‫في وداع الس ّيد‬

‫ك������ت������اب������ات وم��������ق��������االت ف�������ي رح����ي����ل‬
‫ف���ق���ي���د الأمّ������������ة ال���ف���ق���ي���ه ال����م����ج����دّ د‬

‫المرجع ال�سيّد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬

‫(ر�ضوان اهلل عليه)‬

‫�إ�صدار املركز الإ�سالمي الثقايف‬
‫لبنان ‪ -‬حارة حريك جممع الإمامني احل�سنني(ع)‬
‫هاتف‪01/544402 - 01/557000 :‬‬
‫خليوي‪03/565074 :‬‬

‫البريد الإلكتروني‬

‫‪inf@tawasolonline.net‬‬

‫‪info@fadlullahlibrary.com‬‬

‫‪icc_library@hotmail.com‬‬

‫‪2‬‬

‫في وداع الس ّيد‬
‫ك�����ت�����اب�����ات وم�������ق�������االت ف������ي رح���ي���ل‬
‫ف���ق���ي���د الأ ّم�����������ة ال���ف���ق���ي���ه ال���م���ج���دّ د‬
‫المرجع ال�سيّد محمد ح�سين ف�ضل اهلل(ر�ضوان اهلل عليه)‬

‫�إ�صدار‬
‫املركز الإ�سالمي الثقايف‬

‫‪3‬‬

‫هيئة‬
‫اإلعداد‬
‫والتنسيق‬
‫منيف سبيتي‪ :‬مسؤول قسم األرشيف‬
‫يف مكتب سماحة السيد (رض)‪.‬‬
‫عباس النابلسي‪ :‬مدير حترير موقع‬
‫تواصل أونالين‪.‬‬
‫منسقة برامج موقع‬
‫أمرية حرفوش‪:‬‬
‫ّ‬
‫تواصل أونالين‪.‬‬
‫إنتصار حرفوش‪ :‬اإلخراج الف ّني‪.‬‬
‫هاين حركة‪ :‬حترير وتصحيح لغوي‬
‫حممد طراف‪ :‬حترير وتصحيح لغوي‪.‬‬
‫شفيق حممد املوسوي‪:‬‬
‫مدير املركز اإلسالمي الثقايف‬
‫املشرف على مكتبة املرجع السيد‬
‫فضل اهلل (رض)‬

‫‪4‬‬

‫مقدمة‬
‫ّ‬
‫كنت أحاول أن أنفتح على اإلنسان ك ّله والفكر ك ّله‪-‬‬
‫«منذ البداية ُ‬
‫أتصور ّأن الله‬
‫وإذا ّ‬
‫صح لي القول‪-‬وعلى الكون كلّه‪ ...‬ألنّني ّ‬
‫ُ‬
‫بأي قيد‪ ،‬ولكن‬
‫حراً‪ ،‬ال‬
‫تقيد نفسك ِّ‬
‫خلق العقل وقال له كن ّ‬
‫ّ‬
‫حريتك»‪.‬‬
‫ّ‬
‫تحمل مسؤولية ّ‬
‫صبيحة الرابع من تموز (يوليو) ‪ 2010‬م رحل عن دنيانا ذلك‬
‫لمجدد المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رضوان الله عليه)‪ ..‬ذلك اإلنسان الربّاني‬
‫الفقيه ا ّ‬
‫الذي مأل الساحة العربية واإلسالمية والعالمية‪ ،‬بمواقفه الرسالية الحضارية والتي عكست روحية‬
‫ّ‬
‫اإلسالم في حركته اإلنسانية وفي أصالة مفاهيمه‪ ،‬مما و ّفر للواقع كلّه‪ ،‬في شرقه وغربه أطروحة‬
‫تستلهم البشر ُية خطواتها لتجد فيها خالص ًا من ك ّل الشرور والفوضى والتبعثر والعصبية‪...‬‬
‫ألجل هذا الهدف الكبير‪ ،‬عاش (رض) حياته وعلى مدى أكثر من ستين عام ًا‪ ،‬مسكون ًا‬
‫شرط أساس الستقرار وطمأنينة شعوب األرض‪..‬‬
‫بأن انتشار العدل ٌ‬
‫بحب الله والناس‪ ،‬ومؤمن ًا ّ‬
‫ّ‬
‫وأن االستكبار‬
‫لتفرق‪ ،‬ولتزرع ا‬
‫لترسخ الحقد والكراهية‪ّ ..‬‬
‫ّ‬
‫لمحبة‪ ،‬ال ّ‬
‫وأن األديان جاءت لتجمع ال ّ‬
‫ّ‬
‫مستقر وآمن‪..‬‬
‫لشر والمانع من وجود عالم‬
‫ّ‬
‫العالمي هو البالء المجبول با ّ‬
‫يردد‪« :‬أقول لك ّل إخواني وأخواتي‪ :‬إنّني أنطلق من موقع إخالصي‬
‫ولذا ‪ ،‬كان‬
‫سيدنا ّ‬
‫ّ‬
‫ضد االستكبار‬
‫اإلسالمي‪ ،‬و ّ‬
‫وألمتي ك ّلها‪ّ ..‬‬
‫وإن قضيتي هي أن أقف ّ‬
‫لخط أهل البيت (ع) ّ‬
‫وضد التخلّف والجهل‪ ..‬وإنّني أعمل من أجل تأصيل مفاهيمنا وفقهنا‬
‫العا‬
‫وضد الصهيونية‪ّ ،‬‬
‫لمي ّ‬
‫ّ‬
‫وقضايانا‪ ،‬حتى تدخل العصر وأن ُندخل اإلنسان إلى العصر بالوجه المشرق لإلسالم»‪.‬‬
‫خط الوعي في مدرسة اإلسالم ضريبة كبيرة‪ ،‬وكان (رضوان‬
‫ودفع ألجل مواقفه ودفاعه عن ّ‬
‫حرم‬
‫الله عليه)‬
‫مستعداً لضربات التيار‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ألن تأدية رسالة الله تتط ّلب مكابدة ومش ّقة وتعب ًا‪ ،‬وقد ّ‬
‫لتعب في سبيل الله حتى الموت‪.‬‬
‫على نفسه الراحة‪ ،‬فأدمن ا َ‬
‫لخط الوعي اإلسالمي َم ْن خنقوا أنفسهم بغبار التخ ّلف‪ ،‬فكان يقول‪:‬‬
‫يتصدى ّ‬
‫وقد آلمه أن ّ‬
‫«إنّني أشفق على هؤالء بسبب الزنزانة الضيقة التي حبسوا أنفسهم فيها‪ ،‬إنّي أعتقد ّأن ما‬
‫ّ‬

‫‪5‬‬

‫يحقدون به ُيميتهم‪ ،‬وإنّي أخاف عليهم ّمما يحملونه من‬
‫حقد‪..‬كنت أتمنى أن يحملوا إ ّلي فكراً‬
‫ُ‬
‫ألن مناقشة الفكر محبة‪َ ..‬م ْن يناقش فكرك يحبك ويعشقك ألنه ينفذ إلى داخل‬
‫يناقش الفكر‪ّ ،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فكرك ويحاول اقتحام إيجابياته وسلبياته‪ّ ..‬أما َم ْن يرجم فكرك فإنّه يعيش الحقد الذي يأكل قلبه‬
‫قبل أن يأكل عقله»‪.‬‬
‫خطه‪،‬‬
‫والواعون في هذه األمة ناقشوا فكر السيد‪،‬‬
‫فأحبوه‪ ،‬والتزموا نهجه‪ ،‬وساروا في ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وكانوا المبدعين فكراً وأخالق ًا وإنسانية وريادة‪..‬‬
‫وكما في حياته‪ ،‬فعند رحيله شحذ هؤالء أقالمهم‪ ،‬وكتبوا بصدق مشاعرهم عن السيد‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫لمؤسسات‬
‫المرجع وا ّ‬
‫لمجدد والعالم واإلنسان واألب والمقاوم المجاهد والراعي المربّي ورجل ا ّ‬
‫متجدداً وخيراً ومحبة وسماح ًة وعلى مدى السمع‬
‫واألديب والشاعر وماليء الدنيا فقه ًا أصي ًال ّ‬
‫ّ‬
‫ووفاء للسيد‪ ..‬فشكراً لهم‪..‬‬
‫والبصر‪ ..‬كتبوا بنبض القلب حبا‬
‫ًّ ً ّ‬
‫ْ‬
‫يا سيدنا‪ ..‬يا حبيبنا‪..‬‬
‫ّ‬
‫لعينيك ُّكل هذا الشوق ُيبحر على سفن الحنين باتجاه الشواطىء التي زرعتها لنا‬
‫أمن ًا‪،‬‬
‫وسالم ًا‪ ،‬ووطن ًا للمحبة‪..‬‬
‫حبيب الك ّل‪..‬‬
‫حنا َ‬
‫نيك يا َ‬
‫فأ َنت عند ربّك على منابر من نور‪..‬‬
‫في أعلى عليين يا سيدي أ َنت‪..‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وح ُسن أولئك رفيق ًا‪..‬‬
‫يقين‬
‫لصد‬
‫ا‬
‫و‬
‫لشهداء‬
‫ا‬
‫و‬
‫لياء‬
‫و‬
‫واأل‬
‫ئمة‬
‫أل‬
‫مع النبيين وا‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وستبقى في العقل والقلب والوجدان‪.‬‬

‫مدير المركز الإ�سالمي الثقافي‬
‫�شفيق محمد المو�سوي‬
‫ربيع الأول ‪ 1432‬هـ‬
‫�شباط ‪ 2011‬م‬

‫‪6‬‬

‫يا �صفاء ال�صفاء‬
‫ال�سيد علي ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬

‫�أخذ من ر�سول اهلل رحمته بال ّنا�س‪ ،‬فذاب توا�ضع ًا‬
‫معهم‪ ،‬عا�ش بينهم ب� ٍ‬
‫أخالق نبو ّية‪.‬‬
‫القلب على الكفّين �أق ّدمه‬
‫�إلى حيث �أنت يا موالي‪� ،‬إلى حيث �أنت في عليائك �أحم ُل َ‬
‫الوجد وال�شوق‬
‫لك‪ ،‬و�صوب عالمك الذي يفي�ض نوارنية وروحانية �أُبحر على �أجنحة ْ‬
‫ألثم يديك الطاهرتين‪ ،‬و�أعانق تلك الروح التي لم تعرف يوم ًا �إال التحليق في‬
‫والحب ل َ‬
‫الأ�سمى والأنقى والأطهر‪.‬‬
‫يا ارتواء قلوبنا بالخير‪ ،‬بالحق ‪ ،‬بالعدل‪...‬‬
‫نب�ض عقولنا والأحالم‪...‬‬
‫يا انتفا�ضة الآمال الكبرى‪ ..‬ترت�سم فوق ِ‬
‫زوج بهيج‪..‬‬
‫يا جداول الزمن ت�سري في الأر�ض تُنبت غال ًال وافرة من ك ّل ٍ‬
‫يا ح ّبة القلب‪ ..‬يا ِمحج َر العين‪..‬‬
‫يا نهارنا الذي �أوجد لنا مكان ًا تحت ال�شم�س رغم القهر والخوف والتح ّدي‪...‬‬
‫يا مالذ ًا في ليالي �آالمنا‪ ،‬ن�سكن �إلى حن ّوك فنمتلأ عزيمة و�إرادات م�شرقة‪..‬‬
‫يا نور �صباحاتنا ُي�شرق فينا نتع ّلم در�س الع�شق في العزّة والكرامة‪...‬‬
‫يا عدل الفقهاء‪ ،‬يا �إمام القر�آنيين‪...‬‬
‫يا ب�سمة اليتيم‪ ..‬يا فرحة الحزين‪..‬‬
‫يا حنان العابدين‪ ،‬يا عيون المح ّبين‪..‬‬
‫يا �أني�س �صالة الليل‪ ،‬يا رفيف �أجنحة المالئكة ت�س ّدد خطوات الر�ساليين‬

‫‪7‬‬

‫‪8‬‬

‫والمجاهدين وك ّل المتط ّلعين �إلى ٍ‬
‫غد ي�شرق �إن�ساني ًة وحق ًا وعد ًال‪..‬‬
‫يا زهرة �أيامنا ال تعرف ذبو ًال وخمود ًا‪ ,,‬ل ّأن ُ�سقياها على الدوام طيب من طيب‬
‫الجنة‪..‬‬
‫يا �صفاء ال�صفاء‪ ..‬يا ُم�س َّدد ًا بعين اهلل‪..‬‬
‫تحب ك ّل هذا الثناء لكني‬
‫لن �أكمل يا �س ّيدي �أكثر من ذلك ف�أنا �أعرف �أنك لم تكن ّ‬
‫�أ�ستميحك عذر ًا فهذا بع�ض من في�ض روحك‪.‬‬
‫علي �أن �أقف بينكم وعلى مقربة من �ضريحه الطاهر لأتح ّدث ع ّمن‬
‫يع ّز واهلل‪ّ ،‬‬
‫ملأ حياتي وحياتكم وك ّل الحياة من حوله ح ّب ًا وعاطف ًة وعلم ًا وحيوية‪ ،‬وتجدد ًا دائم ًا‬
‫وانفتاح ًا ال تعرف عنده الآمال حدود ًا‪.‬‬
‫وبعمق ب�صيرته وثاقب فكره �أدرك � ّأن الحياة �ساحته التي زرع فيها وجوده �ضارب ًا‬
‫ت�ضرب في الأعماق لينتج �شجرها �أُ ُك ًال طيب ًا ك ّل حينٍ ب�إذن‬
‫في �أعماقها كما الجذور‬
‫ُ‬
‫ر ّبها‪ ...‬وهكذا كان نتاجه وفير ًا في الفقه والفكر والأدب‪ ..‬وهكذا �أي�ض ًا في احت�ضان‬
‫�آمال المتعبين والم�ست�ضعفين‪ ،‬فما ق ّر ْت عينُه �إال وهو يرى م�ؤ�س�ساته تُبنى مدماك ًا‬
‫مدماك ًا لترتفع بعين اهلل مالذ ًا لك ّل من �أتعبتهم الحياة من �أيتام وم�ست�ضعفين‬
‫ومع ّوقين وغيرهم‪.‬‬
‫ير�ض �أن يخو�ض غما َر الحياة كما يخو�ضها طالبو الراحة‪� ..‬أو �أن يهد�أ حيث‬
‫لم َ‬
‫ف�ضل �أن يكون ت ّيار ًا معاك�س ًا قوي ًا عندما كان‬
‫يهد�أ النا�س ويرتاح حيث يرتاحون‪ّ ..‬‬
‫وف�ضل �أن يكون ما ُء ت ّياره مما‬
‫يرى التيارات المتنوعة ال تنطق بالحقيقة‪ ،‬بل تعاديها‪ّ ،‬‬
‫يمكث في الأر�ض وما ينفع النا�س‪ ،‬ال زبد ًا رغو ًا ُجفا ًء ال يعك�س �شيئ ًا من الحقيقة‪..‬‬
‫كان يعرف � ّأن ذلك �س ُيتعبه و� ّأن ال�سير مع الت ّيار �أكثر راحة وربح ًا‪ ..‬ولكنّه كان‬
‫ي�ؤمن � ّأن الإن�سان ينبغي �أن يكون هو نف�سه‪ ،‬ال �أن يكون ظ ًال و�صدى لإن�سانٍ �آخر‪..‬‬
‫الحب‪..‬‬
‫�س ّره في ك ّل ذلك �أنّه �أخل�ص هلل �إخال�ص ًا مجبو ًال‬
‫بالحب ك�أعلى ما ُ‬
‫يكون ّ‬
‫ّ‬
‫أحب ر�سو َله‪ ،‬و� َ‬
‫أهل بيته الأطهار وك ّل الطيبين‪.‬‬
‫ّ‬
‫وبحب اهلل � َّ‬
‫�أخذ من ر�سول اهلل رحمته بالنا�س‪ ،‬فذاب توا�ضع ًا معهم‪ ،‬عا�ش بينهم ب�أخالقٍ‬
‫نبو ّية‪..‬‬

‫علي �شجاعته و�صبره في ذات اهلل‪ ،‬ف�سالم عندما ر�أى في ال�سلم تعزيز ًا‬
‫و�أخذ من ٍّ‬
‫لح�ضور الإ�سالم‪ ،‬وواجه متح ّدي ًا عندما اقت�ضت م�صلحة الإ�سالم ذلك‪..‬‬
‫و�أخذ من الح�سن �سع َة �صدره‪ ،‬ومن الح�سين ا�ستعداده للت�ضحية‪ ،‬ومن زين‬
‫يدي اهلل‪ ،‬ومن الباقر علمه‪ ،‬ومن ال�صادق انفتاحه على الآخر‪،‬‬
‫العابدين ذوبانه بين ّ‬
‫ومن الكاظم �صبره في مواجهة اال�ستكبار‪ ،‬ومن الر�ضا حكمته‪ ..‬ومن الأئمة الجواد‬
‫والهادي والع�سكري ح�سن تخطيطهم لحفظ الواقع الإ�سالمي‪ ..‬ومن الإمام المهدي‬
‫الحر�ص على �إقامة العدل‪.‬‬
‫ومن هنا‪� ،‬سعى ل ْأن يق ّدم للأمة فكر ًا �صافي ًا بعيد ًا عن الغل ّو والخرافة والتط ّرف‪..‬‬
‫وقف مع ق�ضايا الأمة في فل�سطين والعراق رف�ض ًا لالحتالل واال�ستكبار‪ ،‬ووقف مع‬
‫وم�سدد ًا وم�ؤمن ًا � ّأن كرامة هذا الوطن بحفظ‬
‫المقاومة في لبنان داعم ًا وم�ؤ ِّيد ًا‬
‫ِّ‬
‫المقاومة ودعمها والوقوف معها‪ ،‬ل ّأن غير ذلك يعني خيان ًة للوطن وللأمة‪ ،‬و�أن تطلق‬
‫فكرها في ك ّل �شيء ال تعرف فيه حدود ًا‪ ..‬دعا الأمة �أن تف ّكر‪ ،‬وكانت كلمته الدائمة‬
‫«ف ّكروا معي»‪ ..‬ولم يقل �أنا �أف ّكر‪ ،‬وعليكم �أن ت�ستجيبوا‪ ..‬رغم ك ّل ما يحمل من فكر‪،‬‬
‫ومن �آفاق رحبة‪.‬‬
‫في الوقت نف�سه لم يرد �أن نفكر بناء على انفعال �أو ع�صبية �أو نخ�ضع للمجامالت‬
‫�أو للأمر الواقع واال�ستجابة لمتطلباته‪.‬‬
‫دعا �إلى تالقح الأفكار والحوار بين �أ�صحابها‪ ،‬وتوا�صل الح�ضارات ال �صراعها‬
‫وبناء الج�سور بين الطوائف والمذاهب‪.‬‬
‫و�آمن ب� ّأن الوحدة الوطنية في لبنان المدخل الأ�سا�س لبناء العدالة والكرامة‬
‫وفُر�ص العي�ش الكريم لكافة اللبنانيين‪ ..‬ور�أى في الوحدة الإ�سالمية خنق ًا للفتنة في‬
‫مهدها‪ ،‬وق ّوة في وجه الم�ؤامرات والتهديدات والمخططات الهادفة للنيل من عزّة‬
‫هذه الأمة‪..‬‬
‫أ�سالمن ما �سلمت �أمور الم�سلمين‬
‫علي «ل‬
‫ّ‬
‫و�أكد على � ّأن ال�شعار ينبغي �أن يكون �شعار ّ‬
‫علي خا�صة»‪.‬‬
‫ولم يكن بها جو ٌر �إال ّ‬
‫وقد انطلق في ك ّل ذلك غير خائف في اهلل لومة الئم‪ ،‬وقد رفع �شعاره على الدوام‬

‫‪9‬‬

‫‪10‬‬

‫«القوي العزيز عندي �ضعيف ذليل‬
‫«ال يوح�شنّك �إال الباطل‪ ،‬وال ي�ؤن�سنّك �إال الحق»‬
‫ّ‬
‫ح ّتى �آخذ الحقّ منه‪ ،‬وال�ضعيف عندي قوي عزيز ح ّتى �آخذ الحقّ له»‪ .‬وقد ك ّلفه‬
‫ذلك وهو يواجه اال�ستكبار ال�صغير والكبير محاوالت اغتيال وتهديدات‪ ،‬ولكنّه بقي‬
‫يهن ولم ي�ضعف‪ ،‬وكان ي�ؤمن با�ستمرار � ّأن الر�ساليين هم الأعلون‪..‬‬
‫وحفظه اهلل‪ ،‬لم ْ‬
‫هذا هو ال�سيد‪ ..‬ولن �أجد الكلمات التي تفي حقّه والعبارات التي ت�ص ّور بعمق‬
‫المدى الكبير ل�شخ�صيته‪ ..‬تت�ساقط ك ّل الكلمات وت�ضعف ك ّل العبارات �أمام قامته‬
‫العلمية والفكرية والإن�سانية‪ ..‬ولم يكن ه ّمه مديح ًا �أو ثنا ًء‪ ،‬كان ه ّمه وندا�ؤه فينا‪:‬‬
‫اهلل اهلل في �أيتامكم وفقرائكم وم�ساكينكم و�ضعفائكم‪ ..‬اهلل اهلل في وطنكم‪ ..‬اهلل‬
‫اهلل في م�ؤ�س�سات الخير‪.‬‬
‫ترك لنا ال�س ّيد تراث ًا كبير ًا ممتلئ ًا بالحيوية والحركية والر�سالية‪ ،‬ولم يترك‬
‫(ر�ضوان اهلل عليه) �إرث ًا �شخ�صي ًا �أو م�ؤ�س�سات تُو ّرث‪ ،‬بل ترك من بعده جمهور ًا‬
‫عري�ض ًا وثق به وب�إخال�صه‪ ،‬فكان هذا الجمهور وفي ًا له في حياته‪ ،‬و�سيبقى ب�إذن اهلل‬
‫وفي ًا ّ‬
‫لخطه بعد وفاته ومخل�ص ًا لم�سيرته‪.‬‬
‫ولذا‪ ،‬رحل عن دنيانا وهو مطمئن ب� ّأن هذا الفكر الذي تركه لنا �سيجد له من‬
‫ين�شره ويب ّثه في العالم‪ ،‬لأنّه فكر الإ�سالم‪ ،‬فك ُر الحياة‪.‬‬
‫ورحل (ر�ضوان اهلل عليه) موقن ًا كما في حياته ب� ّأن هذه الم�ؤ�س�سات التي �أن�ش�أها‬
‫و�أقامها �سنحمل م�س�ؤولياتها �سو ّية لتبقى رائدة في ك ّل المجاالت ب�إذن اهلل‪ ،‬م�ستفيدة‬
‫من كونها م�ؤ�س�سات عمقها فك ُر الم�ؤ�س�س‪ ،‬ال م�ؤ�س�سات �أفراد تنتهي بانتهائهم‪ .‬ومن‬
‫كونه بعث روحية اال�ستمرار �سواء من داخلها �أو من خالل الذين ي�شرفون عليها‪..‬‬
‫والذين لن يكونوا �إال من هم ثقة الأمة‪ ،‬من علماء واعين ر�ساليين يحافظون على‬
‫ا�ستمرار هذه الم�ؤ�س�سات لت�ؤ ّدي دورها هلل وخدمة عباده‪ ،‬ولن تتح ّول ب�إذن اهلل �إلى‬
‫�إرث �شخ�صي �أو عائلي �أو تخ�ضع لأي منطق ُيبعدها عن ر�ساليتها‪.‬‬
‫وثقوا ‪� -‬أ ّيها الأح ّبة ‪ -‬ب�أن ال�س ّيد الذي لم يف ّكر بالأُطر ال�ضيقة ال يمكن �أن يترك‬
‫هذه الم�ؤ�س�سات تخ�ضع للأُطر الفردية �أو العائلية �أو الح�سابات الخا�صة ‪ ،‬بل هي‬
‫للإن�سان‪ ..‬وللحياة بكل �آفاقها الرحبة‪.‬‬

‫ب�إيمانه و�صفائه و�سم ّو خلقه وتوا�ضعه �سيبقى ال�س ّيد نجم ًة �ساطعة في حياتنا‪،‬‬
‫ن�ستهدي نورها في ليالينا ونحن نخو�ض غمار هذه الحياة‪ ..‬و�سيبقى ح�ضوره قوي ًا‬
‫فينا ل ّأن امتداد حياته بعد وفاته هو من امتداد الر�سالة التي �أح ّبها و�آمن بها وع�شقها‬
‫ح ّتى الرمق الأخير‪..‬‬
‫�أيها الأحبة‪..‬‬
‫وبحب غامرٍ ‪� ،‬أتعب ال�س ّيد‬
‫وبفرح‬
‫�أنتم �أيها الأوفياء الأعزاء‪� ،‬أنتم الذين‪ٍ ،‬‬
‫ر�سالي‪ٍّ ،‬‬
‫ٍّ‬
‫حياته من �أجلكم‪ ،‬من �أجل محبتكم وت�أييدكم‪..‬‬
‫�سيبقى حا�ضر ًا في قلوبكم وعقولكم ووجدانكم‪� ..‬سيبقى حا�ضر ًا في فقه الفقهاء‬
‫وعلم العلماء وفكر المفكرين وجهاد المجاهدين وكل الأحرار‪..‬‬
‫�سيبقى حا�ضر ًا مع فرحة اليتيم‪ ،‬و�شفاء المري�ض و�أمل الكفيف والمع ّوق‬
‫علم يحتاج �إلى العلم‪..‬‬
‫والمحتاج‪ ..‬ومع ك ّل طالب ٍ‬
‫�أيها الأحبة‬
‫�أنتم في قلب ال�س ّيد ووجدانه‪ ..‬وهو في قلوبكم ووجدانكم‪ ،‬والم�سيرة التي ّ‬
‫خط‬
‫معالمها ور�سم �آفاقها �ستبقى بعون اهلل‪ ،‬وبكم‪ ،‬م�سيرة لن تنطفئ جذوتها‪� ،‬ستبقى‬
‫م ّتقدة‪ ،‬ت�ش ّع بالخير‪ ،‬وتنب�ض بالعطاء‪� ،‬شعارها ر�ضى اهلل‪ ،‬وخدمة الإن�سان‪.‬‬
‫ك ّل التقدير للذين كتبوا عن دوره الر�سالي والوطني والوحدوي والإن�ساني‪ ..‬كنّا‬
‫معهم وكانوا معنا في هذا الم�صاب الجلل‪ ،‬وك ّل ال�شكر للذين �أقاموا مرا�سم الت�أبين‬
‫في لبنان وخارجه‪ ،‬وكل الذين ع ّبروا عن عاطفتهم بالكلمة �شعر ًا ونثر ًا‪ ،‬وك ّل الذين‬
‫�أبرزوا معالم فكر ال�س ّيد وم�ضامينه وروحه‪ ،‬وت�ساميه‪...‬‬
‫مع ًا �سنكمل درب �سيدنا بكل الإخال�ص والوفاء‪ ،‬وعهدنا �أمام اهلل �أن نكمل ما بد�أه‬
‫و�أن نرفع �ش�أن ما بناه يد ًا بيد‪ ،‬عق ًال بعقل‪ ،‬وروح ًا بروح ب�إذن اهلل تعالى‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫فقيه االنفتاح‬
‫بري‬
‫رئي�س مجل�س الن ّواب‬
‫اللبناني نبيه ّ‬
‫ّ‬

‫�سينتبهون �إلى �أ ّنهم فقدوا مرجع ًا كان يحر�سهم من هوجاء‬
‫التع�صب والتمذهب‪.‬‬
‫ّ‬

‫‪12‬‬

‫الآن ك ّل �شيء يميل �إلى الحزن ال�شّ ديد‪ ،‬لي�س اعترا�ض ًا على ق�ضاء اهلل وقدره‪،‬‬
‫وهو �سبحانه يعطي وي�أخذ‪ ،‬ولكن ل ّأن الكبار يتعبون �أي�ض ًا وينزلون عن �أفرا�سهم‪،‬‬
‫ويغادرون الميدان �إلى نع�سهم المزمن‪ ،‬ويغم�ضون �أعينهم على جروح العط�ش ا ّلذي ال‬
‫يندمل‪ ،‬وعلى ال ّتراب العليل‪ ،‬وهم يعرفون � ّأن تراب �أج�سادهم وحده يعيد �إلى الأر�ض‬
‫�ألقها لت�صعد �أ�شجار الحياة الكثيرة والمزدهرة‪.‬‬
‫ل ّأن ال ّلغة الهادئة الهادفة ال ّر�صينة النّا�ضجة القو ّية المتدفّقة ك�شالل‪ ،‬لغة المجد‬
‫الكربالئي‪ ،‬لغة الحوار ّيين والح�سين ّيين الأوائل ا ّلذين خرجوا ليركزوا في القرى‪،‬‬
‫ّ‬
‫والذين خرجوا �إلى �شهادتهم من �أجل �أن ي�ستقيم ال ّدين ـ الآن ـ هذه ال ّلغة تبحث عن‬
‫ٍ‬
‫مفردات لل ّرثاء‪ ،‬وعن تعبيرات الحزن الجميل في االبت�سامة الواثقة‪.‬‬
‫الآن‪ ،‬ك ّل من في ال�شّ رق من الم�سلمين والم�سيح ّيين �سينتبهون �إلى �أنّهم فقدوا‬
‫التع�صب والتمذهب‪ ،‬و�سينتبهون غد ًا �إلى �أنّهم �أ�ش ّد‬
‫مرجع ًا كان يحر�سهم من هوجاء ّ‬
‫إ�سالمي‪ ،‬من حدوده عند‬
‫ال�ضاغطة على عالمنا ال‬
‫حاج ًة �إليه في ال ّلحظات الع�صيبة ّ‬
‫ّ‬
‫ال�صين العظيم �إلى غرب �أفريقيا‪.‬‬
‫�سور ّ‬
‫الآن‪ ،‬ك ّل ال ّلبنان ّيين‪ ،‬بك ّل طوائفهم ومذاهبهم وفئاتهم وجهاتهم‪ ،‬ك ّل �أجيالهم‬

‫وجبالهم وتاريخهم و�أرزهم وزيتونهم‪� ،‬سينتبهون �إلى العمر ا ّلذي ي�ستنزف �أرواحهم‬
‫وي�أخذ عنا�صر ق ّوتهم‪ ،‬لوال المقاومة التي تقيم �شجرتها جذور ًا في �أعماق تراب‬
‫�أج�سادهم‪.‬‬
‫الآن‪ ،‬فل�سطين من النّهر �إلى البحر‪ ،‬بقد�س �أقدا�سها‪ ،‬وغزّة ها�شم‪ ،‬وم�ساجدها‬
‫وكنائ�سها‪ ،‬و�أطفال حجارتها‪ ،‬والأ�سرى والمعتقلون وال�شّ هداء والجرحى‪ ،‬ودائم ًا‬
‫الأحياء‪� ،‬سينتبهون �إلى و�ص ّيته � ّأن �أمان ّيهم تتحقّق ب�سلوك ّ‬
‫الطريق �إلى وحدتهم‪.‬‬
‫الآن‪ ،‬ك ّل الجغرافيا في ال�شّ رق‪ ،‬ك ّل الأفكار المتحاورة �أو المت�شاك�سة‪ ،‬ك ّل‬
‫العاملي‪،‬‬
‫المقاومات‪� ،‬ستفتقد العالمة العلم‪� ،‬آية اهلل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫ّ‬
‫ال�سيطرة‪ ،‬لرفع راية الإ�سالم‬
‫ا ّلذي كان منتبه ًا �إلى خطوط التما�س بمواجهة حرب ّ‬
‫الذي يم ّثل ّ‬
‫خط النّه�ضة الم�ستقبل ّية‪.‬‬
‫الآن‪� ،‬أنا �أفتقد ح�ضوره النّبيل المترف بالأفكار المزدهرة بالمعرفة‪ ،‬المج ّرب‪،‬‬
‫الخبير‪ ،‬وخير ٍ‬
‫خلف لخير �سلف‪� ،‬س ّيد الكلمة‪ ،‬فقيه االنفتاح‪.‬‬
‫عزا�ؤنا في حركة ّ‬
‫الخط ا ّلذي م ّثله على ال ّدوام‪� :‬شجاعة الفكر في مواقف التح ّدي‪،‬‬
‫وفي ت�أكيده �ضرورة ال ّدولة ا ّلتي �سعى �إلى �أن تكون للجميع‪ ،‬وفي المقاومة التي هي‬
‫حاجة و�ضرورة لر ّد العد ّو‪ ،‬وفي ال ّتعاي�ش‪ ،‬ودائم ًا الوحدة الوطن ّية في لبنان‪ ،‬ووحدة‬
‫الم�سلمين في العالم‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫فقدنا اليوم �أب ًا رحيم ًا ومر�شد ًا حكيم ًا‬
‫ال�سيد ح�سن ن�صر اهلل‬

‫كان لنا الأ�ستاذ والمع ِّلم والعلم والنور الذي ن�ست�ضيء به‬
‫في ّ‬
‫كل محنة‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون وال حول وال قوة �إال باهلل العلي العظيم‪ ،‬لقد فقدنا اليوم‬
‫�أب ًا رحيم ًا ومر�شد ًا حكيم ًا وكهف ًا ح�صين ًا و�سند ًا قوي ًا في ك ّل المراحل‪ .‬هكذا كان لنا‬
‫�سماحته ولك ّل هذا الجيل الم�ؤمن والمجاهد والمقاوم منذ �أن كنّا فتي ًة ن�صلي في‬
‫جماعته ونتع ّلم تحت منبره ونهتدي بكلماته ونتم ّثل �أخال َقه ونقتدي ب�سيرته‪.‬‬
‫ع ّلمنا في مدر�سته �أن نكون دعاة بالحكمة والموعظة الح�سنة و�أن نكون �أهل‬
‫الحوار مع الآخر و�أن نكون الراف�ضين للظلم والمقاومين لالحتالل‪ ,‬وع�شاق ٍ‬
‫لقاء مع‬
‫اهلل تعالى من موقع اليقين‪ ,‬و�أن نكون �أهل ال�صبر والثبات والعزم مهما �أحاطت بنا‬
‫ال�شدائد والم�صاعب والفتن‪ .‬فكان لنا الأ�ستاذ والمع ِّلم والعلم والنور الذي ن�ست�ضيء‬
‫به في ك ّل محنة‪ .‬واليوم نفتقده �إذ يفارقنا �إلى جوار ربه الكريم الذي جاهد في‬
‫�سبيله طيلة عمره ال�شريف �إال � ّأن روحه الزك ّية وفكره الن ّير وكلمته الطيبة وابت�سامته‬
‫العطوفة و�سيرته العطرة ومواقفه ال�صلبة‪ ,‬ك ّل ذلك �سيبقى فينا هادي ًا ودلي ًال ودافع ًا‬
‫قوي ًا متجدد ًا للعمل الد�ؤوب والجهاد المتوا�صل‪.‬‬
‫�إنّني �أتق ّدم با�سم المجاهدين والمقاومين وعوائل ال�شهداء والجرحى والمحررين‬
‫وك ّل جمهور المقاومة �إلى �إمامنا �صاحب الزمان عليه ال�سالم و�إلى مراجعنا العظام‬

‫وفي مق ّدمتهم �سماحة الإمام الخامنئي دام ظله و�إلى جميع الم�سلمين عموم ًا‬
‫واللبنانيين خ�صو�ص ًا وبالأخ�ص �إلى �أ�سرته �أ�سرة العلم والف�ضل والجهاد وال�شرف‬
‫ب�أح ِّر التعازي و�أ�صدق م�شاعر الموا�ساة في هذا الم�صاب الجلل الذي �أ�صاب �أ ّمتنا‪.‬‬
‫ونعاهد روح �سيدنا الجليل الراحل �أنّنا �سنبقى الأوفياء للأهداف المق ّد�سة التي‬
‫عا�ش من �أجلها وعمل لها و�ضحى في �سبيلها ليل نهار‪ ،‬و�أن نبذل في �سبيلها ك ّل غالٍ‬
‫ونفي�س �إن �شاء اهلل‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫الراحل ف�ضل اهلل‪...‬‬
‫ثوابته الفكرية والعقائدية‬
‫ال�سيد عبد اهلل الغريفي*‬

‫ت�صدى ّ‬
‫لكل �أ�شكال التخ ّلف والبدع والخرافات‪ ،‬وقد‬
‫ّ‬
‫الت�صدي الجريء ثمن ًا باهظ ًا‪.‬‬
‫ك ّلفه هذا‬
‫ّ‬

‫‪16‬‬

‫في مرحلة تزدحم ب�أق�سى التحديات وال�ضغوطات وال�صراعات والإ�شكاالت‪،‬‬
‫وعلى ك ّل الم�ستويات الدينية والثقافية واالجتماعية وال�سيا�سية‪ ...‬ي�أتي رحيل المرجع‬
‫الديني الكبير �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬لي�ش ّكل منعطف ًا �صعب ًا‪،‬‬
‫و�صدمة قا�سية‪ ،‬وم�أزق ًا �أربك الكثير من الح�سابات‪ ،‬كونه يمثل عنوان ًا ملأ المرحلة‬
‫بك ّل مخا�ضاتها‪ ،‬وجدلياتها‪ ،‬وت�أزّماتها‪ ،‬وتناق�ضاتها‪ ،‬وتجاذباتها‪...‬‬
‫ولي�س ذلك في ال�ساحة اللبنانية فح�سب بل في ك ّل ال�ساحات العربية والإ�سالمية‬
‫والعالمية‪ ،‬ولي�س ذلك في الداخل المذهبي فح�سب‪ ،‬بل في ك ّل الواقع الإ�سالمي‬
‫والديني والإن�ساني‪.‬‬
‫وال�س�ؤال الذي يفر�ض ح�ضوره هنا وفي هذه المرحلة ‪ -‬رغم غناها بمراجع‬
‫وفقهاء ومفكرين وقادة ‪ -‬هو‪:‬‬
‫ هل �ش ّكل هذا الرحيل انتهاء تجربة فريدة امتدت �أكثر من ن�صف قرن؟‬‫ربما يراهن �أعداء هذه التجربة‪� ،‬أنّها مر�شّ حة للغياب واالنتهاء بغياب رمزها‪،‬‬
‫و�صانعها‪ ،‬وقائدها‪ ،‬وعنوانها‪...‬‬

‫ال ن�شك ‪ -‬وفي �أعقاب ال�صدمة بغياب الرمز والعنوان ‪� -‬أن يحدث اهتزاز‪ ،‬وارتباك‪،‬‬
‫على م�ستوى وهج التجربة‪ ،‬وعنفوانها‪ ،‬وح�ضورها‪ ،‬و�إمكاناتها‪ ،‬وطموحاتها‪...‬‬
‫�إال �أن هذا ال يعني انهيار الم�شروع الذي �أنتجته التجربة؛ ما دامت تجربة ناجحة‬
‫ا�ستطاعت �أن ت�ؤ�صل مك ّونات الم�شروع‪ ،‬و�أن ت�ؤ�س�س لحراك يملك قدرة البقاء‬
‫والديمومة واال�ستمرار‪ ،‬وما دامت تجربة ناجحة �أبدعت في �صوغ �أجيال مبد ِئ ِّيين‬
‫ر�ساليين تع�شّ قوا هذا النهج الرباني المبارك‪ ،‬الذائب في حب اهلل �سبحانه‪ ،‬والم�شدود‬
‫�إلى ر�ضوانه‪ ،‬والمتجذّر في خط الأنبياء والأولياء والأئمة الأبرار‪ ،‬والمجاهدين‬
‫وال�شهداء وال�صالحين‪.‬‬
‫هذا النهج ‪ -‬وبعناية اهلل ورعايته ‪ -‬ال يمكن �أن يتج ّمد �أو �أن يغيب‪� ،‬أو �أن ينتهي‪...‬‬
‫وحينما نتحدث عن بقاء هذا النهج‪ ،‬نجد في مراجعنا العظام مالذ ًا يحمي‬
‫ويح�صن الخطى‪ ،‬ويحر�س الأهداف‪ ،‬و ُير�شّ د الر�ؤى والمواقف‪...‬‬
‫الم�سار‪،‬‬
‫ّ‬
‫وحينما نتح ّدث عن بقاء هذا النهج‪ ،‬نجد في الرموز الواعية التي ا�ستوعبت‬
‫هذا الخط‪ ،‬وامتلأت بقناعاته‪ ،‬ما يح ّملها �أمانة الحفاظ على بقاء هذه الم�سيرة‪،‬‬
‫وا�ستمرارها‪ ،‬وديمومتها‪ ،‬و�إ�صرارها‪ ،‬وثباتها‪...‬‬
‫وحينما نتحدث عن بقاء هذا النهج‪ ،‬نجد في الجماهير التي ع�شقت هذا الرمز‬
‫الكبير‪ ،‬وذابت في حبه‪ ،‬ر�صيد ًا �ضخم ًا يعطي لهذه المدر�سة ح�ضورها الم�ستمر‪،‬‬
‫وعطاءها الدائم‪ ،‬وامتدادها المتدفق‪...‬‬
‫ونجد في الأمة بك ّل مكوناتها وانتماءاتها ال�صادقة مع المبادئ والأهداف الربانية‬
‫والإن�سانية ما يحت�ضن هذا الم�سار‪ ،‬ويدافع عنه‪ ،‬ويدافع عن منجزاته‪...‬‬
‫المجدد‪ ،‬والمف ّكر المتم ّيز‪،‬‬
‫وهكذا رحل المرجع الكبير‪ ،‬والقائد الب�صير‪ ،‬والفقيه‬
‫ِّ‬
‫والعالم الرباني‪ ،‬والداعية ال�صادق‪ ،‬والر�سالي المجاهد‪ ،‬والمر ّبي الخبير‪ ،‬وال�سيا�سي‬
‫القدير‪ ،‬والباحث والكاتب والأديب وال�شاعر‪ ،‬والإن�سان الذي ذاب في حب اهلل تعالى‪،‬‬
‫و�أعطى ك ّل حياته من �أجل اهلل تعالى‪...‬‬
‫رحل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل تارك ًا مجموعة (ثوابت) �أكد عليها‪ ،‬و�أ�ص ّر‬
‫�أن يحافظ عليها‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫الثابت الأول‪ :‬الدفاع عن الإ�سالم وق�ضايا الم�سلمين‬
‫هم الدفاع‬
‫فمنذ بد�أ م�شواره في هذه الطريق ‪� -‬أواخر الأربعينيات ‪-‬كان يحمل ّ‬
‫عن الإ�سالم وق�ضايا الم�سلمين‪ ،‬وقد �صاغ �أجيا ًال من الدعاة الر�ساليين الذين حملوا‬
‫هذا الهم الكبير‪...‬‬
‫وطالما ك ّرر في كلماته وخطاباته وكتاباته «�أنني داعية �أدافع عن الإ�سالم‬
‫وق�ضايا الم�سلمين»‪ ،‬وما ا ّدخر �شيئ ًا من قدراته وطاقاته و�إمكاناته دون �أن ي�ستنفرها‬
‫ وب�شكل طوارئ دائمة ‪ -‬في هذا الدرب ال�شائك ال�صعب‪ ،‬المزدحم بم�شروعات‬‫الت�آمر �ض ّد الإ�سالم والم�سلمين‪ ،‬و�ضد ق�ضايا الأمة‪ ،‬وتت�سع �آفاقه ليحت�ضن هموم‬
‫الإن�سان والإن�سانية‪ ،‬وهموم ال�شعوب والب�شرية‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫الثابت الثاني‪:‬حرا�سة خط الإمامة‬
‫كان حار�س ًا �أمين ًا لهذا الخط‪ ،‬والذي يع ّبر عن �أ�صالة االنتماء �إلى مفاهيم الإ�سالم‬
‫ويج�سد نهج النبوة في امتدادها الروحي والفكري والقيادي‪...‬‬
‫والر�سالة والقر�آن‪ّ ،‬‬
‫وكان جريئ ًا في الجهر بوالئه وانت�سابه واعتقاده بهذا الخط‪� ،‬إال �أنّه ال يفهم هذا‬
‫الوالء واالنت�ساب «نزوع ًا مذهبي ًا �ضيق ًا» ي�ش ّكل تنافي ًا مع (الم�شروع التوحيدي) في‬
‫حركة الأمة‪.‬‬
‫بل يفهمه «وعي ًا توحيدي ًا منفتح ًا» يواجه ك ّل الإ�شكاالت التي تعقّد حاالت التالحم‬
‫الفكري والنف�سي والعملي في م�سيرة الأمة‪...‬‬
‫وهكذا زاوج ‪ -‬وبوعي وب�صيرة‪ -‬بين حركة االنتماء �إلى خط الإمامة بك ّل ما يحمله‬
‫من مفاهيم و�أفكار و�أهداف وتوجهات‪ ،‬وخ�صائ�ص ومميزات‪ ...‬وحركة االنفتاح على‬
‫ك ّل المكونات المذهبية الأخرى‪ ،‬فيما هو ن�سيج الأمة المتنوع والمتعدد‪.‬‬
‫وانطالق ًا من م�س�ؤوليات الحرا�سة والحماية لخط الأئمة من �أهل البيت (ع)‬
‫ت�ص ّدى لك ّل �أ�شكال التخلف والبدع والخرافات التي اقتحمت بع�ض مفا�صل الواقع‬
‫الفكري والعملي لدى المنت�سبين مما ي�سيء �إلى �أ�صالة هذا الخط ونقاوته وحقّانيته‪،‬‬
‫وقد ك ّلفه هذا الت�ص ّدي الجريء ثمن ًا باهظ ًا‪.‬‬

‫الثابت الثالث‪ :‬الوحدة والتقارب والت�آلف‬
‫من الثوابت التي �أكد عليها خطاب المرجع الكبير ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل‪ ،‬وكان �صارم ًا �شديد ًا في الدعوة �إلى الوحدة والتقارب‪ ،‬فيما ع ّبر عنه (بخيار‬
‫الم�سلمين) الذي ينبغي لك ّل الفعاليات في العالم الإ�سالمي �أن تتوافر على درا�سته‬
‫بعمق‪ ،‬و�أن ال تكون م�س�ألة الوحدة «م�س�ألة خطاب لالنفعال �أو للحما�س �أو للمجاملة �أو‬
‫لال�ستهالك ال�شعبي» وظ ّل مكافح ًا منافح ًا مدافع ًا عن هذا الخيار ح ّتى �آخر حياته‪،‬‬
‫وات�سع �أفق الوحدة لينفتح على غير الم�سلمين‪ ،‬فالوحدة في منظوره لي�ست «وحدة‬
‫عدوانية منغلقة تتعقد من وجود غير الم�سلمين في ال�ساحة التي تتحرك فيها» بل هي‬
‫وحدة منفتحة واعية «وبذلك لن تكون عملية التعاي�ش �أو التعاون �أو التفاعل عملية‬
‫يمكن �أن ت�سقط �أمام � ِّأي عا�صفة �سيا�سية �أو � ِّأي حال ٍة �إقليمية �أو دولية؛ لأنها تنطلق‬
‫في العمق من وعي الر�ساالت»‪.‬‬
‫الثابت الرابع‪�:‬شعار الحوار‬
‫كان رجل الحوار بامتياز‪ّ � ،‬أ�صل للحوار قر�آني ًا و�إ�سالمي ًا‪ ،‬وح ّرك �شعار الحوار في‬
‫ك ّل خطاباته وكتاباته‪ ،‬ومار�س الحوار بك ّل كفاءة وجدارة واقتدار‪.‬‬
‫و�أما �أُ�س�س الحوار عنده فهي‪:‬‬
‫�أو ًال‪� :‬أن يكون الحوار جاد ًا هادف ًا باحث ًا عن الحقيقة‪...‬‬
‫فطالما �سمعناه ير ّدد «الحقيقة بنت الحوار»‪.‬‬
‫فالحوار لي�س من �أجل الحوار‪ ،‬ولي�س من �أجل اال�ستهالك ولي�س من �أجل �أن ن�ؤكد‬
‫ذواتنا‪ ،‬و�إنما من �أجل �أن ن�ؤكد «الحق»‪.‬‬
‫ولي�س من �أجل �أن ننت�صر‪ ،‬و�إنما من �أجل �أن تنت�صر «الحقيقة»‪ ،‬الحقيقة الدينية‪،‬‬
‫الحقيقة الثقافية‪ ،‬الحقيقة االجتماعية‪ ،‬الحقيقة ال�سيا�سية‪...‬‬
‫ثانياً‪� :‬أن تحكم الحوار روح المحبة وال�صفاء ال روح الحقد والعداء‪� ،‬أن نتحاور بقلوب‬
‫مفتوحة ال بقلوب ُمغ َلقة‪ ،‬الحوار الم�شحون بالكراهية يغلق القلوب والعقول وبهذا‬
‫نكون قد ظلمنا الحقيقة‪...‬‬

‫‪19‬‬

‫ثالثاً‪� :‬أن ال نلغي الآخر ونحن نحاوره‪...‬‬
‫الآخر الإن�ساني‪ ،‬الآخر الديني‪ ،‬الآخر المذهبي‪ ،‬الآخر الثقافي‪ ،‬الآخر االجتماعي‪،‬‬
‫الآخر ال�سيا�سي‪...‬‬
‫الحوار الإلغائي الت�س ّلطي مرفو�ض عند �سماحته‪ ...‬كان ي�ستهدي دائم ًا بالنبي‬
‫�صلى اهلل عليه و�آله و�سلم في حواره مع الم�شركين‪ ،‬وهم يحملون ك ّل ال�ضالل‪ ،‬وهو‬
‫�صلى اهلل عليه و�آله و�سلم يحمل ك ّل الهدى } َو ِ�إنَّا �أَ ْو ِ�إيَّا ُك ْم لَ َع َلى ُه ًدى �أَ ْو ِفي �ضَ اَل ٍل‬
‫ُّم ِبينٍ {(�سب�أ ‪ ،)24 :‬فالفكر هنا يحاور الفكر‪ ،‬ولي�س الذات تحاور الذات‪...‬‬
‫رابعاً‪� :‬أن ال ن ّتهم دوافع الآخر الذي نحاوره‪...‬‬
‫من حق �أي طرف في الحوار �أن يحا�سب الر�أي الآخر‪...‬‬
‫ومن حق �أي طرف في الحوار �أن يرف�ض الر�أي الآخر‪...‬‬
‫ما دام الأمر خا�ضع ًا للدليل والبرهان } ُق ْل َهاتُو ْا بُ ْر َهانَ ُك ْم �إِن ُكنتُ ْم‬
‫ين{(البقرة‪)111 :‬‬
‫�صَ ِاد ِق َ‬
‫ولي�س من حق �أي طرف �أن ي ّتهم دوافع الآخر وفق الظنون وال�شكوك واالحتماالت‪،‬‬
‫�إال �إذا قامت القناعات القاطعة‪.‬‬
‫ في الحديث‪�« :‬ضع �أمر �أخيك على �أح�سنه ح ّتى ي�أتيك ما يغلبك منه‪ ،‬وال تظنّن‬‫بكلمة خرجت من �أخيك �سوء ًا و�أنت تجد لها في الخير محم ًال»‪.‬‬
‫خام�ساً‪ :‬الت�أكيد على نقاط االتفاق �أ ّو ًال‪...‬‬
‫هذا هو منهج القر�آن } ُق ْل يَا �أَ ْه َل ا ْل ِكتَ ِاب تَ َعالَ ْو ْا ِ�إلَى َك َل َم ٍة �سَ وَاء بَ ْينَنَا َوبَ ْينَ ُك ْم َ�أ َّال‬

‫نَ ْعبُ َد �إِ َّال هّاللَ َو َال نُ�شْ رِ َك ِب ِه �شَ ْيئ ًا َو َال يَ َّت ِخ َذ بَ ْع�ضُ نَا بَ ْع�ض ًا �أَ ْربَاب ًا ِّمن ُد ِون هّ ِالل فَ�إِن تَ َولَّ ْو ْا‬
‫َفقُولُو ْا ا�شْ َه ُدو ْا ِب َ�أنَّا ُم ْ�س ِل ُمونَ{(�آل عمران ‪)64 :‬‬

‫‪20‬‬

‫ما نالحظه على الحوارات المتحركة في ال�ساحة الدينية‪ ،‬والمذهبية‪ ،‬والثقافية‪،‬‬
‫واالجتماعية‪ ،‬وال�سيا�سية‪� ،‬أنّها حوارات تحاول دائم ًا �أن تحرق الأر�ض الم�شتركة‪،‬‬
‫الموحدة‪ ،‬لتبد�أ بنقاط التوتر والخالف الحاد‪ ،‬فيت�شنج الحوار‪،‬‬
‫و�أن تن�سف القوا�سم ِّ‬

‫وتت�أجج االنفعاالت‪ ،‬وت�شتعل العداوات‪ ،‬وعندها يف�شل الحوار‪ ،‬وتموت الحقيقة‪...‬‬
‫�ساد�ساً‪� :‬أن تكون لغة الحوار نظيفة‪ ،‬ل ّينة‪َ ،‬مرِ نة‪� ،‬شفافة‪...‬‬
‫وهذا ما �أكدته ن�صو�ص القر�آن‪:‬‬
‫ } َو َال ت َُ�س ُّبو ْا الَّ ِذ َين يَ ْد ُعو َن ِمن ُد ِون هّ ِ‬‫الل َفيَ ُ�س ُّبو ْا هّاللَ َع ْدواً ِب َغ ْيرِ ِع ْل ٍم {(الأنعام‪:‬‬
‫‪)108‬‬
‫ اَ‬‫اب �إِلاَّ ِبالَّ ِتي ِه َي �أَ ْح�سَ ُن{(العنكبوت‪)46 :‬‬
‫}وَل ت َُج ِادلُوا �أَ ْه َل ا ْل ِكتَ ِ‬

‫ }ا ْد َف ْع ِبالَّ ِتي ِه َي �أَ ْح�سَ ُن ف َِ�إذَا الَّ ِذي بَ ْينَ َك َوبَ ْينَ ُه َعدَا َو ٌة ك ََ�أنَّ ُه َو ِل ٌّي‬‫َح ِم ٌيم{(ف�صلت‪)34:‬‬
‫نت َف ّظ ًا َغ ِل َيظ ا ْل َق ْل ِب َالن َف�ضُّ و ْا ِم ْن‬
‫نت لَ ُه ْم َولَ ْو ُك َ‬
‫ } َف ِب َما َر ْح َم ٍة ِّم َن هّ ِالل ِل َ‬‫َح ْو ِل َك{(�آل عمران‪)159 :‬‬
‫ }ا ْذ َهبَا �إِلَ��ى ِف ْر َع ْو َن �إِنَّ� ُه َط َغى * َف ُق اَ‬‫ول لَ ُه َق� ْ�و ًال لَّيِّن ًا لَّ َع َّل ُه يَتَ َذ َّك ُر �أَ ْو‬
‫يَ ْخ�شَ ى{(طه‪)44 - 43 :‬‬

‫الثاب��ت الخام�س‪ :‬الموقف من اال�ستكبار العالمي‪ ،‬والكيان ال�صهيوني‪،‬‬
‫والق�ضية الفل�سطينية‬
‫كان ي�ؤكد دائم ًا �أن من ثوابته‪:‬‬
‫ مواجهة اال�ستكبار العالمي‪.‬‬‫ مواجهة الكيان ال�صهيوني‪.‬‬‫ الق�ضية الفل�سطينية‪.‬‬‫كان محارب��� ًا �ص���لب ًا �ض��� ّد قوى اال�س���تكبار‪ ،‬و�ض���د ال�ص���هاينة الغا�ص���بين لأر�ض‬
‫فل�سطين‪...‬‬
‫وكان داعم ًا لقوى المقاومة‪...‬‬
‫وظ ّلت (فل�سطين) في عقله‪ ،‬وقلبه‪ ،‬وحياته ح ّتى �آخر لحظات من حياته‪.‬‬
‫ُي�س�أل وهو في ذروة المعاناة‪ ،‬والمر�ض قد فتك بج�سمه‪ ،‬وفي اللحظات الأخيرة‬

‫‪21‬‬

‫من حياته‪� :‬س ّيدنا هل �أنت مرتاح؟‬
‫وكان جوابه‪« :‬لن �أرتاح ح ّتى ت�سقط �إ�سرائيل»‪.‬‬
‫الثابت ال�ساد�س‪ :‬خياره الدفاع عن الدولة الإ�سالمية‬
‫انت�صرت الثورة الإ�سالمية في �إيران‪ ،‬وقامت الدولة‪ ،‬وكان خياره االنحياز �إلى‬
‫الثورة‪ ،‬و�إلى الدولة‪ ،‬من موقع القناعة ب�ضرورة �أن ينت�صر الم�ست�ضعفون‪ ،‬و�أن تقوم‬
‫دولة العدل‪ ،‬ودافع بقوة‪ ،‬وواجه ك ّل اال�صطفافات الم�ضادة‪...‬‬
‫ولكن ما كان هذا يعفيه من �أن يمار�س نقد ًا �أو محا�سبة‪ ،‬فيما هو التطبيق �أو‬
‫الممار�سة‪ ،‬ومادامت التجربة لي�ست تجربة مع�صومة‪...‬‬
‫وما كان يعفيه من �أن يرف�ض �أي محاولة ال�ستن�ساخ الثورة في �أي مكان �آخر دونما‬
‫ح�ساب لمكونات المكان والزمان‪ ،‬وخ�صو�صيات الظروف والأو�ضاع والمتغيرات‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫الثابت ال�سابع‪� :‬أن ي�ستمر الحراك الإ�سالمي الواعي في الأمة‬
‫واع في‬
‫لقد ك ّر�س حياته ‪ -‬منذ الخم�سينيات ‪ -‬من �أجل �صوغ حراك �إ�سالمي ٍ‬
‫الأمة‪ ،‬فيما ُيع ّبر عنه هذا الحراك من امتدادات روحية وثقافية واجتماعية و�سيا�سية‬
‫وجهادية‪.‬‬
‫وكانت م�ؤلفات ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل الأولى‪:‬‬
‫ ق�ضايانا على �ضوء الإ�سالم‪.‬‬‫ خطوات على طريق الإ�سالم‪.‬‬‫ �أ�سلوب الدعوة في القر�آن‪.‬‬‫ مفاهيم �إ�سالمية‪.‬‬‫ كلماته في مجلة «الأ�ضواء»‪.‬‬‫ت�شكل منطلقات لبناء و�إنتاج هذا الحراك الر�سالي الواعي‪...‬‬
‫وا�ستمر يغذي هذا الحراك‪ ،‬رغم ك ّل المخا�ضات ال�صعبة التي واجهت الإ�سالم‬
‫والإ�سالميين‪ ،‬ورغم ك ّل التحديات القا�سية التي حا�صرت الدعاة والمجاهدين‪ ،‬ورغم‬

‫ك ّل الإ�شكاالت التي الحقت العمل والعاملين‪ ،‬ورغم ك ّل المالحقات واالعتقاالت‪،‬‬
‫والت�صفيات والإعدامات التي طالت ال�سائرين في هذا الدرب‪.‬‬

‫الثابت الثامن‪ :‬الحفاظ على م�شروع المرجعية ال�شاملة‬

‫انطلق ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل بم�شروعه المرجعي ال�شامل مرتكز ًا على‬
‫مجموعة مكونات‪ :‬في م�ستوى تح ّديات الع�صر و�ضروراته ومتغيراته‪...‬‬
‫‪ - 1‬االرتقاء بم�ستوى الكفاءات الذاتية للمرجعية‪ ،‬فيما يعنيه هذا االرتقاء من‬
‫التوفّر على عنا�صر ت�ؤهل المرجعية لأن تكون في م�ستوى تح ّديات الع�صر و �ضروراته‬
‫و متغيراته‪.‬‬
‫‪ - 2‬االرتقاء بم�ستوى �أهداف المرجعية بما يتنا�سب وحاجات المرحلة وتح ّدياتها‬
‫و�إ�شكاالتها‪.‬‬
‫‪ -3‬االرتقاء بم�ستوى الأداء المرجعي‪ ،‬فما عادت الهيكلية التقليدية قادرة �أن‬
‫تتعاطى مع الواقع بك ّل متغيراته وم�ستجداته ومتطلباته‪...‬‬
‫‪ -4‬االرتقاء بم�ستوى العالقة مع الأمة‪ ...‬فكلما كانت الأمة حا�ضرة في وعي‬
‫المرجعية‪ ،‬وفي وجدانها‪ ،‬وفي حركتها‪ ،‬كانت المرجعية حا�ضرة في وعي الأمة‪ ،‬وفي‬
‫وجدانها‪ ،‬وفي ك ّل حركتها‪.‬‬
‫وقد ا�ستطاع المرجع الكبير ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �أن يكون المرجع‬
‫المنفتح على ق�ضايا الع�صر‪ ،‬و�أن يعطي للمرجعية ح�ضور ًا روحي ًا وفقهي ًا وثقافي ًا‬
‫واجتماعي ًا و�سيا�سي ًا‪ ،‬و�أن يحت�ضن الأمة في عقله‪ ،‬وقلبه‪ ،‬وحركته‪ ،‬الأمر الذي جعل‬
‫الأمة تحت�ضنه في عقلها وفي قلبها‪ ،‬وفي ك ّل حركتها‪...‬‬
‫ولكي نكون الأوفياء لفقيدنا الكبير‪ ،‬ونهجه‪ ،‬ومدر�سته‪� ،‬أن نبقى حاملين �أهدافه‪،‬‬
‫وثوابته‪ ،‬وم�شروعه‪ ،‬متم�سكين بالوعي والب�صيرة كما �أراد لنا‪ ،‬باحثين عن ر�ضا اهلل‬
‫م�ضحين من �أجل المبد�أ‬
‫وج َهنا‪ِّ ،‬‬
‫تعالى كما ع ّل َمنا‪ ،‬نا�شطين في طريق الحقّ كما َّ‬
‫والعقيدة كما ر�سم لنا‪� ،‬شعارنا المحبة كما ر ّبانا‪ ،‬خيارنا الوحدة كما قال لنا‪ ،‬نهجنا‬
‫الحوار كما �أَ َمرنا‪...‬‬

‫‪23‬‬

‫وختام ًا نت�ضرع �إلى البارئ عز وجل �أن يتغ ّمد فقيدنا الكبير بوافر الرحمة‬
‫والر�ضوان‪ ،‬و�أن يح�شره في زمرة الأنبياء والأولياء‪ ،‬والأ�صفياء‪ ،‬وال�شهداء‪ ،‬والأبرار‬
‫والأخيار والمتقين وال�صالحين‪ ...‬و�آخر دعوانا �أن الحمد هلل رب العالمين‪.‬‬
‫الو�سط (البحرين) ‪ 15‬تموز ‪2010‬‬

‫‪24‬‬

‫* عامل دين من البحرين‪.‬‬

‫ال�سـيد المقــاوم العظيم في نهجه‬
‫د‪ .‬ال�شيخ �أحمد بدر الدين ح�سون*‬

‫ومحبة‬
‫كان �صمته فكر ًا وبناء طريق‪ ،‬وكانت كلماته هداية‬
‫ّ‬
‫لل�صادق وال�صديق‪.‬‬

‫َ‬
‫}يَا �أيَّتُ َها ال َّن ْف ُ�س ا ْل ُم ْط َم ِئ َّن ُة * ا ْر ِج ِعي ِ�إلَى َربِّ ِك ر َِا�ضيَ ًة َّم ْر ِ�ض َّي ًة *‬
‫َفا ْد ُخ ِلي ِفي ِعبَ ِادي * وَا ْد ُخ ِلي َج َّن ِتي{‬

‫(الفجر‪.)30-27 :‬‬

‫�إلى رحاب اهلل‪ ،‬و�صل را�ضي ًا مر�ضي ًا بعد رحلة قطع مراحلها‪ ،‬وهو يحمل في‬
‫�صدره قلب ًا فا�ض حب ًا و�ضياء‪ .‬رحل وهو يت�أ ّلق بفكر فيه �صدق االنتماء‪ ،‬ويدعو لوحدة‬
‫� ّأ�س�س بنيانها على ثوابت قدا�سة اهلل‪ ،‬وكرامة الإن�سان‪ ،‬من خالل الحوار الهادئ‬
‫والهادف الذي تج ـذّر فيه ب�صـدق الكلمة‪ ،‬و�سمو االنتماء‪.‬‬
‫�أ ُّيها الراحل الذي ت�أ ّلق في كلمته‪ ،‬و�سما ب�إيمانه‪ ،‬وتم ّيز بعالمية ثقافته‪ ،‬فكان‬
‫�صاحب الن�سب والن�سبة �إلى جده الم�صطفى‪ P‬في جمع الأمة وتوحيد �صفوفها‪،‬‬
‫والحن ّو عليها‪ ،‬وبذل الجهد ال�صادق في مجدها‪ ،‬والحر�ص على مجد المنطقة كلها‪،‬‬
‫وبخا�صة لبنان و�سوريا‪ ،‬وبذل الجهد لن�صرة فل�سطين والقد�س وتحريرها‪.‬‬
‫ال�سيد الراحل المقاوم كان �صمته فكر ًا وبنا َء طريق‪ ،‬وكانت كلماته هداية ومحبة‬

‫‪25‬‬

‫لل�صادق وال�صديق‪ ،‬وكان ‪M‬رجل �صمود وقوة وكان زلزا ًال في وجه العدو حيث‬
‫�أغلق في وجهه ك َّل ت�س ُّرب‪ ،‬يريد به التدمير والتمزيق‪ ،‬و�ضياع الحق‪.‬‬
‫�أ ُّيها العظيم في حياتك ونهجك‪ ،‬ال�صامد على �صراط الحقّ في زمن فقد فيه‬
‫كثير من النا�س بو�صلة �صراط العزيز الحميد‪ ،‬طبت حي ًا‪ ،‬و�سموت راح ًال �إلى رحاب‬
‫الباري عز وجل‪ ،‬والأمة تنظر �إلى م�سيرتك الط ّيبة في ك ّل معالمها حين غر�ست‬
‫الإيمان والحب والوحدة والإخاء في ُذرى لبنان و�سهوله‪ ،‬و�ألهبت المقاومة والجهاد‬
‫وعد �صدق‪ ،‬لتعانق‬
‫في جبال عامل والجنوب‪ ،‬و�أر�سلت ال�ضياء والنور �إلى الأق�صى َ‬
‫روحك اليوم م�سجده‪ ،‬وترقى في �أر�ض �إ�سراء ر�سولنا ومعراجه‪.‬‬
‫رحمك اهلل‪ ،‬وفي رحاب جدك الم�صطفى �أنعم عليك بطيب اللقاء‪ ،‬ولم�سيرتك‬
‫ال�صامدة طول البقاء‪ ،‬جعل اهلل في �أ�سرتك و�أهلك و�شعب لبنان من يحمل بعدك‬
‫�أ�شرف و�أ�سمى لواء‪.‬‬
‫و�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪26‬‬

‫* املفتي العام يف اجلمهورية العربية ال�سورية‪.‬‬

‫�ســطوة الفقــد‬
‫ال�شيخ عفيف النابل�سي*‬

‫على امتداد �سنوات طويلة‪ّ ،‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين‬
‫�شكل ّ‬
‫ف�ضل اهلل ا�ستثنا ًء في الفكر وا�ستثنا ًء في الح�ضور وا�ستثنا ًء‬
‫في ال�سيا�سة وا�ستثنا ًء في حركة االجتهاد الفقهي‪.‬‬
‫�سطوة الفقد �أقوى من ك ّل كالم‪ ،‬وذلك عيب ال منا�ص منه‪ ،‬في لحظة حزن‬
‫م�ستج ّدة‪ .‬حيث يجيء الموت العا�صف ليف�سد قابليتك ومالكاتك على البوح‬
‫والإف�ضاء‪ .‬ترجع العبارات خا�سئ ًة حا�سرة‪ ،‬ويخيب المعنى في م�سارات جراحاتنا‬
‫التي تزداد تغ ّور ًا كلما ارتحل عالم كبير من علماء هذه الأمة‪.‬‬
‫على امتداد �سنوات طويلة‪� ،‬ش ّكل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ا�ستثناء في الفكر‬
‫وا�ستثنا ًء في الح�ضور وا�ستثنا ًء في ال�سيا�سة وا�ستثنا ًء في حركة االجتهاد الفقهي‪.‬‬
‫يم�شي بركبته الجريحة �إلى المناطق الم�أهولة بالأ�سئلة الكبرى الأكثر احتما ًال للتفاعل‬
‫والتو ّقد بجر�أة �أدبية مثيرة في ح ّديتها و�صراحتها‪.‬‬
‫توهج وت�أ ّلق‪ ،‬هو ال�صاعد من �أر�ض احتراقاته وقلقه وهج�سه‬
‫حركته ظ ّلت في ّ‬
‫ك�إن�سان يقيم �شعبه في العذاب والحرمان‪ ،‬وتالزمه لعنة االحتالل عقد ًا بعد عقد‪.‬‬
‫ح ّتى كاد من �شغفه حب ًا بهذا ال�شعب �أن يكون قاب قو�سين �أو �أدنى من ال�شهادة‪.‬‬
‫�إح�سا�سه الكثيف بالع�صر وارتحاله فيه من �أفق �إلى �أفق كان تعبير ًا عن جهد‬
‫واع‪ ،‬وعن �إدراك متوا�صل لحركة المتغيرات والمعطيات التي تلهج بها مفردات‬
‫ٍ‬
‫الحياة الثقافية وال�سيا�سية واالجتماعية التي تتع�شق البدائل والإحاالت والمقاربات‬
‫المختلفة‪ .‬وكان ال�س ّيد الذي تم ّلكته رغبة م�ستهيمة ب�صناعة الأفكار يط ّل في ك ّل وقت‬
‫ليملأ الفراغات بخزين علمه وثقافته الوا�سعة‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫�شقّ لنف�سه طريق ًا خا�ص ًا تبلور وتمنهج ب�أبعاد �شكالنية وم�ضمونية تقوم على فهم‬
‫جديد في تنظيم الأولويات‪ ،‬وبر�ؤية تنطبع بجملها بطابع الهموم المعا�صرة التي‬
‫تتيح له الإطاللة على الواقع بك ّل ان�شغاالته وم�آالته‪ .‬وقد �أغناه المرا�س والمثابرة‬
‫تنجزت بكثير من الت�صميم‬
‫والتوا�صل اليومي مع النا�س في �إن�ضاج تجربته التي ّ‬
‫والمكابدة والفرادة‪.‬‬
‫ولم يكن تثويره لكثير من الن�صو�ص التراثية في مو�ضوعات الفقه والفكر وال�سيا�سة‬
‫واالجتماع والمر�أة �إال �ضمن هذا الم�سار الذي ينطوي على �إيقاع اجتهادي مفتوح على‬
‫المغايرة والإ�ضافة‪ ،‬والتي ال ي�سعنا �سوى الإ�شادة بتلك المحاوالت الحراكية مهما‬
‫تقاطعت معها ُر�ؤانا �أو تناق�ضت‪.‬‬
‫ماذا يمكن القول في م�سيرة �سماحة ال�س ّيد الطويلة وفي حركة تطوره الذاتي التي‬
‫ت�ستلفت االنتباه‪ ،‬وفي قدرته الخو�ض في الممنوعات والم�ستغلقات وفي الذهاب �إلى‬
‫الك�شف المبا�شر عن �صوت َّ‬
‫ظل �إلى حينٍ يخاف �أن يعانق العلن ويطلق كوامنه �إلى‬
‫الف�ضاء‪ ،‬وا�ستباقه �إلى ك�سر الحلقات العدمية في العالقات االجتماعية وال�سيا�سية‬
‫وفي العقم الطائفي الذي يك ّرر الت�شوهات وال ينتج �إال العداوات والبغي�ضة‪ ،‬فيما كان‬
‫�سماحة ال�س ّيد يطرق باب الإن�سانية المفتوحة ويع ّمق االتجاه الإن�ساني في الإ�سالم‬
‫ليالقي الأفكار واالتجاهات الأخرى‪.‬‬
‫في جعبتي الكثير من الذكريات لكن الحدث الأليم ال ي�سعفني لذكرها‪ ،‬وال َّ‬
‫�شك‬
‫في � ّأن �شريط الحياة الجهادية والفكرية وال�سيا�سية ماثل �أمام الكثير من عارفي‬
‫ال�س ّيد ومحبيه وجمهوره الوا�سع‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أبناء المقاومة وكوادرها والذين يق ّدرون‬
‫ر�صيده الكبير في م�سيرتها وفي ما و�صلت �إليه من منجزات عظيمة‪.‬‬
‫رحمك اهلل يا �أبا علي برحمته الوا�سعة وح�شرك مع النبيين وال�صديقين والأولياء‬
‫وح ُ�س َن �أولئك رفيق ًا‪.‬‬
‫وال�صالحين َ‬
‫ال�سفير ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫‪28‬‬

‫* عامل دين لبناين‪.‬‬

‫الدين ورجل الإيمان‬
‫رجل ّ‬
‫المطران �سليم غزال*‬

‫هو رجل �إيمان‪ ،‬هو ع ّ‬
‫الداخلة‪،‬‬
‫نقي ّ‬
‫المة غارق في ال ّنعمة‪ّ ،‬‬
‫و�س ْمح القلب‪.‬‬
‫طيب الكالم‪َ ،‬‬
‫ّ‬
‫ميزة ال ّرجال الأماجد‪� ،‬أنّهم متى رحلوا بالج�سد غياب ًا في موكب الموت‪،‬‬
‫ا�سترجعتهم ذاكرة الحياة ح�ضور ًا في الفكر والوجدان‪ ،‬و�ألق ًا ال يمحوه النّ�سيان‪.‬‬
‫ال�سنين‪ ،‬بل � ّإن العمر �أفعال و�أعمال‪ ،‬ت�ضيق بها م�ساحة الزّمان‬
‫فالعمر ال يقا�س بعدد ّ‬
‫ومدى المكان‪ ،‬لي�صبح جزء ًا من م�سيرة ال ّتاريخ وديمومة العالم‪.‬‬
‫قويمي ا ّلذي ال يندرج في بور�صة التح ّوالت الظرف َّية‪ ،‬ننظر �إلى‬
‫بهذا المعيار ال ّت ّ‬
‫�شخ�ص َّية �آية اهلل العظمى ال�س ِّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ط ّيب اهلل ثراه‪ ،‬في �سيرته‬
‫ال�سمحاء‪ ،‬التي تج َّلت في‬
‫وم�ساره‪ ،‬من خالل حكمته الوازنة‪ ،‬وعقله ال َّراجح ومح ّبته ّ‬
‫خدمته للنّا�س والمجتمع‪ ،‬هو ا ّلذي �أم�ضى عمره مجتهد ًا وباحث ًا ف ّذ ًا‪ ،‬وباحث ًا ع ّالمة‬
‫عن �سبل جا ّدة ومفيدة لتي�سير حياة النّا�س في �ش�ؤون ال ّدين وال ّدنيا‪.‬‬
‫لقد تع ّرفت �إلى �سماحته �شخ�ص ّي ًا منذ �أوائل ال ّت�سعينيات‪ ،‬عندما كنت �أزوره‬
‫برفقة موفدين من الفاتيكان‪� ،‬أو وفود �أجنب ّية من دول �أورو ّبا‪� ،‬أو من خالل كتاباته‬
‫نيوي‪ ،‬وكذلك من‬
‫ومحا�ضراته ا ّلتي تناولت جوانب الحياة في ُب َ‬
‫وحي وال ّد ّ‬
‫عد ْيها ال ّر ّ‬
‫خالل عملنا الم�شترك في مجاالت الحوار وال ّتالقي‪ ،‬بت�أكيد نظرتنا الواحد �إلى الآخر‬
‫وقبوله‪ ،‬رغم االختالفات الفكر ّية وال�سيا�س ّية والعقائد ّية‪ ،‬ل ّأن هذه الق�ض ّية كانت وما‬

‫‪29‬‬

‫زالت م�شكلة الإن�سان منذ بدء الخليقة‪ ،‬حيث ر�أينا قابيل وهابيل في �أزم ٍة ن�ش�أت من‬
‫وحب الذّات ونوازع ال�شّ ّر‪ ،‬وعلى‬
‫عدم القدرة على قبول الأخ لأخيه‪ ،‬ب�سبب الح�سد ّ‬
‫هذا النّمط عا�ش النّا�س في م�سيرتهم ّ‬
‫الطويلة‪ ،‬ال ي�ستطيعون النّظر �إلى الآخر �إال‬
‫من خالل ُب ٍعد ٍ‬
‫واحد ي ّت�صل بالذّات �أو (الأنا)‪ ،‬ما جعلهم فيما بعد‪ ،‬ب�سبب التن ّوع‬
‫والتع ّدد واالختالف على ك ّل الم�ستويات‪ ،‬يذهبون متباعدين متقاتلين �إلى الحروب‬
‫حب الذّات‬
‫وال�صراعات المد ّمرة ا ّلتي �أنتجت الكثير من الآالم والويالت‪ ،‬فكان ّ‬
‫ّ‬
‫وبغ�ض الآخر تدمير ًا لهذه الذّات بنف�سها‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫‪ 1‬ـ محمد ح�سين ف�ضل اهلل وق�ضايا الحوار‬
‫عندما تناول �سماحته الحوار بين الأديان والجماعات‪ ،‬ر�أى �أنّه من الواجب �إزالة‬
‫العوائق ا ّلتي تحول دون تحقيق هذا الحوار فعل ّي ًا‪ ،‬وبال ّتحديد تلك العوامل الذات ّية‬
‫ا ّلتي ت�ش ّكل المق ّد�سات ا ّلتي نر�سمها في خاطرنا‪ ،‬ونمنع الحوار فيها �أو التح ّدث‬
‫ب�ش�ؤونها‪ ،‬لأنّنا في ٍ‬
‫خوف من �أن تهت ّز �صورة هذه المق ّد�سات‪ ،‬رغم � ّأن الإن�سان ورث‬
‫تمت �إلى واقع الإيمان ب�صلة‪ .‬ومن �أجل هذا‪،‬‬
‫في عقيدته الكثير من ال ّتفا�صيل ا ّلتي ال ّ‬
‫�أطلق �سماحته فكرة «ال مق ّد�سات في الحوار»‪ ،‬وقال‪�« :‬إنّنا ن�ستطيع ال ّتحاور في ك ّل‬
‫�شيء‪ ،‬و�إذا ا�ستقام للمتحاو َر ْين �أنّهما ال يحمالن معنًى عدوان ّي ًا‪ ،‬الواحد تجاه الآخر‪،‬‬
‫فب�إمكانهما �أن ينطلقا من �أجل �أن يتحاورا في ك ّل �شيء»‪.‬‬
‫جوهر الم�شكلة �أ ّيها الأخوة‪� ،‬أنّنا نتح ّدث مع الآخر من خالل ما نريده نحن‪ ،‬ال من‬
‫خالل ما يريد �أن يقول الآخر‪ ،‬ولذلك يتح ّول الحوار �إلى حوا ٍر مع الذّات‪ ،‬ومن ٍ‬
‫طرف‬
‫واحد‪ ،‬وهو ما ن�س ّميه (المونولوغ)‪ّ � .‬إن ال ّر�ؤية الحوار ّية والتالقو ّية الن ّيرة التي تح ّدث‬
‫عنها �سماحته‪ ،‬تتالقى في كثيرٍ من وجوهها مع نظرة الكني�سة في ما �صدر عن المجمع‬
‫الفاتيكاني ال ّثاني‪ ،‬حيث جاء في مق ّرراته‪ّ �« :‬إن الكني�سة تنظر وفق مه ّمتها في دعم‬
‫ّ‬
‫الوحدة والمح ّبة بين الب�شر‪� ،‬إلى ما هو م�شترك بين النّا�س‪ ،‬ومن �ش�أنه �أن يقودهم‬
‫�إلى ال�شّ ركة مع بع�ضهم البع�ض‪ .‬وبال ّتالي‪ ،‬ف� ّإن الكني�سة ال ترف�ض ما هو مق َّد�س لدى‬
‫الديانات الأخرى‪ ،‬ولو اختلف الأ�سلوب �أو طريقة ال َّتعبير‪ ،‬فوجود الخير والحقيقة في‬
‫ِّ‬

‫يتوجب على الم�سيح ّيين �أن يعترفوا‬
‫تلك ِّ‬
‫الديانات‪ ،‬يرجع �إلى فعل عناية اهلل‪ ،‬ولذلك ّ‬
‫بهذه العنا�صر‪ ،‬و�أن ي�ساعدوا على �صيانة هذه ال ِق َيم ال ّروح ّية والأخالق ّية»‪.‬‬
‫ب�ص���ر في مدى حكمة هذا العا ِلم الجلي���ل والمرجع َّية ال ّدين َّية والفقه َّية‬
‫يمكننا ال ّت ُّ‬
‫إ�سالمي‪ ،‬حيث‬
‫ال َّر�ص���ينة و�إ�صغائه و ُبعد نظره في م�ستويات ع ّدة‪� ،‬إن على الم�ستوى ال‬
‫ّ‬
‫ب���رزت مواقف���ه االنفتاح ّي���ة والمتق ّدمة عل���ى الواقع ف���ي الكثير من ّ‬
‫الظ���روف‪� ،‬أو في‬
‫روح ا�ست�ش���راف ّي ٍة تتجاوز حدود الم�ص���الح المذهب ّية والفئو ّية‬
‫الفت���اوى ا ّلت���ي تن ُّم عن ٍ‬
‫ال�ض��� ّيقة لتتالقى مع الإن�س���ان في مداه الأو�س���ع‪ ،‬بما يوفّر له �أنماط ًا جديد ًة للعي�ش ال‬
‫تتناق�ض مع جوهر الإيمان‪ ،‬وال تقع في �شَ َر ِك الجهل وال ّتقاليد الآ�سرة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل والعالقة مع الغرب‬
‫وغرب‪ ،‬بل �أ�صبح العالم كلُّه قري ًة ومنظوم ًة‬
‫يرى �سماحته �أ َّنه لم يعد هناك �شر ٌق ٌ‬
‫جغراف َّي ًة واحدةً‪ ،‬ولم تعد هناك حواجز مانعة حتّى في الم�سائل ال ّثقاف َّية‪ ،‬وهذا ما ع َّبر‬
‫أوروبي على‬
‫إ�سالمي‪ ،‬ندعو �إلى حوا ٍر �‬
‫عنه �صراح ًة وقال‪�« :‬إ َّننا ومن موقفنا ال‬
‫إ�سالمي ‪ّ � -‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال�صورة‬
‫نطاقٍ وا�سع‪ ،‬ت�شترك فيه ال�شخ�ص َّيات والأحزاب ومراكز ِّ‬
‫الدرا�سات‪ ،‬لتو�ضيح ّ‬
‫الحقيق َّية للإ�سالم في نظرته �إلى الغرب‪ ،‬كما نريد للأنظمة الإ�سالم َّية �أن تعمل على‬
‫تح�سين �سج ِّلها في مجال حقوق الإن�سان‪ ،‬انطالق ًا من القيم الإ�سالم َّية‪ ،‬ومن ال َّرغبة في‬
‫التَّعاون والتَّقارب ورف�ض ّ‬
‫يني على م�ستوى العالم ك ِّله»‪.‬‬
‫الظلم‬
‫االجتماعي ّ‬
‫يا�سي وال ّد ّ‬
‫وال�س ّ‬
‫ّ‬
‫في مقاربته لمو�ضوع الحكمة‪ ،‬ر�أى �سماحته � َّأن الحكمة عنوان ر�سالة الأنبياء‪،‬‬
‫وهم عا�شوها في ِّ‬
‫وي�سروا لهم فهمها‪ ،‬ودعوهم �إلى‬
‫خط ال َّدعوة‪ ،‬وع َّلموها للنَّا�س‪َّ ،‬‬
‫جهود فكر ّي ٍة ّ‬
‫ال�سير بمداها‪ ،‬وهذا �أم ٌر �صعب ومعقّد يحتاج �إلى ٍ‬
‫وا�سع وتفكيرٍ‬
‫واط ٍ‬
‫الع ٍ‬
‫َّ‬
‫عميق‪ .‬ومن هنا تن�ش�أ الجدل ّية بين الحكمة والموعظة الح�سنة‪� ،‬إذ ال ب ّد للإن�سان من‬
‫تطمئن‪ ،‬وللعقل من �أن يف ّكر برو ّية‪ ،‬وكما � ّأن القر�آن الكريم‬
‫�أن ينطلق‪ ،‬ولل ّروح من �أن‬
‫ّ‬
‫تعامل مع الواقع في ّ‬
‫خط الحكمة‪ ،‬حيث نجده يح�سم تار ًة ويت�ساهل تار ًة �أخرى‪،‬‬
‫نرى �أنّه ال ب ّد للحكمة من �أن تلتقي بالمرونة‪ ،‬و�أن تلتقي المرونة بالموعظة الح�سنة‬
‫وبالأ�سلوب الأح�سن‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫‪32‬‬

‫إ�سالمي قد �أراد للإن�سان �أن ُيغني ثقافته العلم ّية ب�أ�سرار‬
‫و�إذا كان ال ّدين ال‬
‫ّ‬
‫ف�ضل تفكير �ساع ٍة على عبادة �سنة‪ .‬و�إذا‬
‫الكون‪ ،‬واعتبر � ّأن ال ّتفكير فري�ضة‪ ،‬ف�إنّه قد ّ‬
‫كان الإ�سالم يتح ّرك دوم ًا في ِّ‬
‫خط الفكر والعلم‪ ،‬ما يجعله حرك ًة دائم ًة في اتّجاه‬
‫ال�سلطات تلتزم فكر ًا‬
‫اكت�شاف �أ�سرار الكون والحياة والإن�سان‪ ،‬و�إذا كانت بع�ض ّ‬
‫خا�ص ًا لت�ضطهد ا ّلذين يخالفونها فيه بفعل الق ّوة ّ‬
‫الظالمة‪ ،‬ف� ّإن الإ�سالم‬
‫مع ّين ًا �أو ر�أي ًا ّ‬
‫لطوي هو وحده ا ّلذي‬
‫ال�س ّ‬
‫نف�سه ال يتح ّمل وزر هذه الأفعال والت�ص ّرفات‪ ،‬ل ّأن اال�ستكبار ّ‬
‫يتح ّمل الم�س�ؤول ّية في نظرته ال ّتقدي�س ّية وال ّتحريم ّية �إلى الأو�ضاع الفكر ّية والعلم ّية‬
‫وال�سيا�س ّية وغيرها‪.‬‬
‫الفكري‬
‫لقد عا�ش �سماحة ال�س ِّيد حيا ًة غن ّي ًة بال ُّتقى وال ّتجربة والعلم واالجتهاد‬
‫ّ‬
‫إيماني‪ ،‬فكانت م�ساحة حياته دائر ًة ملأى بالتح ّديات لمواجهة الواقع‪،‬‬
‫والجهاد ال ّ‬
‫والخروج من الجمود ا ّلذي يحا�صر الفكر وال ّروح‪ ،‬وين�أى بالإن�سان عن ال ّتحليق في‬
‫�أجواء الحرية والإيمان الحقّ ا ّلذي التزم به ودعا �إليه‪ ،‬وا ّلذي يفتح فكر الإن�سان‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وانفالتات بعيد ٍة عن‬
‫انفعاالت غريز ّي ٍة‬
‫على المطلق‪ ،‬ويق ّعده على ثوابت ال تهت ّز �أمام‬
‫ال�صحيح‪.‬‬
‫إيماني ّ‬
‫ّ‬
‫ال�سلوك ال ّ‬
‫في هذه ال ّرحابة الغن ّية بالعلم والإيمان‪� ،‬أم�ضى �سماحة ال�س ّيد �سحابة عمره‪،‬‬
‫حج ًة دين ّي ًة ومرجع ّي ًة علم ّي ًة وفقه ّية‪ ،‬بك ّل ما‬
‫ليبقى في غيابه كما كان في ح�ضوره‪ّ ،‬‬
‫الفكري وال ّتوا�صل ال ّدائم بين‬
‫يختزنه هذا الموقع من قيم ال ّروح وو�سائط ال ّتالقي‬
‫ّ‬
‫الب�شر‪ ،‬ك ّل الب�شر‪ ،‬على دروب الحياة‪.‬‬
‫خال�صة القول‪َّ � ،‬إن هذا ال َّراحل الكبير‪ ،‬ا ّلذي نفتقده ك َّل وقت‪ ،‬وا ّلذي نتح َّلق حول‬
‫نقي‬
‫ذكراه‪ ،‬هو �أكثر من رجل دين‪ ...‬هو رجل �إيمان‪ ،‬هو ع ّالمة غارق في النّعمة‪ّ ،‬‬
‫و�س ْمح القلب‪.‬‬
‫ال ّداخلة‪ ،‬ط ّيب الكالم‪َ ،‬‬
‫حي‪ ،‬وهو المر ّبي على فهم الإيمان بذهن ّي ٍة هادئ ٍة ت�سعى �إلى‬
‫نعم‪ ،‬هو رجل �إيمانٍ ّ‬
‫الحقيقة من دون ا ّدعائ ّية م�صادرتها �أو احتكارها‪.‬‬
‫مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬بفقهه وفكره و�أدبه‪ ،‬هو عا�شق اهلل في الإن�سان‪ ،‬ه ّمه‬
‫الأ�سا�س �أن يعرف الإن�سان � ّأن اهلل يح ّبه‪ ،‬و� ّأن بمقدور هذا الإن�سان المحبوب من اهلل‬

‫يحب الآخر‪ّ � ،‬أي �آخر‪ ،‬ويعتبره �أخ ًا له‪.‬‬
‫�أن ّ‬
‫الرب �أن يحت�ضن �سماحة المغفور له بوا�سع رحمته‪ ،‬و�أن يهدينا جميع ًا‬
‫دعا�ؤنا �إلى ّ‬
‫التب�صر‪ ،‬ومعرفة درب الحقّ والخال�ص‪ ،‬والعمل بوحي الإيمان والمح ّبة‪...‬‬
‫�إلى ّ‬
‫وكم نحن اليوم بحاج ٍة �إلى نار الإيمان ونور المح ّبة‪!...‬‬

‫* رئي�س ال ّلجنة الأ�سقف ّية للحوار امل�سيحي ‪ -‬الإ�سالمي‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل في عالم‬
‫زال قديمه ولم يتك ّون حديثه‬
‫الف�ضل �شلق*‬

‫م��ا بن��اه كان �ض��رورةً‪ ،‬و ما بناه تعج��ز الدول��ة �أحيان ًا عن‬
‫بنائه‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫رحل الإمام محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ .‬كان عمالق ًا في فكره ون�ضاله‪ .‬م�أ�ساته �أنّه‬
‫عا�ش في عالم ينهار‪ ،‬عالم ما بعد اال�ستعمار الذي يتزلزل فيه الدين‪ ،‬وتعجز الدولة‬
‫عن تقديم بديل‪ ،‬وتنهار الأ�سرة وتعجز الجماعة عن تقديم الحلول لنف�سها‪ .‬هو عالم‬
‫يتزلزل‪ :‬تنهار فيه الذات وال تبرز فيه الأنا‪ .‬ذات دون «�أنا»‪� .‬ساهمت الهزيمة في‬
‫ذلك‪ ،‬لم تفلح الثورة في تقديم الحلول وفي تقديم ُبنى جديدة لهوية �أو هويات بديلة‪.‬‬
‫عالم زال قديمه ولم يتك ّون حديثه‪ .‬الحداثة فيه امتداد لتقليد لم يعد موجودا �أو‬
‫تعليب لغرب م�ستورد وال يفي بالمطلوب‪ .‬عا�ش ال�س ّيد م�أ�ساة الع�صر؛ كارثة الزالزل‬
‫وهول ال�سقوط‪ .‬كان �إ�سالمي ًا وكان عروبي ًا وكان وحدوي ًا وكان منتمي ًا للمه َّم�شين‪.‬‬
‫وحدوية العروبة انهارت؛ �صحوة الإ�سالم تبعثرت؛ المه ّم�شون زاد تهمي�شهم و�صاروا‬
‫مجرد �أرقام‪ ،‬مجرد خياالت لأنف�سهم تقوم مقام م�سارات بلهاء الم�صير فاقدة الأمل‪،‬‬
‫والأمل َو ْه ٌم‪َ ،‬ل ّما لم يعد موجود ًا‪ ،‬انفكت ال�صلة بين الذات والأنا‪ .‬الذات تف ّت�ش ع ّما‬
‫يعيد الأنا �إليها كي ت�صبح فاعلة والأنا تحت ال�سنابك؛ هدف للقنابل‪ .‬هي باخت�صار‬
‫مو�ضوع حرب الإرهاب‪ .‬في مواجهة حرب الإرهاب ال يفيد الدين وال ال�سيا�سة وال‬

‫الموجه �ض ّد من انتمى �إليهم ف�ضل‬
‫الأخالق في المواجهة‪ ،‬في مواجهة حرب الإرهاب ّ‬
‫اهلل‪ ،‬هناك بعثرة وت�شرذم‪ .‬حاول عن طريق وحدة المذاهب ولم يفلح‪ .‬المذاهب‬
‫ذاتها �أ�صبحت فاقدة المعنى والمغزى‪.‬‬
‫حاول عن طريق الفتاوى‪ ،‬ومعظمها تط ّرقت لغير الم�ألوف‪� ،‬أن ي�صلح ويج ّدد‬
‫يوحده‪ .‬ر�أى ما يحدث غير ذلك‪� .‬صحوة ت�سير في طريق �آخر؛ لي�س‬
‫الإ�سالم‪ ،‬وربما ّ‬
‫والتوحد المذهبي الكت�ساب القوة‪ ،‬ر�أى الم�سار الفعلي‬
‫طريق الإ�صالح والتجديد‬
‫ّ‬
‫م�سار هوية تحاول الت�أكيد على ذاتها في وجه قوى قاهرة‪� .‬إ�شكاليته كانت المه ّم�شين‬
‫ال الح ّكام؛ حركة الجماهير ال من يتو ّلى ال�سلطة با�سم والية الفقيه �أو غيرها‪ .‬حاول‬
‫�أن يكون امتداد ًا لع�صر ثوري‪ ،‬ع�صر الثورات ال�شعبية والحركات الوطنية‪ .‬حاول‬
‫�إنقاذها بتعابير وت�سميات �أخرى عن طريق الدين و�شعاراته وفتاواه‪ .‬ر�أى الأمور ت�سير‬
‫غير ذلك‪.‬‬
‫ر�أى الدول الحاكمة امتداد ًا لال�ستعمار والإمبريالية‪ .‬حاول التنبيه لذلك و�إنقاذ‬
‫الجماهير منها‪� .‬سارت الأمور بغير ذلك‪ .‬ر�أى الجماهير بحاجة �إلى �شيء وحيد‬
‫يجعل منها قطيع ًا يمنحها اتجاه ًا‪ ،‬يعطيها معنى ومغزى من �أي نوع كان‪ .‬لم يكن‬
‫غير الإ�سالم متاح ًا‪ ،‬لكن الإ�سالم يتزلزل؛ وما يتزلزل ال ي�صلح �أداة للجمع والتعبئة‬
‫والتح�شيد في �سبيل مواجهة القوى الإمبريالية الق ّهارة‪.‬‬
‫توجهه‬
‫كان كائن ًا �سيا�سي ًا من الطراز الأول‪ .‬ربما طغى وعيه ال�سيا�سي على ّ‬
‫الفقهي‪ ،‬رغم � َّأن �إدراكه الفقهي كان متف ّوق ًا‪� ،‬شارك في ت�أ�سي�س «حزب الدعوة» في‬
‫العراق ثم المقاومة الإ�سالمية في لبنان‪ ،‬ثم ا�ضطر �إلى اتخاذ م�سار منفرد‪ .‬ر�أى‬
‫ال�سيا�سة تت�شرذم �أمام وعي مف ّتت �سيطرت عليه الت�شنجات الطائفية والمذهبية‬
‫التي لم تترك مجا ًال للحوار المدني (ناهيك بالحوار حول التقريب بين المذاهب)‬
‫بين النا�س‪ .‬وجد ال�سيا�سة م�صادرة؛ �صادرتها �أنظمة ا�ستبدادية ونخب ثقافية تفتقر‬
‫للمعرفة وتت�سكع على �أعتاب ال�سلطات وت�ضع ر�أ�س �أهدافها �أن ت�صبح بيوقراطية تعمل‬
‫لدى ال�سلطات‪ .‬ذَ َوت ال�سيا�سة �أمام الهويات المذهبية وما عاد ممكن ًا الحوار بين‬
‫�أطراف المجتمع �سواء كانت طبقية �أو طائفية‪ .‬ما عاد الوعي بالم�صالح ي�ش ّكل دافع ًا‬

‫‪35‬‬

‫‪36‬‬

‫لدى النا�س‪ ،‬والم�صالح ق�صيرة المدى طغت على الم�صالح طويلة المدى‪ ،‬الم�صالح‬
‫الخا�صة على الم�صالح العامة‪ .‬الم�صالح العامة هي التي تنتج « ُم ُث ًال ُعليا»‪ ،‬هي ما‬
‫يعطي الحياة معنى ومغزى وهي ما يجعل اندماج الفرد في المجتمع عم ًال متوازن ًا‬
‫ذا �سوية �أخالقية واجتماعية‪ .‬الم�صالح الخا�صة هي ما ينتج الأنانية وانف�صال الأنا‬
‫عن الذات االجتماعية �سواء كانت فردية �أم جماعية‪ .‬في هذا االنف�صال انف�صام‬
‫�شخ�صية وتعطيل لملكة التفكير وبالطبع تعطيل لإمكانية التفكير العقالني‪ .‬ت�سيطر‬
‫الغرائز بالأحرى‪ .‬تُ�صنع الغرائز وت�سيطر على العقل وح�ساب الم�صلحة واالنتماء‬
‫للمجتمع والأمة‪ .‬تك َّون المجتمع العراقي من مكونات طائفية و�إثنية بعد االحتالل‬
‫الأميركي كما تك ّون لبنان من مكوناته الطائفية قبل ذلك بكثير‪ .‬تلبنن العراق دون‬
‫دعاوى العي�ش الم�شترك المهذبة �أو الكاذبة‪ .‬وعندما يتك ّون المجتمع من طوائف‪،‬‬
‫عندما يعاد ت�شكيله على يد القوى المهيمنة من طوائف و�إثنيات ال تترك مجا ًال‬
‫للخيارات الفردية وال لل�سيا�سة على �أ�سا�س مجتمع مك ّون من �أفراد �أحرار‪ .‬ال ب ّد و�أن‬
‫ت�سيطر عوامل الخوف والتخوين و�أن ي�سعى الجميع وراء الم�صالح الخا�صة قريبة‬
‫المدى على ح�ساب الم�صالح العامة العليا طويلة المدى‪ .‬حينها تف�سد ال�سيا�سة‬
‫ويف�سد الوعي وي�ؤدي ف�ساد الوعي وال�سيا�سة �إلى ف�ساد الدين‪.‬‬
‫واجه محمد ح�سين ف�ضل اهلل مجتمعه كما واجه القوى الإمبريالية الخارجية‪.‬‬
‫اتجه �إلى العمل االجتماعي الأخالقي من �أجل �أن يعيد للدين اجتهاده في�ضعه على �سكة‬
‫الحداثة‪ ،‬ال الحداثة المعلبة والم�ستوردة بل الحداثة التي ت�ستجيب لتط ّور المجتمع‬
‫ال�سوي ال الوعي المف ّوت‪ ،‬له‬
‫كما هو‪ ،‬الحداثة التي ت�ؤ�س�س لم�ستقبل يتح ّكم به الوعي‬
‫ّ‬
‫خ�صوم من هنا ومن هناك‪ ،‬خ�صوم �أقوياء لكن ما فترت ه ّمته وال تراجع‪� .‬ساهمت‬
‫المبرات التي رعاها في بناء الم�ساجد والمكتبات والم�ست�شفيات والمدار�س وك� ّأن‬
‫ذلك كان اعتراف ًا منه ب�ضرورة العودة �إلى ت�أ�سي�س الوعي بعد �أن فقد الأمل بال�سيا�سة‬
‫وعي جديد غير‬
‫والتجديد الديني‪ .‬تبقى هذه الم�ؤ�س�سات �صروح ًا للم�ستقبل لإنتاج ٍ‬
‫الذي ن�ش�أ ون�ش�أنا عليه‪� .‬إعادة ت�شكيل الوعي من قاعدة الهرم �صعودا �صارت هي‬
‫�سبيله في الن�ضال والمواجهة‪ .‬لم يي�أ�س ولم ي�ست�سلم‪ .‬ما بناه كان �ضرورة‪ ،‬وما بناه‬

‫تعجز الدولة �أحيان ًا عن بنائه‪ ،‬وما بناه �س َّد ثغرات كبرى في عمل الدولة‪ ،‬وما بناه‬
‫كان خدمة للمه ّم�شين الم�ست�ضعفين‪.‬‬
‫ترك ما يجب المحافظة عليه ورعايته وتطويره‪� .‬أهمية الم�ؤ�س�سات‪ ،‬بخالف‬
‫جميع الن�شاطات االجتماعية والخيرية الأخرى‪� ،‬إنها قابلة للبقاء‪ .‬نرجو �أن تبقى‬
‫على ازدهارها‪.‬‬
‫نترحم عليه‬
‫ي�ستحق الإكبار واالحترام الك ّلي هذا ال�س ّيد المنا�ضل الذي بناها‪ّ .‬‬
‫ونحن واثقون � ّأن ثوابه عند اهلل �أكبر و�أف�ضل و�أهم من ك ّل ما يمكننا �إ�سباغه عليه‪ .‬مع‬
‫غيابه �صرنا �أكثر حاجة لأفعاله‪ .‬رحل وترك فراغ ًا هائ ًال‪ .‬ي�صعب �س ّد هذا الفراغ‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 9‬تموز ‪2010‬‬

‫* وزير �سابق‪ ،‬وباحث وكاتب لبناين‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫ي�ضح بالمقاومة‬
‫تط ّور ولم يتغ ّير فلم ّ‬
‫�سركي�س نعوم*‬

‫اعذرني يا موالنا‪َ ،‬من مثلك ال ُير َثون بل يخ َّلدون‪،‬‬
‫والتخليد يقوم به النا�س والتاريخ‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫ّيت‬
‫يوم عودتي �إلى بيروت من «�سفرة العمل» الطويلة �إلى الواليات المتحدة‪ ،‬تلق ُ‬
‫ات�صا ًال هاتفي ًا من �صديق حميم قريب من قيادة «حزب اهلل»‪ ،‬ق ّدم لي التعزية بوفاة‬
‫موالنا �أو المرجع الديني الأبرز في التيارات الإ�سالمية الأ�صولية ال�شيعية اللبنانية‪ ،‬كما‬
‫كنت �أ�س ّميه في لقاءاتي ال�صحافية معه على مدى �أكثر من ربع قرن‪ ،‬وال�صديق الأع ّز‬
‫ُ‬
‫تحققت من م�ست�شاره الإعالمي ال�صديق الحاج‬
‫والمع ّلم ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫ُ‬
‫هاني عبد اهلل فنفى الوفاة‪ ،‬لكنّه �أق ّر ب�صعوبة حاله ال�صحية على رغم المعالجة التي‬
‫أردت �أن �أعرف �شيئ ًا عن ال�سيد‪،‬‬
‫لق َيها‪ .‬و�صباح �أم�س «غلي قلبي»‪ ،‬كما يقال في العامية‪ ،‬ف� ُ‬
‫�أن �أطمئن �إلى � ّأن العالج يعطي مفعوله‪ ،‬و�إلى �أ ّنه �سيخرج من �أزمته ال�صحية‪ ،‬كما خرج‬
‫من مثيالتها مرات عدة‪ .‬ركبت �سيارة تاك�سي وتوجهت �إلى م�ست�شفى بهمن حيث يعا َلج‪،‬‬
‫ففوجئت ب�إجراءات ا�ستعداد لحدث جلل‪ ،‬وبوجوم‪ .‬لم يخطر في بالي �أ ّنه انتقل �إلى‬
‫جوار ر ّبه‪ ،‬ربما لأنني في �أعماقي‪ ،‬في وعيي والوعيي‪ ،‬لم �أكن �أريد ذلك‪ .‬وبدوت كمن‬
‫يحاول اال�ستف�سار عن �صحته من �أقرب النا�س �إليه‪ ،‬لكنّه انتبه ف�أطلعني على الحقيقة‬
‫المرة‪ ،‬وبدل االطمئنان جل�ست مع �أهل موالنا و�أقربائه و�أ�صدقائه وبع�ض العاملين معه‬
‫في �أجواء من الحزن العميق والألم والبكاء والإح�سا�س بج�سامة الخ�سارة‪.‬‬

‫طبع ًا‪ ،‬ل�ست هنا في وارد �سرد ق�صة �صداقتي مع العلاّ مة والمرجع و�آية اهلل‬
‫العظمى ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬فقد يكون لعمل كهذا وقت �آخر ومنا�سبة �أخرى‪ ،‬وال في‬
‫وارد كتابة �أطروحة عنه‪ ،‬فكر ًا وعلم ًا و�أخالق ًا ومعرف ًة مو�سوعي ًة و�سيا�س ًة ودين ًا‪،‬‬
‫لأ�سباب كثيرة‪� ،‬أبرزها �أني ل�ست م�ؤه ًال لذلك‪ .‬ولكن قبل ت�شييعه ودفنه‪ ،‬وفي خ�ضم‬
‫ما �س ُيقال عنه‪ ،‬بل عن تاريخه‪ ،‬وما �س ُيكتَب‪� ،‬أرى من واجبي �إثارة نقطتين قد يكون‬
‫فيهما ر ّد على ما تع ّر�ض له في الما�ضي من مظالم‪ ،‬علم ًا � ّأن ذلك لي�س الهدف‪ ،‬ذلك‬
‫� ّأن الهدف هو �أن �أُظهر للجميع‪ ،‬من مق ّلدين ومح ّبين و�أن�صار و ُمحترِ مين و�أخ�صام‪،‬‬
‫�إذا كان له �أخ�صام‪ ،‬ومناف�سين‪ّ � ،‬أن ال�س ّيد ف�ضل اهلل بقي هو نف�سه منذ �أن عاد من‬
‫والد َعوي وال�سيا�سي‬
‫النجف الأ�شرف نهائي ًا �إلى وطنه لبنان‪ ،‬وبد�أ ن�شاطه الديني َ‬
‫والوطني والإ�سالمي فيه ح ّتى يوم انتقاله �إلى دار الخلود‪ .‬ال يعني ذلك �أنّه لم يتطور‪،‬‬
‫والتطور نتيجة زيادة في المعرفة واالطالع وفي التقويم للأو�ضاع داخل لبنان وفي‬
‫منطقته والعالم‪ ،‬لكنّه يعني � ّأن مواقفه الأ�سا�سية بقيت على حالها‪ ،‬و� ّأن التطور �أ�ضاف‬
‫�إليها ما من �ش�أنه جعلها �أكثر قبو ًال لدى الكثيرين لو كانت الظروف �أف�ضل ولو كانت‬
‫ال�سيا�سات الطائفية والمذهبية والإقليمية والدولية �أقل طغيان ًا على العمل العام‬
‫في لبنان‪ .‬فال�سيد ف�ضل اهلل هو الذي � ّأ�س�س ما �س ّماه الإ�سالم الحركي في لبنان‪،‬‬
‫الذي ُيطلق عليه كثيرون ا�سم الأ�صولية‪ ،‬وهذا الإ�سالم ك ّون بيئة �سمحت للمقاومة‬
‫الإ�سالمية بالت�أ�س�س والنمو فاالنت�شار والفعل‪ ،‬و�أخير ًا باالنت�صار عامي ‪ 2000‬و‪.2006‬‬
‫ي�ضح بها ولم‬
‫وعندما‬
‫ْ‬
‫ابتعدت عنه بعد �سنوات لأ�سباب ال داعي للخو�ض فيها‪ ،‬لم ِّ‬
‫يقبل الدعوات التي ُو ّجهت �إليه لمواجهتها ب�شعبيته الكبيرة بل بالجماهير الم�ؤمنة به‬
‫�شخ�ص ًا و�سيد ًا وفقيه ًا ومرجع ًا ديني ًا‪ .‬كان التحرير من �إ�سرائيل الهدف الأول عنده‪،‬‬
‫ممار�سات تع ّر�ض لها من هنا �أو من هناك‪ .‬طبع ًا‬
‫وبقي كذلك‪ .‬ولم تُغ ّير موقفَه هذا‪،‬‬
‫ٌ‬
‫ق ّدرت له المقاومة الإ�سالمية ذلك‪ ،‬ولو مت�أخرةً‪ ،‬وعذر ًا على هذا التعبير‪ ،‬فبادرت‬
‫في حرب تموز ‪� 2006‬إلى �سحبه غ�صب ًا عنه من منزله في حارة حريك لمعرفتها �أنّه‬
‫�سيتعر�ض لغارة �إ�سرائيلية‪ ،‬وقد تع ّر�ض المنزل فع ًال لغارة بعد مغادرته �إياه بدقائق‪.‬‬
‫�أما النقطة الثانية التي �أو ّد �أن �أثيرها في هذه الكلمة عن ال�صديق الأع ّز الراحل‬

‫‪39‬‬

‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل فهي �أنّه بتم ّيزه عن زمالئه وعن ال�سيا�سيين‪� ،‬سواء‬
‫من حيث �إيمانه بالآخر وبالحوار معه وبالتفاهم معه وبالوحدة الإ�سالمية وبالوحدة‬
‫الوطنية وبوطن العي�ش الم�شترك وبتم�سكه بنهجه ومواقفه الفقهية وال�سيا�سية‬
‫والوطنية والإ�سالمية واالجتماعية‪� ،‬أو من حيث ال�شعبية الوا�سعة التي كانت له‪� ،‬أنّه‬
‫في ك ّل ذلك ك ّون ملج�أ للر�أي الآخر‪� ،‬أو ًال داخل طائفته حيث ال�سلطة ر�سمي ًا لفريقين‪،‬‬
‫وفعلي ًا لواحد‪ ،‬وكان ملج�أ كبير ًا جد ًا ن�أمل �أن ي�ستمر‪ .‬كما �أثار �آما ًال عري�ضة في‬
‫�أو�ساط الطوائف اللبنانية الأخرى‪ ،‬من �إ�سالمية وم�سيحية‪ ،‬في تفاهم ما بينها‪.‬‬
‫في النهاية‪ ،‬اعذرني يا موالنا‪ ،‬يا �صديقي ويا مرجعي الأخالقي والوطني‪ ،‬ف�أنا‬
‫ل�ست «�شاطر ًا» في المراثي‪َ ،‬ومن مثلك ال ُير َثون بل يخ َّلدون‪ ،‬والتخليد يقوم به النا�س‬
‫ُ‬
‫والتاريخ‪ .‬واق َبل �شكري لك على ثقتك بي و�صداقتك‪ ،‬على رغم ك ّل الأعا�صير التي‬
‫م ّرت‪.‬‬
‫النهار ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫‪40‬‬

‫* مفكر �سيا�سي لبناين‪.‬‬

‫ً‬
‫وحركة‬
‫المرجع الذي ملأ الدنيا علم ًا وجهاد ًا‬
‫ال�س ّيد مح ّمد علي ف�ضل اهلل*‬

‫المجد َد‪،‬‬
‫أ�صولي‬
‫ال�سي ُد المرج َع الفقي َه‪ ،‬وال‬
‫ويبقى‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫المرهف‪.‬‬
‫اعر‬
‫َ‬
‫والمتك ِّل َم البارز‪ ،‬وال�شّ َ‬

‫} َو ِم َن ال َّن ِا�س َمن يَ�شْ رِ ي نَ ْف�سَ ُه ا ْب ِتغَاء َم ْر�ضَ ِات هّ ِالل و هَّاللُ رَ�ؤُ ٌ‬
‫وف ِبا ْل ِعبَ ِاد{‬

‫(البقرة ‪)207 :‬‬

‫َ����ح���� َب َ‬
‫����اك ِم����نْ���� ُه ب����أف�������ض���لِ الآال ِء‬
‫ف َ‬

‫��ت ‪ ‬لل ّرحمن ذات َ‬
‫َ������ك ُك َّل َها‬
‫�أع��ط��ي َ‬
‫ال�ضباب‪ ،‬تارك ًا‬
‫ال�سحاب‪ ،‬وانق�شع كما ينق�شع َّ‬
‫�أخي‪ ،‬وقد م�ضى العمر وم ّر كما يم ّر ّ‬
‫الخ�صب الأخ�ض َر كربي ِعك ال ّدائم‪ّ ،‬‬
‫والطال ِع‬
‫قل َمك ينزف غياب ًا‪ ،‬و ُك ُت َبك ت�شهد الح�ضو َر‬
‫َ‬
‫م�س َك ّ‬
‫ك�شَ ِ‬
‫الطالع ِة على ال ِب ِّر والفاجر‪.‬‬
‫ويلفحني ح ُّبهم ببر ِد ح�ضورك‪.‬‬
‫ُيث ِق ُلني وقوفي هنا‪ ،‬وتُث ِق ُلني دمو ُع النّا�س‪ُ ،‬‬
‫َو َر ِّب َ‬
‫����دى ال ُمعجزات‬
‫ع���ل��� ٌّو ف���ي ال���ح���ي���اة وف����ي ال��م��م��ات‬
‫����ت �إح َ‬
‫������ك‪� ،‬أن َ‬
‫ال�س ِيد(ق ّد�س �س ّره) ال ُّدنيا علم ًا وحرك ًة وجهاد ًا وت�ضحية‪،‬‬
‫�أ ّيها الأح ّبة‪ ،‬لقد ملأ �سماح ُة َّ‬
‫و�س َل َك في َ‬
‫ذلك َم ْ�س َل َك ُن ْك َرانِ الذَّ ات‪َ ،‬ف َك َد َح �إلى َر ِّبه َك ْدح ًا فالقاه‪ ،‬و�أرا َد ِب ِه َر ُّب ُه رِفع ًة‬
‫َ‬
‫فما ا�ستطاع �أح ٌد �أن َي َ�ض َعه‪ ،‬لأنّه كان ُ‬
‫يعرف (ما ُي ْ�ص ِل ُح ال َق ْو َم)‪ ،‬غَ ْي َر �أَ َّن ُه َلم َي ُكن َي َرى‬
‫الح غَ يرِ ِه ِبف ََ�سا ِد َنف ِْ�سه)‪.‬‬
‫َ‬
‫(�ص َ‬
‫ّا�س َف�أَ َح ُّبوه‪ .‬كان َل ُهم �أخ ًا كبير ًا‪ ،‬وكَان‬
‫لقد � َّ‬
‫أحب �سماح ُة ال�س ّي ِد(ق ّد�س �س ّره) الن َ‬

‫‪41‬‬

‫‪42‬‬

‫وكان ُي ِح ُّب ُك َّل النّا�س‪ .‬كان ُي ِح ُّب الّذين َي َّت ِفقُ َم َع ُهم ل َي َت َعا َو َن معهم‪،‬‬
‫َب ْينَهم �أب ًا َح ِليم ًا‪َ ،‬‬
‫يختلف َم َع ُهم ل َي َت َحا َو َر َم َع ُهم‪ ،‬وهكذا ا ْن َف َت َح َع َلى الإن�سان‪ُ ،‬مخْ ترق ًا‬
‫و ُي ِح ُّب الّذين‬
‫ُ‬
‫الط ِ‬
‫ُح ُج َب َع َ�ص ِب َّي ِ‬
‫ات ّ‬
‫ِ‬
‫والحب‪ ،‬و ِب َع ْينِ ال ُق ْر�آن‪،‬‬
‫والمذاهب بعينِ العدلِ والحوا ِر‬
‫وائف‬
‫ِّ‬
‫حيث يقول‪َ } :‬و�إِنَّا �أَ ْو �إِيَّا ُك ْم لَ َع َلى ُه ًدى �أَ ْو ِفي �ضَ اَل ٍل ُّم ِبينٍ {(�سب�أ ‪)24 :‬‬
‫الحب ال يمكن‪ -‬بحالٍ من الأحوال‪� -‬أن َي ْ�ص ُد َر �إال من خلف ّي ٍة فكر ّي ٍة ت�ستدعي‬
‫هذا َّ‬
‫كل مفرداته ا ّلتي � َّأ�س�سها القر�آن‪ ،‬وفي ِّ‬
‫الحوا َر في ِّ‬
‫كل خطوطه العري�ضة‪ ،‬العا ّمة‬
‫والخا�صة ا ّلتي ترف ُدها �سماح ُة الإ�سالم وت�سا ُمحه‪ ،‬بعيد ًا عن ِذ ْهن َّيـ َتي التّكفيرِ‬
‫ّ‬
‫والإلغا ِء ال ّلتين ُ‬
‫تنطق بهما العقولُ‬
‫إ�سالم و ُت�شَ ِّو َها ِنه‬
‫المتحجرة‪ ،‬وال ّلتين ُت ْث ِقالنِ ال َ‬
‫ّ‬
‫و َت ْم َ�سخَ ا ِنه‪.‬‬
‫كان �سماحة ال�س ّيد(ق ّد�س �س ّره) ي�سعى لكي ُي�ؤَ�س ِل َم العالـَ َم‪ِّ ،‬‬
‫بكل ما تحمله الأ�سلم ُة‬
‫من قابل ّي ٍات ال تبد�أ بالمناحي ال َعق َِد َّي ِة وال ِفقْهِ َّي ِة‪ ،‬وال تنتهي عندها‪ ،‬ل َّأن �أَ ْ�س َل َم َة ال َعا َل ِم‪،‬‬
‫أ�سا�س‬
‫ِه َي �أن‬
‫إن�سان في �إن َْ�سان َّيته‪ ،‬و�أن ت� ِّؤ�ص َل المعامل َة الح�سن َة‪ ،‬والمح ّب َة ك� ٍ‬
‫تحترم ال َ‬
‫َ‬
‫في ال ُق ْر ِب من ا ِ‬
‫هلل في ُم ْف َر َد ِات ِدي ِنه و َت�شْ ريعا ِته‪ .‬ولذلك كان �سماحتُه داعي َة الحوا ِر‬
‫الأ ّولَ ‪ ،‬وداعي َة الوحد ِة الأ�صدقَ بالقولِ وال َع َمل‪ .‬فكان الحوا ُر ال‬
‫إ�سالمي‪،‬‬
‫إ�سالمي‪ -‬ال‬
‫ُّ‬
‫ُّ‬
‫وال َو ْح َدة الإ�سالم ّية‪ ،‬ه َّميه المقي َم ْين في عق ِله و َقلبِه‪ ،‬خ�صو�ص ًا في ِّ‬
‫ظل �أجواء الفُر َقة‬
‫إ�سالمي‪ ،‬وا ّلتي ال تزال تهجم‬
‫والتمزُّق والفتن ال َم ِقي َت ِة التي َت ْع ِ�ص ُف بعال َم ِنا ال َع َر ِّبي وال‬
‫ِّ‬
‫علينا ك ِقطع ال ّليل ْ‬
‫المظ ِلم‪ .‬وكان ير ِّدد دائم ًا‪َّ � :‬إن ما َن َّت ِفقُ َع َليه‪� ،‬أكث ُر بكثيرٍ مما َنخْ َت ِل ُف‬
‫ُ‬
‫المفاهيم‬
‫الخالف في مواطنِ االختالف؟ وكانت‬
‫فيه‪ ،‬فلماذا نت ُر ُكه؟ ح ّتى َي ْنفَجِ َر‬
‫ُ‬
‫همومه‪ِ ،‬‬
‫الإ�سالم ّي ُة ال ِّر�سال َّي ُة ُت�شَ ِّك ُل ه ّم ًا من ِ‬
‫َ‬
‫كان‬
‫وان�شغَا ًال من ان�شغاال ِته‪.‬‬
‫ولذلك َ‬
‫ِحد ِة الإ�سالم ّية‪ ،‬و�أَ ْح َم ُد َ‬
‫اهلل‬
‫َيقُول‪َ « :‬لق َْد َع ِم ْل ُت لأك َث َر من‬
‫َ‬
‫خم�سين �سن ًة َع َلى َت ْر ِ�س ِيخ الو َ‬
‫نت من النُّهو�ض ِب�أع َباء كبيرة في هذا المجال»‪.‬‬
‫�أنّي تم ّك ُ‬
‫الم�سيحي‪ُ ،‬م ْف َر َد ًة من مفردات الو ِْح َد ِة التي ُي ِ‬
‫ن�ش ُد َها في‬
‫اال�سالمي‬
‫‪ ‬وكان الحوا ُر‬
‫ُّ‬
‫ُّ‬
‫لوك �إلى اهلل‪ُ - ،‬‬
‫ال�س ِ‬
‫َا�س الخالئقِ ‪ -‬ولهذا كان كثير ًا ما‬
‫والط ُرقُ �إلى اهلل ب َع َد ِد �أنف ِ‬
‫ُّ‬
‫ُيذَ ِّك ُر الجمي َع ِب َق ْولِ اهلل تعالى‪ُ } :‬ق ْل يَا �أَ ْه َل ا ْل ِكتَ ِاب تَ َعالَ ْو ْا �إِلَى َك َل َم ٍة �سَ وَاء بَ ْينَنَا َوبَ ْينَ ُك ْم‬

‫�أَ َّال نَ ْعبُ َد �إِ َّال هّاللَ َو َال نُ�شْ رِ َك ِب ِه �شَ ْيئ ًا َو َال يَ َّت ِخ َذ بَ ْع�ضُ نَا بَ ْع�ض ًا �أَ ْربَاب ًا ِّمن ُد ِون هّ ِ‬
‫الل{(�آل‬
‫عمران‪ ، )64 :‬لأنّنا َن َّت ِفقُ على اهلل تعالى في �ألوه ّيته‪ ،‬ون ّتفق على مح ّبته‪ ،‬ون ّتفق على‬
‫� َّأن «الخلق ك ّلهم عيال اهلل‪ ،‬و� ّأن �أح ّبهم �إليه �أنفعهم لعياله»‪ ،‬ولأنَّنا �أي�ض ًا َن َّت ِفقُ َع َلى‬
‫ِ‬
‫مفردات ال ِقي ِِم الأخال ِق َّي ِة والإن�سانية ا ّلتي ت�سمو بالإن�سانِ عق ًال وروح ًا‬
‫الكثيرِ من‬
‫ِ‬
‫العالقات الإن�سان ّية‪.‬‬
‫وحرك ًة‪ ،‬في الحياة‪ ،‬وفي‬
‫ومن هنا �أي�ض ًا‪ ،‬انطلقَ �سماح ُة ال�س ّي ِد لي� ِّؤ�س َ�س ِل ِف ْك َر ِة المقاومة‪ ،‬ولثقاف ِة المقاومة‪،‬‬
‫ولمجتمع المقاوم ِة‪ِّ ،‬‬
‫وموجه ًا‪ ،‬ومجاهد ًا‪،‬‬
‫منظر ًا‪ ،‬ومف ِّكر ًا‪ ،‬وداعي ًا‪ ،‬وحامي ًا‪ ،‬و ُم َ�س ِّدد ًا‪ّ ،‬‬
‫وفل�سطين‪ ،‬والعراقَ ‪،‬‬
‫لبنان‪،‬‬
‫دمه على َك ِّف ِه ويرتدي َك َفنَه‪ .‬فكانت المقاوم ُة في َ‬
‫َ‬
‫يحمل َ‬
‫أفغان�ستان‪ ،‬بالنّ�سبة �إليه ثابت ًا �إن�سان ّي ًا و�إ�سالم ّي ًا‪ ،‬ال يتزحزح عنه‪ ،‬وه ّم ًا يوم ّي ًا‬
‫و�‬
‫َ‬
‫اال�ستراتيجي الـ ُمنْ�شَ ِغل على ال ّدوام بالق�ضايا‬
‫ي�شغل ح ّيز ًا كبير ًا من م�ساحة عقله‬
‫ِّ‬
‫الكبرى للأ ّمة والم�ست�ضعفين‪ .‬فكان �أَ ْن َد َع َم المقاوم َة منذ بدايا ِت َها‪ ،‬وفي ّ‬
‫محطا ِت َها‬
‫المتوح ِ�ش‬
‫إ�سرائيلي‬
‫االجتياح ال‬
‫اجتياح عام ‪ ،1978‬و َب ْع َد ُه‪ ،‬وفي ِخ َ�ض ِّم‬
‫المختلف ِة‪ ،‬قبل‬
‫ِّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫كان‬
‫عام ‪ ،1982‬وحينما كان الكثيرون يغادرون لبنان‪ ،‬وعا�صمته المه َّددة بيروت‪َ ،‬‬
‫ّا�س‪ ،‬في مقاوم ِة االحتالل‪ ،‬وي�شهد‬
‫َ�س َم َاح ُت ُه‬
‫يقتحم الخط َر‪ ،‬وي َّتجِ ُه �إليها ليكون مع الن ِ‬
‫ُ‬
‫م�سجد الإمام ال ّر�ضا(ع)‪ ،‬ودما ُء ال�شّ هيد (محمد نجدي) في بئر العبد‪ ،‬على الموقف‬
‫ال�سيد(ق ّد�س �س ّره)‪،‬‬
‫ال�صلب الذي �أ�سقط اتّفاقَ الذ ُِّّل في ‪� 17‬أ ّيار‪ .‬وهكذا‪ ،‬كان �سماح ُة ِّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المحط ِ‬
‫ِ‬
‫ات ِ‬
‫المف َْ�ص ِل َّي ِة في َح َر َك ِة المقاومة‪ ،‬و�صو ًال �إلى ِ‬
‫حرب تموز‬
‫حا�ضر ًا بق ّو ٍة في ك ّل‬
‫كف‬
‫عام ‪ ،2006‬فكان الغطا َء ا ّلذي �أ ّمن انت�صا َر �أبنائه البدر ّيين المجاهدين‪ ،‬حين ّ‬
‫�سالح المقاوم ِة في قلبِ المعركة‪ ،‬وعندما كان‬
‫عنهم �أل�سنة و�أيدي المتطاولين على ِ‬
‫ّا�س‪ ،‬واعتبر ذلك من باب الخيان ِة ال ُع ْظ َمى‪ ،‬وحين‬
‫العد ُّو َي ْ�س َت ْه ِدف المقاوم َة والن َ‬
‫بعد خُ ُر ِوج َ�أ ْه ِل َها منها عن �آخرهم‪ ،‬غير � ّأن الذاكرة‬
‫َ�ض‬
‫َرف َ‬
‫الخروج من ّ‬
‫ال�ضاحي ِة �إال َ‬
‫َ‬
‫ال ّت�سجيل ّية الحديث َة قد ت َِ�ض ْي ُع �أحيان ًا في مفارق ال�سيا�سة؛ لقد كانت مقاوم ُة ال َك َيانِ‬
‫هيوني ِ‬
‫أرتاح‬
‫الغا�صبِ ‪َ ،‬ر ِكيزَ ًة من ركائزِ َح َر َك ِت ِه‪ ،‬ولذلك قال في �آخر َك ِل َما ِته‪« :‬لن � َ‬
‫ُّ‬
‫ال�ص ِّ‬
‫ح ّتى ت َْ�سق َُط �إ�سرائيل»‪.‬‬
‫ولقد كان �سماحته( ُق ِّد َ�س ِ�س ُّره) في ذلك ك ّله‪ ،‬يتبع م�صلحة الإ�سالم‪ ،‬وكان يقول‪:‬‬

‫‪43‬‬

‫‪44‬‬

‫«�أنا ُم َو َّك ٌل بالإ�سالم �أَ ْت َب ُعه»‪ .‬ولهذا‪ ،‬واكب ال ّثور َة الإ�سالم َّي َة في �إيران منذ �إرها�صا ِت َها‬
‫توجهاتها‬
‫الأولى في ال�ستين ّيات على يد ال�س ّيد الخميني( ُق ِّد َ�س ِ�س ُّره)‪ ،‬وذلك لأنها في ّ‬
‫مجتمع يقوم على‬
‫ال ّرئي�سة‪ ،‬وخطوطها العري�ضة‪ ،‬توافقت مع �أفكاره وتط ّلعاته �إلى بناء‬
‫ٍ‬
‫ونا�صحا‬
‫وال�س ِم ِح‪ .‬ولذلك �أي�ض ًا‪ ،‬ظ َّل محام ًيا و ُم َو ِّج ًها‪،‬‬
‫إ�سالمي‬
‫النظام ال‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫المت�سامح َّ‬
‫ّ‬
‫و ُم َ�س ِّد ًدا بعد وفاة ال�س ّيد الخميني( ُق ِّد َ�س ِ�س ُّره)‪.‬‬
‫المجد َد‪ ،‬والمتك ِّل َم البارز‪ ،‬وال�شّ اع َر‬
‫أ�صولي‬
‫ِّ‬
‫ويبقى ال�س ّي ُد المرج َع الفقي َه‪ ،‬وال َّ‬
‫�صل باهلل‪ ،‬في ٍّ‬
‫المرهف‪ ،‬والعارف الم ّت َ‬
‫حب اهلل‬
‫َ‬
‫خط متف ّر ٍد من العرفان‪ُ ،‬ي�شرق فيه ّ‬
‫على الأر�ض والنّا�س‪ ،‬وينفتح فيه المنهج على ثقافة القر�آن‪ ،‬لي� ِّؤ�ص َل من خاللها‬
‫المفاهيم‪ ،‬ويط ِلقَ من خاللها الفتاوى بجر�أ ٍة غير م�سبوقة‪ .‬فكانت فتواه بطهارة ك ّل‬
‫واع‪ ،‬ومن خالل �أدوات‬
‫فكري‬
‫�إن�سانٍ ترجم ًة لهذا ك ّله‪ ،‬وبنا ًء يقوم على � ٍ‬
‫أ�سا�س ٍّ‬
‫وثقافي ٍ‬
‫ٍّ‬
‫ّ�ص المق ّد�س ومنهج ّية اال�ستنباط‬
‫الفتوى ا ّلتي ت�ضرب جذورها عميق ًا في �أر�ض الن ّ‬
‫الأ�صيلة‪ ،‬دون �أن ُيعرِ َ�ض با�سم الأ�صالة عن الأخذ ب�أ�سباب العلم والمعا�صرة‪ ،‬وليكون‬
‫الح�ضاري‪،‬‬
‫بذلك المرجع المج ّدد الأ�صيل‪ ،‬الذي �أعطى للمرجع ّية بحقّ ُبعدها‬
‫ّ‬
‫يادي النّاه�ض بالأ ّمة‪ ،‬الآخذ بيدها‬
‫إن�ساني ال�شّ امل‪ ،‬ودورها‬
‫القيادي ال ّر ّ‬
‫ّ‬
‫الثقافي وال ّ‬
‫ّ‬
‫نحو الم�ستقبل‪ ،‬والمهاجر بها �إلى اهلل �سبحانه وتعالى‪    .‬‬
‫لقد كان ال ّتجديد والمعا�صرة ِ�سـ َمتَيه‪ ،‬وقد ت ََج َّلى ذلك في كثيرٍ من فتاواه‪ ،‬و�إن‬
‫كانت �أ�شهرها فتواه في �إثبات الأه ّلة باالعتماد على علم الفلك‪ .‬وهي كفتوى‪ ،‬ال تعك�س‬
‫منهج ًا فقه ّي ًا و�أ�صول ّي ًا متم ّيز ًا فح�سب‪ ،‬بل تعك�س كذلك ر�ؤي ًة توحيد ّي ًة للكون‪ ،‬وفه ًما‬
‫لأنظمته من خالل ما ا�ستق َّرت عليه حقائق العلم ال فر�ض ّياتُه‪.‬‬
‫�سي لدى �سماحة ال�س ّيد(ق ّد�س‬
‫ومن هنا‪ ،‬يمكن �أن نط َّل على فكرة العمل الم� َّؤ�س ِّ‬
‫�س ّره)‪ ،‬ل ّأن جهود الفرد في القيام ب�أعباء الأ ّمة قد تنتهي بوفاته‪ .‬غير � ّأن الم� ّؤ�س�سات‬
‫ِّ‬
‫العملي‬
‫والخط والنّهج‪ .‬وهذا هو التج ّلي‬
‫تبقى لتحفظ الجهو َد‪ ،‬و َت َت َم َّ�س َك بالفكر‬
‫ّ‬
‫للمرجع ّية الحرك ّية الميدان ّية الم�شغولة بهموم النّا�س وق�ضاياهم وم�شاكلهم على‬
‫تن ّوعها وت�ش ّعباتها‪.‬‬
‫ال�صبر من‬
‫الكالم كثير كثير‪ ،‬والم�صاب جليل جليل‪ ،‬والأمانة ثقيلة ثقيلة‪ّ .‬‬
‫ولكن ّ‬

‫ال�صا ِبرِ َين * الَّ ِذ َين ِ�إذَا �أَ�صَ ابَ ْت ُهم ُّم ِ�صيبَ ٌة َقالُو ْا ِ�إنَّا للِ هّ ِ َو ِ�إنَّـا ِ�إلَ ْي ِه‬
‫عزم الأمور } َوبَ�شِّرِ َّ‬
‫ر َِاجعونَ{(البقرة ‪.)156 -155:‬‬

‫والخط والنّ�سب‪ ،‬لقد ُ‬
‫ّ‬
‫علي وعلى �أ ّمة‬
‫فيا �أخي‪ ،‬يا �أخ ال ّروح والفكر‬
‫عظمت بك َّ‬
‫الإ�سالم الرز َّية‪ ،‬فدمعت العين وتدمع‪ ،‬وحزن القلب ويحزن‪ ،‬غير �أنّا ال نقول �إال ما‬
‫ير�ضي ال ّر ّب‪.‬‬
‫لقد ا�ستُرجِ عت الوديعة‪ ،‬و�أُ ِخذت ال ّرهينة‪ ،‬فحزننا عليك �سرمد‪ ،‬وليلنا م�س ّهد‪،‬‬
‫�إلى �أن يختار اهلل لنا َ‬
‫دارك التي �أنت فيها مقيم‪ ،‬مع النب ّيين وال�ص ّديقين وال�شّ هداء‬
‫وال�سالم عليك يا �أخي‪� ،‬سالم مو ّدع ال قالٍ وال َ�س ِئم‪.‬‬
‫ّ‬
‫وال�صالحين ُ‬
‫وح�سن �أولئك رفيق ًا‪ّ .‬‬
‫ال�صابرين‪ .‬ف�إنّا‬
‫ف�إن �أن َْ�صرِ ْف فَال َعن ِماللة‪ ،‬و�إن �أُ ِق ْم فال ِعن ُ�سو ِء َظ ٍّن بما وعد اهلل ّ‬
‫العلي العظيم‪.‬‬
‫هلل و�إنّا �إليه راجعون‪ ،‬وال حول وال ق ّوة �إال باهلل ّ‬

‫* عامل دين لبناين و�شقيق املرجع الراحل‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫ٌ‬
‫نيزك ٌ‬
‫خارق م َّر على هذه الأر�ض المباركة‬
‫الأب يو�سف مونّ�س*‬

‫ك�سر خبزه للجياع والعطا�شى �إلى الرحمة والمو ّدة‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫زمن التنوير ‪ Le siecle de lumiere, Aufklarung‬كان زمن �إدخال العقل والعلم‬
‫والمعرفة والمو�ضوعية واالختبار في القراءة الدينية للتاريخ والأحداث والمتغ ّيرات‬
‫الطبيعية في التط ّور والن�شوء والحركات الكونية‪ ،‬العقل �أخذ يقر�أ المق ّد�س وينزّهه‬
‫عن الخرافة والثرثرة ويدخل منطق الت�أويل والدالالت واالرتباط بالتاريخ والجغرافيا‬
‫والمجتمع‪ .‬في م�سار القراءة المو�ضوعية للمجتمع والتاريخ كان ابن ر�شد‪ ،‬وابن‬
‫خلدون‪ ،‬وفي هذا الإطار يمكنني �أن �أ�ضع قراءة الع ّالمة ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل في ريادة فتاواه خ�صو�ص ًا فيما يتع ّلق بالمح ّرم الكبير المو�سوم بالعورة والدن�س‬
‫�أال وهو ج�سد المر�أة‪ .‬فقال بحقِّها بالعمل والخروج وحفظ كرامتها وح ّريتها وعدم‬
‫رميها في دوني ٍة �أمام ذكوري ٍة رجالي ٍة قائم ٍة لي�س على �شرع ال�سماء والقراءة الحقّة‬
‫للمق ّد�س ولي�س على ُعق ٍَد و َك ْب ٍت و�شهوة الرجال وعنفهم‪ .‬ك� ّأن كرامة المر�أة لي�ست‬
‫قائمة في عمق طبيعتها الب�شرية وك�أنها لي�ست عط ّية �أ�سا�سية من ال�سماء بل ِمنّة من‬
‫الرجال‪.‬‬
‫والحب بين جميع النا�س‬
‫و�أقف ب�إعجاب �أمام فتواه التي تدعو �إلى الإن�سانية‬
‫ّ‬
‫دون تفرقة في العرق والجن�س وال ّلون ولي�س �إلى ف�صل العالم �إلى �أر�ض جهاد هنا‬

‫�أو �إلى واحة �سالم هناك‪ .‬كما �أنّه �أ ّكد بحزم بتحريم القتال بين الم�سلمين؟ وبعد‬
‫�أن تف ّرق النا�س �أُمم ًا ومذاهب طالب باحترام الآخرين لأنّه لو �شاء ر ّبك لخلق‬
‫أحب �أهل الكتاب كما جاء في الآية ‪ 113‬و‪ 114‬من �سورة �آل‬
‫النا�س �أ ّم ًة واحدةً‪ .‬و� ّ‬
‫عمران‪} :‬لَ ْي ُ�سو ْا �سَ وَاء ِّم ْن �أَ ْه ِل ا ْل ِكتَ ِاب ُ �أ َّم ٌة قَ�آ ِئ َم ٌة يَ ْت ُلو َن �آيَ ِات ِاهلل �آنَاء ال َّل ْي ِل َو ُه ْم‬

‫يَ ْ�س ُج ُدو َن * يُ�ؤْ ِمنُو َن ِبا ِهلل وَا ْليَ ْو ِم ال ِآخرِ َويَ�أْ ُم ُرو َن ِبا ْل َم ْع ُر ِ‬
‫وف َويَ ْن َه ْو َن َعنِ ا ْل ُمن َكرِ‬
‫ال�صا ِل ِح َين{‪ ،‬كذلك في الآية‪َ } :‬ولَتَ ِج َدنَّ �أَ ْق َربَ ُه ْم‬
‫َويُ�سَ ارِ ُعو َن ِفي ا ْلخَ ْير َِات َو ُ�أ ْولَـ ِئ َك ِم َن َّ‬
‫َّم َو َّد ًة ل ِّ َّل ِذ َين �آ َمنُو ْا الَّ ِذ َين َقالُو َْا �إِنَّا نَ�صَ ا َرى َذ ِل َك ِب�أَنَّ ِم ْن ُه ْم ِق� ِّس ِي�س َين َو ُر ْهبَان ًا َو�أَنَّ ُه ْم َال‬
‫يَ ْ�ستَ ْك ِب ُرونَ{(المائدة‪ )82 :‬واحترام الإنجيل الذي يقول عنه القر�آن الكريم �أي�ض ًا‬
‫في الآية ‪ 46‬من �سورة المائدة } ُه ًدى َونُو ٌر{‪ .‬ويده�شني قوله بعدم تقدي�س رجال‬

‫الدين‪ ،‬بل تقدي�س المق ّد�س وت�أويل الن�ص المق ّد�س باالجتهاد واالحتكام �إلى العقل‬
‫والأخذ بظروف الزمان والمكان والمعا�صرة والحداثة‪ ،‬والذهاب �إلى الأزمنة‬
‫المتطورة ولي�س الأزمنة النائمة في متاحف العقل والتاريخ و�أيام الظالم والجهل‬
‫العث والتاريخ �صفحاتها‬
‫في نتن الخرافة والثرثرة وترداد ما قيل في كتب نخر ُّ‬
‫ال�صفراء‪ .‬فتك ّلم مع ح�ضارة المحبة باالبتعاد عن هيكليات الظلم والخطيئة‪،‬‬
‫و�أقام المب ّرات‪ ،‬ورعى المر�ضى والأرامل والأيتام‪ ،‬وك�سر خبزه للجياع والعطا�شى‬
‫�إلى الرحمة والمو ّدة‪ ،‬ودعى �إلى ال ِّلقاء بالآخر المخت ِلف في عي�ش م�شترك‪ ،‬يغتنى‬
‫فيه بح�ضارة «المعية» ‪ Être avec‬القائمة على االغتناء بالتن ّوع والغَيرِ ّية في ق َيم‬
‫العدل والم�ساواة والت�ضامن لإن�سانية تبني عالم ًا من ّور ًا بالحب والعقل والتراحم‬
‫والت�ضامن‪ .‬فالآخر هو باب الحب والأن�سنة‪ .‬وعدمية الآخر هي �إعدام للذات‪� ،‬إذ ال‬
‫وجود للأنا‪ ،‬دون الأنت‪ .‬ف� ّأي �إلغاء للآخر هو �إلغاء للذات‪.‬‬
‫�أما العبور �إلى العلم والمعا�صرة ف�أتى به يوم دعا �إلى قراءة الفلك بالمرا�صد العلمية‬
‫لتحديد �أزمنة الأعياد وال�شهور‪ ،‬ولي�س فقط �إلى االكتفاء بر�ؤية العين المحدودة‪ .‬كما‬
‫دعا خا�صة �إلى اال�ستفادة من عمليات وهب الأع�ضاء واال�ستن�ساخ ال�ستكمال الأع�ضاء‪،‬‬
‫حب و�شوق وانتظار‪.‬‬
‫ولي�س ل�صناعة �إن�سان يولد في المختبرات دون ٍّ‬

‫‪47‬‬

‫‪48‬‬

‫كان ال�سيد يقف خارج العادي والم�ألوف مع كوكبة من العلماء والفقهاء‬
‫والالهوت ّيين كمو�سى ال�صدر و�شم�س الدين‪ ،‬وعبد اهلل العروي وعبد اهلل العاليلي‪،‬‬
‫وه�شام جعيط ومحمد عابد الجابري‪ ،‬وهاني فح�ص ون�صر حامد �أبو زيد‪ ،‬ومحمد‬
‫ال�س ّماك‪ ،‬والأب مي�شال حايك‪ ،‬والأب يواكيم مبارك‪ ،‬ومحمد �أركون‪ ،‬وكثيرين �سواهم‬
‫ال مجال لذكرهم في هذه الكلمة‪.‬‬
‫وفي �آفاق الحوار الم�سيحي‪ -‬الإ�سالمي قام كما يقول ‪ Bultman‬بعملية تطهير‬
‫الفكر الديني ‪ Demythologisation‬ولي�س بعملية تدمير الفكر الديني ‪Demythisation‬‬
‫فك�سر ال�صور النمطية عن الإ�سالم وعن الم�سيحية‪ ،‬وب ّين عي�شنا على الثقة واالحترام‬
‫والم�ساواة وحقوق المواطنة والتن ّوع في ثقافة االحترام واعتبار االختالف �ش�أن ًا‬
‫�إلهي ًا‪ .‬اهلل �أراد �أن نكون مختلفين متعاونين مع ًا لبناء عالم �أف�ضل‪ ،‬بالحوار والمحبة‬
‫حق الحكم على الآخر‪ .‬اهلل يحكم فيما بيننا يوم‬
‫واالحترام دون �أن نعطي �أنف�سنا َّ‬
‫القيامة‪.‬‬
‫وا�سمحوا لي �أن �أُنهي قولي ب�أنه �إذا كان اهلل بحاجة �إلى النا�س ليذودوا عن‬
‫ملكوته فهو لي�س اهلل‪� ،‬أو ليدافعوا عنه فهو لي�س باهلل‪ .‬هو الك ّلي القدرة الثابت‬
‫الوجود والدائم المطلق الأزلي ال�سرمدي غير الفاني‪ .‬ونحن في الزوال والفناء‬
‫والمر�ض والموت ولن نتع ّزى �أبد ًا كما يقول �سارتر ب�أنّنا ل�سنا �آلهة �أو �إنّنا طوال‬
‫عمرنا ندفع عبث ًا كما �سيزيف �صخور ًا على تالل من الرمل‪ ،‬ونملأ �سال ًال بالهواء‬
‫والماء‪ .‬نحن �أُعطي لنا �أن نقر�أ في خ�صوبة الزمان والمكان واالختبار �أو في الهوت‬
‫اللحظة و�أن نعرف �أننا ال ن�ستحم م ّرتين في مياه نهر الحياة الجارف كما قال‬
‫‪ Heraclite‬و�إنّنا في عبور م�ستم ّر من الوحدة �إلى التع ّدد ومن التع ّدد �إلى الوحدة‬
‫كما قال ‪.Democrite‬‬
‫الع ّالمة‪ ،‬كان في هذه الجدلية وهو نيزك خارق م ّر على هذه الأر�ض المباركة‬
‫خارق ًا الحجب وظالمية العقل و�أ�ضاء عقلنا وقلبنا ودربنا‪� .‬أعطى اهلل وطننا �أن يقر�أ‬
‫في كتاب عقله وقلبه وحبه عم ًال اجتماعي ًا وثقافي ًا والهوتي ًا وفقه ًا جديد ًا ت�أ�سي�سي ًا‬
‫يرجع لنا �أ�صداء ال�سهروردي وال�شهر�ستاني وجالل‬
‫و�شعر ًا غارق ًا في ع�شق �إلهي ّ‬

‫ِّ‬
‫لن�صل‪ ،‬لتكون‬
‫الدين الرومي وابن عربي والحالج وتريزيا الأفيلية ويوحنا ال�صليبي‪.‬‬
‫لنا على الأر�ض بع�ض �أيام ال�سماء‪ .‬بح�ضور مثل ه�ؤالء المنائر الح�ضارية التي تنير‬
‫دربنا‪ ،‬وال�سالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته‪.‬‬
‫‪� 4‬آب ‪2010‬‬

‫* �أمني �س ّر اللجنة الأ�سقفية و رئي�س دائرة الإعالم يف جمل�س كنائ�س ال�شرق الأو�سط ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫�إذا مات عا ِل ٌم مات عا َل ٌم‬
‫ه�شام ن�شابه*‬

‫خرج ذلك الم�ست�شرق ليقول لي‪« :‬لقد قابلت قدي�س ًا‬
‫وعالم ًا جلي ً‬
‫ال وداعي ًة للخير وال�سالم‪ .‬وهو ثائر على‬
‫الظلم والعدوان‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫قيل‪� :‬إذا مات عا ِل ٌم مات عا َلم‪ .‬ي�صح هذا القول على حالنا‪� ،‬إزاء من فقدنا‪،‬‬
‫فالعالم الذي غاب عنّا بوفاة �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل عا َلم من المعرفة‬
‫والخلق والإيمان‪ .‬لقد كان العقل الراجح الذي عزز �إيمان �صاحبه بدينه ور�سالة هذا‬
‫الدين‪ .‬وهو المرجع والقدوة في االنفتاح والجر�أة في معالجة م�شكالت هذا الع�صر‪.‬‬
‫وهو المجاهد‪ ،‬الجهاد الأكبر في تجديد الفكر الإ�سالمي و�إعادة بنائه‪ .‬وهو المجتهد‬
‫في الدين وفي المذهب و�ش�ؤون الحياة المعا�صرة‪.‬‬
‫في مطلع القرن الع�شرين دعا ال�شيخ محمد عبده علماء الم�سلمين �إلى ممار�سة‬
‫االجتهاد باعتباره من م�صادر الت�شريع في الإ�سالم‪ ،‬معيد ًا للعقل دوره في فهم‬
‫الدين ن�ص ًا وروح ًا‪ .‬ولأن المحاوالت االجتهادية في الفكر الإ�سالمي الحديث كانت‬
‫حاالت فردية انكف�أت ب�سرعة بعد ظهورها‪� ،‬إن في م�صر �أو في غيرها‪ ،‬لذلك جاء‬
‫الفكر االجتهادي عند فقيد العلم والعلماء ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل رائد ًا‬
‫ومتم ّيز ًا‪.‬‬
‫ول ُي�سمح لي ب�أن �أتح ّدث عن هذه الريادة واالمتياز ب�صفة �شخ�صية متجاوزا �أحيانا‬
‫متطلبات البحث العلمي‪ ،‬ف�أنا اليوم حزين ومت�أثر بفداحة الخ�سارة التي ح ّلت بالفكر‬

‫الإ�سالمي الحديث بوفاة الحجة البالغة �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل تغمده‬
‫اهلل بر�ضوانه و�أ�سكنه ف�سيح جناته‪.‬‬
‫�أنا معجب بالمف ّكر المبدع وبالعا ِلم الرائد الذي يح�ض المفكرين على الإبداع‪.‬‬
‫كنت �صناعي ًا فكن مبدع ًا في‬
‫كنت عالم ًا في الدين فكن عالم ًا مجدد ًا‪ ،‬و�إن َ‬
‫ف�إن َ‬
‫�صنعتك‪ ،‬و�إن كنت مجتهد ًا م�ستكم ًال ل�شروط االجتهاد فكن جريئ ًا ال َ‬
‫تخ�ش في الحقّ‬
‫لومة الئم‪ .‬فالإبداع والتج ّدد والريادة هي غاية الكدح الإن�ساني في ك ّل المجاالت‪.‬‬
‫و�أ�سمى هذا الكدح و�أجلُّه هو ما يمثله فكر �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫وهو كد ٌح رافقه طوال حياته ح ّتى القى ربه‪} .‬يا �أيها الإن�سان �إنك كادح �إلى ربك‬
‫كدح ًا فمالقيه{‪� .‬صدق اهلل العظيم‪.‬‬
‫فلو ت�صفحت ك ّل ما كتب ال�س ّيد لوجدت بين ال�سطور وم�ضات عبقرية ملهمة بل‬
‫نور ًا م�شع ًا‪ .‬يح ّثك‪� ،‬صراحة �أو �ضمن ًا‪ ،‬على �إعادة النظر في الموروث من الأفكار‬
‫لتكون �أنت بدورك ممن يتركون لمن حولك في زمانك‪ ،‬ولمن يبقى بعدك‪� ،‬إرث ًا علمي ًا‬
‫يح ّرك النظر والعمل في م�سيرة اجتهادية مبدعة وم�ستم ّرة‪ ،‬تكون �صدقة جارية �إلى‬
‫ما �شاء اهلل‪.‬‬
‫كتب ال�س ّيد ال ليقول للنا�س‪ :‬هذا هو القول الف�صل فا�سترخوا بل ليقول لهم‪:‬‬
‫«(�أرجو) �أن �أجد لدى �إخواني المزيد من الت�أمالت الناقدة‪ ،‬والأبحاث الجديدة‪...‬‬
‫لتكون عن�صر ًا من عنا�صر الإثارة الفكرية التي ّ‬
‫تخطط للنهج الفكري الذي يحاول‬
‫�إبداع نهج لحركة �إ�سالمية جديدة تعمل بك ّل قوة ووعي وتدقيق من �أجل �أن يكون‬
‫الإ�سالم قاعدة للفكر والعاطفة والحياة»‪.‬‬
‫�ست �أعلمكم‬
‫وقد كان بو�سعه �أن يقول‪ :‬هذا ر�أيي فما عليكم �إال �أن ت ّتبعوه‪� ،‬أَ َو َل ُ‬
‫و�أجدركم باالتباع؟! غير �أن ال�س ّيد العلاّ مة والمرجع �إن�سان متوا�ضع ومحب‪ ،‬فيدفعه‬
‫يح�ض عليه �أحيانا‪ ،‬ف�شيمة الت�سامح‬
‫حبه وتوا�ضعه �إلى قبول االختالف بل لع ّله ّ‬
‫واالنفتاح تق�ضي بذلك‪.‬‬
‫زرته يوم ًا‪ ،‬بعد �أن كدت �آي�س من الدعوة لإعادة كتابة تاريخ لبنان‪ ،‬فقد كان وزراء‬

‫‪51‬‬

‫‪52‬‬

‫التربية يتهيبون هذه المهمة ويخ�شون مغبتها‪ ،‬مع �أنّهم كلهم كانوا يقرون ب�ضرورتها‪.‬‬
‫فذهبت �إلى ال�س ّيد المرجع �أ�ستنجده و�أ�ستفتيه‪ .‬فوجدت عنده ما لم �أجد عند �أي‬
‫م�س�ؤول من ت�أييد وت�شجيع على �ضرورة اتفاق اللبنانيين على كتاب للتاريخ ي�ستطيعون‬
‫كلهم �أن يتع ّلموا فيه‪ ،‬وما زلت �آمل �أن تتحقق هذه الأمنية‪ .‬غير �أنني اليوم �س�أفتقد‬
‫المالذ الذي ن�ستطيع اللجوء �إليه �إن واجهتنا العقبات �أثناء الت�أليف‪ ،‬وهي حتم ًا‬
‫�ستواجهنا في مو�ضوع اختلف ب�ش�أنه اللبنانيون اختالفا �شا�سع ًا‪ ،‬وال يمكن التو�صل في‬
‫هذه الحال �إلى اتفاق �إال �إذا اجتمعت عند اللبنانيين‪ :‬حكمة العالم المج ّرب وجر�أة‬
‫ال�شباب الملتزم‪.‬‬
‫علي الذاكرة ف�أتذكر يوم زارنا في جامعة المقا�صد م�ست�شرق‪ ،‬لعله اليوم‬
‫ّ‬
‫وتلح ّ‬
‫كبير الم�ست�شرقين في �أميركا‪ ،‬يريد التعرف على �سيا�سة لبنان وم�سلميه والق�ضية‬
‫الفل�سطينية‪ ،‬فا�صطحبته لمقابلة �سماحة ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬وبعد حوار بالعمق دام‬
‫�أكثر من �ساعة‪ ،‬خرج ذلك الم�ست�شرق ليقول لي‪« :‬لقد قابلت قدي�س ًا وعالم ًا جلي ًال‬
‫وداعية للخير وال�سالم‪ .‬وهو ثائر على الظلم والعدوان واغت�صاب �إ�سرائيل لحقوق‬
‫النا�س‪ ،‬و� ّأن الفرق �شا�سع بين الثورة والفتنة وبين المقاومة والإرهاب»‪ ...‬ثم تابع‬
‫قائ ًال‪« :‬لقد عرفت الإرهاب في �أميركا‪� .‬أما مع هذا العا ِلم فلم �أر �إال �سالم ًا ورحمة‬
‫في ال�شكل وفي العمق‪ ،‬في ب�ساطة العي�ش وجالء الموقف‪ ...‬مرونة بال �ضعف‪ ،‬و�إيمان ًا‬
‫بال تز ُّمت‪ »...‬قلت‪«:‬هذا هو موقفنا»‪� .‬سنفتقدك بعد اليوم‪ ،‬يا �سماحة ال�سيد‪ ،‬كلما‬
‫زارنا عالم �أو مفكر �أو رجل دولة ين�شد الحقّ في ق�ضايانا‪ ،‬والعدل ون�صرة المظلوم‪،‬‬
‫و�شرف الوقفة الأبية في وجه الطغاة َوم ْن وراءهم‪.‬‬
‫ولل�سيد العلاّ مة موقف محدد في مفهومه للديموقراطية‪ ،‬وحكم الأكثرية والأقلية‪،‬‬
‫ومن الح�ضارة الغربية‪ ،‬وم�شكلة الفقر والظلم في العالم‪ ،‬والعنف والإرهاب‪،‬‬
‫والغطر�سة واال�ستعالء ومتطلبات القيادة عند ك ّل من يتوالها دو ًال �أو �أفراد ًا‪� ...‬أولي�س‬
‫الظلم والفقر واغت�صاب حقوق النا�س �ضرب ًا من �ضروب الإرهاب؟!‬
‫ي�ستلهم ال�س ّيد العلاّ مة الإ�سالم فيوفّر له هذا الدين القويم و�سيرة نبيه الم�صطفى‬
‫و�أ�صحابه‪ ،‬القواعد ال�سامية لبناء ت�ص ّور �إن�ساني منفتح على العالم ك ّله‪ ،‬بعيد ًا عن‬

‫�ضيق �أفق بع�ض �أتباع الأديان‪� .‬أولي�س العلماء ورثة الأنبياء؟ فال عجب �أن يفوح من‬
‫فكر ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل عبق النبوة و�أريج �آل البيت(ع)‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فغياب ال�س ّيد المرجع محمد ح�سين ف�ضل اهلل غياب مادي مح�ض‪� ،‬أما‬
‫ح�ضوره الفكري والروحي فباقٍ وفاعل‪ ،‬ما بقي �أتباعه ومريدوه‪ّ � .‬إن فكره �أمانة‬
‫ور�سالة بين �أيدي العلماء العاملين‪.‬‬
‫�ألهمنا اهلل و�آل الفقيد ال�صبر الجميل‪ ،‬و�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 9‬تموز ‪2‬‬

‫* رئي�س جمل�س �أمناء م� ّؤ�س�سة الدرا�سات الفل�سطينية‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫نـاء قلبـه ب�أثقـال �أ ّمتـه ووطنـه‬
‫فغافلتـه المنيـّة‬
‫وديع الخازن*‬

‫الروحية والمنطلقة في‬
‫نزل بكلماته المختمرة بالتجارب‬
‫ّ‬
‫رحاب الحياة �إلى وجدان م�ؤمنيه و�سائر الأديان‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫هل ناء قلبه ب�أثقال �أ ّمته ووطنه فغافلته المنية بعد �صموده في وجهها �أعوام ًا‬
‫عدة؟‬
‫رحل �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل في �سن الرابعة وال�سبعين‬
‫بعدما �أعلى مراتب العلم الديني �إلى ُذرى لم تعهدها الدرا�سات الإ�سالمية المتع ّمقة‬
‫والمنفتحة على ع�صره المليء بالتح ّوالت والتحديات‪.‬‬
‫غاب ركن وطني في لبنان ظ ّل عقله الراجح الرا�شح بالمواقف الداعية �إلى الوحدة‬
‫في �أ�سو�أ المراحل التي ع�صفت بلبنان‪ ،‬مر�شد ًا ّ‬
‫تخطى حدود االنت�شار الإ�سالمي �إلى‬
‫�آفاق الم�ست الوعي الديني في ِّ‬
‫كل الأديان ال�سماوية‪ ،‬ال �سيما الم�سيحية والإ�سالم‪.‬‬
‫مرجعيته الروح ّية �ألهمت و�ألهبت قلوب وعقول الأجيال الطالعة‪ ،‬فكانت المقاومة‬
‫عربون قطاف لم�آثر كرامة وطنه وكرامة الأمة العربية التي ِهي�ض جناحها حروب ًا‬
‫خا�سرة في وجه �إ�سرائيل‪.‬‬
‫لم يف�ض وهج روحه المت� ّأججة بالثورة على المظالم في ق�ضية الإن�سان الفل�سطيني‬
‫الذي فقد �أر�ضه منذ �أكثر من �ستين عاما بل تجاوزها �إلى ما هو �أ�شمل في ق�ضايا‬

‫الأمة في ما يم�س حرية االنتفا�ض على واقع الخنوع والإذالل‪.‬‬
‫ومن هذه الر�ؤية الوا�سعة وال�شاملة‪ ،‬ا�ستطاع �أبناء المقاومة �أن ينهلوا من خطبه‬
‫وتعاليمه جذوة البطولة في التح ّرر والتحرير‪ .‬فكان التح ّرر من �أوهام الخوف‬
‫والتحرير الذي َن ِع َم به لبنان والجنوب �سنة ‪ ،2000‬وهو نف�سه الذي ح ّول �أ�سطورة‬
‫الجي�ش الإ�سرائيلي الذي ال ُيقهر �إلى �ألعوبة ُدمى تتدحرج على �سواعد الم�ؤمنين‬
‫بحقّهم وق�ضيتهم‪.‬‬
‫�أ َو َلم يقل �س ّيد المقاومة الأمين العام ال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل في بيان َن ْعيه �إنه‬
‫ا�ستقى من هذا الينبوع الملهم مبادئ مقاومته يوم كان يافع ًا؟!‬
‫مع �سماحة العلاّ مة ف�ضل اهلل‪ ،‬لم يبقَ الإر�شاد الروحي والوطني مقت�صر ًا على‬
‫عليائه المتر ّبعة في الكتب المق ّد�سة بل نزل بكلماته المختمرة بالتجارب الروح ّية‬
‫والمنطلقة في رحاب الحياة �إلى وجدان م�ؤمنيه و�سائر الأديان‪.‬‬
‫ل ّأن هذا الفكر ال�شمولي الذي اتّ�سع على مدار الموا�ضيع التي جابهت معا�صريه‪،‬‬
‫ا�ستطاع �أن يجيب على ك ّل الت�سا�ؤالت الكبرى وال�صغرى التي اعتر�ضت م�سيرة‬
‫الإ�سالم‪ ،‬فكان بحق ذلك «الو ّالد» المفعم بالأفكار المتح ّركة على وقع زمن االنقالب‬
‫والتح ّوالت في �إيديولوجيات العالم‪.‬‬
‫لقد عرف هذا المرجع الكبير كيف يمازج الح�س الديني بمنطق الحياة فجاءت‬
‫فتاواه م�صدا ًقا لقدرته العجيبة على ّ‬
‫تخطي حواجز �أقرانه‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫* وزير لبناين �سابق‪ .‬‬

‫‪55‬‬

‫العالمة ف�ضل اهلل‪ :‬ق�صيد ٌة �إلهية‬
‫�أو معزوفة طبيعية جميلة‬
‫ال�شيخ محمد علي الت�سخيري*‬

‫أ�سى كبير ًا‪ ،‬وفي‬
‫لقد ترك رحيله في قلوب الجماهير � ً‬
‫قلبي لوع ًة حارق ًة‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫وال�صالة وال�سالم على محمد الأمين و�آله الطاهرين و�صحبه الميامين وبعد؛‬
‫فقد فقدنا الع ّالم َة الإن�سان‪ ،‬ففقدنا به مف ّكر ًا ي�صنعه ُ‬
‫عقل مبدع‪ ،‬ومتح ّرق ًا‬
‫ومتح�س�س ًا للواقع‪،‬‬
‫عاطفي ًا يقوده فك ُره‪ ،‬ومتح ّرك ًا ك�أجمل ما تكون الحرك ُة يقو ُده قل ُبه‪،‬‬
‫ِّ‬
‫التح�س�س و�أرهفَه‪ ،‬تقوده �إرادتُه الح ّرة المتم ّردة على ِّ‬
‫كل ٍ‬
‫قيد موهوم‪� ،‬أو‬
‫ب�أروع ما يكون ّ‬
‫تقليد �أعمى‪� ،‬أو ٍ‬
‫ُع ٍ‬
‫رف م�صطنع‪� ،‬أو ٍ‬
‫�ضغط ظالم‪� ،‬أو �صنم ّي ٍة متوارثة‪� ،‬أو انزوائي ٍة غير‬
‫عرف ّية‪ ،‬فك�أنّه ‪ -‬بك ّل �صدق ‪ -‬يحقّق قولة الإمام علي (ع) ‪� -‬صوت العدالة الإن�سانية‬
‫النف�س والفطرة الإن�سانية بما ال �أجمل منه فقال‪:‬‬
‫ حينما ح ّلل َ‬‫«العقول �أئمة الأفكار‪ ،‬والأفكار �أئمة القلوب‪ ،‬والقلوب �أئمة الحوا�س‪ ،‬والحوا�س‬
‫يو�سع من مفهوم الإمامة ليجعلها تج ّلي ًا عام ًا‬
‫�أئمة الأع�ضاء»‪ .‬وك�أنه (ع) يريد �أن ّ‬
‫إن�سان الم�سخَّ ر له الكون ليقر�أ‬
‫الكون وهذا ال ُ‬
‫لرحمان ّية اهلل التي انطلق منها هذا ُ‬
‫الكون‪ :‬ب�سم اهلل الرحمن الرحيم‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬المهم ‪�-‬أن يكون الإن�سان �إن�سان ًا‪ ،‬ولكي نثبت ذلك يمكننا �أن نرجع �إلى حقيقة‬
‫�شاملة ت�ؤ ّكد � ّأن الهدف من خلقة الإن�سان لن يتحقّق �إ ّال �إذا تج ّلت معالم الفطرة‬

‫وهي منظومة الخ�صائ�ص الإن�سانية‪ -‬في حياته‪ ،‬وهو بال�ضبط ما �أراده الدين وما‬‫�سعت �إليه الأنبياء كما ي�ؤ ّكد ذلك علي (ع) نف�سه حين قال‪َ ( :‬و َوا َت َر ِ�إ َل ْيهِ ْم �أَ ْن ِب َيا َء ُه‬
‫وه ْم ِمي َثاقَ ِف ْط َر ِت ِه)‪.‬‬
‫ِل َي ْ�س َت ْ�أ ُد ُ‬
‫وهنا �أعود �إلى �س ّيدي الع ّالمة فمن عرفه عرف فيه �أنّه كان مف ّكر ًا يهديه عقله‬
‫�إلى نظريات و�أطروحات يفتر�ضها �أو ًال‪ ،‬ويقيم عليها الدليل بروح اجتهادية ‪-‬وهو‬
‫المجتهد الحقّ الذي در�س على العلماء الأفذاذ في النجف من �أمثال الأئمة الخوئي‬
‫والحكيم وال�شاهرودي والحلي‪ -‬ف�إذا ت ّمت عملية اال�ستدالل تفاعل معها و�آمن بها‬
‫وراح ي�ص ّرح بها بق ّوة دون �أن يمنعه مانع �أو يوقفه معار�ض‪� ،‬إنّها حقيقة �شهدناها في‬
‫مختلف مواقفه التي �أعلنها دون مواربة‪.‬‬
‫و�سواء اتفقنا معه �أم اختلفنا في اال�ستنتاج واال�ستنباط ف� ّإن علينا �أن ُنكبِر و ُنج ّل‬
‫هذه الروح‪ ،‬لأنّها المطلوب المفرو�ض من الإن�سان‪ .‬المهم �أنّه كان �أ�صي ًال في فكره‪،‬‬
‫معتمد ًا على الدليل القوي‪ّ ،‬‬
‫منظر ًا بعيد النظر ي�صوغ فكره عاطفته‪ ،‬فتملأ عاطفتُه‬
‫وجوده‪ ،‬وينطلق من هذا الج ّو ك ُّل �سلوكه الحياتي‪ ،‬ب�إرادة قوية ال يقف �أمامها �شيء‪.‬‬
‫تو�صل مث ًال �إلى‪:‬‬
‫فعلى ال�صعيد الفقهي ّ‬
‫حذف �شرط الذكورة في مرجع التقليد في فتاواه‪ ،‬وعدم اعتبار الأعلمية فيه‪،‬‬
‫و�أجاز التبعي�ض في التقليد‪ ،‬واعتمد قاعدة م�ساواة المر�أة للرجل في الحقوق‬
‫والواجبات‪ ،‬و�أفتى بطهارة الإن�سان عموم ًا‪ ،‬ولم يعتبر التدخين من المفطرات‪،‬‬
‫وح ّرم العادات المبتدعة في مرا�سم العزاء‪ ،‬واعتمد الح�سابات الفلكية لتحديد‬
‫بدايات الأ�شهر القمرية‪� ،‬إلى ما هنالك من فتاوى اجتهادية ن ّتفق معه في كثير منها‬
‫وال نتفق في بع�ضها كما في م�س�ألة تحديد والية الفقيه بق�ضايا الح�سبة فقط في‬
‫حين � ّأن منح الفقيه الوالية في �أمور الح�سبة بالإ�ضافة �إلى ح�صر الق�ضاء والإفتاء به‬
‫ي�ؤهله ‪ -‬في ر�أينا ‪ -‬ليكون م�صداقا عرفي ًا لقوله تعالى‪�} :‬أَ ِطي ُعو ْا هّاللَ َو�أَ ِطي ُعو ْا ال َّر ُ�سو َل‬
‫َو�أُ ْو ِلي الأَ ْمرِ ِمن ُك ْم{(الن�ساء‪ .)59 :‬مما ي�ؤ ّدي للإيمان بوالية الفقيه والإطالق في‬
‫الطاعة‪ ،‬طبع ًا مع �شروط تُذكر في محلها‪ ،‬وهي تح ّول الم�س�ألة من هذا العنوان �إلى‬

‫‪57‬‬

‫‪58‬‬

‫عنوان (ا�شتراط الفقه االجتهادي في الحاكم ال�شرعي) وهو ما يمكن ادعاء �إجماع‬
‫الم�سلمين عليه‪.‬‬
‫ولي�س المهم �أن ن ّتفق معه �أو نختلف و�إنما المهم‪ :‬الدقة في النظر واتباع الدليل‪،‬‬
‫والواقعية في النظرة‪ ،‬والجر�أة في اتخاذ الموقف‪.‬‬
‫وعلى ال�صعيد الفكري �آمن بق�ضية الحوار �أيما �إيمان ودعا للحوار مع الغير ‪-‬‬
‫واع ال ُيف�سح المجال لال�ستغالل مما ينحرف به عن دوره‬
‫مهما كان ‪ -‬ولكنه حوار ٍ‬
‫الأ�سا�س‪.‬‬
‫و�آمن بالتقريب بين المذاهب الإ�سالمية وعمل له بما ي�ستطيع‪.‬‬
‫وله �أفكاره الرائعة في هذا المجال فهو يعتبر (المذهبية) مجرد وجهة نظر في‬
‫فهم الإ�سالم‪ ،‬ويدعو �إلى �إيجاد واقع تقريبي على �صعيد الجماهير وعدم االقت�صار‬
‫على النخبة‪ ،‬و�أمثال ذلك‪.‬‬
‫و� ّإن المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإ�سالمية يت�ش ّرف بكونه على مدى‬
‫عمره كان ع�ضو ًا في المجل�س الأعلى له‪ّ ،‬‬
‫ومنظر ًا ون�صير ًا في ك ّل المواقف‪ ،‬ذلك لأنّه‬
‫�آمن بق ّوة بق�ضية الوحدة الإ�سالمية‪ ،‬و�أ ّلف فيها كتب ًا ونذر لها حياته ال�شريفة‪.‬‬
‫�أما في المجال ال�سيا�سي فح ّدث عنه بك ّل قوة‪ ،‬وا�ستعر�ض مواقفه المم ّيزة‬
‫بالنظرة ال�صائبة والموقف اال�ستراتيجي‪ ،‬وال�صالبة والثبات رغم ك ّل الم�ؤامرات‬
‫المعادية والتي تع ّر�ض لها مما �أنتج �أحيان ًا الع�شرات من ال�شهداء‪ ،‬والمئات من التهم‬
‫والمواقف العدائية الظالمة ح ّتى من المق ّربين �إليه‪ ،‬ومن �أولئك الذين ال نتو ّقع منهم‬
‫هذا االبتذال في الموقف‪.‬‬
‫لقد �آمن بال�صحوة الإ�سالمية في هذه الأمة ّ‬
‫ونظر لها في ت�أليفاته ومواقفه‬
‫وخطبه‪ ،‬ودافع عنها‪ ،‬وزار الأقطار المختلفة وح�ضر الم�ؤتمرات العالمية في الجزائر‬
‫ح�ضرت بع�ضها و�شهدت مدى التوعية والت�أثير الذي‬
‫و�إيران و�أميركا والغرب‪ ،‬وقد‬
‫ُ‬
‫كان يحظى به‪ .‬كما �آمن بالحركة الإ�سالمية في ك ّل مكان‪ ،‬ور�آها �أم ًال في خال�ص‬
‫الأمة من و�ضعها البائ�س‪ .‬وقد تج ّلى ذلك في دعمه للحركة الإ�سالمية في العراق‬
‫�أيام �سيطرة ال�شيوعيين والبعثيين‪ ،‬وبقي داعم ًا لها فكري ًا و�سيا�سي ًا وعملي ًا �إلى‬

‫نهاية حياته‪ .‬لقد كان �صاحب مدر�سة حركية غذّت الكثيرين بالفكر الأ�صيل وكتابه‬
‫(خطوات على طريق الإ�سالم) ينبئ عن ذلك‪.‬‬
‫كما �آمن بالثورة الإ�سالمية في �إيران وقيادتها الر�شيدة المتم ّثلة في الإمام‬
‫الخميني الكبير { وبعده الإمام الخامنئي} فنذر نف�سه للدفاع عنها ح ّتى �آخر‬
‫�شهدت له مواقف كبيرة وت�أ ّلم ًا عظيم ًا وحر�ص ًا �شديد ًا على دعم م�سيرتها‬
‫َنفَ�س‪ .‬ولقد‬
‫ُ‬
‫بما يق ّل �أن ي�صدر من �أحد ال�شخ�صيات الدينية �أو االجتماعية‪ ،‬وهذا ما �شهد به‬
‫الإمام الخامنئي في بيانه الت�أبيني‪.‬‬
‫يتج�سد اليوم في الغرب‪ ،‬وتقوده �أميركا قيادة‬
‫و�آمن �أي�ض ًا ب� ّأن اال�ستكبار العالمي ّ‬
‫فبقي منتقد ًا �سلوكها الم�ستكبر‪ ،‬فا�ضح ًا �أ�ساليبها‪ ،‬ح ّتى �أ�سلوب �أوباما‬
‫�شيطانية َ‬
‫المنافق �أحيان ًا والمعلن بالعداء �أحيان ًا �أخرى‪.‬‬
‫ومن جوانب حياته ال�سيا�سية المميزة موقفه من النظام ال�صهيوني الغا�صب‬
‫لفل�سطين‪ ،‬فقد نظر �إليه عد ّو ًا �أكبر لهذه الأ ّمة‪ ،‬ور�صد ك ّل تح ّركاته وف�ضح ك ّل‬
‫�أ�ساليبه‪ ،‬وع ّب�أ الجماهير العربية والم�سلمة �ض ّده‪ .‬ولم ي� ُأل � َّأي جهد في محاربته‪ .‬وهو‬
‫يف�سر رعايته الم�ستم ّرة للمقاومة الإ�سالمية البطلة في لبنان ل ُيعتبر بحقّ الأب‬
‫ما ّ‬
‫الروحي لها وليقول العالمة ال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل قائد المقاومة ‪« :‬لقد فقدنا اليوم‬
‫�أب ًا رحيم ًا ومر�شد ًا حكيم ًا وكهف ًا ح�صين ًا و�سند ًا قوي ًا في ك ّل المراحل»‪.‬‬
‫والحقيقة �أنّنا ال ن�ستطيع �أن ن�ستوعب مختلف الأبعاد في �شخ�ص ّيته فهي وا�سعة‪،‬‬
‫ولكن ينبغي �أن ن�شير ولو ب�شكل �سريع ‪ -‬بالإ�ضافة لما �سبق ‪� -‬إلى ما يلي‪:‬‬
‫�أ ‪ -‬ال ُبعد التربوي لط ّالب العلوم الدينية في الحوزات التي �أن�ش�أها من قبيل (المعهد‬
‫�شرت درا�ساته الفقهية المع ّمقة‪.‬‬
‫ال�شرعي) بلبنان و(حوزة المرت�ضى) ب�سورية‪ ،‬وقد َن ْ‬
‫وقبل ذلك ما َر َ�س التدري�س في الحوزة النجفية العلمية الكبرى‪ ،‬وذلك لدورات‬
‫من طلبة العلوم الدينية‪ ،‬وقد ُنقل �أنّه د ّر�س (المكا�سب) و(الر�سائل) لل�شيخ الأعظم‬
‫الأن�صاري{‪ ،‬و(مدارك الأحكام) لل�سيد العاملي{ لدورات ت�سع‪ .‬كما كان‬
‫ير ّبي جماهير الأمة عبر محا�ضراته الق ّيمة في العراق ولبنان و�سورية و�إيران‬
‫والجزائر وغيرها‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪60‬‬

‫ب ‪ -‬ال ُبعد الأدبي‪ :‬فقد كان كاتب ًا �أ�صي ًال و�شاعر ًا مح ّلق ًا ا�ستخدم �إمكاناته في‬
‫خدمة ق�ض ّيته الإ�سالمية‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ال ُبعد التف�سيري‪ :‬فقد كتب تف�سير ًا كام ًال للقر�آن الكريم ب�أ�سلوب �ش ّيق‪ .‬وقد‬
‫امتاز تف�سيره بالع�صرية من حيث اللغة ومعالجة الواقع والجر�أة في �إبداء الر�أي‪.‬‬
‫د ‪ -‬ال ُبعد العالمي‪ :‬ونق�صد به النظرة الوا�سعة لك ّل الب�شرية واالهتمام بم�شاكلها‪،‬‬
‫و�إبداء النظر فيها‪ ،‬وهو �أمر �أ ّكده القر�آن الكريم ور ّكزه ر�سول الإن�سانية محمد‪P‬‬
‫بعد �أن �أعلن �أنّه (رحمة مهداة)‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬ال ُبعد الخيري‪ :‬حيث �أن�ش�أ الكثير من الم�شاريع الخيرية والت�أهيلية؛ ومنها‬
‫(جمعية المب ّرات الخيرية) التي تركت �آثار ًا خ ّيرة في مجاالت رعاية الأيتام‪ ،‬وهي‬
‫تحت�ضن اليوم الآالف منهم‪ .‬ومنها‪( :‬مكتب الخدمات االجتماعية)‪ .‬ومنها (معهد‬
‫الهادي للإعاقة ال�سمعية والب�صرية) وغير ذلك‪.‬‬
‫و‪ -‬ال ُبعد الجماهيري‪� :‬إذ كان يع�شق الجماهير ويعي�ش بينها ح ّتى في �أ�ش ّد حاالت‬
‫المحنة حينما ق�صفت �إ�سرائيل ال�ضاحية و�ص ّيرتها حطام ًا؛ لقد كان ي�ؤ ّم الم�ص ّلين‬
‫اهتم بق�ضايا‬
‫با�ستمرار‪ ،‬ويقر�أ الدعاء مع النا�س وي�ستقبل ال�صحافة با�ستمرار ‪ .‬وقد ّ‬
‫المر�أة كثير ًا ودافع عن حقوقها‪ ،‬كما اهتم بق�ضايا الطفل وال�شباب و�أ ّلف كتب ًا في‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ز‪ -‬ال ُبعد الثقافي‪ :‬وقد بد�أه مبكر ًا فانتُخب ع�ضو ًا في جمعية منتدى الن�شر‬
‫ال�شهيرة في النجف الأ�شرف‪ ،‬و�أ�شرف على مجلة (الأ�ضواء) مع المرحوم ال�شهيد‬
‫الإمام ال�صدر {‪ .‬وقد لعبت المج ّلة دور ًا مهم ًا في ن�شر الثقافة الإ�سالمية‪ .‬وهكذا‬
‫امت ّدت م�سيرة التثقيف حين هاجر �إلى لبنان‪.‬‬
‫ح ‪ -‬ال ُبعد التغييري‪ :‬لقد ّ‬
‫خطط (ر�ض) لإحداث التغيير في مختلف المجاالت‬
‫كالمجال الحوزوي بما فيه تربية الطلبة (التغييريين) ‪ ،‬و�إيجاد المرجعية الع�صرية‬
‫الواعية (الم�ؤ�س�سة)‪ ،‬وتخلي�ص الفقه والأ�صول والتف�سير من التعقيدات التي �أنتجها‬
‫الخلط بين البحوث الفل�سفية وهذه البحوث‪ ،‬مما �أبعدها عن الفهم المعرفي المطلوب‬
‫�أحيان ًا‪.‬‬

‫�أما التغيير في مجال الأمة فقد �أ�شرنا �إلى بع�ض مناحيه‪.‬‬
‫ط ‪ -‬ال ُبعد الوطني‪ :‬فقد بقي ينا�ضل في �سبيل وحدة ال�شعب اللبناني‪ ،‬وح ّل‬
‫م�شكالته ب�أفكار �أ�صيلة مرنة كان لها �أكبر الأثر في ال�ساحة اللبنانية التي �شهدت‬
‫�أعظم الحوادث في زمانه‪.‬‬
‫بعد هذا الحديث‪...‬‬
‫ُ‬
‫والرجل �إن�سا ٌن ع�صامي تنا�سقت‬
‫�أ�شعر حقيق ًة ب�أني لم �أوفِّه حقَّه‪ ،‬و�أنّى يمكن ذلك‬
‫�أبعاد �شخ�ص ّيته المو�سوع ّية ف�أنتجت منظومة بديعة �أو فقل‪ :‬ق�صيدة �إلهية‪� ،‬أو معزوفة‬
‫طبيعية جميلة يعجز الل�سان �أن ي�صف �أبعادها‪.‬‬
‫أ�سى كبير ًا‪ ،‬وفي قلبي لوعة حارقة‪ .‬ال‬
‫لقد ترك رحيله في قلوب الجماهير � ً‬
‫يعادلها‬
‫�إ ّال رحيل الأفذاذ من �أمثاله كالإمام الخميني والإمام ال�صدر و�آية اهلل المطهري‬
‫و�أمثالهم (رحمهم اهلل تعالى)‪.‬‬
‫فرحمه اهلل و�أ�سكنه الف�سيح من جنانه و(�إنا هلل و�إنا �إليه راجعون)‬

‫* �أمني عام املجمع العاملي للتقريب بني املذاهب اال�سالمية‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫�س ّيد المح ّبة الم�سيح ّية الإ�سالم ّية‬
‫الأب �أنطوان �ضو *‬

‫الم�سيحيون في لبنان والعالم العربي �أب ًا م�سلم ًا‬
‫بغيابه خ�سر‬
‫ّ‬
‫أحب الم�سلمين‪.‬‬
‫أحبهم كما � ّ‬
‫� ّ‬

‫‪62‬‬

‫غياب المرجع الع ّالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل خ�سارة �إ�سالمية م�سيح ّية‪،‬‬
‫وطن ّية وعرب ّية‪.‬‬
‫بوفاته نفتقد عالم ًا كبير ًا‪ ،‬ومجتهد ًا ك ّر�س حياته لخدمة الإ�سالم والم�سلمين‬
‫وفكرهم وق�ضاياهم وغدهم‪ ،‬وبالتالي �إلى خدمة ك ّل �إن�سان في لبنان والعالم‬
‫العربي‪.‬‬
‫فكره الإ�سالمي الم�ضيء في الف�ضاء الإن�ساني والإ�سالمي والوطني والعربي‪،‬‬
‫ونهجه العقالني والنقدي‪ ،‬ومواقفه الإ�سالمية والفكرية والثقافية وال�سيا�سية‬
‫واالجتماعية والتربوية والوطنية جعلته مرجع ًا للجميع‪ ،‬ومع ّلم ًا بكالمه ومثاله‪.‬‬
‫كان رجل الإيمان واالنفتاح واالعتدال والتوا�ضع واللطف والهدوء والت�سامح‬
‫والأخالق والحوار والكلمة والم�صالحة بين الدين والعقل والعلم والحداثة‪.‬‬
‫و كان الداعية �إلى التقريب بين الم�سلمين على اختالف مذاهبهم وجمع كلمتهم‪،‬‬
‫وتحقيق وحدتهم‪ ،‬والدفاع عنهم‪ ،‬ومنا�صرة ق�ضاياهم الم�صيرية‪ ،‬وفي طليعتها‬
‫الق�ضية الفل�سطينية التي �أَ ْوالها بليغ اهتماماته‪.‬‬
‫كما هو الح�سيني الجهادي في �سبيل اهلل‪ ،‬الملتزم بر�سالة الأ ّمة‪ ،‬والمقاوم ك ّل ظلم‬
‫وا�ستكبار وعدوان واحتالل‪ ،‬ال �س ّيما مقاومة العد ّو ال�صهيوني في لبنان وفل�سطين‬
‫وفي ك ّل مكان‪.‬‬

‫ال�سيد رائد من رواد حركة النهو�ض الإ�سالمي ال�شيعي‪ ،‬وركن من �أركان الحركة‬
‫الإ�سالمية المعا�صرة الذي عمل بفكره الن ّير والمنفتح‪ ،‬و�سعة معرفته‪ ،‬و�صدق نواياه‬
‫في االجتهاد في �سبيل تطوير الفكر الإ�سالمي الفقهي وال�سيا�سي وجعله يواكب‬
‫التطور والتقدم في ع�صرنا‪.‬‬
‫كان في زمن التح ّوالت والتغ ّيرات والق�ضايا الكبرى عالم ًة م�ضيئة‪ ،‬ف�أطلق الر�ؤى‬
‫والأفكار الع�صرية على �أ�س�س علمية وفقهية �أ�صيلة‪ ،‬وعمل من �أجل التج ّدد والإ�صالح‬
‫والتغيير والتطوير‪.‬‬
‫لقد ق ّدم فكر ًا �إ�سالمي ًا معا�صر ًا يحاكي م�سلمي الع�صر في ق�ضاياهم وهواج�سهم‬
‫وتط ّلعاتهم ور�سالتهم‪ ،‬لينقلهم �إلى �آفاق �إن�سانية جديدة‪ ،‬وموقع فاعل في ع�صرهم‪،‬‬
‫وتجديد فكرهم الديني‪ .‬لقد �صالح بين الدين وال�سيا�سة‪ ،‬وعمل من �أجل تربية �إن�سان‬
‫م�سلم قادر على حمل الر�سالة والدفاع عن ق�ضاياه العادلة بحرية وعقالنية ومحبة‪.‬‬
‫كان العالم الكبير والمجتهد الحكيم الذي يتح ّلى ب�صفاء العقل والقلب والروح‪،‬‬
‫ورمز ًا من رموز الحركة الإ�سالمية المعا�صرة الذي ك ّر�س حياته للدفاع عن حرية‬
‫الفكر واالجتهاد والعقالنية‪ ،‬والأ�صالة الحقيقية‪ ،‬واالنفتاح على الآخر والإ�صغاء �إليه‬
‫واحترامه وقبوله والتفاعل معه‪ ،‬ونقل الواقع الإ�سالمي في �سبيل مجتمع �إ�سالمي‬
‫نه�ضوي منفتح ومتوازن‪.‬‬
‫ّ‬
‫لقد رف�ض التط ّرف والغل ّو والتز ّمت والتد ّين ال�شكلي والتكفير‪ .‬ودعا �إلى تحرير‬
‫عقول النا�س ونفو�سهم ومجتمعاتهم من التخ ّلف والت�أخّ ر والجمود و�ضيق الأفق‪.‬‬
‫لقد انطلق من موقع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» والعمل ال�صالح‪ .‬ودعا‬
‫بالعلم والحكمة‪ ،‬والموعظة الح�سنة‪ ،‬وكلمة �سواء للحوار البنّاء مع الآخر‪ ،‬والت�ص ّدي‬
‫للتع�صب والتمذهب والتفرقة واالنق�سام والفتنة‪.‬‬
‫ب�شجاعة ّ‬
‫لم يكن الحوار عنده �شعار ًا خالي ًا‪ ،‬ومجامالت اجتماع ّية و�سيا�س ّية بل كان فكر ًا‬
‫ن ّير ًا‪ ،‬و�ضمير ًا حي ًا‪ ،‬و�إرادة �شجاعة و�صادقة‪ ،‬وفن ًا و�أخالق ًا‪.‬‬
‫العالم الم�ستنير جعل من الحوار ثقاف ًة علينا �أن نغنيها ونر ّبي عليها ونع ّممها‪ .‬فبعد‬
‫الحوار من �أجل التقريب والتقارب والوحدة الإ�سالمية‪ ،‬ينطلق �إلى الحوار الإ�سالمي‬

‫‪63‬‬

‫‪64‬‬

‫الم�سيحي الكت�شاف الجوامع الإيمانية‪ ،‬والم�شتركات الإن�سانية والوطنية والعربية‬
‫والح�ضارية لتعزيز العي�ش الواحد بين اللبنانيين‪ ،‬وبين الم�سلمين والم�سيحيين على‬
‫مدى العالم العربي وبالتالي على مدى العالم ك ّله‪.‬‬
‫لقد تح ّدث عن قواعد الحوار و�أ�ساليبه ومعطياته في كتابه المرجع «الحوار‬
‫في القر�آن»‪ ،‬ورفعه �إلى م�ستوى الر�سالة‪ ،‬ل ّأن الحوار يبد�أ مع الذات وبين الإن�سان‬
‫و�صاحبه‪ ،‬وبين اهلل والإن�سان‪� .‬أ ّما الحوار الإ�سالمي الم�سيحي‪ ،‬كما يقول عنه ال�سيد‪،‬‬
‫فهو «تح ّرك يهدف �إلى �إغناء الإن�سانية‪ ،‬فيبرز على الم�ستوى العالمي القيم ال�سامية‬
‫التي يلتقي عليها الدينان في تثمير حركة الإن�سان في تط ّلعه �إلى الم�ستقبل»‪.‬‬
‫�أ ّما في لبنان فالحوار يرفع «الق�ضية الوطنية �إلى �أعلى م�ستوى»‪ .‬ويقول ال�سيد‪:‬‬
‫«�إذا ا�ستطاع الم�سلمون في لبنان �أن يكونوا م�سلمين من خالل ما هو معنى الإ�سالم‬
‫وعمقه‪ ،‬و�إذا ا�ستطاع الم�سيحيون �أن يكونوا م�سيحيين في ما هو معنى الم�سيحية‬
‫وعمقها‪ ،‬ف�إنهم يعطون ال�سيا�سة معنى في الروح وعمق ًا في الإن�سانية»‪.‬‬
‫� ّإن الحوار هو طريق الخال�ص وال�سالم والتق ّدم على ال�صعيد الوطني والعربي‬
‫والإ�سالمي والم�سيحي والعالمي‪ .‬والحوار الإيجابي يقودنا �أي�ض ًا �إلى بناء ح�ضارة‬
‫المحبة‪ :‬محبة اهلل ومحبة الإن�سان‪ .‬الع ّالمة جمع بين عدل الإ�سالم والمحبة‬
‫أحب جميع النا�س لكنّه �أعطى الأولوية لمحبة الفقراء والأيتام والمر�ضى‬
‫الم�سيحية‪ّ � .‬‬
‫والم�ست�ضعفين والمظلومين‪.‬‬
‫قاوم الحقد ودعا �إلى المحبة قائ ًال «� ّإن الحياة ال تتح ّمل الحقد‪ .‬فالحقد موت‬
‫والمحبة حياة»‪.‬‬
‫لقد دعانا ال�س ّيد الم�سيح �إلى المحبة قائ ًال‪�« :‬أح ّبوا بع�ضكم بع�ض ًا كما �أنا‬
‫�أحببتكم»‪.‬‬
‫وال�سيد العالمة �أو�صانا قائ ًال‪�« :‬أح ّبوا بع�ضكم بع�ض ًا‪ّ � ،‬إن المحبة هي التي تبدع‬
‫وت� ّؤ�صل وتنتج‪ .‬تعالوا �إلى المحبة بعيد ًا من ال�شخ�صانية والمناطقية والحزبية‬
‫والطائفية‪ .‬تعالوا كي نلتقي على اهلل بد ًال من �أن نختلف با�سم اهلل»‪.‬‬
‫لقد �أحببناه‪ .‬وبغيابه خ�سر الم�سيح ّيون في لبنان والعالم العربي �أب ًا م�سلم ًا �أح ّبهم‬

‫أحب الم�سلمين‪ ،‬و�س ّيد ًا م�ستنير ًا دافع عنهم بحق و�شرف كما دافع عن ك ّل �إن�سان‬
‫كما � ّ‬
‫مهما كان دينه �أو فكره‪ .‬وهو يدعونا من عليائه �إلى العي�ش مع ًا ب�أمان و�سالم وعدل‬
‫ومحبة في لبنان والعالم العربي‪ ،‬الآن و�إلى منتهى الدهر‪.‬‬
‫الأخبار ‪ 9‬تموز ‪2010‬‬

‫* �أمني �سر اللجنة الأ�سقف ّية للحوار امل�سيحي ـ الإ�سالمي‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫المرجع ف�ضل اهلل‪...‬‬
‫الفكر الناب�ض بالإ�سالم‬
‫ال�شيخ ح�سين الرا�ضي*‬

‫َ‬
‫إن�سانية‬
‫الم�صداق الأجلى للوحدة ال‬
‫كان‬
‫إ�سالمية وال َّ‬
‫َّ‬
‫الواقعي لها عم ً‬
‫ال‪.‬‬
‫والمج�سد‬
‫قو ًال‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال�ساحتين الإ�سالم ّية والعرب ّية في‬
‫يدور حديثنا حول �شخ�ص ّي ٍة طالما �أ َّثرت في ّ‬
‫العديد من الق�ضايا الدينية وال�سيا�سية واالجتماعية‪ ،‬وظ ّلت حا�ضر ًة فيها على مدى‬
‫طويلٍ يزيد على الخم�سة عقود المن�صرمة ‪.‬‬
‫�أال وهو الفقي ُد الراحل‪� ،‬آي ُة اهلل العظمى‪ ،‬العالم ُة المجاه ُد ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل (تغ ّمده اهلل بوا�سع رحمته)‪.‬‬
‫وفي الحديث عنه‪� ،‬سوف �أ�شير �إلى بع�ض مم ّيزاته الفكر ّية والعلم ّية والعمل ّية على‬
‫م�ستويات عديدة مع االخت�صار‪:‬‬

‫‪66‬‬

‫حديثه وكالمه عن الإ�سالم‬
‫ه ّمه وحديثه دائم ًا عن الإ�سالم وبا�سم الإ�سالم‪ ،‬وعمله لأجل الإ�سالم‪ ،‬ال ترى‬
‫الطائفية منهج ًا في ل�سانه‪ ،‬وال الفئوية فكر ًا في ت�صرفاته‪ ،‬كان يتح ّرك للإ�سالم‪،‬‬
‫وي�سعى لكي ُي�ؤَ�س ِل َم العالـَ َم فكر ًا وعم ًال‪ ،‬بالمحبة والإن�سانية والعمل ال�صالح الذي‬
‫يعود على الأمة وعلى الإن�سانية بالخير والبركة وال�صالح ‪.‬‬

‫نعم‪ّ � ،‬إن الإ�سالم هو ما ينبغي �أن نتح ّدث عنه‪ ،‬وما ينبغي �أن نط ّبقه‪ ،‬ليكون الفك َر‬
‫الخالد للأر�ض ا ّلتي ال تطهر �إال بالإ�سالم الأ�صيل ا ّلذي ينبثق عن الوعي ال�صادق‪،‬‬
‫َ‬
‫الذي يختزنه قلب المرجع الراحل الكبير وعقله‪ ،‬والذي طالما كان ير ّدد‪�( :‬أنا ُم َو َّك ٌل‬
‫بالإ�سالم �أَ ْت َب ُعه)‪.‬‬
‫القر�آن منطقه‬
‫اهتم‬
‫خا�صة وكبيرة في حياة ال�س ّيد ف�ضل اهلل(قده)‪ ،‬وقد ّ‬
‫لقد كان للقر�آن مكانة ّ‬
‫به منذ �أوائل م�سيرته الجهاد ّية والعلم ّية‪ ،‬فكان تف�سيره الكبير (من وحي القر�آن)‪،‬‬
‫ا ّلذي اتّ�سم بمحاولة ربط القر�آن الكريم في كثيرٍ من �آياته‪ ،‬بالمجتمع‪ ،‬وكيف ّية ح ّل‬
‫م�شاكله عن طريق ا�ستنطاقه � ِ‬
‫آيات القر�آن الكريم ‪.‬‬
‫متم�سك ًا بالثقل الأكبر كمنطقه الأ ّول ِ‬
‫وملهمه الأقرب‪ ،‬كان ي� ِّؤطر للقر�آن‬
‫نعم‪ ،‬كان ّ‬
‫ال�صدور لو عاد‬
‫أ�سا�س الم� ّؤ�س�س للعقيدة والفتوى‪ ،‬فكان يرى � ّأن فيه ما ي�شفي ّ‬
‫ليكون ال َ‬
‫وفقهي ‪.‬‬
‫وعقائدي‪،‬‬
‫فكري‪،‬‬
‫الفقهاء والعلماء والمف ّكرون �إليه‬
‫ّ‬
‫كمرجع ّ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫لذا تراه قد تبنَّى بع�ض الفتاوى ِّ‬
‫بكل جر�أ ٍة‪ ،‬ليطلق فكر ًا �إن�سان ّي ًا خالد ًا‪ ،‬كما في‬
‫فتواه بطهارة ِّ‬
‫الميزان‬
‫كل �إن�سان‪ ،‬الم�ستنبطة من القر�آن‪ ،‬فالقر�آن ال ب ّد من �أن يكون‬
‫َ‬
‫لمعرفة الحقِّ والباطل‪ ،‬وعلى هذا‪ ،‬فقد واجه الخرافات والخزعبالت بفكر القر�آن‬
‫وال�صراط القويم‪ ،‬والع ّز ال ّدائم ا ّلذي ال‬
‫تم�سك به ُه ِد َي �إلى الحقّ ّ‬
‫الحقّ ‪ ،‬ا ّلذي َم ْن ّ‬
‫ُي�ضام‪.‬‬
‫فال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬يرى مرجع َّية القر�آن وحاكم َّيته على ال�سنَّة‪ ،‬حيث كان يعتبر‬
‫القر�آن هو الأ�سا�س في االجتهاد‪ ..‬و� ّأن ال�سنّة ال يمكن �أن تحكم القر�آن‪ ،‬بل العناوين‬
‫القر�آن ّية هي ا ّلتي تحكم ال�سنّة‪ .‬من هنا انطلقت فتاواه ليكون فقيه ًا قر�آن ّي ًا بامتياز ‪.‬‬
‫ج�سد القر�آن عم ًال‬
‫العلمي‬
‫َوم ْن ت�أ َّمل فكره‪ ،‬وجده المرجع القر� ّآني‬
‫والعملي ا ّلذي ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وقو ًال؛ ا�ستفاد منه فكر ًا‪ ،‬وا�ستنبط منه فتاواه‪ ،‬واختلط فيه د ُمه ولحمه وج�سده‪ ،‬فكان‬
‫منطقه القر�آن‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪68‬‬

‫الوحدة الإ�سالم ّية‬
‫الحقيقي العميق بوحدة الأ ّمة الإ�سالم ّية‪،‬‬
‫لقد �آمن الفقيد ال ّراحل(قده) الإيمان‬
‫ّ‬
‫ووجوب العمل لأجل جمعها وتوحيد �صفوفها‪ ،‬وت�أكيد الم�ساحات الم�شتركة الكثيرة‬
‫بين ِف َر ِقها ومذاهبها‪� ،‬سوا ًء �أكانت تلك الم�ساحات الم�شتركة عقد ّي ًة �أو فقه ّي ًة �أو‬
‫�سيا�س ّي ًة �أو اجتماع ّية ‪.‬‬
‫وهذا الإيمان ب�ضرورة العمل للوحدة الإ�سالم ّية‪ ،‬لم يكن عم ًال تكتيك ّي ًا �أو هام�ش ّي ًا‪،‬‬
‫كما هو ُ‬
‫حال بع�ض علما ِء الأ ّمة الإ�سالم ّية ا ّلذين ينادون بالوحدة من باب تح�صيل‬
‫المكا�سب الفئو ّية �أو الحزب ّية‪� ،‬أو ينادون بالوحدة الإ�سالم ّية وهم �أبعد ما يكونون‬
‫عنها‪ ،‬بل دائم ًا ما يكونون هم الم� ِّؤججين للفتن المذهب ّية ّ‬
‫والطائف ّية‪ ،‬كما �شاهدنا‬
‫ون�شاهد اليوم ذلك في العديد من الف�ضائ ّيات المثيرة للفتن من جميع االتجاهات‬
‫أخ�ص فئ ًة دون فئ ٍة �أو اتجاه ًا دون �آخر ‪.‬‬
‫الإ�سالم ّية‪ ،‬وال � ّ‬
‫بل كان �إيمان ال�س ّيد ف�ضل اهلل(قده) بالوحدة الإ�سالم ّية م�سار ًا ا�ستراتيج ّي ًا‬
‫العملي‬
‫اريخي طيلة جهاده‬
‫ّ‬
‫له‪ ،‬وعقيد ًة ثابت ًة ال تتغ ّير‪ ،‬ي�شير �إليه بو�ضوح عمله ال ّت ّ‬
‫واالجتماعي‪ ،‬بل كان ُي َح ّرم و ُي َج ّرم َّ‬
‫كل �أ�ساليب ال ّدعوة التي‬
‫قافي‬
‫ّ‬
‫وال�سيا�سي وال ّث ّ‬
‫ّ‬
‫تثير الفتنة والنّـزاعات بين الم�سلمين‪ ،‬نظر ًا �إلى كونها خدم ًة للأيادي اال�ستعمار ّية‬
‫مجان ًا من حيث ال‬
‫وجهات �إليهم ّ‬
‫وال ّدول اال�ستكبار ّية‪ ،‬يق ّدمها �أ�صحاب هذه ال ّت ّ‬
‫ي�شعرون ‪.‬‬
‫ولهذا نراه م�سكون ًا بالوحدة‪ ،‬الوحدة الَّتي تجمع الإن�سان بما هو �إن�سان‪� ،‬إذ كان‬
‫ي�سعى لي� ِّؤ�س�س لعالق ٍة م�شترك ٍة وقو َّية بين الأديان المختلفة‪ ،‬والوحدة الَّتي تجمع‬
‫الم�سلم بما هو م�سلم‪� ،‬إذ �سعى لي� ِّؤ�س�س لأ�صولٍ م�شترك ٍة بين الفرق الإ�سالم َّية‬
‫المختلفة‪ ،‬لذا كان ير ِّدد دائم ًا‪َّ � :‬إن ما َن َّت ِفقُ َع َليه‪� ،‬أكث ُر بكثيرٍ مما َنخْ َت ِل ُف فيه‪ ،‬فلماذا‬
‫َ‬
‫الخالف ح ّتى َي ْنفَجِ َر في مواطنِ االختالف؟‬
‫نت ُر ُك‬
‫يحث دائم ًا على نبذ الخالف و�إظهار االتّفاق ا ّلذي يجمع الأ َّمة‪ ،‬لأنها ت�شترك‬
‫وكان ُّ‬
‫وال�سباب المتبادل ا ّلذي ال يزيد‬
‫في �أ�صولها العا ّمة وال ّثابتة‪ ،‬وكان يحذّر من الفُرقة ّ‬
‫الأ ّمة �إال تف ّرق ًا‪.‬‬

‫الواقعي لها‬
‫والمج�سد‬
‫كان الم�صداقَ الأجلى للوحدة الإ�سالم َّية والإن�سان َّية قو ًال‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عم ًال‪ ،‬كانت ه ّمه المقيم في عقله وقلبه‪.‬‬
‫َ�ص ْد ُم الواقع‬
‫ومن المم ّيزات ا ّلتي ق ّلما توجد في غيره‪ ،‬تبيا ُنه ما يراه من �آراء‪� ،‬سواء على‬
‫ال�سيا�سي �أو غيرها‪ ،‬بك ّل و�ضوح‪ ،‬وعدم خ�شيته مما‬
‫الفقهي �أو‬
‫العقيدي �أو‬
‫الم�ستوى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫�ضجيج‪� ،‬أو مخالفة �آخرين له في ذلك‪ ،‬وقد كان ير ّدد كلمته‬
‫يترتّب على ذلك من‬
‫ٍ‬
‫ال�صدر على �أن ن�صدم الواقع‬
‫المعروفة‪« :‬لقد تبنّينا �أنا وال�شّ هيد ال�س ّيد مح ّمد باقر ّ‬
‫ونب ِّين �آراءنا»‪.‬‬
‫فج�سد بذلك قوله‬
‫تميز ًا فائقاً‪،‬‬
‫تميز �سماحته بهذه الخ�صلة ّ‬
‫وقد َّ‬
‫َّ‬
‫ون ِر�سَ اَال ِت هَّ ِ‬
‫وَل يَ ْخ�شَ ْو َن �أَ َحداً �إِلاَّ اللهََّ‬
‫الل َويَ ْخ�شَ ْونَ ُه اَ‬
‫تعالى‪}:‬ال َِّذ َين يُبَلِّ ُغ َ‬
‫َو َكفَى ِب هَّ ِ‬
‫الل َح ِ�سيباً{(الأحزاب‪.)39 :‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وتحريف لكلماته ب�سبب ذلك‪ .‬وكان ُيخَ َّوف‬
‫أكاذيب‬
‫ُري عليه من‬
‫وكم افت َ‬
‫افتراءات و� َ‬
‫بمثل هذه الأ�ساليب ال ّرخي�صة كي يثنوه عن ر�سالته الإ�سالم ّية ا ّلتي �أراد �إي�صالها‬
‫بالمح ّبة والإخاء ‪.‬‬
‫لكنه بقي طود ًا �شامخ ًا ال تزلزله العوا�صف وال تزيحه القوا�صف‪ ،‬وكان َم َث ُله مثل‪:‬‬

‫ا�س َق ْد َج َم ُعو ْا لَ ُك ْم َف ْاخ�شَ ْو ُه ْم َفزَا َد ُه ْم �إِي َمان ًا َو َقالُو ْا‬
‫ا�س ِ�إنَّ ال َّن َ‬
‫}الَّ ِذ َين َقا َل لَ ُه ُم ال َّن ُ‬
‫َح ْ�سبُنَا هّاللُ َو ِن ْع َم ا ْل َو ِك ُيل* َفان َق َلبُو ْا ِب ِن ْع َم ٍة ِّم َن هّ ِالل َو َف�ضْ ٍل لَّ ْم يَ ْم�سَ ْ�س ُه ْم ُ�سو ٌء وَاتَّبَ ُعو ْا‬
‫رِ �ضْ وَا َن هّ ِالل و هّ‬
‫َاللُ ُذو َف�ضْ ٍل َع ِظ ٍيم{(�آل عمران‪.)174 -173 :‬‬

‫‪ ‬مرجع الكلّ‬
‫لقد كان �سماحة ال�س ِّيد يم ِّثل مرج َع الك ّل‪ ،‬و�أق�صد بالك ّل‪� ،‬أنَّه كان مرجع ًا فقه َّي ًا‪،‬‬
‫المجد َد‪،‬‬
‫أ�صولي‬
‫ِّ‬
‫وفكر َّي ًا‪ ،‬و�سيا�س ّي ًا‪ ،‬و�أدب ّي ًا‪ ،‬وخطيب ًا‪ ،‬وعارف ًا؛ فكان المرج َع الفقي َه‪ ،‬وال َّ‬
‫الحب ب�أجلى‬
‫والمتك ِّل َم المف َّوه‪ ،‬وال�شَّ اع َر َ‬
‫ج�سد َّ‬
‫المرهف‪ ،‬والعارف العا�شق هلل‪ ،‬الَّذي َّ‬
‫معانيه‪ ،‬ومختلف �صوره للنَّا�س وبين النَّا�س ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫والع�صري الَّذي يل ِّبي حاجات الع�صر‪ ،‬ويواكب متط ّلبات‬
‫هو المرجع المعا�صر‬
‫ّ‬
‫الحياة‪ ،‬وهو ا ّلذي ي�ستنبط الأحكام بوعي الع�صر وهمومه‪ ،‬وهو ما جعله مرجع‬
‫الحياة والإن�سان َّية والع�صر‪.‬‬
‫والحا�صل‪ّ � :‬أن فقيدنا العزيز كان عالم ًا عام ًال جلي ًال‪ ،‬فقيه ًا مجاهد ًا‪ ،‬نافذ‬
‫الب�صر والب�صيرة‪� ،‬صلب الإيمان‪ ،‬ال ت�أخذه في اهلل لومة الئم‪ ،‬و�أديب ًا فح ًال‪ ،‬و�شاعر ًا‬
‫ال�صعبة‬
‫حاذق ًا‪ ،‬كان نبرا�س ًا للعلم والجهاد‪ ،‬وكان ملج�أً وموئ ًال في الأزمات والمواقف ّ‬
‫ا ّلتي تحتاج الى العلماء‪.‬‬
‫لقد ترك في قلوب �أح ّبائه و�أ�صدقائه وتالمذته والمعجبين به لوع ًة ال تبر�أ‪،‬‬
‫وجراح ًا ال تندمل‪ ،‬وفراغ ًا ال ي�س ّد‪ ،‬وثلم ًة ال تُر�أب ‪.‬‬
‫ولل�صبر‬
‫ولكنّه ترك للعلم نبرا�س ًا‪ ،‬وللجهاد مترا�س ًا‪ ،‬ولكلمة الحقّ جهاد ًا �صالح ًا‪ّ ،‬‬
‫َع َلم ًا م�ستنير ًا‪ ،‬وترك �أجيا ًال ر َّباها بفكره وم�شاعره ح ّتى هزمت �أقوى طغاة العالم‪،‬‬
‫وهو ما يخفّف وط�أة الألم والحزن ‪.‬‬
‫وفي الحقيقة‪َّ � ،‬إن الحديث عن �شخ�ص َّي ٍات عا�شت ٍ‬
‫لعقود طويلة في عمقِ الأ َّمة‪،‬‬
‫جوانب عديدة‪ ،‬كال�س ّيد ف�ضل اهلل ا ّلذي حمل روحه‬
‫م�ؤ ّثر ًة على �أكثر من �صعيد‪ ،‬ولها‬
‫ُ‬
‫على كفّه طيلة جهاده‪ ،‬ال يمكن اختزا ُله في م�ؤتمرٍ �أو اثنين �أو جل�س ٍة �أو اثنتين‪ ،‬بل‬
‫بع�ض‬
‫ال ب ّد من ت�سليط الأ�ضواء على جوانب �شخ�ص ّيته وت�أثيرا ِتها الإيجاب ّية‪� ،‬أو ح ّتى ِ‬
‫ِ‬
‫الن ِ‬
‫تجاهها‪ ،‬لأنّه ال توجد �شخ�ص ّي ٌة مهما كبرت‪ ،‬ال يمكن �أن ُي َو َّجه‬
‫ّقد‬
‫والمالحظات َ‬
‫نح َوها النّق ُد‪ ،‬على م�ستوى الق�ضايا الفكر ّية �أو العمل ّية �إال �شخ�ص ّية المع�صوم(ع)‪.‬‬
‫ٍ‬
‫درا�سات لمثل �شخ�ص ّي ٍات كهذه في العديد من‬
‫�أقول �أخير ًا‪ :‬ال ب ّد من و�ضع‬
‫الم�ؤ ّلفات والدور ّيات والبحوث العلم ّية المو�ضوع ّية‪ ،‬ومن قبل العديد من الباحثين‬
‫والمثقّفين المن�صفين‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫*عامل دين من القطيف‪.‬‬

‫المرجع الذي �أخذنا �إلى الغد‬
‫طالل �سلمان*‬

‫�أغنيتنا في حياتك بحياتك‪ ،‬وها �أنت تترك لنا ما تنتفع به‬
‫الأجيال القادمة‪ ،‬ثقاف ًة وعلم ًا و�إيمان ًا‪.‬‬
‫لم نتع ّود الكتابة عن المرجع ‪ -‬المنارة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ب�صيغة‬
‫«الغائب»‪ ،‬وهو الذي كان ح�ضوره الم�ش ّع بنور الدين يعزّز فينا المعرفة بدنيانا لتكون‬
‫الئقة بكرامة الإن�سان وحقّه في الحياة التي ك ّرمه بها اهلل‪.‬‬
‫ول�سوف يظ ّل «ال�سيد» حا�ضر ًا في يومياتنا باجتهاداته التي فتحت �أبواب الدين‬
‫�أمام �أبناء الحياة ليعي�شوها متح ّررين من حكم الحاكم الظالم وع�سف المحتل‬
‫الدخيل‪ ،‬والمتاجر بالدين بحب�سه في مجموعة من الطقو�س التي تختلط فيها‬
‫الح ْجرِ على العقل‪ ،‬وت�صوير االعترا�ض على الخط�أ وك�أنه‬
‫الخرافة بالبدعة من �أجل َ‬
‫الن�ص المق ّد�س‪.‬‬
‫خروج على ّ‬
‫لقد قاد هذا النجفي المتح ّدر من عيناتا (على التخوم مع فل�سطين) لأ�سرة من‬
‫العلماء‪ ،‬مع بع�ض رفاقه الم�ستنيرين‪ ،‬ثورة حقيقية في قلعة الفقه ومركز المرجعية‬
‫هدفها الأ�سا�سي ربط الدين بالحياة‪ ،‬وتي�سيره على الم�ؤمنين‪ ،‬وجعلوه يح ّر�ض على‬
‫ك�سر النمطية والتقليد الجامد‪ ،‬بفهم كونه يح ّر�ض على رف�ض الخنوع واال�ست�سالم‬
‫والتعامل مع الحاكم ـ مهما بلغ ظلمه ـ وك�أنّه ظ ّل اهلل على الأر�ض والخروج على طاعته‬
‫هي الكفر عينه‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫‪72‬‬

‫ّتم تحرير الن�ص الديني من بع�ض «ال�شروحات» التي كادت تقفل باب االجتهاد‪،‬‬
‫مداراة لحاكم ٍ‬
‫عات‪� ،‬أو لتجنّب ال�صدام مع غازٍ محت ّل‪� ،‬أو بذريعة االمتناع عن الت�س ّبب‬
‫في فتنة‪ ،‬في حين � ّأن ال�صمت عن الخط�أ هو الباب �إلى الفتنة‪� ..‬أما «علماء ال�سلطان»‬
‫فكانوا ال يتعبون من ت�سخير الن�ص الديني‪ ،‬بح�سب تف�سيرهم المخ ّل‪ ،‬بمعناه الأ�صلي‪،‬‬
‫لتبرير الظلم وك�أنّه َق َد ٌر مفرو�ض ال مجال لتح ّديه �أو الخروج منه‪.‬‬
‫وعبر معارك قا�سية‪� ،‬أُعيد الن�ص الديني‪ ،‬بتف�سيره ال�صحيح‪� ،‬إلى خدمة الإن�سان‬
‫في يومه وفي غَ ِد ِه‪ ،‬وعلى قاعدة � ّأن الدين ُي�سر ال ُع�سر‪ ،‬وكذلك على قاعدة � ّأن اهلل‬
‫قد �أكرم الإن�سان ف�أهداه النجد ْين‪ ،‬ف�أُ�سقطت مجموعة من الطقو�س والعادات التي‬
‫�أ�سبغت عليها �صفة المح ّرمات‪ ...‬ف�إذا بالإمكان ‪ -‬مث ًال ‪ -‬تحديد الموعد الدقيق‪،‬‬
‫وبالثانية‪ ،‬لوالدة القمر وغيابه‪ ،‬وتحديد بداية ال�شهر الهجري‪ ،‬وبالتالي �أن يعرف‬
‫الم�ؤمنون يوم عيد الفطر المبارك فال يظ ّل �ضائع ًا عنهم �أو �ضائعين عنه ك ّل �سنة‪،‬‬
‫بما ينذر بفتنة‪ ،‬بعدما تع ّدد ِّ‬
‫محددو موعد بدء ال�صيام وختامه ‪ -‬العيد ‪.-‬‬
‫وعبر معارك �أق�سى �أُعيد �إلى «الجهاد» معناه الأ�صلي‪ ،‬ف�إذا مقاومة المحتل‪� ،‬أي‬
‫محتل‪ ،‬ف ْر�ض عين‪ ،‬و�إذا مقاتلته واجب �شرعي‪ ،‬ي�ستوي في ذلك االحتالل اال�سرائيلي‪،‬‬
‫�أو االحتالل الأميركي‪� ،‬أو �أي احتالل �آخر لأي �أر�ض عربية و�إ�سالمية‪ .‬وكيف يمكن‬
‫البن عيناتا الذي �شهد م�أ�ساة االحتالل الإ�سرائيلي لفل�سطين وخروج �أهلها �إلى �شتات‬
‫اللجوء �أن ين�سى �أو يتنا�سى الم�أ�ساة التي �أ�سهمت في �صياغة وعيه بالحياة‪.‬‬
‫�صار الإيمان الزمة للتح ّرر والتحرير‪ ،‬التح ّرر من الخرافة والبدعة‪ ،‬وتحرير‬
‫الأر�ض والإرادة من �أي قاهر بالق ّوة �أو بالخديعة و�شقّ �صفوف الم�ؤمنين بتق�سيمهم‬
‫مذاهب و�شيع ًا وعنا�صر‪ ،‬مما يم ّكن للمحتل وي�شغل النا�س بخالفاتهم «الفقهية»‪،‬‬
‫وكثير منها من �ص ْن ِع ق ّلة من المع ّممين الذين يزهدون بالدنيا تاركين الأمر هلل‪،‬‬
‫وبع�ضها الباقية من ابتداع ق ّلة �أخرى ت�أكل خبز ال�سلطان وتفتي ب�أمره ولأمره‪.‬‬
‫�صارت الثورة على الظلم والف�ساد الوجه الآخر للثورة على االحتالل ومن �ضمنه‬
‫اال�ستيطان وال�سكوت عن الظالم والمحتل عم ًال بحكمة � ّأن العين ال تقاوم المخرز‪،‬‬
‫يتم ب�إرادته ع ّز وج ّل‪ ...‬وك�أنّما اال�ستيطان الإ�سرائيلي في �أر�ض‬
‫�أو � ّأن ك ّل �شيء �إنما ّ‬

‫ال�شعب الفل�سطيني وتحويله �إلى مجاميع من الالجئين �إلى �أوطان الآخرين «فريــ�ضة»‬
‫�أو �أنّه قدر ال را ّد له‪� ،‬إ ّال �إن �شــاء الـله‪ ...‬والإحالـة �إلى م�شيـئة اللـه للتخـديـر لـي�س‬
‫�إ ّال‪.‬‬
‫ولقد فهم المحت ّلون جميع ًا‪� ،‬إ�سرائيل �أ�سا�س ًا‪ ،‬ومن بع ُد ال�ساعون لفر�ض الهيمنة‬
‫الأميركية‪ ،‬خطورة الدور التنويري القيادي الذي يلعبه ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫حي كامل في ال�ضاحية الن ّوارة‬
‫اهلل‪ ،‬ومن هنا تك ّررت المحاوالت الغتياله ولو بهدم ٍّ‬
‫(حارة حريك) على ر�ؤو�س �سكانه رجا ًال ون�سا ًء و�أطفا ًال‪.‬‬
‫كذلك ف� ّإن الثورة التي قادها هذا العا ِلم الذي خرج على النا�س بتف�سيره ال�صحيح‬
‫للدين وفرو�ضه‪ ،‬قد �أخافت منه الذين يريدون �إبقاء التقليد تقليدي ًا‪ ،‬فجاهروا‬
‫باعترا�ضهم �أن ت�ستق ّر مرجعية جديدة‪� ،‬أو بديلة �أو موازية للمرجعية القديمة‪ ،‬في‬
‫بئر العبد‪ -‬حارة حريك‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أنّها خارج ال�سيطرة‪ ،‬ال يمكن �شراء �سكوتها �أو‬
‫توجه نحوها الم�ؤمنون الباحثون عن مرجع �صالح‪ ،‬م�ستنير ومعا�صر‪،‬‬
‫�إخ�ضاعها‪ ،‬بعدما ّ‬
‫ويح�ض على الجهاد ويرف�ض التنازل لل�سلطان‪.‬‬
‫ي�ؤمن بالعلم ويحترم العقل‬
‫ّ‬
‫ولقد كنّا نق�صد «ال�سيـد» في �أيام ال�ش ّدة‪ ،‬وما �أكثرها‪ ،‬لنث ّبت �إيماننا بالإن�سان‬
‫وقدراته‪ ،‬ولن�ستنير بحكمته‪ ،‬ولنتع ّلم منه ال�صبر على ال�شدائد ومقاومة ما ُيراد‬
‫فر�ضه علينا‪ .‬ولطالما ق�صدناه في زمن الحرب الأهلية من �أجل تحرير «مخطوفين»‬
‫ال ذنب لهم �إال �أنّهم قد يفيدون في «المقاي�ضة» بمخطوفين �آخرين‪� ،‬أو لل�ضغط على‬
‫هذه الجهة �أو تلك من �أجل قرار ال يعرفون ماهيته ومن يطلبه‪.‬‬
‫كذلك فلقد كنّا نق�صده طلب ًا لثقافة الحياة‪ ،‬وهو ال�شاعر‪ ،‬الناثر‪ ،‬الفقيه‪ ،‬القائد‪،‬‬
‫المر�شد‪ ،‬الم�صلح االجتماعي والم�ستنير ب�إيمانه ومنير الطريق �أمام الراغبين في‬
‫الخروج من التيه �إلى ميدان العمل من �أجل غد �أف�ضل للإن�سان في وطنه‪.‬‬
‫بعد ك ّل زيارة كنّا نعود �أكثر ثبات ًا على �إيماننا بعروبتنا‪ ،‬فهي عنده رابط مق ّد�س‪،‬‬
‫�أولها تحرير فل�سطين عنوان تحرير الإرادة العربية‪ ،‬ومعها العراق بعدما و ّرث‬
‫االحتالل الأميركي الطغيان فيه وو�ضعه على حافة الحرب الأهلية بالتمزّقات‬
‫التي اتّخذت طابع ًا متع ّدد «الهويات»‪ :‬فهو طائفي في جهة‪ ،‬مذهبي في جهة ثانية‪،‬‬

‫‪73‬‬

‫عن�صري في جهة ثالثة‪ ،‬وهو في ك ّل الحاالت ال يخدم �إ ّال االحتالل ودعاة االنف�صال‬
‫ولو بتمزيق العراق‪.‬‬
‫وكنّا َم ْن نعود من َل ُد ْن ُه �أكثر يقين ًا ب� ّأن الجهاد في �سبيل تحرير الأر�ض والإرادة هو‬
‫الجهاد في �سبيل اهلل‪ ،‬و�أن الدين من �أجل الإن�سان ال من �أجل ال�سلطان‪ ،‬و� ّأن العقل‬
‫نعمة من اهلل �سبحانه وتعالى وعلينا احترامه واعتماده من �أجل �أن تكون لنا حياة‬
‫�أف�ضل‪.‬‬
‫لقد جعل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل «المرجعية» حا�ضرة في حياتنا اليومية‪،‬‬
‫ت�ؤ ّكد � ّأن الإن�سان هو الأ�صل‪ ،‬و� ّأن الدين دليله �إلى حقوقه وفي طليعتها حقّه بالحياة‬
‫الكريمة‪ ،‬والتح ّرر من ك ّل ما يهدر �إن�سانيته �سواء �أكان حاكم ًا ظالم ًا �أم متح ّكم ًا جاه ًال‬
‫ِ‬
‫م�ستعمر ًا دخي ًال‪ ،‬وك ّل �أولئك ي�سخّ ر الإن�سان والوطن لخدمته‪ ،‬بفر�ض الجمود على‬
‫�أو‬
‫العقل ب�إرهاب التحريم والتكفير ممالأة لل�سلطان محلي ًا �أو محت ًال �أجنبي ًا‪.‬‬
‫عزا�ؤنا‪� ،‬أيها «ال�سيد» في نهجك‪ ،‬وفي م�ؤ�س�ساتك الناجحة وهي تعمل في خدمة‬
‫الإن�سان‪ ،‬وفي تراثك الغني وقد تركت لنا مكتبة عظيمة فيها �إلى جانب �شروحاتك‬
‫الع�صرية للدين وتعاليمه باال�ستناد �إلى العقل والمنطق م�ؤلفاتك في الثقافة وعلوم‬
‫الحياة �إ�ضافة �إلى دواوينك التي تجعلك تحتل موقع ًا بارز ًا بين �شعراء ع�صرنا‪.‬‬
‫لقد �أغنيتنا في حياتك بحياتك‪ ،‬وبنتاجك الغني‪ ،‬وبمنهجك العقلي والع�صري في‬
‫فهم الدين وتوكيد ارتباطه بالتق ّدم الإن�ساني‪ ،‬وها �أنت تترك لنا ما تنتفع به الأجيال‬
‫القادمة‪ ،‬ثقافة وعلم ًا و�إيمان ًا‪.‬‬
‫فليباركك اهلل مرجع ًا ير�شدنا �إلى طريق التق ّدم ويعزّز فينا �إح�سا�سنا بكرامتنا‬
‫كب�شر وك�أ�صحاب ق�ضية ت�ستحقّ �أن نجاهد من �أجلها‪ ...‬و�أنت القدوة اليوم وغد ًا وفي‬
‫ك ّل زمان‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫‪74‬‬

‫*نا�شر جريدة ال�سفري اللبنانية‪.‬‬

‫ال�س ّيد الم�سلم العربي اللبناني‬
‫ف�ؤاد مخزومي*‬

‫الت�صدي لق�ضايا‬
‫لم يكن �إ ّال الإ�سالم مغر َفه ومرجعه في‬
‫ّ‬
‫�إن�سان هذا الع�صر‪.‬‬
‫حين نكتب عن �سماحة ال�س ّيد العمالق فينا وبنا ومن �أجلنا ال ب ّد �أن نغرف من‬
‫معينه‪� .‬إذ ال كلمات تع ّبر عن م�شاعر الحزن الذي � ّألم بنا نحن اللبنانيين والعرب و‬
‫الم�سلمين والأحرار من العالم الوا�سع من الذين ق ّي�ض لهم �أن يعي�شوا «�إن�سانية» هذا‬
‫الإن�سان الراقي ب�إ�سالمه و�إيمانه‪ ،‬والمف ّكر الباحث عن الحقيقة وال�سيا�سي من دون‬
‫تط ّلعات ال�سيا�سيين و�أهوائهم وال�شيخ الهادي في زمن العولمة ال�صاعد في القرن‬
‫الواحد والع�شرين ك�أنّه �صاعد �إلى �إن�سان القرن المقبل واحتياجات «�إن�سانيته»‪...‬‬
‫�إنّه الفقيه العالم الذي خا�ض في ك ّل ميادين الإن�سان و�صو ًال �إلى �إعالء �ش�أن �إن�سانية‬
‫الإن�سان بذاته‪ .‬لقد كان ال�س ّيد ف�ضل اهلل �أمة في رجل اختزلت في وجوده الإن�سانية‬
‫الحقيقية والمح ّبة الخال�صة والعلم النافع والوعي الر�شيد‪.‬‬
‫نحن في «حزب الحوار الوطني» كحزب علماني نفتقده‪ ...‬نعم في حزبنا هناك‬
‫العلماني وهناك �أي�ض ًا الم�ؤمن المتد ّين‪ ..‬الم�سلم والم�سيحي ومن ك ّل الطوائف‬
‫والمذاهب هم محازبونا‪ ...‬وك ّلنا نفتقده‪ ،‬فالعين تدمع على فراق ال�س ّيد الجليل‬
‫والقلب ليحزن على رحيل رجل الحوار والت�صالح‪ ...‬وال نغالي‪� ،‬إذ ُن ِك ُّن لهذا الرجل‬
‫ك ّل احترام وتبجيل‪ .‬فكيف لمن يحترم الحوار ويرفعه �إلى م�صاف فعل الإيمان �أال‬

‫‪75‬‬

‫‪76‬‬

‫يكون في حزبنا وفي قلوب محازبينا في موقع االعتزاز والفخر باالنتماء �إلى ع�صره‬
‫ومعا�صريه والم�ستمعين �إلى ر�أيه والم�ستر�شدين بفكره؟‪ ...‬وهو مر�شد الإن�سان �إلى‬
‫�إن�سان ّيته قبل � ّأي قيمة �أخرى من قيم الحياة‪.‬‬
‫الحياة هي فر�صة للعمل هذه �إحدى و�صايا الراحل الكبير �سماحة ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬عبارة قالها في �إحدى خطب الجمعة التي كان يلتقي من خاللها‬
‫بالم�ؤمنين من �أحبائه ومريديه وكثير من رجال العلم وال�سيا�سة والطب والأدب‬
‫والفن‪ ،‬بال مبالغة‪ ،‬ليتب ّين للجميع عظمة الحياة في الإ�سالم عند ال�س ّيد الجليل خط ًا‬
‫وفكر ًا ومنهج عمل‪.‬‬
‫فهل لهذه العبارة المع ّبرة عن وظيفة الإن�سان في الحياة �أن تقال في هذا الزمن‬
‫و�أن ت�أتي في هذه المرحلة بهذا الدفق وهذا الحب للعمل وللحياة على ح ّد �سواء �إ ّال‬
‫من عالم كبير وفقيه مف ّوه �أراد للإ�سالم �أن يكون واقع ًا معي�ش ًا وممار�س ًا في مختلف‬
‫مجاالت الحياة؟‬
‫يقول �سماحته في مكان �آخر من م�أثوراته � ّإن «الإ�سالم ال يقبل �أن ي�أخذ النا�س‬
‫ب�أ�سباب الخرافة والتخلف في ما يعتقدونه �أو يقومون به‪ ،‬بل ال ب ّد من �أن ينطلق‬
‫الم�سلم في عقيدته وفي عمله على �أ�سا�س العلم ال الجهل»‪ .‬ونالحظ � ّأن ثمة �أنا�س ًا‬
‫في الأمة‪ ،‬وفي خارجها �أي�ض ًا ‪ -‬من �أجهزة المخابرات وغيرها ‪ -‬ممن يريدون �أن‬
‫ي�ص ّوروا الإ�سالم ب�أنّه دين الجهل والتخلف‪ ،‬و�أن ُيظهروا الم�سلمين ‪� -‬سواء كانوا �سنّة‬
‫�أم �شيعة‪ ،‬وال �سيما في الف�ضائيات ‪ -‬بال�صورة الجاهلة المتخلفة والمتع�صبة‪ ،‬التي‬
‫تُبعد النا�س عن الإ�سالم‪.‬‬
‫لبع�ض ب�سيط مما جرى على ل�سان الراحل الكبير �سماحة‬
‫هذا المخت�صر المفيد ٍ‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ...‬وهو ما يجب �أن يكون عليه الم�سلم في الأمة وفي‬
‫و�صف لحال الإ�سالم والم�سلمين في ظ ّل الت�شويه الم�صطنع‬
‫العالم من جهة‪ ،‬وهو ْ‬
‫للإ�سالم والم�سلمين في العالم وعبر الإعالم من جهة �أخرى‪.‬‬
‫وهذا غي�ض من في�ض مما كان ال�س ّيد ُيطلقه في مختلف الميادين التي كان يت�ص ّدى‬
‫لها ويعتبرها ر�سالة ال ب ّد �أن ي�ؤديها بما يتالءم مع التحديات التي تواجه لي�س الم�سلمين‬

‫فح�سب بل �إن�سان هذا الع�صر في ك ّل مكان على الكرة الأر�ضية لي�ستر�شد بها وي�ستدل‬
‫بها ب�شر القرن الواحد والع�شرين �إلى �سواء ال�سبيل عبر الكلمة الحرة وال�صادقة‪.‬‬
‫ال �شك ب�أن �سماحة ال�س ّيد هو من �أعظم علماء الأمة في ع�صرنا الحا�ضر‪ .‬وال �شك‬
‫ب� ّأن مريديه هم من قد يتولى نقل فكره �إلى الأجيال القادمة‪ .‬ولكن الأكيد والثابت � ّأن‬
‫الإرث الفكري والم�سلكي لهذا الرجل العلاّ مة‪ ،‬بل العلاَ مة الفارقة لجيلنا الحا�ضر‪،‬‬
‫هو ملك ك ّل �إن�سان «يريد �أن يحيا �إن�سانيته» كما كان يقول ال�سيد‪ ...‬ومن هنا ت�أتي‬
‫عالمية هذا المفكر الفيل�سوف وال�شاعر الكاتب والأديب المعلم وال�شيخ الفا�ضل وهو‬
‫في الأ�صل والفرع الفقيه العالم المج ّدد ابن ع�صره‪� ،‬إنه ال�س ّيد الإن�سان حيث كانت‬
‫الق�ضايا االجتماعية وال�سيا�سية والدينية وحتى الأدبية محور اجتهاده وحيث لم يكن‬
‫�إال الإ�سالم ِم ْغ َرفه ومرجعه في الت�ص ّدي لق�ضايا �إن�سان هذا الع�صر‪.‬‬
‫ال حرج �أمام �سماحته في طرح �أي �س�ؤال‪ ،‬يق ّر رجال الإعالم في غير مرة «فال‬
‫مقد�سات في ال�س�ؤال‪ ،‬لأنّه جزء من حرية الإن�سان» يقول �سماحته‪ ...‬فقد كان العقل‬
‫المنفتح ومدر�س ًة في الحوار وخ�صو�ص ًا مع الآخر‪ ،‬فيده�شك احترام «�إن�سانية هذا‬
‫الإن�سان» ح ّتى تكاد تظن � ّأن نموذج «الإن�سانية» حكر على هذا الرجل الإن�سان‪.‬‬
‫لقد عانى ال�س ّيد الراحل من ظلم �إ�سرائيل وعدوانيتها‪ .‬وفي العدوان الأخير‬
‫على لبنان في العام ‪ ،2006‬لم يعد «لل�سيد» بيت يقيم فيه‪ ،‬فهو كان م�ستهدف ًا من‬
‫العدو اللئيم‪� ...‬إذ لم يبق لمنزله �أية معالم �سوى التراب‪ .‬لقد دمره الطيران الحربي‬
‫الإ�سرائيلي‪ .‬ومع هذا لم يكف عن تر�شيد اللبنانيين �إلى �أهمية المرحلة و�ضرورة‬
‫الوحدة‪ .‬فلم َي ُك ّف �إثر الحرب العدوانية عن نزع فتيل الفتنة في ما بين الم�سلمين‪.‬‬
‫لقد �أبدى �سماحته �شديد الأ�سف على ال�سجال الذي ال يلبث يدور في لبنان‬
‫حول المقاومة و�سالحها‪ ،‬فقد كان م�ؤمن ًا ب�ضرورة وحدة الموقف في مواجهة‬
‫العدو الغا�صب للأر�ض‪ ،‬ولكنه كان مدرك ًا في الوقت عينه �أن «مر�ض» لبنان يكمن‬
‫في عقلية المناكفات وذهنية المحا�ص�صة التي لطالما جعلت من لبنان «مك�شوف ًا‬
‫�أمام �أعدائه»‪ .‬فقد قال ال�س ّيد ف�ضل اهلل في �إحدى خطبه‪« :‬لبنان بحاجة حقيقية‬
‫�إلى خطط ا�ستراتيجية تحمي �أمنه المك�شوف �أمام العدو‪ ،‬قبل اال�ستغراق في لعبة‬

‫‪77‬‬

‫‪78‬‬

‫المحا�ص�صة في التعيينات‪ ،‬ح ّتى ال ي�أتي وح�ش العدوان واالحتالل في�أكل الأخ�ضر‬
‫والياب�س و�سط �ضجيج التعيينات والمحا�ص�صات‪ ،‬ومن يع ّينون ويتحا�ص�صون»‪.‬‬
‫لطالما و�ضع �سماحته يده على الجرح اللبناني المتمثل بنقطة �ضعف �سيا�سييه في‬
‫�إعالء �ش�أن الم�صالح على م�صلحة الوطن و�أمنه‪ .‬ف�سماحته يواجه الجميع بالحقيقة‬
‫بال مواربة وال حرج‪.‬‬
‫وفي كلماته التي �سبقت توعكه الأخير وقبل �أن ُينهكه المر�ض كانت دعوته‬
‫للكف عن �سيا�سة الكيل بمكيالين في‬
‫ال�صريحة والوا�ضحة للإدارة الأميركية ّ‬
‫المنطقة‪ ،‬بل �إن �سماحته طلب من هذه الإدارة �أن ت�أخذ بعين االعتبار حين تح ّدد‬
‫خياراتها الخارجية «م�شاعر ال�شعوب ووجدانها»‪� ،‬إذ يقول‪�« :‬إننا ندعو �إدارة �أوباما‬
‫�إلى العودة �إلى ر�شدها قلي ًال‪� ،‬إذا كانت تف ّكر في ا�ستقرار الأو�ضاع العالمية‪ ،‬و�إلى‬
‫الخروج من قب�ضة الكيان ال�صهيوني‪ ،‬وقراءة م�شاعر ال�شعوب ووجدانها»‪.‬‬
‫�سماحة ال�س ّيد ف�ضل اهلل كان مدر�سة في تر�سيخ الحقّ والعدل في �أذهان من يريد‬
‫�أن ي�سمع‪...‬‬
‫وال�سيد الراحل الكبير هو من �أراد بقوة الحقّ �أن يعزّز الإن�سان ويك ّرمه ليمنع‬
‫عن العامة من النا�س ُم ّر ال�س�ؤال والطلب‪ ...‬فالفقير في بلدنا ال يجب �أن يتح ّول �إلى‬
‫مت�س ّول‪ ،‬بل � َّإن تح�صيل حقوقه يتط ّلب الحفاظ على «�إن�سانيته»‪ .‬فلم يلبث �سماحته �أن‬
‫�أقام ال�صروح الدينية والتربوية واالجتماعية �إلى �أن تح ّول «ال�سيد» �إلى مدر�سة في‬
‫العمل الم�ؤ�س�ساتي الناجح بل المتف ّوق‪ .‬وما «جمعية المب ّرات الخيرية» بك ّل فروعها‬
‫ووظائفها ا ّال �صر ٌح من �صروحه التي �ستبقى تد ّلل على � َّأن ال�سبيل �إلى �إعالء �ش�أن‬
‫المواطن ع ْلم ًا وفكر ًا وعم ًال �أمر ممكن بغير منّة �أو �س�ؤال‪.‬‬
‫ولكن هل يغيب عنا من زرع في دنيانا نهج الحوار والت�صالح مع الذات ومع الآخر‬
‫واعتماد الحوار �صيغة لحل الأزمات في ما بيننا خ�صو�ص ًا لدينا في لبنان؟ بالت�أكيد‬
‫�سيبقى �سماحة ال�س ّيد الراحل الكبير منارة لأجيال لبنان ِّ‬
‫بكل طوائفه ومذاهبه‬
‫والعرب و�أمة الإ�سالم ل ّأن �إرث ال�س ّيد الفكري ومنهجه في العمل والعلم �سيبقيان‬
‫منارة للأجيال الطالعة في لبنان والعالم كي ال تحيد عن الحوار درب ًا للتعامل في‬

‫ما بين اللبنانيين‪ ،‬كما �سيبقى مدر�سة في رف�ض الظلم ومنارة للمقاومين‪ّ � .‬إن فقه‬
‫المقاومة ومنطق القوة كان منهج ًا للمقاومة التي ح ّررت لبنان بل �إلى حين و�صل‬
‫لبنان �إلى تكري�س توازن الرعب مع العدو ال�صهيوني �إبان العدوان الإ�سرائيلي الهمجي‬
‫على لبنان في العام ‪ .2006‬وبقيت «القد�س» والم�سجد الأق�صى وفل�سطين في وجدان‬
‫�سماحته‪� ،‬أي في عمله‪� ،‬إذ ال يف�صل ال�س ّيد وجدان الإن�سان عن عمله‪ ،‬فارتقت الق�ضية‬
‫المركزية للأمة في دعواته وخطبه ولقاءاته �إلى م�صاف الواجب الديني‪ .‬فلم ي�ستكن‬
‫خ�صو�ص ًا في �أيامه الأخيرة ي�شير �إلى موا�ضع الخلل والنق�ص الفا�ضح في االهتمام‬
‫العربي بهذه المق ّد�سات ح ّتى بدا � ّأن فل�سطين وق�ضيتها خ�سرته والعرب وق�ضاياهم‬
‫خ�سروه قبل �أن يخ�سره لبنان‪� .‬إنه ال�س ّيد الم�سلم العربي اللبناني‪...‬‬
‫بكلمة‪ّ � ،‬إن الراحل الكبير �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل من كبار علماء‬
‫الدين في العالمين العربي والإ�سالمي‪ ،‬بل �أحد رجاالت لبنان التاريخيين‪ ،‬خ�سارة‬
‫كبرى لبلدنا‪ ،‬في زمن نحتاج فيه �إلى االعتدال والو�سطية والحوار من دون التنازل‬
‫عن الكرامات والحقوق والمبادئ العليا‪.‬‬
‫الديار ‪ 19‬تموز ‪20‬‬

‫* رئي�س «حزب احلوار الوطني اللبناين»‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫الرجـــال العظـــام ال يتكـــ ّررون‬
‫د‪� .‬إبراهيم بي�ضون*‬

‫كيف يمكن �أن نبد�أ ع�صر ًا جديد ًا من دونه؟‬
‫يتكررون‪.‬‬
‫فالرجال العظام ال ّ‬

‫كان في مقتبل العمر‪ ،‬ودون ع�شرينه فقط‪ ،‬حين �صعد المنبر يناف�س كبار �شعراء‬
‫المرحلة‪ ،‬ويفاجئ الجميع بق�صيدة من لون �آخر ومعدن مختلف‪ .‬كان ذلك في‬
‫مطالع خم�سينيات القرن الما�ضي‪ ،‬خالل االحتفال الت�أبيني للعالمة الكبير ال�س ّيد‬
‫مح�سن الأمين‪ ،‬وقد ا�ستوحى من المنا�سبة �أفكار ًا للم�ستقبل الذي بدا �أنّه يتفاعل في‬
‫الهواج�س المب ّكرة لهذا المع ّمم الو�سيم‪ ،‬الواعد‪ ،‬ال�صاعد �إلى دور ا�ستثنائي ره�صت‬
‫به ق�صيدة ال�سيد‪ ،‬فكان مما قال‪:‬‬

‫���������ج���������ر ب�������ال�������ح�������ي�������اة‬
‫ق�����������ل����������� ٌم ت���������ف ّ‬
‫وب����������ال���������������������ص����������واع����������ق وال��������������رع��������������ود‬
‫ي���������رم���������ي ب�������ه�������ا ال�����م�����������س�����ت�����ع�����م�����ري�����ن‬
‫وك������������������������������� ّل ط�������������اغ�������������ي�������������ة ع�������ن�������ي�������د‬
‫وت�������������������ص���������ي���������ب م��������������ن ب��������رك��������ان��������ه‬
‫ن�����������������������ار ًا ع��������ل��������ى �أف�������������������ق ال����������رك����������ود‬

‫‪80‬‬

‫لعل في هذه الأبيات الم�ست ّلة من ق�صيدة طويلة‪ ،‬ما ينبئ ع ّما ير ّوج في الوعي‬

‫التاريخي لل�سيد ال�شاب‪ ،‬من روح التمرد على الواقع‪ ،‬والثورة على الظلم‪ ،‬وا�ست�شراف‬
‫التغيير في الأمة الخامدة‪ ،‬والتي ما انفك ي�سكنها الما�ضي‪ ،‬م ّتكئة على �أمجادها‬
‫الغابرة‪ ،‬مادة يلوكها ال�شعراء والك ّتاب‪ ،‬والخابطون في ال�سيا�سة‪ ،‬وقد التب�ست عليهم‬
‫جميع ًا معالم الطريق‪.‬‬
‫ماذا بعد؟ وال�س�ؤال ال�صعب بانتظارك‪ ،‬ل ّأن مثل هذه القامة العمالقة‪ ،‬لي�ست‬
‫قراءتها �سهلة المنال‪ ...‬وعليك �أن تحرق المراحل للحاق بها‪ ،‬فال تكاد تبلغ محطة‪،‬‬
‫ح ّتى ت�ستثيرك �أخرى �أكثر غواية‪ ،‬ولكنك في النهاية تنكفئ مرهق ًا‪ ،‬وقد ن�أى بعيد ًا‬
‫عنك في ف�ضائه الالنهائي‪ .‬فيرت ُّج عليك التذ ّكر في هذا المقام‪ ،‬و�أنت من �شهود‬
‫ع�صره‪ ،‬وكنت قريب ًا منه‪ .‬تواكب ت�أ ّلقه وحركة �صعوده �إلى المرجعية‪� ،‬إلى جر�أته في‬
‫االجتهاد الم� ّؤ�س�س على العقل‪� ،‬إلى العمق الإن�ساني في وجدانه الرهيف‪.‬‬
‫ثمة �أ�شياء خا�صة بي‪ ،‬ال يمكن �أن يطويها الن�سيان‪ ،‬وهي مما �أتباهى بها وت�سطع‬
‫في ذاكرتي المتخمة ب�ش�ؤون و�شجون‪.‬‬
‫ذات يوم‪ ،‬فاج�أني قوله‪« :‬يجب �أن تكتب عن الح�سين»‪� ...‬أعاد ذلك مرار ًا‪ ،‬ح ّتى‬
‫�شعرت ب� ّأن و�صيته فري�ضة ال ب ّد من القيام بها‪ ،‬فكان كتابي‪« :‬ثورة الح�سين حدث ًا‬
‫و�إ�شكاليات»‪ ،‬وهو نفحة منه‪ ،‬ومن �ساللة فكره التجديدي الذي اهتديت به‪ .‬وكيف‬
‫�أن�سى التكريم الذي �ش ّرفني به‪ ،‬وحفر عميق ًا في م�شاعري‪ ،‬وكان �أع ّز ما لقيته في‬
‫م�سيرتي العلمية؟ كيف �أن�سى هذا المر�شد‪ ،‬المتح ّدر من بيت عريق في العلم‪ ،‬حيث‬
‫درجت في مدر�سته التي كانت لي منارة �أ�ضاءت �أمامي ظلمة الطريق‪ ،‬وفتحت �أمامي‬
‫�أبواب ًا لم �أكن لأط�أها من دونها؟‬
‫في قراءتك لل�سيد الجليل‪ ،‬عليك �أن تبحر في عالمه المتنوع‪� ،‬شاعر ًا‪ ،‬فقيه ًا‪،‬‬
‫خطيب ًا‪ ،‬مرجع ًا‪ ...‬وفي موازاة ذلك ممانع ًا في عقيدته‪ ،‬رائد ًا في المقاومة التي نفث‬
‫فيها من روحه وعقله وكان من روادها الأوائل‪ ،‬وانت�صاراتها‪� ،‬أي�ض ًا‪ ،‬معقودة له‪ ،‬كما‬
‫وج ّلهم ينتمون �إلى مدر�سته‪.‬‬
‫للأبطال المجاهدين‪ُ ،‬‬
‫كانت «النبعة» المحطة الأولى في لبنان‪ ،‬حيث الب�شر يتك ّد�سون في ب�ؤر الب�ؤ�س‪،‬‬
‫والفقر يتغ�ضن في وجوههم المتعبة من كدح الأيام الثقيلة‪ ،‬وجد في ه�ؤالء تربة‬

‫‪81‬‬

‫‪82‬‬

‫خ�صبة لحركته النه�ضوية التي اتخذت فرادتها في اتجاهات عدة‪ :‬خطب الجمعة‪،‬‬
‫ودرو�س في الدين والتربية وال�سيا�سة واالجتماع‪� ،‬إلى الحوزة الأولى خارج مراكز‬
‫العلم الم�ألوفة في العراق و�إيران‪ .‬وحين تو ّقفت التجربة تحت �ضغط الحرب‬
‫العبثية والتهجير الق�سري‪ ،‬انبثقت بوتيرة �أكثر ثورية في «بئر العبد»‪ .‬وتحري�ضه‬
‫على المقاومة واالنحياز �إلى الفقراء والمقهورين‪ ،‬ا�ستمرا مادة خطابه‪ .‬وكان في‬
‫الوقت مت�سع دائم ًا لم�سائل الدين‪ ،‬ليخو�ض تحدي ًا في عقلنة المفاهيم‪ ،‬وت�صويب ما‬
‫ر�سب من �أفكار خاطئة في النفو�س‪ ...‬وفي ك ّل المواقف‪ ،‬كان خطابه الإ�سالمي‪ ،‬كما‬
‫الوطني‪ ،‬وحدوي ًا‪ ،‬بعيد ًا عن الفئوية والمذهبية والطائفية‪ ،‬كما كان نقدي ًا ا�ستنها�ضي ًا‬
‫على الم�ستوى العربي‪ ،‬وعدائي ًا �ض ّد اال�ستكبار العالمي‪ ...‬وفل�سطين دائم ًا المحور‬
‫والفلك وبيت الق�صيد‪.‬‬
‫هكذا ال�س ّيد الثائر‪ ،‬كان دائم ًا في دائرة الخطر‪ ،‬ينجو بال�صدفة من �شباك‬
‫المت�آمرين الذين ا�ستهدفوه مرار ًا‪ ،‬وبعناية �إلهية نجا من عملية مروعة‪ ،‬بعدما �أ�صبح‬
‫مقلق ًا للأعداء الكبار‪ .‬فلم ي�أبه لذلك‪ ،‬بل اتخذ منه جرعة لل�صمود‪ ،‬م�ؤمن ًا ب�أن الحياة‬
‫تنتهي حين ي�أتي �أوانها‪ .‬وقد بات حينذاك �أكثر مناعة و�أ�شد ت�صميم ًا على الم�ضي‬
‫في خياراته‪ ،‬ما �أك�سبه احترام الأعداء �أو الذين ينتمون �إلى دول معادية‪ ،‬فكانوا‬
‫يتق�صدون زياراته‪ ،‬مق ّدرين دوره التاريخي ومواقفه الحا�سمة في مقارعة الطغيان‪،‬‬
‫كما ظل مجل�سه مزدحم ًا ح ّتى من غير المتفقين في ال�سيا�سة معه‪ ،‬ي�ستلهمون منه‬
‫الحكمة و�سداد الر�أي‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬من �أين كان ال�س ّيد الم�ستغرق في ال�ش�ؤون العامة‪ ،‬يجد حيز ًا ل�ش�ؤونه‬
‫الخا�صة؟ متى كان يكتب‪� ،‬أو يت�سلل �إليه الوحي لمراودة ال�شعر؟ وكيف ا�ستطاع �أن‬
‫ينجز تلك الم�ؤلفات الغزيرة؟ و�أخير ًا‪ ،‬وهو ال�س�ؤال الأ�صعب‪ :‬كيف �أنجز مو�سوعته‬
‫القر�آنية التي ن ّيف َْت على الثالثين من المجلدات؟ وهي مو�سوعة فريدة‪� ،‬صاغها بفكر‬
‫م�ستنير ولغة �أنيقة‪ ،‬ما ي�شد القارئ �إليها من �أولى �صفحاتها‪ ،‬فال ي�صطدم بركام‬
‫الروايات الجافة‪� ،‬أو ترهقه ال�شروحات المعقدة‪.‬‬
‫�إنه �سماحة �آية اهلل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬من يملك هذه الطاقات التي‬

‫تفجرت �أبحاث ًا وم�شاريع و�إنجازات ال ينه�ض بها �سوى اال�ستثنائيين الذين وهبوا‬
‫ّ‬
‫حياتهم للق�ضايا الكبيرة‪ ...‬يرحل‪ ،‬فيغيب تاريخ معه‪ ،‬ع�ص ٌر بكامله كان من �صانعيه‬
‫يخفت �ضو�ؤه البهي‪ .‬فكيف يمكن �أن نبد�أ ع�صر ًا جديد ًا من دونه؟ فالرجال العظام‬
‫ال يتكررون‪ ،‬و�إن جاد الزمان ـ وقلما يجود ـ ب�أ�شباه لهم‪ ،‬فال يعرف هو متى يحدث‬
‫ذلك‪.‬‬
‫جريدة ال�سفير ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* باحث وكاتب و�أ�ستاذ جامعي لبناين‪ .‬‬

‫‪83‬‬

‫نهج علي‬
‫و�إنك لعلى ِ‬
‫عبد اهلل محمد*‬

‫�أنت من ع ّلمنا � ّأن الر�ساالت ال تموت بموت رجاالتها‪،‬‬
‫و�أن��ت من ع ّلمنا �أن نقابل ال�شوك بالورد‪ ،‬والبغ�ض‬
‫بالحب‪.‬‬
‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫فح ٌق لمثلك �أن ي�ستريح‪ ،‬وهيهات �أن ت�ستريح‪ ،‬و�أنت على نهج �آبائك و�أجدادك‬
‫تقا�سم الفقير قر�ص ال�شعير كـ(علي)‪ ،‬وتعي�ش نكران الذات كـ(فاطمة) وتتج ّرع مرارة‬
‫ال�سم كـ(الح�سن)‪ ،‬ولو ا�ستطاعوا لعلقوا ر�أ�سك على رمح خذالنهم كـ(الح�سين)‬
‫الذبيح‪ -‬و�إن تكالبوا عليك عندما �صدعت بالحق‪ ،‬فرق ٌة بالحجار ِة (الأكاذيب) وفرق ٌة‬
‫ِ‬
‫بال�سيوف (الت�شويه) وفرق ٌة بالرماح (التزوير) وفرق ٌة بال�سهام (الخذالن)‪ ،‬ول ّوحوا‬
‫بقمي�ص عثمان (ظالمة �أهل البيت) لكي ُيم ِعنوا في �إطفاء نور الحقّ فما هادنت وال‬
‫الذاب بالحق وبالحقيقة عن دين اهلل وعن خط �أهل البيت‪.‬‬
‫�سالمت وال خنعت وكنت ّ‬
‫وكنت ال�سائ َر على نهج جدك علي بن �أبي طالب الذي �صرخ في الدنيا «ما ترك لي‬
‫الحقّ من �صديق» والقائل « �إنكم تريدونني لأنف�سكم و�أنا �أريدكم هلل»‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫علي(ع) تتناهبه النفو�س الهزيلة‬
‫و� ْ‬
‫أطبق جفنيك كي ال تراهم‪ ،‬كي ال تجد تراث ّ‬
‫الخانعة‪ ،‬كي ال ت�ستمع �إليهم وهم يخيطون رداء الخرافة البالي ب� ٍ‬
‫أ�صوات مزكوم ٍة‬

‫بحب الدنيا‪ ،‬كي ال تب�صر رايات الإحن والكراهية ترفرف على منائرِ الد�سائ�س‪ ،‬كي‬
‫ال تت�ألم و�أنت تقف على جثة الحقيقة وهم يتكاثرون عليها بخناجرِ الغيل ِة والغدر ح ّتى‬
‫يتف ّرق دمها بين المنزَ وين في غيابات الظلمة‪.‬‬
‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫و�أعلم �أنك لن ت�ستريح‪ ،‬و�أنّى لمثلك بالراحة؟ فروحك التي بين جنبيك ع�ص ّية‬
‫على �أن تنالها ن�سمات ال َّدعة‪� ،‬أو �أن ت�سافر �إلى �شواطئ اال�ستجمام‪ ،‬فدون ذلك ودائع‬
‫(محمد) التي تزدحم في م�سامات الم�سافة‪ ،‬فمن يحملها غيرك؟ ومن يو�صلها‬
‫غيرك؟ ومن ي�س�أل عنها غيرك؟ هكذا كنت كفي ًال وكاف ًال‪ ،‬معي ًال وعائ ًال‪ ،‬تحت�ش ُد‬
‫عندك اللحظات وت�ستطيل بلطف الخالق كي تحمل قارورة العطر وقناديل الهدى‬
‫وبريد النقاء‪ ،‬ويعلم النا�س �أنّها ذات الطرقات على �أبواب الفقراء‪ ،‬والخطوات عينها‬
‫تلك التي كانت ت�سمع في حواري المدينة والكوفة‪.‬‬
‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫تحزن‪ ،‬ف�أنت من ع ّلمنا � ّأن الر�ساالت ال تموت بموت رجاالتها‪ ،‬و�أنت من ع ّلمنا‬
‫وال ْ‬
‫�أن نقابل ال�شوك بالورد‪ ،‬والبغ�ض بالحب‪ ،‬والحقد بال�صفح والأريح ّية‪ ،‬فيا لقلبك‬
‫الوا�سع ال�شا�سع! ويا لعنفوانك الطامح الطافح! ويا ل�سكونك الراعد العا�صف! ويا‬
‫ل�صمتك ال�صارخ الناطق! ويا لبيا�ضك الذي �ضاقت به الأر�ض بما رحبت ح ّتى ُقوب َِل‬
‫بالجحود! ويا لنقائك الع�صي على �أ�صابع الت�شويه! فهنيئا لك يا �أبا علي‪� ،‬أ�شجارك‬
‫التي ا�ستطالت �أغ�صانها ح ّتى �أو�صلتك �إلى �أبواب الجنة‪.‬‬
‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫واترك لهم حجارة التعب‪� ،‬أولئك الذين ر�ضوا االنزواء خلف متاري�س الخر�س‪،‬‬
‫واال�ستماع �إلى ال�صراخ الن�شاز‪ ،‬ويقين ًا �أ ّنهم الآن م�ستا�ؤون‪� ،‬إذ برحيلك �سلبتهم الب�ضاعة‬
‫التي يح�سنون الترويج لها‪� ،‬أال وهي النيل من النقاء‪ ،‬ا�سترح واترك لهم خل ّوهم �إلى‬
‫�شياطينهم فال تزال كلماتك التي يجهدون في �إطفاء نورها وي�أبى اهلل ذلك‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫وح ٌّق لك �أن ت�ستريح ل ّأن عالمي َة فكرك بحجم عالمية القر�آن والإ�سالم‪� .‬إنَّك‬
‫ظاهر ٌة ا�ستطاعت �أن تك�سر جبروت حاجز الزمان والمكان‪ ،‬وتخترق تن ّوع الأجيال‪،‬‬
‫فامت ّد فكرك �سابح ًا وم�ؤثر ًا �شرق ًا وغرب ًا حيث نهل من معينه ال�صغار والكبار وتابعه‬
‫المثقفون �إ�سالميين وم�سيحيين وعلمانيين‪ ،‬و�سيبقى معينك دفّاق ًا خالد ًا متج ّدد ًا‬
‫كخلو ِد القر�آن الذي كان �أنغام ًا تترنّمها �آناء الليلِ ذكر ًا مع مع�شوقك الأول و�أطراف‬
‫النهار فكر ًا ت� ّؤ�صله لبني الب�شر هادي ًا لهم من غياهبِ الظلمات‪ ،‬فهنيئ ًا لك الخلود يا‬
‫�صاحب القلب الكبير والخُ ُلق الرفيع‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫ا�سترح!‬
‫يا �أبانا‬
‫ْ‬
‫ف�سنا ُبلك الخ�ض ُر دلي ٌل على ِع َظ ِم الحب الذي تحمله للنا�س‪ ،‬وما الدموع التي‬
‫تتقاطر منها �إال دليل وحجة على الخلق �أجمعين ب�صحة نهجك‪ ،‬ف�أين �أنت الآن و�أين‬
‫هم؟ فقد �آليت �أن ال تخرج منها �إال و�أنت باقٍ في قلوب محبيك وال�سائرين في ذات‬
‫الدرب الذي ت�سير فيه‪ ،‬والذي جاهدت حقّ الجهاد من �أجل �أن ت�سير الجموع فيه‪� ،‬إنّه‬
‫درب اهلل‪ ،‬درب الحب وال�سالم‪ ،‬فهل هم مهتدون؟‬
‫ويقين ًا �إنّه لرحي ٌل �صعب ‪ ،‬موغل فينا مرارة وح�سرة ‪ ،‬لأنّك الرقم الع�صي في‬
‫معادلة العمل الر�سالي‪ ،‬هكذا عودتنا‪ ،‬كيما تكون متف ّرد ًا في ك ّل �شيء‪ ،‬وها �أنت‬
‫متف ّرد ح ّتى برحيلك‪ ،‬ف�إلى �أين يا �أبا علي؟ �إلى �أين تحث الخطى؟ والزمان الذي‬
‫اخترت الرحيل فيه ال يحتمل غيابك ال�سريع‪ ،‬ها �أنت تقود �سفينتك �إلى �شواطئ‬
‫الرحمن‪ ،‬تارك ًا مركب الإ�سالم الأ�صيل تتالطمه �أمواج التجاذبات والإرها�صات‪،‬‬
‫ف�أنى له بمثلك؟ كيما يقب�ض على مقوده ليكمل الم�سيرة ب�أمان و�سالم‪ ،‬لعمري �إنه‬
‫الفراغ الكبير في غياب الكبير‪.‬‬
‫� ّأي �س ّد منيع كنت‪ ،‬و� ّأي فراغ تركت بانتقالك المفاجئ �إلى �ضفة الخلود؟ بمن‬
‫نلتجئ عند هبوب رياح الفتن والأهواء �أيها ال�س ّد المنيع؟ و�أي عا�صم يع�صمنا من‬
‫�أمواج الخرافة والغلو؟ بل كيف نحيا بدون �إطاللتك علينا مربي ًا ومعلم ًا وموجه ًا و�أب ًا‬

‫حنون ًا‪ ،‬لقد �ص ّير رحي ُلك الحيا َة باهتة يا �أبا علي‪ ،‬لقد كنت ملحها وملهمها و�صانعها‪،‬‬
‫يمن علينا بمثلك‪ ،‬فمنك الراية‬
‫ومن بك علينا �أن َّ‬
‫يا �أبا علي ن�س�أل اهلل الذي جا َد َّ‬
‫الحجة بن الح�سن روحي فداه‪.‬‬
‫نحمل ح ّتى تقب�ضها كفُّ ّ‬
‫�أيها الراحل عنا ول�ست براحل‪� ،‬أيها الغائب الحا�ضر والحا�ضر الغائب‪ ،‬عندما‬
‫أح�س�ست بح�ضورك روح ًا و بدن ًا‪ ،‬وحينما نظرت �إلى تلك‬
‫زرت �ضريحك المقد�س �‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الزهور ّ‬
‫غطت مرقدك ال�شريف فك�أن ك ّل زهرة تحاكي فكرة من �أفكارك وكل وردة‬
‫تعك�س نور ًا من �أنوارك‪ ،‬عندها انتابني �شعو ٌر �أنّك لم تمت يا �أبا علي‪ ،‬ف�أنفا�سك‬
‫المط ّرزة ب�آي الكتاب ما زالت تتدافع في الهواء الطلق‪ ،‬ليلتقطها الم�ؤمنون فتبعث‬
‫فيهم الر�سالة حياةً‪ ،‬والقر�آن منهج ًا‪ ،‬وحب اهلل منطلق ًا‪ .‬وكيف تموت و�أنت تعطي‬
‫الر�سالة حياة‪ ،‬يا من كانت الر�سالة ه َّمك الأول والأخير‪.‬‬

‫* كاتب �إماراتي‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫على �أهداب عينيه �أ�ش ّع ٌة من �ضوء الإله‬
‫الح�سناوي*‬
‫با�سم الما�ضي‬
‫ّ‬

‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل �أ�ضخم كثير ًا‬
‫‪ ...‬وعلى هذا كان َّ‬
‫المجرة‪.‬‬
‫من حجم الأر�ض‪ ،‬لأ ّنه كان بال�ضبط كائن ًا مثل‬
‫َّ‬

‫‪88‬‬

‫‪ -1‬لقد كان قل ُبك يا �س ّيدي ال�سنبلة‪.‬‬
‫وكانت يداك كق َّبرتينِ ّ‬
‫تحطانِ فوقَ الر�ؤو�س‬
‫يوم �إذ انفجرت في ف�ضائهما قنبلة‬
‫ولم يفزعا َ‬
‫ذات ٍ‬
‫�أتعرف يا �س ّيدي ما الذي �سوف يجعل طعم الحياة لذيذ ًا على الرغم من �أنَّك‬
‫الآن في عالم الغيب؟ � َّإن الحياة تل ُّذ لنا ها هنا كونها حفظتك كما يحفظ ال�شعراء‬
‫ق�صائدهم في المحافل عن ظهر قلب‪.‬‬
‫َ‬
‫و� َّإن الحياة تل ُّذ لنا كون �أنفا�سك الآن قد �أ�صبحت �شجر ًا �أخ�ضر ونخي ًال و�أنهار‬
‫�شعرٍ ‪.‬‬
‫و� َّإن الحياة تل ُّذ لنا �س ّيدي كون روحك �أبقت هنا �شطرها‪ ،‬ك ُّل ٍ‬
‫�شيء لها ج�س ٌد‪ ،‬ك ُّل‬
‫ٍ‬
‫�شيء لها م�صحفٌ تقر�أ اهلل فيه‪.‬‬
‫موت؟ �إذن قل‬
‫�أجل كنت حي ًا وقد ُم َّت كالأنبياء الكرام‪ ،‬ولكن هل الموت عندك ٌ‬
‫عيني نحو المياه ف�أب�صر فيهما ح�سين ًا‪ ،‬و�أب�صر فيهما قوامك جنب‬
‫لماذا � ِّ‬
‫أوجه َّ‬
‫الح�سين‪ ،‬وقل كيف �أم�سك بالأر�ض‪� ،‬أم�سكها مثلما يم�سك الأب طفلته ويدغدغ في‬
‫�إبطيها لت�ضحك‪َّ ،‬ثم �أب�صرها فج�أ ًة تتق َّم�ص �صورة وجهك‪ ،‬تلب�س نف�س قوامك‪َّ ،‬ثم‬
‫تقول‪� :‬أنا الآن را�شدةٌ‪ ،‬لم �أعد ُّ‬
‫قط مولع ًة بال ُّدمى‪ ،‬ف�أنا الآن في حكمة الفيل�سوف‪.‬‬

‫�أنا الآن �أ ٌّم لك ّل بني �آدم‪� ،‬أُر�ضع الك َّل من ثدي هذا الحنان الذي هو عين الدماء‬
‫التي نزفت في الطفوف‪.‬‬

‫�أن��������ا الأر������������ض ف��ل��ت��ب��ت��ع��د ه������ذه ال���� ُّدم����ى‬
‫لأن��������ي ب���ل���غ���ت ال�����ر������ش����� َد واك�����ت�����م����� َل ال���ع���ق��� ُل‬
‫ف���ل���ي ح���ك���م��� ٌة ال ال���ف���ي���ل�������س���وف ي���ح���وزه���ا‬
‫وال ال�������ش���اع���ر ال����رائ����ي وال ال���ع���ال���م ال��ف��ح�� ُل‬
‫�أن���������ا الآن �أ ٌّم ل���ل���ج���م���ي���ع ك����م����ا ت����رى‬
‫���ف َل���� َب����ن����ي ال���ك��� ُّل‬
‫���م ف���ل���ي���رت�������ش ْ‬
‫����س����أر����ض���ع���ه ْ‬

‫وم������ا َل���� َب���� ِن����ي �إال ال�������دم ال���ط���اه���ر ال����ذي‬
‫������ف اهلل ك����ي ي����وج���� َد ال����ع ُ‬
‫ج������رى ي������وم ط ِّ‬
‫����دل‬

‫�إنه القبر‪� ،‬أروع ما فيه �أنك فيه‪� ،‬أرى القبر يم�شي‪� ،‬أراه على منبرٍ يخطب النا�س‪،‬‬
‫�أب�صره َّ‬
‫يتعطف جد ًا لكي يطعم الفقراء‪� ،‬أراه �أراه �صديق ًا‪� ،‬أراه يعانق َّ‬
‫كل الذين‬
‫يزورونه خا�شعين‪.‬‬
‫لع َّلك في القبر �أكثر حب ًا وعطف ًا‪ ،‬لع َّلك يا �س ّيدي تتنقَّل بين وجودين‪� ،‬أنت تقيم‬
‫ولكن قلبك ال ي�ستق ُّر‪ ،‬تريد عناق الذين هنا‪ ،‬وتريد لهم �أن‬
‫هنالك في جنَّة اهلل قطع ًا‪َّ ،‬‬
‫يكونوا جميع ًا بعينيك نقطة �ضو ٍء‪ ،‬تريد لهم �أن يكونوا هواءك‪� ،‬أو �أن يكونوا منامك‪،‬‬
‫أ�صدق �أنك‬
‫وهم تحت �أهداب عينيك‪ ،‬ل�ست � ِّ‬
‫�صحوك‪ ،‬حلمك‪� ،‬أن يكبروا من طفولتهم ُ‬
‫تقدر �أن تفقد الحزن في جنَّة اهلل‪� ،‬إنك تحزن‪ ،‬والحزن عين اللذاذة عندك‪ ،‬تحزن‬
‫الحب فيه‪.‬‬
‫حين ترى �أ َّم ًة ت�ستغيث من الظلم‪ ،‬تحزن حين ت�شاهد قلب ًا �إلى الآن لم يلج ُّ‬

‫��س��ف ب���ح���زن ال���ق���ل���ب ي����ا �أ ُّي����ه����ا ال����ذي‬
‫ت��ف��ل��� ْ‬
‫������ت ����ص�ل�ا ِت��� ِه‬
‫ر�أى ال����ح����زن ع���ي���ن الأج�������ر وق َ‬
‫�������س �أن‬
‫ل���ع��� َّل���ك ح���� ّت����ى ف�����ي ال����ج����ن����ان ت���ح ُّ‬
‫�إذا ل������م ي����ك����ن ح���������ز ٌن ت��������رى ق�������س���م���ا ِت��� ِه‬

‫‪89‬‬

‫������دت ل���ف���ق���ده‬
‫������دت ح����ب����ي����ب���� ًا ف������ارت������ع َ‬
‫ف������ق َ‬
‫ول��������م ت����ح����ت����م���� ْل ق ُّ‬
‫��������ط ان�����ط�����ف�����ا َء ح����ي����ا ِت���� ِه‬
‫ل�����ه�����ذا ف�������أن������ت الآن ت����ب����ك����ي ل���ف���ق���دن���ا‬
‫ب������ر ِّب������ك م������ن ع�����ان�����ى �إذن م������ن م����م����ا ِت���� ِه‬
‫ف����ن����ح����ن �إذن م�����وت�����ى و�إنَّ��������������ك ث����اك���� ٌل‬
‫ن������ع������زِّ ي������ك ف����ي����ن����ا ي�������ا وح�������ي������� َد وف�������ا ِت������� ِه‬

‫على �أنَّني الآن �أبكي‪ ،‬فكيف تطيق الحياة بعيد ًا عن العا�ش���ق الم�س���تهام‪ ،‬وكيف‬
‫ل�س���ت فيه���ا‪ ،‬وكيف �س���ت�أك ُل‪ ،‬كيف �ست�ش���رب‪ ،‬كيف‬
‫تطي���ق الوج���ود هناك بمنطق ٍة َ‬
‫كنت �أفه���م ما �أنت فيه‪ ،‬وقد كن���ت تفهم ما �أنا‬
‫تح��� ّدث ع���ن فل�س���فاتك غيري‪ ،‬لقد ُ‬
‫في���ه‪ ،‬ولم نتح َّدث ب�ش ٍ‬
‫���يء مع��� ًا‪ ،‬كنت �أجل�س قربك ف���ي مجل�س النا����س‪� ،‬أحد�س ما‬
‫�س���وف تنطق���ه قبل �أن تتح َّرك يا �س��� ّيدي �ش���فتاك‪ ،‬وكنت تقول‪ :‬هنا ه���ا هنا رج ٌل‬
‫يتف َّي����أ ظ ِّل���ي‪� ،‬أفتِّ�ش عنه ف�ألقاه في ال���روح م َّت ِكىء ويحاورني‪� ،‬ض��� َّمه مجل�س النا�س‬
‫يتو�ض���ح �إال �إذا‬
‫ه���ذا‪ ،‬ولكنَّ���ه لي�س يظهر‪ ،‬يبق���ى خف ّي ًا عن الأعي���ن الناظرات‪ ،‬وال َّ‬
‫نظ���رالقل���ب‪.‬‬
‫تلك العمامة �أق�صد تلك التي �أ�صبحت خيمة النا�س ط ّر ًا من الم�شرقين �إلى‬
‫المغربين‪ ،‬وتلك التي هي �آخر �صقع الم�سافة ما بين عطف الإله وعطف الإله‪.‬‬
‫أحدثها وهي ت�صغي لمن يكتب ال�شعر فوق ال�ضريح عن الأر�ض‪َّ � :‬إن البالد هي الآن‬
‫� ِّ‬
‫منفى‪ ،‬و� َّإن البالد بال ٌد بال � ِّأي معنى للفظ البالد‪ ،‬تجيب‪� :‬أجل �إنها الآن منفى‪ ،‬ولكن‬
‫متى لم يكن جوهر الأر�ض منفى‪ ،‬وهل للبالد من الطعم طعم الحبيبة ما لم تكن‬
‫ل�ست تم�سكها �أبد ًا‪ ،‬فهي هارب ٌة منك دوم ًا تمام ًا كما لو بدت �شبح ًا‪� ،‬سل عن الأر�ض‬
‫َ‬
‫الحب فيها‪ ،‬و�سله عن الموت فيها‪ ،‬و�سله عن الأمنيات العري�ضة‬
‫دروي�ش‪� ،‬سله عن ِّ‬
‫كيف تكون بها‪� ،‬سيقول لك الأر�ض طائر ٌة من ورقْ‬

‫‪90‬‬

‫�أو ي����ق����ول ل�����ك الأر������������ض �أن�����ث�����ى ن���ق��� ِّب���ل‬
‫ه�����ا ك������� َّل ح�����ي�����نٍ ع����ل����ى � ُ�������س������� ُر ٍر م�����ن �أرقْ‬

‫����ى واح����������� ٌد ه������و �أنّ�����ه�����ا‬
‫ل���ل����أر��������ض م����ع����ن ً‬
‫���ب ل���ن���ب�������ض ع���������ش����قِ ال���ع���ا����ش���قِ‬
‫ال ت�������س���ت���ج���ي ُ‬
‫��������م ال‬
‫ف�����ي�����م ُ‬
‫�����وت ع����ا�����ش����قُ����ه����ا غ�����ري�����ب����� ًا ث َّ‬
‫ي���ب���ك���ي ع����ل����ي���� ِه ������س�����وى ال������ك���ل��ام ال������ح������اذقِ‬
‫ي����رث����ي����ه ب���ال�������ش���ع���ر ال����ج����م����ي����ل ج���م���اع��� ٌة‬
‫م�����ت�����������ش����� ِّب�����ث�����ون ب�������ك������� ّل ق��������������ولٍ خ�����������ارقِ‬
‫ه�����م �أ������ص�����دق�����ا ُء ال�����ك ِّ‬
‫�����ل �أو �أع������دا�ؤه������م‬
‫ال ف�����������رق ب������ي������ن م���������ف���������ارقٍ وم������ط������اب������قِ‬
‫������م ال����ج����م����ي���� ُع ف����ر َّب����م����ا‬
‫ف�������������إذا �أح������ َّب������ه ُ‬
‫ق�������ذف ال����ج����م����ي���� ُع ج���م���ي��� َع���ه���م م������ن ح����ال����قِ‬

‫م�سيح بال � ِّأي‬
‫� ِّ‬
‫أحدثها عن بيوت ال�صفيح ومن ي�سكنون بها‪ ،‬فتجيب‪ :‬لقد عا�ش ك ُّل ٍ‬
‫ولكن بلدوزر الحاكمين هو الفيل‪� ،‬أبره ٌة يحكم النا�س‪ ،‬ماذا‬
‫م�أوى‪ ،‬وهم �أولياء الإله‪َّ ،‬‬
‫النا�س �أبره ٌة في حكومة بغداد‪� ،‬أبره ٌة ي�صحب الفيل دوم ًا‪ ،‬و�أبره ٌة‬
‫توق َ‬
‫َّعت‪ ،‬هل يرحم َ‬
‫لي�س يبكي لطفلٍ يموت من الح ّر‪ ،‬ال يت�أ َّثر من م�شهد المر�أة الثاكلة‪.‬‬
‫و�أبره ٌة يقتل الك َّل‪ ،‬ي�شرب ح ّتى دم العائلة‬
‫أحدثها عن كالم النبيين كيف يكون ذريعة فرعون‪ ،‬كيف يكون مالذ معاوي ٍة‬
‫و� ِّ‬
‫بزي الإل ْه‬
‫ويزيد‪ ،‬وكيف نرى ُهب ًال يتز ّيى ِّ‬
‫الحقيقي‪،‬‬
‫تجيب‪ :‬وال ذنب للأنبياء بهذا‪ ،‬فهم ع َّلموا النا�س ك َّل �صفات الإله‬
‫ُ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫والزيف يا �صاحبي وا�ض ٌح من �سوا ْه‬

‫ُ‬
‫�����ون ل����م����ن ر�أى‬
‫اهلل �أو�‬
‫�������ض�������ح م�����ا ي�����ك ُ‬
‫ُ‬
‫�����ن‬
‫وال������ل�����ات وال�������� ُع�������� ّزى ل����م����ن ع����ب���� َد ال�����و َث ْ‬
‫ُ‬
‫������ت ت����ب���������ص����ر ُه ف������إن‬
‫�أن������ظ������ ْر �إل������ي������ ِه ف�������أن َ‬
‫�����م ال���� ِف َ‬
‫����ي الإل����������� ُه ع����ل����ي َ‬
‫����ن‬
‫����ط ْ‬
‫����ك ف�����ا َّت�����ه ِ‬
‫خ����ف َ‬

‫‪91‬‬

‫�����س�� ُه‬
‫ل����و ل����م َي���ع��� ُب���د الإن���������س����ان ي����وم���� ًا ن��ف َ‬
‫ل����م ي����ن����ح����رِ ْف ع����ن ����ش���ك���ر ه���ات���ي َ‬
‫َ���ن‬
‫���ك ال���م���ن ْ‬
‫���������ي ُء ف�����ي����� َل����� ُه‬
‫ال��������ك�������� ُّل �أب����������ره���������� ٌة ي���������ه ِّ‬
‫وي������ ُ‬
‫�����ن‬
‫�����ص�����ول ك�����ي ي����ج����ت َّ‬
‫����ث �أب�������ن�������ا َء ال�����وط ْ‬

‫�أبي يا �أبي هل ر�أيت الرحيل جمي ًال‪� ،‬أبي يا �أبي لم �أزل بع ُد �أحتاج منك حنان‬
‫الأب َّوة‪ ،‬في الأربعين �أنا ب ْيد �أني �س�أ�شعر باليتم ح ّتى نهاية هذي الحياة‪.‬‬
‫فحدث طوي ًال طوي ًال‬
‫يوم و�إن �شبح ًا في منامي‪ِّ ،‬‬
‫�أبي �إنني ٌ‬
‫راغب �أن �أراك‪ ،‬فجِ ئْ ك َّل ٍ‬
‫حدث طوي ًال طوي ًال عن النا�س كيف يح ُّبهم ُ‬
‫حدث‬
‫عن الحقِّ والعدل‬
‫اهلل‪ِّ ،‬‬
‫والحب‪ِّ ،‬‬
‫ِّ‬
‫حدث طوي ًال طوي ًال عن ال�شعب كيف يقاوم‬
‫طوي ًال طوي ًال عن ال�شعر‬
‫والحب في اهلل‪ِّ ،‬‬
‫ِّ‬
‫ك َّل الطغاة‪.‬‬

‫�سن الثمانين وهو على قيد ال�شباب‪.‬‬
‫‪-2‬نادر ًا ما يكون الرجل في ِّ‬

‫‪92‬‬

‫المهم‪ ،‬ف�أنا �أق�صد �أن يكون على قيد ال�شباب وهو في حكمة الأنبياء‪،‬‬
‫لي�س هذا هو ّ‬
‫الخا�صية وحدها هي ما يمكن اعتبارها في غاية الندرة‪ ،‬وهي ال تتوفَّر �إال في‬
‫فهذه‬
‫ِّ‬
‫الرجل الذي ج َّرب �أن يكون �شجر ًة ط ِّيب ًة مثمر ًة طيلة الحياة‪.‬‬
‫�آي ٌة �أخرى‪ :‬تريك � َّأن الرجل بهذه ال�صفة �ضرور ٌة ق�صوى بالن�سبة �إلى العالم‪ ،‬ال �سيما‬
‫عندما يكون هذا الأخير مه َّدد ًا بالم�سخ �أو بالفناء على ال َّدوام‪.‬‬
‫وهي �أن يكون الرجل ِ‬
‫مرهق ًا بالن�سبة �إلى الجميع‪ ،‬مع �أنّه في غاية الوداعة‬
‫والحب والطم�أنينة‪ ،‬فالأولى �أن يكون هو من ي�شعر بالإرهاق‪ ،‬ال خ�صومه‬
‫ِّ‬
‫لكن الرجل الذي اعتبرناه �ضروري ًا بالن�سبة �إلى‬
‫الم�شمولون بعطفه وح ِّبه دائم ًا‪َّ ،‬‬
‫العالم ال ي�شعر بالإرهاق مطلق ًا‪ ،‬بل ي�شعر خ�صومه بال ٍ‬
‫وا�ضح من وجوده‬
‫�سبب‬
‫ٍ‬
‫بذلك الإرهاق‪.‬‬
‫�آي ٌة ثالثة‪�:‬أن ترا ُه مبت�سم ًا ح ّتى في مواطن البكاء‪ ،‬وهكذا كان مح َّمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل مدمن ًا على االبت�سامة في تلك المواطن‪ ،‬ح ّتى � َّأن ح�ضوره في الم�آتم كان‬
‫ي�ش ِّكل حرج ًا كبير ًا بالن�سبة �إلى رجلٍ جا ٍّد مثله‪ ،‬ولهذا وجد ح ًال لهذه المع�ضلة‬

‫ب�أن يبت�سم دائم ًا‪ ،‬لكن وفي عينيه يتغرغر الدمع‪ ،‬تارك ًا على �أهداب عينيه �أ�ش َّع ًة‬
‫من �ضوء الإله‪.‬‬
‫�آي ٌة رابعة ‪� :‬أن تت�أكَّد من � َّأن بدن الرجل ك َّله من ٍ‬
‫ماء وطين‪ ،‬ولكنك تق�سم باهلل �أنك‬
‫ال ترى �إال �شعاع ًا‪ ،‬وهذه هي الآية الأقوى من بين الآيات الأربع ك ِّلها‪ ،‬ولهذا ف� َّإن‬
‫ك َّل من ر�أى ال�س ّيد مح َّمد ح�سين ف�ضل اهلل قال في حقِّه هذا‪ ،‬ح ّتى �أولئك الذين‬
‫قالوا �إنه �آب ٌق من ملكوت اهلل‪ ،‬ف�إنهم نادر ًا ما كانوا يجر�ؤون على النظر �إلى وجهه‬
‫كوكب‬
‫طوي ًال ب�سبب ذلك‪ ،‬ح ّتى � َّأن بع�ضهم نقل لي �صادق ًا �أنّه كان ي�شعر كما لو �أنّه ٌ‬
‫منفلت من المج َّرة في ح�ضرته‪ ،‬وعلى هذا كان مح َّمد ح�سين ف�ضل اهلل �أ�ضخم‬
‫ٌ‬
‫كثير ًا من حجم الأر�ض‪ ،‬لأنّه كان بال�ضبط كائن ًا مثل المج َّرة‪.‬‬
‫كان ال�س ِّيد مح َّمد ح�سين ف�ضل اهلل يتلذَّ ذ بالع�شق‪ ،‬ويرى � َّأن له وجوه ًا كثيرة‪:‬‬
‫الوجه الأ َّول‪ :‬كان يقول‪َّ � :‬إن طعم الع�شق طعم النار‪ ،‬وهو يق�صد � َّأن النار بارد ٌة‬
‫كال�سل�سبيل‪ ،‬فكان ك َّلما زادت النار من لهيبها قال ارتويت �أكثر‪ ،‬ولم يكن ي�صل‬
‫حد الغرق مطلق ًا‪ ،‬لأنّه كان ي�ستوعب ك َّل مياه الع�شق‪ ،‬ما يعني �أنّه كان يفي�ض‬
‫�إلى ِّ‬
‫عن حاجة ِّ‬
‫كل نيرانه‪ ،‬ويمكن اعتبار هذا الوجه من وجوه تلذُّذه بالع�شق �آي ًة خام�س ًة‬
‫كائن وحيد الطراز‪.‬‬
‫على �أنّه ٌ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬في �أحيانٍ �أخرى كان يقول‪َّ � :‬إن الع�شق بطعم الملح بعد الطوفان‪،‬‬
‫بمعنى � َّأن الع�شق ال يمكن تخ ُّيله �إال قرين ًا ٍ‬
‫لحرب معلن ٍة �ض ّد قري ٍة ما‪ ،‬وغالب ًا ما‬
‫كان ي�سوق الدليل على ذلك من ق�ص�ص القر�آن‪ ،‬فيقول‪َّ � :‬إن نوح ًا كان عا�شق ًا جد ًا‬
‫نوح �إال ك ُّل العالم بالطبع‪ ،‬ولهذا �شاء �أن يراها محاط ًة بالملح‬
‫لقريته‪ ،‬وما قرية ٍ‬
‫بعد الطوفان‪ ،‬ل َّأن في ذلك دلي ًال على �أنّها برئت من �أو�صابها ك ِّلها‪ ،‬وبالفعل‪،‬‬
‫ق َّبل نو ٌح ملح قريته بعد الطوفان‪ ،‬وبكى طوي ًال‪ ،‬بكى ح ّتى ر�أى �أ�صحابه في ب�ؤب�ؤَي‬
‫عينيه �صورة القرية قبل الطوفان‪ ،‬بك ّل ما فيها من الن�ساء والرجال والأطفال‪،‬‬
‫فاحتفظ بهم في ب�ؤب�ؤيه هكذا‪ ،‬وظ َّل ي�سقي خيالهم دمع ًا ح ّتى الوفاة‪.‬‬
‫الطف‪ ،‬فلقد �أخبرني ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫الوجه الثالث‪ :‬هذا الوجه م�أخو ٌذ من واقعة ّ‬
‫ف�ضل اهلل م َّر ًة �أنّه ر�أى ج َّده الح�سين عليه ال�سالم في واقعة ِّ‬
‫الطف عيان ًا‪ ،‬ر�آه‬

‫‪93‬‬

‫ينظر �إلى جمع القاتلين المارقين‪ ،‬فكان ي�ستخرج من �أ�صالبهم �أجيالهم‪ ،‬وكان‬
‫يقول‪� :‬أُنظر �إليهم كم هم عا�شقون مخل�صون‪� ،‬أُنظر �إليهم كيف يت�ش َّبثون ب�ش ّباك‬
‫قبري ويبكون‪� ،‬أُنظر �إليهم ف�إنهم �أح ّبائي جميع ًا‪ ،‬ح ّتى رماحهم تلك‪ ،‬ف�إني �أقر�أ‬
‫فيها �آيات الع�شق‪ ،‬ولهذا �س�أعانقها �أثناء القتل‪� ،‬س�أعانق تلك الرماح حي ًا وميت ًا‪،‬‬
‫ح ّتى �أكون �أنا وتلك الرماح ج�سد ًا واحد ًا‪ ،‬فتع َّل ْم ‪�-‬أي ُبني‪ -‬كيف ت�ستنبط من ِّ‬
‫كل‬
‫خ�صم �صديق ًا‪ ،‬وتع َّلم كيف ت�ستخرج من �صلب ِّ‬
‫كل عد ٍّو �أ�صدقاءك الغيارى‪ ،‬ف�إن‬
‫ٍ‬
‫ولي اهلل‪.‬‬
‫نجحت في ذلك ف�أنت حق ًا ُّ‬
‫كتابات ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫‪94‬‬

‫* كاتب عراقي‪.‬‬

‫نخلتنا ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪...‬‬
‫�أو ال�صبر لحم ًا ودم ًا‬
‫ال�س ّيد هاني فح�ص*‬

‫عربية يز ّينها الإيمان الكبير والإ�سالم‬
‫اختار �أن يكون نخلة ّ‬
‫الوا�سع الرحب العظيم بال�سعف والمذاق الرطب‪.‬‬
‫�أحببته �أول ما ر�أيته في كنف مرباه‪َ ،‬ر ِحمنا النجف التي ظ ّلت تجمعنا بما �أ�س�ستنا‬
‫عليه من نزوع �إلى الحرية في تح�صيل المعرفة وتداولها‪ ...‬وزاد ح ّبي له عندما‬
‫�سمعته يتكلم في العلم والأدب والحياة بحنان و�إيقاع فيه جرح عميق ولكنه م�ص ٌّر‬
‫على البهجة‪.‬‬
‫ثم زاد حبي ثانية عندما بادلني الحب ب�سخاء ودفء‪ ...‬و�أ�سعدني مرات عندما‬
‫ان�سل لي ًال لي�سهر معي‪ ...‬كنخلة ت�سهر مع ف�سيلتها �أو ت�سهر عليها‪ ،‬في منزلي الب�سيط‬
‫في النجف‪.‬‬
‫�إذ ًا‪ ،‬فقد وجدت فيه ح�ضن ًا‪ ...‬ولكن الح�ضن �أو الحا�ضن م�س�ؤول‪ ،‬فال ب ّد من‬
‫االلتزام بواجب الرعاية‪ ...‬بالحب والت�شجيع والنقد‪ ...‬وقد جعلني نقده �أ�شعر‬
‫بالم�س�ؤولية �أكثر‪ ...‬من دون �أن يتمكن من تهدئة توتري وقلقي‪ ،‬خا�صة في ما يعود‬
‫�إلى الم�سلكيات التي فاج�أتني وفجعتني في مجال الحركة الفكرية والعالئقية في‬
‫الحوزة‪.‬‬
‫ولكني ‪ -‬وكما قلت له في �آخر لقاء قبيل رحيله ‪� -‬أدخلته �أو دخل في نظام حياتي‬

‫‪95‬‬

‫‪96‬‬

‫وقراءتي وكتابتي رقيب ًا داخلي ًا‪ .‬و�إن لم يكن ب�إمكاني �أن �ألتزم بر�أيه �أو �أوافق على‬
‫نقده دائم ًا‪ ،‬ولكنه كان ي�سرني كثير ًا ويق ّوي طموحي �إلى ال�صواب و�أحيان ًا �إلى مخالفة‬
‫ال�سائد الذي كان يخالفه �أي�ض ًا‪ ،‬ولكن بطريقة مختلفة‪ ،‬من داخل ال�سياق والم�ؤ�س�سة‪،‬‬
‫ذلك �أنّه عريق في هذا ال�سياق‪� ،‬أما �أنا فل�ست كذلك‪� .‬أنا جديد �أطمع بالتجديد‪،‬‬
‫قلق مدجج بالأ�سئلة واالعترا�ض‪ .‬لقد ا�ستطاع �أن يداخلني وي�شاركني �أو يدخلني في‬
‫�شراكته‪ ،‬في ح�سا�سيته الأدبية و�شعوره ب�ضرورة التطوير‪ ،‬ولكنه لم يق ّيدني‪ ...‬ولم‬
‫ُي ْكرِ ْهني لأني لم �ألتزم بقوله �أحيان ًا كثيرة‪ ،‬بل كان يرتفع �صوته ناقد ًا ويت�سارع نب�ض‬
‫قلبه مح ّب ًا‪.‬‬
‫و�أحببته �شاعر ًا ‪ ...‬عندما حدثني عنه الكبار من رعيله ال�شعري‪ ...‬فقال ال�س ّيد‬
‫م�صطفى جمال الدين � ّإن ال�س ّيد ف�ضل اهلل كان يمكن �أن يكون �أج َو َدنا و�أثرانا �شعر ًا لو‬
‫ا�ستمر‪ ...‬ولكنه ا�ستمر‪ ،‬غير �أنّه غ ّير الم�سار‪ ،‬ذهب �إلى ال�شعر الديني‪� ،‬إلى النجوى‬
‫والأحالم الرعوية الإيمانية والحكمة كخال�صة للتجربة الفكرية والحياتية‪ ...‬ولكن‬
‫ظ ّل عندي ذلك ال�شاعر ال�شاب المتم ّرد المتو ّرد حب ًا وغز ًال ووطن ًا ك�أوطان الآخرين‪...‬‬
‫غير م�ؤدلج‪.‬‬
‫وفي �آخر لقاء‪ ،‬طلبت من معاونيه �أن يوافوني بنماذج من �شعره القديم‪ ،‬والغزلي‬
‫خا�صة‪ ،‬قر�أتها بعناية واحترمت ما قاله فيها‪ ...‬ولكني بقيت على حبي ل�شعره الأول‪،‬‬
‫لأنّه ي�ؤكد الجانب الب�شري العادي غير اال�ستثنائي في �شخ�صية رجل الدين الذي‬
‫�أراده البع�ض خ�شب ًا تحت �شعار التقوى الظاهرية وب�صرف النظر عن الواقع‪...‬‬
‫يريدون �أن يحرموه من الإبداع واال�ستمتاع بالحالل!‬
‫ول�سوف �أكتب‪ ...‬ولن �أظلم خياره ال�شعري المت�أخر والذي التزم ب�إمالءات‬
‫المرجعية‪ .‬التي لها تحديد علمي ولها تحديد �شعبي و�أحيان ًا لها تحديد �سيا�سي‪ .‬فقد‬
‫ت�ص ّدى للمرجعية في لحظة كانت ال�سيا�سة �أو ال�سلطة قد �أكملت �سطوها و�سطوتها‬
‫على العلم والعلماء والمرجعية‪ .‬ولكنه كان من ال�شجاعة بحيث اختار �إعالن مرجعية‬
‫الطرف الذي كان ُيراد له المزيد من الإلغاء والم�صادرة لح�ساب المركز الديني �أو‬
‫المرجعي في بعده ال�سلطوي �أو ال�سيا�سي‪.‬‬

‫وثار المو�صولون بالمركز على هذه الخطوة وق�صفوا �صاحبها بما ا�ستطاعوا‪ ،‬وال‬
‫داعي للتذكير �إال ب�أنهم عادوا ليقر�أوا فيه تاريخه العلمي والعملي الت�أ�سي�سي والجهادي‬
‫ولربما كانوا قد فعلوا ذلك عندما ت�أكدوا �أنّهم ح�صروا مرجعيته وحا�صروها‪...‬‬
‫ولكن لم يث�أر فتوا�صل من دون �أن يزول عنه ظلم المركز‪� ...‬إال في حدود غير مجزية‬
‫دائم ًا‪.‬‬
‫�أحببت فيه عمله وديموقراطيته المركزية �أو مركزيته الديموقراطية على غير‬
‫نموذج الأحزاب المركزية والتي تدعي الديموقراطية في �إدارة الم�ؤ�س�سات وهي‬
‫�شديدة المركزية‪ .‬وكنت �أتورط في نقده فكري ًا وعملي ًا و�سيا�سي ًا في حدود‪ ،‬وفي‬
‫ح�ضوره‪ ...‬وال يزعل‪ .‬و�أنقده في ح�ضور محبيه بقوة �أو ق�سوة �أحيان ًا وال ي�صلني منه‬
‫�إال عتاب قليل‪� ...‬أما �أمام كارهيه فقد تورطت بما جلب لي خطر ًا وعقاب ًا‪.‬‬
‫وفي تجربتين‪ ،‬تحولت �إلى مقاتل علني على المنبر في لحظة حرجة من لحظات‬
‫علي‪ .‬ومرة �أخرى‪،‬‬
‫الفتنة في الجنوب وكدت �أن �أُعا َقب‪ ،‬وعوقبت باالعتداء الكالمي ّ‬
‫في م�ؤ�س�سة �أم‪ ...‬كان فيها �شياطين يحاولون �إغراء الرمز الكبير بالموقف ال�صغير‪،‬‬
‫ودفعت الثمن غالي ًا عندما اعتر�ضت‪ ...‬عندما �شلحت على الأر�ض كتاب ًا ظالم ًا لل�سيد‬
‫كان يوزع مجان ًا‪ ...‬انت�صار ًا لل�سيد احتجاج ًا على قلة الوفاء‪.‬‬
‫�أحببت م�ؤ�س�ساته‪ ...‬وكنت �أقول دائم ًا ب�أنه نجح ويجب �أن يدعم في ذلك‪.‬‬
‫والنجاح بذاته قيمة‪ ...‬له ولنا‪ ...‬وللأيتام و�سائر التالمذة الفقراء‪ ...‬و�سائر‬
‫الفقراء‪ .‬وكنت �أنقده في ذلك‪� ...‬أنتقد ما ي�سمى فردانية‪ ،‬وفي لحظة انتبهت �إلى �أن‬
‫الم ّتحد االجتماعي والديني الذي �أنتمي وينتمي �إليه ال�س ّيد ال ي�ستطيع �أن يعمل مع‬
‫م�ؤ�س�سة تداولية‪ ...‬و�أن الواحد منا �إن كان كبير ًا كبر �أو تك ّبر على الم�شاركة ف�إن كان‬
‫غير ذلك لم يكن قادر ًا على االلتزام بمقت�ضيات التراتب في العمل‪ ...‬فالجماعية‬
‫في العمل انتهت دائم ًا �إما �إلى الخراب و�إما �إلى ا�ستئثار البع�ض دون ال�شركاء‪ .‬وقد‬
‫كتب ال�س ّيد من زمان تحت عنوان‪« :‬م�شاريع دينية بال دين»‪ .‬لقد �آثر �أن يعمل ال �أن‬
‫متدح ولو بالباطل‪ ...‬ف�ش ّكل م�ؤ�س�سته‪ ...‬منظمته ممن يوافقونه وال ي�صادرهم وال‬
‫ُي َ‬
‫يحر�صون على مخالفتهم فكان �أقرب �إلى رب العمل بروح القائد والمرجع‪ .‬ومن هنا‪،‬‬

‫‪97‬‬

‫‪98‬‬

‫كان نجاحه‪� .‬أما �أنّها �أ�سرية فهي كذلك و�أنا �أتحفظ عليها‪ .‬ولكن‪ ،‬هل هناك ممن‬
‫ي�ؤاخذونه عليها ال يت�صرفون ب�شكل عائلي �أو �أ�سري وغير مفيد �أو �ضار بالجماعة‬
‫(الطائفة) وغيرها‪ ،‬وهناك طبع ًا من ينقد عن ق�صور‪ .‬والآن‪َ ،‬ل َك ْم �أغنى �أن تثبت‬
‫الم�ؤ�س�سة بك ّل العاملين فيها ومراتبهم �أنّها م�ؤ�س�سة على �أ�سا�س متين و�أن رعاية‬
‫يتح�سر المحبون �أكثر على رحيله‪ ،‬على �أن هذا‬
‫ال�س ّيد م�ستم ّرة فيها‪ ...‬و�إال ف�سوف ّ‬
‫الرجاء كما �أعرف تتوفر له عنا�صر التحقيق‪.‬‬
‫كنت في النجف مع ث ّلة من المهمومين فكري ًا نقر�أ ونكتب و ُن ِعد �أنف�سنا �أن ن�ضارع‬
‫�أو ن�سبق نماذج باذخة‪ ...‬ال�س ّيد محمد تقي الحكيم وال�شيخ محمد مهدي �شم�س‬
‫الدين وال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ...‬ونغيب عنهم ونعود �إليهم‪ ...‬فيخيب‬
‫�أملنا لأننا نجدهم قد تق ّدموا علينا �أ�ضعاف ما تق ّدمنا نحوهم‪ .‬وبقيت ح ّتى الآن‬
‫كما قلت لل�سيد ب�أنه تحول مع الآخرين‪ ،‬الحكيم و�شم�س الدين‪� ،‬إلى رقباء على‬
‫حبري وحرموني من قول كثير مما �أردت قوله‪ ...‬ح ّتى �إذا غاب واحد منهم �أردت‬
‫�أن �أكتب ما كنت قد �أوقفته حر�ص ًا على ر�أيهم وخوف ًا من (زعلهم)‪ .‬ولكني ال �أكتب‬
‫لأن احتمال االختالف تحول في داخلي �إلى ممانعة‪ ...‬وهكذا نجوت من كثير من‬
‫اال�ستعجاالت‪.‬‬
‫ولأنه عالم حقيقي‪ ...‬كان �شاب ًا حقيقي ًا وفي لحظة انك�شاف م�شروع الدولة في‬
‫الوطن العربي‪ ،‬كان واحد ًا‪ ،‬و�إن مميز ًا من ال�شباب العلماء الذين انخرطوا �أو �أ�س�سوا‬
‫�أطر ًا �سيا�سية وحزبية‪ ،‬للتغيير بالثورة واالنقالب بعد ن�شر الفكرة والفكر الإ�سالمي‬
‫الذي ي�سندها‪ ...‬وقد كانت �شراكته في «حزب الدعوة» مدخ ًال وا�سع ًا �إلى بيت الوحدة‬
‫يتن�صل من خ�صو�صيته‬
‫والتقريب بين الم�سلمين الذي اختاره نهج ًا من دون �أن ّ‬
‫ال�شيعية‪ ...‬بل وقبله الآخرون محترمين فيه عدم الميل �إلى النفاق �أو المجاملة‪...‬‬
‫مكت�شفين ر�سوخ عقل وفكر التوحيد في تكوينه ووجدانه‪ ...‬و�إن كانت بع�ض الأحداث‬
‫تلتب�س عليه �أحيان ًا فيبدو وك�أن �أمر ًا قد طر�أ على وحدويته‪ ...‬وكان البع�ض يف�سر ذلك‬
‫ب�ضغوط معينة عليه‪� ...‬أو �أنّها اللحظة‪� ...‬أو �أخطاء الآخرين في الت�صرف‪ ...‬وال يخلو‬
‫�أي بيت �أو طائفة ممن ال نق�ص في خبثه �أو غبائه‪.‬‬

‫لأنه كان �شاب ًا حقيقي ًا‪� ،‬أراد �أن يكون �شيخ ًا‪ ...‬قائد ًا حقيقي ًا‪ ...‬من دون اختزال �أو‬
‫(انخزال) فق ّرر �أن يت�ص ّدى للمرجعية في ظرف حرج وبعد �صبر ي�ؤكد حكمته وعقله‬
‫المنظم‪ .‬وفي لحظة �أ�صبحت فيها مرجعية الطرف ال�شيعي �أمر ًا محظور ًا ال مج ّرد‬
‫�سلوك تاريخي ت�أ�س�س على مرجعية النجف من دون �أن تعمل هذه المرجعية على‬
‫منع التفريع ل�صالح المركز المرجعي المتعدد في الأ�صل‪ .‬ولم تكن مرجعية النجف‬
‫تحمل هواج�س �سيا�سية خا�صة‪ ...‬بل كانت تمار�س اعترا�ضها واحتجاجها من موقع‬
‫الم�س�ؤولية الأخالقية ومن موقع المواطنة‪.‬‬
‫ومبكر ًا‪ ،‬وفي �أوا�سط الثمانينيات‪� ،‬أبلغ ال�س ّيد قيادة «حزب الدعوة» ب�أنه يعتذر عن‬
‫موا�صلة ع�ضويته في مجل�س فقهاء الحزب مع ثقته بزمالئه الآخرين‪ ،‬ولم ُي َعا ِد �شباب‬
‫الحزب وقيادته التي اتفقت �أو اختلفت معه �أو فيما بينها‪ .‬لملم دفاتره الحزبية‪ ،‬وفتح‬
‫كتاب المرجعية على �أهلية يراها كثيرون مزينة ب�شروط جديدة اقت�ضاها الم�ستجد‬
‫في الحياة والمعارف‪.‬‬
‫وكذلك فعل الإمام ال�س ّيد محمد باقر ال�صدر وك�أنهما عادا فاكت�شفا �أن العمل‬
‫الحزبي والحرفة ال�سيا�سية هي مقام افتراق و�شقاق بينما المرجعية هي مقام انعتاق‬
‫واتفاق‪ ...‬فانعتقا وذهبا �إلى الوفاق مع القاعدة الم�ؤمنة المو�صولة بقواعد الوطن‬
‫واالجتماع الوطني بك ّل تالوينه و�ألحانه‪ ...‬من دون ا�ستنكاف عن �إعالن الموقف في‬
‫رت له‬
‫اللحظة الداعية �إليه ومن دون توقع ح�صول الإجماع على �صوابه دائم ًا‪ ...‬وق ّد ْ‬
‫ذلك ك ّل القوى ال�سيا�سية ح ّتى التي تختلف عنه �أو معه‪.‬‬
‫وبع�ضهم اندفع نحوه للتعوي�ض عن الما�ضي من جهة‪ ...‬ولأنه اكت�شف �أن موقعه ال‬
‫يتزعزع و�أنه حاجة ت�صل �إلى حد ال�ضرورة وهذه براغماتية مقبولة ب�شرط �أن تكون‬
‫خالية من الدغل و�شفافة‪.‬‬
‫يق�صروا‪ ...‬فعادوا �إليه معترفين بدوره الت�أ�سي�سي الرائد في �أفكارهم‬
‫و�آخرون لم ّ‬
‫و�أعمالهم‪ ...‬و�أ�صبحت لدينا حالة من التنازع �أو التجاذب ال�شيعي ل�شخ�صية ال�سيد‪.‬‬
‫وكان ر�ضاه مطلوب ًا ولو �شك ًال ب�صرف النظر عن كونه را�ضي ًا �أم ال‪ .‬وهو ير�ضى ولكنه‬
‫تبث �إلى القلب ال في هواء الع�صبيات‪.‬‬
‫ال يمتنع عن ال�شكوى �إذا ما وجد �أُ ُذن ًا ُّ‬

‫‪99‬‬

‫‪100‬‬

‫�ألي�س من هنا كانت له هذه المكانة في العالم العربي والإ�سالمي الذي يختلف‬
‫معه ويتفق ولكنه يقدر ويحترم وي�سعى �إلى اللقاء والإ�صغاء؟ هنا يتمايز العرب عن‬
‫غيرهم‪ ،‬على ما فيهم من م�ساوئ‪ ،‬يتمايزون ب�أنهم يحبون المعتدل والم�ستقيم‬
‫وال�صريح وال�شجاع ح ّتى لو كان �ضدهم‪ ،‬وقال كالم ًا �سلبي ًا عنهم‪ ...‬في مقابل �آخرين‬
‫يزعجهم الحب‪ ...‬و�أحيان ًا يزعجهم الإخال�ص وال�صراحة والت�شبث باال�ستقاللية لما‬
‫فيها من م�صلحة م�شتركة‪.‬‬
‫تحية له‪� ...‬صابر ًا على المر�ض منذ عقود و�صابر ًا على الأذى منذ عقود‪ ...‬ك�أنه‬
‫تم ّرن في ال�صبر على المر�ض الج�سدي ليت�أهل لل�صبر على القهر الروحي‪� ...‬أو‬
‫العك�س‪ ...‬هذه الدنيا عكو�س‪ ...‬عكو�س‪� ...‬أما الآخرة فهي ا�ستحقاق الفرد ال جماعته‬
‫التي قد تن�صفه وقد تظلمه ولكنها ال ت�أخذه �إلى الجنة وال �إلى النار‪ ...‬هنا يحلو لنا �أن‬
‫نقلد ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل في اجتهاده في ال�صبر على الأعداء والأ�صدقاء‬
‫مع ًا‪.‬‬
‫رحمه اهلل الرحمان الرحيم كفاء رحمته التي ترجمها مياتم تعيد اليتم �إلى‬
‫مفهومه ال�صحيح (الفرادة) وهنا كانت فرادته‪ ...‬ك�أنه يتيم قد يكون هناك‪� ...‬أو �أنّه‬
‫هناك وهنا وهنالك من هو �أعلم منه‪ ...‬ولكنهم �أو بع�ضهم لأ�سباب ذاتية �أو مو�ضوعية‬
‫�أو منهجية �أكاديمية محترمة ال تميل �إلى ت�سييل محتواها العلمي اجتماعي ًا فينعزلون‪.‬‬
‫�أما هو فقد اختار �أن يكون نخلة عربية يزينها الإيمان الكبير والإ�سالم الوا�سع الرحب‬
‫العظيم بال�سعف والمذاق الرطب‪ .‬وهي �شاخ�صة يراها البعيد والقريب من دون �أن‬
‫يتعب ب�صره �أو ب�صيرته‪.‬‬
‫نخلة طويلة‪ ...‬طويلة‪ ...‬من لم يح�سن ارتقاءها لذوق جناها‪ ،‬ق�صفها بحجارة‬
‫الكالم فلم ي�أته منها �إال ثمرات معطوبة وغير �سائغة‪.‬‬
‫�أما الأ�صفياء و�أهل المحبة‪ ،‬و�إن اختلفوا‪ ،‬ف�إنهم يهزونها كما هزتها العذراء‬
‫ف�أ�سقطت عليها رطب ًا جني ًا‪ ...‬والنخبة‪ ...‬الكلمة الطيبة الرا�سخة في الأر�ض ُت�ؤتي‬
‫�أُ ُكلها ك ّل حين‪ ...‬كلما ارتفعت نحو ال�سماء ات�سع ظلها على الأر�ض و َن ِع َم الأح ّب ُة‬
‫بفيئها‪ ...‬ظ ًال وارف ًا هو ظل الروح و�إن غاب الج�سد‪ِ ...‬‬
‫وغال ًال وعطا ًء متجدد ًا من‬

‫جف الدم في الج�سد وانهمر دمع ًا مالح ًا على وجنات‬
‫الحبر الذي ال يجف و�إن ّ‬
‫الأحبة‪َ } ...‬ودَا ِنيَ ًة َع َل ْيهِ ْم ِظ اَللُ َها َو ُذل ِّ َل ْت ُق ُطو ُف َها ت َْذ ِلي ًال{ (الإن�سان ‪. )14 :‬‬
‫�إلى ظل اهلل هانئ ًا م�ضى ‪ ،...‬هنيئ ًا له هناك ما ُيطعم جزا ًء على ما �أطعم‪.‬‬
‫جريدة ال�سفير ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* عامل دين لبناين‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫كان يعلم � َّأن الم�سيحيين �أبناء هذا الم�شرق‪..‬‬
‫فكان يحاورهم‪ ..‬يعي�ش معهم‬
‫المتروبوليت با�سيليو�س من�صور*‬

‫ن�صير ًا للحق‪ ،‬مطفئ ًا الفتنة‪ ،‬وما ذلك �إال لأ ّنه كان منفتح ًا‬
‫على العلم‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫«ال�صورة‪ ،‬لبلد ال�صورة الجميلة‪ ،‬مختزنة في الأذهان‪ ،‬تن�سج جمالها من الوجوه‬
‫المحبة والمنفتحة في حالة الحوار والثقافة‪ ،‬الذي له ُيعطي من لي�س له‪ ،‬وك ّل منهما‬
‫في حال القبول للآخر‪ ،‬ل ّأن عيال اهلل �سيكونون بك ّل ت�أكيد على �صورته ومثاله‪ .‬في‬
‫لبنان بلد ال�صورة الجميلة في ك ّل الوجوه لك ّل �إن�سان ذكراه الباقية على مقدار جمال‬
‫الذكرى وقوة الفرح وال�سعادة التي تحبك ذاتها مع باقي الن�سيج الوطني‪ .‬فرجل الدين‬
‫تحب �أولئك الذين‬
‫كرجل ال�سيا�سة ي�صيب بع�ضهم ويخطىء بع�ضهم ولكن القلوب ّ‬
‫َ�س َموا بالمحبة حتّى �أدركوا الوطنية قو ًال وعم ًال بكل �أبعادها‪ .‬ومتى ُف ِقد واحد منهم‬
‫�شعر النا�س بالأ�سى ل ّأن الزمن زمن الق ّلة من ه�ؤالء‪ .‬غابت وجوه بع�ضهم لتلتمع في‬
‫ح�ضرة «اهلل محبة»‪ ،‬ولوال �أمثالهم من الذين �أبقوا ال�صورة نقية لعميت الر�ؤيا‪ ،‬وفقدت‬
‫الب�صيرة‪ ،‬و�صار النا�س يقر�أون الكتاب بحروف لي�ست منه ومعاني غريبة عنه»‪.‬‬
‫أ�صم م�سامعنا وفاة العالمة المرجع‬
‫واليوم تطالعنا ال�صحف وو�سائل الإعالم بنب�أ � ّ‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ .‬بالرغم من يقيننا � َّأن ك َّل ما عليها فانٍ وما البقاء �إال هلل‬
‫أم�س الحاجة �إليه‪،‬‬
‫ذي الإجالل والإكرام‪ .‬ا�ستكبرنا الحدث لأنّنا في زمن نحن ب� ّ‬

‫لأنّه ينقل الكلمة ويقولها من غير مواربة ح ّتى ولو كان دونها ك�أ�س الموت‪ .‬لطيف في‬
‫تعامله مع ال�ضعفاء يقف مرابط ًا في الميادين وعلى المنابر ليحمي لبنان من التف ّوق‬
‫على بع�ضه البع�ض ليبعد ك ّل الذلة واالنك�سار عن �أبنائه‪ ،‬ولكن فرحه �أن يجد العدو‬
‫وقد لملم �أذيال الخيبة والهزيمة مندحر ًا كالأفعى الجريح عائد ًا �إلى وكره‪.‬‬
‫العالمة ف�ضل اهلل م ّثل ك ّل اللبنانيين في فكره‪ ،‬ن�صير ًا للحق‪ُ ،‬مطفئ ًا الفتنة‪ ،‬وما‬
‫ذلك �إال لأنّه كان منفتح ًا على العلم‪ ،‬ك ّل العلم من غير �أن تتغ ّيبه علوم الدين �ضمن‬
‫�شط�آنها كما فعلت بغيره �أو كما فعل غيره بها �إذ ح ّدها برمل محدودياته وجعل لها‬
‫�شط�آنا ال �أمان فيها لأحد‪.‬‬
‫�سلبي‪ ،‬فلم يعتبر‬
‫الع ّالمة محمد ح�سين ف�ضل اهلل لم يخدعه الغرب بموقف ّ‬
‫� ّأن الم�سيحية في الغرب كما يفعل �أغلب الم�سلمين في هذه البالد وغيرها‪ .‬كان‬
‫يعلم � ّأن الم�سيحيين في هذه البالد هم �أهلها‪ ،‬ومنهم من بقي على �إيمانه‪ ،‬ومنهم‬
‫هاجر ومنهم من �أ�سلم‪ .‬لذلك تعامل معهم في الواقع‪� ،‬أبناء من هذا الم�شرق فكان‬
‫يحاورهم يعي�ش معهم‪� .‬أي كان منط ِلق ًا من الواقع الذي يج ُد فيه نف�سه ك ّل يوم من‬
‫غير �أن يجد له في الغربة مخرج ًا ومهرب ًا كما يفعل غيره �إذا ُ�س ّدت المنافذ في وجه‬
‫تفكيره‪ .‬كان رحمه اهلل يغ ّرب الغريب ويخرج ثقافته لكي يتالقى مع الثقافة ال�شرقية‬
‫بكل تن ّوعها‪.‬‬
‫� ّإن لبنان والعالم المنفتح على ف�ضاءات المحبة يفتقد اليوم رج ًال يعتز ب�إيمانه‪،‬‬
‫يفخر بوطنه‪� .‬صبا �إلى �أحلى ما يمكن �أن يكون عليه من الأُلفة والمحبة والتعاون‬
‫بين �أبنائه‪ .‬ندعو العلي القدير �أن يجمعه بك ّل الذين ق�ضوا على طريق الحقّ و�إنكار‬
‫الباطل فزهقوه الذين ال زالت �أ�صواتهم تجلجل في القلوب قبل الآذان‪ .‬و�أن ير�سل‬
‫لأبناء الطائفة ال�شيعية في لبنان مرجعية على مثاله قدوة في االنفتاح والمحبة وقول‬
‫كلمة الحقّ ت�صيب الطائفية والخبث والدجل في المقتل‪.‬‬
‫الديار ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬
‫*مطران عكار وتوابعها للروم الأرثوذك�س ‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫درب الإن�سان للإن�سان‬
‫ح�سن خليل*‬

‫نتم�سك بتعاليم فكرك‬
‫ال خيار لنا بعد رحيلك � اّإل �أن‬
‫ّ‬
‫وت�سامح مدر�ستك‪ ،‬و� اّإل ال �شعاع نور �أو بريق �أمل‪...‬‬

‫‪104‬‬

‫مت م ّرة �أخرى‪ ،‬بل ل َ‬
‫كنت‬
‫كنت بمثابة والدي ولذلك تي ّت ُ‬
‫أنك َ‬
‫كال‪ ،‬لن �أ ّدعي �أن َّك َ‬
‫كنت وبدون اتفاق‬
‫مرجع ًا ديني ًا وفكري ًا و�إن�ساني ًا يم ّثل الإ�سالم الذي �أنتمي �إليه‪َ .‬‬
‫�س ّري �أو علني بيننا تتحدث بالنيابة عني وعن الماليين من الم�سلمين الذين رف�ضوا‬
‫االنزواء �أو االنغالق‪ ،‬والذين لم ولن يقبلوا «التناق�ض» بين التد ُّين والإن�سانية‪ .‬هذه‬
‫وكنت يا �سماحة ال�س ّيد خير َمن حملها ود َّر�سها‪.‬‬
‫كانت ر�سالة �أمير الم�ؤمنين علي‪َ ،‬‬
‫تغيب عنّا في زمنٍ بتنا �أغراب ًا في محيطنا العربي الغارق تخ ّلف ًا‪ ،‬تار ًة يطالبنا‬
‫ب�إثبات �إيماننا على «طريقته» و�إال فنحن كفّار‪ ،‬وتار ًة يطعن في عروبتنا ح ّتى درجة‬
‫أنت ومن قب ِلك الإمام محمد مهدي �شم�س الدين والإمام مو�سى‬
‫«المجو�سية»‪ ،‬ولكن � َ‬
‫ال�صدر كنتم المدر�سة التي ع ّلمتنا‪�« :‬إدفع بالتي هي �أح�سن»‪ ،‬وب� ّأن �سع َة ال�صدر‬
‫التع�صب‬
‫وال�صبر والتف ُّكر والعزم والحزم والقوة والإيمان واالنفتاح وعدم مواجهة ّ‬
‫زهدت �أنت وزهد قبلك عي�سى بن مريم‪.‬‬
‫بالتع�صب هي �سمات الإن�سان الزاهد كما‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫لم تكن تعنيني عالقتي ال�شخ�صية بك و�س�ؤال خاطرك دوم ًا كما َع َن ْتني نظرتك �إلى‬
‫الجانب الإن�ساني في عالقاتك مع الآخرين‪ .‬اليوم وقد غ َّي َب َك الموت �أ�صبح ب�إمكاني‬
‫كنت �أخفيه لنف�سي عن مواقفك في محطات مح ّددة ّ‬
‫لعت عليها‬
‫اط ُ‬
‫�أن �أقول للجميع ما ُ‬

‫منك وك ّلفتني دوم ًا �أن �أنقل مح ّب َ‬
‫تك وعدم حقدك وا�ستعدادك للمعانقة‪.‬‬
‫الح�ساب ب�سيط وال م�ساوم َة فيه‪ .‬فالح�سن ُة‬
‫لقد ع َّلمتنا يا �سماحة ال�س ّيد � ّأن‬
‫َ‬
‫ح�سنة وال�سيئ ُة �سيئة‪ ،‬و� ّأن التكعيب والتربيع للح�سنات هي عملية ح�سابية يقوم بها‬
‫الخالق وحده‪ ،‬ومحو ال�سيئات كذلك‪ ،‬ال عب ٌد من عبيده التافهين الذين يظهرون على‬
‫ال�شا�شات فيتب ّرعون من هنا وهناك بح�سنات م�ضاعفة ويمحون �سيئات‪.‬‬
‫أنت خي ُر َمن ا�ستحقّ تلك الألقاب‪ ،‬ال َمن ا�شتروها بالمال‬
‫يا �س ّيدي ويا موالي‪ ...‬و� َ‬
‫كنت و�ستبقى بيننا رمزَ التوا�صل والقيم والأخالق وزهد «النبعة وبئر العبد‬
‫والجاه‪َ ،‬‬
‫وال�ضاحية»‪.‬‬
‫لم تكن �صدفة � ّأن �أكثر كلمتين ا�ستع َمل َت ُهما في خطبك‪ ،‬كما لفت �أحد محبيك‪،‬‬
‫كنت المحارب الأول �ض ّد التكفير والدعوة �إلى قبول‬
‫كانتا‪ :‬الحركة والواقع‪ ،‬و�أنك َ‬
‫أعطيت الإن�سان قيمته بالعقل‬
‫الإن�سان في الجانب الإن�ساني منه‪ ،‬ولو لم يكن م�سلم ًا‪َ � .‬‬
‫والفكر المنهجي‪.‬‬
‫َ‬
‫غيابك لي�س �سه ًال‪ِ .‬ل َمن �أ�شكو تز ّمت بع�ض �أهل بيتي وتخ ّلف بع�ض‬
‫ال يا �س ّيدي‪:‬‬
‫جوانب مجتمعي؟ ِل َمن �س�أذهب ليقول لي «معلي�ش»‪ ،‬علينا �ألاّ ني�أ�س‪ ،‬و� ّأن على ٍّ‬
‫كل منّا‬
‫بنف�سه وعمله‪ ،‬ال بمعاك�سة �أهل الحقد والح�سد؟‬
‫نتم�سك بتعاليم فكرك وت�سامح مدر�ستك‪ ،‬و�إلاّ ال‬
‫ال خيار لنا بعد رحيلك �إلاّ �أن ّ‬
‫�شعاع نور �أو بريق �أمل‪...‬‬
‫و�شددت على �أيدينا في حياتك‪ ،‬ورجا ًء �أن تدعو لنا في دار البقاء �أن ال‬
‫دعوت لنا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ينثني عزمنا و�أن نبقى على دربك‪ ...‬درب الإن�سان للإن�سان ومع الإن�سان‪...‬‬
‫الأخبار ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫* نا�شر جريدة الأخبار اللبنانية‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫و�أنـا ابنتـك‬
‫فاتن قبي�سي*‬

‫�أنا «ابنتك»‪ ..‬فمن �سيع ّزيني بك؟‬
‫�سيعو�ضني‬
‫�أنت «�أب��ي» ومرجعي الفقهي‪ ...‬فماذا‬
‫ّ‬
‫عنك؟‬

‫‪106‬‬

‫«اهلل يبارك ِ‬
‫بنت من بناتي‪ِ � ..‬‬
‫فيك‪ِ � ،‬‬
‫أنت تربايتي»‪ .‬هكذا كان يبادرني الرجل‬
‫أنت ٌ‬
‫الكبير في ك ّل مرة �أق�صده فيها‪.‬‬
‫بداي ًة‪ ،‬كنت �أعزو قوله هذا �إلى دواعي المجاملة والكيا�سة‪ ،‬ولكنني �سريع ًا ما‬
‫ت�ضخ محبة‬
‫اكت�شفت �أنّه ال يتكلم بل�سانه‪ ،‬بل بما يفي�ض به قلبه‪ .‬تلك الخفقة التي ّ‬
‫وتطفح بالرحمة لك ّل عباد اهلل‪.‬‬
‫اليوم‪ ،‬رحل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪� .‬أبو الجميع‪ ،‬والأب الذي منحني‬
‫�شرف تربيته لي‪� .‬سبقه والدي �إلى رحاب الخالق قبل حوالي ثالثة �أ�شهر‪ ،‬وك�أّن ث ّمة‬
‫تواط�ؤ ًا قدري ًا الغتيال الأب ّوة في حياتي‪.‬‬
‫في مقابلتي الأخيرة معه‪ ،‬ال�ستطالع ر�أي الدين حول ظاهرة �إفال�س رجال‬
‫والم�سجلة بتاريخ ‪ ،2009/9/9‬لم َ‬
‫يتخل «ال�سيد» الذي كان قد �أ�ضناه‬
‫الأعمال‪،‬‬
‫ّ‬
‫المر�ض‪ ،‬عن ابت�سامته وترحيبه بال�ضيف وكلماته الدافئة‪ .‬هالني اهتمامه بالحديث‬
‫عن الجانب ال�شخ�صي من حياتي‪ ،‬في وقت ُيح�سب لوقته و�صحته �ألف ح�ساب‪« .‬بحب‬
‫�أ�س�ألك عن حياتك»‪ ،‬بادرني ثم �أردف‪�« :‬أتمنى �أن تكون هواج�سك قد انتهت»‪.‬‬
‫علي من ال�سماء‪ ،‬كان يدعو ب�أن «يفتح اهلل ِ‬
‫عليك �أبواب الحياة‬
‫وكنعمة تهبط ّ‬
‫ال�سعيدة والمنتجة»‪.‬كانت روحه الدافقة تملأني بالرهبة‪ ،‬وهي الرهبة التي تجعلني‬
‫�أقترب منه �أكثر مما �أهابه‪ ،‬ف�أحمل �إليه م�شكالتي‪ ،‬على هام�ش ال�صفة المهنية‪،‬‬

‫وي�س ّلمني بيدي مفاتيح ال تدور في الأقفال �إال عبر كلمته ال�سحرية‪« :‬ال�صبر»‪.‬‬
‫عظيم جد ًا ذاك الرجل‪ ،‬الذي برغم ان�شغاالته في الفكر وال�سيا�سة والدين‬
‫والأدب‪ ،‬وهمومه التي تمتد على امتداد العال َمين العربي والإ�سالمي‪ ،‬كان ي�سرق‬
‫الوقت ويقتن�ص نعمة رحابة ال�صدر‪ ،‬من �أجل �إر�ضاء الجميع‪ .‬كان يقول لم�ست�شاره‬
‫تزعل �صحافي»‪ .‬ولم يت�أخر يوم ًا في �إعطائي حديث ًا‪ ،‬و�إال‪ ..‬فكان‬
‫هاني عبد اهلل‪« :‬ما ّ‬
‫يجيب على �أ�سئلتي هاتفي ًا‪ ،‬لدواعي الإ�سراع في الن�شر‪.‬‬
‫لـ«ال�سيد» ف�ضل كبير‪� ..‬أذكر كيف وقفت �أمامه للمرة الأولى بك ّل ارتباكي ولهاثي‬
‫لأني حظيت بمقابلته‪ ،‬و�أنا بع ُد طالبة جامعية على �شفير التخ ّرج‪ ،‬و�صحافية متم ّرنة‬
‫علي من‬
‫في «ال�سفير»‪ .‬وكوني مبتدئة‪ ،‬لم يعاملني يومها كناق�صة خبرة‪ ،‬بل �أفا�ض ّ‬
‫�شروحاته ورحابته‪ ،‬كمن ي�أخذ بيدي نحو درب المهنية‪ .‬وهكذا كان‪ ،‬فقد نقلني ذاك‬
‫الحديث للتو من كوني متدربة �إلى موظفة‪ ،‬تلج�أ �إليه في ك ّل ق�ضية جدلية لالحتكام‬
‫�إلى ر�أي ال�شريعة‪.‬‬
‫لـ«ال�سيد» �أفق وا�سع‪ .‬كنت �أقف م�أخوذة �أمام ك ّل جانب �أكت�شفه فيه‪ .‬وقد لم�ست‬
‫ُبعده المقاوم ‪ -‬فع ًال ولي�س قو ًال ‪ -‬عندما �أ�ص ّر على �أداء �صالة الجمعة‪ ،‬في اليوم‬
‫الثاني الذي ا�ستهدفت فيه المقاتالت الإ�سرائيلية بئر العبد ب�صاروخ تفجيري‪ ،‬خالل‬
‫عدوان ني�سان ‪ .1996‬وعلى الرغم من التحذيرات يومها‪ ،‬اعتلى منبر م�سجد «الإمام‬
‫ف�ضخ الدم في‬
‫الر�ضا» لإي�صال ر�سالته بحما�سة ال�شباب و�إ�صرار المجاهدين‪ّ ،‬‬
‫عروق النا�س‪ ،‬عبر �شجبه لمعادلة‪« :‬ال�ضاحية مقابل كريات �شمونة»‪ ،‬و�أ ّكد � ّأن ق�صف‬
‫ال�ضاحية لي�س نزهة ولن يجر ا�ست�سالم ًا‪ ،‬داعي ًا المقاومة �إلى ق�صف م�ستعمرات‬
‫العدو وم�ستوطناته‪ ،‬انطالق ًا من مبد�أ «الحرب بالحرب»‪.‬‬
‫وكم�شهد تت�ش ّبث به الذاكرة‪ ،‬ال يزال م�سجد «الإمامين الح�سنين» ي�ستعيد يوم‬
‫افتتاحه في ‪� 18‬أيار ‪ ،1996‬وقد جمع الحا�ضن الكبير �آالف ًا من مختلف التيارات‬
‫واالتجاهات‪ ،‬لي�ؤم بهم �صالة الجمعة‪ ،‬في م�شهد مهيب ُ�ش ّبه يومها بكونه‪« :‬م�شهد ًا‬
‫من م�شاهد الأق�صى»‪.‬‬
‫لـ«ال�سيد» حكمة الأنبياء‪ .‬لطالما هوجم لدى �إ�صداره فتاوى ترفع النا�س من‬

‫‪107‬‬

‫الم�س ّلمات واال�ست�سالم للتقليد‪� ،‬إلى مكان يليق بالإن�سانية‪ .‬ولع ّل مقابلته مع «ال�سفير»‬
‫التي انتقد خاللها للمرة الأولى بع�ض مرا�سم �إحياء مجال�س عا�شوراء في ‪� 27‬أيار‬
‫‪� ،1996‬ش ّكلت الباب الوا�سع النتقادات بحقه ال تنتهي‪.‬‬
‫ومع ذلك‪� ،‬صبر وتح ّمل وتف ّهم هواج�س البع�ض‪ ،‬و«جاهد» غير مرة لإي�صال �صوته‬
‫الراجح في جو يخلو من العداء‪.‬‬
‫نقلت �إليه فيه �شاكي ًة‬
‫علي اليوم ذاك اللقاء‪ ،‬عندما ُ‬
‫لـ«ال�سيد» ِك ْب ٌر ورفعة‪ .‬ي ّلح َّ‬
‫وم�ستنكرةً‪ ،‬ما قاله عنه �أحد رجال الدين في لبنان‪ .‬فكانت ابت�سامة �صافية وتعليق‬
‫ر�صين‪« :‬اهلل ي�شفيه»‪ ..‬ال يعرف الحقد من يعرف اهلل‪ .‬بب�ساطة‪ ،‬هذه هي قناعته‪.‬‬
‫لـ «ال�سيد» باع طويل في مكافحة الظلم والف�ساد‪ .‬وهو المعروف عنه رف�ضه لمبلغ‬
‫�ضخم‪ ،‬عر�ضه عليه �أحد كبار ال�سيا�سيين المتمولين في لبنان‪ ،‬وا�ضع ًا �أي مال ال‬
‫يكون م�ص ّرح ًا عنه‪ ،‬وال يكون في خدمة م�شروع محدد‪ ،‬في خانة الر�شى‪.‬‬
‫اليوم نفتقدك‪ ،‬وقد تتعاظم هموم الوطن في غيابك‪ .‬نحتاج �إلى تلك الحكمة‬
‫والحما�سة‪ ،‬وذاك ال�سند لال�ستقواء على غدرات الزمن‪.‬‬
‫لم ن�س ّلم بعد برحيلك‪ ،‬ف�إنّك لم تبارح الأمكنة‪ ،‬ولم ينطفئ ظ ّلك ولم يخفت‬
‫�صوتك‪.‬‬
‫وجهي ولديك ال�س ّيد علي وال�سيد جعفر‪ ،‬لأبحث عنك‪ ،‬لأراك من‬
‫�أنظ ُر اليوم في ْ‬
‫وحي‪.‬‬
‫خاللهما‪� .‬أبحث عما يطمئنني �إلى �أنك باقٍ ّ‬
‫حزني عليك م�ؤجل‪ ،‬لم �أبكك بع ُد وقد تج ّمد دمعي لفرط الذهول‪� .‬أم�س‪ ،‬كان‬
‫ت�شييعك المهيب �إلى مثواك الأخير‪ ..‬فهل �ستبد�أ اليوم رحلة الوجع؟‬
‫�أنا «ابنتك»‪ ..‬فمن �سيعزيني بك؟‬
‫�أنت «�أبي» ومرجعي الفقهي‪ ...‬فماذا �سيع ّو�ضني عنك؟‬
‫ال�سفير ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫‪108‬‬

‫* كاتبة لبنانية‪.‬‬

‫الحب‬
‫القلب ا ّلذي لم يعرف �إال ّ‬
‫ال�شيخ ح�سين الم�صطفى*‬

‫لهب ال‬
‫هو باخت�صار القلب الذي لم يعرف �إ ّال الحب فهو ٌ‬
‫ينطفىء �أبد ًا‪.‬‬

‫} َو ِم َن ال َّن ِا�س َمن يَ�شْ رِ ي نَ ْف�سَ ُه ا ْب ِتغَاء َم ْر�ضَ ِات هّ ِالل و هَّاللُ رَ�ؤُ ٌ‬
‫وف ِبا ْل ِعبَ ِاد{‬

‫(البقرة‪.)207 :‬‬

‫و�أخير ًا‪ ...‬رقد ج�سدك ب�سالم‪ ،‬و�آن لروحك �أن تح ّلق �إلى بارئها ب�سالم واطمئنان‪،‬‬
‫بعد �أن �أ�سمعتنا نور اهلل من �شفتيك طيلة ٍ‬
‫عقود مثقل ٍة بال ّتعب والألم والمعاناة‪،‬‬
‫�صافحت وجوهنا بنظرك‪ ،‬كمن ي�صافح النّور عيني‪ ،‬ويحمل النّ�سيم في‬
‫ولطالما‬
‫َ‬
‫جذل عذبات ترانيمك‪.‬‬
‫لقد ُدفنت محت�ضن ًا م�سجدك بجوار قاعة ج ّدتك الزّهراء(ع)‪ ،‬بين مح ّبيك‬
‫الذين غذّيتهم من عقلك وقلبك الكثير من �آمالك و�أحالمك‪.‬‬
‫هد�أت �أ ّيها الج�سد ّ‬
‫الطاهر‪ ،‬بعد �أن ا�ستع�صت ال ّراحة على بدنك‪ ،‬وك�أنّك خُ لقت‬
‫لت�سكر مع المعاناة‪ ،‬فـ«الراح ُة في هذه المرحلة حرام»‪ .‬ورحلت �إلى فردو�سك و�أنت‬
‫تحمل الأحالم ّ‬
‫والطموحات الكبيرة التي لم تدركها بعد‪.‬‬
‫و�آن لنا �أن ن�س�أل �أنف�سنا �أ ّيها الأح ّبة‪:‬‬
‫من هو العالمة المرجع ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل؟!‬
‫الحب)‪.‬‬
‫هو باخت�صار‪( :‬القلب ا ّلذي لم يعرف �إال ّ‬

‫‪109‬‬

‫حي لقوله تعالى‪َ } :‬ها َ�أنتُ ْم �أُ ْوالء ت ُِح ُّبونَ ُه ْم َو َال يُ ِح ُّبونَ ُك ْم َوتُ�ؤْ ِمنُو َن‬
‫�إنّه تج�سي ٌد ّ‬
‫اب ُكلِّ ِه{(�آل عمران‪)119 :‬؛ لأ ّن ُه ق ّد�س �س ّره وعى � ّأن اهلل �أرادنا من خالل‬
‫ِبا ْل ِكتَ ِ‬

‫الإ�سالم المنفتح على النّا�س ك ّلهم �أن نفتح قلوبنا بالمح ّبة للآخرين؛ ل ّأن الم�سلم‬
‫هو ا ّلذي يتح ّرك في حياته مع الآخرين على �أ�سا�س الإخال�ص الباحث عن حركة‬
‫الحقيقة في الوجدان العام من مواقع ال ّتفكير والحوار‪.‬‬
‫لقد اتّ�سع قلب �سماحته (ر�ض) للجميع‪ ،‬ح ّتى لأولئك ا ّلذين �شهروا بوجهه �سيف‬
‫العداوة‪ ،‬وجاهروا بها‪ ،‬فدعا �إلى جعل لغة المح ّبة لغ َة الحياة‪ ،‬ح ّتى تكون الحياة �أرقى‬
‫يحب الإن�سان ا ّلذين يلتقون معه لي�ؤ ّكد لغة ال ّتوا�صل‪ ،‬و�أن‬
‫و�أطهر و�أ�صفى و�أبقى‪� ...‬أن ّ‬
‫يحب الذين يختلفون معه لي�ؤ ّكد نقاط ال ّلقاء ويع ّمق لغة الحوار‪.‬‬
‫ّ‬
‫�أ ّو ًال‪ :‬مظاهر المح ّبة على م�ستوى الفكر‬

‫‪110‬‬

‫‪ 1‬ـ العلم‬
‫أهم منطلقٍ للمح ّبة؛ ل ّأن العلم‬
‫يرى �سماحة العالمة المرجع {‪ّ � ،‬أن (العلم) � ّ‬
‫يعطينا انطالقة الأفق ال ّرحب‪ ،‬والفكر يعطينا امتداد ًا في العالم الأو�سع‪ .‬فالعلم‬
‫يحب فينتج العاطفة‪،‬‬
‫يحب فينتج الفكر‪ ،‬والقلب ا ّلذي ّ‬
‫يع ّلمنا المح ّبة‪ ،‬فهو العقل ا ّلذي ّ‬
‫يحب فينتج العدالة والإبداع‪.‬‬
‫والكيان ا ّلذي ّ‬
‫فالمح ّبة في فكر العالمة المرجع { لي�ست حال ًة �شعور ّي ًة تنطلق من الإن�سان‪،‬‬
‫بل هي �أم ٌر ي�شمل الكون ك ّله؛ � ّإن اهلل �أح ّبنا فخلقنا ورزقنا ورحمنا‪� ،‬أح ّبنا ففتح لنا‬
‫�آفاق ال ّدنيا على الخير وعلى العدل‪ ،‬وفتح لنا �آفاق الآخرة على �أ�سا�س �أن نعي�ش عنده‬
‫ومعه‪.‬‬
‫� ّإن العلم �إذا خال من (المح ّبة)‪ ،‬ف� ّإن فيه قابل ّي ًة لالنتفاخ واال�ستئثار والغرور‪،‬‬
‫يتو�صل �إليها من خالل قنواته؛ «لذلك �أن تكون‬
‫وحينها يبد�أ ب�إنكار � ّأي حقيق ٍة ال ّ‬
‫م�سلم ًا في وعيك‪ ،‬يعني �أن تكون �إن�سان اهلل والعالم‪ ،‬من حيث �إنّك �إن�سان العقل‬
‫والقلب وال ّروح والحركة والم�س�ؤول ّية‪ ،‬في ّ‬
‫خط ال ّر�سالة»‪.‬‬

‫لذلك �أطلق اهلل العلم كقيم ٍة هي �س ّر القيم ك ّلها } ُق ْل َه ْل يَ ْ�ستَوِ ي الَّ ِذ َين يَ ْع َل ُمو َن‬
‫اب{(الزمر‪ .)9:‬و�إذا كان الإيمان قيمة‪،‬‬
‫وَالَّ ِذ َين اَل يَ ْع َل ُمو َن �إِنَّ َما يَتَ َذ َّك ُر �أُ ْولُوا ْ أالَ ْلبَ ِ‬
‫وهو القيمة }�أ َف َمن َكا َن ُم ْ�ؤ ِمن ًا َك َمن َكا َن َف ِا�سق ًا لاَّ يَ ْ�ستَ ُوونَ{(ال�سجدة‪ .)18:‬ف�إنه‬

‫يم ّر بطريق العلم‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬كان العالمة المرجع{ دائم ًا ما ي�ؤ ّكد ّ‬
‫علي(ع) ا ّلذي «عا�ش‬
‫خط علم ّ‬
‫وعلي‬
‫عقله‪ ،‬ا ّلذي اتّ�سع لعلم ر�سول اهلل‪ P‬ك ّله‪ ،‬ا ّلذي قال فيه‪�« :‬أنا مدينة العلم ّ‬
‫ٍ‬
‫إيحاءات جديد ٍة‬
‫بابها»‪ .‬وح ّرك ما �أعطاه ر�سول اهلل من العلم في �آفاقٍ جديد ٍة و�‬
‫وتجارب جديدة‪ ،‬حيث قال‪« :‬ع ّلمني ر�سول اهلل �ألف باب من العلم‪ ،‬فتح لي من ك ّل‬
‫ٍ‬
‫علي(ع) يحفظ علم ر�سول اهلل‪ P‬حفظ الكلمة‪ ،‬ولكنّه‬
‫باب �ألف باب»‪ .‬فلم يكن ّ‬
‫كان يح ّرك علم ر�سول اهلل في ك ّل ما ا�ستحدثه النا�س من ق�ضايا وم�شاكل وتجارب‪،‬‬
‫ولذلك كان يح ّدق في الم�ستقبل‪ ،‬من �أجل �أن يعطي هذا العلم حرك ّيته وامتداده‬
‫ورحابته للم�ستقبل‪ ،‬لأنّه لم يجد �أنا�س ًا يفهمون علمه في مرحلته‪ ،‬ولذلك �أطلق علمه‬
‫للأجيال القادمة‪ ،‬وقد ع ّبر عن ذلك بقوله‪�« :‬إن ها هنا ل ِعلم ًا ج ّما لو �أ�صبت له َح َم َلة»‪.‬‬
‫ولم ي�صب له حملة‪ ،‬وكان علمه ك ّله هلل»‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ المقاومة‬
‫ي�ؤ ّكد العالمة المرجع{‪ّ � ،‬أن «المح ّبة ال تعي�ش االزدواج ّية بين الفكرة‬
‫ال�سعادة‪ ،‬ولذلك كان‬
‫والتطبيق»‪ ،‬فقد تُخلق المح ّبة من رحم الألم كما تُخلق من رحم ّ‬
‫ت�أييده{ المطلق لحركة المقاومة منطلقه (المح ّبة)؛ لأنها مقاومة انبنت على‬
‫رف�ض اغت�صاب الأر�ض والحياة‪� ،‬إنّها مقاومة لقهر الإرهاب؛ ل ّأن المماثلة هي التي‬
‫تعطي م�س�ألة الحقّ م�صداق ّي ًة هنا وهناك‪ ..‬وهو ما ب ّينه الأئ ّمة من �أهل البيت(ع)‬
‫في مو�ضوع الحقّ وطالبه‪ ،‬وال �س ّيما حين ُ�ضرب �أمير الم�ؤمنين‪ ،‬فالمماثلة يجب �أن‬
‫تنطلق في الحقّ ومن �أجل الحقّ ‪.‬‬
‫وفي مداخل ٍة ق ّدمها �إلى الق ّمة الإ�سالم ّية‪/‬الم�سيح ّية ا ّلتي عقدت في العا�صمة‬
‫الإيطال ّية روما (رجب ‪1422‬هـ ‪2001/10‬م)‪ ،‬وجاءت بعنوانٍ مثير‪« :‬المقاومة هي‬

‫‪111‬‬

‫الحي لحركة المح ّبة الإن�سان ّية‪ ..‬واالحتالل هو �أعلى مظاهر الإرهاب»‪،‬‬
‫المظهر ّ‬
‫م�ؤ ّكد ًا فيها � ّأن «علينا �أن ال نخلط بين الإرهاب والمقاومة من �أجل ال ّتحرير؛ ل ّأن‬
‫الحي لحركة‬
‫ق�ض ّية حرية ال�شّ عب في تقرير م�صيره ومقاومته للمحت ّل‪ ،‬تم ّثل المظهر ّ‬
‫إن�ساني‪ ،‬باعتباره لون ًا من‬
‫المح ّبة الإن�سان ّية‪ ،‬بينما يم ّثل االحتالل مظهر ًا للحقد ال ّ‬
‫إن�ساني في تعطيل �إرادته عن القرار‪ ،‬ومحا�صرة �أو�ضاعه عن النم ّو‬
‫�ألوان اال�ستعباد ال ّ‬
‫والإبداع»‪.‬‬
‫وق���د �أ ّك���د (ر�ض���وان اهلل علي���ه) � ّأن «الفل�س���طين ّيين �إن�س���ان ّيون عندم���ا ينطلقون‬
‫إ�س���رائيلي قد �ص���ادر ك ّل �ش���ي ٍ‏ء منهم‪،‬‬
‫ف���ي العمل ّيات اال�ست�ش���هاد ّية‪ ،‬ل ّأن االحتالل ال‬
‫ّ‬
‫إ�س���رائيلي والأمن‬
‫ال�ص���راع بين الأمن ال‬
‫وقتل ك ّل عنا�ص���ر الأم���ن عندهم‪ ،‬و�إذا كان ّ‬
‫ّ‬
‫الفل�س���طيني‪ ،‬ف� ّإن الفل�سطين ّيين بقتالهم ال ي�ستهدفون قتل المدن ّيين‪ ،‬ولكن قتل الأمن‬
‫ّ‬
‫الإ�سرائيلي»‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫‪ -3‬بناء ج�سور المح ّبة‬
‫لقد حاول قد�س �س ّره �أن ي� ّؤ�س�س طريق ًا للمح ّبة من خالل بناء ج�سو ٍر مبد�ؤها‪:‬‬
‫�أ ‪ -‬الإيمان باهلل؛ فاهلل ر ّبنا جميع ًا‪.‬‬
‫يحب‬
‫ب ‪ -‬والإيمان بال ّر�سل ا ّلذين �أر�سلهم اهلل بكلمته المق ّد�سة‪ ،‬لأنّهم حملوا ما ُّ‬
‫اهلل لنا �أن نعي�شه ك�إخو ٍة في الإن�سان ّية‪ ،‬ب�أن نعي�ش �إن�سان ّيتنا في �إن�سان ّية الإن�سان في‬
‫القيم ال ّروح ّية والأخالق ّية‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وااللتقاء بالإله الواحد‪ ،‬و�أن ال يكون لنا �آلهة من ا ّلذين يتك َّبرون على الإن�سان‬
‫ويعتبرون �أنف�سهم �آله ًة للنّا�س‪.‬‬
‫د ‪ -‬وال ّتحاور‪ ،‬ح ّتى يق ّدم ك ّل واحد منّا فكره بو�ضوح للآخر؛ ل ّأن بع�ض النّا�س‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مذهب �آخر‪.‬‬
‫مذهب عند‬
‫يحاولون �أن ي�ش ّوهوا �صورة دينٍ عند دينٍ �آخر‪ ،‬و�صورة‬
‫إن�ساني بين يدي اهلل �سبحانه‬
‫هـ ‪ -‬و�أن نبد�أ من ّ‬
‫إن�ساني والعدل ال ّ‬
‫ال�سالم ال ّ‬
‫وتعالى‪ ،‬ومن مح ّبتنا هلل؛ لأنّنا �إذا �أحببنا اهلل �أحببنا الإن�سان‪ ،‬و�إذا التقينا على اهلل‬
‫فلن نختلف؛ ل ّأن الم�شكلة التي يعي�شها النّا�س‪ ،‬هي �أنهم ابتعدوا عن اهلل‪ ،‬و�أ�صبحوا‬

‫يعبدون الما ّدة وال يعبدون اهلل‪.‬‬
‫ولقد �س�أله مرا�سل (وا�شنطن بو�ست)‪� :‬إذا التقيت بال ّرئي�س الأميركي‪ ،‬فبماذا‬
‫تن�صحه؟‬
‫ف�أجابه قد�س �س ّره‪�« :‬أقول له‪ :‬عندما ت�ستيقظ من النّوم‪�ُ ،‬أنظر �إلى تمثال الحر ّية‪،‬‬
‫نحب الحرية كما يح ّبها ال�شّ عب الأميركي‪ ،‬فال ت�ضغط على حر ّية‬
‫ح ّتى تعرف �أنّنا ّ‬
‫�شعوب العالم»‪.‬‬
‫‪  -4‬ر�سالته في المح ّبة‬
‫لقد �أط ّل علينا �سماحة العالمة المرجع (ر�ضوان اهلل تعالى عليه) بر�سالة‬
‫ين من‬
‫الحب‪ ،‬فكان م�ؤمن ًا ب� ّأن الإ�سالم ر�سال ٌة للحياة والكون والإن�سان‪ ،‬ف�أخرج ال ّد َ‬
‫ّ‬
‫�سجون الع�صب ّيات ّ‬
‫الطائف ّية والمذهب ّية والفئو ّية‪ ،‬محذّر ًا من ت�أثيراتها ال�سلب ّية على‬
‫مجمل واقع الأ ّمة‪ ،‬تمزّق ًا وتفريق ًا وانق�سام ًا‪ ،‬وطمع ًا من العد ّو بخيراتها وطاقاتها‬
‫و�إمكاناتها‪.‬‬
‫فمن الخط�أ �أن ن�ؤمن ب� ّأن مح ّبة الآخر تعني اال�ستحواذ عليه‪� ،‬إذ المح ّبة تختلف‬
‫في معناها عن التم ّلك؛ لأنها قيمة منفتحة على ك ّل الب�شر‪ .‬فا ّلذي يغار عليك ويبتغيك‬
‫حكر ًا له‪ ،‬ال يمكنه �أن يح ّبك‪ ،‬بل يريد امتالكك‪ ،‬ومن لديه مح ّبة لإن�سانٍ �أو لق�ض ّي ٍة‪،‬‬
‫يحر�ص على �أن ي�شاركه جميع النّا�س مح ّبته‪ .‬ومن يردك لنف�سه وحده‪ ،‬ال يمكنه �أن‬
‫يح ّبك‪ ،‬بل هو في �أعماقه يبتغي حرمانك من مح ّبة النّا�س‪.‬‬
‫فالمح ّبة الإن�سان ّية �أمر م� ّؤ�صل في الإ�سالم‪ ،‬قائم على مبد�أ الأُخ ّوة الب�شر ّية‪ ،‬ففي‬
‫الحب‬
‫الحديث‪« :‬ال ي�ؤمن �أحدكم ح ّتى يحب لأخيه ما يحبه لنف�سه»‪� .‬إنّه ي�ضيف قيمة ّ‬
‫ف�سره غير واحد‪.‬‬
‫�إلى قيمة الأخ ّوة؛ ل ّأن الأخ هنا هو �أخ في الإن�سان ّية‪ ،‬كما ّ‬
‫لقد �أرادنا ال�س ّيد �أن نعي�ش روح ّي َة القر�آن كما عا�شها في ك ّل حياته وحركته‪،‬‬
‫ف َع ِ�شقَ القر� َآن بقلبه وعقله وروحه‪ ...‬ولقد خاطبنا على ال ّدوام‪ ،‬ب� ّأن علينا �أن نتر ّبى‬
‫بالقر�آن‪ ،‬وفي �ضوء هذا المنهج القويم‪ ،‬لتكون مفاهي ُمه مفاهي َمنا‪ ،‬وحركتُه حركتَنا‬
‫في الحياة‪...‬‬

‫‪113‬‬

‫و�أو�صانا �أن يظ ّل ُ‬
‫ر�سول اهلل‪ P‬حا�ضر ًا في �أذهاننا‪ ،‬كما عا�ش في ذهنه وفكره‬
‫وعقله‪ ،‬معتبر ًا � ّأن دور العا ِلم ال ّديني‪ ،‬هو دور ال ّر�سول عن ال ّر�سول‪ ،‬ودور ال ّداعية عن‬
‫ال ّداعية الأ ّول‪ ،‬ودور الإن�سان الذي يتح ّمل م�س�ؤول ّية الإ�سالم في حياته‪...‬‬
‫علي (ع)‪ ،‬في ذوبانه في اهلل‪ ،‬وح ّبه للإن�سان‪ ،‬ونهجه‬
‫و�أر�شدنا �إلى �أن نظ ّل مع ّ‬
‫�سالي‪ ...‬و�أن نظ ّل مع الزّهراء‪ ،O‬ج ّدته وقدوته التي َو َج َد فيها �إ�شراق َة العقل‬
‫ال ّر ّ‬
‫و�س َّر النب ّوة‪ ...‬فهي �أُ ُّم �أبيها‪ ..‬وقدو ُة ال ّرجال والنّ�ساء‪..‬‬
‫وهكذا �أ ّكد �سماحته �أن نثبت على التزام نهج البق ّية من �أئ ّمة �أهل البيت(ع)‬
‫ا ّلذين �أذهب اهلل عنهم ال ِّرج�س وط ّهرهم تطهير ًا‪ ،‬فقيمتهم عليهم ال�سالم �أنّهم‬
‫انطلقوا بعيد ًا عن ذواتهم‪ ،‬فعا�شوا ال ّر�سالة ك َّلها في فكرهم و�إح�سا�سهم وحركتهم‬
‫و�آمالهم‪ ،‬ح ّتى كان ك ُّل ٍ‬
‫تتج�سد‪.‬‬
‫واحد منهم قر�آن ًا يتح ّرك‪ ،‬ور�سال ًة ّ‬
‫ثانياً‪ :‬مظاهر المح ّبة على م�ستوى العمل‬

‫‪114‬‬

‫‪ - 1‬جمعية المبرات الخيرية‬
‫خيري للمب ّرات الخير ّية قائ ًال‪:‬‬
‫لقد �صدح العالمة المرجع في حفل ّ‬
‫«هذا عال ٌم ال ب ّد لنا من �أن ن�صنعه‪ ،‬ل ّأن ك ّل جيلٍ ي�ص َن ُع عا َلمه؛ �أن ن�صنع الإن�سان‬
‫ويتوهج وينفتح وي�سمو ِ‬
‫ويبدع‪ ،‬ح ّتى ن�شعر ب� ّأن �إن�سان ّيتنا تنتج‪،‬‬
‫الذي يمكن �أن ي�ضيء ّ‬
‫تتح ّرك‪ ،‬تتغ ّير‪ ،‬تغ ّير الواقع نحو الأف�ضل‪ ..‬هذا عال ٌم ال ب ّد لنا من �أن ن�صنع فيه معنى‬
‫القيمة‪ ،‬و�أن نعي�ش رحابته‪ ،‬فال نتقوقع في زاوي ٍة هنا و زاوي ٍة هناك‪ ،‬وال نح ّرك الحقد‬
‫لينفتح على ما �س ّميناه قدا�سة‪ ،‬حقد �أتباع هذا ال ّدين على �أتباع ذاك ال ّدين‪� ،‬أو حقد‬
‫ال�سيا�سي على ّ‬
‫هذا ّ‬
‫ال�سيا�سي الآخر‪ ...‬هذا عال ٌم ال ب ّد من �أن نعي�ش‬
‫الخط‬
‫الخط‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫رحابته‪ ،‬تمام ًا كرحابة ال�شّ م�س التي تطلع على ال َب ِّر والفاجر‪ ،‬وكما هي رحابة الينبوع‬
‫في عطائه عندما يتدفّق على الأر�ض الخ�صبة والجدبة‪ ،‬ال ب ّد لنا من �أن نف ّكر‪ ،‬ل ّأن ك ّل‬
‫ال�ضجيج ا ّلذي يفتر�س ك ّل طهر الهدوء في عقولنا وفي قلوبنا وفي حياتنا‪ ،‬يمنعنا‬
‫هذا ّ‬
‫�أن نف ّكر‪� ،‬أن يكون فكرنا فكر ًا يعي�ش رحابة الحياة‪ّ ،‬‬
‫ويخطط لرحابة الم�ستقبل»‪.‬‬

‫هم �سماحة العالمة المرجع {‪ ،‬هو بناء طاقة الإن�سان العقل ّية‬
‫لقد كان �أكبر ّ‬
‫وال ّروح ّية والنّف�س ّية‪ ،‬وهو لذلك ي�ؤمن ب�أهم ّية الم� ّؤ�س�سات كو�سيل ٍة لت�أمين حاجات‬
‫المجتمع وبناء الأفراد و�صناعة م�ستقبلهم‪ ..‬ولذلك �أ ّكد �سماحته‪ ،‬ومنذ بداية‬
‫الفردي‪ ،‬و�آمن ب� ّأن الم� ّؤ�س�سات تبقى وت�ستم ّر‪،‬‬
‫عمله‪� ،‬أهم ّية بناء الم� ّؤ�س�سة ال العمل‬
‫ّ‬
‫وهي قادرة على التط ّور‪� ،‬أ ّما الأفراد فيزولون‪ ..‬ومهما كبرت �إمكاناتهم‪ ،‬ف�إنها‬
‫تبقى محدود ًة بحدود قدراتهم ونظرتهم �إلى الأمور‪ ..‬واعتبر � ّأن المجتمع الذي ال‬
‫يملك الم� ّؤ�س�سات‪ ،‬هو مجتمع ال ي�ستطيع �أن يحقّق حاجاته‪ ،‬ولن يقدر على مواجهة‬
‫التح ّديات وال الو�صول �إلى �أهدافه‪..‬‬
‫يني كمرجع‪ ،‬على ال ّدعوة �إلى المرجع ّية‬
‫ولذلك كان حر�صه‪ ،‬ومن خالل موقعه ال ّد ّ‬
‫الم� ّؤ�س�سة ال مرجع ّية الفرد الذي تزول ك ّل م�شاريعه بذهابه �إلى ر ّبه‪� ،‬أو تتح ّول �إلى‬
‫� ٍ‬
‫�شخ�صي‪� ،‬أو تفقد الأ ّمة ك ّل النّتائج التي ح�صل عليها من خالل كونه في �أعلى‬
‫إرث‬
‫ّ‬
‫مواقع الم�س�ؤول ّية ال ّدين ّية‪..‬‬
‫ومنذ ٍ‬
‫عهد مبكرٍ ‪� ،‬أن�ش�أ العالمة المرجع { في العام ‪� 1978‬أُولى م�ؤ�س�سات‬
‫جمع ّية المب ّرات الخير ّية‪« ،‬مب ّرة الإمام الخوئي»‪ ،‬بعدما ا�شتقّ لها ا�سم ًا من «الب ّر»‪.‬‬
‫وال�ضياع‪.‬‬
‫و�أعطيت الأولو ّية لرعاية الأيتام وانت�شالهم من واقع الت�ش ّرد والحرمان ّ‬
‫وتط ّور العمل من ح�ضان ٍة اجتماع ّي ٍة �إلى رعاي ٍة تربو ٍّية ثقاف ّي ٍة �شاملة‪ ،‬لتخريج �إن�سانٍ‬
‫م� ّؤهلٍ فكر ّي ًا وروح ّي ًا‪.‬‬
‫واالجتماعي‪،‬‬
‫عليمي‬
‫ّ‬
‫ونتيج ًة لفداحة ت�أثيرات الحرب الأهل ّية ال ّلبنان ّية في الواقع ال ّت ّ‬
‫الخا�صة وتربيتهم‪ ،‬من خالل م� ّؤ�س�سة الهادي‬
‫توجه االهتمام لرعاية الفئات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لل�صم»‪ ،‬و«البيان لال�ضطرابات‬
‫بمدار�سها ال ّثالث‪« :‬النور للمكفوفين»‪« ،‬ال ّرجاء ّ‬
‫ال ّلغوية»‪ ،‬لتفتح لهم �أبواب العلم والعمل والمعرفة‪ .‬و�أردفتها ب�إن�شاء مدار�س‬
‫نموذج ّية ومعاهد فن ّية وتقن ّية‪ ،‬لت�أمين ال ّتعليم بم�ستوى راقٍ ‪ ،‬مع االهتمام ب�إن�شاء‬
‫ربوي‬
‫مراكز �إعداد المع ّلمين والمع ّلمات‪ ،‬بما يحقّق االكتفاء الذاتي في الأداء ال ّت ّ‬
‫في م�سيرة الجمع ّية‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫ولذا �أن�ش�أ �سماحة العالمة المرجع {‪:‬‬
‫ •‪ 31‬مركز ًا ثقاف ّي ًا ودين ّي ًا‪.‬‬
‫ •‪ 14‬مدر�س ًة وثانو ّي ًة‪.‬‬
‫ •‪ 6‬معاهد مهن ّية‪.‬‬
‫ •‪ 6‬م� ّؤ�س�سات رعائ ّية‪.‬‬
‫الخا�صة‪.‬‬
‫ •‪ 4‬مراكز لذوي االحتياجات‬
‫ّ‬
‫ •‪ 4‬مراكز �صح ّية‪.‬‬
‫وكان المجموع‪ 65 :‬مركز ًا ومعهد ًا وم� ّؤ�س�سة‪.‬‬
‫وت�ضم جمع ّية المبرات الخيرية �أكثر من (خم�سة ع�شر �ألف) ٍ‬
‫تلميذ في مدار�سها‬
‫ّ‬
‫وم� ّؤ�س�ساتها المنت�شرة من ال�شّ مال �إلى الجنوب‪.‬‬
‫وحري بي �أن �أنقل �إليكم �صور ًة ح ّية‪ :‬ففي حفل �إفطار جمع ّية المبرات الخير ّية‬
‫ّ‬
‫نوي‪« :‬بعد تالوة عطرة من القر�آن الكريم‪� ،‬ألقى الكفيف يو�سف دحنون‪ ،‬من‬
‫ال�س ّ‬
‫ّ‬
‫ال�سمعية والب�صر ّية‪ ،‬كلم ًة تح ّدث فيها عن معاناة المكفوفين‬
‫م� ّؤ�س�سة الهادي للإعاقة ّ‬
‫في لبنان‪ ،‬و�سعيهم لنيل �أعلى مراتب ال ّدرا�سة‪ ،‬م�شير ًا �إلى م�شاركته في برنامج‬
‫«من �سيربح المليون»‪ ،‬وفوزه بـ‪� 125‬ألف ريال �سعودي‪ ،‬م�ؤ ّكد ًا � ّأن الكفيف يمكنه �أن‬
‫يتد ّرج في �س ّلم العلم والعطاء‪� ،‬شرط �أن يتح ّمل المجتمع م�س�ؤول ّيته تجاه المكفوفين‬
‫والمحتاجين»‪.‬‬
‫لقد �ساهمت تلك الم� ّؤ�س�سات ال ّرائدة بت�أمين البيئة التي ت�ضمن تنمية هذه‬
‫الطاقات وا�ستمرارها بفعال ّية وتط ّور دا ِئ َم ْين‪ ،‬وبذلك نا�ضل العالمة المرجع {‬
‫في مواجهة التح ّديات‪ ،‬لي�ساهم في تعزيز ح�ضور الإن�سان؛ كما المقاومة للعد ّو‪،‬‬
‫وال�ضعف والجهل والفقر والحرمان‪.‬‬
‫كذلك مقاومة التخ ّلف ّ‬

‫‪116‬‬

‫والحج‬
‫‪ - 2‬مع النا�س في الم�سجد‬
‫ّ‬
‫يقول العالمة المرجع {‪« :‬من ّ‬
‫بيعي � ّأن المرجع ّية م�س�ؤولة عن �أن تكون في‬
‫الط ّ‬
‫موقع النّيابة عن الإمامة‪ ،‬وعندما ندر�س حياة الأئ ّمة(ع)‪ ،‬ف�إنّنا نرى � ّأن الأئ ّمة(ع)‬

‫كانوا يعي�شون مع النا�س في ك ّل طبقاتهم‪ ،‬وكانوا يع ِّلمونهم في ك ّل ما يحتاجون �إليه‪،‬‬
‫وكانوا ينفتحون عليهم ب�شكلٍ ال ي�شعرون ب�أي حاجز بينهم وبين الأئ ّمة‪ ،‬ح ّتى � ّإن‬
‫ال�صادق(ع) بقوله‪« :‬لقد ر�أيته والنّا�س مجتمعون حوله ك�أنه‬
‫البع�ض ي�صف الإمام ّ‬
‫مع ّلم �صبيان»‪ .‬لقد كان(ع) يفتح قلبه لك ّل النّا�س‪ ...‬فم�س�ؤول ّية المرجع ّية؛ �أن تعي�ش‬
‫مع النّا�س‪ ،‬وتف�سح لهم في المجال لي�س�ألوها‪ ،‬و�أن تع ّلمهم‪ ،‬و�أن تبادرهم‪ ،‬بحيث �إذا‬
‫�س�ألوها تجيب‪ ،‬و�إذا لم ي�س�ألوها تبتدئهم‪ ،‬وخ�صو�ص ًا في هذا ّ‬
‫الظرف الذي تن ّوعت‬
‫فيه الت ّيارات المعادية للإ�سالم وتط ّورت‪ ،‬بحيث �أ�صبح �ضروري ًا �أن تنـزل المرجع ّية‬
‫�إلى ال�شّ ارع»‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق‪ ،‬اختار �سماحة ال�س ّيد { بفرادة َّ‬
‫قل نظيرها‪� ،‬أن يبقى‬
‫وحجهم‪ ،‬ويتق ّرب �إليهم كما‬
‫�إلى جانب النّا�س‪ ،‬يرافقهم في �صلواتهم و�صيامهم ّ‬
‫يتق ّربون �إليه‪ ،‬ويح�شر نف�سه معهم كما ح�شروا �أنف�سهم معه‪ ،‬ت�صديق ًا لقوله تعالى‪:‬‬
‫ين يَ ْد ُعو َن َربَّ ُهم ِبا ْل َغدَا ِة وَا ْل َع ِ�ش ِّي يُرِ ي ُدو َن َو ْج َه ُه‪({..‬الكهف‪:‬‬
‫}و َْا�صب ِْر نَ ْف�سَ َك َم َع الَّ ِذ َ‬
‫‪ ،)28‬وانفتح �سماحته على الإن�سان كلّه في ك ّل م�شاكله العقد ّية والفكر ّية‪ ،‬ونظر‬
‫أمني‪،‬‬
‫واالجتماعي‬
‫ال�سيا�سي‬
‫�إلى ق�ضايا الم�سلمين بلحاظ البعد‬
‫ّ‬
‫واالقت�صادي وال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ونظر ‪� -‬أي�ض ًا ‪� -‬إلى حركة الم�سلمين في العالم بلحاظ ّ‬
‫الظروف كا ّفةً‪ ،‬و�ص ّرح ب�أننا‬
‫ٍ‬
‫مجتمعات جامد ٍة ن�ستطيع �أن ن�سقط �أفكارنا عليها �إ�سقاط ًا من فوق‪،‬‬
‫ال نعي�ش في‬
‫ال�سعي �إلى نيل تعاطف الإن�سان ّية مع ديننا وق�ضايانا المحقّة والعادلة‬
‫بل ال ب ّد من ّ‬
‫والإن�سان ّية‪ .‬وانطالق ًا من هذه الخلف ّية‪ ،‬تح ّدث عن ق�ضايا الم�سلمين الكبرى‪،‬‬
‫كق�ض ّية القد�س والق�ض ّية الفل�سطين ّية عموم ًا‪ ،‬و�سائر ق�ضايا الم�سلمين في ما يتعلّق‬
‫بح ّريتهم وع ّزتهم وكرامتهم‪.‬‬
‫إ�سالمي‬
‫وقد �ساهم �سماحة العالمة المرجع ‪ -‬منذ عقود ‪ -‬في ت�شكيل الخطاب ال‬
‫ّ‬
‫يعي الحديث؛ بل ا�ستطاع �أن ُيدخل الكثير من العناوين والمفاهيم والمفردات‬
‫ال�شّ ّ‬
‫ٍ‬
‫م�صطلحات من قبيل‬
‫�إلى �ساحة الحركة الإ�سالم ّية‪ ،‬ولع ّل �سماحته �أ ّول من ا�ستخدم‬
‫الحركي ‪ -‬الأخالق الإ�سالم ّية‬
‫ال�ساحة الإ�سالم ّية ‪ -‬الإ�سالم‬
‫الحركة الإ�سالم ّية ‪ّ -‬‬
‫ّ‬
‫العالمي ‪ -‬دولة الإن�سان‪� ...‬إلخ‪.‬‬
‫المتح ّركة ‪ -‬الإ�سالم‬
‫ّ‬

‫‪117‬‬

‫‪118‬‬

‫وكان (ر�ضوان اهلل عليه) ن�صير ًا عنيد ًا للمر�أة في انتزاع حقوقها من مغ ّيبيها‪،‬‬
‫االجتماعي‬
‫وخ�صو�ص ًا في المجتمعات ال ّتقليد ّية التي تظلم المر�أة وته ّم�ش دورها‬
‫ّ‬
‫إن�ساني على ال ّدوام‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫إ�سالمي بمثيلٍ له منذ ٍ‬
‫عهد طويل‪ .‬ولقد‬
‫�إنّه قطب عظيم‪ ،‬لـم ينب�ض م�شرقنا ال‬
‫ّ‬
‫التنويري على عاتقه‪ ،‬غير � ٍآبه ِّ‬
‫توجهت �إليه من‬
‫حمل هذا الم�شروع‬
‫ّ‬
‫ال�سهام التي ّ‬
‫بكل ّ‬
‫علي فال‬
‫الأقربين والأبعدين‪ ،‬مر ّدد ًا قول ر�سول اهلل ‪�« :P‬إن لم يكن بك‬
‫ٌ‬
‫غ�ضب ّ‬
‫�أبالي»‪.‬‬
‫إ�سالمي‪ ،‬ال ب ّد من �أن تملك الوعي للإ�سالم‬
‫فهو يرى � ّأن الفقاهة القائدة لمجتمع �‬
‫ّ‬
‫فكر ًا و�شريع ًة ومنهج ًا‪ ،‬وال ب ّد من �أن تملك تقوى الإ�سالم حرك ًة وانفتاح ًا على النّا�س‪،‬‬
‫و� ّأن قيادة المجتهد العادل ال ب ّد من �أن تملك وعي الواقع‪ ،‬و�أن يكون العارف في �أهل‬
‫زمانه‪ ،‬ل ّأن غير الفقيه‪� ،‬إذا كان في موقع القيادة‪ ،‬ف�إنّه قد يحكم بغير الإ�سالم با�سم‬
‫الإ�سالم‪ ،‬وقد يعطي القدا�سة لمزاجه والنحرافه‪.‬‬
‫لقد انطلق قد�س �س ّره في اجتهاده ليواجه الواقع؛ كان يريد �أن يكون المجتهد‬
‫و�سبابها‬
‫ال�ساحة واتهاماتها ُ‬
‫ال�ساحة‪ ،‬وليواجه تح ّديات ّ‬
‫ا ّلذي يقف ليتح ّمل �أخطار ّ‬
‫ال�ساحة‪ ،‬ال ب ّد من �أن يتح ّمل ك ّل‬
‫وك ّل الكلمات‪ ،‬ل ّأن الإن�سان الذي يريد �أن يكون رجل ّ‬
‫تح ّدياتها وك ّل �سلب ّياتها‪.‬‬
‫الفقهي‬
‫فهو الفقيه الإن�سان ا ّلذي �أتعب ال ّراحة ولم يمهلها؛ انطالق ًا من م�ستنده‬
‫ّ‬
‫أتح�س�س �أنّني �أ�ستطيع �أن‬
‫(قاعدة الم�س�ؤول ّية)؛ حيث يقول ق ّد�س �س ّره‪« :‬ف�أنا عندما � َّ‬
‫ٍ‬
‫طاقات �أكثر‪ ،‬و� ّأن النا�س‬
‫�أخدم الإ�سالم �أكثر‪ ،‬و� ّأن الإ�سالم بحاج ٍة �إلى ما �أملكه من‬
‫بحاج ٍة �إلى �أن �أح ّرك تجربتي في حياتهم �أكثر‪ ،‬ف�إنّني �أ�شعر ب� ّأن م�س�ؤول ّيتي تمنعني من‬
‫�أن �أعي�ش حالة فراغ‪� ،‬أو �أن �أعي�ش حالة راح ٍة الهي ٍة عابثة‪ .‬لذلك ف�أنا �أعي�ش ك�إن�سانٍ‬
‫ويحب الحياة‪ ..‬لكنّي لم �أع�ش في ِّ‬
‫ويحب ّ‬
‫كل حياتي هذا‬
‫الطبيعة ّ‬
‫يحب الجمال‪ّ ،‬‬
‫�شاعرٍ ُّ‬
‫اال�سترخاء في ّ‬
‫الطبيعة �أو اال�سترخاء �أمام حاالت ال ّلهو والعبث في الحياة‪ ،‬قد يكون‬
‫ذلك مزاج ًا‪ ،‬ولكنّه في الوقت نف�سه‪ ،‬يم ّثل ك ّل �أ�سلوب حياتي‪ ،‬ف�أنا قد ال �أجد الوقت‬
‫ا ّلذي �أفر ُغ فيه لنف�سي �أو لأهلي ح ّتى الآن‪ ،‬و�أنا في ّ‬
‫ال�سبعين»‪.‬‬
‫الطريق �إلى ّ‬

‫علي حرام»‪ ،‬تتر ّدد في م�سامع من حوله‪،‬‬
‫نعم‪ ،‬ال زال �صدى تلك الكلمة‪« :‬الراحة َّ‬
‫ت�ستفهم عن �س ّر هذه ّ‬
‫الطاقة في ٍ‬
‫ال�سبعين!! ولقد قالها الإمام‬
‫ج�سد تم ّرد على ّ‬
‫ال�صادق(ع)‪« :‬ما �ضعف بد ٌن ع ّما قويت عليه الن ّية»‪.‬‬
‫ّ‬
‫ال�صافي النّجفي وهو يقول‪:‬‬
‫ورحم اهلل ّ‬
‫وال�������� ّروح ب��اق��ي��ة ع��ل��ى الع�شرين‬
‫ال�سبعين يرك�ض م�سرع ًا‬
‫عمري �إلى ّ‬
‫وهو الفقيه الإن�سان ا ّلذي لم يحمل في قلبه حقد ًا على �أحد‪ ،‬مع ك ّل الأجواء‬
‫الحاقدة عليه‪ ،‬وفي هذا ال ّتجربة المريرة يقول‪« :‬لقد تع َّلمت من ر�سول اهلل‪ P‬ذلك‪،‬‬
‫هم‬
‫عندما قر�أت �سيرته‪ ،‬ور� ُ‬
‫أيت �أنّه كان مفتوح القلب لك ّل النّا�س‪ ،‬و�أنّه كان يقول‪« :‬ال ّل ّ‬
‫ِ‬
‫علي(ع) عندما كان يقول‪« :‬اح�صد‬
‫اهد قومي ف�إنهم ال يعلمون»‪ .‬وتع ّلمت ذلك من ّ‬
‫ال�شّ ّر من �صدر غيرك بقلعه من �صدرك»‪� .‬إنّني �أت�أ ّلم مما يتح ّرك به ه�ؤالء‪ ،‬وال �أ ّدعي‬
‫لنف�سي �أني �أبتعد عن الأحا�سي�س والم�شاعر‪ ،‬فقد كان ر�سول اهلل‪ P‬كما ح ّدثنا اهلل‬
‫ال�ضيق مما يمكرون‪ ،‬لذا قال اهلل له‪ :‬اَ‬
‫}وَل تَ ْح َزنْ‬
‫تعالى عنه‪ ،‬يحزن‪ ،‬وكان يعي�ش ّ‬
‫َع َل ْيهِ ْم اَ‬
‫وَل تَ ُكن ِفي �ضَ ْيقٍ ِّم َّما يَ ْم ُك ُرونَ{(النّمل‪ ،)70 :‬لكنّي �أحاول دائم ًا �أن �أدر�س‬
‫ال�ضعف التي فر�ضت عليهم ذلك‪ ..‬كنت �أدر�س التخ ّلف الذي يعي�شون فيه‪،‬‬
‫نقاط ّ‬
‫كنت �أ�ش ِفقُ‬
‫والجهل الذي يعي�شون فيه‪ ،‬والذات ّيات التي يدورون في فلكها‪ ،‬ولذلك ُ‬
‫عليهم من �أنف�سهم �أكثر مما �أ�شفق على نف�سي منهم‪� .‬إنّني �أ�ؤمن بحقيق ٍة‪ ،‬وهي � ّأن‬
‫وتحب ا ّلذين يوافقونك لتتعاون معهم‪.‬‬
‫تحب ا ّلذين يخا�صمونك لتهديهم‪ّ ،‬‬
‫عليك �أن ّ‬
‫� ّإن الحياة ال تتح ّمل الحقد‪ ..‬الحقد موت والمح ّبة حياة‪ ،‬و�أنا �أريد �أن �أحيا وال �أريد‬
‫�أن �أموت»‪.‬‬
‫�أ ّيها الأح ّبة ‪..‬‬
‫� ّإن المح ّبة هي �أ�سا�س المجتمع‪ ،‬وبدون المح ّبة لي�ست هنالك �أمومة وال �أب ّوة وال‬
‫اجتماعية‪.‬‬
‫عائلة وال �أخ ّوة وال �صداقة وال جماعات وال �أحزاب وال حياة‬
‫ّ‬
‫ولقد ا�ستطاع العالمة المرجع { �أن يقلب فكرة معادلة (البقاء للأقوى)‪،‬‬
‫وا ّلتي تبتغي تحويل الإن�سان �إلى كائنٍ � ّآلي ال تح ّركه غير الح�سابات والم�صالح‬

‫‪119‬‬

‫الجامدة‪ ،‬و�أراد �أن يذ ّكرنا بقانون الحياة ا ّلتي خلقنا اهلل من �أجلها‪( :‬البقاء للأكثر‬
‫مح ّبة)‪.‬‬
‫جرح عميقٍ �أرجو من‬
‫� ّإن خ�سارتنا برحيله ال تع ّو�ض‪ ،‬و�إنها لثلمة كبيرة انفتقت عن ٍ‬
‫اهلل تعالى �أن يع ّو�ضها بمثله‪ ،‬و�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪.‬‬
‫�س ّيدي‪..‬‬
‫� ّإن فكرك لن ي�صبح موت ًا‪ ،‬بل هو تت ّمة‪..‬‬
‫فهو لهب ال ينطفئ �أبد ًا‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫*من علماء الإح�ساء والقطيف ‪-‬ال�سعودية‪.‬‬

‫ف�ضل من اهلل على هذه الأمة‬
‫ال�شيخ محمود عكام*‬

‫َج ِهد في �إي�صال خير ال�سماء �إلى بني الإن�سان ب�أمانة‬
‫و�إح�سان‪.‬‬
‫وجدت عند ذكره ِعلم ًا نافع ًا وعم ًال‬
‫ُك ّلما ُذ ِكر ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫َ‬
‫�صالح ًا و�أدب ًا جم ًا واعتدا ًال �صادق ًا و�إيمان ًا عميق ًا ووجدان ًا َمل�ؤه الإن�سانية بتج ّليها‬
‫الأرقى والأ�سمى‪.‬‬
‫�سعى في حياته لتثبيت القيم النبيلة‪ ،‬وجهد في �إي�صال خير ال�سماء �إلى بني‬
‫الإن�سان ب�أمانة و�إح�سان‪.‬‬
‫بمق�ض‬
‫�إن �أطلقت عليه‪� :‬ص ّمام الأمان في مجتمعاتنا ف�أنت �صادق‪ ،‬و�إن و�سمته‬
‫ِّ‬
‫الوعي ومجمع ال�سعة واال�ستيعاب ف�أنت �صائب‪� .‬أذكره اليوم وقد غدا قيمة عرفانية‬
‫�سلوكية‪ ،‬بعدما كان تجربة �إن�سانية جهادية خيرية‪.‬‬
‫فقدناه ج�سم ًا‪ ،‬وبقي منهجه حي ًا في عقول تبغي ال�صواب وقلوب تن�شر الأمان‪.‬‬
‫وح ُ�س َن‬
‫وهو و�إن مات لكنّه من الأحياء‪ ،‬مع نبيه وال�صديقين وال�شهداء وال�صالحين َ‬
‫�أولئك رفيق ًا‪ .‬طبت يا �أبا الف�ضل ويا �سليل النبوة حي ًا وميت ًا‪ ،‬وطاب انتقالك و�إيحالك‬
‫�إلى مقعد �صدق عند مليك مقتدر‪ .‬وعهد ًا �أن نبقى مع ف�ضل اهلل بف�ضل اهلل‪.‬‬
‫و�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬
‫* مفتي حمافظة حلب ‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫�سيدٌ ‪ ،‬ين�صب مترا�س ًا للحوار‬
‫على خطوط التما�س‬
‫جوزيف الها�شم*‬

‫ممن تندر الأمم في �إنجاب �أمثالهم‪.‬‬
‫ال�سيد‪� ،‬أنت ّ‬
‫يا �أ ّيها ّ‬

‫‪122‬‬

‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �سي ٌد‪ ..‬وكفى‪.‬‬
‫�سيد‪ ،‬وكفى‪ ...‬و�سامعك ال يحتاج �إلى ال�س�ؤال‪.‬‬
‫ماذا تقول فيه لت�ستوفيه؟‬
‫هل تلج�أ �إلى القامو�س منقّب ًا عن الألفاظ الو�صفية البالغة التميز لت�صف العلاّ مة‬
‫الأكبر‪ ،‬وهي على وفرتها والغنى تهزل �أمام الإحاطة بكل كوامن �شخ�صيته الكونية؟‬
‫�أم ترمق الكلمة الموقف في �أبعادها الفكرية والفقهية وال�سيا�سية‪ ،‬وقد طابت على‬
‫ح ّدي قلمه ول�سانه‪ .‬عالم ًا مرجعي ًا‪ ،‬م�ش ّرع ًا �شرع ّي ًا‪ ،‬مف ّكر ًا مو�سوعي ًا‪ ،‬مجتهد ًا فقهي ًا‪،‬‬
‫توحد وحوار انفتاحي‪ ،‬ومحاور ًا‬
‫مقاوم ًا وطني ًا‪� ،‬أديب ًا و�شاعر ًا عميق الغور‪ ،‬وداعية ّ‬
‫�سيا�سي ًا يخ�ضعك لتحليل عقلي يالزم بين المعرفة والف�ضيلة؟‬
‫كل واحدة من الخ�صائ�ص النادرات مدر�سة هي‪ ،‬ودائرة معارف‪.‬‬
‫ح�سبي �أن �ألتقط بع�ض ًا من مالمح الجانب الحواري عنده على �أنّها �ضرورة‬
‫ملحة في زمن مدنّ�س بالغرائز الع�صبية الجامحة لع ّلها تنفع الم�ؤمنين‪.‬‬
‫�إن�سانية ّ‬
‫برز ا�ستثنائي ًا خالل الحرب على لبنان‪ .‬والحرب من �أهدافها قمع �أهل الفكر‪،‬‬

‫و�إخماد النور بالنار‪ ،‬ف�إن هي �أفلحت في طم�س جوهر العقل ونبرة الل�سان‪� ،‬إال �أنّها‬
‫�أخفقت دون حرم ال�سيد‪.‬‬
‫وحده ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل تح ّدى عدة الحرب بع ّدة الفكر‪ ،‬وانت�صر‬
‫بالفكر والحرب‪ .‬ومثلما كان رائد ًا في تحرير العقل من الهلع‪ ،‬كان راعي ًا لتحرير‬
‫الأر�ض من العدوان‪.‬‬
‫الحرب‪ ،‬والثورة‪ ،‬والعنف‪ ،‬وال�ضغط الق�سري على حركة الذات‪ ،‬تفتق المواهب‬
‫الكامنة فيها‪ ،‬لتدخل حلبة ال�صراع بين ما هو حق وما هو باطل‪ ،‬وبين الحرية والقهر‪،‬‬
‫وبين العدل والظلم‪ ،‬وبين االحتالل والمقاومة‪.‬‬
‫طوالع الثورة الفرن�سية‪ ،‬بما ا�ست�شرى خاللها من ا�ضطهادات ومظالم وفوارق‬
‫�إن�سانية‪� ،‬شحذت مواهب المف ّكرين فح ّولتهم �إلى فال�سفة‪.‬‬
‫ولم يكن الف�ضل للمق�صلة ودحرجة الر�ؤو�س في تحقيق �شعار الحرية والعدالة‬
‫والم�ساواة‪ ،‬بقدر ما كان لع�صر التنوير والثورة الفل�سفية التي قادها �أرباب الكلمة‪.‬‬
‫تع�سف العرو�ش وق ّو�ض �أعمدة البا�ستيل‪.‬‬
‫�إنّه القلم الذي دكّ ّ‬
‫عندنا‪ ...‬ولبنان منبت الفكر‪ ،‬ومهبط النبوغ‪ ،‬افتقدنا في حربنا على حربهم‬
‫مف ِّكر ًا واحد ًا‪ ،‬و�شاعر ًا واحد ًا‪ ،‬و�أديب ًا واحد ًا‪ ،‬وثائر ًا واحد ًا‪ ،‬يحمل قلم الر�صا�ص في‬
‫مواجهة بنادق الر�صا�ص‪.‬‬
‫تفجر ما تكتنزه النفو�س‬
‫ف�إذا معاناة الحرب تنطلق من بواطننا �إلى زنودنا‪ ،‬ولم ّ‬
‫فجرت فينا ك ّل الإفرازات البغي�ضة ال�صاخبة‪ ،‬وك ّل‬
‫من طاقات حية متمردة‪ ،‬بقدر ما ّ‬
‫النزوات الهمجية في الإن�سان‪.‬‬
‫ف�ض ُل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �أنّه ن�صب مترا�س ًا حواري ًا على خطوط التما�س‪،‬‬
‫يتح�صن ب�أكيا�س الرمل‪.‬‬
‫و�أبى �إ ّال �أن يقف عليه منت�صب ًا في وجه القن�ص‪ ،‬ولم ّ‬
‫ت�سمع نبرته فتنجذب �إليها بكليتك‪ ،‬تفطن �إلى فكرته‪ ،‬فت�سقط لديك الحجة‬
‫الم�ضادة‪ ،‬وتح ّدق �إليه‪ ،‬ف�إذا العمامة ت�سكب هالة من الوقار الروحي‪ .‬وتقاطعات‬
‫التفت‪ ،‬ومع حركة الل�سان‪ ،‬ين�ساب الكالم ُد َرر ًا‪.‬‬
‫الوجه تن�شر الهيبة كيفما َّ‬
‫على منبره‪ ،‬رفع الخطاب ال�سيا�سي من خندق المعابر وال�سواتر �إلى رحاب العقل‬

‫‪123‬‬

‫‪124‬‬

‫الأو�سع‪ ،‬وانت�شل الكلمة من �سوق النخا�سة و�شارع اال�ستهالك �إلى م�ستوى الر�سالة‬
‫والت�شريع‪ ،‬م�ستوحي ًا من الآيات الكريمة والأحاديث ال�شريفة ما ي�سمو ب�أ�سلوب‬
‫التخاطب والحوار �إلى جوهر الإن�سان‪ ،‬الذي يحمل في حياته ر�سالة الدولة �إلى اهلل‪.‬‬
‫«الحوار في القر�آن» من �أبرز م�ؤلفاته الكثيفة والخ�صبة‪ ،‬ومنه انطلق �إلى الحوار‬
‫الإ�سالمي ‪ -‬الم�سيحي‪« ،‬ل ّأن الإن�سان حين ي�شعر ب�أنه مجتمعي فال ب ّد من �أن يتكامل‬
‫مع الآخر»‪...‬‬
‫وما دام القر�آن‪ ،‬كتاب اهلل وهدى المتقين‪ ،‬ير ّكز في غير �آية على الحوار بين‬
‫الإن�سان و�صاحبه‪ ،‬وبين اهلل والإن�سان‪،‬‬
‫بالخد‬
‫وما دامت الم�سيحية رائدة الحوار في �أق�صى �إيجابياته‪ ،‬ح ّتى الت�سليم‬
‫ِّ‬
‫الخد الأيمن‪ ،‬ف� َّإن الدعوة �إلى الحوار �إذذاك هي دعوة �سماوية تح ّدد‬
‫الأي�سر بعد ِّ‬
‫النظام ال�شرعي والم�شروع لعالقة الإن�سان بالإن�سان‪ ،‬وقد ا�ستوحتها النظم ال�سيا�سية‬
‫وال�شرائع القانونية للمجتمعات في مجال تطويرها من حركة ال�صراع العنفي �إلى‬
‫حركة ال�صراع الديمقراطي‪.‬‬
‫وال يكابر علم ال�سيا�سة في ا�ستيحاء �شرائع الر�ساالت نظام ًا �إن�ساني ًا فوق‬
‫ا�ستخال�ص ما �أجمع عليه العلماء من مبادئ عامة لل�سلوك الب�شري‪ ،‬ليتو ّقف ح�صر ًا‬
‫عند ال�صراع الفكري في ح ّل النزاعات المجتمعية‪.‬‬
‫مخ�ضبة بالدم‪ ،‬والت�سابق على مواقع ال�سلطة‬
‫ففي حين كانت طريق ال�سيا�سة ّ‬
‫والنفوذ تح�سمه المعارك الع�سكرية‪ ،‬ح ّلت المعارك االنتخابية بدي ًال‪ ،‬وحل الحوار‬
‫�أ�سلوب ًا للتخاطب محل التذابح والت�ضارب‪.‬‬
‫منطق الحوار �إذ ًا هو موقف حتمي جازم �ضد العنف والدم‪.‬‬
‫تج�سده ال�شرائع ال�سماوية و�سيرة الأنبياء‪.‬‬
‫�إنه التعبير الإلهي الذي ّ‬
‫تج�سده الأنظمة الزمنية والقوانين‪.‬‬
‫وهو التعبير المجتمعي الذي ّ‬
‫وهو التعبير الذي ي�ؤ ّكده ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل في مق ّدمة كتابه «الحوار‬
‫في القر�آن» فيقول‪« :‬ال تزال الحياة تحت�ضن الحوار وترزح في الوقت نف�سه تحت ثقل‬
‫الأ�ساليب العنفية‪ ،‬التي تريد �أن تخنق الحوار بالقوة المادية الغا�شمة‪ ،‬ويقف الحوار‬

‫�أمام القوة ليعلم � ّأن القوة ال ت�ستطيع �أن تبني الحياة التي ت�صنعها �إ ّال من خالل‬
‫الحوار‪ ،‬ل ّأن القوة التي تفقد ذلك �سوف تد ّمر نف�سها في نهاية المطاف‪.»....‬‬
‫من «الحوار في القر�آن» �أطلق ال�س ّيد دعوة �إلى الحوار المثلث‪.‬‬
‫�إلى الحوار في المطلق‪،‬‬
‫و�إلى الحوار ما بين الم�سلمين‪،‬‬
‫و�إلى الحوار تحديد ًا ما بين الم�سلمين والم�سيحيين‪.‬‬
‫الدعوة‪ ،‬ح�صر ًا‪� ،‬إلى حوار م�سيحي ‪� -‬إ�سالمي هي �صرخة مكبوتة في الأذهان‬
‫تنتظر �إطالق عنانها‪.‬‬
‫الم�سيحيون‪ ،‬كما الم�سلمون‪ ،‬فيما يحاولون دخول دائرة ال�ضوء الديني‪ ،‬يواجههم‬
‫دعاة الطائفية ب�شحنات من التع�صب‪ ،‬ف�إذا الدين و�سيلة للت�صارع ال�سيا�سي‪ ،‬و�إذا‬
‫اهلل مادة �صراع محموم‪ ،‬ك ّل فريق يحاول ا�ستقطابه �إلى جهته ليحارب اهلل باهلل‪.‬‬
‫الحوار الإ�سالمي ‪ -‬الم�سيحي‪ ،‬كما يراه ال�سيد‪ ،‬هو «تحرك يهدف �إلى �إغناء‬
‫الإن�سانية‪ ،‬ف ُيبرز على الم�ستوى العالمي القيم ال�سامية التي يلتقي عليها الدينان‪،‬‬
‫وي�سهم في تثمير حركة الإن�سان في تط ّلعه �إلى الم�ستقبل»‪.‬‬
‫ح�سبه �أنّه يلتقي مع قدا�سة البابا في دعوته �إلى الحوار الم�سيحي ‪ -‬الإ�سالمي‪،‬‬
‫والمنفتحة على الأديان ك ّلها‪ ،‬بما بين الدعوتين من قوا�سم م�شتركة في المنطلقات‬
‫والأهداف‪.‬‬
‫وح�سبه �أنّه يح ّدد دعوته على �أ�سا�س � ّأن القر�آن �أطلق م�س�ألة الحوار‪ ،‬ومار�سها‬
‫الم�سلمون مع الم�سيحيين واليهود والملحدين‪.‬‬
‫�أهمية هذه الدعوة الروحية الم�شتركة للحوار الم�سيحي ‪ -‬الإ�سالمي �أنّها تخت�صر‬
‫الم�سافات من جديد بين الإن�سان والقيم‪ ،‬وتفتح ذهنه على معنى �إن�سانيته‪ ،‬وقيمة‬
‫وجوده‪ ،‬و�أهداف هذا الوجود‪ ،‬والغاية من جهاده الدنيوي‪ ،‬فتجعله �أقرب �إلى اهلل‪،‬‬
‫ليكون �إلى �أخيه الإن�سان �أقرب‪ ،‬والإن�سان على �صورة اهلل‪.‬‬
‫فكيف يحقّق الإن�سان �إذ ًا �سالم ًا مع اهلل‪ ،‬ويخو�ض حرب ًا �ضد الإن�سان الآخر؟‬
‫وكيف يخاطب اهلل بالحوار ويخاطب الإن�سان الآخر بالحراب؟‬

‫‪125‬‬

‫�أهمية هذا الحوار �أ ّنه يط ّور الحركة الإن�سانية عك�سي ًا في ارتدادها الح�ضاري‪.‬‬
‫والعا َلمان‪ ،‬الم�سيحي والإ�سالمي اليوم‪ ،‬ي�شهدان حال ارتداد �إلى التخ ّلف‪ ،‬وحال انح�سار‬
‫�إلى جاهلية التخَ ّلف‪ ،‬بما يعنيه هذا االرتداد من �شهوات العنف والتطرف والبغ�ضاء‪.‬‬
‫�أما عن الحوار الم�سيحي ‪ -‬الإ�سالمي في لبنان‪ ،‬فهو يرفع «الق�ضية الوطنية �إلى‬
‫�أعلى م�ستوى»‪ ،‬ويحول دون تح ّرك لبنان ب�شخ�صيتين تع ّمق ال�سيا�سة الهوة بينهما‪.‬‬
‫وي�ستغرب ال�س ّيد عن حق كيف تح ّلل ال�سيا�سة لنف�سها «منع الحوار في لبنان‪ ،‬حين‬
‫� ّأن الفرق بين الإ�سالم والم�سيحية ال يزيد عن الفرق بين الم�سلمين �أنف�سهم �أو بين‬
‫الم�سيحيين �أنف�سهم‪.»...‬‬
‫ون�ستغرب معه �أكثر م�ؤ ّكدين � ّأن االلتقاء �أحيان ًا بين الم�سيحيين والم�سلمين‬
‫على غير م�س�ألة �أم ٌر قد يكون �أ�سهل من االلتقاء في ما بين الم�سيحيين �أنف�سهم �أو‬
‫الم�سلمين �أنف�سهم‪.‬‬
‫�إذا ا�ستطعنا �أن نحقّق مجتمع الحوار الذي ينفتح فيه الإ�سالم والم�سيحية على ك ّل‬
‫الأفكار الم�ضادة‪ ،‬كما يقترحه ال�سيد‪« ،‬و�إذا ا�ستطاع الم�سلمون في لبنان �أن يكونوا‬
‫م�سلمين من خالل ما هو معنى الإ�سالم وعمقه‪ ،‬و�إذا ا�ستطاع الم�سيحيون �أن يكونوا‬
‫م�سيحيين في ما هو معنى الم�سيحية وعمقها‪ ،‬ف�إنّهم يعطون ال�سيا�سة معنى في الروح‬
‫وعمق ًا في الإن�سانية‪ ،»...‬وينتقلون حتم ًا من مجتمع ال�سالح‪� ...‬إلى مجتمع ال�سالم‪،‬‬
‫ومن المجتمعات المتنافرة �إلى المجتمع الموحد‪ ...‬ومن لبنان المنق�سم �إلى لبنان‬
‫حب الوطن الذي هو من الإيمان‪.‬‬
‫الملتحم‪ ...‬ومن التع�صب �إلى الدين‪ ،‬بل‪� ،‬إلى ّ‬
‫�أيها ال�سيد‪ ،‬هذا بع�ض عطر من ربيعك الأَف َيح‪ ،‬ولي معك لقاءات طويلة بع ُد كما‬
‫كان لي من قبل‪ ،‬محتفظ ًا منك بذخر مقدمتك لكتابي «علويات» �أنقله �إرث ًا للخلف‪.‬‬
‫ويا �أيها ال�سيد‪� ،‬أنت ممن تندر الأمم في �إنجاب �أمثالهم‪ ،‬ف�إن افتقدتك الأمة‬
‫وخ�سرك لبنان‪� ،‬إال �أنك تبقى الملهم الأحجى‪ ،‬والمر�شد الأكبر لك ّل زمن وجيل‪.‬‬
‫النهار ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪126‬‬

‫* وزير لبناين �سابق‪.‬‬

‫رحيل ع ّالمة‪ :‬عا َل ٌم في رجل‬
‫رفيق خوري*‬

‫�ساطع في ظالم ال�شرق‪.‬‬
‫ن�صف قرن‪ ،‬وهو �ضو ٌء‬
‫ٌ‬
‫ال حدود للفرادة والتع ّدد في �شخ�ص ّية الع ّالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫وال �شيء في وداعه اليوم ي�صاحب الحزن العاطفي العميق �سوى الأ�سى العقلي‪.‬‬
‫ن�صف قرن‪ ،‬وهو �ضوء �ساطع في ظالم ال�شرق‪ ،‬و�صوت �صارخ �ض ّد ظلم اال�ستعباد‬
‫االمبريالي لل�شرق وظلم اال�ستبداد والجهل في ال�شرق‪ .‬فهو متفرد بين فقهاء الدين‪.‬‬
‫متم ّيز بين القارئين الج ّديين في التح ّوالت والثوابت ال�سيا�سية في لبنان والمنطقة‬
‫والعالم‪ .‬مرجع تقليد مج ّدد �آثار رياح المرتاحين �إلى الخرافات بمقدار ما جذب‬
‫الماليين �إلى اتّباع مرجعيته‪ .‬مم�سك بنب�ض الحياة الإن�سانية التي من �أجلها ومن‬
‫�أجل تطويرها كانت الكتب‪ .‬ومتق ّدم في فهم (الإ�سالم الحركي) ودفعه نحو �إنجاز‬
‫مه ّمتين كبيرت ْين‪ :‬تحرير الأر�ض بالمقاومة‪ ،‬وتحرير الإن�سان بالعقل وممار�سة‬
‫الحرية‪ ،‬ح ّتى الموت‪ ،‬ف�إنّه تر ّدد طوي ًال‪ ،‬بمحاوالت االغتيال وتعب الج�سد بالمر�ض‬
‫والعمر‪ ،‬لكي يجر�ؤ على �أخذه في الرحلة الأخيرة‪.‬‬
‫كان (ال�سيد) عا َلم ًا ِ‬
‫مخت�صر ًا في رجل‪ .‬همومه واهتماماته لبنانية وعربية‬
‫وا�سع ًا‬
‫َ‬
‫لكن حركته وا�سعة‬
‫و�إ�سالمية وكونية‪ ،‬مركز الدائرة عنده هو (ع�صرنة الإ�سالم)‪ّ ،‬‬
‫في دوائر مترابطة‪ :‬دائرة الحوار من �أجل الوحدة الإ�سالمية بين المذاهب‪ ،‬دائرة‬

‫‪127‬‬

‫الحوار مع �أهل الديانات الأخرى‪ ،‬دائرة المقاومة لالحتالل والهيمنة ومعهما الجهل‬
‫والتخ ّلف‪ ،‬ودائرة الوعي بالق�ضايا المعا�صرة في العالم‪ .‬لم يفقد البو�صلة الأ�سا�سية‬
‫وهو يتحرك في هذه الدوائر‪ ،‬ولم يقف عند حدود الكتابة بل َفت ََح المدار�س لتعليم‬
‫الن�شء وتدريبه على مواجهة الحياة‪ ،‬وال هو ن َِ�س َي في غمرة الفتاوى الدينية الجريئة‬
‫والأحاديث ال�سيا�سية العميقة ال�شاع َر الذي ي�سكن روحه ال�شفّافة‪.‬‬
‫وما كان �أكبره‪ ،‬وهو المتق ّدم بين الكبار‪ ،‬حين ظ ّل يدعو �إلى تجاوز الع�صبيات‬
‫والتحزّب الأعمى وعبادة ال�شخ�صية‪ .‬كان هاج�سه �أن تتح ّرر النا�س من ع�صب ّياتها‬
‫ال�ض ّيقة الم�ؤذية لتعي�ش �إن�سان ّيتها الوا�سعة‪ .‬لم تزحزحه حمالت التجنّي والظلم التي‬
‫جاءته من الأقربين‪ .‬وال تخ ّلى عن دعوته �إلى (�شورى الفقهاء)‪ ،‬و�سط النزوع �إلى‬
‫االن�ضباط في ظل (والية الفقيه)‪ ،‬من دون �أن يتبنّى ب�شكلٍ وا�ضح نظرية (والية الأمة‬
‫وتم�سك بها الإمام محمد‬
‫على نف�سها) التي تح ّدث عنها فقهاء كبار مثل النائيني ّ‬
‫مهدي �شم�س الدين‪.‬‬
‫ولي�س �أمر ًا عادي ًا �أن ينجح الع ّالمة ف�ضل اهلل في جعل لبنان �أر�ض مرجعية‪� ،‬إلى‬
‫جانب المرجعيات في النجف وقم‪ .‬وال �أن يعيد �إلى الدين دوره في تط ّور الحياة‬
‫واالنفتاح داخلها بدل القب�ض على الحياة واالنعزال عنها‪� .‬ألي�س من تو ّلى �إعالن‬
‫نعيه هو �أحد العلماء الكبار في البحرين؟ �ألي�س ما يفتقده اللبنانيون اليوم وغد ًا قبل‬
‫�سواهم‪ ،‬هو الموقف الحا�سم الذي ي�ستندون �إليه في ك ّل اهتزاز؟‬
‫ليرحمنا اهلل ويتغمد بوا�سع رحمته الع ّالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫الأنوار ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪128‬‬

‫*رئي�س حترير جريدة الأنوار اللبنانية‪.‬‬

‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل كما عرفته‬
‫د‪ .‬يو�سف �س ّيد ح�سن الزلزلة*\‬

‫كان فكره زاخ��ر ًا ّ‬
‫بكل �شيء يدفع باتجاه رِفعة الأ ّمة‬
‫تطور ال ّزمان‪.‬‬
‫متطور ًا مع ّ‬
‫وعلوها‪ ،‬وكان ر�أيه حكيم ًا ّ‬
‫ّ‬
‫في �سنة ‪1982‬م‬
‫‪ ‬التقيت �سماحته وللم ّرة الأولى في الواليات الم ّتحدة الأميرك ّية في �سنة ‪،1982‬‬
‫�أثناء ذهابي لتكملة درا�ساتي العليا‪ ،‬حيث ح�ضرت �أحد الم�ؤتمرات الإ�سالم ّية هناك‪،‬‬
‫وكان الح�ضور يفوق ‪ 1200‬م�شترك من النّ�ساء وال ّرجال من دولٍ مختلفة‪ .‬ا�ستمعت‬
‫�إليه وللم ّرة الأولى‪ ،‬لأرى �شخ�ص ّي ًة �إ�سالم ّي ًة ج ّل حديثها عن الوحدة الإ�سالم ّية‪ ،‬ونبذ‬
‫النبي الأكرم(�ص)‬
‫الفرقة‪ ،‬وت�أكيد ك ّل ذلك بالآيات القر�آن ّية‪ ،‬ودعم ال ّدليل ب�أقوال ّ‬
‫و�أئمة �أهل البيت(ع)‪ ،‬كما وكان ير ّكز على نبذ ّ‬
‫الطائف ّية والبعد عن �إثارتها‪ ،‬ويق ّدم‬
‫الأد ّلة والبراهين بتحليل ال ّتاريخ والأحداث‪ ،‬لكي ي�ؤ ّكد � ّأن ك ّل فتن ٍة وراءها �أعداء‬
‫ٍ‬
‫مذهب‬
‫الإ�سالم و�إ�سرائيل‪ ،‬ا ّلذين يكيدون له لإ�ضعافه‪ ،‬ولي�س هناك � ّأي �صل ٍة ب� ّأي‬
‫في الفتنة‪ ،‬بل � ّإن من يوقظها من الق ّلة ال ّتابعين ل ّأي طائف ٍة‪� ،‬إنما هم مغ َّر ٌر بهم من‬
‫قبل �أعداء الأ ّمة‪ .‬كما وكان ي�ؤ ّكد � ّأن ما يختلف عليه الم�سلمون بمختلف طوائفهم‪،‬‬
‫ُيلخّ �ص في دوائر �صغيرة �ض ّيقة يجب �أن يكون الحديث عنها في المواقع العلم ّية‬
‫أعم‬
‫ولي�س بين العا ّمة‪ ،‬وما ت ّتفق عليه طوائف الم�سلمين‪ ،‬هي دوائر كبيرة ج ّد ًا هي ال ّ‬
‫والأ�شمل‪ .‬كما وكان �سماحته ي�شير �إلى دور يهود �إ�سرائيل ا ّلذين �أ ّكد القر�آن الكريم‬

‫‪129‬‬

‫عداوتهم للإ�سالم والم�سلمين بقوله تعالى‪}:‬لَتَ ِج َدنَّ �أَ�شَ َّد ال َّن ِا�س َعدَا َو ًة ل ِّ َّل ِذ َين �آ َمنُو ْا‬
‫م�صائب الأ َّمة الإ�سالم َّية الحديثة هي من‬
‫ا ْليَ ُهو َد{(المائدة‪ ،)82 :‬وكان يد ِّلل على � َّأن‬
‫َ‬

‫إ�سالمي‪،‬‬
‫�صنع �إ�سرائيل وحلفائها ا ّلتي و�ضعت في �أُولى �أولو ّياتها �إ�ضعاف الكيان ال‬
‫ّ‬
‫عن طريق �إيقاد الفتن ون�شر الف�ساد فيه‪ ،‬وكذلك �إ�شعال نار الحرب بين دوله‪.‬‬
‫بقيت في هذا الم�ؤتمر ثالثة �أ ّيام متوا�صلة‪ ،‬ور�أيت في هذه ال�شخ�ص ّية ح ّب ًا‬
‫ُ‬
‫ال�صباح �إلى �ساعات ال ّليل‬
‫لإي�صال الفكر ال‬
‫ّقي �إلى الح�ضور‪ ،‬من �ساعات َّ‬
‫إ�سالمي الن ّ‬
‫ّ‬
‫المت�أخّ ر‪ ،‬وب�صور ٍة متوا�صل ٍة‪ ،‬دون �أن ي�أخذ � ّأي ٍ‬
‫ق�سط من ال ّراحة‪ ،‬وتيقّنت � ّأن هذه‬
‫ال�شّ خ�ص ّية ال تريد من � ٍ‬
‫أحد جزا ًء وال �شكور ًا‪� ،‬إال �أنّه الواجب ا ّلذي يح ّتم عليه �إي�صال‬
‫تاريخ‬
‫الفكر ال‬
‫إ�سالمي المح ّم ّ‬
‫ّقي �إلى الأ ّمة دون � ّأي �شوائب �أ�صابته من بع�ض ٍ‬
‫دي الن ّ‬
‫ّ‬
‫مريرٍ �أو ٍ‬
‫يهودي حاول �أن ي�ش ّوه �سماحة الإ�سالم ورق ّيه‪ ،‬فاعتمد على بع�ض ج ّهال‬
‫حقد‬
‫ّ‬
‫الأ ّمة لن�شر العداء بينهم‪.‬‬
‫ما ر�أيته في فكر ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �شيء لم �آلفه �سابق ًا‪ ،‬ولم �أ�سمعه‬
‫من �أحد‪ ،‬فكان مل�ؤه ح ّب ًا لأ ّمة الإ�سالم وللب�شر‪ ،‬وكان فكره زاخر ًا بك ّل �شيء يدفع‬
‫باتجاه رفعة الأ ّمة وعل ّوها‪ ،‬وكان ر�أيه حكيم ًا متط ّور ًا مع تط ّور الزّمان والب�شر‪.‬لم �أ َر‬
‫في حديثه غلاِ ًّ �أو عداو ًة �أو حقد ًا �أو بغ�ض ًا لمن ي�شهد �أن ال �إله �إال اهلل و� ّأن محمد ًا‬
‫النبي الأكرم التي �أمرنا المولى الكريم باتّباعها‪.‬‬
‫ر�سول اهلل‪ ،‬فعرفت � ّأن هذه �أخالق ّ‬

‫‪130‬‬

‫مع الكويت والكويت ّيين‬
‫مع � ّأن �سماحة العالمة الكبير كان مهت ّم ًا بالأ ّمة الإ�سالم ّية ب�شمولها‪ ،‬وكان حديثه‬
‫خا�ص ًا للكويت‪ ،‬فكان كثير الحديث عن‬
‫للجميع‪ ،‬ولكنّي كنت �أ�شعر ب� ّأن في قلبه مكان ًا ّ‬
‫خا�صة‪،‬‬
‫الأيادي البي�ضاء للكويت و�أهلها حول العالم ب�صور ٍة عا ّمة‪ ،‬وفي لبنان ب�صور ٍة ّ‬
‫ٍ‬
‫العم الفا�ضل الحاج‬
‫وما وجوده الم�ستم ّر‬
‫ل�سنوات مع حملة التّوحيد التي كان يديرها ّ‬
‫كاظم عبد الح�سين (�أطال اهلل في عمره)‪� ،‬إال دلي ًال قاطع ًا على ح ّبه للتّوا�صل مع‬
‫مجل�س يجمعنا فيه‪ ،‬كان ي�ؤ ّكد لنا �أهم ّية العمل على‬
‫�إخوانه و�أبنائه الكويت ّيين‪ .‬وفي ك ّل ٍ‬
‫زيادة التالحم بين �أبناء الكويت وااللتفاف حول قيادته‪ ،‬كما كان ‪ -‬رحمه اهلل ‪ -‬ين�صح‪،‬‬

‫وبا�ستمرار‪ ،‬ب�أن يعمل الجميع على �أن ت�سود المح ّبة والأُلفة بين �أطياف المجتمع‪ ،‬ل ّأن‬
‫ذلك هو ا ّلذي يجعلهم كالبنيان المر�صو�ص‪ ،‬كما قال المولى الكريم في كتابه‪ .‬وقبل ما‬
‫يقارب ّ‬
‫ال�شهرين‪ ،‬وباجتماعي الأخير معه (رحمه اهلل)‪ ،‬ح ّملني ر�سال ًة �شفو ّي ًة ل�صاحب‬
‫ال�شيخ �صباح الأحمد‪ّ ،‬‬
‫ال�سم ّو‪ ،‬الأمير ّ‬
‫بال�شكر والتّقدير له على �إعطائه الأوامر لإعادة‬
‫الخا�صة بالأيتام‪ ،‬وا ّلتي د ّمرتها �إ�سرائيل‬
‫علي بن �أبي طالب(ع)‬
‫ّ‬
‫بناء مب ّرة الإمام ّ‬
‫بالكامل خالل حرب تموز «‪.»2006‬‬
‫وعندما كان يثار في البلد �أ ّيما ٍ‬
‫حديث قد تكون نتائجه �إثارة فتن ٍة هنا �أو هناك‪،‬‬
‫كان يبادر بال ّت�صريح بر�ساالته المتك ّررة بااللتزام بك ّل ما من �ش�أنه ت�أ�صيل وحدة‬
‫المجتمع وتالحمه‪ ،‬وال ُبعد عن � ّأي �أمرٍ يف ّرق‪.‬‬
‫في يوم التّ�شييع‬
‫كنّا ن�سمع � ّأن ل�سماحة ال�س ّيد مريدين ومح ّبين من جميع الأطياف والأديان‪،‬‬
‫وكنّا نقر�أ حواراته في لقاءاته المختلفة مع علماء العالم ومف ّكريه‪ ،‬لكن ما �شاهدناه‬
‫خالل ت�شييعه‪ ،‬من وجود جميع ّ‬
‫الطوائف في لبنان‪ ،‬وتوافد النّا�س من مختلف دول‬
‫العالم‪� ،‬شرقها وغربها و�شمالها وجنوبها‪ ،‬عرفت بما لم يدع لي مجا ًال لل�شّ ّك‪ّ � ،‬أن فكر‬
‫هذا العالم الر ّباني الكبير و�صل �إلى �أ�صقاع الأر�ض المختلفة‪ ،‬ليتبنّاه ك ّل من يرغب‬
‫في �أن ي�سير على منهاج ر�سول اهلل (�ص)‪ .‬وما الم�سيرات المليون ّية الحا�شدة التي‬
‫حب وتقديرٍ لهذا العا ِلم من هذا العا َلم‪.‬‬
‫�شاهدناها في بيروت‪� ،‬إال دليل ٍّ‬
‫وبعد فراق ال�س ّيد‬
‫�صحيح � ّأن ج�سد هذا العالم الكبير قد دفن في م�سجد الح�سنين في بيروت‪،‬‬
‫و�صحيح � ّأن روحه ّ‬
‫لكن‬
‫الطاهرة قد جمعها اهلل تعالى بروح ج ّده ر�سول اهلل(�ص)‪ّ ،‬‬
‫فكره وعطاءه باقيان ما بقي ال ّدهر‪ .‬و�أ ّما من يقول � ّإن �سماحته قد �أوذي وحورب‪،‬‬
‫النبي‬
‫النبي عن ّ‬
‫ف�أقول �إنّه كان له في ج ّده ر�سول اهلل �أ�سوة وقدوة‪ ،‬فقد قال �أعداء ّ‬
‫النبي(�ص) كان‬
‫موقع �آخر قالوا عنه «مع َّلم ومجنون»‪ّ ،‬‬
‫«�ساحر ومجنون» وفي ٍ‬
‫ولكن ّ‬

‫‪131‬‬

‫�أف�ضل خلق اهلل‪ .‬وهكذا‪ ،‬ف� ّإن الع ّالمة الكبير ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪� ،‬سمع ِم َّمن لم ي�ألف‬
‫فكره ولم يفهم حديثه كالم ًا �سلب ّي ًا كثير ًا‪ ،‬لكنّه ‪ -‬رحمه اهلل ‪ -‬لم يهتم بردود �أفعال‬
‫ه�ؤالء‪ ،‬ل ّأن ما كان يه ّمه هو رفعة �ش�أن دين ج ّده ر�سول اهلل‪ ،‬ولي�س ر�ضى المخلوقين‪.‬‬
‫مت‪ ،‬ويوم تبعث ح ّي ًا‪.‬‬
‫ف�سالم عليك �أ ّيها ال�س ّيد يوم ولدت‪ ،‬ويوم ّ‬
‫جريدة الراي الكويت ّية‬

‫‪132‬‬

‫* وزير �سابق ونائب حايل يف الربملان الكويتي‪.‬‬

‫«في البدء كانت الكلمة»‬
‫�أمل حداد*‬

‫الحق و�إر�ساء‬
‫كر�س حياته وعلمه وجهاده في �سبيل ن�صرة ّ‬
‫ّ‬
‫العدالة ومقاومة الظلم ونبذ االنغالق‪.‬‬
‫في زمن القلق الم�صيري‪ ،‬نفتقد ال�سماح والمحبة ولغة العقل‪ ،‬بغياب العلاّ مة‪،‬‬
‫رجل اهلل‪ ،‬ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ .‬هو واحد من الكبار القالئل‪ ،‬يغيب‪ ،‬ول�سان‬
‫حاله قول الم�سيح‪« :‬في البدء كانت الكلمة»‪� ،‬أو مطلع القر�آن الكريم‪} :‬اقر�أ با�سم‬
‫ربك{(العلق‪.)1-‬‬
‫�إنه‪ ،‬وبالفعل‪ ،‬رجل الكلمة‪� ،‬أدب ًا وفقه ًا واجتهاد ًا ور�صانة ووطنية‪ .‬ولكننا ال نفقد‬
‫الأمل لأن من ترك �أجيا ًال وتالمذة ومريدين ال يموت بغياب الج�سد‪.‬‬
‫ك ّر�س حياته وعلمه وجهاده في �سبيل ن�صرة الحقّ و�إر�ساء العدالة ومقاومة الظلم‬
‫ونبذ االنغالق‪.‬‬
‫كان علم ًا من �أعالم الفكر ومنارة من مناراته‪ ،‬وداعية من دعاة االنفتاح على‬
‫الآخر‪ ،‬والتعاي�ش بين المذاهب والأديان والأفكار والح�ضارات والثقافات‪.‬‬
‫ال �شك �أن رحيله �سيترك فراغ ًا كبير ًا جد ًا ال يمكن تداركه �إال بالتم�سك بالمبادئ‬
‫والتعاليم التي �أر�ساها على مدى عقود من الزمن خدمة للإن�سانية جمعاء‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬
‫*نقيبة املحامني يف لبنان‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫ف�ضل اهلل‪ :‬المرجع الروحي للمقاومة‬
‫ورجل الفقه المنفتح‬
‫د‪� .‬سعيد ال�شهابي*‬

‫انف�صل بروحه وكيانه عن عالم الزيف والنفاق وازدواج‬
‫المعايير‪ ،‬ليح ّلق في عالم القيم والنقاء وال�صفاء‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫«ال �أطلب �إال زوال الكيان ال�صهيوني»‪ ،‬كان �آخر المواقف غير المع َلنَة قبل �أن‬
‫ي�ست�سلم للموت‪ .‬هذه العبارة وردت في تقرير وكالة �أنباء رويترز يوم وفاة المرجع‬
‫الديني �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬نق ًال عن طبيبه بم�ست�شفى‬
‫«بهمن» في بيروت‪.‬‬
‫�أال يكفي ذلك لفهم دوافع التح ّرك الكثيف للقوى ال�ضاغطة ال�صهيونية �ض ّد من‬
‫يطلق كلمة مدح �أو ثناء لهذا الرجل؟ كيف يمكن فهم دوافع الحملة �ض ّد فران�سي�س‬
‫غاي‪ ،‬ال�سفيرة البريطانية لدى لبنان بعد � ْأن ع ّبرت عن احترامها له في رثاء ق�صير‬
‫ّ‬
‫خطته بيديها بعد رحيله؟ لماذا اتُّخذ القرار العاجل بف�صل �أوكتافيا ن�صر‪ ،‬المح ِّررة‬
‫الم�س�ؤولة عن تغطية منطقة ال�شرق الأو�سط بقناة (�سي �أن �أن) بعد �أن ع ّبرت عن‬
‫تقديرها لل�سيد؟ وما الذي دفع الكاتب البريطاني المعروف‪ ،‬روبرت في�سك‪ ،‬لو�صفه‬
‫ب�أنه «رجل جا ّد ومهم �ساهمت خُ َطبه حول الحاجة للإحياء الروحي والعطف في بثِّ‬
‫الخير �أكثر من � ِّأي �شخ�ص �آخر في بلد تهيمن عليه ال�شعارات»؟‪ .‬ف�إذا كان ف�ضل اهلل‬
‫رقم ًا �صعب ًا في حياته‪ ،‬ف� ّإن غيابه لم ي�س ّهل مه ّمة المعجبين به‪ .‬و�إذا كان الغربيون‪،‬‬
‫وبع�ضهم في مواقع متق ّدمة ومن النخب ال�سيا�سية والمهنية‪ ،‬يدفعون ثمن «�إعجابهم»‬

‫�أو «تقديرهم» لهذا الرجل‪ ،‬فما الذي حداهم لذلك‪ ،‬وهم يعلمون � ّأن القوى ال�ضاغطة‬
‫ال�صهيونية لمثلهم بالمر�صاد؟‬
‫لماذا يبقى ف�ضل اهلل بعبع ًا بعد رحيله‪ ،‬كما كان في حياته؟ ما الذي يم ّيز‬
‫�شخ�صيته عن الآخرين؟‬
‫وهل يملك �سوى الكلمة �سالح ًا؟ هل � ّإن تلك الكلمة �أقوى من القنابل وال�صواريخ‬
‫التي ا�ستهدفته �شخ�صي ًا ولم تفلح في �إخماد �صوته؟‬
‫ما الذي �أزعج القوى الغربية في خطاب الرجل خ�صو�ص ًا � ّأن فيه ما يتناغم مع‬
‫بع�ض ما يرفعون من �شعارات‪ ،‬خ�صو�ص ًا حول حقوق المر�أة ولغة الت�سامح والحوار؟‬
‫�أية �إن�سانية هذه التي ت�صادر حرية الر�أي‪ ،‬فتمنع الم�س�ؤول من طرح ر�أيه �إزاء �شخ�ص‬
‫يق ّدره �أن يعجب به؟ وربما الأهم من ذلك‪ :‬من هو عالم الدين الذي يرت�ضيه الغرب‬
‫مم ّث ًال عن الم�سلمين ومع ّبر ًا عن �آراء الإ�سالم وقيمه ومبادئه؟ � ّإن قراءة حياة ال�س ّيد‬
‫ف�ضل اهلل‪ ،‬بكامل ف�صولها منذ � ْأن دخل ميدان الإ�سالم الحركي في الخم�سينيات‪ ،‬تعني‬
‫قراءة تط ّور العالقات بين الغرب والعالم الإ�سالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية‬
‫الثانية‪ ،‬مرور ًا باحتالل فل�سطين والحقبة اال�ستعمارية واكت�شاف النفط‪ ،‬و�صو ًال �إلى‬
‫�صعود ظاهرة «الإ�سالم ال�سيا�سي» الذي كان ف�ضل اهلل واحد ًا من �أعمدتها‪ .‬بل يمكن‬
‫القول �إنه كان من �أوائل من طرح تنظيرات ور�ؤى لل�صحوة الإ�سالمية المعا�صرة‪،‬‬
‫في فترة ما بعد الإمام ح�سن البنا‪ ،‬متزامن ًا مع �س ّيد قطب والمودودي وال�سيد محمد‬
‫باقر ال�صدر‪ ،‬و�صو ًال �إلى الثورة الإ�سالمية في �إيران بقيادة الإمام الخميني‪ .‬وبالتالي‬
‫ف�إذا كان الثلث الأول من حياته ُيعتبر فترة الن�ش�أة والبناء الأ�سا�س للفكر الحركي‬
‫لديه‪ ،‬فقد ق�ضى ثلثي حياته الأخيرين حا�ضن ًا لل�صحوة‪ ،‬م�ؤطر ًا لحركتها‪ ،‬ودافع ًا‬
‫لتعميقها وانت�شارها‪ ،‬من خالل كتبه التي ناهزت ال�سبعين في �شتى المجاالت‪.‬‬
‫جراحات الأعداء وم�شقّة ال�سير‬
‫ج�سده المتعب‬
‫ُ‬
‫ترجل الفار�س بعد �أن �أثخنت َ‬
‫ّ‬
‫الطويل‪ ،‬و�أ�سلم الروح لبارئها وهو ل ّما يكمل الم�شوار‪ ،‬و�أي م�شوار ذلك الذي بد�أه‬
‫على �أنغام الحروب واالحتالل‪ ،‬وما زالت ت�ؤرقه ح ّتى يوم رحيله‪ .‬وكما كان في‬
‫حياته‪ ،‬مثير ًا للجدل ب�سبب مواقفه ور�ؤاه‪ ،‬على �أ�صعدة ال�سيا�سة والفقه والفكر‪ ،‬فقد‬

‫‪135‬‬

‫‪136‬‬

‫بقيت تلك الإثارة متوا�صلة ح ّتى بعد رحيله‪ .‬وما ا�ستهداف من تف ّوه ب�إطرائه من‬
‫الغربيين �إ ّال م�ؤ�شّ ر لتلك الإثارة‪ .‬وما �ص ْم ُت بع�ض �أقرانه عن قول كلمة وفاء بعد �أن‬
‫غ ّيبه اللحد‪� ،‬إال جانب �آخر لتلك الإثارة‪ .‬فما طبيعة هذا الرجل الذي يمدحه بع�ض‬
‫المح�سوبين على مع�سكر «الأعداء» ويبخل عليه الأقربون منه بكلمات مديح مماثلة؟‬
‫العظماء مو�ضع �إثارة للجدل‪ ،‬ويبدو � ّأن المرء ال يكون ذا موقع مرموق �إ ّال �إذا كانت‬
‫�أفكاره خارقة للمعتاد وخارجة على الم�ألوف‪ .‬وهذا يقت�ضي �شجاعة ال تتوفّر لدى‬
‫�أغلب النا�س‪ .‬فالمجاملة والم�سايرة وربما «النفاق» من م�ستلزمات العي�ش في نظر‬
‫البع�ض‪ ،‬ومثل ه�ؤالء ال يترك �أثر ًا ملمو�س ًا على محيطه‪ ،‬فيعي�ش ويموت �إن�سان ًا عادي ًا‬
‫على هام�ش الحياة‪ .‬الأبطال هم الذين يتخذون القرارات والمواقف التي ال تعجب‬
‫الجميع‪ ،‬ف�إر�ضا ُء النا�س غاي ٌة ال تُدرك‪ ،‬وخو�ض الأهوال من �شيم ال�شجعان الذين‬
‫ال يرون خطر ًا على حياتهم �أكبر من الموت‪ .‬والموت �أحيان ًا قد يبدو �أقل المخاطر‬
‫التي تنتظر ه�ؤالء ال�شجعان‪ .‬فكيف هو �شعور المنا�ضلين الذين يتع ّر�ضون ل�صنوف‬
‫�سجانيه ب�إنهاء‬
‫التعذيب بمبا�ضع الج ّالدين؟ �أال ي�صل الحال ببع�ضهم �إلى مطالبة ّ‬
‫حياته لالنتهاء من الألم الذي ال ُيطاق �أو الإهانة التي ال ي�ستطيع تح ّملها؟ وماذا عن‬
‫المبتلين ب�أمرا�ض م�ؤلمة جد ًا‪� ،‬أال يبلغ الأمر ببع�ضهم الختيار الموت بدي ًال عن تلك‬
‫الحياة الم�ؤلمة؟ والألم النف�سي ال يق ّل عن الألم الج�سدي‪ ،‬ولذلك فما �أكثر الذين‬
‫ينتحرون بعد �أن يعجزوا عن تح ّمل الأذى النف�سي‪.‬‬
‫لقد عا�ش ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �آالم ًا من �أ�صناف �شتى‪ :‬فكرية و�سيا�سية‪،‬‬
‫�شخ�صية وجماعية‪ ،‬على م�ستواه كواحد من �أبناء الأمة‪ ،‬وعلى م�ستوى المجتمع‬
‫(بل المجتمعات) التي كانت تنتظر منه الإر�شاد والتوجيه والموقف‪ .‬فكيف كانت‬
‫نف�سيته في الثامن من �آذار (مار�س) ‪ 1985‬وهو ي�سمع االنفجار المد ّمر الذي هز‬
‫�ضاحية «بئر العبد» بتفجير قنبلة كانت ت�ستهدف الق�ضاء عليه وقد زرعها عمالء‬
‫وكالة اال�ستخبارات الأميركية بدعم دولة عربية؟ ماذا كان �شعوره وهو ي�ستمع لأرقام‬
‫ال�ضحايا ترتفع ك ّل لحظة ح ّتى تجاوزت الثمانين؟ وتتك ّرر محاوالت ت�صفيته تباع ًا‬
‫طوال العقدين الالحقين لتبلغ �أب�شع �صورها في مثل هذه الأيام من تموز (يوليو)‬

‫‪ .2006‬ف�إذا بالطائرات وال�صواريخ الإ�سرائيلية تنهال على ال�ضاحية الجنوبية‬
‫بق�صف وح�شي‪ ،‬ا�ستهدف في �أولى عملياته منزل ال�س ّيد ف�ضل اهلل ليحيله ركام ًا‪.‬‬
‫وف�ضل �أن يبقى‬
‫ونجا ال�س ّيد من ذلك العدوان ولكنه �أبى �أن يترك المدينة المنكوبة‪ّ ،‬‬
‫مع �شعبه‪� ،‬شاهد ًا و�شهيد ًا على العدوان والإرهاب الذي كان يجري برعاية الدول‬
‫الكبرى‪ .‬جريمته‪ ،‬في نظر �أعداء الأمة �أنّه‪ ،‬كما ذكر الكاتب ال�صحافي باتريك‬
‫فور�ستيه (‪ )Patrick Forstie‬لم يتن ّكر لمن ي�سعى لتحرير �أر�ضه‪�« :‬إذا كان ال�س ّيد‬
‫ف�ضل اهلل قد �أعلن دائم ًا �أنّه �ضد العمليات االنتحارية‪ ،‬فهو لي�س �ض ّد العمليات‬
‫تم�سك ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫«اال�ست�شهادية» التي هي واحدة من �أركان الإ�سالم ال�شيعي‪َّ � .‬إن ّ‬
‫لي�س ككاتب �أو محلل �أو مفكر‪ ،‬بل كمرجع ديني تترك ر�ؤاه وفتاواه �آثارها على �أتباعه‪،‬‬
‫وما �أكثرهم‪ ،‬بموقف وا�ضح �إزاء مفهوم «ال�شهادة» جعله م�ستهدف ًا من �أعداء الأمة‬
‫الذين ي�ص ّرون على احتالل �أر�ضها وا�ست�ضعاف �أبنائها‪� ،‬إذ يقول‪« :‬ال�شهادة لي�ست‬
‫موت ًا‪� ،‬إنما هي في الأ�سا�س عمل روحي طوعي‪ ،‬ل ّأن الق�ضية �أهم بكثير من الحياة»‪.‬‬
‫هذا التقعيد لمفهوم ال�شهادة‪ ،‬خ�صو�ص ًا في هذا الزمن الذي ي�سعى المتغ ّربون‬
‫فيه للتخلي عن المبادئ والقيم في مقابل احت�ضانهم من قبل الغرب‪ ،‬لم يعد مقبو ًال‬
‫نظر ًا لت�أثيره ال�سلبي خ�صو�ص ًا على االحتالل ال�صهيوني في فل�سطين‪ .‬وبالإ�ضافة‬
‫لمفهوم ال�شهادة في الإ�سالم‪ ،‬ف� ّإن موقفه من مفهوم �آخر بد�أ الغربيون ي�ستعملونه‬
‫ب�شكل �سلبي‪ ،‬مرفو�ض �أي�ض ًا‪ .‬ففي ال�سنوات الأخيرة �أ�صبح الإعالم الغربي يطلق‬
‫م�صطلح «الجهاديين ‪ »Jihadists‬على ك ّل من ي�ؤمن با�ستعمال القوة لمواجهة العدوان‪،‬‬
‫�أي ًا كانت الظروف‪ .‬ودخل هذا الم�صطلح بقوة في الإعالم الغربي �ضمن عناوين‬
‫«الإرهاب»‪� .‬أما ال�س ّيد ف�ضل اهلل فيقول‪« :‬ربما تح ّدث الغربيون عن م�س�ألة الجهاد في‬
‫الإ�سالم ب�شكلٍ �سلبي واعتبروها و�سيل ًة من و�سائل العدوان وتدمير الإن�سان‪� .‬إنّنا نقول‬
‫� ّإن الجهاد في الإ�سالم تمام ًا كما هو الكفاح في ك ّل الح�ضارات‪ ،‬هو عملي ٌة دفاعية‬
‫ووقائ ّية»‪.‬‬
‫هذه الر�ؤى الفقهية ح�سمت موقف الغربيين تجاهه‪ .‬وهذا الموقف لم يقت�صر‬
‫على الح�صار الفكري وال�سيا�سي والأمني‪ ،‬بل تع ّداه �إلى الفعل الأمني الذي ا�ستهدف‬

‫‪137‬‬

‫‪138‬‬

‫بمتفجرة بئر العبد قبل ربع قرن‪ ،‬وتوا�صل بدون‬
‫حياته م ّرات عديدة حيث بد�أ‬
‫ّ‬
‫تو ّقف ح ّتى وفاته‪ .‬كان وا�ضح ًا في ربع القرن الأخير �أنّه كان محدود الحركة‪ ،‬قليل‬
‫ال�سفر‪ ،‬العتبارات عديدة �أه ّمها الجانب الأمني‪ .‬فمنذ تفجير مق ّر قوات المارينز‬
‫الأميركية والقوات الفرن�سية في بيروت في ‪� ،1983‬أ�صبح الغرب مقتنع ًا ب�أنّه هو الذي‬
‫ودع َمها‪ .‬فبد�أت اال�ستخبارات الأميركية تع ّد الخطط الغتياله‬
‫بارك تلك العمليات‪َ ،‬‬
‫بتوجيه من الرئي�س الأميركي �آنذاك‪ ،‬رونالد ريغان‪ .‬التحقيقات التي �أُجريت الحق ًا‬
‫ِّ‬
‫المخططة لتلك الجريمة �أ ّكدت �ضلوع الـ (�سي �آي �إيه) فيها‪ .‬ويمكن‬
‫لك�شف الجهة‬
‫القول � ّإن تلك الجريمة �أحدثت ا�ستقطاب ًا في العالقة بين «الإ�سالم الحركي» وفق‬
‫تعبير ال�س ّيد نف�سه والتدخّ الت الأميركية في المنطقة‪ ،‬دعم ًا لالحتالل الإ�سرائيلي‪.‬‬
‫بل ربما يمكن اعتبار ذلك البداية الحقيقية لن�شوء المقاومة الوطنية الإ�سالمية‬
‫اللبنانية �ضد «�إ�سرائيل» التي كانت قد اجتاحت لبنان في ‪ 1982‬م�ستهدفة الوجود‬
‫الفل�سطيني بزعامة ال�س ّيد يا�سر عرفات‪ .‬والمالحظ � ّأن المواقف ال�سيا�سية والفقهية‬
‫تو�سعت دائرتها منذ ذلك الوقت‪ ،‬و�أ�صبح رقم ًا �أ�سا�سي ًا في م�شاريع‬
‫لل�سيد ف�ضل اهلل ّ‬
‫ثالثة متوازية‪ :‬ال�صحوة الإ�سالمية الناه�ضة في العالم الإ�سالمي‪ ،‬والمقاومة �ضد‬
‫االحتالل‪ ،‬والفقه الديني المتج ّدد الذي �أ�صبح له امتدادات في ال�سيا�سة ومفاهيم‬
‫فو�سع �آفاقه من م�ؤ ِّلف و�إمام جماعة‬
‫وتو�سعت اهتمامات ال�س ّيد ّ‬
‫المقاومة والجهاد‪ّ .‬‬
‫وجمعة‪� ،‬إلى مرجع روحي لقوى المقاومة‪ .‬وانطلق مج ّدد ًا في م�سار جديد م ّت�صل‬
‫ُ‬
‫بم�شروع الوحدة الإ�سالمية واالنفتاح على الآخر‪ .‬وعلى مدى ربع القرن الالحق‪،‬‬
‫تح ّولت �شخ�صيته �إلى رمز ٍ‬
‫لعدد من الأمور‪:‬‬
‫�أ ّولها‪ :‬الم�شروع الوطني اللبناني �إذ �أ�صبح جهة �أ�سا�سية لبلورة معالم لبنان الجديد‬
‫الذي تح ّول �إلى بلد مقاوم‪ ،‬يبحث كافة الأ�ساليب المتاحة لالنتهاء من ا�ستحقاقات‬
‫الحرب الأهلية‪ .‬وحظى ال�س ّيد تدريجي ًا باهتمام القادة اللبنانيين خ�صو�ص ًا �أنّه كان‬
‫يدعو لتجاوز �آثار الحرب الأهلية اللبنانية وبناء الج�سور بين مك ّونات لبنان‪ ،‬بكافة‬
‫انتماءاتها الدينية والمذهبية والعرقية‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬الم�شروع التحرري الذي تم ّثله قوى المقاومة في المنطقة‪ ،‬خ�صو�ص ًا لبنان‬

‫وفل�سطين‪ ،‬وهو ال�سبب الأهم ال�ستهدافه من قبل القوى الغربية‪ .‬ووفّر له اهتمامه بهذا‬
‫المحور فر�صة التوا�صل مع رموز التح ّرر من قادة حركات وعلماء وك ّتاب و�إعالميين‪.‬‬
‫وكان اهتمامه بق�ضية فل�سطين ودعم المقاومة ُب ْعد ًا ثابت ًا في �شخ�صيته‪ ،‬الأمر الذي‬
‫وفّر له احترام ًا بين كافة الف�صائل الفل�سطينية‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬الم�شروع الإ�سالمي‪ ،‬وتج ّلياته ال�سيا�سية والحركية بما في ذلك دعم‬
‫الجمهورية الإ�سالمية والحركات الإ�سالمية الممت ّدة بطول العالم الإ�سالمي‬
‫وعر�ضه‪.‬‬
‫رابعها‪ :‬الم�شروع الوحدوي الذي وجد �أ�صداء له بت�أ�سي�س «تج ّمع العلماء الم�سلمين»‬
‫في لبنان‪ ،‬والم�ؤتمرات التي ح�ضر بع�ضها ورعى بع�ضها الآخر‪ .‬وقد �أ�صدر في ذلك‬
‫مقاالت وكتب ًا ت� ّؤ�صل ق َيم التقريب والحوار والوحدة‪ ،‬خ�صو�ص ًا في مجال الحوار مع‬
‫الآخر كالم�سيحيين‪.‬‬
‫خام�سها‪ :‬الم�شروع الإن�ساني وهو جانب من تط ّور الفقه الإ�سالمي المعا�صر‪ .‬وقد‬
‫تم ّيز ال�س ّيد بفتاواه التي ترعى التع ّدد المجتمعي ف�أ�صدر فتواه ال�شهيرة بطهارة غير‬
‫الم�سلم‪ ،‬معتبر ًا � ّأن النف�س الإن�سانية طاهرة بذاتها‪ ،‬ولي�ست نج�سة‪ .‬كما اهتم بالمر�أة‬
‫وال�شباب و�أوالهما من االهتمام ما جعلهما يعتبرانه «مرجع ًا روحي ًا» لهما بدون تر ّدد‬
‫�أو تحفّظ‪.‬‬
‫�ساد�سها‪ :‬الم�شروع الرعوي‪� ،‬إذ نجح في ت�أ�سي�س مبرات خيرية وم�ست�شفى �ضخمة‬
‫وم�ؤ�س�سات خيرية و�إ�سالمية ومدار�س ومعاهد للتعليم المهني‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى م�شروع‬
‫التعليم الديني الذي يرعاه لتخريج علماء دين قادرين على حمل مهمة البيان والتبليغ‬
‫والإر�شاد‪ .‬هذه الأمور جعلته رمز ًا حيوي ًا لجماهيره الملتفّة حوله‪ ،‬التي وجدت فيه‬
‫دفء االحت�ضان وحنان الأب ّوة‪.‬‬
‫�سابعها‪ :‬الم�شروع الفقهي الذي نجم عنه حوزة علمية وا�سعة تخ ّرج العلماء‬
‫والفقهاء‪ .‬وربما الأهم من ذلك نزعته نحو التجديد الفقهي وتحرير الفقه من �شوائب‬
‫عديدة‪ ،‬كالرتابة والجمود وتقدي�س الما�ضي بدون قراءة ناقدة للتاريخ‪ ،‬والتعامل‬
‫مع العلم والتكنولوجيا كعوامل م�ساعدة في تحديد المو�ضوع وت�سهيل مهمة �إ�صدار‬

‫‪139‬‬

‫الحكم‪ ،‬وتنقية الدين من الموروثات والتقاليد للتمييز بين ما هو «�إلهي مقد�س» وما‬
‫هو «ب�شري خا�ضع للتدقيق والمحاكمة»‪.‬‬
‫هذا المنحى التجديدي وفّر لل�سيد مريدين كثيرين خ�صو�ص ًا في فئات ال�شباب‬
‫والن�ساء وفي �أو�ساط غير الم�سلمين من دبلوما�سيين و�إعالميين‪ .‬ولكنه في الوقت‬
‫نف�سه � ّأ�س�س لح�صار من الم�ؤ�س�سة الدينية التقليدية التي عار�ضت منهجه في‬
‫االجتهاد والفقه‪ ،‬خ�صو�ص ًا دعوته لتنقية الدين مما علق به من موروثات غير ثابتة‬
‫على �أ�س�س من الحديث �أو االجتهاد �أو الفقه‪ ،‬وربما كانت انعكا�سات لثقافات وعادات‬
‫موروثة‪ ،‬ولي�ست من الثوابت‪.‬‬
‫ودعا �إلى �إعادة النظر في التاريخ والحديث لتنقيتهما مما علق بهما من اجتهادات‬
‫ب�شرية‪ .‬هذا المنحى كان جديد ًا على الم�ؤ�س�سة الدينية خ�صو�ص ًا في الدائرة‬
‫الإ�سالمية ال�شيعية‪ ،‬الأمر الذي �أحدث �إرباك ًا و�صل �أحيان ًا �إلى م�ستوى التكفير‬
‫والطعن في النوايا‪.‬‬
‫هذا الغياب الملحوظ ربما خفّف منه اللغط الدائر حول الأ�شخا�ص من غير‬
‫الم�سلمين الذين �أطلقوا ت�صريحات �أعادت ال�سجال حول مفاهيم كانت في عداد‬
‫الثوابت خ�صو�ص ًا حرية التعبير التي يبدو �أنّها دائرة ت�ضيق عن �إطراء المح�سنين‬
‫وذم الم�سيئين‪ .‬وال�صراع هذه المرة لي�س بين ال�س ّيد ف�ضل اهلل والغرب‪ ،‬بل � ّإن‬
‫وفاته �أخرجت ال�سجال من المحيط الإ�سالمي الخا�ص و�أو�صلته �إلى الدوائر الغربية‬
‫نف�سها‪ .‬وهذا جانب من �أ�سرار �صدق الموقف والثبات على المبد�أ وال�صمود بوجه‬
‫العدوان والطغيان واال�ستبداد‪.‬‬
‫كان ف�ضل اهلل �إن�سان ًا انف�صل بروحه وكيانه عن عالم الزيف والنفاق وازدواج‬
‫المعايير‪ ،‬ليح ّلق في عالم القيم والنقاء وال�صفاء‪ ،‬وهذا ما ال يدركه غير العارفين‪،‬‬
‫الذين كان‪ ،‬بدون �شك‪ ،‬واحد ًا من �أقطابهم‪.‬‬
‫القد�س العربي ‪ 14‬تموز ‪2010‬‬

‫‪140‬‬

‫*كاتب و�صحايف بحريني يقيم يف لندن‪.‬‬

‫ال�سيد ف�ضل اهلل من خالل جنازته‬
‫منير �شفيق*‬

‫كان متما�سك ًا في فقهه وفي فكره وفي مواقفه ال�سيا�سية‬
‫حين �أ�صبح عنوان ًا لوحدة الأمة‪.‬‬
‫ع�شرات الألوف‪� ،‬أو مئات الألوف من الرجال والن�ساء‪ ،‬من ال�شيب وال�شبان‪ ،‬ومن‬
‫و�سنّة ودروز وم�سيحيين‪ ،‬ومن �أطياف علمانية وي�سارية وليبرالية‪ ،‬ك ّل ه�ؤالء‬
‫�شيعة ُ‬
‫�شاركوا بحجم �أو ب�آخر في جنازة الع ّالمة والمفكر والفقيه المجتهد �آية اهلل ال�س ّيد‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ .‬الأمر الذي يعني � ّأن مثلهم �أو �أكثر منهم �شاركوا من بعيد‬
‫َ‬
‫مختلط ْين ٍ‬
‫بخوف دفين مما‬
‫عبر ما �أف�صحوا عنه للراحل الكبير من حزن ومديح‬
‫يعنيه رحيله من خ�سارة وفقدان‪.‬‬
‫العبرة الأولى في هذا الم�شهد النادر بحجمه وتن ّوعه لم تكن �إال ت�أييد ًا �أو قبو ًال‬
‫�أو �إعجاب ًا لما‪ ،‬وبما‪ ،‬كان عليه الفقيد من مواقف و�سيرة �سواء �أكان في مجال الفقه‬
‫والفتاوى �أم في مجال ال�سيا�سة والق�ضايا المح ّلية والكبرى‪ .‬فالنا�س ال تق ّدر العلم �إال‬
‫ّتي كتاب ال ي�صل �إلى النا�س‪،‬‬
‫�إذا اقترن بالعمل‪ .‬فالعلم في �صدر �صاحبه �أو بين دف ْ‬
‫ولن يعرف �أين يريد �أن يذهب بمن يتبعه‪ .‬ولكن الموقف والعمل والممار�سة هي ما‬
‫يع ّبر عما في ال�صدور من علم وما في الكتب من تحقيق وفكر وتحليل‪ ،‬وهي ما ي�صل‬
‫�إلى النا�س‪.‬‬
‫وبالطبع لي�س من علم في ال�صدور �أو في الكتب �إال ول�صاحبه مواقف مح ّددة ولو‬

‫‪141‬‬

‫‪142‬‬

‫كان الموقف ي ّت�سم بال�صمت �أو الالموقف‪ .‬و َد ْع َك مما قد ي ّت�سم به من �شجاعة �أو‬
‫جبن‪ ،‬ومن ا�ستقامة �أو نفاق‪ ،‬ومن انحياز لل�شعب والحق �أو ممالأة لل�سلطان والدول‬
‫الكبرى‪ .‬فال �شيء يخفى مع مرور ال�سنين والعقود‪ ،‬فالنا�س بعد اهلل ُهم الذين‬
‫يحكمون على العا ِلم‪� ،‬أو المفكر‪ ،‬وال�سيا�سي‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والإن�سان العادي �أي�ضا‪.‬‬
‫وقلما �أخط�أ النا�س في �أحكامهم عندما يتعاملون مع من يتح ّلى قو ًال وعم ًال‬
‫باال�ستقامة وال�شجاعة والموقف الحقّ والر�أي ال�صواب‪ ،‬وقد يخطئ النا�س في‬
‫�أحكامهم على الحاالت التي في المناطق الرمادية‪� ،‬أما الحالة الثالثة الم�ضادة‬
‫المعني من بطانة الحاكم ومن �شهود الزور‬
‫للأولى فق ّلما يخطئ النا�س حين يكون‬
‫ّ‬
‫�أو يكون منحاز ًا للقوى الكبرى الأجنبية‪ ،‬فلن يم ّر‪ ،‬مهما تج ْل َب َب بالعلم‪ ،‬وتظاهر‬
‫بالتقوى‪ .‬الم�شكلة دائم ًا في المنطقة الرمادية‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل كان من الفئة الأولى‪ .‬وقد برز‪ ،‬ب�صورة خا�صة‬
‫للجمهور‪� ،‬أو الجماهير‪ ،‬من جهة مواقفه في دعم المقاومة الم�س ّلحة في لبنان‬
‫وفل�سطين‪ ،‬وفي فتاواه التي ر ّدت على ك ّل فتوى �أحجمت �أو اعتر�ضت على مقاومة‬
‫مبدئي لم يتزحزح عن تحريم االعتراف‬
‫تح�صن بموقف‬
‫االحتالل والعدوان‪ .‬وقد ّ‬
‫ّ‬
‫بالكيان ال�صهيوني �أو التفريط ب� ّأي من الحقوق والثوابت في الق�ضية الفل�سطينية‪.‬‬
‫هذه الق�ضية التي ت�ش ّكل معيار ًا ال ُيخطئ في تقويم المواقف منها‪ ،‬فكم من علماء‬
‫�شجعوا �سيا�سات االعتراف‬
‫قد ر�سموا عالمة ا�ستفهام على علمهم وا�ستقامتهم حين ّ‬
‫بالكيان ال�صهيوني وعقد االتفاقات معه و�إدارة الظهر للمقاومة‪ .‬وكم من مف ّكرين‬
‫و�سيا�سيين و�ضعوا عالمة ا�ستفهام على فكرهم و�سيا�ساتهم ونظافتهم حين ر ّوجوا‬
‫لل�سيا�سات الأميركية والعولمة والت�سوية التي يقف على ر�أ�سها االعتراف بالكيان‬
‫ال�صهيوني‪.‬‬
‫هنا وقف ال�س ّيد ف�ضل اهلل َّ‬
‫كالطود ال�شامخ في مواجهة المنافقين والمع ّوقين‬
‫والمث ّبطين في ع�صرنا وعنوانهم االعتراف بالكيان ال�صهيوني والخ�ضوع لأميركا‬
‫و َق ْلبِ ظهر ِ‬
‫جن للمقاومة وللحقوق والثوابت في الق�ض ّية الفل�سطينية‪ ،‬وك ّلها من‬
‫الم ّ‬
‫ثوابت الإ�سالم‪ .‬فمن �أجل هذا التاريخ الم�ش ّرف عن الق�ضية الفل�سطينية والمقاومة‬

‫ودفاع ًا عن الحقوق والثوابت‪ ،‬ورف�ض ًا �صارم ًا لل�سيا�سات الأميركية وك ّل �سيا�سات‬
‫دول ّية تدعم الكيان ال�صهيوني‪ ،‬تدافعت وكانت هذه الح�شود وراء النع�ش المهيب‪.‬‬
‫وكانت تلك المواقف ال�شعبية الوا�سعة من ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل وتكريمه‬
‫قد جاءا كما يليق به‪.‬‬
‫و� ّإن من ي ّتخذ موقف ًا حازم ًا مبدئي ًا من ق�ض ّية تحرير فل�سطين ويخو�ض غمار دعم‬
‫المقاومة ويت�ص ّدى لأميركا الواقفة ك ّلي ًا في جبهة الكيان ال�صهيوني ال ب ّد له من �أن‬
‫يكون حري�ص ًا �أ�ش ّد الحر�ص على وحدة الم�سلمين وعلى وحدة العرب وعلى وحدة‬
‫ك ّل مك ّونات المجتمع‪ .‬ولهذا كان ال�س ّيد ف�ضل اهلل متما�سك ًا في فقهه وفي فكره وفي‬
‫مواقفه ال�سيا�سية حين �أ�صبح عنوان ًا لوحدة الأمة الإ�سالمية ووحدة الأمة العربية‬
‫وال�سنّة‪.‬‬
‫ووحدة لبنان ووحدة ال�شيعة ُ‬
‫ل ّأن الوقوف المبدئي �ض ّد الكيان ال�صهيوني والهيمنة الخارجية يقت�ضيان الوحدة‬
‫ودرء الفتن الداخلية على اختالف عناوينها وم�س ّمياتها وذرائعها‪ ،‬ف�أنت ال ت�ستطيع‬
‫و�أنت تحارب �أولئك الأعداء �أن تفتح باب ًا لفتنة داخلية‪ .‬و�إذا ذهبت‪ ،‬مهما كانت‬
‫الم�س ّوغات‪� ،‬إلى فتنة داخلية فال مف ّر لك من المهادنة مع الخارج و�أعوانه‪ .‬ففي‬
‫ظروف ال�صراع الذي تواجهه بالدنا العربية والإ�سالمية ال ي�ستقيم �أن تقاوم الكيان‬
‫ال�صهيوني وت�صالح �أميركا‪ ،‬فال هي تر�ضى بذلك وال �أنت ت�ستطيع �أن تقاوم �أميركا‬
‫وت�صالحها في �آن واحد‪ .‬وذلك ل�سبب ب�سيط ك ْون �أميركا والكيان ال�صهيوني وجه ْين‬
‫لعملة واحدة‪.‬‬
‫فمن هنا َح َ�س َم ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل في موقفه من �أميركا �سيا�سي ًا‬
‫الح�سمين‬
‫وح�سمت هي موقفها منه و�أدرجته على قائمتها ال�سوداء‪ .‬وكان ال ب ّد لهذين ْ‬
‫ات�سم به من روح وحدو ّية‬
‫من �أن ينعك�سا على فقهه وعلى مواقفه وفي المق ّدمة ما ّ‬
‫داخلية على ك ّل م�ستوى‪ .‬وهذه �سيا�سة‪ ،‬وفي الفقه �سيا�سة �أي�ض ًا‪ ،‬هي التي ح�شدت ك ّل‬
‫ذلك التن ّوع الذي عرفته الجنازة �أو عك�سته التعليقات على خبر رحيله من عالمنا‪.‬‬
‫على � ّأن ثمة وجه ًا �آخر يمكن �أن ُيقر�أ من خالل ما عرفته الجنازة من جماهير‬
‫وتع ّدد �ألوان �سيا�سية وفكرية ومذهبية ودينية فيها‪ ،‬وهو � ّأن وعي غالبية النا�س م� ّؤ�س�س‬

‫‪143‬‬

‫على مبد�أ العداء للكيان ال�صهيوني والهيمنة الخارجية ب�سبب التجارب الطويلة‬
‫معهما‪ ،‬وهو م� َّؤ�س�س على مبادئ الإيمان والمقاومة والوحدة واالنفتاح وو�سطية‬
‫الإ�سالم واعتداله‪ .‬وهذا كله مخزون تاريخي في وعي الأ ّمة‪ .‬فمن هنا التقى هذا‬
‫الوعي مع الخط ال�سيا�سي الذي تبنّاه ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل فتبا َدال الجميل‬
‫وتكامال‪.‬‬
‫فرحمة اهلل عليه‪ ،‬و�أ�سكنه ف�سيح جنانه‪.‬‬
‫الجزيرة نت ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫‪144‬‬

‫*باحث ومف ّكر فل�سطيني‪.‬‬

‫ف�ضل اهلل‪� ...‬صوت االعتدال‬
‫والتقريب والوحدة‬
‫محمد محفوظ*‬

‫لتقبل‬
‫يمتلك جر�أ ًة‬
‫ّ‬
‫ا�ستثنائي ًة في الطرح‪ ،‬و�صدر ًا وا�سع ًا ُّ‬
‫النقد وحتى اال ّتهام‪.‬‬
‫ق ّلة هم �أولئك الرجال الذين تجود بهم الأيام على �شاكلة الراحل الكبير المرجع‬
‫الديني �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫من �أبرز �سماته الأفق الوا�سع واالنفتاح على الع�صر �إ�ضافة �إلى االعتدال والت�سامح‬
‫والبعد عن الت�ش ّدد‪ .‬وهو �أحد كبار الفقهاء ممن �أ ْثروا الفكر والفقه الإ�سالمي بكتبه‬
‫ومحا�ضراته و�أحاديثه‪ ،‬وتمت ّد �آثارها في العالم الإ�سالمي‪.‬‬
‫�شخ�صي ٌة محورية فكري ًا و�سيا�سي ًا‪ ،‬وديني ًا بالطبع‪ .‬يجمع في �شخ�صيته بين عالم‬
‫الدين وال�شاعر‪ .‬كتابة ال�شعر هي في جوهرها نوع من القدا�سة الأخالقية كما قال‬
‫ناقد معا�صر‪ ،‬لذا فهو �شاعر في رجل الدين ورجل دين في �شاعر‪ .‬ومن هنا فهو‬
‫يحترم ال�شاعر في داخله ويبقي عليه وال يكبح مفرداته و�أ�شواقه‪.‬‬
‫المق ّربون منه يروون �أنّه لم يندم على ق�صيدة واحدة كتبها في حياته‪ .‬وال�شعر‬
‫�أخير ًا يفهمه كالدين الذي يطهر روح الإن�سان من القذارات المادية والدنيوية التي‬
‫قد تحوله �إلى وح�ش‪.‬‬
‫ا�ستحق لقب �شاعر الفقهاء وفقيه ال�شعراء‪ .‬العمامة بالن�سبة �إليه زي تقليدي‬

‫‪145‬‬

‫‪146‬‬

‫وموقعه المرجعي لم يبعده عن االنخراط في الحياة العامة والنا�س‪ .‬ثمة ت�سا�ؤل‬
‫َيرِ ُد على �أذهان الغالبية العظمى من الجماهير الإ�سالمية مفاده لماذا َت ْلقى �أفكاره‬
‫التنويرية هذا الإقبال الوا�سع وبخا�صة من الفئات ال�شبابية؟ الإجابة ربما تكمن في‬
‫نموذج �شخ�صيته المنفتحة التي تم ّثل جذْ ب ًا ال للطائفة ال�شيعية وحدها بل لكافة‬
‫الطوائف اللبنانية والإ�سالمية عامة‪ .‬االنفتاح عنده يعني التم�سك بالثوابت الإ�سالمية‬
‫التي يخلق منها ج�سور ًا للتوا�صل مع الآخرين‪.‬‬
‫لع ّل من ال�سمات التي تف ّرد بها الراحل الكبير �أنّه ال م�شكلة لديه في الحوار مع‬
‫الآخر! الآخر لي�س ذاك المختلف معه فكري ًا وعقائدي ًا كالعلمانيين والقوميين‪ ،‬بل‬
‫ح ّتى من يرمونه بالتهم‪ .‬وهو كما ي�ص ّرح مرات عدة ومن مختلف المنابر الإعالمية‬
‫والدينية «ال خطوط حمراء في الحوار»‪ ،‬ويقول في هذا ال�صدد‪« :‬في البدء كان‬
‫الحوار»‪ ،‬ويذكر � ّأن القر�آن الكريم حاور المالئكة وع ّرفهم � ّأن هناك حدث ًا يختزن‬
‫عق ًال وروح ًا وحركة و�إح�سا�س ًا و�أعطى المالئكة الحرية في قول ما يف ّكرون وهو ر ّبهم‪.‬‬
‫لم يقل لهم �أن ال يناق�شوا وهو القادر على ذلك‪.‬‬
‫ويمتلك جر�أة ا�ستثنائية في الطرح‪ ،‬و�صدر ًا وا�سع ًا لتق ّبل النقد وحتى االتهام‪.‬‬
‫� ّإن �س ّر �صموده‪ ،‬كما �أو�ضح في �أحد لقاءاته‪ ،‬يعود �إلى «�أفكاره الإ�صالحية ونقده‬
‫وت�شكيكه بالروايات ال�ضعيفة التي �س ّربها الغالة �إلى الفكر ال�شيعي»‪ .‬ويقول‪ّ �« :‬إن‬
‫التراث الفقهي والكالمي والفل�سفي نتاج المجتهدين والفقهاء والمفكرين‪ .‬وهو ال‬
‫يم ّثل الحقيقة �إ ّال بمقدار ما نقتنع به من تج�سيده للحقيقة‪ ،‬وعلى �أ�سا�س ما نملكه من‬
‫مقيا�س الحقيقة»‪.‬‬
‫الفكر الإ�سالمي ح�سب ر�ؤية ال�س ّيد الراحل هو فكر ب�شري ما عدا البديهيات‪ ،‬قد‬
‫يخطئ فيها الب�شر وقد ي�صيبون‪ .‬وال ب ّد من الخروج من �أقبية الذات والخ�صو�صيات‬
‫والح�سابات ال�ضيقة‪ .‬وقد ظ ّلت �أفكار ال�س ّيد الإ�صالحية الجريئة مثار جدل حاد في‬
‫الأو�ساط ال�شيعية تحديد ًا‪ ،‬نظر ًا لما تناولته من ق�ضايا مو�ضع نقا�ش‪ .‬كما تع ّر�ض‬
‫ال�س ّيد �إلى ٍ‬
‫نقد عنيف وحاد لكنّه تعفّف عن الرد عليها كما هو نهجه دائم ًا في‬
‫الترفع على المهاترات التي ال تخدم ق�ضية‪ .‬ولع ّل �أهم ما �ساهم في �إبراز مرجعيته‬

‫الدينية هو جمعه لأموال الخم�س والزكاة من المريدين وتمويل الم�شاريع الخيرية‬
‫والم�ؤ�س�سات الثقافية‪.‬‬
‫لهذه العنا�صر وغيرها مما ي�ضيق المجال لح�صره هنا ت�أ�س�ست مرجعيته‪،‬‬
‫وا�ستقطبت الماليين من ال�شباب ال�شيعي الذي يتطلع �إلى التجديد والخروج من‬
‫العزلة والتطلع �إلى تحقيق الوحدة الإ�سالمية والتخ ّل�ص من الأفكار الدخيلة التي‬
‫مزّقت الم�سلمين وح ّولتهم �إلى �شيع و�أحزاب‪.‬‬
‫قال عنه الكاتب العربي الكبير محمد ح�سنين هيكل‪« :‬هذا �إن�سان ت�ستطيع �أن‬
‫تختلف معه»‪ ،‬وو�صفه بع�ض ال�صحافيين ب�أنه العدو المثالي لك ّل من �أراد النيل منه؛‬
‫الن الذي يعاديه �سيجد طريق العودة �إليه �سه ًال ب�سيط ًا‪.‬‬
‫ّ‬
‫رحم اهلل الفقيد الكبير وع ّو�ض اهلل الأمة العربية والإ�سالمية خير ًا‪ ،‬فقد �أم�ضى‬
‫عمره في العلم والعطاء والتقريب بين المذاهب‪ .‬وغيابه ال �شك يمثل فراغ ًا هائ ًال‬
‫في الو�سط الفقهي والفكري العربي‪ .‬فكان ع َلم ًا من �أعالم الفكر الإ�سالمي المنفتح‬
‫الأ�صيل والعقالني المتما�شي مع الع�صر‪.‬‬
‫البالد (البحرين) ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* كاتب وباحث من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫ف�ضل اهلل‪ :‬لنمتلك الحرية‬
‫في مواجهة التخلف‬
‫محمد عبد الجبار ال�شبوط*‬

‫رف�ض ف�ضل اهلل القمع الفكري وكان يرى � ّأن الحرية باب‬
‫الولوج �إلى الم�ستقبل‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫على خالف غيره من الكثير من علماء الدين‪ ،‬الذين كانوا ير ّكزون على العبودية‬
‫هلل بو�صفها العمود الفقري للدين‪ ،‬كان الإمام الراحل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫داعي ًا مثابر ًا للحرية‪ ،‬معتبر ًا �أنّها ال�سالح الأم�ضى في مواجهة التخ ّلف‪ .‬و التخ ّلف هو‬
‫م�ش ّكلتنا في العالم الإ�سالمي‪ ،‬قبل �أية م�شكلة �أخرى‪ ،‬قبل م�شكلة البعد عن اهلل‪،‬‬
‫وقبل م�شكلة اال�ستعمار‪ ،‬وقبل م�شكلة الأمرا�ض االجتماعية المزمنة والمعروفة‪.‬‬
‫كان ف�ضل اهلل‪� ،‬ش�أنه �ش�أن الإمام ال�شهيد ال�س ّيد محمد باقر ال�صدر‪َ ،‬يعتبِر‪� ،‬أو ًال‪،‬‬
‫� ّأن التخ ّلف هو العدو الأكبر الذي يتع ّين ح�شد ك ّل طاقات الأمة من �أجل الق�ضاء عليه‪،‬‬
‫في �إطار حركة تح ّرر مجتمعية ح�ضارية ثقافية �شاملة‪.‬‬
‫وكان يعتبر‪ ،‬ثاني ًا‪َّ � ،‬أن ا�ستعباد الإن�سان والعبوديات المتع ّددة الأ�شكال والأوجه هو‬
‫من �أ�ش ّد مظاهر التخلف التي يعاني منها الإن�سان في العالم الإ�سالمي‪َّ � :‬إن م�ش ّكلتنا‬
‫هي م�شكلة الإن�سان الذي ُي�ستعبد‪ ،‬كما قال‪.‬‬
‫وكان يعتبر‪ ،‬ثالث ًا‪ّ � ،‬أن الحرية هي �أم�ضى �سالح في المعركة التاريخية التي يتع ّين‬
‫على �إن�سان العالم الإ�سالمي �أن يخو�ضها من �أجل الق�ضاء على التخلف‪ .‬وانطالقا‬

‫من هذه المنظومة المترابطة من الت�صورات �أعلن �صرخته المدوية‪ :‬لنمتلك الحرية‬
‫في مواجهة التخلف‪ .‬داعي ًا �إلى تحرير الأمة من عبودية التخلف الذي �صرنا ال نجر�ؤ‬
‫على التحرك لإزالته لأننا عبيد له‪ ،‬ح ّتى �أن عبوديتنا لتخلفنا �أوحت �إلينا بقدا�سة هذا‬
‫التخلف‪ ،‬وكيف يكون حال الأمة التي يتحول تخلفها �إلى مقد�سات؟!‬
‫في محا�ضرة رم�ضانية له‪ ،‬قال‪� :‬إن هذا ال�شهر الف�ضيل هو �شهر الحرية‪( .‬الحظ‬
‫� ّأن الموعظة التقليدية تقول �إن رم�ضان هو �شهر العبادة �شهر المغفرة والرحمة‬
‫والبركة‪ ،‬كما قال منتقد ًا)‪ .‬لكنّه �أعلن �أن هذا ال�شهر‪ ،‬هو �شهر الحرية‪ ،‬ليعيد ت�أكيد‬
‫مقولته � ّإن اهلل خلق الإن�سان ح ّر ًا‪ ،‬لم يق ّيد عقله وقال له انطلق في الفكر ك ّله وتح ّمل‬
‫م�س�ؤولية فكرك‪ ،‬م�ستذكر ًا في هذا ال�سياق قول الإمام علي الذي قال‪« :‬ال ت ُكن عبد‬
‫غيرك وقد خلقك اهلل حر ًا»‪ ،‬فحريتك هي �إن�سانيتك‪ ،‬وبفقدها تفقد �إن�سانيتك‪.‬‬
‫تعني الحرية عند ف�ضل اهلل �أن يكون الإن�سان �س ّيد نف�سه‪ .‬فهي كما قال‪ْ � :‬أن تكون‬
‫�س ّيد نف�سك‪� ،‬أن تملك �إراد ًة تواجه فيها ك ّل غرائزك عندما تريد �أن تطغى عليك‬
‫وتنحرف بك وت�سقطك‪ ،‬و�أن تملك �إرادة الم�ضي في االنطالق مع م�س�ؤولياتك‪� ،‬أن‬
‫تملك الـ «ال» التي تختزن ك ّل المفردات التي تنطلق بك �إلى الأعالي‪ ،‬و�أن تملك قول‬
‫«نعم»‪ ،‬لتكون هذه ال َن َعم منطلقة من ك ّل ما تقتنع به �أنت‪ ،‬مما يدخل في عقلك وقلبك‬
‫و�شعورك‪ ،‬ليعلن ب�إيجاز غير مخ ّل �أن تلك هي الم�س�ألة‪� ،‬أن تكون حر ًا‪.‬‬
‫�أن تكون �س ّيد نف�سك يعني‪ ،‬كما قال ف�ضل اهلل‪ ،‬هو �أن ال ي�سيطر عليك � ّأي موقع‬
‫من مواقع القوة من خالل ه�ؤالء الذين تتجمع الظروف حولهم‪ ،‬لتجعلهم يت�ص ّرفون‬
‫من موقع قوة‪ .‬ك ّل �شخ�ص فيما عدا َم ْن ع�صمهم اهلل‪ ،‬لي�س فوق �أن ُينتقد‪� ،‬أو فوق �أن‬
‫ُينا َق�ش‪� ،‬أو �أن يدخل في الحوار‪ .‬و�أخطر �أ�شكال العبوديات المتخلفة هي ما كان ف�ضل‬
‫اهلل ي�سميها عبودية الفكر‪ ،‬حين يجمد النا�س‪ ،‬يتع ّبد النا�س هلل �أو للوطن �أو للدين‬
‫�أو للقومية �أو لغيرها من خالل �شخ�ص واحد‪ ،‬يتحول �إلى مقد�س يخ�شون النظر في‬
‫عينيه‪ ،‬ويخافون �س�ؤاله‪ ،‬بل يرتعبون من الرد عليه‪.‬‬
‫ف�إن �أولئك الذين يج ِّمدون فكرهم لينطلق �شخ�ص واحد يفر�ض فكره عليهم‪ ،‬هم‬
‫عبيد فكر‪ ،‬فالحرية العقلية والفكرية تتجلى بدرا�سة فكره وت�أمله وقبوله من موقع‬

‫‪149‬‬

‫‪150‬‬

‫اقتناع‪ ،‬ورف�ضه من موقع الالاقتناع‪ .‬وهذا ما ي�ؤ ّدي �إلى ظهور الطوائف المنت�سبة‬
‫للأ�شخا�ص والأحزاب فيقال ه�ؤالء جماعة فالن‪ ،‬وه�ؤالء حزب فالن‪ ،‬ولكن الجماعة‬
‫ال تكون لل�شخ�ص‪ ،‬بل تكون للفكر‪ ،‬للخط‪ ،‬للر�سالة‪ .‬ونن�سى �أن المف ّكر ب�شر‪ ،‬ي�أتي‬
‫بالفكرة الجديدة اليوم‪ ،‬لت�صبح قديمة غد ًا‪ ،‬ما ي�ستوجب مراجعتها‪ ،‬وتعديلها‬
‫�أو ح ّتى تجاوزها �إذا ا�ستنفدت �أغرا�ضها‪ .‬نن�سى �أن الأفكار قد ت�أتي متنا�سبة مع‬
‫مفردات المرحلة‪ ،‬ولكن مع تقادم الزمن‪ ،‬الظروف تتغير وين�ضج الفكر‪ ،‬فتن�ش�أ‬
‫�أفكار وخطوط جديدة‪ ،‬فيما نبقى نحن متم�سكون ب�أفكار المراحل ال�سابقة‪ ،‬لأننا‬
‫نتبنّى فكر فالن‪ .‬وكان ف�ضل اهلل ي�سمح لي بمراجعة فكره‪� .‬س�ألته ذات يوم قائ ًال‪:‬‬
‫�أنت مجتهد و�أنا �أقلدك‪ ،‬ف�إلى �أي مدى ت�سمح لي بمناق�شتك والرد عليك؟ قال لي‪:‬‬
‫لك ذلك ح ّتى �أقول لك حكمت عليك من موقعي الفقهي‪ .‬ف�ضحك و�ضحكت! ليقول‬
‫بعد ذلك في �إحدى محا�ضراته الق ّيمة‪ :‬عندما ال يكون فكرك مع�صوم ًا عليك �أن‬
‫ت�سمع االنتقادات الموجهة �إليه‪ ،‬لأن الذي ينقد فكرك يحترمك‪ ،‬ومعناه � ّأن فكرك‬
‫هو فكر يوحي بالت�أمل ويوحي بالمناق�شة‪� .‬أما الذي ال ينتقد فكرك‪ ،‬وي�س ّلم له دون‬
‫مناق�شة‪ ،‬ف�إنه ال يحترم فكرك‪ ،‬بل يحترمك �أنت‪ ،‬ربما لخ�صو�صي ٍة �أو لموقع �أنت‬
‫ت�شغله‪ .‬رف�ض ف�ضل اهلل القمع الفكري‪ ،‬وانتقد القيادات التي ترف�ض النقد وتعتبره‬
‫�شك ًال من �أ�شكال العداوة‪ ،‬واعتبر قبول النا�س بهذا نوع ًا من �أنواع العبودية والنفاق‪.‬‬
‫ومن هنا �أق ّر ف�ضل اهلل بم�شروعية المعار�ضة والنقد للقيادات والأو�ضاع والأحزاب‪،‬‬
‫م�ستند ًا �إلى قول الر�سول محمد‪�« :P‬إنما �أهلك من كان قبلكم‪� ،‬أنّهم كانوا �إذا‬
‫�سرق ال�شريف تركوه‪ ،‬و�إذا �سرق ال�ضعيف �أقاموا عليه الحد‪ ،‬واهلل لو �سرقت فاطمة‬
‫بنت محمد ‪ -‬وفاطمة �أكبر من ذلك‪ ،‬ولكن النبي �أراد �أن ي�صدم الواقع ح ّتى يركز‬
‫الحقيقة‪َ -‬لق ََط ْع ُت يدها»‪ .‬وم�ستذكر ًا ق�صة العبا�س بن مردا�س مع النبي حين جاءه‬
‫وهو يوزع الغنائم في ُحنين وكان جديد عهد في الإ�سالم‪ ،‬ليقول له‪� :‬إعدل يا محمد‪،‬‬
‫فال يجيبه النبي‪P‬وال يعاقبه‪ ،‬بل يدخل معه في حوار ويقول له‪�« :‬إن لم �أعدل فمن‬
‫يعدل؟» كان ف�ضل اهلل يرى � ّأن الحرية باب الولوج �إلى الم�ستقبل‪ ،‬وخاطب م�ستمعيه‬
‫قائ ًال‪� :‬إذا �أردنا �أن نتحرك في خط الم�ستقبل‪ ،‬و�إذا كنّا نريد �أن ندخل الم�ستقبل‪،‬‬

‫فعلينا �أن نكون �أحرار ًا‪ .‬مو�ضح ًا �أنّه من ال�صعب �أن ن�ؤكد موقفنا ونحمي �أنف�سنا مما‬
‫ُي ّ‬
‫خطط لنا‪ ،‬عندما نكون مج ّرد �أرقام في �صندوق االنتخاب في زعامة �شخ�ص هنا‬
‫و�شخ�ص هناك‪ ،‬وعندما نكون مج ّرد حالة �صوتية تعرف كيف تهتف‪ ،‬وحالة يدو ّية‬
‫تعرف كيف ت�صفّق‪ ،‬وال نكون حالة عقلية‪.‬‬
‫ال�صباح (العراق) ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* باحث وكاتب من العراق‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ :‬مرجعي ا ّلذي لم �أق ّلده‬
‫مح ّمد �أحمد �آل مح�سن*‬

‫�ضد فكره قبل‬
‫رغم الحملة ال�شَّ عواء التي انطلقت َّ‬
‫تقيده �أو تجعله‬
‫�شخ�صه‪َّ ،‬‬
‫و�ضد نهجه المقاوم‪� ،‬إال �أ ّنها لم ِّ‬
‫عما يقتنع به‪.‬‬
‫يتراجع َّ‬
‫قليلون هم من يتركون �أثر ًا في حياتهم‪� ،‬أو ُيثيرون حيا َة َم ْن ُهم حولهم‪ ،‬فكيف‬
‫برجلٍ ي�ستطيع �أن يثير ويح ّرك هذا العا َلم ح ّتى بعد موته ا ّلذي لم يكن يخطر ببال‬
‫ال�سن‪ ،‬ف�ض ًال عن المر�ض ا ّلذي �أنهك ج�سده من دون �أن ن�شعر‬
‫�أحد‪ ،‬رغم تق ّدمه في ّ‬
‫بذلك عليه‪ .‬تلك هي بب�ساطة كانت حياة �سماحة العالمة المرجع‪ ،‬ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬الرجل الذي �أخذ على عاتقه ال ّتغيير والعمل والجهاد‪ ،‬ح ّتى لو‬
‫�أنهكه الآخرون ب�سهامهم‪ ،‬بل «عدوانهم» ح ّتى قبل المر�ض والموت‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫ال�شاب من ال ّنجف �إلى لبنان‬
‫‪ ‬ال�س ّيد‬
‫ّ‬
‫كعادة �أغلب �شباب تلك المرحلة‪ ،‬ق�ضى ال�س ّيد ف�ضل اهلل مرحلة التعليم الحوزوي‬
‫في مدينة النجف الأ�شرف التي تعتبر حا�ضرة ال ّت�شيع الأكبر والأعرق في العالم‪،‬‬
‫وكبق ّية �أقرانه في تلك المرحلة‪ ،‬ترعرع ال�س ّيد تحت لواء عمالقة الحوزة‪ ،‬من ال�س ّيد‬
‫مح�سن الحكيم‪ ،‬وال�سيد الخوئي‪ ،‬وكان �أحد خم�سة رجال ُيعتبرون ممن �ساهموا كثير ًا‬
‫ال�شيعي والت�أثير فيه‪ ،‬من ال�س ّيد محمد باقر ال�صدر‪� ،‬إلى ال�س ّيد مهدي‬
‫في تط ّور الفكر‬
‫ّ‬
‫الحكيم‪ ،‬مرور ًا بال�شّ يخ محمد مهدي �شم�س ال ّدين وال�س ّيد محمد باقر الحكيم‪ ،‬وكان‬
‫�آخر الراحلين هو ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪.‬‬

‫ومع ما كانت تكتنـزه النّجف من ذلك ال ّت�أثير في حياة � ّأي ٍ‬
‫فرد‪ ،‬وخ�صو�ص ًا‬
‫طلبة العلوم ال ّدين ّية‪ ،‬فقد كان �أ�صل االنفتاح و ُبعد الحركة‪ ،‬هو �أ�سا�س ما كان يف ّكر‬
‫فيه ال�س ّيد ف�ضل اهلل ويتمنّاه‪ ،‬لذلك كان المق ّر لبنان‪ ،‬بما ي ّت�سم به من حري ٍة تتيح‬
‫لل�شّ خ�ص �أن ُيعطي الآخرين بع�ض ما يحتويه من �أفكا ٍر و�آراء‪ ،‬واال�ستقاء مما هو‬
‫موجود من ثقافات واتجاهات متع ّددة‪ ،‬وال �س ّيما �أنّه بلد الآباء والأجداد‪ .‬لذلك كانت‬
‫ال�ستينيات من القرن الما�ضي‪ ،‬فر�ص ًة عرف من‬
‫رحلة ال�س ّيد �إلى لبنان في مرحلة ّ‬
‫خاللها العا َلم‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ال�شّ باب الم�سلم‪� ،‬شخ�ص ّي ًة غير تقليد ّية‪ ،‬تعطي العمل‬
‫الم� َّؤ�س�ساتي الأولو ّية‪ ،‬وتقوم على تربية �أجيالٍ من ال�شباب الم�سلم الذي انخرط في‬
‫�صحي ٍة‬
‫الأحزاب الي�سار ّية وغيرها‪ ،‬بعد �أن ف�شل في الح�صول على بيئ ٍة �إ�سالم ّي ٍة ّ‬
‫تنت�شله من براغيث تلك الأحزاب والت ّيارات‪.‬‬
‫الحركي وتن�شئة جيل المقاومة‬
‫‪ ‬الإ�سالم‬
‫ّ‬
‫لع ّل الفترة التي عا�شها ال ّراحل الكبير‪ ،‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬تُعتبر من �أكثر الفترات‬
‫إ�سالمي من �سيطرة‬
‫حرج ًا و�أ�ش ّدها د ّق ًة في ما �آل �إليه الو�ضع في لبنان والعالم ال‬
‫ّ‬
‫العراقي والمرجع ّية ال ّدين ّية‪ ،‬ثم هجومه‬
‫النّظام البعثي في العراق وظلمه تجاه ال�شّ عب‬
‫ّ‬
‫وحربه على ال ّثورة الإ�سالمية في �إيران‪ ،‬مرور ًا باالحتالل الإ�سرائيلي للبنان‪ ،‬ودائم ًا‬
‫ال�سابق‪ ،‬وذلك باختالف‬
‫لفل�سطين‪ ،‬فكانت المرحلة تتط ّلب رجا ًال مختلفين عن ّ‬
‫ال�ساحة من م�شاكل‪،‬‬
‫الظروف التي ت�ستوجب عم ًال ومنهج ًا جديد ًا يواجه ما تم ّر به ّ‬
‫م�ضاف ًا �إليها الو�ضع الثقافي واالجتماعي ا ّلذي كان يم ّر به �شيعة لبنان‪ .‬لذلك كانت‬
‫فكرة ا�ستقطاب ال�شّ باب هي من �أولو ّيات ال�سيد‪ ،‬ولكن هذه المرة بطريق ٍة مختلف ٍة‬
‫ع ّما هو �سائد‪ ،‬فال�شباب لم تعد ّ‬
‫الطرق التقليد ّية تجتذبهم �أو ت�ؤثر فيهم‪ ،‬فكان ال‬
‫حركي ٍ‬
‫جديد يجعل من تح ّول جيلٍ ب�أكمله يكون م�ستقب ًال نواة الحركة‬
‫طرح‬
‫ب ّد من ٍ‬
‫ٍّ‬
‫الجهاد ّية والثورية‪.‬‬
‫بد�أ ال�س ّيد تلك الخطوات من خالل المحا�ضرات والنّدوات الفكر ّية وال ّثقاف ّية‬
‫والثور ّية‪ ،‬و�ساهمت ّ‬
‫إ�سرائيلي للبنان‪ ،‬في دعم‬
‫الظروف ال�سيا�س ّية‪ ،‬ومنها االحتالل ال‬
‫ّ‬

‫‪153‬‬

‫ٍ‬
‫أكف ال�شّ باب‪ ،‬وكان له ال ّدور الأكبر‬
‫خطاب‬
‫وت�أكيد هذا النّهج‪ ،‬من‬
‫حما�سي �ألهب به � ّ‬
‫ّ‬
‫في دعم المقاومة وب�شكلٍ مبا�شرٍ من خالل تتلمذ المئات من القيادات ال�شا ّبة على‬
‫البعثي‬
‫يديه‪ ،‬وخ�صو�ص ًا تلك العائدة من العراق‪ ،‬بفعل الهجرة التي فر�ضها النّظام‬
‫ّ‬
‫على الكثير من ال�شباب‪ ،‬ومنهم ال ّلبنان ّيون‪ ،‬ا ّلذين كانوا بحاج ٍة �إلى من ي�ستوعبهم‬
‫ٍ‬
‫�سنوات قليل ٍة هي المح ّرك‬
‫الحركي‪ ...‬بل يع ّدهم كقيادات تكون في ظرف‬
‫بالمعنى‬
‫ّ‬
‫الحركي‪ .‬وبفعل هذا التح ّلق والنّهج ا ّلذي اتخذه ال�س ّيد‬
‫الأ�سا�س للمقاومة وللعمل‬
‫ّ‬
‫الكبير‪ ،‬ا�ستطاعت �أولى تلك المجموعات ال�شّ باب ّية �أن تت�ص ّدى للعمل المقاوم‪ ،‬من‬
‫ال�س ّيد ع ّبا�س المو�سوي‪� ،‬إلى الحاج عماد مغن ّية‪ ،‬وال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل‪ ...‬وكيف ال‪،‬‬
‫وهو يقول في ت�أبين ال�س ّيد ف�ضل اهلل(ر�ض)‪« :‬لقد فقدنا اليوم �أب ًا رحيم ًا‪ ،‬ومر�شد ًا‬
‫حكيم ًا‪ ،‬وكهف ًا ح�صين ًا‪ ،‬و�سند ًا قو ّي ًا في ك ّل المراحل‪ .‬هكذا كان لنا �سماحته ولك ّل هذا‬
‫الجيل الم�ؤمن والمجاهد والمقاوم‪ ،‬منذ �أن كنّا فتي ًة ن�ص ّلي في جماعته‪ ،‬ونتع ّلم تحت‬
‫منبره‪ ،‬ونهتدي بكلماته‪ ،‬ونتم ّثل �أخالقه‪ ،‬ونقتدي ب�سيرته»‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫‪ ‬المرجع ّية والعمل الم� ّؤ�س�ساتي‬
‫إ�سالمي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ال�شّ يعة منهم‪ ،‬بالمرجع‬
‫لم تكن عالقة الكثير في العالم ال‬
‫ّ‬
‫خا�صة‪ ،‬تتابعه‪ ،‬تتح ّلق في ف�ضائه‬
‫ف�ضل اهلل عالقة المك ّلف بمرجعه‪ ،‬فهو حالة ّ‬
‫ال ّرحب‪ ،‬وت�ست�أن�س بفكره‪ ،‬من دون �أن تدري ومن دون �أن تدير با ًال �إن كان هو مرجعك‬
‫�أم ال‪ ،‬بل �أكاد �أجزم ب� ّأن الكثير‪ ،‬بل الأغلب ّية ال�ساحقة ممن ا�ستهواهم فكر �سماحته‬
‫ّ‬
‫وخطه‪ ،‬لم يكونوا يق ّلدونه‪ ،‬لي�س ب�سبب ق�صور في �سماحته‪ ،‬بل لأنّه رجل يتجاوز معنى‬
‫المرجع ّية ومعنى التقليد‪.‬‬
‫ورغم الحملة ال�شَّ عواء التي انطلقت �ض َّد فكره قبل �شخ�صه‪ ،‬و�ض َّد نهجه المقاوم‪،‬‬
‫�إال �أنّها لم تق ِّيده �أو تجعله يتراجع ع َّما يقتنع به‪ ،‬رغم توقيت هذه الحملة‪ ،‬ا ّلذي‬
‫يجعلنا نطرح الأ�سئلة حول ماه ّية هذه الحملة والهدف منها‪ ،‬وكيف التقت مع الحملة‬
‫الأخرى ا ّلتي ا�ستهدفت ال�س ّيد في ٍ‬
‫فترات مختلف ٍة‪ ،‬و�أبرزها محاولة االغتيال الكبيرة‬
‫التي ا�ستهدفت �سماحته في بئر العبد في العام ‪ 1985‬في �ضاحية بيروت الجنوب ّية‪،‬‬

‫والتي اعترف بها مدير المخابرات الأميركية يومها‪ِ ،‬و ْل َيم كاي�سي‪ ،‬وب�أنّها كانت‬
‫بتمويل من دول عرب ّية!!‬
‫ورغم ما تع ّر�ض له المرجع الكبير من هذه الحمالت والتّ�شكيك �أو «االغتيال‬
‫بمفهوم �أ�شمل‬
‫المعنوي»‪ ،‬كما كان ي�س ّميه ال�س ّيد‪� ،‬إال �أ ّنها جعلت مرجع ّيته تتح ّرك‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫والخيري‪ ،‬م�ستفيد ًا من الحقوق ّ‬
‫ال�شرع ّية‬
‫و�أو�ضح‪ ،‬خ�صو�ص ًا في الجانب الم� ّؤ�س�ساتي‬
‫ّ‬
‫منتج يم ّول نف�سه من دون ال ّرجوع �إلى � ٍ‬
‫أحد هنا �أو هناك‪.‬‬
‫وتحويلها �إلى عمل م� ّؤ�س�سي ٍ‬
‫االجتماعي‪ ،‬كان لل�س ّيد ف�ضل اهلل مبادرته الأولى في هذا ّ‬
‫ال�ش�أن‪،‬‬
‫ففي بداية العمل‬
‫ّ‬
‫وذلك من خالل ت�أ�سي�س جمع ّية المبرات الخير ّية‪ ،‬التي �أ�صبحت فيما بعد �إحدى �أكبر‬
‫العربي‪ ،‬بما تحويه من جمع ّي ٍات خير ّي ٍة وثقاف ّي ٍة وتربو ّي ٍة‬
‫الم� ّؤ�س�سات في لبنان والعالم‬
‫ّ‬
‫تتجاوز الثالثين م� ّؤ�س�س ًة‪ ،‬منها ت�سع م� ّؤ�س�سات رعائ ّية‪ ،‬ترعى حوالى ‪ 3800‬يتيم �سنو ّي ًا‪،‬‬
‫الخا�صة‬
‫‪ 16‬مدر�سة �أكاديم ّية رعائ ّية‪� ،‬سبعة معاهد مهن ّية‪ ،‬م� ّؤ�س�سة لذوي االحتياجات‬
‫ّ‬
‫ال�ص ّم والمكفوفين وذوي ا�ضطرابات ال ّلغة والتّوا�صل»‪ ،‬وعدد من المراكز ال�صح ّية‪،‬‬
‫«من ّ‬
‫منها م�ست�شفى بهمن في حارة حريك‪ ،‬والم� ّؤ�س�سات الثقاف ّية‪ ،‬و‪ 40‬م�سجد ًا‪� ،‬إ�ضاف ًة �إلى‬
‫ت�أ�سي�س م� ّؤ�س�سات �إنتاج ّية توخّ ى منها اال�ستغناء عن التب ّرعات والم�ساعدات‪.‬‬
‫ويبقى العزاء في ال ّرحيل‪ ،‬رغم ما يكتنـزه من مرارة وحزن‪ ،‬هي تلك الجموع‬
‫الكبيرة من الجماهير الإ�سالم ّية وال�شّ يع ّية تحديد ًا‪ ،‬وكبار الك ّتاب والعلماء‪ ،‬ا ّلذين‬
‫اعترفوا بدوره وقيمته العظيمة‪ ،‬وا ّلذين ر�أوا � ّأن فكر �سماحته هو من انت�صر رغم‬
‫ال ّت�ضييق والح�صار من الأقربين قبل الأبعدين‪.‬‬
‫وعزا�ؤنا برحيل ذاك ّ‬
‫الطود ال�شّ امخ والفكر العظيم‪ ،‬بقاء هذه الم� ّؤ�س�سات‬
‫والأعمال الجليلة‪ ،‬ا ّلتي �ستبقى �شاهد ًا لتلك الأجيال القادمة‪ ،‬ب�أنّه يوم ًا ما م ّر من هنا‬
‫لكن ال ّرجال ال تعرف �إال حين الممات‪.‬‬
‫رجل كان على النّا�س �أن يعرفوه في حياته‪ّ ،‬‬
‫‪ ‬ذلك بع�ض من في�ض ال ّراحل الكبير‪� ،‬سماحة المرجع ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل‪.‬‬
‫*كاتب �سعودي‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫في وداع فقيه الع�صر ومنبع الفكر‬
‫ال�س ّيد مح ّمد طاهر الح�سيني*‬

‫الح�شود الهائلة ا ّلتي خرجت في ت�شييعه‪ ،‬تمثّل ا�ستفتا ًء‬
‫�صوابية منهجه‪.‬‬
‫على‬
‫ّ‬
‫إ�سالمي في بيروت‪ ،‬ال�س ّيد‬
‫العربي وال‬
‫في مطلع �شهر تموز المن�صرم‪ ،‬و َّدع العالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل �إلى مثواه الأخير‪ ،‬حيث ُد ِف َن �إلى جانب «قاعة الزّهراء» في‬
‫ٍ‬
‫جانب من جوانب م�سجد الإمامين الح�سنين(ع)‪ ،‬حيث كان ُيلقي مواعظه وخطبه‪،‬‬
‫ويدلي ب�آرائه ومواقفه‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫�أبعاد ال�شخ�صية العظيمة‬
‫إ�سالمي مرجع ًا فقهي ًا كبير ًا‪ ،‬ومف ّكر ًا �إ�سالم ّي ًا رائد ًا‪،‬‬
‫العربي وال‬
‫لقد و َّدع العالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وم�صلح ًا اجتماع ّي ًا‪ ،‬وقائد ًا �سيا�س ّي ًا ب�صير ًا ق َّلما نجد له نظير ًا بين �أقرانه‪ ،‬فكان �آخر‬
‫العظماء دونما مبالغة �أو تح ّيز‪.‬‬
‫إ�سالمي �شخ�ص َّي ًة‬
‫العربي وال‬
‫وبرحيل ال�س ِّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬يخ�سر العالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وال�سيا�س َّية واالجتماع َّية‪،‬‬
‫رائد ًة روح َّي ًة وفاعل ًة في الأو�ساط العلم َّية ال ّدين َّية وال ّثقاف َّية ّ‬
‫في ٍ‬
‫وقت ال يبدو ثمة �أمل في ملء هذا الفراغ ا ّلذي تركه‪ ،‬من حيث تن ّوع الأدوار وتع ّدد‬
‫الأبعاد ا ّلتي اتّ�سمت به �شخ�ص ّيته‪.‬‬
‫ل�سنا ب�صدد �سرد مناقب ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل على كثرتها‪ ،‬بقدر ما‬

‫نحن ب�صدد تل ُّم�س �أبعاد �شخ�ص ّيته ا ّلتي فقدناها في زمن العتمة‪ ،‬ف� َّإن ثمة عالمات‬
‫ال�صعب‪.‬‬
‫فارقة لهذه ال�شّ خ�ص ّية كانت �س َّر نجاحه‪ ،‬و�ش ّكلت مدخ ًال لت�أ ّلقه في الزّمن ّ‬
‫التوازن بين الأ�صالة واالنفتاح‬
‫كانت �أُولى هذه العالمات‪ ،‬نجاحه الباهر في المحافظة على مبادئه وقيمه و�أفكاره‬
‫ور�ؤاه الإ�سالم ّية من جهة‪ ،‬واالنفتاح على الت ّيارات الدين ّية والفكر ّية الأخرى من جه ٍة‬
‫بقيم �أخالق ّية �سامية‪ ،‬كانت‬
‫�أخرى‪ ،‬وذلك بما تح ّلى به من ٍ‬
‫روح مت�سامحة‪ ،‬وت�ش ّربه ٍ‬
‫مثار � ٍ‬
‫إعجاب لدى معتنقي هذه الت ّيارات قبل غيرهم‪ ،‬ما �أ�سهم في ا�ستقطاب الآخر‪،‬‬
‫في ٍ‬
‫وقت لم يجامل فيه على ح�ساب ما يعتقد �أو ي�ؤمن به‪ ،‬في عمل ّي ٍة �شا ّق ٍة وع�سير ٍة لم‬
‫يوفّق لها �إ ّال عد ٌد ي�سي ٌر ج ّد ًا من ال�شخ�صيات‪ ،‬في حين ف�شلت �شخ�ص ّيات مه َّمة وكبيرة‬
‫في ت�أمين هذا التوازن‪ ،‬فكانت تقودهم التزاماتهم �إلى الت�ش ّدد‪� ،‬أو تدعوهم تنازالتهم‬
‫�إلى االبتذال‪ ،‬فيخ�سرون الكثير من �أر�صدتهم ال ّدين ّية �أو االجتماع ّية �أو ال�سيا�س ّية‪.‬‬
‫�أ ّما ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬فقد يكون الأكثر ّ‬
‫حظ ًا بين �أقرانه في التوفّر‬
‫على ر�سم فوا�صل دقيقة بين المجاملة واالنفتاح من جهة‪ ،‬واالحتفاظ ب�أ�صالته من‬
‫جه ٍة �أخرى‪.‬‬
‫الخ�صي�صة‪ ،‬قدرته على اتخاذ مواقف عقالن ّية في ظ ّل الزّمن‬
‫ويتر�شّ ح من هذه ّ‬
‫�صح مثل هذا ال ّتعبير‪ ،‬فقد ا�ستطاع �أن يكون راعي ًا للمقاومة والجهاد‪،‬‬
‫المجنون‪� ،‬إن ّ‬
‫والتعدي على حقوق الإن�سان وكرامته‪ ،‬كما ي�شيع اليوم‬
‫دون �أن ي�سمح باالنفالت‬
‫ِّ‬
‫إ�سالمي‪ ،‬ما �ش َّكل عالم ًة فارق ًة �أخرى في منهجه تم ِّيزه عن غيره من‬
‫في العالم ال‬
‫ّ‬
‫العاملين في هذا المجال‪ .‬وقد يكون من الم�ستح�سن ال َّتذكير بر�أيه في ال ّربع الأ َّول‬
‫المارك�سي‬
‫من ال َّثمانينيات‪ ،‬وهو ُيالحظ على بع�ض الإ�سالم ِّيين ت�أ ّثرهم بالمنهج‬
‫ّ‬
‫في ممار�سة العنف‪ ،‬فكان �أن �أثبتت الأ ّيام فيما بعد تف ّوق الإ�سالم ّيين ه�ؤالء على‬
‫غيرهم في ال ّلجوء �إلى العنف‪ ،‬والعبث بمق ّدرات النّا�س‪ .‬ولع َّل في مراجعة ن�صو�صه‬
‫و�أدب ّياته في نقد الحركة الإ�سالم ّية ‪ -‬وهو �س ّيد هذه الحركة ‪ -‬ما يد ِّلل على قدرته‬
‫ويح�ض �أبناء‬
‫ال�صعب‪ ،‬وهو ما كان يدعو �إليه‬
‫ّ‬
‫الفائقة في خلق ال ّتوازن في الزّمن ّ‬

‫‪157‬‬

‫الحركة الإ�سالم ّية على االلتزام به‪ِّ ،‬‬
‫التحجر‬
‫محذر ًا من االنغالق �أو االنفالت‪ ،‬ومن‬
‫ّ‬
‫ا�ست�سالم �أو انبطاح‪.‬‬
‫�أو ال ّت�س ّيب‪ ،‬داعي ًا �إلى واقع ّي ٍة عقالن ّية من غير‬
‫ٍ‬
‫م�صداق ّية ال�س ّيد(ر�ض)‬
‫وكان ثاني العالمات الفارقة في �شخ�ص ّيته‪ ،‬م�صداق ّيته‪ ،‬وربما هي �أغلى ما عنده‪،‬‬
‫حافظ بها على مواقفه وثوابته‪ ،‬من دون �أن ي�سمح لالنفعال ب�أن ي�أخذ مداه‪ ،‬وهو‬
‫ا ّلذي اجتمعت على حربه �أطراف معروفون‪ ،‬بع�ضهم ُي�صنَّف من الأقربين ف�ض ًال عن‬
‫العربي المعروف‪( :‬كن �أ ّم الولد)‪،‬‬
‫الأبعدين‪ ،‬فكان �أن احتفظ لهم من باب المثل‬
‫ّ‬
‫بالنّ�صيحة وال ّت�أييد‪ ،‬متعالي ًا على جراحه و�أحا�سي�سه‪ ،‬ما وفّر لأن�صاره‪ ،‬كما لغيرهم‪،‬‬
‫حد ما وبعيد ًا عن مظاهر االحتراب ا ّلتي تر ّوج لها دوائر �أجنب ّية‪،‬‬
‫عالم ًا هادئ ًا �إلى ٍ ّ‬
‫دول ّية و�إقليم ّية‪.‬‬
‫م�صداق ّيته هذه �أك�سبته احترام ًا كبير ًا‪ ،‬في زمنٍ �سادت فيه مظاهر االنتهاز ّية‪،‬‬
‫وطغت على �سلوك النّخب القائدة والفاعلة في المجتمع النّفع ّية وال ّتذبذب‪ ،‬ما �أفقدها‬
‫ال ّت�أثير في قواعدها و�أن�صارها‪ ،‬و�أورث هذه المجتمعات ركود ًا ملحوظ ًا‪ ،‬و�أ�سهم في‬
‫�إ�شاعة روح الالمباالة وعدم االهتمام بالق�ضايا الم�صير ّية‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫القدرة على التخطيط‬
‫وثمة عالمة فارقة في �شخ�ص ّية ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬م ّيزته عن �أقرانه‬
‫عالم لم ي�ألف ذلك‪ ،‬وقد د�أب على ذلك في‬
‫�أي�ض ًا‪ ،‬وهي قدرته على ال َّتخطيط في ٍ‬
‫ع َّدة اتّجاهات من حياته‪ ،‬وفي دوائر مختلفة من اهتماماته‪ ،‬لع َّل في مق َّدمها اهتمامه‬
‫ٍ‬
‫وبجهود فرد َّي ٍة متوا�ضع ٍة في بداية هذا‬
‫االجتماعي‪ ،‬وا َّلذي بناه لبن ًة لبن ًة‪،‬‬
‫البالغ بالعمل‬
‫ّ‬
‫ت�ضم عدد ًا من دور الأيتام‬
‫النَّ�شاط‪ ،‬فكان �أن �أن�ش�أ (جمع َّية المب َّرات الخير ّية) ا ّلتي ّ‬
‫الخا�صة‪ ،‬وعدد ًا من المدار�س والمعاهد العلم َّية‬
‫والم�سنّين و�أ�صحاب االحتياجات‬
‫ّ‬
‫ال�صحة والم�ستو�صفات والم�ست�شفيات‪ ،‬عالو ًة على النّ�شاط‬
‫الأكاديم َّية‪ ،‬ف�ض ًال عن ُدور ّ‬
‫الخا�ص ا ّلذي يقت�صر عليه معظم علماء ال ّدين في �أعمالهم ون�شاطاتهم‪.‬‬
‫يني‬
‫ّ‬
‫ال ّد ّ‬

‫االهتمام بالنا�س‬
‫االجتماعي ينبع من تف ّهمه الكبير لتح ّديات ع�صره‪ ،‬ومتط ّلبات‬
‫اهتمامه بالمحيط‬
‫ّ‬
‫النّا�س في هذا الع�صر‪ ،‬فكان �أن تجاوز ما هو الم�ألوف في �سلوك الفقهاء‪ ،‬من‬
‫ف�سر نزوعه نحو بناء م� ّؤ�س ٍ‬
‫�سات ثقاف ّية‬
‫وال�سائد‪ ،‬وهو ما ُي ّ‬
‫اقت�صارهم على المعتاد ّ‬
‫وعلم ّية و�صح ّية واجتماع ّية‪ ،‬عجزت عن بنائها حكومات‪ ،‬في ٍ‬
‫�سلوك ٍ‬
‫فريد من نوعه‬
‫لدى المراجع ال ّدين ّية وفقهاء الإ�سالم‪..‬‬
‫يف�سر �أي�ض ًا ا�ستماعه �إلى م�شاكل النَّا�س على اختالف طبقاتهم‪ ،‬وهو‬
‫وهو ما ِّ‬
‫يهتم بهذه الم�شاكل ج ّد ًا‪ ،‬فيف ّكر طوي ًال‪ ،‬و َيجِ ّد في تذليل ما‬
‫(�أُذن) �صغواء لهم‪ّ ،‬‬
‫يمكن تذليله‪ ،‬وتجاوز ما يمكن تجاوزه‪ ،‬ما انعك�س على مواقفه الفقه ّية وفتاواه‪ ،‬بعيد ًا‬
‫ع ّما د�أبت عليه المراجع ال ّدين ّية من الثبات وق ّلة االهتمام بالتغ ّيرات‪� ،‬أو المكابرة‬
‫تجاه ّ‬
‫الظروف والقناعات والمناخات الم�ستج ّدة‪ ،‬فكان اهتمام ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل بهذه المتط ّلبات اهتمام الخبير والعليم‪ ،‬من دون �أن يعني ذلك تجاوز‬
‫ثوابت ال�شّ ريعة وخطوطها الحمراء‪ ،‬فكان حري�ص ًا على تو�سيع دائرة الملتزمين بها‪،‬‬
‫(ال�سدنة) طبق ًا‬
‫عبر رفع القيود ا ّلتي ال �أ�سا�س لها في ال�شّ ريعة‪ ،‬مما و�ضعه بع�ض ّ‬
‫لأمزجتهم �أو ت�ص ّوراتهم‪ ،‬فلم يكن ال�س ّيد ف�ضل اهلل (كاثوليك ّي ًا �أكثر من البابا) كما‬
‫يقولون‪� ،‬إذ لم يجد م�صلح ًة في ال ّت�ضييق على النّا�س با�سم ال ّدين‪ ،‬في ٍ‬
‫وقت يرى‬
‫ال�سمحاء‪ ،‬ورفع عن النّا�س‬
‫نبي الإ�سالم بال�شّ ريعة ّ‬
‫ال ّدين �سمح ًا �سه ًال‪ ،‬وقد جاء ّ‬
‫الإ�صر والأغالل‪ ،‬فكان �أن غ�ضب قوم‪ ،‬و�ساء ذلك �آخرين‪ ،‬بينهم جاهل متنّ�سك‪،‬‬
‫انتهازي يتح ّين الفر�ص‪ ،‬فيما �صمت �آخرون خ�شية (ال ّدواهي العظمى)‪..‬‬
‫و�آخر‬
‫ّ‬
‫فقيه الع�صر‬
‫كان فقيه ع�صره بحقّ ‪ ،‬فكان منذ ت�ص َّدى للمرجع َّية الفقه َّية يف ِّكر في ع�صره‪،‬‬
‫ال كما يد�أب عليه المق ِّلدون من الفقهاء‪ ،‬من َحف ََظ ِة المتون وح َّرا�س القديم و� ْإن‬
‫كان بالي ًا‪ ،‬بل كان فقيه ًا بحقّ ‪ ،‬فهو بقدر ما كان وف ّي ًا لل ّثوابت الفقه ّية‪ ،‬كان ي�أبى �أن‬
‫يكون �صدى للآخرين‪ ،‬ير ِّدد ما ير ِّددون‪ ،‬ويفتي بما يفتي به الأ�سالف‪ ،‬لمج ّرد �أنّهم‬

‫‪159‬‬

‫واع‪ ،‬كما هو‬
‫�أ�سالف‪� ،‬إذ لو كان كذلك‪ّ ،‬‬
‫لكف عن �أن يكون مجتهد ًا‪ ،‬ولكان مج ّرد مق ِّلد ٍ‬
‫�ش�أن كثيرٍ من المتفقّهين‪� ،‬أو م ّمن ُيقال عنهم فقهاء‪..‬‬
‫ٍ‬
‫فقهي تجاه مق ّلديه وجمهوره والم�ؤمنين‬
‫بموقف‬
‫ومعني‬
‫ولأنّه فقيه الع�صر‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لل�سوق التجار ّية في فقهه ن�صيب‪،‬‬
‫وال�سائلين‪ ،‬فقد �آثر �أن يكون �صريح ًا‪ ،‬فلم يكن ّ‬
‫ّ‬
‫ال�سوق‪ ،‬ولذلك ‪ -‬ربما ‪ -‬خ�سر في بع�ض‬
‫ولم يدخل هذه البور�صة للم�ضاربة في هذه ّ‬
‫الأو�ساط‪ ،‬و� ْإن ربح دينه وحاز ثقة � ٍ‬
‫دي‪،‬‬
‫أو�ساط �أخرى‪ .‬ولأنّه كان معن ّي ًا بالفقه المح ّم ّ‬
‫ال�سوق‪ ،‬من عدم الإف�صاح عن‬
‫فقد تن َّكر لفقه (البازار)‪ ،‬وما كان �سائد ًا في هذه ّ‬
‫ٍ‬
‫تجار هذه ال�سوق‪.‬‬
‫لدواع تجار ّية‪،‬‬
‫الفتوى الحقيق ّية ٍ‬
‫وم�ضاربات يعرفها ّ‬
‫ولأنّه كان معن ّي ًا بالإ�سالم ك ّله‪ ،‬فقد كان الفقيه والمف ِّكر وال ّداعية والواعظ‪ ...‬فلم‬
‫المرجعي‪ ،‬وا ّلتي ا�ضط ّرت معظم‬
‫ال�سائدة في الو�سط‬
‫ال�سلوك ّية ّ‬
‫يكن ليذعن للأنماط ّ‬
‫ّ‬
‫المراجع الفقه ّية لالحتجاب واالعتكاف بعيد ًا عن النّا�س‪ ،‬فلم يكن ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل (�شبح ًا) يظهر في لحظ ٍة ويغيب زمن ًا �آخر‪ ،‬بل كان مرجع النّا�س‪،‬‬
‫ال�صغير كما يجيب على �أ�سئلة الكبير‪ ،‬ويجال�س الفقراء كما يجال�س‬
‫يجيب على �أ�سئلة ّ‬
‫ال�شّ رفاء (كما يو�صفون)‪ ،‬ويجيب المر�أة على �أ�سئلتها كما يجيب ال ّرجل ويجال�سه‪.‬‬
‫يكف عن وظيفته اليوم ّية‪ ،‬من �صال ٍة بالنّا�س‪ ،‬وموعظ ٍة هنا‬
‫وهو فوق ذلك‪ ،‬لم ّ‬
‫وهناك‪...‬‬
‫الحديث عن ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل طويل ومتع ّدد الجوانب‪ ،‬وهو ما يثير‬
‫ال ّت�سا�ؤالت في ظ ّل غيابه‪ ،‬وم�آل ٍ‬
‫عدد من الق�ضايا في ظ ّل هذا الغياب‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫ال�س ّيد المفكر‬
‫لقد كان ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل مف ّكر ًا‪ ،‬وقد �أتحف المكتبة الإ�سالم ّية بر�ؤاه‬
‫و�أفكاره‪ ،‬فكان كتاب «خطوات على طريق الإ�سالم»‪ ،‬و«ق�ضايانا على �ضوء الإ�سالم»‪،‬‬
‫و«�أ�سلوب ال ّدعوة في القر�آن»‪ ،‬و«الإ�سالم ومنطق الق ّوة» و«الحوار في القر�آن»‪،‬‬
‫و«الحركة الإ�سالم ّية ‪ -‬هموم وق�ضايا»‪ ،‬و«دنيا ال�شّ باب»‪ ،‬و«دنيا المر�أة»‪ ،‬و«فقه‬
‫الحياة»‪ ،‬و«الحركة الإ�سالم ّية‪ :‬ما لها وما عليها»‪ ،‬و«من �أجل الإ�سالم» ‪ ،‬و«�أحاديث‬

‫في الوحدة واالختالف»‪ ...‬في قائم ٍة طويل ٍة من الكتب عالج فيها �إ�شكال ّيات‪ ،‬و�أجاب‬
‫فيها عن �شبهات‪ ،‬وق َّدم ب�صددها ر�ؤى و�أفكار ًا‪...‬‬
‫ففي ِّ‬
‫ظل هذا الغياب‪ ،‬من الَّذي �سيتولَّى ملء هذا الغياب‪ ،‬وخ�صو�ص ًا �أنَّنا نعرف‬
‫يعي‪:‬‬
‫� َّأن ال�س ِّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬هو ثالث ثالث ٍة في الو�سط ال‬
‫إ�سالمي ال�شّ ّ‬
‫ّ‬
‫ال�صدر‪ ،‬مح ّمد مهدي �شم�س ال ّدين‪ ،‬محمد ح�سين ف�ضل اهلل)‪� ،‬أ�سهم‬
‫(مح ّمد باقر ّ‬
‫ك ّل ٍ‬
‫واحد منهم في �صياغة ر�ؤي ٍة �إ�سالم ّي ٍة �أ�صيلة‪� ،‬إذ �أح�سب �أنّنا بغيابهم خ�سرنا‬
‫الفكري‪ ،‬وهما ُبعد الأ�صالة و ُبعد المعا�صرة‪ ،‬مما توفّر‬
‫ال�صعيد‬
‫ّ‬
‫ُبعدين مه ّمين على ّ‬
‫في هذا ال ّثالثي‪ ،‬في ٍ‬
‫متحجرة خائبة!‬
‫وقت تطلع علينا هذه الأ ّيام ر�ؤى لقيطة �أو ّ‬
‫وط�أة الغياب‬
‫وفي ظ ّل غياب ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬يتزايد البحث عن �شخ�ص ّي ٍة‬
‫�إ�سالم ّي ٍة جامع ٍة تكون ملتقى للم�سلمين �س ّن ًة و�شيعة‪� ،‬إذ بغيابه‪ ،‬خ�سر الم�سلمون من‬
‫ال�سنّة وال�شّ يعة ما يجمعهم‪ ،‬في زحمة ال ّتدافع وال ّتنافر ا ّلتي ّ‬
‫تخطط لها بع�ض ال ّدوائر‪،‬‬
‫ٍ‬
‫وقنوات ف�ضائ ّية‪ ،‬بع�ضها يح�سب على‬
‫وتنفّذها دوائر �أخرى‪ ،‬من �شخ�ص ّي ٍات دين ّية‬
‫�أهل ال�سنّة‪ ،‬و�أخرى تُح�سب على ال�شّ يعة‪.‬‬
‫كان ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل مو�ضع ًا لالحترام وال ّتقدير من الم�سلمين‬
‫(وغيرهم �أي�ض ًا)‪ ،‬ومن ّ‬
‫الطائفتين الإ�سالم ّيتين الكبيرتين‪ ،‬ومن غيرهم من المذاهب‬
‫الإ�سالم ّية الأخرى‪ ،‬وبغيابه‪ ،‬تت�ضاعف م�س�ؤول ّية المراجع الدين ّية‪ ،‬في ٍ‬
‫وقت تتمتر�س‬
‫هذه المراجع بطوائفها دون تفكيرٍ ج ّد ّي بجدوى ال ّتفتي�ش عن القوا�سم الم�شتركة‪،‬‬
‫وهو ما �أفقدها الم�صداق ّية لدى هذا ّ‬
‫إ�سالمي �أو ذاك‪.‬‬
‫الطرف ال‬
‫ّ‬
‫الخا�ص‪ ،‬وال‬
‫يعي‬
‫ّ‬
‫وفي ظ ّل هذا الغياب‪ ،‬تبدو الخ�سارة كبير ًة على الم�ستوى ال�شّ ّ‬
‫�س ّيما في ٍ‬
‫وقت ت�صاعدت موجات الغل ّو وتقدي�س الخرافة‪ ،‬وفي ظ ّل �صمت مراجع‬
‫الخميني‪�ُ ،‬س ِم َح ٍ‬
‫لعدد من الواجهات الدين ّية ّ‬
‫بالظهور‪،‬‬
‫دين ّية مه َّمة‪� ،‬إذ مع وفاة الإمام‬
‫ّ‬
‫يعي العام وا�ستدرار ت�أييده‪،‬‬
‫وانطلقت م�سابقات محمومة ال�ستقطاب الجمهور ال�شّ ّ‬
‫لل ّترويج لعقائد لم ُي ْج ِمع عليها علماء ال�شّ يعة‪ ،‬ولم يكن في مواجهة هذه الحملة غير‬

‫‪161‬‬

‫ال�صورة الإ�سالم ّية المثال ّية‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ا ّلذي د�أب على تقديم ّ‬
‫لمذهب �أهل البيت(ع) و�شيعتهم‪ ،‬م�ستند ًا �إلى جر�أته في الحقّ ‪ ،‬و�شجاعته و�صبره‬
‫أذى �أ�سهم فيه فرقاء كثر‪ ،‬ال يجمعهم جامع �سوى �إعالن الحرب‬
‫على الأذى‪ ،‬وهو � ً‬
‫لدواع عديد ٍة‪ ،‬و�أهداف وغايات �ش ّتى‪.‬‬
‫عليه‪ٍ ،‬‬
‫ال�سيا�سي �أي�ض ًا‪ ،‬تبدو الخ�سارة بال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫وعلى الم�ستوى‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ّجاهات‬
‫كبيرة‪ ،‬فهو �شخ�ص ّية �سيا�س ّية جامعة‪ ،‬يجتمع عليه �أفرقاء �سيا�س ّيون من ات‬
‫متناق�ض ٍة �أحيان ًا‪ ،‬ما ي�سهم في ال ّتوحيد وال ّت�أليف‪ ،‬وخ�صو�ص ًا � ّأن لل�س ّيد في ال�سيا�سة‬
‫تجرب ًة طويل ًة وواعي ًة وب�صيرة‪.‬‬
‫وفي ظ ّل غياب ال�س ّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬تتزايد الأ�سئلة وتتوالى‪ ،‬لتبحث‬
‫عن �أجوبة‪ ،‬ن�أمل �أن تكون على قدر خ�سارتنا فيه‪.‬‬
‫لقد رحل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل عن عمرٍ ق�ضاه في العمل والحراك‬
‫ٍ‬
‫مجاالت متن ّوع ٍة ومتع ّددة‪ ،‬ليو ّرث خلفاءه ترك ًة ثقيل ًة يلزمهم تح ّملها‬
‫المتوا�صل‪ ،‬وفي‬
‫وال�صبر على ذلك‪ ،‬دون �أن يكون لهم الحر ّية في االختيار‪ ،‬فلي�س من الوفاء له‬
‫ّ‬
‫ولمنهجه التم ّل�ص من الم�س�ؤول ّية واالنقالب على الأعقاب‪.‬‬
‫منهج وخيار فكري‬
‫فكري‪ ،‬ولن يموت هذا المنهج‬
‫� ّإن ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل منهج وخيار ّ‬
‫أظن � ّأن الح�شود الهائلة ا ّلتي خرجت في ت�شييعه‪ ،‬في ظاهر ٍة غير م�سبوق ٍة‪،‬‬
‫بوفاته‪ ،‬و� ّ‬
‫الجماهيري‪،‬‬
‫تم ّثل ا�ستفتا ًء على �صواب ّية منهجه‪ ،‬ومدى عمقه وتجذّره في الو�سط‬
‫ّ‬
‫�سواء على م�ستوى عا ّمة النّا�س‪� ،‬أو على م�ستوى النّخب‪ ،‬متد ّينين وغير متد ّينين‪،‬‬
‫م�س َّي�سين وغير م�س َّي�سين‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫*عامل دين عراقي‪ ،‬ومدير عام حوزة املرت�ضى‪-‬دم�شق‪ ،‬والتي � ّأ�س�سها �سماحة ال�س ّيد ر�ضوان اهلل عليه‪.‬‬

‫ف�ضل اهلل ‪ ..‬رحيل مرجع من �أُولي الأمر‬
‫خالد عمر بن ققه*‬

‫لقد �أعاد ف�ضل اهلل �إلى الم�شهد العام في عالمنا الإ�سالمي‬
‫دور العالم المو�سوعي من جهة‪ ،‬والحركي من جهة‬
‫�أخرى‪.‬‬
‫دمعت عيناي حين �أوردت وكاالت الأنباء خبر وفاة العلاّ مة محمد ح�سين ف�ضل‬
‫أح�س�ست �أنّي فقدت عزيز ًا‪ ،‬قريب ًا من ال ّروح‪ ،‬و�أعتقد �أن هذا ال�شعور ي�شاركني‬
‫اهلل‪� ..‬‬
‫ُ‬
‫فيه كثيرون في العالم الإ�سالمي‪ ،‬وعادت بي الذكريات �إلى ليلة من ليالي العمر‪،‬‬
‫بقيت فيها منتظر ًا ل�ساعات من �أجل �إجراء حوار معه‪ ،‬بناء على اتفاق م�سبق مع‬
‫ُ‬
‫مرافقيه‪ ،‬ح ّتى �إذا ما ح ّلت ال�ساعة الثالثة �صباح ًا ‪ْ � -‬إن لم تخنّي الذاكرة ‪-‬ات�صلت‬
‫علي‪ ،‬مبدي ًا ا�ستعداده للحوار معي في تلك ال�ساعة‪ ،‬وحين و�صلت الى غرفته‬
‫به‪ ،‬فرد ّ‬
‫وجدت عدد ًا من مم ّثلي وكاالت الأنباء والمحطات التلفزيونية‪ ،‬ك ّل ينتظر دوره‪ ،‬كان‬
‫ُ‬
‫هذا منذ ‪� 19‬سنة تقريب ًا‪.‬‬
‫لم يكن ذلك الحوار‪ ،‬يك�شف �أخبارا �أو يتابعها‪ ،‬وال يق ّدم �إجاب َة مفكرٍ ل�صحفي‬
‫فح�سب‪ ،‬ولكنه كان جلو�س تلميذ في ح�ضرة عالم‪ ،‬ودر�س ًا تتوق �إليه النفو�س لفهم‬
‫طرق التفاو�ض‪ ،‬بين الم�سلمين وغيرهم من الأمم الأخرى‪ ،‬حيث كان يرى � ّأن على‬
‫الم�سلمين �أن يتط ّرفوا في المفاو�ضات ح ّتى يجدوا ما يمكن �أن يتنازلوا عنه �إذا‬
‫اقت�ضت ال�ضرورة ذلك‪ ،‬مو�ضح ًا � ّأن التنازل في البداية يجعلنا عديمي القوة‪ ،‬ويجعل‬
‫الآخر غير م�ستع ّد للتفاو�ض معنا‪ .‬من جهة �أخرى ف� ّإن حواري معه‪ ،‬كان بداية لقراءة‬

‫‪163‬‬

‫‪164‬‬

‫بع�ض كتبه ومتابعة حواراته‪ ،‬حيث نورانية الأفكار من خالل روح الإ�سالم في مجال‬
‫الحياة‪� ،‬ألي�س من يق ّدم هذا ي�ستحق المح ّبة‪ ،‬التي لم تعد �أ�سلوب حياة بين التالميذ‬
‫و�أ�ساتذتهم في ع�صرنا هذا؟!‪.‬‬
‫لقد م ّثل«ف�ضل اهلل»‪ ،‬يرحمه اهلل‪ ،‬عالمة م�ضيئة في حياة الم�سلمين المعا�صرين‪،‬‬
‫خا�صة بعد ب�سطه عمل ّي ًا ل�سلطة العلماء على �أهل الحكم وال�سيا�سة والثقافة‪ ،‬وذلك‬
‫من خالل الإقناع‪ ،‬ف�أعاد بذاك دور العلماء في حياة الأمة لجهة توجيه م�سارها‪،‬‬
‫فا�ستحقّ �أن يم ّثل‪ ،‬وبجدارة‪� ،‬إجماع ًا لدى ك ّل القوى ال�سيا�سية داخل لبنان وجميع‬
‫المذاهب الإ�سالمية خارجه‪ ،‬لدرجة حالت دون االختالف حول �آرائه ومواقفه‪.‬‬
‫وعلى �صعيد قوة الأفكار التي طرحها‪ ،‬نال اعتراف التيارات الأخرى لي�س فقط‬
‫على م�ستوى قوة الطرح وعقالنيته‪ ،‬و�إنّما لجهة تعاي�شه مع الفكرة الم�ضا ّدة مت�أثر ًا‬
‫مف�ص ًال في كتابه«الحوار في القر�آن»‪ ،‬الذي‬
‫في ذلك بما جاء في القر�آن‪ ،‬وهو ما جاء ّ‬
‫ما�سة �إليه بعد فتن جماعات الداخل وتكالب‬
‫� ّأ�س�س لنمط من الفهم نحن في حاجة ّ‬
‫قوى �آتية من الخارج‪ ،‬الأمر الذي �ساعد َم ْن �آمنوا بدور �أمتهم في التاريخ على تم ّلك‬
‫�شروط البقاء‪ ،‬ومواجهة القوى المعادية‪ ،‬وتحـ�صيل �أحقيتهم في تق ّدم ال�صفوف‬
‫الأولى‪ ،‬وا�ستمرار دورهم في البناء‪ .‬لقد �أعاد ف�ضل اهلل �إلى الم�شهد العام في عالمنا‬
‫الإ�سالمي دور العا ِلم المو�سوعي من جهة‪ ،‬والحركي من جهة �أخرى‪ ،‬وهذا من خالل‬
‫وعيه بالتراث وبالتاريخ وبالدين في جانبيه الفقهي والعملي‪ ..‬لنب�صر به مث ًال وهو‬
‫ي�شخّ �ص المقاومة في حياتنا ودورها المتراكم ونتائجه الإيجابية منذ ظهور الإ�سالم‬
‫�إلى يومنا هذا‪ ،‬وتلك حالة منبثقة من الما�ضي البعيد‪ ،‬ومولودة من زمن الثورات‬
‫الكبرى‪ .‬عملي ًا ف� ّإن �أطروحته ال تم ّثل على م�ستوى التنظير‪ ،‬بالن�سبة له وال لنا‪ ،‬ترف ًا‬
‫يج ّمل به نف�سه‪ ،‬ويتباهى به بين النا�س‪ ،‬ولكنه علم يج ّمله بقدر ما يحاول جاهد ًا‬
‫من �أجل تطوير �أ ّمته ودفعها �إلى الت�أقلم مع حقيقية الإيمان دون �أن تظل متخا�صمة‬
‫مع ع�صرها‪ ،‬وقد يعود ال�سبب في ذلك‪� ،‬إلى الميراث الح�ضاري للنبوة �أو ًال‪ ،‬ولعلماء‬
‫ال�سلف ثاني ًا‪ ،‬ولقدراته الذاتية ثالث ًا‪ ،‬وفي ِّ‬
‫كل هذا كان الوعي هو المتح ّكم في حركته‬
‫ح ّتى حين دخل في تقاطع �أو اختالف مع الأقربين حول ق�ضايا م�صيرية‪ .‬من ناحية‬

‫�أخرى ف� ّإن ف�ضل اهلل تم ّكن من ا�ستعادة الدور الحقيقي‪ ،‬ال ّر�سالي‪ ،‬المنوط بالعلماء‬
‫باعتبارهم �سلطة روحية وعملية في المجتمع‪ ،‬و�أق�صد هنا دور «�أُولي الأمر»‪ ،‬الذي‬
‫المف�سرين‪ ،‬وهو هنا لم يدخل في معار�ضة لل�سلطة داخل لبنان وال‬
‫ذهب �إليه بع�ض‬
‫ّ‬
‫خارجه‪ ،‬و�إنّما اكت�سب تلك ال�سلطة من خالل تثوير الدين والعمل بمحكم التنزيل‬
‫فهم ًا وتطبيق ًا‪ ،‬غير �أنّها كانت �سلطة مختلفة عن تلك التي جلبت الخالف �أو العنف‪،‬‬
‫لأنّها تح ّركت على مختلف ال�ساحات والمواقع �ضمن �شروط الإيمان ومكت�سباته‪،‬‬
‫وبما � ّأن ال ّدين يخاطب العقل ويف ّعل الفطرة‪ ،‬ويدح�ض الباطل ويحقّ الحق‪ ،‬فقد كان‬
‫بع�ض من ك ّل ذلك‪ ،‬وهو ما �سن�شترك فيه جميع ًا‬
‫لـ(ف�ضل اهلل) خالل حياته العملية ٌ‬
‫بعد رحيله وعلينا تحقيقه ك ّل حين‪ ،‬ما دام يم ّثل لنا مرجع ًا �إ�سالمي ًا م�شترك ًا بعيد ًا‬
‫عن الت�صنيف المذهبي المتداول في الإعالم‪.‬‬
‫الزمان (لندن) ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫* كاتب و�صحفي جزائري‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫فـــ�ضـل اهلل الـغـائـب الـحـا�ضر‬
‫ال�سيد عالء القطب �آل طعمة*‬

‫ا�شـتـهر الـفـقـيد الـ�سعـيد ب�آراء جـريـئة‪ ،‬تاريخية‬
‫وفـــقـهـية‪ ...‬و�أطــروحـته كـان الـهدف مـنـها وحـدة‬
‫الـمــ�سلـمـين ومـحـاولة لــتـنقـية الـفـكر الإ�سالمي‬
‫مــن الــ�شـوائـب‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫في يوم الثالثاء الم�صادف ‪ 2010/7/6‬وارى الثرى في لبنان الآالف من المحبين‪،‬‬
‫والأتباع والمقلدين بقلوب يعت�صرها الألم والح�سرة‪ ،‬وعيون تهطل بالدموع واللوعة‪،‬‬
‫�سماحة �آية اهلل العظمى المرجع الديني الكبير ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬عن‬
‫عمر ناهز الخام�سة وال�سبعين‪ ،‬ق�ضاه حام ًال جراب جده علي بن �أبي طالب(ع)‪ ،‬على‬
‫ظهره‪� ،‬ساعي ًا خلف المحتاجين من الأيتام والمعوزين‪ ،‬في �سائر البالد‪ ،‬لم يقت�صر‬
‫عطا�ؤه على لبنان فح�سب‪ ،‬و�إنما �شمل �سورية و�إيران والعراق وبقية الأرجاء الأخرى‬
‫التي و�سعته ه ّمته التي تجاوزت قدرات العاديين من الب�شر‪.‬‬
‫ولد �سماحته في مدينة النجف الأ�شرف‪ ،‬حا�ضنة العلم والأدب‪ ،‬ورو�ضة �أفذاذ‬
‫العلماء والأدباء وكبارهم‪ ،‬اغترف مناهل العلوم وفنون الأدب‪ ،‬ونما في �أو�ساط‬
‫الحركية الدينية وال�سيا�سية‪ ،‬في وقت كان العراق يعي�ش حالة من الحراك االجتماعي‬
‫والثقافي وال�سيا�سي‪ ،‬وتع�صف به تيارات فكرية وثقافية‪ ،‬دينية وعلمانية مختلفة‬
‫ومتخالفة‪ ،‬والنجف قطب رئي�سي‪ ،‬يغلي داخله هذا الحراك الذي ي�شكل تفاع ًال عملي ًا‬
‫وحركي ًا داخل المنتديات الثقافية والعلمية فيه‪ ،‬لذلك نبعت به القيادات لمختلف‬
‫التيارات الدينية والعلمانية‪ ،‬وكان ال�س ّيد الراحل وكوكبة من طالئع العلماء الحاملين‬

‫لواء التغيير وال�ساعين بحما�س بالغ‪ ،‬للت�صدي لك ّل وافد يحمل فيرو�سات التدمير‬
‫والتغريب لمقومات الأمة وتق ّدمها‪ ،‬وعلى ر�أ�س ه�ؤالء العلماء ال�شهيد ال�سعيد محمد‬
‫باقر ال�صدر‪ ،‬ولم تغب كربالء المقد�سة عن هذه الن�شاطات‪� ،‬إن لم تكن في مقدمة‬
‫المتفاعلين والمت�صدين‪.‬‬
‫وكانت لن�شاطاته الفكرية مع �أقرانه �أثر عظيم في و�ضع اللبنات الفكرية‬
‫للحركة الإ�سالمية في العراق وبقية البالد الأخرى‪ ،‬وربما �ش ّكلت زاد ًا عملي ًا للدعاة‬
‫والر�ساليين الطالئع‪ ،‬في حركتهم الن�شطة �ض ّد التيارات المعادية للفكر الإ�سالمي‬
‫الحركي والتقدمي‪ ،‬وكانت «كلمتنا» التي كانت من نفحات الراحل الرائد ال�س ّيد ف�ضل‬
‫اهلل‪ ،‬التي كان يطرزّها في مجلة «الأ�ضواء» التي كانت ت�صدر بالنجف الأ�شرف‪ ،‬قوة‬
‫فاعلة في عملية التغيير والتطوير والتنوير في �أو�ساط الحركة الإ�سالمية‪.‬‬
‫�سن الأنبياء الأربعين من عمره ال�شريف عاد �إلى �أر�ض �أجداده‪ ،‬عاد �إلى‬
‫ولما بلغ ّ‬
‫لبنان الحرية والحركية واالنفتاح‪ ،‬حام ًال ه ّمته ال�سامقة وفكره الن ّير‪ ،‬وطموحه الذي‬
‫جاوز الحدود‪ ،‬وهدفيته التي ورثها من جده الح�سين(ع) لعملية الإ�صالح والبناء في‬
‫جدار الواقع الذي يحل فيه‪ ،‬لذلك رتّب �أوليات حركته‪ ،‬ح�سب الحاجة التي �شخّ �صها‬
‫بب�صيرة قيادية رائدة‪ ،‬وكانت الحوزات العلمية في لبنان و�سورية في مقدمة ما قام‬
‫بها‪ ،‬ل ّأن العلم هو ال�ضوء الذي يقود للخير والفالح‪ ،‬ولما كان لإفرازات الحروب التي‬
‫واجهها لبنان من جراء االعتداءات الإ�سرائيلية وال�صراعات الداخلية‪ ،‬جيو�ش من‬
‫الأيتام والأرامل‪ ،‬دفعت الراحل الفذ �إلى �إن�شاء العديد من الم�ؤ�س�سات التي تعنى‬
‫به�ؤالء المحتاجين‪� ،‬إ�ضاف ًة لكثير من الم�شاريع الخيرية‪ ،‬التي تُعنى بعملية التكافل‬
‫االجتماعي التي تبقى �صروح ًا خالدة على مرور الأجيال‪.‬‬
‫لقد ا�شتهر الفقيد ال�سعيد ب�آراء جريئة‪ ،‬تاريخية وفقهية مغايرة للن�سق العام لما‬
‫هو �سائد في الأو�ساط العلمية والحوزات الدينية‪ ،‬وقد �أ�ضحى الفقيد بذلك �شخ�صية‬
‫تاريخية مثيرة للجدل بامتياز‪ ،‬و�أطروحته التي اجتهد بها كان الهدف منها وحدة‬
‫الم�سلمين ومحاولة لتنقية الفكر الإ�سالمي من ال�شوائب‪ ،‬التي ت�ش ّوه �صورة الم�سلمين‬
‫ح�سب اعتقاده‪ ،‬ولالجتهاد م�ساحته التي تثير العقل ويمنع الجمود والترهل‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫قال �سيدنا الإمام علي(ع)‪« :‬ثلمة الدين موت العلماء»‪ ،‬رغم الحزن البالغ‬
‫برحيل هذا العالم العامل الذي كان له ح�ضور دائم في وجدان مريديه ومحبيه‬
‫لي�س ال�شيعة فح�سب‪ ،‬و�إنما �سائر الواعين من �أرباب الديانات والفرقاء ال�سيا�سيين‬
‫في مختلف �أنحاء الوطن الإ�سالمي والعالم‪ ،‬وهذا ما �شهدناه في ت�شييعه المهيب‪،‬‬
‫قال ر�سول اهلل‪�« :P‬إذا مات ابن �آدم ال يبقى له �إال ثالثة‪ :‬ولد �صالح ي�ستغفر‬
‫له وكتاب ُينتفع به وم�سجد يذكر اهلل به»‪ ،‬وكل هذه الباقيات ال�صالحات وفّرها‬
‫له راحل الأمة الإ�سالمية الخالد‪ .‬لذلك ب�أعماله الجلية وبمحبيه من تالمذته‬
‫و�إنجازاته �سيبقى حي ًا �سعيد ًا خالد ًا بين �أحبابه ومريديه‪.‬‬
‫الدار ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫‪168‬‬

‫* كاتب عراقي‪ .‬‬

‫المجددين‬
‫�آخر‬
‫ِّ‬
‫عقيل عبد اهلل البو�صالح*‬

‫التجديد ٌ‬
‫فعل �صعب‪ ،‬لأ ّنه يحتاج �إلى �شجاعة و�إلى عقلية‬
‫تعمق ًا في الن�ص وخلفياته‪ ،‬وهذا ما تج ّلى في الراحل‬
‫�أكثر ّ‬
‫الكبير الإمام ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫م�ستع�ص على العقول الجامدة‪ ،‬لذا يحتاج �إلى عقلٍ �أكثر‬
‫ال ّتجديد فع ٌل عاق ٌل‬
‫ٍ‬
‫مرون ًة و�سال�س ًة وانفتاح ًا‪ ،‬وهذا ما ال يتوافر في كثيرٍ من العلماء‪..‬‬
‫يني غالب ًا بالقد�س ّية‪ ،‬تلك القد�س ّية تفرز قراء ًة حذر ًة ومتح ّوطة‪،‬‬
‫يو�صم الن ّ‬
‫ّ�ص ال ّد ّ‬
‫تُف�ضي غالب ًا �إلى الجمود‪ ،‬ما ينعك�س بال ّتالي على المفرزات والنتائج التي تنزع �إلى‬
‫ال ّتقليدية والجمود‪ ،‬بينما ال ّتجديد فع ٌل �صعب‪ ،‬لأنّه يحتاج �إلى �شجاع ٍة و�إلى عقل ّي ٍة‬
‫ّ�ص وخلف ّياته‪ ،‬وهذا ما تج ّلى في ال ّراحل الكبير الإمام ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫�أكثر تع ّمق ًا في الن ّ‬
‫بال ّرغم من � ّأن �آراء ف�ضل اهلل ال تعتبر في كثيرٍ منها جديدةً‪� ،‬إذ قال بها قبله بع�ض‬
‫ّ�ص وا�ستنطاق الواقع وا�ست�شراف‬
‫الفقهاء‪� ،‬إال � ّأن ال ّتوليفة والمنهج ّية في تحريك الن ّ‬
‫ّ�ص‪ ،‬نزع عنه �صفة‬
‫الم�ستقبل‪� ،‬إلى جانب ال ّتعاطي من خالل المتغ ّيرات الح ّية مع الن ّ‬
‫الجمود‪ ،‬وجعلها �أقرب �إلى الحداثة منها �إلى التقليد ّية‪ ،‬وهذا �شيء قليل �إن لم نقل‬
‫نادر الوجود‪.‬‬
‫ال�ساحة في ظ ّل‬
‫لذا كان ف�ضل اهلل من �أواخر المج ّددين ا ّلذين بد�أت ت�ضيق بهم ّ‬
‫يعي ا ّلذي �أخذ من خ�صومه عيوبهم في الما�ضو ّية وال ّتقليد ّية‪.‬‬
‫الم ّد ّ‬
‫لفي ال�شّ ّ‬
‫ال�س ّ‬
‫يني ب�شكلٍ عا ّم‪ ،‬عاجز عن التح ّرر من �أفكار الما�ضي‪ ،‬فالحوزات‬
‫ّ‬
‫ولكن الفكر ال ّد ّ‬

‫‪169‬‬

‫ما زالت تد ّر�س المناهج ذاتها منذ قرون‪ ،‬وبع�ض الكتب و�ضعت منذ ع�شرة قرون وما‬
‫زلنا نعتقد �أنّها الأ�صلح والأف�ضل‪.‬‬
‫ٍ‬
‫م�صطلحات اندثرت‪ ،‬وما عاد �أحد ي�ستخدمها‬
‫وما زالت الكتب الفقه ّية ت�ستخدم‬
‫بغلي ‪ -‬فر�سخ …»‪ .‬لماذا ال ت�ستخدم مقايي�س الع�صر‬
‫اليوم‪ ،‬مثل «ال ُق ّلة ‪ -‬درهم ّ‬
‫وم�صطلحات الحا�ضر على �أق ّل تقدير‪ ،‬ح ّتى يفهم عوام النا�س �أحكام دينهم؟!‬
‫ما زلنا نرف�ض ا�ستخدام تقن ّيات الع�صر وال ّتكنولوجيا في �ش�ؤوننا ال ّدين ّية‪ ،‬وما‬
‫العلمي وال ّدقيق‬
‫الفلكي‬
‫يف�ضلون �أن تختلف الأ ّمة‪ ،‬على اعتماد الح�ساب‬
‫زال العلماء ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في ح�ساب مطالع ال�شّ هور الهجر ّية‪.‬‬
‫لذا عندما نرى‪ -‬نحن ال�شّ باب ‪ -‬عالم ًا كال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬ي�أخذ بالتقـن ّية‪،‬‬
‫ن�سجل �شهادة �إعجاب‪ ،‬مهما كانت نظرة �سلف ّيي‬
‫ويتح ّدث بلغة الع�صر‪ ،‬ال نملك �إال �أن ّ‬
‫ال�شّ يعة تجاه �أفكاره الحداث ّية التي ت�سعى للتخ ّل�ص من �أوهام الما�ضي‪.‬‬
‫أ�سجل ا�ستغرابي ممن يزعم � ّأن مذهب �أهل البيت(ع) ي�سمح باالجتهاد في ك ّل‬
‫و� ّ‬
‫بال�ضرورة‪ ،‬ثم ي�سخط على من يجتهد فيختلف في‬
‫الأمور‪ ،‬عدا ما عرف من ال ّدين ّ‬
‫ال�سلف‪.‬‬
‫�آرائه مع بع�ض ّ‬
‫والتع�صب وانغالق الأفق وعدم ت�ص ّور � ّأن �أحكام‬
‫لم �أجد مب ّرر ًا له�ؤالء �سوى الهوى‬
‫ّ‬
‫المتح�ضرة‪.‬‬
‫ال�شّ ريعة يمكن �أن تتغ ّير لتنا�سب الزّمان والمكان وعقول الب�شر‬
‫ّ‬
‫كم ن�أمل �أن يكون لنا مراجع كف�ضل اهلل‪ ،‬ويكون هو الأ�سا�س وغيره ا�ستثناء‪...‬‬
‫�شبكة را�صد الإخبار ّية‬

‫‪170‬‬

‫* كاتب �سعودي‪.‬‬

‫الدجى‪ ..‬ويا �ضوء العين‬
‫يا �سراج ُّ‬
‫ال�سيد جعفر ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬

‫�سنحم��ل قلم��ك لنكت��ب للب�شري��ة ّ‬
‫بخط��ك الإ�س�لام‬
‫الح�ضاري المنفتح على ق�ضايا الع�صر‪.‬‬
‫ّ‬
‫�أبي الحبيب‪،‬‬
‫أفنيت عمرك‬
‫لقد ُ‬
‫أحببت‪ ،‬و� َ‬
‫أكتب عنك في حياتك ب�صفتك الر�سال ّية التي � َ‬
‫كنت � ُ‬
‫نح�س معها ب� ّأن �أب ّوتك لنا في الن�سب والج�سد تختلف عن �أب ّوتك لك ّل‬
‫فيها‪ ،‬ح ّتى لم ّ‬
‫وع�شت معك في الم�سجد‬
‫كيف ولم �أتع ّرف عليك �إال تحت المنبر‪،‬‬
‫�أبناء هذه الأ ّمة‪َ ..‬‬
‫ُ‬
‫أح�س ب� ّأن ك ّل ه�ؤالء‬
‫�أكثر م ّما كنت �أراك في المنزل‪ُ ،‬‬
‫فكنت ‪ -‬كما َ‬
‫قلت لي مرار ًا ‪� -‬أرى و� ّ‬
‫مف�سر ًا لل�سنّة‪� ،‬أو‬
‫الذين تر ّبعوا تحت منبرك وهم ي�ستمعون �إليك �شارح ًا للقر�آن‪� ،‬أو ّ‬
‫مع ّمق ًا للفكر‪� ،‬أو ُمطلق ًا الت�ش ّيع من قمقم الع�صب ّيات والمذهب ّيات‪� ،‬أو محاو ًال �أن تح ّلق‬
‫أح�س ب� ّأن ك ّل‬
‫بالأ ّمة �إلى الف�ضاءات الرحبة رحابة الكون الذي ي�س ّبح با�سم اهلل‪ّ � ،‬‬
‫ه�ؤالء هم �إخوة لي من �أبي‪ ،‬ولي�س لي عليهم ف�ض ٌل �إال بمقدار ما يقترب الواحد منّا‬
‫وعلم ذلك عند اهلل‪..‬‬
‫من اهلل �أكثر‪ُ ،‬‬
‫قلت لي �إنّك تتز ّود روح ّي ًا من ك ّل الذين يجه�شون بالبكاء في الدعاء‪،‬‬
‫أن�س وقد َ‬
‫لم � َ‬
‫مت من ذلك‬
‫وهم يدعون خلفَك في الم�سجد‪ ،‬بدعاء كميل �أو �أبي حمزة‪ ،..‬ح ّتى تع ّل ُ‬
‫توا�ضع الروح بين يدي اهلل‪ ،‬وتماهي القيادة مع �سائر من تع ّلقوا ب�أطرافها في م�سيرة‬
‫الر�سالة الطويلة‪..‬‬

‫‪171‬‬

‫‪172‬‬

‫قلت لي‪� :‬إن كان هذا الفكر‬
‫أن�س وقد كان يتج ّر�أ عليك ال�صغير والكبير عندما َ‬
‫لم � َ‬
‫هلل فاهلل يتكفّل به‪ ،‬و�إن لم يكن هلل ف�أنا ال �شغل لي به‪ ،‬فليذهب مع الرياح‪..‬‬
‫وال تزال كلماتُك تر ُّن في �أذني قبل �أ ّيام من لقائك من �أحببت‪ ،‬و�أنت تقول �إ ّني قد‬
‫لمت كما لم ُيظلم �أح ٌد‪ ،‬ولك ّني �أح ُّبهم؛ لأ ّني ر ّبيتهم‪ ،‬و�أ�شعر ب�أب ّوتي لهم جميع ًا‪..‬‬
‫ُظ ُ‬
‫هكذا‪ ،‬ع ّلمتنا ‪ -‬يا �أبي ويا �س ّيدي ‪� -‬أن ال نحقد على �أحد؛ ل ّأن «الحقد موت»‪ ،‬ول ّأن‬
‫القلب الذي يحقد ال ُيمكن �أن ي�سمو في ح ّبه هلل‪ ،‬ور ّبيتنا على � ّأن من ي�أمل عفو اهلل‬
‫يوم ال ظ ّل �إال ظ ّله‪ ،‬فال ُيمكنه �إال �أن يجعل عفوه ع ّمن �أ�ساء و�سيل ًة لتح�صيل عفو اهلل‬
‫تعالى‪..‬‬
‫وع ّلمتنا ‪ -‬يا من يفتقدك ُم�صلاّ ك والمنبر ‪ّ � -‬أن ك ّل ما في الحياة ينبغي �أن يكون‬
‫هلل‪� ،‬أن ن�سعى جاهدين ل ُنخل�ص هلل في ن ّياتنا‪ ،‬فال يكون فيها �شي ٌء لغير اهلل‪ ،‬حتّى‬
‫الذات تذوب في �إرادة اهلل في حركة الم�س�ؤول ّية‪..‬‬
‫�أنت يا من كان التوا�ضع عنوان ًا من عناوينك الكثيرة؛ ف�أنت من النا�س‪ ،‬معهم‪،‬‬
‫في خدمتهم‪ ،‬حتّى و�أنت ترتقي بهم في روحان ّيتك‪ ،‬التي اكت�شفنا �سم ّوها اليوم �أكثر‪،‬‬
‫تتو�سل �إلى اهلل بك ّل الأنفا�س‬
‫ف�أنت ال ت�شعر في نف�سك �إال �أ ّنك «�أفقر الفقراء �إلى اهلل»‪ّ ،‬‬
‫الطاهرة‪ ،‬والقلوب النق ّية‪ ،‬والن ّيات ال�صافية‪ ،‬التي تنبع من �صدق الم�ؤمنين‪..‬‬
‫نتح�سر على‬
‫ُ‬
‫ول�ست �أدري‪ ،‬ونحن نبذل الجهد اليوم لن�ص ّدق ما ُمنينا به‪ ،‬هل ّ‬
‫ثوانٍ م ّرت دون �أن نتز ّود منك بكلم ٍة‪� ،‬أو بموقف اقتدا ٍء‪� ،‬أو بمنهج للحياة؛ كيف؟ وقد‬
‫�ض ّيعنا �أ ّيام ًا دون ذلك‪..‬‬
‫تركت‪ ،‬منذ �أح�س�سنا �أ ّنك مغاد ُرنا‪ ،‬في ك ٍّل م ّنا م�سح َة ُحزن‪،‬‬
‫و�أقول لك يا �أبي‪ :‬لقد َ‬
‫اخترت‬
‫أ�سى‪ ،‬في �أعماق النف�س‪ ،‬لن ي�شفيها �إال ُلقياك في ذلك العالم الذي‬
‫َ‬
‫وب�صمة � ً‬
‫في حياتك متر ّفع ًا به عن الدنيا بما فيها‪..‬‬
‫لن تغيب �أ ّيها الحبيب ليلفّك الن�سيان؛ ال لأ ّننا نرف�ض القدر؛ حا�شا! و�أنت ر ّبيتنا‬
‫على التوحيد واال�ست�سالم لم�شيئة اهلل؛ بل لأ ّنك الحا�ض ُر في ِّ‬
‫ن�سجت حروفها‬
‫كل فكرة َ‬

‫في العقل‪ ،‬وفي ك ّل دمع ٍة في ٍ‬
‫غت روحان ّيتها مع ك ّل فقرة‪ ،‬وفي ك ّل‬
‫دعاء بين يدي اهلل ُ�ص َ‬
‫محطة من ّ‬
‫خطها في الواقع‪ ..‬وفي ك ّل ّ‬
‫ر�سمت ّ‬
‫محطات ال�صراع‬
‫خ�شوع في ترتيل �آي ٍة‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫لك موقف ع ّلمتنا منهجه‪ ،‬وفي ك ّل منعطف للتح ّديات لك تح ّد د ّربتنا على قواعده‪..‬‬
‫والأخالق! ذلك الخُ ُلق الذي ين�ساب منك ن�سيم ًا عذب ًا ي�صيب ب�شذاه ال�ساكن ك ّل تعب‬
‫فيح�س الواحد منّا ‪ -‬بعد فراقك‪�-‬أنّنا كنّا �أمام خُ ُلق‬
‫الحاقدين‪ ،‬ومر�ض‬
‫ّ‬
‫المتع�صبين‪ّ ،‬‬
‫الأنبياء‪ ،‬و�سماحة الأئ ّمة‪ ،‬و�سم ّو الأولياء‪..‬‬
‫و�إذا كنّا اليوم �أكثر ا�ست�سالم ًا لفكرة غيابك عنّا‪ ،‬ا�ست�سالم من لم ي�ص ّدق غياب‬
‫ال�شم�س عندما تحجبها الغيوم‪ ،‬ف�إنّنا َن ِع ُدك ‪ -‬وكم وعدناك ف�أخلفنا!‪�-‬أنّنا �سنلتقي‬
‫بك في �ساحة العمل‪ ،‬حيث �سنجدك تح ّدد لنا ك ّل قواعده و�أُ ُ�س ِ�سه‪ ،‬في الكلمة والموقف‬
‫والآفاق‪ ،‬وفي ال�سيا�سة حيثُ �أن َْ�سنتَها بالأخالق‪ ،‬وفي المجتمع حيثُ �أفنيت عمرك‬
‫في خدمته‪ ،‬وفي م� ّؤ�س�ساتك لت�ستم ّر في خدمة الر�سالة‪ ،‬وفي الثقافة الإ�سالم ّية‬
‫التي ح ّركتها في واقع الحرك ّيين‪ ،‬وفي ق�ضاياك ال ُكبرى التي لم تفقد بو�صلتها ح ّتى‬
‫وعمقُها‬
‫في �أ�ش ّد الحاالت تح ّدي ًا و�ألم ًا‪ ،‬وفي الحياة التي ع ّلمتنا � ّأن اهلل ُوجهتُها ُ‬
‫وامتدا ُدها‪ ،‬و� ّأن الر�سال ّيين‪ -‬و�أنت الجوهرة فيهم‪ -‬قيمتُهم �أنّهم ربطوا النا�س باهلل‬
‫ولم يربطوهم ب�أنف�سهم‪..‬‬
‫نح�س �أن الم�سافة قريب ٌة بيننا وبينك‪ ،‬و� ّأن التراب الذي حجبنا عنك قد‬
‫هكذا ّ‬
‫نح�س بالفقد و�أنت فينا مجبولٌ‪ ،‬بالعقل‬
‫ُج ِب َل ْت ذ ّراته ب�إن�سان َّيتنا ور�سال ّيتنا‪ ،‬فلم نعد ّ‬
‫والقلب والوجدان‪ ،‬والحركة والموقف واالتجاه‪ ،‬والأمل والأفق والأهداف‪..‬‬
‫ولكن ال�شوق يعود �إلى قلبي‪ ،‬ف�أجدني �أغالب دمعي عندما �أب�صرك في ك ّل زاوية‬
‫ّ‬
‫الخا�صة �أو في �ش�ؤوننا العا ّمة الم ّت�صلة بالر�سالة‪..‬‬
‫نتح ّرك فيها اليوم‪ ،‬في �ش�ؤوننا‬
‫ّ‬
‫أ�صبحت اليوم‬
‫�أ�شتاق لألثم يديك‪ ..‬لعناقك الذي �أ�ضع عنده همومي ال�صغيرة‪� ..‬‬
‫ُ‬
‫�أغبط تراب �ضريحك على ما حباه اهلل به؛ فبا�ستطاعته اليوم �أن يلثم يدك ك ّلما‬
‫�شاء وال ن�ستطيع‪ ،‬وتعانق ك ُّل ذ ّرة منه ك َّل ج�سدك الذي �أ�ضناه التعب فلم َي ِك ْل‪ ،‬و�أعياه‬
‫فبقي �صلب ًا لم ي ِل ْن‪ ،‬و�أ�صابته الطعنات من بين‬
‫المر�ض فلم َي ِئ ْن‪ ،‬وتكالبت عليه الدنيا َ‬
‫يديه ومن خلفه فلم يهِ ن‪..‬‬

‫‪173‬‬

‫‪174‬‬

‫احت�ضنت‬
‫يحن �إليك ُم�ص ّالك اليوم‪ ،‬يا �سراج الدجى‪ ،‬في �صالة الليل التي طالما‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫يحب وير�ضى‪..‬‬
‫بكاءك من خ�شية اهلل الذي ذبت فيه ح ّتى تال�شت ذاتُك في ما ّ‬
‫الخا�صة‪ ،‬يا ح ّبيب القلب‪َ ،‬ك َّلت من كثرة ال�س�ؤال ع ّمن كان يملأ �أرجاءها‬
‫مكتبتك‬
‫ّ‬
‫تحن اليوم �إلى‬
‫فكر ًا جديد ًا‪ ،‬وعلم ًا نافع ًا‪ ،‬يفتح �سقفها على �أفق ال�سماء‪ ..‬وهي ّ‬
‫خط ّ‬
‫قلمك الذي ال َي َد ك َي ِدك تُم�سكه‪ ،‬و�إلى �أوراقك التي ال ّ‬
‫كخطك يغذّيها‪ ..‬وقد‬
‫�ضرب ال�سكون جدرانها التي كانت ت�ست�أن�س ب�أ�سئلة النا�س التي تنهال عليك في ك ّل‬
‫ب�شغف ك ّل ٍ‬
‫يوم كالمطر‪ ،‬وك�أنّها كانت تقر�أ ٍ‬
‫روح للعلم من�ساب ٍة بين‬
‫حرف فيها‪ ،‬وك ّل ٍ‬
‫ٍ‬
‫ولكن ح�س َبها �أنّها ال‬
‫اليوم‪-‬تلك المكتبة ‪ -‬قد انطوت على ذاتها‪ّ ،‬‬
‫كلماتها‪ ،‬وك�أنّي بها َ‬
‫ت�ضم بين رفو ِفها عل َمك الذي حو ْته كت ُبك التي �أ ّلفت‪..‬‬
‫تزال ّ‬
‫البيت الذي ن�أوي �إليه‪ ،‬وبتنا ال ن�شعر بالأُن�س �إال‬
‫اليوم يا �أبي‪� ،‬أ�صبح �ضريحك هو َ‬
‫عندما نهبط الدرج �إلى الوادي المق ّد�س‪ ،‬مع �أنّنا بع ُد لم ن�ص ّدق � ّأن جدران اللحد‬
‫قد تحجزك‪ ،‬و�أنت الذي ملأت الكون حركة وحرك ّية‪ ،‬ولكنّنا ُندرك � ّأن القدر �أقوى‪،‬‬
‫ج�سدك‪ ..‬بل �إنّك العقل‬
‫و� ّأن اهلل قد قهر عباده بالموت والفناء‪ ..‬وح�س ُبنا �أنّك ل�ست َ‬
‫الذي �أ�صبح يط ّل علينا من معين فكرك‪ ،‬لي�سكن في عقل ٍّ‬
‫كل منّا‪ ،‬و�إنّك الروح التي‬
‫�سكنت حروف دعاء «�أبي حمزة» و«كميل» ح ّتى بتنا نقر�أ �أدعيتنا بزفرات �أنينك‬
‫ودموع عينيك‪ ،‬و�إنّك القلب الذي ال يزال يهدهد بفي�ضه ك ّلما تذ ّكرنا �سعته حينما‬
‫رت �أعيننا على التحديق‬
‫يجهل الجاهلون �أو يتج ّر�أ الم�سيئون‪ ،‬و�إنّك الأفق الذي �س ّم َ‬
‫نح�س اليوم � ّأن الأر�ض ت�ضيق �سبلها عن تح ّمل عنفوان الحركة في نفو�س‬
‫به ح ّتى بتنا ّ‬
‫ك ّل الذين �أخل�صوا لفكرك الذي حملت‪ّ ،‬‬
‫دت‪..‬‬
‫ج�س َ‬
‫وخط الإ�سالم الذي ّ‬
‫يرن‬
‫بيد �أنّه يا والدي ال ي�شفيني �إال المعاينة‪ ،‬وال يه ّدىء روعتي �إال �صوتُك العذب ّ‬
‫أذني‪ ،‬وال ُي�شبع لهفي �إليك �إال احت�ضانك بك ّل م�شاعري‪..‬‬
‫في � ّ‬
‫أماني �أن ي�ض ّمني لحدك‪ ،‬لأ�ضطجع‬
‫�أقف اليوم على �ضريحك يا �ضوء العين‪ ،‬وك ّل � ّ‬
‫�إلى جانبك‪ ،‬فقد هاج ال�شوق �إلى َ‬
‫لقياك‪ ،‬وا�شتاقت العين �إلى مر�آك‪..‬‬
‫أ�شرت �إلينا �أن ال ن�شرب �إال منه‪ ،‬معين اهلل الذي‬
‫ولكنّني �أعود �إلى النبع الذي � َ‬
‫ج�سدت لنا قدوته‪ ،‬ومعين �أهل بيته الذين‬
‫ع ّرفتنا توحيده‪ ،‬ومعين ر�سول اهلل الذي ّ‬

‫�أطلقت �إلى العالم فكرهم‪..‬‬
‫حي ال يموت‪ ،‬وح�س ُبنا � ّأن اللقاء بك ال يكون �إال ب�سلوك‬
‫ح�س ُبنا � ّأن الذي � َ‬
‫أحببت ّ‬
‫الطريق الذي �سلكت‪ ،‬وبحمل الر�سالة التي حملت‪ ،‬في الم�سير �إلى اهلل‪ ،‬وفي الأمل‬
‫لبلوغ ر�ضاه‪.‬‬
‫كلمة �أخيرة‪ :‬لن ي�ستريح ‪ -‬يا �أبتاه ‪ -‬قلمي الذي يكتب عنك؛ و�س�أحمل‪ ،‬بل �سنحمل‪،‬‬
‫قل َمك‪ ،‬لنكتب للب�شر ّية ّ‬
‫الح�ضاري المنفتح على ك ّل ق�ضايا الع�صر؛‬
‫إ�سالم‬
‫ّ‬
‫بخطك ال َ‬
‫وحب ُر هذا القلم ال ينتهي؛ ل ّأن مداده هو الر�سالة المنطلقة دائم ًا مع �شروق ال�شم�س‪،‬‬
‫والوا�سعة و�س َع الكون ك ّله‪ ،‬والم�ستم ّدة حروفُها من العلياء‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫من ي�ستعيد لغة الحوار‪ ...‬قبل احتدام النار‪..‬‬
‫بعد رحيل ال�س ّيد وال�شيخ؟!‬
‫ال�شيخ بالل �سعيد �شعبان*‬

‫أخوة الإيمانية ومن‬
‫انطلق من قمقم الطائفة �إلى رحابة ال ّ‬
‫بوتقة الع�شيرة �إلى ف�ضاء الإن�سان الأرحب‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫ال يختلف اثنان � ّأن �سماحة العالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل «رحمه اهلل»‬
‫كان رائد ًا من رواد الحركة والدعوة الإ�سالمية ِّ‬
‫ومنظر ًا لم�شروع مقاومة االحتالل‬
‫ومقارعة الظالمين‪ ،‬وداعية للحوار الإن�ساني العابر للحدود‪ ،‬ومفكر ًا م�ستنير ًا َق َر َن‬
‫القول بالعمل وااللتزام بق�ضايا الأمة المركزية‪.‬‬
‫وقد كان �سماحة ال�س ّيد رحمه اهلل يرى في وحدة الأمة فري�ضة �شرعية وقوة‬
‫للم�سلمين‪ ،‬فحارب الفُرقة وال�شرذمة ودعا لنبذ ك ّل �أ�شكال الفتن وال�صراعات‬
‫العرقية والمذهبية‪...‬‬
‫كما �أ�ضحى الع ّالمة بحقّ المرجع في الدفاع عن ال�شعوب المظلومة والم�ست�ض َعفة‬
‫تتح�صن خلف �أ�سوارها م�شاريع المقاومة في لبنان وفل�سطين‪.‬‬
‫وقلعة فكرية ّ‬
‫وكان رحمه اهلل ط ّيب ال�سيرة وال�سريرة‪� ،‬أحب النا�س ف�أح ّبوه وبادلوه الحب والء‪،‬‬
‫َو ِثقُوا بكالمه و�آرائه لأن ما يخرج من القلب م�ستق ُّره القلب‪.‬‬
‫لم يكن فكره ودعوته ‪ -‬وهو ابن الإ�سالم ‪ -‬ليتقوقع داخل حدود م�صطنعة فتجاوز‬
‫حدود الوطن والطائفة والمذهب لي�صبح على م�ستوى الإ�سالم والإن�سان لذلك‬
‫�سي�ش ّكل رحيله فراغ ًا ي�صعب مل�ؤه رغم ما ترك من م�ؤ�س�سات فكرية ودعوية لأن ما‬

‫ت�ص ّدى له العالمة ف�ضل اهلل على الم�ستوى الفكري لم يكن ليت�ص ّدى له الكثيرون من‬
‫العلماء خوف ًا وته ّيب ًا من الموروث الجاهلي الذي تر ّبى عليه الكثير من النا�س‪} :‬بَ ْل‬
‫َقالُوا �إِنَّا َو َج ْدنَا �آبَاءنَا َع َلى �أُ َّم ٍة َو ِ�إنَّا َع َلى �آثَارِ ِهم ُّم ْهتَ ُدونَ{(الزخرف‪)22:‬‬
‫ولما كانت طبيعة الم�شروع اال�ستعماري في المنطقة تقوم على �شعار «ف ّرقْ‬
‫ت�سد» وخا�صة على الم�ستوى المذهبي فقد دخل �سماحة ال�س ّيد في �صلب التعقيدات‬
‫ْ‬
‫الفكرية والمذهبية والتاريخية ليف ّككها‪ ،‬وتم ّكن من �أن ي�ضع الكثير من الحلول‬
‫للم�شاكل الم�صطنعة �أو التي ُو�ضعت فج�أة �أو ق�سر ًا تحت ال�ضوء فيما بين الم�سلمين‬
‫على مختلف مذاهبهم فكانت �آرا�ؤه وكتاباته وم�ؤلفاته توحي بالثقة وت�ضفي جو ًا من‬
‫االرتياح وا�ستطاع �أن يتجاوز الكثير من الخالفات والكثير من الإرث الفكري والثقافي‬
‫على م�ستوى المذاهب فيما بين الم�سلمين‪.‬‬
‫لقد امتلك رحمه اهلل الجر�أة لل�صدع بقول كلمة الحقّ لينطلق بعد ذلك‬
‫من قمقم الطائفة �إلى رحابة الأخوة الإيمانية قال تعالى‪�} :‬إنَّ َما ا ْل ُم ْ�ؤ ِمنُو َن‬
‫�إ ِْخ َوةٌ{(الحجرات‪ )10:‬ومن بوتقة الع�شيرة والطائفة والوطن �إلى ف�ضاء الإن�سان‬
‫علي كرم اهلل وجهه يقول‪« :‬النا�س �صنفان �إما �أخ لك‬
‫الأرحب كيف ال و�أمير الم�ؤمنين ّ‬
‫في الدين �أو نظير لك في الخلق»‪.‬‬
‫ول ّأن اليد الواحدة ال ت�صفّق والجناح الواحد ال يخفق فالر�سول الكريم يقول‪:‬‬
‫«مثل الم�ؤمن للم�ؤمن كمثل اليدين تغ�سل �إحداهما الأخرى» ول ّأن التحليق في الف�ضاء‬
‫يحتاج لجناحين فقد �ش ّكل الجناح الثاني له �أخ ًا في الفكر والدين هو �سماحة ال�شيخ‬
‫�سعيد �شعبان رحمه اهلل ‪.1998 - 1930‬‬
‫فقد امتلك نف�س الجر�أة وال�شجاعة في الخروج على الموروث والتقاليد البالية‬
‫فكانا يتناغمان ويتكامالن في الطروحات الفكرية وكانا ي�ش ّكالن جناحي م�شروع‬
‫الوحدة والجهاد منذ مطلع الثمانينيات يوم كان لبنان والمنطقة في مخا�ض التحول‬
‫الإيديولوجي ُبعيد انت�صار الثورة الإ�سالمية في �إيران وبعيد تحول الم�شروع الن�ضالي‬
‫من مارك�سي ي�ساري �إلى م�شروع جهادي �إ�سالمي �أ�صيل‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫‪178‬‬

‫لقد كان لل�شيخين الجليلين رحمهما اهلل اليد الطولى في ذلك التح ّول على‬
‫الم�ستوى الفكري والعملي‪ ...‬فقد جمع بينهما وحدة الم�شروع و�سعة الأفق‪ ...‬وفي �ضوء‬
‫تلك المعاني تولدت لدى كليهما �أفكار وتبلور نهج �سار به ك ّل منهما على طريقته ولكن‬
‫الأ�سا�س لديهما الدعوة لم�شروع الجهاد والمقاومة في مواجهة المحتلين الغا�صبين‪.‬‬
‫لقد تلقى ال�شيخان رحمهما اهلل الكثير من ال�سهام من الداخل لأنّهما تج ّر�أا على‬
‫تناول الكثير من العناوين التي تعتبر من الثوابت التي يحرم الم�سا�س بها وهي في‬
‫تمت �إلى الدين والمذهب ب�صلة بل �أثقلت م�شروع الوحدة الإ�سالمية بكثير‬
‫الواقع ال ّ‬
‫من ال�شوائب‪.‬‬
‫وعلى الم�ستوى ال�سيا�سي كان ال�شيخان رحمهما اهلل متح ِّر َر ْين من ك ّل تلك‬
‫الع�صبيات الطائفية والمذهبية فلم يكن تمو�ضعهما بخلفيات مذهبية �إنما يقفان‬
‫�إلى جانب المظلومين والم�ست�ضعفين ويقفان في وجه �أنظمة الجور والظلم في البالد‬
‫�أيا كان دينهم ومذهبهم‪.‬‬
‫وحتى على م�ستوى االنتماء لدى كليهما فكان للإ�سالم العظيم‪} :‬م َّل َة �إِ ْبر َِاهي َم‬
‫ين{(البقرة‪�ُ .)135 :‬سئل ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫َح ِنيف ًا َو َما َكا َن ِم َن ا ْل ُم�شْ رِ ِك َ‬
‫و�سئل ال�شيخ �سعيد يوم ًا هل ت�شيعت فقال �أنا‬
‫اهلل هل �أنت �شيعي فقال �أنا م�سلم ُ‬
‫لم �أت�سنّن لأت�ش ّيع‪ .‬ثم ُ�سئل وما هو مذهبك فقال لقد ارت�ضاه اهلل تعالى لنا وهو‬
‫يت لَ ُك ُم الإ ِْ�سالَ َم‬
‫القائل‪} :‬ا ْليَ ْو َم �أَ ْك َم ْل ُت لَ ُك ْم ِدينَ ُك ْم َو َ�أ ْت َم ْم ُت َع َل ْي ُك ْم ِن ْع َم ِتي َو َر ِ�ض ُ‬
‫مين ِمن َق ْب ُل{ وفي هذا فكيف‬
‫ِدين ًا{(المائدة‪ )3:‬واهلل يقول‪ُ } :‬ه َو �سَ َّما ُك ُم ا ْل ُم ْ�س ِل َ‬
‫نت�س ّمى بغير ما �س ّمانا به اهلل تعالى‪.‬‬
‫كان ال�شيخ �سعيد �شعبان يقف بك ّل جر�أة وقوة في وجه الم�ؤ�س�سة الدينية الر�سمية‬
‫في العالم العربي والإ�سالمي عندما تتحرك لإ�صدار فتوى باطلة من هنا �أو هناك‬
‫بجواز ال�صلح مع �إ�سرائيل �أو بجواز اال�ستعانة بالكافر على الظالم‪...‬‬
‫�أذكر فيما �أذكر � ّأن ال�شيخ �سعيد رحمه اهلل التقى بال�شيخ عبد العزيز بن باز مفتي‬
‫الديار ال�سعودية في مو�سم الحج وجرى بينهما حوار ح ّمل فيه ال�شيخ �سعيد رحمه اهلل‬

‫م�س�ؤولية الكثير من الدماء التي جرت وتجري في �صراعات داخل �أمتنا ومن بينها‬
‫الحرب العراقية الإيرانية المرجعيات الدينية ‪ -‬و�إن كانت في الأ�صل عملي ًا تقوم بها‬
‫�أنظمة الذلّ في بالدنا تنفيذ ًا لأوامر من الدول اال�ستعمارية ‪ -‬لأنّها �أ ّمنت الغطاء‬
‫الديني لذلك العدوان عبر الفتاوى المع ّلبة والتي تتحدث عن كفر وف�سق وخروج الكثير‬
‫من المذاهب والطوائف الإ�سالمية وكل من يخرج على �إرادة الحاكم «المف ّدى»‪...‬‬
‫وعلى �صعيد �آخر وعلى الم�ستوى المحلي ا�ستطاع �سماحة ال�شيخ �سعيد رحمه‬
‫اهلل �أن يتجاوز ك ّل الحالة التقليدية في الدعوة لي� ّؤ�س�س لحالة حركية جهادية ّ‬
‫تنظم‬
‫ال�شباب الم�سلم وتحقّق رغباته في العزة والكرامة و�أ�س�س لم�شروع يقول فيه ال لكل‬
‫م�شاريع الظلم الر�سمي العربي وا�ستطاع �أن يح ّول م�شروع الدعوة في طرابل�س‬
‫وال�شمال من م�شروع اجتماعي و َد َعوي يهتم بتدري�س فقه الطهارة والدنا�سة الح�سية‬
‫�إلى م�شروع يد ّر�س فقه الطهارة والدنا�سة ال�سيا�سية ومن فقه �أين ت�ضع يديك في‬
‫ال�صالة �إلى فقه مع من ت�ضع يدك في الم�شروع ال�سيا�سي ومن فقه‪« :‬ما حكم من‬
‫�شرب الماء في نهار رم�ضان» �إلى فقه‪« :‬ما حكم من �شرب نفط الم�سلمين و�أكل ثمنه»‬
‫ومن درا�سة �أحكام التجويد في القر�آن و�أحكام النون ال�ساكنة والتنوين �إلى درا�سة‬
‫�أحكام الحكومات النائمة والتنويم‪.‬‬
‫ليثمر ذلك كلُّه م�شروع ًا له كلمته الم�سموعة ور�أيه ال�سيا�سي وطرحه المتميز الذي‬
‫ي�سعى لإقامة دولة العدل الإلهي على هذه الأر�ض وفق ما �أمر اهلل تعالى } َف ْاح ُكم‬
‫بَ ْينَ ُهم ِب َما �أَن َز َل هّاللُ َو َال تَ َّتب ِْع �أَ ْهوَاء ُه ْم{(المائدة‪ )48 :‬وباتت الحركة الإ�سالمية‬
‫م�شروع ًا �سيا�سي ًا جهادي ًا م�ستق ًال له ر�ؤيته و�أهدافه على ال�ساحة ال�سيا�سية بعدما‬
‫كان َك ًّما مهم ًال و�أرقام ًا تتراكم لترفع مرجعية �سيا�سية تقليدية من هنا وعلمانية‬
‫ملحدة من هناك‪.‬‬
‫في الجهة المقابلة وفي الإطار عينه كان �سماحة ال�س ّيد رحمه اهلل ي� ّؤ�س�س لم�شروع‬
‫مقاومة داخل �ساحته بعنوان �إ�سالمي فالجهاد واجب ديني واعتقادي تمام ًا كال�صوم‬
‫وال�صالة‪ ...‬وكانت مح�صلة ذلك الفكر انت�صار ‪� 25‬أيار ‪2000‬م‪.‬‬
‫لقد جمع بين الراحلين الكبيرين فهم الإ�سالم ب�أبعاده الإن�سانية والعالمية‬

‫‪179‬‬

‫‪180‬‬

‫وكان لديهما من الجر�أة في الطرح بحيث حورب كالهما ُ‬
‫و�شنت عليهما الحمالت‬
‫الموجهة وال ُمب ْر َم َجة ف�أ�صبح ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫الت�شويهية ال�شر�سة‬
‫َّ‬
‫في نظر بع�ض �أتباع المذهب «مت�س ِّنن ًا» وفي �أح�سن الأحوال خارج ًا على الكثير من‬
‫الثوابت المذهبية‪ ...‬وذلك عندما‪:‬‬
‫‪ -1‬ح ّرم �شتم ال�صحابة والخلفاء (�أبو بكر وعمر وعثمان)‪� ،‬أو القول بكفرهم‬
‫و ِر ّدتهم عن الإ�سالم‪ ،‬وكذلك زوجات الر�سول‪ ،‬بمن فيهن �أم الم�ؤمنين عائ�شة‪.‬‬
‫‪ -2‬قام رحمه اهلل ب�إخراج م�س�ألة الإيمان ب�إمامة علي وع�صمته من �أ�س�س الإ�سالم‪،‬‬
‫واعتبرها من �أ�س�س المذهب ال�شيعي‪ .‬وبذلك فقد اعتبر � ّأن �أ�س�س الإ�سالم ثالثة‪ ،‬هي‬
‫التوحيد والنبوة والمعاد‪ ،‬ومن قال بها فهو م�سلم‪.‬‬
‫‪ -3‬نفى �صحة الرواية التي يتناقلها البع�ض حول اقتحام عمر بن الخطاب لمنزل‬
‫علي بن �أبي طالب ر�ضي اهلل عنهما والتهديد ب�إحراقه‪ ،‬وقيامه بك�سر �ضلع زوجته‬
‫فاطمة‪ ،‬ابنة الر�سول الكريم النبي محمد �صلى اهلل عليه و�آله و�سلم‪ ،‬وو�صف الرواية‬
‫ب�أنها «�ضعيفة وال يمكن االعتماد عليها لأنّها لي�ست موثوقة»‪.‬‬
‫‪ -4‬رف�ض بع�ض الممار�سات التي يقوم بها البع�ض بمنا�سبة عا�شوراء‪ ،‬لجهة‬
‫يحب الح�سين ويريد التعبير‬
‫�ضرب الر�أ�س والج�سد بال�سال�سل‪ ،‬م�ؤكد ًا على �أن من ّ‬
‫عن ذلك الحب فله �أن يتبرع بدمه �أو �أن يقدم دمه في ميادين الجهاد �ضد المحتلين‬
‫والغا�صبين في لبنان وفل�سطين‪...‬‬
‫و�أ�صبح ال�شيخ �سعيد �شعبان �أمير حركة التوحيد الإ�سالمي «مت�ش ّيع ًا» وهو يدعو‬
‫داخل طائفته �إلى وحدة الأمة ُ�سنّة و�شيعة وت�أ�سي�س عالقة �شرعية فيما بين الطائفتين‬
‫تحفظ الدم والعر�ض والمال فالر�سول �صلى اهلل عليه و�آله و�سلم يقول‪« :‬كل الم�سلم‬
‫على الم�سلم حرام دمه وعر�ضه وماله»‪.‬‬
‫فكان ُير ّوج و ُي�شاع عنه �أ ّنه مت�ش ّيع �أو �صاحب �أ�صول �شيعية وهو الذي در�س في الأزهر‬
‫في القاهرة وانت�سب �إلى جماعة ع ّباد الرحمن في لبنان ثم � ّأ�س�س مع �إخوانه الجماعة‬
‫الإ�سالمية وهي الجناح اللبناني لحركة الإخوان الم�سلمين ثم � ّأ�س�س حركة التوحيد‬
‫الإ�سالمي وك ّلها جمعيات وحركات تن�شط داخل الميدان الإ�سالمي ال�سنّي‪ .‬لكن جر�أته‬

‫في مثل هذا الطرح �أربكت التق�سيميين فا�صطنعوا حوله الكثير من اللغط‪.‬‬
‫ومن دقيق القول � ّأن ال�شيخ �سعيد وال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل كانا ب�صدق‬
‫جناحي م�شروع الوحدة والجهاد وكانا �س َّبا َق ْين في ع�صرهما بطرح الحلول لكثير‬
‫من الإ�شكاالت والمطبات والعوائق التي قد تو�ضع في طريق الم�شروع الوحدوي والتي‬
‫عاي�شنا نموذج ًا منها ُب َع ْي َد اغتيال الرئي�س رفيق الحريري في عام الـ ‪ 2005‬م‪ .‬وبعدما‬
‫بد�أ ال�شحن المذهبي الذي �أ�شعلت �أواره و�أوقدت ناره �أميركا و�إ�سرائيل ودول االعتدال‬
‫العربي ووكال�ؤها في الداخل اللبناني من �أجل �ضرب المقاومة وحماية �إ�سرائيل عبر‬
‫االحتراب المذهبي ال�سني وال�شيعي لأن اللحظة التي ت ّتحد فيها جماهير الأ�صوليتين‬
‫ال�سنية وال�شيعية يبتدئ العد العك�سي لزوال دولة الغ�صب ال�صهيوني‪.‬‬
‫كان لل�شيخين رحمهما اهلل ق�صب ال�سبق في الوقوف في وجه هذا الم�شروع‪.‬‬
‫وقد تميز ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل بنقا�شاته وكتاباته الفكرية النخبوية‬
‫وتميز ال�شيخ �سعيد �شعبان رحمهما اهلل بجماهيرية ملت�صقة بالطبقات الم�سحوقة‬
‫والمحرومة ولكن التكامل فيما بينهما �أنتج نوع ًا من التقارب والتعاطف فيما بين‬
‫�أتباع المدر�ستين على امتداد ال�ساحة اللبنانية‪.‬‬
‫� ّإن ا�ستبعاد الفكر الوحدوي لل�شيخ �سعيد �أنتج غلو ًا وتطرف ًا �أثمر من ناحية الكثير‬
‫ال�سنّة من ناحية ثانية فري�سة ما ُعرف بم�شروع «ال�سنية‬
‫من الطفرات الأمنية و�أوقع ُ‬
‫ال�سيا�سية» وهي في الواقع م�شروع علماني �سيا�سي ي�شبه المارونية ال�سيا�سية التي‬
‫حكمت لبنان ولي�س له عالقة بال�سنة النبوية ال من قريب وال من بعيد‪.‬‬
‫وهذا الم�شروع ا�ستدرج الطائفة ال�سنية بعاطفة بعد اغتيال الرئي�س الحريري لتتمو�ضع‬
‫�ضد الجهاد والمقاومة والق�ضايا المركزية للأمة بدعوى البحث عن الحقيقة‪.‬‬
‫نحن اليوم �أمام ا�ستحقاق خلو ال�ساحة من المرجعيات والقيادات ال�شعبية‬
‫والجماهيرية الخالقة من وزن العالمة ال�شيخ �سعيد �شعبان والفقيه المرجع ال�س ّيد‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل والداعية الدكتور فتحي يكن فالقيادات الر�سمية لم ت�ستطع‬
‫�أن ت�شكل محطة �أمان وثقة للكثير من الحاالت ال�شعبية فاليوم وبغياب المرجعيات‬
‫الفعلية التي ت�ستطيع �أن ت�ضبط �إيقاع ال�شارع وتوجهه �صوب العدو الواحد وتبعده عن‬

‫‪181‬‬

‫ال�صراعات الداخلية الطائفية والمذهبية‪.‬‬
‫وهنا �س�ؤال م�شروع ال ب ّد منه‪ ...‬من �سيملأ الفراغ؟؟؟‬
‫وهل �ستفرز ال�ساحة قيادات جديدة ت�ستطيع �أن تت�ص ّدى للفرقة وت�سعى للوحدة‬
‫بين الم�سلمين؟‬
‫و�إن كانت المقاومة الإ�سالمية «حزب اهلل» ت�شكل �سيف المقاومة فمن �سي�شكل‬
‫ل�سانها وغطاءها والمدافع عنها على ال�ساحتين ال�سنية وال�شيعية ومن الذي �سيرف�ض‬
‫القُطرية والتجزئة والتقوقع المذهبي ويرفع العنوان الأكبر عنوان الأخوة في الإيمان‬
‫�أو في الإن�سان‪...‬؟‬
‫في منت�صف الثمانينيات كان ال�شيخان رحمهما اهلل على ر�أ�س اعت�صام علمائي‬
‫حا�شد في م�سجد الر�ضا في منطقة بئر العبد في ال�ضاحية الجنوبية لإلغاء اتفاقية‬
‫الترتيبات الأمنية مع العدو الإ�سرائيلي وهي ما عرفت باتفاقية ‪� 17‬أيار‪ ...‬وقد ح�شد‬
‫يومها ك ّل منهما مع �آخرين القواعد ال�شعبية والعلمائية ال�سنّية وال�شيعية من مختلف‬
‫مناطق لبنان‪ ...‬و�سقط اتفاق ‪� 17‬أيار يومها‪...‬‬
‫فمن يقوم بمثل هذا الدور اليوم؟ ومن يت�صدى لكل تلك االختراقات الإعالمية‬
‫والأمنية والفكرية التي تريد �أن تبرهن �أننا مختلفون ال لنقترب‪ ،‬بل لنتباعد من �أجل‬
‫�أن يتحول ب�أ�سنا فيما بيننا ال �ضد عدونا «�إ�سرائيل»‪.‬‬
‫نحن على �أبواب مواجهة كبرى و�أعتقد �أن الأيام حبلى بالكثير من الأحداث‬
‫الإقليمية التي يراد لها �أن تنعك�س داخلي ًا ال لم�شكلة فيما بيننا بل ل ّأن �إ�سرائيل‬
‫ت�ست�شعر الخوف والمهابة من الم�شاريع المقاومة من حولها‪ ،‬وت�ست�شعر � ّأن �أيام زوالها‬
‫قد �أزفت وقد دنت وهي تحاول جاهدة �أن ت�سقطنا قبل �أن ت�سقط‪.‬‬
‫فمن يجر�ؤ على �أن يت�سلق �أ�سوار ًا‪ ...‬من ي�ستعيد لغة الحوار‪ ...‬قبل احتدام النار‪...‬‬
‫هل من �س ّيد منتظر‪ ...‬و�أمير مقتدر‪...‬؟؟؟‬
‫الديار ‪ 19‬تموز ‪2010‬‬

‫‪182‬‬

‫* �أمني عام حركة التوحيد الإ�سالمي‪.‬‬

‫المتع�صبين‬
‫تع�سف‬
‫قلم َّ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫دك ّ‬
‫وق ّو�ض �أعمدة الأ�صولية‬
‫�سهيل قا�شا*‬

‫تبقى الملهم الأكبر والمر�شد الأكبر والدليل الهادي �إلى‬
‫كل �صواب‪ ،‬ومنارة في ّ‬
‫ّ‬
‫كل �ساحل‪ ،‬ف�أنت الم�شكاة و�أنت‬
‫لكل جيل ّ‬
‫المرقاة ّ‬
‫بكل الأيام‪.‬‬
‫ارتبط الأب �سهيل قا�شا بعالقة خا�صة ومم ّيزة بالعلاّ مة الراحل ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل‪ .‬بين االثنين كانت جل�سات حوار ونقا�شات تناولت �ش�ؤون الدين‬
‫والدنيا‪ .‬الأب �سهيل قا�شا عراقي ِ‬
‫مو�ص ِّلي الهوى والن�ش�أة‪ ،‬والعلاّ مة الراحل ف�ضل‬
‫اهلل‪ ،‬مجتهد نجفي الهوى والن�ش�أة‪ .‬عراقيان اجتمعا تحت مظ ّلة الإيمان‪ .‬حاوال‬
‫مع ًا‪ ،‬في وقت من الأوقات‪� ،‬صياغة كتاب يت�ضمن مو�ضوعات ال�ساعة‪ ،‬خا�صة �أو�ضاع‬
‫فل�سطين والعراق‪ ،‬حيث للقوات الأميركية وحليفتها الإ�سرائيلية دور في التخريب‬
‫ّ‬
‫المنظم‪ ..‬في القتل والت�شريد والتهويد‪ .‬عند �سماع الأب �سهيل قا�شا نب�أ وفاة �صديقه‬
‫العلاّ مة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬حمل قلمه ّ‬
‫وخط بدمعة وح�سرة هذه الكلمات‬
‫ل�صحيفة «البناء»‪ ...‬كلمات‪ ،‬و�إن افتقرت �إلى منهجية الرثاء التقليدي‪� ،‬إال � ّأن و�شائج‬
‫الحزن واللوعة تبقى الرابط الذي يم�سكها بمنهجية ال�صداقة ال�صادقة‪ ...‬الأب �سهيل‬
‫قا�شا‪ ،‬م�صاب اليوم بلوعة فقدان محاور‪ ،‬كان ُيغْني‪-‬في حوارات الخالف والتوافق‪-‬‬
‫�أكثر بكثير مما يغتني‪ :‬تعرفت بالمرحوم الإمام �سماحة العلاّ مة والمرجع قبل ع�شرة‬
‫�أعوام و�أكثر ذات يوم مع الأخ مح�سن المو�سوي «�أبو عا�صم»‪ ...‬وتوالت اللقاءات‬

‫‪183‬‬

‫‪184‬‬

‫التي كان يجمعني بها ديوان �سماحته العامر‪ ،‬فعرفته عن كثب «�إن�سان م�ؤمن‪� ،‬إمام‬
‫متمكن‪ ،‬مرجع مو�سوعي‪ ،‬له ال�صفات الإن�سانية والغيرة الإيمانية والوطنية ال تفت ُّر بل‬
‫تلهج بذكر اهلل والأمة والوطن‪ .‬واقتربت منه �أكثر حينما كنّا نتبادل �أطراف الحديث‬
‫بموا�ضيع �شتى �س ّيما العراق بالآونة الأخيرة‪ ،‬ف�إذا �أنا �أمام رجل ي ّتقد معرفة ب�ش�ؤونه‬
‫الوطنية واالجتماعية مع �إلمام وا�سع في الفل�سفة الم�سيحية واطالع عميق في الفكر‬
‫وازددت منه تق ّرب ًا وتوثقت عرى �صداقتنا وانغر�ست نحو الأعمق‬
‫ال�شرقي الوا�سع‪.‬‬
‫ُ‬
‫ح ّتى �صار لها جذور ذات �أ�صول فق ّدمت له م�شروع ًا لأن نكتب كتاب ًا م�شترك ًا ون�صدره‬
‫تحت عنوان «مئة �س�ؤال و�س�ؤال» �إال � ّأن الأيام غدرتنا فلم نكمله‪ ،‬ع�سى الأيام �أن تكمله‪.‬‬
‫فتك ّررت لقاءاتنا وانفتحت �أنف�سنا لبع�ضنا ف�إذا �أنا �أمام عالم بدائرة اخت�صا�صه‪ ،‬له‬
‫الباع الطويل في معارف الع�صر ومداركه ب�شخ�صية �إن�سانية متوا�ضعة ونف�س ب�سيطة‬
‫وادعة وتوا�ضع وال توا�ضع العلماء يماثله في الحكمة والفطنة والر�صانة والرزانة فكان‬
‫الإن�سان الإن�سان‪ .‬غير � ّأن يد المنون خطفته والموت اغتنمه له بتعبيرنا الب�شري‪� ،‬أما‬
‫�أنا ف�أقول‪ّ � :‬إن اهلل �أحبه و�أراد �أن ترقى �إليه نف�سه را�ضية مر�ضية نقية �صافية ال‬
‫ي�شوبها تك ّدرات الع�صر وخطايا الح�ضارة الزائفة فدعاه �إليه جل جالله‪ ،‬فانطف�أ‬
‫ال�سراج وكان بع ُد الزيت كثير ًا للعطاء‪ُّ � .‬أي �شهاب يا ترى انطلق؟ � ُّأي حبيب لنا عنا‬
‫افترق؟ � ُّأي �سهم قلوبنا اخترق؟ كان �صبح‪ ...‬وكان �شفق‪ ،‬و�إذا بروح �إمامنا في الغ�سق‬
‫�صعدت وغابت في الأفق دون عناء‪ ،‬دون قلق اجتازت الأكوان‪ ...‬وكان ك ّل �شيء قد‬
‫تحقق ماذا �أقول؟ العلم في ذهول‪ ،‬والفكر في وجوم‪ ،‬والقلم مهزوم‪ ،‬والل�سان مكموم‪،‬‬
‫�إنها الفاجعة العمياء فاجعة العلم والعمل فاجعة الغيرة والعطاء فاجعة النبل والإباء‬
‫فاجعة الأر�ض مع ال�سماء كان لنا الرفيق وال�صديق والأخ وال�شقيق في الي�سر وال�ضيق‬
‫ويا للفجيعة �إذ خبا النجم وغاب من �أحببناه كان ذلك القلب البريء الطاهر والنف�س‬
‫تفاخرت بكالمه المنابر فكان‬
‫مرهفة الم�شاعر لم يكن ذلك العالم المتفاخر و�إنما‬
‫ْ‬
‫يح�ضره اهلل بخور ًا في المجامر‪� ،‬إمام ًا تقي ًا والأمين ال�ساهر‪� ،‬إن�سان ًا ومواطن ًا نقي‬
‫ال�سرائر عربي ًا �أ�صي ًال وا�سطة عقد الجواهر‪ ،‬م�سلم ًا نبي ًال ب�إيمانه‪ ...‬خطف الموت‬
‫امرء ًا قل نظيره وانطف�أ �سراج كان الزيت بعد فيه كثير ًا وعرقل عطاء كان يمت ّد جي ًال‬

‫فجي ًال‪ .‬كان وطن ًا في وطن وكان �أمة في �أمة فقيه ًا مج ّدد ًا منطقي ًا مف ّوه ًا �آه ما �أق�ساك‬
‫يا موت وما �أظلمك يا دهر‪ ..‬ف�إن كان للفلك قمر واحد فها اليوم انخ�سف عندنا البدر‪.‬‬
‫عرفته �إن�سان ًا هادئ ًا ُن ْ�ص ُب عينيه الإيمان �إن�سان ًا م�ؤمن ًا يحمل الإن�سان ج�سد ًا وروح ًا‪،‬‬
‫�إن�سان ًا محب ًا يبذل الذات ومنه الت�ضحية تفوح الراحة الأبدية‪� .‬أعطه يا رب و�أ�سكنه‬
‫ف�سيح جناتك‪ ..‬جميع الألفاظ القامو�سية الو�صفية ال ت�ستوفي لو�صف العلاّ مة الكبير‬
‫وال ت�ستطيع الإحاطة بمناقب المرحوم محمد ح�سين ف�ضل اهلل وما له من محامد‬
‫وكوامن �شخ�صية عالمية فذّة ث ّرة‪� .‬سماحة المرجع تقف خجلة ك ّل ما ِّ‬
‫ي�سطره القلم‬
‫ويفوه به الل�سان لأنّه كان هو القلم والل�سان‪ ،‬عالم ًا فقيه ًا‪ ،‬م�ش ِّرع ًا قانوني ًا‪ ،‬ومفكر ًا‬
‫مو�سوعي ًا‪ ،‬مجتهد ًا منطقي ًا‪ ،‬وطني ًا مقاوم ًا‪� ،‬أديب ًا‪ ،‬و�شاعر ًا‪ ،‬عميق الغور ال ي�سبره‬
‫محاور ومجادل‪ ،‬وداعية لتوحيد الإ�سالم والم�سلمين ُيخ�ضع �سامعيه وق ّراءه للتحليل‬
‫العقلي المنفتح والمتطور والمجدد‪ ،‬ملتزم ًا المعرفة والف�ضيلة‪ .‬فكان والحالة هذه‬
‫مدر�سة بل مدار�س في ك ّل مجاالت الحياة الروح ّية والعملية‪ ،‬الدينية والدنيوية‪ .‬وهو‬
‫من هنا القلم الذي دكّ تع�سف المتع�صبين وق ّو�ض �أعمدة الأ�صوليين المتزمتين‪.‬‬
‫وحده رحمه اهلل تحدى الحرب بالفكر وانت�صر فكان بذلك رائد ًا في تحرير العقل‬
‫والأر�ض‪ ..‬العقل من احتالل المادة والأر�ض من احتالل العدوان‪ ،‬تحرير العقل من‬
‫هيمنة الجمود والتبعية والأر�ض من �أقدام ال�صهيونية و�أرجا�سها‪ ،‬تحرير العقل‬
‫العربي وتحرير الأر�ض بفل�سطين‪� .‬أطلق رحمه اهلل الحوار االجتهادي وانطلق منه‬
‫�إلى الحوار الإ�سالمي ‪-‬الم�سيحي‪ ،‬باعتبارهما دعوة �سماوية‪ ،‬ر�سالتهما واحدة لإنقاذ‬
‫المجتمع والإن�سان‪ .‬بمنطق �إلهي تج�سده التعاليم ال�سماوية و�سيرة الأنبياء والأولياء‬
‫ف�أطلق بذلك حرارة بنهاياته الثالث‪ :‬اهلل الواحد الأحد‪ ،‬والكتب المنزلة‪ ،‬والمجتمع‬
‫والإن�سان‪ .‬وح�سبه �أن يدور �ضمن هذه الدوائر دورة واحدة ملتزمة تقوم على الدعوة‬
‫ال�صافية في جميع المنطلقات والأهداف‪ ،‬حول محور الإيمان الواحد بهذه المحاور‬
‫الثالثة‪� ،‬إيمان ًا �شفّاف ًا يكون كالم�ستقيم الذي يخت�صر الم�سافات ب�أق�صر الأوقات‪،‬‬
‫وبذلك يحقق الإن�سان ال�سالم مع اهلل‪ ،‬ال�سالم مع الذات‪ .‬ال�سالم مع الآخر‪ ،‬عك�س‬
‫ك ّل الطروحات االنفرادية‪ ،‬التع�صبية‪ ،‬والترهات الآنية وكان دائم ًا ير ّدد �أمامي‪:‬‬

‫‪185‬‬

‫الحوار �أو ًال‪ ،‬ال�شيعة مع ال�شيعة‪ ،‬وال�سنة مع ال�سنة‪ ،‬ثم ال�شيعة مع ال�سنة‪ ،‬وهكذا ُق ْل مع‬
‫الم�سيحية الكاثوليك مع الأرثوذك�س ثم مع البروت�ستانت ثم مع الجماعات المتع ّددة‬
‫بالعقائد وعندئذ حينما ين�ضج الجميع يلتقي الم�سيحيون مع الم�سلمين وهكذا ن�صل‬
‫�إلى تحقيق الحلم بالواقع‪ .‬فيا �أيها ال�س ّيد ال�سيد ها قد رحلت عنا بعيد ًا ول�سان حالك‬
‫يقول مع المزمور‪« :‬فرحت بالقائلين لي �إلى بيت الرب ننطلق» فقلي ًال من �أريج ربيعك‬
‫�أر�سله �إلينا من عليائك‪� ،‬أنجدنا بنفحات من روحك‪� ،‬صبرك‪ ،‬التزامك‪ ،‬ثباتك على‬
‫المبد�أ‪ ...‬اجعلنا نقتدي بتراثك و�إلهامك‪ ،‬ف�إن افتقدناك اليوم‪ ،‬وخ�سرناك‪ ،‬تبقى‬
‫الملهم الأكبر والمر�شد الأكبر والدليل الهادي �إلى ك ّل �صواب‪ ،‬ومنارة في ك ّل �ساحل‪،‬‬
‫أنت المرقاة لك ّل جيل بك ّل الأيام‪.‬‬
‫أنت الم�شكاة و� َ‬
‫ف� َ‬
‫البناء (لبنان) ‪ 12‬تموز ‪2010‬‬

‫‪186‬‬

‫* رجل دين م�سيحي من العراق‪.‬‬

‫ذلك ف�ضل اهلل‬
‫ال�شّ يخ علي ح�سن غلّوم*‬

‫روح ما زال��ت تفتح للعط�شى فيو�ضات الوجدان‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫بوي‪..‬‬
‫آني‪..‬‬
‫ال‬
‫ومنهجها ال ّن ّ‬
‫إن�ساني‪ ..‬في عم ِقها القر� ّ‬
‫ّ‬
‫المتجددة‪..‬‬
‫وواقعي ِتها‬
‫وبالغ ِتها العلو ّية‪..‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعط ٌر من �أريج ِ‬
‫نفحات من َر ْو ِح الجِ نان تلفُّ المكان‪ِ ..‬‬
‫ريا�ضها يملأ الأنفا�س‪..‬‬
‫ٌ‬
‫�سات غيب ّية تتهادى في الأرجاء‪ ..‬وفي‬
‫وخ�شو ٌع‬
‫قد�سي ُيلقي بظال ِله حيثُ امت ّد‪ ..‬وه َم ٌ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫الجبل‬
‫القلوب �إلى حيث يرقد ذلك‬
‫الحجرة البي�ضاء نو ٌر يتلألأ‪ ..‬وي�ش ُّد‬
‫َ‬
‫ركنٍ من ُ‬
‫ال�سماء‪� ..‬شمو ٌخ لم يعرف معنى االنحناء �إال حين‬
‫أ�شم‪ ..‬وهو ي�شقّ بعليائه ِع َ‬
‫ال ّ‬
‫نان ّ‬
‫ال�صالة‪ ..‬و�سم ٌّو لم يعرف دموع‬
‫يختلي بخالقه‪ ..‬وع ٌّز لم يعرف‬
‫َ‬
‫الهوان �إال في �سجود ّ‬
‫ال�س َـحر‪..‬‬
‫التذ ّلل �إال في حروف ال ّدعاء‪ ..‬وتراتيل َّ‬
‫وفوق ذلك ُّ‬
‫الطو ِر ال�شّ امخ‪ ،‬رو ٌح ت ُِطـ ّل على �أحبابِها وهم ُيفي�ضون م�شاع َر ال ِفراق‬
‫الم�ستحيل على (ال�س ّيد) الذي طالما احت�ضنهم بقلبه الكبيرِ الكبير‪ ..‬فلم ي�شعروا‬
‫معه بغُرب ٍة قد ت�أتي بها هذه ال ّلحظات الموح�شة‪..‬‬
‫رو ٌح مازالت تُفي�ض عليهم دف َء الأب ّوة‪ ..‬و�سكين َة النَّف�س‪ ..‬وطم�أنين َة الإيمانِ بقدر‬
‫اهلل‪ ..‬وعذوب َة الكلمات الحانية التي ما ّ‬
‫انفك يك ّررها‪� :‬إني �أح ّبكم‪ ..‬في اهلل‪ ..‬وفي‬
‫الإ�سالم‪� ..‬أنتم �أهلي‪ ..‬و�أنتم �أح ّبتي‪ ..‬رو ٌح �أح ّبت الإن�سان ا ّلذي يختلف معها‪ ..‬كما‬
‫�أح ّبت الإن�سان الذي ي ّتفق معها‪ ..‬لأنّكم ‪ -‬هكذا كان ي�ؤ ّكد ‪-‬ال تملكون �أن تدخلوا قلوب‬
‫الآخرين �إال �إذا فتحتم قلو َبكم لهم‪..‬‬

‫‪187‬‬

‫‪188‬‬

‫تم�سح ب�أناملها على ر�ؤو�س الأيتام في مب ّرات الخير‪ ..‬وتملأ فرا َغ‬
‫رو ٌح ما زالت ُ‬
‫بعطاء تجاوز ما فقدوه ِ‬
‫ٍ‬
‫ون�ض َر زهر َة حيا ِتهم ا ّلتي �أو�شكت‬
‫نظرا ِتهم‬
‫بموت الآباء‪َّ ..‬‬
‫فر�سم على �شفاههم ابت�سام َة الأملِ في الحياة‪..‬‬
‫على �أن تذ ُب َـل في زحمة الأ َثرة‪..‬‬
‫َ‬
‫والتط ّل َع �إلى م�ستقبلٍ م�شرق‪ ..‬ودف َع ك َّل �إن�سانٍ يحمل بذر َة الخيرِ في نف�سه �إلى العطاء‬
‫في هذا ّ‬
‫الطريق‪ ..‬كان يقول‪( :‬م� ّؤ�س�سات جمعية المبرات الخيرية لكم جميع ًا‪ ،‬ل�سنا‬
‫وحدنا الذين نتح ّمل م�س�ؤول ّيتَها‪ ،‬هي �أمانة اهلل التي ح َّمـ َلناها لنحم َلها �إليكم‪ .‬قد ال‬
‫ي�ستطيع �أح ُدكم �أن يعطي‪ ،‬ولكنّه ي�ستطي ُع �أن َيـ ُدلَّ على العطاء‪ ،‬وي�ستطي ُع �أن يجعل‬
‫النّا�س يعي�شون العطاء)‪ ..‬هكذا قال �أبو الأيتام‪ ..‬وبهذا العنوان عرفوه‪ ..‬وبم�شاعر‬
‫االنتماء �إليه �أح ُّبوه‪..‬‬
‫رو ٌح ما زالت تت�س ّمع و ْق َع �أقدام الم�ست�ضعفين والمحتاجين‪ ..‬وهم يفدون على‬
‫همومهم‪ ..‬وي�شكوا �إليه �صنيع َة الزّمان‪ ..‬فقد كانوا‬
‫�صاحب القلب الكبير ليب ّثوا �إليه َ‬
‫ويلملم لهم كبرياءهم الذي‬
‫أقرب �إلى قلبه‪ ..‬في�سبقهم بر�أفته‪..‬‬
‫ي�ؤمنون �أنهم ال ُ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫حطمه عـ َو ُز الحاجة‪..‬‬
‫�سالح المقاومين‪ ..‬و�أزيزِ ر�صا�صا ِتهم وهي تم ّزقُ‬
‫رو ٌح ما زالت تتط ّلع �إلى‬
‫ِ‬
‫ال�صهاينة ا ّلذين �أرادوا �أن ّ‬
‫ال�صمود وال�شّ هداء‪ ..‬جبلِ‬
‫يحطموا كبريا َء جبلِ ّ‬
‫�صدو َر ّ‬
‫ِ‬
‫ويلعن‬
‫عامل‪ ..‬و�ضاحي ِة البطول ِة وال ِفداء‪ ..‬فرجعوا �صاغرين ُي َج ِّبن ُب ُ‬
‫ع�ضهم بع�ض ًا‪ُ ..‬‬
‫�آخ ُرهم �أ ّو َلهم‪ ..‬رو ٌح َبنَت �أجيال الإباء‪ ..‬وع ّلمتها كيف تقول (ال) للمحت ّلين‪ ..‬و (ال)‬
‫للم�ستكبرين‪ ..‬و (ال) ّ‬
‫معالم ثور ِة‬
‫للظالمين‪ ..‬و (ال) للمعتدين‪ ..‬فن َه َلت من مدر�س ِته َ‬
‫ال�صراع ّ‬
‫تحط ُم الأ�صنام‪ ..‬وتحقّق االنت�صارات‪..‬‬
‫�أبي الأحرار‪ ..‬وانطلقت في ميادين ّ‬
‫وتقد ُم القرابين‪� ..‬إنها ال ّروح التي ِ‬
‫أقدام المقاومين ال ّرا�سخ ِة في ال ّدفاع‬
‫ِّ‬
‫ع�شـقَت و ْق َع � ِ‬
‫عن الكرامة والعزّة وال�شّ رف‪ ..‬رو ٌح ح�سين ّية �شحذَ ت ِهم َمهم‪ ..‬و َق ّوت عزائ َمهم‪�( ..‬أ ّيها‬
‫البدر ّيون)‪ ..‬هكذا خاطبهم‪�( :‬أ ّيها البدر ّيون‪� ..‬أ ّيها المجاهدون في خيب َر الجديدة‪،‬‬
‫ا ّلذين حملوا ال ّراية‪ ،‬فكانوا ممن �أحبوا اهلل ور�سو َله‪ ،‬الذين ِيك ُّرون وال ي ِف ُّرون‪ّ � ..‬إن‬
‫َ‬
‫الم�ستقبل الجديد)‪ ..‬فكان‬
‫جهادكم �سوف ي�صنع للعرب والم�سلمين والم�ست�ضعفين‬
‫من �آخر كلماته �أن قال‪( :‬لن �أرتاح قبل �أن ت�سقط �إ�سرائيل)‪..‬‬

‫يوم تجد فيه الوحد ُة بين الم�سلمين‪ -‬على اختالف‬
‫رو ٌح مازالت ت�أ ُمـ ُل في ٍ‬
‫ح�سب (ال�سيد)‪ -‬الم�س�أل ُة التي‬
‫مذاهبهم‪-‬طريق ًا �سالك ًة‪ ..‬ومورد ًا مع َّبد ًا‪ ..‬لأنها‪َ -‬‬
‫تتق ّدم على ما عداها من �أولو ّيات‪ ..‬ول ّأن الفُرق َة ال تخدم �إال العد َّو الم�شترك‪ ..‬ول ّأن‬
‫إ�سالم ِ‬
‫نف�سه‪ ..‬وعلى الم�سلمين �أن يعملوا‬
‫الإ�ساء َة �إلى م�سار الوحدة تم ِّث ُل �إ�ساء ًة �إلى ال ِ‬
‫من �أجل القيام بم�شاري َع وحدو ّية حقيق ّية‪ ..‬فكر ًا و�سيا�س ًة واقت�صاد ًا واجتماع ًا‪..‬‬
‫الجم‪..‬‬
‫رو ٌح ما زالت تفتح للعط�شى مناهل العلم الغزير‪ ..‬والفكر الن ِّير‪ ..‬والأدب ّ‬
‫إن�ساني‪ ..‬في عم ِقها‬
‫من �أ�صال ِة الإ�سالم‪ ..‬وحركة العقل‪ ..‬وفيو�ضات الوجدان ال ّ‬
‫ّبوي‪ ..‬وبالغ ِتها العلو ّية‪ ..‬وواقع ّي ِتها المتج ّددة‪..‬‬
‫القر� ّآني‪ ..‬ومنهجِ ها الن ّ‬
‫فقد كان (ال�س ّي ُد المرج ُع الفقيه)‪ ..‬الذي لم ي َر المرجع ّي َة ُعنوان ًا ي�ضا ُّد حركتَه‬
‫وحي في الآفاق‬
‫بين النّا�س ليعز َله عنهم‪� ..‬أو يعرق ُل م�سير َة العطاء‬
‫العلمي وال ّر ّ‬
‫ّ‬
‫فقهي محدود‪� ..‬أو يح ِّر ُم عليه تعاطي ال�سيا�سة في‬
‫ال ّرحبة‪� ..‬أو ي� ّؤط ُره في �إطا ٍر ّ‬
‫عناوينها الكبرى‪� ..‬أو يح�ص ُره فيما ق َّدمه الما�ضون وفق ما فر�ضته عليهم ّ‬
‫الظ ُ‬
‫روف‬
‫العنوان الذي انطلق‬
‫التي عا�شوها‪ ..‬والبيئ ُة التي �أحاطت بهم‪ ..‬بل كانت المرجع ّي ُة‬
‫َ‬
‫ليقدم للنّا�س‪ ..‬ك ّل النّا�س‪ ..‬فق َه الحياة‪ ..‬من المنبع الأ�صيل‪ ..‬وفي �إطارها‬
‫من خالله ِّ‬
‫المتغ ّير بتغ ّير الزّمن ّ‬
‫والظروف‪ ..‬فقد كان يرى �أنّه قد (تح ّركت ذهن ّية التنمية في‬
‫الم�سائل الفقه ّية في مواجهة ِّ‬
‫كل المتغ ّيرات على �صعيد الم�شاكل الإن�سان ّية في الواقع‬
‫المعا�صر المتط ّور‪� ..‬إنّنا نجد في مفردات ال�شّ ريعة الكثي َر من ال ّت�شريعات التي تدعو‬
‫�إلى العمل المنفتح على ك ّل حاجات الحياة)‪ ..‬‬
‫أعالم ال�سيا�سة‪ ،‬لير�سم لهم‬
‫وكان (ال�س ّي ُد المرج ُع ال�سيا�سي) الذي تلج�أ �إليه � ُ‬
‫وليقدم لهم النّ�صح من موقع الم�س�ؤولية‪..‬‬
‫الم�شهد الحا�ضر‪ ..‬والم�شهد الم�ستقبل‪ِّ ..‬‬
‫وبالروح الأبوية التي تريد للجميع �أن يدركوا �أن ال�سيا�سة تعني �إقامة العدل‪..‬‬
‫والموازين الق�سط بين النا�س‪ ..‬والتي تريد للجميع �أن ّ‬
‫يوظفوا مواقعهم والعناوين‬
‫َ‬
‫التي يحملونها لرفع الظالمات عن المحرومين‪ ..‬وت�أمينِ الحياة الكريمة للنا�س‪..‬‬
‫الدائم مع الجميع‪ ..‬والحوار‬
‫وكان (ال�س ّي ُد المرج ُع الإن�سان)‪..‬‬
‫�صاحب التوا�صلِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫المنفتح على الك ّل‪� ..‬إذ لم تم ِّثل‬
‫االنتماءات المتباين ُة بالنّ�سبة �إليه � َّأي ُعقد ٍة �أو عائقٍ‬
‫ُ‬
‫ِ‬

‫‪189‬‬

‫عن االنفتاح على الآخر‪ ..‬بل كان هو المبادر لدعوة الجميع �إليه بك ّل مح َّبة و�أريح َّية‪..‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫خطاب الإ�سالم‪ ..‬وليحاوروه فيما‬
‫خطاب القر�آن‪..‬‬
‫خطاب العقل‪..‬‬
‫لي�ستمعوا �إلى‬
‫�شا�ؤوا‪ ..‬فلي�س في ال�س�ؤال �شيء مح ّرم‪ ..‬ولي�س في المعرفة �شيء تافه‪..‬‬
‫رو ٌح ما زالت ت�شتاق �إلى القلم الذي ِ‬
‫ع�شق �أنامل (ال�سيد) الذي �أعطى للكلمة‬
‫عمق ًا في المعنى‪ ..‬وامتداد ًا في الحياة‪ ..‬وحرك ًة في الواقع‪ ..‬القلم الذي لم يهد�أ‪..‬‬
‫را�ش المر�ض‪ ..‬قل ٌم ّ‬
‫ح ّتى حين احت�ضنه ِف ُ‬
‫خط �أ�سفا َر (ال�سيد)‪« :‬من وحي القر�آن»‪..‬‬
‫و«خطوات على طريق الإ�سالم»‪ ..‬و«�آفاقُ‬
‫و«عرفان القر�آن»‪ ..‬و«الحوا ُر في القر�آن»‪..‬‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫الت �إ�سالم ّي ٌة حول المر�أة»‪ ..‬و«دنيا‬
‫ال ّروح»‪ ..‬و«فقه ال�شّ ريعة»‪ ..‬و«فق ُه الحياة»‪ ..‬و«ت�أ ّم ٌ‬
‫و«علي ميزان الحقّ »‪..‬‬
‫إ�سالمي‬
‫ال�شّ باب»‪ ..‬و«الحوا ُر ال‬
‫الم�سيحي»‪ ..‬و«حرك ُة الأنبياء»‪ٌّ ..‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫و«الزهرا ُء القدوة»‪ ..‬و«من وحي عا�شوراء»‪ ..‬و«في رحاب �أهل البيت»‪ ..‬وال�سل�سلة‬
‫ونب�ض الحياة‪..‬‬
‫تطول وتطول‪ ..‬لتق ّدم للب�شر ّية ر�سائل المعرفة‪َ ..‬‬
‫احت�ضنَت ك َّل ذلك الواقع بحالوته ومرارته‪ ..‬بعنفوانه‬
‫الروح الخالدة التي َ‬
‫�إنها ُ‬
‫وتر ّديه‪ ..‬ب�إيجاب ّياته و�سلب ّيا ِته‪ ..‬بانفتاحه وب ُعـق َِده‪ ..‬فق ّد َمـت له الكثير دون �أن تعرف‬
‫معنى الراحة �إال في العمل والإخال�ص‪ ..‬ومعنى ال ِغنى �إال في ال ّتقوى والعلم وال ِقـ َيم‪..‬‬
‫حمن �أن ترج َع �إليه‪ ..‬ف�أ�سلمت � ْأم َرها‬
‫فكانت‬
‫النف�س المطمئ ّن َة التي � ِأذ َن لها ال ّر ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫كلمات (ال�س ّيد)‪ ..‬اهلل �أكبر‪ ..‬اهلل‬
‫وفا�ضت �إلى بارئها وهي تر ِّد ُد �آخر‬
‫�إلى اهلل‪َ ..‬‬
‫�أكبر‪..‬‬
‫فذلك ف�ضل اهلل‪..‬‬

‫‪190‬‬

‫*عامل دين كويتي‪.‬‬

‫جيالن ي�شعران بالفراغ‬
‫�إبراهيم الأمين*‬

‫جيالن ي�شعران اليوم بفراغ مع رحيله‪ ،‬والأمل في �أ ّيامنا‬
‫المقبلة‪� ،‬أن تحمل لنا من يقتفي الأثر على طريق ال ّتنوير‪.‬‬
‫جيل االجتياح هو اال�سم المتعارف عليه لجيلٍ من ال�شّ باب ال ّلبناني‪ ،‬ا ّلذي وجد‬
‫نف�سه في قلب المعركة �إثر اجتياح ‪ .1982‬قبل ذلك ال ّتاريخ‪ ،‬لم يكن الحوار مقطوع ًا‬
‫بين المنتمين �إلى الي�سار والمجموعات الملتزمة �إ�سالم ًا حرك ّي ًا‪ .‬وعند عودته �إلى‬
‫لبنان منت�صف ال�ستينيات‪ ،‬لم يهرب ال�س ّيد ف�ضل اهلل من ا�ستحقاق المواجهة مع‬
‫الي�سار ّيين‪ .‬كان يعمل على انتزاع ما �أمكن من ال�شّ باب في تلك الحقبة التي اتّ�سمت‬
‫الجماعي �إلى المارك�س ّية والقوم ّية العرب ّية‪ .‬لم يكن لدى الي�سار ما ينق�ض‬
‫باالنت�ساب‬
‫ّ‬
‫هو ّية ال ّرجل الوطن ّية ودوره في ال ّتحري�ض على مواجهة احتالل �إ�سرائيل لفل�سطين‪،‬‬
‫ان�ضم مناف�س ًا في الإ�شارة �إلى �ضرورة مواجهة الحكم ّ‬
‫الظالم في لبنان‪ ،‬وم ّثل‬
‫لكنّه ّ‬
‫التح ّدي الأبرز لدى قادة وكوادر ال ّتنظيمات القائمة على الفكرة المطلب ّية �أ�سا�س ًا‬
‫الديني ال يعني رف�ض الآخر‪،‬‬
‫ن�ضال ّي ًا‪ .‬وكان ال�س ّيد يجهد لإقناع ال�شّ باب ب� ّأن االلتزام‬
‫ّ‬
‫وال يعني العزلة �أو االمتناع عن مواجهة ّ‬
‫الظلم‪.‬‬
‫من النّجف �إلى النّبعة‪ ،‬ومنها �إلى بئر العبد‪ ،‬تح ّول ال�س ّيد �إلى القطب الأبرز الجاذب‬
‫ال�شيعي المعا�صر‪ .‬ق ّدم �صور ًة جديد ًة عن رجل ال ّدين ا ّلذي كان‬
‫لك ّل المت�أ ّثرين بالفكر‬
‫ّ‬
‫ذلك الزّمن قد ك�شف الكثيرين منهم‪� ،‬إذ بدوا مثل رجاالت البالط‪ .‬انخراطهم في‬
‫التجديدي غائب عنهم‪ ،‬وباتوا �أقرب �إلى ّ‬
‫الموظفين‬
‫الحياة ال�سيا�س ّية محدود‪ ،‬والفكر‬
‫ّ‬

‫‪191‬‬

‫إ�سالمي ّ‬
‫يعي ليح ّولهم �إلى نظراء لرجال ال ّدين‬
‫ا ّلذين �سرعان ما جاء المجل�س ال‬
‫ال�ش ّ‬
‫ّ‬
‫في ّ‬
‫ال�صدر احت ّل ح ّيز ًا كبير ًا في الوجدان‬
‫الطوائف الأخرى‪ .‬ورغم � َّأن الإمام مو�سى ّ‬
‫ّ‬
‫ال�سلطة ومغانمها‪ ،‬ف� ّإن ال�س ّيد ا ّلذي كان يقف‬
‫ال�ساعي �إلى تح�سين الم�شاركة في ّ‬
‫يعي ّ‬
‫ال�ش ّ‬
‫م�س ب�سحره وجدان ّ‬
‫ال�شباب ا ّلذي قذفته الحاجة �إلى بيروت و�ضواحيها‪.‬‬
‫في الظ ّل‪ّ ،‬‬
‫م ّر وقت طويل قبل �أن يتح ّول ال�س ّيد �إلى مركز ا�ستقطاب لجيلٍ كامل‪ .‬الفتيان‬
‫نوع مختلف‪ .‬كان‬
‫ا ّلذين كانوا يرك�ضون �إلى البنادق‪ ،‬واجهوا للم ّرة الأولى تح ّدي ًا من ٍ‬
‫لهم �إخوة و�أ�صدقاء ين�سحبون بهدوء �إلى �أمكن ٍة �أكثر �ضيق ًا‪ ،‬م�سجد الإمام ال ّر�ضا في‬
‫لتزاوج ٍ‬
‫غريب بين‬
‫بئر العبد‪ ،‬ومنازل مختفية خلف �إخوتها‪ .‬جاء االجتياح منا�سب ًة‬
‫ٍ‬
‫الخميني في �إيران‪ ،‬ونه�ضة‬
‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬ال ُمق ّر بالآثار اال�ستثنائ ّية لثورة الإمام‬
‫ّ‬
‫العربي‪ ،‬من بينها لبنان‪ ،‬وبين فكره المتحفّز لالنتفا�ض‬
‫ت ّيارات �شيع ّية في العالم‬
‫ّ‬
‫نوع من القيود‪ ،‬وخ�صو�ص ًا تلك التي تحول دون ا�ستخدام العلم والعقل‬
‫بوجه � ّأي ٍ‬
‫و�سيل ًة ف�ضلى لك ّل �أ�شكال ال ّتنوير والتح ّرر‪.‬‬
‫الولي الفقيه‪ ،‬والأمكنة‬
‫بين حارة حريك‪ ،‬مق ّر �إقامة ال�س ّيد‪ ،‬وطهران‪ ،‬مق ّر �إقامة ّ‬
‫ال�شيعي مع ال ّراحل ال�شيخ محمد مهدي �شم�س ال ّدين‪،‬‬
‫الأخرى الموزّعة بين المجل�س‬
‫ّ‬
‫والأخبار الآتية بالتواتر من مرجع ّية النّجف المحا�صرة‪ ،‬لم يكن بمقدور � ٍ‬
‫أحد �إبعاد‬
‫ال�سجال ي�ستم ّر في �آليات �سبره للعلوم الحديثة‪،‬‬
‫ال�س ّيد ال ّراحل عن قلب الحدث‪ .‬كان ّ‬
‫ومواءمتها مع �أفكاره العقائد ّية لإجابة النّا�س عن �أ�سئلتهم المرتبطة بالع�صر‪ .‬وك ّلما‬
‫ّنويري‪ ،‬كان يف�ضح ت ّيار ًا �سلف ّي ًا متخ ّلف ًا �سرعان ما اختفى خلف جدران‪،‬‬
‫تق ّدم في علمه الت ّ‬
‫العلمي المتق ّدم لل ّراحل �شم�س ال ّدين‪.‬‬
‫فيما �أ�ضاعت الح�سابات ال�سيا�س ّية الموقع‬
‫ّ‬
‫جيل ب�أكمله مح�سوب على ال ّرجل‪ ،‬وجيل ب�أكمله تد ّرب على مقارعة �أفكاره؛ جيالن‬
‫ي�شعران اليوم بفراغ مع رحيله‪ ،‬والأمل في �أ ّيامنا المقبلة‪� ،‬أن تحمل لنا من يقتفي‬
‫الأثر على طريق ال ّتنوير وال ّدفاع عن حقّ � ّأي مخلوقٍ في العي�ش كيفما قاده عقله‪ ،‬من‬
‫إرغام �أو قهر!‬
‫دون � ٍ‬

‫‪192‬‬

‫*رئي�س حترير جريدة الأخبار اللبنانية‪.‬‬

‫باق‬
‫رحل ال�س ّيد ف�ضل اهلل ولكنه ٍ‬
‫د‪ .‬عبد اللطيف محمد ال�صريخ *‬

‫موت والمحبة حياة‪،‬‬
‫تتحمل الحقد‪ .‬فالحقد ٌ‬
‫� ّإن الحياة ال ّ‬
‫و�أنا �أريد �أن �أحيا وال �أريد �أن �أموت‪.‬‬
‫بداية نعزي �إخواننا ال�شيعة في لبنان والكويت وفي ك ّل العالم‪ ،‬بل نعزي �أنف�سنا‪،‬‬
‫بوفاة �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬الذي كان رمز ًا من رموز االعتدال‬
‫والت�سامح والو�سطية‪ ،‬فالعا ِلم الحقيقي يجمع وال يف ّرق‪ ،‬ويدعو للوحدة حين يدعو‬
‫غيره للتقوقع واال�ستقطاب والفُرقة‪ ،‬كان همه‪ ،‬رحمه اهلل‪ ،‬جمع كلمة الم�سلمين من‬
‫خالل الحوار واالنفتاح العقلي‪.‬‬
‫و�أنقل لكم بع�ض ما قاله الآخرون عن �سماحته‪ ،‬حيث يقول خالد م�شعل عنه‪:‬‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل لي�س �شخ�صية لبنانية فح�سب‪ ،‬بل هو �شخ�صية‬
‫�إ�سالمية عامة‪ ،‬يعتز النا�س بفكره الو�سطي وب�سماحته وانفتاحه و�أ�صالته ودعمه لك ّل‬
‫ق�ضايا الأمة‪ ،‬وعلى ر�أ�سها ق�ضية فل�سطين التي تحتل م�ساحة كبيرة في قلبه وعقله‪.‬‬
‫�أما رئي�س تحرير جريدة الأخبار �إبراهيم الأمين فقد �أكد � ّأن‪ :‬ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل �شخ�صية �إ�سالمية نادرة جد ًا في عالم ال�ضياع الكبير للواقع الإ�سالمي‬
‫والعربي بوجه الخ�صو�ص‪ ،‬وتتم ّيز هذه ال�شخ�صية باالنفتاح العقلي‪ .‬العالم العربي‬
‫في حاجة �إلى �شخ�صية تعي�ش الواقع بانفتاح‪ ،‬وبذلك ن�ستطيع �أن نغ ّير الواقع ال�سيئ‬
‫لدي �شك ب�أن يكون لدى علماء الدين تلك ال�شجاعة والجر�أة‬
‫�إلى واقع �أف�ضل‪ ،‬ولكن ّ‬

‫‪193‬‬

‫التي يتم ّيز بها ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫وقد �أجاب عن �س�ؤال في لقاء �صحافي عن �أجواء الحقد التي تملأ مجال الدعوة‬
‫�إلى اهلل‪ :‬لقد تع ّلمت من ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�آله و�سلم عندما قر�أت �سيرته �أنّه‬
‫كان مفتوح القلب لك ّل النا�س‪ ،‬و�أنه كان يقول‪ « :‬اللهم ِ‬
‫اهد قومي ف�إنهم ال يعلمون»‪،‬‬
‫وتع ّلمت ذلك من علي بن �أبي طالب ر�ضي اهلل عنه عندما كان يقول‪�« :‬أح�صد ال�شر‬
‫من �صدر غيرك بقلعه من �صدرك»‪ .‬ثم يعقّب منهي ًا �إجابته عن ال�س�ؤال بكالم يكتب‬
‫بماء الذهب فيقول‪� :‬إنني �أ�ؤمن بحقيقة وهي � ّأن عليك �أن تحب الذين يخا�صمونك‬
‫لتهديهم‪ ،‬وتحب الذين يوافقونك لتتعاون معهم‪� .‬إن الحياة ال تتحمل الحقد‪ ،‬الحقد‬
‫موت والمحبة حياة‪ ،‬و�أنا �أريد �أن �أحيا وال �أريد �أن �أموت‪.‬‬
‫لقد �أفتى رحمه اهلل بعدم جواز �سب ال�صحابة ووجوب توقيرهم‪ ،‬كما �أفتى بعدم‬
‫جواز �ضرب الر�ؤو�س وال�صدور �أثناء عا�شوراء‪ ،‬وغيرها الكثير من الآراء التي جلبت‬
‫ولكن قابلها ب�صدر رحب‪ ،‬لأنّه‬
‫له الكثير من الخ�صومات من داخل البيت ال�شيعي‪ْ ،‬‬
‫هم الأمة التي عا�ش من �أجلها‪ ،‬ولذلك‪ ،‬ف�سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫كان يحمل ّ‬
‫ف�ضل اهلل و�إن رحل‪ ،‬فهو باق بفكره و�آرائه التي جاهد من �أجلها‪ ،‬وتح ّمل الكثير من‬
‫العنت لن�شرها‪.‬‬
‫الراي (الكويت) ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫‪194‬‬

‫* كاتب كويتي‪.‬‬

‫جبل هوى وخبا �ضياء النادي‬
‫محمد �صادق الح�سيني*‬

‫ق�ضية من ق�ضايا النا�س‪ ،‬ف�ض ً‬
‫ال عن ق�ضايا الم�سلمين‬
‫لم يترك ّ‬
‫الدفاع‬
‫من حيث هم م�سلمون‪� ،‬إال وقف ثابت القدمين في ّ‬
‫عنها رغم �صروف الدهر وعوادي الأيام!‬

‫�����ن ُح ِ���م��� ُل���وا َع��� َل���ى الأَ ْع���������� َوا ِد‬
‫ْ������ت َم ْ‬
‫�أَ َع������ َرف َ‬
‫����ف خَ ���� َب����ا � ِ����ض���� َي����ا ُء ال����نَّ����ا ِدي‬
‫ْ�������ت َك���� ْي َ‬
‫�أَ َع������� َرف َ‬
‫ٌ‬
‫جبل هوى‪...‬‬
‫برحيله وهو في قمة العطاء‪ ،‬يترك العالمة المجاهد �آية اهلل ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل فراغ ًا كبير ًا في مدر�سة جمعت بين �أ�صالة الفكر الديني الأ�صيل و�ضرورة‬
‫الإحياء المتك ّرر لهذا الدين‪ -‬وال �أقول التجديد‪ -‬بلغة الع�صر‪ ،‬كما لم يتركه عالم من‬
‫�صنفه لوال بقية الخلف ال�صالح من مدر�سة الوالية والر�سالة المحمدية الأ�صيلة!‬
‫فالراحل الجليل القدر كان نموذج ًا لجيل من المتدينين م ّمن تج ّر�أ على الم�ألوف‬
‫والم�شهور من الأعراف والتقاليد التي تدعو �إلى ال َّدعة والقعود واالنتظار ال�سلبي‬
‫لع�صر الظهور‪ ،‬لكنّه في الوقت نف�سه لم يغادر مر ّبع االلتزام بالثوابت والأ�س�س‬
‫المحكمة لل�شريعة المحمدية الأ�صيلة!‬
‫حي ال�سلم‪ ،‬و�صو ًال �إلى حارة‬
‫من النجف الأ�شرف في العراق‪� ،‬إلى النبعة‪ ،‬ومن ثم ّ‬
‫حريك في لبنان‪ ،‬ظ ّل الراحل الكبير يالزم حراك النخبة والنا�س في مدر�سة الإ�سالم‬

‫‪195‬‬

‫‪196‬‬

‫الحركي الثائر على ال�صنم ّية والجمود والتق ّد�س الكاذب كما على االنفالت العقائدي‬
‫والتح ّلل من ثوابت الدين بحجة التحديث �أو التجديد!‬
‫كان يعي�ش الدين والإ�سالم ومدر�سة الت�ش ّيع التي ينتمي �إليها‪ ،‬بما هي مدر�سة‬
‫ويف�سر بع�ضها بع�ض ًا وال يمكن‬
‫حياة ومنظومة متكاملة للقيم التي يكمل بع�ضها بع�ض ًا ّ‬
‫ف�صل � ّأي من مبادئها عن الآخر!‬
‫من م ّيزاته وف�ضائله رحمة اهلل عليه �أنّه كان عالم ًا ديني ًا للنا�س الحركيين الذين‬
‫يريدون �أن يروا الأ�شياء كما هي على �أر�ض الواقع ال كما ت�شتهيها �أنف�سهم‪ ،‬عم ًال‬
‫بالحديث ال�شريف‪« :‬اللهم �أرني الأ�شياء كما هي»‪ ...‬لكنّه في الوقت نف�سه لم يكن‬
‫لي�سمح للجانب الدنيوي المح�ض من نف�سه �أن ي�ش ّده �إلى البقاء راكد ًا كما الواقع‬
‫المعي�ش‪� ،‬إذ �سرعان ما كان يتذ ّكر ال�شقّ الثاني من الحديث ال�شريف‪...« :‬ثم �أرني‬
‫الحقّ حق ًا وارزقني اتِّباعه و�أرني الباطل باط ًال وارزقني اجتنابه»‪ ،‬كما ورد على ل�سان‬
‫ر�سولنا ال�صادق الأمين!‬
‫اتفقت معه �أو اختلفت‪ ،‬لم يكن لك ُب ٌّد �إال �أن تحترمه وتق ّدره وتُج ّله لما يتج ّلى‬
‫َ‬
‫في �شخ�ص ّيته من قدرة على الحركة في قلب الواقع واالرتفاع منه �إلى قمة االجتهاد‬
‫والإبداع مع االحتفاظ بالثوابت‪.‬‬
‫بقدر ما كان الدفاع عن الدين وثوابته �أمر ًا مق ّد�س ًا لديه‪ ،‬كان الدفاع عن ق�ضايا‬
‫النا�س واحتياجاتهم مقد�س ًا لديه �أي�ض ًا‪ .‬ذلك �أن حقّ النا�س هو ح ٌّق من حقوق اهلل‪.‬‬
‫ولذلك لم يترك ق�ض ّية من ق�ضايا النا�س‪ ،‬ف�ض ًال عن ق�ضايا الم�سلمين من حيث هم‬
‫م�سلمون‪� ،‬إال وقف ثابت القدمين في ال ّدفاع عنها رغم �صروف الدهر وعوادي الأيام!‬
‫منا�ض ًال ومكافح ًا لم ي ِل ْن �ض ّد اال�ستبداد والرجع ّية والتخ ّلف والجمود والنمطية‪ ،‬كما‬
‫�ض ّد التح ّلل واالنجراف وراء مقوالت التغريب با�سم التجديد والحداثة وما بعدها من‬
‫ويالت وم�صائب‪.‬‬
‫رائد فتاوى اال�ست�شهاديين و�أ ّول من تج ّر�أ في العالم العربي على الإفتاء باقتحام‬
‫معاقل ال�صهيونية والإمبرياليين ب�أج�ساد المقاومين الطاهرين في وقت َّ‬
‫قل فيه‬
‫النا�صر والمعين‪ .‬ومن طالئع المدافعين عن الحقّ الفل�سطيني الثابت بوجه كيان‬

‫االغت�صاب واالحتالل‪ ،‬والمدافع الأمين عن ثوابت الحقّ الفل�سطيني في فل�سطين ك ّل‬
‫فل�سطين ب ّر ًا وبحر ًا وج ّو ًا ومخيمات‪.‬‬
‫الأب الحنون والكهف الح�صين لأجيال المقاومة والتحرير‪ ،‬من عماد المقاومين‬
‫وقائد االنت�صا َر ْين �إلى ك ّل من تو�ض�أ بمياه �أنهر البقاع والجنوب الطاهرة‪.‬‬
‫رافع راية الوحدة والتالحم‪ ،‬لي�س فقط بين ك ّل �أطراف الوطن اللبناني‬
‫العزيز و�أطيافه ومذاهبه وطوائفه‪ ،‬بل بين ك ّل �أقطار العالمين العربي والإ�سالمي‬
‫و�أم�صارهما‪.‬‬
‫محكم وع�صي على التطويع لإرادة الطغاة‪ ،‬ال�صغار منهم والكبار وك ّل‬
‫الم�ستكبرين‪ ،‬ح ّتى بات هدف ًا دائم ًا للإمبريالية الأميركية و�أذنابها في المنطقة‬
‫الذين طالما حاولوا النيل منه اغتيا ًال للج�سد م ّرات واغتيا ًال لل�شخ�صية على مدى‬
‫عمره ال�شريف‪.‬‬
‫بقدر ما كان رحوم ًا وعطوف ًا على قومه و�أبناء جلدته ممن حاولوا وقف م�سيرته‬
‫التنويرية‪ ،‬كان �صلب ًا وحازم ًا �ضد اال�ستكبار العالمي و�أ�شباه النخب من مر ّوجي الفتن‬
‫والأحقاد با�سم الدين مرة وبا�سم الديموقراطية وحقوق الإن�سان مرات ومرات‪،‬‬
‫وب�سائر تجارات الغرب الفا�سدة والمف�سدة‪.‬‬
‫تلميذ ًا كان �أو مجتهد ًا �أو مرجع ًا �أعلى‪ ،‬لم يغادر وال م ّر ًة واحد ًة مر ّبع نظرية‬
‫والية الفقيه التق ّدمية في النظرية كما في التطبيق‪ .‬وظ ّل المدافع الأمين عن تجربة‬
‫الجمهورية الإ�سالمية ال ّرائدة على امتداد عقود عمرها الثالثة‪ ،‬من زمن القائد‬
‫الم�ؤ�س�س الخميني �إلى زمن القائد المجدد ال�س ّيد علي الخامنئي‪ ،‬ولم تجعله الفتن‬
‫المتتالية يفقد ب�صيرته �أو يفقد اتجاه البو�صلة وال م ّرة واحدة‪.‬‬
‫�صحيح �أنك اختلفت في هذه الجزئية �أو تلك مع هذا العا ِلم الرباني �أو ذاك‪،‬‬
‫لكنني �أُ�شهد اهلل �أنّك لم تخرج عن �آداب الحوار و�أدب االحتجاج مع كبار القوم‬
‫الذين بقيت تُجِ لُّهم وتحبهم وتجد لهم العذر والمحمل‪ ،‬كما لم تف�سد له تلك جميع ًا‬
‫في الو ّد ق�ضية مع �أحد‪.‬‬
‫وها هو اليوم يرحل �إلى الرفيق الأعلى‪ ،‬مر ّبي الأجيال ومعلم الكوادر الحركية‬

‫‪197‬‬

‫وحامي المجاهدين ونا�صر الم�ست�ضعفين‪ ،‬تارك ًا وراءه خزان ًا كبير ًا وتراث ًا �ضخم ًا من‬
‫العطاء الذي ال ينقطع مع رحيل ج�سده وال مع �صعود روحه �إلى ال�سماء‪.‬‬
‫رحمك اهلل يا �سليل الأنبياء ووارث علم الأو�صياء ومورث مقوالت الت�ضحية والكرم‬
‫والعطاء‪.‬‬
‫نم قرير العين بعدما تركت فينا رجا ًال من جن�س �س ّيد المقاومة‪ ،‬وجمع ًا غفير ًا من‬
‫جماعة �أ�شرف النا�س و�أطهر النا�س و�أكرم النا�س و�أنقى النا�س و�أ�صلبهم �أي�ض ًا في‬
‫مقارعة من قارعت من ال�صهاينة والمحتلين والرجعيين‪ ،‬يقودهم وي ّدلهم وير�شدهم‬
‫�إلى القد�س ب�إذن اهلل‪� ،‬أال وهو الأمين العام لحزب اهلل وحزب الأحرار المنت�صرين‬
‫ب�إذن اهلل‪ ،‬ال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل‪.‬‬
‫ف�سالم عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حي ًا‪.‬‬
‫الأخبار ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫‪198‬‬

‫* الأمني العام ملنتدى احلوار العربي ‪ -‬الإيراين‪.‬‬

‫في �أمان اهلل يا �س ّيد ف�ضل اهلل‬
‫عادل ح�سن د�شتي*‬

‫ّ‬
‫المفكرين والك ّتاب‬
‫لم يكن غريب ًا �أن تبكيه عيون و�أقالم‬
‫العرب والم�سلمين في م�شرق العالم العربي والإ�سالمي‬
‫ومغربه‪ ،‬فقد كان �أب ًا ومعلم ًا ومر�شد ًا‪.‬‬
‫كم يطابق القول الم�أثور«عا�شروا النا�س معا�شرة �إن غبتم حنّوا �إليكم و�إن م ّتم‬
‫بكوا عليكم»‪ ،‬حيا َة فقيدنا ال�سعيد العالم المجاهد المرجع ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل‪ ،‬فيكفيك �أن ترى الح�شود تلو الح�شود وهي ت�سير بنع�شه الطاهر �إلى مثواه‬
‫الأخير في م�سجد الإمامين الح�سنين (ع) في �ضاحية بيروت الجنوبية‪ ،‬لتعرف كيف‬
‫�أ ّثر هذا العالم المجاهد في قلوب وعقول مريديه ومحبيه وجميع من عرفه‪ ،‬ويكفيك‬
‫�أن تتابع ذلك اال�صطفاف ال�شعبي والطائفي والديني والحزبي والر�سمي الكبير‬
‫�ضم مختلف الأطياف في لبنان‪ ،‬على الرغم من ك ّل التناق�ضات والتباينات بين‬
‫الذي ّ‬
‫الفرقاء في لبنان‪� ،‬إ ّال �أنّهم جميع ًا اتفقوا على ِع َظ ِم مكانة ودور الفقيد الراحل في‬
‫لبنان ك ّل لبنان‪ ،‬فلم يكن يوم ًا لفريق دون �سواه‪ ،‬فقد كان للجميع وعمل للجميع ف�أح ّبه‬
‫الجميع‪ ،‬ويكفيك �أن ترى تقاطر جموع المعزّين من مختلف �أنحاء العالم العربي‬
‫والإ�سالمي ومن مختلف الطوائف الإ�سالمية والم�سيحية �أي�ض ًا لتعرف كيف َم َل َك هذا‬
‫العالم المجاهد قلوب الماليين وتجاوزت �آثاره و�أفكاره ونظرياته ك ّل الأطر الفكرية‬
‫والحزبية والمذهبية والمناطقية ال�ضيقة لتنطلق من الف�ضاء المحدود في محيطه‬
‫ال�شخ�صي �إلى الف�ضاء الوا�سع للعالم ب�أ�سره‪ ،‬وفي ذلك حالة تكاد تكون فريدة في‬

‫‪199‬‬

‫‪200‬‬

‫عالمنا الإ�سالمي اليوم‪ ،‬فلك �أن تطوف على مختلف المذاهب والمدار�س الإ�سالمية‬
‫وتبحث عن �أولئك العظماء الذين �سخّ روا حياتهم للأمة ب�أ�سرها فلن تجد �سوى ثلة‬
‫قليلة منهم من الذين نذروا ك ّل حياتهم وجهدهم وطاقتهم لأيتام الأمة و�شبابها‬
‫ومف ِّكريها ومجاهديها وق�ضاياها وهمومها و�أحالمها وم�ستقبلها‪ ،‬وكان ال�س ّيد الفقيد‬
‫�أحد �أبرز �أولئك العظماء‪ ،‬وعليه فلم يكن غريب ًا �أن تبكيه عيون و�أقالم المف ّكرين‬
‫والك ّتاب العرب والم�سلمين في م�شرق العالم العربي والإ�سالمي ومغربه‪ ،‬فقد كان‬
‫�أب ًا ومعلم ًا ومر�شد ًا لكثير من �أولئك المثقفين في مختلف �أرجاء العالم من مختلف‬
‫المدار�س الفكرية والمذهبية الإ�سالمية‪.‬‬
‫�أما مواقفه ال�صلبة والوا�ضحة في دعم المقاومة في لبنان وفل�سطين فتلك حكاية‬
‫�أخرى‪ ،‬فقد كانت فل�سطين �شغله ال�شاغل وكان العدو الوحيد الذي يراه عدو ًا هو ذلك‬
‫الكيان ال�صهيوني الغا�صب للقد�س‪ ،‬في حين � ّأن كثير ًا من علماء الأمة ومجاهديها‬
‫المزعومين كانت فتاواهم وبنادقهم دوم ًا تنحرف عن م�سارها �ضد ال�صهاينة وتتجه‬
‫بد ًال من ذلك �إلى رفاقهم و�إخوانهم في العقيدة‪ ،‬ولكن عا ِل ُمنا المجاهد كانت بو�صلته‬
‫الجهادية وا�ضحة را�سخة ر�سوخ الجبال‪ ،‬فال عد َّو عنده �سوى العدو ال�صهيوني مهما‬
‫تكالبت عليه وقومه فتاوى التكفيريين و�شظايا التفجيريين‪ ،‬وما المحاوالت الآثمة‬
‫الغتياله �إ ّال دليل ب�سيط على ما نقول‪ ،‬ويكفيك ما قاله �س ّيد المقاومة في حق ال�س ّيد‬
‫الفقيد وكيف �أنّه كان «�أب ًا رحيم ًا ومر�شد ًا حكيم ًا وكهف ًا ح�صين ًا و�سند ًا قوي ًا في ك ّل‬
‫المراحل‪ ،‬هكذا كان لنا �سماحته ولك ّل هذا الجيل الم�ؤمن والمجاهد والمقاوم منذ‬
‫�أن كنّا فتي ًة ن�ص ّلي في جماعته ونتع ّلم تحت منبره ونهتدي بكلماته ونتم ّثل �أخالقه‬
‫ونقتدي ب�سيرته‪ .‬وكيف � ّأن �أجيا ًال ب�أكملها تع ّلمت في مدر�سته �أن تكون دعاة بالحكمة‬
‫والموعظة الح�سنة و�أن تكون �أهل الحوار مع الآخر و�أن تكون من الراف�ضين للظلم‬
‫والمقاومين لالحتالل وع�شاق ٍ‬
‫لقاء مع اهلل تعالى من موقع اليقين و�أن تكون �أهل‬
‫ال�صبر والثبات والعزم مهما �أحاطت بها ال�شدائد والم�صاعب والفتن ف� ّإن لها‬
‫الأ�ستاذ والمعلم والعلم والنور الذي ت�ست�ضيء به في ك ّل محنة»‪.‬‬
‫وما زلت اذكر ذلك اللقاء الذي جمعنا والفقيد في مكتبه بم�سجد الإمامين‬

‫الح�سنين (ع) في بيروت ُب َع ْي َد انتهاء حرب تموز ‪ 2006‬عندما كنّا في مع ّية وفد‬
‫�شعبي كويتي مع نخبة من العلماء والف�ضالء والك ّتاب نبارك له بال�سالمة ونبارك‬
‫لهم بالن�صر على ال�صهاينة و�إف�شال مخططاتهم الخبيثة في الق�ضاء على المقاومة‬
‫مرحب ًا ب�ضيوفه ك�أنه يعرفهم‬
‫ورموزها و�أهلها‪ ،‬فقد كان كما هو مع ك ّل النا�س ب�شو�ش ًا ّ‬
‫منذ زمن طويل‪ ،‬فرحمك اهلل �أبا علي فقد ع�شت حياتك مع النا�س ولأجل النا�س‬
‫فبكتك العيون والقلوب‪ ،‬فهنيئ ًا لك هذا الحب الكبير الذي حملته للنا�س طوال حياتك‬
‫فبادلوك به في حياتك وبعد مماتك‪ ،‬و�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪.‬‬
‫الدار (الكويت) ‪ 12‬تموز ‪2010‬‬

‫*كاتب كويتي‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫مع رحيل ال�س ّيد‬
‫زكي الميالد*‬

‫كان يلتفت جيد ًا �إلى �أ�صحاب المواهب الفكرية وكان‬
‫يقربهم �إليه‪.‬‬
‫ّ‬

‫‪202‬‬

‫كانت بيني وبين الراحل الكبير محمد ح�سين ف�ضل اهلل مو ّدة كبيرة‪ ،‬وكان ُيظهر‬
‫لي هذه المو ّدة با�ستمرار‪ ،‬وفي ك ّل مرة �أراه و�أزوره‪ ،‬وكلمات اال�شتياق هي �أول ما‬
‫�أ�سمعها منه عندما �أ�س ّلم عليه‪ ،‬في �إ�شارة �إلى ما كان يف�صل هذه اللقاءات من تباعد‬
‫زمني بع�ض ال�شيء‪.‬‬
‫كنت متابع ًا له في مقاالته وحواراته وم�ؤلفاته‪ ،‬و�سمعت له في ندوات وم�ؤتمرات‬
‫وقد ُ‬
‫ومحا�ضرات‪ ،‬وجل�ست معه في لقاءات عديدة جرت فيها حوارات ونقا�شات فكرية‬
‫وثقافية‪ ،‬وح�ضرت في مجل�سه العام‪ ،‬بع�ض درو�سه و�أبحاثه الفقهية في منطقة ال�سيدة‬
‫زينب جنوب العا�صمة ال�سورية دم�شق‪ ،‬التي كان ي�صل �إليها ع�صر يوم الجمعة من‬
‫ك ّل �أ�سبوع‪ ،‬وعلى مدار ال�سنة وبدون توقف �أو انقطاع‪� ،‬صيف ًا و�شتاء‪ ،‬ويبقى فيها يومي‬
‫ال�سبت والأحد‪ ،‬وهما يوما الإجازة والتعطيل الر�سمي في موطنه لبنان‪.‬‬
‫وبرنامجه في هذين اليومين يكون مزدحم ًا في العادة ما بين در�س ومحا�ضرة‬
‫ولقاء‪ ،‬وهذا يعني �أنّه كان يم�ضي �أيام الأ�سبوع بال �إجازة وبال راحة �أو توقف‪.‬‬
‫ومعرفتي به في �أول الأمر بد�أت من ُب ْعد عن طريق كتاباته وم�ؤلفاته‪ ،‬حيث كان‬
‫ا�سمه يتر ّدد في الأجواء الفكرية والإ�سالمية بو�صفه �أحد المفكرين الإ�سالميين‬

‫الم�شتغلين بق�ضايا الفكر الإ�سالمي وب�ش�ؤون الأمة الإ�سالمية‪ ،‬وكانت �أكثر م�ؤلفاته‬
‫�شهرة �آنذاك‪ ،‬هي كتاب (خطوات على طريق الإ�سالم) ال�صادر �سنة ‪1978‬م‪ ،‬وكتاب‬
‫(ق�ضايانا على �ضوء الإ�سالم)‪ ،‬وكتاب (الإ�سالم ومنطق القوة)‪.‬‬
‫لكن متابعتي �شبه الجا ّدة له‪ ،‬بد�أت مع مقاالته االفتتاحية الالفتة في مجلة‬
‫(المنطلق) ال�شهرية التي كان ي�صدرها اتحاد الطلبة الم�سلمين في بيروت‪ ،‬وهي‬
‫المقاالت المعنونة بت�أمالت في م�سيرة العمل والعاملين‪ ،‬وكانت تتناول ق�ضايا فكرية‬
‫بارزة وحيوية في �ساحة الفكر الإ�سالمي‪ ،‬وتُعا َلج بطريقة هادئة ومتوازنة‪ ،‬هي �أقرب‬
‫�إلى ما ُيعرف اليوم بفقه الموازنات‪ ،‬حيث تُطرح الأقوال والنظريات المتداولة‬
‫ال�سلبيات‬
‫والمعروفة‪ ،‬وتُناق�ش من زوايا و�أبعاد مختلفة ومتع ّددة‪ ،‬بالإ�شارة �إلى ّ‬
‫والإيجاب ّيات‪ ،‬الأ�ضرار والمنافع‪ ،‬القريبة والبعيدة‪ ،‬الخا�صة والعامة‪.‬‬
‫وقد ظ ّلت هذه المقاالت تثير جد ًال ونقا�ش ًا مفيد ًا في وقتها‪ ،‬واكت�سبت �شهرة‬
‫واهتمام ًا في �أو�ساط النخب الفكرية الدينية في العديد من البيئات والمجتمعات‬
‫العربية‪ ،‬وذلك لطبيعة الطرح والمعالجة من جهة‪ ،‬ولطبيعة الطريقة والأ�سلوب‬
‫من جهة �أخرى‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى حيو ّية وح�سا�س ّية الق�ضايا والم�سائل المثارة‪ ،‬حيث‬
‫عالجت ق�ضايا االنفتاح واالنغالق‪ ،‬التط ّرف واالعتدال‪ ،‬الواقعية والمثالية‪ ،‬الإقليمية‬
‫والوطنية‪ ،‬الإ�سالمية والمذهبية‪ ،‬الأكثرية والأقلية‪ ..‬وق�ضايا �أخرى‪.‬‬
‫وفي وقت الحق ُجمعت هذه المقاالت في كتاب حمل عنوان (الحركة الإ�سالمية‪..‬‬
‫هموم وق�ضايا) �صدر �سنة ‪1990‬م‪ ،‬و�أ�شار فيه ف�ضل اهلل �إلى ما �أثارته هذه المقاالت‬
‫من جدل ونقا�ش‪ ،‬بقوله (وقد �أثارت بع�ض هذه المو�ضوعات الكثير من الجدل‬
‫والتهويل مما اعتادته ال�ساحة الإ�سالمية في الأفكار غير الم�ألوفة‪ ،‬التي تثير الم�شاعر‬
‫والح�سا�سيات االنفعالية)‪.‬‬
‫وهذا ما �أراده ف�ضل اهلل نف�سه‪ ،‬حين اعتبر � َّأن قيمة هذه الت�أ ّمالت �أنّها ت�صلح �أن‬
‫تكون عن�صر ًا من عنا�صر الإثارة الفكرية‪.‬‬
‫�أما معرفتي المبا�شرة بف�ضل اهلل‪ ،‬فقد بد�أت بعد �أن تع ّرف هو على بع�ض كتاباتي‬
‫المن�شورة ب�شكلٍ خا�ص في مجلة الكلمة التي كانت ت�صله بانتظام‪ ،‬ويتابعها باهتمام‪،‬‬

‫‪203‬‬

‫وقد وجد في هذه الكتابات كما �أخبرني مالمح و�سمات روح البحث والن�ضج واالنفتاح‬
‫والتوا�صل مع الع�صر‪..‬‬
‫هذا االنطباع الفكري الذي تك ّون عند ف�ضل اهلل هو الذي جعل المعرفة به‪،‬‬
‫والعالقة معه تتق ّدم ب�سرعة‪ّ ،‬‬
‫وتتوطد ب�شكل وثيق‪ ،‬وتحافظ على بقائها وديمومتها‬
‫وت�صاعدها �أي�ض ًا‪ ،‬لأنّه كان يلتفت جيد ًا �إلى �أ�صحاب المواهب الفكرية الذين كانت‬
‫لهم كتابات وم�ؤلفات و�أعمال من�شورة ومعروفة ويجري الحديث عنها‪ ،‬وكان يق ّربهم‬
‫�إليه‪ ،‬ويتابع كتاباتهم وم�ؤ ّلفاتهم‪ ،‬ويحاول �أن يك ّون عنها انطباعات وتقييمات ي�ستند‬
‫عليها في التوا�صل معهم‪.‬‬
‫ومن �أول لقاء معه �شعرت كما لو � ّأن هذا اللقاء هو التا�سع �أو العا�شر �أو �أكثر من‬
‫ذلك‪ ،‬ولي�س هو اللقاء الأول‪ ،‬فالم�شاعر واالنطباعات التي وجدتها فيه‪ ،‬وحتى طبيعة‬
‫الحوار والنقا�ش‪ ،‬هي ما كانت توحي بذلك‪.‬‬
‫وفي هذا اللقاء الذي ح�صل �سنة ‪1996‬م في منزله جنوب العا�صمة دم�شق‪،‬‬
‫�سجلت معه مداخلة رائعة ُن�شرت في مجلة الكلمة �شتاء ‪1996‬م‪ ،‬بعنوان (م�ستقبل‬
‫ّ‬
‫الحوار الإ�سالمي ـ الإ�سالمي)‪.‬‬
‫ومن بعد هذا اللقاء توالت اللقاءات بين وقت و�آخر‪ ،‬و�إن كانت متباعدة بع�ض‬
‫ال�شيء‪ ،‬ودائم ًا ما كانت هذه اللقاءات ثرية وحيوية في مناق�شاتها وحواراتها الفكرية‬
‫والثقافية‪ ،‬وفي �إثاراتها الذهنية‪ ،‬وما تطرحه من ت�سا�ؤالت جادة تبحث عادة عن �أفق‬
‫جديد‪.‬‬
‫عكاظ (ال�سعودية) ‪ 22‬تموز ‪2010‬‬

‫‪204‬‬

‫*كاتب من ال�سعودية‪.‬‬

‫و�أخير ًا رحل فقيه المقاومة‬
‫عبد الأمير داود*‬

‫كل منطقة من العالم بف�ضل فكره الخ ّ‬
‫ُخ ِل َق في ّ‬
‫الق الو ّقاد‬
‫ٌ‬
‫ثوري مقاو ٌم‪.‬‬
‫جيل‬
‫ر�سالي ٌ‬
‫ٌّ‬
‫ماذا �أكتب اليوم في ذكرى الكبار والعظماء واال�ستثنائيين وفقهاء الع�صر‬
‫والمقاومة‪ ،‬ماذا �أكتب عن الفقيه والمرجع �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل ر�ضوان اهلل عليه في ذكرى رحيله �إلى مثوى الخلود‪..‬‬
‫ماذا �أكتب وهو الذي ملأ ك َّل ال�ساحات المتن ّوعة بفكره وعلمه وفقهه ور�سال ّيته‬
‫وحرك ّيته‪ ،‬ماذا �أكتب وك ّل وعيي وثقافتي وفقهي وفكري نتاج مدر�سته وعبقريته‬
‫و�صحوته وتجديده ونه�ضته‪ ،‬تخجل ك ُّل الكلمات حينما تكتب عنه‪ ,‬لأنّه الملهم‬
‫والمربي والمرجع والمد ّر�س والأب والمر�شد‪ ،‬لقد تع ّلمت منه ك ّل �شيء في هذه الدنيا‬
‫على م�ستوى الفكر الإ�سالمي والوعي الفقهي والثقافة الحركية ‪� ،‬صاغ عقلي ومنهجي‬
‫ور�ؤاي وفكري الإ�سالمي‪.‬‬
‫تع ّلمت منه �أن �أكون مع المقاومين والممانعين‪ ..‬تع ّلمت منه �أن �أحترم َّ‬
‫كل �إن�سان‬
‫مهما كان مذهبه وديانته وفكره‪ ،‬تع ّلمت منه �أن �أكون في م�ستوى النقد حينما يكون‬
‫هناك خلل يعتري الحركة الإ�سالمية و�أن ال �أخ�شى في اهلل لومة الئم من �أجلها وهذا‬
‫ال ي�أتي �إال من خالل مالحقة المعرفة بك ّل تنوعاتها‪ ,‬تع ّلمت منه �أن �أف ّكر بحجم العالم‬
‫حينما �أكون حركي ًا ور�سالي ًا ومقاوم ًا وثوري ًا و�أن ال �أ�سجن نف�سي في زواريب الحزب‬

‫‪205‬‬

‫والمذهب والمنطقة والقومية لأنّني �أنتمي لتراث عنوانه‪َ } :‬و َما �أَ ْر�سَ ْلنَ َاك �إِلاَّ َر ْح َم ًة‬
‫حب �أهل البيت(ع)وكيف يمكننا من خالل‬
‫لِّ ْل َعالَ ِم َ‬
‫ين{(الأنبياء ‪ ،)107 :‬تع ّلمت منه َّ‬

‫‪206‬‬

‫الت�أمل في حياتهم �أن نغ ّير الحياة ونط ّور الإن�سان ونقود الواقع لأنهم يم ّثلون الع�صمة‬
‫في ك ّل �شيء‪ .‬تع ّلمت منه كيف تكون الإن�سان الذي يقف في خندق الم�ست�ضعفين‬
‫مهما كان انتما�ؤهم ولونهم‪ .‬تع ّلمت منه الحوار و�آفاقه و�أهميته و�ضروراته في حياتنا‬
‫المعا�صرة‪.‬‬
‫تع ّلمت منه كيفية الذوبان في الوحدة الإ�سالمية والوطنية الإن�سانية من �أجل‬
‫حفظ كرامة الإن�سان والإ�سالم والم�ست�ضعفين‪.‬‬
‫حب الإمام الخميني{ وثورته‪ ،‬رحل َم ْن ع ّلمنا �أن ندافع عن‬
‫رحل َم ْن ع ّلمنا َّ‬
‫الثورة الإ�سالمية في �إيران مهما كان الثمن و�أن ّ‬
‫ننظر للثورة في �إيران على �أنّها‬
‫ثورتنا والواجب �أن ندافع عنها‪ ،‬رحل َم ْن ع ّلمنا �أن الدفاع عن المقاومة في ك ّل مكان‬
‫�إن كانت من �أجل الحرية والعدالة واال�ستقالل والم�ست�ضعفين هو �شرف وعقيدة‬
‫وواجب �شرعي و�إن�ساني ووطني‪ ،‬رحل من ع ّلمنا � ّأن �إيران في يد �أمينة وحكيمة وهي‬
‫في عهد القائد الخامنئي }‪.‬‬
‫حب المقاومة الإ�سالمية في لبنان‪ ،‬رحل فقيهها وملهمها‬
‫ر�سخ فينا َّ‬
‫رحل من ّ‬
‫وكهفها الح�صين و�سندها المنيع‪ ،‬رحل من كان له اليد الطولى في والدتها وامتدادها‬
‫وتر�شيدها‪ .‬رحل من كان لل�سيد ح�سن ن�صر اهلل �أب ًا رحيم ًا ومر�شد ًا حكيم ًا وكهف ًا‬
‫ح�صين ًا و�سند ًا قوي ًا في ك ّل المراحل‪.‬‬
‫لكن هل يرحل فقهاء و�أمناء الر�سل وهم �أط ّباء الحياة‪ ،‬يط ّببون الواقع من ك ّل‬
‫داء ومر�ض فكري وثقافي و�سيا�سي واجتماعي وثقافي‪ ،‬ال و�ألف ال‪ ..‬لأنّهم باقون‬
‫بعملهم ال�صالح والر�سالي‪ ،‬باقون لأنهم كانوا في م�ستوى تطبيق الر�سالة وحمايتها‬
‫من التحريف والت�شويه والت�شوي�ش‪ ،‬هم باقون ما بقي الدهر والليل والنهار لأنهم‬
‫وتحد هنا‬
‫يم ّثلون القر�آن الناطق والمتح ّرك‪ ،‬يالحقون ك ّل م�شكلة هناك تحتاجهم ٍّ‬
‫ي�ضغط عليهم‪.‬‬

‫يمت‪ ،‬لأنّه خُ ِلقَ في ك ّل منطقة من العالم بف�ضل فكره الخ ّالق الو ّقاد‬
‫ف�ضل اهلل لم ْ‬
‫ثوري مقاو ٌم ي�ستلهم من فكره ومن تراثه ومن فقهه ومن ر�ؤاه ومن‬
‫جي ٌل‬
‫ر�سالي ٌ‬
‫ٌ‬
‫عبقريته ومن تجديده ومعا�صرته منهج االنطالق والبناء والتطوير والتغيير والثورة‬
‫والمقاومة‪.‬‬
‫كنت يا والدنا وملهمنا تالحق ك ّل الفراغات في ال�ساحة الإ�سالمية لت�س ّدها بفكرك‬
‫وبت�أمالتك وبدرا�ساتك ومحا�ضراتك وبحوثك وبفقهك‪ ،‬لم تنحنِ لك ّل ال�ضغو�ضات‬
‫التي ا�ستهدفت �إرادتك و�صالبتك و�شجاعتك ووعيك الإ�سالمي اال�ستثنائي والمميز‬
‫والفريد من منعطفات الحركة الإ�سالمية‪.‬‬
‫كنت تالحق ك ّل ثغرات الم�سيرة الإ�سالمية في ك ّل مراحلها لتح ّدد �أوجه الخلل‬
‫فيها لتح ّدد عالجها‪ ،‬ح ّتى �أ�صبحت بف�ضل وعيك ون�ضجك وب�صيرتك مدر�سة ال‬
‫يمكن �أن يتجاوزها الر�ساليون في ك ّل بقاع العالم ‪.‬‬
‫�سماحة المرجع يا �أبانا يا والدنا �أيها الراحل الكبير‪ ...‬لقد كنت لنا ِن ْع َم الفقيه‪،‬‬
‫لم تخذلنا في � ّأي مرحلة كنّا بحاجة لفقهك والذي امتاز بمالحقة المتحوالت‬
‫والمتغيرات والواقع‪ ،‬وكنت في م�ستوى فهمه واجتهاده ووعيه بامتياز‪.‬‬
‫كنا نروي عط�شنا في ك ّل محل ابتالءاتنا اليومية‪ ،‬كنّا ال نرى منك �إال الفقه‬
‫القر�آني الذي يهدي النا�س �إليه في �ساحاته المتحركة‪ ،‬كنت في ك ّل الحوادث الواقعة‬
‫لنا ‪ ،‬كنت في ك ّل ق�ضايا وطني الجريح في البحرين تعطي ر�أيك ال�شجاع والمميز‪،‬‬
‫كنت مع القائد الجمري { ت�ؤ ّيده وت�س ّدد طريقه وتمنحه ال�صمود والثبات‪ ،‬كنت‬
‫ت�ساند بق ّوة ك ّل ق�ضايا وطني العادلة والحقة‪ ،‬لم تفارق يا �س ّيدنا وعي الر�ساليين في‬
‫البحرين‪.‬‬
‫م�شروعك الإ�سالمي الح�ضاري الذي جاهدت من �أجل �إر�سائه وتثبيته في ك ّل‬
‫مواقع العالم �سيبقى ل ّأن �أركانه ومق ّوماته ومنطلقاته �أ�صيلة في فكره و�سيا�سته وفقهه‬
‫وثقافته‪� .‬سيبقى لأنّك ر ّكزت ثوابته على �أر�ض الإ�سالم المحمدي الأ�صيل‪ ،‬ومن خالل‬
‫تبنّي جماهير المقاومين له في ك ّل بقاع العالم �سيتر ّكز و�سيقام‪...‬‬

‫‪207‬‬

‫رحمك اهلل يا فقيهنا المقاوم والر�سالي يا من كنت لنا ِن ْع َم المر�شد والملهم‬
‫والمر ّبي و�إلى جنان الخلد يا من �سيخ ّلده التاريخ ب�أحرف الوعي والن�ضج والإن�سانية‬
‫ب�أروع �صورها و�صفحاتها‪.‬‬
‫العزة �أونالين ‪ 18‬تموز ‪2010‬‬

‫‪208‬‬

‫*كاتب من البحرين‪.‬‬

‫رحيل مرجعية ال�صبر وال�شجاعة‬
‫ال�سيد محمد التاروتي*‬

‫حين نقول � ّإن الفقيد كان فقيه ع�صره فنحن ال نبالغ في‬
‫هذا �أبد ًا‪.‬‬
‫المجددون مقارنة بالتقليديين في الأر�ض خ�صو�ص ًا‬
‫ق ّلة هم الم�صلحون وق ّلة هم‬
‫ِّ‬
‫حين يكون الفكر محاط ًا ب�سياج الأيديولوجيا‪ ،‬مع ذلك نرى ثمرات �إ�صالحهم على‬
‫الأر�ض بارزة ولو بعد حين‪.‬‬
‫ب�إيجاز �شديد‪ ،‬لم يكن في تاريخ المرجعية الدينية الن�صيب الكبير من التغيير‬
‫على م ّر ع�صورها �إ ّال في فترات مراحلها االنتقالية‪ ،‬من بغداد متمثلة في ال�شيخ‬
‫المفيد �إلى النجف بزعامة �شيخ الطائفة الطو�سي �إلى الح ّلة بعد قرن من الجمود‬
‫الفقهي متم ّثلة بالح ّليين الثالثة «ابن �إدري�س الحلي والمحقق الحلي والعالمة الحلي»‬
‫ثم �إلى جبل عامل بظهور ال�شهيد الأول وال�شهيد الثاني وبعدها في فار�س �إ ّبان قيام‬
‫الدولة ال�صفوية ببروز دور المحقّق الكركي فيها ونم ّو بذرة الفقه ال�سيا�سي ثم عود ًا‬
‫�إلى النجف الأ�شرف معقل العلوم الدينية‪ ،‬والمق�صود بالتغيير هو المرجعية كجهاز‪،‬‬
‫والآراء االجتهادية فقه ًا و�أ�صو ًال‪ ،‬ولو � ّأن الأخيرة تتغ ّير في ك ّل فترة انتقالية ب�شكلٍ‬
‫�أكثر رغم ات�صافها عموم ًا بالجمود‪.‬‬
‫ن�ستطيع القول � ّإن التجديد في الجهاز المرجعي وطبيعة عمله في تاريخ المرجعية‬
‫المعا�صر بد�أ على يد ال�شيخ جعفر كا�شف الغطاء‪ ،‬وقد حذا حذوه ابنه ال�شيخ مو�سى‬

‫‪209‬‬

‫وحفيده ال�شيخ محمد ح�سين كا�شف الغطاء‪ ،‬ولهذه العائلة باع طويل في الإ�صالح‬
‫الديني واالجتماعي وقد تع ّر�ضوا وخ�صو�ص ًا الأخير منهم لحمالت منظمة ب�سبب‬
‫مخالفتهم لل�سائد في المجتمع ال�شيعي المحافظ‪.‬‬
‫قد يكون هناك الكثير من المراجع الدينية ممن يملك ر�ؤى ع�صرية و�آراء‬
‫اجتهادية متج ّددة ولكنه ال ي�ص ّرح بها محاباة للعوام وخوف ًا من هجوم الأقالم و�ضياع‬
‫وعاظ ال�سالطين حين يكون الم�ؤ ّثر الأول‬
‫المن�صب الهام‪ ،‬للأ�سف نحن نعيب على ّ‬
‫على الواعظ هو ال�سلطان‪ ،‬ونتنا�سى � ّأن فقهاءنا يت�أثرون بر�أي العوام وق ّلة هم من ال‬
‫يخافون وال ت�أخذهم في اهلل لومة الئم‪ ،‬كان منهم فقيدنا ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل ر�ضوان اهلل تعالى عليه‪.‬‬
‫حين نقول � ّإن الفقيد كان فقيه ع�صره فنحن ال نبالغ في هذا �أبد ًا‪ ،‬فقد �أ�صبحت‬
‫مرجعيته جهاز ًا متكام ًال في خدمة الدين والمجتمع والفكر والثقافة‪ ،‬من خالل‬
‫المب ّرات الخيرية والجمعيات والم�ؤ�س�سات المختلفة الثقافية منها والإعالمية‬
‫واالجتماعية من ناحية‪ ،‬ومن خالل م�ؤلفاته وكتبه و�أبحاثه العظيمة التي تغذّي ك ّل‬
‫ّ‬
‫متعط�ش للمعرفة بما تحتويه من معارف �إ�سالمية نقية من الخرافة والغل ّو ب�أ�سلوب‬
‫ع�صري متج ّدد تجعل قارئها ينحني تبجي ًال لهذا المف ّكر العظيم وال�شجاع الذي ذاع‬
‫�صيت مرجع ّيته رغم تع ّر�ضه لأعنف الحمالت الت�شويهية الغوغائية من ك ّل حدب‬
‫و�صوب‪ ،‬ورغم �أثر هذه الحمالت الم�ش ّوهة على كثير من الم�ساكين والمق ِّلدين‬
‫المخ َّدرين �إال � ّأن هذا لم يمنع من انت�شار �آرائه الع�صرية ح ّتى ق ّلدناه جميع ًا في فكره‬
‫وق ّلده كثيرون في فقهه‪ ،‬ال حب ًا في المال وال طمع ًا في دوام الحال‪ ،‬بل �سم ّو ًا في المبد�أ‬
‫و�شرف ًا في المق�صد‪.‬‬
‫كان ي�ص ّرح ويقول ويكتب ما يراه �صحيح ًا دون خوف من زوال المن�صب الديني‬
‫�أو �ضياع المنزلة االجتماعية‪ ،‬ولم ن�سمع منه يوم ًا هجوم ًا على �أحد ممن خالفوه‬
‫وهاجموه و�أ�ساءوا �إليه �أبد ًا رغم فظاعة الإ�ساءة‪ ،‬بل كان ج ّل ه ّمه هو الوحدة‬
‫الإ�سالمية والوقوف �ض ّد العدو الإ�سرائيلي‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫لم يكن رحمه اهلل لي�صبر على ك ّل هذا لوال �أن كانت زينب(ع)قدوة له‪ ،‬ولم يكن‬
‫يقوى على قول ما احتاج منه ال�شجاعة لوال �أن كان علي بن �أبي طالب(ع)�إمام ًا له‪.‬‬
‫وداع ًا يا رمز الفكر الإ�سالمي المعا�صر‪.‬‬
‫�شبكة را�صد الإخبارية ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫*عامل دين من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫�شهادة للتاريخ‬
‫جابر �س ّيد خلف البهبهاني*‬

‫فكان الآية العظمى في الفقه‪ ،‬والعلم الهادي في الفكر‪،‬‬
‫والناقد المهذب في الكتابة‪ ،‬والعقل المنفتح في‬
‫الحوار‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫ين{(النحل ‪)120 :‬‬
‫}�إِنَّ �إِ ْبر َِاهي َم َكا َن �أُ َّم ًة َقا ِنت ًا للِ هّ ِ َح ِنيف ًا َولَ ْم يَ ُك ِم َن ا ْل ُم�شْ رِ ِك َ‬
‫«نلتقي ب�شخ�صية �إبراهيم عليه ال�سالم التي تتج ّمع فيها خ�صائ�ص الإن�سان‬
‫الذي تعي�ش الأمة فيه وتمتد منه حركة الر�سالة‪ ،‬وتلتقي في �أجوائه الروحية‪ ،‬روحية‬
‫الجامعة في �صورة الفرد»‪ ،‬هكذا فهم ووعي فقيدنا الراحل العالمة المجاهد �آية اهلل‬
‫العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ق ّد�س �س ّره هذه الآية الكريمة في تف�سيره من‬
‫وحي القر�آن‪ ،‬فكان �إبراهيمي ًا في انطالقته كما كان في ن�سبه‪ ،‬ف�أ�صبح �أمة في ق�ضاياه‬
‫وهمومه وعطائه‪ ،‬انطلق مقتدي ًا بج ّده ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�آله و�سلم الذي قال‬
‫فيه الإمام �أمير الم�ؤمنين عليه ال�سالم «طبيب د ّوار بطبه‪ ،‬ف�أحكم مراهمه‪ ،‬و�أحمى‬
‫موا�سمه»‪ ،‬انطلق فلم يترك ميدان ًا من ميادين الحياة �إال وله فيه �صولة وجولة‪ ،‬ناكر ًا‬
‫في ذلك ذاته‪ ،‬جا ّد ًا مجتهد ًا‪ ،‬متفاني ًا في عطائه‪ ،‬ال ت�أخذه في اهلل لومة الئم‪.‬‬
‫فكان الآية العظمى في الفقه‪ ،‬والعلم الهادي في الفكر‪ ،‬والناقد المهذّب في‬
‫الكتابة‪ ،‬والعقل المنفتح في الحوار‪ ،‬والفي�ض المتدفّق في الأدب‪ ،‬والأ�ستاذ الخبير في‬
‫الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والفار�س المقدام في الجهاد‪ ،‬والبطل المجاهد‬
‫المحب‬
‫في المقاومة‪ ،‬والأب الر�ؤوف للأيتام‪ ،‬والراعي الرحيم للمحتاجين‪ ،‬والإن�سان‬
‫ّ‬

‫في عالقاته‪ ،‬وفي هذا ي�صدق عليه قول ال�شاعر الذي قال في ج ّده الإمام �أمير‬
‫الم�ؤمنين عليه ال�سالم بعد �أن ع ّدد مناقبه‪:‬‬
‫قلت في رجلٍ ‬
‫قلت في رجلِ‬
‫فقلت‪ :‬ك ُّل الذي قد ُ‬
‫ُ‬
‫قالت‪� :‬أك ُّل الذي قد َ‬
‫ْ‬
‫�أح ّبتي هذه وبدون مبالغة هي مج ّرد عناوين لعطاء الفقيد الراحل ومعرفتي به‬
‫معرفة دراية ولي�ست رواية‪ ،‬فعالقتي بالفقيد الكبير تمت ّد �إلى �أكثر من ثالثين عام ًا‬
‫م�ضت‪ ،‬ت�ش ّرفت �أنا و�أخوة لي خاللها بخدمة الفقيد‪ ،‬في حملة التوحيد الكويتية التي‬
‫ت�ش ّرفت بوجوده المبارك فيها لما يقارب ال�سبع حجج‪ ،‬وفي العديد من الم�ؤتمرات‬
‫التي �شارك فيها في الواليات المتحدة وبريطانيا‪ ،‬وكذلك في الزيارات المتك ّررة التي‬
‫كنّا نقوم بها له في لبنان و�سورية‪ ،‬وقد �سمحت لنا هذه الرفقة �أن نقترب منه لننفتح‬
‫عليه في الحوار‪ ،‬وكذلك تقديم الدعم والم�ساندة ولو بالقدر الي�سير في الم�شاريع‬
‫الخيرية التي � ّأ�س�سها‪ ،‬لذا ما �س�أقوله في هذه الكلمات القليلة هي �شهادة هو في غنى‬
‫عنها‪ ،‬ولكنها �شهادة للتاريخ‪ ،‬والحقيقة من ال�صعوبة �أن تتكلم عن ثالثين عام ًا في‬
‫ك ّل يوم فيها له عطاء و�إنجاز‪ ،‬مما تُوقعك في حيرة عن ماذا تتكلم؟ وماذا تترك؟‬
‫حاولت �أن �أ�س ّد بع�ض الفراغ الذي لم ُيذكر في �سيرته‪.‬‬
‫وقد‬
‫ُ‬
‫في تعليق لأحد المعزين للفقيد الكبير ت�ساءل‪ :‬كيف ا�ستطاعت هذه ال�شخ�صية‬
‫العظيمة �أن تق ّدم ك ّل هذا العطاء؟ فهو من المراجع الذين ندر مثيلهم في الآثار‬
‫التي خ ّلفها‪ ،‬وجوابي هو � ّأن هذه ال�شخ�صية ح ّرمت عليها الراحة‪ ،‬فقد كان الفقيد‬
‫يعمل وبدون مبالغة لمدة ع�شرين �ساعة في اليوم‪ ،‬ففي مو�سم الحج والم�ؤتمرات يبد�أ‬
‫برنامجه اليومي من بعد �صالة الفجر بالدرو�س والمحا�ضرات واللقاءات‪ ،‬بل وحتى‬
‫كان �أثناء تناوله الوجبات تجد المح ّبين متح ّلقين حوله يتحاورون معه‪ ،‬وهكذا كان‬
‫�إلى �آخر الليل وحتى �إذا كان ي�ست�أذننا ليذهب �إلى النوم‪ ،‬كنّا �إذا دخلنا عليه نجده‬
‫�إما يقر�أ �أو يكتب‪ ،‬وكان مرافقوه يقولون لنا � ّإن هذا الذي ترونه �إنما هو �إجازة له‬
‫بالمقارنة بما يقوم به في لبنان‪.‬‬
‫خ�ص�ص يوما للر ّد‬
‫و�أذكر �أنّه في م�ؤتمر من الم�ؤتمرات في الواليات المتحدة ّ‬
‫على الأ�سئلة وجل�س لمدة ثالث �ساعات متوا�صلة ير ُّد فيها على الأ�سئلة‪ ،‬وفج�أة �أنهى‬

‫‪213‬‬

‫‪214‬‬

‫المخ�ص�صة له‪ ،‬وقال �إنه كان يو ّد اال�ستمرار‬
‫الأ�سئلة و�سارعت لأخذه �إلى الغرفة‬
‫ّ‬
‫�إ ّال �أنّه �شعر بانقطاع النف�س من التعب لم يم ّكنه من اال�ستمرار‪ ،‬فقلت له �سيدنا‬
‫�أكثرها �أ�سئلة مكررة يمكنك تجنّبها‪ ،‬فقال لي � ّإن هذا ال�سائل قد يكون قطع مئات‬
‫الكيلومترات فقط لي�س�أل هذا ال�س�ؤال‪ ،‬فلي�س من الإن�صاف �أن ال �أر ّد على �س�ؤاله‪ ،‬وما‬
‫�إن دخل غرفته لي�ستريح ح ّتى �أتى بع�ض الأخوة يطلبون لقاءه وحاولت االعتذار لهم‬
‫ل ّأن �سماحة ال�س ّيد متعب‪ ،‬ولكن �أمام الإلحاح دخلت على �سماحته و�أخبرته ف�سمح لهم‬
‫باللقاء وامت ّد لأكثر من �ساعة‪ .‬وك�أنه في بذله لهذه الجهود يريد �أن يكون م�صداق ًا‬
‫لدعاء كميل الذي كان يقر�أه لنا ب�صوته العذب ال�شجي والذي يحتوي الفقرة «اللهم‬
‫اجعل �أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك مو�صولة»‪.‬‬
‫�أما عن بطولته وجهاده فتعلمون � ّأن بداية انطالقة الفقيد في لبنان تكاد تكون‬
‫متزامنة مع الحرب الأهلية في لبنان‪ ،‬هذه الحرب التي ح ّولت لبنان �إلى غابة من‬
‫الأ�سلحة‪ ،‬القوي فيه يقهر ال�ضعيف‪ ،‬وكانت الظروف الأمنية مت�شنجة‪ ،‬تجعل من‬
‫لي�س لديه �سالح في مهب الريح �أو تجبره على الر�ضوخ والخنوع‪ ،‬ولكن الفقيد البطل‬
‫المجاهد واجه هذه الظروف القا�سية بك ّل قوة و�شجاعة فلم ير�ضخ ولم يخنع بل‬
‫�صمد وتح ّدى‪ ،‬وب�إمكانات ج ّد متوا�ضعة �أ�شبه ما تكون بمن يواجه ذئاب ًا مفتر�سة‬
‫بع�صاه‪ ،‬ولكن ع�صا الفقيد المجاهد كانت كع�صا مو�سى عليه ال�سالم التي التهمت‬
‫ك ّل م�ؤامرات االغتيال �أو الإ�سقاط المتعددة‪.‬‬
‫وكان �أخطر هذه الم�ؤامرات هو االنفجار المرعب في بئر العبد الذي راح �ضحيته‬
‫�أكثر من ثمانين �شهيد ًا‪ .‬كان الإجراء الأمني الطبيعي مقابل هذا االنفجار المرعب‬
‫�أن يتوارى الفقيد عن الأنظار ولو ب�ضعة �أيام وكان ال �أحد يلومه على ذلك‪ ،‬ولكن‬
‫�شجاعة الفقيد �أبت ذلك وح ّبه للنا�س دفعه لموا�ساتهم في م�صابهم‪ ،‬فخرج في ثاني‬
‫يوم االنفجار ليكون في مق ّدمة موكب ت�شييع �شهداء االنفجار‪ ،‬وخطب بالجماهير‬
‫بعد االنتهاء من الت�شييع‪ ،‬و�أول ما �أو�صاهم به هو الوحدة والتما�سك‪ ،‬فلم تقيد هذه‬
‫الم�ؤامرات حرية انطالقه وكان يل ّبي جميع الدعوات من داخل لبنان �أو خارجه‪،‬‬
‫وعندما نتحاور معه في �ضرورة تخفيف ال�سرعة في االنطالق‪ ،‬كان يقول هذا ما‬

‫يريده المت�آمرون و�سوف لن �أعطيهم الفر�صة لذلك‪ ،‬ما �أروعك يا �شبل حيدرة الكرار‬
‫َ�سق ََط ْت عند �أقدامك ك ّل الم�ؤامرات وخ�ضعت‪.‬‬
‫كانت ك ّل هذه الم�ؤامرات ب�سبب موقفه الراف�ض للكيان ال�صهيوني والراف�ض لأن‬
‫يكون لبنان ملعب ًا لعبث الطغيان واال�ستكبار‪ ،‬وقد �سمعتم وقر�أتم في رقدته الأخيرة‬
‫على فرا�ش المر�ض �أجاب من يقوم برعايته عندما �س�أله ماذا يريد؟ قال‪ :‬ال �أريد‬
‫�شيئ ًا �إال زوال الكيان ال�صهيوني‪ .‬دعم المقاومة �ضد هذا الكيان ال�صهيوني المجرم‬
‫بكل ما �أوتي من قوة ولم يغفل عنها طرفة عين‪ ،‬وكما قلت لم ير�ضخ للترهيب كما‬
‫لم ي�ضعف �أمام الترغيب الذي عر�ض عليه بغطاء دعم م�شاريعه الخيرية‪� ،‬أحد هذه‬
‫العرو�ض كانت ثالثة ع�شر مليون دوالر وكان البطل المجاهد يعلم ما يخفي هذا‬
‫العر�ض‪ ،‬فقد كان بمثابة الطعم الذي �ستتبعه ماليين �أخرى لو قبلها‪ ،‬ولكن رف�ضها‬
‫بكل ح�سم‪.‬‬
‫وها هم �أبطال المقاومة وفي مق ّدمتهم �سماحة ال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل يفتخرون‬
‫�أنهم كانوا من تالمذته و�شملهم برعايته‪ ،‬و�أنه كان القدوة لهم في �شجاعته وبطولته‬
‫وتح ّديه وفكره‪ ،‬وقد كان هو �أي�ض ًا يفتخر ويعتز بهم‪ ،‬ودائم ًا ما كان يناديهم ب�أبنائه‬
‫الذين ر ّباهم و�ساندهم‪ ،‬ومنذ بداية الثمانينيات كنّا ن�شهدهم يتوافدون عليه في‬
‫مو�سم الحج و�أ ّولهم كان ال�شهيد ال�س ّيد عبا�س المو�سوي رحمه اهلل‪.‬‬
‫ولم تكن مفاج�أة للعارفين بتاريخ البطل المجاهد مع المقاومة �أن يكون �سكنه‬
‫الخا�ص من �أوائل الأهداف التي ق�صدها الق�صف الإ�سرائيلي الهمجي في حرب‬
‫‪ ،2006‬وكان على الرغم من اعتالل �صحته في تلك الأيام‪ ،‬وك ّلكم �شاهدتموه على‬
‫�شا�شة التلفزيون ينا�صر ويعين المقاومة في وقت ع َّز فيه النا�صر وق َّل المعين‪ ،‬و�أطلق‬
‫على �أبطال المقاومة لقب البدريين لأنّهم وازنوا ميزان القوة في المنطقة بعد �أن كان‬
‫الكيان ال�صهيوني م�ستفرد ًا بق ّوته في المنطقة‪ ،‬كما فعلها الم�سلمون في بدر عندما‬
‫كانت الجاهلية م�ستفردة ب�أر�ض الجزيرة‪.‬‬
‫ووددت‬
‫وكما قلت لكم ي�صعب التك ّلم عن �شخ�صية عظيمة في مثل هذه العجالة‪،‬‬
‫ُ‬
‫لو �أُتيح لي المجال للتكلم عن الم�شاريع الخيرية‪ ،‬ولكن باخت�صار كانت بداية جمعية‬

‫‪215‬‬

‫وتو�سعت �إلى ما‬
‫المبرات الخيرية بت�أ�سي�س مب ّرة الإمام الخوئي ر�ضوان اهلل عليه ّ‬
‫يقارب ثالثين م�سجد ًا ومب ّرات للأيتام وم�ؤ�س�سات تعليمية وت�أهيلية وثقافية‪ .‬في‬
‫�إحدى الزيارات ّ‬
‫اطلعت على بع�ضها‪ ،‬فر�أيتها غاية في د ّقة التنظيم تتبع �أحدث‬
‫الأنظمة الإدارية والتربوية‪ ،‬والمك�سب الذي قد ال يعلمه الكثير �إ�ضافة �إلى الخدمات‬
‫التي تق ّدمها �إلى المجتمع‪ ،‬هي الخبرات الإدارية والتنظيمية التي ت�أهلت في هذه‬
‫الم�ؤ�س�سات‪ ،‬مما يجعلها في م�صاف الم�ؤ�س�سات الدولية في مجالها‪.‬‬
‫وعندما �س�ألت ال�س ّيد الفقيد عن �سبب هذا النجاح قال‪ :‬لم �أتدخل في تفا�صيل‬
‫�أعمالهم و�أعطيتهم حرية الت�ص ّرف واتخاذ القرار �ضمن الإطار المح ّدد لهذه‬
‫الم�ؤ�س�سات واحتفظت بدور المراقب والم�ست�شار‪ ،‬فلو تدخّ لت في التفا�صيل لأ�صبحوا‬
‫علي بدل من �أن يكونوا معينين لي‪ ،‬وهذا يدلّ على عقلية ال�س ّيد الفقيد الإدارية‬
‫عبئ ًا ّ‬
‫الراقية التي تحاكي �أحدث النظريات الإدارية‪ ،‬هلل درك يا �سيدنا العزيز َب َك ْت َك الأيتام‬
‫والأرامل والأُ َ�سر المحتاجة كما بكوا من قبلك ج َّدك �أمير الم�ؤمنين عليه ال�سالم!‬
‫اللهم هذا عبدك الم�سكين قد نزل بك و�أنت خير منزول به‪ ،‬اللهم ال نعلم منه‬
‫�إ ّال خير ًا‪ ،‬ف ُرحماك يا ربي رحماك بهذا ال�س ّيد الجليل‪ ،‬رحماك يا ربي رحماك بهذه‬
‫الآية العظمى‪ ،‬رحماك يا ربي رحماك بهذا الأ�ستاذ الخبير‪ ،‬رحماك يا ربي رحماك‬
‫بهذا البطل المجاهد‪ ،‬رحماك يا ربي رحماك بهذا الإن�سان المحب‪ ،‬رحماك يا ربي‬
‫رحماك بهذا المظلوم المقهور‪.‬‬
‫ويا �سيدنا ح�سبي فيك قول ال�شاعر في عمك الإمام الح�سين (ع)‪:‬‬
‫ل���ك���نَّ���م���ا ع���ي���ن���ي لأج�����ل�����ك ب��اك��ي��ة‬
‫ت��ب��ك��ي��ك ع��ي��ن��ي ال لأج������ل مثوبة‬

‫}�إنا هلل و�إنا �إليه راجعون{‬
‫الوطن (الكويت) ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫‪216‬‬

‫* كاتب من الكويت‪.‬‬

‫�سالم عليك في ا�ستثنائ ّيتك‬
‫جعفر الجمري*‬

‫�سال ٌم عليك في رفاهية عالم لم تذق الي�سير منه و�أنت في‬
‫دنيانا‪.‬‬
‫كثير ًا ما تحرمك ال�صدمة من مجال حيوي للر�ؤية‪ .‬ر�ؤية ما بعدها‪ ،‬عدا تفا�صيل‬
‫مو�ضوعها في الراهن‪ ...‬الآني من اللحظة‪.‬‬
‫�أتجنّب النعي؛ لأن الحياة في تفا�صيلها‪ ...‬ك ّل حركتها‪� ...‬صخبها‪ ...‬انفالتها‪...‬‬
‫ح�سنها‪ ،‬نعي متوا�صل‪ .‬نعي للجميل الذي �سيرحل‪ ،‬والباهر‬
‫رفاهيتها‪� ...‬سوئها‪ْ ...‬‬
‫والفتي الذي �سي�شيخ ويهرم ويحت�ضر‪ .‬نعي لأخالقنا‪�« ...‬أخالق‬
‫الذي �سيذوي‪،‬‬
‫ِّ‬
‫الزحمة» و�أخالق الفراغ‪.‬‬
‫مادامت الحياة م�ؤ ّقتة‪ ،‬يظل القب�ض والتم�سك باال�ستثنائي من المواقف والرجال‬
‫والأفكار والقيم التي ولَّدتها هذه الحياة‪ ،‬هو الآخر عر�ضة للغفلة والمزاج‪ ،‬و�أحيان ًا‬
‫الم�ؤقت في الحكم القيمي‪.‬‬
‫رحيل �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ر�ضوان اهلل تعالى عليه‪،‬‬
‫وي�صب في اتجاه تجنبك‬
‫ي�صب في اتجاه حرمانك من المجال الحيوي في الر�ؤية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫للنعي؛ ل ّأن رحيله يختزل حركية وا�ستجواب ًا و�إعادة قراءة لبع�ض موروث ظل قا َّر ًا‬
‫را�سخ ًا وغير قابل لال�ستجواب؛ فيما ُيقدم هو ها َّز ًا مفا�صل بع�ض ذلك الموروث‪،‬‬
‫مخلخ ًال لجوانب البدع والخرافات والتز ُّمت و�ضيق الأفق فيه‪ .‬ال �أح�سبه محاولة‬
‫جريئة �أولى في تاريخ الدائرة المذهبية التي ينتمي �إليها ال�س ّيد ف�ضل اهلل فح�سب‬

‫‪217‬‬

‫بما ج ّره عليه من لغط وتكفير وت�سفيه وتجنٍ �ضمن الدائرة ذاتها‪ ،‬بل في الدوائر‬
‫المذهبية الإ�سالمية ج ّلها؛ ل ّأن بع�ضها ُ�صدم ب�أطروحاته ف�صمت تحفّظ ًا‪ ،‬والآخر‬
‫ا�ستثمرها لتعزيز �أطروحاته في تكفير الدائرة المذهبية التي ينتمي �إليها ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫فيما طرف ثالث اكتفى بال�صمت �أم ًال في �أن ينق�ض ال�س ّيد �أركان ما ينتمي �إليه!!!‬
‫وطرف رابع لم ُيخْ ِف �إعجابه بجر�أة الرجل‪ ،‬ولكن دائرته ت َُحول دون الت�صريح بذلك‬
‫الإعجاب؛ ليذهب طرف خام�س في اتجاه �إن�صاف الرجل‪ ،‬و�إن كان من خارج دائرته‬
‫المذهبية‪ ،‬قراءة وتحلي ًال وتفكيك ًا لإنجاز الراحل المعرفي من جهة‪ ،‬ومواقفه على‬
‫�أكثر من م�ستوى يتجاوز الدائرة الإ�سالمية ليحت�ضن الدائرة الإن�سانية بعناوينها‬
‫وم�ضامينها العري�ضة والمفتوحة‪ ،‬فيما طرف �ساد�س �ضمن الدائرة ذاتها اكتفى‬
‫بالفرجة حين ًا‪ ،‬والتحفّظ حين ًا �آخر‪ ،‬وا�ستدعاء التقية في دوائر بحثية وعلمية‬
‫ومرجعية وحوزوية حين ًا ثالث ًا!!!‬
‫وج�سدها فكر ًا‬
‫لكن ُيح�سب ل�سماحته �أنّه �أطلق عنوان «الحقيقة بنت الحوار» ّ‬
‫وعم ًال‪ .‬رحل مثخن ًا بطعنات من بني قومه قبل طعنات الذين يختلفون معه من‬
‫خارج دائرته المذهبية من ِق َبلِ �أرباع و�أثالث و�أن�صاف الخطباء‪ ،‬بل تع ّدى الأمر‬
‫ذلك ليطاله الثخن من بع�ض راديكاليي المراجع الذين لم يوفّروا فر�صة عبر مواقع‬
‫ال�شبكة العنكبوتية‪� ،‬أو عبر وكالئهم للنيل منه وت�سقيط دوره وت�سخيف ح�ضوره‬
‫والطعن في مرجعيته‪.‬‬
‫ث ّمة وفرة في ال�صدمات في عالمنا‪ .‬عالمنا الذي ُن�سج على الر�أي الواحد والطيف‬
‫الواحد واللون الواحد وال�صوت الواحد والتفا�صيل التي يراد لها �أن تكون ن�سخة‬
‫كربونية عما َور َِي وم�ضى‪.‬‬
‫�سالم َ‬
‫عليك في رفاهية عالم لم تذق الي�سير منه و�أنت في دنيانا‪ .‬دنيا تُجهِ ز على‬
‫ك ّل ا�ستثنائي!‬
‫الو�سط (البحرين) ‪ 18‬تموز ‪2010‬‬

‫‪218‬‬

‫* �شاعر وكاتب من البحرين‪.‬‬

‫ذلكم ف�ضل اهلل‬
‫ال�شيخ ماجد الماجد*‬

‫ناف�س عظماء العلماء في قالع الحوزة‪ ،‬وفاق المناف�سين‬
‫من �أقرانه‪.‬‬
‫المرجع الذي بنى مرجعيته خارج �أ�سوار ِقالع الحوزات العلمية‪ ،‬فلم يحمه كبار‬
‫القوم حين تع ّر�ض لهجمات متع ّددة‪ ،‬فبنى لنف�سه قلعة في ف�ضاءات العالم الإ�سالمي‬
‫والعربي‪ ،‬وعا�ش معزز ًا بين الطوائف و�أهل الأديان حين هاجمه المتدينون‪.‬‬
‫�سابق الزمن بطرح ما �آمن به من فكر متح ّرك فاعل‪ ،‬فقبله الجميع مف ِّكر ًا‬
‫و�صاحب ر�ؤية ومنهج‪ ،‬فملأ الكون ب�شخ�صه و�شخ�صيته واقتنى ُك ُت َبه � ُ‬
‫أهل الحقبة‬
‫في ال�سبعينيات والثمانينيات‪ ،‬وكانت ت ُم ّثل ع ّز قوة ال�س ّيد ف�ضل اهلل وذروة االلتفاف‬
‫الجماهيري حوله‪ ،‬وع�ضد ذلك حالة ال�صعود المتعالي النت�صارات باهرة على �أر�ض‬
‫لبنان‪ ،‬فزادت من بريقه وع�شقه الكثير فجاوز الحدود في ت�ألقه‪.‬‬
‫بنى مرجعيته بعيد ًا عن المثول لتراتبية الدور المرجعي‪ ،‬ف�صنع لنف�سه ح�صن ًا‬
‫التف حوله ال�شبان من الجن�سين‪ ،‬بما ملكهم بمالكاته الفقهية فالحقته‬
‫اجتهادي ًا ّ‬
‫فتاوى الت�شهير‪ ،‬ولكنّه ا�شتهر بين الجميع بما �أ�صبح المرجع الفتي في فتاواه‪ ،‬فنال‬
‫�شهرة كبيرة‪ ،‬ناف�س عظماء العلماء في قالع الحوزة‪ ،‬وفاق المناف�سين من �أقرانه‪،‬‬
‫�إنّه النموذج المتج ّدد لمنهجية النجف المتحركة في بع�ض رجالها‪.‬‬
‫فال�سيد ف�ضل اهلل بنى مرجعيته بر�ؤية ت�سابق زمانها وتتالءم مع روح الع�صر‬
‫الذي يعي�شه‪ ،‬فكان رائد فكرة الحراك الثقافي من خالل َج ْعلِ تموجات �أفكاره‪،‬‬

‫‪219‬‬

‫في بناء نه�ضة فكرية تغذّى على مائدتها �أبناء جيلنا‪ ،‬مت�سابقين �إلى اال�ستفادة من‬
‫�أطروحاته التربوية‪ ،‬التي �أ�س�ست فيما بعد �إلى ا�ستنها�ض الواقع ال�سيا�سي لحراك‬
‫جيل الحرية في لبنان والعالم الإ�سالمي‪ ،‬وخرج الراحل من ربقة الأفكار التقليدية‬
‫فتم ّوجت �أفكاره في المحيط العربي‪ ،‬وتعالى على المذهبية والفئوية حين ت�صارع مع‬
‫�أفكار م�ؤدلجة في واقعنا ال�شيعي‪ ،‬فعام في �سبحات الطوائف و�أهل الفكر من جميع‬
‫المدار�س الفكرية‪ ،‬ف�أ�صبح ال�شخ�صية المقبولة من جميع �أهل الأديان والأفكار‪.‬‬
‫� ّإن �شمولية الأفكار التي تَم ّثلها �سماحة ال�س ّيد رحمة اهلل عليه نابعة من الر�ؤية‬
‫القر�آنية ال�شاملة التي ا�ستلهمها وجمعها تف�سيره (من وحي القر�آن)‪ ،‬فقد ر�أى الكون‬
‫والحياة والإن�سان من خالل النظرة الإلهية التي ت�ستوعب الوجود ك ّله‪ ،‬وهذا �ش�أن‬
‫مرجع انفتح على القر�آن‬
‫ك ّل فقيه يبد�أ فقهه وعرفانه من خالل كتاب اهلل‪ ،‬فك ّل‬
‫ٍ‬
‫تف�سير ًا ر�أيناه منفتح ًا على �أ�سرار الواقع وفل�سفة الحياة �أكثر من غيره‪ ،‬فال�سيد‬
‫الراحل ي�ش ّكل نموذج ًا مرجعي ًا في مدر�سة الفقه الإمامي‪ ،‬فلم ي�ض ّره ابتعاد البع�ض‬
‫عنه في عالم الفئوية فيخرج ق�سر ًا �إلى رحاب المجموع‪ ،‬فملأ الحراك الإ�سالمي‪،‬‬
‫حراك ًا ا�ستنه�ض الخاليا النائمة بهجوم عقيم على �شخ�صه وفكره‪ ،‬فا�ستفاقت الهمم‬
‫المتع ّددة مدافعة عن نوامي�س االنفتاح التي ولجها �سماحة ال�س ّيد في قلوب الماليين‬
‫من النا�س‪ ،‬ب�إطالالته على ف�ضائيات العالم لين�شر �أفكار الر�شد الإمامي التي يتم ّثلها‪،‬‬
‫بما ب َّين عظمة الأفكار التنويرية التي خدمت الواقع الديني بمرجعيته العربية في‬
‫طالقة ل�سانه وقوة بيانه‪ ،‬وليف ِّند ويدح�ض ك ّل مقوالت ال�ضمور من خالل تبنّيه لمنهج‬
‫ي�ستوعب الجميع‪ ،‬و�إن ع ّد البع�ض له �إخفاقات مختلف فيها وعليها‪ ،‬لكنّنا نحفظ‬
‫للراحل ال�س ّيد �شجاعته في طرح الر�ؤية و�صالبة الموقف وقوة الداللة والبيان‪.‬‬
‫و�أخيرا‪ّ � :‬إن غياب ال�س ّيد ف�ضل اهلل يمثل ثلمة ي�صعب على عالمنا الحا�ضر‬
‫ترميمها‪.‬‬
‫الأيام (البحرين) ‪ 11‬تموز ‪2010‬‬

‫‪220‬‬

‫* كاتب من �سلطنة عمان‪.‬‬

‫�إنّه ف�ضل اهلل‬
‫عبا�س المو�سى*‬

‫رف�ض الخرافات والخزعبالت‪ ،‬لم تهزه �أفكار الراف�ضين‪،‬‬
‫وال قلوب الحاقدين‪.‬‬
‫�إنّه ف�ضل اهلل‪...‬‬
‫ولطف من اهلل‪...‬‬
‫و�آية من �آيات اهلل‪...‬‬
‫�إنه العا ِلم العامل‪...‬‬
‫والمجاهد ال�صبور‪...‬‬
‫ال ت�أخذه في اهلل لومة الئم‪...‬‬
‫وهو في دين اهلل مقاوم‪...‬‬
‫�صورة الحقّ في �أر�ضه‪...‬‬
‫و�أخالق القر�آن في كتابه‪...‬‬
‫وتقوى اهلل في علمه‪....‬‬
‫عنوان الإيمان‪ ،‬و�صدق البيان‪ ،‬وم�صداق قول الرحمن }رِ َج ٌال �صَ َد ُقوا َما َعا َه ُدوا‬
‫اللهََّ َع َل ْي ِه{(الأحزاب‪)٢٣ :‬‬
‫الجدي‪ ،‬وثمرتها اليانعة‪ ،‬وبركتها‬
‫�إنّه رجل الوحدة‪ ،‬وم�صداقها الفعلي‪ ،‬وعنوانها‬
‫ّ‬
‫الثابتة‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫�إنّه بيان العلم‪ ،‬وم�صداق الحلم‪ ،‬ونبرا�س الكلم‪ ،‬هو �إمام الم ّتقين و�سيد ال�صالحين‬
‫وبذرة المع�صومين الطاهرين‪.‬‬
‫فريد في علمه وفكره ون�شاطه‪ ،‬فريد في دفاعه عن الحقّ والت�سامح والتعاي�ش‬
‫ح ّتى مع الأقربين الراف�ضين له‪ ،‬فريد في دفاعه عن المقاومة‪.‬‬
‫�إنه �صوت الحق‪ ،‬و�صوت التجديد‪ ،‬و�صوت الفكر الجريء‪.‬‬
‫دافع عن الدين الإ�سالمي‪ ،‬ورف�ض الخرافات والخزعبالت‪ ،‬وعانى �أ�شد العناء‬
‫من معانديه وراف�ضيه‪ ،‬لم تهزّه �أفكار الراف�ضين وال �أل�سنة المتطرفين‪ ،‬وال قلوب‬
‫الحاقدين‪.‬‬
‫�إنه العالم والمرجع والمف ّكر الديني‪ ،‬وال�سيا�سي‪ ،‬واالجتماعي‪ ،‬واالقت�صادي‪..‬‬
‫والأديب الكبير والعالم الجليل �سليل العترة الطاهرة �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل ط ّيب اهلل روحه وق ّد�س �س ّره وح�شره مع �أجداده من �أهل بيته‬
‫المع�صومين‪ ،‬وجعله و�إياهم �شفيع ًا لنا يوم الورد المورود‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫* كاتب �سعودي‪.‬‬

‫ف�ضل اهلل منا �ســــالم ًا‬
‫عمار كاظم*‬

‫قط ذاتي ًا ّ‬
‫ولم يكن يوم ًا ُّ‬
‫يفكر بنف�سه‪ ..‬فكان الإن�سانَ‬
‫الورع‬
‫َ‬
‫الروحاني الذي ّ‬
‫تذكرك باهلل ر�ؤي ُته‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل المدر�سة الفكرية الح�ضارية الواعية الفريدة‬
‫عرفناه وعاي�شناه وتر َّب ْينا على يديه الكريمتين قرابة ‪� 30‬سنة‪ ،‬فوجدناه العالم‬
‫الفا�ضل والفقيه البارع والمف ّكر الكبير‪ ،‬فهو رجل مجاهد ال يخاف في اهلل لومة الئم‪،‬‬
‫�أخذ ي�صارع اال�ستكبار العالمي والعدو ال�صهيوني ح ّتى �آخر لحظة في حياته‪ .‬ال�س ّيد‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل رجل الحوار‪ ،‬فتح الباب على م�صراعيه بفكره الحواري‬
‫و�أطروحاته الكثيرة‪ ،‬عمل جاهد ًا في الحوار الإ�سالمي الم�سيحي انطالق ًا من الآية‬
‫الكريمة } ُق ْل يَا �أَ ْه َل ا ْل ِكتَ ِاب تَ َعالَ ْو ْا �إِلَى َك َل َم ٍة �سَ وَاء بَ ْينَنَا َوبَ ْينَ ُك ْم �أَ َّال نَ ْعبُ َد ِ�إ َّال هّاللَ‬
‫َو َال نُ�شْ رِ َك ِب ِه �شَ ْيئ ًا َو َال يَ َّت ِخ َذ بَ ْع�ضُ نَا بَ ْع�ض ًا �أَ ْربَاب ًا ِّمن ُد ِون هّ ِ‬
‫الل‪�({..‬آل عمران‪)64 :‬‬
‫في�شير �سماحته �إلى الق�ضية الم�شتركة التي يلتقي فيها الم�سلمون والم�سيحيون في‬
‫ك ّل ال�ساحات وهي الكلمة ال�سواء في التوحيد ورف�ض ال�شرك ووحدة الإن�سانية ورف�ض‬
‫اال�ستكبار واال�ستعباد الإن�ساني‪ ،‬و� ّإن من �إيجابيات الحوار ك�سر الجمود الفكري‬
‫والروحي والثقافي‪.‬‬
‫علي‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �أبو الأرامل والأيتام عا�ش حياته مقتدي ًا ِّ‬
‫بجده ّ‬
‫�أمير الم�ؤمنين برعاية الأيتام من خالل م�ؤ�س�ساته المباركة في لبنان‪ ،‬فكان حر�صه‬

‫‪223‬‬

‫‪224‬‬

‫ال�شديد على رعايته لهم‪ ،‬وكان يقول � ّإن الأيتام جزء �أ�سا�س من هذا المجتمع و� ّإن‬
‫اليتيم �أمانة اهلل في المجتمع‪ .‬ولع ّل الو�صية التي �أطلقها الإمام علي عليه ال�سالم‬
‫�أ ّكدت ذلك «اهلل اهلل في الأيتام فال تغ ّبوا �أفواههم وال ي�ضيعوا بح�ضرتكم» وكذلك‬
‫على �ضرورة احت�ضان الأيتام ورعايتهم وحمايتهم وت�أهيلهم اجتماعي ًا وتربوي ًا‬
‫واقت�صادي ًا لي�صبح اليتيم �شخ�ص ًا طبيعي ًا في المجتمع يعطي المجتمع وي�أخذ منه‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل رجل الفكر والثقافة الواعية كتب و�أ ّلف و�أعطى‬
‫من وقته الكثير لإي�صال هذه الثقافة �إلى الأمة الإ�سالمية وبنائها من خالل �صناعة‬
‫ال�شخ�صية الإيمانية التي تقوم على �أ�سا�س الحوار واالنفتاح على الآخر‪� ،‬إلى الحرية‬
‫في مواجهة التخ ّلف واال�ستعمار‪� ،‬إلى الحوار في القر�آن الكريم ودوره في �صياغة‬
‫ال�شخ�صية الإ�سالمية ‪ ،‬والتركيز على ال ُبعد العقائدي الركن الأ�سا�س في بناء‬
‫ال�شخ�صية‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ذو القلب الكبير الحنون ذو الخُ ُلق الرفيع مت� ّأ�سي ًا‬
‫بج ّده ر�سول اهلل ‪P‬وانطالق ًا من الحديث ال�شريف عندما قال رجل لر�سول اهلل ‪P‬‬
‫�أحب �أن �أكون خير النا�س‪ ،‬قال‪« :P‬خير النا�س من ينفع النا�س»‪ ،‬فانطلق �سماحته‬
‫بك ّل ما يملك من طاقات من علم وقوة ومال وجاه ليبذلها لك ّل النا�س الذين يحتاجون‬
‫لتلك الطاقات‪ ،‬ولم يكن يوم ًا ّ‬
‫قط ذاتي ًا يف ّكر بنف�سه‪ ،‬فكان الإن�سان الورع الروحاني‬
‫الذي تُذ ِّك ُرك باهلل ر�ؤيتُه والذي �إذا تح ّدث ف�إن حديثه يزيد في العلم والثقافة‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل المف ّكر الإ�سالمي الح�ضاري المنفتح‪ ،‬راعي‬
‫الوحدة الإ�سالمية فقد تح ّدث كثير ًا في هموم النا�س وق�ضايا الوحدة الإ�سالمية‬
‫والحواجز التي تع ّمق التوا�صل بين الم�سلمين و�أ ّكد في محا�ضرة له �أمام وفد من‬
‫مجمع التقريب بين المذاهب‪ّ � ،‬أن على الم�سلمين ال�سنة وال�شيعة تثقيف القاعدة‬
‫ال�شعبية بثقافة الوحدة محذّر ًا من الدور الذي يقوم به اال�ستكبار العالمي ل�ضرب‬
‫الوحدة بين الم�سلمين من خالل �إثارة الفتنة بين ال�سنة وال�شيعة‪.‬‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل الذي ع ّمق عالقته بر ِّبه تعالى وانفتح عليه بالدعاء‬
‫نتاج ذلك كتا ُبه‬
‫و� ّأجج في داخله م�شاعر الحب والتفاني والذوبان في اهلل تعالى‪ ،‬فكان َ‬

‫الق ّيم «�آفاق الروح» في �شرح �أدعية ال�صحيفة ال�سجادية‪ ،‬في�صف معنى العبادة عند‬
‫الزهراء‪O‬بقوله‪�«:‬إننا نجد فيها القوة والجهد واالنفتاح على اهلل �سبحانه‪ ،‬فقد‬
‫كانت تعي معنى القرب من اهلل وقيمة الت�ض ّرع بين يديه والبكاء من خ�شيته»‪ ،‬فكان‬
‫يحث الإن�سان �أن يعي�ش َ‬
‫اهلل في قلبه وعقله ال عبادة مغلقة ال وعي فيها وال روح‪.‬‬
‫ُّ‬
‫رحمك اهلل يا �صاحب القلب الكبير وح�شرك اهلل تعالى مع جدك �أمير الم�ؤمنين‬
‫بمظلوميتك يا �سيدنا يا �أبا علي‪.‬‬
‫الدار (الكويت) ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* كاتب من الكويت‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫�أعزّي الحياة بفقد الإن�سان ال�س ّيد ف�ضل اهلل‬
‫يو�سف النمر*‬

‫كان ف�ضل اهلل مفعم ًا بف�ضل اهلل‪ ،‬بحيث ُتدرِك عظمة اهلل‬
‫�سبحانه وتعالى عندما ت�شرع في لملمة �أطراف �شخ�صيته‬
‫الممتدة الظالل على �أ�شجار مثمرة‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫ليتج�سد في‬
‫هو الإن�سان‪ ،‬والإن�سان هو الو�صف الذي يمكنه �أن ينفتح بك ّل �أبعاده‬
‫ّ‬
‫�شخ�صية ال�س ّيد الفقيد �آية اهلل العظمى محمد ح�سين ف�ضل اهلل ليكون منا�سب ًا لهذا‬
‫المقام‪ ،‬و�إنني حينما �أقول «الفقيد» ف�إنني �أعزّي في َفقْد رجل كان ي�شعر �أنّه م�س�ؤول‬
‫عن الحياة ك ّلها في ِّ‬
‫كل طاقاته‪.‬‬
‫لذلك ف�إنّني �أعزّي الحياة‪� ،‬أعزّيها ل ّأن جذوة متوهجة ف ّيا�ضة بال�ضياء قد ذهبت‬
‫�إلى الأعالي‪ ،‬في ميعاد مع اهلل‪ ،‬حيث كانت تتط ّلع تلك الجذوة‪ ،‬فهي و�إن ابتعدت عن‬
‫عالمنا المادي والتقليدي‪ ،‬ف�إنّها متجذّرة في الأرواح التي �ستظ ّل تقتطف من ر ّيان‬
‫عناقيدها ما بقيت �إ�شراقات ال�شم�س‪.‬‬
‫كان ف�ضل اهلل مفعم ًا بف�ضل اهلل‪ ،‬بحيث تدرك عظمة اهلل �سبحانه وتعالى عندما‬
‫ت�شرع في لملمة �أطراف �شخ�ص ّيته الممت ّدة الظالل على �أ�شجار مثمرة‪ ،‬فقد كان في‬
‫فكره رافد ًا للنا�س فيما يحتاجون‪ ،‬مح ّلق ًا في �سمائه بجناحي العلم والعمل‪ ،‬فكانت‬
‫مدر�سته مدر�سة االنفتاح على الحياة ك ّلها من خالل الم�شروع الفكري المفعم بالعمل‪،‬‬
‫يج�سد بذلك �أعظم م�صداق لل�صدق وللإ�سالم الذي لي�س لقلقة ل�سان ولي�س‬
‫وكان ّ‬
‫همجية رعناء‪ ،‬و�إنما هو المحبة للكائنات ك ّلها‪.‬‬
‫المحبة التي ت�شرح �صدرك عندما تتكامل مع مجتمعك وتُعين �أفراده على ّ‬
‫تخطي‬
‫عثرات بع�ضهم البع�ض‪ ،‬والمحبة التي ت�صل بك �إلى وعي ال ي�سمح لك بال�سكوت‬

‫عن ق�سوة المحتل‪ ،‬فتقاومه وتبذر في �صدره الر�صا�ص‪ ،‬لتح�صد منه خوف ًا ال ي�سمح‬
‫له بالتع ّدي على � ِّأي مفردة من مفردات الحياة الهانئة‪ ،‬المفعمة ب�سنابل البركة‬
‫الربانية‪.‬‬
‫ولم يكن الفقيد الكبير محدود ًا في �إطار ديني �أو مذهبي �أو �سيا�سي‪ ،‬و�إنما كان‬
‫قلب ًا ناب�ض ًا في ج�سد التعاي�ش‪ ،‬ومنه تتدفق روح المواءمة على ال�صعد المتع ّددة‪،‬‬
‫فف�ضل اهلل الذي تقاطر من �سحابة الإ�سالم على الأر�ض‪ ،‬كان يتدفق في �أبعاد‬
‫الإن�سانية ك ّلها‪.‬‬
‫لذلك ال �أجد و�صف ًا �أ�ستطيع به �أن �أ�صف هذا الم�صاب �إال قولي‪� :‬إنّني �أعزي‬
‫الحياة بفقدها الإن�سان ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫�شبكة را�صد الإخبارية ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫* كاتب �سعودي‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫االعتدال خير ك ّله‬
‫عائ�شة �سلطان*‬

‫بكاه ماليين النا�س‪ ،‬من كان معه ومن لم يكن‪ ،‬فمن لم‬
‫ي ّتفق معه احترمه ومن كان على نهجه افتقده بحرقة‪.‬‬

‫‪228‬‬

‫ال م�شكلة وال اعترا�ض على الخالف �أو االختالف‪ ،‬فهناك حديث من�سوب للر�سول‬
‫ين�ص على �أن «اختالف �أُ ّمتي رحمة»‪ ،‬واالختالف‬
‫عليه ال�سالم نتناقله نحن الم�سلمين‪ّ ،‬‬
‫المق�صود في الحديث يدور حول االجتهادات الواردة في ما يتع ّلق بتف�سير كثير من‬
‫الأحكام الواردة في الدين‪ ،‬وهي اختالفات في �أمور ال تتعلق ب�أ�صول الدين‪ ،‬والعقيدة‬
‫�أو قواعد ال�شرع وال�شريعة‪ ،‬مثل االختالفات الواردة في المذاهب الأربعة مث ًال‪ ،‬حيث‬
‫يرى الإمام مالك ر�أي ًا في تف�سيره لبع�ض الأمور الدينية قد ال يوافقه عليها الإمام‬
‫�أحمد بن حنبل‪ ،‬وكال الإمامين على حق‪ ،‬وقد اعتمدا في اجتهاداتهما وقيا�سهما‬
‫على قواعد و�أ�صول دينية را�سخة بال �شك‪ ،‬االختالف رحمة ل ّأن ما يمكن لم�سلم �أن‬
‫يقوم به قد ي�شق على م�سلم �آخر‪� ،‬شرط �أن ال يتع ّلق الأمر ب�أ�صول العقيدة ومقا�صد‬
‫ال�شريعة‪.‬‬
‫لكن االختالف ال يجوز �أن يقودنا لحروب خفية‪ ،‬حروب فتاوى وقوانين غاية في‬
‫الغرابة وال�صعوبة‪ ،‬ف�إذا اختلف النا�س على �أمر مث ًال لماذا يلج�أ البع�ض �إلى الت�شديد‬
‫دائم ًا‪ ،‬ثم ُيمعن في الت�ضييق بحجة � ّأن هذا ما ورد عن ال�سلف وما فعله فالن وفالن‬
‫من الأئمة وال�صالحين؟ لماذا ال ن�أخذ ب�أي�سر و�أ�سهل الآراء ِم�صداق ًا لدعوة الر�سول‬

‫يوجه �صحابته بالتي�سير على النا�س قائ ًال‪� :‬إنما ُبعثتم‬
‫العظيم الذي كان دائم ًا ما ّ‬
‫ُ�شن حمالت وحروب‬
‫مع�سرين؟ لماذا الإ�صرار على الت�ضييق؟ ولماذا ت ّ‬
‫مي�سرين ال ِّ‬
‫ِّ‬
‫�صح التعبير على �أهل التي�سير واالعتدال بحجة �أنّهم مت�ساهلون في �أمر‬
‫ا�ستنزاف �إن ّ‬
‫الدين وب�أنّهم ي�أخذون ب�آراء م�شكوك في �صحتها وب�أنهم‪ ...‬؟!‬
‫مثلما �أن اختالف الأمة رحمة لأنّه يتيح ويبيح للم�سلم �أن يختار بين عدة �آراء‬
‫ك ّلها ال تخ ُّل بقواعد الدين و�أ�صوله لكنّها تبيح التخفيف على الم�سلم بح�سب قدراته‬
‫و�إمكانياته وعزمه‪ ،‬على قدر �أهل العزم ت�أتي العزائم‪ ،‬وهناك م�ؤمن قوي وم�ؤمن‬
‫�ضعيف بن�ص الحديث‪ ،‬وبالت�أكيد ف� ّإن الم�ؤمن القوي �أف�ضل‪ ،‬لكن على الكثيرين في‬
‫�أيامنا هذه �أن يفطنوا �إلى قاعدة التي�سير كما يحملون لواء الت�شديد والتع�صب‪ ،‬ف� ّإن‬
‫التوجه قد قاد غيرنا �إلى ما ال تحمد عقباه للأ�سف!‬
‫هذا ّ‬
‫منذ ثالثة �أيام غ ّيب الموت ال�شيخ محمد ح�سين ف�ضل اهلل في لبنان‪ ،‬وهو من‬
‫رجال الدين المعروفين باعتدالهم وت�سامحهم‪ ،‬واختالفهم مع الم�ؤ�س�سة الدينية‬
‫ال�شيعية في كثير من ر�ؤاها واجتهاداتها‪ ،‬ح ّتى � ّأن خالف ًا كبير ًا كان بين الرجل وهذه‬
‫الم�ؤ�س�سة ب�سبب نهج االعتدال الذي كان ينتهجه وظل ينتهجه طيلة حياته‪ ،‬دون �أن‬
‫يتزحزح عن موقفه �أبد ًا‪ ،‬ما يذ ّكرنا ب�شيخنا الجليل محمد الغزالي في م�صر وال�شيخ‬
‫ال�شعراوي‪ ،‬وغيرهما ممن رفعوا لواء التف ّهم واالعتدال فجمعوا على دين الإ�سالم‬
‫ماليين القلوب‪ ،‬لأن اهلل يجمع بالت�سامح ما ال يحقّقه العنف والت�ش ّدد الذي ال يقود‬
‫�إال للأحقاد وال�صراعات والمعارك العبثية!!‬
‫حين توفي العلاّ مة ح�سين ف�ضل اهلل م�شى في جنازته وبكاه ماليين النا�س‪،‬‬
‫من كان معه ومن لم يكن‪ ،‬فمن لم ي ّتفق معه احترمه ومن كان على نهجه افتقده‬
‫بحرقة لأن المعتدلين في زماننا قليلون جد ًا وال ُيع ّو�ضون‪ ،‬مع � ّأن االعتدال خي ٌر ك ّله‬
‫لو يعلمون‪.‬‬
‫االتحاد (الإمارات) ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬
‫* كاتبة من الإمارات‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫ُ‬
‫الحب ور�سول ال�سالم‬
‫الإمام ف�ضل اهلل‬
‫داعية ِّ‬
‫ال�شيخ ح�سين �أحمد �شحادة *‬

‫�سال ٌم �إليك من وطن البدريين في ّ‬
‫تنو َرت‬
‫كل بندقية ّ‬
‫ب�سنبالت الجنوب وانحنت مثل ال�ضوء وزيتون ال�سالم‬
‫الأخ�ضر‪..‬‬

‫‪230‬‬

‫حيثما ح ّلت عمامته ر�أيت محراب ًا ينادي لدعاء الوحدة و�صالة التوحيد‪ ،‬وقد ب�سط‬
‫�شعلة روحه لإنها�ض الأمة من �ضعفها وتب�صرة العلماء بر�سالة �أن يب ِّلغوا ر�ساالتهم وال‬
‫يخ�شون �إال اهلل وو�سيلته في ذلك تنوير الكلمة الإ�سالمية بتجديد منهاجها في دنيا‬
‫العمل والدعوة �إلى �سبيل اهلل بالتي هي �أح�سن‪.‬‬
‫كذلك عرفته جهير ًا بفقه النقد لم�شهورات من الفقه لم تثبت عنده‪ .‬وهو دائم‬
‫التفكير‪ ،‬دائم المناداة ب�إ�صالح الم�ؤ�س�سات الدينية ب�أجود و�أن�سب ما يرجو لها من‬
‫�إ�صالح منذ كان يافع ًا ب�سعة عقله و�صحة �إر�شاده في النجف الأ�شرف‪ ,‬فكان له في‬
‫مجلة الأ�ضواء منبر‪ ،‬وكان له في ‪-‬جماعة العلماء‪ -‬في العراق رباط واحد لم تره‬
‫ال�صحوة الإ�سالمية منذ �أيام ال�س ّيد جمال الدين الأفغاني وال�شيخ محمد عبده‬
‫فات�صل بها التاريخ على وحدة الغر�ض من ر�سالة الأزهر في م�صر ور�سالة النجف‬
‫في العراق‪..‬‏‬
‫ات�صلت به و�أنا فتى في بيروت �أواخر ال�ستينيات من القرن الما�ضي كما ات�صلت‬
‫ُ‬
‫به ثلة من طالب المعرفة فتع ّلمنا من حوزته الأولى علم الفقه و�أ�صوله وا�ستفدنا من‬
‫ب�صره دافع ًا لإجادة القلم والدرو�س‪ ،‬فكان يهذب الخُ ُلق فينا قبل �أن يربي العقل‪,‬‬

‫كيما تزهر غر�ساته الطيبة في مقام المواءمة بين الدين والأخالق‪.‬‬
‫وكانت بيروت في �أول عهده بها هائجة مائجة ب�أخبار نك�سة العرب عام ‪,1967‬‬
‫وكان مدرك ًا لخطر �أن تُن�سب هذه النكبة ل�شعوب الأمة وذاكرتها الدينية ولهذا كتب‬
‫عن فل�سفة القوة وخطوات على طريق الإ�سالم لبثِّ روح المقاومة و�إعداد جيل من‬
‫الآباء والأبناء وتولى رعايتهم و�س ّماهم‪� -‬أ�سرة الت�آخي‪ -‬فيما اتجه �إلى جبل عامل‬
‫والبقاع ليبذر فيها مع ثلة من رفاقه بذور الوعي الجديد بالنهو�ض الإ�سالمي في‬
‫لبنان ولع ّل هذا هو ال�سبب في �أن يقال عنه ب�أنه الوالد الروحي والمر�شد الأعلى‬
‫ل�شبان المقاومة في لبنان والعراق في اال�سم والمعنى �سماحة الإمام ال�س ّيد محمد‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‏‬
‫كذلك يعتبر الإمام ف�ضل اهلل وما يرتبط با�سمه من م�ؤ�س�سات اجتماعية‬
‫وم�شروعات ثقافية‪ ،‬ودينية مدر�سة متكاملة في م�ضمار ق�ضايانا الإ�سالمية الكبرى‬
‫في الوحدة والتجديد والحوار‪.‬‏‬
‫ولع ّل �أبلغ در�س تع ّلمته من درو�سه ال�صباحية هو در�س الأخالق و�إنماء المعرفة‬
‫ بالدين‪ -‬على قيمها وخ�صالها‪ ،‬وعنده � ّأن خطر ‪-‬الفراغ الديني‪ -‬قد بد�أ في‬‫مجتمعنا العربي ع�شية تجريد الثقافة الإ�سالمية من كنوزها الأخالقية في �صورة‬
‫متناغمة ن�ست�شفها في مناعة الموقف المقاوم‪ ،‬الذي لم ينف�صل يوم ًا عن ثقافة الأمة‬
‫و�أخالقها‪ ..‬وطالما ل َفتَني �سماحته �إلى ذلك العطب المنهجي في ظاهرتين تثقالن‬
‫كاهل الأمة‪:‬‏‬
‫�إحداهما‪ :‬ظاهرة عزوف ال�سيا�سة العربية عن �سلوكها الأخالقي‪.‬‏‬
‫وثانيهما‪ :‬ظاهرة عزوف المتكلمين با�سم الدين عن جوهر الثقافة الإ�سالمية‬
‫و�أخالقها‪..‬‏‬
‫وهكذا تباعد الخطاب الديني في بع�ض �أحواله عن ر�سالته الدينية‪ ،‬في بناء‬
‫الح�ضارة و�إ�صالح المجتمع‪ ،‬وال تزال منابر الإمام ف�ضل اهلل في جوار ال�سيدة زينب‬
‫عليها ال�سالم بدم�شق �أمثولة لإ�شعاع الفكر الإ�سالمي المعا�صر المت�سقة بتكري�س‬
‫قيم الربط بين الفقه والفكر‪ ،‬وبين الفكر والتربية‪ ،‬عبر ف�ضاء توحيدي عاطر‬

‫‪231‬‬

‫‪232‬‬

‫بانفتاح هذه القيم‪ ،‬على معنى البدايات الروح ّية والثقافية لمعنى الوطن والمواطنة‬
‫واالجتماع الإن�ساني‪ ،‬بعيد ًا عن عنف العولمة وفو�ضاها التي تب�شّ ر العالم بنهايات‬
‫الدول والأوطان ونهايات التاريخ والأخالق‪ ،‬وفي �إطار الت�ص ّدي لهيمنة هذه العولمة‬
‫يرتفع �صوت الإمام ف�ضل اهلل محذّر ًا من تبعات ال�شطط في ا�ستعمال الثقافة العربية‬
‫ومنابرها‪ ،‬لتبديد مفاهيمها ومعاييرها على �أر�صفة التكالب واللُّهاث خلف �أ�سياد‬
‫االحتالل الجديد‪ ،‬ذلك � ّأن ت�أ�صيل الثقافة العربية والإ�سالمية في واقع هذا االحتالل‬
‫لن تع ّبر عن جذور هويتها �إال �إذا امتلك المثقف العربي �أهلية االقتدار على مقاومة‬
‫ثقافة المحتل‪ ،‬من منطلق �إيمان ال�س ّيد ب� ّأن من يربح معركة الثقافة �سيتم ّكن في‬
‫حا�ضره وم�ستقبله‪ ،‬من �أن يربح معركة ال�سيا�سة ومعركة الم�صير‪.‬‏‬
‫تلك م�س�أل ٌة َ�س َبق ل�سماحة الإمام ف�ضل اهلل ر�ضوان اهلل عليه �أن عالجها بكثير‬
‫من التف�صيل في ندواته وكتبه عندما تح ّدث قبل خم�سين عام ًا عن ت�شرذم الهوية‬
‫العربية والإ�سالمية‪ ،‬في زمن الحرب المفتوحة على هويتنا وثقافتنا‪ ،‬منذ احتالل‬
‫فل�سطين‪ .‬و�أراني �أنا�شد علماء الأمة في يوم رحيله االقتداء بمنهاجه في ت�أ�صيل‬
‫ثقافة الوحدة والمقاومة‪ ،‬وما كنت �أح�سب � ّأن ثقافتنا بحاجة �إلى �إ�صالح �إال حين‬
‫�أ�صغيت �إلى �إر�شاد ال�س ّيد ر�ضوان اهلل عليه نا�صح ًا‪:‬‏‬
‫�إذا كانت �أزمة العقل العربي والعقل الإ�سالمي هي �أزمة تفكير و�أزمة �سلوك‪ ،‬ف� ّإن‬
‫�إ�صالح الثقافة في وحدة منابعها هو القمين لإ�صالح مناهج التفكير و�آداب ال�سلوك‬
‫وهذا هو الأجدر باهتمام الباحثين في �شروط النه�ضة العربية وال�صحوة الإ�سالمية‪.‬‬
‫‏‬
‫ولنا في مدر�سة الإمام ف�ضل اهلل نموذج ُيحتذى من �سيا�سة ت�ضيء رونقها من‬
‫الثقافة‪ ،‬وثقافة ت�ضيء قامتها المنيعة من الأخالق‪ ،‬و�أخالق ت�ضيء خفقة الروح‬
‫فيها من خلجات هذا المجتمع المقاوم المحب ك�أ�صفى ما يكون �سالم الحب‪ ،‬و�أروع‬
‫ما يكون عنفوان المقاومة وهو ال�ضامن الأ�سا�س ل�شروط التنمية الثقافية ببالغة‬
‫مرجعنا الكبير ر�ضوان اهلل عليه الذي نذر عمره ك َّله من �أجل كلمة التوحيد وتوحيد‬
‫الكلمة‪.‬‏‬

‫ولنا من لوعة الحزن �أن نبوح ب�أ�سرارك لنزهو مثلك في �صمت الوفاء‪ ،‬ونوافيك‬
‫من طلعة المقاومة يا ر�ضى اهلل عليها ترتجل الآن �أوار الأنبياء وت�سميك‪� ..‬شهدناك‬
‫في ن�ضرة ما غر�ست من �صورة وجهك في وجع الينابيع؛ وكنت يا �أبانا من خلف‬
‫تخ�ض فجر الجنوب مرفوع القباب وظاللك تعدو م�ضاءة بمحاريبك‬
‫الليل والدموع ّ‬
‫الهيمانة خلف �صالة ال�شهداء‪..‬‏‏‬
‫ي�ساقط في عيون‬
‫‏ �إيه يا حزنك الخا�شع خ ّب�أه القمر الوردي في مدى كربالء‪ ،‬وها ّ‬
‫الأطفال والأيتام‪ ،‬متدثر ًا بعباءتك يا �أ�سوة الأولياء‪ ..‬ويا لدموعك الم�شعة ب�أ�سمائنا‪،‬‬
‫هل تغ�شاك برق �أيوب‪� ،‬أو دمعة ح ّرة على يو�سف �أو �آهة مريمية على جراح الم�سيح‬
‫ف�أ�ضرمت هواك لترتيل االنتظار‪ ،‬وفوق احتمالك فل�سطين في مهب الرماد والظم�أ‪،‬‬
‫وفوق احتمالك تلك التي نق�ضت غزلها ومالت بخالخيلها تحت �سقفها الم�ستعار؟‏‬
‫وها �إنني �أحمل وجهك �أيقونة ل�شفق الحب المن�سي في بيروت‪ ..‬وكيف ن�ص ّلي من‬
‫غير حب؟‪ ..‬ومن يقيم �صورتها �إلى كنف البتول و�سجاياها غيرك يا �إمام وحدتها؟!‬
‫�أنت من علمتنا بالفقه �إعراب الوقت كي نج ّدد ميالده‪ ..‬وها �أكا�شفك من م�ضيق‬
‫الأر�ض علينا‪ ،‬لم يعد �أي �شيء من جروح اللغة يرتّب الأبجدية �إال ما ت�ش ّرد من حنجرة‬
‫تعبد اهلل على حرف و ت�س ّد علينا باب اهلل با�سمه‪ ،‬وتقتلنا تحت مظلة العر�ش في‬
‫حروب الفتاوى‪� ..‬آه يا �س ّيدي من قلة الفقه وكثرة الفقهاء‪ ،‬وها �إني �أدلي بو�صاياك‬
‫و�أعترف ب�أنا تركنا الباب مفتوح ًا فم ُّروا و�صرت �أراهم بيني وبين معابري ومقابري‬
‫ف�أم�شي وحيد ًا و�أرك�ض و�أرك�ض خلف الباب‪ ..‬وال �أحد يا �س ّيدي غ ّير �صوتها‪ ،‬النهر‬
‫ي�صلي لأ�شجار �صبرنا وغربتنا «واعت�صموا»‪ ..‬وال �شيء يحمل رجع ندائك غير الأكف‬
‫المقاومة تخ�ضر في الزناد مثل مواويل ال�سنبالت‪ ،‬وما كنت يا �أبانا رغم الظنون �إال‬
‫�س ّيد المقام في م�صباح وحدتنا‪ ،‬يا �أيها البهي لزمان غير هذا التفرق تليق بك الأبوة‬
‫و�صبر الأنبياء‪ ..‬وغد ًا �أو بعد غد يوم تفتح نوافذ ال�صبح والروح �سيقر�ؤون ولم يجيء‬
‫قبلك من يج ّرب �شيئ ًا عن الحلم الذي ال يجيء وي�ستغفرون اهلل من �أجل روحك فيما‬
‫نبوءاتك تلوح في هجير الياب�سة واالحتالل نحو جوادك ال�سماوي وقب�ضتك النجوم‬
‫نحو �أطياف امر�أة كان ا�سمها زينب‪ ،‬كذلك �أ�شرعت وحي القر�آن رفيف الف�صول‬

‫‪233‬‬

‫في جبينك وعلى باب المدينة والكتاب‪ ..‬و�آ ٍه على �أمة �ضيعت بدء البدايات ف�ض ّيعها‬
‫التمزّق بع�صف الختام‪� ..‬سال ٌم �إليك من وطن البدريين في ك ّل بندقية تن ّورت‬
‫ب�سنبالت الجنوب وانحنت مثل ال�ضوء وزيتون ال�سالم الأخ�ضر‪ ..‬ما �أكرم ال�شم�س‬
‫يا �سيدنا في ح�ضن التراب وفمك بالل غا�ضب‪ ،‬وما �أج ّلك تكابد الغ�ضب القد�سي‬
‫وت�شافهنا بزين العابدين وفاطمة‪ ،‬نقاوم ونغفر ويت�سع الحب لفردو�س الحب ثم ال‬
‫نكلم �إال ال�سماء‪..‬‬
‫ت�شرين (�سوريا) ‪ 15‬تموز ‪2010‬‬

‫‪234‬‬

‫* عامل دين لبناين‪ ،‬مدير عام جملة املعارج القر�آنية‪.‬‬

‫َن ْم قرير العين‪...‬‬
‫فقد �أ ّديت ر�سالتك كاملة غير منقو�صة‬
‫ال�سيد ح�سين بركة ال�شامي*‬

‫كان يحمل منذ �شرخ �شبابه م�شروع ًا للإ�صالح والتجديد‬
‫في كيان المرجعية الدينية التي يجب �أن تواكب الع�صر‬
‫وتنفتح على ق�ضايا الم�سلم بروح مو�ضوعية‪.‬‬
‫ُيع ُّد الع ّالمة المرجع �سماحة �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫(قد�س اهلل روحه الزكية) �أحد �أبرز الفقهاء الواعين والمف ّكرين المجاهدين في‬
‫ال�ساحة الإ�سالمية‪ ،‬فقد �ش ّكلت حياته وحركته ظاهرة متم ّيزة منذ بدايات الن�صف‬
‫ّ‬
‫الثاني للقرن الع�شرين الميالدي‪ ،‬حيث انطوت �شخ�صيته الفكرية والحركية الفذّة‬
‫على خ�صائ�ص ومرتكزات �أ�سا�سية تعتمد الأ�صالة من جهة واالنفتاح والمعا�صرة من‬
‫جهة �أخرى‪.‬‬
‫وال َّ‬
‫�شك �أن لجامعة النجف الأ�شرف العريقة ذات الألف عام‪ ،‬دور ًا كبير ًا في تعميق‬
‫وبناء هذه الأ�صالة في فكره وحركته وت�شكيل عقله وبناء �شخ�ص ّيته المو�سوعية‪.‬‬
‫كما � ّأن لل�ساحة اللبنانية المنفتحة على ق�ضايا الفكر وال�سيا�سة والإعالم دور ًا‬
‫�آخر في انطالقته وحواراته في مختلف الق�ضايا ال�سيا�سية والمجاالت الثقافية‬
‫واالجتماعية المتن ّوعة‪.‬‬
‫ومن الخ�صائ�ص والمم ّيزات في �شخ�صيته‪-‬رحمه اهلل‪ -‬االهتمام بالحركة‬
‫الإ�سالمية وح ْمل همومها وتط ّلعاتها‪ ،‬والتنظير لمفردات م�سيرتها الفكرية والعملية‪،‬‬

‫‪235‬‬

‫‪236‬‬

‫ح ّتى �أ�ضحت م�صطلحات‪ ،‬الإ�سالم الحركي‪ ،‬الحالة الإ�سالمية‪ ،‬الواقع‪ ،‬ال�ساحة‪،‬‬
‫االنطالق واالنفتاح‪ ،‬الم�س�ألة والق�ضية‪� ،‬أ�سلوب الدعوة والتوازن‪ ،‬العمل والعاملين‪،‬‬
‫الحياة والإن�سان‪ ،‬وما �شابه ذلك من المفردات‪ ،‬من مخت�صات قامو�سه الثقافي‬
‫المتداول في �أدبيات الحركة الإ�سالمية المعا�صرة في مختلف ال�ساحات والمواقع‪.‬‬
‫ولع ّل كتاب ْيه‪ ،‬خطوات على طريق الإ�سالم والحركة الإ�سالمية‪ ..‬هموم وق�ضايا‪،‬‬
‫من الكتب الرائدة التي تع ّبر عن هذه الحقيقة‪.‬‬
‫وعلى �صعيد المذاهب الإ�سالمية واالختالف في الر�ؤى ومناهج االجتهاد‬
‫واال�ستدالل ال�شرعي ف�إنه يع ُّد بحق رائد ًا من رواد الوحدة والتقريب بين �أبناء الأمة‬
‫الواحدة على تن ّوع مذاهبها وتع ّدد وجهات النظر في الفقه الإ�سالمي‪ ،‬ونظريات علم‬
‫الكالم والعقائد‪.‬‬
‫كما �أن ال�س ّيد ف�ضل اهلل ‪-‬رحمه اهلل‪ -‬كان يحمل لواء الحوار الإ�سالمي الم�سيحي‬
‫و�ضرورة فتح �آفاقه الرحبة في العنا�صر الم�شتركة بين الم�سلمين وغيرهم من �أبناء‬
‫الديانات ال�سماوية‪ ،‬والت�أكيد على كلمة �سواء تجمع الم�سلمين و�أهل الكتاب والذ ّمة‬
‫جده‬
‫في �إطار الت�سامح والرحمة والمواطنة والتعاي�ش الإن�ساني الكريم‪ ،‬متمث ًال بقول ِّ‬
‫�أمير الم�ؤمنين لعامله على م�صر مالك الأ�شتر‪« :‬ف�إنّهم �صنفان �إما �أ ٌخ َ‬
‫لك في الدين‬
‫�أو نظي ٌر َ‬
‫لك في الخلق»‪.‬‬
‫هذا على �صعيد الحوار والوحدة والتقريب‪ ،‬و�أما على �صعيد الم�ؤ�س�سة الدينية‬
‫فقد كان يحمل منذ �شرخ �شبابه م�شروع ًا للإ�صالح والتجديد في كيان المرجعية‬
‫الدينية التي يجب �أن تواكب الع�صر وتنفتح على ق�ضايا الم�سلم بروح مو�ضوعية‪،‬‬
‫بعيد ًا عن االنكفاء على الذات �أو االعتزال عن هموم الأمة وحركة الحياة‪.‬‬
‫الهم الدائم‬
‫وكان ي�شارك الإمام ال�شهيد ال�صدر ‪-‬ر�ضوان اهلل عليه‪ -‬في هذا ّ‬
‫والجرح النازف عبر الزمن‪.‬‬
‫ومن منطلق الوعي والإبداع والتجديد والريادة كانت درا�ساته في مجال الفقه‬
‫واالجتهاد تمتاز بالجر�أة وال�شجاعة في عر�ض الآراء الفقهية ومناق�شتها مناق�شة‬
‫الفقيه الواثق المتن ّور الذي ال يتو ّقف عند نظريات ال�سلف ال�صالح رغم احترامه لها‬

‫فرب م�شهور ال �أ�صل له‪.‬‬
‫وال يتج ّمد عند الم�ألوف والم�شهور‪ّ ،‬‬
‫ولهذا �أثارت بع�ض �آرائه وفتاواه حفيظة بع�ض المجتهدين المق ِّلدة الذين ال‬
‫يتجاوزون الذات وال يملكون القدرة على خلق ر�ؤية جديدة تعي�ش روح الع�صر �أو تفقه‬
‫م�ستجداته وتطوراته‪.‬‬
‫كما تم ّيزت بحوثه في التاريخ والتراث بالنقد والتقويم وعدم اال�ست�سالم للق�ضايا‬
‫التي تخالف المنهج العلمي ال�سليم‪� ،‬أو �أنّها تتعار�ض مع منطق العقل وطبيعة‬
‫الأ�شياء‪.‬‬
‫ولع ّل مو�سوعته التف�سيرية (من وحي القر�آن) التي �أنجزها خالل م�سيرته‬
‫الفكرية الطويلة وعطاءه العلمي والثقافي عبر ع ّدة عقود من الزمن‪ ،‬كانت تجربة‬
‫متق ّدمة تج ّلت فيها �أبعاده المعرفية ذات الأ�صالة والعمق وال�شمولية‪ ،‬والنقد والتقويم‬
‫والمقارنة‪ ،‬والأمانة العلمية والدقة في التعبير والو�ضوح في البيان واللغة‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫�شك � ّأن البعد الأدبي والتجربة الث ّرة ل�سماحته في ال�شعر والخطابة والتبليغ‬
‫�أ�ضافت �إلى �أبعاده الأخرى في الفكر والفقه والتف�سير لون ًا �إبداعي ًا متم ّيز ًا بالخ�صب‬
‫الفكري والجمال التعبيري والتح ّرر من قيود الواقع وم�س ّلماته الواهمة‪.‬‬
‫وبقي �أن نذكر الأبعاد الإن�سانية وم�شاريعه الخيرية الخالدة التي ت�ش ّكل هي‬
‫الأخرى ظاهرة كبيرة لي�س في لبنان فح�سب بل في العالم الإ�سالمي �أجمع‪ .‬حيث‬
‫كانت م�شاريع المبرات لرعاية الأيتام وم�ساعدة المر�ضى والمحتاجين والمع ّوقين‬
‫وم�ؤ�س�سات التعليم والتنمية الب�شرية نماذج ح ّية‪ ،‬وعالمات بارزة تعك�س طبيعة‬
‫نف�سه الخ ّيرة وروحه النقية وم�شاعره الإن�سانية في �إطار الإ�سالم ومدر�سة �أهل‬
‫البيت(ع)‪.‬‬
‫رحم اهلل فقيد الأمة العالمة المرجع المجاهد ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل الذي‬
‫غادرنا ونحن �أحوج ما نكون �إليه في ق�ضايا الفكر والفقه وم�سيرة العمل والعاملين‪.‬‬
‫ولئن رحل عنا ج�سد ًا فلقد ظ ّل فكر ًا ونهج ًا في طريقنا ال�صعب الطويل و�سيظل لنا‬
‫على طول الخط �أب ًا ومعلم ًا‪ ،‬نتع ّلم منه كيف نكون م�شروع ًا للمحبة والت�سامح وال�صفح‬
‫ح ّتى عن �أولئك الذين حاربوه وظلموه في نف�سه و�أهله ومرجعيته‪ ،‬و�إن كان ير ّدد في‬

‫‪237‬‬

‫بع�ض خواطره رحمه اهلل قول ال�شاعر‪:‬‬
‫وظل���م ذوي القربى �أ�ش���د م�ضا�ض���ة‬

‫ِ‬
‫المهند‬
‫على المرء من وقع الح�سام‬

‫�أجل � ّإن �سحائب الحزن تخ ّيم على نفو�س الم�ؤمنين‪ ،‬و�أوجاع الفجيعة تعت�صر‬
‫قلوب المحبين بالألم وهم يرددون قول ال�شاعر‪:‬‬
‫���ن ب َ‬
‫���ك ل���م تنم‬
‫ال���ي���وم ن��ام��ت �أع���ي ٌ‬

‫وت�����س�� ّه��دت �أخ�����رى ف��ع�� َّز منا ُمها‬

‫�أما �أنا فح�سبي �أنني �أعي ُد ما قلتُه بح ِّق ِه ‪-‬رحمه اهلل‪ -‬وقبل حوالي ع�شرين عام ًا‬
‫�إثر الوعكة ال�صحية الأولى التي �أل ّمت بقلبه والأزمة المفتعلة التي �أثيرت حوله وهو‬
‫ي�شكو ظلم ذوي القربى‪.‬‬
‫��������������ت ي�������ا راي�������������� َة ال�����ه�����دى‬
‫ُدم‬
‫َ‬
‫�������������������س م���������ش����رق���� ًا‬
‫ت�����ب�����ع�����ثُ الأم َ‬
‫����������������راع ح��������������روفُ�������������� ُه‬
‫ب����������������ي‬
‫ٍ‬
‫وع����������������ي����������������ونٍ ب�������ري�������قُ�������ه�������ا‬
‫وم������������������ق������������������الٍ ي���������ه��������� ّزن���������ا‬
‫�أن�������������ت ف�����������ض����� ُل الآل���������������ه ل���م‬
‫�����������������ص��������رت ي������� ٌد‬
‫ف����������������������إذا ق‬
‫ّ‬
‫�أو ت��������ح��������ام َ‬
‫��������اك ح�����ا������س����� ٌد‬
‫�أ ّي���������ه���������ا ال������ع������ب������ ُد خ����ا�����ش����ع���� ًا‬

‫‪238‬‬

‫ت�������ت�������ح������� ّدى ع������ل������ى ال������م������دى‬
‫��������س��������م ال�������غ�������دا‬
‫ول��������ن��������ا ت��������ر�‬
‫ُ‬
‫���������ون ب����ال����ن����دى‬
‫ت�����غ�����م����� ُر ال���������ك َ‬
‫ب������������الأم������������ان������������ي ت����������و ّق����������دا‬
‫��������������م ن�������ه�������ت������� ُّز ل�����ل�����������ص�����دى‬
‫ث ّ‬
‫ن�����ب�����ت�����ع�����د ع��������ن َ‬
‫��������ك م�������������وردا‬
‫ق���������د م���������ددن���������ا ل���������ك ال������ي������دا‬
‫��������ص��������رت ل�����ل�����ق�����ل�����بِ م����ع����ب����دا‬
‫�‬
‫َ‬
‫ُ������������������ز َت ع��������ب��������د ًا و������س����� ّي�����دا‬
‫ف‬
‫ْ‬

‫فنم قرير العين فقد �أ ّديت ر�سالتك كاملة غير منقو�صة‪ ،‬وفزت بالنعيم‪ ،‬فهنيئ ًا‬
‫وح ُ�س َن �أولئك‬
‫لك الخلود و�أنت تح ّل �ضيف ًا على اهلل مع النبيين وال�صديقين وال�شهداء َ‬
‫رفيق ًا‪ ،‬وال�سالم عليك في �سجل الخالدين‪.‬‬

‫*الأمني العام مل�ؤ�س�سة دار الإ�سالم‪-‬لندن‪/‬رئي�س الوقف ال�شيعي يف العراق �سابق ًا‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫الإمام ف�ضل اهلل داعية الحب ور�سول ال�سالم‬
‫ال�شيخ خلدون عريمط*‬

‫تجاوز باجتهاده حدود الأوط��ان‪ ،‬وخنادق المذاهب‬
‫والطوائف‪.‬‬
‫الموت واالنتقال �إلى العالم الآخر هو قدر الإن�سان‪ ،‬ال مف ّر من عبوره‪ .‬وغياب‬
‫الكبار بالموت محطة ت�أمل‪ ،‬وا�ست�شراف ل�س ّر الوجود وحياة الإن�سان‪ ،‬الذي ك ّرمه اهلل‪،‬‬
‫و�شاءت �إرادته �أن يبقى ُم َك ّرم ًا‪ .‬ويكاد قطار الحياة المت�سارع نحو المجهول‪� ،‬ألاّ يقف‪،‬‬
‫�أو يتو ّقف �إال بفقدان ورحيل الكبار فقه ًا وعلم ًا وفكر ًا و�إ�صالح ًا‪� ،‬أو موقع ًا و�سلطة‪.‬‬
‫وزهاد ًا‬
‫ولي�س م�صادفة �أن يحمل هذا «اللبنان»‪ ،‬قيادات وعلماء‪ ،‬مجتهدين وم�صلحين ّ‬
‫و ُن ّ�ساك ًا‪ ،‬ملأوا الدنيا بما حملوا من فكر و�إبداع‪ ،‬والعلاّ مة الفقيه‪ ،‬والمجتهد الراحل‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬هو �صفحة ا�ستثنائية من �صفحات هذا الوطن‪ ،‬وهذه‬
‫الأمة‪ ،‬الباحثة عن طريق النهو�ض واال�ستنها�ض لتح�صين ذاتها‪.‬‬
‫لقد �أدرك الراحل الكبير العلاّ مة ف�ضل اهلل مبكر ًا‪ّ � ،‬أن الحقيقة هي بنت الحوار‪،‬‬
‫و� ّأن الإن�سان هو الغاية‪ ،‬و� ّأن وحدة الأمة هي الهدف‪ ،‬فتجاوز بفكره وعلمه واجتهاده‬
‫وم�شروعه الإ�صالحي‪ ،‬حدود الأوطان الم�صطنعة‪ ،‬وخنادق المذاهب والطوائف‬
‫المكهربة‪ ،‬ليح ّلق بفكره ومق ِّلديه �إلى رحاب الأمة‪ ،‬و�شمولية الإ�سالم و�إن�سانية‬
‫الر�سالة‪ ،‬التي حملها نبي الإن�سانية محمد عليه ال�صالة وال�سالم‪ ،‬فهو الوطني‬
‫اللبناني‪ ،‬والعربي ال�شمولي‪ ،‬والم�سلم الإن�ساني‪� ،‬أنتج على مدى ن�صف قرن‪ ،‬ثقافة‬

‫‪240‬‬

‫التوا�صل‪ ،‬بين المدار�س الفقهية الإ�سالمية‪ ،‬هو الجعفري‪ ،‬الحنفي‪ ،‬ال�شافعي‪،‬‬
‫المالكي‪ ،‬الحنبلي‪ ،‬ليبث في عقول جمهوره ومريديه ومحبيه‪ ،‬ب� ّأن الإ�سالم رحمة‪،‬‬
‫والتع�صب المذهبي نقمة‪ .‬فح ّرم �ضرب الر�ؤو�س في عا�شوراء‪ ،‬وله ر�أي معتبر في‬
‫نظرية والية الفقيه‪ ،‬لكنّه دافع عن تجربة الجمهورية الإ�سالمية في �إيران‪ ،‬برغم‬
‫توافقه �أحيان ًا واختالفه في بع�ض الأحيان معها‪ .‬وتوا�صل مع العوا�صم والحوا�ضر‬
‫العربية والإ�سالمية‪ ،‬ورف�ض التخندق خلف ال�شعوبيات �أو المذهبيات‪ ،‬فهو اللبناني‪،‬‬
‫والفل�سطيني‪ ،‬والعربي‪ ،‬وهو الذي حمل جرح الأمة في فل�سطين‪ ،‬منذ بد�أ م�شواره‬
‫الطويل‪ ،‬المحفوف بالمخاطر واالغتياالت‪ ،‬من النجف �إلى النبعة (�شرق بيروت)‬
‫«نذرت نف�سي للإ�سالم ووحدة الأمة‪ ،‬ولن‬
‫�إلى �ضاحية بيروت الجنوبية‪ .‬وهو القائل‪:‬‬
‫ُ‬
‫ترتاح الأمة و�أرتاح‪� ،‬إال ب�سقوط �إ�سرائيل‪ ،‬وعودة فل�سطين لعروبتها‪ ،‬و�أهلها‪ ،‬م�سلمين‬
‫وم�سيحيين»‪.‬‬
‫رحل العلاّ مة ف�ضل اهلل عن هذه الدنيا الفانية‪ ،‬ليترك للوطن والأمة‪� ،‬أمانة‬
‫الجهاد لن�صرة فل�سطين‪ ،‬وتحرير العقل الذي �أراد البع�ض تحنيطه لتغييبه عن‬
‫والتم�سك بالعي�ش‬
‫م�سار الأحداث‪ ،‬وليترك ثقافة المحبة ووحدة ال�صف الإ�سالمي‪،‬‬
‫ّ‬
‫الم�شترك بين �أبناء الوطن ومك ّونات الأمة‪ ،‬على تن ّوع عقائدها‪ ،‬وغنى مدار�سها‬
‫الفقهية‪ ،‬فاحترام الر�أي والر�أي الآخر‪ .‬ورف�ض الخ�ضوع لالحتالل‪� ،‬سواء كان‬
‫احتال ًال �أميركي ًا �أو �إ�سرائيلي ًا‪ ،‬لأي �أر�ض عربية �أو �إ�سالمية‪ ،‬هو الأ�سا�س في الم�شروع‬
‫الإ�صالحي للعالمة ف�ضل اهلل‪ ،‬ولئن رحل ال�س ّيد ف�ضل اهلل ج�سد ًا وهذا قدر الم�ؤمنين‪،‬‬
‫ف� ّإن العلاّ مة ف�ضل اهلل الفقيه والمجتهد‪ ،‬والإ�صالحي‪ ،‬ورائد الوحدة الإ�سالمية‪،‬‬
‫وحامل فكر الت�صحيح والتنوير‪ ،‬والعودة �إلى الأ�صول‪ ،‬والمتجاوز لحدود الأوطان‪،‬‬
‫فكر ًا وعلم ًا و�إ�صالح ًا‪ ،‬يبقى مدر�سة ونهج ًا لمح ّبيه وعارفيه ومق ّلديه‪ ،‬ولجمهور‬
‫الم�سلمين‪ ،‬ليكملوا طريق الوحدة بين �أبناء الأمة‪ ،‬ونهج الحفاظ على عروبة المرجعية‬
‫وف�ضلها‬
‫الدينية وتجذّرها في الأر�ض والأمة‪ ،‬التي ك ّرمها اهلل بحمل ر�سالة الإ�سالم‪ّ ،‬‬
‫بنبيها العربي الها�شمي‪ ،‬لتكون �أمة و�سطية‪� ،‬شاهدة للحق والعدالة‪ ،‬وحاملة �أمانة‬
‫الر�سالة الإ�سالمية‪ ،‬لتكون رحمة لك ّل النا�س بعربها وعجمها‪ ،‬وب�شرقها وغربها‪،‬‬

‫‪241‬‬

‫راف�ضة للظلم‪ ،‬داعمة للمظلوم‪ ،‬ثائرة لمواجهة الطغاة والظالمين‪� ،‬أفراد ًا كانوا �أو‬
‫قوى م�ستبدة‪ ،‬تحلم بمحا�صرة وامت�صا�ص خيرات هذا ال�شرق العربي والإ�سالمي‪،‬‬
‫العابق بر�ساالت الإيمان‪ ،‬والمتج ّدد بالقيادات اال�ستثنائية‪ ،‬والعلماء والفقهاء‪ ،‬الذين‬
‫تجاوزوا عقدة الأنا وهوى ال�سلطة‪ ،‬ليبقوا �أحرار ًا‪� ،‬أبناء لمدر�سة النبوة التي كانت‬
‫و�ستبقى لتكريم الإن�سان والحفاظ على حريته وخلوده بحمل ر�سالة التوحيد‪.‬‬
‫رحم اهلل العلاّ مة المجدد‪ ،‬ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬وع ّو�ض الوطن والأمة‬
‫ليوحدوا الأمة‪ ،‬ويحرروا الأر�ض والإرادة‪.‬‬
‫بعلماء �أحرار‪ ،‬وقادة كبار ّ‬
‫ال�سفير ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪242‬‬

‫* عامل دين لبناين‪.‬‬

‫لنكن �أوفياء لل�س ّيد‬
‫ال�شّ يخ محمد علوان*‬

‫كان �شجاع ًا في مواجهة من �أ�ساء �إليه بالإح�سان‪ ،‬لي�س �إال‬
‫ال�ص ّف ووحدة الكلمة‪..‬‬
‫طلب ًا لتوحيد ّ‬

‫قال اهلل تعالى‪َ } :‬و َك َذ ِل َك َج َع ْلنَا ُك ْم �أُ َّم ًة َو�سَ ط ًا لِّتَ ُكونُو ْا �شُ َهدَاء َع َلى ال َّن ِا�س َويَ ُكو َن‬
‫ال َّر ُ�س ُ‬
‫ول َع َل ْي ُك ْم �شَهِ يداً{‬

‫(البقرة‪.)143 :‬‬

‫�إخواني الأعزّاء الكرام‪..‬‬
‫ّ‬
‫عظم اهلل �أجورنا و�أجوركم‪ ،‬فقد رحل عنَّا رج ٌل ارتقى من العظمة مكان ًا عل ّي ًا‪..‬‬
‫ف�صار فقده لنا فاجع ًة �أليمة‪..‬‬
‫فارقنا ونحن �أحوج ما نكون �إليه‪ ،‬ف�إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪..‬‬
‫�أح ّبائي‪ ..‬ال َّ‬
‫�شك في � ّأن ارتحال هذا ال�س ّيد العظيم كان فاجع ًة �أوجعت قلوبنا‪،‬‬
‫و�أدمت جراحنا‪..‬‬
‫ولكن الفاجعة الأ�ش ّد‪ ،‬والكارثة الأعظم‪ ،‬هي �أن نبتعد عن نهجه‪ -‬ر�ضوان اهلل‬
‫ّ‬
‫عليه‪ -‬وعن ُم ُثله ومبادئه ا ّلتي ك ّر�سها بك ّل قطرة عرقٍ من جبينه ّ‬
‫الطاهر‪ ،‬وك ّل لحظة‬
‫�أرقٍ �أيقظت ليله ونهاره‪..‬‬
‫� ّإن العظيم �أ ّيها الأح ّبة‪� ،‬شاه ٌد على النّا�س‪َ ،‬م ْن م�ضى منهم َوم ْن هو حا�ضر َوم ْن‬
‫�سي�أتي في الم�ستقبل‪..‬‬

‫‪243‬‬

‫‪244‬‬

‫وك ّلما زادت عظمة الإن�سان وكملت‪ ،‬كان ذلك �سبب ًا في ارتقاء �شهادته هذه‪ ،‬ح ّتى‬
‫ي�صبح �شاهد ًا على ال�شّ هداء‪� ،‬إذا �صار عظيم العظماء‪ ،‬كما كان نب ّينا الأكرم(�ص)‪،‬‬
‫كما يقول الحقّ �سبحانه وتعالى‪َ } :‬ويَ ُكو َن ال َّر ُ�س ُ‬
‫ول َع َل ْي ُك ْم �شَهِ يداً{(البقرة‪)143 :‬‬
‫ِ‬
‫عي‬
‫فقيدنا ال ّراحل‪� ،‬أعلى اهلل مقامه‪ ،‬كان مدر�س ًة في العطاء و َبذْ لِ‬
‫وال�س ِ‬
‫الجهد ّ‬
‫الحثيث‪ ،‬لبلوغ الأهداف ال�سامية ا ّلتي ر�سمها لنف�سه‪ ،‬ق ّد�س اهلل روحه ّ‬
‫الطاهرة‪..‬‬
‫تج�سدت فيه ال�شّ جاعة ب�أبهى ُ�ص َورِها‪ ،‬فكان �شجاع ًا �أمام العدوان الآثم‪ ،‬ولم‬
‫ّ‬
‫ال�ساعات ا ّلتي كان العد ّو‬
‫يترك بلده ولم يفارق �شعبه‪ ،‬ح ّتى في �أحلك ال ّليالي و�أ�ش ّد ّ‬
‫أبي‪.‬‬
‫ّ‬
‫هيوني فيها يق�صف بك ّل وح�ش ّية وطغيان‪ ،‬بيوت الآمنين في لبنان ال ّ‬
‫ال�ص ّ‬
‫تو�صل �إليه بال ّدر�س والت�أ ّمل‬
‫وكان �شجاع ًا‪ ،‬فلم يتر ّدد لحظ ًة في �أن يعلن ما ّ‬
‫ال�صحيح‪.‬‬
‫وال ّتفكير‪ ،‬وفق المنهج ّ‬
‫ال�صف‬
‫وكان �شجاع ًا في مواجهة من �أ�ساء �إليه بالإح�سان‪ ،‬لي�س �إال طلب ًا لتوحيد‬
‫ّ‬
‫ووحدة الكلمة‪..‬‬
‫وهذه كانت ق ّمة تلك الموا�صفات والمزايا ا ّلتي تح ّلى بها �سماحة ال�س ّيد (ق ّد�س‬
‫�س ّره)‪ ،‬ل ّأن همه و�شغله ال�شّ اغل‪ ،‬كان مقارعة العد ّو ور ّد العدوان عن �أ ّمتنا الإ�سالم ّية‪،‬‬
‫بل عن الإن�سان ّية جمعاء‪ ..‬ولذلك بكاه الأحرار والواعون من ك ّل طائف ٍة وك ّل دين‪..‬‬
‫واليوم �إذ نقف �أح ّبتي لنحيي ذكراه ‪� -‬أعلى اهلل مقامه ‪ -‬ونعلن حزننا على فقده‬
‫الأليم‪ ..‬ينبغي �أن ال تغيب عن �أذهاننا مباد�ؤه وم ُثله‪..‬‬
‫ينبغي �أن ال نن�سى �أنّه (ر�ضوان اهلل عليه)‪ ،‬كان �أحر�ص ما يكون على وحدة الأ ّمة‬
‫ال�ص ّف‪ ،‬في الوقت ا ّلذي لم يبخل على الأ ّمة بفكره وعلمه‪..‬‬
‫وتما�سك ّ‬
‫�أ ّيها الأح ّبة‪..‬‬
‫�إنّنا مدع ّوون �إلى �أن نكون �أوفياء ل�سماحته في مماته‪ ،‬كما كنّا �أوفياء له في‬
‫نحب �أفكاره ومبادئه و�إخال�صه لأ َّمته وق�ض َّيته‪ ،‬كما �أحببناه ( ُق ّد�س �س ّره‬
‫حياته‪ ،‬و�أن ّ‬
‫ال�شّ ريف)‪.‬‬
‫نمح�صها‬
‫وفي الوقت نف�سه‪ ،‬نحن مك ّلفون ب�أن نعلن عن �آرائنا و�أفكارنا‪ ،‬بعد �أن ّ‬
‫ون�ستيقن منها‪ ،‬عبر ّ‬
‫ال�صحيحة‪ ،‬و�أن نطالب بحقّنا في ممار�سة �أمورنا‪ ،‬كما‬
‫الطرق ّ‬

‫ال�صواب‪ ،‬من غير و�صاية ممن ال و�صاية له علينا‪..‬‬
‫نرى �أنّه ّ‬
‫الرقي‬
‫وهذا من �ش�أنه �أن يه ِّيئ للمجتمع َوم ْن حوله‪� ،‬أجواء نق ّية �صافية‪ ،‬تعين على ّ‬
‫والتكامل في ال ّدين وال ّدنيا‪..‬‬
‫ن�س�أل المولى تعالى �أن يوفّقنا لمرا�ضيه‪ ،‬ويجنّبنا معا�صيه‪..‬‬
‫تغ ّمد اهلل فقيدنا العظيم بوا�سع رحمته‪ ،‬و�أدخله الف�سيح من جنّته‪ ،‬وح�شره مع من‬
‫تو ّاله مح ّمد ًا و�آله‪..‬‬

‫*عامل دين م�صري‪.‬‬

‫‪245‬‬

‫رحيل ال�س ّيد ف�ضل اهلل خ�سارة للإ�صالح الديني‬
‫�سيد جابر علي*‬

‫� ّإن رحيله لي�س خ�سارة للإ�صالح الديني كوقوع �أية‬
‫خ�سارة‪ ،‬بل هي خ�سارة ما بعدها خ�سارة‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫لو كان المرجع الديني الكبير (ره) يقر�أ ن�صو�ص الإ�سالم وتاريخه العري�ض‬
‫والمت�شعب بال�صيغة التي يقر�أ بها �أ�صحاب «العقل الم�ستريح» لما تع ّر�ض في حياته‬
‫لتهمة االنحراف الفكري و«لوثة» االنبهار الح�ضاري التي ادعوا ب�أنها �أ ّثرت على‬
‫منهجه الفقهي في اال�ستنباط‪ ،‬ولو ر�ضي لخطابه الديني وفتواه ال�شرعية �أن تكون‬
‫م�شروع مذهب بدل �أن تكون م�شروع �إ�سالم ح�ضاري‪ ،‬لما ُح ِك َم عليه بال�ضالل‪ ،‬ولو‬
‫كانت همومه وق�ضاياه تع ِّمق الهوة في الأمة وت� ِّؤجج نيران الطائفية البغي�ضة‪ ،‬لما‬
‫ُحرِ قت كتبه و ُمزِّ قت �صوره‪ ،‬ولو كان قد بارك تيار االنهزام واال�ست�سالم في الأمة‬
‫ولم ي�ؤمن بعدالة الق�ضية الفل�سطينية‪ ،‬لكان الإعالم الغربي يقف منه موقف ًا �آخر‪،‬‬
‫بل ير ِّدد البع�ض لو لم تكن مرجعيته عربية لكان لمرجعيته طعم ووقْع �آخر‪ .‬وحيث‬
‫كان ال�س ّيد «البيروتي» على غير ال�صورة النمطية‪ ،‬كان الموقف منه عنيف ًا وال نمطي ًا‬
‫كذلك‪.‬‬
‫ما�سة لمرجعية �إ�سالمية كهذه‪ ،‬ت�ؤمن‬
‫� ّإن م�شروع الإ�صالح الديني اليوم بحاجة ّ‬
‫بالر�أي ال اال�ستبداد‪ ،‬والعقل ال العاطفة‪ ،‬والإقناع ال الو�صاية‪ ،‬والإقدام على التجديد‬
‫والتوج�س‪ ،‬والحوار ال القطيعة‪ ،‬وت�ؤمن بالواقع ال ال�شعار والوهم‪ ،‬والنقد‬
‫ال الخوف‬
‫ّ‬

‫ال التبرير‪ ،‬والمقا�صد ال الهوام�ش‪ ،‬والت�سامح ال التكفير‪ ،‬والنظم ال العفوية‪ .‬و�أي‬
‫ر�سالة مهما بلغت في العظمة‪ ،‬ما لم تحملها �شخ�صيات م�ؤمنة بكل تلك المبادئ‬
‫المتقدمة والح�ضارية‪ ،‬ال يمكن �أن ي�صل مفاد عظمتها للعالم‪ ،‬وما الب�صمات‬
‫الوا�ضحة التي تركها الم�شروع الإ�سالمي الح�ضاري لمرجعية ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل �إال تر�شحات عن تلك ال�سمات الكبيرة‪ ،‬و�س�آتي على ذكر �أه ّمها بالتف�صيل‪،‬‬
‫و�ضمن ت�صنيف المجموعات‪ ،‬و�س ّلة ال�صفات‪ ،‬ليتمكن القارئ الح�صيف �أن يقر�أ هذه‬
‫ال�سمات النموذجية والإ�صالحية على م�ستوى المنهج‪ ،‬وفي �سياق المقارنة والإ�سقاط‬
‫على واقع رجل الدين‪ ،‬ومن ك ّل الطوائف والتيارات‪� ،‬سواء في مملكة البحرين‪� ،‬أو في‬
‫محيطها العربي والإ�سالمي‪ ،‬عو�ض اال�ستغراق في المدح الذي غالب ًا ما ي�ض ّيع قيمة‬
‫درا�سة التجارب‪ .‬وهي كما يلي‪:‬‬
‫�أ‌‪� -‬سمات التفكير‪ :‬فالرجل حين ينطلق في قراءته للتراث الإ�سالمي والتركة‬
‫الدينية من قاعدة «� ّأن التراث الفقهي والكالمي والفل�سفي نتاج المجتهدين والفقهاء‬
‫والمف ّكرين‪ ،‬وهو ال يمثل الحقيقة �إال بمقدار ما نقتنع به من تج�سيده للحقيقة‪ ،‬وعلى‬
‫�أ�سا�س ما نملكه من مقيا�س الحقيقة»‪ ،‬فهو بال �شك يملك ا�ستعداد ًا فكري ًا لقبول‬
‫االجتهاد التجديدي ونتاج العقل النقدي‪ ،‬وال ي�ستنبط الفقه ويح ّدد معالم النظرية‬
‫الإ�سالمية �أ�سير ًا لتركة ال�سلف‪ ،‬لأنّه لم ينطلق من «العقل الم�ستقيل» في اال�ستدالل‪،‬‬
‫والم�ستريح في قراءة الن�ص‪ ،‬المتكل على جهد الغير‪ ،‬وفر�ض ّياته العلمية التي بلورت‬
‫ا�ستنباطه وت�شريعاته‪.‬‬
‫وال�سمة هذه في التفكير تلقي بظاللها على �صفات فرعية مهمة‪ ،‬من قبيل الإيمان‬
‫بطبقية الفكر على غرار طبقية الملكية والثروة‪ ،‬ف�إذا كان فاقد هذه ال�سمة يرف�ض‬
‫�أي فهم للدين من خارج الم�ؤ�س�سة الدينية التقليدية‪ ،‬ف�إن الواجد لها يجمع الأفهام‬
‫ك ّلها من �أين وردت وي�ضعها في الميزان العلمي‪ ،‬ف�إن رجحت فهذا حقها‪ ،‬و�إن لم يكن‬
‫قائلها من رجال الدين التقليديين‪.‬‬
‫ب‌ ‪� -‬سمات ال�شعور‪ :‬فالعاطفة الب ّد و�أن تكون �أ�سيرة المنطق والعقل‪ ،‬وهي‬
‫قاعدة ق ّل من يلتزم بها على م�ستوى التطبيق‪ ،‬ل َّأن تبعاتها االجتماعية وخيمة‪ ،‬ال‬

‫‪247‬‬

‫‪248‬‬

‫�سيما �إذا اعتمدت القاعدة على موروث عرفي �أو م�شهور علمائي‪ ،‬تاريخي ًا كان �أو‬
‫�صيغة �شعائرية �أخذت طابع ًا مذهبي ًا‪ ،‬ا�ستطاعت من خالل تراكم ممار�ستها على م ِّر‬
‫الزمن �أن تتل ّب�س بلبا�س الثوابت‪ ،‬ف� َّإن مجرد و�ضعها في الميزان العلمي ب�شكل جاد‬
‫ُيدخل الوا�ضع في دائرة التهمة‪ ،‬وهذه عينها الجر�أة و�صفة ال�شجاعة والإقدام التي‬
‫كان يتمتع بها الراحل الكبير �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل في ممار�سته‬
‫لال�ستنباط ال�شرعي‪.‬‬
‫ج‪� -‬سمات الفعل‪ّ � :‬إن الرجل ي�ؤمن بالنظم والإدارة ويتحا�شى العفوية والبركة‪،‬‬
‫وم�ؤ�س�ساته الثقافية في لبنان وخارج لبنان‪ ،‬وم�شاريعه الخيرية من مبرات للأيتام‪،‬‬
‫ومعهد لذوي االحتياجات الخا�صة‪ ،‬ومدار�س تعليمية‪ ،‬وطريقته النموذجية في �إدارة‬
‫الأخما�س والحقوق ال�شرعية‪ ،‬ك ّل ذلك ي�شهد له ب ِِ�س َم ِة الفعل الواعي من موقع الت�أ�سي�س‬
‫والتنمية ال موقع العفوية والتخبط‪.‬‬
‫أهم ال�سمات الكبيرة في �شخ�صية الراحل‪ ،‬لأنّه‬
‫د‪� -‬سمات الخطاب‪ :‬وهي من � ّ‬
‫حمل على عاتقه �أن يدعو �إلى �سبيل ربه بالحكمة والموعظة الح�سنة‪ ،‬وهنا تح�ضرني‬
‫خاطرة من الذاكرة ال ُق ّمية حين كنّا في الحوزة العلمية في �إيران �أيام المهجر قبل‬
‫خم�سة ع�شر عام ًا‪ ،‬حيث �أخط�أ �أحد طالب العلم الديني من البحرينيين على �سماحة‬
‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل بكلمات غير الئقة‪ ،‬فت�ص ّدى له �أحد �إخواننا التون�سيين مدافع ًا‬
‫عن الخطاب الق ّيم والم�ؤ ّدب لل�سيد‪ ،‬قائ ًال «على رغم قرب م�سافتكم الجغرافية‬
‫والمذهبية بال�سيد و ُبعدنا عنه‪ ،‬ف�إننا لم نتع ّرف على �سماحة الإ�سالم من دعاة‬
‫الت�ش ّدد والخطاب الديني ال�سائد‪ ،‬بل عرفناه حين قر�أنا لغة الإقناع ال الو�صاية في‬
‫كتب ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬وما �آمنا بمفهوم الوحدة الإ�سالمية و�أخ ّوة �أتباع المذاهب‬
‫الإ�سالمية �إال من دعوة �سماحته للتقريب والوحدة بين الم�سلمين»‪.‬‬
‫� ّإن خطاب ًا ينطلق من قاعدة «ال مق َّد�سات في الحوار» وهي كلمة �شهيرة على ل�سان‬
‫�سماحته‪ ،‬ال يمكن �إال �أن يكون خطاب ًا �إ�صالحي ًا يعمد للمواقع المهترئة من البناء‬
‫ال�شامخ فير ّممها‪ ،‬لتظهر في �أحلى ح ّلة‪ .‬ولقد نعى الآالف من البحرينيين وعلى‬
‫ر�أ�سهم العلماء وفي مق ّدمتهم الوالد العزيز �سماحة ال�س ّيد عبد اهلل الغريفي‪ ،‬لقد‬

‫والحق ُيقال � ّإن رحيله لي�س خ�سارة للإ�صالح‬
‫نعوا جميع ًا رحيل المرجع ف�ضل اهلل‪،‬‬
‫ُّْ‬
‫الديني كوقوع �أية خ�سارة‪ ،‬بل هي خ�سارة ما بعدها خ�سارة‪ ،‬ال�سيما لمنهج الإ�صالح‬
‫الديني في المذهب الجعفري‪ .‬و� ّإن الوفاء لل�سيد الراحل يكمن في الوفاء لمنهجه‬
‫التجديدي‪ ،‬ب�أن ال تكون �سماته التي ذكرنا مجرد كلمات للذكرى والتاريخ فهل نحن‬
‫على قدر المهمة؟!!‪.‬‬
‫الأيام (البحرين) ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫*عامل دين من البحرين‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫كلمة ٌ‬
‫ف�ضل اهلل ‪ٌ ...‬‬
‫باقية‬
‫عبد الإله التاروتي*‬

‫� َّأيتها الوردة المطمئ َّنة‪ ،‬بزغ فجرك‪ ،‬فاخلع نعليك و�أ�سبغ‬
‫َ‬
‫مرتين‪،‬‬
‫و�ضو َءك‪،‬‬
‫فالم�صطفون الأخيار‪َ ،‬و ْح َد ُهم يولدون ّ‬
‫الأولى كما الآخرون‪ ،‬والثانية �ساعة يرحلون‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫وم�ضة‬
‫لل�سيد ف�ضل اهلل مع الكلمة مذاق خا�ص‪ ،‬ونكهة ال يك ّدر �صفوها �شيء‪ ،‬لذا و�أنت‬
‫ت�ستمع �أو تقر�أ له تدرك تمام ًا �أنّه لن يخذلك في ال�شدائد‪ ،‬وبرحيله فُجعت الكلمة‬
‫بفار�س ُب ْج َد ِتها‪ ،‬ف�إلى مقام الكلمة �أرفع العزاء‪.‬‬
‫من ديار علي‪ ،‬و�ضفاف الح�سين‪ ،‬ورد ٌة من حقل عظيم تتفتح عن رحيق مختوم‬
‫بـ (محمد الح�سين) ومزاجه (ف�ضل اهلل) �سقيت غ�صونها من معين البيت النبوي‪،‬‬
‫فا�ستظلت قامتها بنور القر�آن‪ ،‬وهدي محمد‪ ،‬وبالغة علي‪ ،‬وجمال وجالل فاطم‪،‬‬
‫وفدائية الح�سنين‪ ،‬فا�ستوت فارعة تروي ق�صة من حكايات غ�صن الزيتون المورف‬
‫من جبل عامل‪ .‬عطر فواح‪ ،‬وخيط يمتد ب�شعاع قد�سي ين�سجه الزمن الآتي من تلك‬
‫الأر�ض المباركة‪ ،‬لترفل الإن�سان بوهج �صدق المق�صد‪ ،‬بق�صد الحق‪ ،‬ليتبين }ا ْلخَ ْي ُط‬
‫�ض ِم َن ا ْلخَ ْي ِط الأَ ْ�س َو ِد ِم َن ا ْل َف ْجرِ {(البقرة‪.)187 :‬‬
‫الأَ ْبيَ ُ‬
‫فتب�صر وهي كذلك‪ ،‬بعين الك�شف وال�شهود‪ ،‬موا�سم الفتح المبين ت�شقّ طريق ًا‬
‫نحو �أفق الحياة الممتد �إلى حيث ا�ست�شراف الم�ستقبل‪ ،‬فمع ك ّل فجر يوم جديد تغريد‬
‫من نوع �آخر يتمو�سق مع �إ�شراقة �صبح ذلك اليوم‪ ،‬فيكتب برم�ش الثقة واالطمئنان‬

‫واليقين‪� ،‬سيمفونية الحب النا�شرة لأ�شرعة }�إنما الم�ؤمنون �أخوة{(الحجرات‪)10 :‬‬
‫و«النا�س �صنفان‪� :‬إما �أخ لك في الدين‪� ،‬أو نظير لك في الخَ ْلق»‪ ،‬ذاهبة في م�شوار‬
‫الكدح كغيث ال�سماء ينزل على الأر�ض الجدباء كما الخ�صبة الممرعة‪.‬‬
‫فيكون ر�سم الكلمات‪ ،‬وهدير التراتيل عنوان ًا �أوحدي ًا ير�شد المريد ل�ساعة‬
‫الإم�ساك عن نيل ما �سوى ر�ضا المحبوب‪.‬‬
‫فالكلمة الم�شفوعة بم�سك الت�آخي زاده‪ ،‬وخف�ض جناح الذل من الرحمة قيثارته‪،‬‬
‫وفك طال�سم العداوات مهنته‪ .‬رهين حب‪ ،‬ونديم خ�شوع‪ ،‬ك ّل ذلك بروح و ّثابة ما‬
‫�شابها وهن عظم‪ ،‬وما اعترتها �شيخوخة فكر‪ ،‬هي بخالف ما قد يتوهمه جامع‬
‫الحطب في غير رحله‪ ،‬ووا�ضع الو�سم في غير �إبله‪� ،‬إنها القب�س الذي ي�ستع�صي على‬
‫االنك�سار‪ ،‬والعنفوان الذي يكبر عن حيز المكان‪ ،‬ويفلت من قيد الزمان‪ ،‬فتم�ضي طو ًال‬
‫وعر�ض ًا تبحث عن مواطن جني الرحيق‪ ،‬ففيها ومنها عيون �شتى من �صنوف النحل‪،‬‬
‫و�أخرى تقف ب�أبعد من مد الب�صر تن�سج من خمائل المقاومة‪ ،‬وال�صبر على الطاعة‬
‫قطائف كتبتها �أنامل الفقاهة بمح�ضر در�س ال�شريعة‪ ،‬على مائدة الحوار القر�آني‬
‫المت�صل «بخطواته‪ ،‬وق�ضاياه‪ ،‬ومفاهيمه»‪ .‬فت�صير �إذذاك كلمة الفقه‪ ،‬طريق ًا مترع ًا‬
‫بفقه الكلمة‪ ،‬تتنزل كما الوحي لطف ًا �إلهي ًا دا ّلته ومق�صده في هذا النزول الأخذ بيد‬
‫الإن�سان نحو �ضالته‪ ،‬ولت�صير بعدها الأ�شجار �أقالم ًا والبحار محابر‪ ،‬و�أديم الأر�ض‬
‫�شاهد �صدق على �سمو المعنى‪ ،‬ورفعة المرقوم‪ ،‬لعناوين م�شرقة في حركية التوحيد‬
‫من موقع فاعلية توحيد الحركة «من �أجل الإ�سالم»‪.‬‬
‫الغري لم يفارق مي�سمها الرحيق‪ ،‬ت�س ّبح بف�ضل‬
‫هكذا بدت تلك الوردة من �أر�ض ّ‬
‫ربها �ساعة بعد �أخرى‪ ،‬فتركع وت�سجد عند عتبات فيو�ضات جوده‪ ،‬رامق ًة ال�سماء‬
‫فقط ال�سماء وال �شيء غير ال�سماء من ي�ستحق �أن يكون قبلة ومق�صد ًا‪.‬‬
‫وقاب قو�سين �أو �أدنى من حيا�ض الفكر والمعرفة ب�ساحة الت�سبيح والتهليل‪ ،‬يتب ّدى‬
‫�صوت رفعته م�آذن التكبير‪ ،‬وقرعته �أجرا�س الكنائ�س‪ ،‬واحت�ضنته �صوامع الخلوة‪...‬‬
‫بف�ضل اهلل‪ :‬تو�شّ حت الكلمة ف�ضل الفقاهة‪ ،‬وتق ّلد ال�شعر محا�سن �سبك القوافي‪،‬‬
‫فهو في محفل مح�ضرها طائر قد�س ال يف ّتر عن عزف التغريد‪ .‬وعند تقرير �أ�صول‬

‫‪251‬‬

‫الفقه‪ ،‬بفقه الأ�صول يف�صح عن عار�ضة ت�أخذ بيدك �إلى حيث ال يبعدك عن حيا�ض‬
‫�إدراك المعنى‪ ،‬فترت�شف �أدب التقوى‪ ،‬بك�أ�س تقوى الأدب‪ ،‬وما بينهما جماع الف�ضائل‪،‬‬
‫ومناخ ركب العظات‪ .‬فقدح زناد �أوار الحق‪ ،‬منوط بكف �أمينة قد حوت من لطف‬
‫المعنى ما ينك�سر به حاجز ال�صمت‪� ،‬إال عن �صدقة �س ِّر في جوف ليل‪.‬‬
‫فكان القلم‪ ،‬والمنبر‪ ،‬والمحراب‪ ،‬مواقيت �إحرام لهذا الم�سعى‪« ،‬ينحدر عنه‬
‫ال�سيل وال يرقى �إليه الطير»‪� ،‬أ�سرته الحكمة فبات تلميذ ًا لمقتنيها‪ ،‬وهو في �ش�أنها‬
‫غير �ضنين‪ ،‬ف�أعجز و�أده�ش في الحالين الملقي والمتلقي‪.‬‬
‫�أبا علي‪� :‬أيتها الوردة المطمئنة‪ ،‬بزغ فجرك‪ ،‬فاخلع نعليك و�أ�سبغ و�ضوءك‪،‬‬
‫َ‬
‫فالم�صطفون الأخيار‪ ،‬وحدهم يولدون مرتين‪ ،‬الأولى كما الآخرون‪ ،‬والثانية �ساعة‬
‫يرحلون‪ ،‬فا�ضرب بع�صاك البحر‪ ،‬واقطف بيمينك ثمار ال�سبعين �آية ومعها ر�ضوان‬
‫من اهلل �أكبر‪ ،‬لربيع ال خريف معه‪ ،‬و�إ�شراقة �شم�س ال تعرف الأفول‪ ،‬لأنك و�أنت الخبير‬
‫الحاذق ب� ّأن �س َّر الن�صر والتج ّلي يتخ ّلق في رحم الواقع خلق ًا بعد �آخر لتجعلها بف�ضل‬
‫اهلل كلمة باقية‪.‬‬
‫الملتقى ‪ 9‬تموز ‪2010‬‬

‫‪252‬‬

‫* كاتب من تاروت ال�سعودية‪.‬‬

‫المــــحـــــب‬
‫ّ‬
‫ال�شيخ ماهر حمود*‬

‫�سماه البع�ض لفترة طويلة النف�س‬
‫لي�س كثير ًا عليه �إن ّ‬
‫الزكية‪.‬‬
‫هي ال�صفة التي الزمته منذ �أن عرفناه حتّى غادر �إلى جوار ربه‪ .‬قالوا مرجع‬
‫االنفتاح والتنوير والعقل والم�ستقبل‪ ،‬قالوا �أمور ًا كثيرة وك ّلها �صحيحة‪ ،‬ولكن ما كان‬
‫ذلك ك ّله لي�أخذ طريقه �إلى الواقع لوال النف�س التي تحت�ضن ذلك العلم وذلك العقل‬
‫وتلك التجربة‪ .‬الأ�صل في ال�صالح هو النف�س‪َ } :‬ونَ ْف ٍ�س َو َما �سَ َّوا َها فَ�أَ ْل َه َم َها ُف ُجو َر َها‬
‫َوتَ ْقوَا َها{(ال�شم�س‪�} ،)8-7 :‬إِ َّن هّاللَ َال يُ َغيِّ ُر َما ِبق َْو ٍم ح ّتى يُ َغيِّ ُرو ْا َما ِب�أَ ْن ُف ِ�سهِ ْم{(الرعد‪:‬‬
‫‪ ،)11‬والى �آخر ما هنالك من �آيات في المعنى نف�سه‪ .‬فالنف�س هي الوعاء الذي ي�ستوعب‬
‫العلم والتجربة‪ ،‬وكل الطاقات الب�شرية‪ .‬ف�إن لم يكن الوعاء منا�سب ًا ال�ستقبال المنح‬
‫الربانية فلن ي�صلح �شيء منها‪.‬‬
‫لقد �صلحت نف�س هذا الراحل الكبير‪ ،‬وعالمة �صالح النف�س �أنّه كان مح ّب ًا‪ .‬ت�شعر‬
‫بالمحبة تت�س ّرب �إليك من كلماته التي ينتقيها وما بينها‪ ،‬من ن�صائحه الرقيقة‪ ،‬من‬
‫قبوله للآخر‪ ،‬من الحوار الذي ا�شتهر به‪ ،‬من �صبره على �أذى �أُولي القربى والأبعدين‪،‬‬
‫�أ�صحاب الأعذار �أو ال�شبهات كما الذين يعلمون‪� .‬صبر عليهم جميع ًا ورف�ض ب�شكل‬
‫م�ستمر �أن ير ّد على الإ�ساءة ب�إ�ساءة‪ ،‬بل كان يحت�سب الأمر �إلى اهلل ويبت�سم را�ضي ًا بما‬
‫ح�صل‪ ،‬واثق ًا من الم�ستقبل الذي �سي�أتي بهم �إلى جادة ال�صواب �أو يعيدهم �إليها‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫‪254‬‬

‫بر�أينا‪ ،‬ال يزال جوهر ًة مكنونة‪ ،‬وال تزال �أهميته الحقيقية مخبوءة كال ُّدر العظيم‬
‫الذي ال ُيع َلم قيمته حيث هو‪ .‬وال يزال الذي لم ُي ْ‬
‫قل بع ُد �أعظم من الذي قيل‪ ،‬وبر�أينا‪،‬‬
‫محب‪ ،‬ن�ست�شعر من كلماته وفلتات‬
‫لم يقد ّره �أح ٌد ح ّتى الآن كما ي�ستحق‪ .‬وذلك كله لأنّه ّ‬
‫يحب لنف�سه»‪ .‬وهذه‬
‫يحب لأخيه ما ّ‬
‫ل�سانه الحديث ال�شريف‪« :‬ال ي�ؤمن �أحدكم ح ّتى ّ‬
‫ال�صفة التي جعلت �أفكاره تت�س ّرب �إلى النفو�س ب�سال�سة وهدوء‪ ،‬ومن دون �ضجيج‬
‫وجلبة‪ ،‬وك�أني به كما و�صف ال�شاعر‪:‬‬
‫ووج��� ُه َ‬
‫ت�� َم�� ُّر ب َ‬
‫���ك الأب���ط ُ‬
‫با�سم‬
‫���ال َك�� ْل��م��ى هزيم ًة‬
‫���ك ّ‬
‫و����ض���ا ٌح و َث���غ��� ُرك ُ‬
‫هو تمام ًا كذلك‪ .‬هل ر�أيتموه بعد محاولة االغتيال ال�شهيرة‪ ،‬وغيرها؟ هل ر�أيتموه‬
‫والق�صف ينهمر على المنطقة التي هو فيها؟ هل عا�شرتموه في فترات الأخطار‬
‫المتع ّددة الوجوه والأ�شكال؟ هل �سمعتموه والنا�س يخت�صمون على �أمور كبيرة و�صغيرة‬
‫وي ّتهم بع�ضهم بع�ض ًا ويت�شاتمون وهو يعطي ر�أيه بهدوء بال ت�شنّج �أو خوف من �أحد‪.‬‬
‫محب للخير‪� ..‬أح�سب �أنّه كان في اللحظة التي ت�سقط‬
‫محب‪ٌّ ،‬‬
‫لماذا ذلك ك ّله؟ لأنّه ٌّ‬
‫متفجرة ال يحقد على ُمط ِل ِقها وال على الذي كان حري�ص ًا على قتله وال على الذي‬
‫قربه ّ‬
‫يفتري عليه ويت�أ ّول عليه بهتان ًا وجحود ًا‪.‬‬
‫�شح العلم �أم كثر‪ ،‬ك ُبر المقام �أم �صغر‪ُ ،‬نظر الإن�سان �أم ُغمر‪ ،‬انطلق في‬
‫نعم‪ّ .‬‬
‫الآفاق �أم ُح ِ�شر‪� ،‬أ�صل ال�صالح هو النف�س‪ .‬ولي�س كثير ًا عليه �إن �س ّماه البع�ض لفترة‬
‫طويلة النف�س الزكية‪� ،‬سواء كان الهدف من ت�سميته الت�أكيد على �صفاته �أم ربط‬
‫ذلك بمو�ضوع �آخر‪� .‬إنما لي�س كثير ًا عليه �أن يكون النف�س الزكية التي ال تنطوي �إال‬
‫ور�ضى بما ق�سم اهلل وخير يراه‬
‫على خير ومحبة وحر�ص على الم�ؤمنين ور�أفة بهم‬
‫ً‬
‫في العدو وال�صديق على ح ّد �سواء‪ ،‬يبحث عنه فيالقيه لين�شر من خالل ذلك الخير‬
‫ليبني على ذلك الخير المخبوء خير ًا فيزداد الخير على‬
‫المخبوء عند الآخرين‪َ ،‬‬
‫الخير‪ ..‬خير ًا‪.‬‬
‫هذا ما ن�ستطيع �أن نقوله باطمئنان وي�ستوعبه الجميع‪� ،‬إال � ّأن �أهمية هذا العالم‬
‫الجليل في ما ال ن�ستطيع قوله على الملأ‪ ،‬بل ما لم يكن ي�ستطيعه هو بنف�سه‪ ،‬ولنا‬

‫�أ�سوة في العلماء والعظام الذين � ّأ�س�سوا لفقه الإ�سالم العظيم‪� .‬أال يكفينا مث ًال الإمام‬
‫ال�شافعي الذي تُن ّبئنا �أقواله و�أ�شعاره والمثل الأبرز منها قوله‪:‬‬
‫فلي�شهد ال��ث��ق�لان �أن����ي راف�ضي‪.‬‬
‫����ب �آل محمد‬
‫�إن ك����ان رف�����ض�� ًا ح ُّ‬
‫هذا �إمام � ّأ�س�س لواحد من �أكبر المذاهب في التاريخ الإ�سالمي وجمع في �شخ�صه‬
‫مواهب متع ّددة وتم ّيز ب�صغر �سنّه عندما كان يفتي للنا�س‪ ،‬فها هو يدافع عن نف�سه‬
‫�أمام العامة ورعاع النا�س‪ .‬لي�س كثير ًا عليك يا �س ّيد �أن تق�ضي ق�سط ًا عظيم ًا من‬
‫حياتك ال�شريفة تدافع عن نف�سك وال يفهمك النا�س �أو كثير منهم‪ ،‬ونك ّرر �أي�ض ًا‬
‫ما قاله الإمام �أحمد بن حنبل عندما اختلف مع من ال ي�ستطيعون فهمه قال‪ :‬بيننا‬
‫وبينكم الجنائز‪.‬‬
‫المحب‪.‬‬
‫هل ر�أيتم جنازة ال�س ّيد؟ �إنّه‬
‫ّ‬
‫ال�سفير ‪ 8‬تموز ‪2010‬‬

‫*عامل دين لبناين‪.‬‬

‫‪255‬‬

‫ال�س ّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫الم�سيحي‬
‫والحوار ال‬
‫إ�سالمي ‪-‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م�سوح*‬
‫الأب جورج ّ‬

‫�شك‪� ،‬أح��د �أه� ّ�م ّ‬
‫هو بال ّ‬
‫مفكري الإ�سالم المعا�صر‬
‫ومجتهديه‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫ال ينكر �أحد على الع ّالمة ال�س ّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل كونه مرجع ّية دين ّية‬
‫بخا�صة‪ .‬ولي�س ب�إمكان �أحد‬
‫وفكر ّية كبيرة في الإ�سالم بعا ّمة‪ ،‬وفي الإ�سالم‬
‫ال�شيعي ّ‬
‫ّ‬
‫�أن ُينكر جر�أته و�شجاعته في فتاواه و�آرائه العديدة التي حاول فيها ت�صحيح بع�ض‬
‫المعتقدات والممار�سات الخاطئة في الإ�سالم‪ .‬كما لي�س بو�سع �أحد �أن ُينكر عليه‬
‫الم�سيحي‪ ،‬وبالحوار بين الأديان‪ .‬هو‪ ،‬بال ّ‬
‫�شك‪� ،‬أحد‬
‫�إيمانَه بالتعاي�ش ال‬
‫إ�سالمي ‪-‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أهم مف ّكري الإ�سالم المعا�صر ومجتهديه‪.‬‬
‫� ّ‬
‫الم�سيحي فيندرج في‬
‫إ�سالمي‬
‫�أ ّما ما ق ّدمه ال�س ّيد ف�ضل اهلل في مو�ضوع الحوار ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الالهوتي‪،‬‬
‫والوطني من جهة �أخرى‪ .‬فعلى ال�صعيد‬
‫الالهوتي من جهة‪،‬‬
‫م�ستويين‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫«يوحدون اهلل»‪ ،‬وب� ّأن «الإ�سالم ال يعتبر الن�صارى‬
‫يعترف ف�ضل اهلل ب� ّأن الم�سيح ّيين ّ‬
‫م�شركين (‪ )...‬فللم�شركين حكم ولأهل الكتاب حكم �آخر»‪ّ .‬ثم يم ّيز ف�ضل اهلل بين‬
‫«تج�سد اهلل في‬
‫ما ي�س ّميه �شر ًكا مبا�ش ًرا و�شر ًكا فل�سف ًّيا‪ ،‬فيعتبر القول‬
‫الم�سيحي بـ ّ‬
‫ّ‬
‫فل�سفي‪ .‬الم�شكلة الالهوت ّية لدى ف�ضل اهلل ال تكمن في‬
‫ال�س ّيد الم�سيح» مج ّرد �شرك‬
‫ّ‬

‫بتج�سد كلمة اهلل‬
‫اعتقاد الم�سيح ّيين بالثالوث «فهم ّ‬
‫موحدون»‪ ،‬بل تكمن في �إيمانهم ّ‬
‫ب�شري‪.‬‬
‫في كيان ّ‬
‫ويذهب ف�ضل اهلل في اجتهاده �إلى ح ّد القول بكف َر ْين لينفي عن الم�سيح ّيين‬
‫م�س�ألة الكفر باهلل‪ ،‬فيقول‪« :‬لي�س معنى � ّأن القر�آن عندما يقول عن �أهل الكتاب �إنّهم‬
‫كافرون‪� ،‬أنّه الكفر الذي ُيخرجهم عن الإيمان باهلل وعن توحيده‪ ،‬ولكن معناه الكفر‬
‫نبي الإ�سالم ال‬
‫ن�سبي»‪ ،‬وفق كالمه‪ ،‬فكفر الم�سيح ّيين بر�سالة ّ‬
‫بالر�سول»‪ .‬ول ّأن «الكفر ّ‬
‫يمنعهم من االلتقاء بالم�سلمين في توحيد اهلل والإيمان به‪ .‬هنا تبرز خ�صو�ص ّية ف�ضل‬
‫إ�سالمي القديم في‬
‫اهلل الالهوت ّية‪ ،‬حيث يق ّدم قراءة جديدة غير م�ألوفة في الفكر ال‬
‫ّ‬
‫التوحيدي‪ .‬وفي هذا الأمر �شجاعة فكر ّية‪ ،‬وال �س ّيما في هذا‬
‫�ش�أن �إيمان الم�سيح ّيين‬
‫ّ‬
‫الزمن الذي ي�سوده التكفير ح ّتى بين �أبناء المذهب الواحد‪.‬‬
‫الم�سيحي وعن الحوار‬
‫يدافع ال�س ّيد ف�ضل اهلل عن التعاي�ش الم�شترك ال‬
‫إ�سالمي ‪-‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بين الم�سلمين والم�سيح ّيين‪ ،‬ويبني ذلك على الم�صادر الإ�سالم ّية الأ�سا�س ّية وعلى‬
‫أي�ضا �إلى «كلمة‬
‫التراث ال‬
‫إ�سالمي‪ .‬فالقر�آن دعا �إلى الحوار «بالتي هي �أح�سن»‪ ،‬ودعا � ً‬
‫ّ‬
‫�سواء بيننا وبينكم»‪ ...‬غير � ّأن ف�ضل اهلل‪ ،‬من ناحية �أخرى‪ ،‬يدعو �إلى قيام دولة‬
‫�إ�سالم ّية ُيحفظ فيها حقّ المواطنة للم�سيح ّيين مع بع�ض التحفّظات الت�شريع ّية التي‬
‫لن تنال من كرامة �أحد»‪ .‬ويق ّر هو نف�سه ب� ّأن تحقيق هذا الم�شروع لي�س في الم�ستقبل‬
‫ال�سيا�سي‪« ،‬كما � ّأن للمارك�س ّيين‬
‫الفكري‬
‫المنظور بل هو مطروح على ال�صعيد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م�شروعهم‪ ،‬ولال�شتراك ّيين �أو للقوم ّيين م�شروعهم»‪.‬‬
‫من هنا يطلب ف�ضل اهلل من الم�سيح ّيين التخ ّلي عن عقدة الخوف عندهم‬
‫من الم�سلمين معتب ًرا � ّأن «الم�سلمين يف ّكرون بالعي�ش في م�ساواة مع الم�سيح ّيين‬
‫في دولة تكون فيها الحقوق والواجبات مت�ساوية»‪ .‬لكن كيف يمكن االن�سجام بين‬
‫الدعوة �إلى دولة �إ�سالم ّية مع «بع�ض التحفّظات الت�شريع ّية» و�إ�شادته بنظام «�أهل‬
‫الذ ّمة»‪ ،‬من جهة‪ ،‬وبين «الم�ساواة» مع الم�سيح ّيين من جهة �أخرى؟ يجيب ال�س ّيد‬
‫ف�ضل اهلل عن هذا الت�سا�ؤل بقوله‪ّ �« :‬إن الدولة الإ�سالم ّية ال تف ّرق بين مواطنيها‬
‫ّ‬
‫العام للدولة في الفكر الذي‬
‫في مواطن ّيتهم �إ ّال بالمدى الذي يلتزمون فيه‬
‫بالخط ّ‬

‫‪257‬‬

‫العام ال دور لهم في‬
‫يرتكز عليه �أ�سا�سها (‪ )...‬ولهذا ف� ّإن الذين ال يلتزمون بالفكر ّ‬
‫القرارات الم�صير ّية القائمة على هذا الفكر‪ ،‬على م�ستوى العالقات والت�شريعات‬
‫التي ال ب ّد �أن تنطلق من القناعات بالأ�سا�س الذي ترتكز عليه الدولة‪ .‬ولكنّهم‬
‫يعي�شون مواطن ّيتهم مع الآخرين في الحقوق والواجبات بحيث ي�شاركون في‬
‫القرارات ال�سيا�س ّية واالجتماع ّية واالقت�صاد ّية فيما عدا الجوانب الع�سكر ّية» (في‬
‫الم�سيحي‪ ،‬دار المالك‪� ،‬ص ‪.)106‬‬
‫�آفاق الحوار ال‬
‫إ�سالمي ‪-‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المواطنة‪ ،‬وفق اعتقاد ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬هي مواطنة ينق�صها الم�شاركة في‬
‫أهم عامل يمكن التدليل به على المواطنة‬
‫القرارات الت�شريع ّية والع�سكر ّية‪ .‬و� ّ‬
‫ال�صحيحة والم�ساواة التا ّمة بين المواطنين �إنّما هو الم�شاركة في �ش�ؤون الدولة‬
‫ك ّلها وال �س ّيما الت�شريع ّية والع�سكر ّية بالإ�ضافة �إلى ال�سيا�س ّية‪ .‬و�إن كان ف�ضل اهلل‬
‫مج ّدد ًا في الم�س�ألة الالهوت ّية‪ ،‬فهو يبقى تقليد ّي ًا في م�س�ألة الدولة الدين ّية وو�ضع غير‬
‫الم�سلمين في هذه الدولة‪.‬‬
‫النهار ‪ 11‬تموز ‪2010‬‬

‫‪258‬‬

‫* رجل دين م�سيحي لبناين‪.‬‬

‫«ف�ضل اهلل» رجل التجديد ورمز‬
‫المقاومة والتحرير‬
‫د‪ .‬عمر الكبي�سي‬

‫كان علاّ مة الأ ّمة ومرجع التجديد والتغيير والمقاومة‪.‬‬
‫من الم�ؤكد � ّأن وفاة العلاّ مة محمد ح�سين ف�ضل اهلل بما تحمل من حجم الفاجعة‬
‫وهول الم�صيبة و�س ِّر حكمة اهلل في توقيتها‪ ،‬تثير في نفو�س من يعرفون قيمة هذا‬
‫العالم الجليل ويدركون عمق فهمه و�إن�سانيته ووطنيته �أ�سى كبير ًا وحزن ًا عميق ًا‪ ،‬مع‬
‫ما يح�سب له من �شخ�صية نادرة فذّة نالت تَعلُّق عارفيه ومحبيه ومقلديه وحب من‬
‫ق ّدم لهم يد االهتمام والرعاية وتقدير المقاومين والمجاهدين وتقييم اللبنانيين‬
‫والعرب والم�سلمين واعتراف الخ�صوم والمعار�ضين قبل الأتباع والم�ؤيدين ب�شجاعته‬
‫وتوا�ضعه و�إن�سانيته ووطنيته وعروبته ومقاومته وعطفه وحنانه وتوا�ضعه وب�ساطته‬
‫و�شجاعته و�إبداعه ومبادراته و�إنجازته‪.‬‬
‫�شخ�صية كهذه ال تت� ّأ�سى النفو�س على ما حققت و�أنجزت‪ ،‬و�إنما تت� ّأ�سى على ندرة‬
‫تكرارها وتج ّددها وتعوي�ضها في زمن ت�شتد فيه الأزمات وتتحالك فيه على الأمة‬
‫الم�صائب ويغلب على جمعها الهوان‪ ،‬زمن يخفت فيه ال�ضياء وتنطفئ فيه ال�شموع‬
‫ويعم الي�أ�س والإحباط‪ ،‬في م�سرح تنتحر فيه الف�ضيلة‬
‫وي�سود فيه القهر والظالم ّ‬
‫وت�شهد ال�ساحة افتقارها �إلى الرموز والرجال والأبطال‪.‬‬

‫‪259‬‬

‫‪260‬‬

‫«ف�ضل اهلل» كبير �إن�ساني ًا حين يفتي دون غيره بطهارة الإن�سان �أين ما كان و«ف�ضل‬
‫اهلل» عادل عندما يفتي ب�شرعية �أن تعاقب المر�أة زوجها �إن جار على حقوقها وتطلب‬
‫ري عندما ينفي الوالية على المر�أة البالغة‪ ،‬و«ف�ضل‬
‫التفريق‪ ،‬و«ف�ضل اهلل» تح ّر ٌّ‬
‫اهلل» منا�ضل عندما �أطلق المقاومة بوجه االحتالل‪ ،‬و«ف�ضل اهلل» لبناني وعروبي‬
‫و�إ�سالمي عندما يتبنّى الوحدة �أ�سا�س ًا للقوة والتحرير‪ ،‬و«ف�ضل اهلل» عبقري عندما‬
‫ينبذ الطائفية ويكفر ب�أكاذيب وممار�سات وتقاليد الموروث الفا�سدة‪ ،‬و«ف�ضل‬
‫اهلل» علمي وعملي عندما يفتي ب�شرعية الأخذ بقوانين الفلك و�أدواته ومرا�صده‪،‬‬
‫و«ف�ضل اهلل» عالم متوا�ضع حين يفتي بجواز تقليد غير الأعلم‪ ،‬و«ف�ضل اهلل» الأجر�أ‬
‫والمتم ّيز بطرح القاعدة الفقهية عندما ي�صل الفقيه �إلى القناعة الثابتة والو�ضوح‬
‫في الر�ؤية‪ ،‬و«ف�ضل اهلل» الأكرم من غيره في نفي مبرر التح ُّوط والتردد في الإفتاء‪،‬‬
‫و«ف�ضل اهلل» كان الأب�صر في ت�شخي�ص الأخطاء وتحليل المواقف والأكثر حكمة‬
‫في ترويج الحوار والنقا�ش بين معار�ضيه والمختلفين معه والأ�صلب في الموقف‬
‫في ق�ضايا مقاومة االحتالل ال�صهيوني والأميركي والأجنبي والنابه ال�س َّباق في‬
‫ّ‬
‫والت�شظي والمق َّلد ال�شجاع لمن يعتقد ب�صحة نهجه ور�صانة موقفه‬
‫تعرية الطائفية‬
‫والكاتب الوا�ضح في فتاواه وفقهه وعلمه وم�ؤلفاته ور�سائله وندواته ومحا�ضراته‪،‬‬
‫و«ف�ضل اهلل» ب�سبب ك ّل ما ذكرته وما لم �أذكره كان عالمة الأمة ومرجع التجديد‬
‫ّ‬
‫والت�شظي‬
‫والتغيير والمقاومة والوحدة والتحرير في زمن الجمود والتبرير والهوان‬
‫واالحتالل‪.‬‬
‫رحل الفقيد ف�ضل اهلل مطمئن النف�س عن �أدائه را�ضي ًا غير متر ّد ٍد في �أرائه‬
‫وطرح �أفكاره لكنّه رحل مليئ ًا بهموم م�ستقبل الأمة‪ ،‬دعوني �أناديه بفقيد فل�سطين ل ّأن‬
‫وجود �إ�سرائيل في المنطقة كان يعني له التحدي الكبير والهاج�س والكابو�س‪ ،‬ورحل‬
‫الفقيد في حالة قنوط من حالة التناق�ض التي تخترق عمق المف ّكر العربي والإ�سالمي‬
‫فيما يتع ّلق بالمقاومة والتحرير وعالقة الدين بالدولة‪ .‬لم يكترث في حياته بما تثير‬
‫�أفكاره من ردود وما تع ّر�ض له من �إ�سفاف و�صدود ومحاوالت �إق�صاء مق�صود لغاية‬
‫المحب والمق ّلد والحا�سد والحقود؛ تم�سك‬
‫يوم الأجل الموعود ليجمع على تم ّيزه‬
‫ّ‬

‫تع�صب وج ّدد بما اقتنع فكان الأرجح والأ�صوب وكان في مرجعيته �إلى‬
‫بالمذهب وما ّ‬
‫ال�شارع �أقوى و�أقرب‪.‬‬
‫رحل الفقيد ب�أداء مثالي وتوازن وحكمة عالية وبفكر وقَّاد مت�صاعد ِوذ ْكرٍ ٍ‬
‫خالد!‬
‫عزا�ؤنا فيه �أن ت�ستم ّر الم�سيرة وتتكامل الخطى على نهجه المن�شود ب�شجاعة الموقف‬
‫وبالتحدي وال�صمود‪.‬‬
‫القد�س العربي ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫*كاتب عراقي ‪.‬‬

‫‪261‬‬

‫�شغل النا�س ولم ين�شغل بهم‬
‫ال�شيخ محمد ال�صفار *‬

‫يب�سط لي القول لأكت�شف بنف�سي � ّأن مناوئيه في وا ٍد‬
‫كان ّ‬
‫وهو في وا ٍد �آخر‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫رحيل ف�ضل اهلل �إلى �سعة رحمة اهلل‪ ،‬وت�سليم روحه لخالق الأرواح ق�صة من �أروع‬
‫الق�ص�ص‪ ،‬ول�ست �أدري لماذا اعتُبر رحيله من �أروع و�أمتع الق�ص�ص والجرح بعد لم‬
‫يندمل في قلوب �أهله وع�شيرته ومقلديه ومحبيه‪ ،‬وجميع من ت�صيد العلم من ل�سانه‬
‫ويده‪ ،‬ودرو�سه وبحوثه وكتاباته ومقابالته‪.‬‬
‫ربما لأن �سنواته الأخيرة كانت مليئة بالجديد والملفت والخارج عن الم�ألوف‪،‬‬
‫وربما لأني ما زلت �أف ّكر كيف يتح ّول ال�شخ�ص بين ع�شية و�ضحاها من «عالم خ�سرته‬
‫النجف»‪ ،‬كما نقلها البع�ض عن المرحوم الكبير ال�س ّيد محمد باقر ال�صدر في حقّ‬
‫الفقيد‪� ،‬إلى هدف تتجه �إليه ال�سهام؟‬
‫ترجله �إلى بارئه �أغم�ضت عيني وغادرني فكري �إلى جل�ستين‬
‫فور �سماعي خبر ّ‬
‫جل�ستهما مع �سماحته‪ ،‬الأولى في مزرعته في منطقة ال�سيدة زينب ب�سوريا‪ ،‬والثانية‬
‫في حوزته بنف�س المنطقة‪ ،‬وقلت له‪�« :‬سيدنا �أريد �أن �أفهم منك مبا�شرة بع�ض ما‬
‫�أ�سمعه من النا�س حول �آرائك و�أفكارك»‪ ،‬فكان يب�سط لي القول لأكت�شف بنف�سي � ّأن‬
‫مناوئيه في واد وهو في واد �آخر‪.‬‬
‫ق�ص‬
‫كانت الماكينة الم�ضا ّدة كبيرة الحجم وا�سعة الجمهور‪ ،‬وقد ن�شطت في ّ‬

‫كلماته و�إخراجها عن �سياقها واقتطاعها من �أجوائها‪ ،‬فكانت الكلمة الواحدة تعطي‬
‫للجمهور �إيحا ًء يدفعها للثوران وردود الأفعال المت�شظية والمت�شنجة‪.‬‬
‫في و�ضعنا ال�شيعي هناك هامات انتقدت و�صرحت بانتقاداتها للملأ‪ ،‬ورف�ضت‬
‫�أطروحات ف�ضل اهلل‪ ،‬وكان من حقها �أن تفعل ذلك‪ ،‬واالختالف معها في الأ�سلوب‬
‫وطريقة الطرح ال يمنعها حقها في �إبداء ر�أيها‪ ،‬مع �أني �أنحني لهامات �أخرى عاي�شت‬
‫م�سيرة هذا الفقيد فحافظت على هدوء النا�س و�إنزال ال�سكينة في نفو�سهم‪ ،‬ون�أت‬
‫بجمهورها عن كثير من اللغو والقيل والقال‪.‬‬
‫�أعود للحظة �سماعي خبر وفاة الفقيد‪ ،‬فقد كنت �أر�سل العديد من الأ�سئلة �إلى‬
‫�أعماقي و�أعيد �إر�سالها لتحرك ك ّل م�شاعري‪ ،‬اهلل كم من الحزن يملأ قلب هذا‬
‫الرجل‪ ..‬كم ت�أ ّلم وكم انجرحت م�شاعره‪ ..‬وكم �سهر ليله مغموم ًا‪.‬‬
‫كانت الأ�سئلة تعود خائبة ح�سيرة‪ ،‬فالحزين ال يبني‪ ،‬والحزين ال ينتج‪ ،‬والحزين ال‬
‫ينت�شر‪ ،‬والحزين ال يبدع‪ ،‬والحزين ال ينطلق‪ ،‬والحزين ال يف ّكر وال يد ّر�س وال يباحث‬
‫وال يربي‪.‬‬
‫المغموم والحزين ينتهي وينطفئ ويتراجع ويخبو‪ ،‬لأنّه ين�شغل بمن �آذاه ومن‬
‫نفتر�ض �أنّه �أحزنه‪..‬‬
‫ولو و�صل المناوئون له لهذا الت�أثير الحقيقي في نف�سه �إذ ًا لحقّقوا �أهدافهم‪،‬‬
‫دجنوه لي�صبح ن�سخة‬
‫و�أوقفوا م�شروعه‪ ،‬وفر�ضوا عليه مزيد ًا من التراجعات‪ ،‬ثم ّ‬
‫مكررة منهم‪ ،‬لكن الكبير ال ت�سمح له نف�سه بت�سرب الي�أ�س والإحباط والحزن لها‪،‬‬
‫بل يبقى يخط م�سيره ويترك للآخرين وقت ًا مديد ًا وف�سحة كافية وت�سامح ًا كبير ًا‬
‫لالن�شغال به‪ ،‬ومالحقة خطواته ليعي�شوا ر ّدات الفعل ولي�س الفعل الحقيقي‪.‬‬
‫ال يحزن الكبير �أبد ًا‪ ،‬بل يتجوهر كلما تح ّركت نار الت�شويه والنيل منه‪ ،‬ولو حزن‬
‫فقد مكانه ومكانته وعاد �صغير ًا ال ُي�ؤ�سف على موته‪ ،‬وال ُيرجى خير من حياته‪.‬‬
‫كنا نذهب للمرحوم الكبير ال�س ّيد محمد ال�شيرازي ون�شتكي له ما يقول النا�س‬
‫عنه‪ ،‬وما يجب �أن نفعل �أمام تلك ال�شائعات‪ ،‬فكان يدفعنا لتوزيع �شريط‪ ،‬وطباعة‬
‫كتاب‪ ،‬ومحاولة الكتابة ويقول رحمه اهلل‪ :‬ال تن�شغلوا ب�أحد‪.‬‬

‫‪263‬‬

‫الكبير يغفر للنا�س وي�سامحهم‪ ،‬وف�ضل اهلل لو امتدت به الأيام َلم َا انتقم من‬
‫�أحد‪ ،‬وهذا هو المرجو من �أوالده و�أ�سرته ومق ّلديه ومحبيه‪ ،‬فدورهم الإيجابي جميع ًا‬
‫�سيعطي للفقيد حياة وحياة وحياة‪.‬‬
‫�أختم بالقول‪ّ � :‬إن جوهر التدين وعظمة الإن�سان ال يبرزها لبا�سه‪ ،‬وال طول �سجوده‬
‫وال درو�سه ومحا�ضراته‪ ،‬بل تبرزها �ساحات االختالف وتع ّدد الر�ؤى والأفكار‪ ،‬والقليل‬
‫هم من يتدينون حين اختالفهم‪.‬‬
‫اليوم (ال�سعودية) ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫‪264‬‬

‫*كاتب �سعودي «القطيف»‪.‬‬

‫ف�ضل اهلل بعيون �سلفية‬
‫منير النمر*‬

‫مجدد ًا �إ�سالمي ًا ومفكر ًا كبير ًا في ال�ساحتين‬
‫�أ�صبح‬
‫ّ‬
‫وال�سنية‪.‬‬
‫ال�شيعية‬
‫ّ‬
‫ال يختلف اثنان ح�سب ت�ص ّوراتي ب� َّأن �سماحة الراحل العالمة �آية اهلل العظمى‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل رجل العلم والتوا�ضع الكبيرين كان مج ّدد ًا بحقّ في‬
‫مذهبه ال�شيعي‪� ،‬إذ خ ّلف م�ؤلفات ع ّدة تناول فيها ق�ضايا بالغة الح�سا�سية‪ ،‬كما �أنّه‬
‫من دعاة تنقية التراث ال�شيعي على مختلف ال�صعد‪.‬‬
‫� ّإن تجديد الراحل لم يقت�صر على �ساحته ال�شيعية فح�سب‪ ،‬بل تجاوز حالة‬
‫«التمذهب» التي ت�سود في الأو�ساط الإ�سالمية عامة‪ ،‬حيث � ّإن ق ّلة من الفقهاء‬
‫الم�سلمين ي�ستطيعون تجاوز تلك الحالة التي ت�ضغط على كثير منهم‪ ،‬محاولة‬
‫َث ْنيِهم عن الخروج منها‪َ ،‬ب ْي َد � ّأن الراحل الكبير ا�ستطاع بفكره واجتهاده الع�صري‬
‫�أن ُيفلت من ك ّل تلك ال�ضغوطات التي تما َر�س عادة على الرموز والمرجعيات‬
‫مجدد ًا �إ�سالمي ًا ومف ّكر ًا كبير ًا في ال�ساحتين ال�شيعية وال�سنية‪،‬‬
‫الدينية‪ ،‬ف�أ�صبح ِّ‬
‫ولع ّلي ال �أبالغ � ْإن قلت �إنّه المرجعية ال�شيعية الوحيدة التي ج ّددت فع ًال في الفقه‬
‫ال�شيعي في القرن الحالي‪ ،‬وذلك وا�ضح ح ّتى في لغته الكتابية‪ ،‬ف�ض ًال عن كثير‬
‫من فتاواه‪ ،‬منها مث ًال عدم �شرط موافقة الولي في زواج الفتاة البكر‪ ،‬وعدم ر�ؤيته‬
‫لنجا�سة الكافر‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫‪266‬‬

‫�إن ابتعدنا عن ال�ساحة ال�شيعية �سنجد � ّأن «العالمة» يم ّثل رقم ًا �صعب ًا ح ّتى في‬
‫ال�ساحة ال�سنية ال�سلفية‪ ،‬وهذا ما وجدته بنف�سي حين �شرعت في �إعداد تقرير‬
‫�صحافي عن الراحل في يوم ت�شييعه و�شارك فيه مجموعة من علماء ال�سلفية وك ّتاب‬
‫ومف ّكرين �سعوديين التقوا به في وقت �سابق في بيروت‪ ،‬ولي�سمح لي القارئ �أن �أطلعه‬
‫على ما قاله بع�ضهم‪ ،‬يقول لي القا�ضي ال�سابق المحامي ال�شيخ محمد �صالح الدحيم‬
‫ب� ّأن مرجعية ال�س ّيد تجاوزت الأطر المذهبية كافة‪ ،‬و�إنّه حين جل�س معه وناق�شه في‬
‫ق�ضايا �إ�سالم ّية ها ّمة َو َج َده �شخ�صية فذّة‪ ،‬و�ش ّدد لي ب� ّأن ال�س ّيد يتمتع بطريقة تفكير‬
‫فريدة ّ‬
‫أهم ما قاله لي َك ُمن في تركيز‬
‫وظفها �إ�سالمي ًا في �شكل موفّق جد ًا‪ .‬ولع ّل � ّ‬
‫ال�س ّيد �أثناء جلو�سه معه على تجاوز الخالفات ال�سنية ال�شيعية‪ ،‬وقال له رحمه اهلل «� ّإن‬
‫توحد الأمة الإ�سالمية بد ًال من �أن تف ّرقها»‪ .‬و«� ّإن الخالفات‬
‫علينا �أن نطرح م�شاريع ّ‬
‫والتركيز عليها لن تجعلنا نخرج ب�شيء‪ ،‬و� ّإن الخالفات ن�صنعها نحن ونعي�ش فيها‬
‫وتحت � ْأ�سرها»‪.‬‬
‫هذه ال�شهادة الكبيرة التي د ّونها «الدحيم» ال تختلف كثير ًا عن �شهادة �أخرى‬
‫ق ّدمها الكاتب عبداهلل فراج ال�شريف‪� ،‬إذ يرى � ّأن رحيل ال�س ّيد ُيع ّد خ�سارة كبيرة‬
‫للأمة الإ�سالمية‪ ،‬و�أ�سهب في الثناء على الراحل حيث �ش ّدد على �أنّه «رحمه اهلل»‬
‫يهم الم�سلمين جميع ًا‪ ،‬ولع ّل‬
‫يخ�ص مذهب ًا دون �آخر‪ ،‬بل �إنّه مفكر �إ�سالمي ّ‬
‫ال ّ‬
‫�أهم ما لفت انتباهي �أثناء المحادثة الهاتفية َك ُمن في زيارة ال�شريف للراحل‪،‬‬
‫�إذ يقول ما �إن التقيته ح ّتى �شعرت بالطم�أنينة ت�سري في عقلي وج�سدي‪ّ � ،..‬إن‬
‫يوجه ويقول �إن‬
‫الراحل كان يتح ّدث عن �آماله التي ّ‬
‫توحد الأمة الإ�سالمية‪ ،‬وكان ّ‬
‫ح�صل خالف ف� ّإن ذلك محتمل ون�ستطيع التعاي�ش معه‪ ..‬كان عالم ًا بارز ًا من‬
‫�أ�صحاب تفادي الأحقاد وال�ضغائن‪ ،‬ومن دعاة التوحيد والتعاي�ش الحقيقيين‬
‫وترك الفتنة‪.‬‬
‫�أما الدكتور عمر كامل ف�إنّه يرى � ّأن ال�س ّيد من �أكثر مراجع ال�شيعة رغبة في توحيد‬
‫الأمة الإ�سالمية‪ ،‬وله اجتهادات مه ّمة جد ًا‪ ،‬كما �أنّه تم ّيز بر�ؤية وا�سعة في حقوق‬
‫تو�صل له و�أ�صله من مذاهب الم�سلمين‬
‫المر�أة وحقوق غير الم�سلمين‪ ،‬وا�ستخرج ما ّ‬

‫كافة‪ ،‬كما ا�ستخرج ن�صو�ص ًا ت�ؤ ّيد الو�سطية من غير المذهب ال�شيعي‪ ،‬وي�ش ّدد على‬
‫ت�صب في �صالح الوحدة الإ�سالمية والت�سامح الديني‪ ،‬و�أنّه‬
‫� ّأن الراحل كانت له �آراء ّ‬
‫عالمة بارزة في المذهب ال�شيعي‪.‬‬
‫� ّإن مثل هذه الت�أييدات تُعتبر بالغة الأهمية في الفترة الزمنية التي نعي�شها‪ ،‬خا�صة‬
‫�أنّها مرحلة ي�ش ّدد فيها الغرب على بث �أ�شكال الطائفية بين الم�سلمين‪� ،‬إذ ي�ضرب‬
‫الم�سلم بالم�سلم الآخر �ضمن �سيا�سة قديمة متبعة «ف ّرق ت�سد»‪ ،‬بال‬
‫الم�شروع الغربي‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫�شك � ّإن الراحل ت�ص ّدى بفكره المقاوم لهذه الم�شاريع‪� ،‬إذ �ساهم في �شكلٍ ف ّعال في‬
‫ك�سب ت�أييد جهات دينية مختلفة في العالم الإ�سالمي‪.‬‬
‫وفي هذا ال�صدد � ُ‬
‫ال�سنّة �أن ال يكتفوا بت�أييد الراحل‬
‫آمل من رجال الدين ال�شيعة قبل ُ‬
‫وا�ستخراج البيانات التي ترثيه‪ ،‬بل عليهم �أن يك ّر�سوا حياتهم لخدمة الأهداف التي‬
‫وبث روح الت�سامح في‬
‫�سار فيها الراحل‪ ،‬و�أه ّمها رف�ض الظلم والبغي والعدوان‪ّ ،‬‬
‫المجتمعات التي يعي�شون فيها‪ ،‬وتبنّي �أفكار م� ّؤ�صلة �إ�صالحية حقيقية‪.‬‬
‫ا�ستقبلني رغم ان�شغاله‬
‫توجهت لزيارته «من دون موعد‬
‫حين كنت في زيارة ل�سوريا في �إحدى ال�سنوات ّ‬
‫�أو تن�سيق»‪ ،‬كان عنده �أحد قيادات الحركات الفل�سطينية في �سوريا‪ ،‬علم ًا �أني ذهبت‬
‫لزيارته من دون �أن �أُع ّرف بنف�سي‪ ،‬بل ك�أي �إن�سان ج ّرد نف�سه من ك ّل �ألقابه‪ ...‬قالوا‬
‫لي � ّإن ال�س ّيد في اجتماع مهم لكننا �سنخبره ب� ّأن �أحد ًا يو ّد ال�سالم عليه‪ ،‬وما هي‬
‫�إال ‪ 10‬دقائق تقريب ًا ودخلت و�س ّلمت عليه‪ ،‬وخرجت على الفور لأني �أدركت �أهمية‬
‫اجتماعه‪ ...‬هذا يدلّ على خُ ُلقه وتوا�ضعه الكبيرين‪.‬‬
‫ال �أعرف ماذا يقول المرء في ح�ضرة �إن�سان ومرجع ومفكر و�شاعر كبير غادر‬
‫هذه الدنيا‪ ...‬غير �أني �أقول له‪:‬‬

‫ترج ْل‬
‫�أيها الراح ُل في قلبي ّ‬
‫ها هنا المحراب في خ ّديك‬
‫ترج ْل‬
‫بالحبل ّ‬

‫‪267‬‬

‫�أيها العابر للموت‬
‫تغنَّى فوق �سبحاتك دمعي‪...‬‬
‫فترج ْل‪.‬‬
‫ّ‬
‫هذه لبنان تنعاك على �شاطئها‪.‬‬
‫هذه النجمات تنعاك على �ساحلها‪.‬‬
‫وترج ْل‬
‫فترج ْل‪ّ ...‬‬
‫ّ‬
‫�شبكة را�صد االخبارية ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫‪268‬‬

‫*كاتب و�أديب �سعودي «العوامية»‪.‬‬

‫رحيل العالمة‪ ،‬وبقاء لبنان المع ِّلم‬
‫جان عزيز*‬

‫ال�سيد‪� ،‬أكبر ما قد يقال عنه‪،‬‬
‫مع رحيل العلاّ مة المرجع ّ‬
‫�إ ّنه تع ّلم من لبنان‪ ،‬ف�صار من �أعالمه ومعالمه‪ ،‬و�صار بع�ض ًا‬
‫من روح ال ِعلم وال َع َلم‪.‬‬
‫�أكثر ما قد ُيقال عظمة وكبر ًا‪ ،‬في ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ّ � ،‬أن العالمة‬
‫الراحل �إنما قد تع ّلم في جوهر فكره‪ ،‬من لبنان‪.‬‬
‫ذلك � ّأن هذا الرجل الذي ق ّدمته ال�صحافة اللبنانية لنا مطلع الثمانينيات في‬
‫�صور غالفية تحمل عنوان «خميني لبنان»‪ ،‬لم يلبث على مدى عقود ثالثة‪� ،‬أن �أثبت‬
‫� ّأن في لبنان ال يمكن �أن يكون هناك �إلاّ لبنانيون‪ .‬من �أي م�شارب �أتوا‪ ،‬ومن �أي‬
‫مذاهب ق ّدوا فكرهم وم�صادر وحيهم و�إلهامهم واالعتقاد‪ ،‬يبقى الأكيد والثابت � ّأن‬
‫في هذه الأر�ض‪ ،‬وبع ّلة من نا�سها بالذات‪ ،‬ث ّمة «�شيء» ما‪� ،‬س ّماه (منح ال�صلح) ذات‬
‫مرة «اللبنانية»‪ ،‬يبوتق ك َّل �شيء بطابعه‪َ ،‬ي ِ�س ُمه بهويته‪ ،‬يعيد �صياغته بخ�صو�صيته‪،‬‬
‫ويح ّوله لبناني ًا‪ ،‬بالطابع‪ ،‬ح ّتى ولو كانت الهوية الأعلى‪� ،‬أو ظ ّلت �أو�سع‪.‬‬
‫هكذا كان «ال�س ّيد»‪ .‬بين �أحزمة الفقر والب�ؤ�س والحرمان‪ ،‬من �شرق ال�ضواحي �إلى‬
‫جنوبها‪ ،‬بلور ‪-‬كما ك ّل «�أيديولوجيي» المراحل الأولى للأدلجة‪ ،‬فكر ًا يحمل «الحقيقة‬
‫الواحدة»‪ ،‬وم�شروع ًا يركن �إلى تلك الحقيقة الأحادية‪.‬‬
‫الحركي» بدا �أنّه من‬
‫منذ بداياته‪ ،‬كان �إ�سالمي ًا وحركي ًا‪ .‬ح ّتى � ّإن مفهوم «الإ�سالم‬
‫ّ‬
‫عنده‪� ،‬أو ف ُّ�صل له ولحركته و�إ�سالمه‪ .‬وفي حرك ّيته الإ�سالمية تلك‪ ،‬ذهب ال�س ّيد في‬

‫‪269‬‬

‫‪270‬‬

‫بداياته ح ّتى الأخير‪ ،‬ح ّتى «طرف» اللعبة‪ ،‬فبادر �إلى طرح «الجمهورية الإ�سالمية»‬
‫�أو «الدولة الإ�سالمية» نظام ًا للبنان‪ ،‬ولم�سيحييه �أي�ض ًا وخ�صو�ص ًا‪ .‬في تلك البدايات‬
‫كتب ال�س ّيد لم�سيحيي لبنان � ْأن تعالوا نتحاور ب�ش�أن تلك الجمهورية �أو الدولة وب�ش�أن‬
‫�أمر �إقامتها في لبنان بالذات‪« ،‬ذلك � ّأن الإ�سالميين في �أقطار العالم يق ّدمون‬
‫الإ�سالم كمنهج متكامل يط ّل على الجانب الروحي وينفتح على الجانب الما ّدي لح ّل‬
‫م�شكلة الإن�سان‪ ،‬م�سلم ًا كان �أو غيره»‪ .‬و�أ ّكد ال�س ّيد � ّأن «عودة الإ�سالم �إلى الحكم‬
‫هي من الم�سائل الأ�سا�سية في هذا االتجاه»‪ .‬وكان الفت ًا في فكره �آنذاك اعتباره‬
‫� ّأن «الم�سيحية تعاني فراغ ًا في م�س�ألة القانون والحكم والحكومة وال�سيا�سة»‪ ،‬وهي‬
‫بالتالي ال يمكن �أن تجد في طرح «الدولة الإ�سالمية» نقي�ض ًا لطرحها‪.‬‬
‫حتى � ّإن ال�س ّيد كتب م�ؤلفات ع ّدة و�شروحات‪ ،‬تعر�ض وجهة نظره الخا�صة‪ ،‬وغير‬
‫الم�س َّلم بها م�سيح ّي ًا طبع ًا‪ ،‬عن كيف � َّأن «الم�سيحية ال تتبنّى نظرية �سيا�سية في الحكم‬
‫والإدارة (‪ )...‬ولي�ست لها خطة �سيا�سية (‪ )...‬وهذا ما جعل الم�سيحيين ي ّتجهون نحو‬
‫وجه �إلى م�سيحيي لبنان في‬
‫�أنظمة �أخرى ال تعني الم�سيحية ب�شيء»‪ .‬ح ّتى �إن ال�س ّيد ّ‬
‫تلك البدايات �أ�سئلة وا�ضحة‪ ،‬من نوع‪« :‬لماذا يقبلون في لبنان من الناحية الر�سمية‪،‬‬
‫ب�إمكانات دولة مارك�سية �أو قومية �أو ا�شتراكية‪ ،‬وال يقبلون ب�إمكانات دولة �إ�سالمية؟»‪.‬‬
‫وبلغ في طرحه ح ّد البحث التف�صيلي في كيفية معالجة «الأمور العالقة»‪ ،‬من «دفع‬
‫الجزية»‪� ،‬إلى «و�صول الم�سيحيين �إلى مراكز ال�سلطة في الدولة الإ�سالمية‪.»...‬‬
‫وم ّرت الأيام‪ ،‬وتع ّرف لبنان �أكثر �إلى ال�س ّيد‪ ،‬وتع ّرف هو �أكثر �إليه‪� ،‬إلى نا�سه‬
‫وجماعاته وتوازناته و�سياقات داخله وخارجه‪ ،‬ودقة تجربته وفرادة ميثاقيته‪ ...‬ف�صار‬
‫كالم ال�س ّيد ينحو �أكثر �إلى الدين‪ ،‬ك�إيمان �إن�ساني جامع‪ ،‬على قاعدة �أن «الدين هو‬
‫فطرة الإن�سان‪ ،‬وال يمكن �أن يلغيه �أحد»‪ ،‬وعلى �أنّه «االنتماء الطبيعي للإن�سان»‪ ،‬و�أنه‬
‫«الأقوى على م�ستوى الم�شاعر والأحا�سي�س والعادات والتقاليد»‪ ،‬و�أنه «ال يمكن �أي‬
‫نظام �أو فكر �أن يلغي الدين من حياة الإن�سان»‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬مع هذا التركيز الديني الجامع‪ ،‬بلغة تحاكي الأنتر ّبولوجيا‪ ،‬دخل «الحوار»‬
‫خطاب ال�س ّيد‪ ،‬ال بل راح يتم ّدد في �أدب ّياته ف�صارت عنده «الحقيقة بنت الحوار»‪،‬‬

‫و�صارت «حرية الفكر منطلق ًا لأول حقّ �إن�ساني»‪ .‬وذهب ح ّتى الجزم ب�أنّه «في الإ�سالم‬
‫لي�س هناك حاجز للفكر»‪ ،‬و�أن «ال مح ّرمات وال مق ّد�سات في الحوار»‪...‬‬
‫تلبنن فكر ال�س ّيد‪ ،‬مع حفاظه على ك ّل طبقاته «الهو ّياتية»‪ ،‬تمام ًا كما فعل في‬
‫الحقبة نف�سها الراحل الآخر ال�شيخ محمد مهدي �شم�س الدين‪ ،‬الذي انطلق من‬
‫«الديمقراطية العددية» م�شروع ًا في منت�صف الثمانينيات‪« ،‬لدولة لبنان ذات‬
‫البعد الإ�سالمي»‪ ،‬ليبلغ كتابه «الو�صايا»‪ ،‬وما فيه من «لبنانية» ميثاقية تكاد تو�صف‬
‫بالمتط ّرفة‪ ...‬تمام ًا كما قال ال�س ّيد ح�سن ن�صر اهلل �إنّه فعل‪ ،‬حين واجهه بع�ض‬
‫ال�صغار بت�سجيالت من ال�سبعينيات‪ ...‬تمام ًا كما يفعل ك ّل �صاحب عقل و�إيمان في‬
‫هذا المختبر الغريب الم�سمى لبنان‪...‬‬
‫مع رحيل العالمة المرجع ال�س ّيد‪� ،‬أكبر ما قد يقال عنه‪� ،‬إنّه تع ّلم من لبنان‪ ،‬ف�صار‬
‫من �أعالمه ومعالمه‪ ،‬و�صار بع�ض ًا من روح ال ِعلم وال َع َلم‪.‬‬
‫الأخبار ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫*�صحايف وكاتب لبناين‪.‬‬

‫‪271‬‬

‫رحيل العالمة ف�ضل اهلل‬
‫ال�شّ يخ جمال قطب*‬

‫هذا العا ِلم ّ‬
‫وللنبوة‬
‫ألوهية ُعالها‪،‬‬
‫ّ‬
‫الفذ الذي يعرف لل ّ‬
‫هيبتها وهداها‪ ،‬وللفقه والفقهاء حدود خ�شيتها‪.‬‬

‫‪272‬‬

‫وفى ال ّليلة ّ‬
‫الظلماء ُيفتقد البدر‪ .‬نعم‪� ،‬إنّا هلل و�إنّا �إليه راجعون‪ .‬غ ّيبت الأقدار‬
‫�شيعي الهوى‪ ،‬م�سلم الهو ّية‪ ،‬هو �سماحة الإمام محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ..‬هذا‬
‫رمز ًا ّ‬
‫العالم الف ّذ الذي يعرف للألوه ّية عالها‪ ،‬وللنب ّوة هيبتها وهداها‪ ،‬وللفقه والفقهاء‬
‫حدود خ�شيتها وتقواها‪ ،‬ذلكم مح ّمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ا ّلذي يفهم معنى الجهاد‬
‫الحقّ ‪ ،‬ومعنى قول اهلل تعالى‪َ } :‬و َج ِاه ُدوا ِفي هَّ ِ‬
‫الل َح َّق ِج َه ِاد ِه{(الحج‪ )78 :‬فيق ّرر‪-‬‬
‫يرحمه اهلل‪ -‬قائ ًال‪ :‬ماذا يكون الجهاد �إذا لم تجاهد �إ�سرائيل‪ ،‬ف� ّإن غياب الأق�صى‬
‫وعل ّو �إ�سرائيل هما «ترمومتر» �إيمان الأ ّمة وح�ضارتها‪.‬‬
‫ف�إذا ع ّبرنا عن ر�ضانا بق�ضاء اهلل وقدره‪� ،‬إقرار ًا بحكمته‪ ،‬وانتظار ًا لمثوبته‪ ،‬ف�إنّما‬
‫ندعو اهلل �أن يف ّرج عنّا كرب ًة من �أ�ش ّد كرب ال ّدنيا‪� ،‬أال وهي بقاء بع�ض المط ّبعين على‬
‫منابر الم�ساجد في م�صر‪.‬‬
‫و�إذا ذكرنا ال ّتقريب بين المذاهب‪ ،‬ف�إنّما ُيذ َكر �أمثال محمد ح�سين ف�ضل اهلل من‬
‫إعالمي‪.‬‬
‫العملي‪ ،‬ولي�س �أهل اال�ستهالك ال‬
‫�أهل ال ّتقريب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫و�إذا �سمعته يخطب في عا�شوراء‪ ،‬راف�ض ًا ما يحدثه بع�ض المت�ش ّيعين من ٍ‬
‫�سفك‬

‫لل ّدماء‪ ،‬لأدركت � ّأن ال ّرجل‪-‬يرحمه اهلل‪-‬كان واعي ًا �أال يتح ّول الحب �إلى هرطقة و�إلى‬
‫دين ي ّتبع‪.‬‬
‫وحينما تق ّلب فيما تركه من ٍ‬
‫فقه‪ ،‬تجد �آثار ًا دا ّل ًة على عقل ّي ٍة فقهي ٍة را�شد ٍة تفهم‬
‫ّبوي بعيد ًا عن الأهواء‪ ،‬فمع �أنّه يحمل �أعلى رتب ٍة فى‬
‫إلهي فى �ضوء البيان الن ّ‬
‫الوحي ال ّ‬
‫�صح علمه‪،‬‬
‫المناخ ال�شيعي‪-‬رتبة �آية اهلل العظمى‪-‬تجده يفتي بجواز تقليد ك ّل من ّ‬
‫ففي هذه الفتوى‪ ،‬تجد ق ّو ًة فقه ّي ًة �سمح ًة ت�شتبك في عالقة جدل ّية رفيعة الم�ستوى‬
‫مع نظر ّية والية الفقيه‪ ،‬بما يطلعك على � ّأن ال ّرجل حقيق ال ّتقارب والتقريب‪ ،‬غير‬
‫متمت ّر�س بع�صمة م ّدعاة‪.‬‬
‫كنت �أنعى ال ّرجل الفقيه‪ ،‬فمن حقّه �أن �أف�سح في المجال لكالمه ا ّلذي يع ّبر‬
‫و�إذا ُ‬
‫عن فقهه‪ .‬فها هي بع�ض مقوالته‪:‬‬
‫«� ّإن اعتبار اليهود فل�سطين وطن ًا لهم هو �أ�سطورة ال �أكثر»‪.‬‬
‫«�أوباما ي�ستحقّ نوبل للخداع‪ ،‬ل ّأن �أقواله �أقوال بال �أفعال»‪.‬‬
‫«الأعمال التخريب ّية لي�ست من الإ�سالم في �شيء»‪.‬‬
‫«النّقاب لي�س واجب ًا»‪.‬‬
‫«�أميركا لن تخرج قريب ًا من العراق �إال �إذا كان خروج ًا �شكل ّي ًا»‪.‬‬
‫ال�سيا�سي في �إيران �صورة وا�ضحة على اتّ�ساع م�ساحة ال ّديمقراط ّية»‪.‬‬
‫«الحراك‬
‫ّ‬
‫أميركي»‪.‬‬
‫ال�سبيل ل�ص ّد االجتياح‬
‫«الوحدة بين ال�سنّة وال�شّ يعة هي ّ‬
‫الغربي وال ّ‬
‫ّ‬
‫ال�سيا�سة وعرو�شها»‪.‬‬
‫«الم�شكلة البارزة لأ ّمتنا هي في �أمراء ّ‬
‫«� ّإن العرب قد ا�ستقالوا من الق�ض ّية الفل�سطين ّية»‪.‬‬
‫وهو يرى ‪ -‬يرحمه اهلل ‪ّ � -‬أن عوامل تفرقة الأ ّمة تتم ّثل فى الهو�س ّ‬
‫ائفي‪،‬‬
‫الط ّ‬
‫اال�ستعمار‪ ،‬القوم ّية الم�ستوردة‪ ،‬الع�صب ّية الإقليم ّية‪ ،‬ال�شّ عارات دون تفعيل‪.‬‬
‫ف�إذا ت�أ ّملنا عناوين مقاالته في ن�شرته الأ�سبوع ّية‪ ،‬وجدت نف�سك �أمام ٍ‬
‫فقيه‬
‫ّ�ص‪ ،‬ويدرك الواقع‪ ،‬ويجتهد �أن ُيدخل الواقع ط ّيع ًا تحت‬
‫مو�سوعي مف ّكر‪ ،‬ي�ؤمن بالن ّ‬
‫ّ‬
‫ّ�ص‪ .‬و�أ�ستعر�ض معك بع�ض عناوين مقاالته‪:‬‬
‫مظ ّلة الن ّ‬
‫وال�سلطة‪ ،‬ال ّدين‬
‫إن�ساني‪ ،‬الفقيه والمثقّف‪ ،‬الفقيه ّ‬
‫دور ال ّدين في المجتمع ال ّ‬

‫‪273‬‬

‫التع�صب وحرية الفكر‪ ،‬العالقة بين الإ�سالم‬
‫وعوامل الجمود والتط ّور‪ ،‬بين هيمنة‬
‫ّ‬
‫الغربي (العوائق وال�شّ روط)‪ ،‬الإ�سالم وقدرته على‬
‫إ�سالمي‬
‫والغرب‪ ،‬الحوار ال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الح�ضاري‪.‬‬
‫ال ّتناف�س‬
‫ّ‬
‫ومن مقاالت معاي�شته للأحداث‪:‬‬
‫إ�سالمي والتيارات‬
‫فل�سطين �أو الموت‪ ،‬المقاومة هي �أ�شرف الجهاد‪ ،‬الخطاب ال‬
‫ّ‬
‫المعا�صرة‪ ،‬تربية العقل بين الإيمان وتح ّديات الع�صر‪ ،‬الملك ّية الفكر ّية بين ال�شّ رع‬
‫والقانون‪ ،‬ال�سيا�سات الم�ستوردة‪� ...‬إلخ‪.‬‬
‫� ّأي رجلٍ هذا ‪ -‬يرحمه اهلل ‪ -‬فهل ن�أ�سى لرحيله‪� ،‬أم نحزن لوجود المط ّبعين على‬
‫هم غوثك‪..‬‬
‫منبر المنابر الم�صر ّية‪ .‬ال ّل ّ‬

‫‪274‬‬

‫* رئي�س جلنة الفتوى بالأزهر �سابق ًا‪.‬‬

‫المرجــــع ف�ضـــل اللــــه في ذمـّـــة اللـــه‬
‫ال�شيخ حمزة الحواج*‬

‫كانت ق�ضيته الكبرى ق�ضية الأمة‪ ،‬وكانت �أنفا�سه �أنفا�س‬
‫الأمة‪ ،‬وكانت روحه متعلقة بروح الأمة ووجودها‪.‬‬
‫«�إذا فقد العالم ثلمت في الدين ثلمة» ذلك �أنّه يم ّثل عمد ًا للدين وفكره‪ ،‬وقوام ًا‬
‫للهوية والأمة وانتمائها‪ ،‬وركن ًا �أ�سا�س ًا‪ ،‬ووتد ًا تعتمده الأمة في م�سيرتها‪ ،‬ولي�س‬
‫ذلك مخت�ص ًا بعالم الدين‪ ،‬و�إن كان �أولى النا�س بها حقيقة‪ ،‬لكن من يق ّدم للنا�س‬
‫ويعطي‪ ،‬حتم ًا ف�إنه يكون مح ًال لهذا الحديث ال�شريف‪ ،‬ومح ًال لعناية النا�س‪ ،‬وبفقده‬
‫يفقدون كثير ًا‪ ،‬ويجدون فراغ ًا ي�صعب مل�ؤه‪ ،‬فكيف والحال �إذا ُف ِقد المرجع الحركي‪،‬‬
‫والمف ّكر المقاوم‪ ،‬الذي يجد نف�سه فيعمق ق�ضايا الأمة و�صعابها‪ ،‬ويرف�ض العزلة‬
‫واالنطواء‪ ،‬ليف ّكر في ق�ضايا الأمة عن قرب وليح ِّكم ب�صيرته وواقعيته في الأمور‬
‫الطارئة وم�ستج ّدات ال�شارع العام‪ ،‬ويبحث في جزيئات الواقع بحث ًا عن الح ّل المالئم‬
‫التع�صب والأخذ بغير‬
‫من �صميم الواقع‪ ،‬وهو مع هذا ك ّله يحكم الدليل ويبتعد عن ّ‬
‫الواقعية‪.‬‬
‫فالمرجع الذي يبحث بعيد ًا عن الأنانية‪ ،‬ليكون داعم ًا للم�شاريع الخيرية من‬
‫جهة‪ ،‬و�أب ًا للجميع من جهة �أخرى‪ ،‬وقائد ًا جهادي ًا لمقاومة الأمة ب�شتى م�شاربها‪،‬‬
‫يحمل في ط ّياته م�شروع ًا كبير ًا ي�ستحق العناية‪ ،‬وهي روحه التي تبث الكرامة والعزة‬
‫في روح مجاهدي الأمة ورجالها‪.‬‬

‫‪275‬‬

‫‪276‬‬

‫� ّإن المرجعية تم ّثل �ص ّمام �أمان للأمة ومحور ارتكازها‪ ،‬وتعمدها فيطرح ق�ضاياها‬
‫ب�صورة متوازنة لتتخذ الأ�سلوب الأمثل في الو�صول �إلى الح ّل الواقعي للأمة‪ ،‬وهي‬
‫التي تنطلق من واقع الأمة‪ ،‬وهي ترى مرجعيتها م�ؤتمنة على اتخاذ القرار‪ ،‬وحكمة‬
‫الموقف‪ ،‬وت�شخي�ص الآلية‪ ،‬باعتبارها تم ّثل قيادة حقيقية ومقام ت�شخي�ص للحكم‬
‫ال�شرعي وحركة الأمة‪.‬‬
‫ورغم ما تعانيه المرجعية من �ضغوط‪� ،‬إ ّال �أنك تجد حراكها في المواقع المهمة‬
‫بارز ًا‪ ،‬يعطي ثماره ويبلغ مداه الالئق به‪ ،‬ليعطي للأمة نف�س ًاروحي ًا وعملي ًا‪ ،‬حتى ي�ؤ ّدي‬
‫�إر�شاد الأمة وت�صويبها لطرق الخير وال�سالم‪.‬‬
‫هو«ق ّد�س اهلل نف�سه» مرجع‪ ،‬كان ح ّتى �آخر لحظاته‪ ،‬يعي�ش خط المرجعية‪ ،‬و�إن‬
‫الحركي المتجدد رغم‬
‫اختلف مع البع�ض في جزئيات بع�ض الق�ضايا‪ ،‬وين�صر الخط‬
‫ّ‬
‫كثرة المتر�صدين له‪ ،‬والذين ي�سمعون �أكثر ممايقر�أون‪ ،‬ويحكمون قبل �أن يفكروا‪،‬‬
‫لكنّه ت�ألق بعيد ًا عنهم‪ ،‬وح ّلق في التقوى بمعزل عن هفواتهم‪ ،‬ليج ّدد �أفكار ًا �إ�سالمية‬
‫�أراد البع�ض �أن ينزوي بها ح ّد فهمه وق ّلة ِع ْلمه‪ ،‬واليخفى � ّأن البع�ض ن�سب له ما �أثبت‬
‫خالفه‪.‬‬
‫و�آثر �أن يبقى الطرح العلمي والر�ؤية الخا�صة بعيدة عن تلك ال�صغائر‪ ،‬وهو‬
‫بمواقفه الكبيرة �أعطى ُبعد ًا خا�ص ًا للكثير من الق�ضايا‪ ،‬و�أثبت �أن للمرجعية دور ًا في‬
‫ق�ضايا الأمة وح�ضور ًا فيها‪ ،‬و�أن العدو بحال اليمكنه عزل المرجعية عن تلك الق�ضايا‬
‫المهمة‪.‬‬
‫كان في بع�ض �أوقاته وحيد ًا ي�صول ويجول‪ ،‬كانت ق�ضيته الكبرى ق�ضية الأمة‪،‬‬
‫وكانت �أنفا�سه �أنفا�س الأمة‪ ،‬وكانت روحه متع ّلقة بروح الأمة ووجودها‪ ،‬ورغم �أنّه في‬
‫مرمى العدو وا�ستهدافه‪ ،‬لكنّه بحق رجل ك�أمة يعي�ش ق�ضيتها ويحمل �آالمها‪ ،‬وقد باع‬
‫نف�سه لت�سديدها �إلى منهج الخير وال�سالم والعلم والعمل‪.‬‬
‫كانت وحدة الأمة تم ّثل هاج�س ًا �أكبر لديه‪ ،‬وطالما وقف مدافع ًا عنها‪ ،‬م�ؤيد ًا‬
‫تلك الراية التي تجمع �شملها وتحقّق وحدتها‪ ،‬كان يرى بعيد ًا ويح ّلق بعيد ًا‪ ،‬وكان‬
‫يبني م�ستقب ًال للمقاومة في لبنان وفل�سطين‪ ،‬وفي ك ّل الدنيا‪ ،‬لتبقى �صوت ًا للحق �ض ّد‬

‫الظالمين والم�ستكبرين‪ ،‬ولطالما كان روح ًا ثورية متح ّركة في ك ّل االتجاهات العملية‪،‬‬
‫ت�صب في خدمة ق�ضايا الأمة‪.‬‬
‫ليعطي للمجتمع ر�ؤى و�أفكار ًا ومواقف ّ‬
‫تغ ّمد اهلل الفقيد المرجع ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل{ بوا�سع رحمته‪،‬‬
‫و�ألحقه بال�صالحين من عباده‪ ،‬و�س ّدد اهلل الأمة لك ّل خير و�أ ّيدها بمرجع ّياتها العاملة‬
‫وحفظها و�إ ّياهم من ك ّل مكروه‪.‬‬
‫الوطن (البحرين) ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫* عامل دين بحراين‪.‬‬

‫‪277‬‬

‫ُك�سفت �شم�س الفكر‪ ..‬يا �س ّيدي الإن�سان!!‪.‬‬
‫ال�شيخ محمد قان�صو *‬

‫�سيبق��ى فك��رك من��ارة ه��دى ت�أخ��ذ ب�أيدين��ا �إل��ى وا�ضح‬
‫الطريق‪..‬‬

‫‪278‬‬

‫ل�ست عاتب ًا على القلم �إن اختار ال�صمت لغة‪ ..‬وارتعا�ش الرهبة بوح ًا‪ ..‬وانحنى‬
‫حزنا عليك!‪..‬‬
‫يا َن ْب َ�ض محمد ‪ ..‬يا عطر فاطمة ‪ ..‬ويا ابتهال علي ‪..‬‬
‫حري بنا �أن نلب�س ال�سواد ونعلن الحداد‪ ،‬كيف ال؟! و�شم�سنا قد‬
‫�سيد الكالم‪ٌّ :‬‬
‫ُك�سفت‪ ..‬وابت�سامات �صباحاتنا �أخفاها الذبول!‪ ..‬وع�صافير ال�شرفات ما غنّت‬
‫كعادتها‪ ..‬ومناجل الح�صادين لم تق َو على قطاف الخير في �أعرا�س الموا�سم‪.‬‬
‫علي �أن �أقف في وداع بدرك الذي ما اعتاد الأفول‪ ..‬و�أراني �أ�ستعيد كلماتك‬
‫عزي ٌز َّ‬
‫علوي في ذاكرتي‪ ..‬و�أثمرت وعي ًا وفهم ًا وحياة‪..‬‬
‫التي ُغر�ست كنخيل ٍ‬
‫�س ّيدي‪ُّ � ..‬أي المراكب تو�صلنا �إلى مرافئ اللقيا قبل خطوات الرحيل‪ ..‬وكيف نبحر‬
‫في م�ساحات قلبك و�أنت �شراع �أمانينا و�سهيل الحب في ُ�سرانا الطويل؟!‪..‬‬
‫�أبا الأيتام‪َ :‬م ْن لأيتامنا الذين �ألفوا تحنان كفيك؟ َم ْن للبراعم التي تف ّتحت ب�سقيا‬
‫حنانك؟ َم ْن للجفون التي �أطبقت على دفء حبك حلم ًا بالغد الواعد؟ َم ْن لمريديك‬
‫الذين تفي�أوا ظ َّل عقلك ونهلوا من معينٍ رافل بالعطاء‪..‬‬
‫� ٍإيه لقلبك الذي َو ِ�س َع الكون حب ًا‪ٍ � ..‬إيه لروحك الكبيرة‪ ..‬التي ما عرفت للعتاب‬

‫�سبي ًال‪ .‬و�أنت القائل‪« :‬علينا �أن نحب جميع النا�س»‪« ،‬و�إني ال �أحمل في قلبي �إال الحب»‪،‬‬
‫لقد و�سع ح ُّبك الذين ر�شقوك ب�سهام جهلهم وحقدهم وتخ ّلفهم وانطوائهم‪ ..‬و�سع‬
‫حبك َّ‬
‫الحب بالحب ويبكونك دموع‬
‫كل النا�س الذين ر�أيتهم اليوم وقد جا�ؤوا يبادلونك َّ‬
‫ال�صدق وزفرات �أنينهم‪� :‬إلى �أين يا �أبانا؟!‪..‬‬
‫�أ ُيها المعلم‪ :‬يا من ع ّلمتنا احترام العقل وتقدي�سه ونبذ الجهل والخرافة‪ ،‬وبنيت‬
‫فينا العقل النقدي‪ ،‬يا من عرفتنا ثقافة تق ّبل الآخر واالعتراف به‪ ..‬وهديتنا �إلى‬
‫الحقيقة التي هي ابنة الحوار‪..‬‬
‫يا مرجع الإ�سالم التنويري المنفتح على ال�شباب‪ ،‬المتط ّلع �إلى الم�ستقبل‪،‬‬
‫المتج�سد حرك ًة وفع ًال وم�ؤ�س�سات‪..‬‬
‫ّ‬
‫وعي‬
‫�سيبقى فكرك منارة هدى ت�أخذ ب�أيدينا �إلى وا�ضح الطريق‪ ..‬ونبرا�س ٍ‬
‫ن�ستعينه في دياجي الدروب!‪..‬‬
‫�شبكة را�صد االخبارية ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫* عامل دين لبناين‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫مع ّلمي‬
‫محمد ح�سن زراقط*‬

‫تع ّلمت منه �أنَّ الدين �أو�سع من المذاهب والآراء‪ ،‬و�ساحة‬
‫الفكر رحبة تت�سع لأكثر من ر�أي‪.‬‬
‫بع�ض‬
‫كنت طف ًال �أحبو و�أحاول تل ّم�س دربي في �أودية المعرفة الوعرة‪ ،‬يوم �أقنعني ُ‬
‫ُ‬
‫تغ�ص بغير‬
‫�ض ّيقي الأفق ب� ّأن �ساحة الر�أي والفكر ال ت ّت�سع �إال لما يرون‪ ،‬وحلبة الدين ّ‬
‫ما ي�ؤمنون به‪ّ .‬ثم دارت الأيام وك ّرت ال�شهور وال�سنوات وتح ّول ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫الحب‬
‫ف�ضل اهلل �إلى مع ّل ٍم لي‪ .‬تع ّلمت منه �شموخ الأحرار‪ ،‬و�شمم الأباة‪ ،‬تع ّلمت منه ّ‬
‫وانفتاح القلب على المختلف مهما بلغ م�ستوى اختالفه‪ .‬تع ّلمت منه � ّأن الكلمة جنين‬
‫ال يجوز �أن يجه�ض‪ ،‬والفكرة من بنات المرء فال ب ّد لها من �أن تولد وال يجوز و�أدها‪،‬‬
‫لأنها �سوف تُ�س�أل ب� ّأي ذنب ُقتلت‪ .‬وتع ّلمت منه �إمكان االختالف في التفا�صيل مع‬
‫أحب من غيره كائن ًا من كان وما كان‪.‬‬
‫الثبات على الأ�صول‪ .‬تع ّلمت منه در�س ًا � ّأن الحقّ � ّ‬
‫تع ّلمت منه �أن الدين �أو�سع من المذاهب والآراء‪ ،‬و�ساحة الفكر رحبة تت�سع لأكثر من‬
‫ر�أي وال تزدحم باالختالف‪.‬‬
‫يا �سماحة ال�سيد‪� ،‬أحببتك ولن �أ�ستقيل من ح ّبك‪.‬‬
‫ال�سفير ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫‪280‬‬

‫* كاتب و�أ�ستاذ يف احلوزة العلمية ـ املعهد ال�شرعي الإ�سالمي ـ بريوت‪.‬‬

‫هنيئ ًا لك النوم �أيها الجفن ال ُم�س َّهد‬
‫ال�س ّيد عبد المح�سن ح�سن المو�سوي* (�أبو عا�صم)‬

‫أعلنت‬
‫�صرخت بال�صحب �أن يرفعوا ك�ؤو�س الوعي‪ ،‬و� َ‬
‫َ‬
‫هزيمة الخرافة والأ�سطورة‪.‬‬

‫���وم َ‬
‫���ون رث����ا َء‬
‫���ك �أن ي���ك َ‬
‫�أ َك���ب���ـ ُ‬
‫���رت ي َ‬
‫�أ َو ُي���ر َزق���ون؟! �أج���ل‪ ،‬وه��ذا رز ُق ُه ْم‬

‫����دون َع���هِ ���دتُ��� ُه���م �أَ ْح����ي����ـَ����ا َء‬
‫ال����خ����ال َ‬
‫���ص��ن��و ال���خ���ل���و ِد َو َج�����اه����� ًة وع���ط���ا َء‬

‫لماذا الرحيل‪ ،‬يا �س ّيدي؟! �ألم ت�سلك �إلى العلياء �أوع َرها �سبي ًال؟! �ألم تقتحم �ضياء‬
‫لتنعم بدفء �سناها؟!‬
‫ال�شم�س َ‬
‫يح�ضنْك النجف الأ�شرف لتنهل من معينه ح ّتى االرتواء؟ ح ّتى �إذا �شببت عن‬
‫�ألم ُ‬
‫الطوق‪ ،‬ف�إذا ُكلُّك �شغفٌ للفقاهة والثقافة!‬
‫اقت�ص ك ّل �شاردة من علم �آل محمد ‪P‬وك َّل واردة‪ ..‬ويا‬
‫ال�سهد الذي ّ‬
‫يا جفن ُّ‬
‫حملت مع �سرب الطيور‬
‫�سليل «الطهر» الذي ينحدر عنه ال�سيل‪ ،‬وال يرقى �إليه الطير‪َ ..‬‬
‫أخف ما َل َّم من ٍ‬
‫قطعت رحلة ال�ضوء غير‬
‫زاد �أخو �سفرِ »‪..‬‬
‫المغادرة منقار ًا و�أجنحة «� َّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫بارتعا�شات الظالم من حولك‪ ..‬هاجرت بكبرياء وعيك عن ٍ‬
‫وت�صميم من‬
‫ق�صد‬
‫� ٍآبه‬
‫ٍ‬
‫م�سقط ر�أ�سك «النجف الأ�شرف»‪ ..‬ح ّتى منطلق مقاومتك «لبنان»‪.‬‬
‫ي�ؤن�سك تراق�ص القوافي في قريحتك‪ ..‬ويوقظك َج ْر َ�س الأفكار على َو ْق ِع م�سمعك‪..‬‬
‫قر�أناك على �ضوء «ق�ضايانا» فعرفنا وعورة م�سارِك‪ ،‬و َن ْب َ�ض حركتك‪ ،‬وبو�صلة‬

‫‪281‬‬

‫مر�ساك‪ ...‬كنت تنظر بعين م�أهولة بالب�صيرة‪ ،‬وتتك ّلم ب�صوت ي�صدح بالحق‪ ،‬وت�سير‬
‫بخطى واثقة على درب وعر‪.‬‬
‫�أع ِ‬
‫و�أخ�����ش َ��ن منه ف��ي ال�� ُم��ل�� ّم��ات راك ُبه‬
‫��اذ َل��ت��ي م��ا �أخ�����ش َ��ن ال��ل��ي َ��ل مركب ًا‬
‫ُ‬
‫والرهط الواعون معك‪ ،‬وجدان الأمة‪ ،‬ووهج الوعي‪ ،‬وهدفية الحركة‪ ..‬لقد‬
‫ف�ش ّك َلت �أنت‬
‫�صرخت بال�صحب �أن يرفعوا ك�ؤو�س الوعي‪ ،‬و�أعلنت هزيمة الخرافة والأ�سطورة‪..‬‬
‫بع�ض يتم ّرغ في وحل الإ ّمع ّية ويخ�شى ال�سير على �شعاع‬
‫يا �س ّيد الث ُوار‪ ..‬ال زال ٌ‬
‫عانقت الموت في مكائد الظالمين‬
‫الحرية‪ ..‬تع�س ًا لع�شاق الظالم و َت َرح ًا‪ ..‬لقد‬
‫َ‬
‫وقارعتهم في �سوح المواجهة‪ ..‬ال َي َ‬
‫م�ضيت على‬
‫ثنيك تهديد‪ ،‬وال ُيقعدك تثبيط‪ ..‬بل‬
‫َ‬
‫بينة من �أمرك ت�صنع ب َل َج ال�صبح‪ ،‬وتحمل م�شعله‪ ،‬ح ّتى ال يعود الظالم �سابق ًا للنور‬
‫�أو تابع ًا له‪.‬‬
‫يا �س ّيدي ال زالت معركة �سيادة النور �ض ّد عبودية الظالم تدور رحاها وتدور‪..‬‬
‫ترجل عن �صهوة جواد ال َّت َعب‪ ،‬لقد �أ�ضناك الجري‪ ،‬و�أخذ منك الك ُّر‬
‫�أيها الفار�س‪ّ ..‬‬
‫ال�صباح‪ ..‬وانطبق جفن الر ّدى على‬
‫والف ُّر م�أخذه‪ ..‬لقد ُب َّح ال�صوت المجلجل بدعاء ّ‬
‫عينين م�س ّمرتين �شطر الم�سجد الأق�صى‪..‬‬
‫ال تُجفلي النوم في �أجفان َمن َ�سهِ دوا‬
‫��وب ال�� ّده��ر واتّئدي‬
‫ت��رفّ��ق��ي ي��ا خ��ط َ‬
‫لقد �آن لهذا ال َن ْب�ض المتدفق �أن يتوقف‪ ..‬وحان لأن تُطوى «دولة الإن�سان» في �أبي�ض‬
‫الكفن‪ ..‬وتُقرع �أجرا�س الكنائ�س بالرنين‪ ،‬وتج�أر عقائر الم�آذن بالعويل‪ ،‬لموحيات‬
‫الرحيل‪..‬‬
‫�أبا علي‪� ..‬إنا لفقدك لمحزونون‪ ،‬و�إنا هلل و�إنا اليه راجعون‪.‬‬

‫‪282‬‬

‫* عامل دين عراقي‪.‬‬

‫ً‬
‫محظوظة‬
‫كم كنت‬
‫فران�سي�س غاي*‬

‫كم �أنت محظوظة لأ ّنك �ستح�صلين على فر�صة لقاء‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫ّ‬
‫�إحدى المزايا التي يتمتع بها الدبلوما�سي هي الأ�شخا�ص الذين يلتقيهم‪ ،‬الكبار‬
‫ويحب النا�س في لبنان �أن ي�س�ألوني عن‬
‫وال�صغار ال�شغوفون والغا�ضبون منهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫ال�سيا�سي الذي �أعجب به �أكثر من �سواه‪� ،‬إنّها م�س�ألة غير عادية‪ ،‬ومن الوا�ضح � ّأن‬
‫العديد منهم ي�سعون لإيجاد �أجوبة �سيا�سية خا�صة بهم‪ ،‬عادة �أتجنّب الرد من خالل‬
‫الإ�شارة �إلى �أولئك الذين �أ�ستمتع بلقائهم‪ ،‬و�إلى الذين يبهرونني �أكثر من �سواهم‪.‬‬
‫حتى الأم�س كان جوابي المف�ضل هو الإ�شارة �إلى �سماحة ال�س ّيد محمد ح�سين‬
‫ف�ضل اهلل‪� ،‬أعلى مرجع �شيعي في لبنان‪ ،‬وزعيم هو محط �إعجاب العديد من‬
‫الم�سلمين ال�شيعة في �أنحاء العالم‪ ،‬وعند زيارته يمكنك �أن تكون مت�أكد ًا من ح�صول‬
‫نقا�ش حقيقي يرافقه جدال محترم‪ ،‬ومن �أنك عندما تتركه �سيبقى لك منه �شعور‬
‫ب�أنك �أ�صبحت �شخ�ص ًا �أف�ضل‪ ،‬هذا بالن�سبة لي هو الأثر الفعلي لرجل الدين الحقيقي‬
‫الذي يترك �أثر ًا في جميع من يلتقيهم بغ�ض النظر عن دينهم‪.‬‬
‫ما زلت �أتذ ّكر جيد ًا عندما ُر ِّ�شحت لمن�صب �سفيرة في بيروت‪ ،‬ات�صل بى �أحد‬
‫معارفي الم�سلمين ليقول لي‪( :‬كم �أنت محظوظة لأنّك �ستح�صلين على فر�صة لقاء‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل)‪ ،‬وقد كان فع ًال على حقّ ‪.‬‬
‫* ال�سفرية الربيطانية يف لبنان‪.‬‬

‫‪283‬‬

‫العلاّ مة ف�ضل اهلل والمرجعية‬
‫والفكر الإ�سالمي ال�صحوي‬
‫ر�ضوان ال�سيد*‬

‫�إن ال�شيع��ة بعا ّم��ة‪ ،‬والثوريي��ن الإ�سالميي��ن‪� ،‬سيفتقدون‬
‫ال�سيد ف�ضل اهلل لفترة ح�ضور ًا ودور ًا‪.‬‬
‫ّ‬

‫‪284‬‬

‫يم ّثل ال�س ّيد ف�ضل اهلل في �شخ�صيته واجتهاداته ودوره حقبة �أ�سا�سية في النهو�ض‬
‫الفكري والثقافي والديني ال�شيعي والإ�سالمي‪ ،‬فيما �صار ُيعرف بع�صر ال�صحوة‬
‫الإ�سالمية‪ ،‬ثم ع�صر الثورة الإ�سالمية الإيرانية‪ .‬وقد جمع ال�س ّيد ف�ضل اهلل في‬
‫الأ�صل �أثناء درا�سته في النجف بين الثقافتين‪:‬‬
‫الثقافة الحوزوية التقليدية التي تلقّاها على ع�شرات من كبار الفقهاء و�أو�ساطهم‬
‫ومن �أ�شهرهم المرجعان البارزان مح�سن الحكيم والخوئي‪� ،‬إنما في ذلك الوقت‪� ،‬أي‬
‫الن�صف الثاني من خم�سينيات القرن الما�ضي والن�صف االول من ال�ستينيات‪ ،‬بد�أ‬
‫ن�شاط حزب الدعوة على يد ال�س ّيد محمد باقر ال�صدر‪ ،‬وهو حركة ت�أ ّثرت كثير ًا بما‬
‫كان يجري في �أوا�سط الإخوان الم�سلمين بم�صر و�سوريا‪ ،‬والتي تم ّيزت ب�أربعة �أمور‪:‬‬
‫�إقامة ثقافة الم�سلم ودينه على م�س�ألة الهوية وطهور ّيتها‪ ،‬والح�شد �ض ّد الغرب ثقافة‬
‫وفكر ًا وتدخالت‪ ،‬ومعار�ضة الم�ؤ�س�سة الدينية التقليدية باعتبار ق�صورها وتبعيتها‬
‫للحكام‪ ،‬و�ضرورة التدخل لإ�صالح ال�ش�أن العام با�سم الآالم‪ ،‬وهي ر�ؤية تط ّورت‬
‫في مطلع ال�ستينيات �إلى ما �صار ُيعرف بنظرية الحاكمية‪ .‬وقد ظهر ت�أثير هاتين‬

‫الثقافتين �أو هذا الوعي المزدوج على ال�س ّيد ف�ضل اهلل عند عودته �إلى لبنان �سنة‬
‫‪� ،1966‬إذ ظل من �ضمن وعيه وراثة مقام والده الفقيه العاملي وتطويره‪ ،‬والعمل في‬
‫الوقت نف�سه على تثوير الو�ضع ال�شيعي ال�شعبي من طريق العمل في �أو�ساط الجمهور‬
‫بمنطقة النبعة‪ ،‬ثم في مناطق ال�ضاحية الجنوبية لبيروت بعد ا�شتعال الحرب الأهلية‪،‬‬
‫وتع ّر�ض النبعة لالكت�ساح والتهجير‪.‬‬
‫على � ّأن الو�ضع ال�شيعي ال�شعبي والدولي ُ�سرعان ما انح�سم ل�صالح حركة ال�س ّيد‬
‫مو�سى ال�صدر‪ ،‬رغم معار�ضة كثرة بين رجال الدين ال�شيعة‪ ،‬وغالبية الطبقة‬
‫ال�سيا�سية التقليدية له‪ .‬وما كان غياب ال�س ّيد مو�سى ال�صدر عام ‪ ،1978‬هو ال�سبب‬
‫في ظهور ال�س ّيد ف�ضل اهلل في الواجهة‪ ،‬بل قيام الثورة الإ�سالمية في �إيران‪ ،‬ثم‬
‫االجتياح الإ�سرائيلي للبنان عام ‪ 1982‬والذي تاله تح ّرر المناطق ال�شيعية من‬
‫ال�سطوة الفل�سطينية‪ ،‬و�أخير ًا اتجاه �إيران الثورية لدعم حركة مقاومة �ض ّد االحتالل‬
‫الإ�سرائيلي‪ ،‬وهي حركة اعتبرت ال�س ّيد ف�ضل اهلل قائدها (الروحي) ح ّتى مطلع‬
‫الت�سعينيات من القرن الما�ضي‪.‬‬
‫في ثمانينيات القرن الع�شرين‪ ،‬برز ال�س ّيد ف�ضل اهلل في �أحاديثه وفتاواه ذات‬
‫الطابع الثوري �ض ّد الإ�سرائيليين والأميركيين و�سائر القوى الغربية‪ ،‬كما لم يتر ّدد‬
‫في �إعالن الوالء لقيادة الإمام الخميني‪ ،‬و�سط التنظيرات الكثيرة لوالية الفقيه من‬
‫دون تمييز بين الجانب الفقهي والآخر ال�سيا�سي‪ ،‬وجاءت الم�صارحة بمعار�ضة والية‬
‫الفقيه يومها لي�س من ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬بل من ع ّدة فقهاء �شيعة بالعراق ولبنان‬
‫�صار �أ�شهرهم ال�شيخ مح ّمد جواد مغنية وال�شيخ مح ّمد مهدي �شم�س الدين نائب‬
‫رئي�س المجل�س الإ�سالمي ال�شيعي في لبنان‪ ،‬وخليفة الإمام ال�صدر‪َ ،‬ب ْي َد � ّأن فترة‬
‫العقد هذه‪ ،‬و�إن دعمت �شهرة ونفوذ ال�س ّيد ف�ضل اهلل في الأو�ساط الدولية واللبنانية‬
‫وال�شيعية العربية‪ ،‬ما كانت مثمرة كثير ًا على ال�صعيد الفقهي والفكري والإ�سالمي‪،‬‬
‫وبخا�صة �أنّها انتهت �إلى �صراع �شبه معلن على المرجعية مع ال�س ّيد الخامنئي على‬
‫�إثر وفاة الإمام الخميني‪.‬‬
‫ومنذ الت�سعينيات من القرن الما�ضي وحتى وفاته‪ ،‬احتفظ ال�س ّيد ف�ضل اهلل‬

‫‪285‬‬

‫‪286‬‬

‫ب�سمعته الثورية‪ ،‬لكنّه تح ّرر من االلتزامات والأعباء القيادية المحلية‪ ،‬محتفظ ًا‬
‫لنف�سه بحقّ التدخّ ل حين ي�شاء‪ ،‬ور ّكز جهوده في المجال الفقهي والديني وال�سيا�سي‬
‫العام‪ .‬ومع �أواخر الت�سعينيات كان قد �صار مرجعية كبرى في �سائر الأو�ساط‬
‫الإ�سالمية (ولي�س ال�شيعية وح�سب)‪ ،‬و�صار له مق ّلدون في ك ّل الأنحاء‪ ،‬و�صارت دارته‬
‫وحوزتاه (بال�ضاحية ودم�شق) مق�صد المئات من ال�سيا�سيين اللبنانيين والعرب‬
‫والأجانب‪ ،‬و�آالف الطالب من �سائر �أنحاء العوالم ال�شيعية خارج �إيران‪ ،‬و�أحيان ًا‬
‫من �إيران ذاتها‪ .‬ويرجع ذلك لأربعة �أ�سباب‪ :‬ال�صحوة ال�شيعية العامة والتي �صار‬
‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل �أبرز رموزها خارج �إيران‪ ،‬وقد ارتبطت تلك ال�صحوة لدى ال�شيعة‬
‫بالدين والإ�سالم ب�سبب نتائج الثورة ب�إيران‪ ،‬والوعي الذاتي الذي �أنتجته في ك ّل‬
‫الأو�ساط ال�شيعية في العالم‪ ،‬ثم في �أو�ساط الحركات الثورية ال�سنية‪ ،‬وال�سبب الثاني‬
‫االجتهادات النوعية في الم�سائل الفقهية مثل �أو�ضاع المر�أة‪ ،‬والح�سابات الفلكية‬
‫لمواعيد ال�صوم‪ ،‬و�شروط فر�ضية الجهاد‪ ،‬واالنفتاح المتزايد على الحوار بداخل‬
‫الإ�سالم ومع الديانات والثقافات في العالم‪ .‬وال�سبب الثالث عدم ظهور مرجعيات‬
‫فقهية ودينية كبرى بعد وفاة الإمام الخميني ثم ال�س ّيد الخوئي‪ ،‬و�صيرورة �أقرانه‬
‫وتالمذة المرجعيات الأخرى �إليه‪ ،‬بحيث ما عاد له مناف�س في العوالم ال�شيعية غير‬
‫ال�شيخ محمد مهدي �شم�س الدين‪ .‬وال�سبب الرابع الحرية التي �أقيمت له في الأجواء‬
‫اللبنانية‪ ،‬ووعيه ال�شديد ب�أهمية الإعالم وو�سائل االت�صال‪ ،‬وقدراته الخطابية‪،‬‬
‫وجاذبيته ال�شخ�صية‪ ،‬بحيث كان يقابل خالل �أ�سبوع واحد ولحوالي العقدين ع�شرات‬
‫ال�صحافيين وال�سيا�سيين والباحثين عن ماهية ال�صحوة الإ�سالمية‪ ،‬ف�ض ًال عن‬
‫درو�س الحوزة‪ ،‬والندوات �شبه اليومية‪ ،‬والكتب والفتاوى التي ي�صدر الع�شرات منها‬
‫ك ّل عام‪.‬‬
‫كان ك ّل من ال�شيخ محمد مهدي �شم�س الدين وال�سيد ف�ضل اهلل‪ ،‬يخ�شى انقطاع‬
‫المرجعية االجتهادية �أو تراجعها‪ ،‬ولذلك �أ�صدر ك ّل منهما فتوى بجواز تقليد‬
‫الم ّيت‪ ،‬وهو �أمر ما كان متعارف ًا عليه في الفقه ال�شيعي‪ ،‬في حين كان القاعدة في‬
‫الفقه ال�سني‪� ،‬إنما في ع�صر ال�صحوة الإ�سالمية لدى ال�سنة وال�شيعة‪ ،‬ف� ّإن الحياة‬

‫والدور الإثاري والتح�شيدي �صارا ال�شرط لك ّل ما عداهما‪ ،‬ولذلك‪ ،‬ف�إن ال�شيعة‬
‫بعا ّمة‪ ،‬والثوريين الإ�سالميين‪� ،‬سيفتقدون ال�س ّيد ف�ضل اهلل لفترة ح�ضور ًا ودور ًا‪،‬‬
‫وفي ظل الت�شرذم الم�ستمر في العراق‪ ،‬وكثرة الكوادر المد ّربة به والمعتنى بها من‬
‫حول والية الفقيه في لبنان والعراق ودول الخليج‪ ،‬ف� ّإن الدور الإيراني المبا�شر في‬
‫الجانب الفقهي �سيزداد‪ ،‬كما �سيطر في الجانب ال�سيا�سي على � ّأن هذا الأمر لي�س‬
‫وحده الحقيق بالت�أمل والمراجعة‪ ،‬فالإ�سالم ال�صحوي ذو الوجوه المتع ّددة ومنها‬
‫الإحيائي الثوري‪ ،‬تخلو �أجوا�ؤه بالتدريج من الفقهاء الذين يملكون وعي و�أدوات‬
‫المرحلتين‪ :‬التقليدية الإ�صالحية‪ ،‬وال�صحوية‪/‬الثورية‪ ،‬لقد خلت بعد العلاّ مة ف�ضل‬
‫اهلل عند ال�شيعة‪ ،‬و�ستخلو بعد القر�ضاوي عند ال�سنة‪ .‬وقد جاء في الأثر ال�شريف‪:‬‬
‫نبت ال �أر�ض ًا قطع وال ظهر ًا �أبقى‪ .‬رحم اهلل العلاّ مة ف�ضل اهلل‪ ،‬وهلل الأمر من‬
‫� ّإن ال ُم َّ‬
‫قبل ومن بعد‪.‬‬
‫اللواء ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫* كاتب وباحث من لبنان‪.‬‬

‫‪287‬‬

‫العالمة ف�ضل اهلل‪ ..‬جر�أة الفتاوى‬
‫ومطر في �صحارى �أيامنا‬
‫رندلى جبور*‬

‫ال�سيد ف�ضل اهلل‪ :‬العقل المملوء �إدراك ًا‪ ،‬الطالع من �أ�صول‬
‫الدين �إلى �أ�صالة الإن�سان‪.‬‬

‫‪288‬‬

‫نام ب�سالم بعد في�ض من ال�سالم تركه م�ستيقظ ًا �إلى �أبد ر�سالته‪ ...‬نام في فرا�ش‬
‫حين �أراده اهلل �أن ي�ستريح‪ ،‬ال على الطرقات حين �أراد كارهوه �أن يف ّتتوا ج�سده بعبثية‬
‫اغتيال لم ينجح‪ ،‬لأن العناية الربانية تدخّ لت مر�سلة له امر�أة في ذاك اليوم من‬
‫العام ‪ 1985‬لت�شكو له‪ ،‬ف�أخّ رته عن موعد الخروج �إلى �أن خرجت القنبلة عن �صمتها‬
‫من دون �أن تقب�ض على �صوته‪.‬‬
‫عرف الدين تمام ًا فكان الم�سيحي في عمامة والم�سلم لإله واحد في انفتاح‬
‫وحوار‪ ...‬هو الجريء في �سماحة وجه تليق به ال�سيادة‪ ،‬والمجاهد في �سماحة نف�س‬
‫تليق بها المقاومة‪ ،‬والخا�شع في �سماحة كلمات تليق بها الكرامة!‬
‫ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ :‬العقل المملوء �إدراك ًا‪ ،‬الطالع من �أ�صول الدين‬
‫�إلى �أ�صالة الإن�سان‪ .‬فكان �أَ َب اليتيم و ُمطعم الجياع وحا�ضن الم�شردين بل كان‬
‫مر�شد النفو�س �إلى �ساللم ال ُعلى التي ال تنحدر �إلى �صغائر الأمور وال تنزلق �إلى‬
‫تط ّرف �أعمى‪ ...‬فينهي م�سيرة تحت ملجئه القديم م�سجد الإمامين الح�سنين (ع)‬
‫وبعد زيارة �أخيرة �إلى م�ست�شفى هو بناها ليطلق م�سيرة جديدة ال تن�ضب من احترام‬

‫للمر�أة التي يجب �أن تكون بطهارة ال�سيدة مريم وعزّة نف�س ال�سيدة زينب ومن التهي�ؤ‬
‫فكري ًا و�إن�ساني ًا للعي�ش بال ذل �أو احتالل‪.‬‬
‫قنديل لبنان خَ ف ََت نوره ‪ ...‬ولكن �شعاع ال�س ّيد ف�ضل اهلل �سيعود �ضوء ًا جديد ًا‪...‬‬
‫�سماحة العالمة‪ ...‬ربما ِ�س ْحر عيونك ينطفئ اليوم‪ ..‬وقد ال يبقى من الكاريزما‬
‫�أكثر من �صورة على الحائط �أو ذ ّرات تراب‪ ..‬ولكن‪� ..‬أنت مطر من حوار وفتاوى‬
‫وجر�أة و�إيمان‪ ..‬و�أنت ج�سر بين م�سيحية و�إ�سالم‪ ...‬و�ستهطل ُك ّلما جفّت �صحارى‬
‫�أيامنا‪.‬‬
‫موقع التيار الوطني الحر ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫* �إعالمية لبنانية‪.‬‬

‫‪289‬‬

‫باق‬
‫ٌ‬
‫وعلم ٍ‬
‫ح�صن هوى ٌ‬
‫د‪� .‬أمان كبارة �شعراني*‬

‫التحجر الفكري التي ترف�ض االنفتاح ووقف‬
‫واجه قوى‬
‫ّ‬
‫�صامد ًا دفاع ًا عن انفتاحه على الجميع‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫َفق ََد لبنان والعالم العربي الإ�سالمي مرجعية وطنية روحية كبرى را�سخة بالعلم‪،‬‬
‫العلاّ مة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل المرجع المجيد ومر�شد الإن�سان‪.‬‬
‫نفتقد برحيله طالئع الدعاة �إلى الوحدة الإ�سالمية لن�صرة الحقّ والعدالة‬
‫ومقاومة الظلم والعدوان وداعم ًا من �أبرز دعائم قيام لبنان نموذج ًا للتعاي�ش بين‬
‫الح�ضارات والأديان‪.‬‬
‫يق�صر يوم ًا ولم يبخل في عر�ض �أفكاره‬
‫الخ�سارة كبيرة والفراغ مخيف‪ .‬فلم ّ‬
‫وفتاواه الم�ضيئة ومواقفه الدينية التي ّ‬
‫تخطت م�ساحات الإعجاب به حدود الم�سلمين‬
‫و�أ�ضافت �إلى الفكر الإ�سالمي �صفحات مميزة �ستتوارثها الأجيال‪ .‬فهو لم يكن رجل‬
‫دين تقليدي ًا بل اجتمعت فيه جملة من المزايا والمناقب ح ّولته �إلى َع َل ٍم م�ؤ ّثرٍ ترك‬
‫ب�صمات ال تُمحى خالل ب�ضعة عقود من الزمن ق�ضاها في خدمة ال�ش�أن الإ�سالمي‪.‬‬
‫خط الم�س�ؤولية وحرك ًة في ّ‬
‫عا�ش الإ�سالم في ّ‬
‫خط العدل‪.‬‬
‫انطلق في المفاهيم الأخالقية والإن�سانية التي ت�ساهم في رفع م�ستوى الإن�سان‬
‫على ال�صعد كافة ارتكاز ًا �إلى قيمة العدل ومواجهة الظلم‪� .‬أما حركته الفقهية‬
‫والعقائدية فانطلقت من القر�آن الكريم ك�أ�سا�س‪ ،‬وقد فهم القر�آن الكريم على �أنّه‬

‫كتاب الحياة الذي ال يفهمه �إ ّال الحركيون‪.‬‬
‫تم ّيز بالعلم والثقافة والأدب الرفيع والأخالقيات والإيمان‪ ،‬وما زرعه طوال �أيام‬
‫وبث الوعي في بدايات انطالقة �صحوة �إ�سالمية‪.‬‬
‫عطاءاته �أنتج انفتاح ًا على الآخر ّ‬
‫ورغم ال�صراع التاريخي الكبير بين العلم والدين‪ ،‬ا�ستطاع �أن يق ّرب بين‬
‫المفهومين بمنهج ّيته التي �ش ّكلت المعطيات العلمية الحديثة عن�صر ًا عام ًا لتحديد‬
‫الر�ؤية الفقهية لديه‪.‬‬
‫التحجر الفكري التي ترف�ض االنفتاح وبخا�صة ق�ضايا المر�أة التي لم‬
‫واجه قوى‬
‫ّ‬
‫يرقَ لها منهج التجديد الفكري والفقهي ودعا �سماحته �إلى �إعمال العقل واالجتهاد‬
‫في الحوادث التاريخية وال�شعائر المذهبية والفتاوى الفقهية‪ ،‬ووقف �صامد ًا دفاع ًا‬
‫عن انفتاحه على الجميع ودعواته الم�ستم ّرة �إلى الحوار‪.‬‬
‫كان لي ال�شرف �أن �أُك َّلف ب�إعداد ما كتبه وحا�ضر فيه عن المر�أة في �إطار مو�سوعة‬
‫تجمع ال�سيا�سي واالجتماعي واالقت�صادي‪ .‬لقد قمت بجهد كبير ولكن متوا�ضع‬
‫لجمع ك ّل �أفكار و�أقوال ال�س ّيد عن المر�أة من م�صادر ومراجع جاءت في خطاباته‬
‫ومحا�ضراته وكتبه ون�شراته الإعالمية وفتاواه‪ ،‬وحاولت �أن �أ�صنّفها ت�صنيف ًا ي�س ّهل‬
‫على الباحث �أو القارئ االطالع عليها في مو�ضوعات �أ�سا�سية تناولت المر�أة الإن�سان‬
‫والم�ساواة والحرية وحقوق المر�أة الم�سلمة وواجباتها‪ ،‬دور المر�أة المعا�صرة في‬
‫نظره المرتكزة على مبادىء المفهوم الإ�سالمي‪.‬‬
‫�أرجو اهلل �أن �أكون قد �أ ّديت ق�سط ًا ب�سيط ًا من جمع جزء من تراث ال�س ّيد الزاخر‬
‫بالفكر العميق والقلب الوا�سع وال ّروح الطاهرة والمواقف الجريئة تجاه المر�أة‬
‫المعا�صرة والرجل المعا�صر لأنهما ال يفترقان في عنا�صر الإن�سانية العميقة‪.‬‬
‫ومن �أقواله‪�« :‬إنه منذ لقائي بالإن�سان في م�شاكله وق�ضاياه والأمة �شعرت � ّأن‬
‫المجتمع هو ذكوري و�أنه ي�ضطهد فع ًال المر�أة بفكره بت�صنيفها ك�إن�سان ح ّتى الدرجة‬
‫الثانية واكت�شفت � ّأن الإ�سالم الذي ت�ش ّربته يريد للمر�أة �أن تكون �إن�سان ًا حق ًا ويريد‬
‫للرجل � ّأن ي�شعر ب�إن�سانيتها هذه و�أن يتكامل معها في �إن�سانيته»‪.‬‬
‫وهكذا توالت لديه فكرة اقتناع �أنّه على المر�أة �أن تتع ّلم وتبرع في العلم و�أن تطلق‬

‫‪291‬‬

‫العنان لفكرها لتكت�شف الحقيقة و�أن تدخل معترك التجربة تمام ًا كالرجل‪ .‬ويرى‬
‫ال�س ّيد � ّأن قيمة المر�أة في حركة المجتمع لي�ست فقط �إن�سان ًا ج�سد ًا ولكنّها ال ب ّد‬
‫�أن ت�شارك في عملية النمو االجتماعي والثقافي وال�سيا�سي كما الرجل ليتكامال في‬
‫عملية �صنع الإن�سان والعقل والقلب والحركة والحياة‪ ،‬ف�إنقاذ مجتمعنا من التخ ّلف‬
‫ينطلق من جهود المر�أة والرجل مع ًا‪.‬‬
‫رحم اهلل هذا الإن�سان الكبير و�أ�سكنه ف�سيح جنانه‪ ،‬و�سن�ست�ضيء �إن �شاء اهلل‬
‫بفكره الخ�صب الن ّير و�سيبقى فينا دافع ًا قوي ًا متجدد ًا للعمل الد�ؤوب المتوا�صل‬
‫لمواجهة التحديات قي قراءة معا�صرة للفكر الإ�سالمي تعيد للعقل دوره المعرفي‬
‫وللدين مرجعيته الأخالقية والروح ّية‪ .‬فدورنا اليوم ن�سا ًء ورجا ًال مواكبة الع�صر‬
‫بالت�أكيد على حقائق الدين وثوابته وجوهره واالنطالق من فل�سفة �إ�سالمية فاعلة‬
‫تعترف بالم�شاركة بين المر�أة والرجل في بناء المجتمعات‪.‬‬
‫اللواء ‪ 15‬تموز ‪2010‬‬

‫‪292‬‬

‫* رئي�سة املجل�س الن�سائي اللبناين‪ .‬‬

‫بين البلدوزر والمعول الخ�شبي‬
‫جعفر حمزة*‬

‫كان �إبراهيمي ًا ُ‬
‫عدة‪� ،‬صنم ال ُعرف‬
‫يدك بكلتا يديه �أ�صنام ًا ّ‬
‫المخيف‪ ،‬و�صنم الهيمنة‬
‫الأعمى المقد�س‪ ،‬و�صنم الفُرقة ُ‬
‫اال�ستكبارية الكبير‪.‬‬
‫«الفتنة هي االمتحان وال�صبر والتجربة التي ته ّز �أعماقك لتظهر ما في داخلها‪،‬‬
‫وذلك عندما تتح ّدى �شهواتك ولذّاتك و�أطماعك وعالقتك وعواطفك»‪« .‬ال�سيد ف�ضل‬
‫اهلل»‬
‫لم � ُأك حينها �إال نتاج قرية‪-‬كبقية القرى‪-‬ت�ش ّكل خطوط طرقها الرئي�سية‬
‫(البلدوزرات ال ُعرفية) من جهة‪ ،‬وبع�ض من معاول خ�شبية دينية �أ�صيلة من جهة‬
‫تتك�سر الأخيرة وال ت�ستمر في تعبيد طريق واحد �أو ن�صفه �أو ثلثه‪ ،‬في‬
‫�أخرى‪ .‬وكثير ًا ما ّ‬
‫قبال ما تب�سطه تلك القوى ال ُعرفية من طرق رئي�سية وفرعية‪ ،‬لت�سلكها ال �شعوري ًا‪.‬‬
‫فما دام الطريق ُمع ّبد ًا‪َ ،‬ف ِل َم التفكير خارج الطريق؟ �أو بالأ�صح‪ِ ،‬ل َم التفكير خارج‬
‫القطيع؟‬
‫�إال �أن �صوت ًا �ش ّدني بق ّوة الفطرة والتفكير �إلى ر�ؤية الأمور من زاوية �أخرى‪،‬‬
‫وبا�ستخدام ع�ضلة ن�سيناها �أو تنا�سينها‪ ،‬فكان التعب والألم ن�صيب من ي�ستخدمها‬
‫بعد طول تخدير‪ ،‬وهو �أمر متو ّقع‪ ،‬فعندما تُهمل ع�ضلة لفترة وتريد ا�ستخدامها‪،‬‬
‫ف�سيكون �أول ثمن تدفعه هو الألم‪ ،‬لتتحرك من ِعقال �أركنتَها �أنت فيه‪.‬‬
‫ذلك ال�صوت الذي �سمعته من �أ�شرطة كا�سيت و�ضعتها في م�سجلة ‪ -‬عجنتها‪-‬‬

‫‪293‬‬

‫بيدي من كثرة ا�ستخدامها والغو�ص في غمرات �أح�شائها ت�صليح ًا و�إعطاب ًا وابتكار ًا‪،‬‬
‫علي في نبرته وفكره ومنطقه وفطرته‪ .‬فكانت ال�شرارة‬
‫فخرج ذلك ال�صوت الجديد ّ‬
‫الأولى للتحول عن الطريق المعبد ببلدوزرات ال ُعرف‪� ،‬إلى طرق �أخرى فيها الكثير‬
‫من نور ال�شم�س وريح البر و�صوت البحر‪.‬‬
‫علي‪،‬‬
‫لم تتركني حا�سة ب�صري‪ ،‬فحفزّتني للنظر �إلى‪-‬ر�سالة‪-‬هذا ال�س ّيد الجديد ّ‬
‫أعطيت �سمعي جزء ًا منه‪ ،‬فال ب ّد من �إن�صاف الب�صر �أي�ض ًا‪� .‬ألي�س ال�سمع هو �أ ّول‬
‫فكما � ُ‬
‫حا�سة تنمو عند الإن�سان قبل الب�صر؟ ف�سمعت ذلك ال�س ّيد قبل النظر �إليه عبر قلمه‪.‬‬
‫كنت فيه‪ ،‬ف�صرت هائم ًا في منطقه‪،‬‬
‫�أخذني منطقه بعيد ًا جد ًا عن العقل الجمعي الذي ُ‬
‫ود ّلني ذلك الهيام �إلى بع�ض من ‪ -‬كتيباته ‪ -‬و�أبرزها ‪ -‬من �أجل الإ�سالم ‪ ،-‬حيث كانت‬
‫تت�ض ّمن محا�ضراته وفي ختامها �أ�سئلة و�أجوبة حولها‪ .‬والتي كانت لي بمثابة ‪ -‬الفا�ست‬
‫فبت �أختل�س وقت الظهيرة الالهب‬
‫فود ‪ -‬والمق ّبالت الغنية بالفيتامين والمواد المغذية‪ُّ ،‬‬
‫حيث يكون َم ْن في المنزل نيام ًا �أو ي�شاهد �إخواني الم�سل�سالت الكرتونية‪ ،‬والتي كانت‬
‫مف�ضلة ل ّدي حينها‪ ،‬لأحثّ الخطى �إلى الم�سجد الل�صيق ببيتنا‪ ،‬و�ألتهم تلك الكتيبات‬
‫ّ‬
‫واحد ًا بعد �آخر‪ ،‬و�أقول هل من مزيد؟‬

‫‪294‬‬

‫وحب و�أرق‬
‫ق�صا�صة ورق ّ‬
‫«ال�سالم روح ّية تنطلق من الممار�سة‪ ,‬ف�إذا كنت ال تعي�ش مح ّبة النا�س وال تحترم‬
‫تتح�س�س م�س�ؤوليتك عن حياتهم‪ ,‬ف�إنّك ال يمكن �أن تكون �إن�سان‬
‫�إن�سانيتهم وال ّ‬
‫ال�سالم!»‪« .‬ال�سيد ف�ضل اهلل»‬
‫لم �أقر�أ لل�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل كما كنت �أقر�أ لغيره‪ ،‬كنت �أعي�ش في كلماته‬
‫ومنطقه و�سرده الذي يخاطب الوجدان كما العقل‪ ،‬و ُيزيل الغبار من على العقل ٍ‬
‫بيد‬
‫لطيفة حانية‪ ،‬ذلك الحنو والتوا�ضع الذي لم �أ�سمع عنه بكلماته فقط‪ ،‬بل ر�أيتها ر�أي‬
‫العين بخط يده لوالدتي الأم ّية‪.‬‬
‫عندما طلبت والدتي من عائلة لبنانية كانت معنا في �سفر بر طويل من �إيران‬
‫�إلى �سوريا �أن ي�س�ألوا ال�س ّيد ليكتب لنا ن�صيحة لوالدتي ّ‬
‫بخط يده‪ .‬لم �أتو ّقع رد ًا‬

‫الن�شغاالت ال�س ّيد وما �أكثرها‪ ،‬فما هي �إال �أيام قالئل ح ّتى ت�صل تلك الق�صا�صة بخط‬
‫يده لوالدتي عبر الحاجة اللبنانية ال ُم�سنّة‪ ،‬وكان بع�ض ما فيها كما �أذكر «ليكن منهج‬
‫�أهل البيت (ع) هو الدرب الذي تربين فيه �أبناءك وت�سيرين عليه لر�ضا اهلل تعالى»‪.‬‬
‫تلك هي الروح الحانية والمتوا�ضعة التي تكتب ل ٍأم �أم ّية ن�صيح ًة لتربية �أوالدها‬
‫بخط يده وبعبارات ترى من خاللها ب�ساطة اللغة وقوة الر�سالة‪.‬‬
‫كنت �إال‬
‫وكانت �أمي تفتخر بتلك الوريقة وك�أنها كنز عظيم قد ظفرت به‪ ،‬وما ُ‬
‫أر�ضيت طلب ثالث حوا�س‪ ،‬فقد �سمعته ور�أيت منطقه‬
‫�أ�سعد �إن�سان حينها‪ ،‬فقد � ُ‬
‫بكتبه ولم�ست ما ّ‬
‫خطه بيده‪ ،‬ولو �أني لم �أت�ش ّرف باللقاء به‪� ،‬إال �أنّه كان �سهل المنال‬
‫والو�صول �إليه‪.‬‬
‫حب الإنتاج والتغيير‬
‫في خ�صو�ص ًا حب ًا من نوع �آخر‪ ،‬هو ّ‬
‫لقد بعث في والدتي كما ّ‬
‫فيما ير�ضي اهلل‪ ،‬حب المعرفة والبحث عن الحقيقة‪ ،‬ذلك الحب الذي �ش ّكل �أرق ًا‬
‫لمريديه‪ ،‬فلم يك مرتادوه بمرتاحي البال‪ ،‬بل كانوا كالنحل الباحث عن الرحيق‬
‫�أينما ُوجد‪.‬‬
‫كان حب ال�س ّيد هو حب الإ�سالم في حركته وقوته ومرونته‪ ،‬ولي�س هو بالحب‬
‫ال�سهل‪ ،‬بل كان حب ًا يدفع مريديه ل�شغف االطالع والقراءة والبحث والنقا�ش‪ ،‬وتلك‬
‫مهمة ‪-‬م�ؤرقة‪-‬جعلتنا نن�شد نتاجه‪ ،‬ونتاج ك ّل فكر لن�ضعه عند م�شرط المنطق على‬
‫طاولة القر�آن الكريم‪ ،‬فكان «من وحي القر�آن» نافذة �أخرى فتحتُها لأتنفّ�س الحياة‬
‫بمعانيها الوا�سعة‪ ،‬وليكون الأرق الفاعل المحفّز حا�ضر ًا وبقوة حينها‪ .‬فكنت �أتنقّل‬
‫من جزء �إلى �آخر ال لمعرفة التف�سير بقدر معرفة دالالت التف�سير وربطه بالواقع‪،‬‬
‫لتتح ّول ك ّل �آية قر�أتها فيه �إلى دليل عملي وتجربة ملمو�سة تمتد من �صفة القر�آن‬
‫وتتحرك في الحياة اليومية للإن�سان‪.‬‬
‫كيميائية ال�سيد‬
‫علي(ع) يعي�ش قلق الدعوة �إلى اهلل‪ ،‬وقلق الوعي الذي يحتاجه النا�س‪...‬كان‬
‫كان ٌّ‬
‫ه ّمه �أن يع ّلم النا�س»‪«.‬ال�سيد ف�ضل اهلل»‬

‫‪295‬‬

‫خ�ضت في غمراتها‪ ،‬لدرجة تق ّم�ص منطقه في الكثير من‬
‫لم �أقر�أ كتبه فقط‪ ،‬بل‬
‫ُ‬
‫كتاباتي لحينها‪ ،‬وال �أرى نف�سي �إال متّبع ًا لقواعد لغته ونحوه ومنطقه في حديثي وكتابتي ‪-‬‬
‫ال �شعوري ًا ‪ ،-‬ففي الكثير من كتاباته وكلماته ما ي�ستفز �إن�سان الداخل و ُيخرجه من �شرنقة‬
‫التفكير النمطي الذي ن�سجه ال ُعرف ال�سلبي تارة‪ ،‬و�صاغته المفاهيم الأحادية الجانب‬
‫لل�شرع تارة �أخرى‪ ،‬ومن بين هذا وذا يق ّدم ال�س ّيد الجليل «م�شرط الحرية» للخروج من‬
‫تلك ال�شرنقة‪ ،‬ويدفعك للتع ّلق بـ «بالون التفكير» لالرتفاع والنظر ب�صورة �شمولية لما‬
‫يجري حولنا‪ ،‬وبين الم�شرط والبالون تم ّكنت كيميائية هذا الرجل الإبراهيمي‪-‬الذي‬
‫اقترب من معبد المق ّد�سات العرفية التي و ّلدت �أ�صنام ًا فكرية و�سلوكية‪ -‬من �صناعة‬
‫ف�أ�س الفطرة والمنطق‪ ،-‬عبر �أطروحاته التي �شعر الكثير بهزات زلزال منطقه‬‫وتحليله‪ ،‬الذي كان يقترب من م�ساحات اعتبروها َّ‬
‫خط الهوية الأول لهم‪ ،‬في حين كانت‬
‫م�ساحة حرة يمكن التفكير والنقد فيها‪ ،‬فما كان منهم �إال التهويل والت�شويه والهجوم‬
‫عليه‪ ،‬ورفع الرايات ال�سود في وجهه بل والت�شكيك في هويته‪ .‬متنا�سين �أكبر الدرو�س‬
‫التي ّ‬
‫�سطرها القر�آن الكريم على ل�سان نبي الإ�سالم العظيم } َو ِ�إنَّا �أَ ْو �إِيَّا ُك ْم لَ َع َلى ُهدًى‬
‫�أَ ْو ِفي �ضَ اَل ٍل ُّمب ٍِين{(�سب�أ ‪ ،)24 :‬في در�س �إن�ساني للبحث عن الحقيقة وال�س�ؤال الفطري‬
‫عن ما يدور حولنا‪ .‬تلك عظمة الإ�سالم في فتح الذهن كما القلب للحوار مع الآخر‪.‬‬
‫تلك الكيميائية لم ُ‬
‫تو�سع مدارك‬
‫تك جديدة في م�سيرة العلماء العاملين‪� ،‬إال �أن ّ‬
‫هذا ال�س ّيد الحركي وتن ّوع التوا�صل بين يديه وغزارة �إنتاجه‪ ،‬ح ّول ذلك الموقف الذي‬
‫بع�ض من نقاط قوة‬
‫يطرحه �إلى �أدوات عملية ملمو�سة‪ ،‬و�سلوك يت�ش ّكل بقوة‪ ،‬وتلك هي ٌ‬
‫التيار الجارف لفكر ال�سيد‪.‬‬

‫‪296‬‬

‫ثالث ف�ؤو�س وثالثة نماردة‬
‫يكتف ال�س ّيد بف�أ�س واحدة ّ‬
‫لم ِ‬
‫يحطم بها الأ�صنام العرفية والتفكير النمطي ال�سلبي‬
‫ويظهر عجزها الحقيقي لمن ي�ؤمن بها ويتبع نف�سه عبرها‪ ،‬بل كان رابط الج�أ�ش‬
‫ليحمل ف�أ�سين �آخرين معه‪� ،‬أحدهما لتحطيم الأ�صنام المقد�سة عند الم�سلمين‬
‫ليو�سع قناة الوحدة بينهم‪ ،‬من خالل �إحداث ثقب في ال�سقف المظلم للم�سلم‬
‫قاطبة‪ّ ،‬‬

‫ليرى ال�شيعي �أنّه يلتقي مع �أخيه ال�سني‪ ،‬ويرى ال�سني �أنّه يلتقي مع �أخيه ال�شيعي‪،‬‬
‫وهكذا يتحركان بعيد ًا عن ك ّل تلك الأ�سقف المظلمة التي ن�سجتها ال�سيا�سة وال ُعرف‬
‫ال�سلبي ووعاظ ال�سالطين وجهلة المجتمع ‪-‬و�سامر ّيو‪ -‬الفُرقة بينهما‬
‫فخرج لل�سني كما لل�شيعي‪ ،‬والتقى الم�سيحي كما العلماني‪ ،‬لتكون المحبة‬
‫والمنطق‪ ،‬ومنهج �أهل البيت في التعاطي مع الآخر جواز �سفره للقلوب‪.‬‬
‫والف�أ�س الثالثة لهذا الإبراهيمي هو ف�أ�س مقارعة اال�ستكبار والطغيان الممنهج‬
‫من قبل القوى الغربية وربيبتها الكيان ال�صهيوني‪ ،‬ليخبر الم�سلمين ك ّل الم�سلمين‬
‫بالخطر الحقيقي المتر ّبع عند �شرفات منازلهم والراب�ض عند عتبات منازلهم‪،‬‬
‫والمترب�ص عند خفقات قلوبهم ووجدانهم ك ّل يوم‪ ،‬وذلك من خالل ال�سيا�سات التي‬
‫تر�سمها الواليات المتحدة الأميركية خ�صو�ص ًا وبع�ض البلدان الغربية عموم ًا بالتخاذل‬
‫والتعاون من بع�ض الأنظمة العربية المت�آمرة على �شعوبها بامتياز‪ ،‬وذلك لتمييع هوية‬
‫هذا العالم الإ�سالمي‪ ،‬وا�ستنزاف ثرواته‪ ،‬ودق �إ�سفين الخالف بين �أهله‪.‬‬
‫�أهي ف�أ�س واحدة؟ ال بل ثالث‪ ،‬لثالثة �أ�صنام‪� ،‬صنم ال ُعرف البعيد عن روح‬
‫الإ�سالم‪ ،‬والذي تح ّول بمثابة ‪-‬مق ّد�س‪ -‬عند المجتمعات الم�سلمة‪ ،‬و�صنم الفُرقة‬
‫والخالف بين الم�سلمين‪ ،‬و�صنم الهيمنة الغربية‪.‬‬
‫لذا فهو واجه ثالثة نماردة ولي�س نمرود ًا واحد ًا‪ .‬لي�س ال�س ّيد بـ «دون كي�شوت»‬
‫يحارب طواحين الهواء وحده‪ ،‬بل كان �إبراهيمي ًا ُ‬
‫يدك بكلتا يديه �أ�صنام ًا ع ّدة‪،‬‬
‫�صنم ال ُعرف الأعمى المق ّد�س‪ ،‬و�صنم الفُرقة ال ُمخيف‪ ،‬و�صنم الهيمنة اال�ستكبارية‬
‫الكبير‪.‬‬
‫إبراهيم في النار‪ ،‬فلك ّل نمرود هنا نا ُره الخا�صة‪ ،‬فلقي ال�س ّيد‬
‫ولئن �ألقى نمرو ٌد �‬
‫َ‬
‫الإبراهيمي من نمروده الأول الت�شويه والتمثيل بج�سد كلماته ل ُيقال له �إنه ليهجر‪،‬‬
‫و�أخذ من نمروده الثاني التهمي�ش و َر َك َن منطقه على الرف‪ ،‬وت�آمر بع�ض ال�سا�سة‬
‫العرب عليه‪� ،‬أما نمروده الثالث‪ ،‬فكانت منه محاوالت تغييب �شخ�صه عبر محاولة‬
‫اغتيال ج�سده‪ ،‬وو�صمه بداعم الإرهاب‪.‬‬

‫‪297‬‬

‫�إبراهيم الع�صر‬
‫كان منطق ال�س ّيد منطق نبينا �إبراهيم عليه ال�سالم‪ ،‬فقد ا�ستف ّز �إبراهيم العقل‬
‫والفطرة عند قومه من َع َبدة الأ�صنام‪ ،‬وتركهم في ج ّو التحليل المنطقي والعقالئي‬
‫لي�ستنتجوا ب�أنف�سهم الخط�أ الذي هم فيه وباقون عليه‪ ،‬فمن �س�ؤاله عن ال�شم�س‬
‫والقمر والنجم للبحث عن �إله يعبده‪ ،‬نثر بذور ال�س�ؤال والت�شكيك المنطقي فيما يقوم‬
‫به في �أر�ضية عقول قومه‪ ،‬ولم ُ‬
‫يك ذلك كافي ًا بالمنطق والكالم فقط‪ ،‬بل ط ّبق نبي‬
‫اهلل �إبراهيم الأثر المادي الملمو�س ليكمل حلقة الحجة على قومه‪ ،‬وذلك بتحطيم‬
‫الأ�صنام‪ ،‬و�إرجاع ال�س�ؤال المنطقي الفطري لقومه عن �أحقية عبادة �أحجار ال ت�ضر‬
‫وال تنفع‪.‬‬
‫وكذا فعل ال�سيد‪ ،‬لم يتو ّقف عند الحديث المنطقي لي�ستف ّز العقل للتفكير‪ ،‬بل نزل‬
‫�إلى ال�شارع من خالل الفكرة العملية‪ ،‬وليخرج ذاك المنطق من ح ّيز الكلمات �إلى‬
‫ف�ضاء الم�شروع الملمو�س‪ ،‬في ك ّل زاوية من زوايا حياة الإن�سان الم�سلم وغيره‪.‬‬
‫وذلك من خالل ‪ -‬الم�أ�س�سة ‪ -‬التي عمل بها في تد�شين المبرات والم�ؤ�س�سات‬
‫الخيرية‪ ،‬ف�ض ًال عن م�شاريع �أخرى اعتمدت على التوظيف الف ّعال للقدرات والإمكانات‬
‫المالية من �أجل تخريج كوادر وعنا�صر تعطي للمجتمع‪ ،‬بد ًال من �أن تكون عالة عليه‬
‫ووبا ًال‪.‬‬
‫تلك الم�أ�س�سة الفكرية التي عمل عليها �ألقمت الكثيرين حجر ًا ممن يت�شدقون‬
‫بجمود الإ�سالم في حركة التغيير والعطاء‪.‬‬

‫‪298‬‬

‫تَرِ كة الف�أ�س ومنطق الر�أ�س‬
‫«لن يفهم القر�آن الحرف ّيون‪ ،‬ولكن يفهمه الحركيون الذين يعي�شون الإ�سالم‬
‫حركة في الإن�سان وفي الواقع» «ال�سيد ف�ضل اهلل»‬
‫عمل ال�س ّيد من خالل ر�ؤيته و�أطروحاته على �إخراج «�سلمان المحمدي» فينا‪،‬‬
‫لنبحث عن الحقيقة ونن�شدها ونجهد �أنف�سنا لأجلها بحث ًا ونقا�ش ًا ومنطق ًا‪ ،‬برجلي‬
‫ال�شجاعة والجر�أة‪.‬‬

‫كان ال�س ّيد ع�ص ّي ًا عند البع�ض لأنّه ي�ستحث تحريك ع�ضلة لم ن�ستخدمها نتيجة‬
‫العقل الجمعي تارة و�سيا�سة المجتمع تارة �أخرى وهيمنة الواقع المر�سوم من قبل‬
‫القوى اال�ستكبارية تارة ثالثة‪.‬‬
‫لهم الأمة مذ ت�ش ّكل عو ُده في النجف وما قبلها‬
‫ولئن رحل هذا ال�س ّيد الحامل ّ‬
‫�إلى �آخر لحظة من حياته الخ�ضراء‪ ،‬ف� ّإن ف�أ�سه ما زالت باقية ل ّأن �سامريين ُجدد ًا‬
‫ُيولدون ك ّل يوم‪ ،‬والعديد من النماردة يتربعون عرو�شهم في البيت والمجتمع والدولة‬
‫والعالم‪ ،‬تبقى الم�سيرة الإبراهيمية م�ستم ّرة من نتاج هذا ال�س ّيد الحركي المحفّز‬
‫وحج ًة ملمو�سة على ك ّل‬
‫للفكر والعمل‪ .‬وما تركه �إرث ًا معرفي ًا وعملي ًا لنا �إال م�س�ؤولية ّ‬
‫من يريد �أن يح ّرك الإ�سالم في �شرايين الحياة اليومية‪ ،‬ويجعله ناب�ض ًا بقوة في‬
‫م�سيرتنا اليومية‪ ،‬ال قرطا�س هنا �أو تع ّبد جامد هناك‪ ،‬بل يكون الح ّر في ف�ضاء اهلل‬
‫الوا�سع‪ ،‬ليح ّول من ك ّل تح ّد عبادة ويجعل من ك ّل مع�ضلة ثواب ًا وعم ًال �صالح ًا‪ ،‬ليكون‬
‫الإن�سان للإن�سان‪� ،‬إن�سان اهلل عبر نبرا�س القر�آن الحركي ال الجامد‪ ،‬ومن خالل‬
‫�سنة نبيه البانية للإن�سان ال المذلة له والمنف ّرة كما يق ّدمها وعاظ ال�سالطين و�سدنة‬
‫البلدوزرات ال ُعرفية‪ ،‬ليبقى الإن�سان الفطري ‪-‬فطرة اهلل‪-‬هو العامل والمف ّكر‬‫والمغ ّير ليح ّول ما يلم�سه ب�إذن اهلل �إلى مفهوم حي يعي�شه المجتمع وي�ستثمره ‪ ،‬وليكون‬
‫ف�أ�س �إبراهيم في عنق ال�صنم الكبير �شاهد ًا على بطالن العبادة الم�صطنعة‪ ،‬وراية‬
‫حقٍّ ال تنتك�س �أبد ًا‪.‬‬
‫�شبكة المالكية الإلكترونية ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫* �أ�ستاذ يف الدرا�سات الإ�سالمية ‪ -‬لبنان‪.‬‬

‫‪299‬‬

‫وداع ًا يا �أبا علي ‪ ...‬و�ستبقى ف�ضل اهلل‬
‫المهند�س غريبي مراد عبد الملك*‬

‫ال�سوي وت�شريع‬
‫ع ّلمتنا � ّأن الإ�سالم منهج حياة الإن�سان‬
‫ّ‬
‫دولة الإن�سان الم�س�ؤول‪.‬‬

‫‪300‬‬

‫الحم ُد للهّ منزّل ِ‬
‫مد الهمم محمد �صلى‬
‫الح َكم على قلوب الكلم‪ ،‬و�صلى اهلل على ُم ِّ‬
‫اهلل عليه و�آله و�سلم وبعد‪ :‬كم هو جميل ومه ٌّم الحديث عن الإن�سان‪ ،‬وكم هو � ُ‬
‫أجمل و�أه ُّم‬
‫حديث الإن�سان العا ِلم عن الإن�سان‪ ،‬و�إن �شئت فقل‪ :‬الحديث عن «الإن�سان الكبير»‪،‬‬
‫العالم المجاهد كما َد�أَ ْبنا على ت�س ّميته �آية اهلل العظمى ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل(ر�ض)‪...‬ال �أدري ماذا �أكتب �أو �أقول عن �إن�سان ك ّر�س حياته ك ّلها لأجل حياة هذه‬
‫الأمة ونباهة �إن�سانها‪ ،‬حياة الفكر والعقل والوعي‪ ،‬حياة الموقف الر�سالي والوقفة‬
‫ّ‬
‫المنظمة الهادفة‪ ،‬ال ت�س�أل النا�س هل يعرفونه‪ ،‬من الم�سلمين‬
‫الم�س�ؤولة والحركة‬
‫وغيرهم في عال َم ْينا العربي والإ�سالمي والمعمورة كك ّل‪� ،‬إنّه الإن�سان الم�سلم الذي‬
‫�أط ّل ب�إن�سان ّيته الإ�سالمية على الأر�ض ك ّلها وكان يعانق ال�سماء باالبتهال والدعاء كما‬
‫�أ�شار في العديد من �أ�شعاره الفريدة والمفعمة بعبق ال�سماء وانفتاح الروح على اهلل‪،‬‬
‫يكفي �أن تتم ّعن في ا�سمه الذي انطلق من رحاب النبي الأكرم ‪ P‬وارتبط بالإمام‬
‫ال�شهيد الح�سين (ع) فتج ّلى في دنيا النا�س ف�ضل من اهلل‪َ ،‬ن َهل ِم ْن علمه و�أخالقه‬
‫َم ْن نهل وزهد َم ْن زهد‪ ...‬العالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ر�ضوان اهلل عليه‪،‬‬
‫الحديث عنه تعب م�ستتعب ل ّأن هذا الرجل العا ِلم لم تكن معرفتي به ب�سيطة �أو‬

‫مرتبة‪ ،‬ولكن كانت عابرة في مرحلة ح�سا�سة من حياتي‪ ،‬حيث ارتبطت منذ نعومة‬
‫�أظفاري ب�شخ�صية الإمام علي(ع)‪ ،‬و حبي العظيم للإمام علي(ع) ع ّرفني بالعديد‬
‫علي ممن افتقدتهم منذ �سنوات قليلة‬
‫من العلماء العظام ممن ع�شقوا علي ًا ونهج ّ‬
‫وكان من بينهم الفقيد العالمة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ر�ضوان اهلل عليه‪...‬‬
‫كانت البداية بكتابه «الحوار في القر�آن» الذي ُطبع بالجزائر في الثمانينيات‪،‬‬
‫في رحاب هذا الكتاب اكت�شفت �شخ�صية م�ؤ ِّلفه التي بهرتني بخطاب �إ�سالمي مم ّيز‬
‫وتد ّبر رائع لآي القر�آن‪ ،‬هذا العا ِلم العامل المنفتح على اهلل وعياله‪ ،‬نق�ش بكتابه هذا‬
‫في وجداني ِ�شعار‪ :‬الحقيقة بنت الحوار‪ ،‬فكانت البداية بالحوار وبقي الحوار يعقلن‬
‫الثورة على الذات والتخ ّلف‪ ،‬وا�ستم ّر الم�شوار‪ ،‬نعانق كتب ال�س ّيد ف�ضل اهلل ر�ضوان‬
‫اهلل عليه‪ ،‬ونزوره لن�س�أله اليوم بدمعة حارة‪ :‬هل نعمل �أم نتوقف بعدك؟ �صحيح �أنّك‬
‫تركت لنا الجواب في كتابك «ق�ضايانا على �ضوء الإ�سالم» (المهمة الر�سالية �ص‪)10‬‬
‫لكن رحيلك �صدم الأمة ك ّلها‪ ،‬كما �صدمها �إخوانك من قبل برحيلهم وكما �صدم‬
‫النبي ‪ P‬الم�سلمين برحيله وكما �صدم �أئمة الهدى (ع) �شيعتهم‪ ،‬هكذا العلماء‬
‫عندما يرحلون عن دنيا النا�س يتركون �شرخ ًا عظيم ًا ال يمل�ؤه �إال من جاءه ف�ض ٌل من‬
‫اهلل وخي ٌر كثي ٌر‪...‬‬
‫ماذا بعد رحيل العالمة؟ �إنّها المهمة الر�سالية التي ر�سم معالمها بح�سب‬
‫اجتهاداته ور�ؤيته للواقع والتاريخ والم�ستقبل‪ ،‬والتي ت�ؤكد على حقيقتين ال ب ّد من‬
‫التزامهما كما ع ّرفها ال�س ّيد ر�ضوان اهلل عليه‪ :‬النفاذ �إلى العمق و�صنع الحا�ضر‪...‬‬
‫ماذا ع�سانا نقول‪� :‬إ َنّا الم�سلمين عليك لمحزونون وما نع ّبر �إال كما ع ّلمنا ربنا عز‬
‫وجل ونب ّينا ‪�} :P‬إِنَّا للِ هّ ِ َو�إِنَّا �إِلَ ْي ِه ر َِاجعونَ{‬
‫وداع ًا �أيها الحنون‪ ...‬وداع ًا �أيها الزكي النقي‪ ...‬وداع ًا �أيها ال�صابر الطاهر‪...‬‬
‫وداع ًا وداع ًا حبيبي العالم المجاهد وال جعله اهلل �آخر العهد منا �إليك يا من ع ّلمتنا‬
‫� ّأن الإ�سالم منهج حياة الإن�سان ال�سوي وت�شريع دولة الإن�سان الم�س�ؤول‪ ...‬وداع ًا‬
‫و�ستبقى الأجيال تذكرك �أيها العالم الر ّباني والإن�سان الر�سالي‪ ،‬ل ّأن‪« :‬العلماء باقون‬
‫وتركت جي ًال من‬
‫رحلت‬
‫َ‬
‫ما بقي الدهر‪�،‬أعيانهم مفقودة و�أمثالهم في القلوب موجودة» َ‬

‫‪301‬‬

‫القاهرين لال�ستكبار ال�صهيوني والأميركي و�أو�صيت ك ّل الم�سلمين بتحقيق الوحدة‬
‫قبل �أن تتهاوى الأ�سوار‪ ،‬لن نن�سى قولتك‪« :‬علينا �أن نج ّرب ونحن ندعو‪ ،‬ونج ّرب‬
‫ونحن نعمل ونج ّرب ونحن نف ّكر ونج ّرب ونحن ن�ضع الخطط وننفذ الم�شاريع‪...‬‬
‫ونج ّرب ح ّتى ال يبقى هناك مجال للتجربة‪ ...‬ح ّتى يكون العمر ك ّله تجربة في �سبيل‬
‫اهلل وفي �سبيل دينه و �شريعته‪ .»..‬نم هنيئ ًا �س ّيد الفكر الإ�سالمي المعا�صر و�إمام‬
‫المقاومة الإ�سالمية العادلة ومع ِّلم االنفتاح على اهلل بالزهد والعمل ‪� ...‬أ�س�أل اهلل‬
‫تعالى لك رفيع الدرجات وعالي المقام في جنات الخلد بجوار ج ّدك ر�سول اهلل ‪P‬‬
‫و�آبائك الأطهار (ع)‪.‬‬
‫وداع ًا �أبا علي‪...‬و�ستبقى ف�ضل اهلل‪...‬واهلل من وراء الق�صد‪.‬‬
‫�شبكة الفجر الثقافية ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪302‬‬

‫*باحث وكاتب �إ�سالمي جزائري‪.‬‬

‫معالم المدر�سة الفكرية والفقهية‬
‫للمرجع العلاّ مة ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫النائب عبا�س البياتي*‬

‫كيف يمكن �أن نبد�أ ع�صر ًا جديد ًا من دونه؟‬
‫يتكررون‪.‬‬
‫فالرجال العظام ال ّ‬
‫برحيل المرجع والمف ّكر ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل تخ�سر ال�ساحة الفكرية‬
‫والفقهية الإ�سالمية مف ّكر ًا ث ّر ًا وغزير ًا في العطاء ومتن ِّوع االهتمامات وفقيه ًا ج�سور ًا‬
‫ومج ّدد ًا لم يكن يتر ّدد في اقتحام م�ساحات غير محروثة وطرقِ �أبواب م�ؤ�صدة‪,‬‬
‫وتلم�س الطرق الوعرة والم�سالك ال�صعبة‪ ,‬وبرحيله تنطوي مرحلة تاريخية كان لل�سيد‬
‫ف�ضل اهلل فيها الريادة في التنظير الحركي والتنوير الفكري واالنبعاث الإ�سالمي‪,‬‬
‫وهو �آخر الأطواد من جيل نذر نف�سه للم�شروع الإ�سالمي فكر ًا وحرك ًة وتنظيم ًا وكان‬
‫الم�شروع‪ -‬في حينه في بواكيره وبداياته الجنينية‪.‬‬‫و� ّإن م�ساهمات ال�س ّيد ف�ضل اهلل الفكرية توزعت على عدة �أبواب كان له فيها‬
‫�إ�ضافات ومبادرات وفتح عبرها ومن خاللها �أبواب ًا جديدة و�أعاد الفهم وال�صياغة‬
‫لأحكام ومقوالت وقام بالمراجعة لأحداث تاريخية وحاول �أن يثير االهتمام وال�س�ؤال‬
‫عن المتوارث والمنقول و�ضرورة تقييم ذلك بميزان العقل‪.‬‬
‫وكان الراحل الكبير مدر�سة متم ّيزة حاولت �أن ت�شق لها طريق ًا مغاير ًا خارج‬
‫الم�ألوف ولم يكن ذلك �أمر ًا ي�سير ًا في الأجواء التي كان يتحرك فيها بل واجه‬

‫‪303‬‬

‫حمالت م�ضادة ومعارك امت ّدت �إلى �أكثر من �ساحة لمجرد ر�أي �أو �إثارة �س�ؤال في‬
‫حدث ولي�س ب�سبب حكم �أحدثه �أو كتاب ب ّدله‪.‬‬
‫و� ّإن من �أهم معالم المدر�سة الفكرية والفقهية لل�سيد ف�ضل اهلل‬
‫هي‪:‬‬
‫‪ -1‬الواقعية‪ :‬كان الواقع بالن�سبة لل�سيد ف�ضل اهلل الو�سط الذي ي�أخذ منه ويعطيه‬
‫في تفاعل و�صيرورة ولم يكن في معالجته الفكرية والمعرفية يناق�ش ب�شكل‬
‫تجريدي خيالي حالم كطريقة �أغلب المفكرين والفال�سفة الذين ال يخرجون من‬
‫�صومعتهم وال يغادرون مكاتبهم‪ ,‬وكان يكتب للواقع ويواجه تحدياته ويعالج ثغراته‬
‫ويناق�ش من وحي الواقع وكان يختلف عن كثير من المفكرين والعلماء الذين كانوا‬
‫يكتبون من وحي الت�أمل الذي ال يالم�س الواقع �إال ب�شكل َع َر�ضي عابر ا�ستناد ًا �إلى‬
‫ما في بطون الكتب ولي�س اعتماد ًا على ما في عمق الواقع الحي الناب�ض والمتغير‬
‫والمتدفق‪ ,‬كان واقعي ًا ومو�ضوعي ًا في المعالجة والفهم والت�صور‪.‬‬
‫‪ -2‬الحركية‪ :‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل ي�ؤمن بحركية الإ�سالم وعدم جموده‪ ,‬والحركية‬
‫تعني عنده القدرة على التطبيق والقابلية على التنفيذ والمرونة في التعاطي مع‬
‫الأحداث والوقائع واال�ستيعاب للمتغيرات والحيوية واالنب�ساط والحياة والتجدد‬
‫ولي�س االنغالق واالنطواء‪ ,‬والحركية تعني االمتداد �إلى حيث تمت ّد الحياة والإن�سان‬
‫زمان ًا ومكان ًا وحاجات واهتمامات‪.‬‬
‫‪ -3‬المعا�صرة‪ :‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل عا�ش بالإ�سالم ع�صره منفتح ًا عليه ومقب ًال �إليه‬
‫ومن�سجم ًا معه‪ ,‬وا�ستفاد من النتاجات الإن�سانية وحاور المناهج والمدار�س الفكرية‬
‫المختلفة وفتح الإ�سالم على الع�صر وفتح الع�صر على الإ�سالم‪ ,‬المعا�صرة‬
‫بالن�سبة لف�ضل اهلل الهواء والماء الذي ال ي�ستطيع بدونه الإن�سان الحياة‪ ,‬وقد‬
‫�أراد للإن�سان �أن يعي�ش ع�صره بالإ�سالم غير متر ّدد وال منف�صم وخائف و�أن ال‬
‫يكون غريب ًا على ع�صره ومتبرم ًا منه �أو كافر ًا به �أو مهاجر ًا عنه كما دعت بع�ض‬

‫‪304‬‬

‫الحركات الإ�سالمية المتطرفة‪� ,‬أراد ال�س ّيد �أن يحاور ع�صره وي�أخذ منه ويعطيه‬
‫في ان�سجام وتكامل في �إطار الإ�سالم و� ّأن المعا�صرة لي�س االنف�صال والهجرة‪� ,‬أو‬
‫االبتعاد واالنزواء‪ ,‬بل التفاعل والمواكبة والقدرة على الموا�صلة وتوليد الأجوبة‬
‫ل�سيل الأ�سئلة التي يطرحها الع�صر وتطور الحياة وتق ّدمها‪.‬‬
‫‪ -4‬التغييرية‪ :‬كان ال�س ّيد ف�ضل اهلل يتط ّلع �إلى تغيير الحياة والمجتمع والإن�سان‬
‫على �أ�سا�س م�شروع متكامل الجوانب تلتقي فيها الخيوط في تنا�سق تام‪ ،‬لم يكن‬
‫يكتفي بالوعظ والإر�شاد الأخالقي �أو �إ�سقاط الواجب بالأمر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر بحدوده الفردية والجزئية بل كان يخاطب بالتغيير ك ّل مف�صل من‬
‫مفا�صل الحياة والمجتمع‪ ,‬والتغييرية لم تكن عنده ت�ستند �إلى الفكر فح�سب و�إن‬
‫كانت قاعدته الرئي�سة بل كانت م�ؤ�س�سات وحركات وم�شاريع وبرامج ت�ستلهم‬
‫ر�ؤاه‪.‬‬
‫‪ -5‬الأ�صالة‪ :‬الأ�صالة عند ال�س ّيد ف�ضل اهلل لي�ست التجمد على ما ورد من ال�سلف‬
‫بل عدم الخروج على ال�صحيح مما ورد من ال�سلف من ثوابت العقيدة والقواعد‬
‫والأحكام‪ ,‬وعليه لي�س ك ّل ما ورد من ال�سلف ال يمكن محاكمته وكان ال�س ّيد ال ي�ؤمن‬
‫بالأ�صالة بمعنى التقليد والجمود والترديد من دون �إعادة فهم و�صياغة‪ .‬الأ�صالة‬
‫لديه لي�ست االن�سياق بل الأخذ بوعي وترك عن دراية‪.‬‬
‫‪ -6‬الجر�أة‪ :‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل يتم ّتع بجر�أة كبيرة و�شجاعة جعلته ال يتر ّدد في المجاهرة‬
‫ب�آرائه خالف الم�ألوف والمتداول طالما قادته قناعته الفكرية �إلى ذلك‪ ,‬وقد‬
‫خا�ض في مجاالت فكرية وفقهية وتاريخية �أثارت عليه ردود فعل كثيرة لم ي�أبه‬
‫لها ولم ينحنِ بل �أ�ص ّر ووا�صل ح ّتى خمدت العا�صفة وبقي ر�أيه �صامد ًا يحث‬
‫الآخرين على التفكير والجدية في التقييم‪ ,‬ولم يتوقف وج ّر عليه ذلك كالم ًا‬
‫كثير ًا ولم يبال‪.‬‬
‫‪ -7‬العالمية‪ :‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل لم يح�شر نف�سه في م�ساحة ولم ي� ِّؤطر اهتمامه بجماعة‬
‫بل كان �إن�ساني االهتمام والموقف وعالمي التوجه والنزعة‪ ,‬وكانت حا�ضرة عنده‬

‫‪305‬‬

‫ق�ضايا الم�سلمين وغيرهم يوليها الرعاية واالهتمام والمعالجة وي�س ِّلط عليها‬
‫الأ�ضواء في خطبه بل ال يترك �أمر ًا يمر دون �أن ي�سجل موقفه منه ويبدي ر�أيه‬
‫فيه‪ ,‬وكان يتح ّرك في ك ّل دائرة تتحرك فيها ق�ضايا الإن�سان المعا�صر �سيا�سي ًا‬
‫واجتماعي ًا ومعرفي ًا واقت�صادي ًا‪.‬‬
‫ونتوقف عند ثالث دوائر من نتاجاته الفكرية والفقهية التي �أبدع فيها وج ّدد في‬
‫جوانب منها وهي‪:‬‬
‫�أو ًال‪ :‬في الفقه الإ�سالمي‬
‫الفقه الإ�سالمي ُيعنى بالفروع والأحكام ال�شرعية وقد كان لل�سيد ف�ضل اهلل‬
‫�أ�سلوبه الخا�ص في تناوله فهم ًا وطرح ًا ومعالج ًة وذهني ًة متفتح ًة حيث كان يتعامل‬
‫مع الن�ص و�إيحاءاته من غير تحميل �أو تطويع‪ ,‬بل الن�ص وما ين�ضح منه ويعطيه‪,‬‬
‫وقد لج�أ ال�س ّيد �إلى التب�سيط وعدم الت�شديد وتجنب التوقف واالحتياطات و�أعاد‬
‫النظر في فهم الكثير من الأحكام وطرح مفاهيم جديدة ت�ستند �إلى علم �أهل‬
‫و�سع من دائرة اال�ستفادة من �أهل‬
‫االخت�صا�ص من الأطباء والعلماء والخبراء حيث ّ‬
‫الخبرة العلمية االخت�صا�صية بالعلوم الطبيعية في تحديد موا�ضيع الأحكام ك ٌّل في‬
‫والمف�سرات‬
‫مجال اخت�صا�صه �أي �إنّه �إلى جانب العرف الذي كان يعد من المح ّددات‬
‫ّ‬
‫كان لأهل االخت�صا�ص م�ساحة وا�سعة وتدخل في �إعادة �صياغة الحكم ال�شرعي‪،‬‬
‫كان ي�ؤمن بالفقه للواقع والع�صر ولي�س الفقه من �أجل الفقه وكان يريد من الفقه‬
‫�أن يواكب الحياة ب�إ�شكاالتها و�أ�سئلتها وحاجاتها و�أن يالحق الإن�سان في �أو�ضاعه‬
‫و�أماكن ترحاله وعمله ون�شاطه‪.‬‬
‫� ّإن فقه ال�س ّيد ف�ضل اهلل فقه الإن�سان المعا�صر وكان منفتح ًا ومتحرر ًا طبع ًا في‬
‫ك ّل ذلك‪ ،‬كان يحاول �أن يو�سع في القاعدة الفقهية ويطلقها في الآفاق‪ّ � .‬إن فقه ال�س ّيد‬
‫تم ّيز بالي�سر وبالحركية التي ت�ستند �إلى الإ�سالم الذي هو ال�شريعة ال�سهلة ال�سمحاء‬
‫و�أن الفقه للحياة ولي�ست مادة علمية ال يفهمها غير �أ�صحاب االخت�صا�ص وتحتاج �إلى‬

‫‪306‬‬

‫التف�سير‪ ,‬كما كان فقه الحركة �أي لي�س فقه ًا جامد ًا وقف ًا على مرحلة تاريخية بل كان‬
‫فقه ًا يتح ّرك مع الع�صر وي�سد الفراغات فيه ويحاول �أن يدفع به �إلى المواكبة‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬في تف�سير القر�آن‬
‫في مجال تف�سير القر�آن الكريم كتب ال�س ّيد ف�ضل اهلل تف�سير ًا كام ًال من وحي‬
‫القر�آن وهو تف�سير ب�أ�سلوب ع�صري ممتع وم�شوق يحاول ا�ستنطاق الواقع على �ضوء‬
‫القر�آن ‪ ,‬و ُي َع ُّد تف�سيره من التفا�سير الحركية التي تفتح الن�ص القر�آني على الواقع‬
‫االجتماعي وال�سيا�سي واالقت�صادي ويجعل القران يتحرك مع الإن�سان في ك ّل حركاته‬
‫و�سكناته‪ ,‬ويحرك العنا�صر في �أ�سباب النزول �إلى الوقائع المعا�صرة ‪ ,‬وت�شكل دورة‬
‫التف�سير القر�آني بمجلداتها الع�شرين معينا ثقافي ًا وتاريخي ًا وفقهي ًا وحركي ًا ال‬
‫ين�ضب‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬في الفكر الحركي‬
‫ُي َع ُّد ال�س ّيد ف�ضل اهلل رائد ًا في الفكر الحركي المعا�صر و�صاحب مدر�سة تخ ّرج‬
‫منها مف ّكرون وعلماء وقادة �سيا�سيون و� ّأن الفكر الحركي الذي بلوره ال�س ّيد �ش ّكل‬
‫ومازال جزء ًا مهما من المادة المعرفية والفكرية للحركات الإ�سالمية‪ ,‬وهو ُي َع ُّد من‬
‫المجددين والم�ؤ�صلين في الفكر الحركي وقد غرف منه كثيرون في �أكثر من دولة‬
‫ِّ‬
‫�إ�سالمية كما ون�ش�أت وت�أ�س�ست عليه وانطالق ًا منه حركات و�أحزاب عديدة وم�ؤثرة‬
‫في �أكثر من �ساحة وكانت لآرائه الحركية �أ�صداء لي�س في الواقع الإ�سالمي ال�شيعي‬
‫أهم كتبه في هذا ال�صدد‪« ،‬خطوات‬
‫بل ح ّتى في الواقع الإ�سالمي ال�سنّي ولع ّل من � ّ‬
‫على طريق الإ�سالم»‪ ،‬حيث حاول من خالله �أن ير�سم ّ‬
‫الخط الحركي الذي يتم ّيز‬
‫به العمل الإ�سالمي عن غيره‪ .‬ولديه ع�شرات من الكتب في هذا المجال بالإ�ضافة‬
‫�إلى الآالف من المحا�ضرات والندوات‪ ,‬وربما عرف بهذا الجانب �أكثر من غيره من‬
‫الجوانب المعرفية الأخرى وهو ُيعد من الرواد المنفردين فيه‪.‬‬
‫هذا مرور �سريع وقراءة خاطفة للمعالم الفكرية والفقهية للمرجع العلاّ مة ال�س ّيد‬

‫‪307‬‬

‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ,‬و� ّأن الدرا�سة ال�شاملة والإحاطة الكاملة بهذه ال�شخ�صية‬
‫الث ّرة تتط ّلب كتب ًا ومج ّلدات‪ ,‬كما � ّأن �أثره �سيمت ّد مع �أجيال قادمة حيث كان �شعلة‬
‫الفكر الو�ضاءة التي �أنارت الدرب ل�شعوب �إ�سالمية عديدة و�سيبقى منار ًا خالد ًا في‬
‫الفكر والحركة والتجديد‪.‬‬
‫جريدة المدى العراقية ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫‪308‬‬

‫* ع�ضو جمل�س النواب العراقي‪.‬‬

‫ال�سيد ف�ضل اهلل ومدر�سة المحبة‬
‫د‪.‬خالد �أحمد ال�صالح*‬

‫ال�سيد ف�ضل اهلل فقد كتب �صفح ًة م�ضيئ ًة في‬
‫رحم اهلل ّ‬
‫المحبة وما علينا �إال التم�سك بها‪.‬‬
‫ّ‬
‫رحم اهلل الرجل‪ ،‬كان عالم ًا في الدين‪ ،‬در�س الفقه ال�شيعي ح ّتى و�صل �إلى �أعلى‬
‫مراتبه‪ ،‬درجة االجتهاد‪ ،‬وفي المذهب ال�شيعي ينال المجتهد المطلق لقب (�آية اهلل‬
‫�شجع التقارب بين‬
‫العظمى)‪� ،‬إنّه ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ذلك الرجل الذي ّ‬
‫الم�سلمين وعمل عليه عقود ًا طويلة‪ ،‬ح ّتى �أتت وفاته �إلى رحمة اهلل وما تبعها من‬
‫تكريم له من الم�سلمين جميع ًا لإظهار ما في النفو�س من ح�سرة لفقدان تلك الرموز‬
‫التع�صب وت�سعى �إلى وحدة الم�سلمين‪.‬‬
‫التي تحارب ّ‬
‫لقد كان لل�سيد ف�ضل اهلل �إ�صدارات كثيرة لع ّل �أجملها كتاب (الزهراء القدوة)‬
‫وهو مجموعة محا�ضرات جمع فيها ف�ضل �سيدة ن�ساء العالمين فاطمة الزهراء حبيبة‬
‫الم�صطفى ‪ ،P‬فذكرها ال�س ّيد كقدوة وذكر لنا �صفحات من حياتها‪ ،‬و�أ�سهب في‬
‫خ�صالها وف�ضلها ولم يوفّها حقها‪ ،‬ومن ي�ستطيع ذلك! ثم �أمتعنا بمواعظها وخطبها‬
‫التي عب ّرت فيها عن حقيقة الإيمان رغم �صغر �سنها‪.‬‬
‫� ّإن ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل �أحب �آل البيت(ع) حب العاقلين وعرف كيف‬
‫ي�صون حرمتهم ويحترم قدرهم‪ُ ،‬ح ّب ًا نبحث عنه اليوم فال نكاد نراه‪ ،‬فقد كثرت‬
‫وال�سب واللعان‪.‬‬
‫دعاوى الحب والتبجيل واختلط فيها الكره‬
‫ّ‬

‫‪309‬‬

‫� ّإن مدر�سة ال�س ّيد ف�ضل اهلل داعمة لوحدة الم�سلمين عاملة على التالقي‪ ،‬ورغم‬
‫ما عاناه الرجل من هجوم من ُث ّل ٍة المتع�صبين من هنا وهناك �إال �أنّه �صبر واحت�سب‬
‫و�أحيا بين تالمذته روح التوحيد ونهى عن التع ّر�ض لخير القرون و�أ�صحاب ر�سول اهلل‬
‫و�أزواجه الطاهرين المكرمين‪.‬‬
‫�إنّنا اليوم ب�أ�ش ّد الحاجة �إلى ت�شجيع فكر التالقي فالإ�سالم ك ّله م�ستهدف وال‬
‫يبحث عن مواقع الفتن �إال رجل لم يفهم الإ�سالم ولم يعرف حقيقته وما �أكثرهم‬
‫اليوم‪.‬‬
‫ولع ّل ما �شاهدناه من حزن على وفاة ال�س ّيد لدلي ٌل على تعط�ش الم�سلمين �إلى نبذ‬
‫الكراهية واحترام الآخر ونقد الموروثات الباطلة التي تفنّن في و�ضعها المغر�ضون‬
‫من �أجل �إ�ضعاف الإ�سالم و�ضياع هيبته‪.‬‬
‫الوطن (الكويت) ‪ 12‬تموز ‪2010‬‬

‫‪310‬‬

‫* كاتب كويتي‪ .‬‬

‫غياب الرموز ذات التقدير واالحترام‬
‫مهنا الحبيل*‬

‫ال�سيد ف�ضل اهلل في هذا التوقيت الدقيق فهي‬
‫�إذ نفقد ّ‬
‫خ�سارة م�ضاعفة لغياب الرموز ذات التقدير واالحترام‪.‬‬
‫بمزيج من بالغ الأ�سى والألم وم�شاعر الحزن للغياب الكبير تلقّينا نب�أ وفاة �سماحة‬
‫المرجع ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل علاّ مة لبنان الكبير و�أحد رموز الدعوة والعمل‬
‫لتوحيد الأمة الإ�سالمية والتعاون بين �أتباع الر�سالة الإ�سالمية المحمدية‪.‬‬
‫�إنّنا ونحن نعي�ش �صدمة رحيل الإمام لن�ستح�ضر دوره الفكري العلمي الجامع‬
‫الذي تق ّدم به ودعا له لت�صحيح ما ُيع ّكر �صفو الوحدة وي�شق �صفوف الأمة ومنا�شداته‬
‫المتك ّررة لجمع الكلمة مقترنة بمراجعات تاريخية �سعى فيها لو�أد �أركان الفتنة في‬
‫التاريخ القديم والأحداث المعا�صرة‪.‬‬
‫و�إننا �إذ ن�ستح�ضر هذه اللحظة التاريخية التي تعي�شها الأمة تحت ق ّوة ح�صار‬
‫وعدوان الكيان ال�صهيوني المجرم المقترن بال�شراكة الأميركية الإجرامية التي‬
‫توجه عدوانها للأر�ض المباركة في فل�سطين ولتهويد الم�سجد الأق�صى وال تزال‬
‫ّ‬
‫هذه ال�سيا�سة المزدوجة تطعن في �أفغان�ستان والعراق المحتل لن�ستذكر منبر ال�س ّيد‬
‫ف�ضل اهلل الذي ر ّكز فيه حديثه وتوجيهاته وتحذيراته من تلك الم�ؤامرات الأميركية‬
‫ال�صهيونية التي كانت وال تزال ت�سعى لإخ�ضاع الأمة تحت جموحها المعادي ال�ستقالل‬
‫الأمة ورفعتها وعزتها‪ ،‬وبال �شك �إننا �إذ نفقد ال�س ّيد ف�ضل اهلل في هذا التوقيت الدقيق‬

‫‪311‬‬

‫فهي خ�سارة م�ضاعفة لغياب الرموز ذات التقدير واالحترام لدى الأمة الواحدة‪.‬‬
‫ومع تذكيرنا ب�ضرورة تج�سيد دعوات �سماحة الفقيد الراحل في مراجعات‬
‫الت�صحيح الفكرية وفي نبذ دعوات الفُرقة وفي مواجهة الم�شروع ال�صهيوني المركزي‬
‫لن�ؤكد على وجوب التم�سك بهذا النهج كبرنامج عمل ينبغي �أن ي�ستمر ويتعزّز قيام ًا‬
‫بالواجب ال�شرعي والم�س�ؤولية العربية ووفاء لدعوات ال�س ّيد ف�ضل اهلل داعين اهلل �أن‬
‫يتغمده بوا�سع رحمته و ُيخفّف على الأمة م�صابها فيه ونتق ّدم ب�أح ّر التعازي لعلماء‬
‫ول�شعب لبنان ال�شقيق وحكومته ولك ّل مح ّبي ومريدي �سماحة ال�س ّيد ف�ضل اهلل في‬
‫الخليج العربي وفي العالم‪.‬‬
‫�شبكة را�صد الإخبارية ‪ 5‬تموز ‪2010‬‬

‫‪312‬‬

‫* كاتب وباحث �سعودي‪.‬‬

‫«خائف» من الت�أنيب الأميركي‪-‬الإ�سرائيلي‬
‫روبرت في�سك‬

‫الع ّ‬
‫المة ف�ضل اهلل رجل غزير العلم والمعرفة‪ ،‬ي�ؤمن‬
‫بحقوق المر�أة‪.‬‬
‫من الأف�ضل �أ ّال �أذكر محا�سن ال�س ّيد ف�ضل اهلل كي ال �أتع ّر�ض للت�أنيب ل ّأن «�إ�سرائيل»‬
‫انزعجت من تعليقاتي‪.‬‬
‫كتب روبرت في�سك في �صحيفة «الإنبدندنت» البريطانية مقا ًال عن �إقالة �شبكة‬
‫«�سي �أن �أن» كبيرة مح ّرري ال�شرق الأو�سط �أوكتافيا ن�صر‪ ،‬المتداحها �آية اهلل ال�س ّيد‬
‫محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬انتقد فيه القرار و�سخر من نائبة رئي�س «�سي �أن �أن» باري�سا‬
‫خو�سراوي‪ ،‬قائ ًال‪« :‬ل�ست �أدري ماذا يفعل حق ًا �أمثال ر�ؤ�ساء العمل ه�ؤالء وما الذي‬
‫يتقا�ضون عليه رواتبهم»‪.‬‬
‫وتح�سر في�سك على �شبكة «�سي �أن �أن» التي يعتبر �أنّها �أ�صبحت «�أكثر جبن ًا» فلم‬
‫ّ‬
‫يعد �أحد يهتم بمتابعتها كثير ًا‪.‬‬
‫فجروا‬
‫و�أ�شار �إلى � ّأن «الأميركيين اعتبروا � ّأن ف�ضل اهلل بارك االنتحاريين الذين ّ‬
‫المارينز في بيروت عام ‪ 1983‬فقتلوا ‪ 241‬من القوات الأميركية»‪ ،‬م�ستدرك ًا «لكن‬
‫ف�ضل اهلل �أخبره �أنّه لم يفعل وهو ي�ص ّدقه»‪.‬‬
‫وتابع في�سك يقول‪« :‬ال يحتاج االنتحاريون‪ ،‬مهما كنّا نعتبرهم مجانين‪� ،‬إلى‬
‫مباركة من مرجع مثل ف�ضل اهلل وهم يعتقدون �أنّهم ينفذون �أمر اهلل»‪.‬‬

‫‪313‬‬

‫ويقارن في�سك بين ذلك وبين ما فعله الأميركيون مت�سائ ًال عن ر�أي «�سي �أن �أن»‪،‬‬
‫في � َّأن «وا�شنطن ا�ستخدمت الأموال ال�سعودية لترتيب تفجير �سيارة الغتيال ف�ضل‬
‫اهلل عام ‪ 1985‬ونجا ف�ضل اهلل و ُق ِتل ‪ 80‬بريئ ًا»‪.‬‬
‫و�أ�شار الكاتب �إلى اللوم والتقريع الذي تع ّر�ضت له ال�سفيرة البريطانية في لبنان‬
‫فران�سي�س ماري غاي‪ ،‬التي فعلت مثل �أوكتافيا ن�صر وكتبت على موقعها الإلكتروني‬
‫تمتدح ف�ضل اهلل‪.‬‬
‫واعتبر الكاتب � ّأن «العالمة ف�ضل اهلل رجل غزير العلم والمعرفة‪ ،‬ي�ؤمن بحقوق‬
‫المر�أة‪ ،‬ويكره «جرائم ال�شرف» ‪ ،‬الفت ًا �إلى �أنّه «كان يطالب ب�إنهاء االحتفاالت ال�شيعية‬
‫الدموية في عا�شوراء»‪ ،‬لكنّه �أ�ضاف �أنّه «من الأف�ضل له �أن يتوقف عن ذكر محا�سن‬
‫الرجل و�إ ّال تلقى مكالمة من نائب رئي�س «�سي �أن �أن» �أو تع ّر�ض ل ّلوم والت�أنيب ل ّأن‬
‫�إ�سرائيل انزعجت من تعليقاته»‪.‬‬
‫االنتقاد ‪ 10‬تموز ‪2010‬‬

‫‪314‬‬

‫* �صحيفة «الإندبندنت» الربيطانية ‪.‬‬

‫وداع ًا �أيها المفكر الفقيه‬
‫�إدري�س هاني*‬

‫مرة �أرى فيها‬
‫و ّدعته وقد انتابني �‬
‫ٌ‬
‫إح�سا�س عار ٌم ب�أ ّنها �آخر ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المفكرين‪.‬‬
‫مفكر الفقهاء وفقيه‬
‫العالمة ال�س ّيد ف�ضل اهلل في مثواه الأخير‬
‫«�أريد �أن �أ�ص ّلي»؛ كانت تلك هي الكلمة التي �أعادت الأمل �إلى ذويه ومحبيه يوم‬
‫ا�ستفاق من غيبوبته‪ ،‬وذلك على �إ ْثر نزيف داخلي ا�ضطر معه للدخول �إلى م�ست�شفى‬
‫بهمن بال�ضاحية‪ .‬ع ّبرت و�سائل الإعالم قبل يوم فقط من وفاة �سماحة ال�س ّيد �آية اهلل‬
‫العظمى محمد ح�سين ف�ضل اهلل عن �أنّه ا�ستعاد عافيته‪ .‬لم �أكن واثق ًا من الخبر �إذ‬
‫كنت على علم م�سبق ب� َّأن �سماحة ال�س ّيد ف�ضل اهلل �أو�شك على الرحيل مذ �أُخْ ِب ْر ُت عن‬
‫نوعية المر�ض الذي كان ي�شكو منه‪ .‬وبالفعل هذا ما وقع؛ فقد ت�أ ّكد خبر وفاته يوم‬
‫الأحد ‪2010/07/4‬م‪ ،‬عن عمر يناهز الـ «‪ .»75‬ذرفت دموعي على ال�س ّيد مذ التقيته‬
‫قبل �شهرين تقريب ًا من وفاته حيث �أخّ رت �سفري من بيروت يوم ًا لكي �أزوره و�أطمئن‬
‫على �صحته‪ .‬وقد الحظت �أنّه لم يعد ي�ؤ ّم الجمعة في م�سجد الح�سنين‪ ،‬بل كان �أوقف‬
‫جميع �أن�شطته الأخرى‪ .‬وجدتَني يومها �أمام �صورة مختلفة ل�سماحته؛ لقد تم ّكن ح ّق ًا‬
‫المر�ض من ج�سده ال�شريف‪.‬‬
‫تُوفّي �سماحته يوم الأحد ُ‬
‫و�ش ّيع جثمانه الطاهر يوم الثالثاء‪ ،‬في ج ٍّو من توافد‬
‫المعزين من ك ّل ال�شخ�صيات الوطنية‪ ،‬علماء و�سيا�سيين ووجهاء وم�س�ؤولين من �أقاليم‬

‫‪315‬‬

‫‪316‬‬

‫عربية و�إ�سالمية ودولية‪ .‬وطافت بجنازته جماهير ال�ضاحية الأبية �إذ كان �أب ًا لك ّل‬
‫بت على يقين ب� ّأن فكره اليوم �سيزدهر �أكثر في اتجاه‬
‫عائلة من عوائلها جميع ًا‪ .‬وقد ّ‬
‫التجديد والإ�صالح في الأفق الذي تتط ّلع �إليها العقول في م�شارق العالمين العربي‬
‫والإ�سالمي‪ .‬لأننا بالعادة ال نقيم وزن ًا للفكر �إ ّال بعد �أن يق�ضي �صاحبه ويرحل بعيد ًا‬
‫عنّا‪ .‬ال‪ ،‬بل هو منطق الأ�شياء نف�سه؛ �إذ � َّإن المعا�صرة تحجب عنّا قيمة الفكر‪ ،‬ويعانق‬
‫الفكر مثاله فقط ‪ ،‬عندما ي�سقيه �صاحبه بالغياب؛ �أو بالأحرى �إنه جدل الح�ضور‬
‫والغياب‪ .‬اليوم نو ّدع �صاحب ملحمة فكر ا�ستمرت على امتداد �أكثر من خم�سين عام ًا‬
‫من العطاء غير المنقطع في مجال تنوير الحالة الإ�سالمية وتر�شيد م�سارات الحركة‬
‫الإ�سالمية التي لم يكتب لها ح ّتى اليوم �أن ترفد من كامل هذا المعين ال ّثر الذي‬
‫ج�سدته حركة ال�س ّيد العالمة في الموقف الجهادي والتحليل الفكري والت�أمل الفقهي‬
‫ّ‬
‫والبوح ال�شعري‪ .‬المفكر الفقيه المخ�ضرم الذي عا�صر �أجيا ًال مختلفة لكنّه كان في‬
‫ك ّل جيل يطالعك بن�سمة المعا�صرة والتفوق في االنفتاح‪ .‬لم يتق ّيد ب�آثار الأجيال التي‬
‫غ�ض ًا طري ًا‬
‫م ّرت من �أمامه بل ظل وف ّي ًا لق�ضية ال�شباب بالقدر الذي ظ ّل فكره �شاب ًا ّ‬
‫ال تبليه تقليدانية انقرا�ض الجيل بعد الآخر‪ .‬فالم�صلح الحقيقي هو الذي يهزم‬
‫الأجيال ال الذي تهزمه الأجيال‪ .‬وقد ت�أ ّكد � ّأن ال�س ّيد العالمة كان قد انت�صر على‬
‫كلي�شهات الجيل الذي ن�ش�أ فيه والأجيال التي تعاقبت عليه ‪ ،‬فهو بقدر ما ينتمي �إلى‬
‫الجيل الم�ؤ�س�س في الخم�سينيات يبدو �أنّه �سينتمي لك ّل الأجيال الالحقة ؛ لأن �شباب‬
‫فكره لم يك�شف عن ك ّل معناه وهو ال يزال يحافظ على تلك ال�شعلة ح ّتى قبل �أن تتوفاه‬
‫المنية‪.‬كثيرون اهتدوا �إلى هذا الأفق الذي ب�سطه ال�س ّيد الراحل �أمام عينيه في ك ّل‬
‫ما كان يف ّكر فيه ويطارح‪ .‬مثل هذا المدى �أدركه كبار المثقفين والمفكرين الذي‬
‫لفحتهم �إن�سانية هذا الرجل و عمق �آرائه التي تنطلق �سمحة في تعبيراتها االن�سيابية‬
‫ كونه ال�شاعر الأديب ‪ -‬لكنها تر�سم �أمام العقل عنوان ًا عري�ض ًا بقدر ما تثير دفائن‬‫العقل‪ .‬وقد ع ّبر عن ذلك مح ّمد ح�سنين هيكل �أح�سن تعبير و�أبلغ لما قال على �إثر‬
‫زيارته لبيروت ‪« :‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل �إن�سان ال ت�ستطيع �أن تختلف معه‪ ،‬وهو مظلو ٌم �أن‬
‫يبقى في لبنان‪ ،‬لأنّه مرجع ّية �إ�سالم ّية كبرى‪ّ � ...‬إن ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪،‬‬

‫لديه عق ٌل ي�ضاهي عقل لينين في قدرته على ال ّتخطيط‪ ،‬و�إنّني عندما زرت لبنان‪،‬‬
‫ا�ستفاد الجميع مني‪ ،‬ولكن �أنا لم �أ�ست ِفد �إال من المرجع ال�س ّيد مح ّمد ح�سين ف�ضل‬
‫اهلل»‪.‬‬
‫كان رجل �صبر و�صمود على �إكراهات الداخل وتحديات الخارج‪ .‬ولأنه كان طود ًا لم‬
‫تحركه تلك التحديات بل زادته قوة ‪ ،‬ال �سيما وقد واجهها بالكثير من الحب والت�سامح‬
‫والم�س�ؤولية‪ّ � .‬إن الكبار حينما يتع ّر�ضون للهزات ال يميلون وال ّ‬
‫ي�شطون وال تكون ردود‬
‫فعلهم م�ساوية في المقدار معاك�سة لالتجاه‪ ،‬لأن غيرهم قد ّ‬
‫يتحطم على �صخرة‬
‫من �صخورها الناتئة؛ لقد �أ�سند �آراءه ب�أد ّلة وترك الباب مفتوح ًا للنقا�ش فما العيب‬
‫في ك ّل هذا؟! وكان ال ب ّد �أن نخو�ض النقا�ش في �إطار من �أدب و�أخالقيات الحوار‪.‬‬
‫حينما زرناه قبل �سنوات على هام�ش الم�ؤتمر الدولي التكريمي لل�سيد �شرف الدين‬
‫المو�سوي بمع ّية لفيف من العلماء من بلدان �إ�سالمية مختلفة كال�شيخ الت�سخيري‬
‫وال�شيخ �شب�ستري وال�شيخ ال�صفار وال�شيخ الهاللي مفتي الديار اال�سترالية ال�سابق‬
‫�ألقى كلمة ترحيب بال�ضيوف‪ ،‬وفيها تحدث عن �سيرة ال�س ّيد �شرف الدين بحديث‬
‫وفّاه كامل ف�ضله‪ .‬لكنّه تحدث عن جدوى تكريم الميت �إن كنّا لن نلتفت �إلى موقعيته‬
‫وعطائه وقيمته في حياته‪ّ � .‬إن تكريم العالم في حياته من �ش�أنه �أن يزيد في عطائه‬
‫نتح�سر عليهم‬
‫ويحقق �أهدافه الكبرى‪ .‬يجب �أن ن�ستفيد من العلماء في حياتهم ال �أن ّ‬
‫بعد مماتهم‪ .‬كنت �أقر�أ �أمر ًا �آخر في كلمته؛ وجب �أن ت�ستفيدوا من ال�س ّيد وتك ّرموه‬
‫قبل �أن يو ّدع‪ .‬والحق‪ ،‬لقد �أكرم الحالة الإ�سالمية على امتداد العالمين العربي‬
‫والإ�سالمي‪ ،‬وما َ�ض ُعف وال ا�ستكان‪ .‬بل ظ ّل �صاحب دينامية لم تن�ضب �إال لحظة عزم‬
‫على االلتحاق بالرفيق الأعلى‪.‬‬
‫كان قلبه وعقله متجه ًا نحو وحدة الأمة وتقارب الم�سلمين‪ .‬وفي ذلك ق ّدم ما‬
‫لم يق ّدمه نظرا�ؤه بالعمل ال ّد�ؤوب والتر�شيد الم�ستدام للفكر والموقف‪ .‬وكان الحوار‬
‫لديه منهج ًا عام ًا يبتدئ من حال الفرد مع نف�سه �إلى القريب فالأقرب ثم البعيد‬
‫فالأبعد؛ انطالق ًا من الحوار الإ�سالمي‪ -‬الإ�سالمي �إلى الحوار الإ�سالمي‪-‬الم�سيحي‬
‫�إلى الحوار المفتوح في الأفق الإن�ساني الممتد والرحب‪� .‬إنه ال يتحدث عن تعاي�ش بل‬

‫‪317‬‬

‫‪318‬‬

‫عن عي�ش‪ .‬فالأول هو افتعال للعي�ش وت�صميم على القبول بالآخر على م�ض�ض بينما‬
‫ّ‬
‫المعطر والجميل في جغرافيته‬
‫نحن نعي�ش‪� ،‬إذن فلنع�ش ب�سالم‪ .‬وفي لبنان البلد‬
‫و�إن�سانه وتقاليده كان �سماحته يرى �أن هذا الجمال يجب �أن ينعك�س على الروح والعقل‬
‫اللبنان َي ْين‪ .‬وك�أنه يريد �أن يقول‪ :‬فليكن وعي اللبنانيين جمي ًال �ش�أن جمال �أبنائهم‪،‬‬
‫حيث ال تنا�سب بين ح�سا�سياته ال�سيا�سية والطائفية ومظهرها الجميل‪.‬كنّا يوم ًا على‬
‫مائدة فطور ُن ِّظمت في المجل�س ال�شيعي الأعلى على �شرف جمع من العلماء‪ ،‬وكان‬
‫من بين المعرو�ض �صحن كبد نيء‪ .‬التفتت �إلى �أحدهم على جانبي قائ ًال‪ :‬ما هذا؟‬
‫قال‪ :‬هذا كبد نيء‪ ،‬و�ضحك‪ ،‬ثم قال‪ :‬ال �أدري كيف تورطنا نحن اللبنانيين في هذه‬
‫الأكلة‪ .‬وهي من نوع مف�ضل في الفطور و«الترويقة» ‪ ..‬لعل هذا �سبب ق�سوة القلب‬
‫لدينا‪ .‬قلت له‪� :‬إنني ال �أعتقد ذلك ف�أنتم �شعب �سمح وطيب‪ .‬فلو ح�صلت مثل هذه‬
‫الم�شكالت اللبنانية في بلد �آخر لر�أيت ما معنى الق�سوة‪ ..‬والدليل على ذلك �أننا هنا‬
‫جميع ًا مجتمعون وال م�شكلة‪.‬‬
‫بالفعل هذا مراد ال�سيد‪ّ � .‬إن جمال لبنان عليه �أن ينعك�س على وعيه و�سيا�ساته‬
‫ومواقفه‪ .‬ولقد تحقق من ذلك الكثير‪ .‬فثمة من حاول �أن ي�ستثمر في جماله ولكن‬
‫�أجمل ما قدمه اللبنانيون هو جمال مقاومتهم التي جعلتهم ينت�صرون �أجمل انت�صار‪.‬‬
‫عا�ش �سماحته لق�ضية الوحدة والتقريب بعقله وروحه‪ ،‬حيث ظلت هاج�س ًا حقيقيا‬
‫يتعقب خطوه ويق�ض م�ضجعه‪ .‬وال يخال امر�ؤ � ّأن خطاب الوحدة والتقريب عند ال�س ّيد‬
‫العالمة كان �أمر ًا تمثيلي ًا له ظاهر في التعبيرات الر�سمية والمو�سمية وله باطن في‬
‫كوالي�س الطائفة كما هو �ش�أن الكثير من �أ�ضرابه‪ .‬وحيث كنت �أعرف ازدواجية الموقف‬
‫لدى الكثير من العلماء متى خَ َلوا �إلى ذويهم ح ّتى يقلبوا ِ‬
‫جن ويغ ّيروا اللغة‪ ،‬ف�إنني‬
‫الم ّ‬
‫لم�ست من ال�س ّيد لغة واحدة ‪ :‬لغة الم�سلم الإن�سان الحر الم�س�ؤول‪ .‬وحتى حينما افتقد‬
‫الكثيرون �صوابهم وغلب داعي الباطن على داعي الوعي الم�س�ؤول‪ ،‬حافظ ال�س ّيد‬
‫على رباطة ج�أ�شه وهو في منتهى الراحة؛ �إذ ك ّلما ت�صاغر القوم ت�سامى بخطاب‬
‫التقريب‪ ،‬ال مجاملة بل فهم ًا وتفهم ًا لحال الم�سلمين في الفرقة والنزاع‪ .‬لقد اختبرنا‬
‫�سماحة ال�س ّيد في منتهى ت�صاعد الخطاب الطائفي الذي كاد يوقع بكبير االتحاد‬

‫العالمي للعلماء الم�سلمين ال�شيخ يو�سف القر�ضاوي حينما ت�س ّرع في اتهام ال�شيعة‬
‫بممار�سة التب�شير ال�شيعي في المجتمعات ال�سنية‪ .‬وقد كان ال�س ّيد ملم ًا بالو�ضع ال‬
‫يقف عند ادعاء وتقارير من هم يتنزّلون خ�صم ًا عنيد ًا وطائفي ًا لل�شيعة‪ .‬وقد رف�ض‬
‫عبارة التب�شير ال�شيعي لأنها ال تع ّبر عن الحقيقة وال ت�ؤ ّدي الغر�ض وفيها ا�ستنقا�ص‬
‫لم�صداقية فكر طائفة تف ّكر وتجاهد وت�سعى لخدمة الأمة من موقع خ�صو�صيتها‪.‬‬
‫وال�سيد هو نف�سه ممن ا�ضطلع بمهمة الإ�صالح في منتهى مغامراته ح ّتى داخل الطائفة‬
‫ال�شيعية ومع ذلك عاب هذا النوع من التعبيرات غير العلمية الم�ستندة �إلى ال�شائعات‬
‫وهو المطلع على مجريات الأحداث الخا�صة في هذا المجال‪ ،‬والتي ت�ساهم في �إذكاء‬
‫ال�صراع الطائفي‪ .‬لقد �أدرك �سماحته �أن �صعود هذه الموجة‪� ،‬صنيع مدبر عن �سابق‬
‫وتر�صد‪ .‬و�أن المنطقة معر�ضة لهذا النوع من ال ّتفتين له�شا�شتها وللع�صبية‬
‫�إ�صرار ّ‬
‫التي ترعى �أكباد �أهلها؛ لذا كان حر ّي ًا بالعلماء والنخب �أن ال يتورطوا في هذه اللعبة‬
‫القذرة‪ .‬لم ن�سمع من �سماحته يوم ًا غير عبارة م�سلم‪ .‬وندر �أن ي�ستعمل كلمة �شيعة �أو‬
‫وهم الم�سلمين ح ّتى لم يعد يرى عائق ًا‬
‫بهم الإ�سالم ّ‬
‫�سنة كما ولع بها غيره‪ .‬لقد كبر ّ‬
‫في فرقتهم التي اعتبرها من عامل التخلف والبداوة والع�صبية‪ .‬كتب بع�ضهم يقول‪:‬‬
‫مات قر�ضاوي ال�شيعة‪ ،‬فما �أنكرها من تعابير‪ ..‬وكنت �أعتقد �أن الآية معكو�سة تمام ًا‬
‫�أن ال�شيخ القر�ضاوي هو ف�ضل اهلل ال�سنة‪ .‬ولكن مثل هذا التق�سيم غير �سليم‪ .‬ثمة‬
‫علم �صالح خدم الم�سلمين جميع ًا‪ .‬وحتى ال�شيخ القر�ضاوي مدين في كثير من �آرائه‬
‫الفقهية لهذا العلم‪ .‬فلقد تعرفنا على كثير من �آراء وفتاوى الأول منذ ريعان �شبابنا‬
‫لكن التحول بد�أ يطر�أ على ال�شيخ مذ انفتح على الآراء والفتاوى التجديدية التي كان‬
‫ال�س ّيد ف�ضل اهلل في طليعة الملوحين بها‪ .‬كان حر ّي ًا �أن نرى �أعالم ًا تنك�س في العالم‬
‫العربي والإ�سالمي من المحيط �إلى الخليج عند �سماع خبر وفاته‪ .‬لأ ّنّه كان رمز ًا‬
‫للأمة جميع ًا َف ِل َم هذا النكران للجميل؟! لقد تجاوز النظرة المثالية للتقريب و�أدرك‬
‫�أن العمل التقريبي يجب �أن ي�سمو على المثالية واال�ستهالكية‪ .‬وفي حوار �سابق مع‬
‫�سماحته �س�ألته عن م�ستقبل و�آفاق التقريب فقال‪ « :‬من ال�ضروري �أن ينطلق العمل‬
‫التقريبي على �أ�سا�س درا�سة الواقع‪ ،‬ال �أن ينطلق في �آفاق حالمة مثالية ترتكز على‬

‫‪319‬‬

‫العاطفة واالنفعال مما قد يقودها �إلى التب�سيط ال�ساذج»‪.‬‬
‫لقد كان التوحيد الإ�سالمي وجمال الإن�سانية ُم َق ِّومين لقيام ر�ؤى الراحل‪ .‬م�سلم‬
‫و�إن�سان لم يفت�أ يذ ّكر بهما‪ ،‬بعد �أن ع ّبر عنها �شعر ًا منذ يفاعته‪:‬‬
‫ـ�������س���انِ ‪..‬ن���ح���ي���اه ف����ك����ر ًة و����ش���ع���ورا‬
‫����ن ب���الإ ْن���ـ‬
‫��ون‪ ،‬ن�����ؤم ُ‬
‫�إنّ����ن����ا م�����س��ل��م َ‬

‫‪320‬‬

‫�أو حينما يقول‪:‬‬
‫�����ص ل�ل��إن���ـ‬
‫�إنّ����ن����ا �أوف������ي������ا ُء‪ ،‬ن��خ��ل ٌ‬

‫ـ�����س��انِ ‪ ،‬م��ه��م��ا َج��نَ��ت ي����دا ُه علينا‬

‫�إنَّ�������ه �إر ُث�����ن�����ا‪ ،‬ف���ق���د ك�����ان م����ن قو‬

‫�����م ف����ي َي َ���د ْي���ن���ا‬
‫ٍم‪ ،‬ت����وال����ى ن ُ‬
‫�����داه ُ‬

‫في الجهاد والمقاومة هو ليث ما �أدركه ال�ضعف ح ّتى و ّدع‪ .‬كان مر ّبي ًا وم�ؤ�س�س ًا ح ّتى‬
‫ال يوجد مقاوم ال يعرف له في ذلك ف�ضل‪ .‬خدم ور ّبى ورعى وهذّب‪ .‬وحينما نادى‪:‬‬
‫�أيها البدريون‪ ..‬كان يعرف ما يقول ومن يخاطب وكيف �سيتلقاها �أولئك الذين كانوا‬
‫يت�ش ّربون بمثل هذه الكلمات التي كانت ت�صنع لديهم �إرادات ال ُيلوى لها ذراع‪ .‬هي‬
‫كلمة الم�ؤ�س�س والراعي والمتفقد في الميدان‪ .‬وقد �شاء الباري تعالى �أن يختم له بتلك‬
‫التراجيديا التي ق�صف في طريقها بيته والكثير من م�ؤ�س�ساته ‪ ،‬لكنّه ر�أى االنت�صار‬
‫الذي عمر قلبه فلم يعد يخ�شى على لبنان بعد �أن خلف من ورائه خلف ًا �أدركوا �س ّر‬
‫الأمانة وعرفوا كيف ي�صنعون من مثل تلك الكلمات والمواقف والإيحاءات الروحية‬
‫مجد ًا �شهدت به الت�ضاري�س والوديان وترجموها في �ساحة الن�ضال والمقاومة‪ .‬عا�ش‬
‫ال�س ّيد ك ّل الآالم التي لحقت بالمجتمعات التي خ�ضعت لالحتالل في المنطقة العربية‬
‫والإ�سالمية‪ .‬لقد عا�ش م�شكلة فل�سطين ولبنان والعراق كما عا�ش ق�ضايا �إ�سالمية‬
‫في العالم كله‪ .‬كانت الق�ضية الفل�سطينية خط ًا �أحمر بالن�سبة �إليه‪ .‬وقد عزّز بالفكر‬
‫والفتوى من م�شروع المقاومة التي �ساهم في ت�أ�سي�سها الفكري وال�سيا�سي ح ّتى اعتُبر‬
‫�أكثر قياداتها ممن تخ ّرجوا من حلقاته‪ ،‬ودعني �أكن �صريح ًا لقد تع ّلم منه الكثير من‬
‫العلماء في منطقتنا العربية هذا الم�ستوى من التفكير المقاوم والمنفتح‪ .‬وقد دافع‬
‫في لبنان عن المحرومين وعن الفل�سطينيين وعا�ش �أثناء الحرب الأهلية متم�سك ًا‬
‫بموقف الرف�ض لهذه الحرب وللطائفية ال�سيا�سية‪� .‬ألي�س هو من تح ّدث في لبنان‬

‫عن دولة الإن�سان لكي يقول ب�أننا في لبنان �إن كنّا في و�ضع طوائفي ال ي�سمح بت�أ�سي�س‬
‫دولة الإ�سالم التي تجدونها في م�شاريعنا الفكرية وتنظيراتنا الحركية ف� ّإن الأمر‬
‫هنا وللخ�صو�صية يتط ّلب ت�أ�سي�س دولة الإن�سان التي في نظره لن تناق�ض �أبد ًا دولة‬
‫الإ�سالم‪ ،‬حيث الأولى هي في نهاية المطاف غاية الثانية‪ .‬لقد كان �ض ّد الحرب التي‬
‫اندلعت في الثمانينيات بين �أمل والفل�سطينيين كما كان �ضد الحرب التي اندلعت‬
‫بين �أمل وحزب اهلل‪ .‬لكنها فتنة لبنان وتداعيات الحرب الأهلية ‪ .‬وفي لبنان اتّهم‬
‫ب�ألوان من التهم من قبل الإ�سرائيليين والأميركيين ال �سيما بخ�صو�ص االختطافات‬
‫لكثير من الجوا�سي�س الأميركيين و�أي�ض ًا العملية التي ا�ستهدفت مقر المارينز والتي‬
‫�أطلقت �شرارة جديدة في المقاومة‪ .‬لم يكن هو بال�ضرورة وراء ك ّل ذلك‪ ،‬وقد نفاه‬
‫نفي ًا لم يكن م�ضطر ًا �إليه‪ .‬فكان ذلك ديدن ك ّل الميلي�شيات اللبنانية التي تمادى فيها‬
‫الفتك بر�سم الحرب الأهلية التي تجعل الحليم حيران‪ .‬لقد كان راعي ًا ومتابع ًا ولكنه‬
‫لم يكن بحق متورط ًا في � ّأي موقف ال يخدم ال�شرع والعقل ولبنان‪ .‬وفي العراق كان‬
‫�ضد االحتالل لكنّه �أي�ض ًا كان على اطالع �أكثر من غيره ب�أو�ضاع وتعقيدات العراق‪.‬‬
‫�إنه �ضد االحتالل واال�ستكبار لكنّه �ضد تكفير الم�سلمين و�ضد النزاعات الطائفية‪.‬‬
‫وقد كان نا�صح ًا للجميع بال ا�ستثناء‪ .‬ومن يزوره من العراقيين هم من ك ّل الأطياف‬
‫والطوائف‪� .‬إنه كان يحر�ص على دوره الأبوي دون �أن ت�ضيع منه الحقائق واتخاذ‬
‫الموقف ال�صارم متى تطلب الأمر ذلك‪ .‬وفي حرب تموز تعر�ض مكتبه للق�صف‬
‫وكان م�ستهدف ًا ‪ .‬ولكنه وقف موقف ًا �شهم ًا طيلة تلك الحرب �سمى خاللها المقاومين‬
‫بالبدريين‪.‬‬
‫بد�أ ال�س ّيد يدرك �شيئ ًا ف�شيئ ًا �أهمية عر�ض مرجعيته بعد �أن كثر الم�ستفتون له‬
‫وبعد �أن ر�أى في مثل هذا ر�سالة قد تخدم منظوره الإ�صالحي ب�شكل �أقوى‪ّ .‬‬
‫فك‬
‫�شيئ ًا ف�شيئ ًا روابطه الجمعوية والتنظيمية وحاد عن العناوين التي كانت تح�شره في‬
‫هذا االتجاه �أو ذاك‪ .‬كان يدرك �أن المرجعية ر�سالة ‪ ،‬وفوق هذا وذاك هي مدر�سة‬
‫ا�ستيعابية‪ .‬وقد انتهى واقع ال�شيعة �إلى تع ّدد المرجعيات نظر ًا لتقارب ملكاتهم في‬
‫االجتهاد بالمعنى التقليدي والنت�شارهم في بلدان مختلفة وازدهار وكثرة التعليم‬

‫‪321‬‬

‫‪322‬‬

‫توجهات �أخرى لديهم‪ .‬وفي هذا الإطار قد تكون مرجعية � ّأي كان حاجبة عن‬
‫وبروز ّ‬
‫مرجعيات �أخرى‪ .‬فمن منطلق العرف التقليدي للمرجعية يمكننا �أن نتحدث عن‬
‫انزواء‪ ،‬لكن بالمعنى الفكري الذي هو فوق �أن يح�شر في مواقع التقليد المرجعي‪،‬‬
‫الرتباط االعتقادات باالجتهاد ال�شخ�صي ال بالتقليد في الفروع‪ .‬ولكن المرجعية هنا‬
‫�س ّد مانع من اال�ست�ضعاف حينما يتع ّلق الأمر با�ستقواء خ�صوم ال�س ّيد بمرجعيات‬
‫�أخرى‪ .‬ومن هنا نفهم � ّأي معنى ل�شهادة ال�س ّيد الخامنئي حينما قال‪�« :‬ص ّلوا خلف‬
‫ال�شيعي»‪.‬‬
‫إلهي الكبير‪ ،‬ال�س ّيد ف�ضل اهلل‪ ،‬فهو عل ٌم من �أعالم المذهب‬
‫ّ‬
‫هذا الفي�ض ال ّ‬
‫وللعارف بتداعيات الأمور وحده يفهم ما معنى �ص ّلوا وراء فالن �أو ا�ستعمال عبارة‬
‫«�أعالم المذهب ال�شيعي»‪ .‬فال�سياق يتع ّلق حتم ًا با�ستفتاء م�سبق عن عدالة ال�س ّيد‬
‫حيث ث ّمة من �أ�صبح ي�ش ّكك في موقعيته داخل المذهب ‪ -‬حيث هو المع ّول عليه في‬
‫هذا اال�ستفتاء ‪ -‬لقد �صبر على الكثير من الإ�ساءات‪ .‬واحتوى الفتنة بهدوء وك ّر�س‬
‫مرجعيته كم�ؤ�س�سة قائمة بذاتها‪.‬‬
‫كان قد ت�ص ّدى رحمه اهلل �إلى المرجعية بعد وفاة ال�س ّيد الخوئي بقليل‪ .‬وقد نا�ضل‬
‫لكي ت�ستقر مرجع ّيته على ب ّر الأمان بعد �أن �أثارت بع�ض الجدل �سرعان ما خبا‪ .‬بع�ض‬
‫زمالئه من الم�شايخ من �أ�صدقائنا تحدثوا عن �أن ال�س ّيد �سيخ�سر بالمرجعية �أكثر‪.‬‬
‫كان ت�صورهم للو�ضع يحمل �آثار الموقعية التقليدية للمرجع الذي ق ّلما يتدخل �أو‬
‫يتحرك خارج الفتوى في حدودها المقررة بح�سب الفقه التقليدي‪ .‬لكن ال�س ّيد مداه‬
‫وا�سع وروافد تفكيره متعددة ومر ّكبة‪ .‬وحيث ال �أريد �أن �أبوح بكل ما حدثني به لكن ما‬
‫يمكن معرفته عن ال�س ّيد �أنّه كان ب�صدد الت�أ�سي�س لمرجعية ت�ستقوي ب�سلطة الفقيه‬
‫في تحقيق الإ�صالح الفكري‪ .‬فهو يحمل ه ّم ًا اجتماعي ًا وح�ضاري ًا ويكفل �شريحة‬
‫اجتماعية كبرى عبر م�ؤ�س�ساته و�شبكة المبرات التي تقدم من الخدمة للمجتمع‬
‫ما قد تعجز عنه الكثير من الدول‪َّ � .‬إن مرجعيته لي�ست �إفتاء ورعاية دينية فح�سب‪،‬‬
‫بل هي وظيفة اجتماعية في مرحلة ال�سلم والحرب في لبنان‪َّ � .‬إن عمله م�ؤ�س�ساتي‬
‫قبل ك ّل �شيء‪ .‬وم�ؤ�س�ساته مهنية واحترافية وعقالنية و�شفافة‪ّ � .‬إن نفقات الميزانية‬
‫ال�شرعية لم�ؤ�س�ساته تخرج في الجريدة وتعلن للعموم‪ .‬وم�ؤ�س�ساته ال ع ّد لها‪ :‬فهي‬

‫م�صحات وم�ست�شفيات وهي م�ساجد ومكاتب‬
‫مبرات وهي مدار�س وثانويات وهي‬
‫ّ‬
‫لرعاية المحرومين‪ .‬مثل هذا كله يتطلب مرجعية ر�شيدة تجمع بين خدمة المجتمع‬
‫وتدبير العقل بوا�سطة الخطاب العقالني وممار�سة التنوير الفكري‪ .‬كان �أ�صحاب‬
‫ذلك الر�أي يظنون �أن ال�س ّيد خارج حقل المرجعية ب�إمكانه �أن يكون �أكثر جر�أة على‬
‫التنوير والإ�صالح‪ .‬لكن ما ح�صل‪ ،‬هو �أن المرجعية عند ال�س ّيد تكاملت مع نهجه‬
‫الإ�صالحي والثقافي‪ .‬وهذه تجربة من تجارب المرجعية نف�سها‪.‬‬
‫ه�سبري�س(المغرب) ‪ 7‬تموز ‪2010‬‬

‫*كاتب وباحث مغربي ‪.‬‬

‫‪323‬‬

‫الإمـــام الثائـــر‬
‫محمد حب�ش*‬

‫وتزاحمت في �أبوابه �أ�شواق ال�سالكين‪ ،‬وقيل له قل ما‬
‫�شئت‪ ،‬فالحق ال تزخرفه المنا�صب‪ ،‬بل هو من يمنحها‬
‫ما تكون‪.‬‬

‫‪324‬‬

‫كلمات لروح فقيد الأ ّمة ال�س ّيد المجاهد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‬
‫هم �أمته فوق عمامته‬
‫ح�سين ف�ضل اهلل نخلة �شامخة في البرية العربية‪ ،‬حمل ّ‬
‫و�أطلق ر�سالته في التنوير والتجديد غير عابئ بما ي�سكن في وادي الأهوال‪ ،‬وقال‬
‫للعالم «�أما ر�سالتي فهي � ّأن الخلق كلهم عيال اهلل و�أن �أحب الخلق �إلى اهلل �أنفعهم‬
‫لعياله»!‬
‫في جبل عامل‪� ،‬أطلق ر�سالته ي�صل فيها ما بين �أ�شواق العارفين ومعارف‬
‫ال�ص ّديقين‪ ،‬وفيما كان يافع ًا غ�ض ًا �أدرك الحكاية ك ّلها‪ ،‬وجهر بموقفه في �إخاء‬
‫تق�سم النا�س وفق طوائفهم‬
‫الإن�سان للإن�سان‪ ،‬و�أ�سقط ك ّل تراتيل الوهم التي كانت ّ‬
‫�أو قبائلهم �أو م�صالحهم‪ ،‬وقال لمن حوله �إنّني هداني ربي �إلى �صراط م�ستقيم دين ًا‬
‫ق ّيم ًا م ّلة �إبراهيم حنيف ًا وما كان من الم�شركين‪.‬‬
‫كان خطابه في الإخاء الإن�ساني والم�ساواة الوطنية كفي ًال ب�أن يذهب بطموحه في‬
‫القيادة الطائفية �إلى هباء‪ ،‬فقد كانت قيادة الطائفة ت�ستلزم الغ�ضب والنفير‪ .‬ولكنه‬
‫�أبى �أن ي�صانع �أو يجامل وقال كلمة الحق‪ ،‬ولتذهب منا�صبهم �إلى الجحيم‪ ،‬ولكن‬
‫المنبر �سعى �إليه‪ ،‬وتح ّلقت حوله العمائم‪ ،‬وتزاحمت في �أبوابه �أ�شواق ال�سالكين‪،‬‬

‫وقيل له قل ما �شئت‪ ،‬فالحق ال تزخرفه المنا�صب‪ ،‬بل هو من يمنحها ما تكون‪ .‬وهكذا‬
‫م�ضى‪ ،‬يغ ّرد خارج ال�سرب الطائفي‪ ،‬ومع �أنّه دفع ثمن ًا باهظ ًا‪ ،‬ولكن الطوائف لم‬
‫ت�صغ بم�سامعها �إلى �أحد كما �أ�صغت �إليه‪ ،‬وكان الذين يحبونه يعلمون �أنّه يغ ّرد خارج‬
‫�أ�سرابهم ولكن لي�س خارج قلوبهم‪ ،‬وتمت الحكاية وانت�صرت �إرادة المحبة‪ ،‬وت�صافح‬
‫النا�س وقالوا �إنَّه كذلك‪ ،‬و� ّإن �أباكم واحد و� ّإن ربكم واحد كلكم لآدم و�آدم من تراب‪.‬‬
‫تج ّلت عبقرية الرجل يوم كان يركل �شروط المنا�صب التي ق ّدها الكهنوت على‬
‫ق ّده‪ ،‬واختار من هذه الألقاب �أن يقال �صاحب كلمة وموقف‪ ،‬وهو كذلك‪ ،‬و�إذا كان‬
‫العا ِلم يتقي والجهول يجهل‪ ،‬فمتى يتب ّين الحق؟ وقد �أخذ اهلل العهد على الذين �أُوتوا‬
‫الكتاب لتبيننه للنا�س وال تكتمونه‪ ،‬وكذلك كان!‬
‫قال لنا م ّرة في م�ؤتمر التقريب بين المذاهب الإ�سالمية‪ ،‬بعد �سل�سلة خطب ع�صماء‬
‫�أدلى بها ممثلو الطوائف والمذاهب والفرق والأحزاب والتيارات والمناطق والكتل‬
‫والقبائل‪ :‬الم�ؤتمر لي�س هنا! الم�ؤتمر لي�س هنا! لقد �أ�صبحنا نتقن ثقافة المجاملة‬
‫والم�صانعة والمداورة‪ ،‬ونتقن الوقوف على المن�صات وا�صطناع االبت�سامات والتقاط‬
‫ال�صور التذكارية لتن ّوعنا واختالفنا‪ ،‬عمائم بي�ض وعمائم �سود‪ ،‬و�أه ّلة و�صلبان‪،‬‬
‫وي�سار ويمين‪ ،‬ولكن الم�ؤتمر لي�س هنا‪ ،‬الم�ؤتمر حين نعود �إلى م�ساجدنا وكنائ�سنا‪،‬‬
‫�إلى حوزاتنا ومعاهدنا‪� ،‬إلى مدار�سنا وم�ساجدنا‪� ،‬إلى �أحزابنا وكوادرنا‪ .‬هناك هو‬
‫الم�ؤتمر الحقيقي‪ ،‬هل �سنظل نقول (و�صرخ بغ�ضب) �إنّا ُّ‬
‫لنب�ش في وجوه �أقوام وقلوبنا‬
‫تلعنهم! الويل لأمة تقول ب�أل�سنتها ما لي�س في قلوبها‪ ،‬والويل للمرائين الذين يقولون‬
‫ب�أفواههم ما لي�س في قلوبهم واهلل �أعلم بما كانوا يكتمون!‬
‫بعدما تح ّدث ال�سيد‪ ،‬لم يتح ّدث �أحد‪ ،‬وال ينبغي �أن يتح ّدث �أحد‪ ،‬لقد قال الحقيقة‬
‫كلها‪ ،‬وو�ضعنا تمام ًا �أمام �أقدارنا وم�س�ؤولياتنا معذرة �إلى ربهم ولعلهم يتقون‪.‬‬
‫على � ّأن ر�سالته في المحبة والإخاء لم تناق�ض �أبد ًا ر�سالته في المقاومة‪ ،‬فقد ظ ّل‬
‫الرجل يدرك تمام ًا � ّأن الإخاء الإن�ساني يقت�ضي �أي�ض ًا �أن تقاوم �أعداء الإخاء‪ ،‬وحمل‬
‫قدره على يديه‪ ،‬وجعل من منبره في بئر العبد ملحمة البطولة والمقاومة‪ ،‬وفي ظالل‬
‫محرابه كان يق ّدم �إلى �ساحة ال�شهادة خيار �شباب لبنان‪ ،‬ليكتبوا بالدم في �ساحة‬

‫‪325‬‬

‫المواجهة ما يكتبونه بالورد في �ساحة الوطن‪.‬‬
‫من كان يق�صد �إقبال برائعته التي تح ّدث فيها عن المج ّدد الثائر؟ هل يمكن �أن‬
‫يكون �أحد غيرك �أولى بكلماته؟ وهل في عمامة �أخرى عنفوان وثورة‪ ،‬و�إخاء ورحمة‬
‫كالذي كان يتدفق من عمامتك؟‬
‫����ت �أط����م����ا ِره����ا‬
‫�������������ت ف��ل�ا�����س����ف����ة ب������الأل������وف‬
‫ر�أي ُ‬
‫�����م ت����ح َ‬
‫ؤو������س����� ُه ُ‬
‫ر� ُ‬
‫وذو ال���وح���ي ي��ك�����ش��ف ع���ن ر�أ����س���ه‬
‫ب���ري���ق ال���ح�������ض���ارة �أ ْوج ال���ت ْ‬
‫���رف‬
‫النجف‬
‫�����ن‬
‫ْ‬
‫�����ن ال��م��دي��ن��ة �إب ُ‬
‫�أن�����ا اب ُ‬
‫���ون‬
‫غ����ب����اره����م����ا ق�����ط�����رة ل���ل���ع���ي ْ‬
‫���������اح ال����ق����رون‬
‫م���ق���ي��� ٌم ب����رغ����م ري ِ‬

‫وي���ه���ت���ك �أ�����س����ت����ار �أ�����س����راره����ا‬
‫ل���دى ال���غ���رب ل���م ت�����س��ت��ط��ع فتنتي‬
‫غ����ب����اره����م����ا ك�������ان ف������ي م��ق��ل��ت��ي‬
‫���������ب ل���������ذي ع����� ّل����� ِة‬
‫و�أن���������ف��������� ُع ط ٍّ‬
‫�������ان ِم������ن م�������س���ت���ب ٍّ���د عتي‬
‫وم������ا ك َ‬

‫اليوم نو ّدعه على الأكف والأكتاف‪ ،‬ون�سلمه لمجده ووعده‪ ،‬و�إذا �أ�شاحت عنه‬
‫المنا�صب ف�إنني �أذ ّكر �أهل المنا�صب بقول الإمام �أحمد لأهل البدع بيننا وبينكم‬
‫الجنائز‪.‬‬
‫�سيقول اليوم لبنان كلمته بهذا الرجل الأمة‪ ،‬و�ستكتب �شوارع المدينة المقاومة‬
‫مكان هذا الرجل في التاريخ وفي �ضمير الأجيال‪ ،‬والعاقبة للمتقين والموعد اهلل‪.‬‬
‫�إنّها منا�سبة �أ�ستن�شد فيها �ضمائر رجال النور من �أئمة الهــدى في هــذه الأمة‪،‬‬
‫فهل من خلف يحمل ر�سالة ال�س ّيد في الإخاء والمحبة والمقاومة؟‬
‫ال�سفير ‪ 6‬تموز ‪2010‬‬

‫‪326‬‬

‫* برملاين ومفكر �إ�سالمي من �سوريا‪.‬‬

‫هذا هو «ف�ضل اهلل»‪..‬فمن ذا يخلفه؟‬
‫�أ‪ .‬رابحة الزيرة*‬

‫الموت نهاي ٌة في قامو�س الأحياء‪ ،‬وبداية حياة جديدة‬
‫للمتو ّفى‪.‬‬
‫}الَّ ِذي خَ َل َق ا ْل َم ْو َت وَا ْل َحيَا َة ِليَ ْب ُل َو ُك ْم �أَ ُّي ُك ْم �أَ ْح�سَ ُن َع َم اً ًل{(الملك‪...)2 :‬‬
‫الموت مخلوق كما الحياة لأجل ٍ‬
‫هدف لن يتحقّق �إ ّال بهما‪� ،‬أُوجز في قوله تعالى‪:‬‬
‫} ِليَ ْب ُل َو ُك ْم �أَ ُّي ُك ْم �أَ ْح�سَ ُن َع َم اً ًل{‪ ..‬فالحياة �ساحة العمل والإنجاز والعطاء‪ ،‬والموت‬
‫لحظة ا�ستحقاق النتيجة (الظاهرة والخفية)‪ ،‬فبينما يرى الأحياء ج�سد فقيدهم‬
‫أبدي ويع ّبرون عنها بال�صبر �أو الجزع‬
‫م�سجى بال حراك وي�شهدون لحظات فراقه ال ّ‬
‫ّ‬
‫�إ ّال �أنّهم محجوبون عن عالم رحب �آخر انفتحت عليه الروح التي فارقت ج�سدها‬
‫بعد �أن انتقلت من ال ُبعد الما ّدي للحياة �إلى ُبعدها المعنوي و�أ�صبحت ّ‬
‫مطلعة على‬
‫�أحوالهم من عل ٍو ولكنّها لم تعد فاعلة في هذا العالم‪..‬‬
‫فالموت نهاية في قامو�س الأحياء‪ ،‬وبداية حياة جديدة لل ُمتوفّى‪ ..‬حياة يقال �إنّها‬
‫انعكا�س لحياته ال ُمنق�ضية‪� ،‬إن خير ًا فخير‪ ،‬و�إن �ش ّر ًا ف�ش ّر‪ ..‬بالموت ين�شغل ال ُمتوفّى‬
‫بنف�سه وبعالمه الجديد‪ ،‬وين�شغل الأحياء بمرا�سم الت�شييع والت�أبين‪ ،‬ويغفل �أكثرنا عن‬
‫عبرة الموت وفل�سفته حين نحرم �أنف�سنا من �أبلغ درو�س الحياة‪ :‬الموت‪.‬‬
‫الأ�سبوع الفائت ُ�ش ّيع ‪ -‬في موكب عظيم ‪ -‬جثمان �أحد �أهم فقهاء الدين المج ّددين؛‬
‫ال�س ّيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬فيما ي�شبه ا�ستفتاء عام ًا على (�شعب ّيته)‪ ،‬ف�شهد‬

‫‪327‬‬

‫‪328‬‬

‫له القا�صي والداني ب�شجاعته‪ ،‬وا�ستقالليته‪ ،‬وتن ّوره‪ ،‬وانفتاحه‪ ،‬و�سماحته‪ ،‬وب�سعيه‬
‫الد�ؤوب لنزع فتيل التوتّر الطائفي والديني بين �أبناء المذاهب والأديان المختلفة‪،‬‬
‫وعدائه المطلق لل�صهاينة الغا�صبين‪ ،‬ودعمه الم�ستمر للمقاومة ال�شريفة‪ ،‬فحقّ له‬
‫�أن يتب ّو�أ هذا الموقع في قلوب النا�س بعد طول عناء ومعاناة �ألـ ّم ْت به من �أ�صدقائه‬
‫قبل �أعدائه فدفع في حياته ‪ -‬بالتق�سيط ‪� -‬ضريبة ثباته على مبادئه‪ ،‬فا�ستلم جزاءه‬
‫من بارئه ‪ -‬جملة ‪ -‬لحظة رحيله �إلى الرفيق الأعلى ف�أعزّه اهلل في مماته‪ ،‬بينما‬
‫انكف�أ مناوئوه من جهة‪ ،‬و�سال لعاب �أولئك الذين يريدون �أن يملأوا الفراغ الذي تركه‬
‫«ف�ضل اهلل» ‪ -‬بغير حق ‪ -‬من جهة �أخرى‪ ،‬ف�شخ�صت �أب�صارهم طمع ًا في مقامه ظ ّن ًا‬
‫منهم ب�أن العزّة وال�شرف يمكن �أن ت َو َّرث كما تو ّرث المراتب ال�شرعية �أو المواقع‬
‫الإدارية‪.‬‬
‫ولكي ال ُيخدع النا�س ف ُي�ؤخذون على حين غ ّرة‪ ،‬و ُي�سرق وعيهم بجلبة عاطفية في‬
‫لحظات الأ�سى والحزن على فقد (مرجعهم)‪ ،‬و�شهاد ًة للتاريخ ند ّون ‪ -‬فيما ُد ِّون ‪-‬‬
‫بع�ض ما تم ّيز به «ف�ضل اهلل»‪ ،‬لتكون تلك المم ّيزات عالمة فارقة ومعيار ًا ُي�شَ خَّ �ص به‬
‫أخ�ص لنف�سه‪.‬‬
‫من يدعو �إلى اهلل ويم ّيزه ع ّمن يدعو لغير اهلل وبال ّ‬
‫ال�سيد «ف�ضل اهلل» كان �شجاع ًا في مواجهة عد ّو الأ ّمة فح ّر�ض على قتاله �أبد ًا‪،‬‬
‫وكانت �آخر �أمنياته قبل موته هالك �إ�سرائيل‪ ،‬وقادة المقاومة اليوم كانوا تالمذته‬
‫بالأم�س‪ ،‬ومن مواقفه ال�شجاعة التي تُح�سب له �أنّه لم يبرح منزله في حارة حريك‬
‫�أثناء العدوان الإ�سرائيلي على لبنان عام ‪ ،2006‬ولم يغادره �إ ّال بعد �أن �أُعلم ب� ّأن خطر ًا‬
‫حتم ّي ًا محدق ًا بتلك المنطقة‪ ،‬ف�أُجبر على تركه قبل �أن تحيله الطائرات الإ�سرائيلية‬
‫�إلى ركام ب�ساعات‪ ،‬بل ُيذكر �أنّه عندما غزت القوات الإ�سرائيلية لبنان في العام‬
‫‪ 1982‬كان ال�س ّيد «ف�ضل اهلل» في طهران ف�أ�ص ّر على العودة �إلى بيروت وفي طريق‬
‫عودته �إلى ال�ضاحية اختطفته القوات اللبنانية قبل �أن تطلق �سراحه تحت �ضغط‬
‫�سيا�سي!! فهذا معيار لمعرفة القيادة الروح ّية ال�صادقة حين تثبت مع مريديها في‬
‫�أحلك الظروف وال تُخلي ال�ساحة لكي يواجهوا الخطر الداهم وحدهم‪.‬‬
‫وكان ال�س ّيد «ف�ضل اهلل» (�أ�شجع) حين ك�سر تابو الم�س ّلمات‪ ،‬والموروثات‪،‬‬

‫والمق ّد�سات غير المق ّد�سة‪ ،‬لأنّه بمواجهته العد ّو ال�صهيوني ك�سب �سمعة طيبة‪ ،‬بينما‬
‫في مواجهة طوباوية وجمود �أهل طائفته تع ّر�ضت �سمعته ونزاهته ّ‬
‫لل�شك والم�ساءلة‪،‬‬
‫فلم يبالِ وا�ستمر في �إ�صدار فتاواه (الم�ستق ّلة) تما�شي ًا مع متط ّلبات ع�صره‪،‬‬
‫وا�ستجابة الحتياجات مجتمعه‪ ،‬وذهب �إلى �أبعد من ذلك حيث �أفتى بعدم ح�صرية‬
‫الت�أ�صيل وتطوير االجتهاد برجال الدين فقط‪ ،‬كما ر�أى «� ّإن من حقّ ك ّل مثقف يمتلك‬
‫المعرفة الدينية من خالل �أ�صولها‪ ،‬ويمتلك اللغة العربية‪ ،‬ويمتلك الآفاق التي تتح ّرك‬
‫يف�