمت بحادث؟"‪ .‬‬ ‫لحظوا أنني مازلت أذكر اسم هذه "الولّية" الروسية‪ ،‬برغم صغر سني يوم دخلت التاريخ‬ ‫كأول رائدة للفضاء‪ ،‬وأول امرأة وصلت إلى القمر‪ .‬سيارة "‪ ،"BMW‬أوتوماتيكية‪ ،‬ل أعرف من أبجديتها إل ّ‬ ‫حرفين‪ :‬واحد للنطلق‪ ،‬وآخر للتوقف‪ ..‬ذلك أنني‪،‬‬ ‫قبل أن أظهر على التلفزيون ككاتبة‪ ،‬ظهرت سنة ‪ 1993‬في باب "حصاد الكوارث‬ ‫اليومية"‪ ،‬عندما انقلبت بي السيارة‪ .‬وسرت‪ ،‬والبقية شاهدها البعض على التلفزيون في النشرة الخبارية‪ ...‬فالجميلة المترّبعة فوق‬ ‫ستتر ّ‬ ‫صخرة موناكو‪ ،‬تدري الن أنه ما عاد في المكان‪ .‬حسب ه ّ‬ ‫كّلنا من أمر البحر في شك‬ ‫انتهى زمن العاصير الجميلة‪ ،‬التي تغّنى طويل ً بها الشعراء‪ .‬وخفت أن أدهس سريلنكيا ً كان يقود بجواري‬ ‫"موتوسيكل"‪ .

.‬والموّزع الحصري للديمقراطّية على جميع سكان الكرة الرضّية‪ .‬‬ ‫مى "كاترينا"‪.‬فقد أثبت‬ ‫مستوى سطح البحر‪ ،‬وسطح الفقر‪ ،‬أم إمارة ُ‬ ‫"تسونامي" أن في إمكانه تسّلق طوابق عدة‪ ،‬وابتلع ُ‬ ‫ن البحر‬ ‫"أ‬ ‫يعتقدون‬ ‫كانوا‬ ‫أناس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ن المطر الذي انهمر عليهم بغتة كان استجابة‬ ‫يبتسم"‪ ،‬كما اعتقد الجزائريون منذ سنتين أ ّ‬ ‫لصلوات الستسقاء‪ ،‬وإذا به ُيخّبئ لسكان العاصمة أكبر فيضان عرفته الجزائر‪ ،‬ذاهبا ً حد ّ‬ ‫خطف ُأناس باغتهم في الشوارع‪ ...‬‬ ‫نكبة أميركا ليست في شعبها‪ ،‬الطّيب غالبًا‪ ،‬والساذج حد ّ تصديق ك ّ‬ ‫فسه من سموم‬ ‫ل ما يتن ّ‬ ‫إعلمّية‪ .‬ذلك أ ّ‬ ‫القرار الميركي يصنعه الثرياء‪ ،‬أصحاب الشركات الكبر من الدول‪ ،‬ويدفع ثمنه فقراء‬ ‫العالم‪ ،‬وفقراء أميركا الذين ما كّنا لنعرف مدى فاقتهم‪ ،‬لول فضيحة هذا العصار‪.‬فقد أصّرت إدارته على الرفض القاطع‬ ‫التوقيع على معاهدة كيوتو للحتباس الحراري التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة‪ ،‬في‬ ‫ن‬ ‫المحيطات‪ ،‬ما تسّبب‪ ،‬حسب الخبراء‪ ،‬في تشكيل العاصير الواحد تلو الخر‪ .‬‬ .‬فبوش‪ ،‬الذي ابتدع "الحروب الستباقّية"‪ ،‬ما كان في إمكانه أن يستبق إعصارا ً أو‬ ‫حكم أنه الراعي للنسانية والقيم‬ ‫يلحق به‪ .‬أم الطبيعة؟‬ ‫َ‬ ‫ن الطبيعة بيت‬ ‫إذا احتكمنا إلى إبراهيم الكوني‪ ،‬الذي يقول في كتابه "ديوان البّر والبحر"‪ ،‬إ ّ‬ ‫الّله الذي ندّنسه بدل أن نتعّبد فيه‪ ،‬يكون الرئيس المؤمن بوش‪ ،‬قد دّنس بيوت الّله كثيرًا‪،‬‬ ‫و تجّنى على الطبيعة كما تجّنى على البشر‪ .‬ذلك أن أولوياته هي غير أولويات مواطنيه‪ ،‬ب ُ‬ ‫السماوية‪ .‬ما الطبيعة إل ّ يـد الّله‪ ،‬وكان لبد لجبروتهم أن ينتهي‬ ‫تحت أقدامها‪.‬ففي أميركا‪ ،‬حيث‬ ‫ح ّ‬ ‫دة التل ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جت‬ ‫ضا يليق برواجه‪ ،‬د ََر َ‬ ‫مَر َ‬ ‫تخترع شركات الدواء العملقة الدواء أول‪ ،‬ثم تخترع له َ‬ ‫الحكومات الميركية على إشعال حروب لستهلك ترسانة أسلحتها واختبار الجديد منها‪،‬‬ ‫غير عابئة بما ستخّلفه قنبلة نووية على مئات اللف من البشر في هيروشيما‪ ،‬أو ما‬ ‫ستتنفسه المهات من سموم‪ ،‬تشهد عليها تشوهات الجنة والمواكب الجنائزية المتتالية‬ ‫لنعوش أطفال العراق‪.‬نكبتها في ح ّ‬ ‫كامها الذين يصّرون على سياسة التفّرد والستعلء‪ ،‬حتى على‬ ‫الطبيعة‪ .‬فما‬ ‫ب "كلنا من أمر البحر في شك"‪ ،‬نرتاب من مجاورته ونشك في ُ‬ ‫كما الح ّ‬ ‫عاد البحر يهبنا اللؤلؤ والمرجان والحيتان‪ ،‬بل الفيضانات والدمار والعاصير الستوائية‬ ‫والحلزونية‪ ،‬التي ل رقم معروفا ً لضحاياها‪.‬فأين له أن‬ ‫يجد الوقت ليوزع الغاثة على المنكوبين من مواطنيه‪ ،‬وهو مشغول بتوزيع جيوشه حسب‬ ‫ده بها الشركات البترولية في معقله في تكساس؟‬ ‫الخرائط التي تم ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجبابرة‪ ،‬سادة العالم وأنبياؤه المزّيفون‪ ،‬عليهم أل يعجبوا إن هم ما استطاعوا احتواء‬ ‫غضب السماء‪ ،‬ول غضب الرض‪ .‬‬ ‫كل السماء النسائية والرجالية التي تطلقها هيئات الرصد الجوي‪ ،‬لتمنح كوارثنا "الطبيعية"‬ ‫اسمًا‪ ،‬تضافرت وتناوبت لتهّز ثقة النسان بسيادته على هذه الرض•‬ ‫من المعتدي؟ النسان‪ .‬وابتلعهم عبر المجاري لُيلقي بجثثهم بعد ذلك إلى‬ ‫البحر‪.‫من من طوفان أو إعصار أو زلزال‪ ،‬سواء أكان يسكن مدينة تحت‬ ‫ل أحد الن في مأ َ‬ ‫ّ‬ ‫معلقة على صخرة النجوم‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حسن نواياه‪ .‬‬ ‫مس ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫نفهم تماما‪ ،‬أن يطالب أنصار البيئة بإطلق أسماء العاصير على السياسيين‪ ،‬مقترحين‬ ‫أسماء جورج بوش‪ ،‬وكونداليزا رايس‪ ،‬وتوني بلير‪ ،‬ورامسفيلد‪ ،‬باعتبارهم مسؤولين عن‬ ‫معظم الكوارث الطبيعية التي تحيط بالعالم‪ ،‬وتتسّبب في اّتساع ُثقب الوزون‪ ،‬و ارتفاع‬ ‫وث في العالم‪ ،‬إضافة إلى الحروب التي ُيشعلها سوق السلح‪ .

‬فقد سبق أن عانيت من‬ ‫صاَدف أن كانت جالسة مثلي بمفردها تتناول الغداء في مطعم صغير‬ ‫صل معها يوم َ‬ ‫التوا ُ‬ ‫دة قامت على البتسامات والكلمات‬ ‫مو‬ ‫بيننا‬ ‫ولدت‬ ‫كيف‬ ‫أدري‬ ‫ل‬ ‫"الشانزيليزيه"‪.‬‬ ‫ممّنية نفسي بزيارتها في مناسبة تليق بشاعريتها‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫عظمى‬ ‫دولة‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫بهتنا‬ ‫ون‬ ‫أميركا‪،‬‬ ‫في‬ ‫والعرقي‬ ‫طبقي‬ ‫ال‬ ‫النقسام‬ ‫رست‬ ‫ك‬ ‫العصار‬ ‫فمحنة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن بلدا بلغ به العلم حد ّ إرسال إنسان آلـي ليقوم‬ ‫قد تخفي ولية من العالم الثالث‪ ،‬وأ ّ‬ ‫بتصليح عربة فضائية خارج نطاق الجاذبية‪ ،‬على ُبعد مليين الكيلومترات من الرض‪ ،‬قد‬ ‫مامات للمنكوبين‪ ،‬ما ألهم الفيليبين‬ ‫يع َ‬ ‫جز عن إمداد أبنائه بالماء والغذاء‪ ،‬بل وبتوفير ح ّ‬ ‫ً‬ ‫ميه ُأمي "موت‬ ‫تس‬ ‫ما‬ ‫وهو‬ ‫حي‪،‬‬ ‫الص‬ ‫الصرف‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫مهندس‬ ‫‪25‬‬ ‫يضم‬ ‫فريق‬ ‫إرسال‬ ‫عرض‬ ‫ّ‬ ‫ُ ّ‬ ‫وفضيحة"‪.‬ل‬ ‫أدري ما ح ّ‬ ‫ل بها‪ ،‬لكن بشرتها البيضاء‪ ،‬وما يبدو عليها من ثــراء ُيطمئنانني لمصيرها‪.‬لكن العصار سبقني لتلبية الدعوة التي ما كنت للّبيها‬ ‫فاخرة‪ُ ،‬‬ ‫أص ً‬ ‫ل‪ ،‬على القل بسبب إعاقتي اللغوية وجهلي بالنجليزية‪ .‫)نيو أورليانز(‪.‬‬ ‫ب‬ ‫المطاف‬ ‫آخر‬ ‫في‬ ‫التقت‬ ‫رف‪،‬‬ ‫متط‬ ‫يهودي‬ ‫أو‬ ‫دد‬ ‫متش ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫مسيحي ُ‬ ‫ّ‬ ‫تربطنا بهؤلء البؤساء إنسانيتنا‪ ،‬على الرغم من كونهم ل يملكون الوقت ‪ -‬ل قبل المحنة‬ ‫ول بعدها ‪ -‬لللتفات إلينا‪ ،‬ول يدرون أين يوجد مضرب خيامنا على خريطة العالم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مواساة عدّوتها بالكِلمات "اللكمات"‪ ،‬واصفة إّياها‬ ‫وحدها كوريا الشمالية كانت صادقة في ُ‬ ‫بالشّريرة التي يقودها "معتوه سياسي"‪.‬وحتى وهم يرسلون مئات اللف من أبنائهم للموت فيها‪ ،‬يجهلون‬ ‫مكانها على الخريطة‪.‬‬ ‫ب‬ ‫أحضانه‬ ‫في‬ ‫ل‬ ‫أص‬ ‫غارقة‬ ‫كانت‬ ‫الذي‬ ‫البحر‬ ‫فالولية ابتلعها‬ ‫ُ‬ ‫ي تلك‬ ‫عندما شاهدت هول الكارثة‪ ،‬تذكرت جوهانا‪ ،‬السيدة الميركية التي أرسلت إلـ ّ‬ ‫معايدة‬ ‫المجلة في طبعتها الفرنسية قبل سنتين‪ ،‬بمناسبة أعياد الميلد‪ ،‬ومعها بطاقة ُ‬ ‫ُ‬ ‫متمّنية أن أزورها يومًا‪ .‬المناسبة لم تحدث‪،‬‬ ‫احتفظت بالمجلة ُ‬ ‫ً‬ ‫حكم وجودها تحت سطحه‪..‬أميركا‪ ،‬التي كما يقول مثل جزائري‪" :‬خ ّ‬ ‫لت راجلها ممدود وراحت تعّزي في‬ ‫محمود"‪ ،‬معذورة عندما تستدعي ‪ 300‬من طّياريها في العراق‪ ،‬للمساعدة في جهود‬ ‫الغاثة‪ .‬‬ ‫وللمانة‪ ،‬كانت جوهانا طّيبة وأكثر وفاًء مني‪ .‬‬ ‫فقد تدافعت ستون دولة لشراء رضا أميركا بالمساعدات‪ ،‬أو لهانتها بالذريعة إّياهــا‪ ،‬كما‬ ‫في عرض كاسترو بإرسال ‪ 1100‬طبيب لنجدة ُنزلء الجنة الميركية‪ ،‬بينما يتجاوز عدد‬ ‫الفاّرين من جحيمه الشيوعي يوميا ً نحو أميركا‪ ،‬أضعاف هذا الرقم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ماعات دينية‪ ،‬بعضها‬ ‫ف روح التش ّ‬ ‫عيب أن نستش ّ‬ ‫في في بعض ما كتب أو صّرحت به َ‬ ‫ج َ‬ ‫متطّرفينا‪.‬التي سبقني إليها العصار‬ ‫صة بالتعريف بمعالمها السياحية‪ ،‬ومبانيها ذات‬ ‫اكتشف ُ‬ ‫ت "نيو أورليانز" في مجلة فاخرة مخت ّ‬ ‫الفن المعماري المتمّيز بالبهجة والشاعرية إلى حد ّ إغراء أكثر من سينمائي‪.‬‬ ‫مدنهم منكوبة منهوبة تحكمها العصابات‪ ،‬كما‬ ‫ن نرى ُ‬ ‫ل نستطيع إل ّ أن نتعاطف معهم‪ ،‬ونح ُ‬ ‫ً‬ ‫موّزع‬ ‫وهو‬ ‫المسكين‬ ‫يستطيع‬ ‫ماذا‬ ‫أسأل‪:‬‬ ‫لبوش‪،‬‬ ‫ا‬ ‫وإنصاف‬ ‫بغداد يوم سقوطها على أيديهم‪.‬فمجالس العزاء عندنا مفتوحة على مدار النهار‪ ،‬تماما ً كسمائنا المفتوحة للقصف‪،‬‬ ..‬‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫بين تجفيف ينابيع الرهاب )أو شللته( التي ُتغطي نصف الكرة الرضّية‪ ،‬وتجفيف المناطق‬ ‫المنكوبة في بلده الغارقة في المياه‪ ،‬والتي تعادل مساحُتها نصف مساحة فرنسا؟ لبد أن‬ ‫ن إقامة الديمقراطية في العراق أهم من إنقاذ آلف الرواح‬ ‫در لبوش اعتقاده أ ّ‬ ‫ُنق ّ‬ ‫الميركية‪ .‬فقد وعدتها أن أرسل إليها أحد أعمالي باللغة‬ ‫دة في أخذ عنواني‪.‬أم إعصار السماء؟"‪ .‬‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫دد على باريس‪ ،‬وفهمت مني أنني‬ ‫متداخلة اللغات‪ .‬ع َذ َْرُتها‪ ،‬فالميركيون ل يسمعون إل ّ بالبلد‬ ‫التي يشنون عليها حربًا‪ .‬‬ ‫النجليزية‪ ،‬ولم أفعل‪ ،‬بينما كانت هي جا ّ‬ ‫أذكر جوهانا هذه اليام وأنا أرى صور الدمار‪ ،‬وآثار ذلك "الفيضان العظيم"‪ ،‬الذي اختلف‬ ‫في تفسيره المتطّرفون من فقهاء الديان‪" :‬أكان إعصار الرض‪ .‬فهمت منها أنها عازفة "بيانــو"‪ ،‬تتر ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫كاتبة من بلد ربما لم تسمع به ُيدعى الجزائر‪ .

‬‬ ‫إخفاء لعَبة تمثيلها سنوات ع ّ‬ ‫مؤخــــرًا‪ ،‬بدأت ُأف ّ‬ ‫ن بها الّلــه على شّغالتي‪ ،‬وقد أنجح‬ ‫مــ‬ ‫التي‬ ‫الروائية‬ ‫الموهبة‬ ‫كر في‬ ‫ّ‬ ‫داد" للروايــة لهذا العام‪ ،‬إلـى شّغالتي‬ ‫في إقناع لجنة التحكيم بمنح "جائزة مالك ح ّ‬ ‫"مصاريت"‪ ..‬‬ ‫ق ّ‬ ‫ن عشرة آلف جندي من القوات الميركية الموجودة في العراق هم من المناطق‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫المنكوبة‪.‬وهربــت الشّغالـة"‪ .‬عنوان ُ‬ ‫س ّ‬ ‫مش ّ‬ ‫ل‬ ‫سامع‪ ،‬و ُ‬ ‫ي‪ .‬فوحدي أعيشه على مدار اليوم‪ ،‬ليس فقط كأشغا ٍ‬ ‫مثير للمواجع بالنسبة إلـ ّ‬ ‫منزلّية‪ ،‬بل كصدمة نفسّية وخيانة ما استطاع قلبي تقّبلها‪ ،‬لفرط ما دّللت تلك الشّغالة‪،‬‬ ‫إلى حد ّ دعوتها إلى الجلوس معي على طاولة الطعام‪ ،‬عندما تزورني إحدى صديقاتي ول‬ ‫يكون غيرنا في البيت‪.‬مسلسل رمضاني حصري‬ ‫وهربت الش ّ‬ ‫ُ‬ ‫ي لختيار أحدها‬ ‫صص وقتي لدراسة مشروعات السيناريوهات التي ُ‬ ‫بدل أن أخ ّ‬ ‫عرضت علـ ّ‬ ‫للبدء في إنجاز مسلسل "ذاكرة الجسد" على وجه السرعة‪ ،‬ليكون جاهزا ً لرمضان‬ ‫صة محبوكة الخراج‪،‬‬ ‫المقبل‪ ،‬وجدتني مشغولة بسيناريو آخر أّلفته شّغالتي الثيوبية‪ ،‬في ق ّ‬ ‫مفاجعة التي يحتاج إليها كل عمل درامي ناجح‪ ،‬حتى إنني‬ ‫مفاجأة وال ْ ُ‬ ‫ل تخلو من عناصر ال ْ ُ‬ ‫بعد أن عايشت ك ّ‬ ‫دت لديّ قناعة بضرورة تغيير مهنتي‪ ،‬مادامت شّغالتي‬ ‫صة‪ ،‬غ َ َ‬ ‫ل فصول الق ّ‬ ‫تفوقني خيال ً‬ ‫ن ُأخريات‬ ‫أ‬ ‫خاصة‬ ‫بالي‪،‬‬ ‫على‬ ‫تفاصيلها‬ ‫تخطر‬ ‫ل‬ ‫روايات‬ ‫اختراع‬ ‫على‬ ‫وقادرة‬ ‫ّ‬ ‫ي‪ ،‬كتلك السريلنكّية‪ ،‬التي جاءها هاتف ذات صباح‬ ‫ن التمثيلّية علـ ّ‬ ‫سبقنها إلى اختبار مواهبه ّ‬ ‫ً‬ ‫ن بعَلها دهسته‬ ‫ل‬ ‫صدرها‪،‬‬ ‫ق‬ ‫وتش‬ ‫شعرها‬ ‫د‬ ‫تش‬ ‫وهي‬ ‫ا‬ ‫أرض‬ ‫بط‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫باكر‪ ،‬وراحت تنتحب وتتخ ّ‬ ‫ّ‬ ‫سيارة وهو على "الموتوسيكل"‪ ،‬وعليها أن تسافر لتحضر مراسم حرقه‪ .‬‬ ‫لو حدث والتقيت جوهانا سأخبرها بكثير من الزهو أن أكبر عملية إغاثة لضحايا العصار‬ ‫دمها العرب‪ .‬فلقد أسهم الشعب العراقي وحده بإنقاذ عشرة آلف نسمة من حتفهم‪.‬وخفنا أن تحرق‬ ‫فرناها‬ ‫ما لها عندنا‪ ،‬وس ّ‬ ‫نفسها عندنا‪ ،‬حسب التقاليد‪ ،‬أو تحرق البيت بنا‪ ،‬فأعطيناها أكثر م ّ‬ ‫ملة بالهدايا لطفالها الذين فارقتهم منذ ثلثة أشهر فقط‪ ،‬لنكتشف بعد ذلك‬ ‫على ع َ َ‬ ‫مح ّ‬ ‫جل ُ‬ ‫أنها كانت تكذب‪..‬فقد‬ ‫مبّيتا ً قبل ُ‬ ‫على مرأى من غفلتي في "كــان"‪ ،‬وكان هروبها ُ‬ .‬‬ ‫غالة‪.‬أ ّ‬ ‫دت حقيبتها‬ ‫وقاسمتها لقمتي‪ ،‬وكسوتها كما لو كانت ابنتي‪ ،‬فهذا ما ل أغفره‪ ،‬خاصة أنها أع ّ‬ ‫مغادرتي بيـــــروت‪ .‬‬ ‫ولم يمنع هذا ُأختها من أن تقوم بمقلب مشابه ُ‬ ‫لختي التي ُتضاهيني سذاجة وطيبة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فرتها‪.‬ألـم ُيعـّرف الروائي ماريو يوسا‪ ،‬البداع بأنه "استعداد فطري يتجّلى بميل‬ ‫مبدع إلى قدرته على التخّيـل وتغيير ما يدور حوله"؟ هذا تماما ً ما يتوافر في "مصاريت"‪،‬‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫هش ك ّ‬ ‫من عرفها وعرف تعّلقها بـي‪ ،‬ولنه مسلسل‬ ‫وما أتاح لها إنجاز مسلسل أد َ‬ ‫ل َ‬ ‫ً‬ ‫مكسيكي‪ ،‬حيث تكثر قصص الشّغالت اللئي ينتهين غالبا سّيدات مجتمع بعد هروبهن إلى‬ ‫ُ‬ ‫مثيــر للفضول لك ّ‬ ‫ل‬ ‫بيوت أخرى‪ ،‬فقد َ‬ ‫وق و ُ‬ ‫ميته "‪.‬‬ ‫سَبق أن قلت‪ :‬في إمكاني أن أغفر خيانة زوج‪ ،‬لكنني ل أغفر خيانة صديق‪.‫وصدورنا المفتوحة للصفح‪.‬‬ ‫وأنا التي َ‬ ‫سبق إصرار‪ ،‬في‬ ‫مع‬ ‫طعنــة‬ ‫فهي‬ ‫الصديـــق‪،‬‬ ‫خيانة‬ ‫مــا‬ ‫أ‬ ‫وة‪،‬‬ ‫نــز‬ ‫تكون‬ ‫قد‬ ‫الزوج‬ ‫فخيانة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ن زوجي هو‬ ‫إمكاني أن أضيف في هذه الحالة بالذات‪ ،‬أنني كنت سأتفّهم المر أكثر لو أ ّ‬ ‫سن صاحبته على القل‬ ‫الذي هـ ّ‬ ‫ج من البيت وهرب طالبا ً اللجـــوء إلى بيت آخــر‪ُ ،‬تح ْ‬ ‫ُ‬ ‫ال ّ‬ ‫عــذر من بين خمسة أو ستة أعذار على القل أِقــّر بها‪ ،‬ويتساهل فيها‬ ‫طبخ‪) ،‬وهو ُ‬ ‫مــا أن تهرب هذه البنت التي جئت بها من أدغال أفريقيا وأسكنتها غرفتي‬ ‫زوجي(‪ .‬‬ ‫دقتها ُأختي لفرط نحيبها‪ ،‬وس ّ‬ ‫ن زوجها فَ َ‬ ‫قد َ ساقه‪ ،‬فص ّ‬ ‫دعّيـة أ ّ‬ ‫م ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫من وقتها‪ ،‬وأنا أطالب بأن ُيمنح "أوسكار" التمثيل في إحدى دورات مهرجان "كـــان"‬ ‫وق‪ ،‬وفي إمكانها‬ ‫ن‪ ،‬لثقتي بأ ّ‬ ‫ن أّيــة شّغالة هي ُ‬ ‫مج َ‬ ‫للشّغالت‪ ،‬عن ُ‬ ‫ممثلة بتف ّ‬ ‫مل أدواره ّ‬ ‫دة إن اقتضى المر‪.

‬‬ ‫ّ‬ ‫في قسم الشرطة الذي قصدناه في "كــان" لُنبلغ عن هروبها‪ ،‬استقبلنا الشرطي بروح‬ ‫مــل الوراق‪ .‬ول يهـرب الر ّ‬ ‫يا الّله‪ .‬‬ ‫ت"‪ ،‬وأنا قلت في‬ ‫ُ‬ ‫حين‪ ..‬‬ ‫في‬ ‫جواره‬ ‫إلى‬ ‫فاختاره‬ ‫عباده‬ ‫على‬ ‫له‬ ‫ال‬ ‫ضله‬ ‫ومن ف ّ‬ ‫ُ‬ ‫قدرًا‪ ،‬أن يوافيني الله في عشره الواخر‪ ،‬فك ّ‬ ‫ل شيء جميل في هذا الشهر‪ ،‬حتى الموت‬ ‫على نداء مآذنه‪.‬احتج زوجي‪" :‬ولكنها تحت مسؤوليتنا"‪ .‬ربما عــادت"‪.‬أجابه ضاحكــا‪" :‬لو‬ ‫قاصرًا‪ .‬‬ ‫ي‬ ‫ي وبه ّ‬ ‫يا الّله‪ ..‬فما تكاد ترفع مائدة الفطار حتى ترى الناس مسرعين إلى‬ ‫ملين بسجادهم‪ ،‬مصحوبين أحيانا ً بأطفالهم أو بخدمهم من المسلمين‪ .‬في المارات‬ ‫انتظرت رمضان طوي ً‬ ‫ب‪ ،‬والموعد‬ ‫حـب‪ .‬ل نستطيع شيئا ض ّ‬ ‫تدري يا سيدي كم من الحالت نرى ك ّ‬ ‫ل يوم‪ ..‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫من لن أضاهيه صدقة على فقرائه وأيتامه‪،‬‬ ‫من يفوقني أجرا في صيامه وقيامه‪ ،‬و َ‬ ‫أحسد َ‬ ‫ّ‬ ‫ت أرجو‪ ،‬مادام الموت‬ ‫مازل‬ ‫لذا‪،‬‬ ‫أيامه‪..‬انتظــروا‪ ..‫اكتشفنا مذهولين عند عودتنا من دونها‪ ،‬أنها كانت قد أفرغت غرفتها عن بكرة أبيها من ك ّ‬ ‫ل‬ ‫ب الذي ُ‬ ‫كتب عليه بالنجليزية )‪ ،(I Lov You‬وأهدتها‬ ‫حاجاتها وثيابها وصور أهلها‪ ،‬وحتى الد ّ‬ ‫إّيـاه ُأختي في عيد ميلدها‪...‬فما كاد يرى حّيه وبيته وُيسلم مبتهجا على‬ ‫من بقي حي ّا ً من معارفه‪ ،‬حتى أغمض عينيه إلى البد على ذلك المشهد‪ .‬فهل كان "أندريه مالرو" على حق‪،‬‬ ‫عندما قال‪" :‬ل ُيصيبنا الموت الذي نستحق‪ ،‬بل الموت الذي ُيشبهنا"؟‬ ‫تذ ّ‬ ‫كرت هذا القول في رمضان الماضي‪ ،‬عندما حضرت إلى المارات لتقديم العزاء في‬ ‫ّ‬ ‫ب رمضان من دون‬ ‫وفاة الشيخ زايد طّيب الله ثراه‪ .‬قلنا له "الشّغالة هربــت"‪ .‬والوجع‪ ،‬كتب له الله الموت فيه‪ ،‬كذلك‬ ‫ن المرء إن أح ّ‬ ‫أعتقد أ ّ‬ ‫مر الفرنسي‪ ،‬الذي تمنى خلل أربعين سنة العودة إلى المدينة التي ُولد وعاش فيها‬ ‫مع ّ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫في الجزائر‪ ،‬لكن فرحته لم تدم أكثر من يوم‪ .‬قلت لبد أن يكون الرجل قد أح ّ‬ ‫الشهور‪ ،‬وصامه وقامه‪ ،‬وفتح قلبه وخيمته لمحتاجيه وأيتامه‪ ،‬لُيكافئه الّله باستدعائه إلى‬ ‫جواره في رمضان‪ ..‬فهو الشهر الح ّ‬ ‫ل‪ .‬رجل يختفي فجــأة‪ .‬فهناك‬ ‫مح ّ‬ ‫المساجد‪ُ ،‬‬ .‬تأ ّ‬ ‫مرحة ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دها"‪ .‬حسدته‪ ،‬والّله حسدته‪ ،‬على جنازته‪ ،‬على بساطة نعشه‪ ،‬على الدعوات‬ ‫فنته‪ ،‬والمآذن التي رافقته‪ .‬انتظرته كما لو كنت على موعد ُ‬ ‫جل‪ ،‬ول تدري كيف تستعد ّ له‪ ،‬ول كيف تتزّود منه‪ ،‬ول‬ ‫الجمل‪ ،‬واللقاء الذي يمّر على ع َ َ‬ ‫كيف تفارقه‪.‬ما أجمل الصيام في المارات‪ ،‬وكم يشعر المسلم هناك بأنه جميل وتق ّ‬ ‫ونظيف‪ ،‬كقلوب أهل ذلك البلد الطّيب‪ ،‬كشوارعه النظيفة التي يفترشها المصّلون باللف‪،‬‬ ‫بعد أن تضيق بهم المساجد‪ ..‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب تاريخا أو مكانا حد ّ الولع‪ .‬زوجي قال لي مازحـًا‪" :‬مليح اللي بعدك ما هرب ِ‬ ‫عدنــا للبيت فَرِ َ‬ ‫جــال!"‪.‬امرأة تترك‬ ‫أطفالها الثلثة ول تعود للبيت‪ .‬‬ ‫سّري‪" :‬تهرب الشّغالـة‪ .‬شاب ل أحد يدري أين ذهب‪ .‬ما أجمل الصيام والقيام ‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫قق الدولي"ميليس" كـ ّ‬ ‫ل خيوط‬ ‫مح ّ‬ ‫فك ْ َ‬ ‫مــي‪ ،‬لو كانت هنا‪ ،‬ل َ َ‬ ‫ت على طريقة ال ْ ُ‬ ‫فك َ ْ‬ ‫وحدهــا أ ّ‬ ‫الجريمة قبل وقوعها‪.‬وعندما‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أصّرت صديقتي الدكتورة هنادي‬ ‫التي ك ّ‬ ‫ً‬ ‫ربحي‪ ،‬بعنادها الجزائري‪ ،‬على استبقائي لنصوم الواخر معا‪ ،‬حيث كانت تهديني أجمل أيام‬ ‫عشتها في رمضان‪ ،‬وأكاد أقول أجمل ما عشت من أيام‪.‬أذكر أيضا ً موت‬ ‫َ‬ ‫أبي في أّول نوفمبر‪ ،‬تاريخ اندلع الثورة الجزائرية‪ ،‬وأن يكون ذلك اليوم دون سواه هو‬ ‫الذي توقف فيه قلبه‪ ،‬وأن ُيصادف خروج جثمانه من المستشفى العسكري الساعة التي‬ ‫ي‪ ،‬الذي ما سمعه أبي إل ّ وتأّثر‬ ‫كان يقف فيها الجنود لرفع العََلم وعزف النشيد الوطن ّ‬ ‫وبكى لكلماته‪ ،‬التي كانت تعني الكثير في زمانه‪ ..‬قال‪" :‬إنها ليست‬ ‫مستخ ّ‬ ‫فا ً بشكوانا‪ .

‬وإذا بي ُأفسد فرحتي‪ ،‬بحزني على سخاء دمعي في ما مضى‪ .‬ول جدوى من محاولة إعادتها لرشدها‪.‬‬ ‫ي الدمع شيمته الصبر" تفاخر المرأة بأن ل صبر لها‪،‬‬ ‫"عص‬ ‫بكونه‬ ‫الرجل‬ ‫يباهي‬ ‫فبينما‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وتعرض فائض دمعها على ج ّ‬ ‫ن إحدى بنات جنسنا الغبّيات تذهب حد ّ مطالبته‬ ‫لدها‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫ي‪ .‬البعض‪ ،‬عن خبرة أو عبرة‪ ،‬ينجو من الفخاخ التي تنصبها له‬ ‫الذكريات‪ .‬‬ ‫أجد عزائي في قول نزار‪" :‬إن النسان بل دمع ذكرى إنسان"< غير أني لفرط ما كنت‬ ‫إنسانًا‪ ،‬أو بالحرى "إنسانة"‪ ،‬بكل ما تعنيه تاء التأنيث من سذاجة‪ ،‬نسيت أن ُأبقي بعض‬ ‫دموعي لفرحة كهذه‪ ،‬أن أحتفظ بها كما كان نيرون يفعل‪ ،‬إذ بكى يوم إحراقه روما‪.‬لّول مّرة‪.‫دم من ك ّ‬ ‫ل صوب في‬ ‫ُيصّلي الخادم والمخدوم جنبا ً إلى جنب‪ .‬‬ ‫أيتها النساء‪ .‬‬ ‫مّرت سنة‪ ،‬وما استطعت نسيان ذلك المشهد الرمضاني المدهش‪ ،‬حتى إنني أصبحت ل‬ ‫أتصورني أصوم العشر الواخر من رمضان‪ ،‬إل ّ في المارات‪ .‬فالدمع نبع يتدفق حتما ً نحو السفل‪ ،‬ول مجال لعادته لمنبعه‪ ،‬كاستحالة إعادة‬ ‫المطر صعودا ً نحو السماء‪ ."..‬‬ ‫مخ ّ‬ ‫"يلعن أبوه هذا الذي يبكيك ويسعد برؤيتك تذبلين كل ليلة‪ ..‬‬ ‫مص ّ‬ ‫ل‪ ،‬حسب ما‬ ‫حدث أن صّليت في الشارقة‪ ،‬بمحاذاة مسجد فاض حرمه بعشرين ألف ُ‬ ‫ده‪ .‬قطرة في‬ ‫فس معك‪ ،‬تجهش بالبكاء على مقربة من‬ ‫هدير المواج البشرية التي تحيط بك‪ ،‬تتن ّ‬ ‫دموعك‪ ،‬فقد كان المام نفسه ينتحب متضرعا ً بالدعوات‪ ،‬التي تخترق فضاء ذلك الليل‬ ‫الطويل‪.‬الك ّ‬ ‫حكم‬ ‫ل يركن سيارته بعيدا‪ ،‬ب ُ‬ ‫الجتياح البشري للشوارع والساحات‪ ،‬مواصل ً على القدام السراع للحاق بصلة التراويح‪...‬أريد استرجاع‬ ‫دموعي التي ذرفتها هباًء بغباء نسائي• وأعتقد أن جميع النساء شاركنني يوما ً في هذا‬ ‫المطلب‪.‬وحده الحزن في إمكانه أن يفعل ذلك عندما يتحرش بالذاكرة‪.‬طاَلب بإناء صغير لجمع دموعه فيه قطرة‪..‬تفاجئك أفواج مد ّ بشري تتق ّ‬ ‫ً‬ ‫لونين ل ثالث لهما‪ :‬البيض للرجال‪ ،‬والسود للنساء‪ .‬بل ونجحت في إقناع أمي‬ ‫بالعدول عن أداء الُعمرة في الفترة نفسها‪ ،‬كي ل تموت دهسًا‪ ،‬خاصة أنها حجت أكثر من‬ ‫مّرة‪ ،‬إني أنتظرها لتزور معي المارات‪ .‬تنّبهت يومها إلى أن‬ ‫ذ َك ََرت الصحف‪ .‬كانت منهمكة في ابتهالها‪ ...‬إنه كيد الذاكرة‪ ،‬في‬ ‫محاولة استدراجنا للبكاء أثناء دعوتنا إلى المشي إلى الوراء‪.‬كوني‬ .‬كم دمعة رايحة وجاية‪ ،‬اسأل‪ .‬لم يجرؤ أحد على تنبيهه إلى أن الدمع يتبخر ويج ّ‬ ‫واحدة‪ ..‬ليذهب إلى الجحيم‪ ..‬ل تبكين الضفادع‬ ‫ل عن البكاء‪ ،‬عدا‪ ،‬ربما‪ ،‬سعادة ذ ّ‬ ‫كرتني في جموحها بدموٍع‬ ‫ل مناسبة دامعة لكتابة مقا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫سابقة‪ .‬‬ ‫دمعتان مقابل مدينة تحترق بكل عظمتها‪ .‬تكاد ل تجد فسحة لموطئ قدم أو لسجاد تم ّ‬ ‫ي أن أراها تسجد واضعة جبينها على الرض‪ ،‬وربما‬ ‫جارتي السيوية ل س ّ‬ ‫جادة لها‪ ،‬وعّز عل ّ‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫لم‬ ‫ركعتين‪،‬‬ ‫بين‬ ‫وقوفها‬ ‫فرصة‬ ‫فاغتنمت‬ ‫له‪،‬‬ ‫ال‬ ‫إلى‬ ‫مني‬ ‫أكثر‬ ‫بذلك‬ ‫حسدتها في تقّربها‬ ‫ّ‬ ‫ل اهتماما ً‬ ‫سجادتي َ‬ ‫عرضًا‪ ،‬بحيث نجلس كلتانا على الرض‪ ،‬ونتقاسمها كلما سجدنا‪ .‬‬ ‫ذلك أنه عندما يتوقف دمعنا‪ ،‬تبدأ دموع الشياء من حولنا في النهمار‪ ..‬واسأل‬ ‫بجلسة استجواب لمخدتها وشراشفها ومناديلها الورقية‪" :‬اسأل دموع عين ّ‬ ‫دتي‪ ..‬‬ ‫كانت أبواب السماء مفتوحة‪ ،‬والصلوات ترتفع من آلف القلوب الخاشعة‪ ،‬في مسجد ل‬ ‫سقف له سوى النجوم‪..‬اسأل‪ .‬‬ ‫ف‪ ،‬وأنه صالح للستعمال مرة‬ ‫قطرة‪ .‬وآخرون‪ ،‬أعني ُأخريات‪ ،‬يغرقن هناك في بركة دموعهن‪ ،‬مزايدات على الخنساء‬ ‫عوي ً‬ ‫ل‪.‬لم ُتو ِ‬ ‫بذلك‪ ،‬أو ربما تنّبهت إلى كوني أسرق منها ثوابها‪ .‬‬ ‫وهنا "كل واحد وشطارته"‪ .

‬‬ ‫سّيد التفاصيل‬ ‫قلت للراحل الكبير مصطفى العقاد ذات مرة إنني أحسده على غليونه‪ ،‬لعتقادي أنه‬ ‫مدين له بكثير من أفكاره‪ ،‬وبذلك الهدوء الظاهري الكاذب الذي ُيخفي عن الخرين غليانه‬ ‫الداخلي كمبدع‪...‬نكتة كان‬ ‫"النساء كّلهن سواء‪ .‬‬ ‫هو سّيد التفاصيل‪ ،‬والشياء التي تتكلم سينمائيا ً أكثر من أصحابها‪ .‬فبحكم وجودها في المستنقعات‪ ،‬ل تمّيز‬ ‫الضفادع بين الدمع الغالي‪ ،‬الجاري على خدود العذارى‪ ،‬والماء السن الذي تعيش فيه!‬ ‫كلمي إلى صديقتي القارئة التونسية‪ .‬إذ في إمكان ‪ 1 + 1‬أن يساويا لديه ثلثة فأكثر‪،‬‬ ‫اكتشافهن منطقه النان ّ‬ ‫بحكم اعتقاده الراسخ‪ ،‬أن امرأة واحدة ل تكفي لتكون "نصفه"‪.‬‬ ‫صحيح أننا عادة لسنا متفوقات في الحساب‪ ،‬لكن الخطأ هنا يكمن في كوننا نقيس بقلوبنا‬ ‫ويقيس الرجال بباقي أعضائهم‪ .1 + 1 = 1‬لكن‪،‬‬ ‫ل حــ ّ‬ ‫ول إلى انشطار فجائعي‪ ،‬لحظة‬ ‫النصهار الذي حلمن به دائما ً مع الرجل‪ ،‬كثيرا ً ما تح ّ‬ ‫ي في الحساب‪ ..‬ولبد إذن من توحيد المقاييس تفاديا ً للخيبات والصدمات‪.‬تراه أدرك أن الموت كان بجواره‪ ،‬يدخن أيضا ً غليونه الزلي‪ ،‬في انتظار خطفها من‬ ‫ضمة الولى؟‬ ‫حضنه‪ ،‬لحظة ال ّ‬ ‫ً‬ ‫سيد التفاصيل‪ ،‬ما توقع أن حزاما من المتفجرات تحت عباءة السلم‪ ،‬الذي زرع لواءه في‬ ‫كل أرض ح ّ‬ ‫ل بها‪ ،‬سينسف في لحظة حقول الياسمين والزنبق التي قضى عمره في رّيها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مورقا بحضارته وإنسانيته‬ ‫مزهرا و ُ‬ ‫بموهبته وصبره‪ ،‬كي يبدو العرب جميلين‪ ،‬والسلم ُ‬ ‫ورسالته‪.‬احفظن هذا الدرس جيدا• هو درس‬ ‫نشف ريقي وج ّ‬ ‫ف قلمي وأنا أر ّ‬ ‫واحد فقط‪ :‬الرجل ل يتعّلق بامرأة َتبكيه )بفتح التاء(‪ ..‬لن نعرف أّية فكرة كانت تراوده وهو يسحب منه ن َ َ‬ ‫ظّنه سيكون الخير‪.‬‬ ‫فسًا‪ ،‬ما‬ ‫سقط غليونه في بركة دمه‪ .‬أذكر تلك اللقطة التي‬ ‫تقع فيها النظارة الطبية لعمر المختار على الرض‪ ،‬معلنة نهاية "أسد الصحراء"‪ ،‬وسقوطه‬ ‫على أيدي من قضى عمره في التصدي لهم‪..‬‬ ‫الحقيـقة‪ ،‬أن النساء لطالما بكــين‪ ،‬لعتقــادهـن فــي ك ّ‬ ‫ب أن ‪ ..‬‬ ‫مناسبة هذا الكلم في الواقع‪ ،‬إعجاب كثيرٍ من القارئات بمقال قديم كان عنوانه "أيتها‬ ‫دقن تلك السطورة‪،‬‬ ‫النساء توقفن عن تقبيل الضفادع"‪ ،‬في إشارة إلى نساء مازلن يص ّ‬ ‫قبلتها ُتفسد مفعول‬ ‫التي تقّبل فيها فتاة ضفدعا ً جميل ً يقف حزينا ً على طرف بركة‪ ،‬وإذا ب ُ‬ ‫سحر ح ّ‬ ‫ول الضفدع إلى أمير عاشق يطلب يدها‪.‬استمتعي ببكائه السّري‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ُتراه أدرك وغليونه يتطاير من فمه‪ ،‬مع أشلء ثمانية وخمسين شخصا‪ ،‬أحدهم أميرة قلبه‬ ‫ريما‪ ،‬ابنته الشابة الجميلة التي كان ينتظرها في بهو الفندق عروسا ً جديدة‪ ،‬جاءت تحضر‬ ‫عرسًا‪ُ ..‬لكن أختنا في الغباء تنهزم‬ ‫وتهاتفه‪ ،‬وتجهش بالبكاء طمعا ً في استعادته بفائض دمعها‪.‬والتاء المضمومة؟‬ ‫ن بكين"‪ ..‫قوّية‪ .‬اقتليه تجاه ً‬ ‫ل‪ .‬تلك‪.‬ل تلتفتي إلى الخلف‪ .‬ل تهاتفيه‪ ..‬ستجدينه أمامك عندما سيعتقد أنه‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫خسرك‪ .‬‬ ‫ل به‪ ،‬ويتح ّ‬ ‫أما وقد فهمت قارئاتي أنهن لن يعثرن على فارس أحلمهن بين الضفادع‪ ،‬بقي أن‬ ‫أنصحهن بالتوقف عن بكاء ما عرفن من ضفادع‪ .‬فهن يعتقدن أن مجموع ‪ 2 + 2 = 5‬إن ه ّ‬ ‫ُيطلقها برنارد شو‪ ،‬كي يستخف بنا‪.‬فهل‪،‬‬ ‫وقد وصلت النساء العربيات حد ّ قيادة الطائرات الحربية‪ ،‬لم يزلن عاجزات عن التمييز بين‬ ‫التاء المفتوحة‪ .‬اصبري قليل فقط!"‪ ..‬‬ ..‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫دد يا أيتها النساء‪ ..‬بل بامرأة ُتبكيه )بضم التاء(‪ .

.1982‬ماذا كان في إمكان نزار أن يضيف‪ ،‬لو أنه مازال بيننا‬ ‫اليوم؟‬ ‫الوقت المناسب‬ ‫كثيرا ً ما راودتني الرغبة في التوّقف عن كتابة هذه الصفحة‪ .‬‬ .‬يعادل حجم حروفه حجم حروف عنوان هذا المقال‪ .‬ذلك أن السلم‪ ،‬حسب عقيدتهما "شجرة ل ُتروى إل ّ بالدم"‪.‫هو الذي حارب أعداء السلم حتى في عقر دارهم في هوليوود‪ ،‬كان قدره أن يموت ميتة‬ ‫"حلل" على يد زوجين متطرفين قررا أن يذهبا في نزهة قتل‪ ،‬مستقلين نقليات الزرقاوي‬ ‫الموصلة إلى‪ .(Fumer Tue‬بينما ل أحد‬ ‫وع ليكتب على الصفحات البيضاء‪ ،‬التي يجلس أمامها الروائي والشاعر‪ ،‬ليكتب مقاله‬ ‫تط ّ‬ ‫السبوعي "الصحافة تقتل"‪ ،‬على الرغم من إدراك الجميع‪ ،‬الكاتب كما القارئ كما رئيس‬ ‫ن في هاجس المقال السبوعي الذي ل يكاد ينتهي‬ ‫ن الصحافة تغتال البداع‪ .‬الجنة‪ .‬حتى إّنه‬ ‫يغطي ثلثها‪ ..‬وما كاد يعرف بمصيرها حتى لحق بها‪ ،‬متأثرا ً‬ ‫بجراحه وصدمته النفسية‪" :‬ها نحن يا بلقيس‪ /‬ندخل مرة ُأخرى لعصر الجاهلية‪ /‬ها نحن‬ ‫ندخل في التوحش‪ /‬والتخلف‪ .‬والوضاعة‪ /‬ندخل مرة ُأخرى عصور البربرية‪/‬‬ ‫حيث الكتابة رحلة بين الشظّية والشظّية‪ /‬حيث اغتيال فراشة في حقلها صار القضية‪ //‬ها‬ ‫نحن نبحث بين أكوام الضحايا‪ /‬عن نجمة سقطت‪ /‬وعن جسد ٍ تناثر كالمرايا‪ /‬ها نحن نسأل‬ ‫يا حبيبة‪ /‬إن كان هذا القبر قبرك أنت‪ /‬أم قبر العروبة‪//‬‬ ‫بلقيس‪ :‬إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب‪ /‬ويأكل لحمنا عرب‪ /‬ويبقر بطننا عرب‪ /‬ويفتح‬ ‫ب‪ /‬فكيف نفّر من هذا القضاء؟‪//‬‬ ‫قبرنا عر ٌ‬ ‫لن أقرأ التاريخ بعد اليوم‪ /‬إن أصابعي اشتعلت‪ /‬وأثوابي تغطيها الدماء‪ /‬ها نحن ندخل‬ ‫عصرنا الحجري‪ /‬نرجع كل يوم‪ ،‬ألف عام ٍ للوراء!"‪..‬المة التي في‬ ‫م شمله مع ابنته‪ .‬ولمزيد من الرهاب اختصر التحذير في كلمتين )‪ .‬والبشاعة‪ .‬غير أ ّ‬ ‫ن المدخن وجد َ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫التدخين على صحته‪ .‬‬ ‫أما كان نزار على حق عندما صاح من قهره‪:‬‬ ‫أنا يا صديقتي متَعب بعروبتي‬ ‫فهل العروبة لعنة وعقاب؟‬ ‫مثل ابن بلده مصطفى العقاد‪ ،‬نزار السوري القومي الناصري دفع ضريبة عروبته عندما‪،‬‬ ‫أيام الحرب اللبنانية‪ ،‬خطف منه الموت العربي الهمجي حبيبته وأم أولده‪ ،‬في إحدى‬ ‫غارات العرب على إخوانهم العرب‪ ،‬فسقطت بلقيس قتيلة تحت أنقاض السفارة العراقية‪،‬‬ ‫وكتب نزار يومها وهو ينزف ما جال حتما ً في قلب العقاد‪ ،‬خلل يومين وهو في العناية‬ ‫الفائقة‪ ،‬قبل أن يعود للحياة ليسأل عن ابنته‪...‬وأهدته‬ ‫إحدى غارات المسلمين على السلم‪ ،‬استكثرت عليه فرحته بل ّ‬ ‫"وحدة الموت"‪.‬بل وإرعابه‪ ،‬كما في فرنسا‪ ،‬بكتابة هذا التحذير على علبة السجائر‬ ‫نفسها‪ ،‬بخط أحمر كبير‪ُ .‬فقد‬ ‫سعى دومًا‪ ،‬وهو الناصري حتى العظم‪ ،‬إلى توحيد أمته قوميا ً وتراثيا ً ودينيًا‪ .‬‬ ‫كان يظن‪ ،‬قبل أن تهديه العروبة كابوسا ً لن يستيقظ منه‪ ،‬أنه صانع الحلم العربية‬ ‫الكبيرة‪ ،‬وزعيم أنشأ بملحمتي "الرسالة" و"عمر المختار" حزبا ً من المشاهدين‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫كتبت هذه القصيدة سنة ‪ .‬كما مع كل سيجارة‪ُ ،‬تراود‬ ‫من يحذره من خطورة‬ ‫مد ّ‬ ‫خن الرغبة في القلع عن التدخين‪ .‬وأ ّ‬ ‫التحرير‪ ،‬أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ملّية التي‬ ‫منه صاحبه‪ ،‬حتى يجد نفسه أمام "واجب" المقال المقبل‪ ،‬إجهازا على الحالة التأ ّ‬ ‫يحتاج إليها كل عمل كبير‪ ،‬وإطفاء للحريق الذي ل إنجاز إبداعيا ً من دونه‪.

‬واثقين بعدم قدرته على ملحقتهم‪.‬‬ ‫أمين معلوف لم يكتب مقال ً منذ ثلثين سنة‪ .‬ذلك أنه لم يكن من الفطنة‪ ،‬لُيدرك أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫م‬ ‫مراسل حربيا‪ ،‬ثــ ّ‬ ‫سريعة الزوال"‪ ،‬ول استفاد من نصيحة همنغواي الذي عمل سنوات ُ‬ ‫مصّرحا ً‬ ‫ملئمة‬ ‫الصحافة‬ ‫ن‬ ‫"إ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫غادر الصحافة إلى عرش الرواية‪ ،‬التي أوصلته إلى "نوبل"‪ُ ،‬‬ ‫ي‪ ،‬ولكن عليه أن يعرف كيف يتركها في الوقت المناسب"‪.‬فالرئيس القذافي يرعاه شخصيًا‪ُ ،‬‬ ‫ليبيا في المحافل الدبية‪ .‬مذ كان يعمل مع زوجي في جريدة "أفريك‬ ‫آزي" الفرنسية فيالسبعينات‪ .‬‬ ‫البلد العربية‪ ،‬سارقين ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫إبراهيم الكوني في انهماكه في كتابة ملحمه الروائية‪ ،‬يرفض حتى الطلع على الصحف‪.‬‬ ‫بينما تبدأ مصيبة الكاتب العربي مع الناشرين‪ ،‬حين ينجح‪ .‬لكن‬ ‫أعود وأتذ ّ‬ ‫مبهر‪ ،‬صاحب "السم الوردة"‪ ،‬الذي جاء‬ ‫كر امبرتو إيكو‪ ،‬المفكر اليطالي ال ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫متأخرا ً إلى الرواية‪ ،‬حين يقول "أنا راوي قصص أصلح أسلوبي بكتابة المقالت‪ .‬ث ّ‬ ‫وهجرانهم الصحافة‪ ،‬بل وتطليقها ثلثا‪ً.‬فالكاتب وحده يدري أنه "ل يكفي ُ‬ ‫عمر واحد لتأ ّ‬ ‫مة‬ ‫مه ّ‬ ‫مل هذه الغابات والدغال التي نحن محكومون بالعيش فيها‪ ،‬التي يقع على قلمه ُ‬ ‫لتأ ّ‬ ‫وصف تماسيحها‪ ،‬وُأسودها‪ ،‬وُقرودها‪ ،‬وحشراتها‪ .‬كان للرجل أولويات مختلفة عن نجيب محفوظ‪ .‬فأجاب‪" :‬ل يمكنني أن أجلس لكتابة قصة بينما النار تشتعل في‬ ‫ستارة الغرفة!"‪ .‬لهذا سرق منه هذا‬ ‫ن الصحافة "مملكة الشياء‬ ‫الخير جائزة "نوبل"‪ .‬‬ ‫للروائ ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل ذكاء الروائي في التعّرف إلى الوقت المناسب حين يحيـن!‬ ‫المطر… دموع الغياب‬ .‬‬ ‫في ك ّ‬ ‫ل موسم أدبي ومع صدور العمال الروائية في فرنسا‪ ،‬وإعلن ترشيحات الجوائز‬ ‫دد طرحها على السوق‪ ،‬لجدارتها‪ ،‬وأحيانا ً‬ ‫ً‬ ‫الكبرى التي تحوم حولها دائما أسماء عربية‪ ،‬يتر ّ‬ ‫مة قاسم مشترك بين معظم هؤلء الكّتاب‪ ،‬هو تفّرغهم لعملهم الدبي‬ ‫لسبب آخر‪ .‬‬ ‫مراهنا ً على قلمه لتجميل صورة‬ ‫فما بالك بالكتابة فيها‪ .‬فما بالك‬ ‫واجبه التأملي‪ .‬وهي قبل هذا وذاك‪َ .‬على‬ ‫عكسه‪ ،‬أكاد أقول إنني روائية أفسدت لغتها وشاعريتها بكتابة المقالت‪ ،‬على الرغم من‬ ‫محاولتي توظيف هذه الصفحة لمواكبة فجائع هذه ا ُ‬ ‫لمة‪ ،‬وتمرير رسائل مباشرة ل تصلح‬ ‫صة إلى‬ ‫"الرواية" ساعي بريد لها‪ .‬يقع الثنان في مخالب قراصنة‬ ‫ناشر أمين ل َيسرق ح ّ‬ ‫قه ول يطبع أكثر م ّ‬ ‫ال ُ‬ ‫كتب الذين يترّبصون بكل كاتب ناجح‪ ،‬فيعيدون إصدار كتبه في طبعات مقرصنة في كل‬ ‫قه وجهده‪ .‬وعندما يقع في ضربة حظ على‬ ‫ما ُيصّرح له به‪ .‬إنني كيوسف إدريس‪ ،‬الذي ُ‬ ‫سئل‪" :‬لماذا هجرت الق ّ‬ ‫المقالت الصحافية؟"‪ .‬وقع في شرك الرواية عندما ُ‬ ‫طلب منه كتابة تحقيق عن‬ ‫تاريخ الحرب الصليبية‪ ،‬أفضى به البحث إلى سحر التاريخ‪ ،‬وصنعت منه موهبته وذكاؤه في‬ ‫توصيف الحداث التاريخية واحدا ً من أكبر روائيي العالم‪ .‬‬ ‫دم مبلغا ً شهريا ً‬ ‫يق‬ ‫فرنسا‪،‬‬ ‫في‬ ‫الناشرين‬ ‫ككل‬ ‫الذي‪،‬‬ ‫ناشره‬ ‫إلى‬ ‫كان في إمكانه الستناد‬ ‫ُ ّ‬ ‫محترما ً للكاتب الذي يراهن على نجاحه‪ ،‬مقابل التزام الخير بإنجاز عمل كل سنتين على‬ ‫أبعد تقدير‪.‬ما كاد ينجح عمله الّول حتى‬ ‫دفع له مقابله‬ ‫مسّرا ً لزوجي بأنه لن يكتب بعد الن مقال ً حتى لو ُ‬ ‫استقال من المجلة‪ُ ،‬‬ ‫عشرة آلف فرنك فرنسي‪.‬تشغل الكاتب عن‬ ‫مل شجرة"‪ .‫ن الكتابة السبوعية ل توفر شروط البداع للكاتب‪،‬‬ ‫بعض كبار الكّتاب‪ ،‬أدركو باكرا ً أ ّ‬ ‫وتشوش أفكاره‪ ،‬وتؤثر في جودة عمله ونوعيته‪ .‬كما طيورها وصقورها وفراشاتها‬ ‫وزهورها البرية‪.‬كذلك الجزائرية آسيا جبار المرشحة لـ"نوبل" الداب‪ ،‬ومثلها‬ ‫ياسمينة خضراء‪ ،‬الضابط الجزائري السابق‪ ،‬الذي طّلق كل شيء ليتزّوج الرواية‪ .

..‬ذلك أن الصحافة تحتاج إلى "دم جديد"‪ .‬أل ترأفــ ِ‬ ‫ّ‬ ‫دنا‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫كـَيـد ٍ ُتلمسك للمرة ا ُ‬ ‫ك‪َ ،‬‬ ‫ك‪.‬ليام يغدون فتيان الشاشة‪،‬‬ ‫ونجوم الموت‪ ،‬ووليمة إعلمّية‪ ،‬يتسابق الجميع إلى نشر صورهم و"آخــر" مقابلت‬ ‫ن لم تكن ذكراهم مسنودة‬ ‫يإ ْ‬ ‫صحافية أعطوها‪ ،‬ث ّ‬ ‫م نراهم يسقطون في النسيان الضوئ ّ‬ ‫إلى إمبراطوريات إعلمّية‪ ..‬خاصة من فصيلة‬ ‫سب َا ً للثواب‪ ،‬إلى ض ّ‬ ‫خ العلم به‪ .‬‬ ‫ض‬ ‫الكون‬ ‫تآمر‬ ‫ت‬ ‫أمطر‬ ‫لما‬ ‫ك‬ ‫الغياب‪،‬‬ ‫مبّللة ترتجف على شجرة‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫عصافيُر ُ‬ ‫أين تعّلمت الرقص‪ ..‬يأتي عندما ل يكون ل ِ‬ ‫مطُر ُيغافل ِ‬ ‫ال ْ َ‬ ‫ل من الدموع‪.‬‬ ‫وأن ِ‬ ‫ل ما اجتمع في صدر ِ‬ ‫ف على المطر‪ ،‬وعلى رجل ل تدرين إلى أيّ حزب تنتمي غيومه‪ ،‬كي‬ ‫حزن‬ ‫ن‬ ‫ك وق ٌ‬ ‫ِ‬ ‫لكأ ّ‬ ‫مي إلى فصيلة الحقول التي تناضل منذ الزل‪ ..‫رحل الصيف إذن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫من ُيغادرنا‪ ،‬مرفوقا بموكب من‬ ‫ن• لكننا نعتقد دوما أّنه َ‬ ‫ليس هو َ‬ ‫من جمع حقائبه‪ ..‬‬ ‫يا لفاجعة ع ّ‬ ‫ق‪ ،‬يواجهون وحيدين سادّية الشتاء‪.‬أترتجف شراشف نومه؟ أيوقِ ُ‬ ‫ك زوابعه؟‬ ‫ظ رذاذ طيف ِ‬ ‫**‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫جل‬ ‫ع‬ ‫على‬ ‫مقبل‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫الشتاء‬ ‫له‬ ‫لع‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ت ُتريدين‪ ،‬في ليلة واحدة‪ ،‬إنفاق ك ّ‬ ‫ك من مخزون الغيوم العربّية‪.‬المطر دموع الغياب•‬ ‫لعّله ذلك الرجل‪.‬كي على تربتها يهطل‪.‬بل نح ُ‬ ‫السحب البيضاء ا ُ‬ ‫لولى‪ ،‬التي ُتنذر بالمطر الّول‪.‬وانشغال ِ‬ ‫أثناء غياب ِ‬ ‫للشوق أن يهطل‪ .‬‬ ‫تنض ّ‬ ‫**‬ ‫ك الليلة أن تختبري تجّني المطر على‬ ‫ك‪ ،‬وفي إمكان ِ‬ ‫هو الخريف يحشو غليونه بغيوم تنهدات ِ‬ ‫شاق‪ ،‬عندما يرّتب لبعضهم موعدا ً‬ ‫الع ّ‬ ‫ب‪ ،‬ويلهو بجرف دموع‬ ‫للح‬ ‫الشاهقة‬ ‫رات‬ ‫المج‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخرين‪ ...‬كقبلة أولى‪ ،‬كح ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ك‪ .‬وذلك السؤال النثوي ال ُ‬ ‫وفي المساء‪ .‬يتح ّ‬ ‫ك لوحل‬ ‫ك العاطفي‪ ،‬وعليه أل ّ ُيطيل المكوث‪ ،‬حتى ل يترك ِ‬ ‫كم في مزاج ِ‬ ‫يتوع ّد ُ ِ‬ ‫الندم‪..‬‬ ‫شا ٍ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ت بنا؟‬ ‫أيتها السماء الباكية صيفا‪ ...‬‬ .‬‬ ‫لعّلها عيناه حين ُتمطران فضو ً‬ ‫ك‪.‬‬ ‫ض علي ِ‬ ‫فتختبرين غبطت ِ‬ ‫ك تحت سماء تنق ّ‬ ‫ك بواب ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ملة‪ ،‬حائرة‪ :‬كيف تعّبين ماء السماء كله‪ ،‬في قلب فاض به‬ ‫مشدوهة‪ ،‬منبهرة‪ ،‬عزلء‪ ،‬ث َ ِ‬ ‫الشجن؟‬ ‫أك ّ‬ ‫ل هذا المطر الذاهب صوب عروق الرض‪ .‬‬ ‫لولى‪ ،‬يعد ُ ِ‬ ‫ب أّول• ُيباغت ِ‬ ‫المطر الّول‪ .‬إلى المجاري‪.‬‬ ‫ل‪ ،‬فتهطل نظراته على امرأة سوا ِ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ك؟‬ ‫مخيف‪ :‬ماذا تراه يفعل صباح خريف من دون ِ‬ ‫لعّله الخريف‪ .‬أّيها الشهيد الوسيم؟‬ ‫ت إلى ما بعد مقال ً آخر كنت سأكتبه عن‬ ‫بسبب زحمة الموت التي ُنعانيها هذه اليام‪ ،‬أ ّ‬ ‫جل ُ‬ ‫ملت في تفاصيل‬ ‫"سّيد التفاصيل" مصطفى الع ّ‬ ‫قاد‪ ،‬أو بالحرى ما طفح به قلبي من تأ ّ‬ ‫وضهم ُأمتنا ولو مضت عليها عقود من‬ ‫تع‬ ‫لن‬ ‫جالت‬ ‫بر‬ ‫يفتك‬ ‫الذي‬ ‫ي "الحديث"‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الموت العرب ّ‬ ‫الزمان‪ ،‬اعتدنا أن نستيقظ على رحيلهم الدامي‪ ،‬نراهم يعبرون بكثافة الصحف‬ ‫والفضائيات‪ ،‬خبرا ً عاجل ً يدور مع شريط الفواجع اليومّية‪ ..‬ل يكفي لطفاء نــار قلب صغير؟‬ ‫**‬ ‫ك بصيف باذخ البهجة‪ ،‬نضجت الغيوم‪ ،‬واستوى الحزن‪ ،‬وآن‬ ‫ك يا امرأة‪ ..‬‬ ‫**‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ك معطف أو مظلة للحتماء منه‪،‬‬ ‫ك دوما كرجل‪ .‬فبفضل‬ ‫"ألف الرهاب"‪ ،‬وهو دم يتسابق الرهابيون‪ ،‬ك ْ‬ ‫درون الخبار العالمّية‪ ،‬ومن دونها كان حضورهم‬ ‫م من الدماء البريئة المهدورة يتص ّ‬ ‫ذلك الك ّ‬ ‫سينطفئ وجهلهم سينفضح‪.

‬‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ن الحياة كانت ُتحّرض الموت عليه‪ ،‬وُتغريه‬ ‫مدلـل‪ .‬‬ ‫بخطفه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجامحة إلى الستحواذ‪ .‬كانت سخّية معه‪ ..‬‬ ‫بعدما لم يترك له الموت سوى أخــ ّ‬ ‫دا كأّنه ي َد ُْبــك وهو يمّر أمام صرح جريدة "النهــــار"‪ .‬‬ ‫لكنه ل يخ ّ‬ ‫لوف مي سويت"‪.‬لكأ ّ‬ ‫حــ ّ‬ ‫هو فتى ال ُ‬ ‫ب )الحــزن؟( ال ُ‬ ‫ن‬ ‫ونزعته‬ ‫ن‬ ‫كيده‬ ‫الناث‬ ‫من‬ ‫له‬ ‫لــذا‬ ‫مؤنث‪،‬‬ ‫اللتينية‬ ‫اللغات‬ ‫في‬ ‫فالموت‬ ‫منها‪.‬‬ ‫ألم يشغل هو نفسه الصدارة على حساب آخرين سبقوه؟ وأكاد أجزم بإحساسه بالذنب‬ ‫تجاه سمير قصير وجورج حاوي ومـي شدياق في مأساتها البدّية‪.‬والكــ ّ‬ ‫مباهج نهايات السنة العربّية‬ ‫ج من هول عناوينها‪.‬‬ ‫ب الحياة‬ ‫ّ‬ ‫لنكن واقعيين‪ ،‬جبران تويني كان منذورا ً للموت لفرط ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ة وثراًء وحب ّا‪ ،‬وعائلة‬ ‫جاهَا ً وكفاءة ً وثقاف ً‬ ‫أحّبها‪ .‬أين تعلمت الرقص أّيها الشهيد الوسيم؟‬ ‫ريَنا بالرقص مع َ‬ ‫ُ‬ ‫ك موتـــًا؟ يا‬ ‫تغ‬ ‫و‬ ‫كينا‬ ‫تب‬ ‫ش‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫في‬ ‫المجموعة‬ ‫أشلؤك‬ ‫قص‬ ‫تر‬ ‫عندما‬ ‫ولماذا‬ ‫َْ ٍ ُ ِ‬ ‫ُ ِ‬ ‫لجنازت َ‬ ‫ك كم يشتهيها ال ّ‬ ‫شـرفــاء!‬ ‫أذ ُ‬ ‫مال لبنان‪ .‬‬ ‫وروا مئة وعشرين قتي ً‬ ‫ل‪ ،‬وأضعاف هذا العدد من الجرحى‪ ،‬وقعوا في يوم واحد ضحايا‬ ‫تص ّ‬ ‫سلسلة تفجيرات انتحارية‪ ،‬استهدف أحدها مجلس عزاء‪ ،‬وآخر زّوار مرَقد المام الحسين‪،‬‬ ‫وثالث خط أنابيب رئيسيا ً للغاز‪ .‬هل ستتر ّ‬ ‫مغ ّ‬ ‫طى بـ"الوركيديا" البيضاء‪ ،‬والوشاح‬ ‫صَباَيــا‪ُ ،‬ز ّ‬ ‫ف للموت عريسا ً ُ‬ ‫الرجل الذي تمّنته ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ف رفاقه‪،‬‬ ‫شـ‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫والرز‪.‬ما رأى الموت قبل جبــران‬ ‫وب َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫شــا يرقص بك ّ‬ ‫ن َعْ َ‬ ‫ل هذه الرشاقة والعنفوان‪ .‫جب ََناء‪ ،‬هنا وهناك‪،‬‬ ‫ما وقد سقط جبران تويني بسلح الغدر نفسه‪ ،‬الذي يحتكره ال َ‬ ‫قت ََلة ال ُ‬ ‫أ َ‬ ‫م أعود له‪ ،‬وفي جميع‬ ‫فبإمكان مصطفى الع ْ‬ ‫قاد أن ينتظر إلى أن أنتهي من رثــاء جبران‪ ،‬ث ّ‬ ‫من تله في قائمة‬ ‫الحالت انتهى أمره إعلميًا‪ ،‬وحان لصوره أن تختفي‪ ،‬لتترك مكانها ل َِ‬ ‫الموت‪.‬أغدقت عليه وسام ً‬ ‫ةو َ‬ ‫استثنائية‪.‬ولو بجثمان‪.‬أيّ مسلمين هم هؤلء؟ وأّية قضّية هي هذه التي ُيداَفع‬ ‫من سبق للموت أن سرقهم منهم؟‬ ‫عنها بنسف وطن‪ ،‬وسفك دماء البرياء وهم يو ّ‬ ‫دعون َ‬ .‬‬ ‫ت عن متابعة أخبار العراق بعد أن تجاوزني مصابها‪ ،‬لكنني لم أن ُ‬ ‫أقلع ُ‬ ‫ُ‬ ‫عناوينها وحدها كافية لقتل َ‬ ‫ك بذبحة قلبّية‪ ،‬عندما تقرأها على الشاشة أو تقع عليها مجتمعة‬ ‫في جرائد السبوع‪ ،‬التي فاتتك مطالعتها‪.‬‬ ‫"الضحّية ليست بريئة من دمها"‪ ،‬وما كان جبران بريئا ً من وسامته‪ ،‬ول من شجاعته‪ ،‬ول‬ ‫عَناده وإصراره على حمل المشَعل في مسيرات‪ ،‬يواجهه فيها على ال ّ‬ ‫طرف الخر‪،‬‬ ‫من ِ‬ ‫حاملو المتفجرات وقادة السيارات ال ُْ‬ ‫مفخخة‪.‬‬ ‫ما‬ ‫م‬ ‫أكثر‬ ‫بته‬ ‫أح‬ ‫فقد‬ ‫له‪.‬مضى ليختبر الحياة التي أحّبته‪...‬‬ ‫مـل الموت‬ ‫في منتصف قافلة الشهداء‪ ،‬مضى جبــران‪ُ ،‬يزّيـن موكـب الراحلين‪ُ ،‬يج ّ‬ ‫قـًا؟‬ ‫مـل بعده ح ّ‬ ‫للشعراء والحالمين والشرفاء‪ .‬‬ ‫مهِ الذي‬ ‫دي‪ ،‬وَب ِ َ‬ ‫ديه ال ْ َ‬ ‫س ِ‬ ‫قت ََلة أغراهم برفع التح ّ‬ ‫بوسامته فتح شهّية الموت لفتراسه‪ ،‬وبتح ّ‬ ‫ق َ‬ ‫َ‬ ‫ي إلى رمــز تاريخي‪،‬‬ ‫برلمان‬ ‫نائب‬ ‫من‬ ‫بتحويله‬ ‫التاريخ‬ ‫ي أغرى‬ ‫غــ َ‬ ‫ّ‬ ‫دا أشهر من النشيد الوطن ّ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫حَرتــه‬ ‫ستعيش أجيال بعده على العهد وال َ‬ ‫سم الذي رفعه رايــة وطنّيـة‪ ،‬ودستورا لشعب ن َ َ‬ ‫ق َ‬ ‫الطائفّية‪.‬‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫لــق"‬ ‫بح‬ ‫بـ"جويــل‬ ‫بـل‬ ‫ق‬ ‫ا‪،‬‬ ‫أخير‬ ‫م‬ ‫ثـ‬ ‫مال‪.‬كم كان‬ ‫كــر لقائي الّول مع جبــران‪ .‬ولسهام وحدها غّنى يوم زفافها إليه "لوف مي تندر‪.‬‬ ‫الورد‬ ‫عليه‬ ‫ن‬ ‫شرفاته‬ ‫من‬ ‫الحمر‪ ،‬ون َث ََرت النساء‬ ‫ه المحمول على أكـ ّ‬ ‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫وة الّرفاق‪ ،‬رقص طويل في عرس زفافه إلى الوَطــن‪.‬أزعجني ُبخلــه بقدر ما أزعجه سخائي مع‬ ‫صارما و َ‬ ‫ضِنيَنـا في منح نقاطه لل ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫أدرك‬ ‫كـــة‪..‬كّنا يومها ضمن لجنة اختيار ملكة َ‬ ‫ج َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صَباَيــا‪ .‬‬ ‫ف ُترّقص ن َعْ َ‬ ‫شه؟‬ ‫ماذا ُتــراه كان ُيغّني لعروسه الخيرة‪ .‬‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫عرش‬ ‫على‬ ‫سـات‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫متنافِ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫بعدها‪ ،‬وهو يختار بطلـة الَعــَرب في الفروسّية وركوب الخيل زوجة له‪ ،‬أنه أعمق من أن‬ ‫مـل امـرأة بكلمة‪ ،‬أو بابتسامة واعدة‪،‬‬ ‫مال المعروض للفرجة‪ .‬صحيح أنه قد ُيجا ِ‬ ‫ُيغريــه ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫ُ‬ ‫ص سوى زوجته بأغنية‪ .

‬فما بالك بس ّ‬ ‫كان المعمورة الذين اعتادوا على أخبار‬ ‫مذابحه‪ ،‬ومسالخه وشللت دمه‪.‬أشقاءنــا"‪ ،‬شهداء "ليلة رأس السنة"!‬ ‫انشغلوا•• تسعدوا‬ ‫ها نحن في الشهر الثاني‪ .‬الصحافيون )الذين نخطفهم ونقتلهم عندما يأتون لتصوير‬ ‫فل القوات الميركية بقصف فندقهم حال وصولهم( سارعوا‬ ‫موتانا وثكالنا‪ ،‬هذا عندما ل تتك ّ‬ ‫ن لحيواناتهم‬ ‫أفواجا ً إلى حديقة الحيوانات للتقاط صور لبويه "أوسكار" و"كيال" )لحظوا أ ّ‬ ‫أسماء‪ .‫إنها مباهج نهايات السنة العربّية!‬ ‫ً‬ ‫عنوان آخر ُيذهلك وُيجهز على عروبتك‪ :‬ستة وعشرون قتيل من بين "الخوة السودانيين"‬ ‫سقطوا في مواجهة مع قوات المن المصرية‪ ،‬لزاحتهم من الحديقة المواجهة لمبنى‬ ‫وضّية الُعليا للجئين التابعة للمم المتحدة‪ ،‬التي اعتصموا فيها منذ أيام‪ ،‬وانتهت جثثهم‬ ‫المف ّ‬ ‫في مستشفيات القاهرة‪ ،‬ل باسم ا ُ‬ ‫وة النسانية فحسب‪ ،‬بل العربّية أيضًا‪ .‬بينما لموتانا أرقام(‪ .‬‬ ‫كانوا موعودين بمساعدات‪ ،‬على هزالها‪ ،‬كانت ستغّير حتى حياتهم‪ ،‬حياتهم التي تساوي‬ ‫رصاصة في شارع عربي‪ ،‬ول تساوي ثمن طلقة سهم ناري عمره دقائق‪ ،‬يطلق في شارع‬ ‫أوروبي• ذلك أن في "ليلة رأس السنة" نفسها التي سقطوا فيها كان اللمان وحدهم‬ ‫"يفرقعون" في الهواء ‪ 154‬مليون دولر ثمن ألعاب نارية‪ ،‬ابتهاجا ً بالعام الجديد‪.‬‬ .‬‬ ‫النسانية للمواطن الغرب ّ‬ ‫من لهم صدارة الصحف في "ليلة رأس السنة"‪ .‬كانت‬ ‫تؤ‬ ‫أن‬ ‫ما استطاعت جرائمهم‬ ‫ّ‬ ‫الصفحة ا ُ‬ ‫لولى في كثير من الصحف الغربية )حسب وكالة رويتر(‪ ،‬محجوزة لفاجعة طائر‬ ‫سرق من حديقة‬ ‫بطريق صغير‪ ،‬أعلنت الشرطة البريطانية خشيتها على مصيره‪ ،‬بعد أن ُ‬ ‫حيوان بريطانية قبل ‪ 5‬أيام‪ .‬انحسرت موجة الماني ونحن نقضم هذا العام شهرا ً شهرًا‪.‬‬ ‫النسانية بإلقاء جثثهم في البّرادات‪ ،‬بينما ت ّ‬ ‫َ‬ ‫حدث هذا في "ليلة رأس السنة"‪ ،‬أثناء انشغال العالم عّنا بمباهج الساعات الخيرة‪ .‬فهذه‬ ‫الليلة التي يتخذها الناس فسحة للتمّني‪ ،‬ويجعلونها عيدا ً للرجاء بتغيير نحو الفضل‪ ،‬تغدو‬ ‫ي فيها البقاء على قيد الحياة‪ ،‬ليس أكثر‪ ،‬حتى وإن كانت حياته ل تعني‬ ‫أمنية النسان العرب ّ‬ ‫شيئا ً بالنسبة إلى وطنه أو "أشقائه"‪ .‬فربما كانوا سيحصلون‬ ‫كحيوانات على حقوق‪ ،‬ما كانوا في جميع الحوال أن يحصلوا عليها كبشر خذلتهم‬ ‫الجغرافيا‪.‬فـ"الخوة‬ ‫لخ‬ ‫ّ‬ ‫حّلت مشكلتهم‬ ‫السودانيون"هي الصفة التي أطلقها عليهم بيان الداخلية المصرية‪ ،‬بعد أن ُ‬ ‫م نقل المئات عنوة إلى أماكن ُأخرى‪..‬التي يجد فيها الرهابيون‬ ‫وعليكم أن تتص ّ‬ ‫ً‬ ‫در الخبار العالمّية‪ ،‬لول‬ ‫مناسبة إعلمية نادرة لقصف العمار وقطع الرؤوس‪ ،‬طمعا في تص ّ‬ ‫م‪ ،‬حسب سّلم القيم والهتمامات‬ ‫أ ّ‬ ‫ن العالم كان مشغول ً عن إنجازاتهم الجرامّية بخبرأ ٍ أه ّ‬ ‫ي‪..‬‬ ‫عـــاما ً سعيدًا‪" .‬‬ ‫لمراء الليل من ال َ‬ ‫وروا كيف قضى العراقيون "ليلة رأس السنة"‪ .‬وقد أدمى قلوب محبي الحيوانات في أنحاء العاَلم صورة‬ ‫البوين اللذين مزقهما الحزن على فقدانهما صغيرهما الذي ل يتجاوز شهره الثالث‪ ،‬حتى‬ ‫مصّلين في كنيستين في أميركا صّلوا من أجل الصغير "توغا"!‬ ‫إ ّ‬ ‫ن ُ‬ ‫من يشك في إنسانية الشعب الميركي وتقواه‪ ،‬وفي سذاجة الشعب‬ ‫فهل ليزال بينكم َ‬ ‫السوداني وغبائه؟ فاللفا لجئ الذين اعتصموا في الحديقة المواجهة لمبنى المفوضّية‬ ‫العليا للجئين‪ ،‬كان عليهم أن يلجأوا إلى حديقة الحيوان البريطانية‪ .‬‬ ‫ُتشير دراسة لمنظمة مستقّلة لحقوق النسان‪ ،‬إلى أن أكثر من ‪ 95‬في المئة من‬ ‫العراقيين ل يعرفون ماذا يجري في بغداد بعد منتصف الليل منذ أكثر من سنتين‪ ،‬ونسبة‬ ‫ضلون عدم الخروج من منازلهم بعد الخامسة مساء‪ ،‬تاركين‬ ‫تصل إلى ‪ 50‬في المئة يف ّ‬ ‫المدينة ُ‬ ‫َ‬ ‫قت َلة واللصوص‪.

‬ذلك أننا كثيرا ً ما ل نتنّبه إلى الشياء التي تصنع سعادتنا‪ ،‬لمجّرد أنها في متناولنا‪،‬‬ ‫وملك يدينا‪ .‬وقد يقع أرضا ً وُيصاب بكسر ما‪ ،‬أثناء مطاردته طائرا ً لن‬ ‫كد إ ْ‬ ‫يمسك به في جميع الحالت ثم‪ ،‬يحدث يوما ً أن يح ّ‬ ‫ط ذلك الطائر على درابزين شرفته‪ ،‬أو‬ ‫يذهب حد ّ تناول ما تساقط أرضا ً من فتات عند أقدام مائدته‪ ،‬وتغدو السعادة عندئذ‬ ‫مرهونة بفطنة المرء‪ ،‬وتنّبهه إلى وجودها‪ .‬إنها طائر على أهبة الفلت من يدنا عند أول سهو‪ .‬‬ ‫ل أمنية‪ ،‬يحضرني قول أوسكار وايلد‪" :‬ثمة مصيبتان في الحياة‪ :‬ا ُ‬ ‫أمام ك ّ‬ ‫لولى أل ّ تحصل‬ ‫ّ‬ ‫على ما تريد‪ .‫من يقضم عمرنا أثناء جلوسنا على مائدة وعوده‪.‬ولم أجد تفسيرا لسعادة مليين‬ ‫الجياع والفقراء في الهند‪ ،‬إل ّ في قول جيمس بروير‪" :‬السعادة إحساس تحصل عليه‬ ‫عندما تكون مشغو ً‬ ‫ل‪ ،‬لدرجة ل تستطيع معها أن تحزن"‪ .‬ولو‬ ‫والص ّ‬ ‫ً‬ ‫ُأجريت هذه الدراسة في "موناكو" لكان أميرها وأميراتها دليل على ذلك‪.‬وننصرف عنها إلى مراقبة وتمّني ما هو في حوزة الخرين‪ ،‬بينما معجزة‬ ‫دد بالزوال‪ .‬‬ ‫مقنا فيها‬ ‫تع‬ ‫إن‬ ‫التي‬ ‫الخر‪،‬‬ ‫البعض‬ ‫بمكاسب‬ ‫بعضنا‪،‬‬ ‫في هذه الحكمة ما يواسي خسارات‬ ‫ّ‬ ‫وجدناها ضربا ً من ضروب الخسارة الباذخة‪.‬‬ ‫أكد الثرياء الثلثمئة أنهم ل يشعرون بالسعادة والمان‪ ،‬لعلمهم أن إعجاب الناس بهم يعود‬ ‫ن المباهج البسيطة للحياة اليومية هي ما يفتقدونه‪ ،‬بسبب‬ ‫لكونهم أغنياء فقط‪ ،‬مؤكدين أ ّ‬ ‫الثراء الفاحش الذي ُيعّرضهم لمستويات عالية من القلق‪ ،‬لعلمهم أن القارب والصدقاء ل‬ ‫يفكرون سوى في استغللهم‪.‬‬ ‫م إعدادها في إسبانيا‪ ،‬بعد متابعة‬ ‫مج ّ‬ ‫ددًا‪ ،‬في إحدى الدراسات النسانية التي ت ّ‬ ‫الدليل جاءنا ُ‬ ‫ً‬ ‫ن "الشباب‬ ‫متأنية لحياة ثلثمئة ثريّ إسباني• صعقتنا النتيجة فرحا‪ ،‬نحن التعساء‪ .‬‬ ‫مفاَرَقــة جاءت من وجود الشعب الهندي في المرتبة الثانية بعد الشعب الميركي‪،‬‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متقدما على غيره من الشعوب السيوية والوروبية‪ .‬‬ ‫دف قول الشاعر‪:‬‬ ‫اعتراف يجعلنا‪ ،‬لفظاعته‪ُ ،‬نص ّ‬ ‫من لقيت يشكو دهره‬ ‫"كل َ‬ ‫ليت شعري هذه الدنيا لمن؟"‬ ‫وماذا لو كانت الدنيا للذي يملك القل؟ إحصائية عالمية ُأخرى ُأجريت في اثنين وعشرين‬ ‫بلدًا‪ ،‬انتهت إلى كون عوامل السعادة التي نالت أكثر الّنسب‪ ،‬انحصرت في عاملي ا ُ‬ ‫لسرة‬ ‫والصداقة‪ ،‬وتساوى فيها تأثير الفقر والغنى‪.‬فانشغلوا‪ .‬‬ ‫ولعّله هو َ‬ ‫ّ‬ ‫ن السعادة مطلب مرهون بالعياد والمناسبات‪ ،‬التي ُتذكرنا بفداحة خساراتنا السابقة‪،‬‬ ‫لكأ ّ‬ ‫ت أكثر بهجة‪.‬بدل هدر‬ ‫السعادة‪ ،‬تكمن في مواصلة اشتهاء ما نملك‪ ،‬والحفاظ عليه كأنه مه ّ‬ ‫العمر في مطاردة ما قد يصنع تعاستنا إن نحن حصلنا عليه‪..‬وذلك الحمق الذي قال‪" :‬عصفور في اليد أفضل‬ ‫من عشرة على الشجرة"‪ ،‬أظّنه كان طّباخا ً أو مو ّ‬ ‫ظف بنك‪ ،‬يعمل في رصد هّزات‬ ‫ن السعادة‪ ،‬هي المسافة الفاصلة بينه وبين الشجرة‪ ،‬ل‬ ‫البورصة‪ ،‬فلو كان شاعرا ً لدرك أ ّ‬ ‫أكثر‪ .‬إنها‬ ‫آن لنا أن نعي أن السعادة اكتشاف متأ ّ‬ ‫ً‬ ‫الفردوس المفقود حينًا‪ ،‬والموعود غالب ً‬ ‫َ‬ ‫معّلقا ً على‬ ‫ا‬ ‫عصفور‬ ‫تكون‬ ‫أن‬ ‫السعادة‬ ‫در‬ ‫ق‬ ‫ا•‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫أغصان الذكرى‪ ،‬أو على شجرة الترّقب‪ .‬لذا‪ ،‬كي نكون أهل ً لها‪ ،‬علينا أن‬ ‫ددة‪ ،‬وفرحة منهوبة‪ ،‬غافْلنا الزمن لنسرفها من قبضته‪.‬‬ ‫بأوقا‬ ‫نينا‬ ‫ٍ‬ ‫وُتم ّ‬ ‫خر‪ ،‬نقع عليه عندما نكون قد خسرناها‪ ..‬تسعدوا!!‬ .‬والثانية أن تحصل عليه!"‪.‬ذلك أ ّ‬ ‫حة والوظيفة والملمح الجميلة والسيارة الفارهة‪ ،‬كّلها ل تجعل النسان سعيدًا"‪ .‬عند قدميه!‬ ‫من هنا جاءت نصيحة أحد الحكماء‪" :‬السعادة في بيتك‪ ،‬فل تبحث عنها في حديقة‬ ‫الخرين"‪ ..‬‬ ‫نعيشها كلحظة مه ّ‬ ‫البعض‪ ،‬يتسّلق شجرة المصادفة‪ ،‬ويتعّلق بأغصانها على أمل قطف ثمار البهجة من قبل‬ ‫أن يتأ ّ‬ ‫ن كانت قد نضجت‪ .

‫هودج الوعد الذي قد يحمُلك‬ ‫ن تمشي‬ ‫مفرطا ً في ال ُ‬ ‫ُ‬ ‫حس ِ‬ ‫نعل ُ َ‬ ‫ك قلبي‬ ‫ن ل قلب ل ْ‬ ‫ك‬ ‫كأ ْ‬ ‫ةب َ‬ ‫ك تشي‬ ‫فتن ٌ‬ ‫من صادف عيني َ‬ ‫ك ّ‬ ‫ك‬ ‫ل َ‬ ‫هَل َ ْ‬ ‫ك‬ ‫**‬ ‫حسنك‬ ‫يا ل ُ‬ ‫ي‬ ‫حز َ‬ ‫ض ال ُ‬ ‫حّر َ‬ ‫ن عل ّ‬ ‫م نساٌء‬ ‫ك ْ‬ ‫ن غباُر خيل ْ‬ ‫ك‬ ‫فاته ّ‬ ‫ن من قبل ُبلوغ شفتي ْ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫مت َ‬ ‫**‬ ‫كيف لي‬ ‫أن أكون ِغمدا ً لسيف َ‬ ‫ك‬ ‫هودج الوعد الذي‬ ‫قد يحمل ُ ْ‬ ‫ك‬ ‫فرسا ً تصهل في مربط قلب ِ ْ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫أنثى ريح الرك ِ‬ ‫أّنـى وجهت ُ ْ‬ ‫ك‬ ‫**‬ ‫قل يا رجل‬ ‫إلى أّية غيمةٍ‬ ‫تنتمي شفتا ْ‬ ‫ك‬ ‫كي ُأساِفر في حقائب مطرك‬ ‫وأح ّ‬ ‫ط‬ ‫ُ‬ ‫ث تهط ْ‬ ‫ل‬ ‫حي ُ‬ ‫**‬ ‫ت‬ ‫مقبل أن َ‬ ‫ُ‬ .

‫مدبٌر‬
‫وعمري ُ‬
‫ن في الوهم قلبي‬
‫طاع ٌ‬
‫قبلك ما عشق‬

‫من القصائد التي لحنتها وغنتها المطربة جاهدة وهبي‪ .‬تصدر قريبا ً في أسطوانة مدمجة‬
‫خاصة بنصوص المؤلفة‪.‬‬

‫شوكول الدب‪ ..‬وقّلة أدب الشوكول‬
‫ت زوجي بطبق الـ)‪ ،( OSSO BUCCO‬إل ّ وأسرع بي إلى‬
‫لم يحصل في الماضي‪ ،‬أن طالب ُ‬
‫مطعم إيطالي‪ ،‬لعلمه أنني حتما ً‬
‫ي‪.‬‬
‫بصب‬
‫حبلى‬
‫ّ‬
‫وفي السنوات الخيرة‪ ،‬ما أضفت إلى قائمة المشتريات اليومية للبيت كلمة "شوكول"‬
‫ي"‪ .‬هكذا‪،‬‬
‫ح ِ‬
‫حتى استنتج أنني أنتظر رواية‪ ،‬بعدما أصبحت الشوكول أحد أعراض "وَ َ‬
‫مي الدب ّ‬
‫اعتاد مع إحضاره الخضار واللحم والحليب وصابون الجلي ورغيف الخبز الفرنجي‪ ،‬أن‬
‫يحمل لي لوحا ً من الشوكول‪ ،‬يضعه ك ّ‬
‫ل صباح على مكتبي كي يزّودني بمحروقات الكتابة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ووقودها‪ ،‬مضيفا ً وردة "غاردينيا" يقطفها من حديقة البيت‪ ،‬ضاحكا حتما في سّره‪ ،‬لكوني‬
‫الزوجة التي ل ُيكّلف إسعادها شيئا ً ُيذ َ‬
‫كر‪.‬‬
‫ن مزاجي لتتح ّ‬
‫كم فيه إل ّ الشوكول‪ ،‬وسعادتي مرهونة بطعمها السود المّر‪.‬‬
‫الواقع‪ ،‬أ ّ‬
‫كر يوما ً‬
‫وبرغم كوني سافرت كثيرا ً إلى سويسرا‪ ،‬وأهداني الصدقاء أفخم أنواعها‪ ،‬لم أتن ّ‬
‫دة‪ ،‬لم نكن نعرف غيرها‪،‬‬
‫لشوكول طفولتي‪ .‬وكانت بسيطة سوداء‪ ،‬في لوح من أصابع ع ّ‬
‫ول نحلم بسواها مكافأة عند عودتنا من المدرسة‪.‬‬
‫حرت على الشوكول‬
‫ن شهيتي للكتابة تزداد في شهر رمضان‪ ،‬حدث أن أفطرت وتس ّ‬
‫ول ّ‬
‫وعلى حّبات تمر وشيء من الحليب‪ ،‬ومازلت أذكر زمن كتابتي "عابر سرير"‪ .‬فقد كنت‬
‫أضع زادي من الشوكول على مكتبي‪ ،‬ول ُأغادر غرفتي إل ّ ساعة الفطار لسأل زوجي‬
‫سؤالين‪" :‬هل عثروا على أسامة بن لدن؟"‪ .‬فُيجيب "ل"‪ ..‬و"هل تزّوج الحاج متوّلي بزوجة‬
‫ُ‬
‫مة العربّية‪ ..‬أعود لوراقي‬
‫جديدة؟"‪ ،‬فيرد ّ "نعم"‪ .‬وبعدما أكون قد اطمأننت إلى مصير ال ّ‬
‫لطمئن على مصير أبطالي‪.‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫وتي‬
‫منذ فترة عادت الشوكول تتحكم في مزاجي الروائي‪ ،‬واحتجت إلى مزيد من "ب َل َ‬
‫السوداء"‪ ،‬بسبب انهماكي هذه المّرة في كتابة روايتين في الوقت نفسه‪ ،‬ك ّ‬
‫ل هذا وسط‬
‫زحمة أسفاري وهروب شّغالتي‪ ،‬وورشة البيت الذي أعدت "نفضه" عن بكرة أبيه‪ .‬لن‬
‫دة‬
‫م‬
‫أقول لكم أكثر‪ ،‬فأنا أحب أن أضع مولودي سّرا ً على طريقة القطط‪ ،‬وكالقطة أقضي ّ‬
‫ما قبل الوضع "حايصة" أبحث عن مكان دافئ وصغير يليق بحميمّية الولدة‪ .‬حتى إنني‬
‫ي في غرفة شّغالتي‪ ،‬بينما لم تحلم القطط سوى‬
‫كثيرا ً ما حلمت بوضع مولودي الدب ّ‬
‫ن قطة كانت في بيتنا‪ ،‬راحت ُتجّرب تارة سريري‪ ،‬حيث‬
‫بوضع صغارها في مكتبي‪ ،‬حتى إ ّ‬
‫أكتب‪ ،‬وتارة جوارير الخزانة‪ ،‬كلما تركت أحدها مفتوحًا‪ .‬وفاجأتها مّرة وهي تنام على فرو‬
‫كنت أخبئه أعلى الخزانة‪ ،‬ولم أفهم ما بها‪ ،‬حتى فاجأتني بوضع صغارها الخمسة في‬
‫سريري‪.‬‬
‫ّ‬
‫ول على مدى أسبوع إلى حضانة‬
‫وأعتقد أ ّ‬
‫ن البركة حلت يومها في مكتبي‪ ،‬عندما تح ّ‬
‫للهررة‪ ،‬واستحققت عن جدارة لقب "ُأم هريرة"‪ ،‬الذي كان ُيداعبني به زوجي‪ ،‬أو‬
‫ميني أخته‪ ،‬قبل أن يمنعني مواء القطة وصغارها من‬
‫"بريجيت باردو الحي"‪ ،‬كما كانت ُتس ّ‬
‫العمل‪ ..‬أو النوم‪ ،‬فأضطر إلى نقلها وإّياها إلى مكان آمن في الحديقة‪ ،‬وأعود لكتابة‬

‫"فوضى الحواس"‪.‬‬
‫ربما عدت‪ ،‬لحدثكم ذات مّرة عن علقة المبدعين بالقطط‪ ،‬وكذلك بالشوكول التي يبدو‬
‫أنها تركت بصماتها السوداء على بعض النصوص الدبية‪ .‬ولنني ُبليت بها فأنا ل أنفك عن‬
‫صص لدراسة فوائدها ومصائبها‪ ،‬وكنت‬
‫ملحقة أخبارها‪ .‬وقرأت مؤخرا ً عن مؤتمر طبي ُ‬
‫خ ّ‬
‫أعرف لها قبل ذلك فائدة أ ّ‬
‫كدها المؤتمر‪ ،‬مساعدتها على التغّلب على الشجون العاطفّية‪.‬‬
‫فكثيرا ً ما نصحت صديقاتي بتناولها أثناء القطيعة والمآسي العشقّية‪ ،‬لنها تمنحنا مزاجا ً‬
‫جمي ً‬
‫ل‪ ،‬وُتساعدنا على مقاومة الكآبــة‪ ،‬والحباط العاطفي‪ .‬الخبر الجديد هو اختراع لصقة‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫حة في تناول الشوكول‪) ،‬ورغبات أخرى تنتاب‬
‫مل ّ‬
‫جلدية تساعد على تقليل الرغبة ال ُ‬
‫مدمنيها(‪ .‬الدليل‪ :‬خبر من كولومبو نقلته الصحف عن قرد في حال هياج جنسي‪ ،‬أثار‬
‫ُ‬
‫الذعر في بلدة وسط سريلنكا‪ .‬بعدما أخذ يهاجم إناث القطط والكلب‪ ،‬وُيطارد الفتيات‪،‬‬
‫من رأوه‪ ،‬بسبب الشوكول التي كان يتغ ّ‬
‫ذى عليها‬
‫ن‪ ،‬وذلك حسب تفسير َ‬
‫ويتحّرش به ّ‬
‫ويسرقها من المتاجر‪.‬‬
‫ول حول ول قوة إ ّ‬
‫لبالله‪ ..‬أدركوني بلصقة مضادة لهذه الشوكول الملعونة‪.‬‬

‫محضر ضبط عاطفي‪ ..‬في حق وردة‬
‫ما ترك لي الحب من فرصة ُ‬
‫لغافله وُأفلت قليل ً من قبضته‪ ،‬لشتري له في عيده‪ ..‬ما‬
‫يفاجئه‪.‬‬
‫أف ّ‬
‫كر في الخرين‪ ..‬المليين الذين سيهجمون على الورود الحمراء ليقولوا الكلمة إياها‬
‫باللون نفسه‪ ..‬العالم كّله سيتكّلم ليوم ٍ لغة واحدة‪ .‬أجمل الع ّ‬
‫شاق أولئك الذين سيجازفون‬
‫هذا العام أيضًا‪ ،‬بالدفاع عن حقهم في حيازة هذا اللون‪ ،‬في بلد ُيمنع فيها بيع الورود‬
‫الحمراء في عيد الحب‪ ،‬لنني ل أحب من الحمر إل ّ شبهته‪ ،‬ما كنت لشتري سواها لو‬
‫ده‪ ،‬وغدا الحب فيها مفقودا ً لفرط‬
‫كنت هناك‪ .‬لكنني في بلد زاد فيها الحمر على ح ّ‬
‫وجوده في الواجهات‪.‬‬
‫هذا العام‪ ،‬أتوّقع أن تنحاز بيروت إلى اللون البيض‪ ،‬مذ أصبح اللون الرسمي لضرحة‬
‫در إلى العالم فائض الحب‪ ،‬أخشى على الحمر‬
‫شهداء الحّرية‪ .‬المدينة التي اعتادت أن تص ّ‬
‫أن يعاني فيها كسادا ً في عيده‪.‬‬
‫جل محضر ضبط عاطفيا ً في حق وردة‪ ..‬لنها حمراء‪ ،‬وثمة من‬
‫في عيد الحب ثمة من يس ّ‬
‫يحاول تفجير حقول الذكرى‪ ..‬واغتيال ورود الوفاء‪ ..‬لنها بيضاء‪.‬‬
‫لنتسامح على القل‪ ..‬مع الورود!‬
‫***‬
‫ماكدت أكتشف في السنة الماضية‪ ،‬أن عيد ميلد صديقتي المطربة لطيفة‪ ،‬يوافق عيد‬
‫ول ‪ 14‬شباط‪ ،‬باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى عيد للشهداء‪.‬‬
‫العشاق‪ ،‬حتى تح ّ‬
‫ففي زمن التنكيل العربي‪ ،‬كما كان أحد طغاتنا يحتفظ لنفسه‪ ،‬بمتعة قتل خصومه بطلقات‬
‫مسدسه الذهبي‪ ،‬الذي ل يخص به سوى "أعدقائه" وأقاربه‪ ،‬ثمة من ل يقبل بغير عيد‬
‫الحب مناسبة ليبعث فيها بالموت هدية‪ ،‬ليقول لنا كم ُأحب الفقيد!‬
‫ُأشفق على صديقتي الغالية لطيفة‪ ،‬أفسدوا عليها عيدها إلى البد‪ .‬ل أظنها ستنسى بعد‬
‫مر أثاثه بوقع‬
‫الن كيف عاشت ذلك الحدث‪ ،‬لوجودها يومها في فندق تطايرت نوافذه ود ُ ّ‬
‫النفجار‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬لي إليها خبر جديد‪ ،‬هذا العام‪ ،‬أتوّقع أن يطير من وقعه ما بقي من عقلها‪ ،‬نظرا ً إلى‬
‫ب لميركا وللقائمين على سياستها العربية‪.‬‬
‫ما أعرفه عنها من ح ّ‬
‫يؤسفني عزيزتي أن أخبرك أنك تشتركين في تاريخ ميلدك المجيد مع جوهرة تاج الرئيس‬

‫بوش "الميرة المقاتلة" و"الصقر السود" كوندليزا رايس‪ ،‬ففي ‪ 14‬فبراير ‪ 1954‬جاءت‬
‫"ربة الوجه الصبوح" إلى العالم‪ ،‬لتصبح اليوم أقوى امرأة في العالم بحكم تح ّ‬
‫كمها في‬
‫صمام أمان الكرة الرضية‪ ،‬وتوّليها شؤون المن القومي ‪ -‬سّرا ً وعلنية ‪ -‬فهي الشخص‬
‫المسيطر على إمبراطور العالم‪ ،‬الرئيس المع ّ‬
‫ظم "بوش الصغير"‪ .‬ك ّ‬
‫ل هذا تقوم به‪ ،‬ل بيد‬
‫حديدية على طريقة مارغريت تاتشر‪ ،‬بل بأنامل موسيقية‪ ..‬ذلك أنها تشترك معك أيضا ً في‬
‫ب الموسيقى وإتقانها باحتراف‪ .‬وحدث منذ ثلث سنوات أن قدمت على أكبر مسارح‬
‫ح ّ‬
‫واشنطن كونشرتو‪ ،‬عزفت فيه على البيانو بحضور ألفي مشاهد‪.‬‬
‫ي كل أنواع‬
‫كن ُ‬
‫ت أفكر في ماذا أهديك لعيدك )عدا ق ّ‬
‫صة ذلك الفيلم الذي مذ مارست عل ّ‬
‫البتزاز العاطفي‪ ،‬لكتبه لك‪ ،‬كي يكون على قدر قضايانا العربية المشتركة وجنوننا‬
‫ومزاجنا المغاربي الحار‪ ،‬وأنا منهمكة في كتابته(‪ ،‬قبل أن يصبح همي الستفادة من هذه‬
‫المناسبة لنهدي إلى هذه المخلوقة‪" ،‬كوندليزا رايس" في عيدها‪ ،‬ما يشغلها عّنا‪ ..‬ويقينا‬
‫شّرها‪.‬‬
‫المرأة تملك أحذية يفوق عددها أحذية "إيميلدا ماركوس"‪ .‬أتوّقع أنها ل تدري أين تذهب‬
‫بها في عيد العشاق‪.‬‬
‫وتملك مرآتين في مكتبها‪ ..‬كي ترى نفسها بنظرات أحد غيرها‪ .‬زوجي يتمنى أن ُيطعمها‬
‫الله عريسا ً تلتهي به قليل ً و"تحل عّنا"‪ .‬واليرانيون يتحسرون على حماقة ذلك اليراني‪،‬‬
‫الذي تخلى عنها أيام الدراسة وغ ّ‬
‫ذى بتصرفه كراهيتها للمسلمين‪.‬‬
‫ّ‬
‫لو أن ذلك الغبي قام بتخصيبها‪ ..‬لربما حلت اليوم مشكلة تخصيب اليورانيوم اليراني‪.‬‬
‫أرأيت كيف يتحكم الحب في العالم!‬

‫الموت بين الهل نعاس‬
‫وعت صديقة صحافية ُتقيم في‬
‫منذ بضعة شهور وأنا أستيقظ على الشريط نفسه‪ ،‬الذي تط ّ‬
‫المارات‪ ،‬بمطاردته في المكتبات لتهديني إّياه قبل عودتي لبيروت‪.‬‬
‫بدءًا‪ ،‬عجبت لمري وأنا أدور في معرض الكتاب في أبوظبي طلبا ً للشيء نفسه‪" :‬أريد‬
‫حسَنى‪ ،‬إنشاد سّيد مكاوي"‪ .‬قال أحد أصحاب المكتبات الدينية‪ ،‬إنه يوجد في‬
‫أسماء الّله ال ُ‬
‫مكتبة في المدينة‪ .‬فركبت المسكينة سيارتها‪ ،‬وقصدت المكتبة‪ ،‬لتعود من غزوتها بنسختين‬
‫من الشريط نفسه‪ .‬هكذا أصبح في إمكاني أن أحتفظ بنسخة في بيتي‪ ،‬وُأخرى في حقيبة‬
‫ن شيئا ً كان ينقصني‪ ،‬فقد كان من إنشاد هشام عّباس‪ ،‬بأداٍء يختلف وقعه على‬
‫سفري‪ .‬لك ّ‬
‫قلبي عن صوت الشيخ سّيد مكاوي‪ .‬بذلك البتهال البعد في القلب‪ ،‬والصفى في الروح‪.‬‬
‫من‬
‫س ِ‬
‫الذي يخطفك من نفسك ويشّلك لفرط ال ّ‬
‫كينة التي ُيدخلها في قلبك‪ .‬كيف ل وهو َ‬
‫منشدين في آن!‬
‫منشد‪ ،‬وال ْ ُ‬
‫قام بتلحين ذلك النشاد‪ ،‬وبأدائه أكثر من مرة ليكون هو ال ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ت بالذهول ولم أفهم كيف‬
‫عندما سمعت هذه التفاصيل في أحد البرامج الذاعية‪ ،‬أصب ُ‬
‫تسّنى لهذا الرجل الكفيف‪ ،‬أن يحفظ أسماء الّله التسعة والتسعين‪ ،‬في تسلسلها‪ ،‬من‬
‫دون أن ُيخطئ في تقديم أو تأخير اسم‪ ،‬أو نسيان أحدها‪ .‬بينما لم أستطع أنا حفظها‪ ،‬على‬
‫دة في اليوم‪.‬‬
‫الرغم من سماعي لها مّرات ع ّ‬
‫في آخر زيارة لي إلى المارات‪ ،‬كنت برفقة صديقتي الدكتورة هنادي ربحي‪ ،‬عندما وقعنا‬
‫على البتهالت إّياها‪ ،‬بأداء سّيد مكاوي هذه المّرة‪ .‬من فرحتنا اشترينا شريطين وأسرعنا‬
‫ضلة‪ ،‬التي ذهبت بعض الصديقات إلى حد ّ تسجيلها‬
‫إلى السيارة نستمع إلى "أغنيتنا" المف ّ‬
‫والي‪.‬‬
‫ج‬
‫على‬
‫جعلها‬
‫عن‬
‫ية‬
‫تقن‬
‫لسباب‬
‫عجزت‬
‫رائعة‪،‬‬
‫والهن‪ ،‬وكانت تلك فكرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫على رّنة ج ّ‬
‫ّ‬
‫فقد أعجبني أن تتوالى أسماء الله طالما الهاتف يدق‪ .‬إحداهن مازحتني قائلة‪" :‬وماذا لو‬
‫دق‪ ،‬وأنت في مكان عام في أوروبا؟ إنها شبهة أخطر من الحجاب!‬

‬ول أص َ‬ ‫دق من قول أحد المتص ّ‬ ‫يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته‬ ‫ن‬ ‫أتطلب الربح مما فيه خسرا ُ‬ ‫أقِبل على النفس فاستكمل فضائلها‬ ‫ن‬ ‫فأنت بالنفس‪ ،‬ل بالجسم‪ ،‬إنسا ُ‬ ‫واشدد يديك بحبل الّله معتصما ً‬ ‫فإّنه الركن إن خانت َ‬ ‫ن‬ ‫ك أركا ُ‬ ‫ذكرت هذا كله‪ ،‬وأنا أمّر في وسط بيروت وقلبها النابض‪ ،‬حيث يعلو مسجد محمد المين‪.‬‬ ‫منادية للصلة‪ ،‬ل تحسد الحريري على ثروته‪ ،‬بل على موته‪ .‬فتخرج النفس من تلك الجلسة‬ ‫آفات القلوب تجد لها دواًء في اسم من أسمائه ال ُ‬ ‫جب أن ُتثبت بحوث طبية حديثة‪ ،‬أن أداء‬ ‫معافاة من هموم الدنيا‪ ،‬سعيدة مطمئنة‪ .‬‬ ‫خسرنا العلماء‪ .‬‬ ‫معّرض للفناء‪ ،‬عند أول عطب أو‬ ‫لكن الستثمار الكبر‪ ،‬هو حتما ً في غير هذا الجسد ال ْ ُ‬ ‫وفة‪:‬‬ ‫حادث‪ .‬تتمّنى‬ ‫عندما تعلو تلك المآذن ُ‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫محنة إبادتهم الجديدة على يد ُ‬ .‬وهكذا عدنا‬ ‫ما ش ّ‬ ‫ددها من دون توقف‪.‬‬ ‫الصباح‬ ‫بمشاغلي‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يومي بمجالسة سواه‪.‬يا لتلك‬ ‫لو كنت المقيم هناك‪ .‬فـ"الموت‬ ‫الطمأنينة‪ ،‬أن تحجز لك مكانا ً أبديا ً جوار مسجد‪ ،‬م ّ‬ ‫بين الهل نعاس"‪.‬‬ ‫ير‬ ‫الذي‬ ‫الول‬ ‫للشريط‬ ‫ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل صباح أحتفي بأسمائه تعالى‪ ..‬يهتف قلبك من خشوعه "يا لجمال الموت السلم ّ‬ ‫دعيا ً الستغراق في النوم‪ .‬وربحنا السيليكون‬ ‫دت خ ّ‬ ‫ن الهند تخ ّ‬ ‫طة‬ ‫طط لزيادة علمائها‪ ،‬وأع ّ‬ ‫خبر صغير أيقظ أوجاعي‪ .‬يتوا َ‬ ‫يخشى أن ُيخطئ في حقّ أحد‪ ،‬أو في حقّ خالقه‪ .‫في السيارة فوجئنا‪ ،‬أنا وهنادي‪ ،‬بكون الشريط يحمل أيضا ً أغاني دينية باللهجة المصرية‪،‬‬ ‫وش على مزاجنا‪ ،‬الذي كان يريد سماع أسماء الّله الحسنى ل غير‪ .‬‬ ‫أمام أسماء الّله الحسنى‪ُ ،‬يبصر النسان ذاته• وُيدرك قدر نفسه‪ .‬ل شيء عدا أ ّ‬ ‫طموحا ً لبناء قاعدة من العلماء والباحثين لمواكبة دول مثل الصين وكوريا الجنوبية في‬ ‫مجال البحاث الحديثة‪..‬‬ ‫ضع‪ ،‬يزهد‪ ،‬يخشع‪.‬فل ع َ َ‬ ‫ُ‬ ‫مل والتعّبد‪ ،‬هي من أهم النشطة الطبية‪ ،‬التي تساعد على إفراز هرمون‬ ‫والتأ‬ ‫الصلة‬ ‫ّ‬ ‫الشباب الـ"ميلتونين"‪ ،‬بالتالي تأخير أعراض الشيخوخة‪.‬كزائر يطرق بابي أسعد بها‪ُ ،‬أجالسها حتى أثناء قيامي‬ ‫ّ‬ ‫من ذكرني" فل أقبل أن أبدأ‬ ‫جليس‬ ‫"أنا‬ ‫عله‬ ‫في‬ ‫من‬ ‫ل‬ ‫ج‬ ‫قوله‬ ‫أذكر‬ ‫ية‪.‬أمام ذلك البتهال الجميل ك ّ‬ ‫ل آفــة من‬ ‫حسَنى‪ .‬‬ ‫دره أن ُيدَفن إلى‬ ‫ب إلى قلب الرئيس الشهيد رفيق الحريري‪ ،‬الذي كان قَ َ‬ ‫الجامع الح ّ‬ ‫جواره‪ ،‬بعدما أمضى الشهر الخيرة من حياته في مواكبة بنائه بأدق تفاصيله‪ ،‬ليكون ِقبَلة‬ ‫مساجد بيروت وأفخمها‪..‬‬ ‫ن بلدا ً يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر ال ُْ‬ ‫مد ِْقع‪ ،‬يتسّنى له‬ ‫لم أفهم كيف أ ّ‬ ‫رصد مبالغ كبيرة‪ ،‬ووضع آلية جديدة للتمويل‪ ،‬بهدف جمع أكبر عدد من العلماء الموهوبين‬ ‫دت لها اعتمادات إضافية من وزارة العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬بينما ل‬ ‫من خلل منح دراسّية ُر ِ‬ ‫ص َ‬ ‫دا تلك التي‬ ‫نملك نحن‪ ،‬برغم ثرواتنا المادية والبشرية‪ ،‬وزارة عربية تعمل لهذه الغاية‪) ،‬ع َ َ‬ ‫ُتو ّ‬ ‫ظف التكنولوجيا لرصد أنفاسنا(‪ ،‬أو على القل مؤسسة ناشطة داخل الجامعة العربية‬ ‫تتوّلى متابعة شؤون العلماء العرب‪ ،‬ومساندتهم لمقاومة إغراءات الهجرة‪ ،‬وحمايتهم في‬ ‫صّناع الخراب الكبير‪.

‬‬ ‫مر ّ‬ ‫عد‪ ،‬خصوصا ً بعد نجاح عالم الصواريخ العراقي مظهر صادق‬ ‫شحة حتما ً للتصا ُ‬ ‫العمليات ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ب له في بغداد‪ ،‬وتمكنه من اللجوء إلى إيران‪.‬‬ ‫مسلح ن ُ ِ‬ ‫ص َ‬ ‫التميمي من الفلت من كمين ُ‬ ‫غير أن سبعة من العلماء المتخصصين في "قسم إسرائيل" والشؤون التكنولوجية‬ ‫العسكرية السرائيلية‪ ،‬تم اغتيالهم‪ ،‬لُيضافوا إلى قائمة طويلة من العلماء ذوي الكفاءات‬ ‫العلمية النادرة‪ ،‬أمثال الدكتورة عبير أحمد عباس‪ ،‬التي اكتشفت علجا ً لوباء اللتهاب‬ ‫الرئوي " سارس"‪ ،‬والدكتور الع ّ‬ ‫لمة أحمد عبدالجواد‪ ،‬أستاذ الهندسة وصاحب أكثر من‬ ‫خمسمئة اختراع‪ ،‬والدكتور جمال حمدان‪ ،‬الذي كان على وشك إنجاز موسوعته الضخمة‬ ‫عن الصهيونية وبني إسرائيل‪..‫أيّ أوطان هذه التي ل تتبارى سوى في النفاق على المهرجانات ول تعرف الغداق إل ّ‬ ‫ن في ليلة واحدة بما ل يمكن لعالم عربي أن يكسبه لو‬ ‫على المطربات‪ ،‬فتسخو عليه ّ‬ ‫قضى عمره في البحث والجتهاد؟ ما عادت المأساة في كون مؤخرة روبي‪ ،‬تعني العرب‬ ‫دمة ابن خلدون‪ ،‬بل في كون اللحم الرخيص المعروض للفرجة على‬ ‫مق ّ‬ ‫وتشغلهم أكثر من ُ‬ ‫الفضائيات‪ ،‬أيّ قطعة فيه من "السيليكون" أغلى من أي عقل من العقول العربية المهددة‬ ‫اليوم بالبادة‪.‬‬ ‫أجل‪ ،‬خسرنا ك ّ‬ ‫ل هذه العقول‪ .‬فقد ُقتل في سنة ‪ 2005‬وحدها‪،‬‬ ‫سبعون طبيبًا‪.‬فإ ْ‬ ‫ن لم تستطع فكن ُ‬ ‫تستطع فل تبغضهم"‪ .‬‬ ‫تريدون أرقاما ً تفسد مزاجكم وتمنعكم من النوم؟‬ ‫في حملة مقايضة النفوس والرؤوس‪ ،‬قررت واشنطن رصد ميزانية تبلغ ‪ 16‬مليون دولر‬ ‫لتشغيل علماء برامج التسّلح العراقية السابقين‪ ،‬خوفا ً من هربهم للعمل في دول ُأخرى‪،‬‬ ‫وكدفعة ُأولى غادر أكثر من ألف خبير وأستاذ نحو أوروبا وكندا والوليات المتحدة‪.‬لكن البركة في "السيليكون"!‬ ‫لفرط ما كتبتني‬ ‫‪:‬‬ .‬‬ ‫ضلوا الهجرة بعد أن وجدوا أنفسهم عزل ً في مواجهة "الموساد" التي‬ ‫كثير من العلماء ف ّ‬ ‫ن قوات‬ ‫أ‬ ‫التقارير‬ ‫في‬ ‫جاء‬ ‫فقد‬ ‫مام"‪.‬أما مجلة "نيوزويك"‪ ،‬فقد أشارت إلى البدء باستهداف‬ ‫الطباء عبر الغتيالت والخطف والترويع والترهيب‪ .‬وليس المر سّرًا‪ ،‬مادامت مجلة "بروسبكت" الميركية‬ ‫ل يؤ ّ‬ ‫كد وجود مخطط واسع ترعاه أجهزة داخل البنتاغون‬ ‫وعت بنشره في مقا ٍ‬ ‫هي التي تط ّ‬ ‫وداخل )‪ ،(CIA‬بالتعاون مع أجهزة مخابرات إقليمية‪ ،‬لستهداف علماء العراق‪ .‬وقد بلغ عدد العلماء الذين تمت تصفيتهم وفق‬ ‫هذه الخطة أكثر من ‪ 251‬عالمًا‪ .‬فما توّقع )رضي الّله عنه( أن يأتي يوم ُنن ّ‬ ‫كل فيه بعلمائنا وُنسّلمهم‬ ‫فريسة سهلة إلى أعدائنا‪ ،‬ول أن ُتحرق مكتبات علمية بأكملها في العراق أثناء انهماكنا في‬ ‫متابعة "تلفزيون الواقع"‪ ،‬ول أن يغادر مئات العلماء العراقيين الحياة في تصفيات جسدية‬ ‫من ّ‬ ‫ظمة في غفَلة مّنا‪ ،‬لتصادف ذلك مع انشغال المة بالتصويت على التصفيات النهائية‬ ‫ُ‬ ‫لمطربي الغد‪.‬‬ ‫الح‬ ‫"صيد‬ ‫العراقية‬ ‫الغنية‬ ‫حسب‬ ‫راحت تصطادهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫"كوماندوز" إسرائيلية‪ ،‬تضم أكثر من مئة وخمسين عنصرا‪ ،‬دخلت أراضي العراق بهدف‬ ‫اغتيال الكفاءات المتميزة هناك‪ .‬فإ ْ‬ ‫استطعت فكن عالما‪ .‬‬ ‫العالم‬ ‫احتقار‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن لم‬ ‫ن لم تستطع فأحّبهم‪ ،‬فإ ْ‬ ‫متعلما‪ .‬‬ ‫إن كانت الفضائيات قادرة على صناعة "النجوم" بين ليلة وضحاها‪ ،‬وتحويل حلم مليين‬ ‫الشباب العربي إلى أن يصبحوا مغنين ليس أكثر‪ ،‬فكم يلزم الوطان من زمن ومن ُقدرات‬ ‫لصناعة عالم؟ وكم علينا أن نعيش لنرى حلمنا بالتفوق العلمي يتحقق؟‬ ‫ن إهمالنا البحث العلمي‪ ،‬واحتقارنا علماءنا‪ ،‬وتفريطنا فيهم هي من بعض أسباب‬ ‫ذلك أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن‬ ‫"إ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫حين‬ ‫عنه(‬ ‫له‬ ‫ال‬ ‫)رضي‬ ‫عبدالعزيز‬ ‫بن‬ ‫عمر‬ ‫ا‬ ‫صادق‬ ‫كان‬ ‫وكم‬ ‫لنا‪.‬وقد حددت‬ ‫م ‪ 800‬اسم لعلماء عراقيين وعرب من العاملين في‬ ‫المخابرات الميركية قائمة تض ّ‬ ‫المجال النووي والهندسة والنتاج الحربي‪ .

.‬ب ِ َ‬ ‫ما أخذ َ‬ ‫بِ َ‬ ‫ه‬ ‫ت لي من عمرٍ لخذ ِ ِ‬ ‫ما ترك َ‬ ‫بِ َ‬ ‫ت‬ ‫نهب‬ ‫بما‬ ‫ت‪.‬بمقصلة صمتك‬ ‫مرة على قرميد بيتك‬ ‫منه ِ‬ ‫بال ّ‬ ‫دموع ال ْ ُ‬ ‫بأزهار النتظار التي ذ ََوت في بستان صبري‬ ‫بمعول شكوكك‪ .‬بمنجل غيرتك‬ ‫بالسنابل التي‬ ‫تناثرت حّباتها في زوابع خلفاتنا‬ ‫بأوراق الورد التي تطايرت من مزهرياتنا‬ ‫ض اشتباكاتنا‬ ‫بشراسة ال ُ‬ ‫قَبل التي تف ّ‬ ‫خذ‬ ‫ما لم تأ ُ‬ ‫ت‪ .‫كتبتني‬ ‫باليد التي أزهرت في ربيعك‬ ‫ت صيفها‬ ‫بال ُ‬ ‫قبلت التي كن َ‬ ‫بالورق اليابس الذي بعثره خريفك‬ ‫بالثلج الذي‬ ‫صوب َ َ‬ ‫ت على ناره حافية‬ ‫ك سر ُ‬ ‫بالثواب التي تنتظر مواعيدها‬ ‫بالمواعيد التي تنتظر ع ّ‬ ‫شاقها‬ ‫بالع ّ‬ ‫شاق الذين أضاعوا حقائب الصبر‬ ‫بالطائرات التي ل توقيت لقلعها‬ ‫ت أبجدّية بواباتها‬ ‫بالمطارات التي كن َ‬ ‫بالبوابات التي ُتفضي جميعها إليك‬ ‫بوحشة العياد كتبتني‬ ‫بشرائط الهدايا‬ ‫بشوق الرصفة لخطانا‬ ‫بلهفة تذاكر السفر‬ ‫بثقل حقائب المل‬ ‫بمباهج صباحات الفنادق‬ ‫بحميمّية عشاء في بيتنا‬ ‫بلهفة مفتاح‬ ‫بصبر طاولة‬ ‫بتواطؤ أريكة‬ ‫ل يحرس غفوة قَد َِرنا‬ ‫بطمأنينة لي ٍ‬ ‫بشهقة باب ينغلق على فرحتنا‬ ‫كتبتني‪ ..‬‬ ‫نسي‬ ‫ما‬ ‫ُ‬ ‫بِ َ‬ ‫ما مازال في نسياني ُيذ ّ‬ ‫كرني بكَ‬ ‫بِ َ‬ ‫ما أعطيتك ولم تأبه‬ ‫بِ َ‬ ‫ما أعطيتني فقتلتني‬ ‫بِ َ‬ ‫ما شئت به قتلي‬ ‫بِ َ‬ ‫ت بــه!‬ ‫فم ّ‬ .‬‬ ‫وهب‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫بِ َ‬ ‫س‬ ‫ت‪ ..‬ب ِ َ‬ ‫ما نسي َ‬ ‫بِ َ‬ ‫ما لم أن َ‬ ‫ت‪....

‬اليوم حللنا على القل مشكلة البواب‪ .‬هل نلوم أعداءنا وقد سّلمنا‬ ‫راعينا إلى الرعاة‪ ،‬قطعانا ً بشرية جاهزة للذبح قربانا ً للديمقراطية؟‬ ‫في ك ّ‬ ‫ل بلد "رعاة الديمقراطية" النسان أهم حتى من الديمقراطية‪ ،‬لنه الغاية منها‬ ‫ن اختطاف مواطن واحد أو قتله‬ ‫والغاية من كل شيء‪ .‬والمواطن أهم من الوطن‪ ،‬حتى إ ّ‬ ‫على يد العدو‪ ،‬يغدو قضية وطنية يتجند لها الوطن بأكمله‪ ،‬وتتغير بمقتضاها سياسات‬ ‫خارجية‪ ...‬ما عاد السؤال من جاء بالذئب؟‬ ‫بل كيف م ّ‬ ‫كناه مّنا إلى هذا الحد؟‬ ‫الجواب عثرت عليه في حكمة قديمة‪" :‬يأكلك الذئب إن كنت مستيقظا ً وسلحك ليس في‬ ‫يدك‪ .‬‬ ‫رعى الله لنا نور التلفزيون‪ .‬وطنا ً وطنا ً يستفردون‬ ‫واباتنا وحدودنا‪ ،‬أرضنا وج ّ‬ ‫عاد من أبواب لنا‪ .‬في إمكاننا مواصلة الشخير حتى المؤامرة المقبلة‪.‬‬ ‫تصبحون على خير أيها العرب‬ ‫أكبر مؤامرة تعّرض لها الوطن العربي‪ ،‬هي تجريد كلمة "مؤامرة" نفسها من معناها‪ ،‬حتى‬ ‫دنا‪ ،‬بقدر ما تثير الحساس بالستخفاف‬ ‫ما ُيحاك ض ّ‬ ‫غدت ل تستدعي الحذر‪ ،‬ول التنبه ل ِ َ‬ ‫والتهكم ممن يصيح بكل صوته "يا ناس‪ .‬فالمؤامرة المباركة حيكت لنا هذه المّرة على أيدي ُ‬ ‫م‬ ‫ورنا وسذاجتنا وتذاكينا ت ّ‬ ‫الديمقراطية وُرعاتها‪ .‬إنها مؤامرة!"‪.‬ما‬ ‫ونا وبحرنا‪ .‬‬ ‫عمر أبو ريشة‪ ،‬الذي قال ذلك البيت‪ ،‬الموجع في حقيقته‪ ،‬أدرك قبل نصف قرن أن الذئب‬ ‫در الوطن العربي إيقاظ شهية الذئاب الذين يتكاثرون‬ ‫ل يأتي إل ّ بتواطؤ من الراعي‪ ،‬وأن قَ َ‬ ‫ً‬ ‫عند أبوابه ويتكالبون عليه كلما ازداد انقساما‪ .‬غدوا هم ب ّ‬ ‫بنا‪ ،‬ينهبون خيراتنا‪ ،‬يسرقون آثارنا‪ ،‬ينسفون منشآتنا‪ ،‬يغتالون علماءنا‪ُ ،‬يشعلون الفتنة بيننا‪،‬‬ ‫يصطادون أرواح صحافيينا‪ .‬‬ ‫المقبلة حتمًا‪ .‬‬ ‫كقصة ذلك الرجل الذي كان يتسّلى بإرعاب الناس‪ ،‬مدعيا ً نزول الذئب إلى القرية‪ ،‬فلما‬ ‫ُ‬ ‫م عينه على وشك النقضاض عليه‪ ،‬صاح بالناس أن ينقذوه من‬ ‫جاء الذئب حقا ً ورآه بأ ّ‬ ‫دقه ول جاء لنجدته‪ ،‬وقضى الرجل فريسة أكاذيبه‪.‬وأصواتنا‪.‬الثوب الكفن المف ّ‬ ‫صل على قياس ته ّ‬ ‫سباتنا التاريخي‪.‬لكن‪ ،‬عندما يتعّلق المر بنا‪ ،‬يجوز لهؤلء المب ّ‬ ‫شرين بالحرية أنفسهم‪ ،‬نحر مئة ألف‬ ‫عراقي لنشر فضائل الديمقراطية‪ ،‬وتوظيف كل تكنولوجيا التعذيب لدخالها في عقولنا‪..‬ل ُيلم الذئب في عدوانه‪ /‬إن يك الراعي عدوّ الغنم"‪ .‬‬ ‫تصبحون على خير أيها العرب!‬ .‬فقد أطفأنا ك ّ‬ ‫ل ما عداه‪.‬‬ ‫تصميمه برؤية إسرائيلية على يد مصمم التاريخ "العزيز هنري"‪ ،‬أثناء ُ‬ ‫لكن‪" .‬‬ ‫لفرط ما استنجد بها ح ّ‬ ‫ددت كراسيهم‪ ،‬واجدين فيها الذريعة المثلى للفتك بكل‬ ‫كامنا كّلما هُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫من يعارضهم‪ ،‬ولفرط ما رددناها على مدى نصف قرن حقا وباط ً‬ ‫ل‪ ،‬ولفرط ما علقنا على‬ ‫مشجبها عجزنا وتخّلفنا وتناحرنا‪ ،‬ولفرط ما تآمرنا على أنفسنا وتآمرنا مع أعدائنا على‬ ‫بعضنا بعضًا‪ ،‬ذهبنا إلى ف ّ‬ ‫خ المؤامرة الكبرى‪ ،‬ووقعنا في قعرها بملء وعينا‪.‬‬ ‫نحن في أزهى عصور الديمقراطية‪ .‬فالذئب يصول ويجول ويأكل مّنا من يشاء‪ .‫م نصوصا ً‬ ‫ل ّ‬ ‫حنت المطربة جاهدة وهبي مقاطع من هذا النص‪ ،‬وتغنيها في شريط خاص‪ ،‬يض ّ‬ ‫ّ‬ ‫للمؤلفــة‪.‬ويشترون ذمم أقلمنا‪ .‬ويأكلك الذئب إن كنت نائما ً ونارك مطفأة"‪.‬‬ ‫الذئب‪ ،‬لكن ل أحد ص ّ‬ ‫دقنا إن صحنا في كل المنابر الدولية‪،‬‬ ‫ها هو ذا الذئب ُيطبق فكيه علينا‪ ،‬ولن يوجد من يص ّ‬ ‫خبثا ً في استراتيجيتها‬ ‫أكثر‬ ‫ول‬ ‫منها‬ ‫أكبر‬ ‫أننا ضحّية مؤامرة شاملة كاملة لم يعرف العالم‬ ‫ُ‬ ‫حماة‬ ‫المتقنة ذات الذرائع الخيرية‪ ...

‬أما‬ ‫رجال العمال من "الوزن الثقيل" فيحسبونها بمثقال الفوائد المنهمرة ك ّ‬ ‫ل دقيقة على‬ ‫حساباتهم‪.‬ل عدوّ له ول‬ ‫فا ذات‬ ‫منازع سوى النوم‪ .‬فإن كنت ل أستطيع أن أكسب‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ورا ً طويل ً عن الحياة‬ ‫مص‬ ‫ا‬ ‫تحقيق‬ ‫الفرنسية‬ ‫القنوات‬ ‫إحدى‬ ‫على‬ ‫ت‬ ‫شاهد‬ ‫نفسها‪،‬‬ ‫في الفترة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫اليومية للوليد بن طلل‪ .‬لذا‪ ،‬فإن الوقت الذي تقوم فيه أكثر من ‪ 250‬ساعة ذّرية حول العالم‬ ‫باحتباسه‪ُ ،‬يضطر من حين إلى آخر إلى انتظار إتمام الرض دورانها حول نفسها‪.‬‬ ‫ود‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ق‬ ‫تع‬ ‫النات‬ ‫أكثر‬ ‫الرض‬ ‫تبقى‬ ‫على الرغم ذلك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ت فيها أشهرا هباًء في‬ ‫ضبط الوقت بدقيقة مضافة يعود لسنة ‪ ،1996‬السنة التي أضع ُ‬ ‫الشغال المنزلية‪ ،‬في انتظار أن تبعث لي السماء بشغالة تحول دون دوراني حول نفسي‬ ‫وسط طناجر المطبخ‪.‬ألم يق ْ‬ ‫مالت‬ ‫الملوك"؟‬ ‫في فرنسا‪ ،‬حيث الوقت سلطان‪ ،‬راح أحد العلماء يشرح على التلفزيون لـ"العلوج"‬ ‫ُ‬ ‫ن الرض تلهث وراء توقيت‬ ‫ميين من أمثالي في شؤون الفيزياء وتدّبر الوقت‪ ،‬أ ّ‬ ‫وال ّ‬ ‫الساعات الذّرية‪ ..‬‬ ‫د‪ ،‬وُيطارد‬ ‫ثانية واحدة؟ كدت أضحك‪ .‬‬ ‫ل لويس الرابع عشر‪" :‬الحفاظ على الوقت من ك ََ‬ ‫كان ملكا ً على طريقته‪ .‫مَناَزَلة مع الوليد بن طلل‬ ‫ُ‬ ‫كنت في جنوب فرنسا‪ ،‬عندما أعاد مرصد باريس في ليلة رأس السنة الماضية‪ ،‬التذكير‬ ‫بضبط الوقت في الّول من كانون الثاني‪ ،‬بتأخير الساعات ثانية واحدة‪ ،‬لُيصبح الوقت‬ ‫متوافقا ً مع دوران الرض‪.‬‬ ‫تراه الثالثة فجرًا‪ ،‬يوّقع العقود‪ ،‬ويدير البورصة بتوقيت نيويورك‪ ،‬والناس نيام‪ .‬كرجل‬ ‫مجالسة رفاقه‬ ‫م ينفقها ساعات في مطالعة الصحف و ُ‬ ‫في أواخر عمره‪ ،‬كان يجمعها ث ّ‬ ‫ومشاهدة التلفزيون وكتابة انطباعاته‪ .‬وحده أبي‪ ،‬رحمه الّله‪ ،‬كن سيأخذ المر مأخذ الج ّ‬ ‫خر بضع دقائق‬ ‫ن ساعة يده تتأ ّ‬ ‫أخي لُيراجع الساعاتي أكثر من مّرة‪ ،‬كما فعل ذات مّرة‪ ،‬ل ّ‬ ‫حكم هدر عمره في مراقبة عقارب الساعات‬ ‫في اليوم! الساعاتي الذي يحترف الصبر ب ُ‬ ‫مل مع الدقائق‪ ،‬على الرغم‬ ‫وضبطها‪ ،‬فَ َ‬ ‫قد َ يومها صبره أمام صرامة أبي‪ ،‬ودّقته في التعا ُ‬ ‫من كونه ما كان يفعل في تلك الدقائق شيئا ً ماراثونيًا‪ ،‬ول ُيخّبئها لسباق أولمبي‪ ..‬حتى إنه يحكي كيف انتفض مذعورا ً مّرة‪ ،‬عندما تنّبه إلى أنه غ َ َ‬ ‫قيلولة بجوار ابنته مدة ربع ساعة‪ ،‬ربع ساعة فقط‪ ،‬على الرغم من علمه أنه أثناء نومه‪ ،‬ل‬ ‫ينام ماله ول يغفو‪ ،‬ويواصل‪ ،‬ما شاء الّله‪ ،‬دّر الرباح عليه ك ّ‬ ‫ل دقيقة حسب مؤشرات‬ ‫البورصة ‪.‬‬ ‫تكمل دورتها وع ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫م فيها‬ ‫ت‬ ‫التي‬ ‫الخيرة‬ ‫رة‬ ‫الم‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫حتى‬ ‫قة‪.‬‬ ‫دون الدقائق الفلكّية بالساعات الذرية‪ ،‬والشعراء يقيسونها بمقياس اللهفة‪،‬‬ ‫العلماء يع ّ‬ ‫فلدى العشاق‪ ،‬حسب مالك حداد‪ ،‬الدقيقة والدقيقة ل تساويان دقيقتين‪ ،‬بل قبلتان‪ .‬بل على الوقت" حسب المثل الفرنسي‪،‬‬ ‫ي"‪ :‬حين يتواعد عربيان‪ ،‬يقول الّول‬ ‫ينّبه َ‬ ‫من ل ُيدرك هذا‪ ،‬برواية نكتة "الموعد العرب ّ‬ ‫ً‬ ‫ن لم أستطع الحضور‬ ‫فإ‬ ‫الثانية‪.‬‬ ‫لم أفهم شرحه‪ ،‬لكن مادامت الرض ُأنثى‪ ،‬فعلى الوقت أن يتحّلى بالصبر وينتظرها‪ ،‬ريثما‬ ‫دتها وزينتها لتخرج إليه في ك ّ‬ ‫ل تبّرجها‪.‬‬ ‫حتى‬ ‫انتظرني‬ ‫الواحدة‪.‬‬ ‫الساعة‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫غد‬ ‫"نلتقي‬ ‫للثاني‪:‬‬ ‫ْ‬ ‫على الثالثة‪ ،‬في إمكانك على الرابعة أن تذهب!"‪.‬‬ ‫يومها قّررت أن ُأنازله بما ُأوتيت من ثروة الوقت المهدور‪ ..‬ما كان يذهلني في أبي‪ ،‬هو وعيه بالوقت في ك ّ‬ ‫ل‬ ‫لحظة‪ ،‬وإلقاؤه نظرة على ساعته بين الحين والخر‪ ،‬وكأنه على أهبة الستعداد لموعد‪ ،‬هو‬ ‫الذي كان الميعاد لديه "ل قبل الوقت ول بعده‪ .‬فالرجل يواصل إدارة أعماله مع فريق عمله حتى ساعات الفجر ا ُ‬ ‫لولى‪.‬لم يستوقفني فيه‪ ،‬من نمط حياته غير العادي )أو فوق العادي(‬ ‫سوى طول يومه‪ .

‬‬ ‫حين‬ ‫إليه‬ ‫أرسلتها‬ ‫كنت‬ ‫التي‬ ‫سرير"‪،‬‬ ‫"عابر‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن يرد ّ شخصيا على ك ّ‬ ‫ل كاتب يبعث له بكتاب‪.‬‬ ‫من‬ ‫لكثر‬ ‫تسع‬ ‫ي‬ ‫برنامجها‬ ‫ور‬ ‫أتص‬ ‫ول‬ ‫اغتيالها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ي‪ ،‬لكون ميتشيغن ولية عربّية بامتياز‪ .‬فقد ُ‬ ‫درها لسنوات ع ّ‬ ‫تاتشر تص ّ‬ ‫ساعات‪ ،‬كي تتم ّ‬ ‫كن من إدارة شؤون بريطانيا‪.‬أهذا الكتشاف المرّوع للخسارة‪ ،‬هو الذي كان يعنيه بورخيس حين تساءل‬ ‫بمرارة‪" :‬لو كان النوم هدنة‪ /‬استراحة بسيطة‪ /‬لماذا تشعر حين تستيقظ فجأة‪ /‬بأنه سرق‬ ‫لك ثروة؟‪ /‬لماذا نكره النهوض عند الصباح؟"‪.‫ل منه ك ّ‬ ‫أكثر منه في الدقيقة الواحدة‪ ،‬ففي إمكاني أن أنام أق ّ‬ ‫ل ليلة‪ ،‬وهذا في حد ّ ذاته‬ ‫ت السنة المقبلة في مجلة )‪ ،(Forbes‬قائمة‬ ‫خسارة يصعب عليه تكّبدها‪ ،‬خاصة إذا تص ّ‬ ‫در ُ‬ ‫الذين ناموا أق ّ‬ ‫ل‪ ،‬مقابل قائمة الذين أثروا أكثر‪ ،‬وهي قائمة كان في إمكان مارغريت‬ ‫عرف عنها احتقارها النوم‪ ،‬الذي كان يكفيها منه خمس‬ ‫دة‪ .‬وعندما وَ َ‬ ‫مترجمة أعمالي إلى‬ ‫شت صديقتي و ُ‬ ‫العرب ّ‬ ‫النجليزية‪ ،‬بارعــــة الحمــر‪ ،‬بعيدي‪ ،‬د ُّلـْلــت مساًء بعشاء يليق بالمناسبة• فأعياد الميلد‬ ‫ث ُيقارب التقديس‪.‬‬ ‫كبار المسؤولين أثناء زياراته التف ّ‬ ‫ي قبل سنتين بعد قراءته رواية‬ ‫ت برسالة مو ّ‬ ‫لــذا‪ ،‬سعد ُ‬ ‫دة وإعجاب‪ ،‬كان قد أرسلها إل ّ‬ ‫ً‬ ‫ن من عادة بوتفليقــة‬ ‫أ‬ ‫ا‬ ‫لحق‬ ‫اكتشفت‬ ‫صدورها‪.‬‬ ‫وروا أيّ َفـــ ّ‬ ‫ب لي‪ .‬‬ ‫أ ْ‬ ‫بقي‪ ،‬كيف عرف الرئيس بعيد ميلدي‪ ...‬وقد سمعته مّرة "ُيفّلي" كتابا ً لروائية جزائرية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ي‪ ،‬وإل ّ كنت ُأصبت بسكتة قَل َِ‬ ‫ّ‬ ‫مّية‬ ‫الدب‬ ‫النقد‬ ‫وخسره‬ ‫السياسة‬ ‫ربحته‬ ‫تكون‬ ‫أن‬ ‫له‬ ‫ال‬ ‫ت‬ ‫فحمد‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ي مّرة "غارة أدبّية" ل رحمة فيها‪ ،‬كتلك التي يشنها أحيانا ً مباشرة على‬ ‫عل‬ ‫ن‬ ‫ش‬ ‫لو ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هــوَ‬ ‫قدّية لبعض المنشآت‪.‬‬ ‫ُأمي‪ .‬‬ ‫تحمل توقيع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة‪ .‬سؤال تجاوز في مفاجأته اندهاشي بقراءة الوليد‬ .‬تأ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ف ّ‬ ‫كرت في التفاتاته الراقية دومًا‪ .‬‬ ‫حد َ ٌ‬ ‫في أميركا َ‬ ‫ي‪ .‬فبعد ذلك بيومين‬ ‫السياح‬ ‫أو‬ ‫ي‬ ‫اللغو‬ ‫الرشد‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ذلك‬ ‫بعد‬ ‫بلغت‬ ‫أنني‬ ‫يعني‬ ‫طبعًا‪ ،‬هذا ل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كنت‪ ،‬وأنا عائدة من جامعة "يال" أتوه في مطار نيويورك‪ ،‬وأبدأ عامي الجديد بليلة على‬ ‫كراسي النتظار الميركي!‬ ‫ً‬ ‫هذا العام‪ ،‬كان نيسان أكثر جنونا‪ .‬في ذلك الزمان سألني‪" :‬هل قرأ ِ‬ ‫ت "مئة عام ٍ‬ ‫ت شيئا ً من‬ ‫من العزلة" لـ)ماركيز(؟ أجبته مرتبكة "ل"‪ .‬‬ ‫يا للهدر‪ ،‬أأكون ب ّ‬ ‫ذرت ثروتي في سريري؟ ماذا لو كنت أنام فوق كنز ما‪ ،‬دون علمي‪ ،‬ولن‬ ‫أتنّبه لذلك إل ّ صباح استيقاظي الخير؟ وقد جاء في المأثور النبوي‪" :‬الناس نيام فإذا ماتوا‬ ‫انتبهوا"‪ .‬و وُرود الرئيس‬ ‫ت من ضلع‬ ‫مذ ولد ُ‬ ‫كعادتــه‪ ،‬كان إبريل )نيسان( شهرا ً مجنونًا‪ .‬ثم ندمت‪ ،‬شعرت بأنني فقد ُ‬ ‫إعجابه بي ككاتبة‪ .‬ول جلساء له سوى‬ ‫عزلته كان زاهدا ً ل يتر ّ‬ ‫ُ‬ ‫أمهات الكتب‪ ،‬والعمال البداعّية الكبرى‪ .‬عادة‪ ،‬لعياد ميلدي مشروعات أجمل‪ ،‬أخشى على الضوء من‬ ‫خ نُ ِ‬ ‫ص َ‬ ‫تص ّ‬ ‫مزدحما ً بالحضور‬ ‫عيدي‬ ‫كان‬ ‫يومها‪،‬‬ ‫شخصين‪.‬فقد كان )غارسيا ماركيز( صديقه منذ السبعينات‬ ‫بوتفليقة من الرؤساء العرب القليلين المثقفين ثقافة عالية مزدوجة‪ ،‬لم يبلغها بعض‬ ‫محترفي الثقافة وممتهنيها أنفسهم‪ .‬‬ ‫ما كان نيسان ُيمازحني‪ ،‬فقد كان في سّلة أيامه التالية هدايا ما توّقعتها‪ ،‬أجملها حتما ً سّلة‬ ‫الورود التي وصلتني من الجزائر صباح عيد ميلدي‪ ،‬مرفوقة بهدّية رئاسية‪ ،‬مع بطاقة تهنئة‬ ‫ملت خ ّ‬ ‫طه الواثق النيق في إيجازه البليغ دومًا‪.‬‬ ‫ن السنة الماضية‪ ،‬فاجأني عيد ميلدي وأنا في "جامعة ميتشيغن"‪،‬‬ ‫أذكر أ ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫مقارنة بالوليات‬ ‫حا ِ‬ ‫ضـر عن "التح ّ‬ ‫أ َ‬ ‫ي‪ُ ،‬‬ ‫ديات التي ُتواجه الكاتب في العالم العرب ّ‬ ‫المتحدة")!(‪.‬أثناء سنوات‬ ‫دد سوى على المكتبات‪ ،‬ل عنوان له سواها‪ .‬ربما لنني ابنته الشرعية‪ُ ،‬‬ ‫أكاذيبه ذات ‪ 13‬نيسان‪.‬بدأ في يومه الّول بـ"فاكس" من الوليد بن طــــلل‪.‬فمنذ الزل هو صديق الكتب والكّتاب‪ .

‬عاجزون عن امتلك الرقم الحقيقي للجثث التي تفرش مدن‬ ‫مجّردة و"نتفركش" بها في ك ّ‬ ‫ل شارع ومدينة‪.‬‬ ‫العراق‪ ،‬على الرغم من كوننا نراها بالعين ال ْ ُ‬ ‫ل نعرف عدد َأسَرانا‪ ،‬ول عدد جياعنا‪ ،‬ول عدد العاطلين عن العمل‪ ،‬ول حتى عدد الجنود‬ ‫جوُلون فوقها‪.‬‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫درس‬ ‫إلى‬ ‫بل‬ ‫ساب‪،‬‬ ‫كرامة موتانا الذين ل رقم لهم‪ ،‬ل تحتاج إلى درس في ال ِ‬ ‫َ‬ ‫ح َ‬ ‫ولوا أوطاننا إلى مزارع‬ ‫سبة‪ .‬‬ ‫صوُلون وي َ ُ‬ ‫الميركيين‪ ،‬الذين دخلوا أرضنا على ظهور البوارج الحربية وي َ ُ‬ ‫حَياء‪...‬وتلك ق ّ‬ ‫ي الضائع‬ ‫م َ‬ ‫َ‬ ‫هاَنة الرقم العرب ّ‬ ‫ت أكتب ساخرة من مرصد باريس‪ ،‬الذي طالب في نهاية السنة الماضية‪ ،‬بضبط‬ ‫ما كد ُ‬ ‫الوقت بتأخير الساعات ثانية واحدة‪ ،‬ليصبح الوقت متوافقا ً مع دوران الرض‪ ،‬حتى قرأت‬ ‫صلوا إلى كون الزلزال الخير‪ ،‬الذي ضرب آسيا‪ ،‬تسّبب في إسراع‬ ‫أ ّ‬ ‫ن علماء أميركيين‪ ،‬تو ّ‬ ‫دوران الرض بمقدار ثلثة مايكروثانية‪ ،‬أي بالتحديد ما ُيعادل واحدا ً على مليون من الثانية‪،‬‬ ‫بسبب ميل الرض بمقدار بوصة‪ 2.‬‬ ‫ي الضائع دوما‪ ،‬هو الذي يصنع َ‬ ‫ذلك الرقم العرب ّ‬ ‫ما العيد إل ّ انتظار العيد‬ ‫هج بيـــروت الصيفّيـة‪.‬يحضرها لها أخي من مكتبه طلبا ً لرضاها‪ ،‬وتقوم هي بتوزيعها على الجيران‬ ‫ضى عنهم‪.5 ،‬سنتيمتر‪ ،‬عن محورها )!(‪.‬ففقد الولد صوته على الهاتف للحظات‪ ،‬ثم صاح بالنجليزية "واو‪.‬‬ ‫ي‪ ،‬ونحن سباتنا الزل ّ‬ ‫الشتو ّ‬ ‫إنهم يحسبون الزمن غير المرئي بالمايكروثانية‪ ،‬وحركة الرض على ُبعد سنوات ضوئية‬ ‫ن عاجزون حتى عن معرفة عدد قتلنا‪ ،‬وعدد مفقودينا في‬ ‫بمقياس السنتيمتر‪ ،‬ونح ُ‬ ‫الكوارث الجوّية أو البحرّية‪ ..‬‬ ‫ً‬ ‫من‬ ‫بها‬ ‫ا‬ ‫علم‬ ‫ليأخذ‬ ‫هذه‪،‬‬ ‫علماء وكالة الفضاء الميركية )ناسا(‪ ،‬نشروا حساباتهم الدقيقة‬ ‫َ‬ ‫نس ّ‬ ‫ن طول اليوم قد قصر بمقدار جزء من الثانية‪.‬ولنها من أتباع بوتفليقة و ُ‬ ‫اليديولوجيات‪ ،‬ول في الميزانيات‪ ،‬ول في الرقام التي يختلف حولها القتصاديون‪ ،‬بل‬ ‫ُ‬ ‫مي سّلة الورد هدّية‬ ‫يفهم لغة القلب ولغة الكبرياء التي خاطبه بها بوتفليقة‪ ،‬اعتبرت أ ّ‬ ‫ي له في البيت‪ .‬فإ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ن‪ ،‬كما دون قصد‪ ،‬بخبر‬ ‫أمي فجأة عافيتها‪ ،‬ولسانها‪ ،‬وهاتفت صديقاتها ال ُ‬ ‫مقّربات لُتخبره ّ‬ ‫متابعيه‪ ،‬كأغلبية الشعب الجزائري‪ ،‬الذي ل يفهم في‬ ‫الورود‪ .‬‬ ‫يعنيهم ِ‬ ‫كان الكرة الرضية معرفة أ ّ‬ ‫م ْ‬ ‫سبات• هم سباتهم‬ ‫في‬ ‫كلنا‬ ‫بالخبر‪،‬‬ ‫معنيين‬ ‫غير‬ ‫الشمالي‬ ‫القطب‬ ‫ودببة‬ ‫نحن‬ ‫وطبعًا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ي‪.‫ن كنت اختبرت وْقــعَ اسم رابع أغنى رجل في العالم على ابني‬ ‫بن طـــلل‪ ،‬مقالــي‪ .‬وإ ْ‬ ‫المصرفي في لندن‪ .‬والقّبعات وال ّ‬ ‫شعارات التي ُتعّلق في عروة‬ ‫الجاكيت‪ُ ..‬من ح ّ‬ ‫م َ‬ ‫حا َ‬ ‫س في ال ْ ُ‬ ‫ما ال ْ ُ‬ ‫أ ّ‬ ‫مواط ََنة فهي در ٌ‬ ‫قنا أن نسأل الذين ح ّ‬ ‫ب ثرواتنا‪ ،‬وفي أيّ حساب؟‬ ‫تص‬ ‫جيوب‬ ‫ي‬ ‫أ‬ ‫في‬ ‫للمافيات‪،‬‬ ‫مراتع‬ ‫ّ‬ ‫و َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫مَهان َت ََنا بين المم‪.‬‬ ‫للمناسبة‪ .‬ــي" أنا‪ .‬فقد كانت الموّزع‬ ‫شخصّية لها‪ ،‬وامتنانا ً من الرئيس لدعمها النتخاب ّ‬ ‫الحصري للقمصان التي عليها صوره‪ .‬‬ ‫والحفاد عندما َتر َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫موّزع الحصري للورود‪ ،‬بعد أن فاض بيتنا بباقات من مدير‬ ‫مـي ال ُ‬ ‫هذه المّرة‪ ،‬أصبحت أ ّ‬ ‫التلفزيون‪ ،‬ومدير الديوان الوطني للثقافة والفنون‪ ،‬ووزيرة الثقافة‪ ،‬ورئيس "الجزائر‬ ‫حجز‬ ‫عاصمة عربية للثقافة"‪ ،‬ولم يبقَ لدينا "مزهرية" ول "طنجرة"‪ ،‬ول حتى "د َْلــو"‪ ،‬إل ّ و ُ‬ ‫صة ُأخرى‪.‬أ ّ‬ ‫ما ورود الرئيس فكان لها قدر آخر‪ .‬فقد استعادت‬ ‫مام"‪ .‬‬ ‫ن سّلة ورد الرئيس كان لها مفعول عكسي على "مامـ‪.‬‬ ‫مَبا ِ‬ ‫لم يتطابق فرحي يوما ً مع َ‬ .

.‬‬ ‫مسب َ َ‬ ‫صفقات ُ‬ ‫م تقاسم وليمتها ُ‬ ‫خرافية‪ ،‬ت ّ‬ ‫ي أميركي قال ما قلته‪ ،‬على غ ََبائي السياسي‪ ،‬منذ سقوط‬ ‫حمدا ً لّله الذي أدركني بصحافـ ّ‬ ‫بغداد‪ ،‬ولم يسمع لي أحد‪.‬لكن ليس الخروج من الح ّ‬ ‫ووحل وخراب‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مال ما نرتديه وما نخلعه مّرة واحدة لكائن واحد‪ .‬هي تختلق مناسبات لترتدي ك ّ‬ ‫ل ما تملك‪ ،‬قصد إبهار الجميع‪ ،‬والتحّرش بعدسات‬ ‫التصوير‪ ،‬وشغل ما استطاعت من صفحات الخبار الجتماعّية‪ ،‬وأقضي أنا وقتي هربا ً من‬ ‫الضوء‪ ،‬خوفا ً على أجنحتي من الحتراق‪ ،‬مشغولة بإخفاء ما في حوزتي لرتدائه في‬ ‫مناسبة واحدة‪ .‬هي أنثى َ‬ ‫ض ِ‬ ‫شــاوف‪ ،‬وأحتاج أن ل أرى‪ .‬تحتاج‬ .‬هو نفسه دائما‪ ..‬حرب الحضارات" التي جاءت تخوضها أميركا على شعب هو أكثر‬ ‫دم حضارة منها‪ ،‬هي في حقيقتها حرب شركات كبرى وحيتان قرش تحّلقت‬ ‫عراقة وأق َ‬ ‫صاَنة‪ ،‬قاموا بح ّ‬ ‫ل جيشه‬ ‫مَناعة ول َ‬ ‫حول ال ّ‬ ‫دم العراقي للنقضاض على وطن من دون َ‬ ‫ح َ‬ ‫ّ‬ ‫سّلـم فريسة سهلة‬ ‫و‬ ‫وأطبائه‪،‬‬ ‫وأساتذته‬ ‫علمائه‬ ‫واغتيال‬ ‫ظفيه‬ ‫مو‬ ‫وتخوين‬ ‫باطه‬ ‫ض‬ ‫وصرف‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫قت َلة‪..‬‬ ‫النتظار هو ِ‬ ‫ّ‬ ‫سًا"‪..‬نح ُ‬ ‫َ‬ ‫ت بيروت بقول إبراهيم الكوني‪ .‬لرجل واحد‪..‬كما في المّرة‬ ‫يا ل َ‬ ‫ج َ‬ ‫ا ُ‬ ‫لولى‪ ،‬كما في المّرة المقبلة‪ ،‬كما في آخر مّرة من الُعمر‪.‬‬ ‫أح ّ‬ ‫ب حميمّية ال ّ‬ ‫سعادة• وتعشقُ بيروت إشهار مزاجها الخارق ال ْ ُ‬ ‫ل تدري بيروت ماذا تفعل بخزانة ثيابها‪ ،‬بعد أن أفرغت جيوبها لتملهـا‪ ..‬‬ ‫مربح"‪ُ ،‬يورد باتراب شاترجي‪،‬‬ ‫في كتابه الذي صدر بالفرنسية‪ ،‬بعنوان "العراق‪ ،‬احتلل ُ‬ ‫عب التي اّتبعتها أميركا مع‬ ‫والتل‬ ‫أدّلة ووثائق على استراتيجية السطو وسياسة النهب‬ ‫ُ‬ ‫الكويت قبل العراق‪ .‬هــــذا؟‬ ‫س ِ‬ ‫أ َ‬ ‫مع َ ْ‬ ‫السطو‬ ‫مشّرفة تدخل بها العراق‪ُ ،‬تتيح لها‬ ‫أميركــا‪ ،‬التي اجتهدت طويل ً في البحث عن ذريعة " ُ‬ ‫نهبه بمباركة دولية‪ ،‬تبحث الن عن ذريعة لئقة ُأخرى للخروج منه‪ ،‬بهزيمة أق ّ‬ ‫ل تكلفة‪ ،‬في‬ ‫مام دم‬ ‫مام سهل ً كدخوله‪ ،‬خاصة إذا كان ح ّ‬ ‫أقرب وقت ممكن‪ .‬‬ ‫إلى العصابات والمتطرفين وال َ‬ ‫وتهم بين ف ّ‬ ‫كي الموت‪ ،‬كانت‬ ‫ق‬ ‫عن‬ ‫والبحث‬ ‫موتاهم‪،‬‬ ‫أفواج‬ ‫دفن‬ ‫أثناء انشغال العراقيين في‬ ‫ّ‬ ‫أفواج من قُ ّ‬ ‫مر منشآت العراق‪ ،‬ليتسّنى لها في ما بعد بناؤها في‬ ‫طاع طرق التاريخ‪ُ ،‬تد ّ‬ ‫قا ً بين ملئكة البيت البيض‪.‬تحتاج إلى‬ ‫ُ‬ ‫الت ّ َ‬ ‫جَرة‪ ،‬وأنا‬ ‫مة اللف يكمن الفرق بيننا‪ .‬‬ ‫في‬ ‫ن‬ ‫الناس‬ ‫يراه‬ ‫ما‬ ‫نخفي‬ ‫كيف‬ ‫لم‬ ‫نتع‬ ‫لم‬ ‫ما‬ ‫خطر‪،‬‬ ‫في‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫َ ِ َ‬ ‫ثـ ّ‬ ‫م "‪.‬‬ ‫بين موعدين‪ ،‬في إمكان ثيابنا أن تنتظر في خزائن الّلهفة• هي على عيد‪ ،‬فل ُتشفقوا‬ ‫عليها‪.‬هدف التدمير آنذاك‪ ،‬تأمين عقود الشركات الميركية‬ ‫لعادة بناء هذه المنشآت واستخدام خبراء ومهندسين أميركيين في هذه العملية‪ .‬‬ ‫أّيها الع ّ‬ ‫فوا فرحتكم‪ ،‬تسّتروا على أعيادكم السرّية‪ ،‬دّللوا ثيابكم الجميلة بالنتظار‪،‬‬ ‫شاق‪ ،‬أخ ُ‬ ‫ُ‬ ‫حرَفة الِعشق الولـى‪.‫ُ‬ ‫متطّرف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ما العيد‪ .‬إل انتظار العيد‪.‬فقد أظهرت التقارير الصحافّية التي صدرت بعد طرد الجيش‬ ‫م في أغلبيته‬ ‫العراقي من الكويت عام ‪ ،1991‬أن تدمير المنشآت النفطّية وإشعال البار‪ ،‬ت ّ‬ ‫الساحقة على يــد الجيش الميركي‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ما هو عليه‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫أمان‬ ‫أكثر‬ ‫كان‬ ‫بوطن‪،‬‬ ‫أميركا‬ ‫قت‬ ‫َ‬ ‫ح‬ ‫أل‬ ‫الشامل‪،‬‬ ‫دمار‬ ‫ال‬ ‫أسلحة‬ ‫أثناء بحثها عن‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الن‪ ،‬ك ّ‬ ‫دمار الممكن‪.‬وفي ض ّ‬ ‫عاشقة‪ .‬‬ ‫ل أنواع ال ّ‬ ‫من استبشروا‪ ،‬ربما خيرا ً بقدومها‪ ،‬ذهب دمهم هدرا ً من أجل ل شيء‪ ،‬أو‬ ‫م‬ ‫قتيل‬ ‫مئة ألف‬ ‫ّ‬ ‫با َ‬ ‫لحرى بسبب وجودهم لمصادفة جغرافية وزمنّية‪ ،‬لحظة حدوث أكبر عملّية سطو تاريخّية‬ ‫حكم‬ ‫قام بها بلد في حق بلد آخر‪ ،‬بدعوى حمايته وتمدينه وتأهيله لديمقراطية الدبابات و ُ‬ ‫القبائل والطوائف‪" .

‬أمثلة عن النهب وال ْ َ‬ ‫ك‪ُ ،‬تشعر َ‬ ‫ك صواب َ‬ ‫ُتفقد َ‬ ‫مك من شرايينك‪ ،‬وأن‬ ‫ك بفداحة نزف تلك الموال أّنهم سرقوا د ّ‬ ‫شيئا ً منك مات بموت أحلمك القومّية‪..‬تنبع حاجة أميركا إلى الحرب من ضرورة استهلك الترسانة‬ ‫العسكرية الميركية‪ ،‬وتأمين العمل لمصانع السلحة الميركية‪ ،‬وُتفيد في نهب ثروات‬ ‫جه اللة الميركية لها‪....‬‬ ‫ن على ك ّ‬ ‫ل شيىء زكاة‪ ،‬وزكاة القلب‬ ‫ددا ً قول أسلفه‪ ،‬أؤمن "بأ ّ‬ ‫ومثل الفضل بن عّياض مر ّ‬ ‫الحزن"‪.‬في حضرة الرهبان‬ ‫" مقالة قديمة للسيدة احلم مستغانمي"‬ ‫مثل محمود درويش‪،‬أعتقد أننا "لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا"‪.‬بالمنطق نفسه‪ ،‬يت ّ‬ ‫داتها‪.‫الوليات المتحدة ك ّ‬ ‫ل عقد من الزمن إلى انخراط في حروب خارجية وفق ما تشير إليه‬ ‫أبحاث أميركية وأوروبّية‪ .‬في الحراسة المنية‬ ‫أيضًا‪ُ ،‬يكّلف العراقي الشركات أقل من تكاليف كلب حراسة مقارنة بما يتقاضاه الحّراس‬ ‫الميركيون‪ ،‬على الرغم من أنه ُيجازف بحياته كل لحظة‪ ،‬وُيقَتل غالبا ً نيابة عنهم‪ ،‬مع العلم‬ ‫نك ّ‬ ‫خذ من الموازنة العراقّية‪ ،‬ومن موارد‬ ‫منفقة في كل المجالت‪ُ ،‬تؤ َ‬ ‫أ ّ‬ ‫ل هذه الموال ال ْ ُ‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫الموجودة‪ ،‬إن كانت ذات مصدر فرنسي وألماني وروسي وإتلف مع ّ‬ ‫جبا ً أن تقوم علقة وثيقة بين أصحاب النفوذ في الدارة الميركية ومسؤولي‬ ‫ليس ع َ َ‬ ‫الشركات‪ .‬‬ ‫ها ُ‬ ‫مال من الوليات المتحدة‪ ،‬فتدفع للمهندس الميركي‬ ‫كم مثال صغير‪ :‬تأتي الشركة بع ّ‬ ‫راتبا ً يصل إلى ‪ 8000‬دولر‪ ،‬بينما تدفع للمهندس العراقي ‪ 100‬دولر‪ .‬‬ ‫عل ّ‬ .‬إنها شرعّية الق ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫وموارد الدولة التي تتو ّ‬ ‫ً‬ ‫دامغة‬ ‫ال‬ ‫بالحجج‬ ‫الكتاب‬ ‫يظهر‬ ‫و‬ ‫مة‪،‬‬ ‫المه‬ ‫هذه‬ ‫لمثل‬ ‫ا‬ ‫مثالي‬ ‫الوضع‬ ‫كان‬ ‫بالنسبة إلى العراق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ن عمليات النهب لم توّفر قطاعا من القطاعات‪،‬‬ ‫التي ل تقرأ عربيًا‪ ،‬إل بأعين دامعة‪ ،‬كيف أ ّ‬ ‫بدءا ً من النفط والكهرباء وصول ً إلى إعادة العمار والصيانة‪.‬فمتعّهدو "حفلت الحروب" هم أنفسهم مقاولو السياسة وكبار موظفي البيت‬ ‫ك من طور َ‬ ‫مَهاَنة‪ُ ،‬يمكنها ملء صفحات هذه المجلة‪ُ ،‬تخرج َ‬ ‫ك‪،‬‬ ‫البيض‪ .‬‬ ‫وكنت قد قرأت يوما ً لحدهم‪" :‬إذا التقيت إنسانا ً حزينا ً فسّلم لي عليه"‪ ،‬وحاولت أل ّ‬ ‫ل غريب أصادفه‪ ،‬وك ّ‬ ‫أتذكره هذه اليام‪ ،‬حتى ل أقضي وقتي في السلم على ك ّ‬ ‫ل وجه يطل‬ ‫ي في تقرير إخباري او برنامج متخصص في الجدل السياسي‪.‬‬ ‫الغنيمة وال ّ‬ ‫سب ْ‬ ‫تقوم الشركات الميركية‪ ،‬باحتكار العقود بعد أن قررت الحكومة الميركية حجبها عن‬ ‫م التخّلي عن المنشآت‬ ‫الشركات التي وقفت ُ‬ ‫دولها ضد ّ الحرب‪ .‬أو حياء‪ .‬‬ ‫ما باختلس‬ ‫صلة عن أسماء شركات ت َ َ‬ ‫ُيق ّ‬ ‫قا َ‬ ‫مت كعكة العراق‪ ،‬إ ّ‬ ‫س َ‬ ‫دم الكتاب قائمة طويلة ُ‬ ‫مف ّ‬ ‫من المنبع عبر سرقة مليارات الدولرات بطريقة مباشرة من الخزائن الحكومّية‪ ،‬أو عن‬ ‫مكّلفة بإصلح شبكات المياه والمجارير ونظام المدارس التي‬ ‫طريقة إحدى الشركات ال ْ ُ‬ ‫قامت إحداها بإصلحات ل تتطّلب أكثر من ألف دولر‪ ،‬وجرى دفع أكثر من ‪ 120‬ألف دولر‬ ‫لنجازها!‬ ‫أفهمتهم لماذا ليزال أمام العراقيين أعوام ُأخرى من العيش في مستنقعات الديمقراطية‬ ‫الميركية؟‬ ‫ثرثرة نسوان‪ .‬‬ ‫ولكن وقد بلغت من اليأس عتي ًّا‪ ،‬ودفعت زكاة قلبي قبل حلول عيد الفطر يوميًا‪ ،‬أمام‬ ‫نشرات الخبار‪ ،‬فلم يبقَ لي والله‪ ،‬لمواجهة زمن عجيب كهذا‪ ،‬إل ّ الصمت أو النتحار‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫محّرر( في‬ ‫وة‪ ،‬وحقّ الغازي )أعني ال ُ‬ ‫المر يكاد ليحتاج إلى حيلة‪ .

‬وأنصحكم بالقتداء بي‪ ،‬متأملين هذا‬ ‫القول العميق لميخائيل نعيمة‪" :‬لو كان لي السلطان المطلق على الرض‪ ،‬لمرت بيوم‬ ‫واحد على القل من ك ّ‬ ‫ن هناك‬ ‫ل سنة‪ُ ،‬تكّرسه كل شعوب الرض للسكوت والتأمل‪ ،‬لك ّ‬ ‫أمما ً محنتها الثرثرة‪ ،‬فهذه ُأحّتم عليها الصمت شهرا ً كامل ً في السنة"‪.‬وأنا منذ الن ُأفكر في ما ستقوله أمي عني‪ ،‬أكثر مما سيقوله الرهبان لي‪ ،‬إن‬ ‫جة جزائرية بصحبة ابنتيها إلى صومعة صمتهم!‬ ‫أنطقتهم صاعقة وصول حا ّ‬ ‫وهو ما يذكرني بقول الصحافية المراسلة إيفون ردلي‪ ،‬حين اعتقلها عناصر من حركة‬ ‫طالبان‪ ،‬إذ صّرحت مرعوبة "أنا أكثر خوفا ً مما ستقوله والدتي لي‪ .‫ولذا قررت النقطاع عن مشاهدة التلفزيون‪ ،‬وذهبت حتى العزوف عن مجالسة الناس‪،‬‬ ‫واستبدال ضوضاء العالم بشهر من الصمت التام‪ .‬‬ ‫أما فكرة القامة مع أختي هناك‪ ،‬فقد راودتني‪ ،‬عندما قرأت أن أحد هؤلء الرهبان شعر‬ ‫بدنوّ أجله‪ ،‬فاستدعى قسيسًا‪ ،‬ولما جاءه القسيس‪ ،‬إذا به شقيقه‪ ،‬ولم يكن الشقيقان‬ ‫يعرفان‪ ،‬لنشغالهما بالعبادة‪ ،‬أنهما يعيشان معا ً في تلك الصومعة منذ سنوات عدة!‬ ‫المشكلة أنني إن اصطحبت أختي إلى هناك‪ ،‬ل أدري كم يلزمها من الوقت قبل العثور‬ ‫على هاتف والتصال بأمي‪ ،‬التي ستلحق بنا حتما ً إلى الصومعة‪ ،‬وتحولها إلى برج للرسال‬ ‫يضارب على الـ ‪ .‬‬ ‫مة‬ ‫ئ‬ ‫دا‬ ‫المدينة‬ ‫ويقصد‬ ‫إشاعتها‪،‬‬ ‫أو‬ ‫الصحافة‪،‬‬ ‫هموم‬ ‫عليه‬ ‫تبدو‬ ‫من‬ ‫المسافرين‪،‬‬ ‫كان ضمن‬ ‫ِ َ‬ ‫َ‬ .‬‬ ‫عمم هذا القول على الفضائيات العربية‪ ،‬عساها تجد فيه حكمة ما‪.‬‬ ‫ي صيامي عن الكلم‪ ،‬هو وجود أختي )صوفيا( في لبنان‪،‬‬ ‫يبقى أ ّ‬ ‫ن المر الذي أفسد عل ّ‬ ‫وحاجتي‪ ،‬كما حاجتها اليومية‪ ،‬إلى ان نلتقي أو نتهاتف مطوّ ً‬ ‫ل‪ ،‬لكونها أختي الوحيدة؟‬ ‫ل يم ّ‬ ‫وبالنسبة إلى هذا الموضوع‪ ،‬فقد عثرت له على ح ّ‬ ‫كنني من العيش معها في المكان‬ ‫نفسه‪ ،‬دون أن نلتقي أو نتبادل الكلم‪ ،‬بعد ان قرأت مقال ً طريفا ً عن "الرهبان الصامتين"‬ ‫في إيرلندا‪...‬‬ ‫رشيقات الدرجة الثانية‬ ‫مصادفة إلى " َ‬ ‫ن"‪ ،‬قادمة من بيروت‪ ،‬بتوقيت مهرجانها‬ ‫كا ْ‬ ‫في طريقي إلى الجزائر‪ ،‬وصلت ُ‬ ‫السينمائي الشهير‪.‬‬ ‫وقد فكرت في أن أقترح على بعض الفضائيات اللبنانية إرسال بعض مذيعاتها إلى هناك‬ ‫في مهمة "تغطية"‬ ‫سى أن ينجح البرد في تجميد ألسنتهن بعض الوقت‪ ،‬بعد أن زاد طقس الخليج الحار في‬ ‫تمديدها كّلما زرنه في مناسبة ما ‪ . .‬للتغطية‪.‬مما قد يفعله رجال‬ ‫طالبان بي"‪.‬‬ ‫وهم رهبان اشتهروا بعيشهم في صومعة "ملراي" في جبال إيرلندا‪ ،‬منقطعين عن العالم‬ ‫وعن شؤون الدنيا‪ ،‬ل ينبسون ببنت شفة‪ ،‬ول يتفاهمون بغير الشارة‪ ،‬وقد مّرت على‬ ‫بعضهم أكثر من ثلثين أو أربعين سنة لم يغادروا فيها صومعة ضمتهم ول دروا بما طرأ‬ ‫ن طبيبا ً ذهب لزيارتهم‪ ،‬وإذا‬ ‫على الدنيا من تغيرات‪ ،‬ومما ُيحكى عنهم من قصص عجيبة‪ ،‬أ ّ‬ ‫به يفقد الرغبة في الكلم ويعيش بينهم بقية عمره خاشعا ً صامتًا‪.CNN‬وقد تبدأ بثها بتعييري على هيئتي والديكور البائس لغرفتي وما آلت‬ ‫إليه آخرتي‪ .‬‬ ‫وتمنيت لو ُ‬ ‫وكنت أبحث عن طريقة‪ُ ،‬أجبر بها بعض المذيعات على السكوت‪ ،‬خاصة اللئي تتضاعف‬ ‫قدرتهن على الثرثرة في البرامج الرمضانية‪ ،‬وتطول ألسنتهن )تزداد أفواههن كبرًا‪ ،‬حلقة‬ ‫بعد أخرى( عندما قرأت عن وجود قرية في روسيا تدعى "نوكمولند" دخلت كتاب‬ ‫"غينيس" للرقام القياسية باعتبارها صاحبة أدنى درجة للحرارة على وجه المعمورة‪ ،‬إذ‬ ‫كثيرا ً ما تصل حرارتها إلى ‪ 70‬درجة تحت الصفر‪ ،‬وهو أمر ل يمنع أهاليها من مزاولة‬ ‫وه بالكلم طيلة‬ ‫أعمالهم اليومية‪ ،‬شرط اخذ بعض الحتياطات التي من أحدها عدم التف ّ‬ ‫الوقت حتى ل تتجمد ألسنتهم‪.

‬قلت يومها‬ ‫مشاركتي في انتخاب ملكة َ‬ ‫ج َ‬ ‫كر ُ‬ ‫ّ‬ ‫جب في بازار‬ ‫جُبه العَ َ‬ ‫لزميلي في لجنة التحكيم جبران التويني‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬الذي ما كان ُيع ِ‬ ‫ف من‬ ‫صَباَيا من دون ماكياج‪ ،‬وبما َ‬ ‫خــ ّ‬ ‫ال َ‬ ‫مال‪ ،‬إنني بعدما شاهد ُ‬ ‫ج َ‬ ‫ت في "الكواليس" ال َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الثياب‪ ،‬يركضن في ك ّ‬ ‫مال‪ ،‬وقررت‬ ‫حلت ُ‬ ‫عقدتي تجاه ال َ‬ ‫ل الّتجاهات استعدادا للمسابقة‪ُ ،‬‬ ‫ج َ‬ ‫ن‪ ،‬بمن في‬ ‫معظمه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫خاصة‬ ‫التحكيم‪،‬‬ ‫لجنة‬ ‫مع‬ ‫ل‬ ‫المشاركات‪،‬‬ ‫مع‬ ‫أن أعود السنة المقبلة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن‪ ،‬على صغر سّنهن‪ ،‬أجرين عمليات تجميل وتقويم‪.‬‬ ‫"الكريزي‬ ‫ملهى‬ ‫في‬ ‫عرض‬ ‫لتقديم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذاهبات للتوّ‬ ‫ُ‬ ‫ن عاريات قبل حتى أن يصلن‪.‬أخذ قسيمتي وذهب بها إلى غرفة الطّيار‪ ،‬ث ّ‬ ‫مبتهجا ً بعد أن أخذ الذن بمنحي مقعدا ً في الدرجة ا ُ‬ ‫ن كنت أريد الجلوس‬ ‫لولى‪ .‬‬ ‫فيضان الموت العربي‬ ..‬سألني إ ْ‬ ‫إلى جوار النافذة أم على الطرف‪ ،‬برفقة رجل أم امرأة )للد ّْرد َ َ‬ ‫شة‪ .‬‬ ‫زمن ل دين لنصف البشرية إل ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫ف ّ‬ ‫كرت أيضا ً في الجهة التي دعتني إلى الجزائر بمناسبة اليوم العالمي للبيئة‪ ،‬للقاء كلمة‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫دته المم المتحدة للمناسبة‪ ،‬أصّرت أن تكون تذكرتي على الدرجة الولى‪،‬‬ ‫في كتاب أع ّ‬ ‫ْ‬ ‫حح رقم‬ ‫ص‬ ‫القدر‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫غير‬ ‫القتصادية‪.‬حاولت أن ُأخ ّ‬ ‫فف من وَْقع َ‬ ‫م َ‬ ‫ن يتق ّ‬ ‫ج َ‬ ‫دمن ُ‬ ‫ماله ّ‬ ‫طات بمرافقيه ّ‬ ‫الطائرة وهـ ّ‬ ‫بتذ ّ‬ ‫مال لبنــان على أيام جويــل ُبحلـق‪ ..‬صواريخ تمشي على اثني عشر سنتيمترًا‪ ،‬مصبوبات كما في قالب‬ ‫بأردافه ّ‬ ‫ن المربوط إلى العلى على طريقة " َ‬ ‫ن‬ ‫ذنـب الحصان"‪ ،‬كأنه ّ‬ ‫ن السود وشعره ّ‬ ‫واحد‪ ،‬بزّيه ّ‬ ‫ً‬ ‫ن ُيسافرن‬ ‫ك‬ ‫ما‬ ‫ن‬ ‫أنه‬ ‫ا‬ ‫واضح‬ ‫كان‬ ‫هورس"‪.‬أن ُتولد روائيا!"‪ .‬ارتبكت وأنا ُأبادله التحّية‪ ،‬ثم سألته باستحياء من أين يعرفني؟ رد ّ الرجل حرفيا ً‬ ‫مر؟"‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ه إلى المكان الذي يراه لئقا ً به‪.‬‬ ‫ن َ‬ ‫مامات ال ّ‬ ‫عبرن بعد ذلك بين الحين والخر لستعمال ح ّ‬ ‫أنه ّ‬ ‫ن حزنا ً خبيثًا‪.‫مال الشاهق النظر‬ ‫صَباَيا ال َ‬ ‫ج َ‬ ‫التبّرج‪ ،‬بذريعة "التغطية"‪ ،‬بينما سرقت ثلث حسناوات من َ‬ ‫ن شديدة اللتصاق‬ ‫ن التي ُيعادل طول أحدها طول تنورته ّ‬ ‫في طابور النتظار‪ ،‬بكعوبه ّ‬ ‫ن الّنحيفة‪ .‬ولو كان‬ ‫ول إلى ُ‬ ‫أحد الروائيين قال‪" :‬هناك طريقة وحيدة كي ل تتح ّ‬ ‫امرأة لقال‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حش مال الثرّيات‪ .‬‬ ‫م ِ‬ ‫ضيف رقم هاتف زوجته كي أسلم عليها لحقا وأهديها كتبي ُ‬ ‫أخذت من ال ُ‬ ‫ّ‬ ‫ف ّ‬ ‫مال وسطوته‪ ،‬في‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫إشعاع‬ ‫على‬ ‫طي‬ ‫يغ‬ ‫س‬ ‫بريقه‬ ‫ظننت‬ ‫ما‬ ‫الذي‬ ‫الكتابة‪،‬‬ ‫تـاج‬ ‫كرت في‬ ‫ُ‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫سد‪.‬قررت أن أسبقه ّ‬ ‫وهت نفسك!"‪.‬‬ ‫سَناوات‪ ،‬وعلى غير توّقعي اّتجهن نحو الدرجة القتصادية )غير‬ ‫صَباَيا ال َ‬ ‫ح ْ‬ ‫أثناء ذلك مّرت ال َ‬ ‫ُ‬ ‫درجة الولى!(‪.‬أن تكوني‬ ‫مال الخريات‪ .‬‬ ‫فى ال َ‬ ‫خ َ‬ ‫بمجاملة لبنانية "وهل ي ُ ْ‬ ‫ق َ‬ ‫جهني إلى مقعدي‪،‬‬ ‫يو‬ ‫أن‬ ‫وبدل‬ ‫ت‪،‬‬ ‫سك‬ ‫ذهولي‬ ‫من‬ ‫لكنني‬ ‫جزائرية‪،‬‬ ‫كنت سأرد ّ عليه بنكتة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫م خرج بعد دقائق‬ ‫طلب مني النتظار جانبا‪ ..‬‬ ‫ش‬ ‫قد‬ ‫تكون‬ ‫عليه‬ ‫تعثر‬ ‫فعندما‬ ‫مال‪.‬‬ ‫للتغطّية‪ ،‬ول حتى للّتع‬ ‫رية‪ ،‬فقد كـ ّ‬ ‫جاذبية الجمال‪ ،‬جعلتنيِ ُ‬ ‫ن أثناء إجراء معاملت ركوب‬ ‫خلفه‬ ‫ووجدتني‬ ‫بالنظر‪،‬‬ ‫ن‬ ‫أتابعه‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حا َ‬ ‫ن ال َ‬ ‫كاسح‪،‬‬ ‫ن‪ .(.‬شكرته وقلت‪" :‬ل‬ ‫ُ‬ ‫عا مضيفة الدرجة ا ُ‬ ‫لولى لُيعّرفها بي‪" :‬إّنها كاتبة عربّية‬ ‫م دَ َ ُ‬ ‫م‪ ،‬فأنا سأطالع كتابًا"‪ .‬‬ ‫درجة‬ ‫ال‬ ‫على‬ ‫السفر‬ ‫على‬ ‫دة‬ ‫تا‬ ‫مع‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫بحماقتي‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ َ‬ ‫وأصرر ُ‬ ‫مقعدي‪.‬وفُ ْ‬ ‫مة طريقة وحيدة كي ُتواجهي ظلم َ‬ ‫ج َ‬ ‫"ث َ ّ‬ ‫روائّية معروفة"‪..‬‬ ‫ع‬ ‫ف‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫يأتي‬ ‫أن‬ ‫والجمل‬ ‫الدب‪،‬‬ ‫ضع‬ ‫توا‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫جميل‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫َ َْ ُ ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مخِبر‪.‬‬ ‫أجله‬ ‫من‬ ‫ت‬ ‫حزن ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫موّقـَعـة‪.‬‬ ‫ذلك الفائزات‪ ،‬فاجأننا لحقا بكونه ّ‬ ‫صَباَيا ُأعيد الّنظر في نكتتي تلك‪ ،‬التي ما عادت بعد عشر سنوات صالحة لن‬ ‫كنت خلف ال َ‬ ‫ّ‬ ‫س تلك‬ ‫ن بما آلت إليه حالتي‪ .‬فأنا لم أن َ‬ ‫ن حتى ل ُتذكرني رشاقته ّ‬ ‫ُتروى‪ .‬‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫النصيحة‪" :‬ل تبحث عن‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي بحرارة وهو يقرأ اسمي على‬ ‫عند باب الطائرة‪ ،‬فوجئت بكبير المضيفين ُيسلم عل ّ‬ ‫البطاقة‪ .‬ث ّ‬ ‫يه ّ‬ ‫كبيرة‪ ،‬زوجتي تعشق كتاباتها"‪.

‬‬ ‫دعي النتماء إلى العالم الحّر‪ ،‬ل ُتبنى على مهانة إنسان‪ ،‬وانتصار قائم على‬ ‫إن هيبة دولة ت ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫البادة بالقنابل الفوسفورية المحظورة دوليا‪ ،‬مهما كان ساحقا‪ ،‬يظ ّ‬ ‫ل فـي أعراف القيم‪.‬‬ ‫ن‪ .‬إنه يوم الربعاء‪ ..‬‬ ‫لكن الفوج القادم من الموتى في وسعهم النتظار! أهدتهم كونداليزا رايس وقتا ً إضافيا ً‬ ‫لبادة حتمية‪.‬نريد أن نخرج كبارا ً مما‬ ‫قد يكون آخر حرب عربية إسرائيلية‪ .‬‬ ‫فاض الموت بنا‪..‬وأبكي‪..‬لكن‪ ،‬عندما‬ ‫محبطة أنا‪ ،‬مد ّ‬ ‫يساوي أسير إسرائيلي واحد آلف الرواح البشرية‪ ،‬وتتسبب ذريعة احتجازه في وضع‬ ‫فلسطين بأكملها قيد السر والظلمة والتجويع والقصف‪ ،‬ويتسبب أسر جنديين آخرين في‬ ‫منح غطاء حربي لسرائيل لتدمير لبنان عن بكرة أبيه‪ ،‬ليست قيمة إسرائيل التي ترتفع‪،‬‬ ‫إنما قيمة النسانية هي التي ترخص‪.‬ظّلت تنزف تحت النقاض‪ .‬اعتذر لك ُ ّ‬ ‫فتى الحزن المدّلل‬ ‫حين على مشاركتي‬ ‫ت للمّرة الخامسة أو السادسة‪ ،‬معتذرة للذين اتصلوا بي مل ّ‬ ‫بدءًا‪ ،‬أجب ُ‬ .‬فمن مذلة الحمار صنع الحصان مجده‪.‬نحن وأنا كابن المعتز‪ ،‬أكاد أبكي مسبقا ً على الذي سيحل بنا‪:‬‬ ‫"كّلما ف ّ‬ ‫كر بالبين بكى‪ /‬ويحه يبكي لما لم يقع"‬ ‫مرة‪ ،‬ل أدري كم تساوي النفس العربية في بورصة البشر‪ .‫وفي الليلة الرابعة عشرة للرق‪ ،‬قّررت أن ُأقلع عن معاشرة التلفزيون لي ً‬ ‫ل‪ ،‬وأن أنام في‬ ‫غرفة ل أتقاسمها مع مراسلي "الجزيرة"‪ ،‬وتشاطرني الحرب فيها سريري كل ليلة‪.‬يا زهو عروبتنا‪ .‬فعدوك يملك القوة التي تمنحه إياها‪ ،‬ونحن من منح‬ ‫إسرائيل إمكانية الغطرسة والعجرفة‪ ،‬إلى حد اعتبار ثلثة جنود من قواتها‪ ،‬يساوون دولتين‬ ‫عربيتين يحق لها تدميرهما‪ ..‬‬ ‫حيوات انتهت في أكياس من البلستيك‪ ،‬وُأخرى‪ .‬‬ ‫ول جدوى من البكاء‪ ،‬مادام ليس للموتى من عدد‪ ،‬ول رقم للنازحين ول للجرحى‪ ،‬ول‬ ‫دمين الذين يقيمون على قارعة الجغرافيا وضواحي الضمير‪ ،‬ويسقطون متفحمين‬ ‫للمع َ‬ ‫وهم في طريقهم إلى نجاة وهمية‪.‬‬ ‫"ل جدوى من الكتابة" يقول قلبك الذي تساقطت عليه ك ّ‬ ‫ل تلك القنابل وأتلفت أجزاًء فيه‪.‬‬ ‫هزيمة‪ .‬‬ ‫"قانون الطوارئ الصحافي" يفرض عليك الكتابة‪ ..‬لن يأتي‬ ‫لنجدتها‪ .‬إنهن‬ ‫في عمر قلمك‪ ،‬أو اصمتي‪ ،‬والعروبة مازالت تنجب نساًء من سللة جميلة بوحيرد؟"‪.‬ول لدفنها أحد‪.‬أض ّ‬ ‫مكن‪ ...‬‬ ‫ويرد ّ قلمك خجل ً من صبايا في كل جمالهن‪ ،‬مازلن منذ أسبوعين يتحدثن إليك من خ ّ‬ ‫ط‬ ‫النار‪ ،‬من دون أن يفقدن رباطة جأشهن ول فصاحتهن ول حسهن المهني‪" :‬اكتبي‪ ..‬والكرامة هي‬ ‫بعض ما أعطتنا إياه المقاومة‪ ،‬ولكن بدماء ودمار أكبر‪..‬ك ّ‬ ‫ل ما يتمناه العرب هزيمة منتصبة القامة‪ .‬‬ ‫لكأن التي أعظم‪ .‬فهل من يبلغ السيد بوش هذا الكلم‪ ،‬مادام هو الناطق الرسمي باسم النسانية‬ ‫والرحمة؟‬ ‫كم يساوي العربي اليوم في سوق الكرامة النسانية‪ ،‬إن كان عشرة آلف أسير يقبعون‬ ‫في سجون إسرائيل لم يسمع بمأساتهم أحد‪ ،‬وألفا عراقي لقوا حتفهم في الشهرين‬ ‫الماضيين فقط‪ ،‬ولم يأبه بموتهم أحد؟‬ ‫المشكلة‪ ،‬أنه كلما زاد فائض الدم العربي‪ ،‬نقص منسوب الكرامة العربية‪ ..‬المطبعة ل تنتظر‪.‬‬ ‫بواقعية نقول‪ :‬إننا ل ننتظر من المقاومة نصرا ً ساحقا ً على إسرائيل‪ ،‬وهي خامسة قوة‬ ‫عسكرية في العالم‪ .‬‬ ‫أيتها الجميلت الصامدات‪ .‬‬ ‫وفي الليلة الرابعة عشرة للرق‪ ،‬عليك أن تكتبي عن الموت المتلفز‪ ،‬والدم الحار الذي لم‬ ‫يبرد بعد‪.

‬كل مجازفاته كانت مدروسة‪ ،‬وخسائره ظلت‬ ‫محدودة دوما ً بفضل الكتابة‪.‬اللمبالة حالة تحّرش عاطفي‪ ،‬أكثر‬ ‫خبثا ً من أن ُتعلن عن نفسها‪.‬إضافة إلى كوني ل أملك مؤ ّ‬ ‫الصاعق‪ ،‬الذي يتوهج به فتى الحزن المدلل‪ ،‬منذ التقيته أّول مرة في بداية السبعينات في‬ ‫جل أنا عربي" وحتى آخر لقاء لنا منذ سنة في فرانكفورت‪ ،‬دوما ً كنا‬ ‫الجزائر‪ ،‬على أيام "س ّ‬ ‫مق مثير‪،‬‬ ‫من‬ ‫كتاب‬ ‫في‬ ‫سنوات‬ ‫ثلث‬ ‫قبل‬ ‫مكرهين‬ ‫أقمنا‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫عابر"‪،‬‬ ‫"عابرون في زمان‬ ‫ّ‬ ‫مَعنا بين دفتيه مع فقيدة الشعر الفلسطيني فدوى طوقان‪ ،‬تحت عنوان تحريضي‬ ‫َ‬ ‫ج َ‬ ‫تجاري‪ .‬تظاهروا فقط‬ ‫ور ُ‬ ‫وهو يص ّ‬ ‫ً‬ ‫مة شعراء توغلوا فينا‪،‬‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫طبع‬ ‫فقط!"‪.‬ومهددا ً باليابسة‪ ،‬ل يدري‪ ،‬أتكمن فاجعته في الطريق‪ .‬شخصيًا‪ ،‬ل أدري كيف أقول له إنني أحّبه‪ ،‬ربما لنني أحببت بعضه‪.‬ناري‪" ..‬‬ ‫لكنه على الرغم من ذلك‪ ،‬كان أقلنا ُ‬ ‫فقد عاش مهددا ً بالماء‪ .‬‬ ‫بالموت‬ ‫يتظاهرون‬ ‫إنهم‬ ‫يموتون‬ ‫ل‬ ‫فالشعراء‬ ‫بالبكاء‪.‬لن "الحصان يعرف راكبه" حسب‬ ‫المثل العربي!‬ ‫الشاعر الذي "يرى ما يريد" يجعلك تتساءل‪" :‬وماذا لو أنك أردت ما يرى؟"‪ ،‬وماذا لو كان‬ ‫"سرير غريبته" هو مخدعك وسرير حبيبتك؟ كيف تسنى له التحرش بها في مخدع‬ ‫الكلمات وهي لك؟‬ ‫ل يحتاج محمود درويش إلى أن يقول شعرا ً لتشرئب شقائق النعمان برأسها‪ ،‬في إمكانه‬ ‫أن يفعل ذلك بمجرد حضوره اللمبالي وسط الحقول‪ .‬‬ ‫مد ّ‬ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ويحلو لهم التظاهر أحيانا بالحياة‪ ،‬كي يختبروا حبنا لهم‪.‬بل بمؤرخ‪" ،‬لماذا تركت الحصان وحيدًا؟"‬ ‫ربما تكتشف آنذاك أن الحصان هو الذي تخلى عنك‪ ..‬حتما ً كانت ناره تحتاج إلى وقود للكلمات‪ .‬أذكر قول جان كوكتو‪،‬‬ ‫في مل ّ‬ ‫ف تكريم ّ‬ ‫ً‬ ‫مسبقا موته‪ .‬‬ ‫م إياه من الحزن الشاهق والموهبة الخارقة‬ ‫كي تقارب محمود درويش تحتاج إلى الك ّ‬ ‫هلت اللؤم الذكي‪ ،‬أو الذكاء اللئيم‬ ‫والستخفاف الجميل‪ .‬إسرائيليات بأقلم عربية"‪.‬كانت الصفقة مربحة‪ .‬‬ ‫جميل أن تقتسم مع محمود درويش إشاعة‪ ،‬حتى وإن كانت إشاعة تخوين‪ ،‬خاصة أنني‬ ‫جيها بذلك الكم من اللم‪:‬‬ ‫أقتسم معه بعض أحرف اسمه عندما يه ّ‬ ‫م ما مضى‬ ‫م ُ‬ ‫م والمت ّ‬ ‫"ميم‪ /‬المتّيم والميت ّ ُ‬ ‫حاء‪ /‬الحديقة والحبيبة‪ ،‬حيرتان وحسرتان‬ ‫ميم‪ /‬المغامر والـمعد ّ المستعد ّ لموته‬ ‫الموعود منفيًا‪ ،‬مريض المشتهى"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ل أدري إن كان محمود درويش مغامرا حقا‪ .‬‬ ‫بدءا ً حزنت‪ ،‬ثم سعدت لوجود ذلك الكتاب ضمن قائمة الكتب الكثر مبيعا ً في معرض‬ ‫بيروت الدولي‪ .‬قال ونعشه يمر بين أصدقائه‪" :‬ل تبكوا هكذا‪ .‬فعندما ل يضرم فيك النار‪ ،‬يوفر لك‬ ‫محمود درويش حطب السئلة‪ .‬لذا أحّبه‬ ‫نزار قباني واعترف لي مرة بأنه ل يحتفظ في مكتبته سوى بدواوينه من بين الشعراء‬ ‫المعاصرين‪ .‬أو بنزين اللم‪..‬‬ ‫وعليك أن تجيب من دون الستعانة بصديق‪ .‬‬ ‫دعي أنه يريد "وردا ً أقل"‪ ،‬ونحن نعرف أننا ننتظر منه خسائر أكثر فداحة؟ وحنينا ً‬ ‫هو ي ّ‬ ‫مرا ً كإعصار‪ .‫ي عن محمود درويش‪" :‬ل شيء لديّ أقوله عنه"‪ .‬أم في‬ ‫الوصول؟ على مدى نصف قرن جذف محمود درويش بيد واحدة مجذافها قلم‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جبنا وأكثرنا نزفا‪ ،‬وهو يجذف من دون وجهة محددة‪.‬‬ ‫حب محمود درويش‪ ،‬وتكريمه بمناسبة‬ ‫كما توقعت‪ ،‬رحنا ُنزايد على بعضنا بعضا ً في ُ‬ ‫"حياته"‪ ..‬صاحبته كسبت بتشهيرها‪ ،‬ما كانت تسعى إليه من‬ ‫فقة في كتاب أتقاسمه مع رمزين للنضال‬ ‫شهرة‪ ،‬وأنا فزت منه بإشاعة موثقة ومل ّ‬ ‫الفلسطيني والعربي‪..‬‬ ‫هو "العاشق سيئ الحظ"‪ ،‬سيوّرطك في سوء حظه الذي ليس سوى سوء حظك العربي‪..‬ننتظر مزيدا ً من البكاء على كتف قصائده‪...

‬ثم‬ ‫قررت أن تلفت انتباه الحضور بفتح أزرار بلوزتها و إبراز نهديها العاريين ‪ .‬الذين لزال من بينهم الكثير من المتزمتين ‪.‬أي أغلى من التمثال نفسه‪.‬زعيم الجبهة اليمينية المتطرفة في فرنسا ‪ .‬لكونها نبتت في هذه الرض " اللي بتكلم عربـــي" ‪.‬يصدر وزير عدلها أمرا ً‬ ‫بتغطية تمثال امرأة من رأسها حتى أخمص قدميها ‪ .‬أمثال‬ ‫وزير العدل الحالي ‪ .‬‬ ‫أسعدتني أن هذه "الخت المصون" يبلغ إلى مسامعها ما آلت إليه غاباتنا ‪ .‬ل زال أمام العري مستقبل زاهر ‪ .‬فلو جاءت هي و‬ ‫صديقاتها ليدافعن عن الشجر الجزائري بصدورهن العارية لقامت حرب أهلية أخرى ‪ .‬‬ ‫لنه أثناء " تحرير " نساء أفغانستان من براقعهن على يد أمريكا ‪ .‬ل فض فوها ‪ .‬و ذلك بستائر ثقيلة كلفت ثمانية آلف‬ ‫دولر …‪ .‬التي تقوم‬ ‫السلطات الجزائرية بحرقها كل فترة ‪ .‬ولذا لم‬ ‫تغامر واحدة من النساء المتشحمات المترهلت بإشهار بشاعتها في وجه طاغية ‪ .‬‬ ‫و قد أطلقت الصحافة على الوزير اسم " المل اشكروفت " في حملة عنيفة شنتها ضده ‪.‬راحت ترقص ثملة ‪ .‬و خلفه تمثال المرأة نصف العاري بنهد واحد مكشوف و يداها‬ ‫مرفوعتان إلى أعلى ‪.‬لكونها تربي طفلها لوحدها ‪ .‬ما شجع صديقاتها على تقليدها و الذهاب إلى مواقع‬ ‫أخرى لقراءة الشعر على الحطابين في الهيئة نفسها‪ .‬‬ ‫و رفعت " بياريت لوبان " التحدي ‪ .‬فراحت كجندي بائس تبذر ذخيرتها في الهواء ‪ .‬‬ ‫لكن ‪ .‬الذي وصل به التشدد حد المر بتغطية تمثال " روح العدالة " و هو‬ ‫تمثال يبلغ طوله أربعة أمتار ‪ .‬لن النضال عريا ً ليس في متناول من شاء ‪ .‬بعدهم العجائز ‪.‬التي قررت أن تدافع عن أشجار كاليفورنيا الحمراء‬ ‫بموجهة الحطابين عارية الصدر‪ .‬اللتي وظفن عريهن الجميل‬ ‫لخدمة قضية‪ .‬تخلع ملبسها بين جلستين أمام عدسة مجلة " بلي بوي "‬ ‫و قرأنا أن السيدة الشابة ‪ .‬أن يقدم أي نفقات لمطلقته و أم‬ ‫بناته ‪ .‬ما عادت تدري ماذا تفعل بسلح‬ ‫جسدها ‪ .‬و أقول العري الجميل ‪.‬عندما رفض جان ماري‬ ‫لوبان ‪ .‬عندما أعلنت أن بيل كلينتون تحرش بها جنسيا ً ‪ .‬التي انتخبت عمدة لمدينة " جورج تاون " المريكية خلعت‬ ‫هيبة وظيفتها ‪ .‬إنقاذا ً للشجار ‪.‬و عادت مؤخرا ً إلى‬ ‫الضواء لتصرح ‪ .‬سيولون اهتماما ً بمصير أشجارنا التي حتما ً‬ ‫تشبهنا ‪ .‬‬ ‫و ربما كانت الليدي غودايفيا من أوليات النساء عبر التاريخ ‪ .‬و‬ ‫انتقل كل رجال المدينة للقامة في الدغال ‪ .‬‬ ‫لكن ل أتوقع أن قوما ً ل يعنيهم مصيرنا كبشر ‪ .‬و بسبب وصول فاتورة الضرائب‪.‬فقد بشرتنا السيدة باول جونز ‪ .‬و بعد أن شربت كأسين في أحد بارات المدينة ‪ .‬و هكذا شاهدنا "يويوهيسا"‬ ‫العضو في البرلمان التايواني ‪ .‬‬ ‫و هذا ما يذكرني بتلك الحاثة التي شغلت فرنسا في الثمانينات ‪ .‬و كنت أفكر‬ ‫في الفنانة الستعراضية دونا نيتو ‪.‬حتى ل تترك مخبأ للرهابيين ‪ .‬و لم تسكت‬ ‫آنذاك حتى تطوع أحد الثرياء اليهود بحشو فمها بمليون دولر ‪ .‬‬ ‫غير ان المرأة عندما تسلمت الحكم على أيامنا ‪ .‬و رد عليها بما عرف عنه من عنف لفظي ‪ " :‬اذهبي و اعملي شغالة لتكسبي قوتك‬ ‫"‪.‬‬ ‫لول جمالها فعندما خلعت الحسناء ثيابها و امتطت جوادها و نزلت إلى الشارع منتهكة‬ ‫قانون منع التجول لحق بها الفتيان و من ورائهم الكهول ‪ .‬و يزين بهو وزارة العدل ‪ .‬التي اشتهرت‬ ‫قبل مونيكا لوينسكي ‪ .‬و أحدث الخبر‬ ‫زلزال ً لدى المريكيين المحافظين ‪ .‬وقد نجحت في جعل الحطابين يبقون مشدوهين إليها و‬ ‫هي تقرأ عليهم الشعر نصف عارية ‪ .‬و‬ ‫الليدي غودايفيا ما كانت نجحت في إسقاط قانون الضرائب التي قصمت ظهر الشعب ‪.‬و قد اعتاد الصحافيون استدراجه‬ ‫للقاء تصريحاته ‪ .‬و هي تحتضن طفلها بأنها قررت أن تتعرى لمجلة "‬ ‫بنتهاوس " المريكية ‪ .‬و تحولوا جميعا ً إلى حطابين ‪.‬و اتصلت بمجلة " بلي بوي " لتعرض عليها أن‬ .‬فقادتهم‬ ‫الحسناء العارية حشودا ً إلى قصر الحاكم ‪.‫)) النضال (( العاري‬ ‫أعود إلى موضة التعري لسباب ) نضالية( التي شاعت في الغرب مؤخرًا‪ .

‬‬ ‫فقد قدمت للقراء صورا ً ل بأس بها لمرأة تمسح الرض و تنظف الزجاج ‪ .‬و هي تقوم بأشغالها المنزلية عارية ‪ .‬‬ ‫مس ّ‬ ‫كرة زينة لعيد الميلد‪ ،‬أو بولندا بأكبر ُ‬ ‫ن فيه من بلوي ومصائب‬ ‫الجميع تنازلوا لنا عن المناديل الورقّية‪ .‬فقد بيعت مؤخرا ً بمبلغ ‪ 45‬مليون دولر … و لم تكسب منها‬ ‫العشيقة العارية إل المجد ‪.‬ل بالدموع‪ .‬في ُ‬ ‫كان من ورق(‪ ،‬بل بما هو أصغر وأدق‪ .‬وبرغم أنها كانت قد تجاوزت الربعين ‪.‬أمام‬ ‫“النفلونزا” بين الطيور‪ ،‬من دون أن ُيثير ذلك أيّ ذعر لدى ُ‬ ‫رخص دمعنا المعروض للفرجة‪ ،‬وانخفاض منسوب الكرامة‪ ،‬كان يلزمنا حقا ً علبة مناديل‬ ‫ورقية عملقة‪ ،‬مادمنا عاجزين عن اكتساب جينات الشرف‪ ،‬التي تصنع هالة وهْيبة شعوب‬ ‫ُ‬ ‫ت بمقال‬ ‫أخرى‪ .‬ل تمسح العار‬ ‫من اخترع‬ ‫بعد أن تعبنا من تكرار تلك المقولة التي نصفها إهانة‪ ،‬أما الفخر فيها فلكوننا َ‬ ‫الصفر دون العاَلمين )وإن كانت النكتة تقول إننا توّقفنا عنده(‪ ،‬صار في إمكاننا أن نباهي‬ ‫بكوننا حققنا رقما ً قياسيا ً عالميًا‪ ،‬بصناعة أكبر علبة مناديل ورقّية في العاَلم‪ ،‬أنتجتها منذ‬ ‫أشهر شركة أردنّية‪..‬فكرامة الياباني وعّزة نفسه‬ ‫ب شبابنا‪ ،‬فتيانا ً وفتيات‪ ،‬في‬ ‫السطورية تجعلن النتحار أسهل عليه من البكاء‪ ،‬بينما ي َن ْت َ ِ‬ ‫ح ُ‬ ‫ي‪ ،‬وهم يتدافعون في طوابير الذ ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل‪ ،‬التي ينتظرون فيها الفوز باستمارة تؤهلهم‬ ‫ل بلد عرب ّ‬ ‫للوقوف دقائق أمام لجنة “ستار أكاديمي”‪ .‬وإهانات‪ ..‬فأنا من دون شغالة منذ شهر و نصف‬ ‫الشهر …‪ ...‬و بدل أن‬ ‫تتقاضى ‪ 50‬فرنكا ً فرنسيا ً ‪ .‬أف ّ‬ ‫مـت بهم وعكة صغيرة من‬ ‫كر في اليابانيين‪ :‬يموتون إذا ألـ ّ‬ ‫م بهم‪ .‬عشية بيكاسو ‪ .‬لــذا‪ ،‬ما كان في إمكاننا منافسة تشيكيا‬ ‫مؤ‬ ‫هو‬ ‫ما‬ ‫في‬ ‫ي‬ ‫القياس‬ ‫طم الرقم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في دخولها كتاب “غينيس” بأكبر زجاجة شمبانيا‪ ،‬ول كوبا بأكبر سيجار‪ ،‬ول المكسيك بأكبر‬ ‫دس‪.‬فقد احتفظ ُ‬ ‫قديم له عن فداحة الشرف لدى الذين ُتقاس كرامتهم بالموت‪ .‬و ضمنهن زوجة ميتران ‪.‬فل سوانا له ما نح ُ‬ ‫س‪ .‬‬ ‫ذات البشاعة المتميزة ‪ .‬فعدوى البكاء‪ ،‬بهج ً‬ ‫مرّبينا أو رعاة مستقبلنا‪ .‬التي رسمها في لوحته‬ ‫الشهيرة " عارية على مقعد أسود " و برغم كون اللوحة ل علقة لها بالنوثة ‪ ..‬كما لو أ ّ‬ ‫ن طاعونا ً ألــ ّ‬ ‫الكوارث‪ ،‬القنابل الذّرية التي تطحن عظام المدن والكائنات‪ ..‬ينتصرون على الهزائم‪،‬‬ .‬‬ ‫مناديل‪ ...‬باقي الكلم أتركه للصديق‪ ،‬الكاتب السوري نزيه أبو عفش‪ .‬و تغل الواني‬ ‫نكاية في رجل ‪ .‬أم سقطوا‪ .‬فك ّ‬ ‫ل مناديل تلك العلبة العملقة‪ ،‬ل تكفي لمسح دموع سكان‬ ‫ومذابح ومآ ٍ‬ ‫مدينة عربية واحدة‪.‫تصورها ‪ .‬يموتون‪ .‬‬ ‫ل ُيح ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫هـل له‪ .‬يواجهون الحروب‪ ،‬المجاعات‪،‬‬ ‫وعكات الشرف‪ .‬‬ ‫واستعينوا بمنديل للبكاء!‬ ‫*****‬ ‫“حين أقول “الشرف”‪ُ .‬‬ ‫ل وقت لي لستنتج لكم عبرة من كل ما سبق ‪ .‬‬ ‫حتمًا‪ ،‬ما كان الخطر ليأتينا من اليابان مث ً‬ ‫ل‪ ،‬حيث ل يباهي أبناؤها بما هو أكبر )خاصة إذا‬ ‫عرفهم البكاء‬ ‫ن اليابانيين شعب ل يبكي‪ .‬اقرأوه‪.‬و نكاية في زوجات السياسيين الفرنسيين ‪ .‬تتقاضاها أية شغالة في فرنسا عن ساعة عمل … تلقت شيكا ً‬ ‫بمليون فرنك فرنسي ‪.‬و هي عبارة‬ ‫عن أشكال متداخلة ‪ .‬وسيتواصل بعدها البكاء والنحيب في الحالتين‪،‬‬ ‫ة أو حزنًا‪ ،‬تنتشر بين الشباب العربي كانتشار‬ ‫سواء فازوا‪ .‬التي أبدت ترفعها و تعففها عن عمل شنيع كهذا ‪ .‬‬ ‫أما أغلى جلسة تعري فتعود لماري تيريز ‪ .‬و أمامي أشغال كثيرة‪.‬ثم إ ّ‬ ‫عيب وإهانة لصاحبه‪ ،‬حتى لحظة الفقدان أو الموت‪ .

.‬لــذا‪ ،‬كان الشعراء‬ ‫شعر تاج َيث ُ‬ ‫قل حمله على َ‬ ‫يأتون العالم برتبة مبشرين‪ ،‬ويغادرون وخلفهم أتباع وُرواة‪.‬‬ ‫الحين‪ .‬بالنسبة إلى الجميع مات الشعر مع كباره‪ ،‬من جيل الحرب‬ ‫العالمية الثانية‪ ،‬شعراء الوجودية وأبناء الرومنطيقية السوداء‪ ،‬الذين انهطلت أحزانهم‬ ‫"غيمة في بنطلون"‪ ،‬حسب تعبير "مايكوفسكي"‪ ،‬شاعر روسيا العظيم‪ ،‬الذي انتهى‬ ‫ت مظّلة تحميه من انهطال الّتهم على شرفاء القلم‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫من َيعتبر نفسه "رفيقًا" لغير الحقيقة‪ .‬‬ ‫والفضائيات‪ ،‬ولهجة المسلسلت ورسائل الج ّ‬ ‫ً‬ ‫إذا كان الشعر‪ ،‬كما يبدو لي‪ ،‬هو فن تجميل الشقاء النساني بالكلمات‪ ،‬أي نوعا من‬ ‫اليحاء المتستر عن حياء‪ ،‬فالرواية كما أراها هي‪ ،‬بدءًا‪ ،‬فن تعرية هذا الشقاء على الضوء‬ ‫الكاشف للبوح‪ .‬لكن‪ ،‬ربما‪ ،‬ما كان ذلك يعني‪ ،‬سوى أ ّ‬ ‫شعريّ كامل في الحزب الشيوعي‪.‬‬ ‫ضمائرهم‬ ‫كأن‬ ‫ضمير‪،‬‬ ‫أعراسهم‬ ‫ُ‬ ‫القلب حين يختار‬ ‫مقعده‬ ‫في زمن مضى حسدت شعراء التحاد السوفياتي‪ ،‬يوم كان ُيكتب على جواز سفر أحدهم‬ ‫ن صاحب الجواز موظف بدوام‬ ‫بجوار المهنة‪ :‬شاعر‪ .‬الدار ُأغلقت منذ ذلك‬ ‫فدائية لُنصرته‪ ،‬غير تقديم ديوان شعر هدية مع كل رواية ُ‬ ‫مفلسة كمعظم قضايانا الراهنة‪.‬‬ ‫الشرف النسان ّ‬ ‫مى الشرف!‬ ‫مى‪ :‬تقتلهم ح ّ‬ ‫ل تقتلهم الح ّ‬ ‫ُأف ّ‬ ‫ي ينتحر‪ ،‬كي ل ُيقال‪“ :‬عاش‬ ‫اليابان‬ ‫تجعل‬ ‫التي‬ ‫النادرة‬ ‫دة‬ ‫الغ‬ ‫تلك‬ ‫في‬ ‫الشرف‪،‬‬ ‫كر في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بشرف مريض”! ُأف ّ‬ ‫صب‬ ‫ن أيتام هذه القاّرة الحزينة‪ ،‬حيث ُتنت ََهك القوانين وُتغت َ َ‬ ‫كر فينا‪ ،‬نح ُ‬ ‫هاِتك كرامة‬ ‫ص أو َ‬ ‫كرامات البشر‪ ،‬حيث تنهد ّ السماء على الرض‪ ،‬فل ير ّ‬ ‫ف جفن لخائن أو ل ّ‬ ‫من حولنا‪ ،‬في ُأناس ل يؤّرقهم شرف ول ينّغص‬ ‫مـل في ما حولنا وفي َ‬ ‫وطــن! أتأ ّ‬ ‫محّنطة في ن َِعــال أحذيتهم!”‪.‬كأنما ليشهدوا الموت على مآثر‬ ‫“الكاميكاز”‪ ،‬الذي ل يستطيع أن يواصل الحياة بشرف نازف وضمير مثلوم‪ .‬ول أحد يقاوم الدعوة إلى التلصص على حياة الخرين‪ ،‬عساه يعثر فيها‬ ‫على بعض حياته‪.‬إنه اعتراف ضمني‬ ‫بتلك السلع التي ُتلصق بسلعة أخرى في "عرض خاص" بسعر مو ّ‬ ‫ُ‬ ‫بأن ال ّ‬ ‫ماليا ً في حياتنا‪ ،‬وبأنه فقد هيبة مكانته الولى‪ ،‬ونحتاج لتسويقه إلى‬ ‫شعر غدا ثانويا ً وك َ َ‬ .‫ويقيمون الحياة من حضيض موتها‪ .‬فالشعر قضية عربية ُ‬ ‫شخصيًا‪ ،‬ل أدري إن كان في مثل هذا التصّرف تكريم للشعر أم إهانة له‪ .‬المر ُيذ ّ‬ ‫كرني‬ ‫ُ‬ ‫حد‪ .‬‬ ‫اليــــوم‪ ،‬أن تشهر شاعريتك‪ ،‬أمر يبدو أقرب إلى النكتة‪ .‬في الغرب مثل ً قد ُيفهم من‬ ‫احترافك الشعر‪ ،‬أنك أحمق‪ ،‬أو فاشل تخّلت عنك الحضارة والتكنولوجيا‪ ،‬ولن ُتقاَبـل بغير‬ ‫الته ّ‬ ‫كم السّري والشفقة‪ .‬لكنهم يضعفون أمام وعكة الشرف‪ ،‬ينطرحون أمام‬ ‫مرايا ضمائرهم كفراشات مقصوصة الجنحة )‪ ،(.‬يموتون‪:‬‬ ‫خبراء اقتصاد‪ ،‬مديرو مؤسسات مالية‪ ،‬يستدرجون‬ ‫طيارون‪ ،‬قادة جيوش‪ ،‬كّتاب وشعراء‪ُ ،‬‬ ‫الموت برصاصة أو سيف‪ ،‬أو حبل يتدّلى من سقف غرفة فندق!‬ ‫ملوا كارثة اهتزاز الضمير‪ ،‬واضطراب بوصلة‬ ‫يموتون إذ ل يكون في وسعهم أن يتح ّ‬ ‫ي‪..‬‬ ‫ماذا في إمكان الشعر أن يفعل لنقاذ بيت أو اثنين‪ ،‬هما ك ّ‬ ‫ل جوهره‪ ،‬يختبئان تحت أكوام‬ ‫حفظ‪ ،‬ول للحفظ‪ ،‬فغالبا ً ما تنتهي صلحيتها الشعرية‬ ‫ضَباب اللغة الحديثة غير القابلة لل ِ‬ ‫من َ‬ ‫مع انتهائك من مطالعتها؟‬ ‫دور النشر الشاّبة‪ ،‬التي اشتهرت بحماستها للدب‬ ‫إحدى‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫أذكر‬ ‫منذ أربع سنوات‪ ،‬أو أكثر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫"الجديد"‪ ،‬أودى بها حّبها للشعر‪ ،‬ولم تجد في معرض الكتاب في بيروت‪ ،‬من طريقة‬ ‫مشتراة‪ .‬‬ ‫منتحرا ً عندما لم يجد غير المو ِ‬ ‫ُ‬ ‫سب لها حساب‪،‬‬ ‫يح‬ ‫سطوة‬ ‫للشاعر‬ ‫كان‬ ‫يوم‬ ‫بشعرائها‪،‬‬ ‫تباهي‬ ‫والنسانية‬ ‫هوميروس‪،‬‬ ‫منذ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫مستعينة بالكمبيوتر‬ ‫م ُتجهز عليه‪ُ ،‬‬ ‫وتنحني لها الرقاب‪ ،‬قبل أن تأتي الرواية وتلوي رقبته‪ ،‬ث ّ‬ ‫وال‪.

‬شيء شبيه بالحياء‪ ،‬الحياء الذي ل يعرفه غير الدباء‪ .‬‬ ‫أ‬ ‫لعلمي‬ ‫أكتبه‪،‬‬ ‫عمل‬ ‫في كل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫درس تعلمته من نزار‪ ،‬الذي حكى لي كيف أنه منذ بداياته لم يقبل دعوة إلى زيارة أي بلد‬ ‫عربي‪ ،‬على الدرجة الثانية‪ .‬حزينة أنا من أجل عينه التي سعوا إلى‬ ‫إغماضها‪ ،‬وسعدوا بحجب الرؤية عنها‪ ...‬أخلفت مشهدك الخير‪ .‬لم ينجح في تلقيني هذا‬ ‫مغنيات والمذيعات‪،‬‬ ‫من تفيض خيراتهم على ال ْ ُ‬ ‫الدرس دائمًا‪ ،‬لنني‪ ،‬إن كنت ل أتساهل مع َ‬ ‫مال السودانيين‪،‬‬ ‫فإنني جاهزة لزيارة السودان‪ ،‬محشورة في المقاعد الخلفية مع الع ّ‬ ‫حــب هؤلء الناس الطيبين البسطاء لي‪ ،‬ولعتقادي بوجود درجة ثالثة‪ ،‬غير‬ ‫لعلمي بمدى ُ‬ ‫ا ُ‬ ‫لولى والثانية‪ ،‬ليس فيها مكان سوى لمقعد واحد محجوز للقلب‪.‬‬ ‫ور جنازتك‬ ‫قم وص ّ‬ ‫أّيها المص ّ‬ ‫قاد تطاردني‪ .‬كل الطرقات التي سلكتها ميتا ً‬ ‫ور‪ُ ،‬قم وص ّ‬ ‫أيها المص ّ‬ ‫تعرفك‪ ،‬لكنك ما عدت تعرف قرابتك بها‪ .‬‬ ‫ي مع قلبه‪ ،‬تغ ّ‬ ‫تلك‪ .‬‬ ‫ويتأ‬ ‫غليونه‬ ‫وقاره‪ ،‬يسحب نفسا ً من‬ ‫ّ‬ ‫ما كان يرى بعينيه‪ .‬أ ّ‬ ‫ما عيناه الخريان‪ ،‬فكانتا في تواطؤ قوم ّ‬ ‫وي بها‬ ‫لت‬ ‫سمعت‬ ‫وكأنني‬ ‫فاجعته‪،‬‬ ‫دموع‬ ‫تفاجئني‬ ‫فقط‪،‬‬ ‫اللحظة‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫اللحظة‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫خرة كعادتي‪ ..‬نزار الذي‬ ‫اعترف لي بأنه عندما يسافر على حسابه يسافر على الدرجة القتصادية‪ ،‬لنه آنذاك ل‬ ‫يكون معنيا ً بتصحيح نظرة الخرين إلى مكانة الشاعر‪ ،‬أو مكانه‪ .‬‬ ‫ليص‬ ‫ا‬ ‫عين‬ ‫ول‬ ‫ا‬ ‫يد‬ ‫له‬ ‫تركنا‬ ‫ما‬ ‫مجموعة في صندوق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫دمه رئيس‬ ‫مان إلى وطنه‪ ،‬في موكب مهيب من ثلثين سيارة‪ ،‬يتق ّ‬ ‫ما جدوى أن يعود من ع ّ‬ ‫الوزراء الردني‪ ،‬لُيسّلمه إلى أهله في بلدة حدودّية‪ ،‬ليمضوا به إلى مسقط قلبه ومكمن‬ ‫ي؟‬ ‫جرحه‪ ،‬محمول ً على نعش الغدر العرب ّ‬ ‫ما جدوى ك ّ‬ ‫ل هذا‪ ،‬إن لم تره تلك العين‪ ،‬عينه التي غطى الدم عدستها؟‬ ‫ور جنازتك‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ت الح ّ‬ ‫ل في إدخاله الرواية ذاتها‪ ،‬بل ومنحه الصدارة والصفحات الولى‬ ‫ي‪ ،‬وجد ُ‬ ‫بالنسبة إلـ ّ‬ ‫ن في المكانة التي نمنحها الشعر تكمن مكانتنا‪.‬منحناه فرصة مواصلة التمثيل‬ ‫مالها وصباها أشلء بشرّية‬ ‫ما الع ّ‬ ‫قاد‪ ،‬الذي مّثلنا بابنته‪ ،‬وأهديناه َ‬ ‫ج َ‬ ‫محمول ً على نعش‪ .‬‬ ‫أذكر هذا الن تداعيا ً للخواطر‪ ،‬وأسأل نفسي‪ :‬أفعلت ذلك لنني ما أخذت نفسي يوما ً‬ ‫مأخذ الشعر؟ أم لنني مع الجزائر بالذات‪ ،‬ومثلها مع السودان‪ ،‬أشعر بما لم يعد يشعر به‬ ‫الكثيرون‪ .‬جميلين كنا في عينه‬ ‫ضان النظر عن بشاعتنا‪.‫الستنجاد بشريط غنائي أو رواية‪.‬ذلك أن "الشعر ل يسافر إل ّ على الدرجة ا ُ‬ ‫لولى"‪ .‬فما كان شيء سوانا أمامها‪ .‬أهذه حقا ً أرضك؟ وهذي أمتك؟‬ .‬أ ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ور جنازته أو جنازتها‪.‬والشعراء‬ ‫ور‪ُ ..‬بل بعين واحدة‪ :‬عين الكاميرا‪ .‬ك ّ‬ ‫ن الكاميرا‬ ‫حدث‪ .‬‬ ‫تص‬ ‫لن‬ ‫وأنها‬ ‫يده‪،‬‬ ‫سقطت من‬ ‫ّ‬ ‫ور جنازته لتكون آخر مشهد في‬ ‫أحمد زكي‪ ،‬وهو ُيقاوم سكرات الموت أوصى بأن تص ّ‬ ‫فيلمه الخير عن عبدالحليم‪ ،‬وكان للممثل الكبير ما أراد‪ .‬نظرته تلك التي يرى بها ما ل نراه‪ ،‬عندما خلف‬ ‫مازالت نظرة مصطفى الع ّ‬ ‫مل شيئا ً ليس الذي نتوّقعه‪.‬أبكيه متأ ّ‬ ‫دق أنهم فقأوا عينه تلك‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ل هذا الوقت لص ّ‬ ‫ور آخر مشهد رأته عيناه‪.‬‬ ‫ولنني ل أسافر إلى الجزائر إل ّ على هذا المقعد‪ ،‬كّلما وصلتني دعوة من هناك على‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫مصّرة على تحويل بطاقتي إلى الدرجة السياحية‬ ‫الدرجة الولى‪ ،‬رحــت أهاتفهم لمرات‪ُ ،‬‬ ‫من عرف غرابة طباعي وغيرتي على‬ ‫كي أوفر عليهم المصاريف بالعملة الصعبة)!( بعض َ‬ ‫مال الجزائر‪ ،‬مثل مدير التلفزيون الجزائري‪ ،‬أصبح يمتثل لمطلبي‪ ،‬خاصة بعدما أراد‬ ‫أحدهم تكريمي‪ ،‬باستضافتي في الجناح الرئاسي في أفخم فندق بحريّ في الجزائر‪،‬‬ ‫فقضيت فترة إقامتي مطالبة مو ّ‬ ‫ظفيه بنقلي إلى غرفة عادية‪ ،‬أمام احتجاج ُأمي التي‬ ‫انتقلت للقامة معي‪ ،‬وشرعت في استضافة صديقاتها في صالوني‪ ،‬وأصبحت ل تناديني‬ ‫بعدها إل ّ "المهبولة" واثقة بأنني ورثت جنون أبي‪.

‬كان يدور العواصم العربية متسوّل ً ثمن أحلمه‬ ‫الكبيرة "بثمن طائرة حربية واحدة مستعد أن أفعل المعجزات‪ .‬‬ ‫أعطته؟ هي لم تعطه شيئا ً برغم العناء‪ .‬صاح بي )رحمه الّله(‪ ،‬بعد ذلك‪" :‬من أين جئِتنا بهذه‬ ‫ُ‬ ‫دها‬ ‫مة ليس لها تقاليد في تدليل مبدعيها‪ ،‬ب ّ‬ ‫دك تر ّ‬ ‫الفكرة المجنونة؟ ب ّ‬ ‫دينا قرن َلوراء‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫مة‬ ‫ما ما كان ُيلهب حوارنا‪ ،‬فحتما ً مآسي هذه ال ّ‬ ‫ما أضحكنا آنذاك‪ ..‬أّيها الشاعر الجميل‬ ‫استفَرد َ السرائيليون بالشعب الفلسطيني‪ ،‬أثناء انشغالنا بمقاطعة الزبد الدانماركي‪،‬‬ ‫مة التنكيل به‪ ،‬والجهاز عليه تجويعا ً وإبادة وحصارا‪ً.‫ن تكون؟ أكنت ستكّرر‬ ‫لو عادت اليوم تلك الصحافّية الميركية التي سألتك مرة بمكر‪َ :‬‬ ‫م ْ‬ ‫عليها مّرتين جوابك الساذج ذاك‪ ،‬كما فعلت لمزيد من التأكيد "أنا عربي مسلم من سوريا"‬ ‫يوم كان غيرك يخلع عباءة عروبته حال صعوده طائرة الغربة‪ ،‬ويتبّرأ من دينه حال اعتلئه‬ ‫صة الشهرة؟‬ ‫من ّ‬ ‫عندما وقعت على صوري في أحد العداد الخيرة لـ"زهرة الخليج"‪ ،‬منشورة على صفحتين‬ ‫قاد‪ ،‬أسعدني المر بقدر ما‬ ‫حام‪ ،‬والراحل الكبير مصطفى الع ّ‬ ‫برفقة الفنان القدير دريد ل ّ‬ ‫ّ‬ ‫دس‬ ‫ح‬ ‫ب‬ ‫وكاميرته‬ ‫مسجلته‬ ‫قت‬ ‫َ‬ ‫ث‬ ‫و‬ ‫الذي‬ ‫هنيدي‬ ‫ربيع‬ ‫زميلي‬ ‫آلمني‪ ،‬وشكرت في سّري‬ ‫َ ْ‬ ‫ً‬ ‫صحافي "نقاشات وضحكا ً من القلب" كان شاهدا عليها‪.‬‬ ‫في سروال داخلي‪ ،‬ما كان ُ‬ ‫جب حّتى‪ ...‬في الواقع‪ ،‬ما كان ص ّ‬ ‫لشرفنا‪.‬هذه أ ّ‬ ‫غمزة لتستعيد مّنا ما أعطتنا بعد عناء!"‪.‬‬ ‫قاد‪ .‬بعضنا في شماتة في غير محلها خصص للصورة ‪-‬‬ ‫الحدث‪ ،‬صفحته ا ُ‬ ‫دام يغسل سوى الثياب الداخلية‬ ‫لولى بكاملها‪ .‬أحلمه تقَبع خردة في مستودعات السلحة العربّية!‬ ‫مات الع ّ‬ ‫شـكـــرًا‪ ..‬فقد سبق أن شاهدنا أحد رموز‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫لم‬ ‫ك‪،‬‬ ‫نب‬ ‫لم‬ ‫عليه"‪ .‬بعد ثلثين سنة من تاريخ تلك‬ ‫"الجدار الواقي" ُيط ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫القصيدة‪ ،‬التي هّزتنا جميعا‪ ،‬حتى الشعر تخلى عن الفلسطينيين وخانهم‪ .‬لم نتظاهر‪ ،‬لم نحتج‪،‬‬ ‫َْ َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫العروبة والرجولة يغسل ثيابه الداخلّية‪ ..‬أ ّ‬ ‫ت أذكر شيئا ً م ّ‬ ‫ما عد ُ‬ ‫منا المشترك‪ ،‬خاصة أن اجتماعنا كان يعود‬ ‫مبدعيها‪ .‬‬ ‫ي كان على‬ ‫أذكر أنني قلت يومها لحد الصحافيين في حضرة الع ّ‬ ‫قاد‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن أّول فعل تضامن ّ‬ ‫الضيوف القيام به هو حضورهم إلى أبوظبي على حسابهم‪ ،‬ورفضهم القامة في فنادق‬ ‫فاخرة‪ ،‬والتبّرع بتكاليف استضافتهم لصندوق النتفاضة‪ .‬العلم سلح أقوى من‬ ‫الطائرات والدبابات"‪.‬واصلوا مه ّ‬ ‫وق الفلسطينيين من ك ّ‬ ‫ل صوب‪ .‬‬ ‫مة نّية مبّيتة لتجريدنا من كرامتنا‪ ،‬بإهانة المقاتلين من رجالنا‪ ،‬في ما هو الغلى على‬ ‫ث ّ‬ .‬الرجولة العربّية‬ ‫التي وّزعتها إسرائيل على شاشات العالم يوم ُ‬ ‫حة كأرضنا‪ ،‬كثرواتنا‪ ،‬لم ُتحّرك فينا شيئًا‪ ،‬وهي عاريـة تمّر معصوبة العينين‬ ‫مست ََبا َ‬ ‫مَهاَنة ال ْ ُ‬ ‫ال ْ ُ‬ ‫ً‬ ‫من يهن يسهل الهوان‬ ‫مهي ّأ لتتفّرج عليه كاميرات العالم‪َ " .‬‬ ‫صور العراقيين َ‬ ‫شطَبت من ذاكرتنا صور الضحايا الفلسطينيين‪ ،‬حتى رأينا صور الذلل تلك‬ ‫ُ‬ ‫مداهمتها سجن أريحا‪ .‬فشخصيا ً أستحيي أن ُأدّلل بذريعة‬ ‫من جئت لمساندتهم في بؤسهم‪ .‬فقد كانت وجعنا وه ّ‬ ‫وبؤس قدر ُ‬ ‫الفضل فيه لقناة أبوظبي التي استضافت يومها كبار المبدعين العرب‪ ،‬لدعم حملة "لجلك‬ ‫يا قدس" وجمع تبّرعات على مدى أربع وعشرين ساعة‪ ،‬منعا ً لتهويد القدس ومساندة‬ ‫للنتفاضة‪ ،‬أيام محمد الدّرة وما رافقه من شهداء‪.‬‬ ‫ومتابعة الفجائع العراقية‪ .‬صار في إمكان‬ ‫شارون أن ينسب إلى نفسه قول سميح القاسم‪ ،‬ويصيح حتى بعد موته "إّنا هنا على‬ ‫صدوركم باقون كالجدار"‪.

‬‬ ‫ما‬ ‫بقدر‬ ‫عد‬ ‫يس‬ ‫س‬ ‫نه‬ ‫البعض يعتقد أ ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ .‫م إنشاؤها‬ ‫ي‪ :‬رجولته‪ ،‬وتعهير نسائنا في قنوات موسيقّية مشبوهة النوايا‪ ،‬ت ّ‬ ‫الرجل العرب ّ‬ ‫ي مرتين‪ ،‬والجهاز على أجيال عربّية بأكملها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫مـاة الُعروَبــة‪ ،‬بعد هذا‪ ،‬أن أقـــول لبني تسيبار‪ُ " :‬‬ ‫شكـــرا أّيـهـا‬ ‫سـادة ُ‬ ‫أيسمح لي ال ّ‬ ‫حـ َ‬ ‫شـاعر الجميــل"؟ وليتعل ُّ‬ ‫ال ّ‬ ‫هــة‪.‬ما كان المقال‬ ‫مؤ ّ‬ ‫ل رد ّ العتبار لكرامتي‪ ،‬وتكلم بما تمنيت أ ّ‬ ‫خــرا‪ ،‬وقعت على مقا ٍ‬ ‫ي‪ ،‬بل لشاعر إسرائيلي نشره في صحيفة "هاآرتس"‪ ..‬يقف في سرواله الزرق الداخلي‪ُ ،‬‬ ‫صان‪ ،‬كما يقولون اليوم‪ ،‬وإّنه كان في‬ ‫دا كال ِ‬ ‫ن أقول ع َل َن َا ً إّنـه َبـ َ‬ ‫ليس لديّ أيّ مشكلة ل ّ‬ ‫ح َ‬ ‫إمكانه العمل كعارض أزيــاء في شركة لـ"السراويل الداخلية"‪ ..‬ال َْ‬ ‫قال جميل وطويل نشرته‬ ‫م َ‬ ‫لعرب ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عريهم‪،‬‬ ‫مرفَ َ‬ ‫قا بصورة لهؤلء الرجال الجميلين حقا في ُ‬ ‫جريدة "أخبار الدب" المصرّية‪ُ ،‬‬ ‫وتحته مقال الشاعر "بني تسيبار" الذي عنوانه "الفلسطينيون شعب جميل‪ ،‬حاولت‬ ‫إسرائيل تعرية الرجال فأظهرت شيخوختها وبؤسها"‪ .‬مازلت ُ‬ ‫دق نصيحة أندري جيد “ل‬ ‫أص‬ ‫ّ‬ ‫تهيئ أفراحك”‪.‬كذلك لم يكن ينقص‬ ‫ي‪ ،‬لمكن القول‬ ‫الفلسطينيين‪ ،‬الواقفين في الشمس‪ ،‬أيّ شيء‪ ..‬‬ ‫الذي‬ ‫النسان‬ ‫رؤيــة‬ ‫ا‬ ‫أبـد‬ ‫يمكن‬ ‫ُ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ل ُ‬ ‫ن الفلسطينيين‬ ‫ي في أريحــا‪ ،‬من دون أدَنــى شك‪ ،‬أ ّ‬ ‫ولقد أثبت عرض العري الفلسطين ّ‬ ‫هـم شعب جميل‪.‬إذ أستحي من كشف جسدي ع َلن َا‪ .(.‬‬ ‫سد صورة الجيش السرائيلي‪ ،‬وليس الب َ َ‬ ‫وغير إنسانّيــة‪ ،‬هي ما ُتج ّ‬ ‫جول َت َُهــم‪ ،‬أيّ ك ّ‬ ‫ل ما تنازَلت عنه إسرائيل‬ ‫ر‬ ‫هـم‪،‬‬ ‫با‬ ‫ص‬ ‫رزون‬ ‫مـا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ َ‬ ‫أ ّ‬ ‫الفلسطينيون فهم ي ُب ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫خ َ‬ ‫و َ‬ ‫عــات والسّيارات التي‬ ‫مد َّر َ‬ ‫ذت في ال َ‬ ‫خــت‪ ..‬‬ ‫ل َ‬ ‫مقّيد عصُبوا عينيه‬ ‫في صورة تكّررت أكثر من مّرة على الشاشة‪ ،‬ب َ َ‬ ‫دا ظهر رجل فلسطيني ُ‬ ‫مستن ِد َا ً إلى سيارة عسكرية إسرائيلية‪.‬‬ ‫يم‬ ‫ل‬ ‫نه‬ ‫أ‬ ‫أعتقد‬ ‫يديرها‪...‬على النقيض‬ ‫عــراة‪ ،‬يسيرون‬ ‫ور فيها اليهود ُ‬ ‫من الصـور التي تنتمي إلى الحرب العالمّية الثانية‪ ،‬التي ص ّ‬ ‫إلى موتهم‪ ،‬عاجزين تمامًا‪ .‬‬ ‫مذ َّلـة‪ ،‬حتى ظننتني وحدي َ‬ ‫ال ْ َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ن أقرأة‪ .‬فالفلسطينيون العَُراة الذين خرجوا من سجن أريحا‪َ ،‬بدوا‬ ‫منتصبي القامة‪ ،‬معتزين بأنفسهم‪،‬‬ ‫ي‪ ،‬وساروا ُ‬ ‫وكأّنهم لم يفقدوا ذ َّرة من احترامهم النسان ّ‬ ‫كأّنما يقولون لك ّ‬ ‫من يتلصصون عليهم‪ :‬جيشكم وشبابكم كله )‪ .‬أ َ‬ ‫شا َ‬ ‫جل من نفسها‪ ،‬وفي تغطية َ‬ ‫خ َ‬ ‫ج َ‬ ‫سدها بال ُ‬ ‫ً‬ ‫كن هزيمة الشعوب الجميلــة‪....‬‬ ‫بخرقة بيضاء‪ .‬‬ ‫ن سعادته رهن مكاسبه‪ .‬إذ َبــ َ‬ ‫مــل كثيــرًا‪ ،‬و ُ‬ ‫ج َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫دفـاع السرائيلي‪ .".‬لــذا‬ ‫ل‬ ‫ربما‬ ‫يدفع‪.‬ومصاريفه‪ ....‬لذا لم أستحم لسنوات في ح ّ‬ ‫ُ‬ ‫من انتصروا في الواقع في هذه المعركة ال ْغَب ِّيــة‬ ‫أو في البحــر )‪ .‬لشيء(‪.‬هذا هو المر‪" :‬الن بلدوزرات ثقيلة‪ ،‬قبيحة‬ ‫للهتمام‪ ،‬من مظهر جيش ال ّ‬ ‫شـر أَبــدا‪ً.‬ولكنني‬ ‫مجبرة على الختصار‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لم تخذلني لنني لم أنتظر مباهجها مدفوعة الجر‪ .‬ولجل إظهار هذا النصر‬ ‫دفاع السرائيلي‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬فَ َ‬ ‫ن جيش ال ّ‬ ‫"‪ .‬‬ ‫ُ‬ ‫قد َ حياءه‪ .‬‬ ‫لغراض سياسّية‪ ،‬قصد خصي الرجل العرب ّ‬ ‫ن دموعي يومها أعفتني من‬ ‫ل‬ ‫أريحا‪،‬‬ ‫سجن‬ ‫خرت في الكتابة عن إهانة إسرائيل َأسرى‬ ‫تأ ّ‬ ‫ّ‬ ‫صد َىً لتلك‬ ‫واجب الكتابة‪ ،‬ولنني ما وجد ُ‬ ‫ت في الصحافة العربّية ما ُيضاهي وجعي من َ‬ ‫مـن رآها‪..‬ما أريد قولــــه‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن َ‬ ‫مثيــرا ً‬ ‫من ْ ُ‬ ‫دا مظهر ُ‬ ‫هم أ ْ‬ ‫قولـــة إعلميًا‪ ،‬كانوا هم الفلسطينيين‪ .‬علـ ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مام سباحة‬ ‫جسدا ً رياضيًا‪ .‬ولول هذا الوضع ال ْغَِبـ ّ‬ ‫خ َ‬ ‫ي أن أشير إلى أّنـي ل أملك‬ ‫إنهم يقفون هناك في امتحان على َ‬ ‫شَبة مسرح )‪ .(.‬أعتقد أ ّ‬ ‫حـاَول أن يعرض علينا النصر عن‬ ‫مجّرد عرض‪َ ،‬‬ ‫العظيم‪ ،‬الذي لم يكن نصرا ً أبدًا‪ ،‬إّنما ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫دفاع السرائيلي إجبار‬ ‫طريق إذلل الّناس وإجبارهم على التعّري ع َلَنــا‪ ،‬أي حاول جيش ال ّ‬ ‫الفلسطينيين‪ ،‬الذين كانوا هناك‪ ،‬على أن يفقدوا حياءهم هم كذلك معه )‪ (.‬‬ ‫مــوا منـه فضيلـة الّنزا َ‬ ‫جنرال الفرح‬ ‫مــّرت إذن أعياد نهاية السنة‪..‬تمّنيت لو نقلُته كّله لكم‪ .

‬ولو كان الثلج رجل لنازله نابليون‪ ..‬‬ ‫مازلت ل أفهم‪ ،‬كيف في إمكان شخص ُيطالع يوميا ً في الصحف‪ ،‬ما يفيض به العالم من‬ ‫س إنسانية‪ ،‬ليس أقّلها بالنسبة إلى المسلم‪ ،‬منظر عشرات اللف من الباكستانيين‬ ‫مآ ٍ‬ ‫المحاصرين في الجبال بالثلوج‪ ،‬والقابعين‪ ،‬حيث قذف بهم الزلزال تحت خيام التشّرد من‬ ‫دون غذاء ول ماء ول غطاء ول دواء‪ ،‬في انتظار أن تترأف السماء بهم‪ .‬‬ ‫ن البعض‪ ،‬في تقليد‬ ‫إ‬ ‫حتى‬ ‫الوحيد‪.‬وهو جاهز لن يدفع ألف دولر أميركي ثمن مقعده‪ .‬وجاءت بهم إلى إسرائيل‪ُ .‬‬ ‫المبراطور‬ ‫هو‬ ‫الثلج‬ ‫ليزال‬ ‫صقيع‪،‬‬ ‫ال‬ ‫جمهوريات‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ملزم لبداية ك ّ‬ ‫مى “قفزة‬ ‫مدة‪ ،‬مح ّ‬ ‫ققا ما ُيس ّ‬ ‫ل عام جديد‪ ،‬اعتاد القفز في المياه المتج ّ‬ ‫قطبّية” تشّبها ً بقفزة دب القطب الشمالي في المياه‪ .‬ل يقبل بأق ّ‬ ‫ل من “جنرال الفرح” ُ‬ ‫لسهرته‪ ..‬ولو كانوا يدينون‬ ‫باليهودّية لفتحت إسرائيل خطا ً جويا ً لنقاذهم ونجدتهم‪ ،‬وربما ذهبت حد ّ خطفهم من براثن‬ ‫وي بهم ترسانتها البشرية‪ ،‬كما فَعلت سابقا ً مع‬ ‫الثلج‪ .‬‬ ‫ده بيوم أبيض‪.‬فهو واحد من خمس شخصيات عالمية‬ ‫أعلى جائزة أدبية في سويسرا‪ ،‬حيث يقيم ُ‬ ‫ل غير‪ ،‬منحتها سويسرا خلل قرن حقّ القامة ال ّ‬ ‫قه‬ ‫شرفّية فيها‪ .‬وقتله‪.‬لنه سيفرح تحت إجراءات أمنّية‬ ‫ن البهجة تحتاج إلى رفقة‬ ‫ددة‪ .‬وكان سيتبّرع على‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لول أن الثلوج حالت دون وصوله إلى موسكو‪ .‬بل ُ‬ ‫ً‬ ‫دعيت إلى طاولت الهدر أي ّا ً كانت‬ ‫ما‬ ‫لذا‬ ‫التبذير‪.‬هذا الكاتب‪ ،‬الذي ل يكتب إل ّ باللغة العربية‪ ،‬نال‬ ‫مكّرمًا‪ .‬‬ ‫ل أفهم كيف في إمكان شخص أي ّا ً كانت درجة إيمانه‪ ،‬ونسبة ثرائه‪ ،‬أن يعود لبيته سعيدًا‪،‬‬ ‫دة؟‬ ‫بعد أن أنفق في ساعتين‪ ،‬ما قد ُيبقي عشرات الرواح البشرية حّيـة أشهرا ً ع ّ‬ ‫خال نفسه سّيدًا‪ ،‬وليس سوى عبد ٍ لدى “جنرال الفرح”!‬ ‫هــة لمرئ ي َ َ‬ ‫أّيــة وجا َ‬ ‫ً‬ ‫جا في العتراف بهزيمته على يده‪ ،‬عندما‬ ‫حَر َ‬ ‫وهو غير “جنرال الثلج” ‪،‬الذي لم يجد نابليون َ‬ ‫مها إلى “حظيرته” ومغانمه‪،‬‬ ‫ويض‬ ‫عرشها‪،‬‬ ‫زحف بجيوشه نحو روسيا‪ .‫متعّهدا ً‬ ‫يحجز له طاولة للبهجة في فندنق بخمسة نجوم‪ .‬عندما استيقظ العالم‬ ‫ّ‬ ‫بتهريب آلف اليهود الثيوبيين إلى إسرائيل في رحلت جوية ليلية‪“ ،‬جيمس بوندّية”‪.‬وربما بسبب تلك الهزيمة‪ ،‬أو‬ ‫لكن الثلج كما الفقر ل ُيقَتل )بض ّ‬ ‫ددون ك ّ‬ ‫مقولة التي رفعت الثلج إلى مرتبة جنرال‪ ،‬ظ ّ‬ ‫ل شتاء ولءهم‬ ‫ل الروس يج ّ‬ ‫تلك ال ْ َ‬ ‫مى روسيا بمعطفه البيض‬ ‫لقائدهم البديّ الذي مّرغ أرضا ً غرور ذلك المبراطور‪ ،‬و َ‬ ‫ح َ‬ ‫الكثيف‪.‬كأّنه بذلك يقطع على نفسه عهدا ً‬ ‫ما قد يحمله العام الجديد من مصاب‪.‬‬ ‫مراهََنة على فأل قد يعكس الحكمة ويع ُ‬ ‫ل تح ّ‬ ‫سبًا‪ ..‬‬ ‫م الياء(‪ ،‬إّنه القاتل دومًا‪ .‬في سهرة تغني فيها نانسي عجرم‬ ‫ن البعض ذهب به السباق في التشاوف والمزايدة على‬ ‫مرورا ً وعبورا ً بين فندقين! بل إ ّ‬ ‫التبذير‪ ،‬حد ّ شرائه في ليلة رأس السنة قبل الخيرة بطاقات فرحة من السوق السوداء‪..‬ول ّ‬ ‫مش ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وزمرة وشلة من أصدقاء الجيب‪ .‬ليس ذنبنا إن بخلت علينا الطبيعة بالثلج‪ ،‬و َ‬ ‫حَر َ‬ ‫أن نقتدي بالد ّب ََبــة!‬ ‫اقرأوا إبراهيم الكوني‬ ‫مبهجا ً كان خبر حصول الكاتب الليبي إبراهيم الكوني‪ ،‬على إحدى أكبر الجوائز العالمية في‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جب أن تكون الجائزة ألمانية‪،‬‬ ‫ع‬ ‫ول‬ ‫يسبق"نوبل"‪.‬‬ ‫ا‬ ‫أدبي‬ ‫ا‬ ‫تكريس‬ ‫البعض‬ ‫يعتبرها‬ ‫التي‬ ‫الدب‪،‬‬ ‫َ َ‬ ‫ي الذي‬ ‫الفلسف‬ ‫فكره‬ ‫عمق‬ ‫حيث تعرف أعماله رواجا ً لم يعرفه أيّ كاتب عربي‪ ،‬بسبب‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يتماشى مع النزعة التأملية لدى اللمان‪ .‬تق ّ‬ ‫ن إسرائيل قد قامت أثناء نومه‬ ‫أ‬ ‫ليكتشف‬ ‫صباح‪،‬‬ ‫ذات‬ ‫“الفلشا”‪ .‬الكوني الذي لم ينل ح ّ‬ .‬‬ ‫بالصمود أمام كل الصعاب‪ ،‬والتصدي ل ِ َ‬ ‫ل‪ ،‬أل ُتذ ّ‬ ‫دي”؟! ف ّ‬ ‫كروا قلي ً‬ ‫كركم هاتان الكلمتان بشعار ما؟ ل تضحكوا‪،‬‬ ‫ت “الصمود والتص ّ‬ ‫قل ُ‬ ‫ً‬ ‫متنا من أن نهزم نابليون‪ ،‬أو‬ ‫ل تحزنوا أيضا‪ .‬‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫يستفزني‬ ‫شيء‬ ‫ل‬ ‫ا‪،‬‬ ‫شخصي‬ ‫ُ‬ ‫ذريعة الحتفاء‪ ،‬أو الحتفال‪ ،‬إل ّ واعتذرت‪ ،‬حتى ل أترك إنسانيتي إكرامّية لنادل الثراء‪...‬سيحتاج أيضا إلى دفع المبلغ نفسه عن ك ّ‬ ‫ل مقعد محجوز‬ ‫على حسابه في طاولة الفرح العابر بين سنتين‪ .‬وهو يحتاج فعل ً إلى عسكريّ بهذه الرتبة‪ .

‬‬ ‫حمة‬ ‫ن‪ِ .‬فبعض أعماله لطولها الذي ُيفضي غالبا ً إلى عمل آخر‪،‬‬ ‫تستدعي من المرء أخذ إجازة كي يتم ّ‬ ‫كن من قراءتها‪ .‬فكما قال سفيان الثوري‪" :‬إذا‬ ‫متع الدنيا‪ ،‬متع ّ‬ ‫ل ُ‬ ‫ّ‬ ‫صره عيوب الدنيا‬ ‫زهد العبد في الدنيا‪ ،‬أنبت الله الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه وب ّ‬ ‫وداءها ودواءها"‪.‬من هذا الكتاب اخترت لكم هذه التأ ّ‬ ‫الشهوة شروع في احتلل بدن إنسان آخر‬ ‫الحب شروع في احتلل روح إنسان آخر‬ ‫صن بنفسه‬ ‫ل حرية لنسان لم يعرف كيف يتح ّ‬ ‫في عبادة المخلوق لخالقه يعبد المخلوق نفسه‬ ‫من أفقد العذراء عذريتها أفقدته عذريته‬ ‫َ‬ ‫الدنيا كالحسناء ل تفتك إل ّ بع ّ‬ ‫شاقها‬ ‫الحدس وشوشة الروح‬ ‫كيف نطمع في نيل الحرية‪ ،‬إذا كنا ل نستطيع أن نرفض ما نريد؟‬ ‫من لم ُيحسن إلينا بأنه أحسن إلينا؟‬ ‫ما يضيرنا أن نوهم َ‬ ‫ظمأ المال إلى اللص‪.‬الذين سبقوك إلى كتابته ما عادوا هنا‪ .‬الشهداء‬ ‫جرت جثثهم أيضًا‪ ،‬ويدفنون "دفن الوديعة" في غياب أقاربهم وأحّبائهم‪،‬‬ ‫الرقام الذين هُ ّ‬ ‫دفنوا معهم يدك‪.‫ما في‬ ‫عربيًا‪ ،‬بلغ أحد أعماله في اليابان المرتبة الثالثة‪ ،‬في مبيعات الكتب المترجمة‪ .‬لطالما أدهشني الكوني بتواضعه ودماثة خلقه‪،‬‬ ‫الصغيرة ذات التأ ّ‬ ‫ي ساعات على الهاتف‪ ،‬لمناقشة فكرة روائية‪ ،‬أو الجدل في‬ ‫إلـ‬ ‫دث‬ ‫للتح‬ ‫واستعداده الدائم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫موضوع فكري أو فلسفي يقودنا إليه حوارنا‪ .‬‬ ‫ن تحت أنقاض الصدمة‪ ،‬ينتشل من داخلي جثث الكلمات؟ وتلك الدموع المتف ّ‬ ‫َ‬ ‫م ْ‬ ‫م ْ‬ ‫في المآقي؟‬ .‬وكم قرأ لي على الهاتف بعض نصوصه‬ ‫جملة أو جملتين أودع فيهما خلصة حكمة ما كان‬ ‫القصيرة الطازجة‪ ،‬التي تأتي غالبا ً في ُ‬ ‫ً‬ ‫ليبلغها‪ ،‬لول تلك العزلة التامة التي اختار أن يعيشها لكثر من عشر سنوات‪ ،‬حارما نفسه‬ ‫من ك ّ‬ ‫ففا ً مترفعا ً عن أضوائها ومادياتها‪ .‬وأعترف بأن دماثة خلقه ولطفه وبساطته شغلتني عن‬ ‫مطالعته بالعمق الذي هو أهل له‪ .‬‬ ‫أعرف الكوني منذ سنوات‪ .‬أ ّ‬ ‫فرنسا حيث تصدر أعماله عن "دار غاليمار" الشهيرة‪ ،‬فقد اختارته مجلة "لير" الفرنسية‪،‬‬ ‫عربيا ً وحيدا ً بين خمسين روائيا ً من العالم‪ ،‬اعتبرتهم يمثلون اليوم "أدب القرن الحادي‬ ‫والعشرين"‪.‬لذلك اعتدت أن أستعيض عنها بكتبه‬ ‫ملت العميقة الموجزة‪ .‬وذلك الكم من الهوان؟ بعض‬ ‫الكلم ل ُيكتب بالحبر‪ ،‬ول يكتب باليد‪ .‬إنها سويسرا ُأخرى تكاد تشبه في عزلتها الصحراء التي تركها الكوني‬ ‫خلفه‪ ،‬ولم يكتب سواها في ك ّ‬ ‫ل رواياته‪ .‬أكبر من ظمأ اللص إلى المال‬ ‫الحتماء بأحضان المرأة قَد َُر رجال هزمتهم العزلة‬ ‫ل يثق الناس بإنسان ليست له غاية دنيوّية•‬ ‫مآثر القتلة‪ ..‬هو الطوارقي‪ ،‬ما كان يحتاج إلى الجلباب الزرق‪،‬‬ ‫فقد خلعه ليرتدي السماء جلبابا ً وعمامة‪ ..‬وعنفوان القتيل‬ ‫أبيد ٍ واحدة‪ ،‬علينا أن نكتب عن ذلك الكم من الجرائم‪ .‬ولذا أهدى كتابه "ديوان البر والبحر" "إلى‬ ‫سويسرا‪ :‬وطن أرضي‪ ،‬ولكنه يتسّلق شغاف اللب توقا ً للوصول إلى الفردوس السماوي‬ ‫ملت‪:‬‬ ‫المفقود"‪ .‬‬ ‫عندما زرته منذ ثلث سنوات في رأس ذلك الجبل السويسري‪ ،‬الذي يقيم فيه‪ ،‬أدركت وأنا‬ ‫ُ‬ ‫محاط بالثلوج والغابات والوديان‪ ،‬كبيوت الرهبان‪ ،‬أن‬ ‫أفاجأ ببيته البسيط الجميل ال ْ ُ‬ ‫سويسرا التي لجأ إليها إبراهيم‪ ،‬ليست تلك التي يلجأ إليها الثرياء والهاربون من الضرائب‬ ‫ومبيضو الموال‪ ...

.‬‬ ‫ُتق ّ‬ ‫السيدة ذات البتسامة السوداء‪ ،‬حزينة من أجلنا‪ ،‬جاءتنا بـ "سّلة محّبة"‪ .‬‬ ‫شهّيتنا لمشاهدة الخبار السعيدة‪ ،‬أتت عليها الجثث العربّية التي يقذف بها الموت من‬ ‫لبنان وبغداد وفلسطين‪.‫صدقًا‪ ،‬أخشى أن أكون فقدت القدرة على الكتابة‪ ،‬كعشرات الجرحى الذين فقدوا في‬ ‫هذه الحرب عضوا ً من أعضائهم‪ ،‬وتكت ّ‬ ‫ي‬ ‫وهة المستشفيات‪ .‬‬ ‫مة ع ّ‬ ‫ما ً لدى مولهم‬ ‫د‬ ‫خ‬ ‫العمل‬ ‫على‬ ‫رون‬ ‫يص‬ ‫إنهم‬ ‫ية‪.‬لنب ِ‬ ‫معرفتنا أنها ما كانت سوى أقنعة‪ ،‬وجودها عند أقدام جثثنا ُيبكينا‪.‬‬ ‫الح‬ ‫عن‬ ‫عاطلين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ب وتقلباته‪،‬‬ ‫نزار قّباني الذي قال في الحب الشيء وعكسه‪ ،‬لفرط ما عاش تطّرف الح ّ‬ ‫ل دائما ً نحلة تلحس العسل عن أصابع قدميك‪ ،‬حتى ل أبقى عاطل ً‬ ‫ن أظ ّ‬ ‫كتب يقول‪" :‬أريد أ ْ‬ ‫عن العمل!"‪..‬شيء ف ّ‬ ‫ظ بأجسادهم المش ّ‬ ‫ن تلك الحروق التي نراها تنتشر على أجساد البرياء المسالمين‪ ،‬ويقول الطباء‬ ‫وه‪ .‬في الح ّ‬ ‫ملت ُ‬ ‫تأ ّ‬ ‫سأظ ّ‬ ‫س ّ‬ ‫ي‪ ،‬التي يقبع في زنزانتها ع ّ‬ ‫ذج‪،‬‬ ‫شاق ُ‬ ‫ل أطالب بإغلق معسكرات العتقال العاطفـ ّ‬ ‫سِهم بعبارة "إلى البــــد"‪،‬‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ية‬ ‫ضح‬ ‫وذهبوا‬ ‫ية‪،‬‬ ‫أزل‬ ‫بثوابت‬ ‫ية‬ ‫العاطف‬ ‫الحياة‬ ‫وروا‬ ‫ّ َ َ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تص ّ‬ ‫ْ‬ ‫نك ّ‬ ‫مسّيج بالغيرة‬ ‫ب الكبير والخير‪ ،‬فوقعوا في براثن ح ّ‬ ‫ح ّ‬ ‫ب هو ال ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ل ُ‬ ‫معتقدين أ ّ‬ ‫ب ُ‬ ‫ب‪،‬‬ ‫ح‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫مدركين‬ ‫غير‬ ‫التفتيش‪،‬‬ ‫ونقاط‬ ‫النذار‬ ‫بأجهزة‬ ‫خخ‬ ‫مف‬ ‫و‬ ‫الشائكة‪،‬‬ ‫الشكوك‬ ‫وأسلك‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ي على الحّرية‪ ،‬أي على قدرتنا على‬ ‫على الرغم من كونه امتهانا للعبودّيــة‪ ،‬هو تمرين يوم ّ‬ ‫الستغناء عن الخر‪ ،‬حتى لو اقتضى المر بقاءنا أحيانا ً‬ ‫ب‪.‬اليوم‪،‬‬ ‫أمام دسامة مآسينا وتنويعات الموت الجماعي العربي‪ ،‬الذي يزيد من نهم الكاميرات‬ ‫لجثثنا‪ ،‬أعدكم إن أنتم واظبتم على مدار ساعات الليل والنهار‪ ،‬على مشاهدة نشرات‬ ‫الخبار‪ ،‬منتقلين من قناة إلى ُأخرى‪ ،‬بأن تفقدوا وزنكم‪ .‬وطغاته‪.‬‬ ‫أناس ل نعرفهم‪ ،‬يعرفون أننا لن نبكيهم‪ ،‬عندما على الساعة الثامنة مساًء‪ ،‬تتطاير‬ ‫أشلؤهم لتح ّ‬ ‫ط في صحوننا‪..‬أفكارا ً قطفت‬ ‫فاكهتها من بساتين الكراهية‪ ،‬وتعجب أن مليين النازحين والمعدمين‪ ،‬على جوعهم إلى‬ ‫الن‪ ،‬لم يجلسوا إلى مائدتها شاكرين‪.‬‬ ‫لبنان الكبير بكبريائه‪ ،‬وضعنا أمام مآثر القتلة‪ ،‬وعنفوان القتيل‪.‬‬ ‫قليل ً أو كثيرًا‪ ،‬نحتاج إلى أن نبكي ولو لمّرة أخيرة‪ ،‬لن أحلمنا رخصت‪ ،‬وُندوينا ازدادت‬ ‫ك على القل على القنعة التي سقطت‪ ،‬برغم‬ ‫عمقًا‪ ،‬ومشروعاتنا القومية تلك أفلست‪ .‬‬ ‫ب‬ ‫متأ ّ‬ ‫خرة‪ .‬لكأ ّ‬ ‫تش ّ‬ ‫إنها أتلفت أطرافهم بشكل ل يمكن علجه‪ ،‬إلى حد ّ استدعاء بترها‪ ،‬لحقت بي‪ ،‬أتلفت يدي‪،‬‬ ‫أو عضلة لساني‪ ،‬أفقدتني الرغبة في الكلم وفي الجواب وفي الجدل‪ .‬‬ ‫للعلم‪ ،‬إن ثمن تناول الغذاء مع السيدة بوش في المآدب الحزبية أو الخيرية‪ ،‬ل يقل عن‬ ‫خمسين ألف دولر‪ ،‬للشخص الواحد‪ .‬‬ ‫العبود‬ ‫من‬ ‫إنقاذهم‬ ‫في‬ ‫أمل‬ ‫شاق ل‬ ‫ّ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ث ّ‬ ‫ّ‬ .‬ما قصدتني‬ ‫مطبوعة أو فضائية تستقصي رأيي في هذه الحرب إل ّ وأجبتها بالصمت‪ ،‬كذلك العجوز‬ ‫الجنوبي‪ ،‬الذي لفرط ما رأى من أهوال‪ ،‬دخل في حالة صمت مطبق‪ .‬من هنا تبدو كوندوليزا رايس أكثر سخاًء‪ ،‬وهي‬ ‫تدعونا مجانا ً إلى وجبة العشاء الخبارية التي ُنساق إليها خراف مسالخ‪ ،‬وقطعانا ً بشرية‪،‬‬ ‫دم قرابين ولء على مائدة طهاة العالم‪ .‬‬ ‫قبل هذه الحرب‪ ،‬قالت ممثلة أميركية‪ ،‬في سياق حديثها عن أمنياتها‪" :‬إن السلم العالمي‬ ‫هو وجبة ناجحة فعل ً للتخسيس!"‪ .‬رأيناه يصغي إلى‬ ‫ما حدث‪ ،‬وبعد ك ّ‬ ‫ل سؤال كان ُيمسك بالمايكروفون ويعيده إليه‬ ‫مراسل "الجزيرة" يسأله ع ّ‬ ‫من دون أن ينبس بكلمة‪..‬كنت سأنصحكم يومها بأن تجّربوا "نظام حمّية الفجائع‬ ‫العربية"‪ ،‬بمتابعة أخبار الساعة الثامنة مدة شهر‪ ،‬عساكم تفقدون بعض وزنكم‪ .‬واتزانكم أيضًا‪.

.‬‬ ‫ّ‬ ‫خذ من الحب ما تشاء‪ ،‬وخذ بقدره من عذاب"‪ ،‬نصيحة من "عّتال‬ ‫مال السّية " ُ‬ ‫يا ح ّ‬ ‫ي" أقعدته الذكريات!‬ ‫عاطف‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫ما الحزن فل تستطيع أن تقيم معه حوارًا‪.‬لمجّرد أنهم أنفقوا عليه!‬ ‫***‬ ‫*غاِدر بيتك كل صباح‪ ،‬وكأنك على موعد مع الحب‪.‬‬ ‫ث‬ ‫بهجتك‪،‬‬ ‫تحملك‬ ‫وطيش‪،‬‬ ‫غبار‬ ‫من‬ ‫كائن‬ ‫فراشة‪.‬‬ ‫الفرح‬ ‫*‬ ‫ّ‬ ‫إنه منغلق على نفسه كمحار‪.‬‬ ‫بلى‪ .‬في البدء‪ ،‬أنت‬ ‫خ ّ‬ ‫م تنتهي داّبة تنوء بحمل خيباتها‪.‬‬ ‫تهيأ له بما ُأوتيت من أناقة• يحلو للحب أن ُيباغتك في اللحظة التي تتوّقعها القل‪:‬‬ ‫"وجدتها‬ ‫في وقت لم ُأناِدها فيه‬ ‫فوق مح ّ‬ ‫طة لم أنتظرها عليها‬ ‫في لحظة لم أتهيأ لقدومها‬ ‫في مكان لم أبحث فيه عنها‬ ‫في مساء لم ُأع ّ‬ ‫طره لستقبالها‬ ‫في بقعة أرض لم تكن مهيأة لها"‪..‬‬ ‫ب أن يسألوا ماذا عليهم أن يفعلوا من أجل الفوز‬ ‫بالمنطق نفسه‪ ،‬على العاطلين عن الح ّ‬ ‫ي‬ ‫به‪ .‬‬ ‫حــ ّ‬ ‫هو ال ْ ُ‬ ‫مال حمل عبئه"‪.‬فل يمكن طلب الحب بالتكلفة القل‪ .‬‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫ن‪ ،‬يشكون البطالة العاطفّية‪ ،‬ورجال ً‬ ‫* كلما رأيت من حولي نساًء في كامل انتظاره ّ‬ ‫صة حب "أبدّية"‪ ،‬حضرني قول جون كيندي‪:‬‬ ‫أعياهم الترّقب لبرق ينذر بصاعقة عشقّية‪ ،‬وق ّ‬ ‫"ل تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك‪ ،‬بل ماذا عليك أن تفعل من أجله"‪.‬‬ ‫تكّلم ولو مع ورقة‪.‬‬ ‫دفاعا ً عن البهجة‬ ‫معل َِنة أنها‬ ‫أذكر أ ّ‬ ‫ن جريدة سويسرية‪ ،‬قّررت أل ّ تنشر على صفحاتها إل ّ الخبار السعيدة‪ُ ،‬‬ ‫ً‬ ‫سُتقاطع تماما أخبار الكوارث الطبيعية‪ ،‬والحروب الهلّية‪ ،‬والوبئة‪ ،‬والمذابح‪ ،‬والمواجهات‪،‬‬ ‫والغتيالت‪ ،‬والغتصابات‪ ،‬والبطالة‪ ،‬والضرابات‪ ،‬وكل ما تعيش عليه الصحافة الغربية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ن أربعمئة مليون إنسان في العالم مصابون بأمراض نفسية وعقلية‪،‬‬ ‫يكفي أن نعرف أ ّ‬ ‫شي به ما يستهلكه النسان العصريّ من‬ ‫ت‬ ‫ي‪،‬‬ ‫عصب‬ ‫لنهيار‬ ‫مهيأة‬ ‫كانت‬ ‫ن البشرية‬ ‫ّ َ ِ‬ ‫لنفهم أ ّ‬ ‫ُ‬ .‬الحب إغداق‪ ،‬إنه يحتاج إلى سخاء عاطف ّ‬ ‫من دونه‪ ،‬لّنه ُيعّري البخلء‪،‬‬ ‫بف ّ‬ ‫يتجاوز قدرة الناس العاديين على النفاق‪ .‬ومازلت‬ ‫وتصنع منه مصيدة صفحاتها الولى‪ ،‬لقارئ يحتاج إلى التهام وجبة ذعره اليوم ّ‬ ‫مت‬ ‫أبحث عن هذه الجريدة‪ ،‬ع َ َ‬ ‫مفرحة في زمن ت ّ‬ ‫ساني أعرف من أين ستستقي أخبارها ال ْ ُ‬ ‫فيه عولمة الكآبة أيضًا‪ ،‬مذ تكّبدت بورصة الفرح الكوني أفدح الخسائر‪ ،‬ومازالت تدفع ثمن‬ ‫انهيار برجين في نيويورك‪...‬‬ ‫وماركيز ينصحك‪" :‬ل تمت من دون أن ُتجّرب َ‬ ‫ج َ‬ ‫ب لفرط‬ ‫الح‬ ‫يحملك‬ ‫البدء‪،‬‬ ‫في‬ ‫أيامك•‬ ‫ظهر‬ ‫ن حمولتك تلك‪ ،‬قصمت‬ ‫ّ‬ ‫تضحك‪ ،‬هو ل يدري أ ّ‬ ‫فتك‪ ،‬ول أحد آنذاك ُينّبهك بأن عليك أن تحمله بعد ذلك بقّية عمرك‪ ..‫ه!‬ ‫ب‪ ،‬على الرغم من كونه طاعنا ً في التنكيل ب ِ َ‬ ‫م ِ‬ ‫خد َ ِ‬ ‫الح ّ‬ ‫ب‪.‬في إمكانك إغاظة الحزن بالفرح‪.‬‬ ‫أ‬ ‫ثرثار‪.‬لذا‪ ،‬الح ّ‬ ‫ضاح ل ِ َ‬ ‫حتى الذين يعتقدون أنهم أعطوا‪ .

..‬وقبله‬ ‫ل أمواله ل ِ َ‬ ‫بقرن كان "يان جيجيكا"‪ ،‬وهو البطل القومي في بلد بوهيميا‪ ،‬قد أوصى بأن ُينتزع جلده‬ ‫قبل وفاته‪ ،‬لُتصنع منه آلة للطرب!‬ ‫ي الهابط التي تجلدنا ك ّ‬ ‫ل يوم‪،‬‬ ‫ولو عاش على أيامنا‪ ،‬لحققت له فضائيات الغناء العرب ّ‬ ‫ُأمنيته‪ ..‬حتما ً سيفوق عدد أعضاء هذا‬ ‫مشاهدين‪ ،‬أن نشترك‬ ‫مشاركين و ُ‬ ‫النادي‪ ،‬نادي الضحك الهندي‪ .‬من قبل حتى أن ُيغادر الحياة‬ .‬‬ ‫دراسة ألمانية جاءت لتزيد من إحباطنا‪ ،‬إذ أكدت إحصاءاتها‪ ،‬أنـــــه‪ ،‬على الرغم من‬ ‫صعوبة الحياة في الخمسينات‪ ،‬كانت ضحكات الناس تستغرق ‪ 18‬دقيقة يوميًا‪ ،‬وقد‬ ‫دلت الصابة بالكتئاب‬ ‫دة إلى ‪ 6‬دقائق في التسعينات‪ ،‬مقابل ارتفاع مع ّ‬ ‫انخفضت هذه الم ّ‬ ‫إلى ‪ 10‬أضعافها في الخمسينات‪.‬فالدنيا تضحك على ك ّ‬ ‫ل المكاسب التي‬ ‫ل َ‬ ‫حى بالبهجة‪.‫مذه َِلة من عقاقير ضد ّ الكآبة‪ .‬لن يختلف كثيرا ً عن واقعنا!‬ ‫صة ذلك‬ ‫للذين لم يعوا عواقب الحزن على الكائنات الحّية‪ ،‬بما في ذلك الحيوانات‪ ،‬أنقل ق ّ‬ ‫الخروف الذي‪ ،‬بسبب حزن عميق أصابه إثر انفصاله عن رفيقه‪ ،‬انقلب على نظامه‬ ‫الغذائي‪ ،‬وبدأ في التهام الدجاجات من حوله‪ .‬‬ ‫ولننا ل نملك ثقافة البهجة‪ ،‬ول تقاليد الضحك‪ ،‬عندما قرأنا خبر إنشاء طبيب هندي نوادي‬ ‫صصة لرواية الطرائف‬ ‫للضحك‪ ،‬يفوق عدد أعضائها الخمسة والعشرين عضوًا‪ ،‬ليست ُ‬ ‫مخ ّ‬ ‫واد ٍ ينتقل فيها الضحك بالعدوى من دون سبب‪ ،‬كما ينتقل عندنا البكاء‪،‬‬ ‫والنكت‪ ،‬بل هي ن َ َ‬ ‫خفنا آنذاك أن ُيلهم الخبر حماة النواح ومتعهدي المآسي القومّية‪ ،‬فيهّبوا لنشاء "ناد ٍ للبكاء‬ ‫ي"‪ ،‬برعاية إحدى الفضائيات الخبارية العربّية‪ .‬حتى إ ّ‬ ‫ما‬ ‫أ‬ ‫الضحك‪.‬ويحضرني قول أحمد أمين "لو ُأنصف الناس‪،‬‬ ‫كمّيات ُ‬ ‫ن أحد أسباب هذا الحباط‪،‬‬ ‫لستغنـوا عن ثلثـة أربـاع ما في الصيدليات‪ .‬لذا لن يكون من ال ّ‬ ‫للبكاء‪ ،‬يتداَفع عند بابه العاطلون عن الحلم من شبابنا‪ .‬‬ ‫دة‬ ‫ش‬ ‫من‬ ‫موته‬ ‫حتى‬ ‫المذنب‪،‬‬ ‫قدمي‬ ‫سابقا ً "العدام ضحكًا" عن طريق دغدغة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫في الهند‪ ،‬حيث يجتمع ك ّ‬ ‫ل صباح في الساعة الخامسة تماما‪ ،‬عشرات النساء والرجال‪،‬‬ ‫ن درسهم‬ ‫فإ‬ ‫"اليوغا"‪،‬‬ ‫رياضة‬ ‫المغول‪،‬‬ ‫بأضرحة‬ ‫المحيطة‬ ‫الجميلة‪،‬‬ ‫ليمارسوا في الحدائق‬ ‫ّ‬ ‫ينتهي ك ّ‬ ‫دوا لمواجهة مشكلتهم اليومية‬ ‫دة‪ ،‬كي يستع ّ‬ ‫ل صباح‪ ،‬بانفجارهم ضاحكين دقائق ع ّ‬ ‫بالضحك‪.‬فالبكاء‪ ،‬كما الغناء‪ ،‬استثمار فضائي‬ ‫العرب ّ‬ ‫جّيد عندما يتعّلق المر بنا‪ ،‬وموارد الحزن والبار الجوفّية لدموعنا‪ ،‬كثرواتنا المنهوبة‪ ،‬ل‬ ‫صعب إحداث "ستار أكاديمي"‬ ‫تنضب‪ ،‬هي فقط ترخص كّلما غل بترولنا‪ .‬بالضحك"‪ .‬ذلك أ ّ‬ ‫مصادرة الحياة العصرّية حقّ النسان في الضحك‪ ،‬بفرضها عليه نمطا ً من التوتر الدائم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بحكم خوفه المتزايد من الغد‪.‬كان ذلك قبل "إنفلونزا الطيور"‪ ،‬على الرغم‬ ‫من ذلك أوقع صاحبه في مشكلة فقهّية بشأن لحمه إن كان ُيعد ّ حل ً‬ ‫ل!‬ ‫أما الذين اعتنقوا الفرح مذهب ًَا‪ ،‬فأدعم قناعاتهم بوصّية فقيه روماني‪ ،‬أوصى في القرن‬ ‫الخامس عشر بك ّ‬ ‫من ُيثبت الشهود أنه كان أكثر الناس ضحكا ً في جنازته‪ .‬‬ ‫ن البشرّية أصابهاالذعر من فقدانها ال َْ‬ ‫عة ضد ّ هذا النوع الجديد من الكتئاب‪ ،‬ونسيانها‬ ‫مَنا َ‬ ‫ول ّ‬ ‫ْ‬ ‫منقذ الوحيد‬ ‫عادة البتهاج‪ ،‬فقد اكتشفت أ ّ‬ ‫ن الضحك من مستلزمات الحياة العصرية وال ُ‬ ‫من ل يضحك لها‪ ،‬وتسلبه في آخر الجولة‪ ،‬ك ّ‬ ‫لها‪ .‬فلمّرة في إمكاننا جميعًا‪ُ ،‬‬ ‫في البكاء‪ ،‬لكون تلفزيون واقعهم آنذاك‪ .‬‬ ‫من أجلها ض ّ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫كيف‬ ‫"الضحك"‪،‬‬ ‫الشهير‬ ‫كتابه‬ ‫في‬ ‫برغسون‪،‬‬ ‫هنري‬ ‫الفرنسي‬ ‫الفيلسوف‬ ‫يثبت‬ ‫وقبل أن‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الضحك ُيح ّ‬ ‫ن‬ ‫ذر القلب‪ ،‬بتفريغه من شحناته العصبّية القاتلة أحيانا‪ ،‬وإثبات أطباء الدماغ‪ ،‬أ ّ‬ ‫الضحك هو صمام أمان عقولنا‪ ،‬وأننا نحتاجه درعا ً ترد ّ عّنا ضربات الحياة ولكماتها‪ ،‬كان‬ ‫السيويون قد وجدوا في الضحك وسيلة لح ّ‬ ‫ن الصينيين ابتكروا‬ ‫ل كل مشكلتهم‪ .

.‬فل يشبع أبدا!‬ ‫أصدرت مستغانمي فيما بعد روايتين هما "فوضى الحواس" و "عابر سرير" لتكتمل بهما‬ ‫الثلثية الروائية التي جعلت من الكاتبة نجمة بكل المقاييس‪ ،‬وهو ما ظهر بجلء في‬ ‫معرض الكتاب الدولي الذي أقيم في العاصمة الجزائرية مؤخرا‪ ،‬حيث حظيت الكاتبة‬ ‫بالكثير من الهتمام النقدي والجماهيري‪ .‬وعلى هامش المعرض كان "للمثقف العربي"‬ ‫معها هذا الحوار‪:‬‬ ‫في البداية سألناها‪ :‬هل أنت سعيدة بالشهرة التي حصلت عليها أخيرا؟!‬ ‫أعتقد أن الكاتب ل يمكن أن يكتب ويعيش تحت الضوء‪ ،‬لن الكاتب الذي يبحث عن الضوء‬ ‫هو كاتب يبحث عن الثرثرة والضجة على حساب البداع‪ ،‬وكل ما يستطيع الكاتب أن يقوله‬ ‫داخل الكتاب وليس خارجه‪ ،‬فمجدي صنعه قرائي ولم تصنعه الصحافة ول النقاد ولم‬ ‫يصنعه أحد‪ ،‬يقول همنجواي‪" :‬الكاتب من له قراء وليس له كتب" وأنا لي ثلثة كتب وهناك‬ ‫من لهم ثلثون كتابا ولذلك من واجبي أن أتواضع لهم وأخصص لهم كل وقتي‪ ،‬يمكن أن‬ ‫أعتذر للصحافة‪ ،‬ولكن ل يمكن أبدا أن أعتذر للقارئ‪ ،‬وكان هناك قارئ مكفوف أعتبره‬ ‫نموذجا للقارئ الجيد‪ ،‬بل أسميه مجاهد القراءة‪ ،‬تصوري رجل ولد مكفوفا‪ ،‬ولم ير في‬ ‫حياته حرفا مكتوبا ويشتري الكتب‪ ،‬لقد اشترى كتابي وثمنه عشرون دولرا وهو ليس له‬ ‫هاتف ويقول )الكتاب قبل الهاتف(‪ ،‬فهذا الكفيف يبحث عن المعرفة ول عنوان له‪ ،‬تصوري‬ ‫أعطاني بطاقته لكتب اسمه‪ ،‬وقلت له إني من أجله سأخترع جائزة للقراء في زمن كتابه‬ ‫أكثر من قرائه‪.‬ومن أراد الجهاد فليكتب بالعربية‬ ‫‪---------‬‬‫ل يهمني من أين تؤكل كتف القارئ!‬ ‫سأخترع جائزة للقراء في زمن كتابه أكثر من قرائه‪.‫أحلم مستغانمي لـ "المثقف العربي"‬ ‫أنا "كائن من حبر"‪ ..‬‬ ‫أقول لسعدي يوسف‪ :‬الذي يقتات من جراح الناس ل يشبع أبدا!‬ ‫ةةةة‪ :‬ةةةةةة ةةةة‬ ‫ةةةةةةة – ةةةةةة ةةةةةة‬ ‫أحلم مستغانمي "كائن من حبر" انفجر على الساحة الثقافية العربية قبل بضعة أعوام‪،‬‬ ‫على جناح رواية مثيرة للجدل بعنوان "ذاكرة الجسد" التي وصفها الكاتب الكبير نجيب‬ ‫محفوظ بأنها عمل روائي فارق في تاريخ الكتابة النسائية بلغة الضاد‪ ،‬ولكن سرعان ما‬ ‫ظهرت اتهامات مفادها أن مستغانمي ليست الكاتبة الحقيقية للرواية‪ ،‬بل إن كاتبها هو‬ ‫الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف‪ ،‬المر الذي نفته "أحلم" نفيا قاطعا‪ ،‬مؤكدة أن‬ ‫الشاعر آثر الصمت وقتها عن عمد ليستفيد من الدعاية‪ ،‬وأنه –بذلك – اختار أن يقتات من‬ ‫جراح الخرين‪ .‬‬ ‫وكيف ترين القارئ العربي المعاصر؟!‬ ‫هناك قارئ يجاملك ويأتي لخذ توقيع‪ ،‬هؤلء الناس ليسوا معنيين بشيء‪ ،‬ولكن المكفوف‬ ‫على عكسهم تماما‪ ،‬فالكتاب يساعده على خلق عالم داخلي‪ ،‬لذلك أقول وأكرر ليتواضع‬ ‫الكاتب قليل‪ ،‬فليس الكاتب بالقول ول الشهادات التي حصل عليها ول عدد الكتب التي‬ ‫كتبها‪ ،‬فأنا ل أقول إني دكتورة فالشهادة ل تثبت أني مبدعة أو كاتبة‪ ،‬أنا تمنيت أن أكون‬ ‫"أحلم" فقط لول وجود مغنية بهذا السم‪ ،‬فالكاتب كلما يكبر كلما تصغر أسماؤه‪ ،‬مثل‬ ‫نزار ل يحتاج إلى تعريف فل نقول الستاذ الكبير نزار قباني‪ ،‬لنه أصبح علما بغير‬ ‫لقب‪،‬حينما نقول "نزار" فل يحتاج المر لضافة أخرى حتى نعرف أن المقصود هو نزار‬ ..

‬‬ ‫هل أصبت بالغرور بعد هذا النجاح؟!‬ ‫الكاتب ل يقاس بإبداعه وشهرته‪ ،‬بل بتواضعه‪ ،‬والغرور هو نهاية البداع‪ ،‬وأنا أقول إن‬ ‫الكاتب سارق ومتهم بسرقة حياة الخرين والسطو على أحاسيسهم‪ ،‬أحيانا الكاتب يمشي‬ ‫ويسجل لكن بأمانة‪ ،‬كيل يبتعد عن أخلقيات الكتابة‪ ،‬فيمكن أن تتغذى من قصص الخرين‬ ‫ومن تأملتهم‪ ،‬في كثير من الحيان تتعلمين من سائق أجرة‪ ،‬أنا أسرق قارئا ول أسرق‬ ‫كاتبا‪.‬‬ ‫أكل كتف القارئ اجتمع في القاعة أثناء إلقائك المحاضرة ما ل يجتمع عادة‬ ‫من مختلف التيارات‪ ..‬‬ .‬‬ ‫كيف استغلت القضية؟ وكيف ترين موقف سعدي يوسف؟‬ ‫ستة أشهر وأغلفة المجلت تنهشني ولم يأت أحد لنجدتي‪ ،‬سعدي يوسف اختفى تماما ولم‬ ‫يكذب الخبر إل بعد شهر ونصف ظنا منه أنه سيبني مجدا وصرحا‪ ،‬لكنه صرح في خياله‬ ‫فقط‪ ،‬لن الذي يقتات من جروح الخرين ل يمكن أن يشبع أبدا‪ ،‬ول يمكن أن يصل إلى‬ ‫إقناع الخر‪ ،‬لن القلم قلمي والهم من ذلك الذاكرة ذاكرتي أنا‪ ،‬سعدي يوسف سكت ولم‬ ‫يتكلم حتى استفاد من الدعاية‪ ،‬رغم أنه من الناس الذين دافعت عنهم وكنت أقول‪ :‬إني ل‬ ‫أدخل العراق مادام سعدي يوسف منفيا‪ ،‬أنا آذاني سكوته‪ ،‬ولكن بالنسبة له سيتبعه الذى‬ ‫طول العمر‪.‬‬ ‫كيف دافعت عن نفسك؟!‬ ‫تقصدين كتابي‪ ،‬الكتب ل يمكن أن ندافع عنها‪ ،‬لنها تدافع عن نفسها‪ ،‬ما جدوى كتاب نضع‬ ‫فيه خلصة الروح والفكر والتأمل ونأتي بعد ضجة قامت من فراغ ونقول إنه لنا‪ ،‬أنا أدافع‬ ‫عن شرف الكتابة فقط‪ ،‬فعندما يموت الكاتب فإن كتبه تتولى مهمة الدفاع عنه‪ ،‬ولقد‬ ‫قلت في ذلك‪ :‬نحن نكتب كتبا لتدافع عنا وليس لندافع عنها‪ ،‬وإذا لم يستطع "فيلعن أبوه‬ ‫كتاب"‪.‫قباني‪،‬أما السماء الكبيرة فهي دليل على أنها صغيرة‪.‬‬ ‫نسبت رواية "ذاكرة الجسد" للشاعر العراقي سعدي يوسف‪ ،‬واستغل المر‬ ‫استغلل كبيرا‪ ،‬كيف تلقيت المر؟!‬ ‫رواية "ذاكرة الجسد" التي نسبت لسعدي يوسف لم تكتب في مقال وانتهى المر بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬ولو كان المر كذلك لعتبرته أمرا هينا‪ ،‬ولكن الخبر انتقل إلى "وكالة النباء‬ ‫الفرنسية" التي رفعت ضدها دعوى قضائية‪ ،‬ولكن ما يؤلم أكثر هو أن الطعنة جاءت من‬ ‫الجزائر‪ ،‬فجريدة "الخبر" السبوعية أوردت الخبر تحت عنوان "سرقات أدبية" وفي‬ ‫الصفحة الولى أيضا‪ ،‬فهل يمكن أن يصبح من كتب بروحه عمل تمجيديا لوطنه سارقا؟‬ ‫والسارق الحقيقي يكرم ويمنح وساما ويرسل لتمثيل بلده في الخارج؟ ل يعقل أبدا أن‬ ‫أسرق عمل وتفاصيله المنقوشة في مخيلتي تشفع لي‪ ،‬فل يمكن لحد أن يكتب هذا‬ ‫العمل‪ ،‬فل كاتب من العراق ول من فلسطين يمكن أن يؤرخ لهذا الجسد ويجعل له ذاكرة‪.‬كيف تفسرين ذلك؟‬ ‫أنا لم أنتبه لهذا‪ ،‬ولكن أنتبه لهذا عندما أوقع كتبي‪ ،‬فلقد حدث في لبنان أن جاءتني راهبة‬ ‫وبعدها محجبة وفي نفس القاعة جاءتني واحدة نصف عارية‪ ،‬وفي نفس الوقت قالت لي‬ ‫المحجبة والسافرة إني أعبر عنهما‪ ،‬الجميل هو هذا‪ ،‬فلو نكتب ونحن نفكر في إغراء قارئ‬ ‫بالذات لن نوفق فسنربح ربما القارئ ولكننا نخسر عددا كبيرا من القراء‪ ،‬والسر هو أن‬ ‫تكتبي عن النفس البشرية‪ ،‬عن أحاسيسك دون التفكير في لعبة المراوغة مع القارئ أو‬ ‫التفكير في كيفية "أكل كتف القارئ" وهذا هو سر نجاحي‪.

..‬‬ ‫هناك من يقول إنك تكلمت عن الحب بطريقة رائعة جدا‪ ،‬وهناك من اعتبر‬ ‫هذا الوصف الشعري توظيفا للجنس فإن كان توظيفا فعليا فما القصد من‬ ‫ورائه؟‬ ‫أنا لم أكتب عن الجنس بالمفهوم المتعارف عليه ونصوصي وورقي المطبوع أكبر دليل‬ ‫على ذلك‪ ،‬أنا كتبت عن الحب وإن كان الجنس جزءا من حياتنا اليومية ل يمكننا إغفاله‪،‬‬ ‫والكاتب يقاس بطريقته في التعامل مع موضوع الجنس بالذات‪ ،‬ففي رواياتي يصل‬ ‫القارئ إلى النهاية دون أن يعرف ماذا حدث بين البطل والبطلة‪ ،‬فأنا أنقل الحاسيس التي‬ ‫تخلفها الرغبة وراءها‪ ،‬وأنا كاتبة رغبة وليس كاتبة متعة‪ ،‬الرغبة شيء والمتعة شيء آخر‪،‬‬ ‫فالمتعة تغتال الدب بشكل من الشكال‪ ،‬وفي هذا المقام عندما يقولون لي إني أباع‬ ‫روائيا لنني أوظف الجنس؛ أقول لهم اقرأوا ما كتبته الروائيات اللبنانيات والمصريات‪ ،‬وأنا‬ ‫لست ضد هذا‪،‬ولكن قلمي نسخة مني يتكلم كما يتكلم رجالي‪ ،‬فرجالي هم هكذا وأنا‬ ‫"كائن حبري" ول أعطي إل باللغة والدب تطهير الذوق‪ ،‬فكيف أسعى للمتعة كي يباع‬ ‫عملي‪.‬‬ ‫قيل إن فوضى الحواس ليست بمستوى ذاكرة الجسد‪ ،‬فما رأيك؟!‬ ‫ذاكرة الجسد هي الرواية الولى‪ ،‬هي وجعي الول‪ ،‬ربما افتقد القراء في فوضى الحواس‬ ‫الحرقة الموجودة في ذاكرة الجسد‪ ،‬ومع هذا فأنا أظن أنه عمل جميل وسيدافع عني‬ ‫حتما‪ ،‬سيدافع عني على القل لنه جزء من الثلثية هذه ومن خلل تاريخ لـ ‪ 50‬سنة من‬ ‫تاريخ الجزائر في فضاء ورقي تجاوز ‪ 1000‬صفحة‪ ،‬ول أظن أن الذي يقرأ اللحظات التي‬ ‫وصفت فيها اغتيال بوضياف يمكنه أن يحبس الدمع‪ ،‬حاولت بحرقة كبيرة أن أهرب بذكرى‬ ‫هذا الرجل لورقي الروائي‪ ،‬إلى العالم العربي الذي ل يعرفه‪ ،‬التاريخ يحفظ الحدث ولكن‬ ‫من سيعود إلى التاريخ؟ ولكن الرواية الوصفية والتي تقرأ على مدار الزمن ستحفظ أدق‬ ‫التفاصيل‪.‬أليس كذلك؟!‬ ‫ل‪" .‬‬ ‫إذن أحلم تلعب على ثنائية اللغة والحساس؟!‬ ‫نعم‪ ..‬ولذلك تصعب ترجمة أعمالي‪ ،‬لنني أزاوج بين السرد والشعرية‪ ،‬وهذا ما حبب‬ ‫قرائي فيما أكتب‪ ،‬وعندما أسأل عن العربية التي أكتب بها أقول إني تعلمتها في الجزائر‪،‬‬ ‫وأنا ل أعرف العربية أكثر منكم‪ ،‬فأنا أكتب وفي كتاباتي كثير من الخطاء اللغوية‬ ‫والملئية‪ ،‬وأتساءل أحيانا عن موضع الهمزة "إن كانت على الكرسي أو على السرير"‬ ‫وبرغم هذا أكتب بلغة جميلة‪ ،‬ليس لني أتقنها أكثر منهم ولكني أحبها أكثر‪ ،‬لني على‬ ‫قناعة بأن الذين ماتوا ماتوا من أجل هذه اللغة‪ ،‬والكتابة بالعربية في نظري ضرب من‬ ‫الجهاد‪ ،‬فمن أراد أن يجاهد فليكتب بالعربية ليس فقط لنها لغة القرآن ولكن لن ‪ 25‬لغة‬ ‫تنقرض سنويا من العالم "وهذا تقرير رسمي من اليونسكو"‪ ،‬تصوري هناك تطهير عرقي‬ ‫لغوي‪ ،‬وسيأتي يوم ل تبقى فيه إل اللغات الكبيرة والتي ستكون اللغة النجليزية هي‬ ‫الميرة لنها لغة العلم والتكنولوجيا‪ ،‬لبد أن نستميت في الدفاع عن اللغة‪ ،‬أنا ل أدافع عن‬ .‫‪-------------------------------------------------------------------------------‬‬‫فوضى الحواس‬ ‫جاءت بعدها "فوضى الحواس"‪ .‬فوضى الحواس" كانت مكتوبة أثناء الحملة‪ ،‬جاءت "عابر سرير"‪ ،‬ولكني أحب‬ ‫"فوضى الحواس" بقدر ما أحب الراحل بوضياف‪ ،‬صحيح أن الراوي امرأة وهي تحمل من‬ ‫مشاعر الحب ما تحمل لكنها طريقة هربت بها التاريخ إلى صفحات بيضاء ل يمكن الن أن‬ ‫تغتال حروفها ول أن تسلب حقائقها‪ ،‬أرخت فيها لمرحلة من مراحل التاريخ الجزائري‬ ‫تنتهي باغتيال الرئيس بوضياف‪ ،‬وهي مهداة إلى روحه وروح الشهيد سليمان عميرات‪.

‬‬ ‫احلم مستغانمي‪ :‬خنت الشعر مع الصحافة والرواية‬ ‫والحياة الزوجية!‬ ‫ةةةةةة‪ :‬ةةة ةةةةةة ةةةةةةة‬ ‫‪Sunday.‬ماذا تعني الكتابة بالنسبة لك؟!‬ ‫الكتابة تصفية حسابات‪ ،‬كتبت الثلثية لثأر لبي وأنا لن أتوقف‪ ،‬فحتى وأنا أكرم أشعر‬ ‫بألم‪ ،‬فل يعنيني التكريم ككاتبة‪ ،‬فالهم عندي أن أكون مواطنة‪ ،‬أهم من ذلك المقولة‬ ‫الشهيرة "ل كرامة لنبي في قومه" ول يعنيني أن أكون نبية‪ ،‬ول يعني ذلك بالقدر الذي‬ ‫يعني أن أكون فيه مواطنة‪ ،‬أريد أن أعيش حياة مواطنة كريمة ل أن أكون مكرمة‪ ،‬وقلت‬ ‫الجبن بالمجان ل يوجد إل في مصيدة الفئران‪ ،‬فل يوجد من يكرمك لوجه الله‪ ،‬ل يوجد‬ ‫نظام يكرم المبدع بل مقابل‪ ،‬فالنظام له حساباته‪ ،‬يكرمك عندما تصبحين كبيرة‪ ،‬فهو‬ ‫يحتاج إلى رفات مبدعيه مثلما حدث مع محمد الديب وآخرين‪..‫العربية فقط؛ بل عن لهجتي الجزائرية داخل العروبة‪ ،‬أن أقف أمام العالم كعربية وأمام‬ ‫العرب كجزائرية‪.‬لماذا؟!‬ ‫رغم أن بوتفليقة هو صديق جيد وقارئ جيد وناقد جيد ولو تحدثت عنه لقلت إنه يصلح أن‬ ‫يكون خير من يمثل وزير الثقافة الرائع لنه على درجة عالية من الثقافة‪ ،‬حتى في غربته‬ ‫كان يطارد الكتب في كل مكان‪ ،‬وله علقة وطيدة بالكتاب الكبار أمثال غبريال جارسيا‬ ‫ماركيز ‪ ،‬وهذا جانب آخر ل أريد أن أقول عنه شيئا حتى ل يحسب علي لو أن العلقة‬ ‫أصبحت مع السلطة‪.. 40‬السنة الخامسة ‪2005 .‬‬ ‫أخيرا‪ .‬‬ ‫تكلمت عن الرؤساء ولم تذكري "بوتفليقة"‪ .‬‬ ‫ــــــــــــــ‬ ‫العدد ‪ . 11 June 2006‬‬ ‫ذات صباح استيقظت واذا بي زوجة وأم لثلثة صبيان ودكتـورة فـي السوربـون وباحثـة‬ ‫في علــم الجتمــاع وطباخة وغسالة وجلبة ومربية في كل ساعات النهار‪،‬‬ ‫كان لي اكثر من لقب واكثر من مهنة غير انني كنت قد فقدت لقب "شاعرة" هذا ما قالته‬ ‫الكاتبة الجزائرية أحلم مستغانمي في شهادة لها قدمتها في معهد العالم العربي في‬ ‫باريس‪ ،‬لكن صاحبة رواية "ذاكرة الجسد" التي طبع منها لحد الن ‪ 300‬ألف نسخة‪ ،‬عدا‬ ‫النسخ المزورة‪ ،‬كما قالت لي خلل لقائي بها في مسقط على امتداد اكثر من عشرين‬ ‫سنة من تاريخ صدورها في ‪ 1993‬حيث بلغ عدد المرات التي طبعت بها ‪ 22‬مرة!! فضلت‬ ‫ان تدخل مسقط معتلية صهوة جواد الشعر‪ ،‬عبر حنجرة المطربة اللبنانية جاهدة وهبة‬ ‫التي اختارت لها نصا ادرجته ضمن امسيتها الغنائية "صوفيات" التي قدمتها على مسرح‬ ‫حصن الفليج بحضور مستغانمي التي تقول كلمات نصها‪:‬‬ ‫"ما طلبت من الله في ليلة القدر‬ ‫سوى ان تكون قدري وشري‬ ‫سقفي وجدران عمري‬ ‫وحللي ساعة الحشر"‬ ‫لذا فحين التقيت بها افتتحنا حوارنا بالشعر الذي افتتحت به حياتها الدبية عندما اصدرت‬ .

‬‬ ‫ وكيف تبررين انتقالك من الشعر الى الرواية؟‬‫* كلما سئلت هذا السؤال تكون اجابتي‪ :‬عندما نفقد حبيبا نكتب قصيدة وعندما نفقد وطنا‬ ‫نكتب رواية فالرواية هي مفتاح الوطان المغلقة في وجهنا‪.‬‬ ‫ ألكي تستعيدي لقب "شاعرة"؟*‬‫صدقا مازلت لهذه اللحظة ل أصدق انني شاعرة‪.‬‬ ‫ هل ان الشاعر فوق الخطاء؟*‬‫الشاعر قدوة‪ ،‬انسان كبير‪ ،‬ويعيش تحت المجهر‪ ،‬تصور ان التاريخ مازال الى اليوم يحاكم‬ ‫"المتنبي" على قصيدة كتبها في "كافور الخشيدي" وسواها من السقطات التي خدشت‬ ‫صورته‪ ،‬وكشفت عن اهداف له صغيرة‪ ،‬هناك شعراء اهانة للشعر‪.‬‬ ‫ لماذا؟‬‫* الشعر تاج يصعب حمله‪ ،‬عليك ان تدافع عنه كل يوم‪ ،‬لن هذا التاج قد يسقط في اي‬ ‫خطأ ترتكبه وانا ل اعني الخطاء العروضية‪ ،‬بل الخطاء التي نمر بها في حياتنا‪.‬‬ ‫ ليس الرقيب هو التحدي الوحيد الذي تواجهه الرواية العربية‪ ،‬هناك تحديات‬‫اخرى بالتأكيد‪ ،‬كيف تجملينها؟‬ ‫* اعتقد ان الرواية العربية تتعرض اليوم الخطار كبيرة‪ ،‬حظر الهجمة التكنولوجية‪،‬‬ ‫والنترنت والكاتب ل يعرف كيف يدافع عن نفسه والحياة صارت صعبة فالقارىء يذهب‬ ‫نحو الكاتب الذي يعرفه وهذا فيه احجاف لكتاب اخرين من حقهم ان يصلوا‪ ،‬ول اظن‬ ‫ستمنح لهم فرصة! لدرجة انني كثيرا ما شعرت بالذنب تجاه كتاب اخرين‪ ،‬والسؤال‬ ‫المطروح الن هو كيف يدافع كاتب عن نفسه في هذا العالم‪.‬‬ ‫ تقولين القارىء يذهب نحو الكاتب الذي يعرفه وانت لمن ذهبت خلل‬‫سنوات التكوين؟* عندما سألني الدكتور سهيل ادريس لمن قرأت؟ اجبته‪ :‬لم اقرأ شيئا‬ ‫واعني بالنسبة للروائيين‪ ،‬فلقد تغذيت بالفلسفة فعندما نكتب رواية ل تغذيك رواية‪ ،‬انك‬ .‬‬ ‫ وهل هربت افكارك في رواياتك؟*‬‫كل الشياء التي اريد قولها قلتها في رواياتي ولم تمنع‪ ،‬رغم ان فيها كما هائل من‬ ‫التحريض‪ ،‬عليك ان تراهن على غباء الرقيب العربي الذي اعتدت عليه ومشكلة انه يحكم‬ ‫عليك من غلف الكتاب قبل ان يقرأه‪.‬‬ ‫ واليوم بعد مرور اكثر من عشرين سنة على تلك الفاجعة هل ما زلت‬‫تشعرين بالغتراب؟* الن ربما عندما اصبحت الغربة وطني ما عدت مغتربة‪ ،‬فهذا‬ ‫قدري أصبحت في هذه الطمأنينة تحت ظل هذا السند الوهمي "الوطن" الذي اوجدته‬ ‫لنفسي‪ ،‬اجلس مع نفسي وأراود الشعر عن نفسي‪..‬كانت تعبيرا عن فاجعة وطنية‪.‫ديوان عام ‪.‬‬ ‫ اذن الغربة افضت بك الى الرواية؟*‬‫بالضبط‪ ،‬ففاجعتي كانت اكبر من ان يحتويها نص شعري‪ ،‬فتدفقت في ملحمة من ‪416‬‬ ‫صفحة عنوانها "ذاكرة الجسد" ‪ .1973‬‬ ‫ تقولين انك اتخذت قرار التخلي عن الشعر خشية ان تصبحي ادنى منه‪،‬‬‫كيف تخليت عن الشعر؟‬ ‫* نولد جميعنا شعراء‪ ،‬بعضنا يبقى كذلك والخر يخون الشعر‪ ،‬انا خنت الشعر مع الصحافة‬ ‫والرواية والحياة الزوجية التي هي ضد الشعر تماما وهنا يحضرني قول للشاعر‬ ‫عبدالرحمن البنودي هو "من خان الشعر مرة واحدة خانه الشعر الى البد"‪.‬‬ ‫ أل تبدو هجرتك الن الى الشعر معاكسة في زمن تمثيل لغة القراءة الى *‬‫الرواية حتى اطلق البعض على زمننا بـ "زمن الرواية"؟‬ ‫دائما الزمن زمن الشعر‪ ،‬والروائيون الكبار نجحو لنهم لم يغادروا الشعر والشاعرية‬ ‫الواقعية‪ ،‬ان النسان يحتاج الى شعر‪ ،‬والرواية ل تنقذ ال بالشعر فل بد من انقاذها به‪،‬‬ ‫ومن هنا فالرواية اخر حقيبة لتهريب الفكار الخطيرة‪ ،‬وإنني اعتبر المبدع مهربا‪ ،‬والمبدع‬ ‫الذي يمنع كتابه هو مهرب سيء وقع في خطوط تفتيش الجمارك العربية‪ ،‬فل بد ان يكون‬ ‫ذكيا بحيث ل يمنع كتابه في اي بلد‪.

‬‬ ‫‪ -‬صعدت قطار الغربة بوقت مبكر حيث اخذك الى باريس‪ ،‬كيف تعايشت مع‬ .‬‬ ‫ ومتى يفضح الشعر؟‬‫* عندما يغنى لن المتلقي يمتلك كل الوقت لكتشاف نقاط ضعفك لقد احسست بعد‬ ‫الحفل الذي اقامته على مسرح حصن الفليج ان ثمة مؤامرة شعرية حاكتها ضدي‬ ‫"جاهدة" فالحفل جعلنا نبحث في كثير من النصوص لقامة حفل سيقام في دبي بدعوة‬ ‫من مؤسسة سلطان العويس لذا فانا مضطرة لكتابة نصوص خصوصا انني اكتشفت ان‬ ‫بامكاني ان اكتب شعرا‪.‬الغناء يفضح ضعف الكلمة‪ ،‬الشعر‬ ‫مفتاح لمن دونه‪.‬‬ ‫ هل تضعينى الكتاب في خانات مثلما تضعين القراء؟‬‫* هناك كاتب وهناك ليس كاتبا‪ ،‬ل يوجود كاتب كبير! انت كاتب بدون اضافات‪ ،‬انا كاتبة‬ ‫لست كبيرة اي احترف الكتابة‪ ،‬جاهزة للموت من اجل اي كلمة كتبتها وعندما تتجه نحو‬ ‫الكتابة ل بد ان تكون مهيأ له‪ ،‬والتكريم الوحيد للكاتب أن يسجن وينفى‪ ،‬الكاتب كائن عار‬ ‫تفضحه لغته‪ ،‬ثمة من يتلصص عليه‪ ،‬ثمة من يجد نفسه فيه ويسعد به وهو انسان سريع‬ ‫العطب‪ ،‬واعداؤه يعرفون ذلك‪.‬‬ ‫ هل تقرأين لسماء معينة؟*‬‫اقرأ كل شيء جميل تقع عليه يدي‪ ،‬حتى في الملحق‪ ،‬احيانا اقرأ لشاعر مترجم فيؤثر‬ ‫في اكثر من شاعر كبير فالمهم عندما تقرأ ان تقع في فخ الكلمات‪.‫تحتاج الى التاريخ والشعر‪ ،‬والفلسفة‪ ،‬والكتاب الجيد هو الذي عندما تنتهي من قراءته تعيد‬ ‫النظر في حياتك‪ ،‬واذا بقيت جملة في ذهنك يكون الكاتب قد نجح‪ ،‬والنجاح ايضا يقاس‬ ‫بكم السئلة الوجودية التي يثيرها الكاتب داخل القارىء‪.‬‬ ‫انني كثيرا ما ابث رسائلي السياسية وافكاري التأملية في رواياتي واعتقد انني وصلت‬ ‫بروايتي "ذاكرة الجسد" العديد من الرسائل التي وصلت للمعتقلت والسجون السرائيلية‬ ‫مخترقة القضبان لنني عندما اكتب اكتب بالشتراك مع قارىء ذكي يكمل النصف الذي‬ ‫سكت عنه‪.‬‬ ‫ وهل سنقرأ لك نصوصا شعرية جديدة؟*‬‫جاهدة وهبي ورطتني بالشعر‪ ،‬ما كنت اعرف قبلها أنني سأقترف قصيدة‪ ،‬صوتها بامكانه‬ ‫ان يرفع اي نص الى مقام الشعر‪ ،‬وحتى عندما اسمعها تغني ايضا لي فل اكاد اتعرف على‬ ‫نصوصي‪ ،‬واصاب بالذهول الجميل وبالرعب ايضا!‬ ‫ ولماذا؟‬‫* لن النص كما كتبته "خربشات" ‪ .‬‬ ‫ يقول شقيقك مراد‪" :‬احلم مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها ابا طالما‬‫طبع حياتها شخصيته الفذة وتاريخه النضالي‪ ،‬لن نذهب الى القول بانها‬ ‫اخذت عنه محاور رواياتها اقتباسا ولكن ما من شك في ان مسيرة حياته‬ ‫التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعا عبر مؤلفاتها" الى اي مدى أثر‬ ‫هذا الب في شخصيتك ورواياتك ورماك داخل اثون الهم السياسي؟‬ ‫* هذا الهم الذي ورثته عن والدي محمد الشريف الذي عرف السجون الفرنسية بسبب‬ ‫مشاركته في مظاهرات ‪ 8‬مايو ‪ 1945‬ومن ثم اصبح ملحقا من قبل الشرطة الفرنسية‬ ‫بسبب نشاطه السياسي‪ ،‬ومأساة أبي تتكرر في كل اعمالي‪ ،‬واعني بها مأساة النسان‬ ‫النظيف الذي يموت في المعمعة‪ ،‬والهم السياسي الذي احمله راجع الى نشأتي في وسط‬ ‫سياسي والحياة السياسية لوالدي الذي كان يملك حق التصرف بكل املك فرنسا عندما‬ ‫غادرت الجزائر بعد الستقلل لكنه مات في شقة مستأجرة!! بينما الخرون نهبوا الوطن‬ ‫لقد قلت‪ :‬قد اغفر للرهابيين الذين دمروا الجزائر لكن لن اغفر للذين نهبوا الجزائر‪.‬اكتب لنفسي‪ ...‬‬ ‫ وبم تأثرت شعريا؟*‬‫بقول بول فليري "الذئب خراف مهضومة‪ ،‬وان اكلت الكثير من خرفان الشعر لصبح لبوة!‬ ‫قرأت لنزار قباني لكن ليس كل كتاباته‪ ،‬الكلمات الجملية تعثر عليها في مقال صحفي‬ ‫احيانا‪.

‬‬ ‫ لكن لغة الشعر بدأت تزحف على الرواية أليس كذلك؟‬‫*القارئ العربي لم يشف من الشعر‪ ،‬ل بد من نقلة تجريدية‪ ،‬جزء من نجاحي في الكتابة‬ ‫الرواية لغتي التي تشبهني‪ ،‬فعندي ل تجد قصة‪ ،‬هناك لغة توجد حدثا‪ ،‬القارئ يحفظ الجملة‬ ‫التي تشبهه لنه يكون قد عثر على نفسه فيها‪ ،‬وعندما يعثر القارئ على نفسه في كتاب‬ ‫يكون قد سلم نفسه للكاتب‪.‬‬ ‫ هل انت راضية عن الشواط التي قطعتها الرواية العربية على المستوى‬‫التقني؟‬ ‫* اعتقد ان الرواية العربية قطعت اشواطا جيدة فقد ظهرت مدارس جديدة واخذ كل‬ ‫كاتب منحى‪ ،‬بدأنا نقرأ روايات فيها جرأة وتوثيق تاريخي وبوح‪ ،‬فالروائي الن يذهب بعيدا‬ ‫في نفسه‪ ،‬وهذه لم تكن متوافرة في الرواية العربية من قبل‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد عادت الروائية أحلم مستغانمي لتشيد بالروائي الطاهر وطار الذي وقف‬ ‫إلى جانبها قائلة "والوحيد الذي أنصفني هو الروائي الطاهر وطار الذي أعتبره أب الرواية‬ ‫الجزائرية''•‬ ‫ُ‬ ‫الروائية أحلم مستغانمي كانت قد أتهمت قبل سنوات بسرقة روايتها الولى '' ذاكرة‬ ‫الجسد'' من الشاعر العراقي سعدي يوسف‪ ،‬حيث قالت صاحبة ''فوضى الحواس'' في‬ ‫هذا الشأن "إن الروائي الجزائري الوحيد‪ ،‬من السماء الكبيرة‪ ،‬الذي وقف بجانبي‬ ‫وأنصفني عندما تخلى عني الجميع بالصمت‪ ،‬لحاجة في نفس يعقوب‪ ،‬هو الكاتب الكبير‬ ‫ما‬ ‫الطاهر وطار عندما قال للجميع '' ُ‬ ‫حسدت الجزائر في أحلم مستغانمي كما ُتحسد دائ ً‬ ‫في كل شيء جميل فيها''•‬ ‫ُ‬ ‫هذا وقد وجهت الروائية أحلم مستغانمي في هذا السياق نداء إلى الكّتاب الجزائريين ول‬ ‫سيما الذين‬ ‫يتخبطون في الصراعات الوهمية والجدالت العقيمة والمهاترات‪ ،‬بالتخلي عن هذه‬ ‫الساليب المنافية للتقاليد الثقافية وأخلقياتها‪ ،‬والعمل على تقدير وتثمين المواهب‬ ‫الجديدة الناشئة‪ ،‬وتشجيعها من خلل حث طاقاتها الكامنة وتقديم العون المادي والمعنوي‬ ‫لها‪ ،‬ودفعها إلى الكتابة والبداع‪ ،‬والعمل على الحتفاء بها على نحو ما ُيحتفى بالكبار• لن‬ ‫الكبير ل يولد كبيًرا ولذلك فمن الجحاف أن يستمر الكبار في دهس الصغار في الجزائر‬ ‫وفي محاولة إلغائهم ومحاصرتهم• وتجدر الشارة إلى أن الروائية الجزائرية أحلم‬ ‫مستغانمي قد أصرت في معرض لقائها مع صحيفة "الخبر" الجزائرية على القول بأنها لن‬ ‫تسمح لنفسها بالتورط في "مهاترات مماثلة مع أي كاتب كان"• هذا وقد أكدت رفضها‬ .‬‬ ‫) ‪( Sunday.. 11 June 2006‬‬ ‫أحلم مستغانمي‪ :‬الطاهر وطار أب الرواية الجزائرية‬ ‫أكدت رفضها التطاول على الكتاب الكبار`جديد` أحلم مستغانمي‪ :‬الطاهر‬ ‫وطار أب الرواية الجزائرية‬ ‫ةةةةةةة ‪ -‬ةةةة ةةةة‪ :‬في لقاء أجرته معها صحيفة "الخبر" الجزائرية اليومية‬ ‫تساءلت الروائية أحلم مستغانمي عن ما أسمته بـ "استمرار دوران مسلسل المهاترات‬ ‫في المشهد الدبي الجزائري"‪ ،‬حيث قالت في هذا الصدد ''إلى متى ستظل ثقافة نهش‬ ‫ت أذكر أن‬ ‫اللحم سائدة‪ ،‬يجب أن نستثمر في ثقافة العتراف بالخر وتقديره )‪ (..‬فما زل ُ‬ ‫الجميع سكت عندما ُأتهمت بالسرقة"‪.‫الغربة؟‬ ‫* في البداية كانت تخيفني‪ ،‬لكنني اكتشفت انها شرط ابداعي يحتاج اليه الكاتب مثلما‬ ‫يحتاج الحب والرؤيا البعد عن الوطان يحتاج الى مسافة لنتأملها جيدا‪ ،‬الغربة جميلة‪.

. .‬سيدة لكل الحتمالت ‪ .‬ووداع أول‪. .‬خائفة ‪ . .‬‬ ‫والنبهار الدائم بلقاء أول ‪ .‬دون أن‬ ‫تستعمل كلمة ) ل ( أو كلمة ) نعم ( ‪. .‬لذا اختاري البداية ‪.‬لذا أنت من يختار البداية ‪.‬‬ ‫فيا صديقي المغامر ) انتبه ‪ .‬؟‬ ‫ولم ل ؟ أليست هي من أعلن الزوبعة تلك التي تتقن العاصير‪ . . .‬‬ ‫فتلك اللعبة تناسبها تماما لنها تقف على حافة الشك ‪ . .‬‬‫أليس هذا لغما وضعته لك تلك التي تحترف اللغة ‪ .‬إياك أن تمر من بساتينها وحقولها ‪ . .‬عارية ‪ . .‬تصبح فيها المفاجأة هي العنصر الحاسم ‪.‬تتسكع ما بين‬ ‫ارتعاشات الليالي وصباحات الكلم‪ . .‬‬ ‫هي ‪ . .‬كالحرب تماما ‪ . .‬تصنع منك جثة هامدة للحب دون أن تدري ‪ .‬؟‬ ‫ماذا لو انسلت أنثى من الحبر ‪ .‬‬ ‫هي سيدة الحب موتا ‪ .‬‬ ‫مقابلة مع السيدة أحلم مستغانمي‬ ‫ةةةة ةةةةةة ‪ :‬ةةةة ةةةة ةةةةة‬ ‫ماذا لو خرجت حورية من البحر ‪ . .‬وأنت تسبح‬ ‫بدهشتك تقضم خيبتك ‪.‬ثم تحيلك إلى براد الذاكرة ‪.‬ومن ثم تهرب خوفا على نفسها من مهب اللفاظ ‪.‬وأنت الصحفي الذي يجب أن تكون‬ ‫سيد اللغام ‪ .‬وتغلق أمامك‬ ‫مطارها كي ل تحاول القلع ‪ . .‬سيدة الشعر حبرا ‪ .‬؟‬ ‫ولم ل ؟ فهي التي تقول في روايتها ) فوضى الحواس ( ‪ :‬السؤال خدعة ومباغتة للخر‬ ‫في سره ‪ .‫التطاول على الكتاب الكبار " الذين يشكلون علمات ثقافية بارزة في تاريخنا الثقافي‬ ‫وعلينا أن نؤسس لتقاليد العتراف بهم على غرار ما هو سائد في الدول‬ ‫ت إلى ترجمة‬ ‫المتقدمة"• وفي هذا السياق أضافت الروائية الجزائرية قائلة "لقد دعو ُ‬ ‫أعمال الشاعر الراحل مالك حداد طوال مشواري‪ ،‬ومع ذلك إتهمني بعضهم في الماضي‬ ‫بسرقة أشعاره‪ ،‬ولكنني لم ألتفت إلى تلك التهامات ونجحت في الخير في تأسيس‬ ‫جائزة مالك حداد للرواية الجزائرية‪ ،‬ولدي رغبة في أن تصبح الجائزة سنوية لنني راغبة‬ ‫في إنجاب ُ‬ ‫كتاب آخرين‪ ،‬وإخراج مواهبهم إلى النور''•‬ ‫وفي هذا الحديث سعت الروائية أحلم مستغانمي إلى تثمين الخطوة الحضارية المميزة‬ ‫التي أقدم عليها‬ ‫الروائي الجزائري الطاهر وطار بإنشائه مؤخًرا لجائزة الهاشمي سعيداني للرواية‪ ،‬متمنية‬ ‫العمر‬ ‫المديد لهذه الجائزة ولما تليها من جوائز مستقبل‪ ،‬تشجيًعا للمواهب التي تزخر بها‬ ‫الجزائر‪ ،‬والتي لم تجد لسوء الحظ من يأخذ بيدها في عالم الكتابة والبداع‪. .‬ويحلو لها أن تجيب‬ . . . .‬إنها ألغام تنفجر شوقا ‪.‬؟‬ ‫نعم و هذا ما حدث في أول لقاءنا ‪.‬؟‬ ‫لنها هكذا دوما ‪ . .‬لنك جميل ‪ . . . .‬‬ ‫لتختبئ في رحم حبرها ‪.‬سيدة الرواية شعرا ‪ .‬‬ ‫تنفجر جنونا ‪ .‬سيدة الحاسيس العابرة للقارات ‪.‬يمكن لزهرة من الكلم أن تخفي غابة من القتلى (‬ ‫ولم ل ؟ أليست هي من وجه الصواريخ البالستية تلك التي تحترف الجتياح ‪ .‬لتغادرك مسافرة نحو مينائها ‪ . . .‬‬‫ البداية معك شيء جميل سيدي ‪ . .‬‬ ‫هي ‪ .‬تقف الكلمات على مفترق الطرق ‪ . . .‬ثم تصنع منك لوحة يتيمة ‪ .‬‬ ‫ البداية معك شيء صعب سيدتي ‪ . .‬‬ ‫تلك التي تكشف لك اللعبة الذاعية التي ينبغي أن تجيب فيها عن السئلة ‪ . .

. .‬كيف تتعاملين مع الرقابة ؟‬ ‫) تضحك ( أتفوق على شيطنة الرقباء ‪ .‬‬ ‫لذا قررت صاحبة الحبر أن تسرق مني سؤالي ‪ .‬‬ ‫هذه هي الحالة التي تركتنا بها بعد انتهاء محاضرتها في الخيمة الثقافية في أرض المعارض‬ ‫على هامش النشاطات الثقافية لمعرض الدوحة الدولي للكتاب ‪ .‬فالكاتب تقاس موهبته‬ ‫بتواضعه ‪ .‬فثمة‬ ‫دار للنشر أتت من الخارج إلى معرض الدوحة للكتاب وتبيع كتابي بمبلغ كبير قياسا مع‬ ‫السعر الحقيقي لكتابي وهذه النسخة مزورة ‪ .‬ففي‬ ‫فلسطين يباع كتابي بتسعة دولرات ! أليس هذا حراما ؟ فالمواطن الفلسطيني فقير و‬ ‫مهدورة حقوقه ‪ ) . .‬والخاسر الكبر هنا هو القارئ ‪ . .‬؟‬ ‫) نقوللك بصراحة ( إني أشعر تجاه هذا الموضوع بعقدة الذنب لني أخذت الكثير من‬ ‫مساحة الخرين ‪ . .‬وبأني ظلمت كتابا آخرين ‪ . . .‬‬ ‫وسبق فيما مضى حينما كنت على ‪ LBC‬اللبنانية في برامج صباحية عن الدب أن بكيت‬ ‫وأنا أعتذر للكتاب أن يسامحوني ‪ .‫) ربما ( حتى عندما تعني ) نعم ( ‪ . . .‬إنها مصيبة أن تتفاوض مع الرقيب ومع الموزع‬ ‫ومع المزور لعمالك ‪. .‬عيب أن أقول هذا الكلم ( لكن جزء من دخلي لمساعدة‬ ‫الفلسطينيين ‪ .‬والمطابع الفلسطينية تسرق القارئ الفلسطيني ‪ ! . .‬الحالمة ‪ .‬الملتبسة ‪ .‬‬ ‫) لكن وللسف ل أعرف أن كان لديك الشجاعة أن تدون هذا الكلم ( فالبنوك الفلسطينية‬ ‫تسرق النسان الفلسطيني ‪ .‬و أدخلني في حروب عديدة ‪ .‬تلك التي ل‬ ‫تنتهي بنقطة ‪ .‬؟‬ . . .‬أما اللص الصغير فمن السهل أن يقع في الشرك ‪. .‬تضيف ‪ . .‬فثمة من أكثر مني موهبة ‪ .‬فكيف تكون لك كل هذه الشعبية دون سيف أو سلطة ؟ إنها نعمة‬ ‫حقا ‪ .‬كيف تتعاملين مع قرائك ؟‬ ‫إنها معجزة الكتابة ‪ . .‬وأنا ل أدافع عن حقوقي في الطبع وإنما عن حقوق القارئ الذي تسرق أمواله ‪ .‬لني أقول ل يمكن أن تدافع عن‬ ‫قضية ول تدفع ثمن موقفك ‪ .‬‬ ‫بما أن لك كل هذا النتشار ‪ .‬فهذه‬ ‫الضواء المتجهة نحوي كثيرة علي ‪ .‬وهذا الحساس الجميل ل يزيدني إل تواضعا أمام القارئ ‪ .‬‬ ‫فالسلوب الذي أعتمده في كسب القارئ هو الغراء خصوصا إذا لم يقتنع بك أو كان‬ ‫يشكك بك ) تضحك ( فأنا أشهر كل أسلحة الدمار الشامل‬ ‫لكن كيف تفسري غيرة البعض من الكتاب بأنك أخذت أماكنهم ‪ .‬وحينما ألجأ إلى الصمت كان يفسر‬ ‫بالضعف لنهم ل يدركون بأنه القوة ذاتها ‪.‬و ) قد( عندما تقصد ) لن (‬ ‫فهي تحب الصيغ الضبابية ‪ . .‬‬ ‫بمناسبة الحديث عن الرقيب ‪ . .‬و ربما هذا ما خلق لي‬ ‫العداء والصدقاء معا ‪ .‬وإنما بعدة نقاط ‪.‬وهذه هي الحالة أيضا‬ ‫التي تركتنا بها بعد إجراء هذا الحوار الجريء ‪. . .‬فليس من الممكن أن يكون الكاتب مغرورا ومترفعا عن اللذين يكتب لهم ‪ . .‬وأقول للقراء أتمنى أن تقرؤوا لكتاب آخرين ‪ .‬ولو كذبا ‪ .‬هل‬ ‫يمكن أن أحب هؤلء الناس أكثر مما يحبهم أبناؤهم ‪ .‬لكني دوما كنت أبحث عن المعارك‬ ‫الشريفة النبيلة المملوءة بالدب وليس قلة الدب ‪ .‬فعوضا عن أن يقوم القارئ بجهد البحث عن‬ ‫كتاب جديد أصبح ل يغامر ‪ . .‬والجمل الواعدة ‪ .‬‬ ‫وهناك مقولة للفنان يوسف شاهين بأن المبدع العربي يقضي ‪ %20‬من وقته في البداع و‬ ‫‪ % 80‬منه في الدفاع عن هذا البداع ‪ .‬فالكاتب الناجح هو سارق محترف يعرف كيف‬ ‫يتعامل مع الرقيب ول يقع في فخه ‪ . .‬وأجازف بأمني وباسمي مقابل هذا ‪ .‬لتجبرني على طريقة غريبة في‬ ‫التحاور ‪ .‬وقد‬ ‫أدهشتني مشاعر الناس في كل الماكن التي ألتقيهم فيها سواء في الشارع أو في‬ ‫المعارض أو المحاضرات ‪.‬فكيف أكتب عن القضية الفلسطينية وأكسب مال مقالي‬ ‫السبوعي مقابل هذه القضية ول أدفع مبلغ للفلسطينيين ؟ أكون قد استغليتهم ‪! . . . .‬‬ ‫وماذا عن أعمالك المزورة ؟‬ ‫للحقيقة أن أعمالي مزورة في أكثر من بلد وهي منسوخة كما تنسخ الشرطة بقصد الربح‬ ‫‪ .‬و أسلوب آخر في السرد ‪.‬فهو يتجه نحو الكتاب الذي يعرفه أو سمع به ‪.

.‬فالحياء‬ ‫إنكار لمنطق الجسد والباحية إهانة لنسانيتنا‬ ‫تتحدثين دوما عن النضال والموت لجل القضية ‪ .‬فهو يقوم‬ ‫بحفظه ‪ . .‬وأتمنى أن تختبرني الحياة في امتحانات كهذه ‪ .‬لكني في البداية كنت أفكر بأن تكون عمل‬ ‫سينمائي ‪ .‬أو كاتب رفض زيارة بلد ما لسبب ما ‪. . .‬‬ ‫وأكون فقط مواطنة عربية ‪ .‬وحدث أن طلب‬ ‫مني أن أهدي كتابي لنزار قباني لكني رفضت – وهل هناك أكثر من نزار – وذلك لني‬ ‫استحيت أن أفرض كتابي على أحد كي يقرأه ‪ .‬‬ ‫ما هي كلمتك الخيرة ‪ .‬أما عن المرأة العربية فكل شيء مشترك بيننا لن الفكار نفسها‬ ‫والمأساة واحدة والوجع واحد ‪. .‬وإنما بنائه‬ . . .‬‬ ‫إلى أي مدى تشعرين بأنك تمثلين المرأة العربية ؟‬ ‫لعل نجاح الكاتب يكون مرهونا بأن ينسب القارئ الكتاب لنفسه ) سواء امرأة أو رجل ( ‪.‬لكن إذا كان هناك قضية حقيقية وموت يفيد ؟ سوف أنسى أني كاتبة ‪.‬فهو يعني بذلك أن يقول خذي كتابي اقرأ يني فأنا‬ ‫أشبهك ‪ . .‬لكننا انتهينا بأن يكون عمل تلفزيوني وذلك كي تصل الرواية‬ ‫إلى أكبر قدر من المشاهدين في العالم العربي ‪ .‬لكن للسف ل قدوة‬ ‫لنا ‪ .‬اكتشفيني ‪.‬وهذا ما يحصل عندما يرى أن الشعر مثل يشبهه ‪ . . .‬الملتبسة ‪ .‬‬ ‫وحدث أن رأيت هذا في أحد المؤتمرات‪ . . .‬فالكتاب الذي يهدى ل يقرأ ‪ .‬جميلة هي مرحلة الرغبة ‪.‬‬ ‫أما من يحاول أن يهديك كتابه لتقرأه ‪ .‬فالقبلة تعطي‬ ‫قدرا كبيرا من المتعة لنها تشعل الحواس الخمس ‪ .‬‬ ‫فحينما يحبه سوف يتبناه ‪ .‬فقط للقراء ‪ .‬فهناك كتب تهدى وتترك في الفنادق ‪.‬فثمة موت‬ ‫تولد فيه ‪ .‫حينما طلبوا منك أن تهدي كتبك الى الصحفيين لماذا رفضت ؟‬ ‫أنا ل أهدي كتابا لحد ‪ . . . .‬فهناك الكثير من القراء لم يقرؤوها ‪.‬؟‬ ‫إن هذا الوطن العربي الكبير والجميل يستحق قدرا أجمل ‪ .‬بينما الفعل الجنسي ل يحتاج ربما‬ ‫لكل هذا ‪.‬ونور الشريف كان يدافع عن هذه الفكرة كي يصل العمل إلى لجان دولية وكي‬ ‫يكون ممثل للجزائر دوليا ‪ .‬‬ ‫والدب العربي ل يعطي القبلة حقها ‪ . .‬فأنت تتمنى أن تسمع بكاتب لم‬ ‫يشترى ‪ .‬فقد كان شعره يشبهنا‬ ‫جميعا إلى حد التطابق ‪ .‬المواربة ‪ . .‬ما هي استعداداتك لذلك ؟‬ ‫أنا مستعدة وجاهزة للموت من أجل أي قضية عربية ‪ . .‬ما تعليقك على ذلك ؟‬ ‫صحيح تماما ‪ .‬والكاتب حتى في موته يوقع نفسه إذا كان قدره أن يموت‪ .‬‬ ‫الرغبة المكابرة ‪ .‬وأنا أقول ل الحياء ول الباحية تصنع أدبا ‪ .‬‬ ‫يقال عنك بأنك كاتبة رغبة وليس شهوة ‪ .‬اللذين اشتريا حقوق رواياتي‬ ‫لتكون مسلسل تلفزيوني في رمضان ‪ .‬لكني اكتشفت غباء‬ ‫الموت مجانا ‪ .‬فنحن نحتاج إلى قدوة كي تكون مرجع لنا ككتاب ‪ . .‬وعلينا أل نشارك في مذبحة‬ ‫المل العربي ‪ .‬وليس غريبا علينا ما حصل مع الشاعر الكبير نزار قباني ‪ .‬ولهذا ل يوجد في أعمالي إل القبلة في كل رواية ‪ .‬لن الشهوة ل تقتل فقط شيئا فينا‬ ‫وإنما أيضا النص الدبي ‪ . .‬طبعا ليس الموت كما يحدث في‬ ‫العراق ! فقد راجعت قناعاتي بعد أن كنت مهيأة للموت هناك ‪ .‬غير المعلنة ‪ .‬تصور كم أهينت هذه الكتب ؟ فهناك كتاب ل‬ ‫يقرؤون لبعضهم البعض حتى ‪.‬‬ ‫أين أنت وأعمالك من السينما والتلفزيون ؟‬ ‫هناك توقيع بين تلفزيون أبو ظبي والتلفزيون الجزائري ‪ .‬لني أحب أن أكون مشتعلة بالشتهاء ‪ .

‬‬ ‫المستقبل‪:‬‬ ‫من سوريا الى الجزائر‪ ،‬كيف كانت طفولتك وفترة المراهقة وماذا عن‬ ‫صداقتك بأنعام بيوض؟‬ ‫أحلم مستغانمي‪ :‬ولدت في تونس من أب ذو جنسية جزائرية كان أبي يهوى الدب‬ ‫الفرنسي وتعرض للسجن بسبب نشاطه السياسي‪ ،‬ونشأت في محيط عائلي وطني‬ ‫التوجه‪ ،‬وبعد الستقلل عدت الى الجزائر لدرس في مدرسة الثعالبية للبنات ومن ثم‬ ‫ثانوية عائشة أم المؤمنين لتخرج سنة ‪ 71‬من كلية الداب ضمن أول دفعة معربة تتخرج‬ ‫بعد الستقلل من جامعات الجزائر‪ ،‬وطبعا الطفولة ليست كلها سعيدة‪ ،‬هذا يكون طبعا‬ ‫في القصص الخرافية‪ ،‬فوصولي الى الجزائر كان فعل مؤشرا‪ ،‬كان اكتشافا‪ ،‬أن أقوم بأول‬ ‫رحلة مضطربة وعمري ‪ 10‬سنوات‪ ،‬وسوف يكون طبعا لهذه النقلة أن تعلمت لهجتين‬ ‫وأصبحت لي مرجعيتان‪ ،‬وطبعا ل نشعر بذلك إل في الكبر‪ ،‬حيث يشعر بذلك التزاوج‪،‬‬ ‫درست في المدرسة الثعالبية ثم ثانوية عائشة أم المؤمنين وهناك التقيت بأنعام بيوض‬ ‫في الصف الول والثاني والثالث‪ ،‬فكنت في النظام الخارجي وكانت أنعام بيوض في‬ ‫الصف الداخلي‪ ،‬كنت في القسم الدبي‪ ،‬بينما كانت هي في القسم العلمي‪ ،‬جمعنا هذا‬ ‫التزاوج الثقافي‪ ،‬لنها ولدت في تونس وربما الذي يجمعنا ميولنا الدبية‪ ،‬فكنت أكتب‬ ‫قصائد في سن السادسة عشر وأول قصيدة أو أول ديوان صدر لي "على مرفأ اليام"‬ ‫عام ‪.1971‬‬ ‫ماذا تعني لك الكتابة؟‬ ‫هي نوع من النهماك السري في الحياة‪ ،‬هي في البداية مناجاة والكتابة لغة مختزلة‪ ،‬وبعد‬ ‫أن كتبت الشعر‪ ،‬كتبت الرواية التي جاءت متأخرة‪ ،‬جاءت نتيجة لمعايشة أشياء صعبة عجز‬ ‫الشعر عن معايشتها‪ ،‬فبحثت عن فضاء أكبر‪ ،‬لم أكن أنوي النشر في البداية‪ ،‬فعلت ذلك‬ ‫لخلق وادا أنفخ فيه صراخاتي وميولتي وكذا كل الحاسيس التي تخالجني والتي ل يعجز‬ ‫البوح عنها ال القلم والكلمة‪.‬‬ ‫أما الحداث الحقيقية للرواية بعد ‪ 25‬سنة من خروج خالد من الجبهة‪ ،‬فيقيم معرضا في‬ ‫باريس وتزوره حياة ويقع خالد في حب حياة بصورة ميلودرامية‪ ،‬حيث بالمصادفة تعّرفه‬ ‫ابنة سي الشريف ابنة عم حياة على نفسها بأنها النسة عبد المولى‪ ،‬فترتد ذاكرته الى‬ ‫الوراء فجأة‪ 25 ،‬سنة‪ ،‬ويأمل في أن تكون الخرى هي الطفلة التي سجلها باسم احلم‬ .‬‬ ‫صدرت لك مؤخرا ثلثيتك المشهورة "عابر سرير" "ذاكرة الجسد" و"فوضى‬ ‫الحواس"‪ ،‬فيما تتلخص أحداث الروايات؟‬ ‫أحداث الرواية أن خالد الشاب ابن الخامسة والعشرين‪ ،‬يقاتل في احدى جبهات الثورة‬ ‫تحت قيادة "سي الطاهر عبد المولى" وكلهما من قسنطينة ويصاب في احدى المعارك‪،‬‬ ‫فينقل مع عدد من الجرحى الى تونس محمل بوصية من سي الطاهر الى عائلته المقيمة‬ ‫هناك والمؤلفة منه وزوجته وطفله ناصر وطفلة وليدة يسمونها حياة‪ ،‬وهذا يشكل خلفية‬ ‫لحداث الرواية من خلل تداعيات خالد‪.‫أحلم مستغانمي في حوار لـ المستقبل‪:‬‬ ‫هذه المرة سأخرج عن الجزائر إبداعا‬ ‫إلتقينا بالروائية والديبة احلم مستغانمي التي أشرفت على جائزة مالك حداد للعام‬ ‫الماضي‪ ،‬حدثتنا عن هذه الرحلة من سوريا الى الجزائر مرورا بباريس‪ ،‬وعن ولوجها لعالم‬ ‫الكتابة الروائية والدبية مؤخرا وعن روايتها الجديدة "الحب الخاص" وعن الترجمة التي‬ ‫رصدتها كتاباتها وأشياء حميمية أخرى كصداقتها بأنعام بيوض مثل‪.

‬‬ ‫كيف تمكنت من تحقيق معادلة التعبير عن أحاسيسك بالرسم والكتابة‬ ‫الشعرية والروائية؟‬ ‫هي محاولة بالزل‪ ،‬فأنا ل أقوم بجهد حين أرسم‪ ،‬فهي ليست أزرار‪ ،‬هي كالخلية الدموية‪،‬‬ ‫والظروف هي التي تجعلنا نشعر بالزخم الشعري‪ ،‬فنحن مثل ل نطبخ اليوم وغدا نقوم‬ ‫بالشغال المنزلية‪ ،‬الكتابة والرسم هي ردود فعل لمعايشات‪.‫وليست من تعرفه ويقع حبه لها فورا‪ ،‬هذه باختصار أحداث الرواية‪.‬‬ ‫على ذكر الرسم كيف ولجت لعالمه؟‬ ‫أعتقد أنني أهوى ذلك منذ الصغر‪ ،‬وهي موهبة نماها أبي الذي اكتشفني‪ ،‬ففي الـ ‪15‬‬ ‫رسمت وجوها وأتذكر أن أول معرض للرسم أقمته كان في المدرسة البتدائية‪ ،‬وعلقتي‬ ‫بالرسم لم تكن مزاجية بقدر ما كانت علقة وجود‪ ،‬لنني أشعر بنفس القلق‪ ،‬وان أشياء ما‬ ‫تود الخروج مني ولن أكف عن خوض تجربة الرسم حتى تكف أناملي عن الحك‪ ،‬فهناك‬ ‫أشياء أودها أن تخرج‪.‬‬ ‫ما سر اللهجة الطيبة وطلقة وعذب الصوت؟‬ ‫عملت في الذاعة الجزائرية لثلث سنوات ونشرت قصائد ومقالت في الصحافة‬ ‫الجزائرية ثم تزوجت الصحفي اللبناني نصفي الثاني وعشت في سوريا وتعلمت اللهجة‬ ‫السورية التي اعتبرها ثاني لهجة اعتز بها بعد اللهجة الجزائرية‪.‬‬ ‫عرفنا أن كل كتاباتك مركزة أو أحداثها تدور في الجزائر وكل شخصيات‬ ‫الرواية جزائريون‪ ،‬هل عملك الجديد سيكون كذلك؟‬ .‬‬ ‫ما هي أهم الجوائز التي تحصلت عليها أحلم مستغانمي طيلة مشوارها‬ ‫الدبي؟‬ ‫تحصلت سنة ‪ 1996‬على جائزة نجيب محفوظ للرواية عن رواية ذاكرة الجسد التي تمت‬ ‫طباعتها ‪ 18‬طبعة في مدة زمنية قياسية‪ ،‬وسنة ‪ 2001‬انشئت جائزة مالك حداد للرواية‬ ‫الجزائرية بالتنسيق مع رابطة كتاب الختلف وكذا أكاذيب سمكة‪ ،‬على مرفأ اليام عام‬ ‫‪ ،72‬واستطعت عبر رواية واحدة أن أحقق النجومية في الوطن العربي الذي ل يقرأ كثيرا‪،‬‬ ‫وهذا مؤشر كبير من طرف الدول العربية على مدى ما استحوذته الرواية من اهتمام‬ ‫يفوق أي كتاب آخر‪ ،‬فرغم أن بداياتي كانت شعرية‪ ،‬لكنها بقيت في ذاكرة كل قاريء‪.‬‬ ‫هل تعرضت أحلم لنتقادات؟‬ ‫أنا أعتقد ان الروائي أو الديب أو الممثل أو أي كان ل يتعرض لنتقاد يعتبر عمله ناقصا‪،‬‬ ‫فالنتقاد طبعا البّناء نوع من التحفيز الذي يساعد على رفع مستوى المنتوج أو العمل الذي‬ ‫نقدمه‪ ،‬فرغم النتقادات اللذعة التي تعرضت لها شخصيا والتي مست الروائية احلم‬ ‫مستغانمي من طرف الدباء الجزائريين وحتى في الخارج‪ ،‬ال أنني اعتبر نفسي من‬ ‫القلم المعروفة على الساحة الدبية‪ ،‬وقد عبر عن ذلك الكثير من الدباء ليس فقط‬ ‫الجزائريون منهم وإنما حتى في الخارج الذين اعتبروا ثلثيتي المشهورة من الروايات‬ ‫عرفت انتشارا وتوزيعا كبيرين في الساحة الدبية‪.

‬مع العلم ان النقطاع كان لظروف الزواج‬ ‫والمومة ولنني كنت أقدم آنذاك أطروحتي في جامعة السوربون )باريس( عن الدب‬ ‫الجزائري‪ .‬وربما لهذا بدأت أعتقد ان الترف والحياة المريحة جدا ً والرفاهية ل تعطينا‬ ‫أدبا ً بل يجب ان نستقيه من شيء آخر كنت اريد ان اكتب نصا ً عربيا ً جمي ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هل من صعوبات واجهت عملية النتقال أدبا والتنقل جغرافيا بين الجزائر‬ ‫وباريس وبيروت؟‬ ‫ــ )قبل أي شيء بالنسبة للصعوبات اقول انه بالرغم من انني حاصلة على ليسانس آداب‬ ‫من الجزائر‪ .‬كتبت الرواية‪ .‬لنتمكن من انجازها‪ .‬واني سأعود بنص عشقي جديد للجزائر‪ .‬لكن‬ ‫عندما نفقد وطنا ً )نكتب رواية( ‪.‬ثم )فوضى الحواس( حملنا اليها بعضا ً من أسئلتنا في الحوار التالي‪:‬‬ ‫لماذا الشعر للحبيب‪ .‬انتقالي الى الرواية تم دون أن‬ ‫أدري فالشعر مرتبط الى حد ما بالمراهقة الولى‪ .‬كما هو الحال في بلدنا العربية‪ .‬مليء بالحنين والشوق‪ .‬ومتفرغة‬ ‫فقط للمومة‪ .‬إل أنني بصراحة ل أعرف كيف تكتب رواية ولهذا كتبت روايتي بصيغة‬ ‫الرسالة وبالرغم من ذلك نجحت )ذاكرة الجسد( ‪ .‬وعندما فقدت الوطن او تكاد ‪ .‬‬ ‫صنعت رجل ً لروايتي‬ .‬‬ ‫أجرت الحوار‪ :‬ك‪ .‬فكنت منقطعة تماما ً عن العالم‪ .‫روايتي هذه المرة خارجة كليا عن الجزائر وعن الشخصيات الجزائرية‪ ،‬فهي رواية أبطالها‬ ‫لبنانيون وأحداثها تدور في لبنان‪ ،‬وسأحاول ان أعالج هذه المرة عبر هذه الرواية الحب‬ ‫في العالم العربي‪ ،‬وأهديها لكل العشاق في عيدهم "الفالونتيني"‪ ،‬غير أنني أشهد أن‬ ‫العنوان الجديد لم يستقر بعد في ذهني‪ ،‬لكن أعد جمهوري أن الرواية في طريق النتهاء‬ ‫لقدم قصة غرامية تسافر بالقارىء الى أجمل الحاسيس والمشاعر في الحياة‪.‬وهكذا انتقلت الى الرواية ولم أغادر الشعر‪ .‬‬ ‫لماذا؟‬ ‫ــ )لنه تصبح لدينا أسئلة أكبر من الشعر فالرواية ترتبط بوعي كبير وتحتاج الى رصيد من‬ ‫الحياة‪ .‬وأعلن انني لم‬ ‫امت ككاتبة‪ .‬استغرقت خمس سنوات من العمل‪ .‬اذا فقدنا حبيبا ً )نكتب شعرًا( ‪ .‬لكن ثمة صعوبات على المستوى‬ ‫الشخصي‪ .‬‬ ‫أنا جد سعيدة بتواجدي في الجزائر الحبيبة‪ ،‬ببلدي وسط أهلي والذي أشعر أنني لم‬ ‫أفارقهم أبدا وكل مرة ألتقي بهم أشعر وكأنني معهم دوما‪.‬ما زلت أكتب‬ ‫روايات فيها النفس الشعري( ‪.‬كل هذه‬ ‫المور تداخلت وولدت نصا ً كبيرًا‪.‬اضافة الى ان الجو في فرنسا لم يكن‬ ‫جوا ً للكتابة‪ .‬‬ ‫كلمة أخيرة لمحبي أحلم مستغانمي‪.‬فالعودة‬ ‫مجددا ً الى الكتابة صعوبة في حد ذاتها‪ .‬وأبرزها روايتها‬ ‫)ذاكرة الجسد( ‪ .‬محيي الدين‬ ‫لقاء السيدة احلم مستغانمي مع جريدة البيان‪:‬‬ ‫احلم مستغانمي لـ )البيان( ‪ :‬القصيدة للحبيب والرواية للوطن‬ ‫عندما كانت الشاعرة الجزائرية المقيمة في لبنان أحلم مستغانمي تفقد حبيبا ً )وهذا‬ ‫افتراض( كانت تكتب قصيدة‪ .‬فهذا اول عمل قمت به بعد صمت دام حوالي خمس عشرة سنة‪ .‬والرواية للوطن؟‬ ‫ــ تقول مستغانمي محطاتي الدبية الولى كانت شعرية‪ .

‬وهاتان العاطفتان توصلنني الى الحالة الشعرية ولهذا‬ ‫فاللغة الشعرية موجودة في رواياتي ول نعبر عن الحب وحده بلغة جميلة انما عن الغضب‬ ‫ايضًا‪ .‬لذلك )استنجدت(‬ ‫برجل في روايتي لعبر عن كل ذلك ورغبت ايضا ً ان أتبرأ من )تهمة( الدب النسائي‪.‬وعندما‬ ‫اخترته اصبحت متورطة معه‪ .‬وهذا كله يخلف لدينا هذه المشاعر‬ ‫المتناقضة‪.‬وهو الرجل العربي المثالي الذي‬ ‫أردت ايصال صورته الى العالم أجمع‪ .‫لماذا كتبت )ذاكرة الجسد( على لسان الرجل الذي برز فيها في أدق‬ ‫المشاعر الوطنية والثورية والعاطفية؟‬ ‫ــ )ليس صعبًا( ان اتقمص شخصية رجل‪ .‬لكن هذا الكلم ليس من الضروري ان يكون منطبقا ً تماما ً علي وعلى خالد‬ ‫بطل الرواية‪ .‬شخص ل يكون‬ ‫كالبطلة عمره ‪ 25‬سنة بل يجب ان يكون عمره على القل ‪ 50‬او ‪ 65‬عامًا‪ .‬هذا بالضافة الى الحالة العشقية حيث ان كل عربي يبحث عن الحب‬ ‫والذي هو بحاجة اليه اكثر من أي جنس بشري آخر‪ .‬تورطت بكل ذاكرته وأعتقد أنني‬ ‫نجحت في وصف الرجولة بشكل جميل ومعبر‪.‬وأنا هنا ل أدعي مضاهاته بل أفسر كيف يمكن ان تكون اللغة‬ ‫هي القاطرة التي تحمل العواطف وان متناقضة ففي النهاية نحن مسكونون بهذه الحالت‬ ‫التي تتناوب علينا ولسنا في حالة ثبات دائم ولكن قدرنا نحن العرب ان نعيش بين الخيبات‬ ‫العربية والحب‪ .‬‬ ‫شاعريين وحالمين‪ .‬فكما قلت سابقا ً ان خالدا ً هو بطل خيالي‪ .‬فل يستطيع احد ان يزعم انه كاتب وليس بمقدوره ان يوقف بين‬ ‫عاطفتين متناقضتين‪ .‬‬ ‫اناس سريعو العطب‬ ‫وهل استطاع ذلك الرجل ان يجمع بين الثأر والغضب من جهة والحب‬ ‫والحنين من جهة اخرى وكيف؟‬ ‫ــ )هذه هي لعبة الكتابة‪ .‬وايضا ً لن الدب ل يصنع ال بالغضب‪ .‬لن هذا‬ ‫الوجع بالذات ل يمكن ان اتحدث عنه كإمرأة فخمسون سنة من الخيبات ل يمكن نقلها ال‬ ‫بلسان رجل كما ان القارىء لن يأنس الى ان تكون هناك امرأة تركت حياتها بكل تفاصيلها‬ ‫النثوية الطبيعية وتفرغت للنتصارات العربية والقضايا السياسية والقومية‪ ..‬معنية كمواطنة جزائرية فل يمكن ان اشفى من‬ .‬وأعرف عنهم الكثير بوجود‬ ‫أولدي وأخوتي وزوجي وقد عبرت في روايتي عن أعماق هذا الرجل بلسانه‪ .‬‬ ‫باقية على قيد الكتابة‬ ‫أين ترى احلم مستغانمي )جزائرها